######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Sukkariyya.Hindawi18636847 #META# Tags: novels #META# ID: 18636847 #META# Title: السكرية #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # السكرية‏ # السكرية‏ # | السكرية # | السكرية # تأليف # نجيب محفوظ # | السكرية # 1 # تقاربت الرءوس حول المجمرة، وانبسطت فوق وهجها الأيدي. يدا أمينة ~~النحيلتان المعروقتان، ويدا عائشة المتحجرتان، ويدا أم حنفي ~~اللتان بدتا كغطاء السلحفاة، وأما هاتان اليدان الناصعتا البياض ~~الجميلتان فكانتا يدي نعيمة. وكان برد يناير يكاد يتجمد ثلجا ~~في أركان الصالة، تلك الصالة التي بقيت على حالها القديم بحصرها ~~الملونة وكنباتها الموزعة على الأركان، إلا أن الفانوس القديم ~~بمصباحه الغازي قد اختفى وتدلى مكانه من السقف مصباح كهربائي، ~~كذلك تغير المكان؛ فقد رجع مجلس القهوة إلى الدور الأول. بل ~~انتقل الدور الأعلى جميعه إلى هذا الدور تيسيرا للأب الذي لم يعد ~~قلبه يسعفه على ارتقاء السلم العالي. ثمة تغير أدرك أهل ~~البيت أنفسهم؛ فقد جف عود أمينة واشتعل رأسها شيبا، ومع أنها لم ~~تكد تبلغ الستين إلا أنها بدت أكبر من ذلك بعشر، ولكن تغير ~~أمينة كان لا شيء بالقياس إلى ما جرى لعائشة من تدهور وانحلال، ~~كان مما يدعو إلى السخرية أو الرثاء أن شعرها لم يزل مذهبا ~~وعينيها زرقاوان. ولكن هذه النظرة الخامدة لا توحي بحياة، وهذه ~~البشرة الشاحبة بأي مرض تنضح؟ وهذا الوجه الذي نتأت عظامه، وغارت ~~فيه العينان والوجنتان أهو وجه امرأة في الرابعة والثلاثين؟ وأما ~~أم حنفي فبدا أن الأعوام تتراكم عليها، ولا تنال من جوهرها. لم تكد ~~تمس لحمها وشحمها فتكاثفت كالغبار، أو كالقشور فوق جلدها وحول ~~رقبتها وثغرها، غير أن عينيها الساهمتين لاحتا مشاركتين لأهل البيت ~~في حزنهم الصامت. نعيمة وحدها بدت في هذه المجموعة كالوردة ~~المغروسة في حوش مقبرة، استوت شابة جميلة في السادسة عشرة من ~~عمرها، مجللة الرأس بهالة ذهبية، مزينة الوجه بعينين زرقاوين، ~~كعائشة في شبابها أو أفتن ملاحة، ولكنها كانت نحيفة رقيقة ~~كالخيال، تعكس عيناها نظرة وديعة حالمة تقطر طهارة وسذاجة وغرابة ~~عن هذا العالم، وكانت ملتصقة بمنكب أمها كأنها لا تود أن ~~تفارقها لحظة. وقالت أم حنفي، وهي تفرك يديها فوق المجمرة: سينزل ~~البناءون عن العمارة في هذا الأسبوع بعد ms001 عام ونصف من ~~العمل .. # فقالت نعيمة في نغمة ساخرة: عمارة عم بيومي ~~الشرباتلي .. # ارتفعت عينا عائشة عن المجمرة إلى وجه أم حنفي لحظة ولكنها لم ~~تعلق بكلمة، قد علموا في حينه بهدم البيت الذي كان يوما بيت ~~السيد محمد رضوان ثم إعادة بنائه عمارة مكونة من أربعة أدوار باسم ~~عم بيومي الشرباتلي، تلك الذكريات القديمة، مريم وياسين، ولكن ترى ~~أين مريم، وأم مريم وبيومي الشرباتلي الذي استولى على البيت ~~بالوراثة والشراء، أيام كانت الحياة حياة، والقلب ناعم البال! ~~وعادت أم حنفي تقول: أجمل ما فيها يا ستي دكان عم بيومي الجديدة؛ ~~ثريات ودندرمة وحلوى، كلها مرايا وكهرباء، والراديو ليل نهار، ~~يا عيني على حسنين الحلاق ودرويش بائع الفول والفولي اللبان ~~وأبو سريع صاحب المقلى وهم ينظرون من دكاكينهم البالية إلى دكان ~~زميلهم القديم وعمارته .. # فقالت أمينة، وهي تشبك الشال حول منكبيها: سبحان ربك ~~الوهاب .. # فعادت نعيمة تقول وهي تحيط عنق أمها بذراعيها: سد جدار العمارة ~~سطحنا من هذه الناحية، وإذا عمرت بالسكان فكيف نستطيع أن نمضي ~~الوقت فوق السطح؟ # لم يكن في وسع أمينة أن تتجاهل سؤالا توجهه حفيدتها الجميلة ~~مراعاة لخاطر عائشة قبل كل شيء فقالت: لا يهمك السكان، امرحي كيف ~~شئت .. # واسترقت النظر إلى عائشة؛ لترى وقع إجابتها اللطيفة؛ إذ إنها ~~باتت من شدة الخوف عليها وكأنما تخافها، ولكن عائشة كانت مشغولة ~~في تلك اللحظة بالتطلع إلى مرآة فوق نضد بين حجرة السيد ~~وحجرتها. لم تزايلها عادة التطلع إلى المرآة، وإن لم يعد لها معنى، ~~وبمرور الزمن لم يعد يروعها منظر وجهها الضحل، وكلما سألها صوت ~~باطني «أين عائشة زمان؟» أجابت دون اكتراث «وأين محمد وعثمان ~~وخليل؟» وكانت أمينة تلاحظ ذلك فينقبض قلبها، وسرعان ما يسري ~~الانقباض إلى أم حنفي التي اندمجت في الأسرة حتى ورثت عنها همومها. ~~ونهضت نعيمة إلى الراديو القائم ما بين حجرة الاستقبال وحجرة ~~السفرة وأدارت مفتاحه وهي تقول: ميعاد إذاعة الأسطوانات ~~يا ماما .. # وأشعلت عائشة سيجارة، وأخذت نفسا عميقا، وجعلت أمينة ترنو إلى ms002 ~~الدخان وهو ينبسط سحابة خفيفة فوق المجمرة. وانبعثت من الراديو ~~صوت يغني «يا عشرة الماضي الجميل يا ريت تعودي.» وعادت نعيمة إلى ~~مجلسها، وهي تحبك الروب حول جسمها. كانت - كأمها في الزمان الخالي ~~- تهوى الغناء. وهبت كيف تسمعه وكيف تحفظه وكيف تعيده بصوت ~~حسن. لم ينل من هذا الهوى شعورها الديني الذي غلب على كافة ~~مشاعرها؛ فهي تواظب على الصلاة، وتصوم رمضان مذ بلغت العاشرة. ~~وتحلم كثيرا بعالم الغيب، وترحب بغبطة لا حد لها بزيارة ~~الحسين إذا دعتها جدتها إليها، ولكنها في الوقت نفسه لم تقلع عن ~~حب الغناء؛ فهي تغني كلما خلت إلى نفسها في حجرتها أو في ~~الحمام. وكانت عائشة ترضى عن كل ما يصدر عن وحيدتها؛ الأمل ~~المضيء في أفقها المظلم، تعجب بتدينها كما تعجب بصوتها؛ وحتى عن ~~التصاق الفتاة بها - ذلك الالتصاق الذي بدا خارقا للحد - فهي ~~تشجعه وتحبه ولا تطيق أن تسمع عنه أية ملاحظة، بل هي تضيق ~~بالنقد عامة وإن هان وحسن القصد فيه. من ذلك أنه لم يكن لها من ~~عمل في البيت غير القعود وحسو القهوة والتدخين، فإذا دعتها أمها ~~إلى المشاركة في عمل - لا لحاجتها إلى مساعدتها ولكن لتخلق لها ما ~~تتسلى به عن أفكارها - امتعضت وقالت جملتها المشهورة: «أف .. ~~دعيني وشأني.» ولم تكن تسمح لنعيمة بأن تمد للعمل يدا، كأنما ~~كانت تخاف عليها أقل حركة، ولو أمكن أن تصلي نيابة عنها لفعلت ~~وكفتها جهد الصلاة، وكم من مرة حدثتها أمها في هذا الشأن ~~قائلة: إن نعيمة أصبحت «عروسا» وينبغي لها أن تلم بواجبات «ست ~~البيت»! فكانت تقول لها بصوت ينم عن الضجر: «ألا ترينها ~~كالخيال؟! أن ابنتي لن تتحمل أي جهد فدعيها وشأنها، لم يعد لي من ~~أمل في الدنيا سواها.» ولم تكن أمينة لتعيد القول. كان قلبها ~~يتقطع حزنا عليها، وتنظر إليها فتجدها مثالا مجسما لخيبة ~~الأمل، وترى وجهها التعيس الذي فقد كل معنى للحياة فتذهب نفسها ~~حسرات؛ لذلك أشفقت من مضايقتها؛ ولذلك اعتادت أن تتحمل ما قد ~~ينم ms003 عنها من جفاء في الرد أو قسوة في الملاحظة بصدر رحيب ~~وعطف سمح. لم يزل الصوت يغني: «يا عشرة الماضي الجميل ...» وجعلت ~~عائشة تدخن سيجارتها وتصغي إليه. هذا الغناء الذي كانت تحبه، ~~وما زالت تحبه، فالحزن واليأس لم يقتلا الإحساس به، بل لعلهما ~~قوياه في نفسها بما يردده عادة من معاني الشجن والحسرات، ولو أن ~~شيئا في الوجود ليس بمستطيع أن يعيد عشرة الماضي الجميل، بل ~~إنها لتتساءل أحيانا أكان هذا الماضي حقيقة لا حلما ولا خيالا؟ ~~إذن أين البيت العامر؟ وأين الزوج الكريم؟ وأين عثمان وأين محمد؟! ~~وهل لا يفصلها عن ذلك الماضي إلا ثمانية أعوام؟ ولم تكن أمينة ~~ترتاح إلى هذه الأغاني إلا في النادر. إن فضيلة الراديو الأولى في ~~نظرها أنه أتاح لها سماع القرآن الكريم والأخبار، أما الأغاني ~~فكانت تجزع عند تلقي معانيها الحزينة وتشفق على ابنتها من ~~سماعها حتى قالت مرة لأم حنفي: «أليس هذا هو النواح؟» كانت لا تني ~~عن التفكير في عائشة حتى كادت تنسى ما أخذ ينتابها هي من أعراض ~~الضغط ومتاعبه، ولم تكن تجد فرجة إلا في زيارة الحسين وغيره من ~~الأولياء، وشكرا للسيد الذي لم يعد يحجر عليها فتركها تنطلق إلى ~~بيوت الله كما تحب. لم تعد - هي أيضا - أمينة العهد الماضي. ~~غيرها كثيرا الحزن والتوعك. وقد فقدت مع الزمان مثابرتها ~~العجيبة على العمل وطاقتها الخارقة في التنسيق والتنظيف والتدبير؛ ~~ففيما عدا شئون السيد وكمال لم تكن تعنى بشيء. عهدت بحجرة الفرن ~~والمخزن لأم حنفي، قانعة بالإشراف وحده، وحتى الإشراف كانت تتهاون ~~فيه. وكانت ثقتها في أم حنفي لا حد لها؛ فليست هي بالغريبة عن ~~الدار وأهلها، ثم إنها شريكة العمر ورفيقة السراء والضراء، وقد ~~اندمجت في الأسرة حتى صارت قطعة منها، وتمثلت بكل قلبها ~~مسراتها وأحزانها. وساد الصمت حينا كأنما استأثر الغناء بوعيهم، ~~حتى قالت نعيمة: لمحت في الطريق اليوم صديقتي سلمى، كانت معي في ~~الابتدائية، وستتقدم العام المقبل في امتحان البكالوريا .. # فقالت عائشة بامتعاض: لو سمح جدك لك ms004 بالاستمرار في الدراسة ~~لتفوقت عليها .. ولكنه لم يسمح! # وفطنت أمينة لما أوحت به جملة: «ولكنه لم يسمح» من الاحتجاج ~~فقالت: جدها له آراؤه التي لا ينزل عنها، ترى أكنت ترحبين ~~باستمرارها في التعليم رغم ما في ذلك من تعب وهي العزيزة الرقيقة ~~التي لا تحتمل التعب؟! .. # فهزت عائشة رأسها دون أن تنبس. أما نعيمة فقالت بحسرة: وددت ~~لو أتممت تعليمي، كل البنات يتعلمن اليوم كالصبيان .. # فقالت أم حنفي باحتقار: يتعلمن لأنهن لا يجدن العريس، أما ~~الجميلة مثلك .. # فهزت أمينة رأسها موافقة، ثم قالت: وأنت متعلمة يا ست البنات. ~~حائزة على الابتدائية، ماذا تريدين أكثر من ذلك؟ ولست في حاجة إلى ~~الوظيفة، فلندع الله أن يقويك وأن يكسو جمالك الفتان بالعافية ~~واللحم والدهن. # فقالت عائشة بحدة: أريد لها العافية لا السمانة، السمانة من ~~العيوب خاصة في البنات، أمها كانت زين أيامها، ولم تكن ~~سمينة. # فابتسمت أمينة وقالت برقة: حقا أمك يا نعيمة كانت زين ~~أيامها .. # فقالت عائشة وهي تتنهد: ثم صارت عبرة الأيام! # فغمغمت أم حنفي: ربنا يفرحك بنعيمة .. # فقالت أمينة وهي تربت على ظهر نعيمة بحنان: آمين يا رب ~~العالمين .. # وعدن إلى الصمت، وإلى سماع الصوت الجديد الذي كان يغني: «أحب ~~أشوفك كل يوم»، وإذا بباب البيت يفتح ثم يغلق فقالت أم حنفي «سيدي ~~الكبير» وقامت مسرعة إلى الخارج لتضيء مصباح السلم. وما لبثن أن ~~سمعن دقات عصاه المعهودة. ثم تراءى عند مدخل الصالة فوقفن جميعا ~~في أدب. ووقف قليلا ينظر إليهن خلال أنفاسه المبهورة ثم قال: ~~«مساء الخير» فرددن في صوت واحد: «يسعد مساك»، وسبقت أمينة إلى ~~حجرته فأضاءتها، ومضى الرجل على أثرها في هالة من وقار الشيخوخة ~~البيضاء. وجلس كي يسترد أنفاسه. ولم تكن الساعة قد جاوزت التاسعة ~~مساء. ظلت أناقته كما كانت في الماضي، فالجبة الجوخ والقفطان ~~الشاهي والكوفية الحرير كالعهد القديم، أما هذا الرأس المرصع ~~بالبياض، والشارب الفضي، والجسم النحيل الذي خلا من سكانه، فكانت ~~جميعا - كعودته المبكرة - من طوارئ الزمن الجديد. ومن طوارئ هذا ~~الزمن ms005 أيضا سلطانية اللبن الزبادي والبرتقالة اللتان أعدتا ~~لعشائه، فلا خمر ولا مزة ولا لحوم ولا بيض، وإن بقي بريق عينيه ~~الزرقاوين الواسعتين آية على أن رغبته في الحياة لم تفتر ولم تهن. ~~ومضى يخلع ملابسه بمعاونة أمينة كالمعتاد، ثم ارتدى جلبابه الصوفي ~~وتلفع بالعباءة ولبس طاقيته ثم تربع على الكنبة. وقدمت له ~~صينية العشاء فتناوله دون حماس، ثم قدمت له أمينة قدحا مملوءا ~~حتى نصفه بالماء فأخذ زجاجة الدواء وسكب في القدح ست نقط، ثم ~~تجرعه بوجه مقطب متقزز، ثم تمتم: «الحمد لله رب العالمين.» طالما ~~قال له الطبيب إن الدواء مؤقت أما «الرجيم» فدائم، وطالما ~~حذره من الاستهتار أو الإهمال، فالضغط قد استفحل، والقلب قد ~~تأثر به. وأجبرته التجربة على الإيمان بتعليمات الطبيب بعد أن ~~عانى من الاستهانة بها ما عانى. فما من مرة خرج عن حده حتى ~~تداركه الجزاء، وأخيرا أذعن لحكمه، لا يأكل ولا يشرب إلا ما يسمح ~~به، ولا يسهر إلى ما بعد التاسعة، ولكن قلبه لم يتخل عن الأمل في ~~أن يسترد يوما - بقدرة قادر - صحته وأن ينعم بحياة طيبة هادئة، ~~وإن تكن حياة الماضي قد ولت إلى الأبد. وامتدت أذنه إلى الغناء ~~المترامي من الراديو في ارتياح، وكانت أمينة تحدثه من مجلسها فوق ~~الشلتة عن برد اليوم والمطر الذي انهمر في الضحى فلم يلق إليها ~~بالا وقال في سرور: قيل لي إنه ستذاع الليلة بعض الأغاني ~~القديمة .. # فابتسمت المرأة في ترحيب إذ كانت تحب هذا اللون من الغناء، ربما ~~متابعة لحب السيد له أكثر من أي شيء آخر. ولبث السرور متألقا في ~~عيني الرجل لحظات حتى أدركه فتور. لم يعد بمستطيع أن ينعم بشعور ~~سار دون تحفظ، أو دون أن ينقلب عليه فجأة فيستيقظ من حلمه ~~مرتطما بالواقع، الواقع يحدق به من جميع النواحي. أما الماضي ~~فحلم، فيم السرور وقد ولت إلى الأبد أيام الأنس والطرب ~~والعافية؟ وانطوى اللذيذ من المأكل والمشرب والهناء؟ وأين مسيره في ~~الأرض كالجمل وضحكته المجلجلة من الأعماق؟ وطلوع الفجر ms006 عليه وهو ~~ثمل بشتى المسرات؟! اليوم يقضى عليه بأن يعود من سهرته في ~~التاسعة كي ينام في العاشرة، والأكل والشرب والمشي بحساب دقيق ~~مسجل في دفتر الطبيب، وهكذا البيت الذي غشاه الزمن بالكآبة هو ~~قلبه ومقامه، وعائشة التعيسة شوكة في جنبه لا يستطيع أن يصلح ما ~~فسد من حياتها وهيهات أن يطمئن على حالها. أليس قد ينكشف عنها ~~الغد وحيدة بائسة بلا أب ولا أم؟ وما يعانيه من قلق على صحته هو ~~المهددة بالمضاعفات، وأخوف ما يخاف أن تخونه قواه فيلزم الفراش ~~كالميت وليس بميت مثل الكثيرين من أصدقائه وأحبائه، وهذه ~~الأفكار التي تحوم حوله كالذباب فيستعيذ بالله من شرها، أجل ~~ينبغي أن يسمع الأغاني القديمة ولو لينام على الأنغام .. ~~- اتركي الراديو مفتوحا حتى لو نمت .. # فهزت رأسها بالإيجاب باسمة، فعاد يقول متنهدا: ما أشق ~~السلم علي! ~~- استرح يا سيدي عند كل بسطة .. ~~- لكن جو السلم شديد الرطوبة، ما ألعن هذا الشتاء .. «ثم ~~متسائلا» .. أراهن على أنك زرت الحسين كالعادة رغم هذا ~~البرد .. # فقالت في حياء وارتباك: في سبيل زيارته يهون كل صعب ~~يا سيدي .. ~~- الحق علي وحدي! # فقالت في استرضاء: إني أطوف بالضريح الطاهر، وأدعو لك بالصحة ~~والعافية. # ما أمس حاجته إلى صادق الدعاء، فكل طيب يدبر عنه، حتى الدش ~~البارد الذي اعتاد أن ينعش به جسده كل صباح حرم عليه لخطورته - ~~فيما قيل - على حال شرايينه، وإذا صار كل طيب ضارا فليرحمنا ~~الله، ومضى وقت قصير ثم ترامت إلى الحجرة صفقة باب البيت وهو ~~يغلق فرفعت أمينة عينيها متمتمة: «كمال!» ولم تكد تمر دقائق حتى ~~دخل كمال الحجرة في معطفه الأسود الذي نم على نحافته وطوله، ~~يتطلع إلى أبيه خلال نظارته الذهبية، وقد أضفى عليه شاربه المربع ~~الغزير الأسود وقارا ورجولة. انحنى على يد والده مسلما فدعاه إلى ~~الجلوس وهو يسأله كالعادة باسما: أين كنت يا أستاذ؟ # وكان كمال يحب هذه اللهجة الودية اللطيفة التي لم يحظ بها إلا ~~بعد عمر طويل، فأجاب وهو يجلس على الكنبة: كنت ms007 في القهوة مع ~~الأصحاب. # ترى أي نوع من الأصحاب؟ بيد أنه يبدو جادا رزينا وقورا ~~أكثر من سنه، ثم إن أكثر لياليه تقضى في مكتبته، شتان ما بينه ~~وبين ياسين، وإن كان لكل آفته. وعاد يسأله باسما: أشهدت اليوم ~~المؤتمر الوفدي؟ ~~- نعم، وسمعنا خطبة مصطفى النحاس، كان يوما مشهودا. ~~- قيل لنا إنه كان حدثا عظيما، ولكني لم أستطع حضوره فنزلت عن ~~بطاقة الدعوة إلى أحد الأصدقاء، لم تعد الصحة تحتمل ~~التعب .. # فداخل كمال العطف وتمتم: ربنا يقويك .. ~~- ألم تقع حوادث؟ ~~- كلا مر اليوم بسلام، واكتفى البوليس بخلاف عادته ~~بالمراقبة .. # فهز الرجل رأسه في ارتياح، ثم قال في لهجة ذات معنى: نعود إلى ~~موضوعنا القديم، أما زلت عند رأيك الخاطئ عن الدروس ~~الخصوصية؟! # لم يزل يشعر بالارتباك والحرج كلما وجد نفسه مضطرا إلى إعلان ~~مخالفته لرأي والده، فقال برقة: لقد انتهينا من هذا ~~الموضوع! ~~- في كل يوم يطلب إلي أصدقاء أن تعطي دروسا خصوصية لأبنائهم، ~~لا ترفض الرزق الحلال، إن الدروس الخصوصية مصدر رزق واسع ~~للمدرسين، والذين يطلبونك من أعيان الحي .. فلم ينبس كمال بكلمة ~~وإن نطق وجهه بالرفض المؤدب، فعاد الرجل يقول متأسفا: تأبى هذا ~~كي تضيع وقتك في قراءة لا نهاية لها وكتابة بلا أجر، أيصح هذا من ~~عاقل مثلك؟ # وهنا خاطبت أمينة كمال قائلة: ينبغي أن تحب المال كما تحب العلم ~~(ثم موجهة الخطاب إلى السيد وهي تبتسم في خيلاء): إنه كجده لا ~~يعدل بحب العلم شيئا. # فقال السيد متأففا: رجعنا إلى جده! .. يعني كان الإمام محمد ~~عبده؟! # ومع أنها لم تعرف شيئا عن الإمام إلا أنها قالت بحماس: لم لا ~~يا سيدي؟! كان كل الجيران يقصدونه في شئون دينهم ودنياهم! # فغلبت روح الفكاهة على السيد فقال ضاحكا: مثله الآن كل عشرة ~~بقرش! # واحتج وجه المرأة دون لسانها. وابتسم كمال بعطف وارتباك، ~~واستأذن في الانصراف ثم غادر الحجرة. وفي الصالة اعترضت نعيمة ~~سبيله لتريه فستانها الجديد، وذهبت لتجيء به، فجلس إلى جانب عائشة ~~ينتظر. كان - كبقية أهل البيت ms008 - يجامل عائشة في شخص نعيمة، ولكنه ~~إلى هذا كان معجبا بالفتاة الحسناء إعجابه بأمها قديما. وجاءت ~~نعيمة بالفستان فبسطه على يديه وراح يتفحصه وهو يبدي الإعجاب، ~~وكان يتأمل صاحبة الفستان بعطف وحب، مأخوذا بجمالها البديع ~~الهادئ الذي اكتسى من صفائها ورقتها نورانية ذات بهاء. ومضى عن ~~المكان بقلب لا يخلو من شجن، إن مصاحبة أسرة حتى شيخوختها لمما ~~يحزن. ليس مما يهون أن يرى أباه في وهنه بعد سطوة وجبروت أو يرى ~~ذبول أمه وتواريها وراء الكبر، أو يرى انحلال عائشة وتدهورها، هذا ~~الجو المشحون بنذر التعاسة والنهاية. ورقي في السلم إلى الدور ~~الأعلى - شقته كما يسميه - حيث يعيش منفردا بين حجرة نومه ~~ومكتبته المطلتين على بين القصرين. وخلع ملابسه ومضى مرتديا ~~جلبابه متلفعا بالروب إلى المكتبة، وكانت مكونة من مكتب كبير ~~فيما يلي المشربية وصفين من خزانات الكتب على جانبيها. وكان يريد ~~أن يقرأ فصلا على الأقل في كتاب «منبعا الدين والأخلاق» لبرجسون، ~~وأن يراجع مراجعة أخيرة مقاله الشهري لمجلة «الفكر» الذي اتفق أن ~~كان عن البراجمتزم. هذه السويعات الموهوبة للفلسفة، التي تمتد ~~حتى منتصف الليل، هي أسعد أوقات يومه، وهي التي يشعر فيها - على ~~حد تعبيره - بأنه إنسان، أما بقية اليوم الذي ينقضي في عمله ~~كمدرس بمدرسة السلحدار الابتدائية أو في إشباع شتى مطالب الحياة ~~الضرورية، فمداره الحيوان الكامن فيه، المستهدف أبدا تأمين ذاته ~~وتحقيق شهواته. ولم يكن يحب عملة الرسمي ولا يحترمه، ولكنه لم ~~يعلن سخطه، خاصة في بيته، أن يشمت به الشامتون، ومع ذلك فقد كان ~~مدرسا ممتازا حائزا للتقدير، وكان الناظر يعهد إليه ببعض النشاط ~~المدرسي، حتى رمى نفسه متفكها بالعبودية، أليس هو العبد ذي يتقن ~~العمل الذي لا يحبه؟! والحق أن ولعه بالتفوق الذي اعتاده منذ الصغر ~~هو الذي دفعه إلى الاجتهاد والامتياز دفعا لا هوادة فيه. وقد ~~صمم من بادئ الأمر على أن يكون شخصية محترمة بين التلاميذ ~~والمدرسين فكان له ما أراد، بل كان شخصية محترمة ومحبوبة معا، ~~رغم رأسه وأنفه العظيمين ms009 .. ولا شك أنه كان لهما - رأسه وأنفه - أو ~~كان لإحساسه الأليم بهما الفضل الأول في هذا التصميم القوي الذي ~~خلق منه هذه الشخصية المهابة. كان يعلم بأن رأسه وأنفه سيثيران من ~~حوله الفتن فاستل عزمه ليرد عنهما وعنه كيد العابثين. أجل لم ~~ينج أحيانا من غمز وتعريض في أثناء الدرس أو في ملعب المدرسة، ~~فكان يلقى الهجوم بحزم شديد، ثم يلطفه بعطفه المطبوع، إلى ما أثر ~~عنه من مقدرة في الشرح والتفهيم، وما يأخذ فيه بين آونة وأخرى من ~~موضوعات طريفة حماسية تمس القومية أو ذكريات الثورة، كل أولئك ~~جعله يستميل إليه «الرأي العام» بين التلاميذ، وكان ذلك - إلى حزمه ~~المتوثب عند الضرورة - كفيلا بالقضاء على الفتن في مهدها! ولشد ~~ما آلمه أول الأمر الغمز الجارح، ولشد ما استثار المنسي من ~~أحزانه، بيد أنه سر آخر الأمر بالمنزلة الرفيعة التي بات ~~يحتلها في نفوس الصغار الذين كانوا يتطلعون إليه بإعجاب وحب ~~وإجلال. وواجهته مشكلة أخرى تتعلق بمقالاته الشهرية في مجلة ~~«الفكر» وكان يخاف هذه المرة الناظر والمدرسين أن يسألوه عما ~~يعرض فيها من فلسفات قديمة وحديثة تنقد أحيانا العقائد والأخلاق ~~بما لا يتفق ومسئولية «المدرس» ولكن من حسن الحظ أن أحدا من ~~المسئولين لم يكن بين قراء «الفكر»، ثم تبين له بعد ذلك أن ~~المجلة لا تطبع أكثر من ألف نسخة يصدر نصفها إلى البلاد ~~العربية، فشجعه ذلك على الكتابة إليها وهو آمن على نفسه ~~ووظيفته. في هذه السويعات القلائل ينقلب «مدرس اللغة الإنجليزية ~~بالسلحدار الابتدائية» سائحا حرا يجوب أجواء لا تحد من الفكر، ~~فيقرأ ويتأمل ويدون الملاحظات التي يجمعها بعد ذلك، في مقالاته ~~الشهرية، تحثه على جهاده الرغبة في المعرفة وحب الحقيقة وروح ~~المغامرة النظرية والحنين إلى العزاء والتخفيف من جو الكآبة الذي ~~يغشاه والشعور بالوحدة الذي يستكن في أعماقه. قد يلوذ من الوحشة ~~بوحدة الوجود عند سبينوزا، أو يتعزى عن هوان شأنه بالمشاركة في ~~الانتصار على الرغبة مع شوبنهور، أو يهون من إحساسه بتعاسة عائشة ~~بجرعة من فلسفة ms010 ليبنتز في تفسير الشر، أو يروي قلبه المتعطش إلى ~~الحب من شاعرية برجسون، بيد أن جهاده المتواصل لم يجد في ~~تقليم مخالب الحيرة التي تبلغ حد العذاب، فالحقيقة معشوق ليس ~~دون المعشوق الآدمي دلالا وتمنعا ولعبا بالعقول وإثارة للشك ~~والغيرة مع إغراء عنيف بالتملك والوصال، وهي كالمعشوق الآدمي ~~عرضة لأن تكون ذات وجوه وأهواء وتقلبات، ولا تخلو في كثير من ~~الأحايين من مكر وخداع وقسوة وكبرياء، وكان إذا ركبته الحيرة ~~وأعياه الجهد يقول متعزيا: «قد أكون معذبا حقا ولكنني حي، ~~إنسان حي، ولن تكون حياة الإنسان الخليقة بهذا الاسم بلا ~~ثمن!» # 2 # مراجعة الدفاتر وضبط الحسابات وتسوية ميزانية اليوم السابق، كل ~~ذلك كان أحمد عبد الجواد يؤديه على خير الوجوه وبالدقة المعهودة ~~فيه من قديم غير أنه يؤديه اليوم بمشقة لم يكن يجدها من قبل أن ~~يركبه العمر والمرض. وكان منظره وهو منكب على دفاتره تحت لافتة ~~البسملة، وشاربه الفضي يكاد يختفي تحت أنفه الكبير الذي زاده ~~ضمور الوجه ضخامة، كان ذلك المنظر مما يستحق العطف، غير أن منظر ~~وكيله ومساعده جميل الحمزاوي الذي كان يهدف إلى السبعين كان مما ~~يستحق الرثاء. ولم يكن يفرغ من زبون حتى يتهالك على مقعده، وهو ~~يلهث، فكان أحمد يقول لنفسه في شيء من الامتعاض: «لو كنا موظفين ~~لأغنانا المعاش في مثل سننا من الكد والعمل!» ورفع السيد رأسه عن ~~الدفتر وهو يقول: ما زالت الحالة متأثرة بعض الشيء بالأزمة ~~الاقتصادية .. # فارتسم الامتعاض على شفتي الحمزاوي الباهتتين وقال: بدون شك، ~~غير أن هذا العام خير من العام السابق. والعام السابق خير من ~~الذي قبله، الحمد لله على أي حال .. # عام 1930 وما تلاه من أعوام، تلك الفترة التي كان التجار من ~~أصحابها يسمونها أيام الرعب، حين استبد إسماعيل صدقي بالحياة ~~السياسية وسيطر القحط على الحياة الاقتصادية، وكانوا يصبحون ويمسون ~~على أخبار الإفلاس والتصفيات، ويقبلون الأكف وهم يتساءلون عما ~~يخبئ لهم الغد، وقد كان من المحظوظين بغير شك لأن ضيقته له تبلغ ~~به الإفلاس الذي ms011 تهدده عاما بعد عام. ~~- أجل، الحمد لله على أي حال .. # ووجد جميل الحمزاوي يرنو إليه بنظرة غريبة، فيها تردد وحرج، ~~ماذا عنده يا ترى؟ وقام الرجل فقرب مقعده من المكتب ثم جلس وهو ~~يبتسم في ارتباك. وكان البرد قاسيا رغم سطوع الشمس، وكان للهواء ~~حملات قوية ارتجت لها الأبواب والنوافذ وتعالى الصفير. قال السيد ~~وهو يعتدل في جلسته: هات ما عندك، إني موقن بأنك ستقول شيئا ~~هاما. # فخفض الحمزاوي عينيه وقال: موقفي لا أحسد عليه، ولا أدري كيف ~~أتكلم .. # فقال السيد مشجعا: ولكني عاشرتك أكثر مما عاشرت أهلي فتستطيع ~~أن تفضي إلي بكل ما في نفسك .. ~~- العشرة هي التي تصعب علي يا سي السيد .. ~~- العشرة؟! # لم يخطر له هذا على بال .. ~~- أتريد؟ .. حقا! # قال الحمزاوي بحزن: آن لي أن أعتزل، الله لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها .. # وانقبض قلب السيد، فاعتزال الحمزاوي للعمل ليس إلا نذيرا له ~~بالاعتزال، كيف ينهض بأعباء العمل في دكانه وهو على ما هو عليه ~~من مرض وكبر؟ ونظر إلى وكيله في حيرة فعاد الرجل يقول متأثرا: ~~إني آسف جدا، ولكني لم أعد أطيق العمل، ولى ذلك الزمان، غير ~~أني دبرت الأمر فلن أتركك وحدك، سيملأ مكاني من هو أقدر ~~مني .. # إن ثقته في أمانة الحمزاوي قد رفعت عن كاهله نصف متاعبه، فكيف ~~يعود ابن الثالثة والستين إلى ملازمة الدكان من طلعة الشمس إلى ~~مغيبها؟ قال: ولكن اعتزال العمل والقبوع في البيت يسرعان بالإنسان ~~إلى التدهور، ألا ترى هذا في أصحاب المعاشات من الموظفين؟ # فقال جميل الحمزاوي باسما: التدهور موجود قبل الاعتزال. # وضحك السيد فجأة كأنما ليداري الحرج الذي شعر به مقدما قبل أن ~~يقول له: يا عجوز يا مكار، أنت تهجرني تلبية لإلحاح ابنك ~~فؤاد .. # فهتف الحمزاوي متأثرا: معاذ الله، إن حالتي الصحية لا تخفى على ~~أحد، وهي السبب الأول والأخير .. # من يدري؟ فؤاد وكيل نيابة ومثله لا يرتاح لبقاء أبيه عاملا ~~بسيطا في دكان ولو كان صاحب الدكان هو الذي مهد له السبيل؛ ~~ليتبوأ مركزه ms012 في النيابة. ولكنه شعر بأن تصريحه قد آلم وكيله الطيب ~~فتراجع متسائلا في لطف: متى ينقل فؤاد إلى القاهرة؟ ~~- في صيف هذا العام أو في صيف العام القادم على الأكثر .. # ومضت فترة سكون مشحونة بالحرج حتى قال الحمزاوي مجاريا السيد ~~في لطفه: وإذا أقام معي في القاهرة وجب التفكير في تزويجه، أليس ~~كذلك يا سي السيد؟ إنه ابني الوحيد على سبع بنات، ولا بد من ~~تزويجه، وكلما فكرت في ذلك جرت في خاطري الآنسة المهذبة ~~حفيدتك .. # واسترق إلى وجه السيد نظرة استطلاع ثم تمتم: لسنا قد المقام ~~طبعا .. # فلم يسع السيد إلا أن يقول: أستغفر الله يا عم جميل، نحن أخوان ~~من قديم الزمن .. # ترى أحرضه فؤاد على جس النبض؟ وكيل نيابة شيء عظيم والعبرة في ~~الأصل بالطيبة، ولكن أهذا وقت التحدث في الزواج؟ ~~- حدثني أولا أأنت مصمم على اعتزال العمل؟ # وجاءه صوت من باب الدكان يقول: يا ألف صباح الخير .. # فابتسم السيد بدافع المجاملة رغم استيائه لانقطاعه عن الموضوع ~~الذي يهمه، وقال: أهلا وسهلا .. (ثم وهو يشير إلى المقعد الذي ~~أخلاه الحمزاوي): تفضلي .. # جلست زبيدة بجسم قد ترهل، ووجه قد تقنع بالأصباغ، أما ~~الحلي فلم يعد لها أثر في عنقها أو أذنيها أو ساعديها، ولا للجمال ~~القديم مكان، وجعل السيد يرحب بها كعادته مع كل زائر لا أكثر، ~~أما قلبه فلم يرتح للزيارة، فما من مرة تجيئه إلا وترهقه بالمطالب. ~~سألها عن الصحة فأجابت وهي لا تعني شيئا: «الحمد الله.» وقال لها ~~بعد هنيهة صمت .. أهلا .. أهلا، فابتسمت شاكرة ولكن بدا أنها ~~استشعرت الفتور الكامن في مجاملاته. وضحكت متجاهلة الجو الذي ~~يكتنفها، وكانت الأيام قد علمتها البرود، ثم قالت: لا أحب أن ~~أضيع وقتك، وأنت مشغول، ولكنك أنبل من عرفت في حياتي، فإما أن ~~تمدني بسلفة أخرى، وإما أن تجد لبيتي شاريا ويا حبذا لو تكون أنت ~~الشاري! # فقال أحمد عبد الجواد متنهدا: أنا؟! يا ليت، الزمن غير الزمن ~~يا سلطانة. طالما صارحتك بالحقيقة ولكن يبدو أنك لا تصدقين ms013 ~~يا سلطانة .. # فضحكت ضحكة دارت بها خيبة أملها وقالت: السلطانة مفلسة، فما ~~العمل؟ ~~- في المرة السابقة أعطيتك ما قدرت عليه، ولكن الحال لا يسمح ~~بتكرار ذلك .. # فتساءلت في قلق: ألا يمكن أن تجد لبيتي شاريا؟ ~~- سأبحث لك عن شار، أعدك بذلك. # فقالت ممتنة: هذا ما ينتظر منك يا سيد الكرماء، (ثم بلهجة ~~حزينة): ليست الدنيا وحدها التي تغيرت ولكن الناس تغيروا أكثر، ~~سامح الله الناس، في أيام العز كانوا يستبقون إلى تقبيل حذائي. ~~والآن إذا لمحوني على جانب من الطريق مالوا إلى الجانب ~~الآخر. # لا بد أن يتنكر للإنسان شيء، بل أشياء، الصحة أو الشباب أو ~~الناس، أما أيام العز، أيام الأنغام والحب فأين هي؟! ~~- ومن ناحية أخرى فأنت يا سلطانة لم تعملي للأيام حسابها. # فتنهدت آسفة وهي تقول: نعم، لست كأختك جليلة التي تتاجر ~~بالأعراض، وتقتني المال والبيوت، وفضلا عن ذلك فقد ابتلاني الله ~~بأولاد الحرام حتى بلغ الفجر بحسن عنبر أنه كان يبيعني شمة ~~الكوكايين - عندما ندر في الأسواق - بجنيه! ~~- لعنه الله! ~~- حسن عنبر؟ .. ألف لعنة! ~~- بل الكوكايين. ~~- والله الكوكايين أرحم من الإنسان. ~~- لا .. لا، من المحزن حقا أنك وقعت في شره. # فقالت بتسليم وقنوط: هد حيلي وضيع مالي، ما علينا، متى تجد لي ~~شاريا؟ ~~- إن شاء الله عند أول فرصة. # فقالت في عتاب وهي تنهض: اسمع، إذا زرتك في المرة القادمة ~~فابتسم من قلبك، كل إساءة تهون إلا التي تجيئني من ناحيتك، أنا ~~عارفة أني أضايقك بمطالبي ولكني في ضيق لا يعلم به إلا الله، ~~وأنت أنبل الناس في نظري. # فقال لها معتذرا: لا تتوهمي ما ليس في، الأمر أني كنت مشغولا ~~بمسألة هامة عند قدومك، وهموم التجار لا تنتهي كما ~~تعلمين! ~~- رفع الله عنك الهموم. # فحنى رأسه شاكرا وهو يوصلها، ثم ودعها قائلا: أهلا بك من ~~القلب في كل حين .. # ولمح في عينيها نظرة خابية تفيض غما فرق لها، وعاد إلى ~~مجلسه منقبض الصدر فالتفت إلى جميل الحمزاوي وقال: دنيا .. ~~- كفاك شرها وأطعمك خيرها. # غير أن ms014 نبرات الحمزاوي قست وهو يستدرك قائلا: ولكنها عاقبة ~~عادلة لامرأة مستهترة! # فهز أحمد عبد الجواد رأسه هزة مقتضبة سريعة كأنما يعلن بها ~~احتجاجا صامتا على قسوة هذه الموعظة، ثم سأله بصوت رجع به إلى ~~النغمة التي قطعها مجيء زبيدة: ألا تزال مصمما على رأيك في ~~هجرنا؟ # فقال الرجل في حرج: ليس هجرا ولكنه تقاعد، وأنا آسف من كل ~~قلبي. ~~- كلام كالذي داريت به زبيدة منذ دقيقة! ~~- أستغفر الله، إني أتكلم من قلبي، ألا ترى يا سيدي أن الكبر ~~يكاد يعجزني؟ # ثم دخل الدكان زبون فمضى الحمزاوي إليه، وإذا بصوت عتيق يتعالى ~~من الباب قائلا في لهجة الغزل: من هذا الذي يجلس وراء المكتب ~~كالقمر؟! # بدا الشيخ متولي عبد الصمد في جلباب خشن رث لا لون له، ومركوب ~~متفزز، معصوب الرأس بتلفيعة من وبر، مستند القامة على عكاز، وكان ~~يرمش بعينيه الحمراوين مسددا بصره نحو الجدار الملاصق لمكتب ~~السيد، وهو يظن أنه يسدده نحوه. فابتسم السيد رغم همه قائلا: ~~تعال يا شيخ متولي، كيف حالك؟ # فكشف الرجل عن فم لم يبق فيه ناب واحد وهو يهتف: يا ضغط زل، ~~يا صحة عودي إلى سيد الناس .. # وقام السيد فاتجه نحوه فاعتدل بصر الشيخ إليه ولكنه تراجع في ~~الوقت نفسه كالهارب، ثم جعل يدور حول نفسه مشيرا إلى الجهات ~~الأربع وهو يصيح: «من هنا تفرج .. ومن هنا تفرج .. ومن هنا تفرج .. ~~ومن هنا تفرج.» ثم إلى الطريق قائلا: ليس اليوم، غدا، أو بعد غد، ~~قل الله أعلم .. ومشى في خطوات واسعة لا يناسب نشاطها مظهره ~~البالي. # 3 # يوم الجمعة رجعت الفروع إلى الأصل وعمر البيت القديم بالأبناء ~~والأحفاد؛ ذلك تقليد سعيد لم ينقطعوا عنه. ولم تعد أمينة «بطلة» ~~يوم الجمعة كما كانت قديما؛ فأم حنفي تبوأت المركز الأول في ~~المطبخ، ولم تكن أمينة تني عن تذكير القوم بأن أم حنفي تلميذتها؛ ~~فإن غرامها بالثناء كان يتشجع على الإفصاح عن ذاته كلما شعرت ~~بقلة استحقاقها له، إلى أن خديجة - رغم أنها في حكم الضيفة ms015 - لم ~~تقصر في إهداء معونتها. وقبيل ذهاب السيد إلى الدكان التف به ~~الضيوف، إبراهيم شوكت وابناه عبد المنعم وأحمد، وياسين وابناه رضوان ~~وكريمة، يكتنفهم ذلك الخشوع الذي يجعل من ضحكهم ابتساما ومن ~~حديثهم همسا. وكان السيد يجد في حضورهم سرورا يزداد تعلقا به ~~كلما تقدم به العمر، فعتب على ياسين انقطاعه عن زيارته في الدكان ~~اكتفاء بزيارة يوم الجمعة، ألا يريد هذا البغل أن يفهم أنه يتوق ~~إلى رؤيته كل حين؟ وابنه رضوان جميل المحيا ذو العينين المكحولتين ~~والبشرة الوردية الذي يعكس جماله ألوانا متنوعة تذكره مرة ~~بياسين ومرة بهنية أم ياسين وثالثة بصديقه الحبيب محمد عفت فهذا ~~أحب الأحفاد إلى قلبه، وكريمة أخته مصغر شابة في الثامنة من عمرها ~~سوف تنضج نضجا عجيبا كما تشهد عيناها السوداوان - عينا زنوبة ~~أمها - اللتان يبسم لهما خاطره ابتسامة ندية بالحياء والذكريات. ~~أما عبد المنعم وأحمد فحسبه أن يرى في وجهيهما قدرا لا يستهان به ~~من أنفه العظيم كما يرى عيني خديجة الصغيرتين، غير أنهما أجرأ من ~~الآخرين في مخاطبته، وكلهم - هؤلاء الأحفاد - يشقون طريق دراستهم ~~بنجاح يدعو إلى الفخار، لكنهم يبدون مشغولين بأنفسهم عن جدهم؛ فمن ~~جهة يعزونه بأن حياته لم ولن تنقطع ومن ناحية أخرى يذكرونه بأن ~~شخصه يتراجع رويدا عن مركز الاهتمام الذي كان يستأثر به، ولم يكن ~~ذلك ليحزنه، فإن الإيغال بالعمر يجيء بالحكمة كما يجيء بالوهن ~~والمرض. ولكن هيهات أن يمنع ذلك الذكريات من أن تتدفق، عندما كان ~~مثل هؤلاء في مطلع العمر، وعندما كان العام 1890، وكان يتعلم ~~قليلا ويلهو كثيرا ما بين مغاني الجمالية ومرتاد الأزبكية، وفي ~~ركابه يجري محمد عفت وعلي عبد الرحيم وإبراهيم الفار، وكان أبوه يملأ ~~الدكان نفسها، يزجر وحيده قليلا، ويرق له كثيرا، وكان العمر ~~صفحة مطوية مكتظة بالآمال، ثم كانت هنية .. ولكن مهلا! لا ~~ينبغي أن تستخفه الذكريات. # وقام ليصلي العصر فكان ذلك إيذانا بالانصراف، ثم ارتدى ملابسه ~~ومضى إلى الدكان، وتجمعوا هم في مجلس القهوة حول مجمرة الجدة، في ~~جو التلاقي ms016 والسمر. احتلت الكنبة الرئيسية أمينة وعائشة ونعيمة، ~~أما الكنبة اليمنى فجلس عليها ياسين وزنوبة وكريمة، وعلى الكنبة ~~اليسرى قعد إبراهيم شوكت وخديجة وكمال، على حين اتخذ رضوان ~~وعبد المنعم وأحمد مجالسهم على كراسي توسطت الصالة تحت المصباح ~~الكهربائي. وكان إبراهيم شوكت، كعادته التي لم يغيرها الزمن، ~~ينوه بألوان الطعام التي أعجبته، غير أن تنويهه اقتصر في الأعوام ~~الأخيرة على فضل الأستاذة على تلميذتها النجيبة. وكانت زنوبة تعيد ~~ثناءه كالصدى فإنها لم تكن تهمل فرصة يمكن أن تتودد بها إلى أحد ~~من أهل زوجها. والحق أنها مذ فتحت لها أبواب آل زوجها، وأتيحت لها ~~مخالطتهم وهي تعمل بلباقة فائقة على توثيق علاقتها بهم، لأنها ~~عدت ذلك اعترافا بمكانتها بعد أن انقضت أعوام وهي تعيش في عزلة ~~كالمنبوذة. # وكان موت وليد لياسين السبب الحقيقي في زيارة أهله لبيته ~~للتعزية، فصافحت يدها أيديهم لأول مرة مند زواجها، وتشجعت بذلك ~~فزارت السكرية، ثم زارت بين القصرين عند اشتداد المرض على السيد، ~~بل أقدمت على زيارته في حجرته. فتقابلا كشخصين جديدين لا تاريخ ~~مشتركا بينهما. هكذا اندمجت زنوبة في آل أحمد حتى غدت تخاطب ~~أمينة فتقول لها يا تيزة وتنادي خديجة فتقول لها يا أختي، وبدت ~~دائما مثالا للاحتشام، وعلى خلاف نساء الأسرة أنفسهن تجنبت ~~التبرج خارج بيتها، حتى بدت أكبر من سنها؛ إذ بادر الذبول إلى ~~جمالها قبل الأوان، فلم تصدق خديجة أبدا أنها في السادسة ~~والثلاثين، ولكنها استطاعت أن تفوز من الجميع بشهادة طيبة لها ~~حتى قالت عنها أمينة يوما: «لا شك أن أصلها طيب، ربما أصلها ~~البعيد، فليكن، ولكنها بنت حلال، هي الوحيدة التي عمرت مع ~~ياسين!» وبدت خديجة في شحمها ولحمها أضخم من ياسين نفسه، ولم تكن ~~تنكر أنها سعيدة بذلك، كما كانت سعيدة بعبد المنعم وأحمد وحياتها ~~الزوجية الموفقة عامة، بيد أنها لم تكف يوما عن التشكي اتقاء ~~العين. وقد تغيرت معاملتها لعائشة تغيرا كليا فلم تند عنها ~~لها طوال ثمانية أعوام كلمة واحدة تنم عن سخرية أو خشونة ولو ms017 ~~على سبيل الممازحة، بل حرصت الحرص كله على الترفق بها والتودد ~~إليها وملاطفتها، خشوعا حيال تعاستها وخوفا من الأقدار التي قضت ~~عليها بما قضت، وإشفاقا من أن تضع المرأة المحزونة حظيهما موضع ~~المقارنة، وقد وقفت موقفا كريما يوم حتمت على إبراهيم شوكت أن ~~ينزل عن حقه المشروع في ميراث أخيه المتوفى لنعيمة فآل الميراث كله ~~لعائشة وكريمتها دون شريك. وأملت خديجة أن يذكر صنيعها في حينه ~~ولكن عائشة استغرقها ذهول غيب عنها كرم أختها فلم يقعد ذلك ~~بخديجة عن غمرها بالعطف والرحمة والتسامح كأنما انقلبت أما أخرى ~~لها، ولم تكن تطمع في أكثر من رضائها ومودتها كي تطمئن على أسباب ~~التوفيق التي هيأها لها الله. وأخرج إبراهيم شوكت علبة سجائره ~~وقدمها لعائشة فتناولت سيجارة شاكرة، وتناول أخرى، وراحا ~~يدخنان. كثيرا ما يكون إفراط عائشة في التدخين وتعاطي القهوة ~~ملتقى ملاحظات وإن تكن تقابل منها عادة بهز الكتفين، أما أمها ~~فتقنع بأن تقول في لهجة الدعاء: «ربنا يصبرها»، وأما ياسين فكان ~~أجرأ الأهل في نصحها؛ كأنما قد أهله لذاك فقد وليده. غير أن ~~عائشة لم تكن تعده مصابا مثلها وتضن عليه بمكانة مرموقة في ~~دولة المبتلين؛ إذ إن ابنه مات وهو دون العام لا كعثمان أو محمد. ~~والواقع أن حديث المصائب، كان يبدو كثيرا هوايتها المفضلة؛ كأنما ~~كانت تعتز بدرجتها الممتازة في دنيا الشقاء. واستمع كمال إلى ما ~~يدور من حديث عن المستقبل بين رضوان وعبد المنعم وأحمد فأرهف السمع ~~باسما، وكان رضوان ياسين يقول: كلنا من القسم الأدبي، فليس أمامنا ~~من كلية جديرة بالاختيار إلا الحقوق. # فأجابه عبد المنعم إبراهيم شوكت بصوته القوي المفعم بنبرات ~~التوكيد، وكان يهز رأسه الضخم الذي جعله أقرب الشبان شبها إلى ~~كمال: مفهوم .. مفهوم، ولكنه لا يريد أن يفهم؟ # وأومأ عند عبارته الأخيرة إلى أخيه أحمد الذي ارتسمت على شفتيه ~~ابتسامة ساخرة، فانتهز إبراهيم شوكت الفرصة وقال مشيرا إلى أحمد ~~أيضا: ليدخل الآداب إذا شاء ولكن عليه أن يقنعني بقيمتها، أنا ~~أفهم الحقوق ولكنني لا ms018 أفهم الآداب! # وغض كمال بصره فيما يشبه الأسى؛ إذ عاودته أصداء نقاش قديم عن ~~الحقوق والمعلمين: إنه ما زال يتنفس في جو الآمال القديمة، ~~بيد أن الحياة تجبهه بصدمات قاسية كل يوم، فوكيل النيابة ~~مثلا لا يحتاج إلى تعريف؛ أما كاتب مقالات مجلة «الفكر»، فربما ~~احتاج إلى تعريف أكثر من مقالاته الغامضة نفسها! ولم يدعه أحمد ~~إبراهيم شوكت لحيرته فنظر إليه بعينيه الصغيرتين البارزتين وهو ~~يقول: إني أترك الجواب لخالي كمال .. # وابتسم إبراهيم شوكت ابتسامة يداري بها حرجه، أما كمال فقال دون ~~حماس: ادرس ما تشعر بأنه يوافق موهبتك. # وبدا الظفر في وجه أحمد فردد رأسه الرشيق بين أخيه وأبيه غير أن ~~كمال عاد يقول: ولكن ينبغي أن تعلم أن الحقوق تفتح لك مجالا من ~~الحياة العملية الممتازة لا تستطيعه الآداب. سيكون مستقبلك إذا ~~اخترت الآداب في التعليم، وهو مهنة شاقة ولا جاه لها .. ~~- بل سأتجه إلى العمل في الصحافة. ~~- الصحافة! .. (صاح إبراهيم شوكت) إنه لا يدري ماذا يقول. # فقال أحمد مخاطبا كمال: إن قيادة الفكر وقيادة عربة كارو شيء ~~واحد في أسرتنا! # فقال رضوان ياسين باسما: إن أكبر قادة الفكر في وطننا من ~~الحقوق .. # فقال أحمد في كبرياء: إن الفكر الذي أعنيه شيء آخر؟ # فقال عبد المنعم شوكت عابسا: وهو شيء مخيف هدام، إني أعلم وا ~~أسفاه بما تعني .. # وعاد إبراهيم شوكت يقول لأحمد وهو ينظر إلى الآخرين كأنما ~~يشهدهم على ما يقول: فكر قبل أن تقدم، إنك ما زلت في السنة ~~الرابعة، لن يعدو ميراثك المائة جنيه في العام، وإن بعض أصحابي ~~يشكون مر الشكوى من أن أبناءهم الجامعيين لا يجدون عملا، أو ~~يعملون كتبة بمرتبات تافهة، وأنت حر بعد ذلك فيما ~~تختار .. # وتدخل ياسين في المناقشة بأن اقترح قائلا: لنسمع رأي خديجة، ~~إنها المدرسة الأولى لأحمد، وهي أقدرنا على الاختيار بين الحقوق ~~والآداب .. # وامتلأت الثغور بالابتسام، حتى أمينة ابتسمت وهي عاكفة على كنجة ~~القهوة، بل حتى عائشة ابتسمت، فتشجعت خديجة بابتسامة عائشة فقالت: ~~سأقص عليكم قصة طريفة. ms019 أمس بعد العصر بقليل - والدنيا تظلم بسرعة ~~في الشتاء كما تعرفون - كنت راجعة من الدرب الأحمر إلى السكرية، ~~فشعرت كأن رجلا يتبعني، وإذا به يمر بي تحت قبة المتولي وهو ~~يقول: «على فين يا جميل»، فالتفت نحوه قائلة: «على البيت يا سي ~~ياسين!» # وضجت الصالة بالضحك. ونظرت إليه زنوبة نظرة ذات معنى تجلى ~~فيها الانتقاد واليأس، أما ياسين فجعل يشير للضاحكين بيده حتى عاد ~~السكون، ثم تساءل: أمن المعقول أن يصيبني العمى إلى هذا ~~الحد؟ # فحذره إبراهيم شوكت قائلا: حاسب! # أما كريمة فأمسكت بيد أبيها وضحكت كأنها رغم كونها بنت ثمانية قد ~~فهمت المقصود من قصة عمتها. وقالت زنوبة تعليقا على الحال: شر ~~الأمور ما يضحك. # وحدج ياسين خديجة بنظرة مغيظة وهو يقول: «حفرت لي حفرة يا بنت ~~الإيه» فقالت خديجة: إذا كان أحد في الموجودين في حاجة إلى الآداب ~~فهو أنت لا أحمد ابني المجنون! # وصدقت زنوبة على قولها، أما رضوان فدافع عن أبيه ودعاه بالبريء ~~المظلوم، وظل أحمد ينظر إلى كمال متعلقا به كالأمل، أما عبد المنعم ~~فكان يسترق النظر إلى نعيمة التي تبدت لصق أمها كالوردة البيضاء، ~~وكانت كلما شعرت بعينيه الصغيرتين تورد وجهها الشاحب الرقيق، حتى ~~عاد إبراهيم شوكت يقول مغيرا مجرى الحديث مخاطبا أحمد: انظر ~~إلى الحقوق وكيف جعلت من ابن الحمزاوي وكيل نيابة قد ~~الدنيا .. # شعر كمال كأن هذا القول انتقاد مر موجه إلى شخصه، أما عائشة ~~فقالت لأول مرة: إنه يريد أن يخطب نعمة. # وفي فترة الصمت التي استقبل بها الخبر قالت أمينة: أبوه فاتح ~~جدها أمس .. # وتساءل ياسين جادا: وهل وافق أبي؟ ~~- هذا سابق لأوانه. # فتساءل إبراهيم شوكت بحذر وهو ينظر إلى عائشة: وما رأي عائشة ~~هانم؟ # فقالت عائشة دون أن تنظر إلى أحد: لا أدري .. # فقالت خديجة وهي تتفحصها بعمق: ولكنك أنت الكل في ~~الكل .. # وأراد كمال أن يشهد بشهادة طيبة لصديقه فقال: فؤاد شاب ممتاز ~~حقا .. # فقال إبراهيم شوكت بحذر كالمتسائل: أظن أهله من السوقة؟! # فقال عبد المنعم شوكت بصوته ms020 القوي: نعم، خاله مكاري ، وخاله الآخر ~~فران، وعمه كاتب محام .. «ثم بلهجة استدراكية ضعيفة»: ولكن هذا ~~كله لا ينقص من قدر الإنسان فالإنسان بنفسه لا بأهله! # وأدرك كمال أن ابن أخته يريد أن يقرر حقيقتين يؤمن بهما على ~~تنافرهما، أولا وضاعة أصل فؤاد، وثانيا أن وضاعة الأصل لا تنقص ~~من قدر الشخص. بل أدرك أكثر من هذا أنه يحمل في الأولى على فؤاد ~~وأنه يكفر في الثانية عن حملته الظالمة مرضاة لعقيدته الدينية ~~القوية. ومن عجب أن تقرير هاتين الحقيقتين أراحه وكفاه شر ~~التورط في الإفصاح عنهما بنفسه، فإنه كابن أخته لم يكن يؤمن ~~بفوارق الطبقات، وكان مثله أيضا يميل للحملة على فؤاد والحط من ~~شأنه الذي يدرك خطورته وتفاهته هو بالقياس إليه. والظاهر أن أمينة ~~لم ترتح لهذه الحملة فقالت: أبوه رجل طيب، خدمنا العمر كله ~~بأمانة وإخلاص. # فجمعت خديجة شجاعتها وقالت: ولكن ربما عاشرت نعيمة - لو تم هذا ~~الزواج - أناسا ليسوا أهلا للمعاشرة، الأصل كل شيء .. # وجاءها تأييد من حيث لم ينتظر أحد، فقالت زنوبة: صدقت، الأصل كل ~~شيء! # واضطرب ياسين، واسترق إلى خديجة نظرة سريعة، وهو يتساءل عن رجع ~~قول زوجته في نفسها، وتعليقها الباطني عليه وما يستدعيه ذلك إلى ~~خواطرها عن عالم العوالم والتخت. حتى لعن زنوبة في سره على ~~«قنزحتها» الفارغة، واضطر أن يتكلم ليغطي على كلام زوجته، فقال: ~~تذكروا أنكم تتحدثون عن وكيل نيابة .. # فقالت خديجة متشجعة بسكوت عائشة: أبي الذي جعل منه وكيل نيابة، ~~أموالنا نحن التي صنعته! # فقال أحمد شوكت في سخرية نطقت بها عيناه البارزتان اللتان ~~تذكران بالمرحوم خليل شوكت: نحن مدينون لأبيه أكثر مما هو مدين ~~لنا! # فأشارت إليه خديجة بسبابتها وهي تقول بلهجة ملؤها الانتقاد: ~~أنت دائما ترميننا بكلام غير مفهوم. # فقال ياسين بلهجة من يأمل في إنهاء الموضوع: أريحوا أنفسكم ~~فالكلمة الأخيرة لبابا .. # وزعت أمينة فناجيل القهوة. واتجهت أعين الشباب إلى حيث جلست ~~نعيمة لصق أمها. قال رضوان لنفسه: بنت لطيفة وجميلة، ليته كان في ~~الإمكان أن أصادقها ms021 وأزاملها، لو مشينا في الطريق معا لاحتار ~~الرجال أينا الأجمل! وقال أحمد لنفسه أيضا: جميلة جدا، ولكنها ~~كأنما هي ملزوقة في خالتي بالغرا، ولا حظ لها من الثقافة. أما ~~عبد المنعم فقال: جميلة وست بيت وشديدة التقوى، لا يعيبها إلا ضعفها، ~~وحتى ضعفها جميل، خسارة في عين فؤاد، ثم جاوز الحديث الباطني ~~فسألها: وأنت يا نعيمة خبرينا عن رأيك؟ # فتورد الوجه الشاحب، وقطبت ثم ابتسمت، وتوتر حالها وهي تمزج ~~الابتسام بالتقطيب؛ لتخلص منهما معا، ثم قالت في حياء واستياء: لا ~~رأي لي، دعني وشأني! # فقال أحمد ساخرا: الحياء الكاذب .. # ولكن عائشة قاطعته متسائلة: الكاذب؟! # فاستدرك قائلا: الحياء موضة قديمة، ينبغي أن تتكلمي وإلا ضاعت ~~منك الحياة .. # فقالت عائشة بمرارة: إننا لا نعرف هذا الكلام. # فقال أحمد، متشكيا دون أن يعبأ بنظرة أمه المنذرة: أراهن على أن ~~أسرتنا متأخرة عن العصر الحديث بأربعة قرون! # فسأله عبد المنعم ساخرا: لم حددتها بأربعة؟ # فقال دون اكتراث: على سبيل الرأفة. # وإذا بخديجة توجه الخطاب إلى كمال متسائلة: وأنت! .. متى تتزوج ~~أنت؟ # بوغت كمال بالسؤال فتهرب قائلا: حديث قديم! ~~- وجديد في الوقت نفسه، ولن نتركه حتى يجمع الله شملك على بنت ~~الحلال. # تابعت أمينة الحديث الأخير باهتمام مضاعف، فزواج كمال أعز ~~أمانيها، وكم رجته أن يحقق أمنيتها حتى تقر عينها بحفيد من صلب ~~ابنها الوحيد، قالت: عرض عليه أبوه عرائس من أحسن الأسر، ولكنه ~~يتعلل دائما بعذر أو بآخر .. ~~- أعذار واهية، كم عمرك الآن يا سي كمال؟ .. تساءل إبراهيم شوكت ~~ضاحكا: ثمانية وعشرون عاما! فات الوقت .. # أنصتت أمينة إلى رقم العمر بدهش كأنما لا تريد أن تصدق. أما ~~خديجة فاحتدت وهي تقول: أنت مغرم بتكبير عمرك! # أجل فهو الأخ الأصغر، فالكشف عن عمره كشف غير مباشر عن عمرها، مع ~~أن زوجها بلغ الستين إلا أنها كانت تكره أن تذكر بأنها في ~~الثامنة والثلاثين، أما كمال فلم يكن يدري ماذا يقول، ولم يكن ~~الموضوع في نظره مما يحسم بكلمة، ولكنه كان يشعر دائما بأنه ~~مطالب بإيضاح ms022 موقفه فقال بلهجة المعتذر : إني مشغول نهاري ~~بالمدرسة وليلي بمكتبي. # فقال أحمد بحماس: حياة عظيمة يا خالي، ولكن الإنسان ينبغي مع ذلك ~~أن يتزوج. # وقال ياسين الذي كان أعرف الجميع بكمال: أنت تتجنب الشواغل حتى ~~لا تشغلك عن طلب «الحقيقة» ولكن الحقيقة في هذه الشواغل؛ لن تعرف ~~الحياة في المكتبة، ولكن الحقيقة في البيت والشارع .. # فقال كمال ممعنا في الهرب: تعودت أن أنفق مرتبي لآخر مليم، ليس ~~عندي مدخر، كيف أتزوج؟! # فقالت خديجة تحاصره: انو الزواج مرة وستعرف كيف تستعد ~~له. # وقال ياسين ضاحكا: إنك تنفق مرتبك لأخر مليم حتى لا ~~تتزوج .. # كأنهما شيء واحد. ولكن لم لم يتزوج رغم استجابة الظروف ورغبة ~~الوالدين؟ أجل مضت فترة في ظل الحب فكان الزواج ضربا من العبث. ~~وتبعتها فترة حل محل الحب فيها بديل هو الفكر فاستغرق الحياة ~~بنهم، وكانت فرحة الأفراح أن يعثر على كتاب جميل أو يظفر بنشر ~~مقالة. وقال لنفسه إن المفكر لا يتزوج، وما ينبغي له. كان ينظر إلى ~~فوق ويظن أن الزواج سيحمله على النظر إلى تحت. وكان - وما زال - ~~يلذ له موقف المشاهد المتأمل بقدر ما ينفر من الاندماج في ~~ميكانيكية الحياة. وإنه ليضن بحريته كما يضن البخيل بماله. ثم إنه ~~لم يبق عنده من المرأة إلا شهوة تقضى: وإلى هذا كله فالشباب لم ~~يضع هباء ما دام لا ينقضي أسبوع دون مسرات فكرية ولذات جسدية، ~~ثم إنه حائر يداخله الشك في كل شيء، والزواج نوع من الإيمان، قال: ~~أريحوا أنفسكم، سأتزوج عندما أرغب في الزواج. # فابتسمت زنوبة ابتسامة أرجعتها إلى الوراء عشرة أعوام وتساءلت: ~~ولم لا ترغب في الزواج. # فقال كمال فيما يشبه الضجر: الزواج حبة وأنتم تجعلون منه ~~قبة .. # ولكنه كان يؤمن في أعماقه بأن الزواج قبة لا حبة. وكان يساوره ~~شعور غريب بأنه يوم يذعن للزواج فسيقضى عليه قضاء مبرما. وأنقذه ~~من موقفه صوت أحمد وهو يقول له: آن لنا أن نصعد إلى ~~المكتبة. # فنهض مرحبا بدعوته، ومضى خارجا وعبد المنعم وأحمد ورضوان ms023 في ~~أثره. وصعدوا إلى حجرة المكتب لاستعارة بعض الكتب كعادتهم كلما ~~جاءوا البيت القديم زائرين: وكان مكتب كمال يتوسط الحجرة تحت ~~المصباح الكهربائي بين صفين من خزائن الكتب، فجلس إلى مكتبه على ~~حين رأى الشبان يطالعون عناوين الكتب المصفوفة على الأرفف، ثم ~~اختار عبد المنعم كتاب «محاضرات في تاريخ الاسلام»، وجاء أحمد بكتاب ~~«مبادئ الفلسفة»، ثم وقفوا حول مكتبه وهو يردد بصره بينهم ~~صامتا، حتى قال أحمد متضايقا: لن أقرأ كما أحب حتى أتقن لغة ~~أجنبية واحدة على الأقل. # وتمتم عبد المنعم وهو يقرأ صفحات كتابه: لا أحد يعرف الإسلام على ~~حقيقته. # فقال أحمد ساخطا: أخي يتلقى حقيقة الاسلام على يد رجل شبه ~~عامي في خان الخليلي .. # فصاح به عبد المنعم: صه يا زنديق! # ونظر كمال إلى رضوان متسائلا: وأنت ألا تريد كتابا؟ # فأجاب عنه عبد المنعم: وقته مشغول بقراءة الجرائد ~~الوفدية .. # فقال رضوان وهو يومئ إلى كمال: في هذا يتفق معي عمي! # عمه لا يؤمن بشيء، ورغم ذلك فهو وفدي! كما أنه يشك في ~~الحقيقة عامة، ورغم ذلك فهو يتعامل مع الناس والواقع. تساءل وهو ~~يردد عينيه بين عبد المنعم وأحمد: وأنتما وفديان كذلك فما وجه ~~الغرابة؟ وكل وطني فهو وفدي، أليس كذلك؟ # فقال عبد المنعم بصوته اليقيني: الوفد أفضل الأحزاب بلا ريب، ولكنه ~~في ذاته لم يعد مقنعا كل الإقناع .. # فقال أحمد ضاحكا: إني أوافق أخي على رأيه هذا، أو بالأحرى لا ~~أوافقه على رأي إلا هذا، وربما اختلفنا في درجة الإقناع الخاصة ~~بالوفد، أكثر من ذلك فإن الوطنية نفسها يجب أن تكون موضع استفهام، ~~أجل إن الاستقلال فوق كل نزاع، أما معنى الوطنية بعد ذلك فينبغي أن ~~يتطور حتى يفنى في معنى أشمل وأسمى، وليس ببعيد أن ننظر في ~~المستقبل إلى شهداء الوطنية كما ننظر الآن إلى ضحايا المعارك ~~الحمقاء التي تنشب بين القبائل والأسر! # معارك حمقاء يا أحمق! فهمي لم يستشهد في معركة حمقاء، ولكن أين ~~وجه اليقين؟ ورغم خواطره قال بحدة: أي قتيل في سبيل ms024 شيء فوق نفسه ~~فهو شهيد، وقد تتغير قيم الأشياء أما موقف الإنسان منها فهو قيمة ~~لا تتغير .. # وغادروا حجرة المكتب ورضوان يقول مخاطبا عبد المنعم ردا على ~~ملاحظة له: السياسة أخطر وظيفة في المجتمع .. # ولما عادوا إلى مجلس القهوة كان إبراهيم شوكت يقول لياسين: وهكذا ~~فنحن نربي ونوجه وننصح ولكن كل ولد يندمج في مكتبة، وهي عالم ~~مستقل عنا، يزحمنا فيه أناس غرباء، لا ندري عنهم شيئا فما عسى ~~أن نصنع؟! # 4 # كان الترام مكتظا حتى لم يعد به موضع لواقف، وقد انحشر كمال ~~بين الواقفين وكأنه يطل عليهم بقامته الطويلة النحيلة. كانوا ~~مثله - فيما بدا له - يقصدون مكان الاحتفال بالعيد الوطني - عيد 13 ~~نوفمبر - فردد عينيه في الوجوه مستطلعا ومرحبا. # والحق أنه يشارك في هذه الأعياد كأشد المؤمنين بها وإن آمن في ~~الوقت نفسه بألا إيمان له. وكان الناس يتحادثون معلقين على ~~الموقف دون سابق تعارف مكتفين بوحدة الهدف وبرابطة «الوفدية». التي ~~ألفت بين قلوبهم. قال أحدهم: عيد الجهاد هذا العام عيد جهاد بكل ~~معنى الكلمة، أو هذا ما يجب أن يكون .. # فقال آخر: يجب أن يرد فيه على هور وتصريحه المشئوم. # وثار ثالث لذكر هور فصاح: ابن الكلب قال: نصحنا بأن لا يعاد ~~دستور 1923، ولا دستور 1930، ما شأنه هو ودستورنا؟ # فأجابه رابع: لا تنس أنه قال قبل ذلك: على أننا عندما استشارونا ~~نصحنا، إلخ ... ~~- أجل، من الذين استشاروه؟ ~~- سل عن ذلك حكومة القوادين! ~~- توفيق نسيم وكفى! أنسيتموه؟ ولكن لماذا هادنه الوفد؟ ~~- لكل شيء نهاية، انتظروا خطبة اليوم. # أصغى كمال إليهم، بل اشترك في حديثهم، وأعجب من هذا أنه لم يكن ~~دونهم حماسا. وكان هذا ثامن عيد جهاد يشهده: وكان كالآخرين قد ~~امتلأ بمرارة التجارب السياسية التي خلفتها الأعوام السابقة. ~~أجل. لقد عاصرت عهد محمد محمود الذي عطل الدستور ثلاث سنوات ~~قابلة للتجديد، واغتصب حرية الشعب في نظير وعده له بتجفيف البرك ~~والمستنقعات! كما عشت سنين الإرهاب والعهر السياسي التي فرضها ~~إسماعيل صدقي على البلاد، كان الشعب يثق في ms025 قوم ويريدهم حكاما ~~له ولكنه يجد فوق رأسه دائما أولئك الجلادين البغضاء، تحميهم ~~هراوات الكونستبلات الإنجليز ورصاصهم، وسرعان ما يقولون له بلغة ~~أو بأخرى أنت شعب قاصر ونحن الأوصياء، والشعب يخوض المعارك دون ~~توقف فيخرج من كل وهو يلهث، حتى اتخذ في النهاية موقفا ~~سلبيا شعاره الصبر والسخرية، فخلا الميدان إلا من الوفديين من ~~ناحية والطغاة من ناحية أخرى، وقنع الشعب بمجلس المتفرج وراح ~~يشجع رجاله في همس دون أن يمد لهم يدا. إن قلبه لا يستطيع أن ~~يتجاهل حياة الشعب، إنه يخفق معه دائما، رغم عقله التائه في ضباب ~~الشك. غادر الترام عند شارع سعد زغلول، وسار في طابور غير منتظم ~~نحو سرادق الاحتفال المقام في جوار بين الأمة، تقابلهم بين كل عشرة ~~أمتار مجموعة من الجنود تحت رئاسة كونستابل إنجليزي تنطق وجوههم ~~بالصرامة والبلادة. والتقى قبيل السرادق بعبد المنعم وأحمد ورضوان ~~وشاب لا يعرفه وقد وقفوا معا يتحادثون، فأقبلوا نحوه مسلمين ~~ولبثوا معه بعض الوقت. منذ شهر تقريبا ورضوان وعبد المنعم بين طلبة ~~الحقوق أما أحمد فقد انتقل إلى السنة النهائية بالثانوي. وإنه ~~ليراهم في الطريق «رجالا» بخلاف ما يراهم في البيت فليسوا إلا ~~أبناء أخته وأخيه. وما أجمل رضوان، كذلك جميل، صاحبه الذي قدمه ~~إليه باسم حلمي عزت، وقد صدق من قال إن الطيور على أشكالها تقع. ~~وكان أحمد يسره، وينتظر منه دائما قولا غريبا ممتعا أو ~~سلوكا لا يقل عنه غرابة، إنه أقرب الجميع إلى روحه، أما عبد المنعم ~~فما أشبهه به لولا ميله إلى القصر والامتلاء؛ لذلك فحسب يحبه، أما ~~يقينه وتعصبه فما أرذلهما! # وأقبل على السرادق الضخم، وألقي نظرة شاملة على الجموع ~~الحاشدة، مرورا بكثرتها الهائلة، وتطلع مليا إلى المنصة التي ~~سيعلو عندها عما قليل صوت الشعب، ثم اتخذ مجلسه. إن وجوده في مثل ~~هذا الجمع الحاشد يطلق من أعماق ذاته الغارقة في الوحدة شخصا ~~جديدا ينتفض حياة وحماسا. هنا ينحبس العقل في قمقم إلى حين، ~~وتنطلق قوى النفس المكبوتة طامحة إلى حياة مفعمة ms026 بالعواطف ~~والأحاسيس دافعة إلى الكفاح والأمل ، وعند ذاك تتجدد حياته وتنبعث ~~غرائزه وتتبدد وحشته، ويتصل ما بينه وبين الناس فيشارك في حياتهم ~~ويعتنق آمالهم وآلامهم. إنه بطبعه لا يطيق أن يتخذ من هذه الحياة ~~حياة ثابتة له ولكن لا بد منها بين حين وآخر حتى لا ينقطع ما بينه ~~وبين الحياة اليومية، حياة الناس، فلتؤجل مشكلات المادة والروح ~~والطبيعة وما وراء الطبيعة، وليمتلئ اهتماما بما يحب هؤلاء الناس ~~وبما يكرهون، بالدستور .. بالأزمة الاقتصادية .. بالموقف السياسي ~~.. بالقضية الوطنية؛ لذلك لم يكن عجيبا أن يهتف: «الوفد عقيدة ~~الأمة»، غداة ليل قضاه في تأمل عبث الوجود وقبض الريح، والعقل ~~يحرم صاحبه نعمة الراحة؛ فهو يعشق الحقيقة ويهوى النزاهة ويتطلع ~~إلى التسامح ويرتطم بالشك ويشقى في نزاعه الدائم مع الغرائز ~~والانفعالات، فلا بد من ساعة يأوي فيها المتعب إلى حضن الجماعة؛ ~~ليجدد دماءه ويستمد حرارة وشبابا. في المكتبة أصدقاء قليلون ~~ممتازون مثل دارون وبرجسون ورسل. في هذا السرادق آلاف من الأصدقاء، ~~يبدون بلا عقول، ولكن يتمثل في مجتمعهم شرف الغرائز الواعية، ~~وليسوا في النهاية دون الأول خلقا للحوادث وصنعا للتاريخ. في هذه ~~الحياة السياسية يحب ويكره ويرضى ويغضب ويبدو كل شيء ولا قيمة له. ~~وكلما واجه هذا التناقض في حياته زعزعه القلق. ولكن ليس ثمة موضع ~~في حياته يخلو من تناقض وبالتالي من قلق. لذلك شد ما يحن قلبه إلى ~~تحقيق وحدة منسجمة تتسم بالكمال والسعادة، ولكن أين هذه ~~الوحدة؟! ويشعر بأن الحياة العقلية لا مفر منها ما دام به عقل ~~يفكر فلا يقعده ذلك عن التطلع إلى الحياة الأخرى تدفعه كافة القوى ~~المعطلة المكبوتة؛ فهي صخرة النجاة. فلعله لذلك بدا هذا الجمع ~~رائعا، وكلما ازداد كثرة ازداد روعة. وها هو القلب ينتظر ظهور ~~الزعماء بنفس الحرارة واللهفة كالآخرين. وقد جلس عبد المنعم وأحمد ~~على مقعدين متجاورين، أما رضوان وصاحبه حلمي عزت فيسيران في الممر ~~الذي يشق السرادق ذهابا وجيئة أو يقفان عند المدخل يتبادلان ~~الحديث مع بعض المشرفين على الاحتفال فيا لهما من ms027 شابين ذوي ~~نفوذ! وكانت همسات القوم تتجمع فتحدث لغطا عاما، أما الأركان ~~التي احتلها الشباب فعلا ضجيجها وتخللته الهتافات. ثم ترامى ~~هتاف قوي ذو دلالة من الخارج فتطلعت الرءوس إلى مدخل السرادق ~~الخلفي، ثم هبوا واقفين، وتعالى هتاف يصم الآذان، ثم لاح ~~مصطفى النحاس فوق المنصة وهو يحيي الألوف بابتسامة وضيئة ويدين ~~قويتين. وتطلع إليه بعينين اختفت منهما نظرة الشك إلى حين، وكان ~~يتساءل: كيف أومن بهذا الرجل بعد أن فقدت الإيمان بكل شيء؟ ألأنه ~~رمز الاستقلال والديمقراطية؟ مهما يكن من أمر فإن التجاوب الحار ~~المتبادل بين الرجل والشعب ظاهرة جديرة بالنظر، وهي بلا شك قوة ~~خطيرة تلعب دورها التاريخي في بناء القومية المصرية. وتشبع الجو ~~بالحماس والحرارة، وتعب المشرفون على الحفل حتى نشروا السكون في ~~الأركان، كي يسمع الناس المقرئ وهو يتلو ما تيسر من القرآن مرددا ~~فيما يتلو: # يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال ~~. وكان الناس ينتظرون ~~هذا النداء فتعالى الهتاف والتصفيق حتى احتج بعض المتزمتين ~~وطالبوا بالصمت احتراما لكتاب الله. وأثار قولهم في نفسه ذكريات ~~قديمة يوم كان يعد واحدا من هؤلاء المتزمتين. فارتسمت على ~~شفتيه ابتسامة ما واستشعر من توه عالمه الخاص الحافل ~~بالمتناقضات الذي يبدو من تعارض متناقضاته وكأنه فراغ. ووقف ~~الزعيم وراح يلقي خطابه. ألقاه بصوت رنان وبيان نافذ فاستغرق ~~إلقاؤه ساعتين. ثم ختمه جاهرا في عنف سافر بالدعوة إلى الثورة، ~~وبلغ الحماس من القوم مداه فوقفوا على المقاعد، وجعلوا يهتفون ~~بحماس جنوني. ولم يكن دونهم حماسا وهتافا. نسي أنه مدرس مطالب ~~بالوقار وخيل إليه أنه رجع إلى الأيام المجيدة. التي سمع عنها ~~وحال عمره دون الاشتراك فيها. أكانت الخطب تلقى بهذه القوة؟ أكان ~~الناس يتلقونها بمثل هذا الحماس؟ أكان الموت لذلك يهون؟ من مثل ~~هذا الموقف بدأ فهمي دون ريب، ثم اندفع إلى الموت. إلى الخلود أم ~~إلى الفناء؟! أمن الممكن أن يستشهد رجل في مثل حاله من الشك؟ لعل ~~الوطنية - كالحب - من القوى التي نذعن لها وإن لم نؤمن بها! # إن ms028 فورة الحماس عالية، الهتافات حارة متوعدة ، المقاعد ترتج ~~بمن فوقها، فما الخطوة التالية؟ ما يدري إلا والجموع تتجه نحو ~~الخارج. وغادر موضعه وهو يلقي نظرة عامة باحثا عن شباب أسرته ~~ولكنه لم يعثر لهم على أثر. وغادر السرادق من الباب الجانبي، ثم ~~سار مستهدفا شارع قصر العيني في خطوات سريعة حتى يسبق الجموع. ~~ومر في طريقه ببيت الأمة وكان كلما مر به يعلق به بصره، وردد ~~عينيه بين الشرفة التاريخية والفناء الذي شهد أجل الذكريات ~~الوطنية، أجل لهذا البيت مثل السحر في نفسه؛ فها هنا كان يقف سعد، ~~وها هنا كان يقف فهمي وأقرانه، وفي هذا الطريق الذي يسير فيه الآن ~~كان ينطلق الرصاص ليستقر في صدور الشهداء. إن قومه في حاجة ~~دائمة إلى الثورة ليقاوموا موجات الطغيان التي تترصد سبيل نهضتهم، ~~في حاجة إلى ثورات دورية تكون بمثابة التطعيم ضد الأمراض الخبيثة، ~~والحق أن الاستبداد هو مرضهم المتوطن. هكذا نجح اشتراكه في العيد ~~الوطني في تجديد نفسه؛ فلم يكن يهمه في تلك اللحظة إلا أن تجيب ~~مصر على تصريح هور إجابة حاسمة كاللكمة القاضية. وانتصبت قامته ~~النحيلة الطويلة، وارتفع رأسه الكبير، واشتد وقع خطاه وهو يتقدم ~~أمام الجامعة الأمريكية متخيلا أمورا جليلة وأفعالا خطيرة. ~~حتى المدرس ينبغي أن يثور أحيانا مع تلاميذه. وابتسم فيما يشبه ~~الكآبة .. مدرس كبير الرأس مقضي عليه بأن يعلم مبادئ الإنجليزية ~~- المبادئ فحسب - رغم أنه يطلع بها على أسرار وأسرار، يحتل جسمه ~~من مزدحم الأرض موضعا ضئيلا، أما خياله فيضطرب في الدوامة التي ~~تحيط بمغالق الطبيعة. يسأل في الصباح عن معنى كلمة وهجاء أخرى ~~ويتساءل بالليل عن معنى وجوده ذلك اللغز القائم بين لغزين. وفي ~~الصباح أيضا يضطرم فؤاده بالثورة على الإنجليز وفي الليل تدعوه ~~الأخوة العامة المعذبة - أخوته لبني الإنسان - للتعاون أمام ~~لغز القضاء. وهز رأسه في شيء من العنف كأنما ليطرد عنه هذه ~~الخيالات. وقد ترامت إلى مسامعه أصوات الهتاف وهو يقترب من ميدان ~~الإسماعيلية فأدرك أن المتظاهرين قد وصلوا إلى شارع قصر ms029 العيني؛ ~~ودعاه الشعور بالنضال الذي يعمر صدره إلى التوقف لعله يشترك على ~~نحو ما في مظاهرة 13 نوفمبر. شد ما طال بالوطن موقف الصابر الذي ~~يتلقى الضربات. اليوم توفيق نسيم وأمس إسماعيل صدقي وأول أمس ~~محمد محمود، تلك السلسلة المشئومة من الطغاة التي تمتد إلى ما ~~قبل التاريخ. كل ابن كلب غرته قوته يزعم لنا أنه الوصي المختار ~~وأن الشعب قاصر. # مهلا! .. إن المظاهرة تغلي وتفور، ولكن ما هذا؟! التفت كمال إلى ~~الوراء في اضطراب: سمع صوتا اهتز له قلبه. وأنصت في انتباه فصك ~~الصوت مسامعه مرة أخرى. إنه الرصاص. ورأى المتظاهرين عن بعد ~~يضطربون في دوامة خطيرة لا يتضح له أمرها، ولكن جماعات كانوا ~~يهرعون نحو الميدان، وآخرين إلى الشوارع الجانبية، وكثير من ~~الكونستبلات الإنجليز فوق الجياد ينهبون الأرض. وعلا الهتاف واختلط ~~بأصوات الغضب والصراخ واشتد انطلاق الرصاص، وخفق قلبه وتساءلت ~~دقاته عن عبد المنعم وأحمد ورضوان، وامتلأ اضطرابا وغضبا، وتلفت ~~يمنة ويسرة فرأى قهوة غير بعيد على الناصية فاتجه إليها - وقد ~~أغلق بابها نصف إغلاق - وما إن مرق منها حتى تذكر دكان البسبوسة ~~بالحسين حيث سمع طلقات الرصاص لأول مرة، وشاع الاضطراب في كل مكان، ~~وانطلق الرصاص في غزارة مخيفة ثم متقطعا. وترامت أصوات كسر زجاج ~~وصهيل خيل، وعلت أصوات مزمجرة دلت على أن تجمعات ثائرة تنتقل ~~من مكان إلى مكان بسرعة خاطفة. ودخل المشرب شيخ وقال قبل أن يسأله ~~أحد عما وراءه: «إن رصاص الكونستبلات ينهال على الطلبة والله ~~أعلم بعدد الضحايا»، ثم جلس وهو يلهث، وعاد يقول بصوت متهدج: ~~«غدروا بالأبرياء غدرا، لو كان تفريق المظاهرة غايتهم لأطلقوا ~~الرصاص في الهواء من مواقعهم البعيدة، ولكنهم سايروا المظاهرة في ~~هدوء مصطنع، وجعلوا يوزعون أنفسهم على مخارج الطريق، وفجأة ~~أشهروا المسدسات وأطلقوا الرصاص على المقاتل، أطلقوا بلا رحمة، ~~وسقط الصغار يتخبطون في دمهم، الإنجليز وحوش، ولكن الجنود المصريين ~~ليسوا دونهم وحشية، إنها مذبحة مدبرة يا إلهي!» وجاء صوت من آخر ~~المقهى يقول: «كان قلبي يحدثني بأن اليوم لن ms030 يمضي على خير.» ~~فأجاب آخر: «أيام تنذر بالشر. فمنذ أعلن هور تصريحه والناس تتوقع ~~أحداثا خطيرة، هذه معركة وستتلوها معارك، وأؤكد لكم هذا!» ~~- الضحايا الطلبة دائما، أعز أبناء الأمة، وا أسفاه! ~~- ولكن الضرب سكت، أليس كذلك؟! أنصتوا .. ~~- المظاهرة الأصلية عند بيت الأمة، وسيستمر الضرب هنالك ساعات ~~طويلة! # ولكن الصمت ساد الميدان. ومضى الوقت ثقيلا مشحونا بالتوتر. ~~وأخذت الظلمة تدنو حتى أضيئت أنوار المقهى ثم لم يعد يسمع صوت ~~كأنما حل بالميدان والشوارع المحيطة به الموت، وفتح باب المقهى ~~على مصراعيه فتراءى الميدان خاليا من المارة والمركبات. ثم جاء ~~طابور من فرسان البوليس ذوي الخوذات الفولاذية فطاف بالميدان ~~يتقدمه الرؤساء الإنجليز: وكان باطن كمال لا يكف عن التساؤل عن ~~مصير الأبناء. ولما دبت الحركة في الميدان مرة أخرى غادر المقهى ~~متعجلا، ولم يعد إلى بيته حتى مر بالسكرية وقصر الشوق واطمأن على ~~عبد المنعم وأحمد ورضوان. # وخلا إلى نفسه في مكتبته بقلب مليء بالحزن والأسى والغضب. لم ~~يقرأ كلمة ولم يكتب كلمة، وظل عقله غائبا في منطقة بيت الأمة، في ~~هور والخطبة الثائرة والهتاف الوطني وأزيز الرصاص وصرخات الضحايا. ~~ووجد نفسه يحاول أن يتذكر اسم صاحب دكان البسبوسة التي اختبأ بها ~~قديما ولكن الذاكرة لم تسعفه. # 5 # كان منظر بيت محمد عفت بالجمالية من المناظر المألوفة المحبوبة ~~لدى أحمد عبد الجواد. هذه البوابة الخشبية التي تبدو من الخارج كأنها ~~مدخل وكالة قديمة، وذلك السور العالي الذي يخفي ما وراءه خلا رءوس ~~الأشجار العالية، أما هذه الحديقة المظللة بأشجار التوت والجميز ~~والمهندسة بأشجار الحناء والليمون والفل والياسمين فشأنها عجيب، ~~وعجيب أيضا بركة المياه التي تتوسطها، ثم الفراندا الخشبية التي ~~تمتد بعرض الحديقة. وكان محمد عفت واقفا على سلم الفراندا ينتظر ~~القادم وهو يحبك عباءته المنزلية، أما علي عبد الرحيم وإبراهيم الفار ~~فقد جلسا على كرسيين متجاورين. وسلم أحمد على الإخوان ثم تبع ~~محمد عفت إلى الكنبة التي تتوسط الفراندا وجلسا معا. وكانت ~~بدانتهم قد زايلتهم جميعا فيما عدا محمد عفت الذي بدا ms031 مترهلا ~~كما بدا وجهه شديد الاحمرار، وقد صلع علي عبد الرحيم واشتعلت رءوس ~~الآخرين شيبا، وانتشرت في صفحات الوجوه التجاعيد، وبدا علي ~~عبد الرحيم وإبراهيم الفار أشد إذعانا للكبر، غير أن حمرة وجه محمد ~~عفت كانت بالاحتقان أشبه، وبقي أحمد رغم ضموره وشيبه جميلا ~~صافيا. وكان أحمد يحب هذا المجلس حبا جما، كما يحب منظر ~~الحديقة التي تترامى حتى السور العالي المشرف على الجمالية، وقد ~~مال برأسه إلى الوراء قليلا كأنما ليمكن أنفه العظيم من ~~الارتواء بعبير الفل والياسمين والحناء، وربما أغمض عينيه أحيانا ~~ليخلص لسماع زقزقة العصافير اللاهية فوق أغصان التوت والجميز. غير ~~أن أنبل ما خالط قلبه في تلك اللحظة كان شعور الأخوة والصداقة الذي ~~يكنه لهؤلاء الرجال. كان يرنو بعينيه الزرقاوين الواسعتين إلى ~~وجوههم الحبيبة التي نكرها الكبر فيفيض قلبه بالأسى والحنان عليهم ~~وعلى نفسه. وكان أشدهم تعلقا بالماضي وذكرياته، يفتنه كل ما ~~يذكر بجمال الشباب وصبوة العواطف ومغامرات الفتوة. وقام إبراهيم ~~الفار إلى خوان قريب وضع عليه صندوق النرد فجاء به وهو يتساءل: من ~~يلاعبني؟ # فقال أحمد مستنكرا وكان قليلا ما يشترك في ألعابهم: أجل ~~اللعب إلى حين، لا يجوز أن نشغل به عن أنفسنا من أول ~~الجلسة. # فأعاد الفار الصندوق إلى مكانه، ثم جاء نوبي بصينية عليها ~~ثلاثة أقداح شاي وكأس ويسكي بالصودا فتناول محمد عفت الكأس باسما ~~وتناول الثلاثة الآخرون أقداح الشاي. وكان هذا التوزيع الذي يتكرر ~~كل مساء كثيرا ما يضحكهم؛ فقال محمد عفت وهو يلوح بالكأس في يده ~~ويشير إلى أقداح الشاي في أيديهم: عفا الله عن الأيام التي ~~أدبتكم! # فقال أحمد عبد الجواد متنهدا: إنها أدبتنا جميعا، وأنت أولنا، ~~غير أنك قليل الأدب .. # وكان صدر إليهم أمر طبي واحد في أوقات متقاربة من عام واحد ~~بالامتناع عن تناول الخمر، غير أن طبيب محمد عفت سمح له بكأس ~~واحدة في اليوم، وظن أحمد عبد الجواد يومذاك أن طبيب صديقه يتسامح ~~فيما يتشدد فيه طبيبه هو، فما كان منه إلا أن عرض نفسه ms032 عليه ولكن ~~الطبيب حذره في جد وحزم قائلا : «إن حالتك غير حالة صديقك»، ~~وقد افتضح أمر سعيه إلى طبيب محمد عفت فكان موضع قفش وتعليق ~~طويلين: وعاد أحمد يقول ضاحكا: لا شك أنك نفحت طبيبك برشوة ~~كبيرة حتى سمح لك بهذه الكأس! # فقال الفار متأوها وهو يرنو إلى الكأس بيد محمد عفت: كدت والله ~~أنسى نشوتها! # فقال له علي عبد الرحيم ممازحا: فسدت توبتك بهذا القول ~~يا عربيد. # فاستغفر الفار ربه ثم تمتم في استسلام: الحمد لله .. ~~- بتنا نحسد على كأس واحدة! أين .. أين النشوات؟! # فقال أحمد عبد الجواد ضاحكا: إذا ندمتم فاندموا على الشر لا على ~~الخير يا أولاد الكلب! ~~- إنك كسائر الوعاظ، ألسنتهم في دنيا وقلوبهم في ~~دنيا أخرى .. # وإذا بعلي عبد الرحيم يقول رافعا صوته إلى درجة جديدة منذرة ~~بتغيير مجرى الحديث: يا رجال! ما رأيكم في مصطفى النحاس؟! الرجل ~~الذي لم تؤثر فيه دموع الملك الشيخ المريض فأبى أن ينسى ثانية ~~واحدة مطلبه الأسمى «دستور سنة 1923» .. # ففرقع محمد عفت بأصابعه وقال في سرور: برافو .. برافو! .. إنه ~~أصلب من سعد زغلول نفسه، من كان يرى الملك الجبار مريضا باكيا ثم ~~يصمد أمامه بهذه الشجاعة النادرة ويردد في ثبات صوت الأمة التي ~~أولته زعامتها قائلا: «دستور سنة 1923 أولا». # وهكذا عاد الدستور، فمن كان يتصور ذلك؟ # فقال إبراهيم الفار وهو يهز رأسه في عجب: تصوروا هذا المنظر، ~~الملك فؤاد وقد حطمه المرض والشيخوخة، يضع يده على كتف مصطفى ~~النحاس في مودة بالغة! ثم يدعوه إلى تأليف وزارة ائتلافية، فلا ~~يتأثر النحاس لذلك كله. ولا ينسى واجبه كزعيم أمين، يغفل لحظة ~~واحدة عن الدستور الذي توشك الدموع الملكية أن تغطي عليه، لا ~~يتأثر لشيء من هذا ويقول بشجاعة وصلابة: دستور سنة 1923 أولا ~~يا مولاي. # علي عبد الرحيم محاكيا نفس اللهجة: أو الخازوق أولا ~~يا مولاي! # أحمد عبد الجواد ضاحكا: قسما بمن جرت مقاديره بأن نرى الويسكي ~~بيننا ونتجنبه إنه لموقف عظيم! # وشرب محمد عفت بقية كأسه ثم قال: ms033 نحن في عام 1935، ثماني سنوات ~~مرت على موت سعد، وخمسة عشر عاما منذ الثورة، ولا يزال الإنجليز ~~في كل مكان، في الثكنات والبوليس والجيش وشتى الوزارات، الامتيازات ~~الأجنبية التي تجعل من كل ابن لبؤة سيدا مهابا ما زالت قائمة، ~~ينبغي أن تنتهي هذه الحال المؤسفة .. ~~- ولا تنس الجلادين أمثال إسماعيل صدقي ومحمد محمود ~~والإبراشي! ~~- إذا ذهب الإنجليز فلن يبقى لأحد من هؤلاء شأن، ستصبح ~~الانقلابات في خبر كان .. ~~- نعم، وإذا فكر الملك أن يلعب بذيله فلن يجد من يسانده! # وعاد محمد عفت يقول: سيجد الملك نفسه بين اثنتين؛ فإما احترام ~~الدستور وإما السلام عليكم! # فتساءل إبراهيم الفار فيما يشبه الشك: وهل يتخلى عنه الإنجليز ~~إذا طلب حمايتهم؟ ~~- إذا سلم الإنجليز بالجلاء فلماذا يحمون الملك؟ # فتساءل الفار مرة أخرى: وهل يسلم الإنجليز بالجلاء ~~حقا؟! # فقال محمد عفت في ثقة من يعتز بثقافته السياسية: لقد دهمونا ~~بتصريح هور فكانت المظاهرات، وكان الشهداء رحمة الله عليهم، ثم ~~كانت الدعوة إلى الائتلاف، ثم عاد دستور سنة 1923، أؤكد لكم أن ~~الإنجليز راغبون الآن في المفاوضة، حقا إن الإنسان لا يدري كيف ~~تنكشف هذه الغمة، كيف يمكن أن يذهب الإنجليز أو ينتهي نفوذ ~~الخواجات، ولكن ثقتنا في مصطفى النحاس لا نهاية لها .. ~~- ثلاثة وخمسون عاما من الاحتلال تنتهي بشوية كلام حول ~~مائدة؟! ~~- كلام قد سبق بدم زكي مسفوح .. ~~- ولو! .. # فقال محمد عفت وهو يغمز بعينه: سيجدون أنفسهم في مركز حرج وسط ~~حالة دولية خطيرة! ~~- يستطيعون أن يجدوا دائما من يؤمن ظهرهم، وإسماعيل صدقي حي ~~لم يمت! # فعاد محمد عفت يقول بلهجة العارف: حادثت كثيرين من المطلعين ~~فوجدتهم متفائلين، يقولون إن العالم مهدد بحرب طاحنة، وإن مصر في ~~فوهة المدفع، وإن من صالح الطرفين الاتفاق المشرف .. # ثم واصل حديثه بعد أن مسح على كرشه في ثقة واطمئنان: إليكم ~~خبرا هاما، وعدت بأن أرشح في دائرة الجمالية في الانتخابات ~~القادمة، وعدني النقراشي نفسه. # وتهللت وجوه الأصدقاء سرورا، ثم لما جاء دور التعليق قال علي ~~عبد الرحيم متصنعا الجد: ms034 لا يعيب الوفد إلا أنه يرشح حيوانات ~~أحيانا باسم نواب ! # فقال أحمد عبد الجواد كأنما يدافع عن عيب الوفد: وماذا يفعل الوفد؟ ~~إنه يريد أن يمثل الأمة كلها، والأمة أبناء حلال وأبناء سفلة، فمن ~~يمثل أولاد السفلة إلا الحيوانات؟! # فلكزه محمد عفت في جنبه وهو يقول: عجوز وقارح، أنت وجليلة شخص ~~واحد، كلاكما عجوز وقارح! ~~- إني أرضى لو رشحوا جليلة؛ فهي عند اللزوم قد تفرش الملاية ~~للملك نفسه! # وهنا قال علي عبد الرحيم باسما: قابلتها أول أمس أمام عطفتها، ~~ما زالت كالحمل ولكن الكبر أكل عليها وبال! # فقال الفار: صارت معلمة قد الدنيا، بيتها شغال ليل نهار، ويموت ~~الزمار وصباعه بيلعب. # فضحك علي عبد الرحيم طويلا ثم قال: كنت مارا أمام بيتها فرأيت ~~رجلا يتسلل إليه وهو يظن أنه بمأمن من الرقباء، فمن تظنونه كان؟ ~~.. (ثم أجاب وهو يغمز بعينه صوب أحمد عبد الجواد): المحروس كمال ~~أفندي أحمد خوجة مدرسة السلحدار! # ضحك محمد عفت والفار ضحكة عالية، أما أحمد عبد الجواد فقد اتسعت ~~عيناه دهشا وانزعاجا، ثم تساءل في ذهول: كمال ابني؟! ~~- أي نعم، كان ملتفا في معطفه، وعلى عينه نظارته الذهبية. ~~وشاربه الغليظ يختال وقارا، كان يسير في رزانة ومهابة كأنما ليس ~~هو ابن «ضحكجي أغا»، وبنفس الوقار انعطف إلى البيت كأنما ينعطف إلى ~~الجامع الحرام، فقلت له في نفسي: خفف الوطء ~~يا ابن المركوب! # وعلا الضحك، أما أحمد عبد الجواد فلم يكن أفاق من ذهوله ولكنه رأى ~~أن يتخفف منه بالمشاركة في الضحك. وتساءل محمد عفت بلهجة ذات مغزى ~~وهو يحدق في وجه أحمد: ما وجه العجب في ذلك أليس هو ~~ابن حضرتك؟! # فقال أحمد عبد الجواد وهو يهز رأسه عجبا: عرفته دائما مؤدبا ~~مهذبا هادئ الطبع، لا يرى إلا في مكتبته وهو يقرأ أو يكتب حتى ~~أشفقت عليه من الإغراق في الانزواء والإفراط في عمل لا جدوى ~~منه .. # فقال إبراهيم الفار مداعبا: من يدري فلعل في بيت جليلة فرعا ~~من دار الكتب! # وقال علي عبد الرحيم: أو ms035 لعله يعتزل في مكتبته لمطالعة كتاب «رجوع ~~الشيخ»، ماذا تنتظر من رجل بدأ حياته بتقرير أن الإنسان أصله ~~قرد! # وضحكوا فضحك معهم أحمد عبد الجواد الذي كان يعلم بخبرته أن ~~الاستسلام للجد في أمثال هذه الأحوال يجعل منه هدفا سهلا للمزاح ~~والقفش، ثم قال: لهذا لا يفكر الملعون في الزواج حتى ظننت به ~~الظنون! ~~- ما عمر المحروس الآن؟ ~~- في التاسعة والعشرين .. ~~- يا سلام! يجب أن تزوجه، لماذا يرغب عن الزواج؟ # تجشأ محمد عفت ثم مسح على كرشه وهو يقول: هذه موضة فحسب، ولكن ~~بنات اليوم يزحمن الشوارع فضعفت الثقة بهن، ألم تسمعوا الشيخ حسنين ~~وهو يغني: يا ما نشوف حاجات تجنن، البيه والهانم عند مزين؟ ~~- ولا تنس الأزمة الاقتصادية وضيق المستقبل أمام الشباب، إن ~~خريجي الجامعة يتوظفون بعشرة جنيهات إن وجدوا وظيفة بطلوع ~~الروح! # وتساءل أحمد عبد الجواد في قلق بين: أخاف أن يعرف أن جليلة كانت ~~يوما صاحبتي أو تعرف هي أنه ابني! # فتساءل علي عبد الرحيم ضاحكا: أحسبتها تستجوب الزبائن؟! # فقال محمد عفت وهو يغمز بعينه: لو عرفته الفاجرة، لقصت عليه ~~قصة أبيه من الألف إلى الياء! # فهتف أحمد عبد الجواد وهو ينفخ: لا قدر الله ولا كان .. # فتساءل إبراهيم الفار: أتحسب أن الذي يستطيع أن يعرف أن جده ~~الأول قرد يعجز عن معرفة أن أباه فاسق فاجر؟! # فضحك محمد عفت عاليا حتى سعل، وصمت لحظات ثم قال: الحق أن مظهر ~~كمال خداع؛ رزين هادئ متزمت، خوجة بكل معنى الكلمة .. # فقال علي عبد الرحيم بلهجة الترضية: يا سيدي ربنا يخليه ويطول ~~عمره، ومن شابه أباه فما ظلم .. # فعاد محمد عفت يتساءل: المهم أهو «حلنج» كأبيه؟ .. أعني هل يجيد ~~معاملة النساء والاستحواذ عليهن؟ # فقال علي عبد الرحيم: أما هذا فلا أظن! يخيل إلي أنه يظل متقدما ~~برزانته ووقاره حتى يغلق الباب عليه وعلى صاحبة النصيب، ثم يأخذ في ~~نزع ثيابه بنفس الرزانة والوقار، ثم يرتمي عليها، وهو في الغاية من ~~الجد والتجهم، ثم يرتدي ملابسه ويذهب بعين الجد والرزانة ms036 كأنما ~~يلقي درسا خطيرا! ~~- يخلق من ظهر الخلنج دهل! # وساءل أحمد عبد الجواد نفسه فيما يشبه السخط: لماذا يبدو لي الأمر ~~غريبا؟! وصمم على أن يتناسى الخبر. ولما رأى الفار يذهب إلى صندوق ~~النرد ويعود به، قال دون تردد إنه آن لهم أن يلعبوا. بيد أن ~~أفكاره ظلت تدور حول الخبر الجديد. وقال لنفسه متعزيا إنه رباه ~~فأحسن تربيته حتى حصل على الشهادة العليا وصار مدرسا محترما فله ~~أن يفعل ما يشاء. ولعله من حسن التوفيق أن يعرف كيف يلهو رغم عوده ~~الرفيع ورأسه وأنفه العظيمين! ولو أنصف الحظ لتزوج كمال منذ سنوات، ~~ولما تزوج ياسين أبدا، ولكن من يدعي القدرة على حل هذه الرموز؟! ~~وإذا بالفار يسأله: متى رأيت زبيدة آخر مرة؟ # فأجاب أحمد بعد تذكر: في يناير الماضي. أي منذ عام تقريبا، ~~يوم جاءتني في الدكان لأبيع لها البيت .. # فقال إبراهيم الفار: اشترته جليلة، ثم وقعت المجنونة في حب عربجي ~~كارو فتركها على الحديدة، وهي الآن تقيم بحجرة على سطح بيت سوسن ~~العالمة في حال من الاضمحلال يرثى لها! # فهز أحمد عبد الجواد رأسه في أسف، وتمتم: السلطانة في حجرة فوق ~~السطح! - سبحان من له الدوام. # فقال علي عبد الرحيم: نهاية محزنة، بيد أنها كانت ~~متوقعة .. # فندت عن محمد عفت ضحكة رثاء وقال: فليرحم الله من يأمن إلى هذه ~~الدنيا! # ثم دعا الفار إلى اللعب فتحداه محمد عفت، وسرعان ما التفوا ~~جميعا حول النرد، وأحمد عبد الجواد يقول: ترى من يكون حظه كجليلة، ~~ومن يكون كزبيدة! # 6 # في إحدى حجرات قهوة أحمد عبده، جلس كمال وإسماعيل لطيف. وهي نفس ~~الحجرة التي كان كمال يجالس فيها فؤاد الحمزاوي في مطلع شبابه. ~~وبالرغم من برودة ديسمبر كان جو القهوة دافئا. إذ إنه بإغلاق ~~مدخلها يسد المنفذ الوحيد لها إلى سطح الأرض، فكان من الطبيعي أن ~~تدفأ وإن انتشرت الرطوبة في جنباتها بدرجة محسوسة. ولم يكن ~~إسماعيل لطيف ليرضى بالجلوس في قهوة أحمد عبده، لولا رغبته في ~~مجاراة كمال. إنه الصديق ms037 القديم الذي لم تنقطع بكمال أسبابه، رغم ~~أن مطالب الرزق دفعت به إلى طنطا خبيرا محاسبا مذ تخرج في ~~مدرسة التجارة. فكان إذا عاد إلى القاهرة في إجازة اتصل به ~~تليفونيا بمدرسة السلحدار، ونال منه موعدا للقاء في هذا الركن ~~الأثري. وجعل كمال ينظر إلى صديقه القديم، كما بدا له بمنظره ~~المدمج وملامحه المدببة الحادة، ويعجب لما آل إليه حاله من رزانة ~~وأدب واستقامة، جعلته مثالا طيبا للزوج والأب، هذا الذي كان ~~يوما مثالا فذا للقحة والاستهتار والفظاظة. وصب كمال الشاي ~~الأخضر في قدح صاحبه ثم في قدحه وهو يقول باسما: يبدو أن قهوة ~~أحمد عبده لا تعجبك؟ # فارتفع رأس إسماعيل في تطاوله المعهود، وقال: إنها غريبة حقا، ~~ولكن لماذا لا نختار مكانا فوق سطح الأرض؟! ~~- على أي حال هي أنسب مكان للناس المستقيمين أمثالك. # فضحك إسماعيل وهو يهز رأسه في تسليم، كأنما يقر بأنه أصبح ~~جديرا حقا بفضيلة الاستقامة، هو الذي كان وكان، وعند ذلك سأله ~~كمال مجاملا: كيف الحال في طنطا؟ ~~- عال، أما النهار فعمل متواصل في المصلحة، وأما الليل فأقضيه مع ~~زوجي وأولادي. ~~- وكيف حال الأنجال؟ ~~- نحمده، إن راحتهم دائما على حساب تعبنا، ولكن نحمده في جميع ~~الأحوال ... # فسأله كمال مدفوعا بحب الاستطلاع الذي يثيره في نفسه حديث ~~الأسرة بصفة عامة: وهل وجدتهم حقا السعادة الحقيقية، كما يقول ~~العارفون؟ ~~- نعم، إنهم لكذلك. ~~- رغم متاعبهم؟ ~~- رغم كل شيء! # وجعل كمال ينظر إلى صاحبه بفضول أشد، هذا شخص جديد لا يكاد يمت ~~بصلة إلى إسماعيل لطيف الذي زامله فيما بين عامي 1921 و1927، تلك ~~الفترة الفذة من حياته التي عاشها بكل جوارحه، فلم تمض دقيقة من ~~زمانها دون سرور عميق أو ألم شديد، فكانت عهد الصداقة الحقة ~~متمثلة في حسين شداد، وعهد الحب الصادق متبلورا في عايدة، وعهد ~~الحماسة العارمة مستمدة من شعلة الثورة المصرية الرائعة، ثم عهد ~~التجارب العنيفة التي قذف بها الشك والمجون والأهواء، وقد كان ~~إسماعيل لطيف هذا رمز العهد الأخير، ودليله الخطير، فأين هو اليوم ms038 ~~من ذاك؟! وعاد إسماعيل لطيف يقول في شيء من التذمر: بيد أن ~~هناك أمورا تشغل بالنا باستمرار، كالكادر الجديد ووقف الترقيات ~~والعلاوات، وأنت تعلم أنني تعودت على الحياة الرغيدة في كنف أبي، ~~ولكن أبي لم يترك ميراثا، ووالدتي بدورها تستهلك كل معاشها؛ لذلك ~~رضيت في سبيل الرزق أن أعمل في طنطا. وهل كان مثلي يرضى ~~بذلك؟! # فضحك كمال قائلا: مثلك ما كان يرضى بشيء! # فابتسم إسماعيل فيما يشبه الزهو اعتزازا بماضيه الحافل الذي ~~هجره بمحض اختياره. # وسأله كمال: ألا تنازعك نقسك إلى معاودة شيء من الماضي؟ ~~- كلا، شبعت من كل شيء، وأستطيع أن أقول بأني لم أضجر من حياتي ~~الجديدة بعد، كل المطلوب مني أن أبدي شيئا من المهارة بين حين ~~وآخر، حتى أفوز ببعض النقود من والدتي، كذلك على زوجي أن تلعب نفس ~~الدور مع أبيها؛ إذ إني ما زلت مغرما بالحياة الرغيدة .. # فلم يملك كمال أن يقول ضاحكا: علمتنا وتركتنا وحدنا في ~~الطريق .. # فضحك إسماعيل ضحكة عالية أعادت إلى وجهه الرزين كثيرا من ملامح ~~الماضي الماكرة، وقال: أآسف أنت على ذلك؟ كلا، أنت تحب هذه الحياة ~~بإخلاص عجيب، غير أنك رجل معتدل، إني فعلت في سنوات لعبي القلائل ~~ما لن تفعل مثله مدى عمرك .. (ثم بلهجة جدية): تزوج وغير ~~حياتك! # فقال كمال بلهجة عابثة: هذا أمر جدير بالتفكير! # ما بين 1924 و1935 خلق إسماعيل لطيف جديد جدير بأن يزوره غواة ~~الأعاجيب. على أي حال إنه الصديق القديم الباقي، أما حسين شداد ~~فقد اختطفته فرنسا من وطنه، وكذلك حسن سليم أمسى الخارج مقامه ~~ومعاشه، لم يعد لهما من سبب في القلب وا أسفاه، ولم يكن إسماعيل ~~لطيف يوما صديق الروح. ولكنه ذكرى حية من الماضي العجيب؛ لذلك فهو ~~خليق بأن يعتز به، وأعتز به أيضا لوفائه، لا مسرة روحية في ~~مصاحبته، ولكنه آية حية على أن الماضي لم يكن خيالا؛ ذلك الماضي ~~الذي أحرص على إثبات حقيقته حرصي على الحياة نفسها، ترى ماذا تصنع ~~عايدة في هذه اللحظة من ms039 الزمان؟ وأين هي من عالم المكان؟ وكيف ~~استطاع القلب أن يبرأ من مرض حبها؟! كل أولئك أعاجيب .. ~~- إني معجب يا سيد إسماعيل، أنت شخص جدير بكل توفيق .. # وألقى إسماعيل نظرة على ما حوله، استعرض بها السقف والفوانيس ~~والحجرات والوجوه الحالمة والعاكفين على السمر واللعب، ثم تساءل: ~~ماذا يعجبك في هذه القهوة؟ # فلم يجبه كمال على سؤاله، ولكنه قال بلهجة آسفة: أما علمت؟! سوف ~~تهدم في القريب ليقام على أنقاضها عمارة جديدة، سيختفي هذا الأثر ~~إلى الأبد! ~~- مع ألف سلامة، فلتختف هذه المقبرة ليقوم فوقها عمران ~~جديد. # أنطق بالحق؟ ربما، ولكن للقلب لواعجه، يا قهوتي العزيزة أنت ~~قطعة من نفسي، فيك حلمت كثيرا وفكرت كثيرا، وفيك سكن ياسين ~~أعواما، واجتمع فهمي بالثوار؛ ليفكروا ويعملوا من أجل عالم أفضل، ~~ثم أني أحبك لأنك مصنوعة من مادة الحلم، ولكن ما جدوى هذا كله؟! ~~وما قيمة الحنين إلى الماضي؟! ربما ظل الماضي أفيونة أصحاب القلوب، ~~وأشقى ما تصاب به أن تكون ذا قلب حنون وعقل شاك! فلنقل أي ~~كلام ما دمنا لا نؤمن بشيء. ~~- في هذا صدقت، إني أقترح أن يهدموا الهرم إذا وجدوا لأحجاره ~~فائدة ما للمستقبل! ~~- الهرم! ما دخل الهرم في قهوة أحمد عبده؟! ~~- أعني الآثار، أعني أن نهدم كل شيء في سبيل اليوم ~~والغد. # فضحك إسماعيل لطيف، وتطاول بعنقه - كما كان يفعل قديما كلما ~~تحدى - ثم قال: أحيانا تكتب كلاما يناقض هذا القول، إني كما ~~تعلم أقرأ بين حين وآخر مجلة الفكر إكراما لك، وسبق أن صارحتك ~~برأيي، إي نعم، مقالاتك عسيرة، المجلة كلها جافة والعياذ بالله، ~~لم أستطع المثابرة على اقتنائها لأن زوجتي لا تجد فيها شيئا ~~يقرأ، ولا تؤاخذني فهذا قولها! أقول إني وجدت أحيانا فيما تكتب ~~نقيض ما تقول الآن، ولكني لا أزعم أني أفهم كثيرا - وبيني وبينك ~~ولا قليلا - مما تكتب، وبهذه المناسبة أليس من الأفضل أن تكتب كما ~~يكتب الكتاب المحبوبون؟ لو فعلت لوجدت جمهورا كثيرا، ولربحت ~~مالا وفيرا .. # في زمن مضى كان يحتقر مثل هذا ms040 الرأي في عناد وثورة، الآن ~~ما زال يحتقره ولكن دون ثورة، لكنه يشك في هذا الاحتقار، لا لشبهة ~~في أنه في غير موضعه، ولكن لأنه يرتاب أحيانا في قيمة ما يكتب، ~~وربما ارتاب في ارتيابه نفسه، وسرعان ما اعترف فيما بينه وبين نفسه ~~بأنه قد ضاق بكل شيء ذرعا، وأن الدنيا تبدو أحيانا كلفظة قديمة ~~اندثر معناها. ~~- إنك لم ترض يوما عن عقلي! # إسماعيل وهو يقهقه: أتذكر؟ يا لها من أيام! # أيام مضت، لم تعد نيرانها تحرق، لكنها مصونة في موضعها كالجثة ~~العزيزة أو كعلبة الملبس المستكنة في مكانها منذ ليلة ~~عائدة .. ~~- ألم يبلغك شيء عن حسين شداد أو حسن سليم؟! # رفع إسماعيل حاجبيه الكثيفين، وقال: ذكرتني! حدثت أمور في ~~العام الماضي الذي قضيته بعيدا عن القاهرة .. # ثم استطرد في اهتمام متزايد: علمت حال عودتي من طنطا أن أسرة ~~شداد انتهت. # تفجرت في قلب كمال ثورة اهتمام طاغية، وعانى كثيرا وهو يغالب ~~آثارها الظاهرة، ثم تساءل: ماذا تعني؟ ~~- أخبرتني والدتي أن شداد بك أفلس، التهمت البورصة آخر مليم في ~~حوزته، انتهى شداد، ثم إنه لم يتحمل الصدمة فانتحر! ~~- يا له من خبر! متى حدث ذلك؟ ~~- منذ أشهر، وضاع القصر الكبير فيما ضاع من متاع؛ ذلك القصر الذي ~~عشنا في حديقته زمنا لا ينسى .. # أي زمن، وأي قصر، وأي حديقة، أي ذكريات، أي ألم نسي، أي نسيان ~~مؤلم، الأسرة الرفيعة، الرجل العظيم، الحلم الكبير، أليس هذا ~~الجيشان أضخم مما ينبغي أن يستدعيه الحال؟! وهذه الخفقة التي ~~تمخض عنها القلب أشد مما تستحق ذكريات عفى عليها النسيان. # قال كمال بصوت حزين: انتحر البيك، وضاع القصر، ولكن ما مصير ~~أهله؟ # قال إسماعيل في امتعاض: لم تعد لأم صديقنا إلا خمسة عشر جنيها ~~شهريا من ريع وقف، وقد انتقلت إلى شقة متواضعة بالعباسية، وقد ~~زارتها والدتي فعادت تصف حالها وهي تبكي، تلك السيدة التي تقلبت في ~~نعيم لا يتصوره الخيال، ألا تذكر؟ # يذكر ولا شك، أم يظنه نسي؟ يذكر الحديقة والكشك والنعيم الذي كان ms041 ~~يترنم به الهواء، ويذكر السرور والحزن، بل إنه الساعة حزين ~~حقا، إن الدموع تطرق أبواب عينيه الخلفية، ولن يحق له أن يحزن ~~بعد الساعة على قهوة أحمد عبده التي يتهددها الزوال، فكل شيء ينبغي ~~أن ينقلب رأسا على عقب. ~~- إنه لشيء محزن، ومما يضاعف الحزن أننا لم نقم بواجب العزاء، ~~ترى ألم يعد حسين من فرنسا؟ ~~- لا شك أنه عاد عقب الحادث، كذلك حسن سليم وعايدة، ولكن لا أحد ~~منهم في مصر الآن. ~~- وكيف عاد حسين تاركا أسرته على حالها؟ ومن أين له أن ينفق ~~بعد إفلاس والده؟ ~~- سمعت أنه تزوج هناك، ولا يبعد أن يكون قد وجد عملا في أثناء ~~إقامته الطويلة في فرنسا، لا أدري شيئا عن هذا، فأنا لم أره منذ ~~ودعناه معا، كم مضى على ذلك؟ عشرة أعوام على وجه التقريب. أليس ~~كذلك؟ إنه تاريخ قديم، كم أثار شجوني! # كم وكم، أما هو فالدموع لا تزال تطرق أبواب عينيه الخلفية، إنها ~~لم تفتح منذ ذلك العهد وعلاها الصدأ، وقلبه يقطر حزنا، فيذكر بذلك ~~القلب الذي اتخذ من الحزن شعارا، إن هذا الخبر قد رجه رجا ~~عنيفا حتى كاد ينفض عنه الحاضر كله، ويكشف عن الإنسان القديم الذي ~~كان حبا خالصا وحزنا خالصا، أهذه هي نهاية الحلم القديم؟ ~~الإفلاس والانتحار! كأنما قضي بأن تؤدبه هذه الأسرة بأدب الآلهة ~~الساقطين! الإفلاس والانتحار، وإذا كانت عايدة لا تزال في بحبوحة ~~من العيش بفضل مكانة زوجها، فماذا طرأ على كبريائها الملائكي؟ وهل ~~هبطت الأحداث بشقيقتها الصغيرة إلى ... ~~- كان لحسين أخت صغيرة: ما اسمها؟ إني أذكره حينا وأنساه ~~أحيانا كثيرة! ~~- بدور، إنها تعيش مع والدتها وتقاسمها متاعب الحياة ~~الجديدة .. # تصور آل عايدة في حياة متواضعة! كحياة هؤلاء الناس حولنا، فهل ~~تمضي بدور يوما بجورب مرفو؟ وهل تتخذ من الترام مركبا؟ أو تتزوج ~~من موظف بمصلحة كذا؟ ولكن ماذا يهمه من ذلك كله؟ آه .. لا تغالط ~~نفسك فأنت اليوم حزين ومهما يكن لعقلك من رأي في الطبقات ~~وفوارقها، فإنك تشعر من جراء ms042 هذا الانقلاب بانهيار مخيف، ~~ويعز عليك أن تسمع بأن مثلك العليا تتمرغ في التراب، فلتهنأ على ~~أي حال بأنه لم يبق من الحب شيء، أجل .. ماذا بقي من الحب ~~القديم؟ إذا قال لا شيء فإن قلبه يخفق في حنان عجيب عند تردد ~~أي أغنية من أغاني ذلك العهد، رغم ابتذال ألفاظها ومعانيها ~~وأنغامها، فما معنى ذلك؟ لكن مهلا، إنها ذكرى الحب لا الحب نفسه، ~~ونحن نحب الحب في جميع الأحوال خاصة الأحوال التي لا حب فيها، أما ~~في هذه اللحظة فإني أشعر كأني غريق في بحر الهوى؛ ذلك أن المرض ~~الكامن ينفث سمومه حين الضعف الطارئ، وما الحيلة ما دام الشك الذي ~~زلزل الحقائق جميعا يقف عند الحب في حذر، لا لأنه شيء فوق الشك، ~~ولكن احتراما للحزن، وحرصا على حقيقة الماضي. # وعاد إسماعيل إلى المأساة سائقا كثيرا من التفاصيل، حتى ضاق ~~بها فيما بدا، فقال بلهجة من يود الفراغ من السيرة كلها: الدوام ~~الله، إنه شيء مؤسف حقا، ولكن حسبنا نكدا .. # ولم يحاول كمال أن يدعوه إلى مزيد. كان فيما قال الكفاية. إلى أن ~~وجد رغبة إلى الصمت والتأمل. وكان يبكي بكاء صامتا بدموع غير ~~منظورة يذرفها قلبه. وأدهشه ذلك بصفته مريضا قديما قد برئ من ~~مرضه، وقال لنفسه متعجبا: تسعة أعوام أو عشرة! ما أطولها وما ~~أقصرها، ترى ما صورة عايدة الآن؟ كم يود أن يديم إليها النظر؛ ~~ليطلع على سر ذلك الماضي الساحر. بل ليقف على سر نفسه. إنه الآن ~~لا يراها إلا لمحا خاطفا في نغمة قديمة معادة، أو صورة في إعلان ~~صابون، أو من سباته كالفزع وهو يهمس: هذه هي .. ولكن ما هي على ~~الحقيقة قسمة من قسمات نجمة سينمائية، أو ذكرى متسللة، فيستيقظ ~~والواقع؟! ونبا به مجلسه، فتاقت نفسه إلى رحلة مغامرة في ~~دنيا الغيب، فقال لإسماعيل: أتقبل دعوتي إلى كأسين في مكان لطيف ~~مأمون؟ # فقهقه إسماعيل قائلا: إن زوجتي تنتظرني؛ لنذهب معا إلى زيارة ~~خالتها .. # ولم يكترث لرفض دعوته. طالما كانت نفسه نديمه. ms043 وغادرا المكان ~~وهما يتبادلان الحديث: أي حديث: وفيما بين ذلك قال كمال لنفسه: قد ~~نضيق بالحب إذا وجد، ولكن شد ما نفتقده إذا ذهب. # 7 # مليح هذا المجلس .. غير أن اليد قصيرة، من هذا الموضع الدافئ ~~ترى الغادي والرائح .. من شارع فاروق وإليه .. ومن الموسكي وإليه ~~.. ومن العتبة وإليها، ولولا برودة يناير القاسية لما توارى ~~المشتاق وراء زجاج القهوة، تاركا رغم أنفه الركن البديع التابع ~~للقهوة على الطوار المقابل، ولكن سيأتي الربيع يوما .. أجل سيأتي، ~~غير أن اليد قصيرة، ستة عشر عاما أو يزيد وأنت حبيس الدرجة ~~السابعة، دكان الحمزاوي بيع بأبخس الأثمان .. وربع الغورية على ~~ضخامته لا يدر إلا جنيهات .. أما بيت قصر الشوق فمسكني ومأواي، ~~وإذا كان لرضوان جد غني؛ فكريمة لا عائل لها غيري، رب أسرة ~~وعشيق، ولكن للأسف اليد قصيرة. # وفجأة وقعت عيناه الحائرتان على شاب طويل نحيل ذي شارب مربع ~~ونظارة ذهبية، يخطر في معطفه الأسود قادما من الموسكي. متجها نحو ~~العتبة، فابتسم ونهض بنصفه الأعلى كأنما يهم بالقيام، ولكنه لم ~~يفارق مجلسه. ولولا أن الشاب كان مسرعا لمضى إليه ودعاه إلى ~~مجالسته. كمال خير سمير حين الضجر، لم يخطر الزواج له على بال رغم ~~اقترابه من الثلاثين، لم تعجلت الزواج قبل الأوان؟ ولم وقعت ~~فيه مرة أخرى قبل أن أفيق من لطمته الأولى؟ ولكن من ذا الذي لا ~~يشكو؛ أعزب كان أم متزوجا؟ وكانت الأزبكية ملاذا ومتعة، ثم حل ~~بها البوار فهي اليوم بؤرة الحثالة والسفلة، لم يبق لك من عالم ~~المسيرات إلا لذة المشاهدة في هذا المفرق من الطرق، ثم، الصيد ~~الرخيص، وخير الصيد الرخيص خادمة مصرية من العاملات في الأسر ~~الإفرنجية .. فهي في الغالب مهذبة المظهر نظيفة، أما سيد مزاياها ~~دون منازع فضعف الخلق، وتوجد أكثر ما توجد بسوق الخضار بميدان ~~الأزهار. # كان قد فرغ من حسو قهوته، وجلس وراء زجاج النافذة المغلقة يرسل ~~طرفه إلى ملتقى الطرق، يتابع كل ذات حسن، فتنطبع على عدسة عينه صور ~~النساء من ذوات المعاطف والملاءات ms044 اللف، يراهن كلا وأجزاء في ~~مثابرة لا تعرف الكلال. كان يجلس أحيانا فيطول به الجلوس حتى ~~العاشرة، وفي أحيان أخرى ربما لم يطل به الجلوس إلا ريثما يشرب ~~قهوته، ثم ينهض مسرعا في أثر صيد قد آنس منه استجابة ورخصا، ~~كأنه تاجر روبابيكيا. ولكنه كان يقنع في الغالب بالمشاهدة، وربما ~~تبع الحسناء دون مقصد جدي، أما الإقدام الحق، كأن يصطاد ~~خادما خليعة أو أرملة فوق الأربعين، فكان يقع على فترات وفي حرص ~~شديد؛ إذ إنه لم يعد الرجل الذي كان؛ لا لأن الموارد قد ناءت ~~بالأعباء فحسب، ولكن لسن الأربعين التي نزلت به ضيفا دون دعوة أو ~~استئذان. يا لها من حقيقة مرعبة! «وشعرة بيضاء في عارضي طالما ~~أوصيت الحلاق بمعالجتها، وقال الحلاق إن أمر الشعرة هين، ولكن ~~الشيب لا يلبث أن ينفجر. تبا لهما، للحلاق وللشيب، ووصف الرجل ~~صبغة مفيدة ولكني لن ألجأ إليها، بيد أن أبي بلغ الخمسين دون ~~أن تحترق له شعرة، أين أنا من أبي؟! لا في الشيب وحده؛ كان شابا ~~في الأربعين، وكان شابا في الخمسين، أما أنا! رباه، لم أفرط ~~أكثر مما فرط أبي ...» أرح رأسك وأتعب قلبك. ترى أكانت حياة هارون ~~الرشيد حقا كما يرويها الرواة؟ أين زنوبة من هذا كله؟! جانب من ~~الزواج خدعة بنت كلب، ولكن قوته في أنك تحتضن الخدعة ما حييت، ~~وسوف تدول دول وتنقلب أزمان، ولم يزل الدهر يتمخض عن امرأة ~~سارحة ورجل جاد في أثرها، الشباب لعنة، والكهولة لعنات، فأين ~~راحة القلب أين؟ وأتعس ما في الدنيا أن تتساءل يوما ذاهلا أين ~~أنا! # وغادر القهوة في منتصف العاشرة، فقطع العتبة متمهلا إلى شارع ~~محمد علي، ثم مال إلى حانة «النجمة»، وحيا «خالو» الماثل وراء ~~البار في وقفته التقليدية، فرد الرجل تحيته بابتسامة عريضة كشفت ~~عن أنياب صفر مثرمة، ثم أشار بذقنه إلى الحجرة الداخلية كأنما ~~ليخبره بأن أصحابه في الانتظار. وكان يمتد أمام البار دهليز ~~ينتهي إلى ثلاث حجرات متداخلة يضج جوها بالعربدة، فمضى إلى ~~الأخيرة منها، ms045 ولم يكن بها إلا نافذة واحدة ذات قضبان حديدية ~~تطل على عطفة الماوردي، قد صفت بها ثلاث موائد متفرقة في ~~الأركان، خلت اثنتان وأحدق بالثالثة أصحابه الذين استقبلوه مهللين، ~~شأنهم كل مساء. كان ياسين - رغم شكواه - أصغرهم سنا، أما أكبرهم ~~فكان أعزب من أصحاب المعاشات، يليه في مجلسه باشكاتب بالأوقاف، ~~فرئيس المستخدمين بإدارة الجامعة، ثم محام من ذوي الأملاك غير ~~مشتغل. كان الإدمان يلوح في سحناتهم نظرة ذابلة وبشرة محتقنة أو ~~بالغة الشحوب، وكانوا يتوافدون إلى الحانة فيما بين الثامنة ~~والتاسعة فلا يفارقونها إلا في الهزيع الأخير من الليل، يتجرعون ~~أردأ أنواع الخمر وأشدها مفعولا وأرخصها ثمنا، غير أن ياسين لم ~~يكن يلازمهم من البداية إلى النهاية، أو لم يكن يفعل ذلك إلا في ~~القليل النادر، وفيما عدا ذلك فكان يمضي معهم ساعتين أو ثلاثا ~~كيفما اتفق؛ وكالعادة استقبله الأعزب العجوز قائلا: أهلا بالحاج ~~ياسين .. # وكان يصر على وصفه بالحاج إكراما لاسمه المبارك، أما المحامي ~~وكان أشدهم إدمانا فقال: تأخرت يا بطل، حتى قلنا لقد عثر في ~~امرأة ستحرمنا من أنسه الليلة كلها. # فعلق الأعزب العجوز على كلام المحامي متفلسفا: لا يفرق بين ~~الرجل والرجل إلا امرأة! # فقال له ياسين مداعبا، وكان قد جلس فيما بينه وبين باشكاتب ~~الأوقاف: لا خوف عليك من هذه الناحية .. # فقال العجوز وهو يرفع الكأس إلى فيه: إلا لحظات شيطانية؛ فقد ~~تستثيرني بنت في الرابعة عشرة .. # فقال الباشكاتب: الاسم لطوبة والفعل لأمشير! ~~- لا أفهم ما تقصد بهذا الكلام البارد. ~~- ولا أنا فاهم! # وجاء خالو بالكأس والترمس، فتناول ياسين الكأس وهو يقول: يناير ~~هذا العام شايف كيفه. # فقال رئيس المستخدمين: لله في خلقه شئون، جاء يناير بالبرودة ~~ولكنه ذهب بتوفيق نسيم إلى غير رجعة! # فصاح المحامي: أنقذونا من السياسة، ما زلنا نسكر ونمز بالسياسة ~~حتى أخمدت أنفاسنا، شوفوا حكاية ثانية .. # فقال رئيس المستخدمين: حياتنا في الواقع سياسية ولا شيء غير ~~هذا .. ~~- أنت رئيس مستخدمين درجة سادسة، ما لك أنت والسياسة؟! # فقال الرئيس محتدا: درجة سادسة قديم ms046 من فضلك، من أيام ~~سعد! # فقال الأعزب العجوز: أنا درجتي السادسة من أيام مصطفى كامل؛ لذلك ~~أحلت بها على المعاش إكراما لذكراه .. اسمعوا، أليس من الأفضل أن ~~نسكر ونغني؟ # فقال ياسين وهو يهم بإفراغ كأسه: لنسكر أولا ~~يا والدي .. # لم يتمتع ياسين في حياته بنعمة الصداقة العميقة، ولكنه كان له في ~~كل مجلس - قهوة أو حانة - أصحاب، وكان يألف بسرعة ويؤلف بأسرع من ~~ذلك. ومنذ اتخذ هذه الحانة - تبعا لتطور حالته المادية - مجلسا ~~ليليا مختارا عرف هذه الجماعة، وتوثقت أسباب السمر بينهم، غير ~~أنه لم يقابل أحدا منهم في الخارج، ولم يسع إلى ذلك. جمع بينهم ~~الإدمان والاسترخاص، وكان رئيس المستخدمين أرقاهم مركزا، ولكنه ~~كان كثير العيال، أما المحامي فقد جاء هذه الحانة جريا وراء سمعة ~~خمرها القوية، بعد أن لم تعد تؤثر فيه الخمور النظيفة إلا في ~~النادر، ثم ألفها واعتادها، وجعل ياسين يشرب ويثرثر، قاذفا بنفسه ~~في دوامة العربدة التي تجتاح المكان وترتطم بأركانه. وكان العجوز ~~الأعزب أحب أفراد الجماعة إليه. ولم يكن يشبع من مداعبته خاصة ~~فيما يتعلق بالرموز الجنسية، فكان الرجل يحذره من الإفراط، ~~ويذكره بمسئولياته العائلية، فيقول له ياسين في استهانة ~~ومباهاة: «نحن قوم خلقنا لهذا، هكذا أبي، وهكذا كان جدي من قبل.» ~~وأعاد هذا القول في هذه السهرة، فتساءل المحامي مازحا: وأمك؟ .. ~~أكانت كذلك أيضا؟ # وضحكوا كثيرا، وضحك ياسين، غير أن قلبه غاص في صدره متوجعا، ~~وأفرط في الشراب، وخيل إليه رغم نشوته أنه يتدهور، فلا المكان ~~مكانه، ولا الخمر خمره، ولا اليوم يومه «وفي كل مكان يتغامزون ~~علي، فأين أنا من أبي؟ ليس أتعس من أن يزيد عمرك وتنقص نقودك، ~~بيد أن رحمة الشراب واسعة، تفيض عليك أنسا، أنسا رقيقا ~~وعزاء جميلا يهون عنده كل خطب، فقل ما أعظم مسرتي، لن يعود ~~العقار الذي ضاع، ولا الشباب الذي انقضى، ولكن الخمر تصلح أن تكون ~~خير رفيق على مدى العمر، رضعتها شابا يافعا، وها هي تؤنس ~~رجولتي، وسوف يهتز لها طربا رأسي المجلل بالمشيب، ms047 بذلك يفرح مني ~~القلب رغم العناء، وغدا عندما يستوي رضوان رجلا وتتهادى كريمة ~~عروسا، أشرب أنخاب السعادة في العتبة الخضراء، فما أعظم ~~مسرتي.» # وإذا بالجماعة تغني: «أسير العشق يا ما يشوف هوان» ثم غنت: ~~«يا جارة الوادي» في جو صاخب وأصوات معربدة، فردد الغناء ~~أقوام من سائر الحجرات والدهليز، ثم ساد صمت مرهق فعاد رئيس ~~المستخدمين يتحدث عن استقالة توفيق نسيم، ويتساءل عن المعاهدة التي ~~تهدف إلى حماية مصر من خطر إيطاليا؛ ذلك الجار الثقيل القائم في ~~ليبيا، فما كان من الجماعة إلا أن رددت في صوت واحد: «ارخى ~~الستارة اللي في ريحنا .. أحسن جيرانا تجرحنا» ورغم إفراط العجوز ~~في الشراب والعربدة؛ فقد احتج على هذه الإجابة الماجنة، ورماهم ~~بالهذر فيما يليق به الجد. فأجابوه في صوت واحد مرددين: «صحيح ~~خصامك والا هزار» فلم يسع الشيخ إلا أن يضحك، وأن يعود إلى ~~مشاركتهم بلا تحفظ. # وغادر ياسين الحانة عند منتصف الليل، فبلغ بيته في قصر الشوق ~~حوالي الواحدة صباحا. وكعادته كل ليلة جعل يمر بحجرات شقته ~~كأنما يقوم بجولة تفتيشية، فوجد رضوان في حجرته يذاكر، وقد رفع ~~الشاب رأسه عن كتاب القانون؛ ليتبادل مع والده ابتسامة. وكان الحب ~~بينهما عميقا، كذلك الاحترام رغم أن رضوان كان يعلم أن والده لا ~~يعود هذه الساعة إلا ثملا. أما ياسين فكان يعجب بجمال ابنه أيما ~~إعجاب، كما يعجب بذكائه واجتهاده، ويرى فيه وكيل نيابة المستقبل ~~الذي سيرفع من شأنه، ويعز من كبريائه، ويعزيه عن أمور كثيرة، ~~سأله: كيف تجد دروسك؟ # وأشار إلى نفسه كأنما يقول له: «نحن هنا.» فابتسم رضوان، وابتسمت ~~فيه عينا جدته هنية المكحولتان، فعاد أبوه يسأل: أيزعجك إذا درت ~~الفونوغراف؟ ~~- أما عني فلا. ولكن الجيران نائمون في هذه الساعة ~~المتأخرة. # فابتعد عن الحجرة وهو يقول هازئا: نوم العافية! # ومر بحجرة نوم «الأولاد» فوجد كريمة تغط في نومها على فراش ~~صغير، على حين بقي فراش رضوان في الجانب الآخر من الحجرة خاليا ~~ينتظر فراغه من مذاكرته. وخطر له لحظة أن يوقظها ms048 ليداعبها، ولكنه ~~ذكر ما يصحب إيقاظها في تلك الساعة من تذمر فعدل عن خاطرته. ~~واتجه صوب حجرته. أجمل الليالي في هذا البيت حقا هي ليلة الجمعة، ~~تلك العطلة المقدسة. فإذا عاد إلى بيته ليلة الجمعة - بصرف النظر ~~عن الساعة التي يعود فيها - فإنه لا يتردد في أن يدعو رضوان إلى ~~مجلسه بالصالة، ثم يوقظ كريمة وزنوبة، ويدير الفونوغراف، ويمضي في ~~محادثتهم وممازحتهم حتى الهزيع الأخير من الليل. كان مغرما بأسرته ~~- خاصة رضوان - أجل لم يكن يشغل نفسه - أو لم يكن لديه الوقت - ~~ليتابعهم برعايته وتوجيهه، تاركا أمرهم لعناية زنوبة وحكمتهم ~~الفطرية! ومهما يكن الأمر فإنه لم يطق لحظة واحدة أن يمثل حيالهم ~~الدور القاسي الذي مثله أبوه حياله، وكره من صميم قلبه أن يخلق ~~في قلب رضوان شعور الرهبة والخوف الذي كان يجده نحو أبيه! والحق ~~أنه لم يكن يستطيع ذلك حتى لو أراده. وعندما كان يجمعهم حوله بعد ~~منتصف الليل كان يفصح عن ولعه بهم دون تحفظ، وهو في نشوة من الخمر ~~والحب، كان يمازحهم ويسامرهم، وربما قص عليهم نوادر السكارى ~~الذين صادفهم في الحانة، غير عابئ بأثر ذلك في الأنفس البريئة، ~~مستهينا باحتجاجات زنوبة التي تومئ بها إليه من وراء وراء، فيبدو ~~وكأنما نسي نفسه وجرى على سجيته دون حذر أو مبالاة. # وفي حجرته وجد زنوبة - كالعادة - نائمة وليست بنائمة. هكذا ~~كانت أبدا، فقبل أن يلج الحجرة يترامى إليه شخيرها، حتى إذا ~~توسطها تحركت وفتحت عينيها وقالت بلهجتها الساخرة: «حمدا لله ~~على السلامة.» ثم تنهض لمعاونته على خلع ثيابه وترتيبها. وقد بدت ~~في صورتها الطبيعية أكبر من سنها، وكثيرا ما ظنها تماثله ~~سنا، ولكنها باتت أليفته واشتبكت جذورها بجذوره؛ تلك الغانية ~~القديمة التي نجحت في معاشرته فيما لم تنجح فيه سيدة من قبل، فأرست ~~حياته الزوجية على أساس متين، نعم لقد انتابت حياتهما في أول الأمر ~~معارك وعلا بها زئير ولكنها بدت دائما حريصة على حياتهما ~~الزوجية كل الحرص. ومع الأيام صارت أما، ومنيت بالثكل، فلم يبق ~~لها ms049 إلا كريمة، غير أن ذلك دعاها إلى مضاعفة الاستمساك بحياتها ~~الزوجية، خاصة بعد أن تهددها الذبول وناوأها الكبر المبكر، ثم ~~علمتها الأيام أن تتحلى بالصبر والمهادنة، وأن تتمرس بدور ~~«السيدة» بكل معنى الكلمة، وغالت في ذلك إلى حد أنها لم تكن تتبرج ~~خارج بيتها حتى فازت أخيرا باحترام بين القصرين، والسكرية إلى ~~حد ما! وكان من حسن سياستها أن تحمل نفسها على معاملة رضوان ~~معاملة كريمة بالغة الرقة والمودة، على الرغم من أنها لم تكن تجد ~~نحوه حبا، خاصة بعد أن ثكلت في الذكر الوحيد الذي أنجبته ~~لياسين، وكانت رغم تغيرها شديدة العناية بحسن هندامها وأناقتها ~~ونظافتها، وقد لاحظها ياسين باسما وهي تعيد ترتيب شعرها أمام ~~المرآة، ومع أنه كان يضيق بها أحيانا إلى حد الضجر، إلا أنه كان ~~يشعر بحق بأنها أصبحت شيئا ثمينا في حياته لا يمكنه الاستغناء ~~عنه بحال. وجاءت بشال فتلفعت به وهي تقفقف من البرد، وقالت ~~متشكية: ما أشد البرد! هلا رحمت نفسك من السهر في ~~الشتاء؟! # فقال ساخرا: الخمر تغير الفصول كما تعلمين، لم تتعبين نفسك ~~بالاستيقاظ؟ # فنفخت قائلة: فعلك متعب وكلامك متعب! # بدا في جلبابه كالمنطاد، ومسح بيده على كرشه وهو يرنو إلى المرآة ~~في ارتياح، وكانت عيناه السوداوان تشتعلان، ثم ضحك فجأة قائلا: لو ~~رأيتني وأنا أتبادل التحية مع العساكر! أمسى عساكر آخر الليل ~~أصدقائي الأعزاء! # فغمغمت وهي تتنهد: يا فرحتي! # 8 # كان منظر رضوان ياسين وهو يسير في الغورية بخطواته المتئدة مما ~~يلفت الأنظار حقا. كان في السابعة عشرة من عمره، مكحول العينين، ~~متوسط القامة مع ميل خفيف إلى الامتلاء، أنيق الملبس إلى حد ~~التبرج، ينتسب ببشرته الوردية إلى آل عفت؛ فهو يشع بهاء ونورا، ~~وتنم حركاته عن دلال من لا يخفى عليه جماله، وعندما مر بالسكرية ~~اتجه رأسه إليها فيما يشبه الابتسام، وذكر لتوه عمته خديجة ~~وابنيها عبد المنعم وأحمد، فوجد لذكرهما شعورا لا يخلو من فتور، ~~والحق أنه لم يجد من نفسه مشجعا - ولو مرة - على أن يتخذ أحدا ms050 من ~~أقربائه صديقا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وسرعان ما اجتاز بوابة ~~المتولي، ثم مال إلى الدرب الأحمر ، حتى بلغ به المسير باب بيت ~~قديم فطرقه وانتظر، وفتح الباب عن وجه حلمي عزت، صديق صباه، ~~وزميله اليوم بكلية الحقوق، ومنافسه - فيما بدا - في الجمال. ~~وتهلل وجه حلمي لرؤياه، ثم تعانقا وتبادلا قبلة كعادتهما عند ~~اللقاء. ومضيا معا يصعدان السلم، وفي أثناء ذلك جعل حلمي ~~ينوه بربطة رقبة صديقه وتجاوب لونها مع قميصه وجوربه، وكان ~~يضرب بهما المثل في الأناقة وحسن الذوق، فضلا عن أن اهتمامهما ~~بالملابس والموضة لم يكن دون اهتمامهما بالسياسة أو دراسة القانون. ~~وانتهيا إلى حجرة كبيرة عالية السقف، دل وجود الفراش والمكتب ~~بها على أنها معدة للنوم والمذاكرة معا. والحق أنهما طالما ~~سهرا بها يذاكران، ثم ناما جنبا إلى جنب على الفراش الكبير ذي ~~الأعمدة السوداء والناموسية. ولم يكن بيات رضوان خارج البيت بالشيء ~~الجديد؛ فقد اعتاد منذ صباه أن يدعى إلى أكثر من بيت لقضاء عدة ~~أيام، كبيت جده محمد عفت بالجمالية، أو بيت أمه بالمنيرة التي لم ~~تنجب غيره رغم زواجها من محمد حسن؛ ولذلك؛ ولميل أبيه الطبيعي إلى ~~اللا مبالاة، وترحيب زنوبة الخفي بكل ما يبعده عن بيتها ولو إلى ~~حين، لم يجد معارضة في البيات عند صديقه في مواسم المذاكرة، ثم صار ~~الأمر بعد ذلك مألوفا فلم يكن أحد ليعيره أي اهتمام. وفي مثل ~~هذا الجو من اللا مبالاة نشأ حلمي عزت. توفي أبوه - وكان مأمور قسم ~~- منذ عشرة أعوام. وفي ذلك الوقت كانت أخواته الست قد تزوجن، ~~فعاش وحده مع أمه العجوز. ووجدت المرأة صعوبة في بادئ الأمر في ~~السيطرة عليه، ثم ما لبث أن صار هو المسيطر على البيت كله. وكانت ~~المرأة تعيش على معاش زوجها الصغير، وإيجار الدور الأول من بيتها ~~القديم، فلم تعرف الأسرة الحياة الرهيفة منذ وفاة الأب، ولكن حلمي ~~لم يعجز عن مواصلة حياته المدرسية حتى التحق بكلية الحقوق، محافظا ~~في أثناء ذلك كله على ما تتطلبه حياته ms051 من مظاهر الاحترام. وكان ~~سرور حلمي بلقاء صديقه لا يعادله سرور، ولم تكن تطيب له أوقات ~~العمل أو الراحة إلا به؛ لذلك بعث وجوده في نفسه نشاطا وحماسة، ~~فأجلسه على الكنبة الملاصقة لباب المشربية وجلس إلى جانبه، وراح ~~يفكر في اختيار موضوع - وما أكثر المواضيع لمحادثته، غير أن نظرة ~~واجمة لاحت في عيني رضوان اعترضت تيار حماسه، فرنا إليه ~~متسائلا، ثم خمن ما هنالك فتمتم: زرت والدتك؟ أراهن أنك قادم ~~من هناك .. # أدرك رضوان أن صدق تخمين صاحبه يرجع إلى وجهه هو، فلاح الضجر في ~~عينيه، وهز رأسه بالإيجاب دون أن يتكلم، فسأله حلمي: وكيف ~~حالها؟ ~~- عال .. # ثم وهو يتنهد: ولكن هذا المدعو محمد حسن! أنت لم تعرف معنى أن ~~يكون لأمك زوج غير أبيك! # فقال حلمي مواسيا: كثيرا ما يقع هذا، لا عيب فيه، ثم إنه شيء ~~قديم! # فهتف رضوان حانقا: لا لا لا، إنه دائما في البيت، لا يبرحه إلا ~~إلى عمله في الوزارة، نفسي مرة أزورها فأجدها وحدها، ويطيب له أن ~~يمثل دور الوالد والمرشد، سحقا له، وعند كل مناسبة يذكرني بأنه ~~رئيس أبي في إدارة المحفوظات. ولا يتردد عن انتقاد مسلكه في عمله، ~~ولكني من ناحيتي لا أسكت له .. # وصمت دقيقة حتى يهدأ انفعاله، ثم واصل حديثه: أمي حمقاء إذ رضيت ~~أن تتزوج من هذا الرجل، ألم يكن الأفضل أن تعود إلى أبي؟ # وكان حلمي يعرف الكثير عن سيرة ياسين المشهورة، فقال باسما: في ~~العشق يا ما كنت أنوح! # فلوح رضوان بيده معاندا، وهو يقول: ولو! إن ذوق النساء سر ~~مخيف والأدهى من ذلك أنها فيما يبدو راضية! ~~- لا تسع وراء ما ينغص صفوك .. # فقال رضوان في نبرات حزينة: يا للعجب، إن جانبا عريضا من ~~حياتي ينضح بالتعاسة، إني أمقت زوج أمي ولا أحب امرأة أبي، جو ~~مشحون بالبغضاء إن أبي - كأمي - لم يحسن الاختيار، ولكن ماذا في ~~وسعي أن أفعل؟! وامرأة أبي تحسن معاملتي ولكن لا أتصور أنها تحبني، ~~هذه الحياة ما أرذلها! # وجاءت خادم ms052 عجوز بالشاي، فتحلب ريق رضوان الذي عانى في الطريق ~~من رياح فبراير القاسية. وساد الصمت وهما يذيبان السكر، وتغير ~~تعبير وجه رضوان فآذن ذلك بإنهاء السيرة المحزنة، ورحب حلمي بذلك ~~فقال في ارتياح: تعودت المذاكرة معك، فلا أدري كيف أذاكر ~~وحدي .. # فابتسم رضوان متجاوبا مع هذا الشعور الرقيق: ولكنه سأله فجأة: ~~هل اطلعت على المرسوم الصادر بتأليف وفد المفاوضة؟ ~~- نعم، ولكن كثيرين يلغطون متشائمين بالجو الذي يحيط بالمفاوضة، ~~ويبدو أن إيطاليا - التي تهدد حدودنا - هي محور المفاوضة الحقيقي، ~~والإنجليز من جانبهم يهددون في حال فشل الاتفاق! ~~- إن دماء الشهداء لم تبرد بعد، وعندنا دماء جديدة! # فهز حلمي رأسه قائلا: هذا كلام يقال. لقد سكت القتال وبدأ ~~الكلام، ما رأيك؟ ~~- على أي حال فإن للوفد أغلبية ساحقة في هيئة المفاوضة، تصور ~~أني سألت محمد حسن زوج أمي عن رأيه في الموقف، فقال لي ساخرا: ~~«أتتوهم حقا أن الإنجليز يمكن أن يخرجوا من مصر؟!» هذا هو الرجل ~~الذي ارتضته أمي زوجا! # فضحك حلمي عزت عاليا وسأله: وهل يختلف رأي أبيك عن ذلك؟ ~~- إن أبي يكره الإنجليز، وحسبه ذلك. ~~- أيكرههم من صميم قلبه؟ ~~- إن أبي لا يكره ولا يحب شيئا من صميم قلبه! ~~- إني أسألك عن رأيك أنت، فهل أنت مطمئن؟ ~~- لم لا، حتى متى تبقى القضية معلقة؟ أربعة وخمسون عاما من ~~الاحتلال، أف، لست أنا التعيس وحدي! # فتناول حلمي عزت آخر رشفة من قدحه وقال باسما: يبدو لي أنك كنت ~~تحادثني بهذه الحماسة عندما وقعت عيناه عليك! ~~- من؟ # فابتسم حلمي ابتسامة غريبة، وقال: كلما تحمست تورد وجهك وبرز ~~جمالك في أحسن أحواله، وفي لحظة من تلك اللحظات السعيدة رآك ولا شك ~~وأنت تحادثني، كان ذلك يوم ذهب وفد الطلبة إلى بيت الأمة داعين إلى ~~الاتحاد، لا تذكر ذلك اليوم؟ # فتساءل رضوان باهتمام لم يحاول إخفاءه: نعم، ولكن من هو؟ ~~- عبد الرحيم باشا عيسى! # فتفكر رضوان قليلا ثم تمتم: رأيته مرة عن بعد .. ~~- أما هو فقد رآك اليوم لأول مرة. # وارتسمت على وجه ms053 رضوان علامة استفهام، فعاد حلمي يقول: وعندما ~~قابلني عقب انصرافك سألني عنك، وطلب إلي أن أقدمك إليه في أول ~~فرصة! # وتبسم رضوان ثم قال: هات كل ما عندك. # فقال حلمي وهو يربت منكب صاحبه: دعاني وسألني بخفته - على فكرة ~~هو خفيف جدا: «من المليح الذي كان يحدثك؟» فأجبته أنه زميل في ~~الحقوق وصديق قديم واسمه كذا إلخ. فسألني باهتمام: «ومتى تقدمه ~~إلي؟» فسألته بدوري متجاهلا غرضه: «ولمه يا باشا؟» فانفجر ~~قائلا كالغاضب - هكذا تبلغ به خفة الروح أحيانا: «لأعطيه درسا ~~في الديانة يا ابن الكلب.» فضحكت بدوري حتى كتم فمي بيده .. # وساد الصمت لحظة دوت فيها الريح في الخارج، وترامى صوت ارتطام ~~ضلفة شباك بجدار، ثم علا صوت رضوان وهو يتساءل: سمعت عنه كثيرا، ~~أهو كما يقال؟ ~~- وأكثر .. ~~- لكنه عجوز! # فقال حلمي عزت وأساريره تنطق بالضحك دون صوت: هذا في المرتبة ~~الأخيرة من الأهمية، إنه رجل كبير المقام، ظريف، ذو نفوذ، ولعل ~~شيخوخته أجل فائدة من الشباب .. # فعاود رضوان الابتسام، ثم تساءل: أين منزله؟ ~~- فيلا هادئة في حلوان. ~~- آه تكتظ بالقاصدين من كافة الطبقات! ~~- سنكون ضمن مريديه، لم لا؟! إنه من شيوخ الساسة ونحن من ~~شبابهم! # فتساءل رضوان في شيء من الحذر: وزوجه وأولاده؟ ~~- يا لك من جاهل، إنه أعزب، لم يتزوج قط ولا يحب هذه السيرة، كان ~~وحيد أبويه، وهو يعيش وحده مع خدمه كأنه مقطوع من شجرة، وإذا ~~عرفته فلن تسلو عنه أبدا .. # وتبادلا نظرة باسمة طويلة تفيض بالمؤامرات، حتى قال حلمي عزت في ~~شيء من الجزع: سلني متى نذهب لزيارته من فضلك؟ فقال رضوان وهو ينظر ~~إلى ثمالة الشاي في قدحه: متى نذهب لزيارته؟ # 9 # لاح بيت عبد الرحيم باشا عيسى على ناصية شارع النجاة بحلوان آية في ~~البساطة والأناقة. فيلا سمراء مكونة من دور واحد يعلو عن الأرض ~~بمقدار ثلاثة أمتار تكتنفه حديقة أزهار، ويستهل بسلاملك. وكان ~~البيت والطريق والمنطقة المحيطة به غارقة في صمت مريح. وكان يجلس ~~على أريكة عند الباب البواب وسائق السيارة، بواب ms054 نوبي بارع ~~القسمات ممشوق القوام، وسائق في ريق الشباب مورد الخدين. وهمس ~~حلمي عزت في أذن رضوان وهو يمد بصره نحو السلاملك: صدق الباشا فيما ~~وعد، فلا زائر اليوم غيرنا! # وكان حلمي عزت معروفا لدى البواب والسائق، فوقفا لاستقباله في ~~أدب، ولما داعبهما ممازحا انطلقا يضحكان دون كلفة. وكان الجو قارص ~~البرودة رغم جفافه، فدخلا بهو استقبال آية في الفخامة، تتصدره ~~صورة كبيرة لسعد زغلول في بذلة التشريفة. ومال حلمي عزت إلى مرآة ~~ممتدة طولا حتى السقف تتوسط الجدار الأيمن، فألقى على صورته نظرة ~~متفحصة طويلة، فلم يتردد رضوان أن يلحق به، وأن يمتحن منظره بنظرة ~~مثلها، حتى قال حلمي باسما: قمران يرتديان بذلة وطربوشا، واللي ~~يعشق جمال النبي يصلي عليه! # وجلسا متجاورين على كنبة مذهبة ذات غطاء أزرق وثير. ومرت ~~دقائق ثم سمعت حركة آتية من وراء الستار المسدل على باب كبير تحت ~~صورة سعد، فاتجه ناحيتها رأس رضوان وقلبه يخفق باهتمام. وما لبث ~~أن تراءى الرجل في بذلة سوداء أنيقة، تنتشر بين يديه رائحة زكية، ~~وقد بدا داكن السمرة، حليق الوجه، نحيل الجسم، مائلا إلى الطول ~~نوعا، ذا قسمات دقيقة براها الكبر، وعينين صغيرتين ذابلتين، أما ~~طربوشه فقد مال إلى الأمام حتى كاد يمس حاجبيه، وكان يتقدم ~~هادئا وقورا في خطوات متقاربة وبطيئة معا، فانعكس منه إلى قلب ~~الشاب إجلالا وطمأنينة. ولازم الصمت حتى وقف أمام الشابين ~~اللذين وقفا لاستقباله، ثم تفحصهما بنظرة ثاقبة ثبتت على رضوان ~~طويلا حتى اختلج جفناه، ثم ابتسم فجأة، فشاع في الوجه القديم ~~إيناس وجاذبية قربت المسافة التي تفصل بينه وبينهما حتى لم تعد ~~شيئا. ومد حلمي يده فتناولها الآخر واستبقاها في يده، ثم مد ~~بوزه وانتظر، فأدرك حلمي غرضه وسرعان ما عرض له خده فقبله. ثم ~~نظر صوب رضوان قائلا بصوت رقيق: لا تؤاخذني يا بني، فهذه هي ~~طريقة السلام عندي .. # ومد رضوان يده في حياء، فتناولها الرجل وهو يتساءل ضاحكا: ~~وخدك؟ # فتورد وجه رضوان، وهتف حلمي مشيرا إلى نفسه: المخابرة ~~يا ms055 سعادة الباشا مع ولي الأمر! # فضحك عبد الرحيم باشا واكتفى بمصافحة رضوان، ثم دعاهما إلى الجلوس، ~~وهو يجلس على مقعد كبير على كثب منهما، وقال باسما: ولي أمرك ~~هذا ملعون يا رضوان، أليس هذا هو اسمك؟ أهلا وسهلا. لقد رأيتك في ~~صحبة هذا الولد الشقي، فراقني أدبك وتمنيت لقاءك، وها أنت لم تضن ~~علي به .. ~~- إني سعيد بالتشرف بمعرفتك يا سعادة الباشا. # فقال الرجل وهو يدير خاتما ذهبيا كبيرا في بنصر يسراه: ~~استغفر الله يا بني، لا تستعمل عبارات التعظيم وألقاب التفخيم، ~~إنني لا أحب شيئا من هذا كله، الذي يهمني حقا هو الروح اللطيف ~~والنفس الصافية والإخلاص، أما سعادة الباشا وسعادة البك فكلنا ~~أبناء آدم وحواء، الواقع لقد راقني أدبك فوددت لو أدعوك إلى بيتي، ~~فأهلا بك وسهلا، أنت زميل حلمي في كلية الحقوق، أليس ~~كذلك؟ ~~- نعم يا افندم، إننا زملاء من عهد خليل أغا ~~الابتدائية .. # فرفع الرجل حاجبيه الأشيبين في إعجاب قائلا: زمالة صبا! .. (ثم ~~وهو يهز رأسه): جميل، جميل، لعلك مثله من حي الحسين؟ ~~- نعم يا سيدي، ولدت في بيت جدي السيد محمد عفت بالجمالية وأقيم ~~الآن بمنزل والدي بقصر الشوق .. # فقال الرجل في سرور بلغ حد النشوة: أحياء مصر الأصيلة، البقاع ~~الطيبة، ما رأيك لقد عشت فيها دهرا مع المرحوم أبي في بيرجوان، ~~كنت وحيد أبوي، وكنت عفريتا، وطالما جمعت الصبيان في شبه زفة ~~ومضينا من حارة إلى حارة نعاكس طوب الأرض، ويا ويل الدنف لو ~~رماه القدر إلى طريقنا، وكان أبي يثور غضبه فيجري ورائي بالعصا، .. ~~قلت يا بني إن جدك هو محمد عفت؟ # فقال رضوان بفخار: نعم يا سيدي .. # فتفكر الباشا قليلا ثم قال: أذكر أني رأيته مرة في بيت نائب ~~الجمالية، رجل وجيه ووطني صادق، كاد يرشح نائبا في الانتخابات ~~القادمة لولا تنحيه في آخر لحظة لصديقه النائب القديم، إن ~~الاتحاد الأخير أوجب الصداقة في الانتخابات حتى يظفر إخواننا ~~الأحرار الدستوريون ببعض المقاعد، إذن أنت زميل حلمي في الحقوق! ~~جميل، القانون سيد الدراسات، ms056 وهو يتطلب لدراسته ذكاء لماحا، أما ~~عن المستقبل فما عليك إلا الاجتهاد! # وجد في نبراته الأخيرة ما يوحي بالوعد والتشجيع، فدب في قلبه ~~الطموح والحماسة فقال: نحن لم نفشل ولا مرة واحدة في حياتنا ~~الدراسية! ~~- برافو، هذا هو الأساس، بعد ذلك تجيء النيابة ثم القضاء وسيوجد ~~دائما من يفتح الأبواب المغلقة أمام المجتهدين، حياة القضاء شيء ~~عظيم، عمادها الذكاء اليقظ والضمير الحي. لقد كنت بفضل الله من ~~أبنائها الصادقين، وقد تركت القضاء للاشتغال بالسياسة، فالوطنية ~~تحتم علينا أحيانا أن نهجر أعمالنا المحبوبة، ولكن إلى اليوم ~~تجد من يضرب بنا المثل في العدالة والنزاهة، فضع نصب عينيك في ~~الاجتهاد والنزاهة وأنت حر بعد ذلك في حياتك الخاصة، قم بواجبك ~~وافعل ما تشاء، أما إذا قصرت في الواجب فلن يرى فيك الناس إلا ~~النقائص، ألا ترى أنه لا يحلو لكثير من الفضوليين إلا أن يقولوا ~~فلان الوزير به الداء الفلاني، وفلان الشاعر به الداء العلاني. ~~حسن، ولكن ليس كل المصابين وزراء وشعراء، فكن وزيرا وشاعرا أولا ~~وافعل بعد ذلك ما تشاء، لا يغيبن عن ذكائك هذا الدرس يا أستاذ ~~رضوان .. # وهنا قال حلمي عزت بخبث: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه، ~~أليس كذلك يا سعادة الباشا؟ فثنى الرجل رأسه إلى منكبه الأيمن، ~~وقال: طبعا، سبحان من له الكمال وحده، الإنسان ضعيف جدا ~~يا رضوان، ولكن عليه أن يكون قويا في الجوانب الأخرى. مفهوم؟ لو ~~تشاء أحدثك عن كبار الرجال في الدولة ولن تجد واحدا خاليا من ~~داء، وسوف نتحادث طويلا ونتدارس العبر كيما تكون لنا حياة موفورة ~~الكمال والسعادة .. # فنظر حلمي إلى رضوان قائلا: ألم أقل لك إن صداقة الباشا كنز لا ~~يفنى؟ # فقال عبد الرحيم عيسى موجها الخطاب إلى رضوان الذي لم تكد تتحول ~~عنه عيناه: إني أحب العلم وأحب الحياة وأحب الناس، وديدني أن آخذ ~~بيد الصغير حتى يكبر، وأي شيء في الدنيا خير من الحب؟! يجب إذا ~~واجهتنا مشكلة قانونية أن نحلها معا، وإذا فكرنا في المستقبل ~~أن نفكر ms057 معا، وإذا نازعتنا أنفسنا إلى الراحة أن نرتاح معا، ما ~~وجدت رجلا حكيما مثل حسن بك عماد، اليوم هو من رجال السلك ~~السياسي المعدودين، ودعك من أنه من أعدائي السياسيين، ولكنه كان ~~إذا تفرغ لبحث قتله، وإذا طرب رقص عاريا، الدنيا حلوة على شرط ~~أن تكون حكيما واسع .. الإدراك! ألست واسع الإدراك ~~يا رضوان؟ # فأجاب عنه حلمي عزت من فوره: إذا لم يكن فنحن على استعداد ~~لتوسيعه! # فأشرق وجه الباشا بابتسامة طفلية نمت عن رغبته التي لا حد ~~لها في المسرة، وقال: هذا الولد عفريت يا رضوان، لكن ما حيلتي؟ ~~إنه زميل صباك، يا بخته! ولست أنا القائل إن الطيور على أشكالها ~~تقع. لازم أنت أيضا عفريت، خبرني يا رضوان من أنت؟ هه. إنك ~~تركتني أتكلم بلا وعي وأنت صامت كدهاة السياسة، هه؟ قل يا رضوان ~~ماذا تحب وماذا تكره؟ # عند ذاك دخل الخادم حاملا صينية القهوة، وكان فتى أمرد شبيها ~~بالبواب والسائق، فشربوا أكواب الماء الممزوجة بالزهر، وجعل الباشا ~~يقول: الماء بالزهر شراب أهل الحسين، أليس كذلك؟ # فغمغم رضوان باسما: نعم يا سيدي. # فقال الباشا وهو يهز رأسه طربا: يا أهل الحسين مدد. # وضحكوا جميعا، حتى الخادم ابتسم وهو يغادر البهو، واستطرد ~~الباشا متسائلا: ماذا تحب؟ وماذا تكره؟ تكلم بصراحة يا رضوان، ~~دعني أيسر لك الجواب، أأنت مهتم بالسياسة؟ # فقال حلمي عزت: كلانا في لجنة الطلبة. ~~- هذا أول سبب للمقاربة بيننا، وهل لك في الأدب؟ # فأجاب حلمي عزت: إنه مغرم بشوقي وحافظ والمنفلوطي .. # فنهره الباشا قائلا: اسكت أنت، أريد يا أخي أن أسمع ~~صوته .. # فضحكوا، وقال رضوان باسما: إني أموت في شوقي وحافظ ~~والمنفلوطي .. # فقال الباشا بإعجاب: «أموت في!» يا له من تعبير! لا تسمعه إلا ~~في الجمالية. أهي نسبة إلى الجمال يا رضوان؟ إذن أنت من هواة «فضة ~~ذهب» و«في الليل لما خلي» و«من يكن» و«فنن يشيله وفنن يحطه» الله ~~.. الله! هذا سبب آخر للمقاربة بيننا يا جمالية، وهل تحب ~~الغناء؟ ~~- إنه من غواة ... ~~- اسكت أنت .. # فضحكوا مرة ms058 أخرى، وقال رضوان: أم كلثوم. ~~- جميل، لعلي من عشاق القديم، ولكن الغناء كله جميل، فأنا ~~أحبه، ثقيله وخفيفه، كما يقول المعري، أو أموت فيه، كما تقول ~~حضرتك، جميل جدا، الليلة عجب. # ودق جرس التليفون، فنهض الباشا إليه، ووضع السماعة على أذنه ~~وهو يقول: آلو! # أهلا أهلا معالي الباشا. ~~- ... ~~- وما وجه العجب في ذلك! ألا يجلس إسماعيل صدقي نفسه اليوم في ~~هيئة المفاوضات كزعيم من زعماء الوطن؟! ~~- ... ~~- أنا قلت رأيي للزعيم صراحة، وهو رأي ماهر والنقراشي ~~أيضا. ~~- ... ~~- آسف يا باشا، لا أستطيع، أنا لا أنسى أن الملك فؤاد هو الذي ~~عارض في ترقيتي يوما، والملك فؤاد آخر من يتكلم في الأخلاق، وعلى ~~أي حال سأقابلك غدا في النادي، سلام عليكم يا باشا .. # وعاد الرجل متجهم الوجه، ولكنه ما كاد يرى وجه رضوان حتى عاوده ~~الانشراح فواصل حديثه قائلا: نعم يا سيد رضوان، تعارفنا وما أجمل ~~التعارف! أنصحك بالاجتهاد، أنصحك بألا تتخلى عن الواجب والمثل ~~الأعلى، بعد ذلك أحدثك عن الطرب والهناء .. # وهنا نظر رضوان في ساعته، فلاح الجزع في وجه الباشا وقال: إلا ~~هذا! الساعة عدو مجالس الأنس. # فتمتم رضوان في شيء من الارتباك: ولكنا تأخرنا يا سعادة ~~الباشا. ~~- تأخرنا! أتعني أنه تأخر بي العمر! أخطأت يا بني، ما زلت أحب ~~السهر والجمال والغناء بعد الساعة الواحدة، السهرة لم تبدأ بعد، لم ~~نقل إلا بسم الله الرحمن الرحيم، لا تعترض. السيارة تحت أمركما حتى ~~الصباح، وبلغني أنك تبيت خارج البيت للمذاكرة، فلنذاكر، لم لا؟ ما ~~أحلى أن أعود إلى المدخل في القانون العام أو شيء من الشريعة، بهذه ~~المناسبة من يدرس لكم الشريعة؟ الشيخ إبراهيم نديم، مساه الله ~~بالخير، إنه كابتن عظيم، لا تدهش، سنؤرخ يوما لكل رجال العصر، ~~يجب أن تفهم كل شيء، ليلتنا ليلة محبة وصداقة، خبرني يا حلمي، ما ~~أنسب شراب لمثل هذه الليلة؟ # فقال حلمي باطمئنان: ويسكي وصودا وشواء. # فتساءل الباشا ضاحكا: وهل الشواء شراب يا شقي؟ # 10 # عقب الغداء من يوم الخميس يلتئم شمل أسرة خديجة ms059 على نحو لا يكاد ~~يتغير. وهكذا جمعت الصالة بين الأب إبراهيم شوكت وعبد المنعم وأحمد. ~~ولما كان من النادر أن تبقى خديجة دون عمل فقد جلست بينهم وهي ~~تطرز غطاء مائدة، وقد بدا الكبر أخيرا على إبراهيم شوكت بعد ~~مقاومة طويلة جبارة، فشاب شعره وترهل بعض الشيء، وإن حافظ ~~فيما عدا ذلك على صحة يحسد عليها. وكان يدخن سيجارة، ويأخذ ~~مكانه بين ابنيه في هدوء وطمأنينة، تعكس عيناه البارزتان نظرة ~~الخمول واللا مبالاة التقليدية، على حين لم ينقطع الشابان عن ~~الحديث، فيما بينهما حينا، أو مع الأب أو الأم التي شاركت في ~~الحديث دون أن ترفع رأسها عن عملها، وقد بدت كتلة عظيمة من الشحم ~~واللحم. لم يعد في الجو ما ينغص على خديجة صفوها؛ إذ لم يبق من ~~ينازعها السيادة على بيتها مذ توفيت حماتها. كانت تقوم بواجباتها ~~بهمة لا تخذلها أبدا، وترعى سمانتها بعناية فائقة وهي جوهر ~~جمالها كله، وتحاول فرض رعايتها على الجميع، الأب والابنين، فيطاوع ~~الرجل؛ وأما عبد المنعم وأحمد فيشق كل سبيله كما يرى مستعيذين ~~بحبها من سطوتها. وقد نجحت منذ سنوات في حمل زوجها على احترام ~~تقاليد الدين، فمارس الرجل الصلاة والصوم واعتادهما، وكان عبد المنعم ~~وأحمد قد شبا على ذلك من قبل، غير أن أحمد توقف عن أداء ~~الفريضة منذ عامين، وجعل يتهرب من استجواب أمه كلما استجوبته أو ~~يتعلل بعذر أو بآخر. وكان إبراهيم شوكت يحب ابنيه حبا جما، ~~ويعجب بهما أشد الإعجاب، وينوه في كل فرصة بنجاحهما المتواصل ~~الذي بلغ بعبد المنعم كلية الحقوق وبأحمد نهاية المرحلة الثانوية، ~~وفي ذلك كانت خديجة تقول في مباهاة: كل هذا ثمرة اهتمامي أنا، لو ~~ترك الأمر لك ما فلح أحدهما ولا كان له شأن .. # وقد ثبت أخيرا أنها نسيت مبادئ القراءة والكتابة لعدم الاستعمال ~~مما جعلها هدفا لسخرية إبراهيم، حتى اقترح ابناها أن يذكراها ~~بما نسيت ردا لجميلها الذي تباهي به، فغضبت قليلا وضحكت كثيرا، ~~ثم لخصت الحال في كلمة قائلة: لا حاجة بامرأة ms060 إلى الكتابة ~~والقراءة ما دامت لا تكتب رسائل غرام! # بدت في أسرتها سعيدة راضية، ولعل شهية عبد المنعم وأحمد لم تكن ~~تعجبها كثيرا، كما أن نحافتهما كانت تغيظها، فقالت باستياء: قلت ~~ألف مرة إنه يجب أن تغيرا ريقكما على البابونج ليفتح شهيتكما، ~~يجب أن تأكلا جيدا، ألا تريان أباكما كيف يأكل؟ # وابتسم الشابان وهما ينظران نحو أبيهما، فقال الرجل: ولماذا لا ~~تضربين المثل بنفسك، وأنت تأكلين كالطاحونة؟ # فقالت باسمة: إني أترك لهما الحكم والخيار. # فقال إبراهيم محتجا: عينك يا شيخة أصابتني؛ لذلك نصحني الدكتور ~~بأن أخلع أسناني .. # فلاحت في عينيها نظرة رقيقة، وقالت: لا تجزع، ستذهب بشرها، ~~ولن تشكو ألما بعد ذلك إن شاء الله .. # وهنا خاطبها أحمد قائلا: جارنا الساكن في الدور الثاني يرجو أن ~~يؤجل دفع الأجرة حتى الشهر القادم، قابلني على السلم فرجاني ~~في ذلك. فسألته وهي تنظر إليه مقطبة: وماذا قلت له؟ ~~- وعدته بأن أحدث أبي .. ~~- وهل حدثت أباك؟ ~~- ها أنا أحدثك أنت! ~~- إننا لا نشاركه في شقته فلا يجوز له أن يشاركنا في رزقنا، ولو ~~تساهلنا معه لتبعه ساكن الدور الأول، أنت لا تعرف الناس فلا تتدخل ~~فيما لا يعنيك .. # فنظر أحمد إلى أبيه متسائلا: ما رأيك يا بابا؟ # فابتسم إبراهيم شوكت قائلا: في عرضك لا تصدع دماغي، عندك ~~أمك .. # فعاد أحمد إلى أمه قائلا: إذا تساهلنا مع رجل مزنوق فلن ~~نجوع .. # فقالت خديجة بامتعاض: لقد حدثتني زوجه وأجلت لها الدفع فليرتح ~~بالك، ولكني أفهمتها أن أجرة المسكن واجبة كمصروفات الأكل والشرب، ~~أفي ذلك خطأ، إني ألام أحيانا لأني لم أتخذ من جاراتي صديقات، ~~ولكن من يعرف الناس يحمد الله على الوحدة. # فعاد أحمد يتساءل، وهو يغمز بعينه: وهل نحن خير من الناس؟ # فعبست خديجة قائلة: نعم، إلا إذا كان لك في نفسك رأي آخر! # فقال عبد المنعم: رأيه في نفسه أنه خير الناس جميعا، لا رأى إلا ~~رأيه، والحكمة موقوفة على رأسه! # فقالت خديجة متهكمة: ومن رأيه أيضا أن يستأجر الناس البيوت دون ~~دفع ms061 أجرتها! # فقال عبد المنعم ضاحكا: إنه غير مقتنع بأنه من حق بعض الناس أن ~~يملكوا بيوتا على الإطلاق .. # فقالت خديجة وهي تهز رأسها: يا عيني على الرأي ~~الفقري .. # وحدج أحمد أخاه بنظرة غاضبة، فهز عبد المنعم منكبيه باستهانة ~~وهو يقول: راجع نفسك قبل أن تغضب .. # فقال أحمد محتجا: يحسن بنا ألا نتناقش معا! ~~- بل انتظر حتى تكبر .. ~~- إنك أكبر مني بعام لا أكثر .. ~~- أكبر منك بيوم يعرف أكثر منك بسنة .. ~~- هذا المثل لا أومن به! ~~- اسمع، لا يهمني إلا شيء واحد، هو أن تعود إلى الصلاة ~~معي .. # فهزت خديجة رأسها بأسف وهي تقول: صدق أخوك، الناس تكبر تعقل، ~~أما أنت فأعوذ بالله منك، حتى أبوك صلى وصام، فكيف فعلت بنفسك ما ~~فعلت؟ إني أتساءل ليل نهار! # فقال عبد المنعم بصوت قوي شديد الثقة بنفسه: بالصراحة إن رأسه ~~يحتاج إلى تطهير من الداخل .. ~~- إنه .. ~~- اسمعي، هذا الشاب لا دين له، هذا ما بت أعتقده .. # فلوح أحمد بيده كالغاضب، وهتف متسائلا: من أين لك الحق في ~~الحكم على القلوب؟ ~~- الأفعال تنم عن السرائر (ثم وهو يداري ابتسامة): يا عدو ~~الله! فقال إبراهيم شوكت دون أن يخرج من هدوئه وطمأنينته: لا تتهم ~~أخاك ظلما. # وقالت خديجة مخاطبة عبد المنعم وهي تلحظ أحمد: لا تسلب أخاك أعز ما ~~يملك الإنسان، كيف لا يكون مؤمنا؟! إن آل أمه لا تنقصهم إلا ~~العمائم ليكونوا من رجال الدين، وكان جده من صميم رجال الدين. لقد ~~نشأنا فوجدنا من حولنا يصلون ويتعبدون كأننا في جامع! # فقال أحمد متهكما: مثل خالي ياسين ..! # وندت عن إبراهيم شوكت ضحكة، فقالت خديجة متظاهرة بالغضب: تكلم ~~عن خالك بأدب، ما له؟ قلبه عامر بالإيمان وربنا يهديه، انظر إلى ~~جدك وجدتك. ~~- وخالي كمال؟ ~~- خالك كمال من محاسيب الحسين، أنت لا تدري شيئا. ~~- بعض الناس لا يدرون شيئا .. # فسأله عبد المنعم محتدا: لو كان الناس جميعا مهملين في دينهم، ~~فهل يشفع لك ذلك؟ # فقال أحمد في هدوء: على أي حال اطمئن، فلن تؤخذ يوما ~~بذنبي! ms062 # وهنا قال إبراهيم شوكت: كفاكما خصاما، نفسي أراكما كرضوان ~~ابن خالكما .. # فحدجته خديجة بنظرة استياء، كأنما عز عليها أن يعد رضوان خيرا ~~من ابنيها؛ فقال إبراهيم موضحا رأيه: هذا الشاب على صلة بكبار ~~الساسة، شاب ذكي، وقد ضمن بذلك مستقبلا باهرا .. # فقالت خديجة غاضبة: لست من رأيك، رضوان شاب سيئ الحظ، ككل شاب ~~يحرمه سوء الحظ من رعاية أمه، وزنوبة «هانم» لا تهتم في الواقع ~~بأمره، أنا لا أنخدع بحسن معاملتها له فهذه سياسة كسياسة الإنجليز؛ ~~لذلك لا يقر للمسكين قرار، وأكثر أيامه يبيتها خارج بيته، أما ~~صلته بالكبراء فلا معنى لها، إنه طالب مع عبد المنعم في سنة واحدة، ~~فما معنى هذا التداخل الخطير: أنت لا تعرف كيف تضرب ~~الأمثال .. # فرمقها إبراهيم بنظرة كأنما يقول لها: «لا يمكن أن تقريني ~~على رأي»، ثم قال مواصلا إيضاح رأيه: ليس الشبان اليوم كما ~~كانوا في الزمن الماضي، السياسة غيرت كل شيء، فكل كبير له مريدوه ~~منهم، والطموح الذي يريد أن يشق سبيله في الحياة لا بد له من ~~كبير يرجع إليه، إن مكانة والدك الكبيرة تقوم على اتصالاته الوثيقة ~~بالكبراء! # فقالت خديجة بكبرياء: أبي يسعى الناس إلى التعرف به ولا يسعى هو ~~إلى أحد، أما عن السياسة فأبنائي لا شأن لهم بها، لو أتيح لهما أن ~~يريا خالهما الشهيد لأدركا من نفسيهما معنى كلامي، بين يحيا فلان ~~ويسقط علان يهلك أبناء الناس، ولو عاش المرحوم فهمي لكان من أكبر ~~القضاة اليوم .. # فقال عبد المنعم: لكل طريقته، نحن لا نقلد أحدا، ولو أردنا أن ~~نكون كرضوان لكنا .. # فقالت خديجة: أحسنت! # وقال له أبوه باسما: أنت كأمك، وكلاكما لا تساويان ~~شيئا .. # ودق الباب، فجاءت الخادم تؤذن بقدوم الجارة الساكنة في الدور ~~الأول، فقالت خديجة وهي تهم بالقيام: ماذا تريد يا ترى؟ .. إن ~~كان في الأمر تأجيل دفع أجرة فلن يفصل بيننا إلا قسم ~~الجمالية! # 11 # كان الموسكي شديد الزحام، اكتظ بأهله، وما أكثرهم! فضلا عما ~~استجد عليه ذلك اليوم من تيارات بشرية تدفقت ms063 من ناحية العتبة. ~~وكانت شمس أبريل الصافية تقذف لهبا، فشق عبد المنعم وأحمد سبيلهما ~~في جهد غير يسير وهما يتصببان عرقا. وقال أحمد وهو يتأبط ذراع ~~أخيه: حدثني عن شعورك .. # فتفكر عبد المنعم قليلا، ثم راح يقول: لا أدري، الموت رهيب، فما ~~بالك بموت ملك، وكان طريق الجنازة مكتظا بالناس بصورة لم أشهدها ~~من قبل، أنا لم أشهد جنازة سعد زغلول حتى أستطيع المقارنة بين ~~الجنازتين، ولكن يبدو لي أن أكثر الناس كان متأثرا على نحو ما، ~~وبعض النساء يبكين .. نحن المصريين قوم عاطفيون .. ~~- لكني أسألك عن شعورك أنت؟ # فعاد عبد المنعم يفكر وهو يتفادى من الارتطام بالناس، ثم قال: لم ~~أكن أحبه، وهذا اعتنقناه جميعا، فأنا لم أحزن، ولكنني لم أسر ~~كذلك، تابعت النعش بعين من لا قلب له، لا له ولا عليه، غير أن ~~فكرة الجبار في النعش أثرت في، لا يمكن أن يمر منظر كهذا ~~دون أن يؤثر في، لله الملك جميعا، هو الحي الباقي فليت الناس ~~يعلمون، غير أنه لو مات الملك قبل أن تتغير الحالة السياسية التي ~~كانت قائمة لزغرد كثيرون وكثيرون جدا .. وأنت ما شعورك؟ # فقال أحمد باسما: أنا لا أحب الطغاة أيا كانت الحالة ~~السياسية! ~~- هذا حسن، ولكن منظر الموت .. ~~- ولا أحب الرومانتيكية المريضة! # فتساءل عبد المنعم في ضجر: أسررت إذن؟ ~~- تمنيت أن يمتد بي العمر حتى أرى العالم وقد خلص من كافة ~~الطغاة على اختلاف أسمائهم وأوصافهم .. # وسكتا قليلا وكان التعب قد نال منهما كل منال، ثم عاد أحمد ~~يتساءل: وماذا عما بعد ذلك؟ # فقال عبد المنعم بلهجة اليقين التي اشتهر بها: فاروق غلام، ليس له ~~دهاء أبيه ولا نابه الأزرق، فإذا سارت الأمور سيرا حسنا، فنجحت ~~المفاوضات، وعاد الوفد إلى الحكم، فسوف تستقر الأمور وينقضي عهد ~~المؤامرات، .. المستقبل حسن فيما يبدو .. ~~- والإنجليز؟ ~~- إذا نجحت المفاوضات انقلب الإنجليز أصدقاء، وبالتالي ينقطع ~~التحالف القائم بين السراي والإنجليز ضد الشعب، فلا يجد الملك ~~بدا من احترام الدستور .. ~~- الوفد خير من غيره .. ~~- بلا شك، إنه ms064 لم يحكم طويلا حتى يعرف مدى قدرته، وقريبا تكشف ~~التجربة عن إمكانياته الحقيقية، إني أوافقك على أنه خير من غيره، ~~ولكن طموحنا لن يقف عنده! .. ~~- طبعا، إني أومن بأن حكم الوفد نقطة ابتداء حسنة لتطور أعظم، ~~وهذا كل ما هنالك، ولكن هل نتفق مع الإنجليز حقا؟ ~~- إما الاتفاق وإما العودة إلى عهد صدقي، في أمتنا احتياطي من ~~الخونة لا ينفد، كل مهمته دائما تأديب الوفد إذا قال الإنجليز ~~«لا»، وإنهم لفي الانتظار وإن انضموا اليوم إلى صفوف الأمة، صدقي ~~ومحمد محمود وغيرهما في الانتظار، هذه هي المأساة .. # وعندما بلغا السكة الجديدة وجدا نفسيهما فجأة أمام جدهما أحمد ~~عبد الجواد الذي كان متجها صوب الصاغة، فتقدما إليه، وسلما عليه ~~بإجلال، فسألهما باسما: من أين وإلى أين؟ # فقال عبد المنعم: كنا نتفرج على جنازة الملك فؤاد .. # فقال الرجل دون أن تفارق الابتسامة شفتيه: سعيكما مشكور! # ثم صافحهما ومضى كل إلى حال سبيله، وأتبعه أحمد نظره قليلا، ~~ثم قال: جدنا ظريف وأنيق. لقد ملأ أنفي شذا طيبا .. ~~- نينة تروي عن جبروته الأعاجيب .. ~~- لا أظنه جبارا، هذا شيء لا يصدق. # فضحك عبد المنعم قائلا: إن الملك فؤاد نفسه بدا في أواخر عهده ~~لطيفا طيبا .. # وضحكا معا. ومضيا إلى قهوة أحمد عبده. وفي الحجرة المواجهة ~~للنافورة رأى أحمد شيخا مرسل اللحية حاد البصر يتوسط جمعا من ~~الشبان يتطلعون إليه في اهتمام، فتوقف وهو يقول لأخيه: الشيخ علي ~~المنوفي صديقك، أخرجت الأرض أثقالها، ينبغي أن أتركك هنا .. # فقال له عبد المنعم: تعال اجلس معنا، أحب أن تجالسه وتسمع له، ~~ناقشه كيفما شئت، كثير ممن حوله من طلبة الجامعة .. # فقال أحمد وهو يخلص ذراعه من ذراع أخيه: لا يا عم، كدت مرة ~~أشتبك معه في عراك، أنا لا أحب المتعصبين، مع السلامة .. # فحدجه عبد المنعم بنظرة انتقاد، ثم قال بحدة: مع السلامة، ربنا ~~يهديك .. # وأقبل عبد المنعم على مجلس الشيخ علي المنوفي ناظر مدرسة الحسين ~~الأولية، فنهض الرجل لاستقباله - وقد نهض معه جميع الجلوس حوله - ~~وتعانقا، ثم ms065 جلس الشيخ وجلسوا وهو يتساءل متفحصا عبد المنعم بعينيه ~~الحادتين: لم نرك أمس؟ ~~- المذاكرة .. ~~- الاجتهاد عذر مقبول ، وما لأخيك قد تركك وذهب؟ # فابتسم عبد المنعم ولم يجب، فقال الشيخ علي المنوفي: ربنا الهادي، ~~لا تعجبوا له. لقد صادف مرشدنا كثيرين من أمثاله هم اليوم من أشد ~~المخلصين لدعوته؛ ذلك أن الله إذا أراد لقوم هداية فلن يكون ~~للشيطان عليهم من سلطان، ونحن جنود الله، ننشر نوره ونحارب عدوه، ~~وهبنا أرواحنا له من دون الناس، فما أسعدكم جنود الله .. # وقال أحد الجالسين: ولكن مملكة الشيطان كبيرة! # فقال الشيخ علي المنوفي معاتبا: انظروا إلى من يخاف ~~دنيا الشيطان والله معه! ماذا نقول له؟ نحن مع الله والله معنا ~~فماذا نخاف؟ من من جنود الأرض يتمتع بقوتكم؟ وأي سلاح أحد ~~من سلاحكم؟ # الإنجليز والفرنسيون والألمان والطليان جل اعتمادهم على ~~الحضارة المادية، أما أنتم فاعتمادكم على الإيمان الصادق، إن ~~الإيمان يفل الحديد، الإيمان أقوى قوة في العالم، املئوا قلوبكم ~~الطاهرة بالإيمان تخلص الدنيا لكم .. # فقال آخر: نحن مؤمنون، ولكننا أمة ضعيفة. # فكور الشيخ قبضته وشد عليها وهو يهتف: إذا كنت تستشعر ضعفا ~~فإيمانك يعتريه نقص وأنت لا تدري، الإيمان خالق القوة وباعثها، إن ~~القنابل تصنعها أيد كأيدينا وهي ثمرة القوة قبل أن تكون من ~~مسبباتها، كيف انتصر النبي على أهل الجزيرة؟ وكيف قهر العرب العالم ~~كله؟ # فقال عبد المنعم بحماسة: الإيمان .. الإيمان .. # غير أن صوتا رابعا تساءل: ولكن كيف كان للإنجليز هذه القوة وهم ~~قوم غير مؤمنين؟ # فابتسم الشيخ متخللا لحيته بأصابعه وهو يقول: لكل قوي ~~إيمانه، إنهم يؤمنون بالوطن وبالمصلحة، أما الإيمان بالله؛ فهو فوق ~~كل شيء، وأحرى بالمؤمنين بالله أن يكونوا أقوى من المؤمنين بالحياة ~~الدنيا، فتحت أيدينا نحن المسلمين ذخيرة مدفونة يجب أن ~~نستخرجها، يجب أن يبعث الإسلام كما بعث أول مرة، نحن مسلمون ~~اسما فيجب أن نكون مسلمين فعلا. لقد من الله علينا بكتابه ~~فتجاهلناه فحقت الذلة علينا، فلنعد إلى الكتاب، هذا هو شعارنا، ~~العودة إلى القرآن، بذلك نادى المرشد ms066 في الإسماعيلية، ومن ساعتها ~~ودعوته تسري في الأرواح، غازية القرى والدساكر حتى تملأ القلوب ~~جميعا .. ~~- ولكن أليس من الحكمة أن نتجنب السياسة؟ ~~- الدين هو العقيدة والشريعة والسياسة، إن الله أرحم من أن يترك ~~أخطر أمور الإنسانية دون تشريع وتوجيه، وهذا في الواقع هو درسنا ~~الليلة .. # كان الشيخ شديد الحماسة، وكانت طريقته أن يقرر حقيقة ما، ثم ~~تدور حولها المناقشات ما بين أسئلة من مريديه وأجوبة عليها منه، ~~يقوم أكثرها على الاستشهاد بالقرآن والحديث، وكان يتحدث وكأنه ~~يخطب، أو كأنه يخطب الجالسين في القهوة جميعا. فسمعه أحمد وهو ~~جالس في أقصى المكان، يحتسي الشاي الأخضر، وعلى شفتيه ابتسامة ~~ساخرة. وكان يقيس الشقة بينه وبين هذه المجموعة المتحمسة في عجب، ~~ويجد نحوها ازدراء وغضبا، وثار به التحدي مرة فهم بأن يطلب من ~~الشيخ أن يخفض من صوته حتى لا يعكر على رواد القهوة صفاء ~~راحتهم، ولكنه عدل عما هم به في اللحظة التي تذكر وجود أخيه ~~بينهم. وأخيرا لم يجد بدا من مغادرة القهوة، فقام ساخطا ~~وغادرها .. # 12 # عاد عبد المنعم إلى السكرية حوالي الثامنة مساء. وكان الجو سكت ~~حنقه فمال إلى اللطافة وشاعت فيه رقة الربيع. كان الدرس ما يزال ~~يكبر في رأسه ويتردد في قلبه، ولكن أعياه الجهد والفكر. وعبر حوش ~~البيت في ظلام دامس ثم اتجه إلى السلم، وفي تلك اللحظة فتح ~~باب الدور الأول، وعلى الضوء المنبعث من داخل الشقة رأى شبحا ~~يتسلل إلى الخارج ثم أغلق الباب وراءه وسبقه إلى السلم. وخفق ~~قلبه وجرى دمه حارا كحشرة هيجها القيظ. رآها في الظلام تنتظر ~~عند أول بسطة وتتطلع نحوه فتطلع نحوها، ولم يتحول عنها رأسه، ~~وعجب كيف يستغفل الصغار الكبار، فهذه الصغيرة غادرت بيتها بحجة ~~زيارة الجيران، وسوف تزور الجيران، ولكن بعد خوض مغامرة خطيرة فوق ~~بسطة السلم المستكنة في الظلام. ولتوه وجد رأسه فارغا. ~~تبخر ما كان يصطرع فيه من أفكار وتطاير، وتركز هو في رغبة ~~واحدة هي أن يشبع النهم الذي بات يؤرق أعصابه وأعضاءه. أما ms067 ذلك ~~الإيمان الصادق فيبدو أنه ولى غاضبا، أو غاص في الأعماق يدمدم ~~حانقا ولكن صوته ضاع في أزيز النار المستعرة. أليست هي فتاته؟ ~~بلى، تشهد بذلك حنايا الحوش وبئر السلم وركن السطح المطل على ~~السكرية. وكانت بلا ريب ترقب عودته لتلتقي به في اللحظة المناسبة. ~~كل هذا العناء من أجله هو! ومضى متعجلا حذرا حتى وقف إزاءها على ~~البسطة، لا يكاد يفصل بينهما شيء، وقد سطع أنفه شذا شعرها، ودغدغ ~~عنقه تردد أنفاسها. وربت منكبها برقة هامسا: نصعد إلى البسطة ~~الثانية فنكون في موضع آمن من هذا. # تقدمته دون أن تنبس فتبعها محاذرا. وبلغا البسطة الثانية فيما ~~بين الدورين. فوقفت مستندة إلى الجدار ووقف بين يديها، ثم أحاطها ~~بذراعيه فقاومته بحكم العادة مقدار ثانية ثم سكنت في ~~حضنه .. ~~- حبيبتي .. ~~- انتظرتك في النافذة، نينة مشغولة باستعدادات شم ~~النسيم .. ~~- كل سنة وأنت طيبة، دعيني أشم النسيم بين شفتيك .. # والتقت شفتاهما في قبلة طويلة جائعة. ثم تساءلت: أين ~~كنت؟ # ذكر في سرعة خاطفة درس السياسة في الإسلام، ولكنه أجاب: مع بعض ~~الأصدقاء في القهوة .. # قالت بلهجة تشي بالاحتجاج: القهوة ولم يبق على الامتحان إلا ~~شهر؟ ~~- ولكني أعرف واجبي، سأقبلك قبلة ثانية جزاء سوء ظنك ~~بي .. ~~- صوتك عال، أنسيت أين نحن؟ ~~- نحن في بيتنا، في غرفتنا، هذه البسطة هي غرفتنا! ~~- العصر وأنا ذاهبة إلى خالتي نظرت إلى فوق لعلي أراك في ~~النافذة، فإذا بوالدتك تطل على الحارة فالتقت عيني بعينها ~~فارتعدت من الخوف. ~~- ماذا خفت؟ # خيل إلي أنها عرفت عمن أبحث وأنها كشفت سري .. ~~- تعنين سرنا، إنه شيء واحد يربطنا، ألسنا الآن شيئا ~~واحدا؟ # وضمها إلى صدره بعنف في رغبة جامحة، وفي الوقت نفسه. كأنما ~~كان يجد هاربا من أصوات المعارضة الخافتة في أعماقه باستسلام ~~يائس، فلفحته نيران متأججة، واحتوته قوة قادرة على إذابة اثنين في ~~دوامة واحدة .. # وند عن الصمت تنهيدة ثم تردد أنفاس، وشعر أخيرا بأنه هو وأنها ~~هي وأن الظلام يضم شبحين. ثم جاءه همسها الرقيق يقول في استحياء: ~~نتقابل غدا؟ ms068 # فرد في امتعاض حاول ما استطاع التستر عليه: نعم .. نعم، ~~ستعلمين في حينه. ~~- أخبرني الآن .. # فقال والامتعاض يزداد ثقلا على قلبه: لا أدري كيف يكون وقتي ~~غدا! ~~- لمه؟ .. ~~- اذهبي بالسلامة، سمعت صوتا! ~~- كلا، لا صوت هناك .. ~~- لا ينبغي أن يجدنا أحد هكذا .. # وربت كتفها كأنما يربت خرقة ملوثة، وتخلص من ذراعيها في ~~رقة مفتعلة ثم رقي في السلم على عجل. # كان والداه جالسين في الصالة يستمعان إلى الراديو، وكانت حجرة ~~المكتب مغلقة الباب مضاءة الشراعة مما دل على أن أحمد يذاكر، ~~فحياهما تحية المساء وقصد حجرة النوم ليخلع ملابسه. واستحم، ~~وتوضأ، وعاد إلى حجرته فصلى، ثم تربع على سجادة الصلاة وراح في ~~تأمل عميق. كانت عيناه ترنوان بنظرة حزينة، وكان صدره يضطرم ~~شجنا، وهفت نفسه إلى البكاء، ودعا ربه أن يطرد الشيطان عن سبيله ~~وأن يشد أزره في مقاومة الغواية. ذلك الشيطان الذي يعترضه في ~~صورة فتاة ويندفع في دمه رغبة جامحة. ودائما أبدا يقول عقله لا ~~فيقول قلبه نعم، ثم يتلقفه ذلك الصراع المخيف الذي ينتهي بالهزيمة ~~والندم. كل يوم تجربة وكل تجربة جحيم فمتى ينقضي هذا العذاب؟! إن ~~نضاله الروحي كله مهدد بالخراب وكأنما يبني قصورا في الهواء ولن ~~يقر قرار لغارق في الطين، فليت الندم يستطيع أن يرجع ساعة ~~مضت. # 13 # أخيرا اهتدى أحمد إبراهيم شوكت إلى مبنى مجلة «الإنسان الجديد» ~~بغمرة. كان المبنى يقع في مكان وسط بين محطتي الترام، وكان مكونا ~~من دورين وبدروم، فأدرك لأول وهلة أن الدور الأعلى مسكن كما ~~استدل من الغسيل المعلق في شرفته، أما الدور الأول فقد ثبتت ~~لافتة باسم المجلة على بابه، وأما البدروم فقد خصص للمطبعة التي ~~رأي آلاتها خلال قضبان النوافذ. وصعد درجات أربعا إلى الدور ~~الأول، ثم سأل أول من التقى به - وكان عاملا يحمل بروفات - عن ~~الأستاذ عدلي كريم صاحب المجلة، فأشار الرجل إلى باب مغلق في ~~نهاية صالة خالية من الأثاث حيث تراءت لافتة رئيس التحرير، فمضى ~~إليه وهو يتلفت فيما حواليه عله يجد ms069 حاجبا ولكنه ألفى نفسه ~~منفردا بالباب فتردد لحظة ثم طرقه برقة حتى جاءه صوت من الداخل ~~يقول: «ادخل»، ففتح الباب ودخل، فالتقت عيناه في نهاية الحجرة ~~بعينين واسعتين تحدقان به متسائلتين من تحت حاجبين كثيفين ~~أشيبين، فرد الباب وراءه وقال بصوت المعتذر: لا مؤاخذة، دقيقة ~~واحدة .. # فقال الرجل بصوت رقيق: تفضل .. # وتقدم أحمد من مكتب كدست فوقه الكتب والأوراق، ثم سلم على ~~الأستاذ الذي قام لاستقباله، ثم جلس بعد أن جلس الرجل وأذن له في ~~الجلوس. شعر بالارتياح والزهو وهو يرنو إلى الأستاذ الكبير الذي ~~تلقى عنه النور والعرفان في الأعوام الثلاثة الماضية، سواء عن ~~مؤلفاته أم مجلته، فراح يملأ عينيه من الوجه الشاحب الذي وخط الشيب ~~شعره وعلاه الكبر فلم يبق له من أمارات الفتوة إلا عينان عميقتان ~~تشعان بريقا نافذا. هذا أستاذه، أو أبوه الروحي كما يدعوه، ~~وإنه الآن في حجرة الوحي التي لا جدران لها ولكن رفوف من الكتب ~~تمتد عاليا حتى السقف. # وقال الأستاذ بلهجة المتسائل: أهلا وسهلا؟ # فقال أحمد بلباقة: جئت لأسدد الاشتراك. # ولما اطمأن إلى الأثر الطيب الذي أحدثه قوله استدرك قائلا: ~~وأسأل عن مصير مقالة أرسلتها إلى المجلة منذ أسبوعين. # فابتسم الأستاذ عدلي كريم وهو يتساءل: اسم حضرتك؟ ~~- أحمد إبراهيم شوكت. # فارتسمت على جبين الأستاذ تقطيبة التذكر ثم قال: إني أذكرك، أنت ~~أول مشترك في مجلتي. نعم، وجئتني بثلاثة مشتركين، هه؟ إني أذكر اسم ~~شوكت، وأظنني أرسلت لك خطاب شكر باسم المجلة؟ # فقال أحمد في ارتياح ممتنا لهذا التذكر الجميل: جاءني كتاب ~~من حضرتك اعتبرتني فيه «صديق المجلة الأول»! ~~- هذا حق، إن مجلة الإنسان الجديد مجلة مبدأ ولا بد لها من ~~أصدقاء مؤمنين كي تشق طريقها في زحمة مجلات الصور والاحتكار، ~~فأنت صديق المجلة، أهلا وسهلا، ولكنك لم تشرفنا بالزيارة من ~~قبل؟ ~~- كلا، إني لم آخذ البكالوريا إلا في هذا الشهر. # فضحك الأستاذ عدلي كريم قائلا: أنت فاهم أن المجلة لا يزورها ~~إلا الحاصل على البكالوريا؟! # فابتسم أحمد في ارتباك وقال: كلا طبعا، ms070 أعني أني كنت ~~صغيرا. # فقال الأستاذ جادا: لا يليق بقارئ الإنسان الجديد أن يحسب ~~العمر بالسنين، في بلادنا شيوخ قد جاوزوا الستين ولكنهم ما زالوا ~~شبانا بعقولهم، وفيها شبان في ربيع العمر ولكنهم معمرون - منذ ~~ألف عام أو أكثر - بعقولهم، وهذا هو داء الشرق .. (ثم بلهجة ~~أرق): وهل أرسلت إلينا مقالات من قبل؟ ~~- ثلاث مقالات كان مصيرها الإهمال، ثم مقالة أخيرة كنت أطمع في ~~نشرها! ~~- عن ماذا؟ لا تؤاخذني فإني أتلقى عشرات المقالات ~~يوميا؟ ~~- عن رأي لوبون في التعليم وتعليقي عليه! ~~- على أي حال ستبحث عنها في السكرتارية - الحجرة المجاورة ~~لحجرتي - وتعلم بمصيرها .. # وهم أحمد بالقيام ولكن الأستاذ عدلي أشار إليه بالاستمرار في ~~الجلوس وهو يقول: المجلة اليوم في شبه إجازة، أرجو أن تمكث معي ~~قليلا لنتحدث. # فتمتم أحمد بارتياح عميق: بكل سرور يا افندم. ~~- قلت إنك أخذت البكالوريا هذا العام، كم سنك؟ ~~- ستة عشر عاما. ~~- سن مبكرة، حسن، هل المجلة منتشرة في المدارس الثانوية؟ ~~- كلا للأسف .. ~~- أعلم هذا، أكثرية قرائنا في الجامعة، القراءة في مصر ملهاة ~~رخيصة، ولن نتطور حتى نؤمن بأن القراءة ضرورة حيوية. # ثم بعد قليل من الصمت: وما حال التلاميذ؟ # فنظر إليه أحمد متسائلا كأنما يستزيده تفسيرا لقوله، فقال ~~الرجل: إني أسأل عن الناحية السياسية باعتبارها أوضح من ~~غيرها .. ~~- الأغلبية الساحقة من التلاميذ وفديون .. ~~- ولكن ثمة كلام عن حركات جديدة؟ ~~- مصر الفتاة؟ .. لا وزن لها، فرقة تعد على الأصابع، الأحزاب ~~الأخرى لا أنصار لها إلا أقارب زعمائها، وهناك قلة لا تهتم بشئون ~~الأحزاب كافة، وآخرون - وأنا منهم - نفضل الوفد على غيره ولكننا ~~نطمع فيما هو أكمل .. # فقال الرجل بارتياح: هذا ما أسأل عنه، الوفد حزب الشعب، وهو ~~خطوة تطورية خطيرة وطبيعية في آن واحد، كان الحزب الوطني حزبا ~~تركيا دينيا رجعيا، أما الوفد فهو مبلور القومية المصرية ~~ومطهرها من الشوائب والخبائث، إلى أنه مدرسة الوطنية ~~والديمقراطية، ولكن المسألة أن الوطن لا يقنع، وما ينبغي له أن ~~يقنع، بهذه المدرسة، نريد مرحلة جديدة من التطور، نريد مدرسة ms071 ~~اجتماعية، لأن الاستقلال ليس بالغاية الأخيرة، ولكنه الوسيلة لنيل ~~حقوق الشعب الدستورية والاقتصادية والإنسانية. # فهتف أحمد بحماس: ما أجمل هذا الكلام! ~~- ولكن ينبغي أن يكون الوفد نقطة البدء، أما مصر الفتاة فحركة ~~فاشستية رجعية مجرمة، ليست دون الرجعية الدينية خطرا، وهي ليست ~~إلا صدى للعسكرية الألمانية والإيطالية التي تعبد قوة، وتقوم على ~~الاستبداد وتزري بالقيم الإنسانية والكرامة البشرية، إن الرجعية ~~داء مستوطن في الشرق كالكوليرا والتيفويد فينبغي ~~استئصاله .. # فعاد أحمد يقول متحمسا: إن جماعة «الإنسان الجديد» تؤمن بهذا كل ~~الإيمان .. # فهز الرجل رأسه الكبير في أسف وهو يقول؛ ولذلك فالمجلة هدف ~~للرجعيين من كافة النحل، إنهم يرمونني بإفساد الشباب! ~~- كما اتهموا سقراط من قبل .. # فابتسم الأستاذ عدلي كريم في ارتياح وقال: وما وجهتك؟ أعني أي ~~كلية تقصد؟ ~~- الآداب .. # فاعتدل الأستاذ في جلسته، وقال: الأدب وسيلة من وسائل التحرير ~~الكبرى، ولكنه قد يكون وسيلة للرجعية، فاعرف سبيلك، فمن الأزهر ~~ودار العلوم خرجت آداب مرضية عملت أجيالا على تجميد العقل وقتل ~~الروح. ومهما يكن من أمر - ولا تدهش أن يصارحك بهذا الرأي رجل ~~معدود في الأدباء - فالعلم أساس الحياة الحديثة، ينبغي أن ندرس ~~العلوم وأن نشبع بالعقلية العلمية. الجاهل بالعلم ليس من سكان ~~القرن العشرين ولو كان عبقريا، وعلى الأدباء أن ينالوا حظهم ~~منه. لم يعد العلم وقفا على العلماء. أجل لهؤلاء التضلع والتعمق ~~والبحث والكشف، ولكن على كل مثقف أن يضيء نفسه بنوره وأن يعتنق ~~مبادئه ومناهجه ويتحلى بإسلوبه، ينبغي أن يحل العلم محل الكهانة ~~والدين في العالم القديم .. # فقال أحمد مؤمنا على قول أستاذه؛ ولذلك كانت رسالة «الإنسان ~~الجديد» هي تطوير المجتمع على أساس علمي .. # فقال عدلي كريم باهتمام: أجل، على كل منا أن يقوم بواجبه، ~~ولو وجد نفسه وحيدا في الميدان .. # فهز أحمد رأسه موافقا فعاد الآخر يقول: ادرس الآداب كما تشاء، ~~واعن بعقلك أكثر ما تعنى بالمحفوظات، ولا تنس العلم الحديث، ولا ~~يجب أن تخلو مكتبتك - إلى جانب شكسبير وشوبنهور - من كونت ودارون ~~وفرويد وماركس وإنجلز، لتكون لك ms072 حماسة أهل الدين، ولكن ينبغي أن ~~تذكر أن لكل عصر أنبياءه، وأن أنبياء هذا العصر هم ~~العلماء. # وابتسم الأستاذ ابتسامة أوحت بأنها تحية الختام فنهض أحمد ~~مادا يده، وسلم ثم غادر الحجرة ممتلئا حياة وسعادة. وفي ~~الصالة الخارجية ذكر الاشتراك والمقالة فمال إلى الحجرة المجاورة، ~~وطرق الباب مستأذنا ثم دخل. رأى حجرة بها ثلاثة مكاتب، اثنان ~~خاليان، والثالث جلست عليه فتاة. لم يكن يتوقع هذا فوقف ينظر إليها ~~في حيرة وتساؤل. كانت في العشرين، عميقة السمرة، سوداء العينين ~~والشعر، وكان في أنفها الدقيق وذقنها المدبب وفمها الرقيق ما يوحي ~~بالقوة، دون أن يفسد ملاحتها. تساءلت وهي تتفحصه: أفندم؟ # فقال يعزز مركزه: الاشتراك .. # ودفع المبلغ وأخذ الإيصال، وفي أثناء ذلك كان قد تغلب على ~~ارتباكه فقال: كنت قد أرسلت مقالة إلى المجلة، وأخبرني الأستاذ ~~عدلي كريم بأنها في السكرتارية. # وهنا دعته إلى الجلوس على كرسي أمام المكتب فجلس ثم سألت: عنوان ~~المقالة من فضلك؟ # قال دون أن يشعر بارتياح لموقفه هذا أمام فتاة: التعليم عند ~~لوبون. # ففتحت دوسيها، وفرت أوراقا حتى استخرجت المقال، ولمح أحمد ~~خطه فخفق قلبه، وحاول أن يقرأ التوقيع الأحمر عليه من مجلسه غير ~~أنها وفرت عليه عناء المحاولة إذ قالت: موقع عليه بما يأتي ~~«يلخص وينشر في باب رسائل القراء.» # فشعر أحمد بخيبة أمل، ولبث لحظات ينظر إليها دون أن ينبس، ثم ~~تساءل: في أي عدد؟ ~~- في العدد القادم. # فسأل بعد تردد: ومن الذي يلخصه؟ ~~- أنا. # وداخله شعور بالامتعاض، لكنه سأل: ويوقع عليه باسمي؟ # فقالت ضاحكة: طبعا، ينشر عادة ما يفيد بأنه جاءتنا رسالة من ~~الأديب (ثم وهي تنظر في الإمضاء): أحمد إبراهيم شوكت ثم نورد ~~تلخيصا وافيا لفكرتك! # فتردد قليلا ثم قال: كنت أفضل لو نشرت بأكملها .. # فقالت باسمة: المرة القادمة إن شاء الله .. # فجعل ينظر إليها صامتا ثم سألها: حضرتك موظفة هنا؟ ~~- كما تراني! # نازعته نفسه أن يسألها عن مؤهلاتها ولكن شجاعته خذلته في اللحظة ~~الأخيرة فسألها: اسم حضرتك من فضلك لأطلبك في التليفون إذا ms073 لزم ~~الأمر! ~~- سوسن حماد. ~~- متشكر جدا. # ونهض محييا إياها بيده، وقبل أن يغادر الحجرة التفت نحوها ~~قائلا: أرجو أن تلخصيها بعناية .. # فقالت دون أن تنظر إليه: إني أعرف واجبي! # فغادر الحجرة نادما على قوله .. # 14 # كان كمال في حجرة مكتبه عندما جاءت أم حنفي لتقول له: سي فؤاد ~~الحمزاوي عند سيدي الكبير .. # ونهض كمال بجلبابه الفضفاض، وغادر الحجرة مسرعا إلى تحت. إذن ~~عاد فؤاد إلى القاهرة بعد غيبة عام، عاد وكيل نيابة قنا ~~العتيد! # وكانت تجيش بصدره مشاعر صداقة ومودة بيد أن شوائب من عدم ~~الارتياح شابتها، فصداقته لفؤاد كانت ولا تزال تنطوي على نوع من ~~الصراع، صراع من الحب والنفور، بين المودة والغيرة، ومهما يحاول أن ~~يتسامى بعقله فالغرائز تشده على رغمه إلى الإسفاف الدنيوي. فلم يكن ~~يشك وهو يهبط السلم في أن هذه الزيارة ستثير عنده ذكريات سعيدة ~~ولكنها في الوقت نفسه ستنكأ جروحا كادت أن تندمل. وعندما مر في ~~الصالة بمجلس القهوة المكون من الأم وعائشة ونعيمة سمع أمه وهي ~~تهمس قائلة: سوف يطلب يد نعيمة .. # ولما شعرت بوجوده التفتت إليه قائلة: صديقك بالداخل، ما ألطفه، ~~أراد أن يقبل يدي فمنعته! # ورأى والده متربعا على الكنبة وفؤاد جالسا على مقعد قبالته. ~~فتصافح الصديقان القديمان وكمال يقول: حمدا لله على السلامة، ~~أهلا وسهلا، .. أنت في إجازة؟ فأجاب عنه السيد أحمد باسما: بل ~~نقل إلى نيابة القاهرة، نقل أخيرا بعد غربة طويلة في ~~الصعيد .. # فجلس كمال على الكنبة وهو يقول: مبارك، من الآن فصاعدا نرجو أن ~~نراك من آن لآخر. # فقال فؤاد: طبعا، وسنقيم من أول الشهر القادم بالعباسية، ~~استأجرنا شقة بجوار قسم الوايلي .. # لم تتغير هيئة فؤاد كثيرا، ولكن صحته تقدمت بدرجة محسوسة فامتلأ ~~عوده وتورد وجهه، أما عيناه فما زالتا تشعان ذلك الوميض ~~الذكي. وسأل السيد أحمد الشاب قائلا: وكيف حال والدك؟ .. لم أره ~~منذ أسبوع؟ ~~- ليست صحته على ما يرام، إنه لا يزال آسفا على ترك المحل، لكن ~~المأمول أن يكون خليفته قائما بالواجب؟ # فضحك السيد ms074 قائلا: الأمر يقتضيني اليوم يقظة متواصلة، كان والدك ~~يقوم بكل شيء شفاه الله وعافاه .. # واعتدل فؤاد في جلسته ووضع رجلا على رجل فلفتت هذه الحركة ~~انتباه كمال فيما يشبه الانزعاج، أما السيد فلم يبد عليه حتى إنه ~~لاحظها. أهكذا تتطور الأمور، أجل إنه وكيل نيابة قد الدنيا، ولكن ~~أنسي من يكون الشخص المتربع أمامه؟! رباه ليس هذا فحسب. لقد ~~أخرج علبة سجائر وقدمها للسيد فاعتذر شاكرا! حقا إن النيابة ~~تنسي، ولكن من المؤسف أن يمتد نسيانها إلى ولي النعمة الذي يبدو ~~أن فضله تبدد في الهواء كدخان هذه السيجارة الفاخرة. ولم يكن في ~~حركات فؤاد تكلف من أي نوع كان، كان سيدا قد تعود السيادة. ~~وقال السيد مخاطبا كمال: وهنئه أيضا؛ فقد رقي من مساعد إلى ~~وكيل نيابة. # فقال كمال باسما: مبارك .. مبارك، أرجو أن أهنئك قريبا بكرسي ~~القضاء. # فقال فؤاد: الخطوة التالية إن شاء الله. # ربما استباح لنفسه - عندما يصير قاضيا - أن يبول أمام الرجل ~~المتربع أمامه! أما مدرس ابتدائي فيظل مدرسا ابتدائيا، ~~وحسبه شاربه الغليظ وأطنان الثقافة التي عوجت رأسه. # ونظر السيد أحمد إلى فؤاد باهتمام وهو يسأل: وكيف حال ~~السياسة؟ # فقال فؤاد بارتياح: وقعت المعجزة! وقعت المعاهدة في لندن، ~~أصغيت إلى الراديو وهو يعلن استقلال مصر، وانقضاء عهد التحفظات ~~الأربعة فلم أصدق أذني. من كان يصدق هذا؟! ~~- إذن أنت من الراضين على المعاهدة؟ # فقال وهو يهز رأسه هزة أصحاب الشأن: في الجملة نعم؛ للمعاهدة ~~أعداء مخلصون وآخرون غير مخلصين .. فإذا تأملنا الظروف التي تحيط ~~بنا، وذكرنا أن شعبنا صبر على عهد صدقي رغم مرارته دون أن يثور ~~عليه. فينبغي أن نعد المعاهدة خطوة موفقة، أزالت التحفظات ~~ومهدت الطريق لإلغاء الامتيازات الأجنبية، وحددت مدة الاحتلال ~~بعد قصره على منطقة معينة، إنها خطوة عظيمة بلا شك. # كان حماس السيد أحمد للمعاهدة أقوى وإحاطته بظروفها أقل، وكان ~~يود لو تجاوب الآخر معه تجاوبا أشد، فلما خاب ظنه قال بعناد: ~~على أي حال ينبغي أن نذكر أن الوفد قد أعاد إلى ms075 الأمة دستورها ~~وحقق لها الاستقلال ولو بعد حين .. # وفكر كمال: كان فؤاد دائما «باردا» في الناحية السياسية، ~~ولعله لم يتغير ، ولكنه يبدو مائلا إلى الوفد، أما أنا فطالما كنت ~~مندفعا مع العاطفة، ثم انقلبت لا أومن بشيء، والسياسة نفسها لم ~~تسلم من شكي النهم، ولكن قلبي لا يزال ينبض بالوطنية رغم ~~عقلي. # وعاد فؤاد يقول ضاحكا: إن النيابة في عهود الانقلاب تنكمش إلى ~~الوراء على حين يحتل البوليس المقدمة؛ إذ إن عهود الانقلاب عهود ~~بوليسية، فإذا عاد الوفد إلى الحكم ردت للنيابة مكانتها ولزم ~~البوليس حدوده؛ ففي عهد الحكم الطبيعي يكون القانون هو الكلمة ~~العليا. # فعلق السيد على ذلك قائلا: وهل يمكن أن ننسى عهد صدقي؟! لقد ~~كان الجنود يجمعون الأهالي بالعصي أيام الانتخابات، وكثير من ~~الأعيان من أصدقائنا خربت بيوتهم وأشهروا إفلاسهم ثمنا لثباتهم ~~على مبدأ الوفد، ثم إذا بنا نرى «الشيطان» ضمن هيئة المفاوضات في ~~لباس الوطنيين الأحرار! # فقال فؤاد: كانت الظروف توجب الاتحاد، ولم يكن هذا الاتحاد ليكمل ~~دون أن ينضم إليه الشيطان وأعوانه، والعبرة بالخواتيم. # ولبث فؤاد في حضرة السيد فترة غير يسيرة، احتسى في أثنائها ~~القهوة، وجعل كمال يتفحصه بعناية فانتبه إلى بذلته الحريرية ~~البيضاء الأنيقة، والوردة الحمراء التي تزين عروتها، وإلى ~~الشخصية القوية التي أضفتها عليه الوظيفة، فشعر في أعماقه بأنه ~~سيسر - رغم كل شيء - إذا طلب هذا الشاب يد بنت أخته، غير أن ~~فؤاد لم يطرق هذا الموضوع، وبدا عليه أنه يرغب في الذهاب، وما لبث ~~أن قال للسيد: آن وقت ذهابك إلى الدكان، سأمكث بقية الوقت مع ~~كمال، وسوف أزور حضرتك قبل سفري إلى الإسكندرية؛ إذ إنني قررت أن ~~أقضي بقية أغسطس وبعض سبتمبر في المصيف. # ونهض قائما فصافح السيد مودعا ثم غادر الحجرة يتقدمه كمال، ~~وصعدا معا إلى الدور الأعلى حيث استقرا في حجرة المكتب. وجعل فؤاد ~~يتصفح الكتب المصفوفة على الأرفف باسما ثم تساءل: ألا أستطيع أن ~~أستعير منك كتابا. # فقال كمال وهو يداري عدم ارتياحه: بكل سرور، ماذا تقرأ ms076 عادة في ~~أوقات فراغك؟ ~~- عندي دواوين شوقي وحافظ ومطران، وبعض كتب الجاحظ والمعري، ~~وأحب بصفة خاصة «أدب الدنيا والدين»، إلى مؤلفات كتابنا ~~المعاصرين، هذا إلى بعض مؤلفات ديكنز وكونان دويل، ولكن انكبابي ~~على القانون يلتهم أكثر وقتي .. # ثم نهض فجال جولة استعراضية بين الكتب قارئا عناوينها ثم عاد ~~وهو ينفخ قائلا: مكتبة فلسفية قحة، لا ناقة لي فيها ولا جمل، ~~إني أقرأ مجلة الفكر التي تكتب فيها، وأتابع مقالاتك التي تظهر ~~تباعا منذ سنوات، لا أزعم أني قرأتها جميعا، أو أني أذكر منها ~~شيئا، إن المقالة الفلسفية أثقل ما يقرأ، ووكيل النيابة رجل مرهق ~~بالعمل، لماذا لا تكتب في الموضوعات الجذابة؟ # طالما سمع بأذنه نعي مجهوده، ولكنه لم يحزن لذلك كثيرا كأنما ~~اعتاده، إن الشك يلتهم فيما يلتهم الحزن نفسه، والشهرة ما هي؟ ~~والجاذبية ما هي؟ ولكن مما يسره حقا ألا يجد فيه فؤاد تزجية ~~الأوقات فراغه - وسأله: ماذا تعني بالموضوعات الجذابة؟ ~~- الأدب مثلا. ~~- قرأت لطائف منه مذ كنا معا ولكنني لست أديبا .. # فضحك فؤاد قائلا: إذن ابق في الفلسفة وحدك، ألست ~~فيلسوفا؟ # ألست فيلسوفا؟! عبارة مطبوعة في أعماقه، ارتجف من هول وقعها ~~قلبه، هكذا هي مذ ألقيت عليه في شارع السرايات من ثغر عايدة! ولكي ~~يداري جيشة صدره ضحك ضحكة عالية، ثم ذكر الأيام التي كان فؤاد ~~يتودده ويتبعه كظله، ها هو الآن يطالعه رجلا خطيرا جديرا ~~بالتودد والولاء! ماذا جنيت من حياتي؟ وكان فؤاد يتفحص شارب ~~صاحبه ثم ضحك فجأة قائلا: ولو! .. # فتساءل كمال بعينيه عن معنى هذا فعاد الآخر يقول: كلانا يجري نحو ~~الثلاثين دون أن يتزوج، جيلنا مكتظ بالعزاب، جيل الأزمة، أما ~~زلت عند رأيك؟ ~~- لا أتزحزح .. ~~- لا أدري لم أعتقد بأنك لن تتزوج أبدا. ~~- أنت بعيد النظر طول عمرك .. # فقال وهو يبتسم ابتسامة رقيقة كأنما ليعتذر بها سلفا عما سيقول: ~~أنت رجل أناني، تأبى إلا أن تستأثر بكل حياتك لنفسك، يا أخي لقد ~~تزوج النبي ولم يمنعه ذلك من ممارسة حياته الروحية ~~العظيمة .. # ثم مستدركا ms077 وهو يضحك: لا تؤاخذني على ضرب المثل بالنبي، كدت ~~أنسى أنك .. ولكن مهلا، إنك لم تعد الملحد القديم، أنت الآن تشك ~~حتى في الإلحاد، وهذه خطوة كسب للإيمان .. # فقال كمال بهدوء: دعنا من التفلسف فإنك لا تحبه وخبرني لم لم ~~تتزوج أنت ما دام هذا هو رأيك في العزوبة؟ # وشعر لتوه بأنه ما كان ينبغي له أن يطرح هذا السؤال خشية أن ~~يفسره الآخر بأنه استدراج إلى الكلام في خطبة نعيمة! ولكن فؤاد ~~لم يبد عليه أنه فكر في هذا، بل ضحك ضحكة عالية وإن لم تخرج به عن ~~حد الوقار، وقال: أنت تعلم أني لم أفسد إلا متأخرا، لم أفسد ~~مثلك في زمن مبكر، فأنا لم أشبع بعد! ~~- أتتزوج إذا شبعت؟ # فضرب فؤاد الهواء بظاهر يده كأنما يطرد الكذب وقال بلهجة ~~المعترف: ما دمت قد صبرت حتى اليوم فلأصبر فترة أخرى، أصبر حتى ~~أرقى قاضيا مثلا فيسعني أن أصاهر وزيرا إذا شئت .. # يا ابن جميل الحمزاوي! عروس من صلب وزير وحماتها من المبيضة! ~~أتحدى ليبنتز أن يبرر هذا ولو كما برر وجود الشر في ~~الخليقة! ~~- أنت تنظر إلى الزواج نظرة ... # فقاطعه قبل أن يكمل كلامه ضاحكا: خير من الذي لا يعيره نظرة على ~~الإطلاق! ~~- ولكن السعادة ... ~~- لا تتفلسف! السعادة فن ذاتي، قد تجدها عند كريمة وزير بينما لا ~~تجد إلا التعاسة في وسطك، الزواج معاهدة كالتي وقعها النحاس ~~بالأمس، مساومة وتقدير ودهاء وبعد نظر وفوائد وخسائر، وفي بلدنا ~~لا تأتي الرفعة إلا عن هذا السبيل، في الأسبوع الماضي عين ~~مستشارا رجل لم يبلغ الأربعين من عمره، وقد أخدم القضاء عمري ~~مجتهدا ناصبا دون أن أظفر بهذا المركز السامي! # ومعلم ابتدائي ما قوله؟ في الدرجة السادسة ينقضي عمره، ولو طفح ~~بالفلسفة رأسه .. ~~- إن مركزك يغنيك عن أمثال هذه المغامرات .. ~~- لولا هذه المغامرات ما استطاع رئيس أن يؤلف وزارته! # فضحك كمال ضحكة لا طعم لها وقال: أنت في حاجة إلى شيء من ~~الفلسفة، تحتاج إلى جرعة من سبينوزا .. ~~- اشبع منه أنت، ms078 لكن دعنا من هذا، وخبرني عن أماكن اللهو ~~والشراب، في قنا كنت أختلس اللذة في حذر، أن مركزنا يحتم علينا ~~الانزواء ومجانبة البشر، والصراع الأبدي بيننا وبين البوليس يوجب ~~الحذر أكثر، وكيل النيابة مركز خطير متعب .. # عودة إلى الحديث الذي يهدد حرارتي بالانفجار، حياتي في ضوئك ~~تأديب وتهذيب وأشد امتحانا لفلسفتي الحائرة في هذه ~~الحياة .. ~~- تصور أن الظروف تجمعني بكثير من الأعيان، ثم يدعونني إلى ~~سراياتهم، فأجد أن الواجب يقضي بأن أرفض دعوتهم كيلا يؤثر مؤثر في ~~قيامي بواجبي، ولكن عقليتهم لا تفهم هذا، فأعيان الإقليم جميعا ~~يرمونني بالكبر وأنا منه براء. # بل أنت غرور وكبر وغيرة على الواجب معا. وقال موافقا: ~~نعم .. ~~- ولنفس الأسباب خسرت رجال البوليس، أنا لا أرضى عن طرقهم ~~الملتوية؛ لذلك أقف لهم بالمرصاد، ورائي القانون، ووراءهم همجية ~~القرون الوسطى، إن الجميع يكرهونني ولكن الحق معي .. # الحق معك، هذا ما أعرفه فيك من قديم، الذكاء والنزاهة، ولكنك لا ~~تحب ولا يمكن أن تحب، أنت لا تتمسك بالحق لوجه الحق وحده ولكن ~~لوجه الحق والغرور والكبرياء والشعور بالنقص. هكذا الإنسان، إني ~~أصطدم بأمثالك حتى في الوظائف الحقيرة، الإنسان العذب القوي ~~أسطورة، ولكن ما قيمة الحب؟ وما المثالية؟ وما أي شيء؟! # وهكذا طال بهما الحديث. وعندما هم فؤاد بالذهاب مال على أذن ~~كمال متسائلا: أنا جديد في القاهرة، طبعا أنت تعرف بيتا بل ~~بيوتا، مستورة طبعا؟ # فقال كمال باسما: إن المدرس كوكيل النيابة يتحرى الستر ~~دائما .. ~~- عال. سنلتقي قريبا، إنني مشغول الآن بترتيب الشقة الجديدة ~~ولا بد أن نسهر كم مرة معا! ~~- اتفقنا .. # وغادرا الحجرة معا فلم يتركه حتى أوصله إلى باب السكة، وعندما ~~مر بالدور الأول في أثناء عودته التقى بأمه واقفة تنتظره عند ~~المدخل، فسألته بلهفة: ألم يكلمك؟ # فأدرك ما تسأل عنه، وشعر لذلك بألم لم يشعر بمثله، ولكنه تجاهل ~~الأمر وتساءل بدوره: عن ماذا؟ ~~- نعيمة؟ # فأجاب ممتعضا: كلا .. ~~- عجيبة! # وتبادلا نظرة طويلة، ثم عادت أمينة تقول: ولكن الحمزاوي كلم ~~أباك! # فقال كمال وكان يداري ما ms079 استطاع ثورة حنقه: لعله لم يكن فيما قال ~~نائبا عن ابنه .. # فقالت أمينة غاضبة: هذا عبث لا يليق .. ألا يدري من يكون هو ~~ومن تكون هي؟ كان ينبغي أن يفهمه جدك حقيقة مركزه. ~~- إن فؤاد بريء، لعل والده أسرع دون تدبر بحسن نية .. ~~- ولكن حدث ابنه دون شك، فهل رفض الآخر؟ ذلك الذي جعلناه ~~موظفا محترما بنقودنا ..! ~~- لا داعي للكلام في هذا الموضوع. ~~- أن هذا يا بني أمر لا يتصوره العقل، ألا يدري أن مصاهرته لا ~~تشرفنا؟! ~~- إذن لا تأسفي عليها .. ~~- لست آسفة، ولكني غاضبة للإهانة .. ~~- لا إهانة هنالك، ليس إلا سوء تفاهم .. # وعاد إلى حجرته حزينا خجلا. وجعل يحدث نفسه: نعيمة وردة ~~جميلة، بيد أني رجل لم يبق لي من الفضائل إلا حب الحقيقة ~~فينبغي أن أسأل نفسي أهي حقا كفء لوكيل نيابة؟ يستطيع رغم وضاعة ~~أصله أن يشرك في حياته من هي أجل ثقافة وأعز محتدا وأكثر ~~مالا وجمالا أيضا. لقد تسرع أبوه الطيب وليس هذا خطأه، ولكنه ~~كان وقحا في حديثه معي، وهو وقح بلا شك، إنه رجل ذكي نزيه كفء ~~وقح مغرور، وما هذا بذنبه ولكن الذنب ذنب هذه الفوارق التي تخلق ~~فينا شتى الأمراض. # 15 # كانت مجلة «الفكر» تشغل الدور الأرضي بالعمارة رقم 21 بشارع ~~عبد العزيز. وكانت حجرة صاحبها الأستاذ عبد العزيز الأسيوطي تطل ~~بنافذة ذات قضبان على عطفة بركات المظلمة فكانت تضاء ليل نهار. ~~والحق أنه كلما أقبل كمال على إدارة المجلة ذكره موضعها الأرضي ~~المظلم ورثاثة أثاثها بمكانة «الفكر» في بلده، وبمكانته هو في ~~مجتمعه، واستقبله الأستاذ عبد العزيز بابتسامة ترحيب وود، ولا عجب ~~فقد اتصلت بينهما أسباب المعرفة منذ عام 1930 أي منذ بدأ كمال يبعث ~~إليه بمقالاته الفلسفية، ثم مضت ستة أعوام وهما على تعاون صادق غير ~~مأجور، والواقع أن جميع كتاب المجلة كانوا من المتعاونين في ~~سبيل الفلسفة والثقافة لوجه الله وحده! .. # وكان عبد العزيز يرحب بكافة الكتاب المتطوعين حتى المختصين - ~~مثله - في الفلسفة الاسلامية، ومع أنه كان أزهري ms080 النشأة إلا أنه ~~سافر إلى فرنسا حيث قضى هنالك أربعة أعوام محصلا ومستمعا دون أن ~~يحصل على درجة علمية. وكان في غنى عن السعي للرزق بعقار يملكه ~~يدر عليه شهريا خمسين جنيها ولكنه أنشأ مجلة «الفكر» في عام ~~1923، وثابر على إصدارها بالرغم من أنها لم تكن تزيد دخله شيئا ~~يضاهي بعض ما يبذله فيها من جهد. وما كاد يستقر المجلس بكمال حتى ~~دخل الحجرة رجل في مثل سنه، يرتدي بذلة من التيل الرمادي، طويل ~~القامة، وإن كان دون كمال طولا، نحيف، ولكنه أكثر امتلاء منه، ~~مستطيل الوجه، متوسط الجبين، ممتلئ الشفتين، ذو أنف دقيق وذقن مدبب ~~أضفى على سمنته طابعا خاصا. تقدم خفيفا باسم الثغر فمد يده ~~إلى الأستاذ عبد العزيز، فصافحه هذا ثم قدمه إلى كمال قائلا: ~~الأستاذ رياض قلدس مترجم بوزارة المعارف، انضم حديثا إلى جماعة ~~كتاب «الفكر»، وقد أمد مجلتنا العلمية بدم جديد بتلخيصه ~~الشهري للمسرحيات العالمية وكتابة القصص القصيرة. # ثم قدم كمال قائلا: الأستاذ كمال أحمد عبد الجواد، لعلك من ~~قراء مقالاته؟ # فتصافح الرجلان ورياض يقول بإعجاب: إني أقرأ مقالاته منذ سنوات، ~~مقالات قيمة بكل معنى الكلمة .. # فشكر كمال متلقيا ثناءه بحذر، ثم جلسا على كرسيين متقابلين ~~أمام مكتب الأستاذ عبد العزيز الذي مضى يقول: لا تنتظر يا أستاذ رياض ~~أن يرد عليك بالمثل قائلا إنه قرأ قصصك القيمة، إنه لا يقرأ قصصا ~~البتة. # فضحك رياض ضحكة جذابة كشفت عن أسنان نضيدة لامعة فلجاء ~~الثنيتين ثم قال: ألا تحب الأدب إذن؟ ما من فيلسوف إلا وله فلسفة ~~خاصة عن الجمال، وهي لا تتأتى له إلا بعد اطلاع واسع على شتى ~~الفنون ومنها الأدب طبعا .. # فقال كمال في شيء من الارتباك: لست أكره الأدب، طالما ارتحت في ~~جنات شعره ونثره، ولكن أوقات الراحة قليلة! ~~- معنى ذلك أنك قرأت ما استطعت من القصص إذ إن الأدب الحديث يكاد ~~يقتصر على القصة والتمثيلية ... # فعاد كمال يقول: قرأت عددا وفيرا منها على مدى العمر، بيد ~~أنني ... # وهنا قاطعه عبد العزيز ms081 الأسيوطي قائلا وهو يبتسم ابتسامة ذات ~~معنى: عليك يا أستاذ رياض من الآن فصاعدا أن تقنعه بأفكارك ~~الجديدة، وحسبك أن تعلم الآن أنه فيلسوف، وأن ولعه مركز في ~~الفكر. # ثم التفت إلى كمال متسائلا: جئت بمقال الشهر؟ # فأخرج كمال ظرفا متوسطا ووضعه في سكون أمام الأستاذ الذي ~~تناوله بدوره فاستخرج منه أوراق المقالة ثم تصفح العنوان وهو ~~يقول: عن برجسون؟ .. حسن! # فقال كمال: فكرة تقديم عامة تبين الدور الذي لعبته فلسفته في ~~تاريخ الفكر الحديث، وربما ألحقتها بمقالات أخر تفصيلية .. # وكان رياض قلدس يتابع الحديث باهتمام فتساءل وهو يحدج كمال بنظرة ~~لطيفة: تتبعت مقالاتك منذ سنوات، منذ بدأت تكتب عن فلاسفة ~~الإغريق، وهي مقالات متنوعة وأحيانا تكون متناقضة بالقياس إلى ما ~~تعرض من فلسفات، فأدركت أنك مؤرخ، بيد أنني حاولت عبثا أن ~~أهتدي إلى موقفك أنت مما تكتب، وأي فلسفة تنتمي إليها؟ # فقال عبد العزيز الأسيوطي: نحن حديثو عهد بالدراسات الفلسفية فيجب ~~أن نبدأ بالعرض العام، ولعل الأستاذ كمال يتمخض فيما بعد عن فلسفة ~~جديدة، ولعلك تكون يا أستاذ رياض من دعاة الكماليزم! # فضحكوا جميعا، وخلع كمال نظارته وراح يجلو ناظريها، وكان ~~سرعان ما يندمج في الحديث خاصة إذا أنس إلى محدثه، وبدا الجو ~~صافيا عذبا. وقال كمال: إني سائح في متحف لا أملك فيه شيئا، ~~مؤرخ فحسب، لا أدري أين أقف .. # فقال رياض قلدس في اهتمام يتزايد: أي في مفترق الطرق. وقفت في ~~ميدانك عهدا قبل أن أعرف وجهتي، ولكني أرجح أنه موقف ذو قصة، ~~لأنه عادة يكون نهاية مرحلة وبدء مرحلة جديدة، ألم تعرف ألوانا من ~~الإيمان قبل موقفك هذا؟ # نغمة هذا الحديث تعيد إليه ذكرى أغنية قديمة عالقة جذورها ~~بالقلب، هذا الشاب وهذا الحديث، خلت سنين ناضبة من الصداقة ~~الروحية حتى اعتاد أن يحدث نفسه كلما افتقد من يحدثه، ومنذ عهد ~~بعيد لم يستطع أحد أن يبعث هذا النشاط الروحي في صدره، لا إسماعيل ~~لطيف ولا فؤاد الحمزاوي ولا عشرات المدرسين، هل آن للمكان الذي خلا ~~بذهاب ms082 حسين شداد أن يشغل؟! وأعاد وضع النظارة على عينيه وابتسم ~~قائلا: لذلك قصة طبعا، وكالعادة كان لي إيماني الديني، ثم إيماني ~~بالحقيقة .. ~~- أذكر أنك عرضت الفلسفة المادية بحماس يدعو للريبة .. ~~- كان حماسا صادقا ثم لم ألبث أن حركت رأسي ~~مرتابا .. ~~- لعلها الفلسفة العقلية؟ ~~- ثم لم ألبث أن حركت رأسي مرتابا، الفلسفات قصور جميلة هادئة ~~ولكنها لا تصلح للسكنى .. # فقال عبد العزيز باسما: وشهد شاهد من أهلها! # فهز كمال كتفيه استهانة، أما رياض فواصل تحقيقه قائلا: هنالك ~~العلم فلعله نجا من شكك؟ ~~- إنه دنيا مغلقة حيالنا لا نعرف إلا بعض نتائجها القريبة، ثم ~~اطلعت على آراء نخبة من العلماء يرتابون في مطابقة الحقيقة ~~العلمية للحقيقة الواقعية، وآخرين ينوهون بقانون الاحتمال. ~~وغيرهم ممن تراجعوا عن ادعاء الحقيقة المطلقة، فلم ألبث أن حركت ~~رأسي مرتابا! # فابتسم رياض قلدس دون أن ينبس فعاد الآخر يقول: حتى مغامرات ~~الروحية الحديثة وتحضير الأرواح غرقت فيها حتى أذني، ودار رأسي، ~~وما زال يدور في فضاء مخيف، ما الحقيقة؟! ما القيم؟ ما أي شيء؟ ~~إني أحيانا أشعر بتأنيب ضمير لفعل الخير كالذي أشعر به عند الوقوع ~~في الشر! # فضحك عبد العزيز ضحكة عالية، وقال: لقد انتقم الدين منك، هجرته ~~جريا وراء الحقائق العليا فعدت صفر اليدين! # وقال رياض قلدس، وكان يبدو في قوله مجاملا لا أكثر: موقف الشك ~~هذا لذيذ! مشاهدة وتأمل وحرية مطلقة وأخد من كل شيء أخذ ~~السائح! # فقال عبد العزيز مخاطبا كمال: أنت أعزب في فكرك، كما أنت أعزب في ~~حياتك! # وانتبه كمال إلى هذه الملاحظة العابرة باهتمام، ترى أعزوبته ~~نتيجة لفكره أم العكس هو الصحيح؟ أم أن الاثنين نتيجة لشيء ثالث؟ ~~وقال رياض قلدس: العزوبة حال مؤقتة، وربما كان الشك كذلك! # فقال عبد العزيز: ولكنه فيما يبدو لن يميل إلى الزواج ~~أبدا .. # فقال رياض متعجبا: ما الذي يحول بين الشك والحب؟ وما الذي يمنع ~~محبا من الزواج؟ أما الإصرار على العزوبة فليس من الشك في شيء، ~~الشك لا يعرف الإصرار! # فتساءل كمال، وهو غير ms083 جاد في باطنه: ألا يحتاج الحب إلى شيء من ~~الإيمان؟ # فقال رياض قلدس ضاحكا: كلا، إن الحب كالزلزال الذي يرج الجامع ~~والكنيسة والماخور على السواء .. # زلزال؟ ما أصدقه من تشبيه، زلزال يهدم كل شيء ثم يغرقه في صمت ~~الموت. ~~- وأنت يا أستاذ قلدس. لقد أطريت الشك، فهل أنت من أهله؟ # فقال عبد العزيز ضاحكا: إنه ذلك نفسه! # وضجوا بالضحك، ثم قال رياض وكأنما كان يقدم نفسه: لبثت فيه ~~فترة ثم مرقت منه، لم أعد أشك في الدين لأني كفرت به، ولكني أومن ~~بالعلم والفن، إلى الأبد إن شاء الله! # عبد العزيز متسائلا في تهكم: إن شاء الله الذي لا تؤمن ~~به. # فقال رياض قلدس باسما: الدين ملك الناس، أما الله فلا علم لنا ~~به، من ذا الذي يستطيع أن يقول لا أومن بالله، أو يقول أومن بالله؟ ~~الأنبياء هم المؤمنون الحقيقيون، وذلك أنهم رأوه أو سمعوه أو ~~خاطبوا رسل وحيه! # فقال كمال: ولكنك تؤمن بالعلم والفن؟ ~~- نعم .. ~~- الإيمان بالعلم له وجاهته، ولكن الفن؟! أنا أفضل أن أومن ~~بالأرواح عن أن أومن بالقصة مثلا! # فحدجه رياض بنظرة عاتية، وقال بهدوء: العلم لغة العقول، والفن ~~لغة الشخصية الإنسانية جميعا! ~~- ما أشبه هذا الكلام بالشعر! # فتقبل رياض تهكم كمال بابتسامة متسامحة، وقال: العلم يجمع ~~البشر في نور أفكاره، والفن يجمعهم في عاطفة سامية إنسانية، ~~وكلاهما يطور البشرية ويدفعها إلى مستقبل أفضل .. # يا للغرور! يكتب قصة من صفحتين كل شهر، ويظن أنه يطور البشرية؛ ~~وأنا لست دونه سماجة، فلأنني ألخص فصلا من كتاب تاريخ الفلسفة ~~لفدنج، أطالب في أعماقي بالمساواة على الأقل بفؤاد جميل الحمزاوي ~~وكيل نيابة الدرب الأحمر، ولكن كيف تطاق الحياة دون ذلك؟ مجانين ~~نحن أم عقلاء أو مجرد أحياء؟ أف من كل شيء! ~~- وما قولك في العلماء الذين لا يشاركونك في حماستك ~~للعلم؟ ~~- لا ينبغي أن نفسر تواضع العلم بالعجز أو اليأس، العلم سحر ~~البشرية ونورها ومرشدها ومعجزاتها، وهو دين المستقبل. ~~- والقصة؟ # بدا رياض لأول مرة وهو يداري استياءه، فاستدرك الآخر ms084 كالمعتذر: ~~أعني الفن عموما؛ فقال رياض قلدس متسائلا في حماسة: أتستطيع أن ~~تعيش في وحدة مطلقة؟ لا بد من النجوى، من العزاء، من المسرة، من ~~الهداية، من النور، من الرحلة في أنحاء المعمورة والنفس، هذا هو ~~الفن .. # وهنا قال الأستاذ عبد العزيز: خطر لي خاطر، أن نجتمع نحن وبعض ~~الزملاء مرة كل شهر للحديث في شتى الفكر، على أن ينشر حديثنا ~~بعنوان «محاورة شهر كذا» .. # فقال رياض قلدس، وهو يرمق كمال بنظرة ودية: إن حديثنا لن ~~ينقطع، أو هذا ما أوده، أنعد أنفسنا أصدقاء؟ # فقال كمال بحماسة صادقة: بكل تأكيد، يجب أن نتقابل في كل ~~فرصة .. # شمل كمال إحساس بالسعادة لهذه «الصداقة الجديدة»، كان يشعر بأن ~~جانبا ساميا من قلبه استيقظ بعد سبات عميق، فاقتنع أكثر من قبل ~~بخطورة الدور الذي تلعبه الصداقة في حياته، وبأنها عنصر حيوي لا ~~غنى له عنه، أو يظل كالظامئ المحترق في صحراء .. # 16 # افترق الصديقان الجديدان عند العتبة، فعاد كمال من الموسكي ~~والساعة تدور في الثامنة مساء، يتنفس جوا خانقا شديد الحرارة. ~~وتمهل عند عطفة الجوهري ثم مال إليها، ومرق من ثالث باب على يسار ~~الداخل. ورقي في الدرج حتى الدور الثاني، ثم دق الجرس، ففتحت ~~الشراعة عن وجه امرأة قد جاوزت الستين، حيته بابتسامة كشفت عن ~~أسنان ذهبية، وفتحت الباب فدخل صامتا، أما المرأة فقالت ترحب ~~به: أهلا بابن الحبيب، أهلا بابن أخي .. # وتبعها إلى صالة تتوسط حجرات، فيها كنبتان متقابلتان بينهما ~~سجادة قصيرة مزركشة وخوان ونارجيلة، وشذا بخور في الأركان. كانت ~~المرأة بدينة، هشة من كبر، عاصبة الرأس بمنديل منمنم بترتر. ~~مكحولة العينين تلوح فيهما نظرة ثقيلة تشي بوطأة الكيف، وفي تضاعيف ~~وجهها آثار جمال دابر واستهتار مقيم. تربعت على الكنبة أمام ~~النارجيلة، وأومأت إليه ليجلس إلى جانبها، فجلس وهو يسأل باسما: ~~كيف حال الست جليلة؟ # فهتفت محتجة: قل عمتي ..! ~~- كيف حالك يا عمتي؟ ~~- الحال معدن يا ابن عبد الجواد، .. (ثم بصوت مرتفع أجش): بنت ~~يا نظلة .. # وبعد دقائق جاءت الخادم بكأسين ms085 مترعتين ووضعتهما على الخوان، ~~فقالت جليلة: اشرب، طالما قلتها لأبيك في الأيام الحلوة ~~الماضية .. # فتناول كمال الكأس، وهو يقول ضاحكا: من المؤسف حقا أني جئت ~~بعد فوات الأوان .. # وهي تلكمه لكمة وسوست لها الأساور الذهبية التي تغطي ساعديها: ~~يا عيب الشوم، أكنت تريد أن تعيث فسادا حيث سجد أبوك؟! ثم ~~مستدركة: ولكن أين أنت من أبيك؟ كان متزوجا للمرة الثانية حين ~~عرفته، تزوج مبكرا على عادة أهل زمان، ولكن ذلك لم يمنعه من أن ~~يرافقني زمنا كان أحلى الحياة، ثم رافق زبيدة ربنا يأخذ بيدها. ثم ~~عشرات غيرنا، سامحه الله، أما أنت فلا تزال أعزب، ولا تزور بيتي مع ~~ذلك إلا كل ليلة جمعة، يا عيب الشوم، أين الرجولة أين؟! # أبوه الذي عرفه عن لسانها غير أبيه الذي عرفه بنفسه، بل غير أبيه ~~الذي حدثه عنه ياسين، رجل الغريزة، والحياة العارمة، لم تشغل هموم ~~الفكر قلبه، فأين هو منه؟! حتى ليلة الجمعة التي يزور فيها هذا ~~البيت لا يصفو له «الحب» فيها إلا بالخمر. فلولا السكر لبدا له ~~الجو متجهما باعثا على الانهزام، وأول ليلة رمت به المقادير إلى ~~هذا البيت ليلة لا تنسى؛ رأى المرأة لأول مرة فدعته إلى مجالستها ~~ريثما تفرغ له فتاة، ولما جره الحديث إلى ذكر اسمه بالكامل هتفت ~~المرأة: أأنت ابن السيد أحمد عبد الجواد التاجر بالنحاسين؟ نعم، ~~أتعرفين أبي؟ يا ألف أهلا وسهلا .. أتعرفين أبي! .. أعرفه أكثر ~~مما تعرفه أنت .. مازج عرقه عرقي .. وزففت له أختك .. كنت في أيامي ~~كأم كلثوم في أيامك الكالحة .. سل عني طوب الأرض .. تشرفنا ~~يا ستي .. اختر من بناتي من تعجبك وليس بين الخيرين حساب. هكذا فسق ~~أول مرة في هذا البيت على حساب والده. وجعلت تنظر إلى وجهه طويلا ~~حتى انقبض قلبه، ولولا الأدب لأعلنت دهشتها، إذن أين هذا الرأس ~~الغريب وذلك الأنف العجيب من الوجه البدري المورد؟ ثم طال الحديث ~~كل مطال، فعرف عنها تاريخ أبيه السري، ميزاته وجلائل أعماله ~~ومغامراته وخفي صفاته، «وأنا من شدة الحيرة ms086 متردد أبدا بين وهج ~~الغريزة ونسمة التصوف!» # قال كمال يجيبها: لا تبالغي يا عمتي، أنا مدرس والمدرس يحب ~~الستر، ولا تنسي أني في العطلة أزورك كل أسبوع مرات لا مرة، ألم ~~أكن عندك أول أمس؟ إني أزورك كلما .. ~~«كلما لجت بي الحيرة، إن الحيرة تدفعني إليك قبل الشهوة» ~~- كلما ماذا يا سيد نينة؟ ~~- كلما فرغت من العمل .. ~~- قل غير هذا الكلام .. أف من زمانكم أف، كانت فلوسنا من الذهب ~~وفلوسكم من الحديد والنحاس، وطربنا كان من لحم ودم وطربكم راديو، ~~وكان رجالنا من صلب آدم ورجالكم من صلب حواء، عندك كلام يا خوجة ~~البنات؟ # وأخذت من النارجيلة نفسا ثم غنت: # يا خوجة البنات علمهم # ضرب الآلات ونغمهم # فضحك كمال، ومال نحوها فقبل خدها قبلة جمعت بين المودة ~~والمداعبة، فهتفت: شاربك كالشوك، كان الله في عون عطية! ~~- إنها تحب الأشواك .. ~~- بهذه المناسبة كان عندي بالأمس ضابط النقطة على سن ورمح، ولا ~~فخر، كافة زبائني من سادة القوم، أم تظن أنك تتصدق علي ~~بزيارتك! ~~- يا ست جليلة، إنك لجليلة .. ~~- أحبك إذا سكرت؛ فإن السكر يذهب عنك وقار الخوجة ويردك إلى ~~شيء من أبيك، لكن خبرني ألا تحب عطية؟ .. إنها تحبك! # هذه القلوب التي حجرتها فظاظة الحياة كيف تحب؟ ولكن ماذا كان ~~نصيبه من القلوب التي تجود بالحب وتستطيبه؟ فإما أن تحبه بنت صاحب ~~المقلى فيعرض عن حبها، وإما أن يحب عايدة فتعرض عن حبه .. فقاموس ~~حياته لم يعرف للحب من معنى سوى الألم؛ ذلك الألم العجيب الذي ~~يحرق النفس حتى تبصر على ضوء نيرانه المتقدة عجائب من أسرار ~~الحياة، ثم لا تخلف وراءها إلا حطاما. قال يعلق على قولها ~~متهكما: أحبتك العافية .. ~~- لم تعمل في المقدر إلا منذ طلاقها! ~~- الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. ~~- الحمد لله في جميع الأحوال. # وابتسم ابتسامة ذات معنى، فأدركت معناها وقالت كالمحتجة: ~~أتستكثر على أن أنوه بحمد الله؟ آه منك يا ابن عبد الجواد، اسمع، ~~لا ابن لي ولا بنت، وقد شبعت من الدنيا، ms087 وعند الله العفو. # من عجب أن حديث المرأة تتردد فيه كثيرا هذه النغمة الموحية ~~بالزهد! وجعل يختلس إليها النظر وهو يتجرع بقية كأسه، وكانت ~~الخمر تأخذ في نفث سحرها معه من أول كأس. ووجد نفسه يتذكر عهدا ~~مضى أيام كان للكأس فرحة سماوية، ما أكثر الأفراح التي ولت، في ~~البدء كانت الشهوة ثورة وانتصارا، ثم انقلبت مع الزمن فلسفة ~~حمراء، ثم أخمد نشواتها الزمن والعادة، ولم تخل في أحايين كثيرة ~~من عذاب المتردد بين السماء والأرض؛ ذلك قبل أن يسوي الشك بين ~~الأرض والسماء. # ودق الجرس، ودخلت عطية، بيضاء لدنة ممتلئة، لحذائها أطيط ~~ولضحكتها رنين، فقبلت يد المعلمة، ثم ألقت نظرة باسمة على ~~الكأسين الفارغتين وهي تقول مداعبة كمال: خنتني! # ومالت على أذن المعلمة فهمست قليلا، ثم رمقت كمال بنظرة ضاحكة، ~~وسارت إلى الحجرة إلى يمين مجلس المعلمة، فلكزته جليلة قائلة: قم ~~يا نور العين .. # تناول طربوشه ومضى إلى الحجرة. ولم تلبث نظلة أن لحقت به. حاملة ~~صينية عليها زجاجة وكأسان ومزة خفيفة، فقالت لها عطية: هاتي لنا ~~رطلين من العجاتي، أنا جوعانة! # خلع الجاكتة ومد ساقيه في ارتياح، ثم جلس يراقبها وهي تخلع ~~حذاءها وفستانها، ثم وهي تسوي قميصها أمام المرآة وتسرح شعرها. ~~الجسم الذي يحبه، الأبيض اللدن الممتلئ، ترى كيف كان جسم عايدة؟ ~~كثيرا ما تبدو لذاكرته وكأنما لم يكن لها جسم، وحتى ما يذكره من ~~نحافتها وسمرتها ورشاقتها فإنما تستقر في روحه كالمعاني المجردة، ~~أما ما يلتصق عادة بالذاكرة من محاسن الأجساد كالصدور والسيقان ~~والأرداف فلا يذكر البتة أن حواسه اتجهت إلى شيء منها، واليوم لو ~~عرضت له حسناء كل ميزاتها الرشاقة والسمرة والنحافة ما ارتضى أن ~~يبتاعها بريال، فكيف كان هذا الحب؟ وكيف ظلت ذكراه مصونة بالإجلال ~~والتقديس رغم ازدرائه لكل شيء؟! ~~- الدنيا حر، أف .. ~~- إذا لطستنا الخمر استوى لدينا الحر والبرد! ~~- لا تأكلني بعينيك، وارفع نظارتك! # مطلقة ذات بنين، تغطي كآبتها المعتمة بالعربدة، وتمتص الليالي ~~النهمة أنوثتها وإنسانيتها دون مبالاة، يختلط في أنفاسها الوجد ~~الكاذب ms088 بالمقت، وهي للاستعباد شر صورة؛ لذلك كانت الخمر نجاة من ~~العذاب كما هي نجاة من الفكر! # وارتمت إلى جانبه ومدت يدها البضة إلى الزجاجة وأخذت تملأ ~~الكأسين. هذه الزجاجة تباع في هذا البيت بضعف ثمنها، كل شيء هنا ~~غال إلا المرأة، إلا الإنسان، ولولا الخمر ما أمكن ذلك المجلس؛ ~~كي يغيب عن عين البشرية المحملقة في اشمئزاز، غير أن حياتنا لا ~~تخلو من مومسات من نوع آخر، منهم وزراء وكتاب! # وبحلول الكأس الثانية في جوفه لاحت بشائر النسيان والمسرة. ~~«هذه المرأة أشتهيها منذ زمن وحتى متى لا أدري، الشهوة سلطان ~~مستبد أما الحب فشيء آخر، وكم يبدو في لباس عجيب إذا برئ من ~~الشهوة، وإذا أتيح لي يوما أن أجدهما في كائن بشري عرفت ~~الاستقرار المنشود؛ ولذلك فلن تزال الحياة تبدو لي عناصر يعوزها ~~الانسجام، فأنا أنشد «الزواج» في الحياتين العامة والخاصة، لا أدري ~~أيهما أصل الأخرى، ولكني متأكد أني تعس رغم سلوكي في الحياة الذي ~~ضمن لي حظي من مسرات الفكر ولذات الجسد؛ كالقطار الذي ينطلق في قوة ~~ولكنه لا يدري من أين ولا إلى أين. والشهوة حسناء طاغية سرعان ما ~~يصرعها القرف، ويهتف القلب ناشدا في يأس أليم السعادة السرمدية، ~~عبثا؛ لذلك فالشكوى لا تنقطع، والحياة خدعة كبرى، وينبغي أن ~~نتجاوب مع حكمتها الخفية كي نتقبل هذه الخدع راضين، فنكون كالممثل ~~الذي يعيي دوره الكاذب على المسرح، ولكنه رغم ذلك يعبد ~~فنه.» # وتجرع كأسه الثالثة دفعة واحدة حتى أغرقت عطية في الضحك. وهي ~~تحب السكر من صميم قلبها ولكنه يفعل بها الأفاعيل، فإذا لم يوقفها ~~عند حدها علا صوتها فتشنجت ثم بكت وتقايأت. ولعبت الخمر برأسه ~~فاهتز طربا، ومد إليها بصره فانبسطت أساريره. هي الآن امرأة فحسب، ~~لا مشكلة، وكأنه لم تعد ثمة مشكلة في الوجود، الوجود نفسه - أثقل ~~مشكلة في الحياة - لم يعد مشكلة، ولكن اشرب واغرق في ~~القبل .. ~~- ما ألطفك إذا ضحكت بلا سبب! ~~- إذا ضحكت بلا سبب فاعلمي أن الأسباب أجل من أن ~~تذكر .. # 17 ms089 # عاد عبد المنعم إلى السكرية ملتفا في معطفه، يحبك من آن لآخر ~~طاقته ليتقي برد الشتاء القارص، وكان الظلام شاملا رغم أن ~~الساعة لم تجاوز السادسة مساء. وما كاد يبلغ مدخل السلم حتى فتح ~~باب الدور الأول وتسلل الشبح اللطيف الذي كان ينتظر، وخفق قلبه ~~وجعل يحملق في الظلام بعينين متقدتين. وتابع شبحها وهو يرقى في ~~السلم في خفة وحذر أن يحدث صوتا، فوجد نفسه موزعا بين ~~رغبة تغريه بالاستسلام وإرادة تحثه على السيطرة على أعصابه التي ~~تلوح بالخيانة والانهيار. وذكر - الآن فقط! - إنها واعدته الليلة ~~من قبل، وقد كان بوسعه أن يقدم موعد عودته أو يؤخره فيتجنب هذا ~~اللقاء، ولكنه نسي ذلك كله، لشد ما ينسى! ولم يكن ثمة وقت ~~للتدبر والتذكر، فليترك هذا إلى حينه، عندما يخلو إلى نفسه في ~~حجرته، إلى تلك اللحظة التي ستشهده. منتصرا ظافرا أو منهزما ~~مغلوبا على أمره. وارتقى السلم في أعقابها دون أن يعزم على أمر، ~~ملقيا بنفسه في خضم الامتحان، ولم يكن شيء لينسيه آلام صراعه ~~الأبدي. وفوق البسطة خيل إليه أن شبحها يضخم حتى ملأ عليه ~~المكان والزمان. وقال وهو يخفي قلقه، ويضمر الصمود مهما كلفه ~~الأمر: مساء الخير .. # فجاء الصوت الرقيق يقول: مساء الخير، أشكرك لأنك سمعت نصيحتي ~~ولبست معطفك .. # فغلبه التأثر لرقتها، وذابت في حلقه كلمة أوشك أن يجبهها بها، ~~ثم قال مداريا ارتباكه: خشيت أن تمطر السماء .. # فرفعت رأسها إلى أعلى كأنما تنظر إلى السماء، وقالت: ستمطر ~~عاجلا أو آجلا، ليس في السماء نجم، وقد ميزتك بصعوبة عندما ~~دخلت الحارة. # فاستجمع قواه المتلاطمة، وقال فيما يشبه التحذير: الجو بارد، ~~وجو السلم خاصة شديد الرطوبة! # فقالت الصغيرة بصراحة تعلمتها على يديه: لا أشعر بالبرد في ~~قربك .. # فلفحت وجهه حرارة منبعثة من الداخل، ونم حاله على أنه سيعاود ~~الخطأ على رغمه، وجعل يستعدي إرادته ليتغلب على الرجفة السارية في ~~بدنه، فسألته: ما لك لا تتكلم؟ # وأحس بيدها على منكبه تضغطه برقة، فما تمالك أن طوقها ~~بذراعه، وقبلها قبلة طويلة، ms090 ثم أمطرها قبلات حتى سمع صوتها ~~الرقيق يقول لاهثا: لا أطيق البعد عنك .. # فواصل عناقه متذاوبا في حضنها، وهي تهمس في أذنه: أتمنى لو أبقى ~~هكذا إلى الأبد .. # فشد عليها الوثاق قائلا بصوت متهدج: يا للأسف! # فتباعد رأسها في الظلام قليلا، وهي تتساءل: علام تأسف ~~يا حبيبي؟ # فقال بعد تردد: على الخطأ الذي نتردى فيه .. ~~- أي خطأ بالله؟ # تخلص منها برقة، وراح يخلع معطفه، فطواه، ثم هم بأن يضعه على ~~الدرابزين، ولكنه عدل عن فكرته في اللحظة الأخيرة - لحظة هائلة - ~~فثناه على ذراعه - ثم تراجع إلى الوراء خطوة. كانت أنفاسه تضطرب ~~ولكن عزمة اعترضت تيار استسلامه فقلبت كل شيء. وعادت يدها تتلمس ~~السبيل إلى عنقه فأمسك بها، وانتظر حتى هدأت أنفاسه، ثم قال ~~بهدوء: هذا خطأ كبير .. ~~- أي خطأ؟! لست أفهم شيئا .. # صغيرة لم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، أنت تعبث بها إشباعا ~~لرغبة لا ترحم، ولن يكون لهذا العبث من غاية، ليس إلا عبثا تجلب ~~به غضب الله ومقته. ~~- يجب أن تفهمي، أنستطيع أن نعلن ما نفعل؟ ~~- نعلنه؟ ~~- انظري كيف تستنكرين! ولكن لماذا لا نعلنه إن لم يكن عيبا ~~مزريا؟ # وشعر بيدها تتصيده، فارتقى إلى أولى درجات السلم التالية، وكان ~~مطمئنا إلى أنه جاز منطقة الخطر بسلام. ~~- اعترفي بأننا مخطئان، فلا ينبغي أن نصر على الخطأ .. ~~- عجيب أن أسمع منك هذا الكلام. ~~- لا عجب، إن ضميري لم يعد يحتمل الخطيئة، إنها تعذبني وتفسد ~~علي صلاتي .. ~~«صامتة! أذيتها فليسامحني الله، يا للألم! ولكني لن أتراجع، احمد ~~الله على أن الخطأ لم يدفعك إلى ما هو شر منه ..» ~~- يجب أن يكون ما حصل درسا لنا فلا نعود إلى مثله. أنت صغيرة، ~~وقد أخطأت، فلا تجري مرة أخرى وراء الخطأ. # وقالت في نبرات باكية: لم أخطئ، أتنوي هجري؟ ماذا تقصد؟ # وكان قد تمالك قوته فقال: عودي إلى بيتك. لا تفعلي شيئا ترين ~~وجوب التستر عليه،. لا تقابلي أحدا في الظلام .. # فقال الصوت متهدجا: أتهجرني؟ أنسيت كلامك عن حبنا؟ ~~- كلام من لا عقل ms091 له: أنت مخطئة، ليكن هذا درسا لك، احذري ~~الظلام فقد تكون فيه نهايتك، أنت صغيرة، فمن أين لك هذه ~~الجرأة؟! # تردد في الظلام انتحابها، ولكنه لم يرقق قلبه، كان منتشيا ~~بلذة نصر قاسية. ~~- عي كل كلمة، ولا تغضبي، واذكري أنني لو كنت نذلا ما ارتضيت ~~أن أتركك قبل أن أقضي عليك، أستودعك الله .. # ورقي في السلم وثبا. انتهى من العذاب، ولن يكون طعمة لأنياب ~~الندم، ولكن ليذكر قول أستاذه الشيخ علي المنوفي: أن مغالبة ~~الشيطان لن تكون بتجاهل سنن الطبيعة. أجل ليذكر هذا. وخلع ملابسه ~~على عجل وارتدى الجلباب، ثم قال لأخيه أحمد وهو يغادر الحجرة: أريد ~~أن أخلو إلى والدي في حجرة المكتب، فانتظر قليلا من فضلك. # وفي طريقه إلى الحجرة رجا والده أن يتبعه، فرفعت خديجة رأسها ~~إليه متسائلة: خير؟ .. ~~- سأحدث أبي أولا، ثم يأتي دورك .. # وتبعه إبراهيم شوكت صامتا. كان الرجل قد ركب طاقم أسنانه ~~الجديد، وعاودته طمأنينته الخاملة بعد أن واجه الحياة بلا أسنان ~~ستة أشهر كاملة. وجلسا جنبا إلى جنب والأب يقول: خير إن شاء ~~الله؟ # فقال عبد المنعم دون تردد أو تمهيد: أريد يا أبي أن أتزوج! # فحملق الرجل في وجهه، ثم قطب باسما كأنه لم يفهم شيئا، وهز ~~رأسه في حيرة ثم قال: الزواج؟ كل أمر رهن بوقته، لماذا تحدثني عن ~~ذلك الآن؟ ~~- أريد أن أتزوج الآن .. ~~- الآن؟! ما زلت في الثامنة عشرة من عمرك، ألا تنتظر حتى تأخذ ~~شهادتك؟ ~~- لا أستطيع .. # وهنا فتح الباب ودخلت خديجة، وهي تتساءل: ماذا يدور وراء ذلك ~~الباب؟ هل توجد أسرار تحل لأبيك وتحرم علي! # فقطب عبد المنعم متنرفزا، على حين راح إبراهيم يقول وهو لا يكاد ~~يفقه معنى ما يقول: عبد المنعم يريد أن يتزوج .. # فتفحصته خديجة كأنما تخاف عليه الجنون، وهتفت: يتزوج! ماذا ~~أسمع؟ هل قررت أن تترك الجامعة؟ # فقال عبد المنعم بصوت قوي غاضب: قلت إني أريد أن أتزوج لا أن ~~أهرب من المدرسة، سأواصل الدراسة متزوجا، هذا كل ما ~~هنالك .. # فقالت خديجة وهي ms092 تردد عينيها بينه وبين أبيه: عبد المنعم أأنت ~~جاد حقا؟ # فصاح: كل الجد .. # فضربت المرأة كفا على كف وقالت: أصابتك عين، ماذا حصل لعقلك ~~يا بني؟ # فنهض عبد المنعم غاضبا وهو يقول: ما الذي جاء بك؟ كنت أريد أن ~~أختلي بأبي أولا ولكنك لا صبر لك. أصغيا إلي، أريد أن أتزوج، ~~أمامي عامان حتى أنتهي من دراستي، وأنت يا أبي تستطيع أن تعولني ~~هذين العامين، لولا تأكدي من هذا، ما عرضت طلبي .. # فجعلت خديجة تقول: يا لطف الله! أكلوا عقله! ~~- من هم الذين أكلوا عقلي؟ ~~- الله بهم أعلم .. منهم لله، أنت أدرى بهم، وسنعرفهم عما ~~قليل .. # فخاطب الشاب أباه قائلا: لا تصغ إليها، إني لا أدري حتى الساعة ~~من التي ستكون من نصيبي، اختاروها بأنفسكم، أريد زوجة لائقة، أي ~~زوجة! # فسألته داهشة: أتعني أنه لا توجد واحدة بالذات هي السبب في هذه ~~البلوى؟ ~~- أبدا، صدقيني، اختاري لي بنفسك .. ~~- وما الداعي إلى السرعة إذن؟ دعني أختار لك، أعطني مهلة، إنها ~~مسألة عام أو عامين؟ # فعلا صوته وهو يقول: أنا لا أهزل، دعيني فهو يفهمني خيرا ~~منك! # فسأله أبوه بهدوء: ما وجه السرعة؟ # فقال عبد المنعم وهو يغض بصره: لا أستطيع البقاء دون ~~زواج. # فتساءلت خديجة: وآلاف الشبان أمثالك كيف يستطيعون؟ # فقال الشاب مخاطبا أباه: لا أقبل أن أفعل ما يفعله ~~الآخرون! # فتفكر إبراهيم قليلا، ثم قال حسما للموقف: يكفي هذا الآن، ~~وسنعود إلى الموضوع في فرصة أخرى. # وهمت خديجة بالكلام ولكن زوجها منعها، وأخذها من يدها فغادرا ~~الحجرة إلى مجلسهما في الصالة. وتحادث الزوجان مقلبين الأمر على ~~جميع وجوهه. وبعد أخذ ورد طويلين مال إبراهيم إلى تأييد مطلب ~~ابنه، وتولى بنفسه إقناع زوجه، حتى سلمت بالمبدأ، وعند ذاك قال ~~إبراهيم: عندنا نعيمة بنت أخي، فلن نتعب في البحث عن عروس. # فقالت خديجة باستسلام: أنا التي أقنعتك بالنزول عن نصيبك من ~~ميراث المرحوم إكراما لعائشة، فلا اعتراض لي على اختيار نعيمة ~~زوجة لابني، إن سعادة عائشة تهمني جدا كما تعلم، ولكني أخاف ms093 ~~تفكيرها، وأحسب ألف حساب للشذوذ الذي طرأ عليها، ألم تلمح أمامها ~~مرات عن رغبتنا في تزويج نعيمة من عبد المنعم؟ ومع ذلك خيل إلي ~~أنها كانت ترحب بابن جميل الحمزاوي عندما قيل إن والده طلب له ~~يدها .. ~~- هذا تاريخ قديم، مضى عليه عام أو أكثر، والحمد لله أنه لم ~~يتم، فما كان يشرفني أن يأخذ بنت أخي شاب مثله مهما تكن وظيفته؛ ~~الأصل عندي كل شيء، نعيمة عندنا على العين والرأس. # فقالت خديجة وهي تتنهد: على العين والرأس، ترى ماذا يقول أبي ~~عن هذا اللعب إذا علم به؟! # فقال إبراهيم: سيرحب به دون شك، كل شيء يبدو كالحلم، ولكني لن ~~أندم، فإني موقن بأن تجاهل رغبة عبد المنعم خطأ لا يغتفر، ما دام ~~في الإمكان تحقيقها! # 18 # لم يطرأ على البيت القديم في بين القصرين أي تغيير يذكر، إلا ~~أن الجيران بما فيهم حسنين الحلاق ودرويش الفوال والفولي ~~اللبان وأبو سريع صاحب المقلي وبيومي الشرباتلي، كل أولئك قد ~~علموا بطريقة أو بأخرى أن اليوم تزوج حفيدة السيد أحمد من ~~ابن عمها - وخالتها - عبد المنعم. حافظ السيد أحمد على تقاليده ~~القديمة فمضى اليوم كغيره من الأيام، فاقتصر على دعوة الأهل، وغاية ~~الأمر أن أعدت العدة لوليمة عشاء. وكان الوقت في مطلع الصيف، ~~وقد اجتمعوا جميعا في حجرة الاستقبال، السيد أحمد عبد الجواد وأمينة ~~وخديجة وإبراهيم شوكت وعبد المنعم وأحمد وياسين وزنوبة ورضوان ~~وكريمة، ما عدا نعيمة التي كانت تأخذ زينتها في الدور الأعلى ~~بمعاونة عائشة. ولعل السيد قد شعر بأن وجوده بينهم يلقي على ~~الاجتماع العائلي ظلا من الوقار الذي لا تستسيغه المناسبة ~~السعيدة، فانتقل عقب الاستقبال بقليل إلى حجرته، حيث لبث ينتظر ~~حضور المأذون. وكان السيد قد صفى تجارته وباع الدكان مؤثرا ~~الراحة لشيخوخته، لا لأنه بلغ الخامسة والستين فحسب، ولكن لأن ~~استعفاء جميل الحمزاوي اضطره إلى بذل نشاط مضاعف لم يعد يحتمله، ~~فقرر إنهاء حياته العملية، قانعا بما تخلف له من تصفية دكانه ~~وما ادخر من مال من قبل ms094 قدر أن يكفيه بقية العمر. وكان حدثا ~~هاما في حياة الأسرة، جعل كمال يتساءل عن حقيقة الدور الذي كان ~~يلعبه جميل الحمزاوي في حياته عامة وحياة أبيه خاصة، ولبث السيد ~~في حجرته منفردا، يتأمل أحداث اليوم في صمت، كأنما لا يصدق ~~حقا أن العريس هو عبد المنعم حفيده. ويوم فاتحه إبراهيم شوكت في ~~الأمر عجب، واستنكر، كيف تسمح لابنك بأن يحدثك بهذه الصراحة وأن ~~يملي إرادته عليك، إنكم آباء خلقتم لإفساد الأجيال، ولو في غير ~~الظرف الذي يدرك دقته لقال لا، ولكن كانت هناك عائشة، فحيال ~~تعاستها تخلى عن عناده التقليدي كله، ولم يطق - خاصة بعد ما ~~ثار حول صمت فؤاد الحمزاوي من تعليقات - أن يخيب لها رجاء، وإذا ~~كان زواج نعيمة يخفف من لوعة قلبها فأهلا به وسهلا. هكذا دفعه ~~الحرج إلى أن يقول نعم، وأن يسمح للصبيان أن يملوا إرادتهم على ~~الكبار وأن يتزوجوا قبل أن يتجاوزوا مرحلة التلمذة. ودعا عبد المنعم ~~إلى مقابلته، وطلب إليه أن يتعهد بإتمام دراسته، فتكلم ~~عبد المنعم كلاما جميلا مريحا مستشهدا في أثناء ذلك بالقرآن ~~والحديث. فترك في نفس جده آثارا متباينة من الإعجاب والسخرية. ~~هكذا يتزوج التلميذ اليوم على حين أن كمال لم يفكر في الزواج بعد. ~~وعلى حين رفض هو يوما أن تعلن خطبة المرحوم فهمي - مجرد إعلان ~~خطبة - الذي مات قبل أن يجني ثمرة شبابه الغض، وهكذا يبدو أن ~~العالم قد انقلب على رأسه، وأن دنيا عجيبة أخرى تشب، وأننا غرباء ~~بين أهلينا. اليوم يتزوج التلاميذ ولا ندري ماذا يصنعون ~~غدا. # وفي حجرة الاستقبال كانت خديجة تقول من ضمن حديث طويل: لذلك ~~أخلينا الدور الثاني من سكانه، وسيستقبل الليلة العروسين وهو على ~~أحسن حال. # فقال لها ياسين بلهجة غادرة: عندك كافة المواهب التي تجعل منك ~~«حماة» لا نظير لها، ولكنك لن تستطيعي استغلال مواهبك الفذة مع ~~هذه العروس! # فأدركت ما يرمي إليه، ولكنها تجاهلته قائلة: العروس ابنتي وابنة ~~أختي .. # وقالت زنوبة تلطف من تعريض ياسين: خديجة هانم سيدة ~~كاملة! ms095 # فشكرتها خديجة، وكانت تقابل توددها بالشكر والاحترام إكراما ~~لياسين، على الرغم من احتقارها الباطني لها. وكانت كريمة تتألق في ~~سنها العاشرة مما جعل ياسين ينوه بأنوثتها المنتظرة! أما ~~عبد المنعم فراح يحادث جدته أمينة المعجبة بتدينه، وكانت تقطع ~~حديثه بالدعاء له. وسأل كمال أحمد ممازحا: وأنت تتزوج في العام ~~المقبل؟ فقال أحمد ضاحكا: إلا إذا اتبعت سنتك ~~يا خالي! # وكانت زنوبة تتابع حديثهما، فقالت موجهة الخطاب إلى كمال: لو ~~سمح لي سي كمال فإني أعد بأن أزوجه في أيام! # فقال لها ياسين وهو يشير إلى نفسه: إني مستعد لأن أسمح لك عن ~~نفسي! # فقالت وهي تهز رأسها تهكما: لقد تزوجت بما فيه الكفاية، وأخذت ~~نصيبك ونصيب أخيك .. # وانتبهت أمينة إلى موضوع الحديث، فقالت لزنوبة: إذا زوجت كمال، ~~فسأحاول أن أزغرد لأول مرة في حياتي! # وتخيل كمال أمه وهي تزغرد فضحك، ثم تخيل نفسه في مجلس عبد المنعم ~~ينتظر المأذون فوجم. الزواج يهيج دوامة في أعماقه كما يهيج الشتاء ~~الربو عند المريض، وهو يرفضه عند كل مناسبة، لكنه لا يستطيع أن ~~يتجاهله، وهو خالي القلب ولكنه يضيق بخلوه كما كان يضيق قديما ~~بامتلائه، واليوم إذا أراد الزواج فليس أمامه إلا الطريق التقليدي ~~الذي يبدأ بالخاطبة، وينتهي بالأسرة والأطفال والاندماج في ~~ميكانيزم الحياة، فلا يكاد يجد المولع بالتأمل موضعا للتأمل، وسوف ~~يرى الزواج دائما أبدا في مركز عجيب بين الحنين من ناحية ~~والاشمئزاز من ناحية أخرى، أما في نهاية العمر فلن تجد إلا الوحدة ~~والكآبة .. # السعيدة حقا في ذلك اليوم كانت عائشة؛ لأول مرة منذ تسع سنوات ~~تحلت بثوب جميل وعقصت شعرها. وكانت ترقب ابنتها التي تبدت ~~كقبضة من نور بعينين حالمتين، فإذا غلبها الدمع أخفت عنها وجهها ~~الشاحب الذابل. وقد لمحتها أمها مرة وهي تبكي، فنظرت إليها معاتبة ~~وهي تقول: لا يصح أن تترك نعيمة البيت وفي قلبها حزن! # فانتحبت عائشة قائلة: ألا ترينها وحيدة في هذا اليوم لا أب ولا ~~أخ؟ # فقالت أمينة: البركة في أمها، ربنا يخليها لها، وهي ms096 ذاهبة إلى ~~خالتها وعمها، ولها بعد ذلك الله خالق الملك كله .. # فجففت عائشة عينيها وهي تقول: ذكريات الأموات الأعزاء تغمرني من ~~طلعة الصبح، ووجوههم تلوح لي ، ثم إنني بعد ذهابها سأبقى ~~وحيدة .. # فقالت أمينة في عتاب: لست وحيدة .. # وكانت نعيمة تربت خد أمها وتقول: كيف أستطيع أن أغيب عنك ~~يا ماما؟ # فتجيبها عائشة بحنان وهي تبتسم: سيعلمك بيت زوجك كيف ~~تستطيعين! # فقالت نعيمة بقلق: ستزورينني كل يوم، كنت تتحاشين الاقتراب من ~~السكرية، ولكن يجب أن تتخلي عن هذه العادة منذ اليوم. ~~- طبعا، هل تشكين في ذلك؟ # وإذا بكمال يقبل عليهما قائلا: استعدا، جاء المأذون .. # وعلقت عيناه بنعيمة في إعجاب. يا للجمال، والرقة، والشفافية! كيف ~~يكون للحيوانية دور في هذا الكائن اللطيف؟! # ولما عرف أن الكتاب قد كتب، تبودلت التهاني، وإذا بزغرودة تقتحم ~~على البيت وقاره وتلعلع في جوه الصامت، فاتجهت الرءوس في دهش إلى ~~حيث وقفت أم حنفي في نهاية الصالة. ولما جاء وقت الوليمة وتوارد ~~المدعوون إلى المائدة، انقبض صدر عائشة وتركز تفكيرها في الفراق ~~الوشيك، فلم تنفتح نفسها للطعام. ثم جاءت أم حنفي فأبلغت أن الشيخ ~~متولي عبد الصمد جالس على الأرض في الحوش، وأنه طلب عشاءه خاصة من ~~اللحوم، فضحك السيد وأمر بأن تهيأ له صينية وتحمل إليه. وما لبث ~~أن ترامى إليهم صوته صاعدا من الحوش وهو يدعو بطول العمر لحبيبه ~~«ابن عبد الجواد» ويتساءل في الوقت نفسه عن أسماء أبنائه وأحفاده ~~ليدعو لهم! فقال السيد باسما: يا للخسارة! .. نسي الشيخ متولي ~~أسماءكم، سامح الله الشيخوخة .. # فقال إبراهيم شوكت: إنه في المائة من عمره، أليس كذلك؟ # فأجاب أحمد عبد الجواد بالإيجاب، وعند ذاك تعالى صوت الشيخ مرة ~~أخرى وهو يصيح: باسم الحسين الشهيد أكثروا من اللحم! # فضحك السيد قائلا: سر ولايته قاصر اليوم على اللحوم! # وحين ساعة الوداع سبق كمال إلى الحوش؛ ليتجنب ذلك المنظر، ومع ~~أنه لم يزد على انتقال يسير إلى السكرية إلا أنه كان ذا وقع شديد ~~كالصداع في قلبي الأم وابنتها. والواقع ms097 أن كمال كان ينظر إلى هذا ~~الزواج بعين ملؤها الشك، بالنظر إلى جدارة نعيمة للحياة الزوجية. ~~وفي الحوش رأى الشيخ متولي عبد الصمد جالسا على الأرض تحت المصباح ~~الكهربائي المثبت في جدار البيت ليضيء المكان، مادا ساقيه، ~~مرتديا جلبابا أبيض باهتا وطاقية بيضاء، خالعا نعليه مستندا ~~إلى الجدار كالنائم ليريح جوفه مما امتلأ به من طعام - ورأى بين ~~ساقيه ماء يسيل، فأدرك من النظرة الأولى أن الشيخ يبول وهو لا ~~يشعر، وكانت أنفاسه تتردد فتسمع كالفحيح. حدجه كمال بنظرة جمعت ~~بين التقزز والرثاء، ثم خطر له خاطر فابتسم على رغمه، وقال لنفسه: ~~لعله كان طفلا مدللا عام 1830! # 19 # في اليوم التالي مباشرة ذهبت عائشة لزيارة السكرية. طوال الأعوام ~~التسعة المنقضية لم تغادر البيت القديم إلا لزيارة القرافة، فيما ~~عدا زيارات معدودات لقصر الشوق حين وفاة ابني ياسين الصغيرين. ~~وقفت قليلا عند مدخل السكرية تلقي على المكان نظرة شاملة، حتى ~~غطى الدمع ناظريها. على الأرض أمام مدخل البيت التي أشبعتها ~~أقدام عثمان ومحمد جريا ولعبا، والحوش الذي ازدان يوما بحفل ~~عرسها البهيج، والمنظرة التي كان يجلس فيها خليل يدخن غليونه ~~ويلعب الطاولة والدومينو؛ ذلك شذا الماضي العطر المشبع بالحنان ~~والحب المفقودين، وهي سعيدة، سعادة سارت مسير الأمثال، حتى قيل ~~عنها: الضاحكة المترنمة التي لا شغل لها إلا مضاحكة المرآة ومصاحبة ~~الزينة، والزوج يناجي والأطفال يثبون .. تلك الأيام الماضية. وجففت ~~عينيها حتى لا تلقى العروس باكية. جففت عينين ما تزالان زرقاوين ~~وإن تساقطت أهدابهما وذبلت جفونهما. ووجدت الشقة قد جددت مرافقها ~~وطليت جدرانها فبدت ثغرا باسما في جهاز العروس الذي أنفق عليه ~~بسخاء. واستقبلتها نعيمة في فستان أبيض هفهاف، وقد أرسلت شعرها ~~الذهبي حتى مست أهدابه باطن الساقين، رائقة عذبة وضيئة ينبعث من ~~أردانها عرف ساحر، فتعانقتا عناقا طويلا حارا، حتى قال ~~عبد المنعم، وكان ينتظر دوره في السلام في روب جنزاري شمل به جلبابه ~~الحريري: كفاية، أقل سلام يكفي هذا الفراق الوهمي! # ثم عانق خالته، ومضى بها إلى مقعد وثير فأجلسها ms098 وهو يقول: كنا ~~في سيرتك يا خالتي؛ فقد قر رأينا على أن ندعوك للإقامة ~~معنا؟! # فابتسمت عائشة قائلة: أما هذا فلا، سأزوركم كل يوم فتكون فرصة ~~للفسحة ، ما أحوجني إلى الحركة. # فقال عبد المنعم بصراحته المعهودة: نعومة قالت لي إنك لا تحتملين ~~المكوث هنا خشية أن تطاردك الذكريات. إن الذكريات الحزينة لا ~~تطارد المؤمن، وذلك أمر الله، وقد مضى منذ عهد بعيد، ونحن أولادك ~~فقد عوضك الله! # هذا الشاب طيب صريح ولكنه لا يبالي أين يقع كلامه من القلوب ~~الجريحة. ~~- طبعا يا عبد المنعم، ولكني مرتاحة في بيتي، هذا أفضل .. # وإذا بخديجة وإبراهيم وأحمد يدخلون، فيصافحونها، ثم تقول خديجة ~~لعائشة: لو عرفت أن هذا الذي يعيدك إلى زيارتنا لزوجتهما قبل ~~البلوغ! # فضحكت عائشة، وقالت تذكر خديجة بالماضي البعيد: المطبخ واحد، ~~أم تطالب العروس بالاستقلال من حماتها؟ # فضحكت خديجة وإبراهيم معا، وقالت خديجة بلهجة لم تخل من معنى: ~~العروس كأمها لا تعنى بالسفاسف! # وقال إبراهيم ليفسر لابنيه ما غمض من تلميح عائشة: بدأت المعارك ~~بين أمكما وأمي بسبب مشكلة المطبخ الذي كانت أمي تستقل به، ~~ومطالبة أمكما بالاستقلال المطبخي .. # فقال العريس متعجبا: كنت تتعاركين يا نينة بسبب المطبخ! # فقال أحمد ضاحكا: وهل من سبب للمعارك التي تدور بين الأمم إلا ~~هذا المطبخ؟! # فقال إبراهيم في تهكم: أمكما قوية كإنجلترا، أما أمي فرحمة الله ~~عليها .. # وجاء كمال، كان يرتدي بذلة بيضاء أنيقة؛ أما وجهه فيتكون من ~~الطاقم المألوف المركب من جبينه البارز وأنفه العظيم ونظارته ~~الذهبية وشاربه المربع الغليظ، وكان يحمل بيده لفة كبيرة بشرت ~~بهدية ممتازة، فقالت خديجة باسمة وهي تتفحص الهدية: حذار يا أخي، ~~إذا لم تتدارك نفسك بالزواج فستظل تجيء بالهدايا دون أن يرد لك ~~الجميل، الأسرة كلها اليوم موشكة على الزواج، هذا أحمد، وهناك ~~رضوان وكريمة، تدارك نفسك بالتي هي أحسن! # وسأله أحمد: بدأت العطلة المدرسية يا خالي؟ # فأجاب كمال وهو ينزع طربوشه ويرنو إلى العروس الجميلة: لم تبق ~~إلا فترة يسيرة للمراقبة والتصحيح في الابتدائية! # وغابت نعيمة ms099 لتعود مرة أخرى بصينية فضية حافلة بشتى أنواع ~~الحلوى، مختلفة الألوان والطعوم، فمضت فترة لم يسمع خلالها إلا ~~التمطق والمصمصة. ثم راح إبراهيم يحكي ذكريات فرحه، الحفل ، ~~والمغنى، والعالمة. وتابعته عائشة بوجه باسم وقلب محزون، وتابعه ~~كمال بشغف إذ كان يعيد عليه صورا ما زال يذكر بعضها ويود لو ~~يعرف ما فاته منها. قال إبراهيم ضاحكا: السيد أحمد كان كما هو ~~اليوم أو أشد، ولكن أمي رحمها الله قالت بحزم: ليفعل السيد ما يشاء ~~في بيته، أما عندنا فنحن نفرح كما نشاء، وقد كان. وجاء السيد يوم ~~الفرح ومعه أصحابه مساهم الله بالخير جميعا، أذكر منهم السيد ~~محمد عفت جد رضوان، فجلسوا جميعا في المنظرة بعيدا عن ~~الزياط! # وقالت خديجة: أحيت الليلة جليلة أشهر عالمة في عصرها .. # وابتسم قلب كمال، وذكر البدرونة العجوز التي ما تزال تنوه بعهد ~~أبيه! .. # وقال إبراهيم مسترقا النظر إلى عائشة: وكان لنا عالمة خصوصية ~~لبيتنا، ولكن صوتها كان أجمل من العالمة المحترفة، كان يذكرنا ~~بصوت منيرة المهدية في عزها! # فتورد وجه عائشة، وقالت بهدوء: سكت صوتها منذ عهد بعيد، حتى ~~نسيت الغناء .. # فقال كمال: نعيمة تغني كذلك. ألم تسمعها؟ # فقال إبراهيم: سمعت عنها ولكني لم أسمعها بعد، الحق أنا ~~عرفناها شيخة لا عالمة! وبالأمس قلت لها: زوجك شيخ المؤمنين، ولكن ~~ينبغي أن تؤجلي الصلاة والعبادة إلى حين! # وضحكوا جميعا، وقال أحمد مخاطبا أخاه: لا ينقص عروسك إلا أن ~~تضمها إلى شعبة الشيخ علي المنوفي معك. # فقال العريس: إن شيخنا أول من نصحني بالزواج .. # فقال أحمد مخاطبا أخاه: لعل الإخوان يعتبرون الزواج مادة من ~~دستورهم السياسي! # والتفت إبراهيم إلى كمال قائلا: أما أنت فكنت - أقصد أيام دخلتي ~~- صغيرا، وكان شعرك غزيرا لا كما هو اليوم، وكنت تتهمنا بسرقة ~~أختيك فلم تغفر لنا ذلك أبدا .. ~~«كنت ميدانا خاليا لم تبدأ به المعارك بعد، يتحدثون عن سعادة ~~الزواج .. لو يعرفون ما يحدث به الأزواج الشاكون! نعيمة أعز ~~علي من أن يملها مخلوق، أي شيء لا ينكشف عن خدعة ms100 في هذه ~~الحياة؟!» # قالت خديجة معلقة على قول زوجها: كنا نظن ذلك حبا لنا، ولكن ~~اتضح مع الأيام أنه ليس إلا عداوة للزواج نشأت معه منذ ~~الصغر ! # وضحك كمال كما ضحكوا جميعا. إنه يحب خديجة، ويزيد من حبه علمه ~~بحبها الشديد له، أما تعصب العريس فشد ما يزعجه، ولكنه من ناحية ~~أخرى يحب أحمد ويعجب به، وهو نافر من الزواج ولكن يطيب له أن ~~تذكره خديجة به في كل مناسبة، وكان قلبه شديد التأثر بجو الزواج ~~المحيط به، فانتشى قلبه وحواسه، ووجد حنينا وإن يكن بلا هدف، ثم ~~تساءل كأنما يتساءل لأول مرة: ماذا يمنعني من الزواج؟ .. حياة ~~الفكر كما كان يزعم قديما؟! إني أشك اليوم في الفكر والمفكر ~~معا، أهو الخوف، أم الانتقام، أم الرغبة في الألم، أم رد الفعل ~~الصادر من الحب القديم .. في حياتي مسوغ لأي من هذه ~~الأسباب! # وسأل إبراهيم شوكت كمال: أتدري لماذا آسف على عزوبتك؟ ~~- نعم؟ .. ~~- إني أعتقد أنك زوج مثالي إذا تزوجت، فأنت رجل بيت بطبعك، ~~منظم، مستقيم، موظف محترم، ولا شك أنه توجد فتاة في مكان ما من ~~الأرض تستحقك، وأنت مضيع عليها حظها! # حتى البغال أحيانا تنطق بالحكم، فتاة في مكان ما من الأرض ~~ولكن أين؟ أما عن اتهامه بالاستقامة فما هو إلا كافر فاسق سكير ~~منافق! فتاة في مكان ما من الأرض، فلعله غير بيت جليلة بعطفة ~~الجوهري، وهذه الآلام التي تتطاحن في قلبه ما علتها؟ والحيرة ~~التي لا مهرب منها إلا بالخمر والشهوات! ويقولون تزوج حتى تنجب ~~فتخلد، وشد ما طمح إلى الخلود في شتى أشكاله وألوانه، فهل يركن ~~يائسا في النهاية إلى هذه الوسيلة الفطرية المبتذلة؟ وثمة أمل أن ~~يجيء الموت بلا ألم يشوه راحته الأبدية، كم بدا الموت مخيفا لا ~~معنى له؛ ولكنه - بعد أن فقدت الحياة كل معانيها - يبدو اللذة ~~الحقيقية في الحياة، ما أعجب العاكفين على العلم في معاملهم، ما ~~أعجب الزعماء الذين يلقون بأنفسهم في المهالك في سبيل الدستور، ~~أما الذين يدورون حول أنفسهم ms101 في حيرة وعذاب فالرحمة لهم! وردد ~~بصره بين أحمد وعبد المنعم في إعجاب مقرون بالغبطة. إن الجيل الجديد ~~يشق سبيله العسير إلى هدف بين دون شك أو حيرة، ترى ما سر دائي ~~الوبيل؟! # قال أحمد: سأدعو العروسين ووالدي وخالتي إلى لوج في الريحاني ~~الخميس القادم. # فتساءلت خديجة: الريحاني؟ .. # فقال لها إبراهيم مفسرا: كشكش بك! # فضحكت خديجة وقالت: كاد ياسين يطرد من بيتنا وهو عريس بسبب أخذه ~~أم رضوان ليلة إلى كشكش! # فقال أحمد باستهانة: كان زمان وجبر، جدي الآن لا يمانع في ذهاب ~~جدتي إلى كشكش بك! # فقالت خديجة: خذ العروسين وأباك، أما أنا فكفاية علي ~~الراديو .. # وقالت عائشة: وكفاية علي أنا بيتكم .. # وراحت خديجة تقص قصة ياسين وكشكش بك حتى حانت من كمال نظرة إلى ~~ساعته فتذكر موعد رياض قلدس، فنهض مستأذنا في الانصراف. # 20 ~~- أتستطيع أن تستمتع بجمال الطبيعة حقا بالرغم من أن الامتحان ~~لم يبق عليه إلا أيام؟ # كان السائل طالبا، والمسئول طالبا كذلك، في جماعة من الطلاب ~~افترشت العشب على هيئة نصف دائرة فوق هضبة خضراء في أعلاها كشك ~~خشبي احتله طلاب آخرون، وعلى مرمى البصر تراءت جماعات النخيل ~~وحيضان الأزهار تتخللها مماشي الفسيفساء، قال الطالب المسئول: ~~كما يستمتع عبد المنعم شوكت بالحياة الزوجية، رغم اقتراب ~~الامتحان. # كان عبد المنعم شوكت جالسا في محيط نصف الدائرة، وكذلك أحمد شوكت، ~~فقال عبد المنعم: الزواج، بخلاف ما تظنون، يهيئ للطالب أحسن فرصة ~~للنجاح. # فقال حلمي عزت، وكان يجلس لصق رضوان ياسين في الطرف الآخر من نصف ~~الدائرة: هذا إذا كان الزوج من الإخوان المسلمين! # وضحك رضوان عن ثغره اللؤلؤي، رغم ما أثاره الحديث في نفسه من ~~غم. أجل إن سيرة الزواج تثير قلقه، فلا يدري إن كان يقدم يوما ~~على هذه المغامرة أم لا، مغامرة مخيفة بقدر ما هي ضرورية، ولكن ما ~~أبعدها عن روحه وجسده! وتساءل طالب: وما الإخوان المسلمون؟ # فأجابه حلمي عزت: جمعية دينية تهدف إلى إحياء الإسلام علما ~~وعملا، ألم تسمع بشعبها التي بدأت تتكون ms102 في الأحياء؟ ~~- غير الشبان المسلمين؟ ~~- نعم .. ~~- وما الفرق؟ # فأجاب وهو يشير إلى عبد المنعم شوكت: سل الأخ .. # فقال عبد المنعم بصوته القوي: لسنا جمعية للتعليم والتهذيب فحسب، ~~ولكننا نحاول فهم الإسلام كما خلقه الله، دينا ودنيا وشريعة ونظام ~~حكم .. ~~- أهذا كلام يقال في القرن العشرين؟ # فقال الصوت القوي: وفي القرن العشرين بعد المائة .. ~~- احترنا يا هوه بين الديمقراطية والفاشستية والشيوعية. هذا ~~خازوق جديد! # فقال أحمد ضاحكا: لكنه خازوق رباني! # فعلت ضجة ضحك، إلا أن عبد المنعم حدجه بنظرة غاضبة، وكأن رضوان ~~ياسين ساءه التعبير، فقال: خازوق؟! تعبير غير موفق. # وعاد الطالب يسأل عبد المنعم: وهل ترجمون الناس إذا ~~خالفوكم؟ ~~- إن الشبان يتهددهم زيغ في العقيدة، وانحلال في الخلق، وليس ~~الرجم بأشد ما يستحقونه، ولكننا لا نرجم، وإنما بالموعظة الحسنة ~~والمثال الطيب نهدي ونرشد، وآية ذلك أن بيتنا يضم أخا ممن ~~يستحقون الرجم، وها هو يمرح أمامكم، ويتطاول على خالقه ~~سبحانه! # فضحك أحمد، وقال حلمي عزت مخاطبا إياه: إذا آنست من أخيك ~~خطرا، فإني أدعوك للإقامة معي في الدرب الأحمر .. ~~- أأنت مثله؟ ~~- كلا، ولكننا معشر الوفديين قوم متسامحون، المستشار الأول ~~لزعيمنا قبطي، هكذا نحن .. # وعاد الطالب الأول يقول: كيف تدعون إلى هذا الهراء في نفس الشهر ~~الذي ألغيت فيه الامتيازات الأجنبية؟ # فقال عبد المنعم متسائلا: أنبطل ديننا إكراما للأجانب؟ # وإذا برضوان ياسين يقول وكأنما كان في واد آخر: ألغيت ~~الامتيازات، فدع الذين انتقدوا المعاهدة يتكلمون .. # فقال حلمي عزت: هؤلاء النقاد غير مخلصين، إنها الكراهية والحسد، ~~إن الاستقلال الحقيقي الكامل لا يؤخذ إلا بالحرب: فكيف يطمعون في ~~أن ننال بالكلام أكثر مما نلنا؟ # فجاء صوت يقول في ضجر: دعونا نتساءل عن المستقبل! ~~- المستقبل لا يبحث في شهر مايو والامتحان على الأبواب، أريحونا ~~.. لن أعود إلى الكلية بعد اليوم حتى يتسع لي الوقت ~~للمذاكرة .. ~~- مهلا، إن الوظائف لا تنتظرنا، ما مستقبل الحقوق أو الآداب؟ ~~التسكع أو الوظائف الكتابية، تساءلوا عن المستقبل إذا ~~شئتم .. ~~- أما وقد ألغيت الامتيازات فستفتح الأبواب! ~~- الأبواب؟! السكان أكثر من ms103 الأبواب! ~~- اسمعوا .. النحاس أدخل الطلبة الجامعة وكانت أبوابها مغلقة، ~~وأتاح لهم النجاح بعد أن أعجزهم المجموع المتعسف فهل يعجز عن ~~توظيفنا؟ # ولاح في أقصى الحديقة سرب، فانعقدت الألسنة واتجهت نحوه الرءوس، ~~كان مكونا من أربع فتيات قادمات من الجامعة متجهات صوب مديرية ~~الجيزة. لم تكد تميزهن الأبصار بعد، ولكنهن تقدمن متمهلات يسقن ~~الأمل في رؤيتهن عن قرب؛ إذ كان الممر الذي يسرن فيه ينعطف أمام ~~مجلس الصحاب في مسيرة نحو الشمال، وصرن في مجال البصر، ورددت ~~الألسن أسماءهن وأسماء كلياتهن، واحدة من الحقوق وثلاث من الآداب، ~~وقال أحمد لنفسه وهو ينظر نحو إحداهن «علوية صبري»، وجذب الاسم ~~شوارد نفسه؛ فتاة ذات جمال تركي ممصر، معتدلة الطول، نحيلة، ~~بيضاء ذات شعر أسود فاحم، وعينين سوداوين واسعتين عاليتي الجفون، ~~مقرونة الحاجبين، ذات سمت أرستقراطي ولفتات رفيعة، وإلى ذلك كله ~~فهي زميلة في القسم الإعدادي، وقد علم - والباحث يظفر بمعلومات ~~شتى - أنها سجلت اسمها مثله في قسم الاجتماع، ولم تكن تهيأت ~~فرصة ليبادلها كلمة واحدة، ولكنها أثارت اهتمامه من أول نظرة. ~~طالما رمق ملامح نعيمة بإعجاب ولكنها لم تهز أعماقه، هذه الفتاة ~~لها شأن، فيبشر قريبا بصداقة العقل، والقلب ..؟! # قال حلمي عزت عقب تواري السرب عن الأنظار: عما قريب تصبح كلية ~~الآداب وكأنها كلية بنات! # فقال رضوان ياسين وهو يردد بصره بين طلاب الآداب في نصف الدائرة: ~~لا تثقوا بصداقة طلاب الحقوق الذين يكثرون من زياراتكم في كليتكم ~~فيما بين الحصص، فالغرض مفضوح! # ثم ضحك ضحكة عالية، ولكنه لم يكن سعيدا في تلك اللحظة، فإن ~~حديث الفتيات يثير في نفسه اضطرابا وحزنا. ~~- لم يقبل الفتيات على كلية الآداب؟ ~~- لأن وظيفة التدريس هي أوسع الوظائف صدرا لهن .. # فقال حلمي عزت: هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فدراسة الآداب ~~دراسة نسائية، الروج والمانيكور والكحل والشعر والقصص، كلها باب ~~واحد! # فضحكوا جميعا حتى أحمد، وبقية طلاب الآداب ضحكوا رغم توثبهم ~~للاحتجاج، ثم قال أحمد: يصدق هذا الحكم الجائر على الطب، فطالما ~~كان التمريض نسائيا، أما الحق ms104 الذي لم يستقر بعد في نفوسكم ~~فهو الإيمان بالمساواة بين الرجل والمرأة. # قال عبد المنعم باسما: لا أدري إن كان مدحا أم ذما أن نقول ~~للنساء إنهن مثلنا ! ~~- إذا تعلق الأمر بالحقوق والواجبات فهو مدح لا ~~ذم .. # فقال عبد المنعم: لقد سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في ما عدا ~~الميراث. # فقال أحمد متهكما: حتى في الرق ساوى بينهما! # فاحتد عبد المنعم قائلا: أنتم لا تعرفون دينكم، هذه هي ~~المأساة! # والتفت حلمي عزت إلى رضوان ياسين، وسأله باسما: ماذا تعرف عن ~~الإسلام؟ # فسأله الآخر بنفس لهجته: وماذا تعرف أنت عنه؟ # فسأل عبد المنعم أخاه أحمد: وأنت ماذا تعرف عنه حتى لا تهرف بما لا ~~تعرف؟ # فقال أحمد بهدوء: أعرف أنه دين، وحسبي ذلك، لا أومن ~~بالأديان! .. # فتساءل عبد المنعم مستنكرا: ألديك برهان على بطلان ~~الأديان؟ ~~- ألديك أنت برهان على حقيقتها؟ # فقال عبد المنعم، وقد ارتفع صوته حتى جعل الشاب الذي يجلس بينه ~~وبين أخيه يردد رأسه بينهما كالمنزعج: عندي، وعند كل مؤمن .. ولكن ~~دعني أسألك أولا كيف تعيش؟ ~~- بإيماني الخاص، إيماني بالعلم والإنسانية وبالغد، وبما ألتزمه ~~من واجبات ترمي في النهاية إلى تمهيد الأرض لبناء جديد. ~~- هدمت كل ما الإنسان إنسان به .. ~~- بل قل بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة آية لا على قوتها، ولكن على ~~خطة بعض بني الإنسان، ذلك ضد معنى الحياة المتجددة، ما يصلح لي ~~وأنا طفل يجب أن أغيره وأنا رجل. طالما كان الإنسان عبدا ~~للطبيعة .. والإنسان، وهو يقاوم عبودية الطبيعة بالعلم والاختراع ~~كما يقاوم عبودية الإنسان بالمذاهب التقدمية، ما عدا ذلك فهو نوع ~~من الفرامل الضاغطة على عجلة الإنسانية الحرة! # فقال عبد المنعم، وكان في تلك اللحظة يكره فكرة أخوة أحمد له: ~~الإلحاد سهل، حل سهل هروبي؛ هروبي من الواجبات التي يلتزمها ~~المؤمن حيال ربه ونفسه والناس، وليس من برهان على الإلحاد يمكن أن ~~يعد أقوى من البرهان على الإيمان، فنحن لا نختار هذا أو ذاك ~~بعقولنا بقدر ما نختاره بأخلاقنا .. # وتدخل رضوان قائلا: لا تستسلما ms105 لعنف المناقشة، كان من الأفضل ~~لكما كأخوين أن تكونا من حزب واحد .. # وإذا بحلمي عزت يندفع قائلا، وكان أحيانا تعتريه نوبات ثائرة ~~غامضة: إيمان .. إنسانية .. الغد! كلام فارغ ، النظام القائم على ~~العلم وحده ينبغي أن يكون كل شيء، يجب أن نؤمن بشيء واحد هو ~~استئصال الضعف البشري بكافة أنواعه، ومهما بدا علمنا قاسيا، وذلك ~~للوصول بالبشرية إلى مثال قوي نظيف! ~~- أهذه مبادئ الوفد الجديدة بعد المعاهدة؟ # فضحك حلمي عزت ضحكة عادت به إلى حالته الطبيعية، وقال عنه رضوان: ~~إنه حقا وفدي، ولكن تطوف به أحيانا مذاهب طارئة غريبة فيدعو إلى ~~القتل بالجملة، وربما دل ذلك على أنه لم ينم أمس نوما ~~مريحا؟ # وكان لشدة الخصام رد فعل فساد الصمت، فسر بذلك رضوان، ~~وسرح بصره فيما حوله فراح يتابع بعض الحدأ المدومة في السماء، أو ~~يرنو إلى أسراب النخيل، الكل يعلن رأيه حتى ما يتهجم به على ~~الخالق، ولكنه لا يسعه إلا أن يكتم ما يضطرم في أعماق نفسه، وسيظل ~~سرا مرعبا يتهدده، فهو كالمطارد، أو كالغريب، من الذي قسم ~~البشر إلى طبيعي وشاذ؟ وكيف تكون الخصم والحكم في آن؟ ولم نهزأ ~~كثيرا بالتعساء؟ قال رضوان مخاطبا عبد المنعم: لا تزعل، إن للدين ~~ربا يحميه، أما أنت فبعد تسعة أشهر على الأكثر ستكون ~~أبا! # حقا؟! # فقال أحمد مداعبا أخاه ليمسح عنه آثار الحدة: أهون علي أن ~~أتعرض لغضب الله من أن أتعرض لغضبك! # ثم مضى أحمد يحدث نفسه: غضب أم لم يغضب فسيجد عند عودته إلى ~~السكرية صدرا حانيا، أمن المستحيل أن أعود يوما فأجد علوية صبري ~~في الدور الأول بالسكرية؟ # وندت عنه ضحكة، ولكن أحدا لم يخمن السبب الحقيقي ~~لضحكته .. # 21 # بدا بيت عبد الرحيم باشا عيسى في حركة غير مألوفة؛ ففي الحديقة وقف ~~أناس كثيرون، وفي الفراندا جلس آخرون، وكثر الداخل والخارج، فلكز ~~حلمي عزت ذراع رضوان ياسين وهما يقتربان من البيت، وقال له ~~بارتياح: لسنا بلا أنصار كما تزعم جرائدهم .. # وعندما أخذا يشقان سبيلهما إلى الداخل، هتف بعض ms106 الشبان ~~«يحيا التضامن» فتورد وجه رضوان تأثرا. كان متحمسا ثائرا مثلهم، ~~بيد أنه ساءل نفسه في قلق: ترى ألا يشك أحد في الجانب غير ~~السياسي من زياراته؟ وقد أفضى مرة بمخاوفه إلى حلمي عزت، فقال له: ~~«إن الريبة لا تلحق إلا بالخواف! سر مرفوع الرأس ثابت الأقدام، ~~يجدر بالذين يعدون أنفسهم للحياة العامة ألا يكترثوا لآراء الناس ~~أكثر مما يجب.» وكان بهو الاستقبال مكتظا بالجالسين، منهم طلبة ~~وعمال وبعض أعضاء الهيئة الوفدية، وفي صدر المكان جلس عبد الرحيم ~~باشا عيسى، متجهما على غير عادته، جادا صارما، تكتنفه هالة ~~الرجل السياسي الخطير. وتقدما إليه فنهض لاستقبالهما في رزانة، ~~وصافحهما ثم أشار لهما بالجلوس. وقال أحد الجالسين، وكان قد توقف ~~عن الحديث أثناء استقبال الشابين: شد ما فوجئ الرأي العام وهو ~~يطلع على أسماء الوزراء الجدد، فلا يجد بينهم النقراشي! # فقال عبد الرحيم باشا عيسى: توقعنا عند الاستقالة أمرا، خاصة وأن ~~الاختلاف كان قد ذاع حتى تحدثت به المقاهي، ولكن النقراشي ليس ~~كغيره من أعضاء الوفد لقد فصل الوفد من قبل كثيرين فلم تقم لهم ~~قائمة، أما النقراشي فله شأن آخر، ولا تنسوا أن النقراشي معناه ~~أحمد ماهر أيضا، هما الوفد، الوفد المجاهد المناضل المحارب، سلوا ~~المشانق والسجون والقنابل، وليس الخلاف هذه المرة بالذي يشين ~~الخارج، هي نزاهة الحكم، قضية القنابل، وإذا وقع المحذور وانشق ~~الوفد، فالوفد هو الذي سيخرج لا النقراشي ولا ماهر! ~~- لقد كشف مكرم عبيد عن وجهه أخيرا .. # ووقع هذا القول من أذني رضوان موقعا غريبا، فلم يكن مما يسهل ~~تصديقه أن يهاجم قطب الوفد بهذا الأسلوب في بيئة وفدية صميمة. ~~وإذا بآخر يقول: مكرم عبيد هو رأس هذا الشر كله يا سعادة ~~الباشا .. # فقال عبد الرحيم باشا: ليس الآخرون أصفارا! ~~- لكنه هو الذي لا يطيق منافسيه، إنه يريد أن يستحوذ على ~~النحاس وحده دون شريك. وإذا خلا له الجو من ماهر والنقراشي فلن ~~يقف في سبيله شيء .. ~~- لو أمكنه إزالة النحاس نفسه لأزاله. # فقال شيخ من الجلوس: أرجوكم، ms107 لا تسرفوا في القول، قد تعود المياه ~~إلى مجاريها. ~~- بعد أن تألفت الوزارة دون النقراشي؟ ~~- كل شيء ممكن .. ~~- كان من الممكن هذا على عهد سعد، أما النحاس فرجل عنيد ، وهو ~~إذا ركب رأسه ... # وهنا دخل البهو رجل مهرولا، فاستقبله الباشا وسط المكان وتعانقا ~~بحرارة والباشا يتساءل: متى عدت؟ كيف الحال في الإسكندرية؟ ~~- عال .. عال، استقبل النقراشي في محطة سيدي جابر استقبالا ~~شعبيا منقطع النظير، هتفت له الجماهير المثقفة من الأعماق، ~~الجميع غاضبون، الكل ثائر لنزاهة الحكم، هتفوا: يحيا النقراشي ~~النزيه .. يحيا النقراشي ابن سعد .. وهتف كثيرون: يحيا النقراشي ~~زعيم الأمة .. # وكان الرجل يتكلم بصوت مرتفع، فردد هتافه كثيرون حتى اضطر ~~عبد الرحيم باشا أن يلوح لهم داعيا إلى التزام الهدوء. ~~- وعاد الرجل يقول: الرأي العام ساخط على الوزارة، غاضب لإخراج ~~النقراشي منها. لقد خسر النحاس خسارة لا تعوض، وارتضى أن يؤيد ~~الشيطان ضد الملاك الطاهر .. # وهنا قال عبد الرحيم باشا: نحن الآن في أغسطس، وفي أكتوبر تفتح ~~الجامعة، فليكن افتتاح الجامعة موقعة فاصلة، يجب أن نستعد منذ الآن ~~للمظاهرات فإما أن يثوب النحاس إلى رشده، وإما فليذهب إلى ~~الهاوية .. # فقال حلمي عزت: أستطيع أن أؤكد أن مظاهرات الجامعيين ستتدفق على ~~بيت النقراشي .. # فقال عبد الرحيم باشا: كل شيء يحتاج إلى التنظيم، اجتمعوا بأنصارنا ~~من الطلبة وأعدوا العدة، وفضلا عن هذا فإن الأخبار التي عندي ~~تؤكد أن كثرة لا تصدق من النواب والشيوخ سينضمون إلينا .. ~~- النقراشي هو خالق لجان الوفد، لا تنسوا ذلك، إن تلغرافات ~~الولاء تتسابق إلى مكتبه صباح مساء. # وتساءل رضوان ماذا يحدث في الدنيا؟ ترى أينقسم الوفد مرة أخرى؟ ~~وهل يتحمل مسئولية ذلك حقا مكرم عبيد؟ وهل تتفق مصلحة الوطن ~~وانقسام الحزب الذي نهض برسالته ثمانية عشر عاما؟ وطال الأخذ ~~والرد، وبحث المجتمعون اقتراحات شتى خاصة بالدعاية وتدبير ~~المظاهرات، ثم أخذوا في الانصراف حتى لم يبق في البهو إلا الباشا ~~ورضوان وحلمي عزت، وعند ذاك دعاهما للجلوس في الفراندا، ~~فمضيا وراءه، وجلس ثلاثتهم حول منضدة، وسرعان ما حملت ms108 إليهم أقداح ~~الليمون، وما لبث أن تراءى عند الباب رجل في الأربعين، عرفه رضوان ~~في بعض زياراته السابقة، يدعى علي مهران، يعمل وكيلا للباشا، وكان ~~منظره يوحي بما طبع عليه من ميل للمزاح والمجون: وكان يصحب معه ~~شابا في العشرين من عمره، جميل المحيا، يبدو من منظر شعره ~~الهائج وسوالفه الطويلة وربطة عنقه العريضة أنه من أهل الفن. وقد ~~أقبل علي مهران باسم الثغر فقبل يد الباشا، وصافح الشابين، ثم ~~قدم الشاب قائلا: الأستاذ عطية جودت، مغن ناشئ لكنه موهوب، ~~وقد سبق أن حدثتك عنه يا معالي الباشا! # فلبس الباشا نظارته التي كان وضعها على المنضدة، وتفحص الشاب ~~بعناية، ثم قال باسما: أهلا وسهلا يا سي عطية، سمعت عنك كثيرا، ~~فلعلنا نسمعك هذه المرة .. # فدعا للباشا باسما، ثم جلس، على حين مال علي مهران على الباشا ~~وهو يقول: كيف حال عمي؟ # هكذا كان يخاطب الباشا إذا زالت دواعي الكلفة، وأجابه الرجل ~~باسما: أحسن منك ألف مرة! # فقال علي مهران جادا على خلاف عادته: يتهامسون في بار الأنجلو ~~عن وزارة قومية قريبة برياسة النقراشي؟ # فابتسم الباشا ابتسامة سياسية وتمتم: لسنا من المستوزرين. # وتساءل رضوان باهتمام وقلق: على أي أساس؟ طبعا لا أستطيع أن ~~أتصور أن يقوم النقراشي بانقلاب سياسي كمحمد محمود أو إسماعيل ~~صدقي؟ # فقال علي مهران: انقلاب! كلا. المسألة تنحصر الآن في إقناع ~~أكثرية الشيوخ والنواب بالانضمام إلينا، ولا تنس أن الملك معنا، ~~فعلي ماهر يعمل بحكمة وأناة! # وعاد رضوان يتساءل في كآبة: أنكون في النهاية من رجال ~~السراي؟ # فقال عبد الرحيم باشا: العبارة واحدة، ولكن المعنى تغير. فاروق غير ~~فؤاد، والظروف غير الظروف، الملك شاب وطني متحمس، وهو مجني ~~عليه أمام هجمات النحاس الجائرة! # ففرك علي مهران يديه في حبور وهو يقول: ترى متى نهنئ الباشا ~~بالوزارة؟ وهل تختارني وكيلا لوزارتك كما اخترتني وكيلا ~~لأعمالك؟ # فقال الباشا ضاحكا: بل أعينك مديرا عاما للسجون، فإن ~~مكانك الطبيعي هو السجن. ~~- السجن؟ لكنهم يقولون إن السجن للجدعان؟! ~~- ولغيرهم، فليطمئن بالك! # ثم ركبه ms109 الضجر فجأة فهتف: حسبنا سياسة، غيروا الجو من ~~فضلكم .. # والتفت نحو الأستاذ عطية متسائلا: ماذا تسمعنا؟ # فأجاب عنه علي مهران: الباشا سميع وابن حظ، وإذا رقت في نظره ~~تفتحت لك أبواب الإذاعة .. # فقال عطية جودت برقة: لحنت أخيرا أغنية «شبكوني وشبكوه» وهي ~~من تأليف الأستاذ مهران! # فرمق الباشا وكيله، وسأله: منذ متى تؤلف أغاني؟ ~~- ألم أجاور في الأزهر سبع سنوات، غرقت فيها في مفاعيل ~~وفعلاتن؟ ~~- وما للأزهر وأغانيك الخليعة؟ شبكوني وشبكوه! من هو يا حضرة ~~المجاور؟ ~~- المعنى يا معالي الباشا في ذقن الباشا! ~~- يا ابن الهرمة! # ونادى علي مهران السفرجي، فسأله الباشا: لماذا تناديه؟ ~~- ليهيئ لنا مجلس الطرب! # فقال الرجل وهو ينهض: انتظر حتى أصلي العشاء! # فتساءل مهران باسما في خبث: ألم ينقض سلامنا وضوءك؟ # 22 # غادر أحمد عبد الجواد بيته. ناقلا خطاه على مهل، متوكئا على ~~عصاه. لم يعد اليوم كالأمس، فمنذ أن صفى دكانه لم يكن ليغادر ~~بيته إلا مرة واحدة في اليوم، كي يعفي نفسه ما استطاع من الجهد ~~الذي يتحمله قلبه عند ارتقاء السلم. ومع أن الوقت لم يعد سبتمبر ~~إلا أنه رأى أن يرتدي ملابسه الصوفية؛ إذ إن الجسم النحيل لم يعد ~~يطيق الجو اللطيف الذي كان يمرح فيه الجسم البدين القوي الذي كان. ~~والعصا التي صاحبته منذ الصغر رمزا للرجولة وآية على الأناقة باتت ~~متوكأه في مشيته المتمهلة، التي لا يطيقها قلبه إلا بجهد ومشقة. ~~ولكن بقي له رونقه وأناقته، فما زال يحرص على انتقاء الأزياء ~~الفاخرة، ويتطيب بالعطر الفواح متمتعا بجمال الشيخوخة ~~ووقارها، وعندما اقترب من الدكان مالت نحوه عيناه بحركة لاإرادية. ~~رفعت اللافتة التي حملت اسمه واسم أبيه أعواما وأعواما، وتغير ~~مظهر الدكان ومخبره، فانقلب دكان طرابيش للبيع والكي، وتقدمه ~~الوابور والقوالب النحاسية، وتخايلت لعينيه لافتة وهمية، لم ترها ~~عين سواه، عالنته بأن زمانه قد ولى، زمان الجد والكفاح والمسرات، ~~وها هو في ركن المعاش ينزوي، يستدبر دنيا الآمال ويستقبل ~~دنيا الشيخوخة والمرض والانتظار، وتقبض القلب الذي طالما - ~~وما زال - يهيم بحب ms110 الدنيا وأفراحها، حتى إن الإيمان نفسه لم يكن ~~في نظره إلا مسرة من مسراتها ودافعا إلى أحضانها. فلم يعرف - ~~حتى اليوم - العبادة الزاهدة التي تدير الظهر للدنيا وتتطلع إلى ~~الآخرة وحدها. لم يعد الدكان دكانه ولكن كيف تمحى ذكراه من ذهنه ~~وهو الذي كان مركز النشاط، ومحط الأنظار، وملتقى الأصحاب والأحباب، ~~ومبعث العزة والجاه؟ «ولك أن تعزي نفسك فتقول: زوجنا البنات، ~~وربينا الصبيان، ورأينا الأحفاد، ولنا مال موفور يسترنا حتى ~~الموت، وذقنا حلو الدنيا سنين - سنين حقا؟ - وآن لنا أن نشكر، ~~والشكر لله واجب، دائما أبدا»، ولكن آه من الحنين! وسامح الله ~~الزمن، الزمن الذي مجرد حياته - حياته التي لا تتوقف لحظة - خيانة ~~وأي خيانة للإنسان. لو أن الأحجار تنطق لسألت هذه الأماكن أن ~~تحدثني عن الماضي، لتخبرني أحقا كان هذا الجسم يهد الجبال؟ وهذا ~~القلب المريض لا يكف عن الخفقان؟ وهذا الثغر لا يمسك عن الضحك؟ ~~وهذا الشعور لا يعرف الألم؟ وهذه الصورة معلقة في كل قلب؟ ومرة ~~أخرى سامح الله الزمن! # وعندما انتهى به المسير الوئيد إلى جامع الحسين، خلع حذاءه ودخل ~~وهو يتلو الفاتحة. ومضى إلى المنبر حيث وجد في انتظاره محمد عفت ~~وإبراهيم الفار فصلوا المغرب جميعا. ثم غادروا المسجد متجهين ~~نحو الطمبكشية لزيارة علي عبد الرحيم؛ كان ثلاثتهم قد اعتزلوا العمل ~~ليتفرغوا لمقاومة الأمراض، غير أنهم كانوا أحسن حالا من علي ~~عبد الرحيم الذي لم يعد بوسعه أن يفارق الفراش، وقال السيد أحمد ~~متنهدا: يخيل إلي أني عما قريب لن أستطيع الذهاب إلى الجامع ~~إلا راكبا .. ~~- الحال من بعضه .. # فعاد الرجل يقول في قلق: شد ما أخاف أن أضطر إلى ملازمة الفراش ~~كالسيد علي، إني أدعو الله أن يكرمني بالموت قبل أن يدركني ~~العجز .. ~~- ربنا يكفيك ويكفينا كل سوء .. # فبدا كالخائف وهو يقول: غنيم حميدو لبث مشلولا في الفراش زهاء ~~العام، وصادق الماوردي عانى هذا العذاب شهورا، فاللهم أكرمنا ~~بالنهاية السريعة إذا حم القضاء. # فضحك محمد عفت قائلا: إذا غلبتك الأفكار السوداء انقلبت امرأة، ~~وحد ms111 الله يا أخي! # ولما بلغوا بيت علي عبد الرحيم أدخلوا إلى حجرته، فبادرهم يقول في ~~جزع: تأخرتم عن ميعادكم، سامحكم الله .. # بان ضجر الرقاد في عينيه، فلم يعد يعرف الابتسام إلا ساعة ~~اجتماعه بهم، وجعل يقول: لا عمل لي طول اليوم إلا الاستماع إلى ~~الراديو، ماذا كنت أصنع لو تأخر استعماله في مصر حتى اليوم! كل ما ~~يذيعه يطيب لي، حتى المحاضرات التي لا أكاد أفهمها، ومع ذلك فلم ~~نكبر إلى الحد الذي يستوجب هذا العذاب، أجدادنا كانوا يتزوجون في ~~مثل أعمارنا! # فغلبت روح الفكاهة أحمد عبد الجواد، فقال: فكرة! ما رأيكم في أن ~~نتزوج من جديد، لعل ذلك يجدد شبابنا وينفض عنا الأمراض؟! # فابتسم علي عبد الرحيم - كان يتجنب الضحك أن تدركه نوبة السعال ~~فتؤذي قلبه - وقال: معكم! اختاروا لي عروسا، ولكن صارحوها بأن ~~العريس لا يستطيع الحركة، وعليها الباقي. # وهنا خاطبه الفار وكأنما تذكر أمرا فجأة: أحمد عبد الجواد ~~سيسبقك إلى رؤية وليد حفيدته، ربنا يمد في عمره! ~~- مبارك مقدما يا ابن عبد الجواد! # ولكن السيد أحمد تجهم قائلا: نعيمة حبلى حقا ولكني غير مطمئن، ~~ما زلت أذكر ما قيل عن قلبها يوم مولدها، طالما حاولت أن أنسى ذلك ~~عبثا .. ~~- يا لك من رجل جاحد، منذ متى تؤمن بنبوءات الأطباء؟ # فضحك السيد أحمد قائلا: منذ باتت اللقمة التي أتناولها على غير ~~مشورتهم تؤرقني حتى مطلع الفجر .. # فتساءل علي عبد الرحيم: ورحمة ربنا؟! ~~- الحمد لله رب العالمين. # ثم مستدركا: لست بالغافل عن رحمة الله، ولكن الخوف يبعث على ~~الخوف، والحق فإن نعيمة لا تهمني بقدر ما تهمني عائشة يا علي، ~~عائشة هي مركز القلق في حياتي، التعيسة المسكينة، سأتركها إذا ~~تركتها وحيدة في هذه الدنيا .. # فقال إبراهيم الفار: ربنا موجود، وهو الراعي الأكبر .. # وساد الصمت مليا، حتى قطعه صوت علي عبد الرحيم قائلا: وسيأتي ~~دوري بعدك في رؤية وليد حفيدتي .. # فضحك السيد أحمد قائلا: سامح الله البنات، فإنهن يكبرن أهلهن ~~قبل الأوان. # فهتف محمد عفت: يا عجوز، اعترف بالكبر ms112 وكفاك مكابرة .. ~~- لا ترفع صوتك خشية أن يسمعك قلبي فيسوق العوج، أصبح قلبي ~~كالطفل المدلل .. # فقال إبراهيم الفار وهو يهز رأسه آسفا: يا له من عام ذلك ~~العام الماضي، كان علينا شديدا، فما ترك واحدا منا سليما ~~كأننا كنا على ميعاد! ~~- على رأي عبد الوهاب: لنعيش سوا لنموت سوا .. # فضحكوا معا، وإذا بعلي عبد الرحيم يغير لهجته ويتساءل جادا: ~~أهذا يصح؟ أعني ما فعله النقراشي؟ # فتجهم وجه أحمد عبد الجواد وقال: كم أملنا أن تعود المياه إلى ~~مجاريها، أستغفر الله العظيم .. ~~- أخوة الجهاد والعمر ضاعت هباء! ~~- في هذا الزمن كل جميل يضيع هباء .. # وعاد أحمد عبد الجواد يقول: لم أحزن لشيء كما حزنت لخروج ~~النقراشي، ما كان ينبغي أن يذهب به الخصام إلى هذا الحد .. ~~- ترى ما النهاية التي تنتظره؟ ~~- النهاية المحتومة، أين الباسل والشمسي؟ لقد قضى الرجل المجاهد ~~على نفسه، وأخذ في رجليه أحمد ماهر. # وهنا قال محمد عفت متنرفزا: دعونا من هذه السيرة! أنا أكاد ~~أطلق السياسة! # وخطر للفار خاطر، فتساءل باسما: لو اضطررنا - لا سمح الله - إلى ~~ملازمة الفراش كالسيد علي، فكيف نتقابل ونتحادث؟ # فتمتم محمد عفت: فال الله ولا فالك .. # فضحك أحمد عبد الجواد وقال: لو وقع المحذور نتخاطب بالراديو، كما ~~يخاطب بابا «سخام» الأطفال! .. # وضحكوا جميعا، وأخرج محمد عفت ساعته ونظر فيها، ولكن علي ~~عبد الرحيم جزع وقال: ستبقون معي حتى يحضر الطبيب؛ لتسمعوا ماذا ~~يقول، ملعون أبوه وأبو أيامه .. # 23 # كانت الغورية تغلق أبوابها، فقلت السابلة واشتدت البرودة، وكان ~~الزمن أواسط ديسمبر، ولكن الشتاء جاء متعجلا ذلك العام. ولم يكن ~~كمال قد وجد صعوبة في جذب رياض قلدس إلى حي الحسين. أجل كان الشاب ~~غريبا عن الحي، ولكنه وجد من نفسه شوقا للتقلب في أنحائه، ~~والجلوس في مقاهيه. وكان قد مضى على تعارفهما في مجلة الفكر أكثر ~~من عام ونصف عام، لم يمر أسبوع خلاله دون أن يتقابلا مرة أو مرتين، ~~بخلاف العطلة التي كانت تجمع بينهما كل مساء على وجه التقريب في ~~مجلة ms113 الفكر، أو بيت بين القصرين، أو بيت رياض بمنشية البكري، أو ~~مقاهي عماد الدين، أو قهوة الحسين الكبرى التي لجأ إليها كمال بعد ~~أن أتت المعاول على قهوة أحمد عبده التاريخية فمحتها من الوجود إلى ~~الأبد. كانا سعيدين بصداقتهما، وقد قال كمال لنفسه مرة «جعلت ~~أفتقد حسين شداد أعواما، وظل مكانه شاغرا، حتى ملأه رياض قلدس»، ~~ففي محضره تستيقظ روحه وتستشعر ذاك الانبثاق الذي يبلغ نشوته في ~~عناق الفكر المتبادل. هذا على الرغم من أنهما لم يكونا شيئا ~~واحدا، وإن كانا متكاملين فيما بدا. وظلت صداقتهما شعورا ~~متبادلا في صمت، لم ينوها به؛ فلم يقل أحدهما للآخر «أنت ~~الصديق»، ولا قال له «لا أتصور الحياة بدونك»، ولكن كان ذلك كذلك، ~~وعلى برودة الجو لم تفتر رغبتهما في السير، فقررا أن يسيرا على ~~الأقدام حتى قهوة عماد الدين. ولم يكن رياض قلدس سعيدا ذلك ~~المساء، كان يقول بانفعال شديد: انتهت الأزمة الدستورية بهزيمة ~~الشعب؛ فليست إقالة النحاس إلا هزيمة للشعب في نضاله التاريخي ~~مع السراي .. # فقال كمال في أسف: ثبت الآن أن فاروق كأبيه .. ~~- فاروق ليس المسئول وحده، ولكن دبرها أعداء الشعب التقليديون، ~~فهذه يد علي ماهر ومحمد محمود، ومن المبكي أن ينضم إلى أعداء الشعب ~~اثنان من أبنائه، ماهر والنقراشي، ولو تطهر الوطن من الخونة لما ~~وجد الملك من يمكنه من هضم حقوق الشعب .. # ثم استطرد بعد صمت قليل: ليس الإنجليز اليوم في الميدان، ولكن ~~الشعب والملك وجها لوجه، الاستقلال ليس كل شيء، هنالك حق الشعب ~~المقدس في أن يتمتع بسيادته وحقوقه، ليحيا حياة الإنسان لا حياة ~~العبيد .. # لم يكن كمال غارقا في السياسة كرياض، أجل لم يستطع الشك أن ~~يدمرها فيما دمر فلبثت حية في عواطفه، كان يؤمن بحقوق الشعب ~~بقلبه، وإن كان عقله لا يدري أين المقر: عقله يقول حينا: «حقوق ~~الإنسان»، وحينا آخر يقول: «بل البقاء للأصلح وما الجماهير إلا ~~قطيع» وربما قال: «والشيوعية، أليست تجربة جديرة بالاختبار؟» أما ~~قلبه فلم يتخلص من عواطفه الشعبية التي صاحبته ms114 منذ صباه ممتزجة ~~بذكرى فهمي، أما رياض فكانت السياسة جوهرا أصيلا في نشاطه الذهني ~~وعاد رياض يقول: أيمكن أن ننسى الإهانة التي تلقاها مكرم في ~~ميدان عابدين؟ وهذه الإقالة المجرمة، سب وقذف وبصقة في وجه ~~الأمة؟ والحقد الأعمى يجعل البعض يهللون، وا حسرتاه .. # فقال كمال مداعبا: أنت غاضب لمكرم! # فقال رياض دون تردد: إن الأقباط جميعا وفديون؛ ذلك أن الوفد ~~حزب القومية الخالصة، ليس حزبا دينيا تركيا كالحزب الوطني، ~~ولكنه حزب القومية التي تجعل من مصر وطنا حرا للمصريين على ~~اختلاف عناصرهم وأديانهم، أعداء الشعب يعلمون ذلك؛ ولذلك كان ~~الأقباط هدفا للاضطهاد السافر طوال عهد صدقي، وسيعانون ذلك منذ ~~اليوم .. # ورحب كمال بهذه الصراحة التي تشهد لصداقتهما بالكمال، غير أنه ~~راق له أن يتساءل في دعابة: ها أنت تتحدث عن الأقباط! أنت الذي لا ~~يؤمن إلا بالعلم والفن! .. # فلاذ رياض بالصمت. وكانا قد بلغا شارع الأزهر حيث يتدافع الهواء ~~البارد في شيء من العنف. ثم مرا في طريقهما بدكان بسبوسة فدعاه ~~كمال إلى تناول بعض منها، وما لبث أن أخذ كل منهما طبقا صغيرا ~~وانتحيا جانبا يأكلان، وعند ذلك قال رياض: إني حر وقبطي في ~~آن، بل إني لاديني وقبطي معا، أشعر في أحايين كثيرة بأن المسيحية ~~وطني لا ديني، وربما إذا عرضت هذا الشعور على عقلي اضطربت. ولكن ~~مهلا، أليس من الجبن أن أنسى قومي؟ شيء واحد خليق بأن ينسيني ~~هذا التنازع، ألا وهو الفناء في القومية المصرية الخالصة كما ~~أرادها سعد زغلول، إن النحاس مسلم دينا، ولكنه قومي بكل ~~معنى الكلمة أيضا، فلا نشعر حياله إلا بأننا مصريون؛ لا مسلم ولا ~~قبطي، بوسعي أن أعيش سعيدا دون أن أكدر صفوي بهذه الأفكار، ولكن ~~الحياة الحقة مسئولية في الوقت نفسه. # كان كمال يتمطق ويفكر وصدره يجيش بالعواطف، كانت سحنة رياض ~~المصرية الصميمة التي تذكره بالصور الفرعونية تثير تأملات شتى ~~في نفسه. «آن موقف رياض له وجاهته التي لا تجحد، وأنا نفسي - بين ~~عقلي وقلبي - شخص يعاني انقسام الشخصية، فكذلك ms115 هو، كيف يتأتى ~~لأقلية أن تعيش وسط أغلبية تضطهدها؟ وجدارة الرسالات السامية تقاس ~~عادة بما تحققه من سعادة للبشر تتمثل أول ما تتمثل في الأخذ بيد ~~المضطهدين.» قال: لا تؤاخذني؛ فقد عشت حتى الآن دون أن أصطدم ~~بمشكلة العنصرية، فمنذ البدء لقنتني أمي أن أحب الجميع، ثم شببت في ~~جو الثورة المطهر من شوائب التعصب، فلم أعرف هذه المشكلة. # فقال رياض وهما يستأنفان المسير: المرجو ألا تكون ثمة مشكلة على ~~الإطلاق، يؤسفني أن أصارحك بأننا نشأنا في بيوت لا تخلو من ذكريات ~~سود محزنة. لست متعصبا، ولكن من يستهين بحق إنسان في أقصى الأرض ~~- لا في بيته - فقد استهان بحقوق الإنسانية جميعا .. ~~- جميل هذا القول، لا عجب أن رسالات الإنسانية الحقة كثيرا ما ~~تنبعث من أوساط الأقلية، أو من رجال مشغولي الضمائر بالأقليات ~~البشرية، ولكن ثمة متعصبون دائما .. ~~- دائما وفي كل مكان، الإنسان حديث والحيوان قديم، وهم عندكم ~~يعتبروننا كفارا ملاعين، وهم عندنا يعتبرونكم كفارا مغتصبين، ~~ويقولون عن أنفسهم إنهم سلالة ملوك مصر الذين استطاعوا أن يحافظوا ~~على دينهم بدفع الجزية .. # فضحك كمال ضحكة عالية، وقال: هذا قولنا وذاك قولكم، ترى الأصل ~~في هذا الخلاف الدين أم الطبيعة البشرية المتطلعة أبدا إلى ~~الخصام؟! لا المسلمون على وفاق، ولا المسيحيون على وفاق، وستجد ~~نزاعا مستمرا بين الشيعي والسني، وبين الحجازي والعراقي، كالذي ~~بين الوفدي والدستوري، وطالب الآداب وطالب العلوم، والنادي الأهلي ~~والترسانة، ولكن رغم ذلك كله فشد ما نحزن إذا طالعنا في الصحف خبر ~~زلزال باليابان! اسمع، لماذا لا تعالج ذلك في قصصك؟ ~~- مشكلة الأقباط والمسلمين .. # فصمت رياض قلدس مليا، ثم قال: أخاف سوء الفهم .. # ثم مستطردا بعد فترة صمت أخرى: ثم لا تنس أننا رغم كل شيء في ~~عصرنا الذهبي، كان الشيخ عبد العزيز جاويش يقترح في الماضي أن يصنع ~~المسلمون من جلودنا أحذيتهم .. ~~- وكيف نستأصل هذه المشكلة من جذورها؟ ~~- من حسن الحظ أنها ذابت في مشكلة الشعب كله، مشكلة الأقباط ~~اليوم هي مشكلة الشعب؛ إذا اضطهد اضطهدنا وإذا تحرر ms116 ~~تحررنا .. ~~«السعادة والسلام .. ذلك الحلم المنشود، قلبك يحيا بالحب وحده، ~~فمتى يعرف عقلي سبيله؟ متى أقول بلهجة ابن أختي عبد المنعم: «نعم. ~~نعم»؟ إن صداقتي لرياض علمتني كيف أقرأ قصصه، ولكن كيف أومن بالفن، ~~في الوقت الذي وجدت الفلسفة نفسها قصورا غير صالحة ~~للسكنى؟» # وسأله رياض فجأة، وهو يسترق إليه النظر: فيم تفكر الآن؟ .. ~~أصدقني! # وفطن إلى ما وراء سؤاله، فأجابه بصراحة: كنت أفكر في ~~قصصك. ~~- ألم تتألم لصراحتي؟ ~~- أنا! سامحك الله .. # فضحك كالمعتذر، ثم سأل: أقرأت قصتي الأخيرة؟ ~~- نعم، وهي لطيفة، ولكن يخيل إلي أن الفن نشاط غير جدي، ~~مع ملاحظة أني لا أدري أيهما أخطر في حياة الإنسانية: الجد أم ~~اللهو؟! أنت مثقف ثقافة علمية عالية، ولعلك أدرى «غير العلماء» ~~بالعلم، ولكن نشاطك كله يضيع في كتابة القصص وإني لأتساءل أحيانا: ~~ماذا أفدت من العلم؟ # فقال رياض قلدس في حماسة: أخذت من العلم للفن عبادة الحقيقة، ~~والإخلاص لها، ومواجهتها بشجاعة مهما تكن مرة، والنزاهة في الحكم، ~~والتسامح الشامل مع المخلوقات .. # كلمات ضخمة، ولكن ما علاقتها بملهاة القصص؟ ونظر رياض قلدس إليه، ~~فقرأ الشك في وجهه، فضحك عاليا ثم قال: أنت تسيء الظن بالفن، ~~ولكن عزائي أن شيئا في الدنيا لا يمكن أن يسلم من شكك، نحن نرى ~~بعقولنا ولكننا نعيش بقلوبنا، أنت مثلا - رغم موقفك الشكي - تحب ~~وتتعامل وتشارك مشاركة ما في حياة بلدك السياسية، ووراء كل ناحية ~~من هذه النواحي مبدأ شعوري أو لاشعوري لا يقل عن الإيمان قوة، ~~الفن هو المعبر عن عالم الإنسان، وإلى هذا فمن الأدباء من أسهم ~~بفنه في معركة الآراء العالمية، فانقلب الفن على يديه عدة من ~~عدد الكفاح في ميدان الجهاد العالمي، لا يمكن أن يكون الفن ~~نشاطا غير جدي .. # دفاع عن الفن أم عن قيمة الفنان؟ لو أن لبائع اللب قدرة على ~~الجدل لدلل على أنه يلعب دورا خطيرا في حياة البشر، ولا يبعد ~~أن يكون لكل شيء قيمة ذاتية، ولا يبعد كذلك ألا يكون لشيء قيمة ~~البتة، كم مليونا ms117 من البشر يلفظون أنفاسهم في هذه اللحظة؟! في ~~الوقت نفسه يرتفع صوت طفل بالبكاء على فقد لعبة، أو صوت عاشق يبث ~~الليل والكون متاعب قلبه، أأضحك أم أبكي؟ قال: لمناسبة ما قلت عن ~~معركة الآراء العالمية، دعني أخبرك بأنها تنعكس على صورة مصغرة في ~~أسرتنا، لي ابن أخت من الإخوان، والآخر من الشيوعيين! ~~- ينبغي أن يكون لها صورة في كل بيت، عاجلا أو آجلا، لم نعد ~~نعيش في قمقم، وأنت ألم تفكر في هذه الأمور؟ ~~- قرأت عن الشيوعية ضمن دراستي للفلسفة المادية، كما قرأت كتبا ~~عن الفاشستية والنازية .. ~~- تقرأ وتفهم، مؤرخ بلا تاريخ، أرجو أن تعد يوم خروجك من هذا ~~الموقف يوم عيد ميلادك السعيد. # فاستاء كمال لهذه الملاحظة، لأنها نقد لاذع من ناحية، ولأنها لا ~~تخلو من حق من ناحية أخرى، ثم قال متهربا من التعقيب عليها: كل ~~من الشيوعي والإخواني في أسرتنا على غير علم مكين بما يؤمن ~~به! ~~- الإيمان إرادة لا علم، إن أتفه مسيحي اليوم يعرف عن المسيحية ~~أضعاف ما عرف الشهداء، كذلك عندكم في الإسلام .. ~~- وهل تؤمن بمذهب من هذه المذاهب؟ # فقال رياض بعد تفكر: لا شك في احتقاري للفاشية والنازية وكافة ~~النظم الدكتاتورية، أما الشيوعية فخليقة بأن تخلق عالما خاليا من ~~مآسي الخلافات العنصرية والدينية والمنازعات الطبقية، بيد أن ~~الاهتمام الأول مركز في فني .. # فقال كمال وكان في صوته دعابة: ولكن الإسلام قد خلق هذا العالم ~~الذي تتحدث عنه منذ أكثر من ألف عام .. ~~- لكنه دين. الشيوعية علم أما الدين فأسطورة .. # ثم مستدركا وهو يبتسم: ونحن نتعامل مع المسلمين لا ~~الإسلام .. # وجدا شارع فؤاد كثير الزحام رغم شدة البرودة، فتوقف رياض فجأة ~~وهو يتساءل: ما رأيك في عشاء من المكرونة والنبيذ الجيد؟ ~~- لا أشرب في الأماكن المأهولة، فلنذهب إلى قهوة عكاشة إذا ~~شئت .. # فضحك رياض قلدس قائلا: كيف تطيق هذا الوقار كله؟ نظارة وشارب ~~وتقاليد! حررت عقلك من كل قيد، أما جسمك فكله قيود، أنت خلقت - ~~بجسمك على الأقل - لتكون مدرسا .. # وذكره تنويه رياض ms118 بجسمه بحادثة أليمة؛ فقد اشترك في حفل ~~ميلاد أحد زملائه، وشربوا جميعا حتى سكروا، وهناك حمل أحدهم عليه ~~معرضا برأسه وأنفه حتى أضحك الجميع. وإذا ذكر أنفه أو رأسه فقد ~~ذكر عايدة، وتلك الأيام، عايدة خالقة أنفه ورأسه، ومن عجب أن يغيض ~~الحب فيمسي لا شيء، ثم تبقى هذه الرواسب المؤلمة .. # وجذبه رياض من ذراعه وهو يقول: هلم نشرب نبيذا ونتحدث عن فن ~~القصة، ثم نذهب بعد ذلك إلى بيت الست جليلة بعطفة الجوهري، وإذا ~~كنت تقول لها يا عمتي، فسأقول لها يا خالتي .. # 24 # كانت السكرية في شأن، أو بمعنى أصح هكذا كانت شقة عبد المنعم ~~شوكت. ففي حجرة النوم اجتمعت حول فراش نعيمة أمينة وخديجة وعائشة ~~وزنوبة والحكيمة المولدة، أما في حجرة الاستقبال فقد جلس مع ~~عبد المنعم والده إبراهيم وأخوه أحمد وياسين وكمال، وكان ياسين ~~يداعب عبد المنعم قائلا: اعمل حسابك أن تكون الولادة القادمة في ~~غير هذا الوقت الذي تستعد فيه للامتحان .. # كانوا في أواخر أبريل، وكان عبد المنعم متعبا بقدر ما كان ~~مبتهجا، بقدر ما كان قلقا. وكان صوت الطلق يترامى من وراء الباب ~~المغلق حادا يحمل كل معاني الألم، فقال عبد المنعم: إن الحمل ~~أتعبها جدا، وبلغ بها درجة من الضعف لا يتصورها عقل، وكأن وجهها ~~لم تعد به نقطة دم واحدة .. # فتجشأ ياسين في ارتياح، ثم قال: هذه أمور عادية، وكلهن ~~سواء .. # وقال كمال باسما: ما زلت أذكر ولادة نعيمة، كانت ولادة عسيرة ~~عانت منها عائشة ما عانت، وكنت متألما، وكنت واقفا في هذا المكان ~~مع المرحوم خليل .. # فتساءل عبد المنعم: هل أفهم من هذا أن عسر الولادة وراثي؟ # فقال ياسين وهو يشير بأصبعه إلى فوق: عنده اليسر .. # فقال عبد المنعم: جئنا بحكيمة معروفة في الحي كله، كانت أمي ~~تفضل إحضار الداية التي ولدتها، ولكني أصررت على الحكيمة؛ فهي ~~أنظف وأمهر بلا ريب. # فقال ياسين: طبعا، ولو أن الولادة بجملتها بأمر الله ~~وعنايته. # فقال إبراهيم شوكت وهو يشعل سيجارة: جاءها الطلق في الصباح ms119 ~~الباكر، والساعة تدور الآن في الخامسة مساء، مسكينة، إنها رقيقة ~~كالخيال، ربنا يأخذ بيدها. # ثم وهو يردد عينيه الخاملتين في الجالسين عامة، وابنيه عبد المنعم ~~وأحمد خاصة: آه لو تذكر الآلام التي تتحملها الأم! # فقال أحمد ضاحكا: كيف تطالب الجنين بأن يتذكر يا بابا؟ # فقال الرجل موبخا: إذا أردت أن تعترف بالجميل فلا تعتمد على ~~الذاكرة وحدها .. # وانقطع الطلق، وخيم على الحجرة المغلقة السكون فاتجهت الرءوس ~~إليها، ومرت فترة فنفد صبر عبد المنعم فقام ماضيا إلى الباب ونقره، ~~ففتح ربع فتحة عن وجه خديجة المكتنز، فطالعها بعينين متسائلتين، ~~وهم بإدخال رأسه، ولكنها صدته براحتيها وهي تقول: لم يأذن الله ~~بالفرج بعد .. ~~- طال الوقت، ألا يكون طلقا كاذبا؟ ~~- الحكيمة أدرى بذلك منا، اطمئن وادع لنا بالفرج. # وأغلقت الباب، فعاد الشاب إلى مجلسه بجوار أبيه الذي علق على ~~قلقه بقوله: اعذروه فإنه محدث ولادة. # وأراد كمال أن يتسلى، فأخرج من جيبه جريدة البلاغ حيث كانت ~~مطوية فيه وراح يتصفحها، فقال أحمد: أعلنت في الراديو النتائج ~~الأخيرة للمعركة الانتخابية (ثم وهو يبتسم في سخرية): ويا لها من ~~نتائج مضحكة .. # فتساءل والده دون اكتراث: ما مجموع الناجحين من ~~الوفديين؟ ~~- ثلاثة عشر على ما أذكر. # ثم قال أحمد موجها خطابه إلى خاله ياسين: لعلك مسرور يا خالي ~~إكراما لسرور رضوان؟ # فقال ياسين وهو يهز منكبيه باستهانة: لا هو وزير ولا هو نائب، ~~فماذا يهمني من الأمر كله؟ # وقال إبراهيم شوكت ضاحكا: كان الوفديون يظنون أن عهد الانتخابات ~~المزورة قد انتهى، ولكن شهاب الدين أضرط من أخيه! # فقال أحمد في امتعاض: الظاهر أن الاستثناء هو القاعدة في ~~مصر! ~~- حتى النحاس ومكرم قد سقطا في الانتخابات، أليس هذا ~~هزلا؟ # وهنا قال إبراهيم شوكت في شيء من الحدة: لكن لا ينكر أحد أنهما ~~أساءا الأدب حيال الملك؛ إن للملوك مقامهم، وليس على ذلك النحو ~~تساس الأمور .. # فقال أحمد: إن بلادنا في حاجة إلى جرعات قوية من قلة الأدب ~~حيال الملوك، حتى تفيق من إغمائها الطويل .. # فقال كمال: ولكن ms120 الكلاب يعيدونها إلى الحكم المطلق، تحت ستار ~~برلمان مزيف، وفي نهاية التجربة سنجد فاروق في قوة فؤاد واستبداده ~~أو أشد، كل هذا يرتكب بأيدي بعض أبناء الوطن. # فضحك ياسين، وقال وكأنه يفسر ويوضح: كمال ولو أنه كان على صباه ~~من محبي الإنجليز كشاهين وعدلي وثروت وحيدر، إلا أنه انقلب وفديا ~~بعد ذلك .. # فقال كمال جادا، وهو ينظر إلى أحمد خاصة: انتخابات مزورة، كل ~~شخص في البلد يعلم بأنها مزورة، ومع ذلك يعترف بها رسميا وتحكم ~~بها البلاد، ويعني هذا أن يستقر في ضمير الشعب أن نوابه لصوص ~~سرقوا كراسيهم، وأن وزراءه لصوص سرقوا بالتالي مناصبهم، وأن سلطاته ~~وحكومته مزيفة مزورة، وأن السرقة والتزييف والتضليل مشروعة ~~رسميا، أفلا يعذر الرجل العادي إذا كفر بالمبادئ والخلق وآمن ~~بالزيف والانتهازية؟ # فقال أحمد متحمسا: دعهم يحكمون، في كل شر جانب خير، ومن ~~الأفضل لشعبنا أن يسام الخسف من أن يخدر بحكم يحبه ويثق به ~~دون أن يحقق له - هذا الحكم - آماله الحقيقية، طالما فكرت في هذا ~~حتى انقلبت أرحب بحكم الطغاة من أمثال محمد محمود وإسماعيل ~~صدقي .. # ولاحظ كمال أن عبد المنعم لا يشترك في الحديث كعادته، فأراد أن ~~يجره إليه فقال: لماذا لا تحدثنا عن رأيك؟ # فابتسم عبد المنعم ابتسامة لا معنى لها، وقال: دعني اليوم ~~أستمع .. # فضحك ياسين قائلا: فرفش حتى لا يجدك المولود واجما، فيفكر في ~~العودة من حيث أتى .. # وندت عن ياسين حركة أدرك كمال منها أنه يهم بانتحال عذر ~~للذهاب، أجل جاء وقت القهوة، ونظام «السهر» عنده لا يمكن أن يغيره ~~شيء، وفكر كمال في الخروج معه حيث لا ضرورة لوجوده، وجعل يراقبه ~~متوثبا، وإذا بصرخة تنطلق من حجرة نعيمة عنيفة قاسية تحمل في ~~طياتها أنغام الأعماق البشرية، وتتابعت الصرخات في عنف، وتطلعت ~~الأعين نحو باب الحجرة، وساد بينهم صمت، حتى همس إبراهيم في رجاء: ~~لعله الطلق الأخير إن شاء الله .. # حقا؟ بيد أنه تواصل حتى وجموا، وامتقع لون عبد المنعم، ثم عاد ~~الصمت مرة أخرى ولكن إلى حين، ms121 ورجع الطلق ولكنه كان خواء، تقذف به ~~حنجرة بحت وصدر تصدع فكأنه النزع. ودلت حال عبد المنعم على أنه ~~في حاجة إلى تشجيع، فقال له ياسين: كل ما تسمع أحوال مألوفة في ~~الولادة العسيرة .. # فقال عبد المنعم بصوت متهدج: العسيرة! العسيرة! .. ولكن لماذا كانت ~~عسيرة؟ # وفتح الباب فخرجت زنوبة ثم أغلقته، فتطلعوا إليها، فاقتربت حتى ~~وقفت أمام ياسين وقالت: كل شيء على ما يرام، غير أن الحكيمة زيادة ~~في الحيطة ترجو أن تحضروا الدكتور سيد محمد .. # فوقف عبد المنعم قائلا: لا شك أن الحال استوجبت إحضاره، خبريني ~~عما بها؟ # فقالت زنوبة بصوت هادئ مؤكد: كل شيء على ما يرام، وإذا أردت ~~أن تزيدنا اطمئنانا فأسرع في إحضار الطبيب .. # ولم يضع عبد المنعم وقته فمضى إلى حجرته؛ ليستكمل ملابسه، ومضى في ~~أثره أحمد، ثم خرجا معا ليأتيا بالدكتور، وعند ذاك سألها ياسين: ~~ماذا هناك؟ # فقالت زنوبة، وقد نم وجهها لأول مرة عن قلق: تعبانة المسكينة ~~كان الله في عونها. ~~- والحكيمة ألم تقل شيئا؟ # فقالت زنوبة بتسليم: قالت إنها تريد الدكتور .. # وعادت زنوبة إلى الحجرة تاركة وراءها ظلا ثقيلا من ~~القلق. # تساءل ياسين: أهذا الطبيب بعيد؟ # فأجابه إبراهيم شوكت: في العمارة التي فوق قهوتك بالعتبة. # ودوت صرخة فانعقدت الألسن، هل عاد الطلق الأليم، ومتى يحضر ~~الطبيب؟ ودوت الصرخة مرة أخرى، فازداد التوتر، وإذا ياسين يهتف ~~مرتاعا: هذا صوت عائشة! # فأرهفوا السمع، وعرفوا صوت عائشة، فقام إبراهيم إلى الحجرة ونقر ~~الباب، ففتحت زنوبة بوجه باهت، سألها بلهفة: ما لكم؟ ما لعائشة ~~هانم؟ أليس من المستحسن أن تغادر الحجرة؟ # فقالت زنوبة وهي تزدرد ريقها: كلا .. الحال شديدة يا سي ~~إبراهيم .. ~~- ماذا حدث؟ ~~- فجأة، إنها .. انظر .. # في أقل من ثانية كان الرجال الثلاثة على باب الحجرة ينظرون. كانت ~~نعيمة مغطاة حتى الصدر، خالتها وجدتها والحكيمة حولها في ~~الفراش، أمها واقفة وسط الحجرة تحملق في بنتها من بعيد بعينين ~~زائغتين وكأنها فقدت الوعي، وكانت نعيمة مغمضة العينين، صدرها يعلو ~~وينخفض كأنما قد أفلت زمامه من بقية ms122 الجسد الساكن، أما الوجه فأبيض ~~باهت كالموت. هتفت الحكيمة «الدكتور!» وجعلت أمينة تهتف «يا رب»، ~~وخديجة تنادي بصوت مذعور «نعيمة .. ردي علي»، أما عائشة فلم ~~تنطق كأن الأمر لا يعنيها في شيء . تساءل كمال «ماذا هنالك؟» وسأل ~~أخاه في ذهول «ماذا هنالك؟» ولكنه لم يجبه. أي ولادة عسيرة؟! ~~ودار بصره بعائشة وإبراهيم وياسين فتقهقر قلبه في صدره، ليس هنالك ~~إلا معنى واحد .. # ودخلوا الحجرة جميعا. لم تعد حجرة ولادة وإلا ما دخلوا، وكانت ~~عائشة في حال بالغة الشدة ولكن أحدا لم يوجه إليها كلمة. وفتحت ~~نعيمة عينيها فبدتا مظلمتين، وأتت حركة كأنما تريد أن تجلس ~~فأجلستها جدتها وحوتها في حضنها، شهقت الفتاة، وندت عنها آهة ~~عميقة، ثم بغتة هتفت كأنما تستغيث: ماما .. أنا ذاهبة .. أنا ~~ذاهبة. # ثم سقط رأسها على صدر جدتها، وضجت الحجرة بالصوات، ولطمت خديجة ~~خديها، وتشهدت أمينة في وجه الفتاة، أما عائشة فرمت بناظريها من ~~النافذة المطلة على السكرية، وثبتت عينيها على ماذا؟ ثم تردد ~~صوتها كالحشرجة: ما هذا يا ربي؟ ما هذا الذي تفعله؟ لماذا؟ لماذا؟ ~~أريد أن أفهم .. # واقترب منها إبراهيم شوكت ومد لها يده، فأبعدتها بحركة عصبية ~~وهي تقول: لا يلمسني منكم أحد، دعوني، دعوني .. # ثم رددت بصرها بينهم قائلة: اخرجوا من فضلكم، لا تكلموني، هل ~~عندكم كلام يجدي؟ لن ينفعني الكلام، ماتت نعيمة كما ترون، كانت كل ~~ما تبقى لي فلم يبق لي شيء في الدنيا، اذهبوا من فضلكم .. # كان الظلام حالكا عندما مضى ياسين وكمال في طريقهما إلى بين ~~القصرين، وكان ياسين يقول: ما أثقل أن أبلغ والدك الخبر! # فأجاب كمال وهو يجفف عينيه: نعم .. ~~- لا تبك، أعصابي لم تعد تتحمل .. # فقال كمال متنهدا: كانت عزيزة جدا علي، أنا حزين جدا ~~يا أخي، وعائشة المسكينة! ~~- هذه هي الكارثة! عائشة! سننسى جميعا إلا عائشة. ~~«سننسى جميعا؟! لا أدري أن وجهها لن يغيب عني مدى العمر، ولو أن ~~لي مع النسيان تجربة فذة، هو نعمة كبرى، ولكن متى يجود ببلسمه؟» ~~وعاد ياسين يقول: كنت ms123 متشائما عند زواجها، ألا تدري؟ لقد تنبأ لها ~~الدكتور يوم مولدها بأن قلبها لن يسعفها على الحياة بعد العشرين! ~~والدك يذكر هذا في الغالب .. ~~- لا أدري شيئا، أكانت عائشة تدري؟ ~~- كلا، إنه تاريخ قديم، وقضاء الله لا بد منه .. ~~- ما أتعسك يا عائشة. ~~- أجل ما أتعسها المسكينة .. # 25 # كان أحمد إبراهيم شوكت جالسا في قاعة المطالعة بمكتبة الجامعة، ~~مكبا على متابعة كتاب بين يديه. لم يكن بقي على الامتحان إلا ~~أسبوع، وكان الجهد قد نال منه كل منال، وشعر بأن شخصا قد دخل ~~القاعة وجلس خلفه، فالتفت إلى الوراء مستطلعا فرأى علوية صبري! ~~نعم هي، ولعلها جلست تنتظر كتابا استعارته، وعند تلك الالتفاتة ~~التقت عيناه بالعينين السوداوين، ثم أعاد رأسه إلى وضعه الأول ~~منتشي القلب والحواس: ما من شك في أنها باتت تعرف شكله، كما تعرف ~~أنه مغرم بها، فمثل هذه الأمور لا تخفى، إلى أنها كلما التفتت هنا ~~أو هناك - سواء في فصول المحاضرات أم حديقة الأورمان - وجدته ~~مسترقا إليها النظر. وقد حال حضورها بينه وبين متابعة ما يقرأ، ~~ولكن فرحته فاقت حتى ما كان يقدر. وكان - منذ أن علم بأنها ستتخصص ~~في الاجتماع مثله - يؤمل أن يتم التعارف بينهما في غضون العام ~~الدراسي المقبل، الأمر الذي لم يتح له هذا العام في زحمة طلبة ~~القسم الإعدادي. على أنه لم يسبق له أن وجدها هكذا قريبة منه دون ~~كثرة من الرقباء، فحدثته نفسه بأن يمضي إلى رفوف المراجع كأنما ~~ليطلع على أحدها، ثم يحييها في طريقه! وألقى نظرة على ما حوله ~~فرأى عددا من الطلاب منتشرين هنا وهناك لا يتجاوز عددهم أصابع ~~اليد، فقام دون تردد وسار في الممر بين المقاعد، وعندما مر بها ~~التقت عيناهما فحنى رأسه تحية مؤدبة، فبدا في ملامحها وقع ~~المفاجأة، ولكنها ردت تحيته برأسها ونظرت فيما أمامها. وتساءل ترى ~~هل أخطأ؟ كلا، إنها زميلة منذ عام طويل، ومن واجبه أن يحييها إذا ~~التقيا هكذا وجها لوجه في مكان يكاد يكون خاليا. وواصل مسيره إلى ms124 ~~خزانة الكتب الحاوية لدائرة المعارف، ثم اختار مجلدا وراح يقلب ~~صفحاته دون أن يقرأ كلمة. كان سروره برد التحية عظيما فزايله ~~التعب واهتز صدره نشاطا. يا لها من حسناء ملأت عليه جوانب نفسه ~~إعجابا وانجذابا حتى صارت شغله الشاغل. إن كافة أحوالها تنم عن ~~أنها من «أسرة» كما يقولون، وأخشى ما يخشاه أن يكون لها من كبرياء ~~الطبقة نصيب يخفيه أدبها الجم، وإنه ليستطيع أن يعترف لها - ~~صادقا - بأنه من أسرة كذلك إذا دعا الأمر، أليس آل شوكت «أسرة»؟ ~~بلى .. وذات ملك، فسيكون له يوما ريع ومرتب معا! وافتر ثغره عن ~~ابتسامة ساخرة، ريع .. مرتب .. أسرة! إذن فأين مبادئه؟ وشعر بشيء ~~من الخجل، إن القلب في أهوائه لا يعرف المبادئ، فالناس يحبون ~~ويتزوجون خارج دائرة مبادئهم ودون مراعاة لها، وعليهم أن يخلقوا ~~أنصافهم الجميلة خلقا جديدا، كمن يدخل بلدا غريبا فعليه أن ~~يتكلم بلغته حتى يبلغ ما يريد. ثم إن الطبقة والملكية حقيقتان ~~واقعيتان لم يخلقهما هو ولا أبوه ولا جده، فليس هو بالمسئول عنهما، ~~والعلم والجهاد هما الكفيلان بمحو هذه السخافات التي تفرق بين ~~البشر. من الممكن ربما أن يغير نظام الطبقات، ولكن كيف يستطيع أن ~~يغير الماضي وهو أنه من أسرة موفورة الدخل؟ وهيهات أن تتعارض ~~المبادئ الشعبية مع الحب الأرستقراطي، وكارل ماركس نفسه تزوج من ~~جيني فون وستفال حفيدة الدوق برونشويك، وكانوا يسمونها «الأميرة ~~الساحرة» و«ملكة الرقص»، وها هي أميرة ساحرة أخرى ولو رقصت لكانت ~~ملكة الرقص. وأعاد المجلد إلى موضعه ثم رجع، وجعل يملأ ناظريه مما ~~بدا من قامتها، جانب من أعلى الظهر، وصفحة العنق الرقيق، والقذال ~~المزدان بالشعر المعقوص، ما أجمل المنظر، ومر بها خفيفا إلى مقعده ~~وجلس. ولم تمض دقائق حتى سمع وقع أقدامها الخفيفة، فنظر إلى ~~الوراء آسفا وهو يظنها منصرفة ولكنه رآها قادمة، فلما حاذته وقفت ~~في شيء من الارتباك، وهو لا يصدق عينيه، وقالت: لا مؤاخذة، هل أجد ~~عندك محاضرات التاريخ؟ # نهض كالجندي، وبادر يقول: بكل تأكيد .. # فقالت كالمعتذرة: لم أستطع ms125 متابعة الأستاذ الإنجليزي كما يجب، ~~ففاتني تقييد كثير من النقط الهامة. وأنا لا أرجع إلى المراجع إلا ~~في المواد التي سأتخصص فيها فيما بعد، ولا يتسع الوقت للمراجعة في ~~سائر المواد .. ~~- مفهوم .. مفهوم .. ~~- وقد علمت أن مذكراتك مستوفاة، وأنك أعرتها الكثيرين لينقلوا ~~منها ما فاتهم؟ .. ~~- نعم، ستكون تحت أمرك غدا .. ~~- متشكرة جدا (ثم وهي تبتسم): لا تظن بي الكسل، ولكن إنجليزيتي ~~متوسطة! .. ~~- لا بأس، أنا بدوري دون المتوسط في الفرنسية، ولعله تتاح لنا ~~الفرص للتعاون، ولكن معذرة تفضلي بالجلوس، قد يهمك الاطلاع على هذا ~~الكتاب، مدخل الاجتماع لهاكنز .. # ولكنها قالت: متشكرة. لقد رجعت إليه مرات، قلت إنك دون المتوسط ~~في الفرنسية، فلعلك في حاجة إلى مذكرات السيكولوجي؟ # فأجاب دون تردد: أكون شاكرا لو تفضلت .. ~~- غدا نتبادل المذكرات؟ ~~- بكل سرور، ولكن معذرة، ستجدين أكثر الدراسات بقسم الاجتماع ~~بالإنجليزية .. # فتساءلت وهي تداري مولد ابتسامة: أتعرف أنني اخترت قسم ~~الاجتماع؟ # ابتسم كأنما ليداري حياءه، ولم يكن ثمة حياء ولكنه شعر بأنه ~~«وقع»، ولكنه قال ببساطة: نعم! ~~- لمناسبة أية مصادفة؟ # فقال بجرأة: بل سألت فعلمت .. # وضغطت شفتيها القرمزيتين، ثم قالت وكأنها لم تسمع جوابه: غدا ~~نتبادل المذكرات .. ~~- صباحا .. ~~- إلى اللقاء وشكرا .. # فبادرها: إني سعيد بالتعرف إليك، إلى اللقاء. # لبث واقفا حتى واراها الباب ثم جلس. ولحظ أن البعض كان ينظر ~~مستطلعا نحوه، ولكنه كان ثملا بالسعادة. ترى أكان حديثها ~~استجابة لما بدا من إعجابه بها، أم لحاجتها الملحة إلى مذكراته؟ ~~لم تسنح قبل الساعة فرصة للتعارف. كان يجدها دائما بصحبة الأتراب. ~~هذه أول فرصة، وقد فاز بما تمنى طويلا فيما يشبه المعجزة. إن كلمة ~~من ثغر نحبه خليقة بأن تجعل من كل شيء كلا شيء .. # 26 # بدا ياسين قلقا رغم إرادته. وكان قد تظاهر طويلا بأنه لا يهمه ~~شيء، لا الدرجة ولا الماهية ولا الحكومة نفسها، لا أمام زملائه ~~الموظفين فحسب ولكن حيال نفسه أيضا: إن الدرجة السادسة - إذا ~~رقي إليها - ستزيد مرتبه جنيهين لا غير! ويا ما ضيع ياسين! ~~ويقولون إنها ستجعل منه ms126 رئيس قلم بعد مراجع، ولكن متى كان يكترث ~~ياسين للرياسات؟! بيد أنه كان قلقا، خاصة بعد أن استدعى مدير ~~الإدارة محمد أفندي حسن - زوج زينب أم رضوان - لمقابلة وكيل ~~الوزارة، وذاع بين موظفي المحفوظات أن الوكيل استدعاه ليسمع رأيه ~~في موظفيه للمرة الأخيرة قبل توقيع الكشف الخاص بالترقيات - محمد ~~حسن؟! خليفته اللدود الذي لولا السيد محمد عفت لبطش به من زمن ~~بعيد! أيمكن أن يشهد له هذا الرجل شهادة طيبة؟ وانتهز فرصة خلو ~~حجرة المدير فهرع إلى التليفون، وطلب كلية الحقوق، وكان يتصل بها ~~ذلك اليوم للمرة الثالثة، مستدعيا رضوان ياسين .. ~~- آلو، رضوان؟ أنا والدك. ~~- أهلا وسهلا، كل شيء عال. # كان صوته ينم عن ثقة، الابن واسطة للأب .. ~~- الحركة رهن التوقيع الآن؟ ~~- اطمئن، الوزير نفسه هو الذي وصى بك، كلمه نواب وشيوخ ~~ووعدهم بكل خير. ~~- ألا تحتاج المسألة لتوصية أخيرة؟ ~~- أبدا، الباشا هنأني هذا الصباح كما أخبرتك، اطمئن ~~جدا. ~~- أشكرك يا بني، سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام يا بابا، مبارك مقدما .. # ووضع السماعة وغادر الحجرة، فالتقى بإبراهيم أفندي فتح الله - ~~زميله ومنافسه في الدرجة - قادما يحمل بعض الملفات، فتبادلا ~~التحية في تحفظ. وعند ذاك قال ياسين: ليكن بيننا مباراة رياضية ~~يا إبراهيم أفندي، ولنقبل النتيجة أيا كانت بشهامة .. # فقال الرجل في امتعاض: على شرط أن تكون مباراة شريفة! ~~- ماذا تعني؟ ~~- أن يكون الاختيار لوجه الله لا لوساطة! ~~- غريب رأيك! وهل يوجد رزق بدون وساطة في هذه الدنيا؟ اسع كما ~~تشاء وأسعى كما أشاء، وسيأخذ الدرجة صاحب القسمة ~~والنصيب! .. ~~- أنا أقدم منك. ~~- كلانا موظف قديم، سنة لا تقدم ولا تؤخر! ~~- في سنة تولد نفوس وتزهق نفوس .. ~~- تولد تزهق، كل واحد وقسمته .. ~~- والكفاءة؟ # فقال ياسين منفعلا: الكفاءة؟ هل نقيم جسورا أو ننشئ محطات ~~كهربائية؟ كفاءة! ماذا يتطلب عملنا الكتابي من كفاءة؟ كلانا ~~بالابتدائية، وفضلا عن ذلك فأنا رجل مثقف .. # فضحك إبراهيم أفندي ضحكة ساخرة، وقال: مثقف؟ أهلا يا سي مثقف! ~~أتظن نفسك مثقفا بالشعر الذي تحفظه. أو بالإنشاء الذي تكتب به ~~خطابات الإدارة ms127 كأنك تؤدي امتحان الابتدائية من جديد .. أنا تارك ~~أمري لله .. # وافترق الرجلان على أسوأ حال: وعاد ياسين إلى مكتبه. كانت ~~الحجرة كبيرة، صفت بها المكاتب متقابلة على الجانبين، وغطت ~~الجدران بالرفوف المكتظة بالملفات . وكان البعض مكبا على ~~الأوراق والآخرون يتحادثون ويدخنون: على حين ذهب وجاء عدد من ~~السعاة بالملفات. قال جار ياسين له: ستأخذ ابنتي البكالوريا هذا ~~العام، وسألحقها بمعهد التربية فأرتاح من ناحيتها، لا مصروفات ولا ~~تعب قلب في البحث عن وظيفة بعد التخرج. # فقال ياسين: خير ما تفعل .. # فسأله الرجل مجادلا: وماذا أعددت لكريمة؟ كم بلغت من العمر على ~~فكرة؟ # فابتسمت أسارير ياسين رغم انفعاله، وقال: في الحادية عشرة، وسوف ~~تأخذ الابتدائية في الصيف القادم إن شاء الله (وهو يعد على ~~أصابعه): نحن في نوفمبر فيبقى سبعة أشهر بالتمام والكمال .. ~~- ما دامت تنجح في ابتدائي فستنجح في ثانوي، البنات أضمن اليوم ~~من الصبيان .. # ثانوي؟ هذا ما تريده زنوبة. كلا إنه لا يطيق أن يرى ابنته تسير ~~في الطريق ونهداها يهتزان، ثم المصروفات؟ .. ~~- نحن لا نلحق بناتنا بالثانوي، ولماذا؟ أنها لن تتوظف! # فسأل ثالث: أهذا كلام يقال في عام 1938؟ ~~- يقال في أسرتنا ولو في عام 2038! # فضحك رابع وهو يقول: قل إنك لا تستطيع أن تنفق عليها وعلى نفسك ~~معا! قهوة العتبة وخمارة محمد علي، وحب البنات البكارى هد مني ~~الحيل، هذه هي الحكاية .. # فضحك ياسين ثم قال: ربنا ساترها: ولكن كما قلت لك نحن لا نعلم ~~البنت أكثر من الابتدائية .. # وتعالت سعلة من الركن القصي فيما يلي مدخل الحجرة، فالتفت ياسين ~~إلى صاحبها، ثم وقف وكأنه تذكر أمرا هاما، فمضى إلى مكتبه حتى ~~شعر الرجل به فرفع نحوه رأسه، فمال ياسين فوقه قائلا: وعدتني ~~بالوصفة .. # فمد الرجل أذنه متسائلا: نعم؟ .. # فتضايق ياسين من أذن الرجل الثقيلة، واستحى أن يرفع من صوته ~~وإذا بصوت يجيء من وسط الحجرة عاليا وهو يقول: أراهن على أنه ~~يسألك عن الوصفة، وصفتك التي ستذهب بنا جميعا إلى القبر .. # وتراجع ياسين متبرما إلى مكتبه، فقال ms128 له الرجل دون مبالاة ~~بإحراجه، وبصوت سمعته الحجرة كلها: أنا أقول لك عنها، هات قشر ~~مانجو، اغله غليا شديدا، وداوم على ذلك حتى يصير سائلا لزجا ~~كالعسل، وخذ منه ملعقة على غيار الريق .. # وضحكوا جميعا، غير أن إبراهيم فتح الله قال متهكما: فايق ~~ورايق، انتظر حتى تأخذ الدرجة السادسة وهي تشد حيلك! .. # فتساءل ياسين ضاحكا: وهل تنفع الدرجة في هذه المسألة؟ .. # فقال جار ياسين ضاحكا أيضا: لو صحت هذه النظرية، لاستحق عم ~~حسنين فراش مكتبنا أن يكون وزير المعارف! .. # وضرب إبراهيم فتح الله كفا بكف، وقال مسائلا زملاءه جميعا: ~~يا إخوان، هذا الرجل (مشيرا إلى ياسين) طيب وظريف وابن حلال، ولكن ~~هل يشتغل بمليم؟ .. أنا راض بذمتكم! .. # فقال ياسين هازئا: دقيقة عمل مني تساوي شغل يوم ~~منك! .. ~~- الحكاية أن المدير يترفق بك، وأنك تتوكل على ابنك في هذا العهد ~~الأغبر! .. # فقال ياسين ملحا في إغاظته: وفي كل عهد وحياتك، ابني في هذا ~~العهد، فإذا جاء الوفد عندك ابن أختي وأبي، قل من عندك ~~أنت! .. # فقال الرجل وهو يرفع رأسه إلى السقف: عندي ربنا! .. ~~- وهو سبحانه عندي أيضا، أليس برب الجميع؟ .. ~~- ولكنه لن يرضى عن زباين محمد علي! .. ~~- وهل يرضى عن مدمني الأفيون والمنزول؟ .. ~~- ليس أبشع في الوجود من السكير! .. ~~- الخمر شراب الوزراء والسفراء، ألا تراهم في الصحف وهم يشربون ~~الأنخاب؟ ولكن هل رأيت سياسيا يقدم قطعة أفيون في حفل سياسي في ~~صحة عقد معاهدة مثلا؟! .. # فقال جار ياسين وهو يغالب الضحك: هس يا جماعة، وإلا قضيتم مدة ~~خدمتكم في السجن! # فبادر ياسين مشيرا إلى غريمه: كان يقرفني في السجن وحياتك، ~~ويقول لي أنا أقدم منك! # وإذا بمحمد حسن يعود من مقابلة وكيل الوزارة، فساد الصمت وتطلعت ~~نحوه الرءوس. # واتجه الرجل نحو حجرته لا يلوي على شيء، فتبادلوا النظرات ~~متسائلين. لا يبعد أن يكون أحد المتخاصمين الآن رئيس قلم، ولكن من ~~صاحب الحظ السعيد؟ وفتح باب المدير. وظهر رأسه الأصلع وهو ينادي ~~بصوت جاف: «ياسين أفندي». فنهض ياسين بجسمه الضخم، ومضى ms129 نحو الحجرة ~~وقلبه يخفق. وتفحصه المدير بنظرة غريبة ثم قال: رقيت إلى ~~الدرجة السادسة! # فقال ياسين وقد انشرح صدره: شكرا يا افندم .. # فقال الرجل بلهجة لا تخلو من جفاف: من الإنصاف أن أصارحك بأنه ~~يوجد من هو أحق بها منك، .. ولكنها الوساطة! # فغضب ياسين، وكان كثيرا ما يغضب حيال هذا الرجل، وقال: الوساطة! ~~ما لها؟ هل تتم حركة كبيرة أو صغيرة دون وساطة؟ هل ترقى مخلوق في ~~هذه الإدارة، في هذه الوزارة، بما فيهم حضرتك، دون وساطة؟ # فكظم الرجل غيظه، ثم قال: لا يأتيني من ناحيتك إلا وجع الدماغ، ~~تترقى بدون وجه حق، ثم تثور لأقل ملاحظة عادلة، ما علينا، مبارك، ~~مبارك يا سيدي، فقط أرجو أن تشد حيلك، أنت الآن رئيس قلم! # فتشجع ياسين بتراجع المدير، وقال دون أن يخفف من حدته: أنا ~~موظف منذ أكثر من عشرين عاما، وعمري اثنان وأربعون عاما، فهل ~~تستكثر علي الدرجة السادسة؟! إن الغلمان يعينون فيها بمجرد ~~تخرجهم من الجامعة! ~~- المهم أن تشد حيلك، أرجو أن أعتمد عليك كبقية زملائك. لقد كنت ~~وأنت ضابط مدرسة النحاسين مثال الموظف المجد، ولولا تلك ~~الحادثة القديمة ... ~~- شيء قديم فلا داعي لذكره الآن، وكل واحد له أخطاؤه .. ~~- أنت الآن في سن الرجولة الناضجة، فإذا لم يستقم سلوكك تعذر ~~عليك أن تقوم بواجبك، كل ليلة سهر فبأي مخ تعمل في الصباح. أريد أن ~~تنهض بالإدارة، هذا كل ما هنالك .. # فاستاء ياسين للتعريض بسيرته، وقال: لا أقبل أن يمس إنسان ~~سلوكي الخاص بكلمة، أنا حر خارج الوزارة! .. ~~- وداخلها؟ ~~- سأعمل ما يعمله رؤساء الأقلام، أنا اشتغلت في ماضي ما يكفيني ~~طوال العمر .. # عاد ياسين إلى مكتبه متكلفا الابتسام رغم جيشان صدره بالغضب، ~~وذاع النبأ فتلقى التهاني. # وكان إبراهيم فتح الله يميل على أذن جاره هامسا في حقد: ابنه! ~~هذه هي الحكاية، عبد الرحيم باشا عيسى .. فهمت؟! .. اسفخص! # 27 # كان السيد أحمد عبد الجواد جالسا على كرسي كبير في المشربية ينظر ~~إلى الطريق حينا، وحينا في جريدة الأهرام المبسوطة على حجره، ms130 ~~وكانت ثقوب المشربية تعكس على جلبابه الفضفاض وطاقيته نقطا من ~~الضياء. وقد ترك باب حجرته مفتوحا ليتمكن من سماع الراديو القائم ~~في الصالة. غير أنه بدا ناحلا ضامرا، كما لاحت في عينيه نظرة ~~ثقيلة تنم عن استسلام حزين. وكان كأنما يكتشف الطريق - من مجلسه ~~بالمشربية - لأول مرة في حياته، فلم يسبق له أن رآه من هذه الزاوية ~~في أيام حياته الماضية؛ إذ إنه لم يمكث في البيت إلا ساعات النوم ~~على وجه التقريب، أما اليوم فلم تعد له من تسلية - بعد الراديو - ~~إلا هذه الجلسة في المشربية، ينظر من ثقوبها شمالا وجنوبا. وإنه ~~لطريق حي، مسل لطيف، وله إلى هذا طابعه الذي يميزه عن طريق ~~النحاسين الذي ألف رؤيته من دكانه - السابق - زهاء نصف قرن من ~~الزمان، وهذه دكاكين حسنين الحلاق ودرويش الفوال والفولي اللبان ~~وبيومي الشربتلي وأبو سريع صاحب المقلى، تقوم في الطريق كالقسمات ~~في الوجه حتى عرف بها وعرفت به، أي عشرة وأي جوار. ترى ما أعمار ~~هؤلاء الناس؟ حسنين الحلاق مدمج الخلق، من نوع قل أن يبدو عليه ~~أثر الزمن، لم يكد يتغير منه شيء إلا شعره، ولكنه جاوز الخمسين ~~بلا ريب، من لطف الله بهؤلاء الناس أنه يحفظ عليهم صحتهم! ودرويش؟ ~~أصلع، هكذا كان دائما، ولكنه في الستين، ما أقوى جسمه! كذلك كنت ~~أنا في الستين، ولكنني أمسيت في السابعة والستين فيا له من ~~عمر! # وأعدت تفصيل ثيابي لتناسب ما تبقى من جسدي، وإذا نظرت إلى هذه ~~الصورة المعلقة في حجرتي أنكرت نفسي. الفولي أصغر من درويش؛ ذلك ~~الأعمش المسكين، ولولا غلامه ما عرف كيف يهتدي إلى سبيله. أبو سريع ~~رجل عجوز، عجوز؟! ولكنه ما زال يعمل، لم يفارق واحد منهم دكانه، ~~ألا أن فراق الدكان لشديد! ثم لا يبقى لك إلا هذا المجلس، والقبوع ~~في البيت ليل نهار، لو أستطيع أن أخرج ساعة واحدة كل يوم! ولكن ~~علي أن أنتظر يوم الجمعة، ثم لا بد من العصا، ولا بد من كمال ~~ليصحبني، الحمد لله رب ms131 العالمين. بيومي أصغرهم وأسعدهم حظا، من ~~أم مريم بدأ، أما أنا فعندها انتهيت، وهو اليوم مالك أحدث عمارة في ~~الحي، هكذا كان مصير بيت السيد رضوان، أنشأ هذا المشرب المضاء ~~بالكهرباء، حظ رجل يبدأ بخداع امرأة، سبحان العاطي وجلت حكمته! ~~كل شيء يتجدد، الطريق ممهد بالأسفلت، وأضيء بالمصابيح، أتذكر ~~ليالي عودتك آخر الليل في الظلام الدامس؟ لكن أين مني هاتيك ~~الليالي؟ وفي كل دكان كهرباء وراديو، كل شيء جديد، إلا أنا، عجوز ~~في السابعة والستين، لا يستطيع مغادرة داره إلا يوما واحدا في ~~الأسبوع وهو يلهث. القلب! كله من القلب، القلب الذي طالما عشق ~~وطالما ضحك وطالما انبسط وغنى، يقضي اليوم بالقعود ولا راد ~~لقضائه. قال الطبيب: «خذ الدواء والزم البيت واتبع نظامي الغذائي»، ~~حسن، ولكن هل يعيد ذلك إلي قوتي .. أعني بعض قوتي؟ فأجاب ~~الطبيب: «حسبنا أن نمنع المضاعفات، ولكن الجهد أو الحركة شيء خطير» ~~.. (ثم ضاحكا): لماذا تريد أن تسترد قوتك؟ أجل لماذا؟ إنه لشيء ~~محزن مضحك معا، ومع ذلك قال: «أريد أن أذهب وأجيء» فقال الطبيب: ~~«لكل حال مسراتها؛ جلسة هادئة، اقرأ الصحف واسمع الراديو وانعم ~~بأسرتك، ويوم الجمعة زر الحسين راكبا، حسبك هذا!» الأمر لصاحب ~~الأمر، متولي عبد الصمد لا يزال يتخبط في الطرقات! ويقول وانعم ~~بأسرتك! لم تعد أمينة تمكث في البيت، انقلبت الآية، أنا في ~~المشربية وأمينة تجول في القاهرة من مسجد إلى مسجد، كمال يجالسني ~~خطفا كالضيف، عائشة؟ آه يا عائشة، أمن الأحياء أنت أم من الأموات؟ ~~ثم يريدون من قلبي أن يبرأ ويستريح! ~~- سيدي .. # والتفت إلى الوراء صوب الصوت، فرأى أم حنفي حاملة صينية صغيرة ~~عليها قارورة الدواء وفنجان قهوة فارغ وكوب ماء مملوء ~~لنصفه. ~~- الدواء يا سيدي .. # رائحة المطبخ تتطاير من ثوبها الأسود، هذه المرأة التي صارت مع ~~الزمن واحدة من أسرتنا. وتناول الكوب وملأ الفنجان حتى نصفه، وفض ~~سداد القارورة ونقط منها أربع نقط في الفنجان، وقلص وجهه قبل ~~أن يتقلص من طعم الدواء، ثم تجرعه. ~~- بالشفا يا سيدي. ~~- متشكر، ms132 أين عائشة؟ ~~- في حجرتها، الله يصبر قلبها. ~~- ناديها يا أم حنفي. # في حجرتها، أو على السطح، ثم ماذا؟ وكان الراديو ما زال يذيع ~~أغانيه ساخرا من حزن البيت الصامت. ولم يكن السيد اضطر إلى ملازمة ~~البيت إلا منذ شهرين، وكان قد مضى على وفاة نعيمة عام وأربعة أشهر، ~~فاستأذن الرجل في سماع الراديو لحاجته الملحة إلى التسلية، فقالت ~~له عائشة «طبعا يا بابا، ربنا يكفيك شر قعدة البيت.» وسمع حفيف ~~ثوب فالتفت فرآها قادمة في ثوب أسود، متشحة بخمار أسود رغم ~~حرارة الجو، تشوب بشرتها البيضاء زرقة غريبة، عنوان التعاسة ~~يا ابنتي. قال برقة: هاتي الكرسي واجلسي معي قليلا .. # ولكنها لم تتزحزح عن موقفها قائلة: مرتاحة هكذا يا بابا. # علمته الأيام الأخيرة ألا يحاول أن يعدل بها عن رأي. ~~- ماذا كنت تفعلين؟ # فقالت دون أن ينم وجهها عن أي معنى: لا شيء أفعله ~~يا بابا. ~~- لماذا لا تخرجين مع نينتك لتزوري الأضرحة المباركة، أليس هذا ~~أفضل من بقائك وحدك؟ ~~- ولماذا أزور الأضرحة؟ # وكأنما فوجئ بقولها، بيد أنه قال بهدوء: تتوسلين إلى الله أن ~~يصبر قلبك. ~~- الله هنا معنا في البيت .. ~~- طبعا، أقصد أن تتركي هذه العزلة يا عائشة، زوري أختك، زوري ~~الجيران، روحي عن نفسك .. ~~- لا أستطيع أن أرى السكرية، ولا معارف لي، لم يعد لي معارف، لا ~~أطيق زيارة أحد .. # قال الرجل وهو يولي عنها رأسه: أحب أن تتصبري، وأن تهتمي ~~بصحتك .. ~~- صحتي! .. # قالتها فيما يشبه العجب. فقال بتوكيد: نعم، ما فائدة الحزن ~~يا عائشة؟ .. # فقالت وكانت رغم حالها تحافظ على الأدب الذي تعودت أن تلتزمه ~~حياله: وما فائدة الحياة يا بابا؟ .. ~~- لا تقولي هذا، إن أجرك عند الله عظيم! .. # فحنت رأسها لتخفي عينيها الدامعتين، وقالت: أود أن أذهب عنده ~~لأنال هذا الأجر، ليس هنا يا بابا! # ثم انسحبت برقة، وقبل أن تغادر الحجرة توقفت قليلا كأنما ~~تذكرت أمرا، فسألته: كيف صحتك اليوم؟ # فابتسم قائلا: الحمد لله، المهم صحتك أنت يا عائشة .. # وغادرت الحجرة، من أين تأتيه الراحة في ms133 هذا البيت؟ وراح يردد ~~بصره في الطريق حتى ثبت على أمينة وهي راجعة من جولتها اليومية. ~~كانت ترتدي معطفا، وعلى وجهها بيشة، وتنقل خطاها في بطء. شد ما ~~ركبها الكبر! كان يحسن الظن بصحتها متذكرا أمها المعمرة، ولكن ها ~~هي تبدو أكبر من سنها - اثنين وستين عاما - بعشرة أعوام على ~~الأقل، ومر وقت غير قصير قبل أن تدخل عليه وهي تتساءل: كيف حال ~~سيدي؟ .. # فقال بصوت مرتفع نفخ فيه نبرات الحدة المطلوبة: كيف حالك أنت! ما ~~شاء الله! من طلعة الصبح يا ولية؟! # فابتسمت قائلة: زرت سيدتك، وزرت سيدك، ودعوت لك ~~وللجميع .. # عاودته بعودتها طمأنينة وسلام، وشعر بأنه يستطيع الآن أن يطلب ما ~~يشاء دون حرج: أيصح أن تتركيني وحدي كل هذا الوقت؟! ~~- أنت أذنت لي يا سيدي، لم أغب طويلا، ولكنها الضرورة يا سيدي، ~~ما أحوجنا إلى الدعاء، توسلت إلى سيدي أن يرد إليك صحتك حتى تروح ~~وتغدو كما تشاء، كما دعوت لعائشة وللجميع .. # وجاءت بكرسي وجلست، ثم سألته: هل تناولت الدواء يا سيدي؟ أنا ~~نبهت على أم حنفي .. ~~- ليتك نبهتها على شيء أحسن! ~~- بالشفا يا سيدي، سمعت في المسجد درسا جميلا من الشيخ ~~عبد الرحمن، تحدث يا سيدي عن الكفارة عن الذنب وكيف تمسح السيئات، ~~كلام جميل جدا يا سيدي، ليتني أستطيع أن أحفظ كأيام ~~زمان .. ~~- وجهك شاحب من المشي، كلها كم يوم وتصبحين من زبائن ~~الدكتور! ~~- ربنا الحافظ، أنا لا أخرج إلا لزيارة آل البيت، فكيف يقع لي ~~سوء؟! # ثم متداركة: آه يا سيدي، كدت أنسى، يتحدثون في كل مكان عن الحرب، ~~يقولون إن هتلر هجم؟! # تساءل الرجل باهتمام: متأكدة؟ ~~- سمعتها بدل المرة مائة مرة، هتلر هجم .. هتلر هجم .. # فقال الرجل ليفهمها أنها لم تسبقه بالأخبار: كان هذا متوقعا من ~~لحظة لأخرى. ~~- بعيد عنا إن شاء الله يا سيدي؟ ~~- قالوا هتلر فقط؟ وموسوليني؟ ألم تسمعي هذا الاسم؟ ~~- اسم هتلر فقط .. ~~«بعيد عنا؟ من يدري؟» ~~- ربنا يلطف بنا، إذا سمعتم نداء عن ملحق البلاغ أو المقطم ~~فاشتروه. # فقالت ms134 المرأة: كأيام غليوم وزبلن، أتذكر يا سيدي؟ سبحان من له ~~الدوام .. # 28 # كانت زيارة جامعة وذات معنى كما قالت خديجة فيما بعد، فعندما ~~فتح باب الشقة ملأ فراغه ياسين في بذلة بيضاء من تيل المحلة ، ~~تتقدمه الوردة الحمراء والمنشة العاجية، يكاد جسمه الضخم يدفع ~~الهواء بين يديه، وتبعه ابنه رضوان في بذلته الحريرية آية في ~~الأناقة والجمال، ثم زنوبة في ثوب سنجابي تعلوها الحشمة التي صارت ~~جزءا لا يتجزأ منها، وأخيرا كريمة في فستان أزرق بديع كشف عن ~~أعلى النحر والذراعين، وقد تبلورت أنوثتها المبكرة - لم تكن تزيد ~~عن الثالثة عشرة - فبدت جاذبيتها صارخة. وضمتهم حجرة الاستقبال مع ~~خديجة وإبراهيم وعبد المنعم وأحمد، وسرعان ما قال ياسين: أسمعتم عن ~~شيء كهذا من قبل؟ ابني سكرتير الوزير الذي أنا في وزارته مجرد رئيس ~~قلم في المحفوظات، تنهد له الأرض إذا سار، وأنا لا يكاد يشعر بي ~~إنسان! # كان مدلول كلامه الاحتجاج، ولكن لم يخف على أحد ما انطوت عليه ~~نفسه من تيه وفخار بابنه. وفي الحق قد حصل رضوان على الليسانس في ~~مايو من هذا العام، وما لبث أن تعين في يونيو سكرتيرا للوزير، ~~في الدرجة السادسة، على حين يتعين خريجو الجامعات في الدرجة ~~الثامنة الكتابية. وقد حصل عبد المنعم على الليسانس في نفس التاريخ، ~~ولكنه لم يكن يدري ما المصير. قالت خديجة باسمة، وكانت تشعر بشيء ~~من الغيرة: رضوان صديق الحكام، ولكن العين لا تعلو على الحاجب. ~~فسأل ياسين في سرور لم يفلح في مداراته: ألم تروا صورته مع الوزير ~~في أهرام أمس؟ بتنا لا ندري كيف نكلمه! .. # فأشار إبراهيم شوكت إلى عبد المنعم وأحمد قائلا: هذان الولدان ~~خائبان، ضيعا عمرهما في مناقشات حادة لا معنى لها، وكان خير من ~~عرفا من رجالات البلد الشيخ علي المنوفي ناظر مدرسة الحسين ~~الأولية، وسخام البرك عدلي كريم صاحب مجلة الضوء أو الهباب لا ~~أدري .. # وكان أحمد ساخطا وإن بدا طبيعيا. أثاره زهو خاله ياسين كما ~~أثاره تعليق والده، أما عبد المنعم فقد ms135 غطى ما كان ينتظره من وراء ~~هذه الزيارة الجامعة على الغضب الذي كان خليقا أن يشتعل في صدره ~~في ظروف أخرى. وكان يسترق النظر إلى وجه رضوان متسائلا عما ~~وراءه، غير أن قلبه استبشر خيرا بالزيارة، فلعلها لم تكن تقع لولا ~~أنها تحمل البشرى. وعاد ياسين يقول معلقا على كلام إبراهيم: لو ~~سألتني عن رأيي لقلت لك نعم الولدان! ألم يقولوا في الأمثال: ~~السلطان من ابتعد عن باب السلطان؟ # كلا لم يفلح ياسين في مداراة سروره، كما لم يفلح في إقناع أحد ~~بإيمانه بما قال، غير أن خديجة قالت مشيرة إلى رضوان: ربنا يطعمه ~~خيرهم ويكفيه شرهم .. # وأخيرا التفت رضوان إلى عبد المنعم قائلا: أرجو أن أهنئك عما ~~قريب .. # فتطلع إليه عبد المنعم متسائلا وقد تورد وجهه، فعاد رضوان ~~يقول: وعدني الوزير بأن يعينك في إدارة التحقيقات .. # كانت أسرة خديجة تترقب على لهف هذا التقرير، فركزت أبصارهم في ~~رضوان طالبة المزيد من التأكيد، فمضى الشاب يقول: أول الشهر القادم ~~على أكثر تقدير. # وقال ياسين معقبا على قول ابنه: إنها وظيفة قضائية. لقد عين ~~عندنا في إدارة المحفوظات شابان من حملة الليسانس في الدرجة ~~الثامنة بثمانية جنيهات! # وكانت خديجة هي التي طلبت من ياسين أن يكلم ابنه بشأن عبد المنعم، ~~فقالت في امتنان: الشكر لله ولك يا أخي (ثم وهي تلتفت إلى رضوان): ~~وطبعا جميل رضوان فوق رءوسنا .. # وأمن إبراهيم على قولها قائلا: طبعا، إنه أخوه، ونعم ~~الأخ. # وقالت زنوبة باسمة، لكي تخرج من هامش الجلسة: رضوان أخو ~~عبد المنعم وعبد المنعم أخو رضوان، ما في ذلك كلام. # وتساءل عبد المنعم الذي كان يشعر بحياء لم يشعر به من قبل حيال ~~رضوان: أعطاك كلمة جدية؟ # فقال ياسين باهتمام: كلمة وزير! إني متتبع المسألة! # وقال رضوان: وأنا من ناحيتي سأذلل لك الصعاب في إدارة ~~المستخدمين، ولي فيهم أصدقاء كثيرون، ولو أن موظفي المستخدمين لا ~~صديق لهم! # فقال إبراهيم شوكت وهو يتنهد: الحمد لله. لقد أراحنا الله من ~~الوظيفة والموظفين! # فقال ياسين: عشت ms136 ملكا يا أبا خليل .. # ولكن خديجة قالت متهكمة: ربنا لا يحكم على أحد بقعدة ~~البيت! .. # وتدخلت زنوبة مجاملة كعادتها، فقالت: قعدة البيت لعنة، إلا من ~~كان صاحب ملك فهو سلطان! # فقال أحمد وفي عينيه بسمة خبيثة: خالي ياسين صاحب ملك، ولكنه ~~صاحب وظيفة أيضا! # فضحك ياسين ضحكة عالية، وقال: صاحب وظيفة وبس من فضلك، أما ~~الملك! كان يا ما كان، كيف يحتفظ بملكه من كان له أسرة ~~كأسرتي؟! # فهتفت زنوبة في ارتياع: أسرتك! # والتفت رضوان - قاطعا الحديث الذي لا يحبه - إلى أحمد قائلا: ~~إن شاء الله تجدنا في خدمتك في العام المقبل عندما تأخذ ~~الليسانس! # فقال أحمد: أشكرك جدا، لكنني لن أتوظف! ~~- كيف؟ .. ~~- الوظيفة خليقة بقتل أمثالي، مستقبلي في الميدان الحر! # وهمت خديجة بالاحتجاج، ولكنها آثرت تأجيل العراك إلى حينه، أما ~~رضوان فقال باسما: إذا غيرت رأيك فستجدني في خدمتك! # فرفع أحمد يده إلى رأسه شاكرا. وجاء الخادم بأكواب الليمون ~~المثلجة، وفي فترة الصمت التي جعلوا فيها يحتسون، حانت التفاتة من ~~خديجة نحو كريمة فكأنما كانت تراها لأول مرة منذ إفاقتها من مسألة ~~عبد المنعم، فقالت برقة: كيف حالك يا كريمة؟ # فأجابتها الفتاة بصوت فيه رخامة: بخير يا عمتي، متشكرة .. # وكادت خديجة تأخذ في إطراء جمالها، ولكن شيئا - كالحذر - ~~أوقفها. الواقع أنها لم تكن أول مرة تجيء بها زنوبة معها مذ حجزت ~~في البيت بعد أخذها الابتدائية. وقالت خديجة لنفسها إن هذه الأمور ~~تشم في الهواء شما! وإن كريمة إذا كانت ابنة زنوبة فهي في الوقت ~~نفسه ابنة ياسين، ومن هنا تجيء دقة المسألة! ولم يكن عبد المنعم يوفي ~~كريمة حقها من النظر لانشغاله بموضوعه، ولكن كان يعرفها حق ~~المعرفة، على أنه لم يكن قد برئ كل البرء من أثر وفاة زوجه، ~~أما أحمد فلم يكن في فؤاده متسع! وقال ياسين: كريمة ما زالت ~~آسفة على عدم التحاقها بالمدرسة الثانوية. # فقالت زنوبة مقطبة: وأنا آسفة أكثر .. # فقال إبراهيم شوكت: إني أشفق على البنات من جهد الدراسة، ثم إن ~~البنت في ms137 النهاية لبيتها، فلن يمضي عام أو آخر حتى تزف كريمة إلى ~~صاحب القسمة السعيد .. # يا مقطوع اللسان، هكذا قالت خديجة لنفسها، يفتح المواضيع الخطيرة ~~وهو في غفلة عن نتائجها، يا له من موقف! كريمة ابنة ياسين وأخت ~~رضوان صاحب الفضل، لعله لا يكون لهذا القلق من سبب إلا الوهم! ~~ولكن لماذا تكثر زنوبة من زيارتنا جارة في يدها كريمة؟ ياسين لا ~~يسمح له وقته بالتفكير والتدبير، أما ربيبة التخت ...! # وقالت زنوبة: هذا الكلام كان يقال في الزمن الماضي، أما اليوم ~~فالبنات كلهن يذهبن إلى المدارس .. # فقالت خديجة: في حارتنا بنتان في المدارس العالية، ولكن شكلهما ~~والعياذ بالله! .. # فسأل ياسين أحمد: أليس في بنات كليتك جمال؟ # وخفق قلب أحمد، وتمثلت لعينيه الصورة المعششة في قلبه، ثم ~~أجاب: حب العلم ليس قاصرا على الدميمات .. # فقالت كريمة باسمة، وهي تنظر صوب أبيها: المسألة تتوقف على ~~الآباء. # فضحك ياسين قائلا: عفارم يا بنتي! هكذا تتحدث البنت الطيبة عن ~~أبيها، وهكذا كانت تخاطب عمتك جدك! # فقالت خديجة متهكمة: المسألة تتوقف على الآباء حقا. # فبادرتها زنوبة قائلة: البنت معذورة، آه لو سمعت حديثه بين ~~أولاده! # فقالت خديجة: أنا عارفة وفاهمة! # فقال ياسين: أنا رجل له آراؤه في التربية، أنا الأب الصديق، لا ~~أحب أن يرتعد أبنائي خوفا في محضري، أنا حتى اليوم ينتابني ~~الارتباك أمام أبي! # فقال إبراهيم شوكت: الله يقويه ويصبره على قعدة البيت! السيد ~~أحمد جيل وحده، وليس مثله أحد في الرجال! # فقالت خديجة منتقدة: قل له! # فقال ياسين كالمعتذر: أبي جيل وحده، وا أسفاه أصبح هو وأصحابه ~~قعيدي بيوتهم، ولم تكن الدنيا لتسعهم على رحابتها! # وكان رضوان يقول لأحمد في حديث جانبي مستقل: بدخول ~~إيطاليا الحرب أصبح الموقف بالنسبة لمصر شديد الخطورة. ~~- ربما تحولت هذه الغارات الاسمية إلى غارات فعلية .. ~~- ولكن هل لدى الإنجليز قوة كافية لصد الزحف الإيطالي المتوقع؟ ~~لا شك أن هتلر سيترك مهمة الاستيلاء على قناة السويس ~~لموسوليني .. # فتساءل عبد المنعم: هل تقف أمريكا متفرجة. # فقال أحمد: مفتاح الموقف الحقيقي ms138 في يد روسيا! ~~- لكنها حليفة هتلر؟ ~~- الشيوعية عدوة النازية، ثم إن الشر الذي يتهدد العالم ~~بانتصار الألمان أضعاف ما يتهدده بانتصار الديمقراطيات .. # فقالت خديجة: أظلموا لنا الدنيا يظلم عيشتهم، وما هذه الأشياء ~~التي لم نعرفها من قبل؟ .. صفارات إنذار! .. مدافع مضادة .. ~~كشافات. مصائب تشيب الإنسان قبل الأوان! # فقال إبراهيم في سخرية هادئة: على أي حال الشيب في بيتنا ليس ~~قبل الأوان .. ~~- هذا عندك أنت وحدك! # كان إبراهيم في الخامسة والستين، ولكنه يبدو بالقياس إلى السيد ~~أحمد - الذي لم يكن يكبره إلا بثلاث سنوات - كأنما يصغره بعشرات ~~السنين. # وعند انتهاء الزيارة، قال رضوان لعبد المنعم: زرني في ~~الوزارة. # ولما أغلق الباب وراء الذاهبين، قال أحمد لعبد المنعم: خذ بالك أن ~~تدخل عليه دون استئذان، ادرس كيف تزور سكرتير وزير! # فلم يجبه ولم ينظر ناحيته .. # 29 # لم يجد أحمد مشقة تذكر في الاهتداء إلى فيلا مستر فورستر - ~~أستاذ علم الاجتماع - بالمعادي. وقد أدرك حال دخوله أنه جاء ~~متأخرا بعض الوقت، وأن كثيرا من الطلبة الذين دعوا مثله إلى ~~الحفل الذي أقامه الأستاذ لمناسبة سفره إلى إنجلترا قد سبقوه إليه. ~~واستقبله الأستاذ وحرمه، وقد قدمه إليها باعتباره طالبا من خير ~~طلبة القسم، ثم مضى الشاب إلى حيث جلس الطلبة في الفراندا، كان ~~المجلس يتكون من طلبة قسم الاجتماع كافة، وكان أحمد ضمن القلة ~~المنقولة للسنة النهائية، يشاركهم ذلك الشعور بالامتياز والتفوق. ~~ولم تكن واحدة من الطالبات قد حضرت، ولكنه كان مطمئنا إلى ~~مجيئهن، أو إلى مجيء «صديقته» التي كانت من سكان المعادي. وألقى ~~نظرة على الحديقة فرأى مائدة طويلة ممتدة في أرض فضاء معشوشبة، ~~تكتنفها من الجانبين أشجار الصفصاف والنخيل، وقد صفت فوقها ~~أباريق الشاي وأوعية اللبن وأطباق الحلوى. ثم سمع طالبا يتساءل: ~~نلتزم الآداب الإنجليزية أم ننقض على المائدة كالنسور؟ # فأجابه آخر فيما يشبه الأسف: آه لو لم توجد لادي فورستر! # كان الوقت أصيلا، ولكن الجو كان لطيفا رغم شخصية يونيو ~~الثقيلة، ثم ما لبث أن لاح السرب المنتظر عند مدخل الفيلا، ms139 جئن ~~معا كأنهن على ميعاد، وكن أربعا هن جملة الطالبات بالقسم وبدت ~~علوية صبري وهي تخطر في فستان ناصع البياض مهفهف، جعل من كائنها ~~اللطيف لونا واحدا بديعا فيما عدا الشعر الأسود الفاحم. وعند ~~ذاك شعر أحمد بقدم هازئة تحتك بقدمه كأنما تنبهه إن كان في حاجة ~~إلى من ينبهه، وكان سره قد ذاع من زمن .. وتابعهن حتى استقر بهن ~~المجلس في ركن أخلي لهن بالفراندا، ثم جاء مستر فورستر وزوجه، ~~وقالت الزوجة موجهة الخطاب إلى الطلبة، وهي تشير إلى الفتيات: هل ~~تحتاجون إلى تعارف؟ # فارتفع الضحك، وقال الأستاذ وكان ذا حيوية فائقة رغم مشارفته ~~الخمسين: الأجدر أن تعرفيهم بي أنا .. # وضجوا بالضحك مرة أخرى، حتى عاد مستر فورستر يقول: في مثل هذا ~~الوقت من كل عام كنا نغادر مصر إلى إنجلترا لقضاء العطلة، هذه ~~المرة لا ندري إن كنا سنرى مصر مرة أخرى أم لا! ... # فقاطعته زوجه قائلة: ولا حتى إن كنا سنرى إنجلترا! # وأدركوا أنها تلمح إلى خطر الغواصات، فقال لها أكثر من صوت: ~~حظ سعيد يا سيدتي .. # وعاد الرجل يقول: سأحمل معي ذكريات جميلة من حياتنا المشتركة في ~~كلية الآداب، وعن مقاطعة المعادي الهادئة الجميلة، وعنكم أنتم ~~الذين سأعتز حتى بهذركم! # فقال أحمد مجاملا: أما ذكراك فستبقى في نفوسنا دواما، وتنمو ~~بنمو عقولنا: شكرا .. (ثم مخاطبا زوجه وهو يبتسم): أحمد شاب ~~جامعي كما ينبغي، وإن تكن له آراء مما تسبب المتاعب عادة في ~~بلده! # فقال زميل موضحا: يعني أنه شيوعي! # فرفعت السيدة حاجبيها باسمة، أما مستر فورستر فقال بلهجة ذات ~~معنى: لم أقل أنا ذلك، ولكنه زميله الذي قال! # ثم نهض الأستاذ وهو يقول: آن وقت الشاي، يجب ألا يسرقنا الوقت، ~~وسوف نجد بعد ذلك متسعا للسمر واللهو .. # وكان عمال جروبي قد أعدوا المائدة ووقفوا متأهبين للخدمة .. ~~وتوسطت لادي فورستر جانب المائدة الذي جلس إليه الفتيات، على حين ~~توسط الأستاذ الجانب الآخر، وهو يقول معلقا على نظام الجلوس: ~~كنا نود أن تكون الجلسة أكثر اختلاطا، ولكننا راعينا ms140 الآداب ~~الشرقية، أليس كذلك؟ # فأجابه طالب بلا تردد: للأسف هذا ما لاحظناه يا سيدي! # وصب الخادم الشاي واللبن وبدأت المأدبة. لاحظ أحمد اختلاسا أن ~~علوية صبري كانت أبرع زميلاتها ممارسة لآداب المائدة وأقلهن ~~ارتباكا، بدت آلفة للحياة الاجتماعية، كأنها في بيتها، وشعر بأن ~~ملاحظة تناولها للحلوى ألذ من الحلوى نفسها. هذه صديقته العزيزة ~~التي تبادله الصداقة والمودة دون أن تشجعه على عبور حدودهما، ~~وقال لنفسه: إن لم أنتهز فرصة اليوم المتاحة فسلام علي؟ وعلا صوت ~~لادي فورستر وهي تقول: أرجو ألا تؤثر قيود الحرب في تناولكم ~~للحلوى .. # فعلق طالب على قولها قائلا: من المصادفات السعيدة أن الرقابة ~~لم تفرض على الشاي بعد! # ومال مستر فورستر على أذن أحمد - وكان يجلس إلى يساره - وسأله: ~~كيف تمضي العطلة؟ أعني ماذا تقرأ؟ ~~- كثيرا في الاقتصاد وقليلا في السياسة، وأكتب بعض المقالات في ~~المجلات. ~~- أنصحك بأن تقدم في الماجستير بعد الليسانس. # فقال أحمد بعد الانتهاء مما في فيه: ربما فيما بعد، سأبدأ بالعمل ~~في الصحافة، هذه خطتي من قديم. ~~- حسن! # الصديقة العزيزة تحادث لادي فورستر بطلاقة، ما أسرع ما أتقنت ~~الإنجليزية، والورود والأزهار تنضح بالحمرة والألوان كما ينضح ~~القلب بالحب، في عالم الحرية يزدهر الحب كالأزهار، الحب لا يكون ~~عاطفة صحيحة طبيعية إلا في بلد شيوعي. وقال مستر فورستر: من ~~المؤسف أنني لم أستكمل دراستي للغة العربية، كنت أود أن أقرأ ~~مجنون ليلى دون مساعدة أحد منكم! ~~- المؤسف أنك ستنقطع عن دراستها .. ~~- إلا إذا سمحت الظروف فيما بعد .. ~~«ربما وجدت نفسك مضطرا إلى تعلم الألمانية، ألا يكون مضحكا ~~لو شهدت لندن مظاهرات تطالب بالجلاء وتهتف له؟ في أخلاق الإنجليز ~~الشخصية فتنة، أما فتنة الصديقة العزيزة فمن نوع لا مثيل له، عما ~~قليل تغيب الشمس فيجمعنا الليل في مكان واحد لأول مرة، وإذا لم ~~أنتهز فرصة اليوم المتاحة فسلام علي!» وسأل أستاذه: وماذا أنت ~~فاعل عقب وصولك إلى لندن؟ ~~- دعيت للعمل في الإذاعة. ~~- إذن لن ينقطع عنا صوتك. ~~«مجاملة تغتفر في هذا المجلس الذي تزينه ms141 صديقتي، إننا لا نسمع ~~هنا إلا الإذاعة الألمانية، شعبنا يحب الألمان ولو على سبيل ~~الكراهية للإنجليز، والاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية، اجتماعنا ~~بأستاذنا يخلق موقفا جديرا بالتأمل، نبرره بالروح العلمية ولكن ~~ثمة ارتطام بين حبنا لأستاذنا وبغضنا لجنسه، والمأمول أن تقضي ~~الحرب على النازية والاستعمار معا، هنالك أخلص للحب وحده.» # ثم عادوا إلى مجالسهم بالفراندا التي أضيئت مصابيحها، ولم تلبث ~~لادي فورستر أن قالت: إليكم البيانو فليتفضل أحدكم بإسماعنا ~~لحنا. # فرجاها طالب قائلا: تفضلي أنت بإسماعنا. # فنهضت في رشاقة الشباب الذي جاوزته بأعوام، ثم جلست إلى البيانو ~~وفتحت النوطة وراحت تعزف لحنا. لم يكن أحد منهم ذا إلمام ~~بالموسيقى الغربية أو تذوق لها، ولكنهم أنصتوا في اهتمام بدافع ~~الأدب والمجاملة. وحاول أن يستمد من حبه قوة سحرية يفتح بها مغاليق ~~اللحن، ولكنه نسي اللحن في استراق النظر إلى وجه فتاته، والتقت ~~عيناهما مرة، فتبادلا ابتسامة لم تغب عن كثيرين، وفي نشوة الفرحة ~~قال لنفسه: «أجل، إذا لم أنتهز فرصة اليوم المتاحة فسلام علي.» ~~وعلى أثر فراغ لادي فورستر من عزفها، عزف طالب لحنا شرقيا، ثم ~~خلصوا للسمر وقتا غير قصير، وحوالي الساعة الثامنة مساء ودعوا ~~أستاذهم وأخذوا في الانصراف. ولبد أحمد عند منعرج طريق في ليل بالغ ~~في جماله وحنانه، تحت مظلة من الأشجار الباسقة، حتى رآها قادمة ~~وحيدة في طريقها إلى مسكنها، فبرز لها من المنعطف قاطعا عليها ~~الطريق، فتوقفت في دهش وقالت: ألم تذهب معهم؟ # فنفخ فيما يشبه التنهد؛ ليخفف صدره من جيشانه، وقال بهدوء: ~~تخلفت عن القافلة لأقابلك! ~~- ترى ماذا يظنون بتخلفك؟ # فقال باستهانة: هذا شأنهم! # وسارت في بطء فسار إلى جانبها، ثم تمخض صبر الأيام الطويلة عنه ~~وهو يقول: أريد أن أسألك قبل عودتي: هل تسمحين لي بالتقدم ~~لخطبتك؟ # فارتفع رأسها الجميل كرد فعل لوقع المفاجأة، ولكن لم يند عنها ~~صوت كأنها لم تجد ما تقوله، وكان الطريق خاليا وأضواء المصابيح ~~متوارية خلف الطلاء الأزرق، فعاد يسائلها: أتسمحين لي؟ # فقالت بصوت خافت لم يخل من عتاب: هذه ms142 طريقتك في الكلام، ~~ويا لها من طريقة، الواقع أنك أذهلتني! # فضحك ضحكة خفيفة، وقال: أعتذر عن ذلك، وإن كنت أظن أن تاريخ ~~صداقتنا الطويل لا يجعل من قولي مفاجأة تذهل. ~~- تعني صداقتنا وتعاوننا الثقافي؟ # فلم يرتح لقولها، ولكنه قال: أعني عاطفتي غير الخفية التي اتخذت ~~شكل الصداقة والتعاون الثقافي كما قلت! # فتساءلت في صوت باسم غير خال من اضطراب: عاطفتك الخفية! # فقال بعناد وإخلاص: أعني حبي! الحب لا يخفى، إننا عادة لا ~~نتكلم لنعلنه، وإنما لنسعد بسماع إعلاننا له .. # فقالت مماطلة حتى تسترد هدوءها: الأمر كله مفاجأة لي .. ~~- يؤسفني أن أسمع هذا .. ~~- لماذا تأسف؟ الواقع أني لا أدري ماذا أقول .. # ضاحكا: قولي «أسمح لك» ودعي الباقي لي .. ~~- ولكن، ولكن .. أنا لا أعرف شيئا، معذرة، كنا أصدقاء حقا ~~ولكنك لم تحدثني عن .. أعني لم تسمح الظروف بأن تحدثني عن ~~شخصك؟ ~~- ألم تعرفيني؟ ~~- عرفتك طبعا، ولكن ثمة أمور أخرى ينبغي أن تعرف .. # أتعني هذه الأمور التقليدية؟ يا لها من أسئلة خليقة بقلب لم ~~يأسره الحب! وشعر بامتعاض، بيد أنه ازداد عنادا فقال: سيجيء ~~كل شيء في حينه .. # فتساءلت، وكانت قد ملكت زمام نفسها: أليس الآن حينه؟ # فابتسم ابتسامة فاترة، وقال: لك حق، تعنين المستقبل؟ ~~- طبعا! # وأحنقته «طبعا»؛ أمل أن يسمع أغنية فسمع محاضرة معادة! ولكن ~~يجب ألا تخونه ثقته في نفسه مهما يكن الأمر. العزيزة الباردة لا ~~تدري كم يسعده إسعادها! ~~- سأجد بعد تخرجي عملا .. # ثم بعد لحظات من الصمت: وسيكون لي يوما دخل لا بأس به! # فتمتمت في حياء: كلام عام .. # فقال وهو يداري ألمه بالهدوء: سيكون المرتب في الحدود المعروفة، ~~أما الدخل فحوالي عشرة جنيهات .. # وساد الصمت. لعلها تزن الأمور وتفكر. هذا هو التفسير المادي ~~للحب! كان يحلم بالجنون العذب ولكن أين منه هذا؟ هذا البلد عجيب ~~يندفع في السياسة وراء العاطفة، ويتبع في الحب دقة المحاسبين. ~~وأخيرا جاء الصوت الرقيق قائلا: لندع الدخل جانبا، فلا يجمل أن ~~ترتب حياتك على أساس تقدير اختفاء الأعزة من حياتك .. ~~- أردت أن أقول ms143 لك إن والدي من ذوي الأملاك .. # فقالت بجهد برر فترة التردد التي سبقته: فلنكن ~~واقعيين .. ~~- قلت إني سأجد عملا، وستجدين من ناحيتك عملا أيضا .. # فضحكت ضحكة غريبة: كلا لن أشتغل، لم أذهب إلى الجامعة لأتوظف ~~كسائر الزميلات .. ~~- ليس العمل عيبا .. ~~- طبعا، ولكن والدي .. الواقع أننا جميعا متفقون على هذا، لن ~~أشتغل. # وكان قد بردت عواطفه واستغرقه البحث، فقال: ليكن، أشتغل ~~أنا .. # فقالت بصوت كأنما تعمدت أن يكون رقيقا فوق العادة: أستاذ ~~أحمد، فلنؤجل الحديث، أعطني مهلة للتفكير. # فضحك ضحك فاترة، وقال: قلبنا الأمر على كافة وجوهه، ولكنك في ~~حاجة إلى مهلة لتدبري الرفض؟ # فقالت بصوت حيي: ينبغي أن أحادث والدي. ~~- هذا بدهي، ولكن كان من الممكن أن ننتهي إلى رأي قبل ~~ذلك! ~~- مهلة ولو قصيرة .. ~~- نحن في يونيو، وستسافرين إلى المصيف، ولن نلتقي إلا في أكتوبر ~~القادم في الكلية؟ # فقالت بإصرار: لا بد من مهلة للتفكير والتشاور. ~~- إنك لا تريدين أن تتكلمي. # وإذا بها تتوقف عن المسير فجأة، وتقول في دأب وعزم معا: أستاذ ~~أحمد، إنك تأبى إلا أن تحملني على الكلام، أرجو أن تتقبل كلامي ~~بصدر سمح. لقد فكرت في موضوع الزواج من قبل كثيرا، لا بالقياس ~~إليك ولكن بصفة عامة، وانتهيت منه - ووافقني على ذلك والدي - بأن ~~حياتي لن تستقيم، وأنني لن أحافظ على مستواي، إلا إذا تهيأ لي ما ~~لا يقل عن خمسين جنيها شهريا .. # وتجرع خيبة مريرة لم يتوقع - على أسوأ الفروض - أن تبلغ ~~مرارتها هذه الدرجة، وتساءل: وهل يملك موظف - أعني في سن الزواج - ~~هذا المرتب الضخم؟ ولكنها لم تنبس، فعاد يقول: إنك تريدين زوجا ~~ثريا! ~~- آسفة جدا، ولكنك أجبرتني على مصارحتك برأيي .. # فقال بصوت غليظ: هذا أفضل على أي حال. # فعادت تغمغم: آسفة .. # وثار غضبه، ولكنه بذل جهدا صادقا كيلا يخرج عن حدود الأدب، ثم ~~وجد رغبة لا تقاوم في أن يصارحها برأيه فتساءل: أتسمحين لي بأن ~~أصارحك برأيي؟ # فبادرته قائلة: كلا، إني أعرف الكثير عن آرائك، وأرجو أن نبقى ~~صديقين كما كنا! # ورثى ms144 رغم غضبه لحالها، هذه هي الحقيقة العارية قبل أن يلطفها ~~الحب. التي تهرب مع خادمها امرأة طبيعية وإن عدت - بعين ~~التقاليد - شاذة في المجتمع المختل يبدو الصحيح مريضا والمريض ~~صحيحا، إنه غاضب ولكن تعاسته أكبر من غضبه، إنها على أي حال تحدس ~~رأيه وفي هذا عزاء، ومدت يدها للمصافحة فتلقاها بيده، ثم أبقاها ~~فيها حتى وسعه أن يقول: قلت إنك لم تدخلي الجامعة لتتوظفي، قول ~~جميل في ذاته ولكن إلى أي مدى انتفعت بالجامعة؟ # وارتفع ذقنها كالمتسائلة، لكنه قال بلهجة لم تخل من سخرية: ~~معذرة عن سخافتي، لعل المسألة أنك لم تحبي بعد، مع السلامة. # ودار على عقبيه، ثم ولى مسرعا. # 30 # قال إسماعيل لطيف: لعلي أخطأت بحمل زوجي إلى القاهرة كي تلد ~~فيها، كل ليلة تنطلق صفارة الإنذار، أما طنطا فلم نكد نعرف شيئا ~~عن أهوال هذه الحرب. # فقال كمال: إنها غارات رمزية لو أرادوا بنا شرا ما منعتهم ~~قوة. # فضحك رياض قلدس، وقال مخاطبا إسماعيل لطيف، وكانت هذه ثاني ~~مقابلة بينهما في مدى تعارف عام: أنت تخاطب رجلا لا يشعر بمسئولية ~~الزوج! # فسأله إسماعيل متهكما: وهل تشعر بها أنت؟ ~~- حقا أنا أعزب مثله، غير أني لست عدوا للزواج .. # كانوا يسيرون في شارع فؤاد الأول، في مطلع الليل، في ظلام لم ~~تخففه إلا الأضواء الضئيلة التي تتسرب من أبواب المحال العامة، ~~وكان الشارع رغم ذلك مكتظا بالنساء والرجال والجنود البريطانيين ~~على اختلاف أنواعهم. وكان الخريف يبعث أنفاسا رطيبة، ولكن أكثر ~~الناس مضوا في الملابس الصيفية. ونظر رياض قلدس إلى جماعة من ~~الجنود الهنود وقال: من المحزن أن يبتعد الإنسان عن وطنه هذه ~~المسافة المديدة ليقتل في سبيل غيره! # فقال إسماعيل لطيف: ترى كيف يتأتى لهؤلاء التعساء أن ~~يضحكوا! # فقال كمال ممتعضا: كما نضحك نحن في هذه الدنيا الغريبة، الخمر ~~والمخدرات واليأس. # فضحك رياض قلدس قائلا: إنك تعاني أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع ~~الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل ~~وسقم، أني أرثي لك. # فقال ms145 إسماعيل لطيف ببساطة: تزوج، إني مررت بهذا الملل قبيل ~~زواجي .. # فقال رياض قلدس: قل له! # فقال كمال، وكأنما يخاطب نفسه: الزواج هو التسليم الأخير في هذه ~~المعركة الفاشلة .. ~~«أخطأ إسماعيل في المقارنة، إنه حيوان مهذب، ولكن مهلا لعله ~~الغرور، فيم الغرور وأنت ترقد فوق تل من الخيبة والفشل، إسماعيل ~~لا يدري شيئا عن دنيا الفكر، ولكن السعادة المستمدة من العمل ~~والزوجة والأولاد، أليست سعادة جديرة بأن تسخر من احتقارك لها؟» ~~قال رياض: إذا قررت يوما أن أؤلف رواية، فستكون أحد ~~أبطالها! # فاتجه كمال نحوه في اهتمام صبياني، وسأله: ماذا ستصنع ~~مني؟ ~~- لا أدري، ولكن ينبغي أن توطن نفسك على ألا تزعل، فإن كثيرين ~~ممن قرءوا أنفسهم في أقاصيصى قد زعلوا .. ~~- لماذا؟ .. ~~- لعله لأن لكل إنسان فكرة عن شخصه من خلقه هو، فإذا جرده ~~الروائي منها أبى وغضب! .. # فتساءل كمال في قلق: ألديك فكرة عني غير ما تعلن؟ # فبادره في توكيد قائلا: كلا، ولكن الروائي قد يبدأ من شخص ثم ~~ينساه كلية وهو بصدد خلق نموذج بشري جديد، لا صلة بينه وبين ~~الأصل إلا الإيحاء، وإنك توحي إلي بشخصية الرجل الشرقي الحائر ~~بين الشرق والغرب، الذي دار حول نفسه كثيرا حتى أصابه ~~الدوار. ~~«يتكلم عن الشرق والغرب، ولكن من أين له أن يعرف عايدة؟ قد تكون ~~التعاسة متعددة الجوانب.» # وقال إسماعيل لطيف في بساطة مرة أخرى: طول عمرك تخلق لنفسك ~~المتاعب، الكتب في نظري أساس بلواك، لماذا لا تجرب الحياة ~~الطبيعية؟ # وبلغوا في مسيرهم منعطف عماد الدين فمالوا إليه، وقد اعترضهم ~~جماعة كبيرة من الإنجليز فتفادوا منها، وقال إسماعيل لطيف: إلى ~~جهنم، من أين لهم بهذا الأمل؟! ترى هل يصدقون أنفسهم؟ # فقال كمال: يخيل إلي أن نتيجة الحرب قد تقررت، غايتها الربيع ~~القادم .. # فقال رياض قلدس ممتعضا: النازية حركة رجعية غير إنسانية، وسوف ~~يتضاعف شقاء العالم تحت أقدامها الحديدية .. # فقال إسماعيل: ليكن ما يكون، المهم أن نرى الإنجليز في نفس ~~الموضع الذي فرضوه على العالم الضعيف! # وقال كمال: ليس الألمان بخير ms146 من الإنجليز .. # فقال رياض قلدس: ولكننا انتهينا مع الإنجليز إلى بر، والاستعمار ~~البريطاني يوغل اليوم في الشيخوخة، ولعله قد تلطف ببعض المبادئ ~~الإنسانية، ولكننا سنتعامل غدا مع استعمار فتي مغرور شره غنى ~~حرب، فما العمل؟ # فضحك كمال ضحكة تحمل نغمة جديدة، وقال: نشرب كأسين ونحلم بعالم ~~واحد تسيطر عليه حكومة واحدة عادلة! ~~- سنحتاج حتما إلى أكثر من كأسين .. # ووجدوا أنفسهم أمام حانة جديدة لم يروها من قبل، لعلها من ~~الحانات «الشيطاني» التي تخلقها ظروف الحرب بين يوم وليلة. وحانت ~~من كمال نظرة إلى داخلها فرأى امرأة بيضاء ذات جسم شرقي تقوم على ~~إدارة الحانة، ثم جمدت قدماه فلم يتحرك من موقفه، أو بالأحرى لم ~~يستطع أن يتحرك حتى اضطر صاحباه أن يتوقفا عن المسير وينظروا إلى ~~حيث ينظر. مريم! لم تكن إلا مريم دون غيرها، مريم الزوجة الثانية ~~لياسين، مريم جارة العمر، في هذه الحانة بعد اختفاء طويل، مريم ~~التي ظن بها أنها لحقت بأمها! .. ~~- أتريد أن نجلس ها هنا؟ هلم فليس بالداخل إلا أربعة ~~جنود .. # وتردد مليا، ولكن شجاعته لم تواته فقال ولما يفق من ذهوله: ~~كلا .. # وألقى نظرة على المرأة التي ذكرته بأمها في أيامها الأخيرة، ثم ~~انطلقوا في طريقهم. متى رآها آخر مرة؟ منذ ثلاثة أو أربعة عشر ~~عاما على الأقل، إنها معلم من معالم الماضي الذي لا ينسى، ماضيه ~~.. تاريخه .. ماهيته .. كل أولئك شيء واحد، وقد استقبلته في قصر ~~الشوق في آخر زيارة لهذا البيت قبل طلاقها، وما زال يذكر كيف شكت ~~إليه اعوجاج أخيه وارتداده إلى حياة العربدة والمجون، شكوى لم يكن ~~يقدر عواقبها وقد انتهت بها إلى ذلك الدور الذي تلعبه في هذه ~~الحانة «الشيطاني»، ومن قبل ذلك كانت كريمة السيد محمد رضوان، ~~وكانت صديقته وملهمة أحلامه في الصبا الأول، في ذلك الزمان الذي ~~شهد البيت القديم عامرا بالأفراح والسلام، كانت مريم وردة وكانت ~~عائشة وردة ولكن الزمن عدو لدود للورود، وربما كان من المحتمل أن ~~يعثر عليها في بيت من هذه البيوت كما ms147 عثر بالست جليلة، ولو وقع هذا ~~لكان وجد نفسه في مأزق وأي مأزق. هكذا بدأت مريم بالإنجليز وانتهت ~~بالإنجليز .. ~~- أتعرف هذه المرأة؟ ~~- نعم .. ~~- كيف؟ ~~- امرأة من هاتيك النسوة، ولعلها نسيتني .. ~~- أوه، الحانات ملأى بهن، مومسات قديمات، وخادمات متمردات، ومن ~~كل لون .. ~~- نعم .. ~~- ولم لم تدخل فلعلها ترحب بنا إكراما لك؟ ~~- لم تعد في طور الشباب ولدينا أماكن أفضل. # تقدم به العمر وهو لا يدري، منتصف الحلقة الرابعة، وكأنما قد ~~استهلك نصيبه من السعادة، وإذا قارن بين تعاسته الراهنة وتعاسته ~~الماضية لم يدر أيهما أشد، ولكن ماذا يهم العمر وقد ضاق بالحياة؟! ~~حقا إن الموت لذة الحياة. ولكن ما هذا الصوت؟ ~~- غارة! ~~- أين نذهب؟ ~~- إلى مخبأ قهوة ركس. # لم يجدوا في المخبأ مكانا خاليا للجلوس فوقفوا، وكان ثمة ~~أفندية وخواجات وسيدات وأطفال، وكان الكلام يدور بشتى اللغات ~~واللهجات. وأصوات رجال المقاومة المدنية في الخارج تهتف «أطفئ ~~النور.» وبدا وجه رياض شاحبا، وكان يمقت دوي المدافع، فقال له ~~كمال مداعبا: قد لا تتمكن من العبث بشخصي في روايتك .. # فضحك ضحكة عصبية وقال وهو يومئ إلى الناس: البشرية ممثلة بنسبة ~~عادلة في هذا المخبأ .. # فقال كمال متهكما: لو اجتمعوا على خير كما يجتمعون على ~~الخوف! # وهتف إسماعيل متنرفزا: زمان زوجي نازلة على السلم تتلمس ~~طريقها في الظلام، إني أفكر جديا في العودة إلى طنطا ~~غدا .. ~~- إن عشنا! ~~- مساكين حقا أهل لندن! ~~- لكنهم أصل البلاء كله .. # وكان وجه رياض قلدس يزداد شحوبا، ولكنه دارى اضطرابه بالكلام ~~فسأل كمال: سمعتك تتساءل مرة أين محطة الموت لأغادر مركبة الحياة ~~المملة، فهل يهون عليك أن تنسفنا قنبلة الآن؟ # فابتسم كمال، وكان يرهف السمع في قلق متزايد متوقعا بين لحظة ~~وأخرى أن ينطلق مدفع فيصك الآذان، وأجاب: كلا .. (ثم كالمتسائل): ~~لعله الخوف من الألم؟ ~~- أم ثمة أمل غامض في الحياة ما زال يضطرب في أعماقك؟ # لماذا لم ينتحر؟ ولم يبدو ظاهر حياته كأنما يمتلئ حماسا ~~وإيمانا؟ طالما نازعته النفس إلى النقيضين: وكر الشهوات والتصوف، ~~ولكنه لم يكن ليطيق ms148 حياة خالصة للدعة والشهوات، ومن ناحية أخرى كان ~~ثمة شيء في أعماقه ينفر من فكرة السلبية والهروب، ولعله - هذا ~~الشيء - الذي حال بينه وبين الانتحار، وفي ذات الوقت فإن استمساكه ~~بحبل الحياة المضطرب في يديه مناقض لصميم شكه القاتل، والخلاصة في ~~كلمتين: حيرة وعذاب! # وفجأة انطلقت المدافع كالمطر، لا تتيح للصدر متنفسا، وزاغت ~~الأبصار، وضلت الألسن، ولكن الضرب لم يستمر أكثر من دقيقتين ~~بالحساب الزمني وتوقع الناس عودة بغيضة إلى الدوي المرعب، واستبد ~~الفزع بالنفوس، غير أن الصمت ساد وعمق، وتساءل إسماعيل لطيف: إني ~~أتخيل حال زوجي الآن، ترى متى تنتهي الغارة؟ # فتساءل رياض قلدس: متى تنتهي الحرب؟ # وما لبث أن انطلقت صفارة الأمان فند عن المخبأ تنهد ~~عميق. # وقال كمال: ليست إلا مداعبة إيطالية! # وغادروا المخبأ في الظلام كالخفافيش، ولفظت الأبواب أشباحا وراء ~~أشباح، ثم تساقط الضوء الباهت متتابعا من النوافذ، وملأت الضجة ~~الأركان .. ~~- يبدو أن الحياة - في هذه اللحظة السريعة المعتمة - ذكرت كل ~~غافل بمدى قيمتها الذي لا يقاس به شيء في الوجود .. # 31 # اتخذ البيت القديم مع الزمن صورة جديدة تنذر بالانحلال والتدهور. ~~انفرط نظامه وتقوض مجلسه، وكان النظام والمجلس روحه الأصيل. ففي ~~نصف النهار الأول يغيب كمال في المدرسة، وتمضي أمينة إلى جولتها ~~الروحية ما بين الحسين والسيدة، وتنزل أم حنفي إلى حجرة الفرن، ~~ويتمدد السيد على الكنبة في حجرته أو يجلس على كرسي في المشربية، ~~وتهيم عائشة على وجهها ما بين السطح وحجرتها، ويظل الراديو في ~~الصالة يهتف وحده، وعند الأصيل تجتمع أمينة وأم حنفي في الصالة، ~~وتلبث عائشة في حجرتها، أو تمكث معهما بعض الوقت ثم تذهب، أما ~~السيد فلا يغادر حجرته، وكمال إن عاد من الخارج مبكرا فلكي يقبع ~~في الدور الأعلى في مكتبه. وكان اعتكاف السيد أول الأمر محزنا، ثم ~~صار عادة عنده وعند الآخرين، وكان حزن عائشة مفجعا ثم صار عادة ~~عندها وعند الآخرين، وما زالت أمينة أول من يستيقظ، فتوقظ بدورها ~~أم حنفي، ثم تتوضأ وتصلي: وتنهض أم حنفي - وكانت ms149 نسبيا خير ~~الجميع صحة - فتقصد حجرة الفرن، وتفتح عائشة عينين ثقيلتين فتقوم ~~لتحسو أقداح القهوة تباعا وتحرق السجائر الواحدة تلو الأخرى حتى ~~إذا دعيت للفطور تناولت لقمات. وقد اضمحلت أيما اضمحلال، ~~وانقلبت هيكلا عظميا كسي جلدا باهتا، وأخذ شعرها في السقوط ~~حتى اضطرت إلى اللجوء إلى الطبيب قبل أن يدركها الصلع، وتكالبت ~~عليها العلل حتى أشار عليها الطبيب بالتخلص من أسنانها، فلم يبق ~~من شخصها القديم إلا الاسم. ولم تكن أقلعت عن عادة النظر في ~~المرآة، لا لتأخذ زينة. ولكن بحكم العادة من ناحية، وللإمعان في ~~الحزن من ناحية أخرى. وربما بدت أحيانا وكأنها أذعنت للمقادير في ~~استسلام لطيف، فتطيل من جلستها مع أمها، وتشارك في الحديث الدائر، ~~وربما افترت شفتاها الذابلتان عن ابتسامة، أو تزور والدها لتسأل ~~عن صحته، أو تتمشى في حديقة السطح وترمي بالحب إلى الدجاج، هناك ~~تقول أمها برجاء: كم أسعدت قلبي يا عائشة، ليتني أراك دائما على ~~هذه الحال. على حين تجفف أم حنفي عينيها قائلة: فلنذهب إلى حجرة ~~الفرن لنصنع شيئا جميلا! # ولكن عند منتصف الليل استيقظت أمها على صوت بكاء آت من حجرتها، ~~فهرعت إليها محاذرة أن توقظ الرجل النائم، فوجدتها جالسة في الظلام ~~تنتحب، ولما شعرت بدنو أمها تعلقت بها هاتفة: لو تركت لي ما كان ~~في بطنها! ظلا منها! يداي فارغتان، والدنيا لا شيء ~~فيها .. # فاحتضنتها أمها وهي تقول: إني أعلم الناس بحزنك، حزن يجل عن ~~العزاء، ليتني كنت فداهم، ولكن لله جل وعلا حكمته، وما جدوى ~~الحزن يا مسكينة؟! ~~- كلما نمت حلمت بهم، أو حلمت بالحياة الأولى .. ~~- وحدي الله، ذقت ما تعانين طويلا، أنسيت فهمي؟ ولكن المؤمن ~~المصاب مطالب بالصبر، أين إيمانك؟ # فهتفت في امتعاض: إيماني! ~~- نعم، اذكري إيمانك، وتوسلي إلى ربك تنزل عليك الرحمة من حيث ~~لا تدرين. ~~- الرحمة! أين الرحمة، أين؟ ~~- رحمته وسعت كل شيء، طاوعيني وتعالي معي إلى الحسين، ضعي يدك ~~على الضريح واتلي الفاتحة تتحول نارك إلى برد وسلام كنار سيدنا ~~إبراهيم .. # ولم يكن موقفها حيال ms150 صحتها دون ذلك اضطرابا، فحينا تتردد على ~~الأطباء في مثابرة وانتظام حتى يظن بها العودة إلى الاستمساك ~~بأهداب الحياة، وحينا تهمل نفسها وتزدري كافة النصائح لدرجة ~~الانتحار. أما زيارة القرافة فهي التقليد الوحيد الذي لم تشذ عنه ~~مرة واحدة، وكانت تنفق فيها بسخاء وتهبها عن طيب خاطر كل ما ملكت ~~يمينها من ميراث زوجها وابنتها حتى استحال حول المقبرة حديقة ~~غناء موشاة بالأزهار والرياحين. ويوم جاءها إبراهيم شوكت ~~لإتمام إجراءات الميراث ضحكت ضحكة مجنونة وقالت لأمها: هنئيني على ~~ميراثي من نعيمة .. # وكان كمال يمر بها كلما آنس منها استقرارا، فيجالسها مليا ~~ملاطفا متوددا. كان يتأملها طويلا صامتا، ويتخيل محزونا ~~الصورة الذاهبة التي أبدع الله صنعها، ثم يتفحص ما آلت إليه. لم ~~تكن هزيلة فحسب، ولا مريضة فحسب، ولكن محزونة بكل ما تحمل هذه ~~الكلمة من معنى، ولم يغب عنه ما بينهما من أوجه الشبه في الحظ؛ فهي ~~قد فقدت ذريتها وهو قد فقد آماله، وانتهت إلى لا شيء كما انتهى إلى ~~لا شيء، بل كان أبناؤها لحما ودما أما آماله فكانت كذبا ~~وأوهاما! وقال لهم يوما: أليس من الأفضل أن تذهبوا إلى المخبأ ~~إذا أطلقت صفارة الإنذار؟ # فقالت عائشة: لن أغادر حجرتي .. # وقالت الأم: إنها غارات آمنة ومدافع كالصواريخ .. # أما أبوه فجاء صوته من الداخل وهو يقول: لو أن بي قدرة على ~~الذهاب إلى المخبأ لذهبت إلى الجامع أو إلى بيت محمد عفت .. # ويوما جاءت عائشة من السطح مهرولة وهي تلهث وقالت لأمها: حدث ~~شيء عجيب! # فنظرت إليها أمها في استطلاع مشوب بالرجاء، فعادت تقول وهي ~~ما تزال تلهث: كنت في السطح أراقب غروب الشمس، وكنت على حال من ~~اليأس لم أشعر بمثلها من قبل، وفجأة فتحت في السماء نافذة من نور ~~بهيج فصحت بأعلى صوتي: «يا رب.» # اتسعت عينا الأم في تساؤل، أهي الرحمة المنشودة أم هاوية جديدة ~~من الأحزان؟ وتمتمت: لعلها رحمة ربنا يا ابنتي .. # فقالت ووجهها يتهلل بشرا: نعم، صحت يا رب، وكان النور يملأ ~~الدنيا .. # وراحوا ms151 جميعا يفكرون في الأمر ويراقبون الحال في قلق بالغ. أما ~~عائشة فكانت تقف الساعات بموقفها من السطح مترقبة النور أن يومض ~~مرة أخرى، حتى قال كمال لنفسه «ترى أهي النهاية التي يهون إلى ~~جانبها الموت؟» ولكن من حسن الحظ - حظ الجميع - أنها تناست الأمر ~~مع الأيام ولم تعد تذكره، ثم لم تزل توغل في دنيا خاصة خلقتها ~~لنفسها، وعاشت فيها وحدها، وحدها سواء أكانت منفردة في حجرتها أو ~~جالسة بينهم، إلا ساعات متباعدة تثوب فيها إليهم كالعائدة من سفر. ~~ثم لا تلبث أن تواصل الرحيل - والتصقت بها عادة جديدة هي محادثة ~~نفسها، خاصة حين انفرادها، وشد ما أثارت بذلك القلق، غير أنها كانت ~~تخاطب أمواتا وهي مدركة لحال موتهم، ولم تتخيل أوهاما أو ~~أشباحا، وفي ذلك كان عزاء المحيطين بها .. # 32 # ما أقسى البرد هذا الشتاء! يذكر بشتاء قديم ظل الناس يؤرخون ~~به جيلا، شتاء أي عام يا ترى؟ رباه أين الذاكرة التي تعي ذلك، ~~أين؟ غير أن القلب العجوز يحن إليه في مجهوله؛ فهو جزء من الماضي ~~الذي تهيج ذكراه الدموع في مكامنها، الماضي الذي كان يستيقظ فيه ~~مبكرا فيستحم تحت الدش غير مبال برد الشتاء، ثم يملأ بطنه وينطلق ~~إلى دنيا الناس، دنيا الحركة والحرية التي لا يعرف اليوم عنها ~~شيئا اللهم إلا ما يجود به الرواة وكأنهم يحدثون عن عالم في أقصى ~~الأرض. كانت له الحرية والقدرة على أن يجلس على الكنبة في الحجرة ~~أو على الكرسي في المشربية، وكان مع ذلك يضيق بسجن البيت، وكان ~~يذهب حين الحاجة إلى الحمام أو يغير ملابسه بنفسه ومع ذلك لعن ~~قعدة البيت، وكان له يوم في الأسبوع يستطيع أن يغادر البيت متوكئا ~~على عصاه أو راكبا عربة فيزور الحسين أو بيت أحد الأصدقاء ومع ذلك ~~فطالما دعا الله أن ينقذه من محبس البيت. أما اليوم فلم يسعه أن ~~يغادر الفراش، ولم تعد حدود عالمه تجاوز أطراف هذه الحشية، حتى ~~الحمام يجيء إليه ولا يذهب هو إليه، قذارة لم تكن ms152 في الحسبان، حتى ~~استقر الامتعاض على شفتيه، وأسكنت المرارة في لعابه، على هذه ~~الحشية يرقد نهارا وينام ليلا ويتناول طعامه ويقضي حاجته، وهو من ~~كان يضرب بأناقته المثل ويسير الشذا الطيب بين يديه، وفي هذا ~~البيت الذي استكان عمره لإرادته المطلقة غدا ينظر فلا يلقى إلا ~~نظرات الرثاء أو يرجو فيعاتب كالأطفال، وذهب الأحباب في فترات ~~متقاربة من الزمن كأنهم كانوا على ميعاد، ذهبوا وتركوه وحيدا، ~~عليك رحمة الله يا محمد عفت، كان آخر العهد به سهرة من ليالي رمضان ~~في السلاملك المطل على الحديقة، ثم ودعه ومضى وضحكته العالية توصله ~~إلى الباب، وما كاد يأوي إلى حجرته حتى طرق الباب طارق وهرع إليه ~~رضوان وهو يقول: «مات جدي يا جدي»، يا سبحان الله .. متى؟ .. وكيف؟ ~~.. ألم يضاحكنا منذ دقائق؟ ولكنه سقط على وجهه وهو في طريقه إلى ~~مخدعه، هكذا انطوى حبيب العمر. وعلي عبد الرحيم الذي احتضر ثلاثة ~~أيام كاملة، في سعال حاد متقطع حتى فزعنا إلى الله أن يحسن ~~خاتمته ويريحه من الألم، واختفى من دنياي أليف الروح علي عبد الرحيم. ~~وقد ودع هذين الحبيبين أما إبراهيم الفار فلم يودعه، كان اشتداد ~~المرض قد أقعده في فراشه ومنعه عن عيادته فنعاه إليه خادمه، وحتى ~~الجنازة لم يشيعها فشيعها عنه ياسين وكمال، فإلى رحمة الله يا ألطف ~~الناس طرا. ومن قبل هؤلاء مات حميدو والحمزاوي وعشرات من ~~المعارف والأصحاب، تركوه وحيدا كأنه لم يعرف من الناس أحدا، لا ~~زائر له ولا عائد، وجنازته لن يشيعها صديق. حتى الصلاة حيل بينه ~~وبينها، وهل يتمتع بالطهر إلا ساعات عقب استحمام لا يجود به أولياء ~~الأمر إلا مرة كل أشهر؟ فحرم من الصلاة وهو أشد ما يكون حاجة إلى ~~مناجاة الرحمن في هذه الوحدة الموحشة. هكذا تمضي الأيام. الراديو ~~يتكلم وهو يسمع، وأمينة تذهب وتجيء، وشد ما ركبها الوهن، غير أنها ~~لم تعتد الشكوى، إنها ممرضته وأخوف ما يخاف أن تحتاج غدا إلى من ~~يمرضها، وهي كل ما بقي له، أما ياسين ms153 وكمال فيمكثان عنده ساعة ثم ~~يذهبان، ود لو لم يفارقاه، ولكنها أمنية لا يستطيع أن يعلنها ولن ~~يستطيعا أن يحققاها، أمينة وحدها التي لا تمله، وإذا ذهبت لزيارة ~~الحسين فلكي تدعو له، والعالم بعد ذلك فراغ. وإن يوم زيارة خديجة ~~له اليوم يستحق الانتظار، تجيء وفي صحبتها إبراهيم شوكت وعبد المنعم ~~وأحمد، فتمتلئ الحجرة بالأحياء وتتبدد وحشتها، وقليلا ما يتكلم هو ~~أما هم فيتكلمون كثيرا، ومرة خاطبهم إبراهيم قائلا: «أريحوا ~~السيد من ثرثرتكم.» فقال له معاتبا: «دعهم يتكلموا .. أريد أن ~~أسمعهم!» ودعا لابنته بالصحة وطول العمر ودعا لزوجها وابنيها، وكان ~~يعلم بأنها تود لو تسهر على راحته بنفسها، وكان يطالع في عينيها ~~حنانا ما وراءه حنان. ويوما سأل ياسين في شوق واستطلاع باسما: ~~أين تمضي سهراتك؟ # فقال في حياء: اليوم الإنجليز في كل مكان كأيام زمان. # أيام زمان! أيام القوة والبأس، والضحك الذي تهتز له الجدران، ~~وسهرات الغورية والجمالية، والناس الذين لم يبق منهم إلا أسماء، ~~زبيدة وجليلة وهنية، ترى ألا تذكر أمك يا ياسين؟ # وها هي زنوبة وكريمة يجلسان إلى جانب والدها، ودواما ستطلب ~~الرحمة والغفران. ~~- من بقي من معارفنا القدامى في وزارتك يا ياسين؟ ~~- أحيلوا جميعا إلى المعاش، ولم أعد أدري عنهم شيئا! # ولا هم يدرون عنا شيئا، أصدقاء القلب ماتوا فما لنا نسأل عن ~~المعارف، ولكن ما أجمل كريمة! فاقت أمها في زمانها، ومع ذلك لم ~~تعد الرابعة عشرة، ونعيمة ألم تكن آية في الجمال! ~~- ياسين إن استطعت أن تقنع عائشة بزيارتكم فافعل. انتشلوها من ~~وحدتها فإني أخاف عليها منها .. # فقالت زنوبة: طالما دعوتها لزيارة قصر الشوق ولكنها .. كان الله ~~في عونها! .. # ولاحت في عيني الرجل نظرة قاتمة. ثم إذا به يسأل ياسين: ألا ~~تصادف في طريقك الشيخ متولي عبد الصمد؟ # فقال ياسين باسما: أحيانا، إنه لا يكاد يعرف أحدا، ولكنه ~~ما زال يسير على قدمين قويتين! # يا للرجل! ألم تنازعه نفسه مرة إلى زيارتي؟ أم نسيني كما نسي ~~أبنائي من قبل؟! # ولما ذهب الأصدقاء اتخذ الرجل ms154 من كمال صديقا، ولعله فاجأه ~~بصداقته. لم يعد الأب الذي عهده، وغدا صديقا يناجيه ويتشوف إلى ~~مناجاته، وكان يقول عنه آسفا: «أعزب في الرابعة والثلاثين من ~~عمره، يعيش أكثر حياته في حجرة مكتبه، كان الله في عونه»، ولم يكن ~~يعد نفسه مسئولا عما صار إليه أمره؛ فقد أبى من أول الأمر إلا أن ~~يصنع نفسه بنفسه، وانتهى به الحال إلى أن يكون مدرسا أعزب «قعيدا ~~مقطوعا»، في حجرته. وكان يتجنب أن يثقل عليه بسيرة الزواج أو ~~الدروس الخصوصية، كما كان يدعو الله أن يكفيه مدخره من النقود حتى ~~الرمق الأخير كي لا يكون يوما عالة عليه. ويوما سأله: هل تعجبك ~~هذه الأيام؟ # فابتسم كمال ابتسامة حائرة، وتردد في الجواب، فاستطرد الرجل ~~قائلا: الأيام الحقيقية كانت أيامنا! كانت يسرا ورغدا، وصحة ~~وعافية، شهدنا سعد زغلول، وسمعنا سي عبده، ماذا في أيامكم؟! # فأجاب كمال مأخوذا بتداعي معاني الحديث فحسب: لكل زمان محاسنه ~~ومعايبه .. # فهز الرجل رأسه المسند إلى مخدة مكسورة وراء ظهره وقال: كلام ~~يقال ليس إلا .. # ثم بعد فترة صمت ودون تمهيد: عجزي عن الصلاة يحز في نفسي حزا، ~~فالعبادة عزاء الوحدة. ومع ذلك، تمر بي أوقات غريبة أنسى فيها كافة ~~وجوه الحرمان التي أعانيها من مأكل ومشرب وحرية وعافية، تصفو نفسي ~~صفاء عجيبا حتى يخيل إلي أني متصل بالسماوات، وأن ثمة سعادة ~~مجهولة تزري بالحياة وما فيها .. # فتمتم كمال: ربنا يمد في عمرك ويرد إليك العافية .. # فهز رأسه مرة أخرى في استسلام، وقال: هذه ساعة طيبة، لا ألم في ~~الصدر، ولا ضيق في التنفس، وورم ساقي آخذ في الزوال، وموعدنا في ~~الراديو مع ما يطلبه المستمعون! # وإذا بصوت أمينة يقول: سيدي بخير؟ ~~- الحمد لله. ~~- هل آتي بالعشاء؟ ~~- العشاء؟! أما زلت تسمينه العشاء؟! هاتي سلطانية ~~اللبن! .. # 33 # بلغ كمال بيت أخته بالسكرية حوالي العصر فوجد الأسرة مجتمعة في ~~الصالة بكامل هيئتها، فصافحهم وهو يقول مخاطبا أحمد: مبارك ~~الليسانس .. # فأجابته خديجة بلهجة خالية من معاني الابتهاج: مبارك عليك، ولكن ~~تعال اسمع آخر ms155 خبر، البك لا يريد أن يتوظف .. # وقال إبراهيم شوكت: ابن خاله رضوان مستعد لتوظيفه إذا وافق ولكنه ~~يصر على الرفض. كلمه يا أستاذ كمال لعله يقتنع برأيك ~~أنت .. # خلع كمال طربوشه، ونزع - من شدة الحر - الجاكتة البيضاء فألبسها ~~مسند كرسي ، ومع أنه كان يتوقع معركة إلا أنه قال باسما: حسبت أن ~~اليوم سيكون خالصا للتهنئة، ولكن هذا البيت لا يسلو النزاع ~~أبدا! # فقالت خديجة في لهجة أسيفة: قسمتي، الناس كلهم حال ونحن وحدنا ~~حال. # وخاطب أحمد خاله قائلا: الأمر بسيط، ليس أمامي الآن إلا وظيفة ~~كتابية؛ فقد أخبرني رضوان أنه يمكن تعييني الآن في وظيفة كتابية ~~خالية بإدارة المحفوظات عند خالي ياسين، واقترح علي أن أنتظر ~~ثلاثة أشهر حتى بدء العام الدراسي الجديد لعلي أعين مدرس لغة ~~فرنسية في إحدى المدارس، ولكنني لا أريد الوظيفة أيا كان ~~نوعها! # فهتفت خديجة: قل له ماذا تريد؟ # فأجاب الشاب ببساطة وحزم: سأعمل في الصحافة. # فنفخ إبراهيم شوكت قائلا: جورنالجي! كنا نسمع هذا الكلام فنظنه ~~ضحكا وعبثا، يأبى أن يكون مدرسا مثلك ويسعى إلى أن يكون ~~جورنالجيا .. # فقال كمال في لهجة ساخرة: كفاه الله شر مهنة التدريس! # فقالت خديجة في انزعاج: وهل يسرك أن يشتغل ~~جورنالجيا؟ # وهنا قال عبد المنعم ملطفا الجو: لم تعد الوظيفة بالمطلب ~~السعيد. # فقالت أمه بحدة: لكنك موظف يا سي عبد المنعم ..! ~~- في كادر ممتاز، ولكني لا أرضى له وظيفة كتابية، وها هو خالي ~~كمال يستعيذ من مهنته .. # والتفت كمال إلى أحمد متسائلا: في أي نوع من الصحافة تريد أن ~~تعمل؟ ~~- الأستاذ عدلي كريم موافق على قبولي في مجلته تحت التمرين؛ ~~لأقوم بالترجمة أولا ثم بالتحرير فيما بعد .. ~~- ولكن «الإنسان الجديد» مجلة ثقافية محدودة الموارد ~~والمجال؟ ~~- هي خطوة أولى للتمرين حتى يتيسر لي عمل أهم، وعلى أي حال ففي ~~وسعي أن أنتظر دون أن أجوع .. # فنظر كمال إلى خديجة قائلا: دعي الأمور تجري كما يشاء، إنه ~~راشد مثقف وأدرى بما يفعل .. # ولكن خديجة لم تسلم بالهزيمة بسهولة، وعادت تحاول إقناع ms156 ابنها ~~بقبول الوظيفة حتى علا صوتهما واحتد فتدخل كمال ليخلص ~~بينهما. ثم تكدر جو المجلس وساد صمت ثقيل حتى قال كمال ضاحكا: ~~جئت طامعا في شرب الشربات فكانت هذه العكننة نصيبي. # وفي أثناء ذلك ارتدى أحمد ملابسه ليغادر البيت، فاستأذن كمال ~~وخرجا معا، وسارا في شارع الأزهر، وقد صارح أحمد خاله بأنه ماض ~~إلى مجلة الإنسان الجديد؛ ليتسلم عمله كما وعده الأستاذ عدلي كريم، ~~فقال له كمال: افعل ما تشاء ولكن تجنب إيذاء والديك .. # فقال أحمد ضاحكا: إني أحبهما وأجلهما ولكن ... ~~- ولكن؟ ~~- من الخطأ أن يكون للإنسان والدان! # كمال ضاحكا: كيف هان عليك أن تقول ذلك؟ ~~- لا أعني حرفيته، ولكن ما يرمز إليه الوالدان من تقاليد الماضي؛ ~~فالأبوة على وجه العموم فرملة، وما حاجتنا في مصر إلى الفرامل، ~~ونحن نسير بأرجل مكبلة بالأغلال؟! # ثم مواصلا الحديث بعد تفكير: إن مثلي لن يعرف الكفاح بمعناه ~~المر ما دام لي بيت ولأبي دخل، ولا أنكر أني مطمئن بذلك ولكن ~~في الوقت نفسه خجل منه! ~~- متى ينتظر أن تؤجر على عملك؟ ~~- لم يحدد الأستاذ وقتا .. # وعند العتبة الخضراء افترقا، فمضى أحمد إلى مجلة الإنسان الجديد، ~~وقد استقبله الأستاذ عدلي كريم مشجعا، وذهب معه إلى حجرة ~~السكرتارية حيث خاطب من فيها قائلا: زميلكم الجديد الأستاذ أحمد ~~إبراهيم شوكت .. # ثم قدم إليه زملاءه قائلا: آنسة سوسن حماد، الأستاذ إبراهيم ~~رزق، الأستاذ يوسف الجميل. # وصافحوه مرحبين، ثم قال إبراهيم رزق مجاملا: اسمه معروف في ~~مجلتنا .. # وقال الأستاذ عدلي كريم باسما: إنه الابن البكر للإنسان الجديد ~~.. (ثم وهو يشير إلى مكتب يوسف الجميل): ستعمل على هذا المكتب؛ ~~فإن عمل صاحبه في الخارج إلا فيما ندر .. # وغادر عدلي كريم الحجرة فدعا يوسف الجميل أحمد إلى الجلوس على ~~كرسي قريب من مكتبه، وانتظر حتى جلس ثم قال: ستوجهك الآنسة ~~سوسن إلى العمل الذي سيناط بك، ولا بأس الآن أن تشرب فنجان قهوة .. ~~وضغط على زر الجرس على حين راح أحمد يتصفح الوجوه والمكان. كان ~~إبراهيم رزق كهلا مهدما يبدو ms157 أكبر من سنه بعشرة أعوام، أما يوسف ~~الجميل فكان في العقد الأخير من الشباب، وكان مظهره ينم عن الحذق ~~والذكاء. ورمى ببصره إلى سوسن حماد وهو يسائل نفسه ترى هل تذكره؟ ~~ولم يكن رآها منذ أول مقابلة عام 1936. والتقت عيناهما فسألها ~~باسما مدفوعا برغبة في الخروج عن صمته: قابلت حضرتك هنا منذ خمس ~~سنوات .. # فلاح التذكر في عينيها اللامعتين فاستدرك قائلا: كنت أسأل عن ~~مصير مقالة تأخر نشرها؟ # فقالت باسمة: أكاد أذكرك، وعلى كل فقد نشرنا منذ ذلك التاريخ ~~مقالات كثيرة. # فقال يوسف الجميل معلقا: مقالات تنم عن روح تقدمية ~~طيبة .. # وقال إبراهيم رزق: إن الوعي اليوم غيره بالأمس، كلما نظرت في ~~الطريق قرأت على الجدران عبارة «الخبز والحرية» هذا شعار الشعب ~~الجديد. # فقالت سوسن حماد باهتمام: ما أجمله من شعار، خاصة في هذا الوقت ~~الذي أطبق فيه الظلام على العالم! # وأدرك أحمد ما يعنيه قولها فاستجابت نفسه سريعا - وفي حماس ~~وسرور - للجو المحيط به وقال: الظلام يطبق على العالم حقا، ولكن ~~ما دام هتلر لم يهجم على بريطانيا فثمة أمل في النجاة. # فقالت سوسن حماد: إني أنظر إلى الموقف من زاوية أخرى، ألا ترى ~~أن هتلر لو هاجم بريطانيا فمن المحتمل أن يهلكا معا أو في الأقل ~~أن ينتقل مركز القوة إلى روسيا؟ .. ~~- وإذا حدث العكس؟ أعني أن يجتاح هتلر الجزيرة ويبلغ ذروة ~~القوة؟! .. # فقال يوسف الجميل: كان نابليون كهتلر غازي أوروبا ولكن ~~روسيا كانت مقبرته. # ووجد أحمد نشاطا وحماسا لم يشعر بمثلهما من قبل. هذا الهواء ~~النقي، وهؤلاء الزملاء الأحرار، وهذه الزميلة المستنيرة الحسناء. ~~ولداع أو لآخر ذكر علوية صبري، وعام العذاب الذي صارع فيه الحب ~~الخائب حتى صرعه. حين كان يصبح ويمسي وهو يلعن الحب من صميم قلبه ~~حتى تطاير في الهواء تاركا في أعماق النفس آثارا من الامتعاض ~~والتمرد لا تزول. إنها الآن في بيتها في المعادي تنتظر زوجا ذا ~~خمسين جنيها شهريا على الأقل، أما هذه الفتاة التي تدعو بالنصر ~~لروسيا فماذا تنتظر يا ترى؟ ms158 # وإذا بسوسن تلوح برزمة أوراق في وجهه وهي تقول برقة: ~~تسمح؟ .. # فنهض، ثم مضى إلى مكتبها باسما ليبدأ عمله الجديد .. # 34 # لم يكن يوسف الجميل يمر بالمجلة إلا يوما في الأسبوع أو يومين ~~إذ كان جل نشاطه موجها للإعلانات والاشتراكات، كذلك إبراهيم رزق ~~لم يمكث في السكرتارية أكثر من ساعة ثم يدور على بقية المجالات ~~التي يعمل بها، فكان أكثر الوقت يمضي وهما منفردان، أحمد وسوسن. ~~ومرة جاء رئيس عمال المطبعة؛ ليأخذ بعض الأصول فما راعه إلا أن ~~يسمعها وهي تدعوه «أبي»! وعلم بعد ذلك أن ثمة صلة قربى تربط ~~الأستاذ عدلي كريم نفسه برئيس عمال المطبعة. كان ذلك مفاجئا ~~ومثيرا. وراعه أكثر من سوسن مثابرتها على العمل، كانت محور ~~التحرير ومركز نشاطه، بيد أنها كانت تعمل أكثر مما يستوجبه ~~تحرير المجلة، فما تزال تقرأ أو تكتب. وبدت جادة حادة شديدة ~~الذكاء، وشعر من أول الأمر بقوة شخصيتها، حتى كان يخيل إليه بعض ~~الأحيان - رغم عينيها السوداوين الجذابتين وجسمها الأنثوي اللطيف - ~~أنه حيال رجل قوى الإرادة حسن التنظيم. ثم تأثر بنشاطها فثابر على ~~عمله بهمة لا تعرف الكلل أو الملل. وقد أخذ على عاتقه ترجمة ~~المختارات من مجلات العالم الثقافية، إلى ترجمة بعض المقالات ذات ~~الشأن. وقد قال لها يوما: إن الرقابة تقف لنا بالمرصاد .. # فقالت بصوت يدل على الحنق والازدراء: أنت لم تر شيئا بعد، ~~مجلتنا «مشبوهة» في الدوائر العليا! ولها الشرف! # فقال أحمد باسما: تذكرين طبعا افتتاحيات الأستاذ عدلي كريم قبل ~~الحرب؟ ~~- لقد عطلت مجلتنا مرة في عهد علي ماهر بسبب مقال عن ذكرى ~~الثورة العرابية اتهم فيه الأستاذ الخديو توفيق بالخيانة. # ويوما سألته ضمن حديث عابر: لماذا اخترت الصحافة؟ # فتفكر قليلا، إلى أي درجة يجوز له أن يكشف عن ذات نفسه لهذه ~~الفتاة التي تبدو طرازا وحدها بين من عرف من بنات جنسها! ~~- لم أدخل الجامعة لأتوظف، ولكن عندي أفكار أريد التعبير عنها ~~ونشرها وما من سبيل إلى ذلك خير من الصحافة .. # فقالت باهتمام سر له من ms159 أعماقه: أما أنا فلم أدرس في ~~الجامعة، أو بالحرى لم تتح لي فرصة (سرته صراحتها كذلك وإن ~~أكدت في نفسه مخالفتها لبنات جنسها) .. إني متخرجة في مدرسة ~~الأستاذ عدلي كريم، وهي ليست دون الجامعة منزلة، درست عليه منذ ~~حصولي على البكالوريا ، وأصارحك بأنك أحسنت تعريف الصحافة، أو ~~الصحافة التي نعمل فيها، بيد أنك تنفس عن أفكارك - حتى الآن - ~~عن طريق غيرك، أعني بالترجمة، ألم تفكر في اختيار الشكل الذي ~~يناسبك من أشكال الكتابة. # فصمت مفكرا كأنما أغلق عليه المعنى المقصود ثم تساءل: ماذا ~~تعنين؟ ~~- المقالة، الشعر، القصة، المسرحية؟ ~~- لا أدري، المقالة أول ما يتبادر إلى الخاطر .. # فقالت بلهجة ذات معنى: نعم، ولكنها لظروفنا السياسية، لم تعد ~~مطلبا يسيرا؛ لذلك يضطر الأحرار إلى إذاعة آرائهم بالمنشورات ~~السرية، المقالة صريحة ومباشرة ولذلك فهي خطيرة، خاصة وأن الأعين ~~محملقة فينا، أما القصة فذات حيل لا حصر لها، إنها فن ماكر، ~~وقد غدت شكلا أدبيا شائعا سوف ينتزع الإمامة في عالم الأدب في ~~وقت قصير، ألا ترى أنه ما من كبير من شيوخ الأدب إلا وهو يثبت ~~وجوده في مجال نشاطها ولو بمؤلف واحد؟ ~~- نعم، قرأت أكثر هذه المؤلفات، ألم تقرئي للأستاذ رياض قلدس ~~الكاتب بمجلة الفكر؟ ~~- هذا واحد من كثيرين، وليس خيرهم! ~~- ربما. لقد لفتني إليه خالي الأستاذ كمال أحمد عبد الجواد الكاتب ~~بنفس المجلة .. # فقالت باسمة: هو خالك؟ قرأت له مرات، ولكن .. ~~- ..؟ ~~- معذرة إنه من الكتاب الذين يهيمون في تيه ~~الميتافيزيقا! # فتساءل فيما يشبه القلق: ألم يعجبك؟ ~~- الإعجاب شيء آخر، إنه يكتب كثيرا عن الحقائق القديمة: الروح ~~.. المطلق .. نظرية المعرفة، هذا جميل، ولكنه - فيما عدا المتعة ~~الذهنية والترف الفكري - لا يفضي إلى غاية، ينبغي أن تكون الكتابة ~~وسيلة محددة الهدف، وأن يكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم ~~والصعود بالإنسان في سلم الرقي والتحرر، الإنسانية في معركة ~~متواصلة والكاتب الخليق بهذا الاسم حقا يجب أن يكون على رأس ~~المجاهدين، أما وثبة الحياة فلندعها لبرجسون وحده .. ~~- ولكن كارل ماركس نفسه بدأ فيلسوفا ناشئا يهيم ms160 في تيه ~~الميتافيزيقا؟ ~~- وانتهى بعلم الاجتماع العلمي، فمن هنا نبدأ لا من حيث ~~بدأ .. # لم يرتح أحمد إلى نقد خاله على هذا النحو، فقال بغية الدفاع عنه ~~قبل كل شيء: الحقيقة جديرة دائما بأن تعرف، مهما تكن، ومهما يكن ~~الرأي في آثارها .. # فقالت سوسن في حماس: هذا مناقض لما تكتب، فأراهن على أنك ~~متأثر بالوفاء لخالك! # عندما يكون الإنسان متألما يركز اهتمامه في إزالة أسباب الألم، ~~مجتمعنا متألم جدا فيجب أن نزيل الألم قبل كل شيء، ولنا بعد ذلك ~~أن نلهو ونتفلسف! ولكن تصور إنسانا يتفلسف لاهيا وبه جرح ينزف ~~لا يعيره أدنى التفات، ماذا تقول عن مثل هذا الإنسان؟! # أهذا خاله حقا؟ لكن فليقر بأن كلامها يلقى تجاوبا كاملا مع ~~نفسه، وبأن عينيها جميلتان، وبأنها رغم غرابتها و«جديتها» جذابة .. ~~جذابة .. ~~- الواقع أن خالي لا يعير هذه الأمور التفاتا جديا. لقد حدثته ~~كثيرا عنها فوجدته إنسانا يدرس النازية كما يدرس الديمقراطية أو ~~الشيوعية، ولكنه لا هو بارد ولا هو حار، ولم أستطع أن أتبين ~~موقفه .. # فقالت باسمة: لا موقف له، إن موقف الكاتب لا يمكن أن يخفى، إنه ~~مثل من المثقفين البورجوازيين يقرأ ويستمتع ويتساءل، وقد تجده في ~~حيرة أمام «المطلق»، وربما بلغت به الحيرة حد الألم، ولكنه يمر ~~سادرا بالمتألمين الحقيقيين في طريقه .. # فقال ضاحكا: ليس خالي كذلك. ~~- أنت أدرى، كذلك قصص رياض قلدس ليست بالقصص المنشودة، إنها ~~واقعية وصفية تحليلية، ولا تتقدم عن ذلك خطوة، لا توجيه فيها ولا ~~تبشير! # ففكر أحمد قليلا ثم قال: ولكنه كثيرا ما يصف حال الكادحين من ~~العمال والفلاحين. ومعنى هذا أنه يهب مسرح البطولة في أقاصيصه ~~للطبقة الكادحة! ~~- ولكنه يقتصر على الوصف والتحليل، إنه لعمل سلبي بالنسبة ~~للمعركة الحقيقية! # يا لها من فتاة تروم العراك! شديدة الجد فيما يبدو، ولكن أين ~~المرأة؟! ~~- وكيف تريدينه أن يكتب؟ ~~- أقرأت شيئا من الأدب السوفييتي الحديث، بل أقرأت مكسيم ~~جوركي؟ # فصمت باسما. لا داعي للخجل، كان طالب اجتماع لا طالب أدب، ثم ~~إنها تكبره بسنوات، ترى ms161 ما عمرها؟ ربما كانت في الرابعة والعشرين ~~أو أكثر! وعادت تقول: هذا ما ينبغي أن تقرأ من ألوان الأدب، سأعيرك ~~بعضه إذا شئت .. ~~- بكل سرور .. # فابتسمت قائلة: ولكن الإنسان «الحر» لا يكفي أن يكون قارئا أو ~~كاتبا! إن المبادئ تتعلق بالإرادة قبل كل شيء. الإرادة أولا ~~وقبل كل شيء. # مع ذلك رآها أنيقة، أجل ليس في وجهها زواق، ولكن عنايتها بمظهرها ~~وأناقتها ليست دون غيرها من بنات جنسها، هذا الصدر الحي مؤثر كغيره ~~من الصدور الفاتنة، ولكن مهلا هل يختلف هو عن غيره من الرجال بما ~~يعتنق من مبدأ؟ طبقتنا غريبة تأبى أن تنظر إلى المرأة إلا من زاوية ~~خاصة! ~~- إني مسرور بمعرفتك وأرى أنه أمامنا أكثر من مجال لنعمل معا ~~كيد واحدة .. # فقالت باسمة - وكانت عند الابتسام تبدو أنثى قبل كل شيء: هذا ~~إطراء! ~~- إني مسرور بمعرفتك حقا .. # أجل إنه كذلك، ولكن ينبغي ألا يسيء فهم ما ينفعل به صدره فلعله ~~الاستجابة الطبيعية لمراهق مثله، واصطنع الحذر حتى لا ترمي بنفسك ~~إلى مثل موقفك بالمعادي، فإن الحزن لم يمح بعد من صفحة ~~قلبي .. # 35 ~~- مساء الخير يا عمتي. # وتبع جليلة إلى مجلسها المختار في الصالة، وما استقر بهما المجلس ~~فوق الكنبة حتى نادت المرأة خادمتها فجاءت حاملة الشراب وجعلت ~~ترقبها وهي تعد الخوان حتى فرغت من مهمتها وذهبت، وعند ذاك التفتت ~~جليلة إلى كمال قائلة: يا ابن أخي، أقسم لك أنني لم أعد أشرب إلا ~~معك، كل ليلة الجمعة، كما كان يحلو لي أن أشارب أباك في الزمن ~~القديم، ولكن في ذلك الزمن أشارب الكثيرين أيضا .. # وقال كمال لنفسه: «ما أحوجني إلى الشراب، لا أدري ماذا كانت تكون ~~الحياة بدونه!» ثم قال يحاورها: ولكن الويسكي اختفى يا عمتي، ~~وكذلك كافة المشروبات النظيفة، ويقال إن الغارة الألمانية الأخيرة ~~على اسكتلندا أصابت مخزن خمور عالميا حتى سالت الوديان بالويسكي ~~الأصيل .. ~~- يا روحي على غارة من هذا النوع، ولكن خبرني قبل أن تسكر كيف ~~حال السيد أحمد؟ ~~- لا تقدم ولا تأخر، يعز ms162 علي يا ست جليلة مرقده، ربنا ~~يلطف به .. ~~- يا ما نفسي أزوره، ألا تجد الشجاعة فتبلغه عني السلام؟ ~~- يا خبر! لم يبق إلا هذا حتى تقوم الساعة! # فضحكت العجوز ثم قالت: أتحسب أن رجلا مثل السيد أحمد يمكن أن ~~يتصور البراءة في إنسان خاصة إذا كان من صلبه؟ ~~- ولو يا زين الستات! .. صحتك .. ~~- صحتك .. ربما تأخرت عطية إذ إن ابنها مريض .. # فقال كمال في شيء من الاهتمام: في آخر مرة لم يكن بها ~~شيء؟ ~~- نعم ولكن ابنها مرض يوم السبت الماضي، روحها المسكينة في ~~ابنها، وهو إذا مسه سوء طارت أبراج عقلها .. ~~- يا لها من امرأة طيبة عاثرة الحظ، طالما أقنعتني أحوالها بأنها ~~لا تمارس هذه الحياة إلا مضطرة .. # فقالت جليلة باسمة أو ساخرة: إذا كان مثلك يضيق بمهنته الشريفة ~~فكيف ترضى هي بمهنتها؟! # ومرت الخادم بمجمرة تنفث بخورا لطيفا، وكان جو الخريف يهفو ~~رطيبا من نافذة في نهاية الصالة، وكانت الخمر شديدة المرارة ~~ولكنها قوية الأثر، غير أن كلام جليلة عن المهنة ذكره بأمور كاد ~~ينساها فقال: كنت أنقل من مصر يا عمتي، ولو وقع المحذور لكنت الآن ~~أعد الحقائب للسفر إلى أسيوط! # فضربت جليلة صدرها بكفها وقالت: أسيوط يا بلح! أسيوط في عين ~~عدوك، وماذا حصل؟ ~~- سليمة والحمد لله! ~~- معارف والدك يملئون الدواوين كالنمل .. # فهز رأسه كالموافق دون تعليق. إنها ما زالت ترى أباه في هالة ~~المجد القديم، لا تدري أنه - حين أخبره عما تقرر عن نقله - قال ~~محزونا آسفا: «لم يعد يعرفنا أحد، أين أصدقاؤنا أين؟» وقبل ذلك ~~مضى إلى صديقه القديم فؤاد جميل الحمزاوي لعله يعرف أحدا من كبار ~~رجال المعارف ولكن القاضي الخطير قال له «إني آسف جدا يا كمال؛ ~~فأنا بصفتي قاضيا لا أستطيع أن أرجو أحدا»، وأخيرا لجأ إلى ~~رضوان ابن أخيه وهو يتعثر بخجله، وفي نفس اليوم عدل عن نقله! يا له ~~من شاب خطير، كلاهما موظف في وزارة واحدة وفي درجة واحدة رغم أنه ~~في الخامسة والثلاثين والشاب في الثانية والعشرين، ms163 ولكن كيف ينتظر ~~خوجة ابتدائي أفضل من هذا؟ ولم يعد من الممكن أن يتعزى بالفلسفة أو ~~يدعيها، فليس الفيلسوف من ردد أقوال الفلاسفة، كالببغاء، واليوم ~~كل متخرج في كلية الآداب يستطيع أن يكتب كما يكتب هو أو أحسن، وقد ~~كان هناك ثمة أمل في أن يجمع ناشر مقالاته في كتاب، ولكن لم يعد ~~لمثل هذه المقالات التعليمية من قيمة تذكر، وما أكثر الكتب هذه ~~الأيام، وهو في هذا الخضم لا شيء، وقد مل حتى طفح بالملل: فمتى ~~يدرك قطاره محطة الموت؟ ونظر إلى الكأس في يد عمته، ثم إلى وجهها ~~الناطق بعمرها المديد فلم يسعه إلا الإعجاب بها، ثم تساءل: ماذا ~~تجدين في الشراب يا عمتي؟ فافتر فوها عن أسنان ذهبية وهي تقول: ~~وهل تحسبني أشرب الآن؟ مضى ذاك الزمان، لا طعم لها اليوم ولا أثر، ~~كالقهوة لا أكثر ولا أقل، في الزمان الأول سكرت مرة في فرح ~~ببيرجوان حتى اضطر التخت أن يحملني إلى عربتي آخر الليل، ربنا ~~يكفيك شرها..! ~~- «ولكنها خير من لا خير له.» ~~- وذروة النشوة هل عرفتها؟ كنت أبلغها بكأسين، اليوم يلزمني ~~ثمانية كئوس كي أبلغها، ولا أدري كم غدا، ولكنها ضرورية يا عمتي، ~~فعندها يرقص القلب المكلوم طربا .. ~~- قلبك طروب يا ابن أخي دون حاجة إلى الخمر .. # قلبه طروب! وهذا الحزن الصديق؟ والرماد المتخلف من محترق الآمال؟ ~~لم يبق للملول إلا الامتلاء بالخمر، في هذه الصالة أو في تلك ~~الحجرة إذا جاءت التي تداوي ابنها، هو وهي في موضع واحد من الحياة، ~~حياة من لا حياة لهم. ~~- أخشى ألا تجيء عطية؟ ~~- ستجيئ حتما، أليس المرض في حاجة إلى النقود! # يا له من جواب! بيد أنها لم تمكنه من التفكير إذ مالت نحوه ~~في اهتمام، ونظرت إليه مليا، ثم قالت بصوت منخفض: لم يبق إلا ~~أيام! فقال دون أن يدرك حقيقة مرادها: ربنا يطول عمرك ولا يحرمني ~~منك! # فقالت باسمة: سأهجر هذه الحياة! # فانتصب نصفه الأعلى في دهشة وهتف: ماذا قلت؟! # فضحكت ثم قالت بلهجة لم ms164 تخل من سخرية: لا تخف، ستذهب بك عطية ~~إلى بيت آمن كهذا البيت. ~~- ..؟! ~~- ولكن ماذا حدث؟ ~~- كبرت يا ابن أخي، وأغناني الله فوق حاجتي، وبالأمس ضبط بيت ~~قريب وسيقت صاحبته إلى القسم، حسبي، إني أفكر في التوبة، ينبغي أن ~~أقابل ربي على غير ما أنا عليه! # أتى على بقية كأسه، وملأه، ثم قال وكأنما لم يصدق ما سمعه: لم ~~يبق إلا أن تستقلي السفينة إلى مكة! ~~- ربنا يقدرني على فعل الخير .. # وتساءل ولما يفق من دهشته: أجاء هذا كله فجأة؟ .. ~~- كلا، إني لا أبوح بسر إلا عند العمل، طالما فكرت في هذا من ~~زمن .. ~~- جد؟! ~~- كل الجد، ربنا معنا! ~~- لا أدري ماذا أقول، ولكن ربنا يقدرك على فعل الخير. ~~- آمين .. # ثم ضاحكة: ولكن اطمئن فلن أغلق هذا البيت حتى أطمئن على ~~مستقبلك! # فضحك ضحكة عالية وقال: هيهات أن أجد بيتا أرتاح فيه كهذا ~~البيت؟ ~~- لك علي أن أوصي بك البدرونة الجديدة ولو كنت في مكة! ~~- كل شيء يبدو مضحكا ولكن الخمر ستظل قبلة المحزون، وتتغير ~~الأوضاع فيعلو فؤاد جميل الحمزاوي ويسفل كمال أحمد عبد الجواد، ولكن ~~الخمر ستظل بشاشة المكروب، ويوما يحمل كمال رضوان على كتفه ~~ليدلله ثم يجيء يوم فيحمل رضوان كمال ليقيله من عثرته ولكن الخمر ~~ستظل نجدة الملهوف، وحتى الست جليلة تفكر في التوبة في الوقت الذي ~~يبحث هو عن ماخور جديد ولكن الخمر ستظل المأوى الأخير، ويمل ~~السقيم كل شيء حتى يمل الملل ولكن الخمر ستظل مفتاح الفرج. ~~- يسعدني أن أسمع عنك دائما ما يسر. ~~- الله يهديك ويسعدك .. ~~- إذا كان وجودي يضايقك ...؟ # وسدت فاه بأصبعها وقالت: سامحك الله، هذا بيتك ما دام بيتي، ~~وكل بيت أحل فيه فهو بيتك يا ابن أخي .. # أثمة لعنة قديمة مجهولة قضي عليه بأن يكفر عنها؟! كيف ~~المخرج من هذه الحيرة التي تغشى حياته؟ حتى جليلة تفكر جادة في ~~تغيير حياتها فلم لا يتخذ منها أسوة؟ لا بد للغريق من صخرة يلوذ ~~بها أو فليغرق، وإذا لم يكن للحياة معنى فلم ms165 لا نخلق لها ~~معنى؟! .. ~~- ربما كان من الخطأ أن نبحث في هذه الدنيا عن معنى بينا أن ~~مهمتنا الأولى أن نخلق هذا المعنى .. # وحدجته جليلة بنظرة غريبة فانتبه بعد فوات الوقت إلى ما بدر منه ~~دون شعور. وضحكت جليلة متسائلة: سكرت بهذه السرعة؟ # فدارى ارتباكه بضحكة عالية وقال: خمر الحرب كالسم، لا تؤاخذيني، ~~ترى متى تأتي عطية؟! # 36 # غادر كمال بيت جليلة عند منتصف الساعة الثانية صباحا، كان كل ~~شيء غارقا في الظلام، وكان الظلام غارقا في الصمت، وسار على ~~مهل نحو السكة الجديدة ثم مال إلى الحسين - حتى متى يعيش في هذا ~~الحي المقدس الذي لم يمت إليه بصلة؟ وابتسم ابتسامة فاترة. لم ~~يكن بقي من الخمر إلا خمارها، أما الجسد فقد خمدت لواعجه، فنقل ~~خطاه في إعياء وكسل. عادة في مثل هذه اللحظة الخامدة يصرخ شيء في ~~أعماقه - لا هو التوبة ولا الندم - ناشدا التطهر، ملتمسا الخلاص ~~من قبضة الشهوات إلى الأبد، كأن موجة شهواته تنحسر عن صخور تقشف ~~كامنة. ورفع رأسه إلى السماء، كأنما ليستأنس بالنجوم فانطلقت في ~~السكون صفارة الإنذار! ودق قلبه دقة عنيفة ثم حملقت عيناه ~~النائمتان، ثم بدافع غريزي مال إلى أقرب جدار وسار بحذائه، ونظر ~~إلى السماء مرة أخرى فرأى أضواء الكشافات الكهربائية تمسح صفحاتها ~~في سرعة شديدة، تلتقي أحيانا ثم تتفرق في جنون. وحث خطاه دون ~~أن يفارق الجدران وقد شعر شعورا موحشا بوحدته كأن وجه الأرض قد ~~خلا إلا منه! وإذا بصفير مبحوح يتهاوى لم يطرق أذنه من قبل، يعقبه ~~انفجار شديد ارتجت له الأرض تحت قدميه، قريب أم بعيد؟ ولم يتسع ~~له الوقت لمراجعة معلوماته عن الغارات، إذ تتابعت الانفجارات بسرعة ~~تكتم الأنفاس، وانطلقت المدافع المضادة جماعات جماعات، والتمع الجو ~~بأضواء كالبرق لم يعرف مصدرها ولا كنهها فخيل إليه أن الأرض ~~تتطاير. وانطلق يعدو بسرعة لا يلوي على شيء صوب درب قرمز ملتمسا ~~في قبوها التاريخي مخبأ. وكانت المدافع تنطلق في غضب جنوني، ~~والقنابل تدك مراميها دكا، والأرض تميد. وفي ms166 ثوان من الفزع بلغ ~~القبو، وكان يكتظ بخلق كثيرين تكاثفت بهم ظلمته، فاندس بينهم وهو ~~يلهث. وكان جوه يسوده الرعب ويمتلئ بهمهمات الفزع في ظلام دامس، ~~أما مدخل القبو ومخرجه فيضيئان من آن لآخر بانعكاسات الاشعاعات ~~المنطلقة في الفضاء. وقد توقف سقوط القنابل أو هذا ما خيل ~~إليهم. أما المدافع فلم يخف جنونها ولم يكن رجعها في النفوس ~~دون رجع القنابل، واختلطت أصوات صراخ وبكاء وزجر وانتهار صادرة عن ~~نسوة وأطفال ورجال. ~~- هذه غارة جديدة وليست كالسابقات .. ~~- وهذا الحي القديم هل يتحمل الغارات الجديدة! ~~- أعفونا من هذه الثرثرة وقولوا يا رب! ~~- كلنا يقول يا رب .. ~~- اسكتوا، اسكتوا يرحمكم الله! # وكان كمال يلاحظ الضوء الذي ينير مخرج القبو حين رأى جماعة ~~جديدة قادمة فخيل إليه أنه لمح هيئة أبيه بينها، وخفق قلبه، ~~أيكون حقا أباه؟ وكيف استطاع أن يقطع الطريق إلى القبو؟ بل كيف ~~استطاع أن يغادر فراشه؟ وشق طريقا إلى نهاية القبو مخترقا ~~الكتل البشرية المضطربة، فتبين على التماع الضوء أسرته جميعا، ~~أباه وأمه وعائشة وأم حنفي! واتجه نحوهم حتى وقف بينهم وهو يهمس: ~~أنا كمال! كلكم بخير؟ # لم يجب أبوه، وكان ملقيا بظهره في إعياء إلى جدار القبو بين ~~الأم وعائشة، أما الأم فقالت: كمال، الحمد لله، شيء فظيع يا بني، ~~ليست ككل مرة، خيل إلينا أن البيت سينقض فوق رءوسنا، وربنا شد ~~حيل أبيك فنهض وجاء بيننا، لا أدري كيف جاء ولا كيف جئنا .. # وغمغمت أم حنفي: عنده الرحمة، ما هذا الهول! ربنا يلطف ~~بنا .. # وفجأة هتفت عائشة: متى تسكت هذه المدافع؟! # وخيل إلى كمال أن صوتها ينذر بانهيار عصبي فاقترب منها وأمسك ~~بكفها بين يديه وكأنه قد استرد بعض وعيه المفقود عندما وجد نفسه ~~حيال من هم في حاجة إلى تشجيعه. وكانت المدافع ما تزال تنطلق في ~~غضبها الجنوني، غير أن وطأتها أخذت تخف بدرجة غير محسوسة، ومال ~~كمال نحو أبيه وسأله: كيف حالك يا أبي؟ # فجاءه صوته وهو يهمس في خور: أين كنت يا كمال؟ أين ms167 كنت حين وقعت ~~الغارة؟ # فقال يطمئنه: كنت على مقربة من القبو، كيف حالك؟ # فأجاب بصوت متقطع: الله أعلم .. كيف غادرت فراشي وهرولت في ~~الطريق؟ الله أعلم .. لم أشعر بشيء .. متى تعود الحال إلى ~~الهدوء؟ ~~- أأخلع لك جاكتتي لتجلس عليها؟ ~~- كلا، أنا قادر على الوقوف، ولكن متى تعود الحال إلى ~~الهدوء؟ .. ~~- الغارة انتهت فيما يبدو، أما قيامك المفاجئ فلا تخفه؛ إن ~~المفاجآت كثيرا ما تصنع المعجزات مع المرض! # وما كاد ينتهي من قوله حتى زلزلت الأرض بثلاثة انفجارات متتابعة ~~فثار جنون المدافع المضادة مرة أخرى، وضج القبو بالصراخ. ~~- إنها فوق رءوسنا! ~~- وحد الله .. ~~- أسكتوا هذا الشؤم! # وترك كمال يد عائشة؛ ليأخذ يدي أبيه بين يديه، وكان يفعل ذلك ~~لأول مرة في حياته، وكانت يدا الرجل ترتجفان، وكانت يدا كمال ~~ترتجفان كذلك، أما أم حنفي فقد انبطحت على الأرض وهي تولول. وعاد ~~الصوت العصبي يصيح في هياج: إياكم والصراخ، سأقتل الصارخ! # وعلا الصراخ، وتلاحقت طلقات المدافع، واشتد توتر الأعصاب في ~~توقع زلازل جديدة، ولكن المدافع استمرت تنطلق وحدها، وظل توقع ~~انفجارات جديدة يخنق الأرواح. ~~- انتهت القنابل! ~~- إنها تغيب ثم تنفجر .. ~~- إنها بعيدة، لو كانت قريبة ما سلمت البيوت حولنا! ~~- بل سقطت في النحاسين! ~~- هكذا يخيل إليك ولعلها في الأورنس! ~~- أنصتوا يا هوه، ألم تخف المدافع؟ # بلى خفت طلقاتها، ثم لم تعد تسمع إلا من بعيد، ثم متقطعة ثم ~~متباعدة، ثم بين الطلقة والأخرى دقيقة كاملة، ثم أناخ الصمت، ~~وامتد، وطال وعمق، وانعقدت الألسن، حتى مضت تتعالى همسات الأمل ~~الباكي، وأخذ كثيرون يتذكرون أشياء وأشياء، ويحيون من جديد، ~~ويتنهدون في ارتياح حذر مشوب بالإشفاق. وعبثا حاول كمال أن يرى ~~وجه أبيه بعد أن غابت التماعات الضوء الخاطف وخيم الظلام. ~~- أبي، ستعود الحال إلى الهدوء .. # فلم يجب الرجل ولكنه حرك يديه بين يدي ابنه كأنما ليقنعه بأنه ~~ما زال حيا .. ~~- هل أنت بخير؟ # فحرك يديه مرة أخرى. وشعر كمال بحزن أوشك أن يهيج دموعه. # وانطلقت صفارة الأمان. # وأعقبها صياح تهليل من جميع الأركان كصياح ms168 الأطفال عقب مدافع ~~الأعياد. وضج المكان وما حوله بحركة ما لها من آخر، صفقات أبواب ~~ونوافذ، هدير كلام عصبي، ثم تتابع انصراف المنحشرين في القبو. وقال ~~كمال وهو يتنهد: فلنعد .. # وضع الأب ذراعا على كتف كمال والأخرى على كتف الأم وسار بينهما ~~خطوة خطوة. وبدءوا يتساءلون عن الرجل، كيف هو، وماذا أصابه إثر ~~مغامرته الخطيرة. غير أن الأب توقف عن المشي وهو يقول بصوت ~~ضعيف: أشعر بأنني يجب أن أجلس .. # فقال له كمال: دعني أحملك .. # فقال في إعياء: لن تستطيع .. # ولكن كمال أحاطه بذراع من وراء ظهره ووضع الأخرى تحت ساقيه، ~~ورفعه. لم يكن حملا خفيفا ولكن ما بقي من أبيه كان على أي حال ~~هينا. وسار في بطء شديد، والآخرون يتبعونه مشفقين، وانتحبت عائشة ~~فجأة فقال الأب بصوت متعب: لا داعي للفضيحة! # فكتمت فاها بيدها. ولما بلغوا البيت عاونت أم حنفي في حمل السيد، ~~فصعدا به السلم على مهل وحذر. وكان مستسلما ولكن همهمته ~~الاستغفارية المتواصلة نمت عن حزنه وضيقه، حتى طرحاه بعناية على ~~فراشه. ولما أضيء نور الحجرة بدا وجه الأب شديد الشحوب كأن الجهد ~~قد استصفى دمه، وكان صدره يعلو وينخفض بعنف، فأغمض عينيه إعياء، ثم ~~راح يتأوه، ويتأوه، ولكنه غالب ألمه حتى استطاع أخيرا أن يلوذ ~~بالصمت. وكان الجميع يقفون صفا بإزاء فراشه ويتطلعون إليه في ~~وجل وإشفاق، وأخيرا تساءلت أمينة بصوت متهدج: سيدي بخير؟ # ففتح عينيه، وجعل ينظر في الوجوه مليا، وبدا لحظات كأنه لا ~~يعرفها، ثم تنهد وقال بصوت لا يكاد يسمع: الحمد لله .. ~~- نم يا سيدي، نم كي تستريح .. # وترامى إليهم رنين الجرس الخارجي فمضت أم حنفي لتفتح الباب. ~~وتبادلوا نظرات متسائلة فقال كمال: لعل أحدا من السكرية أو قصر ~~الشوق قد جاء ليطمئن علينا! # وصدق حدسه؛ فما لبث أن دخل الحجرة عبد المنعم وأحمد ثم تبعهما ~~ياسين ورضوان فأقبلوا على فراش الأب وهم يحيون الموجودين، فوجه ~~إليهم الرجل نظرات فاترة، وكأن الكلام لم يسعفه فاكتفى برفع يده ~~النحيلة تحية، وقص عليهم كمال ms169 في اقتضاب ما عاناه والده في ليلته ~~المزعجة، ثم قالت أمينة همسا: ليلة فظيعة ربنا لا ~~يعيدها .. # وقالت أم حنفي: الحركة أتعبته قليلا ولكنه سيسترد بالراحة ~~عافيته .. # ومال ياسين فوق أبيه وهو يقول: ينبغي أن تنام، كيف حالك ~~الآن؟ # فرنا الرجل إليه ببصر خاب وغمغم: الحمد لله .. أشعر بتعب في ~~جنبي الأيسر .. # فسأله ياسين: أأحضر لك الطبيب؟ # فأشار بيده في ضجر ثم همس: كلا خير لي أن أنام .. # فأشار ياسين إلى الموجودين بالخروج. وتراجع إلى الوراء قليلا ~~فرفع الرجل يده النحيلة مرة أخرى. وغادروا الحجرة واحدا. في إثر ~~واحد فلم يبق فيها مع الرجل إلا أمينة. ولما جمعتهم الصالة سأل ~~عبد المنعم خاله كمال: ماذا فعلتم؟ أما نحن فقد هرعنا إلى المنظرة في ~~الحوش. # وقال ياسين: ونحن نزلنا إلى شقة الدور الأرضي عند ~~جيراننا .. # فقال كمال في قلق: ولكن التعب قد أنهك قوى بابا .. # فقال ياسين: ولكنه سيسترد صحته بالنوم .. ~~- وما عسى أن نفعل به إذا وقعت غارة أخرى؟! # ولم يحر أحد جوابا فساد صمت ثقيل حتى قال أحمد: بيوتنا قديمة ~~ولن تتحمل الغارات .. # وعند ذاك أراد كمال أن يبدد سحب الكآبة المخيمة التي أرهقت ~~أعصابه فقال منتزعا من شفتيه ابتسامة: إذا هدمت بيوتنا فحسبها ~~شرفا أن هدمها سيكون بأحدث أساليب العلم الحديث .. # 37 # أوصل كمال زوار آخر الليل حتى الباب الخارجي، ولم يكد يعود إلى ~~باب السلم حتى ترامت إليه من فوق ضجة مريبة، وكانت أعصابه ~~ما تزال متوترة فداخلته كآبة ورقي السلم وثبا. وجد الصالة ~~خالية، وحجرة الأب مغلقة، وخليطا من الأصوات يعلو خلف بابها ~~المغلق، فهرع إلى الحجرة ودفع الباب ثم دخل، وكان يتوقع شرا أبى ~~أن يفكر في كنهه. كان صوت الأم المبحوح يهتف: «سيدي»، وكانت ~~عائشة تنادي بصوت غليظ: «بابا»، على حين تسمرت أم حنفي عند رأس ~~الفراش وهي تغمغم: وامتد بصره إلى الفراش فدهمه شعور بالفزع ~~واليأس والاستسلام الحزين؛ رأى نصف أبيه الأسفل مطروحا على ~~الفراش، ونصفه الأعلى ملقى على صدر الأم التي تربعت ms170 وراء ظهره، ~~وصدره يعلو وينخفض في حركة آلية تند عنها حشرجة غريبة ليست من ~~أصوات هذا العالم، وعينيه مفتوحتين عن نظرة مظلمة جديدة لا ترى ~~ولا تعي ولا تملك أن تعبر عما يعتلج وراءها، فتسمرت قدماه وراء ~~شباك السرير، وانعقد لسانه، وتحجرت عيناه ، لم يجد شيئا يقوله أو ~~شيئا يفعله، وعانى شعورا قاهرا بالعجز المطلق، واليأس المطلق ~~والتفاهة المطلقة وكأنه فقد الوعي لولا إدراكه أن أباه يودع ~~الحياة، ورددت عائشة بصرا زائغا بين وجه أبيها ووجه كمال ثم ~~هتفت: أبي! هذا كمال يريد أن يحدثك! # وخرجت أم حنفي عن غمغمتها المتصلة قائلة في نبرات ممزقة: أحضروا ~~الطبيب .. # فأنت الأم في حزن غاضب: أي طبيب يا حمقاء! # ثم ندت عن الأب حركة كأنما يحاول الجلوس، وازداد صدره تشنجا ~~واضطرابا، ومد سبابة يمناه ثم سبابة يسراه، فلما رأت الأم ذلك ~~تقلص وجهها من الألم ثم مالت على أذنه، وتشهدت بصوت مسموع ~~وكررت ذلك حتى سكنت يداه. وأدرك كمال أن أباه لم يعد يستطيع النطق ~~وأنه دعا الأم لتتشهد نيابة عنه، وأن كنه هذه الساعة الأخيرة سيبقى ~~سرا إلى الأبد، وأن وصفه بالألم أو الفزع أو الغيبوبة رجم ~~بالغيب، ولكنه على كل حال لا ينبغي أن تطول، إنها أجل وأخطر من ~~أن تبتذل، أما أعصابه فقد انهارت حيالها، وخجل من نفسه إذ نزعت ~~لحظات إلى تحليل الموقف ودراسته، كأن احتضار أبيه يجوز أن يكون ~~زادا لتأمله ومادة لمعرفته، وضاعف ذلك من حزنه ومن ألمه، وقد ~~اشتدت حركة الصدر وعلت حشرجته، ثم ما هذا؟ أيهم بالقيام؟ أم ~~يحاول الكلام؟ أم يخاطب شيئا مجهولا؟ أيتألم؟ أم يفزع؟ .. ~~آه .. # وشهق الأب شهقة عميقة ثم ارتمى رأسه على صدره. # صرخت عائشة من الأعماق «يا أبي .. يا نعيمة .. يا عثمان .. ~~يا محمد»، فهرعت إليها أم حنفي ودفعتها أمامها برقة إلى الخارج، ~~ورفعت الأم وجهها الشاحب إلى كمال، وأشارت إلى الخارج، ولكنه لم ~~يتحرك، فهمست في يأس: دعني أقم بواجبي الأخير نحو أبيك .. # فتحول عن موقفه ومضى خارجا. وكانت ms171 عائشة مرتمية على الكنبة وهي ~~تعول، فمضى إلى الكنبة المقابلة لها وجلس، أما أم حنفي فذهبت إلى ~~الحجرة لتساعد سيدتها، وأغلقت الباب وراءها، ولم يعد بكاء عائشة ~~مما يحتمل فقام واقفا وراح يقطع الصالة ذهابا وإيابا دون أن ~~يوجه إليها خطابا. وكان من حين لآخر يرنو إلى باب الحجرة المغلق ~~ثم يضغط على شفتيه بشدة. وتساءل لم يبدو لنا الموت بهذه ~~الغرابة؟ وكان كلما جمع فكره؛ ليتأمل تشتت وغلبه الانفعال: كان ~~الأب - حتى بعد انزوائه - يملأ هذه الحياة، فلن يكون غريبا إذا ~~وجد غدا البيت غير البيت الذي عهده، والحياة غير الحياة التي ~~ألفها، بل عليه منذ اللحظة أن يعد نفسه لدور جديد. واشتد ضيقه ~~بنحيب عائشة وهم مرة بأن يسكتها ولكنه لم يفعل، وعجب من أين ~~لها بهذا الشعور وقد كانت تبدو جامدة غريبة عن كل شيء. وعاد يفكر ~~في اختفاء أبيه من هذه الحياة فكبر عليه تصور هذا، ثم ذكر حاله ~~الأخير فأكل الحزن شغاف قلبه. وذكر صورته القديمة الماثلة في ~~خاطره، وهو في تمام أبهته وقوته، فشعر برثاء عميق للكائنات ~~جميعا، ولكن متى يسكت نحيب عائشة؟ .. ألا تستطيع أن تبكي - مثله - ~~بغير دموع! # وفتح باب الحجرة وخرجت منه أم حنفي، وترامى إليه من خلال الباب ~~قبل أن يغلق نحيب الأم، فأدرك أنها فرغت من أداء واجبها وخلصت ~~للبكاء. وتقدمت أم حنفي من عائشة وقالت لها بصوت غليظ: كفاية بكاء ~~يا سيدتي .. # ثم تحولت إليه قائلة: الفجر لاح يا سيدي، نم ولو قليلا فأمامك ~~غد عصيب .. # ثم أفحمت في البكاء، ثم غادرت المكان وهي تقول في صوت باك: سأذهب ~~إلى السكرية وقصر الشوق لإبلاغ الخبر الأسود. ~~••• # وجاء ياسين مهرولا تتبعه زنوبة ورضوان، ثم ترامى إليهم من ~~الطريق الصامت صوات خديجة. وبوصول خديجة استعرت النار في البيت ~~جميعا فاختلط الصوات بالصراخ والبكاء. وتعذر على الرجال البقاء في ~~الدور الأول فصعدوا إلى المكتبة في الدور الأعلى وجلسوا واجمين. ~~وغشيهم الصمت والوجوم حتى قال إبراهيم شوكت: لا حول ولا قوة إلا ms172 ~~بالله، قضت عليه الغارة، رحمه الله رحمة واسعة كان رجلا ولا كل ~~الرجال .. # ولم يتمالك ياسين نفسه فبكى، وعند ذاك انفجر كمال باكيا، فعاد ~~إبراهيم شوكت يقول: وحدوا الله. لقد ترككم رجالا .. # وكان رضوان وعبد المنعم وأحمد يتطلعون إلى الرجلين الباكيين في ~~حزن ووجوم وشيء من الدهش. وسرعان ما جفف الرجلان دمعهما ولاذا ~~بالصمت، فقال إبراهيم شوكت: الصباح قريب، فلنفكر فيما يجب ~~عمله .. # فقال ياسين في اقتضاب حزين: لا جديد في الأمر فقد جربناه ~~مرات .. # فقال إبراهيم شوكت: يجب أن تكون الجنازة جديرة بمقامه .. # فقال ياسين بتوكيد: هذا أقل ما يجب! # وهنا قال رضوان: الشارع أمام البيت ضيق لا يتسع للسرادق ~~المناسب فلنقم سرادق العزاء في ميدان بيت القاضي .. # فقال إبراهيم شوكت: ولكن العادة جرت بأن يقام سرادق العزاء أمام ~~بيت المتوفى؟ # فقال رضوان: ليس هذا بالمكان الأول من الأهمية؛ خاصة وأنه سيؤم ~~السرادق وزراء وشيوخ ونواب! # وأدرك المستمعون أنه يشير إلى معارفه هو فقال ياسين دون مبالاة: ~~نقيمه هناك .. # وكان أحمد يفكر في الدور المنوط به فقال: لن نتمكن من نشر النعي ~~في جرائد الصباح .. # فقال كمال: جرائد المساء تصدر حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر ~~فلنجعل ميعاد الجنازة في الساعة الخامسة .. ~~- ليكن، القرافة قريبة على أي حال. # وتأمل كمال مجرى الحديث في شيء من العجب. كان الأب في الساعة ~~الخامسة اليوم في فراشه يتابع الراديو أما في نفس الساعة غدا ..! ~~إلى جانب فهمي وابني ياسين الصغيرين. ترى ماذا تبقى من فهمي؟ ~~لم يخفف العمر من رغبته القديمة في التطلع إلى جوف القبر، ترى هل ~~كان الأب حقا يرغب في قول شيء كما تهيأ له؟ ماذا كان يريد أن ~~يقول، والتفت ياسين إليه متسائلا: هل شهدت احتضاره؟ ~~- نعم، عقب انصرافك مباشرة. ~~- تألم؟ ~~- لا أدري، من يدري يا أخي، ولكنه لم يستغرق أكثر من خمس ~~دقائق .. # تنهد ياسين ثم تساءل: ألم يقل شيئا؟ ~~- كلا، والغالب أنه فقد النطق .. ~~- ألم يتشهد؟ # فقال كمال وهو يغض بصره ليداري تأثره: قامت أمي بذلك نيابة ms173 ~~عنه .. ~~- ليرحمه الله .. ~~- آمين .. # وساد الصمت مليا حتى خرقه رضوان قائلا: يجب أن يكون السرادق ~~كبيرا؛ ليتسع للمعزين. # فقال ياسين: طبعا، أصدقاؤنا كثيرون .. (ثم وهو ينظر نحو ~~عبد المنعم): وهناك شعبة الإخوان المسلمين! # ثم متنهدا: لو كان أصحابه أحياء لحملوا النعش على ~~أكتافهم .. ~~••• # ثم كانت الجنازة كما رسموا، وكان أصدقاء عبد المنعم أكثر عددا. ~~أما أصدقاء رضوان فكانوا أعلى مقاما، ولفت نفر منهم الأنظار ~~بشخصياتهم المعروفة لقراء الجرائد والمجلات، وكان رضوان بهم ~~مزهوا حتى كاد يغطي زهوه على حزنه. وشيع أهل الحي «جار العمر» ~~حتى الذين لم يصلهم به سبب من أسباب التعارف الشخصي، فلم تكد ~~الجنازة تخلو إلا من أصدقاء المرحوم نفسه الذين سبقوه إلى الدار ~~الآخرة. وعند باب النصر ظهر الشيخ متولي عبد الصمد في الطريق، وكان ~~يترنح من الكبر فرفع رأسه نحو النعش وهو يضيق عينيه ثم سأل: من ~~هذا؟ # فأجابه رجل من أهل الحي: المرحوم السيد أحمد عبد الجواد. # فجعل وجه الرجل يهتز يمنة ويسرة في ارتعاش، وملامحه تتساءل في ~~حيرة، ثم إذا به يسأل: من أين؟ .. # فأجابه الرجل وهو يهز رأسه في شيء من الحزن: من هذا الحي، كيف ~~لا تعرفه! ألا تذكر السيد أحمد عبد الجواد؟! .. # ولكن لم يبد عليه أنه تذكر شيئا، وألقى نظرة أخرى على النعش ثم ~~سار في سبيله .. # 38 # خلا البيت من سيدي فليس هو البيت الذي عاشرته أكثر من خمسين ~~عاما، والجميع يبكون حولي، وخديجة لا تفارقني؛ فهي قلبي العامر ~~بالحزن والذكريات، وهي قلب كل قلب، بل هي ابنتي وأختي وأمي ~~أحيانا، وأكثر بكائي خلسة حين أخلو إلى نفسي إذ ينبغي أن أشجعهم ~~على النسيان فما يهون علي أن يحزنوا أو - لا قدر الله - أن ~~ينال منهم الحزن أي منال. أما إذا خلوت إلى نفسي فلا أجد عزاء إلا ~~في البكاء فأبكي حتى تجف دموعي، وأقول لأم حنفي إذا تسللت إلى ~~وحدتي الباكية دعيني وشأني يرحمك الله. فتقول لي كيف أتركك وأنت ~~على هذه الحال؟ أنا عارفة بحالك .. ولكنك ms174 ست مؤمنة بل أنت ست ~~المؤمنات فعندك نتعلم العزاء والتسليم لقضاء الله .. قول جميل ~~يا أم حنفي ولكن أنى للقلب المحزون أن يفقه معناه، ولم يعد لي ~~شأن في هذه الدنيا ولم يعد لي عمل وكل ساعة من ساعات يومي مرتبطة ~~بذكرى من ذكريات سيدي .. لم أعرف الحياة إلا وهو محورها الذي تدور ~~حوله فكيف أطيقها ولم يعد له فيها ظل، وأنا أول من اقترح تغيير ~~معالم الحجرة العزيزة .. ما حيلتي ما داموا لا يدخلونها حتى تتعلق ~~أبصارهم بمكانه الخالي ويجهشون بالبكاء .. وسيدي يستحق الدموع التي ~~تسيل من أجله، ولكني لا أطيق بكاءهم، وأخاف على قلوبهم الغضة ~~فأعزيهم بما تعزيني به أم حنفي وأطالبهم بالتسليم لله وقضائه؛ ~~ولذلك أخليت الحجرة من أثاثها القديم، وانتقلت إلى حجرة عائشة، ~~ولكيلا تهجر الحجرة وتستوحش نقلت إليها أثاث الصالة فانتقل إليها ~~مجلس القهوة حيث نجتمع حول المجمرة نتحدث كثيرا وتقطع أحاديثنا ~~الدموع، ولا يشغلنا شيء كما يشغلنا الإعداد للقرافة، وأشرف بنفسي ~~على تجهيز الرحمة فلعله الواجب الأوحد الذي لم أتخل عنه لأم حنفي ~~كما تخليت لها عن كل شيء، تلك المرأة العزيزة الوفية التي دخلت ~~بجدارة في صميم أسرتنا، فنحن نعد الرحمة معا ونبكي معا ونتذاكر ~~الأيام الجميلة معا فهي دائما معي بروحها وذاكرتها، وأمس جر ~~الحديث إلى ذكر ليالي رمضان فبادرت تحدث عن سيرة سيدي في رمضان منذ ~~ساعة استيقاظه في الضحى حتى حين عودته إلينا عند السحور، فذكرت ~~بدوري كيف كنت أهرع إلى المشربية لأرى الحنطور الذي يعيده، وأستمع ~~إلى ضحكات راكبيه أولئك الذين ذهبوا تباعا إلى رحمة الله كما ذهبت ~~الأيام الحلوة وكما ذهب الشباب والصحة والعافية، فاللهم متع ~~الأبناء بطول العمر وقر أعينهم بأفراح الحياة، وهذا الصباح رأيت ~~قطتنا تشمم الأرض تحت الفراش حيث كانت ترضع فلذات كبدها التي ~~أهديناها إلى الجيران فقطع قلبي منظرها الحائر الحزين وهتفت من ~~أعماق قلبي: الله يصبرك يا عائشة .. عائشة المسكينة التي هاج موت ~~أبيها حزنها فهي تبكي أباها وابنتها وابنيها وزوجها، فما أحر ms175 ~~الدموع! وأنا التي تجرعت مرارة الثكل قديما حتى سال قلبي دما ~~واليوم أفجع بوفاة سيدي وتخلو حياتي منه وكان ملء حياتي جميعا، ~~ولا يبقى لي من الواجبات إلا أن أعد له الرحمة أو أتلقاها من ~~السكرية وقصر الشوق، فهذا كل ما بقي لي، كلا يا بني، اختر لنفسك ~~هذه الأيام مجلسا غير مجلسنا الحزين حتى لا تسري إليك عدواه .. ~~لماذا أنت واجم؟ الحزن لم يخلق للرجال؛ فالرجل لا يستطيع أن يحمل ~~الأعباء والأحزان معا .. اصعد إلى حجرتك وتسل بالقراءة والكتابة ~~كما تفعل أو انطلق إلى أصحابك فاسهر، ومن بدء الخليقة فالأعزاء ~~يفارقون ذويهم، فلو كان الاستسلام إلى الحزن هو المتبع لما بقي على ~~ظهر الأرض حي .. لست حزينة كما تتوهم، وما ينبغي للمؤمن أن يحزن، ~~وسوف نعيش إذا أراد الله وسوف ننسى، ولا سبيل إلى العزيز الذي سبق ~~إلا حين يشاء الله، هكذا أقول له ولا آلو أن أتكلف ما ليس بي من ~~التصبر والتجلد إلا إذا هلت خديجة قلب بيتنا الحي وذرفت ~~الدموع بلا حساب هنالك لا أملك أن أجهش في البكاء، وقالت لي عائشة ~~أنها رأت أباها في المنام قابضا على ساعد نعيمة بيد وعلى ساعد ~~محمد بيد حاملا عثمان على كتفه، وقال لها إنه بخير وإنهم بخير ~~فسألته عن سر النافذة التي نورت لها في السماء ثم توارت إلى الأبد ~~فتجلت في عينيه نظرة عتاب ولم ينبس. ثم سألتني عن معنى الحلم. ~~يا حيرة أمك يا عائشة .. غير أني قلت لها إن العزيز مات وهو مشغول ~~القلب بها ولذلك زارها في الحلم وجاءها بأولادها من الجنة؛ لتقر ~~برؤيتهم عينا فلا تنغصي عليهم صفوهم باستسلامك للحزن، ليت عائشة ~~الزمان الأول تعود ولو ساعة، ليت الذين حولي يبرءون من حزنهم حتى ~~لا يشغلني شاغل عن واجب الحزن العميق، وجمعت ياسين وكمال وقلت ~~لهما: هذه المخلفات العزيزة ماذا نفعل بها، فقال ياسين: آخذ الخاتم ~~فإنه على قد أصبعي، ولك الساعة يا كمال، أما المسبحة فلك أنت ~~يا نينة .. والجبب والقفاطين؟ ms176 .. وذكرت من توي الشيخ متولي ~~عبد الصمد الذكرى الباقية من عهد العزيز فقال ياسين: لقد انتهى الرجل ~~فهو في غيبوبة ولا يعرف له مقر. وقال كمال مقطبا: لم يعرف أبي! ~~.. نسى اسمه وتولى عن الجنازة دون اكتراث. فانزعجت وأنا أقول: ~~يا للعجب متى حدث هذا؟ كان سيدي يسأل عنه حتى أيامه الأخيرة وكان ~~دائما يحبه ولم يره إلا مرة أو مرتين مذ زار بيتنا ليلة دخلة ~~نعيمة، ولكن رباه، أين نعيمة! وأين ذلك التاريخ كله؟ ثم اقترح ~~ياسين أن تهدى الملابس إلى سعاة ديوانه وفراشي مدرسة كمال فليس ~~أحق بها من الفقراء أمثالهم الذين سيدعون له بالرحمة في مقره ~~الأخير، أما المسبحة العزيزة فلن تفارق يدي حتى أفارق الحياة، ~~والقبر كم يبدو حلو المزار على ما يثير من شجن ولم أكن انقطعت عنه ~~منذ انتقل إليه الشهيد الغالي، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعتبره حجرة من ~~بيتنا لكنها في أطراف حينا، ويجمعنا القبر جميعا كما كان يجمعنا ~~مجلس القهوة في الزمن الخالي، وتنوح خديجة حتى ينال منها الإعياء ~~ثم نؤمر بالسكوت تأدبا لاستماع القرآن، ثم يشغلهم الحديث حينا ~~فأسر بما يصرف أعزائي عن الحزن، ويشتبك رضوان وعبد المنعم وأحمد ~~في نقاش طويل وتنضم إليهم كريمة أحيانا فذاك ما يغري كمال ~~بمشاركتهم الحديث ويلطف من كآبة المقام، ويسأل عبد المنعم عن خاله ~~الشهيد فيقص ياسين القصص فتنبعث الحياة في الأيام القديمة ويعود ~~غائب الذكريات ويخفق قلبي فلا أدري كيف أداري دموعي، وكثيرا ما ~~أرى كمال واجما فأسأله عما به فيقول لي: إن صورته لا تفارقني، ~~خاصة منظر الاحتضار؛ فلو كانت نهايته أخف! فقلت له برقة: عليك ~~أن تنسى هذا كله. فتساءل: كيف يكون النسيان؟ فقلت له: بالإيمان. ~~فابتسم ابتسامة حزينة وقال: كم كنت أخافه في مطلع حياتي! ولكنه ~~تكشف لي في عهده الأخير عن إنسان جديد بل صديق حبيب. ألا ما كان ~~أظرفه وأرقه وألطفه، لم يكن في الرجال مثله، وياسين يبكي كلما ~~أهاجته الذكرى .. كمال حزنه في صمته الواجم أما ياسين ms177 الضخم فيبكي ~~كالأطفال ويقول لي إنه الرجل الوحيد الذي أحببته في حياتي، أجل كان ~~أباه وكان أمه ولم ينعم بالعطف والحنان والرعاية إلا في كنفه، حتى ~~شدته كانت رحمة، ولن أنسى يوم عفا عني وردني إلى بيته فصدق ~~فراسة أمي رحمها الله التي ما انفكت تقول لي: إن السيد ليس بالرجل ~~الذي يقطع أم أولاده. وكان يجمعنا حبه فاليوم تجمعنا ذكراه، أما ~~بيتنا فلا يخلو من الزوار غير أن قلبي لا يسكن حتى أجد خديجة ~~وياسين وآلهما حولي .. حتى زنوبة فما أصدق حزنها! وقالت لي كريمة ~~الصغيرة الجميلة: يا جدتي تعالي عندنا؛ فهذه أيام مولد الحسين وتحت ~~بيتنا تقام الأذكار وأنت تحبين ذلك. فقبلتها شاكرة وقلت لها: ~~يا بنيتي، جدتك لم تعتد البيات خارج بيتها .. إنها لا تدري شيئا ~~عن آداب بيت جدها في تلك الأيام التي خلت. ما أجمل ذكراها ~~والمشربية آخر حدود دنياي، حيث أنتظر عودة سيدي آخر الليل وهو من ~~قوته يكاد يهز الأرض عند مغادرته الحنطور، ثم يملأ الحجرة بطوله ~~وعرضه والعافية تكاد تثب من وجهه! أما اليوم فلا يعود ولن يعود، ~~وقبل ذلك ذبل وانزوى ولزم الفراش ورق جسمه وخف وزنه حتى حمل ~~بيد واحدة. يا حزني الذي لن يذهب! وقالت عائشة في غضب: إن هؤلاء ~~الأحفاد لم يحزنوا على جدهم، إنهم لا يحزنون! فقلت لها: بل حزنوا، ~~ولكنهم صغار ومن رحمة الله بهم ألا يغرقوا في الحزن. فقالت: انظري ~~إلى عبد المنعم، لا ينتهي نقاشه، وهو لم يحزن على ابنتي وسرعان ما ~~نسيها كأنها شيء لم يكن. فقلت لها: بل حزن عليها طويلا وبكى ~~كثيرا، وحزن الرجال غير حزن النساء، وقلب الأم غير القلوب ~~جميعا، ومن ذا الذي لا ينسى يا عائشة؟! ونحن ألا نتسلى بالحديث ~~أو يدركنا الابتسام أحيانا؟ وسوف يأتي يوم لا يكون فيه دموع. ثم ~~أين فهمي؟ أين؟ وقالت لي أم حنفي: لماذا امتنعت عن زيارة الحسين؟ ~~فقلت نفسي فاترة عن كل شيء أحببته، وسأزور سيدي عندما يبرأ الجرح. ~~فقالت لي: ms178 وهل يبرأ الجرح إلا بزيارة سيدك؟ هكذا ترعاني أم حنفي، ~~وهي ربة بيتنا، ولولاها ما كان لنا بيت. إنك يا ربي رب الجميع، أنت ~~القاضي ولا راد لقضائك، ولك أصلي، وددت لو أبقيت على سيدي ~~قوته حتى النهاية؛ فما آلمني شيء كما آلمني رقاده ، هو الذي كانت ~~الدنيا تضيق عن مراحه .. حتى الصلاة عجز عنها، وما عاناه قلبه ~~الضعيف، وعودته محمولا على الأيدي كالطفل؛ لذلك تسيل دموعي ~~ويتكاثف حزني .. # 39 ~~- سأتوكل على الله وأخطب كريمة بنت خالي .. # رفع إبراهيم شوكت عينيه إلى ابنه في شيء من الدهش، أما أحمد ~~فأحنى رأسه وهو يبتسم ابتسامة دلت على أنه لم يفاجأ بالخبر، على ~~حين تركت خديجة الشال الذي تطرزه وحدجته بنظرة غريبة غير مصدقة ثم ~~نظرت إلى زوجها وهي تتساءل: ماذا قال؟ # فعاد عبد المنعم يقول: سأتوكل على الله وأخطب كريمة بنت ~~أخيك .. # فبسطت خديجة يديها في حيرة وقالت: هل أفلست الدنيا من الذوق؟ ~~أهذا الوقت مناسب لحديث الخطبة حتى مع صرف النظر عن ~~المخطوبة؟! # فقال عبد المنعم باسما: كل الأوقات مناسبة للخطبة .. # فهزت رأسها في حيرة وهي تتساءل: وجدك؟! .. (ثم وهي تردد ~~عينيها بين أحمد وإبراهيم): هل سمعتم عن شيء كهذا من قبل؟ # فقال عبد المنعم في شيء من الحدة: خطبة لا زواج ولا فرح، وقد ~~انقضى على وفاة جدي أربعة أشهر كاملة. # وقال إبراهيم شوكت وهو يشعل سيجارة: كريمة ما زالت صغيرة، ~~مظهرها أكبر من سنها فيما أعتقد .. # فقال عبد المنعم: هي في الخامسة عشرة ولن يكتب الكتاب قبل ~~عام .. # فقالت خديجة في تهكم ومرارة: هل أطلعتك زنوبة هانم على شهادة ~~الميلاد؟ # فضحك إبراهيم شوكت، وضحك أحمد، أما عبد المنعم فقال جادا: لن يتم ~~شيء قبل عام، وبعد عام سيكون قد مضى على وفاة جدي حوالي العام ~~والنصف وتكون كريمة قد بلغت سن الزواج .. ~~- ولماذا توجع دماغنا الآن؟ ~~- لأنه لا بأس من إعلان الخطبة في الوقت الحاضر. # فتساءلت خديجة في سخرية: وهل تحمض الخطبة إذا أجلت ~~عاما؟ ~~- أرجوك .. أرجوك أن ms179 تكفي عن المزاح .. # فصاحت خديجة: لو وقع هذا لكان فضيحة. # فقال عبد المنعم في هدوء ما استطاع: دعي جدتي لي، ستفهمني خيرا ~~منك، إنها جدتي وجدة كريمة على السواء. # فقالت بخشونة: ليست جدة لكريمة .. # فسكت عبد المنعم وقد تجهم وجهه فبادره أبوه قائلا: المسألة ~~مسألة ذوق فيحسن أن ننتظر قليلا .. # فهتفت خديجة حانقة: يعني أنه لا اعتراض لك إلا على الوقت! # فتساءل عبد المنعم متغابيا: هل ثمة اعتراض آخر؟ # فلم تجب خديجة وعادت تتشاغل بتطريز الشال فاستطرد عبد المنعم ~~قائلا: كريمة ابنة ياسين أخيك، أليس كذلك؟ # فتركت خديجة الشال وقالت بمرارة: هي ابنة أخي حقا ولكن كان ~~ينبغي أن تذكر أمها أيضا! # وتبادلوا النظرات في إشفاق، ثم اندفع عبد المنعم قائلا في حدة: ~~أمها زوجة أخيك كذلك! # فارتفع صوتها وهي تقول: أعلم هذا، وهو ما يؤسف له! ~~- ذلك الماضي المنسي! من يذكره الآن؟! لم تعد إلا سيدة محترمة ~~مثلك! # فقالت بصوت غليظ: ليست مثلي ولن تكون مثلي أبدا! ~~- ماذا يعيبها؟! عرفناها منذ صغرنا سيدة محترمة بكل معنى الكلمة، ~~والإنسان إذا تاب واستقام محيت صفحة سوابقه فلا يذكره بها بعد ~~ذلك إلا ... # وأمسك، فقالت وهي تهز رأسها في أسف: نعم، صفني! سب أمك إكراما ~~لهذه المرأة التي عرفت كيف تأكل مخك، طالما تساءلت عما وراء ~~الدعوات المتتابعة إلى ولائم قصر الشوق، وإذا بك تقع ~~كالجردل! # فردد عبد المنعم عينيه غاضبا بين أبيه وأخيه ثم تساءل: أهذا ~~الكلام يليق بنا؟ أسمعاني رأيكما؟ # فقال إبراهيم شوكت متثائبا: لا داعي لكثرة الكلام، عبد المنعم ~~سيتزوج إن اليوم أو غدا، وأنت تودين هذا، وكريمة ابنتنا، وهي بنت ~~جميلة ولطيفة، لا داعي للشوشرة .. # وقال أحمد: أنت يا نينة أول من يود إرضاء خالي ياسين! # فقالت خديجة محتدة: كلكم ضدي كالعادة، ولا حجة لكم إلا خالي ~~ياسين! ياسين أخي، وكان خطؤه الأول أنه لم يعرف كيف يتزوج، وعنه ~~ورث ابن أخته هذا المزاج الغريب .. # فتساءل عبد المنعم في عجب: أليست امرأة خالي صديقتك؟! من يراكما ~~وأنتما تتناجيان ms180 يظنكما شقيقتين! ~~- ما حيلتي في امرأة سياسية مثل اللنبي؟ لكن لو ترك لي الأمر أو ~~لو لم أراع خاطر ياسين ما سمحت لها بدخول بيتي، وماذا كانت ~~النتيجة؟ .. أكلت مخك بالولائم المغرضة، وعليه العوض! # عند ذاك قال أحمد مخاطبا أخاه: اخطبها وقتما تشاء، نينة لسانها ~~كثير الكلام ولكن قلبها طيب .. # فضحكت ضحكة عصبية وقالت: عفارم يا ولد! تختلفان في كل شيء؛ في ~~الدين والملة والسياسة، أما علي فتتحدان! # فقال أحمد في مرح: خالي ياسين أغلى الناس عندك، وسوف ترحبين ~~بكريمته كأحسن ما يكون الترحيب، الحكاية أنك تودين عروسا غريبة ~~حتى تتمكني - كحماة - من اضطهادها، حسن، علي أنا أن أحقق لك هذا ~~الأمل، سوف أجيئك بالعروس الغريبة لتشفي غليلك! ~~- لا عجب إن جئتني غدا براقصة! علام تضحكون؟! هذا شيخ الإسلام ~~سيصاهر عالمة فماذا أتوقع منك أنت المتهم في دينه، والعياذ ~~بالله؟! ~~- نحن في حاجة إلى راقصة بالفعل! # وإذا بخديجة تقول وكأنما تذكرت أمرا خطيرا: وعائشة يا ربي ترى ~~ماذا تقول عنا؟ # فقال عبد المنعم محتجا: ماذا تقول؟ لقد توفيت زوجتي منذ أربع ~~سنوات كاملة فهل تود أن أبقى أرمل مدى العمر؟! # فقال إبراهيم شوكت في ضجر: لا تخلقوا من الحبة قبة، المسألة ~~أبسط من هذا كله، كريمة ابنة ياسين، ياسين أخو خديجة وعائشة، ~~حسبنا هذا، أف، كل شيء عندكم نقار حتى الأفراح؟! # واختلس أحمد من أمه نظرة باسمة، وجعل يراقبها حتى قامت كالغاضبة ~~وغادرت الصالة. وراح يقول لنفسه: هذه الطبقة البورجوازية كلها عقد، ~~تحتاج إلى محلل نفساني بارع ليشفيها من كافة عللها، محلل له قوة ~~التاريخ نفسه! لو هادنني الحظ لسبقت أخي إلى الزواج ولكن ~~البورجوازية الأخرى اشترطت مرتبا لا يقل عن خمسين جنيها، هكذا ~~تجرح قلوب لأمور لا شأن لها بالقلوب، ترى ماذا يكون رأي سوسن ~~حماد لو علمت بمغامرتي الفاشلة؟! # 40 # كان الجو شديد البرودة، ولم يكن خان الخليلي الرطب مما يؤثر ~~شتاء، ولكن رياض قلدس نفسه الذي أشار ذلك المساء بالذهاب إلى قهوة ~~خان الخليلي التي شيدت مكان ms181 قهوة أحمد عبده فوق سطح الأرض، أو كما ~~قال: «علمني كمال علي آخر الزمن أن أكون من غواة الغرائب.» كانت ~~قهوة صغيرة، بابها يفتح على حي الحسين، ثم تمتد طولا في شبه ممر ~~تصف على جانبيه الموائد وينتهي بشرفة خشبية تطل على خان ~~الخليلي الجديد. جلس الأصدقاء في جناح الشرفة الأيمن يحتسون الشاي ~~ويدخنون نارجيلة بالمناوبة. وكان إسماعيل لطيف يقول: أنا في إجازة ~~للاستعداد ومن ثم أسافر .. # فتساءل كمال في أسف: ستغيب عنا ثلاثة أعوام؟ ~~- نعم، لا بد من المغامرة، مرتب ضخم لا أتخيل أن أناله يوما ~~هنا، ثم إن العراق بلد عربي لا يختلف عن مصر كثيرا .. # سيخلف وحشة، لم يكن صديق الروح ولكنه صديق العمر، وتساءل رياض ~~قلدس ضاحكا: ألا يحتاج العراق إلى مترجمين؟ # فسأله كمال: أتسافر إذا سنحت لك فرصة كفرصة إسماعيل؟ ~~- لو حدثت في الماضي ما ترددت أما اليوم فلا. ~~- وما الفرق بين الماضي والحاضر؟ # فقال رياض قلدس ضاحكا: بالنسبة لك لا شيء، أما بالنسبة لي فهو ~~كل شيء، الظاهر أنني سأنضم قريبا إلى جماعة المتزوجين! # دهش كمال للخبر الذي وقع عليه دون تمهيد وقد ساوره قلق لم يدرك ~~كنهه. ~~- حقا؟! لم تشر إلى ذلك من قبل! ~~- بلى، جاء بغتة، في آخر مقابلة، في آخر مقابلة بيننا لم يكن في ~~البال شيء! # ضحك إسماعيل لطيف في ظفر، أما كمال فتساءل وهو يحاول أن يبتسم: ~~كيف؟ ~~- كيف! كما يحدث كل يوم، مدرسة جاءت لزيارة أخيها في إدارة ~~الترجمة فأعجبتني، فجسست النبض فوجدت من يقول: «تفضل» .. # تساءل إسماعيل ضاحكا وهو يتناول خرطوم النارجيلة من كمال: ترى ~~متى يجس هذا (مشيرا إلى كمال) النبض؟ # هكذا إسماعيل لا يفوت فرصة أبدا لإثارة هذا الموضوع المعاد. ~~ولكن ثمة أمر أخطر من هذا، فجميع الأصدقاء المتزوجين يقولون إن ~~الزواج «زنزانة» فمن المحتمل جدا ألا يرى رياض - إذا تزوج - ~~إلا في القليل النادر، وربما تغير وتبدل فيصبح صديقا بالمراسلة، ~~وهو وديع رقيق، فما أسهل هضمه! ولكن كيف تمضي الحياة بدونه؟ وإذا ~~جعل الزواج ms182 منه شخصا جديدا كإسماعيل فسلام على كافة مسرات ~~الحياة! وسأله: ومتى تتزوج؟ ~~- في الشتاء القادم على أبعد الفروض .. # كأنما قضي عليه أن يفتقد دواما صديقا لروحه المعذبة. ~~- عند ذاك ستكون رياض قلدس آخر! ~~- لمه؟ .. أنت واهم جدا .. # فقال وهو يداري قلقه بابتسامة: واهم؟! رياض اليوم شخص لا يشبع ~~روحه شيء ويقنع جيبه بلا شيء، أما الزوج فلن يشبع جيبه أبدا ولن ~~يجد فرصة لمتاع الروح .. ~~- يا له من تعريف جارح للزوج، ولكني لا أوافقك عليه .. ~~- كإسماعيل الذي اضطر إلى الهجرة إلى العراق، لست أسخر من هذا؛ ~~فهو طبيعي فوق أنه بطولة، ولكنه في الوقت نفسه بشع، تصور أن تغرق ~~حتى قمة رأسك في هموم الحياة اليومية، ألا تفكر إلا في مشكلات ~~الرزق، أن يحسب وقتك بالقروش أو الملاليم، أن تمسي شاعرية الحياة ~~ضياع وقت؟ # فقال رياض في استهانة: أوهام مبعثها الخوف! ~~- وقال إسماعيل لطيف: آه لو تعرف الزواج والأبوة! لقد فاتك حتى ~~اليوم أن تعرف حقيقة الحياة .. # لا يبعد أن يكون الصواب رأيه، ولو صح هذا فحياته مأساة سخيفة، ~~ولكن ما السعادة وماذا يروم على وجه التحقيق؟ غير أن الذي يكربه ~~الآن أنه بات مهددا بالوحدة المرعبة مرة أخرى، كما عانى عقب ~~اختفاء حسين شداد من حياته، لو كان من الممكن أن يجد زوجة لها جسم ~~عطية وروح رياض؟! هذا ما يروم حقا، جسم عطية وروح رياض في شخص ~~واحد يتزوجه فلا يتهدده الشعور بالوحدة حتى الموت، هذه هي المشكلة، ~~وإذا برياض يقول في ضجر: دعونا من حديث الزواج. لقد انتهيت منه ~~وعقبى لك، على أن ثمة أحداثا سياسية هامة هي التي ينبغي أن تستأثر ~~اليوم باهتمامنا. # وكان كمال يشاركه مشاعره هذه غير أنه لم يستطع أن يفيق من ~~المفاجأة فتلقى دعوة الآخر بفتور ظاهر ولم ينبس، أما إسماعيل لطيف ~~فقال ضاحكا: عرف النحاس كيف ينتقم لإقالة ديسمبر سنة 1937 ~~فاقتحم عابدين على رأس الدبابات البريطانية! # وتريث رياض قليلا ليعطي كمال فرصة للرد غير أن هذا لم ينشط ~~للكلام، فقال ms183 رياض في لهجة متجهمة: انتقام؟! إن خيالك يصور لك ~~المسألة على وجه هو أبعد ما يكون عن الحقيقة .. ~~- فما الحقيقة؟ # وألقى رياض نظرة على كمال كأنما يحثه على الكلام فلما لم يستجب ~~استطرد قائلا: ليس النحاس بالرجل الذي يتآمر مع الإنجليز في ~~سبيل العودة إلى الحكم، إن أحمد ماهر مجنون، هو الذي خان الشعب ~~وانضم إلى الملك، ثم أراد أن يغطي مركزه المضعضع بتصريحه الأحمق ~~الذي أعلنه أمام الصحفيين .. # ثم نظر إلى كمال مستطلعا رأيه، وكان حديث السياسة قد جذب أخيرا ~~بعض اهتمامه غير أنه شعر برغبة في معارضة رياض ولو بعض الشيء فقال: ~~لا شك أن النحاس قد أنقذ الموقف، ولست أشك في وطنيته مطلقا، إن ~~الإنسان لا ينقلب في هذه السن إلى خائن ليتولى وظيفة تولاها خمس ~~مرات أو ستا من قبل، ولكن هل كان تصرفه هو التصرف ~~المثالي .. ~~- أنت شكاك لا نهاية لشكك، ما الموقف المثالي؟ .. ~~- أن يصر على رفض الوزارة حتى لا يخضع للإنذار البريطاني وليكن ~~ما يكون. ~~- ولو عزل الملك وتولى أمر البلاد حاكم عسكري بريطاني؟ ~~- ولو! .. # تنهد رياض في غيظ وقال: نحن نلهو بالحديث أمام النارجيلة، أما ~~السياسي فأمامه مسئولية خطيرة، في هذه الظروف الحربية الدقيقة كيف ~~يقبل النحاس أن يعزل الملك ويحكم البلاد عسكري إنجليزي؟ وإذا ~~انتصر الحلفاء - ويجب أن نفترض هذا أيضا - فنكون في صفوف الأعداء ~~المنهزمين، السياسة ليست مثالية شعرية ولكنها واقعية ~~حكيمة .. ~~- ما زلت أومن بالنحاس، ولكن لعله أخطأ، لا أقول تآمر أو ~~خان .. ~~- المسئولية تقع على العابثين الذين مالئوا الفاشست من وراء ظهور ~~الإنجليز كأن الفاشست سيحترمون استقلالنا، أليس بيننا وبين ~~الإنجليز معاهدة، وأليس الشرف يقضي علينا باحترام كلمتنا؟ ثم ألسنا ~~ديمقراطيين يهمنا أن تنتصر الديمقراطية على النازية التي تضعنا في ~~جدول الأمم والأجناس في أحط طبقة وتثير شحناء الجنسية والعنصرية ~~والطائفية؟! .. ~~- معك في هذا كله، ولكن الخضوع للإنذار البريطاني جعل من ~~استقلالنا وهما! ~~- احتج الرجل على الإنذار ونزل الإنجليز عند رأيه .. # فضحك إسماعيل عاليا ثم قال: يا عيني ms184 على الاحتجاج ~~الأنجلوإجبشيان! # غير أنه سرعان ما قال جادا: إني أقره على ما فعل، ولو كنت ~~مكانه لفعلته، رجل أبعد رغم أغلبيته وأهين فعرف كيف ينتقم لنفسه، ~~والواقع أنه ليس هنالك استقلال ولا كلام فارغ؛ ففي سبيل أي شيء ~~يعزل الملك ويحكمنا حاكم عسكري إنجليزي؟! # وازداد وجه رياض تجهما، أما كمال فابتسم قائلا في هدوء بدا ~~غريبا: أخطأ الآخرون وتحمل النحاس نتيجة الخطأ، لا شك أنه ~~أنقذ الموقف، أنقذ العرش والبلاد، ثم إن العبرة بالخاتمة. فإذا ذكر ~~له الإنجليز صنيعه بعد الحرب فلن يذكر أحد 4 فبراير .. # إسماعيل هازئا وهو يصفق طالبا جمرات للنارجيلة: إذا ذكر ~~الإنجليز صنيعه! وأنا أقول لك من الآن بأنهم سيقيلونه قبل ~~ذلك! # فقال رياض بإيمان: الرجل تقدم لحمل أكبر مسئولية في أحرج ~~الظروف .. # فقال كمال باسما: كما ستتقدم لحمل أكبر مسئولية في ~~حياتك! # فضحك رياض، ثم نهض قائلا «عن إذنكم» ومضى في اتجاه دورة المياه. ~~وعند ذاك مال إسماعيل نحو كمال وقال وهو يبتسم: في الأسبوع الماضي ~~زار والدتي «جماعة» لا شك أنك تذكرهم! # فنظر كمال إليه مستطلعا وهو يتساءل: من؟ .. # فقال الآخر وهو يبتسم ابتسامة ذات معنى: عايدة! # وقع الاسم من أذنيه موقعا غريبا، فغطت غرابة موقعه على كافة ~~الانفعالات التي كان حريا بأن يثيرها، وبدا حينا كأنما هو صادر ~~من أعماقه هو لا من لسان صاحبه، وكل شيء كان متوقعا إلا هذا، ~~ومضت لحظات وكأن الاسم ليس له معنى، من عايدة؟ أي عايدة؟ ~~يا للتاريخ! كم عاما مضى دون أن يطرق هذا الاسم مسامعه منذ 1926، ~~أو 1927؟ ستة عشر عاما أو عمر شاب يافع بالكمال لعله أحب ومني ~~بالإخفاق! لقد طعن في السن حقا، عايدة؟! ترى ماذا أصابه بهذه ~~الذكرى، لا شيء! ليس إلا اهتماما عاطفيا مشوبا بشيء من ~~الانفعال، كمن تمس يده موضع عملية جراحية ملتئم من قديم فيذكر ما ~~اكتنفها من ظرف خطير مضى وانقضى. وتمتم متسائلا: عايدة؟ ~~- نعم، عايدة شداد، ألا تذكرها؟ أخت حسين شداد! # وشعر بمضايقة تحت عيني إسماعيل فقال ms185 متهربا: حسين! ترى ما ~~أخبار حسين؟ ~~- من يدري؟ # وشعر بسخف تهربه، ولكن ما حيلته وقد أحس بوجهه يسخن رغم ~~برودة فبراير الشديدة؟ وبدا له الحب على مثال غريب بعض الشيء .. ~~كالطعام! نشعر به بقوة وهو على المائدة، ثم وهو في المعدة، ثم وهو ~~في الأمعاء على نحو ما ، ثم وهو في الدم على نحو آخر، حتى يستحيل ~~خلايا ثم تتجدد الخلايا بمرور الزمن فلا يبقى منه أثر، لكن ربما ~~بقي منه صدى في الأعماق هو ما نسميه بالنسيان، وقد يعرض للإنسان ~~«صوت» قديم فيدفع بهذا النسيان إلى قريب من منطقة الوعي فيسمع ~~الصدى على وجه ما، وإلا فما هذا الاضطراب؟ أم لعله الحنين إلى ~~عايدة لا باعتبارها المحبوبة التي كانت - فقد انتهى هذا إلى غير ~~رجعة - ولكن باعتبارها رمزا للحب الذي كان كثيرا ما يستوحش غيبته ~~الطويلة، مجرد رمز كالخربة المهجورة التي تثير ذكريات تاريخية ~~جليلة. # وعاد إسماعيل يقول: وتحادثنا طويلا - أنا وعايدة وأمي وزوجي - ~~فروت لنا كيف هربت هي وزوجها بل وجميع ممثلي الدول السياسيين أمام ~~الجيوش الألمانية حتى لاذا بإسبانيا، وأنهما نقلا أخيرا إلى ~~إيران؛ ثم رجعنا إلى أيام زمان وضحكنا كثيرا .. # مهما يكن من أمر الحب الذي مات فقلبه يبعث حنينا مسكرا، وأوتار ~~الأعماق التي تهتكت أخذت تصعد أنغاما بالغة في الخفوت والحزن، ~~وتساءل: ما شكلها الآن؟ ~~- لعلها في الأربعين، كلا أنا أكبر منها بعامين، عايدة في ~~السابعة والثلاثين، وامتلأت قليلا عما كانت، لكنها ما زالت ~~محتفظة برشاقتها، ووجهها هو هو تقريبا فيما عدا نظرة عينيها التي ~~أصبحت توحي بالجد والرزانة، وقالت إنها أنجبت ابنا في الرابعة ~~عشرة وبنتا في العاشرة .. # هذه هي عايدة إذن، لم تكن حلما ولم يكن تاريخها وهما؛ فقد ~~تمر لحظات فيبدو ذلك الماضي كأنه لم يكن. وهي زوجة وأم، وتذكر ~~الماضي وتضحك كثيرا، ولكن ما حقيقة صورتها؟ وماذا بقي من هذه ~~الحقيقة في الذاكرة؟ فلشد ما تتغير المناظر في أثناء حفظها ~~بالذاكرة، وهو يود أن يلقي نظرة ثابتة على هذا الكائن البشري ms186 لعله ~~يقف على السر الذي مكنه قديما من أن يفعل به الأفاعيل. # وعاد رياض إلى مجلسه فخاف كمال أن يقطع إسماعيل حديثه ولكنه ~~واصله قائلا: وسألوا عنك! # ردد رياض نظره بينهما فأدرك أن حديثا خاصا يدور بينهما فعدل ~~عنهما إلى النارجيلة، أما كمال فقد شعر بأن جملة «سألوا عنك» توشك ~~أن تودي بقوة مناعته كأشد الميكروبات فتكا، وتساءل وهو يبذل أقصى ~~ما يملك من قوة ليبدو طبيعيا: لماذا؟ ~~- سألوا عن فلان وعلان من أصحاب زمان ثم سألوا عنك فقلت: مدرس ~~بمدرسة السلحدار وفيلسوف كبير ينشر مقالات لا أفهمها في مجلة الفكر ~~التي لا أفتحها، فضحكوا ثم سألوا: «هل تزوج؟» فقلت: كلا .. # فوجد نفسه يسأل: ماذا قالوا؟ ~~- لا أذكر ماذا حولنا عن هذا الحديث؟ # إن المرض الكامن يهدد بالانفجار، والذي مرض قديما بالسل يجب أن ~~يحذر البرد، أما جملة سألوا عنك فما أشبهها بأنغام الصبا في بساطة ~~معناها وشديد نفاذها في النفس، وقد يطرأ ظرف فتعبر النفس حال ~~عاطفية مندثرة بكامل قوتها الماضية ثم تنقطع .. كالمطر في غير ~~أوانه، على ذلك شعر في هذه اللحظة العابرة بأنه انقلب ذلك العاشق ~~القديم، وأنه يعاني الحب حيا بكافة أنغامه السارة والحزينة، ~~ولكن الخطر لم يكن يتهدده بصفة جدية؛ فهو كالحالم المكروب الذي ~~يداخله شعور ملطف بأن ما يراه حلم لا حقيقة، لكنه تمنى في تلك ~~اللحظة لو تقع معجزة من السماء فيلقاها ولو لبضع دقائق فتعترف له ~~بأنها بادلته عاطفته يوما أو بعض يوم وأن فارق السن أو غيره هو ~~الذي فرق بينهما! لو وقعت هذه المعجزة لعزته عن كافة آلامه ~~قديمها وحديثها ولعد نفسه سعيدا في الخلق وأن الحياة لم تمض ~~عبثا، بيد أنها صحوة كاذبة كصحوة الموت، والأحرى به أن يقنع ~~بالنسيان، وهو نصر ولو انطوى على هزيمة، وليكن عزاؤه أنه ليس ~~الوحيد في البشر الذي مني بخيبة الحياة، وتساءل: متى يسافرون إلى ~~إيران؟ ~~- سافروا أمس أو هذا ما أخبرتني به في زيارتها .. ~~- وكيف تلقت كارثة أسرتها؟ ~~- تجنبت هذا الحديث بطبيعة ms187 الحال ولم تشر هي إليه! # وإذا برياض قلدس يهتف مشيرا أمامه: «انظروا!» فنظروا إلى الجناح ~~الأيسر من الشرفة فرأوا امرأة غريبة الشكل. كانت في الحلقة ~~السابعة، نحيلة الجسد، حافية القدمين، ترتدي جلبابا مما يرتدي ~~الرجال، وتضع على رأسها طاقية لا يبدو تحت حافتها أي أثر للشعر فهي ~~صلعاء أو قرعاء، أما وجهها فبدا غارقا في أصباغ الزواق على هيئة ~~مزرية مضحكة معا، ولم يكن فيها ناب واحد على حين راحت عيناها ~~ترسلان في جميع الجهات نظرات تودد واستعطاف باسم - تساءل رياض ~~باهتمام: شحاذة؟ # فقال إسماعيل: مجذوبة على الأرجح .. # وقفت تنظر إلى المقاعد الخالية في الجناح الأيسر ثم اختارت ~~مقعدا وجلست. عند ذلك انتبهت إلى أعين المحدقين فيها فابتسمت ~~ابتسامة عريضة وقالت: مساء الخير يا رجال! # فرحب رياض بتحيتها وقال بحرارة: مساء الخير يا حاجة! # فندت عنها ضحكة ذكرت إسماعيل - على حد قوله - بالأزبكية في ~~عزها! .. وقالت: حاجة! نعم أنا كذلك إن كنت تقصد المسجد ~~«الحرام»! # وضحكوا ثلاثتهم فتشجعت وقالت بإغراء: اطلبوا لي الشاي ~~والنارجيلة ولكم الأجر عند الله .. # فصفق رياض بحماس ليطلب لها ما أرادت، ومال على أذن كمال هامسا: ~~«هكذا تبدأ بعض القصص!» أما العجوز فقد ضحكت في سرور وقالت: هذا ~~كرم أيام زمان! .. أغنياء حرب يا أولادي؟ # فقال كمال ضاحكا: نحن فقراء حرب؟ أي موظفون يا حاجة .. # وسألها رياض: ما الاسم الكريم؟ # فارتفع رأسها في كبرياء مضحك وقالت: السلطانة زبيدة على سن ~~ورمح! ~~- السلطانة؟! ~~- نعم .. (ثم وهي تضحك): ولكن رعيتي ماتوا! ~~- الله يرحمهم! ~~- الله يرحم الأحياء أما الأموات فحسبهم أنهم بين يدي الله .. ~~خبروني من أنتم؟ # وجاء النادل بالنارجيلة والشاي وهو يبتسم، ثم اقترب من مجلس ~~الأصحاب وسألهم: تعرفونها؟ ~~- من هي؟ ~~- زبيدة العالمة، أشهر عالمة في زمانها، ثم انتهى بها العمر ~~والكوكايين إلى ما ترون! # خيل إلى كمال أنه لا يسمع هذا الاسم للمرة الأولى أما رياض ~~قلدس فقد ارتفع اهتمامه إلى الذروة فجعل يحث أصحابه على أن ~~يعرفوها بأنفسهم كما طلبت حتى تنفتح نفسها للكلام، فقال إسماعيل ms188 ~~مقدما نفسه: إسماعيل لطيف. # فقالت ضاحكة وهي ترشف الشاي قبل أن يبرد: عاشت الأسماء، ولو أنه ~~اسم لا معنى له .. # فضحكوا، وفي ذات الوقت سبها إسماعيل بصوت لم تسمعه، أما رياض ~~قلدس فقال: رياض قلدس. ~~- كافر؟! عشقني واحد منكم كان تاجرا في الموسكي اسمه يوسف غطاس، ~~كان قد الدنيا، وكنت أصلبه على السرير حتى يطلع الصبح! .. # وشاركتهم ضحكهم وقد لاحت الغبطة في وجهها ثم اتجه بصرها إلى كمال ~~فقال: كمال أحمد عبد الجواد. # وكانت تقرب قدح الشاي من فيها فتوقفت يدها في يقظة طارئة ثم ~~حملقت في وجهه متسائلة: قلت ماذا؟ # فأجاب عنه رياض قلدس: كمال أحمد عبد الجواد. # فأخذت نفسا من النارجيلة، وقالت وكأنما تخاطب نفسها: أحمد ~~عبد الجواد! ولكن ما أكثر الأسماء! كالقروش أيام زمان .. (ثم مخاطبة ~~كمال): والدك تاجر النحاسين؟ # فدهش كمال وقال: نعم. # فقامت من مجلسها واقتربت منهم حتى وقفت أمامه ثم ضحكت ضحكة عالية ~~أقوى من هيكلها بأجيال وهتفت: أنت ابن عبد الجواد! يا ابن الرفيق ~~الغالي! ولكنك لا تشبهه! هذا أنفه حقا، ولكنه كان كالبدر في ~~ليلته، ما عليك إلا أن تذكره بالسلطانة زبيدة وهو يحدثك عني بما ~~فيه الكفاية! # أغرق رياض وإسماعيل في الضحك، على حين ابتسم كمال وهو يغالب ما ~~ركبه من ارتباك، وهنا فقط تذكر حديث ياسين في الزمن الخالي، بل ~~أحاديثه عن أبيه وزبيدة العالمة! وعادت تسأله: كيف حال السيد؟ ~~انقطعت من زمن طويل عن حيكم الذي نبذني، أنا الآن من أهل ~~الإمام، ولكني أحن إلى الحسين فأزوره كل حين ومين، وكنت مريضة ~~وطال بي المرض حتى ضاق بي الجيران فلولا الملام لرموني في القبر ~~حية، كيف حال السيد؟ .. # فقال كمال في شيء من الوجوم: توفي منذ أربعة أشهر .. # فقطبت قليلا وقالت: إلى رحمة الله، يا خسارة، كان رجلا ولا كل ~~الرجال .. # ثم عادت إلى مجلسها، وبغتة ضحكت ضحكة عالية، وما لبث أن ظهر صاحب ~~القهوة عند مدخل الشرفة وهو يقول لها منذرا: كفاية ضحك، سكتنا له ~~دخل بحماره، كتر ms189 خير البكوات على إكرامهم لك، ولكن إن عدت إلى ~~الزياط فالباب من هنا .. # فلاذت بالصمت حتى ذهب الرجل، ثم نظرت إليهم باسمة، ثم سألت كمال: ~~وأنت كأبيك أم لا .. # وأتت بيدها حركة شاذة فضحك الأصدقاء وقال إسماعيل: إنه لم يتزوج ~~بعد! # فقالت في لهجة ارتياب عابث: الظاهر أنك ابن أونطة! .. # فضحكوا، ثم نهض رياض، ومضى إليها فجلس إلى جانبها وهو يقول: حصل ~~لنا الشرف يا سلطانة، ولكني أود أن أسمع لك وأنت تحدثينا عن أيام ~~السلطنة! # 41 # لم يبق إلا ثلث ساعة ثم تلقي المحاضرة، أما قاعة إيوارت فقد ~~قاربت الامتلاء. إن مستر روجر - كما قال رياض قلدس - أستاذ خطير، ~~وهو كأخطر ما يكون حين يتكلم عن شكسبير. أجل قيل أن المحاضرة لن ~~تخلو في النهاية من نوع من الدعاية السياسية ولكن ماذا يهم في ~~ذلك ما دام المحاضر هو مستر روجر والموضوع هو وليم شكسبير. غير أن ~~رياض كان مغتما واجما، ولولا أنه هو الذي دعا كمال إلى سماع ~~المحاضرة لتخلف عن شهودها. وكان حزينا كما ينبغي لرجل مثله ~~تستأثر السياسة باهتمامه كل هذا الاستئثار. وكان يهمس في أذن كمال ~~بانفعال غير خاف: يفصل مكرم من الوفد! كيف تقع هذه ~~الخوارق! # ولم يكن كمال قد أفاق من الخبر كذلك فهز رأسه في وجوم دون أن ~~ينبس: إنها كارثة قومية يا كمال، ما كان ينبغي أن تتهاوى الأمور ~~حتى هذا الحضيض .. ~~- نعم، ولكن من المسئول؟ ~~- النحاس! قد يكون مكرم عصبيا، ولكن الفساد الذي تسرب إلى ~~الحكومة أمر واقع ولا يصح السكوت عليه. # فقال كمال باسما: دعنا من الفساد الحكومي، ثورة مكرم ليست على ~~الفساد بقدر ما هي لضياع النفوذ .. # فتساءل رياض في شيء من التسليم: أيباع مكرم المجاهد بعاطفة ~~زائلة؟ .. # فلم يتمالك كمال أن ضحك قائلا: لقد بعت نفسك أنت بهذه العاطفة ~~الزائلة! # ولكن رياض قال دون أن يبتسم: أجبني! .. ~~- مكرم عصبي، شاعر ومغن! عنده أن يكون كل شيء أو لا يكون ~~شيئا على الإطلاق، وجد نفوذه المأثور يتقلص فثار، ms190 ثم وقف لهم ~~وقفته في مجلس الوزراء منددا علانية بالاستثناءات فاستحال التفاهم ~~أو التعاون، حدث يؤسف له. ~~- والنتيجة؟ ~~- هنالك السراي تبارك ولا شك هذا الانشقاق الجديد في الوفد، ~~وستحتضن مكرم في الوقت المناسب كما احتضنت غيره من قبل، سنرى من ~~الآن فصاعدا مكرم وهو يلعب دوره الجديد مع الأقليات السياسية ~~ورجال السراي، إما هذا وإما العزلة، لعلهم يكرهونه كما يكرهون ~~النحاس أو أكثر، ومنهم أناس لم يكرهوا الوفد إلا كراهة في مكرم ~~ولكنهم سيحتضنونه ليهدموا به الوفد، أما عن المصير بعد ذلك فلا ~~يمكن التنبؤ به .. # فعبس رياض وقال: صورة بشعة، أخطأ الاثنان، النحاس ومكرم، إن ~~قلبي متشائم من هذه الحركة .. # ثم بصوت أشد انخفاضا: سيجد الأقباط أنفسهم بلا مأوى، أو يأوون ~~إلى حصن عدوهم اللدود «الملك» وهو مأوى لن يدوم لهم طويلا، وإذا ~~اضطهدنا الوفد كما تضطهدنا الأقليات فكيف يكون الحال؟ # فتساءل كمال متغابيا: لماذا تدفع بالأمر خارج حدود الطبيعة؟ ~~مكرم ليس الأقباط والأقباط ليسوا مكرم، إنه شخص ذهب أما مبدأ ~~الوفد القومي فلن يذهب .. # فهز رياض رأسه في أسف ساخر وقال: هذا ما قد يكتب في الجرائد، ~~أما الحقيقة فهي ما أعني. لقد شعر الأقباط بأنهم طردوا من الوفد، ~~وهم يتلمسون الأمان وأخشى ألا يظفروا به أبدا. لقد جاءتني السياسة ~~أخيرا بعقدة جديدة كعقدة الدين؛ فكما كنت أنبذ الدين بعقلي وأميل ~~إليه بقلبي بصفته رابطة قومية فكذلك سأنبذ الوفد بقلبي وأميل إليه ~~بعقلي، إذا قلت إني وفدي فقد كذبت قلبي، وإذا قلت إني عدو للوفد ~~خنت عقلي، إنها كارثة لم تخطر لي على بال، والظاهر أنه مقضي ~~علينا نحن الأقباط بأن نعيش في شخصيات منقسمة أبدا، لو كانت ~~مجموعتنا فردا واحدا لجن! # شعر كمال بامتعاض وألم، وبدت له لحظتذاك جماعات البشر وكأنها ~~تمثل مهزلة ساخرة ذات نهاية مفجعة، ثم قال في صوت لا ينم عن إيمان: ~~عسى أن تكون مشكلة وهمية، إذا نظرتم إلى مكرم كرجل سياسي لا ~~الأمة القبطية جميعا! ~~- هل ينظر إليه المسلمون أنفسهم على هذا ms191 النحو؟! ~~- هكذا أنظر إليه أنا! # فابتسمت شفتا رياض رغم كآبته وقال: إني أتساءل عن المسلمين فما ~~دخلك أنت؟ ~~- أليس موقفنا واحدا؛ أعني أنا وأنت؟ ~~- بلى مع فارق بسيط، وهو أنك لست من الأقلية .. (ثم وهو ~~يبتسم): لو عشت في عصر الفتح الإسلامي وتكشف لي الغيب لدعوت ~~الأقباط جميعا إلى الدخول في دين الله! .. # ثم في شيء من الاحتجاج: إنك لا تصغي إلي ..! ~~- أجل! # كانت عيناه مصوبتين نحو مدخل القاعة. ونظر رياض إلى حيث ينظر ~~فرأى فتاة في مقتبل العمر، ترتدي فستانا رماديا بسيطا، في ~~هيئة الطالبات، وقد جلست في المقاعد الأمامية المخصصة ~~للسيدات. ~~- تعرفها؟ .. ~~- لا أدري؟ .. # وانقطعت فرصة الكلام إذ ~~ظهر الأستاذ المحاضر على المنصة ودوت القاعة بالتصفيق الحاد، ثم ~~ساد الصمت الذي تبدو فيه السعلة كالذنب الفاضح، ثم قدمه مدير ~~الجامعة الأمريكية بكلمة مناسبة، ثم بدأ الرجل في إلقاء محاضرته. ~~وظل كمال أكثر الوقت متجه العينين نحو رأس الفتاة في تساؤل ~~واهتمام. وكان قد رآها مصادفة عند دخولها، فدهمه منظرها، وانتزعته ~~بقوة من تيار أفكاره، ثم قذفت به في الماضي عشرين عاما ثم استردته ~~إلى الحاضر وهو يلهث. خيل إليه أول الأمر أنه يرى عايدة. غير ~~أنها لم تكن عايدة دون ريب .. هذه الفتاة التي لا يمكن أن تجاوز ~~العشرين. ولم يتح له وقت كاف كي يتفحص قسماتها ولكن جملة منظرها ~~كان فيه الكفاية، هيئة الوجه والقامة والروح ومجتلى العينين، أجل ~~لم ير هاتين العينين في غير وجه عايدة من قبل. أتكون شقيقتها؟ خطر ~~له هذا الرأي أول ما خطر. بدور. ولم يغب عنه الاسم هذه المرة. ~~وسرعان ما ذكر صداقتها له في الماضي البعيد، ولكن هيهات - أن تكون ~~حقا هي - أن تتذكره. المهم أن صورتها أيقظت قلبه، ردته ولو إلى ~~حين إلى شيء من تلك الحياة الغامرة الغنية التي اكتظ بها زمنا؛ ~~فهو في اضطراب، يسمع إلى الأستاذ المحاضر دقائق ثم ينظر إلى رأس ~~الفتاة أكثر الوقت، ثم يغرق في موجة الذكريات، مستشعرا في أناة ~~جملة المشاعر التي ms192 تتلاحم وتصطرع في وجدانه. فلأتبعها لأعرف ~~حقيقتها، لا غاية لي ولكن الملول مشاء، إني أتوق لأي شيء قد ~~يمسح عن روحي الصدأ المتكاثف فوقها. وتربص مبيتا هذه النية، ترى ~~أطالت المحاضرة أم قصرت؟ لا يدري. ولكنه عند انتهائها أفضى بغرضه ~~إلى رياض ثم ودعه وسار في أثر الفتاة. تابع بعناية مشيتها، مشية ~~رشيقة، قامة هيفاء، لا يستطيع أن يقارن بين المشيتين لأن الأخرى لم ~~يعد متوكدا منها، أما القامة فأغلب الظن أنها هي هي، وكان شعر ~~الأخرى «ألاجرسون» أما هذا الشعر فغزير معقوص، ولكن اللون الأسود ~~واحد في الحالين ما في ذلك شك، ولم يستطع أيضا أن يتفحص وجهها ~~على محطة الترام لازدحامها بجمهور المستمعين، ولكنها استقلت الترام ~~رقم 15 الذاهب إلى العتبة وانحشرت في الحريم فاستقله وراءها وهو ~~يتساءل: ترى أهي في طريقها إلى العباسية أم إن ما يفترضه ليس إلا ~~أضغاث أحلام؟ عايدة لم تستقل تراما في حياتها قط، كان رهن أمرها ~~سيارتان، أما هذه المسكينة ..! وداخله حزن كحزنه يوم استمع إلى قصة ~~إفلاس شداد بك وانتحاره. وأفرغ الترام أكثر حمولته في العتبة ~~فاختار موقفا غير بعيد منها فوق طوار المحطة، وجعلت تنظر صوب ~~الناحية التي تترقب مجيء الترام منها فرأى جيدها الطويل النحيل؛ ~~ذلك العهد القديم، ثم لاحظ أن بشرتها قمحية اللون مع ميل إلى ~~البياض، ليست خمرية كالصورة الذاهبة، فشعر لذلك بأول أسف منذ ~~تبعها. كأنما تبعها ليرى الأخرى. ثم جاء ترام العباسية فتأهبت ~~للركوب، ولما وجدت الحريم مزدحمة استقلت عربة الدرجة الثانية، ~~ولم يتردد فكان في أعقابها، وجلست فجلس إلى جانبها، ثم امتلأت ~~المقاعد على الصفين، ثم امتلأ ما بينهما بالواقفين. ووجد لتوفيقه ~~في الجلوس إلى جانبها ارتياحا لا مزيد عليه، غير أن جلوسها بين ~~جمهور الدرجة الثانية أحزنه مرة أخرى. ربما لما يحدثه ذلك من ~~تباين عند مطابقة الصورتين، القديمة الخالدة والماثلة إلى جانبه. ~~وكان منكبه يلامس منكبها ملامسة خفيفة كلما ند عن الترام حركة ~~مفاجئة خاصة عند القيام والوقوف، وجعل يلاحظها كلما أمكن ms193 ~~ويتفحصها ما استطاع. هاتان العينان السوداوان الساجيتان، ~~والحاجبان المقرونان، والأنف السوي اللطيف، والوجه البدري. كأنه ~~ينظر إلى عايدة. حقا؟ كلا، ثمة تباين في لون البشرة، ولمسة ~~اختلاف هنا أو هناك، لا يذكر إن كانت إلى الزيادة هي أم إلى ~~النقصان، ومع أن تباينهما كان يسيرا إلا أن إحساسه به كان خطيرا؛ ~~فهو كدرجة الحرارة الواحدة التي قد تكون فاصلا بين الصحة والمرض، ~~ولكنه كان في الوقت نفسه حيال أقرب مثال إلى عايدة التي خيل إليه ~~أنه بات يذكرها أوضح من أي وقت مضى على ضوء هذا الوجه الجميل. ~~والجسم لعله هو هو، ما أكثر ما تساءل عنه، فلعله الآن يراه، وهو ~~رشيق نحيل، صدره آية في الحياء، كذلك هو في جملته، لا يمت بسبب ~~إلى جسم عطية البض المدملج الذي يتعشقه! فهل فسد ذوقه على مر ~~الأيام؟ أو أن حبه القديم كان ثائرا على غريزته الكامنة؟ بيد ~~أنه كان حبا سعيدا حالما ثمل القلب بنشوات الذكريات، وكانت ~~ملامساته المتقطعة لها تزيده نشوة وإغراقا في التأملات، إنه لم ~~يمس عايدة، كان يراها أبدا مستحيلة المنال، أما هذه الصغيرة فهي ~~تسير في الأسواق وتجلس في تواضع بين جمهور الدرجة الثانية، فما أشد ~~حزنه، وذلك التباين الطفيف الذي أحنقه وخيب أمله، وقضى على حبه ~~القديم بأن يبقى لغزا إلى الأبد. وجاء الكمسارى مناديا «التذاكر ~~والأبونيهات» ففتحت حقيبتها وأخرجت تذكرة الاشتراك وانتظرت حتى يصل ~~الرجل إليها، فاسترق إلى التذكرة النظر حتى عثر على اسمها «بدور ~~عبد الحميد شداد .. طالبة بكلية الآداب»، لم يعد ثمة شك، أن قلبي ~~يخفق أكثر مما ينبغي، لو أستطيع أن أنشل هذا الاشتراك! كي أحتفظ ~~بأقرب صورة لعايدة، آه لو كان في الإمكان هذا، مدرس في السادسة ~~والثلاثين ينشل طالبة بكلية الآداب؟ يا له من عنوان مثير تتمناه ~~الجرائد، فيلسوف فاشل في حدود الأربعين! ترى ما سن بدور؟ لم تكن ~~تجاوز الخامسة عام 1926 فهي في الواحدة والعشرين من عمرها السعيد، ~~السعيد؟! لا قصر ولا سيارة ولا خدم ولا حشم، ms194 ولم تكن دون الرابعة ~~عشرة حين حلت الكارثة بأسرتها، وهو عمر حري بأن يدرك معنى ~~الكارثة ويذوق الألم، تألمت المسكينة وذعرت، ابتليت بهذا الشعور ~~القاسي الذي أصبحت به جد خبير، جمعنا الألم على تفاوت في الزمن ~~كما جمعتنا الصداقة القديمة المنسية .. وجاءها الكمساري، فسمعها ~~وهي تقول له: «تفضل»، ثم ناولته التذكرة . وطرق الصوت مسمعه كنغمة ~~قديمة محبوبة طواها النسيان دهرا طويلا ثم انبعثت في السمع بكل ~~حلاوتها وجميع ذكرياتها فأحيت فترة سماوية من الزمن، دومت أذنه ~~في مملكة الطرب الإلهية مستهدفة أحلام الزمان الغابر، هذه النغمة ~~الدافئة الرخيمة المفعمة بسحر الطرب. أسمعيني صوتك وما هو بصوتك. ~~يا صديقتي القديمة السيئة الحظ، من حسن الحظ أن صاحبة هذا الصوت ~~الأصلية ما زالت تنعم بمثل حياتها الأولى، لم ترتق إليها الأحزان ~~التي أغرقت أسرتها، أما أنت فقد انحدرت إلينا نحن جمهور الدرجة ~~الثانية، ألا تذكرين صديقك الذي كنت تتعلقين بعنقه وتبادلينه ~~القبل؟ كيف تعيشين اليوم يا صغيرتي؟ وهل تعملين مثلي في النهاية ~~مدرسة بإحدى المدارس الابتدائية؟ ومر الترام بمكان القصر القديم ~~الذي قام في موضعه بناء ضخم جديد. وقد رآه قبل ذلك في المرات ~~القلائل التي زار فيها العباسية منذ انقطاعه التاريخي عنها خاصة في ~~العهد الأخير وهو يتردد على بيت فؤاد جميل الحمزاوي. العباسية ~~نفسها تغيرت كبيتكم يا صغيرتي، اختفت قصورها وحدائقها التي عاصرت ~~حبي وحزن، وقامت مكانها العمارات الضخمة المكتظة بالسكان ~~والحوانيت والمقاهي والسينمات، فليسر بذلك أحمد المفتون بمتابعة ~~صراع الطبقات، أما أنا فكيف أشمت بالقصر وآله على حين أن قلبي ~~مطمور في أنقاضه؟ أو كيف أحتقر المخلوق البديع الذي لم يذق نكد ~~العيش ولا زحمة الشعب إذ كان يخطر كالمعنى الجميل وقلبي له ~~ساجد؟ # وعندما توقف الترام في ~~المحطة التالية لقسم الوايلي غادرته فتبعها ووقف على طوار المحطة ~~يراقبها. فرآها وهي تعبر الطريق إلى شارع «ابن زيدون» الذي يواجه ~~المحطة مباشرة. كان شارعا ضيقا تقوم على جانبه بيوت قديمة من ~~بيوت الطبقة الوسطى وتغطي وجهه الممهد بالأسفلت الأتربة والحصى ms195 ~~والأوراق المبعثرة وقد دخلت ثالث بيت إلى اليسار من باب ضيق ~~تلاصقه دكان كواء. ووقف ينظر إلى الطريق والبيت في صمت واجم؛ ~~ذلك المكان الذي تقيم فيه اليوم سنية هانم حرم شداد بك! وهذه ~~الشقة لا يزيد إيجارها على ثلاثة جنيهات، وليت سنية هانم تخرج إلى ~~الشرفة ليلقي عليها نظرة ويقيس ما حاق بها من تغير لا شك أنه ~~خطير، ولعله لم ينس بعد منظرها النفيس حين كانت تغادر السلاملك ~~متأبطة ذراع زوجها إلى حيث تنتظر السيارة، كانت تختال عجبا في ~~معطفها الوثير وتلقي على ما حولها نظرات مليئة بالسؤدد ~~والطمأنينة، ولن يمنى الإنسان بعدو أشد فتكا من الزمن، في هذه ~~الشقة نزلت عايدة في أثناء إقامتها بالقاهرة، ولعلها جلست بعد ~~العصاري في هذه الشرفة البالية، ولعلها قاسمت أمها وأختها فراشهما ~~الواحد ما في ذلك ريب، فليتني علمت بوجودها في الوقت المناسب، ~~وليتني رأيتها بعد ذلك التاريخ الطويل، كان ينبغي أن أراها وأنا ~~متحرر من استبدادها، كي أعرفها على حقيقتها، وبالتالي كي أعرف نفسي ~~أنا ولكن ضاعت هذه الفرصة النادرة .. # 42 # جلس كمال بين طلبة وطالبات ~~قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب يصغي إلى الدرس الذي يلقيه ~~الأستاذ الإنجليزي. لم تكن أول مرة يحضر فيها هذا الدرس ولا آخر ~~مرة فيما بدا له. ولم يكن قد وجد صعوبة تذكر عند الاستئذان في ~~الحضور - كمستمع - لمتابعة الدروس المسائية التي تلقى ثلاث مرات ~~في الأسبوع، وأكثر من هذا فإن الأستاذ قد رحب به عندما علم بأنه ~~مدرس لغة إنجليزية. أجل كان غريبا بعض الشيء أن يعنى بمتابعة هذه ~~الدروس في أواخر العام الدراسي، ولكنه علل ذلك أمام الأستاذ بأنه ~~يقوم ببحث استدعى متابعة هذه المحاضرات رغم ما فاته منها، وكان قد ~~علم بوجود بدور في هذا القسم عن طريق رياض قلدس الذي عرفه بدوره عن ~~طريق صديقه سكرتير الكلية. وبدا منظره، ببذلته الأنيقة ونظارته ~~الذهبية وطوله ونحوله وشاربه الغليظ وشعيراته البيض التي تلتمع في ~~سوالفه إلى رأسه الضخم وأنفه الكبير، بدا كل أولئك ms196 ملفتا للأنظار ~~خاصة وهو يجلس بين عدد محدود من الشباب الغض، فكم بدوا كالمتسائلين ~~وكم حدجوه بنظرات لم يرتح لها، حتى خيل إليه أنه يسمع ما يدور ~~في نفوسهم من ملاحظات وتعليقات هو أدرى الناس بها وأخبر! هو نفسه ~~كان يعجب لهذه الخطوة الخارقة التي أقدم عليها دون مبالاة على ما ~~جشمته من جهد وحرج، ما بواعثها الحقيقية وما هدفها؟ لا يدري ~~شيئا على وجه التحقيق ولكنه ما إن رأى بارقة نور في ظلمة حياته ~~الداكنة حتى انطلق يتسمته وهو لا يلوي على شيء مدفوعا بقوى ~~هائلة من اليأس والأشواق والأمل، غير مبال بما قد يعثر به في ~~طريق محفوف بالتزمت والتقاليد من ناحية، وبالشباب المتوثب للسخرية ~~من ناحية أخرى. كان غارقا في اليأس والملل فجرى ملهوفا وراء هذا ~~الشيء الذي لا يشك في أنه تسلية وأي تسلية، وحياة وأي حياة، وبحسبه ~~أنه انقلب يهتم بالزمن وينشد الأمل ويأمل في المسرة، بل وها هو ~~قلبه يخفق وكان قبل ذلك ميتا، وكان يشعر بضيق الوقت، فالعام ~~الدراسي يشارف نهايته المحتومة، بيد أن محاولته لم تضع هباء، ~~فبدور قد رأته كما رآه الجميع، ولعلها شاركت فيما يدور من همس ~~حوله، إلى أن عينيهما قد تلاقتا أكثر من مرة، ولعلها طالعت في ~~عينيه ما يضطرم في ذاته من الاهتمام والإعجاب، من يدري؟ وفضلا عن ~~هذا كله فعند العودة يستقلان ترام الجيزة معا ثم ترام العباسية، ~~وكثيرا ما يجلسان في مكان واحد، فباتت تعرفه جيدا، وهو نجاح ~~لا بأس به لشخص بعيد عن حيها كله، خاصة إذا كان مدرسا حريصا ~~على مظاهر مهنته وما تقتضيه من استقامة ووقار. أما عن غايته من هذا ~~كله فلم يشق على نفسه في تحقيقها. لقد دبت فيه الحياة بعد موات ~~فتهالك عليها، وهو تواق بكل قوة نفسه المعذبة إلى أن يعود ذلك ~~الإنسان الذي تعتلج في وجدانه المشاعر وتهيم في عقله الخواطر ~~وتتجلى في حواسه المناظر، وأن ينسى بهذا السحر ضجره وسقمه وحيرته ~~أمام ألغاز لا تحل، كأنها ms197 الخمر ولكنها أعمق متاعا وألطف عاقبة. ~~وفي الأسبوع الماضي حدث شيء تأثر له قلبه أيما تأثر. فقد عاقه ~~إشرافه على النشاط الرياضي بمدرسة السلحدار عن الوصول إلى الكلية ~~في الوقت المناسب، فدخل حجرة الدرس متأخرا، والتقت عيناهما عند ~~دخوله وهو يسير على أطراف أصابعه أن يحدث صوتا، التقت عيناهما ~~التقاء خاطفا سحريا ، وسرعان ما أرخت جفونها فيما يشبه الحياء. ~~لم تكن أذن مجرد نظرة تلتقي فيها عينان محايدتان، وبات مرجحا أنها ~~استشعرت شيئا من الحياء، فهل كان يقع هذا لو كان نشاط عينيه قد ~~ضاع عبثا؟! الصغيرة باتت تستحي من نظراته فلعلها أخذت تدرك أنها ~~ليست بالنظرات البريئة التي توجهها المصادفة. وأثار ذلك في نفسه ~~جملة من الذكريات واستدعى كثيرا من الصور، حتى وجد نفسه يتذكر ~~عايدة ويتخيلها، ولكنه لم يدر لماذا، فإن عايدة لم تغض الطرف ~~حياء حياله قط، فلعل شيئا آخر الذي ذكره بها، لفتة أو رنوة أو ~~ذلك السر الساحر الذي ندعوه بالروح. وأول أمس حدث شيء آخر له ~~خطورته كذلك، انظر كيف ردت الحياة إليك! قبل ذلك لم يكن لشيء خطورة ~~قط، أو لم تكن تضفي الخطورة إلا على هذه الألغاز العقيمة كالإرادة ~~عند شوبنهور أو المطلق عند هيجل أو وثبة الحياة عند برجسون، كانت ~~الحياة كلها صماء لا خطر لها، انظر اليوم كيف أن رنوة أو لفتة أو ~~ابتسامة قد تزلزل لها الأرض جميعا! حدث ذلك وهو ماض إلى الكلية ~~قبل الخامسة مساء مخترقا حديقة الأورمان، فما يدري إلا وبدور ~~وثلاث فتيات يطالعنه على أريكة ينتظرن عليها ميعاد الدرس، والتقت ~~عيناهما التقاء عميقا كما وقع في حجرة الدرس، وكان يود أن ~~يحييهن عند الاقتراب ولكن الممشى الذي يسير فيه عرج به بعيدا ~~عنهن كأنه أبى أن يشترك في هذه المؤامرة العاطفية المرتجلة، ولما ~~ابتعد قليلا التفت وراءه فرآهن يهمسن في أذنها باسمات وهي مسندة ~~رأسها إلى راحتها كأنما تخفي وجهها! ما هذا المنظر البديع؟! لو كان ~~رياض معه لأحسن تحليله وتفسيره، ولكنه لا يحتاج إلى ms198 براعة رياض، ~~لا شك أنهن يهمسن لها عنه حتى أخفت وجهها حياء! هل ثمة معنى ~~غير هذا؟ فلعل الصب فضحته عيونه، ولعله جاوز المدى وهو لا يدري حتى ~~صار أحدوثة، وماذا يكون من أمره لو انقلب الهمس تعريضا يتمازح به ~~الطلبة الشياطين؟ وفكر جادا في الانقطاع عن الكلية، ولكنه وجدها ~~تجلس إلى جانبه في ترام العباسية ذلك المساء كما حدث أول يوم تبعها ~~فيه! وترصد التفاتها ناحيته ليحييها وليكن ما يكون، فلما طال ~~انتظاره بعض الشيء التفت هو ثم تظاهر بأنه فوجئ بجلوسها لصقه فهمس ~~في أدب: مساء الخير .. # فنظرت نحوه كالدهشة - لم تترك له عايدة ذكرى تصنع أنثوي من أي ~~نوع كان - ثم همست: مساء الخير .. # زميلان يتبادلان التحية ولا غبار على ذلك، لم يكن مع أختها بهذه ~~الجرأة، ولكنها كانت الكبرى وكان الصغير الساذج. ~~- حضرتك من العباسية فيما أعتقد؟ ~~- نعم .. # لا تريد أن تدفع الحديث من ناحيتها! ~~- من المؤسف أنني لم أتابع المحاضرات إلا أخيرا .. ~~- نعم .. ~~- أرجو أن أعوض ما فاتني في المستقبل .. # فابتسمت دون أن تنبس: «زيديني من سماع صوتك فإنه النغمة الوحيدة ~~من الماضي التي لم يغيرها الزمن.» ~~- ماذا تنوين بعد الليسانس؟ معهد التربية؟ # فقالت باهتمام لأول مرة: لا حاجة بي إلى ذلك؛ لأن الوزارة ~~محتاجة إلى مدرسات ومدرسين بسبب ظروف الحرب والتوسع الجديد في ~~التعليم .. # طمع في نغمة واحدة فوهب لحنا كاملا! ~~- إذن ستعملين مدرسة! ~~- نعم، لم لا؟ ~~- إنها مهنة شاقة، سليني عنها. # حضرتك مدرس فيما سمعت؟ ~~- نعم، أوه، نسيت أن أقدم نفسي، كمال أحمد عبد الجواد! ~~- تشرفنا. # فقال باسما: لكنك لم تشرفيني بعد؟ ~~- بدور عبد الحميد شداد! ~~- تشرفنا يا افندم .. # ثم مستدركا كمن فوجئ بشيء فريد: عبد الحميد شداد! ومن العباسية؟ ~~حضرتك أخت حسين شداد؟ # فلمعت عيناها في اهتمام وقالت: نعم. # فضحك كمال كأنما يضحك ~~عجبا من غرابة المصادفات وقال: يا سلام! كان أعز أصدقائي، وقضينا ~~معا أياما سعيدة جدا، رباه أأنت أخته الصغيرة التي كانت تلعب ~~في الحديقة؟ # فحدجته بنظرة استطلاع. هيهات أن ms199 تتذكره! «في ذلك العهد كنت ~~مغرمة بي كما كنت مغرما بأختك.» ~~- لا أذكر شيئا طبعا .. ~~- طبعا، هذا تاريخ يرجع إلى عام 1923 وما بعده حتى عام 1929، ~~تاريخ سفر حسين إلى أوروبا، ماذا يفعل الآن؟ ~~- في فرنسا في القسم الجنوبي الذي انتقلت إليه الحكومة الفرنسية ~~عقب الاحتلال الألماني .. ~~- وكيف حاله؟ من زمن طويل انقطعت عني أخباره ورسائله .. ~~- بخير .. # نطقت بها في لهجة نمت عن رغبة عن الخوض في الموضوع أكثر من ذلك. ~~وتساءل كمال والترام يمر بمكان القصر القديم. ترى ألم يخطئ ~~بمكاشفتها بصداقته القديمة لأخيها؟ أليس في ذلك حد من حريته فيما ~~هو بسبيله؟ ولما جاءت المحطة التالية لقسم الوايلي حيته وغادرت ~~الترام، فلبث في مكانه كأنما نسي نفسه. كان طوال الطريق يتفحصها ~~كلما سنحت فرصة لعله يهتدي إلى السر الذي سحره قديما، ولكنه لم ~~يجده وإن شعر مرارا بأنه منه قريب. وكانت تبدو لطيفة وديعة، ~~وكانت تبدو قريبة المنال. وهو الآن يشعر كأنما يعاني خيبة أمل ~~غامضة وحزنا غير بين الأسباب. لو أراد الزواج من هذه الفتاة ما ~~اعترضه عائق جدي. أجل إنها تبدو مستجيبة ملبية، رغم فارق ~~السن المحسوس أو بسبب فارق السن؟! ثم إن التجارب قد علمته أن ~~شكله لن يعوقه عن الزواج إذا أراده. وهو إذا تزوجها انتقل بقدرة ~~قادر إلى عضوية أسرة عايدة، ولكن ما كنه هذا الخيال السخيف؟ وما ~~عايدة الآن بالنسبة إليه؟ الحق أنه لا يريد عايدة، ولكنه لا يكف ~~عن التطلع إلى معرفة سرها، لعله يقتنع في الأقل بأن أزهى عصور ~~العمر - لم يضع هباء. ووجد رغبة - طالما ألحت عليه على فترات ~~من العمر - في مراجعة كراسة الذكريات وعلبة الملبس التي أهديت ~~إليه ليلة الزفاف. ثم جاش صدره بالحنين حتى تساءل: ترى أيمكن أن ~~يقع الإنسان في الحب وهو يحسن فهمه ويلم بعناصر تركيبه البيولوجية ~~والاجتماعية والنفسية؟ ولكن هل يقي الكيميائي علمه بالسموم من ~~أن يموت بها كضحاياها الآخرين؟! أو فلماذا يجيش صدره هذا الجيشان؟ ~~رغم ما مني به من خيبة الأمل، ms200 رغم الفارق الكبير بين الماضي ~~والحاضر، رغم أنه لا يدري إن كان من أهل الماضي أم من أهل الحاضر، ~~رغم هذا كله فصدره جياش وقلبه يخفق .. # 43 # هنا حديقة الشاي، سماؤها أفرع وغصون ريانة، ومرتاد النظر البط ~~السابح في البحيرة الزمردية، والجبلاية فيما وراء ذلك. واليوم عطلة ~~مجلة الإنسان الجديد، وها هي سوسن حماد تبدو رائعة في فستان أزرق ~~خفيف كشف عن ذراعيها السمراوين، وهي آخذة زينتها ولكن في لباقة ~~وحذر. وكان قد مضى على زمالتهما عام فجلسا متقابلين يضيء وجهيهما ~~ابتسام التفاهم، بينهما مائدة عليها دورق ماء وكأسا دندورمة لم ~~يبق فيهما إلا ذوب ثمالة الحليب المورد بالفراولا. «إنها أعز ~~شيء لدي في هذه الدنيا، أدين لها بمسراتي جميعا وهي قبلة آمالي ~~أيضا، ونحن زميلان مخلصان، لم ينطق الحب بيننا ولكنني لا أشك في ~~أننا متحابان، ومتعاونان كأحسن ما يكون التعاون، بدأنا رفيقين في ~~ميدان الحرية، وعملنا يدا واحدة، وكلانا مرشح للسجن، وكنت كلما ~~نوهت بجمالها حملقت في وجهي محتجة وزجرتني مقطبة كأن الحب شيء لا ~~يليق بنا فأبتسم وأعود إلى ما كنا فيه من عمل، ويوما قلت لها: ~~«إني أحبك .. إني أحبك .. فافعلي ما بدا لك»، فقالت لي: «هذه ~~الحياة هي الجد كل الجد وأنت تعبث»، فقلت لها: «إني مثلك أرى أن ~~الرأسمالية في طور الاحتضار وأنها استنفدت كافة أغراضها، وأن على ~~الطبقة العاملة أن تطلق إرادتها لتدور آلة التطور إذ إن الثمرة لن ~~تسقط وحدها، وإن علينا أن نخلق الوعي ولكني بعد ذلك أو قبل ذلك ~~أحبك» فقطبت تقطيبة متكلفة بعض الشيء وقالت: «إنك تصر على ~~إسماعي ما لا أحب»، وشجعني خلو حجرة السكرتارية فهويت إلى وجهها ~~فجأة ولثمت خدها فحدجتني بنظرة قاسية وأكبت على ترجمة ما ~~تبقى من الفصل الثامن من كتاب نظام الأسرة في الاتحاد السوفييتي ~~الذي كنا نترجمه معا.» ~~- هذا الحر كله في يونيو فكيف إذا جاء يوليو وأغسطس ~~يا عزيزتي؟ ~~- يبدو أن الإسكندرية لم تخلق لأمثالنا! # فضحك قائلا: ولكن الإسكندرية لم تعد مصيفا، ms201 كانت كذلك قبل ~~الحرب أما اليوم فالإشاعات قد جعلتها خرابا .. ~~- الأستاذ عدلي كريم يؤكد أن أكثرية سكانها قد هجروها وأن ~~طرقاتها ملأى بالقطط الهائمة على وجهها! ~~- هي كذلك، وعما قريب يدخلها رومل بجيوشه .. # ثم بعد صمت قصير: وسوف يلتقي في السويس بالجيوش اليابانية ~~الزاحفة على آسيا ويعود العهد الفاشستي كما كان في العصر ~~الحجري ! # فقالت سوسن في شيء من الانفعال: روسيا لن تنهزم، وإن آمال ~~البشرية مصونة خلف جبال الأورال .. ~~- نعم لكن الألمان على أبواب الإسكندرية! # تساءلت وهي تنفخ: لماذا يحب المصريون الألمان؟ ~~- كراهة في الإنجليز، وسوف يمقتونهم في الغد القريب، إن الملك ~~يبدو اليوم كالسجين ولكنه سينطلق من سجنه؛ ليستقبل رومل ثم يشربان ~~معا نخب وأد الديمقراطية الناشئة في بلادنا، ومن المضحك أن ~~الفلاحين يظنون أن رومل سيوزع الأرض عليهم! ~~- أعداؤنا كثيرون، الألمان في الخارج، والإخوان والرجعية في ~~الداخل، وكلاهما شيء واحد .. ~~- لو سمعك أخي عبد المنعم لثار على رأيك، إنه يعتبر الإخوانية فكرة ~~تقدمية تزري بالاشتراكية المادية .. ~~- قد يكون في الإسلام اشتراكية، ولكنها اشتراكية خيالية كالتي ~~بشر بها توماس مور ولويس بلان وسان سيمو، إنه يبحث عن حل للظلم ~~الاجتماعي في ضمير الإنسان بينا أن الحل موجود في تطور المجتمع ~~نفسه، إنه لا ينظر إلى طبقات المجتمع ولكن إلى أفراده، وليس فيه ~~بطبيعة الحال أية فكرة عن الاشتراكية العلمية، وفضلا عن هذا كله ~~فتعاليم الإسلام تستند إلى ميتافيزيقا أسطورية تلعب فيها الملائكة ~~دورا خطيرا، لا ينبغي أن نبحث عن حلول لمشكلات حاضرنا في الماضي ~~البعيد، قل هذا لأخيك .. # فضحك أحمد في سرور غير خاف وقال: أخي شاب مثقف وقانوني ذكي، ~~إني أعجب كيف يتحمس أمثاله للإخوان! # فقالت بازدراء: الإخوان يصطنعون عملية تزييف هائلة؛ فهم حيال ~~المثقفين يقدمون الإسلام في ثوب عصري، وهم حيال البسطاء يتحدثون ~~عن الجنة والنار، فينتشرون باسم الاشتراكية والوطنية ~~والديمقراطية. # حبيبتي لا تمل الحديث عن مبادئها، قلت حبيبتي؟! نعم فمنذ ~~القبلة التي اختلستها دأبت على أن أدعوها بحبيبتي وكانت تحتج ~~بالكلام تارة وبالإشارة تارة أخرى، ms202 ثم جعلت تتجاهله كأنما قد يئست ~~من إصلاحي، وعندما قلت لها إني تواق إلى سماع كلمات الحب من ثغرها ~~المشغول بالاشتراكية وبختني قائلة باحتقار: «هذه النظرة ~~البرجوازية العتيقة إلى المرأة .. هه؟!» فقلت لها جزعا: إن ~~احترامي لك فوق كل كلام، وإني أعترف بأني تلميذك في أنبل ما صنعت ~~في حياتي ولكنني أحبك كذلك، وما في ذلك من بأس. فذهب غضبها فيما ~~شعرت ولكنها استبقت مظاهره فيما رأيت، واقتربت منها مضمرا ~~تقبيلها فلا أدري كيف حزرت غرضي فدفعتني في صدري، ولكنني رغم ذلك ~~لثمت خدها، وما دام المحذور قد وقع - وقد كان بوسعها منعه جديا ~~- فقد اعتبرتها راضية، وإنها لكائن بديع جميل العقل والجسم معا ~~رغم إغراقها في السياسية، وعندما دعوتها للنزهة في الحديقة قالت ~~«على شرط أن نأخذ معنا الكتاب لنواصل الترجمة»، فقلت لها: بل ~~للفرجة والمناجاة، وإلا كفرت بالاشتراكية جميعها! ولعله مما يزعجني ~~كثيرا حيال نفسي المتشبعة بالسكرية أنني ما زلت أنظر أحيانا إلى ~~المرأة بالعين التقليدية البورجوازية فيخيل إلي في بعض ساعات ~~التقهقر والخور أن الاشتراكية عند المرأة التقدمية ليست إلا نوعا ~~من الفتنة كضرب البيانو والتبرج، ولكن من المسلم به كذلك أن ~~العام الذي زاملت فيه سوسن قد غيرني كثيرا وطهرني لدرجة محمودة من ~~البورجوازية المستوطنة في أعماقي! ~~- من المؤسف أن زملاءنا يعتقلون بلا حساب! ~~- نعم يا حبيبتي، الاعتقال موضة تشيع أيام الحروب وأيام الإرهاب ~~على السواء، غير أن القانون لا يرى بأسا في اعتناق المبدأ إذا لم ~~يقترن بالدعوة إلى العنف .. # فضحك أحمد وقال: سيلقى القبض علينا إن آجلا وإن عاجلا ~~إلا ... # فحدجته بنظرة متسائلة فعاد يقول: إلا إذا أدبنا ~~الزواج! # فهزت منكبيها في ازدراء وقالت: من أدراك بأنني أوافق على ~~الزواج من رجل مزيف مثلك؟ ~~- مزيف؟! # ففكرت قليلا ثم قالت باهتمام جدي: لست من طبقة العمال ~~مثلي! كلانا يحارب عدوا واحدا ولكنك لم تخبره كما خبرته. لقد ~~ذقنت الفقر طويلا، ولمست آثاره الكريهة في أسرتي، وغالبته أخت لي ~~حتى غلبها فماتت، أما أنت فلست .. لست ms203 من طبقة العمال! # فقال بهدوء: ولا كان إنجلز من هذه الطبقة. # فضحكت ضحكة قصيرة بعثت أنوثتها وقالت: كيف أدعوك؟ البرنس ~~أحمدوف؟! هه لا أنكر عليك مبدأك، ولكن بك بقايا بورجوازية عتيدة، ~~يخيل إلي أنك تسر أحيانا لكونك من آل شوكت! # فقال بلهجة لم تخل من حدة: أنت مخطئة يا ظالمة! لا يعيبني ما ~~ورثته ؛ فكما أن الفقر لا يعيبك فالغنى لا يعيبني؛ أعني الدخل ~~القليل الذي عاشت به أسرتنا عيشة التنابلة، لا يعيب أحدا أن يجد ~~نفسه بورجوازيا، ولا عيب إلا في الجمود والتخلف عن روح ~~العصر .. # فقالت وهي تبتسم: لا تغضب، كلانا ظاهرة طبيعية علمية، لا نسأل ~~عما وجدنا أنفسنا عليه ولكننا مسئولون عما نعتنق ونفعل. إني ~~أعتذر إليك يا إنجلز، ولكن خبرني هل أنت على استعداد لمواصلة إلقاء ~~المحاضرات على العمال مهما تكن العواقب؟ # فقال بإدلال: لقد حاضرت حتى أمس خمس مرات، وحررت منشورين خطيرين، ~~ووزعت عشرات المنشورات، وللحكومة دين في عنقي جاوز العامين ~~سجنا! ~~- ولها في عنقي أضعاف ذلك! # مد يده في خفة فوضعها على يدها السمراء البضة في حنان وإعجاب. ~~نعم إنه يحبها، ولكنه لا يندفع في جهاده باسم الحب، ترى ألم تبد ~~أحيانا وكأنها تشك فيه؟ أهي مداعبة من المداعبات أو توجس خيفة من ~~البورجوازية التي تحسبها كامنة فيه؟ إنه مؤمن بالمبدأ كما أنه ~~مغرم بها، لا غنى له عن هذا ولا ذاك، «أليس من السعادة أن تحظى ~~بشخص يفهمك حق الفهم وتفهمه حق الفهم؟ وألا يحول بينك وبينه أي ~~نوع من المكر؟ إني أعبدها إذ قالت: «لقد ذقت الفقر طويلا»، هذا ~~القول الصريح الذي سما بها عن بنات جنسها جميعا ومزجها بنفسي، ~~لكننا محبون غافلون والسجن يتربص بنا، وبوسعنا أن نتزوج وأن نتجنب ~~المتاعب ونقنع برغد العيش، ولكنها تكون حياة بلا روح، لشد ما يبدو ~~لي المبدأ أحيانا كأنه لعنة مصبوبة علينا من القضاء والقدر، إنه ~~دمي وروحي، كأنني المسئول الأول عن الإنسانية جميعا ..» ~~- أحبك .. ~~- ما المناسبة لهذا؟ ~~- في كل مناسبة وبلا مناسبة! ~~- إنك ms204 تتحدث عن الجهاد ولكن قلبك يتغنى بالهناء! ~~- التفريق بين هذين سخف كالتفريق بيني وبينك .. ~~- ألا يعني الحب الهناء والاستقرار وكراهة السجن؟ ~~- ألم تسمعي عن النبي الذي كان يجاهد ليل نهار دون أن يمنعه من ~~أن يتزوج تسعا؟! # ففرقعت بأصابعها هاتفة: ها هو أخوك قد أعارك فاه، أي نبي ~~يا هذا؟ # فقال ضاحكا: نبي المسلمين ! ~~- دعني أحدثك عن كارل ماركس الذي عكف على تأليف «رأس المال» ~~تاركا زوجه وأبناءه للجوع والبهدلة! ~~- كان متزوجا على أي حال .. # كأن ماء البركة عصير زمرد، وهذه النسمة اللطيفة تهفو في خلسة من ~~يونيو، والبط يسبح مسددا منقاره لالتقاط فتات الخبز، وأنت سعيد ~~جدا، والحبيبة المتعبة ألذ من الطبيعة، يخيل إلي أن وجهها ~~تورد، فلعلها تناست السياسة قليلا وأخذت تفكر في .. ~~- كان المأمول يا زميلتي العزيزة أن نحظى في هذه الحديقة بحديث ~~عذب! .. ~~- أعذب مما كنا نتحدث به؟ ~~- أعني حبنا! ~~- حبنا؟ ~~- نعم، وأنت تعلمين. # وساد الصمت مليا حتى غضت عينيها متسائلة: ماذا تريد؟ ~~- قولي إننا نريد شيئا واحدا! # فقالت كأنما لتطيعه فحسب: نعم، ولكن ما هو؟ ~~- حسبنا لفا ودورانا! # كأنها تفكر، فما أمر الانتظار على قصره! وإذا بها تقول: ~~ما دام كل شيء واضحا فلم تعذبني؟ # فتنهد في ارتياح عميق وقال: ما أبهج حبي! # وساد الصمت مرة أخرى كاللازمة بين النغمة والنغمة. # ثم قالت: يهمني شيء واحد! ~~- أفندم؟ ~~- كرامتي! # فقال كالمنزعج: هي وكرامتي شيء واحد! # فقالت بامتعاض: أنت أدرى بتقاليد أناسك! ستسمع كثيرا عن ~~الأصل والفصل .. ~~- كلام فارغ، أتظنينني طفلا؟ # وترددت قليلا ثم قالت: لا يهددنا إلا شيء واحد هو «العقلية ~~البورجوازية»! # فقال بقوة جعلته في تلك اللحظة أشبه ما يكون بأخيه عبد المنعم: لست ~~منها في شيء! ~~- هل تدرك مدى خطورة قولك؟ .. لقد عنيت أشياء تخص علاقة الرجل ~~بالمرأة في صميمها الشخصي والاجتماعي! ~~- مفهوم جدا .. ~~- سوف تطالب بقاموس جديد عند الكشف عن الكلمات المأثورة مثل: ~~حب، زواج، غيرة، الوفاء، الماضي ..! ~~- نعم! # قد يعني هذا لا شيء، وقد يعني كل شيء، وكم من مرة خطرت له ms205 أفكار، ~~ولكن الموقف يتطلب شجاعة فائقة، ما هو إلا امتحان لعقليته ~~الموروثة والمكتسبة جميعا، امتحان رهيب، خيل إليه أنه أدرك ~~ما تعني، ولعل الأمر لا يعدو أنها تمتحنه، ولكن حتى لو كان الذي ~~أدركه فلن يتراجع، لقد اعتراه ألم ودبت في أعماقه الغيرة ولكنه ~~لن يتراجع. ~~- إني مسلم بما تعنين، ولكن دعيني أصارحك بأنني كنت آمل أن أحظى ~~بفتاة عاطفية لا بفكر محاسب مدقق! # فتساءلت وعيناها تتابعان البط السابح: لتقول لك أحبك وأوافق على ~~الزواج منك؟! ~~- نعم! # ضاحكة .. ~~- وهل تراني كنت أدخل في التفاصيل ما لم أكن موافقة على ~~المبدأ! # فضغط على راحتها في رقة، فعادت تقول: وأنت تعرف كل شيء، ولكنك ~~تود سماعه! ~~- ولا أمل سماعه! # 44 ~~- إنها سمعة أسرتنا جميعا، وهو على أي حال ابنكم، وأنتم بعد ~~ذلك أحرار فيما ترون! # كانت خديجة تخطب وعيناها تنتقلان بسرعة وقلق من وجه إلى وجه، من ~~زوجها إبراهيم الذي جلس إلى يمينها إلى ابنها أحمد في الناحية ~~المقابلة من الصالة، مارتين بياسين وكمال وعبد المنعم .. # وقال أحمد مداعبا وهو يقلد لهجتها: انتبهوا جميعا، إنها سمعة ~~أسرة، وأنا على أي حال ابنكم! فقالت له بصوت متشك مليء ~~بالمرارة: ما هذا البلاء يا بني «أنت لا ترضى أن يحكمك أحد ولو كان ~~أباك، وتأبى المشورة ولو كانت في صالحك، دائما أنت على صواب ~~والناس جميعا على خطأ، تركت الصلاة قلنا ربنا يهديه، رفضت أن تدخل ~~الحقوق كأخيك قلنا المستقبل بيد الله. قلت أشتغل جورنالجي قلنا ~~اشتغل عربجي! ..» # فقال باسما: والآن أريد أن أتزوج! .. ~~- تزوج، كلنا يسر لهذا، ولكن الزواج له شروط! ~~- ومن يضع شروطه؟ ~~- العقل السليم! ~~- عقلي اختار لي .. ~~- ألم تثبت لك الأيام بعد أنه لا يصح الاعتماد على عقلك ~~وحده؟! ~~- أبدا، والمشورة جائزة في كل شيء إلا الزواج فهو كالطعام سواء ~~بسواء! .. ~~- الطعام! أنت لا تتزوج من فتاة فحسب ولكن من أسرتها كلها - ونحن ~~- أهلك - نتزوج بالتبعية معك. # فضحك أحمد ضحكة عالية وقال: كلكم! هذا أكثر مما يحتمل، خالي ~~كمال لا يريد ms206 أن يتزوج، وخالي ياسين يود لو يتزوجها ~~وحده .. # وضحكوا جميعا إلا خديجة، ثم قال ياسين قبل أن تزايل وجهه هيئة ~~الضحك: إذا كان في هذا فض المشكلة فأنا على أتم استعداد ~~للتضحية! # فهتفت خديجة: اضحكوا، إنه يتشجع بضحككم، خير من ذلك أن تصارحوه ~~بآرائكم، ما رأيكم فيمن يرغب في الزواج من «كريمة» عامل المطبعة ~~التي يعمل بمجلتها؟ إنه يعز علينا أن تعمل بالمجلة «جورنالجي» فكيف ~~وأنت تريد أن تصاهر عمالها! أليس لك رأي يا سي إبراهيم؟ # فرفع إبراهيم شوكت حاجبيه كأنما يريد أن يقول شيئا، ولكنه سكت، ~~فعادت تقول: لو وقعت هذه المصيبة فسيمتلئ بيتك ليلة الزفاف بعمال ~~المطبعة والعنابر والحوذية، والله أعلم بما خفي! # فقال أحمد بتأثر: لا تتكلمي هكذا عن أهلي! ~~- يا رب السماوات، أتنكر أن هؤلاء هم أهلها؟ ~~- سأتزوجها هي وحدها، إني لا أتزوج بالجملة .. # فقال إبراهيم شوكت في ضجر: لن تتزوجها وحدها، الله يتعبك كما ~~تتعبنا! # فقالت خديجة متشجعة بمعارضة زوجها: ذهبت لزيارة بيتها كما تقضي ~~العادة، قلت أرى عروس ابني، فوجدتهم يقيمون في بدروم في شارع كله ~~يهود على الصفين، وأمها لا تفترق في هيئتها عن الخادمات ~~المحترفات، والعروس نفسها لا يقل عمرها عن ثلاثين عاما، إي والله، ~~ولو كان بها ذرة من جمال لعذرته، لماذا يريد أن يتزوجها؟ أنه ~~مسحور، سحرته بحيلة، إنها تعمل معه في المجلة المشئومة، لعلها ~~غافلته فوضعت له شيئا في القهوة أو الماء، اذهبوا وشوفوها ~~واحكموا، أنا غلبت. لقد عدت من الزيارة لا أكاد أرى الطريق من حزني ~~وأسفي .. ~~- إنك تغضبينني، لن أغفر لك كلامك هذا. ~~- العفو! العفو يا سيد الملاح! الحق علي، أنا طول عمري عيابة ~~فرماني ربنا في أولادي بكل العيوب، أستغفر الله العظيم. ~~- مهما تقولت عنهم فليس فيهم من يرمي الناس بالباطل .. ~~مثلك! .. ~~- بكرة يا ما تسمع، ويا ما تعرف، سامحك الله على إهانتي. ~~- أنت التي أهنتني بما فيه الكفاية! ~~- إنها تطمع في مالك، ولولا خيبتك ما طمعت في أحسن من بياع ~~جرائد .. ~~- إنها محررة في المجلة ms207 بمرتب ضعف مرتبي .. ~~- جورنالجية هي الأخرى! .. ما شاء الله، وهل تتوظف إلا الفتاة ~~البائرة أو القبيحة أو المسترجلة! ~~- سامحك الله .. ~~- فليسامحك أنت على ما تصب علينا من عذاب! # وهنا قال ياسين الذي كان يتابع الحديث ويده لا تمسك عن فتل ~~شاربه: اسمعي يا أختي، لا داعي للنقار، سنصارح أحمد بما ينبغي قوله ~~ولكن لا جدوى من الشجار .. # ونهض أحمد كالغاضب وهو يقول: عن إذنكم سأرتدي ملابسي لأذهب إلى ~~عملي .. # ولما ذهب انتقل ياسين إلى جانب أخته ومال عليها قائلا: لن يفيدك ~~الشجار شيئا، نحن لا نحكم أبناءنا، إنهم يرون أنفسهم خيرا منا ~~وأذكي، إذا كان لا بد من الزواج فليتزوج، فإن سعد كان بها وإلا فهو ~~المسئول عن نفسه، أنا لم يستقر بي بيت إلا بزنوبة كما تعلمين! فعسى ~~أن يكون الخير فيما اختار، ثم إننا لا نعقل بالكلام ولكن ~~بالتجارب. # ثم مستدركا وهو يضحك: ولو أنه لا الكلام ولا التجارب ~~عقلتني! # وعلق كمال على قول ياسين قائلا: الحق فيما قال أخي .. # فحدجته بنظرة عتاب قائلة: أهذا كل ما عندك يا كمال؟ إنه يحبك فلو ~~أنك حدثته على انفراد .. # فقال كمال: إني خارج معه وسأحدثه، ولكن كفي عن الشجار، إنه ~~رجل حر، ومن حقه أن يتزوج ممن يشاء، أتستطيعين منعه أم تنوين ~~مقاطعته؟ # وقال ياسين باسما: الأمر بسيط يا أختي، يتزوج اليوم ويطلق ~~غدا، نحن مسلمون لا كاثوليك .. # فضيقت عينيها الصغيرتين وقالت بفم شبه مغلق: طبعا، من محام ~~غيرك يدافع عنه؟ صدق من قال إن الولد لخاله؟ # فضحك ياسين ضحكته العظيمة وقال: الله يسامحك، لو ترك النساء تحت ~~رحمة النساء لما تزوجت امرأة قط! # فأشارت إلى زوجها وقالت: أمه الله يرحمها هي التي اختارتني ~~بنفسها! # فقال إبراهيم وهو يتنهد باسما: ودفعت الثمن، الله يرحمها ~~ويعفو عنها؟ # ولكنها لم تأبه لتعليقه وعادت تقول متحسرة: لو كانت جميلة! .. ~~إنه أعمى! # فقال إبراهيم ضاحكا: مثل أبيه! # فالتفتت نحوه غاضبة وقالت: أنت جاحد كجنس الرجال! # فقال الرجل بهدوء: بل نحن صابرون ولنا الجنة .. # فصاحت ms208 به: إذا كنت ستدخلها فبفضلي .. أنا التي علمتك ~~دينك! ~~••• # غادر كمال وأحمد السكرية معا. وكان يقف من مشروع هذا الزواج ~~موقف الشك والتردد. إنه لا يمكن أن يتهم نفسه بالمحافظة على ~~التقاليد السخيفة، أو بالفتور حيال مبادئ المساواة والإنسانية، ومع ~~ذلك فالواقع الاجتماعي الذي لا يد له في بشاعته حقيقة واقعة لا ~~يجوز أن يتجاهلها إنسان، وقديما ولع عهدا بقمر بنت أبي سريع صاحب ~~المقلى، فكادت - رغم جاذبيتها - تحدث له عقدة برائحة جسدها ~~المحزنة. غير أنه كان رغم هذا معجبا بالشاب، غابطا له شجاعته ~~وقوة إرادته وغيرهما من المزايا التي حرم هو منها وعلى رأسها ~~الإيمان والعمل والزواج، كأنما قد بعث في الأسرة كفارة عن جموده ~~وسلبيته. ما الذي يجعل للزواج هذه الخطورة في نظره بينا هو في نظر ~~الآخرين لا يزيد عن السلام عليكم .. وعليكم السلام؟! ~~- إلى أين يا فتى؟ ~~- المجلة يا خالي، وأنت؟ ~~- مجلة الفكر لأقابل رياض قلدس، ألا تفكر قليلا قبل أن تخطو هذه ~~الخطوة؟ ~~- أي خطوة يا خالي! لقد تزوجت بالفعل! ~~- حقا؟ ~~- حقا، وسوف أقيم في الدور الأول من بيتنا نظرا لأزمة ~~المساكن .. ~~- يا له من تحد سافر! ~~- نعم، ولكنها لن توجد في البيت إلا حين تكون أمي قد ~~نامت .. # وبعد أن أفاق من وقع الخبر سأله باسما: وهل تزوجت على سنة ~~الله ورسوله؟ # فضحك أحمد أيضا وقال: طبعا، الزواج والدفن على سنن ديننا ~~القديم، أما الحياة فعلى دين ماركس! # ثم وهو يودعه: خالي، ستعجبك جدا، سترى وتحكم بنفسك، إنها ~~شخصية ممتازة بكل معنى الكلمة .. # 45 # يا لها من حيرة، كأنها مرض مزمن، فكل أمر يبدو ذا وجوه متعددة ~~متساوية يتعذر فيها الاختيار، تستوي في ذلك المسألة الميتافيزيقية ~~والتجربة البسيطة من الحياة اليومية، فإزاء كل تعترض الحيرة ~~والتردد. أيتزوج أم لا؟ كان ينبغي أن يقطع برأي لكنه يدور حول نفسه ~~حتى يصيبه الدوار ويختل منه ميزان الروح والعقل والحواس ثم تنجلي ~~الدوامة عن موقف لم يتغير وسؤال لم يظفر بالجواب بعد وهو: أيتزوج ~~أم لا. قد ms209 يضيق أحيانا بحريته فيثقل عليه الشعور بالوحدة أو يضجر ~~من معاشرة الأشباح الفكرية الخاوية فيحن إلى الأليف وتئن في ~~محبسه غرائز الأسرة والحب تروم متنفسا، ثم يتخيل نفسه زوجا قد ~~برأ من التركيز في ذاته وتبددت أوهامه لكنه فني في الوقت نفسه في ~~الأبناء واستغرقه الرزق ومطالبه فتراكمت عليه مشاغل الحياة ~~اليومية، فينزعج أيما انزعاج ويقرر الاستمساك بانطلاقة مهما تجشم ~~من وحشة وعذاب، بيد أنه لا ينعم بالاستقرار طويلا فلا يلبث أن ~~يعود إلى التساؤل مرة أخرى، وهكذا وهكذا، فأين المقر؟ وبدور فتاة ~~ممتازة حقا، لا يعيبها اليوم أن تركب الترام ما دامت قد ولدت ~~وشبت في جنة الملائكة التي شغفت قلبه قديما؛ فهي كالشهاب ~~الساقط، وهي فتاة ممتازة حقا في حسنها وخلقها وثقافتها، ثم إنها ~~ليست عسيرة المنال فهي الزوجة الواعدة بكل معنى الكلمة إذا أراد أن ~~يتقدم، وما عليه إلا أن يتقدم، وإلى هذا كله فهو لا يسعه إلا أن ~~يسلم باحتلالها مركز الاهتمام من وعيه؛ فهي آخر ما يودع من ~~أطياف الحياة قبل النوم وهي أول ما يستقبل من أطيافها عند ~~الاستيقاظ، ثم لا تكاد تغادر خياله طوال يومه، وما إن يحظى برؤيتها ~~البصر حتى يخفق الفؤاد مرددا أنغاما شجية من أوتار علاها الصدأ، ~~ثم إن دنياه لم تبق كما كانت، دنيا حيرة وعذاب ووحشة، داخلتها ~~نسائم وجرى فيها ماء الحياة، فإن لم يكن هذا هو الحب فما عسى أن ~~يكون؟! وطوال الشهرين الماضيين جعل من شارع ابن زيدون مقصده كل ~~أصيل، يقطعه على مهل، مسددا عينيه إلى الشرفة حتى تلتقي بعينيها ~~ثم يتبادلان الابتسام كما يجدر بزميلين، وقد بدا ذلك كما تقع ~~المصادفات، ثم تكرر وقوعه كأنما عن عمد، فما يجيء ميعاده حتي يجدها ~~بمجلسها من الشرفة تقرأ في كتاب أو تسرح الطرف، فأيقن أنها تنتظره؛ ~~إذ لو شاءت أن تمحو هذا المعنى من ذهنه ما كلفها ذلك إلا تجنب ~~الشرفة دقائق كل أصيل. ولكن ماذا تظن بمروره وابتسامته وتحيته؟! ~~لكن مهلا، أن الغرائز لا تخطئ، ms210 كلاهما يود أن يلقى صاحبه، وقد ~~استخفه لذلك الطرب وأسكره السرور، وملأه إحساس بجدوى الحياة لم ~~يشعر به من قبل، غير أن هذا الهناء كله لم يمض دون قلق يشوبه، كيف ~~لا وهو لم يجمع بعد على عزم، ولم يتضح له سبيل، ولكن تيارا جرفه ~~فاستسلم له وهو لا يدري كيف مجراه ولا أين مرساه! قليل من العقل ~~يوجب عليه أن يتدبر أمره ولكن فرحة الحياة صدته في إشفاق، فثمل ~~سرورا دون أن يخلو من قلق. وقال له رياض: أقدم فهذه فرصتك، ~~ورياض منذ أن لبس خاتم الخطوبة وهو يتحدث عن الزواج كأنه غاية ~~الإنسان الأولى والأخيرة في هذه الحياة. فيقول مزهوا أنه سيقتحم ~~هذه التجربة الفريدة غير هياب فيتاح له أن يفهم الحياة فهما ~~جديدا صادقا؛ ومن ثم يفتح أبواب قصصه للحياة الزوجية والأطفال .. ~~أليست هذه هي الحياة أيها الفيلسوف السابح فوق الحياة؟ فأجابه ~~متهربا: أنت اليوم خصم؛ فأنت آخر من يصلح حكما، وسوف أفتقد فيك ~~المشير الصادق! وبدا له الحب من ناحية أخرى «دكتاتورا»، وقد ~~علمته الحياة السياسية في مصر أن يمقت الدكتاتور من صميم قلبه؛ ~~ففي بيت عمته جليلة كان يهب عطية جسده ثم سرعان ما يسترده وكأن ~~ما كان لم يكن، أما هذه الفتاة المستكنة في حيائها فلن تقنع بما ~~دون روحه وجسده جميعا إلى الأبد، ولن يجد من شعار يأتم به بعد ~~ذلك إلا الكفاح المرير في سبيل الرزق ليؤمن حياة الأسرة ~~والأبناء، مصير غريب يجعل من الحياة الحافلة بالجلائل مجرد وسيلة ~~«لتحصيل» الرزق، وقد يكون الفقير الهندي سخيفا أو مجنونا ولكنه ~~أحكم ألف مرة من الغارق حتى أذنيه في سبيل الرزق، فأنعم بالحب ~~الذي كنت تفتقده وتتحسر عليه .. ها هو يبعث حيا في فؤادك جارا ~~وراءه المتاعب! وقال له رياض: «أمن المعقول أن تحبها وأن يكون في ~~وسعك أن تتزوجها .. ثم تمتنع عن زواجها؟» فأجابه بأنه يحبها ولكنه ~~لا يحب الزواج! فقال محتجا: «إن الحب هو الذي يسلمنا للزواج؛ فما ~~دمت لا تحب الزواج ms211 كما تقول فأنت لا تحب الفتاة!» فأجابه بإصرار: ~~«بل أحبها وأكره الزواج.» فقال: «لعلك تخاف المسئولية»، فأجابه ~~محتدا: «إني أحمل من أعباء المسئولية في بيتي وفي عملي ما لا ~~تحمل بعضه»، فقال: «لعلك أناني أكثر مما أتصور»، فقال ساخرا: «وهل ~~يتزوج الفرد إلا مدفوعا بأنانيته الظاهرة أو الخفية؟» فقال ~~باسما: «لعلك مريض فاذهب إلى دكتور نفساني لعله يحللك»، فقال ~~له: «من الطريف أن مقالتي القادمة في مجلة الفكر عن: «كيف تحلل ~~نفسك»، فقال له: «أشهد لقد حيرتني»، فقال: «أنا الحائر إلى ~~الأبد».» # ومرة وهو يقطع كعادته شارع ابن زيدون صادف في طريقه أم حبيبته ~~متجهة نحو البيت. عرفها من أول نظرة رغم أنه لم يرها منذ سبعة عشر ~~عاما على الأقل. ولم تكن «الهانم» التي عرفها قديما. ذبلت ذبولا ~~محزنا وركبها الهم قبل الكبر ولم يكن في وسع إنسان أن يتصور أن ~~هذه المرأة الساعية في هزالها هي نفس الهانم التي كانت تخطر في ~~حديقة القصر في نهاية من الجمال والكمال! ورغم هذا كله فقد ذكرته ~~هيئة رأسها بعايدة فقطع قلبه منظرها، وكان حسن الحظ أنه تبادل ~~مع بدور الابتسام قبل رؤيتها وإلا ما استطاع أن يبتسم: ثم ما يدري ~~إلا وهو يتذكر عائشة! ثم يذكر كيف أثارت عاصفة من النكد هذا ~~الصباح في البيت وهي تبحث عن طاقم أسنانها التي نسيت أين أودعته ~~قبل نومها. وأول أمس رأي بدور واقفة في الشرفة على غير عادتها ثم ~~تبين أنها متهيئة للخروج! وتساءل أتخرج وحدها؟! وما لبثت أن غابت ~~من الشرفة فمضى في سبيله متمهلا متفكرا. حقا لو جاءت وحدها ~~فإنما تجيء له، هذا الظفر المسكر لعله يغسل إهانة حلت منذ ~~سنين! ولكن هل كانت عايدة تفعل هذا ولو انشق القمر؟! وعندما بلغ ~~منتصف الطريق التفت إلى الوراء فرآها قادمة .. وحدها! وخيل إليه ~~أن خفقان قلبه سيطرق مسامع الجيران. وسرعان ما شعر بخطورة الموقف ~~الوشيك الحدوث حتى نازعته بعض جوانب نفسه إلى الهروب! كان تبادل ~~الابتسام قبل ذلك لهوا عاطفيا بريئا ms212 أما اللقاء فسيكون له شأن ~~وأي شأن. هو مسئولية وخطورة ومطالبة بالحسم في الاختيار. ولو هرب ~~الآن لمنح نفسه مزيدا من التروي .. ولكنه لم يهرب، وتقدم في ~~خطاه المتمهلة كالمخدر حتى أدركته عند منعطف الطريق إلى شارع ~~الجلال، وفي التفاتة منه التقت عيناهما في ابتسامة، فقال: مساء ~~الخير .. ~~- مساء الخير .. # وتساءل وشعوره بالخطورة يتزايد: إلى أين ؟ ~~- عند واحدة صاحبتي، هناك في هذا الاتجاه .. # وأشارت صوب شارع الملكة نازلي، فقال في استهتار: إنه طريقي فهل ~~تسمحين بأن نسير معا؟ # فقالت وهي تداري ابتسامة: تفضل .. # وسارا جنبا إلى جنب. إنها لم تتحل بهذا الفستان الجميل لتقابل ~~واحدة صاحبتها ولكن لتقابله هو، وها هو قلبه يستقبلها بالوجد ~~والحنان، ولكن كيف يكون مسلكه؟ لعلها ضاقت بجموده فجاءت بنفسها ~~لتهييء له فرصة مواتية فإما ينتهزها إكراما لها وإما يتجاهلها ~~فيفتقدها إلى الأبد، هي كلمة قد تقال فيتورط قائلها مدى العمر أو ~~تحبس فيندم حابسها مدى العمر، هكذا دفع إلى مأزق وهو لا يدري، ~~وها هو الطريق يطوى ولعلها تترقب. وهي تبدو مستجيبة ملبية كأنها ~~ليست من آل شداد. أجل ليست من آل شداد في شيء؛ لقد انتهى آل شداد، ~~وولى زمانهم، وليست التي تسايرك إلا فتاة سيئة الحظ، والتفتت نحوه ~~كالباسمة فقال برقة: فرصة سعيدة! ~~- شكرا! # ثم ماذا؟! يبدو أنها تنتظر خطوة جديدة من ناحيته، وها هي نهاية ~~الطريق تقترب، يجب أن يقطع برأي فإما التورط وإما الوداع، لعلها لا ~~تتصور أبدا أن يفترقا ببساطة، ولو كلمة واعدة، وها المفترق على ~~بعد خطوات، إنه يشعر شعورا مؤلما بمدى الخيبة التي ستمنى بها، ~~ويأبى لسانه أن ينطق، أم يتكلم وليكن ما يكون؟! وتوقفت عن المسير ~~وابتسمت ابتسامة مرتبكة كأنما تقول آن لنا أن نفترق فبلغ به ~~الاضطراب نهايته، ثم مدت يدها، فتلقاها بيده وصمت فترة رهيبة، ثم ~~غمغم: مع السلامة! # واستردت يدها ثم مالت إلى عطفة جانبية. أوشك أن يناديها؛ إن ~~ذهابها متعثرة بالخيبة والخجل كابوس لا يحتمل. وأنت أدرى بهذه ~~المواقف التعيسة؛ غير أن لسانه ms213 انعقد. فيم كانت متابعته لها طوال ~~الشهرين الماضيين. أمن الذوق أن ترفضها وقد جاءتك بنفسها؟ أمن ~~الرحمة أن تعاملها نفس المعاملة التاريخية التي عاملتك بها أختها؟ ~~وأنت تحبها؟! وهل تلقى من ليلها ما لقيت من ليلتك التي خلفتها ~~وراءك كالجمرة المتقدة تضيء في غياهب الماضي بالألم ~~المنصهر؟! # وواصل سيره وهو يتساءل ترى أيريد حقا أن يبقى أعزب لكي يكون ~~فيلسوفا أم إنه يدعي الفلسفة ليبقى أعزب؟ وقال له رياض: هذا شيء ~~لا يصدق، ولسوف تندم! وهو شيء لا يصدق حقا ولكن هل يندم ~~أيضا؟ وقال به كيف هان عليك أن تقطعها وقد كنت تتحدث عنها وكأنها ~~فتاة أحلامك؟ ليست فتاة أحلامه .. إن فتاة أحلامه لم تكن لتسعى ~~إليه أبدا. وأخيرا قال له: إنك في نهاية السادسة والثلاثين من ~~عمرك ولن تكون بعد ذلك صالحا للزواج. فامتعض لقوله وداخلته ~~كآبة .. # 46 # جاءت كريمة إلى السكرية في حلة العروس في عربة مع والديها ~~وأخيها. وكان في استقبالهم إبراهيم شوكت وخديجة وأحمد وزوجه سوسن ~~حماد وكمال. ولم يكن ثمة ما يدل على زفاف إلا طاقات الورد التي ~~طوقت الصالة، أما المنظرة فقد امتلأت بذوي اللحى من الشبان يتوسطهم ~~الشيخ علي المنوفي. ومع ذلك كان قد مر عام ونصف على وفاة السيد ~~إلا أن أمينة لم تشهد الزفاف ووعدت بالحضور للتهنئة فيما بعد، أما ~~عائشة فإنها عندما دعتها خديجة إلى شهود الدخلة الصامتة هزت رأسها ~~عجبا وقالت بلهجة عصبية: أنا لا أشهد إلا المآتم! # وقد تألمت خديجة لقولها، ولكنها كانت قد اعتادت أن تتحلى بالحلم ~~المثالي حيال عائشة. وقد جهز الدور الثاني بالسكرية للمرة ~~الثانية بأثاث العرس. وجهز ياسين ابنته كما ينبغي، وباع في سبيل ~~ذلك آخر أملاكه فلم يعد يبقى له إلا بيت قصر الشوق. وبدت كريمة آية ~~في الجمال، وقد شابهت أمها في عهدها الزاهر خاصة في عينيها ~~الدافئتين، ولم تكن بلغت سن الزواج إلا في الأسبوع الماضي من ~~أكتوبر. ولاحت خديجة سعيدة كما ينبغي لأم العريس، وقد انتهزت فرصة ~~انفرادها بكمال ms214 مرة فمالت على أذنه قائلة: على أي حال فهي ابنة ~~ياسين، ومهما يكن من أمر فهي خير ألف مرة من عروس العنابر! # وقد مد بوفيه صغير في حجرة السفرة للأسرة، ومد آخر في ~~الفناء لمدعوي عبد المنعم من ذوي اللحى، ولم يكن يتميز عنهم؛ إذ ~~أرسل بدوره لحيته حتى قالت له خديجة يومذاك: الدين جميل ولكن ما ~~ضرورة هذه اللحية التي تبدو فيها مثل محمد العجمي بياع ~~الكسكسي؟! # وجلس أفراد الأسرة في حجرة الاستقبال ما عدا عبد المنعم الذي جالس ~~أصحابه، وأحمد الذي شاركه الترحيب بهم بعض الوقت، ثم انتقل إلى ~~حجرة الاستقبال حيث انضم إلى أهله وهو يقول باسما: تراجعت المنظرة ~~في الزمان ألف عام! # فسأله كمال: فيم يتحادثون؟ ~~- عن معركة العلمين، وقد ارتجت جدران المنظرة بأصواتهم. ~~- وكيف شعورهم حيال انتصار الإنجليز؟ ~~- الغضب طبعا، إنهم أعداء الإنجليز والألمان والروس جميعا، ~~وهكذا لم يرحموا العريس حتى في ليلة زفافه .. # وكان ياسين جالسا إلى جانب زنوبة، يبدو في زينته كأنما يصغرها ~~بعشرة أعوام، فقال: فليأكلوا بعضهم البعض بعيدا عنا، ومن رحمة ~~ربنا أنه لم يجعل من مصر ميدان حرب .. # فقالت خديجة باسمة: لعلك تريد السلام حتى تفرغ لمزاجك! # ورمقت زنوبة بنظرة ماكرة حتى ضحك الجميع، وكان قد ذاع في الأيام ~~القريبة الماضية أن ياسين غازل ساكنة جديدة في بيته، وأن زنوبة ~~ضبطته متلبسا أو كالمتلبس فما زالت بالساكنة حتى اضطرتها إلى ~~إخلاء الشقة. فقال ياسين يداري ارتباكه: كيف أفرغ لمزاجي وبيتي ~~محكوم بالأحكام العرفية! # فقالت زنوبة في امتعاض: هلا استحييت أمام ابنتك؟ # فقال ياسين في توسل: إني بريء والجارة المسكينة ~~مظلومة! ~~- أنا الظالمة! أنا التي ضبطت وأنا أطرق شقتها بليل ثم اعتذرت ~~بأنني ضللت سبيلي في الظلام! هه؟ أربعون عاما في البيت ثم لا تعرف ~~أين تقع شقتك؟! # فتعالى الضحك حتى قالت خديجة في تهكم: إنه كثير الخطأ في ~~الظلام! ~~- وفي النور على السواء .. # وإذا بإبراهيم شوكت يخاطب رضوان قائلا: وأنت يا رضوان كيف حالك ~~مع محمد أفندي حسن؟ # فقال ياسين ms215 مصححا: محمد أفندي زفت! # وأجاب رضوان حانقا: إنه ينعم الآن بثروة جدي التي آلت إلى ~~أمي! # وقال ياسين محتجا: ميراث لا يستهان به، وكلما قصدها رضوان في ~~معونة للترفيه أو خلافه تصدى له الصفيق وناقشه الحساب! # فقالت خديجة مخاطبة رضوان: إنها لم تنجب غيرك، وخير لها أن تمتعك ~~بمالها في حياتها .. # ثم مستدركة: وقد آن لك أن تتزوج، أليس كذلك؟ # فضحك رضوان ضحكة فاترة ثم قال: عندما يتزوج عمي كمال! ~~- لقد يئست من عمك كمال، ولكن لا ينبغي أن تقلده .. # وأصغى كمال لما يدور حوله بامتعاض وإن لم يبد أثره في وجهه. ~~لقد يئست منه ويئس هو من نفسه. وكان قد انقطع عن المرور بشارع ~~ابن زيدون معلنا بذلك عن شعوره بذنبه، غير أنه كان يقف عند طرف ~~المحطة ليراها في شرفتها من حيث لا تراه، لم يستطع أن يقاوم رغبته ~~في رؤيتها، ولا أن ينكر حبه لها، أو يتجاهل نفوره وجفوله من فكرة ~~التزوج منها! حتى قال له رياض: إنك مريض وتأبى أن تبرأ! # وسأل أحمد شوكت رضوان بلهجة ذات معنى: أكان محمد حسن يناقشك ~~الحساب لو كان السعديون في الحكم؟ # فضحك رضوان ضحكة حانقة وقال: إنه ليس الوحيد الذي يناقشني الحساب ~~اليوم، ولكن صبرا إن هي إلا أيام أو أسابيع. # فسألته سوسن حماد: أتظن أن أيام الوفد معدودة كما يشيع ~~خصومه؟ ~~- أيامه رهن بمشيئة الإنجليز، وعلى أي حال فلن تطول الحرب إلى ~~الأبد .. ثم يجيء وقت الحساب! # فقالت سوسن في جد ظاهر: المسئول الأول عن المأساة هم الذين ~~ظاهروا الفاشيست لطعن الإنجليز من الخلف .. # وكانت خديجة ترمق سوسن بنظرة ساخرة منتقدة، متعجبة من ~~«استرجالها» في الحديث، فما تمالكت أن قالت: المفروض أننا في فرح، ~~تكلموا في أمور مناسبة! # ولاذت سوسن بالصمت دون اصطدام، على حين تبادل أحمد وكمال نظرة ~~باسمة، أما إبراهيم شوكت فقال ضاحكا: عذرهم أن أفراحنا لم تعد ~~أفراحا! الله يرحم السيد أحمد ويسكنه فسيح جناته .. # فقال ياسين متحسرا: تزوجت ثلاث مرات ولكنني لم أزف مرة ms216 ~~واحدة! # فقالت زنوبة بانتقاد مر: أتذكر نفسك وتنسى ابنتك؟ # فقال ياسين ضاحكا: نزف في الرابعة إن شاء الله .. # فقالت زنوبة في تهكم: أجلها حتى تزف رضوان! # فغضب رضوان دون أن ينبس. لعنة الله عليكم جميعا وعلى الزواج ~~أيضا، ألا تدركون أنني لن أتزوج أبدا! وأنني أود لو أقتل من ~~يفاتحني بهذه السيرة اللعينة. وعقب صمت قصير. قال ياسين: ليتني ~~أبقى في بوفيه السيدات حتى لا أقف بين أصحاب اللحى الذين ~~يخيفونني! # فأدركته زنوبة قائلة: لو عرفوا سيرتك لرجموك! # فقال أحمد ساخرا: ستخوض لحاهم في الصحاف، وتكون معركة، وخالي ~~كمال هل يحب الإخوان؟ # فقال كمال باسما: أحب منهم واحدا على الأقل! # والتفتت سوسن إلى العروس الصامتة وسألتها بمودة: وما رأي كريمة ~~في لحية زوجها؟ # فدارت كريمة ضحكة خفيفة بحني رأسها المتوج ولم تتكلم، فأجابت ~~عنها زنوبة قائلة: قليل من الشبان من هم في تدين ~~عبد المنعم .. # فقالت خديجة: يعجبني تدينه، هذا خلق في دم أسرتنا، ولكن لا ~~تعجبني لحيته .. # فقال إبراهيم شوكت ضاحكا: أعترف بأن ابني - المؤمن والمارق ~~على السواء - مجنونان! # فضحك ياسين ضحكته العظيمة وقال: الجنون خلق في دم أسرتنا ~~أيضا! # فحدجته خديجة بنظرة احتجاج فعالجها قائلا قبل أن تنبس: أعني ~~أنني مجنون، وأظن كمال أيضا مجنون، وإن شئت فأنا المجنون ~~وحدي! ~~- هذا هو الحق دون زيادة. ~~- وهل من العقل أن يقضي إنسان على نفسه بالعزوبة؛ ليتفرغ للقراءة ~~والكتابة؟ ~~- سيتزوج عاجلا أو آجلا ويكون سيد العقلاء. # فسأل رضوان عمه كمال قائلا: لم لا تتزوج يا عمي؟ أريد أن أقف ~~على الأقل على وجه اعتراضك لأدافع به عن نفسي حين الضرورة! # فقال له ياسين: أتنوي الإضراب عن الزواج؟ لن أسمح بهذا ما حييت، ~~ولكن انتظر حتى تعودوا إلى الحكم ثم تزوج زواجا سياسيا ~~رائعا! # أما كمال فقال له: إذا لم يكن عندك مانع فتزوج في ~~الحال .. # هذا الشاب ما أجمله! وهو مرشح للجاه والمال! لو رأته عايدة في ~~زمانها لعشقته، ولو ألقى نظرة عابرة على بدور لشغفها حبا، أما ~~هو فيدور ms217 على نفسه والدنيا كلها تتقدم، ولا يزال يتساءل: أتزوج أم ~~لا أتزوج! والحياة تبدو حيرة مظلمة. فلا هي فرصة سانحة ولا هي فرصة ~~ضائعة، والحب عسير طبعه الخصام والعذاب، فليتها تتزوج حتى يخلص من ~~حيرته وعذابه! # وإذا بعبد المنعم يدخل عليهم تتقدمه لحيته وهو يقول: تفضلوا إلى ~~البوفيه، احتفالنا اليوم قاصر على المعدة .. # 47 # كان كمال يسير متسكعا في شارع فؤاد الأول، وكانت الساعة تدور ~~في العاشرة من صباح الجمعة فلقي طريقا خاصا بالمارة والواقفين، ~~نساء ورجالا، وكان الجو لطيفا كأكثر أيام نوفمبر، يغري بالمشي. ~~وقد ألف أن يتخفف من عزلته القلبية بالاندساس بين الناس في يوم ~~عطلته، فيمضي على وجهه بلا غاية، متسليا بمشاهدة الناس والأشياء، ~~وصادفه في طريقه أكثر من واحد من تلاميذه الصغار فحيوه برفع ~~أيديهم إلى رءوسهم، فرد تحيتهم بأحسن منها باسما. ما أكثر ~~تلاميذه! منهم من توظف، ومنهم من لا يزال بالجامعة، وغالبيتهم ~~بين الابتدائي والثانوي؛ فليس بالعمر القصير أن تخدم العلم ~~والتعليم أربعة عشر عاما. وكان منظره التقليدي لا يكاد يتغير، ~~البذلة الأنيقة والحذاء اللامع والطربوش المستقيم والنظارة الذهبية ~~والشارب الغليظ، حتى درجته السادسة لم تتغير أربعة عشر عاما رغم ~~ما يشاع عن تفكير الوفد في إنصاف الهيئات المظلومة، شيء واحد ~~تغير هو رأسه الذي انتشر المشيب في سوالفه - وبدا سعيدا بتحيات ~~تلاميذه الذين يحبونه ويحترمونه، وتلك منزلة لم يظفر بمثلها أحد ~~من المدرسين، ظفر بها هو رغم رأسه وأنفه، وبالرغم مما اعترى تلاميذ ~~هذه الأيام من شيطنة وجموح! # وعندما بلغ تسكعه تقاطع عماد الدين مع فؤاد الأول ما يدري إلا ~~وبدور تطالعه وجها لوجه. وخفقت جوانحه كأنما انطلقت بها صفارة ~~الإنذار، وجمد بصره لحظات، ثم هم بالابتسام ليتفادى من الموقف ~~الحرج، غير أنها حولت عنه عينيها في تجاهل بين ودون أن تلين ~~أساريرها ثم مرقت من جانبه، وعند ذلك فحسب رأى أنها تتأبط ذراع شاب ~~تسير في صحبته! وتوقف عن المسير، ثم أتبعها ناظريه، أجل هي بدور، ~~في معطف أسود أنيق، وهذا صاحبها ms218 في مثل أناقتها ولعله لم يبلغ ~~الثلاثين بعد. وبذل جهدا صادقا ليتمالك نفسه التي هزتها ~~المفاجأة ثم تساءل في اهتمام من يكون هذا الشاب؟ ليس أخا لها، ولا ~~هو بالعاشق؛ إذ إن العشاق لا يجاهرون بحبهم في شارع فؤاد الأول ~~خاصة صباح الجمعة، فهل يكون ...؟! وتتابعت دقات قلبه في إشفاق، ثم ~~تبعهما دون تردد، وعيناه لا تفارقانهما، ووعيه مركز فيهما حتى ~~شعر بأن حرارته ترتفع وأن ضغطه يصعد وأن دقات قلبه تنعاه، ورآهما ~~يتوقفان أمام معرض محل لبيع الحقائب، فدنا منهما متباطئا مصوبا ~~عينيه نحو يد الفتاة اليمنى حتى استقر بصره على الخاتم الذهبي! ~~ولفحه إحساس حار كأنه مزيج من الألم العميق، وكان قد مضى على موقف ~~شارع ابن زيدون أربعة أشهر، فهل كان هذا الشاب يرصده في نهاية ~~الطريق ليحل محله؟ وما ينبغي أن يدهش؛ فإن أربعة شهور زمن طويل ~~قد تنقلب فيه الدنيا رأسا على عقب. ووقف أمام محل اللعب على بعد ~~يسير من موقفهما، يلحظهما وكأنه يتفرج على اللعب. إنها اليوم ~~تبدو أجمل مما كانت في أي يوم مضى، كالعروس بكل معنى الكلمة! ولكن ~~ما هذا السواد الذي يشيع في كافة ملابسها؟ إن سواد المعطف أمر ~~مألوف بل فاخر ولكن ما بال فستانها أسود كذلك؟ موضة أم حداد؟ أتكون ~~أمها قد توفيت؟ ليس من عادته تصفح الوفيات في الصحف ولكن ماذا ~~يهمه من ذلك! الذي يهمه حقا أن صفحة بدور قد انطوت في كتاب ~~حياته. انتهت بدور، وعرف السؤال الحائر «أتزوج أم لا أتزوج» ~~جوابه المحتوم! فليهنأ بالطمأنينة بعد الحيرة والعذاب! وكم تمنى لو ~~تتزوج ليخلص من عذابه. فها هي قد تزوجت فليهنأ بالخلاص من العذاب! ~~وخيل إليه أن إنسانا لو ذبح لعانى مثل الإحساس الذي يعانيه في ~~موقفه. إن أبواب الحياة تغلق في وجهه وقد نبذ خارج أسوارها. ثم ~~رآهما يتحولان عن موقفهما، ويتجهان نحوه، ومرا به في سلام ~~وأتبعهما عينيه وهم بالمسير في أثرهما ولكنه عدل عن ذلك فيما ~~يشبه الضجر، ولبث أمام معرض اللعب، ms219 ينظر ولا يرى شيئا. ونظر ~~صوبهما مرة أخرى كأنما ليلقي عليها نظرة الوداع، وكانت تبتعد دون ~~توقف، تختفي تارة وراء المارة وتبدو تارة، ويرى منها جانب مرة ~~ثم يرى جانب آخر، وكان كل وتر من أوتار قلبه يغمغم: «وداعا.» ~~ونفذ إلى أعماقه شعور العذاب مصحوبا بأنغام حزينة ليست بالجديدة. ~~فذكر بها حالا مماثلة ماضية، دبت في أعماقه جارة وراءها شتى ~~ذكرياتها المدغمة، كأنها لحن غامض مثير لأجل الألم وهو في الوقت ~~نفسه لا يخلو من لذة خفيفة مبهمة! شعور واحد يلتقي فيه الألم ~~باللذة، كالفجر تلتقي عنده حاشية الليل بأهداب النهار. ثم اختفت عن ~~ناظريه، وربما اختفت إلى الأبد، كما اختفت أخت لها من قبل! ووجد ~~نفسه يتساءل: من عسى أن يكون خطيبها؟ لم يستطع أن يتفحصه وكم يود ~~أن يفعل. وود - أن يكون موظفا - أن يكون من طبقة أدنى من طبقة ~~المعلمين! ولكن ما هذه الأفكار الصبيانية! إنه لأمر مخجل، أما عن ~~الألم فجدير بالخبير به أن يطمئن؛ إذ إنه عرف بالتجربة أن مصيره - ~~ككل شيء - إلى الموت. وانتبه لأول مرة إلى معرض اللعب الذي ينبسط ~~تحت عينيه. كان آية في التنسيق والجمال، حاويا لشتى فنون اللعب ~~التي يهيم بها الأطفال، من قطارات وسيارات وأراجيح وأدوات موسيقية ~~وبيوت وحدائق، فانجذب إلى المنظر أمامه بقوة غريبة تفجرت عنها ~~نفسه المعذبة حتى تشبثت به عيناه. لم يتح له في طفولته أن ينعم ~~بهذه الجنة، فكبر طاويا نفسه على غريزة لم تشبع وفات أوان ~~إشباعها. وهؤلاء الذين يتحدثون عن سعادة الطفولة من أدراهم بها؟ ~~ومن ذا يستطيع أن يجزم بأنه كان طفلا سعيدا؟ لذلك فما أسخف هذه ~~الرغبة الطارئة البائسة التي تحلم بأن ترده طفلا مثل هذا الطفل ~~الخشبي الذي يلعب في هذه الحديقة الوهمية الجميلة! إنها رغبة سخيفة ~~ومحزنة في آن. ولعل الأطفال في الأصل كائنات لا تحتمل، ولعلها ~~المهنة وحدها التي علمته كيف يمكن التفاهم معهم وتوجيههم. ولكن ~~كيف كانت تكون الحياة لو رد إلى الطفولة محتفظا في ذات الوقت ms220 ~~بعقله النامي وذاكرته؟ فيعود إلى اللعب في بستان السطح بقلب عامر ~~بذكريات عايدة، أو يمضي إلى العباسية عام 1914 فيرى عايدة وهي تلعب ~~في الحديقة ويعرف في الوقت نفسه ما لقيه منها عام 1924 وما بعده! ~~أو يخاطب أباه وهو يلثغ فيقول له إن الحرب ستقع عام 1939 وأنه ~~سيقضى عليه عقب إحدى غاراتها! يا لها من أفكار سخيفة ولكنها خير ~~على أي حال من التركيز في هذه الخيبة الجديدة التي ارتطم بها الآن ~~في شارع فؤاد، خير من التفكير في بدور وخطيبها وموقفه منها. ولعل ~~ثمة خطأ في الماضي يكفر عنه وهو لا يدري. كيف ومتى وقع هذا ~~الخطأ؟ لعله حادث عرض أو كلمة قيلت أو موقف كابده، هذا أو ذاك هو ~~المسئول عن هذا العذاب الذي يعاني. يجب أن يعرف نفسه حتى يتيسر ~~له أن يخلصها من آلامها؛ فالمعركة لم تنته بعد، والتسليم لم يقع، ~~وما ينبغي له أن يقع، ولعله المسئول عن ذلك التردد الجهنمي الذي ~~انتهى به إلى قضم الأظافر على حين مضت بدور متأبطة ذراع خطيبها! ~~وينبغي التفكير مرتين في هذا العذاب المبطن بلذة غامضة؛ أليس هو ~~الذي ذاقه قديما في صحراء العباسية وهو يتطلع إلى الضوء المنبعث ~~من نافذة حجرة الزفاف؟ فهل كان تردده حيال بدور حيلة لدفع نفسه ~~إلى موقف مماثل؛ ليستعيد مشاعر قديمة فيثمل بعذابها ولذتها معا؟! ~~يحسن به قبل أن يحرك يده للكتابة عن الله والروح والمادة أن ~~يعرف نفسه، بل شخصه المفرد، كمال أفندي أحمد، بل كمال أحمد، بل ~~كمال فقط، حتى يتسنى له أن يخلقه من جديد. وليبدأ الليلة بمعاودة ~~كراسة الذكريات ليتفحص الماضي جيدا، وستكون ليلة بلا نوم، ~~ولكنها ليست الأولى من نوعها، فعنده منها ذخيرة يصح جمعها في ~~مؤلف واحد تحت عنوان «ليالي بلا نوم». ولن يقول إن حياته عبث؛ ففي ~~النهاية سيخلف عظاما قد تصنع منها الأجيال القادمة أداة للهو! ~~أما بدور فقد ولت من حياته إلى الأبد. يا لها من حقيقة مليئة ~~بالشجن، كاللحن الجنائزي! ms221 ولم تترك ذكرى حنان واحدة، لا عناق ولا ~~قبل، حتى ولا لمسة أو كلمة طيبة، ولكنه لم يعد يخشى السهاد؛ ~~فقديما كان يلقاه وحيدا، أما اليوم فدون ذلك أفانين تغيب فيها ~~العقول والقلوب، ثم يذهب إلى عطية في البيت الجديد بشارع محمد علي، ~~ثم يواصلان أحاديثهما التي لا تنقضي. وفي آخرة مرة قال لها بلسان ~~أثقله السكر: كم يوافق أحدنا الآخر ! # فقالت له بسخرية مستسلمة: ما ألطفك في سكرك! .. # فاستطرد: ما أسعدنا من زوجين لو تزوجنا .. # فقالت مقطبة: لا تهزأ بي فقد كنت «سيدة» بكل معنى ~~الكلمة .. ~~- نعم، نعم، إنك ألذ من الفاكهة في أبانها .. # فقرصته هازئة وقالت: هذا قولك ولكنني إذا سألتك ريالا فوق ما ~~تعطيني هربت! ~~- إن ما بيننا ليسمو فوق النقود! # فحدجته بنظرة احتجاج وقالت: ولكن لي طفلان يفضلان النقود على ~~ما بيننا! # فبلغ به السكر والحزن غايتهما وقال ساخرا: أنا أفكر في التوبة ~~أسوة بالست جليلة، ويوم يختارني التصوف فسأنزل لك عن ثروتي! # فقالت ضاحكة: إذا وصلت التوبة إليك فقل علينا السلام .. # فضحك ضحكة عالية وقال: لا كانت التوبة المضرة بمثيلاتك! # إلى هذا يفزع من السهاد! ثم شعر بأن وقفته أمام معرض اللعب قد ~~طالت فتحول عنه وذهب .. # 48 # تساءل خالو صاحب حانة النجمة: حقيقي يا حبيبي أنهم سيغلقون ~~الخمارات؟ # فأجاب ياسين بثقة واطمئنان: لا سمح الله يا خالو! إن من عادة ~~النواب أن يثرثروا عند نظر الميزانية، ومن عادة الحكومة أن تعد ~~بالنظر في تحقيق رغبات النواب في أقرب فرصة، ومن عادة هذه الفرصة ~~ألا تقترب أبدا .. # واستبقت جماعة ياسين بحانة محمد علي المشاركة في التعليق، فقال ~~رئيس المستخدمين: طول عمرهم يعدون بإخراج الإنجليز، وبفتح جامعة ~~جديدة، وبتوسيع شارع الخليج، فهل تم شيء من هذا يا خالو؟! # وقال عميد ذوي المعاشات: لعل النائب مقدم الاقتراح قد شرب ~~خمرا زعافا من خمور الحرب فانتقم بتقديم اقتراحه .. # وقال المحامي: ومهما يكن من أمر، فإن حانات الشوارع الإفرنجية لن ~~تمس بسوء، فما عليك يا خالو إذا وقع المحذور، ms222 إلا أن تسهم في ~~تافرنا أو غيرها .. والخمار للخمار كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا! # وقال باشكاتب الأوقاف: إذا كان الإنجليز قد دفعوا بدباباتهم إلى ~~عابدين لمسألة تافهة هي إعادة النحاس إلى الحكم، فهل تظنهم ~~يسكتون عن إغلاق الخمارات؟! # وكان بالحجرة - إلى جماعة ياسين - نفر من أهل البلد من التجار، ~~ولكن على الرغم من ذلك اقترح الباشكاتب أن يمزجوا سكرهم بشيء من ~~الغناء قائلا : هلموا نغني «أسير العشق». # فبادر خالو بالعودة إلى موقفه وراء الطاولة، وراح الأصدقاء يغنون ~~«أسير العشق يا ما يشوف هوان»، وبدت نغمة السكر أوضح الأنغام في ~~أصواتهم حتى لاحت في وجوه أهل البلد بسمات ساخرة. غير أن الغناء ~~لم يستمر طويلا، وكان ياسين أول المنسحبين، ثم تبعه الآخرون فلم ~~يتم الدور إلا الباشكاتب، ثم ساد سكوت تقطعه من حين إلى حين ~~مصمصة أو تمطق أو يد تصفق في طلب كأس أو مزة، وإذا بياسين يقول: ~~أما من وسيلة ناجعة للحبل؟ # فقال الموظف العجوز كالمحتج: لا تفتأ تسأل هذا السؤال وتعيده! .. ~~صبرك بالله يا أخي .. # وقال باشكاتب الأوقاف: لا داعي إلى الجزع يا ياسين أفندي، ومسير ~~بنتك تحبل! # فقال ياسين وهو يبتسم ابتسامة بلهاء: إنها عروس كالوردة، زينة ~~السكرية، ولكنها أول فتاة في أسرتنا يمر عليها عام على زواجها دون ~~أن تحبل، لهذا جزعت أمها! ~~- وأبوها فيما يبدو! # فقال ياسين ضاحكا: إذا جزعت الزوجة جزع زوجها .. ~~- لو يتذكر الإنسان قرف الأولاد لكره الحبل! ~~- ولو! الناس يتزوجون عادة لإنجاب الذرية .. ~~- لهم حق! لولا الأطفال ما طاق الحياة الزوجية أحد .. # فشرب ياسين كأسه وهو يقول: أخشى أن يكون ابن أختي من أتباع هذا ~~الرأي .. ~~- بعض الرجال ينجبون الأطفال ليشغلوا زوجاتهم بهم فيستردوا شيئا ~~من حريتهم المفقودة! # فقال ياسين: هيهات، المرأة ترضع طفلا وتهدهد آخر ولكنها في نفس ~~الوقت تحملق في زوجها: أين كنت؟ لماذا غبت إلى هذه الساعة؟ ومع ذلك ~~فالحكماء لم يستطيعوا أن يغيروا هذا النظام الكوني. ~~- ماذا منعهم؟ ~~- أزواجهم! لم يدعن لهم فرصة للتفكير في ذلك .. ~~- اطمئن يا ياسين ms223 أفندي، فإن زوج بنتك لا يمكن أن ينسى فضل ابنك ~~في توظيفه .. ~~- كل شيء ينسى .. # ثم - وهو يضحك - وقد دغدغت الخمر رأسه: ثم إن «المحروس» نفسه ~~خارج الحكم الآن! ~~- آه! والوفد سيعمر هذه المرة فيما يبدو .. # وإذا بالمحامي يقول بلهجة خطابية: لو سارت الأمور سيرا ~~طبيعيا في مصر لحكم الوفد إلى الأبد .. # فقال ياسين ضاحكا: هذا القول له وجاهته لولا خروج ابني على ~~الوفد! ~~- ولا تنسوا حادث القصاصين! إذا مات الملك فقل على أعداء الوفد ~~السلام! ~~- الملك بسلام! ~~- الأمير محمد علي يعد بذلة التشريفة! وهو منسجم مع الوفد ~~طول عمره .. ~~- الجالس على العرش - أيا كان اسمه - هو عدو للوفد بحكم مركزه؛ ~~كالويسكي والحلوى لا يتفقان! # فقال ياسين وهو يضحك نشوة: لعل الحق معكم؛ فأكبر منك بيوم يعرف ~~أكثر منك بسنة، وأنتم منكم من بلغ أرذل العمر ومنكم من يوشك أن ~~يدركه! ~~- اسم الله عليك يا ابن السبعة والأربعين! ~~- على أي حال فأنا أصغركم سنا .. # ثم فرقع بأصابعه وهو يتمايل نشوة وخيلاء، واستطرد: ولكن العمر ~~الحقيقي لا يقاس بالسنين، ولكن بالنشوة ينبغي أن يقاس، والخمر قد ~~انحطت نوعا ومذاقا في أيام الحرب ولكن نشوتها هي هي، وعند ~~الاستيقاظ صباحا يدق رأسك الصداع فتفتح عينيك بكماشة ثم تتجشأ ~~كحولا، غير أني أقول لكم إنه في سبيل النشوة يهون أي شيء، ورب ~~أخ يتساءل: والصحة؟ أجل لم تعد الصحة كما كانت، وابن السبعة ~~والأربعين غير مثيله في الزمن الأول؛ مما يدل على أن كل شيء قد غلا ~~ثمنه في الحرب إلا العمر فلا ثمن له، في الزمن الأول كان الرجل ~~يتزوج في الستين من عمره أما في زماننا الغادر فابن الأربعين يسأل ~~أهل العلم عن الوصفات المقوية، والعريس في شهر العسل قد يوحل في ~~شبر ماء! ~~- الزمن الأول! أهل الدنيا جميعا يسألون عنه! # فعاد ياسين يقول وقد أخذت أنغام السكر ترن في أوتار صوته: الزمن ~~الأول، اللهم ارحم أبي، شد ما ضربني ليمنعني من الاشتراك الدموي في ~~الثورة! ولكن الذي لا ترهبه قنابل ms224 الإنجليز لا يرهبه الزجر! وفي ~~قهوة أحمد عبده كنا نجتمع لتدبير المظاهرات وقذف القنابل .. ~~- هذه الأسطوانة من جديد! خبرني يا ياسين أفندي أكان وزنك أيام ~~الجهاد كوزنك اليوم؟ ~~- وأثقل، غير أني كنت حين الجد كالنحلة، وفي يوم المعركة الكبرى ~~سرت على رأس المظاهرة أنا وأخي أول شهداء الحركة الوطنية، فسمعت ~~أزيز الرصاص وهو يمرق لصق أذني ويستقر في أخي، يا للذكرى! لو امتد ~~به العمر للحق بركب الوزراء المجاهدين! ~~- ولكن العمر امتد بك أنت! ~~- نعم، ولكن ما كان بوسعي أن أكون وزيرا بالابتدائية، ثم إننا ~~في جهادنا توقعنا الموت لا المناصب، غير أنه لا بد أن يموت أناس ~~ويتبوأ المناصب آخرون، وفي جنازة أخي مشى سعد زغلول فقدمني إليه ~~زعيم الطلبة، هذه ذكرى عظيمة أخرى! ~~- ولكن كيف وجدت - رغم جهادك - متسعا للعربدة والعشق! ~~- اسمعوا يا هوه! وهؤلاء الجنود الذين يضاجعون النساء في الطرق ~~أليسوا هم الذين ردوا رومل على أعقابه؟! فالجهاد لا يكره ~~الفرفشة، والخمر لو علمتم روح من الفروسية، والمجاهد والسكران ~~أخوان يا أولي الألباب! ~~- وسعد زغلول ألم يقل لك شيئا في جنازة أخيك؟ # فأجاب عنه المحامي قائلا: قال له: ليتك كنت الشهيد أنت! # وضحكوا، وكانوا في هذه الحال يضحكون أولا ثم يتساءلون عن السبب، ~~وضحك معهم ياسين في أريحية صافية ثم واصل حديثه قائلا: لم يقل ~~هذا، كان رحمه الله مؤدبا لا كحضرتك، وكان ابن حظ أيضا؛ ولذلك ~~كان واسع الآفاق، فكان سياسيا ومجاهدا وأديبا وفيلسوفا ~~وقانونيا، وكانت كلمة منه تحيي وتميت! ~~- الله يرحمه. ~~- ويرحم الجميع، كل ميت يستحق الرحمة، بحسبه أنه فقد الحياة، حتى ~~المومس وحتى القواد، وحتى الأم التي كانت تبعث بابنها إلى ~~رفيقها ليعود إليها به .. ~~- وهل يمكن أن توجد هذه الأم؟ ~~- كل ما تتصور وما لا تتصور يوجد في الحياة! ~~- ألم تجد إلا ابنها؟ ~~- ومن أرعى للأم من الابن؟! ثم إنكم جميعا أبناء ~~المضاجعة! ~~- الشرعية! ~~- هذه شكليات أما الحقيقة فواحدة، وقد عرفت مومسات بائسات كان ~~فراشهن يخلو من ضجيع أسبوعا أو أكثر، دلوني على ms225 أم من أمهاتكم ~~قضت مثل هذه الفترة بعيدا عن قرينها؟ ~~- لا أعرف شعبا كالشعب المصري ولعا بالخوض في أعراض ~~الأمهات! ~~- نحن شعب قليل الأدب! # فقال ياسين ضاحكا: إن الزمن أدبنا أكثر مما ينبغي، والشيء إذا ~~زاد عن حده انقلب إلى ضده؛ ولذلك فنحن غير مؤدبين! ولكن تغلب علينا ~~الطيبة رغم ذلك، فالتوبة عادة ختامنا! ~~- ها أنا من ذوي المعاشات ولكنني لم أتب بعد! ~~- التوبة لا تخضع لكادر الموظفين. ثم إنك لا تفعل شيئا ضارا، ~~إنك تسكر ساعات كل ليلة وليس في ذلك من بأس، وسوف يمنعك من السكر ~~يوما المرض أو الطبيب وكلاهما شيء واحد، ونحن بطبعنا ضعفاء، ~~ولولا ذلك ما ألفنا الخمر ولا صبرنا على الحياة الزوجية، ونزداد ~~بمرور الأيام ضعفا ولكن رغائبنا لا تقف عند حد، هيهات، فنتعذب ثم ~~نسكر مرة أخرى. ويشيب شعرنا فيفضح منا المستور وإذا بصفيق يعترض ~~سبيلك في الطريق وهو يقول: «عيب أن تطارد امرأة وشعرك شايب!» ~~يا سبحان الله! ما لك أنت إذا كنت شابا أم شيخا، أتبع امرأة أم ~~أتبع حمارة! حتى تخال حينا أن الناس متآمرون مع زوجك عليك، وهنالك ~~إلى ذلك كله الدلال بتقله والعسكري بهراوته، حتى الخادمة تتيه ~~دلالا في سوق الخضار، وهكذا تجد نفسك في عالم مشاكس لا صديق لك ~~فيه إلا الكأس، ثم يجيء دور المرتزقة من الأطباء فيقولون لك بكل ~~بساطة: «لا تشرب!» ~~- ومع ذلك أتنكر أننا نحب الدنيا بكل قلوبنا؟ ~~- بكل قلوبنا! والشر نفسه لا يخلو من خير، حتى الإنجليز لا يخلون ~~من خير. لقد عرفتهم يوما عن كثب، وكان لي منهم أصدقاء على عهد ~~الثورة! # فهتف المحامي: ولكنك كنت تجاهدهم .. أنسيت؟! ~~- نعم .. نعم، لكل حال ما يناسبها، وفي مرة ظنوني جاسوسا لولا ~~أن سارع إلي زعيم الطلبة في اللحظة المناسبة فدل القوم على ~~حقيقتي فهتفوا لي، وكان ذلك في جامع الحسين! ~~- يعيش ياسين .. يعيش ياسين! ولكن ماذا كنت تفعل في جامع ~~الحسين؟! ~~- أجب، هذه نقطة هامة جدا ..! # فضحك ياسين ثم قال: كنا نصلي الجمعة، ms226 وكان من عادة أبي أن يأخذنا ~~معه لصلاة الجمعة، ألا تصدقون؟ سلوا أهل الحسين؟! ~~- كنت تصلي زلفى لأبيك؟ ~~- ولله، لا تسيئوا الظن بنا، نحن أسرة دينية، أجل كلنا سكيرون ~~فاسقون، ولكن في النهاية تنتظرنا التوبة! # وهنا تأوه المحامي قائلا: ألا نعاود الغناء قليلا؟ # فبادره ياسين قائلا: أمس غادرت الحانة وأنا أغني فاعترضني ~~شرطي وهتف بي محذرا: «يا أفندي!» فسألته: «ألا يحق لي أن أغني؟» ~~فقال: «ممنوع الزعيق بعد الساعة 12.» فقلت محتجا: «ولكنني ~~أغني!» فقال بحدة: «كله زعق أمام القانون.» فسألته: «والقنابل ~~التي تنفجر بعد الساعة 12 ألا تعد زعقا؟» فقال مهددا: «الظاهر ~~أنك ترغب في البيات في القسم!» فابتعدت عنه وأنا أقول: «بل الأفضل ~~أن أبيت في البيت!» كيف نكون أمة متحضرة والعساكر تحكمنا؟! وفي ~~البيت تلقى زوجك بالمرصاد، وهنالك في الوزارة رئيسك، حتى في التربة ~~يستقبلك ملاكان بالهراوات .. # وعاد المحامي يقول: فلنمز بشيء من الغناء .. # فتنحنح عميد ذوي المعاشات ثم راح يترنم: # جوزي اتجوز عليه # ولسه الحنة في إيديه # يوم ما جه وجبها عليه # دي نار يا ناس وآدت فيه # وسرعان ما رددوا المطلع في حماس همجي، وكان ياسين يغرق في ~~الضحك حتى دمعت عيناه ... # 49 # كثيرا ما كانت تشعر خديجة بأنها وحيدة. ومع أن إبراهيم شوكت - ~~خاصة منذ أن قارب السبعين - كان يعتكف في بيته طوال أيام الشتاء، ~~إلا أنه لم يستطع أن يبدد وحشتها، ولم تهن في القيام بواجبات ~~بيتها، غير أنها - الواجبات - باتت أهون من أن تستغرق حيويتها ~~ونشاطها؛ فعلى تجاوزها السادسة والأربعين لم تزل قوية نشيطة ~~وازدادت جسامة. وأسوأ من هذا أن وظيفتها كأم قد انقطعت على حين أن ~~دورها كحماة لم ولن يبدأ أبدا فيما بدا. فإحدى الزوجتين ابنة ~~أخيها، والأخرى موظفة لا تكاد تلتقي بها إلا فيما ندر من الأوقات ~~والمناسبات. فكانت تروح عن صدرها المكبوت فيما يدور من حديث ~~بينها وبين زوجها المتلفع بعباءته. ~~- مضى أكثر من عام على زواجهما ولم نوقد شموعا! # فهز الرجل منكبيه استهانة دون تعليق فعادت تقول: لعل ms227 عبد المنعم ~~وأحمد يعدان الذرية موضة قديمة كطاعة الوالدين! # فقال الرجل في ضجر: أريحي نفسك فهما سعيدان وحسبنا هذا. # فتساءلت في حدة: إذا كانت العروس لا تحبل ولا تلد فما ~~فائدتها؟ ~~- لعل ابنيك يخالفانك في هذا الرأي! ~~- لقد خالفاني في كل شيء، ما أضيع تعبي وأملي ... ~~- أيحزنك ألا تكوني جدة؟ # فقالت في حدة تعالت درجتها: إن حزني عليهما لا على نفسي! ~~- لقد عرض عبد المنعم كريمة على الطبيب فبشره خيرا ... ~~- أنفق المسكين كثيرا وسينفق غدا أكثر، إن عرائس اليوم غالية ~~الثمن كالطماطم واللحوم! # فضحك الرجل دون تعليق فاستطردت تقول: أما الأخرى فأستعين عليها ~~بسيدي المتولي. ~~- اعترفي بأن لسانها كالشهد! ~~- مكر ودهاء، ماذا تتوقع من ابنة العنابر؟ ~~- اتقي الله يا شيخة! ~~- ترى متى يذهب بها «الأستاذ» إلى الطبيب؟ ~~- إنهما زاهدان في هذا! ~~- طبعا، إنها موظفة، فمن أين تجد وقتا للحبل والولادة؟ ~~- إنهما سعيدان ما في ذلك شك. ~~- الموظفة لا يمكن أن تكون زوجة صالحة، وسيعرف ذلك بعد فوات ~~الأوان ... ~~- إنه رجل ولن يضيره ذلك ... ~~- ليس في هذا الحي كله شابان كولدي فيا للخسارة! ~~••• # وكان عبد المنعم قد تبلور طابعه واتجاهه، فأثبت أنه موظف كفء ~~و«أخ» نشيط، وقد انتهى الإشراف على شعبة الجمالية إليه فعين ~~مستشارا قانونيا لها، وأسهم في تحرير المجلة، وكان يلقي المواعظ ~~أحيانا في المساجد الأهلية. وجعل من شقته ناديا لإخوانه يسهرون ~~عنده كل ليلة وعلى رأسهم الشيخ علي المنوفي. وكان الشاب شديد ~~التحمس موفور الاستعداد كي يضع جميع ما يملك من جهد ومال وعقل في ~~خدمة الدعوة التي آمن بكل قلبه - على حد تعبير المرشد - بأنها دعوة ~~سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة ~~علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية. وكان الشيخ علي ~~المنوفي يقول: تعاليم الإسلام وأحكامه شاملة تنظيم شئون الناس في ~~الدنيا والآخرة، وإن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول ~~الناحية الروحية أو العبادة دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا ~~الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ~~ومصحف وسيف ms228 ... # فيقول شاب من المجتمعين: هذا هو ديننا، ولكننا جامدون لا نفعل ~~شيئا والكفر يحكمنا بقوانينه وتقاليده ورجاله ... # فيقول الشيخ علي: لا بد من الدعاية والتبشير، وتكوين الأنصار ~~المجاهدين، ثم تجيء مرحلة التنفيذ ... ~~- وإلام ننتظر؟ ~~- لننتظر حتى تنتهي الحرب، إن الحقل مهيأ لدعوتنا، وقد نزع الناس ~~ثقتهم من الأحزاب، وعندما يهتف الداعي في الوقت المناسب يهب ~~الإخوان وكل مدرع بقرآنه وسلاحه ... # عبد المنعم بصوته القوي العميق: فلنوطن النفس على جهاد طويل، إن ~~دعوتنا ليست موجهة إلى مصر وحدها، ولكن إلى كافة المسلمين في ~~الأرض، ولن يتحقق لها النجاح حتى تجمع مصر والأمم الاسلامية على ~~هذه المبادئ القرآنية، فلن نغمد السلاح حتى نرى القرآن دستورا ~~للمسلمين أجمعين ... # الشيخ علي المنوفي: أبشركم بأن دعوتنا تنتشر بفضل الله في كل ~~بيئة، لها اليوم مركز في كل قرية، إنها دعوة الله، والله لا يخذل ~~قوما ينصرونه ... # وفي نفس الوقت، كان يستعر نشاط آخر في الدور التحتاني وإن اختلف ~~الهدف. ولم يكن وفير العدد كهذا، فان أحمد وسوسن كانا يجتمعان في ~~كثير من الليالي بعدد محدود من الأصدقاء مختلفي النحل والملل، ~~أكثرهم من البيئة الصحفية. وقد زارهم الأستاذ عدلي كريم ذات مساء، ~~وكان على علم بما يدور بينهم من مناقشات نظرية. فقال لهم: حسن أن ~~تدرسوا الماركسية، ولكن تذكروا أنها وإن تكن ضرورة تاريخية إلا ~~أن حتميتها ليست من نوع حتمية الظاهرات الفلكية. إنها لن توجد إلا ~~بإرادة البشر وجهادهم، فواجبنا الأول ليس في أن نتفلسف كثيرا ولكن ~~في أن نملأ وعي الطبقة الكادحة بمعنى الدور التاريخي الذي عليها أن ~~تلعبه لإنقاذ نفسها والعالم جميعا ... # أحمد: إننا نترجم الكتب القيمة عن هذه الفلسفة الخاصة من ~~المثقفين، ونلقي المحاضرات الحماسية على العمال المجاهدين، وكلا ~~العملين واجب لا غنى عنه ... # فقال الأستاذ: ولكن المجتمع الفاسد لن يتطور إلا باليد العاملة، ~~وحين يمتلئ وعيها بالإيمان الجديد، ويمسي الشعب كله كتلة واحدة من ~~الإرادة، فهنالك لن تقف في سبيلنا القوانين الهمجية ولا ~~المدافع ... ~~- كلنا مؤمنون بذلك، غير أن كسب العقول ms229 المثقفة يعني السيطرة على ~~الفئة المرشحة للتوجيه والحكم ... # وإذا بأحمد يقول: سيدي الأستاذ، ثمة ملاحظة أود إبداءها، عرفت ~~بالتجربة أنه ليس من العسير إقناع المثقفين بأن الدين خرافة وأن ~~الغيبيات تخدير وتضليل، ولكن من الخطورة بمكان مخاطبة الشعب بهذه ~~الآراء، وأن أكبر تهمة يستغلها أعداؤنا هي رمي حركتنا بالإلحاد أو ~~الكفر ...؟ ~~- إن مهمتنا الأولى أن نحارب روح القناعة والخمول والاستسلام، ~~أما الدين فلن يتأتى القضاء عليه إلا في ظل الحكم الحر، ولن يتحقق ~~هذا الحكم إلا بالانقلاب، وعلى العموم فالفقر أقوى من الإيمان، ومن ~~الحكمة دائما أن تخاطب الناس على قدر عقولهم ... # ونظر الأستاذ إلى سوسن باسما وهو يقول: كنت تؤمنين بالعمل فهل ~~بت تقنعين بالنقاش في ظل الزواج؟ ... # وكانت تدرك أنه يداعبها وأنه لا يعني ما يقول، ومع ذلك فقد قالت ~~جادة: إن زوجي يحاضر العمال في الخرابات النائية، وأنا لا أني ~~أوزع المنشورات بنفسي ... # ثم قال أحمد مغتما: إن عيب حركتنا أنها تجذب إليها كثيرين من ~~النفعيين غير المخلصين، من هؤلاء من يعمل بغية الأجر أو من يعمل ~~للمصلحة الحزبية! # فقال الأستاذ عدلي كريم وهو يهز رأسه الكبير في استهانة واضحة: ~~أعلم هذا حق العلم، ولكني أعلم أيضا أن الأمويين قد ورثوا الإسلام ~~وهم لا يؤمنون به ومع ذلك فهم الذين نشروه في بقاع العالم القديم ~~حتى إسبانيا! فمن حقنا أن نستفيد من هؤلاء، علينا أن نحذرهم في ~~الوقت نفسه، ولا تنسوا أن الزمن معنا على شرط أن نبذل ما في وسعنا ~~من جهد وتضحية ... ~~- والإخوان يا أستاذ! لقد بتنا نشعر بأنهم عقبة خطيرة في ~~سبيلنا. ~~- لا أنكر هذا، ولكنهم ليسوا بالخطورة التي تتخيلها، ألا ترى ~~أنهم يخاطبون العقول بلغتنا فيقولون اشتراكية الإسلام؟ فحتى ~~الرجعيون لم يجدوا بدا من استعارة اصطلاحاتنا، وهم لو سبقونا إلى ~~الانقلاب فسوف يحققون بعض مبادئنا ولو تحقيقا جزئيا. ولكنهم لن ~~يوقفوا حركة الزمن المتقدمة إلى هدفها المحتوم، ثم إن نشر العلم ~~كفيل بطردهم كما يطرد النور الخفافيش! ~~••• # ومضت خديجة تراقب مظاهر هذا النشاط ms230 الغريب في دهشة مقرونة ~~بالامتعاض والسخط، حتى قالت يوما لزوجها: لم أر بيتا كبيتي ~~عبد المنعم وأحمد، لعلهما قهوتان وأنا لا أدري، فلا يجيء المساء حتى ~~يمتلئ الطريق بالزوار من أصحاب اللحى والخواجات، لم أسمع عن شيء ~~كهذا من قبل. # فهز الرجل رأسه قائلا: آن لك أن تسمعي ...! # فقالت بحدة: إن مرتبيهما لن يكفيا ثمن القهوة التي تقدم للضيوف! ~~- هل اشتكيا إليك الفقر ؟ ~~- والناس؟ ماذا يقولون وهم يرون أفواجا تدخل وأفواجا ~~تخرج؟ ~~- كل واحد حر في بيته. # فنفخت قائلة: إن أصوات أحاديثهم التي لا تنتهي تعلو أحيانا حتى ~~تخرج إلى الحارة ... ~~- فلتخرج إلى الحارة أو فلتصعد إلى السماء ... # وتنهدت خديجة من الأعماق وهي تضرب كفا بكف ... # 50 # كانت فيلا عبد الرحيم باشا عيسى بحلوان تودع الفوج الأخير من ~~الزوار الذين جاءوا يودعونه قبيل سفره إلى الأراضي الحجازية ~~لأداء فريضة الحج ... ~~- إن الحج أمنية قديمة، لعن الله السياسة فهي التي شغلتني عنه ~~عاما بعد عام، ولكن في مثل عمري يجب أن يفكر المرء في أداء اللقاء ~~القريب بربه ... # فقال علي مهران وكيل الباشا: لعن الله السياسة! # فردد الباشا عينيه الذابلتين بين رضوان وحلمي متفكرا ثم قال: قل ~~فيها ما شئت، غير أن لها جميلا في عنقي لا أنساه وهو أنها سلتني ~~عن وحشتي، إن الأعزب العجوز مثلي يلتمس الأنس ولو في ~~الجحيم! ... # فلعب علي مهران حاجبيه وقال: ونحن يا باشا ألم نقم بواجبنا في ~~تسليتك؟ ~~- دون شك، ولكن يوم الأعزب طويل كليل الشتاء، ولا بد للإنسان ~~من رفيق، وإني لأعترف بأن المرأة ضرورة خطيرة، وكم أذكر أمي هذه ~~الأيام! أن المرأة ضرورة حتى لمن لا يتعشقها! # وكان رضوان يفكر في أمور بعيدة فإذا به يسأل الباشا: هب ~~النحاس باشا يسقط أفلا تعدل عن السفر؟! # فلوح الباشا بيده ساخطا وقال: فليبق بنحسه حتى أعود على ~~الأقل من الحج! ... # ثم وهو يهز رأسه: كلنا مذنب، والحج يغسل الذنوب ... # فضحك حلمي عزت قائلا: إنك يا باشا مؤمن، وإن إيمانك لمما يحير ~~الكثيرين! ~~- لمه؟ إن ms231 الإيمان واسع الصدر، والمنافق وحده الذي يدعي ~~البراءة المطلقة، ومن الغباء أن تظن أن الإنسان لا يقترف الذنوب ~~إلا على جثة الإيمان، ثم إن ذنوبنا أشبه بالعبث الصبياني ~~البريء! # فقال علي مهران متنهدا في ارتياح: يا له من قول جميل. والآن ~~دعني أصارحك بأنني تشاءمت كثيرا حين حدثتني عن اعتزامك الحج، ~~وساءلت نفسي: ترى أهي التوبة؟ وهل تنتهي بالنسبة لنا مسرات ~~الحياة؟! # فضحك الباشا حتى اهتز جذعه وقال: أنت شيطان من صلب شيطان، ~~أتحزنون حقا إذا علمتم أنها التوبة؟ ... # فقال حلمي متأوها: كمن ذبح وليدها في حجرها! # فضحك عبد الرحيم باشا مرة أخرى وقال: آه منكم يا أولاد الإيه، علي ~~مثلي إذا أراد التوبة حقا أن ينأى بنفسه عن العيون النجل والخدود ~~الوردية، وأن يعكف على مجاورة قبر النبي عليه الصلاة ~~والسلام ... # فهتف مهران في شماتة: الحجاز وما أدراك ما الحجاز، لقد حدثني ~~عنها العارفون، ستكون كالمستجير من الرمضاء بالنار! # فقال حلمي عزت كالمحتج: لعلها دعاية كاذبة كالدعايات ~~الإنجليزية، وهل يوجد في الحجاز كله وجه كوجه رضوان؟! # فهتف عبد الرحيم عيسى: ولا في الجنة! ... (ثم متراجعا) ... لكننا ~~يا أولاد الحرام بصدد حديث التوبة! # فقال علي مهران: مهلا يا باشا، لقد أخبرتني يوما عن الصوفي ~~الذي تاب سبعين مرة، أليس معنى هذا أنه أذنب سبعين مرة؟ # فقال رضوان: أو مائة مرة! # فقال علي مهران: أنا راض بسبعين! # فتساءل الباشا ووجهه يتهلل بشرا: وهل في العمر بقية؟ ~~- ربنا يطول عمرك يا باشا، طمئنا وقل إنها التوبة ~~الأولى! ~~- والأخيرة! ~~- فشر! إذا تحديتني فسوف أستقبلك حين العودة من الحج بقمر ولا ~~كل الأقمار ثم ننظر ماذا يكون من أمرك! # فقال الباشا باسما: ستكون النتيجة مثل وجهك يا بوز الإخص، أنت ~~شيطان يا مهران، شيطان لا غنى للإنسان عنه ... ~~- أحمد الله على ذلك ... # رضوان وحلمي في وقت واحد تقريبا: ونحمده عليه ... # فقال الباشا في خيلاء وسرور: أنتم أنسي، ما الحياة بدون المودة ~~والصداقة؟ الحياة جميلة، الجمال جميل، الطرب جميل، العفو جميل، ~~أنتم شباب وتنظرون إلى ms232 الدنيا من زاوية خاصة، وسوف يعلمكم العمر ~~الكثير، إني أحبكم وأحب الدنيا، وإن زيارتي لبيت الله للشكر ~~والاعتذار وطلب الهداية ... # فقال رضوان باسما: ما أجمل منظرك، إنك تقطر صفاء! # فقال علي مهران بمكر: ولكن حركة صغيرة تجعله يقطر أشياء أخرى، ~~حقا يا باشا إنك معلم الجيل! ~~- وأنت إبليس نفسه يا ابن الهرمة! اللهم إني إذا قدمت يوما ~~للحساب فسأشير إليك وكفى! ~~- أنا! مظلوم والله ، لست إلا عبدا مأمورا! ~~- بل أنت شيطان ... ~~- ولكن لا غنى لإنسان عنه؟! # فضحك الباشا قائلا: نعم يا عكروت ... ~~- كنت وما أزال في حياتك العامرة نغما مطربا ووجها مليحا ~~وهناء متجددا، وأخيرا لا تنس أيام شبابي يا سعادة ~~الغادر! # فتأوه الباشا قائلا: أيام زمان! آه من الزمان! يا أولاد لم ~~نكبر؟! جلت حكمتك يا ربي وعلت! # كانت قناتي لا تميل لغامز # فألانها الإصباح والإمساء # فقال مهران ملعبا حاجبيه: لغامز؟! بل قل لا تميل ~~لمهران! ~~- يا ابن الكلب لا تفسد الجو بهذرك! لا يجوز أن نعبث عند ذكر ~~الأيام الجميلة، والدموع أحيانا أجمل من الابتسام وأضخم إنسانية ~~وأشد عرفانا بالجميل، اسمعوا هذا أيضا: # واستنكرتني وما كان الذي ذكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا ~~- ما رأيكم في قوله «من الحوادث»؟ # وإذا بمهران ينادي على طريقة باعة الصحف: الحوادث والأهرام ~~والمصري ... # الباشا يائسا: الحق ليس عليك ولكن ع ... ~~- عليك أنت! ~~- أنا! أنا بريء منك، عندما عرفتك كنت على حال يحسدك عليها ~~إبليس، ولكني لن أسمح لك أن تنتزعني من جو الذكريات، نعم، اسمعوا ~~إلى هذا أيضا: # عريت من الشباب وكان غضا # كما يعرى من الورق القضيب # فتساءل مهران كالمنزعج: القضيب يا باشا؟! # الباشا وهو يردد ناظريه بين رضوان وحلمي المغرقين في الضحك: ~~صاحبكما جثة لا يؤثر فيها الشعر! ولكنه سيبلغ قريبا فترة الحسرات، ~~حين يصير كل جميل خبرا لكان أو إحدى أخواتها، (ثم متلفتا إلى ~~مهران) وأصحاب زمان يا ابن الهرمة هل نسيتهم؟ ~~- أوه، الله يمسيهم بالخير ... كانوا الجمال كله والدلال ~~كله ... ~~- ماذا تعرف عن شاكر سليمان؟ ~~- كان وكيل الداخلية ms233 وفرخة بكشك عند الإنجليز حتى أحيل على ~~المعاش قبل الأوان في وزارة النحاس الثانية أو الثالثة لا أذكر، ~~وأظنه الآن معتكفا في عزبته بكوم حمادة ... ~~- يا عيني على أيامه، وحامد النجدي؟ ~~- هذا أسوأ أحبابنا حظا! خسر الجلد والسقط، وإنه ليطوف الآن ~~ليلا بالمراحيض العمومية ... ~~- كان خفيفا ظريفا ولكنه كان كذلك مقامرا وعربيدا. وعلي ~~رأفت؟ ~~- لقد بلغ «باجتهاده» أن صار عضوا في مجلس إدارة عدة شركات، ~~ولكن سمعته ضيعت عليه الوزارة فيما يقال! ~~- لا تصدق ما يقال، ولي الوزارة أناس جاوزت شهرتهم حدود ~~المملكة، غير أن هذا الرأي الذي طالما نوهت لكم عنه وهو أن التحلي ~~بالفضائل العامة واجب علينا أكثر من بقية الناس! فإذا تحقق لأحدكم ~~هذا فلا تثريب عليه بعد ذلك، لقد حكم المماليك مصر أجيالا، ~~وما زالت ذراريهم تتمتع بالجاه والمال، وما المملوك؟! هو ذلك نفسه! ~~سأقص عليكم قصة عظيمة المغزى. # وصمت الباشا قليلا كأنما ليجمع شتات فكره ثم قال: كنت في ذلك ~~الوقت رئيس محكمة، وحدث أن عرضت على قضية مدنية عن ميراث مختلف ~~عليه، وقبل نظر القضية عرفني بعضهم بشاب جميل له وجه رضوان ~~وقوام حلمي ... (ثم مشيرا إلى مهران) ورشاقة هذا الكلب في عز أيامه! ~~فتصادقنا عهدا وأنا لا أدري عن سره شيئا، حتى إذا كان يوم نظر ~~القضية ما أدري إلا وهو يقف أمامي ممثلا لأحد طرفي النزاع! ماذا ~~تظنون فعلت؟ # فتمتم رضوان: يا له من موقف! ~~- تنحيت عن نظر القضية دون تردد! # وأبدى رضوان وحلمي عن إعجابهما أما مهران فقال كالمحتج: وضيعت ~~عليه كفاحه؟! # فقال الباشا دون اكتراث لهذر مهران: ليس هذا فحسب، ولكني قطعته ~~احتقارا لسوء خلقه. أجل، لا قيمة للإنسان بلا خلق، ليس الإنجليز ~~بأذكى الناس، الفرنسيون والإيطاليون أذكى منهم ولكنهم سادة الخلق ~~فهم سادة العالم! لذلك أنبذ الجمال التافه المنحط. # فتساءل علي مهران ضاحكا: هل أفهم من إبقائك علي أني ذو ~~خلق؟ # فأشار الباشا نحوه جادا وهو يقول: الأخلاق متنوعة. فالقاضي ~~مطالب بالنزاهة والعدل، والوزير بالواجب والشعور بالمسئولية ~~العامة، والصديق ms234 بالصفاء والوفاء، وأنت عربيد بلا شك ووغد في ~~أحايين كثيرة، ولكنك أمين وفي ... ~~- أرجو أن يكون وجهي قد تورد! ~~- الله لا يكلف نفسا إلا وسعها! والحق أني قانع بما فيك من ~~خير، ثم إنك زوج وأب وهذه فضيلة أخرى، وهي سعادة لا يقدرها إلا ~~من عانى صمت البيوت، إلا أن صمت المقام عذاب الشيخوخة! # فقال رضوان كالمنكر: حسبت الشيخوخة محبة للهدوء! ~~- تخيلات الشباب عن الشيخوخة ضلال، تخيلات الشيخوخة عن الشباب ~~حسرات، خبرني يا رضوان عن رأيك في الزواج؟ # وانقبضت أسارير رضوان وهو يقول: هو الرأي الذي حدثتك عنه من قبل ~~يا باشا. ~~- لا أمل في العدول عنه؟ ~~- لا أظن. ~~- لمه؟ # تردد رضوان قليلا ثم قال: شيء عجيب، لا أدري كنهه، ولكن المرأة ~~تبدو لي مخلوقا مثيرا للاشمئزاز ...! # فتجلت في العينين الذابلتين نظرة حزينة وقال: يا للأسف، ألا ~~ترى أن علي مهران زوج وأب؟ وأن صديقك حلمي من أنصار الزواج؟ إني ~~أرثي لك رثاء مضاعفا إذ أنه رثاء لنفسي أيضا، طالما حيرني ما ~~قرأت وما سمعت عن جمال المرأة، غير أني طويت نفسي على رأيي الخاص ~~إكراما لذكرى أمي، كنت أحبها حبا جما، وقد أسلمت الروح بين ~~ذراعي ودموعي تتساقط فوق جبينها وخديها، وكم أود لو تتغلب على ~~متاعبك يا رضوان ... # فقال رضوان وكان يبدو شاردا ساهما: يستطيع الإنسان أن يعيش بلا ~~امرأة ... ليس الأمر مشكلة! وقد لا تبالي تساؤل الناس، ولكن ماذا عن ~~تساؤلك أنت؟ من الممكن أن تقول إن المرأة مثيرة للاشمئزاز، ولكن ~~لماذا هي لا تثير اشمئزاز الآخرين؟ هنالك يركبك إحساس كالمرض، مرض ~~لا تعرف له دواء، فتعتزل العالم به، وهو شر رفيق في الوحدة، ~~وربما أخجلك بعد ذلك أن تحتقر المرأة وإن تكن مضطرا إلى مواصلة ~~احتقارها! # وهنا نفخ علي مهران فيما يشبه اليأس ثم قال: منيت النفس بليلة ~~مرحة جديرة بالوداع! # فضحك عبد الرحيم باشا وقال: لكنه وداع حاج! ماذا تعرف أنت عن توديع ~~الحجاج؟ ~~- سأودعك بالدعاء ثم أستقبلك بالورود والخدود، ويومئذ نرى ماذا ~~أنت فاعل! ms235 # فضرب الباشا كفا بكف وهو يقول ضاحكا: إني مفوض أمري إلى الله ~~ذي الجلال ... # 51 # عند تقاطع شارعي شريف وقصر النيل، أمام مقهى رتز، وفجأة، وجد ~~كمال نفسه أمام حسين شداد! وتوقفا عن السير وكلاهما يحملق في وجه ~~صاحبه حتى هتف كمال: حسين! # فهتف الآخر بدوره: كمال! # ثم تصافحا في حرارة وهما يضحكان ضحكة الغبطة والسرور ... ~~- أية مفاجأة سعيدة بعد ذلك التاريخ الطويل! ~~- أية مفاجأة سعيدة! تغيرت كثيرا يا كمال، ولكن مهلا لعلي ~~أبالغ! عودك هو هو، جملة منظرك، ولكن ما هذا الشارب المحترم؟! وهذه ~~النظارة الكلاسيكية وهذه العصا! وهذا الطربوش الذي لم يعد أحد ~~يلبسه غيرك! ~~- وأنت شد ما تغيرت! سمنت أكثر مما كنت أتصور، أهذا يتفق ~~وتقاليد باريس؟ أين حسين زمان؟! ~~- وأين باريس زمان؟ أين هتلر وموسوليني؟ ما علينا، كنت ذاهبا ~~إلى ريتز لأشرب قدح شاي فهل عندك مانع من الجلوس معي ~~قليلا؟ ~~- بكل سرور. # فمالا إلى ريتز ثم جلسا حول مائدة وراء النافذة الزجاجية ~~المطلة على الطريق، وطلب حسين شداد الشاي وطلب كمال قهوة ثم عادا ~~يتفحصان بعضهما البعض في ابتسام. لقد ضخم حسين فامتد طولا ~~وعرضا. ولكن ماذا فعل بحياته يا ترى؟ هل ساح في الأرض والسماء كما ~~كان يود قديما؟ لكن عينيه تعكسان رغم ابتسامها نظرة غليظة كأنما ~~بدلت من طفولة الحياة جدا. وكان قد مضى عام على التقائه ببدور في ~~شارع فؤاد الأول فبرئ في أثنائه من نكسة الحب وانزوى آل شداد ~~جميعا في ركن النسيان، غير أن ظهور حسين قد أيقظ النفس من ~~سباتها، فبدا الماضي وكأنه يتمطى ناشرا أفراحه وآلامه. ~~- متى عدت من الخارج؟ ~~- منذ عام تقريبا ... # ولم يحاول مقابلته على الإطلاق! ولكن علام يلومه وهو نفسه قد ~~نسيه وفرغ من صداقته منذ دهر؟! ~~- لو علمت أنك عدت إلى مصر لسعت إلى لقائك! # ولم يبد علي حسين أنه أحرج أو ارتبك ولكنه قال ببساطة: عدت ~~فوجدت الهموم في انتظاري، ألم تبلغك أشياء عنا؟ # فتجهم وجه كمال وقال باقتضاب وأسف: بلى، عن طريق ms236 صديقنا ~~إسماعيل لطيف. ~~- لقد سافر إلى العراق منذ عامين كما أخبرتني والدتي ... # وجدت الهموم في انتظاري كما قلت، ثم كان علي أن أعمل، وأن أعمل ~~ليل نهار! # هذا حسين شداد طبعة 1944! ذلك الذي يعد العمل جريمة إنسانية، ~~أحق وجد ذلك الماضي؟ لعله لا دليل عليه إلا خفقان هذا ~~القلب. ~~- أتذكر آخر مرة تلاقينا؟! ~~- أوه! ... # وجاء النادل بالشاي والقهوة قبل أن يتم كلامه غير أنه لم يبد ~~متحمسا للذكريات ... ~~- دعني أذكرك، كان ذلك في عام 1926. ~~- عفارم على ذاكرتك! ... (ثم شاردا) ... سبعة عشر عاما في ~~أوروبا! ~~- حدثني عن حياتك هنالك! # فهز رأسه الذي لم يشب منه إلا سوالفه وقال: دع ذلك إلى حينه، ~~واقنع الآن بهذه العناوين: أعوام سياحة وفرحة كالحلم، حب فزواج من ~~باريسية من أسرة محترمة، الحرب والهجرة إلى الجنوب، إفلاس أبي، ~~العمل في متجر حماي، عودتي إلى مصر دون زوجي حتى أهيئ لها حياة ~~مستقرة، ماذا تريد أكثر من ذلك! ~~- أنجبت أطفالا؟ ~~- كلا. # كأنما لا يود أن يتكلم، ولكن ماذا بقي من الصداقة القديمة حتى ~~يأسف على ذلك؟ ورغم هذا وجد رغبة قوية في طرق أبواب الماضي ~~فتساءل: وماذا عن فلسفتك القديمة؟ # وتفكر حسين مليا، ثم ضحك ضحكة ساخرة وقال: إني غارق في العمل ~~منذ أعوام وأعوام، لست إلا رجل أعمال؟ # أين روح حسين شداد الذي كان يأوي منها إلى ظل ظليل من الغبطة ~~الروحية؟ ليست في هذا الرجل الضخم، لعلها استقرت في رياض قلدس، أما ~~هذا الرجل فإنه لا يعرفه، ولا يربطه به إلا ماض مجهول، ماض ود ~~في تلك اللحظة لو كان يحتفظ له بصورة حية لا صورة فوتوغرافية ~~باردة. ~~- وماذا تعمل الآن؟ ~~- ألحقني أحد أصدقاء أبي بوظيفة في الرقابة حيث أعمل ابتداء من ~~منتصف الليل حتى الفجر، وإلى هذا فإني أقوم بالترجمة في بعض الصحف ~~الإفرنجية ... ~~- ومتى تخلو من العمل؟ ~~- فيما ندر، والذي يهون علي المشقة أنني لن أدعو زوجي إلى ~~مصر حتى أهيئ لها حياة تناسبها؛ فهي من أسرة محترمة، وكنت حين ~~تزوجت منها معدودا ms237 من الأغنياء! # قال ذلك وضحك ضحكة كأنما يسخر بها من نفسه فابتسم كمال ابتسامة ~~كأنما يشجعه بها، وراح يقول لنفسه: من حسن حظي أني سلوتك من زمن ~~طويل، ولولا ذلك لبكيت عليك من أعماق قلبي! ~~- وأنت يا كمال ماذا تعمل؟ # ثم مستدركا: أذكر أنك كنت مغرما بالثقافة؟ # ما أجدره بالشكر على هذا التذكر! فهو ميت بالنسبة إليه كما أن ~~الآخر ميت بالنسبة إليه هو، وإننا لنموت ونحيا كل يوم مرات! ~~وأجابه: إني مدرس لغة إنجليزية ... ~~- مدرس! نعم ... نعم. تذكرت الآن أشياء. وكنت ترغب في أن تكون ~~مؤلفا؟ يا للرغبات الخائبة! ~~- إني أنشر مقالاتي في مجلة الفكر، ولعلي أجمع بعضها في كتاب ~~عما قريب! # فابتسم حسين ابتسامة كئيبة وقال: أنت سعيد لأنك حققت أحلام صباك، ~~أما أنا ...! # وضحك مرة أخرى. أما كمال فقد وقعت جملة «أنت سعيد» من أذنيه ~~موقعا غريبا، ولم يكن أغرب منها إلا اللهجة التي قيلت بها الدالة ~~على الحسد، فوجد نفسه مرة واحدة سعيدا ومحسودا. وممن؟ من عميد آل ~~شداد! غير أنه قال على سبيل المجاملة: حياتك العملية أجل ~~حياة! # فقال الآخر باسما: لا اختيار لي، ومرجوي الوحيد أن أستعيد ~~شيئا من مستوى الماضي ... # وساد الصمت مليا. وكان كمال يتفحص حسين باهتمام، وكانت صورة من ~~الماضي تنبعث خلال تفحصه، حتى وجد نفسه يسأله قائلا: وكيف حال ~~الأسرة؟ # فقال دون اكتراث: بخير ... # فتردد كمال قليلا ثم قال: كانت لك أخت صغيرة نسيت اسمها فكيف ~~صارت اليوم؟ ~~- بدور! تزوجت في العام الماضي ... ~~- ما شاء الله، أولادنا يتزوجون! ~~- وأنت ألم تتزوج؟ # ترى ألم تعاوده الذكريات؟ ~~- كلا ... ~~- أسرع وإلا فاتك القطار ... # فقال ضاحكا: فاتني بأميال ... ~~- ربما تزوجت من حيث لا تدري، صدقني، لم يكن الزواج ضمن خطتي ~~ولكنني متزوج منذ أكثر من عشر سنوات ... # فهز كمال منكبيه دون اكتراث وقال: خبرني كيف تجد الحياة هنا بعد ~~إقامتك الطويلة في فرنسا؟ ~~- لم تكن الحياة في فرنسا عقب الغزو مما يسر، أما هنا فالحياة ~~يسيرة بالقياس إلى هناك، (ثم بحنان) ولكن باريس، أين ms238 أين ~~باريس؟! ~~- لم لم تبق في فرنسا؟ # فقال باستنكار: أعيش كلا على حمي؟! كلا، كان ثمة عذر ~~عندما حالت ظروف الحرب دون السفر، أما بعد ذلك فلم يكن من السفر ~~بد! # ترى أهو شذا من الكبرياء القديم؟ ثم وجد نفسه مدفوعا إلى ~~مغامرة خطيرة عذبة معا، فتساءل بمكر: وما أخبار صاحبنا حسن ~~سليم؟ # فحدجه بنظرة ارتياب لحظة، ثم قال ببرود: لا أدري عنه ~~شيئا! ~~- كيف ؟! # فقال وهو يمد بصره إلى الطريق خلال الزجاج: انتهى ما بيننا وبينه ~~منذ حوالي العامين! # فقال كمال في دهشة لم يستطع إخفاءها: أتعني ...! # ولم يتم كلامه. غلبته المفاجأة. هل عادت عايدة إلى العباسية مرة ~~أخرى؟ امرأة مطلقة؟! فليؤجل التفكير في هذا كله إلى حين. وقال ~~بهدوء: كان سفره إلى إيران آخر ما حدثني إسماعيل لطيف ~~عنه؟ # فقال حسين بكآبة: لم تمكث أختي معه في هذه الرحلة إلا شهرا ~~واحدا، ثم عادت بمفردها ... (ثم بصوت منخفض) يرحمها الله! ~~- هه؟! # ندت عن كمال في صوت ترامى إلى الموائد القريبة من حولهم، فنظر ~~إليه حسين كالداهش وقال: لم تكن تدري! لقد ماتت منذ عام! ~~- عايدة؟! # فهز الآخر رأسه بالإيجاب. وفي نفس الوقت خجل كمال من نطقه الاسم ~~مجردا بصوت مسموع، ولكنه لم يقف عند هذا إلا أقل من لحظة. وبدت ~~الألفاظ جميعا وكأن لا معنى لها. وشعر بدوامة الفناء تدور برأسه. ~~وكان ما به دهشة وارتياع. لا حزن ولا ألم، وتكلم أخيرا فقال: ~~يا له من خبر محزن، البقية في حياتك! # فقال حسين: عادت من إيران وحيدة، ومكثت مع أمي شهرا، ثم تزوجت ~~من أنور بك زكي كبير مفتشي اللغة الإنجليزية، ولكنها لم تعاشره إلا ~~شهرين، ثم مرضت، ثم توفيت في المستشفى القبطي. # كيف لرأسه أن يتابع هذه الأحداث في سرعتها الجنونية! ولكنه يقول ~~أنور بك زكي، وهو المراقب الأعلى لهيئته التعليمية. ولعله تشرف ~~بمقابلته مرات وهو زوج لعايدة. رباه ... إنه ليذكر الآن أنه شيع ~~جنازة حرم المراقب منذ عام أفكانت هي عايدة؟! ولكن كيف لم يلتق ~~بحسين؟! ms239 ~~- هل حضرت وفاتها؟ ~~- كلا، توفيت قبل عودتي إلى مصر ... # فقال وهو يهز رأسه تعجبا: لقد سرت في جنازتها وأنا لا أدري أنها ~~أختك! ~~- كيف؟ ~~- علمت في المدرسة ذلك اليوم بأن حرم كبير المفتشين قد توفيت وأن ~~الجنازة ستشيع من ميدان الإسماعيلية، فذهبت مع زملائي المدرسين ~~دون أن أطلع على النعي في الصحف، وسرنا بين المشيعين حتى جامع ~~جركس، كان ذلك منذ عام ... # فابتسم حسين ابتسامة حزينة وهو يقول: سعيكم مشكور ... # لو وقعت هذه الوفاة عام 1926 لجن أو انتحر، اليوم تمر به كخبر ~~من الأخبار، ومن عجب أن يشيع جنازتها وهو لا يدري، وكان وقتذاك ~~ما يزال أسيرا لمرارة التجربة التي تخلفت عن زواج بدور، فلعل ~~صاحبة النعش طافت برأسه فيما طاف به من خواطر بدور وأسرتها، ~~وما زال يذكر يوم الجنازة حين تقدم من أنور بك زكي معزيا ثم جلس ~~بين المشيعين، قالوا: قياما لقد حضر النعش، فمد عينيه فرأى نعشا ~~جميلا مكللا بالحرير الأبيض حتى تهامس بعض زملائه أنها عروس ... ~~الزوجة الثانية للمفتش ... وقد ذهبت ضحية للالتهاب الرئوي، وودع ~~النعش وهو لا يدري أنه يودع ماضيه، ومن كان زوجها؟ رجل فوق ~~الخمسين ذو زوجة وأبناء فكيف رضي به ملاك الزمان الخالي؟ وكنت ~~تظنها فوق الزواج فإذا هي تعنو للطلاق ثم تقنع بنصيب الزوجة ~~الثانية! وسوف يمضي وقت طويل قبل أن يسكن جيشان هذا الصدر لا من ~~الحزن أو الألم ولكن من الذهول والدهشة، ومن خلو العالم من مباهج ~~الأحلام، ومن ضياع سر الماضي الساحر إلى الأبد، وإن كان ثمة حزن ~~فعلى أنك لم تحزن كما كان يجدر بك! ~~- لكن ماذا غير حسن سليم! # فهز حسين رأسه بازدراء وقال: عشق الوغد موظفة بمفوضية بلجيكا ~~بإيران فغضبت المرحومة لكرامتها وطالبته بالانفصال ... ~~«مما يعزي المرء في مثل هذا الموقف أن بديهيات إقليدس لم تعد ~~بالبديهيات المطلقة!» ~~- وأولادها؟ ~~- عند جدتهم لأبيهم. # وهي أين هي؟ وماذا جد عليها في هذا العام؟ وهل يمكن أن يعرفها ~~فهمي أو السيد أحمد عبد الجواد أو نعيمة؟ ms240 # وإذا بحسين شداد ينهض وهو يقول: آن لي أن أذهب، دعني أرك، إني ~~أتناول عشائي عادة في رتز. # فنهض بدوره، وتصافحا وهو يتمتم: إن شاء الله ... # وافترقا عند ذاك وهو يشعر بأنه لن يراه مرة أخرى، وبأنه ليس به ~~حاجة إلى معاودة رؤيته، كما ليس بالآخر حاجة إلى ذلك، وغادر المشرب ~~وهو يقول لنفسه «إني حزين يا عايدة لأني لم أحزن عليك كما كان يجدر ~~بي ...» # 52 # في سكون الهزيع الأخير من الليل طرق طارق باب بيت آل شوكت ~~بالسكرية، ثم تتابع الطرق حتى استيقظ النائمون. وما إن فتحت خادم ~~الباب حتى تدافعت إلى الداخل أقدام ثقيلة شديدة الوقع، انتشرت في ~~الفناء والسلم وأطبقت على الشقق الثلاث. وخرج إبراهيم شوكت إلى ~~الصالة مثقل الرأس بالنوم متعبا بالكبر فرأى ضابطا كبيرا يتوسط ~~مجموعة من الجنود والمخبرين، فدهش الرجل وتساءل منزعجا: ماذا ~~هنالك كفى الله الشر؟! # فسأله الضابط الكبير بخشونة: ألست والد أحمد إبراهيم شوكت ~~وعبد المنعم إبراهيم المقيمين في هذا البيت؟ # فأجاب الرجل وقد امتقع وجهه: بلى ... ~~- عندنا أوامر بتفتيش البيت جميعه ... ~~- لماذا يا حضرة المأمور؟ # فلم يأبه له والتفت نحو معاونيه آمرا: فتشوا ... # واندفع الرجال إلى الحجرات صادعين بالأمر على حين تساءل إبراهيم ~~شوكت: لماذا تفتشون شقتي؟ # ولكن المأمور تجاهله. وعند ذاك اضطرت خديجة إلى مغادرة حجرة ~~النوم - التي اقتحمها المخبرون - متلفعة بشال أسود وهي تهتف غاضبة: ~~أليس للنساء حرمة! هل نحن لصوص يا حضرة المأمور! # كانت تحدق في وجهه غاضبة، وإذا بها تشعر بغتة بأنها رأت هذا ~~الوجه من قبل، أو بمعنى أصح أنها رأت صورته الأولى قبل أن يعتورها ~~تقدم السن، متى وأين؟ رباه إنه هو دون ريب، لم يكد يتغير كثيرا، ~~واسمه؟ وقالت دون تردد: حضرتك كنت ضابطا بقسم الجمالية منذ عشرين ~~عاما، بل منذ ثلاثين عاما لا أذكر الزمن بالضبط ... # فرفع المأمور إليها عينين متسائلتين، وردد إبراهيم شوكت ناظريه ~~بينهما متسائلا كذلك. وإذا بها تقول: اسمك حسن إبراهيم، أليس ~~كذلك؟ ~~- حضرتك تعرفينني؟ # فقالت برجاء: أنا بنت ms241 السيد أحمد عبد الجواد وأخت فهمي أحمد الذي ~~قتله الإنجليز أيام الثورة، ألا تذكره؟ # فلاحت الدهشة في عيني المأمور وتمتم بصوت مهذب لأول مرة: رحمه ~~الله رحمة واسعة ... # فقالت برجاء أشد: أنا أخته فهل ترضى لبيتي هذه البهدلة؟ # فأشاح المأمور عنها بوجهه وهو يقول كالمعتذر: إننا ننفذ الأوامر ~~يا هانم. ~~- ولكن لماذا يا حضرة المأمور، نحن أناس طيبون! # فقال المأمور برقة: نعم، ولكن ليس كذلك نجلاك ... # فهتفت خديجة باضطراب: إنهما ابنا أخت صديقك القديم! # فقال المأمور دون أن ينظر نحوهما: إننا ننفذ أوامر ~~الداخلية. ~~- لم يفعلا شيئا ضارا، إنهما ولدان طيبان وأقسم لك على ~~ذلك ... # وعاد الجنود والمخبرون إلى الصالة دون أن يعثروا على شيء فأمرهم ~~المأمور بمغادرة الشقة، ثم التفت إلى الزوجين الماثلين أمامه وقال: ~~أبلغنا عن اجتماعات مريبة تعقد في شقتيهما ... ~~- هذا كذب يا حضرة المأمور! ~~- أرجو أن يكون الأمر كذلك، لكنني مضطر الآن إلى القبض عليهما ~~وسوف يبقيان حتى يتم التحقيق معهما، ولعل العاقبة أن تكون ~~سليمة. # هتفت خديجة بصوت متهدج وشى بدموعها: أتسوقهما حقا إلى القسم؟ ~~هذا ... لا أتصور ... اعف عنهما وحياة أولادك! ~~- ليس بوسعي ذلك، لدي أوامر صريحة بالقبض عليهما، طاب ~~مساؤكما! # وغادر الرجل الشقة. وما لبثت أن غادرتها خديجة وفي أعقابها الرجل ~~العجوز ونزلا السلم لا يلويان على شيء. ورأتهما كريمة وكانت واقفة ~~أمام شقتها في حال شديدة من الفزع فهتفت: أخذوه يا عمتي، أخذوه إلى ~~السجن ... # فألقت خديجة على الشقة نظرة متحجرة، ونزلت مسرعة إلى الشقة ~~الأولى حيث وجدت سوسن على باب شقتها كذلك تتطلع إلى الفناء بوجه ~~كالح، فنظرت حيث تنظر فرأت القوة تحيط بعبد المنعم وأحمد متجهة بهما ~~إلى الخارج، فلم تتمالك أن تصرخ من أعماق قلبها، وهمت بالانطلاق ~~في أثرهما لولا أن أمسكت بها يد سوسن، فالتفتت نحوها هائجة، غير أن ~~سوسن قالت لها بصوت هادئ حزين: هدئي روعك، لم يعثروا على شيء ~~مريب، ولن يثبت ضدهما شيء، لا تجري وراءهم حفظا لكرامة عبد المنعم ~~وأحمد ... # فصاحت بها: هذا الهدوء ms242 تحسدين عليه! # فقالت سوسن برقة وصبر: سيعودان إلى بيتهما بخير، اطمئني ... # فتساءلت بحدة: من أدراك؟ ~~- إني واثقة مما أقول ... # فلم تكترث لقولها والتفتت نحو زوجها ثم ضربت كفا بكف وهي تقول: ~~انعدم الوفاء، أقول له إنهما ابنا أخت فهمي فيقول لي عندي أوامر، ~~لماذا يأخذ ربنا الناس الطيبين ويترك الأرذال! # واتجهت سوسن نحو إبراهيم وقالت: سيفتشون بيت الجماعة في بين ~~القصرين! سمعت مخبرا يقول للمأمور إنه يعرف بيت جدهما في بين ~~القصرين فاقترح عليه الضابط المساعد تفتيشه تنفيذا للأوامر على ~~سبيل الحيطة أن يكونا قد أخفيا فيه منشورات! # فصاحت خديجة: إني ذاهبة إلى أمي، لعل كمال يستطيع شيئا، آه ~~يا ربي إني أحترق ... # وجاءت بمعطفها وغادرت السكرية في خطوات متلاحقة مضطربة. كان ~~الجو باردا والظلام ما يزال كثيفا، وكانت الديكة تصيح في تجاوب ~~متواصل. انطلقت من الغورية مخترقة الصاغة إلى النحاسين، ووجدت ~~عند باب البيت مخبرا، ووجدت في الفناء مخبرا آخر، ثم صعدت ~~السلم وهي تلهث ... # وكانت الأسرة قد استيقظت مضطربة على رنين الجرس، ثم جاءتهم أم ~~حنفي وهي تقول في ذعر: «بوليس»، وهرع كمال إلى الحوش حيث التقى ~~بالمأمور فتساءل منزعجا: أفندم؟ # فسأله المأمور: أتعرف عبد المنعم إبراهيم وأحمد إبراهيم؟ ~~- أنا خالهما! ~~- صناعتك؟ ~~- مدرس بمدرسة السلحدار. ~~- عندنا أوامر بتفتيش البيت! ~~- ولكن لماذا؟ أي تهمة توجهها إلي؟ ~~- إننا نفتش عن منشورات تخص الشابين لعلهما ~~أخفياها هنا. ~~- أؤكد لحضرتك أنه ليس في بيتنا منشورات، تفضل فتش كما ~~تشاء ... # ولاحظ كمال أنه أمر القوة باحتلال السلم والسطح وأنه مضى معه ~~بمفرده. وما كان تفتيشا يقلب البيت رأسا على عقب ولكن المأمور ~~اكتفى بتفقد الحجرات وإلقاء نظرة سطحية على المكتب وخزانات ~~الكتب، فاسترد أنفاسه، واستطاع أن يسأله وقد أنس إليه: فتشتم ~~بيتهما؟ ~~- طبعا ... # ثم بعد لحظة قصيرة: إنهما الآن في سجن القسم! # فسأله كمال في انزعاج: هل ثبت عليهما شيء؟ # فأجاب الرجل برقة غير معهودة في أمثاله: أرجو ألا يصل الأمر ~~إلى هذا الحد، غير أن التحقيق متروك للنيابة. ~~- أشكر لك جميل عواطفك! ms243 # فقال المأمور بهدوء وهو يبتسم: ولا تنس أنني لم أبهدل ~~البيت! ~~- نعم يا سيدي، إني لا أدري كيف أشكرك! # وإذا به يلتفت نحوه متسائلا: حضرتك أخو المرحوم فهمي؟ # فاتسعت عينا كمال دهشة وقال: نعم، أكنت تعرفه؟ ~~- كنا أصدقاء، رحمه الله ... # فقال كمال برجاء: مصادفة سعيدة ... (وهو يمد له يده) ... كمال أحمد ~~عبد الجواد. # فصافحة الرجل قائلا: حسن إبراهيم مأمور قسم الجمالية! بدأت فيه ~~ملازما وعدت إليه في آخر المطاف مأمورا ... # ثم وهو يهز رأسه: كانت الأوامر صريحة، أرجو ألا يثبت عليهما ما ~~يدينهما. # وهنا ترامى إليهما صوت خديجة وهي تحدث أمها وعائشة بما كان ~~وتبكي فقال: هذه أمهما، عرفتني بذاكرتها العجيبة ثم ذكرتني ~~بالمرحوم ولكن بعد أن كان التفتيش الدقيق قد وقع، طمئنها ما ~~أمكنك. # ثم نزلا معا جنبا إلى جنب، وعند مرورهما بالدور الثاني مرقت ~~عائشة من الباب في حدة بادية وحدجت المأمور بنظرة قاسية وصاحت ~~به: لماذا تقبضون على أولاد الناس بلا سبب؟ ألا تسمع بكاء ~~أمهما؟ # فانحرف بصر المأمور إليها كرد فعل للمفاجأة ثم غض بصره ~~تأدبا وهو يقول: سيطلق سراحهما عما قريب إن شاء الله ... # ثم سأل كمال بعد أن ابتعدا عن مدخل الدور الثاني: والدتك؟ # فابتسم كمال ابتسامة حزينة وقال: بل شقيقتي! لم تجاوز الرابعة ~~والأربعين ولكنها عانت من سوء الحظ ما حطمها ... # والتفت المأمور إليه كالداهش، وخيل إليه بأنه هم أن يطرح ~~سؤالا، ولكنه تردد لحظة ثم عدل عما كان هم به، وتصافحا في ~~الفناء، وقبل أن يمضي الرجل إلى سبيله سأله كمال: أمن المستطاع أن ~~أزورهما في السجن؟ ~~- نعم ... ~~- شكرا ... # وعاد كمال إلى الصالة فانضم إلى أمه وشقيقتيه وهو يقول: سأزورهما ~~غدا، لا داعي للخوف، وسوف يطلق سراحهما عقب التحقيق ~~معهما ... # وكانت خديجة لا تمسك عن البكاء فصاحت عائشة في نرفزة: لا تبكي، ~~كفانا بكاء، سيعودان إليك، ألا تسمعين؟ # فولولت خديجة قائلة: لا أدري، لا أدري، في السجن ~~يا ولداه! # وكانت أمينة صامتة كأن الحزن أخرسها، فقال كمال في لهجة توحي ~~بالطمأنينة: المأمور ms244 يعرفنا، كان صديق المرحوم فهمي، وقد تلطف ~~بنا في التفتيش لدرجة لا تصدق، ولا شك أنه سيرعاهما بعطفه! # فرفعت الأم رأسها كالمتسائلة فقالت خديجة في حنق: حسن إبراهيم، ~~ألا تذكرينه يا أمي؟ وقد أخبرته بأنني أخت فهمي فما كان منه إلا أن ~~قال: إننا ننفذ الأوامر يا هانم! أوامر في عينه ...! # واتجهت عينا الأم نحو عائشة ولكنها لم يبد عليها أنها ذكرت ~~شيئا ... # ثم انتحت أمينة بكمال جانبا وراحت تقول له في قلق بالغ: لم ~~أفهم شيئا يا بني، لماذا قبض عليهما؟ # فتفكر كمال فيما ينبغي قوله، ثم قال: الحكومة تظن خطأ أنهما ~~يعملان ضدها! # فهزت رأسها في حيرة وقالت: أختك تقول إنهم قبضوا على عبد المنعم ~~لأنه من الإخوان المسلمين، لماذا يقبضون على المسلمين؟ ~~- الحكومة تظنهم يعملون ضدها ... ~~- وأحمد؟! قالت إنه ... نسيت الكلمة يا بني؟! ~~- شيوعي؟ الشيوعيون كالإخوان في ظن الحكومة! ~~- الشيوعيون؟! أشياع سيدنا علي؟ # فدارى كمال ابتسامة وقال: الشيوعيون لا الشيعة، هم حزب ضد ~~الحكومة والإنجليز! # فتنهدت المرأة في حيرة وقالت: متى يفرج عنهما؟ انظر إلى أختك ~~المسكينة! الحكومة والإنجليز. ألم يجدوا إلا بيتنا المصاب؟! # 53 # كان أذان الفجر يسري في الصمت الشامل حين استدعى مأمور قسم ~~الجمالية عبد المنعم وأحمد إلى حجرته. ومثلا أمام مكتبه يسوقهما ~~جندي مسلح، فأمره المأمور بالانصراف، ومضى يتفحصهما باهتمام، ثم ~~نظر إلى عبد المنعم وسأله: اسمك وسنك وصناعتك؟ # فأجاب عبد المنعم بهدوء وثبات: عبد المنعم إبراهيم شوكت، خمسة وعشرون ~~عاما، محقق بإدارة التحقيقات بوزارة المعارف. ~~- كيف تخرق قوانين الدولة، وأنت من رجال القانون؟! ~~- لم أخرق قانونا، ونحن نعمل جهارا فنكتب في الصحف ونخطب في ~~المساجد، إن الذين يدعون الله لا يجدون ما يخفونه. ~~- ألم تحدث في بيتك اجتماعات مريبة؟ ~~- كلا، كانت اجتماعات عادية مما تجمع بين الأصدقاء؛ لتبادل الرأي ~~والمشورة والتفقه في الدين ... ~~- وهل يدخل ضمن هذه الأغراض التحريض على معاداة دول ~~حليفة؟ ~~- أتعني بريطانيا يا سيدي؟ إنها عدو غادر، الدولة التي تدوس ~~كرامتنا بالدبابات لا يمكن أن تكون دولة حليفة ... ~~- إنك ms245 رجل مثقف، وكان ينبغي أن تدرك أن للحرب ظروفا تبيح ~~المحظورات! ~~- إني أدرك أن بريطانيا هي عدونا الأول في هذا الوجود! # والتفت المأمور إلى أحمد متسائلا: وأنت؟ # فأجاب أحمد وعلى شفتيه شبه ابتسامة: أحمد إبراهيم شوكت، أربعة ~~وعشرون عاما، محرر بمجلة الإنسان الجديد ... ~~- هنالك تقارير خطيرة عن مقالاتك المتطرفة، فضلا عن أنه من ~~المسلم به أن مجلتك سيئة السمعة ... ~~- مقالاتي لا تعدو الدفاع عن مبادئ العدالة الاجتماعية ... ~~- شيوعي حضرتك؟ ~~- إني اشتراكي، وكثير من النواب يدعون إلى الاشتراكية، والقانون ~~نفسه لا يؤاخذ الشيوعي على رأيه ما دام لا يلجأ إلى أساليب ~~العنف ... ~~- أكان ينبغي أن ننتظر حتى تتمخض الاجتماعات التي تعقد كل مساء ~~في شقتك عن العنف؟ # وتساءل في نفسه: ترى هل وقفوا على سر المنشورات والمحاضرات ~~الليلية؟! وأجاب: إني لا أجتمع في بيتي إلا بالأصدقاء المقربين، ~~ولم يزد عدد زواري يوما عن أربعة أو خمسة، وكان تفكيرنا أبعد ما ~~يكون عن العنف ... # وردد المأمور نظرة بينهما ثم قال بعد تردد: إنكما مثقفان و... ~~مهذبان، ومتزوجان أليس كذلك؟ حسن. أليس من الأفضل لكما أن تهتما ~~بشئونكما الخاصة وأن تجنبا نفسيكما الهلاك؟ ... # فقال عبد المنعم بصوته القوي: إني أشكر لك نصيحتك التي لن أعمل ~~بها ... # فندت عن المأمور ضحكة مقتضبة كأنما على رغمه، ثم قال: علمت في ~~أثناء التفتيش أنكما حفيدا المرحوم أحمد عبد الجواد، وقد كان خالكما ~~المرحوم فهمي صديقا حميما لي، وأظنكما تعلمان أنه فقد حياته في ~~ربيع العمر على حين أن زملاءه ظلوا على قيد الحياة حتى تبوءوا أكبر ~~المناصب ... # فقال أحمد وقد أدرك السر في لطف المأمور الذي حيره: دعني أسألك ~~يا سيدي عما كانت تكون عليه مصر لولا تضحية خالي وأمثاله؟! # فهز الرجل رأسه وقال: فكرا في نصيحتي بعقل وروية ودعكما من ~~هذه الفلسفة المهلكة! # ثم وهو يقف: ستبقيان ضيفين في سجننا حتى تدعوا إلى التحقيق، ~~أرجو إلكما حظا سعيدا ... # وغادرا الحجرة حيث تسلمهما أونباشي وجنديان مسلحان، ومضوا جميعا ~~إلى الدور الأرضي، ثم عرجوا إلى بهو مظلم ms246 شديد الرطوبة فساروا ~~فيه قليلا حتى استقبلهم السجان بكشافه الكهربائي كأنما ~~ليدلهم على باب السجن، وفتح الرجل الباب وأدخلهما، ثم صوب ضوءه ~~إلى الداخل ليهتديا به إلى برشيهما. وأضاء الكشاف المكان فبدا ~~متوسط المساحة عالي السقف، ذا نافذة صغيرة في أعلى جداره تعترضها ~~القضبان الحديدية. وكان عامرا بالضيوف، فيهم شابان على هيئة ~~الطلبة، وثلاثة رجال حفاة مجفوي المنظر شائهي الخلقة. وما لبث ~~أن أغلق الباب وساد الظلام، غير أن الضوء وحركة القادمين كانت قد ~~أيقظت النائمين، وقال أحمد لأخيه همسا: لن أجلس وإلا قتلتني ~~الرطوبة، فلننتظر الصبح واقفين. ~~- سنضطر إلى الجلوس عاجلا أو آجلا، أعلمت متى نبرح هذا ~~السجن؟ # وإذا بصوت - أدركا بالبداهة أنه لأحد الشابين - يقول: لا بد من ~~الجلوس، ليس هو بالشيء السار ولكنه أخف من الوقوف أياما ... ~~- هل مكثتما طويلا؟ ~~- منذ ثلاثة أيام! # وساد الصمت حتى عاد الصوت يسأل: لماذا قبض عليكما؟ # فأجاب عبد المنعم باقتضاب قائلا: أسباب سياسية فيما يبدو ... # فقال الصوت ضاحكا: صارت الأغلبية أخيرا للسياسيين في هذا ~~السجن، كنا قبل تشريفكما أقلية ... # فسأله أحمد: وما تهمتكما؟ ~~- تكلما أنتما أولا، فأنتما أحدث مقاما! وإن يكن لا داعي ~~للسؤال بعد أن رأينا لحية أحدكما الإخوانية؟! # فسأله أحمد وهو يبتسم في الظلام: وأنتما؟ ~~- كلانا طالب في الحقوق متهم بتوزيع منشورات هدامة كما ~~يقولون ... # فثار أحمد وسأله: أضبطتما متلبسين؟ ~~- نعم ... ~~- وماذا كان في المنشورات؟ ~~- بيان بتوزيع الثروة الزراعية في مصر ... ~~- هذا مما تنشره الصحف في ظل الأحكام العرفية نفسها! ~~- يضاف إليه شوية توجيهات حماسية! # فابتسم أحمد مرة أخرى في الظلام وقد تخفف من وحشته لأول مرة، ~~وعاد صاحب الصوت يقول: إننا لا نخاف القانون بقدر ما نخاف ~~الاعتقال ... ~~- إن الأمور تبشر بتغيير شامل ... ~~- لكننا سنظل الهدف في جميع العهود ... # وإذا بصوت غليظ يعلو في خشونة قائلا: كفاكم كلاما ودعونا ~~ننم ... # ولكن صوته أيقظ زميلا من زميليه فتثاءب متسائلا: طلع ~~الصبح؟ # فأجابه الأول هازئا: كلا، ولكن أصحابنا يحسبون أنفسهم في ~~غرزة ... # تنهد عبد المنعم وهمس بصوت لم يسمعه إلا ms247 أحمد: أيزج بي إلى هذا ~~المكان لا لسبب إلا أنني أعبد الله؟ # فهمس أحمد في أذنه باسما: وما ذنبي أنا الذي لا أعبده؟! # لم يشأ أحد بعد ذلك أن يرفع صوته، وراح أحمد يسأل نفسه عما دعا ~~إلى القبض على الآخرين، سرقة أم مشاجرة أم سكر وعربدة؟ طالما كتب ~~عن الشعب وهو مدثر بمعطف في حجرة مكتبه الجميلة، ها هو الشعب يلعن ~~أو يغط في نومه. وهذه الوجوه الكالحة البائسة التي رآها على ضوء ~~الكشاف لحظات، وذاك الرجل الذي كان يحك رأسه وما تحت إبطيه فلعل ~~قمله يزحف نحوهما دائبا، هذا هو الشعب الذي تعيش من أجله فكيف ~~تجزع عن فكرة ملامسته؟! هذا الرجل المناط به خلاص الإنسانية ينبغي ~~أن يمسك عن شخيره وأن يعي موقفه التاريخي حتى ينهض لإنقاذ العالم ~~جميعا! وقال لنفسه: «إن موقفا إنسانيا واحدا هو الذي جمعنا ~~على اختلاف مشاربنا في هذا المكان المظلم الرطب. الأخ والشيوعي ~~والسكير والسارق على السواء، كلنا واحد على تفاوت في قوة المناعة ~~أو الحظ» وحدث نفسه مرة أخرى فقال: لماذا لا تعنى بشئونك ~~الخاصة، هكذا يقول المأمور، ولي زوجة محبوبة ورزق موفور، والحق أن ~~الإنسان قد يسعد بما هو زوج أو موظف أو أب أو ابن ولكنه مقضي عليه ~~بالمتاعب أو بالموت نفسه بما هو إنسان. وسواء أقضي عليه بالسجن ~~هذه المرة أم أطلق سراحه فباب السجن الغليظ المتجهم هو ما يتراءى ~~لعينيه في أفق حياته. وعاد يتساءل: ماذا يدفعني في هذا السبيل ~~الخطير الباهر؟ إلا أنه الإنسان الكامن في أعماقي، الإنسان الواعي ~~لذاته المدرك لموقفه الإنساني التاريخي العام، وأن ميزة الإنسان ~~على سائر المخلوقات هي أنه يستطيع أن يقضي على نفسه بالموت بمحض ~~اختياره ورضاه ... # وشعر بالرطوبة تسري في ساقيه والإعياء يتخلل مفاصله، وكان ~~الشخير يتردد في الأركان بإيقاع موصول، ثم لاحت خلال قضبان النافذة ~~الصغيرة طلائع من النور وانية رقيقة ... # 54 # غادر الطبيب الحجرة وكمال يتبعه واجما، ثم لحق به في الصالة ~~وحدجه بعينين متسائلتين، فقال الطبيب بهدوء: ms248 يؤسفني أن أخبرك بأنها ~~حالة شلل كلي ... # فانقبض صدر كمال انقباضا شديدا وسأله: حالة خطرة؟ ~~- طبعا! وقد أصيبت في الوقت نفسه بالتهاب رئوي؛ ولذلك فالحقن ~~ضرورية لإراحتها ... ~~- أليس هناك أمل في الشفاء؟ # فصمت الطبيب قليلا ثم قال: الأعمار بيد الله، أما الطبيب فيقرر ~~في حدوده أن هذه الحال لا يمكن أن تستمر أكثر من ثلاثة ~~أيام ... # وتلقى كمال نذير الموت بتجلد، وأوصل الطبيب إلى الباب الخارجي ~~ثم عاد إلى الحجرة. وكانت الأم نائمة، أو كالنائمة، لا يبدو من ~~الغطاء الكثيف إلا وجهها الشاحب وفوها المطبق في شيء من الاعوجاج. ~~وكانت عائشة واقفة حيال السرير فأقبلت نحوه متسائلة: ما لها ~~يا أخي؟ ماذا قال الطبيب؟ # وقالت أم حنفي من موقفها عند مقدم الفراش: إنها لا تتكلم ~~يا سيدي، لم تتكلم كلمة واحدة ... # وقال لنفسه: ولن يسمع لها صوت بعد الآن. ثم قال مجيبا أخته: ~~حالة ضغط مصحوبة بإصابة برد خفيفة، سوف تريحها الحقن! # فقالت عائشة، ولعلها كانت تخاطب نفسها: إني خائفة، وإذا كانت ~~سترقد هكذا طويلا فكيف تحتمل الحياة في هذا البيت؟ # فتحول عنها إلى أم حنفي وسألها: هل أخبرت الجماعة؟ ~~- نعم يا سيدي، وستحضر ست خديجة وسي ياسين في الحال، ما لها ~~يا سيدي؟ كانت في الصباح في تمام الصحة والعافية ... # كانت! ... وهو يشهد بذلك! وقد مر بالصالة كعادته كل صباح قبل ~~انطلاقه إلى مدرسة السلحدار، فتناول فنجان القهوة الذي قدمته له ~~وهو يقول: لا تغادري البيت اليوم؛ فالجو بارد جدا ... # فابتسمت ابتسامتها الرقيقة وقالت: وكيف يطيب لي اليوم دون زيارة ~~سيدك؟ # فقال محتجا: افعلي ما يحلو لك، أنت عنيدة يا أماه! # فتمتمت: ربك الحافظ. # ثم وهو يغادر المكان: ربنا يسعد أيامك ... ~~- وكان هذا آخر عهده بيقظتها. وقد جاءه نبأ مرضها ظهرا في ~~المدرسة فعاد مصطحبا الطبيب الذي نعاها إليه سلفا منذ دقائق. أجل ~~لم يبق إلا ثلاثة أيام! ترى كم يوما تبقى له هو؟ واقترب من ~~عائشة وسألها: متى وكيف وقع لها ما وقع؟ # فأجابت عنها أم حنفي قائلة: ms249 كنا جالستين في الصالة، ثم قامت ~~متجهة نحو حجرتها لترتدي معطفها وتخرج وهي تقول لي: «عندما أفرغ ~~من زيارة الحسين سأزور خديجة»، وذهبت إلى الحجرة، وبعد دخولها ~~مباشرة ترامى إلى أذني صوت وقوع شيء فهرعت إلى الداخل فوجدتها ~~ملقاة على الأرض بين السرير والدولاب، فجريت نحوها وأنا أنادي: ~~ست عائشة ... # وقالت عائشة: جئت مسرعة فوجدتها في هذا المكان، فحملناها إلى ~~السرير، وجعلت أسألها عما بها ولكنها لم تجبني، ولم تتكلم، متى ~~تتكلم يا أخي؟ # فأجاب في ضيق: عندما يشاء الله! # وتراجع إلى الكنبة ثم جلس، ومضى ينظر في حزن إلى الوجه الشاحب ~~الصامت. أجل لينظر إليه طويلا؛ فعما قريب لن يكون له إلى رؤيته ~~سبيل. هذه الحجرة نفسها ستتغير معالمها وستتغير بالتالي معالم ~~البيت في مجموعه، ولن ينادي به أحد: «أمي». لم يكن يتصور أن موتها ~~سيحمل قلبه هذا الألم كله. ألم يألف الموت بعد؟ ... بلى، ولديه من ~~العمر والتجربة ما يقيه الجزع، ولكن لذعة الفراق الأبدي موجعة، ~~ولعله مما يلام عليه قلبه أنه رغم ما كابد من ألم يتألم كالقلب ~~الغض. وكم أحبته، وكم أحبت الجميع، وكم أحبت كل شيء في الوجود، ~~ولكن هذه السجايا الطيبة لا تعيها النفس إلا عند الفراق. ففي هذه ~~اللحظة الخطيرة تزدحم ذاكرتك بصور أماكن وأزمنة وحوادث يهتز لها من ~~أعماقه، وها هي يخالط نورها الظلام، وتمتزج فيها زرقة الفجر بحديقة ~~السطح، ومجمرة مجلس القهوة بالأساطير، وهديل الحمام بأغنيات حلوة، ~~وكان حبا رائعا أيها القلب الجاحد، ولعلك تقول غدا بحق أن ~~الموت استأثر بأحب الناس إليك، ولعل عينيك أن تدمعا حتى يزجرك ~~المشيب. والنظر إلى الحياة كمأساة لا يخلو من رومانتيكية طفلية ~~والأجدر بك أن تنظر إليها في شجاعة كدراما ذات نهاية سعيدة هي ~~الموت. ثم سائل نفسك إلام تضيع حياتك هباء؟ أن الأم تموت وقد ~~صنعت بناء كاملا فماذا صنعت أنت؟ ~~••• # واستيقظ على صوت أقدام، وإذا بخديجة تدخل الحجرة مرتاعة وتتجه ~~نحو الفراش وهي تنادي أمها وتسألهم عما حل بها. وتضاعف ألمه حتى ms250 ~~خاف أن يخونه تجلده فغادر الحجرة إلى الصالة، وما لبث أن جاء ~~ياسين وزنوبة ورضوان، فصافحوه، وأخبرهم عن مرضها دون التفاصيل، ~~فذهبوا إلى الحجرة ولبث وحيدا حتى عاد إليه ياسين وهو يسأله: ماذا ~~قال لك الطبيب؟ # فقال في وجوم: شلل والتهاب رئوي، سينتهي كل شيء في ظرف ثلاثة ~~أيام ... # فعض ياسين على شفته وقال بحزن: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ... # ثم جلس وهو يتمتم: مسكينة، كان كل شيء مفاجئا! ألم تشك تعبا ~~في الأيام الأخيرة؟ ~~- كلا، إنها لم تعتد الشكوى كما تعلم، ولكنها كانت تبدو أحيانا ~~كالمتعبة ... ~~- ليتك عرضتها على الطبيب من قبل؟ ~~- لم يكن أبغض إلى نفسها من سيرة الطبيب! # وانضم إليهما رضوان بعد حين فقال لكمال: أرى أن تنقل إلى ~~المستشفى يا عمي ... # فقال كمال وهو يهز رأسه في حزن: لا داعي إلى ذلك، وسيرسل الصيدلي ~~ممرضة يعرفها لتحقنها ... # ولاذوا بالصمت والوجوم يعلو وجوههم، وعند ذاك ذكر كمال أمرا ~~تقتضي المجاملة ألا يهمله فسأل ياسين: كيف حال كريمة؟ ... ~~- ستلد في بحر هذا الأسبوع، أو هذا ما تؤكده الحكيمة ... # فتمتم كمال: ربنا يأخذ بيدها ... # فقال ياسين: سيخرج الوليد إلى الدنيا وأبوه في المعتقل ... # ودق الجرس، فكان القادم رياض قلدس، وقد استقبله كمال ومضى به إلى ~~حجرة مكتبه. وفي الطريق إلى الحجرة قال رياض: سألت عنك في المدرسة ~~فأخبرني السكرتير بالخبر، كيف حالها؟ ~~- أصيبت بشلل وأخبرني الطبيب بأنها ستنتهي في ظرف ثلاثة ~~أيام ... # فوجم رياض وتساءل: أليس هنالك حيلة ما؟ # فهز كمال رأسه يائسا، وقال: لعله من حسن الحظ أنها في غيبوبة لا ~~تدري عما ينتظرها شيئا ... # ثم في لهجة ساخرة وهما يجلسان: ولكن هل ندري نحن عما ينتظرنا ~~شيئا؟ # وابتسم رياض دون أن ينبس، فعاد الآخر يقول: كثيرون يرون أن من ~~الحكمة أن نتخذ من الموت ذريعة للتفكير في الموت، والحق أنه يجب أن ~~نتخذ من الموت ذريعة للتفكير في الحياة ... # فقال رياض باسما: هذا أفضل فيما أرى، كذلك فلنسأل أنفسنا عند ~~الموت - أي موت - ماذا صنعنا بحياتنا؟ ms251 ~~- أما أنا فلم أصنع بحياتي شيئا، هذا ما كنت أفكر فيه ... ~~- بيد أنك ما زلت في منتصف الطريق. # ربما نعم، وربما لا، غير أنه من المستحسن دائما أن يتأمل ~~الإنسان ما يراود نفسه من أحلام، على ذلك فالتصوف هروب، كما أن ~~الإيمان السلبي بالعلم هروب، وإذن فلا بد من عمل، ولا بد للعمل من ~~إيمان، والمسألة هي كيف نخلق لأنفسنا إيمانا جديرا ~~بالحياة. # قال: حسبتني قد أديت للحياة واجبها بالإخلاص لمهنتي كمعلم ~~وبكتابة المقالات الفلسفية ... # قال رياض بعطف: وقد أديت واجبا بلا شك! ~~- ولكنني عشت معذب الضمير كما ينبغي لكل خائن! ~~- خائن؟! # فتنهد كمال وقال: دعني أخبرك بما قال لي أحمد ابن أختي عندما ~~زرته في سجن القسم قبل نقله إلى المعتقل ... ~~- على فكرة، أما من جديد عنهما؟ ~~- لقد رحلا مع كثيرين إلى معتقل الطور ... # فتساءل رياض باسما: الذي يعبد الله والذي لا يعبده؟ ~~- يجب أن تعبد حكومة أولا كي تعيش مطمئنا ... ~~- على أي حال الاعتقال أخف في نظري من المحاكمة! ~~- هذا رأي، ولكن متى تنكشف هذه الغمة؟ متى ترفع الأحكام العرفية؟ ~~متى يعود السلطان إلى القانون الطبيعي والدستور! متى يعامل ~~المصريون كالآدميين؟! # فجعل رياض يعبث بخاتم الزواج في يسراه، ثم قال بحزن: نعم متى! ~~ما علينا، ماذا قال أحمد في سجن القسم؟ ~~- نعم، قال لي إن الحياة ~~عمل وزواج وواجب إنساني عام، وليست هذه المناسبة للحديث عن واجب ~~الفرد نحو مهنته أو زوجه، أما الواجب الإنساني العام فهو الثورة ~~الأبدية، وما ذلك إلا العمل الدائب على تحقيق إرادة الحياة ممثلة ~~في تطورها نحو المثل الأعلى ... # فتفكر رياض قليلا ثم قال: رأي جميل، ولكنه يتسع لكافة ~~المتناقضات ... ~~- نعم؛ ولذلك وافقه عليه أخوه ونقيضه عبد المنعم؛ ولذلك فهمته على ~~أنه دعوة إلى الإيمان أيا كان مشربه وأيا كانت غايته؛ ولذلك ~~فإني أعلل تعاستي بعذاب الضمير الخليق بكل خائن. قد يبدو يسيرا أن ~~تعيش في قمقم أنانيتك ولكن من العسير أن تسعد بذلك إذا كنت إنسانا ~~حقا ... # فأشرق وجه رياض على رغم ms252 كآبة المناسبة وقال: هذا بشير بانقلاب ~~خطير يوشك أن يقع! # فقال كمال في حذر: لا تسخر مني، إن مشكلة الإيمان ما زالت ~~قائمة بدون حل، وغاية ما أستطيع أن أعزي به نفسي هو أن المعركة ~~لم تنته، ولن تنتهي ولو لم يبق من عمري إلا ثلاثة أيام ~~كأمي ... # ثم وهو يتنهد: أتعلم ماذا قال أيضا؟ قال: إني أومن بالحياة ~~وبالناس، وأرى نفسي ملزما باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها ~~الحق؛ إذ النكوص على ذلك جبن وهروب، كما أرى نفسي ملزما بالثورة ~~على مثلهم ما اعتقدت أنها باطل؛ إذ النكوص عن ذلك خيانة، وهذا هو ~~معني الثورة الأبدية! # وجعل رياض ينصت وهو يهز ~~رأسه موافقا، ثم بدا على كمال الإعياء والضيق فقال رياض: أنا ~~مضطر إلى الذهاب فما رأيك في أن تصحبني إلى محطة الترام لعل ~~المشي يريح أعصابك؟ # ونهضا معا وغادرا الحجرة، وقابلا ياسين عند مدخل الدور الأول - ~~وكان على معرفة سطحية برياض - فدعاه كمال إلى مصاحبته. غير أنه ~~استأذن منهما دقائق ريثما يلقي نظرة على أمه. ومضى إلى حجرتها ~~فوجدها كما تركها في غيبوبة، وكانت خديجة جالسة في الفراش عند ~~قدميها وقد احمرت عيناها من البكاء، وعلت وجهها الكآبة التي لم ~~تفارقه منذ امتدت يد الحكومة إلى ابنيها. أما زنوبة وعائشة وأم ~~حنفي فقد جلسن على الكنبة صامتات، وكانت عائشة تدخن سيجارة في ~~سرعة وقلق، على حين راحت عيناها تجولان في المكان في اضطراب ~~عصبي، وسألهن: كيف حالها؟ # فأجابت عائشة بصوت مرتفع ينم عن الضيق والاحتجاج: لا تريد أن ~~تصحو! # وحانت منه التفاتة إلى خديجة فتبادلا نظرة طويلة دلت على تفاهم ~~حزين ويأس مشترك فلم يتمالك إلا أن يغادر الحجرة ويلحق ~~بصاحبيه. # وساروا في الطريق متمهلين، فقطعوا الصاغة إلى الغورية في شبه ~~صمت، وعندما بلغوا الصنادقية صادفوا الشيخ متولي عبد الصمد ينحدر ~~منها إلى الغورية متوكئا على عصاه، في خطوات مخلخلة، وقد كف بصره ~~وارتعشت أطرافه، وكان يتلفت فيما حوله متسائلا في صوت مرتفع: من ~~أين طريق الجنة؟ ms253 # فأجابه مار وهو يضحك: أول عطفة على يمينك ... # وقال ياسين لرياض قلدس: أتصدق أن هذا الرجل قد جاوز المائة بما ~~يقرب من عشرة أعوام؟ ... # فقال رياض باسما: إنه لم يعد رجلا على أي حال ... # وكان كمال ينظر نحو الشيخ متولي بعطف. كان يذكر به أباه، وكان ~~يعده معلما من معالم الحي كالسبيل القديم وجامع قلاوون وقبو ~~قرمز، ووجد كثيرين وهم يعطفون عليه، غير أن العجوز لم يسلم من ~~شقاوة بعض الغلمان الذين راحوا يصفرون في وجهه أو يتبعونه محاكين ~~حركاته. # وأوصلا رياض حتى محطة الترام، وانتظرا معه حتى ركب، ثم عادا معا ~~إلى الغورية. وتوقف كمال عن السير فجأة وقال لأخيه: آن لك أن ~~تذهب إلى القهوة ... # فقال ياسين بحدة: كلا، سأبقى معك ... # وكان كمال من أعرف الناس بمزاج أخيه، فقال: لا داعي إلى ذلك ~~البتة ... # فدفعه ياسين أمامه وهو يقول: إنها أمي كما أنها أمك! # وداخل كمال بغتة شعور بالخوف على ياسين! حقا إنه يسير ~~مكتظا بالحياة في ضخامة الجمل ولكن إلام يحتمل حياته المفعمة ~~بالأهواء؟ وطفح فؤاده بالكأبة، غير أن فكره طار فجأة إلى الطور، ~~إلى المعتقل. إني أومن بالحياة وبالناس، هكذا قال، وأرى نفسي ~~ملزما باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها الحق؛ إذ النكوص عن ~~ذلك جبن وهروب، كما أرى نفسي ملزما بالثورة على مثلهم ما اعتقدت ~~أنها باطل إن النكوص عن ذلك خيانة! وقد تسأل ما الحق وما الباطل، ~~ولكن لعل الشك نوع من الهروب كالتصوف والإيمان السلبي بالعلم. فهل ~~تستطيع أن تكون مدرسا مثاليا وزوجا مثاليا وثائرا ~~أبديا؟! # وعندما مرا بدكان الشرقاوي توقف ياسين وهو يقول: كلفتني كريمة ~~بأن أستبضع لها بعض اللوازم للمولود المنتظر عن إذنك ... # ودخلا الدكان الصغير، وراح ياسين ينتقي ما يريد من لوازم المولود ~~المنتظر؛ قماطا وطاقية ومنامة، وعند ذلك تذكر كمال أن رباط عنقه ~~الأسود الذي استعمله عاما حدادا على والده قد استهلك، وأنه ~~يلزمه آخر جديد ليواجه به اليوم الحزين، فقال للرجل حين فرغ من ~~ياسين: رباط عنق ms254 أسود من فضلك ... # وتناول كل لفافته، وغادرا الدكان ... # وكان المغيب يقطر سمرة هادئة فمضيا جنبا إلى جنب نحو ~~البيت ... ms255