######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.ZuqaqMidaqq.Hindawi62575295 #META# Tags: novels #META# ID: 62575295 #META# Title: زقاق المدق #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # زقاق المدق‏ # زقاق المدق‏ # | زقاق المدق # | زقاق المدق # تأليف # نجيب محفوظ # | زقاق المدق # 1 # تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود ~~الغابرة، وأنه تألق يوما في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب ~~الدري. أي قاهرة أعني؟ .. الفاطمية؟ .. المماليك؟ ~~السلاطين؟ علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار؛ ولكنه على ~~أية حال أثر، وأثر نفيس. كيف لا وطريقه المبلط بصفائح ~~الحجارة ينحدر مباشرة إلى الصنادقية، تلك العطفة التاريخية، ~~وقهوته المعروفة بقهوة كرشة تزدان جدرانها بتهاويل الأرابيسك، هذا ~~إلى قدم باد، وتهدم وتخلخل، وروائح قوية من طب ~~الزمان القديم الذي صار مع كرور الزمن عطارة اليوم والغد ...! # ومع أن هذا الزقاق يكاد يعيش في شبه عزلة عما يحدق به من ~~مسارب الدنيا، إلا أنه على رغم ذلك يضج بحياته الخاصة؛ ~~حياة تتصل في أعماقها بجذور الحياة الشاملة، وتحتفظ - إلى ذلك - ~~بقدر من أسرار العالم المنطوي. ~~••• # آذنت الشمس بالمغيب، والتف زقاق المدق في غلالة سمراء من شفق ~~الغروب، زاد من سمرتها عمقا أنه منحصر بين جدران ثلاثة ~~كالمصيدة، له باب على الصنادقية، ثم يصعد صعودا في غير ~~انتظام، تحف بجانب منه دكان وقهوة وفرن، وتحف بالجانب الآخر ~~دكان ووكالة، ثم ينتهي سريعا - كما انتهى مجده الغابر - ~~ببيتين متلاصقين، يتكون كلاهما من طوابق ثلاثة. # سكنت حياة النهار، وسرى دبيب حياة المساء. همسة هنا وهمهمة ~~هناك: يا رب يا معين. يا رزاق يا كريم. حسن الختام يا رب. ~~كل شيء بأمره. مساء الخير يا جماعة. تفضلوا جاء وقت السمر. ~~اصح يا عم كامل وأغلق الدكان. غير يا سنقر ماء الجوز. أطفئ ~~الفرن يا جعدة. الفص كبس على قلبي. إذا كنا نذوق أهوال الظلام ~~والغارات منذ سنوات خمس، فهذا من شر أنفسنا. # بيد أن دكانين - دكان عم كامل بائع البسبوسة على يمين ~~المدخل وصالون الحلو على يساره - يظلان مفتوحين إلى ما بعد ~~الغروب بقليل. ومن عادة عم كامل أن يقتعد كرسيا على عتبة ~~دكانه - أو حقه على الأصح - يغط في نومه والمذبة في ~~حجره، لا يصحو ms001 إلا إذا ناداه زبون أو داعبه عباس الحلو ~~الحلاق. هو كتلة بشرية جسيمة، ينحسر جلبابه عن ساقين ~~كقربتين، وتتدلى خلفه عجيزة كالقبة، مركزها على الكرسي ~~ومحيطها في الهواء، ذو بطن كالبرميل، وصدر يكاد يتكور ثدياه، ~~لا ترى له رقبة، فبين الكتفين وجه مستدير منتفخ محتقن ~~بالدم، أخفى انتفاخه معالم قسماته؛ فلا تكاد ترى في صفحته لا ~~سمات ولا خطوط ولا أنف ولا عينان، وقمة ذلك كله رأس أصلع ~~صغير لا يمتاز عن لون بشرته البيضاء المحمرة. لا يزال يلهث ~~ويشخر كأنه قطع شوطا عدوا، ولا ينتهي من بيع قطعة بسبوسة ~~حتى يغلبه النعاس. قالوا له مرات: ستموت بغتة، وسيقتلك الشحم ~~الضاغط على قلبك، وراح يقول ذلك مع القائلين، ولكن ماذا يضيره ~~الموت وحياته نوم متصل؟! # أما صالون الحلو فدكان صغير، يعد في الزقاق أنيقا، ذو ~~مرآة ومقعد غير أدوات الفن. وصاحبه شاب متوسط القامة، ميال ~~للبدانة، بيضاوي الوجه، بارز العينين، ذو شعر مرجل ضارب ~~للصفرة على سمرة بشرته، يرتدي بدلة، ولا يفوته لبس المريلة ~~اقتداء بكبار الأسطوات! # لبث هذان الشخصان في دكانيهما، في حين أخذت الوكالة الكبيرة ~~المجاورة للصالون تغلق أبوابها وينصرف عمالها، وكان آخر من ~~غادرها السيد سليم علوان، يرفل في جبته وقفطانه، فاتجه صوب ~~الحانطور الذي ينتظره على باب الزقاق، وصعد إليه في وقار، وملأ ~~مقعده بجسمه المكتنز، يتقدمه شاربان شركسيان. ودق الحوذي ~~الجرس بقدمه فرن بقوة، وانحدرت العربة ذات الحصان الواحد ~~إلى الغورية في طريقها إلى الحلمية. وأغلق البيتان في الصدر ~~نوافذهما اتقاء البرد، ولاحت أنوار المصابيح وراء خصاصها، وكاد ~~المدق يغرق في الصمت، لولا أن مضت قهوة كرشة ترسل أنوارها من ~~مصابيح كهربائية، عشش الذباب بأسلاكها، وراح يؤمها ~~السمار. هي حجرة مربعة الشكل، في حكم البالية، ولكنها على ~~عفائها تزدان جدرانها بالأرابيسك، فليس لها من مطارح المجد إلا ~~تاريخها، وعدة أرائك تحيط بها. وعند مدخلها كان يكب عامل ~~على تركيب مذياع نصف عمر بجدارها. وتفرق نفر قليل بين ~~مقاعدها يدخنون الجوز ويشربون الشاي. وعلى كثب من ms002 المدخل ~~تربع على الأريكة رجل في الخمسين يرتدي جلبابا ذا بنيقة موصول ~~بها رباط رقبة مما يلبسه الأفندية، ويضع على عينيه ~~المضعضعتين نظارة ذهبية ثمينة! وقد خلع قبقابه على الأرض عند ~~موضع قدميه، وجلس جامدا كالتمثال، صامتا كالأموات، لا يلتفت ~~يمنة ولا يسرة، كأنه في دنيا وحده. # ثم أقبل على القهوة عجوز مهدم، لم يترك له الدهر عضوا ~~سالما، يجره غلام بيسراه، ويحمل تحت إبط يمناه ربابة ~~وكتابا. فسلم الشيخ على الحاضرين، وسار من فوره إلى الأريكة ~~الوسطى في صدر المكان، واعتلاها بمعونة الغلام، ثم صعد الغلام ~~إلى جانبه، ووضع بينهما الربابة والكتاب. وأخذ الرجل يهيئ ~~نفسه، وهو يتفرس في وجوه الحاضرين كأنما ليمتحن أثر حضوره ~~في نفوسهم، ثم استقرت عيناه الذابلتان الملتهبتان على صبي ~~القهوة سنقر في انتظار وقلق. ولما طال انتظاره، ولمس تجاهل ~~الغلام له، خرج عن صمته قائلا بصوت غليظ: القهوة يا سنقر! # والتفت الغلام نحوه قليلا، ثم ولاه ظهره بعد تردد دون أن ~~ينبس بكلمة، ضاربا عن طلبه صفحا. وأدرك العجوز إهمال الغلام ~~له، ولم يكن يتوقع غير ذلك. ولكن جاءت نجدة من السماء، إذ دخل في ~~تلك اللحظة رجل وقد سمع هتاف العجوز ولاحظ إهمال الصبي، فقال ~~للغلام بلهجة الآمر: هات قهوة الشاعر يا ولد. # وحدج الشاعر القادم بنظرة امتنان، وقال بلهجة لم تخل من أسى: ~~شكرا لله يا دكتور بوشي! # فسلم الدكتور عليه، وجلس قريبا منه. وكان الدكتور يرتدي ~~جلبابا وطاقية وقبقابا. هو دكتور أسنان، إلا أنه أخذ ~~فنه من الحياة بغير حاجة إلى ممارسة الطب أو أية مدرسة أخرى. ~~اشتغل في بدء حياته تمورجيا لطبيب أسنان في الجمالية؛ ففقه ~~فنه بحذقه وبرع فيه. وقد اشتهر بوصفاته المفيدة، وإن كان ~~يفضل الخلع غالبا كأحسن علاج. وربما كان خلع الضرس في عيادته ~~المتنقلة أليما موجعا؛ إلا أنه رخيص؛ بقرش للفقراء وقرشين ~~للأغنياء (أغنياء المدق طبعا)، فإذا حدث نزيف - وليس هذا بالأمر ~~النادر - اعتبر عادة من عند الله؛ وترك منعه أيضا لله! وقد ركب ~~للمعلم كرشة ms003 صاحب القهوة طقما ذهبيا بجنيهين بغير زيادة. ~~وهو يدعى في الزقاق والأحياء القريبة بالدكتور، ولعله أول ~~طبيب يأخذ لقبه من مرضاه. # جاء سنقر بالقهوة للشاعر كما أمر الدكتور، فتناول الرجل القدح ~~وأدناه من فمه وهو ينفخ ليطرد حرارته، وراح يرشف منه رشفات ~~متتابعات حتى أتى عليه، ثم نحاه جانبا. وذكر عند ذاك فحسب ~~سوء سلوك صبي القهوة معه، فحدجه بنظرة شزراء وتمتم ساخطا: ~~قليل الأدب. # ثم تناول الربابة يجرب ~~أوتارها، متحاميا نظرات الغضب التي أطلقها عليه سنقر، وراح يعزف ~~مطلعا، لبثت قهوة كرشة تسمعه كل مساء عشرين عاما أو يزيد ~~من حياتها، وأخذ جسمه المهزول يهتز مع الربابة، ثم تنحنح وبصق ~~وبسمل، ثم صاح بصوته الغليظ: # أول ما نبتدي اليوم نصلي على النبي. # نبي عربي صفوة ولد عدنان. # يقول أبو سعدة الزناتي ... # وقاطعه صوت أجش دخل صاحبه القهوة عند ذاك يقول: ~~هس ... ولا كلمة أخرى. # فرفع بصره الذابل عن الربابة فرأى المعلم كرشة، بجسمه الطويل ~~النحيل ووجهه الضارب للسواد وعينيه المظلمتين النائمتين، فنظر ~~إليه واجما. وتردد قليلا كأنه لا يصدق ما سمعت أذناه. ~~وأراد أن يتجاهل شره، فاستدرك منشدا: # يقول أبو سعدة الزناتي ... # ولكن المعلم صاح به مغيظا محنقا: بالقوة ~~تنشد؟! ... انتهى ... انتهى! ألم أنذرك من أسبوع مضى؟! # فلاح الاستياء في وجه الشاعر، وقال بلهجة ملؤها العتاب: أراك ~~تكثر من «الكيف»، ثم لا تجد من ضحية سواي! # فصاح المعلم في غضب وحنق: رأسي صاح يا مخرف، وأنا أعلم ~~ما أريد، أتحسب أني آذن لك بالإنشاد في قهوتي إذا ما سلقتني ~~بلسانك القذر؟! # فخفف الشاعر من لهجته مستوهبا عطف الرجل الغاضب، وراح يقول: ~~هذه قهوتي أيضا. ألست شاعرها لعشرين عاما خلون؟! # فقال المعلم كرشة وهو يتخذ مجلسه المعتاد وراء صندوق ~~الماركات: عرفنا القصص جميعا وحفظناها، ولا حاجة بنا إلى سردها من ~~جديد. والناس في أيامنا هذه لا يريدون الشاعر، وطالما طالبوني ~~بالراديو، وها هو ذا الراديو يركب، فدعنا ورزقك على ~~الله. # فاكفهر وجه الشاعر، وذكر محسورا أن قهوة «كرشة» آخر ما ms004 ~~تبقى له من القهوات، أو من أسباب الرزق في دنياه، بعد جاه ~~عريض قديم. وبالأمس القريب استغنت عنه كذلك قهوة القلعة. عمر ~~طويل ورزق منقطع، فماذا يفعل بحياته؟! وما جدوى تلقين ابنه البائس ~~هذا الفن وقد بار وكسد؟! وماذا يخبئ له المستقبل، وماذا ~~يضمر لغلامه؟! اشتد به القنوط، وضاعف قنوطه ما لاح في وجه ~~المعلم من الجزع والإصرار، فقال: رويدك يا معلم كرشة، إن ~~للهلالي لجدة لا تزول، ولا يغني عنها الراديو أبدا ~~... # ولكن المعلم قال بلهجة قاطعة: هذا قولك، ولكنه قول لا ~~يقره الزبائن، فلا تخرب بيتي. لقد تغير كل شيء! # فقال الشاعر في قنوط: ألم تستمع الأجيال بلا ملل إلى هذه القصص ~~من عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟ # فضرب المعلم كرشة على صندوق المركات بقوة وصاح به: قلت: ~~لقد تغير كل شيء! # وتحرك عند ذلك - لأول مرة - الرجل الجامد الذاهل، ذو ~~الجلباب والبنيقة ورباط الرقبة والنظارة الذهبية، فصعد بصره ~~إلى سقف القهوة، وتنهد من الأعماق حتى خال المستمعون أنه ~~يزفر فتات كبده، وقال بصوت كالمناجاة: آه تغير كل شيء. أجل ~~كل شيء يا ستي! كل شيء تغير إلا قلبي فهو بحب آل البيت ~~عامر. # وطامن رأسه ببطء، وهو يحركه ذات اليمين وذات اليسار، في حركات ~~أخذت في الضيق رويدا رويدا حتى عاد إلى موضعه الأول من ~~الجمود، وغرق مرة أخرى في غيبوبة. ولم يلتفت إليه أحد ممن ~~اعتاد أحواله إلا الشاعر، فقد توجه إليه كالمستغيث وقال له ~~برجاء: يا شيخ درويش، أيرضيك هذا؟ # ولكنه لم يخرج من غيبوبته ولم ينبس بكلمة. وهنا قدم شخص ~~جديد تعلقت به الأنظار في إجلال ومودة، وردوا تحيته ~~بأحسن منها. كان السيد رضوان الحسيني ذا طلعة مهيبة، تمتد ~~طولا وعرضا، وتنطوي عباءته الفضفاضة السوداء على جسم ضخم، يلوح ~~منه وجه كبير أبيض مشرب بحمرة، ذا لحية صهباء، يشع النور ~~من غرة جبينه، وتقطر صفحته بهاء وسماحة وإيمانا. سار ~~متمهلا خافض الرأس، وعلى شفتيه ابتسامة تشي بحبه للناس ~~وللدنيا جميعا، واختار مجلسه على المقعد ms005 التالي لأريكة الشاعر. ~~وسرعان من رحب به الشاعر وبثه شكواه. ومنحه السيد أذنه عن ~~طيب خاطر وهو يعلم بما يكربه، وكان حاول مرارا أن يثني ~~المعلم «كرشة» عما اعتزمه من الاستغناء عنه دون جدوى. ولما ~~انتهى الشاعر من شكواه طيب خاطره، ووعده بأن يبحث لغلامه عن ~~عمل يرتزق منه، ثم غمر كفه بما جادت به نفسه وهو يهمس في ~~أذنه: «كلنا أبناء آدم، فإذا ألحت عليك الحاجة فاقصد أخاك، ~~والرزق رزق الله، والفضل فضله.» وزاد وجهه الجميل بعد هذا القول ~~تألقا، شأن الكريم الفاضل يحب الخير ويصنعه، ويزداد بصنعه ~~رضا وجمالا. كان يحرص دائما على ألا يفوته يوم من حياته دون ~~صنع جميل، أو ينقلب إلى بيته ملوما محسورا. وإنه ليبدو ~~لحبه الخير ولسماحته كما لو كان من الموسرين المثقلين ~~بالمال والمتاع، وإن كان في الواقع لا يملك إلا البيت الأيمن من ~~الزقاق وبضعة أفدنة بالمرج. وقد وجد فيه سكان بيته - المعلم ~~كرشة في الطابق الثالث، وعم كامل والحلو في الطابق الأول - ~~مالكا طيب القلب والمعاملة، حتى إنه تنازل عن حقه في ~~الزيادة التي قررها الأمر العسكري الخاص بالسكن فيما يتعلق ~~بالطابق الأول رحمة بساكنيه البسيطين، فكان رحمة حيث حل وحيث ~~يقيم. وقد كانت حياته - وبخاصة في مدارجها الأولى - مرتعا ~~للخيبة والألم. فانتهى عهد طلبه العلم بالأزهر إلى الفشل، وقطع ~~بين أروقته شوطا طويلا من عمره دون أن يظفر بالعالمية، ~~وابتلي - إلى ذلك - بفقد الأبناء فلم يبق له ولد على كثرة ما ~~خلف من الأطفال. ذاق مرارة الخيبة حتى أترع قلبه باليأس أو ~~كاد، وتجرع غصص الألم حتى تخايل لعينيه شبح الجزع والبرم، ~~وانطوى على نفسه طويلا في ظلمة غاشية. ومن دجنة الأحزان أخرجه ~~الإيمان إلى نور الحب، فلم يعد يعرف قلبه كربا ولا هما. ~~انقلب حبا شاملا وخيرا عميما وصبرا جميلا. وطأ أحزان الدنيا ~~بنعليه، وطار بقلبه إلى السماء، وأفرغ حبه على الناس جميعا؛ ~~وكان كلما نكد الزمان عنتا ازداد صبرا وحبا، رآه الناس يوما ~~يشيع ابنا من أبنائه ms006 إلى مقره الأخير وهو يتلو القرآن مشرق ~~الوجه، فأحاطوا به مواسين معزين، لكنه ابتسم لهم، وأشار إلى ~~السماء وهو يقول: «أعطى وأخذ، كل شيء بأمره، وكل شيء له، ~~والحزن كفر.» فكان هو العزاء. ولذلك قال عنه الدكتور بوشي: «إذا ~~كنت مريضا فالمس السيد الحسيني يأتك الشفاء، وإذا كنت يائسا ~~فطالع نور غرته يدركك الرجاء، أو محزونا فاستمع إليه ~~يبادرك الهناء.» وكان وجهه صورة من نفسه، فهو الجمال الجليل في ~~أبهى صوره. # أما الشاعر فقد رضي بعض الرضا، ووجد شيئا من العزاء، وتزحزح ~~تاركا الأريكة، وتبعه الغلام وهو يلم الربابة والكتاب. وشد ~~الرجل على يد السيد رضوان الحسيني، وحيا الجلوس متجاهلا ~~المعلم كرشة، ثم ألقى نظرة ازدراء على المذياع الذي كاد ~~العامل يفرغ من تثبيته، وأعطى يده للغلام فجره إلى الخارج، ~~وغابا عن الأنظار. ودبت الحياة مرة أخرى في الشيخ درويش، ~~فأدار رأسه نحو الجهة التي اختفى فيها الذاهبان، وتأوه قائلا: ~~ذهب الشاعر وجاء المذياع. هذه سنة الله في خلقه. وقديما ~~ذكرت في التاريخ وهو ما يسمى بالإنجليزية # History # وتهجيتها: # H i s t o r y ~~. # وقبل أن يختم تهجية الكلمة جاء عم كامل وعباس الحلو بعد أن ~~أغلقا دكانيهما. ظهر الحلو أولا، وقد غسل وجهه ورجل شعره ~~الضارب لصفرة، وتبعه عم كامل يتبختر كالمحمل، ويقتلع قدميه من ~~الأرض اقتلاعا. وسلما على الحاضرين، وجلسا جنبا لجنب، وطلبا ~~الشاي، ولم يكونا يحلان بمكان حتى يملآه ثرثرة. # قال عباس الحلو: يا قوم، اسمعوا: شكا إلي صديقي عم كامل، قال ~~إنه عرضة للموت في أية لحظة، وإنه إذا مات فلن يترك ما ~~يدفن به. # فقال بعض الحاضرين متهكما: أمة محمد بخير. # وقال البعض الآخر: إن له لتركة من البسبوسة تكفي لدفن أمة ~~بأسرها. # وضحك الدكتور بوشي، وخاطب عم كامل قائلا: لا تفتأ تذكر الموت، ~~وتالله لتدفننا جميعا بيديك. # فقال عم كامل بصوت بريء كالأطفال: اتق الله يا شيخ، أنا ~~رجل مسكين. # واستطرد عباس الحلو قائلا: يا قوم، عزت علي شكاة عم ~~كامل، ولبسبوسته ms007 فضل علينا جميعا غير منكور، فابتعت له كفنا ~~احتياطيا ، واحتفظت به في مكان حريز لساعة لا مفر منها، ~~(والتفت إلى عم كامل قائلا): هذا سر أخفيته عنك، وها أنا ~~أعلنه على الملأ ليكونوا علي شهودا. # فأبدى الكثيرون عن اغتباطهم، متصنعين الجد، ليجوز الكلام ~~على عم كامل المشهور بسرعة تصديقه، وأثنوا على مروءة الحلو ~~وكرمه، وقالوا: إن هذا صنيع خليق به نحو الرجل الذي يحبه ~~ويساكنه شقة واحدة، ويشاطره العيش كأنه من لحمه ودمه. ~~حتى السيد رضوان الحسيني ابتسم راضيا، مما جعل عم كامل ينظر ~~إلى الشاب في سذاجة ودهشة ويقول متسائلا: أحق ما تقول يا ~~عباس؟! # فقال الدكتور بوشي: لا يداخلك الشك يا عم كامل، لقد علمت بما ~~يقول صاحبك، ورأيت الكفن بعيني رأسي، وهو كفن قيم وددت لو يكون ~~لي مثله. # وتحرك الشيخ درويش للمرة الثالثة فقال: حظ سعيد، الكفن ~~سترة الآخرة يا كامل، تمتع بكفنك قبل أن يتمتع بك. ستكون ~~طعاما مريئا للدود، فيرعى في لحمك الهش مثل البسبوسة؛ فيسمن ~~وتصير الدودة كالضفدعة، ومعناها بالإنجليزي # Frog # وتهجيتها: # F r o g ~~. # وصدق عم كامل، ومضى يسأل ~~الحلو عن نوع الكفن ولونه وعدد أدراجه، ثم دعا له طويلا، وانبسط ~~وحمد الله. وارتفع عند ذاك صوت فتي آتيا من الطريق يقول: ~~مساء الخير. # واتجه صاحبه إلى بيت السيد رضوان الحسيني. كان القادم حسين ~~كرشة ابن المعلم كرشة صاحب القهوة. فتى في العشرين في مثل لون ~~أبيه الضارب إلى السواد؛ ولكنه ممشوق القوام، تدل ملامحه ~~الدقيقة على الحذق والفتوة والنشاط، كان يرتدي قميصا من الصوف ~~الأزرق وبنطلونا خاكيا وقبعة وحذاء ثقيلا، تلوح على سيماه ~~مظاهر نعمة المشتغلين بالجيش البريطاني. وكان ذاك ميعاد عودته من ~~«الأرنس» كما يسمونه، فرمقه الكثيرون بعين الإعجاب والحسد، ~~ودعاه صديقه الحلو إلى القهوة؛ ولكنه شكره ومضى إلى حال ~~سبيله. ~~••• # ساد الظلام الزقاق إلا ما ينبعث من مصابيح القهوة فيرسم على ~~رقعة من الأرض مربعا من نور تتكسر بعض أضلاعه على جدار ~~الوكالة. ومضت الأنوار الباهتة وراء خصاص ms008 نوافذ البيتين تنطفئ ~~واحدا في إثر واحد. وأكب سمار القهوة على الدومينو والكومي؛ ~~إلا الشيخ درويش فقد أغرق في ذهوله، وعم كامل مال رأسه على ~~ثدييه وراح في سبات. وظل سنقر على نشاطه، يحمل الطلبات ~~ويرمي بالماركات في الصندوق، والمعلم «كرشة» يتابعه بعينين ~~ثقيلتين، وهو يستشعر في خمول ذوبان الفص في جوفه ويستنيم إلى ~~سلطنة لذيذة. وتقدمت جحافل الليل، فغادر السيد رضوان الحسيني ~~القهوة إلى بيته. وتبعه بعد قليل الدكتور بوشي إلى شقته في ~~الدور الأول من البيت الثاني. ثم لحق بهما الحلو وعم كامل. ~~وأخذت المقاعد تخلو تباعا، حتى انتصف الليل فلم يبق بالقهوة ~~إلا ثلاثة: المعلم والصبي والشيخ درويش. وجاء نفر من ~~المعلمين أقران المعلم «كرشة»، وصعدوا جميعا إلى حجرة خشبية ~~على سطح بيت السيد رضوان، وتحلقوا المجمرة، وبدءوا سهرة جديدة ~~لا تنتهي حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ~~وخاطب سنقر الشيخ درويش قائلا برقة: انتصف الليل يا شيخ ~~درويش. # فانتبه الشيخ إلى صوته، وخلع نظارته بهدوء وجلاها بطرف ~~جلبابه، ثم لبسها من جديد وسوى رباط رقبته ونهض قائما، ~~واضعا قدميه في القبقاب، وغادر القهوة دون أن ينبس بكلمة، يخرق ~~السكون بضربات قبقابه على بلاط الزقاق. كان السكون شاملا، ~~والظلمة ثقيلة، والطرق والدروب خالية مقفرة، فترك لقدميه ~~مقوده، حيث لا دار له ولا غاية، وغاب في الظلمة. ~~••• # كان الشيخ درويش على عهد شبابه مدرسا في إحدى مدارس الأوقاف، ~~بل كان مدرس لغة إنجليزية! وقد عرف بالاجتهاد والنشاط، ~~وأسعفه الحظ أيضا فكان رب أسرة سعيدة. ولما أن انضمت ~~مدارس الأوقاف إلى وزارة المعارف، سويت حالته ككثيرين من زملائه ~~غير ذوي المؤهلات العالية، فاستحال كاتبا بالأوقاف، ونزل من ~~الدرجة السادسة إلى الثامنة، وعدل مرتبه على هذا الأساس. كان ~~من الطبيعي أن يحزن الرجل لمصيره حزنا عميقا، وثار ثورة جامحة ~~ما وسعته الثورة، يعلنها حينا، ويكتمها - مقسورا مغلوبا على ~~أمره - أحيانا. ولقد سعى كل مسعى، وقدم الالتماسات، واستشفع ~~الرؤساء، وشكا الحال وكثرة العيال، دون جدوى. ثم سلم للقنوط ms009 ~~بعد أن تحطمت أعصابه أو كادت. واشتهر أمره في الوزارة كموظف ~~كثير التبرم والشكوى ، عظيم اللجاج والعناد، سريع التأثر، لا ~~يكاد يمضي يوم من حياته دون شجار أو اصطدام، كبير الاعتداد ~~بنفسه والتحدي للآخرين. وكان إذا شجر بينه وبين آخر خلاف - ~~وكثيرا ما يحدث - تعالى استكبارا، وخاطب خصمه بالإنجليزية، ~~فإذا اعترض الرجل على استعمال لغة أجنبية دون موجب، صاح به ~~في ازدراء شديد: «تعلم أولا ثم خاطبني!» وكانت أنباء ~~شجاره وعناده تتصل برؤسائه أولا بأول، وكانوا يتسامحون معه؛ ~~عطفا عليه من ناحية، وتحاميا لشره من ناحية أخرى، ولذلك ~~اطردت حياته دون عقاب يذكر إلا بعض الإنذارات، وخصم يوم أو ~~يومين. ولكنه ازداد بكرور الأيام صلفا، حتى تراءى له يوما أن ~~يحرر خطاباته المصلحية باللغة الإنجليزية ففعل. وكان يقول في ~~تسويغ ذلك إنه موظف فني لا كغيره من الكتاب. وتعطل عمله ~~مما دعا مديره لمعاملته بالحزم والقسوة، ولكن المقدر كان ~~أسرع من حزم المدير، فطلب الرجل يوما مقابلة وكيل الوزارة، ودخل ~~درويش أفندي - كما كان وقتذاك - حجرة الوكيل في تؤدة ووقار، ~~وحياه تحية الند للند، وبادره قائلا بثقة ويقين: يا ~~سعادة الوكيل، لقد اختار الله رجله. # فطلب إليه الوكيل أن يفصح عما يريد، فاستدرك قائلا بوقار ~~وجلال: أنا رسول الله إليك بكادر جديد. # هكذا ختمت حياته بالأوقاف. وهكذا قطعت صلته بالهيئة ~~الاجتماعية التي كان واحدا منها. هجر أهله وإخوانه ومعارفه إلى ~~دنيا الله - كما يسميها - ولم يستبق من آثار الماضي جميعا ~~إلا نظارته الذهبية. ومضى في عالمه الجديد بلا صديق ولا مال ~~ولا مأوى. ودلت حياته على أن بعض الناس يستطيعون أن يعيشوا ~~في هذه الدنيا المتقيحة بمرارة الكفاح بلا مأوى ولا مال ولا ~~معين، ثم لا يجدون هما ولا كربا ولا حاجة. لا جاع يوما ولا ~~تعرى ولا شرد. وانتقل إلى حال من السلام والطمأنينة والغبطة ~~لا عهد له بها. وإذا كان قد فقد بيته فالدنيا جميعا صارت بيتا ~~له، وإذا كان قد حرم مرتبه فالتعلق بالمال قد انقطع عنه، ms010 ~~وإذا كان قد خسر الأهل والأصدقاء فالناس جميعا انقلبوا له أهلا. ~~يبلى الجلباب فيأتيه جلباب جديد، ويتمزق رباط الرقبة فيجيئه ~~رباط جديد، ولا يحل مكانا حتى يرحب به ناسه. وبحسبه أن ~~يفتقده المعلم كرشة نفسه - على ذهوله - إذا غاب عن القهوة ~~يوما. ومع ذلك فلم يكن يأتي شيئا مما يعتقد فيه العامة من ~~المعجزات والخوارق وقراءة الغيب؛ فهو إما ذاهل صامت، أو مرسل ~~القول كما يحب، لا يدري أنى يكون موقعه من النفوس. بيد ~~أنه رجل محبوب مبارك، يستبشر الجميع بوجوده بينهم خيرا، ~~ويقولون عنه: إنه ولي من أولياء الله الصالحين، يأتيه الوحي ~~باللغتين العربية والإنجليزية. # 2 # نظرت إلى المرآة بعين غير ناقدة، أو بالأحرى بعين تتلمس ~~مواضع الرضا، فعكست المرآة وجها نحيلا مستطيلا، فعل ~~الزواق بخديه وحاجبيه وعينيه وشفتيه الأعاجيب. وجعلت تعطفه ~~يمنة، وتعطفه يسرة، وأصابعها تنسق ضفيرتها، مغمغمة بصوت ~~لا يكاد يسمع: «لا بأس، جميل، وأيم الله جميل.» والحق أن هذا ~~الوجه قد طالع الدنيا ما يقارب الخمسين عاما، والدنيا لا تدع ~~وجها سالما نصف قرن من الزمان. أما جسمها فنحيل، أو جاف كما ~~تصفه نسوة الزقاق، وأما الصدر فأمسح، بيد أن فستانا حسنا ~~يستره. هذه هي الست سنية عفيفي صاحبة البيت الثاني بالزقاق، ~~حيث يسكن الدكتور بوشي طابقه الأول، وفي ذلك اليوم كانت تأخذ ~~أهبتها لزيارة الشقة الوسطى التي تقيم بها أم حميدة. ولم ~~يكن من عادتها الإكثار من زيارة أحد، وربما لم تكن تدخل هذه ~~الشقة إلا أول كل شهر لتحصيل الأجرة، إلا أن باعثا جديدا ~~دب في أعماق نفسها جعل زيارة أم حميدة من الواجبات الهامة. ~~وهكذا غادرت شقتها، ونزلت السلالم، متمتمة برجاء: «اللهم ~~حقق الآمال»، ودقت بكفها المعروقة، ففتحت لها حميدة ~~واستقبلتها بابتسامة الاستقبال المتصنعة، وقادتها إلى حجرة ~~الضيوف، ثم ذهبت تدعو أمها. كانت الحجرة صغيرة، بها كنبتان من ~~الطراز القديم متقابلتان، وفي الوسط خوان باهت عليه نافضة سجاير، ~~وأما أرضها فمفروشة بحصيرة. ولم يطل بالمرأة الانتظار، فسرعان ~~ما جاءت أم حميدة مهرولة وقد ms011 غيرت جلباب البيت، فسلمتا ~~بشوق، وتبادلتا قبلتين، وجلستا جنبا لجنب، وأم حميدة ~~تقول: أهلا ... أهلا ... زارنا النبي يا ست سنية. # كانت أم حميدة ربعة ممتلئة في الستين؛ ولكنها معافاة ~~قوية، جاحظة العينين، مجدورة الخدين، ذات صوت غليظ قوي ~~النبرات، فإذا تحدثت فكأنها تزعق، وهو سلاحها الأول فيما ~~يشجر بينها وبين الجارات من نزال. ولم تكن مرتاحة للزيارة ~~بطبيعة الحال؛ لأن زيارة تقوم بها صاحبة الملك أمر قد تسوء ~~عواقبه، وقد ينذر بالخطر. ولكنها وطنت النفس على أن تلبس ~~لكل حال لبوسها؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وإنها على ~~كلتا الحالتين لقادرة. وكانت بحكم وظيفتها - خاطبة وبلانة - ~~عميقة الملاحظة، كثيرة الكلام؛ بل كانت لسانا لا يكف ولا ~~يمسك، ولا يكاد تفوته شاردة أو واردة عن شخص من شخوص الحي أو ~~بيت من بيوته، فهي مؤرخة راوية لأخبار السوء - على الغالب - ~~ومعجم للمنكرات. وأرادت كعادتها أن تتسلى بالكلام فراحت ~~ترحب بالضيفة، وتطنب في الثناء عليها، وتروي لها نتفا من ~~أنباء الزقاق والأخبار المجاورة: أما علمت بفضيحة المعلم ~~كرشة الجديدة؟ هي كسابقاتها، وقد اتصل الخبر بزوجه فتعاركت معه ~~ومزقت جبته. وحسنية الفرانة ضربت زوجها جعدة أمس حتى ~~بض الدم من جبينه. والسيد رضوان الحسيني الطيب الورع زجر زوجه ~~زجرا شديدا، لماذا يعاملها هذه المعاملة - وهو الرجل الطيب - إن ~~لم تكن شريرة خبيثة! الدكتور البوشي احتك بفتاة صغيرة في ~~المخبأ في آخر غارة، وضربه رجل محترم. كريمة الماوردي تاجر الخشب ~~فرت مع خادمها وبلغ أبوها القسم. طابونة الكفراوي تبيع عيشا ~~مخلوطا سرا ... إلخ ... إلخ. # أصغت الست سنية عفيفي بأذن غير واعية؛ لأنها كانت مشغولة ~~بالأمر الذي جاءت من أجله. وقد صدقت نيتها على أن تطرق الموضوع ~~الذي طال اختماره بنفسها مهما كلفها الأمر. بيد أنها ~~نازعت المرأة الحديث حتى تتهيأ لها فرصة مواتية، وقد تهيأت ~~هذه الفرصة حين سألتها أم حميدة قائلة: وكيف الحال يا ست ~~سنية؟ # فعبست قليلا وقالت: الحق أني تعبة يا ست أم ~~حميدة! # فرفعت أم حميدة حاجبيها كالمنزعجة وقالت: ms012 تعبة؟! كفى الله ~~الشر! # وأمسكت ست سنية ريثما تضع حميدة - وكانت دخلت الحجرة في هذه ~~اللحظة - صينية القهوة على الخوان وتعود من حيث أتت، ثم قالت ~~بامتعاض: تعبة يا ست أم حميدة! أليس من المتعب تحصيل أجور ~~الدكاكين؟ تصوري وقوف امرأة مثلي أمام رجل غريب تطالبه ~~بالأجرة ... # وقد خفق قلب أم حمدة لسيرة الأجور؛ ولكنها قالت بنبرات ~~أسيفة: صدقت يا ستي، كان الله في عونك. # ولم تفتها ملاحظة هامة فتساءلت: لماذا تكثر المرأة من ترداد ~~هذه الشكوى؟ وذكرت أنها أعادتها على سمعها مرات! بل ذكرت أن ~~هذه ثاني أو ثالث مرة تزورها في غير أول الشهر. وخطر لها خاطر ~~عجيب دهشت له بحكم وظيفتها، وكانت في أمثال هذه المسائل خاصة، ~~ذات فراسة لا تجارى، فصممت أن تسبر الزائرة من وراء وراء، ~~فقالت بخبث: هذا أحد شرور الوحدة. أنت امرأة وحيدة يا ست ~~سنية؛ في البيت وحدك، وفي الطريق وحدك، وفي «الفراش» وحدك، ألا ~~قطعت الوحدة. # وسرت الست سنية بحديث المرأة الذي كأنه يلبي خواطرها، ~~وقالت وهي تخفي سرورها به: وما عسى أن أصنع؟ أقاربي ذوو أسر، ~~وأنا لا أرتاح إلا في بيتي، والحمد لله الذي أغناني عن الناس ~~جميعا. # وكانت أم حميدة تلحظها بمكر، فقالت فاتحة آخر الأبواب: ~~الحمد لله ألف مرة، ولكن بالله خبريني لماذا قضيت على نفسك ~~بالعزوبة هذا الدهر الطويل؟! # فخفق فؤاد الست سنية، ووجدت نفسها وجها لوجه حيال ما ~~تريد، ولكنها تنهدت بإنكار وقالت بتأفف متكلف: حسبي ~~ما ذقت من مرارة الزواج! # كانت الست سنية عفيفي قد تزوجت في شبابها من صاحب دكان ~~روائح عطرية، ولكنه كان زواجا لم يصادفه التوفيق، فأساء الرجل ~~معاملتها، وأشقى حياتها، ونهب مالها، ثم تركها أرملة منذ عشرة ~~أعوام. ولبثت أرملة طوال تلك الأعوام لأنها - على حد قولها - ~~كرهت حياتها الزوجية. # ولم يكن هذا القول مجرد كذب تداري به إهمال الجنس الآخر لها، ~~فقد كرهت الحياة الزوجية حقا، وفرحت باسترداد حريتها وأمنها، ~~وظلت على نفورها من الزواج وفرحها بحريتها عهدا طويلا، ms013 ثم ~~أنسيت تلك العاطفة بكرور الزمن، ولم تكن تتردد عن تجربة حظها ~~من جديد لو تقدم لطلب يدها طالب. وجعلت تراود الأمل حينا ~~بعد حين، حتى طال به الأمد، فغلبها القنوط، وصرفت نفسها عن ~~مراودة الآمال الكواذب، ووطنت النفس على الرضا بحياتها كما ~~هي. ولما كان من الضروري أن يوجد في حياة الإنسان شيء ~~تنعقد حوله آماله، شيء يقرر لحياته قيمة ولو وهمية أو ~~سخيفة، فقد وجدت ضالتها كذلك. ومن حسن الطالع أنها لم تكن ~~مما ينتقص امرأة عازبة مثلها، فأولعت بالقهوة والسجائر واكتناز ~~الأوراق المالية الجديدة. وقد كانت في الأصل تميل قليلا نحو ~~الحرص، وكانت من العملاء القدماء لصندوق التوفير، فجاءت الهواية ~~الجديدة تؤكد ذاك الميل القديم ~~وتقويه وتتقوى به. وكانت تحتفظ بالأوراق الجديدة في صندوق ~~عاجي صغير أخفته في أعماق صوان ملابسها، ووزعتها رزما من ~~ذوات الخمس والعشر، تتسلى بمشاهدتها ومعاودة عدها وترتيبها. ~~ولما كانت الأوراق خرساء لا كالنقود المعدنية، فقد أمنت ~~الأخطار، ولم يدر بها أحد من شطار المدق على شدة ~~حساسيتهم. وجدت في حياتها المالية عزاء، وانتحلت منها ~~اعتذارا لعزوبتها، وقالت لنفسها: إن أي زوج خليق بأن ينهب ~~أموالها كما فعل الزوج المرحوم، وبأن يضيع عليها في غمضة ~~عين ثمرة الأعوام الطوال، ومع ذلك فما كاد يتسرب إلى قلبها ~~الإيحاء بفكرة الزواج حتى تناست الأعذار والمخاوف جميعا. وكانت ~~أم حميدة المسئولة عن هذا التحول العجيب، سواء عن قصد أو عن ~~غير قصد، بما قصته عليها مرة من تزويجها لأرملة عجوز؛ ~~ففكرت في الأمر على أنه ممكن التحقيق، وسرعان ما استولى على ~~إرادتها، فتدافعت إلى طاعته لا تلوي على شيء. ظنت يوما ~~أنها نسيت الزواج؛ فإذا بالزواج أملها المنشود الذي لا يغني ~~عنه شيء من مال أو قهوة أو سجائر أو أوراق مالية جديدة! وجعلت ~~تتساءل في جزع: كيف ضاع ذاك العمر هباء؟ كيف قطعت عشرة أعوام ~~حتى شارفت الخمسين وحيدة؟! وقالت: إن هذا هو الجنون، وحملت ~~زوجها المرحوم تبعته، وصممت على أن تكفر عنه اليوم قبل ms014 ~~الغد إن أمكن. # وأصغت الخاطبة إلى تأففها المتصنع بفطنة واستهانة وقالت ~~لنفسها: «لا يجوز علي مكرك يا مرة.» ثم خاطبتها بلهجة ~~تنم عن لوم: لا تغالي يا ست سنية، إذا كان حظك الأول ~~قد خاب فالزيجات السعيدة تملأ المشارق والمغارب. # فقالت الست سنية وهي تعيد قدح القهوة إلى الصينية شاكرة: ~~لا ينبغي لعاقل أن يعاند الحظ إذا تجهم. # فاعترضتها أم حميدة قائلة: ما هذا الكلام يا ست العاقلات؟! ~~كفاك وحدة، كفاك. # فدقت المرأة صدرها الأمسح بباطن يسراها وقالت بإنكار ~~مصطنع: يا خبر! أتريدين الناس على أن يرموني بالجنون؟! ~~- أي أناس تعنين؟ إن أكبر منك يتزوجن كل يوم. # فتضايقت من «أكبر منك» وقالت بصوت منخفض: لست من الكبر كما ~~تظنين ... لعن الله الهم. ~~- ما قصدت هذا يا ست سنية، وما أشك في أنك ما زلت في ~~حدود الشباب، ولكنه الهم الذي تلتحفين به مختارة. # فارتاحت الست؛ ولكنها كانت لا تزال مصرة على تمثيل دور ~~من يساق إلى قبول الزواج بلا تعمد ولا رغبة، فتساءلت بعد ~~تردد: ألا يعيبني أن أقدم على الزواج الآن بعد ذلك العهد ~~الطويل من العزوبة؟! # فخاطبت أم حميدة نفسها قائلة: «لماذا قصدتني إذا يا مرة؟» ~~ثم خاطبت الست قائلة: كيف يعيبك ما هو شرع وحق! أنت ست ~~عاقلة شريفة، والكل يشهد لك بذلك، والزواج نصف الدين يا ~~حبيبتي، وربنا شرعه حكمة، وأمر به النبي عليه الصلاة ~~والسلام. # فقالت سنية بإيمان: # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~- كيف لا يا حبيبتي! نبي عربي ويحب عبيده! # وكان وجه الست سنية قد تورد تحت قناع الأحمر، وثمل ~~فؤادها سرورا، فقالت وهي تستخرج سيجارتين من علبتها: ومن يرضى ~~بالزواج مني؟ # فثنت أم حميدة سبابة يسراها، ولصقتها بحاجبها، وقالت ~~باستنكار: ألف رجل ورجل. # فضحكت الست بمجامع قلبها وقالت: رجل واحد يكفي ... # فقالت أم حميدة بيقين: الرجال جميعا يحبون الزواج في أعماقهم، ~~ولا يكاد يشكر الزواج إلا المتزوجون، وكم من رجل عازب راغب عن ~~الزواج، ما إن أقول له: «عندي عروس لك!» حتى تدب في ms015 عينيه ~~اليقظة، ويغلبه الابتسام، ويسألني في لهفة لا تخفى: «حقا! ... ~~من؟! ... من؟!» الرجل يريد المرأة ولو أقعده الكساح، وهذه حكمة ~~ربنا. # فهزت الست سنية رأسها في ارتياح وقالت: جلت ~~حكمته! ~~- نعم يا ست سنية، لذلك خلق الله الدنيا. كان في وسعه أن ~~يملأها رجالا فحسب، أو نساء فحسب، ولكن خلق الله الذكر والأنثى، ~~ومنحنا العقل كي نفهم مراده، فلا محيد عن الزواج. # فابتسمت الست سنية عفيفي وقالت برقة: كلامك كالسكر يا ~~ست أم حميدة! ~~- حلى الله دنياك، وآنس قلبك بالزواج الكامل. # فتشجعت الست وقالت: إن شاء الله، وبفضلك. ~~- أنا امرأة - بحمد الله - مباركة. زيجاتي لا انفصام لها. ياما ~~عمرت بيوتا، وأنجبت أطفالا، وأسعدت قلوبا. فليكن اعتمادك على ~~الله وعلي. ~~- جزاؤك لن يقدر بمال. # فقالت أم حميدة في سرها: «لا ... لا يا مرة، ينبغي أن يقدر ~~بمال، وبمال كثير. هلمي إلى صندوق التوفير وأعطيني، وكفاك ~~تقتيرا.» ثم قالت بلهجة رزينة شأن رجال الأعمال إذا فرغوا من ~~المقدمات وطرقوا الهام من الأمور: أظنك تفضلين رجلا ~~متقدما في السن؟! # لم تدر الأخرى بماذا تجيب؟! لم تكن تطمع في الزواج من شاب، ~~ولا كان الشاب بالزوج الذي يناسبها، ولكنها لم ترتح إلى ~~«متقدم في السن» هذه، وكان تدرج الحديث قد خلطها بأم ~~حميدة فآنست إليها، واستطاعت أن تقول وهي تضحك لتداري ارتباكها: ~~أصوم وأفطر على بصلة! # فضحكت أم حميدة ضحكة عالية رنت رنينا مزعجا، وازدادت ~~اطمئنانا إلى نفاسة الصفقة التي هي بصدد عقدها، ثم قالت ~~بخبث: صدقت يا ست، والحق أن التجارب دلتني على أن أسعد ~~الزيجات ما كبرت الزوجة فيها الزوج، ولكم يناسبك رجل في الثلاثين ~~أو يزيد قليلا. # فتساءلت المرأة في قلق: وهل يوافق؟ ~~- يوافق ويوافق! أنت سيدة جميلة وغنية! ~~- سلمت من كل سوء! # فقالت أم حميدة وقد لبس وجهها المجدور هيئة الجد والاهتمام: أقول ~~له سيدة نصف، ولا ولد لها ولا حماة، أدب وكمال، صاحبة ~~دكانين بالحمزاوي وبيت ذي طابقين بالمدق. # فابتسمت الست وقالت تصحح لها ما حسبته هفوة: بل ذلك ms016 ثلاثة ~~طوابق. # ولكن الأخرى قالت معترضة: اثنان فحسب؛ لأن الطابق الثالث ~~الذي أسكنه لن تقبضي إيجاره مدى حياتي! # فقالت الست سنية في سرور: لك عيناي يا ست أم حميدة! ~~- سلمت عيناك، ربنا يهيئ ما فيه الخير. # فهزت رأسها الأخرى كالمتعجبة وقالت: يا للعجب! جئتك ~~لمجرد الزيارة فانظري كيف انتهى بنا الحديث؟ وكيف أغادرك في ~~حكم المتزوجات؟! # فجارتها أم حميدة في ضحكها كالمتعجبة أيضا، وإن راحت ~~تقول لنفسها: «يا مرة احتشمي، أتحسبين أن مكرك يجوز علي؟!» ~~ثم قالت: إرادة ربنا! أليس كل شيء بأمره؟! # وعادت الست سنية عفيفي إلى شقتها مسرورة فرحة؛ بيد أنها ~~حادثت نفسها قائلة: «إيجار شقة مدى الحياة! يا لها من امرأة ~~جشعة.» # 3 # ودخلت حميدة الحجرة عقب مغادرة الست سنية لها. كانت تمشط ~~شعرها الأسود تفوح منه رائحة الكيروسين، فنظرت أم حميدة إلى الشعر ~~الفاحم اللامع تكاد تجاوز ذؤاباته المسترسلة ركبتي الفتاة، وقالت ~~بأسف: واحسرتاه! كيف تدعين القمل يرعى هذا الشعر ~~الجميل؟! # فبرقت عينان سوداوان مكحلتان بأهداب وطف، ولاحت فيهما نظرة ~~حادة صارمة، وقالت الفتاة بحدة: قمل؟! والنبي، ما وجد المشط ~~إلا قملتين اثنتين! ~~- أنسيت يوم مشطتك من أسبوعين وهرست لك عشرين قملة؟! # فقالت بغير مبالاة: كان مضى على رأسي شهران بلا غسيل. # ثم اشتد ساعدها في التمشيط وهي تجلس جنب أمها. كانت في ~~العشرين، متوسطة القامة، رشيقة القوام، نحاسية البشرة، يميل ~~وجهها للطول، في نقاء ورواء، وأميز ما يميزها عينان سوداوان ~~جميلتان، لهما حور بديع فاتن، ولكنها إذا أطبقت شفتيها ~~الرقيقتين وحدت بصرها تلبستها حالة من القوة والصرامة لا عهد ~~للنساء بها! وقد كان غضبها دائما مما لا يستهان به حتى في زقاق ~~المدق نفسه. وأمها على ما اشتهرت به من القوة تتحاماها ما ~~استطاعت. قالت لها يوما وهما تتسابان: «لن يلم الله شعثك ~~برجل، فأي رجل يرضى بأن يضم إلى صدره جمرة موقدة؟!» وكانت ~~تقول في مرات أخرى: إن جنونا لا شك فيه ينتاب ابنتها حين ~~الغضب، وسمتها لذلك «الخمسين»، باسم الرياح المعروفة. ومع ذلك ms017 ~~كانت تحبها كثيرا؛ وإن كانت في الحقيقة أمها بالتبني. ~~كانت الأم الحقيقية شريكة لها في الاتجار بالمفتقة والمغات، ~~ثم شاطرتها شقتها بالزقاق في ظروف سيئة، وأخيرا ماتت بين ~~يديها تاركة طفلتها في سن الرضاع، فتبنتها أم حميدة، وعهدت ~~بها إلى زوج المعلم كرشة القهوجي فأرضعتها مع ابنها حسين ~~كرشة، فهي أخته بالرضاعة. # مضت تمشط شعرها الفاحم منتظرة كالعادة أن تعلق أمها على ~~الزيارة والزائرة، ولما طال الصمت قالت الفتاة: طالت الزيارة، ~~فيم كنتما تتحدثان؟ # فضحكت أمها في سخرية وتمتمت: خمني؟! # فقالت الفتاة وقد اشتد اهتمامها: طلبت رفع الإيجار. ~~- لو فعلت لخرجت محمولة على أيدي رجال الإسعاف، ولكنها طلبت ~~خفضه؟ # فصاحت حميدة: هل جنت؟ ~~- أجل جنت؛ ولكن خمني. # فنفخت الفتاة وهي تقول: أتعبتني! # فأرعشت المرأة حاجبيها، وقالت وهي تغمز بعينها: صاحبتك تروم ~~الزواج! # فتولت الفتاة الدهشة وقالت: الزواج! ~~- أجل، تريد شابا. أسفي عليك من شابة عاثرة الحظ لا تجد ~~من يطلب يدها! # فحدجتها الفتاة بنظرة شزراء، وقالت وهي تضفر شعرها: بل أجد ~~كثيرين، ولكنك خاطبة فاشلة تريدين أن تداري فشلك. وماذا بي مما ~~يعيب؟ ولكنك كما قلت امرأة فاشلة، يصدق عليك المثل القائل: ~~«باب النجار مخلع». # فابتسمت أم حميدة قائلة: إذا تزوجت الست سنية عفيفي فلا ~~يصح لامرأة أن تيأس! # ولكن الفتاة رمتها بنظرة غاضبة وقالت بحدة: لست أجري ~~وراء الزواج، ولكنه يجري ورائي أنا، وسأنبذه كثيرا. ~~- طبعا! أميرة بنت أمراء! # فتغاضت الفتاة عن سخرية أمها وقالت بنفس اللهجة الحادة: أفي ~~هذا الزقاق أحد يستحق الاعتبار؟ # ولم تكن الأم في الواقع يداخلها خوف على الفتاة من البوار، ~~ولا تشك في جمالها، ولكنها كانت كثيرا ما تثور بعجبها ~~وغرورها. فقالت باستياء: لا تسلقي الزقاق بلسانك، إن أهله سادة ~~الدنيا! ~~- سادة دنياك أنت، كلهم كعدمهم، اللهم إلا واحدا به ~~رمق جعلتموه أخي! # وكانت تعني حسين كرشة أخاها بالرضاعة؛ فهال أمها الأمر ~~وقالت بلهجة انتقاد واستياء: كيف تقولين هذا؟ ما جعلناه أخا، وما ~~نملك أن نصنع أخا ولا أختا، ولكنه أخوك بالرضاعة كما أمر ms018 ~~الله! # فغلبتها روح المجون وقالت عابثة: ألا يجوز أن يكون قد رضع من ~~ثدي، ورضعت أنا من الآخر؟ # فلكمتها أمها في ظهرها وصاحت بها: قاتلك الله! # فغمغمت الفتاة بازدراء: زقاق العدم! ~~- أنت تستحقين موظفا قد الدنيا! ~~- فتساءلت بتحد: هل الموظف إله؟ # فتنهدت الأم قائلة: آه لو تخففين من غلوائك! # فقلدت لهجة أمها قائلة: آه لو تنصفين ولو مرة في ~~العمر! ~~- آكلة شاربة ثم لا تشكرين. أتذكرين كيف أطلقت علي لسانك ~~الطويل بسبب جلباب! # فقالت حميدة بدهشة: وهل الجلباب شيء يهون؟! ما قيمة هذه الدنيا ~~بغير الملابس الجديدة؟! ألا ترين أن الأولى بالفتاة التي لا ~~تجد ما تتزين به من جميل الثياب أن تدفن حية؟! # ثم امتلأ صوتها أسفا وهي تقول مستدركة: آه لو رأيت بنات ~~المشغل! آه لو رأيت اليهوديات العاملات! كلهن يرفلن في ~~الثياب الجميلة. أجل ما قيمة الدنيا إذا لم نرتد ما ~~نحب؟! # فقالت الأم باستياء: أفقدتك مراقبة فتيات المشغل واليهوديات ~~عقلك، وهيهات أن يهدأ لك بال! # فلم تعبأ بقولها، وكانت انتهت من تضفير شعرها، فاستخرجت من ~~جيبها مرآة صغيرة، ثبتتها على مسند الكنبة، ثم وقفت أمامها ~~منحنية قليلا لترى صورتها، ثم غمغمت بلهجة تنم عن ~~الإعجاب: آه يا خسارتك يا حميدة! لماذا توجدين في هذا الزقاق؟! ~~ولماذا كانت أمك هذه المرأة التي لا تميز بين التبر ~~والتراب؟! # ثم دلفت من النافذة الوحيدة في الحجرة التي تطل على الزقاق، ~~ومدت يديها إلى مصراعيها المفتوحين وجذبتهما حتى لم يعد ~~يفرج بينهما إلا مقدار قيراطين من الفراغ، وارتفقت النافذة ~~ملقية ببصرها إلى الزقاق، متنقلة به من مكان إلى مكان، ~~قائلة، وكأنما تخاطب نفسها في سخرية: مرحبا يا زقاق الهنا ~~والسعادة. دمت ودام أهلك الأجلاء. يا لحسن هذا المنظر، ويا ~~لجمال هؤلاء الناس. ماذا أرى؟! هذه حسنية الفرانة جالسة على ~~عتبة الفرن كالزكيبة؛ عينا على الأرغفة وعينا على جعدة زوجها، ~~والرجل يشتغل مخافة أن تنهال عليه لكماتها وركلاتها. وهذا ~~المعلم كرشة القهوجي متطامن الرأس كالنائم، وما هو بالنائم. ~~وعم كامل يغط ms019 في نومه، والذباب يرقص على صينية البسبوسة بلا ~~رقيب. آه! وهذا عباس الحلو يسترق النظر إلى النافذة في جمال ~~ودلال، ولعله لا يشك في أن هذه النظرة سترميني عند قدمه ~~أسيرة لهواه، أدركوني يا هوه قبل التلف. أما هذا فالسيد سليم ~~علوان صاحب الوكالة، رفع عينيه يا أماه وغضهما، ثم رفعهما ~~ثانية .. قلنا الأولى مصادفة، والثانية يا سليم بك؟! رباه هذه ~~نظرة ثالثة! ماذا تريد يا رجل يا عجوز، يا قليل الحياء؟! مصادفة كل ~~يوم في مثل هذه الساعة؟! ليتك لم تكن زوجا وأبا؛ إذا لبادلتك ~~نظرة بنظرة، ولقلت لك: أهلا وسهلا ومرحبا. هذا كل شيء، هذا ~~هو الزقاق، فلماذا لا تهمل حميدة شعرها حتى يقمل؟! .. أوه .. ها ~~هو ذا الشيخ درويش قادما يضرب الأرض بقبقابه! # وهنا قاطعتها أمها في سخرية: ما أحق الشيخ درويش أن يكون زوجا ~~لك! # فلم تلتفت إليها، ورقصت لها عجيزتها وهي تقول: يا له من ~~رجل مقتدر. يقول إنه أنفق في حب السيدة زينب مائة ألف، فهل ~~يبخل بعشرة آلاف؟! # ثم تراجعت فجأة كأنها ملت موقفها، وعادت إلى المرآة ملقية ~~إليها نظرا فاحصا، وتنهدت، وهي تقول: يا خسارتك يا ~~حميدة! # 4 # في الثلث الأول من النهار يكتنف الزقاق جو رطب بارد ظليل، لا ~~تزوره الشمس إلا حين تشارف كبد السماء فتتخطى الحصار المضروب ~~حوله. بيد أن النشاط يدب في الأركان منذ الصباح الباكر، ~~يفتتحه سنقر صبي القهوة فيهيئ المقاعد ويشعل الوابور، ثم ~~يتوافد عمال الوكالة أزواجا وأفرادا، ثم يلوح جعدة حاملا خشبة ~~العجين، حتى عم كامل نفسه يشغل في هذه الساعة بفتح الدكان ~~وتناول الإفطار عن النعاس! وكان عم كامل وعباس الحلو يتناولان ~~إفطارهما معا، فتوضع بينهما صينية عليها طبق المدمس والبصل الأخضر ~~والخيار المخلل. وكان مزاجاهما في الأكل مختلفين؛ فالحلو سريع ~~يلتهم رغيفه في دقائق معدودات، أما عم كامل فبطيء يمضغ اللقمة ~~في أناة حتى يكاد يذيبها في فمه، وكثيرا ما يقول: إن الطعام ~~المفيد يهضم في الفم أولا، ولذلك فالحلو ينتهي من طعامه، ms020 ثم من ~~احتساء الشاي وتدخين الجوزة، والآخر ما يزال يمضغ ويقضم البصل، ~~ولذلك أيضا فلكي يأمن تعدي الحلو على نصيبه يشق الفول بلقمة ~~شطرين، ولا يسمح للشاب بتجاوز حده! وعم كامل - رغم جسامته ~~وضخامته - لا يعد أكولا وإن كان يلتهم الحلوى بشراهة. وهو ~~حلواني ماهر، ولكنه لا يفرغ ما يتمتع به من فن إلا في ~~الطلبات الخاصة التي يوصي عليها أمثال السيد سليم علوان والسيد ~~رضوان الحسيني والمعلم كرشة. وطار في ذلك صيته حتى جاوز المدق ~~إلى الصنادقية والغورية والصاغة. ولكن رزقه على قد عيشته ~~البسيطة دون زيادة، فلم يكن كاذبا حين شكا إلى عباس الحلو أنهم ~~لن يجدوا بعد وفاته ما يدفنونه به. وقد قال - ذلك الصباح - مخاطبا ~~الحلو بعد أن فرغا من طعامهما: قلت إنك ابتعت لي كفنا، وهو ~~صنيع تستحق عليه الشكر والدعاء، ولكن ما قولك في أن تنزل لي عنه ~~الآن؟ # فتعجب عباس الحلو الذي كاد ينسى الكفن كما تنسى عادة ~~الأكاذيب، وسأله: وماذا تريد أن تفعل به؟! # فقال الرجل بصوته الرفيع الذي يحاكي أصوات الغلمان: أنتفع ~~بثمنه! ألا تسمع ما يقال عن ارتفاع أثمان الأقمشة؟ # فضحك الحلو وقال: أنت رجل ماكر على رغم ما تتظاهر به من سذاجة؛ ~~بالأمس شكوت أنك لن تجد ما تكفن به بعد موتك، فلما أعددت ~~لك الكفن تريد أن تنتفع بثمنه! ولكن هيهات أن تنال ما تريد، لقد ~~ابتعت الكفن لأكرم به جثتك بعد عمر طويل إن شاء الله. # فابتسم عم كامل في ارتباك وقال: هب أن العمر قد امتد بي حتى ~~تعود الحالة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، ألا نكون قد خسرنا ثمن ~~الكفن الغالي؟! ~~- وهبك تموت غدا؟! # فقطب عم كامل وقال: لا قدر الله! # فقهقه الحلو ضاحكا وقال: عبثا تحاول أن تثنيني عما اعتزمت، ~~سيبقى الكفن في حرز حريز حتى يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. # وعاوده الضحك فضحك طويلا حتى شاطره الرجل ضحكه، ثم قال الشاب ~~معاتبا: يا لك من رجل لا ترجى منه فائدة! هل استفدت ms021 منك ~~مليما واحدا في حياتي؟! مطلقا. ذقنك جرداء لا تنبت، وكذلك ~~شاربك. رأسك أصلع، وليس بهذه الدنيا الواسعة التي تدعوها جسمك شعرة ~~واحدة أنتفع بحلقها! سامحك الله. # فابتسم عم كامل قائلا: جسم نظيف طاهر لن يشق على أحد ~~غسله. # وقطع عليهما الحديث صوت يشبه العواء، فنظرا إلى داخل الزقاق ~~فرأيا المعلمة حسنية الفرانة تنهال على زوجها جعدة بالشبشب، ~~والرجل يتقهقر أمامها لا يملك لها دفعا، وصراخه يعلو حتى طبق ~~الآفاق، فضحك الرجلان، وصاح عباس الحلو مخاطبا المرأة: العفو ~~والرحمة يا معلمة! # ولكن المرأة لم تمسك حتى ارتمى جعدة عند قدميها باكيا ~~مستعطفا. ولبث عباس ضاحكا، وهو يقول لعم كامل: ما أخلق جسمك ~~بهذا الشبشب حتى يذوب شحمه! # وظهر عند ذاك حسين كرشة قادما من البيت في سرواله وقميصه ~~وقبعته. كان ينظر في ساعة معصمه، تياها فخورا، وعيناه ~~الصغيرتان الحاذقتان تمتلئان زهوا. وقد حيا صديقه الحلاق، ~~ومضى إلى الكرسي داخل الصالون وجلس عليه ليحلق شعره في يوم ~~عطلته. وقد نشأ الصديقان معا في زقاق المدق، كما رأيا نور ~~الدنيا في بيت واحد، بيت السيد رضوان الحسيني، بيد أن عباس ~~الحلو رأى هذا النور الدنيوي قبل صاحبه بثلاثة أعوام. وكان الحلو ~~في ذلك الوقت يعيش في حضانة والديه، قبل أن يعرفه عم كامل ~~ويشاطره شقته بخمسة عشر عاما. وقد قطع الصديقان الطفولة والصبا ~~معا. وآخى بينهما الحب والمودة، وظلا على صداقتهما حتى بعد ~~أن فرق بينهما العمل، فاشتغل عباس صبي حلاق بالسكة ~~الجديدة، وعمل حسين صبيا في دكان دراجات بالجمالية. وقد ~~تباينت أخلاقهما منذ البدء، ولكن لعل تباينهما هذا كان من أهم ~~الأسباب التي أبقت على صداقتهما ومودتهما. كان عباس الحلو - ولا ~~يزال - شخصا وديعا، دمث الأخلاق، طيب القلب، ميالا بطبعه ~~إلى المهادنة والمصالحة والتسامح، أقصى ما يطمح إليه من فنون ~~اللهو اللعب السلمي، أو ارتياد القهوة لتدخين الجوزة ولعب الكومي، ~~مع نفور من اللجاج والشجار، ودراية في اتقائهما بالابتسامة ~~الحلوة و«الله يسامحك يا عم.» وكان يحافظ على صلاته وصومه، ولا ~~تفوته ms022 صلاة الجمعة في سيدنا الحسين. أجل أهمل الآن بعض هذه ~~الفرائض، لا عن استهتار ولكن عن كسل، وما زال يحافظ على صلاة ~~الجمعة وصوم رمضان. ولم يكن من النادر أن يتحرش به صاحبه حسين ~~كرشة، ولكنه كان إذا شد صاحبه أرخى، فلم تصله قبضته ~~القاسية قط. وعرف إلى ذلك بالقناعة والرضا، حتى إنه واصل عمله ~~«صبيا» عشرة أعوام كاملة ولم يفتح دكانه الصغير إلا منذ خمسة ~~أعوام، ومنذ ذلك التاريخ وهو يحسب أنه نال أرفع ما يطمح إليه. وقد ~~ملأت هذه الروح القنوعة الراضية نفسه، فنطقت بها عيناه البارزتان ~~الهادئتان، وجسمه البدين، وطابع المرح الذي لا يفارقه. أما ~~حسين كرشة فكان من شطار الزقاق، مشتهرا بالنشاط والحذق ~~والجراءة، بل هو معتد أثيم إذا دعا الداعي. وقد اشتغل بادئ أمره ~~في قهوة أبيه، ولكنهما لم يتفقا، فهجرها وعمل بدكان الدراجات، ~~ولبث بها حتى اندلع لهيب الحرب فالتحق بخدمة المعسكرات البريطانية، ~~وبلغت يوميته بها ثلاثين قرشا - نظير ثلاثة قروش في عمله الأول - ~~غير ما يسميه «أكل العيش يحب خفة اليد» فارتفعت حاله، وامتلأ ~~جيبه، ورفه عن نفسه بحماس فائر لا يعترف بالحدود؛ فتمتع ~~بالثياب الجديدة، وغشي المطاعم، وأكثر من أكل اللحوم التي هي في ~~حسبانه طعام المحظوظين، وارتاد السينمات والملاهي، وعاقر الخمر، ~~ورافق النساء، وربما أخذته نشوة كرم فدعا رفاقه إلى سطح البيت ~~حيث يقدم لهم الطعام والنبيذ والحشيش. وفي نشوة من نشواته - كما ~~يحكى عنه - قال لبعض مدعويه: «في بلاد الإنجليز يسمون من ~~كان مثلي في بحبوحة العيش باللارج ~~(Large) ~~، ولما كان مثله لا ~~يعدم حاسدين فقد دعوه بحسين كرشة اللارج، ثم حرفت فيما ~~بعد إلى حسين كرشة الجراج!» # أمسك عباس الحلو بالماكينة وأقبل على رأس صاحبه بهمة ونشاط، ~~يصلح من أطرافها دون مساس بالشعر المفلفل الذي يكاد يقف من ~~فظاظته وخشونته. ولم يكن يخلو من شعور بالحزن يساوره كلما التقى ~~بذلك الصديق القديم. أجل ما زالا صديقين؛ ولكن الحياة تغيرت ~~بطبيعة الحال، فلم يعد حسين كرشة يواظب على قضاء سهراته ms023 بقهوة ~~أبيه كما كان يفعل في الأيام الخالية، مما دعا إلى ندرة اجتماع ~~الصديقين. ولم يخل الأمر من عاطفة حسد تخامر فؤاد الحلاق ~~كلما ذكر الهوة الواسعة التي تفصل بينهما. بيد أنه في حسده - ~~كما هو في حياته - وديع عاقل لا يتهور ولا يتورط في خطأ، فلم ~~ينل صاحبه بلفظ سوء، وكأنه يغبطه ولا يحسده، وربما قال ~~لنفسه معزيا: «سوف تنتهي الحرب يوما، ويعود حسين إلى الزقاق ~~معدما كما خرج منه.» # وجعل حسين كرشة - بثرثرته المعهودة - يحدث صاحبه عن حياة ~~«الأورنس» والعمال والمرتبات والسرقات وما يحدث بينه وبين ~~الإنجليز من نوادر ومداعبات! وعما يكنه الجنود لشخصه من ~~الحب والإعجاب، قال: # قال لي الأونباشي جوليان مرة: إني لا أفترق عن الإنجليز إلا ~~في اللون! وكثيرا ما نصحني بالاقتصاد، ولكن الساعد (وهناك حرك ~~ساعده في زهو) الذي يربح النقود في أثناء الحرب خليق بأن يربح ~~أضعافها في زمان السلم. ومتى تظن الحرب تنتهي؟! لا يغرنك ~~هزيمة الطليان، فأولئك لا حساب لهم في الحرب، ولسوف يحارب هتلر ~~عشرين عاما، والأونباشي جوليان من المعجبين بشجاعتي، ويثق في ~~ثقة عمياء، وبفضل هذه الثقة يسرحني في تجارته الواسعة من تبغ ~~وسجائر وشوك وسكاكين وملاءات أسرة وجوارب وأحذية .. ~~دنيا! # فتمتم عباس الحلو متفكرا: دنيا! # فألقى حسين على صورته في المرآة نظرة متفحصة وقال: أتدري أين ~~أذهب الآن؟ .. إلى حديقة الحيوان. أوتدري مع من؟ .. مع بنت ~~كالقشدة والشهد (وقبل الهواء قبلة ذات وسوسة) وسأنطلق بها ~~هناك إلى أقفاص القرود. # وقهقه عاليا، ثم استدرك: أراهن على أنك تتساءل: لماذا القرود؟ ~~وهذا طبيعي من إنسان مثلك لم ير إلا قرد القرداتي. فاعلم يا ~~حمار أن القرود في حديقة الحيوان تعيش جماعات في أقفاص، وهي كبيرة ~~الشبه بالإنسان في صورته وسوء أدبه، تراها تتغازل وتتحاب في ~~علانية مكشوفة، فإذا سقت الفتاة إلى هنالك تفتحت لي ~~الأبواب! # فتمتم الحلو وهو يكب على عمله: دنيا! ~~- النساء علم واسع لا تحذقه بمجرد شعرك المرجل. # فضحك الحلو ونظر إلى شعره في المرآة، وقال بصوت منكسر: ms024 أنا رجل ~~مسكين! # فحدج صورته في المرآة بنظرة حادة وتساءل متهكما: ~~وحميدة؟! # فخفق قلب الحلو بعنف لأنه لم يكن يتوقع سماع هذا الاسم ~~المحبوب، وتمثلت لعينيه صورتها، فتورد وجهه، وغمغم وهو لا ~~يدري: حميدة! ~~- أجل حميدة، بنت أم حميدة! # ولاذ الحلاق بالصمت وقد لاح في وجهه الارتباك، وراح الآخر يقول ~~بحدة: يا لك من رجل خامل معدوم الحياة، عيناك نائمتان، دكانك ~~نائم، حياتك نوم وخمول. أعياني إيقاظك يا ميت. أتحسب أن هذه ~~الحياة خليقة بتحقيق آمالك؟! هيهات، ولن ترزقك مهما سعيت بأكثر من ~~لقمتك. # فلاح التفكير في العينين الهادئتين وقال متكدرا بعض ~~الكدر: الخيرة فيما اختاره الله. # فقال الشاب ساخرا: عم كامل، قهوة كرشة، الجوزة، ~~الكومي؟! # فقال الحلو في حيرة: لماذا تهزأ بهذه الحياة؟ ~~- أهي حياة حقا؟ .. هذا الزقاق لا يحوي إلا موتا، وما دمت ~~فيه فلن تحتاج يوما للدفن، عليك رحمة الله. # فسأله الحلو بعد تردد وإن كان يدري ما الآخر قائله: وماذا ~~تريدني أن أفعل؟ # فصاح به الفتى: طالما أخبرتك، طالما نصحتك، اخلع رداء هذه ~~الحياة القذرة الحقيرة، أغلق هذا الدكان، اهجر هذا الزقاق، أرح ~~عينيك من جثة عم كامل. وعليك بالجيش الإنجليزي. الجيش الإنجليزي ~~كنز لا يفنى. هو كنز الحسن البصري، ليست هذه الحرب بنقمة كما ~~يقول الجهلاء، ولكنها نعمة النعم، لقد بعثها ربنا لينتشلنا من ~~وهدة الشقاء والعوز. على الرحب والسعة ألف غارة وغارة ما دامت ~~تقذفنا بالذهب. ألم أنصحك بالالتحاق بالجيش؟ وما زلت أقول لك: ~~إن الفرصة سانحة. حقا هزمت إيطاليا ولكن ألمانيا باقية، ~~ووراءها اليابان، وسوف تطول الحرب عشرين عاما. أقول لك للمرة ~~الأخيرة إنه توجد أماكن شاغرة في التل الكبير. ~~سافر! # واستيقظ خيال الحلو، واضطرمت عواطفه حتى وجد صعوبة في امتلاك ~~عنانه وإتقان عمله. لم يكن ذلك نتيجة لكلام حسين الراهن فحسب؛ ~~ولكنه نتيجة لإلحاحه المتواصل كلما قابله. كان بطبعه قنوعا، ~~عزوفا عن الحركة، هيابا لكل جديد، مبغضا للأسفار، ولو ترك ~~وشأنه ما اختار عن المدق بديلا، ولو لبث فيه مدى الحياة لما ms025 ~~مله ولا فتر حبه له. ولكن طموحه صحا بعد سبات، وكان ~~كلما دبت فيه الحياة امتزج في نفسه بصورة حميدة، أو لعل ~~حميدة هي التي أيقظته وبعثته بعثا جديدا، فكان طموحه وصورتها ~~المحبوبة شيئا واحدا لا يتجزأ. وعلى رغم هذا كله خاف أن يبوح ~~بذات نفسه، وكأنما أراد أن يفسح لنفسه وقتا للتدبر والتفكير، ~~فقال متظاهرا بالإحجام والإباء: السفر ابن كلب! # فضرب حسين الأرض بقدمه وصاح به: أنت ابن ستين كلبا. السفر ~~خير من زقاق المدق، وخير من عم كامل! سافر وتوكل على الله. ~~أنت لم تولد بعد. ماذا أكلت؟ ماذا شربت؟ ماذا لبست؟ ماذا ~~رأيت؟ صدقني أنك لم تولد بعد. # فقال عباس متأسفا: من المحزن أني لم أولد غنيا. ~~- من المحزن أنك لم تولد بنتا! لو ولدت بنتا لكنت من ~~بنات الدقة القديمة، حياتك في البيت وللبيت، لا سينما ولا حديقة ~~الحيوان، حتى ولا الموسكي الذي ترتاده حميدة في العصاري. # فضاعف ذكر هذا الاسم من ارتباكه، وآلمه أن ينطق به صاحبه ~~مستهينا ساخرا كأنه لفظ تافه لا يثير مكامن القلوب، وقال ~~مدافعا عن فتاته: أختك حميدة فتاة كريمة الأخلاق، ولا يعيبها أن ~~تروح عن نفسها بالمشي في الموسكي. ~~- أجل؛ ولكنها فتاة طموح ما في ذلك من شك، ولن تحظى بها حتى ~~تغير ما بنفسك. # وعاوده قلبه الخفقان العنيف، والتهب وجهه احمرارا، وذابت نفسه ~~وجدا وقلقا وانفعالا. وكان انتهى من حلق رأس الشاب، فراح ~~يمشطه دون أن ينبس بكلمة، وفكره لا يستريح من اضطرابه. ثم نهض ~~حسين كرشة وأعطاه نقوده. وقبل أن يغادر الدكان اكتشف أنه ~~نسي منديله، فرجع مسرعا إلى البيت وجعل يتابعه بعينيه من ~~موقفه، فلاح لعينيه مرحا نشيطا سعيدا، وكأنه يرى فيه هذه ~~الصفات لأول مرة. «لن تحظى بها حتى تغير ما بنفسك.» صدق حسين ~~بلا ريب، إنه يعيش عيشة الكفاف، ولا يكاد يتمخض كدح يومه عن رزق ~~ذلك اليوم، فإذا أراد أن يبني عشه في هذه الأيام العسيرة، فلا ~~معدى عن فتح جديد. إلام يقنع بالأحلام ms026 والتمني وهو قابع هامد ~~مغلول اليد والإرادة؟ لماذا لا يجرب حظه ويقتحم سبيله كما ~~يفعل الآخرون؟! «فتاة طموح»، هكذا يقول حسين، وإن كان هو لا يدري ~~شيئا على وجه التحقيق، وربما كان حسين أدرى بها، لأنه - عباس - ~~اعتاد أن يراها بعين الحب الحالمة الخالقة. وإذا كانت فتاته ~~طموحا فلا معدى له عن أن يكون طموحا كذلك. ولعل حسين يحسب غدا ~~- وقد ابتسم لهذا الخاطر - أنه أيقظه من سباته وخلقه خلقا ~~جديدا، ولكنه يعلم دون الناس جميعا أنه لولا ذاك الشخص المحبوب ~~ما استطاع شيء أن ينزعه من قناعته الوديعة المستسلمة. وشعر عباس ~~في هذه اللحظة الفاصلة من حياته بقوة الحب وسلطانه وسحره ~~العجيب. ولعله أحس - إحساسا غامضا لا يرتقي لمرتبة الوعي ~~والفكر - بقدرة الحب على الخلق والتعمير، فموضع الحب من ~~نفوسنا هو مهبط الخلق والإبداع والتجديد. ولذلك خلق الله الإنسان ~~محبا، وترك مهمة تعمير الوجود أمانة في رعاية الحب. وقد تساءل ~~الفتى في وجده وانفعاله: لماذا لا يسافر؟ ألم يعش في هذا الزقاق ~~حوالي ربع قرن من الزمان؟! فماذا أفاده؟ إنه زقاق لا يعدل بين ~~أهله، ولا يجزيهم على قدر حبهم له. وربما ابتسم لمن يتجهمه ~~وتجهم لمن يبتسم له، فهو يقتر عليه الرزق تقتيرا، ويغدقه ~~على السيد سليم غدقا، وعلى كثب منه تتكدس رزم الأوراق المالية ~~حتى ليكاد يشم عرفها الساحر، في حين أن راحته لا تقبض إلا ~~على ثمن الرغيف، فليكن سفر، وليتغيرن وجه الحياة. # جرى فكره هذا الشوط البعيد، ولبث واقفا أمام دكانه ينظر إلى ~~عم كامل وقد مضى يغط غطيطا والمذبة في حجره، ثم سمع وقع ~~أقدام خفيفة آتيا من أعلى الزقاق، فتحول إليه فرأى حسين كرشة ~~عائدا في خطوات واسعة. واستمر به الانفعال والقلق، ونظر إليه ~~كما ينظر المقامر إلى كرة الروليت الدائرة، حتى حاذاه وأوشك أن ~~يفوته، فوضع يده على كتفه وقال له بقوة وعزم: حسين، أريد أن ~~أحدثك في أمر هام. # 5 # العصر! # عاد الزقاق رويدا رويدا إلى عالم الظلال: والتفت حميدة في ms027 ~~ملاءتها، ومضت تستمع إلى دقات شبشبها على السلم في طريقها إلى ~~الخارج. وقطعت الزقاق في عناية بمشيتها وهيئتها لأنها تعلم أن ~~أعينا أربعا تتبعها متفحصة ثاقبة، عيني السيد سليم علوان ~~صاحب الوكالة، وعيني عباس الحلو الحلاق. ولم تكن تفاهة ثيابها ~~لتغيب عنها؛ فستان من الدمور وملاءة قديمة باهتة، وشبشب رق ~~نعلاه، بيد أنها تلف الملاءة لفة تشي بحسن قوامها ~~الرشيق، وتصور عجيزتها الملمومة أحسن تصوير، وتبرز ثدييها ~~الكاعبين، وتكشف عن نصف ساقيها المدملجتين، ثم تنحسر في أعلاها ~~عن مفرق شعرها الأسود ووجهها البرنزي الفاتن القسمات، وكانت ~~تتعمد ألا تلوي على شيء فتنحدر من الصنادقية إلى الغورية، ~~ثم إلى السكة الجديدة فالموسكي .. حتى إذا غابت عن الأعين ~~الثاقبة علت شفتيها ابتسامة، وراحت تنهب الطريق الزاخر العامر ~~بعينيها الجميلتين. هي فتاة مقطوعة النسب، معدمة اليد، ~~ولكنها لم تفقد قط روح الثقة والاطمئنان. ربما كان لحسنها ~~الملحوظ الفضل في بث هذه الروح القوية في طواياها، ولكن حسنها ~~لم يكن صاحب الفضل وحده، كانت بطبعها قوية، لا يخذلها الشعور ~~بالقوة لحظة من حياتها. وكانت عيناها الجميلتان تنطقان أحيانا ~~بهذا الشعور نطقا يذهب بجمالها في رأي البعض، ويضاعفه في رأي ~~البعض الآخر. فلم تفتأ أسيرة لإحساس عنيف يتلهف على الغلبة ~~والقهر، يتبدى في حرصها على فتنة الرجال، كما يتبدى في ~~محاولتها التحكم في أمها، ويتعرى في أسوأ مظاهره في ما ~~يشتجر بينها وبين نسوة الزقاق من شغب وسباب وعراك، حتى أبغضنها ~~جميعا، ورمينها بكل سوء. وربما كان من أغرب ما رميت به ~~أنها تبغض الأطفال، وأنها بالتالي متوحشة محرومة من نعمة ~~الأنوثة، وهذا ما جعل امرأة المعلم كرشة القهوجي - أمها ~~بالرضاعة - تتمنى على الله أن تراها أما ترضع الأطفال في كنف ~~زوج جبار يبيتها بالضرب ويصبحها بالضرب! مضت في سبيلها ~~مستمتعة بنزهتها اليومية، مرددة الطرف في معارض المتاجر ~~المتعاقبة. كانت تهوى مشاهدة المعروضات النفيسة من الثياب ~~والآنية، فتثير في نفسها الطموح المتلهفة على القوة والسيطرة ~~أحلاما ساحرة. ولذلك تركزت عبادتها للقوة في حب المال على ms028 ~~اعتبار أنه المفتاح السحري للدنيا، المسخر لجميع قواها ~~المذخورة. فجل ما كانت تعرفه عن نفسها أنها تحلم بالمال ؛ المال ~~الذي يأتي بالثياب وبكل ما تشتهيه الأنفس. وعسى أن تتساءل: أيمكن ~~يا ترى أن تبلغ يوما ما تتمنى؟! لم تكن الحقائق لتغيب عنها، ~~ومع ذلك فهي لا تنسى قصة فتاة من بنات الصنادقية، كانت فقيرة ~~في الأصل مثلها، ثم أسعفها الحظ بزوج ثري من المقاولين، ~~فانتشلها من وهدتها، ونقلها من حال إلى حال، فماذا يمنع القصة ~~أن تتكرر، والحظ أن يبتسم مرتين في هذا الحي؟ ليست دون ~~صاحبتها جمالا، والحظ الذي لعب دوره في حياة الأخرى يستطيع أن ~~يعيده مرات ومرات دون عناء أو خسارة. بيد أن هذا ~~الطموح كان يضطرب في دنيا ضيقة تنتهي عند حدود ميدان الملكة ~~فريدة، لا يدري عما وراءها شيئا، ولا عما تحويه هذه الدنيا ~~الواسعة من أناس وحظوظ، ولا كم منهم يلقى خيرا وسعدا، وكم منهم ~~يتردد مثلها حائرا لا يعلم لنفسه مرسى. فعلى كثب من هذه ~~المنطقة رأت صويحباتها من عاملات المشغل قادمات، فهرعت نحوهن ~~وقد تخلصت من جميع أفكارها، وابتسمت أساريرها، وسرعان ما سلمن ~~وأخذن في تافه الأحاديث، وهي تتفحص وجوههن وثيابهن بأعين ~~ناقدة، ذاهبة نفسها حسرات على ما يتمتعن به من حرية وجاه. ~~أولئك فتيات صغيرات من أهل الدراسة، خرجن بحكم ظروفهن ~~الخاصة البائسة وظروف الحرب عامة عن تقاليدهن الموروثة، ~~واشتغلن بالمحال العامة مقتديات باليهوديات. ذهبن إليها ~~مكدودات هزيلات فقيرات، وسرعان ما أدركهن تبدل وتغير في ردح ~~قصير من الزمن؛ شبعن بعد جوع، وكسين بعد عري، وامتلأن بعد ~~هزال، ومضين على أثر اليهوديات في العناية بالمظهر وتكلف ~~الرشاقة، ومنهن من يرطن بكلمات، ولا يتورعن عن تأبط ~~الأذرع والتخبط في الشوارع الغرامية. تعلمن شيئا واقتحمن ~~الحياة. أما هي فقد فوت عليها عمرها وجهلها ما يمرحن فيه من ~~فرص. وها هي تتمسح بهن والحسرة ملء حناياها، غابطة حياتهن ~~المرهفة وثيابهن المزركشة وجيوبهن العامرة. كانت تضاحكهن في ~~صفاء كاذب والحسد يأكل قلبها، ثم لا تتردد ms029 عن نهشهن - ولو ~~على سبيل الدعابة الساخرة - لأقل هفوة، فهذه فستانها قصير معدوم ~~الحياء، وهذه ذوقها سقيم، وتلك عيناها تزوغان من التحديق في ~~الرجال، والرابعة كأنها نسيت أيام كان القمل يزحف على رقبتها ~~كالنمل؟ كان هذا اللقاء بلا ريب من بواعث تمردها الدائم، ~~ولكنه كان كذلك أكبر تسلية لها في يومها الطويل المفعم ~~تبرما وعراكا، ولذلك قالت يوما لأمها وهي تتنهد: حياة ~~اليهوديات هي الحياة حقا! # فانزعجت أمها وقالت: إنك من نبع أبالسة، ودمي بريء ~~منك. # فقالت الفتاة إمعانا في إغاظتها: ألا يجوز أن أكون من صلب ~~باشوات ولو عن سبيل الحرام؟! # فهزت المرأة رأسها وقالت ساخرة: رحم الله أباك بائع الدوم ~~بمرجوش! # سارت وسط صويحباتها تياهة بجمالها، مدرعة بلسانها الطويل، ~~يلذها أن الأعين تمر بهن مر الكرام وتستقر عليها ~~دونهن. ولما انتصف الموسكي أو كاد لاحت منها التفاتة إلى ~~الطريق فرأت عباس الحلو يسير متأخرا عنهن قليلا وعيناه ~~تلحظانها بتلك النظرة المألوفة، وتساءلت عما دعاه إلى ترك دكانه ~~في هذه الساعة على غير عادة: هل تبعها عمدا؟ ألم يعد يقنع ~~برسائل النظر؟ كان على فقره متأنقا كأكثرية أهل فنه، فلم ~~يضايقها ظهوره، وقالت لنفسها: إن أية واحدة من صاحباتها لا تطمع ~~في زوج خير منه، وكانت تجد نحوه شعورا غريبا معقدا، فهو من ~~ناحية الشاب الوحيد في الزقاق الذي يصلح لها زوجا، وهي من ~~ناحية أخرى تحلم بزوج على مثال المقاول الغني الذي حظيت به ~~جارتها في الصنادقية، فهي لا تحبه ولا تتمناه، وفي الوقت نفسه ~~لا تقطعه، ولعلها تسرها نطراته المشوقة! وكان من عادتها أن ~~توصل الفتيات حتى نهاية الدراسة ثم تعود بمفردها إلى الزقاق، ~~فسارت بينهن وهي تسترق النظر. فلم تعد تشك في أنه يتبعها ~~عامدا، وأنه ينوي أن يخرج عن صمته أخيرا. ولم تخطئ ظنونها، ~~فما كادت تودع آخر الفتيات وتدور على عقبيها حتى انحدر نحوها ~~من الطوار، في خطوات مضطربة ووجهه ينطق بالانفعال، وقاربها حتى ~~حاذاها، ثم قال بصوت متهدج: مساء الخير يا حميدة. # فالتفتت ms030 نحوه كالمنزعجة وكأنها بوغتت بظهوره مباغتة، ثم ~~قطبت وأوسعت خطاها دون أن تنبس بكلمة، فتورد وجهه؛ ولكنه ~~عاد يقول بصوت ينم عن العتاب: مساء الخير يا حميدة. # وخافت إن هي لازمت الصمت مع هذا الخطو الحثيث أن ينتهيا إلى ~~الميدان المأهول قبل أن يقول ما يريد، وكانت راغبة في سماعه، ~~فقالت في لهجة تنطق بالاستياء: يا للعار! جار وتفعل ~~كالغريب! # فقال عباس بلهفة: بل جار حقا، ولا أفعل كالغريب، أحرام على ~~الجار أن يتكلم؟ # فقالت عابسة: نعم، الجار يحمي جارته؛ لا أن يهاجمها! # فقال الشاب بصدق حار: أنا جار أعلم واجبات الجار، ولم يخطر ~~ببالي قط أن أهاجمك - لا سمح الله - بيد أني أريد أن أحدثك، ~~ولا عيب أن يحدث الجار جارته! ~~- كيف تقول هذا؟! أليس من العيب أن تتعرض لي في الطريق، ~~وتعرضني للفضيحة؟ # فهاله قولها وقال بأسف: الفضيحة؟! .. معاذ الله يا حميدة. صدري ~~طاهر، ولا يكن لك إلا الطهر وحياة الحسين، وستعلمين أن كل ~~شيء سينتهي بما أمر به الله، لا بالفضيحة، فأصغي إلي قليلا، ~~أريد أن أحدثك عن أمر هام، ميلي بنا إلى شارع الأزهر بعيدا عن ~~أعين الذين يعرفوننا. # فقالت باستياء متصنع: بعيدا عن أعين الناس؟! ما شاء الله! ~~.. دمت من جار طيب حقا! # وكان قد تشجع بمنازعتها إياه الحديث، فقال بحرارة: ما ذنب ~~الجار؟ .. أيموت قبل أن يبوح بذات نفسه؟! # فقالت بسخرية: ما أطهر كلامك! # فقال عباس بلهفة وشت بإشفاقه من اقتراب الميدان المأهول: ~~طاهر النية وسيدنا الحسين، لا تسرعي هكذا يا حميدة، ميلي بنا ~~إلى شارع الأزهر، أريد أن أقول لك كلمة هامة، ينبغي أن تصغي ~~إلي، أنت تعلمين ولا شك بما أريد أن أقوله، ألا تعلمين؟ ألا ~~تشعرين؟ قلب المؤمن دليله! # فقالت كالغاضبة: لقد جاوزت حدك، كلا ... كلا ... ~~دعني. ~~- حميدة ... أنا أريد أن ... أنا أريدك ... ~~- يا للعار! دعني وإلا فضحتني أمام الخلق. # وكانا قد بلغا ميدان الحسين، فمرقت من جانبه إلى الطوار الأيسر ~~وحثت خطاها على عجل، ثم انعطفت إلى الغورية وهي تبتسم ms031 ~~ابتسامة خفيفة. كانت تعلم ما يريد قوله كما قال، ولم تنس أنه ~~الفتى الوحيد الصالح لها في الزقاق ، وقد قرأت في عينيه البارزتين ~~آي الحب كما قرأتها مرارا من نافذتها في الماضي القريب، ولكن ~~هل حرك ذلك جميعه قلبها الجحود؟ أما حالته المالية التي تعلم ~~عنها الشيء الكثير فلا يمكن أن تحرك فيها ساكنا، وأما شخصه ~~فوديع تنم عيناه عن القناعة والخضوع، مما يجعله خليقا بأن ~~يرتاح إليه فؤادها المغرم بالسيطرة، بيد أنها وجدت نحوه - رغم ~~ذلك - نفورا لم تدر له سببا. ماذا تريد إذا؟ ومن يرضيها إذا ~~لم يرضها هذا الفتى الوديع الطيب؟! لم تهتد لجواب بطبيعة ~~الحال، وقد عزت نفورها منه إلى فقره! والظاهر أن حبها ~~السيطرة كان تابعا لحبها العراك لا العكس، فلم تهش ~~للمسالمة، ولم تفرح بظفر هين سهل المنال. وكان قلبها ما ~~يزال في غفوته لم يستبن بعد رغائبه، فملأها شعورها المبهم الغامض ~~حيرة وقلقا. # ونكص عباس الحلو عن ملاحقتها خيفة الأعين، فتراجع مفعم ~~الفؤاد خيبة وحسرة، ولكنه كان أبعد ما يكون عن اليأس. قال لنفسه ~~وهو يسير متمهلا غافلا عما حوله: إنها بادلته الكلام ~~طويلا، ولو قصدت صده ونبذه ما منعها ولا أعيتها الحيلة، فهي لا ~~تكرهه، ولعلها تتدلل شأن الفتيات جميعا، ولعله الحياء الذي ~~جعلها تقطع عليه سبيل التودد بالفرار. فكان أبعد الناس عن ~~اليأس، بل راح يستسلم لمغازلة الأمل وتوثب للكرة التالية. ~~وقد سكر قلبه برحيق نشوة ساحرة لم يكن له عهد بمثلها من قبل. ~~كان محبا صادقا ملتهب العاطفة، وكان يشعر حيال نظرتها ~~النافذة الجميلة بخضوع كلي، ولذة لا حد لها، وحب لا ~~يبيد. أجل كان كأمثاله من الفتيان مولعا بالنساء عامة؛ ~~ولكنه كان كالحمام يحلق في السماء ويطوف بأطرافها ثم يقع في ~~النهاية على برجه ملبيا صفير صاحبه، فهي دون النساء جميعا ~~أمله المنشود. أجل لم تعد مخاطرته خائبة، وتفتحت له أكمام ~~الأحلام عن زهر الآمال؛ فعاد منتشيا مسرورا بحبه وبشبابه. ~~ولما عرج إلى الصنادقية صادف الشيخ درويش قادما من ms032 ناحية ~~الحسين، فالتقيا عند مطلع الزقاق، وأقبل على الشيخ يريد أن ~~يصافحه تبركا، ولكن الشيخ أشار نحوه بسبابته محذرا، وحملق ~~في وجهه بعينيه الذابلتين وراء نظارته الذهبية وقال: لا تمش بلا ~~طربوش! احذر أن تعري رأسك في مثل هذا الجو، في مثل هذه الدنيا، ~~فمخ الفتى يتبخر ويطير، وهذا أمر معروف في المأساة ومعناه ~~بالإنجليزية # Tragedy # وتهجيتها: # T r a g e d y ~~. # 6 # وكان المعلم كرشة قد شغل بأمر هام، ومن النادر أن ينصرم ~~عام من حياته دون أن يشغل نفسه بمثل هذا الأمر؛ على ما يسببه ~~له من الكدر والتنغيص، بيد أنه كان رجلا مسلوب الإرادة، لم ~~يترك له الحشيش من إرادته نفعا. ومع ذلك كان، على خلاف الأكثرية ~~من تجار هذا الصنف، في حكم الفقراء، لا لأن تجارته غير ~~نافقة، ولكن لأنه كان مبذرا - في غير بيته - يبعثر ما ~~يربحه، وينثر المال بلا حساب، جاريا وراء شهواته، خصوصا هذا ~~الداء الوبيل. # وعندما آذنت الشمس للمغيب غادر القهوة دون أن ينبئ سنقر عن ~~طيته، مرتديا عباءته السوداء، متوكئا على عصاه العجراء، ينقل ~~على مهل خطواته الثقيلة! ولا تكاد تدل عيناه المظلمتان ~~المختفيتان تقريبا وراء جفنيه الغليظين على أنه يحسن رؤية ~~طريقه، وكان قلبه يخفق! والقلب يخفق ولو شارف صاحبه الخمسين، ومن ~~عجب أن المعلم كرشة قد عاش عمره في أحضان الحياة الشاذة، حتى ~~خال لطول تمرغه في ترابها أنها الحياة الطبيعية. هو تاجر ~~مخدرات اعتاد العمل تحت جنح الظلام، وهو طريد الحياة الطبيعية ~~وفريسة الشذوذ، واستسلامه لشهواته لا حد له ولا ندم عليه ولا ~~توبة تنتظر عنه. بل إنه ليظلم الحكومة في تعقبها لأمثاله، ~~ويلعن الناس الذين جعلوا من شهوته الأخرى مثارا للازدراء ~~والاحتقار، فيقول عن الحكومة: «إنها تحلل الخمر التي حرمها ~~الله، وتحرم الحشيش الذي أباحه! وترعى الحانات الناشرة للسموم، ~~في حين تكبس «الغرز» وهي طب النفوس والعقول.» وربما هز رأسه ~~آسفا وقال: «ما له الحشيش!» «راحة للعقل وتحلية للحياة، وفوق هذا ~~وذاك فهو مدر للنسل!» ms033 وأما شهوته الأخرى فيقول بقحته ~~المعهودة: «لكم دينكم ولي دين!» ولكن إيلافه شهواته لا يمنع من ~~أن يخفق قلبه كل مطلع هوى جديد. وقد سار متمهلا في الغورية ~~ومستسلما لخواطره، يتساءل والأمل ملء فؤاده: «ماذا يا ترى ~~وراءك أيها المساء؟» وعلى رغم انهماكه في خواطره كان يحس ~~بالدكاكين على الصفين إحساسا غامضا، ويرد بين الفينة ~~والفينة تحيات بعض أصحابها من معارفه. وكان يسيء الظن بهذه ~~التحيات وأمثالها، ولا يدري إن كانت لمحض السلام أم أن ~~وراءها من الغمز واللمز. فالناس لا يريحون ولا يستريحون، ~~ويتلقفون المثالب بأفواه نهمة جشعة، ولطالما قالوا فيه ~~وأعادوا، فماذا أفادهم التشهير؟ لا شيء! وكأنه ولع بتحديهم ~~فراح يجهر بما كان يسره. وهكذا مضى في سبيله حتى اقترب من ~~آخر دكان على يساره فيما يلي الأزهر، فاشتد خفقان قلبه وتناسى ~~تحيات الناس التي أثارت سوء ظنه، وانبعث من عينيه المنطفئتين ~~نور خافت شرير، وراح يدنو منه بفيه الفاغر وشفته المتدلية، وجاز ~~عتبته. دكان صغير يجلس في صدره شيخ عجوز وراء مكتب صغير، ويستند ~~إلى أحد رفوفه المكدسة بالبضائع، بائع متسربل بالشباب اليافع، ~~ما إن رأى القادم حتى استقام ظهره، وتلقاه بابتسامة البائع ~~اللبق، وارتفع الجفنان الثقيلان لأول مرة، واستقرت العينان ~~على الشاب، ثم حيا برقة، ورد الشاب التحية في لطف، وقد ~~أدرك لأول وهلة أنه يرى هذا الرجل للمرة الثالثة في ثلاثة أيام ~~متتابعات، وقد تساءل: لماذا لا يبتاع ما يريد مرة ~~واحدة؟! # وقال المعلم: أرني ما عندك من جوارب. # فأحضر الشاب أنواعا منها وبسطها على «طاولة» المحل، وأخذ ~~المعلم يتفحصها وهو يخالس النظر إلى وجه الشاب، والشاب لا ~~يخفى أمره عليه، وقد دارى ابتسامة كادت ترتسم على ثغره. وتعمد ~~أن يطيل الفحص والتقصي، ثم قال للشاب بصوت منخفض: لا تؤاخذني ~~يا بني فبصري ضعيف، هلا اخترت لي لونا مناسبا بذوقك ~~الجميل! # وسكت لحظات يتفرس في وجهه، ثم أردف وهو يرسم ابتسامة على ~~شفته المتدلية: كوجهك الجميل. # فأراه الشاب الجميل نوعا متجاهلا إطراءه، فاستدرك الرجل ~~قائلا: ms034 لف لي ستة. # وتريث حتى مضى الشاب يلف الجوارب، ثم قال: الأفضل أن ~~تلف لي اثني عشر .. أنا رجل لا ينقصني المال والحمد لله! # ولف الشاب له ما أراد صامتا، ثم غمغم وهو يناوله اللفيفة: ~~مبارك. # فابتسم المعلم كرشة، أو بمعنى آخر انفرج فمه انفراجة آلية ~~قصيرة يرافقها اضطراب خفيف في جفنيه، وقال بخبث: شكرا لك يا ~~بني (ثم بصوت خفيض) الحمد لله! # وغادر الدكان بعد أداء الثمن منفعلا كما دخله، واتجه نحو ~~شارع الأزهر، ثم عبره مهرولا إلى الناحية الأخرى، ووقف لصق شجرة ~~في مقابل الدكان مستظلا بالظلمة الآخذة في الانتشار. وقف يدا ~~متوكئة على العصا ويدا قابضة على اللفيفة، وعيناه لا تتحولان ~~عن الدكان من بعيد. كان الشاب بموقفه حين دخل الدكان وقد شبك ~~ذراعيه على صدره، فجعل ينظر نحوه، لا يكاد يرى منه إلا صورة ~~غامضة المعالم، ولكن ذاكرته وخيالة أسعفاه بما لم يسعفه به البصر ~~الكليل، وراح يقول لنفسه: «أدرك المراد بلا ريب!» ثم ذكر ~~كيف كان رقيقا لطيفا مؤدبا، ورجعت أذناه صوته وهو يغمغم: ~~«مبارك»، فأثلج صدره وتنهد من الأعماق. لبث في مكانه سويعة ~~مضطرما بالقلق والتوتر، حتى رأى الدكان يغلق أبوابه، وقد افترق ~~عنده الشيخ العجوز الذي اتجه صوب الصاغة، والشاب الذي سار نحو ~~شارع الأزهر. وابتعد المعلم عن الشجرة رويدا رويدا، وسار في ~~الاتجاه الذي يتسمته الشاب. فرآه هذا بعد أن عبر ثلثي الطريق؛ ~~ولكنه لم يبد اهتماما، وأوشك أن يمر به دون اكتراث لولا ~~أن دنا منه المعلم وقال برقة: مساء الخير يا بني. # فنظر الشاب وقد نمت عيناه عن ابتسامة خفيفة وتمتم: مساء ~~الخير يا سيدي. # فسأله بمحض الرغبة في مجاذبته الحديث: أغلقت الدكان؟ # ولاحظ الشاب أن الرجل يتثاقل كأنما يدعوه إلى التريث، ولكنه ~~ثابر على مشيته وهو يقول: أجل يا سيدي. # فاضطر الرجل إلى مسايرته، فسارا معا على الطوار والمعلم لا ~~يحول عنه رأسه، ثم قال: ساعات عملك طويلة، كان الله في ~~عونك! # فنفخ الشاب قائلا: ما الحيلة؟ أكل العيش ms035 يحب التعب. # فسر المعلم بإقبال الفتى على محادثته، واستبشر خيرا برقته ~~وقال: رزقك الله بتعبك يا بني. ~~- أشكر لك يا سيدي. # فقال الرجل بحماسة: تعب كلها الحياة حقا، ولكن من النادر ~~جدا أن ينال التعب الجزاء الذي يستحقه، فما أكثر العاملين ~~المظلومين في هذه الدنيا! # فشد هذا الكلام على وتر حساس في قلب الفتى وقال بتبرم: ~~صدقت يا سيدي، ما أكثر العاملين المظلومين في هذه الدنيا! ~~- الصبر مفتاح الفرج. أجل ما أكثر المظلومين! ومعنى هذا ~~بالحرف الواحد ما أكثر الظالمين! ولكن من لطف الله أن الدنيا ~~لا تخلو من رحماء كذلك. # فتساءل الفتى: أين هؤلاء الرحماء؟ # وكاد يجيبه: «ها أنا ذا واحدا منهم.» ولكنه أمسك عن ذلك، وقال ~~بلهجة العاتب: لا تكن متشائما يا بني فأمة محمد بخير، (ثم ~~غير لهجته قائلا) علام تسرع؟ أمستعجل أنت؟! ~~- ينبغي أن أذهب إلى البيت لأغير ملابسي. # فسأله باهتمام: وبعد ذلك؟ ~~- أنطلق للقهوة. ~~- أية قهوة؟ ~~- قهوة رمضان. # فابتسم المعلم ابتسامته الآلية حتى لمعت أسنانه الذهبية في ~~الظلمة، وتساءل في إغراء: لماذا لا تشرف قهوتنا؟ ~~- أية قهوة يا سيدي؟ # فاخشوشن صوت المعلم وهو يقول: قهوة كرشة بالمدق، محسوبك ~~المعلم كرشة! # فقال الفتى بامتنان: تشرفنا يا معلم، هذه قهوة ذائعة ~~الصيت. # فسر المعلم، وسأله بلهجة تشي بالرجاء: أتأتي؟ ~~- إن شاء الله. # فقال المعلم كمن نفد صبره: كل شيء بمشيئة الله؛ ولكن ~~أتنوي الحضور حقا أم تقول ذلك تملصا مني؟ # فضحك الشاب ضحكة رقيقة وقال: بل أنوي الحضور حقا. ~~- الليلة إذا! # ولما لم ينبس الفتى بكلمة، قال الآخر بتوكيد وقلبه يرقص طربا: ~~لا بد! # فغمغم الشاب: بإذن الله. # فتنهد الرجل بصوت مسموع ثم سأله: أين تقيم؟ ~~- عطفة الوكالة. ~~- نحن جيران تقريبا. متزوج؟ ~~- كلا .. مع أهلي. # فقال برقة: أنت ابن ناس طيبين كما يبدو لي. الإناء الطيب ينضح ~~ماء طيبا. وينبغي أن ترعى مستقبلك بعين الاهتمام؛ إذ لا يجوز أن ~~تبقى مدى العمر عاملا بسيطا في دكان. # فلاح الاهتمام والطموح في الوجه الجميل، وتساءل الشاب في خبث: ~~وهل ms036 لمثلي أن يطمع في أكثر من هذا؟! # فقال المعلم كرشة باستهانة: هل ضاقت «بنا» الحيل! ألم يكن ~~جميع الكبار صغارا؟! ~~- بلى كانوا، ولكن ليس من المحتم أن ينقلب الصغير ~~كبيرا. # فأردف المعلم يتم كلام الفتى: إلا إذا صادفه التوفيق! ~~فلنذكر هذا اليوم الذي تعارفنا فيه على أنه توفيق عظيم. أنتظرك ~~الليلة؟! # فتردد الفتى قليلا، ثم قال مبتسما: لا يأبى الكرامة إلا ~~لئيم. # وتصافحا عند بوابة المتولي، ثم رجع المعلم يخبط في ~~الظلماء. صحا الرجل الذاهل وسرى في صدره دفء السرور. ولم يكن ~~يستيقظ من دنيا النسيان التي يغط فيها إلا إذا لطمته موجة ~~عنيفة من شهواته الخبيثة، ومر في طريقه بالدكان المغلق فألقى ~~عليه نظرة طويلة تفيض بالشوق. وعاد إلى الزقاق وقد أغلقت ~~دكاكينه، وكانت تشمله الظلمة لولا النور المنبعث من القهوة. وكان ~~جو القهوة - على خلاف الجو البارد في الخارج - دفئا يحفظ حرارته ~~دخان الجوز وأنفاس السمار ووهج «النصبة»، وقد تربع ~~الحاضرون على الأرائك يتحدثون ويحتسون الشاي والقهوة، والراديو ~~يذيع ما في جوفه، فلا يلقى إلا الإعراض والإهمال كأنه خطيب ثقيل ~~يخطب صما، ودار سنقر كالنحلة لا يسكن ولا يكف عن الصياح. ~~واتفق عند حضوره أن كان عم كامل يسأل أصحابه أن يقنعوا عباس ~~الحلو بالنزول عن الكفن المحتفظ له به، ولكنهم أبوا عليه ذلك ~~وأنكروا غرضه، وقال له الدكتور البوشي: لا تفرط في كسوة ~~الآخرة؛ إن الإنسان ليعيش كثيرا في دنياه عاريا، أما عتبة ~~القبر فلا يمكن أن يجوزها عاريا مهما كان فقره. # وتكرر الرجاء من ناحية الرجل الساذج، فاصطدم كل مرة بالرفض ~~والسخرية، حتى كف الرجل يائسا، وراح الحلو بعد ذلك يعلن للإخوان ~~ما اعتزم من العمل في الجيش البريطاني، ويستمع إلى آرائهم ~~ونصائحهم، وقد اجتمعت كلمتهم على الموافقة على مشروعه، وتمنوا له ~~النجاح والثراء. وكان السيد رضوان الحسيني منهمكا في حديث طويل ~~من أحاديثه المليئة بالوعظ والإرشاد، وقد مال على محدثه وأنشأ ~~يقول: ... فلا تقل مللت! الملل كفر، الملل مرض يعتور ~~الإيمان. وهل معناه إلا الضيق ms037 بالحياة؟! ولكن الحياة نعمة الله ~~سبحانه وتعالى، فكيف لمؤمن أن يملها أو يضيق بها؟! ستقول: ~~ضقت بكيت وكيت، فأسألك: من أين جاءت كيت وكيت هذه؟ أليس ~~من الله ذي الجلال؟ فعالج الأمور بالحسنى، ولا تتمرد على صنع ~~الخالق. لكل حالة من حالات الحياة جمالها وطعمها، بيد أن ~~مرارة النفس الأمارة بالسوء تفسد الطعوم الشهية. صدقني ~~إن للألم غبطته ولليأس لذته وللموت عظته، فكل شيء جميل وكل ~~شيء لذيذ! كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، ~~وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح ~~هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان؟ كيف نضجر وفي الدنيا من ~~نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا. استعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم ولا تقل مللت. # وحسا حسوة من قدح القرفة، ثم أردف وكأنه يعبر عن ~~خلجات ضميره: أما المصائب فلنصمد لها بالحب، وسنقهرها به. ~~الحب أشفى علاج، وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الماس في ~~بطون المناجم الصخرية، فلنلقن أنفسنا حكمة الحب. # كان وجهه الأبيض الوردي يفيض بشرا ونورا، تحيط به لحيته ~~الصهباء إحاطة الهالة بالقمر. وكان كل شيء حوله يلوح بالقياس ~~إلى طمأنينته الراسخة قلقا مضطربا. وكان نور عينيه صافيا ~~نقيا ينطق بالإيمان والخير والحب والترفع عن الأغراض. ربما قيل ~~إنه رجل خسر الجاه يوم أخفق في دراسته الأزهرية، وإنه أيس من ~~خلود الدنيا حين ثكل الأبناء، ففزعت نفسه إلى تعويض خسرانها ~~الفادح بالاستيلاء على القلوب بالحب والجود! ولكن كم من ~~المصابين مثله من سلك سبيله، وكم منهم من سقط فريسة الجنون، وكم ~~منهم من صب جام غضبه على الدنيا والدين؟! ومهما يكن من أمر نفسه ~~الخافية فما من شك في إخلاصه، كان مؤمنا صادقا، ومحبا ~~صادقا، وجوادا صادقا، ومن عجب أن يكون هذا الرجل - الذي طار ~~صيته في الخير والحب والجود كل مطار - حازما حاسما وعلى ~~فظاظة وحرص في بيته! ربما قيل إنه وقد أيس من كل سلطان حقيقي في ~~هذه الدنيا يفرض سطوته على المخلوق الوحيد الذي يذعن لإرادته، ms038 ~~ألا وهو زوجه! وإنه يشبع شهوته الجائعة للنفوذ والسلطان باصطناع ~~الحزم والمهابة معها. ولكن ينبغي ألا نسقط من حساب التقدير ~~تقاليد الزمان والمكان، وما تسنه البيئة لسياسة المرأة وفلسفتها، ~~وما تراه أكثرية أهل طبقته من وجوب معاملة المرأة كالطفل ~~تحقيقا لسعادتها هي نفسها قبل كل شيء. على أن زوجه نفسها لم يكن ~~لديها ما تشكوه نحوه، ولولا الجروح التي تركها الأبناء تذكارا ~~خالدا في قلبها، لعدت نفسها امرأة سعيدة، فخورا بزوجها ~~وحياتها. # أما المعلم كرشة فكان حاضرا غائبا، لم يطمئن به المجلس ~~لحظة واحدة، وعانى مرارة الانتظار في صمت كئيب. وكلما مرت ~~دقائق لوى عنقه واشرأب به نحو مطلع الزقاق، ثم يعود إلى صندوق ~~الماركات متصبرا متجلدا قائلا لنفسه: «سيأتي حتما، سيأتي كما ~~أتى إخوان له من قبل.» وتمثل له وجهه، ثم نظر إلى الكرسي ~~القائم بينه وبين أريكة الشيخ درويش، فرآه بعين الخيال يطمئن ~~إليه، لم يكن فيما سلف ليجرؤ على دعوة أحد أمثال هذا الشاب إلى ~~قهوته تسترا أو حياء، ثم افتضح أمره، وذاعت فضيحته، فكشف وجهه ~~وارتاد الإثم جهارا. وكان يقع بينه وبين زوجه من المآسي ما يبقى ~~حديثا فاضحا تتناقله الألسن، ويتلقفه بشغف أمثال الدكتور ~~بوشي وأم حميدة، ولكنه لم يعبأ شيئا. وما تكاد النار تخمد إلى حين ~~حتى يصب عليها نفطا بسوء سيرته فيضرمها إضراما، وكأنه وجد ~~أخيرا في الجهر لذة فلهج بها. وهكذا جلس قلقا لا تعرف السكينة ~~سبيلا إلى نفسه الملوثة، كأنه يجلس على مشواة، يكاد ينبري عنقه ~~من كثرة ليه، حتى لاحظ الدكتور بوشي اضطرابه وقال للحلو في ~~خبث: هذه علامات الساعة! # وهنا خرج الشيخ درويش عن صمته فجأة، وأنشد يقول: # حننت إلى ريا ونفسك باعدت # مزارك من ريا وشعباكما معا # فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا ~~- آه يا ست. الحب يساوي الملايين .. أنفقت في حبك يا ست ~~مائة ألف جنيه، وإنه لقدر زهيد! ~~••• # وأخيرا رأى الدكتور بوشي المعلم كرشة يحدق باهتمام شديد في ~~مطلع الزقاق، ورآه ms039 يستوي جالسا وقد ابتسمت أساريره، فنظر إلى مدخل ~~القهوة مترقبا، وما لبث أن طالعه وجه الشاب، وقد ألقى على ~~السمار نظرة المتردد من عينيه الساجيتين. # 7 # تقع الفرن فيما يلي قهوة كرشة، لصق بيت الست سنية عفيفي. بناء ~~مربع على وجه التقريب، غير منتظم الأضلاع، تحتل الفرن جانبه ~~الأيسر، وتشغل الرفوف جدرانه، وتقوم مصطبة فيما بين الفرن والمدخل ~~ينام عليها صاحبا الدار: المعلمة حسنية وزوجها جعدة. وتكاد ~~الظلمة تطبق على المكان ليل نهار، لولا الضوء المنبعث من ~~فوهة الفرن. وفي الجدار المواجه للمدخل يرى باب خشبي قصير يفتح ~~على خرابة، تسطع فيها رائحة تراب وقذارة؛ إذ ليس بها إلا كوة ~~في الجدار المواجه للمدخل تطل على فناء بيت قديم. وعلى بعد ~~ذراع من الكوة، وعلى رف ممتد، مصباح يشتعل، يلقي على المكان ~~ضوءا خفيفا يفضح أرضه المتربة المغطاة بأنواع لا يحصيها ~~العد من القاذورات المتنوعة، كأنها مزبلة. أما الرف الذي ~~يحمل المصباح فطويل ممتد بطول الجدار قد رصت عليه زجاجات ~~كبيرة وصغيرة وأدوات مختلفة وأربطة كثيرة، كأنه رف صيدلي لولا ~~قذارته النادرة! وعلى الأرض - تحت الكوة مباشرة - كان يوجد شيء ~~مكوم لا يفترق عن أرض المكان قذارة ولونا ورائحة، لولا أعضاء ~~ولحم ودم تهبه الحق - على رغم كل شيء - في لقب إنسان؟ ذلك ~~هو زيطة مستأجر هذه الخرابة من المعلمة حسنية الفرانة. وحسبه أن ~~يرى مرة واحدة كيلا ينسى بعد ذلك أبدا؛ لبساطته المتناهية؛ ~~فهو جسد نحيل أسود وجلباب أسود، سواد فوقه سواد، ولوا فرجتان ~~يلمع فيهما بياض مخيف هما العينان. ولم يكن زيطة - على ذلك - ~~زنجيا، بل إنه مصري أسمر اللون في الأصل، ولكن القذارة ~~الملبدة بعرق العمر كونت على جثته طبقة سوداء. كذلك جلبابه لم ~~يكن في البدء أسود، ولكن السواد مصير كل شيء في هذه الخرابة. وهو ~~لا يكاد يمت بسبب للزقاق الذي يعيش فيه، فلا يزور ولا يزار، ~~لا نفع فيه لأحد ولا نفع في أحد له، اللهم إلا الدكتور بوشي، ~~والآباء الذين يستعينون بصورته على ms040 تخويف أطفالهم. وأما صناعته ~~فمعروفة لدى الجميع، وهي صناعة تخول له لقب دكتور وإن لم ~~يتخذه إكراما لبوشي. كان يصنع العاهات، ليست هذه العاهات ~~الطبيعية المعروفة، ولكن عاهات صناعية من نوع جديد. يقصده الراغبون ~~في احتراف الشحاذة، فبفنه العجيب - الذي يحشد أدواته على الرف - ~~يصنع لكل ما يوافق جسمه من العاهات. يجيئونه صحاحا ويغادرونه ~~عميانا وكسحانا وأحدابا وقعسانا ومبتوري الأذرع أو الأرجل. ~~وقد اكتسب البراعة في فنه من تجارب الحياة التي صادفته، وعلى ~~رأسها جميعا اشتغاله عهدا طويلا في سرك متجول، ولاتصاله ~~بأوساط الشحاذين - اتصالا يرجع عهده إلى صباه حين كان يعيش في ~~كنف والدين شحاذين - فكر في تطبيق فن «الماكياج» الذي ~~تلقنه في السرك على بعض الشحاذين، في بادئ الأمر على سبيل ~~الهواية، ثم على سبيل الاحتراف حين ضاقت به أوجه العيش. ومن ~~مشاق عمله أنه يبدأ في الليل، أو عند منتصف الليل على الأصح، ~~ولكنها مشقة غدت بالعادة مألوفة ميسرة. أما في أثناء النهار ~~فلا يكاد يفارق الخرابة بحال، يجلس القرفصاء يأكل أو يدخن، أو ~~يتسلى بالتجسس على الفران والفرانة. ولكم كان يلذه أن ~~يسترق السمع لما يدور بينهما من حديث، أو أن يشاهد من ثقب الباب ~~انهيال المرأة بالضرب على زوجها صباح مساء، حتى إذا أتى الليل ~~رآهما وقد شملهما الصفاء وقد أقبلت المعلمة على زوجها القرد ~~تمازحه وتباسطه السمر. وكان زيطة يمقت جعدة ويحتقره ~~ويستقبح وجهه! وفضلا عن ذلك كله كان يحسده على ما حباه الله به ~~من زوج «كاملة الجسم»، أو على حد تعبيره «امرأة بقري»! وكان ~~كثيرا ما يقول عنها: إنها في دنيا النساء تقابل عم كامل في ~~دنيا الرجال! وكان من أهم الأسباب التي دعت أهل الزقاق إلى تجنبه ~~رائحته المنتنة، فلم يكن الماء يعرف سبيلا إلى وجهه أو جسده. وقد ~~آثر وحشة العزلة على الاستحمام! وبادل الناس مقتا بمقت عن طيب ~~خاطر، فكان يرقص طربا إذا قرع مسمعيه صوات على ميت، ويقول ~~وكأنه يخاطب الميت: «جاء دورك لتذوق التراب الذي يؤذيك لونه ms041 ~~ورائحته على جسدي!» وربما قطع وقت فراغه الطويل في تخيل صنوف ~~التعذيب التي يتمناها للناس، واجدا في ذلك لذة لا تعادلها ~~لذة، يتصور جعدة الفران هدفا لعشرات الفئوس تضربه حتى تتركه ~~كتلة مهشمة كلها ثقوب! .. أو يتخيل السيد سليم علوان وقد ~~استلقى على الأرض ووابور الزلط يروح عليه ويجيء، ودمه يجري نحو ~~الصنادقية .. أو يتمثل له السيد رضوان الحسيني تجره الأيدي من ~~لحيته الصهباء نحو الفرن الملتهبة ثم يستخرجونه منها زكيبة من ~~الفحم .. أو يرى المعلم كرشة مطروحا تحت عجلات الترام ~~يمزق أوصاله ثم يلمون أشلاءه في مقطف قذر يبيعونه لهواة ~~الكلاب .. وغير ذلك كثير مما يراه دون ما يستحق الناس. وكان ~~إذا باشر عمله وأخذ في صنع العاهة لطالبها، اشتد عليه في قسوة ~~مقصودة، مستخفيا وراء سر المهنة، حتى إذا ندت التأوهات ~~عن فريسته لمعت عيناه المخيفتان بنور جنوني. ومع ذلك كان ~~الشحاذون أحب البشر إلى نفسه، وتمنى كثيرا لو كان ~~الشحاذون أكثرية أهل الأرض. ~~••• # هكذا جلس زيطة غارقا في أخيلته يترقب وقت العمل. وعندما ~~انتصف الليل أو كاد نهض قائما، ونفخ المصباح فانطفأ وساد ظلام ~~ثقيل. ثم تلمس طريقه إلى الباب وفتحه في هدوء بالغ، ثم اخترق ~~الفرن إلى الزقاق، والتقى في سبيله بالشيخ درويش يغادر القهوة، ~~وكثيرا ما يلتقيان في منتصف الليالي دون أن يتبادلا كلمة واحدة، ~~ولذلك كان للشيخ حظ موفور في محكمة التفتيش التي ينصبها زيطة في ~~خياله للبشر. وانعطف صانع العاهات إلى سيدنا الحسين في خطوات ~~قصيرة وئيدة، وكان يقترب في سيره من جدران البيوت على رغم الظلمة ~~الحالكة - كانت بعض قيود الإضاءة ما تزال موجودة - فلا يراه ~~المقبل في الطريق حتى يصطدم بعينيه البراقتين يلمعان في ~~الظلام لمعان القطعة المعدنية في حزام الشرطي. وفي الطريق، ~~يداخله شعور بالانتعاش والزهو والسرور، فهو لا يشقه إلا حين ~~يكاد ينقطع إلا من الشحاذين الذين يدينون له بالسيادة ~~المطلقة. وشق ميدان الحسين منعطفا صوب الباب الأخضر، فبلغ ~~القبو القديم، وجعل يردد عينيه المخيفتين بين أكوام ~~الشحاذين على ms042 جانبيه، فملأه الارتياح .. ارتياح السيد إلى ~~قوته، وارتياح التاجر يرى بين يديه السلع النافقة. ودنا من أقرب ~~الشحاذين إليه، وكان جالسا القرفصاء معتمدا رأسه على ركبتيه ~~ويغط غطيطا ، فوقف حياله لحظة متفرسا كأنما يسبر نومه؛ هل ~~هو نوم حقيقة أو تظاهر بالنوم؟ ثم ركله في رأسه الأشعث، فانتبه ~~الرجل من نومه - غير مذعور - ~~كأنما أيقظته أنامل ناعمة، ورفع رأسه متثاقلا وهو يحك جنبيه ~~وظهره بأظافره، فوقع بصره على الشبح المشرف عليه، وحملق فيه ~~لحظة، فعرفه - على عماه - لأول وهلة. وتنهد الرجل فند عن ~~صدره صوت كالوحوحة، ثم دس يده في صدره واستخرج مليما غمر به كف ~~الرجل. وانتقل زيطة إلى من يليه، ثم إلى من يليهما، حتى إذا فرغ ~~من جناح القبو جميعا اتجه نحو الجناح الآخر، ثم مضى إلى ~~الأزقة والحواري المحيطة بالجامع الكبير لا يفلت منه شحاذ ~~واحد. ولم يكن إكبابه على تحصيل يوميته لينسيه واجب رعاية ~~العاهات التي صنعها، وربما سأل هذا أو ذاك: «كيف عماك يا فلان؟» ~~أو «كيف كساحك يا فلان؟» فيجيبونه: «الحمد لله .. الحمد لله.» ثم ~~دار حول المسجد من الناحية الأخرى وابتاع في طريقه رغيفا وحلاوة ~~طحينية وتبغا، ورجع إلى الزقاق. كان الصمت شاملا يقطعه بين آونة ~~وأخرى ضحكة أو سعلة ساقطة من أعلى بيت السيد رضوان الحسيني حيث ~~تجتمع غرزة المعلم كرشة. وجاز الرجل عتبة الفرن في هدوء بالغ أن ~~يوقظ الزوجين، ودفع بابه الخشبي في حذر ورده في سكون .. لم ~~تكن المزبلة مظلمة كما غادرها، ولم تكن خالية. كان المصباح ~~مشتعلا، وعلى الأرض تحته يجلس رجال ثلاثة. ودلف الرجل بينهم في ~~هدوء؛ لأن وجودهم لم يدهشه ولم يزعجه، وعاينهم بعينيه ~~البراقتين، فعرف منهم الدكتور بوشي. ووقفوا له جميعا، وقال له ~~الدكتور بوشي بعد أن حياه تحية طيبة: هاك رجلين مسكينين ~~يستشفعان بي إليك. # فتظاهر زيطة بعدم المبالاة، وقال متظاهرا بالملل: في مثل هذه ~~الساعة يا دكتور؟! # فوضع الدكتور يده على كتفه وقال له: الليل ستار، وربنا أمر ~~بالستر! # فقال زيطة وهو ms043 ينفخ: ولكني متعب الآن. # فقال البوشي برجاء: لا رددت لي يدا. # وراح الرجلان يضرعان ويدعوان له، فتظاهر بإذعان مرغما، ووضع ~~الطعام والتبغ على الرف ووقف حيالهما متفرسا في أناة وهدوء، ~~ثم ثبتت عيناه على أطولهما، كان عملاقا قويا، فدهش زيطة لمنظره ~~وسأله: أنت بغل بلا زيادة ولا نقصان، فلماذا تروم احتراف ~~الشحاذة؟! # فقال الرجل بصوت منكسر: لم أفلح في عمل أبدا، حاولت أعمالا ~~كثيرة، حتى الشحاذة نفسها، ولكن لم يقدر لي التوفيق، حظي أسود، ~~وعقلي وسخ لا أفهم شيئا ولا أتقن شيئا. # فقال زيطة بحقد: كان ينبغي إذا أن تولد غنيا! # ولم يفطن الرجل لمرماه، وراح يستعطفه بتصنع البكاء قائلا ~~بصوت كالخوار: أخفقت في كل شيء، حتى الشحاذة لم تجذب لي رحيما ~~واحدا. كل الناس يقولون: أنت قوي ويجب أن تشتغل، هذا إذا لم ~~يشتموني وينهروني، لا أدري لماذا؟! # فقال زيطة وهو يدلك رأسه: يا سلام، حتى هذا لا ~~تدركه. ~~- الله يخليك ويجبر بخاطرك. # وكان زيطة لا يكف عن فحصه متفكرا، فقال بحزم وهو يغمز أعضاءه: ~~أنت قوي حقا، أعضاؤك سليمة، إني أعجب ماذا تأكل؟ ~~- الخبز إذا وجد ولا شيء غيره. ~~- هذا جسم شيطاني بلا ريب. ترى ماذا تكون لو أكلت كما تأكل ~~حيوانات الله التي يؤثرها بخيره ونعمته؟! # فقال الرجل ببساطة: لا أدري. ~~- طبعا طبعا .. أنت لا تدري شيئا، فهمنا هذا، وخير ما فعلت، ~~فلو كنت تدري لانقلبت واحدا منا. اسمع يا هذا لا فائدة ~~ترجى من تشويه أعضائك. # ولاح الانقباض في الوجه الثور، وأوشك أن يتباكى كرة أخرى، لولا ~~أن بادره زيطة قائلا: عسير أن أكسر لك رجلا أو ذراعا، ومهما ~~صنعت بك فلن تستثير عطف أحد. إن البغال أمثالك يثيرون الحنق ~~أينما يحلون. ولكن لا تيأس (كان الدكتور بوشي ينتظر هذه العبارة ~~بصبر نافد) فهناك طرق شتى، أعلمك فن العته مثلا، وأنت ~~لا ينقصك منه شيء ذو بال، أجل العته، وأحفظك بعضا من مدائح ~~الرسول. # فتهلل وجه الرجل ودعا له كثيرا، حتى قاطعه زيطة متسائلا: ~~لماذا لم ms044 تشتغل قطاع طرق؟ # فقال الرجل بانكسار: أنا رجل طيب مسكين، لا أقصد إنسانا بسوء، ~~وأحب آل البيت. # فقال زيطة باحتقار: أتبدؤني أنا بهذه البوليتيكا؟ # ثم التفت إلى الرجل الآخر، كان قصيرا هزيلا، فقال زيطة ~~بارتياح: استعداد طيب. # فابتسمت أسارير الرجل وقال ممتنا شاكرا: الحمد لله ~~كثيرا. ~~- خلقت لتكون أعمى مقعدا. # فقال الرجل بسرور: هذا من فضل ربي. # فهز زيطة رأسه وقال ببطء: العملية دقيقة وخطيرة، ودعني أسألك ~~عن أسوأ الاحتمالات، هبك فقدت بصرك حقيقة عن خطأ أو إهمال، ~~فماذا تفعل؟ # فتردد الرجل لحظة، ثم قال بغير مبالاة: نعمة من الله! وهل ~~أفدت من بصري شيئا حتى آسف على ضياعه؟ # فقال زيطة بارتياح: بهذا القلب تستطيع أن تواجه الدنيا ~~حقا. ~~- بإذن الله يا سيدي، ستكون روحي ملك يدك. سأنزل لك عن نصف ما ~~يجود به المحسنون. # فحدجه زيطة بنظرة قاسية وقال بحدة: هذا كلام لا يجوز علي، ~~حسبي مليمان غير أجر العملية، وإني أعرف كيف أستخلص حقي ~~إذا سولت لك نفسك المماطلة. # وهنا قال البوشي محذرا: لم تذكر نصيبك من الخبز. # فاستدرك زيطة قائلا: طبعا. طبعا .. والآن فلنشرع في العمل، ~~العملية شاقة، ولسوف نمتحن قوة احتمالك، فاكتم الألم ما ~~استطعت إلى ذلك سبيلا. # وتصور ما سوف يكابده هذا الجسم الهزيل من هرس يديه ~~القاسيتين، فارتسمت على شفتيه الباهتتين ابتسامة ~~شيطانية. # 8 # كانت الوكالة مثار ضجيج لا ينقطع في الزقاق طول النهار؛ عمال ~~كثيرون لا يكفون عن العمل فيما عدا فترة الغداء القصيرة، وسيل من ~~البضائع الواردة والصادرة يطرد في تتابع متواصل، وعدد من ~~سيارات العمل الضخمة يجعجع أزيزها فيطبق على الصنادقية وما ~~يتاخمها من الغورية والأزهر، وتيار زاخر من الزبائن والعملاء. هي ~~وكالة عطارة بالجملة والتجزئة، وليس من شك في أن انقطاع ~~الوارد من الهند بسبب الحرب قد أحدث في سوقها أثرا ملحوظا، ~~ولكن الوكالة على رغم ذلك حافظت على سمعتها ومركزها، كما ضاعفت ~~ظروف الحرب من نشاطها وأرباحها. وفضلا عن هذا وذاك فقد أغرت ظروف ~~الحرب السيد سليم بالاتجار بمواد ms045 لم يكن يلقي إليها بالا؛ ~~كالشاي، فغامر في السوق السوداء، وربح أرباحا طائلة. وكان السيد ~~سليم علوان يجلس إلى مكتبه الضخم في نهاية الردهة الموصلة إلى ~~فناء الوكالة الداخلي الذي تحدق به المخازن، وهو مركز وسط يستطيع ~~أن يشرف منه على داخل الوكالة وخارجها، وييسر له مراقبة ~~العمال والحمالين والزبائن جميعا. لذلك كله فضل هذا المركز ~~على الانفراد في حجرة كما يفعل أقرانه من كبار التجار، ولأن ~~التاجر الحق - على حد تعبيره - «ينبغي أن يكون مفتوح العينين ~~دائما». وكان الرجل في الواقع من النماذج العملية الموفقة، ~~خبيرا في مهنته، قادرا على النهوض بأعبائها. ولم يكن من حديثي ~~النعمة الذين أنجبتهم الحرب؛ لأنه على حد تعبيره أيضا «تاجر ~~ابن تاجر»، بيد أنه لم يكن في البدء معدودا من الأغنياء، ثم خاضت ~~تجارته غمار الحرب الأولى وخرجت ظافرة، وأدركتها هذه الحرب فأثقلت ~~موازينها حتى أتخمتها بالثراء. على أن الرجل لم يخل من الهموم، ~~وبحسبه أن يناضل في الميدان وحده بلا معين ولا نصير. أجل كان ~~ما يتمتع به من صحة جيدة وحيوية فائضة خليقا بأن يهون ~~عليه همومه، ولكن لم يكن بد من التفكير في الغد، القريب أو ~~البعيد، إذا انصرف العمر أو كاد، وافتقدت الوكالة من يديرها. ~~فمن المؤسف حقا أن أحدا من أبنائه الثلاثة لم يقع له في ~~خاطر أن يتقدم لمعاونة أبيه في عمله، وكانوا جميعا سواء في ~~الإعراض عن التجارة، وضاعت محاولاته في ثنيهم عن إعراضهم كلها ~~سدى، فلم يجد مناصا - على بلوغه الخمسين - من النهوض بالأمر كله. ~~وليس من شك في أنه كان المسئول عن هذا الختام المرهق، فقد كان ~~على رغم عقليته التجارية جوادا كريما، أو كان كذلك على الأقل في ~~بيته وبين أهله، فكان بيته كالقصور جمال بناء، ونفاسة أثاث، ~~وكثرة خدم وحشم. وفضلا عن ذلك فقد انتقل عقب زواجه من البيت ~~القديم بالجمالية إلى قصر منيف بالحلمية، فترعرع الأبناء في ~~وسط جديد منقطع الأسباب ببيئة التجار وأوساطهم؛ وسط يضمر ~~بلا ريب نوعا من الاحتقار ms046 للمهن الحرة جميعا، فتعلقوا ~~بمثل عليا جديدة، بحكم معيشتهم ووسطهم وعلى غير علم من والدهم ~~المشغول بعمله وحياته. وحين جد الجد تمردوا على نصحه وأبوا ~~حتى الالتحاق بمدرسة التجارة أن تكون فخا لهم، وشقوا سبيلهم ~~إلى الحقوق والطب؛ فهم قاض ومحام بأقلام القضايا وطبيب بقصر ~~العيني. ومع ذلك كانت الحياة سعيدة، وقد بدت آثارها الطيبة في ~~جسمه البدين المتين، ووجهه الممتلئ المورد، وحيويته الشابة ~~المتوثبة سعادة منشؤها أن كل شيء في موضعه المأمول، تجارة ~~رابحة، صحة جيدة، أسرة سعيدة، أبناء موفقون قد عرف كل منهم ~~وجهته واطمأن إليها. وكان له غير هؤلاء الأبناء بنات أربع ~~تزوجن جميعا وبارك الله في زيجاتهن. فبدا كل شيء باسما ~~منبسطا لولا ما ينتابه بين الحين والحين من التفكير في مصير ~~الوكالة والتجارة. وبكرور الأيام تنبه الأبناء إلى متاعب الأب، ~~ولكنهم قدروها من ناحية أخرى، فساورهم خوف أن يفلت الزمام ~~يوما من يد والدهم، أو أن يتركها لهم بغتة فلا يدرون ماذا ~~يصنعون. وكان أن اقترح عليه أحدهم - محمد سليم علوان القاضي - أن ~~يصفي تجارته ليتفرغ لحقه المشروع من الراحة بعد ذاك النضال ~~الطويل. بيد أن السيد لم يغب عنه حقيقة مخاوفه، واستاء استياء ~~لم يحاول إخفاءه، فقال له: «أتريد أن ترثني حيا؟!» ودهمه قوله ~~هذا وهاله؛ لأنه وإخوته يحبون أباهم حبا صادقا، فلم يعد أحد ~~منهم إلى طرق هذا الموضوع الخطير. ولكن لم ينته الأمر عند هذا ~~الحد فراحوا يقولون - واثقين من عدم استفزاز غضبه هذه المرة: ~~إن شراء أرض أو تشييد عمارات أفضل بلا ريب من كنز الأموال في ~~المصارف. وفطن إلى بواعث هذا القول الحقيقية بعقله الذي يحسن ~~إدراك مسائل المال وما يتفرع عنها، فهو يعلم حق العلم أن ~~التجارة التي تدر المال بلا حساب قد تبتلعه أيضا في ساعة نحس ~~واحدة، وأن التاجر الذي يحتاط للمستقبل بشراء عقار مثلا، حقيق ~~إذا وقعت هذه الساعة - خاصة إذا سجل ما ابتاع من عقار باسم ~~أبنائه مثلا أو زوجه - أن يخرج من شدته ببعض ms047 المال، وعسى أن ~~يكون مالا كثيرا، لا صفر اليدين. وهو إلى ذلك يعرف حق ~~المعرفة سير تجار كبار ممن ربحوا أموالا طائلة، وانتهوا ~~إلى الإفلاس والفقر المدقع، أو إلى شر من ذلك كالانتحار أو ~~الموت كمدا. أجل إنه يعلم ذلك كله، ويعلم أن أبناءه على حق ~~فيما يريدون، ولعل التفكير في هذا الذي يريدون لم يكن جديدا ~~عليه، ولكن هل تسمح ظروف الحرب بالشروع في مثل هذا العلم؟! كلا، ~~هذا بين بلا ريب. وإذا فليؤجل إلى حين، وليطو في نفسه حتى ~~يتيسر تحقيقه. ولم يكد يحسب أنه فرغ من هذا الهم حتى اقترح ~~عليه ابنه القاضي أيضا أن يسعى للحصول على رتبة البكوية. ~~قال له: كيف لا تكون بيكا والبلد ملأى ببكوات وباشوات دونك مالا ~~وجاها ومقاما؟! # وسره هذا الإطراء. وكان في الحق - وعلى خلاف التجار الحصفاء ~~- مغرما بالجاه والجلال، ولكنه تساءل في سذاجة عن السبيل إلى ~~التماس هذه الرتبة، وغدا الأمر شغل الأسرة الشاغل، وتحمسوا له ~~جميعا وإن اختلفوا في الوسيلة. فاقترح البعض عليه أن يشتغل ~~بالسياسة وأن يدلي فيها بدلوه! حقا كان السيد سليم علوان لا ~~يكاد يفقه شيئا - فيما عدا التجارة - من أمور الدنيا، ولا تكاد ~~تسمو آراؤه أو معتقداته على آراء ومعتقدات عباس الحلو مثلا، ~~فكان مثله يضرع خاشعا إلى ضريح الحسين، وكان مثله يبجل الشيخ ~~درويش ويتبرك به. كان بإيجاز معدة قوية وجبة زاهية. ~~بيد أن السياسة لا تحتاج في كثير من الأحايين إلى أكثر من هذا، ~~وقد مضى يفكر في الأمر تفكيرا قويا، لولا أن اعترضه ابنه ~~المحامي - عارف سليم علوان - فقال له محذرا: السياسة حقيقة بأن ~~تخرب بيتنا وتلتهم تجارتنا، ستجد نفسك ملزما بالإنفاق على الحزب ~~أضعاف ما تنفق على نفسك وأهلك وتجارتك، وعسى أن ترشح للبرلمان ~~فتستغرق الانتخابات آلافا من أموالك دون جدوى ثمنا لكرسي غير ~~مضمون، وهل البرلمان في بلادنا إلا ~~كمريض بالقلب تهدده السكتة ~~في أية لحظة؟! ثم أي حزب تختار؟ إذا اخترت حزبا غير الوفد ~~أضعفت مكانتك في الوسط ms048 الذي تعمل فيه، وإذا اخترت الوفد لم تأمن ~~رئيس وزارة كصدقي باشا يجعل تجارتك هشيما تذروه الرياح. # وتأثر السيد بقول ابنه، وكان يثق في أبنائه «المتعلمين» ~~ثقة كبيرة، وزاده انحيازا إلى طرح السياسة جانبا جهله التام ~~بشئونها، وبروده حيالها، فلم يكن يعلم من أمورها إلا أسماء ورث ~~حبها أو بغضها عن عهد سعد زغلول. # واقترح عليه البعض أن يتبرع بقدر من المال لمشروع من ~~المشروعات الخيرية، لعله أن يجزي عليه بالرتبة. ولم يرقه ~~الاقتراح من بادئ الأمر؛ لأن غريزة التجارة الكامنة فيه تنفر ~~نفورا طبيعيا من البذل والعطاء، ولا يتعارض هذا مع كرمه ~~المعروف؛ لأنه في الواقع كان كرما لنفسه وبيته، على أنه لم يقطع ~~بالرفض، فما زالت الرتبة مغرية محبوبة، وما زال يطمع فيها ~~ويريدها. وقد أدرك أنها تقتضيه قدرا من المال لا يقل عن الخمسة ~~الآلاف جنيه، فما عسى أن يصنع؟ لم يبت برأي قاطع، وإن قال ~~لأبنائه «كلا» بيد أنه أضاف الرتبة إلى همومه الأخرى القائمة بلا ~~فض كإدارة الوكالة وشراء العقار، تاركا أمر الجميع للمستقبل ~~وللظروف. ~~••• # ومهما يكن من أمر هذه الهموم فهي ليست بالخطر الذي ينغص صفو ~~الحياة، وخصوصا حياة رجل يستغرقه العمل نهارا، والغريزة ليلا. ~~والحق أنه إذا شغله العمل لم يعد يفكر في شيء سواه، وقد جلس ~~إلى مكتبه مركزا انتباهه كله في كلام سمسار يهودي، مستجمعا ~~يقظته، مستحضرا حذره، يعجب لرقة محدثه ولطفه، حتى ليحسبه ~~الجاهل صديقا ودودا، وهو في الحقيقة نمر يتوثب، يتمسكن ~~ويتمسكن حتى يتمكن، والويل لمن يتمكن منه. وقد علمته التجارب ~~أن هذا الخواجا وأمثاله أعداء ما من صداقتهم بد، أو أنه - ~~على حد تعبيره - شيطان مفيد. وكان يساومه بصفقة شاي مضمونة ~~الربح غزيرته، فجعل السيد يفتل شاربه الضخم ويتجشأ شأنه إذا ~~استغرقه التفكير الخطير! وحاول الخواجا بعد أن فرغ من الشاي أن ~~يعرض عليه شراء عقار صالح - وكان على علم برغبته في الشراء - ~~ولكن السيد كان قد صمم على تأجيل الشروع في ذلك إلى ما بعد ~~الحرب، وأبى ms049 أن يصغي إليه، فغادر الرجل الوكالة قانعا بصفقة ~~واحدة. وجاء غير هذا الخواجا آخرون. وواصل السيد العمل بما عرف ~~عنه من مقدرة وهمة. وعند منتصف النهار نهض للغداء، وكان يتناول ~~غداءه في حجرة أنيقة أعد بها فراشا للمقيل. وكان غداؤه ~~يتكون عادة من خضر وبطاطس وصينية فريك. ولما انتهى من طعامه ~~مضى إلى الفراش يستجم ساعة أو ساعتين. وفي أثناء ذلك تسكن حركة ~~الوكالة، فيسود السكون الزقاق جميعا. وكان لصينية الفريك قصة ~~يعرفها أهل الزقاق جميعا. هي طعام ووصفة في آن واحد، وقد برع في ~~تهيئتها أحد عماله المقربين، فظلت حقيقتها سرا بينهما ~~لولا أنه لا يؤمن على سر في زقاق المدق. هي صينية فريك محشو ~~بالحمام، ومخلوط بقدر من مسحوق جوزة الطيب، يلتهمها في الغداء، ~~ويحتسي بعدها شايا مرتين أو ثلاث مرات؛ قدحا كل ساعتين، ~~فتحدث مفعولها ليلا، ويستمر تأثيرها الساحر ساعتين كاملتين في ~~بهجة خالصة! وقد ظلت الصينية سرا لا يدريه إلا الرجلان ~~والمعلمة حسنية الفرانة. وكان أهل الزقاق يرونها فيحسبون أنها ~~غذاء خالص، فيقول البعض: «بالهنا والشفا.» ويغمغم البعض: «يطفحها ~~سما بإذن الله!» ثم لعب الطمع يوما بقلب المعلمة حسنية، فسولت ~~لها نفسها أن تجرب هذه الوصفة في زوجها جعدة الفران، واختلست ~~من الصينية قطعة موفورة ملأت فراغها بفريك خالص. ودأبت منذ ذلك ~~اليوم على اختلاس نصيبها مطمئنة إلى غفلة السيد، مدفوعة بما ~~أسفرت عنه التجربة من نجاح ملحوظ! بيد أن السيد سليم لم يغفل عن ~~الأمر طويلا، ولاحظ بسهولة ما طرأ من تغير على لياليه، وعاد ~~باللائمة بادئ الأمر على العامل الذي يهيئ الوصفة. فلما أن أبرأ ~~الرجل ذمته داخله الشك في الفرانة، واكتشف السرقة بغير ~~صعوبة، فدعا الفرانة ووبخها، وعدل عن إرسال الصينية إلى فرنها، ~~مستبدلا بها الفرن الإفرنجي بالسكة الجديدة. وبدأ السر ينكشف ~~ويذيع فعلمت به أم حميدة، وكان في ذلك الكفاية كل الكفاية، فسرعان ~~ما أحاط به أهل الزقاق جميعا، وراحوا يتلقون الصينية بالغمز ~~واللمز. وأدرك السيد غاضبا أن سره قد افتضح، ولكنه ms050 لم يعبأ ~~بذلك طويلا! أجل. قطع أكثر عمره في الزقاق، ولكنه لم يكن يوما من ~~أهله، ولم يعمل لواحد منهم حسابا، ولولا السيد رضوان الحسيني ~~والشيخ درويش لما عني برفع يده تحية. وكادت الصينية تصبح في ~~وقت من الأوقات موضة الزقاق جميعا، ولولا تكاليفها الباهظة لما ~~سلاها أحد. فجربها المعلم كرشة والدكتور بوشي، حتى السيد رضوان ~~الحسيني ذاقها بعد أن تأكد أنها لا تحوي مادة يحرمها الشرع ~~الحنيف! أما السيد سليم فكان يواظب عليها إلا فيما ندر. والواقع ~~أنه كان يضطرب من الحياة في مضطرب ضيق؛ نهاره نهب للوكالة، ~~وليله خال مما يتسلى به أمثاله من الناس، فلا قهوة ولا ناد ولا ~~ملهى، ولا شيء مطلقا إلا زوجه، ولذلك تفنن في مسراته ~~الزوجية تفننا شذ بها عن جادة الاعتدال. ~~••• # وقد استيقظ قبيل العصر ~~فتوضأ وصلى، وارتدى قفطانه وجبته، وعاد إلى مكتبه فوجد قدح ~~الشاي الثاني مهيأ، فاحتساه بتلذذ وهو يتجشأ جشآت مجعجعة ~~يدوي صداها في الفناء الداخلي، وأقبل على عمله بنفس الهمة ~~التي استقبله بها في الصباح؛ ولكنه كان يبدو في فترات وكأن ~~قلقا ينتابه. كان يتلفت نحو الزقاق، وكان ينظر في ساعته الذهبية ~~الضخمة، وكان يعبث بأنفه على غير شعور منه. وعندما ارتفع ضوء ~~الشمس إلى أعلى الجدار الأيسر للزقاق، أدار مقعده اللولبي وجعل ~~وجهه للطريق، ومرت دقائق ثقيلة لم تتحول فيها عيناه عن الطريق. ~~ثم أرهف السمع ولمعت عيناه لوقع شبشب على أحجار الطريق ~~المنحدر، ثم مرت حميدة أمام باب الوكالة في ثوان معدودات، ~~وفتل شاربيه بعناية، ودار بكرسيه إلى المكتب وقد لاح في عينيه ~~السرور، وإن وجد شعورا بعدم الارتياح! من العسير أن يقنع بهدوء ~~الرؤية الخاطفة بعد ساعة كاملة من الانتظار والقلق والشوق. ولم ~~يكن يتاح له رؤيتها في غير هذا الوقت إلا من قبيل استراق النظر ~~إلى نافذتها في أويقات نادرة كلما جازف بالظهور أمام الوكالة ~~كأنما يريح أعصابه بالمشي. كان شديد الحذر بطبيعة الحال صونا ~~لمنزلته وكرامته، فهو السيد سليم، وهي فتاة مسكينة، والزقاق ms051 زخار ~~بالألسن الحداد والأعين المتطفلة. وتوقف عن العمل وجعل ينقر ~~المكتب بسبابته متفكرا. أجل، هي مسكينة وفقيرة؛ ولكن الرغبة ~~لا ترحم وا أسفاه، والنفس أمارة بالسوء! مسكينة وفقيرة ولكن ~~وجهها البرنزي ونظرة عينيها وقدها الممشوق، كل أولئك مزايا ~~تستهين حقا بفوارق الطبقات! وما جدوى المكابرة؟ إنه يهوى ~~العينين الفاتنتين والوجه المليح، والجسم الذي يقطر إغراء، وهذه ~~العجيزة الأنيقة التي تزري بورع الشيوخ. إنها أنفس من وارد ~~الهند جميعا. ولقد عرفها منذ كانت صبية صغيرة تتردد على ~~الوكالة لابتياع ما تحتاجه أمها من الحناء ومواد المفتقة ~~والمغات. رأى ثدييها وهما نبقتان، ثم وهما دومتان، حتى ~~استوتا رمانتين، وعاين عجيزتها وهي أساس أملس لم ينهض عليه ~~بناء، ثم وهي تكور رقيق يتمطى به النضج، وأخيرا وهي كرة تنضح ~~أناقة وأنوثة. وراح الرجل يحضن إعجابه المترعرع حتى أفرخ في ~~النهاية رغبة عازمة. إنه يعلم ذلك، ولم يعد يحاول إنكاره، ~~ولطالما قال لنفسه: «ليتها كانت أرملة كالست سنية عفيفي!» لو ~~كانت أرملة لوجد لنفسه مخرجا؛ أما وهي عذراء فينبغي أن يطيل ~~التفكير في أمره، وتساءل كما اعتاد أن يتساءل: ماذا يروم؟ وذكر ~~وهو لا يدري زوجه وأسرته. كانت زوجه امرأة فاضلة، تتحلى بكل ما ~~يحب الرجل من أنوثة وأمومة وإخلاص ومهارة فائقة في شئون البيت، ~~وكانت على شبابها مليحة ولودا، فهو لا يأخذ عليها نقيصة واحدة، ~~وفضلا عن ذلك كله كانت من أسرة كريمة تتفوق عليه كثيرا في ~~الأصل والمحتد. وهو يقر بفضلها جميعا، ويضمر لها ودا ~~صادقا، ولا يضايقه إلا أنها استوفت شبابها وحيويتها، فقصرت عن ~~مجاراته، وعجزت عن احتماله، فبدا بالقياس إليها - وبسبب حيويته ~~الخارقة - شابا نهما لا يجد فيها ما يشتهيه من متاع! والحق ~~أنه لا يدري إن كان ذلك ما علقه بحميدة، أم أن هواه ما جعله ~~يستشعر هذا الفراغ الأليم؟! ومهما يكن الأمر فقد أحس رغبة لا ~~تقاوم إلى دم جديد! وقال لنفسه صراحة: «ما لي أحرم على نفسي ~~ما أحل الله لها؟!» على أنه كان رجلا محترما، حريصا ms052 جدا ~~على أن يقر له كل إنسان بالاحترام، ويكربه غاية الكرب أن يكون ~~مضغة الأفواه. كان من الذين يعملون للناس وآرائهم كل حساب، ~~وكان يقول مع القائلين: «كل ما يعجبك، والبس ما يعجب ~~الناس.» وإنه ليأكل صينية الفريك، أما حميدة .. رباه! لو ~~كانت من أسرة كريمة ما تردد لحظة في طلب يدها. ولكن كيف تصير ~~حميدة ضرة للسيدة عفت؟! وكيف تصبح أم حميدة الخاطبة حماته ~~كما كانت يوما المرحومة ألفت هانم؟! وعلى أي وجه تكون حميدة ~~امرأة أب لمحمد سليم القاضي، وعارف سليم المحامي، والدكتور حسان ~~سليم؟! وهناك أمور أخرى - لا تقل عن هذه خطورة - ينبغي تقديرها ~~حق قدرها؛ هنالك بيت جديد لا بد - في هذه الحالة - أن يتهيأ، ~~ونفقات جديدة ربما ضاعفت من نفقاته القديمة، وورثة جدد خليقون أن ~~يمزقوا وحدة أسرته المتماسكة، وأن يلوثوا صفحتها الناصعة ~~بالعداوة والبغضاء. وفي سبيل أي شيء كل هذه المتاعب؟ .. ميل ~~رجل - بل زوج وأب - في الخمسين لفتاة في العشرين! لم يغب عنه ~~شيء من هذا؛ لأنه رجل لا يفوته بحال تقدير المتاعب التي تتصل ~~بالمال وأحوال المعيشة. ومضى يراجع نفسه حائرا مترددا لا ~~يقر له قرار، وباتت هذه العاطفة أحد الهموم المعلقة في حياته، ~~وانتظمتها سلسلة مشاكله التي لم تفض كإدارة الوكالة ~~ومستقبلها، وشراء العقار وتشييد العمارات، ورتبة البكوية، ~~بيد أنها كانت أشد إلحاحا وأبعث شجنا. # كان ذهنه يستعرض جميع هذه الخواطر إذا خلا إلى نفسه ومد له ~~حبل التفكير، أما إذا خطرت حميدة أمام عينيه، أو لاحت لهما في ~~النافذة، فلم يكن يفكر إلا في أمر واحد! # 9 # أصبحت أم حسين - امرأة المعلم كرشة - في هم مقيم؛ ~~فانقطاع عادة مألوفة لا يمكن أن يمر دون تساؤل، خصوصا إذا كان ~~انقطاعها في الماضي يقترن ~~دائما بشر مستطير. وقد قطع المعلم كرشة عادة محبوبة لا يصح ~~أن تقطع لغير سبب خطير، فراح يمضي سهرته الليلية بعيدا عن ~~البيت، بعد أن كان يدعو رفاقه المدمنين إلى حجرة السطح كل ~~منتصف ليل فيمتد بهم السهر ms053 حتى مطلع الفجر. وطافت بالمرأة ~~الذكريات المحزنة، فعاودها الألم الذي ينغص عليها صفو ~~الحياة .. ما الذي يدعوه إلى قضاء الليل خارج داره؟ أيكون ذاك ~~السبب القديم؟ ذاك الداء الوبيل؟ سيقول الفاجر: إنه مجرد تغيير ~~يراد به دفع الملل، أو الانتقال لمكان أوفق لفصل الشتاء! ولكن ~~هيهات تهضم نفسها أمثال هذه المعاذير الكاذبة، وإنها لتعلم من ~~أمر نفسه ما يعلمه الناس جميعا، لذلك أصبحت المرأة في هم ~~مقيم، وباتت تتحرق على فعل شيء حاسم مهما كانت عواقبه. وكانت ~~امرأة قوية - على دنوها من الخمسين - لا تنقصها أسباب الجراءة ~~التي تجاوز الحد في كثير من الأحايين. وكانت من نسوة الزقاق ~~المشتهرات بالبأس - كحسنية الفرانة وأم حميدة - واشتهرت ~~بوجه خاص لما يقع بينها وبين زوجها من دواعي الملاحاة بسبب شذوذ ~~سلوك الرجل! كما اشتهرت بأنفها الكبير الغليظ الأفطس. وكانت زوجا ~~ولودا؛ أنجبت بنات ستا وذكرا واحدا هو حسين كرشة، وجميع ~~بناتها متزوجات، وجميعهن يحيين حياة زوجية مقلقة، لا ~~تخلو من نكد، وإن كانت تسير ولا تنقطع. وقد حدثت لصغراهن مأساة ~~كانت حديث الزقاق يوما؛ إذ اختفت بغتة في عامها الأول من الزواج، ~~ثم ضبطت في بيت عامل ببولاق، وانتهى بها وبه المطاف إلى السجن. ~~كانت مأساة الفتاة كربا شديدا للأسرة، ولكنها لم تكن المأساة ~~الوحيدة التي ابتليت بها، فللمعلم نفسه مأساة قديمة جديدة لا ~~يعرف لها انتهاء. وكانت أم حسين تعرف السبيل إلى معرفة ما خفي ~~عليها من الأمر، فراحت تستخير عم كامل وتستنطق سنقر صبي القهوة ~~حتى علمت بالشاب الذي أخذ يتردد في عهده الأخير على القهوة ~~فيحتفي به المعلم كل احتفاء، ويقدم له الشاي بنفسه! وأخذت ~~تراقب القهوة خفية حتى رأت الشاب بنفسها وشاهدت مجلسه إلى يمين ~~المعلم، ولمست احتفاءه به. وجن جنونها ونكأ الجديد القديم من ~~جروحها، فباتت ليلة جهنمية، وأصبحت على شر حال وأسوأ نفس. ولم ~~يكن رأيها قد استقر على حال، كانت تغلي غليانا ولكنها لا تدري ~~أي سبيل تسلك. ولطالما جربت العراك فيما سلف دون جدوى، ولم ms054 تكن ~~تتردد عن إعادة الكرة، بيد أنها تريثت قليلا؛ لا تأففا ~~منه، ولكن دفعا لشماتة الشامتين. وكان حسين كرشة يتهيأ للخروج ~~إلى عمله، فقصدته هائجة النفس ثائرتها، وقالت له بانفعال شديد: ~~يا بني، أما علمت أن أباك يعد لنا فضيحة جديدة؟! # وأدرك حسين لتوه ما تعنيه! فلا يمكن أن يعني قولها إلا معنى ~~واحدا معروفا مشهورا. وامتلأ حنقا، واتقدت عيناه الصغيرتان ~~فتطاير منهما الشرر .. ما بال هذه الحياة لا تكاد تعفيه يوما من ~~المتاعب والفضائح. ولم تكن دواعي السخط لتنقصه حتى بدون هذه ~~الفضائح. كان برما بكل شيء مما حوله، ولعل برمه هذا الذي ~~دفعه إلى الارتماء بين أحضان الجيش البريطاني، ثم ضاعفت حياته ~~الجديدة من سخطه بدل أن تسكنه وتطامنه، فضاق بآله وببيته ~~وبالزقاق جميعا. وجاء أخيرا قول أمه نفطا على لهيب، فقال ~~غاضبا: ماذا تريدين؟ وما حيلتي في هذا كله؟! لقد تدخلت فيما سلف ~~وحاولت الإصلاح، فكاد يبلغ بنا الحال أن نتعارك وأن نتضارب، فهل ~~تريدينني على أن أمسك بتلابيب أبي؟! # لم يكن يعنيه الإثم في ذاته، ولكن كان يغيظه ما يثيره حولهم من ~~فضيحة وجرسة، وما يشعله في البيت من نيران السباب والشتائم ~~والعراك؛ أما الإثم ذاته فلم يكن يهمه على الإطلاق، بل إنه ~~حين تناهى إليه خبره أول مرة هز منكبيه استهانة وقال دون ~~مبالاة: «إنه رجل، والرجل لا يعيبه شيء!» ثم سخط مع الساخطين ونقم ~~على والده، حين وجد أسرته مضغة الأفواه ونادرة المتندرين. ~~وكانت علاقته بأبيه في الأصل متوترة، ذلك التوتر الذي ينشأ عادة من ~~تصادم طبيعتين متشابهتين؛ فكلاهما فظ شرس غضوب، ثم جاء هذا ~~الإثم فضاعف من أسباب شقاقهما حتى أصبحا كعدوين، يتحاربان ~~حينا، ويتهادنان حينا، ولا يسكت عنهما السخط أبدا. # ولم تدر أم حسين ماذا تقول، ولكنها لم تراجعه أن تكون ~~السبب في إلقاء عداوة جديدة بين الابن وأبيه. وتركته يغادر ~~الشقة وهو يهدر غاضبا شاتما، وقطعت نهارها على أسوأ حال. ولم ~~تكن تذعن للهزيمة على كثرة ما عركها الزمن بالتعاسة والمهانة، ms055 ~~فصدقت عزيمتها على تأديب الرجل الآثم ولو عرضها ذلك لشماتة ~~الشامتين. بيد أنها رأت أن تقدم إنذارها بين يدي بأسها، ~~فانتظرت حتى انتصف الليل وتفرق السمار، وتأهب زوجها ~~لإغلاق القهوة ، ثم نادته من النافذة! فصعد الرجل رأسه منزعجا، ~~وعلا صوته متسائلا: ماذا تريدين يا أم حسين؟ # فجاءه صوتها يقول: اصعد يا معلم لأمر هام. # وأومأ المعلم لفتاه أن ينتظر حيث هو، وراح يرتقي السلالم ~~متثاقلا، ووقف على عتبة باب شقته لاهثا، ثم سألها بصوته ~~الغليظ: ماذا تريدين؟ أما كنت تستطيعين الانتظار حتى ~~الصباح؟ # رأته المرأة وقد تسمرت قدماه بالعتبة لا يريد أن يزايلها ~~كأنه يتحاشى أن يخرق حرمة بيت غريب، فتميزت غيظا، ~~وحدجته بعينين محمرتين من السهر والغضب، ولكنها لم ترد ~~أن تبادره بالغضب، فقالت وهي تغالب انفعالها: تفضل بالدخول ~~يا معلم. # وتساءل المعلم كرشة لماذا لا تتكلم إذا كان لديها حقا ما ~~تريد أن تقوله؟! ثم سألها بخشونة: ماذا تريدين؟ .. انطقي! # يا له من رجل نافد الصبر! يقطع الليالي الطوال خارج البيت دون ~~ملل؛ ولكنه يضيق ذرعا بحديث دقيقتين معها. ومع ذلك فهو ~~رجلها أمام الله والناس، وأبو أبنائها جميعا، ومن عجب أنها لم ~~تستطع - على إساءته إليها - أن تبغضه أو تهمل شأنه؛ فهو رجلها ~~وسيدها الذي لا تني عن الاستئثار به، واسترداده كلما مد الإثم ~~يدا لاختطافه. بل إنها لفخور به حقا؛ فخور بفحولته ومكانته في ~~الزقاق وسيطرته على المعلمين من أقرانه، ولولا هذه النقيصة ~~المنكرة لما وجدت له ضريعا في الدنيا. ها هو يستجيب لداعي ~~الشيطان، ويود لو أعفته من حديثها لينطلق إليه من توه! ~~واشتد بها الغيظ فقالت بحدة: ادخل أولا .. لماذا تقف على ~~العتبة كالأغراب؟ # فنفخ المعلم مغيظا محنقا، وجاز العتبة إلى الدهليز برما ~~ساخطا وهو يتساءل بصوته الأجش: ماذا وراءك؟ # قالت وهي ترد الباب: استرح قليلا .. لدي كلمة ~~قصيرة. # ونظر إليها مستريبا! ماذا تريد المرأة؟ هل تعترض سبيله مرة ~~أخرى؟! وصاح بها: تكلمي، لماذا تضيعين الوقت سدى؟ # فسألته بحنق: أمتعجل أنت يا معلم؟ ~~- أتجهلين ms056 هذا؟ ~~- ما الذي يدعو لهذه العجلة؟ # فازدادت ريبته، وامتلأ ~~صدره حنقا، وتساءل: إلام يحتمل هذه المرأة؟ كانت عواطفه نحوها ~~مضطربة متناقضة؛ كان يكرهها حينا ويحبها حينا آخر، ولكن كانت ~~الكراهية تغلب عليه إذا جره الإثم إلى هاويته، ويزيد الأمر ~~وبالا إذا توثبت المرأة للانقضاض عليه. وكان يتمنى في ~~قرارة نفسه لو كانت امرأته «عاقلة» فتركته وشأنه. ومن عجب أنه ~~كان يرى نفسه على حق دائما، ويعجب لاعتراضها سبيله بلا مبرر! ~~أليس من حقه أن يفعل ما يشاء؟ وأليس من واجبها أن تطيع، وأن ~~ترضى ما دامت حاجاتها مقضية ورزقها موفورا؟! وقد أمست من ~~ضرورات حياته، كالنوم والحشيش والبيت بخيرها وبشرها، فلم يفكر ~~جادا في التخلص منها، ولو أراد ما منعه مانع، ولكنها كانت تملأ ~~فراغا، وتقوم على العناية بأمره، ويريدها - على أية حال - زوجا ~~له! ولكنه تساءل على رغم هذا كله - في حنقه: إلام يحتمل هذه ~~المرأة؟ وصاح بها: لا تكوني حمقاء وتكلمي، أو دعيني أذهب لحال ~~سبيلي. # سألته باستياء وحنق: ألا تجد قولا أفضل من هذا تخاطبني ~~به؟ # فزمجر المعلم قائلا: الآن علمت أنه ليس لديك ما تقولينه: ~~والأفضل أن تنامي شأن النساء العاقلات. ~~- ليتك تنام أيضا شأن الرجال العقلاء! # فضرب المعلم كفا بكف وصاح: كيف لي بالنوم في هذه ~~الساعة؟ ~~- فلماذا خلق الله الليل؟ # فقال الرجل بدهشة وغيظ: ومتى كنت أنام الليل؟ هل أنا مريض يا ~~مرة؟! # فقالت بلهجة ذات معنى خاص علمت أنه سيدركه من فوره: تب ~~إلى الله يا معلم، وادع الله يقبل التوبة ولو جاءت ~~متأخرة! # وأدرك ما تريد، وقطع الشك باليقين، ولكنه قال متجاهلا وهو ~~يتميز غيظا: ما في السهر من ذنب يتوب الإنسان عنه. # فزادها تجاهله لها حنقا وقالت: تب عن الليل وعما في ~~الليل. # فقال المعلم بخبث: أتريدينني أن أهجر حياتي؟! # فصاحت به وقد غلبها الغضب: حياتك! # فقال بخبث: أجل، الحشيش حياتي! # فتطاير الشرر من عينيها، وهي تقول وقد حدثتها نفسها بأن ~~تصك خديه السوداوين: والحشيش الآخر؟! # فقال متهكما: أنا لا أحرق ms057 إلا صنفا واحدا. ~~- أنت لا تحرق إلاي. لماذا لا تسهر في مكانك المعتاد من ~~السطح؟! ~~- ولماذا لا أسهر حيث يروقني السهر؟ على السطح، في المحافظة، في ~~قسم الجمالية؟ ما شأنك أنت؟ ~~- لماذا غيرت مكان سهرتك؟ # فصعد الرجل رأسه وصاح: اللهم فاشهد، أعفيتني حتى الآن ~~من محاكم الحكومة ونصبت لي محكمة دائمة في بيتي (ثم طامن رأسه ~~كرة أخرى واستدرك) ألا فاعلمي أن بيتنا قد أصبح مشبوها، ~~والمخبرون يجوسون حوله. # فسألته بسخرية مرة: ترى هل هذا الشاب المتهتك من بين هؤلاء ~~المخبرين الذين أطاروك عن عشك؟! # آه، صار التلميح تصريحا! واربد وجهه الضارب للسواد، وسألها ~~بصوت ينم عن الضجر: أي شاب هذا؟ ~~- الفاجر الذي تقدم له الشاي بنفسك كأنك رددت صبيا ~~كسنقر! ~~- ما في ذلك من عيب، فالمعلم يخدم زبائنه كالصبي سواء ~~بسواء. # فسألته متهكمة بصوت متهدج من الغضب: لماذا لا تخدم عم كامل ~~مثلا؟ لماذا لا تخدم إلا الفاجر؟ ~~- الحكمة توجب خدمة الزبائن الجدد! ~~- الكلام سهل على من يريده، ولكن فعلك فاضح فاجر. # فأومأ إليها بيده منذرا وهو يقول: أمسكي لسانك يا ~~مجنونة. ~~- الناس جميعا يكبرون فيعقلون! # فقرض أسنانه وسب ولعن؛ ولكنها لم تباله واستطردت تقول: ~~أناس يكبرون فيعقلون، أما أنت فكلما كبرت قل ~~عقلك. ~~- خرفت يا مرة! خرفت وحياة الحسين! عليه العوض! # فصاحت بصوت غليظ مرتعش النبرات: الرجال أمثالك يستأهلون ~~العذاب. هلا كفيتنا شر الفضائح! هلا كفيتنا ذل ~~الشماتة! ~~- عليه العوض! عليه العوض! # وغلبها اليأس والغضب فصاحت به منذرة: اليوم تسمعني أربعة ~~جدران، غدا تسمعني الحارة كلها! # فرفع جفنيه الثقيلين وسألها بقوة: تهددينني؟! ~~- أهددك، وأهدد أهلك! أنت تعرف من أنا! ~~- يبدو أني سأهشم هذا الرأس الخرف! ~~- هئ .. هئ، والله ما ترك الحشيش والفجر قوة في ساعديك، ~~والله ما تستطيع أن ترفع يدا! .. انتهيت، انتهيت يا معلم. ~~- انتهيت بفضلك، وهل ينهي الرجال إلا النساء. ~~- أسفي علي من دون النساء جميعا! ~~- ليه؟ .. خلفت بناتا ستا ورجلا .. غير حالات الإجهاض ~~والسقط. # فصاحت في غضب جنوني: ألا تستحي من ذكر الأبناء؟ ألا ~~يزجرك ms058 ذلك عما تتردى فيه من الفجور! # فضرب الجدار بقبضته، وتحول عن موقفه متجها نحو الباب وهو ~~يقول: امرأة مجنونة خرفة. # فصرخت وراءه: هل نفد صبرك حقا؟ .. أتشفق عليه من طول ~~الانتظار؟ .. سترى عاقبة فجرك يا داعر! # وأغلق المعلم الباب بعنف، فرنت صفقته رنينا مدويا مزق ~~سكون الليل، وجعلت أم حسين تكور يدها في غضب وحنق، وقد امتلأت ~~نفسها رغبة في الانتقام. # 10 # ألقى عباس الحلو على صورته في المرآة نظرة فاحصة ناقدة حتى ~~لاحت في عينيه البارزتين نظرة ارتياح .. وكان قد رجل شعره ~~بأناة، ونفض الغبار عن بدلته بعناية، ثم دلف من باب دكانه ووقف ~~ينتظر. هي ساعة الأصيل المحبوبة، والسماء صافية عميقة الزرقة، ~~والجو ملطف بدفء طارئ جادت به الطبيعة غب رذاذ اتصل يوما ~~كاملا، وقد اغتسلت أرض الزقاق التي لا تستحم إلا مرتين أو ~~ثلاثا في العام، وظلت بعض منخفضات الصنادقية مغمورة بالماء، ~~ملبدة بالطين. وكان عم كامل داخل دكانه الصغير يهوم على كرسيه، ~~فأشرق وجه الحلو بابتسامة لطيفة، وما لبث أن دب الوجد في أعماقه ~~فراح يدندن بصوت منخفض: # هلبت يا قلبي على طول الزمن ترتاح # وتنول وصال اللي تهوى، وفيه ترتاح # مصير جروحك على طول الزمن تبرى # ويجيلك الطب، لا تعلم ولا تدرى # مثل سمعناه منقول عن ذوي الخبرة # الصبر يا مبتلى، جعلوه للفرج مفتاح # وفتح عم كامل عينيه وتثاءب، ثم نظر إلى الشاب الواقف على باب ~~دكانه، فضحك هذا وعبر الطريق إليه وقرصه في ثديه الهش، وقال ~~بسرور: عشقنا وستضحك لنا الدنيا! # فتنهد عم كامل وقال بصوته الرفيع: مبارك يا عم، ولكن هلا ~~سلمتني الكفن قبل أن تبيعه لتحصل على المهر؟! # فضحك عباس الحلو ضحكة ~~عالية، وغادر الزقاق متمهلا. كان يرتدي بدلته الرمادية، وهي ~~الوحيدة أيضا، وكان قد قلبها منذ عام، ثم رفأ الرفاء بعض ~~أطرافها، ولكنه كان يعنى بتنظيفها وكيها، فبدا - على نحو ما - ~~أنيقا! وكان يضطرم حماسة ونشوة وشجاعة، ويضطرب بهذا الضيق الشديد ~~الذي يسبق عادة البوح بمكنون الفؤاد. كان في تلك الفترة ms059 يحيا الحب ~~.. للحب، ويدور بجناحيه الملائكيين في سماء السرور. وكان حبه ~~عاطفة رقيقة ورغبة صادقة وشهوة جائعة، يهوى الثديين كما يهوى ~~العينين، ويلتمس وراء الثديين حرارة الجسد، كما يتلمس في ~~العينين نشوة غامضة ساحرة. وقد سر سرور الظفر يوم تعرض ~~للفتاة في الدراسة، وصور له خياله إعراضها كما لو كان ذلك ~~الإعراض السلبي الذي تلبي به النساء نداء الهوى. واستأثرت به ~~النشوة أياما، ثم مضت حماسته تفتر ونشوته تخبو، لا لجديد جد؛ ~~ولكن لتيقظ الشك وفعله. وراح يتساءل: لماذا يظن الإعراض ~~دلالا؟ ولم لا يكون إعراضا حقا؟! ألأنها صدته في غير ~~قسوة ولا فظاظة؟ ولكن هل يتوقع الإنسان من جارة العمر أقل من ~~هذه المجاملة؟ .. حقا لقد غالى في سروره، وإنها لنشوة كاذبة. بيد ~~أنه لم ينكص على عقبيه، وكان كلما لسعه الشك اندفع في سبيله ~~ذائدا عن سعادته. كان عند الضحى يبرز أمام دكانه فيراها إذ ~~تفتح النوافذ لتشمس الشقة، وفي المساء يجلس بكرسيه على عتبة ~~القهوة تحت نافذتها، يدخن الجوزة، ويخطف النظرة تلو النظرة من ~~الشباك المغلق يجثم وراء خصاصه الشبح المحبوب. ولم يقنع بهذا ~~فتعرض لها مرة ثانية في الدراسة، ولكنها صدته كما صدته ~~أول مرة، وأعاد الكرة فأفلتت منه أيضا. ولكنه رجع وقد عاوده ~~الأمل وأظله الفرح والسرور، وقال لنفسه: إن السعادة مهيأة له ~~ولا تقتضيه إلا مزيدا من الشجاعة والصبر. وهكذا انطلق هذه المرة ~~ممتلئا شجاعة وثقة وهياما، ورأى حميدة وصويحباتها قادمات، ~~فانتحى جانبا حتى مررن به، ثم تبعهن متمهلا. وقد لاحظ أن ~~أعين البنات يثقبنه بخبث مريب، فداخله سرور وزهو، وتابع سيره ~~حتى انفرط عقدهن عند نهاية الدراسة، فحث خطاه حتى صار منها ~~على مرمى ذراع، وابتسم إليها ابتسامة رقيقة متعثرة بالارتباك، ~~وغمغم بتحيته المحفوظة: مساء الخير يا حميدة. # كانت تنتظره بلا ريب، ~~ولكنها كانت في حيرة من أمر نفسها. لم تكن تحبه ولم تكن تكرهه، ~~ولعل كونه الفتى الوحيد الذي يصلح لها في الزقاق هو ما جعلها ~~تشفق من قطعه أو صده بحزم ms060 وفظاظة. فأغضت عن تعرضه لسبيلها ~~مرة أخرى، مكتفية بزجر لين، وإفلات لطيف، ولو شاءت أن تصعقه ~~لصعقته، وكانت على رغم تجربتها المحدودة في الحياة تشعر بالفارق ~~الكبير بين هذا الفتى الوديع وبين طموحها النهم الذي يضرمه ~~نزوعها الغريزي إلى القوة والجموح والسيطرة والعراك! حقا كانت ~~تهيج جنونا إذا قرأت في نظرة عين معنى للتحدي أو الثقة، ولكن لم ~~تبعثها إلى الرضا هذه النظرة الوديعة الطيبة التي تلوح دواما في ~~عيني الحلو، وتولاها شعور بالحيرة والقلق لترددها بين الحرص ~~عليه بوصفه الفتى الصالح لها في الزقاق، والنفور منه لا ينهض على ~~أسباب واضحة يطمأن إليها .. فلا ميل صريح ولا نفور صريح، ~~ولولا إيمانها بالزواج كنهاية طبيعية محتومة لما ترددت في نبذه ~~والقسوة عليه. لذلك أحبت مجاراته، وسبر غوره، واستخراج مكنون ~~لسانه، لعلها تجد في ذلك كله أو في بعضه مخرجا لها من حيرتها ~~المؤسية. وخاف الفتى أن يمتد صمتها حتى ينطوي الطريق، فغمغم ~~كالضارع: مساء الخير. # وانبسط وجهها البرونزي الجميل، وتمهلت في مشيتها وهي تنفخ في ~~ضجر مصطنع قائلة: ماذا تريد؟! # ولمح انبساط وجهها فلم يعبأ بضجرها، وقال بأمل ورجاء: ميلي ~~بنا إلى شارع الأزهر؛ فهو طريق مأمون والظلام وشيك. # وعدلت صامتة عن طريق الدراسة إلى الأزهر، فتبعها وهو يكاد ~~يخرج من جلده فرحا. ورجع رأسها صدى هذه الكلمات «طريق مأمون .. ~~الظلام وشيك.» فأدركت أنها تقارف فعلا تحاذر عليه أعين ~~الرقباء، وابتسمت بجانب ثغرها في تحد! كانت «الأخلاق» أهون شيء ~~على نفسها المتمردة، وقد نشأت في جو لا يكاد يتفيأ ظلها، أو ~~يتقيد بأغلالها. وزادها استهانة طبع جموح وأم مهملة ~~قليلا ما تستكن في بيتها، فانطلقت على سجيتها تخاصم هذه ~~وتعارك تلك، فلا تعمل لشيء حسابا، ولا تقيم لفضيلة وزنا .. ~~وأما عباس الحلو فقد لحق بها، وسار لصقها وهو يقول بصوت ينم ~~عن الفرح والسرور: دمت من فتاة كريمة. # ولكنها قالت له في شبه ضجر: ماذا تريد مني؟ # فقال الفتى وهو يتمالك أنفاسه المضطربة: الصبر طيب يا حميدة، ~~تلطفي معي ولا ms061 تكوني قاسية علي. # فعطفت نحوه رأسها وهي تغطيه بطرف ملاءتها وقالت بحدة: ~~هلا قلت لي ماذا تريد؟! ~~- الصبر طيب ... أريد ... أريد كل شيء طيب. # فقالت بتأفف: لا تريد أن تقول شيئا ، ونحن نجد في السير ~~فنبتعد عن طريقنا، والوقت يمضي، وأنا لا أستطيع أن أتأخر عن ~~موعد عودتي! # فأشفق من ضياع الوقت وقال بلهفة: سنعود في وقت قريب، فلا تخافي ~~ولا تجزعي، وسنجد عذرا تنتحلينه لأمك، إنك تفكرين كثيرا في ~~الدقائق، أما أنا فأفكر في العمر كله، في حياتنا جميعا، هذا هو ~~شغلي الشاغل. ألا تصدقينني؟ إنه جل تفكيري وهمي وحياة ~~الحسين الذي يبارك هذا الحي الطاهر. # كان يتكلم في بساطة وصدق، فشعرت بحرارة حديثه، ووجدت لذة ~~في الإصغاء إليه، وإن لم يتحرك قلبها الجامد، فتناست حيرتها ~~المعذبة، وألقت إليه بانتباهها، ولكنها لم تدر ماذا تقول؟! ~~فلاذت بالصمت، وتشجع الفتى فاستدرك قائلا في انفعال: لا ~~تعدي علي الدقائق ولا تلقي علي هذا السؤال الغريب. ~~تسألينني يا حميدة عما أريد، أتجهلين حقا ما أريد قوله؟ لماذا ~~أتعرض لك في الطريق؟ لماذا أتبع عيني ظلك حيث تكونين؟ لك ما ~~تشائين يا حميدة. ألم تقرئي شيئا في عيني؟ يقولون: إن قلب ~~المؤمن دليله، فماذا علمت؟ # اسألي نفسك. اسألي أهل الزقاق جميعا، كلهم يعرفون. # وقطبت الفتاة وتمتمت وهي لا تدري: فضحتني! # فهاله قولها، وهتف متأثرا: لا فضيحة في حياتنا، وما أكن لك ~~إلا الخير، وهذا الحسين يشهد قولي ويعلم بسريرتي. أنا أحبك، ~~ولطالما أحببتك، أحبك أكثر مما تحبك أمك، وأحلف لك على صدقي ~~بالحسين، وجد الحسين ورب الحسين! # وشعرت بسرور ولذة، ودخلها زهو تملق نزوعها الجامح إلى ~~القوة والسيطرة. والحق أن كلمات الحب الحارة خليقة بأن تطرب ~~الآذان ولو لم ترجع القلوب أنغامها، فهي كالأفاويه للنفس ~~المسدودة! بيد أن خيالها وثب وثبة قوية عبر بها قنطرة الحاضر ~~إلى المستقبل، فتساءلت: ترى كيف تكون حياتها في كنفه لو صدقت ~~الأيام أمله؟ إنه فقير، رزقه كفاف يومه، ولسوف يأخذها من الطابق ~~الثاني لبيت الست سنية عفيفي ms062 إلى الطابق الأرضي في بيت السيد ~~رضوان الحسيني. وأحسن ما يمكن أن تجهزها أمها فراش نصف عمر، ~~وكنبة، وعدد من الأواني النحاسية. ولا يدخر لها بعد ذلك إلا ~~الكنس والطبخ والغسل والإرضاع. وربما قطعت طريقها حافية في جلباب ~~مرقع. وريعت كأنما اطلعت على مشهد مخيف، وتحرك في أعماقها ~~هيامها المفرط بالثياب، وتيقظ ذلك النفور الوحشي من الأطفال ~~الذي تعيرها به نسوة الزقاق، وعاودتها حيرتها المعذبة، فلم ~~تدر أأصابت أم أخطأت في مطاوعتها له وسيرها معه. وكان عباس ~~ينعم إليها النظر في افتتان وهيام وأمل، فأول صمتها ~~وتفكيرها على هواه، وقال لها بصوت ينبعث من أعماق فؤاده: لماذا ~~تصمتين يا حميدة! .. كلمة واحدة تشفي الفؤاد وتغير الدنيا .. كلمة ~~واحدة تكفيني .. تكلمي يا حميدة .. اخرجي عن هذا الصمت! # ولكنها لم تنبس بكلمة، وظلت فريسة للحيرة، فاستطرد عباس ~~قائلا: كلمة واحدة تملأ روحي أملا وسعادة، لعلك لا تدرين ما فعله ~~حبك بي! إنه يبعث في روحا جديدة لا عهد لي بها! إنه يخلقني ~~خلقا جديدا، ويدفعني لاقحتام الدنيا غير هياب. أما علمت هذا؟ ~~.. لقد استيقظت من سباتي، وغدا ترينني شخصا جديدا! # ماذا يعني؟ وانعطف رأسها كالمتسائل؛ فانشرح صدره لاهتمامها وقال ~~بحماسة وفخار: أجل، توكلت على الله وسأجرب حظي كالآخرين، ~~سألتحق بخدمة الجيش البريطاني، وعسى أن يصادفني من التوفيق ما ~~صادف أخاك حسين. # فلاح الاهتمام في عينيها وسألته على غير وعي منها: حقا .. متى ~~يكون ذلك؟ # كان يؤثر بلا شك أن تحدثه حديثا آخر، وأن يلمس انفعالها قبل أن ~~يستثير اهتمامها، أن يسمع هذه الكلمة العذبة التي تذوب نفسه شوقا ~~لسماعها، ولكنه ظن هذا الاهتمام قناعا نسجه الحياء ليستر به ~~عاطفة مشبوبة كعاطفته تهاب البوح بسرها، واهتز صدره فرحا، ~~وقال مفتر الثغر: عما قريب أسافر إلى التل الكبير، وسأشتغل ~~بادئ الأمر بيومية مقدارها خمسة وعشرون قرشا، وقد أكد لي جميع ~~الذين استشرتهم في الأمر أن هذا المقدار قليل من كثير مما يصيب ~~جميع المشتغلين في الجيش، وسأجعل همي في أن أوفر من يوميتي أقصى ms063 ~~ما أستطيع توفيره، حتى إذا عدت إلى هنا عقب انتهاء الحرب - وهي ~~بعيدة كما يقولون - فتحت صالونا جديدا في السكة الجديدة أو شارع ~~الأزهر، واستقبلت حياة رغيدة ننعم بها .. معا .. إن شاء الله .. ~~ادعي لي يا حميدة. # هذا شيء جديد لم يخطر لها ببال، وإذا كان الفتى جادا فقد ~~حقق لها كثيرا مما تصبو إليه نفسها، وإن نفسا كنفسها مهما ~~تناهى بها التمرد والجموح حرية بأن يروضها المال ~~ويستأنسها. وغمغم عباس معاتبا: ألا تريدين أن تدعي لي؟ # فقالت بصوت خافت وقع من أذنيه موقعا جميلا، وإن كان صوتها ~~نقطة ضعف في جمالها: الله يوفق خطاك. # فتنهد مسرورا وقال: آمين. استجب لها يا رب. ستبسم لنا الدنيا ~~بإذن الله. ارضي أنت علي ترض الدنيا جميعا .. أنا لا أسألك ~~شيئا إلا الرضا. # وأخذت تخرج من حيرتها رويدا رويدا، فقد وجدت في الظلمة التي ~~كانت تتخبط فيها بصيص نور .. نور الذهب اللامع. وإذا كان شخصه لا ~~يرضيها، ولا يحرك أنوثتها، فعسى أن يبرز منه هذا الضوء اللامع ~~الذي يستهويها، ويلبي نزوعها الصارخ إلى القوة والجاه. وهو بعد ~~هذا كله - وقبل هذا أيضا - الفتى الوحيد الصالح في الزقاق! أجل، ~~هذا حق لا ريب فيه. وقد خامرها شعور بالارتياح، وأنصتت إليه وهو ~~يقول: ألا تسمعينني يا حميدة؟ أنا لا أسألك إلا الرضا! # فارتسمت على شفتيها الرقيقتين ابتسامة، وغمغمت: وفقك ~~الله. # فعاد يقول في ابتهاج: ليس من الضروري أن ننتظر حتى نهاية الحرب! ~~.. سنكون أسعد مخلوقين في الزقاق. # وقطبت في تقزز، وندت عنها هذه الكلمة بلا وعي، وفي ~~ازدراء شديد: زقاق المدق! # فنظر إليها في ارتباك ولم يجرؤ على الدفاع عن الزقاق الذي يحبه ~~ويؤثره على الدنيا جميعا، وتساءل منزعجا: ترى هل تزدري هذا ~~الزقاق الطيب كأخيها حسين؟! حقا لقد رضعا من ثدي واحد! وأراد أن ~~يمحو ما تركه فيها من أثر سيئ فقال: نختار المكان الذي تحبين .. ~~هاك الدراسة والجمالية وبيت القاضي، اختاري بيتك حيثما ~~تشائين! # وتنبهت لقوله في حيرة، وأدركت أنها تكلمت أكثر مما ms064 ينبغي، ~~وأن لسانها خانها بلا وعي منها، فعضت على شفتها، ثم قالت ~~بإنكار: بيتي؟! أي بيت تعني؟! ما شأني أنا في هذا الأمر! # فهتف بها في عتاب: كيف تقولين هذا القول ؟ ألم يكفك ما عانيت من ~~عذاب؟ ألا تدرين أي بيت أعني؟ سامحك الله يا حميدة؛ أعني البيت ~~الذي سنختاره معا، بل الذي تختارينه أنت وحدك، لأنه بيتك أنت دون ~~الناس جميعا. وإني أهاجر في سبيل هذا البيت كما علمت. ولقد دعوت ~~لي بالتوفيق، فلا مفر من الحقيقة السعيدة الرائعة. اتفقنا يا ~~حميدة وانتهى الأمر. # هل اتفقا حقا؟ أجل اتفقا! ولولا ذلك ما رضيت بالسير معه ~~ومنازعته الحديث والخوض في أحلام المستقبل. وماذا يضيرها من ذلك؟ ~~أليس هو فتاها على أي حال؟ ومع ذلك ساورها شعور بالقلق والتردد، ~~أحقا أصبحت فتاة أخرى لا تكاد تملك من أمر نفسها شيئا؟ ~~وأحست عند ذاك يده تتلمس راحتها وتقبض عليها وتضفي على ~~أناملها الباردة حرارة ودفئا .. أتنتزعها منه وتقول له: «كلا ~~.. لا شأن لي في هذا الأمر»؟! ولكنها لم تفعل شيئا، ولم تنبس ~~بكلمة، ومضيا معا وراحتها في كفه الساخنة، وشعرت بأصابعه تشد ~~عليها بحنان، وسمعته يقول: سنتقابل دواما .. أليس كذلك؟ # وأبت أن تنبس بكلمة، فقنع بلغة الصمت، وقال مرة أخرى: سنتقابل ~~كثيرا، ونزن أمورنا جميعا. ثم أقابل أمك .. لا بد من الاتفاق ~~معها قبل السفر. # وانتزعت راحتها من يده وهي تصيح في جزع: سرقنا الوقت، ~~وابتعدنا كثيرا .. هلم إلى العودة. # ودارا على عقبيهما معا وهو يضحك ضحكة سعيدة رجعت بعض أصداء ~~السعادة التي يجيش بها قلبه. واستحثا الخطى حتى بلغا الغورية في ~~دقائق، وافترقا عندها، فمالت هي إليها، واتجه هو نحو الأزهر ليعود ~~إلى الزقاق عن طريق الحسين. # 11 ~~«اللهم عفوك ورحمتك.» # نطقت الست أم حسين بهذه العبارة وهي ماضية إلى مسكن السيد ~~رضوان الحسيني .. كانت تسأل الله العفو والرحمة في يأس وغيظ وحنق ~~مما تعانيه. أعياها إصلاح زوجها وعجزت عن ردعه، فلم تر ~~بدا في النهاية من مقابلة السيد رضوان، لعله ms065 أن يفلح هو - ~~بصلاحه وهيبته - فيما أخفقت هي فيه. ولم يكن سبق أن فاتحت السيد في ~~مثل هذا الأمر الفظيع؛ ولكن يأسها من ناحية، وإشفاقها من شماتة ~~الأعداء إذا جاهرت بالخصومة والطعان من ناحية أخرى، دفعاها إلى ~~طرق هذا الباب الصالح الآمن لعل وعسى! وفي البيت استقبلتها ~~حرم السيد رضوان، فجلسا معا بعض الوقت. وحرم السيد في منتصف ~~الحلقة الخامسة من عمرها، وهي حلقة يعتز بها نساء كثيرات، ~~ويعتبرنها الغاية من النضج الأنثوي، ولكن المرأة كانت مهزولة ~~مهدمة، تلوح في جسمها وروحها آثار السهام التي سددها إليها ~~الدهر حين انتزع من بين ذراعيها أطفالها طفلا بعد طفل. وكانت ~~لذلك تضفي على بيتها الساكن روحا من الحزن والكآبة، ولم يجد ~~إيمان السيد العميق في تبديد غشاوته. وكانت تبدو، في هزالها ~~وحزنها، صورة مناقضة لصورة زوجها القوي المشرق المطمئن ~~البسام. كانت امرأة ضعيفة فلم يقلها إيمانها - على رسوخه - ~~من عثرتها المضنية. وكانت أم حسين تعلم بأمرها، فأقبلت تشكو ~~بثها وهمها بقلب مطمئن إلى أنه سيجد أذنا صاغية تستميلها ~~الشكوى والأحزان. ثم استأذنت في مقابلة السيد رضوان، فغابت المرأة ~~لحظات ثم رجعت تدعوها إلى لقائه، وقادتها إلى حجرته. # وكان السيد يجلس على فروة مسبحا، المجمرة أمامه، وإبريق ~~الشاي على يمينه. كانت حجرته الخاصة صغيرة أنيقة، تحدق بأركانها ~~الكنبات، ويغطي أرضها سجاد شيرازي، تقوم في وسطها مائدة ~~مستديرة رصت عليها الكتب الصفر، ويتدلى فوقها من السقف ~~مصباح غازي كبير. وكان السيد يرتدي جلبابا رماديا فضفاضا، ~~وطاقية صوفية سوداء يضيء تحتها وجهه الأبيض المشرب بالحمرة ~~كالبدر المنير. في هذه الحجرة كان يخلو إلى نفسه كثيرا، قارئا ~~أو مسبحا أو متأملا. وفيها كان يجتمع بأصدقائه من العلماء ~~والصوفيين وأئمة الأذكار؛ يتذاكرون الأخبار ويروون الأحاديث ~~ويناقشون ما يعرض لهم من الآراء، ولم يكن السيد رضوان معدودا ~~من العلماء المتفقهين في الدين، ولا من الأذكياء الأفذاذ، ولا من ~~أولئك الذين يجهلون أقدارهم فيضعونها من حيث يريدون أن يرفعوها فوق ~~طاقاتها، ولكنه كان مؤمنا صادقا، وورعا تقيا، يستأسر نفوس ms066 ~~العلماء بقلبه الكبير وصدره المسماح وخلقه القويم، وعطفه وحنانه ~~ورحمته، فكان بحق من أولياء الله الصالحين. # وقد استقبل أم حسين واقفا، غاضا بصره، فأقبلت عليه في ~~ملاءتها مبرقعة، وسلمت عليه بيد ملتفة بطرف الملاءة كيلا ~~تنقض وضوءه، ورحب بها الرجل قائلا: أهلا وسهلا بجارتنا ~~الفاضلة. # ودعاها إلى الجلوس فجلست على الكنبة قبالته، وتربع الرجل على ~~الفروة، وراحت أم حسين تدعو له: الله يكرمك يا حضرة السيد، ويطيل ~~عمرك بحق جاه المصطفى. # وكان يحدس ما حملها على مقابلته، فلم يسألها عن صحة المعلم ~~زوجها كما تقضي بذلك آداب الضيافة! وكان يعلم كالآخرين بسيرة ~~المعلم كرشة، وتناهى إليه ما قام بين الرجل وزوجه من شقاق ~~وشجار في ظروف سابقة مماثلة .. فأيقن أنه أقحم في هذا ~~النزاع المتجدد على غير إرادة. وسلم للأمر الواقع، وتلقاه ~~بصدره الرحب كما يتلقى غيره مما يكره، وابتسم ابتسامة لطيفة ~~وقال يشجعها على الكلام: خير إن شاء الله. # لم تكن المرأة تعرف التردد، ولا كان الحياء من أسباب ضعفها في ~~يوم من الأيام، بل هي امرأة على قدر كبير من الشراسة والوقاحة، ~~ولم تكن امرأة تفوقها مراسا في الزقاق كله إلا حسنية ~~الفرانة، لذلك قالت للسيد بصوتها الغليظ: يا سيد رضوان، أنت ~~الخير والبركة، وأنت رجل زقاقنا الفاضل، لذلك قصدتك أسألك المعونة ~~في شدتي، وأشكو إليك الرجل الفاجر زوجي. # وعلا صوتها في آخر كلامها واخشوشن، فابتسم السيد مرة أخرى، ~~وقال بصوت لا يخلو من رنة الأسف: هاتي ما عندك يا ست أم حسين، ~~إني مصغ إليك. # فتنهدت المرأة وقالت: الله يرفع قدرك يا زين الرجال، الرجل ~~يا سي السيد لا يحتشم ولا يرعوي، وكلما حسبت أنه قد تاب عن ~~غيه طلع علي بفضيحة جديدة، إنه رجل فاجر لا يرده عن ~~شهوة لا سن ولا زوجة ولا أبناء، ولعلك علمت بأمر هذا الشاب ~~الرقيع الذي يوافيه كل ليلة إلى القهوة؟! هذه هي فضيحتنا ~~الجديدة. # ولاحت في العينين الصافيتين سيماء الكدر، وأطرق متفكرا ~~مغتما. اغتم الرجل الذي عجز ألم الثكل ms067 المبرح عن أن ~~ينال من صفاء نفسه، لبث صامتا ساكنا، يتعوذ قلبه من الشيطان ~~وعبثه. واتخذت المرأة من حزنه مبررا قويا لغضبها فانفعلت، ~~وهدرت قائلة بنبرات فظيعة: فضحنا الرجل المتهتك، ووالله لولا ~~عشرة العمر والأبناء لهجرت بيته لغير رجعة أبدا. أيرضيك ~~هذا العار يا سي السيد؟! أيرضيك هذا السلوك الشائن؟! لقد نصحته ~~فلم ينتصح، وأنذرته فلم يرعو، فلم أجد سبيلا إلاك. وما ~~كنت أحب أن ألقي على سمعك الطاهر هذه الأنباء المخجلة، ولكن ~~لا حيلة لي، وأنت سيد الحي جميعا، ورجله الفاضل، وأمرك ~~مطاع، فلعلك بالغ منه ما لم يبلغه كلامي ولا كلام الناس جميعا، ~~حتى إذا تبين لي أن نصحك لا يجدي كان لي معه شأن آخر! أجل إني ~~أداري اليوم غضبي، ولكني إذا يئست من صلاحه فسأشب النار في ~~الزقاق جميعا، وأجعل من جسده النجس حطاما لها. # فحدجها السيد بنظرة عتاب، وقال لها بهدوئه المألوف: أفرخي ~~روعك يا ست أم حسين، ووحدي الله، ولا تغلبي الغضب على ~~نفسك. أنت ست طيبة! والكل يشهد لك بالفضل! فلا تجعلي من نفسك ~~وزوجك نادرة تلوكها الألسن. الزوجة الطيبة غطاء محكم يستر ~~ما أمر الله به أن يستر، عودي إلى دارك آمنة مطمئنة، ودعي لي ~~هذا الأمر، والله المستعان. # فقالت المرأة وهي تتمالك انفعالها: الله يكرمك، الله يسعدك، الله ~~يشرف قدرك. أنت يا سيدي الملاذ والمأوى، وسأدع هذا الأمر بين ~~يديك وأنتظر، وربنا بيني وبين هذا الرجل الفاجر. # وسكن الرجل خاطرها بما وسعه من كلم طيب، وكان كلما ذكر ~~كلمة طيبة دعت له المرأة وانهالت بالشتائم على زوجها، وراحت تسرد ~~عليه طرفا من فضائحه، حتى أوشك صبر الرجل أن ينفد! ثم ودعها ~~مكرمة وهو يتنهد من الأعماق! وعاود جلسته مفكرا. كان ~~يتمنى بلا شك لو لم يقحم في هذا الأمر، أما وقد وقع المحذور ~~فلا معدى عن إنجاز وعده. ونادى خادمه، وأمره أن يدعو إليه ~~المعلم كرشة، فمضى الغلام على عجل، وانتظر ساكنا، وذكر أنه ~~يدعو لحجرته - لأول مرة - فاسقا، فلم يدخلها ms068 قبل ذلك إلا ~~الفقهاء والصوفيون، وتنهد من الأعماق ثم قال لنفسه: «إن من ~~يهدي فاسقا خير ممن يجالس مؤمنا.» ولكن هل يبلغ هداية الرجل ~~حقا؟ وهز رأسه الكبير واستشهد بقوله تعالى: {إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}. ومضى ~~يتعجب من غواية الشيطان للإنسان، وكيف يشذ به عن فطرة الله ~~السوية. ثم قطع عليه حبل تأملاته دخول خادمه معلنا حضور ~~المعلم، فأذن له، ونهض لاستقباله. وجاء المعلم كرشة بجسمه ~~الطويل النحيل، وألقى على السيد من تحت جفنيه الثقيلين نظرة ~~تجلة واحترام، وانحنى على يده مسلما، ورحب به السيد رضوان ~~ودعاه للجلوس، فجلس الرجل في المكان الذي كانت تجلس فيه زوجه قبل ~~هنيهة، وملأ له قدحا من الشاي. كان المعلم آمنا مطمئنا لا ~~يتوجس خيفة، ولا يدري شيئا عما دعا السيد إلى استدعائه. ~~والحق أن من بلغ مبلغه من الذهول والشرود خليق بأن يفقد كل ~~قدرة على التوجس والحيطة والحدس. وقد قرأ السيد في عينيه نصف ~~المغمضتين الطمأنينة فقال له بهدوء مبتسما: شرفت دارنا يا ~~معلم. # فرفع المعلم يديه إلى عمامته وقال: شرف الله قدرك ~~يا سي السيد. # فقال السيد: لا تؤاخذني على دعوتك في أثناء عملك، فقد رأيت أن ~~أحادثك في أمر هام كما يتحادث الإخوان، ولم أجد لذلك مكانا ~~أنسب من البيت. # فأحنى المعلم رأسه وقال بأدب جم: إني طوع أمرك يا سي ~~السيد. # وخاف السيد الاسترسال في المجاملات فيضيع الوقت سدى، وتطول ~~مدة غياب المعلم عن عمله، فأراد أن يخوض الموضوع بلا تردد، ~~ولم تكن تنقصه الشجاعة ولا تعوزه الصراحة، فقال بلهجة جدية: ~~أحب أن أحدثك كما يتحدث الإخوان، أو كما ينبغي أن يتحادث ~~الإخوان إذا كان رائدهم المودة والإخلاص. والأخ المخلص من إذا ~~رأى أخا له يهوي تلقاه بذراعيه، أو وجده يتعثر أقاله من ~~عثرته، أو حسبه في حاجة إلى النصح محضه النصيحة. # وفترت حماسة المعلم، وأدرك في تلك اللحظة فحسب أنه وقع في ~~فخ، فلاحت في عينيه المظلمتين نظرة ارتياب، وتمتم في ارتباك ms069 ~~وهو لا يدري ماذا يقول: نطقت بالحق يا سي السيد. # ولم يخف على السيد شيء من ارتباكه وارتيابه، فقال بلهجة ~~جدية أيضا لطفتها نظرته الوديعة الصافية: أخي، سأصارحك بما ~~في نفسي فلا تؤاخذني على صراحة، فما استحق الموجدة من كان هدفه ~~الإصلاح وباعثه المودة والإخلاص. والحق يا أخي أني رأيت في بعض ~~سلوكك ما ساءني، وما لا أعده خليقا بك. # وقطب المعلم كرشة منزعجا، وجعل يخاطب السيد في سره ~~قائلا: «ما لك أنت ولهذا؟!» ثم قال متصنعا الدهشة: أساءك ~~سلوكي حقا يا سي السيد؟! .. معاذ الله. # ولم يعبأ السيد دهشته المتصنعة واستدرك قائلا: إن الشيطان ~~ليجد أبواب الشباب مفتحة فيلجها خفية وعلانية ويعيث ~~فسادا، ومع ذلك فنحن لا نتسامح مع الشباب مفتح الأبواب، ~~ونلزمه أن يغلق أبوابه في وجه الشيطان، فماذا يكون الحال مع ~~الشيوخ الذين وهبهم العمر مفاتيح العصمة؟ ماذا يكون الحال لو ~~رأيناهم يفتحون أبوابهم طواعية ويدعون الشيطان بأنفسهم؟! .. هذا ~~ما ساءني يا معلم كرشة. # شباب شيوخ! أبواب مفاتيح! شيطان شياطين! لماذا لا يريح نفسه ~~ويدع الناس يستريحون؟! وهز رأسه حيرة، ثم قال بصوت منخفض: ~~لا أفهم شيئا يا سيد رضوان. # وحدجه السيد بنظرة ذات معنى، وسأله بلهجة لا تخلو من عتاب: ~~حقا؟! # فغمغم المعلم وقد بدأ يستشعر البرم والخوف: حقا. # فقال السيد رضوان بحزم: حسبتك تعلم ما أعني، والحق أني أعني ~~هذا الشاب الرقيع. # وسدت المنافذ في وجهه، فاحتدم الغيظ في نفسه، ولكنه كالفأر ~~الواقع في المصيدة جعل يتخبط وراء المنافذ المسدودة، فتساءل ~~بصوت ينم عن الهزيمة: أي شاب يا سي السيد؟ # فقال السيد بلهجة وديعة متحاميا إثارته: أنت تعرفه يا معلم. ~~وإني لم أفاتحك بأمره لأسيء إليك أو أخجلك - معاذ الله - ولكن ~~لأرشدك لما فيه الخير. ما فائدة النكران؟ الجميع يعرفون، والجميع ~~يتكلمون. وهذا لعمري ما آلمني أشد الألم، آلمني أن أجدك ~~مضغة الأفواه. # فغلب المعلم الغضب، وضرب فخذه بقبضة قاسية، وقال بصوت أجش ~~تطايرت فظاظته مع نثار ريقه: ما بال الناس لا يريحون ولا ~~يستريحون؟! ms070 أحقا تراهم يتكلمون يا سي السيد؟ هكذا هم أبدا منذ ~~خلق الله الأرض ومن عليها .. إنهم يخوضون في الأعراض لا لقبح ~~يستقبحون، ولكن لينتقصوا إخوانهم، ولو لم يجدوا نقيصة لخلقوها ~~خلقا، ثم خاضوا فيها، أتحسبهم يتهامسون تأففا وازدراء؟ ~~كلا والله، إنه لحسد يأكل قلوبهم أكلا. # وهال السيد هذا الرأي، فقال له دهشا: يا له من رأي خاسر! ~~أتحسب أن هذا الفعل الشائن مما تحسد عليه؟! # فتهافت ضاحكا وقال بحقد: لا تشك في قولي يا سيد رضوان! إنهم ~~طغمة هالكة، وليس الخير من رجع في نفوسهم (وأدرك عند ذاك أنه ~~سلم بالتهمة، وكاد يدافع عنها فاستدرك) ألا تدري من هذا الشاب؟ ~~إنه شاب مسكين أداري بؤسه بالإحسان! # فضجر السيد من مراوغته، وحدجه بنظرة كأنما يقول له: «أيجوز هذا ~~القول؟!» ثم قال: يا معلم كرشة، الغالب أنك لا تفهمني .. أنا ~~لا أحاكمك ولا أعيرك، فكلانا فقير إلى رحمة الله وعفوه، ~~ولكن لا تحاول النكران. إذا كان هذا الشاب مسكينا فدعه لخالقه، ~~والدنيا ملأى بالمحتاجين إن أحببت إحسانا؟ ~~- ولماذا لا يكون إحساني لهذا الشاب؟ يؤسفني أنك لا تصدقني ~~وأنا رجل بريء. # ونظر السيد إلى الوجه المشرب بالسواد في استياء مكتوم، وقال ~~بتؤدة: هذا شاب رقيع سيئ السمعة، ولقد أخطأت في محاولة ~~خداعي، وكان الأخلق بك أن تقدر نصحي، وتواجهني صادقا ~~صريحا. # وأدرك المعلم أن السيد قد استاء، وإن لم يلح الاستياء في ~~وجهه، فلاذ بالصمت كاظما غيظه، وأخذ يفكر في الانصراف. ولكن السيد ~~استدرك قائلا: إني أدعوك لما فيه صلاحك وصلاح بيتك، ولست ~~يائسا من جذبك للخير. اهجر هذا الشاب، إنه رجس من عمل ~~الشيطان، وتب إلى ربك، إنه غفور رحيم. لو كنت من الصالحين ~~لكنت الآن من الموسرين، ولكنك تربح كثيرا وتخسر في بالوعة الرجس ~~كثيرا، وتبقى على الأيام فقيرا معدما. فماذا قلت؟ # وعدل المعلم عن المكابرة بصفة نهائية، وخاطب نفسه قائلا: ~~إنه حر يفعل ما يشاء، وليس لأحد من سلطان عليه، ولو كان السيد ~~رضوان الحسيني نفسه! ولكنه لم يفكر لحظة ms071 واحدة في إغضاب السيد ~~ولا تحديه، فأطبق جفنيه على عينيه المظلمتين، وقال بصوت ~~منكر: هذا أمر الله! # فلاح الانزعاج في الوجه الصبيح وقال بحدة: بل أمر الشيطان! ~~حرام عليك يا شيخ. # فغمغم المعلم قائلا: لما يأمر الله بالهدى! ~~- لا تطع الشيطان يهدك الله لما فيه صلاحك، اهجر هذا ~~الشاب، أو دعني أصرفه بسلام. # فانزعج المعلم وغلبه الجزع، ولم يعد يستطيع مداراة ~~عواطفه، فقال بحزم: كلا يا سي السيد، لا تفعل. # فرمقه الرجل بنظرة استياء وازدراء، وقال بصوت ينم عن الأسى: ~~أرأيت كيف تؤثر الغواية على الهداية؟! ~~- ربنا الهادي! # وتولاه اليأس من هدايته، فقال متضجرا: أقول لك للمرة ~~الأخيرة: اهجره، أو دعني أصرفه بسلام. # فقال المعلم بعناد وهو يتزحزح إلى طرف الكنبة كأنما يهم ~~بالنهوض: كلا يا سي السيد، أضرع إليك أن تدع هذا الأمر حتى ~~يأمر الله بالهداية. # فتعجب السيد من عناده الوقح، وتساءل متقززا: ألا ~~يخجلك هذا الحرص على هذا الفعل الشائن؟! # ونهض المعلم قائما - وقد ضاق صدره بالسيد ووعظه - وهو يقول: ~~إن الإنسان ليقارف أفعالا كثيرة شائنة، وهذا واحد منها، فادع ~~لي بالهداية، ولا تغضب علي، وتقبل عذري وأسفي، ماذا يملك ~~الإنسان من أمر نفسه؟ # فابتسم السيد ابتسامة حزينة، وقال وهو ينهض قائما كذلك: يملك ~~كل شيء لو أراد؛ ولكنك لن تفقه معنى لقولي، فالأمر ~~لله. # ومد له يده قائلا: مع السلامة. # وغادر المعلم كرشة البيت مقطبا مدمدما، يسب الناس ~~والزقاق والسيد رضوان. # 12 # وانتظرت أم حسين متصبرة متجلدة يوما ويومين. كانت تقف ~~وراء خصاص النافذة المطلة على القهوة تترقب مقدم الشاب، فتراه ~~قادما يخطر، ثم تراه مرة أخرى - عند انتصاف الليل - وزوجها ~~منصرفين صوب الغورية! ابيضت عيناها من المقت والغضب، ~~وتساءلت: يا ترى هل ذهبت نصيحة السيد رضوان هباء؟ وزارت السيد ~~مرة أخرى، فهز رأسه آسفا، وقال لها: «دعيه لحاله حتى يقضي ~~الله أمرا كان مفعولا.» فرجعت إلى شقتها تغلي غليانا، وتتوعد ~~شرا. لم تعد تقيم وزنا لشماتة الشامتين، وانتظرت بالنافذة ~~حتى أتى الليل وقدم الشاب، فتلفعت ms072 بملاءتها وغادرت الشقة ~~كالمجنونة، ونزلت السلالم وثبا؛ فكانت أمام القهوة في دقيقة ~~واحدة. كانت الدكاكين قد أغلقت وأوى أهل الزقاق إلى القهوة ~~كعادتهم كل ليلة، وكان المعلم كرشة مكبا على صندوق الماركات ~~في شبه نعاس، فلم ينتبه لحضورها، واستقر بصرها الزائغ على ~~الشاب وهو يرشف الشاي من قدح في يده، فاقتربت منه مارة أمام ~~المعلم الذي لم يرفع بصره إليها، وضربت القدح بكفها فاندلق على ~~حجر الشاب الذي قام فزعا صارخا! وصاحت به بصوت كالرعد: ~~تشرب شايا يابن العاهرة! # وأحدقت الأعين بالمرأة سواء من يعرفها من أهل الزقاق أو من لا ~~يعرفها من بقية الجلوس. والتفت نحوها المعلم كرشة كأنه يستيقظ ~~بصب دلو ماء على وجهه، وهم بالوقوف، ولكن المرأة دفعته في ~~صدره، وهي تصرخ في وجهه وقد أخرجها الغضب عن وعيها: إياك وأن ~~تتحرك يا فاجر (والتفتت نحو الشاب واستدركت) ماذا أفزعك يا شاطر؟ ~~يا مرة في ثياب رجل، هلا أخبرتني عما يدعوك إلى المجيء ~~هنا؟! # ووقف المعلم كرشة وراء الصندوق وقد ألجم الغضب لسانه، ~~واربد وجهه، ولكنها صاحت في وجهه: إن حدثتك نفسك بالدفاع ~~عن رفيقك هشمت عظمك أمام الناس. # واندفعت نحو الشاب الذي تقهقر حتى التصق بالشيخ درويش وهي تصيح: ~~أتريد أن تخرب بيتي يا رقيع يابن الرقعاء! # فقال لها الشاب مرتعدا: من أنت يا ستي، ماذا فعلت حتى ~~... ~~- من أنا؟ ألا تعرفني؟! .. أنا ضرتك. # وانهالت عليه ضربا، فسقط طربوشه، وسال الدم من أنفه، ثم ~~قبضت على ربطة رقبته وشدت عليها بعنف حتى اختنق صوته. وقد ذهل ~~الجلوس، وحملقوا فيما يقع أمامهم بأعين دهشة؛ ولكن قلوبهم ~~رقصت جذلا، ومنوا أنفسهم برؤية منظر بهيج مسل. في حين دعا ~~صراخ أم حسين المعلمة حسنية الفرانة فجاءت مهرولة يتبعها ~~زوجها جعدة فاغرا فاه. ثم ظهر بعد قليل زيطة صانع العاهات، ~~ولكنه وقف بعيدا كأنه شيطان انشقت عنه الأرض. ولم تلبث نوافذ ~~البيتين أن فتحت وأطلت منها الرءوس تستطلع ما هنالك. وأهاج ~~الغضب المعلم كرشة، ورأى فتاه يتضور ملتويا، محاولا عبثا ms073 ~~أن يخلص عنقه من قبضة المرأة القوية، فاندفع نحوهما ثائرا وهو ~~يرغي زبدا كالفحول، وشد على ساعدي امرأته صائحا في وجهها: ~~اتركيه يا مرة، وكفى فضيحة! # وأجبرت المرأة تحت ضغط زوجها على ترك غريمها وقد سقطت ملاءتها ~~عند قدميها، فجن جنونها، وتعالى صراخها، وأمسكت بتلابيب ~~المعلم وهي تصيح: أتضربني يا فاجر دفاعا عن رفيقك؟! اشهدوا ~~يا ناس على الرجل الفاجر! # وانتهز الشاب فرصة إفلاته فتطاير خارج القهوة، وعدا لا ~~يلوي على شيء. واستمرت المعركة بين المعلم وزوجته؛ هي تشد ~~على تلابيبه، وهو يحاول دفعها والتخلص منها، حتى نهض إليهما ~~السيد رضوان الحسيني وخلص بينهما. وتلفعت المرأة بملاءتها ~~وهي تلهث، وصرخت بصوت كادت تتصدع له أركان القهوة: يا حشاش، ~~يا مذهول، يا وسخ، يابن الستين، يا أبا الخمسة وجد العشرين، يا ~~عرة، يا رطل، سفخص على وجهك الأسود. # فحدجها المعلم بنظرة قاسية وهو ينتفض من الانفعال، وصاح بها: ~~لمي لسانك يا مرة، وسدي هذا المرحاض الذي يقذفنا ~~بوسخه! ~~- اقطع لسانك، ما مرحاض إلا أنت، يا خرع، يا مفضوح، يا ظل ~~العيال. # فلوح لها بقبضته وهو يقول: تخرفين كعادتك. كيف سولت لك ~~نفسك الاعتداء على زبائن القهوة؟ # فضحكت المرأة ضحكة مروعة وقالت بسخرية مريرة: زبائن القهوة؟! ~~العفو! ما قصدت زبائن القهوة بسوء؛ ولكني اعتديت على زبون ~~المعلم الخصوصي! # وتدخل السيد رضوان مرة أخرى، وطلب من المرأة أن تمسك، وأن ~~تعود إلى بيتها؛ ولكنها قالت وقد غيرت نبرات صوتها بجهد شديد: ~~لن أعود إلى بيت الفاسق ما حييت. # فألح عليها، وتطوع عم كامل لمعاونته، فقال لها بصوته الرفيع ~~الملائكي: عودي إلى بيتك يا ست أم حسين .. عودي ووحدي الله ~~واسمعي كلام السيد رضوان. # وحال السيد بينها وبين مغادرة الزقاق، ولم يتركها حتى رجعت إلى ~~البيت مظهرة السخط والتذمر. واختفى عند ذاك زيطة، وانسحبت ~~حسنية الفرانة يسبقها زوجها، وقد لكمته في ظهره وهي تقول له: ~~لا تفتأ تندب حظك وتقول ما لي أضرب من دون الرجال جميعا! ~~أرأيت كيف يضرب أسيادك وأسياد من خلفوك. ms074 # وخلفت جعجعة المعركة صمتا ثقيلا. وتبادلت اللحاظ نظرات ~~ساخرة تشي بالخبث والسرور، وكان أشد الحاضرين سرورا ~~وارتياحا الدكتور بوشي، وهو الذي هز رأسه آسفا وقال في نبرات ~~حزينة: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أصلح الحال! # وكان المعلم «كرشة» لا يزال ملازما مكانه - الذي باشر فيه ~~المعركة - فتنبه إلى فرار فتاه، وقطب في عناد، وبدا أنه يريد ~~اللحاق به؛ ولكن السيد رضوان - وكان غير بعيد عنه - وضع يده على ~~كتفه وقال بهدوء: اقعد يا معلم واسترح. # فنفخ مغيظا محنقا، وتراجع متثاقلا وهو يخاطب نفسه في حقد ~~شديد: لبؤة، فاجرة؛ ولكن الحق علي، أنا أستاهل أكثر من هذا، ~~مغفل من لا يبيت امرأته بالعصا. # وعلا صوت عم كامل وهو يقول: وحدوا الله يا هوه. # وارتمى المعلم كرشة على مقعده، ثم أخذه الغضب كرة أخرى، ~~فثارت ثائرته، وراح يضرب جبهته بكف غليظة قاسية صائحا: أنا في ~~الأصل مجرم قاتل، وجميع هذا الحي عرفني مجرما يرتوي بالدماء. ~~أنا مجرم، أنا ابن كلب، أنا وحش، ولكني أستاهل كل إهانة؛ لأني ~~تبت بمحض إرادتي عن الشر. (ورفع رأسه) انتظريني يا مرة يا ~~وسخة، ستلقين الليلة كرشة الزمان الأول. # وصفق السيد رضوان بيديه وهو يتربع على الأريكة وخاطب المعلم ~~قائلا: وحد الله يا معلم كرشة، نريد أن نشرب الشاي في ~~هدوء! # ومال البوشي على أذن عباس الحلو وهمس قائلا: لا بد أن نصلح ~~بينهما. # فسأله الحلو بخبث: بين من ومن؟ # فكتم الدكتور ضحكة فخرجت من أنفه ريحا كالفحيح، وقال: أتظنه ~~يعود إلى القهوة وقد حصل ما حصل؟ # فمط الحلو بوزه وقال: إن لم يعد هو جاء غيره! # ثم شمل القهوة جوها المألوف، وعاد القوم إلى ما كانوا فيه من ~~لعب وسمر، وكادت تنسى المعركة وتذهب آثارها، لولا أن هاج ~~المعلم كرشة مرة أخرى، وصاح مرعدا كالوحوش الضارية: لا لا .. ~~لا يمكن أن أذعن لإرادة امرأة. أنا رجل حر، أفعل ما أشاء، لتترك ~~البيت إذا شاءت، ولتتسكع مع الشحاذين، أنا مجرم .. أنا من ~~آكلي لحوم البشر. ms075 # ورفع الشيخ درويش رأسه بغتة وقال دون أن يلتفت نحو المعلم: يا ~~معلم، امرأتك قوية، فيها من الرجولة ما يعوز الكثيرين من الرجال، ~~هي ذكر وليست بأنثى، فلماذا لا تحبها؟ # وصوب المعلم نحوه عينين ناريتين وصاح في وجهه: اقطع ~~لسانك! # وصاح أكثر من واحد من الجالسين: حتى الشيخ درويش! # وولاه المعلم ظهره صامتا، وراح الشيخ درويش يقول: هذا شر ~~قديم، يسمونه في الإنجليزية # Homoscxuality # وتهجيتها: # H o m o s c x u a l i t y # ولكنه ليس بالحب .. الحب الحقيقي لآل البيت. تعالي يا حبيبتي .. ~~تعالي يا ست .. أنا عاجز يا أم العواجز. # 13 # كانت مقابلة الأزهر فتحا جديدا في حياة عباس الحلو. عهده الحب، ~~شعلة وهاجة تضطرم في الفؤاد، نشوة سحر تسكر العقل، شهوة تصهر ~~الأعصاب. كان مرحا مختالا مزهوا، كأنه فارس لا يشق له غبار، ~~أو ثمل قد أمن عوادي الخمار. وتقابلا بعد ذلك مرات، فلم ~~يملا الحديث عن مستقبلهما. أجل بات مستقبلهما واحدا، ولم تنكر ~~حميدة ذلك، لا في حضوره ولا في غيابه! ولكن تساءلت: ترى هل تظفر ~~واحدة من صويحباتها بنات المشغل بخير منه؟ .. وتعمدت أن تسير ~~معه وقت ظهورهن، وجعلت تسترق النظر إلى أعينهن الفاحصة وكأنها ~~ارتاحت إلى ما تركه فيهن من أثر. وقد سألنها يوما عن الشاب ~~«الذي رأينه معها» فقالت: خطيبي .. صاحب صالون حلاقة! # وقالت لنفسها: إن أية واحدة منهن لتعد نفسها سعيدة إذا ~~خطبها صبي قهوة أو صبي حداد، وهذا صاحب دكان .. أوسطى، وأفندي ~~أيضا! كانت مشغولة أبدا بالموازنة والاختيار والتفكير، فلم ~~تنجذب إلى الدنيا السحرية التي يهيم في سماواتها. بيد أنه كان ~~يبلغ بها التأثر في لحظات منتهاه، فكأنها كانت - في تلك ~~اللحظات - محبة حقا. وفي إحدى هذه اللحظات استوهبها قبلة. ~~فلم تقل لا، ولم تقل نعم. أرادت أن تذوق هذه القبلة التي ~~سمعت عنها كثيرا وتغنت بها كثيرا. ونظر هو محاذرا يراقب ~~المارة، وتحسس ثغرها في ظلمة المساء. ثم وضع شفتيه على ~~شفتيها وهو يرتعد، وغمرتها أنفاسه ms076 الملتهبة، فسالت على نحرها ~~وطرفت عيناها. # ثم دنا موعد سفره فرأى أن يخطو الخطوات الحاسمة، واختار الدكتور ~~بوشي - الذي تيسر له مهنته التردد على بيوت الزقاق - سفيرا ~~له لدى أم حميدة. وسرت المرأة بالشاب الذي تراه الصالح الوحيد ~~لابنتها في الزقاق، وكانت تعده دائما «صاحب صالون وقد الدنيا »، ~~ولكنها خافت شماس ابنتها المتمردة، وظنت أنها مقبلة على ~~معركة طاحنة، فما أدهشها بعد ذلك إلا أن تتلقى الفتاة الخبر برضا ~~وتسليم، مما جعلها تهز رأسها وتقول: هذا فعل النافذة وراء ~~ظهري! # وكلف الحلو عم كامل بصنع صينية بسبوسة فاخرة وإرسالها لأم ~~حميدة، واستأذن في مقابلتها، ومضى إليها مصحوبا بعم كامل شريكه ~~في بيته وحياته، وقد وجد عم كامل صعوبة شديدة في ارتقاء السلم، ~~وجعل يتوقف كل درجتين لاهثا متوكئا على الدرابزين حتى قال ~~للحلو عند أول «بسطة»: هلا أجلت الخطبة لحين عودتك من ~~الجيش؟! # ورحبت بهما أم حميدة. وجلس ثلاثتهم يتبادلون طيب ~~المجاملات، حتى قال عم كامل: هذا عباس الحلو ابن زقاقنا، وابنك، ~~وابني، يطلب إليك يد حميدة. # فابتسمت المرأة وقالت: أهلا بالحلو الذي هو حلو، ستكون ابنتي ~~عنده وكأنها لم تفارقني! # وتحدث عم كامل عن الحلو وأخلاقه، وعن الست أم حميدة وأخلاقها، ~~ثم قال: سيغادرنا الفتى، فتح الله عليه، وقريبا تتحسن ~~حاله فيتم له ولنا المراد بإذنه تعالى. # ودعت أم حميدة له، ثم داعبت عم كامل قائلة: وأنت يا عم ~~كامل متى تنوي وتتوكل على الله؟! # فضحك عم كامل حتى صار وجهه كالطماطم في إبانها، ومسح على كرشه ~~المحيط وقال: دون ذلك هذا الحصن المنيع! # وقرءوا الفاتحة وشربوا الشربات. # ثم كان بعد ذلك بيومين اللقاء الأخير بالأزهر. ساروا واجمين. ~~والحلو يشعر بدموعه تدق أبواب صدره لتجد سبيلا إلى مجاري ~~عينيه، وقد سألته: هل تغيب طويلا؟ # فقال الشاب بصوت رقيق حزين: ربما امتدت خدمتي عاما أو ~~عامين؛ ولكن لن تفوتني فرصة مناسبة للحضور. # فغمغمت قائلة، وكانت تجد نحوه في تلك اللحظة ودا عميقا: يا ~~له من زمن! # فابتهج قلبه - على أساه ms077 - لهذه العبارة التي تنم عن الجزع، ~~وقال منفعلا: هذا آخر لقاء قبل السفر، والله وحده يدري متى يكون ~~اللقاء التالي، وإني لفي حيرة يا حميدة ما بين الحزن والسرور؛ ~~أجدني محزونا لأني مبتعد عنك، ثم أجدني مسرورا لأن هذا ~~الطريق الطويل الذي اخترت هو الطريق الوحيد المفضي إليك . ~~ولكني سأترك قلبي ورائي في الزقاق، فتصوري رجلا مهاجرا بلا ~~قلب، رمى به السفر إلى بلد ناء، وأبى قلبه أن يسافر معه. وغدا ~~في التل الكبير، وعند مطلع كل صباح، سأفتقد النافذة المحبوبة التي ~~كنت أراك تكنسين حافتها، أو تمشطين شعرك وراء فرجة مصراعيها، ~~وهيهات أن أجد لها أثرا. ولقاؤنا في الموسكي والأزهر ماذا يبقى لي ~~منه؟ أواه يا حميدة، هذا ما يتقطع له قلبي. دعيني آخذ منك كل ~~ما أستطيع أخذه. ضعي راحتك في يدي، وشدي على يدي كما أشد على ~~يدك. لله ما أطيب مسك، إنه يرعش قلبي، إنه قلب كبير بين يديك، ~~يا عزيزة، يا حبيبة، يا روح قلبي يا حميدة. ما أجمل اسمك، كأني إذا ~~نطقت به أستحلب سكرا! # واستنامت الفتاة إلى كلامه المتدفق الحار، فلانت نظرة ~~عينيها، وغمغمت قائلة: أنت الذي اخترت السفر. # فقال بصوت كالنواح: أنت السبب يا حميدة .. أنت أنت السبب .. ~~أنا والله أحب زقاقنا، وأحمد الله على ما يرزقني به من كفاف. ~~وما أحب أن أنأى عن الحسين الذي أقوم وأقعد باسمه؛ ولكني وا ~~أسفاه لا أستطيع أن أهيئ لك الحياة التي ترضينها، فلم أجد عن ~~السفر مذهبا. وربنا يأخذ بيدي، ويجمعنا على أهنأ حال. # فقالت حميدة بتأثر شديد: سأدعو لك بالتوفيق، وسأزور سيدنا ~~الحسين وأسأله أن يرعاك ويكتب لك النجاح، والصبر طيب، والحركة ~~بركة. # فتنهد من الأعماق وقال: أجل الحركة بركة، ولكن يا ويلي من بلد ~~لا أجد لك فيه ظلا! # فغمغمت برقة: لن تكون هكذا وحدك. # فالتفت نحوها وقد سكر بقولها، ورفع يدها حتى مست قلبه، وهمس: ~~حقا؟! # فابتسمت ابتسامة عذبة لاحت لعينيه الغائمتين على الضوء ~~المنبعث من بعض الدكاكين. وغاب في ms078 تلك اللحظة عن كل شيء ما عدا ~~وجهها المحبوب، وسالت هذه الكلمات من بين شفتيه: ما أجملك! ما ~~أرقك! ما أعذبك! هذا هو الحب .. إنه عذب جميل يا حميدة، ~~الدنيا من غيره لا تساوي مليما واحدا. # ولم تدر ماذا تقول؟! فتعوذت بالصمت، وجرت كلماته متناغمة في ~~أذنيها، فأخذتها نشوة الطرب، وودت ألا يسكت أبدا. وكانت ~~حرارة العاطفة قد أذهلته عن وعيه فراح يقول: هذا هو الحب، هو كل ~~ما لنا، فيه الكفاية وفوق الكفاية .. هو في القرب السرور، وفي ~~البعد العزاء، وفي الحياة حياة فوق الحياة. # وسكت لحظة متنهدا، ثم استطرد: أسافر باسمه، وبفضله أعود وقد ~~ربحت كثيرا ... # فتمتمت وهي لا تدري: كثيرا إن شاء الله. ~~- بإذن الله، وببركة الحسين، وسوف يحسدك جميع أولئك ~~الفتيات. # فابتسمت في سرور قائلة: آه .. ما أمتع هذا! # وانطوى الطريق وهما لا يشعران، فضحكا معا في فرح، ثم دارا ~~على عقبيهما. وأحس في العودة أن اللقاء يقترب من نهايته، ~~فعاودته أفكار الوداع والفراق، وخبت كثيرا نشوته، واعتوره ~~الشجن، وعند انتصاف الطريق سألها بلهفة: أين أودعك؟ # وأدركت ما يعنيه، وقلقت شفتاها، فقالت متسائلة: هنا؟! # ولكنه اعترض قائلا: لا أستطيع أن أخطف الوداع خطفا. ~~- أين تريد إذا؟ ~~- اسبقيني على البيت وانتظريني على السلم. # وحثت خطاها، وسار هو متمهلا فبلغ الزقاق وقد أغلقت ~~دكاكينه، واتجه نحو بيت الست سنية عفيفي لا يلوي على شيء. ~~وارتقى السلم محاذرا في ظلمة دامسة، كاتما أنفاسه، يدا على ~~الدرابزين، ويدا تتحسس الظلام. وعند «البسطة» الثانية لمست ~~أنامله طرف الملاءة، فخفق قلبه باعثا الشوق الحبيس في أطرافه، ~~وقبض على ذراعها، واقترب منها في رفق، وأحاطها بذراعيه، ثم ~~ضمها إلى صدره بقوة عنيفة تنطلق من صدر حنون مشوق، وهوى إليها ~~بفمه، فوقع على أنفها، ثم هبط على شفتيها، وكانتا منفرجتين ~~لاستقباله، وأخذته سنة من ذهول الحب لم يستيقظ منها حتى تخلصت ~~من ذراعيه بلطف، ومضت مصعدة وهو يهمس وراءها «مع السلامة.» لم ~~يبلغ بها الانفعال يوما ما بلغه هذا المساء على السلم؛ حيث في ms079 ~~دقيقة قصيرة حياة طويلة مفعمة بالإحساس والعاطفة والحرارة، وحسبت ~~أن حياتها قد ارتبطت به إلى الأبد. ~~••• # وزار عباس الحلو أم حميدة تلك الليلة، مودعا .. ثم مضى ~~إلى القهوة ومعه صديقه حسين كرشة ليمضي آخر سهرة فيها قبل ~~سفره. وكان حسين يبدو مسرورا ظافرا لانتصار رأيه، وجعل يقول ~~لصاحبه بصوته الذي ينم عن التحدي لسبب ولغير ما سبب: ودع ~~هذه الحياة القذرة واستمتع بالحياة الحقيقية. # فابتسم الحلو صامتا، وقد أخفى عن صاحبه الكآبة القابضة على قلبه ~~لفراق الزقاق الذي يحبه، والفتاة التي يهيم بها. وجلس بين رفاقه ~~يعاني أشواقه المكتومة، ويتلقى كلمات التوديع وما تحمل من ~~جميل الدعاء. وقد باركه السيد رضوان الحسيني ودعا له طويلا، وقال ~~له ناصحا: اقتصد ما يفيض عن حاجتك من مرتبك، واحذر الإسراف ~~والخمر ولحم الخنزير، ولا تنس أنك من المدق، وأنك إلى المدق ~~راجع. # وقال له الدكتور بوشي ضاحكا: ستعود إلينا إن شاء الله من ~~الموسرين، ولا بد عند ذاك من خلع أسنانك المسوسة هذه وتركيب ~~طقم ذهبي يليق بالمقام. # فابتسم الحلو، وكان يشعر نحو الدكتور بامتنان؛ لأنه هو الذي ~~أسفر بينه وبين أم حميدة، ولأنه هو أيضا الذي باع له أدوات صالونه ~~بثمن لا بأس به كي ينتفع به في سفره. وكان عم كامل واجما ~~ساهما، يحز الفراق الوشيك في فؤاده، ولا يدري كيف يلقى غدا ~~الوحشة والوحدة، بعد أن يذهب الشاب الذي شاطره العيش أعواما ~~طويلة، والذي أحبه كأنه فلذة كبده. وكان كلما أثنى أحد على ~~الحلو أو توجع لفراقه اغرورقت عيناه حتى ضحكوا منه ~~جميعا. # وقرأ الشيخ درويش على رأسه آية الكرسي وقال له: أصبحت الآن من ~~المتطوعين في الجيوش البريطانية، وإذا أظهرت بسالة فليس ~~بعيدا أن يقطعك ملك الإنجليز مملكة صغيرة ينصبك عليها ~~نائب ملك، ومعناه بالإنجليزية # Viccroy # وتهجيتها: # V i c c r o y ~~. ~~••• # وفي الصباح الباكر غادر الحلو البيت حاملا بقجة ثيابه، كان ~~الجو باردا شديد الرطوبة، ولم يكن أحد من أهل الزقاق قد استيقظ ~~إلا الفرانة وسنقر ms080 صبي القهوة، ورفع الشاب رأسه إلى النافذة ~~المحبوبة فوجدها مغلقة، فودعها بنظرة عطف وحنان أذابت الطل ~~على خصاصها. وسار متمهلا مطرقا حتى بلغ باب دكانه فألقى عليها ~~نظرة أخرى متنهدا، وعلق بصره بلافتة ثبتت على الباب قد كتب ~~عليها بخط كبير «للإيجار»، فانقبض صدره وأوشكت عيناه أن ~~تدمعا. # وحث خطاه كأنما ليفر من عواطفه، فما إن ترك الزقاق وراء ~~ظهره حتى شعر بأن قلبه يفارقه إليه. # 14 # كان حسين كرشة الذي أغرى عباس الحلو بالخدمة في الجيش ~~البريطاني. ولما أن سافر الشاب إلى التل الكبير، وخلا منه الزقاق ~~- حتى دكانه اشتراها حلاق عجوز - جن حسين جنونا واجتاحته ~~ثورة عنيفة تفور مقتا للزقاق وأهله. أجل كان من زمن بعيد ~~يعلن كراهيته للزقاق وأهله، ويتطلع لحياة جديدة، ولكنه لم ~~يستبن سبيله، ولم يعزم عزمة صادقة على تحقيق أحلامه، حتى ذهب ~~الحلو، فجن جنونه. وكأنما كبر عليه أن يجدد الحلو حياته ~~وينأى بنفسه عن الزقاق القذر، وهو باق فيه لا يدري كيف يتخلص ~~منه، فأجمع عزمه على تجديد حياته مهما كلفه الأمر. وبفظاظته ~~المعهودة قال لأمه يوما وقد امتلأ بعزمه حتى فاض عنه: أصغي ~~إلي، لقد عزمت عزما لا رجعة فيه، فهذه حياة لا تطاق ولا داعي ~~مطلقا لتحملها قسرا! # وكانت المرأة آلفة سخطه، معتادة سماع سبابه للزقاق وأهله، ~~وكانت تراه - كأبيه - سفيها لا يصح أن تحتفي بهذيانه، فسكتت ~~عنه وهي تغمغم: اللهم تب علي من هذه الحياة! # ولكن حسين عاد يقول وقد تطاير الشرر من عينيه الصغيرتين ~~واربد وجهه الضارب للسواد: هذه الحياة لا تطاق، ولن أحتملها بعد ~~اليوم! # ولم يكن في وسعها أن تلزم الصمت طويلا حيال هياج أحد، فنفد ~~صبرها الرقيق وصاحت به بصوت دل على أن صوته متوارث عنها: ما ~~لك؟! ما لك يابن اللئيم؟ # فقال الشاب بازدراء: لا بد من هجر هذا الزقاق. # فحدجته بحنق، وانتهرته قائلة: أجننت يابن المجنون؟! # فشبك ذراعيه على صدره وقال: بل ثبت إلى رشدي بعد جنون ~~طويل. افهميني جيدا، فلست ألقي القول على ms081 عواهنه، ولكني أعني ~~ما أقول، ولقد جمعت ثيابي في البقجة ولم يبق الآن إلا أن ~~أستودعك الله .. بيت قذر .. زقاق نتن، أناس بهائم! # وحدجته بنظرة متفحصة لتقرأ عينيه، فخبلها عزمه المتوثب وصاحت ~~به: ماذا تقول؟ # فعاد يقول وكأنه يخاطب نفسه: بيت قذر، زقاق نتن، أناس ~~بهائم. # فهزت رأسها ساخرة وقالت: مرحبا بك يابن الأماثل! يابن كرشة ~~باشا ! ~~- كرشة قطران .. كرشة المشبوه .. أف أف، ألم تعلمي بأن ~~فضيحتنا زكمت الأنوف جميعا؟! .. يغمزونني في كل مكان، يقولون: ~~هربت أخته مع واحد، وسيهرب أبوه مع واحد آخر! وضرب الأرض ~~بقدمه حتى طقطق زجاج النافذة وصرخ غاضبا: ماذا يضطرني إلى ~~البقاء في هذه الحياة؟ سأحمل ثيابي وأذهب إلى غير رجعة. # وضربت المرأة صدرها بيدها وقالت: جننت والله، أورثك ~~الحشاش جنونه؛ ولكني سأدعوه ليردك إلى عقلك. # فصاح حسين باستهانة: ادعيه .. نادي أبي، نادي الحسين نفسه! أنا ~~ذاهب .. ذاهب .. ذاهب. # ولما وجدته المرأة جادا معاندا، ذهبت إلى حجرته فرأت ~~البقجة منتفخة بالثياب كما قال، فتولاها القنوط، وصممت على ~~إحضار أبيه مهما تكن العواقب. كان حسين عزاءها الوحيد في حياتها، ~~ولم تكن تتصور أن يهجر البيت ويتركها كالوحيدة، ولم تستطع ~~مغالبة قنوطها، وأرسلت في طلب أبيه وهي تصيح نادبة حظها: ~~«علام يحسدوننا؟ .. على خيبتنا القوية! .. على فضائحنا! .. على ~~شقائنا!» وجاء المعلم كرشة بعد قليل مكشرا عن أنيابه، ~~وانتهرها قائلا: ماذا تريدين؟ فضيحة جديدة؟ زبون جديد رأيتني ~~أقدم له الشاي! # فقالت المرأة ملوحة بيدها كالنادبة: فضيحة ابنك! أدركه قبل ~~أن يهجرنا، فقد ضاق بنا ذرعا! # فضرب المعلم كفا بكف وقال وهو يهز رأسه مغيظا محنقا: ~~أمن أجل هذا أترك عملي يا هوه! .. أمن أجل هذا أصعد مائة درجة؟ ~~آه يا أولاد الكلب، لماذا تعاقب الحكومة على قتل ~~أمثالكم؟! # وجعل يردد بصره بين الأم وابنها واستطرد قائلا: ربنا ابتلاني ~~بكما ليقتص مني، ما هذا الذي تقوله أمك؟ # ولزم حسين الصمت. وراحت أمه تقول بهدوء ما وسعها الصبر: هدئ ~~روعك يا معلم، فهذه ساعة تحتاج لحكمتك لا لغضبك، لقد جمع ms082 ثيابه في ~~بقجة، ونوى مغادرتنا. # فسدد نحوه نظرة حقد وغضب، وهو بين مصدق ومكذب، وقال ~~كالمتسائل: جننت يابن القديمة! # وكانت أعصاب المرأة متوترة فلم تملك أن صاحت به: دعوتك ~~لتعقله، لا لتشتمني. # فالتفت نحوها غاضبا وهو يقول: لولا جنونك الموروث لما شب ابنك ~~مجنونا. ~~- الله يسامحك، أنا مجنونة بنت مجانين، فدعنا من هذا، واسأله ~~عما خالط عقله ؟! # وحدج ابنه بنظرة قاسية، وسأله بصوت كالزئير وقد تناثر ريقه: ما ~~لك لا تتكلم يابن القديمة! هل تروم حقا مغادرتنا؟ # وكان الفتى يتحامى أباه عادة، ولا يصطدم به إلا إذا ضاقت به ~~السبل؛ ولكنه كان قد عزم عزما صادقا على نبذ ماضيه مهما كلفه ~~الأمر، فلم يتردد ولم يتراجع، خصوصا أنه كان يرى مسألة إقامته ~~في البيت أو مغادرته من صميم حقه الذي لا ينازعه فيه منازع، ~~فقال بهدوء وعزم معا: نعم يا أبي. # فسأله الرجل وهو يعاني خناق غيظه: ولماذا؟ # فتفكر الشاب قليلا ثم قال: أريد أن أحيا حياة أخرى. # فقبض الرجل على ذقنه، وهز رأسه ساخرا وقال: فهمت .. فهمت .. ~~تريد حياة أخرى تناسب المقام! لأن كلبا مثلك نشأ محروما ~~جائعا، يجن إذا امتلأ جيبه، وأنت الآن صاحب قرش إنجليزي، فمن ~~الطبيعي أن ترتاد حياة أخرى تليق بمقامك العالي يابن قنصل ~~الأوز! # فكظم حسين غيظه وقال: لم أكن كلبا جائعا قط؛ لأني نشأت في ~~بيتك، وبيتك لم يعرف الجوع أبدا والحمد لله، وكل ما في الأمر أني ~~أريد أن أغير حياتي، وهذا حقي لا مراء فيه، ولا داعي مطلقا ~~لغضبك وسخطك. # ولم يفهم المعلم مراده، كان الشاب يتمتع بحرية مطلقة، فلا ~~يسأل عما يفعل، فلماذا يريد أن ينشئ لنفسه بيتا خاصا؟ وكان ~~المعلم، على رغم ما يقوم بينهما من أسباب الشقاق والملاحاة ~~والخصام، يحبه؛ ولكنه حب لم يظفر قط بالجو الذي يستطيع أن ~~يتنفس فيه، وغشيته دائما غواشي الغيظ والحنق والسباب، ولطالما ~~نسي كثيرا أنه يحب ابنه الوحيد. وحتى في هذه الساعة والفتى ~~ينذره بهجره غاب حبه وإشفاقه تحت ستار الغضب والحنق، ms083 وتمثل ~~له الأمر تحديا وعراكا، ولذلك سأله في تهكم مر: نقودك ~~في جيبك، تنفقها كما تشاء وينعم بها الخمارون والحشاشون ~~والقوادون، هل سألناك مليما؟ ~~- أبدا .. أبدا، أنا لا أشكو هذا مطلقا. # فتساءل المعلم بنفس اللهجة المرة: أمك الجشعة ذات العينين ~~اللتين لا يشبعهما إلا التراب، هل أخذت منك مليما؟ # فقطب حسين ضجرا وقال: قلت: إني لا أشكو هذا، كل ما في الأمر ~~أني أريد حياة غير هذه الحياة، إن كثيرين من زملائي يقطنون في ~~بيوت فيها الكهرباء! ~~- الكهرباء! أمن أجل الكهرباء تترك بيتك؟! .. الحمد لله على أن ~~أمك بفضائحها قد جعلت بيتنا أحمى من الكهرباء. # وهنا خرجت المرأة عن صمتها مولولة: مظلومة والله يا ربي ظلم ~~الحسن والحسين. # واستدرك حسين قائلا: إن زملائي جميعا يحيون حياة جديدة، وقد ~~انقلبوا جميعا جنتلمان كما يقول الإنجليز. # ففغر المعلم فاه، فانفرجت شفتاه الغليظتان عن أسنانه الذهبية ~~وقال: ماذا تقول؟ # فلزم الفتى الصمت مقطبا، واستدرك المعلم: جلمان؟! ما هذا؟ .. ~~صنف حشيش جديد؟! # فقال حسين متذمرا: أعني رجلا نظيفا. ~~- ولكنك وسخ، فكيف تريد أن تكون نظيفا .. يا جلمان! # وضاق حسين بتهكم أبيه فقال منفعلا: أبي، أريد أن أحيا حياة ~~جديدة، هذا كل ما هنالك، وسأتزوج من بنت ناس! ~~- بنت جلمان! ~~- بنت ناس طيبين. ~~- ولماذا لا تتزوج بنت كلب كما فعل أبوك؟! # فتأوهت أم حسين قائلة: الله يرحمك يا أبي، كنت فقيها ~~وقورا. # فالتفت نحوها بوجهه المربد وقال: فقيه! .. كان قارئ قبور، ~~يتلو السورة بمليمين! # فقالت المرأة متوجعة: كان يحفظ كلام الله وكفى! # تحول عنها المعلم واقترب خطوات فصار من ابنه على بعد ذراع، ~~وسأله بصوت مخيف: حسبنا كلاما، فليس لدي من وقت أضيعه بين ~~مجانين، أتريد حقا أن تترك هذا البيت؟! # فلم حسين أطراف شجاعته وقال باقتضاب: نعم. # فأدام المعلم النظر إليه مليا، ثم ثارت ثائرته بغتة، فضربه ~~براحته على وجهه. ولم يستطع الفتى أن يتفادى الضربة العنيفة ~~فتلقاها بحنق جنوني، وابتعد عن الرجل وهو يصيح: لا تضربني، لا ~~تمسسني، لن تراني بعد اليوم. # وهجم ms084 الرجل عليه فحالت دونه المرأة القانطة، وتلقت لكماته على ~~صدرها ووجهها، حتى كف الرجل وهو يصرخ: اغرب عني بوجهك الأسود! ~~ولا تعد أبدا، سأفرض أنك مت واندلقت في الجحيم. # جرى الفتى إلى حجرته، وتناول البقجة، ونزل السلم وثبا، وقطع ~~الزقاق لا يلوي على شيء، وقبل أن يعدل إلى الصنادقية بصق عليه، ~~وهتف بصوت مرتعش من الحنق: غر .. انجحر، لعنة الله عليك ~~وعلى أهلك. # 15 # سمعت الست سنية عفيفي طرقا على الباب ففتحته، فرأت - في فرح ~~لا يوصف - وجه أم حميدة يطالعها بصفحته المجدورة، وهتفت من ~~الأعماق: أهلا وسهلا بالحبيبة. # وتعانقتا عناقا حارا - أو هكذا بدا على الأقل - وقادتها إلى ~~حجرة الاستقبال وهي تأمر الخادم بصنع القهوة، وجلستا على كنبة ~~متلاصقتين، واستخرجت من علبة سيجارتين، وجعلتا تدخنان في ~~انبساط وسرور. وكانت الست سنية تكابد آلام الترقب والانتظار ~~مذ وعدت أم حميدة بالبحث لها عن زوج. ومن عجب أنها صبرت على ~~العزوبة أعواما طوالا، ولكنها لم تستطع مع فترة الانتظار - على ~~قصرها - صبرا. واعتادت في هذه الفترة أن تتردد على زيارة أم ~~حميدة دون انقطاع طويل، والمرأة لا يخفى عليها من أمرها شيء، وما ~~انفكت تعدها وتمنيها، حتى أيقنت الست سنية أن المرأة ~~تسوف وتماطل حتى تظفر منها بأكبر نفع مرجو. ومع ذلك كانت ~~معها جوادة كريمة، فأعفتها من دفع إيجار الشقة، وتنازلت لها عن ~~عدد من كوبونات الكيروسين، ونصيبها من الأقمشة الشعبية، غير صينية ~~بسبوسة كلفت عم كامل بصنعها لها. ثم آذنتها المرأة بخطبة عباس ~~الحلو لابنتها حميدة! وتظاهرت الست سنية بالسرور، ولكن الخبر وقع ~~من نفسها موقعا مقلقا، وتساءلت: ترى هل تضطر إلى المساهمة في ~~تجهيز الفتاة لعرسها قبل أن تجهز نفسها؟! هكذا تنازعها الخوف من ~~أم حميدة والتودد إليها طوال فترة الانتظار. وقد جلست لصقها ~~تسترق إليها النظر بين آونة وأخرى متسائلة عما عسى تتمخض عنه ~~زيارتها هذه: وعود وأماني كالعادة، أم البشرى التي يتلهف ~~قلبها عليها؟! وراحت تداري اضطرابها بشجون الحديث، فكانت - على ~~غير المألوف - المحدثة، وأم حميدة ms085 المنصتة. تكلمت عن فضيحة ~~المعلم كرشة، ومغادرة ابنه حسين لبيته، وانتقدت أم حسين في ~~تصرفاتها الفاضحة التي تحاول بها تقويم سلوك زوجها الشاذ، ثم ~~تدرج الحديث إلى عباس الحلو، فأثنت عليه قائلة: أنعم به من ~~شاب طيب! سيفتح الله عليه ويرزقه، ويمكنه من تهيئة الحياة ~~السعيدة لعروسه التي تستأهل كل خير. # وابتسمت أم حميدة عند ذاك وقالت: الشيء بالشيء يذكر، اعلمي ~~أني حاضرة اليوم لأخطبك يا عروس! # وخفق فؤادها بعنف، وذكرت كيف حدثها قلبها بأن زيارة اليوم ~~خطيرة، وبأن المرأة تطوي صدرها على سر تضن به إلى حين، وتورد ~~وجهها، وجرى في عوده الذابل ماء شباب، ولكنها تمالكت نفسها وقالت ~~في حياء مصطنع: واخجلتاه! ماذا تقولين يا ست أم حميدة؟! # فقالت المرأة وقد افتر ثغرها عن ابتسامة ظفر وارتياح: أقول إني ~~حاضرة لأخطبك يا ست الناس! ~~- حقا! يا له من أمر خطير! أجل أذكر ما تم الاتفاق عليه، ~~ولكن لا يسعني إلا أن أضطرب، وأن أخجل أيضا، واخجلتاه! # فجارتها أم حميدة في تمثيلها وقالت محتجة: حاشا الله أن ~~تخجلي لغير ما عيب أو نقيصة، ولكنك تتزوجين على شرع الله وسنة ~~الرسول. # فتنهدت الست سنية تنهد من يدفع إلى التسليم على غير إرادته، ~~وقد رن قول الأخرى لها «ستتزوجين» رنينا حلوا محبوبا في ~~أذنيها. أما أم حميدة فقد أخذت نفسا طويلا من سيجارتها، ~~وهزت رأسها هزة الثقة والاطمئنان وقالت: موظف. # ودهشت الست سنية، ونظرت إلى محدثتها بعينين لا تكادان ~~تصدقان .. موظف! إن الموظف فاكهة محرمة على زقاق المدق! ~~وتساءلت قائلة: موظف؟ ~~- أي نعم، موظف! ~~- في الحكومة؟! # وسكتت أم حميدة هنيهة لتستمتع بظفرها، ثم استطردت: في الحكومة، ~~وفي قسم البوليس بالذات. # فازداد عجب الست وقالت متسائلة: وماذا يوجد في القسم غير ~~الضابط والعساكر؟! # فرمقتها المرأة بنظرة عارف لجاهل وقالت: يوجد موظفون أيضا .. ~~اسأليني أنا .. أنا أعرف الحكومة والوظائف والدرجات والعلاوات .. ~~هذه مهنتي يا ست! # فقالت الست سنية بدهشة يخالطها سرور لا يصدق: هو أفندي ~~إذا! ~~- أفندي بسترة وبنطلون وطربوش وحذاء! ~~- الله يشرف ms086 قدرك يا ست أم حميدة. ~~- إني أختار الطيب للطيب، وأعرف لكل إنسان قدره، ولو كان في ~~أقل من الدرجة التاسعة ما وقع اختياري عليه. # فتمتمت الست سنية متسائلة: الدرجة التاسعة؟ ~~- الحكومة درجات، ولكل موظف درجة، والتاسعة إحدى هذه الدرجات؛ ~~ولكنها درجة ولا كل الدرجات يا حبيبتي! # فقالت الست وعيناها تتألقان سرورا: دمت من صديقة محبة ~~عزيزة! # فاستدركت أم حميدة تقول بصوتها الواشي بالظفر والثقة: يجلس إلى ~~مكتب كبير، تتكدس عليه الملفات والأوراق للسقف، والقهوة داخلة ~~خارجة، هذا يرجوه وهذا يسأله، وهو ينهر هذا ويشتم ذاك، العساكر ~~تحييه، والضباط تحترمه. # فابتسمت الست سنية، ولاحت في عينيها نظرة أحلام، وواصلت أم ~~حميدة الحديث قائلة: مرتبه عشرة جنيهات لا تنقص ~~مليما. # وصدقتها الست سنية فهتفت قائلة: عشرة جنيهات! # فقالت المرأة ببساطة: هذا قليل من كثير، وما مرتب الموظف إلا ~~بعض رزقه، وبالحذق والشطارة يستطيع أن يربح أضعافه، ولا تنسي ~~علاوة الغلاء، وعلاوة الزواج، ثم علاوة الأطفال. # فضحكت الست ضحكة عصبية وصاحت: سامحك الله يا ست أم حميدة، ما ~~لي أنا والأطفال؟! ~~- ربك قادر على كل شيء. ~~- نحمده ونشكر فضله على أي حال. ~~- أما عمره فثلاثون عاما. # فصاحت الست في إنكار: رباه! أكبره بعشرة أعوام! # ولم يخف على المرأة أنها تناست عشرة أعوام من عمرها، ولكنها ~~قالت في لهجة تنم عن العتاب: لا زلت شابة يا ست سنية! ومع ذلك ~~فقد صارحته بأنك في الأربعين ووافق مسرورا. ~~- أرضي حقا؟! .. ما اسمه؟! ~~- أحمد أفندي طلبة، من أهل الخرنفش، وابن الحاج طلبة عيسى صاحب ~~المقلة بأم الغلام، أسرة طيبة تنحدر من صلب سيدنا الحسين. ~~- أسرة طيبة حقا، وأنا شريفة أيضا كما تعلمين يا ست أم ~~حميدة. ~~- أعلم هذا يا حبيبتي، وهو لا يتحرى إلا الأخلاق الطيبة، ~~ولولا هذا لتزوج من عهد طويل، ولكنه يزدري بنات اليوم وينقم ~~عليهن قلة الحياء، ولما أن حدثته عن أخلاقك واحتشامك، وقلت ~~له: إنك سيدة شريفة وصاحبة قرش، سر سرورا لا مزيد عليه، ~~وقال لي: هذه طلبتي، بيد أنه سألني شيئا ms087 واحدا لا يخرج عن حدود ~~الأدب، وهو أن يرى صورتك! # فتورد الوجه النحيل، وقالت بإشفاق: والله ما صورت منذ ~~أمد بعيد! ~~- أليس لديك صورة قديمة؟ # فأومأت الست إلى صورة على منضدة وسط الحجرة دون أن تنبس ~~بكلمة، فانحنت المرأة قليلا وتناولتها بيدها ونظرت فيها متفحصة. ~~كانت صورة يرجع تاريخها إلى ما قبل ستة أعوام، وكانت صاحبتها ~~وقتذاك على شيء من الامتلاء والحياة، فرددت المرأة بصرها بين ~~الصورة والأصل، ثم قالت جازمة: طبق الأصل، كأنها صورت ~~بالأمس القريب. # فتهدج صوت المرأة وهي تقول: الله يحلي دنياك. # وأودعت جيبها الصورة بإطارها، وأشعلت سيجارة أخرى قدمت لها، ~~ثم قالت بلهجة رزينة: ولقد تحدثنا طويلا فعرفت أمورا عما ~~في مرجوه. # ولحظتها الست بنظرة حذرة لأول مرة، وانتظرت أن تواصل ~~حديثها، فلما أن طال الصمت، سألتها مبتسمة ابتسامة باهتة: ~~ترى ماذا في مرجوه؟ # أتجهل حقا أم تظنه يريد الزواج منها حبا في سواد عينيها؟ ~~واغتاظت المرأة قليلا؛ بيد أنها قالت بهدوء وبصوت منخفض ~~قليلا: أظن ليس لديك مانع من إعداد جهازك بنفسك؟! # وفهمت الست سنية المقصود لأول وهلة، فالرجل لا يريد أن يدفع ~~صداقا، ويرغب ولا شك في أن يترك لها وحدها عبء الجهاز، ولم يكن ~~ذلك ليغيب عنها من أول الأمر، منذ تملكتها الرغبة في الزواج. ~~وسبق أن لمحت أم حميدة إلى هذا في ثنايا أحاديثها، فلم تفكر ~~قط في الاعتراض عليها. فقالت بلهجة تنم عن التسليم: ربنا ~~المعين. # فابتسمت أم حميدة وقالت: نسأل الله التوفيق والسعادة. # ونهضت المرأة تريد الانصراف، فتعانقتا عناقا حارا، وسارت ~~الست في توديعها حتى الباب الخارجي، ووقفت مرتفقة الدرابزين، وأم ~~حميدة تنزل السلم إلى شقتها، وقبل أن تغيب عن ناظريها هتفت بها: ~~مع ألف سلامة، قبلي عني حميدة. # ثم عادت إلى حجرتها بقلب فتي، ابتعث حرارته الأمل الجديد. ~~وجلست تستعيد ما قالت أم حميدة جملة جملة وكلمة كلمة. كانت ~~الست سنية على شيء من الحرص؛ ولكنه ليس الحرص الذي يقف عثرة ~~في سبيل سعادتها. أجل فطالما آنس المال وحدتها، ms088 سواء ذاك الذي ~~تحفظه في صندوق التوفير، أو هذا الذي تتملاه رزما جديدة بديعة ~~في صندوقها العاجي، ولكن لا هذا ولا ذاك بمغن عن الرجل الخطير ~~الذي سيصبح بإذن الله بعلا لها. ولكن هل تعجبه الصورة؟ ~~وتورد وجهها حتى أحست بحرارة دمها تلفح جبينها، ونهضت إلى ~~المرآة تعاين صورتها، وجعلت تحرك وجهها يمنة ويسرة حتى تراءى ~~لعينيها أحسن الأوضاع فثبتته عليه، وأنعمت في الصورة النظر، ~~ولاح في وجهها شيء من الرضا، وغمغمت برجاء: «ربنا يستر»، ثم ~~عادت إلى جلستها وهي تقول: «المال يغطي العيوب.» ألم تقل له ~~المرأة: إنها صاحبة قرش؟! وإنها لكذلك. وليست الخمسون بسن اليأس، ~~فلا يزال أمامها عشرة أعوام، وكم من امرأة في الستين تستطيع أن ~~تتمتع بالسعادة إذا كفاها الله شر الأمراض. والزواج كفيل بري ~~العود الذابل، وبعث الجسد الخامد. هكذا سرحت مع أفكارها ~~الوردية حتى اعترض تيارها الصافي زبد متلبد، فقطبت فجأة، ~~وتساءلت مغيظة: ترى ماذا يقول الناس غدا؟ آه، إنها تعرفهم حق ~~المعرفة، وستكون أم حميدة نفسها في طليعة المتقولين؛ سيقولون: ~~لقد جنت الست سنية، ويقولون: امرأة في الخمسين تتزوج من ابن ~~في الثلاثين، وسوف يتحدثون طويلا عن المال الذي يصلح ما أفسد ~~الدهر، وربما قالوا غير هذا وذاك كثيرا مما لا يخطر لها ~~ببال. فليقولوا ما شاء لهم القول. وهل كانوا أعتقوها من شر ~~ألسنتهم وهي أرملة؟! وهزت الست كتفيها استهانة، ثم دعت ~~ربها من الأعماق قائلة: اللهم احفظني من شر العين! # ثم خطر لها خاطر سرعان ما رحبت به، وصدقت نيتها على ~~تنفيذه، وهو أن تذهب إلى الشيخة رباح بالباب الأخضر تستقرئها ~~الطالع، وتستوهبها بعض الرقى، فما أحوجها في حالتها هذه إلى ~~حجاب مفيد أو بخور نافع. # 16 ~~- ماذا أرى؟! إنك لرجل وقور! # قال زيطة ذلك وهو يتفرس وجه رجل عجوز منتصب القامة، يمثل ~~بين يديه في خضوع واستكانة .. كان رث الجلباب، نحيل الجسد، ~~ولكنه ذو مظهر وقور كما قال صانع العاهات، كبير الرأس أبيض الشعر، ~~مستطيل الوجه، له عينان هادئتان خاشعتان، ms089 كأنه لوقاره وطول قامته ~~واعتدالها من رجال الجيش المتقاعدين. وراح زيطة يتفحصه بدهشة ~~وأناة على ضوء المصباح الخافت، ثم عاد يقول: إنك لرجل وقور، أترغب ~~في امتهان الشحاذة حقا؟! # فقال الرجل بصوت هادئ النبرات: أنا شحاذ بالفعل؛ ولكني غير ~~موفق. # فتنحنح زيطة، وبصق على الأرض ومسح شفتيه بكم جلبابه الأسود، ~~وقال: إنك أرق من أن تحتمل أي ضغط شديد على أعضائك. والحق أنه ~~لا يصح التقدم لاتخاذ عاهة كاذبة بعد العشرين، فالعاهة الكاذبة ~~والصادقة سواء فيما تقتضيه من عناء! وكلما كان العظم طريا ~~ضمن الشحاذ عاهة في حكم المستديمة حقا، وأنت شيخ كبير على ~~عتبة الفناء، فما عسى أن أصنع بك؟ # ومضى يفكر. وكان إذا اعتراه الفكر فغر فاه وأرعش لسانه، ~~فلاح في فمه كرأس أفعى، ثم ومضت عيناه البراقتان بغتة وصاح: ~~الوقار أنفس عاهة! # فسأله الرجل متحيرا: ماذا تعني يا أستاذ؟! # فانكفأ وجه زيطة غضبا وصاح به محتدا: أستاذ؟! أسمعتني أقرأ ~~على القبور؟ # فدهم غضبه الرجل، وبسط راحتيه مستعطفا وقال بصوت منكسر: معاذ ~~الله .. ما قصدت إلا تبجيلك. # فبصق زيطة مرتين وقال منفعلا في زهو وعجب: إن عملي ليعجز ~~أعظم أطباء البلد لو حاولوه. ألا تعلم أن إحداث عاهة كاذبة أشق ~~من إحداث عاهة حقيقية ألف مرة؟ .. إن عاهة حقيقية لا تستقضيني ~~أكثر من أن أبصق على وجهك. # فقال الرجل بأدب جم: لا تؤاخذني يا سيدي، إن الله غفور ~~رحيم. # وسكت الغضب عن زيطة، وحدج الرجل بنظرة حادة، ثم قال بصوت لم ~~تمح منه بعض آثار الحدة: قلت: إن الوقار أنفس عاهة. ~~- كيف يا سيدي؟ ~~- الوقار كفيل بأن يكتب لك النجاح كشحاذ نادر المثال. ~~- الوقار يا سيدي؟! # فمد زيطة يده إلى كوز على الرف، واستخرج منه نصف سيجارة، ثم ~~أعاده إلى موضعه، وأشعلها من فوهة زجاجة المصباح، وأخذ نفسا ~~طويلا وهو يضيق عينيه البراقتين، وقال بهدوء: ليست العاهة ~~بمطلبك، بل أنت في حاجة إلى مزيد من التحسين والتجميل. اغسل ~~جلبابك جيدا، واحصل بأية طريقة على طربوش نصف عمر، وامش ms090 ~~بقامتك المعتدلة هذه في خشوع وأدب، واقترب في إشفاق من رواد ~~المقاهي، ثم قف في حياء، ومد يدك في تألم دون أن تنبس بكلمة، ~~وتكلم بعينيك .. ألا تعرف لغة الأعين؟ .. ستحدق فيك ~~العيون بدهشة، سيقولون: عزيز قوم ذل، ويقولون: محال أن يكون ~~هذا من أولئك الشحاذين المحترفين. أفهمت الآن ما أريد؟ ستربح ~~بوقارك أضعاف ما يربحه الآخرون بعاهاتهم. # وأمره أن يقوم بتجربة لدوره الجديد، ووقف يراقبه مدخنا ~~سيجارته، وتفكر قليلا ثم قال مقطبا: ربما سولت لك نفسك أن ~~تأكل أجري بحجة أني لم أصنع لك عاهة تستحق الأجر، وأنت حر ~~تفعل ما تشاء، على شرط أن تولي وجهك وجهة غير حي الحسين ~~العامر. # فتعوذ الرجل في إنكار وقال متألما: حاشاي أن أخون صاحب ~~الفضل علي. # وانتهت المقابلة عند ذاك، فسار زيطة بين يدي الرجل ليدله على ~~الطريق، ووصله حتى الباب الخارجي للفرن، وفي أثناء عودته لاحظ ~~أن المعلمة حسنية متربعة على حصيرة بمفردها، وليس لجعدة من ~~أثر، وكان من عادته إذا التقى بها أن يخلق سببا لمبادلتها كلمة ~~أو كلمتين، توددا إليها، وإفصاحا عن إعجابه الكمين، فقال لها: ~~أرأيت هذا الرجل؟ # فقالت المعلمة حسنية بغير مبالاة: طالب عاهة، أليس ~~كذلك؟ # فضحك زيطة وراح يقص عليها قصته، والمرأة تضحك وتلعنه على ~~شيطنته، ثم اتجه نحو الباب الخشبي القصير الذي يؤدي إلى مأواه، ~~وتردد على عتبته لحظة ثم سألها: أين جعدة؟ # فأجابته المرأة: في الحمام. # وظن الرجل لأول وهلة أنها تسخر منه لقذارته المعروفة، فرمقها ~~بحذر؛ ولكنه وجدها جادة، فأدرك أن جعدة قد ذهب إلى حمام ~~الجمالية، وهو ما يفعله مرتين في العام، وأنه لن يعود قبل منتصف ~~الليل على وجه التقريب، فحدثته نفسه بأن يجالس المعلمة قليلا، ~~متشجعا بما أثارته قصته من سرور. وجلس على عتبة بابه مستندا إلى ~~مصراع الباب، مادا ساقيه كعمودين رقيقين من الفحم، غير عابئ ~~بما أحدثه جلوسه من دهشة وإنكار لاحت آياتهما في عينيها. وكانت ~~المرأة تعامله كما يعامله بقية أهل الزقاق، غير كلمات يتبادلانها ~~في ms091 ذهابه أو إيابه، بوصفها مالكة مأواه. ولم تكن تشك في أن ~~علاقته بها تنقطع عند هذا الحد، ولم يدر لها بخلد أنه يطلع ~~على الكثير من دخائل حياتها ودقائقها. ولكن مخلوقا كزيطة لا ~~يعدم أن يجد منفذا في الجدار بينه وبين الفرن يطلع منه على ما ~~يروي غلته المتطفلة، وأحلامه البهيمية، فصار وكأنه واحد من ~~هذه الأسرة، يشهد عملها وراحتها، ويلذه، بوجه خاص، أن يرى ~~المعلمة وهي تكيل الضرب لبعلها لأقل هفوة، وما أكثر هفوات جعدة ~~التي يقع فيها كل يوم ويعاقب عليها كل يوم، حتى بات الضرب من ~~غذائه اليومي، يتلقاه تارة في تصبر وتجلد، وتارة في بكاء ~~وصراخ وعواء. وهو لا يفتأ يحرق بعض الأرغفة في أثناء خبزها، أو ~~يسرق البعض الآخر ليلتهمه خفية فيما بين الوجبات، أو يبتاع ~~بسبوسة بنصف قرش من أجر الخبز الذي يحصله من البيوت، ولا ~~يتورع عن ارتكاب هذه الجرائم يوما بعد يوم، دون توفيق في طمس ~~معالمها، ولا قدرة على منع عقوباتها الصارمة. وكان زيطة يعجب ~~لخنوع الرجل وجبنه وعتهه. وأعجب من هذا أنه - زيطة - كان ~~يستقبحه ويهزأ بصورته! كان جعدة طويل القامة لحد مفرط، طويل ~~الذراعين، ممطوط الفك الأسفل، غائر العينين، غليظ الشفتين. ~~ولطالما حقد عليه زيطة تمتعه بهذه الزوجة الهائلة التي يرمقها ~~بعين الإعجاب والرغبة، ولذلك مقته واحتقره، وتمنى لو يستطيع ~~قذفه داخل الفرن مع العجين والصواني. ولذلك أيضا سره أن يجد في ~~غياب الحيوان فرصة ليجالس المعلمة قليلا، فجلس ومد ساقيه، غير ~~عابئ بما يحدثه جلوسه من دهشة وإنكار. ولم تتردد المعلمة ~~حسنية بجرأتها المعهودة أن سألته بجفاء بصوت غليظ: ما لك جلست ~~هكذا؟! # فقال زيطة لنفسه: «اللهم ارفع غضبك ومقتك عنا.» ثم ~~قال لها بلطف وتودد: أنا ضيف يا معلمة، والضيف لا ~~يهان. # فقالت بتقزز: ولماذا لا تنجحر وتريحني من وجهك؟ # فقال زيطة برقة مبتسما عن أنيابه الوحشية: لا يمكن أن يقضي ~~الإنسان حياته كلها بين الشحاذين والقاذورات والديدان، ولا مفر ~~من أن يتطلع لمنظر أبهج وأناس أفضل. ms092 # فانتهرته بعنف قائلة: يعني لا مفر من أن يؤذي الناس بمنظره ~~الكريه ورائحته الخبيثة! .. أف .. أف .. انجحر وأغلق الباب ~~وراءك! # فقال زيطة بخبث: ومع ذلك فعسى أن توجد مناظر أفظع وروائح ~~أخبث. # وأدركت المعلمة أنه يلمح إلى زوجها، فاربد وجهها وقالت ~~بلهجة تنم عن الوعيد: ماذا تعني يا أخا الديدان؟! # فقال الرجل ولم تكن تعوزه الجرأة: أخونا الفاضل جعدة . # فصاحت به بصوت مخيف: حذار يابن اللئيمة .. لو بلغتك يدي ~~شطرتك اثنين. # ولم يتعام الرجل عن الخطر الماثل أمامه فقال مستعطفا: قلت: ~~إني ضيف يا معلمة، والضيف لا يهان. ثم إني لم أعرض بجعدة إلا ~~بعد أن ثبت لي ازدراؤك له، وانهيالك عليه بالضرب لأتفه ~~الأسباب. ~~- جعدة هذا ظفره برقبتك! # فقال زيطة محتجا: ظفرك أنت بألف رقبة كرقبتي؛ أما جعدة ~~... ~~- أتحسب أنك خير من جعدة؟! # فلاح الانزعاج في وجه زيطة وفغر فاه دهشة، لا لأنه - في حسبانه ~~- خير من جعدة فحسب؛ ولكن لأنه كان يعتقد أن مجرد مقارنته به ~~سبة لا تغتفر، فأين هذا الحيوان الأعجم من شخص مقتدر مثله، ~~يعد بحق ملكا على دنيا برمتها أيا كانت هذه الدنيا؟ ~~وسألها بدهشة: ماذا ترين أنت يا معلمة؟ # فقالت حسنية بتحد وازدراء: أرى أن ظفره برقبتك. ~~- هذا الحيوان؟! # فهتفت بصوت فظ: هذا رجل ولا كل الرجال يا وجه العفريت. ~~- هذا المخلوق الذي تعاملينه كما تعامل الكلاب ~~الضالة؟ # وأدركت المرأة في كلامه حنقا وغيرة، فراقها ذلك على ~~انفعالها، وعدلت عن ضربه بعد أن حدثتها نفسها به، وراحت تقول ~~كأنما لتضاعف حنقه وغيرته: هذا شيء لا تفهمه، وما أجدر أن تموت ~~حسرة على لكمة مما يصيبه. # فقال زيطة حانقا: لعل الضرب شرف لا أدركه! ~~- شرف لا تطمح إليه يا عشير الديدان. # وتفكر زيطة مليا، ترى هل تطيب لها معاشرة هذا الحيوان حقا؟ ~~وقد طالما طرح هذا السؤال على نفسه، ولكنه كان يأبى أن يصدق ~~هذا. إن المرأة لا تملك أن تقول غير ما قالت، ولكنها تبطن ~~شيئا آخر بلا جدال. ورمق بنيانها الضخم المكتنز ms093 بعين نارية، ~~فازداد إباء وعنادا، ونشط خياله بارعا مجنونا فصور له ~~المستقبل في ألوان زاهية، وأوحى له خلو المكان بتخيلات محمومة، ~~فلمعت عيناه المخيفتان .. أما حسنية الفرانة فقد استلذت ~~غيرته، ولم يقلقها انفراده بها لعظيم ثقتها بقوتها، فقالت في ~~تهكم: حتى أنت يا تراب الأرض .. استخرج جسمك من التراب الذي ~~يغطيه أولا، ثم كلم الناس بعد ذلك. # ليست المرأة غاضبة .. ولو كانت غاضبة حقا لما دارت غضبها، ~~ولصفعته بوحشيتها! إنها تمازحه ولا شك، فلا يجوز أن تفلت ~~الفرصة من يديه، قال: أنت لا تفرقين يا معلمة ما بين التراب ~~والتبر. # فقالت المرأة بتحد: هل تستطيع أن تنكر أنك من طين؟ # فهز منكبيه استهانة وقال ببساطة: كلنا طين. # فقالت المرأة ساخرة: خسئت! إنك طين على طين، وقذارة على قذارة، ~~ولذلك لا عمل لك إلا تشويه البشر، كأنك تنبعث إلى ذلك برغبة ~~شيطانية في النزول بالبشر إلى مستواك القذر. # فتضاحك زيطة وما يزداد إلا أملا، وقال: ولكني أحسن الناس ولا ~~أقبحهم، ألا ترين أن الشحاذ بغير العاهة لا يساوي ~~مليما، حتى إذا ما صنعتها له ساوى ثقله ذهبا؟! والرجل يقوم ~~بثمنه لا بصورته .. أما أخونا جعدة فلا ثمن ولا صورة. # فزمجرت المرأة بصوت ملؤه الوعيد: أتعود إلى هذا الحديث مرة ~~أخرى؟! # فتعامى عن وعيدها، وتجاهل الموضوع الذي طرقه متعمدا، وتخطاه ~~قائلا: ومع ذلك فجميع زبائني من الشحاذين المحترفين، فماذا ~~تريدينني على أن أفعل بهم؟ .. أكنت تريدين أن أحليهم ~~وأزينهم وأسرحهم في الطرقات لغواية المحسنين؟! ~~- يا لك من شيطان! لسان شيطان، وصورة شيطان! # فتنهد بصوت مسموع، وقال باستكانة المستعطف: كنت مع ذلك ~~ملكا في يوم ما! # هزت رأسها متسائلة في سخرية: ملكا من الأسياد ~~والعفاريت؟ # فقال بلهجة الاستكانة والاستعطاف نفسه: بل من البشر أنفسهم .. ~~وأي واحد منا تستقبله الدنيا كملك من الملوك، ثم يصير بعد ذلك ~~ما يشاء له نحسه. وهذا خداع حكيم من الحياة، وإلا فلو أنها أفصحت ~~لنا عما في ضميرها منذ اللحظة الأولى لأبينا أن نفارق ~~الأرحام. ~~- ما شاء الله ms094 يابن الدائخة! # فاستدرك زيطة في حماسة وسرور: وهكذا كنت يوما ما مولودا ~~سعيدا، تلقفته الأيدي بالسرور، وحاطته العناية والرحمة، فهل ~~تشكين بعد ذلك أني كنت ملكا؟ ~~- أبدا يا مولانا! # وأسكرته حرارة الحديث ولذة الأمل، فمضى قائلا: وكان مولدي ~~يمنا وبركة أيضا؛ ذلك أن والدي كانا شحاذين محترفين، ~~وكانا يكتريان طفلا تحمله أمي في أثناء تجوالهما، فلما أن ~~رزقهما الله بي أغناهما عن أطفال الناس، وفرحا بي فرحا ~~عظيما. # فلم تملك حسنية أن ضحكت ضحكة مجلجلة، فازداد حماسة وحرارة، ~~وقال مواصلا حديثه: آه من ذكريات طفولتي السعيدة! لا زلت أذكر ~~مستراحي من الطوار؛ كنت أزحف على أربع حتى أبلغ حافة الطوار ~~المطلة على الطريق، وكانت توجد تحت المكان المختار ثغرة في ~~الأرض يركد فيها ماء من مطر أو رش أو دابة، يتكتل الطين في ~~قعرها، وعلى سطحها يغني الذباب، وعلى شطآنها تتجمع نفاضة الطريق ~~.. منظر ساحر يأخذ بالألباب .. ماؤها مطين، وساحلها زبالة ~~متعددة ألوانها .. قشر طماطم، ونفاية مقدونس وتراب وطين، والذباب ~~يحوم حولها ويقع عليها، فكنت أرفع جفني المثقلين بالذباب، ~~وأسرح طرفي في ذاك المصيف الطروب، والدنيا لا تسعني ~~فرحا. # فهتفت المعلمة ساخرة: يا بختك .. يا حظك. # ولذه سرورها وإقبالها على حديثه، فقال متشجعا: هذا سر ولعي ~~بما يسمونه ظلما بالقاذورات، والإنسان خليق بأن يألف أي ~~شيء مهما شذ وغرب، ولذلك أخاف عليك أن تألفي ذاك ~~الحيوان. ~~- أتعود أيضا إلى هذا؟ # فقال وقد أعمته الشهوة وأصمته: طبعا .. لا قبل لإنسان ~~بإغفال الحق. ~~- الظاهر أنك زهدت في الدنيا. ~~- لقد ذقت الرحمة مرة كما قلت لك في المهد. # ثم أومأ بيده إلى المزبلة التي تسكنها واستدرك: وقلبي يحدثني ~~بأن لي حظا أن أذوقها مرة أخرى في مأواي هذا. # وأومأ برأسه إلى الداخل كأنه يقول لها: «هلمي» .. ~~فتميزت المرأة غيظا، وأحنقتها جرأته، فصاحت في وجهه: حذار ~~يابن الشيطان. # فقال بصوت متهدج: كيف لابن الشيطان أن يحذر غواية أبيه؟ ~~- إذا هشمت عظمك؟ ~~- من يعلم .. ربما أستلذ ذلك أيضا. # ونهض الرجل بغتة، وتراجع قليلا متقهقرا، كان ms095 يظن أنه بلغ ~~مناه، وأن المعلمة أصبحت طوع يمينه، وقد تلبسته حال جنونية ~~جعلته ينتفض انتفاضا، وثبتت عيناه على عيني المرأة في ذهول ~~وبهيمية. ثم مد يديه بغتة إلى طرف جلبابه وخلعه بسرعة فائقة، ~~وتجرد عاريا! وبهتت المعلمة لحظات، ثم امتدت يدها إلى كوز ~~غير بعيد، وقذفته به بسرعة وقوة، فأصاب بطنه، وندت عنه آهة ~~كالخوار، وسقط يتلوى. # 17 # كان السيد سليم علوان جالسا كعادته إلى مكتبه بالوكالة حين جاءت ~~أم حميدة لابتياع بعض اللوازم. وكان الرجل يستقبلها إذا جاءته ~~بلطف؛ ولكنه لم يقنع هذه المرة بذلك، فدعاها إلى الجلوس على ~~كرسي قريب منه، وكلف أحد العمال باستحضار ما تريد من ألوان ~~العطارة. ونال هذا العطف من أم حميدة، فلهجت بشكره والدعاء له. ~~والحق أن هذا العطف لم يكن ارتجالا، ولكن السيد كان قد نوى أمرا ~~لا رجوع فيه؛ لأنه من العسير أن يعيش الإنسان موزع النفس، ~~مضطرب الإرادة، لا يقر له قرار. وقد ساءه كثيرا أن يرى سماء ~~حياته غائمة بالمشكلات المعلقة التي تستوجب الحلول، ثم لا يجد ~~الإرادة التي تحلها. فهؤلاء الأبناء لا يخفى عليه قلقهم، وهذه ~~الأموال المكدسة لا يدري متى يتاح له استغلالها، خصوصا وقد ~~أرجف المرجفون باحتمال هبوط قيمتها النقدية بعد الحرب، ورتبة ~~البكوية كلما ظن أنه حسم أمرها وانتهى منه عادت تلح عليه ~~كأنها دمل كامن، وعلاقته بزوجه وهمه الناشئ من ذبول شبابها ~~ونضوب حيويتها، وأخيرا - وليس آخرا - هذه العاطفة التي يعانيها ~~ويلقى من اضطرامها ما يلقى من أشواق وآلام .. لبث بين هذه الهموم ~~متحيرا، ثم رأى أن يفض أحدها بعزم ورغبة، ولكنه انساق في ~~الاختيار مع هواه وهو لا يدري، فارتأى أن يسكن هذه العاطفة ~~الغشوم، وتركز اهتمامه في ذلك، حتى لكأنه بالانتهاء منها إنما ~~ينتهي من همومه جميعا. ولكنه لم يكن بالغافل عن العواقب، ولم يكن ~~ليغيب عنه أنه بصدد مشكلة يعقب فضها المزعوم مشكلات جديدة لا ~~تقل خطرا عن سابقاتها .. ولكنه الهوى .. لقد غلبه الهوى على ~~أمره، وتسرب إلى أعماق نفسه، ms096 فتشبعت به جذور تفكيره وإرادته، ~~وهانت عليه الصعاب التي كانت تعترض أحلامه، وقال لنفسه ~~متبرما: «لقد انتهت زوجي كامرأة، ولست من الرجال الذين ~~ينزلقون إلى الفسق في مثل هذه السن، ولا داعي مطلقا للرضا ~~بالعذاب والغم. لقد يسر الله لنا، فلماذا نعسر على ~~أنفسنا؟!» وهكذا انتهى إلى رأي لا عدول عنه، وأجمع على تحقيق ~~رغبته، ولذلك دعا أم حميدة إلى الجلوس على كثب منه معتزما ~~مفاتحتها بالأمر الخطير. ولبث السيد متخوفا من الكلام قليلا، لا ~~لأن ترددا ساوره، ولكن لأنه لم يكن من اليسير أن ينزل عن ~~مرتبته العالية دفعة واحدة ويخلط نفسه بامرأة كأم حميدة. ~~وتصادف في تلك اللحظة أن دخل عامل حاملا صينية الفريك المشهورة، ~~فرأتها أم حميدة وجرت على شفتيها شبه ابتسامة لم يفته ملاحظتها، ~~وابتهل لهذه الفرصة ورأى أن يجعلها فاتحة حديثه، وتناسى تزمته ~~ووقاره، وقال لها بلهجة تنم عن السخط: لكم تكدرني هذه ~~الصينية! # وخافت أم حميدة أن يكون قد رأى ابتسامتها فقالت بعجلة: لماذا كفى ~~الله الشر؟ # فقال السيد باللهجة نفسها: لكم تحدث لي من متاعب! # فتساءلت المرأة وهي لا تدري ما يعنيه: لماذا يا سيدنا ~~البك؟ # فقال السيد سليم بهدوء متشجعا بأنه يحادث خاطبة: لا يرضى ~~عنها الطرف الآخر. # فدهشت أم حميدة، وذكرت كيف تحلب ريق أهل الزقاق يوما على ~~قطعة من هذه الصينية، وها هي ذي امرأة زاهدة لا ترضى عنها! وقالت ~~المرأة لنفسها: «يعطي الحلق لمن ليس له أذنان.» ثم غمغمت ~~مبتسمة، وبلا حياء: هذا شيء عجيب! # فهز السيد رأسه متأسفا. وكانت زوجه لا ترحب بالصينية من ~~بادئ الأمر وهي بعد شابة في ريعان الشباب. كانت ذات فطرة سليمة ~~تنفر من الشذوذ عن الطبيعة، ولكنها تحملت ما كانت تعده ~~إرهاقا؛ إكراما لزوجها النهم، وإشفاقا من تكدير صفوه. ومع ~~ذلك لم تتردد عن نصحه بالعدول عن أمر في المداومة عليه خطر، ~~وأي خطر على صحته. ولما أن تقدم بها العمر قل صبرها، ~~وتضاعف إحساسها بالأمر، وبدا تذمرها صريحا، حتى كانت تهجر بيت ms097 ~~الزوجية إلى بيوت أبنائها، زيارة في الظاهر وهروبا في الحقيقة. ~~وضاق بها السيد ذرعا، ورماها بالبرود والنضوب، وتكدر صفوهما، ~~وتنغص عيشهما، دون أن يعدل عن هواه، أو يعطف على ضعفها الملموس. ~~وقد اتخذ نشوزها - هكذا دعاه - حجة له في هواه وفيما يرتاد من ~~حياة زوجية جديدة! # هز السيد رأسه متأسفا وقال بلغة لا يخفى مرماها عن مثل أم ~~حميدة: لقد أنذرتها بالزواج من أخرى، وإني لفاعل بإذن ~~الله. # وثار اهتمام المرأة، وتحركت غريزة العمل في باطنها، وحدجته ~~بنظرة التاجر إلى زبون نادر الوجود، ولكنها قالت بشيء من ~~الارتياب: لهذا الحد يا سي السيد؟! # فقال الرجل باهتمام جدي: لقد انتظرتك طويلا، وكنت على وشك ~~أن أرسل في طلبك. فما رأيك؟ # فتنهدت المرأة وقد غلبها سرور لا يوصف، وقد قالت فيما بعد: ~~إنها ذهبت تبتاع حناء فعثرت على كنز. ثم نظرت إليه مبتسمة ~~وقالت: يا سي السيد أنت رجل قد الدنيا، ومثلك في الرجال قليل، ~~ويا حظ من تكون نصيبك، وأنا رهن إشارتك، فعندي البكر ~~والثيب، والشابة والنصف، الغنية والفقيرة .. اختر ما ~~تشاء. # وفتل السيد شاربيه الغليظين، واعتراه شيء من الارتباك ~~قليلا، ثم مال نحوها، وقال بصوت منخفض، وعلى فمه ابتسامة: لا ~~داعي للبحث والتعب، إن من أريد في بيتك أنت! # واتسعت عينا المرأة دهشة وتمتمت بلا وعي: في بيتي ~~أنا؟! # فقال السيد وقد سرته دهشة المرأة: أجل في بيتك أنت دون سواك، ~~ومن لحمك ودمك؛ أعني كريمتك حميدة. # ولم تصدق المرأة أذنيها، وتولاها الذهول. أجل كانت تعلم - ~~عن طريق حميدة نفسها - أن السيد يتبعها أينما ذهبت عينين ~~براقتين، ولكن الإعجاب شيء والزواج شيء آخر. فمن عسى أن يصدق ~~أن السيد سليم علوان صاحب الوكالة يطلب يد حميدة؟! وقالت المرأة ~~بصوت مضطرب: لسنا قد المقام يا سي السيد! # فقال الرجل برقة: إنك سيدة طيبة، وقد أعجبتني كريمتك وكفى .. ~~ألا يكون الناس أهلا للخير إلا إذا كانوا أغنياء؟! وما حاجتي ~~للمال وعندي منه ما فوق الكفاية؟! # وأصغت إليه والدهشة لا تفارقها، ثم ذكرت ms098 فجأة أمرا غاب عنها ~~حتى هذه اللحظة .. ذكرت أن حميدة مخطوبة، وقد ندت عنها «آهة» ~~كالمنزعجة، حملت السيد على أن يسألها قائلا: ما لك؟ # فقالت المرأة باضطراب: رباه، نسيت يا سي السيد أن أقول لك إن ~~حميدة مخطوبة! خطبها عباس الحلو قبل سفره إلى التل ~~الكبير. # فانكفأ وجه الرجل، واصفر وجهه غضبا، وقال بحدة وكأنه ينطق ~~باسم حشرة قذرة: عباس الحلو! # فقالت المرأة بعجلة ولهوجة: رباه، لقد قرأنا الفاتحة! # فقطب السيد سليم قائلا في غضب وازدراء: ذاك الحلاق ~~الشحاذ؟ # فقالت أم حميدة كالمعتذرة: قال إنه سيشتغل في الجيش ليجمع ~~ثروة، وسافر بعد أن قرأنا الفاتحة. # وازداد غضب السيد لانزلاقه بغتة - مع الحلو - إلى مضمار واحد، ~~وقال بحدة: أيحسب هذا الأحمق أن الجيش نعيم يدوم! ولكني أعجب ~~لما جعلك تذكرين هذه «الحكاية»! # فقالت المرأة معتذرة: لقد ذكرتها فجأة، هذا كل ما في الأمر. ~~ما كنا نحلم بهذا الشرف الرفيع، ولذلك لم يكن لدي حيلة في رفض ~~يده! لا تؤاخذني يا سي السيد، إن مثلك إذا طلب أمر .. ما كنا ~~نحلم بهذا الشرف الرفيع، فلا تؤاخذني .. سأذهب الآن وأعود إليك في ~~الحال: لا تغضب علي، لماذا غضبت هكذا؟ # وبسط السيد وجهه، وذكر أنه غضب حقا أكثر مما ينبغي، كأنما ~~الحلو هو المعتدي لا المعتدى عليه، ولكنه قال: ألا يحق لي ~~أن أغضب؟ # ثم توقف بغتة كأنه تذكر أمرا اربد له وجهه وسألها ~~منزعجا: وهل وافقت الفتاة؟ أعني هل تريده؟ # فقالت المرأة بسرعة: لا شأن لابنتي بهذا الأمر! وما حدث لا يعدو ~~أن جاءني الحلو يوما مصحوبا بعم كامل ثم قرأنا الفاتحة. # فقال السيد: غريب والله أمر هؤلاء الشبان! لا يكاد يجد الواحد ~~منهم لقمته، ولكنه لا يجد بأسا من أن يتزوج ويخلف ويزحم ~~الحارة أولادا يلتقطون رزقهم من الزبالة .. لننس هذه ~~الحكاية. ~~- نعم الرأي يا سي السيد .. سأذهب الآن، وسأعود دون إبطاء، ~~وربنا المستعان. # ونهضت المرأة واقفة، وانحنت على يده مسلمة، ثم تناولت لفافة ~~الحناء، وكان العامل قد وضعها على المكتب، ومضت ms099 إلى حال ~~سبيلها. # ولبث السيد متغيرا، متجهم الوجه، تنطق نظرة عينيه الحادة ~~بالنرفزة والغضب .. أولى الخطى عثار! حلاق قذر لا يساوي ~~مليما، ومع ذلك فهو يزحمه في حلبة واحدة. وبصق على الأرض ~~بازدراء كأنما البصقة هي الحلو نفسه، وخال أنه يسمع طنين ~~المرجفين إذ يخوضون في هذا الأمر بما يحلو لهم من تهكم وسخرية؛ ~~ستقول زوجه إنه خطف ابنة ماشطة من صالون حلاق بالمدق! أجل ستقول ~~زوجه وتعيد، وسيقول الناس ويتفننون في القول، وسيتناهى ذلك كله ~~إلى أبنائه وبناته وأصدقائه وأعدائه .. تفكر في ذلك جميعه، بيد ~~أن التراجع لم يخطر له ببال، فقد انتهت المعركة قبل اليوم، ومد ~~يده بالفعل، وتوكل على الله. ومضى يفتل شاربه بأناة، ويهز رأسه ~~استهانة، وقد ملكت الرغبة الجامحة عليه نفسه، وهونت عليه القيل ~~والقال. وهل كف الناس عنه ألسنتهم من قبل؟ ألم يجعلوا من صينية ~~الفريك أسطورة يتناقلونها؟ فليقولوا ما بدا لهم، وليفعل ما ~~بدا له، وسيظل بلا ريب سيد الجميع الذي يشق سبيله بين ~~هامات متطامنة. أما أسرته فثروته كفيلة بإرضاء أفرادها جميعا، ~~ولن يسلبهم زواجه الجديد أكثر مما كانت تسلبهم إياه رتبة ~~البكوية فيما لو سعى إليها. وانفثأ غضبه، وانبسطت أساريره، وارتاح ~~إلى تفكيره ارتياحا عظيما. ينبغي أن يذكر دائما أنه إنسان من ~~لحم ودم، وإلا أغفل حق نفسه، وقدمها لقمة سائغة للهموم ~~تزدردها. ما جدوى ثروته الطائلة إذا ذهبت نفسه حسرات على رغبة ~~تحقيقها بيده؟! أو ترك قلبه يحترق بالشوق إلى جسد بشري رهن ~~إشارة منه؟! # 18 # ومضت أم حميدة مهرولة إلى شقتها، وفي هذا الشوط القصير - ما بين ~~الوكالة والشقة - ثمل خيالها بأحلام عراض، ووجدت حميدة واقفة ~~وسط الحجرة تمشط شعرها، فتفحصتها بعينين ثاقبتين كأنها تراها ~~لأول مرة، أو كأنها تعاين الأنثى التي خبلت رجلا له وقار السيد ~~سليم علوان وسنه وثروته. ووجدت المرأة عاطفة تشبه الحسد. كانت ~~تؤمن بلا شك أن كل قرش يجلبه هذا الزواج المرتقب للفتاة سيكون ~~لها نصفه، وأن كل نعيم ستذوقه ستحظى هي بنصيبها الموفور ms100 منه، ~~ومع ذلك لم تخل من هذا الإحساس الغريب الذي خالط سرورها وأطماعها! ~~وقالت لنفسها: «أكان القدر حقا يدخر هذه السعادة لهذه الفتاة ~~التي لا تعرف لنفسها أبا ولا أما؟!» وتساءلت في عجب: «ألم ~~يسمع السيد صوتها المخيف وهي تزعق في وجوه الجيران؟ ألم يشهد ~~معركة من معاركها؟ يا ويل الرجال من لحم النساء!» ثم قالت لها دون ~~أن تحول عنها عينيها: مولودة في ليلة القدر والحسين! # فأمسكت حميدة عن تمشيط شعرها الأسود اللامع، وسألتها ضاحكة: ليه؟ ~~ماذا وراءك؟ هل من جديد؟! # فخلعت المرأة ملاءتها وطرحتها على الكنبة، ثم قالت بهدوء وهي ~~تتفرس وجهها لتمتحن أثر كلامها فيه: عروس جديد! # فلاح في العينين السوداوين اهتمام ويقظة تخالطهما دهشة، ~~وتساءلت الفتاة: أتقولين حقا؟ ~~- عروس كبير المقام، يتمنع عن الأحلام يا بنت الكلب! # فخفق قلب حميدة بقوة، وتألقت عيناها حتى بدا حورهما ساطعا ~~وتساءلت: من عساه يكون؟ ~~- خمني؟! # فتساءلت الفتاة بلهفة وإن ساورتها الظنون: من؟ # فقالت أم حميدة وهي تهز رأسها وترعش حاجبها: السيد سليم علوان ~~على «سن ورمح»! # فشدت قبضتها على المشط حتى كادت تنفذ أسنانه في راحتها، ~~وهتفت: سليم علوان صاحب الوكالة؟! ~~- صاحب الوكالة، وصاحب الأموال التي لا يفنيها المحيط! # فأضاء وجه الفتاة نورا، وغمغمت لا تدري من الدهشة والسرور: يا ~~خبر أسود! ~~- يا خبر أبيض، يا خبر مثل اللبن والقشدة. لم أكن لأصدق ~~لولا أنه حادثني بنفسه. # غرزت الفتاة المشط في شعرها، وهرعت إلى أمها وارتمت إلى ~~جانبها، وسألتها وهي تشد على كتفها: ماذا قال لك؟ خبريني ~~بكل ما قال، كلمة كلمة. # وأنصتت إلى المرأة بانتباه عميق وهي تروي قصتها .. وخفق قلبها ~~خفقانا متواصلا، وتورد وجهها، وتألقت عيناها بشرا ~~وسرورا. هذه هي الثروة التي تحلم بها، هذا هو الجاه الذي تهيم ~~به. وإنها من حب الجاه لفي مرض، وإن الشغف بالقوة لغريزة جائعة ~~في باطنها، فهل يتاح لها شفاء أو ارتواء إلا بالثروة؟ لم تكن ~~تدري دواء لهذا التشوف الأليم يضطرم في أعماقها إلا الثراء ~~الكبير، فهو الجاه العريض، ms101 وهو القوة الشاملة، وهو بالتالي السعادة ~~الكاملة. كانت في سرورها المباغت كمحارب أعزل عثرت يده بسلاح ~~مصادفة في أشد المواقف حرجا .. كانت كطائر مقصوص الجناحين ~~يسف في يأس وقنوط على رغم محاولاته الفاشلة، ثم ينبت له ريش ~~بمعجزة تدق على الأفهام. فيبدله من محاولاته الفاشلة تحليقا ~~يسمو به إلى قنن الجبال. وكانت أمها تنظر إليها بلحظ خفي ~~فسألتها: ماذا ترين؟ # لم تدر أم حميدة ماذا تقول، ولكنها كانت مشمرة للمعارضة ~~أيا كان رأي الفتاة؛ فإذا قالت: السيد، قالت: والحلو؟ وإذا قالت: ~~الحلو، قالت: أونفرط في السيد؟! أما حميدة فقالت بإنكار ~~شديد: ماذا أرى؟! ~~- أجل ماذا ترين؟ فليس الأمر مما يسهل الفصل فيه، أنسيت أنك ~~مخطوبة؟! .. وأني قرأت الفاتحة مع الحلو؟ # فلاحت في عيني الفتاة نظرة حادة غشت جمالهما، وقالت في ~~انزعاج وازدراء: الحلو؟! # وعجبت أمها لسرعتها الفائقة في البت في مثل هذا الأمر ~~الخطير، وكأن الحلو لم يكن قط، وعاودها شعورها القديم بأن ~~ابنتها فتاة شاذة مخيفة. والحق أن المرأة لم يداخلها شك ~~جدي في النهاية المحتومة، ولكنها كانت تريد أن تبلغها بعد ~~لأي. كانت ترغب أن تتردد الفتاة فتتطوع هي إلى إقناعها ~~بالقبول، لا أن تلفظ اسم الحلو بمثل هذا الازدراء الغريب. ~~واستدركت تقول بلهجة تنم عن الانتقاد: أجل الحلو، أنسيت ~~أنه خطيبك؟! # كلا لم تنس؛ ولكن سيان التذكر والنسيان، ترى هل تعترض ~~أمها حقا؟ وحدجتها بنظرة نافذة، فأيقنت أنها كاذبة في ~~انتقادها، وهزت منكبيها استهانة، وقالت باستخفاف واحتقار: ~~ذبحة. ~~- ماذا يقول الناس عنا؟ ~~- دعيهم يقولون ما بدا لهم. ~~- سأستشير السيد رضوان الحسيني. # فجفلت الفتاة من هذا الاسم واعترضت قائلة: ما شأنه في أمر ~~يخصني وحدي؟ ~~- نحن أسرة لا رجل لها، فهو رجلنا. # ولم تطق المرأة انتظارا فنهضت واقفة، وتلفعت بملاءتها، ~~وغادرت الحجرة وهي تقول: «لا سأشاوره وأعود توا.» وشيعتها الفتاة ~~بنظرة غيظ، ثم تنبهت إلى أنها لم تتم تمشيط شعرها، فمضت تمشطه ~~بحركات آلية وعيناها شاخصتان إلى دنيا الأحلام الزاهرة. ثم نهضت ~~دالفة من النافذة وجعلت تنظر خلال ms102 خصاصها إلى الوكالة الكبرى ~~ساعة، وعادت إلى جلستها. # لم يكن تحولها عن عباس الحلو بغير تمهيد كما ظنت أمها، ~~أجل لقد حسبت حينا أنها وصلت - راضية - أسبابها بأسبابه إلى ~~الأبد، فمنحته شفتيها يقبلهما بما أوتي من شغف وحب، ~~وجاذبته حديث المستقبل كأنه مستقبلهما معا، ووعدته أن تزور ~~الحسين لتدعو له، وزارته بالفعل ودعت له - ولم تكن تزوره إلا ~~لتستعديه على عدوة عقب شجار - وانتظرت على أمل أن تظفر بهذه ~~السعادة المرموقة، وفضلا عن ذلك فقد رفعها الحلو من مجرد بنت إلى ~~فتاة مخطوبة، فلم يعد في وسع أم حسين أن تمسك بسوالفها وتقول ~~لها شامتة: «أحلق هذه لو خطبك إنسان.» بيد أنها كانت تنام على ~~فوهة بركان .. ولم تذق بادئ الأمر الطمأنينة الكاملة، ووجدت في ~~النفس شيئا يضطرب يرتاد متنفسا. حقا لوح عباس الحلو ~~لطموحها العنيف ببعض الزاد؛ ولكن الحلو نفسه ليس بالرجل الذي تريد، ~~وقد حيرها أمره مذ أول لقاء. ولم تكن تدري كيف يكون رجلها على ~~وجه التحقيق. ولكن الحلو لم يقبض على ملاك قلبها على أية حال. ~~ومع ذلك فلم تستسلم لمخاوفها ~~بغير مقاومة، فجعلت تقول: لعل المعاشرة تهيئ لها حياة لم تكن ~~تحلم بها قط. ثم لم تكف عن التفكير، والتفكير فضيلة ذات حدين، ~~فتساءلت: ترى ما هذه السعادة التي يمنيها بها؟ ألا تكون ~~مغالية في أحلامها؟ يقول الفتى: إنه سيعود بثروة، وإنه سيفتح ~~صالونا في الموسكي؛ ولكن هل يضمن لها هذا حياة أرغد من حياتها ~~الراهنة؟ وهل هذا حقا ما تطمح إليه نفسها المجنونة؟! وضاعف هذا ~~التفكر من حيرتها، وقوي شعورها بأن الشاب ليس رجلها ~~المرموق، وباتت تدرك أن نفورها منه أشد من أن تلطفه ~~المعاشرة. ولكن ما عسى أن تفعل؟ ألم ترتبط به إلى الأبد .. رباه، ~~لماذا لم تتعلم حرفة كأولئك الفتيات من صويحباتها؟ أما لو كانت ~~صاحبة حرفة لأمكنها أن تنتظر حتى تتزوج كما تشاء، أو لما ~~تزوجت على الإطلاق! وأخذت حماستها تفتر، وشعورها يخمد، وعادت ~~إلى ما كانت عليه قبل أن تهزها ms103 المقابلات وتغرها الآمال. ~~هكذا كانت حين طلب السيد سليم يدها، وهكذا نبذت خطيبها الأول بغير ~~تردد، ولكن بعد أن كانت نبذته في قلبها منذ أمد طويل. # ولم يطل المطال بغياب الأم، فعادت من بيت السيد رضوان بوجه تلوح ~~فيه أمارات الجد، وقالت وهي تخلع ملاءتها: لم يوافق السيد ~~أبدا. # ثم قصت عليها ما دار بينها وبين السيد رضوان، وكيف قال لها ~~وهو بصدد المقارنة بين الرجلين: إن الحلو شاب، والسيد سليم ~~شيخ، وإن الحلو من طبقتها، والسيد من طبقة أخرى، وإن زواج رجل ~~كالسيد من فتاة مثل ابنتها لا بد محدث متاعب ومشكلات لا ~~يبعد أن يصيب الفتاة بعض من رشاشها، وكيف ختم حديثه بقوله: ~~«الحلو شاب طيب، وقد هاجر في سبيل الرزق طامحا لهذا الزواج، ~~فهو رجلها المفضل، وما عليك إلا أن تنتظري، فإذا عاد خائبا - ~~لا قدر الله - كان من حقك بلا جدال أن تزوجيها ممن ~~تختارين.» # وأصغت الفتاة إليها والشرر يتطاير من عينيها، ثم صاحت بصوت ~~جاف فضح الغضب قبحه: السيد رضوان ولي من أولياء الله، أو هذا ~~ما يحب أن يتظاهر به أمام الناس، فإذا قال رأيا لم يبال مصلحة ~~الناس في سبيل اكتساب الأولياء أمثاله، فسعادتي لا تهمه في ~~كثير أو قليل، ولعله تأثر بقراءة الفاتحة كما ينبغي لرجل ~~يرسل لحيته مترين، فلا تسألي السيد عن زواجي، وسليه إن ~~شئت عن تفسير آية أو سورة .. أما والله لو كان طيبا كما تزعمون ~~لما رزأه الله في أبنائه جميعا. # وارتاعت المرأة، وقالت لها بإنكار وألم: أهذا كلام يقال عن ~~أكرم الناس وأفضلهم؟ # فصاحت الفتاة بحدة وقد أنذرت حالتها بشر مستطير: هو فاضل إن ~~أردت، وولي من أولياء الله إن شئت، ونبي أيضا إن أحببت، ~~ولكنه لن يقف حجر عثرة في سبيل سعادتي. # وتألمت المرأة للإهانة التي لحقت السيد؛ لا دفاعا عن رأيه ~~الذي كانت لا توافق عليه في باطنها، ومع ذلك قالت مدفوعة برغبة في ~~إغاظة الفتاة والانتقام من سوء خلقها: ولكنك مخطوبة. # فضحكت حميدة ساخرة ms104 وقالت: إن الفتاة حرة حتى يعقد عليها، ~~وليس بيننا وبينه إلا كلام وصينية بسبوسة. ~~- والفاتحة؟ ~~- المسامح كريم. ~~- الفاتحة ذنبها كبير. # فصاحت باستهانة: بليها واشربي ماءها! # فضربت المرأة صدرها وقالت: آه يا بنت الثعبان! # ولاحظت حميدة بوادر الإذعان تلوح في عيني أمها، فقالت ضاحكة: ~~تزوجيه أنت. # فضربت المرأة كفا بكف وهي تغالب الضحك، ثم قالت بسخرية: من ~~حقك أن تبيعي صينية البسبوسة بصينية الفريك! # فنظرت إليها بتحد وقالت بغيظ: بل رفضت شابا واخترت ~~شيخا. # فضحكت أم حميدة ضحكة مجلجلة وتمتمت: «الدهن في العتاقي»، ~~وتربعت على الكنبة في سرور وقد تناست معارضتها الكاذبة، ~~واستخرجت سيجارة من علبة سجائرها وأشعلتها، وراحت تدخن بلذة ~~لم تشعر بمثلها من زمن بعيد، فنظرت حميدة إليها بغيظ وقالت: ~~تالله لقد فرحت بالعروس الجديد أضعاف سروري؛ ولكنها المكابرة ~~والمعاندة والرغبة في إغاظتي .. سامحك الله. # فحدجتها أمها بنظرة عميقة، وقالت بلهجة ذات معنى: إذا تزوج ~~رجل مثل السيد سليم من فتاة، فهو في الواقع إنما يتزوج من أهلها ~~جميعا، كالنيل إذا فاض أغرق البلاد .. أفهمت؟ .. أم تحسبين أن ~~تزفي إلى قصرك الجديد وأبقى أنا ها هنا تحت رحمة الست سنية ~~عفيفي وأمثالها من المحسنين؟! # قهقهت حميدة وقد بدأت تضفر شعرها، وقالت بكبرياء مصطنع: تحت ~~رحمة الست سنية عفيفي، والست حميدة هانم. ~~- طبعا .. طبعا يا لقيطة الطوار، يابنة المجهول! # فاسترسلت الفتاة في ضحكها وقالت: مجهول .. مجهول .. كم من أب ~~معروف لا يساوي شيئا. ~~••• # وعند ضحى الغد ذهبت أم حميدة إلى الوكالة سعيدة رخية ~~البال، لتقرأ الفاتحة مرة أخرى؛ ولكنها لم تجد السيد سليم ~~بمجلسه المعهود، واستعلمت عنه، فقيل لها: إنه تخلف عن ~~الحضور اليوم، فرجعت إلى البيت غير مرتاحة وقد تولاها الجزع، ~~ولما أن انتصف النهار ذاع نبأ في الزقاق بأن السيد سليم علوان ~~أصيب ليلة أمس بذبحة صدرية، وأنه في فراشه بين الحياة والموت! ~~وقد عم الأسف الزقاق كله. أما بيت أم حميدة فقد سقط عليه ~~النبأ كالصاعقة. # 19 # واستيقظ الزقاق ذات صباح على صخب وضوضاء، ورأى أهله رجالا ms105 ~~يقيمون سرادقا على أرض خراب بالصنادقية فيما يواجه زقاق المدق. ~~وانزعج عم كامل وظنه سرادق ميت، فهتف بصوته الرفيع: «إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، يا فتاح يا عليم، يا رب.» ونادى غلاما من ~~عرض الطريق وسأله عن شخص المتوفى، ولكن الغلام قال له ضاحكا: ~~ليس السرادق لميت، ولكنها حفلة انتخابية! # فهز عم كامل رأسه وغمغم: «سعد وعدلي مرة أخرى!» وكان الرجل ~~لا يدري شيئا على الإطلاق عن عالم السياسة، إن هو إلا اسم أو ~~اسمان يحفظهما دون أن يفقه لهما معنى. أجل إنه يعلق في صدر ~~محله صورة كبرى لمصطفى النحاس؛ ولكن كان ذلك لأن عباس الحلو ~~ابتاع يوما صورتين للزعيم ثبت إحداهما في الصالون، وأهدى ~~الأخرى لصاحبه، ولم ير الرجل في تثبيتها بدكانه من بأس، خصوصا ~~وأنه يعلم أن هذه الصورة وأمثالها من تقاليد الدكاكين؟ ففي دكان ~~الطعمية بالصنادقية صورتان لسعد زغلول ومصطفى النحاس، وفي قهوة ~~كرشة صورة للخديوي عباس. وراح الرجل يرمق العمال العاكفين على ~~عملهم بإنكار وقد توقع يوما صاخبا مرهقا. ومضى السرادق ~~يتكون جزءا جزءا، فنصبت الأعمدة، ووصلت بالطنب ومدت ~~عليها الستائر، وفرشت الأرض بالرمل، وصفت المقاعد على جانبي ~~ممر ضيق يفضي إلى مسرح أقيم في الداخل عاليا، وركبت ~~مكبرات الصوت على مفارق الطريق بين الحسين والغورية، وأجمل من ~~هذا كله أن ترك مدخل السرادق بلا حاجز من ستار أو ظلة؛ مما ~~بشر أهل المدق بأنهم سيشاركون في الحفلة من منازلهم. وفي أعلى ~~المسرح علقت صورة كبرى لرئيس الحكومة، وألصقت بها من تحت صورة ~~المرشح فرحات الذي تعرفه أكثرية أهل الحي؛ لأنه كان تاجرا ~~بالنحاسين. ودار فتيان بإعلانات وجعلوا يلصقونها بالجدران وقد ~~سطر عيها بألوان زاهية: # انتخبوا نائبكم الحر إبراهيم فرحات. # على مبادئ سعد الأصلية. # زهق عهد الظلم والعري. # وجاء عهد العدل والكساء. # وأرادوا أن يلصقوا إعلانا بدكان عم كامل، ولكن ~~الرجل الذي ترك غياب عباس الحلو في نفسه أسوأ الأثر تصدى لهم ~~ساخطا وهو يقول: ليس هنا يا أولاد الحلال، هذا شؤم يقطع ~~الرزق. # فقال ms106 له أحدهم ضاحكا: بل تجلب الرزق .. وإذا رآها حضرة المرشح ~~اليوم ابتاع بسبوستك بالجملة، وأعطاك الثمن مضاعفا وعليه ~~قبلة. # وانتهى العمل عند منتصف النهار، وعاود المكان هدوءه المعهود. ~~واستمر هذا حتى العصر حين جاء السيد إبراهيم فرحات في هالة من ~~حاشيته ليعاين الأمور بنفسه، وكان الرجل لا يقبض يده عن الإنفاق، ~~إلا أنه كان كذلك تاجرا لا يفوته الاطلاع على دقائق ميزانيته حتى ~~لا يجوز عليه ما لا ينبغي أن يجوز. وقد تقدم القوم بجسمه البدين ~~القصير، يرفل في جبته وقفطانه، ويقلب فيما حوله وجها أسمر ~~كرويا ذا عينين ساذجتين. كانت مشيته تنم عن الزهو والثقة، ~~وعيناه تنطقان بالطيبة والسذاجة، ومظهره عامة يشي بأن بطنه أهم ~~كثيرا من رأسه. وقد أحدث ظهوره اهتماما كبيرا في الزقاق وما ~~يحيط به؛ لا لأنهم اعتبروه عروس الليلة، وأملوا من وراء ~~«زفته» خيرا كثيرا، خصوصا وأنهم لم يفيقوا بعد من الصدمة التي ~~دهمتهم في الانتخابات السابقة بفوز مرشح الدائرة بالتزكية! ثم جاءت ~~على أثره جماعات من الغلمان تسير وراء أفندي مرددة هتافات ~~عالية، كان يصيح بصوت كالرعد: «من نائبنا؟» .. فيجيبونه بصوت ~~واحد: «إبراهيم فرحات»، فيهتف ثانية: «من ابن الدائرة؟» فيهتفون: ~~«إبراهيم فرحات»، وهكذا، وهكذا، حتى امتلأ بهم الطريق، وتسرب ~~منهم كثيرون إلى السرادق. وجعل المرشح يرد الهتافات برفع يديه ~~إلى رأسه، ثم اتجه نحو الزقاق تتبعه بطانته وجلها من رافعي ~~الأثقال بنادي الدراسة الرياضي. واقترب من الحلاق العجوز الذي ~~حل محل الحلو ومد له يده وهو يقول: «السلام عليك يا أخا ~~العرب.» فانحنى الرجل على يده في استحياء وترحيب، وتحول عنه إلى ~~عم كامل قائلا: «لا تتجشم مشقة النهوض، حلفتك بالحسين إلا ~~ما لزمت مكانك .. كيف حالك؟ .. الله أكبر .. الله أكبر، هذه بسبوسة ~~فريدة، وسيعرف الناس جميعا قدرها هذه الليلة» .. وتقدم ~~مسلما على كل من لاقاه، حتى انتهى إلى قهوة كرشة، فحيا ~~المعلم، وجلس ودعا رفاقه للجلوس، واستبق إلى القهوة كثيرون حتى ~~جعدة الفران وزيطة صانع العاهات. وردد المرشح نظره بين ~~الحاضرين في سرور، ms107 ثم قال مخاطبا المعلم كرشة: قدم الشاي ~~للجميع. # وابتسم تحية لكلمات الشكر التي تناثرت عليه من كل حدب وصوب، ~~ثم التفت صوب المعلم قائلا: أرجو أن تقوم القهوة بتقديم ما يحتاج ~~السرادق من الطلبات. ~~- فقال المعلم كرشة بشيء من الفتور: نحن في الخدمة يا سي ~~السيد. # ولم يغب عن المرشح فتوره، فقال برقة: نحن جميعا أبناء حي واحد، ~~وكلنا إخوان. # والحق أن السيد فرحات جاء القهوة خصوصا لاسترضاء المعلم كرشة؛ ~~ذلك أنه كان قد استدعاه قبل ذلك بأيام ليستميله إلى جانبه فيضمن ~~صوته وأصوات من يلوذ به من المعلمين وعمالهم، وقدم له خمسة ~~عشر جنيها مقدم أتعاب، ولكن المعلم كرشة أبى أن يمسها ~~محتجا بأنه ليس دون الفوال - صاحب قهوة الدراسة والذي ذاع ~~أنه أخذ عشرين جنيها - منزلة، وما زال به حتى حمله على قبول ~~المبلغ واعدا إياه بالمزيد. ثم افترقا والسيد مشفق من انقلاب ~~المعلم عليه؛ والواقع أن المعلم كرشة لم يخل من غضب على ~~«محدث السياسة» هذا على حد قوله، وأضمر له شر النوايا إذا هو ~~لم يبادر إلى إصلاح خطئه. وكان المعلم كرشة يتيقظ - على غلبة ~~الذهول عليه - في المواسم السياسية. وقد اكتسب في شبابه شهرة في ~~عالم السياسة تضارع ما اشتهر به بعد ذلك في الأمور الأخرى! ~~فاشترك في ثورة سنة 1919 اشتراكا فعليا عنيفا، وقد نسب إليه ~~الحريق الكبير الذي التهم الشركة التجارية اليهودية للسجائر بميدان ~~الحسين، وكان من أبطال المعارك العنيفة التي دارت بين الثوار من ~~ناحية وبين الأرمن واليهود من ناحية أخرى. ولما أن خمدت ~~الثورة الدموية وجد فيما جد من معارك انتخابية ميدانا جديدا ~~على ضيقه لنشاطه وحماسته، فبذل في انتخابات سنة 1924 جهدا ~~مشكورا، وصمد ببطولة لمغريات انتخابات سنة 1925 - ولو أنه قيل ~~وقتذاك إنه قبل رشوة مرشح الحكومة، ولكنه أعطى صوته لمرشح الوفد ~~- وأراد أن يلعب الدور نفسه في انتخابات صدقي - فيأخذ النقود ~~ويقاطع الانتخابات - ولكن عيون الحكومة راقبته يوم المعركة، ~~وحملته مع غيره في لوري إلى مركز الانتخاب، فخرج ms108 على إرادة الوفد ~~مرغما لأول مرة. وكان عام 1936 آخر عهده بالسياسة، فطلقها بعد ~~ذلك وتزوج التجارة، ورصد الانتخابات فيما تلا ذلك من عهود كما ~~يرصد الأسواق النافقة، وانقلب نصيرا لمن «يدفع أكثر»، وجعل ~~يعتذر عن مروقه بما طرأ على الحياة السياسية من فساد، قائلا: ~~إنه إذا كان المال غاية المتنابذين في ميدان الحكم، فلا ضير أن ~~يكون كذلك غاية الناخبين المساكين! وفضلا عن هذا وذاك فقد لحقه ~~الفساد هو نفسه، وغلبه الذهول، وركبته الشهوات، ولم يبق في روحه ~~من الثورات القديمة إلا ذكرى غامضة ربما كر إليها الخيال فأشاد ~~بها متباهيا في بعض ساعات الصفاء حول المجمرة، ولكنه نبذ في قلبه ~~جميع قيم الحياة الشريفة، ولم يعد يعبأ شيئا من بعد ذلك إلا ~~«الكيف» و«الهوى»، وما عدا ذلك «اردم» على حد قوله. لم يعد ~~يكره أحدا، لا اليهود ولا الأرمن ولا الإنجليز أنفسهم. ولم يعد ~~يحب أحدا كذلك، ولذلك كان من العجيب حقا أن تدب فيه حماسة ~~مفاجئة في هذه الحرب فيتعصب للألمان، وأن يتساءل - في هذه الأيام ~~خاصة - عن موقف هتلر، أحقيقة قد أصبح مهددا؟ وألا يجمل بالروس ~~أن يسارعوا شاكرين لقبول ما يعرض عليهم من صلح منفرد؟! ولكن ~~إعجابه بهتلر كان ينعقد حول ما يذيع عن بأسه وبطشه ليس إلا، فكان ~~يعده شيخ فتوات الدنيا، ويتمنى له النصر كما تمناه طويلا ~~لعنترة وأبي زيد. بيد أنه ظل محافظا على خطره في ميدان ~~الانتخابات؛ لأنه كان زعيم المعلمين الذين يتحلقون مجمرته كل ~~ليلة ومن يتبعهم من فعلة وصبيان وبطانات، ولذلك حرص السيد ~~إبراهيم فرحات على استرضائه، ونزل عن ساعة طويلة من وقته الثمين ~~يقطعها في قهوته متوددا مستعطفا. # وكان يسترق إليه النظر، فمال على أذنه وسأله بصوت خافت: ~~أراض أنت يا معلم؟ # فتدلت شفته عن ابتسامة، وقال في شيء من التحفظ: الحمد لله، ~~أنت الخير والبركة يا سي السيد. # فهمس في أذنه: سأعوضك عما فاتك خيرا كثيرا. # وانبسطت أساريره وهو يقلب عينيه في وجوه الحاضرين، ثم قال ~~برقة ms109 ورجاء: إن شاء الله لن تخيبوا لنا أملا. # فتعالت الأصوات في وقت واحد تقول: معاذ الله يا سيد فرحات .. ~~أنت ابن خطنا. # فابتسم الرجل مطمئنا وأنشأ يقول: إني كما تعلمون مستقل، ~~ولكني أستظل بمبادئ سعد الحقيقية. وماذا أفدنا من الأحزاب؟ ألا ~~تسمعون مهاتراتهم؟ إنهم مثل (كاد يقول أبناء الحواري)، ثم ذكر أنه ~~يخاطب بعضا من هؤلاء الأبناء فتدارك نفسه قائلا: دعونا من ~~ضرب الأمثال، لقد اخترت الاستقلال عن الأحزاب حتى لا يمنعني ~~مانع من قول الحق، ولن أكون عبدا لوزير أو زعيم، وسأذكر في ~~البرلمان إذا وفقنا الله للنجاح أنني إنما أتكلم باسم أبناء ~~المدق والغورية والصنادقية. ولقد ولى عهد الثرثرة والنفاق، ~~وهاكم عهدا لا يشغله شيء عن أموركم العاجلة، كزيادة الأقمشة ~~الشعبية والسكر، والكيروسين، والزيت، وعدم خلط الرغيف، وتخفيض ~~أسعار اللحوم. # وسأل سائل باهتمام شديد: هل حقا تتوفر هذه الضروريات ~~غدا؟ # فقال الرجل بثقة ويقين: بغير جدال .. وهذا سر الانقلاب الحاضر .. ~~كنت أمس أزور رئيس الحكومة (ثم ذكر أنه قال إنه مستقل، فاستدرك ~~قائلا) وهو يستقبل المرشحين على اختلاف ألوانهم، فأكد لنا أن ~~عهده هو عهد الكساء والغذاء. # وازدرد ريقه، ثم استطرد: سترون العجب العجاب .. ولا تنسوا ~~الحلوان إذا فزت في الانتخابات. # فسأل الدكتور بوشي: الحلوان بعد ظهور النتيجة؟ # فالتفت السيد نحوه وقال وقد داخله شيء من القلق: وقبل ظهور ~~النتيجة أيضا. # فخرج الشيخ درويش من ذهوله وصمته وقال: كالصداق له مقدم ~~ومؤخر .. إلا أنت يا ست الستات فلا صداق لك؛ لأن حبك روحي ~~من السماء. # فتحول السيد إلى الشيخ منزعجا، ولكنه سرعان ما أدرك حين ~~وقع بصره على زيه - الجلباب ورباط الرقبة والنظارة الذهبية - ~~أنه من أولياء الله الصالحين، فارتسمت ابتسامة على وجهه الكروي ~~وقال برقة: أهلا وسهلا بسيدنا الشيخ. # ولكن الشيخ درويش لم يجبه بكلمة واستغرق في ذهوله، ثم انبرى أحد ~~تابعي المرشح قائلا: لكم ما تريدون، ولنا القسم بكتاب الله، ~~وبالطلاق. # فقال أكثر من صوت: وجب! # وأخذ السيد فرحات يسأل الحاضرين عن تذاكرهم الانتخابية، ولما ~~أن ms110 سأل عم كامل أجابه: ليس لي تذكرة، ولم أشترك في أي انتخاب على ~~الإطلاق! # فسأله المرشح: أين مسقط رأسك؟ # فقال بغير مبالاة: لا أدري. # وضج الجلوس بالضحك، وشاركهم السيد فرحات، ولكنه غمغم دون يأس: ~~سأسوي هذه المسألة البسيطة مع شيخ الحارة. # وجاء فتى بجلباب، حاملا مجموعة من الإعلانات الصغيرة، فانتهز ~~فرصة امتلاء القهوة بالجلوس وراح يفرق فيهم إعلاناته، وظن ~~كثيرون أنها إعلانات انتخابية، فأقبلوا عليها باحتفاء مجاملة ~~للسيد المرشح، وتناول السيد فرحات إعلانا وقرأه فإذا فيه: # حياتك الزوجية ينقصها شيء. # عليك باستعمال عنبر السنطوري. # عنبر السنطوري # مركب بطريقة علمية خالية من المواد السامة، محلل بمعرفة ~~وزارة الصحة رقم 128، وهو منعش ومفرفش، ويعيدك من الشيخوخة ~~إلى الصبا في خمسين دقيقة. # طريقة الاستعمال: # خذ منه قدر القمحة على كباية شاي حلو كثير، فتجد عندك ~~النشاط. ومقدار ربع الحق دفعة واحدة أقوى من جميع ~~المكيفات، يسري في العروق كالتيار الكهربائي، اطلب علبة ~~عينة من موزع الإعلان، الثمن 30 مليما .. يا بلاش. # سعادتك ب 30 مليما، والمحل مستعد للاستماع لملاحظات ~~الجمهور. # وضج المكان بالضحك مرة أخرى، وارتبك المرشح ~~قليلا، وتطوع أحد بطانته بالتسرية عنه فصاح: هذا فأل ~~حسن. # ثم مال على أذنه وهمس قائلا: هلم بنا، أمامنا أحياء ~~وأحياء. # فنهض الرجل وهو يقول: نستودعكم الله، إلى لقاء قريب إن شاء ~~الله، اللهم حقق الآمال. # وحدج الشيخ درويش بنظرة رقيقة وقال له وهو يهم بمغادرة القهوة: ~~يا سيدنا الشيخ ادع لي. # فخرج الشيخ درويش عن صمته قائلا وقد بسط ذراعيه: الله يخرب ~~بيتك! # وما آذنت الشمس بالمغيب حتى كان السرادق قد ضاق عن القاصدين، ~~وتناقل الحاضرون أن سياسيا كبيرا سيلقي خطابا هاما. وذاع ~~أن شعراء وزجالين سيتبارون على المسرح. ولم يطل الانتظار، ~~فارتقى المسرح قارئ وتلا ما تيسر من الذكر الحكيم، وأعقبته ~~فرقة موسيقية من شيوخ مهدمين مهلهلي الثياب فعزفوا النشيد ~~الوطني، وكان لإذاعة المكبرات لموسيقاهم أثر واضح في دعوة الغلمان ~~والصبية من الأزقة والحواري حتى سدوا الصنادقية سدا. وتعالى ~~الهتاف والضوضاء. وانتهى النشيد دون ms111 أن يبرح رجال الفرقة أماكنهم، ~~حتى ظن أن الخطباء سيلقون خطبهم على أنغام الموسيقى. ثم كانت ~~المفاجأة السارة إذ دق بعضهم أرض المسرح حتى شمل الصمت الجمع ~~المحتشد، ثم بدأ مونولوجست معروف في لباسه البلدي، فما كادت ~~تراه الأعين المحدقة حتى جن جنونهم فرحا وسرورا، وراحوا ~~يهللون ويصفقون، وقال المونولوجست وتفنن .. ورقصت امرأة شبه ~~عارية وهي تهتف المرة تلو المرة: «السيد إبراهيم فرحات .. ألف ~~مرة .. ألف مرة .» وجعل الرجل المشرف على المكبرات يصيح في ~~المذياع (السيد إبراهيم فرحات أحسن نائب .. ميكروفون بهلول أحسن ~~ميكروفون). واتصل الغناء بالرقص والهتاف، وانقلب الحي جميعا إلى ~~مولد. # ولما عادت حميدة من مشوارها المعهود وجدت الحفلة في إبان ~~ازدهارها وسرورها. وكانت تظن كأهل الزقاق كافة أنها ستكون ~~حفلة هتاف وخطب (بالنحو) على حد تعبيرهم. وما إن رأت المنظر ~~البهيج حتى شملها السرور وتلفتت يمنة ويسرة باحثة عن مكان ~~تشاهد منه حفلة الطرب والرقص التي نادرا ما ترى مثلها في حياتها. ~~ومضت تشق طريقها بصعوبة بين الغلمان والبنات حتى بلغت مدخل ~~المدق، واقتربت من جدار الصالون، وارتقت حجرا منغرسا لصق ~~الحائط، وتطلعت باهتمام وسرور إلى السرادق. # كان الغلمان والبنات ~~يكتنفنها من كل جانب، ووقفت نسوة كثيرات يقبضن على أيدي أطفالهن ~~أو يحملنهم على أكتافهن. واختلط الغناء بالهتاف .. بالحديث .. ~~بالصياح .. بالضحك بالعويل. واستولى المنظر الخلاب على لبها ~~فانجذبت روحها إليه، والتمع السرور في عينيها الفاتنتين، ~~وفمها المفتر عن ابتسامة لؤلؤية. وكانت متلفعة بملاءتها، ~~فلا يبدو منها إلا وجهها البرنزي، وأسفل ساقيها، وما انحسر عنه طرف ~~الملاءة من مقدم شعرها الفاحم. ورقص قلبها سرورا، وتنبهت ~~حواسها جميعا، وجرى دمها حارا دافقا، سرها المونولوجست ~~سرورا لم تشعر بمثله من قبل، حتى شعورها المر القارص نحو الراقصة ~~لم يستطع أن يفسده عليها. وظلت مستغرقة في ما ترى غير ملقية ~~بالا إلى هبوط الظلام حتى أحست شيئا ما يجذب عينيها نحو ~~اليسار، كأنه نداء يدعو حواسها إليه، أو ذاك الشعور الذي يقلقنا ~~إذا أحدقت فينا عينان، ولبته على رغمها، فتحولت عن ms112 المونولوجست ~~عاطفة رأسها إلى يسارها، فالتقت عيناها بعينين تتفرسان فيها ~~بقوة وقحة! ولبثتا مقدار ثانية ثم عادتا إلى هدفهما، ولكنها لم ~~تستطع أن تنعم باستغراقها الأول، وظل شعورها منتبها إلى ~~العينين العارمتين، وجعلت حدقتاها تميلان ناحية اليسار، وساورها ~~شك وقلق، فالتفتت مرة أخرى فالتقت بالعينين تتفرسان فيها ~~بالقحة نفسها، وقد نمتا - إلى ذلك - عن ابتسامة غريبة. ولم ~~تتمالك نفسها فأعادت رأسها إلى موضعه الأول في شيء من الحدة ~~وقد ملأها الحنق. أحنقتها هذه الابتسامة الغريبة؛ لأنها أفصحت عن ~~ثقة وتحد لا حد لهما؛ فهيجت موضع الالتهاب والانفجار من ~~نفسها الشرسة المتفجرة، وشعرت برغبة جامحة أن تنشب أظافرها في ~~شيء ما .. في رقبته لو أمكن مثلا! وصممت على أن تهمله، على ~~نفورها من هذه الطريقة السلبية في العراك، وإن ظل شعورها قويا ~~بعينيه الوقحتين! ونغص عليها سرورها، وركبتها روح الشر ~~التي تلبسها بسرعة جنونية. وكأن صاحب العينين لم يقنع بما ~~فعل، أو كأنه لا يبالي هذه النار التي شبها، فراح يشق طريقه ~~إلى موضع في طريق بصرها الشاخص إلى السرادق، متعمدا بلا شك أن ~~يعترض سبيلها، ووقف هناك موليا إياها ظهره .. كان طويل ~~القامة، نحيفا، عريض المنكبين، حاسر الرأس، غزير الشعر، مرتديا ~~بدلة ذات لون ضارب للاخضرار، متأنقا في ملبسه ومظهره، ~~فلاح غريبا في هذا الوسط الذي يكتنفه، وسرعان ما أنستها الدهشة ~~ما تولاها من حنق وتوحش. هذا أفندي وجيه، وأين من زقاقها ~~الأفندية؟! ترى هل يعاود النظر وسط هذا الزحام؟ .. ولكن لم يكن ~~شيء ليردعه، فما عتم أن التفت وراءه مرسلا نحوها نظرا ~~عارما. وكان وجهه نحيلا مستطيلا، لوزي العينين، كثيف ~~الحاجبين، تنطق نظرة عينيه بالحذق والقحة. ولم يكتف بهذا ~~التفرس على الملأ فصوب فيها نظرة، وصعد من شبشبها المنجرد ~~إلى شعرها، حتى انساقت وهي لا تدري إلى النظر إلى عينيه كأنما ~~لتسبر ما تركه تفحصه من أثر، فالتقت عيناهما، ولاحت في عينيه ~~هذه النظرة المثيرة الوقحة الواشية بما يتيه به من ثقة وتحد ~~وظفر، فتناست دهشتها، وعاودها الحنق والغيظ ms113 والرغبة في العراك، ~~فغلا دمها غليانا، وهمت أن تشتمه علانية .. همت أكثر من ~~مرة، ولكنها لم تفعل، وتولاها قلق وانفعال وضاقت بوقفتها، ~~فنزلت عن الحجر، ومرقت إلى الزقاق مندفعة على عجل، فقطعته ~~في ثوان. وعندما اجتازت عتبة البيت شعرت برغبة في الالتفات إلى ~~الوراء، ولكنه تمثل لعينيها في وقفته مرسلا عينيه في وقاحة ~~وثقة، وقد ازدادت ابتسامته افتضاحا، فرغبت عن رغبتها، وارتقت ~~السلم متعجلة حانقة تلوم نفسها على تساهلها معه وتفريطها ~~في تأديبه. واتجهت نحو حجرة النوم وخعلت ملاءتها، ثم دلفت من ~~النافذة المغلقة، ونظرت إلى الطريق من خلال خصاصها، وبحثت عيناها ~~عن ضالتها حتى استقرتا عليه عند مدخل الزقاق، وكان يرمق ~~النوافذ المطلة على الزقاق باهتمام، وقد فارقت عينيه ابتسامة ~~الثقة والتحدي وحل محلها احتفال وتطلع. وسرها مظهره الجديد ~~فانفثأ حنقها، ولبثت بموقفها تستلذ حيرته، وتنتقم لغيظها ~~وحنقها. أفندي وجيه ما في ذلك من شك، وغير السابقين بلا جدال، ~~وقد أعجبته، وإلا ففيم هذا الاهتمام الشديد؟! وأما نظرة عينيه ~~فقاتلها الله من نظرة تستوجب أعنف عراك! .. فيم هذه الثقة التي ~~لا حد لها؟ أيحسب نفسه بطل الأبطال أو أمير الأمراء؟ وخالط ~~ارتياحها حنق، ووجدت رغبة غامضة إلى العنف والتحدي. ولكنه بدأ ~~ييئس من النوافذ، وأعياه البحث عنها، وخافت أن ينصرف عن تطلعه ~~ويغيب في الزحام. وترددت لحظة، ثم أدارت الأكرة، وفرجت ما بين ~~مصراعي النافذة عن زيق ووقفت وراءه كأنما لتشاهد الحفلة. كان ~~موليا الزقاق ظهره، ولكنها كانت مطمئنة إلى أنه سيعاود البحث ~~والفحص والاستقصاء. وقد فعل، فتلفت رأسه مرة أخرى وتردد بين ~~النوافذ، حتى علق بالزيق فأضاءت صفحة وجهه، ولبث لحظات كالمرتاب، ~~ثم .. ثم ارتسمت على شفتيه الابتسامة الوقحة، ورد إليه مظهر ~~التيه والخيلاء بأفظع مما كان، وأدركت أنها انزلقت إلى خطأ لا ~~يغتفر بظهورها، وثارت ثائرتها واستولى عليها الحنق والغيظ، ووجدت ~~في ابتسامته تحديا يدعوها للنزال! وجدت في هاتين العينين ما ~~لم تجد عند أحد من قبل، وقرأتهما بوضوح على ضوء نفسها الغاضبة ~~المتعطشة للعراك. وبدا الرجل ms114 وكأن شيئا لا يمكن أن يقفه عند ~~حد فتحرك مصعدا في الزقاق بقدمين ثابتتين حتى خيل إليها ~~أنه قادم إلى البيت. ثم مال إلى قهوة كرشة، واختار مجلسا ما بين ~~المعلم كرشة وأريكة الشيخ درويش حيث كان يجلس عباس الحلو في ~~الأيام الخوالي مستطلعا إلى شبحها وراء الخصاص. خطا بجلوسه هذا ~~خطوة جريئة. ولكنها لم تتراجع، لبثت بموقفها مرسلة عينيها إلى ~~المسرح، وإن كانت لا تكاد تدري بما يدور عليه، شاعرة ببصره ~~يصوب نحوها من آونة لأخرى في ومضات متقطعة كالكشاف ~~الكهربائي. # ولم يفارق الرجل مكانه حتى انتهت الحفلة وأغلقت ~~النافذة. # وما انفكت حميدة تذكر هذه الليلة فيما أعقب ذلك من ليال ~~وعهود. # 20 # ولم ينقطع بعد تلك الليلة عن زقاق المدق، فكان يجيء عند العصر ~~ويتخذ مجلسه المختار، ويقطع وقته بتدخين النارجيلة واحتساء ~~الشاي. وقد أحدث ظهوره الطارئ - بوجاهته وأناقته - دهشة في ~~القهوة، ولكن سرعان ما سحبت العادة عليها ذيول الإهمال، فليس من ~~الخوارق أن يقصد أفندي مثله قهوة مفتوحة لكل طارق. بيد أنه أتعب ~~المعلم كرشة بما كان يقدم عند الحساب من أوراق نقدية ضخمة لا ~~تقل في كثير من الأحيان عن الجنيه، كما أنه أسر سنقر بما كان ~~ينفحه من بقشيش لا عهد له به من قبل. وراقبت حميدة مجيئه يوما ~~بعد يوم بعين متفتحة ونفس متوثبة. ولكنها أحجمت بادئ الأمر عن ~~خروجها إلى فسحتها اليومية لرقة ثيابها وتفاهتها، حتى ضاقت ~~بالبيت ضيقا شديدا. ثم أغضبها إحجامها وعدته نوعا من الجبن ~~لا يسيغه طبعها الجريء، وعز عليها أن يقضي مخلوق عليها بالتزام ~~شيء تستكرهه، فنشبت معركة جديدة في صدرها الذي لا يستريح من ~~المعارك. وقد رأت الأوراق النقدية التي كان يتعمد تقديمها لسنقر ~~تحت بصرها، وفطنت بطبيعة الحال إلى دلالتها. وربما كانت هذه لغة ~~ساقطة في غير هذا المكان، أما في زقاق المدق فهي لغة بليغة لا ~~يخيب لها أثر، ومع أن الرجل كان شديد الحرص على ألا يبدو منه ما ~~ينبه أحدا إلى الباعث الحقيقي لغشيانه ms115 القهوة، إلا أنه كان لا ~~يعدم فرصة فيسترق النظر إلى خصاص النافذة، أو يضع مبسم ~~النارجيلة على فيه زاما شفتيه كأنه يقبله، ثم يرسل الدخان ~~إلى عل كأنما يرسل القبلة في الهواء إلى شبحها الجاثم وراء ~~النافذة. وكانت ترى ذلك باهتمام، وتساورها أحاسيس متباينة لا ~~تخلو من لذة ولا تخلو من حنق. وقد حدثتها نفسها بأن تنطلق ~~إلى نزهتها ملقية بمخاوفها تحت نعليها، وأن تتلقاه إذا سولت ~~له نفسه التعرض لها - الأمر الذي لا يداخلها فيه أدنى شك - بما ~~تعهده في نفسها من قحة حقيقة بأن تهزم قحته شر هزيمة، وأن ~~تسلقه بلسانها سلقا لا ينساه مدى الحياة. وإنه لأعدل جزاء على ~~زهوه الكاذب، وابتسامته الظافرة، وتحديه الوقح. تبا له، ما ~~الذي يدعوه لهذا التظاهر بالغلبة والقهر؟! لا ارتاح لها بال حتى ~~تمرغ أنفه في الرغام، ولكن آه لو كانت تملك ملاءة حسنة أو ~~شبشبا جديدا؟! # وقد اعترض سبيل حياتها وهي تعاني اليأس المرير؛ إذ سقط السيد ~~سليم علوان بين حي وميت بعد أن مناها يوما وبعض يوم ~~بالحياة العريضة التي تهيم بها، وبعد أن نبذت من أحلامها عباس ~~الحلو ولفظته. وعلمت بعد ذلك أنه لم يعد ثمة أمل في ذاك الزواج ~~المأمول، فردت على رغمها خطيبة للحلو، وقد ازدادت له مقتا ~~ونفورا. وأبت أن تسلم بسوء حظها، وراحت تنتهر أمها ~~وتتهمها بأنها حسدتها وطمعت في مال الرجل، فخيب الله ~~آمالها. على هذه الحال لاح الرجل الجديد في أفق حياتها، وقد بعث ~~ظهوره في نفسها ثورة عارمة جارفة استثارت كوامن غرائزها جميعا .. ~~أغضبها زهوه، وأحنقها تحديه، وأغرتها وجاهته، وأيقظتها فحولته ~~وجماله .. جذبتها نحوه قوة خفية من غرائزها المطمورة، ووجدت فيه ~~ما لم يجتمع لسواه ممن عرفت من الرجال .. القوة والمال ~~والعراك! ولم تكن تدرك مشاعرها بوضوح وجلاء، أو تدري حاجات نفسها ~~الملتوية، فتحيرت بين انجذابها إليه، وبين رغبتها المضطرمة في ~~الأخذ بتلابيبه، ثم وجدت في الانطلاق مهربا من سجنها وحيرتها ~~معا، وفي فسحة الطريق مجالا تسبر فيه نفسها وغرائزها .. في ms116 ~~الطريق يجوز أن يتعرض لها، فتتاح لها فرصة أن تتحداه كما ~~تحداها، وأن تنفس عن غضبها وحنقها، وأن تلبي هذا النداء ~~الخفي الذي يهيب بها إلى النزال والعراك .. والانجذاب! ~~••• # وفي عصر يوم من تلك الأيام، أخذت زينتها، والتحفت ملاءتها ~~وغادرت الشقة لا تعبأ شيئا في الوجود .. وانتهت إلى الطريق في ~~أقل من دقيقة، ثم قطعت الزقاق لا تلوي على شيء. وخطر لها خاطر ~~وهي تميل إلى الصنادقية، ألا يحق له أن يظن، بخرجتها هذه، ~~الظنون؟ ألا تزعم له نفسه المغرورة أنها غادرت بيتها عمدا ~~لتلقاه في الطريق؟! خصوصا وأنه لا يدري شيئا عن نزهتها اليومية ~~المعتادة، وقد جاء أياما فلم يرها يوما تغادر البيت. فسيتبعها ~~على الأثر، ويتعرض لها في الطريق. وقد أبت أن تقيم وزنا ~~لظنونه، ورحبت بما عسى أن يدفعه إليه الغرور، وتوثبت للقائه ~~بنفس تتحرق على التحدي والعراك متوعدة إياه بأن تمحو عن ~~شفتيه هذه الابتسامة الظافرة السخيفة. وبلغت في سيرها الوئيد ~~السكة الجديدة، فتخيلته وقد نهض من جلسته بالقهوة، وغادرها ~~متعجلا حتى لا يضلها، ولعله ينحدر الآن بخطواته الواسعة ~~إلى الغورية، ولعله يفتش عنها بعينيه المتفرستين الجسورتين. ~~إنها تكاد تراه بظهرها وهو يهرول بجسمه الطويل، بينما لا تكاد ترى ~~عيناها ما يضطرب به الطريق من أناس وسيارات وعربات. ترى هل أدرك ~~بصره ما خرج في ابتغائه؟ .. وهل عاودته الابتسامة المتحدية ~~الظافرة؟ .. قاتله الله من حيوان يجهل ما ينتظره! فلتواصل ~~السير دون أن تلتفت إلى الوراء، حذار من الالتفات، فالتفاتة ~~واحدة شر من الهزيمة. إنه وقح جريء، ولعله لا يفصلهما الآن ~~سوى خطوات. ترى ماذا هو فاعل؟! أيقنع بتأثرها كالكلب؟ أم يسبقها ~~قليلا ليريها نفسه؟ أم يحاذيها ويأخذ في مخاطبتها؟ وواصلت ~~السير متنبهة قلقة، مترقبة متوثبة، تتوقع في كل خطوة ~~جديدا، وتتفحص عيناها جميع الذين يلحقون بها من المارة، وتنصت ~~بيقظة للأقدام التي تتحرك وراءها .. أرهقها الانتظار والتربص ~~والتوثب، وكادت تراود إرادتها في التلفت؛ بيد أنها استعادت ~~عنادها وفظاظتها وسارت لا تلوي على شيء، فما تدري إلا ms117 وصويحباتها ~~من بنات المشغل يقبلن نحوها غير بعيدات، فخرجت من غيبوبتها، ~~وارتسمت على شفتيها ابتسامة، ثم سلمت، ودارت على عقبيها تسير ~~وسطهن، وهن يسألنها عن سر غيابها أياما على غير عادة، ~~واعتلت بالمرض وهي تعاين الطريق لترى موقعه منه. ومضت ~~تنازعهن الحديث والمزاح وعيناها تترددان من طوار لطوار، ترى ~~في أي مكان ينزوي؟ لعله يراها من حيث لا تراه، ومهما يكن من ~~أمر فقد أفلتت من يديها فرصة تأديبه اليوم. كانت ترجو أن يتعرض ~~لها بخيلائه فتزفر عليه غضبها وترعد فرائصه، ولكنه نجا من ~~مخالبها. ولكن أين يكون؟ أيمكن أن يكون متأخرا عنهن إلى ~~الوراء؟ ولم تستطع أن تقاوم رغبتها في التلفت هذه المرة. ~~فالتفتت، وفحصت الطريق ببصر حاد، ولكنه لم يكن هناك .. لا إلى ~~الوراء ولا إلى الأمام، ولا إلى اليمين ولا إلى اليسار! لعله ~~تأخر قليلا في الإفلات من القهوة فأضلها، ولعله يتخبط الآن ~~في الطريق لا يدري مكانها! وسرعان ما فترت حماستها وخمد نشاطها. ~~وعندما انتهت إلى الدراسة خطر لها أنه ربما بدا لها هنا فجأة ~~كما بدا يوما عباس الحلو، وتجدد الأمل، ونشطت الحماسة فودعت ~~آخر صويحباتها، وعادت متمهلة تقلب عينيها في جنبات الطريق، ~~ولكنه كان خاليا، أو كان خاليا ممن تبتغي. وقطعت ما تبقى منه ~~بقلب كسير .. تنوء بهزيمة نكراء. وصعدت مع أرض الزقاق، واتجهت ~~عيناها إلى القهوة، وأخذ المعلم كرشة يبدو لها شيئا فشيئا ~~ابتداء من طرف عباءته، فكتفه الأيسر، حتى رأسه المتطامن، ثم .. ~~رباه ما هذا؟ .. إنه لم يبرح مكانه، قابضا على خرطوم نارجيلته! ~~.. وخفق قلبها بعنف، وتصاعد الدم إلى وجهها ورأسها، وهرولت إلى ~~البيت لا تكاد ترى ما بين يديها، وارتقت السلم ذاهلة من ~~الخجل - ولو أن الخجل ليس من سجاياها - وما كادت الحجرة تحتويها ~~حتى انفجرت براكينها واستولى عليها غضب جنوني، فطرحت الملاءة على ~~الأرض وارتمت على الكنبة. لمن إذا يجيء القهوة كل مساء؟ وكيف ~~يسترق إليها النظر بعينيه الفاجرتين؟ .. ولمن يرسم تلك القبلة ~~الخفية في الهواء؟! .. وتناوبت قلبها مشاعر الخيبة ms118 والحيرة ~~والخجل والغضب. ثم انثالت عليها الفكر والخواطر: أيمكن ألا ~~يوجد ارتباط بين مجيئه كل مساء وبين أفكارها، وأن ليست هذه ~~الأفكار إلا أوهاما وأحلاما كاذبة؟ .. أم إنه تعمد أن يهملها ~~اليوم تأديبا لها وتعذيبا، فهو يعبث بها عبث القوي بالضعيف؟! .. ~~أتنهض إلى القلة وتقذفه بها فتحطم رأسه وتروي غلة الحنق ~~والانتقام؟! واستولى عليها شعور ممض بالامتعاض لم تشعر بمثله ~~من قبل، حتى لقد تساءلت في حيرة عما أصابها. بيد أنها لم تكن ~~تجهل ما كانت تريد .. كانت تريد بلا شك أن يتبعها وأن يتعرض لها ~~في الطريق. # ثم ماذا؟ ثم تقذفه بحمم الغضب، والحنق والوعيد .. لماذا؟ ~~تحديا لثقته بنفسه وزهوه وابتسامته الواشية بالظفر. كانت ~~ابتسامة الظفر أصل البلاء كله، فأدركت مغزاها بعقلها وغريزتها ~~وروحها وجسمها. هي ابتسامة الصراع والعراك! وإنها على مساجلتها ~~لقادرة، لا بل إنها لم تخلق إلا لتتلقى هذه الابتسامة ~~ومثيلاتها فتجيب عليها. كانت تأسى على فوات معركة طالما ~~ترقبتها بلهفة وشغف. وكانت في أعماقها تتحرق إلى أن تقيس ~~قوتها بقوة هذا الرجل ذي الفحولة والجاه والخيلاء. هكذا تيقظت في ~~عنف وشدة، وانبثت في نفسها روح اللهفة والتمرد والعراك ~~والشوق. # لبثت على الكنبة فريسة لهياجها الوحشي، ثم تلفتت إلى النافذة ~~ترمقها شزرا. وجعلت تتزحزح حتى صارت وراءها، ثم أرسلت بناظريها من ~~خلال الخصاص، ترى ولا ترى، متلفعة بالعتمة التي غشيت الحجرة ~~.. رأته في جلسته الهادئة، يدخن النارجيلة في طمأنينة وسلام، ~~تلوح في عينيه الثقة بالنفس والحذق، وكأنه يعيش في عالم وحده ~~منقطع عما حوله، وقد خلا وجهه من آثار هذه الابتسامة المثيرة. ها ~~هو هادئ مطمئن؛ بينا هي تشتعل نارا. وتفرست فيه بقوة وحنق وما ~~تزداد إلا انفعالا وحيرة. وظلت ملازمة مكانها حتى نادتها ~~أمها لتناول العشاء فغادرت الحجرة. وقطعت ليلة مملة مضنية، ~~ونهارا كئيبا، وانتظرت عصر اليوم الثاني في قلق متواصل. لم يكن ~~يداخلها شك في مجيئه في الأيام الماضية. أما اليوم فباتت ~~تترقب قلقة شاردة النفس. وراحت تراقب ضوء الشمس وهو ينحسر عن ~~أرض الزقاق ms119 ويرقى وئيدا جدار القهوة. ومن عجب أن خامرها الخوف ~~من عدم مجيئه، ولعلها ابتدعت ذلك بغريزة المحارب المشاكس ~~وكيده. وجاء موعده دون أن يبدو له أثر، وتصرمت دقائق، فمن ~~المؤكد أنه لا يحضر اليوم. بيد أن هذا التخلف قد حقق ظنها، ~~فأدركت أنه تغيب متعمدا: وارتسمت ابتسامة على شفتيها وتنهدت ~~من الأعماق ارتياحا. لم يكن من شيء واضح يدعو للارتياح حقا، ~~ولكن غريزتها أسرت إليها بأنه إذا كان اليوم قد تخلف عن الحضور ~~متعمدا، فلا شك أنه بالأمس تعمد كذلك ألا يطاردها، فليس ثمة ~~إهمال أو عدم مبالاة، لا بل على العكس من ذلك فإنه يخوض غمار ~~المعركة بمهارة وحذق، وإنه لصامد في الميدان حتى في هذه الساعة ~~التي لا يرى له أثر فيها. وارتاحت إلى سرار غريزتها، واطمأنت ~~إليه، وتوثبت للنضال بعزم جديد. ونبا بها المكوث في البيت ~~فتلفعت بملاءتها وغادرت البيت دون أن تعنى بزينتها كما اعتنت ~~بها أمس. ولفح الهواء البارد في الطريق وجهها فأنعشها، وذكرها ~~انتعاشها بما قاست يومها من قلق وفكر، فغمغمت ساخطة: «يا لي من ~~مجنونة! .. كيف جشمت نفسي هذا العذاب؟! ألا فليزدرده الموت!» ~~واستحثت خطاها حتى التقت بصويحباتها، ثم عادت معهن وقد ~~أنذرنها بأنهن سيفقدن قريبا إحداهن التي ستتزوج من زنفل صبي ~~دكان طعمية سيدهم، وقالت إحدى الفتيات: لقد خطبت قبلها؛ ولكنها ~~ستتزوج قبلك! # وأثارها قولها فقالت بحدة وخيلاء: إن خطيبي مشغول بإعداد ~~مستقبل باهر. # تباهت بالحلو على رغمها، ثم ذكرت متحسرة السيد سليم علوان - ~~قتله الله ككل شيء غير ذي نفع - فتنزى قلبها ألما، وتولاها ~~الوجوم بقية الطريق .. شعرت بأن الحياة تعاندها وتكيد لها، ~~والحياة هي العدو الوحيد الذي لا تدري كيف تأخذ بتلابيبه. وسارت في ~~رفقة الفتيات حتى آخر الدراسة، ثم ودعت أخراهن ودارت على ~~عقبيها لتعود من حيث أتت. وعلى بعد أذرع رأته - رجلها دون ~~غيره - واقفا على الطوار كالمنتظر! وثبتت بصرها عليه لحظات ~~تحت تأثر المفاجأة التي دهمتها، واعتراها شيء من الارتباك ~~عضت عليه أصابع الندم بعد فوات الفرصة، ms120 ثم واصلت السير في شبه ~~ذهول. لم تكن مستعدة لهذا اللقاء، ولم يعد يداخلها شك في ~~أنه كان يتأثرها طوال هذا الوقت. وهكذا يحكم هو التدبير في ~~هدوء، ويدهمها هي في كل مرة الارتباك والذهول. وأخذت تنادي ~~قواها المبعثرة وتستعدي وحشيتها، وقد آلمها أشد الألم أنها ~~لم تجد زينتها كما ينبغي، وأحدث لها ذلك غير قليل من القلق. كان ~~الجو متخشعا تحت سمرة المغيب، والمكان كالمقفر، وكان الرجل ~~ينتظر دنوها في هدوء، بوجه وديع لا أثر فيه لنظرة التحدي ولا ~~لابتسامة الظفر، فلما حاذته خاطبها بصوت منخفض قائلا: من ~~يتحمل مرارة الصبر يبلغ. # ولم تسمع تتمة عبارته لأنه غمغمها، فحدجته بنظرة حادة، ولم ~~تنبس بكلمة، وسارت لحال سبيلها، فسايرها وهو يقول بصوته الهادئ ~~العميق: أهلا وسهلا .. كدت أجن بالأمس لأني لم أستطع الجري ~~وراءك حذر العيون، وكنت أنتظر مثل تلك الخرجة صابرا يوما بعد ~~يوم، فلما جاءت الفرصة دون أن أستطيع انتهازها كدت أجن. # إنه يطالعها بوجه وديع، غير الوجه الذي أهاجها، فلا تحد ~~ولا ظفر، وكلامه أشبه بالشكوى والتوجع والاعتذار، وهي إنما ~~توثبت لغير هذا، فما عسى أن تصنع الآن؟ أتهمل شأنه وتحث ~~خطاها فينتهي كل شيء؟ # تستطيع أن تفعل هذا لو أرادت؛ ولكنها لم تجد مشجعا من قلبها، ~~وكأنها تنتظر هذا اللقاء منذ اليوم الأول بشعور امرأة ليس الحياء ~~من سجاياها. # وكان الرجل من ناحيته يمثل دوره بمهارة، ويحيك أكذوبة ماكرة، ~~فلم يكن خوفه الذي أقعده أمس عن تعقبها، ولكنه استوحى غريزته ~~اليقظة وخبرته الفائقة فأوحتا إليه بأن القعود في حالته خير من ~~العجلة، كما أوحتا إليه اليوم بأن يتلثم بهذا القناع الزائف من ~~الأدب والوداعة .. وعاد يقول لها برقة: تمهلي قليلا .. عندي ~~... # فالتفتت إليه وقاطعته بحدة: كيف سولت لك نفسك أن ~~تخاطبني؟! .. أتعرفني يا هذا؟! # فقال بأدبه الزائف: كيف لا؟ .. نحن أصدقاء قدماء .. وقد رأيتك في ~~الأيام الماضية أكثر مما رآك الجيران في أعوام طوال، وفكرت ~~فيك أكثر مما فكر ألصق الناس بك مدى عمره، فكيف لا ms121 أعرفك بعد ~~هذا كله؟! # تكلم برقة ولكن بلا تلعثم ولا تهدج .. وازدادت هي ~~تعلقا بكلامه ورغبة في مساجلته، وتولاها شعور بالاستهانة، ~~هو السلاح الوحيد الذي تستطيع أن تشهره في وجه عناد الحياة. بيد ~~أنها لم ترد الخروج على «سنة التصنع والتمثيل»، فقالت بحدة ~~وهي تحرص على ألا يعلو صوتها فيفضح جرسه الخشن: لماذا ~~تتبعني؟ # فابتسم الرجل وقال بدهشة: لماذا أتبعك؟! .. لماذا أهمل أعمالي ~~وألزم القهوة تحت نافذتك؟ لماذا أهجر الدنيا جميعا مقيما بزقاق ~~المدق؟ .. ولماذا انتظرت هذا الزمان الطويل؟! # فقطبت وقالت بازدراء: لست أسألك حتى تجيبني بهذه السخافات؛ ~~ولكني أنكر عليك أن تتبعني وتخاطبني. # فقال بلهجة جديدة تنم عن الثقة واللباقة: الأصل أن نتبع ~~الحسناء أينما سارت. هذه هي القاعدة؛ فإذا ما سارت ولم يتبعها أحد ~~فهذا هو الشذوذ الموجب للإنكار حقا، أو بمعنى آخر إذا سرت ولم ~~يتبعك أحد فهذا إيذان بقرب القيامة. # ومرت عند ذاك بعطفة العوارجة حيث يقيم بعض صويحباتها، فتمنت ~~أن يرينها وهذا الأفندي يغازلها! ولاح لها ميدان المسجد غير ~~بعيد فانتهرته قائلة: ابتعد .. هذا حي يعرفني! # وكان يتفحصها بنظر ثاقب، فأيقن أنها تجاذبه الحديث وهي لا ~~تدري، أو وهي تدري، فارتسمت على شفتيه ابتسامة لو رأتها لأعادت ~~إلى رأسها ذكريات وحشية .. وقال لها: لا هذا الحي حيك، ولا ~~هؤلاء الناس أهلك! أنت شيء آخر، إنك ها هنا غريبة. # فأمن قلبها على قوله، وسرت به سرورا لم تشعر بمثله ~~لقول قبله. واستدرك الرجل قائلا كالساخط: كيف تسيرين بملاءتك بين ~~هؤلاء الفتيات! .. أين هن منك؟ أميرة في ملاءة، ورعية ترفل في ~~الثياب الجديدة! # فقالت بحدة: ما لك أنت ولهذا؟ ابتعد. # فقال محتجا: لن أبتعد أبدا. # فسألته بحدة: ماذا تريد؟ # فقال بجرأة عجيبة: أريدك أنت، ولا شيء غيرك! ~~- ذبحة. ~~- سامحك الله .. لماذا تغضبين؟ .. ألست في الدنيا لتؤخذي؟ .. ~~وإني لآخذك. # ومرا في طريقهما ببعض الدكاكين، فنهرته قائلة: لا تخط خطوة ~~واحدة، وإلا ... # فقال مبتسما: الضرب! # وخفق قلبها، وتألقت عيناها، فقالت: صدقت. # فقال وهو يبتسم ابتسامة خبيثة: سنرى .. سأتركك الآن ms122 على ~~رغمي، ولكني سأنتظرك كل يوم .. لن أعود إلى القهوة حتى لا أثير ~~الشبهات في الزقاق، ولكني سأنتظر كل يوم، مع سلامة الله يا أجمل ~~من حملت الأرض. # واصلت السير وقد انبسطت أسارير وجهها، ولاح فيه البشر والسرور ~~والغرور .. «أنت شيء آخر» .. أجل، وماذا قال أيضا؟ «إنك ها هنا ~~غريبة» .. «ألست في الدنيا لتؤخذي؟ .. وإني لآخذك» .. وماذا قال ~~أيضا؟ .. «الضرب!» داخلتها لذة جنونية، وسرور وحشي، فقطعت ~~الطريق لا تكاد ترى شيئا. ولما أوت إلى غرفتها واستردت ~~أنفاسها، ذكرت في عجب وزهو أنها استطاعت أن تساير رجلا غريبا ~~وتحادثه بلا حياء ولا ارتباك! .. وأنها تستطيع أن تفعل ما تشاء ~~بلا تردد، وغمرتها موجة عارمة من الاستهانة والاستهتار حتى ~~أفلتت منها ضحكة عالية. ثم ذكرت ما كانت عقدت العزم عليه من الأخذ ~~بتلابيبه! .. فاستولى عليها الوجوم لحظة قصيرة، ثم جعلت تعتذر ~~لنفسها بأنه لم يلقها بذاك الوجه الصفيق المتحدي؛ لا بل راح ~~يحدثها حديثا رقيقا مؤدبا، لا عن وداعة طبيعية، فقلبها ~~يحدثها بأنه نمر يتحين فرصة للوثوب، فلتنتظر .. لتنتظر حتى ~~يتكشف عن حقيقته، وهنالك؟! # وعاودتها لذتها الجنونية وسرورها الوحشي. # 21 # كان الدكتور بوشي يهم بمغادرة شقته حين جاءته خادمة الست ~~سنية عفيفي تدعوه لمقابلة سيدتها. وعبس وجه الدكتور وتساءل في ~~إنكار: «ماذا تريد المرأة؟! .. زيادة إيجار؟!» ولكنه سرعان ما نفى ~~هذا الظن عن خاطره؛ لأن الست سنية لا تستطيع أن تتحدى ~~القوانين العسكرية التي تحدد أجور المساكن في أثناء الحرب. ~~وغادر شقته وارتقى السلم متجهم الوجه. كان الدكتور بوشي - ~~كعادة السكان - يستثقل الست سنية عفيفي، ولا يفتأ يشهر ~~ببخلها في كل زمان ومكان. وقد شنع عليها يوما فقال: إنها تفكر ~~في بناء حجرة خشبية على سطح بيتها لتقيم فيها وتؤجر شقتها. ~~وضاعف حقده عليها أنه لم يقدر - ولو مرة واحدة - على الإفلات من ~~أداء أجرة شقتها إليها؛ إذ كانت المرأة تستعين بالسيد رضوان ~~الحسيني إذا حرج الأمر. فلم يسر الرجل بهذه الدعوة، ودق ~~الباب وهو يتعوذ قائلا: «لطفك يا دافع البلاء!» وفتحت ms123 له ~~الست بنفسها، وكانت ملتفعة بخمار، ودعته إلى حجرة الاستقبال ~~ودخل الرجل وجلس. ولحقت به الخادم بالقهوة فشرب، ثم قالت له الست: ~~دعوتك يا دكتور لتكشف على أسناني. # ولاح الاهتمام في عيني الرجل، واستولى عليه السرور لهذه ~~المفاجأة التي لم يتوقعها قط، وشعر نحو الست بمودة لأول مرة ~~في حياته وسألها: وهل وجدت ألما لا سمح الله؟ # فقالت الست سنية: كلا والحمد لله، ولكني فقدت بعض الضروس ~~والأسنان ونغض البعض الآخر. # وتضاعف سرور الدكتور، وذكر ما تهامس به أهل الزقاق من أن ~~الست ستغدو عما قريب عروسا، فلعب الطمع بقلبه وقال: الأوفق ~~أن تركبي طقما جديدا. # فقالت الست: هذا ما فكرت فيه، ولكن هل يلزم وقت طويل ~~لذلك؟ # فنهض الرجل واقفا واقترب منها وهو يقول: افتحي فمك. # ففغرت المرأة فاها، وتفحصه الرجل بعينين ضيقتين، ولم يجد به ~~إلا أسنانا معدودات، فدهش وأحس ببعض الخيبة، ولكنه حذر أن ~~يهون من خطورة عمله، فقال في تؤدة: يلزمنا بضعة أيام لاقتلاع ~~هذه الأسنان، ولكن ربما اضطررنا إلى الانتظار ستة أشهر قبل تركيب ~~الطقم حتى تجف اللثة وتأخذ راحتها. # ورفعت المرأة حاجبيها المزججين في انزعاج، وكانت تتوقع أن ~~تزف إلى بعلها في بحر شهرين أو ثلاثة على الأكثر، وقالت ~~بجزع: لا .. لا، أريد عملا سريعا، لا يتأخر عن شهر بحال. # فقال الرجل بمكر وخبث: شهر يا ست سنية؟! .. مستحيل. # فقالت المرأة باستياء: إذن مع السلامة! # فتريث الرجل قليلا ثم قال: هناك سبيل واحد إن شئت. # فأدركت أن الرجل يحاورها بمكر التاجر الخبيث، وامتلأت حنقا ~~عليه ولكنها دارت حنقها لحاجتها إليه، وسألته: ما هو؟ ~~- أن أركب لك طقما ذهبيا، فهذا يمكن تركيبه عقب الخلع ~~مباشرة. # وانقبض قلبها خوفا، وراحت تفكر في تكاليف الطقم الذهبي. ~~وكادت تنبذ اقتراح الرجل لولا أن تذكرت العروس المرتقب؛ إذ كيف ~~يمكن أن تلقى عروسها بهذا الفم الخرب؟ كيف تؤاتيها شجاعتها على ~~الابتسام إليه؟ وكان من المعروف لدى أهل الزقاق جميعا أن أسعار ~~الدكتور بوشي هينة، وأنه يستبضع طقومه من هنا ms124 وهناك بمهارة ~~ويبيعها بأبخس الأثمان، فلا يسأل من أين يأتي بها، وبحسبهم رخصها. ~~ولكن الطقم الذهبي - على رغم هذه الحقائق جميعا - شيء له خطره، ~~فلذلك تخوفت المرأة التي ألفت الحرص، وسألته بغير احتفال شأن ~~المستهين باقتراحه: وكم يكلفني الطقم؟ # فقال الدكتور الذي لم يخدع باستخفافها الظاهري: عشرة ~~جنيهات؟ # وانزعجت المرأة التي تجهل الأثمان الحقيقية للطقوم الذهبية ~~ورددت قوله في إنكار: عشرة جنيهات! # وتميز الرجل غيظا وقال: إن ثمنه لا يقل عن خمسين جنيها ~~عند أولئك الأطباء الذين يتاجرون بفنهم؛ ولكننا وا أسفاه قوم ~~سيئو الحظ. # وتجاذبا الثمن الذي اقترحه؛ هو يحاول أن يستمسك به، وهي تروم ~~خفضه، حتى تم الاتفاق على ثمانية جنيهات، وغادر الدكتور الشقة ~~وهو يلعن في سره العجوز المتصابية. # وكانت الست سنية عفيفي، تلك الأيام، تلقى الحياة بوجه جديد، ~~كما كانت الحياة تطالعها بوجه جديد كذلك .. بات الأمل السعيد ~~قاب قوسين أو أدنى، وأصبحت الوحدة ضيفا ضعيف الظل يأخذ أهبته ~~للرحيل، وأوشكت البرودة الجاثمة في روحها أن تذوب وتجري ماء ~~دافئا. بيد أن السعادة لا تنهل بغير ثمن، وبغير ثمن فادح ~~أيضا. ولقد عرفت هذا الثمن الفادح في ترددها على محال الأثاث ~~بشارع الأزهر، ومعارض الثياب بالموسكي. ومضت تنفق مما اكتنزت ذاك ~~الدهر الطويل، بل وتنفق بغير حساب. وكانت أم حميدة لا تكاد ~~تفارقها في حلها وترحالها، وأثبتت لها بمهارتها الفائقة، وبما ~~تقدم لها من معونة في كل خطوة تخطوها، أنها كنز نفيس لا ~~يقدر بثمن، وإن كان باهظ التكاليف في الوقت نفسه. ولم تقبض عنها ~~يدها معللة نفسها بوشك انتهاء هذه المحنة. على أن الأثاث ~~والثياب لم تكن كل شيء، ولم يكن بيت العروس الشيء الوحيد الذي ~~يستوجب التجديد؛ وإنما كانت العروس نفسها تستوجب الرعاية ~~والعناية والترميم، وقد قالت يوما لأم حميدة وهي تضحك في غير ~~قليل من الارتباك: يا ست أم حميدة، ألا ترين أن الهموم قد ~~أشعلت الشيب في سوالفي؟! # فقالت أم حميدة التي كانت تعلم أن الهموم بريئة مما ترميها به: ~~نداوي الهموم ms125 بالصبغة، وهل توجد ثمة امرأة لا تصبغ شعرها في ~~زماننا هذا؟ # فضحكت المرأة بسرور وقالت: بورك فيك يا ست النساء كلهن، ~~ترى ماذا كنت أفعل بحياتي لولاك أنت؟ # وتريثت قليلا، ثم مسحت على صدرها وقالت: رباه، هل يرضي هذا ~~الجسد الجاف عروسك الشاب؟ .. ولا أثداء ولا أرداف ولا شيء مما يجذب ~~الرجال! # فقالت أم حميدة: لا تستقلي نفسك، ألم تعلمي بأن النحافة موضة ~~وأية موضة! ومع ذلك فإن شئت صنعت لك أقراصا عجيبة تسمنك في ~~وقت قصير. # وهزت أم حميدة وجهها المجدور بفخار واستدركت قائلة: لا تخافي ~~شيئا ما دامت أم حميدة معك .. أم حميدة مفتاح سحري تفتح له جميع ~~الأبواب المغلقة، وغدا تلمسين قدري في الحمام إذا حوانا ~~معا! # وهكذا كرت أيام الاستعداد في نشاط وتعب وسرور وأمل، وصبغ ~~شعر وتحضير عقاقير، وخلع أسنان مثرمة وتركيب أسنان ذهبية، وبين ~~يدي ذلك كله نقود تنفق. تغلبت على عادة الحرص، وطرحت معبودها ~~الأصفر عند قدمي الغد المرموق، وفي سبيل هذا الغد المرتقب زارت ~~الحسين ونذرت له ما تيسر من مال وثريد للفقراء الذين يحدقون ~~بجامعه، كما نذرت للشعراني أربعين شمعة. # وقد نال العجب من أم حميدة كل منال وهي تلحظ هذا التغير ~~الكبير الذي قلب الست سنية رأسا على عقب، فجعلت تضرب كفا ~~بكف وتقول لنفسها: هل يستأهل الرجال كل هذا العناء؟! جلت ~~حكمتك يا رب، فأنت الذي قضيت على النساء أن يعبدن ~~الرجال! # 22 # استيقظ عم كامل من إغفاءته المزمنة على رنين جرس، ففتح عينيه، ~~وأنصت قليلا، ثم اشرأب بعنقه حتى برز رأسه من الدكان، فرأى ~~حنطورا معروفا يقف أمام الزقاق، فنهض في عناء وهو يقول بسرور ~~ودهشة: «رباه، هل عاد السيد سليم علوان حقا؟» وكان الحوذي قد ~~زايل مقعده وهرع إلى باب العربة ليعين سيده على النزول، واعتمد ~~السيد على ذراعه، ثم ظهر جسمه مقوسا، ووقف أخيرا على الأرض ~~يصلح هندامه. حجبه المرض في أواسط الشتاء، وأعاده الشفاء في أوائل ~~الربيع، وقد غمرت برودة الشتاء القارصة موجة لطيفة من ms126 الدفء رقصت ~~لها الدنيا طربا. ولكن أي شفاء هذا؟! لقد عاد السيد رجلا آخر .. ~~اختفى الكرش الذي كان يشق الجبة والقفطان، وتقعر الوجه ~~الممتلئ الدموي، فبرزت وجنتاه وغار خداه ولوح الشحوب بشرته، ~~وخبا نور العينين فقلقت فيهما نظرة شاردة ذابلة تحت جبين عابس. ~~ولم يتبين عم كامل بادئ الأمر ما طرأ على السيد من تغير لضعف ~~بصره، حتى إذا اقترب منه ولاحظ ذبوله تولاه الانزعاج، وانحنى على ~~يده كأنما ليخفي انزعاجه، وصاح بصوته الرفيع: حمدا لله على ~~السلامة يا سي السيد، ذا يوم أبيض، والله والحسين ما يساوي الزقاق ~~من غيرك قشرة بصلة! # فقال له السيد سليم وهو يسترد يده: بورك فيك يا عم ~~كامل. # وسار متمهلا متوكئا على عصاه، يتأثره الحوذي عن كثب، ويتبعه ~~عم كامل مترنحا كالفيل، والظاهر أن رنين الجرس قد أعلن حضوره، ~~فسرعان ما ازدحم باب الوكالة بالعمال، وأقبل من القهوة المعلم ~~كرشة والدكتور بوشي، وأحاط به الجميع مهللين داعين، ولكن ~~الحوذي علا صوته وهو يقول: أفسحوا للسيد من فضلكم، دعوه يجلس أولا ~~ثم سلموا. # وأفسحت له اللمة، فواصل مسيره عابسا، وفؤاده يغلي حنقا ~~وغيظا، وقد ود لو لم تقع عيناه على وجه من هذه الوجوه. وما كاد ~~يطمئن به مجلسه وراء المكتب حتى أقبل عمال الوكالة يستبقون، ~~فلم يجد بدا من أن يسلمهم يده يقبلونها واحدا بعد آخر، ~~تأذيا من لمس شفاههم، مخاطبا نفسه: «يا لكم من كذابين مرائين! ~~.. أنتم والله أصل هذا البلاء!» وتفرق العمال فجاء المعلم ~~كرشة وشد على يده وهو يقول: مرحبا بسيد الحي جميعا .. ~~ألف حمد الله على السلامة. # فشكره السيد. أما الدكتور بوشي فقد قبل يده وقال له بلهجة ~~خطابية: اليوم يحق لنا الفرح، واليوم تطمئن جنوبنا، واليوم ~~يتحقق لنا الدعاء! # فشكره أيضا مداريا تأففه؛ لأنه كان يستكره وجهه الصغير ~~المستدير، ولما أن خلا المكان تنهد من صدر ضعيف، وقال بصوت ~~لا يكاد يسمع: «كلاب .. كلهم كلاب .. عضوني بعيونهم ~~الحاسدة!» وراح يطارد أشباحهم في مخيلته لينقي صدره مما ~~استثاره من ms127 حنق وغيظ وتأثر، ولم يترك لخلوته طويلا، فجاءه ~~كامل أفندي إبراهيم وكيله ومثل بين يديه، وسرعان ما نسي بمجيئه ~~كل شيء إلا الحساب والمراجعة، وقال له باقتضاب: الدفاتر. # وهم الرجل بالتحرك؛ ولكنه استوقفه فجأة كأنما تذكر أمرا ~~هاما، وقال له بلهجة آمرة: نبه الجميع إلى أني من الآن ~~فصاعدا، لا أحب رائحة تدخين (كان التدخين قد حرم عليه بأمر ~~الطبيب)، وخبر إسماعيل بأنني إذا طلبت إليه ماء أن يهيئ لي ~~قدحا نصفه ماء عادي والنصف الآخر ماء دافئ .. التدخين في الوكالة ~~ممنوع منعا باتا، والدفاتر بسرعة. # وذهب الوكيل لإبلاغ الأوامر الجديدة، متذمرا في باطنه؛ لأنه ~~كان من مدمني التدخين. ثم عاد بعد قليل حاملا الدفاتر، ولم يغب ~~عنه ما ترك المرض في طبع السيد من تغير وتبدل، فركبه الهم، ~~وأيقن أنه مقبل على حساب عسير. وجلس كامل أفندي قبالة السيد، ~~وفتح الدفتر الأول، وبسطه بين يديه، فبدأت المراجعة. كان السيد في ~~عمله محيطا ماهرا لا تفوته فائتة وإن دقت، فأكب على ~~مراجعة الدفاتر دفترا دفترا بهمة لا تكل ولا تمل، غير ~~راحم نفسه المتهالكة، وقد اتصل في أثناء ذلك ببعض عملائه ~~متحققا من مواعيد حضورهم، مطابقا بين أقوالهم وبين المدون ~~في الدفاتر، وكامل أفندي صابر متجهم لا يخطر له الاحتجاج على ~~بال. ولم تكن المراجعة بالشيء الوحيد الذي يتابعه بأفكاره، فكان ~~ينوء صامتا بأمر تحريم التدخين الذين استصبح به على غرة، وهو ~~أمر لم يحرم عليه التدخين في الوكالة فحسب، ولكنه أضاع عليه في ~~الوقت نفسه ما كان يتفضل السيد بتقديمه له من سجائر كوتاريللي ~~الفاخرة. وقد رمق الرجل المكب على الدفاتر بنظرات غريبة، وقال ~~لنفسه متكدرا ساخطا: «رباه .. لشد ما تغير الرجل، هذا ~~شخص غريب لا يعرفه!» وعجب لشاربه الذي احتفظ به رغم هذا التغير ~~بضخامته وفخامته في وجه طمست سماته ومعالمه، وعفى عليها المرض ~~الخطير فكأنه نخلة سامقة في صحراء جرداء .. وأخرجه الحنق ~~والاستياء عن طوره فقال مخاطبا نفسه: «من يدري؟ .. لعله يستأهل ~~ما نزل به، إن الله ms128 لا يظلم أحدا.» وانتهى السيد من المراجعة في ~~زهاء ثلاث ساعات، فرد الدفاتر إلى الوكيل، وهو يحدجه بنظرة ~~غريبة؛ نظرة مراجع لم يعثر على ما يريبه، ومع ذلك فلا يخلو من ~~الريب. وجعل يخاطب نفسه قائلا: «سأعاود المراجعة مرة أخرى، لا ~~بل مرات، حتى أكشف عما تبطن هذه الدفاتر، كلهم كلاب .. بيد أنهم ~~أخذوا عن الكلاب نجاستها، وزهدوا في أمانتها!» ثم خاطب الوكيل ~~قائلا: لا تنس ما نبهتك إليه يا كامل أفندي: رائحة التدخين ~~والماء الدافئ. # وجاء بعد ذلك بعض العملاء من الخواجات فهنئوه بالسلامة، ثم خاضوا ~~فيما لديهم من الأعمال، وقد أراد بعضهم أن يؤجل عمله تخفيفا ~~عنه، ولكنه قال باستياء: لو كنت عاجزا عن العمل ما جئت ~~الوكالة. # وما كاد يخلو إلى نفسه حتى استبدت به أفكاره الناقمة الموتورة، ~~فراح يصب غضبه - كديدنه في هذه الأيام الأخيرة - على الناس ~~أجمعين. ولطالما قال عنهم إنهم حسدوه، وإنهم نفسوا عليه الصحة ~~والوكالة والحنطور وصينية الفريك، فلعنهم من أعماق الفؤاد. وكثيرا ~~ما كان يردد هذه الظنون في أثناء مرضه، ولم تنج زوجه نفسها من ~~شر ظنونه، فحدجها يوما بنظرة شزراء، وهي تجلس إلى جانب فراشه ~~وقال لها بصوت يتهدج ضعفا وسخطا: وأنت يا ست لك نصيبك من هذا، ~~فطالما دوختني بقولك: إن أيام الصينية انتهت، وكأنك تنفسين ~~علي صحتي، فالآن كل شيء انتهى، فقري عينا. # وقد تأثرت المرأة لقوله واستعبرت طويلا، ولكنه لم يرق لها، ~~ولم يلن من حدته، واستدرك يقول مغيظا محنقا: حسدوني .. ~~حسدوني، حتى زوجتي وأم أبنائي قد حسدتني. # ولكن إذا كان زمام الحكمة قد أفلت من يديه، فقد كان الموت قبل ~~ذلك تخايل لعينيه غير بعيد. وإن ينس لا ينس تلك الساعة المروعة ~~المزلزلة ساعة الأزمة؛ كان يتهيأ للهجوع حين أحس بنغصة تصدع ~~لها صدره، وشعوره بحاجة ماسة إلى تنفس عميق، ولكن عجز عن ~~الشهيق والزفير، وكان كلما عاود المحاولة حزه الألم وقطعه ~~الوجع، حتى استسلم في قنوط وعذاب مريرين. وجاء الطبيب وتجرع ~~العقاقير، ولكنه لبث أياما يراوح ms129 بين يقظة الحياة وغيبوبة الموت. ~~وكان إذا رفع جفنيه المتعبين الثقيلين رأى ببصر زائع زوجته ~~وبناته وأبناءه محدقين به، محمرة أعينهم من البكاء. وهوى ~~إلى تلك الحالة الغريبة التي يفقد الإنسان فيها كل إرادة على جسده ~~وعقله، فيلوح له العالم سحابة دكناء من ذكريات غامضة متقطعة لا ~~تبين ولا تكاد تربط بينها رابطة. # وفي اللحظات القليلة التي استرد فيها شيئا من وعيه يتساءل في ~~رجفة باردة: «هل أموت؟!» أيموت وحوله الأهل جميعا؟! ولكن الإنسان ~~لا يفارق الدنيا عادة إلا منتزعا من أيدي أحبائه، فماذا أفاد ~~الأموات تعلق الأحباء بهم؟! ورغب ساعتئذ أن يدعو الله وأن ~~يتشهد، فخانه ضعفه، وتصاعد الدعاء والشهادة حركة باطنية ابتل ~~بها ريقه الجاف. ولم ينسه إيمانه - على رسوخه - أهوال تلك ~~الساعة، فاستسلم جسمه على رغمه. أما روحه، فتعلقت بأهداب ~~الحياة في فزع وجزع، حتى سحت عيناه دمعا مدرارا ونطقت نظرتهما ~~بالاستصراخ والاستغاثة، ولكن كان في الأجل بقية، فجاز طور الخطر، ~~وبلغ بر النقاهة، ورجع إلى أحضان الحياة رويدا رويدا، ومنى ~~نفسه باسترداد صحته وعافيته ~~وسابق سيرته. ولكن تحذيرات الطبيب ووصاياه اهتصرت أمنيته، وقضت ~~على أمله، ولم تبق له من الحياة إلا على شيء يسير. أجل، أجل، ~~نجا من الموت، ولكنه انقلب شخصا جديدا ذا جسم رقيق وروح مريض، ~~وبكرور الأيام استفحل مرض روحه فصار ضجرا وتمردا وكراهية ~~وعبوسا. وقد عجب لهذه العثرة التي اعترضت سبيل حظه، وتساءل: بأي ~~ذنب آخذه الله سبحانه؟ وكان ذا ضمير من هذه الضمائر الراضية ~~التي تقيم الأعذار لأصحابها وتحسن مسالكهم، وتغضي عن أخطائهم، ~~وكان يحب الحياة حبا جما، فتمتع بماله ومتع به آله، ~~والتزم - فيما يظن - حدود الله، فاطمأن بذلك إلى الحياة ~~اطمئنانا عميقا، حتى انتبه منه على هذه الهزة العنيفة التي ذهبت ~~بصحته، وأوشكت أن تذهب بعقله .. ما ذنبه؟ .. لا ذنب له، ولكنهم ~~الناس غرماؤه هم الذين أوردوه بحسدهم هذا العطب الأبدي! وهكذا ~~أمر من نفسه ما كان حلوا، وارتسم على جبينه عبوس لا يريم. ~~والحق أن ما فقد الرجل ms130 من صحته لم يكن سوى شيء يسير بالقياس إلى ~~ما فقد من أعصابه. # وقد تساءل وهو جالس إلى ~~مكتبه في الوكالة: أحقا لم يبق له من الحياة إلا أن يقبع في هذا ~~المكان ويراجع الدفاتر؟! وتراءى له وجه الحياة أشد تجهما من ~~وجهه. وجمد كالتمثال، ومضى وقت لا يدريه وهو غارق في أفكاره، حتى ~~سمع حسا عند مدخل الوكالة، فالتفت نحوه فرأى أم حميدة مقبلة ~~بوجهها المجدور، ولاحت في عينيه نظرة غريبة، فسلم، وأنصت بربع ~~انتباه إلى دعاء المرأة وترحيبها، وقد شغلته الذكريات القديمة ~~عما عداها. # أليس من العجيب أن ينسى حميدة كأنها شيء لم يكن؟! لقد طافت به ~~ذكراها في نقهه مرات، ومرت به دون أن تترك أثرا. لم يأسف عليها ~~بمثل ما طمح إليها، ثم أنسيها بعد ذلك كأنها شيء لم يكن، أو ~~كأنها كانت نقطة في دم الصحة الذي كان يجري في عروقه، فلما أن ~~غاب ونضب تطايرت في الهواء، وغابت من عينيه النظرة الغريبة التي ~~رسمتها الذكريات، وعاد بصره إلى جموده، فشكر للمرأة حضورها ~~لتهنئته ودعاها للجلوس، ووجد مضايقة في حضورها كادت تنقلب ~~كراهية، وتساءل عما دعاها للمجيء حقا، أهو التهنئة الخالصة ~~لوجه الله، أم الاطمئنان على ما سبق منه من رغبة؟ ولكن المرأة لم ~~تكن عند سوء ظنه، لأنها كانت أيست منه منذ أمد بعيد، ومع ذلك ~~قال لها وكأنه يعتذر: أردنا .. وأراد الله! # فأدركت المرأة مقصده وقالت بعجلة: لا عليك من هذا يا سي السيد، ~~وما نسأل الله إلا الصحة والعافية. # وسلمت المرأة مرة أخرى وغادرت الوكالة وقد تركته أسوأ حالا ~~وأشد انقباضا، وقد حدث عند ذاك أن انزلق شوال حناء من بين ~~يدي عامل، فاشتد به الغضب، وانتهره بقسوة صائحا: ستغلق ~~عما قريب الوكالة أبوابها، فابحثوا عن مرتزق جديد. # ولبث برهة ينتفض من شدة الغضب والتأثر. وكأن هذا الغضب ~~ذكره بما اقترحه عليه أبناؤه أخيرا من تصفية أعماله والخلود ~~للراحة، فتضاعف غضبه وهياجه، وجعل يقول لنفسه: إنها ليست راحته ~~التي يبتغون، ولكنه المال، ms131 ألم يقترحوا عليه الاقتراح نفسه سابقا ~~وهو في عنفوان قوته؟! .. فالمال طلبتهم، لا صحته ولا راحته. ~~ونسي في غضبه أنه - هو نفسه - كبر عليه أن تنحصر آماله في ~~العمل في الوكالة، وألا يجد لذة في الحياة إلا إرهاق النفس في ~~جمع مال لا يستطيع أن يتمتع به، ولكنه العناد الذي أولع به ~~أخيرا، وسوء ظنه بالناس جميعا الذي لم ينج أولاده أنفسهم وزوجه ~~من بعض آثاره .. وقبل أن يفيق من حمى الغضب والهياج سمع صوتا ~~جهيرا يقول في عمق وحنان معا: حمدا لله على السلامة .. السلام ~~عليكم يا أخي. # فالتفت نحو مصدر الصوت فرأى السيد رضوان الحسيني مقبلا بجسمه ~~الطويل العريض، ووجهه المشرق المتألق، فانبسطت أساريره لأول ~~مرة وهم بالوقوف، ولكن السيد بادره بوضع راحته على منكبه وهو ~~يقول: حلفتك بالحسين إلا ما جلست! # وتصافحا بحرارة. وكان السيد رضوان قد زار قصر الرجل مرات في ~~أثناء مرضه، ولما لم يمكنه مقابلته بعث له بتحياته ودعواته. ~~وجلس السيد على مقعد قريب وراحا يتحدثان في رقة ومودة، قال ~~السيد سليم علوان بتأثر شديد: نجوت بأعجوبة! # فقال السيد رضوان بصوت عميق هادئ: الحمد لله رب العالمين .. ~~نجوت بأعجوبة، وتعيش بأعجوبة، إن استمرار المرء ثانية واحدة من ~~الزمان يحتاج لمعجزة ضخمة من القدرة الإلهية، فعمر أي إنسان فان ~~.. سلسلة من المعجزات الإلهية، وما بالك بأعمار الناس جميعا، ~~وحيوات الكائنات جميعا؟! فلنشكر الله بكرة وأصيلا، آناء الليل ~~وأطراف النهار، وما أتفه شكرنا حيال هذه النعم الربانية! # وأصغى إليه في جمود، ثم تمتم قائلا بضجر: المرض شر ~~قبيح. # فابتسم السيد رضوان وقال: ربما كان كذلك في ذاته؛ ولكنه من ~~ناحية أخرى امتحان إلهي، وهو من هذه الناحية خير. # ولم يرتح الرجل لهذه الفلسفة، وحنق بغتة على قائلها، فضاع الأثر ~~الطيب الذي أحدثه مجيئه، ولكنه لم يستسلم لانفعاله على غير عادته ~~أخيرا، وقال بلغة وشت بتذمره: ماذا فعلت حتى ينزل بي هذا ~~العقاب؟ .. ألا ترى أني فقدت صحتي إلى الأبد؟ # فعبث السيد بلحيته الجميلة، وقال بشيء من ms132 المعاتبة: أين يقع ~~علمنا الضحل من هذه الحكمة الباهرة؟! حقا إنك رجل طيب، ~~بار، كريم، قوام على الفرائض، ولكن الله امتحن عبده ~~أيوب وهو نبي، فلا تأس ولا تحزن، وأبشر بالإيمان ~~خيرا. # ولكن الرجل زاد انفعاله، وقال بحدة: أرأيت إلى المعلم كرشة ~~كيف يحتفظ بصحة البغال؟ ~~- إنك بمرضك خير منه بصحته وعافيته. # وغلبه الغضب، فرمق محدثه بنظرة ملتهبة وقال: إنك تتحدث ~~في سكينة وطمأنينة، وتعظ في ورع وتقوى؛ ولكنك لم تذق بعض ما ~~ذقت، ولم تخسر شيئا مما خسرت. # وتطامن رأس السيد حتى ختم الرجل خطابه، ثم رفع رأسه وعلى شفتيه ~~ابتسامته الحلوة، وحدجه بنظرة عميقة من عينيه الصافيتين، وسرعان ~~ما استكن غضبه وفتر انفعاله، وكأنه يذكر لأول مرة أنه يخاطب ~~أكبر مصاب من عباد الله. وطرفت عيناه، وتورد وجهه الشاحب قليلا، ~~ثم قال بصوت ضعيف: اعذرني يا أخي، إني تعب مرهق. # فقال السيد ولم تفارق الابتسامة شفتيه: لا عليك من هذا، قواك ~~الله وسلمك، اذكر الله كثيرا، فبذكر الله تطمئن القلوب، ~~ولا تدع الأسى يغلب عليك إيمانك أبدا، فالسعادة الحقة ترتد ~~عنا على قدر ما نرتد عن إيماننا. # فقبض الرجل على ذقنه بشدة وقال بحنق: حسدوني .. نفسوا علي ~~المال والجاه .. حسدوني يا سيد رضوان! ~~- الحسد شر من المرض، وإنه لمن المحزن حقا أن الذين ينفسون ~~على إخوانهم حظهم من المتاع الفاني كثيرون. لا تأس، ولا تحزن، ~~وسلم إلى الله ربك الرحيم الغفور. # وتحادثا طويلا، ثم ودعه السيد رضوان وانصرف، ولبث الرجل هنيهة ~~كالهادئ، ثم أخذ يعود رويدا رويدا إلى عبوسه وتجهمه، ونبا به ~~القعود طويلا، فنهض قائما، ومشى متمهلا إلى باب الوكالة، ~~ووقف عند مدخلها شابكا يديه وراء ظهره .. كانت الشمس تعلو كبد ~~السماء، والجو دافئا مشرفا، وقد بدا الزقاق كالمقفر في تلك ~~الساعة من الظهيرة، اللهم إلا الشيخ درويش الذي جلس أمام القهوة ~~يتشمس، فلبث السيد مليا، ثم تلفت - بحكم عادة قديمة - نحو ~~النافذة، فوجدها مفتوحة خالية، وكأنه ضاق بموقفه فرجع إلى مجلسه ~~متجهما عابسا. # 23 ~~«... لن أعود ms133 إلى القهوة حتى لا أثير الشبهات.» هذا ما قاله لها ~~عند افتراقهما، وقد ذكرته حميدة في صباح اليوم التالي لمقابلة ~~الدراسة، ذكرته بخيال حي يقظ سعيد، وتساءلت: أتذهب للقائه ~~اليوم؟ فأجاب قلبها: «نعم» دون خفاء؛ ولكنها قالت بعناد: «كلا ~~.. يجب أن يعود إلى القهوة أولا.» وامتنعت عن الخروج في موعدها ~~المألوف، وقبعت وراء النافذة تنتظر ما يكون. وانصرمت ساعة المغيب، ~~وأطبق الليل ناشرا جناحيه، وعند ذاك أقبل الرجل من أسفل الزقاق ~~مصوبا عينيه نحو الزيق الذي انفرج عنه خصاص النافذة تلوح في ~~وجهه ابتسامة تنم عن التسليم، وجلس على كرسيه المختار. وشعرت وهي ~~ترقبه ببهجة الانتصار، ولذة الانتقام لعذابها يوم أعياها العثور ~~عليه في الموسكي .. والتقت عيناهما طويلا - دون أن تغضي أو ~~ترتد عن موقفها - فازداد ظل ابتسامته امتدادا، ووشى وجهها ~~بابتسامة وهي لا تدري. ماذا يبغي يا ترى؟ وبدا لها هذا السؤال ~~غريبا، إذ لا تدري لمثل إلحاحه في طلابها إلا معنى واحدا، سعى ~~إليه من قبل عباس الحلو، وطمح إليه السيد سليم علوان قبل أن ~~يحطمه الدهر، فلماذا لا يكون غاية هذا الأفندي الوجيه؟! أو لم ~~يقل لها: «ألست في الدنيا لتؤخذي؟ .. وإني لآخذك»؟! فما عسى أن ~~يعني هذا إن لم يعن الزواج؟! ولم يعق أحلامها عائق، لشدة شعورها ~~بقوتها وثقتها بنفسها، بل وغرورها الجامح. وجعلت تنظر إليه من ~~وراء خصاصها المنفرج، وتتلقى نظراته المسترقة باطمئنان وثبات ~~وبلا تردد. وحادثتها عيناه حديثا عميقا يعيي اللسان والحواس ~~جميعا، فتردد صداه في أعماق نفسها محركا غرائزها. ولعلها وجدت ~~هذا الشعور العميق الصادق - وهي لا تدري - يوم التقت عيناهما أول ~~مرة، يوم حدجها بنظرته العارمة المتحدية، وابتسم إليها تلك ~~الابتسامة الظافرة، فانجذبت إليه كما تنجذب إلى المعترك المستعر. ~~والحق أنها عرفت قدرا من نفسها على ضوء عينيه، فلم تعد ~~الضالة في متاهة الحياة، ولم تعد الحائرة إلى نظرة عباس الحلو ~~الوديعة وثروة السيد علوان الطائلة، ولكنها شعرت بأن هذا الرجل ~~طلبتها، وأن ما يستثيره في صدرها .. الانفعال والإعجاب ~~والاستفزاز هو لذتها ms134 التي تجذب إليها بفطرتها، كما تجذب إبرة ~~البوصلة إلى القطب، وأنه رجل من غير الحثالة التي يستعبدها الفقر ~~والحاجة كما يشهد بذلك مظهره وأوراقه المالية. وراحت ترنو إليه ~~بعينين متألقتين تذكيان ضياء من وجد وتوثب، ولم تبرح ~~مكانها حتى غادر القهوة وهو يودعها بابتسامة خفيفة، فأتبعته ~~ناظريها وهي تقول وكأنها تتوعده: «غدا.» # وفي عصر الغد غادرت البيت بقلب ملؤه الشوق والتحدي والهيام ~~بالحياة. وما كادت تخرج من الصنادقية حتى رأته عن بعد واقفا عند ~~ملتقى الغورية بالسكة الجديدة، فلاحت في عينيها لمعة خاطفة، ~~وانبعث في صدرها شعور غامض غريب؛ وهو مزيج من السرور والرغبة ~~الوحشية في القتال! وقدرت أنه سيتبعها في الذهاب والإياب حتى ~~يخلو لهما الجو في الدراسة. فسارت على مهل دون أن يخالجها شعور ~~بالاضطراب أو الحياء، واقتربت منه كأنها لا تراه، ولكن حدث - وهي ~~تمر به - ما لم يقع لها في حسبان، فقد سار معها ومد يده بجرأة ~~لا توصف فقبض على راحتها، وقال لها بهدوء متجاهلا المارة ~~والواقفين: مساء الخير يا عزيزتي! # أخذت على غرة، فحاولت أن تسترد يدها؛ ولكنها لم تفلح، ~~وخافت إن أعادت الكرة أن تستلفت الأنظار، فاستولى عليها ~~الارتباك والغيظ، ووجدت نفسها بين اثنتين؛ فإما غضب وفضيحة ~~وجرسة ثم قطيعة، وإما استسلام تستكرهه لأنه فرض عليها فرضا ~~مقهرا، فامتلأت حنقا، وهمست بصوت منخفض متهدج من الغضب: كيف ~~تجرؤ على هذا؟ .. دع يدي بسرعة. # فأجابها بهدوء وهو يمشي إلى جانبها كأنهما صديقان ينطلقان معا: ~~حلمك .. حلمك، لا كلفة بين الأصدقاء. # فقالت وهي تتميز غيظا: الناس .. الطريق. # فاستعطفها بابتسامة قائلا: لا تبالي أناس هذا الطريق، فهم ~~مجانين المال، ولا يرون إلا ما في رءوسهم من حسابات. هلا ~~ملت إلى دكان صائغ فأنتقي منه حلية تليق بحسنك؟! # فاشتد غيظها لعدم مبالاته وقالت بوعيد: أتتظاهر بأنك لا تعبأ ~~شيئا؟ # فقال بهدوء والابتسامة لا تفارق شفتيه: لست أقصد إثارتك، ~~ولكني انتظرتك لنتمشى معا، ففيم غضبك؟ # فقالت بقوة: إني أمقت هذا التهجم، فاحذر أن تخرجني عن ~~وعيي. # وطالع نذر ms135 الشر في وجهها فسألها في رجاء: أتعدينني بأن نسير ~~معا؟ # فهتفت به: لا أعد شيئا .. دع يدي. # فأطلق يدها دون أن يبتعد عنها، وقال لها متملقا: يا لك من ~~جبارة عنيدة. هاك يدك، ولكننا لن نفترق، أليس كذلك؟ # وتنهدت في غيظ، ونظرت إليه شزرا وهي تقول: يا لك من سمج ~~مغرور! # فتقبل الشتيمة بابتسامة وصمت، وسارا جنبا لجنب دون أن ~~تبتعد عنه، وذكرت كيف تربصت له بالأمس القريب لتمثل به في ~~هذا الطريق، ولكنها الآن لا تفكر في هذا، وحسبها أنها أجبرته على ~~إطلاق يدها، بل لعله لو حاول استردادها مرة أخرى لما مانعت، ~~وهل كانت غادرت بيتها وفي عقلها شيء غير لقائه؟! وفضلا عن هذا كله ~~فقد ساءها أن يبدو أشد طمأنينة وجسارة منها، فسارت إلى جانبه غير ~~عابئة بالسابلة، متخيلة ما سيحدثه منظره في نفوس فتيات المشغل ~~من الدهشة المقرونة بالحسد، وسرعان ما عاود قلبها الشوق والاستهانة ~~والرغبة الجامحة في الحياة والمغامرة .. وراح الرجل يقول: إني ~~أعتذر عما بدر مني من خشونة، ولكن ما حيلتي في عنادك؟! ~~تعمدت تعذيبي، وما أستحق إلا عطفك جزاء ما أكن لك من عاطفة ~~صادقة، وما أبذل في سبيلك من عناء متصل. # ما عسى أن تقول له؟ إنها ترغب أن تخاطبه، وأن تبادله الحديث، ~~ولكنها لا تدري كيف، خصوصا وأن آخر ما نطقت به كان نهرا وشتيمة، ~~وقطع عليها تفكيرها أن رأت صويحباتها مقبلات غير بعيدات، فقالت ~~بارتياع كاذب: صاحباتي! # ونظر الرجل فيما أمامه فرأى الفتيات وقد ركزن عليه نظرات ~~متفحصة .. وعادت تقول بلهجة تنم عن التأنيب، وهي تداري سرورها: ~~فضحتني! # فقال بازدراء، وإن سره أن تلازم جانبه، وأن تخاطبه خطاب ~~الرفيق للرفيق: لا عليك منهن .. فلا تباليهن. # واقتربت الفتيات، فبادلتهن نظرات ذات معان، وهي تذكر بعض ما ~~قصصن عليها من مغامرات، ثم مررن بهما متضاحكات متهامسات. ~~وعاد الرجل يقول في خبث ودهاء: هؤلاء صاحباتك؟ .. كلا، لا أنت ~~منهن ولا هن منك، ولكني أعجب كيف يتمتعن بحريتهن، بينما ~~تقبعين أنت في البيت! وكيف ms136 يرفلن في الثياب الزاهية بينا تلتحفين ~~أنت في هذه الملاءة السوداء؟! كيف حدث هذا يا مليحة؟ .. أهو الحظ؟ ~~ولكن يا لك من صابرة متجلدة! # وتورد وجهها، وخيل إليها أنها تصغي إلى قلبها يتحدث، ~~وقبست عيناها جذوة من قلبها المستعر حماسا وعاطفة، واستدرك بثقة ~~ويقين: هذا حسن خليق بالنجوم. # واهتبلت هذه الفرصة لتبادله الحديث، فعطفت نحوه رأسها مبتسمة ~~بجرأتها الفطرية، وتساءلت وهي لا تدري ما يعنيه: النجوم؟! # فابتسم إليها ابتسامة حلوة وقال : نعم .. ألا تذهبين إلى ~~السينما؟ .. يدعون الحسناوات من الممثلات بالنجوم. # وكانت تذهب إلى سينما أوليمبيا مع أمها في فترات متباعدة ~~لمشاهدة بعض الأفلام المصرية، فأدركت ما يعنيه، وغمر شعورها سرور ~~راقص لاحت آثاره الوردية في خديها، وساد الصمت خطوات ثم سألها ~~برقة: ترى ما اسمك؟ # فقالت بلا تردد: حميدة. # فقال مبتسما: أما الذي سحرت لبه ففرج إبراهيم. في مثل ~~حالتنا يكون الاسم آخر ما يعرف، وهو يعرف عادة بعد أن يكون ~~الشخصان قد أيقنا أنهما واحد، أليس كذلك يا ست الملاح؟ # ليتها تتقن الكلام كما تتقن السب والعراك مثلا! إنه يحسن ~~الحديث ولكنها عاجزة عن مجاراته، وقد ضايقها ذلك، ولم تقنع بالدور ~~السلبي الذي يلذ بنات جنسها، وتشوقت بفطرتها إلى شيء آخر، غير ~~الانتظار والسكوت والحياء. ولما كان الإفصاح عن هذا الشعور ~~الغامض غير ميسور، فقد ساورها قلق وانفعال، وحدجته بنظرة ثاقبة. ~~وزاد من أسباب انفعالها أن انتهى الطريق، فشارفا ميدان الملكة ~~فريدة على غير شعور بالوقت، ولم تر بدا من أن تقول وهي تدفن ~~حسرتها في أعماقها: الآن نعود. # فقال بإنكار: نعود! ~~- هذه نهاية الطريق. # فقال محتجا: ولكن الدنيا لا تنتهي بانتهاء الموسكي. لماذا لا ~~نجول في الميدان! # فقالت على رغمها: لا أريد أن أتأخر عن موعد عودتي، أن تقلق ~~أمي. # فقال بإغراء: إذا شئت ركبنا تاكس فيقطع بنا مسافة طويلة في ~~دقائق معدودات. # تاكس! رنت الكلمة في أذنيها رنينا عجيبا. ولم تكن ركبت في ~~حياتها إلا العربة الكارو. ومضت ثوان قبل أن تفيق من سحر الكلمة ~~العجيبة، ms137 بيد أن الأمر لا يخلو من اعتبار آخر وهو ركوب التاكس مع ~~رجل غريب، إلا أنها وجدت في هذا الاعتبار داعيا للهجوم لا ~~للنكوص، وتولاها نزوع طاغ إلى المغامرة، كأنما لقيت فيه ~~ترويحا عن ذاك الشعور القلق المكتوم الذي أعياها الإفصاح عنه قبل ~~ذلك بقليل، ولم تكن تدري أن بها مثل هذه الطاقة على الاستهتار ~~والمغامرة حتى ليتعذر القول أيهما كان أشد استحواذا على ~~مشاعرها في تلك اللحظة: الرجل الذي حرك أعماقها أم المغامرة ذاتها، ~~ولعلهما كانا الاثنين معا. ولاحت منها نظرة إليه فرأته ينظر ~~إليها بإغراء وعلى شفتيه ظل الابتسامة التي طالما أهاجتها، ~~فتغير شعورها وقالت: لا أريد أن أتأخر. # فشعر بخيبة وقال متأسفا: أتخافين؟ # فازداد شعورها حدة وقالت بتحد: لست أخاف شيئا. # فأضاء وجهه، وكأنه عرف أشياء وأشياء، وقال بسرور: سأدعو ~~تاكس! # وكفت عن المعارضة، وثبتت عيناها على التاكس وهو يقترب من ~~موقفهما حتى وقف قبالتهما، وفتح الباب لها، فانحنت قليلا خافقة ~~الفؤاد وهي تقبض على مساك ملاءتها، وصعدت إليه، وتبعها الرجل وهو ~~يقول لنفسه بارتياح: «وفرنا تعب يومين أو ثلاثة أيام.» ثم ~~سمعته وهو يقول للسائق: «شارع شريف باشا.» شريف باشا، لا المدق ~~ولا الصنادقية ولا الغورية ولا حتى الموسكي، شريف باشا! .. ولكن ~~لماذا عين هذا الشارع بالذات؟! .. وسألته: أين تقصد؟ # فقال، وكان كتفه يمس كتفها: نجول قليلا ثم نعود. # وتحرك التاكس فتناست كل شيء إلى حين، حتى ذلك الرجل الذي ~~يكاد يلتصق بها. وقلقت عيناها بين الأنوار التي تتخطفها، فلاحت ~~لها الدنيا الجديدة خلال زجاج النافذة باهرة ضاحكة. وانتقلت حركة ~~التاكس إلى جسمها وروحها، فانبعثت في نفسها نشوة مطربة، وتهيأ ~~لها أنها تطير طيرانا، وتحلق في سماء الدنيا، وكأن وجدانها ~~من البهجة يسجع شاديا متجاوبا مع انسياب الحركة وتجدد المناظر ~~والأنوار، حتى تألقت عيناها بوميض مشرق، وافتر ثغرها عن ~~إشراق وذهول. وجرى التاكس في خفة، يخوض خضما من العربات ~~والسيارات والترام والناس، وجرى معه خيالها، فاستحر حماسها، ~~وسكرت مشاعرها، ورقص قلبها ودمها وخواطرها. ثم أفاقت إفاقة ms138 ~~مباغتة على صوته يهمس في أذنها قائلا: «انظري إلى الحسان كيف ~~يرفلن في ثيابهن النورانية!» أجل .. إنهن يتمايلن مبعثرات ~~كالكواكب المنيرة .. ما أجملهن! ما أبدعهن! وذكرت عند ذاك فحسب ~~ملاءتها وشبشبها فانقبض قلبها، واستيقظت من نشوتها كما يستيقظ ~~الحالم من حلمه السعيد على لدغة عقرب. وعضت على شفتها في ~~امتعاض، ثم تملكتها مرة أخرى روح التمرد والثورة والعراك! ~~وتنبهت إلى أنه التصق بها وهي لا تدري، فأخذت تستشعر مسه ~~الذي انتشر في حواسها، وحمي به قلبها، فهفت إليه بقوة فوق ~~إرادتها. ورنا إليها بلحظ كأنما يستطلع ميولها، ثم تناول راحتها ~~بلطف وجعلها بين راحتيه، وتشجع باستسلامها فهوى بفمه إليها. ~~وكأنها أرادت أن تتقيه فألقت برأسها إلى الوراء قليلا، ولكنه ~~لم يجد في ذلك رادعا كافيا، فطبع شفتيه على شفتيها وسرت في ~~أعماقها رعدة، وشعرت برغبة جنونية تدعوها إلى أن تعض شفتيه حتى ~~تدميهما! .. رغبة جنونية حقا، ركبتها كما يركبها عفريت ~~العراك، ولكنه ارتد عنها قبل أن تنفذها! ولبثت شعلة الجنون ~~متأججة في صدرها تهيب بها إلى أن ترتمي على صدره وتنشب أظافرها ~~في رقبته، حتى أنقذه منها صوته وهو يقول برقة: هذا شارع شريف باشا ~~.. وهذا بيتي على بعد خطوات، ألا تحبين أن تريه؟! # والتفتت متوترة الأعصاب إلى حيث تومئ سبابته، فرأت عمارات ~~تناطح السحاب لم تدر أيتها يعني. وأمر السائق بالوقوف أمام ~~واحدة منها، وقال لها: في هذه العمارة. # ورأت عمارة ضخمة سامقة ذات مدخل أوسع من زقاق المدق، ثم ارتد ~~عنها طرفها في حيرتها، ثم سألت بصوت منخفض: في أي ~~طابق؟ # فقال مبتسما: الأول .. لن تتجشمي مشقة إذا تفضلت ~~بزيارتها. # فرمقته بنظرة حادة منتقدة، فاستدرك قائلا: ما أسرع غضبك! .. ~~ومع ذلك دعيني أسألك ما وجه العيب في ذلك؟ ألم أزرك دواما منذ ~~وقعت عليك عيناي؟ فلماذا لا تردين الزيارة ولو مرة ~~واحدة؟ # ماذا يريد الرجل؟ .. أتحدثه نفسه بأنه وقع على صيد سهل؟ .. ~~أأطمعته القبلة التي استسلمت لها فيما هو أجل وأخطر؟ هل أعماه ~~غروره وشعوره بالظفر؟! .. وهل هذا ms139 مآل الحب الذي أفقدها وعيها؟! ~~.. واشتعل الغضب بقلبها، وتوثبت جميع قواها للنضال والتحدي، ~~وتمنت لو تطاوعها نفسها على السير معه إلى حيث يريد، لتريه ~~من نفسها ما يجهل، ولترد إليه صوابه. أجل، دعاها شعورها المتمرد ~~الجامح إلى خوض غمار هذه المعركة. وهل كان في وسعها أن تدعى إلى ~~النزال ثم تعرض عن الداعي؟! لم يكن الذي يستفزها غضب للفضيلة ~~أو الخلق أو الحياء، فهذه جميعها اعتبارات لم تألف الغضب لها أو ~~الغيرة عليها، ولكنه غضب لكبريائها وشعورها الطاغي بقوتها ~~ورغبتها الجنونية في الملاحاة والعراك، ولم تخل أيضا من جنون ~~المغامرة الذي قذف بها إلى التاكس! وجعل الرجل ينعم إليها النظر ~~وهو يقول لنفسه في تفكير وسخرية معا: «محبوبتي من النوع الخطر ~~الذي يفرقع باللمس، فيستوجب العناء الشديد والترويض الماهر.» ثم ~~قال لها برجاء ورقة: أرجو أن أقدم لك قدحا من الليمون. # ورمته بنظرة قاسية متحدية، ثم غمغمت: لك ما تشاء. # وفتح الباب مسرورا، وانزلق إلى الطريق، وتبعته على الأثر ~~باستهانة وجرأة، ووقفت تتفحص المكان والرجل يدفع الأجرة ~~للسائق. وجرت خواطرها إلى الزقاق الذي خرجت منه اليوم، وعجبت ~~للمغامرات التي اقتحمتها غير هيابة حتى انتهت إلى هذه العمارة ~~الهائلة! من يصدق هذا؟! وما عسى أن يقول السيد رضوان الحسيني ~~مثلا لو رآها تمرق إلى هذه العمارة؟ وارتسمت ابتسامة على ~~شفتيها، وداخلها شعور غريب بأن هذا اليوم هو أسعد أيام حياتها ~~على الإطلاق. # وهرع الرجل إليها، وأخذ يدها، فدخلا العمارة معا، وارتقيا ~~سلما عريضا إلى أول طابق، ثم سارا في ردهة طويلة إلى باب ~~شقة على يمين القادم، واستخرج من جيبه مفتاحا عالج به الباب وهو ~~يقول لنفسه بارتياح: «اكتسبت يوما أو يومين آخرين!» ثم دفع ~~الباب وأوسع لها، فدخلت ودخل وراءها، ثم أغلقه. وجدت نفسها في ~~دهليز طويل يعترض الداخل تحدق به الحجرات من الجانبين، ~~ويضيئه مصباح كهربائي قوي الإشعاع. ولم تكن الشقة خالية، ففضلا ~~عن المصباح الذي كان مضاء قبل مجيئها ترامت إلى أذنيها أصوات ~~من وراء الأبواب المغلقة؛ كلام ms140 وزعق وغناء! واتجه فرج إبراهيم إلى ~~الباب قبالة المدخل ودفعه، ودعاها للدخول، فانتقلت إلى حجرة ~~متوسطة، مؤثثة بمقاعد جلدية ما بين كراسي وكنبات، تتوسطها سجادة ~~مربعة مزركشة، وفي الصدر منها مرآة مصقولة تناطح السقف، وتنهض ~~على منضدة مستطيلة مذهبة الأرجل، وقد طالع الرجل نظرة الدهشة ~~الحائرة في عينيها بسرور وقال لها بلطف: اخلعي ملاءتك وتفضلي ~~بالجلوس. # فاقتعدت كرسيا دون أن تخلع ملاءتها وقد ارتاح جسمها إلى مسنده ~~ومقعده الطريين، وتمتمت بلهجة تنم عن التحذير: ينبغي ألا ~~أتأخر! # فمضى إلى مائدة أنيقة وسط الحجرة قام عليها «ترموث» وفض ~~سدادته وأفرغ منه في قدحين (شراب الليمون المثلوج)، وقدم لها ~~قدحا وهو يقول: سيعود بك التاكس في دقائق. # وشربا معا حتى رويا، ثم أعاد القدحين إلى المائدة، وفي ~~أثناء ذلك استرقت إليه نظرات فاحصة، سبرت بها جسمه الفارع الرشيق، ~~وثبتت عيناها غير قليل على يده، فراعها جمالها وجاذبيتها .. ~~كانت جميلة التكوين، رشيقته، سبطة الأنامل، توحي بالقوة والجمال ~~معا، فنالها منها تأثير عجيب لم تجده لغير نظرته من قبل. وجعل ~~يطيل النظر إليها مبتسما ابتسامة رقيقة كأنما يطمئنها ~~ويشجعها، ولكنها لم يداخلها ظل من الخوف؛ وإن توترت أعصابها ~~قليلا من الحذر والتوجس والتوثب، وذكرت الأصوات التي سمعتها ~~حال دخولها الشقة، فعجبت كيف نسيتها؟! وسألته: ما هذه الضوضاء ~~في الشقة؟ # فأجابها قائلا وكان لا يزال واقفا قبالتها: بعض الأهل، وسوف ~~تعرفينهم في الوقت المناسب .. لماذا لم تخلعي ملاءتك؟ # وكانت ظنته يقيم بمفرده حين دعاها إلى بيته، فعجبت كيف يقودها ~~إلى بيت مأهول؟! وتجاهلت سؤاله الأخير، ولبثت ترنو إليه بسكينة ~~وتحد، ولم يعاود سؤاله، ولكنه اقترب منها حتى مس حذاؤه ~~شبشبها، ومال نحوها قليلا ثم مد يده إلى يدها فشد عليها، ~~وجذبها برقة وهو يقول: هلمي نجلس على الكنبة. # ولم تمانع .. فنهضت قائمة إلى حيث جلسا جنبا لجنب على كنبة ~~كبيرة. وكانت تتقاسمها في تلك اللحظة مشاعر الميل إلى الرجل الذي ~~تحبه، وأحاسيس التحدي للرجل الذي قد تمنيه نفسه بأنه قادر ~~على الضحك على ذقنها. واقترب ms141 الرجل منها رويدا حتى لاصقها، ثم ~~أحاط خاصرتها بذراعه، وهي مستسلمة ساكنة لا تدري متى يحق لها ~~المقاومة .. ومد يسراه إلى ذقنها فرفع ثغرها إليه وهوى بفمه ~~متمهلا كأنه ظمآن يكرع من جدول، حتى التقت الشفاه .. وطال ~~التقاؤهما كأنما أخذتهما سنة من الغرام. وأما هو فكان يستجمع ~~حرارته وقوته في شفتيه لينفذ بهما إلى ما يريد، أما هي فكانت ~~تسكر وتثمل، إلا أن توثبها أفسد عليها رقية السحر التي تحرق ~~شفتيها فظلت متنبهة متربصة، وأحست يده تسترخي عن خاصرتها، ~~وترتفع إلى منكبها، ثم تهفو الملاءة عنه، فخفق فؤادها بعنف، ~~وتصلب عنقها مبتعدا عنه، وأعادت الملاءة بحركة عصبية إلى ~~موضعها وهي تقول بجفاء: كلا! # ونظر إليها بدهشة فوجدها تطالعه بنظرة جامدة تنطق بالإباء ~~والعناد والتحدي، فابتسم متبالها وهو يقول لنفسه: «هي كما ظننت ~~متعبة؛ بل متعبة جدا.» .. ثم خاطبها قائلا بصوت منخفض: لا ~~تؤاخذيني يا عزيزتي فقد نسيت نفسي. # وأدارت وجهها عنه لتخفي ابتسامة ارتسمت على شفتيها سرورا ~~بالظفر، ولكن ذلك لم يطل أمده، فقد وقع بصرها اتفاقا على يده، ~~فأدركت لأول وهلة الفارق الكبير بين يده الجميلة ويدها الخشنة، ~~وتولاها الحياء، ثم قالت له باستياء: لماذا جئت بي إلى هنا؟ .. ~~هذا شيء سخيف! # فقال معترضا بحماس: هذا أجمل شيء فعلته في حياتي! .. لماذا ~~تستوحشين من بيتي؟! أليس هو بالتالي بيتك أيضا؟! # ولاحت منه نظرة إلى شعرها وقد انحسرت عنه الملاءة، فأدنى رأسه ~~ولثمه قائلا: لله ما أجمل شعرك! .. إنه أجمل شعر رأيته في ~~حياتي. # قال ذلك صادقا رغم رائحة الغاز التي ذابت في أنفه، فلذها ~~إطراؤه؛ بيد أنها سألته: إلام نبقى هنا؟ ~~- حتى يتم التعارف بيننا، فلدينا بلا ريب أشياء وأشياء ~~ينبغي أن نقولها، أخائفة أنت؟ .. محال! .. أراك لا تخافين ~~شيئا! # فغلبها السرور حتى اشتهت أن تقبله، ورنق الصفاء في صدرها. ~~وكان يتفرس في وجهها فقال لنفسه: «الآن فهمتك يا ابنة اللبؤة!» ~~ثم قال لها بصوت تنتفض نبراته حرارة: لقد اختارك قلبي، وقلبي لا ~~يكذبني، ومن يجمعهما الحب لا يفرقهما ms142 شيء، فأنت لي وأنا ~~لك. # وأدنى وجهه منها كالمستأذن، فمالت بعنقها نحوه، فالتقيا في ~~قبلة عنيفة، واستشعر ضغط شفتيها الساحر على شفتيه يكاد ~~يعصرهما، فهمس في أذنها: محبوبتي .. محبوبتي. # وزفرت من الأعماق، ثم اعتدلت في جلستها لتسترد أنفاسها، وراح ~~يقول برقة بالغة في صوت كالهمس: هنا مكانك، وهذا بيتك، بل هنا ~~(وأومأ إلى صدره) مأواك .. فضحكت ضحكة قصيرة وقالت: أراك ~~تذكرني بأنه ينبغي أن أعود الآن إلى البيت. # وكان في الواقع يستلهم خطة مرسومة من قبل، فقال بإنكار: أي بيت ~~تعنين؟ .. بيت الزقاق! .. آه، ليتك تمسكين عن ذكر ذاك الحي ~~جميعا. ماذا يعجبك في هذا الزقاق؟! لماذا تعودين إليه؟! # فضحكت الفتاة قائلة: كيف تسألني عن هذا؟! أليس هو بيتي ~~وأهلي؟! # فقال بازدراء: لا البيت بيتك، ولا الأهل أهلك، إنك من طينة ~~أخرى يا محبوبتي، ومن الكفر أن يعيش جسم حي نضير في مقبرة مليئة ~~بالعظام النخرة! ألم تري إلى الحسان يرفلن في الثياب الفاخرة؟ ~~وإنك لتفوقينهن جمالا وفتنة، فكيف لا تخطرين مثلهن في المطارف ~~والحلي؟ .. إن الله أرسلني إليك لأرد إلى جوهرك النفيس ~~حقه المسلوب؛ وعلى ذلك أقول: إن هذا بيتك وكفى. # ولعبت كلماته بقلبها كما تلعب أنامل العازف بأوتار الكمان، ~~فخدر شعورها، وتقارب جفناها، ولاحت في عينيها نظرة حالمة؛ ~~ولكنها تساءلت: ماذا يعني يا ترى؟ .. هذا حقا ما يهفو إليه ~~فؤادها، فما السبيل إلى تحقيق الأحلام وتقريب المنى؟ .. لماذا لا ~~يفصح عما يريد ويصرح بما ينوي؟ .. إنه يعبر أروع تعبير عن ~~آمالها وأحلامها ورغباتها، إنه ينطق بلسانها الخفي ويشي بأعماقها ~~جميعا، إنه يجلو الغامض الخفي ويجسم المعروف حتى لكأنها تراه ~~رؤية العين، إلا شيئا واحدا لم يمسسه صراحة، ولم يقتحم السبيل ~~إليه، فما حكمة التردد يا ترى؟! ونظرت إليه بعينيها الجميلتين ~~الجسورتين وسألته: ماذا تعني؟ # فشعر الرجل بأنه ينتقل إلى مرحلة خطيرة من مراحل خطته ~~المرسومة، ورماها بنظرة منوم بارع، ثم قال بصوت خافت: أعني أن ~~تبقي في البيت اللائق بك، وأن تتمتعي بأسعد ما تجود به ~~الحياة. # وضحكت ms143 ضحكة قصيرة في ارتباك وحيرة وتمتمت: لا أفهم ~~شيئا! # فمسح على مفرق شعرها بحنان، متعوذا بالصمت ريثما يرتب ~~أفكاره، ثم قال: لعلك تتساءلين كيف يريدني على أن أبقى في ~~بيته؟! .. فأذني لي أن أسألك بدوري: لماذا تعودين إلى المدق؟ ~~.. ألتنتظري هناك شأن الفتيات البائسات حتى يتعطف رجل من ~~مخلوقات الزقاق فيتزوجك ويلتهم حسنك النضير وشبابك الغض، ثم ~~يتركك لقى في الزبالة؟! لست أحادث فتاة بلهاء تذهب بها كلمة ~~فارغة وتجيء بها أخرى، ولكني أعلم علم اليقين أنك شابة قليلة ~~الأشباه، جمالك فتان، ومع ذلك فهو مزية واحدة بين مزايا عديدة ~~تكاد تغطي عليه. أنت الجسارة نفسها، ومثلك إذا أراد شيئا يقول ~~له: كن فيكون. # وانكفأ لونها، وجمدت قسماتها، فقالت بحدة: هذه دعابة لا تجوز ~~علي! .. بدأت مازحا، وانتهيت وكأنك جاد. ~~- دعابة؟! .. لا والله، لا وحق قدرك عندي، أنا لا أداعب حين ~~الجد خاصة شخصا مثلك ملأني تقديرا واحتراما وحبا. وإذا صدق ~~حدسي فأنت قلب كبير يستهين بكل شيء في سبيل سعادته، ولا يمكن ~~أن تقف في سبيله عقبة. إني أريد شريكا في حياتي، وإنك لشريكي دون ~~الناس جميعا. # فهتفت به في انفعال شديد: أي شريك؟! .. إذا كنت تجد حقا ~~فماذا تريد؟ .. الطريق بين. فإذا أردت ... # وكادت تقول: «أن تتزوجني»، ولكنها أمسكت، وسددت نحوه ~~نظرات حادة مريبة، فلم يفته مرادها، واستشعر سخرية باطنة، ~~ولكنه واصل سيره حيث لم تعد ثمة فائدة ترجى من التراجع، فقال ~~بحماس تمثيلي: أريد شريكا محبوبا نقتحم معا حياة النور ~~والثروة والجاه والسعادة، لا حياة البيت التعسة والحبل والولادة ~~والقذارة، حياة النجوم اللاتي حدثتك عنهن. # وفتحت فاها منزعجة، ثم انبعث من عينيها نور مخيف، واصفرت ~~غضبا وحنقا، وغلبها الهياج فصاحت به وقد استقام ظهرها: تدعوني ~~للفساد! .. يا لك من مفسد أثيم. # هكذا هدرت في غضبها؛ وإن كان غضبها للمفاجأة التي دهمتها ~~والخيبة التي أدركتها أكثر منه للفساد الذي لم تعتد أن تثور ~~له! # وتبسم الرجل كالهازئ وقال: إني رجل ... # ولكنها قاطعته صارخة مدفوعة بطبعها الحامي: لست رجلا؛ ms144 بل أنت ~~قواد. # فضحك ضحكة عالية وقال وما يزال يضحك: أليس القواد رجلا ~~أيضا؟! .. بلى .. وهو رجل - وحق جمالك الفتان - ولا كل الرجال. ~~وهل تجدين عند الرجل العادي غير وجع الدماغ؟! أما القواد فهو ~~سمسار السعادة في هذه الدنيا! ولكن لا تنسي أني محبك كذلك. لا ~~تدعي الغضب يحطم حبنا. إني أدعوك للسعادة والحب والجاه. ولو ~~كنت فتاة بلهاء لخادعتك، ولكني قدرتك فآثرت معك الصراحة والحق. ~~إن كلينا من معدن واحد ، خلقنا الله للحب والتعاون، فإذا ~~اجتمعنا اجتمع لنا الحب والمال والجاه، وإذا افترقنا للشقاء والفقر ~~والذل، أو افترق أحدنا - على الأقل - لذلك. # ولم تتحول عنه عيناها، وراحت تتساءل في ذهول: كيف تمخض عن ~~هذا؟! ولبث صدرها يجيش بالهياج والانفعال، ومن عجب أنها ثارت به ~~ووجدت عليه وتغيظت منه، ولكنها لم تحتقره، ولم تنفك عن حبه ~~لحظة واحدة! لا، بل لم تنس - حتى في عنفوان هياجها - أنها تصارع ~~الرجل الذي لقنها الحب وثبته في أعماقها. وأرهقها الانفعال ~~فنهضت قائمة في حركة عنيفة وقالت في سخط وغيظ: لست كما ~~تظن. # فتنهد بصوت مسموع متكلفا الحزن، وإن لم تخنه ثقته شأن ~~رجال الأعمال، وقال بصوت آسف: لا أكاد أصدق أني انخدعت بك. ~~رباه! أتصبحين يوما من عرائس المدق؟! حبل وولادة .. وحبل ~~وولادة .. إرضاع أطفال على الأرصفة، ذباب وبصارة وفول، ذبول ~~وترهل؟! .. كلا، كلا .. لا أريد أن أصدق هذا. # فصاحت به غير متمالكة نفسها: كفى! # وانطلقت نحو الباب فنهض مسرعا، ولحق بها وهو يقول برقة: ~~«رويدك.» ولكنه لم يعترضها ففتح لها الباب، وخرجا معا. جاءت ~~سعيدة غير هيابة، وذهبت مهيضة ذاهلة. ووقفا أمام الباب الخارجي ~~حتى جاءهما غلام بتاكس ودخلاه كل من باب، ومضى بهما مسرعا. ~~ابتلعتها أفكارها فغابت عن الدنيا، وجعل يسترق إليها النظر صامتا ~~دون أن يجد حكمة في خرق الصمت المخيم. وانطوى الطريق على هذا ~~الحال حتى بلغ التاكس منتصف الموسكي، فأمر السائق بالوقوف، ~~وتنبهت على صوته فألقت ببصرها إلى الخارج ثم تزحزحت قليلا ~~استعدادا للنزول، فوضع يده على أكرة ms145 الباب ليفتحه لها، ولكنه ~~تريث قليلا، ثم مال نحوها فلثم منكبها وهو يقول: سأنتظرك ~~غدا. # فابتعدت عن الباب وهي تقول باقتضاب وحدة: كلا! # فقال ويده تدير الأكرة: سأنتظرك يا محبوبتي .. وستعودين ~~إلي. # ثم قال لها وهي تغادر التاكس: لا تنسي الغد، سنبدأ حياة جديدة ~~رائعة .. أحبك .. أحبك أكثر من الحياة نفسها. # وراح يرقبها وهي تبتعد متعجلة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ~~ساخرة وقال لنفسه: «مليحة بلا أدنى شك، وهيهات أن يكذبني ظني، فهي ~~موهوبة بالفطرة .. هي عاهرة بالسليقة .. وسوف تكون نادرة ~~المثال.» # 24 # سألتها أمها: لماذا تأخرت؟ # فأجابتها بلامبالاة: دعتني زينب إلى بيتها فذهبت معها. # فبشرتها المرأة بأنهما سيشهدان عرس الست سنية عفيفي عما ~~قريب، وأخبرتها أن الست ستهدي إليها فستانا لحضور الزفاف، ~~فتظاهرت حميدة بالسرور، وجلست تصغي إلى ثرثرة أمها ساعة طويلة، ~~ثم تناولتا عشاءهما وأوتا إلى حجرة النوم، وكانت حميدة تنام على ~~كنبة قديمة، أما أمها فتفرش حشية على أرض الغرفة تستلقي ~~عليها. ولم تكد تمضي دقائق حتى راحت الأم في نوم عميق، وملأت ~~الحجرة شخيرا. ولبثت حميدة محملقة في النافذة المغلقة، وقد نضح ~~خصاصها بنور القهوة المتصاعد. استحضرت ذاكرتها حوادث يومها ~~العجيب، فلم يفتها منه حركة أو سكنة أو كلمة، وعاش في خيالها مرة ~~أخرى، وذكرت ما وقع فيه من مغامرات جريئة لا يكاد يصدقها العقل، ~~فشعرت على رغم قلقها الراهن بسرور غير خاف، سرور الزهو والفخار ~~والجنون الكامن في غرائزها. ولم تنس مع ذلك أنها قالت عن ذلك ~~الرجل وهي راجعة إلى زقاقها: «يا ليتني لم أره!» ولكنه كان قول ~~لسان لم يجد له صدى في قلبها. والحق أنها عرفت من نفسها في ~~ذلك اليوم ما لم تستطع معرفته مدى عمرها. وكأن هذا الرجل قد اعترض ~~سبيلها ليجلو ما خفي من ذاتها ويبسطه لناظريها كمرآة مصقولة؛ بيد ~~أنها قالت له: «كلا» وهي تفارقه، وربما لم يكن لها عن هذا ~~القول مذهب، ولكن ما معناه على وجه التحقيق؟! أليس معناه أن تقبع ~~في بيتها مترقبة عودة عباس ms146 الحلو؟! رباه، لم يعد للحلو مكان ~~في نفسها .. امحى أثره، وتبدد رجع صداه .. وليس الحلو في ~~الواقع إلا هذا الزواج التعس، وما يعقبه من حبل وولادة وإرضاع ~~على الأرصفة وذباب، إلى آخر هذه الصورة البشعة الممقوتة. أجل .. ~~لم يكن لعاطفة الأمومة نبع يتفجر في نفسها شأن الفتيات من ~~أترابها، ولم تكن نسوة الزقاق بمتجنيات عليها فيما رمينها من ~~قسوة وشذوذ، فماذا تبتغي إذا؟! .. وخفق قلبها خفقانا متتابعا، ~~فعضت على شفتيها حتى كادت تدميهما. إنها لتعلم ما تبتغي، وبما ~~تهفو إليه نفسها، كان يجري قبل اليوم في شعورها متقلقلا بين ~~النور والظلمة، ولكنه شق اليوم غشاوة الغموض وأسفر جليا لا ~~لبس فيه ولا إبهام. ومن عجب أنها لم تعان - في سهادها - ~~ترددا خطيرا فيما ينبغي أن تختار من سبيل، ولم تشعر كثيرا ~~بوطأة التجاذب بين ماضيها وحاضرها، أو بين ما في حياتها من خير ~~وما يتصدى لها من شر، بل الحق أنها اختارت سبيلها بالفعل وهي ~~لا تدري، ووقع اختيارها عليه وهي بين يدي ذلك الرجل، في بيته! كان ~~لسانها يهدر غضبا وأعماقها ترقص طربا، كان وجهها يربد ويعبس ~~وأحلامها تتنفس وتمرح! .. وفوق هذا كله فإنها لم تمقته لحظة ~~واحدة، لا بل لم تحتقره قط، وكان - كما لم يزل - حياتها ومجدها ~~وقوتها وسعادتها! لم يثر حنقها إلا إدلاله بثقته وهو يقول لها: ~~«ستعودين إلي»! # أجل .. ستعود، ولكنه ينبغي أن يؤدي ثمن هذه الثقة الوقحة ~~غاليا. فليس حبها عبادة وخضوعا، ولكنه معركة يحتدم أوارها ~~ويتطاير شررها. طالما اختنقت في هذا البيت، وهذا الزقاق، وهيهات أن ~~يعتاقها عائق بعد اليوم عن الانطلاق إلى النور والجاه والسلطان، ~~وهل من سبيل إلى الإفلات من ربقة الماضي إلا عن يد هذا الرجل ~~الذي أوقد في خيالها نارا؟ ولكنها لن تهرع إليه في خشوع ~~وإذعان هاتفة: «إني عبد يديك، فافعل بي ما تشاء.» لأنها لا تعرف ~~هذا الحب. كذلك لن تنطلق إليه كالرصاصة صارخة: «إني سيدتك ~~فتخشع بين يدي.» فما أزهدها في الحب الناعم أو الحبيب الخرع. ms147 ~~ولكنها ستذهب إليه وقلبها مشحون بالآمال والرغبات، ولسان حالها ~~يقول: «إني قادمة بقوتي فلاقني بقوتك، ولنتناطح إلى الأبد في ~~سعادة تجل عن الوصف، ثم متعني بما منيتني به من جاه ~~وسعادة.» .. لقد وضح السبيل بفضله هو، وهيهات أن تفرط فيه ولو ~~اشترته بحياتها. # ومع ذلك فلم تخل ليلتها من أفكار نغصت عليها عزمتها بعض ~~التنغيص، تساءلت: «ترى ماذا يقولون عني غدا؟» وجاءها الجواب في ~~كلمة واحدة: عاهرة! وتقبض قلبها حتى جف ريقها وذكرت كيف تلاحت ~~مرة مع واحدة من صويحباتها بنات المشغل فسبتها صارخة: «يا ~~ربيبة الشوارع .. يا عاهرة!» .. معيرة إياها بالعمل كالرجال ~~والتسكع في الشوارع. فما عسى أن يقال عنها هي؟! .. وداخلها ~~الحزن والأسى، فتململت في رقادها جزعا وضيقا. ولكن شيئا في ~~الوجود لم يكن ليثنيها عما اعتزمت، أو يلوي بها عما اختارت، فقد ~~اعتزمت بقوة أعماقها، واختارت بمجامع قلبها، فكانت تنحدر إلى ~~مصيرها المحتوم لا يعوقها من وازع إلا ما يعوق المنحدر إلى ~~الهاوية من دقاق الحصا. # ثم انتقل تيار أفكارها فجأة إلى أمها، فالتفتت نحوها، وقد ~~ملأ أذنيها شخيرها الذي كان غاب عنها ساعة طويلة، فتصورتها في ~~غدها وقد طال انتظارها لها حتى أشفت على اليأس. وذكرت كيف ~~أحبتها المرأة حبا صادقا لم يترك في قلبها إحساسا - وإن ~~قل - بالحرمان من الأمومة، وكيف أحبتها هي أيضا على كثرة ما ~~شجر بينهما من نزاع وشقاق، وكأنما خافت أحاسيس العطف التي أخذت ~~تدب في نفسها، فزفرت بقوة وضجر وقالت لنفسها: «لا أب لي ولا ~~أم، وليس لي في الدنيا سواه.» وولت الماضي كشحها، ولم تعد ~~تفكر إلا في الغد وما عسى أن يتكشف عنه، ثم أمضها السهاد، ~~وشعرت بحرارته تصهر جفونها ودماغها، فتمنت أن ينقذها النوم من ~~عذابه وأن تغمض عينيها فلا تفتحهما إلا على نور الصباح. وأهابت ~~بإرادتها أن تنش عن رأسها ما ينثال عليه من خواطر، فنجحت في ~~طردها إلى حين، ولكنها تنبهت إلى الأصوات المتصاعدة من قهوة ~~كرشة، ووقعت من نفسها موقعا مثيرا، فراحت تلعنها وتتهمها ms148 ~~بتطيير النوم من عينيها. وجعلت تنصت إليها على رغمها، وتسب ~~محدثها في حنق وغضب. «يا سنقر غير ماء النرجيلة.» .. هذا ~~صوت الفاجر الحشاش كرشة. «يا سيدي .. ربك يعدلها.» وهذا عم ~~كامل الحيوان الأعجم. «ولو .. كل شيء له أصل.» .. هذا الأعمش القذر ~~الدكتور بوشي. وتمثل لها حبيبها - على غرة - بمجلسه المختار ~~ما بين المعلم كرشة والشيخ درويش، وتخيلته وهو يشير إليها ~~بقبلاته فخفق فؤادها، ثم استحضرت ذاكرتها صورة العمارة الهائلة، ~~والحجرة الرائعة، وسرعان ما طن صوته في أذنيها وهو يهمس قائلا: ~~«ستعودين إلي.» رباه! متى يرحمها النوم؟ «السلام عليكم يا ~~إخوان.» .. هذا صوت السيد رضوان الحسيني الذي أشار على أمها ~~برفض يد السيد علوان قبل أن يهتصره المرض، ترى ماذا يقول عنها ~~غدا إذا تناهى إليه الخبر؟ ليقل ما يشاء، لعنة الله على الحي ~~جميعا! وانقلب الأرق صداعا وسقما، ومضت تتقلب على جنبيها ~~وبطنها وظهرها، ومضى الليل بطيئا ثقيلا مرهقا مضنيا. يزيده ~~هولا خطورة الغد المرتقب. وقبيل الفجر بقليل غشيها نوم ~~ثقيل استيقظت منه عند الضحى. وبادرها الصحو بأفكارها جملة كأنما ~~سبقتها إلى اليقظة بوقت طويل، ولكن لم يساورها التردد وتساءلت ~~في جزع: متى يأتي المغيب؟! وقالت لنفسها: إنها الآن زائرة عابرة ~~في المدق، لا هي منه ولا هو منها، كما قال الحبيب. ونهضت كعادتها ~~ففتحت النافذة، وطوت حشية أمها وكومتها في ركن الحجرة، ثم ~~كنست الشقة، ومسحت الردهة الخارجية، وتناولت فطورها على انفراد؛ ~~لأن أمها كانت قد غادرت البيت إلى شئونها التي لا تنتهي، ثم مضت ~~إلى المطبخ فوجدت عدسا في طبق تركته أمها لتطبخه غدا ~~ليومهما، فعكفت على تنقيته وغسله، وأوقدت الكانون وخاطبت نفسها ~~بصوت مرتفع قائلة: «هذه آخر طبخة في هذا البيت، وربما كانت آخر ~~طبخة في حياتي .. ترى متى آكل العدس مرة أخرى؟!» ولم تكن تستكره ~~العدس ولكنها كانت تعلم أنه غذاء الفقراء وشعار مائدتهم. كذلك لم ~~تكن تعلم شيئا عن طعام الأغنياء، إلا أنه لحم ولحم ولحم. وأنشأ ~~خيالها ينعم بتصور غذاء المستقبل وكسائه وزينته حتى ms149 انبسطت ~~أساريرها وقطر وجهها بشاشة حالمة. وغادرت المطبخ عند الظهر، فدخلت ~~الحمام تستحم، ثم مشطت شعرها بأناة وعناية وجدلته صفيرة ~~غليظة طويلة أرسلتها وراء ظهرها حتى مست أهدابها أسفل فخذيها. ~~وارتدت خير ما لديها من ثياب، ولكنها استاءت من مظهر ملابسها ~~الداخلية البالي، فتورد وجهها البرنزي وعجبت كيف تزف إليه في ~~مثل هذه الثياب، واربد وجهها وهاج صدرها، فصممت على ألا ~~تسلم إليه حتى تستبدل بهذه الثياب الرقيقة أخرى جديدة زاهية. ~~وطاب لها هذا الرأي، وصادف من نفسها - التي تأبى الهوى إلا في حومة ~~العراك والعناد - هوى ولذة. ثم وقفت في النافذة تلقي على ~~حيها نظرات الوداع. وجعل بصرها يتردد بين معالمه بغير توقف: ~~الفرن، قهوة كرشة، دكان عم كامل، دكان الحلاق، الوكالة، بيت السيد ~~الحسيني، والذكريات تبعثها النظرات كأنها الشعلات يبعثها حك ~~أعواد الثقاب. # ومن عجب أنها وقفت حيال ذلك كله جامدة باردة لا يندى صدرها ~~بعطف أو مودة، لا للزقاق ولا لأهله. وكانت أسباب الجوار والصداقة ~~مقطوعة ما بينها وبين غالبية نسوة الحي كأم حسين - أمها ~~بالرضاعة - والفرانة، حتى امرأة السيد رضوان الحسيني لم تسلم ~~من لسانها، فقد بلغها يوما أنها وصفتها ببذاءة اللسان، فتربصت ~~بها حتى رأتها يوما على سطح بيتها تنشر الغسيل، فصعدت إلى السطح ~~وثبا - وكان السطحان متلاصقين - واقتربت من السور وجعلت ~~تعرض بالمرأة قائلة بتهكم وازدراء: «أسفي عليك يا حميدة من ~~فتاة بذيئة اللسان، غير جديرة بمعاشرة الهوانم من ستات المدق بنات ~~الباشوات!» ولكن المرأة آثرت السلامة، وتعوذت بالصمت. وقد ثبتت ~~عيناها غير قليل على الوكالة فذكرت كيف طلب السيد سليم علوان ~~يدها، وكيف ثملت بأحلام الثراء يوما وبعض يوم! لكم احترقت حسرة ~~على ضياع هذا الرجل من يديها! ولكن شتان بين رجل ورجل! .. فإذا ~~كان سليم علوان قد حرك - بثروته - جانبا من قلبها، فهذا الذي حرك ~~قلبها كله حتى كاد يقتلعه. وعادت عيناها إلى دكان الحلاق فذكرت ~~عباس الحلو، وتساءلت: ترى ماذا يفعل إذا رجع يوما من مهجره فلم ~~يعثر لها على أثر؟! ms150 وذكرت وداعه الأخير على السلم بقلب ~~متحجر، وعجبت كيف منحته شفتيها يقبلهما؟! ثم ولت النافذة ~~ظهرها ومضت إلى الكنبة أشد ما تكون عزما وتصميما. ورجعت ~~أمها إلى البيت ظهرا، فتناولتا غداءهما معا. وقالت لها ~~المرأة في أثناء الطعام: «لدي زيجة مهمة، إذا وفقت فيها، ~~فتح الله علينا.» فاستفسرت عن هذه الزيجة المرجوة بفتور، ولم تكد ~~تلقي لما قالت بالا، وكثيرا ما كانت تقول مثل ذلك ثم يتمخض ~~الرجاء عن بضعة جنيهات وأكلة لحم! أو أكلة لحم فحسب بالنسبة لها. ~~ولما أن اضطجعت أمها لتنام قليلا، تربعت هي على الكنبة ~~وراحت تطيل إليها النظر. هذا يوم الوداع، وربما لن تقع عليها ~~عيناها بعد الآن. ولأول مرة عراها الضعف فدرت حناياها عطفا ~~للمرأة التي آوتها وتبنتها وأحبتها ولم تعرف سواها أما، ~~وتمنت لو تستطيع أن تقبلها قبلة الوداع. # وجاءت ساعة الأصيل فتلفعت بملاءتها وانتعلت شبشبها. وكانت ~~يداها ترتعشان انفعالا واضطرابا، وقلبها يخفق بشدة. ولم يكن بد ~~من أن تفارق أمها بغير وداع، فامتعضت، ثم رأتها آمنة لا تدري ~~شيئا عما يخبئه لها الغد فازداد امتعاضها. وحم الرحيل فألقت ~~عليها نظرة طويلة، ثم قالت وهي تهم بالمسير: فتك ~~بعافية. # فقالت لها المرأة وهي تشعل سيجارة: مع السلامة .. لا ~~تتأخري. # وغادرت البيت تلوح في وجهها أمارات الجد والاهتمام، وقطعت ~~المدق لآخر مرة لا تلوي على شيء، وسارت من الصنادقية إلى ~~الغورية، ثم انعطفت صوب السكة الجديدة وتقدمت في خطوات متمهلة. ~~وأرسلت بصرها بعد تردد وإشفاق .. فرأته بموقف الأمس ينتظر! .. ~~التهب خداها واجتاحتها موجة صاخبة من التمرد والغضب، وودت من ~~أعماقها أن تثأر من ظفره هذا ثأرا يرد عليها بعض سكينتها. ~~وغضت بصرها، ثم تساءلت: أتراه يبتسم الآن تلك الابتسامة ~~الوقحة؟! .. ورفعت عينيها بنرفزة، ولكنها وجدته هادئا جادا ~~رزينا يلوح في عينيه اللوزيتين الرجاء والاهتمام، فانفثأ ~~هياجها قليلا. ومرت به وهي تتوقع أن يخاطبها، أو أن يأخذ يدها ~~كما فعل بالأمس، ولكنه تجاهلها، وتريث قليلا حتى غيبها ~~المنعطف، ثم تبعها متمهلا، فأدركت أنه بات أشد ms151 حذرا، ~~وأعظم شعورا بخطورة الأمر. وسارت حتى أوشكت السكة الجديدة أن ~~تنتهي، ثم توقفت بغتة كأنما ذكرت شيئا جديدا، وانفتلت راجعة، ~~فتبعها قلقا وهمس لها متسائلا: ماذا أرجعك؟ # فترددت قليلا ثم قالت وقد سامها النطق عناء: بنات ~~المشغل. # فقال بارتياح: إلى الأزهر، فلا يرانا أحد. # وشقا طريقهما متباعدين، وسارا في شارع الأزهر في صمت ~~ثقيل، وقد أدركت أنها أعلنت - بالكلمة التي نطقت بها - تسليمها ~~النهائي. وبلغا ميدان الملكة فريدة دون أن يخرجا من صمتهما ~~الثقيل. ولم تعد تدري أين تتجه فوقفت، وسمعته في اللحظة ~~التالية ينادي التاكس، وجاءت السيارة ففتح لها الباب، ورفعت قدمها ~~لتصعد إليها، ففصلت هذه الحركة بين حياتين! وما كادت السيارة ~~تنطلق بها حتى قال بصوت متهدج وبمهارة فائقة: الله وحده يعلم ~~كم تعذبت يا حميدة! .. لم أنم من ليلتي ساعة واحدة. أنت لا ~~تدرين يا عزيزتي ما الحب. ولكني اليوم سعيد، بل أكاد أجن من ~~الفرح. رباه كيف أصدق عيني؟! شكرا يا محبوبتي شكرا. والله ~~لأجعلن من السعادة أنهرا تجري تحت قدميك .. ما أجمل الماس ~~حول هذا الجيد! (ومس جيدها برقة) .. ما أروع الذهب في هذا الساعد! ~~(وقبل ساعدها) .. ما أفتن الروج في هاتين الشفتين! (وهوى برأسه ~~ليقبل ثغرها؛ ولكنها تحامته فلثم خدها) .. يا لك من فاتنة ~~نافرة! # واستراح قليلا ثم استدرك قائلا وعلى شفتيه ابتسامة: ودعي ~~الآن عهد التعب، فلن تطالعك الحياة بكدر بعد اليوم! .. حتى ~~ثدياك سيحملهما عنك رافع من الحرير. # ورضيت بالاستماع لهذا الكلام دون تنمر أو احتداد، وإن ~~توردت وجنتاها، واستسلم جسمها للسيارة المندفعة التي تهرب بها من ~~الماضي كله. # وانتهى التاكس إلى العمارة التي صارت مأواها، فغادراه، ومضيا ~~مسرعين إلى الشقة، وكانت كما وجدتها بالأمس ضاجة بالأصوات ~~المنبعثة من الأبواب، ثم دخلا الحجرة الرائعة، وقال ضاحكا: اخلعي ~~الملاءة لنحرقها معا. # فغمغمت تقول وقد تورد وجهها: لم أحضر ملابسي. # فصاح بسرور: حسنا فعلت .. لا نريد شيئا من الماضي. # وأجلسها على مقعد وراح يقطع الحجرة جيئة وذهابا، ثم اتجه نحو ~~باب أنيق إلى ms152 يمين المرآة العالية، ودفعه عن مخدع وثير وهو يقول: ~~حجرتنا. # ولكنها قالت بسرعة وحدة: كلا .. كلا .. سأنام هنا. # فحدجها بنظرة ثاقبة، ثم قال بلهجة تنم عن التسليم: بل تنامين ~~في الداخل، وأنام أنا هنا. # وكانت تصمم في نفسها على ألا تؤخذ كالماشية، وألا تسلم ~~حتى تشبع رغبتها في العناد والإباء، والظاهر أن رغبتها هذه لم ~~تغب عن مكره؛ لأنه دارى ابتسامة ساخرة، وتظاهر بالإذعان ~~والتسليم، ثم قال لها بسرور وفخار: بالأمس يا عزيزتي دعوتني ~~بالقواد، فاسمحي لي بأن أقدم لك نفسي على حقيقتها: محبك ناظر ~~مدرسة، وستعلمين كل شيء في حينه. # 25 # قال حسين كرشة لنفسه وهو يقترب من زقاق المدق: «هذا وقت ~~اجتماعهم في القهوة، وسيرونني جميعا بلا أدنى شك، وسيخبرون أبي ~~بمقدمي إذا عمي هو عنه.» كان الليل قد أرخى سدوله، فأغلقت ~~دكاكين المدق. وخيم عليها السكون، وضجت قهوة كرشة وحدها ~~بالسمار. كان الفتى يسير بخطوات ثقيلة، منقبض الصدر، متجهم ~~الوجه، يتبعه على الأثر فتى في مثل سنه وفتاة في مقتبل العمر. ~~وكان حسين يرتدي قميصا وبنطلونا، ويحمل في يمناه حقيبة كبيرة، ~~وكذلك كان الفتى الذي يتبعه، أما الفتاة فرفلت في فستان أنيق - ~~بلا معطف ولا ملاءة - وقد بدت في مشيتها ذات وسامة ورشاقة، وإن لم ~~تخل من ابتذال يشي بطبقتها. واتجه حسين صوب بيت السيد رضوان ~~الحسيني دون أن يلتفت ناحية القهوة، ودخل البيت يتبعه رفيقاه. ثم ~~رقوا السلالم حتى الطابق الثالث، ودق الفتى باب الشقة وقد ازداد ~~وجهه تجهما، فسمع وقع أقدام تقترب، ثم فتح الباب وبدت أمه ~~وراءه تقول بصوتها الخشن: «من؟» ولم تعرف الشبح الماثل أمامها ~~لشدة الظلمة، فقال حسين بصوت منخفض: حسين! # وهتفت المرأة وهي لا تكاد تصدق أذنيها: حسين! .. ~~ابني! # وهرعت إليه، وأمسكت بذراعيه، وقبلته، وهي تقول بحرارة: ~~عدت يا بني! .. الحمد لله الذي أثابك إلى رشدك وحماك من وسوسة ~~الشيطان، ادخل بيتك (وضحكت في انفعال). ادخل يا غادر .. لكم ~~أقضضت مضطجعي .. وقطعت قلبي. # ودخل الشاب مستسلما ليديها، دون أن يخف تجهمه، ms153 وكأن ~~استقبالها الحار لم يكد يجدي شيئا في تفريج كربه. ولما أن ~~همت برد الباب حال بينها وبينه قائلا وهو يوسع للفتاة ~~وللفتى: معي أناس .. ادخلي يا سيدة، ادخل يا عبده .. هذه زوجي يا ~~أمي، وهذا شقيقها. # وبهتت المرأة، ولاحت في عينيها دهشة لا تخلو من انزعاج، وراحت ~~تنظر إلى القادمين بذهول، ثم تنبهت إلى اليد المبسوطة للسلام ~~فتمالكت عواطفها وسلمت وهي تخاطب ابنها بلا وعي تقريبا: ~~تزوجت يا حسين! .. أهلا بك يا عروس .. تزوجت يا حسين دون أن ~~تخبرنا؟! .. كيف رضيت أن تزف في غياب والديك وهما على قيد ~~الحياة؟! # فقال حسين بامتعاض: الشيطان شاطر! .. كنت غاضبا ثائرا ساخطا ~~.. وكل شيء قسمة ونصيب! # وانتزعت المرأة المصباح من الحائط، وتقدمتهم إلى حجرة ~~الاستقبال، ووضعته على حافة النافذة المغلقة، ووقفت تتفرس في وجه ~~زوج ابنها، وقد قالت الفتاة بصوت أسيف: أحزننا والله غيابكم، ~~ولكن ما باليد حيلة. # وأبدى شقيقها كذلك أسفه، فابتسمت المرأة، ولم تكن أفاقت بعد من ~~دهشتها، وتمتمت: أهلا بكم جميعا. # ثم التفتت صوب ابنها وقد هالها تجهمه وجموده، وذكرت لأول مرة ~~أن فمه لم ينفرج عن كلمة طيبة واحدة منذ حضوره، فقالت بعتاب: هكذا ~~تذكرتنا أخيرا! # فهز حسين رأسه بكآبة وقال باقتضاب: استغنوا عني! # فقالت المرأة بإنكار وقد داخلتها خيبة جديدة: استغنوا عنك؟! ~~أتعني أنك عاطل الآن؟! # وقبل أن يفتح فمه قرع آذانهم دق عنيف على الباب، فتبادلت ~~المرأة وابنها نظرة ذات معنى، ثم غادرت الحجرة فلحق بها الشاب بعد ~~أن أغلق الباب وراءه، وقال لها في الردهة الخارجية: هذا أبي بلا ~~ريب. # فقالت له بقلق: أظن هذا، هل رآك؟ .. أعني رآكم وأنتم ~~قادمون؟ # ولكن الفتى لم يجبها، وتقدم من الباب وفتحه، فدخل المعلم ~~كرشة مندفعا، وما إن رأى ابنه حتى قال وعيناه تحمران، وضباب ~~الغضب يغشى وجهه: أهذا أنت؟! .. قالوا لي ذلك فلم أصدق .. لماذا ~~عدت؟! # فقال حسين بصوت منخفض: يوجد في البيت غرباء، هلم إلى حجرتك ~~نتكلم. # ومضى الشاب مسرعا إلى حجرة أبيه، فتبعه المعلم مزمجرا، ms154 ~~ولحقت بهما المرأة، ثم أشعلت المصباح وهي تقول لزوجها في رجاء ~~وتحذير: في الحجرة الأخرى زوج ابنك وشقيقها. # وارتفع جفنا الرجل الثقيلان في ذهول وهتف: ماذا تقولين يا ~~مرة؟! .. أتزوجت حقا؟ # واستاء حسين من أمه لأنها ألقت عليه الخبر دون تمهيد، ولم ~~ير بدا من أن يقول: نعم يا أبت تزوجت. # وسكت المعلم دقيقة وهو يقرض أسنانه بحنق وغيظ، ولكنه لم يفكر ~~لحظة في معاتبة ابنه على الزواج بدون علمه؛ لأن المعاتبة في نظره ~~حال من المودة، وصمم في اللحظة التالية على إهمال هذا الخبر ~~كأنه لم يسمعه، وقال بغيظ وحقد: هذا شيء لا يعنيني ألبتة؛ ولكن ~~دعني أسألك لماذا عدت إلى بيتي؟ .. لماذا أريتني وجهك بعد أن ~~أراحني الله منه؟ # فلاذ حسين بالصمت، ونكس ذقنه عابسا، وانبرت المرأة تقول ~~باستعطاف: استغنوا عنه يا معلم. # ونقم الشاب على أمه تسرعها للمرة الثانية. أما ~~المعلم فقد ازداد حنقا وصاح بصوته الغليظ - مما جعل المرأة تغلق ~~الباب - قائلا: استغنوا عنك؟! .. ما شاء الله! .. وهل بيتي ~~تكية؟! .. ألم تنبذنا يا همام؟ .. ألم تعضني بنابك يابن ~~الكلب؟ .. فلماذا تعود الآن؟ .. اغرب عن وجهي .. عد إلى ~~الحياة النظيفة والماء والكهرباء .. هيا! # فقالت أم حسين برقة: هدئ روعك يا معلم، وصل على ~~النبي. # فلوح لها الرجل بقبضته منذرا وصاح بها: تدافعين عنه يا بنت ~~الأبالسة؟! .. كلكم جنس شياطين يستأهل جلد السياط وعذاب النار. ~~ماذا تريدين يا أم الشر كله؟ .. أتريدينني على أن أويه وأهله؟ .. ~~هل قالوا لك إني قواد يأتيني رزقي من يمين وشمال بغير تعب ولا ~~جهد؟! .. ألا فاعلموا بأن الشرطة تحوم حولنا، وبالأمس قبضوا ~~على أربعة من رفاقي، وغدكم أسود بإذن الله! # فاستوصت المرأة بالصبر وقالت برقة لا عهد لها بها: صل على ~~النبي يا معلم ووحد الله. # فصاح بفظاظة: سليه عما جاء به؟ # فقالت برجاء واستعطاف: ابننا أرعن مجنون، غواه الشيطان ~~فأضله، وليس له الآن من ملجأ سواك. # فقال المعلم كرشة بحنق وسخرية: صدقت يا أم السوء، ليس له ~~من ملجأ سواي .. سواي ms155 أنا الذي يسب حين السراء، ويلجأ إليه ~~حين الضراء! # ثم تفحص حسين بنظرة قاسية وسأله باحتقار وسخرية: لماذا ~~استغنوا عنك؟ # وتنهدت الأم من الأعماق لأنها أدركت بغريزتها أن هذا السؤال - ~~على لهجته المريرة - إيذان بالتفاهم المنشود. أما حسين فقد قال ~~بصوت منخفض وهو يعاني مرارة القهر: استغنوا عن كثيرين غيري .. ~~يقولون: إن الحرب وشيكة الانتهاء. ~~- انتهت الحرب في الميدان، وستبدأ في بيتي أنا! .. ولماذا لم ~~تذهب إلى أهل زوجك؟ # فقال الشاب بغضاضة: ليس لها إلا شقيقها. ~~- ولماذا لم تلجأ إليه؟ ~~- استغنوا عنه أيضا. # فضحك هازئا وقال: أهلا .. أهلا .. وطبيعي أنك لم تجد ملجأ ~~لهذه الأسرة الكريمة التي أناخ عليها الدهر إلا بيتي ذا ~~الحجرتين! .. مرحى .. مرحى .. ألم توفر مالا؟ # فقال الشاب باقتضاب وهو يتنهد: كلا. ~~- أحسنت .. عشت عيشة الملوك، كهرباء وماء وصلاة، ثم عدت ~~أخيرا كما بدأت شحاذا. # فقال حسين بانفعال: قالوا: إن الحرب لن تنتهي، وإن هتلر سيقاوم ~~عشرات السنين ثم يهجم بعد ذلك. ~~- ولكنه لم يهجم، واختفى (حتى في تلك اللحظة لم يقل إنه مات) ~~تاركا شيخ المغفلين صفر اليدين، والبك شقيق الست؟ ~~- الحال من بعضه. ~~- عال .. عال .. البركة في أبيك. هيئي لهم البيت يا ست أم ~~حسين، ولو أنه حقير لا يليق بالمقام، ولكني سأتدارك ذلك بإدخال ~~الماء والكهرباء، وربما ابتعت حنطور السيد علوان ليكون تحت ~~تصرفكم. # فنفخ حسين قائلا: حسبك يا أبي .. حسبك! # فنظر إليه كالمعتذر وقال بسخرية: لا تؤاخذني. أأثقلت عليك؟ .. ~~مزاج رقيق، عز وجاه، ارحموا عزيز قوم بال. احتشم يا معلم ~~كرشة ولا تحدث السادة إلا بحديث السادة. تفضل بخلع ملابسك. ~~أما أنت يا ست أم حسين فافتحي الكنز في المرحاض وعبي للبك حتى ~~يتريش وينبسط. # ولم ينبس حسين بكلمة وهو كظيم، فمرت العاصفة بسلام، وراحت ~~المرأة تناجي نفسها: «يا ساتر استر.» وكان المعلم - على حنقه ~~وسخريته - أبعد ما يكون عن طرده، بل لعله حتى في تلك الساعة ~~الحامية لم يخل من ارتياح لعودته، وسرور بزواجه، لذلك كف عما ~~كان آخذا فيه، وغمغم قائلا: ms156 الأمر لله، ربنا يتوب علي ~~منكم. # ثم سأل الشاب مستدركا: ماذا أعددت للمستقبل؟ # فقال الشاب وقد شعر بأنه اجتاز محنته: سأجد عملا إن شاء الله، ~~ولا يزال لدي حلي زوجي. # فانتبهت أمه إلى كلمة «حلي» باهتمام وسألته بغير وعي: هل ~~كنت ابتعتها لها؟ # فقال حسين: أهديت إليها البعض، واشترى لها شقيقها البعض ~~الآخر. # والتفت نحو أبيه مستطردا: سوف أجد عملا، وسيبحث عبده نسيبي عن ~~عمل أيضا، وعلى أية حال فهو لن يقيم بيننا إلا أياما. # وانتهزت المرأة فرصة الهدوء الذي أعقب الزوبعة فقالت لزوجها: ~~تعال يا معلم سلم على أهل ابنك. # ولحظت ابنها بطرف خفي وغمزت بعينها، فقال الشاب بغضاضة من ~~يستكره التودد بطبعه: هلا أكرمتني حيال أهلي؟ # وتردد الرجل لحظة ثم قال بامتعاض: كيف تريدني على الاعتراف ~~بهذا الزواج الذي لم أباركه؟! # ولما لم يسمع من مجيب، نهض متأففا، ففتحت المرأة الباب ~~وتقدمته، وانتقلوا إلى الحجرة الأخرى جميعا، وسلموا، ورحب ~~المعلم بزوج ابنه وشقيقها .. انطوت الصدور عما بها؛ أما ~~الوجوه فقد أشرقت بالترحاب والمجاملة. وكان المعلم كرشة قد سلم ~~بالأمر الواقع، ولكنه لبث قلقا لا يدري أأخطأ بتسليمه أم أصاب؟! ~~ولم تصف نفسه من موجدة واستياء. ثم انتبهت عيناه النائمتان ~~في أثناء الحديث إلى شقيق الفتاة فتفحصه بعناية، وما عتم أن ~~تولاه اهتمام مفاجئ أنساه قلقه وموجدته واستياءه! .. كان شابا ~~يافعا، وسيم الطلعة، خفيف الظل، فجعل يحاوره ويرنو إليه بطرف ~~يقظ، وطابت نفسه وصفت، وسرت في أعماقه هزة سرور وحماس، فتفتح ~~قلبه للأسرة الجديدة، ورحب بها مرة أخرى ولكن بشعور جديد، ~~وسأل ابنه بلطف: أليس لك أثاث يا حسين؟ # فقال حسين: غرفة نوم مكومة عند الجيران. # فقال المعلم بلهجة آمرة: اذهب وأحضر عفشك. ~~••• # وخلا حسين إلى أمه، وجلسا يتحدثان ويدبران أمورهما، وفي ~~ختام الحديث صاحت به فجأة: ألم تعلم بما حدث؟! .. اختفت ~~حميدة. # فلاحت الدهشة في وجه الشاب وسألها: كيف؟ # فقالت المرأة دون أن تحاول إخفاء لهجتها الواشية بالشماتة: ~~خرجت أول أمس كعادتها كل عصر، ولكنها لم تعد. ودارت ms157 أمها ~~على بيوت الجيران والمعارف تفتش عنها دون جدوى، وذهبت إلى قسم ~~الجمالية وقصر العيني، ولا حياة لمن تنادي. ~~- ماذا حدث للبنت يا ترى؟ # فهزت أم حسين رأسها في ارتياب وقالت بيقين: هربت وحياتك! .. ~~غواها رجل فأكل مخها وطار بها. كانت جميلة ولكنها لم تكن طيبة ~~قط. # 26 # فتحت عينين محمرتين من أثر النوم، فرأتا سقفا أبيض، ناصع ~~البياض، يتدلى من وسطه مصباح كهربائي بارع الرونق في كرة كبيرة ~~حمراء من البلور الشفاف. امتلأ بصرها دهشة، ولكن لم يدم ذلك سوى ~~ثانية واحدة، ثم تدافعت إلى رأسها ذكريات الليلة الماضية، وذكريات ~~الحياة الجديدة. واتجه ناظرها نحو الباب فألفته مغلقا، ثم رأت على ~~خوان قريب من السرير مفتاح الباب بحيث تركته بالأمس. نفذت ~~إرادتها فنامت وحدها، وقضى ليلته وحده في الحجرة الخارجية، ~~وافتر ثغرها عن ابتسامة. وأزاحت عن صدرها الغطاء الوثير، فبدا ~~فستانها مستخذيا خجلا فيما يغمر من مخمل وحرير. ما أعمق الهوة ~~التي تفصل ما بينها وبين الماضي! وكانت النوافذ مغلقة تنضح بوهج ~~الشمس، فينير جو الحجرة بضوء شاحب خفيف، فاستدلت على الضحى ~~بسماته، ولكنها لم تدهش لاستيقاظها المتأخر، فقد أرقها السهاد ~~حتى قبيل الفجر، وسمعت نقرا خفيفا على الباب، فتلفتت صوبه في ~~انزعاج، وجمد بصرها عليه دون أن تأتي حركة أو تنطق بحرف، ثم ~~غادرت الفراش، ودلفت إلى التواليت، ووقفت بين مراياه متحيرة ~~مبهوتة. وعاد النقر في قوة ملموسة فهتفت: من؟ وجاءها صوته ~~العميق وهو يقول: صباح الخير .. هلا فتحت الباب؟ # ونظرت إلى المرآة فرأت شعرها متشعثا، وعينيها محمرتين، ~~وجفنيها ثقيلين، .. رباه .. أليس ثمة ما تغسل به وجهها؟! ألا ~~ينتظر حتى تتهيأ لاستقباله؟! وعاد ينقر الباب جزعا، ولكنها لم ~~تلق إليه بالا، وذكرت قلقها يوم اعترض سبيلها في الدراسة أول ~~مرة فلقيته وقد نسيت أن تأخذ زينتها، وهي تكون اليوم أشد ~~قلقا بلا ريب! ورأت زجاجات الروائح العطرية منضودة على التواليت، ~~ولكنها كانت تراها لأول مرة في حياتها، فلم تهتد إلى وجه ~~الانتفاع بها في مأزقها. ثم تناولت مشطا ms158 عاجيا وسوت شعرها في ~~عجلة ولهوجة، ومسحت بطرف فستانها وجهها، وألقت على المرآة نظرة ~~أخرى، وتنهدت في قلق وغيظ، ثم أخذت المفتاح وسارت نحو الباب، ~~وكأنما ضاقت بإشفاقها، فرفعت منكبيها استهانة وفتحت الباب. التقيا ~~وجها لوجه وقد ابتسم إليها ابتسامة لطيفة وقال برقة بالغة: ~~صباح النور يا تيتي! .. لماذا أهملتني كل هذا الوقت! .. أتريدين ~~مواصلة النهار بالليل بعيدا عني؟! # فابتعدت عنه دون أن تنبس بكلمة، ولكنه تأثرها والابتسامة لا ~~تفارق شفتيه، ثم سألها: لماذا لا تتكلمين يا تيتي؟! # تيتي! أسم تدليل هذا يا ترى؟ .. ولكن أمها كانت تدعوها ~~«حمدمد» إذا أرادت أن تدللها، فما تيتي هذا؟! .. ورمقته بنظرة ~~إنكار وغمغمت: تيتي! # فقال وهو يتناول راحتيها بين يديه ويشبعهما تقبيلا: هذا ~~اسمك الجديد، فاحفظيه عن ظهر قلب، وانسي حميدة، فلم يعد لها ~~وجود! .. ليس الاسم يا محبوبتي بالشيء التافه لا يقام له وزن، ~~هو بالحري كل شيء. وما الدنيا - لو تعلمين - إلا أسماء. # وعلمت أنه يعد اسمها - كثيابها البالية - شيئا ينبغي ~~انتزاعه وإيداعه مقابر النسيان، ولم تر في ذلك من بأس، فلا يجوز ~~أن تنادى في شريف باشا بما كانت تنادى به في المدق. وفضلا عن ~~هذا فهي تشعر شعورا عميقا لا يخلو من وسواس وقلق بأن أسباب ~~الماضي قد انقطعت إلى الأبد، فلماذا تبقي على اسمها؟! .. بل ~~ليتها تستطيع أن تستبدل بيديها يدين جديدتين جميلتين كيديه ~~هو، وأن تستعيض عن صوتها - الذي تستغلظ نبراته العالية حتى الفظاظة ~~والقبح - صوتا رقيقا رخيما، ولكن ما باله اختار هذا الاسم ~~الغريب؟! .. ولم تملك أن قالت باستنكار: هذا اسم غريب، لا معنى ~~له! # فقال ضاحكا: اسم جميل، ومن جماله ألا معنى له، فالاسم الذي لا ~~معنى له يحوي المعاني كلها، بل هو من الأسماء الأثرية التي تسحر ~~ألباب الإنجليز والأمريكان، ويسهل النطق به على ألسنتهم ~~المعوجة. # فجالت في عينيها نظرة حيرى، تشي بالارتياب وتتحفز للعناد ~~والانقضاض، فابتسم برقة واستدرك يقول: تيتي العزيزة .. رويدك، ~~ستعلمين كل شيء في حينه. ألم تعلمي بأنك ستصيرين غدا سيدة ms159 ~~باهرة الجمال بعيدة الصيت؟ .. هذه هي معجزة هذا البيت. أم حسبت أن ~~السماء تمطر ذهبا وماسا؟ .. كلا يا عزيزتي، إن السماء في ~~أيامنا هذه لا تمطر إلا شظايا، والآن خذي أهبتك لاستقبال ~~الخياطة. ولكن معذرة لقد ذكرت أمرا هاما؛ ذكرت أنه ينبغي ~~أن أصحبك لزيارة مدرستي - أنا ناظر يا محبوبتي ولست قوادا كما ~~دعوتني بالأمس - فالتحفي بهذا الروب، وانتعلي هذا الشبشب. # وذهب إلى التواليت فأتى بزجاجة زرقاء كروية يتصل بفم معدني ~~فيها أنبوبة من المطاط الأحمر، وسدد فوهتها نحو وجهها، وجعل يضغط ~~على الأنبوبة فيمج في صفحة وجهها سائلا زكي الشذا، وقد ارتعشت ~~بادئ الأمر شاهقة، ثم استنامت إلى طيبها في دهشة وارتياح. ~~وألبسها الروب بنفسه، وجاءها بشبشبه فانتعلته، ثم تأبط ذراعها ~~ومضى بها إلى الحجرة الأخرى، ثم إلى الردهة الخارجية. وسارا معا ~~متجهين صوب أول باب إلى اليمين وهو يقول لها محذرا: ~~إياك وأن تبدي خجلة أو خائفة .. إني أعلم أنك جسورة لا تهابين ~~شيئا. # وأثابها تحذيره إلى رشادها، فحدجته بنظرة حادة، ورفعت رأسها في ~~استهانة، فابتسم قائلا: هذا أول فصل في المدرسة .. فصل الرقص ~~العربي. # وفتح الباب ودخلا. رأت حجرة متوسطة، جميلة البناء، ذات أرض ~~خشبية لامعة، تكاد تخلو من الأثاث، اللهم إلا عددا من المقاعد ~~نضدت في جناحها الأيسر، ومشجبا كبيرا في ركنها الأقصى، وقد ~~جلست فتاتان على مقعدين متجاورين، ووقف في الوسط فتى في جلباب ~~أبيض حريري مهفهف محزما بزنار. اتجهت الرءوس نحو ~~القادمين، وجرت على الثغور بسمات التحية، فقال فرج إبراهيم بلهجة ~~قوية تنم عن السيادة حقا: صباح الخير .. هذه صديقتي ~~تيتي. # وحنت الفتاتان رأسيهما تحية، ثم قال الفتى بصوت متكسر ~~مخنث: أهلا يا أبلة. # وردت تيتي التحية في شيء من الارتباك، وهي تطيل النظر إلى ~~الفتى الغريب. كان - على غير ما يبدو - في نهاية العقد الثالث، ~~وضيع الملامح، أحول العينين، يزين وجهه بزواق نسائي من كحل ~~وحمرة وبودرة، ويلمع شعره الجعد بالفازلين. فابتسم فرج ~~إبراهيم وقال يعرفه لها: سوسو معلم الرقص. # وكأنما أراد سوسو ms160 أن يقدم لها نفسه بطريقته الخاصة، فأشار إلى ~~الفتاتين المتجاورتين غامزا بعينيه، فراحتا تصفقان على ~~«الواحدة»، وانساب الأستاذ راقصا كالأفعوان، في خفة وليونة ~~يثيران الدهشة، حتى خالته جسما بلا عظام ولا مفاصل، أو أنه قطعة ~~من مطاط مكهرب. كان كل ما فيه يرتعش بلا توقف .. ردفاه .. وسطه ~~.. صدره .. رقبته .. حاجباه. وكان يلقي بنظرة متكسرة متضعضعة، ~~مبتسما ابتسامة فاجرة عن أسنان ذهبية. ثم اهتز هزة عنيفة ~~ختم بها ارتعاشه الفني، واستقام ظهره فكفت الفتاتان عن التوقيع. ~~لم يكن في نية سوسو أن يرقص؛ ولكنه رغب في أن يحيي القادمة ~~المستجدة تحية راقصة على سبيل المثال، والتفت نحو فرج إبراهيم ~~متسائلا: تلميذة جديدة؟ # فالتفت هذا بدوره إلى تيتي وقال: أظن هذا. ~~- ألم ترقص فيما سلف؟ ~~- كلا. # فابتسم سوسو مسرورا وقال: هذا أفضل يا سي فرج. إذا كانت تجهل ~~الرقص فهي عجينة طرية أصورها كيفما أشاء، أما أولئك اللاتي ~~يتعلمن الرقص على غير أصوله فما أشق تعليمهن. # ونظر إلى تيتي، وثنى رقبته يمنة ويسرة وقال بصوت فاضح: أم ~~تحسبين الرقص لعبا يا أبلتي؟! .. العفو يا حبيبتي .. هذا فن ~~الفنون، وأستاذه له الجنة ونعيمها بغير حساب؛ جزاء ما يتجشم من ~~عناء أو مشقة .. انظري. # وأرعش خصره بغتة في سرعة عجيبة، ثم أمسك وهو يرمقها بعجب وتيه، ~~وسألها باستعطاف: هلا انتزعت هذا الروب لأطلع على جسمك. # ولكن فرج عاجله قائلا: ليس الآن .. ليس الآن. # فمط سوسو بوزه متأسفا وسألها: أتخجلين مني يا تيتي .. أنا ~~أختك سوسو! .. ألم يعجبك رقصي؟ # وكانت تدافع جاهدة شعورا بالضيق والارتباك، وتحاول في إصرار ~~وعناد أن تبدو باردة هادئة مستهينة بل راضية، فابتسمت وقالت: ~~رقصك بديع جدا يا سوسو. # فصفق سوسو بيديه حبورا وقال: دمت من فتاة كريمة .. الحياة ~~فانية يا تيتي، وأجمل ما فيها كلمة حلوة، وهل دام شيء لإنسان؟ .. ~~الواحد منا يشتري حق الفازلين ولا يدري أيكون لشعره أم لشعر ~~ورثته؟! ~~••• # وغادرا الحجرة - أو الفصل - إلى الردهة، فمضى بها إلى الحجرة ~~التي تليها، وشعر بعينيها تلحظانه ولكنه تجاهلهما عن ms161 حكمة، حتى ~~بلغا الباب فغمغم قائلا: فصل الرقص الغربي. # فتبعته صامتة. كانت تعلم أن النكوص قد بات مستحيلا، وأن ~~الماضي قد عفاه الحاضر، فلم تر بدا من الاستسلام للمقادير، ~~وتساءلت: هل تبلغ حقا السعادة المنشودة؟ وجدت هذه الحجرة في ~~بنائها وصورتها كسابقتها إلا أنها حجرة حية متحركة صاخبة. كان ~~الحاكي يبعث لحنا غريبا تلقته أذنها في دهشة وإنكار، وكان ~~قوم يرقصون أزواجا، قوام كل زوج فتاتان، وقد انتحى شاب أنيق ~~البزة جانبا وهو يراقبهن بعناية، ويوليهن بملحوظاته، وتبادل ~~الرجلان التحية، وواصل الراقصات رقصهن وهن يتفحصن حميدة ~~بنظرات ثاقبة ناقدة. ودارت عيناها بالمرقص والراقصات فعجبت ~~لثيابهن البديعة وزينتهن البارعة، وسرعان ما تناست هواجسها، ~~واستولى عليها انفعال عارم، فعانت شعورا مؤلما بالضعة، ثم ~~استفزها إحساس حاد بالحماس والتوثب. ولاحت منها التفاتة إلى ~~رجلها فوجدته محافظا على هدوئه ورزانته، تلوح في عينيه نظرة ~~متعالية تنطق بالسيادة والقوة. والتفت نحوها فجأة كأنما جذبته ~~عيناها، فانبسطت أساريره، ومال نحوها قليلا متسائلا: أيعجبك ~~ما ترين؟ # فقالت ببساطة وهي تقاوم انفعالها: جدا! ~~- أي الرقصين تفضلين؟ # فابتسمت ولم تجب. ولبثا قليلا صامتين، ثم غادرا الحجرة، ~~واتجها نحو باب ثالث وقد تجلى الاهتمام في وجهها. وما كاد ~~يدفع الباب حتى حملقت في دهشة وذهول. رأت في وسط الحجرة امرأة ~~عارية منتصبة القامة. وظلت ثواني لا تحول بصرها عنها فلم ~~تر شيئا سواها. ومن عجب أن المرأة العارية بقيت بموقفها كأنها ~~لم تشعر بمقدمهما، وجعلت تنظر إليهما في هدوء واستهتار، وقد ~~افتر ثغرها عن ابتسامة رقيقة كأنها تحييهما أو تحييه هو ~~بالأحرى. وعند ذاك قرعت أذنيها أصوات، فتلفتت يمنة ويسرة وأدركت ~~أن الحجرة معمورة بالآدميين. رأت إلى يسار الداخل صفا من ~~المقاعد مشغولا نصفها بفتيات حسان أنصاف عرايا أو على وشك التعري! ~~.. ورأت على كثب من المرأة العارية رجلا في بدلة أنيقة قابضا ~~بيمناه على مؤشر قد ركز سنانه على مقدم حذائه، ولاحظ فرج ~~إبراهيم دهشتها، فرغب أن يسري عنها، فقال لها: هذا الفصل لتعليم ~~مبادئ اللغة الإنجليزية. # فحدجته بنظرة ms162 إنكار كأنها تقول له: «لا أفهم شيئا.» فأشار لها ~~بالتمهل ثم وجه خطابه للرجل القابض على المؤشر وقال: استمر في ~~درسك يا أستاذ. # فقال الرجل بصوت يدل على الطاعة: هذه حصة تسميع. # ورفع المؤشر بخفة ولمس بسنانه شعر العارية، فنطقت المرأة بلفظ ~~غريب «هير»، فأنزله إلى جبينها فهتفت «فرنت»، وانتقل إلى الحاجب ~~فالعين ثم الفم، وشرق وغرب، وصعد وصوب، وهي تجيب على ~~أسئلته الصامتة بكلمات غريبة، لم تسمعها حميدة من قبل، وازدادت ~~الفتاة دهشة وانزعاجا، وتساءلت: كيف تبدو هذه المرأة عارية حيال ~~هذا الجمع؟ وكيف ينظر فرج إلى هذا الجسم المتجرد بهذه البساطة؟! ~~.. وغلى دمها، والتهب خداها، وألقت عليه نظرة سريعة فرأته يهز ~~رأسه راضيا عن التلميذة الذكية، ويتمتم «برافو .. برافو.» ثم ~~خاطب الرجل قائلا: أرني شيئا من الغزل. # فنحى الرجل المؤشر جانبا، وأقبل على المرأة مخاطبا في لهجة ~~إنجليزية، وعاطته المرأة قولا بقول، فتراطنا دقائق بلا تلعثم أو ~~تردد، حتى صاح فرج إبراهيم: عظيم .. عظيم .. والأخريات؟ # وأشار إلى الفتيات الجالسات، فقال الأستاذ: في طريق التحسن! .. ~~وإني أقول لهن دائما: إن الكلام لا يحصل بالحفظ، ولكنه ~~يكتسب بالتجربة، فالحانات والبنسيونات هي دور العلم الحقيقية، ~~وما هذا الدرس إلا تثبيت للمعلومات المهوشة. # فقال فرج وهو ينظر إلى فتاته: صدقت .. صدقت. # وحياه بإيماءة من رأسه، وتأبط ذراع حميدة وانفصلا عن المكان ~~معا، وقطعا الردهة الطويلة مرة أخرى صوب حجرتهما. كان وجهها ~~جامدا، وفمها مطبقا، وعيناها تنمان عن الشرود والحيرة، وكانت ~~تتلمس سببا للانفجار، لا لهدف ترمي إليه، ولكن للترويح عن ~~صدرها الهائج المضطرب. ولازم الرجل الصمت حتى حواهما المخدع، ثم ~~قال بلطف: يسرني أن أطلعتك على مدرستي، وأنك فتشت فصولها ~~بنفسك. ربما تراءت لك ذات برنامج عسير شاق؛ ولكنك رأيت بعينيك ~~تلميذاتها البارعات، وجميعهن بغير استثناء دونك ذكاء ~~وجمالا. # فرمقته بنظرة عناد وتحد وسألته ببرودة: أتريدني على أن أفعل ~~مثلهن؟ # فابتسم في رقة، وقال بمكر ودهاء: لا سلطان لأحد عليك ولا راد ~~لقضائك، وأنت وحدك صاحبة الأمر والنهي. ولكن واجبي أن أوضح ms163 لك ~~المعالم، والخيرة لك. والحق أنه لمن حسن الحظ أني وجدت رفيقا ~~لبيبا تكفيه الإشارة، قد حباه الله جمالا وهمة وبهاء. فإذا ~~سعيت إلى استثارة حماسك اليوم، فعسى أن تسعي أنت غدا إلى ~~استثارتي. إني أعرفك حق المعرفة، وأقرأ قلبك كصفحة مبسوطة، وها ~~أنا ذا أقول لك عن عقيدة ويقين: إنك ستقبلين على تعلم الرقص ~~والإنجليزية، وإتقان كل شيء في أقصر فترة من الزمن. ولقد ~~اتبعت معك سبيل الصراحة من بادئ الأمر وتجنبت الكذب والخداع؛ ~~لأني أحببتك حبا صادقا، ولأني أيقنت من أول لحظة بأنك لا ~~تغلبين ولا تخدعين، فافعلي ما تشائين يا محبوبتي. جربي الرقص ~~أو انبذيه، استهتري أو عفي، ابقي أو عودي، فلا قبل لي بك على ~~جميع الأحوال. # ولم يذهب خطابه سدى، فقد سرى عنها، وخف توتر أعصابها، ~~واقترب منها، وأخذ راحتها بين يديه، وضغط عليها بحنو وهو يقول: ~~أنت أسعد حظ جادت به الحياة علي .. ما أفتنك! .. ما ~~أجملك! # وحدق في عينيها بإمعان ~~وافتتان، ورفع يديها - وهما مضمومتان - إلى فمه، وراح يقبل ~~أطراف أناملها زوجا زوجا، وهي مستسلمة ليديه تجد لكل لثمة ~~من شفته تكهربا في أعصابها، حتى تندت عيناها برقة وهيام، ~~وند عنها نفس حار في شبه تنهدة، فأحاطها بذراعيه، وضمها ~~إلى صدره رويدا حتى شعر بمس ثديها لقلبه؛ ثدي بكر ناهد يكاد ~~لصلابته ينغرس في صدره، وراح يمسح على ظهرها براحتيه صعودا ~~وهبوطا، ووجهها مدفون في صدره، ثم همس: «فمك» فرفعت رأسها ببطء ~~وقد انفرجت شفتاها قليلا، فطبع شفتيه على شفتيها في قبلة ~~طويلة جدا، فأطبقت جفنيها كأنما أخذتها سنة من نعاس. وحملها ~~بيسر فصارت بين ذراعيه كطفل رضيع، وسار بها متمهلا نحو الفراش، ~~وقد هز ساقيها المعلقتين هزة أطاحت بالشبشب، ثم أنامها، ~~ولبث مائلا عليها معتمدا على راحته، منعما النظر في وجهها ~~المورد .. وفتحت عينيها فالتقتا بعينيه، فابتسم إليها ابتسامة ~~رقيقة، ولكنها ظلت ترنو إليه بنظرة ساجية. وكان في الحق ~~متمالكا لأعصابه رغم تظاهره بعكس ذلك، وكان فكره أنشط من قلبه، ~~وكان قد ms164 أجمع رأيه على خطة لا يحيد عنها، فاستوى واقفا وهو ~~يغالب ابتسامة ماكرة، وقال بلهجة من ينزع نفسه عن هواها: ~~مهلا .. مهلا .. إن الضابط الأمريكي يدفع خمسين جنيها عن ~~طيب خاطر ثمنا لعذراء! # التفتت إليه داهشة! وسرعان ما غابت من عينيها النظرة الفاترة، ~~وحل محلها نظرة صارمة قاسية قادحة، ونهضت جالسة في الفراش، ثم ~~انزلقت إلى الأرض بسرعة فائقة فانتصبت حياله كالحية الهائجة، ~~وثارت بها غريزتها العنيفة فرفعت يدها وهوت بها على خده بقوة ~~وقسوة، وتجاوبت أركان الحجرة رنينها. ولبث ثواني جامدا، ثم ~~تمدد جانب من فمه الأيسر في ابتسامة هازئة .. وبسرعة تفوق الفكر ~~رفع كفه ولطمها على خدها الأيمن بقوة متناهية، ثم رفع ~~يسراه - قبل أن تفيق من اللطمة الأولى - وصك بها خدها الأيسر ~~بشدة بالغة! اصفر وجهها، وسرت ارتعاشة في شفتيها، وانتفض ~~جسمها انتفاضة حيوانية، فارتمت على صدره، وأنشبت أناملها ~~المتقبضة في عنقه .. وتلقى الرجل هذه الهجمة بسكينة، ولم يحاول ~~مدافعتها، بل أحاطها بذراعيه وشد عليها حتى كاد يهرسها، مضت ~~أصابعها تلين، ثم ارتدت عن عنقه، وتحسست منكبيه وعلقت بهما، ~~ورفعت إليه وجها قانيا وثغرا مرتعشا مشوقا. # 27 # نشر الظلام رواقه على الزقاق وأطبق على جنباته سكون عميق، حتى ~~قهوة كرشة أغلقت أبوابها وتفرق سمارها. وفي هذا الهزيع من ~~الليل مرق من باب الفرن شبح ~~زيطة، صانع العاهات، ينطلق إلى تجواله الليلي. قطع الرجل أرض ~~الزقاق إلى الصنادقية، وعرج إلى اليسار متجها صوب الحسين، فكاد ~~يصطدم بشبح قادم في منتصف الطريق، وما لبث أن تنور وجهه على ضوء ~~النجوم الشاحب فهتف به: الدكتور البوشي! .. من أين أنت ~~قادم؟ # فأجابه الدكتور بعجلة ولهفة: كنت ماضيا إليك. ~~- أعندك طلاب عاهات؟ # فقال الدكتور بصوت كالهمس: عندي ما هو أهم، لقد توفي عم عبد ~~الحميد الطالبي! # فأضاءت عينا زيطة في العتمة وسأله باهتمام: متى توفي؟ .. وهل ~~دفن؟ ~~- دفن مساء اليوم. ~~- أعرفت مقبرته؟ ~~- فيما بين باب النصر وطريق الجبل. # وتأبط زيطة ذراعه وسار به في الطريق الذي كان آخذا فيه وهو ~~يسأله مستوثقا: ms165 ألا يمكن أن تضل الطريق في الظلام؟ ~~- كلا .. كنت في أثناء سير الجنازة منتبها يقظا فحفظت ~~علامات الطريق، وفضلا عن هذا فهو طريق معروف لكلينا، وطالما ~~قطعناه معا في الظلام الدامس! ~~- وأدواتك؟ ~~- في مكان حريز أمام الجامع. ~~- وهل المقبرة مكشوفة أم مسقوفة؟ ~~- عند المدخل حجرة مسقوفة، ولكن القبر في فناء مكشوف. # فسأله بلهجة لم تخل من تهكم: أكنت تعرف المرحوم؟ ~~- معرفة بسيطة؛ كان بائع دقيق في المبيضة. ~~- أطقم كامل أم بضع أسنان فقط؟ ~~- طقم كامل . ~~- ألا تخشى أن يكون أهله قد انتزعوا الطقم من فمه قبل ~~دفنه؟ ~~- كلا، إن أهل البلد أهل تقوى، وهيهات أن يفعلوا ذلك! # فقال زيطة وهو يهز رأسه أسفا: مضى زمن والناس يودعون القبر ~~حلي موتاهم. # فتنهد الدكتور قائلا: أين منا ذاك الزمن؟! # وبلغا الجمالية في ظلمة حالكة وصمت مخيم، ومرا في طريقهما ~~بشرطيين ثم أخذا يقتربان من باب النصر، واستخرج زيطة من جيبه ~~نصف سيجارة وأشعلها وراح يدخن بشغف. وقد فزع الدكتور بوشي من ضوء ~~عود الثقاب وقال لصاحبه بنرفزة: بئس ما اخترت هذا الوقت ~~للتدخين! # ولكن زيطة لم يأبه ومضى يقول وكأنه يخاطب نفسه: لا فائدة ترجى ~~من الأحياء، وقليل من الموتى ذوو نفع. # ومرقا معا من باب النصر، ~~ومالا إلى اليمين يقطعان طريقا ضيقا تحف به المقابر من ~~الناحيتين، ويرين عليه صمت رهيب وكآبة شاملة. وقال زيطة عند ~~نهاية الثلث الأول من الطريق: «هاك المسجد.» فتلفت بوشي فيما ~~حوله، وتنصت قليلا في حذر، ثم اقترب من الجامع متحاميا إحداث ~~أي صوت، وتحسس الأرض لصق جداره فيما يلي مدخله حتى عثر بحجر ~~كبير، ثم أزاحه عن موضعه بيديه، واستخرج من نقرة تحته فأسا ~~صغيرة ولفافة تحوي شمعة، وعاد إلى صاحبه، فاستطردا في مسيرهما وهو ~~يقول همسا: «تقع المقبرة فيما قبل الطريق الصحراوي بخمس مقابر.» ~~وجدا في السير، وعينا الدكتور تتطلعان إلى المقابر على يسار ~~الطريق، وقلبه يدق بعنف، ثم تثاقل بغتة وهو يهمس: «هذه ~~المقبرة.» ولكنه لم يقف، بل حث صاحبه على السير وهو ms166 يقول: سور ~~المقبرة المطل على هذا الطريق عال، والطريق نفسه غير مأمون، ~~فالأفضل أن ندور حول المقابر من ناحية الصحراء، ثم نتسور المقبرة ~~من ناحيتها الخلفية حيث يوجد القبر في الفضاء المكشوف. # ولم يبد زيطة اعتراضا، فتقدما في صمت حتى انتهيا إلى طريق ~~الصحراء، واقترح زيطة أن يجلسا على الطوار قليلا ريثما يراقبان ~~الطريق، وجلسا جنبا لجنب، وراحا يراقبان المكان بأربع أعين. كان ~~الظلام شاملا، والمكان مقفرا، وفيما وراءهما تنتثر القبور فتشغل ~~مساحة من الأرض لا يحيط بها البصر. ومع أن هذه المخاطر لم تكن ~~الأولى من نوعها إلا أن الدكتور بوشي لم يستطع أن يتمالك أعصابه أو ~~يسيطر على دقات قلبه المضطرب، فلبث يحملق في الظلماء، فؤاده ~~خافق، وريقه جاف، وأعصابه متوترة؛ في حين جلس زيطة جامدا، رابط ~~الجأش، لا يبالي شيئا. ولما اطمأن إلى خلو الطريق قال ~~للدكتور: دع الأدوات واسبقني إلى سور المقبرة الخلفي، وانتظرني ~~هناك. # ونهض الدكتور على كره، وتسلل بين القبور مائلا نحو الأسوار ~~الخلفية للمقابر، وسار لصق الجدران متلمسا طريقه في ظلام ~~دامس ليس به من بارقة نور إلا ما تشعه النجوم، وجعل يعد ~~الأسوار حتى بلغ خامسها، وألقى على ما حوله نظرة لص، ثم جلس ~~القرفصاء، لم تعثر عيناه بشيء يريبه ولم يبلغ أذنه حس، ولكن ~~القلق لم يزايله، واشتد جزعه. وبعد قليل رأى شبح زيطة على مدى ~~أذرع منه، فنهض في حذر، وعاين الرجل السور ثم قال همسا: ~~تقوس حتى أصعد على ظهرك. # وتقوس الدكتور معتمدا راحتيه على ركبتيه، ورقي الرجل ظهره، ~~وتحسس الجدار حتى قبض على حافته، ثم تسوره بمهارة وخفة، ورمى ~~بالفأس ولفافة الشمعة إلى داخل الفناء، ثم مد يده إلى الدكتور ~~حتى التقت بيده، وأعانه على تسلق الحائط حتى تسنمه، وهويا ~~معا، وتوقفا عند أصل السور يستريحان، والتقط زيطة في أثناء ذلك ~~الفأس واللفافة. وكانت أعينهما قد اعتادت الظلام واستأنست بنور ~~النجوم الخافت، فرأيا الفناء في شيء من الوضوح، وقبرين ~~متجاورين ينهضان على كثب من موقفهما، وفي نهاية الفناء ms167 يقوم ~~الباب المطل على الطريق الذي جاءا منه، وعلى جانبهما حجرتان. وسأل ~~زيطة وهو يومئ إلى القبرين: أيهما؟ # فأجابه بصوت يكاد ينحبس في حلقه: على يمينك. # ودنا زيطة من القبر بلا تردد، يتبعه بوشي مرتجف الأوصال، ~~وحنى قامته متحسسا أرض المنزل فوجدها طرية ندية ما تزال، ~~فأعمل فيها فأسه بحذر وهوادة، مكوما الثرى بين رجليه ~~المنفرجتين. وثابر على العمل الذي لم يكن جديدا بالنسبة إليه، ~~حتى كشف عن السلاليم التي تسقف منزل القبر، وشمر طرف جلبابه ~~وجدله وعقده حول وسطه، وأقبل على طرف السلمة الأولى، ورفعها شادا ~~على عضلاته حتى انتصبت قائمة، وأخذ ينيمها بمعونة البوشي حتى ~~طرحها أرضا. وفعل مثل ذلك بالسلمة الثانية. واكتفى بالثغرة التي ~~فتحها حيث يمكن أن ينزلق منها هو وصاحبه، ومضى إليها ونزل الأدراج ~~وهو يقول للدكتور مغمغما: «اتبعني.» فتبعه منقبض الصدر، ~~مقشعر البدن .. وكان الدكتور يجلس - في مثل هذا الظرف - على ~~الدرجات الوسطى، ويشعل الشمعة ويثبتها في الدرجة السفلى، ثم يغمض ~~عينيه ويدفنهما بين ركبتيه. وكان يدخل القبور على كره، وطالما ~~ناشد زيطة الرحمة أن يعفيه من دخول القبر؛ ولكن الآخر أبى أن ~~يؤدي له هذه الخدمة إلا إذا شارك في جميع خطواتها، مستلذا في ~~أعماقه تعذيبه. وقد اشتعلت ذبالة الشمعة فأضاءت القبر، وألقى زيطة ~~نظرة متحجرة على الجثث المدرجة في أكفانها، مطروحة في تتابع ~~وتواز حتى غيابات القبر، يرمز نظامها إلى تسلسل التاريخ ~~واطراد الزمن، وينطق صمتها الرهيب بالفناء الأبدي، ولكنها لم ~~ترجع في صدر زيطة أي صدى، فسرعان ما استرد نظرته المتحجرة ~~وثبتها على الكفن الجديد عند بدء القبر .. وجلس القرفصاء، ثم كشف ~~عن رأس الجثة بيدين باردتين، وحسر الشفتين، وعالج بأصابعه الطقم ~~حتى انتزعه، وأودعه جيبه وقد تلوثت أنامله .. ثم غطى الرأس ~~كما كان، وتحول عن الجثة إلى الباب، فرأى الدكتور دافنا رأسه ~~بين ركبتيه والشمعة في أسفل الدرج تزهر، فرماه بنظرة ساخرة ~~وغمغم في ازدراء: «اصح!» فرفع الدكتور رأسه مرتعدا، ومال نحو ~~الشمعة فتناولها ونفخها فأطفأها، ورقي السلم في عجلة ms168 كأنه ~~يفر. ورقي زيطة الدرج كذلك، ولكنه قبل أن يبرز من الثغرة صكت ~~أذنيه صرخة داوية، وسمع الدكتور يصيح بصوت كالعواء: «في عرضكم!» ~~تسمرت قدماه، ثم تراجع نازلا الأدراج وهو لا يدري ما يفعل وقد ~~أثلجت أطرافه، وما زال يتراجع حتى داس كعبه الجثة، فتقدم خطوة ~~ووقف متسمرا لا يجد مهربا. وخطر له أن يرقد بين الجثث، ولكنه ~~قبل أن يأتي حركة واحدة غمره نور وهاج أغلق جفنيه قسرا، وسمع ~~صوتا شديدا يصيح به في لهجة صعيدية: اصعد، وإلا أطلقت ~~عليك النار. # وطوقه اليأس فاستسلم، ورقي الدرج كما أمر، وقد نسي الطقم ~~الذهبي في جيبه. ~~••• # ولم يتناه إلى الزقاق نبأ القبض على الدكتور بوشي وزيطة في ~~مقبرة الطالبي إلا عند عصر اليوم التالي. وفشا الخبر وعرفت ~~أسبابه، وتناقله القوم في دهشة وانزعاج .. وما إن علمت به الست ~~سنية عفيفي حتى استحوذ عليها الفزع وولولت صارخة، وانتزعت طقمها ~~الذهبي ورمت به، وأخذت تلطم خديها في حالة عصبية شديدة، ثم ~~سقطت مغمى عليها. وكان زوجها في الحمام، فلما أن قرع أذنيه ~~صراخها أخذه الرعب فارتدى جلبابه على جسده المبلول وهرع إليها ~~لا يلوي على شيء. # 28 # كان عم كامل جالسا على كرسيه على عتبة الدكان، مائلا رأسه ~~على صدره غارقا في النعاس، والمنشة في حجره. ثم استيقظ على دبيب ~~شيء على صلعته فتحركت يده حركة آلية ليطرد ما ظنه حشرة، ~~ولكنها وقعت على كف آدمية، فقبض عليها ساخطا، وتأوه متذمرا، ~~ورفع رأسه ليرد ذاك المداعب الثقيل الذي أيقظه من نعاسه ~~اللذيذ، فوقعت عيناه على عباس الحلو .. لم يكد يصدق عينيه، ~~فحملق فيه مشدوها، ثم اشتد احمرار وجهه المنفوخ فرحا، وهم ~~بالنهوض، ولكن الشاب لم يمكنه من ذلك، واحتضنه بذراعيه ~~فتعانقا عناقا حارا، والحلو يهتف به متأثرا: كيف حالك يا عم ~~كامل؟ # فيجيبه الرجل في لهفة وسرور: كيف أنت يا عباس .. أهلا ~~وسهلا ومرحبا .. لشد ما أوحشتني يا عكروت! # ووقف الحلو بين يديه مبتسما، والآخر يتطلع إليه بعينين ~~شيقتين. وكان يرتدي قميصا أبيض ms169 وبنطلونا رماديا، وقد حسر ~~رأسه ورجل شعره فبدا أنيقا حسن المنظر، موفور الصحة، مورد ~~الوجه، فرمقه عم كامل بإعجاب وقال بصوته الرفيع: ما شاء الله ~~أنت رائع يا جوني! # فضحك عباس الحلو ضحكة رنانة صاعدة من قلب جذل وقال: ثنك ~~يو .. لن يرطن الشيخ درويش بالإنجليزية وحده بعد اليوم! # وأجال الشاب عينيه في الزقاق المحبوب، فوقعتا على دكانه ~~القديم، ورأى صاحبه الجديد مكبا على حلق ذقن زبون، فرنا إلى ~~الدكان رنوة حنان وتحية. ثم طار بصره إلى النافذة فوجدها ~~مغلقة كما كانت حين قدومه، فتساءل: ترى أهي في الدار أم في ~~الخارج؟ وما عسى أن تفعل إذا فتحت الباب فوجدت أنه الطارق؟ سوف ~~تحملق في وجهه بدهشة وذهول، فيملأ عينيه من حسنها الباهر! هذا ~~يوم أغر من الأيام المعدودة في العمر. وانتبه إلى صوت عم كامل ~~وهو يقول متسائلا: أتركت عملك؟ ~~- كلا، ولكني أخذت إجازة قصيرة. ~~- ألم تدر بما حصل لصاحبك حسين كرشة؟ هجر أباه، وتزوج، ثم ~~استغنوا عنه فعاد إلى بيته يجر وراءه زوجه وشقيقها. # فلاح الأسف في وجه الحلو وقال: يا لسوء الحظ .. إنهم يستغنون ~~عن العمال كثيرا في هذه الأيام .. وكيف استقبله المعلم ~~كرشة؟ # فمط عم كامل بوزه وقال: لا يفتأ شاكيا متبرما؛ أما الفتى ~~وأهله فيقيمون في الدار. # وسكت الرجل نصف دقيقة، ثم قال متعجلا كأنما ذكر أمرا هاما: ~~أما علمت بأن الدكتور بوشي وزيطة مسجونان؟! # ثم قص عليه كيف قبض عليهما في قبر الطالبي متلبسين بجريمة ~~سرقة طقمه الذهبي. وقد وجم الحلو وجوما شديدا، ولم يكن يستبعد ~~أن يرتكب زيطة أشنع الجرائم، ولكنه عجب للدكتور بوشي كيف سولت له ~~نفسه اقتراف هذه الجريمة النكراء .. وذكر كيف طلب إليه أن يركب ~~له طقما حين عودته من التل الكبير، فالتوت شفتاه امتعاضا ~~وتقززا. # واستدرك عم كامل يقول: وقد تزوجت الست سنية عفيفي. # وكاد يقول له: «العقبى لك.» ولكنه أمسك فجأة وقد دق قلبه ~~بعنف! ذكر عند ذاك حميدة! .. ولكم ذكر هذا الموقف فيما تلا ذلك من ~~أيام ms170 متعجبا من نسيان ما كان ينبغي أن يذكره لأول وهلة! ولكن ~~الحلو لم ينتبه لتغيره، وسرعان ما شغل بآماله وأفراحه فتراجع ~~خطوتين قائلا: أستودعك الله إلى حين. # وأشفق الرجل أن يدهمه الخبر على حين غرة فسأله بلهوجة: أين ~~تقصد؟ # فقال الحلو وهو يهم بالمسير: إلى القهوة أسلم على من بقي ~~من الصحاب. # فاتكأ عم كامل على ركبتيه وقام جاهدا، وتبعه متبخترا. وكان ~~الوقت عصرا فلم يجدا بالقهوة من أصحابهما إلا المعلم كرشة والشيخ ~~درويش، فسلم عباس على المعلم الذي لاقاه بترحيب، وشد على يد ~~الشيخ درويش، فرمقه الشيخ بنظرة باسمة من وراء نظارته ولم ينبس ~~بكلمة. وكان عم كامل يعاني انقباضا ثقيلا، وحزنا مريرا، ولا ~~يدري كيف يفاتحه بالنبأ الأليم، فقال له برجاء: هلا عدت معي ~~إلى الدكان قليلا؟ # ووقف عباس مترددا بين رجاء صاحبه وبين الزيارة المنشودة التي ~~انتظرها جزعا بضعة شهور، ولكن لم يهن عليه عم كامل، ولم يجد ~~بأسا في المكوث معه فترة قصيرة من الوقت، فرجع معه إلى دكانه ~~مداريا برمه بابتسامة لطيفة، وجلسا في الداخل جنبا لجنب، وهو ~~يقول بسرور: الحياة في التل الكبير حياة عظيمة، عمل متواصل، وربح ~~موفور .. إني لا أبعثر نقودي قانعا بعيشة متواضعة لا تكاد ~~تختلف عن عيشة الزقاق، حتى الحشيش لم أذقه إلا مرات معدودات، مع ~~أنه هناك كالماء والهواء، وقد ابتعت هذا .. انظر يا عم كامل، ~~العقبى لك! # واستخرج من جيب بنطلونه علبة صغيرة وفتحها، فبان بداخلها عقد ~~ذهبي مركب من سلسلة وقلب رقيق، ثم استطرد وعيناه البارزتان ~~تلمعان بسرور: شبكة حميدة .. أما علمت؟! .. سأكتب الكتاب في ~~إجازتي هذه. # وتوقع أن يقول الرجل شيئا، ولكن عم كامل لاذ بصمت ثقيل وغض ~~بصره كأنه يخفيه، فنظر إليه الشاب باهتمام، ولأول مرة رأى ما ~~ينطق به وجهه من وجوم واكفهرار. ولم يكن عم كامل من الذين يفلحون ~~في إخفاء ما يعتمل في أنفسهم، فلاح باطنه عاريا في وجهه. ~~وسرعان ما قطب الحلو وساوره القلق، فأغلق العلبة وأعادها إلى ~~جيبه، وأنعم في ms171 صاحبه النظر فداخله خوف انقبض له قلبه. وأشفق ~~على قلبه الجذل الحبور أن تطفئ جذوته خيبة لا يداريها ولا ~~يتوقعها. أشفق من ذلك إشفاقا أليما موجعا، ولكن نذر ~~الكدر تخايلت لعينيه في وجه الرجل المرتبك الواجم، ولم يستطع ~~مع جموده صبرا، فسأله بارتياب: ما لك يا عمل كامل؟ .. لست كعهدي ~~بك .. ما الذي غيرك؟ .. لماذا لا تنظر إلي؟! # فرفع الرجل وجهه إليه ببطء، وطالعه بعينين مظلمتين ~~محزونتين، وفتح فمه ليتكلم، ولكن لسانه خانه فلم يطاوعه وبلغ ~~الجزع بعباس مداه، وتنبأ قلبه بالفاجعة، فشعر بالقنوط يطفئ أضواء ~~فرحه، ويخمد أنفاس أمله، فهتف بحزم قائلا: ماذا وراءك يا عم؟ ما ~~الذي تريد أن تقوله؟ عندك ما تقوله بلا ريب، بل في ضميرك أشياء ~~وأشياء، فلا تقتلني بترددك .. حميدة؟! .. أي والله حميدة! .. قل ~~ما تشاء .. لا تعذبني بسكوتك، هات ما عندك دفعة واحدة. # فازدرد ريقه، وقال بصوت لا يكاد يسمع: ليست موجودة! لم تعد ~~هنا .. اختفت .. لا يدري أحد عنها شيئا. # أنصت إليه بذهول وفزع، ونقشت الكلمات في وعيه كلمة كلمة، ~~ولكن غشي فهمه ضباب وغبار، وكأنما انتقل فجأة إلى دنيا ~~المحمومين، فقال بصوت متهدج: لست أفهم شيئا .. ماذا قلت؟! لم ~~تعد هنا، اختفت؟! ماذا تعني؟ # فقال عم كامل بأسى: شد حيلك يا عباس .. يعلم الله أني حزين ~~أسيف، وأني حملت همك من أول الأمر، ولكن ما باليد حيلة .. اختفت ~~حميدة، ولم يدر أحد عنها شيئا؛ خرجت يوما كعادتها كل عصر ولكنها ~~لم تعد .. فتشوا عنها في مظانها جميعا دون جدوى .. بلغنا ~~قسم الجمالية، وبحثنا في قصر العيني، ولكن لم نعثر لها على ~~أثر. # لاح في وجهه سهوم، ولبث حينا جامدا صامتا، لا يتكلم ولا ~~يتحرك ولا يطرف، لا مذهب ولا مهرب، ألم يتنبأ قلبه بالفاجعة؟ ~~بلى، وها هو يصدقه. يا عجبا .. ماذا يقول الرجل؟ .. اختفت ~~حميدة؟ .. وهل يختفي البشر كما تختفي إبرة أو قطعة من النقود؟! لو ~~أنه قال: ماتت أو تزوجت لأمكن أن يجد اضطرابه مدى أو نهاية، ~~فاليأس على أية ms172 حال أروح من الشك والحيرة والعذاب. ولكن ما عسى ~~أن يفعل الآن؟! بات اليأس نعمة لا يطمع فيها بحال. وخرج من جموده ~~فجأة، فاستعرت نفسه هياجا وارتعشت أطرافه، وحدج الرجل بعينين ~~محمرتين وصاح به: اختفت حميدة! .. وماذا فعلتم؟ .. بلغتم قسم ~~الجمالية وبحثتم في قصر العيني؟ .. جزاكم الله كل خير، ثم ماذا؟ ~~.. عدتم إلى أعمالكم كأن شيئا لم يكن! .. يا لطف الله! .. ~~انتهى كل شيء، فرجعت أنت إلى دكانك وراحت أمها تطرق أبواب ~~العرائس، وانتهت حميدة، وانتهيت أنا أيضا. ماذا تقول يا رجل؟ ~~خبرني عما تعلم؟ ماذا تعرف من أمر اختفائها؟ .. كيف اختفت؟ ومتى ~~وقع ذلك؟! # استحوذ الاضطراب على عم كامل لما بدر من صاحبه من حدة وغضب، ~~وقال بصوته الحزين: مضى على اختفائها زهاء شهرين يا بني. كان ~~حادثا مروعا مفزعا ارتجت له القلوب، والله يعلم أننا لم نأل ~~جهدا في البحث والاستفسار، ولكن ما باليد حيلة! # فضرب عباس كفا على كف، وقد احتقن الدم بوجهه، وازدادت عيناه ~~جحوظا، وقال وكأنه يخاطب نفسه: زهاء شهرين! .. رباه .. هذا ~~تاريخ قديم، لا أمل في العثور عليها. ماتت؟ .. غرقت؟ .. خطفت؟ .. ~~من لي بأن أدري؟ .. خبرني بما يقول الناس؟ # فقال عم كامل وهو يرمقه بحزن وحنان: ظنوا ظنونا كثيرة، ثم ~~رجحوا أنها ذهبت ضحية لحادث، أما الآن فلا يذكرون ~~شيئا. # فهتف الشاب متأوها: طبعا .. طبعا، فلا هي ابنة لأحد منهم، ~~ولا قريبة أحد، حتى أمها ليست بأمها. ترى ماذا حدث لها؟ .. ~~كنت في هذين الشهرين أسعد الناس أحلاما. أرأيت كيف يحلم إنسان ~~بالسعادة إذ الشقاء يترقب يقظته ساخرا هازئا طاويا مصيره ~~بيديه القاسيتين؟! .. ولعلي كنت أنعم بلذيذ السمر؛ بينما كانت ~~تنهرس تحت عجلة، أو تتخبط في قعر النيل .. شهران يا حميدة! لا ~~حول ولا قوة إلا بالله. # ونهض قائما ضاربا الأرض بقدمه، ثم قال بامتعاض: أستودعك ~~الله. # فسأله بلهفة: علام نويت؟ # فقال بفتور: سأقابل أمها. # وذكر وهو يدلف من باب الدكان متثاقلا كيف جاء يكاد يطير من ~~جلده فرحا، وكيف يذهب محطما مهيضا! فعض ms173 على شفته، وتسمرت ~~قدماه وقد بلغ منه الأسى منتهاه، وتحول نحو صاحبه فرآه ينظر ~~إليه بعينين مغرورقتين بالدمع، ففقد جنانه وهرع نحوه بلا ~~وعي، وارتمى على صدره في قنوط، ونشج منتحبا باكيا ~~كالأطفال. ~~••• # ألم يداخله شك في حقيقة اختفائها؟ .. ألم يساوره ما يساور ~~المحبين من ارتياب وسوء ظن في مثل حالته؟ الحق أن طيف شك ~~قد لاح بخاطره ولكنه لم يلق إليه بالا فتبدد. كان بطبعه شديد ~~الثقة، يجود بالظن الحسن بغير حساب. كان طيب القلب جدا، ومن ~~هذه القلة من الناس الذين ينزعون بفطرتهم إلى إقامة المعاذير ~~لغيرهم، واختيار أخف التأويلات لأفظع الفعال. ولم يغير ~~الحب من طبعه هذا، بل لعله رسخه وقواه، فلم تظفر منه وسوسة ~~الغيرة وهمهمة الشك بأذن مرهفة. وقد أحب حميدة حبا شديدا ~~باركته فطرته الطيبة بثقة وطمأنينة. وآمن - إلى هذا كله - بأن ~~فتاته أكمل فتاة في الدنيا التي لم ير منها شيئا يذكر، فلم ~~يداخله شك فيها، أو أن طيف الشك الذي لاح له لم يجد في قلبه ~~مرتعا يعيث فيه. وقد ذهب لمقابلة أمها ذلك اليوم، ولكنها لم ~~ترو له غلة، وأعادت عليه ما قصه عم كامل بصوت مختنق ~~بالعبرات. وزعمت له أن الفتاة كانت لا تفتأ تتذكره وتترقب ~~عودته بصبر فارغ؛ فضاعفت بكذبها أحزانه، وغادرها كما جاءها كسير ~~الفؤاد، مبلبل الفكر، معذب النفس. وغادر الزقاق تسوقه قدماه ~~الثقيلتان، وقد زعفر الأصيل هامة النهار، تلك الساعة التي اعتاد - ~~في الأيام الخوالي - أن يرى فيها مطلعها المحبوب إذا خرجت ~~لنزهتها اليومية. وقطع الطريق ذاهلا عما حوله، فتمثلت ~~لعينيه بجسمها الملفوف في الملاءة السوداء وعينيها النجلاوين ~~المحبوبتين، وهفت على قلبه ذكرى الوداع الأخير على البسطة، ~~فتنهد من الأعماق، ونفخ محزونا قانطا. ترى أين هي الآن؟ .. ~~ماذا تصنع؟ وماذا صنع الله بها؟ .. أتعيش على ظهر الأرض أم ترقد ~~في قبر من قبور الصدقة؟ .. رباه .. كيف تحجر قلبه طوال ذلك ~~العهد فلا استشف ريبة ولا شام نذيرا؟! .. كيف استنام إلى ~~طمأنينة الأحلام ولذة المنى فأكب على العمل ms174 غافلا عما يخبئه ~~له الغد؟! وأيقظه الزحام من ذهوله فتنبه إلى الطريق .. هذا ~~الموسكي طريقها المختار بأناسه ودكاكينه، كل شيء فيه باق على ~~حاله، إلا هي، اختفت كأن لم تملأ الدنيا بهاء بالأمس. وألمت به ~~رغبة في البكاء، ولكنه لم يستسلم لها هذه المرة. لقد أراحه البكاء ~~على صدر عم كامل، وأرخى توتر أعصابه، وتركه لحزن عميق هادئ، ~~فيجدر به الآن أن يتساءل عما هو فاعل، أيدور على الأقسام وقصر ~~العيني؟ .. ولكن ما جدوى ذلك؟ أيدوخ في شوارع القاهرة مناديا ~~باسمها؟ أيطرق أبواب البيوت بابا بابا؟ الله ما أعجزه وما أعجز ~~حيله! إذن هل يعود إلى التل الكبير متناسيا ما وراء ظهره؟ ولكن ~~لماذا يعود؟ لماذا يصر على تحميل نفسه آلام الغربة؟ لماذا يكد ~~ويكدح ويجمع النقود؟ الحياة بغير حميدة عبء ثقيل لا طائل تحته .. ~~غاضت في قلبه مشاعرها جميعا إلا فتورا يزهق الأنفاس وخمودا ~~يقتل الإحساس، وهوى إلى هذه الحالة المضنية التي تبدو فيها الحياة ~~فراغا كئيبا يحدق به سد هائل من القنوط. كان يعيش على الفطرة ~~لا يدري شيئا عما وراءها، مخلصا لقوانين الحياة الأولية، فوجد ~~في الحب جوهر حياته وخلودها، فلما أن فقده فقد الأسباب التي ~~تصله بالحياة، وتردى مزعزعا كذرة هائمة في الفضاء. ولولا ~~أن الحياة - التي تجرع غصص الآلام - تتفنن في إغراء ~~بنيها بالتعلق بها حتى في أحلك أوقاتها، لختم عمره وقضى. ولكنه ~~مضى في سبيله حائرا قد ضل هدفه، بل شعر في تلك اللحظة أنه ضله ~~إلى الأبد. بيد أنه ما زال معلقا بخيط يدق على وعيه، ولمح في ~~عرض الطريق بنات المشغل العائدات، فما يدري إلا وهو يتجه ~~نحوهن ويعترض سبيلهن، فوقفن داهشات وقد تذكرنه في غير ~~مشقة، وقال لهن بلا أدنى تردد: مساء الخير يا بنات، لا ~~تؤاخذنني، ألا تذكرن صاحبتكن حميدة؟ # فقالت إحداهن: نذكرها جميعا! .. ونذكر كيف اختفت فجأة، فلم ~~نرها منذ ذلك اليوم! # فسأل بصوت ينطق بالأسى: ألا تدرين شيئا عن اختفائها؟ # فقالت أخرى وقد لاحت في عينيها نظرة ماكرة: ms175 لا ندري شيئا على ~~وجه اليقين؛ إلا ما قلته لأمها حين جاءتني يوم اختفائها تسأل ~~عنها، من أننا رأيناها مرات بصحبة أفندي يسيران معا في ~~الموسكي. # وحملق في وجه محدثته بذهول وقد ارتعش جانب فيه، وسألها: ~~أرأيتها بصحبة أفندي؟! # ونال منظره من الفتيات فاختفت من أعينهن نظرات خبيثة ساخرة، ~~وتكلفن الرزانة، وقالت محدثته برقة: نعم يا سيدي. ~~- وأخبرت أمها بذلك؟ ~~- نعم. # وشكرهن بكلمة، وسار في طريقه. ولم يداخله شك في أنهن سيجعلن ~~منه حديثهن بقية الطريق ، ولعلهن يضحكن كثيرا من الفتى ~~المغفل الذي هاجر إلى التل الكبير ليجمع ثروة لمحبوبته، فآثرت ~~عليه آخر وفرت معه. يا له من مغفل حقا! ولعل أهل حيه جميعا ~~قد لغطوا بغفلته. وقد رحمه عم كامل فأخفى عنه الحقيقة، كما ~~أخفتها أم حميدة، وهل كان بوسعهما أن يفعلا غير ما فعلا؟ وخاطب ~~نفسه ولما يفق من ذهوله قائلا: «هذا ما حدثني به قلبي لأول ~~وهلة.» ولم يكن صادقا في قوله؛ لأن الشك لم يلم به إلا ~~إلمامة خفيفة، ولكنه لم يعد يذكر في محنته غير هذه الإلمامة ~~الخفيفة من الشك، بيد أنه تاه في اللحظة التالية وتساءل وهو يبسط ~~أصابعه ويقبضها في حركات تشنجية: «رباه كيف أعقل هذا؟! ~~أهربت حميدة حقا مع رجل؟! من يصدق هذا؟!» لم تمت إذن، ولم ~~يعرض لها حادث، ولقد أخطئوا خطأ كبيرا في البحث عنها في الأقسام ~~وقصر العيني، وغاب عنهم أنها تنام سعيدة رخية البال بين ذراعي ~~الرجل الذي خطفها. ولكنها وعدته ومنته! .. أفكانت تخادعه؟ .. ~~أم توهمت خطأ أنها تميل إليه؟ .. كيف عرفت ذلك الأفندي؟ ومتى ~~أحبته؟ وأي جرأة شيطانية أغرتها بالفرار معه؟! .. كان ممتقع ~~اللون، بارد الأطراف، تلوح في عينيه نظرة ساهمة قاتمة، وتبرق ~~فيها من آن لآن لمحة خاطفة تقدح شررا. خطر له خاطر فصعد رأسه ~~إلى الدور على جانبي الطريق، ينظر إلى نوافذها ويتساءل: في أي ~~دار ترقد لصق رجلها الآن؟ انقشع غبار الحيرة، وحل محله غضب ~~ناري ومقت نهم، وتقبض قلبه وتلوى تحت ضغط يدي ms176 الغيرة ~~القاسيتين، غير أن شعوره بالخيبة - الناشئة من ذهاب الأمل ~~وتمرغ المعبود في التراب - كان أفظع من الغيرة نفسها. إن الغرور ~~والكبرياء وقود للغيرة يؤرثان لهيبها. ولم يكن حظه منهما ~~ملحوظا، ولكنه كان شديد الأمل كبير الأحلام، فذوى أمله وتبدد ~~حلمه، وانفجرت نفسه غضبا. وأفاده الغضب من حيث لا يدري، فاستنقذه ~~من ذاك الحزن الصامت الثقيل، وعلله بالانتقام يوما ولو على ~~سبيل البصق والازدراء. والواقع أن فكرة الانتقام استحوذت على ~~مشاعره في تلك الساعة الجهنمية من الغضب والقهر، فتمنى أن ~~يتمكن من طعن قلبها الغادر بمدية حادة. الآن يستطيع أن يدرك ~~سر مواظبتها على الخروج في العصاري، فقد كانت تنطلق عارضة ~~نفسها على ذئاب الطرق! ولكنها جنت بغير شك، جنت بهذا ~~الأفندي، وإلا لما آثرت العهر معه على الزواج به! وعض على ~~شفته ألما لهذا الخاطر. وانتقل راجعا قد ضاق ذرعا بالمشي ~~والوحدة. وتحسست يده علبة العقد في جيبه، فانطلقت من فمه ضحكة ~~جافة ساخرة كأنها صرخة غضب في رداء ضحكة. ليته يستطيع أن يشنقها ~~بسلسلة هذا العقد الذهبية! وذكر كيف وقف في دكان الصايغ يقلب ~~عينيه بين الحلي وقلبه يكاد يقفز من صدره جذلا وسرورا، ~~وهفت الذكرى على قلبه كالنسيم الواني، إلا أنها التقت بوهج قلب ~~مضطرم، فانقلب النسيم حرورا. # 29 # ما إن وقع السيد سليم علوان على العقد المبسوط على المكتب حتى ~~شد الخواجا الجالس قبالته على يده وقال له: مبارك عليك يا سليم ~~بك. هذه ثروة طائلة. # وعلق بصر السيد بالخواجا ~~وهو يمضي في سبيله حتى توارى وراء باب الوكالة، صفقة رابحة. ~~وبحسبه أنه تخلص من مخزون الشاي الذي اشتراه الخواجا جملة، ~~فربح الكثير وأمن شر المخاوف، خصوصا وأن صحته لم تعد تطيق ~~أهوال السوق السوداء. بيد أنه قال لنفسه ساخطا متبرما: «ثروة ~~طائلة ولكنها ملعونة، لقد حلت اللعنة بكل شيء في دنياي.» والحق ~~أنه لم يبق من السيد القديم إلا شبح هزيل، وكانت أعصابه أشد ما ~~يضنيه، وكأنها تعهدت بالقضاء عليه، فسامته تفكيرا متواصلا في ~~الموت ms177 حتى صار الموت شغله الشاغل. ولم يكن الرجل في الأصل بالضعيف ~~الإيمان، ولا كان بالرعديد الجبان، ولكن تهافت أعصابه أنساه ~~آداب الإيمان وألوى بشجاعته. وما انفك يفكر في ساعة الاحتضار - ~~وقد ذاق بعض مرارتها في إبان مرضه - ويستذكر ذكرياته عنها عمن ~~حضرهم الموت من أقاربه، ذاك الرقاد المستسلم الأليم، وصعود الصدر ~~وهبوطه، وهذه الحشرجة المتقطعة، وإظلام المقلتين، وبين هذا ~~وذاك تنتزع الحياة من الأعماق والأطراف، وتودع الروح الجسد. ~~أفيقع كل هذا في يسر؟! إن الإنسان ليجن إذا انتزع ظفره، ~~فكيف يكون إذا انتزعت روحه وحياته؟! ولا يدري إلا المحتضر نفسه ~~حقيقة هذا الألم، فما تستطيع أن تلمس غير آثار الاحتضار الظاهرة، ~~أما صداها في الروح ورجعها في الجسد، فسر الميت الذي ينطوي ~~عليه صدره، ويقبر معه في جدثه، وآخر ذكرياته عن آلام الدنيا في ~~أفظع حالاتها وأبشعها، ولو أنه أتيح لميت أن ينطق عن عذاب ~~احتضاره لما نعم إنسان بساعة صفو واحدة في الحياة، ولمات الناس ~~ذعرا قبل أن تدركهم النهاية. وطالما تمنى أن يسلكه الله في ~~زمرة المحظوظين، ممن يموتون بالسكتة القلبية. ما أسعدهم بين ~~الأحياء والأموات على السواء، إنهم ليموتون وهم يتكلمون أو ~~يأكلون، أو حين يقومون أو يقعدون، كأنهم يمكرون بالاحتضار ~~فيتحينون منه غفلة ثم ينسلون خفية إلى باب الأبدية! .. ولكنه ~~في شبه يأس من هذه الميتة السعيدة، وقد ضرب له أبوه - وجده من ~~قبل - مثل الميتة التي يشعر قلبه المتهافت الفزع بأنها ~~ستجري عليه؛ احتضار طويل يغشى نصف يوم ونزع شديد تشيب له ~~الولدان. من كان يصدق أن السيد سليم علوان - الرجل القوي ~~السعيد - سيمسي فريسة لهذه الأفكار والمخاوف؟ .. هكذا كان، ولم ~~يكن الاحتضار بفزعه الوحيد؛ فقد انجذبت أفكاره المحمومة نحو ~~ضجعة الموت نفسها، فأطال فيها التفكير والتفلسف على طريقته! ~~وصور له خياله وثقافته المتوارثة عن الأجيال، أن بعض شعوره ~~سيلازمه بعد الموت، أليس يقولون: إن عيني الميت تريان من ~~يحدقون به من الأهل؟ .. فحتم أن يرى الموت جهرة، وأن يشعر ~~بالنهاية الأبدية وهي تشمله، وأن ms178 تتصل حواسه بظلمة القبر ~~ووحشته وغربته وهياكله وعظامه وأكفانه، بل بضيقه واختناقه، وما ~~يحتمل أن يتردد في النفس من أشواق وحنين وحب للدنيا وأهلها! ~~.. تمثل ذلك كله بصدر منقبض، وقلب متشنج، وأطراف باردة، ~~وجبين يتفصد عرقا، ولم ينس ما وراء ذلك من بعث ونشور وحساب ~~وعذاب، أواه .. ما أبعد الشقة بين الموت والجنة! # لذلك تعلق بأهداب الحياة بقوة الخوف واليأس، على رغم أنها ~~حياة عاطلة من أسباب النعيم، فلم تترك له دورا يلعبه في مسرحها ~~إلا المراجعة وعقد الصفقات، ودأب عقب نقاهته على استشارة طبيبه، ~~فأكد له الطبيب شفاءه من الذبحة وآثارها، ولكنه نصحه بالحذر ~~والاعتدال. وشكا إليه عدة مرات ما يعاني من سهاد وهواجس، فأشار ~~عليه باستشارة أخصائي في الأعصاب، ومن ثم مضى يتردد بين ~~الأخصائيين في الأعصاب والقلب والصدر والرأس، وتفتح له باب المرض ~~عن عالم لا يقل عن عالمنا اتساع رقعة وازدحاما بالسكان ~~من الجراثيم والأعراض الخفية. ومن عجب أنه لم يكن يؤمن لا بالطب ~~ولا بالأطباء، ولكنه آمن بهما في اضطرابه، ولعل إيمانه هذا كان ~~من بين أعراض المرض الذي ألم بأعصابه! # في هذا الجحيم من الهواجس كادت تنحصر حياته، وفي أوقات عمله، ~~وأويقات السلام التي تصفو فيها نفسه وتنقى من نمش الهواجس، كان ~~كأنه يتفرغ لإفساد علاقاته بالمحيطين به من البشر، فهو إما في ~~حرب مع نفسه، وإما في حرب مع الناس. وأدرك عمال الوكالة من ~~بادئ الأمر أن سيدهم قد استحال شخصا شاذا ملعونا، فترك الوكيل ~~وظيفته بعد خدمة طويلة استمرت ربع قرن من حياته، وبقي من بقي ~~من العمال على مضض وتوجس واستكراه. وقال عنه أهل الزقاق: ~~إنه بين العقل والجنون، وقالت حسنية الفرانة بشماتة لم تحاول ~~إخفاءها: «إنها صينية الفريك، والعياذ بالله.» ويوما قال له عم ~~كامل عن قصد حسن ونية سليمة: هلا أمرتني يا سي السيد أن ~~أصنع لك صينية بسبوسة مخصوصة ترد عليك ثوب العافية بإذن الله! ~~ولكن السيد غضب غضبا شديدا وانفجر صائحا فيه: إليك عني أيها ~~الغراب، أجننت ms179 يا أعمى القلب والبصيرة؟! .. إن أمثالك فقط من ~~البهائم تبقى لهم أمعدتهم سليمة حتى الق... # ولم يعد بعدها عم كامل إلى التعرض له بخير أو بشر. # أما زوجه فباتت رمية سهلة لغضبه وسخطه، ولم يفتأ يلقي على ~~حسدها المزعوم له تبعة ما حصل له في جسمه وعقله، وكان ينتهرها ~~قائلا: لشد ما نقمت على صحتي وعافيتي، حتى تحطمت بين يديك، ~~فهنيئا لك الراحة يا أفعى! # واشتد به سوء الظن، حتى ~~ارتاب يوما أن يكون نما إليها عزمه على الزواج من حميدة؛ لأن ~~أمثال هذه الأمور تتصدى لها أعين كثيرة فتراها في خفية من ~~صاحبها، وتتطوع ألسنة كثيرة لإذاعتها وإيصالها لصاحب الشأن، ولم ~~يستبعد عند ذاك أن تكون المرأة قد انتقمت منه بأن عملت له «عملا» ~~هو الذي أودى بصحته وعقله! .. ولم يكن في حالة تسمح له بأن يزن ما ~~يعرض له من فكر بميزان العقل، ولا أن يسبرها بمسبار الحكمة، ~~فسرعان ما انقلبت الريبة يقينا. فتميز غيظا، وامتلأ حنقا، ~~وتوثب للانتقام .. اشتط في معاملتها، ودأب على سبها ونهرها؛ ~~ولكنها قابلت قسوته بالامتثال والصبر والأدب، فلم يجده شططه، ~~ولبث يتحرق إلى إثارتها، وإخراجها من التعوذ بالصمت والصبر إلى ~~الأخذ بأسباب التشكي والتذمر وذرف الدموع، فقال لها مرة ~~بجفاء وازدراء: لقد مللت عشرتك، ولا أخفي عنك أني شارع في ~~الزواج، وسوف أجرب حظي مرة أخرى .. وصدقته المرأة، فتصدع ~~بنيان رزانتها المتماسك، وفزعت إلى أبنائها، فباحت لهم بما تلقاه ~~على يديه من سوء القول والفعل، وهالهم الأمر، ودهمهم الخطب، ~~فأيقنوا أن أباهم ينزلق إلى مهوى وخيم العواقب، وزاروه واقترحوا ~~عليه - إبقاء على صحته - أن يصفي تجارته ويفرغ للراحة والعناية ~~بنفسه. وفطن الرجل إلى ما يساورهم من خوف غير جديد عليه؛ فغضب ~~غضبة هائجة، وعنفهم بفظاظة لا عهد لهم بها، وخاطبهم بحدة ~~قائلا: حياتي ملك لي أصرفها كيفما أشاء، وسأبقى عاملا ما راق ~~لي العمل فاعفوني من نصحكم المغرض. # وضحك متهكما، ثم استدرك وهو يقلب في وجوههم عينيه ~~الذابلتين: ألم تحدثكم أمكم عما اعتزمت ms180 من الزواج مرة أخرى؟ .. ~~هو الحق! لقد شرعت أمكم في قتلي، فسآوي إلى كنف امرأة جديدة ~~على شيء من الرحمة، وإذا تضاعف عددكم بهذا الزواج فثروتي كفيلة ~~بإشباع أطماعكم جميعا. # وأنذرهم بأنه سيقبض يده عنهم، وأن على كل منهم أن يعتمد في ~~حياته على موارده الخاصة .. قال بسخط وغضب: إني كما ترون لا ~~أكاد أذوق غير مر الدواء، فلا يصح أن يتمتع الآخرون ~~بمالي. # قال كبيرهم: كيف تخاطبنا بهذه اللهجة المرة ونحن أبناؤك ~~البررة؟ # فقال السيد ساخرا : بل أبناء أمكم. # ونفذ وعيده، فلم يعد يحمل شيء من طرفه إلى بيوت أبنائه، ~~وحرم مطبخ سراياه من الأنواع الفاخرة التي اشتهر بها، والتي ~~حرمت عليه هو بعد مرضه، ليشاركه الجميع - خصوصا زوجه - فيما ~~فرض عليه. ولهج بحديث الزواج المزعوم حين وجد السهم النافذ الذي ~~تحطمت دونه ما تدرع به زوجه من صبر وأناة. وتشاور أبناؤه ~~فيما بينهم، وقد ألفاهم الخطب قلبا واحدا في التوجع لأبيهم، ~~والإخلاص له في محنته، وقال كبيرهم: نتركه وشأنه حتى يقضي الله ~~أمرا كان مفعولا. # بيد أن المحامي قال بشيء من الحزم مستدركا: اللهم إلا إذا ~~شرع في الزواج حقا، فأشد ما نتخذه من احتياط أهون من أن ~~نتركه هملا بين أيدي الطامعين. ~~••• # وكان اختفاء حميدة حدثا فظيعا في حياته. ومع أنه لم يعد إلى ~~ذكرها - منذ مرضه - فتخلفت عن تيار شعوره، إلا أن خبر اختفائها ~~أثار اهتمامه وجزعه، فتتبع بقلق بحث الباحثين عنها. ولما ~~تناهى إليه ما تهامس به اللاغطون من أنها فرت مع رجل مجهول، ~~انزعج انزعاجا شديدا، وثار غضبه ذلك اليوم، فلم يجرؤ أحد على ~~الدنو منه، فرجع مع المغيب إلى بيته مهدم الأعصاب، وأصابه ~~صداع شديد أرقه حتى مطلع الفجر. وحنق على الفتاة الهاربة حنقا ~~كبيرا، وتآكل قلبه حقدا وغضبا، وتمنى أن يراها يوما ~~متدلية من مشنقة، مندلقة اللسان، جاحظة العينين. ولما علم ~~بعودة عباس الحلو من التل الكبير سكن روعه لغير ما سبب واضح، ~~ودفعته رغبة لا تقاوم إلى استدعاء الشاب، وقربه ولاطفه ms181 في ~~الحديث وساءله عن أحوال معيشته، متجنبا ذكر الفتاة، فسر ~~الشاب بعطفه، وشكر له حدبه، وأقبل على الحديث في استفاضة من ~~استنام إلى لطفه، والسيد يسترق إليه النظر من عينيه الغائرتين ~~.. وفي الأيام الأولى التي أعقبت فرار حميدة وقع حادث، ربما كان ~~في ذاته تافها، ولكنه مما يؤرخ به في زقاق المدق .. كان السيد ~~سليم علوان متجها نحو الوكالة في ضحوة من النهار، فالتقى ~~بالشيخ درويش ذاهبا لبعض شأنه، وكان السيد - في عهده الأول - من ~~محبي الشيخ درويش، وكثيرا ما تعاهده بالبر والإحسان والهدايا، ~~ولكنه أغفله في مرضه وأهمله، وكأنه لم يعد يشعر له بوجود. ولما ~~التقيا على كثب من باب الوكالة هتف الشيخ درويش وكأنه يخاطب ~~نفسه: اختفت حميدة. # فبهت السيد، وظنه يعنيه بقوله، فما تمالك أن صاح به: ما لي ~~أنا ولهذا؟! # ولكن الشيخ درويش واصل خطابه قائلا: ولم تختف فحسب، ولكنها ~~هربت، ولم تهرب فحسب؛ ولكنها هربت مع رجل؛ ويسمون ذلك في ~~الإنجليزية # Elopement # وتهجيتها: # E... # وقبل أن يتم الرجل تهجية ~~الكلمة انفجر السيد صارخا: إنه ليوم شؤم إذ أصبحت على وجهك يا ~~مجنون، اغرب عن وجهي، عليك لعنة الله. # وجمد الشيخ في مكانه، تسمر في الأرض، ولاحت في عينيه نظرة ~~طفل مذعور إذا لوح له شخص بعصا مهددا، ثم أعول باكيا، ~~ومضى السيد لطيته، ولبث الشيخ درويش بموقفه باكيا، وعلا صوته ~~فصار أشبه بالصراخ، حتى أهاب نواحه بالمعلم كرشة وعم كامل ~~والحلاق العجوز، فهرعوا إليه متسائلين، وقادوه إلى القهوة، ~~وأجلسوه على أريكته وهم يطيبون خاطره ويسكنون روعه. وطلب له ~~المعلم كرشة قدحا من الماء، وربت عم كامل على كتفه قائلا ~~بتوجع: وحد الله يا شيخ درويش، اللهم اكفنا السوء .. بكاء ~~الشيخ نذير غير محمود العواقب .. اللهم لطفك! # ولكن الشيخ ازداد بكاء وعويلا، فاضطربت أنفاسه، وارتجفت ~~أوصاله، وأطبقت شفتاه في توتر وتشنج، وراح يشد ربطة رقبته ~~بعنف، ويضرب الأرض بقبقابه. وفتحت نوافذ الدور، وأطلت الرءوس ~~في دهشة وانزعاج، وجاءت حسنية الفرانة، وشق النحيب طريقه إلى ~~مسمعي السيد ms182 سليم علوان في الوكالة، فأنصت إليه غاضبا حانقا، ~~وظل ينصت إليه هائجا، وجعل يتساءل: متى يمسك عن العويل؟ .. ~~وعبثا حاول أن يغيب بانتباهه عنه، فكأنه كان يلح في مطاردته ~~والتضييق عليه، حتى خيل إليه أن الدنيا جميعا تبكي وتنوح. وسكت ~~غضبه وسكن هياجه، ولكن ما طفق البكاء يرعش أوتار قلبه فترن في ~~إشفاق وألم. ليته شكم غضبه ولم ينتهر الشيخ الولي! .. لتيه لم ~~يصادفه في طريقه! وما كان ضره لو أغضى عنه ومر به مر ~~الكرام! وتأوه نادما، ومضى يقول: إن الإنسان في مثل حالته من ~~المرض حري بأن يزدلف إلى الله، لا أن يغضب وليا من أوليائه. ~~وطوى كبرياءه، ونهض قائما، وغادر الوكالة متوجها إلى قهوة ~~كرشة، وقصد الشيخ الباكي غير عابئ بالأنظار التي سددت نحوه ~~في دهشة، ووضع يده على منكبه برفق، وقال بلهجة تنم عن الاعتذار ~~والأسف: يا شيخ درويش .. سامحني. # 30 # كان عباس الحلو يجلس مختبئا في شقة عم كامل حين دق الباب ~~بعنف، فنهض إليه وفتحه، فرأى حسين كرشة مرتديا القميص ~~والبنطلون، تبرق عيناه الصغيرتان كعادته، ثم بادره قائلا: كيف لم ~~تقابلني وهذا ثاني يوم لك في المدق؟! .. كيف حالك؟ فمد له الحلو ~~يده مبتسما ابتسامة باهتة وقال: كيف أنت يا حسين؟ .. لا ~~تؤاخذني .. فمتعب أخوك، لا ناس ولا مهمل، هلم نسر ~~معا. # وخرجا معا. وكان عباس الحلو قد قضى ليلته مسهدا، وقطع النهار ~~متفكرا، فسار مصدع الرأس، مثقل الجفون، لم يكد يبقى من ثورة ~~الأمس أثر، سكت الغضب الجنوني، وبرد الهياج الحامي، وتلاشت خواطر ~~الانتقام الدموي، على حين رسب في قرارة نفسه حزن عميق ويأس ~~مدلهم، وبمعنى آخر تخلصت نفسه مما لا تطيقه من ألوان ~~الانفعال، مسلمة بكليتها للحزن واليأس. وقال له حسين ~~متسائلا: أما علمت بأني كنت هجرت بيتنا عقب سفرك ~~مباشرة؟ ~~- حقا؟ ~~- وتزوجت، وأخذت بأسباب حياة رائعة. # فقال الحلو وهو يكسب صوته شيئا من الاهتمام الذي لا يجده: ~~حمدا لله .. مبارك .. عال .. عال. # وكانا بلغا الغورية، فضرب حسين الأرض بقدمه وصاح بحدة: ms183 بل ~~زفت وهباب! .. استغنوا عني فعدت إلى الزقاق على رغمي، وأنت، ~~هل استغنوا عنك أيضا؟ # فأجابه الشاب بفتور: كلا .. ولكني منحت إجازة قصيرة. # فأكلت الغيرة قلبه، وضحك ضحكة باردة ثم قال: أنا الذي دفعتك ~~إلى العمل دفعا وأنت تمانع، وها أنت ذا تنعم به؛ على حين أتسكع ~~أنا متعطلا. # وكان عباس من أدرى الناس بما تنطوي عليه طبيعة صاحبه من غل ~~وشر، فقال بانكسار: نهايتنا قريبة على أية حال، هذا ما يؤكدونه ~~لنا. # فارتاح حسين قليلا، ثم استدرك يقول بصوت أسيف: كيف انتهت الحرب ~~بهذه السرعة؟! من كان يصدق هذا؟! # فهز الحلو رأسه دون أن ينبس بكلمة. سيان عنده أن تستمر الحرب ~~أو تنتهي، وأن يبقى في عمله أو يفصل منه، إنه لا يبالي شيئا ~~على الإطلاق. وكاد يضجره حديث صاحبه، إلا أنه ألفاه أخف من ~~الوحدة والفكر، ومن ناحية أخرى تحمله - كما اعتاد أن يتحمله - ~~دفعا لشره. واستطرد حسين قائلا: كيف انتهت بهذه السرعة؟! .. ~~كان الأمر معقودا بهتلر أن يطيلها إلى ما لا نهاية، ولكن أنهاها ~~حظنا الأسود. ~~- صدقت. # فصاح حسين بشدة: نحن تعساء .. بلد تعيس وأناس تعساء .. أليس من ~~المحزن ألا نذوق شيئا من السعادة إلا إذا تطاحن العالم كله في ~~حرب دامية؟! فلا يرحمنا في هذه الدنيا إلا الشيطان! # وأمسك قليلا وهما يشقان طريقا بين سابلة السكة الجديدة، وقد ~~أخذ ستار الظلام في الانتشار، ثم قال متنهدا في حسرة: لشد ما ~~تمنيت أن أكون جنديا محاربا! تصور حياة جندي باسل، يخوض ~~غمار الحرب، وينتقل من نصر إلى نصر، يركب الطيارات والدبابات، ~~يهاجم ويقتل ويسبي النساء الفارات، ويبذل له المال عن سخاء، ~~فيسكر ويعربد فوق القانون. هذه هي الحياة. ألا تتمنى أن تكون ~~جنديا؟ # الحق أن ركبتيه كانتا تتخلخلان إذا سمع صفارة الإنذار، وكان ~~من رواد المخبأ المواظبين، فكيف يتمنى أن يكون جنديا من ~~المحاربين؟ بيد أنه تمنى صادقا لو كان خلق جنديا فظا ~~متعطشا للدماء، فيسهل عليه الانتقام ممن آذوه وبددوا حلمه في ~~السعادة والحياة الرغيدة! وقال ms184 بلهجته الفاترة: من لا يتمنى ~~ذلك؟! # وانتبه إلى الطريق، ~~فازدحمت برأسه الخواطر، رباه .. كيف للزمان أن يمحو ذكريات هذا ~~الطريق من صدره؟! إن أرضه لا تزال تحمل آثار قدميها ~~اللطيفتين، وإن هواءه لا يبرح معبقا بأنفاسها المحبوبة، وكأنه ~~يراها رؤية العين وهي تخطر بقوامها المعتدل الممشوق، أنى له أن ~~يطمع في نسيان هذا كله؟! وقطب متغيظا على نفسه لجودها بهذا ~~الحنان لغير أهله، وأطبق فمه فلاح وجهه صارما قاسيا، وعاودته ~~لفحة من ثورة الأمس؛ ينبغي أن ينبذ من ينبذه، وأن يطرح من يخونه، ~~وألا يحرق أضلعه حزنا - ولا حتى غضبا - على من يرقد ناعما ~~بين أحضان غريم له. تبا للقلب من صاحب خئون، دسيسة على الروح ~~والجسم، يحب من لا يحبهما، ويحرص على من يفرط فيهما، ~~فيسيم صاحبه الخسف والهوان. واستيقظ عند ذاك على صوت حسين الصاخب ~~وهو يلكزه هاتفا: حارة اليهود. # وأوقفه بيده عن السير ~~متسائلا: ألا تعرف حانة فيتا؟ .. ألم تدمن الخمر في التل ~~الكبير؟ # فأجابه عباس قائلا باقتضاب: كلا. ~~- كيف عاشرت الإنجليز ولم تشرب الخمر؟ يا لك من خروف تعس .. ~~الخمر شراب منعش ومفيد للمخ، تعال. # وتأبط ذراعه ومال به إلى ~~حارة اليهود، وكانت فيتا تقع على بعد يسير من مدخلها؛ على جانبها ~~الأيسر، وهي أشبه بدكان متوسطة، مربعة الشكل، تمتد في جانبها ~~الأيمن طاولة ذات سطح رخامي ينهض وراءها الخواجا فيتا، وقد ثبت في ~~الجدار خلفه رف طويل صفت عليه الزجاجات، وقامت في نهايته من ~~الداخل براميل ضخمة، وعلى سطح الطاولة وضعت جفان الترمس والأقداح، ~~ازدحم حولها الشاربون من أهل البلد؛ حوذية وعمال وآخرون حفاة ~~ونصف عراة كالشحاذين إن كان الشحاذون يسكرون. وبقي من الحانة ~~غير ذلك موضع اتسع لبعض المناضد الخشبية. فجلس إليها أعيان ~~السوقة والعاجزون عن الوقوف لكبر أو لسكر شديد. ورأى حسين ~~مائدة شاغرة في نهاية الحانة فقاد صاحبه إليها، وجلسا حولها، ~~وقلب عباس عينيه في المكان الصاخب المدوي في صمت وقلق، حتى ~~استقرتا على غلام في الرابعة عشرة قصير مفرط في البدانة، ms185 ~~مطين الوجه والجلباب، حافي القدمين، يزحم الشاربين ويكرع من ~~قدح مترع، ويتمايل رأسه سكرا، فاتسعت عيناه دهشة ولفت حسين ~~إليه، ولكن هذا لوى بوزه استهانة وقال بسخرية: هذا عوكل بائع ~~الجرائد، يبيع الجرائد في النهار ويسكر في الليل، غلام ولكن ~~قل في الرجال مثله، أرأيت يا غشيم؟! # ومال برأسه نحوه قليلا وقال: كأس النبيذ بقرش ونصف لذة ~~للمتعطلين أمثالي. منذ شهر كنت أشرب الوسكي في بار فنش ولكنها ~~الدنيا القلب، معلهش يا زهر! # وطلب كأسين، فجاء بهما الخواجا ووضعهما على المائدة ومعهما طبق ~~ترمس. ونظر عباس إلى كأسه بقلق وقال مشفقا من لسان صاحبه إشفاقه ~~من الإقدام على التجربة الجديدة: يقولون إنها مؤذية! # فقبض حسين على قدحه وهو يقول بسخرية: تخاف على نفسك؟! خلها ~~تقتلك .. في داهية يا سيدي، لا أنت في الزيادة ولا في النقصان، ~~صحتك. # وقرع كأسه بكأسه، ثم أفرغه في جوفه بغير مبالاة، ورفع عباس كأسه ~~وكرع منه كرعة، ثم أبعده عن فيه متقززا، وقد شعر كأن لسانا ~~من لهب اندلع في حلقه، فتقبض وجهه وكأنه لعبة من المطاط ضغطته ~~أصابع طفل، وقال متأففا: فظيع .. مر .. حامي. # فتضاحك حسين ساخرا، شاعرا بزهو واستعلاء وقال بازدراء: ~~تشجع يا طفل، الحياة أمر من هذا الشراب، وأوخم عاقبة. # ورفع كأسه ووضع حافته بين شفتيه وهو يقول: «اشرب حتى لا يندلق ~~على قميصك.» فتجرعه الآخر حتى الثمالة. ونفخ متقززا، ثم ~~أحس حرارة في بطنه، سرت بسرعة عجيبة ناشرة وهجها في جوفه، ~~فشغل بالانتباه إليها عن تقززه، وتتبع أثرها وهو يندفع مع ~~دمه، ويجري في عروقه، حتى إذا بلغ رأسه خفت وطأة الدنيا عليه ~~قليلا، وقال حسين بسخرية: اكتف اليوم بكأسين ولا ~~تزد. # وطلب كأسا أخرى لنفسه وراح يقول: أقيم الآن مع أبي ومع زوجي ~~وشقيقها، ولكن نسيبي وجد عملا في الترسانة وسيفارقنا اليوم أو ~~غدا. ويقترح أبي علي أن أشرف على القهوة نظير ثلاثة جنيهات في ~~الشهر، وبمعنى آخر أشتغل من الفجر حتى نصف الليل بثلاثة جنيهات! ~~.. ولكن ماذا تقول لحشاش ms186 مجنون؟! .. وهكذا ترى أن الدنيا ~~تناصبني العداء، وتستفز غضبي ومقتي، وليس عندي إلا جواب واحد: ~~فإما الحياة التي طابت لنا، وإما حرقنا الدنيا ومن ~~عليها. # فسأله عباس، وكان أخذ يستشعر راحة وجدها عجيبة لذيذة بالنسبة ~~لما تعناه طوال يومه من هم وفكر: ألم توفر مالا؟ # فقال حسين بحدة وسخط: ولا مليما! كنت أسكن شقة نظيفة ~~بالوايلية، فيها الكهرباء والماء، وكان عندي خادم صغيرة تقول لي ~~بكل احترام: «يا سيدي.» وكنت أرتاد السينما والفرقة القومية، ربحت ~~كثيرا، وضيعت كثيرا، وهذه هي الحياة! إن أعمارنا ذاهبة ~~فلماذا تبقى النقود؟ بيد أن النقود ينبغي أن تساير العمر حتى ~~نهايته، وإلا فالويل لمصر إذا لم تساير النقود الأعمار. ليس لدي ~~الآن إلا قليل من الجنيهات غير حلي زوجي. # وصفق طالبا كأسا ثالثة، ثم قال بإشفاق: والأدهى من ذلك أن زوجي ~~تقيأت في الأسبوع الماضي. # فقال عباس متظاهرا بالاهتمام: لا بأس عليها. ~~- لا بأس ولا زفت، هذه أمارات الحبل، كما تقول أمي، وكأن ~~الجنين غثت نفسه تقززا من الحياة التي تنتظره فأعدى ~~أمه. # ولم يطق عباس أن يتابعه بالإصغاء لسرعته ولهوجته، ولم يعد ~~يهتم بذلك، وانتابته كآبة فجائية بعد أن نعم ساعة بالراحة، ~~ولاحظ الآخر شروده وسهومه فقال باستياء: ما لك؟ .. إنك لا تصغي ~~إلي. # فقال عباس بصوت حزين: اطلب لي كأسا أخرى. # وحقق حسين مشيئته بسرور، ورنا إليه بنظر مريب، ثم قال: أنت ~~متكدر، وأنا أعلم بسبب كدرك. # فخفق فؤاد الشاب وقال بعجلة: لا شيء مطلقا، هات ما عندك، إني ~~مصغ إليك. # ولكنه لم يباله وقال بلهجة لم تخل من احتقار: حميدة. # فاشتد وجيب قلبه، وكأنه تجرع كأسا ثالثة، فهاج دمه وسرى ~~إليه الوجد والحزن والغضب، فقال بصوت متهدج: أجل حميدة، هربت، ~~خطفها رجل، عار وشقاء! ~~- لا تحزن كثيرا كالحمقى، وهل طابت حياة من لم تفر عنهم ~~نساؤهم؟! # وتناهى الانفعال بالشاب فقال بغير وعي: ترى ماذا تفعل ~~الآن؟! # فضحك حسين ساخرا وأجابه: تفعل ما عسى أن تفعله أية امرأة فرت ~~مع رجل. ~~- أنت تهزأ ms187 بألمي. ~~- ألمك سخيف، خبرني متى علمت بفرارها؟ .. مساء الأمس! .. ~~كان ينبغي أن تكون نسيتها الآن. # وهنا أحدث عوكل - الغلام الشريب بائع الجرائد - حركة لفتت ~~إليه أنظار الجلوس، وكان استوفى شربه ومضى ثملا مترنحا، حتى ~~إذا بلغ عتبة الحانة نظر فيما حوله بعينين زائغتين ورأسه يميل ~~إلى الوراء في عظمة وسلطنة، وصاح بلسان ملتو: أنا عوكل شاطر ~~الشطار وسيد الرجال، أسكر وأنبسط، وها أنا ذاهب إلى عشيقتي، ~~فهل لأحد منكم اعتراض؟ .. أهرام، مصري، البعكوكة. # واختفى الغلام تاركا وراءه عاصفة من الضحك ، أما حسين كرشة فقد ~~عبس غاضبا، ولاح الشر في عينيه، وبصق بصقة طارت إلى الموضع ~~الذي كان به الغلام، وأخذ يسب ويلعن. كانت أقل إثارة من ~~تحد - وهو على سبيل المزاح - كافية لإشعال غضبه وإهاجة روح ~~الاعتداء الكامنة فيه، ولو كان الغلام بمتناول يده للكمه أو ~~ركله أو أخذ بتلابيبه. والتفت إلى عباس - وكان يتجرع كأسه الثانية ~~- وقال بحدة وكأنه نسي ما كانا آخذين فيه من أسباب الحديث: ~~هذه حياة وليست لعبة خشبية، يجب أن نعيش .. ألا تفهم؟ # ولم ينتبه عباس إليه، كان يخاطب نفسه قائلا: «لن تعود حميدة، ~~اختفت من حياتي إلى الأبد، وماذا تجدي عودتها؟ ولكن سأبصق على ~~وجهها إذا التقيت بها يوما، هذا أشد من القتل .. أما ذاك ~~الأفندي فالويل له مني، سأدق عنقه.» # واستدرك حسين قائلا: هجرت المدق فأعادني الشيطان إليه، سأضرم ~~به النار، هذه خير وسيلة للتحرر منه. # فقال عباس بأسى: زقاقنا لطيف، وما طمعت يوما في أكثر من حياة ~~طيبة فيه. ~~- إنك خروف! وحلال أن تنحر في عيد الأضحى. علام تبكي؟ إنك ~~عامل وفي جيبك نقود، ولتجمعن غدا بتقتيرك مالا وفيرا، فماذا ~~تشكو؟ # فقال عباس بلهجة تشف عن الاستياء: إنك أكثر مني شكوى، وعمرك ~~ما حمدت الله. # فحدجه الشاب بنظرة قاسية أثابته إلى رشده وجعلته يستدرك ~~قائلا بلين: لا عليك من هذا، لكم دينكم ولي دين. # فقهقه حسين بصوت ارتجت له الحانة، وقال وقد أخذت الخمرة تلعب ~~برأسه: خير لي أن أشتغل خمارا من ms188 أن أشتغل مكان أبي في القهوة، ~~الربح هنا موفور، وفضلا عن هذا فالخمر مبذولة للخمار بغير ~~حساب. # فابتسم عباس ابتسامة فاترة وقد بات أشد حذرا في مخاطبة صاحبه ~~الديناميتي، وكان دبيب الخمر يسري في أعصابه، ولكنه بدل أن ينسى ~~شجوه تركزت خواطره فيه. وصاح حسين مرة أخرى: فكرة رائعة! .. ~~سأتجنس بالجنسية الإنجليزية، في بلاد الإنجليز الكل سواسية، لا ~~فرق بين الباشا وابن الزبال، فلا يبعد أن يصير ابن القهوجي رئيس ~~وزارة. # وانبعثت نشوة مباغتة في دم الحلو، فقال بحماس: فكرة طيبة! .. ~~سأتجنس أيضا بالجنسية الإنجليزية. # ولكن حسين لوى شفتيه ازدراء وقال بسخرية: مستحيل، أنت خرع، ~~فالأنسب أن تتخذ الجنسية الإيطالية، ومهما يكن من أمر فسنسافر ~~على سفينة واحدة .. قم بنا. # ونهضا واقفين، وأديا حسابهما، وغادرا الحانة والحلو يتساءل: ~~أين نذهب الآن؟ # 31 # لعل الساعة الوحيدة التي داومت عليها من حياتها الغابرة هي ~~انطلاقها إلى الخارج في الأصيل من كل يوم. ولكنها الآن تطيل ~~الوقوف أمام المرآة المصقولة، أصلها ثابت في الحوض الذهبي، ~~وفرعها سامق في سماء الغرفة. وكانت قد فرغت من ارتداء ملابسها ~~وأخذت زينتها، فبدت امرأة جديدة كأنما ولدت في أحضان النضارة، ~~ونمت وترعرعت في مطارف الجاه والنعيم؛ على الرأس عمامة بيضاء ~~مرتفعة في تقوس كالخوذة، عقص تحتها شعرها المدهون العبق، ~~الخدان والشفتان مصبوغتان بالحمرة على خلاف بقية الوجه خلا من ~~الأصباغ، بعد تجربة طويلة دلت على أن بشرتها البرنزية أفتن ~~للجنود الحلفاء وأحب إليهم، الأشفار مكحلة والأهداب مدهونة ~~مفصلة تهدف إلى عل أطرافها الحريرية، وعلى الجفون ظلال بنفسج ~~مقطرة من نسائم الفجر، هلالان مزججان خطتهما يد ماهرة مكان ~~الحاجبين، سلسلتان من البلاتين ذات نبقتين من اللؤلؤ تتدليان ~~من الأذنين، غير ساعة ذهبية في معصمها وهلال منغرس في مقدم ~~العمامة .. فستان أبيض يشف أعلاه عن قميص وردي وتنضح حاشيته ~~بسمرة فخذيها، جورب رمادي من الحرير الخالص لبسته لا لشيء إلا ~~غلو ثمنه، وقد تطاير شذا عبق من تحت إبطيها وراحتيها وعنقها. ~~فلشد ما تغير كل شيء! ~~••• # ولقد اختارت سبيلها ms189 من بادئ الأمر بمحض إرادتها، وبعد تجربة ~~وعناء، تكشف لها أفقه عن أفراح وضاءة وخيبة مريرة، فوقفت ~~على قمة الامتحان تردد عينيها بين اليمين والشمال ~~متلهفة. # علمت من أول يوم ما يراد بها، فثارت غاضبة هائجة، لا لتكسر ~~إرادة عشيقها الحديدية، ولكن استسلاما لداعي عجرفتها وإشباعا ~~لغريزتها المتعطشة للعراك، ثم أذعنت بعد ذلك وكأنها تذعن بمحض ~~مشيئتها. وأدركت بوضوح وبفضل بلاغة فرج إبراهيم أنها لكي تتمرغ ~~في التبر ينبغي أن تتمرغ في التراب، فلم تبال شيئا، وفتحت ~~صدرها للحياة الجديدة بحماس وسرور وهمة، حتى صدق عليها ~~عشيقها يوم وصلها بالتاكس إلى حيها من أنها «عاهرة ~~بالفطرة!» وتجلت مواهبها فبرعت في فترة قصيرة في أصول الزينة ~~والتبرج، وإن سخروا أول الأمر من سوء ذوقها، فكانت سريعة ~~التعلم محسنة للتقليد، ولكنها سيئة الاختيار لألوان ثيابها ~~وفي ميلها إلى الحلي تبذل ملموس. ولو كان ترك الأمر على ما ~~تشتهي وتحب لتبدت وكأنها «عالمة» في زواقها الفاقع وحليها ~~التي تكاد تغطي جسمها. وفيما عدا ذلك فقد تعلمت الرقص بنوعيه، ~~ودلت على مهارة في تعلم المبادئ الجنسية للغة الإنجليزية. ولم ~~يكن النجاح الذي جاءها يجر أذياله بمستغرب، فتهافت عليها ~~الجنود وتساقطت عليها أوراق النقود، وانتظمت في سلك الدعارة لؤلؤة ~~منعدمة النظير. وبدا لها أنها فازت بكل شيء، وأنها لم تخسر ~~شيئا، فلم تكن في عهدها الأول بالساذجة فتأسى للخدعة التي أطاحت ~~بها، ولم تكن بالفتاة الطيبة فتذهب نفسها حسرات على ما فقد من ~~أمل في الحياة الطيبة، ولم تكن بالفاضلة حقا فتبكي على شرفها ~~المثلوم، ولم تشدها إلى ذلك الماضي ذكرى حسنة يهفو إليها ~~الفؤاد، فانغمرت في حاضرها المحبوب لا تلوي على شيء. وعلى العكس من ~~ذلك كانت غالبية الفتيات اللاتي يضطربن في مضمارها؛ فمنهن جماعة ~~يتطاحن في قلوبهن الأسى والطمع والشقاء واليأس، ومنهن بائسات ~~يشقين ليقمن أود أسرات جائعات، ومنهن تعيسات يخفين تحت ~~شفاههن المصبوغة قلوبا دامية، ونفوسا حنانة إلى الحياة ~~الفاضلة؛ أما هي فقد طابت بحياتها نفسا، وأذكت عيناها الفاتنتان ~~ضياء الزهو والحرية ms190 والرضا والفرح، ألم تتحقق أحلامها؟! بلى، ~~والثياب والحلي والذهب والرجال المتهافتون آيات على ذلك، ناهيك ~~بهذه السطوة السحرية التي دان لها المعجبون .. أفمن الغريب بعد ~~ذلك أن يلوح المدق كما يلوح السجن للآبق الطليق؟ ولقد ذكرت ~~يوما كيف أسفت فيما مضى على رغبة عشيقها عن الزواج منها، ~~وتساءلت: أكانت تفضل حقا أن تتزوجه؟ وجاءها الجواب بالنفي بلا ~~تردد. ولو تحقق ذاك الزواج لكانت الآن قابعة في بيت، دائبة على ~~القيام بدور الزوجة والخادم والأم، وغير ذلك من الواجبات التي تدري ~~الآن عن تجربة ويقين أنها لم تخلق لها. فلله ما أبرعه وما ~~أفطنه وما أبعد نظره! ومع ذلك أقول حذار! .. إياك أن تتصورها ~~امرأة شهوانية، تستحوذ عليها شهوة طاغية! هي أبعد ما تكون عن ذلك! ~~والحق أن شذوذها لا يكمن في قوة شهوتها. لم تكن من هذه الطائفة ~~من النساء اللاتي تستأسرهن الشهوة وتستذلهن فيجدن بكل ~~غال في سبيل إرضائها، كانت تتلهف بروحها وجسمها على الظهور ~~والسطوة والعراك، وكانت - حتى بين ذراعي الرجل الذي محضته ~~الحب - تتلمس أنامل الحب خلال اللكمات والصفعات، وقد باتت ~~شاعرة بهذا الشذوذ في عواطفها، أو هذا النقص في طبيعتها، وكان ذلك ~~من دواعي تماديها واستهتارها، بيد أنه كان ذلك من أسباب تعلقها ~~بعشيقها، وعن هذا التعلق نجمت الخيبة المريرة التي منيت ~~بها. ~~••• # كانت تجتر خواطر هذه الخيبة وهي ماثلة أمام المرآة تأخذ ~~زينتها، ثم طرق أذنيها وقع خطاه - ذلك الرجل - رأت صورته في ~~المرآة وهو يقتحم عليها الغرفة بوجه جامد رزين كأنه لم يكن ذاك ~~العاشق الولهان، فتحجر بصرها وتشنج قلبها. لم يعد الرجل الذي ~~عرفته من قبل، وهذه هي الخيبة المريرة، ولو طال به العهد لربما ~~هان الخطب بعض الشيء، ولكنه دهمها في نشوة الأيام الأولى، فلم تنعم ~~بحبه خالصا في لذة وسعادة وحلم وخيال وهناء وأمل، إلا زهاء ~~عشرة أيام! ثم غلب المدرب فيه على العاشق، ومضى يتكشف رويدا ~~عن التاجر، ذلك الرجل القاسي الفظ الذي يتجر بالأعراض. والواقع ~~أن قلبه لم يعرف ms191 الحب قط، ولعله من الغريب أن تقوم حياته على ~~هذه العاطفة التي لم تحرك فؤاده أبدا. وكانت طريقته إذا أوقع ~~فريسة في شباكه أن يمثل معها دور العاشق - وهو ما أتقنه بطول ~~الممارسة وأسعفته عليه فحولته - حتى إذا استنامت إليه تمتع بها ~~فترة قصيرة، ومن ثم يطمئن إلى سيطرته عليها بما يبعثه فيها من ~~تعلق به وما يكبلها به من قيود مالية، ثم بما يتهددها عادة ~~من رقابة القانون! .. فإذا تم له سعيه بدا على حقيقته، وتمخض ~~العاشق عن تاجر الأعراض . ولقد عزت حميدة فتور عاطفته إلى الجو ~~المشبع بأنفاس النساء الذي يعيش فيه، فانقلبت ولا هم لها إلا ~~الاستئثار به، وصار همها هذا شغلها الشاغل الذي نغص عليها ~~صفوها، فباتت فريسة للحب والغيرة والغضب. واستحوذت عليها هذه ~~المشاعر جميعا وهي تنظر إلى صورته التي تطالعها على صفحة ~~المرآة، فتحجر بصرها وتوثبت إرادتها وتوترت أعصابها. أما هو ~~فقال بلهجة سريعة متظاهرا بالعجلة: أنتهيت يا عزيزتي؟ # ولكنها لم تعبأ به، وتعمدت ألا تجيبه استكراها لما يبدي من ~~ملاحظات عن «العمل»، وتذكرت بحسرة عهدا لم يكن يحدثها إلا عن ~~الحب والإعجاب؛ الآن لا تنفرج شفتاه إلا عن العمل أو الربح! .. ~~والآن لا تستطيع عنه فكاكا بحكم هذا العمل، وبطغيان عواطفها ~~نفسها. وإن الغضب ليملأ صدرها، ولكن ماذا يجدي هذا الغضب؟! .. لقد ~~فقدت حريتها التي استباحت في سبيلها كل منكر. وإنها ليداخلها ~~شعور بالقوة والسيادة ما دامت في الطريق أو الحانة. حتى إذا رأته ~~أو ذكرته حل محل هذا الشعور الباهر إحساس بالأسر والذل. ولو ~~اطمأنت إلى قلبه لهان كل عسير، فذل الحب في أعماقه ظفر، أما ~~والحال غير ذلك فما تدري إلا الجنون مهربا من حيرتها، وكان فرج ~~إبراهيم يعلم بما يختلج في صدرها، ولكنه كان يريدها على أن تعتاد ~~جفوته لتحسن التسليم بالقطيعة المرتقبة. ولو كانت امرأة أخرى ~~لهان عليه هجرها بغير عناء، ولكنه آثر أن يجرعها كأس القنوط ~~نقطة فنقطة، واستوصى بالصبر والأناة شهرا طويلا، حتى بات ~~متأهبا للضربة الحاسمة، ms192 قال بلهجته العارية عن العاطفة: هيا يا ~~عزيزتي فالوقت من ذهب. # فصرفت وجهها إليه بعنف وقالت بحدة: هلا أقلعت عن هذه ~~العبارات السمجة؟! ~~- هلا أقلعت أنت يا عزيزتي عن الإجابات الجافة؟! # فتهدج صوتها غضبا وهي تقول: أهكذا يحلو لك أن تخاطبني ~~الآن؟! # فتظاهر بالملل وقال: أوه .. أنعود مرة أخرى إلى هذا الحديث ~~الممجوج؟! «تخاطبني بهذه اللهجة» .. «أنت لا تحبني» .. «لو كنت ~~تحبني لما اعتبرتني مجرد سلعة!» .. ما جدوى هذا الكلام؟ .. ألا ~~أكون عاشقا إلا إذا رددت صباح مساء «أنا عاشق»؟ .. ألا أكون ~~محبا إلا إذا بادرتك كلما التقينا «أحبك»؟ .. ألا يكون حب إلا ~~إذا شغلنا بحديث الحب عن عملنا وواجباتنا؟ .. أحب أن يكون عقلك ~~كبيرا كغضبك، وأن تكرسي حياتك - كما أكرس حياتي - لعملنا ~~العظيم، وأن تجعليه فوق الحب نفسه وفوق كل شيء. # وأصغت إليه بوجه مصفر من الغضب. هذا كلام بارد فاتر، هذه ~~مراوغة لا أثر فيها لعاطفة، ولقد بلت مثل هذا الكلام من قبل، ~~وكادت تألفه مذ آنست منه الفتور. وإنها لتذكر كيف بدأ الماكر ~~بنقدها متعمدا، فكان يفحص يديها بعناية، ويحثها على المزيد ~~من الاهتمام بهما قائلا: «أطيلي أظافرك واصبغيها بالمنيكور .. ~~يداك نقطة ضعف في جمالك!» وقال لها مرة أخرى متشفيا وقد طال ~~بينهما الجدل: «حذار، هذه نقطة ضعف أخرى ما فطنت لها من قبل، صوتك ~~يا عزيزتي .. ازعقي إذا شئت من الفم لا من الحنجرة، فهذا صوت خشن ~~فظ، ولو أهملناه بلا تهذيب وترهيف فظع، ولعله أن يذكر ~~السامع بالمدق ولو كنت في عماد الدين!» هكذا تكلم الفاجر! .. ~~لشد ما آلمها قوله وأذل قلبها الفخور. وظل يصطنع معها ~~المراوغة والملاينة كلما طرقت حديث الحب، ولكنه بكرور الأيام ~~أسقط من تمثيله حتى هذه الملاينة الكاذبة، وربما قال لها في ~~ملل: «الحب لعب ونحن جادون!» أو قال بغير مبالاة: «هلمي إلى ~~العمل .. الحب كلام فارغ.» تبا له، لشد ما ملأ وعاء خيالها ~~بالذكريات الأليمة! وقد حدجته بنظرة قاسية وقالت بحدة: كلامك ~~هذا لا يجوز علي، لماذا تذكرني دائما بالعمل؟ ms193 ألاهية عنه ~~أنا؟! إنك لتعلم أني أفوق الأخريات وأبرع عليهن، وإنك لتربح ~~من كدي أضعاف ما تربح من كثيرات مجتمعات، فاهجر هذا الحديث ~~المعاد الممجوج، وخبرني صراحة فقد ضقت باللف والدوران. أما ~~زلت تحبني؟! # وحدثته نفسه بأن يقذفها بالجواب القاطع! ألم يمهد له بما فيه ~~الكفاية؟ .. ونشط فكره في سرعة وقلق وعيناه اللوزيتان لا ~~تتحولان عن وجهها الغاضب، ولكنه تردد وآثر السلامة ولو إلى ~~حين، فقال يداريها: عدنا كما توقعت إلى الحديث ~~القديم! # فانفجرت صارخة: أجبني صراحة، أحسبتني أموت أسى لو حرمتني من ~~نعمة حبك؟ # ليس الوقت مناسبا. لعله لو جابهته بهذا السؤال على أثر إيابها ~~من الخارج، أو في الصباح - حين يتسع الوقت للملاحاة والشجار - ~~لكان أجابها كما يشاء؛ أما الآن فالجواب الصريح حري بإضاعة ~~ثمرة اليوم هباء، فلذلك ابتسم ابتسامة باردة وقال بهدوء: أحبك يا ~~عزيزتي. # أقبح بكلمة الحب إذا ندت عن فم مملول، كالبصقة! استحوذ ~~عليها القهر، وشعرت في قهرها بأنها لا تتأبى عن هوان وإن جل ~~لو ضمن أن يعيده إلى أحضانها! وأحست لحظة أن حبه مطلب تهون ~~من أجله الحياة، ولكنها كانت لحظة عابرة سرعان ما أفاقت من ~~غشيانها، ثم امتلأ قلبها ضغينة، فاقتربت منه خطوات وعيناها تلمعان ~~لمعان الماس الناشب في عمامتها، وقالت مصممة على أن تشق طريق ~~التحدي حتى نهايته: تحبني حقا؟ إذن فلنتزوج. # ونطقت عيناه بالدهشة، ونظر إليها بين مصدق ومكذب، ولم تكن ~~تعني ما قالت؛ ولكنها أرادت سبر أغواره، فقال لها: وهل يغير ~~الزواج من أمرنا شيئا؟ ~~- أجل، لنتزوج، ولنهجر هذه الحياة. # ونفد صبره، وتولدت في صدره عزمة صادقة أن يحسم الأمر بما ~~يقتضيه من صراحة وقسوة، وأن يحقق ما جال بخاطره طويلا ولو ضاعت ~~ثمرة الليلة، وقهقه ضاحكا في غيظ وسخرية وقال هازئا: نعم ~~الرأي! أحسنت يا عزيزتي، نتزوج ونعيش كما يعيش الشرفاء .. ~~فرج إبراهيم وحرمه وأبناؤهما ليمتد! ولكن خبريني ما هو ~~الزواج؟ .. لقد أنسيته كما أنسيت الآداب الشريفة جميعا، أو ~~دعيني أتذكر قليلا .. زواج؟! .. شيء خطير فيما أذكر يتضمن ms194 ~~رجلا وامرأة ومأذونا ووثيقة دينية وطقوسا كثيرة .. متى عرفت ~~هذا كله يا إبراهيم؟ .. في الكتاب أو المدرسة؟! ولكن لا أدري ~~أما تزال هذه العادة متبعة أم قد أقلع الناس عنها! .. خبريني ~~يا عزيزتي، ألا يزال الناس يتزوجون؟ # وارتعشت أطرافها غضبا، ~~وأفعم قلبها يأسا وغما، ونظرت إليه فإذا به مبتسما هازئا ~~سادرا فجن جنونها وارتمت عليه ناشبة أظافرها في عنقه، ولم ~~تفجؤه حركتها المباغتة فتلقاها بسكينة، وقبض على ساعديها ~~وفرج بينهما، ثم تخلص منها والابتسامة الهازئة لا تفارق ~~شفتيه، فاشتد حنقها وغضبها ، ورفعت يدها بسرعة خاطفة وصفعته ~~بكل ما أوتيت من قوة وعصبية. وغاضت ابتسامته ولاحت في عينيه ~~نظرة وعيد وشر، فردت عليها بنظرة جريئة متحدية، وانتظرت ~~شبوب العاصفة بجزع وتلهف، وكادت تنسى أسباب آلامها في لذة ~~العراك المرتقبة، ومنتها أحلامها الهستيرية بختام سعيد لهذا ~~النضال البهيمي. ولكنه كان من ناحية يقدر عواقب الاستسلام ~~للغضب، ولا يغيب عنه أن دفع العدوان بالعدوان سيوثق الرباط ~~الذي يروم نقضه، ويزيد من تعلقها به، فضبط نفسه، وكبح جماح غضبه، ~~وصمم على أن يكاشفها بالقطيعة السافرة، وذلك بالانسحاب من ~~المعركة دون دفاع، فتراجع خطوة، وانفتل آفلا وهو يقول بهدوء: ~~هلمي إلى العمل يا عزيزتي. # ولم تكد تصدق عينيها، وألقت على الباب الذي غيبه نظرة ساهمة ~~رنق بها القنوط. وأدركت سر تقهقره بغريزتها فاستشف قلبها ~~الحقيقة المفجعة، وتقلقل صدرها برغبة حارة مباغتة في قتله! ~~انفجرت في صدرها بقوة آسرة لا كأمنية الضعيف الحاقد، ولكن رغبة ~~فتاكة شعرت بأنها في نطاق طاقتها. لقد عرفت جوانب كثيرة من نفسها ~~على ضوء هذا الرجل، وها هو يتم صنائعه فيكشف عن أخطر هذه الجوانب ~~جميعا. ولكن أيرضيها حقا أن تبيع الحياة من أجل الفتك به؟ إنها ~~استهانت بكل شيء في سبيل الحياة، أما الاستهانة بالحياة نفسها ~~.. وانقبض صدرها، واستحوذ عليها قلق مفعم بالنفور، وبقيت ~~رغبتها في الانتقام تتلظى ويندلع لهيبها. ينبغي أن تغادر البيت ~~أولا، وفي الخارج مهرب من جحيم الفكر، ومجال للأناة والتدبير، ~~وسارت متثاقلة صوب الباب، ثم ذكرت ms195 أنها تهجر هذه الحجرة - حجرتهما ~~- لآخر مرة، فدارت على عقبيها كأنما لتلقي عليها نظرات الوداع. ~~تنزى قلبها في صدرها في تلك اللحظة الفاصلة، رباه .. كيف انتهى ~~كل شيء بهذه السرعة؟! .. هذه المرآة كم بدت على صفحتها فرحة ~~مستبشرة، وهذا السرير الوثير مهد الغرام والأحلام، وعلى هذا ~~الديوان كانت تجلس بين يديه تصغي إلى إرشاداته بين العناق ~~والقبل، وهذا الخوان يحمل صورتهما معا في ثياب السهرة! ثم ~~ولت الذكريات ظهرها وفرت من الحجرة. وفي الطريق لفحها الهواء ~~الدافئ فتنسمته في إعياء، وأخذت في سبيلها وهي تقول لنفسها: «لن ~~أعدم طريقة للفتك به!» كم يكون هذا شافيا على شرط ألا تدفع ~~حياتها ثمنا له، لم تخلق الحياة للتضحية، الحياة فوق كل شيء، بل ~~فوق الحب نفسه. حقا بات الحب ندبا عميقا في سويداء قلبها، ~~ولكنها ليست المرأة التي يفنيها الحب، بها جرح عميق، ولكن الجريح ~~يعيش وهو ينزف، بل يستطيع أن يتمتع بحياة عريضة فيها الذهب ~~والسرور والسطوة والعراك. هكذا لاقت خيبتها. ورأت عربة فأشارت ~~إلى الحوذي وركبت، واستشعرت حاجة ملحة إلى مزيد من الراحة ~~والهواء فقالت له: إلى ميدان الأوبرا أولا، ثم عد من شارع فؤاد ~~الأول .. واحدة واحدة من فضلك. # وجلست وسط المقعد مائلة بظهرها إلى الوراء، واضعة رجلا على ~~رجل، فانحسر الفستان الحريري عن بطن فخذيها، واستخرجت من حقيبتها ~~علبة سجائر، وأشعلت سيجارة، وراحت تدخن بشغف غير عابئة ~~بالأنظار التي تتخاطف ما انجلى من لحمها. # وغرقت في خضم الفكر، هيهات أن يبرأ قلبها من أوجاعه، ومع ذلك ~~فهيهات أن تسترخي يدها القابضة على حبل الحياة. وتعزت بآمال ~~كثيرة ومسرات مرتقبة، ولكن لم يجر لها في خاطر أنها قد ~~تستجد حبا ينسيها هذا الحب الخائب؛ لأنها كانت حاقدة على ~~الحب، ولأن الإنسان - إذ يفقد جوهرة الحب اللامعة - لا يتصور ~~أنه سيسعد بالعثور عليها مرة أخرى. وانتبهت إلى الطريق، فإذا ~~بالعربة تدور في محيط الأوبرا، ولمحت في دورانها عن بعد ميدان ~~الملكة فريدة، فطار الخيال بها إلى الموسكي والسكة الجديدة ~~والصنادقية ms196 والمدق، ولاحت لعينيها أخلاط أطياف؛ نساء ورجالا، ~~وتساءلت: ترى هل يعرفها أحد من هؤلاء إذا رآها في هذا الزي؟ .. ~~أيستطيع أحدهم أن يستشف حميدة وراء تيتي؟! وماذا تبالي؟! لا أب ~~لها ولا أم! ونفخت دخان سيجارتها في استهانة ورمت بالعقب. وأخذت ~~تتسلى بمشاهدة الطريق حتى رجعت العربة إلى شارع شريف، واتجهت نحو ~~الحانة التي تقصدها، وفي تلك اللحظة قرع أذنيها صوت كأنما انشق ~~عنه قبر هاتفا: «حميدة» .. فالتفتت نحوه وقد تملكها الذعر، ~~فرأت عباس الحلو على بعد ذراع منها لاهثا. # 32 # وهتفت وهي لا تدري: عباس. # كان الفتى يلهث مبهورا ~~بعد أن ركض شوطا كبيرا وراء العربة من ميدان الأوبرا، وقد اندفع ~~لا يلوي على شيء، ويصطدم بالكتل البشرية، لا يعتاقه ما ناله من ~~دفع، ولا يثنيه ما لحقه من شتم ولعن. وكان قبل ذلك يسير ~~متأبطا ذراع حسين كرشة، يتخبطان على غير هدى - عقب مغادرتهما ~~لحانة فيتا - حتى انتهى بهما التخبط إلى ميدان الأوبرا، فالتقى ~~بصر حسين بالعربة التي تحمل حميدة، ورأى الجالسة بداخلها، فلم ~~يعرفها وأرعش حاجبيه استحسانا وهو يلفت صاحبه إليها. ونظر عباس ~~إلى العربة المقبلة عليهما في طوافهما بالميدان، وعلق بصره ~~بالفتاة الغائبة في أفكارها ولم يستطع أن يسترد عينيه، جذبهما ~~بقوة سحرية شيء في الوجه، وفي القوام، شيء كالشبه، أو هو شبه ~~رقيق يحسه القلب قبل أن تحسه العينان، وتمشت في مفاصله ~~رعدة انقلب بعدها من سكره الخفيف صاحيا، وهتف القلب: «هي؟» وكانت ~~العربة قد ولته ظهرها مبتعدة نحو حديقة الأزبكية، فلم يأل ~~عدوا وراءها بلا تدبر ولا تفكير، وصاحبه يزعق وراءه معربدا ~~صاخبا، وعاقته حركة المرور برهة عند مطلع شارع فؤاد الأول، ~~ولكن عينيه لم تتحولا عن العربة، ثم استأنف العدو جاهدا لا ~~تكاد تسعفه قدرته إلا قليلا، حتى أدركها وهي توشك أن تدخل ~~الحانة فناداها. ولما أن التفتت إليه وهتفت باسمه قطع الشك ~~باليقين، وأدركت حواسه ما سبق القلب إليه، فوقف حيالها لاهثا ~~مبهورا لا يدري كيف يصدق عينيه. وغلبتها الدهشة والانزعاج أول ms197 ~~وهلة، واستحوذ عليها الانفعال، ثم شعرت بحرج موقفها وأشفقت من فضول ~~المتسكعين، فتمالكت مشاعرها وأشارت إليه ومضت في عجلة إلى عطفة ~~سابقة للحانة - وهو يتبعها - ودخلت أول باب إلى يسارها، وكان حانوت ~~أزهار .. وحيتها بائعة الزهور - التي عرفتها بحكم ترددها على ~~المكان - فردت تحيتها، وسارت به إلى نهاية الحانوت متحامية ~~مواقع الأنظار. وأدركت بائعة الزهور أنها تريد أن تختلي بصاحبها، ~~فمضت إلى مقعدها وراء معرض الزهور وجلست بغير مبالاة كأن أحدا لم ~~يقتحم عليها حانوتها. وقفا وجها لوجه، يلفه الانفعال والحيرة ~~وترتعش أطرافه تأثرا، ما الذي دعاه إلى هذا العدو القاتل؟! ~~ماذا يروم من هذا اللقاء المغتصب؟! وجد نفسه في تلك اللحظة ~~عريا من كل رأي أو عزم. ولقد كانت ذكريات الشر الذي هصر آماله ~~- في أثناء عدوه - تذر على عينيه غبارا فتكاد تحجب عنه ~~الطريق، ولكنه لم يبيت رأيا أو يستجد عزما، فركض ركضا آليا ~~لا يتبين له غاية، حتى إذا هتفت باسمه فقد البقية من وعيه ~~وتبعها إلى الحانوت كالسائر في نومه. وأخذ يفيق رويدا رويدا من ~~الإعياء والجهد والانفعال، وراح بصره يعاين المرأة الواقفة حياله ~~بلباسها الجديد وزينتها الغريبة، متلمسا عبثا أن يجد فيها ~~موضعا للفتاة التي أحبها، فارتد البصر كليلا، وتجرع قلبه ~~غصص اليأس المرير. لم تكن بساطة قلبه من البلاهة بحيث لا يدرك ~~حقيقة ما يرى، ولقد أجبرته الشائعات في المدق على تصديق أمر فظيع، ~~ولكن الشائعات بلا ريب كانت دون الحقيقة الماثلة لعينيه، وامتلأ ~~قلبه المقهور شعورا بتفاهة الحياة وعبثها، بيد أن غضبه الذي ~~أصلاه نارا حامية في ليله ونهاره لم ينفجر، فكان أبعد ما يكون ~~عن البطش بها أو حتى البصق عليها. وجعلت حميدة تنظر إليه في ~~ارتباك وحيرة، واستشعر قلبها خوفا حيال هذا الأثر من الماضي ~~الذي تتحاماه، ولكنه لم يحرك بها عطفا أو ندما، بل استثار ~~ازدراءها ومقتها، فلعنت في سرها شؤم الحظ الذي رمى به في ~~طريقها. واشتد الصمت على أعصابهما، ولم يعد في الوسع احتماله، ~~فقال الحلو بصوت مبحوح ms198 متهدج: حميدة! أهذا أنت؟ رباه كيف ~~أصدق عيني؟! .. كيف هجرت بيتك وأمك وانقلبت إلى هذه ~~الحال؟! # وأجابته في ارتباك غير خاف: لا تسألني عن شيء، فليس عندي ما ~~أقوله، وهذا قضاء الله الذي لا يرد. # وأحدث ارتباكها وقولها المستكين عكس المنتظر، فاستفزا غضبه ~~وأثارا حنقه، فعلا صوته مزمجرا حتى ملأ الحانوت: كاذبة فاجرة .. ~~أغواك فاجر مثلك ففررت معه، وتركت وراءك في حيك أسوأ الذكرى، ~~وها هو الفجر السافر يطالعني في وجهك وتبرجك الفاضح. # واستفز هذا الغضب المفاجئ شراستها الطبيعية، فغضبت غضبة ~~عنيفة مسحت عن صدرها ما اعتوره من ارتباك وخوف، وضاعفها ما ~~احتملته في يومها من حنق وخيبة، فاربد وجهها وصرخت في جنون: صه ~~.. لا تزعق كالمجانين، أحسبت أنك تخوفني بصراخك؟! ماذا تريد ~~مني يا هذا؟ لا حق لك علي، فاغرب عن وجهي. # وخبا غضبه قبل أن تتم كلامها! قهر غضبها غضبه فأماته في صدره، ~~وكأنه كان يشعله الماء وتطفئه النار. وحملق في وجهها ذاهلا وغمغم ~~بصوت مرتعش النبرات: كيف سولت لك نفسك أن تقولي هذا القول؟ .. ~~ألست ... ألم تكوني خطيبتي؟ # وتشفت بهزيمته، وارتاحت إلى غضبتها التي أسعفتها في الوقت ~~المناسب، وقالت بتململ: أي فائدة تجني من ذكر الماضي الآن؟ لقد ~~مضى وانقضى. # فقال متحيرا متوجعا: أجل مضى وانقضى، ولكني في حيرة من أمري ~~وأمرك، ألم تقبلي يدي؟ .. ألم أهاجر إلى ذاك البلد البعيد من أجل ~~سعادتنا معا؟! # لم تعد تشعر نحوه بارتباك أو حرج، وتساءلت في جزع: متى يمسك ~~عن هذا؟ متى يفهم؟ متى يرحل؟ ثم قالت بلهجة لا تخلو من برم: ~~أردت شيئا، وأرادت الأقدار سواه. # ولم يغب عنه تململها ولكنه بات أشد تشبثا بالكلام ~~والاستفسار، واستمد من سكوت غضبها شجاعة فراح يقول بيأس: ماذا ~~صنعت بنفسك؟ كيف انقلبت إلى هذا المصير الأسود؟ .. أي شؤم أعمى ~~بصيرتك؟ .. ومن يكون (وهنا استغلظ صوته) ذلك المجرم الذي خطفك من ~~حياتك الطاهرة وطرحك في مزبلة الدعارة؟ # واكفهر وجهها، وتناهى بها الجزع، وقالت بلهجة تشي بالملل: ~~هذه حياتي، هذه النهاية التي لا ms199 مهرب منها، نحن الآن غريبان، ~~وكلانا ينكر صاحبه، لم يعد بوسعي الرجوع، ولن تستطيع مهما قلت ~~أن تغير من الواقع شيئا، وحذار أن تغلظ لي القول، فلست على ~~حال أملك معها السماحة أو العفو، وإني لأقر بعجزي حيال حظي ~~ومصيري، ولكني لا أحتمل أن يضاعف لي إنسان الكرب بالغضب والزجر. ~~انسني، واحتقرني كما تشاء، واتركني بسلام. # ما هذه بفتاته! أين منها حميدة التي أحبها وأحبته؟ يا عجبا؟ ~~ألم تحبه حقا؟ ألم تلصق شفتيها بشفتيه على بسطة السلم؟ ألم ~~تدع له يوم الوداع وتعده باستشفاع الحسين لإجابة الدعاء؟ .. ~~فمن تكون هذه الفتاة؟ ألا تستشعر ندما؟ ألم تلنها إثارة من ~~حنان قديم؟ وأوشك أن يغضب مرة أخرى لولا إشفاقه من غضبها، ~~فتنهد تنهد المغيظ المقهور وقال: إنك تحيرينني، وكلما أصغيت ~~إليك تضاعفت حيرتي، لقد عدت بالأمس من التل الكبير فدهمني الخبر ~~الأسود على غرة، أتعلمين ماذا دعاني لهذه العودة؟! .. (وأبرز ~~علبة القلادة وأراها إياها) .. عدت بهذه هدية لك، وكان في نيتي ~~أن أعقد عليك قبل أن أرجع إلى البلد. # وألقت على العلبة نظرة صامتة. وفي أثناء ذلك وقعت عيناه على ~~الهلال الماسي والقرط اللؤلؤي فتراجعت يده بالعلبة إلى جيبه، ~~وتناهى به الضيق فسألها بحدة: ألا تأسفين على هذه النهاية؟! # ولمعت عيناها بخاطر غامض بث في نفسها يقظة محمومة، فقالت ~~بلهجة حزن مصطنعة: أنت لا تدري كم أني شقية! # فاتسعت عيناه في دهشة وريبة، وقال بألم بالغ: يا للشقاء يا ~~حميدة! .. لماذا أصخت لنداء الشيطان؟ .. كيف هانت عليك حياتك ~~الشريفة؟ .. كيف نبذت الحياة الطيبة والأمل المرتقب من أجل ~~(وهنا تحشرج صوته) .. مجرم آثم وشيطان رجيم؟! .. هذه جريمة لا ~~تغتفر. # وكانت حمى ذلك الخاطر لا تزال تلهم أفكارها، فقالت بلهجتها ~~الأسيفة الجديدة: إني أؤدي ثمنها من لحمي ودمي. # وازدادت دهشته، وخالطها ارتياح غامض سرورا بالشقاء المزعوم الذي ~~اعترفت به، ولكنها لم تنكسر عن حدتها اعتباطا، كانت أفكارها ~~تتوارد بسرعة جنونية في إلهام شيطاني، خطر لها أن تحرضه على ~~الرجل الذي هرس قلبها بقسوة وسخرية، ms200 وأملت أن تجعله أداة ~~انتقامها وهي بمأمن من عوادي الشقاء، ورقت نظرة عينيها وهي ~~تقول بصوت ضعيف: لست إلا شقية يا عباس، لا تؤاخذني على سوء قولي ~~فقد أفقدني الشقاء وعيي. إنكم جميعا ترونني عاهرة فاجرة. ~~والحق أني شقية بائسة، خدعني الشيطان الرجيم كما دعوته بحق، ~~لا أدري كيف أذعنت إليه، ومع ذلك فلست أنتحل لنفسي عذرا، ولا ~~أطمع أن أسألك العفو، فإني أعلم أني مذنبة، وها أنا ذا أدفع ثمن ~~جريرتي النكراء. اعف عن غضبي الذي أهاجته كلماتك العادلة، ~~وأبغضني واحتقرني ما شاءت لك نفسك الطاهرة الكريمة، واشمت بي ~~فلست في حاضري إلا ألعوبة رخيصة في يد من لا يرحم، يطلقني في ~~الطرق ويستغل شقائي بعد أن استلبني أعز ما أملك. إني أمقته، ~~أمقته بكل ما في من شقاء ومهانة هما من غرسه، ولكن هيهات أن ~~أجد لي منه مهربا! # أذهله حديثها الشاكي عن نفسه، وراعته نظرة الشقاء تغشى عينيها، ~~فنسي المرأة المتنمرة التي كادت تفتك به منذ برهة قصيرة، ~~وأهابت به رجولته أن يغضب، فزمجر صائحا: يا للشقاء يا حميدة! إنك ~~شقية، وإني شقي، كلانا شقي بفعل هذا المجرم. أجل، لا أستطيع ~~أن أنسى أنك أخطأت خطأ أثيما، وأن هذا الخطأ يحول بيننا إلى ~~الأبد، ولكن بينا يشقى كلانا بهذا الخطأ، إذا بالمجرم الأول ~~مطمئن سعيد كأنما يسعد بشقائنا، فلا كانت الحياة إذا أنا لم ~~أحطم رأسه! # وشعرت بالارتياح فنكست بصرها قبل أن يفضحها، وكانت سرعة ~~انزلاقه إلى شباكها فوق مطمعها، وارتاحت بصفة خاصة إلى قوله: ~~«هذا الخطأ يحول بيننا إلى الأبد.» فأمن قلبها أن يجرجره ~~الانفعال إلى حد العفو عنها، والسعي لاستردادها، وما كانت تحلم ~~بهذا كله. أما الحلو فاستدرك يقول عابسا راغبا: لا ارتاح لي ~~بال قبل أن أحطم رأسه وأهشم عظمه! أجل، لا أستطيع أن أنسى أنك ~~فررت معه، ولا أنهم رأوك تسيرين في صحبته، فلا أمل من أن نجتمع ~~مرة أخرى، لقد فقدت حميدة التي أحببتها إلى الأبد، ولكن يجب أن ~~يشقى المجرم بما ms201 أشقى كلينا، خبريني أين أجده؟ # فقالت وعقلها في تفكيره أسرع من لسانها في نطقه: لا سبيل لك ~~عليه اليوم، ولكن تعال يوم الأحد ظهرا إذا شئت فتجده في الحانة ~~عند أول هذه العطفة، ولن تجد مصريا سواه فيها، فإذا التبس عليك ~~الأمر أشرت إليه بعيني .. ولكن ماذا تنوي أن تفعل به؟ # نطقت بالعبارة الأخيرة بلهجة تنم عن الإشفاق عليه من العواقب، ~~ولكنه أجاب في جنون الغضب واليأس قائلا: سأحطم رأس القواد ~~الوضيع. # وتساءلت وعيناها تتفرسان في وجهه: أيستطيع الحلو أن ~~يقتل؟! # ولم يغب الجواب عن فراستها، ولكنها أملت أن يثير من حوله ~~فضيحة تسوقه إلى يد القانون، فتنتقم منه وتخلص من أسره. ~~وارتاحت إلى أفكاره بلا تدبر أو نقد، بيد أنها لم تخل من ~~رغبة صادقة في ألا يصيب الحلو شر فادح من مخاطرته، وتمنت على ~~الله أن ينتقم لها من غريمها دون أن يذهب ضحية لفعله! .. ولذلك ~~قالت تحذره: لا تبلغن بك الرغبة في الانتقام منه حد الاستهانة ~~بحياتك! اضربه .. افضحه .. جره إلى القسم فيكون فيه القضاء عليه ~~وعلى جرائمه. # ولكنه لم يكن يصغي إليها، وكان يقول وكأنه كان يخاطب نفسه: لا ~~يصح أن نشقى بلا ثمن .. انتهت حميدة، وانتهى عباس، فكيف يروح ~~القواد آمنا ضاحكا من تعاستنا؟ لأدقن عنقه ولأكتمن ~~أنفاسه، (ثم علا صوته موجها إليها الخطاب): وأنت يا حميدة، ماذا ~~تصنعين بحياتك إذا نحيت عن سبيلك هذا الشيطان؟ # وخافت على نفسها ما عسى أن يؤدي إليه هذا السؤال، وأشفقت من أن ~~يتطرق إلى مسارب نفسه ضعفه القديم، فقالت بحزم وهدوء: انقطع ما ~~بيني وبين العالم القديم، ولكني سأبيع ما عندي من حلي وأجد ~~لنفسي عملا شريفا في مكان بعيد. # وصمت صمتا طويلا متفكرا محزونا، فعانت في صمته من القلق ~~ألوانا، حتى طامن من رأسه، وقال بصوت لا يكاد يسمع: لا يستطيع ~~قلبي أن يعفو .. لا يستطيع، لا يستطيع .. ولكن لا تعجلي ~~بالاختفاء مرة أخرى حتى نرى كيف ينتهي هذا الأمر. # ووجدت في لهجته ما ينذر بالسماحة والعفو ms202 والاستسلام، فلمعت ~~عيناها في حذر وقلق، وآثرت في أعماق قلبها الثائرة أن يهلك هو ~~وغريمها على أن يعود إليها فاتحا ذراعيه، بيد أنها لا تستطيع أن ~~تفصح له عما يدور بخلدها، ولن يشق عليها الاختفاء إذا شاءته، ~~وإذا تم لها الانتقام الذي تتلهف عليه فما أيسر أن تشد ~~الرحال إلى الإسكندرية التي حدثها عنها فرج إبراهيم كثيرا، ~~وهناك تصفو لها الحياة وتطيب في حرية لا يحدها قيد، وفي أمن من ~~المتطفلين؛ ولذلك لم تجد بأسا في أن تقول له بمثل لهجته الرقيقة : ~~لك ما تشاء يا عباس. # وكان قلبه يعاني مرارة الشقاء والقنوط والتحفز للانتقام، ~~ولكنه ما انفك ينبض بالحيرة والعطف. # 33 # كان يوم وداع وسرور، فدبت في قلوب الزقاق عاطفة واحدة؛ ذلك أن ~~للسيد رضوان الحسيني منزلة رفيعة في القلوب جميعا على السواء. كان ~~السيد قد استخار الله في أداء فريضة الحج هذا العام فأخاره، وعلم ~~الجميع أنه يسافر عصر اليوم بمشيئة الرحمن إلى السويس في طريقه إلى ~~الأراضي المقدسة. وامتلأ بيته بالمودعين من أصدقاء العمر ~~وإخوان الصفاء .. وحفوا به في الحجرة القديمة الوديعة التي طالما ~~أصغت جدرانها إلى سمرهم الورع اللطيف عاما بعد عام. واستفاض ~~حديث الحج، وثارت ذكرياته، ولهجت بها الألسن في أركان الغرفة حول ~~خط متموج من دخان البخور يتصاعد من المجمرة، ورووا نتفا من ~~أخبار الحج شملت المعاصرين والغابرين، واستشهدوا بالكثير المأثور ~~من الأحاديث الشريفة والأشعار الجميلة. ورتل ذو صوت رخيم بعض ما ~~تيسر من آي الذكر الحكيم، ثم أنصتوا جميعا إلى فيض من كلام ~~السيد رضوان أفصح به فؤاده عما يكنه من رقة وطيبة. # وكان أحد الأصفياء قد قال له: سفر سعيد وعود حميد. # فأشرقت في وجه السيد ابتسامة وضاءة كسته جمالا على جمال، ~~وقال بصوته الحنان: أخي لا تذكرني بالعود، إن من يقصد بيت ~~الله وفي قلبه خاطر من خواطر الحنين إلى الوطن حقيق بأن يبطل ~~الله ثوابه ويخيب دعاءه وينفد سعادته. سأذكر العودة حقا إذا ~~فصلت عن مهبط الوحي في طريقي إلى ms203 مصر، وأعني بها العودة إلى ~~الحج مرة ثانية إذا أذن الرحمن وأعان. من لي بمن يقرني ما ~~تبقى من العمر في البقاع الطاهرة، أمسي وأصبح فلا أرى إلا ~~أرضا تطامنت يوما للمس أقدام الرسول، وهواء خفقت بتضاعيفه أجنحة ~~الملائكة، ومغان أصغت للوحي الكريم يهبط من السماء إلى الأرض، ~~فيرتفع بأهل الأرض إلى السماء، هناك لا يطوف بالخيال إلا ذكريات ~~الخلود، ولا يخفق الفؤاد إلا بحب الله، هنالك الدواء والشفاء. ~~أخي .. أموت شوقا إلى استطلاع أفق مكة، واستجلاء سماواتها، ~~والإنصات إلى همس الزمان بأركانها ، والسير في مناكبها، والانزواء ~~في معابدها، وإرواء الغلة من زمزمها، واستقبال الطريق الذي ~~مهده الرسول بهجرته فتبعته الأقوام من ثلاثمائة وألف عام ولا ~~يزالون، وثلوج الفؤاد بزيارة القبر النبوي والصلاة في الروضة ~~الشريفة، وإن بقلبي من مكنون الهيام ما يقصر الزمان عن بثه، ~~ولدي من فرص الزلفى والسعادة ما يعجز العقل عن تصوره. ~~أراني يا إخوان ضاربا في شعاب مكة تاليا الآيات كما أنزلت أول ~~مرة. كأنما أسمع درسا للذات العلية، أي سرور! .. وأراني ~~ساجدا في الروضة متخيلا الوجه الحبيب كما يتراءى في المنام، أي ~~سعادة! .. وأراني متخشعا لقاء المقام مستغفرا فأي طمأنينة! ~~وأراني واردا زمزم أبل جوارح الشوق بندى الشفاعة فأي سلام! أخي ~~لا تذكرني بالعودة، وادع الله معي أن يحقق لي ~~المنى. # فقال له صاحبه: حقق الله مناك، ومتعك بطول العمر ~~والعافية. # فضم السيد راحته المبسوطة على لحيته وقد تألقت عيناه بسرور ~~وهيام وراح يقول: نعم الدعاء! والحق أن حبي الآخرة لا يدفعني ~~إلى الزهد في الدنيا أو التململ من الحياة، لطالما لمستم بأنفسكم ~~حبي الحياة والسرور بها، كيف لا وهي من خلق الرحمن؟ خلقها الله ~~وملأها بالعبر والأفراح، فمن شاء فليتفكر ومن شاء فليشكر، ~~ولذلك أحبها؛ أحب ألوانها وأصواتها، وليلها ونهارها، ~~ومسراتها وآلامها، وإقبالها وإدبارها، وما يدب على ظهرها من ~~حي أو يقيم عليه من جماد، هي خير خالص، وما الشر إلا عجز ~~مرضي عن إدراك الخير في بعض جوانبه الخافية، فيظن العاجز المريض ms204 ~~بدنيا الله الظنون، لذلك أقول لكم: إن حب الحياة نصف العبادة ~~وحب الآخرة نصفها الآخر، ولذلك يهولني ما تنوء به الدنيا من دموع ~~وأنات وسخط وغضب وغل وسخيمة، وما تبتلى به فوق هذا كله من ~~ذم المرضى العاجزين. أكانوا يؤثرون لو لم تخلق حياتنا؟ ~~أكانوا يحبون لو لم تخرج من العدم؟ أتسول لهم نفوسهم ~~الاعتراض على الحكمة الإلهية؟ وما أبرئ نفسي، فلقد ملكني الحزن ~~مرة على اقتطاع فلذة من كبدي، وتساءلت في غمرة الحزن والألم: ~~لماذا لم يبق الله على طفلي حتى يتمتع بحظه من الحياة ~~والسعادة؟ ثم شاء الله أن يهديني، فقلت لنفسي: أليس هو - عز ~~وجل - الذي خلقه؟ فلماذا لا يسترده وقتما يشاء؟! ولو أراد الله ~~له الحياة للبث في هذه الدنيا حتى يشاء الله، ولكنه استرده ~~لحكمة اقتضتها مشيئته، فهو لا يفعل شيئا إلا لحكمة، والحكمة ~~خير، فقد أراد ربي به وبي خيرا، وسرعان ما غلبني السرور بإدراك ~~حكمته على حزني، ولسان قلبي يقول: ربي لقد وضعتني موضع البلاء ~~لتختبرني، وها أنا ذا أجوز امتحانك ثابت الإيمان، ملهما حكمتك، ~~«فاللهم شكرا»، وسار ديدني إذا أصابتني مصيبة أن ألهج من ~~أعماق قلبي بالشكر والرضا، كيف لا والله يخصني بالامتحان ~~والعناية، وكلما عبرت محنة إلى بر السلام والإيمان ازددت ~~إدراكا لما في مقاديره من حكمة وما فيها بالتالي من خير، وما ~~تستحق بعد ذلك من شكر وسرور، وهكذا وصلت المصائب ما بيني وبين ~~حكمته على دوام لا ينقطع، حتى خلتني طفلا مدللا في ملكوته يقسو ~~علي لأزدجر، ويخوفني بعبوس مصطنع ليضاعف سروري بالأنس ~~الحقيقي الدائم، وإن الحبيب ليسبر محبوبه بالصد حينا، وإن عرف ~~المحبوب أن الصد مكر محب لا هجر قال، تضاعف حبه ~~وسروره. فما عدوت أن وقر في اعتقادي أن المصابين في هذه ~~الدنيا هم أحباب الله وأولياؤه، خصهم بحب مقنع، ورصدهم غير ~~بعيد، ليرى إن كانوا حقا أهلا لحبه ورحمته .. فالحمد لله ~~كثيرا، بفضله عزيت من حسبوا أنني أهل للعزاء. # ومسح على صدره الواسع ببشر وانشراح وهو ms205 يجد من إلحاح التعبير ~~عن مكنون صدره ما يجده المغني إذا سكر بحلاوة الطرب وتاه في ~~سلطنة الفن، فاستدرك يقول بحرارة ووجد: يذهب أناس إلى أن هذه ~~المصائب وأمثالها مما يبتلى به الأبرياء عنوان عدالة ~~انتقامية، لا يفطن لحكمتها عامة الناس، وتراهم يقولون: إنه لو ~~تفكر الأب الثاكل مثلا لوجد أن ثكله جزاء ذنب اقترفه هو أو أحد ~~آبائه الأولين؛ ولكن لعمري، إن الله أعدل وأرحم من أن يأخذ ~~البريء بالمذنب. وتراهم يستشهدون على صواب رأيهم بما وصف الله به ~~نفسه من أنه عزيز ذو انتقام، ولكني أقول يا سادة: إن الله تعالى ~~غني عن الانتقام، وأنه إنما أضاف هذه الصفة لذاته لينبه ~~الإنسان إلى احتذائها، وقد سبقت إرادته بألا تستقيم أمور هذه ~~الدنيا إلا بالثواب والعقاب، أما ذاته العزيزة الجليلة فسنتها ~~الحكمة الربانية والرحمة الإلهية. ولو أنني اكتشفت تحت مصائبي ~~عقابا أستحقه، أو وجدت وراء جثث أبنائي جزاء أستأهله، ~~لاعتبرت حقا، ولازدجرت حقا، ولكن كان يبقى في النفس ضنى وفي ~~العين دموع، ربما هتف قلبي المحترق: ضعيف أذنب وبريء هلك، فكيف ~~العفو والرحمة؟! فأين هذا من مصيبة تستشف الحكمة والخير ~~والسرور؟! # وأثار رأيه اعتراضات كثيرة، فتمسك البعض بالنص، وأول البعض ~~التفسير، ورد آخرون الانتقام إلى الرحمة. وكان كثيرون أقوى منه ~~عارضة وأوسع علما، ولكنه لم يكن متهيئا للجدل، كان متفتحا ~~فحسب للتعبير عما يضطرم في فؤاده من الحب والسرور، فجعل يبتسم ~~ببراءة الطفل، متورد الوجه متألق العينين، وراح يقول بصوت ~~رققه الهيام فكان أندى من مناجاة العاشقين: معذرة يا سادة، فإني ~~أحب الحياة، بل أحب نفسي، لا كذات تتعلق بي، ولكن كفلذة من ~~قلب البشرية، ونبض من الحياة، وخلق للصانع الأجل، وتجربة للحكمة ~~الإلهية، وأحب الناس جميعا حتى المجرمين الشائهين؛ أليسوا ~~يرمزون إلى عناء الحياة الممض في سبيل الكمال؟! .. أليسوا ظلمة ~~تلقي عتمتها على بهاء الخير ضياء، ذروني أبح لكم بسر دفين، ~~أو تعلمون ما الذي بعثني إلى الحج هذا العام؟ # وصمت السيد هنيهة وعيناه الصافيتان تسطعان بنور بهيج، ms206 ثم قال ~~يجيب نظرات الاستطلاع التي عكستها الأعين: لا أنكر أن الحج ~~أمنية طالما نازعني الفؤاد إليها، ولكن قضت إرادة الله أن أؤجلها ~~عاما بعد عام، حتى حسبتني قد بت أوثر الشوق إلى الحبيب على ~~الحبيب نفسه، ولأشواق العبادات لذة كقضائها. ثم كان من أمر ~~زقاقنا ما تعلمون، فشد الشيطان على أعين رجلين وفتاة من ~~جيراننا؛ أما الرجلان فقادهما إلى قبر ينبشانه وغادرهما في ~~السجن، وأما الفتاة فاستدرجها إلى هاوية الشهوات وغاص بها في حمأة ~~الرذيلة. هناك زلزل قلبي زلزالا شديدا تصدعت له أضلعي، ولا ~~أكتمكم يا سادة أن شعورا بالذنب داخلني لأن أحد الرجلين كان ~~يقتات على الفتات، وقد نبش القبر لعله يجد بين عظامه النخرة ~~لقمة يستسيغها، كالكلب الضال يلتقط رزقه من أكوام الزبالة، فلشد ~~ما ذكرني جوعه بجسمي المكتنز ووجهي المتورد، حتى استحوذ ~~علي الخجل وغلبني استعبار، وقلت لنفسي معنفا متقززا: ماذا ~~فعلت - وقد آتاني الله خيرا كثيرا - لدفع البلاء أو التخفيف من ~~وقعه؟ ألم أترك الشيطان يعبث بأهل جيرتي وأنا ذاهل عنه بسروري ~~وطمأنينتي؟ ألا يكون الإنسان الطيب بتقاعده عونا للشيطان من ~~حيث لا يدري؟ .. واستصرخني الضمير المعذب أن ألبي النداء ~~القديم، وأن أشد الرحال إلى أرض التوبة مستغفرا، حتى إذا شاء ~~الله لي أن أعود عدت بقلب طاهر، وجعلت من قلبي ولساني ويدي ~~أعوانا للخير في مملكة الله الواسعة. # ودعا له الإخوان بصدق وحرارة، وواصلوا الحديث في سرور ~~وحبور. ~~••• # وأبى السيد رضوان بعد أن ودع بيته إلا أن يزور قهوة كرشة ~~مودعا، فاقتعد مجلسه محوطا بالمعلم «كرشة» وعم كامل والشيخ ~~درويش وعباس الحلو وحسين كرشة. وجاءت المعلمة حسنية الفرانة ~~فقبلت يده وحملته السلام أمانة، وقد قال لهم السيد: الحج ~~فريضة على من استطاع إليه سبيلا، يؤديها عن نفسه وعمن تقعد ~~بهم الأعذار من الصادقين. # فقال له عم كامل بصوت الأطفال: صحبتك السلامة في الحل ~~والترحال، وعسى ألا تنسى أن تجيئنا بسبحة من المدينة ~~المنورة. # فابتسم السيد وقال: لن أكون كمن وهبك كفنا ثم ضحك ~~عليك. ms207 # وضحك عم كامل وكاد يعود إلى هذا الموضوع القديم لولا أن رأى وجه ~~عباس الواجم فأمسك. وقد أثار السيد هذه الذكرى متعمدا ليدخل ~~منها إلى نفس الشاب التعس مدخلا لطيفا، والتفت إليه بحنان ~~وقال: يا عباس، أصغ إلي كما ينبغي لشاب شهد له جميع أهل ~~الزقاق بالعقل واللطف، عد إلى التل الكبير في أول فرصة، بل اليوم ~~إن سمعت وأطعت، واعمل بما أوتيت من همة، واقتصد من النقود ما ~~تشق به حياة جديدة إن شاء الله، وإياك وأن تلقي برأسك في خضم ~~الفكر ، أو أن تهن عزيمتك لقاء اليأس والغضب، ولا تحسبن ما ~~اعترضك من سوء الحظ هو ختام ما قدر لك في الحياة .. إنك بعد ~~شاب في نهاية الحلقة الثانية من عمرك، وما تلقاه من ألم ليس ~~إلا بعض ما يصيب الإنسان في حياته، وكأنه ما ينتاب الطفل من أوجاع ~~التسنين والحصبة ولفهما، فإذا صمدت له بشجاعة جزته رجلا ~~خليقا بالرجولة، وذكرته فيما يقبل من حلقات العمر ببسمة الظافر ~~وتأسي المؤمن. انهض مستوصيا بالصبر، متعوذا بالإيمان، ~~واسع إلى رزقك، ولتهنأ بسرور المؤمن إذا أدرك أن الله قد اختاره ~~لمصاف المصابين من أوليائه. # ولم يحر عباس جوابا، ولكنه لما رأى عيني السيد لا ~~تتحولان عنه، ابتسم فيما يشبه الاقتناع والرضا، وغمغم بلا وعي ~~تقريبا: سيمضي كل شيء كأن لم يكن. # فابتسم السيد، والتفت نحو حسين كرشة وهو يقول: أهلا بشاطر ~~زقاقنا! سأدعو الله لك الهداية في أرض مستجابة الدعاء، ولأجدنك ~~إن شاء الله حين عودتي محتلا مكان أبيك كما يريد لك، ونعم ما ~~أراد، وطوبى للمعلم الصغير الجديد. # وهنا خرج الشيخ درويش عن صمته وقال مطرقا: يا سيد رضوان، ~~اذكرني إذا أحرمت، وذكر أهل البيت بأن محبهم تلف وشغفه ~~الغرام، وأنه أضاع ما يملك من مال وعتاد على حب لا تنفع له ~~غلة، واشك إليهم خاصة ما يلقى من ست الستات. ~~••• # وغادر السيد رضوان القهوة يحف به الصحاب، ولقد لحق به من البيت ~~قريبان اعتزما السفر معه حتى السويس، ومال ms208 السيد إلى الوكالة فوجد ~~السيد سليم علوان مكبا على بعض دفاتره، فابتسم قائلا: تأذن ~~الرحيل فدعني أعانقك. # ورفع الرجل وجهه الذابل في دهشة، وكان علم بميعاد الرحيل دون أن ~~يحرك ساكنا. ولكن السيد رضوان لم يلق بالا إلى إهماله، وكان ~~يعلم من سوء حالته ما يعلم الجميع، فأبى أن يغادر الحي قبل أن ~~يودعه. وكأنما شعر الآخر بخطئه في هذه اللحظة فاعتراه ارتباك، ~~إلا أن السيد احتواه بين ذراعيه وقبله ودعا له طويلا، ولبث ~~عنده مليا، ثم قال وهو ينهض قائما: لندع الله أن نحج معا في ~~عامنا القادم. # فغمغم السيد سليم وهو لا يعني ما يقول: إن شاء الله. # وتعانقا مرة أخرى، ورجع السيد إلى أصحابه، ومضوا جميعا إلى ~~مطلع الزقاق حيث كانت تنتظره عربة محملة بالحقائب، فصافح ~~الرجل مودعيه بحرارة وركب هو وقريباه، وانحدرت العربة صوب ~~الغورية تتعلق بها الأعين، ثم مالت إلى الأزهر. # 34 # قال عم كامل لعباس الحلو: ليس وراء نصح السيد رضوان مذهب ~~لناصح، فاجمع شتات نفسك وتوكل على الله وسافر، وسوف أنتظرك طال ~~الزمن أو قصر، وستعود بإذن الله ظافرا وتكون على رأس حلاقي هذا ~~الحي جميعا. # وكان الحلو يجلس على كرسي أمام دكان البسبوسة غير بعيد من عم ~~كامل ينصت إلى صاحبه دون أن ينبس بكلمة، ولم يكن باح لأحد ~~بسره الجديد، وقد هم حين نصحه السيد رضوان الحسيني بالإفصاح ~~عما يثقل كاهله، ولكنه تردد لحظة فوجه السيد خطابه إلى حسين ~~كرشة، وسرعان ما عدل عما قام بنفسه. ولم تضع نصيحة السيد ~~رضوان هباء، فتفكر فيها مليا، بيد أن يوم الأحد استحوذ على ~~الشطر الأكبر من أفكاره، وكان مضى على اللقاء الغريب في حانوت ~~الورد ليلة ونهار، فقلب وجوه الفكر في هدوء وأناة وعرف في ~~النهاية أنه لا يزال يحب الفتاة، وإن كانت أسبابهما قد انقطعت ~~إلى الأبد، وأن رغبته في الانتقام من غريمه لا تقاوم، وقد أنصت ~~إلى كلام عم كامل صامتا، ثم تنهد من الأعماق تنهد إنسان تعس ~~كبلته الأقدار بأغلال ms209 الشقاء، ووضعته على شفا جرف هار من ~~الدمار. وسأله عم كامل بقلق: خبرني عما اعتزمت؟! # فنهض الشاب قائما وهو يقول: سأمكث هنا بضعة أيام أخر، على ~~الأقل حتى يوم الأحد، ثم أتوكل على الله. # فقال عم كامل في إشفاق: ليس السلوان بالمطلب العسير إذا نشدته ~~صادقا. # فقال الشاب وهو يغادر موضعه: صدقت! .. السلام عليكم. # ومضى وفي نيته أن يقصد حانة فيتا، حيث يظن أن حسين كرشة قد ~~سبقه إليها عقب توديع السيد رضوان مباشرة. وظل فكره فريسة ~~للأفكار القلقة، وقلبه نهبا للعواطف المضطرمة. إنه ينتظر يوم ~~الأحد، وما يوم الأحد ببعيد، ولكن ما عسى أن يصنع إذا حان الحين؟! ~~أيمضي إلى الموعد حاملا خنجرا ليغمده في قلب غريمه؟ لعل هذا ~~ما يتحرق إليه بكل ما يمتلئ به قلبه من غضب وحقد وشقاء، ~~ولكن هل يسعه ارتكاب الجريمة؟ هل تطيق يده تسديد الضربة ~~القاتلة؟! وهز رأسه في شك وكمد وحقد؛ إنه أبعد ما يكون عن ~~العنف والإجرام، وهذا ماضيه يشهد له بالوداعة والمسالمة، فما عسى ~~أن يصنع إذا جاء يوم الأحد! وتضاعفت رغبته في لقاء حسين كرشة ~~ليقص عليه قصة حميدة ويسأله المشورة والعون! بل العون قبل سواه؛ ~~لأنه يبدو عاجزا بغير هذا العون. وفي هذه الحال من الإقرار بالعجز ~~عاودته نصيحة السيد رضوان الحسيني «... عد إلى التل الكبير في أول ~~فرصة، بل اليوم إن سمعت وأطعت .. إياك وأن تلقي برأسك في خضم ~~الفكر أو أن تهن عزيمتك لقاء اليأس والغضب.» استحضر كلام السيد ~~الذي أوشك أن ينساه، أجل، لماذا لا يطوي الماضي بأحزانه وينطلق في ~~شجاعة وصبر في طريق السلوان والعمل؟ لماذا يحمل نفسه ما لا ~~طاقة لها به؟ لماذا يعرض حياته لأهوال أخفها السجن؟ وارتاح ~~إلى أفكاره الجديدة ولكن دون أن يقطع برأي حاسم، ولم تزل نفسه ~~تنازعه إلى الانتقام، ولعل الانتقام لم يكن وحده الذي يستبد ~~بشعوره، ولعله خاف العدول عنه؛ لأن في هذا العدول قطعا حاسما ~~لهذا الخيط الواهي الذي وصله بحميدة أمس، وقد أبى أن يصدق ms210 أنه ~~يستطيع العفو عما سلف، وقال وكرر القول - بداع وبلا داع: إن ~~أسبابهما قد انقطعت إلى الأبد، ولكن هذا الإلحاح في القول نفسه ~~أخفى رغبة - لعله لم يدرها - في استردادها ووصل ما انقطع من ~~وشائجهما! فكان نزوعه إلى الانتقام ظلا لتعلقه بالمرأة التي ~~يحبها ولا يطيق هجرها. وبهذا القلب الحائر قطع الطريق ودخل حانة ~~فيتا. وكان حسين كرشة بمجلسه يكرع من النبيذ الأحمر ولما تلعب ~~الخمر برأسه، فمضى إليه وحياه تحية مقتضبة، وقال برجاء حار: ~~حسبك ما شربت، فإني أريدك لأمر هام .. هلم معي . # ورفع حسين حاجبيه منكرا، وكأنما كبر عليه أن يعكر القادم ~~صفوه، ولكن عباس - وقد أذهله الهم عن وعيه - أمسك بذراعه ~~وشده حتى أقامه وهو يقول: إني في مسيس الحاجة إليك. # فنفخ الشاب مستاء، ودفع ما عليه، وغادر الحانة برفقة صاحبه، ~~وقد أصر عباس على انتزاعه من الحانة أن يغلبه السكر فلا ~~ينتفع بمشورته. # ولما صار في الموسكي قال وكأنما يزيح كابوسا عن صدره: وجدت ~~حميدة يا حسين. # فلاح الاهتمام في العينين الصغيرتين وسأله: أين؟ ~~- ألا تذكر امرأة العربة التي عدوت وراءها أمس وسألتني عنها ~~اليوم دون أن تظفر مني بجواب شاف؟ هي حميدة دون غيرها. # فصاح الشاب بدهشة وسخرية: أسكران أنت؟! ماذا قلت؟ # فقال عباس بلهجة جدية شديدة التأثر: صدقني فيما قلت، هذه ~~المرأة هي حميدة بلحمها ودمها، وقد عرفتها من أول نظرة فركضت ~~وراء عربتها كما رأيت، حتى أدركتها وحادثتها. # فتساءل حسين في دهشة وإنكار: كيف تريدني على أن أكذب ~~عيني؟! # فتنهد الحلو بأسى، وراح يروي له ما دار بينهما من حديث دون ~~أن يخفي عنه شيئا، والآخر يصغي إليه باهتمام شديد، حتى ختم ~~حديثه قائلا: هذا ما أردت أن أطلعك عليه، ولقد تردت حميدة في ~~الهاوية ولا نجاة لها، ولكنني لن أترك المجرم الأثيم بغير ~~عقاب. # وحدجه حسين بنظرة طويلة احتار في تفسيرها، وكان الفتى بطبعه ~~مستهترا قليل الاكتراث، فأفاق من دهشته بأسرع مما قدر ~~صاحبه، ثم قال بازدراء: حميدة هي المجرمة الأصلية، ألم ms211 تفر ~~معه؟ .. ألم تستسلم له؟ .. أما هو فماذا نؤاخذه به؟ .. فتاة ~~أعجبته فغواها. ووجدها سهلة فنال منها وطره، وأراد أن ~~يستغلها فسرحها في الحانات، هذا لعمري رجل حاذق، وبودي لو ~~أفعل مثله حتى تنجاب عني هذه الأزمة التي أكابدها. حميدة هي ~~المجرمة يا صاح. # وكان عباس يحسن فهم صاحبه، فلم يداخله شك في أنه لا ~~يتورع عن شيء مما ارتكبه غريمه، ولذلك تحامى عن حكمة ذم ~~الرجل في سلوكه أو خلقه، وعمد إلى إثارة نخوته من سبيل آخر فقال: ~~ولكن ألا ترى أن هذه الرجل قد اعتدى على كرامتنا بما يستوجب ~~تأديبه؟ # ولم يغب عنه قوله: «كرامتنا»، وأدرك أنه يشير إلى الأخوة التي ~~تربطه بحميدة، وذكره لتوه شقيقته المطروحة في السجن بسبب فضيحة ~~مماثلة، فاستشاط غضبا وحنقا وزأر صائحا: هذا شأن لا يعنيني، ~~ولتذهب حميدة إلى الشيطان. # ولكنه لم يكن صادقا كل الصدق فيما قال، ولو كان لقي ذلك ~~الرجل وقتذاك لوثب عليه كالنمر وأنشب فيه مخالبه، ولكن الحلو خدع ~~بقوله فصدقه وقال له بلهجة لا تخلو من عتاب: ألا يغضبك أن يعتدي ~~رجل على بنت من زقاقنا هذا الاعتداء المنكر؟ أسلم لك بأن ~~حميدة مجرمة حقا، وأن عمل الرجل في ذاته لا غبار عليه، ولكن ~~أليس هو بالنسبة إلينا اعتداء مشينا يستوجب الانتقام؟! # فصاح حسين بحدة: أنت أحمق، ولست تغضب لكرامتك كما تتوهم، ولكن ~~نيران الغيرة تلتهم قلبك الخرع، ولو أن حميدة رضيت بأن تعود إليك ~~لطرت بها فرحا. كيف لقيتها يا رطل؟! نازعتها الحديث والشكاة؟! ~~مرحى .. مرحى .. حييت من رجل همام! .. لماذا لم تقتلها؟ .. ~~لو كنت مكانك ورمت المصادفات إلى يدي بالمرأة التي خانتني ~~لخنقتها بلا تردد، ثم ذبحت عشيقها، واختفيت عن الأنظار! .. ~~هذا هو ما كان يجب أن تفعله يا رطل. # وتلبست وجهه الضارب للسواد صورة شيطانية، فاستدرك مزمجرا: ~~لست أقول هذا متهربا، فالحق أن هذا الرجل ينبغي أن يدفع ثمن ~~اعتدائه غاليا، وليدفعنه غاليا، وسنمضي معا في الموعد المضروب ~~ونوسعه ضربا، ثم نرصده بمظانه جميعا ونوالي ms212 ضربه، ولو اقتضى ~~الحال أن نحشد له جيشا من الأعوان، ولا نكف عنه حتى يفتدي نفسه ~~بمبلغ كبير من المال، وبذلك ننتقم ونستفيد معا. # وسر عباس بهذه النتيجة غير المتوقعة، وقال بحماس: نعم ~~الرأي هو .. حقا أنت رجل الملمات! # وسره الثناء، ومضى يفكر في تنفيذ خطته مدفوعا بغضب ~~لكرامته، وميله الطبيعي إلى العدوان، وطمعه في الحصول على مبلغ ~~من النقود، ثم غمغم بصوت ملؤه النذير: «ما يوم الأحد ببعيد!» ~~وبلغا عند ذاك ميدان الملكة فريدة فتوقف عن المسير وهو يقول: ~~عد بنا إلى حانة فيتا. # ولكن الآخر تشبث بذراعه وهو يقول: أليس من الأفضل أن نمضي إلى ~~الحانة التي سنلقاه بها يوم الأحد لتعرف الطريق بنفسك؟ # وتردد حسين لحظات، ثم سار معه كما أراد وقد حثا الخطى. ~~وكانت الشمس قد مالت للمغيب، ولم يكد يبقى من نورها إلا ظلال ~~خفيفة، وشمل السماء ذلك الهدوء الحالم الذي تخلد إليه إذا تراءت ~~لها طلائع الظلام، واشتعلت مصابيح الطريق واطرد سبل السابلة لا ~~يعبئون اختلاف الليل والنهار. ودوى سطح الأرض على غير انقطاع، ~~فمن جعجعة الترام إلى أزيز السيارات، ومن نداء الباعة إلى نفخ ~~الزمارات غير همهمة البشر، فكأنهما بخروجهما من المدق إلى هذا ~~الطريق قد انتقلا من المنام إلى يقظة صاخبة. وارتاح عباس الحلو ~~وانقشعت الحيرة التي غشيته طويلا فعرف سبيله بفضل صاحبه الجريء ~~القوي، أما حميدة فقد ترك أمرها معلقا للظروف المجهولة تفصل فيه ~~بما تشاء، ولم يستطع أن يبت فيه برأي، أو أنه أشفق من البت فيه ~~برأي حاسم. وقد خطر له لحظة أن يفاتح صاحبه ببعض خواطره؛ ولكنه ~~ما كاد يختلس إلى وجهه الأسود نظرة حتى غاص الكلام في حلقه فلم ~~ينبس بكلمة. وواصلا السير حتى بلغا موقف الأمس الذي لا ينسى، فلكز ~~عباس صاحبه وهو يقول: هاك دكان الأزهار الذي حادثتها فيه. # ونظر حسين إلى الدكان الذي يشير إليه صامتا، ثم سأله باهتمام: ~~وأين الحانة؟ # فأومأ له إلى باب غير بعيد وهو يغمغم: «ها هي ذي.» وراحا ~~يقتربان ms213 على مهل وحسين كرشة يتفحص المكان وما يحيط به بعينيه ~~الصغيرتين الحادتين. ونظر عباس الحلو إلى داخل الحانة وهما ~~يمران بها، فجذب عينيه منظر غريب ندت عنه شهقة، وتصلبت ~~عضلات وجهه، ثم جرت الحوادث سريعة قبل أن يفقه لها حسين كرشة معنى ~~.. رأى حميدة في جلسة شاذة بين نفر من الجنود، كانت تجلس على ~~كرسي وإلى ورائها جندي واقفا يسقيها خمرا من كأس في يده، ينحني ~~عليها قليلا وتميل هي برأسها إليه وقد مدت ساقيها على حجر ~~آخر يجلس قبالتها، وحف بهم آخرون يشربون ويعربدون. بهت الفتى ~~وتسمر في موقفه، ونسي ما كان علمه من مهنتها، وكأن الخطب ~~يدهمه على غير علم به، وطمس الدم الفائر بصيرته، فلم يعد يعرف ~~غريما له في دنياه سواها، واندفع إلى الحانة كالمجنون وصاح بصوت ~~كالرعد: حميدة! # وفزعت الفتاة مستوية على الكرسي، وحملقت في وجهه بعينين ~~ملتهبتين، وغلبتها الدهشة ثواني، ثم ثابت إلى رشدها وقد هالها ~~ما يتهددها به حمقه من الفضيحة، فصاحت به بصوت خشن فظ جعله ~~الغضب كالزئير: لا تبق هنا لحظة واحدة .. اغرب عن وجهي. # وفعلت به غضبتها وصراخها فعل النفط بالنار فجن جنونه، واختفى ~~من نفسه ما طبع عليه من تهيب وتردد، ووجد أخيرا ما عاناه في ~~الأيام الثلاثة الماضية من قهر وعذاب وقنوط ثقبا في مرجل نفسه، ~~فانطلق منه صارخا، مصفرا مجنونا، ولمح إلى يساره بعض زجاجات ~~الجعة الفارغة على طاولة الحانة، فتناول واحدة وهو لا يدري ما ~~يفعل وقذفها صوبها بكل ما يملك من قوة وغضب وقنوط، في سرعة ~~خاطفة لم يستطع أن يمنعها أحد، لا من الجنود ولا من عمال الحانة، ~~فأصابت الزجاجة وجهها، وتفجر الدم غزيرا من أنفها وفمها وذقنها، ~~وانمزج بالأدهنة والمساحيق، وسال على عنقها وفستانها، واختلط ~~صراخها بزئير السكارى الهائجين، وانقض عليه الغاضبون كالوحوش ~~الكواسر، وتطايرت اللكمات والركلات والزجاجات. # ووقف حسين كرشة على باب الحانة يرى صاحبه تتقاذفه الأيدي ~~والأرجل، وهو كالكرة لا يملك للقضاء دفعا. وكلما تلقى ضربة ~~هتف صارخا: «يا حسين .. يا ms214 حسين.» ولكن الفتى الذي لم ينكص عن ~~خوض معركة في حياته لبث متسمرا لا يدري كيف يشق سبيله إلى ~~صاحبه وسط أولئك الجنود الكواسر الفاتكين، وتملكه الغضب، ~~واشتعلت بصدره ثورة جائحة، وأخذ يتلفت يمنة ويسرة عله يجد ~~آلة حادة أو عصا أو سكينا، وبقي مقهورا مغلوبا على أمره، ~~وقد مضى السابلة يتجمعون عند مدخل الحانة متطلعين للمعركة ~~بأعين فزعة وأيد مغلولة. # 35 # أضاء الصباح بجنبات الزقاق، ~~وألقت الشمس شعاعا من أشعتها على أعلى جدران الوكالة ودكان ~~الحلاق. وغدا سنقر صبي القهوة فملأ دلوا ورش الأرض . وكان ~~المدق يقلب صفحة من صفحات حياته الرتيبة، وأهله يستقبلون ~~الصباح بهتافاتهم المحفوظة. وفي هذه الساعة الباكرة ينشط عم كامل ~~على غير عادته، فيقف أمام صينية البسبوسة يحف به صبية المدرسة ~~الإلزامية ويمتلئ جيبه بالملاليم، وفي مواجهته أكب الحلاق ~~العجوز على المواسي يشحذها، ومضى جعدة الفران يحمل العجين من ~~البيوت، وأقبل العمال على الوكالة يفتحون أبوابها ومخازنها ~~ويخرقون السكون المخيم بجلبتهم التي لا تنقطع طوال النهار، ~~بينما تربع المعلم كرشة وراء صندوق الماركات في جلسة حالمة يقضم ~~شيئا بثنيتيه ويلوكه في فمه، ثم يعتصره بقدح من القهوة، وقد ~~جلس على كثب منه الشيخ درويش في صمت وغيبوبة. وفي هذه الساعة ~~الباكرة أيضا تلوح الست سنية عفيفي في نافذتها، تشيع زوجها ~~الشاب وهو يغادر الزقاق في طريقه إلى القسم. هكذا تطرد الحياة ~~في المدق على وتيرة واحدة إلا أن يقلقها اختفاء فتاة من ~~فتياته، أو ابتلاع السجن لرجل من رجاله، لكن سرعان ما تنداح هذه ~~الفقاعات في بحيرته الهادئة أو الراكدة، فلا يكاد يأتي المساء حتى ~~يجر النسيان ذيوله على ما جاء به الصباح. أضاء الصباح والزقاق ~~يستقبل هذه الحياة الهادئة المطمئنة، ولما أن أقبل الضحى جاء ~~حسين كرشة مكفهر الوجه، ملتهب الجفون من عدم النوم ليلة ~~كاملة يضرب الأرض بخطوات ثقال، فمضى إلى مجلس أبيه وارتمى على ~~كرسي لقاءه، وهو يقول بصوت غليظ دون تحية أو سلام: قتل عباس ~~الحلو يا أبي. # وكان المعلم قد ms215 أوشك أن ينتهره لقضائه الليل خارج البيت، فلم ~~ينبس بكلمة، وحملق في وجهه بعينين ذاهلتين، ولبث لحظات جامدا ~~ساهما كأنه لم يفهم ما ألقي على سمعه، ثم سأل بانزعاج شديد: ~~ماذا قلت؟ # وكان حسين ينظر فيما أمامه بعينين شاردتين فقال بصوت أجش: ~~قتل عباس الحلو! قتله الإنجليز! # وازدرد الفتى ريقه ثم أعاد على أبيه ما حدثه به عباس وهما ~~يسيران في الموسكي قبيل مغيب أمس، وقال بصوت حاد مضطرب: وقد مضى ~~بي ليريني الحانة التي وعدته إياها الفتاة الشريرة، وإنا ~~لنمر ببابها إذ رأى العاهرة تعربد في جمع من الجنود، ففقد ~~وعيه واندفع إلى داخل الحانة ورماها بزجاجة في وجهها قبل أن ~~أتنبه لقصده، وهاج الجنود وانقضوا عليه عشرات وعشرات وأوسعوه ~~ضربا حتى سقط بينهم لا حراك به. # وكور قبضته وقرض أسنانه قائلا بغضب: يا للشيطان! ما كان ~~بوسعي أن أخف إلى نجدته! .. حالت دون ذلك جموع الجنود الكثيفة ~~التي سدت الباب سدا .. آه، لو بلغت يدي عنق جندي من أولئك ~~الملاعين! # وكان هذا ما يحز فؤاده حزا، وما يشب في صدره نار الغضب من ~~غير انقطاع، حتى لقد انقلب إلى الزقاق يكاد يستخفي من الخزي ~~والعار. أما المعلم كرشة فقد ضرب كفا بكف وقال: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، وماذا فعلتم به؟ ~~- جاءت الشرطة بعد نفاذ القضاء، وضربوا حول الحانة حصارا، وما ~~عسى أن يفيد الحصار؟ وحملوا جثته إلى قصر العيني، ونقلوا ~~العاهرة إلى الإسعاف. # فسأل المعلم باهتمام: وهل قتلت؟ # فأجاب الشاب والحقد يأكل رأسه: لا أظن .. لا أظن الضربة كانت ~~قاتلة .. ضاع الفتى هدرا. ~~- والإنجليز؟ # فقال الشاب بلهجة أسيفة: تركناهم والشرطة تحيط بهم. ولكن من ~~ذا يستطيع أن ينال منهم حقا؟ # فضرب المعلم كفا بكف مرة أخرى وقال: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، وهل علم أهل الفتى بالخبر الأسود؟ اذهب إلى خاله عم ~~حسن القباقيبي بالخرنفش وآذنه بموته، والله يفعل ما يريد. # ونهض حسين يغالب تعبه وإعياءه وغادر القهوة. وذاع الخبر، ~~وأعاد المعلم كرشة القصة التي رواها ms216 ابنه مرات ومرات على ~~السائلين، فتناقلتها الألسن، وزادت عليها ما شاء لها الهوى، وجاء ~~عم كامل القهوة مترنحا وقد دهمه الخبر فصعقه وارتمى على ~~أريكة وراح يبكي بكاء مرا وينتحب كالأطفال، ولا يكاد يصدق ~~أن الفتى - الذي أعد له كفنا - لم يعد من الأحياء. ونمى الخبر ~~إلى أم حميدة فغادرت البيت مولولة حتى قال بعض من رآها: إنها ~~«تبكي على القاتل لا القتيل!» وكان أشد الناس تأثرا السيد سليم ~~علوان؛ لا حزنا على الفقيد، ولكن فزعا من الموت الذي اقتحم عليه ~~الزقاق فأثار مخاوفه وضاعف آلامه، فعاودته أفكاره السوداء، ~~وتصوراته المريضة، وأخيلة الاحتضار والموت والقبر التي نهكت ~~أعصابه، واستحوذ عليه القلق فقامت قيامته ونبا به مجلسه، وجعل يروح ~~ويجيء في الوكالة، أو يخرج إلى الزقاق فيلقي نظرة زائغة على ~~الدكان الذي كان دكان الحلو أعواما طوالا. وكان أعفى نفسه - لشدة ~~الحرارة - من شرب الماء الدافئ، فأمر العامل المكلف بخدمته بأن ~~يدفئ له ماء للشرب كما كان يفعل في الشتاء، وقضى تلك الساعة ~~نهبا للخوف والقلق وبكاء عم كامل يصك مسامعه صكا. ~~••• # وانداحت هذه الفقاعة أيضا كسوابقها، واستوصى المدق بفضيلته ~~الخالدة في النسيان وعدم الاكتراث، وظل كدأبه يبكي صباحا - إذا ~~عرض له البكاء - ويقهقه ضاحكا عند المساء. وفيما بين هذا وذاك ~~تصر الأبواب والنوافذ وهي تفتح، ثم تصر كرة أخرى وهي ~~تغلق. ولم يحدث في هذه الفترة أمر ذو بال. اللهم إلا ما كان ~~من إصرار الست سنية عفيفي على إخلاء الشقة التي كان يقطنها الدكتور ~~بوشي قبل سجنه، وما كان من تطوع عم كامل بنقل أثاثه ومعداته ~~الطبية إلى شقته، وقيل في تفسير هذا: إن عم كامل آثر إشراك الدكتور ~~في مسكنه على الوحدة التي لم يألفها، ولم يعاتبه أحد في ذلك، بل ~~لعلهم عدوها له من المكرمات؛ لأن السجن لم يكن مما يشين ~~المرء في المدق. # وتحدثوا في تلك الأيام عن اتصال أم حميدة بابنتها التي دخلت ~~في طور النقاهة والشفاء، وعما تحلم به المرأة من جني بعض ثمار ms217 ~~هذا الكنز المترع. ثم ثار اهتمام الزقاق فجأة حين سكنت أسرة أحد ~~القصابين شقة الدكتور بوشي، وكانت مكونة من القصاب وزوجه ~~وسبعة من الأطفال وفتاة حسناء. قال حسين كرشة عنها: إنها كفلقة ~~القمر. ولكن عندما اقترب موعد عودة الحاج رضوان الحسيني من الأقطار ~~الحجازية لم يعد يفكر أحد إلا في هذا اليوم الموعود، وقد ~~علقت الثريات والأعلام وفرشت أرض الزقاق بالرمل، ومنى ~~الجميع نفوسهم بليلة فرح وسرور تدوم ذكراها على ~~الأيام. # ويوما رأى الشيخ درويش عم كامل وهو يمازح الحلاق ~~العجوز. # فهتف وهو يرفع رأسه إلى سقف القهوة: # وما سمي الإنسان إلا لنسيه # ولا القلب إلا أنه يتقلب # فتجهم وجه عم كامل، وانطفأ لونه، واغرورقت عيناه. ولكن الشيخ ~~درويش هز منكبيه استهانة، وقال وعيناه لا تزالان شاخصتين إلى ~~السقف: # من مات عشقا فليمت كمدا # لا خير في عشق بلا موت # ثم وحوح متنهدا واستدرك ~~قائلا: يا ست الستات .. يا قاضية الحاجات .. الرحمة .. الرحمة ~~يا آل البيت، والله لأصبرن ما حييت، أليس لكل شيء نهاية؟ بلى ~~لكل شيء نهاية. # ومعناه بالإنجليزية # end # وتهجيتها: # e n d ~~. ms218