######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.AfaqFalsafa.Hindawi64625053 #META# Tags: philosophy #META# ID: 64625053 #META# Title: آفاق الفلسفة #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الباب الأول: الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية‏ # مجتمعات ما قبل الإقطاع‏ # الباب الثاني: أضواء على الفلسفة الحديثة‏ # الأورجانون الجديد وفلسفة بيكن‏ # شجرة الفلسفة عند ديكارت‏ # مذهب الذرات الروحية «المونادولوجيا» عند ليبنتس‏ # العالم إرادة وتمثلا لشوبنهور‏ ~~«تاريخ المادية» لألبرت لانجه‏ # أركان العلم لكارل بيرسن‏ # الباب الثالث: الجذور الفلسفية للبنائية‏ # مقدمة‏ # ما هي البنائية؟‏ # الباب الرابع: العلم والقيم‏ # العلم والحرية الشخصية‏ # العلم والحريات العملية‏ # الحقيقة الفنية‏ # الخلق الفني بين العلم والتجربة الشخصية‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية‏ # مجتمعات ما قبل الإقطاع‏ # الباب الثاني: أضواء على الفلسفة الحديثة‏ # الأورجانون الجديد وفلسفة بيكن‏ # شجرة الفلسفة عند ديكارت‏ # مذهب الذرات الروحية «المونادولوجيا» عند ليبنتس‏ # العالم إرادة وتمثلا لشوبنهور‏ ~~«تاريخ المادية» لألبرت لانجه‏ # أركان العلم لكارل بيرسن‏ # الباب الثالث: الجذور الفلسفية للبنائية‏ # مقدمة‏ # ما هي البنائية؟‏ # الباب الرابع: العلم والقيم‏ # العلم والحرية الشخصية‏ # العلم والحريات العملية‏ # الحقيقة الفنية‏ # الخلق الفني بين العلم والتجربة الشخصية‏ # | آفاق الفلسفة # | آفاق الفلسفة # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # في هذا الكتاب مجموعة من الدراسات التي نشر كل منها على حدة ثم اختفى أثرها ولم يعد ~~معظمها متاحا للقارئ، وتعالج هذه الدراسات موضوعات فلسفية وثقافية شغلت بها منذ أواخر ~~الستينيات، وتمتد في مجموعها عبر آفاق فلسفية واسعة، يلقى فيها الضوء على العلاقة بين ~~فكر الإنسان ونظمه الاجتماعية، وتدرس فيها مجموعة من أمهات الكتب الفلسفية دراسة ~~متعمقة، وتعالج بعض التيارات المعاصرة في الفلسفة والفن معالجة تستهدف كشف علاقات وروابط ~~جديدة، لا تعالجها الكتابات الشائعة عادة. # وقد نشر البحث الذي يتضمن الباب الأول، وعنوانه «الجوانب الفكرية في مختلف النظم ~~الاجتماعية» في مطبعة جامعة عين شمس بالقاهرة عام 1971م، ولم ينشر بعد ذلك. أما البحوث ~~التي يتضمنها الباب الثاني فقد نشرتها مجلة «تراث الإنسانية» التي كانت من أهم المجلات ~~الثقافية المصرية في الستينيات وأوائل السبعينيات، ثم أغلقت بقرار تعسفي. وفي هذا الباب ~~بحث واحد لم ينشر في تلك المجلة، هو «شجرة الفلسفة عند ديكارت»، الذي أصدرته مجلة كلية ~~الآداب بجامعة ms001 الكويت . # ويضم الباب الثالث بحثا واحدا هو «الجذور الفلسفية للبنائية» الذي نشر في العدد ~~الأول من حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت. وأخيرا تأتي بحوث الباب الرابع، الذي نشر ~~أولها، وهو «العلم والحرية الشخصية» في مجلة عالم الفكر بالكويت، ونشر الثاني، وهو ~~«الحقيقة الفنية»، في مجلة «الحكمة» التي تصدرها كلية الآداب بجامعة بنغازي. أما الثالث، ~~وهو «الخلق الفني بين العلم والتجربة الشخصية»، فقد نشر في مجلة المعرفة السورية. # وفي اعتقادي أن جمع هذه الدراسات - التي لم تعد متاحة للقارئ العربي في مجلد واحد - سوف ~~يلقي أضواء مفيدة على جوانب هامة في تاريخ الفكر ومشكلاته. هذا فضلا عن الأفق الواسع ~~للموضوعات التي تضم الفلسفة المتخصصة كما تضم بحوثا في النظم الاجتماعية والعلم والقيم، ~~ولا سيما القيم الفنية، وكل ما آمله هو أن يحفز هذا الكتاب أذهان القراء إلى مزيد من ~~الاطلاع والتفكير في الموضوعات الخصبة التي يعالجها. # فؤاد زكريا # الباب الأول # | الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية # | مقدمة # إلى أي حد تؤثر النظم الاقتصادية المختلفة في تكوين عقلية الإنسان؟ وما نوع ~~التفكير السائد الذي يتولد عن كل نظام من هذه النظم؟ وما طبيعة الإطار الفكري ~~والثقافي الأكثر ملاءمة لنظام الرق وللنظام الإقطاعي والرأسمالي والاشتراكي؟ # هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في هذا الفصل؛ على أن طرح هذه الأسئلة يثير ~~- منذ البداية - مشكلات معقدة، ويقتضي منا أن نتنبه إلى مجموعة من الحقائق التي ربما ~~غابت عنا لو بدأنا في خوض الموضوع مباشرة، ولو لم نقم بتحليل للمشكلات الرئيسية ~~الكامنة من وراء هذا الموضوع: ~~(1) # أولى هذه المشكلات هي أن القول بوجود تفكير سائد يتلاءم مع كل نظام من ~~النظم الاقتصادية، ربما فهم على أنه يعني صبغ التفكير في كل مرحلة من ~~مراحل التطور الاقتصادي بصبغة نمطية موحدة؛ أي إنه يعني أن المفكرين، في ~~العصر الإقطاعي مثلا، يتميزون بسمات عقلية واحدة يمكن الاهتداء إليها عند ~~كل منهم على حدة. # على أن هذا الفهم بعيد كل البعد عن الصواب، فضلا عن أنه فهم يكذبه ~~الواقع ms002 نفسه ؛ ذلك لأن كل عصر يتميز بتباين فكري شديد، سواء على مستوى ~~المثقفين الكبار أم على مستوى الأشخاص العاديين أنفسهم؛ وعلى ذلك فنحن ~~حينما نتحدث عن الإطار لعصر من العصور، أو عن نوع الثقافة الذي يتلاءم مع ~~نظام من النظم، نعني في الواقع أعم السمات الفكرية المشتركة، التي تلفت ~~أنظارنا أكثر من غيرها حينما ندرس ذلك العصر. ولكن لا يتعين أن تكون هذه ~~السمات موجودة بحذافيرها عند كل مفكر على حدة. وليس من الضروري أن تكون ~~عقول الناس كلها - في ظل ذلك النظام - مصبوبة في قالب فكري واحد. ~~(2) # والمشكلة الثانية هي أن الربط بين النظم الاقتصادية وبين الجوانب الفكرية ~~لحياة الناس في ظل هذه النظم، قد يوحي بأن هناك تأثيرا مباشرا للنظم ~~الاقتصادية في الحياة الفكرية. ولما كان الاقتصاد يهتم بالأسس المادية ~~لحياة الناس، فقد يفسر هذا الربط بأنه يعني الأخذ بالتفسير المادي المباشر ~~والآلي للفكر الإنساني؛ بحيث يعد هذا الفكر نتيجة مباشرة للعلاقات ~~الاقتصادية السائدة في مرحلة معينة، وتؤدي هذه العلاقات الاقتصادية إلى ~~إنتاج أفكار الناس ومثلهم العليا وقيمهم، مثلما تؤدي الآلات إلى إنتاج ~~السلع. # هذه المشكلة تثير موضوعا معقدا غاية التعقيد، هو العلاقة بين الجانبين ~~المادي والمعنوي في حياة الإنسان، ودون محاولة للدخول في الجوانب المعقدة ~~لهذه المشكلة، يكفينا أن نقول: إن هناك ما يشبه الإجماع على أنه إذا كان ~~للجوانب المادية - ومن أهمها الاقتصاد - تأثيرها في أفكار الناس وقيمهم ~~ومثلهم العليا؛ أي في الجوانب المعنوية للحياة البشرية، فإن هذا التأثير ~~لا يمكن أن يكون مباشرا. وبعبارة أخرى: فإن أي نظام اقتصادي لا «يفرز» ~~فكرا من نوع معين يكون هو وحده الملائم له والناتج عنه. بل إن للفكر قدرا ~~معينا من الاستقلال، بل لديه قدرة خاصة على أن يؤثر في الجوانب ~~المادية لحياة الإنسان بقدر ما يتأثر بها. # وعلى ذلك فمن الضروري أن نتنبه، حين نتحدث عن تأثير النظم الاقتصادية في أفكار الناس، ~~إلى أن هذا التأثير ليس آليا مباشرا، بل هو يسير في عملية معقدة غاية التعقيد، ms003 ولا ~~يعمل في اتجاه واحد، من الاقتصاد إلى الفكر، بل يمكن أن يعمل في الاتجاه المضاد، من ~~الفكر إلى الاقتصاد، أو من العقل إلى المادة. # ومع أخذ هاتين النقطتين بعين الاعتبار، يمكننا أن نبدأ في دراسة الاتجاهات الفكرية ~~العامة المرتبطة بالنظم الاقتصادية، واضعين نصب أعيننا أن هذه النظم لا تستطيع أن تصب ~~عقول الناس كلها في قوالب واحدة، وأنها لا تملك أن تؤثر في هذه العقول تأثيرا آليا ~~مباشرا. ومع ذلك فسوف يتبين لنا أن من الممكن الاهتداء إلى ارتباطات مفيدة وعميقة بين ~~الإطار الذهني لحياة الناس في عصر من العصور، وبين النظم الاقتصادية السارية على هذا ~~العصر، وأننا نستطيع من خلال هذه الارتباطات أن نعمق فهمنا للاقتصاد والفكر معا؛ إذ ~~نكتشف في النظم الاقتصادية جوانب وأبعادا أعمق مما توحي جوانبها المادية وحدها، ونهتدي ~~إلى أسس للبناءات العقلية والمعنوية تكمن جذورها في الحياة الواقعية للمجتمع الذي ظهرت ~~فيه. # | مجتمعات ما قبل الإقطاع # (1) المرحلة البدائية # لم يعرف الإنسان الملكية الفردية بمعناها الصحيح في المراحل البسيطة الأولى من ~~حياته، بل كان يسود هذه الحياة نوع من التضامن والمشاعية، ناشئ عن صعوبة الظروف ~~التي لم يكن الفرد قادرا على مواجهتها وحده، وعن ضآلة الإنتاج وبساطته، وعدم وجود ~~أي فائض إنتاجي يسمح باستغلال عمل الآخرين؛ لأن العمل كان كله موجها نحو تلبية ~~الحاجات الضرورية المباشرة. # في هذه المرحلة كان الفكر الإنساني يتسم بنفس البساطة والبدائية اللتين كان يتسم ~~بهما الإنتاج؛ فكل حوادث الطبيعة كانت تفسر تفسيرا أسطوريا، يتمشى مع العجز ~~عن فهم الظواهر الكونية وعدم القدرة على كشف أي قانون من قوانينها. وكان العالم ~~يحتشد بالقوى التي تنسب إليها صفات إلهية؛ فهناك آلهة للرعد والمطر والزرع ~~والبحر والخصب والموت ... إلخ، بحيث كان الحد الفاصل بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان ~~يكاد يكون منعدما؛ فالطبيعة تشعر بنفس الأحاسيس الإنسانية، وتتحكم فيها نفس ~~العوامل التي تتحكم في أفراد البشر. وربما كان من الممكن تشبيه فكرة التقارب بين ~~الإنسان والطبيعة وإزالة الحواجز بينهما، بمبدأ الملكية المشاعية السائدة في ms004 ~~الاقتصاد البدائي لهذه الفترة. وكان السحر هو التعبير الواضح عن مجتمع يعجز فيه ~~الإنسان عن السيطرة على الطبيعة من خلال فهم قوانينها، فيلجأ إلى القوى الخفية ~~والغيبية التي يتصور أنه يستطيع عن طريقها التحكم في مجرى الأشياء. ومن الملاحظ أن ~~السحر بدوره يفترض نوعا من العلاقة المشاعية المشتركة بين الإنسان والطبيعة؛ إذ إن ~~الطبيعة تخضع لكلمات الإنسان وأوامره وتعاويذه، ويزول كل حد فاصل بين المجال البشري ~~والمجال المادي الخارجي. ~~(1-1) مرحلة الرق # لم يحدث الانتقال من المرحلة البدائية إلى مرحلة نظام الرق مباشرة. بل إن ~~التطور بينهما كان متدرجا وبطيئا إلى أقصى حد. وكانت نقطة التحول هي تقدم ~~القوى الإنتاجية إلى الحد الذي لا يعود الإنسان ينتج فيه من أجل تلبية حاجاته ~~المباشرة، أو الوفاء بضرورات الحياة، بل أصبح إنتاجه عما يحتاج إليه لاستخدامه ~~الخاص. وكان هذا التوسع مؤديا إلى نتيجة ضرورية: هي بداية التقسيم الطبقي ~~للبشر. فبعد أن كان التجانس والمساواة في الفقر هو الطابع المميز للمرحلة ~~البدائية؛ أصبح هناك اختلاف وتميز بين مستويات الناس، نتيجة لبداية ظهور فوائض ~~في الإنتاج تزيد عما يلزم للاستخدام المباشر في المعيشة اليومية، وظهر الفرق ~~بين الغني والفقير أو القوي والضعيف. وكان هذا التميز هو ذاته بداية استغلال ~~الإنسان للإنسان؛ إذ إن تراكم الثروة - ولو على نطاق ضيق - يتيح للغني أن ~~يستعين بالفقراء في استثمار ممتلكاته، ويستغل ضعف مركزهم من أجل فرض شروطه ~~عليهم. # ولم يتخذ هذا الاستغلال شكل الرق في كل الأحوال. بل إن العالم القديم عرف ~~نظما اقتصادية متقدمة بنيت على أساس سلطة استبدادية مطلقة، تتميز فيها طبقة ~~الحكام والكهنة عن عامة الشعب بميزات هائلة. ولكنها لا تتخذ من عامة الشعب ~~عبيدا بالمعنى الصحيح. وفي ظل هذه النظم ازدهرت حضارات هائلة، كانت دعامتها ~~الأولى هي الاقتصاد الزراعي المتقدم، كما هي الحال في الحضارة المصرية ~~القديمة. # أما نظام الرق فكان النموذج الواضح له هو المجتمع اليوناني القديم؛ فعندما ~~اتسع نطاق الحروب التي يخوضها اليونانيون؛ أصبح الأسرى في هذه الحروب يجلبون ~~إلى البلاد ms005 لكي يستعان بهم في الأعمال المنزلية في بداية الأمر، واكتسبوا ~~بالتدريج صفة الرقيق الذي يتحكم سيده، لا في عمله فحسب، بل في شخصه أيضا، ~~وأصبح لهذه الصفة أساس قانوني ينظم العلاقة بين السيد والعبد لصالح الأول على ~~طول الخط، وباستمرار التطور أصبح الأرقاء يستخدمون في الإنتاج الاقتصادي، لا ~~في الأعمال المنزلية وحدها، وصاروا يمثلون قوة عمل رئيسية تتولى القيام ~~بالأعمال اليدوية المرهقة، وتوفر على السادة عناء الاحتكاك بالعالم المادي، ~~وتكفل لهم فرص العيش الرغد على حساب «الآلات البشرية» التي تنتج لهم كل ما ~~يحتاجون إليه في معيشتهم، وتضيف إليه فائضا يحقق لهم ما يشاءون من ~~أرباح. # في ظل هذا النظام الاجتماعي بدوره ظهرت حضارات قديمة مجيدة، أعظمها - بلا ~~نزاع - هي الحضارات اليونانية، التي امتدت فترتها المزدهرة من حوالي القرن ~~الثامن قبل الميلاد إلى ما يقرب من ألف عام بعد هذا التاريخ؛ أي إلى القرن ~~الثاني الميلادي، وإن كان العصر الذهبي فيها يمتد - باعتراف المؤرخين جميعا - ~~من القرن السادس إلى القرن الثالث قبل الميلاد. # وعلى الرغم من أن الرق - من حيث هو نظام اقتصادي - ينطوي على استغلال فئة من ~~الناس لفئة أخرى استغلالا تاما يصل إلى حد التحكم في أشخاصهم معنويا ~~وماديا، فإنه كان على الأقل يضمن قدرا كبيرا من الحرية (المعنوية والمادية ~~أيضا) للمواطنين الأحرار. وكان لذلك أثره الكبير في ازدهار الفكر في ذلك ~~العصر. ~~(1-2) مقارنة بين النظم الاستبدادية القديمة ونظام الرق # ولو أجرينا مقارنة بين النظم الاستبدادية - كما عرف في بلاد الشرق القديم - ~~وبين نظام الرق، من حيث مدى تشجيع كل منهما للنهضة الفكرية والعلمية؛ لكانت ~~المقارنة في صالح النظام الثاني؛ ذلك لأن مبدأ الحكم الاستبدادي المطلق كان ~~يطبق على الميدان العقلي والروحي بدوره؛ فالعلم كله تحتكره طبقة من الكهنة، ~~هي وحدها التي تتداول أسراره وتتوارثها، وتحرص على كتمانها عن بقية الناس. ومن ~~المستحيل أن تحدث نهضة فكرية وعلمية شاملة في جو التكتم هذا. وكل ما كان يحتاج ~~إليه الناس هو مجموعة من المعارف العلمية التي تساعدهم على ms006 تحقيق أغراضهم ~~المباشرة في الزراعة والعمارة والملاحة ... إلخ؛ ولذلك أحرزت المعارف العملية ~~تقدما كبيرا في بلاد الشرق القديم، تعد الآثار المصرية الباقية نموذجا ~~رائعا له. والأرجح أنه هناك من وراء هذا التقدم العملي فكر نظري لا يستهان به. ~~ولكن هذا الفكر لم ينتشر ولم يتداول؛ نظرا إلى حرص الكهنة عليه كما لو كان ~~أسرارا مقدسة. وهكذا كانت السلطة المطلقة في ميدان المعرفة (وهي انعكاس للسلطة ~~المطلقة في ميدان الحكم) عاملا من عوامل تضييق نطاق التقدم الفكري والعلمي، ~~واستحالة الانتفاع من ثماره على مستوى واسع. # وهنا يظهر الفرق واضحا بين النظام المطلق وبين نظام الرق كما كان مطبقا عند ~~اليونانيين القدماء؛ فهؤلاء الأخيرون كانوا يقسمون المجتمع إلى أحرار وعبيد. ~~ولكنهم لم يقسموه إلى كهنة وأناس عاديين. صحيح أن التقسيم كان حادا وقاطعا ~~في الحالتين. ولكنه كان في الحالة الأولى يتيح فرص المعرفة لعدد من الناس أوسع ~~بكثير، هم المواطنون الأحرار، أن يصلوا إليه، لم يكن معرفة محاطة بهالة من ~~القداسة، بل كان معرفة متاحة للجميع يستطيع أي شخص أن يساهم في تقدمها وينتفع ~~من ثمارها، إذا ما توافرت له القدرة على ذلك. # بل إن طبقة العبيد المستغلة ذاتها كانت تقوم بدور غير مباشر. ولكنه عظيم ~~الأهمية، في التقدم الفكري لليونانيين في ظل نظام الرق؛ ذلك لأن هذه الطبقة ~~كانت تتولى القيام بالأعمال اليدوية المرهقة، التي تتطلب جهدا جسميا كبيرا؛ ~~ومن ثم كانت تعفي الأحرار من القيام بهذا النوع من الأعمال. وهكذا كان ميدان ~~العمل المادي مقفلا أمام المواطنين الأحرار، على حين أن ميدان العمل العقلي ~~كان مفتوحا أمامهم على مصراعيه، بل كان هو الميدان الوحيد الذي يمكنهم أن ~~يمارسوا فيه نشاطهم. ~~(1-3) الطابع الفكري لمرحلة الرق # ويعزو بعض مؤرخي الفكر تقدم التفكير العلمي والفلسفي، وتقدم الآداب ~~والفنون - عند اليونانيين القدماء - إلى هذا العامل بالذات؛ أي إلى عدم اضطرار ~~قطاع كبير من الشعب إلى القيام بأعمال جسمية مرهقة، وتفرغهم للجوانب الروحية ~~والعقلية في الحياة. وربما كان هذا تعليلا مقتصرا على جانب واحد، ms007 ولا يشمل كل ~~نواحي الظاهرة التي نتحدث عنها. ولكنه على أية حال تعليل طريف لا يصح تجاهله؛ ~~لأنه يلقي بعض الضوء على ذلك التقدم الهائل الذي أحرزه اليونانيون القدماء في ~~ميادين الفكر والأدب والفن خلال العصر الذي ساد حياتهم فيه نظام الرق. # والأهم من ذلك أن هذا التعليل يفسر لنا «الطابع الخاص» الذي اتخذه الفكر ~~والعلم اليوناني؛ ففي اليونان ولدت الفلسفة. وظهر لأول مرة ذلك النشاط ~~الفكري النظري الخالص الذي لا يبحث عن الحقيقة كما تتمثل في جانب بعينه من ~~جوانب الوجود، بل يبحث عن الحقيقة لذاتها، وبأعم معانيها. وفي اليونان أحرز ~~العلوم النظرية - ولا سيما الرياضيات - تقدما كبيرا. وكلنا يعرف أن هندسة ~~إقليدس - بنظرياتها التي لا تزال تدرس حتى اليوم - هي إنتاج يوناني صرف. ~~ومن جهة أخرى فإن اليونانيين لم يبرعوا في ميدان العلوم التجريبية. بل إنهم ~~نظروا إليها على أنها في مرتبة أقل بكثير من العلوم النظرية؛ لأن هذه الأخيرة ~~علوم يستخدم فيها الإنسان عقله فقط، أما الأولى فيستخدم فيها يده بقدر ما ~~يستخدم عقله؛ وبذلك يكون احتقار العمل اليدوي والمادي قد انعكس على نظرة ~~اليونانيين إلى العلوم، ويكون التقسيم الطبقي للمجتمع اليوناني إلى أحرار ~~وأرقاء قد ولد نوعا آخر من تقسيم العلوم حسب مراتبها؛ بحيث تكون منها علوم ~~تليق بالأحرار، وأخرى لا تليق بهم. ويكفي لكي ندرك أهمية تأثير هذا العامل على ~~التفكير اليوناني أن نقارن نظرتهم هذه إلى العلم بنظرتنا الحالية؛ فنحن اليوم ~~لا نعترف بأي نوع من «الطبقية» بين العلوم، بل نسوي بينها جميعا، ولو نظرنا ~~إلى علم الطبيعة، الذي يقوم اليوم بدور عظيم الأهمية في حياتنا؛ لوجدنا أنه كان ~~في نظر اليونانيين علما غير رفيع؛ لأنه يتطلب اتصالا بالعالم المادي. ومن جهة ~~أخرى فإن العلوم التي تتصل بأحط الموضوعات تحتل في نظرنا مكانة لا تقل عن ~~مكانة تلك التي تتصل بأرفع الموضوعات؛ فعالم الحشرات يمكن أن يؤدي إلى ~~الإنسانية خدمة كبرى لو استطاع أن يقضي على آفة مثل دودة القطن أو قواقع ~~البلهارسيا، وعالم ms008 التربة (الطين) يمكن أن يحدث انقلابا في الاقتصاد ~~القومي لو تمكن من تهيئة ظروف تؤدي إلى مضاعفة إنتاج محاصيل معينة. وكل هذه ~~أمثلة تدل على أن عصرنا - الذي تسوده مثل عليا ديمقراطية - لم يعد يعترف ~~بتقسيم العلوم إلى مراتب؛ ومن ثم فإن الاحتمال كبير في أن يكون ازدراء العمل ~~اليدوي وإعلاء قيمة العمل العقلي النظري (وهو ذاته نتيجة مترتبة على التقسيم ~~الطبقي للمجتمع إلى أحرار وعبيد) هو الأصل في تقسيم اليونانيين للعلوم إلى علوم ~~رفيعة وأخرى ليست لها إلا مرتبة دنيا. # ولا شك أن هناك عوامل أخرى، إلى جانب نظام الرق، تضافرت على تحقيق النتائج ~~التي أشرنا إليها؛ فالازدهار الاقتصادي والتبادل المستمر للسلع والاختلاط ~~الدائم بالشعوب الأخرى ونمو النشاط الصناعي والحرفي؛ كل هذه العوامل تساعد على ~~تهيئة الجو للبحث الحر عن الحقيقة في الميدان الفكري والعلمي، وإذا كان نظام ~~الرق هو أسهل الطرق التي توافرت في العالم القديم لتحقيق هدف تحرير فئة من ~~الناس إلى القدر الذي يكفي لجعلها قادرة على ممارسة النشاط العقلي والروحي ~~الخلاق، دون سعي إلى تحقيق منفعة عملية مباشرة، أو إلى خدمة أغراض السحر، أو ~~مساعدة الكهنة على نشر عقائدهم، فإن مجرد تكدس الثروات وتحقيق فائض اقتصادي ~~معقول، يمكن أن يكون بدوره وسيلة لتحقيق هذا الهدف نفسه، ومعنى ذلك أن النهضة ~~العقلية والروحية في اليونان القديمة كانت مرتبطة بالنهوض الاقتصادي الشامل. ~~ولكن الطابع الخاص الذي اتخذته هذه النهضة يصعب تعليله إلا إذا ربطنا بينه وبين ~~انتشار نظام الرق في المجتمع اليوناني. ~~(2) المرحلة الإقطاعية ~~(2-1) السمات العامة للمرحلة الإقطاعية # ليس من السهل أن يأتي المرء بمجموعة من الصفات المميزة للمرحلة الإقطاعية في ~~التطور الاقتصادي؛ إذ إن معظم هذه الصفات تصدق على مجتمعات معينة ولا تصدق على ~~مجتمعات أخرى. # ففي بعض الأحيان يعرف الإقطاع تعريفا زمنيا، فيقال: إنه هو النظام ~~الاقتصادي السائد في العصور الوسطى. ولكن هذا التعريف لا يسري إلا على نظام ~~الإقطاع في أوروبا. أما في كثير من أماكن العالم الأخرى - وضمنها الشرق - فلا ~~زال للإقطاع ms009 وجود - بشكل أو بآخر - حتى اليوم. وفي أحيان أخرى يعرف الإقطاع ~~تعريفا سياسيا أو اجتماعيا، فيقال: إنه النظام الذي يستبد فيه المالك ~~الإقطاعي بأقدار كل من يعملون عنده، وتكون له عليهم سلطة مطلقة تعلو على ~~سلطة الدولة ذاتها. ومع ذلك فإن هذا التعريف يتجاهل حقيقة عرفتها أوروبا في ~~بداية عصر التصنيع؛ وهي أن الإقطاع كان في بعض الأحيان أرحم من العصر الرأسمالي ~~في الفترة الأولى من تاريخه؛ لأنه كان يمنح الناس قدرا من الأمن والحماية على ~~الأقل. # كذلك يعرف الإقطاع أحيانا على أساس مركز السلطة فيه، فيقال: إنه ذلك ~~النظام الذي تتفكك فيه السلطة المركزية للحكومة أو تختفي نهائيا؛ لتحل محلها ~~سلطات متعددة ينفرد بكل منها إقطاعي يكون له الأمر والنهي على كل من ~~يعملون في أرضه. ولو صح هذا التعريف لما أمكن القول بوجود مرحلة إقطاعية في ~~البلاد التي ظلت السلطة فيها - طوال تاريخها - في يد حكومة مركزية واحدة، ومن ~~بينها مصر. # وربما كان الأصح أن نربط بين الإقطاع وبين النمط الزراعي في الاقتصاد، فنقول: ~~إنه ذلك النظام الذي يقوم في البيئات الزراعية على أساس علاقات معينة بين ~~المالك الكبير والفلاحين المشتغلين في أرضه، تتسم أساسا بأنها علاقات ~~تسلطية. والواقع أن البيئة الزراعية ضرورية لفهم الإقطاع؛ إذ إن عناصر النظام ~~الإقطاعي لا تكتمل بصورتها المطلقة في الحالات التي يكون فيها مالك الأرض ~~الكبير مشتغلا بمهمة أخرى لا صلة لها بالحياة الريفية، كالعمل في ميدان المال ~~أو التجارة أو الصناعة. كذلك فإن هذه البيئة هي التي تضفي على الإقطاع طابعا ~~خاصا، وتنشر في المجتمع الذي يسوده الإقطاع قيما معينة تظل متأصلة في النفوس ~~حتى بعد أن يتم التخلص - اقتصاديا - من العلاقات غير المتكافئة التي يستتبعها ~~نظام الإقطاع. # ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تقتضي منا اهتماما خاصا بالمرحلة ~~الإقطاعية؛ ذلك لأن أوروبا بدأت تتخلص من السيادة المطلقة لنظام الإقطاع منذ ~~عصر النهضة الأوروبية؛ أي في حوالي القرن السادس عشر، وسددت الضربة القاضية ~~إلى هذا النظام في عهد الثورة الفرنسية (على ms010 المستوى السياسي) وفي عهد الثورة ~~الصناعية (على المستوى الاقتصادي والاجتماعي)؛ بحيث يمكن القول إنها قد تخلصت ~~من آخر آثاره في القرن التاسع عشر. أما بالنسبة إلينا فإن الإقطاع ما زال ~~نظاما يعيش بيننا ويؤثر في عقليتنا وفي قيمنا ونظرتنا إلى العالم. صحيح أننا ~~استطعنا تصفيته منذ اللحظة التي قضى فيها على نظام الملكيات الزراعية الكبيرة ~~بفضل قوانين الإصلاح الزراعي. ولكن من الواجب أن نتذكر أن الإقطاع - بأشكاله ~~المختلفة - ظل هو النظام السائد في بلادنا مئات بل ألوفا من السنين، وأن ~~التصفية المادية للنظام لا تعني التخلص من آثاره المعنوية التي ستظل تلازمنا ~~فترة غير قصيرة من الزمن ما لم نبذل جهدنا من أجل التخلص منها بالعمل الواعي ~~والسعي الدائب. # وطبيعي أن يكون من الصعب الحديث عن الخصائص الفكرية لمرحلة مرت بها البشرية ~~زمنا طويلا كهذا، وانتشرت في بيئات شديدة التباين؛ فمن العسير أن نتحدث عن ~~«إقطاع» واحد في العالم بأسره؛ لأن الإقطاع كان يتخذ أشكالا تختلف باختلاف ~~الظروف المحلية التي ينتشر فيها. وربما كان الأيسر أن نعالج الإقطاع - من ~~الناحية الفكرية - على أنه نوعان: إقطاع غربي وإقطاع شرقي؛ على أن يكون مفهوما ~~أن المقصود بالشرق تلك المنطقة التي نعيش فيها من العالم، لا البلاد الشرقية ~~على إطلاقها. ~~(2-2) الإقطاع في الغرب # من العوامل الأساسية لظهور نظام الإقطاع في أوروبا تلك الحروب الكثيرة التي ~~كان يخوضها الملوك، إما ضد بعضهم، وإما ضد أعداء من الخارج، فلقد أدت هذه ~~الحروب إلى ازدياد أهمية فئة العسكريين المحترفين، وزيادة عدد أفرادها، ونظرا ~~إلى أن الملوك لم يكن لديهم دائما المال الذي يكفي لمكافأة هؤلاء المحاربين - ~~ولا سيما القادة منهم - على خدماتهم، فقد كانوا يمنحونهم قطعا من الأرض جزاء ~~لهم على حسن بلائهم في الحروب، ولم تكن هذه المنح في البداية على شكل ملكية ~~دائمة، بل كانت تعطي المحارب حق الانتفاع من الأرض، ثم تحول هذا الحق فيما ~~بعد إلى ملكية دائمة. ومما ساعد على هذا التحول أن صغار الفلاحين كانوا يجتمعون ~~بالمالك الكبير ضد ms011 أخطار الضرائب وعدم الاستقرار، ورغبة منهم في الشعور بمزيد ~~من الأمن. وهكذا كان الفرسان المحاربون من أهم العناصر التي تكونت منها طبقة ~~الإقطاعيين في العصور الوسطى. وكان لهذه الحقيقة أثرها البالغ في صبغ القيم ~~الفكرية في عصر الإقطاع الأوروبي بطابعها الخاص. # ومن ناحية أخرى كان كبار رجال الكنيسة والأديرة يسيطرون على مساحات شاسعة من ~~الأرض، قدمت إليهم بوصفها هبات أو منحا أو هدايا، فضلا عن أن الإعفاءات ~~الضريبية والتسهيلات الكثيرة التي كانوا يتمتعون بها قد ساعدتهم على استثمار ~~ثرواتهم ومضاعفتها، حتى أصبحت أملاك الكنيسة تكون نسبة كبيرة من الأراضي ~~الخاضعة للإقطاع، كما أصبح رجال الدين من أهم عناصر الطبقة الإقطاعية في العصور ~~الوسطى. # ولقد كان هذا الأصل المزدوج لنظام الإقطاع في الغرب؛ أعني انتماء الإقطاعيين ~~إلى فئة الفرسان المحاربين من جهة، وإلى فئة كبار رجال الدين من جهة أخرى؛ كان ~~هذا الأصل المزدوج هو الذي يعلل مجموعة القيم والعادات العقلية التي سادت ~~المجتمع الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى. ~~(1) # فقد كانت أهم القيم الأخلاقية في العالم الغربي في العصر الوسيط ~~هي قيم الشجاعة والأرستقراطية والترفع. وتلك هي قيم الفرسان ~~النبلاء من ملاك الأرض، الذين ظلوا يحتفظون بالفضائل العسكرية حتى ~~بعد أن تحولوا إلى الحياة المدنية المستقرة. وفي استطاعة المرء أن ~~يلمس مدى أهمية هذه القيم إذا رجع إلى أي عمل أدبي تدور حوادثه في ~~عالم فرسان العصور الوسطى. وفي كثير من الأحيان كان هذا الترفع ~~الأرستقراطي يتسم بنوع من النظرة الأبوية إلى عامة الشعب. وليس ~~معنى النظرة الأبوية في هذه الحالة وجود نوع من العطف أو المحبة ~~بالضرورة، بل إن المقصود منها هو نظرة المالك الإقطاعي إلى عامة ~~الناس على أنهم من رعاياه، وعلى أنه مسئول عنهم بمعنى ما؛ أي إنه ~~يتخذ القرارات الحاسمة بشأن مستقبلهم. وربما شارك في حل مشكلاتهم ~~إذا كانت طبيعته تسمح له بالاهتمام بهذه المشكلات. # ومما ساعد على اكتمال سيطرة مالك الأرض على الفلاحين، ضعف ~~السلطة المركزية في العصور الوسطى، وعدم وجود حكومة مسيطرة وإدارة ~~حكومية قوية ms012 لها سلطة تنفيذية كاملة. وهكذا كان الإقطاع يقوم بمهمة ~~حماية أرواح الفلاحين وممتلكاتهم (إن كانت لهم ممتلكات)، وهو أمر ~~كانت له أهميته البالغة في عصر لم يكن فيه من مصدر للثروة سوى ~~الأرض. وكان دور التجارة والصناعة في الإنتاج محدودا إلى أبعد حد. ~~ولكنه كان يتقاضى ثمن هذه الحماية باهظا؛ إذ كان الفلاحون ~~المشتغلون بأرضه رقيقا لهذه الأرض. وكانت حقوقهم ضئيلة جدا، ~~وواجباتهم باهظة فادحة، ولم تكن أمامهم أية سلطة يحتكمون إليها إذا ~~زاد طغيان المالك الإقطاعي عن الحد؛ إذ كان هذا الإقطاعي هو الخصم ~~والحكم في آن واحد. # ولذلك فإنه إذا كانت قيم الشجاعة والترفع والأرستقراطية هي ~~السائدة في جانب الإقطاعيين، فإن قيم الخضوع والولاء كانت هي ~~السائدة في جانب عامة الناس. وكان النموذج المرغوب فيه لإنسان ~~العصر الوسيط هو نموذج الإنسان الخاضع، الذي لا يتجاوز حدوده ولا ~~يتطلع إلى ما هو أعلى منه، والذي تنحصر أغلى أمانيه في رضاء سيده ~~الإقطاعي عنه. ~~(2) # وقد أسهم رجال الدين بدورهم في إكمال صورة العصر الإقطاعي ~~الغربي، فنشروا بين عامة الناس قيم الزهد، وصوروا حياة الإنسان على ~~هذه الأرض بأنها مرحلة عابرة، لا ينبغي أن يوليها اهتماما كبيرا؛ ~~ومن ثم كانت أفكارهم منصرفة عن هذا العالم زاهدة فيه، ولم تكن ~~لأوجه النشاط المتعلقة بهذه الحياة من قيمة سوى أنها تهيئ الإنسان ~~للحياة الأخرى الباقية؛ على أن هذه القيم كانت - في واقع الأمر - ~~موجهة نحو عامة الشعب؛ أعني نحو أولئك الذين يريد رجال الدين في ~~ذلك العصر أن يظلوا في حالة من القناعة والاكتفاء بأقل القليل. أما ~~رجال الدين أنفسهم فكان الكثيرون منهم يعيشون حياة لا صلة لها على ~~الإطلاق بما يدعون الناس إليه؛ إذ إنهم كانوا يستمتعون بكل مباهج ~~الحياة، ولم يكن إصرارهم على تأكيد قيم الزهد إلا تغطية لنمط ~~حياتهم الذي كان أبعد ما يكون عن الزهد. والمهم في الأمر أن انتشار ~~أفكار الخضوع والولاء والرضا بالقليل كان يرجع إلى تأثير رجال ~~الدين بقدر ما كان يرجع إلى تأثير النبلاء الإقطاعيين. ms013 ~~(2-3) دور الإقطاع في حياة الشرق # لا يمثل الإقطاع في الشرق - إذا فهم بمعنى واسع لا بالمعنى الذي كان ~~سائدا في الغرب فحسب - نظاما تاريخيا كان له دوره خلال مرحلة من مراحل ~~التطور ثم انقضى عهده، وإنما هو نظام ما زالت له - في المنطقة التي نعيش فيها ~~من العالم - آثار عميقة، بل لا يزال له وجود فعلي ملموس في كثير من أرجاء ~~هذه المنطقة. # ولسنا نود أن نتحدث عن العوامل المختلفة التي أدت إلى ظهور نظام الإقطاع ~~وتوطده في هذه المنطقة من العالم؛ إذ إن هذا الحديث كفيل بأن يبعد بنا عن غرضنا ~~الأصلي، وهو البحث في الاتجاهات الفكرية والمعنوية التي ترتبت على انتشار نظام ~~الإقطاع. وحسبنا أن نشير إلى أن الامتداد الزمني الهائل لنظام الإقطاع لا يسمح ~~لنا بأن نتحدث عنه كما لو كان نظاما واحدا متجانسا في كل الأحوال، بل كان من ~~الضروري أن يتغير طابعه من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر، وأن يتداخل أحيانا ~~مع نظم أخرى سابقة على الإقطاع كنظام الرق، وأحيانا أخرى مع نظم لاحقة له ~~كالنظام الرأسمالي. # ولذلك كان يكفينا؛ لكي نحقق أغراض بحثنا الحالي، أن نشير إلى نظام الإقطاع ~~بوصفه ذلك النظام الذي يرتبط أساسا بالحياة الزراعية، والذي يتسم بعلاقات ~~اقتصادية واجتماعية بعيدة كل البعد عن التكافؤ بين ملاك كبار من ناحية، وبين ~~فلاحين مستعبدين بدرجات متفاوتة، وينبغي أن نتنبه في هذا الصدد إلى أن آثار هذا ~~النظام تظل تطبع الحياة الريفية بطابعها الخاص، حتى بعد أن يطرأ تحول أساسي ~~على نمط الملكية الزراعية، ولا يعود الملاك الإقطاعيون مسيطرين على أقدار ~~الفلاحين؛ ذلك لأن التغير في النظم التشريعية أيسر وأسرع بكثير من تغير ~~العقليات الاجتماعية؛ ومن هنا كانت العادات القديمة تظل مستحكمة في النفوس بعد ~~فترة طويلة من زوال النظم التي أدت إلى ظهورها. # ولنقل - بعبارة أصرح: إننا في الوقت الذي قضينا فيه على الإقطاع من حيث هو ~~نظام اقتصادي تتسم العلاقات الاجتماعية فيه بطابع معين، لم نستطع بعد أن نقضي ms014 ~~على العادات الفكرية والاتجاهات المعنوية التي يولدها نظام الإقطاع. بل إننا ~~حتى في حياتنا الحضرية قد انتقلنا إلى المدن حاملين تراثا كاملا من الأفكار ~~والاتجاهات الريفية المرتبطة بعصور إقطاعية عميقة الجذور، فكانت النتيجة أننا ~~أصبحنا في كثير من الأحيان نحيا حياة مزدوجة بالمعنى الصحيح؛ فنمارس في المدن ~~أعمالا ترتبط في صميمها بالعصر الحديث كإدارة دفة الأداة الحكومية أو الاشتغال ~~في مصنع أو شركة تجارية. ولكنا نمارس هذه الأعمال بعقليات وقيم موروثة من بيئة ~~هي في صميمها ريفية، بل هي في صميمها إقطاعية. # ولا شك أن لهذا الازدواج أخطاره وأضراره؛ إذ إنه يحدث انفصاما معنويا ~~في المجتمع، بين طبيعة الواقع الذي يعيش الناس فيه ونوع العقلية أو النفسية ~~التي يواجهون بها هذا الواقع ويحاولون حل مشاكله؛ ولذلك فإننا حين ندرس العادات ~~والاتجاهات العقلية التي ترتبط بالنظام الإقطاعي أو تتولد عنه، لا ندرس مرحلة ~~غابرة من التاريخ، بل ندرس واقعا لا يزال يحيا بيننا حتى اليوم، وما زال يمارس ~~تأثيره في سلوكنا على الرغم من اختفاء النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي أدى ~~إلى ظهوره، فلنحاول أن ندرس - بشيء من التفصيل - نوع العادات والقيم التي ~~يولدها النظام الإقطاعي في المجتمع؛ لكي تتضح لنا عن طريقها كثير من مظاهر عدم ~~التوازن في حياتنا الراهنة، وتستبين من خلالها وسائل التخلص من هذا ~~الاختلال. ~~(2-4) السمات المعنوية للحياة في ظل الإقطاع # ومن الواجب أن تكون نقطة بدايتنا في دراسة السمات العقلية المتولدة عن نظام ~~الإقطاع هي تلك الحقيقة التي أشرنا إليها من قبل؛ وأعني بها أن نظام الإقطاع ~~مرتبط أساسا بالحياة الريفية الزراعية. ولا شك أن طول المدة التي ظل فيها ~~الإقطاع سائدا في الريف قد أدى إلى تداخل وثيق بين العلاقات الاجتماعية ~~الإقطاعية وبين نمط الحياة الريفية بوجه عام؛ بحيث يمكن القول إن قدرا غير ~~قليل من معالم الحياة في الريف - كما نعرفها حتى يومنا هذا - قد تحدد عن طريق ~~نظام الإقطاع، كما يمكن القول من ناحية أخرى إن السمات الرئيسية المميزة ~~للعقلية التي تعيش في ms015 ظل الإقطاع قد تشكلت نتيجة لظروف البيئة الزراعية التي لا ~~يسود هذا النظام إلا فيها. ~~(1) # أولى السمات التي تلفت الأنظار في البيئة الريفية التي يسودها ~~الإقطاع - والتي تؤثر تأثيرا قويا على العقليات في هذه البيئة - ~~هي بساطة نمط الحياة وبطء إيقاعها. وصحيح أن هذه سمة مشتركة بين كل ~~المجتمعات الزراعية. ولكن نزوع المجتمع إلى الثبات ومحاربته ~~للتجديد من الصفات التي تزداد وضوحا في المجتمع الإقطاعي على وجه ~~التخصيص؛ ذلك لأن الإقطاع بطبيعته نظام راكد، يحرص أصحاب السلطة ~~فيه على الاحتفاظ بنفوذهم وسيطرتهم، ويؤمنون - عن حق - بأن شيوع ~~الاتجاه إلى التجديد في أي ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية يمكن ~~أن تنتقل عدواه إلى سائر الميادين؛ ومن ثم فإنه يهدد سلطتهم ذاتها ~~بالخطر. # في مثل هذا المجتمع تتخذ أساليب الإنتاج ذاتها طابعا ثابتا، ~~ولا توجد أية حوافز للتجديد، وينعكس ذلك مباشرة على العقول، فتكون ~~النتيجة أن تتسم طرق التفكير بالثبات، وتتسم العادات الاجتماعية ~~والقيم الأخلاقية بالجمود والتحجر. وإلى هذا العامل يرجع قدر ~~كبير من النفور من التجديد في مجتمعاتنا الريفية، والاعتقاد بأن ~~الأحوال السائدة في المجتمع المحلي هي أوضاع أزلية، كانت ولا تزال ~~موجودة في كل مكان وزمان. ولا جدال في أن ضيق نظام التجارب في ~~المجتمع الريفي يقوم بدور هام في هذا الصدد؛ إذ إن الانفتاح على ~~العالم الخارجي، وتبادل الخبرات مع الشعوب والمجتمعات الأخرى، ظل ~~حتى عهد قريب أمرا عسيرا بالنسبة إلى معظم المجتمعات الريفية في ~~العالم، وزاد تحجر نظام الإقطاع من إحكام هذه العزلة، فكانت ~~النتيجة هي ما نلمسه في المجتمعات الريفية من ارتياب وتشكك في أي ~~نمط من أنماط السلوك أو الاعتقاد يخالف النمط الشائع في المجتمع ~~المحلي، والنظر إلى كل تجديد على أنه بدعة لا تشكل انحرافا ~~فرديا فحسب، بل تمثل خروجا على تقاليد المجتمع ذاته وتحديا ~~وإهانة له. ~~(2) # ويرتبط بالسمة السابقة مباشرة تقديس الماضي على حساب الحاضر ~~والمستقبل؛ ففي المجتمع الذي يسوده النزوع إلى الثبات، والنفور من ~~التغير والتجديد. تعد عبادة الماضي ظاهرة لا مفر منها. ms016 وهذه ~~بدورها ظاهرة نلمسها في كافة المجتمعات الريفية عامة، حيث لم تتغير ~~أساليب الإنتاج إلا في عشرات السنين الأخيرة، بينما ظلت عشرات ~~القرون تكاد تكون ثابتة. ولكن المجتمع الإقطاعي يضيف إلى هذا ~~التعليل العام سببا آخر؛ ذلك لأن زمام السيطرة في هذا المجتمع يقع ~~في قبضة أناس يتجهون، بحكم وضعهم الاجتماعي، إلى تكريم الأسلاف ~~والإشادة بماضيهم؛ فالمالك الإقطاعي الكبير يدين بثروته ونفوذه - ~~في معظم الأحيان - للوراثة، وكثيرا ما تكون ممتلكاته موروثة من ~~أسلاف بعيدين. بل إن لقبه ذاته قد يكون موروثا من أجداد سبقوه ~~بمئات من السنين. وهكذا فإن أمجاده كلها مرتبطة بالماضي، وكل قيمة ~~للحاضر إنما تستمد في نظره من علاقته بهذا الماضي، ولما كان ~~الأعيان الإقطاعيون هم المسيطرون في مثل هذا المجتمع، فإن طرق ~~تفكيرهم وقيمهم الأخلاقية هي التي تنتشر وتطبع صورتها على المجتمع ~~ككل؛ ومن هنا تتعلق الأذهان في مثل هذا المجتمع بالماضي، وتنظر إلى ~~المستقبل - الذي يحمل في طياته دائما احتمالات التغيير - بعين ~~الارتياب. بل إنها لا ترضى عن الحاضر ذاته إلا بقدر ما يكون ~~انعكاسا للماضي، وترى أن القديم أفضل دائما من الجديد، وأن ما ~~انقضى عهده لا يمكن أن يعوض. وحين تصبح هذه الطريقة في التفكير ~~ظاهرة عامة، يؤمن بها الإقطاعيون والفلاحون على حد سواء، يكون ~~معنى ذلك أن أصحاب المصلحة في التغيير يعملون - عن غير وعي منهم - ~~على محاربة التغيير، وعلى تأكيد حقوق الغاصبين الذين يعد التعلق ~~بالماضي عاملا أساسيا من عوامل تثبيت سلطتهم وإحكام قبضتهم على ~~المجتمع. # ويمكن القول: إن كل إفراط في التعلق بالتراث الماضي، في مجتمع ~~معين، إنما هو - في جانب من جوانبه - أثر من آثار هذه العقلية ~~الإقطاعية التي تدين بمبدأ عبادة الأسلاف. صحيح أن من حق كل شعب - ~~بل من واجبه - أن يتذكر أمجاده الماضية ويستمد منها قوة تعينه على ~~النهوض بحاضره. ولكن حين يصل تقديس التراث الماضي إلى حد الإلحاح ~~المريض على هذه الأمجاد مع نسيان الحاضر نسيانا تاما، وإلى حد ~~الاعتقاد بأن تذكير الناس بماضيهم يكفي ms017 وحده لتعويض كل نقائص ~~حاضرهم؛ فعندئذ لا تعود عبادة الماضي عاملا من عوامل نهضة الأمة، ~~بل تصبح عائقا في وجه تقدمها. # وحسبنا أن نشير إلى أن هذا التعلق المفرط بالماضي ينطوي ضمنا ~~على إنكار لمبدأ التقدم، بل على إيمان بإمكان هذا التقدم، فمثل هذا ~~المجتمع يرى أن كل علامات التقدم المحيطة به إنما هي مظاهر خادعة، ~~ويعتقد أن مضي الزمن لا يؤدي إلى زيادة تدهور البشرية، أو على أحسن ~~الفروض: يتركها على ما هي عليه، دون أن يخطو بها إلى الأمام خطوة ~~واحدة. ولا جدال في أن هذه النظرة التشاؤمية مرتبطة أوثق الارتباط ~~بالنزعة الرجعية السائدة في عصور الإقطاع؛ إذ إن بقاء الأوضاع على ~~ما هي عليه، أو على ما كانت عليه في الماضي، هو خير ضمان للمحافظة ~~على مكاسب الإقطاعيين واستمرار سيطرتهم على المجتمع. # هذه الظاهرة تتمثل في بعض المجتمعات التي ظلت خاضعة أمدا طويلا ~~لسيطرة الإقطاع (فضلا عن أنها تنتشر أيضا في المجتمعات التي كان ~~للنظام القبلي فيها دور هام في تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية). ~~وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على عجز عن التكيف مع الواقع، أو ~~على رغبة لا شعورية في الهروب منه. وحين تتخذ عبادة الماضي طابعا ~~متطرفا فإنها تصبح عاملا من عوامل تخدير المجتمع وصرف أنظاره عن ~~مشاغله الحاضرة وعن واجباته في المستقبل؛ ولذلك كان لزاما على كل ~~مجتمع يتطلع إلى إحداث تغيير ثوري في حياته أن يجعل لتأثير ماضيه ~~حدودا لا يتعداها. وأفضل ما يمكن عمله في هذا الصدد هو أن يتخذ من ~~ماضيه قوة تعينه على السير قدما نحو مستقبل أفضل. وهذا أمر لا ~~يصعب إنجازه؛ إذ إن قدرة الأمة على اكتشاف نفسها والاهتداء إلى ~~هويتها الأصلية تعد من أهم العوامل التي تساعدها على النهوض في ~~مستقبلها. بل إن البعض يرى أن تعمق الأمة في معرفة ماضيها وفهم ~~أبعاد شخصيتها يعينها حتى في عمليات التنمية ذاتها، سواء أكانت تلك ~~تنمية اقتصادية أم اجتماعية. في هذا الإطار يعد التعلق بالماضي ~~والسعي إلى ms018 استكشاف أبعاده أمرا مشروعا. أما الوقوف عند حدود هذا ~~الماضي دون النظر إلى متطلبات الحاضر وأهداف المستقبل فمظهر من ~~مظاهر عقلية معتلة ربما كان من أهم أسباب تكوينها انتشار عادات ~~التفكير التي ترجع إلى العصور الإقطاعية. ~~(3) # ومن الطبيعي أن يؤدي هذا النمط الاجتماعي السكوني المتحجر - الذي ~~يسود عصور الإقطاع، والذي يربط العقول بعجلة الماضي أكثر مما ~~يوجهها نحو المستقبل - إلى شيوع التزمت وضيق الأفق في مجال ~~الفكر؛ ففي مثل هذا المجتمع لا يوجد للشك مجال؛ ذلك لأن كل الأسئلة ~~تجد إجابات معدة سلفا، متفقا عليها بما يشبه العرف، ~~والمفروض أن تكون هذه الإجابات كافية، وألا يثار من الأسئلة إلا ما ~~يوجد عنه مثل هذه الإجابات. أما حالة الشك العقلي أو التردد أو عدم ~~الجزم (وهي المعروفة فلسفيا باسم «اللاأدرية») فغير مقبولة في ~~مجتمع كهذا؛ ذلك لأن الشك هو أول خطوات السعي إلى التغيير، الذي هو ~~أكبر المحرمات في المجتمع الإقطاعي. وفي مثل هذا المجتمع لا ~~يسمح لأحد بأن يظل معلقا بين الشك واليقين؛ لأن كل الحقائق ~~التي يسمح بمعرفتها ينبغي أن تكون يقينية وأن تقبل بلا ~~مناقشة. # أما الآراء المعارضة فإن التسامح معها يؤدي إلى انهيار أسس ~~المجتمع الإقطاعي؛ ومن هنا كان مبدأ التسامح ذاته من المبادئ التي ~~لا يعترف بها مجتمع كهذا، ويصدق ذلك على مجال العلم والفكر، مثلما ~~يصدق على مجال السياسة. فكما أن الحريات الفردية لا يسمح بها في ~~المجال السياسي، فكذلك لا تبدي السلطات المسيطرة على المجتمع ~~تسامحا فكريا مع الرأي الذي يخالف العرف المتفق عليه، وتعمل على ~~كبت روح النقد والتحليل العقلي. # على أننا لسنا بحاجة إلى جهد كبير لكي ندرك أن عددا هائلا من ~~أعظم الكشوف التي توصلت إليها البشرية لم يظهر إلا لأن هناك عقولا ~~سيطرت عليها - في البداية على الأقل - روح الشك في المعرفة ~~القائمة، ولم تقتنع بالإجابات السهلة التي يرد بها على تساؤلات ~~العقول، بل لم تكتف أصلا بالنسبة التي يشيع طرحها، وإنما طرحت ~~أسئلة جديدة، وحاولت أن تهتدي بنفسها إلى ms019 الإجابة الصحيحة عنها. ~~وهذا يعني أن التزمت الفكري الذي يسود هذه المجتمعات سيساعد - ~~بدوره - على بقائها في حالة الجمود والتحجر التي أشرنا إليها من ~~قبل بحيث يكون عدم التسامح وضيق الأفق سببا ونتيجة لهذا الجمود ~~في آن واحد. ولعل في هذا ما يكفي لتفسير ظاهرة انعقد عليها إجماع ~~المؤرخين؛ وهي أن أي عصر من عصور الإقطاع لم يشهد تقدما علميا ~~أو فكريا بالمعنى الصحيح، بل حدث هذا التقدم، جزئيا، في بعض ~~العصور السابقة على الإقطاع، ثم تحقق معظمه في العصور اللاحقة له. ~~وكان العامل الأساسي الممهد لهذا التقدم هو التخلص من تزمت ~~العقلية الإقطاعية، والاعتراف بمبدأ التسامح الفكري. فمنذ اللحظة ~~التي أدرك فيها المجتمع أن الشك في المعرفة والآراء السائدة ليس ~~جريمة، وإنما هو دليل على حيوية الفكر. وقد يكون هو الخطوة الأولى ~~نحو الوصول إلى كشف جديد؛ منذ هذه اللحظة أصبح التقدم مسألة وقت ~~فحسب. ولكن لا بد للاعتراف بحق الغير في إبداء آراء مخالفة، ~~ولإدراك قيمة المعارضة الفكرية في النهوض بالمعرفة البشرية في كافة ~~مجالاتها؛ لا بد لذلك من التخلص من بقايا العقلية الإقطاعية بما ~~تفترضه من مجتمع نمطي موحد التفكير. ~~(4) # وإذا كان إنكار مبدأ الشك وعدم التسامح هو الوجه السلبي للعقلية ~~السائدة في عصور الإقطاع، فإن الوجه الإيجابي لهذه الظاهرة نفسها ~~هو الإيمان المفرط بالسلطة؛ ففي جميع مجالات الحياة توجد سلطة ~~نهائية يرجع إليها، وتكون لها الكلمة الأخيرة في كل أمر يختلف ~~عليه الناس. # ولا شك أن فكرة السلطة هذه مستمدة أصلا من وضع المالك ~~الإقطاعي في المجتمع، الذي تكون لديه بالفعل سلطة مادية على ساكني ~~إقطاعيته، كما تكون لديه سلطة معنوية عليهم، تتمثل في إطاعتهم ~~لأوامره وسعيهم إلى محاكاته والرجوع إليه من أجل حل مشكلاتهم. هذا ~~النمط من السلطة يمتد بحيث يسري على سائر المجالات؛ ففي الأمور ~~العقلية بدورها يكون هناك مصدر معين للسلطة يحتكم إليه المشتغلون ~~بالعلم في كل مسألة يريدون استجلاء غوامضها. وقد يكون هذا المصدر ~~شخصا حيا. ولكنه في معظم الأحيان حكيم من ms020 الحكماء السابقين ~~الذين تطمئن العصور الإقطاعية إلى آرائهم ، بعد أن تصبغها بصبغة ~~متحجرة، كما هي الحال بالنسبة إلى أرسطو في العصور الوسطى. # على أن نوع الشخص - ماديا كان أم معنويا - الذي يتخذ منه ~~المجتمع سلطة، لا يهمنا بقدر ما يهمنا مبدأ السلطة ذاته؛ فنتيجة ~~لانتشار هذا المبدأ، يصبح منهج التفكير المعترف به هو إرجاع الجديد ~~إلى القديم، ويضيع عنصر الابتكار الفردي في التفكير. بل إن الإبداع ~~الفردي أمر لا يعترف به أصلا في المجتمع الإقطاعي؛ فكل ما يتم ~~إنجازه في مثل هذا المجتمع يتحقق عن طريق جماعات، لا عن طريق ~~أفراد. أو لنقل بعبارة أدق: إن الفرد لا ينجز في هذا المجتمع ~~شيئا بصفته الفردية، بل بوصفه عضوا في جماعة كبيرة تمحى فيها ~~شخصيته الفريدة المميزة؛ فالفرد لا يتميز إلا من حيث هو عضو في ~~طائفة دينية معينة، أو مشتغل في إقطاعية معينة، أو ينتمي إلى جماعة ~~حرفية معينة. وحتى الإبداع الفني الذي تعد الفردية - في نظر ~~الإنسان الحديث - شرطا أساسيا لتحققه، حتى هذا الإبداع كانت ~~تمحى فيه شخصية الفنان، الذي لم يكن يقوم بعمله الفني إفصاحا ~~عن مشاعره الخاصة، أو رغبة منه في التعبير عن نفسه، وإنما كان يقوم ~~به خدمة لأغراض الطائفة الدينية التي ينتمي إليها، أو تخليدا لاسم ~~الحاكم الذين يدين له بالولاء، أو غير ذلك من الأغراض التي لم تعد ~~لها مكانة هامة - أو لم تعد لها مكانة على الإطلاق - عند الفنان ذي ~~النزعة الفردية في عصرنا الحديث. # ومجمل القول: إن العصور الإقطاعية لم تعترف بالفرد من حيث هو ~~كيان مستقل. بل إنها كانت دائما تدمج الفرد في كيان أوسع تذوب فيه ~~شخصيته الخاصة. وكان على الفرد أن ينظر إلى المبادئ التي تحكم عمل ~~هذا الكيان الأوسع - سواء أكان إقطاعية أم طائفة دينية أم جماعة ~~حرفية - على أنها سلطة لا تناقش، وأن يرجع إليها كلما تشعبت أمامه ~~المسالك والتبست الأمور؛ ليجد لديها الكلمة الأخيرة في كل ما ~~يريد أن يعرفه أو يبت فيه. # وفي مثل هذا ms021 الجو العقلي يستحيل أن تتقدم عملية البحث عن ~~الحقائق؛ إذ إن كل شيء يرد إلى أصول معترف بها من قبل، وتتوقف ~~قيمة النتائج التي يتوصل إليها المرء، لا على قدرتها على إقناع ~~العقل، بل على قوة السلطة التي ترتكز عليها. وهكذا تظل الملكات ~~العقلية للإنسان في حالة خمول وتعطل، ويشيع الاعتراف بمنهج القياس؛ ~~أعني منهج إرجاع كل واقعة جديدة إلى واقعة أخرى أعم تكون معروفة ~~سلفا، وتنحصر قيمة كل إنسان في مدى قدرته على الاستشهاد بآراء ~~الغير، وبالعبارات المحفوظة عن الأجداد والأسلاف، أو المنقولة ~~حرفيا عن أقوال أولي الأمر، لا في قدرته على استخدام عقله من ~~أجل توسيع معارفه والارتقاء بحصيلة المجتمع الإنساني من العلم، ومن ~~فهم العالم الطبيعي والاجتماعي المحيط به. ~~(5) # ولقد كانت النتيجة المباشرة لسيادة أسلوب التفكير القائم على ~~فكرة السلطة، هي شعور الفرد بالاستسلام والعجز عن تغيير أي وضع من ~~الأوضاع التي يجدها سائدة في المجتمع، بل لقد كان الفرد يحس بأن ~~هذه الأوضاع لا تقبل التغيير أصلا؛ فهي أوضاع أزلية لا يملك المرء ~~إلا أن يقبلها على ما هي عليه. # ولقد كان البعض يعمد أحيانا إلى تفسير المبادئ الدينية ~~تفسيرا باطلا يساعد على تقوية هذا الشعور بالعجز عن تغيير ~~الواقع، وذلك عن طريق الدعوة إلى فهم معين لأفكار مثل القضاء ~~والقدر، يزيد من إحساس المرء بأن ما يحيط به في العالم مقدر له ~~منذ الأزل أن يكون على ما هو عليه، وأن جهود الإنسان في هذه الحياة ~~لن تجدي فتيلا؛ لأن كل شيء يسير في طريق مرسوم محتوم لا يملك ~~الإنسان إزاءه شيئا. بل إن بعض المفكرين يرون أن هذا التفسير ~~المتطرف للقدرية إنما هو التعبير المباشر - في المجال الديني - عن ~~الرغبة في الإبقاء على الأوضاع السائدة في العصر الإقطاعي على ما ~~هي عليه، وصبغها بصبغة أزلية لا تتغير ولا تتبدل؛ فحين يصبح كل ~~حادث أمرا يستحيل على الإرادة الإنسانية أن تتدخل فيه أو تعمل على ~~تغييره، يكون معنى ذلك أن النظم الاستبدادية الظالمة في المجتمع ms022 هي ~~بدورها شيء مقدر منذ الأزل، وأن الإنسان لا يملك إلا أن يتركها ~~على ما هي عليه. وبعبارة أخرى: فإن التفاوت الهائل بين الطبقات، ~~والاستغلال البشع الذي تمارسه الطبقة المالكة على الطبقات الدنيا ~~في المجتمع، ينظر إليه في هذه الحالة على أنه تعبير عن المشيئة ~~الإلهية، التي ينبغي أن يقبلها الإنسان دون أدنى اعتراض. وليس هناك ~~ما هو أبعد من هذا التفسير عن الفهم السليم لجوهر العقائد الدينية، ~~التي كانت كلها تستهدف إقرار العدالة ومحاربة كافة أشكال الظلم. ~~وليس هناك أيضا ما هو أحب إلى الطبقات العليا المسيطرة، وأقرب إلى ~~تحقيق أهدافها ومصالحها، من هذه الدعوة التي تؤكد استحالة تجاوز ~~الفوارق بين طبقات المجتمع، وتشيع بين الناس الاعتقاد بأن النظام ~~الاجتماعي ينتمي إلى مجال الأمور الأزلية المقدرة سلفا، وأنه ~~جزء من النظام العام للكون، وأن الإنسان - مثلما يعجز عن أن يجعل ~~الشمس تشرق من الغرب - لا يمكنه أن يتدخل في تغيير الفوارق ~~الاجتماعية التي نظمت بها حياة الناس منذ الأزل. # فهل من المستغرب بعد ذلك أن نجد أصحاب السيطرة في المجتمعات ~~الإقطاعية يشجعون أمثال هذه التفسيرات الباطلة للعقائد الدينية؟ لا ~~جدال في أن الارتباط واضح بين مصالحهم الشخصية وبين انتشار الدعوة ~~القائلة بأن الشكل الجائر للنظام الاجتماعي هو جزء من نظام الكون؛ ~~ومن هنا فقد أصبحوا، على مر التاريخ، حماة لأصحاب هذه الآراء ~~الباطلة، وكونوا معهم تحالفا وثيقا، بل لقد تداخلت الفئتان ~~تداخلا وثيقا، كما حدث في أوروبا عندما أصبح رجال الدين في ~~العصور الوسطى هم في الوقت ذاته من كبار الإقطاعيين، وصار دفاعهم ~~عن فكرة ثبات النظم الاجتماعية القائمة وأزليتها دفاعا عن مصالحهم ~~الخاصة، لا عن مصالح حلفائهم فحسب. ~~(6) # وأخيرا، فإن تأثير هذه المصالح قد انعكس على التصور الديني ~~لكثير من المجتمعات الإقطاعية في صورة أخرى، أسهمت بدورها في تشكيل ~~عقول أفراد هذه المجتمعات بصورة مميزة؛ تلك هي إدخال نوع من ~~التفاوت أو التسلسل في المراتب في المجال الروحي ذاته، فهناك ~~مجتمعات تتصور الألوهية عالية مترفعة عن عالم البشر، ms023 وتقيم نوعا ~~من تدرج المراتب بين هذه الألوهية وبين عامة الناس؛ فبعد الله يأتي ~~الأنبياء والقديسون، ثم كبار الكهنة أو رجال الدين، ويتدرج الترتيب ~~بعد ذلك حتى يصل آخر الأمر إلى الإنسان العادي. # ولا بد للارتقاء إلى كل مرحلة من هذه المراحل من المرور ~~بالمراحل السابقة؛ أي إن الإنسان العادي لا يستطيع مثلا أن يتقرب ~~إلى الله، أو يحظى بشفاعة أحد القديسين، إلا عن طريق الكاهن الذي ~~يتوسط بينه وبينهم. # والدليل على أن هذه النظرة إلى الدين انعكاس لنظام اجتماعي يتسم ~~أيضا بالتدرج وتفاوت المراتب، هو أن هناك نظرات أخرى إلى الدين ~~تختفي فيها هذه الحواجز، ويشيع فيها التقارب بين الله والإنسان؛ إذ ~~يعد الله قريبا من البشر، مستجيبا ومعينا لهم. بل إن بعض ~~المذاهب الدينية تؤكد حلول الله في العالم، وإمكان اتحاد الإنسان ~~به إذا ارتقى إلى مستوى معين من الروحانية. هذه الفكرة الأخيرة ~~ترتبط بنظرة أكثر ديمقراطية إلى المجتمع البشري؛ لأنها لا ترتكز ~~على تأكيد الفوارق في المرتبة بين الموجودات، ولأنها تعطي الإنسان ~~العادي أملا في بلوغ أهداف العقيدة الدينية دون حاجة إلى واسطة. ~~وبالفعل سادت هذه النظرة في العصور التي كانت أقرب إلى الروح ~~الديمقراطية، على حين أن فكرة تسلسل المراتب من الأعلى إلى الأدنى ~~كانت مقترنة بالتفاوت والفوارق التي هي أول خصائص المجتمع ~~الإقطاعي. ~~(3) المرحلة الرأسمالية # مقدمة # لم يكن الانتقال من نظام الرق إلى المرحلة الإقطاعية انتقالا مفاجئا، ولم ~~يكن يمثل ثورة إنتاجية وعقلية بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأن القوى المنتجة في ~~نظام الإقطاع - وهي رقيق الأرض - لم تكن تختلف كثيرا عن العبيد في نظام الرق ~~القديم. كذلك فإن شكل الإنتاج لم يطرأ عليه تغير أساسي؛ إذ إنه ظل في أساسه ~~زراعيا، فضلا عن أن حجم الإنتاج كان محدودا. وكانت أساليبه لا تختلف كثيرا ~~في بساطتها عن نظيرتها في نظام الرق. # أما الانتقال من المرحلة الإقطاعية إلى المرحلة الرأسمالية فكان انتقالا ~~حاسما بحق؛ فقد طرأ على شكل الإنتاج تحول أساسي؛ بحيث لم تعد الزراعة هي ~~المصدر الأساسي ms024 لثروة المجتمع، بل حلت محلها الصناعة، التي لم يكن لها في ~~المراحل السابقة إلا دور محدود، يناظر الأساليب الساذجة التي كانت تستخدم ~~في ممارسة الحرف اليدوية. كذلك فإن القوى الإنتاجية قد طرأ عليها تغير أساسي، ~~يتمثل في الانتقال من رقيق الأرض إلى العامل الأجير. ولعل أهم مظاهر هذا التغير ~~هو أن الاستبداد الذي كان يحل على رقيق الأرض أو حتى على العبد كان منصبا ~~عليه مباشرة من حيث هو «شخص». أما العامل الأجير فقد أصبح يخضع لنوع غير مباشر ~~من الاستبداد، لا ينصب على شخصه، بل عليه من حيث هو ينتمي إلى «طبقة»؛ فصاحب ~~العمل لا يستغل هذا العامل أو ذاك على وجه التحديد، بل هو يستغل العمال من حيث ~~هم أجيرون؛ أي من حيث إن لهم وضعا طبقيا خاصا. # ولقد كان من الطبيعي أن ينعكس تأثير هذه التغيرات الحاسمة على العادات ~~العقلية والنزعات الفكرية للإنسان في العصر الرأسمالي. ومع ذلك فإن هذه ~~التغيرات لم تحدث دفعة واحدة، بل حدثت متدرجة على مراحل متعددة، يختلف تعدادها ~~باختلاف وجهة النظر المتبعة في بحثها؛ على أننا نستطيع - بالنسبة إلى أغراض ~~بحثنا - أن نلمح فارقا أساسيا بين مرحلتين للرأسمالية، كانت لكل منهما ~~خصائصها المميزة (مع وجود سمات هامة مشتركة بينهما بطبيعة الحال)، هما مرحلة ~~الرأسمالية المبكرة، ومرحلة الرأسمالية المكتملة، وسوف ندرس كلا من هاتين ~~المرحلتين من الزاوية التي ينصب عليها موضوع هذا الفصل؛ وأعني بها التأثير ~~الفكري والمعنوي الذي يترتب على كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي. ~~(3-1) الرأسمالية المبكرة # كانت أهم المعالم التي تنبئ بانهيار المرحلة الإقطاعية وبداية ظهور مرحلة ~~جديدة في التطور الاجتماعي هي: ~~(1) # ظهور فئة منتجة مستقلة هي فئة «الصناع»، التي يمكن أن يعد ~~ظهورها مرحلة وسطا بين الاقتصاد الإقطاعي الذي كان زراعيا، ولم ~~يكن يعرف إنتاجا حرفيا منظما، وبين المرحلة الصناعية المكتملة ~~في العصر الحديث. هذه الفئة لم تكن قد انفصلت تماما عن الواقع ~~الذي تنتج فيه ومن أجله، بل كانت لا تزال لها صلات قوية بإنتاجها ~~وبالأغراض التي ms025 تنتج من أجلها. ~~(2) # ظهور نمط اقتصادي لا يستهدف الاستهلاك في نفس الوحدة المنتجة؛ أي ~~ظهور البوادر الأولى «للسوق»، التي ينفصل فيها المنتج عن المستهلك. ~~ومع ذلك فإن المعالم الكاملة للسوق، من حيث هي كيان لا شخصي مجهول ~~لا يعرف العامل المنتج عنه شيئا سوى أنه قوة تتحكم فيه دون أن ~~يدري عنها شيئا؛ هذه المعالم لم تكن قد تحددت بعد بوضوح في هذه ~~الفترة. ~~(3) # ولعل أهم مظاهر التحول إلى المرحلة الجديدة هو ظهور التاجر من ~~حيث هو قوة رئيسية في الاقتصاد، تتحمل مخاطرة الشراء من المنتج ~~لكي تبيع لمستهلك لا صلة له بهذا المنتج. ومن المعترف به أن ~~التجارة قد عرفت منذ أبعد العصور. ولكن دورها في هذا العصر كان ~~متميزا: فقد أصبح التاجر يعتمد على نوع جديد من الثروة لم يكن ~~يعرفه العصر الإقطاعي الذي كانت ملكية الأرض فيه هي الشكل الوحيد ~~المعروف للثروة. هذا النوع الجديد هو رأس المال التجاري الذي أصبحت ~~له أهمية فعالة في شراء المواد والأدوات اللازمة للإنتاج ولتخزين ~~المنتجات، فضلا عن أهميته في الائتمان والمعاملات ~~المصرفية. # والواقع أن الدور الأكبر الذي قام به التاجر في تطوير الاقتصاد نحو المرحلة ~~الرأسمالية، كان يتمثل في تأكيده لأهمية المال كقوة جديدة لها وزنها الفعال في ~~المجال الاقتصادي. فبعد أن كانت الأرض وقوة العمل التي يبذلها فيها الفلاحون هي ~~المصدر الأساسي لإنتاج الثروة في المجتمع، أصبح هناك مصدر جديد لا صلة له بأي ~~شكل مباشر من أشكال الإنتاج (لأن المال النقدي لا يستطيع - بذاته - أن ينتج ~~شيئا). ولقد كان هذا المصدر الجديد هو الذي أعطى المرحلة الرأسمالية شكلها ~~المميز، وهو نقطة البداية في تحديد المعالم الرئيسية لهذه المرحلة ~~الجديدة. ~~(أ) تأثير التعامل النقدي # لكي ندرك قوة التأثير المادي والمعنوي الذي أحدثه التعامل النقدي في ~~العصر الرأسمالي المبكر، ينبغي علينا أن نبدأ بكلمة موجزة نعرض فيها لطبيعة ~~النقود من حيث هي قوة اقتصادية؛ فالنقود وسيط يتم عن طريقه التبادل، وهي ~~وسيلة لتخزين الثروة ومقياس للقيمة، وإن كانت مقياسا متقلبا ms026 لا يتسم ~~بالثبات. وقد كانت النقود تتخذ في البداية شكل قطع من المعدن (كالذهب أو ~~الفضة أو النحاس) توزن عند إجراء كل تعامل أو صفقة، ثم صنعت قطع من ~~المعدن لها وزن ثابت وسمك معلوم، وأصبحت الحكومات ضامنة لها، وبهذه ~~الوسيلة أصبح تبادل السلع أيسر بكثير مما كان عليه في نظام المقايضة؛ إذ إن ~~هذا النظام الأخير يحتم على الشخص الذي يريد استبدال سلع أن يجد شخصا آخر ~~لديه ما يريد من السلع، ويريد ما لديه منها، وهو شرط لا يمكن تحقيقه في كل ~~الأحوال؛ ولذلك كانت النقود عاملا حاسما في ازدهار التجارة، وفي تعميق ~~تقسيم العمل وتوسيع نطاقه. وقد يسرت النقود تكديس الفوائض في الثروة، ~~وبالتالي تكوين رأس المال؛ وذلك لسهولة تخزينها وإمكان جمعها في حيز محدود؛ ~~ولأنها لا تفسد كالحاصلات الزراعية مثلا، فضلا عن سهولة نقلها من مصادر ~~متعددة؛ بحيث يصبح من السهل جمع مدخرات أناس كثيرين في مكان واحد ~~واستغلالها في مشروع أوسع نطاقا. # ولا يمكن القول: إن هذا التعامل النقدي قد بدأ لأول مرة في الفترة التي ~~نتناولها هنا بالعرض؛ إذ إن بوادره الأولى قد بدأت منذ الحضارات القديمة: ~~كالحضارة السومرية، التي ظهرت فيها أول بدايات نظام الائتمان ودفع الفوائد ~~لقاء القروض، كذلك تضمن قانون حمورابي الذي يرجع تاريخه إلى حوالي 1750 قبل ~~الميلاد نصوصا خاصة بالعقود وبالتعهدات والالتزامات في مجال الأعمال ~~الاقتصادية. ولكن أهمية التعامل النقدي - بوصفه عاملا حاسما في الحياة ~~الاقتصادية والاجتماعية - لم تظهر بوضوح إلا في العهد المبكر ~~للرأسمالية. # ذلك لأن مرونة المال النقدي وسهولة ~~تبادله وتشكيله بأشكال مختلفة، أدت إلى تحرر الأفراد الذين