######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.YawmQutilaZacim.Hindawi94694257 #META# Tags: novels #META# ID: 94694257 #META# Title: يوم قُتل الزعيم #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # علوان فواز محتشمي‏ # رندة سليمان مبارك‏ # محتشمي زايد‏ # | يوم قتل الزعيم # | يوم قتل الزعيم # تأليف # نجيب محفوظ # | محتشمي زايد # نوم قليل، وفترة انتظار ثملة بالدفء تحت الغطاء الثقيل. النافذة تنضح بضياء خفيف، ولكنه ~~يتجلى بقوة في ظلام الحجرة الدامس، اللهم إني أنام بأمرك، وأصحو بأمرك، وإنك مالك كل شيء. ~~ها هو أذان الفجر يفتتح يومي الجديد، ويسبح في بحر الصمت الشامل هاتفا باسمك. اللهم عونك ~~لهجر حنان الفراش، والخروج إلى قسوة برد هذا الشتاء الطويل. حبيبي يغط في نومه في الفراش ~~الآخر؛ فلأتلمس طريقي في الظلام أن أوقظه. ما أبرد ماء الوضوء! ولكني أستمد الحرارة من ~~رحمتك. الصلاة لقاء وفناء. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. كل يوم لا أزداد فيه علما ~~يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم. أنتزع نفسي من تأملاتي أخيرا لأوقظ ~~النيام. أنا منبه هذه الأسرة المرهقة. حسن ألا تخلو من نفع وأنني في هذا العمر؛ طاعن في ~~السن متين الصحة بفضل الله. لا بأس أن أضيء المصباح الآن، وأنقر باب الحجرة بأصبعي هاتفا: ~~«فواز.» حتى أسمع صوته وهو يقول: «صباح الخير يا أبي.» أرجع إلى حجرتي وأضيء مصباحها ~~أيضا، فأرى حفيدي مستغرقا في نومه لا يبدو منه إلا وسط وجهه بين حافتي الغطاء ms01 والطاقية. ~~ما باليد حيلة، علي أن أخرجه من دنيا الراحة إلى الجحيم، وأهمس بقلب مفعم بالعطف عليه ~~وعلى جيله: «علوان .. اصح.» ويفتح عينيه العسليتين، ويتثاءب، ويقول باسما: «صباح الخير ~~يا جدي.» ويعقب ذلك حركة أقدام، ونشاط ألسنة، وحياة تدب ما بين الحمام وحجرة ~~السفرة، وأستمع إلى قرآن الصباح في الراديو حتى تناديني هناء زوجة ابني: «السفرة جاهزة ~~يا عمي.» أهم ما بقي لي في مسرات الدنيا الطعام. ما أكثر نعم الله في دنياه! اللهم ~~جنبني المرض والعجز، لا أحد ثمة للعناية بالآخرين، ولا فائض مال للتمريض. الويل لمن ~~يسقط. يجمعنا في الصباح المدمس وحده أو الطعمية، هما معا أهم من قنال السويس. سقيا ~~لعهد البيض والجبن والبسطرمة والمربى، ذلك عهد بائد، أو ق.ا. أي قبل الانفتاح. الأسعار ~~جنت، كل شيء قد جن. ما زال فواز مائلا للبدانة، وهو يستعين بالخبز، ومثله هناء، ولكنها ~~تسرع نحو الكبر قبل الأوان. ابن خمسين يبدو اليوم كأنه ابن ستين. وقال فواز بصوته ~~الجهير: سنعمل أياما صباحا ومساء بالوزارة، فأضطر إلى الانقطاع عن الشركة. # ساورني قلق. إنه وزوجه يعملان في شركة قطاع خاص، ودخلهما ومعاشي ومرتب علوان تفي ~~بالكاد بضرورات الحياة، فما الحال إذا استغنت عنه الشركة؟! # فقلت برجاء: لعلها أيام قليلة. # وقالت هناء: سأقوم ببعض عملك، وآتيك بما لم ينجز منه، وأشرح لمدير القسم ظروفك. # فقال فواز متسخطا: هذا يعني أن أعمل في الصباح حتى منتصف الليل. # أتمنى دائما ألا نثير غبار الهموم على مائدة الطعام، ولكن كيف؟ وقال علوان: والد ~~أستاذتي علياء سميح يسوق تاكسي في أوقات فراغه ويربح أكثر طبعا. # فسأله والده: هل يملك التاكسي؟ ~~- أظن ذلك. ~~- ومن أين لي بشراء واحد؟! وهل كان أبو أستاذتك غنيا أو مرتشيا؟ ~~- كل ما أعرفه أنه رجل محترم. # فقلت: اختار طريقا شريفا في النهاية. # فقال علوان ضاحكا: لعلي أختار طريقا مثله يوما ما. # فسألته هناء بجدية: ماذا ستفعل؟ ~~- سأكون عصابة للسطو على البنوك! # فقال فواز بامتعاض: خير ما تفعل. # ومسحت الأطباق مسحا، ومضت بها هناء ms02 إلى المطبخ، وما لبثوا أن ودعوني وذهبوا. وجدتني في ~~الشقة الصغيرة وحيدا كالعادة. اللهم ارزقهم واكفهم شر الأيام. اللهم امنحني شيئا من نعمة ~~القرب والولاية. لو تركت البيت على حاله لبقي ملهوجا في فوضى شاملة حتى المساء. أفعل ما ~~أستطيع في حجرة نومي وحجرة المعيشة، حيث أمضي وحدتي مستمعا للقرآن والأغاني والأخبار في ~~رحاب الراديو أو التليفزيون. لو توجد حجرة رابعة لأمكن أن يقيم علوان فيها عشه. الحمد لله، ~~لا اعتراض على قضائه. مر العارف أبو العباس المرسي بالقاهرة بأناس يزدحمون على دكان خباز ~~في سنة الغلاء فرق قلبه لهم، ثم وقع في نفسه أنه لو كان معي دراهم لآثرت بها هؤلاء؛ ~~فأحس بثقل في جيبه فأدخل فيه يده، فوجد فيه جملة من الدراهم، فأعطاها للخباز وأخذ بها ~~خبزا فرقه، فلما انصرف وجد الخباز الدراهم زائفة فاستغاث عليه وأمسكه؛ فعلم أن ما ~~وقع في نفسه من الرقة اعتراض على قضاء الله، فاستغفر وتاب، وسرعان ما تبين للخباز أن ~~الدراهم صحيحة! ذلك هو الولي الكامل، ولا تتأتى الولاية إلا لمن يعرض عن الدنيا. شارفت ~~الثمانين وما وسعني أن أعرض عن الدنيا. هي دنيا الله وهبته الخاطفة لنا، فكيف أعرض ~~عنها؟! أحبها ولكن حب الحر التقي العابد، فلم تضن علي بالولاية؟ يهمني القرآن والحديث ~~كما يهمني الانفتاح، وكما تهمني لقمة المدمس بالزيت الحار والكمون والليمون. ومن ذا يحيط ~~برحمة الله الواسعة؟ فقد أشير ذات يوم من بعيد إلى المصباح فيضيء دون أن أمس مفتاحه. لم ~~يبق لي من أصدقاء العمر إلا واحد فرقت بيننا الشيخوخة. وحدة النفس والمكان والزمان. ~~وكفت العينان عن القراءة منذ عام. نومي قليل جدا ولا أخاف الموت. أرحب به حالما يجيء ~~ولكن ليس قبل ذلك. عندما افتتح الملك فؤاد المدرسة انتدبت لإلقاء كلمة المدرسين؛ يوم مجد ~~أثلج صدري بهتاف الأولاد: «يعيش الملك ويحيا سعد.» تغير الهتاف وتغيرت الأغاني. انفجر ~~أخيرا الغلاء. من وراء الزجاج المغلق أرى النيل والأشجار. بيتنا أقدم وأصغر بيت في شارع ~~النيل؛ قزم وسط العمائر ms03 الحديثة. النيل نفسه تغير وكأنه مثلي يكابد وحدة وشيخوخة. ~~لبسته حال واحدة، فقد مجده وأطواره، لم يعد في مقدوره الغضب. ما أكثر السيارات، ما ~~أكثر الثروات، ما أشد الفقر، ما أكثر الأحباب الراحلين! يوم غائم منذر بالمطر، في مثله ~~كانت تحلو الرحلة إلى حدائق القناطر. أصدقاء العمر يجتمعون حول الدجاج المقلي والبطاطس ~~والشراب والفونوغراف. أسمر ملك روحي، إن كنت أسامح وأنسى الأسية، كلهم هياكل عظمية، ~~وضحكاتهم المترعة بالسرور والأمان ذابت في تضاعيف الفضاء. وقفوا ورائي صفا ليلة الزفاف؛ ~~ليلة كشف النقاب لأول مرة عن وجه فاطمة. خمس سنوات مضت على آخر زيارة لقبرك. أي سرعة ~~جنونية في هذا الزحام الذي لم تعرف له الأشجار مثيلا مذ غرست في عصر إسماعيل؟! المجنون يجري ~~بلا وعي نحو حادثة يرصده عندها الأجل. قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «يا عبد الله، كن في الدنيا ~~كأنك غريب أو عابر سبيل، واعدد نفسك في الموتى.» صدق رسول الله. # | علوان فواز محتشمي # صباح يوم جديد، قديم، جديد قديم، جديد قديم، جديد قديم، جديد قديم، قديم جديد. دوخيني ~~يا ليمونة. إن لم يوجد قديم حسن فليوجد جديد سيئ. أي شيء خير من لا شيء. الموت نفسه ~~تجديد، المشي صحة واقتصاد. المفروض أنه طريق العشق والجمال فانظر ما هو. آه يا قدمي! آه ~~يا حذائي! تحملا وتصبرا، هذا زمن التحمل والتصبر. في زمن النار والوحوش لا نسمة ~~ترطب الفؤاد إلا أنت يا حبيبتي. للأشجار الباسقة فضل، وللنيل فضل أيضا لا ينكر. انظر ~~إلى أعلى إلى السحب البيضاء ورءوس الأشجار لتنسى سطح الأرض المجدور، ستلقى يوما شيطانا ~~بريئا فتؤاخيه. إني عبد العقل الراجح، والخلق الكريم، والعينين السوداوين المظللتين ~~بحاجبين مقرونين؛ منذ الصغر منذ الصبا منذ الشباب في البيت القديم الضائع بين العمائر ~~الشاهقة، دسيسة بين الأغنياء. سيقتلنا صاحب البيت ذات يوم. عجيب أن يخلد الحب في ظل الفساد ~~المنتشر. هذا الطوار المتهرئ، هل تخلف عن غارة جوية؟ وأكوام القمامة رابضة بالأركان تحرس ~~العشاق. صباح الخير أيها المكدسون في ms04 الباصات، وجوهكم تطل من وراء الزجاج المشروخ مثل ~~المساجين في يوم الزيارة. والجسر المكتظ بالعابرين. السائرون على عجل يلتهمون سندوتشات ~~الفول بنهم وبلا تذوق. جدي قال: اشتدي أزمة تنفرجي. # يا جدي المحبوب حتى متى نحفظ ونردد؟ إنه صديقي الأول، ما أنا إلا يتيم؛ فقدت أبوي بعد أن ~~فقدا نفسهما في عمل يتواصل من الصباح حتى المساء، موزعين بين الحكومة والقطاع الخاص في سبيل ~~اللقمة والضرورة، لا نلتقي إلا خطفا. ~~- لا وقت للفلسفة من فضلك، ألا ترى أننا لا نجد وقتا للنوم؟! إن صادفت إحدى أخواتي عثرة ~~في حياتها الزوجية ندبت أنا لإصلاح ذات البين! زمن لا يجد فيه أحد عند آخر عونا، على ~~كل أن يصارع وحسن حظه وحده. أخيرا ها هي شركة الأغذية، إحدى شركات القطاع العام، أقرأ ~~على مدخلها بالبنط العريض: «ادخلوها بلا أمل.» ها هي محبوبتي في إدارتنا العتيدة، ~~العلاقات العامة والترجمة، تغدق علي ابتسامة الحب. قلت لها معاتبا: لو انتظرت دقائق ~~لجئنا معا. # فقالت بمرح: لظروف كان علي أن أتناول فطوري في البرازيل. # بفضل جدي جمعتنا شركة واحدة وإدارة واحدة، أو بفضل ضابط من الضباط الأحرار كان يوما ~~تلميذه. جدي شخصيته لا تنسى، يتذكر فضله رجل من جيل أنكر فضل السابقين. ما أكثر البنات في ~~إدارتنا! ها هي جيوش الأوراق تجم عملنا في غير حاجة إلى تركيز جدي؛ أعمل حينا وأسترق ~~النظر إلى حبيبتي رندة حينا. أتذكر وأحلم وأحلم وأتذكر. قصة طويلة ترجع إلى أقدم عصور ~~الحياة في بيتنا القديم الفريد. لعبنا في الطفولة واحد وعمرنا واحد. ماما تؤكد بغير دليل ~~أنها أكبر مني، ويجيء البلوغ مصحوبا بالحياء والحذر، والرقيب يتدخل هادما المسرات، لكن ~~الحب اقتحم في حينه. في المرحلة الثانوية، انهالت على السلم بين الطابقين المداعبات ~~العابرة والعبارات الرمزية. وذات يوم دسست في يدها رسالة اعتراف. كجواب منها أهدتني قصة ~~وفاء الجيلين. لما نجحنا في الثانوية العامة في عام واحد قلت لجدي: أريد أن أخطب رندة ~~سليمان جارتنا. جدي قال لي إنه على أيامه لم ms05 يكن يباح الكلام في الخطبة قبل أن يستقل ~~الشاب بحياته، ولكنه وعد بمفاتحة بابا وماما في الموضوع كما وعد بتأييدي. أمي قالت إن آل ~~سليمان مبارك أقرب من الأقارب، ورندة بمنزلة بناتها، ولكنها أكبر منك! وقال أبي: إنها ~~تماثلك في السن إن لم تكن أكبر، وتماثلك أيضا في الفقر. أعلنت الخطبة في يوم سعيد. وقتها ~~كان الحلم يمكن أن يصير واقعا. منذ التحقنا بالعمل موظفين واجهتنا حقائق جديدة، ومرت أعوام ~~ثلاثة فختمنا السادسة والعشرين. كنت عاشقا فأصبحت مرهقا عاجزا مسئولا، لا نجتمع اليوم ~~للمناجاة، ولكن لمناقشات توشك أن تلحقنا بالمجموعة الاقتصادية؛ الشقة .. الأثاث .. أعباء ~~الحياة المشتركة. لا حل لديها ولا حل لدي، ولا نملك إلا الحب والإصرار. أعلنت الخطبة في ~~عهد الناصرية، وواجهنا الحقيقة في عصر الانفتاح، غرقنا في دوامة عالم مجنون، حتى في الهجرة ~~لا مجال لنا، بين الفلسفة والتاريخ ضعف الطالب والمطلوب. لا لزوم لنا. ما أكثر من لا لزوم ~~لهم! كيف حاق بنا هذا الضياع؟! إني مسئول مطارد تحاصره التساؤلات، وهي جميلة ومطلوبة، ~~وأنا قائم مثل السد في طريق حظها. نظرات والديها الممتعضة لا تفارقني .. أكاد أسمع ما يقال ~~من ورائي. فوق ذلك تهيم أحلام الإصلاح، تجيء من فوق أو من تحت، بقرارات أو بانتفاضات، معجزة ~~العلم والإنتاج، لكن ما الحل مع ما يقال عن الفساد واللصوص؟ ما أفظع ما تقول الدكتورة علياء ~~سميح وما يقول محمود المحروقي! أين الصواب؟ لم أشك في كل شيء؟ منذ تهاوى مثلي الأعلى في ~~5 يونيو، كيف يجد أناس سبيلا سحريا إلى الثراء الفاحش وفي زمن لا يصدق؟! ألا يمكن أن ~~يحدث ذلك بلا انحراف؟ ما سر حرصي على الاستقامة؟ ما أطمح في هذه الساعة إلى أكثر مما ~~يؤهلني للزواج من رندة. دعينا إلى مقابلة مدير الإدارة أنور علام، أنا ورندة. كثيرا ما ~~ندعى معا لتعاوننا المشترك على ترجمة اللائحة؛ إنه مدير لطيف المعاملة، جميل الاستقبال، ~~محب للدعاية، نحيل طويل غامق السمرة، مستدير العينين ذو نظرة نافذة، وأيضا كهل يشارف ~~الخمسين ms06 من عمره وأعزب. وكعادته قال: أهلا بالعروسين! # وراح ينظر في أوراقنا بسرعة وذكاء مبديا بعض الملاحظات. ورد التسويدة متسائلا: متى ~~نفرح بكما؟ # إني أعتبر أسلوبه في التدخل في الشئون الخاصة للموظفين سياسة، وإن لم تصادف مني ارتياحا ~~مثل نظرة عينيه، على أني أحببته: مشكلتنا حتى الآن لا حل لها. # فقال باستهانة جريئة: لا مشكلة بلا حل. # فقلت كالمحتج: ولكن ... # وإذا به يقاطعني: لا تردد أقوال العاجزين. # فملأني الغيظ وسألته: ما الحل في تصورك؟ # فضحك ضحكة مستفزة وقال: لا تطلب الحل عند الآخرين. # رجعت إلى مكتبي وفكرة تساورني أنه تعمد أن يظهرني في صورة العاجز أمام رندة، وعشت في ~~غبش هذه الفكرة طيلة الوقت حتى أذن موعد الانصراف. ولدى عودتنا معا إلى شارع النيل ~~ملفوفين في معطفينا قلت لها: الرجل أثار أعصابي. # فقالت وهي تحبك طوق المعطف حول عنقها السمح: وأنا كذلك. ~~- إنه سمج يدعي الظرف. ~~- هو كذلك. ~~- هل تصدقين أنه يوجد حل لمشكلتنا لم نهتد إليه بعد؟ # فتفكرت قليلا ثم قالت: أملي في الله كبير، نحن نفكر وكأن كل شيء سيبقى على حاله إلى ~~الأبد! # فقلت بقلق: ولكن العمر يجري يا رندة. # فقالت باسمة: ربما، ولكن الحب ثابت! # | رندة سليمان مبارك # أصعد السلم إلى الشقة، ويقف هو أمام شقته كأنما ليطمئن علي حتى أبلغ بابي. ودعني ~~بقبلة فاترة شأن المهموم بأفكاره. لعنة الله على المدير. استفزه بلا سبب. ظل طول الوقت ~~كئيبا مغتما. أفهم ذلك جيدا، ولكن ألا يثق بي؟! لا مساحة عندنا لمزيد من القلق. رائحة ~~الملوخية تجول في الشقة، ما أشد استجابتي لها! أبي نائم فوق مقعده. ألثم جبينه فيختلج ~~جفناه. يبتسم بحنان. هزلت وضعفت. لعنة الله على الروماتزم. محتشمي بك جد حبيبي أقوى منه عشر ~~مرات رغم أنه يكبره بعشر سنوات. صوت ماما يعلن أن السفرة جاهزة. أحب الملوخية، ولكن ماما لا ~~تعجبها شهيتي. كثيرا ما تقولي لي: النحيف لا يقاوم الأمراض. # فأقول لها: البدانة أيضا ضارة. ~~- عنيدة، إن قلت يمينا قالت شمالا. # ماما بدينة، وكانت كذلك ms07 من قديم، تصلي وهي قاعدة على الكنبة؛ من أجل ذلك يكتنفني الحذر ~~عند تناول الطعام. ظنت نفسها غنية بدخلها البالغ خمسة وعشرين جنيها في الشهر. لعلها كانت ~~على حق في الأيام الأسطورية التي تحكى لنا، أي قيمة اليوم لدخلها ومعاش بابا ومرتبي ~~جميعا؟! # ركب أبي طاقم أسنانه الذي لا يستعمله إلا حين تناول الطعام، وراح يأكل على مهل ويشكو ~~شدة البرد. انضمت أختي المطلقة سناء التي تشاركني حجرة نومي. إنها تدرس السكرتارية في ~~معهد خاص لتجد لها عملا فلا تكون عالة على أحد. بعد الغداء استلقيت على فراشي، فعاودتني ~~ذكرى القبلة الفاترة. لا أحب هذا. إهانة أو ما يشبه ذلك. إذا تكرر ذلك فسوف أصارحه: لا ~~تقبلني إلا وأنت تحبني، لا يشغلك شيء عن حبي، ماذا بقي لنا سوى الحب؟! أراعيه كأنما أنا أم ~~وكأنما هو ابن مدلل متمرد. آه لو أمكنه أن يكون مهندسا! كان «زمنا» من أبطال الانفتاح لا ~~من ضحاياه، وضحية أيضا ل 5 يونيو واختفاء البطل المنهزم، حائر لا موقف له. حتى متى؟ يحتقر ~~السابقين ويؤمن بأنه خير منهم، لماذا؟ متى ينظر إلى نفسه نظرة ناقدة موضوعية؟ لعله دوري ~~وواجبي، ولكني أخشى على الشيء الباقي الوحيد؛ حبنا. أحبه والحب لا عقل له، أريده بكل قوة ~~نفسي. كيف؟ ومتى؟ أختي سناء تزوجت عن حب وقنعت بالثانوية العامة ونصيب ست البيت، وشاب من ~~ذوي الأملاك ثم لم توفق، ومات الحب. الاتهامات انصبت كالعادة على الطرف الآخر، ولكنها عصبية، ~~تثور كالبركان لأتفه الأسباب؛ فمن يحتمل ذلك؟! من أجل ذلك تعودت على أن أحذر الغضب كما أحذر ~~الإفراط في الطعام. متى تتيسر تلك السعادة الملعونة؟! حتى متى يصمد الجمال أمام الزمن ~~الجارف؟ لا ولم أعرف أنني نمت إلا بحلم رأيته. قمت عصرا .. لاطفت قطتي دقيقة .. صليت العصر ~~والظهر معا. شكرا لماما؛ فهي مربيتي الدينية. أما بابا! ماما زوجة موفقة رغم فارق السن ~~بينها وبين بابا ورغم لادينية بابا! أتذكرين محاسبتك له في الزمان الأول؟ ~~- بابا، لم لا تصوم مثلنا؟ # يقول ms08 ضاحكا : الصغيرة تحاسب أباها. ~~- ألا تخاف الله؟ ~~- الصحة يا حبيبتي، لا يغرنك مظهري. ~~- والصلاة يا بابا؟ ~~- أوه .. سأحدثك عن ذلك عندما تكبرين. # ليس كذلك الحال في شقة حبيبي. الجد والأب والأم يصلون ويصومون. لادينية أبي اليوم ساطعة ~~مثل شيخوخته ومرضه. لم يتفوه أبدا بكلمة مريبة، ولكن في السلوك ما يكفي، في ثورات غضبه يسب ~~الدين. ربما استغفر الله إرضاء لي أو لماما كشعار ليس إلا كسائر الشعرات الجوفاء التي ~~تنهال علينا من أفواه المسئولين. زمن شعارات مقزز، حتى الراحل البطل لم يعف عن ترديد ~~الشعارات، وبين الشعار والحقيقة هوة سقطنا فيها ضائعين، ولكن ما حبيبي؟ .. متدين؟ .. لا ديني؟ ~~.. ملتزم؟ .. لا ملتزم؟ علياء سميح؟ .. محمود المحروقي؟! .. آه .. إنه حبيبي وكفى، ورزقي على الله. ~~دائم البحث عن شيء مفقود. لو حلت مشكلتنا لعرف لنفسه مرفأ، ينطح الصخر ويقبض على الهواء. ~~حجرة المعيشة تجمعنا .. أبي بمرضه وشيخوخته وإلحاده، ماما وبدانتها المفرطة وهموم الآخرين، ~~سناء وضيقها بوضعها وشعورها الأليم بالغربة، أنا ومشكلتي المزمنة. في الظاهر والداي قد أتما ~~رسالتهما، فأي سخرية! ها هو التحقيق الصامت يحاصرني. ماذا بعد خطبة طالت أحد عشر عاما؟ ألا ~~يوجد بصيص أمل؟ # تقول سناء بصوتها الرفيع الحاد: لتنتظر حتى تترمل وهي مخطوبة! # فأقول لها بصرامة: لا شأن لك بي. # فتقول ماما: ذكريه يا رندة كي لا ينسى. ~~- نحن نعيش همومنا كل دقيقة؛ فلا داعي للتذكير. # ثم بمزيد من الحدة: إني رشيدة، اخترت سبيلي بملء حريتي، ولن أندم على شيء. # ويقول أبي بضجر: رندة رشيدة ومسئولة عن نفسها. # فتقول ماما بحسرة: كم من عرسان لقطة فقدناهم! # فأقول بكبرياء: لست جارية معروضة في السوق للبيع. ~~- أنا أمك، فوق أي شبهة، تزوجت بالطريقة القديمة ووفقت والحمد لله. ~~- يا ماما لكل جيل طريقته، وجيلنا فاق الجميع في سوء حظه. # فيقول أبي باسما: جاء عصر أكل الناس فيه الكلاب والقطط والحمير والأطفال، ثم أكل بعضهم ~~البعض. # فقلت بمرارة: لعلنا أسعد من عصر آكلي البشر. # وهتف أبي مغيرا الجو: حسبكم .. المسلسل التليفزيوني بدأ. # انتزعتني المقدمة ms09 الموسيقية التي أحبها من الصراع بقوتها الانسيابية، دعت حبيبي فهبط من ~~الغيب وجلس إلى جانبي، انقلبت فجأة إلى أنثى حالمة شديدة الفهم للحياة الزوجية، وطاردت دمعة ~~خائنة أوشكت أن تفضحني. هل تقبل الدنيا بدونه؟ # وقالت ماما: با بخت أبطال المسلسلات! .. فما أسرع أن يجدوا لمشكلاتهم الحل السعيد! # | محتشمي زايد # في وحدتي أنتظر، أحبك الروب حول جسدي النحيل، وأسوي الطاقية فوق رأسي الأصلع، أربت على ~~شاربي. وفي وحدتي أنتظر، # لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ~~. جرس الباب يرن، أفتح الباب فتدخل أم علي، في معطف سنجابي والخمار ~~الأبيض يحدق بوجهها القمحي الريان. ~~- كيف حالك يا بك؟ ~~- نحمده يا أم علي. ~~- الشتاء لا يريد أن يرحم. # وكامرأة يوزن وقتها بالنقود، خلعت المعطف وعلقته بمشجب قائم غير بعيد من الباب ثم مضت ~~إلى حجرة نوم فواز وهناء. تبعتها كما نبه علي. جلست على مقعد أتابعها وهي تكنس وتنفض ~~وتنظف وتلمع وترتب؛ نشيطة خفيفة رغم امتلائها. يخافون أن تمتد يدها إلى شيء. سوء ظن لا ~~مبرر له، وهو من رواسب الماضي. أم علي ساعتها بجنيه، وتنتقل من بيت إلى بيت كالنحلة؛ فإيرادها ~~يزيد عن مرتباتنا جميعا مجتمعة، ولكني أرتاح إلى الانفراد بها. نزهة أسبوعية تنفخ في ~~وجداني نغمة الحلم الغابر، الانفراد بها يتجسد في حال يضطرب لها روتين الزمن، ويواجه ~~الأنا القديم الأنا الطارئ فيتناجيان وبينهما فاصل الزمن بلغتين غريبتين لا تفضيان إلى ~~تفاهم، ثم يستعير القلب من مخزونه البائد خفقة خاطفة تعيش حياة مقدارها ثلاثون ثانية. وعندما ~~تنحني لتعيد بسط الكليم أتصور أن أقرصها بحنان، مجرد تصور؛ فإنني مسيطر على زمامي ~~تماما، وهي مطمئنة من ناحيتي تماما، كأنها رجل في النشاط والقوة وتماسك الشخصية، # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~. وأسألها ~~متمرغا في انفرادي بها: كيف حال المعلم؟ ~~- ربنا يلطف به. ~~- والأولاد؟ ~~- هاجروا، لم يبق إلا العبيط. # وتضحك ثم بدورها تسألني: ما آخر أخبار صاحب عمارتكم؟ ~~- يئس وسكت. ~~- من كان يصدق أن الأرض تجن مثل بني آدم؟! ~~- الجنون أصل كل شيء يا ms10 أم علي. # ما أشد شعوري بالانفراد بك! حوالينا ولا علينا يا رب، كأيام شارع خيرت المسقوف بالشجر، ~~وتحت مظلة من الأفكار الحرة المستوردة، فكرية ورتيبة الممرضتان وشقاوة الغجر. الحياة فصول، ~~ولكل فصل مذاقه، وطوبى لمن أحب الدنيا بما هي دنيا الله. في زيارة لسليمان مبارك أبي رندة ~~قال لي: أغبطك على صحتك يا محتشمي. # فقلت بثقة: الوراثة والإيمان يا عم سليمان. # فتساءل وهو ينظر نحوي بخبث: كيف أصدق أن مثلك يؤمن بالخزعبلات؟ ~~- الله يهدي من يشاء. ~~- كأنك في ماض ما، ما كنت ملحدا. # فقلت باسما: إيمان موروث؛ شك، إلحاد، عقلانية، لاأدرية، ثم إيمان! # فتساءل ساخرا: بوفيه مفتوح؟! ~~- هي الحياة الكاملة. ~~- إني فخور بثباتي، راض بالعدم، عابد للحقيقة، وقد أوصيت زينب إذا جاء الأجل ألا ينشر ~~نعي ولا تكون جنازة ولا مأتم ولا حداد. ~~- ما هو إلا نور يهبط فجأة فيبدد الظلمات. ~~- المسألة أن العمر تقدم بك حتى لاح لك الموت. # حوار عقيم، # وقل جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا ~~. صديقي يعيش في كون خال، وأعيش في كون آهل ~~بالأحباب. أستغفر الله. يا لها من زيارة؛ زيارة أم علي! ماذا يفعل المسكين علوان؟ محرومون ~~وسط سيرك من اللصوص. أحدثه عن زماني لعله. رمى ببهلوان يطلق في العطسة عشرة شعارات عقيمة. ~~أم علي تنتهي من عملها، تغسل اليدين والوجه وترتدي معطفها السنجابي وتنظر في ساعة يدها ~~لتعرف مستحقاتها، أسلمها النقود فتذهب قائلة: فتك بعافية يا بك. ~~- مع السلامة يا أم علي، لا تنسي الميعاد القادم. # وتعود الوحدة، أتمشى في الشقة بعد تعذر المشي في الشارع. القرآن والأغاني. طوبى لكم ~~يا من اخترعتم الراديو والتليفزيون. بامية ومكرونة الغداء. حبب الله إلي العبادة، وجعل ~~قرة عيني في الطعام. أي وحدة والكون من حولي مكتظ بملايين من الأرواح؟ أحب الحياة وأرحب ~~بالموت في حينه. كم من تلميذ قديم لي قد صار اليوم وزيرا! لا رهبانية في الإسلام، ما مثلي ~~ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ms11 ثم راح وتركها. كثيرا ~~ما أحادث حفيدي المحبوب عن الماضي لعله من حيرته يخرج. أغريه بالقراءة وقليلا ما يقرأ، ~~ويستمع إلي بدهشة من يعز التصديق عليه. دعنا من علياء سميح ومحمود المحروقي، ألم تحملك ~~الأحداث على الإيمان بالوطن والديمقراطية؟ وما معنى الإصرار على التمسك ببطل منهزم راحل؟! ~~كي لا تصبح الدنيا فراغا يا جدي. إني ألفت نظرك إلى أشياء غاية في الجمال. يضحك ويقول لي: ~~ما أريد الآن إلا شقة ومهرا مناسبا. # كيف أستطيع تجنب هموم الدنيا ومعي حفيدي المحبوب؟! ما أجمل كرامات الأولياء! # | علوان فواز محتشمي # علمني زمني أن أفكر، علمني أيضا أن أستهين بكل شيء، وأن أشك في كل شيء. ربما قرأت عن ~~مشروع منعش للآمال، وسرعان ما يكشف المفسرون عن حقيقته فلا يتمخض عن أكثر من لعبة قذرة. هل ~~تترك السفينة للغرق؟! هي عصابة مسلطة علينا لا أكثر ولا أقل؟! أين الأيام الحلوة؟ كانت توجد ~~أيام حلوة لا شك في ذلك، ولي أنا أيضا أيام، حين كانت الشقة عامرة بالأخوات والدفء، وكانت ~~الأعباء يسيرة. كان لأبي وأمي وجود في البيت، وكان يوجد حوار وضحك وحماس الدراسة وسطوة ~~البطولة. إحنا الشعب، اخترناك من قلب الشعب. والحب كان باقة من الورد في قرطاس من الأمل. ~~فقدنا زعيمنا الأول ومطربنا الأول، ويخرجنا من الهزيمة زعيم مضاد فيفسد علينا لذة النصر؛ ~~نصر مقابل هزيمتين. اخترناك من قلب الشعب. وتجذب حبيبتي الشص من الماء فتخرج فارغة وتنغرز ~~في إبهامي، وتترك أثرا مازال باقيا حتى اليوم. على شاطئ النيل أمام بيتنا قلت لها: إنك ~~لا تحسنين صيد السمك، ولكنك اصطدت قلبي وأسلت دمي. من الأخوة إلى الحب حدث تغير بطيء مثل ~~قرون أوراق الشجر التي تسبق بالظهور في أوائل الربيع، ولا ترى إلا عند التأمل. أنوثة وتورد ~~الخدين ووشاية أعلى الفستان، باللغة حين تقول الكلمة شيئا وتشير إلى شيء آخر، وتلاشت ~~البراءة، وحلت محلها مفاوضات وتوسلات من أجل لثمة فوق الخد أو الشفة. أطيب ثمرة في الشجرة ~~أخلاق وعقل وجمال. يضايقني أحيانا أن ms12 تبدو أعقل مني. لا أنسى حزن نظرتها عندما اعترفت لها ~~بعجزي عن اختيار القسم العلمي. حوار طويل لم يجر على لساننا، ولكنه يتربص بنا في زاوية ما. ~~أسرتانا سقطتا معا في حفرة الانفتاح. شد ما يحزنني ألا تظهري في الملابس اللائقة بجمالك. ~~أي مسئولية تثقل كاهلي. قلت لها مرة في استراحة الهرم: فلنتسل بحصر أعدائنا. # فدخلت اللعبة قائلة: غول الانفتاح واللصوص الأماثل. ~~- هل ينفعنا قتل مليون؟ # فقالت ضاحكة: قد ينفعنا قتل واحد فقط. # فقلت ضاحكا أيضا: إنك اليوم رندة المحروقي. ~~••• # أنور علام المدير يستدعيني إلى حجرته، ويطلب إلي أن أزوره في مسكنه في الخامسة مساء ~~لإجراء مراجعة شاملة قبل إعداد الحساب الختامي. أخبرت رندة فلم تعلق. مسكنه في عمارة نصف ~~جديدة بالدقي تقع أمام أحد مداخل جسر 6 أكتوبر. استقبلني ببشاشة وهو مرتد بدلته وقال: لا ~~تغرقك فخامة الشقة؛ فأختي تعيش معي، وهي أرملة غنية. # كأنما ينفي عن نفسه الشبهات. كل فرد مهدد اليوم بالشبهات. وعملنا بهمة حتى الساعة ~~الثامنة. في أثناء ذلك دخلت الأرملة بالشاي، تعارف بيننا وقدمها قائلا: «جولستان أختي.» من ~~النظرة الأولى شعرت بأنني أمام امرأة يقع عمرها ما بين الأربعين والخمسين، مقبولة المنظر، ~~ممتلئة في تكوين حسن، مثيرة رغم رزانتها واحتشامها، أو ربما لرزانتها واحتشامها. لم تجلس، ~~وقالت وهي تغادرنا: استبق الأستاذ للعشاء معنا. # فقال أنور علام: هذا أمر! # أعدت لنا مائدة من الشواء والسلطات المتنوعة والجبن والزيتون ثم مهلبية وتفاح. وسمعت أنور ~~علام يقول ونحن نتناول عشاءنا: أنا وكيل أعمالها؛ فقد ورثت عن زوجها عمارتين وشهادات ~~استثمار. # لفت نظري تعريفه لي بأملاكها فسرحت في أكثر من ظن. وراح يحكي لها عن مشكلة خطبتي ~~بإشفاق. ~~- هذه حال جيل بأسره. # فقال الرجل: ومما يزيد المشكلة تعقيدا أن علوان من أصحاب المبادئ. # فقالت بإعجاب: جميل أن أسمع ذلك، الأخلاق أهم شيء في الدنيا. # نبرتها لا تدع مجالا للشك في صدقها. وإني أجدها مثيرة للغاية، وإني مخزن بارود عند أي ~~إثارة. معاناتي في هذه الناحية تستحق الرثاء. وقال أنور: ms13 أختي كاملة في كل شيء إلا شيئا ~~واحدا لا أوافقها عليه، هو إعراضها عن أكثر من فرصة زواج طيب. # فقالت بهدوء: لست سلعة وليسوا رجالا. # فقال أنور علام: ثراء المرأة قيمة مشروعة، ولا عيب على الرجل إذا أولاها ما تستحقه ~~بالإضافة إلى المزايا الأخرى. # فقالت السيدة جولستان: لا رجل جدير بالثقة في هذا الزمان. # وملت إلى تغيير مجرى الحديث، فسألت مديري: معذرة يا سيدي، لم لم تتزوج حتى ~~اليوم؟! # فقال بغموض: أسباب كثيرة. # ولم يذكر سببا واحدا، فقالت جولستان: إنه مخطئ، وهو قادر على الزواج. # وراح يسألني عن أسرتي وأسرة رندة وأنا أجيبه بصدق وإيجاز، حتى قال: رندة فتاة ممتازة، ولكن ~~الزمن يسرقها. # طعنة وأي طعنة! مقصودة أم جاءت عفو الخاطر؟! # على أي حال أفسدت علي السهرة، ولم يخفف من حدتها قول جولستان: الحب هو العمر الحقيقي. # وغادرت المسكن مشحونا بالسخط على الرجل والإثارة من ناحية شقيقته. # | رندة سليمان مبارك # اعتمدت رسائلي المترجمة من المدير ولم يبق إلا أن أذهب، ولكنه مال بكرسيه المتحرك إلى ~~الوراء وقال لي: آنسة رندة، عندي حكاية تهمك. # ماذا عنده يا ترى؟ # قال: هي طبيبة شابة، كانت مخطوبة لطبيب زميل لأعوام، يئسا من الزواج، فسخا خطبتهما، تزوجت ~~من تاجر في وكالة البلح، ووافقت على رغبته على البقاء في البيت كست بيت. # دهشت واستأت، ولكني سألته بهدوء: لماذا تتصور أن هذه الحكاية تهمني؟ # فسألني متجاهلا سؤالي: ما رأيك في تلك الطبيبة؟ # فقلت بشيء من الجفاء: لا أستطيع أن أحكم على واحدة لا أعرف ظروفها. # فقال بهدوء: أنا أعتبرها عاقلة، فست البيت خير من طبيبة عانس. # غادرته بوجه لا أشك في أنه عالنه باستيائي. له نظرات طامعة لا يمكن تجاهلها. والحق أنه ~~يشكل عبئا علينا، أنا وعلوان. في صباح الجمعة التالي لزيارته لبيت المدير ذهبنا إلى ~~استراحة الهرم. الجو بارد حقا، ولكن الشمس ساطعة، ونحن ننظر من عل إلى المدينة التي تبدو ~~عظيمة هادئة مترامية كأنما خالية من الهموم والقاذورات. وسألته ونحن نحتسي الشاي: كيف كانت ~~زيارتك ms14 للبك المدير ؟ # فأعادها علي بتفاصيلها، حتى أفسدت علي جلستي الحلوة. قلت: يبدو أنها لم تكن زيارة ~~عمل. ~~- بل عملنا ثلاث ساعات متتابعة. # فقلت بتحد: أنت فاهم قصدي. # فقال بسخط: إنه شخص مثير للأعصاب. ~~- وأخته؟! ~~- عاقلة متزنة احترمتها كأم. # فضحكت ضحكة باردة وتساءلت: وهل عاملتك كابن؟ # فتساءل محتجا: تحقيق واتهام يا رندة؟! # فقلت بسرعة: لا سمح الله. # ورويت له ما دار بيني وبينه في مكتبه، فقطب غاضبا وهتف: سأطالبه بألا يتدخل فيما لا ~~يعنيه. # فقلت بتوسل: الأفضل أن نهمله كي لا تسوء العلاقة بينك وبين مديرك. # فقال بامتعاض: المسألة أن موقفي منك ضعيف لا أدري كيف أدافع عنه. # فقلت بلطف: لست متهما ولا أطالبك بدفاع. ~~- إني مسئول وحزين. ~~- لا حيلة لنا. ~~- لكنه وغد ويعد خطة. ~~- أهمله مع حقارته. # وصمتنا قليلا هاربين إلى رحمة الطبيعة حولنا حتى جاءني صوته متشكيا: كأننا نسينا حديث ~~الحب. # فقلت مدارية حزني: لسنا في حاجة إلى مزيد منه. # فقال وهو يرمقني بامتنان: أحبك. # فقلت وأنا في غاية من التأثر: أحبك. # فتساءل في حيرة: ترى ما المغامرة الشريفة التي تدر علينا ما نحن في حاجة إليه من ~~مال؟ # فقلت باسمة: ألا تملك موهبة الفتى الأول في السينما؟ ~~- وأنت ألم تجربي صوتك ولو في الحمام؟ # وضحكنا رغم همنا المشترك، وقال: ليست المشكلة تحسين مرتب، ولكنها مشكلة الخلو والأثاث ~~أيضا. # ثم واصل بعد صمت قليل: المحروقي تزوج بكل بساطة، ولكنه يعيش في مخيم مع طائفته. # تخيلت المخيم وحياته، كأنه خيال لا حقيقة. رغم ذلك هفا فؤادي إليه؛ خيمة بسيطة ولكن يخفق ~~بين جوانحها الحب. وفاض من قلبي نبع حنان متدفق. وقال بصوت دلني على أنه يشاركني أشواقي: شد ~~ما أريدك أكثر من أي شيء في الوجود! # انضباطي خلقة مركبة في أعماقي منذ الصغر. حواري مع رغباتي الجامحة دائما ينتصر. لم تؤثر ~~في تجارب شاهدتها عن كثب. حافظت على تصوري الوقور لمعنى الحرية. لم أتزعزع للتهم ~~الساخرة المألوفة بالانغلاق والرجعية، ولم أبرأ من الحزن. # | محتشمي زايد # ليلة أمس رأيت فيما يرى ms15 النائم سيدي أبا ذر. العبادة تغدق علي شفافية وهابة للرؤى. ~~لحبي الدنيا أقف عند ذاك الحظ لا أتجاوزه، وترد على خاطري هذه الحكاية: «قال محمد بن ~~العطار، قال لي الشيخ محمد راهين يوما: كيف قلبك؟ فقلت له: لا أعرف كيفيته.» وذكرت ذلك ~~لسيدنا شاه نقشبند، وكان واقفا فوضع قدمه على قدمي، فغبت عن نفسي فرأيت جميع الموجودات ~~مطوية في قلبي، فلما أفقت قال: إذا كان القلب هكذا فكيف يتسنى لأحد إدراكه؟ ولهذا قال في ~~الحديث القدسي: «ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن.» ترد على خاطري تلك ~~الحكاية فأغبط الأولياء وأتوق إلى الكرامات، ولكني أقف عند حافة بحر التصوف مستمسكا ~~بالعبادة قانعا بها في أحضان دنيا الله، وقد يرتد بصري المتأمل الهادئ بنور من الوهاب. لا، ~~ولا أندم على مراحل الحياة التي مررت بها؛ فقد منحت كل مرحلة نورها. اعمل لدنياك كأنك ~~تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ويدق جرس الباب عند الضحى. من القادم وليس اليوم ~~بيوم أم علي؟ وأفتح الباب فتدخل زينب هانم أم رندة. أستقبلها بترحاب وأنا أعجب لبدانتها رغم ~~الضائقة. وتجلس في حجرة المعيشة وأسكت الراديو فتقول: لا أحد لي غيرك يا محتشمي بك. # فقلت وأنا أسائل نفسي عما جاء بها: لنا الله جميعا. ~~- فواز بك وهناء هانم أولى بالحديث، ولكن العمل المتواصل لم يترك لهما فراغا، ولا فائدة ~~ترجى من مخاطبة علوان؛ ففيك الكفاية والبركة. # آه، فهمت كل شيء مقدما، إنها قادمة من أجل مشكلة علوان ورندة. ~~- إني مصغ إليك يا زينب هانم. ~~- عندك حسن التقدير، البنت يا محتشمي بك على وشك الضياع. ~~- لا سمح الله. ~~- إنكم لدينا المفضلون على غيركم، ولكن حتى متى ننتظر؟! # شعرت بالخطر الزاحف نحو حفيدي المحبوب فتساءلت: زينب هانم، أليست رندة رشيدة ومثقفة وتميز ~~بين ما ينفعها وما يضرها؟ ~~- الحب يضل يا محتشمي بك، أصبح الحب في هذه الأيام إلها. هل تزوجت أنت عن حب يا محتشمي ~~بك؟ هل تزوج فواز بك عن حب؟ ~~- ولكنهما يؤمنان به. ms16 # ونتركهما حتى يدمرهما معا؟ # وتنهدت بصوت مسموع شأن العاجز، فقالت ولغدها يتحرك: فلنبذل جهدا للإنقاذ، وليفعل الله ~~ما يشاء، ربما وجد كلاهما ما يناسبه. ~~- أهذا رأي سليمان بك أيضا؟ ~~- إنه أبوها كما أنني أمها، وما يحزننا إلا أن علوان فتى طيب وجدير بكل خير. # وتمتمت وأنا أختم الحديث: وسيئ الحظ أيضا. # فذهبت وهي تقول: اعتمادي بعد الله عليك. # يا له من صباح! قضي علي أن أكون وسيط السوء إلى أعز الناس على قلبي. انكمشت في مقعدي ~~متلفعا بالكآبة، وفي أثناء الغداء لم أشر إلى الزيارة حتى انفردت بالشاب عصرا في حجرة ~~المعيشة. لم ينتبه بطبيعة الحال إلى معنى نظراتي حتى سألته: هل تغفر لي حديثا غير ~~سار؟ # فرماني بنظرة متوجسة وقال ساخرا: هذا هو الأصل في الأحاديث يا جدي. ~~- عن رندة يا علوان. # فتغير وجهه الحسن وغشيه الحب فعرضت الموضوع بتفاصيله. كور قبضته وألصقها بفيه معتمدا ~~بكوعه على خوان قديم، وقال: كأنني مجرم مطارد يا جدي. ~~- يجب أن نفكر بهدوء وشجاعة. ~~- أريد أن أعرف انطباعك يا جدي. # فازددت ضيقا وأنا أقول: لهم عذرهم، هذا ما يجب أن نسلم به. # فقال بحدة: رندة ليست قاصرا. ~~- بلى، ولكن الانتظار يبدو بلا نهاية. ~~- أنا لم أقصر. ~~- لا أحد يتهمك. ~~- الرأي الأخير لهم أم لها؟ ~~- الآن هو بين يديك أنت. ~~- أنا؟ ~~- العمر يجري، وأنت فتى عاقل، بيدك إنقاذها، وربما إنقاذ نفسك أيضا .. إنه ليس مجرد سوء ~~حظ، إنه خط طويل من المآسي؛ 5 يونيو، والانفتاح، وروسيا، والولايات المتحدة، ومملكة ~~المنحرفين. # وتساءل: ولو أصررت على الرفض؟ # فقلت بتسليم: افعل ما تراه صوابا. # فهز رأسه قائلا في غموض: أعدك بذلك يا جدي. # وعلم فواز وهناء بالموضوع مساء. وانفعلت هناء غاضبة وقالت إن قلبها لم يوافق على الخطبة ~~إلا مضطرا. أما فواز فقال إنه طالما حذر ابنه من هذه النهاية المحتومة. وقال: الخطبة ~~تعرقل الاثنين. # وقالت هناء تخاطبني: أقنعه يا عمي، إنه يعاندنا، ولكنه يقتنع بك، لو سمع كلامي من أول ~~الأمر ما انتهى بنا الأمر إلى ms17 هذه الخاتمة المهينة . # وجالت بنفسي الآية الكريمة: # سيقول السفهاء من الناس ~~ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~. # | علوان فواز محتشمي # لم يبق من الشتاء شيء، والجو ينعم بصفاء نادر. السوء كله كامن في وحدي. كان يجب أن ~~أختار مكانا آخر غير استراحة الهرم؛ هذا الموقع عند حافة الهضبة سجل لنا أجمل الذكريات. ~~هدوء نظرة عينيها ضاعف من إحساسي بالذنب. لا يوجد شخص يستحق الاحترام، ولا فعل يستحق الثقة، ~~ولا وعد يستحق التصديق. ذلك التاريخ المنحدر ما بين العندليب الأسمر والغراب الأسمر، فلتكف ~~الدكتورة عن إلقاء الشعارات؛ فهي زوجة وأم، وشربت العشق حتى الثمالة؛ فلنحتس الشاي في هناء، ~~أو لتهنأ به وحدها، أما أذوق له طعما. ~~- أعوذ بالله من صمتك! # فرنوت إلى هامات النخيل المنثور فوق المنحدر وسألتها: رندة، هل علمت بزيارة مامتك ~~لجدي؟ # فقالت باستهانة: لم تمر بسلام، ولكن لا جديد تحت الشمس. # فقلت بأسى: لو صح ذلك لتزوجنا منذ سنوات. ~~- أراك متأثرا أكثر مما توقعت. ~~- اختنقت الأنفاس. ~~- اعتدنا أن نصمد حيال المعارضة. ~~- حتى متى؟ ~~- لا أهمية للوقت. ~~- الوقت مهم أردنا أم لم نرد، ومسئوليتي ثقيلة. # فقالت بحزم: لست معفاة من المسئولية، إني مثلك تماما. ~~- لا مفر من التسليم بأني أهدر مستقبلك. ~~- ومستقبلك أنت؟ ~~- الأمر يختلف، وقد يتزوج الرجل في الخمسين. # شحب وجهها وهي تتمتم: لأول مرة أجدك منهزما يا علوان. # فقلت بعد تردد: ربما لأنني أنتصر على أنانيتي لأول مرة! # فهتفت بفزع: رباه .. أتفكر حقا في ... # وأشفقت من إتمام جملتها، فقلت وأنا أمرق من جرحي: إني أحررك من قيدي. # قالت بانفعال شديد: علوان .. لا أطيق سماع ذلك. ~~- أعيدي التفكير في موقفك بعيدا عن ظلي الثقيل. ~~- إني حرة ولا سلطان لأحد علي. ~~- الأمر يتطلب إعادة نظر. # فتفكرت في وجوم ثم قالت: إنه منطق سليم، ولكني أشك في سلامته في ظل حب حقيقي. # فقلت بسرعة وحرارة: حذار من الشك في، لا تزيدي الموقف سوءا؛ فالحب أيضا هو التضحية. ~~- لا حاجة ms18 لك إلى التضحية . ~~- إني أقرر ما أراه صوابا. # فقالت بمرارة: قل إنك أصبحت تجدني عقبة في سبيلك. ~~- سامحك الله يا رندة، لن أدافع عن نفسي. ~~- إنني أرفض تضحيتك. # فقلت بوضوح: وأنا مصر عليها. # وفصل بيننا صمت أثقل من الليل الزاحف. انسحب كلانا إلى داخل ذاته، وباعد اليأس ما بيننا ~~إلى ما لا نهاية، حتى فقد مجلسنا أي معنى. وقامت متثاقلة وهي تقول: لا وجه لبقائي ~~هنا. # فقمت ضامر الحيوية، كأننا غريبان سيذهب كل إلى وطنه، ولا شيء أقوى من الحب إلا الألم. ~~تخايلت لعيني الوحدة المتربصة بي في نهاية الطريق، وطوال الطريق لم نتبادل كلمة ولا تحية ~~عند الفراق داخل العمارة القديمة. وجدت والدي في حجرتهما وجدي وحيدا أمام التليفزيون. ~~جلست على مقربة منه، فنظر نحوي بتوجس واستطلاع، ثم قال وكأنما يهرب من أفكاره: فيلم عن امرأة ~~مجنونة، لم أحبه. # فجاريته متسائلا: ولم ترى ما لا تحبه؟ ~~- في القناة الأخرى خطبة. ~~- ولم لا تغلقه؟ ~~- هو خير من لا شيء. # فقلت: الخطبة فسخت. # وجم وتجلى في عينيه الخابيتين الهم ثم غمغم: أعانك الله على بلواك. # فقلت بجفاء: فسخت وانتهى الأمر. # فقال بأسى: لدي شعور بالذنب. # فقلت بصوت بارد: لا ذنب لك يا جدي. # | رندة سليمان مبارك # رأيت صورة وجهي معكوسة في نظرة أمي التي استقبلتني بها. ها هي تداري عينيها في إشفاق وما ~~يشبه الخوف. قلت لها على مسمع من أبي: هنيئا لك، نجح مسعاك. # فغرقت أكثر في الصمت حتى اغرورقت عيناها، وإذا بأبي يقول: إني مطمئن إلى رجاحة ~~عقلك. # فقلت محتجة: بابا .. من فضلك لا تعاملني كطفلة. # فقال بهدوء: لن تندمي، وسوف أذكرك بذلك في يوم قريب. # ونطقت أمي لأول مرة، قالت: أنت مؤمنة، ولا خوف على مؤمن. # وقال أبي: أمك لم تخطئ يا رندة. # ولكنها دنيا جديدة تماما التي علي أن أعايشها منذ الساعة؛ دنيا لا يوجد بها أثر ~~لعلوان، دنيا على القلب أن يصبر عليها حتى يجيئه الفرج بموته، ودهمني شعور قاس بتقدم ~~سني، وأنني أطرق أبواب العنوس ms19 برجاء خائب، وتبدت لي حجرة نومي قديمة بالية بسريريها ~~العتيقين وصوانها المقشر وسجادتها الجرداء التي لم يبق من رسومها إلا خيال، حتى سناء أختي ~~باتت مضجرة مؤذية، وهي تقول لي ببرود: إنك تستحقين التهنئة. # وثار غضبي على علوان، أثبت أنه أضعف مما تصورت، وأنه خليق أن يبقى حائرا بلا مرفأ إلى ~~الأبد، بل لعله سرعان ما ينحرف، أو يبيع نفسه لامرأة مثل جولستان. الحقيقة أنه ضاق بحمل ~~المسئولية، إنه يهرب من عجزه، وفي ظنه أنه لن يرمى بعد اليوم بالعجز عن الزواج. وقلت ~~لنفسي إنني يجب أن أسعد بالتحرر منه، إنني أخف مما كنت في أي يوم مضى. هجرني وخانني. من ~~غيره يسأل عن تعاستي ذات الأنياب الحادة؟ يجب أن أهنئ نفسي على التحرر منه. من الآن ~~فصاعدا أستطيع أن أزن الأمور بعقل غير مشلول بقيود القلب. أنا حرة .. أنا حرة .. حسبي ~~ذلك. ماذا كان يعني أنور علام بقوله؟ يا للتعاسة التي تتمطى بلا حدود، هل يشفي الزمن حقا ~~من الحب؟ متى وكيف؟! عليه اللعنة! سأضاعف له الازدراء كلما ضاعف لي الذل. والداي يمعنان في ~~الهرب حتى ينظما صفوفهما. أول النصر هزيمة ثم ينتصر. هرب وتحررت. احملي ألمك بشجاعة حتى ~~يتبخر. انتظرت حضوره في الإدارة صباحا مصممة على لقائه كزميل وكأن شيئا لم يكن تماديا في ~~إعلان اللامبالاة، لكنني لم أستطع، لم أنظر نحوه، ففضحت تعاستي. ترى كيف بات ليلته؟ شاركني ~~العذاب أم غط في نوم الراحة والحرية؟ وكان لا بد للسر أن ينكشف فعرف في الإدارة، وأحدث في ~~الظاهر على الأقل وجوما. لم يعلق أحد بكلمة. لعل المفلسين قد سعدوا؛ فالتعساء يتعزون ~~بالتعساء. ولما جاء دوري للمثول بين يدي مدير الإدارة أنور علام بدا أول الأمر جادا أكثر ~~من المألوف، ولكنه قبل أن يأذن لي في الانصراف قال: علمت وأسفت. # فلذت بالصمت فقال: لكنها نهاية محتومة، وفي تقديري أنها جاءت متأخرة. # ثم بنبرة أقوى: مثلك لا يصلح لها أن تعلق مستقبلها بوعد مجهول كأنك لا تدركين قيمتك ~~الحقيقية. # ولم ms20 أنبس بكلمة، فقال : عندما قلت يوما إن لكل مشكلة حلا، كنت أفكر في هذه النهاية، وإن ~~يكن كل وجود إلى زوال فالحزن لن يشذ عن هذه القاعدة. # ثم قال وهو يعيد إلي الإضبارة: نصيحتي يا آنسة رندة أن تتذكري دائما أننا في عصر العقل، وأن تعتمدي عليه كل الاعتماد؛ ~~فكل ما عداه باطل .. باطل .. باطل. # وطوال حديثه تصفحني بنظرات جريئة لم يعد يخفف منها الحاجز الذي كان قائما. لم يخف ~~نفوري منه ولم يزدد، ولكنني لم أعد أجده ظاهرة شاذة. وفي المساء قال لي أبي: أود أن أصارحك ~~يا رندة بأنه لو كان كامل الإخلاص لما تخلى عنك أبدا. # بابا ساخر يسيء الظن بالبشر، ودأبه التنقيب وراء كل فعل حسن حتى يعثر له على تفسير قبيح. ~~ورغم أنني ملت لتصديقه إلا أنني قلت: لأنه لم يعد يحتمل المزيد من اللوم فقد أقدم على تضحية ~~أليمة، إني أعرفه خيرا منك يا بابا. # فقال باسما: أتنبأ لك بخاتمة سعيدة. # ولما لم أعلق بكلمة قال: ما دمنا قد تحررنا من الحب فلنكل مصيرنا للعقل، وفي هذه ~~الحال لا غضاضة من الاستماع لرأي الآخرين. # فقلت باستياء: إنه أمر يعنيني وحدي. ~~- بل يعنينا جميعا. # وا أسفاه! علوان يمعن في البعد، وها نحن نتحدث عن حياة جديدة. # | محتشمي زايد # الحمد لله، كل شيء طيب لولا حزن علوان. ربيع هذا العام لطيف نادر الخماسين، فمتى يسلو ~~علوان وينسى؟ الحمد لله؛ فاليوم يمضي بين العبادة والتلاوة والطعام والأغاني والأفلام. عند ~~الثمانين نتوقع قدوم ضيف لا ريب فيه، فاللهم حسن الختام. اللهم جنبنا العجز والأوجاع، ~~وانشر ندى رحمتك في أركان هذا البيت القويم. ودنيا الله جميلة خليقة بكل حب، فأي روح شريرة ~~قد حلت بها؟! السماء والنيل والأشجار وأسراب الحمام وهذا الصوت المليح، # إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ms21 المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون # ولو تركت وشيخوختي لكنت ~~سعيدا، ولكني لا أترك في سلام. سقيا لعهد الإيمان الساذج كما تذكره الذاكرة، وعهد الشك ~~ومنازعاته ما أثراها بفتنة اليقظة، وعهد الإلحاد وتحدياته وغناها بالشجاعة والاقتحام، وعهد ~~العقل وحواره الدائم، وأخيرا عهد الإيمان والأمل. أصبح الموت آخر المغامرات الواعدة، ~~مناجاته تهون حمل الأعباء على الحامل. سيجيء في ساعة ما سافرا عن وجهه، وسوف أقول له ~~بكل مودة: اقطف الثمرة وهي في تمام نضجها. يوما كنت أحدث علوان عن المسلسل ~~التليفزيوني الجديد، فقال لي: جدي، أهنئك على راحة بالك. # أزعجني قوله، فقلت له: في صوتك احتجاج يا علوان. # فضحك في حياء ولم ينبس، فقلت: توجد مرحلة أخيرة اسمها الشيخوخة، إني أمد يدي لأقبض على ~~حلقة الثمانين في مرقى الجبل؛ فمن حقي أن أركز على خلاصي تاركا هموم وطني لبنيه. وقد قمت ~~بالتزاماتي في حينها على قدر استطاعتي، وحاولت جهدي على حملك على الالتزام، وما زلت أحذرك ~~عواقب الشيخوخة المبكرة. إن قاموسك لا يحوي إلا بطلا شهيدا واحدا. قضيت فترة متلقيا ~~مسحورا، وتقضي الأخرى متحسرا حائرا، أقل ما أقوله عن نفسي: إني شهدت من تلاميذي ثلاثة من ~~الوزراء. # فتساءل ضاحكا: أتعد ذلك من حسناتك يا جدي؟ # فما تمالكت من الضحك عاليا وقلت: إن تكن الأخرى فلندع الحكم للتاريخ، أمامكم تحديات ~~خليقة بأن تخلق أبطالا لا حائرين! # وربت ذراعه بحنان ثم واصلت: قم بواجبك في حينه حتى تفرغ ذات يوم لطريق الله وأنت مطمئن ~~الضمير. # لو وهبني الله نعمة الكرامات لأوجدت له شقة ومهرا، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة. إنه ~~الآن يصارع ألمه وجراحه، وما أملك له إلا الدعاء. وأذكر سخريات سليمان مبارك والد رندة في ~~زمن مضى: ترى هل نسي الدرويش الماكر عهد فسقه ومجونه؟ # فقلت له باسما: حل الحب محل الخوف فيما بيني وبين ذي الجلال. ~~- تنافس إبليس بالطول والعرض ثم تطمح إلى الغفران! ~~- حتى عهد المجون أعتبره من أطيب ذكريات الحياة. فصاح الرجل ساخرا: اشهدوا يا هوه .. ~~واعجبوا لهذا ms22 الدرويش المودرن. ~~- يا مخرف، لقد بلغت في الطريق درجة من الوعي أجد فيها عند أغنية «حبايبي كتير يحبوني ~~لكن إنت اللي شاغلني» روحا من الصوفية. # فقهقه متسائلا: وماذا تجد في أغنية «يوم ما عضتني العضة»؟! ~~- اسخر ما شئت، إن نزوات المربي الفاضل التي مارسها وراء ستر وقاره لم تكن إلا صلاة ~~شكر ساذجة. # فهتف: محتشمي، أشهد أنك ولي مغاني الهرم وملتقى مهربي الانفتاح. # المشكلة الحقيقية هي علوان. ترى هل يعتبرني المصدر الذي انطلقت منه شرارة تعاسته؟ ~~- أود يا علوان أن أحمل عنك بعض حزنك! # فقال بضيق: الحق أنني لا أدري ماذا أفعل بحياتي. ~~- سيبلغ البلد يوما شاطئ الأمان. # سأبلغ الشيخوخة قبل ذلك. # فقلت متنهدا: # ويخلق ما لا تعلمون ~~. ~~- ما أسرع أن تجدوا النجاة في جملة جميلة يا جدي! ~~- علوان، في الثلاثينيات فصلت من عملي بتهمة تحريض الطلبة على الإضراب، كنت صاحب أسرة ~~وأبناء ومن كبار الفقراء، اشتغلت بمدرسة الإعدادية الأهلية بمرتب حقير، وأمسكت حسابات ~~بقال من أصدقائي، ومكثنا عاما كاملا لا نطبخ إلا العدس، وعندك أبوك فاسأله. # تابعني بنصف وعي، ثم قال بامتعاض: بت أكره نفسي. # فقلت برجاء: لعله إيذان بميلاد جديد. # فقال ساخرا: أو موت جديد. # فقلت بحرارة: ليكن حديثنا عن الحياة لا الموت. # فقال بحدة: الموت أيضا حياة! # وترددت في نفسي الآية الكريمة: # من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~. # | علوان فواز محتشمي # جريح القلب والكرامة، أهيم على وجهي ككلب بلا مأوى، حرارة الجو تبخر لذة المشي. مقهى ريش ~~منقذ من ضجر الوحدة، أجلس وأطلب القهوة وأرهف السمع. هنا معبد تقدم به القرابين إلى البطل ~~الراحل الذي أصبح رمزا للآمال الضائعة؛ آمال الفقراء والمعزولين. هنا أيضا تنقض ~~شلالات السخط على بطل النصر والسلام. النصر يتكشف عن لعبة، والسلام عن تسليم. على مسمع من ~~السياح الإسرائيليين، أسمع وأهنأ بشيء من العزاء. أنتم إذا شئت حزب وهمي لا شعار له إلا ~~الرفض. إن أضجرك الكلام فمد البصر إلى الطريق، راقب حركة الذاهبين والجائين، حركة سريعة لا ~~تتوقف ms23 ولا تنقطع، وجوه مكفهرة ماذا وراءها؟ الرجال والنساء والأطفال، حتى الحبالى لا يقرن ~~في بيوتهن، كل يحمل مأساته أو مهزلته. حوانيت الأثاث والبوتيكات مكتظة، كم أمة تعيش جنبا ~~إلى جنب في هذه الأمة؟ أضواء الميدان قوية مثيرة للأعصاب، ومثيرة للأعصاب أيضا قوارير ~~المياه المعدنية على موائد السياح. ماذا نشرب نحن؟! وأغرب الأغاني تنطلق من التاكسيات في ~~راديو المجاذيب، لا يبقى على حاله التي كان عليها إلا الشجر والعمائر. وتدوي خطبة من راديو ~~في مكان ما فتنتشر الأكاذيب في الجو مع الغبار. تعب .. تعب .. فلنعد إلى الكلام. خرابة صغيرة ~~بمائة ألف. الجرائم الأكاديمية في الجامعة. كم عدد أصحاب الملايين؟ الأقارب والأصهار ~~والطفيليون. المهربون والقوادون والشيعة والسنة. حكايات ولا ألف ليلة. الجرسون عنده أيضا ~~حكاية وعند ماسح الأحذية. متى تبدأ المجاعة؟ الرشوة عيني عينك وبأعلى صوت. الاستيلاء على ~~الأراضي. شيخ العصابة له أوراد. والفتنة الطائفية من يوقظها؟ مجلس الشعب كان مكانا للرقص ~~فأصبح مكانا للغناء. الاستيراد بدون تحويل عملة. أنواع الجبن. البنوك الجديدة. بكم البيضة ~~اليوم؟ والنقوط في ملاهي الهرم. وفسخ الخطبة! ماذا قال إمام الجامع على مسمع من جنود الأمن ~~المركزي؟ لا مرحاض عام في الحي كله. لم لا نؤجرها مفروشة؟ ما هو إلا ممثل فاشل. وضرب ~~المفاعل العراقي؟ صديقي بيجين .. صديقي كيسنجر. الزي زي هتلر، والفعل شارلي شابلن. ويسود صمت ~~شامل ريثما تذهب امرأة قادمة من الطريق إلى بيت دعارة وراء المقهى وتعقد مقارنة بين تضخم ~~عجيزتها والتضخم المالي العام. متفائل يؤكد أنها تشتغل لتجمع رسوم رسالة الدكتوراه، وأن ~~قلبها أنقى من الذهب. وشاب شاذ يقترح الشذوذ كحل لأزمة الحب في الطبقة ذات الدخل الثابت، ~~وأيضا لتحقيق الهدف من تنظيم الأسرة. لا خلاص إلا بالخلاص من كامب ديفيد. العودة إلى العرب ~~والحرب؛ حرب أبدية والويل لعملاء التطبيع. كفى .. كفى .. في الوقت متسع لقليل من التسكع. ~~الفرار منك جهد ضائع يا رندة. مرض الحب بطيء الشفاء، وأخاف أن يكون من الأمراض المزمنة. لا ~~يعزيني عن إساءتي إليها إلا أنني أسأت ضعفين ms24 إلى نفسي. وعندما رأيت والدي على مائدة ~~العشاء حسدتهما. أراحا نفسهما من هموم كثيرة بالعمل، التهمهما العمل، وهذا شيء حسن، ليس كما ~~كنت أتصور. بكل حزم يقولان: أعفنا من الحديث عن نفسك أو عن البلد. حسبنا أننا نشقى من ~~أجلكم. حل مشاكلك بنفسك والبلد له رب. اذكر أبي المخضرم في حماسه. # هتف للثورة، ولبس الحداد في هزيمتها، وقضي عليه في الانفتاح. سمعته يقول: تمر الأيام ~~فلا أجد وقتا لحلق شعري أو تقليم أظافري. # وسمعته يقول لجدي: أنحشر في الباص وآخذ هناء في حضني لأبعد عنها أحضان الجياع. # ومرة قال لي: يوم الجمعة، يوم العطلة، تتراكم الواجبات؛ وقت للحمام، وقت للعزاء، وقت ~~للاعتذار، ساعة واحدة للاسترخاء، وفيها تهجم علي همومك وهموم البلد. # في تخبطي ألقى أستاذتي في نادي الخريجين. يا أستاذتي لقد فسخت الخطبة. غير موافقة طبعا، ~~وتطالبني بإعداد لقاء بينها وبيننا مجتمعين. الوداع يا أستاذتي، مضى وقت الكلام. أعدك بأن ~~أكون عدوا للكلام بقية العمر. وخيل إلي أن المحروقي حل مشاكله بالمروق من العصر. إنه ~~يعتقد أنه هزم العصر وطوعه لأغراضه. ماذا صنع بنفسه؟ تعلم حرفة السباكة، دفن شهادته في ~~أول وعاء قمامة. سألته: والدكان؟ أجاب دون أن يبتسم؛ فنادرا ما يبتسم: أسير حاملا حقيبة ~~حاوية للأدوات وأنادي: سباك .. سباك؛ فتنهال علي الطلبات، سأصير قريبا أغنى من سيدنا ~~الزبير. وعندما هممت بالانصراف قال لي ساخرا: «أدعوك للدخول في دين جديد اسمه الإسلام.» ~~ولما خلا أنور علام إلي قال: آسف، ولكنك فعلت الصواب، وسوف تضحك لك الدنيا. # وعقب انقضاء أسابيع دعاني إلى عمل عاجل في شقته بالدقي. ولما انتهينا من العمل دعاني ~~للعشاء، توقعت ذلك من بادئ الأمر، وشاركتنا العشاء جولستان فلم أدهش. أعلنت أسفها على فسخ ~~خطبتي بكلمة عابرة، ثم تركز الحديث على الغناء الحديث، وأسمعنا أنور علام شرائط متنوعة ~~كعينات منه. ~~- يبدو أنك تحبه يا بك. # فقال ببساطة: على الأقل لا أنفر منه. # وتلاقيت مع جولستان في نظرات مسترقة باحت بمودة لا خفاء فيها، دافئة وعميقة ومراوغة. إنها ~~غير ms25 مقصرة في إبداء مفاتنها ورزانتها معا، كأنما تقول لي إني امرأة فاضلة ولكن لا حيلة لي ~~مع مفاتني. هل يعجبك هذا الطراز من النضج الأنثوي المتخطي للشباب؟ المسألة بالنسبة إلي ~~مسألة جوع أولا وأخيرا، لعلها تنظر إلي باعتباري حملا على حين أنظر إليها بعيني ذئب. ~~أي ضغط يزاح عن أعصابي لو أذعنت لي كخليلة؟! لكن كيف ومتى وأين؟ وقال أنور علام: بعد شهر ~~على الأكثر ينتهي العمل في فيلا جولستان الجديدة، وسوف تنتقل إليها وتتركني وحدي. # فسألته مجاريا لمسرى الحديث: «ولم لا تنتقل معها يا بك؟» # فأجاب: إني أفكر في إعداد شقتي للزواج، آن لي أن أتزوج. # | رندة سليمان مبارك # الأمل في الزمن، هو أيضا يميت ويحيي. سيهلك المكروب ذات يوم ويتجلى وجه الشفاء، ولن يخذل ~~الله مؤمنا صادقا. اليوم نتبادل الحديث ونتعاون كزميلين في مكتب واحد، كزميلين غريبين لم ~~يذوبا في قبلة قط. وأحيانا أراه - مثلي - يستحق الرثاء، لم أعد أدينه ولم أعد أحترمه. ~~التجربة الجديدة التي تقتحمني هي أنور علام. يستقبلني ببشاشة غير عادية، ويحاورني مداعبا ~~معلنا عن إعجابه ومودته. إني أتوقع وأفكر تحت مظلة من الكبرياء تأبى التسليم بالهزيمة. من ~~ناحية أخرى قدرت ماما أن الهدنة انقضت، وأنه آن لها أن تتكلم، فقالت لي ونحن جلوس ~~معا في حجرة المعيشة: علمت أن إبراهيم بك مستعد أن يتقدم من جديد. # إنه كهل صاحب مصنع معادن تقدم منذ عامين ورفض. والظاهر أنها لاحظت استيائي فقالت: نحن ~~متفقان على أنه طالما لا يوجد ارتباط فالأمر يفصل فيه العقل وحده. # فقلت معترضة: لكنه أرمل وأب! # فقالت برجاء: ولكنه غني ومستعد أن يأخذك بملابسك. ~~- ليست مجرد بيع وشراء. ~~- ولكننا لن نجد مثله بسهولة. # فقلت بحدة: لست متعجلة. # فقالت بإشفاق: الزمن يجري بسرعة. # فقلت بتحد: لن أكون أول عانس في التاريخ. # لزم أبي الصمت طوال الوقت. ولم أكن صادقة تماما في التعبير عن حالي؛ فالحق أنني راغبة في ~~إثبات وجودي، ولكن ليس على حساب كرامتي، الكفاءة يجب أن تشمل المال والاحترام. أنور علام ms26 ~~يملك الاثنين، ولو كانت به شبهة لطبقت الآفاق، وهو على الأقل مقبول وغير منفر شكلا، ~~والفجوة بين عمرينا معقولة لدرجة. أما الحب فمن الحماقة أن أفكر فيه الآن. ولم يطل بي ~~الانتظار؛ فعلى أثر اعتماد تقريري ذات صباح قال لي: يصح الآن أن أسألك عن رأيك! # تساءلت وقلبي يخفق بالتوقع: فيم يا بك؟ ~~- إني أطلب يدك، ما رأيك؟ # فلذت بالصمت كالمبغوتة، فقال: لعلي لا أجيد حديث الحب، لكنه موجود، لست خياليا، وحسبي ~~أن أقول: إني أجدك حائزة لكافة الشروط بكل جدارة. # فهمست: الأمر مفاجأة. ~~- طبعا طلبين مهلة للتفكير، معقول، ولكن دعيني أزكي نفسي بالقدر اللازم؛ فمثلي لا يشرع ~~في الزواج إلا إذا كان على يقين من قدرته لحمل مسئوليته. ~~- إني شاكرة وسأفكر في الموضوع. # وعرضت الموضوع على والدي مساء. وقالت أمي بلا تردد: على خيرة الله. # وقال أبي: نوافق على ما توافقين عليه. # ولما انفردت بأمي سألتها عما يمكن أن نقدمه، فقالت بمرارة: من ناحية أبيك لا شيء، من ~~ناحيتي فلدي بقية من حلي يمكن أن أجهز شخصك بثمنها، ويستحسن أن يعرف الرجل كل شيء. # مرارة التجربة التي طحنتني مزقت أقنعة الحياء الفارغة. أنضجتني أكثر مما قدرت. صممت على ~~الجهر بالحقيقة على أنه لم يكن في حاجة إلى صراحتي لسابق علمه بأزمتي. وقال لي أيضا ~~بصراحة: سأقوم بتأثيث الشقة، وحسبي ذلك. # فوافقت طبعا، فقال: يجب أن نعرف للوقت قيمته، وأن يتم كل شيء في أقصر وقت. # وتم إعلان الخطبة في شقتنا. اقتصر الحفل على والدي وأخواتي، ومن ناحيته على جولستان هانم ~~وأخ طاعن في السن، لم يشهده أحد من جيران العمر. وقد أهدتني جولستان قلادة ذهبية ذات فص ~~ماسي ثمين. وكنت في أعماقي متوترة الأعصاب، ولكن ضبطت انفعالاتي بقوة، ومثلت دوري بلباقة ~~حسدت نفسي عليها. ولما انفردت بسناء في حجرتنا انهار سد المقاومة فأجهشت في البكاء. ~~ورمقتني بوجوم مليا ثم قالت: ليكن هذا وداعك الأخير للماضي العقيم. # فقلت مولولة: خسرت أثمن ما في حياتي. # فعطفت علي أكثر من أي وقت ms27 مضى وقالت: لا أوافقك، ولكن لندع كل شيء للزمن. # | محتشمي زايد # فوقنا على بعد أشبار ثمة حفل لإعلان خطبة رندة. علوان انتهى من ارتداء قميصه نصف الكم ~~وبنطلونه الرمادي. بدا ساعداه مفتولين، وزغب صدره من فتحة القميص فاحما، وتجلى الانسجام في ~~قسمات وجهه المحتقنة بالحزن، شباب وجمال وأسى. ماذا يعتلج في أعماقه في هذه الساعة ~~اللعينة؟ لم أذق مرارتها إلا في الشعر. هل لدي ما أقوله له؟ لم أجد سوى نظرة وابتسامة. ~~ورفع يده تحية ومضى وهو يقول كعادته: فتك بعافية يا جدي. # وساء طبعي فجأة كأنما ازدردت كيلو شطة وفلفل. رميت بعيدا عني بخور العبادة. عالم مجنون ~~وبائس. أيها الأحباء الراقدون تحت الأرض، ما أكثركم! رأسي ثمل بذكرياتكم دون سبب واضح، ~~وسبقكم مئات الأنبياء والأولياء، فلينعم التراب بأطيب ما في الحياة. لماذا يتدفق الماضي في ~~روحي كشلال وبقوة بركان ثائر؟! هتافات الثورة تدوي من جديد؛ الاستقلال التام أو الموت ~~الزؤام، الشعب فوق الملك. أزيز النار المشتعلة في القاهرة، عظمة الراحل وهزيمته، عظمة ~~خليفته ونكسته. الجنون يشق طريقه في الصخر حاملا الجوع والديون. أيها الأحباب الذاهبون، ما ~~أكثركم! ما فكرتم في الموت ولا جرى لكم المرض في حساب، ومنكم من مزج الكونياك بالزنجبيل ~~وطارد النسوان في الموالد، ومن كان يخلع نفسه من مائدة القمار ليصلي الفجر حاضرا، ومن رمى ~~نفسه في مياه النيل المشعشعة بضوء القمر والزورق الشراعي يدور حوله حاملا الحشاشة المجدع، ~~وفتية القدر الذين تسلحوا بالإيمان والأحجار وخرجوا يتحدون الشرطة والجيش في عيد الدستور ~~الملغى، إني أشهد المعركة وأسمع أزيز الرصاص ووقع الأقدام الثقيلة المطاردة، ما أكثركم أيها ~~الراحلون والأعزاء، وما أجهل القبور اللامبالية بأقداركم! وذكرى جدي الأزهري مدرس النحو ~~الذي كان يخاطب جدتي الأمية بالفصحى، وخلف ذرية من العقلاء والمجانين ما زالت حتى اليوم ~~منجبة للعقل والجنون، ما ذنب حفيدي يا حثالة الأرض؟ ورثتم أبناءكم المال والأمان ~~وأورثتمونا الضياع والفقر والديون، وكأن الثورة ما قامت إلا من أجل سعادتكم وتعاستنا. آه ~~يا ربي، متى تهبني الشجاعة لأنبذ ms28 الدنيا وما فيها ؟ حتى متى أحن إلى كرامات لا تتيسر؟ متى ~~أطير في الهواء أو أمشي فوق الماء؟ متى أشير إلى الظالم فأصعقه وأريح الدنيا من شره؟ الحق ~~أنها تجربة فاشلة، وأن الإنسان عجز عن أن يتعامل معها كنعمة كبرى فنجسها بالغدر والأنانية ~~والخيانة. ها أنا أتمشى في الشقة لأفرخ غضبي، وها أنا أتصفح قطع الأثاث البالية كأنما ~~أودعها، وأقرأ وسط مسند الكنبة حكمة مرقومة بالخط الفارسي الأسود وسط هلال من الأصداف: «من ~~تأنى نال ما تمنى.» أي أناة يا ربي؟ صبرنا آلاف السنين حتى انقلب الصبر رذيلة والتمني ~~عاهة، وأشرب قدحا من الأنيسون وأعود إلى مجلسي، وترف على شفتي ابتسامة، ابتسامة؟! من أي ~~مكان في الغيب وردت هذه الابتسامة الضالة في غابة الأحزان؟! تقول إنها قادمة من زمن الجنون ~~المليح مقتحمة جدار التقوى، ندية بأنفاس الخمر وعرق الغانيات في البقاع المحرمة، من محراب ~~أقران الشباب والنزق والجهاد، ضحكاتهم تطير في الفضاء البعيد لم تظفر بعد بجهاز استقبال ~~يعيدها إلى الأرض، وزمردة ترقص شبه عارية وتغني: «المية حصلت نصي.» ليالي العربدة والمجون ~~والمنبوذين بلا ذنب، حيث تتجلى الحكمة والصدق فوق جباه العاهرات والقوادات، يقلن لنا بكل ~~تواضع: ألسنا أرحم بكم من حكامكم العظام؟ نحن نبذل أنفسنا في سبيل الترفيه عنكم، وهم يضحون ~~بكم بغية الترفيه عن ذواتهم؛ فإلى جنة الخلد يا زمردة ويا لهلوبة ويا أم طاقية، ويا جميع ~~المنحرفين والمنحرفات ممن لم نقر بفضلهن حتى ورد الزمان علينا بأبطال النحس والفاقة ~~والهزائم. سقيا للياليكم المنزوية في أعطاف الدخان والنشوة، المنطوية في فنون التلميع ~~والتسمين، المبذولة للدهن والتمشيط، كل جهد وتخطيط من أجل الآخرين، والرضا بعد ذلك باللقمة ~~والازدراء وشماتة الشامتين. هذا ما قالته ابتسامة رفت في غير أوانها، وفي ظل زمن مجنون وقلب ~~كسير، والندم كبير، والطمع في المغفرة بلا حدود، والضيق بالغ غايته من كثرة الأسئلة عما يجوز ~~ولا يجوز، وعما يجب أو لا يجب، على حين ينشغل اللصوص بتوزيع الغنائم؛ أستعيذ بالله وبكل ~~صاحب كرامة وبكل مالك ms29 علم أن يقدم لتبديد ظلمات هذا الليل الطويل. وجاءني فواز وهناء قبيل ~~النوم، وسألني الرجل: ماذا تتوقع لعلوان؟ # فقلت بهدوء يوحي بالثقة: كل خير، إنه قوي، وسوف يعبر الأزمة بسلام. # وقالت هناء: إنه الآن حر ويستطيع أن يشق طريقه كيفما يشاء. ~~- لا تنس أنه هو صاحب القرار. # تمنيت أن يرجع قبل أن أخلد للنوم، وعرضت لي فكرة قديمة جديدة، وهي أن الإنسان يجب أن يعشق ~~الدنيا وأن يتحرر من عبوديتها في آن. وعدت أقول لنفسي ما أكثر الأحباب الذين ذهبوا، وهل ~~حقا عاشرتهم طويلا في هذه الدنيا الدائبة على أكل بنيها؟! # | علوان فواز محتشمي # قمت بدوري بكل صفاقة، أقبلت على رندة في مجلسها بالمكتب باسطا يدي وقلت: أصدق ~~التهاني. # رمقتني بلمحة عابرة وتمتمت: شكرا. عقبى لك. # وانتهزت فرصة خلو المكان لفترة قصيرة، فقلت لها من موقعي القريب منها: لا أخفي عنك أنني ~~تمنيت لك زيجة أفضل. # فتساءلت بهدوء: ما لها هذه؟ ~~- الحق .. أريد أن أقول إنك تستحقين أحسن زيجة. # فقالت باسمة في غموض: إنه حسن ظنك. # وقلت لنفسي إنه علي أن أطوي هذه الصفحة إلى الأبد. ولنتحمل الألم حتى نمحقه محقا، إن ~~استسلمت للحزن جننت. ولما علمت بوصول المدير قصدته في الحال وقلت له: معذرة، إني قادم ~~للتهنئة. # فقال بمودة: لولا انصرافك عن الموضوع ما اقتربت منه. ~~- إنك دائما تفعل الصواب. ~~- شكرا، وعقبى لك، عليك من الآن فصاعدا أن تفكر في مصلحتك. # لم أدر ماذا أقول، فواصل: الطريق واضح، وما عليك إلا أن تفكر بصفاء. # فقلت وأنا أهم بالذهاب: نصيحة ثمينة يا بك. # فقال بسرعة: أنا مكلف بدعوتك، شقيقتي دعتنا لحفل شاي صغير ابتهاجا بانتقالها إلى الفيلا ~~الجديدة. # حقا إن الطريق واضح. وقلت: يسعدني أن أقبل الدعوة. # قبلت الدعوة رغم أن فكرة بيع نفسي لم تخطر لي ببال، وقصدت العنوان حوالي السادسة ~~مساء في جو حار رطب. وجدت الفيلا غير بعيدة عن عمارة أنور علام؛ صغيرة وأنيقة وذات حديقة ~~ثرية بأشجار الورد البلدي والبنفسج. جلست في ثوي جديد وردي اللون ms30 محلاة جدرانه بلوحات ~~مصوغة بالكانفاه. وجلست بيننا جولستان في فستان أبيض دقيق الرسم لتكويناتها المثيرة. وقال ~~أنور علام: الحفل مقصور علينا، فأنت مدعو باعتبارك من الأسرة. # فقالت جولستان بنعومة: لم تعجبني أخلاق أحد من زملائك سواه. # فشكرتها، على حين قال أنور علام ضاحكا: حقا إن شهادتك في محلها. # وشربنا الشاي والتهمت قطعة كبيرة من التورتة، وراح أنور يقول: يتحدثون عن مضاعفات فتنة ~~طائفية. # فتساءلت جولستان: ما معنى ذلك؟ # وتساءلت بدوري: أين الحكومة؟ # فقال أنور: أيام قلق. # فنظرت جولستان نحوي وقالت برثاء: يا لكم من جيل يستحق الرثاء! # فقلت بامتعاض مكملا: والتعنيف أيضا. # وقام أنور قائلا: لدي مكالمات عاجلة. عن إذنكم دقائق. # في خلوتنا رنت إلي بعطف وتمتمت: ما يستحق مثلك إلا كل خير. # تساءلت عما تعنيه .. السياسة أم مأساتي الشخصية؟ ولكن استحوذ علي انفعال جنسي من وحي ~~جسمها الناضج، وركزت فيه نظرة مشحونة بصراحة فاضحة، تمنيت شيئا واحدا هو أن أتخذ منها ~~خليلة. وقلت همسا بريق جاف: أود أن أنفرد بك. # فقالت برزانة: أرحب بالانفراد برجل ذي خلق مثلك. # تعطل التيار الكهربائي المتدفق في صدري. قالت الكثير وبأقل الكلمات. وئدت أحلامي الطائشة ~~ورحبت في الوقت نفسه بي. وتماديا في الإيضاح قالت: إني أحترم نفسي وأرحب بمن يحترم ~~نفسه. # فداريت خيبتي قائلا: ما أسعدني بسماع ذلك. # بيتي يرحب بك في أي وقت، لقد عرفت عنك الكثير، ولكنك لم تعرف عني شيئا يستحق الذكر. # | رندة سليمان مبارك # إنه يطالب بالزفاف في أقرب فرصة ولا أجد عذرا للتأجيل. وتقرر إقامة الاحتفال بفيلا ~~جولستان هانم وتعذر على أبي الحضور. كان حفلا صامتا، ولكنه ثري بالبوفيه الممتاز وبمن شهده ~~من كبار موظفي الشركة ونخبة من رجال الأعمال. وضعت على وجهي قناع سعادة لا ريب فيه، والحق ~~أني دعوت لنفسي طويلا بالتوفيق وصممت عليه، وكانت ورائي رغبة صادقة في التفاهم والتكيف مع ~~حياتي الجديدة. أخوف ما خفت أن أرى علوان بين المدعوين، ولكنه لم يوجد. وقلبي وإن خلا من ~~الميل فإنه لم يتكدر بالنفور. ترى لو ms31 كان علوان هو عريس الليلة، فماذا كان سيفعل؟ عشت عمري ~~لا أتصور أنه يمكن أن أهب نفسي لسواه. ها هو الواقع يفرض قرارا آخر. حسبي أنني أشعر بأن ~~أنور يمكن أن يحب ذات يوم، في هذا الكفاية. ولم تنقطع وفود المهنئين في الأيام التالية ~~وخاصة من أهلي، ولكن ما شأن هؤلاء الرجال؟ يجيئون حاملين الهدايا، نرحب بهم معا، تقدم ~~لهم الخمور، ليلة بعد أخرى لا ينقطع تيارهم الغث ومنهم مواظبون. ولما أرهقتني الوجوه ~~الثابتة، والمجاملة المبذولة من ناحيتي عن تأفف عميق، قلت له: ما أكثر أصدقاءك من رجال ~~الأعمال! # فقال لي بصراحة لافتة للنظر: إنهم في الحقيقة مستقبلنا. # فتساءلت في حيرة: ماذا تعني؟ ~~- وظيفة مثل وظيفتي لا قيمة لها إلا في نظر موظف ناشئ، مستقبلنا الحقيقي في القطاع الخاص، ~~في المغامرة الذكية التي ترفع الشخص من طبقة إلى طبقة، فلا تقصري في الاحتفاء بهم. # إذن فهي زيارات عمل! لم أرتح لذلك، وقلت: إنك أفهمتني أنك واثق من نفسك من الناحية ~~المالية. # فقال بصراحة مكشوفة: عن هذا السبيل وحده، عدا ذلك فلا أمان لأحد في هذا الموج المتصاعد بلا توقف من الغلاء. # نسجت الكآبة حولي غشاء محكما، فقال بحماس: إذا لم يكون الإنسان ثروة خيالية في هذه ~~الظروف فلا بارك الله فيه. ~~- ألا يكفي ما يوفر لنا معيشة مريحة؟ ~~- مريحة؟! .. نحن في سباق يا محبوبة لا رحمة فيه. # ها هو شخص جديد يبرز لي من وراء الشخص الآخر، وبعجلة مذهلة، لا يطيق الصبر ولا يصبر على ~~التدرج، ولا يعمل حسابا لأثر رد الفعل في نفسي. إنه يقول لي بكل بساطة إليك ذاتي بلا قناع ~~ولا لف ولا دوران، فما رأيك؟! إنه لا يرى في هذه الدنيا إلا طموحه ولا يحفل إلا به، يسدي ~~إليه صلاته مائة مرة في اليوم، وكأنما لا وجود لي إلا من خلال الدور الذي يمكن أن ألعبه في ~~مخططه المترامي. حتى التمثيل الكاذب لا يتقنه أو لا يبالي به. إنه مفاجأة، ومفاجأة صاعقة ~~قذفها السيل من عل، ms32 ولا وجود للحب إلا في لحظته، وسرعان ما شعرت بخيبة أمل لا عزاء فيها، ~~وأنني بعت نفسي بلا مقابل، أو أن الحال أسوأ من ذلك. وإنني أخجل من إعلان خيبتي، كنت أتوهم ~~أنني على الأقل غاية فإذا بي وسيلة لا قيمة لها إلا بما تؤديه. وظيفتي هنا أن أجامل ~~وأسامر وأقدم الشراب. ولم يقنع بذلك كله، فأخبرني أنه لا يستطيع أن يؤجل أعماله المسائية ~~أكثر من ذلك، وأنه سيعهد إلي وحدي بمهمة الضيافة والاستقبال. قال ضاحكا: إنها امتداد ~~لعملك في العلاقات العامة. # فقلت معترضة: ولكن لا شيء مشتركا بيني وبينهم. ~~- لا أهمية لذلك، حسبك أنك لبقة وذكية ومثقفة، ونحن شريكان، والشريك ينوب عن شريكه خاصة ~~فيما يعود عليهما في النهاية بالخير. # فقلت بحدة، أول حدة تنتاب شهر العسل في إبانه: لغة سوق ما تصورت أنني سأتعامل ~~معها! # فقال باسما: خير البر عاجله. # ووخزتني سخريته، فشعرت بأن تجربتي تتهاوى في جرف الفشل، ووجدت نفسي وحيدة وسط رجال يشربون ~~ويقهقهون، ويتوثبون لاختراق الحدود. وصكت أذني نكتة وقحة فاقتحمتني موجة هادرة من الاستياء ~~والغضب، وقلت ببرود: حسبكم! # فنظروا إلي واجمين، فقلت بخشونة: كفاكم شربا! # فتساءل أحدهم: هل تجاوزنا حدود الأدب؟ # فقلت دون مبالاة: أظن ذلك! ~~- لعلها إشارة للانصراف؟ # فقلت متمادية في الغضب: دون مناقشة! # وانتظرت وأنا على أسوأ حال أدور مع الهواجس وتدور معي. ولما رجع حوالي منتصف الليل، غاض ~~البشر من وجهه حال وقوع عينيه علي. تساءل: خير؟! ~~- لا خير البتة، إنه بيت وليس بخمارة. ~~- ماذا حصل؟ ~~- باختصار طردتهم، وافهم ما تشاء. # انحط على المقعد أمامي صامتا، ثم تمتم بعد صمت: انهار بناء شامخ. # فصمت بحدة: فوق رءوس مجموعة من السفلة. ~~- خيبة أمل. # فسألته بغضب شديد: ألا تريد أن تفهم؟ # فقال بهدوء شديد مثير: حسبتك أوسع إدراكا. # فصمت: الحق أني لا أفهمك، أنت شخص غريب. # فقال بهدوئه المثير: المسألة سوء تفاهم. ~~- سوء تفاهم؟! ~~- أعني سوء تقدير من ناحيتي. # فصرخت: يبدو لي أنك إنسان وضيع. # فدعاني إلى تمالك نفسي بإشارة من يده وقال: ms33 لا .. لا .. لا داعي لفتح هذا القاموس، أنا عشت ~~دهرا لم أعرف الغضب. ~~- إنها شهادة ضدك. ~~- هدئي خاطرك، حصل خطأ، وبيدنا تصحيحه. # فقلت بتصميم: إني ذاهبة. ~~- ولم العجلة؟ انتظري الصباح. ~~- لن أبقى في هذا البيت لحظة أخرى. # فقال بتسليم: لك ما تشائين، ولا داعي للغضب. # | محتشمي زايد # إنه لا يحب الظالمين ~~. ما هذا القرار أيها ~~الرجل؟! تعلن ثورة في 15 مايو ثم تصفيها في 5 سبتمبر؟ تزج في السجن بالمصريين جميعا من ~~مسلمين وأقباط ورجال أحزاب ورجال فكر؟ لم يعد في ميدان الحرية إلا الانتهازيون، فلك الرحمة ~~يا مصر، # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا ~~. وأذكر يوم حددت إقامة سعد زغلول في بيت الأمة، ~~فزحف الانتهازيون بالولاء الزائف نحو القصر، لماذا تعيد تمثيل تلك المسرحية القديمة من ~~ريبوتوار المآسي المصرية؟ وأذكر عهود الاستبداد بسوادها الكالح، أفكانت ثورة 1919 حلما أم ~~أسطورة؟! «ليس الشديد بالصرعة .. إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.» ترى ماذا تخبئ أيها ~~الغد؟ أما عن أمسي فقد فقدت أقدم وآخر صديق. صداقة دامت خمسة وسبعين عاما، يوم تعارفنا على ~~عتبة المدرسة الأولية، لولا الشيخوخة وسوء المواصلات .. آه. صممت على تشييع الجنازة. رحلة ~~شاقة كرحلة الحاج، وتوكأت على علوان. في دار المناسبات استعرضت فيلم العمر الثري: المدرسة، ~~الشارع .. المقهى .. الحانة .. لجان الطلبة .. ليالي الزفاف .. أعياد الميلاد. الوجه ها هو .. ~~الابتسامة ها هي .. هل سمعت آخر نكتة؟ .. والشكوى من الدهر .. أنتفق في كل شيء ونختلف في ~~الأهلي والزمالك؟! عليك بقدح ماء على الريق .. ولا تنس دواء الذاكرة، فاتني أن أسمع تعليقك ~~على 5 سبتمبر، ولكنني أعرفه، وبدأت التلاوة: # كل نفس ذائقة ~~الموت ~~. سرعان ما جاء الموت بابتسامة المراوغة وجلس إلى جانبي. لا تتعجل فلم ~~تبق إلا خطوة. موت صديقي القديم بروفا لموتي، أرى كل شيء؛ الغسل والدفن والمشيعين. وأقرأ ~~النعي؛ محتشمي زايد من رجال التربية القدامى وشباب الحركة الوطنية. هل تذكره؟ ظننته مات من ~~زمان، ويجيء النسيان متثائبا، ولكني أسلم بمنتهى الرضا. حقا إنه ms34 عمر طويل، ولكنه يبدو ~~الساعة كلحظة عابرة . الحب والعنف والغضب والأمل، ألا ما أكثر الراحلين! لا فرق الآن بين أن ~~تكون أنت في النعش وأنا ماش وراءك أو العكس. وحياني ابنه بحرارة وقال لي: في احتضاره ~~حملني التحية إليك. # وفي المساء عاتبني ابني فواز قائلا: في سنك يعفى الإنسان من أمثال هذه الواجبات. # أما هناء فقالت: اشتريت اليوم كتابا لا يقدر بثمن، هو «كيف تصلح أجهزتك المنزلية؟» ~~فلعله يحررنا من السباك والكهربائي. # وعند ذاك تساءل علوان: ألا يوجد كتاب يحررنا من الحكام؟ # فقال فواز: لا حديث للناس إلا اعتقال الذين اعتقلوا. # فعاد علوان يقول بعصبية: أستاذتي علياء في السجن، وصديقي محمود المحروقي أيضا! # فقلت ملاطفا: ثمة وعد بمحاكمة سريعة حتى لا يضار بريء. ~~- أما زلت تصدق الأكاذيب يا جدي؟ # ما أنقذه من القضبان إلا حيرته والويل للمنتمين. # ولما خلا لنا المكان قلت له: آمل أن تتغلب على أزمتك بما أعهده فيك من شجاعة. # فقال ساخرا: المصائب تقل حدتها بالتكاثر، فتتكسر النصال على النصال. # وأغلق التليفزيون، ورجع إلى مجلسه إلى جانبي وهو يقول: جدي، لا أحب أن أخفي عنك سرا. # أصغيت إليه مستطلعا باهتمام، فقال: توجد قرائن قوية على دعوة موجهة لي للزواج من شقيقة ~~أنور علام زوج رندة. ~~- حقا! إلي بمزيد من المعلومات. ~~- هي أرملة تكبرني بعشرين عاما، غنية جدا. ~~- والشكل؟! ~~- ليس كما تظن، مقبولة ومحترمة أيضا. # فلذت بصمت ثقيل، فسألني: ما رأيك يا جدي؟ # فقلت من مأزقي: إنه قرار خاص جدا يحسن ألا يشاركك فيه أحد. ~~- ولكنني مصمم على معرفة رأيك. ~~- هل تحبها؟ ~~- كلا، ولكنني لا أكرهها. ~~- لا أدري ماذا أقول. ~~- يوجد ما يقال. ~~- لا حق لي في تشكيل مصيرها، إني أنتمي إلى عالم آخر، وليس من الحكمة أن يستبد عالم بعالم ~~آخر. ~~- ولكنك لم تعودني الهرب. # فصمت قليلا ثم قلت: للمشروع مزايا لا يستهان بها، وعيوب لا يستهان بها أيضا، وفي مثل ~~حالك ترجح مزاياه بعيوبه. # فابتسم ابتسامة غامضة وقال بحدة: إني أرفض أن أبيع نفسي. # فجرى ماء ms35 الراحة في أعماقي الملتهبة، ولكني سألته: هل اتخذت قرارك مع التفكير ~~اللازم؟ ~~- وأكثر من اللازم. # فقلت بحرارة: أسأل الله أن يعوضك عنها خيرا. # وقلت لنفسي: «كراماتك يا سيدي الحنفي!» # | علوان فواز محتشمي # وأنا أهم بالذهاب قال لي جدي: أما عرفت يا علوان؟ # فرمقته متسائلا، فقال: رندة طلقت! # غمرتني موجة عالية من الذهول والخوف والارتياح وهتفت: ما زالت في شهر العسل! ~~- والدتك أنبأتني به هذا الصباح. ~~- كيف يمكن أن يحدث هذا؟ ~~- عندما تتعذر المعاشرة. # ثم وهو يودعني: أردت أن أنبهك حتى لا تفاجأ به هناك. # غصت في انفعالاتي طيلة الطريق. لم أر إلا حزني وفرحتي التي ضقت بها. ورأيت رندة مستكنة ~~في غشاوة كآبتها، كما رأيت ظل الكآبة منتشرا في المكتب كله. صافحتها وأنا أقول: إني ~~... # فقاطعتني: شكرا. # فقلت بصدق: إنك لا تستحقين ذلك. # فقالت بهدوء: أكرر الشكر، ولا داعي للمزيد. # وتطايرت الأقاويل بعيدا عن مسمعها فسمعت الأعاجيب. واضح أنه فشل كما يحدث للكثيرين ممن ~~يتزوجون في سن متأخرة. لا .. لا .. إنه شاذ .. تأملوا حركات يديه، بل العلة في برودها؛ فالجمال ~~الظاهر ليس كل شيء، يقال أيضا إنه توجد علاقة آثمة بينه وبين أخته، سمعت وتألمت. إني أحبك ~~يا رندة كما كنت وأكثر، يحزنني أن أجدك في موقف منهزم، قلبي مع كبريائك الجريح. وخيل إلي ~~أنني قد أقترب من السر عند أنور نفسه. أعلنت له أسفي فحدجني بنظرة ساخرة. # وتمتم: شكرا! # أدركت من توي أنه يشك في صدقي، فقلت: آسف لكما معا. # فقال ببرود: لا شيء يوجب الأسف. # وعبر إلى الأوراق المعروضة دون زيادة. ودعتني جولستان هانم لزيارتها فلبيت دون تردد ~~وأنا على شبه يقين من أنني سأعرف عندها الحقيقة. وجدتها متحلية كعروس، وقالت لي معاتبة: ألا ~~تزورني إلا إذا دعوتك؟ ~~- أخاف أن أحرجك. ~~- عذر لا معنى له، وأنت أول من يدرك ذلك. # وقدمت لي دندرمة محشوة بالمكسرات، ثم قالت: عنت لي فكرة. # فنظرت نحوها باهتمام، فقالت: أخي بدأ ينشغل بنفسه عني، فهل تعمل أنت وكيلا ~~لأعمالي؟ # تبدى لي الاقتراح مثل ms36 هاوية تنداح تحت قدمي، فقلت: قد يغضبه ذلك. ~~- هو صاحب الفكرة. # فقلت متحرجا: أمهليني كي أفكر؛ فقد عرض علي بعضهم أن ألتحق بقسم الماجستير. ~~- العمل بسيط، ولكنه يحتاج إلى شخص أمين. ~~- ستكون المهلة قصيرة جدا. # وإذا بها تتطوع لإطلاعي على جانب هام من ماضيها، قالت: طالما رميت بالجشع بسبب زواجي، ~~والحقيقة أن أبي هو الذي زوجني من رجل يكبرني بثلاثين عاما، على ذاك مضت حياتي معه مكللة ~~بالاستقامة والأمانة، وكانت وما زالت سمعتي أنقى من الماس. # فقلت بيأس لم تفطن إليه: إنك مثال للاحترام. # ثم في مراوغة: أنور بك رجل محترم أيضا، ولكن تأملي سوء حظه. # فرمتني بنظرة متوجسة وسألتني: أترثي له أم لزوجته؟ # فقلت متحديا: ما مضى قد مضى وانقضى! ~~- حقا؟! ~~- هي الحقيقة بكل بساطة. ~~- إذن، دعنا من هموم الآخرين ولننتبه لهمومنا. # فانحصرت في ركن لا أدري ماذا أقول، فقالت بصراحة ذكرتني بأخيها: أنت فاهم وأنا فاهمة. # ثم بشيء من التأثر: من حقي أن أسعى إلى سعادتي طالما أن كرامتي مصونة. # فقلت حتى لا ألزم الصمت أكثر مما يحتمل: إني أحترم هذا المنطق السديد. # فقالت بعذوبة: لن تندم، وإني منتظرة. # | رندة سليمان مبارك # ست أعين تدور في فلك الحيرة؛ عيناي في عيني أمي، عيناي في عيني أبي، عينا أمي في عيني ~~أبي، أعيننا جميعا تتنافر هاربة. في تلك الساعة من الليل ذهلت أمي لمرآي، شحب لون وجهها ~~عاكسا لون وجهي، همست وأبي يغط في نومه تحت الملاءة الأرجوانية: رندة .. ماذا وراءك؟ # وقفنا في وسط الصالة وأفرغت ما في صدري دفعة واحدة: إنه الطلاق. # وصببت عليها الحكاية بتفاصيلها، وعلم أبي بها بعد الفطور صباحا على درجات. قلت له: لا ~~يمكن أن نتفق. # وراحت أمي لتتحدث عن الزوار والخمر. احتقن وجهه بالغضب فقلت له: لا تحمل صحتك فوق ~~طاقتها. # فقال بحنق: فهمت كل شيء. لو بي قدرة لأدبته. ~~- لا ضرورة لذلك، كان صريحا، وسرعان ما اعترف بفشله. ~~- كيف غابت عنك حقيقته؟ ~~- لكل أسراره، ولا أنكر أنني خدعت. ~~- يستحسن أن نستشير محاميا. ms37 # فقلت بإشفاق: هو أقصر سبيل لنشر الفضيحة ، ومن ناحية أخرى فقد سلم لي بكافة حقوقي دون ~~أدنى اعتراض. ~~- قد يغري هذا الطلاق السريع ألسنة السوء بك؟ ~~- إني واثقة من نفسي، وسرعان ما ينسى كل شيء. # ورغم أن أحدا من الزملاء لم يكدر صفوي، فقد شعرت طيلة الوقت بجو محموم بالتساؤلات ~~المكتومة. # خاصة من ناحية علوان الذي بلغ غضبي منه مداه. ومرة همس لي ونحن منفردان: إني حزين ~~جدا. # فسألته ببرود: لماذا؟ ~~- لعله الشعور بالذنب. ~~- لا شأن لك بما كان. # فتحول عني بعينيه وهو يقول: ما زلت أحبك. # فقلت بحدة: لا أريد سماع هذه الكلمة من فضلك. # وبمرور الوقت ضقت بكل شيء، وحتى بغضبي ضقت، ورجعت أنظر إليه كما أنظر إلى نفسي برثاء، بل ~~وجدت شيئا من خلو البال، فتساءلت: ترى كيف تسير الأمور بينه وبين جولستان؟ هل يتزوج منها ~~يوما ما؟ وأي غرابة في ذلك؟ وربما كانت المرأة خيرا من أخيها. لم أجد بها ما يسوء، وهي ~~تريده ما في ذلك من شك. اللعنة .. إنها تحبه. من كان يتصور أننا نفترق؟ من كان يتصور أن ~~الآمال الكبار يمكن أن تتلاشى كقبضة من غبار؟ وهمس لي عند ميعاد الانصراف يوما: أشعر ~~بدافع قوي لتبادل الرأي. # صمت صمت القبور لرغبتي الشديدة في الحديث. # وذهبنا إلى استراحة الهرم فتناولنا بعض السندوتشات مع الشاي، ورحنا نتبادل النظر في ~~بلاهة. سألني: هل لديك خطة؟ # فقلت ببساطة: أعيش بلا خطة ولا أحلام، وهو غاية الراحة. ~~- وأنا أيضا، ولكن جدي يقول إنه ما بين غمضة عين و... # قاطعته: دعنا من جدك وأمثاله؛ فهي لا تصلح لنا. متى تتزوج من جولستان؟ # فقطب متسائلا: من قال ذلك؟ ~~- مجرد سؤال. ~~- أنا لا أبيع نفسي. ~~- إذن ترى أنني بعت نفسي؟ # فقال بسرعة: كلا، الأمر مختلف، لا غرابة في أن تتزوج فتاة من رجل يكبرها، أما العكس ~~... # وتصفح وجهي بقوة ثم سألني: ما أسباب الفشل في زواجك؟ # بي رغبة حقيقية للاعتراف له بالحقيقة، وهو دون الآخرين. ~~- تعدني بألا تبوح بالسر لإنسان؟ ~~- أعد ms38 بشرفي. # وأفرجت عن المأساة الحبيسة في ضلوعي ، حتى هتف: الوغد! ~~- انتهى وقت الغضب؛ فلا تنس وعدك. ~~- فاق أي خيال. ~~- ليس أعجب مما سمعنا في حياتنا. # | محتشمي زايد # أرى في أحلامي أبي وأمي وأختي محاسن .. ورأيتهم مرة في منطاد يحلق فوق رأسي. ترى هل أزف ~~الرحيل؟ هل آن للعجوز أن يعفي الدولة من صرف معاشه؟ الصحة جيدة رغم عين الحسود سليمان ~~مبارك، ولكن الصحة مهلكة مثل المرض. كفى بالصحة داء! صدق رسول الله. عبدك منتظر يا رب، ~~يتوقع بين آونة وأخرى أن يدق الجرس، وسوف يستقبل الطارق بما يليق به من طاعة وترحاب. حسن ~~الختام يا رب، جنبني الأوجاع والعجز، وشكرا على حياة طويلة عريضة. حسبي أني لم أقدم أذى ~~لإنسان في هذا العالم الحافل بالأذى. والشيخوخة قضيتها جوالا بين كلماتك وأنبيائك ~~وأوليائك، وقبل ذلك كابدتها في دنياك ونعمائك. رياضتي العبادة، وتسليتي الطرب، وسروري الطعام ~~الحلال. ها هو العيد يطل علينا متوجا بأنداء الخريف، نهر من السحب البيضاء يتدفق فوق النيل ~~الأسمر والأشجار الباسقة دائمة الخضرة. أيام قلائل نادرة في حياة هذه الأسرة الممزقة. فواز ~~يملأ جلبابه في استرخاء، وهناء تمشط شعرها الأبيض، وعلوان يحلق ذقنه تأهبا للانطلاق. قلت ~~بسرور وأنا أتصفحهم حولي: أخيرا نجتمع كأسرة يا أولاد. # فقال فواز بصوته الجهير: نقطة راحة في بحر من التعب. ~~- لو كانت الدنيا غير الدنيا لخرجنا إلى القناطر. ~~- فكرة غير صالحة للعصر، أو قل إنها جنونية. # قالت هناء ضاحكة: نأكل وننام، هذا ما تبقى لنا من العيد. ~~- وأنت يا علوان؟ ~~- إلى المقهى على الأقدام. # فقال فواز باسما: ثرثرة كالعادة. # فقلت: وعيد آخر اتفقت دورته مع العيد؛ عيد النصر. # فقال علوان ساخرا: النصر والسجن. # فقلت بنشوة غازية: لا دوام لحال، الجديد أيضا آت لا ريب فيه. ~~- حقا؟! .. يحيا الصبر والانتظار. # فقال فواز حالما: مفاجأة بترولية أو اكتشاف نهر مغمور في الصحراء. # فقال علوان: أو اندلاع ثورة. # فتساءل فواز: هل تعني الثورة إلا مزيدا من الخراب؟ # فقال علوان متهكما: ضربوا الأعور على عينه! # يتحدثون عن ms39 الثورة بلا معرفة، لم يسمعوا عنها. حكى لهم الراوي المأجور حكاية زائفة كاذبة. ~~يبدأ المدرس المغلوب على أمره درسه بالسؤال الخائن: «لماذا فشلت ثورة 1919؟» يا أبناء ~~الأبالسة، ألا توجد قطرة حياء؟ يا زبانية المعتقلات وعباد نيرون، ها هو علوان يلوح بيده ~~ويذهب؛ يذهب حاملا خيبة فرد وجيل معا. وفتحت هناء التليفزيون قائلة: نشاهد الحفل. # المنظر العام ثري يوحي بالفرح الشامل. قدوم الرئيس في هالة لألاءة كليلة القدر، عليه ~~بزة القيادة، وبيده صولجان الملك، وتتابعت الصفوف والأعلام. قالت هناء ببراءة: شد ما هو ~~معجب بنفسه. # فقلت: اليوم يومه. # فقال فواز: إنه لسعيد، وهو حقيق بذلك. # ثم مستدركا في أسى: خسر الكثير منذ 5 سبتمبر. # عرض فوق الأرض وعرض في السماء، منظر نادر لا يتكرر. قلت بصوت من الماضي: لم نكن نرى ~~الجيش إلا يوم المحمل. ~~- انظر يا أبي، هذا عالم آخر. # وقالت هناء ضاحكة: وجه مورد كأنه مطلي بروج. # وتمر الفيالق ويمر الوقت، ويزحف علي الكسل وشيء من النعاس، وأصحو في لحظة غريبة من ~~الزمان. قرص التاريخ أذني، والدهر. قالا لي: هكذا وقعت الأحداث التي قرأتها في صحف ~~التاريخ بانتباه عابر. ها هي تقع في حجرة المعيشة، تضطرب الشاشة الصغيرة وتتميع، وتنقض ~~حركة غير عادية، وتنطلق أصوات، ثم يدهمنا الاختفاء. ~~- هل حصل شيء في التليفزيون يا فواز؟ ~~- ليس في الجهاز .. لا أدري ماذا حصل. # وقالت هناء بقلق: شيء غير عادي .. قلبي غير مطمئن. # فقال فواز: ولا أنا. # تساءلت: هل ...؟! # قال فواز: الله أعلم يا بابا، عما قليل سنعرف كل شيء. # وقلت من قلبي: اللهم حوالينا لا علينا. # | علوان فواز محتشمي # ليكن عيد، ولننس همومنا ولو ساعة واحدة، ولكن كيف والباب له مائة مفتاح؟ ماذا يقول لي ~~النيل؟ وماذا يقول الشجر؟ اسمع جيدا، إنها تقول: يا علوان، يا فقير، يا عائشا بين الأسوار، ~~رندة تعود إليك تحت مظلة الصداقة والحوار، في ظل حب غير معلن يقوم على أرضية مستندة إلى ~~عمودين من الصلب واليأس تظلها أحلام غامضة. لا مطاردة من الأهل ولا ms40 أمل ولا يأس، امش ~~مشية عسكرية سريعة؛ فهذا يوم الجنود. وها هو المقهى مكتظ بعلماء الكلام. هنا ينعدم الرضا ~~والفعل. بيننا مائدة عليها ترانزستور تطوع أحدهم بإحضاره، كما فعل يوم أذاع علينا ~~الرئيس الراحل هزيمته عقب 5 يونيو. أول ما سمعت قائلا يقول: الرئيس الراحل في هزيمته أعظم ~~من هذا في نصره. # هذا يذكرني برأي أدلى به جدي مرة، قال لي: نحن قوم نرتاح للهزيمة أكثر من النصر؛ فمن طول ~~الهزائم وكثرتها ترسبت نغمة الأسى في أعماقنا؛ فأحببنا الغناء الشجي والمسرحية المفجعة ~~والبطل الشهيد. جميع زعمائنا شهداء؛ مصطفى كامل شهيد الجهاد والمرض، محمد فريد شهيد المنفى، ~~سعد زغلول شهيد النفي أيضا، مصطفى النحاس شهيد الاضطهاد، جمال شهيد 5 يونيو. أما هذا ~~المنتصر المعجباني فقد شذ عن القاعدة، تحدانا بنصره، ألقى في قلوبنا أحاسيس وعواطف جديدة لم ~~نتهيأ لها، وطالبنا بتغيير النغمة التي ألفناها جيلا بعد جيل، فاستحق منا اللعنة والحقد، ~~ثم غالى بالنصر لنفسه تاركا لنا بانفتاحه الفقر والفساد، هذه هي العقدة. # وغرقنا في دوامة الحوار الأرعن والترانزستور يذيع تفاصيل عيد النصر لمن يسمع حولنا من ~~رواد المقهى. وسرقنا الوقت كالعادة حتى انتبهنا على أصوات غريبة وصوت المذيع وهو يصرخ: ~~الخونة .. الخونة. # شلت الألسنة وزاغت الأبصار، تلاصقت الرءوس فوق الترانزستور، ولكنه انقطع عن متابعة ~~الحفل وراح يذيع بعض الأغاني. ~~- ماذا حدث؟ ~~- شيء غير عادي. ~~- قال .. الخونة .. الخونة .. الخونة. ~~- اعتداء! ~~- على من؟ ~~- سؤال سخيف حقا. ~~- الأغاني المذاعة تدل ... ~~- متى كان للمنطق أهمية؟ ~~- شيئا من الصبر! # ماتت أي رغبة في العودة إلى البيت، تلاصقنا بشعور دعانا إلى البقاء معا أمام ~~المجهول. # تناولنا غداء موجزا من المكرونة وانتظرنا. وبعد وقت عنيف أعلن المذيع أنه حصلت محاولة ~~للاعتداء فاشلة، وأن الرئيس غادر الحفل، وأن قوات الأمن مسيطرة على الموقف تماما، وانطلقت ~~الأغاني من جديد. ~~- ها هي الحقيقة. ~~- الحقيقة؟ ~~- فكر قليلا. ~~- بعض الحقائق لا يمكن إخفاؤها. ~~- ولكن يمكن تأجيلها. ~~- من المعتدون؟ ~~- من غير التيار الديني؟ ~~- لكنه يجلس بين الجنود والحرس. ~~- انتبهوا .. بدأت إذاعة الأناشيد الوطنية. ms41 # وإذا بإذاعة جديدة تعلن عن إصابة طفيفة للرئيس، وأنه يلقى العناية الكاملة في المستشفى. ~~قلوبنا ترقص في مد الاحتمالات المتصاعد. الزمن توقف وغير لونه ثم أطل علينا بوجه ~~جديد. ~~- أصيب الرجل، ماذا بعد؟ ~~- استعدوا للسجن. ~~- عودة مؤكدة للإرهاب. ~~- سينجو وينتقم. ~~- هل نسمع القرآن بعد الأناشيد؟! # وتحملنا الوقت على ثقله حتى صحت النكتة وبدأت التلاوة. بهتنا أول الأمر. إنه اليقين. يا ~~للذهول! حقا؟! انتهى الرجل؟ .. من كان يتصور؟ لماذا نؤمن أحيانا بأنه يوجد مستحيل. لماذا ~~نتصور أنه توجد حقيقة في هذه الدنيا سوى الموت؟ الموت هو الموت، هو الدكتاتور الحقيقي. ~~ويجيء البيان الرسمي كالجملة الختامية. ترى ماذا يقول الناس؟ أريد أن أسمع ما يقال حولنا ~~في المقهى. وتحركت مرهف السمع. لا حول ولا قوة إلا بالله. هو وحده الدائم. البلد يواجه ~~خطرا لا يستهان به. لا يستحق هذه النهاية مهما قيل عن أخطائه .. في يوم نصره؟ مؤامرة .. توجد ~~مؤامرة محكمة ولا شك. في داهية .. الموت أنقذه من الجنون. على أي حال كان يجب أن يذهب. هذا ~~جزاء من يتصور أن البلد جثة هامدة، بل هي مؤامرة خارجية. لا يستحق هذه النهاية. إنها نهاية ~~محتومة. كان لعنة. من قتل يقتل ولو بعد حين. في لحظة انهارت إمبراطورية، إمبراطورية ~~اللصوص. فيم تفكر العصابة الآن؟ عدت إلى مجلسي تمزقني انفعالات متضاربة من الأسى والخوف ~~والسرور، وأفعمني ترحيب غامض باحتمالات مجهولة واعدة بتحطيم الجمود والروتين والانطلاق نحو ~~آفاق غير محدودة. ليكن الغد ما يكون أسوأ من اليوم، حتى الفوضى خير من اليأس، ومقاتلة ~~الأشباح خير من الخوف. هذه الضربة زلزلت عرشا واخترقت حصونا. ومع المساء همت على وجهي. ~~أرهقني الكلام. ما أرغبني في المشي! على كل عابر أرى أثرا من الموت، وأجدني فجأة أمام فيلا ~~جولستان، وأرى سيارة أنور علام واقفة تنتظر صاحبها. تتفجر في داخلي كل شهوة للجنس وكل نزوع ~~للقتال. # | رندة سليمان مبارك # يا للفظاعة. ألا توجد وسيلة إلا القتل؟ وما ذنب زوجته وبناته؟ لست من أنصاره، ولكنه لا ~~يستحق هذه النهاية. إنه ms42 يعيدني إلى المشكلات العامة بعد طول انغماس في مشكلاتي الخاصة . ~~القتل كريه، والله لا يحبه. أمي بكت كإنسان لم تغيره السياسة. وجمت حجرة المعيشة أكثر من ~~وجومها المألوف في تلك الأيام. وسألت أبي عن رأيه فقال: هيهات أن يرد رأي الحياة ~~لميت. # ورنا إلي مليا بعينيه الذابلتين ثم واصل: البلد مريض بالتعصب يا رندة، أين أيام ~~«لماذا أنا ملحد؟» يريدون أن يرجعونا أربعة عشر قرنا إلى الوراء. # وصمت قليلا ثم قال: أنا عارف أنك لا توافقين على رأيي كله، فافعلوا بزمانكم وليفعل بكم ~~ما يشاء، ولكننا متفقان على رفض القتل. # إنه الخط الأدنى الذي نقف عليه معا. ترى أين أنت يا علوان؟ إنك لا تحبه، فهل سررت ~~بنهايته؟ وعلى غير توقع اقتحم علوان شقتنا بعد طول انقطاع، وبجرأة دلت على قوة دوافعه، ~~وسرعان ما انفردنا بأنفسنا في الصالة على كرسيين متجاورين حول السفرة. وسألته: أين كنت ~~وقتها؟ # فقال باضطراب أفزعني: دعينا من ذلك فما من جديد يقال. رندة، أصغي إلي جيدا. ~~- ماذا عندك؟ ~~- وجدتني مساء اليوم أمام فيلا جولستان وسيارة أنور علام المنتظرة، ودون دعوة ولا تدبير ~~سابق اندفعت إلى الداخل، وكان هو أول من رأيت، فهتف مرحبا: «أهلا.» رب صدفة خير من ميعاد، ~~وإذا بي أصيح مفقود الرشد: «يا قذر!» ولكمته في صدره بقوة فترنح وهوى إلى الأرض. وهنا نبهتني ~~صرخة جولستان إلى وجودها، قالت لي بحزم: «كف عن همجيتك.» وساعدته على القيام وهو يلهث، فمضت ~~به إلى حجرة نومها. تسمرت في موقفي غائب الوعي تقريبا، وغابت هي ربع ساعة ثم رجعت شاحبة ~~اللون ذاهلة النظرة، وغمغمت: ماذا فعلت يا مجنون؟ لقد قتلته! # حملقت في وجهها دون أن أنبس. اغرورقت عيناها وتمتمت: ماذا فعلت يا مجنون؟! .. لماذا ~~قتلته؟ # وانحطت إعياء على مقعد مسندة رأسها إلى راحتها، على حين مضيت أسترد وعيي وأدرك أبعاد ~~فعلي. وأخيرا قلت: استدعي الشرطة، إنه قدري. # لم تند عنها حركة، ورغبت بكل قوتي في التخلص من الموقف، فقلت: سأذهب بنفسي إلى الشرطة. # فأشارت بيدها إشارة ms43 غامضة وهمست: اقعد حيث أنت. # ومر الوقت على أعصابي ثقيلا مثل وابور الزلط، فقلت: لا معنى للانتظار. # فهمست: انتظر. # وأحنت رأسها تخفي عينيها عني، وهمست: كان يشكو تعبا مزمنا في قلبه. # فيم تفكر؟ ساورني شك عاكس لنور خاطف من أمل مذبذب. ~~- لكني أنا الذي ... # فقالت بهدوء دل على أن رأسها المضطرب شرع يفكر: لا أثر للضرب. # بهذه العبارة تورطت كشريكة في الجريمة. تفرست في وجهها بذهول وأنا أعجب لطبيعة الشخص ~~التي قد تظل خافية في الظروف العادية إلى الأبد. أي امرأة! ولكن فرحتي بطوق النجاة كانت ~~فرحة غريق يائس. قلت: لن يخفى شيء على الطبيب. # فقالت بثقة: لا شأن لك بهذا. # وتبادلنا نظرة فاضحة لكلينا وقالت: طبعا أنت فاهم لماذا أعمل على إنقاذك؟ # فأحنيت رأسي ممتنا وأنا لا أصدق، فسألتني: هل أثق في شرفك؟ # وتعهدت بشرفي. # ولما انتهى سألته وأنا من اليأس في نهاية: لماذا تبوح لي بسرك؟ ~~- لا سر بيننا يا رندة. # فقلت بمرارة: لقد ارتكبت جريمتك غضبا لي، وأنت تستحق النجاة. ~~- أهذا رأيك؟ ~~- طبعا. لا يمكن أن أشير عليك بالموت. # فقال بانفعال: في الحقيقة إنني لم أقل كل ما عندي، فما غادرت الفيلا حتى احتقرت نفسي ~~وكرهت القرار الذي اتخذته، وفي حيرتي قصدتك لأعترف بكل شيء. # فقلت له بإشفاق: إني مدركة تماما لمشاعرك، ولكني لا ألومك على قرارك. # فقال بعناد خفق له قلبي: ولكني أرفض. ~~- هذا هو الجنون. ~~- ليكن. # فقلت متوسلة بحرارة: المعجزة لن تتكرر. ~~- ليكن. ~~- لا وقت للندم. ~~- لن أندم أبدا. ~~- إني بريئة مما تفكر فيه. # فقام وهو يقول: سأرجع إليها لأصارحها بكل شيء. ~~- لا أوافق. # فقال وهو يمضي: وأنا مصمم. # | محتشمي زايد # بعد اختفاء علوان أغرق في وحدة مطلقة. حزني عميق، وحزن أبويه لا قرار له، أما العالم حولنا ~~فيشرئب إلى أمل جديد، ورندة أي شجاعة ساقتها إلى المحكمة لتدافع عن الشاب بحيائها وكرامتها؟! ~~وكان من حسن الحظ أن تشخص الجريمة كضرب أفضى إلى موت. أعوام تمر ثم يغادر السجن صاحب حرفة ~~يكون بها أقدر على ms44 تحديات الحياة وتحقيق آماله. لا أحسبني أراه مرة أخرى، سيجد حجرتي خالية ~~فيمكنه أن يتزوج حبيبته فيها. ترى هل بقيت أكثر مما يجوز؟ وهل لعبت دورا وأنا لا أدري في ~~تعقيد مشكلته؟! # آن لي أن أنضم إلى فريق المسبحين المتطلعين إلى الأبدية في رحاب ذي الجلال. ms45