######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.ThartharaFawqNil.Hindawi96941592 #META# Tags: novels #META# ID: 96941592 #META# Title: ثرثرة فوق النيل #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثرثرة فوق النيل‏ # ثرثرة فوق النيل‏ # | ثرثرة فوق النيل # | ثرثرة فوق النيل # تأليف # نجيب محفوظ # | ثرثرة فوق النيل # 1 # أبريل، شهر الغبار والأكاذيب. الحجرة الطويلة العالية السقف مخزن ~~كئيب لدخان السجائر. الملفات تنعم براحة الموت فوق الأرفف. ويا ~~لها من تسلية أن تلاحظ الموظف من جدية مظهره وهو يؤدي عملا ~~تافها! التسجيل في السراكي، الحفظ في الملفات، الصادر والوارد. ~~النمل والصراصير والعنكبوت ورائحة الغبار المتسللة من النوافذ ~~المغلقة. وسأله رئيس القلم: هل أتممت البيان المطلوب؟ # فأجاب بلسان متراخ: نعم، ورفعته للمدير العام. # فرماه بنظرة نافذة لاحت كإشعاع بلوري من وراء نظارته ~~السميكة. هل ضبطه متلبسا بابتسامة بلهاء غير مبررة؟ ولكن هذه ~~السخافات يجب أن تساغ في أبريل، شهر الغبار والأكاذيب. # ودبت حركة عجيبة في رئيس القلم فشملت أعضاءه الظاهرة فوق ~~المكتب. حركة تموجية بطيئة ولكنها ذات أثر حاسم. راح ينتفخ ~~رويدا فيمتد الانتفاخ من الصدر إلى الرقبة، فإلى الوجه، ثم الرأس. ~~حملق أنيس زكي في رئيسه بعينين جامدتين. وإذا بالانتفاخ البادئ ~~أصلا بالصدر يتضخم فيزدرد الرقبة والرأس، ماحيا جميع القسمات ~~والملامح، مكونا من الرجل في النهاية كرة ضخمة من اللحم. ~~ويبدو أن وزنه خف بطريقة مذهلة؛ فمضت الكرة تصعد ببطء أول الأمر، ~~ثم بسرعة متدرجة حتى طارت كمنطاد والتصقت بالسقف وهي تتأرجح. ~~وسأله رئيس القلم: لماذا تنظر إلى السقف يا أنيس أفندي؟ # آه. ها هو يضبطه متلبسا مرة أخرى. ورمقته الأعين بإشفاق ~~واستهزاء. واهتزت الرءوس في رثاء احتفاء بملاحظة الرئيس ~~وتأييدا لها. وإذن فلتشهد النجوم على ذلك. حتى الهاموش والضفادع ~~تعامله معاملة أكرم وألطف. أما الحية الرقطاء فقد أدت خدمة ~~لا تتكرر لملكة مصر القديمة. أنتم وحدكم أيها الزملاء لا خير ~~فيكم. والعزاء عندما نلتمس العزاء في قول ذلك الصديق الذي قال: ~~«فلتقم أنت في العوامة. لن تتكلف مليما واحدا من إيجارها، ~~وعليك أن تعد لنا كل شيء.» # وبتصميم مفاجئ راح يسرك مجموعة من الخطابات. السيد المحترم. ~~إشارة إلى كتابكم رقم 1911 المؤرخ في 2 من فبراير 1964م، وملحقه ~~رقم ms01 2008 المؤرخ في 28 من مارس 1964م، أتشرف بالإفادة. ومع ~~رائحة الغبار المتسللة ترامت من راديو في الطريق أغنية: «يا اما ~~القمر على الباب». فتوقفت يده عن الكتاب وغمغم: «الله!» فقال ~~زميله الأيمن: يا بختك بفراغ البال! # يا أولاد الأقدمية المطلقة! في انتظار حلم لن يتحقق تحترفون ~~البهلوانية. وأنا بينكم معجزة تخترق الفضاء الخارجي بغير ~~صاروخ. # ودخل الساعي فسرت في بدنه رعدة رغبة، فقال له: واحد ~~سادة. # فأجاب الساعي وهو يقف أمام مكتبه: ستجده على مكتبك عندما ترجع من ~~مقابلة سعادة المدير العام. # غادر الحجرة بقامته الطويلة الضخمة بحكم ضخامة عظامه، لا بسبب أي ~~درجة من الامتلاء. # في حجرة المدير وقف أمام مكتبه خاشعا، وظل رأس المدير الأصلع ~~مكبا على أوراق يراجعها عارضا لعينيه ظهر قارب مقلوب. وطارد ~~بالبقية الباقية له من إرادته أي خاطر يمكن أن يعبث به فيوقعه في ~~مأزق وخيم العواقب. ورفع الرجل وجها مدببا مغضونا، ثم رمقه ~~بنظرة شوكية. أي خطأ يمكن أن يتسرب إلى البيان الذي نقله بعناية ~~خارقة؟! ~~- طلبت منك بيانا مفصلا عن حركة الوارد في الشهر ~~الماضي. ~~- نعم يا سعادة البك وقد قدمته لسعادتك. ~~- أهو هذا؟ # نظر إلى البيان فقرأ على الغلاف بخط يده: «مذكرة عن حركة الوارد ~~خلال شهر مارس مرفوعة إلى السيد مدير عام المحفوظات». ~~- هو يا أفندم. ~~- انظر واقرأ. # رأى أسطرا مكتوبة بوضوح يليها فراغ أبيض. قلب الأوراق في ~~ذهول، ثم حملق في وجه المدير العام كالأبله. # قال الرجل بحنق: اقرأ. ~~- سيدي المدير .. لقد كتبتها حرفا حرفا. ~~- خبرني كيف اختفت؟ ~~- الحق أنه لغز غير قابل للتفسير. ~~- ولكن أمامك آثار سن القلم! ~~- سن القلم؟ ~~- أعطني قلمك الساحر! # وتناول القلم بحركة حادة، وراح يرسم خطوطا على غلاف البيان، ~~ولكنه لم يرسم خطا واحدا. ~~- ليس به نقطة حبر واحدة! # تجلى الوجوم في صفحة وجهه العريض، فقال المدير بمرارة: بدأت ~~بكتابة هذه الأسطر، ثم فرغ الحبر، ولكنك استمررت في ~~الكتابة. # لم ينبس بكلمة. ~~- لم تنتبه إلى أن القلم لا يكتب. # حرك يده حركة حائرة. ms02 ~~- خبرني يا سيد أنيس كيف أمكن أن يحدث ذلك؟ # أجل كيف؟ كيف دبت الحياة لأول مرة في طحالب فجوات الصخور ~~بأعماق المحيط؟! ~~- لست أعمى فيما أظن يا سيد أنيس؟ # أحنى رأسه مستسلما. ~~- سأجيب أنا عنك. إنك لم تر الصفحة لأنك مسطول! ~~- يا سعادة ... ~~- هذه هي الحقيقة، حقيقة معروفة للجميع، حتى السعاة والفراشين. ~~وأنا لست واعظا، ولا ولي أمرك. افعل بنفسك ما تشاء، ولكن من حقي ~~أن أطالبك بأن تمتنع وقت العمل عن البلبعة. ~~- يا سعادة ... ~~- دعنا من السعادة والتعاسة. حقق لي هذا الرجاء المتواضع وهو ~~ألا تبلبع في أثناء العمل. ~~- يشهد الله أني مريض! ~~- إنك المريض الأبدي. ~~- لا تصدق ما ... ~~- كفاية! انظر في عينيك. ~~- هو المرض ولا شيء سواه. ~~- ما رأيت في عينيك إلا الاحمرار والظلام والثقل. ~~- لا تستمع إلى كلام ... ~~- عيناك تنظران إلى الداخل لا إلى الخارج كبقية خلق الله. # ثم ندت عن يديه المغطاتين بشعيرات بيضاء شعثاء حركة وعيد، ~~وقال بنبرة حادة: للصبر حدود؛ فلا تستسلم للتدهور بلا حدود. وأنت ~~رجل في الأربعين، وهي سن العقل؛ فكف عن العبث. # تراجع خطوتين استعدادا للذهاب، فقال الرجل: سأخصم من مرتبك ~~يومين فقط، ولكن احذر أن تعود. # وسمعه وهو يمضي نحو الباب يقول بازدراء: متى تفرق بين الحكومة ~~والغرزة؟! # وبرجوعه إلى الإدارة ارتفعت الرءوس نحوه مستطلعة. تجاهلهم وجلس ~~ينظر إلى فنجان القهوة. وشعر بزميله وهو يميل نحوه ليسأل سؤالا في ~~الغالب، فتمتم في ضجر: كن في حالك. # وأخرج من الدرج محبرة وراح يملأ القلم. عليه أن يعيد البيان من ~~جديد. حركة الوارد. لا حركة البتة في الحقيقة. حركة دائرية حول ~~محور جامد. حركة دائرية تتسلى بالعبث. حركة دائرية ثمرتها ~~الحتمية الدوار. في غيبوبة الدوار تختفي جميع الأشياء الثمينة. ~~من بين هذه الأشياء الطب والعلم والقانون، والأهل المنسيون في ~~القرية الطيبة. والزوجة والابنة الصغيرة تحت غشاء الأرض. وكلمات ~~مشتعلة بالحماس دفنت تحت ركام من الثلج. ولم يبق في الطريق رجل. ~~وأغلقت الأبواب والنوافذ. وثار الغبار لوقع سنابك الخيل. وصاح ~~المماليك صيحات الفرح ms03 في رحلة الرماية، كلما عثروا على آدمي في ~~مرجوش أو الجمالية أقاموا منه هدفا لتدريبهم. وتضيع الضحايا وسط ~~هتاف الفرح المجنون، وتصرخ الثكلى: «الرحمة يا مملوك!» فينقض ~~عليها الصائد في يوم اللهو. بردت القهوة وتغير مذاقها، وما زال ~~المملوك يضحك ملء شدقيه. وحل الصداع مكان الخيال وما زال ~~المملوك يضحك. وهم يطلقون اللحى ويثيرون الغبار، ويفرحون ~~بالأبهة والتعذيب. # ودب نشاط مرح في الحجرة القاتمة مؤذنا بوقت الانصراف. # 2 # استوت العوامة فوق مياه النيل الرصاصية مألوفة الهيئة كوجه. ~~بين فراغ إلى اليمين احتلته عوامة دهرا قبل أن يجرفها التيار ~~ذات يوم، ومصلى إلى اليسار مقام على لسان عريض من الشاطئ ~~مطوق بسور من الطين الجاف ومفروش بحصيرة بالية. دخل أنيس زكي من ~~باب خشبي أبيض يمتد إلى جانبيه سياج من شجيرات البنفسج والياسمين، ~~فاستقبله عم عبده الخفير قائما، يعلو بقامته العملاقة هامة كوخه ~~الطيني المسقوف بالأخشاب وسعف النخيل. ومضى إلى الصقالة فوق ممشى ~~مبلط تكتنفه من الناحيتين أرض معشوشبة، يتوسط يمناها حوض من ~~الجرجير، وتقوم في أقصى اليسرى خميلة من اللبلاب ترامت كخلفية ~~لشجرة جوافة فارعة. وانهلت أشعة الشمس ملحة حامية من خلال ~~سقيفة من أغصان الكافور منطرحة فوق الحديقة الصغيرة من أشجارها ~~المغروسة في الطريق. # خلع ملابسه وجلس بجلبابه الأبيض فوق عتبة الشرفة المطلة على ~~النيل يستقبل نسمة لطيفة، مستسلما للمساتها الحانية، جاريا ~~ببصره فوق الماء المنبسط كأنه مستقر ساكن لا يتموج ولا يتلألأ، ~~ولكنه موصل جيد لأصوات السكان في عوامات الشاطئ الآخر في ~~صفها الطويل تحت أغصان الجازورينا والأكاسيا. وتنهد بصوت ~~مسموع، فسأله عم عبده وهو يعد المائدة الصغيرة الملتصقة بالجدار ~~الأيمن على مبعدة مترين من الفريجيدير النورج: خيرا؟ # فتمتم ملتفتا نحوه: صادف الكيف جوا فاسدا مقرفا. ~~- ولكنك تعود آخر الأمر إلى جوك الطيب. # دائما ينتزع إعجابه كشيء ضخم قديم عريق في القدم. وبحيوية ~~النظرة المنبثقة من دائرة التجاعيد الصلبة. وربما أرهبه عمق ~~الحفائر، أو هالة الشعر الأبيض الكث البارز من جيب جلبابه كأزهار ~~البلح. أما جلبابه الدمور المنسدل ms04 كغطاء تمثال فينسدل على ~~اللحم بلا عائق. وما اللحم إلا جلد على عظم. ولكن أي عظم؟! هيكل ~~عملاق يناطح رأسه سقف العوامة، ويشع كونه جاذبية لا تقاوم. رمز ~~حقيقي للمقاومة حيال الموت؛ لذلك يحب كثيرا محادثته رغم أن ~~المعاشرة بينهما لم تجاوز الشهر. # وقام إلى السفرة واتخذ مجلسه، وراح يأكل قطعة من الكوستليتة ~~ممسكا بطرف الريشة وهو ينظر إلى الجدار الخشبي المطلي بغراء ~~سماوي، ويتابع برصا صغيرا زحف مسرعا فوق الجدار ثم انزوى وراء ~~مفتاح الكهرباء، وذكره البرص برئيس القلم، ولكن لماذا؟ وألح ~~عليه سؤال مباغت: ترى هل يوجد للمعز لدين الله الفاطمي ورثة ~~يمكن أن يطالبوا ذات يوم بملكية القاهرة؟ ~~- كم عمرك يا عم عبده؟ # كان يقف وراء البارافان الحاجب للباب الخارجي مطلا عليه من عل ~~كأنه شجرة سرو سارحة في السحاب، وابتسم كأنما لم يأخذ السؤال مأخذ ~~الجد: عمري! # فأكد سؤاله بهزة من رأسه وهو يتمطق، فعاد العجوز يقول: من ~~أدراني؟ # لست خبيرا في تقدير الأعمار، ولكن الراجح أنه كان يسعى فوق ~~الأرض قبل أن تغرس أول شجرة في شارع النيل. ولم يزل قويا ~~بالقياس إلى سنه لدرجة تفوق الخيال. # يتفقد الفناطيس، ويجذب العوامة بحبالها تبعا للأحوال ~~فتطيعه، ويسقي الزرع، ويؤم المصلين، ويحسن طهي الطعام. ~~- هل تعيش وحدك دائما في الكوخ؟ ~~- إنه بالكاد يسعني وحدي. ~~- من أي بلد جئت يا عم عبده؟ ~~- أووه! ~~- أليس لك من أقارب في القاهرة؟ ~~- لا أحد. ~~- نحن شبيهان في ذلك على الأقل، أما طعامك فلذيذ. ~~- تشكر! ~~- إنك تأكل أكثر مما يجوز لشخص في سنك. ~~- آكل ما أستطيع أن أهضمه. # ونظر إلى العظام المتخلفة من الكوستليتة وقال إن المدير العام ~~لن يبقى منه ذات يوم إلا عظام كهذه العظام، وكم يود أن يشهد ~~محاسبته يوم الحساب! وراح يقشر موزة مواصلا تحقيقه: متى خدمت ~~في العوامة؟ ~~- مذ جيء بها إلى مرساها. ~~- متى كان ذلك؟ ~~- أووه! ~~- وصاحبها الأول أهو صاحبها اليوم؟ ~~- تتابع عليها كثيرون. ~~- وعملك هل يعجبك؟ # أجاب بزهو: أنا العوامة؛ لأني أنا الحبال والفناطيس، وإذا ms05 سهوت ~~عما يجب لحظة غرقت وجرفها التيار. # فضحك لاعتزازه الساذج الجذاب بنفسه، ورنا إليه مليا، ثم سأل: ~~ما أهم شيء في الدنيا؟ ~~- الصحة والعافية. # شيء غامض ساحر في الإجابة أضحكه طويلا، وعاد يسأل: متى عشقت ~~امرأة آخر مرة؟ ~~- أووه! ~~- وبعد العشق ألم تجد شيئا يسرك؟ ~~- قرة عيني في الصلاة. ~~- جميل صوتك وأنت تؤذن. # ثم بنبرة مرحة: ولست دون ذلك جمالا حين تذهب لتجيء بالكيف، أو ~~تغيب لتعود بفتاة من فتيات الليل. # فقهقه مائلا برأسه المغطى بطاقية بيضاء إلى الوراء ولكنه لم ~~يجب. ~~- أليس كذلك؟ # فأجاب وهو يمسح بيده الكبيرة على وجهه: أنا خادم السادة. # كلا. وهو العوامة كما قال. الحبال والفناطيس والزرع والطعام ~~والمرأة والأذان. # وقام متأبطا المنشفة فدخل من باب جانبي في ذات الجدار إلى ~~الحوض ليغسل يديه، وعاد وهو يقول لنفسه إن الإفراط وحده كان السبب ~~في أن أكثر الخلفاء لم يعمروا طويلا. # ورأى عم عبده منهمكا في تنظيف المائدة منحني الظهر كنخلة ~~مقوسة، فسأله مداعبا: ألم تر عفريتا في حياتك؟ ~~- رأيت كل شيء. # فغمز بعينه متسائلا: ألم تسكن أسرة شريفة هذه العوامة ~~أبدا؟ ~~- أووه! ~~- يا خفير اللذات! لو لم تحب هذه الحياة لهجرتها من أول ~~يوم. ~~- لكني بنيت المصلى بيدي! # ونظر إلى الكتب المصفوفة فوق الأرفف التي تشغل الجدار الطويل إلى ~~يسار الداخل. # مكتبة التاريخ منذ العصر الخالي حتى عصر الذرة. مجال خياله ~~وكنز أحلامه. وتناول كيفما اتفق كتاب ك. ك. عن الرهبنة في العصر ~~القبطي ليطالع فيه ساعة أو ساعتين قبل القيلولة كعادته كل يوم. ~~وفرغ عم عبده من عمله فاقترب منه مستطلعا آخر تعليماته قبل أن ~~يذهب، عند ذاك سأله: ماذا يجري في الخارج يا عم عبده؟ ~~- كالعادة يا سيدي. ~~- ألا جديد هناك؟ ~~- لم لا تخرج يا سيدي؟ ~~- كل يوم أذهب إلى الوزارة. ~~- أعني أن تخرج للفرجة. # فضحك قائلا: عيناي تنظران إلى الداخل لا إلى الخارج كبقية عباد ~~الله! # وصرفه وهو يوصيه بأن يوقظه قبيل المغرب إذا غلبه النوم. # 3 # أعد المجلس كأحسن ما يكون. ms06 صفت الشلت على صورة هلال كبير ~~فيما يلي الشرفة . وفي نقطة الوسط من الهلال استوت صينية نحاسية ~~كبيرة، جمعت الجوزة ولوازمها. وهبط المغيب فوق الأشجار والماء، ~~فانتشر في الجو حلم هادئ. وآبت أسراب الحمام البيضاء تطير ذراعا ~~فوق النيل. تربع أنيس وراء الصينية رانيا إلى المغيب بعينين ~~ناعستين، متذوقا بمودة رائحة الماء الدسمة وملامح الدنيا، ~~محافظة على هيئتها بوجه عام، ولكن عندما يسري سحر الفص المذاب في ~~القهوة السادة فسوف تتغير أشياء؛ ستحل الأشكال المجردة ~~والتكعيبية والسريالية والوحشية مكان الجازورينا والكافور ~~والأكاسيا وعرائس العوامات، أما الإنسان فيرتد إلى العصر ~~الطحلبي. ولكن ما هي الأسباب التي حولت طائفة من المصريين إلى ~~رهبان؟ # بل ما هي آخر نكتة سمعتها عن راهب وإسكاف؟ # وسرت هزة خفيفة في العوامة بفعل قدم تسير فوق الصقالة، فتأهب ~~لاستقبال القادم. أقبلت فتاة معتدلة القامة ذات شعر ذهبي. مضت إلى ~~الشرفة وهي تحييه بمرح فتمتم: أهلا بوزارة الخارجية. # ليلى زيدان صديقة الأعوام العشرة الماضية، عانس في الخامسة ~~والثلاثين كما ينبغي لرائدة في فضاء الحرية مرقت من بؤرة محافظة. ~~وأنت لم تمسها ولكن مسها الكبر. هذه التجاعيد الخفيفة كالزغب ~~حول طرف العين والفم، ومسحة من الجفاف القاسي المقفر لإناء لم ~~يترع بماء. ولم تزل بها ملاحة تشتهى في البشرة الصافية رغم غلظ ~~في أرنبة الأنف ونذير غامض يزحف مهددا بالخراب، وكانت في عصر ~~خوفو ترعى الغنم في شبه جزيرة سيناء، ولكنها لم تترك أثرا إذ ~~لدغها ثعبان أعمى فقضى عليها. # قالت دون أن تلتفت إليه كأنما تخاطب النيل: يوم شاق في الوزارة. ~~ترجمت عشرين صفحة فولسكاب. ~~- وكيف حال السياسة الخارجية؟ ~~- ماذا تتوقع؟ ~~- أنا لا أطلب إلا الستر. # غادرت موقفها إلى أقصى شلتة في الجناح الأيمن للمجلس، ثم جلست ~~وهي تقول: المنظر كما هو كل يوم؛ عم عبده جالس في الحديقة كتمثال، ~~وأنت هنا تعد الجوزة! ~~- ذلك أن على الإنسان أن يعمل. # وأذعن لإحساس مترنح فتمثل له المساء بشرا عابثا قد عمر ~~الملايين من السنين. وراح يعرض بامرأة عابدة للحب، ms07 كلما هجرها ~~محب ارتمت بين أحضان آخر. وقال: إن ذاك سلوك يمكن أن تفسر به ~~أوجه القمر المتتابعة من المحاق إلى البدر. # فابتسمت ابتسامة باردة، وقالت بسخرية مقلدة نبرته السابقة: ~~ذلك أن على المرأة أن تحب! # وغمغمت «وغد»، فقرأ في وجهها نذيرا خفيفا بالغضب، ولكنه لم ~~يعثر على أثر للكراهية، فآمن بأنها لا تقاس في لهوها بامرأة مثل ~~فيكتوريا ملكة العصر المحافظ المشحون بالتقاليد. # وسألها دون جدية ما: لم لا تتخذين مني رفيقا؟ # ولما ألح عليها بعينيه أجابت: إنك إذا استعملت الحب يوما ~~كمبتدأ في جملة مفيدة فستنسى حتما الخبر إلى الأبد! # وتذكر كم كان متفوقا في اللغة العربية مثل المدير العام ~~الذي يشهد له بذلك قراره بخصم يومين من مرتبه، لا لشيء إلا لأنه ~~كتب صفحة بيضاء. وكما قالت له ذات يوم: «أنت بلا قلب»؛ فقد ذهب ~~الأصدقاء ولم يبق في العوامة منهم إلا خالد عزوز وليلى زيدان. ~~ودون أي تمهيد قبض على ساعدها وقال: «أنت الليلة لي أنا.» لماذا ~~خالد دائما؟ وخالد نفسه ورثك بعد هجر رجب لك. وإذن فالليلة لي ~~أنا. وارتفع صوته غاضبا مع أذان الفجر. إذن عم عبده في الخارج، ~~وصرخت أنت كالمجنون في الداخل. وبسط خالد راحتيه ضارعا وهو يقول: ~~«فضحتنا.» # وضحكت ليلى أول الأمر، ثم بكت أخيرا، وطرحت مسألة غاية في ~~الفلسفة، فقيل إنها تحب خالد، وإنها لذلك لا يمكن أن تذعن لرغبته ~~هو رغم صداقتهما، وإلا كانت بغيا. وصاح ليلتها أن الأذان أيسر ~~على الفهم من تلك الألغاز. # وقالت ليلى ناشدة تصفية الجو: الصداقة أهم وهي التي لها ~~البقاء. ~~- ولك طول البقاء! # وكرس كرسيا يدخنانه معا في فترة الانتظار، فجذبت نفسا ~~بشراهة، ثم سعلت طويلا. وردد ما يقوله عادة من أن الكرسي الأول ~~هو كرسي السعال، ثم يجيء الفرج بعد ذلك. وقال لنفسه إنه لم يكن ~~عجيبا أن يعبد المصريون فرعون، ولكن العجيب أن فرعون آمن بأنه ~~إله. # واهتزت العوامة بقوة، وترامت أصوات مختلفة من الخارج، فنظر ~~نحو المدخل المحجوب بالبارافان فرأى ms08 الأصدقاء يتتابعون في حيوية؛ ~~أحمد نصر، ومصطفى راشد، وعلي السيد، وخالد عزوز. مساء الخير، مساء ~~الجمال. وجلس خالد إلى جانب ليلى، أما علي السيد فقد ارتمى إلى ~~يمين أنيس هاتفا: أدركنا. # فراح أنيس يكرس ويرص، ثم دارت الجوزة. وتساءل مصطفى راشد: هل ~~من أخبار عن رجب؟ # فأجاب أنيس وهو يخمن: قال بالتليفون إنه في الاستوديو، وإنه ~~سيحضر فور الانتهاء من العمل. # وتألقت الجمرات في المجمرة بفعل النسائم المتدفقة من الشرفة. ~~وبلغ نشاط أنيس أقصى مداه، واكتسى وجهه الطويل العريض بغبطة مستقرة ~~وقال: إن الذي جعل من تاريخ الإنسانية مقبرة فاخرة تزدان بها ~~أرفف المكتبات لا يضن عليها بلحظات مضمخة بالمسرة. # ونظر خالد عزوز إلى علي السيد متسائلا: هل عند الصحافة من أخبار ~~جديدة؟ # فأومأ علي بذقنه نحو ليلى زيدان قائلا: عند وزارة ~~الخارجية. ~~- ولكنني سمعت أنباء مذهلة حقا. # فقال أنيس ساخرا: لا توجعوا رءوسنا، ما أكثر ما نسمع! ولكن ها ~~هي الدنيا باقية كما كانت، ولا شيء يحدث على الإطلاق. # فقال مصطفى راشد محركا تفاحة آدم: وفضلا عن ذلك فإن الدنيا ~~لا تهمنا كما أننا لا نهم الدنيا في شيء. # فقال أنيس زكي: ما دامت الجوزة دائرة، فماذا يهمكم؟ # فرمقه خالد بإعجاب قائلا: خذوا الحكمة من أفواه ~~المساطيل. ~~- اسمعوا ما حصل لي اليوم مع المدير العام. # وأثارت حكاية قلمه عاصفة من الضحك حتى علق عليها علي السيد ~~قائلا: بمثل ذلك القلم تدون معاهدات السلام. # واصلت الجوزة دورانها المنغوم المشتعل، وانعقدت هالة من الهاموش ~~حول مصباح النيون، أما خارج الشرفة فقد استقرت الظلمة واختفى ~~النيل إلا أشكالا هندسية منتظمة وغير منتظمة تعكسها مصابيح ~~الطريق في الشاطئ الآخر، ونوافذ العوامات المضاءة. وتجلت صلعة ~~المدير العام كظهر قارب مقلوب في قبضة الظلام. ووضح تماما أنه من ~~سلالة الهكسوس، فوجب أن يرتد إلى الصحراء. وأسوأ ما يمكن أن ~~تتوقع هو أن تنتهي السهرة كما انتهى شباب ليلى زيدان الأول، ~~وكالرماد الزاحف على جواهر الجمرات. ومن يا ترى الرجل الذي قال: إن ~~الثورات يدبرها الدهاة، ms09 وينفذها الشجعان، ثم يكسبها ~~الجبناء؟ # وجاء عم عبده فأخذ الجوزة ليغير ماءها، ثم أعادها وذهب دون أن ~~ينبس. وخلع خالد نظارته المذهبة فمسحها وهو ينوه بإعجابه ~~بالرجل العجوز. وخرج أحمد نصر عن صمته المألوف قائلا: إنه من نسل ~~الديناصور! # فقال مصطفى راشد: لنحمد الله على أنه في أرذل العمر، وإلا ما ترك ~~لنا امرأة لنهنأ بها. # وأعاد أنيس على أسماعهم الحديث الذي دار بينه وبين الرجل ظهر ~~اليوم، فقال علي السيد: إن العالم في حاجة إلى رجل في عملاقيته ~~لتستقر سياسته. # وحل صمت مؤقت فارتفعت قرقرة الجوزة، وترامى من الخارج نقيق ~~ضفدع وصراخ صرار الليل. ومن خلال الدخان المنتشر استكنت يد ~~ليلى في يد خالد. أصدقاء العمر، والعزاء. وأنف أحمد نصر الطويل ~~الأقنى لا يضاهيه في شكله سوى أنف علي السيد، وإن نهض الأخير في ~~وجه أعرض وأميل للبياض. وتكلم الظلام خارج الشرفة فقال: لا تكترث ~~لشيء. انحدر صوته مع شعاع نجم كابي الاحمرار قطع المسافة إلى ~~غرزتنا في مائة مليون سنة ضوئية. وقال أيضا لا تجعل من الحياة ~~عبئا. أجل حتى المدير العام نفسه سيختفي ذات يوم كما اختفى الحبر ~~من قلمك. ولم يعد للقلب من هم يحمله مذ دفن في التراب أعز ما ~~كان يملكه. وإذا أردت حقا ارتكاب حماقة للفت الأنظار إليك؛ ~~فتجرد من ثيابك وتبختر في ميدان الأوبرا، وهناك ستجد إبراهيم ~~باشا فوق جواده وهو يشير إلى فندق الكونتننتال، كأطرف دعاية ~~للسياحة في بلادنا. ~~- هل حقا سنموت يوما ما؟ ~~- انتظر حتى تذاع نشرة الأخبار. ~~- أنيس بك يتفلسف. ~~- والحق أنه جاء بسؤال لم يسأله أحد من قبل! # تساءلت ليلى زيدان: ما آخر نكتة؟ # فأجاب مصطفى راشد: لم يعد هناك من نكات مذ أصبحت حياتنا نكتة ~~سمجة. # ورنا إلى الظلمة خارج الشرفة فرأى حوتا هائلا يقترب في هدوء من ~~العوامة. إنه ليس بأغرب ما رأى في النيل عند جثوم الليل، لكنه ~~فغر فاه هذه المرة كأنما يعتزم التهام العوامة. وتواصل الحديث ~~بين المساطيل بلامبالاة، فقرر أن ينتظر ما ms10 يحدث بلامبالاة، وإذا ~~بالحوت يتوقف عن التقدم، وإذا به يغمز بعينه وهو يقول: «أنا ~~الحوت الذي نجى يونس.» ثم تراجع واختفى. وعند ذاك ضحك أنيس. ~~وسألته ليلى زيدان عما يضحكه، فأجاب: خيالات غريبة. ~~- وما لنا نحن لا نرى شيئا؟ # فأجاب وهو لا يكف عن العمل: ذلك أن الأمر كما قال الشيخ الكبير: ~~«إن المتلفت لا يصل.» # وانهالت التعليقات بلا ضابط: لا شيخ لنا يا دجال. ~~- ولا يوجد متر مربع من الأرض بمنجاة من الزلزال. ~~- وهو لا يخلو كذلك من الرقص والغناء. ~~- إذا أردت أن تضحك من القلب حقا فانظر إلى الأرض من ~~فوق. ~~- يا بخت الذين مستقرهم فوق! ~~- ولكن بصدور اللائحة المالية الجديدة سيهدأ كل بال. ~~- هل تطبق اللائحة على الحيوان أيضا؟ ~~- روعي فيها أن تطب على الحيوان أولا ... ~~- وها هو القمر ينتظر المهاجرين. ~~- وأخشى ما أخشاه أن يضيق الله بنا. ~~- كما ضاق كل شيء بكل شيء. ~~- وكما يضيق رجب بعشيقاته. ~~- وكما يضيق الضيق بالضيق. ~~- والحل، ألا يوجد حل؟ ~~- بلى، علينا أن نتماسك حتى نغير وجه الأرض. ~~- أو نبقى فيما نحن فيه وهو خير وأبقى. # واهتزت العوامة بقدم آتية فتوقعوا ظهور رجب، ولكن دخلت ~~امرأة مرحة الحيوية لا يعيب جسمها الممتلئ إلا أن نصفه الأعلى أضخم ~~قليلا من الأسفل. سنية كامل! قلبت بينهم عينين رماديتين، ~~وتبادلت معهم القبلات. وأجلسها علي السيد إلى جانبه وهو يقول: لم ~~نرك من رمضان الماضي! # وقبل يدها مرتين، ثم تساءل: زيارة عابرة؟ # فقالت بنبرة حنون تنطق الراء غينا: زيارة دائمة. ~~- هذا يعني أن زوجك قد هجرك! # فقالت وهي تتناول الجوزة: أو أنني هجرته. # ونشت سحابة شرهة وهي تقول إشباعا لحب الاستطلاع الذي اكتنفها: ~~ضبطته يغازل جارة جديدة! ~~- يا خبر أحمر! ~~- ولعلع صوتي حتى سمعه سابع جار! ~~- برافو! ~~- وتركت البنت والأولاد وذهبت إلى أختي في المعادي. ~~- أمر مؤسف ولكنه ضروري لتجديد الحياة الزوجية. ~~- وأول ما خطر لي بعد ذلك أن أزور عوامتي. ~~- عين الصواب، والعين بالعين. # وأومأ مصطفى راشد إلى علي السيد وهو يقول لها: جاء ms11 دور الزوج ~~الاحتياطي. # وتساءل أنيس غاضبا: لماذا لا يكون دوري أنا هذه المرة؟ # فقال علي السيد ملاطفا: ولكني احتياطي سنية كامل منذ ~~قديم. ~~- وأنا! ~~- أنت سيدنا وتاج رأسنا وولي نعمتنا، ولو كنت تهتم بالحب لكان لك ~~منه ما تشاء وأكثر. ~~- أنت كاذب. # فأشار إلى الجوزة قائلا: بل لا وقت عندك للحب. ~~- أوغاد! سأقص عليكم ما حصل لي مع المدير العام. ~~- لكنك قصصته بتفاصيله، أنسيت يا ولي النعم؟! ~~- أوغاد. هذا يعني أن الحياة ستمضي قبل أن نستوعب ما يمر ~~بنا. # ودارت الجوزة مختصة سنية كامل برعاية أكبر بصفتها لم تنسطل من ~~رمضان الماضي. وقال أنيس لنفسه إنها سمراء وعصبية وتحب الضحك، ولا ~~تنسى أولادها حتى في غيبوبة الحب والسطل، وتعود في النهاية إلى ~~زوجها، لكنها تعاشره وتهجره عاما، وتهجره عاما، وتقسم دائما أن ~~الحق عليه. وجاء بها رجب أول مرة، كما جاء يوما بليلى زيدان؛ ذلك ~~أنه إله الجنس وممون عوامتنا بالنساء. عرفت له جدا قديما ~~كان يسعى في الغابات قبل أن يقام بناء واحد على ظهر الأرض. كان ~~يدفن في أحضان النساء مخاوفه من الحيوان والظلام والمجهول والموت. ~~كان له رادار في عينيه وراديو في أذنيه وقنبلة مجسمة في قبضة ~~يده. وحقق انتصارات عجيبة قبل أن يتهاوى هالكا، وأما حفيده ~~رجب ... # واهتزت العوامة، وترامى صوت رجب القاضي وهو يقول مخاطبا ~~شخصا معه: «على مهلك يا عزيزتي.» # حل في نظراتهم الاهتمام، فتمتم خالد: لعلها ممثلة جاء بها من ~~الاستوديو. # وظهر من وراء البارافان رجب بقوامه الممشوق وسمرته الداكنة ~~وقسماته الرشيقة، تتقدمه فتاة دون العشرين عمرا، سمراء، تنتظم ~~وجهها المستدير قسمات صغيرة دقيقة تنطق بالخفة. ولا شك أنه قرأ ~~في وجوه أصدقائه دهشة لحداثة سنها، فقال باسما بنبرته ~~الموسيقية: آنسة سناء الرشيدي، طالبة بكلية الآداب. # 4 # تركزت الأعين على القادمة الجديدة، ولكنها لم ترتبك، وأجابت ~~بنظرة باسمة جريئة. # وطوق رجب خاصرتها بذراعه، وسار بها إلى مجلسه فجلس ثم أجلسها ~~إلى جانبه وهو يقول: أدركني يا ولي النعم! # فتساءل أحمد: أمام الآنسة؟ # فقال ms12 مستنكرا: لا يجوز الكذب أمام معجبة صادقة! # وجذب نفسا طويلا عميقا قويا حتى توهجت دقاق الجمرات فوق ~~الكرسي، نافثة لسانا راقصا من اللهب. أغمض عينيه تلذذا، ثم ~~فتحهما وهو يقول لسناء: دعيني أقدم لك الأصدقاء الذين سيصيرون ~~منذ الليلة أسرتك. # وانتبه إلى وجود سنية كامل لأول مرة فصافحها بحرارة، وخمن ~~أسباب مجيئها فوافقت بضحكة، ثم راح يقدمها قائلا: من بنات المير ~~دي دييه. زوجة وأم. امرأة ممتازة حقا، وفي أوقات الكدر العائلي ~~تعود إلى أصدقائها القدماء. سيدة مجربة عرفت الأنوثة عذراء ~~وزوجا وأما؛ فهي تعد كنزا من الخبرة للفتيات الصغيرات في ~~عوامتنا. # وندت أصوات ضحك، وابتسمت سناء، أما سنية فرمته بنظرة احتجاج ~~لم تبلغ درجة الغضب، وتحول إلى ليلى زيدان قائلا: آنسة ليلى ~~زيدان، خريجة الجامعة الأمريكية، مترجمة بالخارجية، جمال وثقافة ~~إلى مركز باهر في تاريخ المرأة الرائدة في بلادنا، وعلى فكرة فإن ~~شعرها ذهبي حقيقة، لا زيف فيه ولا صباغة. # وتحول إلى أنيس زكي المنهمك في عمله قائلا: أنيس زكي، موظف ~~بوزارة الصحة، ولي أمر عوامتنا، وزير شئون الكيف، رجل مثقف ~~كحضرتك وهذه مكتبته، وقد طاف بكليات الطب والعلوم والحقوق، فمضى ~~بعلومها دون شهاداتها كأي رجل لا تهمه المظاهر، من أسرة ريفية ~~محترمة، ولكنه يعيش منذ دهر وحيدا في القاهرة، كأنه إنسان عالمي، ~~ولا تسيئي الظن بسكوته إذا لم يحادثك كثيرا؛ فهو يهيم في ~~الملكوت! # والتفت إلى أحمد نصر قائلا: أحمد نصر، مدير حسابات الشئون. ~~موظف خطير، ومرجع في عديد من الخبرات كالبيع والشراء وكثير من ~~الشئون العملية المفيدة. وله ابنة في مثل سنك، ولكنه زوج شاذ يستحق ~~الدراسة؛ تصوري أنه زوج منذ عشرين عاما، لم يخن زوجه مرة ~~واحدة، ولم يمل عشرتها، ويزداد تعلقا بحياته الزوجية؛ لذلك ~~أقترح أن يكون موضع دراسة في المؤتمر الطبي القادم. # وأشار إلى مصطفى راشد مستطردا: الأستاذ مصطفى راشد المحامي ~~المعروف. محام ناجح وفيلسوف أيضا. متزوج من مفتشة بوزارة ~~التربية، وهو يتطلع بصدق إلى المطلق، وسوف ينجح في إدراكه ذات ~~ليلة، ولكن خذي ms13 حذرك منه فهو يقول إنه ما زال يفتقد حتى اليوم ~~أنموذجه المفضل من النساء. # وربت على ظهر علي السيد قائلا: الأستاذ علي السيد، الناقد ~~الفني المعروف، طبعا قرأت له كثيرا، وأحب أن أخبرك بأنه يحلم ~~كثيرا بمدينة فاضلة خيالية، أما عن واقعه فهو متزوج من ~~اثنتين، وصديق سنية كامل، والبقية تأتي. # وأخيرا أومأ إلى خالد عزوز وهو يقول: الأستاذ خالد عزوز، في ~~الصف الأول من كتاب القصة القصيرة عندنا. يملك عمارة وفيلا ~~وسيارة وأسهما في مذهب الفن للفن، فضلا عن ولد وبنت، وله فلسفة ~~خاصة لا أدري كيف أسميها، ولكن الإباحية من سماتها ~~الظاهرة. # وابتسم إليها كاشفا عن أسنان بيضاء نضيدة، ثم تمتم: لم يبق من ~~عوامتنا إلا عم عبده الذي مررنا بشبحه في الحديقة ونحن في طريقنا ~~إلى هنا، وسوف تعرفينه بطبيعة الحال، وما من أحد في شارع النيل إلا ~~ويعرفه. # ونادى أنيس عم عبده وأمره بتغيير ماء الجوزة، فمضى بها من الباب ~~الجانبي، ثم أعادها بعد قليل وذهب، اتسعت عينا سناء عجبا لضخامته، ~~فقال رجب: من حسن الحظ أنه مثال الطاعة، وإلا فلو شاء لأغرقنا ~~جميعا. # لا خوف من الغرق ما دام الحوت في الماء، ويد الفتاة القاصرة ~~صغيرة كيد نابليون، ولكن أظافرها حمراء مدببة كمقدم قارب سباق، ~~وبوجودها تكتمل مجموعة قانون العقوبات المستحقة على ~~عوامتنا. # وها هو الظلام قد بدأ يتكلم. # تساءل مصطفى راشد محركا تفاحة آدم: وما تخصص الآنسة في ~~الآداب؟ # فأجابت بنبرة كغزل البنات: التاريخ. # فتأوه أنيس: الله! # فصاح به رجب: ليس تاريخها بتاريخك الدامي، ولكنها معنية ~~بالأشياء الحلوة. ~~- ليس في التاريخ أشياء حلوة. ~~- كغرام أنطونيو وكليوباترا. ~~- كان غراما داميا. ~~- على أي حال لم يقتصر كله على السيف والحية. # وبدت سناء قلقة، ونظرت نحو البارافان متسائلة: ألا تخافون ~~البوليس؟ # فتساءل مصطفى راشد باسما: بوليس الآداب؟ # فقالت بعد أن سكت الضحك: والمباحث أيضا؟ # فقال علي السيد: لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان ~~والظاهر والباطن؛ فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف ~~شيئا. ~~- ولكن الباب مفتوح! ~~- في ms14 الخارج عم عبده، وهو كفيل برد أي اعتداء. # وقال لها رجب باسما: لا تقلقي يا نور العين؛ فالدولة منهمكة في ~~البناء، ولديها ما يشغلها عن إزعاجنا. # وقدم لها مصطفى راشد الجوزة قائلا: جربي هذا النوع من ~~الشجاعة. # ولكنها اعتذرت برقة، فقال رجب: خطوة خطوة، لقد بدأ الإنسان ~~بأظافره وانتهى بالصاروخ. لفوا لها سيجارة. # وفي دقيقتين قدمت لها سيجارة فتناولتها بشيء من الحذر، ولكنها ~~رشقتها بين شفتيها. ورمقها أحمد نصر بإشفاق، فقال أنيس لنفسه إنه ~~يخاف في الحقيقة على ابنته، ولو عاشت ابنتي لكانت قرينة ~~لسناء. # ولكن ما قيمة أن تبقى أو أن تذهب، أو أن تعمر كسلحفاة؟ ولما ~~كان الزمن التاريخي لا شيئا بالقياس إلى الزمن الكوني؛ فسناء ~~معاصرة في الواقع لحواء، ويوما ستحمل لنا مياه النيل شيئا جديدا ~~يستحسن ألا نسميه، فقال له صوت الظلام: «أحسنت.» ولا أستبعد أن ~~أسمع ذات ليلة نفس الصوت وهو يأمرني بعمل خارق يذهل له من لا ~~يؤمن بالمعجزات. وقد قال العلم في النجوم كلمته، ولكن ما هي في ~~الحقيقة إلا أفراد عالم آثروا الوحدة فتباعدوا عن بعضهم آلاف ~~السنين الضوئية. فيا أي شيء افعل شيئا فقد طحننا اللاشيء! # وسألها أحمد نصر بحنان: وهل تجدين وقتا للمذاكرة؟ # فأجاب رجب: طبعا، ولكنها مولعة بالفن أيضا. # فحذرته بسبابتها قائلة: لا تجعل مني موضوعا للسمر. ~~- ويل لمن تحدثه نفسه بشيء من ذلك. # فتساءل أحمد نصر: تريدين أن تكوني ممثلة؟ # فابتسمت دون معارضة فاستطرد: ولكن ... # فقاطعه رجب: اسكت يا رجعي. إن أشنع تهمة في عصرنا هي ~~الرجعية. # وأمسك بأصبعيه ذقنها، فأمال وجهها إليه، ثم قال وهو يتفحصها ~~باهتمام: دعيني أدرس وجهك. جميل، تضمر نظرته قوة خفية. بلحة ~~مسكرة ذات نواة صلبة، ونظرة فتاة قاصر، ولكنها عند التقطيب تشع ~~دهاء امرأة، أي دور يصلح لك؟ لعله دور الفتاة في سيناريو لغز ~~البحيرة! # سألته باهتمام: ما دورها على وجه التحديد؟ ~~- فتاة بدوية تحب صيادا ماكرا ممن يتخذون من الحب لهوا، ~~يستهين بها أول الأمر، ولكنها تؤدبه وتمشيه على العجين. ~~- هل ms15 أصلح له حقا؟ ~~- إنما أنطق عن غريزة فنية يؤمن بها المنتجون والموزعون معا. ~~لحظة من فضلك، زمي شفتيك، أريني كيف تقبلين. احذري الخجل، ~~الخجل عدو فن التمثيل. أمام الجميع، قبلة حقيقية بكل معنى الكلمة، ~~قبلة يجب أن يتحسن بعدها الموقف الدولي. # وطوقها بذراعيه القويتين الطويلتين، وتلاقت شفتاهما بقوة ~~وحرارة في صمت سكتت فيه الأشياء حتى القرقرة، ثم صاح مصطفى راشد: ~~هذه لمحة من المطلق الذي أرهق نفسي في البحث عنه. # وقال خالد عزوز بحماس متدفق: أيها السادة، أهنئكم. يجب أن ~~نهنئ أنفسنا جميعا. يجب أن نحيي هذه اللحظة الحضارية الرائعة، ~~والساعة يمكن أن نقول إن الفاشستية قد اندحرت تماما، وإن بديهيات ~~إقليدس قد تلاشت، فتقبلي يا سناء - بلا ألقاب من الآن فصاعدا - ~~إعجابي. # فقالت ليلى زيدان باسمة: دع لأحد غيرك الكلام إكراما ~~لي. # قال متأسفا: الغيرة ليست غريزة كما يقول الجاهلون، ولكنها تراث ~~إقطاعي! # لست بغيا. اللعنة! يا رائحة النيل المضمخة بعبير رحلة طينية ~~مرهقة. وثمة شجرة معمرة في البرازيل استوت على سطح الأرض قبل أن ~~يوجد الهرم. هل أنا وحدي بين هؤلاء المساطيل الذي يضاحك هذه الموجة ~~المستهترة؟ هل أنا وحدي الذي أسمعها وهي تهمس لي إن دق الباب ~~أربعين دقة يتحقق لك ما لا يمكن أن يتحقق؟ فمتى ألعب ~~بالمجموعة الشمسية لعب الهواة بالكرة؟ وذات يوم دفعت إلى معركة ~~دامية، وأنا أخلص بين متخاصمين. # ومرق خارج الشرفة خفاش كالرصاصة، وراح يتأمل نقوش الصينية ~~النحاسية المرسومة على هيئة دوائر متداخلة تفصل بينها مساحات ~~محفورة بالترتر قد غشاها الرماد ونفايات المعسل. وغفا غفوة ~~قصيرة حيث يجلس، ولما فتح عينيه وجد مصطفى راشد وأحمد نصر قد ~~ذهبا. وأغلقت الحجرة المطلة على الحديقة على ليلى وخالد، ~~والحجرة الوسطى على سنية وعلي السيد، أما رجب وسناء فقد وقفا في ~~الشرفة يتناجيان. لم تبق خالية إلا حجرته، وأغلب الظن أنها ستغلق ~~بابها في وجهه هذه الليلة. وتناجى العروسان: كلا. ~~- كلا؟! جواب لا يليق بعصرنا! ~~- المفروض أنني أذاكر عند صديقة. ~~- فليكن الدرس عند صديق! # ومد ms16 ساقه فصدم الجوزة فألقاها على جانبها، فسال لعابها الأسود ~~وتدفق نحو عتبة الشرفة. # لا أهمية لشيء. حتى الراحة لا معنى لها. ولم يبدع الإنسان ما هو ~~أصدق من المهزلة. # وإذا بقامة عم عبده تحجب ضوء المصباح الغارق في الهاموش: آن ~~الأوان؟ ~~- نعم. # ومضى يجمع الأدوات ويكنس النفايات بهمة عالية، ثم نظر إليه ~~متسائلا: متى تذهب إلى حجرتك؟ ~~- فيها عروس جديدة! ~~- أووه! ~~- ألا يعجبك الحال؟ # فضحك قائلا: فتيات شارع النيل ألطف وأرخص. # فقهقه أنيس طويلا حتى جرى صوته مدويا فوق سطح النيل وقال: يا ~~جاهل، وهل هؤلاء كأولئك؟ ~~- عندهن أعضاء أكثر؟ ~~- كلا، ولكنهن سيدات محترمات. ~~- أووه! ~~- لا يبعن أنفسهن، ولكنهن يمنحن ويأخذن كالرجال سواء ~~بسواء. ~~- أووه! ~~- أووه! ~~- وهل لذلك ستنام في الشرفة حتى يغسلك الندى؟ ~~- ما أجمل أن يغسلنا الندى! # فحياه مبتعدا وهو يقول: أنا ذاهب لصلاة الفجر. # ونظر إلى النجوم وراح يحصي منها ما يستطيع عده. وأرهقه العد ~~حتى جاءته نسمة عطرة من حديقة القصر. وهارون الرشيد جالس على أريكة ~~تحت شجرة مشمش، والجواري يلعبن بين يديه، وأنت تصب له الخمر من ~~إبريق من الذهب. ورق أمير المؤمنين حتى صار أصفى من الهواء، وقال ~~لك: هات ما عندك. # ولم يكن عندك شيء فقلت قد هلكت، ولكن الجارية ضربت أوتار العود ~~وغنت: # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني # على كبدي من خشية أن تصدعا # وليست عشيات الحمى برواجع # عليك ولكن خل عينيك تدمعا # فطرب الرشيد حتى ضرب بيديه ورجليه، فقلت: ها هي فرصة لتهرب. ~~وانسحبت بخفة، ولكن الحارس العملاق لمحك فاتجه نحوك فجريت فجرى ~~وراءك شاهرا سيفه فصرخت مستغيثا بآل رسول الله، فأقسم ليرمين ~~بك في سجن بينهم. # 5 # استسلم للغروب بجسد منتعش بعد دش بارد. وانتشر في الجو النعاس ~~والهدوء الشامل، وأسراب الحمام ترسم فوق النيل أفقا أبيض. لو في ~~الإمكان أن يدعو المدير العام إلى العوامة لضمن لنفسه هدوءا ~~كالغروب، ولاستل من قبضته البرنزية أشواكها المؤذية. # وحسا آخر حسوة من الفنجان السادة الممزوج بالسحر، ولعق بلسانه ~~الرواسب. # وجاء الأصدقاء تباعا ms17 كما جاء رجب وسناء. طيلة أسبوع وهما ~~متلازمان. وآنست سناء أخيرا إلى الجوزة حتى همس أحمد نصر في أذن ~~رجب: «البنت صغيرة!» ولكنه أجابه همسا أيضا وهو مرتكز بكوعه على ~~ركبة أنيس: «لست أول فنان في حياتها!» وجعلت ليلى زيدان تردد: ~~«الويل لمن تحترم الحب في عصر لا يكن للحب احتراما!» ولم يجد ~~أحمد نصر من يفضي إليه بأفكاره المحافظة إلا أنيس المسالم، فمال ~~على أذنه قائلا: جميل أن تدعى ساقطة الأمس بفيلسوفة ~~اليوم! # فأجابه أنيس: هذا ما آل إليه حال الفلسفة بصفة عامة. # وفرقع علي السيد بأصابعه ملفتا الأنظار إليه، ثم قال بجدية: ~~على فكرة يجب أن أبلغكم رسالة قبل أن تنسطلوا. # فاتجهت إليه بعض الأنظار، فقال بصوت واضح: سمارة بهجت ترغب في ~~زيارة العوامة! # استقرت عليه الأبصار في اهتمام شامل، حتى أنيس نفسه وإن لم ~~يكف عن العمل: الصحفية؟ ~~- زميلتي الجميلة النابهة! # انقضت فترة صمت للاستيعاب والهضم، وتجلت في الأعين نظرات ~~غامضة، حتى تساءل أحمد نصر: لكن لماذا ترغب في زيارتنا؟ ~~- أنا المسئول عن إثارة اهتمامها بكم بأحاديثي العريضة عن ~~العوامة! # فقال رجب القاضي: أنت طويل اللسان، ولكن أتحب صاحبتك ~~العوامات؟! ~~- ليس الأمر كذلك، ولكنها تعرف أو تسمع عن أكثر من شخص في ~~العوامة. أنا مثلا صديق وزميل، خالد عزوز من قصصه، وأنت من ~~أفلامك. ~~- هل عندها فكرة عما يدور هنا؟ ~~- تقريبا، وجونا ليس بالغريب عليها بحكم عملها وخبرتها ~~بالحياة. ~~- إذا حكمنا عليها بما تكتب فهي جادة لدرجة الرعب. ~~- وإنها لكذلك في الواقع، ولكن في كل إنسان جانب ينشد العلاقات ~~الإنسانية العادية. # فتساءل أحمد نصر في شيء من الضيق: هل لها جولات مماثلة؟ ~~- أظن ذلك. هي ودود حقا وتحب الناس. # فقال أحمد نصر أيضا: ولكنها ستصادر حريتنا. ~~- لا ... لا ... لا، لا تحمل هما من هذه الناحية. ~~- هل تشاركنا فيما نحن فيه؟ ~~- إلى حد ما؛ أعني في الأمور البريئة. ~~- البريئة! هذا يعني أننا سنكون موضوع تحقيق صحفي! # فقال بتوكيد: إنها قادمة للتعارف لا لشيء آخر. # لا تهتم بالموضوع أكثر ms18 من ذلك وإلا ضاع التدخين هباء. وتذكر ~~كيف استقبل الفرس أول نبأ عن الغزو العربي. وابتسم. ورأى على سطح ~~الصينية عديدا من الهاموش الهالك، فخطر له أن يسأل: إلى أي نوع من ~~الكائنات ينتمي الهاموش؟ # اعترض السؤال أفكارهم في تطفل مزعج، ولكن مصطفى راشد أجاب ~~ساخرا: من الحيوانات الثديية. # واستطرد علي السيد قائلا: ما على الرسول إلا البلاغ، فإذا لم ~~يرق لكم دعوتها. # لكن رجب قاطعه قائلا: لم نسمع رأي الجنس الآخر؟ # ولم تبد ليلى زيدان اعتراضا، ولا سنية كامل، أما سناء ~~فقالت: لندع الرأي لأنيس وأحمد ومصطفى؛ فهم في حاجة إلى ~~صديقة! # ولكن علي السيد اعترض قائلا: لا ... لا يصح التفكير في ذلك، لا ~~تحرجوني وحياة أمكم. # فتساءلت سناء وهي تزيح بأنملتها خصلة ضالة عن حاجبها: إذن ~~لم تود أن تجيء؟ ~~- قلت ما فيه الكفاية. # فتساءل أنيس: إذا كان الهاموش من الحيوانات الثديية، فما وجه ~~الإصرار على أن صاحبتك ليست من ذلك النوع؟ # فقال علي السيد موجها خطابه للجميع دون توقف عند مقاطعة ~~أنيس: حريتكم مكفولة في كل شيء، في القول والفعل، في التدخين ~~والبذاءة، لا تحقيق ولا دراسة، ولا أي نوع من المكر الصحفي، ثقوا ~~بذلك كل الثقة، ولكن لا يليق أن تعامل معاملة امرأة عابثة! أعني ~~أنها آنسة فاضلة، كأي واحدة منكن، لا تقبل أن تعامل كامرأة ~~مستهترة. # فسألته سنية بحدة: ماذا تعني بامرأة عابثة؟! ~~- أعني أنها آنسة فاضلة، كأي واحدة منكن، لا تقبل أن تعامل ~~كامرأة مستهترة ... # فقال أحمد نصر: الحق أني لا أفهم شيئا. ~~- هذا هو المتوقع منك دائما أيها القرن التاسع عشر، ولكن ~~الجميع يفهمونني بلا صعوبة على الإطلاق. # فقال خالد عزوز: لعلها رغم مقالاتها الأسبوعية برجوازية ~~قحة. ~~- ليست من البرجوازية في شيء مما تعنيه. # وقال مصطفى راشد: قدم لنا عنها فذلكة مفيدة. ~~- حسن، هي في الخامسة والعشرين. ليسانس لغة إنجليزية، وقد حصلت ~~عليه وهي دون العشرين بقليل. صحفية ممتازة أكبر بكثير من سنها، ~~وذات آمال أدبية ترجو أن تتحقق ذات يوم، ممن يأخذن ms19 الحياة مأخذ ~~الجد، وإن تكن لطيفة المعشر. ومعروف أنها رفضت زواجا برجوازيا ~~فاخرا رغم مرتبها الصغير. ~~- لماذا؟ ~~- الرجل دون الأربعين. مدير مؤسسة. صاحب عمارة كخالد عزوز، فضلا ~~عن أنه قريب لها من ناحية الأب، ولكنها لم تكن تحبه فيما ~~أعتقد. # فقال خالد: إذا صح الحكم عليها من قلمها فهي فتاة ~~متطرفة. ~~- قل إنها تقدمية، ولكنها صادقة مخلصة. ~~- هل اعتقلت مرة؟ ~~- كلا، إنها زميلتي منذ عينت في مجلة كل شيء. ~~- لعلها اعتقلت وهي طالبة؟ ~~- لا أظن، وإلا كنت عرفته في أثناء أحاديثنا الطويلة. على أي ~~حال لا أقطع في ذلك برأي. # فتساءلت سناء: ماذا يضطركم إلى استضافة امرأة خطرة لا يمكن أن ~~تعدنا بأي تسلية؟ # فقالت ليلى زيدان: يجب أن تأتي؛ نحن في حاجة إلى دم من نوع ~~جديد. # فقال علي السيد: اتفقوا على رأي، إنها الآن في النادي، فإذا ~~شئتم دعوتها بالتليفون. # فسأله أنيس: هل أخبرتها بأن الذي يجمعنا ها هنا هو ~~الموت؟ # لم يجبه، ولكنه اقترح أخذ الأصوات، وضحك أنيس لذكريات محنطة، ~~واقترح أن يدعى عم عبده للإدلاء بصوته، وطوق رجب سناء بذراعيه، ~~على حين نهض علي السيد إلى التليفون. # 6 # بعد المكالمة التليفونية بنصف ساعة غادر علي السيد مجلسه ليستقبل ~~القادمة عند الباب. وما لبثت العوامة أن اهتزت هزتها ~~الانسيابية لوقع الأقدام الضاربة فوق الصقالة. وتمنى أحمد نصر لو ~~كانوا أخفوا الجوزة وأدواتها حتى تطمئن القلوب إلى الزائرة، ولكن ~~رجب القاضي أشار إلى أنيس قائلا باستهانة: كرس ورص. # ظهرت من وراء البارافان باسمة الوجه، وتقدمت - يتبعها علي السيد ~~- وهي تتلقى النظرات المركزة في هدوء ودي ودون ارتباك. وقف ~~الرجال جميعا، حتى أنيس وقف في جلبابه الأبيض المنحسر عن أسفل ~~ساقيه، وقام علي السيد بالتعريف التقليدي، واقترح أحمد نصر أن ~~يجيء لها بكرسي، ولكنها رغبت في الجلوس على شلتة، ~~فالتصق رجب - بحركة لا إرادية - بسناء، مفسحا لها مكانا إلى جانبه. واستأنف ~~أنيس عمله وهو يسترق إليها النظر. توقع مما سمع أن يرى شيئا ~~غريبا. وهي حقا ذات شخصية، ولكن ms20 أنوثتها جذابة بلا عائق. ~~ورغم ثقل جفنيه رأى سمرتها المتبدية بلا رتوش ، وملامحها واضحة ~~كأناقتها البسيطة، ولكن في نظرتها ذكاء يصد عن اكتناه أغوارها. ~~وخيل إليه أنه رآها من قبل، ولكن في أي عصر من العصور الغابرة؟ ~~وهل كانت ملكة أو من الرعية؟ وعندما استرق إليها النظر مرة أخرى ~~طالعته صورة جديدة! حاول أن يستوعبها، ولكن التركيز أرهقه فحول ~~عينيه إلى الليل. # وأعقب ضجة التعارف والمجاملات المعتادة صمت، وغنت القرقرة مع ~~صرار الليل. وبلباقة لم تخص سمارة الجوزة بأية نظرة قد تنم عن ~~شيء. ولما امتدت بها يد أنيس إليها تلقت الغاب بين شفتيها ~~دون أن تدخن على سبيل التحية، ثم أمرتها إلى رجب، وتناولها ~~رجب وهو يقول: كوني على راحتك. # فالتفتت نحوه قائلة: شاهدتك في فيلمك الأخير «شجرة بلا ثمر»، ~~وأشهد أنك أديت دورك بتفوق رائع. # ولم يكن تواضعه ليخجل من الثناء، ولكنه تساءل في حذر: رأي أم ~~مجاملة؟ ~~- بل رأي، وهو رأي الملايين. # ونظر أنيس من خلال الدخان إلى سناء، فرآها تروض خصلة شعرها ~~المتمردة، وابتسم. المدير العام نفسه بما له من سلطة تنص عليها ~~اللائحة العامة للشئون المالية والإدارية لا يتجاوز اختصاصه شئون ~~الوارد والصادر. وثمة آلاف من الشهب تتناثر من الكواكب لتحترق ~~وتتبدد، منهالة على جو الأرض دون أن تمر بالأرشيف أو تسجل في ~~دفتر الوارد، أما الألم فقد خص به القلب وحده. # وإذا بسمارة تقول مخاطبة خالد عزوز: أما أنت فآخر ما قرأت لك ~~أقصوصة الزمار. # ثبت خالد النظارة على عينيه، فاستطردت: الزمار الذي انقلب ~~مزماره إلى حية تسعى. # فقال مصطفى راشد: وقد استحق منذ نشرها أن يدعى بحق خالد ~~الحنش! ~~- قصة غريبة ومثيرة. # فقال علي السيد: صديقنا نجم مدرسة الفن للفن، ولا تتوقعي أن ~~ينبثق من عوامتنا فن آخر! # وقال مصطفى راشد: وعما قريب سينبثق منها أدب العبث المعروف ~~باللامعقول. # فقال رجب: ولكن اللامعقول موجود بيننا بوفرة حتى قبل أن يوجد ~~كفن. زميلك علي السيد معروف بأحلامه اللامعقولة، ومصطفى راشد يجري ~~وراء اللامعقول باسم ms21 المطلق، وولي أمر عوامتنا حياته كلها لا ~~معقولة مذ هجر الدنيا من حوالي عشرين عاما. # فضحكت سمارة متجاوزة وقارها وقالت: أنا شيخة حقا منذ حدثني ~~قلبي بأني واجدة عندكم أشياء عجيبة مثيرة! # فتساءل رجب: قلبك الذي حدثك، أم وشايات علي السيد؟ ~~- لم يقل إلا خيرا. ~~- على ذلك فليست عوامتنا بالوحيدة في نوعها؟ ~~- ربما، ولكن ما أكثر الناس وما أقل من يصلح للصداقة ~~بينهم! ~~- تصورت أن الصحفي هو آخر من يقول ذلك! ~~- الناس يلقوننا عادة بالوجه الذي يلقون به ~~الفوتوغرافيا. # فقال خالد عزوز: ها نحن نلقاك بالصدق والفطرة البريئة، فمتى ~~تبادليننا نفس المعاملة؟ # وهي تضحك: اعتبرني كذلك، أو فامنحني أقصر مدة ممكنة. # حمل أنيس المجمرة إلى عتبة الشرفة بعد أن زودها بقطع من الفحم. ~~تعرضت هناك لتيار الهواء، وراح ينتظر. واتسعت المراكز المحترقة ~~في شتى القطع، حتى استحال سواد الفحم حمرة متوهجة هشة عميقة ~~ناعمة. واندلعت عشرات من الألسنة الصغيرة الموسومة بالشفق، ~~فانتشرت، ثم تلاقت أجنحتها مكونة موجة راقصة نقية شفافة ~~مكللة الأطراف بزرقة خيالية، ثم أزت فتطاير من جوفها سرب من ~~عناقيد الشرر. وصرخت أصوات نسائية فأعاد المجمرة إلى مكانها. ~~واعترف فيما بينه وبين نفسه بإعجابه غير المحدود بالنار. إنها أجمل ~~من الورد والأعشاب والفجر البنفسجي، فكيف أمكن أن تطوي بين جوانحها ~~أكبر قوة مدمرة؟ يجب إذا أسعفتك الهمة أن تقص عليهم قصة ~~الإنسان الذي اكتشف النار، ذلك الصديق القديم الذي كان له أنف علي ~~السيد، وجاذبية رجب القاضي، وعملقة عم عبده. وأين ذهبت الفكرة ~~الطريفة التي اعتزمت طرحها للمناقشة عندما حملت إلى الشرفة ~~المجمرة؟! # وقال مصطفى راشد: أنا محام، والمحامي بطبعه سيئ الظن، وأكاد ~~أتخيل الآن ما يدور في رأسك عنا. ~~- لا شيء في رأسي مما تظن. ~~- مقالاتك تزخر بالنقد المرير للسلبية، ونحن يمكن أن نعد - في ~~نظر البعض - السلبية نفسها! ~~- لا ... لا، لا يجوز الحكم على الناس في أوقات فراغهم. # فقال رجب ضاحكا: إنها بالأحرى أعمار فراغ! ~~- لا تذكروني بأني غريبة عنكم. # فقال أحمد نصر: قلة ذوق أن ms22 نجعل من أنفسنا موضوعا للحديث بينا ~~أن المهم حقا هو أن نعرف عنك ما نجهله. ~~- لست لغزا. # وقال علي السيد: ومقالات الكاتب تتكفل بالكشف عنه. # فسأله مصطفى راشد: هل تفعل ذلك مقالاتك النقدية؟ # وضج المكان بالضحك، حتى علي السيد ضحك طويلا، وقال وما زالت ~~أساريره ضاحكة: إني أحدكم أيها المنحلون العصريون، ومن شابه ~~أصدقاءه فما ظلم، ولكن هذه الفتاة صادقة للأسف! # فقال خالد عزوز: كل قلم يكتب عن الاشتراكية على حين تحلم أكثرية ~~الكاتبين بالاقتناء والإثراء وليالي الأنس في المعمورة. # فتساءلت سمارة: هل تناقشون هذه الأمور كثيرا؟ ~~- كلا، ولكننا ندفع إليها إذا عرض أحدهم بحالنا. # ونادى أنيس عم عبده، فجاء العجوز العملاق ومضى بالجوزة من الباب ~~الجانبي، ثم رجع بها بعد أن غير ماءها. انجذبت عينا سمارة إليه ~~طيلة حضوره، ثم تمتمت عقب اختفائه: يا له من عملاق جذاب! # وتذكر علي السيد أنه الشخص الوحيد من أهل العوامة الذي لم ~~يقدمه لها، فقال: هو عملاق حقا، ولكنه لا يكاد يتكلم. يعمل ~~كل شيء ولكنه لا يتكلم إلا فيما ندر، ويخيل إلينا كثيرا أنه ~~غارق أبدا في لحظته الراهنة، ولكن لا يمكن الجزم في ذلك بشيء ~~قاطع. وأعجب شيء أنه قد يصدق عليه أي وصف؛ فهو قوي وهو ضعيف، وهو ~~موجود وغير موجود، وهو إمام المصلى المجاور وهو قواد! # فضحكت سمارة طويلا، ثم قالت: الحق أني أحببته من أول ~~نظرة! # فقال رجب بتلقائية: عقبى لنا! # نظرت سناء إلى الليل كالهاربة، ولكنه طوق خاصرتها بذراعه ~~كالمعتذر. واقتحمت رأس أنيس تساؤلات شتى، هل اجتمع هؤلاء الأصدقاء ~~- كما يجتمعون الليلة - بثياب مختلفة في العصر الروماني؟ وهل شهدوا ~~حريق روما؟ ولماذا انفصل القمر عن الأرض جاذبا وراءه الجبال؟ ومن ~~من رجال الثورة الفرنسية الذي قتل في الحمام بيد امرأة جميلة؟ ~~وما عدد الذين ماتوا من معاصريه بسبب الإمساك المزمن؟ ومتى تشاجر ~~آدم - بعد الهبوط من الجنة - مع حواء لأول مرة؟ وهل فات حواء أن ~~تحمله مسئولية المأساة التي صنعتها بيدها؟ # ونظرت ليلى زيدان إلى سمارة ms23 متسائلة: وهل تبقين دائما في كامل ~~وعيك؟ ~~- القهوة والسجائر ولا شيء غيرهما . # فقال مصطفى راشد: أما نحن فقد نسمع مرة عن خطة حاسمة للقضاء ~~على المخدرات، فلا ندري ماذا يمكن أن يبقى لنا. ~~- لهذه الدرجة! # وذكر رجب بأن لديهم ويسكي أيضا، فرحبت بكأس، فقام بنفسه ~~وأعدها لها، ثم تساءلت عن سر تعلقهم بالجوزة، فلم يتطوع أحد ~~بجواب، حتى قال علي السيد: إنها محور جلستنا، ولا سعادة حقيقية لنا ~~إلا في هذه الجلسة. # وافقت بهزة من رأسها على أنها جلسة سعيدة حقا، وإذا بسنية كامل ~~تقول لها: لا تهربي، لديك ما تقولينه مما يدخل في صميم ~~الموضوع. ~~- لا أريد أن أردد الأكليشيهات المحفوظة، ولا أحب أن أسقط ~~كالتمثيليات الهادفة! # فقال أحمد نصر: ولكننا نحب أن نعرف آراءك؟ # إني أعلنها تباعا كل أسبوع. # ثم تساءلت بعد رشفة من الويسكي: ولكن ما آراؤكم أنتم؟ # فقال مصطفى راشد: نحن نعمل للرزق في نصف اليوم الأول، ثم نجتمع ~~بعد ذلك في زورق ليسبح بنا في الملكوت. # فسألت باهتمام حقيقي: ألا يهمكم حقا شيء مما يدور ~~حولكم؟ ~~- قد ينفعنا أحيانا كمادة لضحكنا. # ابتسمت ابتسامة غير مصدقة، فقال مصطفى راشد: لعلك تقولين ~~لنفسك إنهم مصريون، إنهم عرب، إنهم بشر، ثم إنهم مثقفون، فلا ~~يمكن أن يكون هناك حد لهمومهم. الحق أننا لا مصريون ولا عرب ولا ~~بشر، نحن لا ننتمي لشيء إلا هذه العوامة. # ضحكت كما تضحك لنكتة، فعاد مصطفى يقول: ما دامت الفناطيس بحالة ~~جيدة، والحبال والسلاسل متينة، وعم عبده ساهرا، والجوزة عامرة؛ ~~فلا هم لنا. ~~- كلام لا يدخل العقل. ~~- لماذا؟ # تفكرت قليلا، ثم تراجعت قائلة: لن أستدرج للهاوية، كلا، لن ~~أسمح لنفسي بأن أكون ثقيلة الدم كتمثيلية هادفة. # فقال علي السيد: لا تصدقي كلام مصطفى حرفيا، لسنا أنانيين ~~بالدرجة التي صورها، ولكننا نرى أن السفينة تسير دون حاجة إلى ~~رأينا أو معاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئا، وربما ~~جر وراءه الكدر وضغط الدم. # ضغط الدم، كالصنف المغشوش، وطالب الطب يمرض بالوهم أول عهده ms24 ~~بالمدرسة، والمدير العام نفسه ليس أسوأ من المشرحة. أول يوم في ~~المشرحة كأول تجربة للموت في أعز ما ملكت. وهذه الزائرة مثيرة من ~~قبل أن تتكلم؛ جميلة ورائحتها حلوة. والليل أكذوبة بما هو نهار ~~سلبي، وعندما يطلع الفجر تخرس الألسنة، ولكن ما الشيء الذي تود ~~تذكره طيلة الجلسة دون جدوى؟ # وقال خالد عزوز مخاطبا سمارة: قلمك ذو استعداد أدبي. ~~- لكنه لم يجرب بعد. ~~- لا شك أن لديك خطة؟ ~~- على أي حال إني مغرمة بالمسرح. # فسأل رجب محتجا: والسينما؟ ~~- إنها بعيدة عن طموحي. # فقال رجب: ما المسرح إلا كلام! # فقال مصطفى راشد باسما: كعوامتنا سواء بسواء. # فقالت باهتمام: العكس هو الصحيح؛ المسرح تركيز، وكل كلمة فيه يجب ~~أن يكون لها معنى. ~~- وهذا هو الفارق الجوهري بينه وبين عوامتنا. # وتلاقت عيناها بعيني أنيس وهو يدير الجوزة، فكأنها اكتشفته ~~وقالت له: لم لا تتكلم؟ # إنها تستدرجك لتقول لك عند الجد «لست بغيا». وهي تذكرني ~~بشيء لا أتذكره، ومن الجائز أن تكون كليوباترا أو المرأة التي ~~تبيع المعسل بدرب الجماميز. وهي من مواليد برج العقرب. ألا تعلم ~~بأنني على موعد مع فكرة مجردة ذات طابع جنسي؟! # وقال مصطفى راشد معتذرا عنه: إن من يعمل لا يتكلم. ~~- ولم يعمل وحده؟ ~~- إنها هوايته المفضلة، وهو لا يسمح لأحد بمساعدته. # وقال رجب القاضي: إنه ولي أمر عوامتنا، وندعوه أحيانا بولي ~~النعم. وأي فارس منا بالقياس إليه هاو مبتدئ؛ فهو لا يفيق ~~أبدا. ~~- على الأقل فهو يجد نفسه مفيقا عقب الاستيقاظ صباحا؟ ~~- دقائق معدودات يصرخ فيها طالبا القهوة السادة. # فألحت في توجيه الخطاب إليه قائلة: أجبني بنفسك عما تفعل في ~~تلك الدقائق؟ # فقال دون أن يرفع عينيه إليها: أتساءل لماذا أحيا؟ ~~- عال، وبماذا تجيب؟ ~~- أنسطل عادة قبل أجد الفرصة. # وضحكوا أكثر مما يجب، وضحك معهم. وقلب عينيه بين النساء من ~~خلال الدخان المتفجر. لا تعكس عين محبة للزائرة. وثمة أسد واحد ~~يلتهم اللحم ويرمي للآخرين بالعظام. وعظام الزائرة الجديدة مترعة ~~بنخاع مزعج، ولكن ما دام الهاموش حيوانا ثدييا ms25 فلا خوف علينا، ~~والحق أنه لولا أن الكواكب تدور حول الشمس لتحقق لنا ~~الخلود. # ونظر رجب في ساعة يده، ثم قال بجدية: آن لنا أن نكف عن الهذيان. ~~الليلة علامة طريق في حياتنا، لأول مرة يشرفنا إنسان جاد عنده ~~شيء ليس عند أحد منا، ومن يدري فلعلنا مع الأيام نعرف الجواب عن ~~أسئلة كثيرة ظلت حتى اليوم بلا جواب. # فرمقته بحذر متسائلة: أتسخر مني يا أستاذ رجب؟ ~~- معاذ الله! ولكنني أبني آمالا على انضمامك إلى ~~مجموعتنا! ~~- وعندي نفس الرغبة، ولن أضيع فرصة كلما سمح الوقت. # وتفشت حركة انهزام مستسلمة، فاستعد الجالسون للذهاب. حلت ~~اللعنة التي تجعل لكل شيء نهاية. أهي هذه الفكرة التي استعصت ~~طويلا على الذاكرة؟ ولم يبق في المجمرة إلا رماد. وذهبوا تباعا ~~حتى انفرد بوحدته. ليلة أخرى تموت. والليل يرامقه خارج الشرفة، وها ~~هو عم عبده يرد المكان إلى صورته الأولى. ~~- أرأيت الزائرة الجديدة؟ ~~- على قد النظر. ~~- يقال إنها من رجال البوليس! ~~- أووه! # ولما هم الرجل بالذهاب قال له: عليك أن تبحث لي عن فتاة ~~مناسبة في الظلام. ~~- الليل تأخر وليس في الطريق شيء. ~~- تحرك أيها البنيان. ~~- وقد توضأت لصلاة الفجر. ~~- أتطمع في خلود أخلد مما أنت فيه؟! تحرك. # التقط من نافضة عقب سيجارة من السجائر التي دخنتها في أثناء ~~الجلسة، بقي منها الفلتر البرتقالي وعقب أبيض مضغوط، فتأملها ~~طويلا، ثم أعادها إلى موضعها وسط مجموعة من الهاموش الهالك. ~~وتضوع من النيل شذا مائي ذو نكهة أنثوية. وخطر له أن يتسلى ~~بعد النجوم، ولكن أعوزته الهمة. إذا لم يكن في النجوم من يعنى ~~برصد كوكبنا ودراسة أحوالنا الغريبة، فنحن ضائعون. وترى كيف ~~يفسر الراصد مجلسنا الضاحك ما بين اجتماع شمله حتى تقوضه؟ ~~سيقول ثمة تجمعات دقيقة تنفث غبارا مما يكثر في الغلاف الجوي ~~للكواكب، وتصدر عنها أصوات مبهمة لا يمكن فهمها ما دمنا لم نصل ~~بعد إلى معرفة أي فكرة عن تكوينها. ويزيد حجم التجمعات بين مرة ~~وأخرى مما يدل على أنها تتكاثر بطريقة ما، ذاتية أو ms26 خارجية؛ ~~ولذلك فمن غير المستحيل أن يوجد نوع من الحياة البدائية في ذلك ~~الكوكب البارد، خلافا للرأي القائل باستحالة وجود حياة في غير ~~الأجواء النارية. ومن العجيب أن هذه التجمعات الدقيقة تختفي ~~لتعود من جديد. ويتكرر الحال على ذلك المنوال دون هدف واضح، ~~مما يرجح معه الرأي القائل بعدم وجود حياة بالمعنى الصحيح على ~~الأقل. وحسر الجلباب عن ساقيه المشعرتين، وضحك عاليا ليرى ~~الراصد ويسمع. وقال بل لنا حياة وقد أوغلنا في الفهم حتى أدركنا ~~ألا معنى لها، وسوف نوغل أكثر فأكثر، ولا أحد يستطيع التكهن ~~بما سيكون، ولن نكون أدهش من يوليوس قيصر إذ تدهمه الحسناء الخالدة ~~بارزة من البساط المنطوي، ويسأل القائد الذاهل: من الفتاة؟ # فتجيب ممتلئة ثقة بجمالها: كليوباترا ملكة مصر. # 7 # اعتمد سور الشرفة بساعديه رانيا إلى الغروب الهادئ، والنسيم ~~يلاطفه نافذا من طوق جلبابه، حاملا إليه فيما يحمل من شذا الماء ~~والنبات صوت عم عبده وهو يؤم المصلين غير بعيد من العوامة. ~~ومذاق القهوة السادة ما زال يجري مع ريقه، أما خياله فلم يتخلص ~~بعد من ابن طولون الذي ساح بعض الوقت - قبيل القيلولة - في عصره. ~~في الفترة القصيرة التي تلي احتساء القهوة وتسبق الرحلة، يتوقع ~~عادة أن يقع شيء ما فيعابثه حزن غامض لغير ما سبب، ولكن هزة ~~خفيفة رقصت بالعوامة، فتساءل عن القادم المبكر، وغادر موقفه ~~إلى الصالة عندما ظهرت من وراء البارافان سمارة بهجت. اقتربت منه ~~باسمة وهو ينظر إليها بدهشة حتى تصافحا. اعتذرت عن قدومها ~~المبكر، فرحب بها مسرورا بحق، ومضت إلى الشرفة بحماس كأنما ~~تتصل بالنيل اتصالا مباشرا لأول مرة، وجالت في نعاس الغروب بعين ~~جذلة، وتأملت طويلا أشجار الأكاسيا أندوزا بأزهارها الملونة ~~بعصير من الحمرة والبنفسج. وتحولت إليه فتبادلا النظر بحب ~~استطلاع من ناحيتها، وقليل من الارتباك من ناحيته. ثم دعاها إلى ~~الجلوس، ولكنها ذهبت أولا إلى المكتبة إلى يسار الداخل، فجرت على ~~الأرفف بنظرات مستطلعة، ثم عادت فاتخذت مجلسا إلى جانب مجلسه الذي ~~يتوسط الهلال. وجلس بدوره، ثم ms27 رحب مرة أخرى بزيارتها السعيدة ~~المبكرة بعد غيبة أسبوع. وقارن بين ملابسها البسيطة المكونة من ~~قميص أبيض وجونيلا رمادية، وبين جلبابه الأبيض، وقال لنفسه لعله ~~لأسباب تتعلق بمهنتها أو بجديتها أن طوق القميص لا ينحسر عن ~~شيء من مشارف ثدييها كالأخريات. وإذا بها تسأله: أكنت متزوجا ~~وأبا حقا؟ # وقبل أن يجيب اعتذرت بنبرة متراجعة عن تطفلها قائلة إنه ~~خيل إليها مرة أن علي السيد ذكر ذلك في معرض حديث عن أصدقائه. ~~وأجاب بإحناءة من رأسه، ولما رأى مزيدا من التطلع في عينيها ~~العسليتين الجميلتين قال: وأنا طالب ريفي وحيد بالقاهرة، وماتت ~~الأم وطفلتها في شهر واحد بمرض واحد. # ثم استطرد في بساطة موضوعية: كان ذلك منذ عشرين عاما. # وتذكر قصة الذبابة والعنكبوت، وتذكر بضيق أنه لم يكد يبدأ ~~الرحلة بعد، وأشفق من أن يتلقى كلمة رثاء، ولكنها أعربت عن ~~مشاعرها بصمت غير قصير، ثم التفتت نحو المكتبة وقالت: وقيل لي: إنك ~~تدمن التاريخ والثقافة، ولكنك فيما أعلم لا تكتب؟ # رفع حاجبيه العريضين المتناسبين مع صفحة وجهه الطويلة العريضة ~~الشاحبة، وبدا مستنكرا أو هازئا فابتسمت، وتساءلت: لم إذن ~~انقطعت عن دراستك؟ ~~- لم أوفق للنجاح، ثم انقطعت عني الموارد؛ فتوظفت في وزارة ~~الصحة بوساطة طبيب من أساتذتي السابقين. ~~- لعل العمل لا يناسبك؟ ~~- لست آسفا على شيء. # ونظر في ساعة يده، ثم صب قليلا من الكحول من قارورة على الفحم ~~وأشعله بعود ثقاب، ثم حمل المجمرة إلى عتبة الشرفة، ولكنها عادت ~~تسأل: ألا تشعر بالوحدة، أو بأنه لا يجوز أن ... # فقاطعها ضاحكا: لا وقت عندي لذلك. # فضحكت بدورها قائلة: على أي حال أنا سعيدة لأني وجدتك في وعيك ~~هذه المرة. ~~- لست في وعيي تماما. # وتابع نظرتها إلى الفحم الآخذ في الاشتعال فابتسم، ثم أشار إلى ~~فنجان القهوة الذي لم يبق في قعره إلا ثمالة من راسبه البني. ~~وسلمت بالواقع، ثم راحت تثني على الحياة فوق النيل، فصارحها ~~بأنه حديث عهد نسبيا بهذه الحياة الجميلة. ~~- أقمنا في شقق كثيرة ولم نسلم مرة من تطفل ms28 الجيران! # وإذا به يضحك ضحكة جديدة منقطعة بجوها الطائر عما سبقها، ~~فنظرت إليه متسائلة، فكرر الضحك، ثم أشار إلى رأسه قائلا: بدأت ~~الرحلة، وعيناك جميلتان! ~~- ولكن ما العلاقة بين هذا وذاك؟ # فقال بتقرير يقيني: لا علاقة بين شيء وشيء. ~~- ولا حتى بين طلقة رصاصة وموت إنسان؟! ~~- ولا هذا؛ فالرصاصة اختراع معقول، أما الموت؟ # فضحكت وقالت: أتدري؟ لقد تعمدت أن أجيء مبكرة لأخلو ~~إليك! ~~- لم؟ ~~- لأنك الوحيد الذي لا يكاد يتكلم. # فأعلن رفضه برفع حاجبيه، ولكنها أصرت على رأيها قائلة: حتى لو ~~كنت تتكلم مع نفسك طول الوقت! # وفصل بينهما الصمت، فراح ينظر إلى المساء المتكاثف، وأدرك أن ~~حضورها المبكر فوت عليه مراقبة المساء وهو يتسلل بخطاه ~~الوئيدة، ولكنه لم يأسف على ذلك، وترامت من الخارج سعلة معروفة ~~لديه، فغمغم: «عم عبده.» فتحدثت عن الرجل باهتمام، وطرحت طائفة ~~من الأسئلة، ولكنه أجابها بأن الرجل لا يمرض، ولا يتأثر بالجو، ~~ولا يعرف عمره، كما يخيل إليه أنه لن يموت، وسألته: هل ~~تلبون دعوتي إذا دعوتكم إلى سميراميس؟ # فقال بجزع: لا أظن، وعني أنا فهو مستحيل. # وأكد لها أنه لا يغادر العوامة إلا إلى الأرشيف. # فقالت: يبدو أنني لا أعجبك. # فقال مدافعا: إنك ألطف من قطر الندى! # وفي أثناء ذلك كان الليل قد هبط. ومادت العوامة تحت وقع أقدام ~~كثيرة، وارتفعت ضوضاء فوق الصقالة، وانزعجت سمارة لتأرجح ~~العوامة، فقال لها: نحن نعيش فوق الماء فنهتز لوقع أي ~~قدم. # وتتابع ظهور الأصدقاء من وراء البارافان، ودهشوا لوجود سمارة، ~~ولكنهم رحبوا بها بحرارة، وفسرت سنية كامل ذلك التبكير تفسيرا ~~من نوع خاص، فهنأت أنيس في دعابة! وما لبث أن دب النشاط في يديه ~~فدارت الجوزة. وأعد رجب القاضي لسمارة كأسا من الويسكي. ولحظ ~~أنيس نظرة سناء المتسللة من تحت خصلات شعرها إلى سمارة فابتسم. ~~وابتهج كثيرا لتوهج الجمرات. ومد ذراعه بالجوزة إلى سمارة ~~فتنحت عنها، ولكنه أثار عليها موجة من التحريض الفاشل، وسكت كل ~~شيء إلا القرقرة، ثم اجتاحت المجلس تعليقات شتى؛ الطيارات ~~الأمريكية ضربت ms29 فيتنام الشمالية، كأزمة كوبا هل تذكرون؟ وأما عن ~~الإشاعات فهي لا تحصى. وهناك الهاوية التي يرقد على حافتها العالم، ~~واللحوم والجمعيات التعاونية، وهل من جديد عن العمال ~~والفلاحين؟ والرشوة والعملة الصعبة، والاشتراكية، واكتظاظ ~~الطرقات بالسيارات الخاصة، وقال أنيس لنفسه كل ذلك يستقر في جوف ~~الجوزة، ثم يتبخر دخانا، كالملوخية التي طبخها عم عبده. وشعارنا ~~القديم: لو لم أكن لتمنيت أن أكون. وعندما يتوهج في السماء نور ~~كهذه المجمرة يقول المرصد إن نجما قد انفجر وانفجرت بالتالي ~~مجموعته الكوكبية وانتثر الكل غبارا. وذات مرة تساقط الغبار على ~~سطح الأرض فنشأت الحياة. وتقول لي بعد ذلك سأخصم من مرتبك يومين، ~~أو تقول لي لست بغيا. وقد لخص المعري ذلك في بيت لا أذكره، ولا ~~يهمني أن أذكره. # كان أعمى فلم ير سمارة وهي معاصرة له. ~~- زوجي يسعى للصلح. ~~- لا سمح الله. # أعمى فلم ير. انقطع الخيط وتبدد شيء بهيج، المهم أن نحافظ على ~~.. على ماذا؟ وغدا لدينا عمل مرهق لمناسبة الحساب الختامي؛ في ~~معتقل الأرشيف. متحف الحشرات، أما الهاموش فحيوان ثديي. # وقالت سمارة: لكنك شقراء جميلة بكل معنى الكلمة. # فقال خالد وكان واضحا أنه يعني ليلى زيدان: مشكلتها الحقيقية هي ~~مشكلة الوطن كله؛ وهي أنها فتاة عصرية، أما الزوج ~~فبرجوازي. # نظر إلى الليل فرأى مصابيح الشاطئ الآخر تنساب في باطن النهر ~~كأعمدة من نور. ومن عوامة بعيدة عن مجال البصر حمل النسيم أنغام ~~غناء وموسيقى؛ فلعله عرس كما غنى محمد العربي ليلة دخلتك: شوفوا ~~العجب حبيت فلاحة. وقال العم فليحفظك الله، وليعمر بيتك بالذرية ~~الصالحة، ولكن خذ بالك فلم يبق إلا فدانان. ما أجمل القرية عندما ~~تعبق الحديقة بأزهار اللارنج! تسكر كالشذا المنتشر من خلف آذان ~~الهوانم. ~~- يا له من اقتراح! # قالت سمارة بحماس: لكنه جميل، وهو تعارف حقيقي لا زيف ~~فيه. ~~- ولكن ما المقصود باقتراحك؟ ~~- أعني الهم الأول الذي يشغل الشخص. ~~- أهو تحقيق صحفي؟ ~~- إن داخلكم في شك فعلي أن أذهب من فوري. # فقال أحمد نصر بحذر: إذن فلنبدأ بك. حدثينا ms30 عن همك الأول في ~~الحياة؟ # لم تفاجأ بالسؤال فيما بدا، وقالت ببساطة موحية بالصراحة: أهم ~~ما يشغلني الآن هو أن أجرب نفسي في كتاب المسرحية. # فقال مصطفى راشد بخبث: المسرحية لا تكتب لغير ما سبب! # جذبت نفسا متمهلا من السيجارة وهي تضيق عينيها ~~متفكرة مترددة، فابتسم علي السيد ابتسامة نمت على مشاركة ~~وجدانية، وقال يشجعها: واضح أن جو عوامتنا لا يتقبل من ~~الحديث إلا السخرية والعبث، ولكنك فتاة قوية فيما أعتقد، وعليك أن ~~تتحدي جونا. # فأرخت عينيها كأنما تنظر إلى المجمرة وقالت: ليكن. الحق أني ~~أومن بالجدية! # وانهالت الأسئلة: أي جدية؟ الجدية لحساب أي شيء؟ أليس من الجائز ~~أن نؤمن بالعبث بجدية؟ والجدية تتضمن أن يكون للحياة معنى، فما ~~المعنى؟ وصاح رجب: أمامكم ساحرة ستحول بقلمها المهزلة إلى ~~دراما هادفة. ولكن هل تؤمنين حقا بذلك؟ ~~- أود ذلك. ~~- تكلمي بصراحة، خبريني كيف. لا شك أننا نرحب من قلوبنا ~~بهذه المعجزة. # وتذاكروا الأسس العالية التي استقر عليها المعنى قديما، ~~وسلموا بأنها ذهبت إلى غير رجعة، فعلى أي أساس جديد نقيم المعنى؟ ~~وقالت بإيجاز: إرادة الحياة! # وتبادلوا الأفكار. إرادة الحياة شيء صلب مؤكد، ولكنها قد تفضي ~~إلى العبث. أجل ما المانع؟ وهل تكفي لخلق الباطل؟ ثم إن البطل هو ~~من يضحي بإرادة الحياة نفسها في سبيل شيء آخر هو أسمى في نظره من ~~الحياة، فكيف يتأتى ذلك الشيء العجيب؟ ~~- ما أعنيه هو أن نتجه عند البحث إلى إرادة الحياة نفسها، لا إلى ~~أساس يتعذر الإيمان به، إرادة الحياة هي التي تجعلنا نتشبث ~~بالحياة بالفعل، ولو انتحرنا بعقولنا؛ فهي الأساس المكين المتاح ~~لنا، وقد نسمو به على أنفسنا. # فقال مصطفى راشد: يمكن تلخيص فلسفتك بأنها تستبدل بشعار «من فوق ~~لتحت» شعار «من تحت لفوق»! ~~- لا فلسفة هناك، ولكن هذا هو همي الأول، وقد جاء دوركم. # عليكم اللعنة. ليس أعدى للكيف من التفكير. وعشرون جوزة كادت تضيع ~~هباء. ولا شيء يبدو راسخ الإيمان كشجرة البلح. كما أن إصرار ~~الهاموش يستحق الإعجاب. ولكن إذا فقدت أنات ms31 عمر الخيام ~~حرارتها، فقل على الراحة السلام. وجميع هؤلاء الساخرين تكوينات ~~ذرية. وها هو كل فرد منهم ينحل إلى عدد محدود من الذرات، فقدوا ~~الشكل واللون، اختلفوا تماما، ولم يعد منهم شيء يرى بالعين ~~المجردة، وليس ثمة هناك إلا أصوات. # صوت رجب القاضي: همي الأول هو الفن. # صوت مصطفى راشد: الحقيقة أن همه الأول هو الحب، أو بالأحرى ~~النساء! # صوت سمارة في نبرة مرتابة: أهذا هو همك حقا؟ ~~- بلا زيادة ولا نقصان. # واستدرج صوتها صوت علي السيد للإجابة، فقال: همي الأول هو النقد ~~الفني! # صوت مصطفى راشد متهكما: كلام فارغ، همه الحقيقي هو الحلم، ~~الحلم في ذاته بصرف النظر عن محتواه، أما النقد فهو لا ينقد إلا ~~مجاملة لصديق، أو هجوما على عدو، أو لابتزاز قدر من ~~المال! ~~- ولكن كيف يريد للحلم أن يتحقق؟ ~~- لا يهمه ذلك البتة، ولكن إذا جادت الجوزة بالنعيم، دعك ~~أنفه الهائل وقال: تأملوا يا أولاد المسافة التي قطعها الإنسان ~~من الكهف إلى الفضاء! يا أولاد الزنا سوف تلهون بين النجوم ~~كالآلهة. # واتجه التحقيق نحو أحمد نصر، فتردد صوته قائلا: همي الأول هو ~~الستر! # صوت مصطفى راشد متطفلا: هذا الرجل له شأن آخر، هو مثلا مسلم، ~~يصلي ويصوم، وزوج مثالي يقف من نساء العوامة موقف المصريين من ~~الأحداث، ولعل همه الأول هو أن تتزوج كريمته! # صوت خالد عزوز: هو الوحيد فينا الذي سيعيش بعد الموت. # وضاق أنيس بوحدته الصاخبة، فنادى عم عبده ليغير ماء الجوزة. ~~وتمثل العملاق في لحظات حضوره كالموجود الوحيد في خلاء صوتي. ~~وصوت قال إن همه الأول هو التذكر، وآخر قال بل إن همه هو ~~النسيان. وساءل أنيس نفسه: لماذا وقف التتار عند الحدود؟! # وهتف صوت ليلى زيدان: لا هم لي! # صوت خالد عزوز: أو إنني همها الأول! # وصوت سنية كامل قال: همي أن يطلقني زوجي وأن يطلق علي ~~السيد زوجتيه. # وحاول صوت سمارة أن يستدرج صوت سناء، ولكنه لم ينبس، فقال صوت ~~رجب: اعتبريني همها الأول! # وقال صوت سناء: لا. # ولكن صوت ms32 قبلة همس متهافتا مدغوما. أما صوت خالد عزوز فقال: ~~همي الأول هو الفوضوية ! # وندت ضحكات. وساد صمت كفاصل راحة، فسيطر الخلاء كاملا. وأقبل ~~عم عبده وهو يقول: رمت امرأة بنفسها من الدور الثامن في عمارة ~~الصويا! # لحظه أنيس بوجوم وسأله: كيف عرفت؟ ~~- ذهبت أثر صراخ فرأيت منظرا فظيعا! # صوت علي السيد: من حسن الحظ أننا بعيدون عن الخارج فلا نسمع ~~شيئا. ~~- انتحرت المرأة أم قتلت؟ # فقال الرجل: الله أعلم. # ثم مضى متعجلا إلى الخارج. واقترح علي السيد أن يذهب ~~للاستطلاع، ولكن اقتراحه رفض بالإجماع. وأرجعت صدمة الخبر الذرات ~~إلى تكويناتها الأصلية، فعاد المجلس إلى هيئته. وسر أنيس ~~لانفلاته من وحدته المرهقة. وقال إن معاشرة المجانين خير على أي ~~حال من الوحدة. وجاء دور مصطفى راشد ليتكلم، ولكن علي السيد أراد ~~أن يثأر لنفسه فقال: إنه محام قد خسر الدوائر التي صفيت، فهو يعيش ~~اليوم على الخطاة من أبناء الشعب، وهمه الأول بعد قبض مقدم ~~الأتعاب هو المطلق، وهو مطلب عسير، بل أشد عسرا من مؤخر ~~الأتعاب! # فتساءلت سمارة: إذن فأنت من المتدينين؟ ~~- معاذ الله! ~~- فما هو المطلق؟ # أجاب علي السيد: أحيانا ينظر إلى السماء، وأحيانا يركز في ~~ذاته، وثالثة يؤكد أنه قريب ولكن اللغة خرساء، وقد نصحه خالد ~~بأن يعرض نفسه على طبيب غدد! ~~- على أي حال فهو من حزب الجدية؟ ~~- كلا، إن مطلقه عبثي! ~~- أيمكن أن نعده فيلسوفا؟ ~~- بمعنى عصري للفلسفة إن شئت، الفلسفة التي تجمع بين السرقة ~~والسجن والشذوذ الجنسي على طريقة جينيه. # وتذكر آخر لقاء مع نيرون. كلا لم يكن وحشا كما قيل. قال إنه ~~لما وجد نفسه إمبراطورا قتل أمه، فلما صار إلها أحرق روما، ~~وقبل ذلك كان مجرد إنسان عادي فعشق الفن. وقال إنه لذلك كله ينعم ~~في جنة الخلد. وضحك عاليا فما يدري إلا والأنظار تتجه إليه وسمارة ~~تسأله: جاء دورك يا ولي الأمر، فما همك الأول؟ # ودون تردد أجاب: أن أرافقك! # وضج المكان بالضحك، وقال رجب باندفاع: ولكن. # ثم استرد انتباهه بسرعة، فسكت ms33 فعاد الضحك أشد من الأول، ورغم ~~الحرج ألحت سمارة على استجوابه، فأجاب عنه أحمد نصر قائلا: أن ~~يقتل المدير العام. # فضحكت قائلة: أخيرا وجدت شخصا جادا! ~~- ولكنه لا يفكر في ذلك إلا في لحظات الإفاقة! ~~- ولو! # ورجع عم عبده فوقف عند البارافان وهو يقول: انتحرت المرأة لخلاف ~~مع عشيقها! # وحل الصمت مليا حتى قال عزوز: خير ما فعلت. غير الجوزة يا ~~عم عبده. # وتمتمت سمارة: لم يزل في الدنيا حب! # فعاد خالد يقول: انتحرت المرأة وهي على الأرجح جادة، أما نحن ~~فلا ننتحر. # وقال أحمد نصر: إن كل حي هو جاد، ويمارس حياته على أساس من ~~الجدية. وإن العبث يقتصر عادة على الأدمغة. وقد تجد قاتلا بلا ~~سبب في رواية مثل رواية الغريب، أما في الحياة الحقيقية فإن ~~«بيكت» نفسه أول من يسارع بإقامة الدعوى على ناشره إذا أخل بشرط ~~من شروط العقد الخاص بأي كتاب من كتبه العبثية. ولم تقبل سمارة ~~الرأي على علاته، قالت: إن ما يستقر في الرأس لا بد وأن يؤثر ~~بطريقة أو بأخرى في السلوك، أو على الأقل في المشاعر. وضربت ~~الأمثال بالسلبية واللاأخلاقية والانتحار المعنوي. ولكي يبقى ~~الإنسان إنسانا فعليه أن يثور ولو كل سنة مرة! ولكن رجب اقترح ~~عليها أن تبقى حتى يشاهدوا مطلع الفجر من وراء أشجار الأكاسيا ~~اندوزا، فاعتذرت، ثم صممت على الذهاب عند منتصف الليل، ورفضت ~~شاكرة فكرة أن يوصلها أحدهم بسيارته. وفي أثر ذهابها ساد الجو ~~صمت كالراحة بعد التعب. وأوشك أن يدركهم فتور ما. وهم أنيس بأن ~~يحدثهم عن تجربته الذرية، ولكنه سرعان ما عدل عن فكرته كسلا. ~~وتساءل أحمد نصر: ماذا وراء المرأة الغريبة الفاتنة؟ # فقال علي السيد وقد احمرت عيناه الكبيرتان وبدا أنفه الكبير ~~متهدلا لزجا: إنها تحب أن تعرف كل شيء، وأن تصادق كل جدير ~~بالصداقة. # فتساءل مصطفى راشد: هل يمكن أن يدور بخلدها أن تدعونا يوما إلى ~~الجدية؟ # فقال خالد عزوز: في تلك الحال علينا أن ندعوها بدورنا إلى حجرة ~~من الحجرات الثلاث. ~~- هذه ms34 مهمة رجب القاضي! # امتقع وجه سناء، ولكن السطل لم يجعل لملاحظة قيمة. # وقال خالد: علينا من الآن أن نتفق على وريث لسناء! # ورمقت سناء رجب بنظرة قاسية، فقال ملاطفا: ليس على المسطول ~~حرج. # وعاد خالد يسأل: أمن السهل على عابث أن يعشق امرأة جادة؟ # ودارت الجوزة وامتلأت الأعين بالنعاس. ونقلت المجمرة إلى الشرفة ~~فنفضت عنها الرماد وتوهجت، ثم طقطقت مطلقة الشرر. واقترب أنيس من ~~الشرفة مستزيدا من نسيم الليل الرطيب. ورنا إلى النار بإعجاب ~~مستسلما لسحرها العجيب. وقال إن أحدا لا يعرف سر القوة كالدلتا. ~~الأبراص والفئران والهاموش وماء النهر، كل أولئك عشيرتي. ولكن لا ~~يعرف سر القوة إلا الدلتا. الشمال كله دنيا سحرية مغطاة بالغابات ~~لا تعرف النهار إلا دفعات من الضوء المتسلل من شباك الأوراق ~~والغصون. وذات يوم تراكضت السحب هاربة، وحل ضيف ثقيل مشقق ~~الجلد كالح الوجه اسمه الجفاف. ماذا نصنع وهاكم الموت يزحف علينا؟ ~~ذوت الخضرة وهاجرت الطيور وهلك الحيوان. قلت هاكم الموت يزحف ويمد ~~قبضته إلينا. أما أبناء عمي فقد مضوا إلى الجنوب التماسا للعيش ~~اليسير والقطوف الدانية ولو في أقصى الأرض. وأما أسرتي فقد اتجهت ~~نحو المستنقعات المتخلفة من مياه النيل ولا سلاح لها إلا ~~عزيمتها، ولا شاهد على مغامراتها الجنونية إلا الدلتا. وفي ~~انتظارها تكتل نبات الشوك والزواحف والوحوش والذباب والبعوض، ثمة ~~مأدبة وحشية للفناء، ولا شاهد إلا الدلتا. قالوا ليس أمامنا إلا أن ~~نقاتل شبرا فشبرا، وأن نجالد بالعرق والدم. السواعد الدامية، ~~والأعين المحملقة، والآذان المرهفة، ولا شيء يسمع إلا دبيب الموت. ~~وانتشرت الأشباح، ودومت النسور تنتظر الضحايا. لا وقت إلا للعمل، ~~لا هدنة لدفن الموتى، ليس ثمة من يسأل أين يذهبون. وولدت أعاجيب، ~~وبذرت بذور المعجزات، ولا شاهد إلا الدلتا. # 8 # عندما تبدأ سهرة جديدة يتكاثف الإحساس بالحضور، ويطمئن الوجود، ~~وتتوارى فكرة النهاية، فتتهيأ فرصة نادرة لممارسة الشعور ~~بالخلود، ولأن الليلة قمراء فقد أطفئ مصباح النيون اكتفاء بمصباح ~~أزرق خافت الضوء مثبت فوق الباب الخارجي. وبدا الصحاب شاحبي ~~الوجوه. ومن خارج ms35 الشرفة أضفى القمر المرتفع عن مجال البصر على ~~هلال المجلس بساطا فضيا متوازي الأضلاع . ~~- قرأتم بلا شك مقال سمارة عن الفلم الجديد؟ ~~- قل عن رجب القاضي فهو الأصح! # كلا. إنه لا يقرأ الجرائد ولا المجلات. ومثل لويس السادس عشر لا ~~يدري شيئا عما يدور في الخارج. # وقالت ليلى زيدان مراعاة لشعور سناء: الجدية! أجل! ولكني لم ~~أكترث لذلك. كنت أعلم من أول الأمر أنها جاءت لهدف محدد من نوع ~~آخر. # وقالت سناء لرجب: قم لنرقص. # فأجابها بهدوء بغيض: لا توجد موسيقى. ~~- طالما رقصنا بغير موسيقى. ~~- صبرك يا عزيزتي وإلا فلن تدور الجوزة. # يظن نفسه مركز الكون وأن الجوزة تدور من أجله، والحق أن الجوزة ~~تدور لأن كل شيء يدور، ولو كانت الأفلاك تسير في خط مستقيم لتغير ~~نظام الغرزة. وليلة أمس اقتنعت تماما بالخلود، ولكني نسيت الأسباب ~~وأنا ذاهب للأرشيف. # وقال خالد عزوز ساخرا: والمقال يعتبر من الأدب الهادف فيما ~~أعتقد، ما رأيك يا رجب؟ # أجاب رجب وكأن سناء غير موجودة: اعتبرته خطوة وتحية من ~~جانبها! ~~- ومما يؤكد أنها منقطعة عنا منذ أيام! # التربيع الأول المختفي يضفي على الظلمة ضياء مسطولا كعين ~~البنفسج الناعسة. أتذكر كيف كان البدر مرهقا في ليالي الغارات؟ ها ~~هو البارع يتوثب لغزوة جديدة، وكجميع الغزاة يتحلى بقسوة حادة ~~كالدرع. # وقال رجب مستزيدا من النسيان القاسي لصاحبته: شكرت بالتليفون، ~~قلت إنني أود أن أزورها لولا إشفاقي من إحراجها. فقالت باستغراب: ~~أي إحراج هناك؟! ~~- دعوة صريحة! ~~- وفي دقائق معدودة أو معدودات كما يقول علماء النحو كنت أستأذن ~~لدخول حجرتها، ولكني وجدت في الخرابة عفريتا، وكان العفريت هو ~~صديقنا علي السيد. # وانهال السباب على الصديق علي السيد. ~~- شكرت، وشربت القهوة، وقلت إن مقالها جدير بأن يخلقني خلقا ~~جديدا! ~~- منافق ابن منافق ومن سلالة أمة عريقة في النفاق. ~~- وشغلت بطارية السكس أبيل من خلال نظراتي إليها، فصدرت عن ~~أوتارها الصوتية في أثناء الحديث أنغام رقيقة من النوع الذي لا ~~تسمح به الرقابة إلا في أعقاب سعي طويل هادف. # فقال ms36 علي السيد: خيال مغرور! كان الحديث عاديا والصوت ~~عاديا. ~~- بل كنت أنت منهمكا في حديث هامس مع منتج سينمائي وفي غاية من ~~المساومة. # فضحك علي السيد ضحكة عالية وقال: الحكاية صندوق ويسكي بلا ~~زيادة، وسيستهلك في عوامتكم اللعينة. # وسأله مصطفى راشد: وهل اقتصر الأمر على الأنغام الرقيقة؟ ~~- ماذا تتوقعون أكثر من ذلك في مقالة شبه رسمية؟ ومع ذلك فقد ~~توارت الأستاذة الهادفة وراء غلالة أنثوية شفافة من النوع الذي ~~تستعمله الفراشة وهي تنتقل بين الأزهار مؤدية وظيفة عم عبده في ~~شارع النيل. # فقالت سناء بنبرة كرنين الوتر الرفيع من القانون إذا مسته يد ~~العازف خطأ: يا لك من ساحر! # فابتسم إليها ابتسامة فاترة بدت في الضوء الأزرق الشاحب ~~كامتعاضة وقال: يا عزيزتي الصغيرة ... # ولكنها قاطعته بحدة: لست صغيرة من فضلك! ~~- صغيرة السن ولكن كبيرة المقام! ~~- دعنا من الأكليشيهات التي ماتت بموت العصر المملوكي! # فتأوه علي السيد قائلا: أين منا عصر المماليك بشرط أن نكون من ~~المماليك؟! # فقالت سناء باستياء واضح: ما أسرع أن ينقلب أهل العوامة وحوشا ~~بلا قلوب! # الوحوش ذوات قلوب، وهي ليست وحوشا إلا حيال أعدائها، ولن أنسى ~~الحوت الذي تراجع عن العوامة وهو يقول لي: «أنا الحوت الذي نجى ~~يونس.» وكم من ملايين الأعين قد رنت إلى الليل المستكن في ضوء ~~القمر. وليس أدل على صدق سمارة من هجرة الطيور الموسمية. أما ~~سناء المسكينة فقد نسيت سكنى الكهوف على عهد صباها الأول. وصاح: ~~المعسل زفت، كأنه ورق شائط! # وراح يصره في منديل ليعصره، وفي أثناء ذلك اشترك في سباق الجري ~~ورفع الأثقال في الدورة الأوليمبية باليابان فسجل أرقاما ~~قياسية. ودق جرس التليفون فنهض رجب إليه كأنما كان ينتظره، ولم ~~يسمع من حديثه سوى كلمات مفردة مثل مفهوم، طبعا، حالا. وأعاد ~~السماعة، ثم التفت إلى المجلس وهو يقول: عن إذنكم. # ونظر إلى سناء قائلا: ربما رجعت في آخر السهرة. # ومضى إلى الخارج. اهتزت العوامة تحت أقدامه القوية، وندت ~~عن سناء حركة عصبية فخيل إليهم أنها موشكة على البكاء. ms37 ولم ينبس ~~بكلمة أحد. وارتسمت في الأعين تساؤلات، ولكن علي السيد هز رأسه ~~مستنكرا . وأخيرا خاطب مصطفى راشد سناء برقة قائلا: لا، لا. لقد ~~ولى العصر الرومانسي، وحتى العصر الواقعي يحتضر! # وقالت ليلى زيدان وهي تداري ابتسامة شامتة: من المسلم به في ~~عوامتنا أنه لا شيء يستحق الأسف! # فهتفت سناء بحدة: لا رومانسية ولا أسف. # فقال علي السيد: أوكد لك أنه ذاهب لمقابلة منتج! ولكن لا ~~تنسي عموما أنك صادقت رجلا حرفته النساء! # وقام أحمد نصر وهو يقول بحنو: سآتيك بكأس ويسكي ولكن عودي إلى ~~حالتك الطبيعية من فضلك. # وقالت سنية كامل ببساطة مذهلة: وإذا وقع المحذور فعندك مصطفى ~~وأحمد. # فصاح أنيس بوحشية: لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟ # ثم بغلظة وهو يضغط على مخارج الكلمات: أوغاد منحلون ~~مدمنون! # أغرقوا في الضحك، وتساءل مصطفى راشد: ترى أذهب حقا إلى ~~سمارة؟ # فقال علي السيد: كلا. ~~- ليس بالغريب أن يوقع بامرأة! # وقالت ليلى زيدان: بالله خبرني لماذا جاءت إلى هنا إن لم يكن ~~من أجله؟ # فقال علي السيد: لا شيء محال، ولكنها ليست بالغرة، ولا أظنها ~~ترضى بأن تكون معجبة عابرة! # فتساءل مصطفى راشد: ما الذي يجعل لبعض الرجال مثل تلك ~~السطوة؟ # فقال علي السيد: أي نجم في مركزه فلا بد أن يكون له شأن. ~~- ليس الأمر بمجرد لمعان نجم، ولا حتى الرشاقة والجمال، ولكنه ~~سر أسرار الجنس! # فقال أحمد نصر: فليحدثنا النساء عن ذلك. # فقال علي السيد: النساء يحببن ولكنهن لا يقلن لماذا. # فقال خالد عزوز: لتسأل عن ذلك الغدة النخامية. # ومضت سناء بشلتة إلى الشرفة وجلست وحيدة. وسأل علي السيد مصطفى ~~راشد وهو يومئ خفية إلى سناء: أهي تمثل الأنموذج النسائي الذي ~~تبحث عنه؟ # فأجاب باقتضاب أن لا. وقال خالد عزوز: الإباحية، الإباحية، هي ~~العلاج لذلك كله. # وإذا بأنيس يقول: يا أوغاد! أنتم المسئولون عن تدهور الحضارة ~~الرومانية! # وضحكوا في صخب، وقال له أحمد: أنت الليلة عصبي على غير ~~عادتك. ~~- المعسل زفت! ~~- لكنه كثيرا ما يكون كذلك. ~~- والقمر! تذكرني دورته بالمهزلة. ~~- المهزلة؟ ms38 ~~- مهزلة المهازل! # ودارت الجوزة بلا توقف. ولزموا الصمت ليستحضروا الأرواح ~~الشاردة. ووشى المجلس بعدم التهم التاريخ والمستقبل. وقال لنفسه ~~إنه الصفر. لا ناقص ولا زائد ولكنه الصفر. معجزة المعجزات. وانكشف ~~المجهول تحت ضوء القمر. وترامى صوت عم عبده من الخارج وهو يرطن ~~بكلام لم يميزه أحد. وضحك البعض، وقال آخر إن الوقت ينقضي بسرعة ~~مذهلة. وتجلت وشوشة الموج وهو يرتطم بأسفل العوامة. أجل دورة ~~القمر. والثور المغمى. ويوما قال لي شيخ: «إنك تحب الاعتداء، ~~والله لا يحب المعتدين.» وكان الدم يسيل من أنفي، ولعل الشيخ قال ~~ذلك للآخر، ولعل الدم سال من الآخر. كيف يمكن الثقة بشيء بعد ذلك؟ ~~وعاد الصوت يقول: «انقضى الوقت بسرعة مذهلة.» وتنهد أحمد نصر ~~قائلا: «آن الأوان.» هكذا نعى إلينا الجلسة. وتمطت حركة ~~متكاسلة، ثم ذهب أحمد ومصطفى معا، وتبعهما خالد وليلى، أما علي ~~وسنية فتسللا إلى الحجرة المطلة على الحديقة. وجاء عم عبده ~~ليعيد المكان إلى أصله. شكا إليه رداءة المعسل، فقال الرجل إن كل ~~ما في السوق رديء. وجاءت من الشرفة عطسة فذكر من توه سناء. زحف ~~على أربع نحو الشرفة، ثم أسند ظهره إلى ضلفتها، ومد ساقيه إلى ~~الداخل وهو يتمتم: «مساء الجمال.» انحسر عنهما ضوء القمر الذي أوغل ~~فيما وراء العوامة ناحية الطريق، ساحبا وراءه فوق سطح الماء ~~لآلئه. ~~- أتظن أنه يعود؟ ~~- من؟ ~~- رجب. ~~- ما أتعس المسئول إذا عجز عن الجواب! ~~- قال إنه ربما جاء آخر السهرة. ~~- ربما. ~~- هل أضايقك؟ ~~- معاذ الله. ~~- أترى أنه يجب أن أنتظر؟ # فضحك ضحكة خفيفة وقال: ينتظر قوم إمامهم منذ ألف سنة! ~~- أتسخر مني مثلهم؟ ~~- لم يسخر منك أحد، ولكن تلك طريقتهم في الكلام. ~~- على أي حال فأنت ألطفهم جميعا. ~~- أنا! ~~- لا يخرج من فمك سوء. ~~- ذلك أنني أخرس. ~~- ويجمع بيننا شيء واحد. ~~- ما هو؟ ~~- الوحدة. ~~- المسطول لا يعرف الوحدة. ~~- لماذا لا تغازلني؟ ~~- المسطول الحق يتمتع باكتفاء ذاتي! ~~- ما رأيك في نزهة في قارب شراعي؟ ~~- قدماي لا تكادان تحملانني. # وهي تتنهد: لم يبق إلا أن أذهب، ms39 ولا يوجد أحد ليوصلني إلى ~~الميدان! ~~- عم عبده يوصل من لا يجد أحدا ليوصله . # تردد في تيار النسيم بعض من أنفاس الليل الرطيبة، ومن وراء باب ~~الحجرة المغلقة همهمت ضحكة. والسماء صافية تماما تزدهر بآلاف ~~النجوم، ومن مكان يتوسطها تراءى وجه مطموس المعالم وهو يبتسم. ~~وداخله شعور لم يجد مثله إلا وهو يسجل رقما قياسيا في الدورة ~~الأوليمبية. ولما كان الوقت ينقضي بسرعة مذهلة فقد تجلت ~~لعينيه المأساة على حقيقتها في ميدان المعركة؛ إذ يجلس قمبيز على ~~المنصة ومن خلفه جيشه المنتصر، إلى يمينه قواده المظفرون، ~~وإلى يساره فرعون يجلس جلسة المنكسر، والأسرى من جنود مصر يمرون ~~أمام الغازي. وإذا بفرعون يجهش في البكاء، فيلتفت قمبيز نحوه ~~سائلا عما يبكيه، فيشير إلى رجل يسير برأس منكس بين الأسرى ~~ويقول: هذا الرجل! طالما شهدته وهو في أوج أبهته، فعز علي ~~أن أراه وهو يرسف في الأغلال! # 9 # قد أعدت الجلسة بكل ما يلزمها، وها هو عم عبده يؤذن لصلاة ~~المغرب، ولكن ثمة محنة حقيقية في الانتظار، انتظار سحر الفنجان ~~المسحور. والانتظار شعور مؤرق ولا شفاء منه إلا ببلسم الخلود. ~~وقبل ذلك فلا النيل يؤنسك، ولا أسراب الحمام الأبيض. وترى بعين ~~قلقة تقوض المجلس كما ترى جميع النهايات. والقمر البازغ فوق ~~أغصان الأكاسيا يؤكد هذه الوساوس ولا يلطفها. وما دام ذلك ~~كذلك؛ فحتى فعل الخير يعقبه الندم. ويضيق الصدر بأي حكمة إلا حكمة ~~تنعى جميع الحكم. فليذهب العذاب المتراجع أمام السحر إلى غير رجعة. ~~وعندما نهاجر إلى القمر فسنكون أول مهاجرين يهاجرون هربا من لا ~~شيء إلى لا شيء، فوا حسرتا على نسيج العنكبوت الذي غنى ذات مساء ~~في قريتنا مع نقيق الضفادع! وقبيل القيلولة سمعت إلى نابليون وهو ~~يتهم الإنجليز بقتله بالسم البطيء. ولكن ليس الإنجليز وحدهم الذين ~~يقتلون بالسم البطيء. وراح يتمشى ما بين الشرفة والبارافان، وأضاء ~~المصباح الأزرق، وفي أثناء ذلك شعر بأنامل الرحمة وهي تلاطف ~~باطنه. # واهتزت العوامة وارتفعت الأصوات مؤذنة بالعمران. # اكتمل المجلس ودارت الجوزة على مرأى ms40 من القمر الماضي في العلو. ~~وتخلفت سناء لأول مرة منذ مجيئها، فلاحظ ذلك أحمد نصر ، وتضاربت ~~التعليقات. وقالت سنية كامل: المسألة أنكم رجال في حال انعدام ~~الوزن! # وبدا رجب لا مباليا وهو يثني على «الصنف»، فقال له أحمد نصر: ~~كنت قاسيا معها أكثر مما يجوز، ولم تراع حداثة سنها. ~~- لا يمكن أن أكون عاشقا ومربيا في وقت واحد. ~~- لكنها صغيرة! ~~- لست أول فنان في حياتها! # ورجح أحمد أنها أحبته بصدق فقال: إذا عاش حب شهرا كاملا في ~~زماننا الصاروخي؛ فهو حب معمر! # وتذكر كيف أغرته بمغازلتها، وكيف أبى كيوسف! وكيف يصنع الحب ~~الحكايات من قديم الزمان. وضوء القمر يسطع على وجوههم، وعما قليل ~~سيختفي عن الأنظار. وعندما يدقق النظر في وجوههم تتكشف له عن ~~ملامح جديدة كأنها وجوه غريبة، إنه يراهم عادة بأذنه، ومن وراء ~~سحابات الدخان، ومن خلال الأفكار والمعاملات، ولكنه إذا ركز ~~عليهم تركيزا تلقائيا نافذا وجد نفسه غريبا وسط غرباء، ورأى ~~الخراب في التجاعيد الخفيفة حول عيني ليلى زيدان. ولمح قسوة ~~ثلجية في ابتسامة رجب التهكمية. وتلوح الدنيا غريبة أيضا لا ~~يدري موقعها من الزمان، ولعلها لا توجد أصلا. وانتبه على اسم ~~سمارة وهو يتردد بينهم، وسرعان ما سمع صوتها وهي تضاحك عم عبده ~~في الخارج. وسرى من هزة العوامة إلى جسده ما يشبه القشعريرة، ~~وهلت سمارة في تايير أبيض. حيتهم بيديها واتجهت إلى الشلتة ~~الخالية، شلتة سناء، وأشعلت سيجارة في ارتياح، ولكن لم يلاحظ أحد ~~عليها تغييرا يمكن أن يفسر به سلوك رجب الغامض أمس. وتساءلت ~~الفتاة ببراءة: أين سناء؟ # فأجاب مصطفى راشد: في كوخ عم عبده! # احتفظت ببراءتها فقال: إنها تبحث هناك عن المطلق. فقالت: إنها ~~كان يجب أن تبحث عنه عنده هو لا في كوخ عم عبده. فقال مواصلا ~~تهكمه: الحق أنها وجدت حب رجب عرضا زائلا فمضت وراء شيء حقيقي ~~لا يتغير. # فقالت آسفة: في كوخ عم عبده شيء لا يتغير حقا هو ~~الخلاء! # أجل لا يملك الرجل سوى جلبابه وينام على أريكة ms41 قديمة بلا غطاء. ~~هكذا وجده عند انتقاله إلى العوامة، ولكن لا بد أن يزوده بغطاء ~~عند مقدم الشتاء. وألح مصطفى على سمارة في أن تجرب الجوزة، ~~وانضم إليه رجب: لماذا تصرين على رفضها؟ # فضحكت متسائلة: لماذا تحبونها؟ هذا هو السؤال المهم! ~~- الامتناع عنها هو ما يحتاج إلى تفسير! # ووضح للجميع شغفها للوقوف على سرها الآسر. أجل، لماذا يعشق أناس ~~غيبوبتها؟ لماذا يهيمون بالنعاس الذاهل؟ # وقال لها خالد عزوز: ارجعي إلى كلمة إدمان في دائرة المعارف ~~البريطانية! # ولكن مصطفى راشد سارع يقول: حذار من الأكليشيهات يا ~~أستاذة. # وجعلت تبتسم مترددة، فعاد يقول: حذار من ترديد ألفاظ سخيفة مثل ~~الهروب ... إلخ. # فقالت ببساطة: أريد أن أعرف؟ # فتساءل رجب: تحقيق جديد؟ ~~- لا أقبل أن أكون موضع اتهام. # فقال مصطفى راشد متحديا: لا قيمة للأكليشيهات. جميعنا أناس ~~عاملون؛ مدير حسابات، ناقد فني، ممثل، أديب، محام، موظف. كلنا ~~نعطي المجتمع ما يطلبه منا وأكثر، من أي شيء نهرب؟ # قالت بصدق: إنك تفترض آراء معارض ثم تناقشها. إني أسأل فقط عما ~~تصنعه لكم الجوزة. # فقال علي السيد: إنها تقول شيئا قريبا من قول الشاعر: # سهرت أعين ونامت عيون # لأمور تكون أو لا تكون # فادرأ الهم ما استطعت عن النف # س فحملانك الهموم جنون # فقالت فيما يشبه الظفر: إذن هي الهموم. # قال مصطفى راشد بإصرار: إننا نواجه هموم حياتنا اليومية بكل همة، ~~لسنا تنابلة، نحن أرباب أسر ورجال أعمال. # تلوح الدنيا غريبة، وتزداد غرابة عند تداول الأفكار. الهموم ~~والتنابلة والأكليشيهات. والمساطيل يتناقشون بأعين محمرة. واختفى ~~القمر تماما، ولكن سطح الماء يضيء بلألائه كأنه بشاشة سعادة ~~مجهولة. ماذا تريد المرأة؟ وماذا يريد المساطيل؟ يقولون وقت فراغ، ~~وتقول إدمان، وعجيب ألا تهتز العوامة بهذا النقاش وهي تميد ~~تحت وقع قدم فوق الصقالة. # وجاء عم عبده فأخذ الجوزة ليغير ماءها ثم أعادها وذهب. ونظر ~~أنيس إلى لآلئ الماء وابتسم. انتبه إلى صوت سمارة هي تناديه، فنظر ~~إليها ويداه لا تكفان عن العمل. قالت: أود أن أسمع رأيك ~~أنت؟ # فقال ببساطة: ms42 تزوجي يا آنسة! # فضحكوا. إنها تفضل دور الواعظة، قال رجب. ولكنها أصرت على ~~ألا ترتبك ، وجعلت تستحث أنيس على الإجابة بعينيها. وانصرف عنها ~~إلى ما بين يديه. لماذا واحد وواحد يساويان اثنين؟ # امرأة مزعجة تقتحم علينا بديهيات الحياة. ماذا تريد؟ وكيف يمكن ~~أن ننسطل في مطاردة مستمرة حامية؟ ولما يئست منه تحولت إلى ~~مصطفى قائلة: حق أنكم تواجهون هموم حياتكم اليومية بكل همة، ولكن ~~ماذا عن الحياة العامة؟ ~~- تعنين السياسة الداخلية؟ ~~- والخارجية! # فقال خالد عزوز متهكما: وسياسة العالم، لم لا؟ # فقالت باسمة: وتلك أيضا. # فتساءل مصطفى راشد: والسياسة الكونية لا يجوز أن تهمل ~~أيضا. # فتساءلت ضاحكة: أرأيت أن الهموم أكثر مما نتصور! ~~- الآن تفاهمنا. إنك تأسفين على وقتنا الضائع في السهرات، ~~وتعتقدين أنه هروب من أعبائنا الحقيقية، وأنه لولا ذلك لقدمنا ~~الحلول الناجحة لمشاكل الوطن العربي والعالم والكون. # وضحكوا مرة أخرى. وقالوا لأنيس إنه السبب الحقيقي وراء ما ~~يعانيه العالم من آلام، والكون من غموض. واقترح مصطفى أن يرموا ~~بالجوزة إلى النيل، ثم يقسموا العمل فيما بينهم، فيختص خالد عزوز ~~بالسياسة الداخلية، وعلي السيد بالسياسة العالمية، ومصطفى بحل رموز ~~الكون. وراحوا يتساءلون عن كيف يبدءون، وكيف ينظمون أنفسهم، وكيف ~~يحققون الاشتراكية على أسس شعبية ديمقراطية لا زيف فيها ولا قهر، ~~وكيف بعد ذلك يعالجون مشكلات العالم كالحرب والتفرقة العنصرية. وهل ~~يبدأ مصطفى من الآن في حل معميات الكون؟ هل يدرس العلم والفلسفة، ~~أو يقنع بالتركيز الذاتي في انتظار الشعاع المضيء؟ # وتدارسوا العراقيل المتحدية، والأخطار التي قد تحيق بهم كمصادرة ~~الأرزاق والاعتقال والقتل، وثمة صوت تشكى من السرعة المذهلة التي ~~ينقضي بها الوقت. والقمر اختفى تماما ولم يبق من بساط اللآلئ إلا ~~ذيل قصير، ولم تتوقف الجوزة عن الدوران ولا سمارة عن ~~الضحك. # وتلاطمت في رأسه خواطر عن الغزوات الإسلامية والحروب الصليبية ~~ومحاكم التفتيش ومصارع العشاق والفلاسفة، والصراع الدامي بين ~~الكاثوليكية والبروتستنتية وعصر الشهداء، والهجرة إلى أمريكا، وموت ~~عديلة وهنية، ومساوماته مع بنات شارع النيل، والحوت الذي نجى ~~يونس، وعمل عم ms43 عبده الموزع بين الإمامة والقوادة، وصمت الهزيع ~~الأخير من الليل الذي يعجز عن وصفه، والأفكار الفسفورية الخاطفة ~~التي تتوهج لحظة، ثم تختفي إلى الأبد. # وصحا على صوت سمارة وهي تسأل الجماعة: كيف كنتم في مطلع ~~الحياة؟ # وضحكوا. لماذا يضحكون؟ كأنما لم يكن لحياتهم مطلع. الذكريات ~~البعيدة التي لحقت بالعصر الحجري. القرية ثم الغرفة الوحيدة ~~والإصرار. الإصرار في القرية والحجرة الوحيدة. والقمر كان يبزغ ~~ويغرب ولا يوحي بنهاية شيء. قال خالد: في صباي لم يكن ثمة سؤال ~~بلا جواب، والأرض لم تكن تدور، والأمل يمتد في المستقبل بسرعة مائة ~~مليون سنة ضوئية. # وقال علي السيد: وتساءلت ذات يوم لماذا يعرقل الخوف من الموت ~~سعادتنا الأبدية؟ # وقال مصطفى راشد: ويوما كدت أهلك أنا وأنيس في مظاهرة ~~ثورية! # ولم تدهش الفتاة لشيء من ذلك، وراحت تتحدث عن إمكان استعادة ~~الحماس في أزياء جديدة، ولكنهم تكلموا عن خيانة المرأة التي تنزع ~~الثقة من النساء جميعا، وقالت لمصطفى وهو أشدهم جدلا: إنك تهرب ~~بالمطلق من المسئولية. # فأجابها بسخرية: المسئولية سبيل الكثيرين للهروب من ~~المطلق. # البيضة والدجاجة. أما أنا فأكرس وأرص وأشعل النار وأدير ~~الجوزة، ثم أنصب من نفسي مستودعا لخردة المهاترات، والنساء تضحك ~~وتحلم بالح. والوقت ينقضي بسرعة مذهلة، وكلما أرادت الأستاذة ~~الذهاب استبقاها الساحر بإصرار. وعما قليل سيحل الخراب بالمجلس، ~~والخيام الذي كان مدرسة أمسى فندقا للملذات. وقد قال لي في ~~آخر لقاء إنه لو كان امتد به العمر إلى أيامنا لاشترك في أحد ~~النوادي الرياضية. ~~- آن الأوان! # وذهب الرجال والنساء إلا رجب وسمارة! # من المحقق أنهما لا يعرفان أن النيل هو الذي قضى علينا بما نحن ~~فيه، وأنه لم يبق من عبادتنا القديمة إلا عبادة أبيس، وأن الداء ~~الحقيقي هو الخوف من الحياة لا الموت. والآن فلتسمع الحوار ~~المعاد كما هي العادة: أليس الأفضل يا عزيزتي أن نستمتع ~~بالحب؟ ~~- فكرة طيبة! ~~- وإذن. ~~- قلت لك يا عزيزتي إني جادة. ~~- أخلاق برجوازية؟ ~~- جادة، جيم ألف دال تاء مربوطة. ~~- بالله كيف تسلمين نفسك؟ # ولما لم تجب ms44 استطرد: بالزواج مثلا؟ ~~- قل بالحب باعتباره الأصل. ~~- إذن تعالي. ~~- أأنت جاد؟ ~~- أنا لا أهزل أبدا . ~~- وسناء؟ ~~- أنت لا تدرين شيئا عن سيكولوجية المراهقات المجنونات! ~~- عندي بعض معلومات لا بأس بها. ~~- أتسلمين لي نفسك إذا عاهدتك على الإيمان بالجدية؟ ~~- أنت ظريف حقا! # وها هو يقرب وجهه من وجهها. سيتكرر المنظر القديم. وها هو ~~يطبق بشفتيه على شفتيها، وهي لم تقاوم، ولكنها لم تستجب. ~~وتحدجه بنظرة ساخرة باردة. باخ الفارس وتراجع. هكذا دالت دولة ~~الفرس. وقال وهو يبتسم: إذن فلنتمش في الحديقة الصغيرة. ~~- لكن الليل تأخر. ~~- ليس في العوامة زمان. # وخلت الصالة، كلا لم تخل الصالة فما يزال بها أنقاض المجلس ~~والمكتبة والبارافان والفريجيدير والتليفون والمصباح النيون ~~والمصباح الأزرق ومقعدان فوتيل وسجادة سماوية ذات نقوش وردية وهيكل ~~إنسان من العصر الذري. أما هما ففي الحديقة يتمشيان، وسترطب ~~حرارتهما الأعشاب الندية، وسوف تستقر همساتهما في أوراق البنفسج ~~والياسمين، ولا يبعد أن يرقصا على أنغام صرار الليل. # وجاء عم عبده ليباشر مهمته الختامية. راقبه مليا، ثم قال ~~له: إذا وجدت فتاة ... ~~- أووه! ~~- قبل الوضوء أو بعده وإلا فالويل لك! ~~- مات رجل طيب ممن كانوا يحافظون على صلاة الفجر. ~~- والعمر الطويل لك. يغلب على ظني أنك ستدفننا جميعا! # وضحك العجوز ضحكة بريئة وهو يمضي بالصينية. # وعثرت عيناه على حقيبة بيضاء كبيرة فوق الشلتة التي كانت تجلس ~~عليها سمارة. وخيل إليه أن للحقيبة شخصية، وأنها تؤثر فيه ~~بمكر وسحر. واجتاحته رغبة عنيفة في ارتكاب فعل شاذ. مد يده إلى ~~الحقيبة ففتحها، رأى أشياء متوقعة، ولكنها بدت صارخة الغرابة. ~~وفغمته رائحة زكية. منديل وقارورة صغيرة كحلية اللون ومشط ذو مقبض ~~فضي وكيس نقود ومذكرة في حجم الكف. وفتح الكيس فوجد بضع أوراق ~~مالية، فخطر له أن يأخذ نصف جنيه ليعطيه للفتاة التي سيجيء بها عم ~~عبده. وسر لذلك جدا، وآمن بأنه يبتكر فكرة فريدة ذات طاقة ~~غير عادية على بعث المسرات. تناول المذكرة ودسها في جيبه. أغلق ~~الحقيبة وهي يغرق في الضحك. سوف يستأنف تجربة التشريح التي ms45 فشل ~~فيها قديما، ويشق قلبا مغلقا، ويجدد شبابه ليستعيد أيام ~~العبث. سوف تقول الفتاة كل شيء مما يخطر على البال ومما لا ~~يخطر، وسوف تتساءل هل قصد بالمادة الطحلبية ذات الخلية الواحدة أن ~~تتضمن جميع هذه الأعاجيب؟ وسوف تسألني: متى كنت بركانا قبل أن ~~تتخلف راسبا من الرواسب الميتة؟ وأنا لا أعرف الجواب، ولكن لعلك ~~تعرفه أنت يا من يشيد التاريخ بذكراك. جلس أمامي كتمثال فقلت: ~~أنت تحتمس الثالث حقا؟ # أجاب بصوت ذكرني بصوت مصطفى راشد: نعم. ~~- ماذا تفعل؟ ~~- أتقاسم العرش مع أختي حتشبسوت. # قلت باهتمام: يسأل كثيرون عن سر خمولك في ظلها؟ ~~- إنها الملكة. ~~- ولكنك الملك أيضا. ~~- إنها قوية وتحب أن تستأثر بكل شيء. ~~- ولكنك أكبر قواد مصر وأعظم حكامها. ~~- لم أخض حربا، ولم أمارس الحكم بعد. ~~- إني أحدثك عما ستصير إليه، ألا تفهم؟ ~~- وكيف عرفت ذلك؟ ~~- من التاريخ، كل الناس يعرفونه. # وضحك وهو ينظر إلي كمن ينظر إلى معتوه، فقلت بإصرار: إنه ~~التاريخ، صدقني. ~~- لكنك تتكلم عن مستقبل مجهول. # فقلت كمن يتكلم في كابوس من شدة الحيرة: إنه التاريخ، ~~صدقني. # 10 ~~(1) مشروع مسرحية # فكرتها تدور عن الجدية في مواجهة العبث. والعبث هو فقدان ~~المعنى؛ معنى أي شيء. انهيار الإيمان، الإيمان بأي شيء. والسير ~~في الحياة بدافع من الضرورة وحدها، ودون اقتناع، وبلا أمل ~~حقيقي. وينعكس ذلك على الشخصية في صورة انحلال وسلبية، وتمسي ~~البطولة خرافة وسخرية، ويستوي الخير والشر، ويقدم أحدهما - ~~إذا قدم - بدافع من الأنانية أو الجبن أو الانتهازية. ~~وتموت القيم جميعا وتنتهي الحضارة. ومما يجب دراسته في هذه ~~المرحلة مشكلة المتدينين العابثين؛ فإنهم لا ينقصهم الإيمان، ~~ولكنهم يسلكون في الحياة العملية مسلك العبث، فكيف تفسر ذلك؟ ~~أهو سوء فهم للدين؟ أم إنه إيمان غير حقيقي، روتيني، بلا جذور، ~~تمارس تحت ستاره أخسأ أنواع الانتهازية والاستغلال؟ يجب دراسة ~~هذه النقطة، وهل يمكن الانتفاع بها في المسرحية، أو تؤجل ~~لموضوع مستقل؟ # أما الجدية فتعني الإيمان، ولكن الإيمان بماذا؟ ولا يكفي ~~أن نعرف ما يجب أن نؤمن به، ولكن ms46 من الضروري أن يكون لإيماننا ~~صدق الإيمان الديني الحق، وقدرته المذهلة على خلق البطولات، ~~وإلا كان نوعا جادا من العبث. وحتم أن يعبر عن ذلك ~~كله من خلال الموقف والحدث، سواء أكان الإيمان بالإنسان أم ~~بالعلم أم بالاثنين معا. ولكي أبسط المسألة أقول إن ~~الإنسان واجه قديما العبث وخرج منه بالدين، وهو يواجهه اليوم ~~فكيف يخرج منه؟ ولا فائدة ترجى من مخاطبة إنسان بغير اللغة ~~التي يتعامل بها، وقد اكتسبنا لغة جديدة هي العلم، ولا سبيل ~~إلى توكيد الحقائق الصغرى والكبرى معا إلا بها، وهي حقائق ~~بلورها الدين بلغة الإنسان القديمة، والمطلوب أن تؤكد بنفس ~~القوة ولكن بلغته الجديدة. # وليكن لنا في العلماء أسوة ومنهج. يبدو أنهم لا يقعون في ~~العبث أبدا، لماذا؟ ربما لأنهم لا وقت لديهم لذلك، وربما ~~لأنهم على صلة دائمة بالحقيقة، معتمدين على منهج موفق قد ~~أثبت جدارته، فلا يتأتى لهم الشك فيها أو اليأس منها. وقد ~~ينفق أحدهم عشرين عاما لحل معادلة، وستجد المعادلة عناية ~~متجددة، وتلتهم أعمارا جديدة، ثم تفضي إلى خطوات راسخة في ~~سبيل الحقيقة؛ فهم يعيشون في مناخ يعبق بالتقدم والنصر، ولا ~~يعن لهم مثل هذا السؤال: «من أين، وإلى أين، وما معنى ~~حياتنا؟» أي مغزى؟ ولا يوحي بأي عبث. والعلم الحقيقي يفرض ~~أخلاقيات في عصر تدهور الأخلاق، فهو مثال في حب الحقيقة ~~والنزاهة في الحكم، والرهبانية في العمل، والتعاون في البحث ~~والاستعداد التلقائي للنظرة الإنسانية الشاملة. وعلى المستوى ~~المحلي هل يمكن أن يحل التفوق العلمي محل الانتهازية في قلوب ~~الجيل الجديد؟ # على أي حال يستحسن ألا أشغل رأسي بفكرة المسرحية أكثر من ~~ذلك الآن، وسأعود إلى ذلك بعد جمع مزيد من العناصر الضرورية ~~للعمل. # ويخيل إلي أن الحركة ستجري على الوجه الآتي: # فتاة تغزو مجموعة من الرجال لتغيرهم. يجب أن تنجح في ذلك ~~بطريقة فنية، وإلا ما كان للمسرحية معنى. امرأة جادة ورجال ~~عابثون. وتلزمني قصة حب. ومن الممتع حقا أن يقع الجميع في ~~حبها، وعليها هي أن تختار واحدا، أو ms47 أنها ستقع وهي لا تدري في ~~حب أحدهم. وينفسح المجال لصراع حاد بين الجدية والعبث والحب ، ~~بل يجب أن يتأزم الموقف بين الحب والجدية كي لا تفتر ~~المسرحية، ولكن هل تمضي كقصة غرامية في إطار من صراع فكري؟ هل ~~تقتصر على المناقشات الفكرية والمناجاة الغرامية؟ وكيف ومتى ~~يتم التطور في الحدث بإقناع فني؟ هل يتم بناء على مناقشات؟ ~~هل يتم بناء على العاطفة؟ ينقصني شيء هام جوهري فما هو؟ كيف ~~يمكن تحويل أناس عابثين إلى عقيدة؟ وما مدى اتساع هذه العقيدة؟ ~~هل يكفي أن تغطي الموقف الاجتماعي؟ أعني هل يكفي ذلك لبعث ~~البطولات؟ # على أي حال فإنني على بينة الآن من الأفكار التي علي أن ~~أبلورها وأوضحها لأجعل منها محور المسرحية، ويحسن بي أن ~~أدون أفكاري ومعلوماتي الأساسية عن شخصيات الرواية - ~~بأسمائهم الحقيقية مؤقتا - لعل في ذلك خلاصا من حيرتي؛ إذ ~~إنه من المحتمل أن تتدفق الحركة في مجرى تلقائي إذا وضحت ~~الشخصيات واستقرت معالمها الأساسية. ~~(2) أشخاص المسرحية # أحمد نصر # موظف كفء فيما يقال، ذو خبرة مذهلة بالحياة اليومية ~~والعملية. موفق في حياته الزوجية، وله ابنة في سن ~~المراهقة، متدين روتيني فيما أعتقد. وهو في الجملة شخص ~~عادي، ولا أدري كيف يخدم أغراض المسرحية. وثمة سؤال هام: ~~لماذا يدمن الجوزة؟ ولندع جانبا ما يقال عن البواعث ~~الجنسية، فهل عنده ما يهرب منه؟ على أي حال يجب خلقه من ~~جديد باعتباره غير قانع في أعماقه باستغراق الوظيفة ~~والأسرة لحيويته. إنه يشعر في زاوية من نفسه بأنه مسئول، ~~أو يجب أن يكون مسئولا عما يجري حوله. ولأنه مؤمن فهو ~~أعظمهم توازنا، ولكنه رغم ذلك، وربما بسبب ذلك أيضا، ~~يحزنه أنه شيء لا يقدم ولا يؤخر في الحياة. على ذاك ~~يمكن أن نعد اهتمامه المشهور بالمشكلات الصغيرة - ~~كإدمانه - نوعا من الهروب من إحساس التفاهة الذي يطارده، ~~وسيمارس تعاسته الخفية دون وعي، وسيظل في الظاهر الرجل ~~المتوازن المؤمن المطمئن المفيد، حتى تكشفه البطلة أمام ~~نفسه، وربما في سياق غرامه بها. # مصطفى راشد # محام. لا ms48 بأس أن أبقي له على مهنته تبريرا لقوته في ~~الجدل. ساخرا جدا وخفيف الروح. متزوج من امرأة لا ~~يحبها، ولعله تزوج منها طمعا في مرتبها قبل كل شيء، ~~ويزعم أنه يبحث عن أنموذجه الأنثوي الذي لم يصادفه بعد. ~~والحق أن الذي لا يمارس العشق في هذه العوامة فهو رجل ~~غريب ينطوي ولا شك على سر دفين؛ لعله الإدمان، وهو يعي ~~خواءه النفسي تماما. ويجد ملاذه في الجوزة والمطلق، ولكنه ~~لا يعي - فيما يبدو - الخدعة التي يخدع بها نفسه، وهو ~~يتطلع إلى المستحيل بلا منهج ولا جهد حقيقي، معتمدا على ~~التأمل المسطول، كأن المطلق ما هو إلا مبرر للإدمان، ~~ولكنه يهبه إحساسا بالعلو فوق تفاهته الحقيقية، وهو - ~~ككثيرين ممن أقابلهم في الحفلات العامة - ذو مظهر براق ~~بالثقافة، وباطن أجوف متداع تفوح منه التعاسة ~~والنتانة. # علي السيد # أزهري النشأة. أتم دراسته بعد ذلك في كلية الآداب، ~~وأتقن الإنجليزية في مدارس برلتز؛ فهو مناضل وعلى بينة ~~من هدفه القريب العملي. وله زوجتان؛ القديمة من القرية، ~~والجديدة من القاهرة ولكنها ست بيت، امرأة تقليدية لترضي ~~نوازعه المحافظة للسيادة، وهو ينوه بقلبه الكبير الذي ~~أبقى على الزوجة الأولى، ولكنه خنزير كما تشهد بذلك علاقته ~~الغريبة بسنية كامل. وكناقد فني فهو وغد كبير، يقيم أسسه ~~الجمالية على المنفعة المادية، فلا يضطر إلى قول الحق إلا ~~إذا خانه الحظ، وعند ذاك ينقلب هجاء ساخرا بلا رحمة، ~~ويطارده الإحساس بالتفاهة والخيانة والعبث، فيمضي في سبيل ~~الجوزة والأحلام الغريبة عن إنسانية جديدة تتخايل أمام ~~عينيه الذاهلتين من خلال الضباب المهلك. وهو مثال لطائفة ~~من المعاصرين الذين يهيمون على وجوههم بلا عقيدة ولا خلق، ~~ولا يتورع عن ارتكاب جريمة إذا أمن من العقاب. # خالد عزوز # ورث عمارة فضمنت له حياة رغيدة رغم عجزه الواضح. وجد ~~مهربه في الجوزة والجنس والفن الهلامي الذي يفضح ما تنطوي ~~عليه جوانحه من انحلال وإباحية. من الصعب الفصل فيما إذا ~~كان فقده للعقيدة - أي عقيدة - هو الذي تأدى به إلى ~~الانحلال، أم إن انحلاله هو ms49 الذي ساقه إلى رفض العقائد؛ ~~لذلك لا أستبعد أن يرجع يوما إلى الإيمان التقليدي إذا ~~نضب معينه. وهو دون أصحابه عاطل، يأخذ من المجتمع دون أن ~~يعطيه شيئا، إلا قصصا مثل قصة الزمار الذي انقلب ~~مزماره حية تسعى! ولا أستبعد كذلك أن يطل علينا ذات مساء ~~من شرفة اللامعقول. # رجب القاضي # هو أمل المسرحية. إذا لم يذعن للتطور فقل عليها ~~السلام. أبوه حلاق كما أخبرني علي السيد، وما زال يمارس ~~مهنته في كوم حمادة رغم لمعان ابنه، عن كبرياء من ناحيته ~~أو نذالة من ناحية ابنه. رجب رجل جنس، إله من الآلهة التي ~~تموت في الحلقة السادسة، وكآلهة العشق لا يخلو من قسوة لن ~~يلطفها إلا الحب. وهو كالآخرين بلا عقيدة ولا مبادئ، ~~ولكنه دونهم عصبية وتأزما. جميل جذاب، مشهور بسمرته ~~الغامقة، وسيطرته غير المحدودة، ومهربه الحقيقي في الجنس، ~~أما الجوزة فيبدو أنها لا تؤثر فيه إلا قليلا. ~~وإمكانياته للمسرحية غنية عن التنويه. # أنيس زكي # موظف خائب. زوج سابق. أب سابق. صامت ذاهل ليلا ~~ونهارا. مثقف فيما يقال ولا يملك، ولا يملك من الدنيا ~~إلا مكتبة دسمة، يخيل إلي أحيانا أنه نصف مجنون، أو ~~نصف ميت، نجح في أن ينسى تماما ما يهرب منه؛ نسي نفسه. ~~توحي ضخامة هيكله بقوة كان يمكن أن توجد. يمكن أن تصفه بأي ~~شيء، أو ألا تجد له صفة على الإطلاق. سره في رأسه. يمكن ~~أن تطمئن إليه كما تطمئن إلى مقعد خال. قابل للاستغلال ~~الكوميدي، ولكنه لن يكون له دور إيجابي في ~~المسرحية. ~~••• # يستحسن أن أختزل الشخصيات النسائية إلى اثنتين؛ البطلة ~~لأهمية دورها، وسناء لتشحذ من حدة العاطفة في الدراما، ~~فضلا عن أن شخصية مراهقة عصرية خليقة بأن تضفي على ~~المسرحية روحا جذابا لا يخلو من فائدة دراسية، ثم إن ~~انتصار البطلة عليها في المعركة الغرامية يعد رمزا ~~لانتصار الجدية على العبث في النطاق النسائي؛ إذ لا جدوى ~~من الجدية إذا لم تتغلغل جذورها في المرأة التي هي أم ~~المستقبل. # ولا ضرورة بعد ذلك ms50 لسنية كامل التي تمارس تعدد الأزواج ~~على طريقتها الخاصة، ولا إلى المترجمة الشقراء العانس التي ~~تتوهم أنها رائدة شهيدة، على حين أنها رائدة متهافتة ~~مدمنة منحلة. ~~••• # انتهت الكتابة في المذكرة، وثمة عنوان هو «ملاحظات ~~هامة»، ولكنه يقوم وحيدا في وسط السطر، ويليه بياض. وفر ~~الصفحات الباقية حتى الغلاف فلم يعثر على كلمة واحدة. دس ~~المذكرة في جيبه وهو يتمتم: «يا بنت الذين!» واستخرج ~~المذكرة، ثم أعاد قراءة ما كتب عنه، ثم أعادها إلى ~~جيبه، وضحك. ونظر إلى الفنجان الفارغ وهو يقول: «لا ~~فائدة.» سيطول انتظاره، وربما صاحبته الإفاقة حتى ينعقد ~~المجلس. وترامى من المصلى صوت عم عبده وهو يؤذن لصلاة ~~المغرب، فعاد يتمتم: «يا بنت الذين!» # واهتزت العوامة مؤذنة بأقدام آتية، فنظر نحو الباب ~~وهو يتساءل عمن يكون القادم المبكر؟ # ومن وراء البارافان ظهرت سمارة بهجت! # 11 # اقتربت وهي تحييه بابتسامة متكلفة، وضح له انشغالها فقال: ~~لست كعادتك! # راحت تدور في المكان وهي تتفحصه: ما لك؟ ~~- فقدت أشياء مهمة. ~~- هنا؟ ~~- كانت معي في جلسة الأمس. ~~- وما هي؟ ~~- مذكرة خاصة بعملي، ومبلغ تافه من النقود. ~~- أأنت متأكدة من أنك فقدتها هنا؟ ~~- لست متأكدة من شيء. ~~- عم عبده يكنس المكان، والزبال يأخذ الزبالة في ~~الصباح. # جلست على فوتيل وهي تقول: لو أنها سرقت فلماذا لم يأخذ السارق ~~الحقيبة كلها؟ لماذا يأخذ المذكرة ويترك كيس النقود؟ ~~- لعلها سقطت منك؟ ~~- كل شيء ممكن. ~~- أهي خسارة لا تعوض؟ # وقبل أن تجيبه اهتزت العوامة وارتفعت الأصوات. رجته بسرعة أن ~~ينسى الموضوع وألا يعيد ذكره، قالت ذلك وهي تنتقل إلى الشلتة. ~~وتتابع دخول الصحاب حتى تم للمجلس تمامه، وتفرغ للجوزة بهمة ~~ونهم، وكان على درجة من الإفاقة غير مألوفة، فنشطت في أعماقه ~~شياطين متحفزة للعبث. واسترق إلى سمارة نظرة ماكرة، وقال مصطفى ~~راشد مخاطبا سمارة: ثبت الآن أنك تجيئين مبكرة لتنفردي ~~بأنيس! # فقالت بتسليم: ألا ترى أنه فارس أحلامي؟ # فقال أحمد نصر: نحن فتيان، ولكنه في الأربعين. # وبدون دعوة ظهر عم عبده عند البارافان وهو يقول: غرقت ms51 عوامة في ~~إمبابة. # التفتت الرءوس بشيء من الاهتمام، وسأله أحمد نصر: هل غرق ~~أحد؟ ~~- كلا، ولكن غرقت المحتويات. # فقال خالد عزوز: نحن نعاني نقصا في المحتويات لا في ~~الأفراد. ~~- وجاء بوليس النجدة! ~~- كان يجب أن يجيء أيضا بوليس الآداب. # وتساءلت ليلى: لماذا تغرق العوامة؟ # فأجاب العجوز: لغفلة الخفير. # فقال خالد عزوز: بل لغضب الرحمن على من فيها. # فأمنوا على قوله ورجعوا إلى الجوزة. ولما ذهب عم عبده قال ~~علي السيد: حلمت ذات ليلة أنني صرت في طول عم عبده وعرضه. # فخرج أنيس من صمته المألوف قائلا: ذلك أنك تهرب من الأحلام ~~والإدمان! # رحبوا بتعليقه ضاحكين، وسأله علي: ولكن مم أهرب يا ولي ~~النعم؟ ~~- من الخواء! # ولما سكت الضحك استطرد: جميعكم أوغاد عصريون تهربون في الإدمان ~~والأوهام الكاذبة. # وتجنب النظر نحو سمارة. وقهقهت شياطينه العابثة، وتوالت ~~تعليقات: أخيرا نطق! ~~- هذا مولد فيلسوف! # وبات مركز الأنظار، وسأله مصطفى: وماذا عني أنا؟ ~~- هارب من الإدمان والمطلق، يطاردك الإحساس بالتفاهة. # وميز ضحكة سمارة وسط هدير الضحك، ولكنه تجنب النظر إليها. ~~تخيل اضطرابها الخفي، وتخيل وجهها، وتخيل مصارينها، ثم واصل ~~كلامه قائلا: كلنا أوغاد لا أخلاق لنا. يطاردنا عفريت مخيف اسمه ~~المسئولية. # قال رجب: يجب أن تؤرخ حياة العوامة بهذه الليلة. # وقال مصطفى راشد: أراهن على أن «غبارة» الليلة مهربة من ~~موسكو! # وسأله خالد: أنيس، أيها الفيلسوف، وماذا عني؟ وماذا عن ~~ليلى؟ ~~- إنك إباحي منحل؛ لأنك بلا عقيدة، وربما إنك بلا عقيدة لأنك ~~منحل. أما ليلى فما هي إلا رائدة زائفة منحلة مدمنة، لا شهيدة ~~كما تتوهم! # فصاحت به ليلى: قطع لسانك! # وأشار إلى سنية كامل قائلا: وأنت تمارسين تعدد الأزواج يا ~~مدمنة! # فصرخت: يا مجنون! ~~- كلا، أنا نصف مجنون فقط، ولكني أيضا نصف ميت. ~~- كيف تتجرأ على هذه الوقاحة؟! # فقال علي السيد ملاطفا: أغضبت حقا يا سنية؟ إنه ولي ~~أمرنا. ~~- لا أقبل أن أهان أمام غرباء. # أوشك الوجوم أن يلتهم المرح، ولكن رجب قال بتوكيد: لا غرباء ~~بيننا؛ سمارة منا وعلينا. # فقالت ليلى: إنها ms52 منا حقا، ولكنها عليك أنت وحدك! # فقال أنيس: لا، إنها لا تبالي برجل يهرب من خوائه في الإدمان ~~والجنس. # صاح رجب في انبساط: ليلتنا فل يا جدعان! ~~- من يصدق أنك أنيس الصامت؟! ~~- لعله يجتر كتابا عن تدهور الحضارة. # ما تزال في جوفي قنبلة أدخرها للمدير العام. ليهدأ الضحك ~~المتفجر في باطني حتى أرى الأشياء. هل تحطمت السلاسل التي تشد ~~عوامتنا إلى الشاطئ؟ والبدر يتوثب لاقتحام باب شرفتنا الهش. ~~أما الهاموش فقد أدرك آخر الأمر سر افتتانه المدمر بضوء ~~المصباح. # وقال رجب لسمارة: لست في أحسن أحوالك! # فقالت دون أن تنظر إلى سنية، ولكنها نظرت إليها في الواقع بفتور ~~نبرتها: ذاك حال الغريب! ~~- لا، سنية امرأة الحنان، وهي أم رءوم حتى في عشقها. # فقالت سنية في سماحة: أشكرك، أنت خير من يعتذر عني للأخت ~~سمارة. # فقال خالد عزوز: لا تبالغوا في توطيد السلام وإلا حل بنا ~~الملل. # وساد صوت القرقرة وحده، وانداحت موجاته في شعاع القمر. قال له ~~دمه المتدفق: إن النوم عسير في هذه الليلة الهائجة. وإنه سيسهد ~~سهاد العاشقين بلا عشق. وراح يتذكر ما تيسر من أشعار المجانين. ~~واختفى الحاضرون فلبث وحده مع الليل المضيء. ورأى فارسا يركض ~~جواده في الهواء قريبا من سطح الماء، فسأله عن هويته فقال: إنه ~~الخيام، وإنه نجح أخيرا الهروب من الموت. واستيقظ على منظر ساقه ~~المطروحة لصق الصينية؛ طويلة بارزة العظام، باهتة اللون في الضوء ~~الأزرق، كثيفة الشعر، كبيرة الأصابع، مقوسة الأظافر من طول ~~إهمالها بلا قص؛ فكان ينكرها. وعجب لعضو من جسده كيف يبدو كالغريب، ~~ثم انتبه إلى مصطفى راشد وهو يتساءل: أنحن حقا كما وصفنا ولي ~~الأمر؟ # فقال خالد عزوز: لا هروب ولا خلافة، ولكننا نفهم حقيقتنا كما ~~ينبغي لنا. # وقال علي السيد: عوامتنا هي الملاذ الأخير للحكمة ~~البشرية. ~~- هل الاستغراق في الأحلام هروب؟ ~~- أحلام اليوم هي حقائق الغد. ~~- هل التطلع إلى المطلق هروب؟ ~~- أف! وهل علينا من عمل سواه؟! ~~- وهل الجنس هروب؟ ~~- اخص! إنه الخلق نفسه. ~~- وهل الجوزة هروب؟ ~~- هروب ms53 من البوليس إذا شئت! ~~- أهي هروب من الحياة؟ ~~- إنها الحياة نفسها! ~~- فلماذا هاجمنا ولي الأمر؟ ~~- إنه لم يهرج من عشرة أعوام، فأراد أن يخزي عين ~~الحسود. # وهتف رجب القاضي: ليلتنا فل يا جدعان! # ووصاهم أحمد نصر بشيء من الصمت كي لا تتبدد ثمرة السهرة. ~~ودارت الجوزة دوراتها الختامية المركزة. # وارتفع القمر عن مجال الأبصار، وهو وحده الذي قرأ في نظرة سمارة ~~هزيمة حزينة. وتبددت وجوههم شاحبة ناعسة، وجادة أيضا على ~~رغمهم. ورمق مصطفى سمارة باهتمام، وسأل عن رأيها فيما سمعت، فقال ~~رجب: لم يخلق آخر الليل للمناقشة. # فلماذا خلق؟ ذهبوا جميعا عدا علي السيد وسنية كامل. وما لبثت ~~الصالة أن خلت له. وجاء عم عبده كالعادة فأنجز مهمته دون أن ~~يتبادلا كلمة، ثم ذهب. وزحف نحو الشرفة فرأى القمر من جديد ~~متألقا في مركز القبة المرصعة. ناجاه مغمغما أن ليس ~~كعوامتنا شيء؛ الحب لعبة قديمة بالية، ولكنه رياضة في عوامتنا، ~~الفسق رذيلة في المجالس والمعاهد، ولكنه حرية في عوامتنا، ~~والنساء تقاليد ووثائق في البيوت، ولكنهن مراهقة وفتنة في ~~عوامتنا، والقمر كوكب سيار خامد، ولكنه شعر في عوامتنا، ~~والجنون مرض في أي مكان، ولكنه فلسفة في عوامتنا، والشيء شيء حيثما ~~كان، ولكنه لا شيء في عوامتنا. أيها الحكيم القديم «إيبو-ور»، ~~أقدم بعصرك الذي اضمحل فيه كل شيء إلا الشعر وأسمعنا الغناء، ~~حدثني ماذا قلت لفرعون، أقبل الحكيم «إيبو-ور» وهو ينشد: # إن ندماءك قد كذبوا عليك، # هذه سنوات حرب وبلاء. # قلت: أسمعني مزيدا أيها الحكيم! فأنشد: # ما هذا الذي حدث في مصر؟ # إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه. # إن من كان لا يمتلك، أضحى الآن من الأثرياء. # يا ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت! # قلت: ماذا قلت أيضا أيها الحكيم «إيبو-ور»؟ فقال: # لديك الحكمة والبصيرة والعدالة، # ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد. # انظر كيف تمتهن أوامرك، # وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من يحدثك بالحقيقة؟ # 12 # استيقظ على صوت يهمس باسمه، فتح عينيه وهو مستلق على ظهره في ~~الشرفة فرأى هالة ناصعة في ms54 السماء تشي بالقمر المختفي عن ~~ناظريه. أين المكان والزمان؟ ~~- أستاذ أنيس! # التفت فرأى سمارة واقفة فوق عتبة الشرفة. جلس معتمدا على ~~ذراعيه رافعا إليها عينين لم تفيقا بعد من سكرة الحلم. ~~- آسفة لعودتي في وقت غير مناسب. ~~- أما نزال في نفس الليلة؟ ~~- مضى على ذهابنا ساعة. أكرر الأسف. # تزحزح حتى أسند ظهره إلى جدار الشرفة وحاول أن يتذكر. ~~- عدت من ميدان التحرير بعد أن أوصلني رجب إليه. ~~- شرفت. إليك حجرتي إذا تنازلت ... # قالت بجزع: لم أعد لأنام، وأنت تعلم ذلك جيدا. # ثم بهدوء وهي تخفض عينيها: أريد مذكرتي. # تساءل مقطبا: مذكرتك! ~~- إذا سمحت. # تمطت شياطين العبث في نفسه، فقال محتجا: تتهمينني بالسرقة! ~~- كلا، ولكنك عثرت عليها بطريقة ما. ~~- هذا يعني أني سرقتها. ~~- بالله ردها إلي فلا وقت للكلام. ~~- إنك مخطئة. ~~- لست مخطئة. ~~- إني أرفض أن أسمع التهمة مرة أخرى. ~~- لا أتهمك بشيء. رد إلي مذكرتي التي فقدت مني هنا. ~~- لا أعرف مكانها. ~~- سمعتك وأنت تردد ما دون فيها! ~~- لا أفهم. ~~- بل تفهم كل شيء، ولا داعي لتعذيبي. ~~- التعذيب ليس هوايتي. ~~- الليل ينتهي بسرعة. # فسألها مداعبا: أتحاسبك ماما على التأخير؟ ~~- أستاذ، كن جادا ولو دقيقة واحدة. ~~- نحن لا نعرف الجد. # تساءلت في قلق: هل تنوي إفشاء سرها؟ ~~- من أين لي ذلك وأنا لا أدري عنها شيئا؟ ~~- كن لطيفا كالعهد بك. ~~- لست لطيفا، أنا نصف مجنون ونصف ميت. ~~- المدون في المذكرة لا يمثل رأيي فيكم، ولكنه جملة الآراء ~~التي أعدها للمسرحية. ~~- عدنا إلى الألغاز والاتهام. ~~- ما زلت طامعة في كرم أخلاقك. ~~- ما الذي حملك على هذا الظن؟ ~~- أنك رددت كلماتي بالحرف. ~~- ألا تؤمنين بتوارد الخواطر؟ ~~- إني مؤمنة بأنك سترد إلي مذكرتي. ~~- إذن فأنت تتصورين أنك قادرة على أن تفهمي في أيام ما أعجز ~~عنه في أعوام! # وضحك ضحكة خرقت صمت الخلاء فوق النيل، وقال بلهجة جديدة: أفكارك ~~فارغة، صدقيني. # هتفت بارتياح: ها أنت تسلم. ~~- سأردها إليك، ولكنها لا تصلح لشيء. ~~- ما هي إلا ملاحظات مبدئية لم تدرس بعد. ~~- لكنك فتاة رديئة! ~~- الله ms55 يسامحك. ~~- جئت لا لصداقة، ولكن للتجسس. # قالت محتجة: لا تسئ بي الظن، إني أحبكم حقا وأرغب في ~~صداقتكم، وفضلا عن هذا وذاك فإنني أومن بأنه يوجد بطل كامن في كل ~~فرد، ولم يكن يهمني معرفة حقيقتكم بقدر أن أخلق منها ما ينفع ~~المسرحية. ~~- لا تجهدي نفسك انتحال الأعذار؛ فإن الأمر في الواقع لا ~~يهمني. # ومد لها يده بالمذكرة وهو يقول: أما الخمسون قرشا فيسرني ~~أن أظل مدينا بها إليك. فتساءلت في انزعاج: ولكن كيف؟ ... أعني ~~... ~~- كيف سرقتها؟ المسألة غاية في البساطة؛ فنحن نعتبر جميع ما تقع ~~عليه اليد في العوامة من القطاع العام! ~~- بالله أعطني تفسيرا يريح القلب. # فقال ضاحكا: كانت نزوة لا تقاوم. ~~- أكنت في حاجة إليها؟ ~~- أعطيتها بنتا من بنات الليل جاءني بها عم عبده. ~~- إذن كنت في حاجة إليها؟ ~~- كلا، لم يبلغ بي الفقر هذا الحد. ~~- إذن لماذا أخذتها؟ ~~- وجدت في استغلالها على ذلك الوجه نوعا من القربى إليك! ~~- الحق أني لا أفهم. ~~- ولا أنا. ~~- ولكني بدأت أشك في منهجي كله. ~~- من الأفضل ألا يكون لك منهج على الإطلاق. # ضحكت، فقال: إلا ما يوصلك إلى الرجل المنشود! # ضحكت مرة أخرى فعاد يقول: إني أفهمك كما يفهمك الجميع. # كانت همت بالذهاب، فثبتت في مكانها مستطلعة، فقال: إنك ~~شرفتنا من أجل رجب. # فضحكت باستهانة، فقال وهو يشير إلى الحجرة المغلقة: حذار أن ~~توقظي العاشقين! ~~- لست كما تظنون، إني فتاة ... # فقاطعها: إن كنت فتاة حقا فتعالي إلى حجرتي لتثبتي ~~ذلك! ~~- كم أنك ظريف، ولكنني لن أعجبك. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه فظيع أن تكون الفتاة جادة. ~~- ولكنني لا أدعو من الفتيات إلا الجادات. ~~- حقا؟ ~~- جميع بنات الليل جادات. ~~- الله يسامحك. ~~- لا يعرفن العبث، يعملن حتى الهزيع الأخير من الليل، لا للهو أو ~~لذة، ولكن لهدف تقدمي وهو أن يعشن حياة أفضل! ~~- عيب هذه العوامة أنه لا يعرف بها الجد من الهزل. ~~- الجد والهزل اسمان لشيء واحد. # تنهدت مؤذنة بإنهاء الحديث، غير أنها ترددت لحظة، ثم سألته: ~~هل تنوي أن تفشي سر المذكرة؟ ~~- لو ms56 كان ذلك في نيتي لفعلت. ~~- أستحلفك بكل عزيز أن تصارحني بما في نفسك. ~~- فعلت. ~~- أن أختفي خير من أطرد. ~~- لا أريد هذا ولا ذاك. # صافحته مودعة وهي تقول بنبرة حميمة: شكرا. # ذهبت مسرعة وصوت عم عبده يؤذن لصلاة الفجر. # 13 # اهتزت العوامة مؤذنة بقادم جديد رغم تمام المجلس. وتساءلوا ~~عمن يكون، ثم التفتوا نحو الباب باهتمام لا يخلو من قلق، وقام أحمد ~~نصر ليعترض سبيل القادم عند المدخل، ولكن ضحكة معروفة ترامت ~~إليهم، ثم وضح صوت سناء وهي تهتف: «هاللو!» دخلت ساحبة وراءها ~~شابا أنيقا، فنهض رجب لاستقباله وهو يقول: أهلا رءوف! # وقدمه للصحاب قائلا: «نجم الشاشة المعروف.» وجلسا وسط ترحاب ~~رسمي فاتر. وقالت سناء بصوت أجرأ من عادتها: أتعبني حتى أذعن ~~للمجيء، قال كيف نقتحم على ناس خلوتهم، ولكنه خطيبي والعوامة ~~أسرتي! # وتلقت التهاني من جميع الشلة، فعادت تقول وقد وشت أنفاسها ~~بالشراب: وهو مثلكم من أهل ذلك. # وأشارت إلى الجوزة ضاحكة، ولم يبال أنيس بالحرج، وأدار الجوزة ~~بكل نشاط. وقالت سناء: هذه فرصة سعيدة يا رءوف؛ إليك الناقد الكبير ~~علي السيد، والكاتبة المعروفة سمارة بهجت، ومن تجمعهم الجوزة لا ~~يفرق بينهم رأي أو ذوق. # فقال رجب: ولكن سمارة للأسف لا تتعامل مع الجوزة. # فتساءلت بسخرية: إذن فلماذا تدمن على زيارة العوامة؟ # وهمس رءوف في أذنها بكلمات لم يتبينها أحد، ولكنها ضحكت في ~~استهتار. وجاء عم عبده ليغير ماء الجوزة، فلما ذهب قالت سناء ~~لرءوف: أتصدق أن كل هذا البناء رجل واحد؟! # وضحكت ولكن وحدها. وساد صمت متوتر مقدار ربع ساعة، ثم أقنعها ~~رءوف بوجوب الذهاب، فقام آخذا بذراعها وهو يقول: معذرة، لا بد من ~~الذهاب لموعد عاجل. فرصة سعيدة. # أوصلهما رجب حتى الباب، ثم عاد إلى مكانه. وتجهم المجلس رغم ~~دوران الجوزة، وجعل رجب يبتسم إلى سمارة ملاطفا، ولكنها قالت وهي ~~تومئ إلى الجوزة: مهما قلت فلن يصدقني أحد. # فقالت ليلى زيدان: على أي حال فليست هي بالتهمة الشائنة. ~~- إلا عند الأعداء. # فقال رجب ببساطة: لا أعداء لك ms57 إلا الرواسب البرجوازية. # ولكنها تكلمت عن الإشاعات في الوسط الصحفي، وذكرت مسكنها ~~القديم في المنيل وكيف كانت عودتها المتأخرة إلى البيت تثير ~~القيل والقال بين الجيران. ~~- ولما قالت ماما لهن إن عملها في الصحافة يضطرها إلى ذلك، ~~قلن وما الذي اضطرها للعمل في الصحافة؟! # فقال رجب: لكنك تقيمين الآن في شارع قصر العيني. # وأراد مصطفى راشد أن ينكش أنيس لعله يجدد ثورة الأمس فيبدد ~~وجوم المجلس، ولكنه لم يخرج من عالمه. كان يفكر في الحلقات ~~المفرغة التي تحاصره كل يوم؛ كشروق الشمس وغروبها، وبزوغ القمر ~~وأفوله، والحضور والانصراف في الوزارة، والإقبال والإدبار في ~~الجلسة، والصحو والنوم، تلك الحلقات المذكرة بالنهاية، والتي ~~تجعل من أي شيء لا شيء، وقد دار معها الآباء والأجداد، وتنتظر ~~الأرض انتظارا لا يعرف الجزع؛ لتستمد من آمالنا ومسراتنا أسمدة ~~لتربتها. فلا بأس أن تحتدم الأشواق في سحابات الدخان المضمخ بشذا ~~السحر المحرم الغامض. # أما ليلى فتعذب نفسها بالحب العقيم، وتوغل في الفضاء كسفينة ~~كونية أفلتت من مدارها. وإله الجنس يمد ساقه حتى استقر حذاؤه ~~الأبيض لصق المجمرة، وهو يرامق الفتاة المزعجة اللذيذة بنظرات ~~متسللة من عينيه السوداوين الجذابتين. وكلام كثير قيل عن ~~سناء وخطيبها، ولكن رجب لم يشترك فيه. ولما انتبه الصحاب إلى ~~انهماكه الكلي في سمارة، قال مصطفى راشد: نحن سعداء إذ نعاصر قصة ~~حب كبير. # فقال خالد عزوز: فلنسمه باسمه الحقيقي. # فقال أحمد نصر: بالله لا تفسد علينا الحلم. # فقالت ليلى زيدان: الجديد فيه أن أحد طرفيه إنسان جاد. # وتساءل خالد عزوز: ترى ما موقف محبة جادة من محب ~~عابث؟ # فأجاب رجب: تطهره من عبثه. ~~- وإذا كان العبث جوهره الذي لا يتغير؟ ~~- لا مفر من انتصار الحب في النهاية. # وضحكت سمارة هازئة، فقال خالد: يهمني أن أرى فتاة جادة وهي ~~تحب؛ إذ إن انزلاق قدم وزير أضحك بكثير من انزلاق قدم ~~بهلوان. # فقال علي السيد: لا فرق في الحب بين جادة وعابثة؛ الجدية دعوة ~~إلى الاهتمام العملي بالشئون العامة أسوة بالشئون الخاصة. # فغمز خالد ms58 بعينيه ناحية سمارة وتساءل: بأي الناحيتين تراها ~~مهتمة الآن؟ # وارتفع الضحك، ثم عاد خالد يتساءل: هل ثمة أمل في تطويرها نحو ~~الاهتمامات العامة؟ ~~- إن آمالها متعلقة بالجيل الجديد. # فنظر خالد نحو رجب قائلا: الظاهر أن جيل الأربعين لم يعد يصلح ~~إلا للحب. ~~- هذا إذا كان يصلح له حقا. # فقال أحمد نصر: الجيل الجديد خير منا. # فتساءل مصطفى راشد: أليس ثمة أمل في أن نتغير نحن؟ # فأجاب خالد: نحن نتغير عادة في المسرحيات والأفلام، وهذا هو ~~سر ضعفها. # فقال علي السيد: هذا هو سر نجاح الهزليات التي تصورنا على ~~حقيقتنا. ~~- لماذا لا تعترف بذلك في مقالاتك؟ ~~- لأنني منافق، وقد عنيت بقولي السابق الهزليات الغربية، ~~أما هزلياتنا المحلية فتنتهي عادة بتغير مفاجئ للمثل الهزلي ~~في شكل موعظة سخيفة؛ ولذلك فالفصل الثالث يكون عادة أضعف فصول ~~المسرحية وهو يكتب في الواقع للرقابة. والتفت خالد نحو سمارة ~~وقال: إذا فكرت يوما أن تكتبي مسرحية عن أناس مثلنا، فأنصحك ~~كزميل في الفن أن تختاري الشكل الهزلي؛ أعني المهزلة أو اللامعقول، ~~وكلاهما شيء واحد. # فقالت متجاهلة نظرات رجب: فكرة تستحق الدراسة! ~~- تجنبي الأبطال الهادفين الذين لا يبتسمون ولا ينطقون إلا عن ~~المثل الأعلى، ويدعون إلى كيت وكيت، ويحبون بصدق، يضحون، ~~ويرددون الشعارات، ثم يقتلون في النهاية النظارة بثقل ~~دمهم. ~~- سأعمل بنصيحتك وأكتب عن الآخرين الذين يقتلون النظارة بخفة ~~دمهم! ~~- ولكن لهؤلاء أيضا مشكلتهم الفنية؛ إنهم يعيشون بلا عقيدة، ~~يقضون أوقاتهم في العبث لينسوا أنهم سيتحولون بعد قليل إلى رماد ~~وعظام وبرادة حديد وأزوت ونيتروجين وماء، ويرهقهم في ذات الوقت أن ~~الحياة اليومية تفرض عليهم ألوفا من الجدية الحادة التي لا معنى ~~لها، وأن مجانين من حولهم يهددونهم بالنسف في أي لحظة، أمثال ~~هؤلاء لا يعلمون ولا يتطورون، فكيف تصنعين بهم في مسرحية ترجين ~~لها النجاح؟ ~~- هذه هي المسألة! ~~- وثمة مشكلة أخرى؛ أن أحدهم لا يختلف عن الآخر إلا في القشور؛ ~~ذلك أن أحدهم لا يكون شخصية، ولكنه يتكون من عناصر متحللة ~~كبناء متهدم، ونحن قد نفرق ms59 بين بيت وبيت، ولكن كيف نفرق بين ~~كومين من الأحجار والأخشاب والزجاج والخرسانة والملاط والتراب ~~والطلاء ؟ إنهم كلوحات الفن الحديث، الواحد كالآخرين، فكيف تبررين ~~تعدد الشخصيات فوق المسرح؟ ~~- إنك توشك أن تنصحني بالعدول عن الأدب! ~~- كلا، ولكني أقول لك إنه كما أن الطيبات للطيبين والخبيثات ~~للخبيثين، فإن مسرح العبث للعبثيين، لن يحاسبك الأخ علي السيد على ~~انعدام الحدث أو الشخصية أو الحوار، ولن يحرجك أحد بالسؤال عن معنى ~~هذا أو ذاك. ولما كان لا يوجد أساس للتقييم، فلن يهزك من ~~يخفضك، وستجدين من يرفعك ومن يقول يحق إنك عبرت بمسرح فوضوي عن ~~عالم ماهيته الفوضى. ~~- ولكننا لا نعيش في عالم ماهيته الفوضى! # فقال وهو يتنهد: هذا فراق بيني وبينك، ويمكنك الآن أن تعودي ~~إلى نظرات الأخ رجب. # لا شيء هنا يدور بيقين وهو يعرف هدفه إلا الجوزة. وعما قليل ~~سيهبط النعاس في موطنه السحري بين النجوم فيعقل الألسنة. والراجح ~~أن العشق الجديد سيثمر قبلة في الهزيع الأخير من الليل تحت شجرة ~~الجوافة. ومن قبل دارت الأرض ملايين ملايين السنين حتى أثمرت هذا ~~المجلس فوق سطح النيل. واختفى القمر عن ناظريه ولكنه رأى البرص ~~فوق باب الشرفة، يجري ثم يتوقف ثم يجري، كأنما يبحث عن شيء. ~~وتساءل: لماذا توجد حركة؟ # فالتفتوا نحوه متوقعين مفاجأة ما، وسأله مصطفى: أي حركة تعني ~~يا ولي الأمر؟ # فتمتم وهو يواصل عمله: أي حركة. # 14 # ولما كان اليوم عطلة رسمية لمناسبة الهجرة، فإن أنيس قضى ~~النهار بين الشرفة والصالة غائبا في انسجام شامل. وقبيل المغيب ~~جاء عم عبده ليعد المجلس فهنأ أنيس بالعيد لثالث أو لرابع مرة ~~وهو يظن أنه يهنئه لأول مرة. وسأله أنيس عما يعلم عن العيد، ~~فأجاب الرجل بأنه اليوم الذي هاجر فيه النبي من الكفار، ولعن ~~الكفار، فقال أنيس: سوف يملئون هذا المجلس الذي تعده بعد ~~قليل! # فضحك العجوز غير مصدق، فمضى أنيس في عبثه قائلا: إنك يا عم ~~عبده هارب في الإيمان. ~~- هارب؟! جئت إلى هنا ذات يوم فوق عربة قطار. ms60 ~~- من أي بلد؟ ~~- أووه! ~~- من أي جريمة هربت؟ ~~- أووه! # إنه مصر على النسيان؛ فلعله جاء هربا من جريمة، أو حملته موجة ~~الثورة سنة 1919م. إنه لم يعد يدري ولن يدري أحد. وسأله موغلا في ~~العبث: أأنت جاد يا عم عبده؟ ~~- أووه! ~~- ألم تعلم بأن سمارة نبية جديدة؟ ~~- أستغفر الله العظيم. ~~- وقد جندت منا جيشا سنحارب به العدم، ثم نسير إلى ~~الأمام. # فسأله الرجل بسذاجة: إلى أين؟ ~~- إلى السجن أو مستشفى المجاذيب. # فقال وهو يمضي إلى صلاة المغرب: إني أبحث عن قط لكثرة الفئران ~~فوق الجسر. # وما لبث أن جاء الصحاب مبكرين عن موعدهم احتفالا بالعطلة ~~الرسمية. وشرع أنيس في نشاطه. وتحدثوا بعض الوقت عن شئونهم ~~العائلية. وأعلن رجب عن عزمه على رفع أجره في الفلم إلى خمسة آلاف ~~جنيه، فهنأه خالد عزوز، وقال له إنه بذلك يثبت ولاءه للاشتراكية ~~العربية. وضحك رجب ولكنه لم يعلق على قول صاحبه، وراح يتحدث عن ~~سناء وكيف تظهر مع رءوف في المجتمعات والاستوديوهات بصفتها ~~خطيبته، مؤكدا أن الخطبة لن تتوج بالزواج، وهنا تساءلت ليلى ~~زيدان: حتى متى تظل شلتة الجدية شاغرة؟ # فأجاب علي السيد: عادت البعثة الصحافية من زيارة المصانع أمس، ~~وستجيء سمارة الليلة غالبا. # وقال خالد عزوز لرجب: حدثنا بصراحة عن علاقتك بها. # فابتسم دون أن يجيب، فقال خالد: هل ثمة جرسنيرة أجرت من وراء ~~ظهورنا؟ ~~- كلا. يجب أن تصدقوني فليس بين أهل العوامة سر! ~~- إذن فيجب أن تعترف بأول هزيمة تحل بك في حياتك. ~~- كلا، ولكني لم أركز الهجوم كي أستعيد ذكريات الهوى ~~العذري! ~~- إذن فيوجد حب؟ ~~- طبعا. ~~- من ناحيتك أيضا؟ # جذب نفسا طويلا، ثم زفره متأنيا وقال: لا أخلو من ~~حب. # تساءلت سنية كامل: حب رجبي؟ ~~- ولكنه موديل جديد! ~~- هذا يعني أنه لا شيء من حيث الجوهر. ~~- فلننتظر حتى نرى. # فقال أحمد نصر: إنها جميلة حقا. # فقال علي السيد: ولكنها ذات شخصية قوية. # فقالت سنية كامل: إنها صفة منفرة لدرجة ما في المرأة. # فحدجتها ليلى بنظرة استياء، فاستدركت في مرح: إلا ms61 فيما ~~ندر. # وقال رجب: إن عظمة الغزاة تقاس بمناعة الحصون التي ~~يفتحونها. # فقالت ليلى زيدان: ولكن الذرة لم تجعل للحصون قيمة، ولا للغزاة ~~فضلا! # فقال أحمد نصر: إنها رفضت زواجا فاخرا، وهذا تصرف يستحق ~~الإعجاب في ذاته. # فقالت سنية كامل: لا تحكم من قبل أن تعرف (ثم متوجهة إلى رجب)، ~~ألم تلمح لك بطريقة ما إلى الزواج؟ ~~- الزواج يجيء أحيانا بلا تلميح كالموت. ~~- صارحني أيمكن أن تفكر أنت جديا في الزواج؟ # تردد قليلا قبل أن يقول لا. أثر تردده في النفوس تأثيرا ~~عميقا. لماذا لا أدفع بالمجمرة إلى الشرفة لأستمتع بمهرجان اللهب. ~~إن توهجه خالد لا كتوهج النجوم الزائفة. ولكن المرأة كالغبار لا ~~تعرف برائحتها الدسمة، ولكن عندما تستقر أنفاسها المحترقة في ~~الأعماق. وكليوباترا على كثرة غرامياتها لم يعرف سر قلبها. وحب ~~المرأة كالفن الهادف لا شك في سمو هدفه، ولكن تحوط بنزاهته ~~الريب. ولا ينتفع مخلوق بهذه العوامة كالفئران والصراصير ~~والأبراص. وليس كالحزن شيء يقتحم عليك المأوى بلا دعوة. وأمس قال ~~لي الفجر عند طلوعه إنه في الحقيقة لا اسم له. # وانتبه إليهم وهم يتناقشون في اللحوم البلدية والسمك الروسي ~~والعملة الصعبة والمعادلة العسيرة، ثم يضجون بالضحك. واهتزت ~~العوامة مؤذنة بقادم فساد الصمت، ثم تمتمت سنية كامل: ~~العروس! # جاءت سمارة مرحة نشيطة فصافحتهم بحرارة وهنأتهم بالعيد، ~~وسرعان ما سئلت عن الرحلة فأجابت بأنها كانت رائعة، وأن عليهم أن ~~يقوموا بمثلها لكي يخلقوا خلقا جديدا. ونقل خالد عينيه بين ~~الحاضرين، ثم تساءل: ترى أيمكن أن نخلق خلقا جديدا؟ # تبادلوا النظرات، ثم أغرقوا في الضحك. وقال لها مصطفى راشد: الحق ~~عليك. إنك لم تكشفي لنا عن سر جديتك وحماسك! ~~- لن أقع في الشرك! ~~- واضح أنك في الإيمان القديم مثلنا، ومثلنا أيضا في الطبقة ~~التي تنحدر نحو الهاوية، فكيف عثرت بعد ذلك على معنى؟ وخبرينا ~~على الأقل ما هو؟ # ترددت مليا، ثم قالت: إنها الحياة لا المعنى. ~~- نحن نشعر بدفعها في غرائزنا، وفي تلك الحدود نمارسها على خير ~~وجه. ~~- كلا. ~~- سبق أن ms62 قلنا لك ... # قاطعته: بعض غرائزها تعبد الموت كما تعلمون. ~~- والمخرج؟ ~~- الخروج من القوقعة. # كلام طلي، ولكنه لا يقدم ولا يؤخر. ~~- الحياة فوق المنطق. # عند ذاك قال لها رجب: عودي إلى حذرك فقد وقعت في الشرك. # وجاء عم عبده ليغير ماء الجوزة، فأثنى له علي السيد على جودة ~~الصنف، فقال الرجل: أمس نصحني المعلم بأن نشتري تموين شهر لأن ~~المخبرين يراقبونه. ~~- مؤامرة لابتزاز أموالنا فلا تصدقه. # وسألته سمارة: وأنت يا عم عبده ألا تخاف المخبرين؟ # فأجاب عنه مصطفى راشد: لقد طعن في السن لدرجة تجعله فوق ~~القانون! # ولمع نجم في الأفق كبسمة صافية. سأله عن المخبرين وهل يراقبون ~~حقا، فأجاب بأنهم يراقبون المفيقين لا المساطيل، وأن النجوم ~~تلمع كلما اقتربت من الأرض، وتخبو كلما أوغلت في الفضاء، وأن بعض ~~الأضواء التي تزين القبة صدرت في الأصل عن نجوم قد كفنها ~~العدم، وأن القوة التي تسخرك للا شيء أقوى من القوة التي تسخرك ~~لأشياء. وتهاوى شهاب فجأة حتى خال أنه استقر وراء العوامة فوق ~~البنفسج. وقال: جميع موظفي الإدارة أخذوا مكافآت تشجيعية ~~سواي. # ولعن أحمد نصر المدير العام، فقال أنيس: وقفت في الحجرة غاضبا ~~لأعلن احتجاجي ولكن غلبني الضحك. # وضحكوا ولكنه هز كتفيه. وتذكر علي السيد كيف كانوا يحتفلون ~~بالهجرة في القناطر، فقال رجب القاضي: خير احتفال بالهجرة أن ~~نهاجر. # وتألق وجهه بخاطر جديد فيما بدا، فقال: ما رأيكم في أن نجوب ~~الخلوات في سيارتي؟ ~~- ولكننا لم ننسطل بعد. ~~- ننطلق بعد منتصف الليل. # رحبت سمارة بالاقتراح، وقال أحمد نصر إن في الحركة بركة، ولم ~~يعترض أحد إلا أنيس الذي تمتم: لا. # ولكن هل تمضي القافلة في سيارتين؟ بل في سيارة واحدة وإلا فلا ~~معنى لها. كيف والسيارة لا تتسع إلا لسبعة ونحن تسعة؟ فلتجلس ليلى ~~على حجر خالد، وسنية على حجر علي. وتضاعف الحماس للرحلة التي ~~جاءت بغير تدبير سابق. وقال أنيس بفتور: لا. # ولكنهم أصروا على اصطحابه، وهل تتم مغامرة كهذه بغير ولي الأمر؟ ~~ورفض أن يتحرك أو أن يغير ملابسه، ms63 فأصروا على أخذه ولو ~~بالجلباب. وعند منتصف الليل قاموا للذهاب. وأذعن أنيس لهم على ~~كره. ومضوا نحو السيارة مبكرين عن موعدهم، فوقف عم عبده أمام ~~كوخه كالنخلة وهو يتساءل: هل أنظف المكان؟ # فقال أنيس: اترك كل شيء على حاله حتى نرجع. # 15 # تحركت السيارة تحمل في المقعد الأمامي رجب وسمارة وأحمد نصر، ~~على حين تكدس الباقون في المقعد الخلفي كجسد مفلطح ذي خمسة رءوس. ~~اتجهت نحو شارع الهرم في شبه خلاء من المارة والسيارات. واقترح ~~رجب طريق سقارة مجال الرحلة، فلاقى اقتراحه استحسانا ممن عرف ~~الطريق ومن لم يعرفه. أما أنيس فقبع في جلبابه صامتا وقد ضغط في ~~جانب السيارة الأيمن. قطعوا طريق الهرم في دقائق، ثم انعطفوا نحو ~~طريق سقارة، وهناك انسابت السيارة في سرعة غير عادية في طريق مظلم ~~مقفر. ووضحت معالم الطريق بعض الشيء على ضوء السيارة، فإذا به يمتد ~~في الظلام بلا نهاية، محفوفا من الجانبين بأشجار الجازورينا ~~الضخمة تتلاقى أغصانها في الأعالي، ويكتنفه من الناحيتين فضاء ~~ريفي المنظر والنسمة والوحشة، يجلله الصمت، ويشق جناحه الأيسر ~~بطول الطريق ترعة قاتمة الوجه تتضح بعض سطوحها بلون رصاصي غامق، ~~مميز عما حولها تحت ضوء النجوم الخافت. وازدادت السيارة سرعة ~~وتدفق الهواء من النافذة جافا منعشا مشبعا بأخلاط النباتات. ~~وقالت سنية كامل لرجب: هدئ السرعة. # وقال خالد عزوز: لا تجاوز السرعة اللائقة بمساطيل. # وسألته سمارة: أأنت من هواة السرعة؟ # فضحك وخفض السرعة شيئا ما، وقال: نحن نزور الآن قرافة فرعونية ~~قديمة، فلنقرأ الفاتحة. # وسرعان ما استردت السيارة سرعتها الأولى، فاقترح خالد أن ~~يتوقفوا قليلا ليتجولوا في الظلام. رحبوا جميعا بالاقتراح، ~~فمضت السيارة تهدئ من سرعتها، ثم مال بها رجب إلى رقعة متربة بين ~~شجرتين ووقف. فتحت أبواب وغادرها أحمد وخالد وسنية وليلى ومصطفى ~~وعلي. تزحزح أنيس عن الباب المغلق وجلس جلسة مريحة لأول مرة وهو ~~ينفض جلبابه ليطلق سراحه، ويفتش بقدمه عن فردة شبشبه التي ~~انسلتت في الزنقة. ولما دعوه إلى اللحاق بهم قال بإيجاز: ~~كلا. # فقبض رجب على ms64 يد سمارة التي همت بالخروج وهو يقول: لا يجوز أن ~~نترك ولي الأمر وحده! # ابتعدت القافلة نحو شاطئ الترعة وهم يتكلمون ويضحكون. انقلبوا ~~أشباحا تحت أشعة النجوم. وسرعان ما اختفوا تماما في توغلهم ~~فلم يعد يجيء من ناحيتهم إلا أصوات مجردة. وتساءل أنيس بنبرة ~~خاملة: ما معنى هذه الرحلة؟ # فأجاب رجب معابثا: المهم الرحلة لا المعنى! # همهمت سمارة احتجاجا على التعريض بها، ولكن أنيس تشكى قائلا: ~~الظلام يبعث على النوم. # فقال له بحماس: أنعم بالنوم يا ولي الأمر. # والتفت نحو سمارة وقال: يجب أن نتكلم عن شئوننا بصراحة توافق ~~الصدق الفطري المحيط بنا. # يعز النوم على من يشاهد كوميديا غرامية، والصدق يحلو بعد منتصف ~~الليل في طريق سقارة، وها هي ذراعه تزحف فوق مسند المقعد، كل شيء ~~يحتمل أن يحدث في طريق سقارة. ~~- أجل لنتكلم عن حبنا. ~~- نا؟ ~~- نا .. نا .. حبنا هذا ما عنيته تماما. ~~- يتعذر علي أن أتعامل مع إله. ~~- يتعذر علي أن شفتينا لم تتعارفا بعد! # حولت رأسها نحو الحقول كأنما لتصغي إلى صرار الليل ~~والضفادع. وتمتمت ما أجمل النجوم فوق الحقول! ترى أي أفكار جديدة ~~دونت في المذكرة؟ وهل يقدر لنا أن نرى أنفسنا فوق خشبة ~~المسرح ذات ليلة وأن نقهقه مع النظارة؟ ~~- أعرف ما تودين قوله. ~~- هه؟ ~~- إنك لست كالأخريات؟ ~~- أنت تقول ذلك. ~~- ولكن الحب .. ~~- ولكن الحب؟ ~~- إنك لا تصدقينني! ~~- أين الصدق في هذا الظلام؟ وما تعني أصواتنا للحشرات؟ وأنت في ~~الأربعين وعليك أن تغير دورك في الأفلام المقبلة. ألا تدري كيف ~~انطوى كازانوفا الهائل في مكتبة الدوق؟ ~~- لا تقل رواسب برجوازية من فضلك. ~~- فكيف أفسر خوفك؟ ~~- أنا لا أخاف. ~~- إذن فهي عقدة الثقة؟ ~~- سمعتك تردد ذلك في فيلم. ~~- لعلي لم أومن بعد بالجدية، ولكني آمنت بك. ~~- إنها عقدة دون جوان! # أشباح تتراءى في الحقول أو في الرأس، كالقرية في الأيام الخالية. ~~الزوجية والأبوة والطموح والموت. والنجوم قد عاشت بلايين السنين ~~ولكنها لم تسمع بعد عن نجوم الأرض. لا أشباح هناك، ولكنها أشجار ~~وحشية أهملت وسط ms65 الحقول. ~~- ممكن أن ألتزم بالبراءة حتى نتزوج؟ ~~- نتزوج! ~~- ولكن بي شيطانا يثور على الروتين. ~~- الروتين؟ ~~- بالإشارة تفهمين كل شيء ، ولكنني لا أفهمك. # أين الشرفة وصوت تلاطم الأمواج أين؟ والجوزة ورائحة الماء وعم ~~عبده أين؟ والخواطر التي تومض كالبرق ترتطم بأشباح الجازورينا ثم ~~تختفي ولكن أين؟ ~~- لماذا رفضت الزواج من الرجل المرموق؟ ~~- لم أقتنع به. ~~- يعني لم تحبيه؟ ~~- إذا شئت. ~~- إنه مثلي في الأربعين؟ ~~- ليس ذلك. ~~- الاقتناع مهم في الاختيار الحر لا في الحب. ~~- لا أدري. ~~- والجنس؟ ~~- سؤال جدير بالإهمال. # وصاح أنيس بصوت بدد دأب الليل: تقعيد وتبويب للسن والحب والجنس ~~يا ذرية علماء النحو! # التفتا نحوه في انزعاج، ثم ضحكا، وقال رجب: ظننتك نائما. ~~- حتى متى نبقى في هذا السجن؟ ~~- مكثنا ساعة. ~~- ولماذا لم ننتحر؟ ~~- كنا نحاول الحب! # وترامت من جوف الليل أصوات القافلة، ثم لاحت أشباحهم مبعثرة وهي ~~تقترب. أقبلوا نحو السيارة ثم أحاطوا بمقدمها. أجل يا عزيزي كان ~~من السهل قتلنا في الخلاء. وا أسفاه على أيام الفرسان والصعاليك! ~~وقال خالد إنه أوشك أن يرتكب الخطيئة الأولى لولا الرائدة الزائفة. ~~وقال مصطفى راشد: وفي الظلام قررنا أن نختبر عصريتنا فاستبقنا ~~إلى الاعتراف بأخطائنا. # أثنى رجب على براعة الفكرة فاستطرد مصطفى: واعترف كل منا ~~بآثامه. ~~- آثامه؟! ~~- أعني ما يعتبر كذلك لدى الرأي العام. ~~- وكيف كانت النتيجة؟ ~~- رائعة. ~~- كم منها ما يعد جريمة؟ ~~- عشرات. ~~- وما يعد جنحة؟ ~~- مئات. ~~- ألم يرتكب أحدكم فضيلة ما؟ ~~- المدعو أحمد نصر! ~~- لعلك تعني إخلاصه لزوجه؟ ~~- وللتعليمات المالية ولائحة المخازن والمشتريات! ~~- وكيف كان رأيكم في أنفسكم؟ ~~- أجمعنا على أننا طبيعيون لا يشيننا شيء، وأن الأخلاق التي ~~تديننا أخلاق ميتة مستوحاة من عصر ميت، وأننا رواد أخلاق جديدة ~~صادقة لم ينتظمها التشريع بعد. ~~- برافو، برافو. # استسلم لمنظر الأشجار وهي تطوق الطريق على طوله بإحكام جمالي ~~خارق، لو تبادلت مواضعها على جانبي الطريق لانهارت العلوم ~~والمعارف. وها هي حية تسعى حول غصن تريد أن تقول شيئا. أجل قولي ~~شيئا يستحق أن يسمع، ولكن ما ألعن الضوضاء! ~~- دعوني أسمع! ms66 # فضحكوا لزعقته، وتساءل مصطفى: ماذا تريد أن تسمع؟ # وتكدسوا في السيارة فانضغط في الباب كأول مرة واختفت الحية ~~تماما . وقال رجب: سيقودكم سائق عصري! # تحركت السيارة وهي تزمجر كالعاصفة، ثم انطلقت في قوة، ومضت ~~تستزيد من سرعتها حتى بلغت ذروة جنونية. # ندت ضحكات هستيرية، وأصوات متهدجة، ثم ارتفعت احتجاجات ~~واستغاثات. انهالت الأشجار متطايرة إلى الوراء، واجتاح الأجساد ~~إحساس أهوج بالتردي في هاوية، وتوقع مفزع بالارتطام في ~~قرارها. ~~- جنون! هذا جنون! ~~- سيقضي علينا بلا رحمة. ~~- قف! يجب أن نسترد أنفاسنا. ~~- لا! لا! حتى الجنون يجب أن يقف عند حد. # لكنه رفع رأسه في نشوة مخيفة ودفع السيارة إلى أقصى سرعة وهو ~~يصرخ كالهنود الحمر، فاضطرت سمارة إلى مس ذراعه هامسة: من ~~فضلك! # وقال خالد بعصبية: ليلى تبكي فارجع إلى صوابك! # آه مات الخيال، ولم يبق في الرأس إلا ضغط الدم. القلب يهبط ~~كأسوأ نكسات البلبعة. أطبق جفنيك حتى لا ترى الموت ~~بعينيك. # وفجأة دوت صرخة مروعة. فتح عينيه مرتعدا فرأى شبحا أسود ~~يطير في الهواء. ارتجت السيارة بعنف وكادت تفقد توازنها، وهصرتهم ~~فرملة شديدة فارتطموا في المساند والأبواب، وانعصروا في تأوه ~~وحشي. ~~- شخص ما تحطم. ~~- قتل عشر مرات. ~~- نهاية متوقعة. ~~- وليلة سوداء. # صاح رجب بصوت أجش: تمالكوا أنفسكم! # وقام نصف قومة لينظر إلى الوراء، ثم جلس مرة أخرى ودفع السيارة ~~فانطلقت. مال أحمد نصر نحوه كالمستطلع فقال بتصميم: يجب أن ~~نهرب! # وركبهم صمت مريض فاستدرك: هو الحل الوحيد. # لم ينبس أحد بكلمة حتى همست سمارة: لعله في حاجة إلى ~~مساعدة؟ ~~- لقد انتهى. # فقالت بصوت أعلى درجة: لا يمكن القطع برأي. ~~- لسنا أطباء على أي حال. # فوجهت سؤالها إلى الجميع: ما رأيكم؟ # ولما لم يتحرك لسان تمتمت: أظن ... # وإذا به يفرمل غاضبا حتى وقف بالسيارة في وسط الطريق، ثم التفت ~~إليهم قائلا: لن يقال غدا إنني قررت الهرب برأيي وحده، إني ~~رهن إشارتكم فما رأيكم؟ # ثم صاح محتجا على الصمت: أجيبوني! أعدكم بأن أصدع بما ~~تأمرون. # قال خالد: يجب أن نهرب، هو ms67 الحل الوحيد. # فقال أحمد نصر: ابتعد بنا عن الطريق لتتهيأ لنا فرصة للتفكير ~~في مكان آمن. ~~- لا وقت للمداولة ، أريد رأيا صريحا! # فقال علي السيد: امض، يجب أن نهرب، ومن عنده رأي آخر ~~فليتكلم. # وقال مصطفى في جزع: تحرك وإلا ضاع الأمل. # وبكت ليلى فسرت عدواها إلى سنية، عند ذاك التفت رجب إلى سمارة ~~قائلا: إنه إجماع كما ترين. # ولما لم تنبس حرك السيارة وهو يقول: نحن فوق الأرض لا على ~~خشبة مسرح. # انطلقت السيارة في سرعة رزينة وهو يقودها واجما مخشبا وقد ~~غشاهم صمت جنائزي. وأغمض أنيس عينيه ولكنه رأى الشبح الأسود وهو ~~يطير في الهواء. ترى أما زال يتألم؟ ألم يعرف لماذا وكيف قتل؟ ~~أو لماذا وجد؟ أم انتهى إلى الأبد؟ وهل تمضي الحياة كأن شيئا لم ~~يكن؟ # استمرت السيارة في انطلاقها حتى وقفت أمام العوامة. غادروها ~~صامتين، وتخلف رجب ليفحص مقدمها. واستقبلهم عم عبده واقفا ~~ولكن لم يلتفت إليه أحد. وتبدت في ضوء المصباح وجوههم الشاحبة ~~المنهزمة. وما لبث أن لحق بهم رجب بوجه متصلب لم ير من ~~قبل. # ولم يعد الصمت يحتمل، فقال علي السيد: ليس بمستحيل أن يكون ~~حيوانا! # فقال أحمد نصر: الصرخة كانت صرخة إنسان. ~~- ترى هل يؤدي التحقيق إلى التعرف علينا؟ ~~- لن نجني من الفكر إلا الأرق. # وتمتم رجب: وإرادتنا بريئة! # فقالت سمارة: ولكن الهرب جريمة. # فقال بحدة: لم يكن منها بد وقد أيدها الجميع. # وراح يتمشى بين الشرفة والبارافان، ثم قال: إني حزين جدا، ~~ولكن يحسن بنا أن ننسى الموضوع كله. ~~- يا ليتنا ننسى! ~~- يجب أن ننسى، أي تصرف آخر كان يعني القضاء على سمعة ثلاث ~~سيدات، وبهدلة الآخرين، وسوقي أنا إلى المحكمة. # وجاء عم عبده فنظروا إليه في تبرم، ولكنه قال دون أن يلحظ ~~شيئا: أي خدمة؟ # فأشار له رجب أن يذهب فمضى قائلا: أنا ذاهب إلى ~~المصلى. # تساءل رجب بعد ذهابه: ترى هل فهم العجوز شيئا؟ # فأجاب أنيس: إنه لا يفهم شيئا. # فقال رجب بعصبية: يحسن بنا أن ننصرف. # فصدق ms68 خالد على قوله قائلا: الفجر وشيك الطلوع. # وذهب خالد وليلى وعلي وسنية ومصطفى وأحمد. وقال رجب لسمارة: إني ~~آسف على تكدير صفوك ولكن تعالي لأوصلك. # هزت رأسها بتقزز قائلة: ليس في تلك السيارة. ~~- هل تؤمنين بالعفاريت؟ ~~- كلا ولكنها صدمتني أنا. ~~- لا تبالغي في الخيال. ~~- الحق إني محطمة. ~~- على أي حال فلن أتركك، سنسير معا حتى تجدي وسيلة ~~للمواصلات. # ووقف قبالتها ينتظر حتى قامت. # 16 # وتناهى إليه صوت عم عبده وهو يؤذن، فقال إنني وحيد، وإنه يحسن ~~به أن يدعوا أحدا أو أن ينضم إلى أحد. ولوح بذراعه لليل وقال إن ~~السر قد تبخر من رأسه فهو مفيق. وضحك من غرابة الفكرة، لكنه ~~مفيق، وها هو ليل الفجر بلا صوت يتحدث، وليس للحوت من أثر. أين ~~بقية الغبارة، هل داستها سيارة؟ والحاكم بأمر الله كان يقتل بلا ~~حساب، ولما آمن بأنه إله حرم على الناس الملوخية. لماذا أذعنت ~~للخروج معهم؟ هكذا توجت قاتلا، القتل والسرعة الجنونية والهرب، ~~والمناقشة المدببة، وأخذ الأصوات في ديمقراطية دامية، وبعثت ~~الزوجة والبنت، ثم ماتتا من جديد، ولن ينام الليلة إلا الميتون. ~~والصرخة التي هزئت من كمال الأفلاك. مجهول من مجهول إلى مجهول. متى ~~يرحم العقل نفسه ويستسلم للنوم. وصعد الحاكم بأمر الله إلى قمة ~~الجبل ليمارس أسراره العلوية، ولم يعد، حتى اليوم لم يعد، ولم ~~يعثر له على أثر، وحتى الساعة لم يتوقف البحث عنه؛ لذلك أقول ~~إنه حي، وقد رآه رجل أعمى ولكن لم يصدقه أحد، وغير بعيد أن ~~يتجلى للمساطيل في ليلة القدر. أما الإنسان المجهول فقد قتل ~~كما قتل النوم. وتريث بصره الحائر عند الفريجيدير فوق أعلى ~~بابها، فاكتشف لأول مرة وجه الشبه بين منحنى الباب وجبين علي ~~السيد، وأيضا فهو له عينان تغرورقان في أثر الضحك. وقالوا إن ~~الحاكم بأمر الله قد قتل، كلا فمن كان مثله لا يقتل، ولكنه إن ~~شاء ينتحر، وقد ألقى نظرة من فوق الجبل على القاهرة، ثم أمر الجبل ~~أن يدكها، ولما لم يصدع الجبل بأمره أدرك ms69 أن جهاده عبث فانتحر؛ ~~لذلك أقول إنه حي، وغير بعيد أن يتجلى للمساطيل في ليلة ~~القدر. # وترامى إليه من الحديقة صوت عم عبده لدى رجوعه وهو يبسمل، ~~فناداه، فجاء الرجل من توه وهو يقول: لم تنم بعد؟ # فسأله بلهفة: هل أخذت بقية الغبارة؟ ~~- كلا. ~~- فتشت عنها في كل مكان ولا أدري أين ذهبت. ~~- لماذا لم تنم؟ ~~- فرغ رأسي في الرحلة المشئومة. ~~- يجب أن تنام فالصباح يقترب. # وعندما تحرك العجوز للذهاب سأله: يا عم عبده ألم تقتل أحدا في ~~حياتك؟ ~~- أووه! # فتأوه قائلا في حنق: اذهب. # ومضى يذهب ويجيء حتى تعب، وانتقل إلى الشرفة فاستلقى فوق شلتة، ~~ولكن حدة اليقظة أيأسته من النوم، وخلو العوامة من الكيف ~~ضاعف من قلقه ووساوسه. وقال إنه يجب أن يتحلى بصبر النجوم. ~~وانطفأت مصابيح الطريق فاستقلت الطبيعة بألوانها. وتسلل ضياء ~~الغسق فصبغ الأفق بلون بنفسجي ضارب للقرنفل، ثم انحسر الغبش عن ~~مولد أشجار الأكاسيا واللبخ. ونهض يائسا ومتحديا. أسلم رأسه ~~للصنوبر طويلا، ثم تناول زجاجة حليب من الفريجيدير فشربها بلا ~~رغبة. وصنع بيديه قهوة فاحتساها. وضاق بالمكان فارتدى بدلته ~~وغادر العوامة مبكرا ليتسكع في الطرقات حتى يأزف موعد ~~الدواوين. # استقبل الطريق مفيقا لأول مرة. بباطن بعيد كل البعد عن السلطنة ~~والخيال والضحك. وامتد الشارع أمامه طويلا تكتنفه الأشجار ~~السامقة من الجانبين، تتدانى أعاليها على مرمى البصر كجبين ~~مقطب. ولأول مرة يرى العوامات والذهبيات الراسية على امتداد ~~الشاطئ المرصع بحدائقها المتشابهة والمتباينة. # العجب أن لكل عوامة شخصيتها ولونها وشبابها أو كهولتها، ~~ووجوها آدمية تتراءى في نوافذها. وأعجب ما رأى نخلة محملة ~~بالبلح الأصفر، وما كان يصدق أنه توجد على الشاطئ نخلة واحدة، ~~وثمة عديد من الأشجار مختلفة الأحجام والأشكال والأزهار لا يدري عن ~~أسمائها أو خواصها شيئا. # ومرت به قافلة من الجمال يقودها رجل، فتساءل من أين أتت وإلى ~~أين تذهب، وداخله شعور كاليقين بأنها تزحف في ضيق مفعم بالتوتر ~~والألم. وقرأ على باب عوامة لافتة تعلن عن «دور مفروش للإيجار». ~~ها هي شقة خالية، وها ms70 هي امرأة لا بأس بشكلها وعمرها، تنظر نحوه من ~~الدور الأعلى، ولن يستطيع الخيال أن يحصي الاحتمالات الممكن أن ~~يصادفها ساكن جديد أعزب، ولكن كيف يمكن أن ينطوي نهار المفيق؟ ~~واعترضه جذع شجرة فاستوقفه لضخامته وغلظه، فرفع عينيه إلى الغصون ~~المنتشرة في الهواء كقبة هائلة مغروسة الهامة في سحابات الصباح ~~الشفافة الدانية، ثم رجع إلى الجذع المعمر هابطا إلى جذور ~~كالحة متفرعة عن أصله، وضاربة في أرض الطور كأنما تنشب فيه ~~أظافرها في اندفاعة متوترة غاصة بالتحدي والألم. وهاك رقعة من ~~اللحاء الخارجي قد تآكلت كاشفة عن طبقة من اللحاء الداخلي، ذات ~~لون أصفر باهت، على هيئة بوابة قوطية استوت أمامه بطول قامته، ~~داعية إياه للدخول. وقال إن طول عمر الشجرة - وحده - يكفي لإقناع ~~من لا يريد أن يقتنع بأن النبات كائن لا عقل له. ومضى وهو يمعن ~~النظر فيما حوله، ومتسائلا في غرابة: ترى ألون الوجود أحمر أو أنه ~~أصفر؟ وهل لحاء الشجر كجلد ميت؟ ولكن متى رأيت جلدا ميتا؟! وثبت ~~له أن شيئا ما في الطريق يعترضه متحديا معاندا مثيرا للألم. ~~وتذكر بغتة أنه لم يحلق ذقنه، وأنه لم ينس ذلك قط وهو مسطول، ~~وأن ذلك سيزيد من تعقيد الأمور. وسأله صوت عن الساعة فلم يعن ~~بإجابته ولم يلتفت نحوه، وسار متثاقلا حتى لوح له بائع الجرائد ~~بصحف الصباح فمضى عنه في غير مبالاة. # إنه لم يقرأ جريدة منذ دهر طويل، ولا يعرف من الأحداث إلا ما ~~تلوكه ألسنة المساطيل في هذيانها الأبدي. من الوزراء وما السياسة ~~وكيف تسير الأمور؟ انظر يا سيدي، ما دمت تسير في طريق شبه خال دون ~~أن يهاجمك قاطع طريق، ما دام عم عبده يجيئك بالغبارة كل مساء، ما ~~دام الحليب متوفرا في الفريجيدير، فالأمور تسير حتما سيرا ~~حسنا. أما آلام الإفاقة، وحوادث السيارات، وأحاديث الليل ~~المغلقة، فلم يعرف بعد على من تقع مسئولية حلها. # وذهب إلى الإدارة مبكرا، وما كاد يستقر على كرسيه الخشبي حتى ~~اجتاحته رغبة لا تقاوم في النوم، فطرح ms71 رأسه على المكتب وغاب في ~~سبات عميق. ودعاه زملاؤه إلى مناقشة عن لائحة العقوبات، فقال لهم ~~إن خير ما تصلح به الحكومة هو لائحة الوصايا العشر وبخاصة بند ~~السرقة وبند الزنا. وغادر الحجرة إلى القرية فأحاط به غلمان الصبا ~~ورموه بالتراب، فانقض عليهم رافعا يده بحجر ولكن عديلة قبضت ~~عليها، وقالت له أنا زوجتك فلا تضربني، فسألها عن البنت فقالت إنها ~~سبقت إلى جنة الخلد، وإنها تدور على الخالدين بالماء العذب. وفرح ~~جدا وقال لها إن عمرا طويلا انقضى وهو يحاول عبثا أن يتذكر ~~ذلك، وإن طريق الجنة محفوف بأشجار الجازورينا ويتعذر السير فيه ~~ليلا، ولكن السيارة تقطعه في ثوان مرهقة بالرعب. ويصرخ الإنسان، ~~ولكن صوته ينحبس في حنجرته ولا يسمعه أحد، فطارت في الهواء، ثم ~~سقطت فوق غصن شجرة، فقال بعجب: إذن هو أنت. فقالت: كيف لم تعرف. ~~فقال: إنه الليل يقطر سوادا، ولا يرى فيه شيء، ويتكلم كثيرا ~~بلا جدوى. فقالت: خبرني عما تريد. فقال: أريد ما فتشت عنه في كل ~~مكان، ولكن ها هو قادم على هيئة سحابة داجنة، وعما قليل ستمطر ~~السماء مطرة واحدة، ولكنها تكفي لبل ريق المنصهر المعذب. ثم ~~مد نحوها ذراعه، ولكنه لمح عم عبده قادما من أقصى الطريق راكضا ~~وهو يملأ الفضاء، فركبه خوف بلا سبب، فودعها بسرعة وانطلق يعدو ~~بكل قوته لا يتوقف ولا يلتفت، غير أنه شعر طيلة الوقت بالعجوز ~~وهو يوشك أن يطبق عليه. وبلغ العوامة فاندفع فوق الصقالة، ثم ~~أغلق الباب وراءه، ووجد لدهشته المجلس مكتملا، والإخوان يتضاحكون ~~كعادتهم فعانقهم وهو لا يصدق، وقال لهم لقد حلمت حلما مزعجا، ~~فسأله رجب عما رأى، فقال رأيت مجلسنا في سيارتك وأنت تدفعنا ~~بجنون فصدمنا رجلا فطار في الهواء فضحكوا طويلا، وقال له مصطفى ~~أحكم اللحاف حولك عند النوم، فتأوه قائلا اسطلوني، فقدمت له ~~سمارة الجوزة وهي تقوم على خدمتها، فجذب منها نفسا طويلا عميقا ~~حتى دار رأسه، وجعل يضحك منها، ويقول ألم نقل لك، فنحت الجوزة ~~جانبا وقامت فتمنطقت بالإشارب ms72 وراحت ترقص رقصة بلدية، فدعاهم إلى ~~التصفيق، ولكنه لم يجد منهم أحدا، أجل لم يكن في العوامة من أحد ~~سواهما ، فراح يصفق لها وحده، ثم ضمها بين ذراعيه وهو يقول لقد ~~فتشت عنك في كل مكان، وسألت عنك عم عبده ... وعند ذاك تهاوت ~~الضربات فوق الباب، وارتفع صوت عم عبده وهو يصيح افتح، فجرها من ~~يدها إلى الفريجيدير واندسا فيها، ثم أغلق الباب. واشتدت ~~الضربات حتى زلزل المكان، واستمر الزلزال حتى فتح عينيه فرأى ~~زميله وهو يهزه قائلا: صح النوم! # دعك عينيه فقال الآخر: اذهب إلى المدير العام فإنه ~~يريدك. # ونظر في الساعة فإذا بها تدور في العاشرة. قام مترنحا ثقيل ~~القلب، فمضى إلى المرفق فغسل وجهه، ثم ذهب إلى مكتب المدير العام ~~ومثل بين يديه. حدجه الرجل بنظرة باردة وقال: أحلام ~~سعيدة! # فلم ينبس من الألم والقرف، فقال الرجل: رأيتك بعيني في سابع ~~نومة وأنا مار أمام الإدارة. ~~- أنا مريض. ~~- كان يجب أن تطلب إجازة. ~~- لم أشعر بالمرض إلا عند حضوري. ~~- الحقيقة أنك مريض قديم ولا شفاء لك. # وجرفه غضب مفاجئ فهتف بخشونة! ~~- لا! ~~- أنت تخاطبني بهذه اللهجة! ~~- قلت إني مريض فلا تهزأ مني. ~~- لقد جننت ما في ذلك شك. # فصرخ بصوت كالرعد: لا! ~~- يا مجنون، ها هي عاقبة الإدمان! ~~- احفظ لسانك أحسن لك! # انتتر الرجل واقفا ممتقع الوجه وصاح به: يا وقح يا مجرم يا ~~مدمن! # انقض بلا وعي على النشافة ورماه بها فأصابت صدره فوق رباط ~~الرقبة. ضغط الرجل على زر الجرس وهو يرتعد، فصاح أنيس: إن نطقت ~~بكلمة أخرى قتلتك! # أحاط به صمت ثقيل في مكتبه ولكنه لم ير أحدا. جلس ساهما ~~منفصلا تماما عما حوله، حتى الألم لم يعد يشعر به، وقبيل ~~الانصراف اقترب منه زميله وهمس في إشفاق: يؤسفني أن أخبرك بأن ~~أمرا قد صدر بوقفك عن العمل وإحالتك إلى النيابة الإدارية. # 17 # استسلم للمقادير، وقال إن شر البلية ما يضحك. وهو يتناول غداءه ~~أخبره عم عبده بأنه لم يجد شيئا عند التاجر وبأنهم ms73 أخطئوا في ~~إغفال نصيحته. والعمل؟ سيجرب حظه عند تاجر آخر، ولكنه غير ~~متأكد من نتيجة مسعاه. ها هي المصائب تتجمع كسحب الشتاء. ~~واستلقى على فراشه وراح يطالع فصولا من عصر الشهداء. قرأ طويلا ~~ولكن النوم لم يأت. سقط شهيد في إثر شهيد ولكن النوم لم يأت. ~~وكره الرقاد فقام يتسلى بإعداد المجلس. عندما تتكاثر المصائب ~~يمحو بعضها بعضا، وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق، وتستطيع أن ~~تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف، ولنا فوق ذلك نزهة لطيفة في ~~النيابة الإدارية. ما اسمك بالكامل: أنيس زكي ابن آدم وحواء. سنك: ~~ولدت بعد مولد الأرض بألف مليون سنة. وظيفتك: برومثيوس مسطولا. ~~مرتبك: ما قيمته خمس وعشرون كيلو من اللحم البلدي. والتاجر على أي ~~حال يجب أن يوجد. ودخل الشرفة فجذب سمعه صوت عم عبده وهو يؤم ~~المصلين لصلاة العصر. تقدمهم كالطود واصطفوا خلفه كالأقزام ما ~~بين خفير عوامة وقروي وخادم. ومخرت النيل قافلة من المراكب ~~الشراعية محملة بالأحجار. وتتابعت الأمواج سمراء ضاربة للاخضرار في ~~هدوء رتيب كأن الطمأنينة تحكم الكون. واستوت على الشاطئ أشجار ~~الأكاسيا كالبركات مستقلة بكون آخر. # وجاء عم عبده عقب الصلاة ولكنه وجد المجلس جاهزا. ورجع أنيس إلى ~~الصالة وهو يقول له مداعبا: تطاردني يا عجوز! ~~- هه؟ ~~- رأيتك في المنام تطاردني. ~~- خيرا إن شاء الله. ~~- ماذا تصنع لو طردتك من العوامة؟ # وهو يضحك: جميع الناس يحبون عم عبده. ~~- أتحب الدنيا يا عجوز؟ ~~- أحب كل ما خلق الرحمن. ~~- ولكنها كريهة أحيانا، أليس كذلك؟ ~~- الدنيا حلوة ربنا يطول عمرك. ~~- إياك وأن ترجع خالي اليدين. ~~- ربنا موجود. # وتلقت العوامة الهزة المألوفة، فنظر أنيس نحو الباب ليرى ~~القادم المبكر. وما كاد عم عبده يختفي حتى ظهرت سمارة، متجهمة ~~شاحبة الوجه، تعكس عيناها توجسا وقلقا وقد ركد ماء الشباب في ~~وجهها. صافحته في آلية، ثم جلسا متباعدين. وانتبهت إلى المجلس ~~المعد بغرابة وتمتمت: أيمكن أن تمضي الحياة كما كانت؟ ~~- لا شيء يكون كما كان. # قالت وهي تغمض عينيها: لم أنم أمس دقيقة واحدة. ms74 ~~- ولا أنا. # فتأوهت قائلة: مات في جانب لا يعوض. ~~- الحق أن الموت يطاردنا بشدة منذ أمس. # مدت له يدها بالجريدة المسائية وهي تقول: جثة رجل في الخمسين، ~~شبه عار، كسر في الفقار والساقين وعظام الرأس، دهمته سيارة وهرب ~~الجناة، لم تعرف هويته كما لم يعرف له أهل. # قرأ الخبر، ثم رمى بالجريدة قائلا: عدنا إلى الجحيم. ~~- لم نخرج من الجحيم. ~~- نحن لم نخرج من الجحيم. ~~- نحن في الواقع قتلة. ~~- نحن في الواقع قتلة. # ثم وهو ينظر إلى النيل: وفضلا عن ذلك فإني دفعت إلى باب ~~التشرد. # وقص عليها قصة المدير العام. وتبادلا نظرات ميتة وهي تعرب ~~عن أسفها، ثم سألته: ألك مورد غير الوظيفة؟ # فضحك ضحكة أغنت عن الجواب، وقال: إنهم يدفعون أجرة العوامة ~~وكافة تكاليف السهرة. ~~- الرفت عقوبة نادرة الحدوث. ~~- سيقول لكل كائن إنني مدمن منحل! ~~- يا للبلاء لقد تراكمت المصائب! # وانطوى كل في قوقعته. # وإذا بالعوامة تخفق في هزات متتابعة، ثم جاء الصحاب جميعا ~~بوجوه غريبة. وقال أنيس لنفسه إنهم يتوقعون متاعب من ناحية ~~سمارة. وسأله رجب - وهو يشير إلى الجوزة - لماذا لا يعمل، فأجابه ~~بأنه لا يوجد شيء، وقال لنفسه إنه يتظاهر بالاستهانة ولكن دون ~~جدوى. وتبين أنهم اطلعوا على الخبر في الجريدة. أجل، وما لبثوا ~~أن علموا بمأساته مع المدير العام. وتأوه علي السيد قائلا: «يا ~~للمصائب!» وقال أحمد نصر باهتمام: يجب أن نتخلص من الجوزة ~~وأدواتها في الحال. # وحدجوه باستنكار فاستطرد: لا أستبعد أن يعمل المدير على ~~الإيقاع بالعوامة! # وفي تصميم قام من فوره وراح يرمي بالجوزة والكراسي والمعسل ~~وسائر الأدوات المساعدة إلى النيل، ثم ارتمى على الشلتة وهو يقول: ~~اعتبروا العوامة منطقة خطر حتى ينجلي الموقف. # وتبادلوا نظرات كئيبة عارية من التصنع حتى تمتم أنيس: الجنة ~~ولت! # ولما لم ينبس أحد رجع يقول: كانت خرجة مشئومة، لماذا فكرتم ~~في الخروج؟ # فقال رجب بصوت حاد: علينا أن ننسى الماضي. # أجل لننس ولكن وجوهكم لا تريد أن تنسى. ونفخت سمارة قائلة: كيف ~~ننسى ووراءنا قتيل! # فقال ms75 بصوت أجش: لذلك يجب أن ننسى. ~~- ولكنه فوق المستطاع. # رماها بنظرة طويلة. لا يدري أحد بما يدور في رأسه، ولا يدري أحد ~~عن محنة الحب شيئا. ترى أتسوء الأمور أكثر مما ساءت؟ وقلب ~~رجب عينيه في الوجوه، ثم قال: خمنت ما سيحدث هنا من قبل أن ~~أحضر، ونحن الآن على بعد من الحادث يتيح لنا التفكير في هدوء ~~فعلينا أن نتكاشف. # فقال علي السيد في ضجر: ألم نعتبر كل شيء منتهيا؟ ~~- يبدو أن لسمارة رأيا آخر! # فقالت سنية بقلق: لا تعودوا إلى ذلك الحديث، إني منهارة ~~تماما. # وقالت ليلى: قضيت ليلة جهنمية وأمامنا عذاب طويل، حسبنا ~~ذلك! ~~- ولكن يبدو - كما قلت - أن لسمارة رأيا آخر. # التفت علي السيد نحو سمارة وقال بنبرة رزينة حزينة: سمارة، ~~خبريني عما ترين، جميعنا محزونون معذبون، لم يذق أحدنا النوم، ~~ليس بيننا من يحب القتل، أو حتى يتصوره، ونحن نشاركك عواطفك، وقد ~~حز في نفوسنا الخبر، رجل مسكين لعله من مهاجري الريف، مجهول بلا ~~أهل، ولا سبيل أمامنا لإصلاح الخطأ، هل من سبيل؟ إذا ظهر له أهل ~~فسنجد وسيلة لتعويضهم، ولكن ما العمل الآن؟ # لم تنبس ولم ترفع إليه عينا، فواصل حديثه: لعلك تقولين لنفسك ~~إن الواجب واضح. من الناحية النظرية هذا حق، كان يجب أن نتوقف لا ~~أن نهرب، وعندما نتأكد من موته نمضي من فورنا إلى النقطة وندلي ~~باعترافنا، ثم نقدم للمحاكمة لينال كل جزاءه، أليس ~~كذلك؟ # فقال رجب: جزائي السجن بلا ريب! ~~- والفضيحة المزرية للجميع بما فيهم أنت! # فقال مصطفى: ولن يبعث الرجل بعد ذلك حيا، ولن يفيد من ~~تضحياتنا. # وعاد علي السيد يقول: إني أعرفك خيرا من الآخرين؛ فتاة مثالية ~~بكل معنى الكلمة، ولكن لا بد من شيء من المرونة لكي نواجه أعباء ~~الحياة. ليس الحادث المؤسف بقضية وطن ولا مبدأ، المسألة بكل بساطة: ~~مجهول قتل خطأ، وهناك مسئولية لا أنكر، حماقة مألوفة ويا للأسف، ~~ولكن هل نهون عليك جميعا؟ هل تريدين حقا التضحية بسعادتنا ~~وكرامتنا، بل دعيني أقول بسعادتك وكرامتك ms76 أنت أيضا، في سبيل لا ~~شيء؟ # تمتمت وهي تتنهد: لن أصلح بعد ذلك لشيء! ~~- وهم لا أساس له، آلاف يقتلون كل يوم بلا سبب، والدنيا بعد ~~ذلك بخير، وستجدين دائما فرصة للعمل؛ فلن يقعد بك تسامحك الواجب ~~نحونا عن نشاطك الصحفي الذكي، ولا عن همتك المعروفة في الوحدة ~~الأساسية، ولا ولا ولا، بل لعله سيدفعك إلى مضاعفة الجهد. ~~- كما يدفع أحيانا الشعور بالإثم؟ ~~- إنه ليس بإثمك على أي حال، وهو خليق بأن يحملنا على إعادة ~~التفكير في كل شيء، أما رجب فقد تطور بالفعل، بفضلك، على الأقل ~~فيما يتعلق بنظرته نحو المرأة، فكري بذلك كله بقلب سمح. # فقالت في قهر شديد: إني صائرة إلى موت محقق! # فقال خالد عزوز: كلنا صائرون إلى الموت. ~~- إنما أعني موتا أفظع. ~~- ليس ثمة ما هو أفظع من الموت. ~~- ثمة موت يدركك وأنت حي. ~~- لا لا، لا يجوز أن يضحي بنا بدافع من تركيب لفظي! # وإذا برجب يصيح بانفعال غاضب شديد: ألا يهمك أن تنشر الصحف ~~أنك كنت بصحبة رجال سيئي السمعة في النصف الأخير من الليل وهم ~~يعبثون ويقتلون؟! # وهاجتها حدته فهتفت بحدة: لا يهمني! # فتمادى في الغضب صائحا: إنك تمثلين دور الشجاعة مطمئنة إلى ~~معارضتنا الإجماعية. ~~- كذب! ~~- إذن هلمي إلى النقطة ... # فصاح مصطفى راشد حانقا: إن ما نبنيه في دهر تهدمه أنت بحماقتك ~~في ثانية واحدة! # وقامت إليه سنية فلمست يده ملاطفة، وقبلت جبينه حتى عدل عن ~~المناقشة، ثم وقفت أمام سمارة وسألتها برقة: أتعنين حقا أن ~~تضحي بنفسك وبنا؟ # فأجابت بإصرار وهي لم تزل تحت وطأة الغضب: نعم! ~~- ليكن، افعلي بنا ما تشائين. # وقبل أن تنطق سمارة بكلمة دخل عم عبده فخرست الألسنة، أعطى أنيس ~~لفافة صغيرة وهو ويقول: وجدتها بطلوع الروح. # فقال أحمد نصر لأنيس: تخلص منها في الحال. ~~- لا. ~~- لقد قلت ما فيه الكفاية. ~~- ليس أسهل من رميها في الماء عند الضرورة. # وتساءل عم عبده: ماذا جرى؟ # فأعادها أنيس إليه ليعد فنجان قهوة، فمضى بها الرجل، وقد غير ~~مجيئه الجو ms77 بعض الشيء، وساد الصمت حتى قال مصطفى راشد متأسفا: ~~عين أصابتنا. # فقال خالد عزوز: فلنلف سجائر لعل وعسى. # وتهلل وجه علي السيد بتفاؤل مباغت فقال برجاء: أراهن على أن ~~رجب سينجب أطفالا! # وإذا بأنيس يضحك، ضحك رغم توتر أعصابه وقال: عملتم من الحبة ~~قبة. # ولما لم يعره أحد انتباها قال: سمارة فتاة ذات مبادئ، ~~ولكنها أيضا امرأة ذات قلب. # فنظروا إليه محذرين في استياء واضح، ولكنه مضى يقول: نحن ~~مدينون للحب. # وأكثر من صوت رجاه أن يسكت، ولكنه أكمل قائلا: فهو الذي أنقذنا ~~من حكم المبادئ. # تأففت سمارة في عصبية، ثم أجهشت في بكاء عنيف كأنه إعصار اجتاح ~~أعصابها، واقترب علي السيد منها متأثرا محاولا تهدئتها، أما ~~رجب فقد انقض على أنيس صارخا: أنت! أنت! # وأهوى بقوة على وجهه بكفه! # 18 # قبض أحمد نصر على ذراعه فجذبه إلى الوراء بشدة وهو يقول بصوت ~~متهدج: أنت مجنون! أي مصيبة وأي جنون؟ # وكفت سمارة عن البكاء فاغرة فاها. وحل صمت كالموت. وتلقى ~~أنيس الصفعة دون أن يتحرك، ونظر إلى رجب طويلا دون أن ينبس، ~~وأراد مصطفى أن يقترب ليواسيه ولكنه مد ذراعه إلى الأمام ليصده ~~وهو يقول: عن إذنك. ~~- خطأ مفجع بلا أدنى شك، ولكن المذنب صديق أبيض القلب أعماه ~~الغضب. # فصرخ بصوت كالرعد: لا. # وجاء عم عبده كأنما يلبي نداءه وهو يقول: القهوة فوق ~~النار. # فلوح بيده أن يذهب فذهب. وقام واقفا وراح يتمشى بعرض الصالة ~~ذهابا وإيابا، وجعل يكلم نفسه بصوت لا يسمعه أحد. وفجأة وثب ~~على رجب وأطبق بيديه على عنقه، وبسرعة ضربه رجب على ذراعيه ~~ليخلص رقبته، فنطحه أنيس في أنفه، ثم انهالا على بعضهما ضربا ~~ولكما وركلا. واندفع الآخرون للحيلولة بينهما، ولكن أنيس ترنح ~~وتهاوى ساقطا على الأرض. وظهر عم عبده عند الباب فوقف ينظر ~~ذاهلا، ثم تمتم: لا، لا. # فأمره أحمد نصر بالذهاب، ولكنه مضى يردد: لا، لا. # ثم تراجع تحت ضغط النظرات وهو يهز رأسه أسفا، وتعاون مصطفى راشد ~~وعلي السيد على مساعدة أنيس للجلوس ms78 على الفوتيل، وأحاط الآخرون ~~برجب الذي راح يمسح الدم النازف من أنفه، وبسط أنيس يديه على ~~ذراعي الكرسي، ومال برأسه إلى مسنده ، ثم أغمض عينيه نصف إغماضة. ~~وقامت ليلى وسنية بإسعاف أولي فجاءتا بماء وقطن ومسحتا الدم عن ~~شفته السفلى وحاجبيه، ثم بللتا وجهه وعنقه. أما سمارة فقد ~~تقلص وجهها ألما، وغمغمت بكلمات لم يسمعها أحد. وضرب أحمد نصر ~~كفا على كف وهو يقول: لم أكن أتصور .. # فتمتم علي السيد: يا للخراب! ~~- لقد ركبنا الشيطان فلم يعد لنا من وجود. # واغرورقت عينا سنية بالدموع وقالت: من يصدق أن يحدث ذلك في ~~عوامتنا؟! # فعادت سمارة إلى البكاء ولكن دون أن يند عنها صوت، وفتح أنيس ~~عينيه، لم ينظر إلى أحد، ومال علي السيد عليه وهو يسأل: كيف ~~حالك؟ # لكنه لم يجب، فقال صاحبه: سأدعو طبيبا بعد إذنك. # عند ذاك قال أنيس: لا داعي لذلك. ~~- الحزن قتلنا صدقني، حتى رجب نفسه، وهو يود مصالحتك. # فقال بهدوء غريب: كل شيء يهون إلا .. # وازدرد ريقه، ثم استطرد: إلا جريمة القتل. # لم يبد على أحد أنه فهم شيئا، واعتدل هو في جلسته. وقال علي ~~السيد: أنت الآن أحسن؟ # فقال بالهدوء نفسه: كل شيء يهون إلا جريمة القتل. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أن العدالة يجب أن تتحقق. ~~- رجب على استعداد. # فقاطعه: إنما أعني قتل الرجل المجهول. # تبادلوا نظرات غريبة، ثم هز علي السيد منكبيه قائلا: الأهم ~~أن تعود إلى حالتك الطبيعية. ~~- عدت إليها تماما فشكرا، إني أتكلم عما يجب عمله بعد ~~ذلك. ~~- ولكنني لا أفهم ما تعنيه يا عزيزي؟! ~~- ليس كلامي غامضا بحال، إني أعني القتيل المجهول، وأقول إن ~~العدالة يجب أن تتحقق! # ابتسم علي السيد ابتسامة حائرة بلهاء، ثم قال: ها أنت ترانا في ~~غاية من التعاسة ولم يبق إلا أن ننفجر هالكين. ~~- يجب أن تأخذ العدالة مجراها. ~~- الكلام يتعبك ولا شك. ~~- يجب الإبلاغ عن الجريمة فورا. ~~- إنك لا تعني ما تقول. ~~- بل أعنيه بكل دقة ووعي. ~~- شيء لا يصدق. ~~- صدقه فهو حقيقي مؤكد. ~~- ولكن القضية ms79 لم تهمك قط! ~~- لا يهمني الآن سواها. # وجاء أحمد بكأس ويسكي ولكنه رفضه شاكرا، فأراد أن يلف له ~~سيجارة إلى أنت تنضج القهوة، ولكنه قال بأنه سيفعل ذلك بنفسه في ~~الوقت المناسب، وقالت له ليلى برجاء: بالله لا تزدنا تعاسة! ~~- إنه قضاء لا راد له. ~~- لقد انتهينا من ذلك وسمارة نفسها قد رحمتنا. ~~- قلت ما فيه الكفاية. # وقال خالد بعصبية: يا جماعة علينا أن نذهب! لقد مسنا الجنون ~~ولن يزيده اجتماعنا إلا استفحالا. ~~- ولكني سأذهب إلى النقطة بنفسي فليكن ذلك في علمكم. # تركزت عليه الأنظار بذهول. وحول رجب وجهه إلى النيل لينفخ ~~غضبه في الهواء. وقال أحمد نصر: لست في كامل وعيك. ~~- بل في كامل وعيي. ~~- أتدري ما هي العواقب؟ ~~- أن ينال كل جزاءه. # فصاح رجب بأعلى صوته: إنه بائس مرفوت ولا يهمه في شيء أن ~~يندك المعبد على من فيه! # فصاح به علي السيد: اسكت أنت! إنك المسئول الأول عن كل شيء فلا ~~تنطق بكلمة! # ثم التفت إلى أنيس قائلا بحرارة: أتصورت حقا أن نتخلى عنك ~~في محنتك؟ ليس من المحتوم أن ترفت، وإذا رفت فنحن وراءك ومعك ~~حتى تجد عملا آخر. ~~- شكرا ولكن لا علاقة بين هذا وذاك. ~~- بالله كان معقولا! لا سبب في الدنيا كلها يبرر موقفك، حتى ~~سمارة اقتنعت برأينا، إني لا أفهمك! # فصاح رجب: ألا تفهم حقا؟ ~~- اسكت أنت. ~~- ألم تفهم أنه مصمم على الانتقام مني؟ ~~- اسكت أنت. ~~- لقد جن ولا فائدة من مناقشة مجنون. ~~- قلنا لك اسكت. ~~- فلتدك السموات على الأرض قبل أن أسمح لمدمن مجنون بأن يدمر ~~مستقبلي. # وأرادت سمارة أن تقول شيئا ما، ولكن رجب لوح نحوها بقبضته ~~غاضبا وصاح: ماذا تريدين يا رأس البلوى؟ # فانكمشت في ذعر، أما رجب فانقلب وحشا مجنونا ووثب الافتراس ~~من سحنته، ثم صرخ: إذا لم يكن من تهمة القتل بد فلتكن جريمة ~~قتل حقيقية. # تكتل الرجال حوله في تصميم، وجعل أحمد يقول يائسا: كارثة! ~~ستقع كارثة فتقتلعنا جميعا. # وظهر عم عبده مرة أخرى وهو يقول: وحدوا ms80 الله! # فصاح به أحمد نصر: غر! اذهب بعيدا وإياك أن تعود! # ولما ذهب العجوز قال لأنيس: أنيس، ها أنت ترى، باسم صداقتنا ~~أعلن أنك لا تعني ما تقول. # فقال أنيس بإصرار: لن أتراجع أبدا. ~~- دينك ودين أهلك! # والتفت نحو سمارة داعيا إياها بنظرة جزعة وجلة إلى التدخل، ~~وتركزت الأنظار عليها واضحة في حثها على الكلام وفي تحميلها ~~مسئولية ما وقع معا. وركبها القهر والحرج. ونظرت نحو أنيس، ~~وازدردت ريقها، ثم همت بالكلام ولكنه سبقها قائلا: لا تراجع، ~~أقسم لكم على ذلك! # وهجم رجب محاولا فك الحصار المضروب حوله ليثب عليه، ولكنهم ~~شددوا في حصاره وقبضوا على ذراعيه ووسطه، وبذل كل قوته للتخلص ~~من أيديهم دون جدوى، وعند ذاك قام أنيس ثم سار نحو باب المرافق ~~فاختفى دقيقة، ثم رجع قابضا على سكين المطبخ ووقف بين الباب ~~والفريجيدير متوثبا للدفاع عن نفسه حتى الموت، وصرخت النساء، ~~وهددت سنية باستدعاء البوليس عند أول بادرة شر، وضاعفت السكين من ~~ثورة رجب فانهال على أنيس سبا وقذفا، وكرر المحاولة للوثوب ~~عليه حتى صاح خالد عزوز: يجب أن نذهب في الحال. # فصرخ رجب: سأقضي عليه قبل أن يقضي علي! # ولكنهم دفعوه نحو الباب الخارجي رغم مقاومته، وعنفت حركاته ~~للتخلص منهم، فعنف كذلك إصرارهم حتى انقلب ما بينهم إلى ما يشبه ~~المعركة، وهددهم إذا لم يتركوه بالضرب، فهددوه بدورهم ~~بالضرب. # وتابع أنيس المنظر بغرابة. إنهم يتصارعون، الوحش يريد أن يقتل، ~~استماتوا في الدفاع فلم يغلبهم. # وكف فجأة عن الهجوم. ها هو يقف جامدا وهو يلهث، ثم ينتفض ~~غضبا. وبرقت في عينيه نظرة جنونية وصرخ: إنكم تتوهمون أنني ~~وحدي المسئول! ~~- لندع الكلام حتى نغادر العوامة. ~~- لقد هربتم معي! ~~- فلنتكلم في الخارج بهدوء. ~~- كلا يا أوغاد، إني ذاهب، سأذهب إلى النقطة بنفسي. إني أتحدى ~~الخراب والموت والشياطين! # واندفع إلى الخارج وهم في أعقابه، وتبعتهم في الحال سنية وليلى، ~~وارتجت العوامة ومادت تحت وقع الأقدام الثقيلة الغاضبة. # وضع السكين فوق الخوان ومضى إلى أقرب شلتة، ثم جلس غير بعيد ms81 من ~~سمارة. نظر كلاهما إلى الليل خارج الشرفة مستسلما للصمت والوحدة. ~~لم يتبادلا نظرة ولا كلمة، ولكنه قال لنفسه إن الدنيا قد زلزلت، ~~وإنها على وشك الانفجار. وشعر بأقدام تقترب، مألوفة اللغة، فلم ~~يلتفت حتى وقف العجوز وراء ظهره وقال: ذهبوا. # فلم يجبه، فعاد الآخر يقول: لعب الشيطان بكم حتى شبع. # فلم يخرج من صمته، فقال العجوز: جئتك بالقهوة. # فتحسس فكيه وقال: اتركها أمامي. ~~- خذها في الحال من يد مباركة لتسكن الألم. # وقرب الفنجان من فيه بإصرار حتى احتساه، فقال العجوز: لتكن هذه ~~المرة للشفاء. # ثم تحول عن موقفه ماضيا نحو الباب، ولكنه توقف عند البارافان ~~وقال: اعتزمت أن أفك سلاسل العوامة لو كان عاد إلى ضربك! # فقال أنيس بدهشة: لكنني كنت سأغرق مع الآخرين؟ # فقال وهو يمضي: على أي حال ربنا ستر! # وضحك أنيس ضحكة خافتة، وسألها: أسمعت ما قال العجوز؟ # فسألته بدورها: ألا ترى أنه يجب استدعاء طبيب؟ ~~- كلا، لا حاجة إلى ذلك. # وأشعرته إثارة الموضوع بالألم من جديد، ولكنه كان طفيفا، وكانت ~~القهوة قد استقرت في معدته. # وسألته مرة أخرى: أيذهب حقا إلى النقطة؟ ~~- لا أدري شيئا عما يقع في الخارج. # فترددت قليلا، ثم سألته: ما الذي جعلك ... # وقطعت عبارتها، فأدرك معناها ولكنه لم يجب، فسألته: ~~الغضب؟ ~~- ربما. ~~- ربما؟ # ثم وهو يبتسم: وأردت أيضا أن أجرب قول ما يجب قوله! # تفكرت قليلا، ثم سألته: لماذا؟ ~~- لا أدري بالضبط، ربما لأمتحن كيف يكون أثره. ~~- وكيف وجدته؟ ~~- كما رأيت. ~~- ألا تنوي أن تبلغ بنفسك إذا لم يفعل؟ ~~- إنك لا تريدين ذلك! # فتنهدت قائلة: كان الموقف فوق طاقتي فانهزمت. ~~- ولكن التجربة أثبتت أنه ممكن؟ ~~- ولكن يبدو أنك لن تسير فيها إلى النهاية. ~~- لا سبب لذلك عندي مثلك. ~~- ها أنت تعود إلى قتلي! # فصمت مليا، ثم قال: إنك تحبينه، أليس كذلك؟ # فلاذت بالصمت متجاهلة ترقبه، فقال: أوجدته مختلفا عن الرجل ~~الممتاز الذي رفضته من قبل؟ # فقالت بنبرة متشكية: روح القتال لم تفارقك بعد. ~~- ليس ثمة ما يخجل في ذلك؛ فهو رجل ms82 ممتاز أيضا. ~~- ولكنه بلا أخلاق! ~~- لم يعد للأخلاق وجود، حتى أحمد نصر! ~~- أود أن أقول إنك متشائم ولكن لا حق لي في ذلك. ~~- على أي حال ستحميهم لا أخلاقياتهم من ارتكاب حماقة أخلاقية، ~~وسوف يعود إليك الحب! ~~- عذبني كيف شئت فإني أستحقه وأكثر. # فضحك ضحكة أشعرته بآلام فكيه وقال: وها أنا أعترف لك بأن ~~الغيرة كانت باعثا من بواعث سلوكي الغريب! # فحدجته بنظرة داهشة فابتسم قائلا: لا يصح أن أخدعك؛ فقد ~~تتوهمين أن إحدى شخصيات مسرحيتك قد تطورت إلى النقيض بتأثير ~~كلامك أو بدافع من حدة التجربة، فأوقعك في نهاية مفتعلة! # لبثت ترامقه بدهشة فقال: وثمة نهاية أخرى لا تقل عن السابقة ~~سخفا؛ وهي أن تبادليني الحب! # فغضت من عينيها وهي تسأله: فكيف ترى النهاية؟ ~~- هذه هي مشكلتنا لا مشكلة المسرحية وحدها. ~~- لكنك تكلمت عن قول ما يجب قوله؟ ~~- ذلك حق، لم يكن الغضب ولا الغيرة وحدهما، ولكن خطر لي بعد ذلك ~~أن أقول ما يجب قوله، وأن أقف موقفا جادا لأمتحن أثره؛ فوقع ~~زلزال لا ندري شيئا عن عواقبه، وحتى أنت انهزمت! ~~- إنك تمثل بجثتي. ~~- بل إني أحبك. # تجلت في عينيها نظرة حزن عميق وقالت: أعترف لك بأنني مصرة ~~على أن أكون جادة أكثر مني جادة بالفعل. ~~- هات ما عندك بسرعة فإن القهوة على وشك! ~~- في أويقات الراحة من العمل يعترضني العبث كأنه وجع ~~الأسنان. ~~- ذاك بعض أعراضه. ~~- ولكنني أحاربه بعقلي وإرادتي. # فقال ساخرا: لا يبعد أن تجدي التطور الضروري في المسرحية في ~~تطور البطلة إلى الوراء! # فاحتدت قائلة: كلا، كلا، إني مصممة. # سكت إشفاقا فقالت: ومع ذلك فإنني مقتنعة بأن المسألة ليست مسألة ~~العقل والإرادة وحدهما. ~~- إذن ماذا؟ ~~- أتعرف لعبة الساقية في لونابارك؟ ~~- كلا. ~~- إنها تدور بركابها من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى ~~أسفل. ~~- وبعد؟ ~~- عندما تكون صاعدا فإنك تتلقى إحساسا صاعدا بطريقة ~~تلقائية، وعندما تكون هابطا فإنك تتلقى إحساسا هابطا بطريقة ~~تلقائية كذلك، وبلا تدخل - في الحالتين - من العقل أو ~~الإرادة! # زديني شرحا وتذكري القهوة. ~~- نحن ms83 من الركاب الهابطين. ~~- والعمل؟ ~~- ليس لنا إلا العقل والإرادة! ~~- والهزيمة؟ # فقالت بحدة: كلا. ~~- هل تعدين نفسك مثالا للانتصار؟ ~~- من الركاب الهابطين من جاوز نفسه وحتى من أهلكها. # وراحت تتكلم عن الأمل فنظر إلى الليل. ورفرف الليل بجناحيه ~~فتناثرت الأسرار كالنجوم. واستحال كلامها وشوشة منبعثة من ~~تهويمات حلم. وشيء حدثه بأنه عما قليل سينشق سطح الماء ~~القاتم عن رأس الحوت. ~~••• # وقالت له: إنك لم تعد معي. # فقال محدثا نفسه: أصل المتاعب مهارة قرد! ~~- ما كان ينبغي أن تشرب القهوة. ~~- تعلم كيف يسير على قدمين فحرر يديه. ~~- هذا يعني أنه يجب أن أذهب. ~~- وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة. ~~- سؤال أخير قبل أن أذهب: ألديك خطة للمستقبل إذا تأزمت ~~الأمور؟ ~~- وقالوا له: عد إلى الأشجار، وإلا أطبقت عليك الوحوش. ~~- أتستحق معاشا مناسبا إذا لا سمح الله رفت؟ ~~- فقبض على غصن شجرة بيد، وعلى حجر بيد، وتقدم في حذر وهو يمد ~~بصره إلى طريق لا نهاية له. ms84