يملكونه من ~~الارتباط بالمكان الثابت الذي كان من قبل هو المصدر الوحيد للثروة؛ وأعني ~~به الأرض الزراعية، وزيادة قدرتهم على التنقل من مكان إلى آخر، بل من وطن ~~إلى وطن. وكان هذا من العوامل الأساسية التي أدت إلى أن تصبح المدن مركز ~~الثقل في الحياة الاقتصادية في العصر الرأسمالي، بعد أن كانت هذه الحياة ~~تتركز من قبل في الريف؛ ms027 فالحضارة الرأسمالية حضارة مدن قبل كل شيء. بل إن ~~بقايا الطبقة الإقطاعية حين شعرت بالضعف - نظرا إلى ثبات دخلها وافتقارها ~~إلى المرونة - أخذت في بيع أراضيها وتحولت إلى المدينة مستهدفة تحقيق ~~مطالبها فيها؛ وبذلك ازدادت أهمية الريف ضآلة، وساهم الإقطاع في هدم نفسه ~~بنفسه، وكلما توطدت دعائم حياة الحضر؛ ازداد المجتمع تعلقا بها؛ إذ يجد في ~~المدن خير مجال لتبادل السلع وكذلك لتبادل الأفكار؛ ذلك لأن التبادل ~~التجاري كان على الدوام أيسر الطرق لتبادل الخبرات والتجارب بين مختلف ~~الجماعات. # وكما أدى التبادل النقدي إلى زيادة ~~المرونة في التنقل المكاني، فإنه أدى أيضا إلى زيادة المرونة الاجتماعية؛ ~~ذلك لأن مكانة الفرد لم تعد متوقفة على ما يملكه من الأرض الزراعية، أو على ~~لقبه الوراثي، بل أصبحت تتوقف على مقدار ما يستطيع تكديسه من المال، والمال ~~قيمة اقتصادية تجريدية، لا شأن لها بالأشخاص، تعطي من يملكها - أيا كانت ~~صفاته الأخرى - قوة ونفوذا في المجتمع. وحين لا يعود للعوامل الشخصية دور ~~في تحديد طابع الملكية، أي حين تصبح الملكية ذات صبغة لا شخصية محايدة، فإن ~~الفوارق الجامدة بين الطبقات تبدأ في الزوال، ويصبح الانتقال من طبقة ~~اجتماعية إلى طبقة أخرى أمرا ممكنا إذا توافر المال اللازم. وهكذا فبينما ~~كانت الوراثة والأصل العائلي تحول دون انتقال أي شخص من الطبقات الدنيا إلى ~~الطبقة العليا إلا في أحوال نادرة، فإن مثل هذا الانفصال أصبح الآن أمرا ~~ممكنا. بل إن الطبقة العليا القديمة أصبحت عاجزة عن الاحتفاظ بمكانتها، ~~وأصبحت فرص من لا ينتمون إلى هذه الطبقة في الارتقاء أكبر من فرص كبار ~~الملاك الوراثيين؛ لأن أسلوب التعامل النقدي والتجاري لم يكن غريبا ~~بالنسبة إلى الأولين. # وحتى في الحالات التي لم يكن فيها الارتقاء إلى الطبقة العليا ممكنا، ~~كان العامل الذي يظل في الطبقة الدنيا أكثر تحررا من الفلاح المرتبط بأرض ~~الإقطاعي في نواح متعددة؛ ذلك لأن العامل يتلقى أجره نقدا، على حين أن ~~الثاني يتلقاه - في الأغلب - عينا. وحين يتخذ الأجر صبغة النقد القابل ~~للتداول الحر ms028 في أشكال لا حصر لها، يستطيع العامل أن ينفقه كيفما شاء ~~وأينما شاء، ويصبح له بالتالي مزيد من الحريات من الوجهة النظرية على ~~الأقل. # وهكذا يتضح لنا أن شكل التبادل النقدي لم يقتصر تأثيره على المجال ~~الاقتصادي البحت فحسب، بل لقد امتد هذا التأثير حتى أضفى على الحياة بأسرها ~~طابعا جديدا، وسوف تزداد هذه الحقيقة وضوحا عندما ندرس السمات المميزة ~~للعصر الرأسمالي المبكر. ~~(ب) السمات الفكرية للمرحلة الرأسمالية المبكرة ~~(1) # بينما كان العصر الإقطاعي عصر ثبات وجمود في الأفكار ~~والعادات والقيم، أصبح التغيير هو شعار العصر الرأسمالي في ~~مراحله الأولى، فلم يكن الإنسان في ذلك العصر يؤمن بوجود أي ~~نظام راسخ لا يتغير، سواء في الطبيعة أو في المجتمع، بل كان ~~يعتقد اعتقادا جازما بأن قدرته على التغيير تسري على كل شيء، ~~وبأنه لا توجد عوائق تمنعه من استطلاع كل المجالات وإثبات ~~فاعليته فيها. ~~(2) # كان ذلك عصرا اكتشف فيه الإنسان نفسه والعالم المحيط به من ~~جديد. فبعد أن كان اللاهوتيون يوهمونه بأن العالم الآخر هو ~~وحده الذي ينبغي أن تتعلق به آمال الإنسان وتتجه نحوه جهوده، ~~أصبح يتجه بكل قواه نحو استطلاع آفاق العالم الطبيعي بكل ~~تفاصيله، وتمثل ذلك في حركة الكشوف الجغرافية التي تضاعفت ~~بسببها أبعاد العالم المعروف للإنسان، وكشفت فيها قارات جديدة ~~مليئة بالثروات وإمكانات الاستغلال، كما تمثل في عكوف العلماء ~~على كشف أسرار الطبيعة بمناهج واقعية وتجريبية دقيقة، وحرصهم ~~على ملاحظة تفاصيلها ملاحظة تشريحية دقيقة وكأنهم يكتشفون ~~العالم المحيط بهم لأول مرة. ~~(3) # ولم يكن من الممكن أن يتم هذا التحول لو لم يكن الإنسان في ~~ذلك العصر قد أصبح متفائلا معتدا بنفسه وبقواه، مؤمنا ~~بأهمية العمل، وبأن كل جهد يبذله لا بد أن يعود عليه بمزيد ~~من النفع والرخاء. ولقد كانت تلك بالفعل سمة بارزة من سمات ~~المرحلة الرأسمالية المبكرة، ميزتها بوضوح عن المرحلة ~~الإقطاعية التي كان يسودها الإحساس بالتشاؤم وبالانصراف عن ~~العالم وبعدم جدوى أي جهد يبذله الإنسان في هذه الحياة. وكان ~~للعقيدة البروتستانتية - التي أخذت عندئذ ms029 في الانتشار في ~~أجزاء هامة من أوروبا بعد أن ظلت الكاثوليكية هي المذهب الرسمي ~~للمسيحية طوال ما يقرب من ألف وخمسمائة عام - دور هام في وضع ~~أسس هذه النظرة الجديدة إلى العالم. بل إن بعض الكتاب - مثل ~~ماكس فيبر # Max weber # وتاوني # Tawney ~~- يرون أن ~~للبروتستانتية تأثيرا مباشرا في ظهور الرأسمالية؛ ذلك لأن ~~الروح البروتستانتية قد أزالت العوائق التقليدية التي كانت تقف ~~حائلا في وجه الرغبة في التملك، ولم تكتف بتأكيد أن دافع ~~الربح مشروع، بل قد نظرت إلى السعي إلى الربح على أنه أمر تتجه ~~إليه الإرادة الإلهية مباشرة، وكل ما ينهى عنه الله هو الترف ~~المفرط والتبديد. أما الاستخدام الرشيد للثروة من أجل تحقيق ~~مصالح الفرد والمجتمع فأمر تدعو إليه العقيدة الجديدة بحماسة، ~~كذلك كانت هذه العقيدة تعلي من قدر العمل الدائب المستمر ~~الشاق، سواء أكان عملا يدويا أم عقليا. وفي ذلك كانت ~~تختلف اختلافا واضحا عما تدعو إليه الفلسفة اليونانية - ~~ممثلة في قطبيها الكبيرين: أفلاطون وأرسطو - من احتقار للعمل ~~اليدوي، واعتقاد بأنه يحط من قدر من يشتغل به وينزع عنه ~~إنسانيته. وهكذا كانت البروتستانتية تحمل بشدة على حياة ~~التكاسل والاسترخاء، حتى بالنسبة إلى من تسمح لهم ثروتهم بمثل ~~هذه الحياة، وقد بلغ الأمر بالعقيدة الجديدة إلى حد أنها دعت ~~إلى ممارسة العمل لذاته، بوصفه شيئا يأمر به الله، لا من أجل ~~ما يجلبه من جزاء. وكان ذلك في رأي البعض مظهرا من مظاهر ~~حاجة الرأسمالية في بداية نشأتها إلى عمال يمكن استغلالهم ~~اقتصاديا على أساس من العقيدة، وهو نوع من التبرير لم يعد ~~ضروريا بعد أن اكتملت السيطرة للرأسمالية في مرحلة لاحقة من ~~تاريخها. ~~(4) # على أن هذا العصر، في تفضيله للنزعات المتعلقة بالدنيا على ~~الروح الزاهدة، لم يكن على الإطلاق عصرا لا دينيا، وكل ما ~~في الأمر أنه كان مضادا لسلطة الكهنوت والكنيسة الرسمية بقدر ~~ما كانت تضع قيودا على نشاط الإنسان في استغلال العالم المحيط ~~به، وترتب على ذلك أن الدين أصبح ينظم العالم الداخلي الباطن ms030 ~~للإنسان. أما العالم الخارجي فإنه يترك للإنسان حرية التصرف ~~فيه، ولا يتدخل في أفعاله الظاهرة. وكان ذلك عاملا ساعد على ~~إطلاق طاقات الإنسان الأوروبي بعد أن كانت أحكام الدين تتدخل ~~حتى في أبسط ما يقوم به من أفعال، وتنظم كافة مظاهر سلوكه ~~وفقا لمبدأ الزهد والانصراف عن شئون الحياة. ~~(5) # على أننا نستطيع أن نقول: إن أبرز السمات التي تميزت بها ~~المرحلة الرأسمالية المبكرة عن المرحلة الإقطاعية السابقة ~~عليها تميزا قاطعا، كانت الاعتراف بالسيادة المطلقة للعقل، ~~والتخلي عن كل النزعات اللاعقلية التي كانت تسود العصر السابق. ~~ولا شك في أن عنصر التعامل النقدي - الذي أشرنا إلى أهميته من ~~قبل - كان مرتبطا بهذا الإعلاء من شأن العقل؛ إذ إن التعامل ~~النقدي يتسم - كما بينا - بأنه تجريدي لا شأن له بالعوامل ~~الشخصية، وتلك بدورها سمة هامة من سمات التفكير العقلي الذي ~~يترك المحسوسات جانبا ليتعامل مع المجردات، فضلا عن أنه لا ~~يعمل حسابا للانفعالات والمشاعر الشخصية، وكلما تمكن من ~~التخلي عن العوامل الذاتية كان أقدر على أداء وظيفته الحقة. ~~وفضلا عن ذلك فإن التعامل النقدي وما يرتبط به من حسابات ~~مالية ومصرفية معقدة، يحتاج إلى تقدم في التفكير الرياضي ~~العقلي؛ ومن هنا لم يكن من المستغرب أن تحرز الرياضيات في ~~ذلك العصر تقدما كبيرا بالقياس إلى فترة الركود التي مرت بها ~~منذ انقضاء العصر اليوناني القديم. # ولقد كان من الضروري للتاجر - ثم لصاحب المصنع فيما بعد - أن ~~ينظر إلى كل الظواهر على أنها قابلة للتنبؤ وللحساب الدقيق؛ ~~بحيث يرى العالم كله كما لو كان مصنعا آليا ضخما يمكن حساب ~~كل ما يجري فيه من عمليات. وكانت تلك القدرة العقلية على حساب ~~التفاصيل والتنبؤ - على أساس مدروس - بتطورات الأحداث جزءا لا ~~يتجزأ من تكوين رجل الأعمال الناجح في ذلك العصر، بل لقد كانت ~~الواقعية الصارمة صفة لا بد منها لمثل هذا الرجل، ولم تكن ~~الروح المكيافيلية إلا تعبيرا صادقا عن أخلاق العصر ~~الرأسمالي الأول، وعن القيم العقلية السائدة فيه. كما أن قصة ~~مثل «دون ms031 كيخوته» لم تكن بدورها إلا تأكيدا - لا يخلو من ~~مرارة - لانقضاء عهد الفرسان النبلاء المؤمنين بقيم الشهامة ~~والبطولة الفردية، وظهور عالم واقعي صارم يحسب كل شيء فيه ~~بحساب العقل الموضوعي الدقيق. # ولم يكن من الممكن أن يصمد في المنافسة الحادة التي أصبحت ~~تميز ميدان الأعمال الاقتصادية، إلا من توافرت له صفات الذكاء ~~الفردي والمهارة والصرامة والقدرة على التوقع واستباق الحوادث. ~~أما الصفات المكتسبة من الحسب والنسب والمزايا الوراثية فلم ~~تعد تجدي نفعا، وهكذا فإن وزن الأمور كلها بميزان العقل ~~الدقيق - بغض النظر عن أي اعتبار شخصي - أصبح هو السمة التي ~~ينبغي أن تتوافر في الإنسان كيما يتحقق له النجاح. # بل إن الحروب ذاتها قد اصطبغت بهذه الصبغة العقلانية ~~اللاشخصية، فقد كان حلول المدفع محل السيف تعبيرا رمزيا عن ~~الانتقال من عصر شخصي إلى عصر عقلاني صارم؛ لأن القتال بالسيف ~~قتال بين شخص وآخر، أو بين إنسان وإنسان، على حين أن المدفع ~~يصيب دون التحام مباشر بين أشخاص، ولا يميز في الإصابة بين ~~إنسان وآخر، بل لا يعرف من الذي يصيبه، ولو أمعنا الفكر ~~قليلا لتبين لنا وجود نوع من التوازن بين الانتقال من التعامل ~~العيني بالسلع إلى التعامل النقدي المجرد، أو من إنتاج الثروة ~~في مزرعة يملكها سيد إقطاعي إلى مصنع يعمل فيه عمال لا تربطهم ~~بصاحب العمل أية صلة شخصية، وبين التحول الذي أشرنا إليه في ~~أساليب الحرب من السيف والدرع إلى المدفع والبارود. ~~(6) # ولقد كان العلم بدوره يقوم بدور حاسم في تأكيد هذه النظرة ~~الموضوعية إلى الأمور؛ بحيث يمكن القول: إن الكشوف العلمية ~~الحديثة قد أرست الأساس العقلي الذي تستطيع الرأسمالية الناشئة ~~أن ترتكز عليه، في نفس العصر الذي نتحدث عنه حدث تحول في العلم ~~لا يمكن تجاهل سماته التي توازي سمات التحول الاقتصادي، فقد ~~بدأت الرياضيات تقوم بدور هام، لا في المجال العلمي فحسب، بل ~~في مجال الحياة اليومية أيضا، وإذا كنا اليوم قد اعتدنا أن ~~نعبر عن عدد لا حصر له من مظاهر حياتنا بالأرقام - كما ms032 في ~~الإحصائيات التي تحدد مستوى التقدم الاقتصادي. وفي الحسابات ~~التي تقوم بها في حياتنا الخاصة - فإن الأوروبيين في العصر ~~الإقطاعي لم يكونوا يبدون اهتماما بالأرقام، بل لم يكونوا ~~يهتمون حتى بتحديد أعمارهم بدقة، ونستطيع أن نلمس الفارق بين ~~العصرين وبين العقليتين - بوضوح - إذا ما قارنا بعض العادات ~~التي لا تزال شائعة في الريف المصري بعادات أهل المدن؛ ففي ~~الريف لا زلنا نجد بعضا من كبار السن يصعب عليهم تحديد يوم ~~ميلادهم، كذلك لا يقوم الزمن بدور أساسي في الحياة اليومية، ~~وإنما تحدد المواعيد حسب «مغرب الشمس» أو «في العشية»، على حين ~~أن ساكن المدينة يعمل حسابا للدقائق قبل الساعات، ولا يستغني ~~عن الدقة الكاملة في جميع معاملاته. # وهكذا كان اكتساب عادات الدقة والانضباط من الصفات الضرورية ~~في المرحلة الرأسمالية الجديدة. بل إن من المفكرين من يذهبون ~~إلى أن العصر الرأسمالي قد بدأ منذ اللحظة التي اخترعت فيها ~~«الساعة»: وذلك أولا لأن الساعة نموذج كامل للآلة الدقيقة ~~التي تنظم حركاتها بنفسها؛ ومن ثم فهي النموذج الأول لحركة ~~التصنيع الآلي في العصر الرأسمالي، وثانيا - والأهم - لأن ~~الساعة أدت إلى تأكيد عادات الدقة والضبط والانتظام، وخلقت ~~عالما ينظمه العقل، ويحسب كل شيء فيه حسابا دقيقا، لا ~~عالما يخضع لإيقاع الطبيعة الخارجية أو الطبيعة الإنسانية ~~الداخلية في تحديد المواعيد وتنظيم الأعمال. # ولقد كانت عادات الدقة هذه هي أول العوامل التي أدت إلى قيام ~~الثورة العلمية الحديثة في أواخر القرن السادس عشر، وإلى ~~التوصل إلى أساليب جديدة في البحث العلمي لم يكن للعصور ~~السابقة عهد بها، فبفضل هذه العادات استطاع علماء الفلك - ~~مثلا - أن يقوموا بحسابات دقيقة أدت إلى إحداث انقلاب كامل في ~~نظرة الإنسان إلى العالم، ومثل هذا يقال عن علم الطبيعة ~~(الفيزياء)، ثم الكيمياء فيما بعد، وغيرها من العلوم ~~الحديثة. # ولو تأملنا مثلا واحدا، وهو النظرية الجديدة في علاقة ~~الشمس بالأرض كما توصل إليها كبرنيكوس في القرن السادس عشر؛ ~~لاستطعنا أن ندرك مدى التأثير المتبادل بين التحول في نمط ~~التفكير العلمي والتحول في ms033 نمط الإنتاج الاقتصادي؛ ذلك لأن ~~كبرنيكوس حين أكد أن الأرض هي التي تدور حول الشمس لا العكس، ~~لم يكن يتحدى بذلك تراثا علميا يرجع إلى قرون كثيرة فحسب، ~~بل كان يتحدى أيضا اعتقادا راسخا لدى الإنسان العادي، تؤيده ~~حواسه وتجربته اليومية الملموسة؛ إذ لا يبدو أن هناك ما هو ~~أكثر يقينا، بالنسبة إلى هذه التجربة، من أن الأرض ثابتة، وأن ~~الشمس والكواكب الأخرى هي التي تدور حولها؛ ومن هنا لم تكن ~~الثورة التي أحدثها كبرنيكوس ثورة في مجال علمي محدد فحسب، بل ~~كانت أيضا ثورة في طريقة الإنسان الحديث في النظر إلى الأمور؛ ~~أعني أنها كانت دعوة إلى عدم التقيد بالعوامل الشخصية والأحكام ~~التي توحي بها إلينا التجربة اليومية، وتفضيلا للعقل الموضوعي ~~الصارم على الآراء الذاتية، وإعلانا لانهيار النظرة الشخصية ~~إلى الأمور وحلول النظرة العلمية - المبنية على الحساب الدقيق ~~- محلها، وتلك كلها في واقع الأمر أمور تحققت، بطريقة تكاد ~~تكون موازية تماما لهذه، في مجال الاقتصاد؛ إذ إن نمط ~~الاقتصاد التجاري والرأسمالي الجديد كان يتصف، بالقياس إلى ~~النمط الإقطاعي الزراعي بنفس النوع من الموضوعية ومن تجاهل ~~الاعتبارات الذاتية والشخصية، والاعتماد على التنبؤ والحساب ~~الدقيق بصرف النظر عن كل رأي شخصي أو شعور ذاتي. # على أن تقدم العلم لم يقتصر على الجانب النظري وحده. بل إن ~~العلم أحرز تقدما كبيرا في الجانب التطبيقي أيضا. وكان ~~التقدم التطبيقي دليلا على أن العلم أخذ يمارس وظيفته ~~الاجتماعية على نحو أكمل. وقد تمثلت هذه النظرة إلى العلم ~~بوصفه نشاطا يؤثر في المجتمع ويتأثر به، تمثلت بوضوح كامل ~~في فكر الفيلسوف الإنجليزي «فرانسس بيكن»؛ ففي رأيه أن العلم ~~يجب أن يزيد من سعادة الحياة الإنسانية، وألا يكون معرفة من ~~أجل المعرفة فحسب. وكان يرى أن المخترعين والعلماء التطبيقيين ~~هم الذين يحتلون قمة السلم الاجتماعي، لا الحكماء النظريون أو ~~رجال اللاهوت. والواقع أن بيكن قد استبق عصر التكنولوجيا ~~الحديثة عندما أكد أن المخترعات المرتكزة على العلم قادرة على ~~تغيير حياة البشر، وعلى أن تضفي على العالم ms034 بأسره شكلا ~~جديدا. وهكذا كانت لديه قدرة تنبؤية على الاستبصار بالعالم ~~الذي سيأتي من بعده عالم التقدم التكنولوجي المتلاحق. # وإذن، فعلى المستوى النظري كان تقدم العلوم الرياضية، وزيادة ~~دقة التعبير الكمي عن قوانين الطبيعة، مرتبطا أوثق الارتباط ~~بالعصر الجديد، تقوم فيه الحسابات الرياضية بدور هام في ~~معاملات السوق، وعلى المستوى التطبيقي انتفع العصر الصناعي ~~الجديد من الرياضيات التطبيقية كثيرا في صنع الآلات، فضلا عن ~~انتفاعه من العلوم الطبيعية والكيماوية في تسخير طاقات جديدة ~~لخدمة الإنسان، وسرعان ما اقتنع رجال الصناعة بأن السبيل إلى ~~زيادة إنتاجهم وتحسينه والإقلال من مصروفاتهم هو اتباع ~~الأساليب العلمية؛ أي ما يعرف بأساليب الترشيد، فضلا عن ~~إدخال الآلية على نحو متزايد، وبالاختصار فإن نفس الروح التي ~~كانت تدفع الرأسمالي إلى مزيد من الاستثمار والنشاط الاقتصادي، ~~كانت تدفع المكتشف إلى ارتياد آفاق جديدة، والعالم إلى كشف ~~قوانين جديدة، والمخترع إلى ابتداع تطبيقات جديدة؛ إذ إن ~~الجميع كانوا يسعون إلى زيادة قوة الإنسان وإحكام سيطرته على ~~الطبيعة. ~~(7) # وأخيرا، فلا بد لنا أن نشير إلى سمة أخرى هامة من سمات ~~هذا العصر، ترتبت على التحول الأساسي الذي طرأ على حياته ~~الاقتصادية، هي نمو النزعة الفردية في مجالات الأخلاق والأدب ~~والفن. وليس من الصعب أن نجد تعليلا لهذه الظاهرة في ضوء ظروف ~~العصر؛ ذلك لأن الشخص الناجح في العصر الجديد لم يكن يدين ~~بنجاحه لأسرته أو لقبه الوراثي، ولم يعد الانتماء إلى جماعة ~~معينة هو أساس التفوق. بل إن كل شيء أصبح يتوقف على الجهود ~~الخاصة التي يبذلها كل فرد. وكان ذلك العصر حافلا بأمثلة ~~الأشخاص العصاميين الذين تمكنوا بجهودهم الخاصة من أن يصلوا ~~إلى مكان الصدارة في المجتمع وخاصة في المجال الاقتصادي، ومن ~~شأن هذا الاتجاه أن يزيد من شعور الفرد بقدراته الخاصة، ويجعله ~~أقدر على تحدي السلطة بكافة أنواعها بحيث لا يعود معتمدا على ~~عامل «الانتماء» بقدر ما يعتمد على عامل الكفاح الفردي، وإلى ~~هذه الظاهرة ترجع مختلف مظاهر التحرر من السلطة في ذلك العصر؛ ~~أعني سلطة الفلاسفة ms035 القدماء (مثل أرسطو)، وسلطة رجال الدين، ~~وسلطة الإقطاع الوراثي، وسلطة العادات والتقاليد الاجتماعية ~~المرتبطة به، وقد انعكس ذلك في مجال الفكر على شكل كثرة من ~~الاتجاهات الفكرية المستقلة التي تتسم بقدر كبير من الخصوبة ~~والاستقلال، على عكس اتجاهات العصور الوسطى التي كانت متقاربة ~~متجانسة إلى حد بعيد، كما انعكس في ميدان الأدب والفن على شكل ~~أعمال تسعى إلى استكشاف العمق الباطن للفرد، والاهتمام ~~بمشكلاته وأحاسيسه الخاصة، على خلاف الاتجاهات السابقة التي ~~كان الفن يقتصر فيها على خدمة قضية دينية أو سياسية معينة دون ~~أدنى اهتمام بالعنصر الفردي. وهكذا فإن الفنان أو الأديب ~~«الفرد»، الذي يعبر عن نفسه من حيث هو فرد، ويطلب إلينا أن ~~نهتم به على أساس أنه إنسان متميز عن كل من عداه، قد ظهر ~~لأول مرة في ذلك العهد. وربما قال البعض: إن ظهوره كان رد فعل ~~على النزعة العقلانية اللاشخصية المتطرفة التي كان يتسم بها ~~العصر الجديد. ولكن الأرجح أنه كان متمشيا مع مقتضيات عصر ~~فتحت فيه أمام الفرد آفاق لا نهائية، وازداد فيه الإنسان ثقة ~~بنفسه وشعورا بكيانه، وأزيلت فيه الحواجز التي كانت تحول ~~دون تحقيقه لأمانيه في النجاح والارتقاء إلى أعلى درجات السلم ~~الاجتماعي. ~~(3-2) الرأسمالية المكتملة # كانت المرحلة المبكرة من العهد الرأسمالي مرحلة كفاح ضد قوى الإقطاع المادية ~~وقيمه المعنوية، وإذا كنا قد أكدنا من قبل مزايا هذه المرحلة وسماتها ~~الإيجابية، فذلك لأنها تمثل بالفعل تقدما ملموسا بالقياس إلى المرحلة السابقة ~~عليها؛ فهي قد دفعت بالبشرية خطوات واسعة إلى الأمام، حين أكدت سيادة العقل على ~~كل النزعات اللاعقلية المضطربة الغامضة التي كانت تسود في العصور الوسطى. وحين ~~أطلقت طاقات الإنسان ليستكشف الطبيعة جغرافيا ويفهمها علميا ويستغلها ~~اقتصاديا. # على أن هذا النمط الجديد من أنماط العلاقات الاجتماعية - أعني النمط ~~الرأسمالي - كان ينطوي على عناصر سلبية أساسية لم تظهر بوضوح في مرحلته ~~المبكرة؛ وذلك أولا لأن جميع سماته لم تكن قد ظهرت مكتملة بعد، وثانيا لأنه ~~كان في معركة مع علاقات اجتماعية أكثر منه تخلفا ms036 بكثير، وعندما تم له الانتصار ~~في هذه المعركة، واكتملت خصائصه بحلول العصر الصناعي وسيادة الإنتاج الآلي، ~~أخذت العناصر السلبية في نمط الإنتاج الرأسمالي تبرز إلى السطح بوضوح كامل، ~~وظهرت العيوب المعنوية والفكرية للنظام الرأسمالي على نحو لا يدع مجالا لأي ~~شك. ~~(أ) خصائص الرأسمالية المكتملة # ولكي ندرك هذه العناصر السلبية يتعين علينا أن نبدأ بتحديد الطابع الذي ~~تميزت به المرحلة الرأسمالية في عهد اكتمالها: ~~(1) # فالرأسمالية المكتملة قد تحددت معالمها عندما بدأت تظهر طبقة ~~عمالية متميزة، ترك أفرادها الطوائف الحرفية القديمة التي كانت ~~راعية لهم، أو هاجروا من الريف بلا حماية، وأصبحوا واقعين ~~وقوعا تاما تحت رحمة صاحب العمل، دون أن تكون لهم أية فرصة ~~للارتقاء في سلم المجتمع، على عكس الصانع الحرفي التقليدي الذي ~~كانت لديه على الأقل فرصة الارتقاء إلى مرتبة «متعهد الأعمال» ~~(المقاول) أو «الصانع الماهر» (المعلم)، وحتى في الحالات التي ~~لم يكن يتحقق فيها هذا الارتقاء، كانت هناك علاقات شخصية متينة ~~تربط الصانع بزملائه وبصاحب «الورشة» التي يشتغل بها. أما في ~~ظل الرأسمالية المكتملة فقد تحول العمل من خدمة شخصية إلى ~~سلعة لا شخصية، لا يرتبط فيها العامل بصاحب العمل إلا من حيث ~~إن الأول يقدم قوة عمل معينة، والثاني يدفع أجرا معينا. ~~وفيما عدا ذلك لا تقوم بين الاثنين أية علاقة؛ فالعامل في هذه ~~الحالة شخص مجهول، أو هو على الأصح «قوة» لها طاقة معينة، ولا ~~يهتم صاحب العمل على الإطلاق بالشخص أو الإنسان الذي يبذل هذه ~~القوة. بل إن العلاقة بينهما تصبح تجريدية تماما، ولا تصطبغ ~~بأية صبغة إنسانية. وهكذا فإن التوسع في استخدام الآلات في ~~العصر الصناعي قد تولدت عنه نزعة آلية عامة أثرت في تقدير ~~الإنسان ذاته، فأصبح العامل مجرد ترس في آلة الإنتاج الضخمة ~~المعقدة قابل للاستبدال شأنه شأن أي جزء أصم في أية ~~آلة. ~~(2) # وفي مقابل ذلك تراكم رأس المال وازدادت الثروات ضخامة في ~~أيدي أصحاب الأعمال، الذين أصبحوا يلجئون إلى التخطيط الدقيق ~~ويعملون على ترشيد الإنتاج بحثا عن أفضل الوسائل ms037 التي تكفل ~~تحقيق أقصى قدر من الربح وأعظم قدر من الإنتاج. ~~(ب) السمات المعنوية للرأسمالي # والواقع أن الطريقة التي أصبح أصحاب الأعمال ينظرون بها إلى عالم ~~الاقتصاد كانت طريقة متميزة عن كل ما عداها، ولا يمكن فهمها إلا في ضوء ~~العصر الجديد؛ ذلك لأن المحور الذي كان يدور حوله النشاط الاقتصادي من قبل ~~كان على الدوام هو الإنسان، بلحمه ودمه وبحاجاته ومطالبه. أما في عصر ~~الرأسمالية المكتملة فقد حلت محل الإنسان تجريدات لا شأن لها به كالعمل ~~والسوق والربح، وعلى حين أن الإنسان ظل - بمعنى ما - مقياس كل شيء حتى في ~~العصر الرأسمالي المبكر، فإن البحث عن الربح والسعي إلى التوسع في الأعمال ~~الاقتصادية أصبح الآن هو الغاية القصوى. بل إن الأعمال - كما لاحظ بعض ~~الكتاب - قد أصبح لها وجود مستقل حتى عن أصحابها أنفسهم: فمن الممكن أن ~~يكون أصحاب شركة معينة أشخاصا غير موثوق بهم، أو ذوي سمعة سيئة، ومع ذلك ~~يظل اسم شركتهم أو الناتج الذي ينتجونه يحوز ثقة العملاء وإعجابهم؛ أي إنه ~~يصبح شيئا مستقلا عن أصحابه، ويصبح للأعمال الاقتصادية وجود موضوعي لا ~~صلة له بالإنسان الموجود من ورائها، وتتحول إلى كيان قائم بذاته، وكل ما ~~يهتم به صاحب العمل هو أن يزيد هذا الكيان المستقل صحة ونموا ~~وازدهارا. # إن من الشائع أن يوصف الرأسمالي بأنه شخص لا هم له سوى أن يحصل على ~~مزيد من الربح، ومن المؤكد أن هذا الوصف صحيح إلى حد بعيد. ولكن ينبغي أن ~~نكون على شيء من الحذر حين نتحدث عن سعي الرأسمالي إلى الربح؛ فالهدف ~~الأكبر للرأسمالي هو أن تتوسع أعماله وتزداد نموا. وليس الربح إلا وسيلة ~~لتحقيق هذه الغاية، وهنا قد يكون من المفيد أن نفرق بين لفظين ~~يستخدمان في الأغلب بمعنيين مترادفين، هما الكسب والربح؛ فالكسب هو ~~البحث عن مزيد من الأموال لكي ينتفع بها الشخص ذاته، أو من يحيطون به في ~~حياته. أما الربح فهو البحث عن مال أكثر يخصص أساسا للعمل نفسه، ولتوسيع ~~نطاق الصناعة أو ms038 التجارة، بهذا المعنى يكون الكسب شخصيا عينيا، والربح ~~لا شخصيا مجردا، وقد لا يكون من الخطأ أن نقول في ضوء هذه التفرقة: إن ~~كبار الرأسماليين يبحثون عن الربح قبل الكسب، بدليل أن الكثيرين منهم لا ~~يعيشون - حتى وهم في قمة النجاح - حياة شديدة الترف. بل إن بعضهم قد يصل به ~~الاستغراق في أعماله إلى حد إهمال حياته الشخصية وممارسة نوع خاص من الزهد ~~(وإن كان الترف الشديد - بطبيعة الحال - موجودا بدوره لدى كثير من ~~الرأسماليين)؛ ذلك لأن الموضوع الرئيسي لاهتمام أمثال هؤلاء الرأسماليين هو ~~نجاح الأعمال ذاتها. # ولا يمكن القول: إن هناك نقطة يتوقف عندها هذا النجاح؛ فكل توسع يجلب ~~رغبة في مزيد من التوسع؛ بحيث كان «فيرنر زومبارت # Werner Sombart ~~» على حق حين قال: إن نشاط صاحب العمل ~~الرأسمالي يتطلع نحو غاية لا نهائية؛ ففي الماضي، عندما كانت حاجات الجماعة ~~هي التي تتحكم في النشاط الاقتصادي - كانت هناك حدود طبيعية لا يمكن أن ~~يتعداها هذا النشاط. أما عندما تصبح الغاية هي أن تزدهر الأعمال لا أن ~~تلبى حاجات الجماعة، فلا يمكن أن تكون مثل هذه الحدود موجودة، ويستحيل أن ~~يصل صاحب العمل الرأسمالي إلى نقطة يمكن أن يتوقف عندها ويقول: كفى! وحتى ~~لو وقفت أية عوائق في وجه نشاطه، فإنه يبدأ في تجربة جوانب أخرى من النشاط ~~تكون فرص التوسع أمامها أعظم؛ وبذلك يمتد توسعه طولا وعرضا أو انتشارا ~~وعمقا، ويستحيل تصور هذا النشاط متوقفا؛ لأن التوقف معناه الاختناق ~~والتدهور والانحدار. # وحين بحث «زومبارت» عن قيم للحياة كامنة وراء هذا السعي الجنوني إلى ~~التوسع، رأى أن هذه القيم أشبه ما تكون بقيم الطفولة، فرجل الأعمال في نظره ~~طفل كبير، وذلك في سعيه إلى الضخامة، مثلما يريد الطفل أن يكون كبير الجسم؛ ~~بحيث يكون الحجم المجرد هدفا في ذاته، ويخلط بين الضخامة وبين ارتفاع ~~المكانة أو العظمة. كذلك فإن رجل الأعمال طفل في سعيه إلى السرعة، واختصار ~~الزمن في كل شيء. وفي بحثه عن التجديد المستمر، مثلما يرغب الطفل في ms039 تجديد ~~لعبه وملابسه تجديدا دائما. وفي رغبته في الشعور بمزيد من القوة عن طريق ~~توسيع أعماله واستخدام ألوف الناس الذين يتوقف مصيرهم على كلمة منه. # على أننا سوف نتبين بعد قليل أن هذا الوصف إذا كان ينطبق على وجه من أوجه ~~نشاط الرأسمالي، فإنه لا ينطبق أبدا على بقية أوجه النشاط التي يتبدى فيها ~~الرأسمالي أبعد ما يكون عن الطفل الكبير، ويتخذ صورا لا صلة لها على ~~الإطلاق ببراءة الطفولة وسذاجتها. # والذي يهمنا الآن هو أن نلاحظ التحول الأساسي الذي طرأ على الرأسمالية ~~وعلى شخصية الرأسمالي منذ مرحلتها المبكرة حتى مرحلتها المكتملة، فقد بدأت ~~الرأسمالية - في عهدها الأول - تشق طريقها بفضل روح المغامرة والبحث عن ~~الجديد والكشف عن المجهول. وكانت الأعمال الاقتصادية الناشئة في ذلك العهد ~~تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من إشباع الحاجات الاستهلاكية للإنسان. أما عندما ~~اكتملت خصائص الرأسمالية فقد انعدمت روح المغامرة، وأصبح رأس المال ~~«جبانا»، على حد التعبير الشائع، وتحولت المنافسة التي كانت من أبرز ~~سماتها في البداية إلى احتكار يعمل على تخفيف حدة التنافس أو تنظيمه أو ~~إزالته لصالح أصحاب الأعمال وضد مصالح المستهلكين، وبدلا من أن تعمل ~~الرأسمالية على إشباع الحاجات الحقيقية للإنسان، فإنها أخذت تخلق لديه ~~عادات زائفة لا هدف لها سوى أنها تؤدي إلى فتح باب جديد للربح. ولكن على ~~حساب الاستخدام الرشيد لموارد المجتمع. # وعلى حين أن الرأسماليين كانوا في أول عهدهم أشخاصا يتسمون بصفات النشاط ~~والمثابرة وتقديس العمل - أيا كانت عيوبهم الأخرى - أو يبتدعون الأفكار ~~الجديدة التي تكفل نجاح أعمالهم، فإن الكثيرين منهم أصبحوا في المرحلة ~~اللاحقة أشخاصا تأصلت فيهم عادات الترف المفرط، والتفنن في التبذير ~~الماجن. وكانت هذه الصفات الأخيرة أوضح ظهورا لدى الرأسماليين الذين ~~انفصلوا عن عملية الإنتاج، ولم يعودوا يرتبطون بمصانعهم أو يعرفون شيئا ~~عما يتم فيها، بل يعهدون بها إلى مديرين أكفاء، ويكتفون هم بما ينالونه من ~~أرباح. # وبالمثل فإن الطبقة الرأسمالية أو البورجوازية - التي كانت في أول عهدها ~~تحارب امتيازات الأشراف والإقطاعيين، أخذت تكرس جهودها ms040 للمحافظة على نفوذها ~~عندما تحققت لها السيطرة، بل إن الطبقة الجديدة كانت في بعض الأحيان تتداخل ~~مع طبقة النبلاء الزراعيين القديمة بالمصاهرة، وتحاول محاكاة العادات ~~الأرستقراطية العتيقة. وبعبارة أخرى، فإن الرأسماليين عندما أصبحوا هم ~~أصحاب المصالح الحقيقية القائمة، أخذوا يتجهون إلى المحافظة على مصالحهم، ~~وبعد أن كانوا في البداية يستخدمون «العقل» قوة ثورية، أخذوا يستعينون به ~~في تبرير الأوضاع القائمة بطريقة يغلب عليها الطابع المحافظ. والواقع أن ~~هذا التحول كان أمرا تقتضيه نفس روح المرونة والحركية التي كان يتسم بها ~~المجتمع الرأسمالي، فهذه المرونة ذاتها كانت تحتم أن تتحول العناصر ~~التقدمية في الطبقة البورجوازية - بمضي الوقت - إلى أسلوب محافظ في التفكير ~~والحياة، ثم تظهر طبقة جديدة أكثر نشاطا وابتكارا؛ لتحتل مكانة الطبقة ~~التي أصبحت محافظة، ثم تتحول هذه الجديدة بدورها إلى الطابع المحافظ وهكذا. ~~ولكن هذا الطابع المحافظ أصبح هو الطابع المميز للرأسمالية منذ اللحظة التي ~~ظهرت فيها طبقة عاملة واعية تهدد مصالح الرأسماليين، أي منذ القرن التاسع ~~عشر. ~~(ج) الأوجه السلبية في المرحلة الرأسمالية # ليس من الصعب أن ندرك أن التحول الذي طرأ على الرأسمالية وعلى الطبقة ~~البورجوازية من قوة تقدمية تعمل على محارية امتيازات الإقطاعيين الوراثية، ~~وتؤكد انتصار العقل المنظم الواضح على الأفكار اللاعقلية الصوفية الغامضة ~~التي سادت العصر الوسيط، إلى قوة رجعية لا تستهدف سوى المحافظة على مصالحها ~~التي تزداد على الدوام توسعا وانتشارا. هذا التحول يمثل في ذاته وجها ~~سلبيا إلى أبعد حد في النظام الرأسمالي؛ ذلك لأنه يدل على أن النظام لم ~~يكن تقدميا إلا في مرحلته المبكرة، وعلى أن من شأن هذا النظام أن يتحول ~~إلى الرجعية بمجرد أن تتحدد معالمه وتكتمل خصائصه. # على أن هذا ليس الوجه السلبي الوحيد للرأسمالية. بل إن عناصر الضعف ~~والهدم تتغلغل في صميم بناء هذا النظام، وتجعل تجاوزه أمرا محتوما، وسوف ~~نقتصر هنا على ذكر بعض الجوانب السلبية المرتبطة بالموضوع الذي نعالجه في ~~هذا الفصل، وهو الوجه الفكري والمعنوي لمختلف النظم الاقتصادية: ~~(1) # أول هذه الجوانب هو اللاأخلاقية. وربما ms041 بدا للبعض أن صفة ~~اللاأخلاقية لا تصدق صدقا تاما على المجتمع الرأسمالي؛ لأن ~~لهذا المجتمع نمطه الأخلاقي، وبالفعل يبدو هذا الحكم الأخير ~~صائبا للوهلة الأولى؛ ذلك لأن الرأسمالية قد ولدت مذاهبها ~~الأخلاقية الخاصة، مثل مذهب المنفعة # Utilitarianism # في إنجلترا، والبرجماتية Pragmatism # في الولايات ~~المتحدة. ولكن الواقع أن كلا من هذين المذهبين الأخلاقيين ~~إنما كان تعبيرا عن الطابع العملي لعصر التصنيع، وعن نوع من ~~الأخلاق يقوم بحساب كل فعل تبعا لمقدار المنفعة المترتبة ~~عليه، أو لمدى نجاحه العملي، بغض النظر عن أية قيمة كامنة في ~~هذا الفعل؛ ومن هنا كانت هذه الاتجاهات في الأخلاق تعبيرا ~~صادقا عن أشد نزعات المجتمع الرأسمالي تطرفا، وحقيقة الأمر ~~في موقف هذا المجتمع من الأخلاق هو أنه لا يأخذ منهم إلا ~~بالقدر الذي يكفي لمساعدة النظام القائم على المضي في طريقه ~~بنجاح؛ فنحن نجد بالفعل - لدى كثير من الرأسماليين - قدرا ~~معينا من الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة ~~المواعيد. ولكن هذه الفضائل لا تكتسب قيمتها إلا لأنها تفيد ~~الرأسمالي وتحقق مصالحه، فقد تبين له بطول التجربة أن من ~~مصلحته أن يكون في معاملاته أمينا دقيقا، وأن يسدد ديونه في ~~مواعيدها، وأن يكون نظام حياته منضبطا، ومعنى ذلك أن كل هذه ~~الفضائل ليست مقصودة لذاتها. بل إنه يراعيها لما فيها من ~~منفعة، وأبلغ دليل على ذلك أنه إذا كان الممكن تحقيق نفس ~~المنفعة عن طريق مجرد التظاهر بالأمانة، فإن الرأسمالي لا ~~يتردد في سلوك هذا السبيل. # ويتضح تجاهل الرأسمالية للأخلاق في أساليب الدعاية والإعلان ~~التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام؛ فالمبدأ السائد في ~~ميدان الإعلان هو زيادة البيع أيا كانت الوسائل المؤدية إلى ~~تحقيق هذه الغاية. وهكذا يلجأ المعلن إلى الصراخ والتهويل أمام ~~عملائه، ويجذب أنظارهم بلافتات صارخة، ويعمد إلى الشهادات ~~الكاذبة والمنطق المغلوط، ويلجأ إلى أحدث أساليب علم النفس ~~ليبث في نفوس الناس إيحاء واقتناعا لا أساس له، ولا يتورع ~~في سبيل ذلك عن أن يفسد أذواق الناس ويسلبهم القدرة على الحكم ~~الموضوعي السليم؛ فالإعلان ms042 لا يتجاهل أصول الأخلاق واحترام ~~الآخرين فحسب. بل إنه يتنافى في كثير من الأحيان مع أبسط ~~مقتضيات الروح الجمالية. # وأخيرا، فإن طبيعة المنافسة الرأسمالية تشكل في حد ذاتها ~~دليلا بالغا على مدى اللاأخلاقية الكامنة في هذا النظام؛ فهي ~~تعامل الرأسماليين بعضهم مع بعض لا يتورع أحدهم عن اتباع كل ~~الأساليب من أجل سحق الآخر، ولا يقف أي وازع في وجه رغبته في ~~التوسع، ومن أشهر الأمثلة في هذا الصدد: جون روكفلر، مؤسس أسرة ~~الرأسماليين الأمريكيين المشهورة، الذي قال: إنه على استعداد ~~لدفع مليون دولار كمرتب لأي موظف تتوافر فيه صفات معينة، أهمها ~~ألا يكون لديه أي نوع من تأنيب الضمير، وأن يكون على استعداد ~~لسحق ألوف الضحايا دون أن تطرف له عين. ~~(2) # لا يستطيع أحد أن ينكر أن الحضارة الرأسمالية قد أحرزت ~~انتصارات ومكاسب لم تتوصل إليها أية حضارة سابقة، فقد عرفت كيف ~~تسيطر على العالم المادي كما وكيفا، وتسخر الطبيعة لخدمة ~~الإنسان، ووفرت للناس سلعا وخدمات على نطاق لم يعرف له من ~~قبل نظير، وكافحت الأمراض والكوارث الطبيعية بكفاءة نادرة، ~~وأبدعت عددا هائلا من روائع الفن والأدب، وتمكنت من إحراز ~~تقدم هائل في الميدان العلمي، بفضل تطبيق مبدأ تقسيم العمل ~~الذي أحرز نجاحا كبيرا في الميدان الاقتصادي، على النشاط ~~الذي نبذله من أجل معرفة العالم الطبيعي والمجتمع بطريقة ~~عقلية. # ولكن على الرغم من هذا النجاح في شتى الميادين، فقد كانت ~~هناك نقطة ضعف كبرى للنظام الرأسمالي، هي ارتباطه الوثيق ~~بالحرب، فليس يكفي أن يقال: إن النظام عاجز عن منع الحرب، أو ~~إن الحرب مرض يصيب جسم الرأسمالية بسبب انتقال العدوى إليه من ~~مصدر خارجي. بل إن الحرب تنتمي إلى صميم بنائها وتركيبها ~~الباطن. والواقع أن الرأسمالية بما تثيره من حروب لا تنقطع، ~~تهدد بالقضاء على ما أنجزته هي ذاتها، وما أنجزته كل الحضارات ~~السابقة من تقدم. وهكذا فإن القوة الكبرى التي اكتسبها العالم ~~خلال المرحلة الرأسمالية هي التي تهدد بالقضاء على ما أنجزته ~~هي ذاتها. وفي هذا النزوع إلى ms043 تحطيم الذات يكمن الضعف الأكبر ~~للرأسمالية، وتناقضها القاتل، وقد أصبحت مظاهر تقدم الرأسمالية ~~في الآونة الأخيرة، هي ذاتها مظاهر فنائها؛ إذ إن هذا التقدم ~~بلغ قمته في أسلحة الدمار الشامل التي تهدد العالم في كل لحظة ~~بالهلاك. # ولسنا نود أن نخوض في تفاصيل العلاقة بين النظام الرأسمالي ~~وبين الحرب؛ إذ إن هذا البحث خارج عن نطاق مهمتنا في هذا ~~الفصل، إنما الذي نود أن نشير إليه هو الآثار المعنوية المخربة ~~التي تحدثها حالة الحرب أو حالة التهديد المستمر بقيام الحرب. ~~وحسبنا أن نشير إلى تلك الأنانية المفرطة وبلادة الحس الزائدة ~~التي تثيرها الحروب المستمرة في نفوس أفراد الشعوب التي تمارس ~~هذه الحروب. ومن المعروف أن الاستعمار مرتبط ارتباطا وثيقا ~~بالرأسمالية، وأنه - في صورته المباشرة وغير المباشرة أو ~~التقليدية والجديدة - هو السبب الأول لظاهرة الحرب في العالم ~~المعاصر، ولسنا في حاجة إلى الوقوف طويلا عند تأثير الاستعمار ~~في الشعوب التي تعاني من ويلاته؛ لأننا في هذه المنطقة من ~~العالم نعرف الكثير - من تجربتنا المباشرة - عن هذا الموضوع. ~~ولكن للمشكلة وجها آخر، هو أن الاستعمار يولد في الشعوب التي ~~تمارسه نوعا من الأنانية يجعلها لا تعبأ بالفقر والظلم ~~والاضطهاد والقتل الجماعي الذي يلحق بالشعوب الواقعة تحت ~~قبضتها، بل وتسعى في كثير من الأحيان إلى تبرير السلوك ~~الاستعماري الشائن والدفاع عنه كما لو كان أمرا مشروعا. وهذا ~~لا يمنع - بطبيعة الحال - من ظهور جبهات داخلية تعارض ~~الاستعمار داخل الدول الاستعمارية ذاتها، وهي ظاهرة مشرقة ~~تمثلت بوضوح في فرنسا خلال حرب التحرير الجزائرية، وتتكرر ~~حاليا في الولايات المتحدة على صورة معارضة شعبية واسعة ~~النطاق ضد حرب فيتنام. # ومن خلال ظاهرة الحرب نستطيع أن نعلل كثيرا من مظاهر ~~الانحلال الفكري والمعنوي التي انتابت العالم الرأسمالي منذ ~~القرن التاسع عشر، التي ظهرت واضحة - بوجه خاص - خلال القرن ~~العشرين، فقد انتشرت في ذلك العالم فلسفات اليأس والتشاؤم، ~~والاتجاهات التي تؤكد أن المصير المحتوم للحضارة الغربية هو ~~التدهور والانحلال، وبينما كانت الرأسمالية في بداية عهدها ~~متفائلة مؤمنة بقدرة ms044 الإنسان على التقدم المستمر، نراها في ~~مرحلة اكتمالها تعود مرة أخرى إلى روح التشاؤم المظلم التي ~~حاربتها في البداية، وتشيع فيها الأفكار التي تضع الإنسان في ~~طريق مسدود لا مخرج منه. # وقد شاعت في القرن العشرين - وبعد الحرب العالمية الثانية ~~بوجه خاص - اتجاهات في الفكر والفن والأدب تجمعها كلها صفة هي ~~تلك التي اصطلح على تسميتها «باللامعقول». وليس من الصعب أن ~~ندرك الروابط التي تجمع بين هذه الاتجاهات، بما فيها من زعم ~~بأن كل ما في الحياة عبث غير مفهوم، وبأن العالم التطور ~~والتاريخ لا يسير نحو أية غاية معقولة، بل كل شيء فيه يفتقر ~~إلى العقل ويستحيل فهم سببه أو الغاية منه، وبين حالة اليأس ~~التي تنتاب الإنسان في المجتمع الرأسمالي، وشعوره بأن كل جهد ~~يبذله عبث لا طائل وراءه، والأهم من ذلك كله إحساسه بالخطر ~~يهدد كيانه في كل لحظة من جراء حربين عالميتين راحت ضحيتهما ~~ملايين الناس، فضلا عن عشرات الحروب «الصغيرة» التي أزهقت ~~أرواحا كثيرة وسببت دمارا هائلا، في مثل هذا المجتمع الذي ~~تحل عليه الحرب - كما لو كانت لعنة لا يملك منها خلاصا - يكون ~~من الطبيعي أن تصبح الاتجاهات الفكرية والفنية السائدة هي ~~اتجاهات تؤكد عجز العقل وسيادة التشاؤم حتمية التدهور ~~والانحلال. # ولقد ترتب على ذلك تزييف لطبيعة الحياة في المجتمع الحديث، ~~وقع فيه عدد غير قليل من كبار مفكري المجتمعات الرأسمالية، ~~فأدانوا التقدم التكنولوجي ذاته، ونظروا إليه كما لو كان هو ~~أصل الشرور التي تعانيه البشرية، وتحسروا على «عهد ما قبل ~~التصنيع» الذي كانت فيه البشرية بريئة من آثام الصناعة ~~وأطماعها، الخطأ الأكبر الذي وقع فيه هؤلاء المفكرون هو أنهم ~~ظنوا أن الشرور الناجمة عن تنظيم معين للمجتمع الصناعي، هو ~~التنظيم الرأسمالي، تسري على كل شكل من أشكال هذا المجتمع، أو ~~هي جزء لا يتجزأ من طبيعة عصر التقدم التكنولوجي ذاته؛ ومن هنا ~~كانت حملتهم على التصنيع، واعتقادهم بأن الحروب والأزمات ~~وانعدام الأمان كامنة في طبيعة المجتمع الصناعي ذاته، مع أن ~~هذه الشرور لا ms045 ترجع في الواقع إلا إلى أسلوب الحياة الرأسمالية ~~في هذا المجتمع. ~~(3) # وإذا كانت الحروب انحرافا شاملا في السلوك على المستوى ~~الدولي، فإن المرحلة الرأسمالية قد شهدت أنواعا أخرى من ~~الانحرافات على المستويات المحلية، أهمها بالطبع هو الإجرام ~~الذي أصبح مشكلة قومية بالنسبة إلى بلد كالولايات المتحدة، حيث ~~تزداد معدلات الجريمة ارتفاعا عاما بعد عام، ولا يمكن بالطبع ~~أن يزعم أحد أن ظاهرة الإجرام وليدة النظام الرأسمالي؛ إذ إن ~~الظاهرة ذاتها قديمة قدم المجتمع الإنساني. ولكن الكثيرين يؤمن ~~بأن الاتساع الهائل في نطاق الجريمة قد تولد عن المجتمع ~~الرأسمالي عندما بلغ أقصى درجات نموه، ويدللون على ذلك بأن ~~أكثر الدول الرأسمالية تقدما - وهي الولايات المتحدة - هي ~~التي تنتشر فيها الجريمة بأعلى النسب، وبأشد أنواع التنظيم ~~والتدبير إتقانا. # وليس من الصعب أن يجد المرء رابطة بين الارتفاع الشديد في ~~معدل الجرائم، وبين تقدم الدول في سلم التنظيم الرأسمالي؛ ذلك ~~لأن أسلوب العمل الرأسمالي حين يصل إلى أشد حالاته تطرفا، ~~يثير في النفوس أطماعا لا حدود لها. وحين يجد المنحرفون أن ~~طريق الثراء مسدود أمامهم، فإنهم يعملون على تحقيق غاياتهم ~~بأيسر الطرق وأسهلها وهي الجريمة؛ ومن هنا رأى البعض أن ظاهرة ~~الجريمة يمكن أن تعد، في مثل هذا المجتمع، وسيلة خاصة ~~منحرفة، ومن وسائل إعادة توزيع ثروة المجتمع. # ولا جدال في أن المجتمع الرأسمالي المتقدم - في الولايات ~~المتحدة - يعرف أنواعا أخرى من الجرائم غير المرتبطة بالمسائل ~~الاقتصادية كجرائم القتل والتعذيب والاغتصاب إلخ. ولكن هذه ~~الجرائم بدورها ترتبط «بمعنويات» النظام الرأسمالي؛ إذ إن ~~تمجيد هذا النظام للعنف والتجاءه الدائم إلى الحروب واستخفافه ~~بالجوانب الإنسانية للحياة، لا بد أن يخلق مناخا نفسيا ~~عاما تزدهر فيه أعمال العنف التي لا يكاد المرء يجد لها ~~سببا أو مبررا معقولا. # وأخيرا، فقد انتشر في المجتمعات الرأسمالية في الآونة ~~الأخيرة مظهر آخر من مظاهر الانحراف، هو إدمان المخدرات، ~~وأصبحت هذه الظاهرة تهدد كيان عدد كبير من شباب هذه المجتمعات، ~~وأقرب تفسيرات ظاهرة الإدمان هذه إلى المنطق السليم، هو أنها ms046 ~~ظاهرة هروبية، فالمدمن شخص هارب من واقع لا يطيقه. وهذا الواقع ~~هو - بطبيعة الحال - واقع العنف والحرب والمنافسة المريرة التي ~~لا ترحم، وبطبيعة الحال فإن هناك أنواعا أخرى من الهروب قد ~~تكون أقل ضررا من إدمان المخدرات. ولكن الوطأة الشديدة لنظام ~~الحياة السائد هي التي تدفع الكثيرين إلى السير في هذا الطريق ~~الانتحاري. وهكذا فإن نفس النظام الذي بدأ بتمجيد العقل وإعلاء ~~شأنه قد انتهى به الأمر إلى الهروب من العقل، أو إلى العجز عن ~~مواجهة ذاته بصدق وصراحة. ~~(4) المرحلة الاشتراكية # ظهرت الفكرة الاشتراكية، في صورتها المحددة المعالم، من قلب الرأسمالية، بوصفها ~~رد فعل على ذلك النظام الذي ظن الناس في وقت ما أنه سيجلب لهم مزيدا من الرخاء، ~~فإذا به يصيب الأغلبية الساحقة منهم بالفقر والشقاء، ويصيب الإنسان بأنواع من ~~العبودية ربما كانت أشد مما كان يعانيه في كثير من مراحل التطور الاجتماعي السابقة، ~~ولما كانت الاشتراكية قد ظهرت بهدف نقل المجتمع الإنساني إلى مرحلة جديدة يتخلص ~~فيها من نقائص المرحلة الرأسمالية، فإن قدرا كبيرا من الجوانب الإيجابية في ~~المرحلة الاشتراكية يمكن التوصل إليه - استنتاجا - مما قلناه من قبل عن المرحلة ~~الرأسمالية. # والواقع أننا أطلنا الكلام عن المرحلة الرأسمالية لسببين: أولهما أن هذه ~~المرحلة - التي لا يزال يمر بها جزء لا يستهان به من العالم - تمثل تحديا أمام ~~المجتمعات التي قررت أن تسير في الطريق الاشتراكي، ولا بد من معرفة نقاط القوة ~~والضعف فيها معرفة كاملة حتى تبدأ هذه المجتمعات مسيرتها وهي على علم تام بكل ما ~~لدى الخصم الذي تحاربه من إيجابيات وسلبيات، أما السبب الثاني فهو أن الرأسمالية ~~مرحلة اكتملت بالفعل، ومرت بأطوار متعددة حتى وصلت إلى شكلها الحالي الذي لا ينتظر ~~أن تطرأ عليه تغييرات كبيرة في المستقبل. صحيح أن الرأسمالية تحاول في المجتمعات ~~المتقدمة صناعيا أن تقاوم التيار الاشتراكي عن طريق اقتباس عناصر كثيرة منه. ~~ولكنها تحارب في الوقت الراهن معاركها الأخيرة، ولا ينتظر منها أن تمر بتطورات ~~مفاجئة غير متوقعة في المستقبل. أما الاشتراكية ms047 فما زالت - بالرغم من نجاحها السريع ~~- تمر بمرحلة التجارب، والدليل على ذلك كثرة المذاهب والاتجاهات وتعدد التطبيقات ~~فيما بين البلاد الاشتراكية المختلفة؛ ولذلك فإن الحكم على المرحلة الرأسمالية ~~أيسر؛ لأن عيوبها ظهرت واضحة للجميع. أما تحديد الإيجابية للاشتراكية فيبدو أمرا ~~أكثر صعوبة؛ لأن هذه المعالم بسبيل التحدد والتشكل في المرحلة الراهنة من تاريخ ~~العالم. # ولقد كانت نقطة البدء في التفكير الاشتراكي هي محاولة استرداد القيم الإنسانية ~~التي أهدرها النظام الرأسمالي. وكان لهذا الإهدار مظاهر متعددة تحدثنا من قبل عن ~~الكثير منها، ولكن هناك مظهرا لم نتحدث عنه بعد، وتعمدنا أن نستبقيه حتى المرحلة ~~الراهنة؛ نظرا لارتباطه الوثيق بظهور الاشتراكية، وأعني به ما يسمى في الفكر ~~الاجتماعي والفلسفي «بالاغتراب». ~~(4-1) فكرة الاغتراب # كان «الاغتراب» - ولا يزال - ملازما للرأسمالية منذ بداية عهدها؛ فحين ~~اكتسبت النقود - في أول العصر الرأسمالي - كيانا قائما بذاته، مستقلا عن ~~السلع التي كانت في الأصل مساوية لها. وحين أصبحت قادرة على النمو بذاتها وعلى ~~التوالد والتزايد، بغض النظر عن العمل الإنساني الذي كان في الأصل منتج كل ~~قيمة، عندئذ أصبحت النقود تجسيدا لحقيقة الاغتراب؛ ذلك لأن قدرة النقود على ~~التزايد بذاتها، وقدرة رأس المال على التوالد، تعني الانفصال بين القيمة - التي ~~تمثلها النقود - وبين الجهد الإنساني الذي يبذل من أجل اكتسابها، وتعني أن ~~الاقتصاد قد أحدث انشقاقا بين الإنسان من حيث هو منتج للقيمة، وبين نتاج عمله؛ ~~بحيث أصبح هذا النتاج يتخذ طابعا تجريديا منقطع الصلة بالمصدر الذي نبع منه، ~~وهذا الانشقاق والانفصال هو الحقيقة المعنوية الكبرى المميزة للمرحلة ~~الرأسمالية. ~~(1) # فحين بلغت هذه المرحلة أوج اكتمالها، كانت أولى الخصائص التي ~~تنبه إليها نقاد النظام الرأسمالي هي خاصية الاغتراب هذه، التي ~~اتخذت في عصر التصنيع طابع الانفصال بين العامل من جهة، وبين وسائل ~~إنتاجه وحصيلة هذا الإنتاج من جهة أخرى؛ فالعامل يشتغل في مصنع لا ~~يملك منه شيئا، وهو لا يستطيع أن يحصل على قوت يومه إلا بأن يشتغل ~~أجيرا لدى من يملك تلك الآلات والأدوات التي بها وحدها ms048 يستطيع أن ~~يكون منتجا؛ أي إن العامل مغترب عن الوسائل التي بدونها لا يكون ~~عاملا، ومن جهة أخرى فإن حصيلة إنتاج العامل تسير في مسالك لا ~~يعلم عنها شيئا، فالسلع التي ينتجها العامل تذهب إلى «السوق»، تلك ~~الحقيقة الكبرى في العالم الرأسمالي، التي هي مع ذلك حقيقة غامضة ~~مجهولة لا يعرف أحد كيف يتحكم فيها؛ فالسوق قوة تجريدية تتحكم في ~~كل ما ينتجه العامل دون أن تكون له أية صلة بما يدور فيه، وهنا ~~أيضا نجد العامل مغتربا عما ينتجه، ونجد العمل الذي يفني عمره ~~فيه يضيع بين أيد لا يعرفها، ويتبدد وسط قوى مجهولة لا يدري عنها ~~شيئا. ~~(2) # إن الاغتراب هو فقدان العنصر الإنساني في المعاملات الرأسمالية، ~~وهو اقتلاع الإنسان من جذوره في المجتمع الذي لا تحكمه غاية سوى ~~تحصيل المزيد من الربح. وهذا الاغتراب لا يقتصر على العامل وحده. ~~بل إن المنافسة الحامية التي تسود الاقتصاد الرأسمالي تباعد ما بين ~~البشر، وتنشر بينهم العداوة، وتجعل العلاقات بينهم مفتقرة إلى ~~الروح الإنسانية، وحتى لو أراد الرأسمالي أن يكون إنسانيا في ~~معاملاته، فإنه لا يملك ذلك؛ لأن قوانين المنافسة هي التي تملي ~~عليه طريقة معاملته للعمال، ومقدار الأجر الذي يدفعه لهم وساعات ~~عملهم، وهي التي تحدد طبيعة علاقاته مع غيره من الرأسماليين الذين ~~ينافسونه في ميدان إنتاجه الخاص، فهو ليس حرا في معاملاته. بل إن ~~هناك ما يشبه القدر الذي لا يرحم والضرورة المحتومة التي تتحكم في ~~تصرفاته؛ ذلك لأن رأس المال - كما قلنا من قبل - يختنق إذا لم ~~يتوسع، التوسع يقتضي عمل حساب قوانين المنافسة. # والواقع أن الرأسمالي ذاته يغترب عن نفسه بمعنى ما؛ ذلك لأن عمله ~~- كما قلنا من قبل - يتخذ صبغة مستقلة عنه؛ بحيث يصبح هدفه الوحيد ~~في الحياة هو أن تزداد أعماله توسعا وازدهارا، دون أن تعود نتيجة ~~هذا التوسع عليه هو ذاته بفائدة ملموسة، فكثيرا ما تتدهور صحته ~~وتسوء علاقاته بالناس وتتحطم أعصابه وتتخذ حياته طابع التوتر ~~الدائم نتيجة لطموحه الزائد عن الحد. وهكذا يصبح ms049 التوسع في الأعمال ~~أشبه ما يكون بقوة خارجة عنه، تملي عليه شروطها وتفرض عليه قانونها ~~الخاص. ~~(3) # وأخيرا، فإن المستهلك بدوره مغترب عن نفسه في المجتمع الرأسمالي؛ ~~ذلك لأن النظام لا يعمل على إشباع حاجات الإنسان الحقيقية، وإنما ~~يخلق حاجات زائفة، الهدف الوحيد منها هو أن تكون مجالا لمزيد من ~~الربح والتوسع. ولكن على حساب تكامل الشخصية الإنسانية وتوازنها، ~~وعلى حساب الاستخدام الرشيد لموارد المجتمع؛ فالمفروض أن يكون ~~الإنتاج تلبية لحاجات موجودة بالفعل. ولكن كثيرا ما يحدث في ~~المجتمع الرأسمالي أن يكون الإنتاج هو الأصل، وأن تظهر الحاجات ~~فيما بعد، لا لشيء إلا لتصريف هذا الإنتاج فحسب. وهكذا يعم الإعلان ~~على إقناع الناس بأمور تافهة تتحول لديهم بالتدريج إلى ضرورات، مع ~~أنها في الأصل لا تلبي أية حاجة حقيقة لديهم؛ ففي البلاد ~~الرأسمالية الكبرى تصرف الملايين على أنواع متعددة متنافسة من ~~«أكل الكلاب»، أو على السيارات الفاخرة التي يحتاج الإنسان فعلا ~~إلى ربع الطاقة التي تسير بها، والتي يتغير طرازها عاما بعد عام، ~~ويستعين الإعلان بأحدث أساليب البحث النفسي ليبث في نفوس الناس ~~اقتناعا زائفا بأن قيمتهم في المجتمع يحددها طراز السيارة التي ~~يركبونها، وبأن ضخامة السيارة واتساعها وزيادة طاقة محركها علامة ~~من علامات علو المكانة. وهكذا تفسد طباع الناس، وتخلق فيهم عادات ~~سلوكية سطحية تافهة، ويعتادون بالتدريج التعلق بالمظهر السطحي ~~بدلا من الجوهر الحقيقي، وتفرض عليهم حاجات مزيفة تنطوي على تبديد ~~للموارد المادية، فضلا عن تحطيم المبادئ المعنوية، لا لشيء إلا ~~لغرض الربح. وحين تسود على هذا النحو عقلية الاستهلاكية لأجل ~~الاستهلاك، لا من أجل تلبية حاجات حقيقة، أو تحقيق ماهية الإنسان؛ ~~فعندئذ يكون المستهلك بدوره قد اغترب عن ذاته؛ لأنه لم يعد يعرف ~~ما هو في حاجة إليه من أجل استكمال إنسانيته، ولأن المطالب العرضية ~~الزائفة أصبحت لها الغلبة على مطالبه الجوهرية، كل ذلك لكي يستطيع ~~رأس المال أن يواصل توسعه، ولكي تستمر أرباحه في التدفق. # وهكذا يبدو الاغتراب منتميا إلى صميم الكيان الرأسمالي ذاته، ~~ويصبح هو الوضع المميز ms050 للعامل إزاء وسائل إنتاجه وحصيلة عمله، ~~وللرأسمالية إزاء عماله ومنافسيه بل وإزاء ذاته، وللمستهلك إزاء ~~حاجاته ومطالبه الإنسانية، إنه هو التعبير الصادق عن الوضع ~~الإنساني في ذلك المجتمع. ومن المستحيل مواجهة هذا الموضوع مواجهة ~~حاسمة إلا بالخروج على النظام الرأسمالي نفسه. ~~(4-2) الاشتراكية نزعة إنسانية # كانت تلك نقطة بداية كثير من المذاهب الاشتراكية في دعوتها إلى ضرورة القضاء ~~على النظام الرأسمالي الذي يجعل الإنسان عبدا لنفس القوى التي خلقها بيديه؛ ~~فالاشتراكية تدعو الإنسان إلى السيطرة مرة أخرى على القوى التي أصبحت مسيطرة ~~عليه، خارجة على إرادته، وهي تطالب بإعادة هذه القوى مرة أخرى إلى الإنسان، ~~بدلا من تبديدها وتشتيتها خارجا عنه؛ وعلى هذا الأساس تكون الاشتراكية في ~~صميمها نزعة إنسانية، هدفها أن تستعيد الإنسان المتكامل، الذي يجمع كل ما فرقته ~~الرأسمالية من شتات، ويعيد ضمها إلى ذاته. # ومن هذه الزاوية تبدو المرحلة الاشتراكية سعيا إلى تحقيق جميع الإمكانات ~~المادية والمعنوية للإنسان، وهي حين تفعل ذلك لا تستهدف التقدم المادي وحده على ~~حساب التقدم المعنوي؛ ذلك لأننا لو قسنا المراحل المختلفة بمقياس ما أحرزته من ~~تقدم مادي، فإن المرحلة الرأسمالية ستحتل - دون شك - مكانة هامة في تاريخ ~~الإنسانية؛ لأن البشرية حققت فيها مكاسب مادية لا يمكن إنكارها. ومع ذلك فإن ~~هذه المكاسب كانت تتم في كثير من الأحيان على حساب معنويات الإنسان ~~وأخلاقياته. # فحين نستعرض أسباب النجاح الاقتصادي للرأسمالية، يجب ألا يغيب عن أذهاننا ~~أنها لم تقتصر على استغلال الموارد الاقتصادية لأوروبا الغربية وقارتي أمريكا، ~~وهي مناطق حافلة بالموارد الطبيعية الغنية التي لم تكن قد استغلت بعد في ~~حالة أمريكا بالذات. بل إنها قد استفادت أيضا - بفضل الاستعمار المباشر ~~والاستغلال الاقتصادي - من موارد العالم بأكمله، وذلك بوسائل هي أبعد ما تكون ~~عن التبادل النزيه؛ ففي الحالات التي لم يكن فيها الاستغلال استعماريا ~~مباشرا يستنزف موارد شعب واقع تحت قبضة الاستعمار، كان الغش والاغتصاب هو ~~القاعدة التي يتم على أساسها التبادل، كانت المعاملات بين الدولة الرأسمالية ~~والدول الأضعف بعيدة كل البعد عن ms051 التكافؤ، في مثل هذه الحالات لا يكون من ~~المستغرب أن تحرز الدولة الاستعمارية أو الاستغلالية تقدما اقتصاديا سريعا، ~~ولا ينبغي أن يعزى هذا التقدم إلى فضيلة كامنة في نظامها الرأسمالي. بل إن ~~سببه الأهم هو أنها لا تتورع عن الالتجاء إلى أبعد الطرق عن الشرف في سبيل ~~التفوق على الغير. ولقد أشار أحد زعماء الزنوج في أمريكا ذات مرة إلى التقدم ~~الاقتصادي الهائل لبلاده، فأرجعه إلى عوامل من أهمها استغلال عمل الملايين من ~~الزنوج لمدة عشرات بل مئات من السنين بلا أجر، حين كان الزنوج عبيدا أو بأجر ~~أسمى زهيد، بعد أن تحرروا شكليا من حالة العبودية، وتساءل في هذا الصدد: هل ~~من المستغرب إذا وجد تاجران: أحدهما لا يدفع لعماله أجورا، والآخر يدفع ~~لهم أجرهم بانتظام، أن يتفوق الأول على حساب الثاني؟ # هذا مجرد مثل بسيط يوضح سببا من أسباب التقدم في المرحلة الرأسمالية. ~~ولكنه في الوقت ذاته يكشف عن ضخامة المسئولية الملقاة على عاتق النظام ~~الاشتراكي؛ ذلك لأن على هذا النظام أن يحقق - وبوسائل نزيهة يقضي فيها على ~~استغلال الإنسان للإنسان - تقدما يفوق ما أحرزته الرأسمالية بوسائل سهلة تفتقر ~~إلى النزاهة؛ فالتحدي الأكبر الذي يواجه النظام الاشتراكي ليس مجرد التقدم، ~~وإنما هو بلوغ التقدم في ظل علاقات إنسانية سليمة. ~~(4-3) القيم الإيجابية في النظام الاشتراكي ~~(1) # إن الاشتراكية تتخلص من روح المقامرة التي تسود النظام ~~الرأسمالي، حيث تنتشر المضاربة في الأسهم سعيا وراء ربح لا يقابله ~~أي عمل أو مجهود. بل إن أقصى ما يمكن أن يكون قد بذل فيه من جهد ~~هو استخدام ذكاء المقامر، وهي تسعى إلى القضاء على الانفصال بين ~~رأس المال وبين العمل المنتج، وذلك حين تجعل الملكية وظيفة ~~اجتماعية بحيث يشعر كل من يعمل بأن له فيها نصيبا، وتقوم ~~الاشتراكية على إدراك صحيح لقيمة العمل؛ ومن هنا فإنها تحاول بقدر ~~طاقتها أن تجعل لكل فرد في المجتمع مستوى يعادل مقدار الجهد الذي ~~يبذله ذلك الفرد في خدمة المجتمع، ويترتب على ذلك أن تستغني ~~الاشتراكية ms052 عن الطفيليات الاجتماعية التي تعيش على عمل الآخرين، ~~وعن أولئك «العاطلين بالوراثة» الذين لا فضل لهم سوى انتمائهم إلى ~~أسر من مستوى اجتماعي معين. ~~(2) # وبالمثل فإن الاشتراكية - في سعيها إلى التقدم - لا تعمل على خلق ~~حاجات زائفة لدى جمهور المستهلكين من أجل توسيع دائرة النشاط ~~الاقتصادي في مجال ما؛ ذلك لأن ما يحدث في المجتمع الرأسمالي من ~~إصرار على التوسع لأجل التوسع، يمكن أن يؤدي إلى اختلال هائل في ~~توازن الحاجات الاجتماعية؛ بحيث يتوقف مقدار نجاح أي مرفق اقتصادي ~~على قدرته على الدعاية لنفسه واجتذاب العملاء، لا على تلبيته ~~لحاجات حقيقية في المجتمع. وهكذا تزدهر صناعة أدوات الزينة - مثلا ~~- ازدهارا هائلا، وتتعدد أنواع هذه الأدوات بلا مبرر؛ لأن أجهزة ~~الدعاية تنجح في خلق طلب زائف على كل نوع جديد تبتدعه هذه الصناعة ~~منها. أما في النظام الاشتراكي فإن الحاجة إلى سلعة كهذه تقاس ~~بالحاجة إلى سلع أخرى أكثر حيوية - كالكتاب مثلا - وتعطي كل سلعة ~~ما تستحقه من جهد واهتمام تبعا لحاجة المجتمع الحقيقية ~~إليها. # وهكذا يظهر مبدأ التخطيط في المجتمع الاشتراكي بوصفه وسيلة ~~لتحقيق التوازن بين حاجات المجتمع وبين ما يستطيع أن ينفقه على هذه ~~الحاجات من موارد؛ فالتخطيط في أساسه جهد يبذل من أجل التخلص من ~~فوضى الإنتاج، ومن أجل تحقيق النظرة الشاملة إلى موارد المجتمع ~~وتوزيعها، حسب الأولويات، على مطالبه وحاجاته، ومثل هذه النظرة ~~الشاملة يستحيل أن تتحقق في المجتمع الرأسمالي، الذي تسعى فيه كل ~~صناعة وكل شركة إلى نفعها الخاص، حتى ولو كان ذلك على حساب ~~الآخرين. ومن الواضح أن لمبدأ التخطيط في المجتمع الاشتراكي قيمة ~~معنوية كبرى إلى جانب قيمته المادية، فهو من جهة يساعد على ترشيد ~~الإنتاج في المجتمع على النحو الذي يضمن له نموا متوازنا لا ~~يطغى فيه جانب على جانب إلا بمقدار ما يلي من حاجات حقيقية ~~للمجتمع، وهو من جهة أخرى يساعد على انتشار مبادئ معنوية لا غناء ~~عنها لكل مجتمع يسعى إلى تقدم حقيقي: كمبدأ النظرة الكلية إلى ~~الأمور بدلا من ms053 النظرة الجزئية، والبحث عن نفع المجتمع ككل بدلا ~~من نفع قطاعات معينة منه، والتخلص من أنانية الأجيال عن طريق ~~التخطيط للمستقبل القريب والبعيد. ~~(3) # ومن هنا كانت الاشتراكية هي وحدها المرحلة التي تتحقق فيها ~~للإنسان حريته الحقيقية، ومن الضروري أن نفرق في هذا الصدد بين ~~الحرية الحقيقية وبين الحرية الوهمية؛ ذلك لأن أنصار الرأسمالية هم ~~أكثر الناس حديثا عن الحرية وتشدقا بها، حتى لقد وصل بهم الأمر ~~إلى حد تسمية العالم الذي يطبق فيه نظامهم باسم «العالم الحر»، ~~وبالفعل كان الاقتصاد الرأسمالي منذ بداية عهده - ولا يزال حتى ~~الآن - يسمي نفسه باسم الاقتصاد الحر. وكان ازدهار الرأسمالية ~~مرتبطا بفهم معين للحرية، هو حرية الأعمال التي لم يكن من المشروع ~~التدخل في مسارها؛ لأنها - كما يعتقد - تنظم نفسها وفقا لمقتضيات ~~السوق، ووفقا لمصالح المنتج والمستهلك في نهاية الأمر. # على أن هذه الحرية التي ساعدت الرأسمالية على توطيد مركزها في ~~بداية عهدها، سرعان ما تكشف وجهها الحقيقي، فإذا بها عبودية لمعظم ~~طبقات المجتمع؛ ذلك لأنك تستطيع أن تقيم علاقة بين صاحب العمل ~~القوي والعامل الضعيف على أساس من «الحرية». ولكن لمن ستكون الحرية ~~في هذه الحالة؟ لا جدال في أن عدم التناسب في القوة بين الاثنين، ~~واحتياج العامل إلى صاحب العمل لكي يضمن عيشه، سيجعل مثل هذه ~~الحرية في التعامل بينهما وسيلة لاضطهاد الأول للثاني. وفي هذه ~~الحالة لا يعد تدخل الدولة لحماية العامل حدا من الحرية. بل إنه ~~إقرار وتأكيد لها. # مثل هذا يقال عن سائر «الحريات» المشهورة في العالم الرأسمالي، ~~فحرية الصحافة شيء رائع دون شك. ولكن أين صحافة البلاد الرأسمالية ~~من الحرية؟ إن اعتمادها على الإعلان - الذي تتحكم فيه المؤسسات ~~الرأسمالية الكبرى - يجعلها ألعوبة في يد نفس القوى التي تدعي ~~أنها حرة إزاءها. أما الصحافة التي تتسم بقدر من الحرية يتيح لها ~~أن توجه النقد إلى الأسس التي يقوم عليها النظام القائم، فإن ~~الأموال تقبض عنها إلى أن تفلس، أو تصدر بصورة لا تسمح بقراءتها ~~إلا لعدد محدود جدا من ms054 القراء، ومثل هذا يقال عن حرية التعاقد ~~بين العامل وصاحب العمل؛ إذ إن هذه حرية شكلية لا أساس لها في ~~الواقع ، الذي يكون فيه مركز العامل من الضعف بحيث لا يستطيع على ~~الإطلاق أن يقف ندا لصاحب العمل في عملية التعاقد، مما يضطر ~~العمال إلى التجمع في اتحادات تقوي مركزهم على المساومة، وقد ~~يلجئون - إذا أعيتهم الحيل - إلى إضرابات طويلة الأمد، تعود ~~على معيشتهم اليومية بأضرار لا يستهان بها. أما حرية تكوين ~~الأحزاب، فإنها في الدول الرأسمالية الكبرى أشبه ما تكون بلعبة ~~مسلية تتغير فيها الوجوه دون أن يطرأ على السياسة ذاتها أي تغيير ~~حقيقي، والمثل الواضح لذلك هو الحزبان: الديمقراطي والجمهوري في ~~الولايات المتحدة، وهما الحزبان اللذان لا يستطيع أقطابهما ذاتهم ~~أن يضعوا حدا فاصلا واضحا بين اتجاهاتهما السياسية، ومثل هذا ~~يقال عن حزبي العمال والمحافظين في بريطانيا. وأخيرا فإنا نسمع ~~في العالم الرأسمالي عن حرية المنافسة بوصفها فضيلة من فضائل ذلك ~~النظام. ولكن تجربة التاريخ أثبتت أن المنافسة تتحول في الدول ~~الرأسمالية الكبرى إلى احتكار يؤدي إلى تنظيم العلاقات بين ~~المنتجين على حساب جمهور المستهلكين. # مثل هذه الحرية الشكلية ليست هي الهدف الذي يسعى إليه النظام ~~الاشتراكي، فهذا النظام يحاول أن يكفل للإنسان حرية حقيقية تنبع من ~~الجذور، لا حرية تطفو على السطح، وهو حين لا يترك لشخص واحد أو ~~مجموعة من الأشخاص حرية التحكم في وسائل الإنتاج الاقتصادي؛ يضمن ~~بذلك تحرر الجماهير العريضة من طغيان رأس المال، ويرسي الأساس ~~الحقيقي لسائر أنواع الحريات، صحيح أن هذه الحريات قد لا تكون ~~صارخة كتلك التي يتشدق بها دعاة الحرية الليبرالية. ولكنها مع ذلك ~~حريات حقيقية تستمتع بها الغالبية العظمى من المواطنين، فحرية ~~الكلمة تصبح عندئذ بحثا وراء الحقيقة. وحين تصبح الحقائق في ~~متناول أيدي الجميع فإنها تحررهم من الأوهام والأكاذيب والتضليل. ~~ومن التشنيع السطحي الذي يقدم إلى الناس على أنه نقد اجتماعي ~~عميق. أما الأحزاب فإنها عندما تعكس موازين القوى الحقيقية بين ~~طبقات المجتمع، ولا تعود مجرد أداة في ms055 يد فئات من الأفراد الذين لا ~~يمثلون إلا أنفسهم، فإنها تصبح عاملا أساسيا من عوامل التعبير ~~عن الرأي في المجتمع الاشتراكي . وأخيرا فإن حرية المنافسة مكفولة ~~في النظام الاشتراكي بدوره، ولكنها منافسة في خدمة المجتمع. وليست ~~منافسة في استنزاف الأرباح من أفراده؛ ففي كل هذه الحالات إذن توفر ~~الاشتراكية للمجتمع حرية حقيقية، مبنية على التخلص من الاستغلال ~~الاقتصادي والظلم الاجتماعي. # وهكذا يتبين لنا أن الاشتراكية في صميمها مذهب إنساني يسعى إلى أن يرد للقيم ~~الإنسانية معناها الحقيقي الذي شوهته الرأسمالية وابتذلته، ويهدف في نهاية ~~الأمر إلى أن ينشر بين الناس اتجاهات معنوية لم تعرفها البشرية في عهودها ~~السابقة التي كان يشيع فيها كلها استغلال الإنسان للإنسان وامتهانه لكل ما يعتز ~~به من قيم. # الباب الثاني # | أضواء على الفلسفة الحديثة # | الأورجانون الجديد وفلسفة بيكن # (1) حياة فرانسس سبيكن # مرت إنجلترا بتغيرات اجتماعية وسياسية هامة في العصر الذي ولد فيه فرانسس ~~بيكن، فقبل مولده بقليل كانت البلاد قد نزعت عن نفسها سيطرة رجال الدين واصطبغت ~~بالصبغة الزمنية، ولم تكتف بإحلال أناس عاديين محل رجال الدين في المناصب الرئيسية ~~للدولة. بل إنها استولت على الأراضي الشاسعة التي كانت الهيئات الدينية تدعم بها ~~سلطتها، ووزعتها - بعد حل الأديرة - على الملاك العاديين. وهكذا بدأ يظهر في ~~إنجلترا نظام جديد، تتضاءل فيه سلطة الكنيسة، ويصطبغ بصبغة زمنية متزايدة القوة. ~~ومما له دلالته الواضحة أن أبا فرانسس بيكن، وهو السير نيكولاس بيكن، كان واحدا من ~~الوزراء المدنيين الذين حلوا محل رجال الدين في تولي المناصب الهامة، ووصل إلى منصب ~~حامل الأختام الملكية. وكانت أسرته من الأسر التي انتفعت بحل الأديرة وتوزيع ~~أراضيها. أما أمه - وهي ابنة السير أنتوني كوك - فكانت سيدة واسعة الثقافة، ولا ~~سيما في الآداب واللغات القديمة. وكانت كالفينية متعصبة. وهكذا كانت البيئة العامة ~~في إنجلترا، وكذلك بيئة أسرة بيكن الخاصة، ملائمة أشد الملاءمة لظهور مفكر متحرر ~~يؤمن بالعلوم الزمنية ويهاجم كل أنواع السلطة في ميدان العلم. # وقد ولد فرانسس بيكن في 22 يناير سنة 1561م، ms056 وعين أبوه في منصبه الكبير بعد ~~مولده بسنوات قلائل: وكثيرا ما كان أبوه يصطحبه إلى البلاط الملكي، حيث كانت ~~الملكة إليزابيث تعجب بحضور بداهة الطفل وحكمته السابقة لأوانها، وتلقبه «بحامل ~~الأختام الصغير». وهكذا ظهر منذ البداية عنصر آخر كان له تأثيره الواضح في ~~شخصية بيكن: وهو أن نشأته وطبيعة علاقاته ~~العائلية كانت تؤهله على نحو تلقائي لمستقبل سياسي، ولخدمة القصر الملكي في ~~بلاده. # وكان بيكن في الثانية عشرة من عمره عندما التحق بكلية «ترينيتي» بجامعة كيمبردج. ~~وهكذا أتم دراسته فيها وهو لم يكمل الخامسة عشرة من عمره، وهناك ظهر عنصر ثالث كان ~~له دوره الحاسم في تحديد اتجاهه العقلي في المستقبل؛ ذلك لأنه سرعان ما سئم المناهج ~~الدراسية العتيقة التي كانت سائدة في الجامعة، والتي كانت كلها مركزة حول منطق ~~أرسطو وميتافيزيقاه ولاهوت القديس توما الأكويني، واتضح له منذ البداية أن الفلسفة ~~التي تلقاها إنما هي فلسفة ألفاظ عقيمة، لا تفيد من الناحية العملية شيئا، ولا ~~تقدم أية معونة للإنسان في كفاحه الأساسي من أجل السيطرة على الطبيعة والنهوض ~~بحياته. وهكذا تحدد في ذهنه الهدف الذي سيتجه إلى تحقيقه طوال حياته، وهو القضاء ~~على سلطة القدماء والمدرسيين، والدعوة إلى فلسفة مثمرة من الناحية العملية. # وقد انصرف بيكن بعد هذه المرحلة الأولى من دراسته إلى الدراسات القانونية. ولكن ~~لم يتم تعليمه القانوني إلا بعد وقت طويل: فقبل إتمام دراسته، منحت له فرصة ~~السفر إلى الخارج، ليعمل مساعدا للسفير البريطاني في فرنسا، فاغتنم الفرصة وسافر ~~إلى باريس، حيث قضى في عمله هذا عامين ونصف العام. وفي عام 1579م عاد إلى بلاده على ~~عجل؛ إذ توفي أبوه فجأة دون أن يؤمن له مستقبله، فكان على بيكن أن يشق طريقه ~~بنفسه بعد أن كان يعتمد كثيرا على مساعدات أبيه، واضطر بيكن إلى الاستدانة لإكمال ~~دراساته القانونية، ومنذ ذلك الحين أصبحت الاستدانة عادة ملازمة له طوال حياته. ~~وكانت من أوضح مظاهر الضعف في شخصيته. # وفي تلك الفترة بدأت صداقة بيكن للإيرل إسكس # Essex # وهو شاب ms057 مرموق تفوق في الميدان العسكري، واختارته الملكة ~~إليزابيث صفيا لها وهو في الحادية والعشرين من عمره، في الوقت الذي كانت هي فيه ~~تناهز الستين من عمرها، وكثيرا ما كان بيكن يقدم النصح والتوجيه إلى صديقه، بينما ~~قدم إليه هذا الأخير خدمات كثيرة، ومنها ضيعة صغيرة تدر إيرادا معقولا، ومع ذلك ~~فقد ساءت العلاقات بين إسكس وبين الملكة، واتهم بخيانتها وتدبير انقلاب ضدها، فحوكم ~~وأدين وأعدم في عام 1601م. وكان بيكن نفسه من المشتركين في إدانة صديقه. وفي ~~إثبات مسئوليته عن خيانة الملكة، ويرى الكثيرون في ذلك نقطة سوداء في حياة بيكن، ~~ويعدونها من أوضح مظاهر انتهازيته ورغبته في تملق الملوك ولو على حساب أخلص ~~أصدقائه، على حين أن كتابا آخرين يرون أن بيكن لم يفعل إلا ما يحتمه عليه ~~الواجب، وأن تهمة الخيانة ثابتة على إسكس، فلم يكن مفر من الاشتراك في إدانته، وعلى ~~أية حال فقد أكد بيكن نفسه أنه آثر مصلحة الوطن - ممثلا في شخص الملكة - على ~~علاقته الشخصية بصديقه. وكان يرى في ذلك مبررا كافيا لسلوكه. # وبعد عامين من إعدام إسكس، توفيت الملكة إليزابيث، واعتلى جيمس الأول عرش ~~إنجلترا، وانتعشت آمال بيكن في الحصول على منصب حكومي كبير، يدر عليه دخلا ~~سنويا يضمن له حياة مستقرة؛ ذلك لأنه كان قد بذل محاولات متعددة للحصول على منصب ~~كبير في عهد إليزابيث. ولكنه لم يتلق إلا وعودا، ولم يصل إلى شيء مما كان يطمع ~~فيه. وفي سنة 1607م تولى بيكن أول منصب عام كان يصبو إليه، وهو منصب المدعي العام. ~~وفي سنة 1613م أصبح محاميا عاما، ثم مستشارا خاصا للملك سنة 1616م. وفي العام ~~التالي أصبح حامل الأختام الملكية. وفي سنة 1618م عين كبير للمستشارين، ومنح ~~لقب «لورد فيرولام» ثم منح لقب «ألفيكونت» سنة 1621م. # وعندما بلغ نجاح بيكن في ميدان المناصب العامة هذه القمة، بدأ يتدهور بسرعة، فقد ~~اتهم بالرشوة، وبأنه يتقاضى هدايا من المتهمين قبل محاكمتهم وأثناءها، وحاول ~~الإنكار في البداية، ولكنه اضطر إلى الاعتراف بتقاضي الرشوة، ms058 وإن كان قد أكد مع ~~اعترافه هذا أمرين: أحدهما أن هذه الهدايا لم تؤثر في الأحكام القضائية التي ~~أصدرها، والآخر أن تقاضي الهدايا كان أمرا شائعا في بلاده في ذلك الحين ، حتى ~~بالنسبة إلى مناصب القضاة، وقد كان بالفعل صادقا في المسألة الثانية على الأقل، ~~ويبدو أن حاجته إلى المال، وديونه التي ظلت تتراكم طوال حياته، وتعوده حياة البذخ ~~والمتعة، كل ذلك جعله يغض الطرف عن المصدر الذي يحصل منه على المال، أو الوسيلة ~~التي يأتيه بها هذا المال، وعلى أية حال فقد أدانه مجلس اللوردات، وحكم عليه بغرامة ~~مقدارها 40 ألف جنيه، والحبس في البرج طوال الوقت الذي يشاؤه الملك، وعدم تولي أي ~~منصب في الدولة، أو الاقتراب من البرلمان أو المحاكم. ومع ذلك فقد أعفاه الملك من ~~الغرامة ولم يدم حبسه إلا أياما قلائل، وإن يكن قد حرم بالفعل من تولي ~~المناصب العامة بعد ذلك، ومن الواضح أن تخفيف العقوبة على هذا النحو دليل على أن ~~جريمته لم تكن شيئا خارجا عن المألوف في ذلك الحين. # ورغم أن بيكن قد تفرغ بعد نكبته هذه لحياته الخاصة ولمشروعاته العلمية الواسعة، ~~فإن صحته - التي لم تكن قوية في وقت من الأوقات - قد بدأت تتدهور بسرعة. وكان موته ~~مرتبطا ارتباطا وثيقا بالهدف الرئيسي لحياته الفكرية، وهو تحويل العلم إلى ميدان ~~التجربة العلمية؛ ففي أثناء تجربة بدا له أن يجريها في يوم مثلج شديد البرودة، لكي ~~يختبر تأثير التبريد في منفع التعفن، أصيب ببرد قاتل، وتفاقم المرض بسرعة، فتوفي ~~في التاسع من أبريل سنة 1626م. وكان عندئذ في الخامسة والستين من عمره. # فإذا شئنا أن نلخص أهم العوامل التي تحكمت في تحديد الاتجاه الفكري لبيكن من خلال ~~دراستنا السابقة لحياته، لقلنا: إن أولها هو ارتباطه بأسرة لها مصلحة أساسية في ~~التجديد الديني بإنجلترا. وفي استقلال الكنيسة الإنجليزية عن كنيسة روما المتعصبة، ~~فقد كان هذا العامل هو الذي تحكم في دعوته إلى الفصل القاطع بين مجال الدين ومجال ~~العلم. وفي ثورته على السلطة ms059 العقلية بجميع أنواعها. # والعامل الهام الثاني هو اندماجه الكامل في الحياة السياسية لعصره؛ ذلك أن هذا ~~الاندماج جعله عاجزا عن التفرغ لمشروعاته العلمية، وهو أمر كان له تأثيره في تخطيط ~~هذه المشروعات وأسلوب كتابتها، كما سنرى فيما بعد. ومع ذلك فقد أراد بيكن أن يحول ~~حياته السياسية إلى أداة لخدمة مشروعاته العلمية، وينتهز فرصة توليه أرفع مناصب ~~الدولة من أجل تحقيق هذه المشروعات علميا، ويستدل بعضهم من ذلك على أن السياسة ~~عند بيكن لم تكن سوى وسيلة، وأن الغاية الحقيقية إنما هي خدمة العلم؛ وبذلك يدفعون ~~عنه تهمة الانتهازية والرغبة في الصعود إلى أعلى المناصب ولو على حساب القيم ~~الأخلاقية. وهذا رأي لا يمكن الجزم بصحته. غير أن هناك شواهد متعددة على أنه كان ~~يعد النجاح في ميدان الحياة العامة وسيلة لتحقيق أهدافه العلمية؛ وذلك لسببين: ~~أولهما شخصي، وهو أنه بطبيعته لم يكن من ذلك النوع الذي يستطيع أن يعيش على الكفاف، ~~بل إنه لم يكن يستطيع أن يقدم خير ما عنده إلا وسط مظاهر الترف التي توارثها ~~واعتادها، والسبب الثاني عام، هو أنه كان يستطيع - بالوصول إلى المناصب الرفيعة - ~~أن يكتسب من النفوذ والسلطة ما يمكنه من وضع مشروعاته موضوع التنفيذ الفعلي، ومن ~~إقناع الحكومة والناس بها، ومن هنا فإن أهداف حياته كلها تتلخص في ذلك الخطاب الذي ~~بعث به إلى خاله في عام 1592م يطلب منه مساعدته على الحصول على منصب هام، ويقول ~~فيه: «لقد اتخذت من المعرفة كلها ميدانا لي». وفي هذه الرسالة أكد له أنه لا يريد ~~المنصب الرفيع إلا ليستطيع تنفيذ ما في ذهنه من المروعات، إذ إن تطهير المعرفة من ~~الأوهام والتشويهات «هو أمر استقر في ذهني حتى أصبح راسخا لا يتزعزع.» # ويرى «أندرسن» أن نداءات بيكن المتوالية إلى البلاط لكي يعينه على تنفيذ مشروعاته ~~كانت دليلا على أن المعرفة عنده مفضلة على المنصب السياسي، «فمن الإنصاف لبيكن أن ~~نقول: إنه كان على استعداد لأن يغامر في سبيل تفسيره الجديد للطبيعة. وفي الوقت ~~الذي ms060 كان لا يزال يسعى فيه للحصول على منصب كبير في الدولة، بتقديم نداء صريح إلى ~~رئيس الكنيسة القائمة وحاكم الدولة من أجل مشروع علمي يتضمن فلسفة مادية صريحة، ومن ~~شأنه حتما أن يحدث انقلابا في تكوين معاهد العلم القائمة والأساليب المتبعة فيها»، # 1 # وهكذا ظل بيكن يلح على الأمراء وكبار رجال الدولة، وعلى الملك جيمس ~~الأول - الذي كان يعرف عنه حب العلم؛ لكي يساعده في تحقيق مشروعاته العلمية، التي ~~لخصها ذات مرة بأنها إنشاء مكتبة تضم كل ما جادت به قريحة الإنسان في الشرق والغرب، ~~وحديقة بها كل أنواع النباتات في العالم، وكذلك كل أنواع الحيوانات وكأنها في ~~بيئاتها الطبيعية، ومتحف يضم كل اختراعات الإنسان الآلية، ومعمل كامل المعدات. ومع ~~ذلك لم يستمع إليه أحد، وظنوا أن مطالبه هذه إنما تنبعث عن طموح شخصي أو سعي إلى ~~الشهرة والمنصب الرفيع، ولم يستطع جيمس الأول أن يقتنع بأن يزود بيكن ما زود به ~~الإسكندر الأكبر أرسطو من المساعدات، فلم يساعده في مشروعه الذي يهدف إلى تأليف ~~دائرة معارف للعلوم الطبيعية، وإنشاء مجمع علمي يتفرغ للبحث التجريبي، ولم يفعل ~~شيئا لتغيير خطة الجامعات ومعاهد العلم القائمة من الدراسة العتيقة إلى الدراسة ~~التجريبية الطبيعية الحديثة، ولم تبدأ هذه المشروعات في التحقيق إلا بعد وفاة بيكن، ~~كما سنرى في الجزء الختامي من هذا البحث. ~~(2) مؤلفات بيكن # كان أول مؤلفات بيكن هو كتاب «المقالات» # Essays # وقد نشره أولا في سنة 1597م. وكان عندئذ كتيبا صغيرا يحوي عشر مقالات فقط، ثم ~~أعاد طبعه مع إضافة مقالات جديدة إليه، في سنة 1613م وسنة 1625م، ووصل في المرة ~~الأخيرة إلى ثمانية وخمسين مقالا في موضوعات متفرقة، تتميز كلها بالأسلوب الشيق ~~والأفكار المبتكرة، ويعد هذا الكتاب من أحب كتب بيكن إلى نفوس القراء. # وعندما تولى جيمس الحكم، أراد بيكن أن يتقرب إليه ويلفت نظره إلى مشروعاته، فنشر ~~في عام 1605م كتاب «النهوض ~~بالعلم # The Advancement of Learning ~~» باللغة الإنجليزية وأهداه إلى الملك، وقد حمل بيكن في هذا ~~الكتاب على ms061 تعاليم المدرسين، ونبه إلى الطريقة التي يراها كفيلة بالنهوض بالعلوم. ~~وقد أعاد بيكن نشر هذا الكتاب فيما بعد، بعد ترجمته إلى اللاتينية وإدخال إضافات ~~كثيرة عليه، بعنوان: «قيمة العلم والنهوض به # De digntitate et augmentis scientiarum # في عام 1623م»، وعمل بيكن بعد ذلك على نشر ~~آرائه في مجموعة كبيرة من المؤلفات اللاتينية التي لم تنشر خلال حياته، والتي ~~تضمنت أفكارا تكرر معظمها في كتبه الرئيسية، وقد بلغ عدد هذه المؤلفات اثني عشر ~~كتابا. وفي عام 1609م نشر بيكن كتاب «حكمة الأقدمين # De sapientia ~~verterum ~~»، ~~وبدأ في وضع خطة كتابه الأكبر «الإحياء ~~العظيم # Instauratio magna ~~». وكان بيكن يتوقع أن يكون هذا الكتاب أعظم ما كتب؛ ~~بحيث يعبر فيه عن نفسه بحق ويبلغ رسالته إلى العالم. # وكانت خطة كتاب «الإحياء العظيم» - كما رسمها بيكن في البداية - تقضي بأن يتألف ~~الكتاب من ستة أجزاء، لم يستطيع أن يتم إلا واحدا منها، وحتى في هذه الحالة ~~ظهر الكتاب ولما يكتمل بناؤه بعد، ولنتأمل عناوين هذه الأجزاء كما أراد بيكن أن ~~تكون: ~~(1) # أقسام العلوم # The Divisions of the sciences ~~، وهو تصنيف للعلوم لم يكتبه بيكن فعلا، ولكنه استعاض ~~عنه مؤقتا بالجزء الثاني كتاب «النهوض بالعلم»، ورأى أن هذا الجزء يفي ~~بالغرض حتى يتم هو تأليف كتاب خاص في الموضوع، وهو ما لم يفعله ~~قط. ~~(2) # الأرجانون الجديد # Novum organum # وعنوانه الفرعي هو: «إرشادات في تفسير الطبيعة # Directions concerning the interpretation of Nature ~~». وهذا هو الجزء الذي ~~نشره بيكن فعلا، أما لفظ «الأورجانون» فيعني الأداة، أو المنطق نفسه، ~~بوصفه أداة للتفكير العلمي، وقد أراد بيكن باستخدامه هذا اللفظ، أن ~~يعبر عن معارضته لمنهج أرسطو ومنطقه الذي كان يعرف باسم ~~الأورجانون. ~~(3) # ظواهر الكون، أو تاريخ طبيعي وتجريبي تبنى على أساسه ~~الفلسفة # The phenomena of the ~~Universe, or a Natural and Experimental History for the foundation of Philosophy ~~. # ويصف بيكن هذا الجزء بأنه دائرة معارف للعلوم الطبيعية وصنائع ~~الإنسان وفنونه، يمكن عن طريقها إقامة الفلسفة على أساس سليم من ms062 دراسة ~~الواقع، بعد أن كانت تبنى من قبل على تجريدات لا صلة لها بالعالم ~~الفعلي، وقد ألف بيكن بضعة أبحاث قصيرة من أجل دائرة المعارف هذه. ~~ولكنه كان يؤمن بأن هذا عمل لا يمكن أن يقوم به رجل واحد. ~~(4) # سلم ~~العقل # The Ladder of the intellect # ويوضح الطريقة التدريجية في تطبيق المنطق على ~~تفسير الوقائع التي جمعت في المرحلة السابقة. ~~(5) # التمهيدات، أو استباقات الفلسفة الجديدة # The Forerunners, or Antieipations of the new ~~philosophy ~~. وهذا الجزء ~~يقدم صورة تمهيدية للمعرفة الجديدة، وللقوة التي يكتسبها الإنسان عندما ~~يتم «الإحياء». ~~(6) # الفلسفة ~~الجديدة، أو العلم الإيجابي # The New philosophy, or Active Science # وقد صرح بيكن بأن قدراته ~~لن تمكنه من كتابة هذا الجزء الأخير، الذي سيكتبه العلماء أنفسهم ~~بأبحاثهم، المفكرون بآرائهم المبنية على دراسة سليمة للواقع. وكان ~~يكفيه أنه بدأ السير في الطريق، وعلى البشرية أن تكمل ما بدأ. # وأول ما يلاحظ على هذه الخطة هو أن بيكن لم يتم الجزء الأكبر منها، وكل ما ~~فعله هو أنه حدد أهدافه العامة، ثم شرع في تنفيذ أجزائها الأولى، وتوقفت جهوده عند ~~هذا الحد، وقد عمل شراح فلسفته على إدراج كتاباته المتفرقة - ولا سيما مقالاته ~~اللاتينية - ضمن هذه الخطة، وإن لم يكن هو ذاته قد فعل ذلك، وحتى في هذه الحالة نجد ~~أن هناك أجزاء غير قليلة من هذه الخطة لم تكتب فيها إلا صفحات قلائل، بينما ~~الجزء الأخير لم يكتب فيه حرف واحد. # ولعل أهم نتيجة تكشف عنها خطة بيكن هذه هي أنه لم يؤلف بالفعل كتابا اسمه ~~«الأورجانون الجديد»، وإنما ألف جزءا من «الإحياء العظيم» يحمل هذا العنوان، ~~وعندما نشر هذا الجزء أثناء حياة بيكن، كان الغلاف يحمل اسم «الإحياء العظيم». ~~وهكذا فإن «الأروجانون الجديد» ليس كتابا مستقلا، وإنما هو جزء من كتاب، أو على ~~الأصح جزء من خطة عامة لإصلاح العلم وللنهوض بحياة الإنسان. ومن الواجب دائما أن ~~ينظر إليه داخل سياقه الطبيعي، لا أن يؤخذ على أنه بحث منفصل يكون أهم كتابات ms063 ~~بيكن. وقد تضمن القسم الثاني من «الأورجانون الجديد» خطة فرعية لهذا الجزء، لم ~~يستطع بيكن أن يتمها بدورها. وهكذا فإن «الأورجانون الجديد» جزء من خطة شاملة لم ~~تكتمل. كما أن للأورجانون الجديد نفسه خطة فرعية لم يكتمل منها إلا جزء بسيط، وقد ~~ألف الكتاب على صورة فقرات منفصلة # aphorisms # لها ~~أرقام ثابتة، وهو مؤلف من جزأين: جزء سلبي بعنوان «تفسير الطبيعة وقدرة الإنسان»، ~~وجزء إيجابي بعنوان «تفسير الطبيعة وسيادة الإنسان»، وأسلوب الكتاب شيق بليغ، يتضمن ~~تشبيهات رائعة اشتهر بها بيكن في كل كتاباته حتى عده البعض أمير البيان في عصره، ~~سواء أكتب باللاتينية أم بالإنجليزية (وقد بلغ من تحكمه في اللغة أن ذهب بعض ~~الباحثين المحدثين إلى أنه هو المؤلف الحقيقي لدرامات شكسبير، على حين أن هذا ~~الأخير لم يكن إلا شخصا مغمورا، ورغم ابتعاد هذا الزعم عن الصواب، فإنه ينطوي على ~~تقدير ضمني هائل لأسلوب الكتابة عند بيكن). # ولا شك أن من الأسئلة الهامة التي ينبغي الإجابة عنها في صدد الكلام عن مؤلفات ~~بيكن، السؤال عن السبب الذي دفعه إلى الكتابة بطريقة الفقرات المنفصلة، في هذا ~~الكتاب الرئيسي على الأقل. والواقع أن مجموعة مؤلفاته كلها كانت بدورها أشبه ~~بالفقرات المنفصلة التي تفتقر إلى الإحكام والترابط: فكان يبدأ مشروعا تأليفيا ~~ثم يتركه لينتقل لغيره، وقد يعود إلى المشروع القديم بعد ذلك ولكن بعد تغيير خطته. ~~وهكذا فعلى أي نحو نعلل هذا الطابع غير المتصل لتفكيره سواء في كتاب «الأورجانون ~~الجديد» وفي مؤلفات منظورا إليها في مجموعها. # أول تعليل لهذه الظاهرة نستمده من طبيعة حياة بيكن: فقد كانت مهامه العامة وآماله ~~في المناصب الكبيرة ومساعيه للوصول إليها تشغل الجزء الأكبر من وقته. وليس معنى ذلك ~~أنه آثرها على العلم، وإنما المهم في الأمر أن أوقات فراغه كانت محدودة. وهكذا كان ~~يكتب في فترات «الهدنة» ما بين حروبه المستمرة مع خصومه، ومشاغله التي لا تنقطع في ~~الحياة العامة، ومن المؤكد أن هذه الحياة المضطربة الصاخبة قد انعكست على طريقة ~~تفكيره وكتابته، وطبعتها ms064 بطابع التجزؤ والاضطراب. # على أننا نستطيع أن نهتدي في كتابات بيكن ذاتها إلى تعليل موضوعي آخر لهذه ~~الظاهرة، مستمد من نظرته الخاصة إلى الطريقة التي ينبغي أن يعرض بها المفكر النزيه ~~آراءه، فهو في إحدى فقرات كتاب «الأورجانون الجديد» يعلل سبب إجماع الناس على ~~الإعجاب بكتابات الأقدمين، رغم كل ما فيها من نقص، فيقول: «إنهم يقدمونها إلينا ~~ويعرضونها علينا بطريقة من شأنها أن تضفي عليها قناعا نتوهم معه أنها كاملة تامة، ~~فلو تأملت منهجهم وتقسيماتهم، لبدا أنها قد انتظمت كل ما يتعلق بالموضوع واشتملت ~~عليه، ومع أن هذا الإطار قد أسيء ملؤه، وأنه أشبه بالقربة الفارغة، فإنه يتخذ في ~~نظر الذهن الساذج مظهر العلم الكامل وصورته. أما الباحثون الأوائل القدماء عن ~~الحقيقة، فقد كان لديهم من الأمانة ومن التوفيق ما جعلهم ميالين إلى أن يصوغوا ~~ويعرضوا كل معرفة أرادوا استخلاصها بالتأمل، في صورة فقرات منفصلة # aphorisms ~~، أو جمل قصيرة مبعثرة لا يربط بينهما ~~أي منهج، دون أن يدعوا أو يزعموا أنها تشتمل على أي علم كامل»، # 2 # وواضح من هذا النص أن بيكن يؤمن بأن عرض الآراء في صورة متكاملة قد ~~يكون نوعا من خداع الناس، إذا كانت هذه الآراء تتعلق بموضوعات لم يكتمل البحث فيها ~~بعد، ولم يصل المرء فيها إلى حقيقة تامة، وطالما أن العلم لم يكتمل، فمن الواجب ألا ~~يعرض على الناس في صورة مكتملة، ولما كان هو ذاته أول من يعترف بأن الموضوعات ~~التي تعرض لها ما زالت في حاجة إلى بحوث كثيرة، فقد كان من الطبيعي ألا يحاول خداع ~~الناس، أو تكرار ما فعله بعض القدماء، بعرض أفكار جزئية في صورة مكتملة. ومما يؤيد ~~هذا التعليل أن بيكن يقدم إلى القارئ وصفا للجزء الإيجابي من كتاب «الأورجانون ~~الجديد»، فيقول: «نود ألا يعتقد أحد أننا نطمح إلى إنشاء أية مدرسة أو طائفة فلسفية ~~كما فعل اليونانيون القدامى أو بعض المحدثين، إذ ليس هذا هدفنا، ونحن لا نعتقد أن ~~الأفكار المجردة عن الطبيعة ومبادئ الأشياء تحدث تأثيرا ms065 كبيرا في أقدار البشر، ~~وهكذا فإن جهدنا ليس مركزا في هذه الموضوعات النظرية، والعقيمة في الوقت ذاته، ~~وإنما استقر عزمنا على أن نحاول إيجاد أساس أمتن لقدرة الإنسان وعظمته، ومد حدودهما ~~إلى أبعد الآفاق، وعلى الرغم من أننا قد نقول في هذا الموضوع أو ذاك وفي بعض ~~المسائل الخاصة، بآراء تبدو لنا أصح وأوثق من الآراء التي يشيع الاعتراف بها، بل ~~أستطيع أن أقول: إنها أنفع منها، فإننا مع ذلك لا نقدم نظرية شاملة ولا كاملة، # 3 # وهكذا كان بيكن يتحاشى الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه القدماء، ويحرص ~~على أن يعرض آراءه على أنها «محاولات» بحيث تكون طريقة العرض ملائمة لموضوعات البحث ~~وللمرحلة التي وصل إليها فيه .» ~~(3) الخصائص العامة لفلسفة بيكن # إذا تأمل المرء فلسفة بيكن من خلال كتاب «الأورجانون الجديد» بدا له أن أهم ما ~~تتميز به هذه الفلسفة هو تجديدها للمنطق، ونظريتها الجديدة في الاستقراء. أما إذا ~~تأمل هذه الفلسفة من خلال الخطة العامة لكتاب «الإحياء العظيم» الذي لا يكون ~~الأورجانون إلا جزءا واحدا منه؛ لبدت له محاولة ذات طابع أعم بكثير، لكشف القيم ~~الجديدة التي تتضمنها الحضارة العلمية الحديثة في أول عهودها، ولاستخلاص المضمونات ~~الفكرية لعصر الكشوف العلمية والجغرافية، والتعبير بصورة عقلية عن التغيير الذي ~~تستلزمه النظرة الجديدة إلى الحياة. وفي هذه الحالة الأخيرة تبدو فلسفة بيكن في ~~صورة «إحياء» لقدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة (وبالفعل كان بيكن يؤمن بأن ~~الإنسان - كما جاء في سفر التكوين - كانت له السيادة على المخلوقات جميعا، ثم أدى ~~فساد العلم إلى استعادة سيطرته على العالم، ولو شئنا أن نترجم عنوان كتابه الكبير ~~ترجمة حرفية لقلنا: «الاسترداد العظيم»). # ولقد ظل مؤرخو الفلسفة طويلا ينظرون إلى بيكن على أنه فيلسوف منطقي، ويرون أن ~~أعظم ما قدمه إلى الفلسفة هو نظريته في الاستقراء؛ على أن البحث الحديث في فلسفة ~~بيكن قد غير هذه النظرة تغييرا أساسيا، ولا سيما بعد ظهور كتابي: «فارنجتن» # 4 # و«أندرسن» # 5 ~~(في سنتين متواليتين)، فأندرس يحذر من تلك ms066 العادة «الهيجلية» التي ~~ينظر فيها إلى المفكر على أنه مجرد حلقة في سلسلة يمثلها اتجاه فلسفي عام؛ بحيث ~~يعد بيكن ممثلا غير ناضج للمذهب التجريبي الذي بلغ قمته عند هيوم، أو مرحلة في ~~الاتجاه الاستقرائي الذي اكتمل عند مل، أو مكملا لأرسطو أو المدرسيين؛ فكل هذه ~~تفسيرات الذي باطلة لتفكير بيكن، الذي كانت له خصائصه ومقوماته الفريدة، ويأخذ ~~«فارنجتن» على عاتقه مهمة إيضاح هذه الخصائص؛ ليبين بوضوح كامل مدى ارتباط بيكن ~~بالحضارة العلمية الصناعية الحديثة، وإلى أي حد كانت فلسفته نبوءة تبشر بتطورات ~~هائلة في نظرة الإنسان الأوروبي إلى الحياة، لا مجرد قواعد منهجية أو منطقية ~~جديدة. # وإذا كان من المستحيل التكهن بتلك الفلسفة النهائية التي رأى بيكن أن الواجب ~~إقامتها على أساس الدراسة العلمية للطبيعة - وهي الفلسفة التي تكون الجزء السادس من ~~خطة «الإحياء العظيم» - فإن في وسعنا أن نستخلص الملامح العامة لفلسفة بيكن من خلال ~~كتاباته الباقية، وهي فلسفة لا نستطيع أن نقول إنها نهائية. ولكنها هي التي أرشدته ~~في طريقه العقلي طول حياته، ولهذه الفلسفة جانبان: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي، ~~وهما معا وجهان لموقف فكري واحد، وسنتناول الآن بالشرح كلا من هذين الجانبين على ~~حدة. ~~••• # لا يكاد يوجد كتاب في موضوع «مناهج البحث العلمي»، أو منهاج دراسي في هذا ~~الموضوع، إلا ويبدأ بطريقة واحدة؛ فهو يجري مقارنة بين طريقة التفكير الشرقية ~~القديمة، والتي تقوم على معارف عملية تطبيقية، وبين طريقة التفكير اليونانية التي ~~تقوم على معارف نظرية، أو على مبدأ «المعرفة لأجل المعرفة»، ويؤكد أن العلم بمعناه ~~الصحيح لن يبدأ إلا حين سادت النظرة اليونانية، وأصبح العلم يطلب لذاته لا لأي ~~غرض عملي. والواقع أن اليونانيين هم المسئولون عن الحضارة الغربية منذ عصرهم، حتى ~~أصبح هو معيار المنهج العلمي الصحيح؛ فاليونانيون هم الداعون إلى بحث «الوجود بما ~~هو موجود»، والوصول إلى «الحقيقة لذاتها»، وإلى احتقار كل بحث يخضع للاعتبارات ~~العملية، وتمجيد كل علم نظري بحت. وهكذا انتشر منذ العصر اليوناني الرأي القائل: إن ~~العلم ينبغي أن يطلب ms067 لذاته، وأصبح أشبه بالعقيدة الراسخة التي لا يحاول أحد أن ~~يناقشها. # ومن المؤكد أن لهذا الرأي أساسا من الصحة، حتى من وجهة النظر العملية ذاتها؛ ذلك ~~لأن معرفة القاعدة النظرية أو القانون النظري توسع نطاق العلم، وتزيد بالتالي من ~~قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة؛ فالشخص الذي يفهم نظرية فيثاغورس في صيغتها ~~المجردة لديه معرفة أوسع نطاقا بكثير من ذلك الذي يطبقها دون فهم نظري لها، على ~~ميدان عملي محدد، وبذا يكون الأول أقدر حتى من الناحية العملية ذاتها، وإلى هذا ~~الحد نستطيع أن نقول: إن مبدأ المعرفة النظرية كان عاملا هاما في تقدم العلم. ~~وفي تحقيق سيطرة الإنسان على الطبيعة. # ولكن الذي حدث بالفعل هو أن هذا المبدأ قد أسيء استغلاله إلى أبعد حد؛ بحيث أصبح ~~عائقا في وجه تقدم المعرفة؛ ففي العصر اليوناني تحولت المعرفة النظرية إلى معرفة ~~كلامية أو لفظية، وأصبحت النتائج العلمية تستخلص من أقيسة لفظية لا تقدم ولا ~~تؤخر، وازداد ابتعاد الإنسان تدريجيا عن واقع الأشياء وعن عالم الطبيعة، متخذا ~~لذلك ذريعة من مبدأ المعرفة النظرية، وازدادت قوة الاتجاه إلى الابتعاد عن الواقع ~~في العصور الوسطى، ووجد له سندا في النزعة الزاهدة المضادة للطبيعة في مسيحية ~~العصور الوسطى، فكانت نتيجة ذلك تقلصا تدريجيا في قدرة الإنسان على التحكم في ~~الطبيعة، دون أن يجرؤ أحد على مناقشة هذا المبدأ المقدس، مبدأ المعرفة النظرية أو ~~الاعتراض عليه؛ ذلك لأن الاعتراض على هذا المبدأ المتأصل في النفوس كان في واقع ~~الأمر احتجاجا على أسلوب كامل في الحياة. وكان دعوة إلى التغلغل في عنصر مكروه هو ~~الطبيعة المادية، ونستطيع أن نقول: إن بيكن كان من أول وأجرأ من ناقشوا المثل ~~الأعلى للحكمة النظرية هذه، ووجهوا إليه اعتراضات حاسمة. # فقد أدرك بيكن بوضوح تام هذا العيب الأساسي في طريقة تفكير فلاسفة اليونان ~~والعصور الوسطى، وهو بأن العقل النظري وحده كفيل بالوصول إلى العلم، وحمل على ~~الفكرة القائلة «بأن مما يحط من قدر الذهن البشري أن يظل عاكفا مدة طويلة ودون ms068 ~~انقطاع على الاتصال بالتجارب والجزئيات، التي هي موضوعات الحس، وأن يقتصر على ~~المادة وحدها، لا سيما وأن هذه الأمور تقتضي عادة جهدا في البحث وهي ليست موضوعا ~~رفيعا للتأمل. كما أن الحديث عنها ليس بالحديث الرفيع، ودقتها لا حد لها، وهكذا ~~نبذت التجربة بازدراء، ولم يقتصر الأمر على تجاهلها أو إساءة تطبيقها.» # 6 # وعلى هذا الأساس أعاد بيكن تقويم الفلسفة اليونانية في ضوء اعتراضه الأساسي على ~~مثال المعرفة النظرية هذا، وقلل إلى حد بعيد من قيمة كبار الفلاسفة اليونانيين ~~الذين لم يشتهروا إلا بفضل دعوتهم إلى العلم النظري الخالص، واحتقارهم للتجربة، ~~واستبدالهم عالم الألفاظ بالعالم الطبيعي الحقيقي، «وهكذا فإن اسم السفسطائيين الذي ~~رفضه بازدراء أناس يظنون أنفسهم فلاسفة، وأطلقوه على البلاغيين، مثل جورجياس ~~وبروتاجوراس وهيبياس وبولوس Polus ~~؛ هذا الاسم يمكن ~~أن ينطبق بالفعل على المجموعة كلها، مثل أفلاطون وأرسطو وزينون، والفارق الوحيد بين ~~أولئك وهؤلاء هو أن الأولين كانوا مرتزقة جوالين، يتنقلون بين البلدان المختلفة ~~ويستعرضون حكمتهم ويطالبون بثمن لها، على حين أن الآخرين كانوا أكثر وقارا ~~واحتراما. وكانت لهم مقارهم الثابتة ومدارسهم المفتوحة. وكانوا يعلمون الفلسفة بلا ~~مقابل». وهكذا يقتبس بيكن وصفا مشهورا لفلسفة أفلاطون بأنها «حديث عجائز عاطلين ~~إلى شبان جاهلين»، ويرى أن هذا الوصف ينطبق على الجميع، وهو يستثني من هذا الحكم ~~الفلاسفة اليونانيين الأوائل، مثل أبنادقليس وهرقليطس؛ لأنهم لم يفتحوا مدارس، ~~وإنما واجهوا الحقيقة مباشرة، وعلى أية حال، فإن مما يعيب اليونانيين جميعا أنهم ~~«يشتركون مع الأطفال في الميل إلى الكلام والعجز عن الإنجاب (المثمر)؛ بحيث كانت ~~حكمتهم لفظية لا تثمر أية نتائج.» # 7 # ومثل هذا النقد يوجهه إلى الفلاسفة المدرسيين في العصور الوسطى؛ ففي إحدى فقرات ~~كتابه «النهوض بالعلم» يقول: «إن هذا النوع المنحط من المعرفة قد ساد أساسا بين ~~المدرسيين، الذين كان لديهم ذكاء قوي حاد، وأوقات فراغ طويلة، وقراءات قليلة ~~التنوع. ولكن كان ذكاؤهم حبيسا في زنزانات كتاب قلائل أهمهم أرسطو حاكمهم ~~المستبد، مثلما كانت أشخاصهم حبيسة في زنزانات الأديرة ودور العلم، ولما ms069 لم يكونوا ~~يعرفون من التاريخ الطبيعي أو الزمني إلا قليلا، فإنهم قد تمكنوا، باستخدام مادة ~~ضئيلة ولكن مع استعمال مفرط للعقل، من أن يحيكوا أنسجة العنكبوت المضنية التي نجدها ~~في كتاباتهم؛ ذلك لأن ذكاء الإنسان وذهنه، إذا ما مورسا على مادة مثل تأمل مخلوقات ~~الله، فإنهما يعملان تبعا لمقدار هذه المادة ويتحددان بها. أما إذا مورسا على ~~ذاتهما، مثلما ينسج العنكبوت خيوطه؛ فعندئذ لا يكون لعملهما نهاية، يأتيان حقا ~~بمعرفة أشبه بنسيج العنكبوت، تعجبنا فيها دقة الخيوط وحبكة النسج. ولكن ليس لها ~~قوام ولا منها جدوى.» # وهكذا تحولت حملة بيكن على العلم النظري الخالص عند القدماء والمدرسيين إلى حملة ~~على كل تقيد بأية سلطة في ميدان العلم، ودعوة إلى البدء في طريق جديد غير تلك الطرق ~~العتيقة التي لا تثمر ولا تجدي. ولا شك أن حملته على السلطة في العلم قد تركزت في ~~شخص أرسطو، الذي وجه إليه أشد انتقاداته وأعنف هجماته، وقد نرى نحن اليوم في هذا ~~الهجوم قسوة مفرطة، وجحودا بفضل أرسطو الذي لا يستطيع أي باحث منصف أن ينكره. ومع ~~ذلك ينبغي ألا ننسى أن بيكن لم يكن يحارب أرسطو من حيث هو أثر تاريخي، وإنما كان ~~يحاربه من حيث هو قوة حية، تعد هي المرجع الأخير في كل علم قائم، ومن حيث هو عقبة ~~قوية تقف في وجه أي إحياء للعلم؛ ومن هنا كان عنف نقده بالقياس إلى أي نقد حديث ~~لأرسطو؛ ذلك لأن أرسطو لم يعد اليوم قوة حية في أي ميدان باستثناء الفلسفة (ويعتقد ~~الكثيرون أنه لم يعد حيا في هذا الميدان بدوره)، وإنما هو أثر تاريخي، نبدي نحوه ~~نفس الإعجاب الذي نبديه بمبنى أثري قديم: لا يصلح للسكنى. ولكنه كان في زمنه شيئا ~~رائعا. # ونستطيع أن نقول: إن بيكن قد أحدث في مجال المعرفة انقلابا موازيا لذلك الذي ~~أحدثه لوثر وكالفن منذ فترة وجيزة - بالنسبة إلى ذلك العصر - في مجال الدين؛ ففي ~~حالة أصحاب الدعوة الدينية الجديدة، الثائرة على جمود الكنيسة الكاثوليكية، كان ms070 ~~يكفي لتحقيق غاية الدين أن يكون الفرد إنسانا صالح النوايا، وهو ليس في حاجة إلى ~~«سلطة يأخذ بتفسيراتها للدين». وفي حالة بيكن كان يكفي لتحقيق غاية العلم أن يبدأ ~~المرء وكأنه طفل بريء، وأن يتحرر من كل سلطة مفروضة على ذهنه، وأن يستخدم عقله ويضع ~~لنفسه منهجا صحيحا؛ وبذلك يصل إلى الحقيقة دون معونة من آراء القدماء، ونستطيع أن ~~نمضي في هذه المقارنة أبعد من ذلك فنقول: إن المذاهب الدينية الثائرة كانت تؤمن ~~بقدرة كل شخص على أن يتصل بموضوع الدين، وهو الله، اتصالا مباشرا دون وسائط، ~~وبالمثل كان بيكن يؤمن بأن في وسع كل ذهن أن يتصل بموضوع العلم، وهو الطبيعة، ~~اتصالا مباشرا دون وسائط، وكما أثبتت الثورة الدينية أن سلطة الكنيسة لا جدوى ~~منها في الوصول إلى الخلاص، فكذلك حاول بيكن أن يثبت - في ثورته العلمية والمنهجية ~~- أن سلطة القدماء وفلسفتهم اللفظية لا جدوى منها في الوصول إلى الحقيقة، وإنما هي ~~عقبات تجعلنا نكتفي بمواجهة الألفاظ بدلا من أن نواجه الطبيعة والأشياء ~~مباشرة. # أما الوجه الإيجابي فهو الإيمان المطلق بالعلم وبقدرته على تحسين أحوال البشر؛ ~~ذلك لأن الدعوة إلى المعرفة النظرية - كما كانت سائدة في العصرين القديم والوسيط - ~~كانت دعوة مستسلمة تفصل بين العلم وبين واقع حياة الإنسان. وكان بيكن هو الذي بعث ~~الأمل الذي كان يبدو بعيدا عن التحقيق، وهو استخدام العلم أداة في يد الإنسان، ~~تعينه على فهم الطبيعة، وبالتالي على السيطرة عليها. # ولقد عبر «فارنجتن» عن هذه الفكرة أوضح تعبير في كتابه عن «فرانسس بيكن»، وهو ~~الكتاب الذي يمكن أن يعد إثباتا مطولا لرأي بيكن في ضرورة استخدام العلم في ~~زيادة رفاهية الإنسان، وهكذا يقول في مستهل كتابه هذا: «إن قصة فرانسس بيكن إنما هي ~~قصة حياة كرست لفكرة عظيمة. هذه الفكرة قد تملكته صبيا، ونمت مع التجارب ~~المنوعة لحياته، وشغلته وهو على فراش الموت، والفكرة اليوم مألوفة متداولة ولكنها ~~في عصره كانت تجديدا إبداعيا، تلك هي الفكرة القائلة: إن المعرفة ينبغي أن تثمر ~~في ms071 أعمال، وأن العلم ينبغي أن يكون قابلا للتطبيق في الصناعة، وأن على الناس أن ~~يرتبوا أمورهم بحيث يجعلون من تحسين ظروف الحياة وتغييرها واجبا مقدسا عليهم» # 8 # كما يقول قرب نهاية كتابه: «إن بيكن يدخلنا جوا ذهنيا جديدا، ~~وعندما نحلل هذا الجو؛ نجد أن أهم عناصره ليس ما أحرزه من تقدم علمي، وإنما هو ثقته ~~المتينة في قدرة العلم على تغيير حياة الإنسان.» # 9 # والواقع أن بيكن إذا كان قد أتى بجديد في تاريخ التفكير الفلسفي والعلمي، فإنما ~~يكون هذا التجديد في المعيار الذي وضعه للعلم الصحيح: وهو قدرته على أن يثمر ~~أعمالا؛ فالعلم العقيم ليس علما، والعلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة ~~الإنسان في شيء ليس علما، والعلم الذي هو مجرد تكديس للأفكار والآراء دون أن ينعكس ~~تأثيره على أحوال الناس الفعلية ليس علما، وإنما العلم في رأيه هو ذلك الذي يمكن ~~أن يثمر أعمالا ويؤدي إلى تغيير حقيقي في حياة الناس. وهذا يعني - بعبارة موجزة - ~~أن العلم كما يدرس في معاهد العلم الموجودة ليس علما، وأنه لا بد من حدوث ثورة ~~شاملة في نظرة الناس إلى العلم، إلى وظيفته وإلى طريقة تحصيله. # وهكذا اتجهت دعوة بيكن إلى القيام بأنواع ~~جديدة من الدراسات العلمية التي ترتبط بحياة الإنسان ارتباطا وثيقا؛ بحيث يكون ~~هذا العلم أساسا متينا تبنى عليه الفلسفة الجديدة، بدلا من ذلك الأساس الواهي ~~القديم، وهو التجريدات اللفظية الخاوية؛ ومن هنا فقد كتب بيكن ملحقا لكتاب ~~«الأورجانون الجديد»، بعنوان: «المدخل إلى تاريخ طبيعي وتجريبي Parasceve and ~~historiam naturalem et experimentalem ~~». وفيه يقول: «إن ما قلناه في ~~مناسبات متعددة ينبغي أن يؤكد هنا مرة أخرى تأكيدا قاطعا، وأعني به أنه لو تجمعت ~~العقول في كل الأزمان أو شرعت في التجمع من الآن فصاعدا، ولو عكف البشر جميعا أو ~~شرعوا في العكوف على الفلسفة من الآن فصاعدا، ولم تعد الأرض كلها إلا معاهد وكليات ~~ومدارس لأهل العلم، فمحال أن يتحقق الآن أو في المستقبل أي تقدم جدير ms072 بالبشر - في ~~الفلسفة أو العلوم - دون تاريخ طبيعي وتجريبي كذلك الذي ندعو إليه. هذا على حين أنه ~~لو جمع تاريخ كهذا ونظم مع إضافة ما سيكون ضروريا خلال عملية التفسير من ~~تجارب كاشفة ومساعدة، فإن بحث الطبيعة والعلوم جميعا لن يقتضي عمل أكثر من سنوات ~~قلائل، وإذن فلا مفر من تنفيذ هذه الخطة، أو التخلي عن الموضوع كله.» # وبغض النظر عما نجده من سذاجة في أواخر النص السابق، حين أعرب بيكن عن اعتقاده ~~بأن مشاكل العلم يمكن أن تنتهي في سنوات قلائل لو تضافرت لحلها جهود العلماء، وهو ~~اعتقاد ينم عن إيمان ساذج ببساطة الكون، بغض النظر عن ذلك، فإن بيكن كرس جزءا ~~كبيرا من حياته ومن كتاباته للدعوة إلى تنظيم البحث العلمي بصورة تقترب كثيرا من ~~صورته في العصر الذي ازدهر فيه العلم بعد وفاة بيكن. وهكذا رسم في أحد مؤلفاته ~~المخلفة - واسمه «الأطلنطس ~~الجديدة # New ~~Atlantis ~~» - خطوط مشروع لإنشاء نوع جديد من معاهد العلم، يسمى ~~باسم «دار سليمان»، وهو مشروع اتخذه أنصار العلم الفني الصناعي الجديد أنموذجا ~~لهم. وفي هذا المشروع عرض بيكن نوعا جديدا من التعليم، قد يرى فيه البعض انحدارا ~~للعلم إلى مستوى الخبرة في الصناعات والحرف الفنية. ولكنه ينم في الواقع عن نزعة ~~إنسانية هدفها ربط العلم بالحياة. وهكذا دعا بيكن إلى توزيع الأبحاث على العلماء، ~~كل في ميدان اختصاصه، مؤكدا أهمية العمل الجماعي، أو ما يطلق عليه الآن اسم # team-work ~~، وحدد موضوعات تكتمل بها الموسوعة ~~الطبيعية التجريبية التي تقوم على أساسها نهضة العلم، وتكتمل بها سيطرة الإنسان على ~~العالم، ويبلغ عدد هذه الموضوعات التي حددها بيكن للبحث حوالي 130 موضوعا، تتميز ~~كلها بالاهتمام المفرط برفاهية الإنسان وخيره، وتخلو تماما من المجردات التي لا ~~تنفع ولا تجدي، وعلى العلماء أن يقسموا العمل بينهم، وأن يتداولوا نتائج أبحاثهم ~~فيما بينهم ويتدارسوها، ويتولى فريق منهم الجمع بين هذه النتائج ... إلخ. # وقد تضمنت خطة بيكن تفصيلات متعددة تدعو إلى الدهشة، وكلها تتعلق بإجراء التجارب ~~الفنية والقيام بملاحظات دقيقة ms073 لفصائل النبات والحيوان، وملاحظة الطبيعة في شتى ~~مظاهرها، وبعضها يتعلق بأمور حققها التطور العلمي التالي بالفعل كالتبريد الصناعي ~~والمطر الصناعي، تلقيح الفصائل الحيوانية والنباتية المختلفة لإنتاج أنواع جديدة، ~~واختراع سفن تسير تحت الماء، وأخرى تحلق كالطير في الهواء ... إلخ. # ويدرك بيكن أن أنصار النظرة القديمة إلى العلم قد يرون في البحث في هذه الموضوعات ~~الجزئية التفصيلية أمرا غير لائق بكرامتهم، ويستنكفون من إجراء التجارب والأبحاث ~~في أبسط الموضوعات وأكثرها التصاقا بحياة الإنسان اليومية، هكذا يرد على خصومه ~~قائلا: «سيوجه إلينا دون شك اعتراض يقول: إننا لم نستهدف من العلم غايته ~~الصحيحة، أو أفضل غاية ممكنة له (وهو نفس الأمر الذي نعيبه على الآخرين)، فيقولون: ~~إن تأمل الحقيقة أكرم وأرفع من أية منفعة تعود بها النتائج العلمية، أو أي توسيع ~~لنطاق هذه النتائج، على حين أن تشبثنا طوال هذا الوقت بالتجربة والمادة، وبالأحوال ~~المتغيرة للأمور الجزئية، يقيد الذهن بالأرض، أو على الأصح يلقي به في هوة من ~~الفوضى والاضطراب، وينأى به عن حالة أكثر قداسة، هي حالة الحكمة المجردة، بما فيها ~~من هدوء وسكينة، ونحن نقبل هذه الطريقة في التفكير عن طيب خاطر، ونحرص أشد الحرص ~~على تحقيق الغاية التي يدعون إليها؛ ذلك لأننا نضع الأسس لأنموذج حقيقي للعالم في ~~الذهن، وهو أنموذج يمثل العالم كما نجده بالفعل، لا كما شوهه عقل الإنسان. وهذا أمر ~~لا يتحقق إلا بتشريح العالم بكل دقة. غير أننا نعلن أن من الضروري القضاء تماما ~~على تلك المحاولات العقيمة الهزيلة، التي هي أشبه بمحاولات القرود، لمحاكاة العالم ~~بمخيلة الناس الواهمة، على النحو الوارد في مختلف مذاهب الفلسفة، فيعلم الناس إذن ~~الفرق الموجود بين أوهام الذهن البشري ( # idols ~~) وبين ~~أفكار الذهن الإلهي ( # ideas ~~)، فما الأولى إلا ~~تجريدات اعتباطية، أما الأخرى فهي العلامات الحقة للخالق في مخلوقاته، كما انطبعت ~~على المادة وتحددت معالمها فيها بخطوط حقيقية رائعة، هكذا فإن الحقيقة هنا والمنفعة ~~شيء واحد، حيث تكون قيمة النتائج بوصفها ضمانات للحقيقة أعظم من قيمة ما تضفيه على ~~الإنسان ms074 من نفع.» # 10 # في هذا النص يرد بيكن على خصومه بوضع تقابل بين الأوهام البشرية والأفكار ~~الإلهية، مؤكدا أن البحث الطبيعي للأشياء المادية أكثر ألوهية من البحث في ~~المجردات الفلسفية؛ لأن موضوعات العالم الطبيعي هي علامات الأفكار الإلهية، على حين ~~أن المجردات من خلق البشر، وما هي إلا تصوير للعالم من خلال أوهام الإنسان. وبعبارة ~~أخرى: فإن التغلغل في جزئيات العالم وتفاصيله إنما هو حل لرموز التفكير الإلهي، ~~واستخلاص لمعاني الأفكار الإلهية عن طريق مواجهة موضوعاتها مباشرة، لا من خلال ~~الصورة الخيالية التي أضفاها عليها عقل الإنسان المجرد؛ وبذلك يثبت بيكن أن بحث ~~العالم الطبيعي أجدر بالإنسان من بحث المجردات الواهمة. ~~(4) تحليل كتاب «الأورجانون الجديد» # قلنا، عند الكلام عن مؤلفات بيكن: إن «الأورجانون الجديد» ليس كتابا مستقلا ~~بالمعنى الصحيح، وإنما هو جزء واحد من ستة أجزاء كان بيكن يعتزم تأليفها تحت عنوان ~~واحد شامل هو «الإحياء العظيم»، وتأكيد هذه الحقيقة أمر على جانب كبير من الأهمية؛ ~~إذ إن فهم المرء لبيكن يتغير كثيرا في الحالتين؛ فالتركيز على كتاب «الأورجانون ~~الجديد» بوصفه كتابا منفصلا، بل بوصفه المؤلف الأكبر لبيكن، يؤدي إلى فهم بيكن ~~على أنه مفكر منطقي في المحل الأول، على حين أن وضع هذا الكتاب في سياق الخطة ~~الكاملة «للإحياء العظيم» يلقي ضوءا صحيحا على مجهودات بيكن في مجال المنطق، ~~بوصفها جزءا من مجهودات أشمل تتعلق بعلاقة الإنسان بالطبيعة، وتهدف إلى تحقيق ~~سيطرة الإنسان على عالمه عن طريق العلم. ومن المؤكد أن هذه النظرة الأخيرة تنطوي ~~على المزيد من الإنصاف لبيكن؛ ذلك لأن جهوده في ميدان المنطق - وهي ليست بالقليلة - ~~لا تؤلف كلا مكتملا؛ لأن «الأورجانون الجديد» قد ظل كتابا مبتورا لم يحقق إلا ~~جزءا ضئيلا من برنامجه، مثلما أن هذا البرنامج بدوره جزء من كل أكبر لم يكتمل، ~~والإضافات الجديدة التي أسهم بها بيكن في نظرية الاستقراء لا تكفي، على أهميتها، ~~لكي تجعل منه فيلسوفا من فلاسفة الصف الأول؛ وذلك لأن موضوع الاستقراء بأسره ~~غامض، يصعب تحديد قيمته هو ms075 ذاته بالنسبة إلى تقدم العلم، كما يصعب إدراجه ضمن ~~النظريات الفلسفية المعروفة. # أما إدراك قيمة بيكن من حيث هو مفكر إنساني يدعو إلى تطبيق العلم من أجل زيادة ~~مقدرة الإنسان المعنوية والمادية، فهو وحده الكفيل بضمان مكانة رفيعة له بين ~~الفلاسفة؛ إذ يغدو عندئذ رائدا من رواد النهضة الفكرية الحديثة، بما لها من ~~مميزات تختلف بها عن العصر القديم والعصر الوسيط اختلافا أساسيا. ~~(4-1) خطة الكتاب # ينقسم الكتاب إلى فقرات موزعة على بابين، وبيانها كما يلي: # الباب الأول: # في الفقرات من 1 إلى 4 يبحث بيكن موضوع العلاقة بين الإنسان ~~والطبيعة، فيبين أن الإنسان يكمل عمل الطبيعة يفسرها؛ وبذلك ~~ينفي ضمنا علاقة النفور والكراهية التي كانت سائدة بين ~~الإنسان والطبيعة في العصور الوسطى. # من 5 إلى 17: ينتقد بيكن العلوم الموجودة في ~~عصره، كما ينتقد أداة هذه العلوم، وهي المنطق ~~الأرسطي. # من 18 إلى 27: يتحدث بيكن عن التقابل بين استباق ~~الطبيعة وتفسيرها، ويوجه نقدا مفصلا إلى نظرية ~~الاستقراء عند أرسطو. # من 36 إلى 68: يعرض بيكن أسباب الخطأ وظاهر ~~الضعف في ذهن الإنسان، وذلك في نظرية «الأوهام ~~الأربعة»، وهو يبدأ بعرض عام لهذه الأوهام، ثم يتحدث ~~عن كل منها بالتفصيل. # من 69 إلى 77: يتحدث بيكن عن المعايير أو ~~«العلامات» التي تميزت بها العلوم والفلسفات ~~الباطلة. # من 78 إلى 91: يوضح أسباب هذا البطلان أي أسباب ~~تدهور أحوال العلم والفلسفة. # من 92 إلى 129: يشرح كيف يمكن تلافي هذا النقص، ~~وإصلاح العلم وإنهاض الفلسفة. # الباب الثاني: # إذا كان الباب الأول من «الأورجانون الجديد» ناقدا هداما ~~في معظم أجزائه، فإن الباب الثاني بناء، يعرض فيه بيكن ~~نظريته الجديدة في الاستقراء، والقواعد الثلاث المشهورة للبحث ~~العلمي، ويطبق هذه القواعد على عدة أفكار أو مفاهيم أساسية في ~~العلم أهمها مفهوم «الحرارة»، ثم ينتقل بيكن إلى بحث «العوامل ~~الأخرى المساعدة للذهن» (إلى جانب قواعده السابقة)، ويعدد من ~~هذه العوامل تسعة. غير أن بقية الكتاب يخصص كله للعامل الأول ~~من هذه العوامل التسعة فقط، وهو «الأمثلة ~~المميزة» Prerogative instances ~~. ~~(4-2) ms076 أما العوامل الثمانية الأخرى التي لم يكتب عنها شيئا، فهي ~~(1) # دعائم ~~الاستقراء # Supports of induction ~~. ~~(2) # تصحيح (أو تقويم) ~~الاستقراء # Rectification of induction ~~. ~~(3) # تنويع البحث تبعا لطبيعة الموضوع # Varying the Investigation according to the Nature ~~of the Subject ~~. ~~(4) # الطبائع ~~المميزة Prerogative Natures ~~. ~~(5) # حدود البحث، أو إحصاء شامل لكل الطبائع في ~~الكون # Limits of Investigation, or a ~~Synopsis of All Natures in the Universe ~~. ~~(6) # التطبيق ~~العلمي # Application of practice ~~. ~~(7) # استعدادات ~~البحث Preparations for Invertigation ~~. ~~(8) # السلم ~~الصاعد والهابط للقوانين # The Ascending and Descending Scale of Axioms ~~. # 11 # وكما قلنا من قبل، فإن بيكن لا يبحث في بقية الباب الثاني (ابتداء من القسم ~~21 حتى النهاية) إلا الموضوع الأول من هذه الموضوعات التسعة، وهو «الأمثلة ~~المميزة»، والمقصود من فكرة الأمثلة المميزة؛ ذلك النوع من الظواهر، الذي يلقي ~~ضوءا ساطعا على موضوع البحث؛ وبذلك يكون أجدر بالبحث من غيره من الظواهر؛ ذلك ~~لأن الطبيعة تحفل بأمثلة لا حصر لها، في كل ميدان خاص من ميادينها. ومن المحال ~~أن ندرك أسرار الطبيعة في هذه الميادين إلا إذا عرفنا كيف ننتقي الأمثلة التي ~~تكشف فيها الطبيعة عن أسرارها هذه، والتي تتيح لنا - أكثر من غيرها - اقتحام ~~أبواب الطبيعة المغلقة. # وقد أحصى بيكن سبعة وعشرين من هذه الأمثلة المميزة، أطلق على كل منها - ~~جريا على عادته - اسما فريدا. ولكن الكثير من أسمائه هذه قد ثبتت في لغة ~~العلم، وأصبحت اليوم جارية على ألسن العلماء. وليس في وسعنا هنا أن نعدد هذه ~~الأنواع السبعة والعشرين من الأمثلة المميزة، ولكننا نكتفي بذكر أهمها: # الأمثلة ~~المنعزلة # Solitary Instances ~~: وهي عزل الظاهرة المراد بحثها عن غيرها ~~من الظواهر التي تختلط عادة بها، كتحليل الألوان بواسطة العدسة، ~~بدلا من إدراكها مختلطة بعناصر أخرى في الأشياء الطبيعية. # الأمثلة الفاصلة أو الحاسمة # Crucial ~~: وهي تلك التي تمكننا من ~~المفاضلة والاختيار بين نظريات مختلفة متنافسة. # الأمثلة الساطعة # Glaring ~~: وهي تلك ~~التي تتمثل فيها الظاهرة بأقصى شدة ممكنة. # الأمثلة الخافتة أو ~~الخفية # Clandestine ~~: وهي عكس ~~السابقة؛ أي ms077 تلك التي تتمثل فيها الظاهرة أضعف وأخفى ما ~~تكون. # الأمثلة الحديد # Limiting ~~: وهي ~~تلك التي تقف على الحدود بين ظاهرة وأخرى، مثلما يقف الإسفنج على ~~الحدود بين الحي وغير الحي. # الأمثلة المنادية # Summoning ~~: وهي ~~تلك التي تتضمن تجارب تنادي الظاهرة أو تستدعيها أمامنا. ~~(4-3) الأفكار الرئيسية في الكتاب # كان بيكن يؤمن بأن للبحث أهمية عظمى. وكان يرى في الوقت ذاته أن منهجه جديد ~~كل الجدة، فهو ليس استمرارا للمناهج القديمة أو إصلاحا لها، وإنما هو ~~محاولة جديدة لم يجربها أحد من قبل. ولا شك أن قيمة أي منهج لا تقاس إلا ~~بنتائجه؛ ومن هنا كان بيكن يلح أشد الإلحاح على تطبيق مشروعاته العلمية حتى ~~يتسنى تجربة مناهجه الجيدة عمليا واختبارها من خلال التطبيق العلمي ~~لها. # وتنحصر قيمة المنهج عند بيكن في أنه الأداة التي تساعد الإنسان على توسيع ~~أفقه العقلي، وعلى كشف المناطق المجهولة من العالم، سواء أكانت هذه المناطق ~~مادية أم معنوية. ولقد كان بيكن يقارن عمله - في كثير من الأحيان - بعمل كولمبس ~~في ميدان الكشف الجغرافي، ولهذه المقارنة دلالتها الواضحة؛ إذ إن نفس القوة ~~التي دفعت كولمبس إلى الإبحار إلى أقصى الغرب، وإلى الأطراف النائية للعالم، هي ~~التي دفعت بيكن إلى محاولة زيادة قدرة الذهن على السيطرة على العالم إلى أقصى ~~مداها؛ فالغاية في الحالتين هي زيادة قوة الإنسان، وإحكام سيطرته على الطبيعة؛ ~~ومن هنا قال بيكن مبررا جهوده في ميدان البحث المنهجي: «إنه لمن المخجل حقا ~~في هذا الوقت الذي فتحت فيه آفاق العالم المادي - من أرض وبحار وسماء - أن ~~تظل حدود العالم العقلي مقتصرة على كشوف القدماء وآرائهم.» ومما يثبت أن كلمة ~~«العالم العقلي» هنا تشمل جميع ميادين المعرفة، ولا تقتصر على ذلك الميدان الذي ~~طالما تحدث عنه، وهو ميدان العلم الطبيعي التجريبي، قوله في النص الآتي: «وربما ~~تساءل البعض: هل نحن نرمي إلى إنهاض الفلسفة الطبيعة وحدها وفقا لمنهجنا، أو ~~نرمي إلى إنهاض العلوم الأخرى بدورها كالمنطق والأخلاق والسياسة؟ إننا قطعا ~~نعتزم إدراج هذه العلوم ms078 كلها (ضمن منهجنا)، وكما أن المنطق الشائع - الذي ينظم ~~الأمور كلها بواسطة الأقيسة - لا يطبق على العلم الطبيعي وحده وإنما على كل علم ~~آخر، فإن منهجنا الاستقرائي يمتد بدوره إلى كل العلوم الأخرى؛ ذلك لأننا نعتزم ~~جمع تاريخ وقوائم للاختراع، خاصة بالغضب والخوف والخجل وما شابهها، وكذلك ~~بأمثلة في الحياة المدينة وبعمليات الذاكرة والتركيب والتقسيم والحكم وما ~~شاكلها، تماما كما نفعل في الحرارة والبرودة والضوء والنبات وما إليها»، # 12 # وبعبارة أخرى فالمنهج العلمي ينبغي، في رأيه، أن يطبق على جميع ~~مجالات الفكر، وإن لم يكن وقته قد اتسع إلا للكلام عن تطبيقاته في مجال العلوم ~~التجريبية فحسب. ~~(4-4) الأوهام الأربعة # ربما كان أشهر أجزاء كتاب «الأورجانون الجديد»، بل أشهر أجزاء كتاباته كلها، ~~وهو ذلك الجزء الذي يتحدث فيه بيكن عن مظاهر الزلل في ذهن الإنسان؛ أعني ~~الأوهام الأربعة، وقد ظهرت هذه الفكرة في كتابات مبكرة لبيكن، فتحدث في كتاب ~~«إنهاض العلم» عن أوهام الجنس والسوق والكهف دون أن يذكر أسماءها، # 13 # ولكنه عالجها على أكمل وجه في الباب الأول من «الأورجانون الجديد»، ~~وتتعلق هذه الأوهام بالطبيعة البشرية مما هي كذلك، وبالطبيعة الفردية لكل شخص، ~~وبالألفاظ ووسائل تداول الأفكار، وبالمذاهب الباطلة في الفلسفة والعلم؛ وبذلك ~~يكون مذهب الأوهام الأربعة عند بيكن خلاصة لنقده الشامل لتطور العقل البشري، ~~وتحديدا للاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه إصلاح العلم، وإن يكن من أصعب الأمور، ~~كما أدرك هو ذاته، أن يتخلص العقل من كل الأوهام المتأصلة فيه، ويبدأ صفحة ~~جديدة ناصعة البياض من تاريخه. ~~(1) # تتعلق أوهام الجنس # idola tribus ~~(والأفضل تسميتها بأوهام النوع؛ لأنها ترتبط بالنوع الإنساني بوجه ~~عام، على حين أن كلمة «الجنس» متعددة المعاني وتؤدي إلى الخلط) ~~بالأخطاء الكامنة في الطبيعة البشرية بوجه عام؛ فالحواس البشرية - ~~التي تتخذ مقياسا للأشياء جميعا - معرضة للخطأ وعقل الإنسان أشبه ~~بمرآة غير مصقولة تضفي خصائصها الخاصة على الأشياء وتشوه صورتها. ~~وهكذا يضفي العقل على الأشياء ترتيبا ونظاما يلائم طبيعة الخاصة ~~ولكنه غير موجود في الأشياء ذاتها، ومن ms079 هذا القبيل القول: إن جميع ~~الأجرام السماوية تدور في مسارات تتخذ شكل الدائرة الكاملة. وهكذا ~~فإن العقل البشري عندما يضع نظرية ما يميل إلى إدخال كل الظواهر ~~قسرا في هذه النظرية، وإلى تجاهل أو إغفال كل الشواهد المتعارضة ~~معها مهما كان من قوتها، # 14 # ومن هذا الميل تنشأ الخرافات بشتى أنواعها، كما ينشأ ~~ميل الفلاسفة إلى تفسير كل الظواهر من خلال مجموعة قليلة من ~~المبادئ الثابتة مع إغفال كل التفاصيل الهامة التي ينطوي عليها ~~الكون، ولدى العقل البشري ميل آخر إلى ممارسة نشاطه دون توقف، فيظل ~~يبحث عن العلل، ولا يستطيع أن يتصور شيئا بغير علة؛ وبذلك يقع في ~~أخطاء مثل تصور «العلة الغائية»، التي هي أكثر ارتباطا بطبيعة ~~الإنسان منها بطبيعة الكون «والتي هي من أكبر مصادر الفساد في الفلسفة.» # 15 ~~(2) # ولقد استمد بيكن اسم «أوهام ~~الكهف» # idola specus ~~، وهو يعني بها الأوهام الفردية التي يقع ~~فيها كل شخص نتيجة لتكوينه الخاص شأنه شأن سجناء الكهف عند ~~أفلاطون. وربما كان لنا أن نلاحظ - في صدد هذه التسمية - أن أسطورة ~~الكهف عند أفلاطون تتعلق بالنوع البشري كله، أو هي ترمز إلى حالة ~~الإنسان وموقفه بوجه عام؛ فالكهف عند أفلاطون هو الجهل أو النقص ~~الأصيل الكامن في الطبيعة البشرية؛ ومن هنا فإن الاسم أحرى بأن ~~ينطلق، في الواقع، على النوع الأول من الأوهام - أعني أوهام النوع ~~أو الجنس - لا على الأوهام الخاصة بكل فرد على حدة. # ومن طبيعة هذه الفئة من الأوهام أنها شديدة التنوع؛ لأنها تختلف ~~في كل فرد عنها في الآخر، فمن الناس من يميل بطبيعته إلى إدراك ~~الفروق بين الأشياء، وهؤلاء هم المدققون الميالون إلى تأمل ~~التفاصيل، ومنهم من يميل إلى إدراك أوجه الشبه بين الأشياء، وهؤلاء ~~هم أصحاب المزاج التأملي، ولكل من الطرفين أخطاؤه ومواقفه المتطرفة، # 16 # كما أن بعض الناس ميالون إلى القديم، وبعضهم الآخر ~~ميال إلى التجديد، مع أن الحقيقة لا زمان لها، ولا يلزم بالضرورة ~~أن تكون في القديم وحده أو الجديد وحده. وهكذا ms080 الحال في سائر أنواع ~~التحزب والتعصب الفردي، التي ينبغي التخلص منها لضمان نزاهة البحث ~~والتفكير. ~~(3) # ويرى بيكن أن أوهام ~~السوق # idola fori # هي أخطر أنواع الأوهام، والاسم مستمد من ~~عملية التبادل التي تتم في السوق، والتي يشبه بها بيكن عملية تبادل ~~الأفكار وتداولها بين الناس عن طريق اللغة؛ «ذلك لأن الناس يتوهمون ~~أن عقلهم يتحكم في الألفاظ، على حين أن الألفاظ هي التي تعود ~~فتتحكم في العقل وتؤثر فيه»، # 17 # ويدرك بيكن أن الألفاظ إنما تعرف الأشياء على نحو غير ~~دقيق؛ لأن أصلها شعبي وليس عمليا؛ فهي موضوعة أصلا لتلائم الذهن ~~العامي. وهكذا فإن الذهن العلمي حين يريد التعبير عن أفكاره ~~وملاحظاته المرهفة الدقيقة، لا يجد من الكلمات معينا، فتنتهي كثير ~~من الخلافات العلمية إلى مجرد مجالات لفظية، بدلا من أن تدخل في ~~صميم موضوعاتها، # 18 # ومن هنا كانت دعوة بيكن إلى مواجهة الأشياء مباشرة، ~~بدلا من الاكتفاء بمواجهة الأشياء من خلال الألفاظ ~~اللغوية. # وتنقسم الأوهام التي تفرضها اللغة إلى أسماء لأشياء ليس لها ~~وجود، كالقدر والمحرك الأول وعنصر النار، وأسماء لموضوعات فعلية. ~~ولكنها جردت من الأشياء على عجل ودون تدقيق؛ بحيث دب الخلط ~~والاضطراب في معانيها، مثل كلمة «الرطوبة» التي تعددت معانيها إلى ~~درجة يصعب معها الاستقرار على واحد منها، وتتدرج الأسماء في مقدار ~~افتقارها إلى الدقة، من أسماء الأشياء المادية الفردية، التي هي ~~الأقل تعرضا للخطأ، إلى أسماء الصفات المجردة، التي هي الأكثر ~~تعرضا للخطأ؛ ومن هنا كان من الواجب أن نحرص على دقة التعريف في ~~الحالة الأخيرة بوجه خاص، مع إدراكنا أن اللغة، في عمومها وفي جميع ~~أحوالها، ميدان خصب للأوهام التي تعوق الذهن عن مواجهة الأشياء ~~وإدراك طبيعتها الحقة. ~~(4) # والنوع الأخير من الأوهام هو أوهام المسرح # idola theatri ~~، وهي أوهام النظريات والمذاهب التي ~~تفرض نفسها على الأذهان بمنطق مزيف، أو نتيجة لاحترامنا المفرط ~~لآراء القدماء، هذه النظريات والمذاهب تتعدد في الموضوع الواحد ~~بغير حدود، ويقف العقل إزاءها حائرا، وكأنه مسرح يروح عليه ~~الممثلون ويجيئون بينما يقف ms081 هو سلبيا: يتقبلها كلها دون مناقشة؛ ~~على أن هذه النظريات كلها لا تستند على أساس من الدراسة الفعلية ~~للواقع، إنما هي ترتكز على الاستدلالات المنطقية البارعة، والمزيفة ~~في الوقت نفسه؛ ومن هنا كانت الحاجة إلى إيجاد أساس أمتن للفلسفة؛ ~~بحيث لا يعود العقل مسرحا لنظيرات متعارضة في الموضوع الواحد، ~~وإنما يتقبل به الواقع فحسب. # وينقد بيكن - ضمن هذه الفئة من الأوهام - ثلاثة أنواع من ~~الفلاسفة: النوع النظري أو السفسطائي، ويمثله أرسطو، وهو يخلق ~~عالما من الأفكار المجردة التي يقابلها في الواقع شيء كالمقولات ~~والقوة والفعل، ويعالج كل الموضوعات من خلال هذه الأفكار. وحتى ~~التجارب القليلة التي أجراها كانت نتيجتها قد تحددت مقدما عن طريق ~~الاستدلال، والنوع الثاني هو التجريبي ~~العشوائي # empiric ~~، وهو يعتمد على تجارب قليلة لا تخضع ~~لمنهج منظم، ويحاول أن يبنى منها فلسفة كاملة، ومن هؤلاء ~~الكيميائيون القدامى الذين يتعجلون الوصول إلى نتائج قبل أن يبنوا ~~أبحاثهم على أساس متين، والنوع الثالث هو أصحاب الخرافات الذين ~~يمزجون الفلسفة باللاهوت، ولا يفرقون بين التفكير المنظم وبين ~~الأسطورة الشعرية، ومن هؤلاء فيثاغورس، وكذلك أفلاطون الذي ينتمي ~~إلى هذه الفئة. ولكن «في صورة أدق وأخطر». # 19 # ولسنا نود أن نمضي مع بيكن في تفصيلات نقده للنظريات الفلسفية، وللموضوعات ~~التي يبحثها الفلاسفة، وأساليبهم في البرهنة على أفكارهم؛ إذ إن هذا النقد ~~المتعمق لتفكير القدماء يحتاج وحده إلى بحث مستقل، ولا يتسع له المجال ها هنا، ~~وعلى أية حال فحسبنا أن نقول: إن بيكن، في شرحه لهذا النوع الرابع من الأوهام، ~~قد حدد موقفه من الفلسفات وطرق التفكير القديمة، وكشف بوضوح عن رغبته في شق ~~طريق جديد كل الجدة، لا في الفلسفة النظرية وحدها، بل في التفكير العلمي ~~بوجه عام. # وبعد أن يعرض بيكن نظريته في الأوهام الأربعة، يدعو الذهن إلى تطهير ذاته ~~منها، والبدء في البحث على أسس سليمة، فيقول: «لقد أتممنا الآن بحث كل نوع من ~~الأوهام وخصائصها، وهي كلها أوهام ينبغي التخلي عنها بعزيمة صادقة، ويجب تحرير ~~الذهن وتطهيره منها ms082 بحيث يغدو دخول مملكة الإنسان - التي تقوم على العلوم - ~~مماثلا لدخول مملكة السماء التي لا تفتح أبوابها إلا للأطفال»، # 20 # وهكذا ينبغي أن يقبل الذهن على تحصيل العلوم، وهو أشبه بطفل بريء ~~خلا ذهنه من الأفكار السابقة؛ إذ إن التراث - في ذلك الحين - كان في معظم ~~الأحيان تراثا فاسدا يضر أكثر مما ينفع. ~~(5) نقد المنطق القديم # كانت الأداة الرئيسية التي استعان بها الفلاسفة القدماء في الوصول إلى نظرياتهم ~~الباطلة هي المنطق، وعلى ذلك فإن نقد المنطق القديم وكشف عيوبه هو العنصر الأساسي ~~في حملة التطهير التي ينبغي القيام بها من أجل إرساء التفكير الفلسفي والعلمي على ~~أسس سلمية. # ولقد كان المنطق القديم قياسا في أساسه، والقياس يتألف من قضايا، والقضايا من ~~ألفاظ، والألفاظ تعبر عن أفكار أو معان في الذهن # notions ~~، فإذا ما كانت المعاني أو الأفكار ~~الأصلية مختلفة في الذهن - كما اتضح عند الكلام عن أوهام المسرح - فعندئذ يغدو ~~البناء كله قائما على غير أساس؛ ففي عملية التجريد الأصلية - التي تتكون بواسطتها ~~ألفاظ تغدو حدودا في قضايا القياس - خطورة تجعلنا نشك كثيرا في عملية القياس من ~~أساسها. # وفضلا عن ذلك؛ فالقياس بأسره - حتى لو كان صحيحا من الوجهة الصورية الخالصة - ~~عملية عقيمة، فهو يعين على تثبيت وتوطيد دعائم أفكار موجودة من قبل، قد تكون باطلة ~~كل البطلان، ولكنه لا يعين أبدا على البحث عن الحقيقة، # 21 # وما القياس إلا طريقة لإقناع الخصم وقهره عن طريق الحجج اللفظية؛ على ~~أن هدف البحث العلمي ليس قهر الخصوم، وإنما قهر الطبيعة ذاتها. وليس السيطرة على ~~الألفاظ، وإنما السيطرة على مجرى الحوادث؛ ومن هنا كان القياس منهجا عقيما كل ~~العقم بالنسبة إلى أي علم يرمي إلى كشف حقائق الكون وإخضاعها لسيطرة الإنسان، وغاية ~~ما يمكن أن ينتفع به من القياس، هو استخدامه أداة لنشر الحقائق وإقناع الأذهان ~~بها، لا لكشف الجديد منها. # 22 # ولعل أكبر عيوب القياس في نظر بيكن، هو أنه يشجع الإنسان على التعميم السريع؛ إذ ~~إن قضايا المنطق الصوري تتخذ ms083 عادة صبغة عامة تبدو معها منطقية على كل الظواهر ~~المنتمية إلى مجال البحث، مع أن الوصول إلى أي حكم عام ينبغي أن يكون عملية شاقة ~~متدرجة يمارسها الذهن بحذر شديد وبعد بحوث طويلة. وهكذا فإن الاتجاه إلى التعميم ~~المتسرع في القياس هو في واقع الأمر مظهر من مظاهر اتجاه أعم في الذهن البشري، يطلق ~~عليه بيكن اسم استباق ~~الطبيعة # anticipation ~~of nature ~~، والمقصود منه الانتقال بسرعة من معلومات جزئية إلى أعم ~~النتائج التي تتخذ مبادئ يقينية تستمد منها حقائق متوسطة تطبق على المجالات ~~المختلفة؛ ذلك لأن لدى الذهن ميلا طبيعيا إلى استخلاص نتائج متسرعة، وإلى ~~التعجيل بالتعميم، حتى لو كان ذلك الذهن من النوع المدقق الفاحص، ولو ترك الذهن ~~وحده دون منهج يضبط خطواته، فإن اقتصاره على العمل بقواه الخاصة يؤدي به إلى ~~الوقائع في خطأ التعميم السريع حتما، # 23 # ولا شك أن تأكيد بيكن لهذا الميل إلى تجاوز الذهن لذاته، يذكر المرء ~~بما سيقوله «كانت» فيما بعد عن ميل الذهن إلى تجاوز حدود التجربة والخوض في مسائل ~~ميتافيزيقية لا ضباط لها، ولا دليل على صحتها أو بطلانها، فعمل بيكن في هذا الصدد ~~هو نوع من نقد العقل؛ أعني أنه نقد للعقل العلمي كما كان سائدا في عصره. # 24 # وفي مقابل «استباق الطبيعة»، يقول بيكن بطريقة أخرى سليمة للبحث العلمي، هي ~~«تفسير الطبيعة # interpretation of nature ~~» وهي ~~الطريقة التي يلخص بها جهوده في ميدان المناهج العلمية، والتي يرى أنها هي الكفيلة ~~بكشف القوانين العلمية الجديدة، وقهر الطبيعة بدلا من قهر الخصوم. وفي هذه الطريقة ~~يبدأ الذهن بدراسة الجزئيات وملاحظتها، ثم يصعد تدريجيا - بحذر شديد - حتى يصل ~~إلى نتيجة عامة. ولكن التعميم في هذه الحالة لا يكون مطلقا كما كان الشأن في ~~الطريقة القديمة. ومن المؤكد أن الأذهان لا تقبل على هذه الطريقة بسهولة، إذ ~~إنها تقتضي مجهودا أشق، فضلا عن أنها لا ترضي الخيال؛ لأنها لا تقدم إليه مكافأة ~~سريعة، ومع ذلك فلا أمل في تقدم العلم إن لم تستطع ms084 الأذهان ترويض ذاتها بحيث تصبر ~~على البحث التدريجي الشاق بدلا من أن تكتفي بإرضاء ذاتها عن طريق استباق ~~الطبيعة. # على أن المنهج القديم لم يكن قياسيا كله، بل لقد تحدث أرسطو نفسه عن الاستقراء، ~~وعرض فيه نظرية اعتقد البعض أن من الممكن الاستعانة بها في الكشف عن القوانين ~~العلمية. غير أن هذه النظرية لم تكن لها أهمية كبيرة. وكان بيكن على حق حين نبه إلى ~~قصورها وعجزها عن الإنتاج، وكثيرا ما كان الاستقراء الذي تحدث عنه أرسطو يرد إلى ~~قياس، وذلك عن طريق إحصاء صفات معينة في «الأنواع»، وإيجاد ارتباط قياسي بينها. ~~وهذا النوع من الاستقراء يفترض القيام بإحصاء لأفراد كل نوع حتى نتحقق من وجود ~~الصفات المطلوبة فيهم؛ أي إنه يكتفي بالأمثلة «الإيجابية» ويستخلص النتائج العامة ~~منها. ولكن هذا إجراء باطل؛ لأن النتيجة المستخلصة من الأمثلة الإيجابية وحدها لا ~~تكون - على أحسن الفروض - إلا تخمينا، فمن الخطأ إذن أن نستدل دون أن تكون لدينا ~~أمثلة سلبية أو مناقضة؛ إذ إننا لن نضمن أبدا عدم وجود ما يكذب النتيجة التي ~~انتهينا إليها في النوع الآخر من الأمثلة، ويطلق بيكن على هذا النوع من الاستقراء ~~اسم «طريقة التعداد البسيط # simple enumetration ~~». ~~أما الاستقراء الذي يكون مفيدا بحق في كشف الفنون والعلوم، فهو ذلك الذي «يضع ~~الفواصل في الطبيعة بواسطة عمليات الرفض والاستبعاد الصحيحة، ثم ينتهي إلى النتيجة ~~الإيجابية بعد أن يكون قد جمع عددا كافيا من السلبيات.» # 25 ~~(6) نظرية الاستقراء عند بيكن # أوضحنا في الجزء السابق أن بيكن يرفض تماما منهج القياس الأرسطي، إلا إذا كان ~~الأمر متعلقا بنشر حقائق اكتشفت من قبل بوسيلة أخرى، أو بإقناع الخصوم عن طريق ~~الجدل اللفظي، كما أنه يرفض ذلك النوع من الاستقراء الذي دعا إليه أرسطو، والذي ~~ينحصر في كل الخصائص المشتركة بين الأمثلة الإيجابية، وأوردنا في النهاية نصا ~~يدعو فيه بيكن إلى نوع آخر من الاستقراء يقوم على منهج «الرفض والاستبعاد»، لا على ~~إدراك لأهمية الأمثلة السلبية من حيث هي ضوابط للأمثلة الإيجابية ms085 التي تفوقها أهمية ~~في كثير من الأحيان. # ولقد أكد «بروشار» أن الفكرة الرئيسية التي جعلت لبيكن مكانة الفلاسفة هي الفكرة ~~القائلة أنه «في الاستقراء الحقيقي، ينبغي ألا نقتصر على النظر إلى الحالات ~~المؤاتية، أي القضايا الإيجابية، وإنما الواجب أن ننظر أيضا إلى الحالات غير ~~المؤاتية؛ أي القضايا السلبية.» وفي هذا يكون الفرق بين الاستقراء الساذج ~~والاستقراء العلمي؛ فالأول، هو تعداد دون نقد ودون حساب للحالات غير المؤاتية أو ~~المضادة، إنه بالاختصار منهج إعداد قائمة حضور دون قائمة غياب. أما الاستقراء ~~العلمي فهو حساب دقيق للوقائع، وقياس ومقارنة لها، وعمل موازنات بينهما، # 26 # وربما كان بروشار مبالغا في قوله: إن هذه أهم أفكار بيكن؛ لأن أفكار ~~بيكن الأكثر أهمية تنتمي - كما رأينا من قبل - إلى ميدان غير ميدان المناهج. ومع ~~ذلك فمن المؤكد أن بيكن قد عبر عن صفة أساسية من صفات المنهج العلمي، حين تحدث عن ~~ضرورة استعراض الأمثلة من جميع أوجهها السلبية والإيجابية، قبل محاولة استخلاص أي ~~قانون علمي. # ولقد طبق بيكن نظريته الخاصة في الاستقراء على بحث قام به عن ظاهرة الحرارة، فقال ~~بضرورة تقسيم الوقائع والموارد المتعلقة بهذا البحث وبأي بحث علمي آخر، إلى ثلاث ~~قوائم: ~~(1) # قائمة ~~الحضور # Table of Essence and presence ~~، وهي جمع كل الأمثلة الإيجابية التي تتمثل ~~فيها الظاهرة المراد بحثها. وفي هذه القائمة جمع بيكن سبعا وعشرين ~~حالة تتمثل فيها الحرارة بالفعل مثل حرارة الشمس وحرارة الاحتكاك ~~وحرارة الأجسام ... إلخ. وكان يرى أنه كلما اتسع نطاق الأمثلة التي نأتي ~~بها للظاهرة المراد بحثها، أدى ذلك إلى زيادة دقة البحث وضمان اشتماله ~~على جميع العناصر المطلوبة. ~~(2) # قائمة الغياب أو التخلف مع التقارب # Table of Deviation or Absence in Proxemety ~~. وفي هذه القائمة ~~تجمع أمثلة مشابهة لتلك التي وردت في القائمة الأولى. ولكنها تتميز ~~عنها بغياب الظاهرة المراد بحثها، أي الحرارة؛ ففي مقابل ضوء الشمس في ~~القائمة الأولى، نجد ضوء القمر الذي يماثله في كل شيء ما عدا افتقاره ~~إلى الحرارة. وهكذا الحال في بقية ms086 الأمثلة؛ ومن هنا كان اسم «التخلف مع ~~التقارب»، أي تخلف الظاهرة رغم تقارب طبيعة الأمثلة، وتزيدنا هذه ~~القائمة اقترابا من موضوع البحث في طبيعته المنفصلة. ~~(3) # والقائمة الثالثة هي قائمة التدرج أو ~~المقارنات # Table of Degrees or Comparisons ~~، وهي جمع الحالات التي تختلف فيها درجات ~~الظاهرة المراد بحثها بين الشدة والخفوت، أي تتفاوت فيها درجة حرارة ~~الموضوع الواحد في أوقات مختلفة، أو تختلف من موضوع لآخر كما في تفاوت ~~درجات حرارة أشعة الشمس في الساعات المختلفة من النهار. # وبعد جمع هذه القوائم الثلاث، تبدأ عملية الرفض والاستبعاد؛ أي استبعاد النظريات ~~والفروض التي تتنافى مع ما تضمنته القوائم من معلومات، مثال ذلك النظرية القائلة إن ~~الحرارة تأتي من مصدر خارج عن الأرض، وهي تستبعد لأن القوائم تدلنا على أن ~~الحرارة تتولد في أجسام أرضية أيضا، كذلك تستبعد النظرية اليونانية القديمة، ~~القائلة إن الحرارة تتوقف على وجود عنصر معين في الجسم الحار كعنصر النار، أو أية ~~نظرية تربط بين الحرارة وبين العناصر الأربعة؛ لأن أشعة الشمس حارة، وهي ليست من ~~هذه العناصر، ولأن أي جسم يمكن أن يكتسب الحرارة بالاحتكاك، ولما كانت الأجسام لا ~~يزيد وزنها أو ينقص بالحرارة، فإن بيكن يستبعد الرأي القائل إن الحرارة هي انتقال ~~جسم من جوهر إلى آخر. وهكذا يمضي بيكن في استبعاد النظريات الباطلة واحدة تلو ~~الأخرى، حتى يصل إلى التحديد الإيجابي للظاهرة المراد بحثها، فيعرف الحرارة بأنها ~~نوع من الحركة، هي «حركة للجزئيات الصغيرة في الأجسام، يحال فيها دون الميل الطبيعي ~~لهذه الأجسام إلى التباعد بعضها عن البعض». وهذا التعريف يمثل بطبيعة الحال تقدما ~~كبيرا بالنسبة إلى النظريات القديمة ، وهو شاهد عملي على أن منهج بيكن الجديد يؤدي ~~إلى نتائج أفضل كثيرا مما كانت المناهج القديمة تؤدي إليه. # على أن نظرية بيكن في الاستقراء كانت قائمة على الاعتقاد بأن في الكون عددا ~~محدودا من «الطبائع # natures ~~»، هي تلك التي تكون ~~الأشياء كلها بتجمعها وتفرقها. وكان بيكن يعتقد أن بإمكاننا كشف سر الكون كله إذا ~~عرفنا حقيقة ms087 هذه الطبائع وكشفنا قوانينها؛ ومن هنا كان العالم في نظره بسيطا إلى ~~حد بعيد. وكان يؤمن بإمكان الوصول إلى مجموعة هائلة من الكشوف والاختراعات، ضمان ~~السيطرة «الكاملة» للإنسان على الطبيعة، إذا قمنا بعدد معلوم من الأبحاث الطبيعية. ~~وكان هدف بيكن من «دائرة المعارف» ومن بقية الخطط والمشروعات العلمية التي رسمها في ~~كتاباته، هو الدعوة إلى إنجاز هذه الأبحاث لكشف أسرار الكون كلها، وهو أمر كان ~~يعتقد بإمكان حدوثه في وقت قريب إذا توافرت الإمكانيات، وتلك ولا شك سذاجة مفرطة في ~~التفكير، ولكنها تدل في الوقت ذاته على الإيمان بأن للعلم قدرة مطلقة. # ولقد كان بيكن يعتقد بأن الجزئيات اللامتناهية هي الموضوع الحقيقي للعلم، وإنما ~~تمثل هذه الجزئيات عددا في الأشياء الجزئية. وهكذا تتمثل طبيعة كالحرارة في ~~موضوعات متعددة كالنار وأشعة الشمس وجسم الإنسان والحيوان، ولهذه الطبيعة «صورة» ~~تحكمها في كل مظاهرها؛ ومن هنا فإن العلم لا شأن له بالجواهر في صورتها الطبيعية، ~~وإنما الأصح بحث هذه الجواهر من خلال ما فيها من طبائع أساسية، وكشف «الصور» التي ~~تندرج تحتها طبائع الأشياء جميعا. # ولقد أثار استخدام بيكن للفظ «الصور # forms ~~» ~~مشكلات كثيرة بين الشراح: فرأى البعض أنه عاد إلى استخدام أسلوب الميتافيزيقا ~~الأرسطية، وأنه قد عاد رغما عنه إلى الأخذ بالاتجاهات التي كان يعيبها على ~~الفلسفات القديمة. وكان من أهم الأسباب التي أدت إلى إثارة هذه المشكلات، غموض معنى ~~«الصور» في كتابات بيكن. وهكذا يشير «بروشار» إلى ثلاثة معان رئيسية لكلمة «الصورة» ~~عند بيكن، أولها أنها هي «الفصل» الحقيقي؛ أي إنها ما يتم به التعريف؛ فالصورة هي ~~الجنس تعريف الحرارة الذي أشرنا إليه من قبل، والشروط التي تحدد هذا الجنس وتخصصه ~~بحيث ينطبق على الحرارة وحدها هي الفصل. كذلك فإن الصورة هي الماهية أو ما يوجد ~~كلما وجد الشيء، وما يوجد الشيء كلما وجد، والمعنى الثالث هو القانون، أو ~~قانون الفعل المحض للظاهرة، # 27 # ومن الواضح في هذه المعاني جميعا أن «الصور» ليست مفارقة ولا مجردة ~~كما كان يراها القدماء، وإنما ms088 هي كامنة في قلب الشيء الطبيعي ذاته، ولها طبيعة يمكن ~~تحديدها وحصرها بدقة، وما هي إلا طريقة خاصة من طرق وجود المادة، تعين على حصر ~~العالم والتحكم فيه، ويرى «بروشار» أن فكرة القانون هي الفكرة الأساسية في هذه ~~المعاني كلها. ولكن القانون عند بيكن ليس له نفس المعنى المعروف عند جون ستيوارت ~~مل؛ أي التعاقب الدائم غير المشروط؛ لأن بيكن يميز بين الصورة وبين العلة الفاعلة، ~~ويرى أن كشف الأولى أعمق وأصعب من كشف الثانية، فضلا عن أن القانون، عنده متعلق ~~«بالفعل المحض» للمادة. وهكذا يفسر معنى القانون عند بيكن - وبالتالي معنى الصورة، ~~بأنه هو التنظيم الميكانيكي لدقائق المادة، الذي يؤدي في كل حالة إلى ظهور إحدى ~~الطبائع كالحار والبارد والجاف والرطب، وعن طريق كشف هذه الصيغة التي هي رياضة ~~خالصة، وإن تكن هي «العملية الكامنة» في قلب الظواهر - يستطيع الإنسان إخضاع ~~الطبيعة لعقله، وتحقيق السيطرة الكاملة عليها. # وإذا صح هذا التفسير فإن من الممكن استخدامه في الرد على اعتراض أساسي كان يوجه ~~دائما إلى بيكن، وهو أنه يتجاهل قيمة الرياضيات في الكشف العلمي، على العكس من ~~ديكارت الذي كان تفكيره أكثر تمشيا مع العلم الحديث؛ لأنه أكد الأهمية الأساسية ~~للرياضة ومنهجها، والحق أن فلسفة بيكن العلمية تبدو لأول وهلة فلسفة لا تهتم إلا ~~بالكيفيات؛ لأن «الطبائع» التي تحدث عنها إنما هي الكيفيات الأساسية للأشياء. كما ~~أن اهتمام بيكن قد انصب أساسا على الدعوة إلى دراسة العلم التجريبي والتاريخ ~~الطبيعي، وهي علوم قائمة على الملاحظة والتجارب الكيفية، بينما أبدى تحاملا على ~~الرياضيات لأنها «مجردة»، تضفي على الأشياء صورة لا تعبر عن حقيقتها، شأنها شأن ~~سائر التجريدات الميتافيزيقية. وهذا كله صحيح. غير أن المرء يستطيع أن يستشف من ~~وراء اهتمام بيكن الزائد «بالصورة» الكامنة في الطبائع الكيفية نوعا من الاتجاه ~~إلى إدراك قيمة الصيغ الرياضية في التعبير عن القوانين النهائية للعالم الطبيعي؛ ~~أعني اتجاها إلى استبدال الكم بالكيف، والحق أننا لو أمعنا النظر في النقد الذي ~~يوجهه بيكن إلى اللغة المعتادة ms089 في «أوهام السوق»؛ لوجدنا فيه تقديرا لقيمة ~~الرياضيات؛ إذ إن الخلافات بين العلماء تنحل - بسبب استخدامهم لألفاظ اللغة ~~المعتادة - إلى خلافات حول الأسماء، «ومن هنا فإن من الأفضل (محاكاة للرياضيين في ~~حذرهم) أن نسير بمزيد من الحرص منذ البداية، وأن نضفي النظام على هذه الخلافات ~~باستخدام التعريفات»، # 28 # وهكذا فإن التعريف الرياضي في رأيه وسيلة لإضفاء المزيد من الدقة على ~~الأفكار المتعمقة، ومن هذا كله يتضح أن بيكن - مع تحمسه الشديد للعلم التجريبي - لم ~~يكن معاديا للرياضيات كما قد يبدو لأول وهلة، وأن انتقاداته للرياضة إنما ترجع إلى ~~حذره من الإفراط في التجريد من جهة، وترجع من جهة أخرى إلى خوفه مما جره المنهج ~~الاستنباطي (عن طريق القياس) من أضرار على العلم، وحرصه على الابتعاد عن كل ما قد ~~يشتم منه شبهة الاستنباط. ~~(7) تأثير بيكن # على الرغم من أهمية نظرية الاستقراء عند بيكن فإن التأثير الأعظم له لم يكن في ~~هذا الميدان؛ ذلك لأن البحث في مناهج العلم أمر مشكوك في قيمته دائما، ويبدو أن ~~بيكن ذاته قد وصل إلى هذه النتيجة، وأدرك أن العالم لا يخضع لمناهج يفرضها عليه ~~الفلاسفة، وإنما هو يضع لنفسه مناهجه خلال عملية البحث العلمي ذاتها؛ ومن هنا فقد ~~توقف عن إكمال «الأورجانون الجديد»، واتجه بذهنه إلى مشروعات أخرى أجدى من فرض ~~المناهج على العلماء. والواقع أننا نستطيع أن نقول: إن الفارق الحقيقي بين القياس ~~والاستقراء هو أن الأول يزيد من تأكيد أهمية المنهج الفلسفي، على حين أن الثاني ~~يميل إلى الإقلال من هذه الأهمية؛ فالقياس يعني مزيدا من الاهتمام بالألفاظ، أو ~~تحليل المعرفة عن طريق التعامل مع كلمات، على حين أن الاستقراء يعني مزيدا من ~~الاهتمام بالأشياء ذاتها والوصول إلى العلم بغير واسطة من الإجراءات والعمليات ~~المنطقية. وبعبارة أخرى؛ فالأول يؤكد أهمية المنطق على حساب الطبيعة، والثاني يؤكد ~~أهمية الطبيعة على حساب المنطق. وهكذا يبدو أن بيكن - حين دعا إلى استبدال ~~الاستقراء بالقياس - لم يكن يدعو في واقع الأمر إلى إحلال نوع جديد من ms090 المنطق محل ~~نوع قديم، وإنما كان يدعو إلى تنظيم جديد للمعرفة البشرية، يبتعد فيه الفكر عن ~~عبودية المنطق ويرجع إلى المصدر الأصلي للمعرفة وهو الطبيعة؛ أي إنه في «الأورجانون ~~الجديد» إنما يدعو إلى منطق يقضي على تقديس المنطق، واستدلال يقلل من أهمية ~~الاستدلال. # وعلى هذا الأساس ينبغي البحث عن تأثير بيكن الحقيقي في نواح أخرى من تفكيره، ~~وبالفعل كان لبيكن تأثير عظيم في الأجيال التالية، في أوروبا بوجه عام وفي بلاده ~~بوجه خاص، على الرغم من مظاهر الضعف الأساسية في تفكيره: كاعتقاده بأن العالم بسيط ~~ويمكن كشف جميع أسراره في فترة معلومة وعلى يد عدد محدد من العلماء، وكمعارضته ~~لنظرية «كبرنك» الفلكية الجديدة، وعدم إدراكه الدلالة الحقيقة لأفكار كبلر وجاليليو ~~العلمية، وقد لخص «أندرسن» # 29 # تأثير بيكن الأكبر في ثلاث نقاط: ~~(1) # تحريره للعلم من حفظ المعارف وترديدها ومن طريقة النقل والرجوع إلى ~~التراث التي كانت سائدة في أعظم الجامعات في ذلك الحين. ~~(2) # دعوته إلى الفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي. ~~(3) # مناداته بفلسفة جديدة ترتكز على أساس متين من العلم الطبيعي، لا من ~~الميتافيزيقا التجريدية. # ونستطيع أن نقول في صدد المسألة الأولى: إن طبيعة العلم قد أخذت تتغير بسرعة بعد ~~وفاة بيكن بوقت قصير. صحيح أن الحركة العلمية الحديثة كانت قد بدأت قبله ومستقلة ~~عنه. ومع ذلك فقد كان لتعاليمه تأثير بعيد في دفع هذه الحركة إلى الأمام، أسفر ~~عن إنشاء الجمعية الملكية في لندن (وهي الجمعية التي أشاد مؤسسها بذكرى بيكن في يوم ~~افتتاحها)، وظهور موجة طاغية من الأبحاث التجريبية والكشوف الفنية التفصيلية التي ~~استلهمت تعاليمه، والتي مهدت لظهور الثورة الصناعية في إنجلترا بعد ذلك بقرن من ~~الزمان . # أما مسألة الفصل بين الدين والعلم، فمن المؤكد أن بيكن قد أسدى بها إلى العلم ~~خدمة كبرى، وجنبه تدخل رجال اللاهوت الذين كانوا يرون أنفسهم «علماء»، وأصحاب الرأي ~~المطلق في كل كشف جديد؛ لأنهم حملة الأسرار الإلهية: ولا يستطيع أحد أن يشك في ~~إيمان بيكن بتعاليم الدين، غير أنه كان في الوقت ms091 ذاته حريصا كل الحرص على إبعاد ~~السلطة الدينية عن مجال الحقيقة العلمية، بحيث اكتفى في الشئون الدينية بالوحي، ~~وترك للعقل مهمة بحث مادة العالم الطبيعي وكشف قوانينها؛ وبذلك صد عن الباحثين في ~~مجال العلم هجمات رجال الدين دون استقرار لهؤلاء الأخيرين. # وأما فلسفة بيكن المرتكزة على أساس علمي فقد ظلت هي التيار السائد في الفلسفة ~~الإنجليزية على التخصيص حتى اليوم. ويمكن القول إن المذاهب التجريبية بمناهجها في ~~الملاحظة التسجيلية الدقيقة لعمليات الذهن البشري، وكذلك المذاهب الوضعية في ~~تحليلاتها الدقيقة للغة العلمية، كل هذه قد تأثرت - بطريق مباشر أو غير مباشر - ~~بدعوة بيكن الفلسفية الجديدة في مستهل العصر الحديث. ~~(8) نصوص من «الأورجانون الجديد» # أوردنا خلال البحث نصوصا متعددة من كتاب «الأورجانون الجديد»؛ ولذا سنكتفي في ~~هذا الجزء بنصوص قليلة، تكمل ما اقتبسناه من قبل: ~~(1) # في القسم 84 من الباب الأول، يناقش بيكن فكرة احترام القدماء والخضوع ~~للسلطة في ميدان الفلسفة، ويوضح مدى ضررها بالنسبة إلى تقدم المعرفة، ~~فيقول: # إن الرأي الذي يرفع به الناس من قيمة القديم هو رأي باطل تماما، ولا ~~ينطبق على لفظ «القديم» مطلقا؛ ذلك لأن شيخوخة العالم وتزايد عمره هو ~~الذي يعد، في الواقع، «قديما»، وهذه هي الصفة المميزة لزمننا هذا، ~~لا للعمر المبكر للعالم في أيام القدماء؛ إذ إن هؤلاء الأخيرين هم ~~بالنسبة إلينا قدماء سابقون. ولكنهم بالنسبة إلى العالم محدثون صغار، ~~ولما كنا نتوقع من الشخص المتقدم في العمر معرفة أعظم بأمور البشر، ~~وحكما أنضج من حكم الشاب ومعرفته؛ نظرا إلى ما اكتسبه الأول من تجارب ~~وما مر به من حوادث منوعة متعددة، ولكثرة ما رآه وسمعه وفكر فيه، فإن ~~لنا الحق في أن ننتظر من عصرنا (لو أنه أدرك قوته وجربها ومارسها) ~~أمورا أعظم مما ننتظره من العصور القديمة، ما دام العالم قد ازداد ~~اليوم قدما، وتضاعفت ذخيرته وتراكمت بفضل عدد لا نهاية له من التجارب ~~والملاحظات. ~~(2) # وفي القسم 129 من الباب الأول، يقارن بيكن بين تأثير المخترعات التي ~~تبدو في ظاهرها بسيطة، بين ms092 تأثير الساسة والملوك ورجال الدين في شئون ~~البشر؛ لكي ينتهي من ذلك إلى تحقيق سيطرة الإنسان على الطبيعة عن طريق ~~الاختراع، هو أسمى الغايات جميعا، فيقول: ~~«نلاحظ أولا أن استحداث الاختراعات العظيمة يبدو عملا من أروع ~~الأعمال البشرية، وعلى هذا النحو نظر الأقدمون إلى هذه المسألة؛ ذلك ~~لأنهم كانوا يخلعون ألقاب الشرف الإلهية على أصحاب المخترعات. ولكنهم ~~كانوا يكتفون بألقاب الشرف البطولية على أولئك الذين أثبتوا امتيازا ~~في الشئون المدنية (كمؤسسي المدن والإمبراطوريات والمشرعين ومحرري ~~بلادهم من بؤس مقيم وقاهري الطغاة وأمثالهم)، ولو قارن المرء بين ~~الفئتين على النحو الصحيح؛ لوجد أن القدماء كانوا على حق في حكمهم؛ ذلك ~~لأن الفوائد المكتسبة من الاختراعات يمكن أن تعم البشر عامة، على حين ~~أن الفوائد المدنية تقتصر على مواضع خاصة بعينها. كما أن هذه الأخيرة ~~لا تدوم إلا وقتا معلوما. أما الأولى فأثرها باق إلى أبد الدهر. ~~كذلك فإن الإصلاح المدني قليلا ما يتم دون عنف واضطراب، على حين أن ~~المخترعات نعمة وفائدة لا تؤذي ولا تضر أحدا. # وفضلا عن ذلك، فليتأمل المرء الفارق الهائل بين حياة الناس في أرقى ~~البلاد الأوروبية، وبين حياتهم في أية منطقة همجية من جزر الهند ~~الجديدة، وسيجد أن هذا الفارق قد بلغ من الضخامة حدا يجعل الإنسان ~~أشبه ما يكون بالإله إلى الإنسان، ليس فقط بفضل تبادل المساعدة ~~والمنافع، وإنما بفضل الحالة السائدة لدى الإنسان في كلتا الحالتين، ~~وهي نتيجة فنون الإنسان وصنائعه لا نتيجة التربة أو المناخ. # كذلك ينبغي علينا أن نلاحظ قوة المخترعات وتأثيرها ونتائجها، وهي ~~أمور تظهر أوضح ما تكون في تلك المخترعات الثلاثة التي لم يعرفها ~~القدماء، وهي الطباعة والبارود والبوصلة؛ ذلك لأن هذه المخترعات ~~الثلاثة قد غيرت وجه العالم بأسره: الأولى في ميدان العلم، والثانية في ~~ميدان الحرب، والثالثة في الملاحة، وهي قد أحدثت تغيرات لا حصر لها؛ ~~بحيث يمكن القول: إن أية مملكة أو مذهب ديني أو نجم فلكي # 30 # لم يكن له من التأثير في شئون البشر أعظم مما ms093 كان لهذه ~~الكشوف الميكانيكية.» # وجدير بنا أن نميز بين ثلاث مراتب من الطموح: الأولى طموح أولئك الذين يسعون إلى ~~زيادة قوة بلدهم وسيطرته على البشر، وهو طموح أرفع من السابق. ولكنه لا يقل عنه ~~طمعا. أما إذا حاول امرؤ أن يستعد ويوسع قوة الجنس البشري في عمومه، فإن مثل هذا ~~الطموح (إن جازت تسميته بهذا الاسم) إنما هو أشرف وأنبل من النوعين السابقين معا؛ ~~على أن سيطرة الإنسان على الأشياء إنما تقوم على الفنون العلمية والعلوم وحدها؛ إذ ~~إن الطبيعة لا تحكم بإطاعتها. # | شجرة الفلسفة عند ديكارت # (1) هدف البحث # في مقدمة كتاب «مبادئ الفلسفة» يقدم ديكارت تشبيها مشهورا للفلسفة بشجرة لها ~~جذور وجذوع وفروع تحمل ثمارا، وهدفنا في هذا البحث هو أن نحلل المعاني المختلفة ~~لهذا التشبيه، ونستخلص منها التفسيرات التي يمكن استخلاصها للعلاقة بين مباحث ~~الفلسفة عند هذا الفيلسوف الكبير؛ ذلك لأن من الممكن أن يفسر هذا التشبيه بأكثر من ~~طريقة واحدة، على عكس الاعتقاد الشائع في الكتابات المألوفة عند ديكارت، ولكل من ~~طرق التفسير هذه مبرراتها القوية المستمدة من فلسفة ديكارت ذاتها، ومن وجهة أخرى ~~فإن دلالة هذا التشبيه لم تبحث بحثا كافيا، على الرغم من شيوع استخدامه في ~~الكتب الفلسفية المتخصصة وغير المتخصصة، وإنما كان يقتبس في معظم الأحيان بوصفه ~~نوعا من «تصنيف» العلوم الفلسفية فحسب، وسوف يتبين لنا خلال هذا البحث أن طريقة ~~تفسير هذا التشبيه تثير مشكلات أساسية تتعلق بصميم الفلسفة الديكارتية، بل تتعلق ~~بوضع الفلسفة كلها في مطلع العصر الحديث، وبالصراع العلني أو الخفي بين الفيلسوف ~~وبين القوى التي كانت معادية للأفكار الجديدة في ذلك العصر. ~~(2) نص التشبيه # يتحدث ديكارت، في المقدمة المذكورة، عن الإنسان الذي يريد أن يكون عاقلا وعارفا ~~بحق، فيقول عنه: إنه «ينبغي عليه أن يعكف على الفلسفة الحقة، التي يتألف الجزء ~~الأول منها من الميتافيزيقا، وهي تشمل مبادئ المعرفة، وضمن هذه المبادئ بيان الصفات ~~الأساسية لله، ولا مادية نفوسنا، وكل الأفكار الواضحة والبسيطة التي توجد فينا، أما ~~الجزء الثاني فهو ms094 الفيزياء، التي يبدأ المرء فيها بالاهتداء إلى المبادئ الحقيقية ~~للأشياء المادية، ثم يبحث بوجه عام في كيفية تركيب الكون كله، وبعد ذلك يبحث بوجه ~~خاص في طبيعة هذه الأرض وجميع الأجسام التي يشيع وجودها حولها كالهواء والماء ~~والنار والمغناطيس والمعادن الأخرى، وبعد ذلك ينبغي إبداء اهتمام خاص بطبيعة ~~النباتات والحيوانات، واهتمام أخص بطبيعة الإنسان، حتى يتسنى للمرء بعد ذلك ~~الاهتداء إلى العلوم الأخرى المفيدة له. وهكذا فإن الفلسفة كلها أشبه بشجرة جذورها ~~الميتافيزيقا، جذعها الفيزياء، والفروع التي تخرج من هذا الجذع هي العلوم الأخرى ~~التي ترتد إلى ثلاثة علوم رئيسية: هي الطب والميكانيكا والأخلاق، وأنا أعني بهذه ~~الأخيرة أسمى أخلاق وأكملها، أي تلك التي تفترض معرفة كاملة بالعلوم الأخرى، والتي ~~هي أقصى مراتب الحكمة. # ولما كان المرء لا يجني الثمار من جذور الأشجار ولا من جذعها، بل من أطراف ~~أغصانها فحسب، فإن الفائدة الكبرى التي تجنى من الفلسفة تتوقف على أجزائها التي ~~لا يتسنى للمرء تعلمها إلا في آخر المطاف.» # 1 ~~(3) الهيكل البنائي للتشبيه ~~(1) # يشتمل التشبيه - كما هو واضح - على جذور وجذع وغصون تحمل الثمار، ~~وهذه العناصر الثلاثة تؤلف كلها «شجرة»؛ أي إنها تؤلف وحدة واحدة. بل ~~إن الشجرة، وغيرها من أشكال الحياة، هي في تفكيرنا العادي نموذج للوحدة ~~«العضوية»، ولما كانت الفلسفة هي «الشجرة» ككل، فإن المعنى الواضح لذلك ~~هو أن ديكارت نظر إلى الفلسفة بمعنى شامل، وجعلها مرادفة «للمعرفة» ~~بوجه عام، فالعلوم النظرية كالفيزياء، والعلوم التطبيقية أو العملية ~~كالميكانيكا، تندرج تحت ذلك الكل الشامل، الذي هو الفلسفة. وهكذا كان ~~ديكارت من أنصار «وحدة المعرفة»؛ بحيث تؤلف فروع العلم المختلفة في ~~نظره - وكذلك الميتافيزيقا - كيانا شاملا واحدا، ترتبط أجزاؤه في ~~وحدة عضوية. وفي هذه المسألة كان ديكارت فيلسوفا مذهبيا بالمعنى ~~التقليدي لهذه الكلمة؛ أي بمعنى الفيلسوف الذي يدخل كل جوانب ~~المعرفة في إطار استبصار رئيسي واحد، وإن كان قد اختلف عن أصحاب ~~المذاهب الكبرى من اليونانيين في أنه جعل للعلم مكانا رئيسيا في هذا ~~المذهب، كما اختلف عنهم في ms095 تأكيده أن الغاية من المعرفة - آخر الأمر - ~~عملية تطبيقية. وليست مجرد إرضاء حب الاستطلاع النظري لدى العقل ~~الإنساني فحسب. # وهذا التأكيد لوحدة المعرفة - من ميتافيزيقيا وعلوم نظرية وتطبيقية - ~~في إطار «الفلسفة» مفهومة بمعنى شامل، هو أمر له دلالة بالغة في تفسير ~~الفكر الديكارتي؛ ففي عصر ديكارت كانت مظاهر انفصال نوع خاص من المعرفة ~~- هو العلم - عن المعرفة الفلسفية قد بدأت تتجلى بوضوح، وأخذت تتحدد ~~معالم هذا النوع الجديد من المعرفة البادئ في التبلور، وبدأت مناهجه ~~تتشكل بصورة مستقلة عن المناهج الفلسفية، وقد ظهر ذلك بوضوح في أعمال ~~علماء مثل جاليليو وروبرت بويل، بل لقد عبر عنه فيلسوف مثل فرانسس بيكن ~~تعبيرا صريحا، حين جعل «للفلسفة الطبيعية» (أي العلم التجريبي) طبيعة ~~ومنهجا وهدفا يختلف بصورة قاطعة عن كل ما عرفته «الفلسفة التأملية» ~~السابقة. # أما ديكارت فكان تفكيره - ولا يزال - يدور في إطار «المعرفة الموحدة» ~~التي تكون فيها الفلسفة والعلم شيئا واحدا، يستخدم فيه منهج واحد، ~~فهو لم يتأثر كثيرا بالتيار الجديد الذي يدعو إلى بناء معرفة علمية ~~على أنقاض الأسلوب التقليدي في التفلسف، وإنما ينادي بفلسفة واحدة، ~~تبدأ بمبادئ ميتافيزيقية يقينية، أي «بالمبادئ الأولى» (التي كان أرسطو ~~بدوره يركز بحثه عليها)، ثم تنقل يقين هذه المبادئ حتى أبعد فروع البحث ~~التطبيقي، والشيء الذي تميز به ديكارت عن الأسلوب التقليدي في التفلسف ~~هو دعوته إلى تطبيق منهج يتسم بالوضوح واليقين على جميع مراحل عملية ~~المعرفة؛ ذلك لأن مثل هذا المنهج الصارم كان مفقودا في أساليب التفلسف ~~التقليدية، التي كانت تعتمد على التأمل والخيال أكثر مما تعتمد على دقة ~~الاستنباط وإحكام الروابط بين المقدمات والنتائج. ~~(2) # ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بقوة عندما يتأمل المرء هذا التشبيه، هو: ~~أين موقع الرياضيات فيه؟ إن الرياضيات لا تجد مكانا في أي جزء من ~~أجزاء شجرة المعرفة. وهذا أمر يبدو غريبا لدى فيلسوف كان يتخذ من ~~الرياضة نموذجا لكل معرفة يقينية، ويضع لنفسه منذ بداية حياته هدفا ~~طموحا هو أن يحقق في جميع مجالات المعرفة نفس اليقين ms096 الذي تحققه ~~الرياضة. ولكن الحقيقة هي أن الرياضيات وإن كانت غائبة عن الشجرة، هي ~~في واقع الأمر حاضرة فيها كل الحضور، فالرياضيات هي التي تقدم إلينا ~~منهج البحث في جميع هذه المراحل، بدءا بالميتافيزيقا وانتهاء ~~بالأخلاق، وهي الروح التي تسري في جميع عمليات المعرفة التي يقوم بها ~~العقل البشري، فعن طريق الاستنباط - الذي يتبعه الرياضيون - ينقل الفكر ~~يقين المبادئ الأولى إلى كل معرفة تالية يستخلصها منه، ويتوسع في ~~معارفه على الدوام دون أن يفقد خلال ذلك يقين المبدأ الأول، ولو شئنا ~~أن ندخلها ضمن هذا التشبيه لقلنا: إنها هي العصارة التي تسري في الشجرة ~~من جذورها حتى أغصانها وثمارها، أو هي الفن الذي يتبعه البستاني الماهر ~~حين يتعهد النبتة منذ أن كانت بذرة حتى تستوي شجرة باسقة. ~~(3) # على أن المشكلة الكبرى في بناء هذا التشبيه هي علاقة عناصره بعضها ~~ببعض، ولا سيما الإشكالات المتعلقة بأول هذه العناصر وهو الجذور التي ~~تعني عند ديكارت «الميتافيزيقا»، هنا تصادفنا مشكلة التفسيرات الممكنة ~~لطبيعة «الجذر» في علاقته بالنبات المتكامل، أو بعبارة أخرى: ~~الميتافيزيقا في علاقتها بالعلوم. ~~(أ) # فالجذر قد يكون هو «الأهم» والأجدر بالبحث من كل ما ~~عداه؛ لأنه هو الأصل وهو العمق، وهو الثابت المغروس بقوة ~~في الأرض، على حين أن سائر أجزاء الشجرة سطحية مهتزة قد ~~تودي بها الرياح. # وبهذا المعنى نتحدث عن جذور أي شعب بوصفها، عنصر الأصالة ~~فيه، في مقابل العناصر السطحية التي لم تتأصل فيه بعد، ~~ونتحدث عن جذور أي موضوع بوصفها أحق الجوانب بالاهتمام ~~فيه. ~~(ب) # ولكننا قد نفهم الجذر بمعنى آخر، هو أنه ما يأتي في ~~البداية لكي يظهر غيره (الجذع، والثمار بوجه خاص) بناء ~~عليه؛ أي إنه بهذا المعنى هو «المقدمة» أو «التمهيد»، هو ~~الذي يهيئ الطريق للنبات الكامل ثم لا يعود بعد ذلك ~~موضوعا لاهتمامنا، إنما ينصب هذا الاهتمام على نواتجه ~~وعلى ما تجنيه الشجرة آخر الأمر من ثمار، فمن منا يفكر ~~حين يرى شجرة ناضجة في الجذور التي هيأت لانبثاقها؟ أليس ~~حجم الشجرة واستواء ms097 جذعها ونوع ثمارها هو ما يجتذب كل ~~اهتمامنا، على حين أن الجذر يتوارى عن تفكيرنا لأنه «أدى ~~مهمته» ومهد الطريق للشيء الأساسي والهام؟ إن مما يعزز هذا ~~الفهم للجذر أنه بطبيعته يختفي ويتوارى عن الأنظار؛ فالجذر ~~«تحت الأرض»، والجذع والثمار هي التي تشق طريقها إلى ~~النور، وهي «المرئية» والملموسة، وبقاء الجذر مختفيا تحت ~~الأرض يرمز إلى وظيفته التمهيدية هذه، فهو عنصر ممهد لغيره ~~فحسب، ومهمته الوحيدة هي أن يكون تهيئة لظهور الأجزاء ~~الظاهرة من الشجرة؛ ومن ثم فهو أشبه ما يكون «بالشرط ~~السلبي» لوجود هذه الشجرة، أو هو مجرد «وسيلة» لغاية هي ~~النبات المكتمل. ~~(ج) # وأخيرا، فمن الممكن أن نفهم علاقة الجذر بالنبات الكامل ~~على نحو ثالث يجمع بين عناصر في كل من المعنيين ~~السابقين؛ أي إنه يؤكد - مع المعنى - أهمية الجذور. ولكنه ~~يؤكد - مع المعنى الثاني - أن جذع الشجرة وثمارها هي ~~الغاية، ونقطة الانطلاق في هذا المعنى هي أن الجذر - وإن ~~كان وسيلة لغاية هي النبات المكتمل - لا تنتهي مهمته بعد ~~ظهور هذا النبات، بل إن الشجرة - مهما نمت وعلت - ~~تظل في حاجة دائمة إلى جذرها؛ لأنه هو الذي يظل يزودها ~~بالعصارة الغذائية التي يتوقف عليها استمرار حياتها، ولو ~~انتزعت جذور الشجرة لذبلت على الفور مهما بدت لأعيننا ~~متطاولة إلى السماء، ومعنى ذلك أن وظيفة الجذور في النبات ~~الكامل «مستمرة»، وأنها هي التي تزود هذا النبات برحيق ~~الحياة، ولولاها لما عاش جذع ولا ثمار؛ أي إن تأثير الجذر ~~هو الذي تطغي أهميته على كل ما عداه. وليس صحيحا أن ~~النبات المكتمل يلغي أهمية الجذر ويتخذه مجرد أداة تنتفي ~~الحكمة من وجودها بعد أن تؤدي رسالتها، وإنما الصحيح أن ~~هناك علاقة استمرار واتصال دائم بين هذين العنصرين. # وهكذا يكون للجذر - في علاقته بالشجرة - ثلاثة معان؛ فهو إما أن يكون ~~العنصر «الأهم» الذي يطغى على كل ما عداه أو يحجبه ويكون جديرا ~~باهتمامنا بدلا منه، وإما أن يكون العنصر «الممهد» الذي يهيئ المجال ~~لغيره ويتوارى بعد ذلك عن الأنظار، وإما أن ms098 يكون العنصر «المستمر» الذي ~~يظل يزود النبات الكامل برحيق الحياة طوال مراحل نموه. # هذه المعاني المستمدة من بناء تشبيه الشجرة ذاته، يمكن أن تترجم فلسفيا إلى ~~ثلاثة تفسيرات مختلفة للعلاقة بين الميتافيزيقا (بوصفها جذر الشجرة) وبين الفيزياء ~~والعلوم التطبيقية (أي الجذع والثمار): ~~(1) # التفسير الأول يرى أن الميتافيزيقا هي العنصر الأهم في فلسفة ديكارت، ~~وكل ما عداها ثانوي الأهمية بالقياس إليها. وهكذا رأى كثير من شراح ~~ديكارت أن فلسفته هي في أساسها «ميتافيزيقا»، وعلى الرغم من أن البحث ~~في الميتافيزيقا لم يكن سوى موضوع واحد من بين موضوعات متعددة أبدى بها ~~ديكارت اهتماما كبيرا، فإن هؤلاء الباحثين يخصصون أكبر حيز من ~~مؤلفاتهم عن ديكارت لآرائه الميتافيزيقية، على حين أن آراءه العلمية ~~ولا يشار إليها في هذه الحالات إلا إشارة عابرة. # ولا شك أن المرء قد يلتمس عذرا لمن يعالجون فلسفة ديكارت بهذه ~~الطريقة، على أساس أن البحث الميتافيزيقي يحتفظ بقيمته على مر العصور، ~~على حين أن الآراء العلمية تفقد قيمتها بسرعة ولا يعود لها مكان إلا في ~~متحف التاريخ العلمي فحسب. وهذا تبرير معقول ومفهوم. ولكن كان ينبغي أن ~~يصحبه إدراك للأهمية النسبية لكل من المبحثين عند ديكارت نفسه، فلا ~~بأس من أن يخصص الشارح المعاصر معظم كتابه للمسائل الميتافيزيقية ~~ويتجاهل المسائل العلمية، بشرط أن ينبهنا إلى أن ديكارت ذاته جعل لهذه ~~المسائل العلمية موقعا رئيسيا في فلسفته. ولكن ما يحدث في أغلب ~~الأحيان هو أن طغيان البحث الميتافيزيقي يصحبه عادة اعتقاد ضمني بأن ~~الوضع كان على هذا النحو حتى بالنسبة إلى ديكارت ذاته، ألم يقل ديكارت: ~~إن الميتافيزيقا هي الجذور؟ وأليست جذور الشجرة هي الأصيلة والعميقة ~~والراسخة؟ ~~(2) # أما التفسير الثاني فيذهب - على العكس من ذلك - إلى أن دور ~~الميتافيزيقا عند ديكارت كان «تمهيديا» فحسب؛ فهي التي تهيئ الطريق ~~للبحث في العلوم النظرية والتطبيقية، وذلك بأن تزيل عقبات معينة كان من ~~الممكن أن تحول دون قيام هذه العلوم، كعقبة الشك في قدرة الإنسان على ~~المعرفة، أو في وجود العالم، وبعد أن ms099 تؤدي الميتافيزيقا هذه المهمة، ~~التي هي سلبية بطبيعتها (أعني إزالة العقبات)، وبعد أن تضيء النور ~~الأخضر للعلم، ينطلق العلم في مساره مستقلا عن الميتافيزيقا، ووفقا ~~لهذا التفسير لا تحتل الميتافيزيقا في فلسفة ديكارت إلا مكانة ثانوية، ~~ويكون اهتمام ديكارت الحقيقي منصبا على المسائل العلمية. ~~(3) # وأخيرا، فإن التفسير الثالث يمكن أن يعد مركبا من التفسيرين ~~الأخيرين، فهو يعترف بالأهمية القصوى للميتافيزيقا، ويعترف في الوقت ~~ذاته بأن البحث في العلوم كان هو الغاية النهائية لفلسفة ديكارت، وذلك ~~عن طريق تأكيد الروابط المستمرة بين الجانبين؛ فالعلوم تظل معتمدة على ~~المبادئ الأساسية التي تزودها بها الميتافيزيقا، ومهمة الميتافيزيقا في ~~إعلاء صرح المعرفة العلمية مستمرة؛ لأن تصور ديكارت للعلم لا يستقيم ~~بدون وجود مبادئ ميتافيزيقية أساسية تضفي اليقين على كل ما يتوصل إليه ~~العلم النظري والتطبيقي من نتائج، وعملية المعرفة - في نهاية الأمر - ~~تسير في خط واحد لا انقطاع فيه؛ بحيث يستحيل وضع حد فاصل نهائي بين ما ~~يقوم به الباحث الميتافيزيقي وما يقوم به العالم النظري والتطبيقي. بل ~~إن ديكارت نفسه تصور أنه هو القادر على السير في طريق المعرفة هذا من ~~بدايته إلى نهايته. # وهكذا تتحدد طبيعة فلسفة ديكارت، في علاقتها بالجوانب العلمية من نشاطه، في إطار ~~هذه التفسيرات المرتكزة على ثلاثة طرق ممكنة في فهم تشبيه الشجرة، وسوف تكون مهمتنا ~~- في الأجزاء التالية من هذا البحث - هي تقديم عرض مفصل لهذه التفسيرات، من أجل ~~بيان مدى قدرتها على التعبير عن موقف ديكارت الحقيقي في مشكلة العلاقة بين الجوانب ~~الفلسفية والجوانب العلمية في تفكيره. # على أن من الواجب أن ننبه إلى أن التفسير الأول، وهو القائل إن الميتافيزيقا هي ~~العنصر الهام الذي يطغى على ما عداه، والذي يجعل من ديكارت فيلسوفا ميتافيزيقا في ~~الأساس، ولا يتحدث عن مواقفه من العلم إلا حديثا ثانويا. هذا التفسير كما قلنا ~~في بداية هذا البحث هو الشائع والمألوف، ولما كانت نسبة كبيرة من الكتابات والأبحاث ~~التي ألفت عن ديكارت قد دافعت عن هذا الموقف، فإنا لا نجد ms100 أنفسنا بحاجة إلى ~~عرض مفصل لهذا التفسير؛ ولذلك سنركز اهتمامنا على التفسيرين الأخيرين؛ لأنهما أقل ~~شيوعا، ولأن كلا منهما يلقي ضوءا من زاوية جديدة على فلسفة ديكارت، ويبرز ~~جانبا لا تشيع الكتابة عنه، وبطبيعة الحال ففي ثنايا العرض الذي سنقدمه لهذين ~~التفسيرين، ستكون هناك إشارات دائمة إلى التفسير الأول، وحوار مستمر مع القائلين ~~به. ~~(4) الدور السلبي للميتافيزيقا إزاء العلم # حينما تصف جور الميتافيزيقا إزاء العلم - وفقا لوجهة النظر التي سنعرضها الآن - ~~بأنه سلبي، نعني بذلك أن الميتافيزيقا عند ديكارت هي التمهيد المنطقي للعلم، وأن ~~العلم يبدأ من حيث تنتهي الميتافيزيقا. # ذلك لأن من المستحيل أن يبدأ العالم في ممارسة عمله العلمي لو كان هناك شك في ~~أدوات المعرفة التي يستخدمها، وهي الحواس والعقل، أو في الموضوعات التي يبحثها، وهي ~~الداخلي (الإنساني) والخارجي (الطبيعي). # لذلك أخذ ديكارت على عاتقه في بحوثه الميتافيزيقية أن يبدد هذا الشك، وبالفعل قام ~~برحلته الميتافيزيقية الطويلة التي لا نرى هنا ما يدعونا إلى عرض تفاصيلها، لكي يصل ~~في النهاية إلى إثبات وجود الذات الإنسانية، إلى إثبات وجود العالم الخارجي، وإمكان ~~الثقة في حواس الإنسان وعقله، ما دام الله موجودا وكاملا، وبالتالي يستحيل أن ~~يقدم إلينا عالما وهميا، أو يعطينا أدوات زائفة للمعرفة. # منذ هذه اللحظة يصبح العلم ممكنا. أما قبل ذلك وطوال الوقت الذي كان وجود العالم ~~الخارجي أو سلامة الأدوات التي نعرفه بها معرضا فيه للشك، فكان من المحال تصور أي ~~علم، وهكذا يكون هدف تلك الرحلة الطويلة في ميدان الميتافيزيقا هو أن يمهد ~~«سلبيا» لظهور العلم، بمعنى تبديد الشكوك التي كانت تمنع من قيامه، كأن ديكارت، ~~بعد أن ينتهي من مذهبه الميتافيزيقي، يخاطب رجال العلم قائلا : «الآن يمكنكم أن ~~تبدءوا بحثكم العلمي وأنتم مطمئنون، بعد أن أثبت أن الموضوعات التي تبحثونها غير ~~معرضة للشك، وأن وسائلكم في معرفة هذه الموضوعات موثوق بها». وبعبارة أخرى؛ ~~فالميتافيزيقا تنتهي بذلك الضوء الأخضر الذي يبدأ بعده العلم في الانطلاق وعند هذا ~~الحد ينتهي دورها. # هذا الرأي ينطبق - كما ms101 قلنا - على تفسير معين لجذور شجرة المعرفة، يجعل هذه ~~الجذور ممهدة للنبات الكامل فحسب. ويمكن القول: إن وجود الجذور (تحت الأرض) يرمز ~~بوضوح لهذه الطبيعة «السلبية» للميتافيزيقا الديكارتية. وحين تكون الفيزياء والعلوم ~~التطبيقية هي الجذع والثمار - أي هي الجزء الظاهر فوق الأرض - يصبح المعنى الواضح ~~لذلك هو أن هذه هي المعارف «الإيجابية» التي تضيف إلى حصيلتنا من العلم، بينما ~~الميتافيزيقا تكتفي بأن تجعل هذه المعارف ممكنة، وبأن تفسح لها مجال الانطلاق، ثم ~~تتركها وشأنها، أي تظل متوارية «تحت الأرض». # وعلى أساس هذا التفسير تكون الميتافيزيقا عند ديكارت وسيلة لا غاية؛ فهي - برغم ~~كل ما أولاه إياها مؤرخو الفلسفة من اهتمام - أداة يستخدمها ديكارت لكي يصد عن ~~العلم هجمات تجعل قيامه مستحيلا. ولكنها ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود لذاته ~~هو العلم النظري والتطبيقي. ~~(5) فما هي الأسباب التي تجعل هذا التفسير يبدو معقولا؟ ~~(1) # أول هذه الأسباب هو ضعف بناء الميتافيزيقا الديكارتية. والواقع أن ~~الكلام عن جوانب الضعف في هذه الميتافيزيقا يمكن أن يستغرق مجلدات ~~بأكملها، وعلى الرغم من أن ديكارت كان له على الدوام مريدون يدافعون عن ~~كل ما قال، فإن خصومه قد ظهروا منذ اللحظة الأولى، وسرعان ما أدركوا أن ~~بناء الميتافيزيقا الديكارتية غير متماسك، وأن الحجج التي ساقها للدفاع ~~عن آرائه غير مقنعة. # ففكرة الشيطان الخادع ( # Malin génie ~~) ~~إذا أخذت بجدية، وإذا مضينا فيها إلى آخر مداها استخلصنا كل ما ~~تنطوي عليه من مضامين يمكن أن تهدم فلسفته بأكملها، وتجعل «الكوجيتو» ~~ذاته غير مضمون. أما قضيته الأساسية، وهي «أنا أفكر إذن فأنا موجود»، ~~فقد كانت - وما زالت - موضوعا للنقد الشديد بوصفها قضية مليئة ~~بالمسلمات التي لا يبرهن عليها؛ ومن ثم فهي متناقضة مع نفس المنهج ~~الرياضي الذي دعا إليه ديكارت، والذي يفترض إثباتا حاسما لكل مقدمة ~~يرتكز عليها الاستدلال الفلسفي. ولكن إذا كان ديكارت نفسه قد رد على ~~الاعتراضات التي توجه إليه في هذا الصدد، وإذا كان كثير من شراحه ~~يؤكد أن من الممكن الدفاع عنه ضد كل نقد يوجه ms102 إليه في هذا الصدد، فإن ~~براهينه على وجود الله قد أثبتت أنها أضعف من «الكوجيتو» بكثير، ولم ~~تستطع أن تقنع عددا كبيرا من معاصريه، حتى أولئك الذين كانوا حريصين ~~كل الحرص على إيجاد مثل هذه البراهين. بل إن لاهوتيا كبيرا من خصومه ~~- وهو فويتيوس # Voetius # الذي كان ~~مديرا لجامعة «أوترخت» وأستاذا للاهوت بها - قد اتهمه بالإلحاد ~~والدجل والادعاء؛ لأن براهينه على وجود الله ضعيفة ضعفا مقصودا، ~~الهدف منه زعزعة الإيمان. وقد ترتب على هجوم «فويتيوس» هذا اتخاذ ~~إجراءات قضائية ضد ديكارت، كادت أن تؤدي إلى محاكمة لولا تدخل ~~أصدقائه لدى بلاط أمير «أورانج»، وتكررت هذه القصة نفسها في ليدن، حيث ~~هاجمه لاهوتي آخر اسمه «ريفيوس» # Revius # ووصل الأمر إلى القضاء في عام 1647م، فكان ~~لا بد من تدخل السلطات العليا مرة أخرى لإنقاذه من المحاكمة، وإن كانت ~~الأوامر قد صدرت بتحريم نشر تعاليمه في الجامعات، # 2 # أما إثباته لوجود العالم، فلا يمكن أن يعد إثباتا ~~بالمعنى الصحيح، وخاصة إذا ما نظر إليه في ضوء الشك الشديد الذي ~~بدأ به ديكارت، وإنما هو أقرب ما يكون إلى الاطمئنان النفسي واستعادة ~~الثقة فيما تنقله إلينا حواسنا عن هذا العالم. # 3 # إننا لا نستطيع بالطبع أن نناقش موضوعا عظيم الاتساع كالميتافيزيقا ~~الديكارتية في هذه اللمحة السريعة. ولكننا نرى أن جميع الانتقادات التي ~~وجهت إلى البناء الميتافيزيقي عند ديكارت - وما أكثرها - تدعم وجهة ~~النظر القائلة: إن دور الميتافيزيقا سلبي؛ أي إنها تدعم التفسير الذي ~~يركز على «ثمار» الشجرة، ويرى في الجذور الميتافيزيقية مجرد وسيلة تمهد ~~- آخر الأمر - لظهور هذه الثمار. ~~(2) # ولو تأمل المرء ترتيب الحقائق التي كان ديكارت يهدف إلى إثباتها في ~~مذهبه الميتافيزيقي؛ لأمكنه أن يفسر هذا الترتيب على نحو تكون فيه ~~الميتافيزيقا أساسا يمهد لقيام العلم، ولا تكون فيه غاية مقصورة ~~لذاتها؛ فالحقيقة الأولى التي يرتكز عليها بناء الميتافيزيقا هي وجود ~~الذات، والحقيقة الثانية هي وجود الله، والثالثة وجود العالم. ولقد ~~أراق شراح ديكارت بحورا من المداد لكي يثبتوا أن انطلاقه من ms103 الحقيقة ~~الأساسية المتعلقة بوجود الذات، واتخاذه من الكوجيتو (أنا أفكر) أساسا ~~لإثبات هذا الوجود، وتأكيده أن هذه هي القضية المحورية في مذهبه ~~الميتافيزيقي، معناه أن ديكارت فيلسوف ميتافيزيقي مثالي، بل هو ~~«أبو المثالية الحديثة»، ما دام جوهر المثالية هو تأكيد أولوية الفكر، لكن ~~من الممكن أن يقال - من وجهة نظر أخرى. إن الانطلاق من حقيقة الفكر ~~التي تؤسس وجود الذات لا يدل على أولوية الفكر في مذهبه، بل كانت تلك ~~نقطة بداية ضرورية لكي يتسلسل إثبات الحقائق الثلاث الرئيسية بطريقة ~~مقنعة للعقل فحسب؛ فالترتيب في هذه الحالة هو ترتيب منهجي لا مذهبي؛ أي ~~إن أفضل طريقة عرض ممكنة، وأكثر هذه الطرق إقناعا للذهن، هي تلك التي ~~تبدأ بحقيقة الفكر ووجود الذات وتنتهي إلى وجود العالم. ولكن هذا ~~الترتيب لا يعكس على الإطلاق أهمية كل حقيقة من هذه الحقائق الثلاث ~~داخل المذهب، ليس ترتيبا «للأولوية» بينها. # والدليل الواضح على ذلك هو موضع الحقيقة المتعلقة بوجود الله، فهذه ~~الحقيقة يأتي ترتيبها ثانيا؛ أي بعد حقيقة وجود الذات، فهل يعقل أن ~~فيلسوفا مثل ديكارت، بذل كل هذا العناء من أجل تقديم مذهب ميتافيزيقي ~~يرضى عنه رجال اللاهوت، بل ربما كان يستهدف من الميتافيزيقا كلها إسكات ~~الأصوات المعارضة، هل يعقل أن يكون قد تعمد أن يضع حقيقة وجود الله ~~في المرتبة الثانية من حيث الأهمية داخل مذهبه؟ إن هذا مستحيل بالنسبة ~~إلى ظروف فيلسوفنا؛ لأنه لو صح لكان بذلك يناقض نفسه ويهدم كل ما بناه، ~~ويعطي خصومه سلاحا قويا يهاجمون به ذلك الذي جعل وجود الذات أهم من ~~وجود الله، وهو أيضا مستحيل بالنسبة إلى البناء الداخلي للمذهب ذاته؛ ~~لأن وجود الله عنده هو دعامة المذهب كله، ومنذ اللحظة التي يتم فيها ~~«إثبات » وجود الله يصبح كل شيء مرتكزا على هذه الحقيقة ~~الأساسية. # وإذن فالترتيب الذي جاءت به الحقائق الثلاث في مذهب ديكارت ليس ~~ترتيبا لأهمية هذه الحقائق داخل المذهب، بل هو كما قلنا ترتيب منهجي، ~~يقصد به عرض هذه الحقائق بأكثر الطرق إقناعا ms104 للعقل، وما هو في ~~حقيقته إلا تطبيق لقاعدة «التركيب»، أي القاعدة الثالثة من قواعد ~~المنهج الديكارتي المشهورة، التي تعطي للباحث عن الحقيقة حرية ترتيب ~~قضاياه، دون التقيد بالترتيب الطبيعي لهذه القضايا؛ بحيث تقتنع العقول ~~بها اقتناعا كاملا. # فإذا كان الأمر كذلك، فلن تعود هناك أسبقية لوجود الفكر على وجود ~~العالم، ولا يحق لأحد أن يستنتج، من ورود حقيقة الفكر أولا، أنها هي ~~الأولى في الأهمية، أو من ورود حقيقة العالم أخيرا أنها ثانوية ~~الأهمية. بل إن كل ما في الأمر هو أن تسلسل البرهان على هذه الحقائق ~~يقتضي - لكي يكون مقنعا إلى أقصى حد - أن يبدأ بحقيقة الفكر ووجود ~~الذات، وينتقل منها إلى وجود الله، ثم من وجود الله إلى وجود ~~العالم. # في هذا الإطار تبدو الميتافيزيقا الديكارتية كما لو كانت رحلة طويلة ~~تستهدف، آخر الأمر، استرداد الثقة في وجود العالم. وفي الوسائل التي ~~نستخدمها من أجل معرفته، وهي الحواس والعقل، أو بعبارة أخرى في الموضوع ~~الذي يبحثه العلم وأدوات المعرفة العلمية. وحين تكون هذه هي نهاية ~~المطاف في تلك الميتافيزيقا وسيلة تمهد لظهور العلم؛ أي إن مهمتها هي ~~تذليل عقبات معينة كان من الممكن أن تحول دون ظهور العلم أصلا، وبعد ~~أن تنتهي مهمة الميتافيزيقا يبدأ دور العلم. فبعد آخر حقيقة يتم ~~إثباتها ميتافيزيقيا - هي وجود العالم والثقة في حواس الإنسان وعقله ~~- يصبح الطريق ممهدا لكي يبدأ العالم عمله، وبهذا المعنى تكون ~~الميتافيزيقا هي جذر الشجرة الذي يمهد لظهور غيره، الذي يختبئ «تحت ~~الأرض» لأنه مجرد وسيلة لغاية أخرى مغايرة له. # هنا يمكننا أن نستشف سمة هامة في الميتافيزيقا الديكارتية، هي أنها ~~خطوة تمهيدية في طريق العلم، إنها تختلف عن الميتافيزيقا التقليدية، عن ~~«ما بعد الطبيعة»؛ أعني عن ذلك المبحث الذي كان - عند الفلاسفة ~~التقليديين في العصور القديمة والوسطى - يظهر بوصفه تتويجا للمذهب، ~~ويفترض معرفة بالمسائل الطبيعية ثم يتجاوز هذه المعرفة لكي يبحث في ~~«المبادئ الأولى»، بمعنى المبادئ القصوى أو النهائية؛ فالميتافيزيقا ~~الديكارتية، وفقا لهذا التفسير، هي الفصل التمهيدي ms105 في كتاب المعرفة، ~~وبعدها يبدأ العلم في الظهور. بل إننا لو شئنا الدقة لقلنا: إن هذه ~~الميتافيزيقا محاطة بالعلم من الجانبين؛ ذلك لأن مسارها عند ديكارت ~~يفترض معرفة دقيقة بالمنهج الرياضي، الذي يبعث الروح في كل مرحلة من ~~مراحل الرحلة الميتافيزيقية الطويلة، ويوجه هذه الرحلة من بدايتها إلى ~~نهايتها، فقبل أن نبدأ الميتافيزيقا ينبغي أن يكون الفيلسوف قد ألم ~~بالرياضيات وتشبع بمنهجها إلى الحد الذي يتيح له أن يرتب أفكاره ~~الميتافيزيقية بالطريقة الصحيحة، وبعد أن تنتهي الميتافيزيقا يكون ~~الطريق قد أصبح ممهدا لقيام العلم الطبيعي، ومن بعده المعارف العملية ~~التطبيقية؛ وعلى هذا الأساس تكون الميتافيزيقا الديكارتية مرحلة وسطى ~~بين مرحلتين عمليتين: الأولى تسبقها والثانية تلحقها. # وسواء أخذ المرء بهذا التفسير، أم اكتفى بالقول إن ما تقدمه الرياضة ~~مجرد «منهج»، أي أداة للبحث، وأن البداية الحقيقية هي البداية ~~الميتافيزيقية التي تمهد لظهور العلم فيما بعد، فإنه في كلتا الحالتين ~~يكون قد جعل للميتافيزيقا دورا سلبيا، يصبح فيه وجودها متوقفا ~~أساسا على وجود العلم الذي تمهد له أو يمهد لها. ~~(3) # ولو تأمل المرء موقع فكرة «الآلية» في فلسفة ديكارت؛ لوجد فيها ~~دليلا آخر يؤيد الرأي القائل بأن مكانة الميتافيزيقا في مذهبه ثانوية ~~أو تمهيدية بالنسبة إلى المعرفة العلمية؛ ذلك لأن هذه الفكرة تحتل ~~موقعا رئيسيا في مذهب ديكارت. بل إنها هي المحور الذي تدور حوله ~~نظرته إلى العالم وإلى الإنسان، وهنا نود أن ننبه إلى أن «المزاج ~~الميتافيزيقي» - إن صح هذا التعبير - ينفر من فكرة الآلية، ولو تأملنا ~~كبار الميتافيزيقيين طوال مجرى تاريخ الفلسفة؛ لوجدناهم خصوما ألداء ~~لكل نظرة آلية إلى العالم أو الإنسان؛ فالآلية لا مكان لها في فلسفة ~~أفلاطون، وأرسطو قد جعل من «الغائية» (أعني عكس الآلية) محورا لتصوره ~~الخاص للعالم وللنفس البشرية، وكبار ميتافيزيقي العصور الوسطى تجاهلوا ~~الآلية تجاهلا تاما؛ أي إن التراث الفلسفي حتى عصر ديكارت على الأقل ~~كان يستبعد تماما الجمع بين الميتافيزيقا والتصور الآلي للكون ~~والإنسان، وعلى العكس من ذلك كانت النزعة الآلية تحتل على الدوام ms106 مكانة ~~رئيسية في تفكير الفلاسفة ذوي النزعة العلمية، الذين كانوا خصوما ~~تقليديين للميتافيزيقا، ابتداء من ديمقريطس حتى أبيقور ~~لوكريتيوس. # ولكن الصورة التي تبدو عليها فلسفة ديكارت ظاهريا، والتي يقبلها ~~القسم الأكبر من شراحه، هي صورة فيلسوف يجمع على نحو فريد بين ~~النزوع الميتافيزيقي الطاغي، الذي تكون فيه فلسفته كلها مرتكزة على ~~الضمان الإلهي للحقائق البشرية، بين نظرة آلية متطرفة إلى العالم، لا ~~تدع مجالا لتدخل القوة الإلهية إلا في أضيق الحدود. وفي أول المراحل ~~فحسب؛ بحيث يسير كل شيء بعد بقواه الذاتية، وتتفاعل قوى العالم وعناصره ~~فيما بينها بانتظام دقيق. # هذه الصورة تفتقر - في رأينا - إلى الاتساق الداخلي، وتبعث في فلسفة ~~ديكارت نوعا من الازدواجية التي تكاد ترقى إلى مرتبة التناقض، فلا عجب ~~إذن أن يحاول أنصار التفسير الميتافيزيقي الإقلال من أهمية الجانب ~~الآخر المرتكز على الآلية، بقدر استطاعتهم، أو عرضه بطريقة مقتضبة ~~عاجلة دون أية إشارة إلى التعارض الحاد بين النزوع الميتافيزيقي وتأكيد ~~سيادة الآلية. # على أن صورة الفلسفة الديكارتية تبدو أكثر اتساقا إذا ما أدرك المرء ~~الأبعاد الكاملة لتصوره الآلي للعالم والإنسان، وحاول بعد ذلك أن يجعل ~~للميتافيزيقا المكانة التي تستحقها في مذهب آلي كهذا، وهي قطعا ستغدو ~~عندئذ مكانة أقل أهمية مما تبدو عليه عادة، فديكارت - كما هو معروف - ~~قد وضع صورة للعالم تختلف اختلافا كليا عن تلك الصورة التي رسمها ~~فلاسفة اليونان للكون المنظم المنسق ~~( # Cosmos ~~) وتلك التي قال بها مفكرو ~~العصور الوسطى اللاهوتيون، الذين قالوا بعالم يسير وفقا لغايات إلهية ~~محددة. وصحيح أن الصورة التي قال بها ديكارت لم تكن حصيلة منهج علمي ~~سليم، بقدر ما كانت استدلالات فلسفية بحتة، (كما سنبين فيما بعد) ولكن ~~هذا لا يمنع من القول إن عالم ديكارت أقرب بكثير إلى العالم الذي يقول ~~به العلم الحديث، على الرغم من أنه لم يتبع كل منهج هذا العلم الحديث ~~في الوصول إلى تصوره هذا، وبغض النظر عن تفاصيل نظرياته الطبيعية - ~~وهي نظريات كان فيها قدر كبير من الخطأ - فقد كان تطور ms107 هذا العالم - ~~منذ حالته الأولى حتى حالته الراهنة - يسير بطريقة آلية بحتة؛ إذ تحدث ~~فيه «دوامات» هائلة يؤدي دورانها إلى تناثر أجزاء الكون وتمايزها، دون ~~تدخل أية قوة خارجة عن نطاقه، دون وجود أية غايات يتجه هذا العالم ~~إلى تحقيقها. وهكذا كانت الروح الآلية عنده أشبه بتلك التي سادت مذهب ~~«ديمقريطس»، فيلسوف الذرة اليوناني المشهور، الذي كان بدوره من أكبر ~~أنصار التصور الآلي البحت للعالم، والذي لا يمكن أن يعد فيلسوفا ~~ميتافيزيقيا بأي حال من الأحوال. # على أن الأهم من ذلك هو تطبيق ديكارت لفكرة الآلية على المجال ~~البشري، ذلك المجال الذي كان الميتافيزيقيون حريصين كل الحرص على أن ~~يجعلوه مقرا للتفسير الغائي. وكانوا يرونه عالما قائما بذاته، ~~مستقلا عن العالم الخارجي، وعن أية نظرية نكونها عن هذا ~~العالم. # ولننظر إلى ما يقول ديكارت في كتابه «وصف الجسم ~~البشري» # La Description du corp humain ~~(1648م) مهاجما فكرة «النفس» على أساس أنها ~~أسطورة قائمة على التشبيه بالإنسان ~~( # anthopomorphisme ~~)؛ نظرا إلى ~~أننا قد جربنا جميعا - منذ طفولتنا - أن كثيرا من هذه الحركات تطيع ~~الإرادة التي هي من قوى النفس، فإن هذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن النفس ~~مبدأ كل شيء، وهو خطأ ساعد عليه الجهل بالتشريح ومبادئ الميكانيكا ~~(لاحظ استخدام لفظ «الميكانيكا» في هذا المجال)؛ ذلك لأننا لا نأخذ في ~~اعتبارنا سوى ظاهر الجسم البشري، فلم نتصور قط أن هناك عددا كافيا من ~~الأعضاء أو من مصادر الحركة، تتحرك بذاتها على الأنحاء المتباينة التي ~~نرى الجسم يتحرك بها، # 4 # وإذن فحركات الجسم ذاتية، لا تحتاج إلى نفس، والجسم تسري ~~عليه قوانين الفيزياء الكونية، وقوانين الحركة بوجه عام. # ولقد كان ديكارت حريصا على أن يفصل بين المبدأ الذي يقوم بالوظائف ~~الحيوية في الإنسان، والمبدأ الذي يفكر فيه، فألغى النفس من المجال ~~الأول ، بينما كان غالبا يستخدم لفظ # esprit # للمجال الثاني، وتكاد ~~كلمة # esprit # تعني عنده - في كل ~~الأحوال تقريبا - العقل، ومعنى ذلك أن الثنائية الحقيقية عنده بين ~~العقل والجسم لا بين «النفس» والجسم. ولكن ms108 حتى الوظائف الفكرية ~~والعقلية ذاتها كانت أحيانا تفسر في فلسفته بطريقة توحي بأنه يريد ~~تطبيق فكرة الآلية عليها. # ففي رسالة كتبها ديكارت إلى صديقه «مرسين» # Mersenne # قال: «إنني أقوم الآن بتشريح رءوس حيوانات ~~مختلفة كيما أفسر طبيعة التخيل والتذكير»، # 5 # وقد اقتبس مؤرخ الفلسفة المشهور «برييه» # Brehier # هذا النص # 6 # دون أن يحلله تحليلا كافيا، ودون أن يتوصل إلى دلالته ~~الكاملة؛ ذلك لأن التخيل والتذكر ملكتان بشريتان، ولا علاقة لهما ~~بالحيوانات، لا سيما وأن الحيوانات - في مذهب ديكارت بالذات - أشبه ~~بالآلات التي لا تشعر ولا تعي، فما معنى التجاؤه إلى تشريح رءوس ~~الحيوانات من أجل تفسير طبيعة التخيل والتذكر؟ إن لهذه العبارة دلالة ~~مزدوجة؛ فهي أولا تدل على أن ديكارت يحاول أن يزيل الحد الفاصل بين ~~الطبيعة الجسمية للحيوان والإنسان، ويفسر الثاني من خلال الأول، والأهم ~~من ذلك أنها تتضمن تفسيرا ماديا وآليا، لا للوظائف الجسمية أو ~~الحيوية فحسب، بل للوظائف الفكرية أيضا؛ فالتخيل والتذكر ملكتان ~~عقليتان، ومع ذلك فإن تشريح رءوس الحيوانات يمكن أن يفسرها، ولنتذكر في ~~هذا الصدد أن ديكارت عندما شرح كلمة «أنا ~~أفكر # Cogito ~~» فسرها بأنه يقصد التفكير بالمعنى الواسع، الذي ~~يشمل التخيل والتذكر والرغبة ... إلخ؛ أي إن الصفات التي تنتمي إلى صميم ~~النفس من حيث هي جوهر مفكر، يمكن تفسيرها من خلال التشريح. # هذا الاتجاه إلى توسيع نطاق فكرة الآلية؛ بحيث يصبح الكون كله آلة ~~ضخمة تسير قواها الذاتية دون غايات، وبحيث يصبح الإنسان ذاته خاضعا ~~لقوانين الفيزياء الكونية، لا في وظائفه الحيوية فحسب، بل ربما في ~~وظائفه الفكرية أيضا، يتعارض، كما قلنا من قبل، مع المزاج ~~الميتافيزيقي. ومن الصعب أن تكون الميتافيزيقا هي الهدف الأساسي ~~لفيلسوف يضفي على التفسير الآلي للظواهر كل هذه المكانة في مذهبه. كما ~~أن من الصعب أن يكون هناك مكان رئيسي للميتافيزيقا في هذا العالم ~~الديكارتي الذي يخضع لقوانين الميكانيكا وتستبعد منه القوى ~~الخارجة عن الطبيعة. ~~(4) # ومن العوامل الهامة التي تؤيد هذا التفسير أن كثيرا من تعبيرات ~~ديكارت التي تتخذ ms109 مظهرا ميتافيزيقيا أو لاهوتيا يمكن أن تفسر ~~تفسيرا علميا. بل إنها تخدم قضية العلم، الذي كان لا يزال ناشئا في ~~ذلك الحين، أكثر مما تخدم قضية الميتافيزيقا أو اللاهوت التقليدي، وذلك ~~على عكس ما يوحي به مظهرها الخارجي. # فديكارت يتناول فكرة لاهوتية وميتافيزيقية خالصة، وهي فكرة ثبات ~~الطبيعة الإلهية؛ لكي يستنتج منها عددا من النتائج الهامة التي تشترك ~~كلها في أنها تخدم العلم الناشئ، فنظرا إلى أن الطبيعة الإلهية ثابتة، ~~فإن القوانين التي يسير العالم وفقا لها لا بد أن تكون ثابتة. # وربما بدا للبعض أن فكرة ثبات القوانين الطبيعية تتعارض مع شمول ~~القدرة الإلهية التي تستطيع أن تخالف هذه القوانين في أي وقت. ولكن ~~ديكارت يحدد موقفه من ذلك فيقول (في رسالة إلى أرنولد # Arnauld # بتاريخ 29 يوليو 1648م): «في ~~رأيي أن من الواجب ألا يقال عن أي شيء أنه مستحيل على الله؛ لذلك لأنه ~~لما كان كل ما هو حق وخير معتمدا على قدرته الشاملة، فإنني لا أتجاسر ~~حتى على القول: إن الله يعجز عن صنع جبل بغير واد، أو عن جعل الواحد ~~والاثنين لا يساويان ثلاثة، وكل ما أقوله هو أن الله أعطاني عقلا ~~تقتضي طبيعته ألا يكون في إمكاني تصور جبل بغير واد، أو تصور الواحد ~~والاثنين بغير أن يكون مجموعهما ثلاثة»، هنا نجد دفاعا يبدو في ظاهره ~~متطرفا عن فكرة القدرة الإلهية الشاملة، التي تسري حتى على القوانين ~~الفكرية الضرورية ذاتها. ولكن قليلا من التفكير يقنعنا بأن هذا دفاع ~~على مستوى فرضي، وهو مستوى لا يعني العقل البشري؛ لأن كل علومنا ~~ومعارفنا وتجاربنا تقع في ذلك المستوى الآخر، الذي لا نستطيع فيه - كما ~~قال ديكارت - أن نتصور الجبل بغير واد، أو الواحد والاثنين دون أن يكون ~~مجموعهما ثلاثة؛ أي إن قوانين الطبيعة والفكر تظل فيه ثابتة. هذا هو ~~المستوى الذي يهمنا في العلم . أما الحالة الفرضية المتعلقة بالطبيعة ~~الإلهية في ذاتها، فقد كان ديكارت يستطيع أن يقول عنها ما يشاء ما دامت ~~لا تؤثر في ms110 العلم أو الفكر البشري. # وحين أراد ديكارت أن يعبر عن موقفه من فكرة الغائية، لم يقدم هذا ~~الموقف بطريقة مباشرة، وإنما عرضه من خلال تعبيرات ذات مظهر لاهوتي وإن ~~كانت النتيجة المستخلصة منها علمية إلى حد بعيد، فهو لا ينكر الغائية ~~إنكارا مباشرا، بل يؤكد على عكس ذلك أن الكون يخضع لغايات إلهية ولكن ~~هذه الغايات تخفى علينا؛ لأن عقولنا البشرية عاجزة عن استيعابها؛ ومن ~~ثم فلا بد أن نعامل الطبيعة «كما لو كانت» خالية من الغايات. هذا ~~التأكيد للغايات الإلهية - مقرونا بالتأكيد الآخر الذي يقول: إن ~~عقولنا تعجز عن فهمها، معناه - من الوجهة العلمية - نفي لهذه الغايات ~~أو إبطال لجدواها، ما دمنا لا نملك إلا عقولنا «القاصرة» هذه؛ ومن ثم ~~فإن ديكارت ينضم في الحقيقة إلى صف المفكرين الذين ينتزعون الغائية عن ~~الكون، وإن كان يغطي آراءه بقشرة لاهوتية لا يصعب على العقل الناقد ~~كسرها. # ومثل هذا يقال عن رأيه في بساطة القوانين الطبيعية، فأساسها هو بساطة ~~الطبيعة الإلهية ذاتها، التي تسلك في فعلها أقصر الطرق. ولقد كان مبدأ ~~بساطة الطبيعة الإلهية وثباتها هو الذي اعتمد عليه ديكارت في تأكيد ~~مبدأ علمي كانت له في عصره أهمية كبيرة، وهو مبدأ ثبات كمية الحركة في ~~العالم، وسير الأجسام المتحركة في خط مستقيم، مما يؤدي إلى قوانين تصادم الأجسام # Lois du Choe # التي ~~تفسر على أساسها حوادث الطبيعة كلها، # 7 # وترتب على ذلك اتفاق ديكارت مع جاليليو في القول بقانون ~~القصور الذاتي، بل وفي التعبير عنه بصيغة دقيقة، # 8 # فعن طريق التنقل الدائم للأجسام وتبادل الحركة والسكون ~~بينها - في إطار مجموع ثابت من الحركة - تفسر الظواهر الكونية ~~كلها، كتكوين الأجرام السماوية والضوء والثقل والحرارة والألوان ~~والروائح للأجسام. وهكذا يرتكز ديكارت على مبدأ ذي مظهر لاهوتي، هو ~~مبدأ بساطة الطبيعة الإلهية؛ لكي يصل إلى تفسير لحوادث العالم خال ~~تماما من الغيبيات، ويعد في عصره تعبيرا عن روح علمية أصيلة. # بل إن فكرة الإلهية ذاتها هي الفكرة التي أوضحنا من قبل مدى تعارضها ms111 ~~مع روح الميتافيزيقا، والتي كانت تعبيرا عن إدراك ديكارت الكامل ~~لأهمية الميكانيكا، وهي أهم العلوم في عصره، قد غلفت بدورها بغلالة ~~لاهوتية؛ ذلك لأن ديكارت يعرض أصل الكون وتطوره في فلسفته الطبيعية ~~وكأنه آلة كبرى تتكون تدريجيا. ولكنه كان حريصا على أن يجامل ~~الأوساط اللاهوتية في تقديمه لهذه الفكرة ذات النتائج الخطيرة، فقال: ~~إنه يعلم أن العالم قد خلق على أكمل صورة ممكنة، لكنه يود فقط أن ~~يبحث في «احتمال» أن تكون الحالة الراهنة للعالم قد تطورت من حالة أخرى ~~أقل كمالا. وهكذا اتبع ديكارت هنا أسلوبا حذرا يذكرنا بذلك الذي سبق ~~أن اتبعه ناشر كتاب كبرنيكوس الأشهر في «دورات الأجرام السماوية» - وهو ~~الأب «أوسياندر» # Oseander ~~- عندما قال ~~في تقديمه للكتاب: إن المؤلف على يقين من أن الأرض ثابتة، وأنها مركز ~~الكون، ولكنه يود أن يتخيل فقط ماذا يكون عليه الأمر لو كانت تدور؛ أي ~~إن أهم كشف علمي حديث قد عرض كما لو كان تدريبا عقليا فحسب، ولم ~~يكن ذلك في الحالتين إلا نتيجة للصدمة العقلية التي ستحدثها الفكرة ~~الجديدة، وخاصة في عقول رجال الكنيسة. # ويمكن القول: إن المكانة الكبرى التي أعطاها ديكارت للرياضيات في ~~تفسيره للعالم، تدخل بدورها في هذا الباب، فديكارت يرى أن القوانين ~~الرياضية هي ذاتها اللغة الإلهية كما تنطبع على العالم. وهكذا يضع ~~ديكارت أساسا لاهوتيا قويا لفكرة علمية خالصة، هي الفكرة القائلة: ~~إن مسار الظواهر الطبيعية تحكمه قوانين رياضية دقيقة، وتلك - كما نعلم ~~- فكرة افتتنت بها عقول العلماء في عصر ديكارت. وكانت هي الكشف الكبير ~~التي توصل إليه كبلر وجاليليو وباسكال، ومن بعدهم نيوتن، وقد استنتج # Bridoux # من ذلك وجود تطابق أساسي ~~بين العقل الإلهي والعقل البشري عند ديكارت، ما دام كلاهما يعمل وفقا ~~لقوانين رياضية شاملة، فقال: «إن التطابق بين أسرار الطبيعة وتسلل ~~الرياضيات - الذي افتتن به ديكارت عندما شعر بوجوده - أصبح (بعد الوصول ~~إلى المنهج) أمرا يقينيا ، فما دام العقل الإلهي متجانسا مع عقلي ~~فإن أساليب العقل الإلهي في الخلق لا يمكن ms112 أن تكون مختلفة عن أساليب ~~العقل البشري في العلم. وهكذا فإن «الميكانيكا الكبرى» التي ذكر ديكارت ~~أن الوصول إليها يكفل لنا معرفة كاملة وشاملة بالكون، هي العلامة التي ~~طبعها الله على ما خلق، وهي في الوقت ذاته نتاج عقلي البشري حين يسير ~~وفقا لقوانينه الداخلية؛ ومن ثم فإنني أغدو على ثقة من أن كل الأشياء ~~التي أكون عنها فكرة منظمة يمكن أن تكون ناتجة عن الله بنفس الطريقة ~~التي أتصورها بها؛ أي إن العقل البشري وهو يمارس عمله في الخلق»، # 9 # وربما كان للمرء الحق في ألا يتفق مع صاحب النص السابق في ~~قوله بالتجانس بين العقل الإلهي والعقل البشري، لا سيما وأن ديكارت لا ~~يكف عن تأكيد التفاوت الهائل بين نطاق فهمنا المحدود والمقاصد الإلهية ~~التي تتجاوز عقولنا إلى حد لا متناه، فضلا عن تأكيده أن الإرادة ~~الإلهية لا تتقيد بشيء، وأن من الممكن - نظريا - أن يجعل الله مجموع ~~الواحد والاثنين غير مساو للثلاثة (كما أوضحنا من قبل). ومع ذلك فسيظل ~~من الصحيح أن الرياضة التي هي علامة الدقة العلمية بالنسبة إلى العقل ~~الإنساني، هي أيضا لغة إلهية أو تعبير عن طريقة الله في تدبير الكون، ~~والنتيجة العلمية لهذا الرأي هي تأكيد التفسير الرياضي للعالم، وصد أية ~~هجمات لاهوتية يمكن أن توجه إلى هذا التفسير. ~~(5) # وربما قيل: إن طريقة التعبير التي ضربنا لها أمثلة في النقطة السابقة ~~كانت أصيلة لدى ديكارت، وأنه كان بالفعل يعني ما يقول. ولكن واقع الأمر ~~هو أن ديكارت - شأنه شأن كثير من فلاسفة القرن السابع عشر - كان يعتمد ~~أن يحجب الكثير من آرائه، وألا يصرح إلا بما يعتقد أنه يثير غضب ~~السلطات المسيطرة في ذلك الحين. والواقع أن فيلسوف القرن السابع عشر ~~كان يواجه في التعبير عن آرائه صعوبة كبرى؛ فهو من جهة يتحمس بكل ما ~~يملك من حب للحقيقة، للاتجاهات الجديدة ذات الطابع العلمي، ويود هو ~~ذاته أن يسهم في هذه الاتجاهات كيما يساعد العقول على الخروج من ظلال ~~العصور الوسطى والتحرر من ms113 سلطة أرسطو والمدرسة الغاشمة. ولكنه من جهة ~~أخرى كان يرى أنه لا ينطق إلا باسم أقلية مستنيرة كانت حتى ذلك الحين ~~ضئيلة الشأن. وكانت السيطرة الحقيقية للقوى التقليدية، وعلى رأسها ~~الكنيسة التي كان رجالها يشغلون المناصب الرئيسية في الجامعات. وكان ~~لهم نفوذ هائل على السلطات الحاكمة. وفيما بين حب الحقيقة والخوف من ~~اضطهاد المتعصبين كان الفيلسوف يحاول أن يشق لنفسه طريقا أشبه بصراط ~~يوم الحساب، حيث يمكن أن يؤدي به أقل انحراف إلى الجحيم. ولقد عرضنا في ~~موضع آخر بتوسع لنموذج يمثل الطريقة التي حاول بها واحد من كبار فلاسفة ~~ذلك القرن - وهو اسبينوزا - أن يوفق بين هذين المطلبين المتناقضين، # 10 # ولكن من الواضح لمن يدرس أحوال الفكر في ذلك القرن الخصب ~~أن تلك السمة لم تكن تقتصر على فيلسوف واحد. بل إنها كانت تمثل وضعا ~~حضاريا عاما كان يسري - بدرجات متفاوتة - على كل الشخصيات الفكرية ~~الكبرى في ذلك العصر. # والحق أن رسائل ديكارت تزخر بأمثلة تدل على خوفه الشديد من الاضطهاد، ~~واضطراره إلى عمل حساب لرد فعل السلطات على ما يكتب، وخاصة بعدما ~~بلغته أنباء المحاكمة التي تعرض لها جاليليو بسبب آرائه العلمية، والتي ~~نجا بها من فتك محاكم التفتيش بصعوبة بالغة. وهكذا اضطر ديكارت إلى أن ~~يحجب كتابا عن العالم ( # Traite du ~~monde ~~) كان يعتزم نشره. وكان يتضمن آراء مشابهة ~~لتلك التي أدين من أجلها جاليليو، وكتب إلى صديقه مرسين # Mersenne # في يوليو 1633م يقول: «وهذا ~~الموضوع (أي حركة الأرض) مرتبط بكل أجزاء البحث الذي كتبته (أي كتابه ~~في العالم) إلى حد يستحيل معه فصله عنها دون أن تصبح بقية الأجزاء ~~ناقصة نقصا مخلا. ولكني لما كنت لا أرغب البتة في أن يصدر عني قول ~~يتضمن أقل كلمة لا تقرها الكنيسة، فقد آثرت أن أحجب هذا البحث بدلا من ~~أن أصدره مبتورا»، وبتاريخ 10 يناير 1634م كتب إلى مرسين في المعنى ~~نفسه يقول: «إنك تعلم ولا شك أن جاليليو قد حوكم منذ فترة قصيرة على يد ~~قضاة التفتيش ms114 على العقائد، وأن رأيه عن حركة الأرض قد أدين بوصفه بدعة ~~وهرقطة؛ على أنني أود أن أخبرك بأن كل الأمور التي شرحتها في كتابي «عن ~~العالم» والتي كان من بينها أيضا فكرة حركة الأرض، يعتمد بعضها على ~~بعض إلى حد يكفي معه أن يكون أحدها باطلا لكي يقتنع المرء بأن كل ~~الحجج التي استخدمتها واهية، وعلى الرغم من إدراكي أنها ترتكز على ~~براهين شديدة الوضوح واليقين، فإني لا أرغب البتة في الدفاع عنها ضد ~~سلطة الكنيسة، وإن رغبتي في أن أعيش في هدوء، وأن أواصل الحياة التي ~~بدأتها متخذا لنفسي شعارا من المثل القائل: «من عاش هادئا عاش ~~سعيدا.» لتجعل شعوري بالارتياح لتخلصي من الخوف الذي كان يمتلكني من ~~أن أكتسب عن طريق هذا الكتاب شهرة تفوق ما أريد، يطغى على شعوري بالأسف ~~على ما أضعته في تأليفه من وقت وما بذلته من جهد.» # وفي «المقال في المنهج» يصف ديكارت كيف تردد طويلا في نشر كتابه «في ~~العالم» أو لا ينشره، ثم انتهى إلى النتيجة الآتية: «رأيت أن من اليسير ~~علي أن أختار بضعة موضوعات لا تكون عرضة لمجادلات كثيرة، ولا أضطر ~~فيها إلى أن أعلن من مبادئي أكثر مما أريد. ولكنها تكتشف في الوقت نفسه ~~عما أستطيع وما لا أستطيع أن أفعله في العلوم.» # إن في وسع المرء أن يأتي بعشرات الأمثلة التي تدل على أن ديكارت قد ~~توخى الحذر الشديد في تعبيره عن فلسفته، وأنه كان يكتب وإحدى عينيه ~~على الحقائق التي يريد التعبير عنها، بينما العين الأخرى على رجال ~~الكنيسة وأساتذة اللاهوت في الجماعات، فرسائله تحتشد بعبارات التحوط ~~والخوف من غضب السلطات. بل إنه يقدم إلى أحد تلاميذه - وهو ريجيوس # Regius ~~- درسا علميا في كيفية ~~منافقة الجهلاء ذوي النفوذ من أجل اتقاء شرهم، وتقديم التعاليم الجديدة ~~إليهم بطريقة ملتوية غير مباشرة حتى لا تصدمهم، # 11 # ومعظم ما كتبه عن الأخلاق المؤقتة، # Morale ~~proisoire # إنما هو نموذج حي للرغبة في «التقية» ~~والابتعاد عن شر أصحاب السلطان بمداراتهم والاستسلام ms115 لأوامرهم. ومن ~~الجائز أن ديكارت كان مضطرا إلى ذلك، وخاصة بعد أن شهد بعينيه ما ~~لحق بجاليليو. غير أن المرء لا يملك عندما يقرأ ما كتب في هذا الصدد ~~إلا أن يتفق مع «بريدو # Bridoux ~~» الذي ~~قال معلقا على الجهد الشاق الذي بذله ديكارت لكي يستعيد ما كان لديه ~~من حظوة لدى السلطات: «إن هذا ليس أفضل جوانب ديكارت؛ إذ لا يملك المرء ~~إلا أن يعترف بأنه يبدي في أحيان كثيرة دبلوماسية مفرطة في تعامله مع ~~الأشخاص وطريقة عرضه لأفكاره.» # 12 # ومن المسلم به أن هذا الحذر الذي توخاه ديكارت قد ظهر أوضح ما ~~يكون في آرائه عن العالم والطبيعة؛ لأن هذا الموضوع هو الذي كان يثير ~~ضجة هائلة في الأوساط الثقافية الأوروبية بعد محاكمة جاليليو. ولكن من ~~المؤكد أن نفس الحذر كان ينطبق على آرائه الميتافيزيقية. بل إن هذه ~~الآراء قد تكون - ومن وجهة معينة - وسيلة يستعين بها ديكارت لإرضاء ~~السلطات الغاضبة على أفكاره العلمية، فمحاولة إثبات وجود الله وصدقه ~~وخلود النفس معناها أن ديكارت كان، في جانب واحد من نشاطه العقلي، ~~يعالج نفس المشكلات التي دأبت المذاهب التقليدية على معالجتها، ويضع ~~لتفكيره نفس الأهداف. # ومع ذلك يبدو أن معاصري ديكارت لم يكونوا مطمئنين كل الاطمئنان إلى ~~أن نواياه، في عرضه لمذهبه الميتافيزيقي، كانت خالصة، ويشهد بذلك ما ~~قلناه من قبل عن خصمه «فويتيوس» الذي اتهمه بأنه يتعمد أن يقدم براهين ~~غير مقنعة على وجود الله لكي يزعزع إيمان الناس، وبالمثل فإن ~~«ريجيوس # Regius ~~» الذي كان في ~~البداية تلميذا مخلصا لديكارت ثم انقلب فيما بعد إلى خصم له، كان ~~يعتقد بأن الميتافيزيقا لا تتلاءم مع تعاليم الدين، الأهم من ذلك أنه ~~كان يشك في أن يكون ديكارت قد صرح بكل ما في ذهنه عندما قدم مذهبه ~~الميتافيزيقي. وهكذا كتب إليه في يوليو 1645م رسالة يقول فيها: «إن ~~كثيرا من ذوي العقل الراجح والشرف قد ذكروا أن تقديرهم لسمو عقلك ~~يمنعهم من الاعتقاد بأن لديك في قرارة نفسك أفكارا مضادة ms116 لتلك التي ~~تظهر علنا باسمك، وحتى لا أخفي عنك شيئا، فإن الكثيرين على ثقة من ~~أنك أسأت إلى نفسك كثيرا بنشرك لآرائك الميتافيزيقية، التي لا تؤدي ~~إلا إلى مضاعفة الشك والغموض.» # وكان رد ديكارت على ذلك - وهو رد بعث به في الشهر نفسه - غير كاف ~~لتبديد هذا الشك، إذ يقول فيه: «إنني أعترف بأن من الحكمة السكوت في ~~ظروف معينة، وألا يقدم المرء إلى الجمهور كل ما يعتقد. أما أن يكتب ~~المرء بلا داع شيئا مضادا لآرائه الحقة، ويحاول إقناع قرائه به، ~~فإني أرى في ذلك وضاعة وخبثا محضا»، وبطبيعة الحال فإن من يقرأ ~~كتابات ديكارت ورسائله الكثيرة التي كان يعرب فيها عن ضرورة التحوط ~~والحذر لأن الظروف تقتضي ذلك، لا بد أن يوقن بأن ديكارت لم يفعل ذلك ~~«بلا داع»، فقد كانت لديه - من وجهة نظره الخاصة - كل الأسباب التي ~~تبرر التجاءه إلى الحذر، والحذف أو الإضافة وفقا لما تقتضيه ~~الظروف. ~~(6) # وأخيرا، فإنا نعلم أن هناك الكثيرين يعترضون بشدة على الرأي ~~القائل: إن الميتافيزيقا كانت عند ديكارت وسيلة من الوسائل التي حاول ~~بواسطتها التخفيف من وقع آرائه في العالم الطبيعي، ولدى هؤلاء ~~المعترضين أسباب متعددة يبررون بها اعتراضهم. ومن المستحيل أن يتسع ~~المجال هنا لأكثر من إشارة أو تسجيل لوجود هذين الموقفين ~~المتضادين. # ومع ذلك يظل من الصحيح أن ديكارت ذاته قد صدرت عنه عبارات كثيرة تدل ~~على أن الهدف الأكبر لتفكيره كان علميا، بل كان نهاية الأمر تطبيقا، ~~على حين أن الميتافيزيقا لم تشغل من حياته إلا جانبا ثانويا، ~~ولنستمع إليه في التأمل السادس حين يتحدث عن العالم الذي يريده أن يصبح ~~مصنعا هائلا يستطيع فيه المرء - عن طريق الآلات - أن «يستمتع دون أي ~~عناء بثمار الأرض وكل ما فيها من خيرات»، أو حين يتحدث عن تقدم الطب ~~الذي «يتيح للناس حياة طويلة سليمة»، ويؤكد ضمنا أن الموت ليس شيئا ~~طبيعيا على الإطلاق، وأن «الشيخوخة نوع من المرض، وضعف قد يكون من ~~الممكن الاهتداء إلى علاج له»، # 13 ms117 # ألا توحي هذه الآراء بأن الميتافيزيقا عنده كانت ثانوية ~~الأهمية، وبأن تفكيره الحقيقي كان يستهدف غايات مختلفة كل ~~الاختلاف؟ # إن ديكارت - في نص مشهور في «المقال في المنهج» (الكتاب الأول) - ~~يقارن مقارنة صريحة بين قيمة التأملات الميتافيزيقية النظرية - التي هي ~~دائما قيمة نسبية من شخص لآخر - وبين المعارف العلمية المرتكزة على ~~أساس فيزيائي متين، فينحاز بصورة قاطعة إلى الثانية، ويحكم على التفكير ~~النظري الميتافيزيقي بأنه أشبه بتسلية طريفة فحسب. وهكذا يقول: «على ~~الرغم من أن تأملاتي النظرية ~~( # speculations ~~) قد أعجبتني كثيرا، ~~فقد رأيت أن للآخرين بدورهم تأملاتهم التي ربما أعجبتهم أكثر من ذلك. ~~ولكنني بمجرد أن اكتسبت بعض الأفكار العامة المتعلقة بالفيزياء، ولاحظت ~~- بعد اختبارها في حل عدة صعوبات خاصة - إلى أي مدى تستطيع أن توصلني، ~~وإلى أي حد تختلف عن المبادئ التي ظلت شائعة حتى الآن، رأيت أنني لو ~~ظللت أحجبها عن الناس لكنت بذلك ارتكبت إثما كبيرا في حق ذلك المبدأ ~~الذي يحضنا على أن نحرص بقدر ما في وسعنا على تعميم الخير بين الناس ~~جميعا؛ ذلك لأن هذه الأفكار أوضحت لي أن من الممكن الوصول إلى معارف ~~ذات فائدة جمة للحياة، وبدلا من تلك الفلسفة التأملية النظرية التي ~~تعلم في المدارس، يستطيع المرء أن يهتدي بواسطة هذه الأفكار إلى فلسفة ~~عملية، تكشف له عن القوة الكامنة في النار والهواء والنجوم والمسارات ~~وكل الأجسام المحيطة بنا وعن تأثيرات هذه الأجسام، بدقة لا تقل عن تلك ~~التي نعرف بها مختلف الحرف التي يجيدها صناعنا، وبذلك نجعل من أنفسنا ~~سادة للطبيعة ومسيطرين عليها.» # تلك إذن شهادة صريحة من ديكارت، تكشف عن رأيه في القيمة الحقيقة ~~للتأملات النظرية التي لا ترتكز على أساس يمكن الاتفاق عليه، ولا تحدث ~~في حياة الناس العلمية تغييرا، ولا يمكن لمن يتأمل هذا النص - ونصوصا ~~أخرى كثيرة غيره - إلا أن يستنتج أن المسافة بين تفكير ديكارت وتفكير ~~معاصره الإنجليزي الأكبر سنا - فرانسس بيكن - لم تكن واسعة إلى الحد ~~الذي يتصورها عليه مؤخر الفلسفة؛ فالحلم الذي كان ms118 مستحوذا على عقل ~~بيكن - العدو الأكبر للمنهج النظري التأملي عند مفكري العصور القديمة ~~والوسطى - كان متسلطا على فكر ديكارت بدوره. بل إن بعض التفاصيل ~~متماثلة، كدعوة ديكارت إلى إنشاء «مدرسة للصنائع والحرف»، وإلى أن تنشأ ~~في الكلية الملكية وغيرها من معاهد التعليم العام قاعات لكل حرفة من ~~الحرف، وتخصص الدولة أموالا تكفي للإنفاق على هذا التعليم ... إلخ. # 14 # والهدف النهائي واحد، وهو أن يسترد الإنسان مملكته ~~المفقودة، ويعود مرة أخرى سيدا للطبيعة، ومن خلال كشفه لأسرارها ~~ومعرفته لقوانينها واستغلاله لقواها وطاقاتها. # وأخيرا، فلنلق نظرة على شهادة أصرح حتى من هذه، أدلى بها ديكارت في رسالة بعث ~~بها إلى الأميرة إليزابيث، التي كان يبوح لها بالكثير من مكونات نفسه، في 28 يونيو ~~1643م. فبعد أن عدد ديكارت ثلاثة أنواع من الأفكار الأصلية: فكرة النفس، التي ~~تدرك بالذهن المحض وتؤلف موضوع الرياضيات، ثم فكرة اتحاد النفس والجسم، التي تدركها ~~الحواس بوضوح تام، وتؤلف موضوع الحياة والمحادثات والمعاملات اليومية، يقول: ~~«أستطيع أن أقول عن صدق: إن القاعدة الأساسية التي أتبعها في دراساتي على الدوام، ~~وتلك التي أعتقد أنها أعانتني أكثر من أي شيء آخر في اكتساب المعرفة، هي أنني لم ~~أقض أبدا سوى ساعات قليلة كل سنة أفكر في الأمور التي تشغل الذهن المحض، بينما كنت ~~أقضي ما تبقى من يومي مستهدفا استرخاء الحواس وراحة النفس ... وأخيرا فمع أني أؤمن ~~بأن من الضروري إلى أقصى حد أن يكون المرء قد فهم مبادئ الميتافيزيقا مرة في حياته؛ ~~لأنها هي التي تعطينا معرفة الله وبأنفسنا، فإنني أعتقد في الوقت ذاته أن من أشد ~~الأمور ضررا أن يشغل المرء ذهنه بالتفكير فيها؛ لأنه لن يستطيع عندئذ أن يتفرغ ~~لوظائف الخيال والحواس؛ ومن ثم فإن أفضل شيء هو أن يكتفي المرء بأن يستعيد في ~~ذاكرته وفي ذهنه النتائج التي استخلصها منها من قبل، ثم يستغل ما تبقى لديه من وقت ~~في التفرغ للأفكار التي يتعامل فيها الذهن مع الخيال والحواس.» # هذا النص يكشف بوضوح عن الموقع الذي ms119 احتلته الأفكار الميتافيزيقية وسط اهتمامات ~~ديكارت: فالميتافيزيقا ضرورية بغير شك. ولكن يكفي المرء أن يكون قد عرفها مرة واحدة ~~في حياته، وبعد ذلك لا يحتاج إلا «لساعات قليلة كل سنة» كما يستعيد مبادئها ~~الرئيسية. أما بقية أوقاته فيشغلها التفكير في المسائل الرياضية والفيزيائية (أي ~~تلك التي يقوم بها الذهن مستعينا بالخيال أو تقوم بها الحواس)، هكذا كان ديكارت ~~يقسم أوقاته، هو تقسيم يعبر تعبيرا صريحا عن وجهة النظر التي كنا نعرضها طوال هذا ~~الجزء من البحث، وأعني بها أن الميتافيزيقا الديكارتية كانت «جذرا» بالمعنى السلبي ~~لهذه الكلمة؛ أي بمعنى الأساس الذي يمهد لغيره ثم تنتهي مهمته، ويظل الجذع والفروع ~~بعد ذلك هما مدار البحث والاهتمام. ~~(6) الميتافيزيقا ودورها الإيجابي في العلم # على أن الجذور لا يتعين أن تكون وظيفتها سلبية بالنسبة إلى جذع الشجرة وثمارها، ~~فأجزاء الشجرة - التي تبدو ظاهرة أمام أعيننا وتحظى منا بأكبر قدر من الرعاية ~~والاهتمام - تظل - ما دامت الشجرة حية - في حاجة إلى الجذور؛ إذ تستمد منها رحيق ~~الحياة وعصارتها بلا انقطاع؛ وعلى أساس هذا الفهم لتشبيه الشجرة، قلنا: إن هناك ~~تفسيرا آخر ممكنا لعلاقة الميتافيزيقا بالعلم، تظل فيه الميتافيزيقا تقوم بدور ~~إيجابي طوال مراحل البحث عن الحقيقة العلمية. # ومن الواجب أن ننبه - قبل بيان مبررات هذا التفسير - إلى أنه لا يمثل نقيضا ~~تاما للتفسير السابق، فإذا كان التفسير الذي عرضناه في الجزء الأول من هذا البحث ~~قد أكد أن اهتمام ديكارت كان علميا في المحل الأول، وأن وظيفة الميتافيزيقا سلبية ~~أو تمهيدية فحسب، فإن التفسير الذي نعرضه الآن لا يعكس الآية، ولا يقول: إن ~~الميتافيزيقا هي المحور الرئيسي، وإن العلم كان ثانويا، بل يقول - مع التفسير ~~الأول: إن العلم كان هدفا أساسيا لفلسفة ديكارت (إذ إن الشواهد المؤيدة لهذا ~~أقوى من أن يتجاهلها أحد). ولكنه يخالف التفسير الأول في تأكيده أن الميتافيزيقا ~~تظل تقوم بدور إيجابي في جميع مراحل البحث العلمي؛ أي إن الجذور الميتافيزيقية لا ~~تتوقف مهمتها عند حد ظهور النبتة العلمية فوق سطح الأرض. ms120 بل إنها لا تكف لحظة واحدة ~~عن تقديم عصارة الحياة إلى جذع شجرة المعرفة وثمارها. # فلننتقل الآن إلى بيان أهم المبررات التي تثبت وجهة النظر هذه في علاقة ~~الميتافيزيقا بالعلم. ~~(6-1) وحدة المعرفة عند ديكارت # في مستهل هذا البحث، ذكرنا أن تشبيه الشجرة ذاته يوحي بأن ديكارت كان من ~~أنصار وحدة المعرفة، ولم يكن يعترف بالاستقلال التام للعلم، وهو الاستقلال الذي ~~كانت بوادره قد بدأت تظهر في عصره بوضوح؛ ذلك لأن الشجرة - كما قلنا - هي نموذج ~~الوحدة العضوية التي لا يكون لأي جزء فيها كيان دون الباقين، وفكرة وحدة ~~المعرفة هذه يمكن أن تكون مبررا قويا للرأي القائل بأن الميتافيزيقا ~~الديكارتية تقوم بدور أساسي في العلم. # لقد حدد ديكارت مهمة الفلسفة في مقدمة كتاب «مبادئ الفلسفة»، وهو كتاب يعبر ~~عن الصورة الأخيرة لتفكير ديكارت؛ لأنه نشر قبل ثلاثة أعوام من وفاته، فقال ~~إن «لفظ الفلسفة يعني دراسة الحكمة. وليس المقصود بالحكمة هو الفطنة في الأمور ~~العلمية فحسب، بل هو أيضا المعرفة التامة لكل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه سواء ~~بسلوكه في الحياة وبحفاظه على صحته واختراعه لكل الفنون، ولكي تكون المعرفة على ~~هذا النحو، ينبغي أن تستنبط من العلل الأولى؛ بحيث إن العكوف على اكتسابها ~~- أي التفلسف بالمعنى الصحيح - يقتضي البدء بالبحث عن هذه العلل الأولى، أي ~~المبادئ. # هذه النظرة إلى الفلسفة تعود بنا إلى العهد الذي كانت فيه المعرفة الفلسفية ~~حكمة شاملة، تسري على الميدانين النظري والعلمي معا؛ فالفلسفة تشمل معرفة ~~المبادئ الأولى - أي الميتافيزيقا - ومعرفة الطبيعة، والخبرة والحكمة في شئون ~~الحياة، والحرف التطبيقية، ورعاية الجسم البشري في الطب؛ أي إنها هي النسق ~~الكامل للمعرفة، ويمثل تفكير ديكارت في هذا الصدد ارتدادا أو تراجعا عن ذلك ~~التحول الضخم الذي كانت معالمه قد بدأت تظهر منذ أوائل عصر النهضة، وهو التحول ~~الذي أدى إلى استقلال العلم النظري وتطبيقاته العلمية بمجال خاص يميزه عن ~~مجال الميتافيزيقا وبأساليب في البحث لا شأن لها بالتأمل النظري. # وإذا كان ديكارت قد حدد هذا التصور ms121 الشامل للفلسفة في أخريات أيام حياته، ~~فمن الواجب أن نتنبه إلى أن ذلك لم يكن تصورا عارضا طرأ بذهنه في فترة معينة، ~~بل لقد كان ملازما له منذ البداية، فقد استهل ديكارت حياته الفكرية «بالحلم» ~~المشهور الذي كان نقطة تحول في حياته، وفي هذا الحلم تراءى له مشروع طموح ~~للمعرفة، يهدي إلى بلوغ «علم شامل يسمو بطبيعتنا إلى أسمى مراتب الكمال»، ~~وتعبير «العلم الشامل # Science universelle ~~» ~~هذا كان تعبيرا دائم التردد في كتابات ديكارت، لازمة من بداية الحياة العقلية ~~حتى نهايتها. ومن الطبيعي أن تتواصل أجزاء هذا العلم الشامل بحيث يكون هناك ~~اتصال وثيق بين الميتافيزيقا وبين العلم الطبيعي وتطبيقاته العلمية؛ لأن العلم ~~الشامل هو الذي يجعلنا «أحكم ~~وأبرع» # plus sages et plus ~~habiles ~~؛ أي إنه يعلو بتفكيرنا نظريا وعمليا. # هذا العلم ينطبق من مبادئ واضحة بذاتها، موجودة لدينا «قبليا»، ويشيد ~~البناء الكامل للمعرفة بعملية عقلية خالصة، وما دام «النور الفطري أو الإلهي» ~~هو الذي يهدينا إلى هذه المبادئ الأولى، فلنكن على ثقة من أنها - مهما قل عددها ~~- قادرة على أن توصل إلى أبعد آفاق المعرفة العلمية. وهكذا يقدم إلينا كتاب ~~«مبادئ الفلسفة» نموذجا لأسلوب بناء المعرفة عند ديكارت؛ إذ يبدأ الباب الأول ~~فيه بعرض مفصل للمبادئ الميتافيزيقية، ويكون الأساس الضروري للأبواب الثلاثة ~~الأخرى التي تتعلق كلها بمشكلات في العلم الطبيعي. # هذه النظرة إلى الميتافيزيقا - بوصفها المبحث الذي يقدم المبادئ الأساسية لكل ~~علم طبيعي - يبدو أنها تقلب وضع العلاقة التقليدية بين الميتافيزيقا وبين ~~الفيزياء عند أرسطو مثلا، فليست الميتافيزيقا الديكارتية كما كانت تسمى في ~~التراث الأرسطي «ما بعد الطبيعة» أو «ما وراء الطبيعة»، وإنما هي على الأصح «ما ~~قبل الطبيعة»، إنها ليست تتويجا للمذهب. وليست بحثا في الصورة النهائية ~~للعالم أو الحدود القصوى، يبدأ بعد أن يكون كل بحث آخر قد اكتمل، وإنما هي ~~الأساس الذي ينبغي أن يأتي أولا، ويقدم لكل دراسة في الطبيعة تلك الدعامات ~~الضرورية التي ينبغي أن ترتكز عليها، (ولكن لعلنا نظلم أرسطو في هذا الحكم: ms122 كما ~~نعلم جميعا لم يكن هو الذي نحت لفظ «الميتافيزيقا»، والرواية التي تقول: إن ~~اللفظ يرجع فقط إلى ورود الكتاب الذي يعالج هذا الموضوع بعد كتاب «الفيزيقا» في ~~الترتيب، ربما كانت تدل على عدم التأكد من أن مبحث الميتافيزيقا يعني ما بعد ~~الطبيعة، والاسم الذي أطلقه أرسطو على كتابه - وهو «الفلسفة الأولى» - يدل على ~~أنه نظر إليها بوصفها هي الجذور، وهي التي تقدم الأسس الأولى لا الحقائق ~~النهائية. وأخيرا فقد اشتغل أرسطو نفسه بالميتافيزيقا في المرحلة الأولى من ~~حياته، واشتغل بالفيزياء في مرحلتها الأخيرة؛ أي إن الترتيب الفعلي كان من ~~الأولى إلى الثانية لا العكس، وهذه أيضا قرينة تدل على أن الفارق بين استخدام ~~ديكارت واستخدام أرسطو للكلمة قد لا يكون كبيرا إلى الحد الذي يبدو عليه لأول ~~وهلة).» ~~(6-2) المنهج الاستنباطي في العلوم # إن القول بأن المعرفة عند ديكارت متكاملة، بأن الميتافيزيقا تكون أساسا ~~ضروريا لبناء المعرفة الموحد، لا يكفي في ذاته لإثبات الدور الإيجابي الذي ~~تقوم به الميتافيزيقا في بناء العلم، فقد تكون الميتافيزيقا أساسا ضروريا، ~~تقدم إلى العلم مبادئه الأولى، ثم تتركه بعد ذلك وشأنه. ولكن حقيقة الأمر هي أن ~~الميتافيزيقا تظل - عند ديكارت - تمارس فاعليتها إيجابيا في جميع مراحل ~~المعرفة العلمية، وتظل جذورها تقدم إلى العلم عصارتها التي تعطيه القدرة على ~~البقاء والنماء، وهذه الحقيقة لا تتضح إلا إذا أدركنا طبيعة المنهج الذي كان ~~ديكارت يدعو إلى اكتسابه في تحصيل العلوم. # إن هناك حقائق معروفة عن منهج ديكارت، تحشد بها الكتب رائعة، ولا نجد ما ~~يدعونا إلى تكرارها، وكلها تدور حول اتخاذه الرياضة نموذجا لكل معرفة نود أن ~~تكون يقينية، فديكارت واحد من ذلك الصف الطويل من الفلاسفة الذين افتتنوا ~~بالدقة الرياضية، وحاولوا أن يحاكوها في سائر مجالات المعرفة، بدءا من أفلاطون ~~مرورا باسبينوزا وليبنتس وكانت وانتهاء إلى هوسرل. ولكن الأمر الذي يلفت ~~النظر عند ديكارت هو أنه حاول - في عصر كان فيه العلم التجريبي قد بدا يثبت ~~وجوده، وبدأت نتائجه المثمرة تظهر للعيان - أن يقيم ms123 بناء شاملا لعلم فيزيائي ~~يعتمد أساسا على المنهج الذي أثبت نجاحه في الرياضيات وهو الاستنباط، ~~والاستنباط بطبيعته عملية عقلية؛ ومن ثم فإن أي علم فيزيائي يبنى عليه لا بد ~~أن تكون أسسه مخالفة للعلم التجريبي. صحيح أن العلم التجريبي يلجأ إلى الرياضة ~~في صياغة قوانينه. ولكنه لا يكتفي بالرياضة وحدها، وإنما يعتمد على المشاهدات ~~والتجارب وتكوين الفروض. وهكذا ما كان يقوم به جاليليو في أبحاثه التي سبقت ~~ديكارت زمنيا ثم عاصرته فترة ما. أما ديكارت فكان يعتقد بأن العقل وحده قادر ~~- عن طريق الاستنباط - على أن يشيد بناء الفيزياء كاملا، ومثل هذه الطريقة في ~~إقامة العلم الفيزيائي لا بد أن يكون للميتافيزيقا فيها دور رئيسي. # ذلك لأن الاستنباط، عند ديكارت، يبدأ من مجموعة قليلة من المبادئ ذات اليقين ~~المطلق، ويقوم العقل بتوسيع هذه المبادئ تدريجيا، مع مراعاة الاحتفاظ بيقينها ~~المطلق في كل خطوة، حتى يمتد بها إلى أوسع آفاق المعرفة، ومن طبيعة هذه المبادئ ~~التي تتخذ نقطة انطلاق أنها ميتافيزيقية، ومعنى ذلك أن هناك خطا واحدا ~~متصلا، يبدأ بالميتافيزيقا وينتهي إلى الفيزياء، وتكون واسطة الانتقال بين كل ~~مراحله هي الاستنباط، وعلى هذا النحو يقيم ديكارت علما فيزيائيا مرتكزا، لا ~~على تجارب أو مشاهدات، بل على مبادئ ميتافيزيقية قبلية تعبر عن حقائق أزلية، ~~ويستحيل فهم الفيزياء عنده منفصلة عن مبرراتها ونقاط ارتكازها ~~الميتافيزيقية. # ولا شك في أن منهج ديكارت هذا يظل مختلفا عن مناهج العصور الوسطى؛ لأن الأسس ~~الرياضية التي يتمسك بها ترتكز كلها على فكرة «الوضوح»، وهي فكرة كان يفتقر ~~إليها تفكير المدرسيين الذي كان مغرقا في الغموض، ولم يكن يكترث بمناقشة ~~المقدمات التي يرتكز عليها مناقشة نقدية، ومن جهة أخرى فقد كان ديكارت يسعى ~~دائما إلى أن يكشف بمنهجه حقائق جديدة، فقيمة الاستنباط عنده تكمن في أنه يتيح ~~توسيع نطاق المعرفة إلى آفاق جديدة لم تكن معروفة من قبل، على حين أن المنهج ~~الذي كان سائدا عند المدرسيين كان يقتصر على قياس كل حالة تصادفنا بمبدأ عام ~~معروف من ms124 قبل؛ ومن ثم فلا مجال فيه للتوسع أو التجديد. # وبرغم هذه الفوارق فإن منهج ديكارت الاستنباطي في الفيزياء لم يصل إلى مستوى ~~المنهج الذي اتبعه علماء عصره الكبار مثل جاليليو وباسكال، وإنما ظل يحمل من ~~سمات العصور الوسطى فكرة استخلاص حقائق العالم الفيزيائي بالعقل، وعدم الاكتراث ~~بالتجارب، وتشييد البناء العلمي كله على مبادئ يقينية قليلة تدرك كلها ~~بالنور الفطري أو الإلهي، ويظل يقينها المطلق ساريا على كل تطبيقاتها ~~التالية. # وكانت نتيجة هذا الإصرار على استنباط حقائق الفيزياء بطريقة عقلية: وقوع ~~ديكارت في أخطاء واضحة، مثال ذلك: اعتقاده أنه لما كان الله هو الدعامة الأولى ~~للعلل التي يتسلسل بها عالم الطبيعة، فإن من المستحيل الحد من استمرار هذا ~~التسلسل عن طريق وجود «فراغ # Vide ~~»؛ ولذلك رفض ~~ديكارت فكرة «الفراغ» برغم أن معاصريه من العلماء كانوا يجرون تجارب مثمرة ~~حولها، وترتب على ذلك إنكاره لنظرية جاليليو الجديدة عن سرعة سقوط الأجسام في ~~الفراغ؛ لأن الثقل في رأيه لا معنى له في شيء غير موجود وهو الفراغ، وهاجم ~~ديكارت آراء جلبرت في المغناطيسية، مع أنها كانت أصح من آرائه، واعتقد أن الضوء ~~ليست له سرعة، وإنما ينتقل آنيا أو لحظيا. وفي المجال البيولوجي كون ~~نظرية غير صحيحة عن الدورة الدموية حتى بعد ظهور نظرية هارفي # Harvey # الثورية. أما في الميدان الفلكي فقد ~~حاول أن يتخذ موقفا وسطا بين النظرية الجديدة والنظرية التقليدية؛ حتى لا ~~يغضب الكنيسة، فقال بفكرة «الدوامات» التي تحيط بالأرض، وتنقلها حول الشمس دون ~~أن تكون الأرض ذاتها متحركة. # 15 # لذلك تعرض ديكارت لهجوم عنيف من جانب عدد غير قليل من شراحه الذين اتهموه ~~بالتراجع إلى الوراء في منهجه العلمي، بالقياس إلى التقدم الكبير الذي تحقق في ~~عصره. بل إن «ريفيل # Revel ~~» يشكك حتى في قيمة ~~الهجوم الذي شنه ديكارت على المدرسيين، على أساس أنه «لم يكن فيه جديد؛ لأن ~~هذه الحرب (ضد المدرسيين) كانت قد بدأت قبل قرنين. كما أن ديكارت - على خلاف ~~جاليليو ومونتين - لم يدخل في هذه الحرب ms125 لكي يعمل على إحلال نمط فكري جديد محل ~~النمط القديم، بل دخلها لكي يضع محل القضايا القديمة قضايا أخرى جديدة تظل ~~داخلة في نفس الإطار الفكري»؛ ولهذا السبب يحذرنا «ريفيل» من أن ننخدع بشأن تلك ~~التطبيقات العلمية والتجارب التي دعا إليها ديكارت في نهاية كتاب «المقال في ~~المنهج»، فهو لا يدعو إلى التجريب بالمعنى الذي كان يمارسه به جاليليو، وإنما ~~كانت لديه ثقة مطلقة في صحة مبادئه القبلية التي لا تدرك إلا بنور العقل؛ ~~ومن ثم كان لديه يقين مسبق بأنها فعالة في المجال العملي. بل إن عزلة ديكارت ~~في هولندا لم تكن - في رأيه - ترجع إلى خوفه من الاضطهاد، بقدر ما كانت ترجع ~~إلى رغبته في التباعد عن الأوساط العلمية التي كان يخشى الاحتكاك بها، ويعتقد ~~أنها لن تنفعه في شيء. # 16 # ويذهب «جسدروف # Gusdorf ~~» إلى نتيجة مماثلة، ~~فيؤكد أن المنهج الاستنباطي الذي اتبعه ديكارت في الفيزياء كان أقرب إلى الروح ~~المدرسية منه إلى الفكر الحديث، وبدلا من أن يجهد ديكارت نفسه - كما فعل علماء ~~ذلك العصر الذين بنوا على أكتافهم صرح العلم الحديث - في البحث والتنقيب بصبر ~~وأناة عن وقائع جزئية، يكشفها بأكبر قدر من الدقة، ويعبر عنها تعبيرا ~~رياضيا، نراه يزدري الوقائع ولا يكترث بملاحظتها؛ ولذلك يقتبس «جسدروف» نصا ~~لبول موي يقول فيه: «إن فيزياء ديكارت نسق مذهبي. بل إنها - إذا جاز التعبير - ~~كتلة مرتبطة بالميتافيزيقا ارتباطا وثيقا؛ فالديكارتية العلمية هي مذهب قبلي # apriorisme # متكامل». # 17 # خلاصة القول إذن: إن ديكارت لم يكتف بأن جعل الميتافيزيقا أساسا للعلم ~~الفيزيائي. بل إن المبادئ الميتافيزيقية الرئيسية تظل ضرورية طوال مراحل البحث ~~الفيزيائي، وعليها يرتكز كل ما يمكن أن يصل إليه هذا البحث من يقين؛ فالعالم ~~المادي في نظره يستحيل أن يعرف ما لم يكن المرء قد عرف من قبل مبادئ ~~ميتافيزيقية هي التي تستنبط منها كل معرفة بهذا العالم. وفي الوقت الذي كان فيه ~~علماء العصر يشنون معركة حامية ضد الميتافيزيقا ويسعون إلى استبعادها من ~~العلم استبعادا تاما، ويصطنعون ms126 لأنفسهم منهجا يجمع بين الملاحظة المتأنية ~~والتجارب الدقيقة التي تجرى على موضوعات جزئية، وبين الصياغة الرياضية الدقيقة ~~للنتائج التي يتوصل إليها البحث العلمي تدريجيا ، كان ديكارت يسعى إلى استنباط ~~معرفتنا بالطبيعة كلها من مبادئ ميتافيزيقية، ويحاول استخراج الحقائق كلها من ~~أفكاره العقلية وحججه المنطقية البارعة، وبالاختصار كان يريد للجذور ~~الميتافيزيقية أن تظل تزود الجذع الفيزيائي وثماره التطبيقية، بذلك اليقين الذي ~~لا يكتسب إلا بالاستنباط من مبادئ أولية مؤكدة، فكان في ذلك متراجعا عن ~~تيار عصره بغير شك. ~~(6-3) الترفع وازدراء العلماء # والنتيجة الضرورية لتمسك ديكارت بالمنهج الاستنباطي في البحث لفيزيائي هي ~~اعتقاده أنه - بفلسفته الخاصة ومنهجه الذي كان يراه جديدا - هو وحده الذي ~~يستطيع انتشال العلم من وهدة التخلف التي سقط فيها على يد المدرسيين؛ بحيث كان ~~ينظر إلى الجهد العلمي، كما لو كان جهدا فرديا يحتاج إلى عبقريته الخاصة ~~وحدها، وتلك هي طريقة التفكير التي يتحتم أن يصل إليها من يمزج الميتافيزيقا ~~بالعلم؛ لأن المبادئ التي يرتكز عليها بناء العلم كله مبادئ خاصة به، توصل ~~إليها عقله هو بجهد تأملي خاص. أما من يعترف للعلم الطبيعي باستقلاله، ويضع له ~~المنهج الملائم له، فلا بد أن يكون أكثر تواضعا في فهمه لدوره وللمدى الذي ~~يستطيع أن يصل إليه، ولا بد أن يكون أكثر تقديرا لجهد الآخرين؛ لأنه يعرف أن ~~العلم ينمو ببطء ومشقة، وأن حقائقه لا تتكشف كلها بنور مفاجئ، وإنما تظهر ~~تدريجيا على أيدي أجيال لا حصر لها من الباحثين. # ويظهر هذا الفارق بين عقلية الفيلسوف الذي يمزج العلم بالميتافيزيقا وبين ~~عقلية العالم الحقيقي، في موقف ديكارت من جاليليو، فعلى الرغم من أن ديكارت قد ~~تأثر إلى حد بالغ بمحنة جاليليو. وكانت هذه المحنة، التي بلغته أنباؤها في عهد ~~مبكر نسبيا من حياته الفكرية (عام 1633م) - نقطة تحول في طريقة تعامله الفكري ~~مع العالم المحيط به، فإنه يبدو أن العامل الذي تأثر به ديكارت في هذا الصدد هو ~~النتائج المحتملة لهذه المحنة على مصيره هو، ولم يكن اهتمامه بمصير ms127 جاليليو ~~نفسه، فديكارت كان يفكر في نفسه طوال الوقت الذي يبدي فيه انزعاجه من التهمة ~~الظالمة التي وجهتها محاكم التفتيش إلى رجل لم يكن هدفه - آخر الأمر - إلا ~~توسيع نطاق المعرفة البشرية وزيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة، وهي في رأيه ~~أمور لا ينبغي أن تغضب لها أية سلطة دينية تفهم طبيعة رسالتها. وكان شغل ديكارت ~~الشاغل في هذا كله هو: ماذا يكون موقف هذه السلطات الغاشمة من آرائه هو التي ~~ترتكز على مواقف فيها بعض الاتفاق مع آراء جاليليو؟ وما الذي يفعله في مؤلفاته ~~التي تتضمن هذه الآراء، والتي كان يزمع نشرها قريبا؟ # أما جاليليو نفسه، فلم يكن ديكارت يهتم به كثيرا، أو كان على الأقل يتظاهر ~~بعدم الاهتمام به؛ ففي خطاب إلى صديقه «مرسين» ذكر أنه لم يطلع على كتاب ~~جاليليو الرئيسي إلا في عام 1634م، أي بعد عام من محنة العالم الإيطالي الكبير، ~~واستخدم في هذا الصدد لفظا يدل على أنه «تصفح» هذا الكتاب # feuilleter # وفي خطاب آخر إلى مرسين، بتاريخ ~~11 أكتوبر 1638م، علق أعمال جاليليو، فقال: «وفيما يتعلق بجاليليو، أود أولا ~~أن أقول لك: إنني لم أره أبدا، ولم يكن لي أي اتصال به؛ ومن ثم فلا يمكن أن ~~أكون قد استعرت منه شيئا، كما أنني لا أرى في كتبه شيئا يجعلني أحسده، ولا ~~أكاد أرى فيها شيئا أرغب في تبنيه»، ويعلل المؤلف الذي اقتبس هذين النصين # 18 # ضآلة اهتمام ديكارت بجاليليو، بأن الأول لا يتصور علما بغير منهج؛ ~~ومن ثم كان ما يعيبه على جاليليو هو أنه ليس «فيلسوفا»، وبالفعل يمكن أن ~~نعد جاليليو باحثا بلا منهج، إذا فهمنا المنهج بالمعنى الاستنباطي الذي فهمه ~~ديكارت، وإذا اعترفنا بأن المبادئ الميتافيزيقية الرئيسية هي الدعامة التي يظل ~~البحث في الطبيعة مرتكزا عليها حتى آخر مراحله. أما إذا كنا نفهم المنهج ~~بمعناه العلمي لا الصحيح، لا بمعناه الذي يخلط بين مقتضيات الفلسفة ومقتضيات ~~العلم، فإن جاليليو يغدو عندئذ رائدا من رواد المنهج الحديث، بالإضافة إلى ~~ريادته المعترف بها ms128 في ميدان البحث العلمي ذاته. # وعلى أية حال ففي استطاعتنا أن نستشف من النص الأخير - ومن كلام ديكارت عن ~~«الجسد» وغيره - لهجة ظاهرها الترفع والتعالي، وباطنها الإحساس بأنه إزاء عمل ~~كبير لا يقدر على أن يجاريه، وعلى أية حال فإن تبرؤه الشديد منه لا يخلو من ~~قدرة من الانتهازية. # ومما يلفت النظر أن «جسدورف» قد تنبه إلى الرسالة الأخيرة ذاتها (رسالة ~~ديكارت إلى مرسين بتاريخ 11 أكتوبر 1638م)، واستدل منها على نتائج مضادة لتلك ~~التي انتهى إليها «جوييه # Gouhier ~~»؛ ذلك لأنه ~~ركز على الجزء الذي يقول فيه ديكارت عن جاليليو: «يبدو أنه يفتقر إلى الكثير، ~~من حيث إنه يكثر من الاستطراد ولا يتوقف لكي يقدم تفسيرا كاملا لموضوع ما، ~~مما يدل على أنه لم يبحث تلك الموضوعات بطريقة منظمة، وعلى أنه بحث عن أسباب ~~بضع نتائج جزئية قبل أن يدرس الأسباب الأولى للطبيعة، وشيد بذلك بناء بغير ~~أساس»، ويؤكد جسدورف أن تلك «الأخطاء» التي عابها ديكارت على جاليليو هي في ~~الواقع حسنات تحسب له؛ إذ إنه لم يصدر أحكاما تتجاوز ما يستطيع تأكيده. ~~أما ديكارت فكان يزدري ذلك الصبر الطويل الذي يقتضيه البحث التجريبي، ولا يحاول ~~الرجوع إلى الأشياء ذاتها للتأكد من صحة أحكامه؛ إذ كان على ثقة من أن الوقائع ~~ذاتها ستخضع لأوامر النسق الفلسفي؛ وعلى ذلك فإذا كان جاليليو قد ارتكب خطأ ~~جزئيا هنا أو هناك، فإن ديكارت قد أخطأ في موقفه الكامل، وعندما انهارت الأسس ~~الميتافيزيقية التي شيد عليها المعرفة؛ انهار بناؤه العلمي بأكمله. # 19 # وهكذا يعود المنهج الاستنباطي القائم على أسس ميتافيزيقية إلى صبغ نظرة ~~ديكارت إلى نفسه وإلى معاصريه بصبغة بعيدة عن التواضع والتضافر الذي يقتضيه ~~العلم، فديكارت يتصور أنه لا يدين للعلماء المعاصرين له بشيء، ويترفع عن قراءة ~~أبحاثهم بإمعان، ويتملكه إحساس طاغ بأنه هو القادر على إصلاح مسار المعرفة ~~البشرية كلها؛ لأن درجة اليقين التي يستطيع بلوغها في العلم - بفضل المبادئ ~~الأولى التي يرتكز عليها - لا تتوافر لدى أي باحث علمي غيره. # والواقع ms129 أن ديكارت كان منذ اللحظة الأولى في حياته الفكرية يشعر بأنه يحمل ~~رسالة مقدسة ألقيت على عاتقه هو، ولم تكن تلك الرؤى الثلاث التي ظهرت له في ~~شبابه المبكر، والتي شكر من أجلها الله لأنه اختصه برسالة المعرفة؛ لم تكن سوى ~~تعبير عن إحساسه بأنه هو الذي يستطيع أن يحمل العبء وحده. ولقد كان أسلوب ~~«الحلم أو الرؤيا» هو ذاته أسلوبا ذا طبيعة تنبؤية، وربما كان للمرء أن يشك في ~~صحة التفاصيل التي رويت عن هذه الرؤيا بعد ثمانية عشر عاما من حدوثها (حدثت ~~الرؤيا عام 1619م، ورواها ديكارت في «المقال في المنهج» عام 1637م). بل إن من ~~الباحثين من أبدى عدم اقتناعه بالموضوع بأسره. ولكن هذه مسألة لا تهمنا ~~كثيرا، وإنما الذي يهمنا هو دلالة الأسلوب الذي اتبعه ديكارت، والذي ينم عن ~~إحساسه بأنه هو الذي اختير لحمل رسالة المعرفة. # وتتوالى الشواهد على هذا الإحساس بالتعالي وبالأهمية الذاتية عند ديكارت؛ إذ ~~تتخذ فكرة «الكوجيتو» عنده طابعا فيه إشارة دائمة إلى «الأنا» الذي يفكر، ~~والذي يستدل عن طريق أفكاره وحدها على وجودها الله، ويؤسس عليه وجود العالم، ثم ~~يتخذ من هذه المبادئ الميتافيزيقية المستخلصة من داخل العقل والروح البشرية ~~مصدرا للمعرفة يفوق في أهميته أية كتابات أو أبحاث علمية أخرى، وأية مشاهدة ~~مباشرة للوقائع. وحتى المرحلة الأخيرة من حياة ديكارت ظل هذا الاعتقاد بأنه ~~يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه غيره ملازما له، ويكفي قوله في مقدمة كتاب ~~«مبادئ الفلسفة»: «لقد كان هناك رجال عظماء حاولوا أن يهتدوا إلى، الحكمة حتى ~~الآن.» # هذه لهجة قد يراها البعض تعاليا وترفعا، وقد يراها غيرهم تعبيرا عن كبرياء ~~المفكر واعتزازه بنفسه. ولكنها قبل كل شيء لهجة فيلسوف يحاول أن يفرض طريقته ~~التأملية على مسار العلم، والتعليل الأخير لهذا كله إنما يكمن في ذلك التداخل ~~الفريد بين الميتافيزيقا والعلم عند ديكارت. وفي احتفاظه للجذور الميتافيزيقية ~~- في شجرة المعرفة - بدور إيجابي تظل تقوم به حتى بالنسبة إلى أبعد الأغصان ~~والثمار. # خاتمة # كشف لنا هذا ms130 البحث عن إمكان تفسير ذلك التشبيه الذي يبدو بسيطا في ظاهره - تشبيه ~~الشجرة - على أنحاء متعددة، يؤدي كل منها إلى فهم مختلف للعلاقة بين الميتافيزيقا ~~والعلم في فلسفة ديكارت؛ بحيث يمكن القول - بمعنى معين: إن الاتجاه الفكري العام ~~لديكارت يتحدد على أساس الموقف الذي نتخذه من هذا التشبيه. وقد تركنا جانبا الموقف ~~الأول، الذي يركز الاهتمام على الميتافيزيقا ويكاد يتجاهل أو يعده ثانوي الأهمية؛ ~~لأنه يجد من يعبرون عنه بكل قوة بين الكتاب ذوي النظرة التقليدية، وتوسعنا في ~~عرض وجهة النظر التي تؤكد أهمية الجانب العلمي في فلسفة ديكارت، وذلك من خلال ~~تفسيرين: أحدهما يجعل العلم هدفا أساسيا إيجابيا تتوارى إلى جانبه ~~الميتافيزيقا التي تكتفي بتمهيد الطريق له فحسب، والآخر يجعل للميتافيزيقا دورا ~~إيجابيا يظل ملازما للعلم حتى أبعد أطرافه وأكثرها تشبعا. # ومن خلال هذين الرأيين الأخيرين، اللذين لا يتعارضان في تأكيدهما لأهمية العلم. ~~ولكنهما يتعارضان في الدور الذي ينسبه كل منهما إلى الجذور الميتافيزيقية في ~~عملية اكتساب المعرفة، يتضح لنا أن المرء يواجه ها هنا إشكالا يتعلق بصميم مهمة ~~الفلسفة التأملية عند ديكارت: فهناك شواهد قوية تدل على أن ديكارت أراد من هذه ~~الفلسفة التأملية أن تكون «جواز المرور» إلى المعرفة العلمية، التي هي في نظره ~~الغاية والهدف. ولكن هناك في الوقت ذاته شواهد أخرى تدل على أنه أراد لهذه الفلسفة ~~أن تظل تقوم بدورها في إضفاء يقين راسخ على العلم حتى النهاية. # ويبدو لي أن عصر ديكارت ذاته وموقعه التاريخي ودوره كفيلسوف تحمس للمعرفة ~~العلمية، كل هذه العوامل تعمل على الاحتفاظ بالأشكال في حالة تناقض حي، وتدعونا إلى ~~الامتناع عن اتخاذ موقف نهائي بين طرفيه المتعارضين، فديكارت أراد أن يحتفظ للفلسفة ~~بشيء مميز في عصر بدأ العلم فيه يصبح هو الوسيلة الرئيسية لتحصيل معرفة عن العالم، ~~وأغلب الظن أنه اضطرب في محاولته هذه. ولكن هذا الاضطراب، والتخبط، كان طبيعيا في ~~عصر حدثت فيه لأول مرة مواجهة بين منهج فلسفي يحمل كل التراث الماضي للمعرفة، ومنهج ~~علمي يبشر بطريق ms131 جديد للمعرفة في المستقبل. # بل إن في وسعنا القول: إن مثل هذا الاضطراب في تحديد موقف الفيلسوف إزاء العلم ما ~~زال يلازم الفلاسفة حتى يومنا هذا؛ إذ يسعى الفلاسفة بكل وسيلة إلى أن يحتفظوا ~~للفلسفة بمجال مميز ومنهج خاص بها. ولكنهم يدركون في الوقت ذاته أن العلم هو أفضل ~~وسيلة متاحة لتحصيل معرفة صحيحة عن الواقع؛ ومن هنا تتعدد المواقف. وربما تناقضت ~~الاتجاهات حتى عند الفيلسوف الواحد، وهو تناقض يعبر عن تلك الأزمة الأساسية التي ~~يعانيها الفكر الفلسفي في عصر العلم. # لقد كان الفكر القديم متحررا من أية أزمة من هذا النوع؛ لأن الفلسفة لم تكن تجد ~~أمامها منافسا. وكان منهجها هو الوحيد الذي يعد وسيلة لتحصيل أية معرفة. ولكن منذ ~~اللحظة التي ظهر فيها منهج أدق وأكثر ثقة بنفسه وبخطواته وبنتائجه؛ أعني منذ أوائل ~~العصر الحديث وجدت الفلسفة نفسها في أزمة حقيقية هي أزمة تحديد موقفها من هذا ~~النوع الجديد من المعرفة. # وكما رأينا، فقد كان هذا الإشكال واضحا لدى ديكارت كل الوضوح؛ لأن تفكيره يحمل ~~في أحد جوانبه طابع الانحياز للمعرفة الجديدة والإقلال من أهمية الميتافيزيقا ~~التقليدية، ويحمل في الجانب الآخر طابع الاحتفاظ بإيجابية الميتافيزيقا التقليدية ~~حتى في قلب المعرفة العلمية، ووجود أزمة المواجهة بين الفلسفة والعلم عنده بمثل هذه ~~الحدة هو - في رأينا - ما يجعل منه «أبا للفلسفة الحديثة»، فهو لا يستحق هذا ~~اللقب؛ لأنه أضفى على الفلسفة الحديثة طابعها المميز وهو المثالية كما يزعم البعض، ~~وإنما يستحقه لأنه أول من عانى من محاولة إيجاد منهج ومجال مميز للفلسفة في عصر ~~أثبت فيه العلم فعاليته، وهو يستحق هذا اللقب؛ لأنه تناقض مع نفسه وأخفق في تحقيق ~~هذا الهدف كما سيحاول ويخفق عشرات من الفلاسفة منذ عصره حتى وقتنا الراهن. # ومجمل القول أن تشبيه الشجرة - بما يكشف عنه من تفسيرات متعارضة، كلها معقولة - ~~للعلاقة بين الميتافيزيقا والمعرفة العلمية، ينتهي بنا إلى حقيقة أساسية - وهي في ~~رأينا حقيقة جديدة - هي أن ديكارت لم يكن فيلسوفا رائدا بفضل خصائص معينة ms132 في ~~منهجه أو في مضمون فلسفته، بل كان أول المحدثين لأن فلسفته - في علاقتها بالعلم - ~~وصلت إلى مأزق أصبح من لوازم الفلسفة في عصر سيادة المعرفة العلمية. # | مذهب الذرات الروحية «المونادولوجيا» عند ليبنتس # (1) حياة ليبنتس وشخصيته # ولد جوتفريد فلهلم ~~ليبنتس # Gottried Wihelm Leibniz # في ليبنتسج في 3 يوليو سنة 1646م، من أسرة اشتهر الكثير من ~~أفرادها بالميول العقلية ولا سيما في ميدان القانون. وقد توفي أبوه وهو في ~~السادسة من عمره، وحرصت أمه على أن تنشئه تنشئة بروتستانتينية محافظة. ولقد كان ~~ليبنتس في صباه طفلا معجزا، سرعان ما فاق كل زملائه في مدرسة نيكولاي # Nikoloischule ~~، وعندما التحق بالجامعة لم يكن قد ~~بلغ الخامسة عشرة من عمره، وتأثر في الجامعة بأستاذ كانت له اتجاهات مدرسية واضحة، ~~وهو ياكوب تومازيوس # Thomasius ~~، وعلى يديه ألف ~~أول بحث له نال به درجة البكالوريوس في موضوع كانت له أهمية كبرى في فلسفته ~~التالية، وهو مبدأ ~~الفردية # De principio individui ~~، وقبل انتهاء دراسة ليبنتس الفلسفية، انتقل إلى دراسة ~~القانون، وأخذ في الوقت ذاته يدرس الرياضيات، فألف في عام 1666م كتاب «الفن الجامع» # Arts combinatorial ~~، ولفت إليه هذا الكتاب ~~أنظار بعض الأوساط العلمية خارج مدينته، وعندما تقدم إلى جامعة «آلتدورف» للحصول ~~على درجة الدكتوراه في القانون - في نفس العام (وهو 1666م) - كان بحثه ممتازا إلى ~~حد أنه تلقى - وهو في هذه السن المبكرة - عرضا للأستاذية في نفس الجامعة، ولكنه ~~رفض هذا العرض. # وقد اتصل ليبنتس في مستهل حياته العلمية بسياسي ألماني مشهور، هو البارون ~~بوينبرج # Boineburg ~~، وبفضل هذا الاتصال أخذ ~~يزداد اهتماما بالشئون السياسية، فسافر إلى فرانكفورت، وتولى مهمة إصلاح اللوائح ~~القانونية المعمول بها في إمارة مينتس # Mainz ~~، ومنذ ~~ذلك الحين ظلت السياسة هدفا رئيسيا من أهداف حياته. # وكان من أهم مظاهر نشاط ليبنتس السياسي، تلك المذكرة الهامة التي كتبها عن ~~«الأمن العام الداخلي ~~والخارجي» # Securitas publica interna et externa ~~، وتضمنت هذه المذكرة خطته المصرية # Consilium Aegyptiacum # المشهورة (التي سنعرض ~~لها بشيء من التفصيل فيما بعد)، والتي ms133 اقترح فيها تحويل انتباه لويس الرابع عشر - ~~ملك فرنسا المشهور - عن أوروبا باقتراح إرسال حملة لغزو مصر، وظلت هذه المذكرة تشغل ~~قدرا كبيرا من اهتمام ليبنتس، فتوجه بها إلى باريس سافر عام 1672م آملا أن يستمع ~~إليه الملك. وفي خلال إقامته بباريس سافر في رحلة قصيرة إلى لندن حيث انتخب ~~عضوا في الجمعية الملكية، وبعد عودته إلى باريس بدأت دراساته الرياضية المركزة على ~~يد الرياضي المشهور كريستان هوبجنز، وتوجت هذه الدراسات بكشفه حساب التفاضل ~~والتكامل، والاهتداء إلى طريقة تدوينه المعمول بها حاليا، في عام 1675م. وكان ~~ليبنتس يزمع الإقامة نهائيا في باريس؛ إذ كانت هذه الفترة من أخصب فترات حياته ~~العلمية والفكرية، وفيها اتصل بعدد من أكبر رجال الفكر والفلسفة والعلم واللاهوت في ~~عصره، وأجرى معهم مراسلات عميقة ألقت ضوءا ساطعا على نواح عديدة غامضة في ~~تفكيره. # ومع ذلك فعندما عرض عليه يوهان فردريك - دوق هانوفر - وظيفة رئيس المكتبة في ~~بلاطه (وهي وظيفة كانت لها في ذلك الحين أهمية غير قليلة) قبلها، وغادر باريس. ~~وفي رحلة العودة إلى ألمانيا عام 1676م زار إنجلترا وهولندا، حيث قابل اسبينوزا ~~واطلع على آخر كتاباته وأبحاثه، وأبدى في ذلك الحين إعجابا شديدا واهتماما ~~كبيرا بها، وإن كان قد حرص فيما بعد على إظهار عدم اهتمامه بآراء اسبينوزا نظرا ~~إلى شهرة هذا الأخير بالإلحاد في كثير من الأوساط الأوروبية. # وفي الفترة التي أقامها ليبنتس في هانوفر، بدأ كتابة تاريخ شامل لأسرة برنسفيك، ~~كما نشر كشوفه في حساب التفاضل والتكامل. وفي ميدان الفلسفة ألف كتاب «مقال في الميتافيزيقا» # Discours de métaphysique ~~(سنة ~~1686م)، ومجموعة من الأبحاث الهامة، من بينها «مذهب جديد في الطبيعة» # Système nouveau de la nature ~~(1695م)، وبحثه عن فلسفة لوك بعنوان «أبحاث جديدة في الذهن ~~البشري» # Nouveaux essais sur l’entenderment humain ~~(1696م). # وعندما تولى جورج فلهلم إمارة الولاية (وقد أصبح فيما بعد جورج الأول ملك ~~إنجلترا) لم يكن ليبنتس على وفاق معه. وكان لذلك بعض الأثر في إنتاج ليبنتس الذي ~~تركز في ذلك ms134 الحين على إكمال كتابة تاريخ الأسرة الملكية؛ على أن جهود ليبنتس قد ~~توجت بالنجاح في ميدان آخر: فقد نجح بفضل مساعدة تلميذته صوفيا شارلوت أميرة ~~براندبرج (التي أصبحت ملكة بروسيا فيما بعد) في إنشاء أكاديمية برلين عام 1700م، ~~واختير هو ذاته أول رئيس لها. ومع ذلك فقد فشلت جهوده الأخرى في سبيل إنشاء ~~أكاديميات مماثلة في درسدن وسان بطرسبرج وفيينا، ونشر ليبنتس في ذلك الحين كتابه ~~الفلسفي الرئيسي الوحيد الذي أشرف على نشره خلال حياته، وهو كتاب «الحكمة الإلهية» # Théodicée ~~، وهو يتألف أساسا من الكتاب ~~الذي نقدمه هنا، وكتاب «مبادئ الطبيعة واللطف الإلهي» Principes de la nature et de la grâce # فقد كتبهما عام 1714م ونشرا ~~بعد وفاته. # وفي هذا العام نفسه أصبح جورج لودفج ملكا على إنجلترا، ولم يستطع ليبنتس أن ينال ~~حظوة لديه، فأبعد في هانوفر حيث دأب على كتابة تاريخ الأسرة الحاكمة، ولم يكن قد ~~أتم إلا جزءا بسيطا من هذا التاريخ عندما توفي في 14 نوفمبر عام 1716م. # ومن العجيب أن أوروبا التي كان ليبنتس ملء سمعها وبصرها في حياته، والتي لعب ~~دورا عظيم الأهمية في ثقافتها وتفكيرها وسياستها، لم تهتم به قط في وفاته، ولم ~~يرثه أحد سوى الفرنسيين. أما الباقون فلم يكادوا يشعرون بموته. # ومن المؤكد أن هناك جوانب عديدة غامضة في حياة ليبنتس، فبالإضافة إلى غموض كثير ~~من المهام السياسية التي كان يضطلع بها - وهو الغموض الذي جعل كثيرا من الناس ولا ~~سيما اسبينوزا يرتابون في نواياه ومقاصده الحقيقية - كانت حياته الخاصة بدورها مهمة ~~إلى حد بعيد، ورغم كل ما كتبه من رسائل، فإن هذه الرسائل لم تكن شخصية، ولم تكشف ~~شيئا عن الجوانب الخاصة لحياته، وهكذا فإن علاقاته العائلية ظلت مجهولة، وكل ما ~~عرف عنها هو أن ليبنتس لم يتزوج أبدا، وأن أسرته كانت ميسورة الحال، مما أتاح ~~له التنقل بحرية، والتفرغ للأمور السياسية والعلمية دون اهتمام بمشكلات الحياة ~~اليومية. # على أن في وسع المرء أن يلمح خلال هذا الغموض المحيط بحياة ms135 ليبنتس عنصرين أساسيين ~~يبرزان بكل وضوح طوال مجرى حياته، هما اتساع نطاق معارفه من جهة، واتجاهه إلى ~~السياسة من جهة أخرى. # فبفضل العنصر الأول - وهو اتساع نطاق معارفه إلى حد مذهل - أحيطت شخصيته خلال ~~حياته وبعدها بهالة أسطورية يتمثل فيها مفكرا وعالما تتحدى عبقريته كل التصنيفات ~~والتقسيمات الشائعة، ولم يكن من المستغرب أن تصور شخصية بهذه الصورة الأسطورية؛ ~~ذلك لأن الرجل كان بالفعل نوعا من الأسطورة. وربما كان ليبنتس آخر ممثل لتلك الفئة ~~«الموسوعية» من المفكرين؛ ففي عصره وربما قبل عصره بقليل، كان عهد التخصص قد بدأ، ~~واتسعت المعارف البشرية إلى حد أنه أصبح من المحتم على المرء أن يختار بين الفلسفة ~~أو الأدب أو العلم أو القانون أو السياسة، وأصبح من الصعب أن يجمع المرء بين أكثر ~~من فرع واحد من هذه الفروع. ولكن الدهشة تمتلك المرء حتما حين يجد ليبنتس قد اشتغل ~~بهذه الفروع كلها معا. وكانت له فيها كلها تقريبا مساهماته المبتكرة وكشوفه ~~البارعة؛ ذلك لأن ظهور مثل هذه العقلية الموسوعية أيام اليونان في شخص أرسطو، أو ~~حتى خلال عصر النهضة في شخص ليوناردو دفينشي، كان أمرا مفهوما ومعقولا، أما ~~ظهورها في النصف الثاني من القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر فهو بالفعل ~~أمر يقارب حد الإعجاز، لا سيما إذا كان الشخص الذي تمثلت فيه هذه الظاهرة الفريدة ~~ينافس في مجال الفلسفة أقطاب المدرسة الديكارتية الكبار، وينافس في مجال الرياضة ~~نيوتن ويتفوق عليه في صياغته لحساب التفاضل والتكامل، ويضع من النظريات القانون ومن ~~الآراء السياسية والدبلوماسية ما يجعل له دورا إيجابيا في سياسة عصره، ويشتغل ~~بالعلم الطبيعي فيتفوق فيه، ويكتب شعرا لاتينيا يحوز إعجاب معاصريه، ويؤلف في ~~التاريخ مرجعا عظيم القيمة، وينشئ، يسعى إلى إنشاء جمعيات وأكاديميات علمية في ~~مختلف المدن الأوروبية، فثقافة ليبنتس عالمية بالمعنى الصحيح، ومعارفه تكاد تكون ~~شاملة بالنسبة إلى العصر الذي عاش فيه، ولهذه الحقيقة - كما سنرى - فيما بعد أهمية ~~عظيمة في إيضاح معالم مذهب ليبنتس وطريقة تفكيره. # على أن الجانب السياسي ms136 من نشاط ليبنتس الشامل يستحق اهتماما خاصا؛ لأنه يمثل ~~ظاهرة فريدة فيمن عرفناهم من الفلاسفة؛ ومن هنا فإنه يؤلف وحده عنصرا قائما بذاته ~~نود أن نشير إليه إشارة خاصة، فمنذ اللحظة التي تعرف فيها ليبنتس إلى الكونت ~~«بوينبرج» وهو في الحادية والعشرين من عمره؛ أصبح يقضي حياته كلها في صحبة الأمراء ~~والحكام ورجال البلاط، واعتاد صحبة الشخصيات الأرستقراطية الكبرى، ورغم كل ما طرأ ~~على حياته من التقلبات، فإن الاهتمام بالسياسة ظل هو القاسم المشترك بين أهم فترات ~~هذه الحياة، وحتى في تلك الفترة التي تعد أخصب فترات حياته، الوجهة العلمية ~~والفكرية، وأعني بها فترة إقامته في باريس، نراه لا يكف عن القيام بدور الدبلوماسي ~~ورجل البلاط وكاتم أسرار الأمراء، ويقوم بأسفار وبعثات ومهمات غامضة لحساب إمارة ~~«مينتس» الألمانية في نفس الوقت الذي كان فيه يكون صلات مثمرة إلى أبعد حد مع ~~مشاهير رجال العلم والفكر والفلسفة الذين كانت تزدان بهم فرنسا في عهد لويس الرابع ~~عشر. # ولقد كانت السمة البارزة في نشاط ليبنتس السياسي، وهي نمو وعيه الأوروبي إلى أبعد ~~حد؛ ذلك لأنه على الرغم من اشتغاله في معظم أوقات حياته لحساب حكام ولايات ألمانية ~~معينة، كان في تفكيره السياسي يتجاوز حدود الولايات والدول. وكان «مواطنا ~~أوروبيا» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان. وكانت الفكرة الرئيسية التي تستحوذ ~~على تصرفاته السياسية هي أن أوروبا كلها تكون وحدة حضارية وثقافية وسياسية واحدة. ~~ومن المؤكد أن في تفكير ليبنتس في هذه الناحية أوجه شبه عديدة مع تفكير دعاة الوحدة ~~الأوروبية المعاصرين، من أمثال الجنرال دي جول والسياسي البلجيكي «سباك» وغيرهما، ~~رغم اختلاف ظروف الدعوة في كلتا الحالتين، ولا يقف وجه الشبه عند هذا الحد. بل إن ~~تفكير ليبنتس السياسي كان يتضمن عناصر رجعية واستعمارية لا تقل وضوحا عن تلك التي ~~نجدها عند أقطاب ساسة أوروبا الغربية المعاصرين، ويتمثل ذلك العنصر من تفكير ليبنتس ~~في «خطته المصرية» المشهورة، ونظرا لأهمية هذه الخطة للقارئ المصري على التخصيص، ~~فسوف نتحدث عنها ها هنا بشيء ms137 من التفصيل. # وضع ليبنتس هذه «الخطة» وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وكان يهدف منها إلى ~~إيجاد وسيلة لصرف أنظار لويس الرابع عشر - ملك فرنسا وأكبر شخصية سياسية في أوروبا ~~في ذلك الحين - عن أوروبا ذاتها، وتحويل طاقته الحربية إلى مكان بعيد عن أوروبا، ~~بذلك يعود توازن القوى إلى القارة الأوروبية، ويتسنى في الوقت ذاته الدفاع عن ~~أوروبا ضد «البرابرة والزنادقة». # ولقد كانت الظروف السياسية في ولاية مينتس هي التي أوحت إلى ليبنتس بهذه الخطة؛ ~~ففي نهاية عام 1671م، كان من الواضح أن فرنسا تعد العدة لغزو هولندا. وكان أمير ~~الولاية الألمانية يدرك أن تغير ميزان القوى في أوروبا قد يؤدي إلى تغيير كبير في ~~الخريطة السياسية لأوروبا، وبالتالي إلى فقدان الولايات الصغيرة حريتها. وهكذا أراد ~~- ومعه ليبنتس - أن يحول دون اقتراب الحرب من الولايات الألمانية، وسنحت الفرصة ~~لليبنتس حين وقعت حوادث وتحرشات على حدود الإمبراطورية العثمانية، أذكت الحروب ~~الصليبية من جديد في نفوس الأوروبيين. وهكذا وضع ليبنتس خطته على أساس أن توجه ~~أسلحة لويس الرابع عشر - التي كان يعلم أنها ستنطلق عاجلا أو آجلا - ضد عدو ~~المسيحية كلها في الشرق، وهم الأتراك العثمانيون، عن طريق غزو بلد عظيم الأهمية مثل ~~مصر، فكتب مذكرة سياسية مفصلة موجهة إلى الملك، قدم فيها عرضا تاريخيا لجميع ~~الحملات التي شنت على مصر من قبل، وتحدث عن مركز مصر الاقتصادي وموقعها ~~الجغرافي، وأوضح مدى سهولة غزوها، والفائدة العظيمة التي ستجنيها فرنسا من هذا ~~الغزو، وهي السيادة البحرية والاقتصادية على البحر المتوسط، والسيطرة على الغرب ~~والشرق معا، وازدياد ألقاب الملك لقبا جديدا مشرفا! ولم تصل الخطة في بادئ ~~الأمر إلى مسامع الملك. ولكن ليبنتس بذل مساعي عديدة، حتى أتاه رد يقول: إن الملك ~~على استعداد لسماع الخطة منه. ولكنه عندما سافر إلى باريس في مارس سنة 1672م كانت ~~الحرب ضد هولندا قد بدأت بالفعل، ووقع ما أراد ليبنتس أن يتجنبه بغزو مصر، ونحن ~~نعلم بطبيعة الحال تكملة القصة؛ وهي أن نابليون بونابرت قد حقق الخطة ms138 التي اقترحها ~~ليبنتس. وربما كان قد اطلع على هذه الخطة ذاتها وأخذ بها، فحقق بذلك حلما احتل ~~أهمية كبيرة في تفكير فيلسوفنا هذا، وبدأ عهدا جديدا من تاريخ الاستعمار الأوروبي ~~في الشرق الأوسط. # ففي حياة ليبنتس إذن عنصران يستحقان اهتماما خاصا، هما شمول معرفته ونشاطه ~~السياسي، ومن المؤكد أن العنصران متعارضان؛ إذ إن التفرغ للأعمال السياسية، والتنقل ~~المستمر في أسفار وبعثات ومهام علنية وسرية، لا يترك للمرء فرصة الانصراف إلى ~~الفلسفة والعلم، ولا بد أن ليبنتس كان يتمتع بقدرات معجزة، أتاحت له أن يركز ذهنه ~~في أعمق المسائل العلمية، ويتفوق في عدد هائل من الفروع المتباينة للمعرفة، في نفس ~~الوقت الذي كان يحيا فيه حياة صاخبة حافلة بالنشاط وسط عدد كبير من الأباطرة ~~والملوك والأمراء والوزراء والسفراء ورجال البلاط، يقوم فيه بواجباته السياسية ~~والدبلوماسية والقانونية على أكمل وجه، وهنا لا يجد المرء مفرا من أن يفترض لدى ~~ليبنتس نوعا من العزلة الروحية وسط هذا الصخب الذي أحاط نفسه به، ولولا أنه كان ~~يعزل نفسه من آن لآخر بالفكر على الأقل، وعن العالم المزدحم من حوله، لما تسنى له ~~ممارسة نشاطه العلمي الهائل على الإطلاق، فهو إذن كان يشعر بنفسه ذرة واحدة منعزلة ~~بلا أبواب ولا نوافذ، تنطوي في ذاتها على صورة مصغرة للعالم كله، وتلك بعينها هي ~~الفكرة الرئيسية في الكتاب الذي نعرضه ها هنا، وأعني به كتاب «مذهب الذرات ~~الروحية». ~~(2) مؤلفات ليبنتس وكتاب «المونادولوجيا» # ذكرنا من قبل أن ليبنتس لم ينشر في حياته سوى كتاب «الحكمة الإلهية» # Théodicée ~~، كما نشر بعض الأبحاث القصيرة في صحف علمية ~~مختلفة. أما كتبه الرئيسية الأخرى - التي أوردنا من قبل أسماء بعضها - فقد نشرت ~~بعد وفاته، وإن كان هو ذاته قد أعد بعضها للنشر. ولقد حفظ ليبنتس مؤلفاته - من ~~كتب ومقالات وأبحاث - في صورة مخطوطات ومسودات كاملة، عثر عليها في مكتبته ~~الخاصة، أو حفظت في سجلات سرية (وهذا ينطبق بوجه خاص على مذكراته السياسية). ~~ولقد كان نشاط ليبنتس السياسي هو سبب حفظ أوراقه العديدة ms139 المتناثرة، فعلى الرغم من ~~أن أحدا لم يهتم به عند وفاته، فإن عددا من الأحزاب والفرق السياسية كانت تشعر ~~بالقلق خوفا من أن يكون قد ترك بين أوراقه أسرارا سياسية. وهكذا ضموا أوراقه ~~ومخطوطاته، ودفعوا لورثته (وهم أقرباء بعيدون) مبلغا ضئيلا من المال ليتنازلوا عن ~~حقوقهم فيها، وظلت هذه الأوراق حتى اليوم مودعة في مكتبة هانوفر، ولا يمكن القول إن ~~مؤلفاته الكاملة قد صدرت في نشرة شاملة حتى اليوم؛ ذلك لأن أكمل النشرات، وهي تلك ~~التي بدأتها «أكاديمية العلوم البروسية» سنة 1913م بعنوان «المؤلفات والرسائل ~~الكاملة» # Sämmticke Schriften und Briefe # وكانت تزمع فيها نشر كل ما خلفه ليبنتس، قد انقطعت عام ~~1933م بعد الانقلاب النازي في ألمانيا. # أما كتاب «مذهب الذرات الروحية» أو المونادولوجيا، فقد كان في الأصل مقالا ~~قصيرا عرض فيه ليبنتس فلسفته في ملحق لرسالة بعث بها إلى أحد مراسليه الفرنسيين ~~المتحمسين، واسمه «ريمون» # Rémond # ولقد أشار بعض ~~شراح ليبنتس إلى هذه الحقيقة، ولاحظوا عن حق ما فيها من غرابة؛ إذ إن هذا الكتاب ~~الرئيسي الذي يتضمن مذهبا ميتافيزيقيا طموحا، لم يكن إلا تعبيرا عارضا قدمه ~~ليبنتس إلى أحد مراسيله، ولم يكن يقصد منه أن ينشر، وإنما كان مذكرة ملخصة تركها ~~ليبنتس بين أوراقه الشخصية فحسب. # على أن أهمية هذا الكتاب - رغم ضآلة حجمه - إنما ترجع إلى أنه من أواخر مؤلفات ~~ليبنتس الفلسفية، فقد ألفه قبل وفاته بعامين، في وقت كان قد اهتدى فيه إلى ذاته، ~~وتكشفت له فيه الجوانب المتعددة التي تميزت بها عبقريته، فهو تعبير واضح عن فلسفته ~~في أخصب فتراتها، وهو يمثل إلى جانب كتاب «مبادئ الطبيعة واللطف ~~الإلهي» # principes de la nature et de la grâce # الذي ألفه في الفترة ذاتها، أعلى قمم التفكير ~~الميتافيزيقي عنده، ورغم أن ليبنتس قد أعد الكتاب الأخير بنفسه للنشر، فإنه ترك ~~الأول في صورة غير مكتملة تماما، مات قبل أن يضع اللمسات الأخيرة فيه. ولكنه مع ~~ذلك ما زال أفضل مدخل إلى فهم فلسفة ليبنتس في صورتها الكاملة. ms140 # ويجدر بنا في هذا المقام أن نشير إلى أن ليبنتس نفسه لم يكن هو الذي اختار لكتابه ~~هذا اسمه الذي اشتهر به، وهو «المونادولوجيا»، فليس هذا هو العنوان الذي يصدر ~~الكتاب في مخطوطاته الأصلية الباقية في هانوفر وفيينا، وإنما كان يحمل اسم ~~«مبادئ ~~الفلسفة» Principes ~~de la Philosphie ~~، وظل هذا هو الاسم السائد طوال قرن من الزمان. ولكن ~~كوهلر # Koehler ~~- الذي أعد طبعة من أوائل ~~الطبعات الهامة لمؤلفات ليبنتس - وجد أن فكرة الذرة الروحية # Monad # تحتل المكانة الرئيسية بين أفكار الكتاب، ~~فوضع له في ترجمته الألمانية عنوانا فرعيا هو «المونادولوجيا»، وجاء إردمان # Erdmann # في القرن التاسع عشر فجعل من هذا الاسم ~~عنوانا رئيسيا للكتاب في نشرته الفرنسية لمؤلفات ليبنتس الفلسفية، ومنذ ذلك ~~الحين اشتهر الكتاب بهذا الاسم . ~~(3) الاتجاه العام لفلسفة ليبنتس # ينطوي تفكير ليبنتس على بعض المبادئ العامة التي لا يفهم هذا التفكير بدونها؛ ~~ومن هنا كان لزاما علينا - قبل أن ننتقل إلى العرض التفصيلي لآراء ليبنتس في كتاب ~~«المونادولوجيا» - أن نوضح أهم هذه المبادئ، ونحدد الاتجاه العام الذي سار فيه ~~تفكير ليبنتس، حتى يتسنى وضع أفكاره المفصلة في إطارها الصحيح، والربط بين هذه ~~الأفكار وبين حياة ليبنتس وشخصيته وعصره. # لقد اشتهر ليبنتس بأنه فيلسوف تلفيقي؛ أعني فيلسوفا يحرص على التوفيق بين ~~المذاهب الأخرى وجمعها كلها في مذهبه الخاص. ولقد كان بالفعل يود أن يستوعب في ~~مذهبه كل ما أتى به الأقدمون والمحدثون من «أفكار رائعة»، وأراد أن يأتي بمذهب يجمع ~~بين «أفلاطون وديمقريطس وأرسطو وديكارت والمدرسيين والمحدثين، وبين اللاهوت ~~والأخلاق والعقل؛ بحيث يأخذ أفضل ما في كل منها، ثم يتجاوزها إلى ما هو أبعد منها»؛ ~~على أن هذه النزعة إلى الجمع بين المذاهب المختلفة ليس لها في كل الأحوال دلالة ~~واحدة؛ فهي تكون مظهرا من مظاهر الهزل الفكري، حين يعجز المفكر عن الإتيان من عنده ~~بشيء فيملأ الفراغ بآراء الآخرين. ولكنها قد تكون أيضا منبعثة عن ذهن ممتلئ بمعارف ~~موسوعية شاملة، متفوق في مجالات متعددة للعلم البشري، ومن فيض ms141 هذه المعارف يتألف ~~مذهبه العام، فهناك إذن توفيق ناشئ عن الهزال الفكري، وتوفيق ناشئ عن الامتلاء ~~الفكري. ولقد كانت نزعة ليبنتس إلى الجمع بين المذاهب من النوع الثاني دون شك، فقد ~~كان من الأذهان القليلة التي استطاعت أن تجمع أطرافا متناثرة من المعرفة البشرية ~~في مركب واحد متناسق تصطبغ فيه العناصر المتفرقة بصبغة العقلية الخاصة؛ بحيث يعد ~~مذهبه «مرآة» تنعكس عليها كل جوانب الحياة العقلية في عصره وفي العصور السابقة، ~~وتتلون - فضلا عن ذلك - بلون مستمد من طبيعته الذهنية الخاصة. # على أن فلسفة ليبنتس لم تكن محاولة للتوفيق بين المذاهب الفلسفية المختلفة فحسب، ~~بل لقد ذهبت إلى أبعد من ذلك، فحاولت التوفيق بين وجهة النظر الفلسفية والعلمية ~~كلها، وبين وجهة النظر الدينية؛ ذلك لأن ليبنتس كان على وعي تام بالخطر الذي يهدد ~~الدين من جراء الكشوف العلمية الحديثة. وهكذا حرص في فلسفته على أن يحد من تطرف ~~الكشوف العلمية وطموحها، ويحاول تحقيق نوع من «الانسجام» بين مجالي الدين والعلم، ~~مثلما حقق هذا الانسجام بين مملكتي الله والطبيعة، ولم يكن اهتمامه بالتوفيق بين ~~النظرتين الآلية والغائية إلى الكون سوى تعبير عن اتجاهه إلى تخفيف التعارض بين ~~الدين والعلم، فهو من جهة يمضي حتى النهاية في التفسير الآلي للطبيعة، ويسهم بنصيب ~~كبير في وضع الصيغ العلمية لهذا التفسير. ولكنه من جهة أخرى يحرص على إيضاح الأفكار ~~التي يمكن بواسطتها فهم الطابع الغرضي الحي للكون. ومن المؤكد أن ليبنتس كان من ~~أقدر الناس على القيام بهذه المهمة؛ إذ إنه قد استوعب بعمق الثقافة التقليدية ~~المدرسية والفلسفات القديمة. ولكنه في الوقت ذاته لم يكن منعزلا عن تيار العلم ~~الحديث، بل كان له فيه دور كبير. # ولقد كانت وسيلته إلى هذا التوفيق ذات طابع مزدوج؛ فهو من جهة يؤكد أن الطبيعة لا ~~تخضع للقوانين الآلية وحدها؛ لأنها ليست جوهرا ممتدا فحسب، وإنما هي ذات طبيعة ~~روحية في أساسها، ولما كانت هذه هي الفكرة الرئيسية في كتاب «مذهب الذرات الروحية»، ~~فإن بقية هذا البحث سيتكفل بشرح ms142 تفاصيلها؛ على أن ليبنتس لا يغفل الوجه الآخر ~~للمشكلة، وهو التقريب بين تصور الألوهية - أي التصور الديني الرئيسي - وبين العلم، ~~فنظرته إلى الألوهية كانت علمية إلى حد بعيد، وهو يسمي التفسير الإلهي «حسابا»، ~~ويحمل بشدة على الفكرة القائلة إن القوانين العلمية تتوقف على المشيئة الإلهية، وأن ~~الله كان في استطاعته تغيير هذه القوانين لو شاء، ويعبر ليبنتس عن فكرته هذه ~~تعبيرا واضحا في قوله: «ومع ذلك ينبغي ألا نتصور أبدا ما قال به البعض من أن ~~الحقائق الأزلية لما كانت تعتمد على الله، فإنها اعتباطية متوقفة على إرادته على ~~نحو ما يبدو أن ديكارت قد قال به، فهذا حكم لا يصح إلا على الحقائق العارضة التي ~~تخضع لبدء المنفعة أو اختيار الأفضل. أما الحقائق الضرورية فلا تتوقف إلا على الذهن ~~الإلهي، وهي الموضوع الباطن لهذا الذهن.» # 1 ~~(4) الأفكار الرئيسية في كتاب: «مذهب الذرات الروحية» مع نصوص مختارة من الكتاب # 2 # على الرغم من الطابع التوفيقي أو التلفيقي الذي لاحظناه من قبل في فلسفة ليبنتس، ~~فإن هذه الفلسفة كانت تتسم منذ بدايتها بوحدة تدعو إلى الإعجاب، فمنذ كتابات ليبنتس ~~الأولى، نرى لديه بوادر واضحة لمعظم الأفكار التي تضمنها هذا الكتاب الذي نعرضه ~~الآن، الذي ألفه قبل وفاته بعامين فقط، ومن أهم هذه الأفكار التي ظلت تلازمه من ~~البداية إلى النهاية: الاعتقاد بأن الوحدات الحقيقة التي يرتد إليها العالم ليست ~~وحدات مادية، وأن العالم الحي لا الطبيعة غير الحية، وهو الذي يمثل الفردية بأجلى ~~معانيها. هذا الاتجاه يظهر منذ أول بحث فلسفي كتبه ليبنتس، وهو البحث الخاص بمبدأ ~~الفردية، الذي كتبه عام 1663م، ثم يتردد في معظم كتاباته التالية. ولقد اتجه ليبنتس ~~في البداية إلى استخدام لفظ «النفوس» للتعبير عن هذه الوحدات الأولية غير المادية، ~~التي يتألف منها كل ما في العالم من أشياء مركبة. وكان في هذه التسمية متأثرا - ~~بطبيعة الحال - بتلك التجربة الاستبطانية التي نشعر فيها بأن الذات أو الأنا هي ~~الجوهر الحقيقي لكياننا وأساس الفردية فيه؛ على أن القول ms143 بأن الطبيعة مؤلفة من ~~نفوس، يؤدي إلى تجاهل الفوارق الأساسية في مراتب الكائنات التي يتميز بعضها بالنطق ~~والتفكير، ويفتقر بعضها الآخر إلى كل مبدأ معقول؛ ومن هنا التمس ليبنتس لفظا آخر، ~~وجده في كلمة «ألموناد»، وهذه الكلمة اليونانية تعني أصلا الوحدة الحسابية. ولكنها ~~تحولت إلى معنى الوحدة المادية، أو الجزء الذي لا يتجزأ؛ على أن ليبنتس يضيف إليها ~~معنى جديدا؛ فهي عنده وحدة حية؛ أي إنها فردية الكائن الحي في أدق وأبسط مظاهرها، ~~وهي موجودة وجودا فعليا. وليست مجرد وحدة فكرية كالوحدة الحسابية، وهو يعرفها ~~بأنها «جوهر بسيط، تشتمل عليه المركبات، المقصود بلفظ بسيط أنه لا يتجزأ، وحيث لا ~~تكون أجزاء، لا يكون الامتداد ولا الشكل ولا الانقسام ممكنا، وهذه الذرات الروحية ~~هي الذرات الحقيقية، وهي بالاختصار عناصر الأشياء.» # 3 # وأهم ما يميز فكرة «ألموناد» عند ليبنتس من فكرة الذرة كما عرفها الفلاسفة ~~اليونانيون القدماء مثلا، هو أن الأولى دينامية في أساسها؛ فالذرة الروحية عند ~~ليبنتس هي قبل كل شيء وحدة للقوة أو للنشاط والفاعلية. وبعبارة أخرى: فإن ليبنتس ~~يريد أن يقول: إنه لا شيء حقيقي حتى في المادة نفسها، إلا ما هو نشيط فعال، وما ~~هو في أساسه طاقة دينامية. # ويربط «ماير» بين فكرة الذرة الروحية وبين شخصية ليبنتس على نحو طريف يستحق أن ~~نشير إليه هنا بشيء من التفصيل، فصورة الجوهر الفرد قد تكونت عن طريق تأكيد ~~ليبنتس لذاته في مقابل العالم. # وعبقرية ليبنتس الشاملة كانت تضفي على العالم صورتها. وهكذا تصور الذات على أنها ~~داخلة في تركيب العالم، أو تصور العالم على أن فيه شيئا من طبيعة الذات، فماهية ~~العالم لا تفهم من خلال الموضوعات الممتدة كما تقول الميكانيكا الديكارتية، ~~وإنما تفهم عن طريق تجربة ذاتية، هي بذل الطاقة والإرادة. # هذه الفكرة تعد مظهرا لشعور ليبنتس بالتقابل بين وجوده الذي يؤكد ذاته بوصفه ~~وحدة عقلية أو جوهرا فردا، في مقابل تغير الزمان وتقلباته. وهذا الوجود لا يشعر ~~بذاته وبوصفه شخصا إلا نتيجة الجهد الفكري الذي يبذله من ms144 أجل إضفاء صورة على مادة ~~التجربة الحسية. وهكذا فإن مذهب ليبنتس الديناميكي إنما هو «تعبير باطن واع بذاته ~~عن وجوده الخاص؛ إذ إن تحمسه الشديد للنشاط والفعالية إنما يرجع إلى وجوده الخاص»، # 4 # وبقدر ما يكون للذرة الروحية من إدراكات واضحة تكون فاعليتها، على حين ~~أن الاختلاط في إدراكاتها يعني سلبيتها. وهكذا تتحدد مراتب القيم في هذا المذهب ~~تبعا لدرجة النشاط الروحي أو العقلي، أو وضوح المعرفة الذاتية، # 5 # ولكي يدلل «ماير» على ارتباط فكرة القوة هذه بصفات ليبنتس الذاتية ~~ومسلكه الخاص في الحياة، يربط على نحو طريف بين النص الذي يؤكد فيه ليبنتس فكرة ~~القوة في كتاب «المونادولوجيا» وبين نص آخر في رسالة سياسية، هي رسالة «الأمن ~~العام» التي كتبها في وقت مبكر من حياته. وفيها يقول: «إن الذهن البشري لا يمكنه أن ~~يسكن؛ فالسكون؛ أي انعدام الحركة نحو المزيد من الإدراك - إنما هو عذاب للذهن، ومن ~~يعرف كل شيء يفقد لذة الكشف. كما أن من يملك كل شيء يفقد لذة الكسب، ومن هنا فقد ~~أحس الإسكندر الأكبر بالقلق من أن يغزو أبوه العالم كله، فلا يترك له شيئا يغزوه»، # 6 # وفي رأينا أن محاولة ماير هذه وإن تكن تنطوي أحيانا على قدر من ~~الإسراف، فإن فيها عناصر معقولة إلى حد بعيد، فأغلب الظن أنه لم يكن من قبيل ~~المصادفة أن نرى ذلك المفكر الذي قضى حياته في صحبة الملوك والأمراء، وشعر بسطوة ~~القوة وتأثيرها وأهميتها، وخضع هو ذاته لتأثيرها، وجاهر باحترامه لها، نقول: إنه لم ~~يكن من قبيل المصادفة أن يجعل ذلك المفكر من فكرة القوة أساسا لتفسيره للعالم، ~~ومعيارا للتفرقة بين مراتب الكائنات. # وإذا فجوهر الأشياء جميعا - في رأي ليبنتس - هو القوة عنده تصور أسبق من تصور ~~الحركة نفسه؛ إذ إن الحركة - رغم ما لها من أهمية في تفسير الظواهر - ينبغي أن ~~ترد آخر الأمر إلى نوع من القوة أو النزوع. ومن المؤكد أن ليبنتس قد أدخل ~~تغييرا أساسيا على مفهوم الجوهر حين عرفه على هذا النحو؛ ms145 إذ إن الجوهر في ~~الفلسفات التقليدية كان هو العنصر أو الأساس الذي يظل ثابتا من وراء تغييرات ~~الظواهر، على حين أنه يغدو - في معناه الجديد عند ليبنتس - متغيرا فعالا، خاليا ~~تماما من أي عنصر سكوني. # ولم يكن تقريب ليبنتس بين هذه الوحدات الجوهرية الفردية وبين النفوس البشرية مجرد ~~تشبيه فحسب. بل إنه يعني بالفعل أن ذلك النوع الخاص من الوجود - الذي نستشعره في ~~أنفسنا - منتشر في الكون بأكمله ولكن بدرجات متفاوتة؛ ذلك لأن الطبيعة لا تعرف ~~انفصالا ولا طفرات مفاجئة، بل إن «قانون الاتصال» يسري على كل أجزائها؛ ومن هنا ~~قال ليبنتس بنوع من الحيوية أو الوجود الحي في الطبيعة بأسرها، وأكد أن الحياة ~~النفسية منتشرة في جميع نظم الطبيعة، وإن كانت تتخذ صورا غامضة في الكائنات ~~الدنيا، ولا ترقى إلى مرتبة روحية تكتفي بالإدراك وحده Perception ~~، وأخرى يتوافر لديها الإدراك الذاتي ~~أو الوعي # appercéption # الأولى يسميها بالذرات ~~الروحية المحض أو الكمالات # entétéchies ~~، والثانية ~~هي النفوس البشرية، التي تتميز عن الأولى بازدياد تميز إدراكها، وبوجود ملكة ~~الذاكرة والوعي لديها، وبمزيد من الإرهاف في حواسها. # وربما رأى البعض - عن حق - أن فكرة بعث الحياة في الطبيعة، أو تصور كل ذرة في ~~الكون على مثال النفس البشرية، تفتح الباب أمام التفسير الأسطوري للأشياء؛ إذ إن ~~الأساطير ما هي إلا محاولة لبعث الحياة في الكون بأكمله، ولتشبيه طبائع الأشياء ~~كلها بطبيعتنا الخاصة. غير أن من المؤكد - رغم ذلك - أن ليبنتس قد أضفى على رأيه ~~هذا طابعا علميا مستمدا من قانون الاتصال الذي أشرنا إليه من قبل؛ فالطبيعة في ~~رأيه تسير على نحو مطرد. وهذا مبدأ أساسي لا غنى عنه للروح العلمية الصحيحة. ومن ~~الخطأ أن نتصور أن ذلك الجزء من المادة - الذي تتألف منه الأجسام البشرية - هو وحده ~~الذي يرتبط بمبدأ نفسي أو روحي، وهو وحده ملكة الإحساس والإرادة، فمعقولية الطبيعة ~~واتساقها مع نفسها تتنافى مع هذا التصور؛ وعلى ذلك فإن الروح العلمية الصحيحة - في ~~رأي ليبنتس - هي التي تحتم القول بانتشار نوع ms146 من الحياة النفسية في الطبيعة ~~بأسرها. # ومن المؤكد أن تطور علم الأحياء في عصر ليبنتس كان من أهم الأسباب التي دفعته إلى ~~الأخذ بفكرة انتشار الحياة في الكون بأسره، فقد أتاح المجهر لبعض العلماء - وعلى ~~رأسهم ليفنهوك # Leeuwenhoek ~~- أن يكتشفوا كائنات ~~عضوية دقيقة لا تراها العين المجردة في الأجسام المادية التي تبدو جامدة لا حياة ~~فيها، ووجد ليبنتس في ذلك تأكيدا تجريبيا لرأيه القائل: إن المادة التي تبدو غير ~~حية تنطوي على عالم كامل من الكائنات العضوية الدقيقة المشابهة في طبيعتها لنا. ~~وهكذا تصور الكون كله على أنه جسم عضوي لا متناه يتضمن في ذاته أجساما عضوية ~~صغيرة، وهذه بدورها تنقسم إلى أجسام عضوية لا متناهية في الصغر، فكل جزء من المادة ~~ليس فقط قابلا للقسمة إلى ما لا نهاية، وكل جزء منه يقبل القسمة إلى أجزاء لكل ~~منها حركته الخاصة ... ~~«ومن هذا يتضح أن هناك عالما للمخلوقات وللأحياء وللحيوانات وللكمالات والنفوس ~~في أصغر أجزاء المادة.» ~~«ونستطيع أن نتصور كل جزء من المادة على أنه بستان مليء بالنباتات، أو حوض مليء ~~بالأسماك، غير أن كل فرع من النبات، وكل عضو من أعضاء الحيوان، وكل قطرة من هذه ~~السوائل، هو بدوره بستان أو حوض هكذا، حتى التراب والهواء الواقعان بين النباتات، ~~أو الماء الذي تسبح فيه الأسماك، يحتوي بدوره على مخلوقات دقيقة لا ترى.» # 7 # فإذا كانت الحياة النفسية والقوة والنزوع منتشرة في الطبيعة بأكملها، فإن ذلك ~~يعني أن كل ذرة تمثل الكون بأكمله، وتشعر بكل ما يحدث فيه، وكما اتضح في كشوف علم ~~الأحياء أن بذرة النبات تنطوي في ذاتها على صورة الكائن بأكمله، وأن في البذرة ~~نوعا من التشكيل الأصلي Préformation ~~، فإن معنى ~~ذلك أن كل ذرة روحية تنطوي في ذاتها على مبدأ جميع تطوراتها المقبلة. # هذه الفكرة الرئيسية في فلسفة ليبنتس كان لها - كما رأينا - أصل تجريبي مستمد من ~~تطور العلوم في عصره. غير أن في وسعنا أن نرجعها إلى أصول أخرى إلى جانب الأصل ~~التجريبي، فقد استمدها ms147 ليبنتس من مبدأ منطقي عام، هو المبدأ القائل: إن كل محمول ~~متضمن في الموضوع # omne prqedicatum inest subjecto ~~؛ ~~بحيث لا تكون فكرته الميتافيزيقية إلا تطبيقا أنتولوجيا لهذا المبدأ المنطقي. ~~وفضلا عن ذلك فربما استطاع المرء أن يردها إلى أصل مستمد من نمط الحياة التي ~~عاشها ليبنتس ذاته؛ ففي حياته الحافلة بالنشاط السياسي والعملي كان كلما فرغ لنفسه ~~وخلا لأفكاره؛ استخرج من ذاته كشفا جديدا أو فكرة رائعة؛ فالذات إذن تنطوي في ~~داخلها على كل شيء، وتطوراتها كلها موجودة فيها ضمنا، وتستخلص منها ~~بالاستنباط، وهي رغم عزلتها تعكس العالم كله وتمثله، مثلما كان ذهنه يعكس معارف ~~عصره كلها ويمثلها. ولقد كانت لهذه الفكرة الرئيسية؛ أعني فكرة تمثيل الذرة الروحية ~~الواحدة للكون بأسره؛ بحيث تكون «مرآة» ينعكس عليها الكون في صورة مصغرة، وانطواء ~~كل ذرة روحية على عناصر تطورها المقبل كلها، كانت لهذه الفكرة نتائج فلسفية متعددة، ~~سنورد فيما يلي أهمها: # أولى هذه النتائج هي القضاء على الحد الفاصل بين الكون والفساد والميلاد والممات ~~بحيث لا تكون هذه الأضداد إلا حالات طارئة تتعاقب على الذرات الروحية فحسب، ويؤكد ~~ليبنتس أنه لا يعترف بوجود نفس خاصة تظل مرتبطة بكتلة معينة من المادة وتقتصر على ~~رعاية شأنها؛ «ذلك لأن الأجسام كلها في صيرورة دائمة كالأنهار، وهناك أجزاء تدخل ~~فيها وتخرج منها بلا انقطاع ... ويترتب على ذلك أنه لا يوجد كون تام، ولا فساد أو موت ~~كامل بالمعنى الدقيق، يكون قوامه مفارقة النفس. وليس ما نسميه بالكون إلا نماء ~~وزيادة، مثلما أن ما نسميه بالموت إنما هو ضمور ونقصان.» # ومن النتائج المترتبة على القول بأن الذرة الروحية مرآة ينعكس عليها الكون كله، ~~الاعتقاد بإمكان تحصيل معرفة كاملة عن طريق مجموعة من الأفكار البسيطة مرتبة ~~ترتيبا صحيحا، فالأفكار البسيطة تؤدي على المستوى المعرفي نفس الدور الذي تؤديه ~~الذرات الروحية على المستوى الأنتولوجي، وهي بدورها تعكس عالم المعرفة بأسره، ~~وتكشفه لمن يستطيع أن يستنبطه منها. ولقد كان هذا الاعتقاد ملازما لتفكير ليبنتس ~~منذ شبابه المبكر، وظل على ms148 الدوام مؤمنا بإمكان وجود «أبجدية الفكر البشري»، ~~وبإمكان التوصل إلى ذلك «العلم الإلهي» القائم على التحليل والرمزية والتركيب ~~الجامع. وكان ذلك في رأيه أهم الأهداف وأجدرها بجهد الإنسان وسعيه، فإذا أمكن ~~الاهتداء إلى قائمة كاملة بالأفكار البسيطة، وبالعناصر الأولية التي لا تقبل ~~الانقسام في كل فكر بشري، فمن الممكن عندئذ أن نرمز لكل منها بعلامة، ويصبح ~~استنباط كل الحقائق التي لم تكشف بعد مسألة حساب وجمع فحسب، وعلى هذا النحو ~~ينشأ «علم كلي» # Scientia universalis # يتيح ~~للإنسان فهم أدق أسرار الكون بطريقة حسابية رياضية دقيقة. ولقد كانت الخطوة الهامة ~~التي اتخذها ليبنتس في سبيل بلوغ هذا الهدف، هي وضعه للدعائم الأولى للمنطق ~~الرياضي، الذي قصد منه أن يكون أداة تدوين هذه المعرفة البشرية الشاملة. وفي هذا ~~المجال كان ليبنتس رائدا لحركة لم تستأنف سيرها إلا بعد وفاته بما يقرب من مائة ~~وخمسين عاما، ورغم أن المنطق الرياضي الحديث لا يضع لنفسه - في الوقت الراهن على ~~الأقل - مثل هذا الهدف الطموح الذي قصد إليه ليبنتس، فإنه يدين لهذا الأخير قطعا ~~بفضل التمهيد لظهوره والقيام بالأبحاث الأولى التي أدى تطورها إلى نضوج هذا ~~العلم. # أما النتيجة الثالثة لرأي ليبنتس هذا فهي فكرة الانسجام، وقد ظهرت هذه الفكرة عند ~~ليبنتس نتيجة لوجود صفتين متعارضتين - الظاهر - للذرات الروحية عنده؛ فكل ذرة هي - ~~حسب تعريفها - فردية تماما، منطوية على نفسها، ليست لها «أبواب ولا نوافذ» تطل ~~منها على العالم الخارجي، غير أنها - من جهة أخرى - تعكس العالم كله من وجهة نظرها ~~الخاصة، فكيف إذن يتسنى تحقيق الاتفاق بين وجهات نظر الذرات الروحية كلها؟ لا بد ~~لذلك من وجود نوع من «الانسجام المقدر» # harmonie préétablie # بين الكائنات كلها في الكون، ومصدر هذا الانسجام هو الإرادة الإلهية، ~~التي شاءت أن تتفق إدراكات النفس الواحدة مع إدراكات كل نفس أخرى، مع أن كلا من ~~هذه النفوس مقفلة تماما على ذاتها، ولا سبيل إلى اطلاعها على ما يحدث في الأخريات. ~~وهكذا يرى ليبنتس أن الأصل الإلهي المشترك لكل النفوس ms149 هو الذي يضمن منذ الأزل حدوث ~~انسجام بين إدراكاتها؛ بحيث يكون قد قدر لها منذ البداية أن تكون صورة متوافقة ~~متسقة لعالم واحد رغم اختلاف وجهات نظرها إليه. # وتؤدي فكرة الانسجام هذه إلى حل مشكلة العلاقة بين النفس والجسم على نحو يلائم ~~اتجاه ليبنتس الفكري الخاص. ولعل أفضل وسيلة لعرض طريقة ليبنتس الخاصة في اتخاذ ~~فكرة الانسجام سبيلا إلى فهم العلاقة بين النفس والجسم، هي أن نقدم مقتطفات من ~~نصوصه التي يظهر فيها رأيه في هذه المشكلة بوضوح كامل. # يشرح ليبنتس في رسالة له أصبحت تعرف - ضمن مجموع مؤلفاته - باسم «الإيضاح الثاني» # deuxiéme éclaircissement ~~، رأيه في هذا ~~الموضوع من خلال تشبيه طريف فيقول: «لنفرض أن هناك ساعتين متفقتين تماما كل مع ~~الأخرى في الدلالة على الوقت، مثل هذا الاتفاق يمكن أن يحدث على واحد من أنحاء ~~ثلاثة: أولها أن يكون هناك تأثير متبادل على الواحدة في الأخرى، والثاني أن يكون ~~الاثنتان معا خاضعين لعناية مستمرة من مشرف يدأب على ضبطهما، والثالث أن تظل كل ~~منهما بذاتها دقيقة تماما في ضبط الوقت، والطريقة الثالثة تقتضي صنع الساعتين منذ ~~البداية بمهارة وفن يضمنان لنا اتفاقهما في المستقبل، وتلك هي الطريقة التي ~~أطلق عليها اسم الاتفاق المقدر، فإذا وضعنا النفس والجسم محل الساعتين؛ لوجدنا ~~أن اتفاقهما أو انسجامهما يمكن أن يحدث على واحدة من طرائق ثلاث: الأولى هي طريقة ~~التأثير، وهي طريقة الفلسفة الشائعة. ولكن لما لم يكن ثمة وسيلة لتصور الطريقة التي ~~يمكن بها أن تنتقل الدقائق المادية أو الصفات اللامادية أو الأنواع الحسية من أحد ~~هذين الجوهرين إلى الآخر، فمن الواجب التخلي عن هذا الفرض. أما طريقة الاستعانة ~~بمشرف فهي مذهب العلل ~~الفرضية # causes occasionnelles ~~، ولكني أرى أن ذلك يعني إقحام الألوهية في حادث طبيعي ~~مألوف ينبغي - وفقا للمبادئ العقلية - ألا يتدخل فيه شيء مضاد للمجرى العام ~~للحوادث الطبيعية، فلا يتبقى إذن سوى فرضي - أعني طريقة الانسجام المقدر - التي ~~نقول فيها إن القدرة الإلهية الأزلية قد صاغت الجوهرين منذ البداية ونظمتهما ms150 بدقة ~~تبلغ من الكمال حدا يجعل كلا منهما، في سيره وفقا لقانونه الخاص الذي اكتسبه ~~مع وجوده، يتفق تماما مع الآخر وكأن هناك تأثيرا متبادلا، أو كأن الله يتدخل ~~بيده دائما ليحدث هذا الاتفاق العام»، ويزيد ليبنتس فكرته وضوحا حين يقول في «المونادولوجيا»: # ولقد أتاحت لي هذه المبادئ أن أهتدي إلى تفسير طبيعي للاتحاد أو الاتفاق ~~بين النفس والجسم العضوي؛ فالنفس تتبع قوانينها الخاصة، والجسم كذلك يتبع ~~قوانينه الخاصة، وهما يلتقيان بفضل الانسجام المقدر بين جميع الجواهر، ~~ما دامت الجواهر كلها تمثل كونا واحدا، فالنفوس تسلك - وفقا لقوانين العلل ~~الغائية - عن طريقة النزوع أو الرغبة # appétiton # والغايات والوسائل. أما ~~الأجسام فتسلك وفقا لقوانين العلل الفاعلة أو الحركات، والعالمان - عالم ~~العلل الفاعلة وعالم العلل الغائية - منسجمان فيما بينهما. # 8 # وهكذا ينتقد ليبنتس نظرية ديكارت، التي تقول بتأثير الجسم والنفس كل منهما في ~~الآخر، على أساس استحالة هذا التأثير بين جوهرين: أحدهما مادي والآخر لا مادي ، ~~وينتقد نظرية مالبرانش التي تجعل تأثير النفس في الجسم مجرد «فرص» أو «مناسبات» ~~لتدخل القوة الإلهية. ومن المؤكد أن ليبنتس - رغم أنه قد اعتاد التخلص من كل مشكلة ~~تعترضه بالالتجاء إلى فكرة العناية الإلهية - كان في هذه الحالة يخفف من غلواء ~~النزعة الدينية المتطرفة عند مالبرانش، الذي جعل التدخل الإلهي مستمرا في كل لحظة ~~يحدث فيها تأثير من النفس في الجسم أو العكس. وليس معنى ذلك أن ليبنتس قد أنكر تدخل ~~المبدأ الإلهي. ولكنه جعل هذا التدخل يقتصر على فعل الخلق الأصلي، الذي أدى إلى ~~وجود الذرات الروحية أو الجواهر البسيطة، ولما كان هذا الفعل كاملا منذ البداية، ~~فإن كل شيء يسير بعد ذلك في طريقه السليم، ويتحقق الانسجام التام بين الجسم والنفس، ~~على الرغم من أن كلا منهما يسلك وفقا لطبيعته الخاصة، ولا يخضع إلا للقوانين ~~التي تقتضيها هذه الطبيعة. # على أن الانسجام بين الجسم والنفس - داخل الكائن البشري - إنما هو تعبير جزئي عن ~~ذلك الانسجام الأكبر الذي يسود الكون بأسره، فقد كان من الطبيعي ms151 أن يؤمن ليبنتس بأن ~~العالم منظم ومعقول، وبأنه لا وجود لشيء ممتنع أو شاذ أو خلو من المعنى. وهكذا ~~يستطيع العقل الخالص أن يدرك كل ما في الكون تبعا لما فيه من ضرورة، ولما له من ~~دلالة، ويختفي الشر من العالم، ويصبح كل شيء منظما واضحا معقولا، ولا يخلو ~~العالم من كل خطأ وكل نقيصة، وهذه الفكرة واضحة كل الوضوح من العبارة الأخيرة في ~~النص الذي اقتبسناه منذ أسطر قليلة، والتي أكد فيها وجود انسجام بين عالم العلل ~~الفاعلة وعالم العلل الغائية. وبعبارة أخرى: فحين يسير كل شيء تبعا لقانونه ~~الطبيعي الخاص، يكون في الوقت ذاته قد حقق الغاية الإلهية المقصود منه، وتفسير ~~الأشياء علميا يتفق وينسجم مع تفسيرها في ضوء الحكمة الإلهية، «فلا شيء في الكون ~~يضيع بددا، ولا شيء عقيم أو ميت، ولا اضطراب ولا خلط إلا في الظاهر فحسب.» # 9 # في هذا العالم الذي يسوده الانسجام، والذي هو - في رأي ليبنتس - أفضل عالم ممكن؛ ~~لأن الكمال الإلهي يحتم ألا يتحقق بالفعل إلا أكمل ما يمكن أن يتحقق، في هذا العالم ~~المنظم - الذي يتكشف كل شيء فيه للعقل وللمنطق - تقف النفوس في مراتب يعلو بعضها ~~على بعض، وتحتل المرتبة العليا فيها تلك الأرواح العاقلة التي هي صورة للألوهية، ~~والتي ترتبط بالله في علاقة أشبه بعلاقة المخترع بآلته، بل الحاكم برعاياه والأب بأبنائه، # 10 # هذه الأرواح العاقلة يكون مجموعها ما أطلق عليه ليبنتس اسم «مدينة ~~الله»، أي «أكمل دولة يحكمها أكمل الملوك.» # ويختتم ليبنتس كتاب «المونادولوجيا» بفقرات شعرية الأسلوب، تتضمن إطراء «لمدينة ~~الله» هذه وتمجيدا لما يسودها من خير ونظام. وفي هذا النص يقول: ~~«هذه المدينة الإلهية وهذه المملكة الشاملة بحق، هي عالم أخلاقي في العالم ~~الطبيعي، وهي أرفع أعمال الله وأكثرها ألوهية. وفيها يكون المجد الإلهي بحق؛ إذ إن ~~هذا المجد ما كان ليوجد لو لم تكن الأرواح تدرك عظمته وخيرته وتعجب بها. وفي هذه ~~المدينة الإلهية تتبدى خيرية الله حقا، على حين أن حكمة الله وقدرته تتبدى ms152 في ~~كل شيء.» ~~«وكما أثبتنا من قبل وجود انسجام كامل بين مملكتين طبيعيتين: إحداهما مملكة العلل ~~الفاعلة والأخرى مملكة العلل الغائية، فينبغي أن نلاحظ هنا انسجاما آخر بين ~~المملكة المادية - مملكة الطبيعة - وبين الممالك الأخلاقية، مملكة اللطف الإلهي # grâce ~~؛ أي بين الله، منظورا إليه على أنه ~~مهندس آلة الكون، والله منظورا إليه على أنه ملك مدينة الأرواح الإلهية. # هذا الانسجام يجعل الأشياء تؤدي إلى اللطف الإلهي بنفس مسالكها الطبيعية؛ بحيث ~~ينبغي مثلا أن يدمر العالم ويقوم بالطرق الطبيعية في اللحظات التي تقتضيها حكم ~~الأرواح، من أجل عقاب بعضها ومثوبة البعض الآخر.» # ويمكن القول أيضا: إن بوصفه صانعا # architecte # يرضى في كل شيء الله بوصفه مشرعا، وإن الخطايا - بالتالي - ينبغي أن تنطوي في ~~ذاتها على عقوبتها وفقا لقانون الطبيعة، وبفضل التركيب الآلي للأشياء، وإن الأفعال ~~الصالحة - بالمثل - تجتذب بطرق آلية بالنسبة إلى الأجسام، وإن لم يكن من الممكن أن ~~يحدث ذلك دائما على الفور. ~~«وأخيرا، ففي هذا الحكم الكامل لا يمكن أن يكون هناك فعل صالح دون ثواب، ولا حكم ~~فاسد دون عقاب، ولا بد أن ينته كل شيء إلى تحقيق صالح الأخيار، وهذا ما يجعل ~~الأشخاص الحكماء والفضلاء يحرصون على فعل كل ما يبدو متفقا مع الإرادة الإلهية ~~المتوقعة أو المستبقة، ويرضون مع ذلك بما يصدر عن الله بالفعل عن طريق إرادته ~~الغامضة، التي هي متسقة وحاسمة؛ ذلك لأنهم يدركون أنه لو كان في وسعنا فهم نظام ~~الكون فهما كافيا؛ لوجدناه يفوق ما يتمناه أحكم الناس، ولاتضح لنا أن من المستحيل ~~جعله أفضل مما هو، ليس فقط بالنسبة إلى الكون في مجموعه، بل أيضا بالنسبة إلينا ~~على التخصيص، وذلك إذا ما تعلقنا كما ينبغي بخالق الكل، لا بوصفه صانع وجودنا وعلته ~~الفاعلة فحسب، بل أيضا بوصفه سيدنا، والعلة الغائية التي ينبغي أن تكون هي الهدف ~~الكامل لإرادتنا، والتي تكون فيها وحدها سعادتنا.» # 11 # في هذه العبارات الصوفية التي يختتم بها كتاب «المونادولوجيا» يعبر ليبنتس بدقة ~~عن نظرته العامة إلى الكون، ms153 وهي النظرة التي حاول فيها - كما قلنا في حديثنا عن ~~الاتجاه العام لفلسفته - أن يوفق بين العلم والدين على قدر استطاعته. ولقد اتهم ~~ليبنتس بأنه يلجأ إلى فكرة العناية الإلهية ليتخلص بها من كل صعوبة فلسفية تواجهه، ~~ولو تأملنا النص السابق جيدا، لوجدنا لهذا الاتهام ما يبرره؛ إذ يصل به الأمر إلى ~~حد الدعوة فلسفيا إلى قبول كل ما يحدث في الكون، حتى ما لا يكون في ذاته مفهوما ~~أو معقولا؛ على أنه مظهر لحكمة إلهية غامضة لا نستطيع أن نحيط بجميع أطرافها، ولا ~~يمكننا أن ندرك مقاصدها الحقيقة بعقولنا القاصرة. ولقد كان من الطبيعي أن يلجأ هذا ~~المفكر - الذي قضى حياته وسط الملوك والأمراء والحكام - إلى تشبيه الكون بمملكة ~~إلهية، وتشبيه الله بالحاكم أو «أكمل الملوك»، وشتان ما بين طريقة التفكير هذه ~~وطريقة تفكير اسبينوزا (معاصره الأكبر سنا) الذي طالما نبه إلى خطأ تصور الناس ~~لآلهتهم من خلال تصورهم لحكامهم. # ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن ننكر لليبينتس فضلا كبيرا، هو أن تأكيده لفكرة ~~الغائية والحكم الكونية لم يتم على حساب القوانين الطبيعية، فهو لم يكن - مثل ~~مالبرانش - على استعداد للتضحية بانتظام الطبيعة واطراد قوانينها في سبيل تأكيد ~~القدرة الإلهية، وإنما حرص على تأكيد الاتفاق أو الانسجام بين انتظام الطبيعة ~~وغائيتها، أو - حسب تعبيره في النص السابق - بين الله بوصفه صانعا والله بوصفه ~~مشرعا. وربما كان ذلك أقصى ما يستطيع أن يفعله شخص مثل ليبنتس، كان ذا عقلية علمية ~~نفاذة من جهة. ولكنه كان من جهة أخرى صفيا ومستشارا لحكام رجعيين، وسواء آمن ~~المرء أم لم يؤمن بالفرض الذي يقول به رسل، من أن ليبنتس كان ذا فلسفتين؛ إحداهما ~~لاهوتية هي تلك التي أذاعها في كتاب «الحكمة الإلهية»، والأخرى علمية هي تلك التي ~~تضمنتها أبحاثه وكتاباته المختلفة، فمن المؤكد، على أية حال، أن ليبنتس قد صان حقوق ~~العلم، في نفس الوقت الذي حاول فيه - عن طريق فكرة الانسجام - أن يجعل للاهوت دورا ~~في تفسيره للعالم. # | العالم إرادة وتمثلا لشوبنهور ms154 # (1) حياة شوبنهور # إذا كان تفسير آراء كثر من الفلاسفة من خلال وقائع حياتهم يخفق في أحيان غير ~~قليلة، فإنه ينجح قطعا في حالة شوبنهور؛ لأن وقائع حياته تكشف نقاطا كثيرة في ~~مذهبه الفكري، أو على الأقل ترتبط بهذه النقاط ارتباطا واضحا، وهو في ذلك على ~~النقيض من أستاذه «إيمانويل كانت»، الذي لم يكن النمط الرتيب الجاف الذي سارت عليه ~~حياته يكشف عن أي شيء من آرائه، ولا يمكن أن يرتبط بأية طريقة خاصة في التفكير، ~~وستتضح هذه الحقيقة عن شوبنهور بجلاء خلال العرض الذي سنقدمه لحياته. # ولد أرتور شوبنهور # Arthur Schopenhauer # في ~~مدينة دانتسج في 22 فبراير عام 1788م. وكان أبوه تاجرا ثريا، يهتم بعض الاهتمام ~~بالمسائل الثقافية. غير أنه كان يتميز بنوع من الاستقلال في الآراء وجفاف الطبع. ~~أما أمه فكانت امرأة ذات مواهب عقلية رفيعة، اشتهرت يوما ما بوصفها كاتبة قصصية. ~~وكان لها فيما بعد منتدى أدبي (صالون) في فيمار. ولقد أبدى «أرتور» في طفولته مقدرة ~~عقلية ممتازة، وعكف بعد ذلك على دراسة العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، ثم انتقل ~~إلى دراسة الفلسفة في وقت متأخر نسبيا في جامعتي جوتنجن وبرلين. وفي عام 1813م ~~ألف أول كتبه، وهو «الأصل الرباعي لمبدأ السبب الكافي»، وهي رسالة حاز بها درجة ~~الدكتوراه في الفلسفة من جامعة يينا، وعرض فيها نظرية في المعرفة مبنية على رأي ~~«كانت» في مثالية الزمان والمكان والمقولات. # وفي خلال إقامته في درسدن - في المدة من سنة 1814م إلى سنة 1818م - أنتجت عبقريته ~~الخلاقة كتابا فلسفيا ضمنه خلاصة تفكيره. وكان سنه عندما انتهى منه ثلاثين ~~عاما، فكان مما يدعو إلى الدهشة حقا أن يكتمل تفكيره ويبلغ كل هذا القدر من ~~النضح وهو في هذه السن المبكرة. هذا الكتاب - الذي عبر عن مذهب شوبنهور أكمل تعبير ~~- هو «العالم إرادة وتمثلا»، وعنوانه في الألمانية # Die Welt als ~~Wille und Vorstellung ~~، وإنه لمن الأمور التي تسترعي النظر أن ~~شوبنهور قد عاش واحدا وأربعين عاما بعد نشر هذا الكتاب، لم يجد خلالها ما ms155 يدعوه ~~إلى الرجوع عن أفكاره الرئيسية التي تضمنها كتابه هذا. ومن المعروف أنه كان منذ ~~حداثته يحتفظ بكراسة مذكرات يدون فيها ما يخطر له من الأفكار. وهكذا كان الكتاب ~~تعبيرا موضوعيا عن نظرته العامة إلى الحياة، تلك النظرة التي لم يتخل عنها إلى ~~النهاية. # وفي سنة 1819م تولى شوبنهور منصبا للتدريس بجامعة برلين، فبلغت به الجرأة أن ~~حدد لمحاضراته نفس مواعيد محاضرات هيجل. ولكنه بطبيعة الحال لم يستطع أن يجتذب ~~المستمعين من فيلسوف ألمانيا الأكبر. وفي سنة 1821م اعتزل التدريس، ثم اعتكف في ~~«فرانكفورت آم مين»، حيث عاش حياة منعزلة موحشة بلا أصدقاء سوى كلب أطلق عليه اسم ~~«آتما» (وهي «النفس الكلية» عند الهنود). وكان سبب اعتكافه هذا واضحا، فقد أخفق ~~تماما في التدريس. كما أن كتابه الرئيسي لم يلق أي نجاح، في الوقت الذي كان يرى ~~فيه هيجل وشلنج وفشته - الذين كانوا في رأيه أقرب إلى الدجل منهم إلى الفلسفة ~~الصحيحة، يرفعون إلى مصاف العباقرة، ويلقون أعظم النجاح في جميع الأوساط، وظل ~~شوبنهور يعيش هذه الحياة الموحشة المعتمة، مع تأليف كتب أخرى أقل أهمية، حتى مات ~~عام 1860م. ولكن الشهرة كانت قد بدأت تهبط عليه في العقد الأخير من حياته، وخاصة ~~عندما ألف «يوليوس فراونشتت # Julius Frauenstädt ~~» ~~كتابه «رسائل عن ~~فلسفة شوبنهور # Briefe ~~über die Schopenhauersche philosophi ~~». ولكن كان واضحا أن الشهرة قد أتت بعد فوات ~~الأوان، إذ لم تفلح في إضفاء أي قدر من البهجة على حياته الكئيبة. ~~(2) مؤلفات شوبنهور # بدأ شوبنهور حياته التأليفية - كما قلنا - بكتابه الأصل الرباعي لمبدأ السبب الكافي # über ~~die Vierfache Wurzel des satzes vom zureichendem Grunde ~~. وهذا الكتاب يكون مدخلا ~~ضروريا إلى فهم كتابه الرئيسي الذي نحن بصدده، وإن يكن قد تأثر فيه بكانت أكثر ~~مما ينبغي، وبعد عامين (أي في 1815م) ألف كتابا في نظرية الألوان، بعنوان ~~«الأبصار والألوان» # über das Sehen und die Farben ~~، ثم كتابه الرئيسي «العالم إرادة وتمثلا» في سنة 1819م. وفي فترة ~~عزلته الأخيرة ألف عن «الإرادة ~~في ms156 الطبيعة» # Uber das Willen in der Natur # عام 1836م، وكتاب «المشكلتان الأساسيتان في ~~الأخلاق» # Die beide Grund probleme der Ethik # في عام 1841م، وكذلك كتاب «تكملات وإضافات Parerga und paralipomena ~~» عام ~~1851م. # على أن شوبنهور لم يكن قد اكتفى بالجزء الذي تحدثنا عنه من كتابه الرئيسي «العالم ~~إرادة وتمثلا»؛ ففي عام 1844م؛ أي بعد خمسة وعشرين عاما من ظهور الطبعة الأولى، ~~أخرجه في طبعة ثانية تتألف من مجلدين؛ كان المجلد الأول منهما مماثلا تقريبا ~~للطبعة الأولى. أما المجلد الثاني فكان يتألف من خمسين فصلا تتضمن مناقشات تدور ~~حول الأفكار الرئيسية التي تضمنها المجلد الأول. ولقد كان لهذا المجلد الثاني طابع ~~موسوعي جامع، يشهد بمدى نضوج تفكير شوبنهور وتعمقه؛ بحيث أصبح المجلدان معا يكونان ~~عملا من أعظم الأعمال الفلسفية على الإطلاق. ~~(3) الأفكار الرئيسية في كتاب «العالم إرادة وتمثلا» # قلنا: أن الإلمام بكتاب «الأصل الرباعي لمبدأ السبب الكافي» ضروري من أجل فهم ~~كتاب شوبنهور الرئيسي الذي هو موضوعنا الآن؛ إذ إن شوبنهور كثيرا ما يشير إليه في ~~كتابه الكبير، ولا سيما في المجلد الأول، حيث ذكر صراحة أن هذا المجلد لا يفهم ~~إلا إذا اتخذ الكتاب الآخر مقدمة له؛ ففي كتاب «الأصل الرباعي» هذا يناقش ~~شوبنهور نظرية المعرفة، ولا سيما مشكلتها الرئيسية، مشكلة الإدراك الحسي، وهو يرى ~~أننا عندما ندرك شيئا بحواسنا، لا تنقل إلينا الحواس سوى مواد بسيطة، لا تكفي لكي ~~نعرف شيئا بالمعنى الصحيح، وإنما تقوم ملكة الإدراك لدينا - وهي ملكة ذهنية - ~~بتكملة ما يرد إلينا من الحواس، وتكملتها هذه أساسية، حتى إننا نستطيع أن نقول إن ~~إدراكنا «عقلي» لا «حسي»، وإن ذهننا هو الذي يكون صورة العالم الخارجي بما فيها ~~من تنوع وثراء؛ ففيم تنحصر فاعلية هذا الذهن؟ وما هي العناصر التي يأتي بها من ذاته ~~لكي يصبغ العالم بصورته الخاصة؟ لقد سبق أن قال الفيلسوف الألماني «كانت»: إن هذه ~~العناصر هي «المقولات» الاثنتا عشرة، التي لا يعنينا هنا أن نعددها كلها. ولكن ~~شوبنهور يختبر رأي «كانت» هذا بدقة، ms157 فيستبعد إحدى عشرة مقولة من هذه؛ ليستبقي ~~واحدة فقط يرى أنها هي الأساسية؛ تلك هي مقولة العلية، وهو يضيف إليها صورتي ~~المكان والزمان، وهما بدورهما ذاتيتان لا وجود لهما خارج الذهن؛ أي إنهما - كالعلية ~~- وظيفتان باطنتان لذهننا، تصاغ فيهما كل تجربة ممكنة يدركها الإنسان؛ فكل ما ~~حولنا، وما يخطر ببالنا وما يتراءى لنا بطريق مباشر أو غير مباشر، وهو إما علة أو ~~معلول، وهو يحتل مكانا ويمر في زمان، وعن طريق هذه الصور الثلاث ينظم ذهننا العالم ~~الخارجي والعلاقات بين الأشياء فيه، وهذه المعاني الثلاثة ليست مستمدة من التجربة. ~~بل إن التجربة لا تكون ممكنة إلا إذا صيغت فيها، فتلك الصور الثلاثة إذن ~~«أولية # Apriori ~~». # ويلخص شوبنهور تلك الصفة التي تكون الأشياء بموجبها معتمدة على الذهن، ومرتبطة ~~بعضها ببعض في الإطار الذهني، بقوله: إن الأشياء تخضع لمبدأ السبب الكافي، ولهذا ~~المبدأ أربعة مظاهر (هي التي تكون «أصله الرباعي»)، أولها مظهر التغير؛ فهو يتخذ ~~أولا مظهر قانون العلية الذي يتحكم في تغير الظواهر ويربطها بعلاقة المعلول، هو ~~يتخذ ثانيا مظهرا منطقيا مجردا، تكون فيه المقدمة المنطقية علة أو أساسا ~~للنتيجة، وله مظهر ثالث هو الوجود في المكان والزمان، كما هي الحال في قضايا ~~الهندسة التي تؤدي فيها إحدى العلاقات إلى علاقة أخرى بالضرورة. وأخيرا يتخذ ~~مظهرا نفسيا أو أخلاقيا في الإنسان، حيث يؤدي الباعث المعين إلى ظهور فعل ~~معين. وهكذا فإن مبدأ السبب الكافي يتناول الصورة التي «نتمثل» العالم عليها، وهو ~~يتعلق «بشكل» العالم كما يتبدى لنا؛ أي بالطابع الذي يضفيه ذهننا عليه. ولكن لا ~~بد من أن يكون هناك - من وراء هذا الشكل أو الطابع الذي يظهر عليه العالم لذهننا - ~~كيان باطن هو الذي أطلق عليه «كانت» اسم «الشيء في ذاته»، وهو الذي يمكننا أن ~~نعده قلب الوجود الحقيقي، تمييزا له من المظهر الذي يتبدى عليه هذا الوجود ~~لإدراكنا. # وإذا كنا قد توسعنا قليلا في شرح آراء شوبنهور في هذا الكتاب؛ فذلك لأن هذه ~~الآراء ترتبط مباشرة بأفكاره الرئيسية في ms158 كتاب «العالم إرادة وتمثلا»، وتمهد ~~الطريق لمذهبه الكامل الذي يفترضها مقدما. # فهو يبدأ كتابه بالحديث عن العالم من حيث هو مظهر؛ أعني العالم من حيث هو موضوع ~~لإدراكنا عالم الأشياء وعالم الطبيعة. هذا العالم في أساسه تمثل # Vorstellung ~~: أي إن الذات التي تدركه هي التي ~~تجعله موضوعا لها؛ ومن هنا فهو «تمثلي»؛ أي إنني أنا الذي أمثله لنفسي على نحو ~~ما. ولقد أيدت أبحاث العلوم الطبيعية هذا الرأي؛ إذ قالت بأن الألوان أو الأصوات ~~ذاتية، أي إنها ليست صفات في الأشياء نفسها، بل تضفيها الذات على الأشياء، وأكده ~~الفيلسوف الألماني «كانت»، حين جعل المكان والزمان صورا ذاتية، وكذلك المقولات ~~التي تفهم الذات من خلال العالم الخارجي، وإن يكن شوبنهور قد اختلف مع «كانت» - كما ~~قلنا - في عدد المقولات وأهميتها النسبية. # على أن هناك عنصرا أساسيا في العالم لا يخضع لصفة «المظهرية» هذه، أي لا ~~يتبدى من خلال أشكال تخلعها عليه ذاتنا، وإنما يتبدى في أصالته وعلى نحو مباشر، ~~فإذا كان جسم الإنسان يخضع لشروط الزمان والمكان والعلية، فإننا نشعر أيضا بأن لنا ~~كيانا آخر لا يخضع لهذه الشروط، ولا يتغير بتغير الزمان أو المكان، ويستطيع التغلب ~~على قيود العلية، أو البدء في أفعال جديدة دون الخضوع لهذه القيود، ذلك الكيان هو ~~«الإرادة»؛ فالجسم ذاته يعد - بالنسبة إلى هذه الإرادة - «مظهرا» لها، تدفعه ~~حيث شاءت، وتتحكم فيه بشروطها الخاصة، ويمد شوبنهور نظرته هذه إلى الطبيعة بأسرها، ~~فمن الممكن أن نتصور الكون كله على مثال الإنسان، بحيث يكون المجرى المادي للظواهر ~~الطبيعية مماثلا لجسم الإنسان، بينما يوجد من وراء هذا المجرى المادي كيان آخر ~~للطبيعة تتمثل فيه ماهيتها الحقيقية، ويكون هو «الإرادة» المنبثة في كل أرجاء ~~الكون، والقوة المتحكمة فيه؛ فكل ما نعرفه في الطبيعة من قوى وطاقات تنتج أفعالا ~~وتأثيرات، إنما هي أشكال تتجلى فيها الإرادة الشاملة في العالم. وهكذا يستمد ~~شوبنهور من فكرة «القوة» أو «الطاقة» - التي تلعب دورا هاما في العلوم ~~الفيزيائية - تأييدا لرأيه القائل: إن الماهية الأصلية للكون ms159 إرادة تتحكم في ~~ظواهره المادة مثلما تتحكم الإرادة البشرية في ظواهر الجسم الإنساني، ولا يقتصر ~~الأمر على الظواهر الفيزيائية وحدها. بل إن هناك إرادة واحدة من وراء كثرة الظواهر ~~الفسيولوجية والنفسية. وهكذا فبينما تقوم علوم الفيزياء والبيولوجيا وعلم النفس ~~بملاحظة الظواهر الكثيرة موضوعيا، وتحديد قوانينها في المكان والزمان، وتعيين ما ~~هو علة وما هو معلول منها، فإن هناك مبحثا آخر - هو «الميتافيزيقا» - مهمته أن ~~ينفذ من وراء هذه الكثرة الموضوعية إلى الكيان الأصلي الذي يتحكم فيها، وهو «إرادة» ~~العالم. # فإذا كانت ماهية الإنسان وماهية الكون الأصلية هي الإرادة، فلا جدال في أن الصورة ~~التي سترسم لحياة الإنسان ولمجرى الكون ستكون قاتمة إلى حد بعيد؛ ذلك لأن ~~الإرادة ليست مبدأ عاقلا منظما، يستهدف غايات محددة ويسير نحو تحقيقها تبعا ~~لخطة مرسومة، وإنما هي أساسا اندفاع أعمى، وقوة طاغية لا ضابط لها ولا نظام. أما ~~ذلك الذي نطلق عليه اسم العقل أو الروح أو الذكاء، فما هو إلا أداة في يد هذه القوة ~~الغاشمة تتحكم فيها تتحكم فيها كما تشاء، وطالما أنها هي المبدأ الأساسي في الكون، ~~فلا بد أن يكون تاريخ البشرية كله سجلا للأعمال المتخبطة لهذه الإرادة، مثلما أن ~~التاريخ الفردي حافل بالخداع، خلو من المعنى، ليس له من نهاية سوى الموت المحتوم؛ ~~فالعالم في أساسه لا معقول، ومضاد لكل منطق. # وليس من الصعب أن يدرك المرء في هذه الصورة المعتمة التي رسمها شوبنهور للعالم. ~~وفي التشاؤم الذي أصبح طابعا مميزا لفلسفته، صدى للإخفاق الذي لقيه في حياته، ~~ولعجزه عن تحقيق رغباته واضطراه إلى اعتزال عالم الناس. ولكنه في الوقت نفسه يمكن ~~أن يعد مظهرا من مظاهر أمانته العقلية نزاهته الأخلاقية؛ إذ لم يستطع أن يعيش ~~طويلا مع الأكاذيب، أو أن يوفق بين ضميره وبين الخداع الذي واجهه في الحياة، فآثر ~~أن يبتعد عن المجتمع ويعلن عداءه للحياة بدلا من أن ينافقها ويتعايش معها من وراء ~~ضميره. ولقد تمكن خلال هذه النظرة التشاؤمية، المترفعة عن واقع الناس، من أن ~~يتعمق ms160 في طبائع البشر وهو ينظر إليها عن بعد، وأن يكتسب دقة نادرة في ملاحظة ~~النفس البشرية ونواحي الضعف فيها، فأثبت في كتاباته أنه عالم نفسي من الطراز الأول، ~~وذلك في مجال الفهم العلمي لطبيعة الإنسان، لا في المجال النظري بطبيعة الحال، ونجم ~~عن ذلك أن اكتسب فلسفته طابعا شخصيا إلى حد بعيد؛ بحيث يشعر قارئه على التو ~~بالصلة الوثيقة بين الفكر والمفكر، على عكس الحال في مذهب خصمه «هيجل»، الذي حرص ~~على أن يكون مذهبه لا شخصيا، وعلى أن ينسب إليه حقيقة موضوعية تعلو على تغيرات ~~الزمان والمكان، وإذا كان مذهب شوبنهور قد افتقر إلى مثل هذه الحقيقة الموضوعية، ~~فلا جدال في أنه قد عوضها بحقيقة أخرى ذاتية نحس فيها بحرارة الشخصية الإنسانية ~~التي خلقت هذه الحقيقة، وبصدقها وإخلاصها الكامل. # ولكن هناك، مع كل هذا الطابع التشاؤمي وكل هذه اللامعقولية التي يتسم بها العالم، ~~طريقا إلى الخلاص. وهذا الطريق له مرحلتان: مرحلة مؤقتة، ومرحلة نهائية كاملة، ~~والمرحلتان معا تتميزان بمحاولة قمع أصل الشر في العالم وهو الإرادة. # أما المرحلة المؤقتة؛ فهي مرحلة الفن؛ ففي الفن يمارس الإنسان نشاطا خاصا، لا ~~يؤثر فيه نزوع الإرادة أو طموحها، ويتحرر من كل الأغراض والأهداف المميزة ~~للإرادة، فأنت حين تمارس نشاطا فنيا، لا تفعل ذلك لأن لإرادتك هدفا محددا تريد ~~بلوغه. بل إن هذا النشاط خالص من كل غرض، وما هو إلا تأمل لأنماط وصور خالصة، وهو ~~يعلو على الصفات الجزئية في الأشياء، ويتأملها في صورتها الكلية الخالصة؛ ففي ~~العمارة نرى فاعلية القوة خالصة. وفي الفنون التشكيلية نتمثل الشكل الإنساني ~~والحيواني في صفاته الحيوية الخالصة. كما أن الشعر يكشف لنا عن طباع الإنسان ~~ومشاعره بوجه عام. أما الموسيقى فهي أعلى الفنون جميعا؛ إذ إنها تكشف عن إرادة ~~العالم ذاتها في عالم الإيقاع والأنغام الذي تفتح آفاقه لنا؛ فهي فن الصورة ~~الخالصة، لا الصورة المكانية أو العينية الجزئية، وهي لا تكشف لنا عن هذه العاطفة ~~أو تلك، وإنما عن العاطفة بما هي كذلك؛ فالعالم - كما ms161 يقول «شوبنهور» - موسيقى ~~متجسدة، مثلما أنه إرادة متجسدة. # وأما المرحلة النهائية للخلاص من قبضة الإرادة؛ فهي مرحلة الأخلاق، ويتم الخلاص ~~الكامل - في مجال الأخلاق - بإدراك الإنسان أن الموجودات كلها تكون وجودا ~~واحدا؛ أي بالقضاء على فكرة الكثرة أو الفردية؛ ذلك لأن شعور كل شخص بفرديته هو ~~مبعث الأنانية، وبالتالي مصدر الشرور جميعا؛ إذ يتصادم الأفراد بعضهم مع البعض، ~~فتنجم الرذائل الأخلاقية كلها - من كراهية وحسد ورغبة في القضاء على الخصم - عن هذا ~~التصادم. غير أن هذه الكثرة ليست إلا خداعا. وحين ينكشف للإنسان هذا الخداع ويرفع ~~عنه وهم الكثرة، يصل إلى الخلاص الحقيقي، إذ يدرك الوحدة الكامنة من وراء الكثرة ~~الظاهرة، ويسود العطف أو الشفقة، وهو الشعور الذي يربط بين الأفراد بعد أن كانت ~~الأنانية تفرق بينهم. وأفضل عقيدة دينية تمثلت فيها فكرة الوحدة هذه هي عقيدة الزهد ~~عند الهنود؛ ففيها إماتة تامة للإرادة، التي هي أساس الشر كله. وفيها الخلاص الكامل ~~من إرادة الحياة، وذلك في حالة «النرفانا»؛ أي محو الفردية تماما في حالة من ~~الوحدة الكاملة مع الوجود في مجموعة. # تلك باختصار شديد هي الأقسام الأربعة الرئيسية التي ينقسم إليها كتاب شوبنهور ~~«العالم إرادة وتمثلا»؛ ففي القسم الأول يتناول العالم من حيث هو تمثل أي ظاهرة ~~في نظر الذات. وفي القسم الثاني يتحدث عن العالم بوصفه إرادة، ويناقش موضوع الإرادة ~~من حيث هي مبدأ كلي، أو «شيء في ذاته»، من وراء كل مظهر. ولقد كان «شوبنهور» في ~~هذين القسمين فيلسوفا محترفا إلى حد ما، من هنا يمكن القول - بوجه عام: إن ~~تأثيره الأكبر في الفكر والأدب العالميين لن ينتج عنهما، وإنما نتج عن القسمين ~~الثالث والرابع، اللذين عالج فيهما العالم من حيث هو إرادة وتمثل أيضا. ولكن من ~~زاوية جديدة، هي زاوية الذاتية، فهنا كان «شوبنهور» ينطق لغة جديدة تتغلغل جذورها ~~في أعماق النفس البشرية، وتفيض بالتقدير الكامل لموقف الإنسان في العالم، وهنا، ~~لأول مرة، نجد كتابا ضخما يعرض مذهبا فلسفيا كاملا، يحدثنا فصولا طويلة ~~عميقة عن العمارة ms162 والتصوير والشعر والموسيقى، ويجعل لهذه الفنون دورا أساسيا في ~~فلسفته. وهكذا نجد آراءه في الإرادة من حيث هي مبدأ للعالم تعود إلى الظهور في ~~فلسفة نيتشه وبرجسون ووليام جيمس. ولكن بصورة مختلفة في كل حالة. أما في ميدان ~~الأدب والفن فقد كان تأثيره أعمق؛ إذ إن عددا كبيرا من الأدباء - على رأسهم هاردي ~~وتوماس مان - قد اعترفوا صراحة بفضل فلسفة شوبنهور عليهم. كما أن شوبنهور كان هو ~~الفيلسوف الأول والأهم الذي تأثر فاجنر بأفكاره. وكان اكتشاف فلسفته بمثابة فاتحة ~~عهد جديد في تفكير فاجنر النظري الذي تكون منه أساس بنائه الفني. ويمكن القول ~~بوجه عام: إن ازدياد قوة الاتجاه الشخصي في الفلسفة والفكر عامة، خلال النصف الثاني ~~من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، هو ظاهرة ترجع، بطريق مباشر أو غير ~~مباشر، إلى تأثير شوبنهور. ~~(4) نصوص من كتاب «العالم إرادة وتمثلا» لشوبنهور ~~(4-1) العالم تمثلا # العالم تمثلي؛ تلك حقيقة تصح على كل كائن حي عارف، وإن يكن الإنسان ~~وحده هو الذي يستطيع أن يكون لديه وعي فكري مجرد بها، ولو فعل ذلك ~~حقا، لأشرق عليه نور الفلسفة، وعندئذ يصبح من الواضح المؤكد له أنه ~~لا يعرف شمسا ولا أرضا، وإنما عينا ترى شمسا ويدا تلمس أرضا، وأن ~~العالم المحيط به ليس هناك إلا بوصفه تمثلا؛ أي بوصفه منسوبا إلى شيء ~~آخر، وهو ذلك الذي يتمثل وهو أنا، ولو كان ثمت حقيقة يمكن التعبير عنها ~~أوليا فهذه هي؛ إذ إن هذه الحقيقة تعبير عن صورة كل تجربة ممكنة ~~يتسنى تصورها، وهي صورة أعم من كل الصور الأخرى، أي من الزمان والمكان ~~والعلية؛ إذ إن هذه كلها تفترضها مقدما، وعلى حين أن كلا من هذه ~~الصور، التي ذكرنا أنها أحوال خاصة لمبدأ السبب الكافي، لا يصح إلا على ~~فئة معينة من التمثلات، فإن التقسيم إلى موضوع وذات هو الصورة المشتركة ~~بين هذه الفئات جميعا، وهذه الصورة وحدها هي التي تتيح كل تمثل، ~~وتجعله ممكنا، وإذن فليس ثمت حقيقة أكثر يقينا، من هذه ms163 الحقيقة؛ ~~وأعني بها أن كل شيء يوجد للمعرفة؛ أي كل هذا العالم، لا يكون موضوعا ~~إلا بالنسبة إلى ذات ولا إدراكا إلا بالنسبة إلى مدرك؛ أي بالاختصار، ~~لا بد أن يكون تمثلا، فكل شيء ينتمي أو يمكن أن ينتمي إلى العالم ~~يرتبط حتما بهذا الشرط: شرط التوقف على الذات، ولا يوجد إلا من أجل ~~الذات؛ فالعالم تمثل. ~~(الكتاب الأول، القسم الأول) ~~(4-2) العالم إرادة # يشرح شوبنهور طريقة الوصول إلى فكرة الإرادة من وراء العالم الظاهري فيقول: # سيظل هناك دائما (من وراء البحث في العلل) باق لا يرد، ومحتوى للظواهر لا ~~يمكن إرجاعه إلى صورته، ولا يمكن تفسيره من خلال شيء آخر وفقا لمبدأ السبب ~~الكافي؛ إذ إن في كل ما في الطبيعة شيئا لا يمكن وضع أساس له، ولا تقديم تفسير ~~له، ولا البحث عن سبب آخر له، ذلك هو الطريقة الخاصة لفعل الشيء؛ أي بعبارة ~~أخرى: طريقة وجوده ذاتها وجوهره أو ماهيته الحقيقة، فما يكون في الإنسان ~~شخصيته غير القابلة للتفسير، وما يفترض مقدما في كل تفسير لأفعاله من خلال ~~الدوافع، إنما هو بالنسبة إلى كل جسم غير عضوي طبيعته الأساسية، وطريقته في ~~الفعل، على حين أنه هو ذاته، من جهة أخرى، لا يتحدد بأي شيء خارجه، وبالتالي لا ~~يمكن تفسيره. ~~(الكتاب الثاني، القسم 24) # إن الميكانيكا والطبيعة والكيمياء، تلقننا القواعد والقوانين التي ~~تسلك وفقا لها قوى الصلابة والجاذبية والجمود والسيولة والتماسك ~~والمرونة والحرارة والضوء والتجاذب الانتقائي والمغناطيسية والكهرباء ~~وما إلى ذلك؛ أي بعبارة أخرى: القانون والقاعدة التي تلاحظ على هذه ~~القوى فيما يتعلق بدخولها المكان والزمان في كل حالة. ولكن مهما فعلنا ~~فستظل القوى ذاتها كيفيات غامضة؛ إذ إن الشيء في ذاته هو الذي يكشف ~~بظهوره عن هذه الظواهر ... ~~(الكتاب الثاني، القسم 24) # ثم يحدد شوبنهور بعد ذلك ماهية ذلك «الشيء في ذاته»، أو القوة التي تكمن من ~~وراء قوانين العلم وظواهره هذه، بأنها هي الإرادة، ويصف الإرادة بأنها: # هي ~~القوة التي تنبت النبات، وتوجه المغناطيس إلى القطب الشمالي، بل ms164 هي القوة ~~التي توجد في الجاذبية ذاتها، والتي يظهر أثرها في كل مادة بوضوح، فتجذب ~~الأحجار إلى الأرض والأرض إلى الشمس، كل هذه، لا تختلف إلا في ظاهرها. أما ~~طبيعتها الباطنة فواحدة، فهي الماهية الباطنة والقلب بالنسبة إلى كل شيء جزئي ~~إلى الكل أيضا، وهي تظهر في كل قوة عمياء للطبيعة، وكذلك في سلوك الإنسان ~~الإرادي، والفرق الهائل بين الاثنتين لا يتعلق إلا بدرجة ظهورها لا بطبيعتها ~~الباطنة. ~~(الكتاب الثاني، القسم 21) # ويشرح شوبنهور كيف أن تسمية هذا الشيء في ذاته أو هذه القوة الباطنة باسم ~~الإرادة، إنما هي من قبيل تسمية الظاهرة العامة باسم واحد من أهم أمثلتها، وهو ~~الإرادة البشرية، فيقول: # لهذا سأطلق على الجنس اسم أهم أنواعه، وهو النوع الذي تكون لدينا ~~أوثق معرفة به، ويؤدي إلى معرفة غير مباشرة بكل شيء آخر. أما من لم ~~يستطع فهم اللفظ بالمعنى الواسع المطلوب، فسيظل دائما على خطأ؛ إذ لن ~~يفهم من كلمة «الإرادة» إلا ذلك النوع الذي اقتصر اللفظ حتى الآن على ~~الدلالة عليه؛ أي الإرادة التي توجهها المعرفة بدقة حسب دوافع، بل حسب ~~دوافع مجردة، وتسير بإرشاد ملكة العقل. هذا - كما قلنا - هو أوضح مظاهر ~~الإرادة وأكثرها تميزا، ولكن علينا الآن أن نفصل في أذهاننا الطبيعة ~~الباطنة لهذه الظاهرة، والمعروفة لنا مباشرة، وننقلها إلى كل الظواهر ~~الأضعف والأقل تميزا للماهية ذاتها، وبهذا نحقق الامتداد المطلوب ~~لتصور الإرادة، ولقد كان تصور الإرادة حتى الآن يدرج تحت تصور القوة. ~~أما أنا فأفعل العكس، وأرى أن كل قوة في الطبيعة ينبغي أن تتصور ~~على أنها إرادة. ومن الواجب ألا نرى في هذا مجرد اختلاف في الألفاظ، أو ~~مسألة لا أهمية لها؛ إذ إن لهذا الأمر - على عكس ذلك - أهمية قصوى، فمن ~~وراء الصور القوة - كما هي الحال في كل تصور آخر - تكمن معرفة العالم ~~الموضوعي من خلال الإدراك الحسي؛ أي بعبارة أخرى: الظاهرة، والتمثل ~~الذي يستمد منه التصور، فهذا اللفظ مستخلص بالتجريد من المجال الذي ~~يسوده العلة والمعلول، أما تصور الإرادة ms165 فهو الوحيد - من بين سائر ~~التصورات الممكنة - الذي لا يرجع أصله إلى الظاهرة، ولا إلى مجرد تمثل ~~الإدراك، بل يأتي من الباطن، ويستمد من أقرب وعي مباشر لكل شخص، وإذن ~~فنحن إذا أرجعنا تصور القوة إلى تصور الإرادة، إنما نكون قد أرجعنا ~~شيئا مجهولا تماما إلى شيء معروف لنا حق المعرفة، بل إلى الشيء ~~الوحيد الذي نعرفه معرفة مباشرة كاملة. ~~(الكتاب الثاني، القسم 22) ~~(4-3) ماهية الفن # عند تحديد شوبنهور لماهية الفن، يتساءل أولا: # أي نوع من المعرفة ذلك الذي ~~يتعلق بما هو مستمر في وجوده خارج جميع العلاقات ومستقلا عنها، وبما هو وحده ~~الأساسي في العالم، والمحتوى الحقيقي لظواهره وما لا يسري عليه التغير، ~~وبالتالي ما يعرف بحقيقة لا يؤثر فيها الزمان؛ أي الاختصار، ذلك الذي يتعلق ~~«بالمثل» التي هي الموضوعية المباشرة المطابقة للشيء في ذاته وللإرادة، إنه ~~الفن، نتاج العبقرية. وفي الفن تتكرر المثل الأزلية المدركة عن طريق التأمل ~~الخالص؛ أي ذلك العنصر الأساسي الباقي في كل ظواهر العالم، وهو يكون نحتا أو ~~تصويرا أو شعرا أو موسيقى تبعا للمادة التي تتكرر فيها هذه المثل، ومصدره ~~الوحيد هو معرفة المثل، وهدفه الوحيد هو نقل هذه المعرفة إلى الآخرين. وإنا ~~لنجد أن العلم - الذي يساير على الدوام تيارا قلقا غير مستقل هو تيار الأشكال ~~الرباعية للأسباب أو الأسس والنتائج - يكشف طريقا جديدا بعد كل غاية يبلغها، ~~ولا يمكنه أن يهتدي أبدا إلى هدف نهائي أو يصل إلى الرضاء التام، تماما كما ~~لا يمكننا بالجري أن نصل إلى النقطة التي تتلامس فيها السحب مع الأفق. أما الفن ~~فهو على الدوام بالغ هدفه؛ ذلك لأنه يلتقط موضوع تأمله من مجرى التيار الذي ~~يسير فيه العالم، ويستبقيه أمامه منعزلا؛ وبذلك يصبح هذا الشيء الخاص، الذي ~~كان داخل ذلك التيار جزءا متناهيا في الصغر، ممثلا للكل في نظر الفن، ~~ومعادلا للكثرة اللامتناهية في المكان والزمان. وهكذا يتوقف الفن أمام هذا ~~الشيء الخاص، ويوقف عجلة الزمان، وتختفي العلاقات بالنسبة إليه، ولا يعود له من ~~موضوع ms166 إلا ما هو أساسي؛ أي «المثال»؛ وبذلك يمكننا تعريف الفن على وجه الدقة ~~بأنه طريقة النظر إلى الأمور على نحو مستقل عن مبدأ السبب الكافي، وذلك مقابل ~~طريقة النظر إليها على نحو يراعى فيه هذا المبدأ بدقة، وهي طريقة العلم ~~والتجربة. ~~(الكتاب الثالث، القسم 36) # فإذا تساءل القارئ عن معنى طريقة النظر إلى الأمور على نحو مستقل عن مبدأ ~~السبب الكافي هذه فإن شوبنهور يوضحها بأنها طريقة: # لا نعود (فيها) ننظر في ~~الأشياء إلى الأين والمتى و«لم» و«إلى أين»، وإنما ننظر إلى «ما هي عليه» فقط، ~~ولا ندع التفكير المجرد وتصورات العقل تستحوذ على ذهننا، بل نكرس كل قوة العقل ~~للإدراك، نستغرق فيه تماما، وندع وعينا بأسره يمتلئ بالتأمل الهادئ للشيء ~~الطبيعي الماثل بالفعل أمامه، سواء أكان ذلك الشيء منظرا طبيعيا أم شجرة أم ~~صخرة أم جلمودا أم بناء أم أي شيء آخر، فهنا «نفقد» أنفسنا تماما في هذا ~~الموضوع. إذا شئنا أن نستخدم هذا التعبير المثقل بالمعاني؛ أي إننا بعبارة ~~أخرى: ننسى فرديتنا وإرادتنا، ولا نظل نوجد إلا بوصفنا ذاتا خالصة، ومرآة ~~صافية للشيء؛ بحيث يبدو كأن الشيء يوجد وحده دون أن يدركه أحد، فلا يعود في ~~وسعنا التمييز بين المدرك والمدرك، وإنما يصبح الاثنان واحدا، ما دام الوعي ~~بأكمله يمتلئ ويشغل بصورة إدراكية واحدة، فإذا أصبح الموضوع مستقلا إلى هذا ~~الحد عن كل علاقة له بشيء خارج عنه، وإذا أصبحت الذات مستقلة إلى هذا الحد عن ~~كل علاقة لها بالإرادة، فإن ما يعرف عندئذ لا يعود هو الشيء الفردي بما هو ~~كذلك، وإنما هو «المثال» - الصورة الأزلية - والموضوعية المباشرة للإرادة في ~~هذه المرحلة، وبالمثل فإن الشخص الذي يكون لديه إدراك كهذا، لا يعود في الوقت ~~ذاته فردا؛ إذ إن الفرد قد فقد ذاته في الإدراك، وإنما يصبح «ذاتا عارفة» ~~خالصة بلا إرادة وبلا ألم وبلا زمان. ~~(الكتاب الثالث، القسم 34) # وإذا كان شوبنهور في النص السابق قد حدد ماهية الفن بوجه عام، فإنه يجعل للفن ~~الموسيقي مكانة خاصة، ويوضح طبيعته ms167 في نصوص كثيرة من أهمها: ~~... إن في إمكاننا أن ننظر إلى عالم الظواهر أو الطبيعة وإلى الموسيقى ~~على أنهما تعبيران مختلفان عن شيء واحد؛ فالموسيقى - إذا ما نظر ~~إليها على أنها تعبير عن العالم - تغدو، بأكمل معاني الكلمة، لغة ~~عالمية ترتبط بالتصورات الشاملة، مثلما ترتبط هذه الأشياء الجزئية، ومع ~~ذلك فإن طابع الشمول فيها ليس ذلك الشمول الفارغ الناتج عن التجريد، ~~وإنما هو من نوع مختلف تماما؛ فهو يقترن بتميز دقيق لا لبس فيه ولا ~~غموض. والموسيقى في هذا أشبه بالأشكال الهندسية والأعداد، التي هي صور ~~كلية لجميع الموضوعات الممكنة للتجربة، تنطبق على هذه الموضوعات جميعا ~~بطريقة أولية. ولكنها مع ذلك ليست مجردة، بل هي قابلة للإدراك الحسي، ~~وهي محددة بكل دقة. وهكذا فإن كل جهد تبذله الإرادة، وكل سوراتها ~~وتجلياتها، وكل الحوادث التي تقع داخل الإنسان ذاته، والتي تدرجها ~~ملكته العاقلة ضمن تلك الفئة الواسعة السلبية، فئة المشاعر، ويمكن أن ~~يعبر عنها ذلك العدد اللامتناهي من الألحان الممكنة. ولكن ذلك التعبير ~~يكون له دائما شمول الصورة الخالصة، دون أية مادة، ويكون دائما ~~متعلقا بما يوجد في ذاته لا بالمظهر؛ أي بأعمق أغوار النفس من غير ~~الجسم. هذه العلاقة الوثيقة للموسيقى بالطبيعة الحقة للأشياء جميعا ~~تفسر لنا أيضا حقيقة هامة، هي أنه عندما تعزف موسيقى ملائمة لأي ~~منظر أو فعل أو حادث أو بيئة، فإنها تبدو وكأنها تكشف لنا عن أدق ~~معانيه خفاء، وتظهر وكأنها أفضل شرح وأدق تمييز له. وفضلا عن ذلك، ~~فإنه يبدو للإنسان الذي ترك سيمفونية تتغلغل في نفسه بلا قيود، أنه قد ~~رأى كل الحوادث الممكنة في الحياة وفي العالم تمر أمامه داخل ذاته. ومع ~~ذلك فلو أمعن التفكير في الأمر لما وجد أي تشابه بين قطعة الموسيقى ~~وبين الأشياء التي مرت بذهنه؛ ذلك لأن الموسيقى - كما قلنا - تختلف عن ~~كل الفنون الأخرى في أنها لا تصور الظاهرة، أو بتعبير أدق، لا تصور ~~موضوعية الإرادة المطابقة، إنما هي تصوير مباشر للإرادة ذاتها، ~~وبالتالي فهي تعبر عن ms168 الماهية الميتافيزيقية لكل ما يوجد في عالم ~~الأشياء، وعن الشيء في ذاته بالنسبة إلى كل ظاهرة. وهكذا يمكننا أن ~~نسمي العالم موسيقى متجسدة مثلما يمكننا أن نسميه إرادة متجسدة. ~~(الكتاب الثالث، القسم 52) ~~(4-4) الطريق إلى الخلاص # في مجموعة النصوص التي أدرجت تحت الفئة «ثالثا»، حدد شوبنهور ماهية ~~الفن، وأوضح في الوقت ذاته طريقا مؤقتا إلى خلاص النفس من قيود الإرادة، وهو ~~في النص الآتي يوضح الطريق النهائي لخلاص الإنسان، وهو إماتة إرادة الحياة، ~~والتخلص من مبدأ الفردية في ذاته: # لا يوجد إلا خطأ فطري واحد، وهو الفكرة القائلة: إننا نوجد لنكون ~~سعداء؛ فما نحن إلا إرادة للحياة، ونحن لا نفهم من السعادة إلا أنها ~~الإرضاء المتعاقب لإرادتنا. # وطالما ظللنا واقعين في هذا الخطأ الفطري، الذي يزداد رسوخا فينا ~~بفضل المعتقدات التفاؤلية، فإن العالم يبدو لنا حافلا بالمتناقضات؛ ~~ذلك لأننا نشعر حتما في كل خطوة. وفي كل الأشياء كبيرها وصغيرها، بأن ~~العالم والحياة لن ينظما أبدا بقصد ضمان حياة سعيدة لنا ... وفضلا عن ~~ذلك، فإن كل يوم مر في حياتنا حتى الآن قد علمنا أنه حتى في الحالات ~~التي تتحقق فيها أفراح ولذات، تكون هذه في ذاتها خداعة، ولا تؤدي إلى ~~النتائج التي تعدنا بها، ولا ترضي قلوبنا، فضلا عن أن الحصول عليها ~~يقترن على الأقل بالمرارة التي يبعثها ما يرتبط بها أو ما ينبثق عنها ~~من الآلام والمنغصات. أما الآلام والأحزان فتثبت أنها حقيقية إلى أبعد ~~حد، وكثيرا ما تتجاوز كل ما نتوقعه. وهكذا فإن كل ما في الحياة قد ~~رسم بحيث يؤدي بنا إلى الرجوع عن هذا الخطأ الفطري، وإلى إقناعنا ~~بأن القصد من وجودنا هو ألا نكون سعداء. أما من تخلص بطريقة ما من ~~الخطأ الأولي الكامن فينا ومن ذل التزييف الأول في وجودنا، فسرعان ما ~~يرى كل شيء في ضوء مخالف، ويجد أن هذا العالم متفق مع إدراكه، وإن لم ~~يكن متفقا مع رغباته؛ فلا تعود مظاهر البؤس - مهما كان نوعها أو ~~مقدارها - تثير فيه دهشة، وإن ms169 كانت تبعث فيه الألم، إذ إنه أدرك أن ~~الألم والشقاء هما ذاتهما اللذان يحققان الغاية الصحيحة للحياة، ألا ~~وهي انصراف الإرادة عنها ... # والذي يحدث عادة هو أن القدر يمر على نحو حاسم بذهن الإنسان وهو في ~~عنفوان رغباته وأمانيه، وعندئذ تتحول حياته تحولا أساسيا في اتجاه ~~الألم، وعن طريق هذا التحول يتحرر من الرغبة المنفعلة التي يكون كل ~~وجود فردي مظهرا لها، ويصل إلى النقطة التي يغادر فيها الحياة، ولم ~~تبق لديه أية رغبة فيها وفي ملذاتها. بل إن الألم، في الواقع، هو ~~عملية التطهير التي يصل الإنسان بها وحدها إلى القداسة؛ أي يرجع بها عن ~~ذلك الطريق الضال، طريق إرادة الحياة. ~~(المجلد الثاني، الفصل 49) # وفي هذا النص الأخير يربط شوبنهور بين مذهبه في الخلاص، وبين أخلاق الزهد ~~والعطف فيقول: # إذا ما رفع «حجاب المايا»، # 1 # وأعني به «مبدأ الفردية» # principuum individuationis ~~، عن أعين المرء حتى لا يعود يميز على ~~نحو أناني بين ذاته وأشخاص الآخرين، وإنما يهتم بآلام غيره مثلما يهتم ~~بآلامه هو؛ وبذلك لا يكون خيرا ومحسنا إلى أقصى مدى فحسب، بل يكون ~~أيضا على استعداد للتضحية بفرديته إذا ما كان في ذلك إنقاذ لعدة أفراد ~~آخرين، فلا بد أن شخصا كهذا، سينظر إلى آلام كل حي على أنها آلامه هو؛ ~~وبذلك يأخذ على عاتقه عذاب العالم أجمع، فكيف يتسنى له، بمعرفته هذه ~~للعالم، أن يؤكد نفس هذه الحياة عن طريق أفعال إرادية دائمة؛ وبذلك ~~يزيد نفسه تقيدا بها، ويغدو أشد تعلقا بأهدابها؟ ... إن الإرادة تنصرف ~~عندئذ عن الحياة، وتفر من تلك اللذات التي ترى فيها تأكيدا للحياة. ~~فهنا يبلغ الإنسان حالة العزوف الإرادي والاستسلام والهدوء الكامل ~~والقهر التام للإرادة، ولما لم يكن الإنسان أصلا إلا مظهرا للإرادة، ~~فإنه يكف عن توجيه إرادته إلى أي شيء، ويحذر من تعلق إرادته بأي شيء، ~~ويحاول أن ينمي في نفسه عدم الاكتراث التام جميعا. ~~(الكتاب الرابع، القسم 68) # | «تاريخ المادية» لألبرت لانجه # (1) حياة لانجه ومؤلفاته # ولد «فريدرش ألبرت لانجه # Friedrich Albert Lange ms170 ~~» # 1 # في بلدة تقع في إقليم دوسلدورف، اسمها «فالد بجوار زولنجن # Wald bei Solingen ~~» في الثامن والعشرين ~~من شهر سبتمبر عام 1828م. وكان أبوه رجلا عصاميا استطاع أن يشق طريقه بكفاحه من ~~عامل بسيط إلى أستاذ جامعي اشتهر في وقته بأنه من أعظم شراح الإنجيل في أوروبا، ~~وقد قضى لانجه سنوات حياته الأولى في مدينة «دويسبرج # Duisburg ~~». ولكنه انتقل في الثانية عشرة من عمره إلى زيورخ في سويسرا التي ~~أصبحت وطنا ثانيا له، ولم يغادرها إلا في سن متأخرة نسبيا عندما دفعه تعلقه ~~بالسياسة إلى العودة إلى ألمانيا وخوض غمار المعارك السياسية فيها. وكان ذلك في عام ~~1848م الذي هزت فيه القلاقل السياسية كيان معظم دول أوروبا، وقامت فيه ثورات عنيفة ~~أسهم فيها المثقفون الأوروبيون بدور فعال، في ذلك العام انتقل إلى جامعة بون ~~ليدرس فقه اللغة، وتابع الأحداث السياسية الدائرة بحماسة بالغة، وكان من أنصار ~~تحقيق الوحدة الأوروبية، وتحقيق وحدة الدولة الألمانية. # وبعد حصول لانجه على درجة الدكتوراه، انتقل للتدريس فترة قصيرة في «كولونيا»، ثم ~~عاد إلى بون ليحاضر في التربية وعلم النفس والأخلاق وفي تاريخ المذهب المادي، ومن ~~بون انتقل إلى دويسبرج. ولكنه اضطر إلى الاستقالة من عمله في التدريس نتيجة لنشاطه ~~السياسي في عام 1861م، وكان من المناصب التي تولاها بعد ذلك منصب سكرتير الغرفة ~~التجارية في دويسبرج، حيث أظهر مقدرة غير عادية في إدارة الأعمال الصناعية، وقد ظل ~~طوال هذه المدة عاكفا على تأليف كتابه في «تاريخ المادية»، فضلا عن اشتراكه في ~~تحرير صحيفة «الرين والرور» اليومية، التي كان يهاجم فيها الحكومة الرجعية القائمة ~~بشدة. وقد تعرض نتيجة لذلك إلى اضطهادات سياسية مستمرة، فانتقل إلى «فنترتور # Winterhur ~~» ثم إلى زيورخ حيث عمل أستاذا للفلسفة، ~~ثم إلى جامعة ماربوج بألمانيا مرة أخرى. وكان برنامج محاضراته في هذه الجامعة ~~الأخيرة يشتمل على المنطق وعلم النفس وتاريخ التربية والعلوم السياسية ~~والشعر. # وفي هذه الأثناء كانت صحته قد اعتلت، وظهرت عليه بوادر المرض الذي أودى به في ~~النهاية، ولكن نشاطه ms171 لم يفتر، وإنما ظل يؤلف ويعيد طبع كتبه السابقة بعد مراجعات ~~دقيقة، حتى الأسابيع الأخيرة من حياته، وعندما قهره المرض وتوفي في 21 نوفمبر سنة ~~1875م، كان في أوج نشاطه العلمي والتأليفي. ~~(1-1) وأهم المؤلفات الفلسفية والسياسية التي اشتهر بها لانجه هي ~~(1) # المشكلة ~~العمالية # Die Arbeiterfrage ~~، وقد ظهرت طبعته الأولى في عام 1865م، وأشرف هو ~~ذاته على طبعتين أخريين كانت آخرهما عام 1874م. ~~(2) # آراء جون استورت مل في المسائل الاجتماعية # J. S. Mill’s Ansichten über die sociale ~~Frage ~~(1866م). ~~(3) # تاريخ المادية ونقد دلالتها في العصر الحاضر # Geschichte des Materialismus und Kritik ~~seiner Bedeutung in der Gegenwart ~~، وقد ~~ظهرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في عام 1865م، والطبعة الثانية في عامي ~~1873 و1875م. ~~(4) ~~«أسس علم النفس الرياضي # Die Grundlegung der mathematischen psycologie ~~» (1865م). ~~(5) ~~«دراسات منطقية # Logische Studien ~~»، ~~وقد نشر بعد وفاة لانجه بعامين (1877م)، وأشرف على نشره الفيلسوف ~~الألماني «هرمان كوهين». # ويتألف كتاب «تاريخ المادية» من بابين رئيسيين: ~~(أ) ~~«تاريخ المادية حتى كانت». ~~(ب) ~~«تاريخ المادية منذ كانت». # ولكل باب من هذين البابين أقسام تندرج تحتها فصول، وسوف نكتفي هنا بالإشارة إلى ~~الأقسام التي يشملها كل من هذين البابين: ~~(أ) تاريخ المادية حتى كانت # القسم الأول: # المادية في العصور القديمة (ويعالج هذا القسم الفلسفات اليونانية ~~والرومانية في خمسة فصول). # القسم الثاني: # فترة الانتقال (وهي تشمل العقائد التوحيدية وموقفها من المادية، ~~وكذلك الفلسفات المدرسية ثم عصر إحياء العلوم في أوروبا، ويشمل هذا ~~العصر بيكن وديكارت). # القسم الثالث: # مادية القرن السابع عشر (وهو يشمل جاسندي وهبز والفلاسفة ~~الإنجليز). # القسم الرابع: # القرن الثامن عشر (ويعالج تأثير الفلاسفة الإنجليز في فرنسا ~~وألمانيا، ثم مادية لامتري، ودولباك، ورد الفعل على المادية عند ~~ليبنتس وفلف). ~~(ب) تاريخ المادية منذ كانت # القسم الأول: # الفلسفة الحديثة (ويشمل فصلا عن كانت والمادية، وآخر عن ~~المادية الفلسفية منذ كانت). # القسم الثاني: # العلوم الطبيعية (ويعالج موضوعات: المادية والبحث العلمي ~~والدقيق، والقوة والمادة، والنظريات العلمية في الكون، والداروينية ~~والغائية). # القسم الثالث: # تكملة العلوم الطبيعية: ms172 الإنسان والنفس (ويبحث في العلاقة بين ~~الإنسان والعالم الحيواني، والمخ والنفس، وعلم النفس العلمي، ~~ووظائف الأعضاء الحسية). # القسم الرابع: # المادية الأخلاقية والدين (ويتحدث عن الاقتصاد السياسي والأنانية ~~القطعية، وعن المسيحية والتنوير، والعلاقة بين المادية النظرية ~~وبين المادية الأخلاقية، الدين، ووجهة نظر المثل الأعلى). # وقد اعتمدنا في هذا البحث على الترجمة الإنجليزية لهذا الكتاب، التي قام بها ~~«إرنست تشستر توماس # Ernest Chester Thomas ~~»، ~~ونشرت لأول مرة في ثلاثة أجزاء، في الأعوام: 1877م و1890م و1892م، وقد أعيد ~~طبع هذه الترجمة عدة مرات، والطبعة التي اعتمدنا عليها هي طبعة سنة 1950م في مكتبة # Routledge & Kegan paul ~~(في سلسلة ~~المكتبة الدولية لعلم النفس والفلسفة والمنهج العلمي)، وقد جمعت هذه الطبعة بين ~~الأجزاء الثلاثة في مجلد واحد. ولكنها احتفظت بالترقيم الأصلي للصفحات في كل من ~~هذه الأجزاء الثلاثة، وهو الترقيم الذي لا يطابق التقسيم الذي عرضناه للكتاب ~~تماما؛ ولذلك نود أن نورد هنا حدود كل جزء في هذا الترقيم حتى لا يلتبس الأمر على القارئ: # الجزء الأول: # من البداية حتى نهاية القسم الثالث من الباب الأول (مادية القرن ~~السابع عشر). # الجزء الثاني: # من بداية القسم الرابع (القرن الثامن عشر) حتى نهاية الفصل ~~الثاني من ثاني أقسام الباب الثاني (العلوم الطبيعية: القوة ~~والمادة). # الجزء الثالث: # من الفصل الثالث (النظريات العلمية في الكون) حتى نهاية الكتاب، ~~وقد صدرت هذه الترجمة الإنجليزية بمقدمة قيمة للفيلسوف الإنجليزي ~~الكبير «برتراند رسل» بعنوان «المادية ماضيها وحاضرها». ~~(2) الأفكار الرئيسية في كتاب «تاريخ المادية» # يمكن القول - دون أية مبالغة: إن هذا الكتاب موسوعة فلسفية ضخمة تجمع كل ما ~~عرف عن علاقة المادية بالفلسفة والعلم حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ~~ولقد أظهر لانجه - صفحات هذا الكتاب التي تزيد على ألف ومائة صفحة - علما غزيرا ~~بتاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم حتى عصره، وتمتلئ صفحات الكتاب بهوامش طويلة قيمة تدل ~~على سعة اطلاع هائلة، وقدرة فذة على النقد والتحليل. # ومن الممكن أن ينظر إلى هذا الكتاب من وجهين، فهو من ناحية تاريخ للفلسفة، ومن ~~جهة ms173 أخرى مناقشة مذهبية لفكرة المادية، وكل من الوجهين متداخل تماما في الآخر. ~~صحيح أن الباب الثاني كله، باستثناء الفصلين الأولين، ليس تاريخيا وإنما هو ~~استعراض لعلوم العصر في علاقتها بالمادية. ومع ذلك فإن الفصول التاريخية الخالصة ~~كانت تحفل بالمناقشة المذهبية، ولم تكن تقتصر على السرد التاريخي على الإطلاق. وفي ~~هذه الفصول التاريخية عالج لانجه تاريخ الفلسفة كله تقريبا من وجهة نظر مادية، ولم ~~يقتصر على الكلام على الفلاسفة الماديين وحدهم، وإنما بحث في أنصار المادية وخصومها ~~على السواء؛ بحيث يمكن أن يقال: إن الكتاب تاريخ شامل للفلسفة حتى الفترة التي ~~عاشها المؤلف. # وعلى ذلك فإن للكتاب مزايا ضخمة تجعله من أهم الكتب التاريخية في الفلسفة؛ وذلك ~~لأسباب منها: ~~(1) # إن نظرته إلى التاريخ الفلسفي جديدة إلى حد بعيد؛ لأنه يخرج بالفلسفة ~~عن نطاق المألوف، يرفع من شأن فلسفات مادية لها في الأحوال العادية ~~قيمة ضئيلة لدى مؤرخي الفلسفة؛ ففي كتابه هذا يجد دارس الفلسفة آفاقا ~~جديدة مخالفة لما اعتاد قراءته في معظم الكتب الفلسفية، حيث تسود ~~النزعات المثالية والروحية، ويكون تمجيد الفلاسفة على قدر ابتعادهم عن ~~العالم الواقعي وتوغلهم في عالم الأفكار الخالصة، وما أحق كتاب كهذا ~~بعناية المشتغلين بالفلسفة، إن لم يكن لما فيه من أفكار إيجابية، فعلى ~~الأقل لكي يجدوا فيه تغييرا لما ألفوه، ولكي يفيدوا من الاطلاع على ~~وجهات نظر مخالفة قد تصدمهم في بداية الأمر. ولكنها كفيلة بأن توسع ~~أفقهم العقلي وتزيد من رحابة نظرتهم إلى الأمور. ~~(2) # إنه، على الرغم من عنايته الكبيرة بالتاريخ، كتاب حي بكل ما تحمله ~~هذه الكلمة من معان، فهو في مناقشته لأقدم المذاهب والشخصيات ~~الفلسفية، يربط آراءها بالواقع المعاصر له على الدوام، ويستخلص من كل ~~فكرة قديمة دلالتها بالنسبة إلى الحاضر الذي يعيش فيه. وهكذا تراه ~~يتحدث عن القرن التاسع عشر بإسهاب في الوقت الذي يعالج فيه فلاسفة ~~أقدمين مثل ديمقريطس وأفلاطون وأرسطو، ولا يكف عن إجراء المقارنات بين ~~القدماء والمحدثين، سواء في متن الكتاب وفي الهوامش الغنية الزاخرة ~~التي تمتلئ بها ms174 صفحاته. ~~(3) # إنه يقدم إلى القارئ في نصفه الثاني صورة شاملة لحالة العلم في أوائل ~~النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي صورة تكاد تكون موسوعية في ~~نطاقها؛ إذ تشمل العلوم الجيولوجية والفلكية والبيولوجية والفيزيائية ~~والنفسية والأنثروبولوجية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والدينية. ~~ومن المؤكد أن الدراسة الفاحصة لكتاب كهذا كفيلة بأن تلقي ضوءا ساطعا ~~على هذه الفترة الهامة من تاريخ العلم، سواء من حيث تفاصيل الكشوف ~~العلمية التي تمت فيها، أو من حيث الدلالة الفلسفية العامة لهذه ~~الكشوف. # على أن الكتاب - على الرغم من مزاياه هذه - ينبغي أن تؤخذ المعلومات الواردة فيه ~~بشيء من الحذر؛ وذلك للأسباب الآتية: ~~(1) # إن الكتاب ذو نزعة «خلافية» واضحة؛ أي إنه يتخذ موقفا محددا من ~~الخلافات الناشبة بين المفكرين في عصره، ويدافع عن هذا الموقف بعنف، ~~بينما يهاجم آراء الخصوم كلما أتيحت له الفرصة، وبهذا المعنى يمكن ~~القول: إن الكتاب كان مرتبطا بالمناقشات والمجادلات الدائرة في ~~ألمانيا في الفترة التي عاش فيها المؤلف. ~~(2) # إن هذه النزعة الخلافية كانت تتمثل، عند المؤلف، في انحيازه بقوة إلى ~~فلسفة «كانت»، ويتمثل ذلك بوضوح في التقسيم الذي وضعه للبابين ~~الرئيسين للكتاب؛ إذ يجعل فيهما من فلسفة كانت محورا يدور حوله ~~التفكير الكامل للفلاسفة جميعهم؛ بحيث ينقسم تاريخ الفلسفة كله إلى ما ~~قبل كانت وما بعده، كما يتمثل إيمانه بكانت في جميع مناقشاته، التي ~~ينحاز فيها إلى الموقف الكانتي دون أي تحفظ، ويحاول إثبات صحته في كل ~~الأحوال. بل إن المذهب المادي ذاته - الذي كان محورا للكتابة - كان ~~هدفا لهجومه الشديد في كل مرة كان ذلك المذهب يبدو فيها متعارضا مع ~~التعاليم الكانتية؛ أي في كل مرة يزعم فيها أنه يقدم نظرية ميتافيزيقية ~~عن التركيب النهائي للعالم، ولا يقتصر على معالجة قوانين المادة بوصفها ~~قوانين عالم «الظواهر» فحسب. ~~(3) # أما بالنسبة إلى عصرنا الحاضر، فيبدو أن الكتاب قد توقف قبل أن تظهر ~~آثار مرحلة حاسمة من مراحل تطور المذهب المادية، هي الماركسية أو ~~المادية الديالكتيكية؛ ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ~~كانت قد ms175 ظهرت مجموعة هامة من كتب ماركس وإنجلز. ولكن الحركة التي ~~أثارها لم تكن قد بدأت في التأثير على الأذهان، ولم تكن دلالتها الهامة ~~قد تكشف بعد بوضوح إلا لفئة قليلة نسبيا، ويبدو أن لانجه لم يكن من ~~هؤلاء؛ إذ إن كتابه الضخم لم يتضمن إلا إشارات هامشية بسيطة إلى كارل ~~ماركس، وهو وإن كان قد وصفه في أحد هذه الهوامش بأنه «يشتهر بأنه أعلم ~~مؤرخي الاقتصاد السياسي الأحياء» (هامش ص309، الجزء الأول)، إلا أنه لم ~~يجعل للمذهب الماركسي أي مكان في كتابه. ولا جدال في أن كتابا يعالج ~~المذاهب المادية دون أن يتضمن إشارة إلى أهم مراحلها وأقواها تأثيرا ~~في تاريخ الإنسان، يعد من وجهة النظر المعاصرة منطويا على نقص ~~خطير؛ لأن أي كتاب معاصر لا يستطيع أن يتجاهل مذهب ماركس في المادية إن ~~كان بصدد التأريخ لحركة المادية بوجه عام، وإنما ينبغي أن يفرد لها من ~~حيث قبولها أو رفضها، وسوف تظهر آثار هذا النقص بوضوح خلال صفحات هذا ~~البحث، ولا سيما في أجزائه المتعلقة بالموضوعات السياسية ~~والأخلاقية. # ولكي نعرض لتفاصيل الأفكار الفلسفية التي وردت في هذا الكتاب، نرى أن من الأفضل ~~تقسيمها إلى قسمين رئيسيين: أحدهما يتناول آراءه في تاريخ الفلسفة، الثاني يعرض ~~موقفه من مشكلة المادية بوجه عام؛ أي إن القسم الأول تاريخي، والثاني مذهبي، وهما ~~يناظران إلى حد ما البابين الرئيسيين في الكتاب، وإن كان الباب الثاني قد تضمن - ~~كما قلنا من قبل - فصلين تاريخيين في البداية، قبل أن ينتقل إلى البحث المذهبي ~~لمشكلة المادية في علاقتها بالعلوم المختلفة. ~~(3) آراء لانجه في تاريخ الفلسفة # سبق أن أشرت إلى القيمة الكبرى لهذا الكتاب من حيث هو عرض لتاريخ الفلسفة من ~~زاوية غير مألوفة، هي زاوية المذهب المادي. والواقع أن مشكلة المادية - التي تبدو ~~ثانوية أو ضئيلة الشأن في كثير من كتب تاريخ الفلسفة - تظهر في هذا الكتاب على أعظم ~~جانب من الأهمية، وتعد محورا رئيسيا دارت حوله خلافات الفلاسفة منذ أقدم العصور. ~~وكان من نتيجة هذا التغيير ms176 الأساسي في المنظور أن أصبح الكتاب جديدا في نظرته إلى ~~تاريخ الفلسفة؛ لأنه قد أبرز - من جهة - عنصرا طالما تجاهله المؤرخون، وأعاد - من ~~جهة أخرى - تقويم الشخصيات المعروفة في تاريخ الفلسفة؛ بحيث أعلى مكانة البعض، ~~وعالجهم معالجة مفصلة، مع أن أسماءهم لا ترد في الكتب الشائعة إلا لماما، بينما ~~وجه نقده المرير إلى كثير من الشخصيات التي تحتل قمة التفكير الفلسفي في نظر معظم ~~المؤرخين. # وليس في وسعنا بطبيعة الحال أن نعيد عرض تاريخ الفلسفة بأسره وفقا لنظرة المؤلف ~~إليه، ولكنا سنكتفي بوقفات سريعة في مراحل مختلفة من هذا التاريخ، نوضح فيها مدى ~~الجدة في نظرة المؤلف إلى تاريخ الفلسفة، ونتخذها نماذج لطريقته الخاصة في ~~مراجعة الآراء الشائعة عن فلاسفة العصور القديمة والحديثة. ~~(3-1) المادية وبداية الفلسفة # منذ الجملة الأولى في كتاب «تاريخ المادية»، يعبر لانجه عن الارتباط الوثيق ~~بين المادية وبين الفلسفة، فيقول: «إن المادية قديمة قدم الفلسفة. ولكنها ليست ~~أقدم منها»، وهو يشرح هذه الجملة في هامش الصفحة فيقول: إنها «موجهة - من جهة - ~~ضد محتقري المادية الذين يجدون في نظرتها إلى الكون نقيضا مطلقا لكل تفكير ~~فلسفي، وينكرون عليها أية قيمة علمية، كما أنها موجهة من جهة أخرى ضد أولئك ~~الماديين الذين يحتقرون من جانبهم كل فلسفة، ويتصورون أن آراءهم ليست بأية حال ~~وليدة نظر فلسفي، وإنما هي نتيجة خالصة للتجربة وللحكم الطبيعي السليم وللعلوم ~~الفيزيائية». وهكذا فإن المادية عنده مقترنة في بداية ظهورها بنشأة الفلسفة ~~ذاتها، فهي ليست مذهبا ضئيل الشأن من الوجهة الفلسفية. ولكنها في الوقت ذاته ~~ينبغي ألا تدعي الترفع عن الفلسفة والارتباط بالعلم وحده. # ومنذ بداية الكتاب أيضا يوضح لانجه أن المادية قد اشتبكت في صراع حاد مع ~~العقائد القديمة منذ ظهور أول المذاهب الفلسفية التي تدعو إليها؛ ذلك لأن ~~الأفكار الدينية الوثنية التي كانت سائدة في الشرق القديم وفي العقائد ~~اليونانية المختلفة كانت خليطا مضطربا غامضا، يغذيه الجهل ويبعث فيه قوى ~~متجددة، وهو يصف هذه العقائد بأنها كانت «مفتقرة إلى الروحانية بقدر ما ms177 كانت ~~مفتقرة إلى المادية». ولا شك أن مثل هذه العقائد التي لم تكن تستمد قيمتها إلا ~~من شعور الناس بالجهل والعجز عن التحكم في القوى الطبيعية. وكانت خليقة بأن ~~تصطدم بمذهب يحاول الإتيان بمبدأ واحد لتفسير الكون، ويسعى إلى بعث النظام ~~والوحدة في جمع الظواهر المادية، والفكرة التي يود لانجه أن يدافع عنها - وإن ~~لم يكن قد صرح بها - هي أن الصراع بين المادية وبين العقائد الغابرة كان منذ ~~البداية صراعا بين العلم والجهل؛ أي بين الرغبة في إيجاد تفسير منظم للظواهر ~~وبين الاكتفاء بالأفكار المضطربة والآراء الغامضة؛ فالمسألة إذن لم تكن هجوما ~~من هذه العقائد على المادية رغبة منها في الدفاع عن الروحانية، وإنما كان ~~الدافع الوحيد إلى هذا الهجوم هو - في واقع الأمر - الرغبة في الدفاع عن ~~الجهالة والتفسير الغيبي للأشياء، ومن جهة أخرى فلم تكن المعركة التي خاضها ~~الفلاسفة الماديون القدماء ضد رجال الأديان الوثنية راجعة إلى كراهيتهم ~~للروحانية أو للمثل العليا، بل كان مبعثها الوحيد هو تأكيد حكم العقل وسيادة ~~القانونية في فهم العالم، والرغبة في المضي في التفسير إلى أقصى مدى ممكن، ~~ومعاداة الجهل في كل صورة، ومنها تلك الصورة التي تؤكد عدم قابلية ظواهر كثيرة ~~في الكون للتفسير العلمي، وبهذا المعنى تكون المادية مرادفة للنزعة إلى التفسير ~~العقلي للأشياء، وأقوى دليل على ذلك ارتباطها الدائم بالتقدم العلمي، وازدهارها ~~في العصور الذهبية للعلوم. وقد تجلى ذلك منذ أول عهود التفكير الفلسفي عند ~~اليونانيين؛ إذ إن مادية الطبيعيين الأولين كانت مقترنة بفترة ازدهار هائل ~~للعلوم الفلكية والرياضية والطبيعية، وهو الازدهار الذي تجلت أوضح مظاهره في ~~مدينة أيونيا، مهبط الفلسفة اليونانية، وموضع التقاء خلاصة الثقافات ~~القديمة. ~~(3-2) سقراط والمادية # حين يتحدث لانجه عن سقراط، فإنه في واقع الأمر يصدر حكما على الفلسفة ~~العقلية اليونانية بأسرها، فسقراط هو الذي بدأ رد الفعل الضخم على المذهب ~~المادي في الفلسفة اليونانية، واستهل تلك الحركة العقلية الهائلة التي بلغت ~~قمتها العليا في فلسفة أرسطو، والتي دخلت فيها بعد تحالف مع الفلسفات ms178 اللاهوتية ~~في العصور الوسطى، وظلت مسيطرة على الأذهان في العالم الغربي على نحو لا يمكن ~~القول عن آثاره كلها قد اختفت حتى اليوم، ومن جهة أخرى فإن من المستحيل علميا ~~وضع حد فاصل دقيق بين تفكير سقراط وتفكير أفلاطون؛ ومن هنا فإن إعادة تقويم ~~فلسفة سقراط - على النحو الذي يقوم به لانجه في هذا الكتاب - هي في واقع الأمر ~~إعادة لتقويم التيار العقلي في الفلسفة الغربية كلها، ولا سيما في قطبيه ~~الكبيرين: أفلاطون وأرسطو. # ويؤكد لانجه أن المحاورات الأفلاطونية، التي تحدثت في معظم الأحيان بلسان ~~سقراط وعبرت في أحيان غير قليلة عن آرائه، كانت تحفل بالخدع المنطقية والألاعيب ~~وجميع أنواع المغالطات التي يرتكبها سقراط الظافر دائما، فهو يتلاعب بخصومه ~~«كما يتلاعب القط بالفأر»، ويدفعهم إلى الوقوع في التناقض، وإلى الاعتراف بأن ~~استدلالاتهم باطلة. ولكنهم لا يتخلصون من هذا الخطأ إلا ليقعوا على يديه في خطأ ~~آخر. وفي رأي لانجه أن هذه الطريقة في الجدال تفيد في الحديث. وفي الصراع ~~المباشر بين الحجج، حيث يجرب الشخص قواه العقلية ضد شخص آخر. ولكنها لا تفيد في ~~البحث العلمي والسعي الجاد إلى المعرفة؛ ذلك لأن العلم لا يهدف إلى إفحام ~~الخصوم، وإنما يرمي أساسا إلى كشف الحقيقة دون مغالطة أو مجادلة عقيمة، على ~~قدر ما كان سقراط بارعا في الاهتداء إلى أخطاء خصومه، كان هو ذاته يقع في ~~أخطاء لا تقل عنها خطورة. ولكنه كان دائما يعجز عن كشف الخطأ في استدلالاته ~~الخاصة، وإذا لم يكن في وسعنا أن نتهم سقراط بالغش والخداع في المناقشة، فإنه ~~كان على الأقل مسئولا عن ذلك الاتجاه اليوناني إلى جعل الفلسفة نوعا من ~~الجدال اللفظي الذي هو أشبه ما يكون بمباريات مصارعة عقلية، تضيع فيها الحقيقة ~~الهادئة في غمار المعارك الكلامية والرغبة المتحمسة في قهر الخصوم. # ولقد كان سقراط يدعي أنه لا يعلم شيئا، ويتخذ موقف البراءة والسذاجة من ~~خصومه، ويطلب إليهم أن يزيدوه علما. ولكن هذه البراءة الفكرية كانت تختفي ~~وراءها - في واقع الأمر - نزعة قطعية ms179 جازمة، سرعان ما تظهر عندما يحتار الخصم ~~ويعجز عن المضي في المناقشة، وقوام هذه النزعة القطعية مجموعة بسيطة من المبادئ ~~الثابتة: «كالقول أن الفضيلة هي المعرفة، وأن العادل وحده هو السعيد، وأن أول ~~واجبات الإنسان معرفته لنفسه، وأن علو المرء بنفسه أجدى من أية عناية يوجهها ~~إلى الأشياء الخارجية»، # 2 # فإذا ما أحرجه الخصم في مسألة معينة، عاد إلى التذرع بجهله الدائم، ~~وذكرنا بالنبوءة التي أعلنت أنه أحكم الإغريق؛ لأنه كان يعلم أنه جاهل، على ~~حين أن غيره لا يعلمون مثله أنهم لا يعلمون. ومع ذلك فقد كان سقراط أبعد الناس ~~عن روح الشك؛ لأن افتراض وجود معرفة يقينية وإمكان وصول العقل البشري إليها ~~كامن في كل عبارة نطق بها. # ومع ذلك فإن لانجه لا ينكر أن سقراط أسدى إلى الفلسفة خدمة كبرى، فمن الممكن ~~أن يعد رائدا للنزعة النقدية في الفلسفة؛ لأن هدفه كان تمهيد الطريق ~~للمعرفة الحقة بالقضاء على كل معرفة باطلة، ووضع منهج يتيح التمييز بين الحقيقة ~~والبطلان، فمنهج سقراط إذن نقدي في أساسه، وفكرته القائلة إن النقد أساس ~~المعرفة، كانت ولا تزال فكرة لها قيمتها الكبرى في الفلسفة، والأهم من ذلك أنه ~~أسهم في تأكيد التمييز بين المظهر والحقيقة، وأكد أن العلم إنما يكون بالماهيات ~~الكلية للأشياء، على حين أن الظواهر البادية لا تصلح أساسا لأية معرفة ~~حقة. # ويشترك سقراط مع أفلاطون وأرسطو في أنهم جميعا قد أحدثوا رد فعل عنيف على ~~النزعة المادية السائدة لدى الفلاسفة اليونانيين السابقين عليهم، ولم يكتفوا ~~بذلك وإنما قلبوا موازين الأمور بحيث أصبحت وجهة النظر الدنيا هي العليا، ~~وأحيوا من جديد تلك الأخطاء والأوهام القديمة التي كان الماديون الأولون قد ~~قضوا عليها. ولكنهم أحيوها من جديد في صورة أبهى وأروع، وأضفوا عليها سلطة ~~ونفوذا، وبينما كانت الخرافة القديمة صريحة واضحة، أصبحت على أيديهم تكتسي ~~بثوب وقور، هو ثوب العقل المصوغ في قالب بشري بحت، والغائية التي تصور الطبيعة ~~على مثال الإنسان. # ولقد ركز الماديون القدماء أبحاثهم في ميدان العلوم الطبيعية ms180 والرياضية؛ أي ~~في ذلك الميدان الذي يستطيع العقل إحراز تقدم حقيقي فيه. أما رد الفعل الذي ~~بدأه سقراط فقد نقل مركز الاهتمام إلى علوم الأخلاق والنفس البشرية؛ أي إلى ~~ميدان يستحيل فيه تحقيق تقدم تتفق عليه كل الأذهان. بل إن أرسطو عندما أراد أن ~~يعود فيما بعد إلى بحث تلك الفروع القديمة التي تجاهلها أفلاطون وسقراط، خلط ~~بين البحث الطبيعي والبحث الأخلاقي، وذلك بإدخاله فكرة الغائية، وهي فكرة ذات ~~أصل أخلاقي واضح؛ فالغاية عند أرسطو تتفق مع الماهية الفكرية للأشياء. ولكن هذا ~~يعني أننا نسبنا إلى هذه الغايات القدرة على تحقيق ذاتها في الأشياء الطبيعية، ~~وهي فكرة لا يمكن تصورها في العلم، ولا ترجع إلا إلى التشبيه بطريقة الإنسان ~~العملية في تشكيل الأشياء حسب غاية معينة. # 3 ~~(3-3) هل كان ديكارت ماديا؟ # يتحدد موقف ديكارت من المادية من خلال حقيقتين متعارضتين: فمن الشائع أن ~~يقال: إن ديكارت كان عدوا للفلسفة المادية، وأنه فتح الطريق أمام المثالية ~~بقضيته المشهورة: «أنا أفكر إذن أنا موجود». ولكن من الواجب أن نلاحظ - من جهة ~~أخرى - أن واحدا من أشد الماديين الفرنسيين تطرفا - وهو «لامتري» - يؤكد ~~انتسابه إلى ديكارت، فكيف إذن نحل الإشكال الذي تنطوي عليه هاتان الحقيقتان ~~المتعارضتان؟ # يرى لانجه أن ديكارت قد دفع المذهب المادي إلى الأمام دفعة قوية عندما أبدى ~~اهتمامه المشهور بالرياضيات واتخذ منها أنموذجا لكل العلوم. صحيح أن الرياضة ~~علم عقلي، ذو منهج استنباطي، وأن الطريقة الاستنباطية تتنافى مع روح المذهب ~~المادي، التي هي تجريبية في أساسها، «ومع ذلك فقد كان ديكارت هو العامل الأكبر ~~على سيطرة ذلك الجانب الرياضي من الفلسفة الطبيعية، الذي طبق على جميع ظواهر ~~الطبيعة معيار العدد والشكل الهندسي»، # 4 # وكان معنى ذلك تغليب النزعة الآلية في بحث الطبيعة، وهي نزعة مادية ~~في أساسها، وإذن فقد كان ديكارت هو الذي أذاع فكرة الآلية في هذه الفترة من ~~تاريخ الفلسفة الحديثة، وهي الفكرة التي ظهرت بأوضح صورها في كتاب لامتري ~~«للإنسان الآلة # L’homme machine ~~»، وإلى ~~ديكارت ترتد ms181 الفكرة القائلة: إن جميع وظائف الحياة العقلية، فضلا عن المادية، ~~تعد آخر الأمر نواتج لتغيرات آلية. # ومن المؤكد أن المادية قد وجدت سندا كبيرا في آراء ديكارت التي ترجع كل ~~التغيرات في العالم الطبيعي - بل وفي الإنسان ذاته - إلى ظاهرة الحركة، إلى ~~تأثير الأجسام بعضها في بعض، مما يؤدي تلقائيا إلى استبعاد التفسيرات الصوفية ~~للطبيعة، ويقتبس لانجه في هذا الصدد عبارة ديكارت المشهورة في كتاب «انفعالات ~~النفس»: «إن الجسم الميت لا يكون ميتا لأن النفس تغيب عنه، بل لأن الآلة ~~الجسمية ذاتها تفسد في جزء أساسي منها»، ثم يعلق على هذه العبارة قائلا: «إذا ~~تذكرنا أن كل الأفكار المتعلقة بالنفس لدى الشعوب البدائية إنما ترجع إلى ~~مقارنة بين الجسم الحي والجسم الميت، لرأينا على الفور في هذه النقطة الواحدة ~~إسهاما له أهمية في دعم المذهب المادي في المجال البشري»، # 5 # ومن هنا فإن لانجه يذهب إلى أن «لامتري» كان على حق عندما أرجع ~~ماديته إلى ديكارت. وحين أكد أن ديكارت كان فيلسوفا حذرا، حاول تجنب رجال ~~الدين فأضاف إلى نظريته نفسا في حقيقة الأمر خارجة تماما عن مضمون النظرية ~~ذاتها. # ومع ذلك فإن الجانب المثالي موجود بدوره في تفكير ديكارت. ومن الجائز أن ~~ديكارت قد احتفظ بالمادية المثالية معا دون أن يحاول التوفيق بينهما على نحو ~~ما فعل كانت. ولكن الجانب المثالي هو الذي أثار اهتمام الناس، وطغى بذلك على ~~الجانب المادي في فلسفته. أما ديكارت نفسه فكان الأمر لديه على عكس ذلك؛ إذ إنه ~~لم يبد اهتماما كبيرا بالنظرية الميتافيزيقية التي ترتبط الآن باسمه، على ~~حين أنه أبدى أشد الاهتمام بأبحاثه العلمية والرياضية، ونظريته الآلية في ~~الطبيعة، وكل ما في الأمر أنه عندما وجد الناس يستحسنون آراءه الميتافيزيقية ~~وبراهينه على وجود الله ولا مادية النفس، أطربه أن يشتهر بين الناس بأنه ~~ميتافيزيقي كبير، وبدأ يبدي اهتماما متزايدا بهذا الجانب من مذهبه. وكان هذا ~~التحول إلى الميتافيزيقا أدعى إلى اطمئنانه على نفسه من هجوم رجال الدين، «إذ ~~إن من المعروف ms182 أن خوفه من رجال الدين قد دفعه إلى إعادة النظر في مؤلفاته التي ~~كانت قد تمت بالفعل، ومراجعتها مراجعة دقيقة، ومن المؤكد أنه سحب منها - رغما ~~عما كان يؤمن به فعلا - نظريته في دوران الأرض.» # 6 ~~(3-4) كانت والمذهب المادي # سبق أن أشرنا إلى أن لانجه كان من أنصار كانت المتحمسين، وقد يبدو غريبا أن ~~يظهر مؤلف ضخم عن المذهب المادي على يد واحد من أقطاب النزعة الكانتية الجديدة ~~في ألمانيا. ولكن الواقع أن لانجه قد وفق بين آراء كانت وبين المذهب المادي ~~على طريقته الخاصة، فهو من ناحية ليس نصيرا متحمسا للمذهب المادي في كل ~~الأحوال؛ ذلك لأن المادية في نظره لها قيمتها بوصفها طريقة في تفسير الظواهر ~~تخلصنا من المبالغات والأوهام الميتافيزيقية، وتزيد الفلسفة اقترابا من روح ~~العلم. ولكنها لا تعدو أن تكون «طريقة في تفسير الظواهر» فحسب؛ أعني أنها لا ~~تقدم تفسيرا نهائيا للأشياء في ذاتها، وهي تقضي على ذاتها إذا حاولت أن تقيم ~~بدورها نظرتها الميتافيزيقية الخاصة إلى الكون، وتدعي أنها التعبير الكامل عن ~~الطبيعة النهائية للأشياء، وإذن فالمادية عنده مقبولة من حيث إنها منهج في ~~النظر إلى الأمور، قريب من الروح العلمية الحقيقية. ولكنها مرفوضة من حيث إنها ~~نظرية ميتافيزيقية في طبيعة الأشياء في ذاتها تظل مجهولة لدينا تماما. # ومن جهة أخرى فإن لانجه يذهب إلى أن كانت لم يكن معاديا للمادية إلى الحد ~~الذي يتصوره معظم مؤرخي الفلسفة؛ ذلك لأن كانت قد تأثر أشد التأثير بفلسفة ~~هيوم، وهيوم فيلسوف تجريبي لا يؤمن بوحدة الذات أو بوجود جوهر للنفس أو بأن ~~النفس بسيطة متوحدة، ومثل هذه الآراء عند هيوم لا تتمشى مع الإيمان بخلود ~~النفس؛ ومن هنا فإنها تضر بقضية اللاهوت على قدر إضرارها بقضية الميتافيزيقا، ~~فإن كان صاحب هذه الآراء هو أقوى الناس تأثيرا في تفكير كانت، فمن الواجب أن ~~ننظر إلى علاقة كانت بالمادية في ضوء مخالف لما هو مألوف ؛ إذ إن كانت - مع ~~معارضته للمادية - لم يكن ممن يزدرونها أو يستبعدونها تلقائيا. ms183 وهكذا يعرض ~~لانجه فلسفة كانت عرضا مفصلا، ويهتم بوجه خاص بفكرة مثالية المكان والزمان ~~من حيث تأثيرها في موقفه من الفلسفة المادية، كما يهتم أيضا بمقولة العلية ~~التي كانت آراء «كانت» فيها بمثابة رد فعل على نزعة الشك عند هيوم؛ بحيث انتهى ~~إلى أن العصور الذهنية تنتسب بالضرورة إلى تركيبنا الخاص، لا إلى التجربة ~~ذاتها، وعلى أية حال فإن لانجه يثبت أن كثيرا من عناصر الفلسفة الكانتية لا ~~تتعارض مع المذهب المادي، ويكفي أن كانت يؤكد أن العالم الظاهري - وهو العالم ~~الذي تبحث المادية في قوانينه - هو العالم الوحيد المعروف لنا، فلا تعارض على ~~الإطلاق بين فلسفة كانت وبين أية نزعة مادية طالما أننا ننظر إلى هذا العالم ~~على أنه عالم ظواهر فحسب، ومن المؤكد أن كانت لا يرفض على الإطلاق أي بحث علمي ~~يهدف إلى استخلاص قوانين عالم الطبيعة، منظورا إليه على أنه عالم الظواهر. أما ~~إذا ادعت المادية أن القوانين التي يصل إليها العلم متعلقة بالأشياء في ~~ذاتها، فإنها في هذه الحالة تتعارض مع أصول الفلسفة الكانتية، وتتعرض في الوقت ~~ذاته لنقد شديد من جانب المؤلف. # وسوف نرى في الجزء التالي من هذا البحث كيف أن لانجه يوجه انتقادات شديدة إلى ~~المذاهب المادية التي تزعم أنها تتوصل إلى الطبيعة النهائية للأشياء، على الرغم ~~من إيمانه بقيمة المادية من حيث هي منهج علمي في البحث. ~~(4) المادية والعلم # أفادت المادية كثيرا من تقدم العلوم الطبيعية، حتى إن الماديين الذين عرفهم ~~«لانجه» حاولوا أن يربطوا مذهبهم بالعلم ربطا نهائيا، مؤكدين أنه لا مجال في أي ~~موضوع ما عدا العلم الطبيعي؛ إذ لا يوجد خارج الطبيعة شيء، ومعنى ذلك أن الفلسفة لم ~~تعد لها مجال، بل لقد أصبحت - بعد تقدم العلوم الطبيعية - عائقا حقيقيا في وجه ~~الفهم العلمي للعالم، وإذن فالماديون يقولون بهوية تفكيرهم مع العلم، على حين أن ~~التفكير الفلسفي المضاد لمذهبهم لا يساعد في رأيهم على توسيع نطاق المعرفة. # ويتفق «لانجه» مع هذا الحكم بقدر ما ينطبق على الفلسفات المثالية ms184 الألمانية في ~~تطوراتها بعد كانت، وهي الفلسفات التي يتخذ منها موقفا شديد العداء، فطريقة تفكير ~~شلنج وهيجل وغيرهما من المثاليين تبرر بالفعل عدم ثقة العلماء بالفلسفة. غير أن ~~الفلسفة في تطوراتها السابقة - أي منذ ديكارت حتى كانت - لم تكن تتخذ من العلم هذا ~~الموقف، وإنما كانت تساير العلم وتسانده، بل كانت في أساسها طريقة علمية في النظر ~~إلى الأمور، فضلا عن أنها كانت محاولة لكشف أوجه أخرى للعالم غير ذلك الوجه الذي ~~تكشف لنا الحواس. وفي هذه الحالة يقف لانجه موقف المعارضة الشديدة من الادعاءات ~~المادية، وينكر على هذا المذهب زعمه أنه هو الممثل الوحيد للعلم، وهو كفيل باستبعاد ~~الفلسفة نهائيا من مجال المعرفة البشرية، فللفلسفة كل الحق في الوقوف إلى جانب ~~العلم، وكل محاولة للاستغناء بالعلم عن الفلسفة مصيرها الإخفاق. # ويعتقد لانجه أن «كانت» يقدم إلينا مثلا رائعا لمفكر جمع بين الاهتمام بالعلم ~~والإسهام فيه وبين القدرة على تشييد مذهب فلسفي وطيد الأركان، فقد كان «كانت» من ~~أوائل من قالوا بالنظرية التي ترد أصل الأجرام السماوية إلى مجرد تماسك المادة ~~المبعثرة في أرجاء الكون، وهو قد استبق المذهب التطوري في نواح غير قليلة؛ إذ تحدث ~~في محاضراته العامة عن تطور الإنسان من حالة حيوانية سابقة. وفضلا عن ذلك فقد رفض ~~كانت فكرة وجود «مقر» للنفس، وأكد أنها فكرة لا معقولة، وكثيرا ما كان ينادي بأن ~~الجسم والنفس شيء واحد يدرك على نحوين مختلفين، وهذه كلها عناصر مادية غاية في ~~الوضوح، تضمنها تفكير كانت واتسع لها. ومع ذلك فإن تفكيره الذي لم يكن يستطيع أن ~~يتعلم المزيد من الماديين - لأن كل قضاياهم موجودة فيه ضمنا - قد ظل محتفظا ~~بالطبع المثالي؛ أي إن كانت قد استطاع أن يعترف للعلم بمجاله الخاص ويسهم في تقدمه ~~بجهود غير قليلة. ولكنه مع ذلك لم ينكر على الفلسفة حقها في استطلاع مجالات أخرى، ~~فالعالم المعطى لنا عن طريق حواسنا، ولتنظيمه وجعله معقولا بالنسبة إلينا. ولكن ~~نظرة العلم الآلية لا تسري إلا على عالم الظواهر هذا، ms185 ومن وراء هذا العالم يوجد ~~عالم الأفكار الذي يتعين علينا ألا نتجاهله؛ فالعلم يقف عند حدود هذا العالم ~~المثالي أو الفكري الذي لا تقدر على استطلاعه إلا الفلسفة. # أما الزعم بأن النظرة المادية هي وحدها الكفيلة بتحقيق تقدم المعرفة البشرية، فإن ~~لانجه يرد عليه بقوله: إن هذه النظرة - على العكس من ذلك - محافظة بطبيعتها، فلا ~~شيء يدفع المادي إلى تجاوز الظواهر الحسية المباشرة، إلى استخلاص أوجه جديدة غير ~~مألوفة للأشياء، والقيام بتجارب ومحاولات جريئة تغير مجرى المعرفة السائد. بل إن ~~هذه الجرأة وذلك التجديد يحتاجان إلى ذهن لا يتقيد بالمحسوسات المباشرة، ولا يحول ~~شيء بينه وبين تجاوز ما هو معطى، والتحليق في آفاق أعلى من مستوى ما هو حاضر أمامه ~~مباشرة؛ ومن هنا يؤكد لانجه أن الكشوف والانقلابات الكبرى في العلم قد تمت على ~~أيدي علماء لم يكونوا من ذوي النزعة المادية. # 7 # فهل يعني ذلك أن لانجه يحارب المادية المعاصرة له ولا يقبل أية قضية من قضاياها؟ ~~الواقع أن موقف لانجه من المادية - كما قلنا من قبل - موقف مزدوج، فهو يحفظ من ~~المادية بفكرة انتظام الطبيعة وقانونيتها، ويرى في هذه النزعة وسيلة لمحاربة كل ~~أنواع التفكير الخرافي أو الميتافيزيقا المغرقة في الغرور. ولكنه يعترض على المادية ~~بشدة في فكرتها القائلة: إن المادة هي جوهر الأشياء والموجودات جميعا. ومع ذلك فمن ~~الواجب أن ننبه إلى أن اعتقاده بانتظام الطبيعة لا يعني أن هذا الانتظام في رأيه ~~«موضوعي»، ينتمي إلى طبيعة الأشياء ذاتها، بل إن تأثيره بتفكير كانت جعله يؤمن بأن ~~هذا الانتظام يرتد آخر الأمر إلى الذات التي تضفي قوانينها ومبادئها - أو صورها ~~ومقولاتها - على كل ما تدركه في عالم الظواهر. # فلنتأمل إذن كيف يطبق لانجه آراءه في مجالات علمية محددة: ~~(4-1) علم الفيزياء # كان هذا العلم - في عصر لانجه - قد بدأ يغلب فكرة الطاقة على فكرة المادة، ~~ويرد الثانية إلى الأولى. ومع ذلك فإن قانون بقاء الطاقة قد لقي تجاهلا من ~~الماديين المعاصرين له، من أمثال فشنر # Frchner # وبوشنر ms186 # Büchner ~~؛ «ذلك لأن العنصر الصحيح ~~في المادية - وهو استبعاد المعجزة والتخبط من مجال الطبيعة - يثبت بفضل هذا ~~القانون على نحو أعلى وأعم مما يستطيع الماديون إثباته من وجهة نظرهم الخاصة. ~~أما العنصر الباطل - وهو القول بأن المادة هي مبدأ كل ما هو موجود - فإنه ~~يطرح جانبا - بفضل هذا القانون - على نحو يبدو نهائيا قاطعا.» # 8 # والواقع أن عدم قدرتنا على طاقة خالصة، إنما يرجع إلى ضرورة نفسية تجعلنا ~~ندرج ملاحظاتنا تحت مقولة الجوهر؛ فنحن لا ندرك إلا طاقات. ولكنا نطالب بعنصر ~~تحل فيه هذه الظواهر المتغيرة؛ أي بجوهر. وهذا الجوهر هو في ذاته مجهول؛ ومن ~~هنا فقد عرف لانجه المادة بأنها «ذلك العنصر في الشيء، الذي لا نستطيع أو لا ~~نريد أن نمضي في تحليله إلى طاقات، والذي نجمده ونثبته فنجعل منه أصلا للقوى ~~التي نلاحظها وحاملا لها.» ~~(4-2) علم الحياة # يبدو لأول وهلة أن نظرية التطور عند داروين قد استبعدت فكرة الغائية نهائيا ~~من مجال علم الحياة. ولكن هناك نوعا من الغائية لا تستبعده هذه النظرية، هو ~~ذلك النوع الذي اعترف به كانت، الذي هو مجرد إقرار بمعقولية العالم؛ ذلك لأن ~~الداروينية بدورها ليست إلا نظرية تضفي طابعا معقولا على أصل الأنواع الحية، ~~وإذن فغائية العالم ليست - من الوجهة الشكلية - إلا تكيف هذا العالم مع ~~أذهاننا. وهذا التكيف يتطلب بالضرورة سيادة قانون العلية على نحو مطلق، دون ~~تدخل من أية قوى خارقة للطبيعة، كما يتطلب أن تكون الأشياء قابلة للفهم عن طريق ~~ترتيبها وتنظيمها في صور وأنواع محددة. وهذا بعينه ما فعلته نظرية التطور في ~~مجال الأحياء، أما النوع الآخر من الغائية، القائل بتدخل قوى تخرج بالحوادث عن ~~مجراها المنتظم، وهو الغائية التشبيهية بالإنسان، فإنه يتنافى مع أسس فلسفة ~~كانت، مثلما يتنافى مع العلم ومع الداروينية بوجه خاص. ~~(4-3) علم النفس # لا ينكر لانجه أهمية البحث العلمي التجريبي الحديث في علم النفس وعلم وظائف ~~الأعضاء، فلهذه الأبحاث في نظره قيمة عظمى. ولكنها لا تؤدي بأية حال إلى دعم ~~المادية، ms187 فلندرس تأثير العوامل الميكانيكية في الإدراك كما نشاء. ولكن كل ما ~~سننتهي إليه في الواقع هو أننا كشفنا القوانين الآلية التي تنظم أفكارنا لا ~~حواسنا، ولو استطعنا أن نرد شيء إلى الحواس؛ لوجدنا آخر الأمر أن الحواس ذاتها ~~إنما هي أفكار في أذهاننا؛ «ذلك لأن كل تركيب مادي - حتى لو كنت أستطيع إثبات ~~وجوده بالمجهر أو المشرط - يظل مع ذلك مجرد فكرة لي، ولا يمكن أن يختلف في ~~طبيعته عما أسميه بالذهن»، # 9 # وهكذا فإن أي تفسير يمكن أن يأتي به علم النفس - بشأن مفاهيم مثل ~~الإدراك أو الإحساس أو غيرها - لا بد أن يرد إلى طبيعة «تركيبنا»؛ لأن كل ما ~~ندركه في صورة إحساس يرتد إلى فكرة في ذاتنا في آخر الأمر. ولا شك أن هذه ~~الطريقة في تفسير كشوف علم النفس - أو أي علم آخر - كفيلة بأن تفسد أية نتيجة ~~يتوصل إليها ذلك العلم؛ لأن كل شيء يرجع حسب هذا المقياس إلى «فكرة» ذاتية. ~~وهذا النوع من «المثالية» يستحيل تفنيده بالمنطق المألوف، وكل ما يمكن أن يقال ~~عنه هو أنه عقيم لا يغير من الأمور شيئا، وإنما يزيدها تعقيدا. ~~(4-4) السياسة والأخلاق # يعني لانجه بالمادية في الأخلاق كل مذهب يحدد هدف السلوك الأخلاقي، لا على ~~أساس فكرة تسري على نحو مطلق، وإنما على أساس السعي إلى تحقيق حالة مرغوب فيها، ~~مثل هذا المذهب يبدأ - كالمادية النظرية - من المادة في مقابل الصورة، وكل ما ~~في الأمر أن المقصود هنا ليس مادة الأجسام الخارجية، وإنما المادة الأولية ~~للسلوك العلمي، أي الدوافع ومشاعر اللذة والألم. # 10 # وعندما تطبق هذه المادية الأخلاقية في مجال السياسة، تتحول إلى شكل من ~~أشكال الأنانية: كالقول بالحرية الاقتصادية وبفكرة المنفعة، وتغليب القيم ~~«العلمية» والرغبة في توسيع نطاق الأعمال الخاصة وتكديس الأرباح. وهكذا يربط ~~لانجه بين الرأسمالية بجميع مظاهرها المعروفة، والتي كانت أشد تطرفا في عصره ~~بطبيعة الحال وبين المادية؛ إذ إن الجشع الرأسمالي والرغبة في الانتفاع على ~~حساب الغير إنما ترتبط - في رأيه - بالتقدم المادي وبالاهتمام ms188 بالأوجه المادية ~~للحياة بعد الثورة الصناعية. # ولا شك أن آراء لانجه هذه تعد، من وجهة النظر المعاصرة، باطلة تماما؛ لأن ~~المادية ترتبط في أذهاننا الآن بالعداء للرأسمالية، الذي يتمثل على أوضح صورة ~~في المادية الديالكتيكية عند ماركس. ولعل الخلط الذي وقع فيه لانجه في هذا ~~الصدد هو أوضح مظهر من مظاهر ذلك النقص الرئيسي في كتابه وهو تجاهله للمادية ~~الماركسية وعدم إدخالها ضمن الأشكال المعترف بها للمذهب المادي؛ على أن في ~~وسعنا أن نستخلص من هذا الخلط أمرا له دلالته البالغة؛ فها هو ذا مفكر استعرض ~~تاريخ المادية، حتى عصره بدقة بالغة، وانتهى إلى الربط بينها وبين الرأسمالية ~~في مجال الاقتصاد السياسي، أليس في هذا دليل بالغ على مدى الاضطراب في فهم كلمة ~~«المادية». وفي استخلاص مضموناتها الأخلاقية والسياسية؟ الحق أن معظم الناس ما ~~زالوا يربطون - عن وعي حينا ودون وعي أحيانا - بين المادية وبين معنى الجشع ~~والسعي إلى الربح وتكديس الأموال وتحقيق المصالح الشخصية، فهل يكون من المستغرب ~~- والحال هذه - أن نرى أشد دول العالم تمسكا بدافع الكسب والربح، وأعظم شعوب ~~العالم حبا للمال، تتخذ من نفسها حامية للروحية في العالم ضد «مادية» ~~الاشتراكيين؟ وهل يكون من المستغرب أن يتهم كل مذهب يرمي إلى تحقيق المزيد ~~من عدالة التوزيع، إلى تأكيد قيم التعاون والتضامن فوق القيم الفردية الضيقة ~~المحدودة، بأنه مذهب يتجاهل العناصر «الروحية» في الإنسان؟ الحق أن الأمور كلها ~~مختلطة والمقاييس مقلوبة، وأن الصورة التي ما زالت عالقة بأذهان مجموعات كبيرة ~~من البشر - في النصف الثاني من القرن العشرين - لا تقل اضطرابا - في المجال ~~السياسي - عن تلك التي نجدها عند «لانجه» منذ قرن من الزمان، والسبب الأكبر في ~~ذلك الاضطراب هو الخلط الكبير في فهم ذلك المصطلح العظيم الخطورة: مصطلح ~~«المادية»، وهو خلط يمكن أن يعد دعامة كبرى ترتكز عليها دعايات القرن ~~العشرين. ~~(5) نصوص مختارة من كتاب «تاريخ المادية» ~~(5-1) فضل التفكير العربي على العلم # في هذا النص يوضح لانجه موقف المفكرين والفلاسفة العرب من مشكلة المادية، ~~التي ms189 يفهمها في هذا الجزء من الكتاب بمعنى يقرب من معنى «الروح العلمية»؛ ومن ~~هنا فإن النص بأكمله يعد من خير الشواهد التي قدمها الكتاب الغربيون على فضل ~~الحضارة العربية في ميدان العلم: ~~... كان ثالث الأديان التوحيدية الكبرى - وهو الإسلام - أقربها إلى ~~الروح المادية، فقد كانت هذه العقيدة - التي هي أحدث العقائد الثلاث ~~عهدا - أسرعها إلى رعاية الروح الفلسفية المتحررة، التي نمت مع ~~الازدهار الرائع للحضارة العربية. وكان لها تأثير قوي في المحل الأول ~~على يهود العصور الوسطى؛ ومن ثم على مسيحيي الغرب بطريق غير ~~مباشر. # ولقد ظهرت في الإسلام - حتى قبل معرفة العرب للفلسفة اليونانية - شيع ~~ومدارس متعددة في علم الكلام، تكونت لدى بعضها فكرة عن الله بلغت حدا ~~من التجريد استحال معه على أي بحث فلسفي أن يمضي أبعد منها في هذا ~~الاتجاه، على حين أن بعضها الآخر لم يكن يؤمن إلا بما يمكن تعقله ~~وإثباته، وقد ظهرت في المدرسة الكبرى بالبصرة، طائفة من العقليين، تحت ~~رعاية العباسيين، كانت تسعى إلى التوفيق بين العقل والإيمان. # ولو قارنا بين هذا التيار الزاخر من علم الكلام والفلسفة الإسلامية ~~الخالصة، وبين المشائين الذين تطرأ أسماؤهم على أذهاننا عادة عندما ~~يرد ذكر الفلسفة العربية الوسيطة؛ لبدا هؤلاء الأخيرون مجرد فرع ضئيل ~~الأهمية نسبيا، دون تنوع مذكور في داخله، ولم يكن ابن رشد - الذي كان ~~اسمه أكثر الأسماء شيوعا في الغرب بعد أرسطو - نجما يحتل المكانة ~~الأولى في سماء الفلسفة الإسلامية، وإنما ترجع أهميته الحقيقية إلى أنه ~~هو الذي تجمعت عنده نتائج الفلسفة العربية الأرسططالية التي كان هو ~~ذاته آخر ممثل عظيم لها، وهو الذي نقلها إلى الغرب في مجموعة واسعة ~~النطاق من المؤلفات، ولا سيما في شروحه على نصوص أرسطو. ولقد نمت هذه ~~الفلسفة - شأنها شأن الفلسفة المدرسية المسيحية - من تفسير لأرسطو يتسم ~~بطابع أفلاطوني محدث. ولكن على حين أن المدرسية الغربية - في مراحلها ~~الأولى - لم تكن لها إلا معرفة ضئيلة باللاهوت المسيحي وخاضعة لسلطانه، ~~فإن الينابيع التي تدفقت على العرب من خلال ms190 المدارس السريانية كانت ~~أغزر بكثير، فمضى الفكر معها في طريق أكثر تحررا من تأثير اللاهوت، ~~الذي شق لنفسه طرقا تأملية خاصة به. وكانت نتيجة ذلك أن الجانب ~~الطبيعي من مذهب أرسطو قد نما بين العرب على نحو لم تعرفه المدرسية ~~المسيحية الأولى على الإطلاق، مما أدى فيما بعد بالكنيسة المسيحية إلى ~~أن تعد مذهب ابن رشد مصدرا لأشد أنواع التجديف ... # على أن من واجبنا أن نشكر الحضارة العربية في العصور الوسطى على عنصر ~~آخر إلى جانب فلسفتها، ربما كان أوثق صلة بتاريخ المادية، هو أعمالها ~~الهامة في ميدان البحث الوضعي. وفي الرياضيات والعلوم الطبيعية، بأوسع ~~معاني هذه الكلمة، والحق أن الخدمات الرائعة التي أداها العرب في ميدان ~~الفلك معروفة بما فيه الكفاية، # 11 # ولقد كانت هذه الدراسات بوجه خاص هي التي أدت - عندما ~~ارتبطت بالتراث اليوناني - إلى إفساح المجال مرة أخرى لفكرة انتظام ~~مجرى الطبيعة وخضوعه للقانون، وحدث ذلك في وقت أدى فيه تدهور الإيمان ~~في العالم المسيحي إلى بعث اضطراب في النظام الأخلاقي والمنطقي للأشياء ~~يفوق ما كان حاصلا في أية فترة من فترات الوثنية اليونانية الرومانية. ~~وفي وقت كان كل شيء فيه يعد ممكنا ولا شيء يعد ضروريا. وكان يفسح ~~فيه مجال لا حدود له لحرية الموجودات التي كان الخيال لا يكف عن إضفاء ~~صفات جديدة عليها ... # وينبغي علينا في هذا المجال أن نبدي اهتماما خاصا بعلم الطب، فقد ~~عالج العرب هذا العلم بحماسة بالغة، وهنا أيضا نجدهم، مع تعلقهم ~~بالتراث اليوناني، يعملون بروح مستقلة ميالة إلى الملاحظة الدقيقة، ~~ويضعون بوجه خاص مذهبا في الحياة يرتبط ارتباطا وثيقا بمشكلات ~~المادية. وهكذا استطاع الحس المرهف لدى العرب أن يدرس الإنسان، فضلا ~~عن عالم الحيوان والنبات - والطبيعة العضوية بأسرها على نحو لا يقتصر ~~على استقصاء خصائص الموضوع المعطى، وإنما يتتبع تطوره وكونه وفساده؛ ~~أعني نفس المجالات التي كانت النظرية الصوفية في الحياة تجد فيها دعامة ~~لها. # ولقد سمعنا جميعا عن ظهور مدارس طبية قديمة العهد في المناطق ~~الجنوبية من إيطاليا، ms191 حيث كان الاختلاط قويا بين العرب وبين العناصر ~~المسيحية المثقفة؛ ففي «مونتي كاسينو» - ومن بعدها في ساليرنو ونابولي ~~- ظهرت تلك المدارس الطبية الشهيرة، التي كان طلاب العلم يتقاطرون ~~عليها من جميع أرجاء العالم الغربي. # ولنلاحظ أن هذا الإقليم ذاته هو الذي شهد أول ظهور لروح الحرية في ~~أوروبا، وهي الروح التي يتعين علينا ألا نخلط بينها وبين المادية ~~الكاملة، وإن تكن وثيقة الصلة بها على أية حال؛ ذلك لأن هذه المنطقة من ~~أرض جنوب إيطاليا - ولا سيما صقلية - التي يبلغ فيها التعصب المجنون ~~والخرافة العمياء أقصى مداهما في أيامنا هذه. وكانت في ذلك الوقت كعبة ~~العقول المستنيرة ومهدا لفكرة التسامح. # فإذا عدنا إلى العلوم الطبيعية عند العرب، لكان لزاما علينا - في ~~الختام - أن نقتبس عبارة همبولت # Humboldt # الجريئة، التي يقول فيها: إن العرب ينبغي أن ~~يعدوا المؤسسين الحقيقيين للعلوم الفيزيائية «بالمعنى الذي نعتاد ~~اليوم استخدام هذا اللفظ به»؛ فالتجربة والقياس # measurement # هما الأداتان ~~الهائلتان اللتان شق بهما العرب طريق التقدم، وارتفعوا إلى مكانة تقع ~~بين ما أنجزه اليونانيون في فترتهم الاستقرائية القصيرة، وما أنجزته ~~العلوم الطبيعية في العصر الحديث. ~~(من الجزء الأول، ص177-184) # | أركان العلم لكارل بيرسن # تقديم # في كل عصر يحرز فيه العلم تقدما كبيرا في الميدان النظري والميادين التطبيقية، ~~نجد مجموعة من العلماء الذين لا يكتفون بالإسهام في دفع عجلة الكشف العلمي إلى ~~الأمام، وإنما يقومون أيضا بعملية نقد ذاتي يتأملون فيها حدود العلم ويراجعون ~~مناهجه ويعددون موقعه بين سائر أوجه النشاط الفكري والروحي والمادي للإنسان. ولقد ~~كان القرن التاسع عشر فترة تقدم علمي لا شك فيه؛ ومن هنا كان من الطبيعي أن يظهر ~~فيه بين الحين والحين عالم لا يكتفي بممارسة الكشف العلمي، بل يحاول أن يتلمس ~~الموقع الحقيقي للعلم وبين الفلسفة، ويغدو عالما متفلسفا أو فيلسوفا ~~علميا. # والكتاب الذي نعرضه ها هنا مثل بارز من أمثلة النقد الذاتي التي قام بها العلماء ~~في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، فهو يهدف إلى أن يشرح للعلماء ولغير ms192 ~~المتخصصين في العلم وللمشتغلين بالفلسفة وبشئون الفكر عامة، المعاني المحددة لعدد ~~كبير من المفاهيم الرئيسية في العلم الطبيعي، ويرمي إلى مناقشة المشكلات الهامة ~~لمنطق البحث العلمي، وبيان موقع العلم الحديث في الحضارة التي يعيشها الإنسان ~~اليوم. # ولقد كان الجو الفكري الذي ظهر فيه الكتاب هو ذلك الجو المميز لإنجلترا في نهاية ~~القرن التاسع عشر، حيث ظهرت نزعة مثالية قوية سيطرت على الجامعات الإنجليزية ~~الكبرى، وقادتها فئة من الهيجليين الإنجليز المتأخرين، ولا يمكن أن يفهم هذا ~~الكتاب على حقيقته إلا إذا نظر إليه بوصفه رد فعل على هذه النزعة المثالية التي ~~اعتقد مؤلف الكتاب أنها من أكبر العقبات التي تحول دون تقدم العلم، وسنجد فيما بعد ~~أن آراء المؤلف نفسه لم تبتعد كثيرا عن المثالية الفلسفية، بل اتخذت في كثير من ~~الأحيان صبغة ذاتية متطرفة، وإن لم يتنبه هو ذاته إلى هذه النتيجة، وعلى أية حال ~~فقد كان هذا الكتاب من العوامل الهامة التي ساعدت على تغيير المناخ الفكري في ~~إنجلترا، وعلى إرساء دعائم فهم معين للعلم ما زال يجد له أنصارا كثيرين في البلاد ~~الأنجلوسكسونية، وأعني به النظرة التجريبية التي تمتد جذورها إلى القرن السابع عشر، ~~والتي تمثل صفة من الصفات الملازمة لتفكير البلاد الناطقة بالإنجليزية، وإذا كانت ~~بعض المناقشات التي تضمنها هذا الكتاب قد فقدت قيمتها لأن تقدم العلم تجاوزها ~~بمراحل، فلا شك في أن موقفه الفكري العام له في تراث الإنسانية أهمية فائقة ~~لارتباطه باتجاه من الاتجاهات الدائمة للفكر الفلسفي. ~~(1) حياة بيرسن ومؤلفاته # ولد كارل بيرسن في لندن عام 1857م، لأب كان محاميا إنجليزيا مشهورا، وتلقى ~~العلم في «الكلية الجامعية» # University College # في ~~لندن، ثم في جامعة كيمبردج، حيث أظهر مقدرة كبيرة في فروع متعددة، منها التاريخ ~~والأنثروبولوجيا والاجتماع والفلسفة والعلوم الرياضية، وقد عين في عام 1884م ~~أستاذا لكرسي الرياضة التطبيقية والميكانيكا بنفس الكلية. وفي الفترة من عام 1911م ~~إلى عام 1913م كان يشغل كرسي «جولتن» # Galton # لعلم ~~تحسين السلالات # Eugenics # بالكلية ذاتها، وخلال ~~الفترة الطويلة لاشتغاله بالتدريس ms193 الجامعي، كان يلقي محاضرات على الطلبة وجماهير ~~المفاهيم المستخدمة في العلوم الطبيعية، وعلى أساس هذه المحاضرات تبلور في ذهنه ~~كتاب «أركان العلم» الذي نقدمه في هذا البحث. # وإذا كان هذا الكتاب هو مصدر شهرة بيرسن في ميدان الفلسفة والبحث في المناهج ~~العلمية، فقد اشتهر بين العلماء أنفسهم لأسباب مختلفة تماما، أولها أنه كان من ~~الرواد الأوائل لعلم تحسين السلالات، الذي كان مؤسسه أستاذه «جولتن»، ثانيها - ~~وأهمها - أنه قام بأبحاث لها أهميتها الكبيرة في علم الإحصاء النظري والتطبيقي، ولا ~~سيما في ميدان تطبيق المناهج الرياضية الإحصائية على العلوم البيولوجية، ويعد ~~بيرسن أحد رواد علم الرياضة البيولوجية # Biometrcs ~~، وقد أنشأ مجلة بهذا الاسم # Biometrika # ظل رئيسا لتحريرها من عام 1902م ~~حتى وفاته في عام 1936م، كما كان في الفترة من 1925م إلى 1930م رئيسا لتحرير مجلة ~~«حوليات علم تحسين ~~السلالات» # Annals of Eugenics ~~، فضلا عن إشرافه على معمل تحسين السلالات بعد وفاة ~~جولتن، وقيامه فيه ببحوث كثيرة منها تطبيقه لمبادئ هذا العلم على أستاذة جولتن في ~~الكتاب الذي ألفه عن حياته، والذي سيرد في ثبت مؤلفاته. # وأهم مؤلفات كارل بيرسن - بالإضافة إلى مقالاته العلمية العديدة - الكتب ~~الآتية: ~~(1) # أبحاث في الملكة البشرية وتطورها # 1 ~~(1913م): # Essaies into the Human Faculty and its ~~opment ~~. ~~(2) # الأساس الأخلاقي للاشتراكية (1885م): # Moral Basis of Sociaism ~~. ~~(3) # الاشتراكية نظريا وعمليا (1887م): # Socialism in Theory and ~~practice ~~. ~~(4) # Chances of Death and other Studies in ~~creation ~~. ~~(5) # الحياة القومية من وجهة نظر العلم (1901م): # National Life from the Standpoint of ~~Science ~~. ~~(6) # حياة فرانسس جولتن ومراسلاته (في مجلدات 1915م-1925م): # Life and Letters of Francis ~~Galton ~~. # أما الكتاب الذي نقدمه في هذا البحث - وهو «أركان العلم» # The Grammar of Science ~~- فقد ظهرت طبعته ~~الأولى عام 1892م، ثم ظهرت له طبعة ثانية في عام 1900م، أضاف فيها فصلين عن التطور. ~~وفي هذين الفصلين عالج العلوم البيولوجية بنفس المنهج الذي عالج به العلوم الطبيعية ~~في بقية فصول الكتاب. ولكن النتائج التي توصل إليها في مجال البيولوجيا ms194 لم تكن ~~مرتكزة على أساس متين؛ لذلك أصدر بيرسن طبعة ثالثة للكتاب في عام 1911م حذف فيها ~~هذين الفصلين، وأضاف فصلا آخر عن الأفكار الثورية الجديدة في علمي: الفيزياء ~~والفلك، هي الأفكار التي بدأت في الظهور بعد مرحلة التحول الكبرى التي شهدها مطلع ~~القرن العشرين. ولقد كان بيرسن يعتزم إصدار جزء آخر لهذا الكتاب يعالج فيه علوم ~~الحياة في ضوء آخر ما وصلت إليه من تطورات. ولكنه لم ينفذ خطته هذه لأسباب غير ~~معلومة؛ لذلك ظلت هذه الطبعة الثالثة هي الطبعة المعتمدة لهذا الكتاب، وقد اعتمدنا ~~في هذا البحث على طبعة معادة ( # reissue ~~) لها، ~~نشرتها مكتبة # Meridian Books ~~(بنيويورك) في عام ~~1957م. ~~(2) الأفكار الرئيسية في كتاب «أركان العلم» # منذ الصفحات الأولى لكتاب «أركان العلم»، لا يترك بيرسن أي مجال للشك في إيمانه ~~المطلق بالعلم من حيث هو وسيلة الإنسان الوحيدة لحل كل مشكلاته؛ فالعلم أفضل سبيل ~~إلى تعويد المرء الموضوعية والنزاهة في أحكامه، وتخليصه من التحيز والنظرة الشخصية ~~إلى الأمور، وإذن فمن الصفات الأساسية التي ينبغي أن تتوافر في المواطن الصالح، أن ~~تكون نظرته إلى الأمور علمية، ولا يتعين - من أجل تحقيق هذا الهدف - أن يكون المرء ~~عالما محترفا أو متخصصا، وإنما يكفيه أن يعالج ما يحيط به من مشكلات اجتماعية ~~وفردية بنفس الأسلوب الذي يعالج به العالم الطبيعي ما يعرض له من المشاكل. # ولا غناء لمجتمع يهدف إلى النهوض بنفسه عن اتباع الأسلوب العلمي في كل الأمور. ~~صحيح أننا نسمع أصواتا كثيرة تردد - بأساليب مختلفة - الفكرة القائلة: إن للعلم ~~مجالا محدودا لا يتعداه، وإن هناك وسائل أخرى تعيننا على شق طريقنا في ذلك ~~الميدان الواسع الذي لا يسعفنا فيه العلم. غير أن بيرسن - وإن اعترف بقصور العلم ~~وعجزه في ميادين متعددة - يؤكد تأكيدا قاطعا أن جهل العلم بمجال ما يعني أن أي ~~منهج آخر يجهل هذا المجال بدوره، ويعجز عن إرشادنا فيه، وعلى أية حال فمن الخطأ ~~الاعتقاد بأن جهل العلم حاليا يعني أنه سيظل إلى الأبد جاهلا في ms195 المستقبل، فليس ~~لنا أن نقطع بأن هناك ميادين معينة ستظل مستعصية على العلم إلى الأبد، وبأن هناك ~~أنواعا أخرى من المعارف غير العلمية هي التي تهدينا في هذه الميادين؛ ذلك لأن ~~قدرات العلم لا حدود لها، ولكل ما في الأمر أن هذه القدرات تتكشف بالتدريج، وتقتضي ~~وقتا وجهدا طويلا. أما إذا ظلت هناك أمور يقف أمامها العلم عاجزا مهما بلغت ~~درجة تطوره، فإن هذه الأمور تكون من ذلك النوع الذي يستعصي على المعرفة البشرية ولن ~~يعيننا في فهمها أي منهج آخر غير العلم. # ولعل أشهر أنواع المعرفة غير العلمية هي الميتافيزيقا التي اتخذ منها الفلاسفة ~~أداة لمنافسة العلم، ومرشدا للسير في المجالات التي يعجز عن إرشادنا فيها المنهج ~~العلمي. ولكن بيرسن يؤكد أن الميتافيزيقا لا يمكن أن تسمى معرفة بأي معنى من ~~المعاني، وإنما الميتافيزيقا نوع من الشعر غير الواعي بذاته، والفارق بين المفكر ~~الميتافيزيقي والشاعر هو أن الثاني ينفع المجتمع لأنه شاعر لا يعترف بوظيفته ~~الحقيقية، بل يصوغ الشعر في لغة العقل، ويذهب بيرسن في تأكيده لأهمية العلم إلى حد ~~القول: إن الشعر نفسه ينبغي أن يبنى على حقائق العلم. بل إن العلم أكثر إرضاء ~~لحاستنا الجمالية ولشعورنا بالتوافق والانسجام من الشعر ذاته؛ لأنه هو وحده الذي لا ~~يتناقض مع الملاحظة والتجربة، وهو وحده الذي يستطيع ضم كل عناصر تجربتنا في نسق ~~منسجم متآلف. ~~(3) وقائع العلم # يرتبط تفكير بيرسن ارتباطا وثيقا بالمذهب التجريبي الإنجليزي في صورته ~~التقليدية الموروثة عن هيوم في القرن الثامن عشر وجون استورت مل في القرن التاسع ~~عشر، وأوضح مظاهر تأثيره بهذا التراث التجريبي الإنجليزي اعتقاده بأن العناصر ~~الوحيدة التي يمكن أن تسمى «حقيقية» # real # بالمعنى ~~الصحيح في هذا العالم هي لانطباعات ~~الحسية # Sense-impressions ~~، فالسبورة ليست جسما أو جوهرا واحدا له صفات معينة، ~~وإنما هي قبل كل شيء لون وملمس ووزن وصلابة وحرارة، وإذا كنا عادة ننسب هذه الصفات ~~إلى جوهر معين يحملها كلها، فإن التفكير الصحيح يثبت لنا أنه لا يوجد من وراء هذه ~~الانطباعات ms196 شيء؛ فهي آخر حد تصل إليه معرفة الإنسان، وإذن فالشرط الأساسي لإدراكي ~~حقيقة هذه السبورة هو وجود انطباعات حسية مباشرة تتخذ نقطة بداية للإدراك، ثم ~~«استنتاج» إمكان تلقي انطباعات أخرى لو توافرت الظروف الملائمة له: مثل استنتاج أن ~~من الممكن كسر خشب السبورة أو حرقه إذا تهيأت الظروف الملائمة لذلك. # ولكل انطباع حسي مباشر تأثير مختزن في الذاكرة؛ بحيث تبعث هذه التأثيرات المختزنة ~~من جديد لتكون جزءا كبيرا مما نطلق عليه اسم «الموضوع الخارجي»؛ ومن هنا كان ~~بيرسن يتفق مع «لويد مورجان» على تسمية الموضوع الخارجي باسم «المركب» # construct ~~؛ أعني ما يجمع في تكوينه بين انطباعات ~~مباشرة وانطباعات قديمة مختزنة، ولا ينكر بيرسن أهمية دور الاستدلالات العقلية في ~~تكوين ما نسميه بالموضوعات الخارجية: «فنحن عندما نذكر أن كل محتويات ذهننا مبنية ~~آخر الأمر على انطباعات حسية، فإننا نحرص في الوقت نفسه على تأكيد أن الذهن قد ~~انتقل - عن طريق التصنيف والعزل - إلى إدراكات عقلية بعيدة كل البعد عن الانطباعات ~~الحسية التي يمكن تحقيقها مباشرة، فمحتويات الذهن في أية لحظة أبعد تماما عن أن ~~تكون مطابقة لنطاق الانطباعات الحسية الواقعية أو الممكنة في تلك اللحظة، ونحن ~~نستخلص على الدوام من انطباعاتنا المباشرة والمختزنة استدلالات بشأن الأشياء التي ~~تتجاوز نطاق التحقيق المباشر بالحس؛ أي إننا نستدل على وجود أشياء لا تنتمي إلى ~~العالم الموضوعي، أو لا يمكن على أية حال التحقق بانطباع حسي مباشر من أنها منتمية ~~إليه في اللحظة الراهنة»، # 2 # ويرى بيرسن أن مهمة العلم الحقيقية هي تصنيف محتويات الذهن هذه ~~وتحليلها، والقيام بمقارنات واستدلالات دقيقة من الانطباعات الحسية المختزنة. ومن ~~الإدراكات العقلية المبنية عليها؛ أي إنه - مع اعترافه بأن الانطباع الحسي هو ~~الحقيقة الأولى لكل إدراك - يؤكد أن هذا الانطباع لا يصبح موضوعا للعلم إلا بعد أن ~~يصل إلى مرحلة الإدراك العقلي # conception ~~، أو ~~الإدراك الحسي Preception # على الأقل. # ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الموقف الذي اتخذه بيرسن منذ البداية إلى نتائج ذاتية ~~مثالية واضحة: فليس في وسعي أن ms197 أدرك إلا وعيي الخاص. أما وعي الآخرين فيدرك نتيجة ~~استدلال فحسب، # 3 # وأما العالم الخارجي فهو في نظره «فكرة مزعومة»؛ ذلك لأن أقصى ما ~~يمكننا أن نقترب به من ذلك العالم المسمى بالخارجي هو أطراف أعصابنا الحسية، وهو ~~يشبه موقفنا بموقف عامل «التليفون» الذي لا يتصل بالمتحدثين إلا من خلال الطرف ~~المجاور له من أسلاك «التليفون». بل إننا في موقف أسوأ من موقف صاحبنا هذا؛ إذ إننا ~~لم نخرج أبدا من مركز «التليفون» ولم نشاهد أبدا واحدا من أولئك المتحدثين ~~الذين تصلنا أصواتهم من خلال الأسلاك؛ فالعالم الخارجي بالنسبة إلينا - كما هو ~~بالنسبة إلى هذا العامل - هو مجموع الرسائل أو المكالمات التي تنقلها الأسلاك (أو ~~الأعصاب) إلينا حيث نكون، «فالرسائل تتوالى علينا من ذلك العالم الخارجي المزعوم في ~~صورة انطباعات حسية، ونقوم نحن بتحليل هذه الرسائل وتصنيفها واختزانها وإجراء ~~الاستدلال عليها. غير أننا لا نعرف شيئا على الإطلاق عن طبيعة «الأشياء في ذاتها»، ~~وما يمكن أن يوجد عند الطرف الآخر من نظام الأسلاك التليفونية الخاص بنا.» # 4 # وإذن فمعرفتنا تقتصر على ما تنقله إلينا الأعصاب من أطرافها القريبة منا. أما ما ~~يقع في الطرف الآخر منها، فيظل غير معروف وغير قابل لأن يعرف، وعالم الانطباعات ~~الحسية هذا مغلق علينا تماما، ولا أمل لنا في أن نبعد عنه خطوة واحدة، وإذن ~~ففكرتنا عن العالم الخارجي ليست إلا «إسقاطا» منا لانطباعاتنا الحسية خارجنا، ولا ~~يوجد أساس للتمييز بين ما يوجد داخلي وما يوجد خارجي سوى «كمية الانطباع المباشر»، # 5 # أما ما يسميه الميتافيزيقيون بالأشياء في ذاتها، فلا نعرف نحن عنه إلا ~~صفة واحدة، هي «القدرة على تكوين انطباعات حسية، وبعث رسائل تمر بأعصاب الحس حتى ~~المخ، فهذا هو القول العلمي الوحيد الذي يمكن الإدلاء به بشأن ما يوجد وراء ~~الانطباعات الحسية.» # 6 # هذه إذن صورة العالم عند كارل بيرسن: انطباعات حسية مباشرة هي الأساس الوحيد ~~لمعرفتنا، واختزان لهذه الانطباعات في الذهن البشري، ثم إجراء تركيبات ومقارنات ~~ذهنية بين الانطباعات المختزنة تتكون منها ms198 العناصر الأولية لكل بحث علمي؛ فالعلم ~~إذن يتعلق بتحليل وتصنيف تلك المركبات الذهنية التي ترتد آخر الأمر إلى انطباعات ~~حسية مباشرة، وإن كانت صورتها الراهنة تختلف عنها كل الاختلاف، ولعلنا قد أدركنا ~~بوضوح مدى اقتراب هذه الصورة للعالم من تلك الصورة المناظرة لها عند التجريبيين ~~الإنجليز - ولا سيما هيوم - ومدى وثوق الصلة بين مهمة العلم - كما يحددها بيرسن - ~~ومثيلتها عند الوضعيين في أواخر القرن التاسع عشر (ولا سيما العالم الألماني ~~إرنست ماخ # Mach ~~) وفي أواسط القرن العشرين (ولا ~~سيما الفيلسوف الإنجليزي آير # Ayer ~~)، ولن نتعرض ها هنا ~~لنقد هذه الصورة للعالم وهذا التحديد لمهمة العلم. وحسبنا أن نوضح ذلك الأساس ~~النظري الذي تقوم عليه فلسفة بيرسن العلمية، وهو أساس سنقوم فيما بعد بتحليل مفصل ~~له. ~~(4) القانون العلمي # هل يوجد القانون العلمي في الطبيعة ذاتها، أو في الذهن البشري الذي يهتدي إليه؟ ~~وهل هناك فارق أساسي - في هذا الصدد - بين القانون العلمي وبين القانون التشريعي؟ ~~يؤكد بيرسن أن هذين النوعين من القانون متشابهان في صفة أساسية، هي أن كلا منهما ~~لا وجود له قبل تعبير الإنسان عنه، ولا معنى له إلا لأنه مرتبط بذهن الإنسان، ~~«فالقانون العلمي، هو تلخيص أو تعبير موجز عن العلاقات والتعاقبات بين مجموعة معينة ~~من الإدراكات الحسية والعقلية، ولا وجود له إلا عندما يصوغه الإنسان»، # 7 # ولما كان بيرسن يلغي فكرة الأشياء في ذاتها، ويرى الطبيعة متوقفة على ~~ملكات الإنسان في الإدراك والاستعادة، فإن القانون الطبيعي في نظره متوقف بدوره على ~~هذه الملكات، ولا صلة له بأي شيء يخرج عن نطاق الذهن البشري؛ وعلى ذلك فإن القانون ~~الطبيعي لا تكون له صحة مطلقة إلا بالنسبة إلى نوع معين من الملكة الإدراكية، هو ~~ذلك النوع الذي يتوافر للإنسان السوي. # ولا يعني بيرسن بهذا التعبير الأخير أن عملية الوصول إلى القانون العلمي ذهنية ~~فحسب، بل يعني أيضا أن القانون ذاته، بعد التوصل إليه، ينطوي على ربط بين وقائع ~~طبيعية وبين إدراكات عقلية تبعد تماما عن المجال الخاص بهذه الوقائع؛ ms199 فالقانون ~~العلمي ليس كشفا لعلاقات موجودة في طبيعة الأشياء، وإنما هو «اختراع» لهذه ~~العلاقات، هو وصف مختصر لطريقة تعاقب الانطباعات الحسية في مجال معين، أو اختزال ~~ذهني يحل لدينا محل الوصف المطول لتعاقبات الانطباع الحسي، # 8 # وإذن فما يقوم به العالم عند وضعه قانونا طبيعيا هو أن يدرس مجموعة ~~من الظواهر، ويصنفها ويحللها ويكشف العلاقات والتعاقبات بينها، ثم يصف أكبر عدد ~~منها بأبسط طريقة ممكنة؛ ومن هنا كان من الخطأ الفادح أن نتحدث عن القانون العلمي ~~وكأنه «يحكم» الطبيعة؛ إذ هو لا يعدو أن يكون «وصفا» للمجرى العادي لإدراكاتنا لا ~~«تفسيرا» لها. ~~(5) فكرة العلية # تقتصر مهمة القانون في معناه العلمي - عند بيرسن - على وصف تعاقبات الإدراكات ~~الحسية عن طريق اختزال ذهني، ولما كان العلم يقتصر على الوصف، ولا يفسر شيئا، فمن ~~الطبيعي ألا ننتظر منه تعليلا للترتيب الذي تحدث به هذه الإدراكات، أو إيضاحا ~~لعلة تكرار هذا الترتيب، وبعبارة أخرى: فليس من مهمة العلم أن يضفي الضرورة على ~~تعاقب انطباعاتنا الحسية؛ وعلى ذلك فإن ما يسمى بالعلية ليس إلا ملاحظة حدوث ~~تعاقب معين وتكرار حدوثه في الماضي. أما أن هذا التعاقب سيستمر في المستقبل، فهذا ~~ما يستحيل أن نجزم به، وإنما موضوع للاعتقاد أو الإيمان نعبر عنه بمفهوم ~~«الاحتمال». وليس في وسع العلم مطلقا أن يبرهن على وجود أية ضرورة كامنة في ~~التعاقب، أو أن يثبت بأي يقين مطلق أن من الضروري تكرار هذا التعاقب فيما بعد؛ ~~فالعلم بالنسبة إلى الماضي وصف، وبالنسبة إلى المستقبل اعتقاد. # 9 # ومع ذلك فإن للعلية مفهوما شعبيا يشيع بين الناس، ويرتكز على ملاحظة قدرتنا ~~على إحداث أمور معينة بإرادتنا، مثل رفع الحجر باليد عندما نريد ذلك؛ فالحوادث التي ~~تتعاقب في هذه الحالة تبدو راجعة إلى فعل خاص أقوم به وأحدثه وأسببه؛ أي إن قوتي ~~هي التي أدت إلى حدوث هذا التعاقب، وحتى لو سقط الحجر من يدي وكسر النافذة، فإن ~~الفهم الشعبي لفكرة العلية يحكم في هذه الحالة بأن سبب هذا الكسر هو الحجر ms200 المتحرك؛ ~~بحيث يظل لفكرة الإرغام أو الإجبار دور في هذه الحالة أيضا، مع أن كل ما يمكن قوله ~~من وجهة النظر العلمية هو أن جزئيات الحجر كانت تتحرك بطريقة معينة نحو جزئيات ~~الزجاج، وبعد اصطدامها بها أصبحت نفس الجزئيات تتحرك بطريقة مختلفة كل الاختلاف، ~~وإذا كان في وسعنا أن نصف طريقة حدوث هذا التغير، فليس في استطاعتنا أن نقرر ~~«لماذا» حدث، وأي إقحام لفكرة الضرورة أو القوة يقضي تماما على الطابع العلمي ~~لأحكامنا. ومع ذلك فإن تاريخ الفلسفة حافل بأمثلة هذا الفهم الباطل الذي يخلط بين ~~المفهومين الشعبي والعلمي للعلية، فأرسطو حين يعجز عن تعليل حدوث الحركة في ~~البداية، يدخل فكرة المحرك الأول، ويستمر هذا الخلط حتى القرن التاسع عشر، حين ~~نجد فيلسوفا مثل شوبنهور يجعل من الإرادة مبدأ كونيا، «ويضع الإرادة من وراء ~~جميع مظاهر الكون، تماما كما يفعل البدائي الذي يفترض وجود إرادة إله العواصف من ~~وراء كل عاصفة.» # 10 # على أنه ليس يكفي أن نقرر أن الخلط ظل سائدا في فهم الأذهان لفكرة العلية منذ ~~أقدم العصور حتى عصرنا الحالي، وإنما الواجب أن نبحث عن تعليل لهذا الخلط المتأصل ~~في النفوس، والتعليل الذي يأخذ به بيرسن هو التعليل العملي: ففكرة العلية - في ~~معناها الشعبي الشائع بين الناس - راجعة أساسا إلى اعتبارات عملية تجعل من المحتم ~~على الكائن المفكر أن يفضي اطرادا ضروريا على تعاقب إدراكاته؛ فالأصل في فكرة ~~العلية كما تشيع في الأذهان، هو إذن ضرورة عملية نعمل على تجسيمها في صورة ضرورة ~~موجودة في الأشياء ذاتها، وتبلغ هذه الضرورة العلمية حدا يستحيل معه أن نفهم ~~بعقولنا عالما يفتقر إلى مفهومي العلة والمعلول، # 11 # ومع ذلك فإن هذا النظام المطرد بأسره ليس إلا مسألة تجربة، واعتقادنا ~~به ليس في حقيقته إلا اقتناعا مبنيا على الاحتمال. # أما الفهم العلمي لفكرة العلية عند بيرسن فإنه يتفق إلى حد بعيد مع تصور جون ~~استورت مل القائل: إن العلة هي السابق ~~المطرد # uniform antecedent ~~، وهو يصوغ هذا الفهم على النحو الآتي: ms201 «حيثما يكون تعاقب ~~الإدراكات د، ه، و، ز مسبوقا بلا تخلف بالإدراك ج، أو تكون الإدراكات ج، د، ه، و، ~~ز حادثة دائما بهذا الترتيب؛ أي تكون نظاما مطردا ~~( # routine ~~) للتجربة، يقال: إن ج هي سبب د، ه، و، ~~ز، بينما توصف الأخيرة بأنها نتائجها.» # 12 # هذا المعنى الذي ينبغي - في نظر بيرس - أن تفهم به العلية، يؤدي إلى اتساع ~~نطاق العلية وانتشارها على نحو يتجاوز كثيرا نطاق «السبب المباشر» الذي تتصوره ~~الأذهان العادية لكل ظاهرة، وما دامت المسألة مسألة تعاقب، فمن الطبيعي ألا نقتصر، ~~في تحديدنا للعلة، على الظاهرة السابقة مباشرة فحسب. بل إن كل الظواهر السابقة ~~يمكن أن تكون أسبابا متعاقبة، وبهذا تتسلسل العلل حتى آخر حد يمكن أن تصل إليه ~~المعرفة الراهنة، ولنضرب لذلك مثلا: فلو تعقبت علة نمو شجرة في حديقتي؛ لوجدت هذه ~~الشجرة راجعة إلى وجود الحديقة ذاتها، والحديقة ترجع إلى وجود المدينة. وهكذا تظل ~~سلسلة العلل تمتد مكانيا إلى ما لا نهاية. كذلك فإن نمو الشجرة يرجع إلى اتصاف ~~التربة بخصائص معينة تتصل بالتكوين الجيولوجي في العصور المختلفة، وبذلك ترجع سلسلة ~~العلل إلى الوراء في الزمان إلى ما لا نهاية. وهكذا فإن تعقب علة ظاهرة واحدة يجرنا ~~إلى البحث في الكون بأسره، ومع اعترافنا بأن العلم لا يحاول التوسع في بحث العلل ~~إلى هذا الحد، فمن الواجب أن نتذكر هذه الحقيقة حتى ندرك مدى ارتباط ظواهر الكون ~~بعضها ببعض، ومدى تماسك الفروع المختلفة للمعرفة البشرية. # ومن جهة أخرى فمن الواجب ألا نتصور هذا التعاقب الذي تتولد عنه في أذهاننا فكرة ~~العلة والمعلول؛ على أنه تعاقب مطرد بين عناصر متماثلة تماما؛ فالواقع أن التماثل ~~المطلق بين عناصر التجربة مستحيل، وإنما هناك تشابه تتفاوت درجته، ولا يصل أبدا ~~إلى حد التكرار الكامل للعناصر الماضية. ومن المحال أن تتضمن التجارب العلمية ~~المتكررة عوامل متماثلة في كل شيء، بل هي تنطوي دائما على قدر من التنوع مهما كان طفيفا، # 13 # فأساس الموجودات إذن هو الفردية، والتشابه بينهما أمر ms202 نسبي على مدى دقة ~~وسائل التصنيف والقياس؛ بحيث أن هذه الوسائل لو ازدادت في المستقبل دقة لبدا لنا أن ~~ما نسميه اليوم متماثلا هو في حقيقة الأمر مختلف، وبالاختصار فما نسميه بالطبيعة ~~يتألف من عناصر وظواهر لكل منها فرديته الخاصة، ولا يمكن أن يتكرر واحد منها أكثر ~~من مرة واحدة، وإن كنا نكتفي من أجل تحقيق أغراضنا العلمية بقدر من التشابه بين هذه ~~الظواهر، ونتجاهل ما بينها من فروق فردية أو نعجز عن إدراك هذه الفروق نتيجة لقصور ~~ما في متناول أيدينا من أدوات. ~~(6) الارتباط بدلا من العلية # في وسعنا أن نستخلص من المناقشة السابقة لفكرة العلية نتيجتين أساسيتين تتعلقان ~~برأي بيرسن الخاص في العلية: # الأولى: # هي أن ما يسمى بالعلة لا يقتصر في حقيقة الأمر على العنصر السابق ~~مباشرة للظاهرة المراد تعليلها فحسب. بل إن سلسلة العلل تمتد ~~نظريا، في المكان والزمان إلى ما لا نهاية. # والثانية: # أن الطبيعة لا تعرف اطرادا أو تماثلا أو هوية تامة بين الظواهر ~~والتكرار المطلق فيها مستحيل. بل إن الصفة الأساسية لها هي ~~الفردية، وأقصى ما يمكننا أن نجده بين ظواهرها هو درجات متفاوتة من ~~التشابه # likeness ~~. أما ~~التماثل # sameness # فلا وجود ~~له. # هاتان النتيجتان الهامتان تستتبعان تعديلا أساسيا في مفهوم العلية؛ فالعلة ~~والمعلول في تجاربنا الإدراكية المألوفة لا يدلان إلا على تشابه متفاوت في الدرجة، ~~لا على تكرار مطلق، وقانون العلية ليس إلا اقتطاعا من التجربة، ولا يكون ماهية ~~التجربة ذاتها، والمشكلة الحقيقية لا تنحصر في السؤال القائل: هل يؤدي السابق - ~~المسمى بالعلة - إلى تكوين اللاحق - المسمى بالمعلول؟ وإنما الأهم من ذلك أن ~~نتساءل: ما هي الدرجة أو ما هو الحد الذي يؤدي فيه تشابه السابق إلى تشابه اللاحق؟ ~~وإلى أي مدى يؤدي تنويع أحدهما إلى تنويع الآخر؟ ففي الحالات التي لا يؤدي فيها ~~تنويع السابق إلى أي تأثير في اللاحق يكون هناك استقلال تام. وفي الحالات التي يؤدي ~~فيها تنويع السابق إلى التنويع مطابق تماما للاحق يكون هناك اعتماد تام، غير ms203 أن ~~الاستقلال التام والاعتماد التام حالتان متطرفتان، تمثلان في واقع الأمر حدا ~~عقليا للمعرفة. أما في الحالات الفعلية التي يصادفها العالم في أبحاثه الواقعية، ~~فلا وجود لمثل هذه الحالات المتطرفة، وإنما توجد درجات لا نهاية لها من الارتباط ~~بين الظواهر، هي درجات تتفاوت اقترابا من أحد هذين الحدين العقليين وابتعادا عن ~~الآخر. # وهكذا يستعيض بيرسن عن مفهوم العلية، الذي يراه مفهوما عتيقا بمفهوم ~~الارتباط # correlation ~~، الذي يؤكد أنه أوسع ~~نطاقا بكثير من المفهوم القديم؛ لأنه يضم في داخله كل العلاقات التي تقع بين ~~حدي: الاستقلال المطلق والاعتماد المطلق، وعلى حين أن الاكتفاء بفكرة العلية لم ~~يكن يتيح تحديدا كميا لدرجة الاعتماد أو الاستقلال بين الظواهر موضوع البحث بين ~~هذين الحدين المتطرفين؛ ففي حالة العلية نجد أن الظواهر إما أن تكون خاضعة لهذه ~~العلاقة أو لا تكون. أما إذا استعضنا عن العلية بالارتباط فإن المجال يتسع لعدد لا ~~نهاية له من الحالات الوسطى التي تتراوح بين هذا الحد المتطرف وذاك، كذلك يمكننا - ~~بفضل فكرة الارتباط - أن نربط الظاهرة الواحدة بعدد كبير من الظواهر الأخرى التي قد ~~يكون لكل منها دور متفاوت الدرجة في إحداث الظاهرة الأولى، وهو ما يتفق مع الفهم ~~الواسع لفكرة العلية، بما يؤدي إليه من تسلسل لا يقف عند حد، على حين أن المفهوم ~~القديم للعلية يقتصر على الربط بين ظاهرتين أو مجموعتين من الظواهر فحسب، ومن جهة ~~ثالثة فإن فكرة الارتباط تصلح للتعبير عن عالم لا يتضمن إلا عناصر فردية غير ~~متكررة، لا يعترف فيه بالتماثل التام بين الظواهر، على حين أن مفهوم العلية يفترض ~~وجود أنماط متكررة بينها تجانس كامل، بالاختصار؛ ففي فكرة الارتباط مرونة تفتقر ~~إليها مقولة العلية الجامدة. وفيها إحلال للفوارق الكمية محل التفسيرات الكيفية، ~~يتمشى مع الاتجاه العام للعلم الحديث. # ونستطيع أن نقول: إن إصرار الباحثين عندما تصادفهم ظاهرة معينة على أن يتساءلوا: ~~ما سببها؟ يؤدي بهم في كثير من الأحيان إلى أخطاء أو مواقف متحيزة كان يمكنهم ~~التخلص منها بسهولة لو استعاضوا ms204 عن السؤال السابق بالسؤال: ما درجة ارتباطها ~~بالظواهر الأخرى؟ فالسؤال الأول يقتضي إجابة واحدة نهائية هي في معظم الأحيان ~~مستحيلة بالنسبة إلى هذا الكون العظيم التعقيد. أما السؤال الثاني فمن الممكن ~~الإتيان بجواب معقول عنه، واكتساب معرفة عظيمة القيمة بشأنه، ولو تناولنا ظاهرة ~~طبيعية معقدة مثل حالة الطقس؛ لوجدنا أن العوامل التي تتدخل فيها تبلغ من التشابك ~~حدا يستحيل معه الكلام عن «سبب» في هذا الصدد، على حين أن فهم حالة الطقس عن ~~طريق تحديد مدى ارتباطها بمختلف العوامل المؤثرة فيها - كالحرارة والرطوبة والضغط ... ~~إلخ - يؤدي إلى إلقاء ضوء واضح على المشكلة موضوع البحث. أما في حالة العلوم ~~الإنسانية فإن فكرة الارتباط بالقياس إلى فكرة العلية أوضح بكثير، خذ مثلا محاولات ~~العلماء تعليل ظاهرة الأجرام: فكثير من هؤلاء العلماء يأتون بنظريات يتضمن كل ~~منها سببا واحدا يعللون به هذه الظاهرة، كعوامل البيئة الاجتماعية أو الأسرة أو ~~العامل الاقتصادي أو الوراثي أو التكوين الجسمي العصبي. ولكن الواقع يثبت دائما أن ~~ظاهرة الجريمة أعقد من أن ترجع إلى واحد فقط من هذه العوامل، وإن كانت الحالات التي ~~تدرس قد تبدو مرجحة لأحد من هذه العوامل على الباقين، وعلى العكس من ذلك فإننا لو ~~بحثنا هذه الظاهرة من خلال فكرة الارتباط، أي إذا حددنا مقدار ارتباطها بالعامل ~~الاقتصادي وبعامل تفكك الأسرة وغيرها من العوامل التي ينبه إليها الجريمة؛ لوصلنا ~~إلى نتائج عظيمة الفائدة، دون أن نقيد أنفسنا بنظرية واحدة ذات طابع مطلق، فهناك ~~إذن مجالات تشوه طبيعتها إذا عولجت عن طريق مقولة السببية، بينما يلقى عليها ضوء ~~ساطع لو بحثت من خلال فكرة الارتباط. ~~(7) المكان والزمان # المكان أساسا تعبير ذهني عن قيام ملكة الإدراك بفصل الانطباعات الحسية الموجودة ~~معا في مجموعات من الانطباعات المترابطة، ففكرة المكان في رأي بيرسن تتوقف أساسا ~~على قدرة الملكة الإدراكية التمييز والفصل بين المجموعات المختلفة للانطباعات ~~الحسية، وأساس عملية الفصل والتمييز هذه هو التعود والتجارب السابقة، وهي بطبيعتها ~~عملية ذهنية لا تنطبق على الواقع نفسه، وإنما تحدث لاعتبارات ms205 عملية، فذهننا يقوم ~~بوضع حدود حول مجموعات معينة من الانطباعات، وهي حدود «اعتباطية» لا تطابق أي شيء ~~حقيقي في عالم الانطباع الحسي أو الظواهر. # ويوافق بيرسن على رأي ليبنتس القائل: إن المكان هو «ترتيب» الظواهر الممكنة ~~الموجودة معا. ومن الواضح أن فكرة الترتيب لا علاقة لها بوجود الظواهر ذاتها؛ إذ ~~إن من الممكن تصور هذه الظواهر بترتيب مخالف؛ وعلى ذلك فالترتيب إنما ينتمي إلى ~~طريقة الذهن في إدراك الظواهر، فمن الواجب إذن أن نتخلى عن النظر إلى المكان على ~~أنه فراغ هائل وضعت فيه الأشياء بطريقة لا صلة لها بملكة الإنسان الإدراكية؛ إذ ~~إن المكان ليس شيئا يضاف إلى الموضوعات الموجودة فيه، وإنما هو لا ينفصل عن هذه ~~الموضوعات من حيث هي مرتبة على النحو الذي تقتضيه قوانا الإدراكية؛ وعلى ذلك ~~فالقول: إن الشيء «يوجد في المكان» يعني أن الملكة الإدراكية قد ميزته من مجموعة ~~أخرى من الانطباعات الحسية، التي توجد معا وجودا واقيا أو ممكنا، وقد يجوز لنا ~~أن نتصور أن للإحساسات وجودا بدون أية ملكة إدراكية. ولكن لن يكون هناك عندئذ ذلك ~~النوع من الإدراك الذي نسميه بالمكان، # 14 # والنتيجة التي تترتب على ذلك هي القول: إن المكان ينتمي إلى الملكة ~~الإدراكية «الفردية»، فكيف حدث أن تشابهت طرق الإدراك الفردية هذه بين الناس؟ أو ~~بعبارة أخرى: لماذا كان المكان عندي وعندك متشابها؟ يعلل بيرسن ذلك بقوله: «في ~~الصراع بين جماعة وجماعة - وكذلك بين الجماعة وبيئتها - يكون من الواضح أن أية ~~جماعة تجني فائدة كبرى من الاتفاق الوثيق بين الملكات الإدراكية لأفرادها، بينما ~~تلحق أضرار كبيرة بالجماعة التي لا يتوافر لأفرادها مثل هذا الاتفاق، فتكون النتيجة ~~الطبيعية استمرار بقاء الجماعة الأولى»، # 15 # وهكذا يتصور بيرسن أن تشابه المكان بين الأفراد المختلفين راجع إلى ~~عوامل اكتسبت في مرحلة معينة من مراحل الصراع من أجل البقاء، ويربط على نحو غريب ~~بين الرأي المثالي عند «كانت» وبين نظرية التطور، وذلك في تعليله الهزيل لاتفاق ~~الأذهان على مكان واحد رغم أن كلا منها ms206 يدرك المكان الخاص به فحسب. # ويترتب على ذلك أن السؤال عن مدى ضخامة المكان سؤال لا معنى له؛ فالمكان ضخم ~~بالنسبة إلي فقط وأبعد النجوم، وصفحة الكتاب الذي أمسك به هما بالنسبة إلي مجرد ~~مجموعتين من الانطباعات الحسية، والمكان الذي يفصل بينهما ليس فيهما، وإنما في ~~طريقة إدراكنا، ومن المحال أن يكون المكان - كما يصوره بعض الكتاب - ممتدا إلى ~~حد يتجاوز خيالنا؛ إذ إنه في واقع الأمر لا يمتد إلا بقدر ما تمتد ملكتنا ~~الإدراكية؛ وعلى ذلك فإن سر المكان إنما يوجد فينا. وفي وعينا لا خارجنا. # وليس معنى ذلك أن بيرسن ينكر المكان اللامتناهي وإنما هو يعترف به، وإن كان يؤكد ~~أن هذا اللامتناهي هو المكان الذهني أو الهندسي؛ ففي وسعنا أن نتصور مكانا لا ~~متناهيا في الكبر، أو انقساما للمكان لا متناهيا في الصغر. ولكننا حين نفعل ذلك ~~نكون قد انتقلنا من المكان الواقعي إلى المكان العقلي أو التصوري، وإن كان هذا ~~الانتقال يحدث في كثير من الأحيان بطريقة لا شعورية، فتكون النتيجة أخطاء لا حصر ~~لها في موضوع المكان اللامتناهي في الكبر أو الصغر. وفي هذا المكان العقلي نتصور ~~الانطباعات الحسية على أنها محددة بمسطحات ومحاطة بخطوط مستقيمة أو منحنية. وهكذا ~~يرتبط المكان التصوري ارتباطا أساسيا بعلم الهندسة، وهنا قد يتساءل سائل: ولم ~~كان علم الهندسة بالضرورة علما ذهنيا موضوعاته من صنع العقل وحده؟ يجيب بيرسن ~~على هذا السؤال بقوله: إن الهندسة تقوم أساسا على فكرتين لا وجود لهما في التجربة، ~~هما فكرتا المماثلة # ameness # والاتصال # continuity ~~، فمفهوم الخط - مثلا - يفترض مماثلة ~~تامة واتصالا كاملا بين كل أجزائه. ولكن هذا الاتصال وهذه المماثلة لا جود لها ~~إلا بالفكرة. أما التجربة فلا تعرف عناصر تقوم بينها مماثلة كاملة أو اتصال تام، ~~«وهكذا لا نجد مفرا من الاعتراف بالنتيجة القائلة: إن التعريفات الهندسية نتائج ~~لعمليات يمكن أن تبدأ في الإدراك الحسي. ولكن حدودها لا يمكن أن تبلغ فيه؛ ~~فالمفاهيم الأساسية للهندسة ليست إلا رموزا تتيح لنا الوصول إلى تحليل ms207 تقريبي ~~لانطباعاتنا الحسية. ولكنه لا يمكن أن يكون تحليلا مطلقا لها؛ فهي اللغة ~~الاختزالية العلمية التي نصف بها ونصنف ونصوغ خصائص تلك الطريقة في الإدراك، التي ~~نسميها بالمكان المدرك حسيا، وصحتها - شأنها شأن كل المفاهيم الأخرى - إنما تكمن ~~فيما تتيحه لنا من قدرة على تقنين التجربة الماضية والتنبؤ بالتجربة المقبلة، ~~ولعلنا لن نجد مثلا أفضل من الهندسة لإثبات أن العلم يصف عالم الظواهر بمساعدة ~~مفاهيم لا تطابق أية حقيقة واقعة في الظواهر ذاتها.» # 16 # وما يقال على المكان يقال كثير منه على الزمان، فهما معا طريقتان تميز بهما ~~الملكية الإدراكية موضوعات إدراكها، وكل ما في الأمر أن المكان يدل على وجود ~~إدراكاتنا معا في زمان واحد، والزمان يدل على تلاحق إدراكاتنا في موقع واحد من ~~المكان؛ أي إن كلا من الفكرتين تعتمد في تصورها اعتمادا أساسيا على الأخرى، ~~والتصور الجامع بين الزمان والمكان هو الحركة؛ أي تغير المكان مع تغير الزمان؛ ومن ~~هنا كانت الحركة في رأي بيرسن هي الطريقة الأساسية التي تتمثل لنا بها الظواهر ~~ذهنيا. وكانت الأفكار التي نصف بواسطتها تغير المكان والزمان في ظاهرة الحركة ~~أفكارا هندسية، أو قوالب نميز بها ونصف محتويات تجربتنا الإدراكية الحسية التي ~~تندرج كلها تحت ظاهرة «الحركة» المعقدة، فعلم هندسة الحركة هو بدوره وصف ذهني أو ~~تصوري لما يحدث في عالم المدركات الحسية من تغيرات، نستخدم فيه مفاهيم فكرية كمفهوم ~~السرعة # Velocity # والعجلة # acceleration # والدوران # rotation ~~... إلخ، وإذن فما يطلق عليه اسم «حركة الأجسام» ليس ~~حقيقة من حقائق الإدراك الحسي، وإنما هو طريقة ذهنية أو تصورية نصف بها التغيرات ~~التي تطرأ على مجموعات الانطباعات الحسية. ~~(8) المادة # ينظر بيرسن إلى المادة # matter # على أنها بدورها ~~مفهوم تصوري أو ذهني، يستخدم في وصف انطباعاتنا الحسية، ولا يطابقه وجود فعلي في ~~الخارج. أما المادة التي يشيع وصفها بأنها علة الانطباعات الحسية فهي - في رأيه - ~~كيان ميتافيزيقي لا معنى له من وجهة نظر العلم، وفكرة لا تقل عمقا عن أي «شيء في ~~ذاته» وعن أي إسقاط ms208 آخر للمعاني البشرية في مجال ما بعد المحسوس، سواء أكان هو ~~«القوة» أم «العقل اللامتناهي» أم «الإرادة» ... إلخ. # ومن الشائع أن توصف المادة بأنها صلبة وغير قابلة للاختراق، وهاتان بالفعل صفتان ~~تتميز بهما مجموعة كبيرة من أفراد فئة الانطباعات الحسية المسماة بالمادية. غير ~~أنهما لا تنتميان بالضرورة إلى كل أفراد هذه الفئة؛ فالصلابة وعدم القابلية ~~للاختراع أمران نسبيان، ولا يدلان على صفة مطلقة تنتمي إلى عالم الواقع. أما القول ~~بأن المادة تتميز بالدوام والبقاء، فهو - في رأي بيرسن - قد يكون راجعا إلى ~~استمرار الانطباعات الحسية لا إلى استمرار شيء غير مدرك من وراء هذه الانطباعات، ~~وهو يضرب في هذا الصدد مثلا بالموجة؛ فعندما نرى الموجة تتحرك في البحر ، تتكون ~~لدينا عنها انطباعات حسية متماثلة ومستمرة؛ بحيث يبدو لنا أن «نفس» الموجة هي التي ~~تتحرك، وهي التي تقترب منا. ومع ذلك فلو ألقينا فيها قطعة من الفلين لارتفعت ~~وانخفضت في نفس الموقع عندما تمر الموجة بها، ولما انتقلت معها، مما يثبت أن الموجة ~~ليست هي نفسها التي تتحرك. وهكذا قد تظل الموجة محتفظة بشكلها، وتتكون لدينا عنها ~~نفس المجموعة من الانطباعات الحسية. ومع ذلك يكون أساسها أو مادتها متغيرا على ~~الدوام. وبعبارة أخرى: فإن تماثل الانطباعات الحسية لا يعني في كل الأحوال تماثل ~~المادة الأساسية المكونة لها. # ولعل مما يلفت النظر حقا أن بيرسن يهاجم فكرة المادة - بمفهومها الشائع - على ~~أساس أنها تفتح الباب لكل الخرافات الميتافيزيقية التي يبذل العلم جهدا كبيرا لكي ~~يتخلص منها، # 17 # وهو بطبيعة الحال لا يقصد أن المادية مذهب لاهوتي. ولكنه يربط بين ~~الاعتقاد بالمادية وبين الاعتقاد بما وراء الحس؛ إذ إن المادة هي العنصر الدائم من ~~وراء تغيرات الانطباعات الحسية؛ فحينما نقول بمادة خارجية «تسبب» الانطباعات ~~المحسوسة، نتجاوز نطاق الحقيقة الوحيدة التي يجوز لنا الاعتراف بها، وهي هذه ~~الانطباعات، فنكون في ذلك أشبه بالميتافيزيقيين أو اللاهوتيين في شطحاتهم التي ~~يتجاوزون بها عالم الواقع، ويفترضون بها كيانات ليس لوجودها أي مبرر؛ فالمادية إذن ~~- في رأي بيرسن ms209 - تسير في نفس الطريق الذي تسير فيه المذاهب الميتافيزيقية ~~واللاهوتية، وهي مضادة أساسا للروح العلمية السليمة، وقد وصفت هذا الرأي بأنه ملفت ~~للنظر؛ لأن فيلسوفا آخر ينتمي إلى نفس التراث الإنجليزي الذي ينحدر منه بيرسن - ~~وهو الفيلسوف باركي - قد هاجم المادية لأسباب مضادة تماما، هي أنها تفتح الطريق ~~للإلحاد، وتسد الطريق أمام الإيمان الديني. ومن المؤكد أن الذهن الفاحص يستطيع أن ~~يستخلص دلالات كثيرة عميقة من هذه المقارنة بين فيلسوفين ينتميان إلى تراث فكري ~~واحد، يحارب أحدهما المادية دفاعا عن الدين، ويحاربها الآخر دفاعا عن ~~العلم! ~~(9) الأفكار الفيزيائية الحديثة # فيما بين الطبعة الأولى (1892م) والطبعة الثالثة (1911م) لكتاب «أركان العلم»، ~~حدثت ثورة كبرى في علم الفيزياء قلبت مفاهيمه الأساسية رأسا على عقب، ولم يكن من ~~السهل على من يكتب في العقد الأول من القرن العشرين أن يدرك الأهمية الهائلة لنظرية ~~النسبية وللكشوف الضخمة في ميدان الذرة والكهرباء والمغناطيسية؛ ومن هنا فلم يكن في ~~استطاعة بيرسن، بل لم يكن من المنتظر منه، أن يتمكن في الفصل الذي أضافه في الطبعة ~~الثالثة عن المفاهيم الفيزيائية الحديثة، من استيعاب هذه المفاهيم وإدراك دلالاتها ~~في نفس الوقت الذي كان يجري فيه تعديلها بسرعة لاهثة، ومبعث الطرافة في هذا الفصل ~~هو أنه يمثل رأي عالم تكونت معظم أفكاره في ظل المفاهيم القديمة لعلم الفيزياء، ~~ويكشف عن وقع هذا الانقلاب الضخم في أذهان علماء ذلك العصر. # ويلخص بيرسن رأيه في التغيير الشامل الذي طرأ على علم الفيزياء بقوله: «على حين ~~أنه خلال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر مفهوم «المادة» هو الذي يعد أساسيا في ~~علم الفيزياء، وكانت لهذه المادة خاصة غير مألوفة تسمى بالكهرباء، فإنه يبدو اليوم ~~أن الكهرباء ينبغي أن تعد أهم من المادة، بمعنى أن ما كنا نعده مادة أساسية ~~ينبغي أن يتصور الآن على أنه شكل من أشكال ظواهر كهربائية عظيمة التعقيد»، # 18 # ولا جدوى هنا من تتبع آرائه التفصيلية التي يطبق بها الحكم العام على ~~المفاهيم الفيزيائية المختلفة؛ إذ إن هذه ms210 الحركة كانت - كما قلنا من قبل - ما زالت ~~في بدايتها، وإنما الذي يعنينا في هذا الفصل كله هو أن بيرسن وجد في هذه التطورات ~~الفيزيائية الحديثة تأييدا لرأيه القائل: إن العلم لا يهتم إلا باختراع أنموذج ~~تصوري يصف به مجرى انطباعاتنا الحسية، ولا شأن له بتقديم تفسير للعالم المدرك ~~حسيا بالفعل، ففكرة الإلكترون - التي أصبحت هي الفكرة الأساسية في الفيزياء في ~~ذلك العهد - ما هي إلا تركيب ذهني يستحيل أن يكون موضوعا مباشرا للإدراك الحسي، ~~شأنها شأن سائر المفاهيم التي أدخلتها الكشوف الحديثة على علم الفيزياء. ~~(10) تحليل نقدي للمذهب الوصفي عند بيرسن # ينتمي بيرسن إلى تلك الفئة من فلاسفة العلم، التي يؤكد أفرادها أن مهمة العلم ~~تقتصر على الوصف لا التفسير، وأن لغة العلم ليست إلا رموزا مختزلة تنتمي إلى مجال ~~الذهن وحده، وتتيح لنا أبسط تعبير ممكن عن تعاقب الانطباعات الحسية، فهو إذن ينتمي ~~إلى تلك المدرسة الفكرية التي ترى أن العلوم - ولا سيما الفيزيائية - لا تستطيع ~~أبدا الإجابة على أي سؤال تفسيري يبدأ بكلمة: «لماذا»؛ إذ إن مثل هذه الأسئلة لا ~~يجاب عليها إلا إذا أمكننا أن نثبت أن الأشياء «يجب» أن تحدث أو أن العلاقات «يجب» ~~أن تقوم بين الأشياء على نحو معين. غير أن المناهج التجريبية المستخدمة في العلم لا ~~يمكنها أن تصل إلى إثبات أية ضرورة منطقية في الظواهر التي تتناولها هذه المناهج؛ ~~ومن هنا فإن قوانين العلوم ونظرياتها، حتى لو كانت صحيحة؛ فهي لا تعدو أن تكون ~~حقائق عارضة، من الوجهة المنطقية، تصف علاقات التزامن والتعاقب بين الظواهر. أما ~~الأسئلة التي يستطيع العلم أن يجيب عليها بحق فهي تلك التي تبدأ بكلمة: «كيف»؛ أعني ~~الأسئلة الوصفية التي تبحث في طريقة حدوث الظواهر وتعاقبها؛ فكل علم إذن يهدف - ~~تبعا لوجهة النظر هذه - إلى تكوين نسق شامل متأمل من «الأوصاف» لا من ~~التفسيرات. # هذه النظرية ترتكز على أساس فلسفي معروف، هو المذهب المسمى بالمذهب الظاهري # phenomenalism # والقائل: إن الموضوعات ~~الأولية المؤكدة للمعرفة هي «الانطباعات» المباشرة في ms211 التجربة الحسية الخارجية أو ~~في التجربة الاستنباطية الداخلية. أما ما نسميه بالأشياء أو الجواهر، فما هي إلا ~~إضافات ميتافيزيقية لا تبررها تجاربنا المعرفية المباشرة، ولا سبيل لأصحاب هذا ~~المذهب - مهما بذلوا من محاولات - إلى أن يتخلصوا من شبح مذهب الذات الوحيدة # Solipsism # الذي يهددهم على الدوام، والحق ~~أن بيرسن - على خلاف كثير من القائلين بهذا النوع من المذهب الظاهري - لم يحاول ~~كثيرا أن ينفي عن نفسه شبهة الذاتية المطلقة؛ إذ إن تشبيهه للذات بعامل «التليفون» ~~الذي أقفل على نفسه أبواب «كابينة» ولم يعرف عن العالم الخارجي إلا ما يأتيه خلال ~~الأسلاك القريبة منه من أصوات. هذا التشبيه يكاد يكون اعترافا صريحا بالمثالية ~~الذاتية التي يتردى فيها كثير من المفكرين، الذين يتصورون في بداية الأمر أنهم هم ~~وحدهم القادرون على محاربة المثالية والدفاع عن العلم ضد هجماتها عليه. ولا جدال في ~~أن هذه الحجة يمكن أن تستخدم سلاحا ذا حدين؛ إذ إننا نصف بالحمق والجنون عامل ~~«التليفون» الذي يتوهم أنه هو وحده الموجود، ومعه الأسلاك القريبة منه، وأن العالم ~~الخارجي والناس ليسوا إلا انطباعات حسية تأتي من الأسلاك فحسب، فوجود انطباعات من ~~هذا النوع لا يفسر إلا بعالم خارجي يبعثها، وكذلك الحل في انطباعاتنا التي نعجز ~~قطعا عن تفسير مصدرها في ظل أي مذهب يجعل من هذه الانطباعات حقيقة نهائية لا يقوم ~~وراءها شيء. وهكذا يقع أصحاب هذه الآراء في سلسلة من الأخطاء التي يعجزون تماما عن ~~التخلص منها كالقول إن مصدر الانطباعات المباشرة مجهول أو يستحيل أن يكون موضوعا ~~للمعرفة، والعجز عن تعليل السبب الذي جعل بعض الانطباعات مباشرة، وبعضها الآخر غير ~~مباشرة، والقول: إننا نقوم «بإسقاط» انطباعاتنا خارجنا، وكأن هذه العملية الأولية ~~البسيطة - عملية إدراك الموضوعات الخارجية - هي في حقيقتها عملية إرادية كان يمكن ~~أن تتم على نحو مخالف! ومن المؤكد أن الصورة النهائية التي يكونها أصحاب هذا ~~المذهب للعالم أعقد ألف مرة من الصورة التي يكونها عنه الإنسان في موقفه ~~الطبيعي، وأكثر تناقضا منها إلى حد بعيد. # ولقد ms212 دأب بيرسن طوال الكتاب على تأكيد أن «الميتافيزيقيين» هم مصدر الاعتقاد ~~بوجود أشياء خارجية، مع أن هذا الاعتقاد ملازم للإنسان في حياته العادية دون أي ~~تفكير ميتافيزيقي، فهو جزء لا يتجزأ من موقف الإنسان الطبيعي في هذا العالم، وترتب ~~على هذا الخطأ الأساسي خطأ آخر، هو الاعتقاد بأن التجربة الأصلية هي تجربة إدراك ~~الانطباعات الحسية المباشرة، كالألوان والأصوات والطعوم ... إلخ، على حين أن إدراك ~~«الأشياء» هو استنتاج لاحق لا مبرر له، ومن المؤكد أن أبسط قدر من التفكير كفيل بأن ~~يقنعنا بأن تجربة إدراك الانطباعات هي التي ينبغي أن توصف بالتعقيد، على حين أن ~~تجربة إدراك الأشياء المتكاملة هي الأكثر أولوية وأصالة، «فتجربة الإنسان الفعلية ~~ليست ألوان وطعم وأصوات، وإنما هي تجربة أشياء كاملة . وهذا أمر يقتضيه تكويننا ~~نفسه، لا أخطاء الإنسان البدائي، أو التفكير قبل العلمي. أما فكرة اللون أو الصوت ~~أو الطعم فلا نصل إليها إلا بالتجريد من هذه التجربة المباشرة، التي هي واحدة لدى ~~كل البشر وفي كل العصور.» # 19 # وفضلا عن ذلك، فقد تصور بيرسن أن صورة العالم قد اختلفت نتيجة للفكرة السابقة ~~القائلة: إن انطباعاتنا المباشرة هي المصدر الوحيد لمعرفتنا. وهكذا تحدث مرارا عن ~~معرفتنا التي «تقتصر» على الانطباع ولا تتجاوزه. ومع ذلك فإن كل ما أتى به في هذا ~~الصدد إنما هو لغة أخرى تصف نفس العالم الذي يقول به الماديون والمثاليون معا؛ ~~فالجديد الذي أتى به - هو وغيره من أصحاب هذا المذهب - إنما هو إحلال لغة ~~الانطباعات الحسية محل لغة الأشياء، على حين يظل العالم نفسه كما هو، ويظل محتوى ~~المعرفة دون أي تغير، # 20 # أما أننا سنفلح يوما ما في وضع لغة علمية يستعاض فيها عن «الأشياء» ~~بانطباعاتنا الحسية المباشرة، فهذا ما أشك في إمكان تحقيقه، فضلا عن أنه لو تحقق ~~لكانت اللغة الناتجة أعقد كثيرا من اللغة المألوفة، ولما أحرزنا بذلك التغيير ~~أي تقدم في فهم العالم. ~~••• # ولنتساءل بعد هذا البحث في الأسس الأولية لفلسفة بيرسن: لماذا يحمل هذا الكتاب ~~على ms213 فكرة التفسير، ويدعو إلى اتخاذ الوصف هدفا وحيدا للبحث العلمي؟ وعلى أي أساس ~~يدعو إلى الاستغناء عن الأسئلة التي تبدأ بكلمة «لماذا» والاستعاضة عنها بأسئلة ~~وصفية تبدأ بكلمة «كيف»؟ في وسعنا أن نستخلص من كتاب «أركان العلم» عدة إجابات على ~~هذا السؤال، فلنحلل كلا منها لنرى مدى صحتها أو بعدها عن الصواب: ~~(1) # من المعروف أن التفسيرات كثيرا ما تكون غائية، بمعنى أن الظاهرة ~~تعلل تبعا للغاية المقصودة منها؛ إذ إن الأسئلة التي تبدأ بكلمة ~~«لماذا» كثيرا ما يجاب عليها بتحديد غاية معينة يعتقد أن فيها تعليلا ~~كافيا للظاهرة موضوع البحث، ولما كانت النظرة الغائية إلى الأمور قد ~~جلبت للعلم أضرارا كبيرة لم يستطع التخلص منها كلها حتى اليوم، فقد ~~كان من الطبيعي أن ينفر نصير متحمس للعلم مثل بيرسن من فكرة التفسير ~~ومن كل سؤال يبدأ بكلمة «لماذا»، ونستطيع أن نقول: إن مخاوف بيرسن من ~~النظرة الغائية مشروعة تماما، وكل ما في الأمر أننا قد نضطر أحيانا - ~~في مجالات معينة - إلى إدخال الاعتبارات الغائية دون أن نكون قد خالفنا ~~الروح العلمية؛ ففي مجال التاريخ مثلا تحتل النظرة الغائية أهمية غير ~~قليلة؛ إذ إن كثيرا من الحوادث التاريخية تفسر تفسيرا كافيا ~~بالغايات المقصودة منها، كذلك يوجد للغائية مجال في العلوم البيولوجية، ~~فإذا أجبنا عن السؤال: لماذا كانت رقبة الزرافة طويلة؟ بقولنا: لكي ~~تستطيع أن تحصل على غذائها من الأشجار العالية، لم يكن في إجابتنا هذه ~~خروج عن الروح العلمية كما يبدو لأول وهلة؛ إذ إن الإجابة ترتكز على ~~حقيقة أساسية من حقائق التطور البيولوجي، وهي تكيف الكائنات الحية مع ~~ظروف بيئتها، وبالاختصار فحملة بيرسن على النظرة التفسيرية يمكن أن ~~تعد مشروعة إذا كان المقصود منها استبعاد التفسيرات الغائية وتشبيه ~~الطبيعة بالإنسان، وإن تكن هناك مجالات معينة لا تتعارض فيها فكرة ~~الغائية مع وجهة النظر العلمية. ~~(2) # هناك فهم لغوي معين لفكرة التفسير، يعتقد فيه أنها تفترض وجود ارتباط ~~ضروري بين الأشياء، ولما كان العلم التجريبي يخلو بطبيعته من عنصر ~~الضرورة، فقد تصور ms214 بيرسن أن من الطبيعي استبعاد التفسيرات من مجال هذا ~~العلم. ولكن هل صحيح أن كل إجابة على الأسئلة التي تبدأ بكلمة «لماذا» ~~تتوقف على إمكان إثبات ارتباط ضروري بين الظواهر؟ الواقع أن أساس ~~المشكلة كلها إنما يرجع إلى معنى «الضرورة» المقصودة في كل حالة، فهناك ~~نوعان من الضرورة: ~~(أ) # ضرورة تحليلية، كالقول: إن الجزء يجب أن يكون أصغر من ~~الكل. ~~(ب) # ضرورة تركيبية، كالقول: إن كل جسم أخف من الماء يجب أن ~~يطفو. # ولقد كانت حملة بيرسن على التفسير راجعة أساسا إلى اعتقاد موروث عن ~~هيوم - فيلسوف التجريبية الأكبر - مؤداه أن التجربة لا تضمن لنا أي نوع ~~من اليقين الضروري. وهذا صحيح إذا كان المقصود هو النوع الأول من ~~الضرورة، أي الضرورة المنطقية. غير أن هناك نوعا آخر من الضرورة، لا ~~يقل إحكاما عن الأول، ويمكن أن يستمد من التجربة؛ فالمبدأ القائل: إن ~~كل جسم أخف من الماء يجب أن يطفو في الماء هو مبدأ ضروري. ومن المحال ~~أن يوجد له استثناء واحد، ولكنه مع ذلك ضروري بالمعنى التركيبي لا ~~التحليلي؛ إذ إن تأكيد عكسه لا يستتبع أي تناقض «منطقي». ولا جدال في ~~أن هيوم كان يتصور الضرورة بمعناها المنطقي فحسب، وسايره في ذلك كل ~~التجريبيين من بعده، مع أن النوع الآخر من الضرورة لا يقل عنه لزوما، ~~ويمكن في الوقت ذاته أن يرتكز على أساس من العلم التجريبي. وفي اعتقادي ~~أن التجريبيين قد ارتكبوا خطأ كبيرا حين تصوروا أن الضرورة الوحيدة ~~التي ينبغي الاعتراف بها هي الضرورة المنطقية الشكلية، وأنها هي وحدها ~~التي لا تتخلف، وظنوا أن في كلمة «ضرورة تركيبة» تناقضا في الألفاظ، ~~على أساس أن الضرورة لا تكون إلا تحليلية فحسب؛ ذلك لأن الضرورة التي ~~تجعل الحجر يسقط إذا ترك في الهواء لا تقل لزوما عن تلك التي تجعل ~~الجزء أصغر من الكل، وإن تكن من نوع مختلف. ~~(3) # وعلى أية حال فالبحث عن التفسير في مجال العلم قد لا يعني أكثر من ~~السعي إلى الاقتناع العقلي فحسب، ms215 وبهذا المعنى يكون تفسير الظاهرة ~~مرادفا لتقديم إيضاح يرضي العقل، وفهم الظاهرة فهما كاملا يكفي ~~لتحقيقه الاقتصار على وصفها، وعندئذ يكون التفسير مشروعا، بل يكون هو ~~العلامة المميزة للتفكير العلمي من الخبرة المكتسبة في الحياة العادية، ~~فقد نعلم بفضل هذه الخبرة اليومية أن النباتات تنمو إذا رويت وتعرضت ~~لضوء النهار، أو أن الندى يتكون على السطح البارد للأجسام في الصباح ~~الباكر. ولكن العالم وحده هو الذي يستطيع تقديم «تفسير» لهاتين ~~الظاهرتين، بمعنى أنه هو وحده الذي يستطيع تقديم بيان مقنع لعقولنا عن ~~أسباب حدوثهما، ولا يكتفي بوصف التعاقبات المتضمنة فيهما. وبعبارة ~~أخرى: فقد يكون الاكتفاء بالوصف من العلامات المميزة للأذهان غير ~~العلمية، على حين أن القدرة على تقديم التفسير هي أمر ينفرد به العالم ~~وحده. ~~(4) # وأخيرا ، فإن فكرة الوصف - كما يدعو إليها بيرسن - تنطوي على قدر غير ~~قليل من الغموض؛ ذلك لأنه يؤكد أن القوانين العلمية تركيبات فكرية ~~نستعيض بها عن المعطيات التجريبية للإدراك الحسي، وأن الحركة لا تنطبق ~~مباشرة على ما يوجد في عالم الحس، وإنما تنطبق على تلك الفئة من ~~المعقولات التي يستعيض بها العالم عن المعطيات الحسية، ولنسلم جدلا ~~بأن هذا كله صحيح، لكن كيف يكون العلم في هذه الحالة وصفيا؟ وهل نكون ~~قد وصفنا محتويات الإدراك إذا استعضنا عنها بنسق من الأفكار الهندسية ~~الغريبة عنها؟ إن ما يقوم به العالم - كما يحدد بيرسن مهمته - هو في ~~واقع الأمر عكس الوصف تماما؛ ومن هنا كان «كاسيرر» على حق حين قال: ~~إذا كانت مهمة الوصف الموضوعي - بمعناه الصحيح - هي تصور المعطى على ~~أدق نحو ممكن، دون أية إضافة أو أي حذف، فإن هذا التحوير للتجربة ~~الأصلية - على عكس ذلك - هو بعينه الذي يميز العملية العقلية التي تقوم ~~بها الفيزياء، وهو ما يضفي عليها قيمتها، فبدلا من التكرار السلبي ~~المحض، نرى أمامنا عملية إيجابية، تنقل ما هو معطى في البداية إلى مجال ~~منطقي جديد، وإنها لطريقة غريبة حقا في وصف ما هو حاضر أمامنا، أن ~~ينصب اهتمامنا - في سبيل ms216 تحقيق هذا الغرض - على تصورات بحتة، لا ~~تستطيع هي ذاتها أن تكون «حاضرة» على أي نحو. # 21 # وإذن فهناك خلط في فهم معنى «الوصف» لا يقل خطورة عن الخلط الذي لاحظناه من قبل ~~في فهم معنى «التفسير»، وأساس هذا الخلط راجع إلى أن معنى الوصف بطبيعته سلبي، على ~~حين أن بيرسن لا يكف عن تأكيد وجود عناصر إيجابية في عملية البحث العلمي؛ إذ يتدخل ~~الذهن بمفاهيمه الخاصة التي لا تنتمي إلى مجال الإدراك المباشر على الإطلاق، وعلى ~~حين أن الأفكار العقلية في رأيه ترتد آخر الأمر إلى انطباعات حسية مباشرة، فإنه ~~يؤكد في الوقت ذاته ثنائية الفكر والواقع تأكيدا قاطعا، وذلك حين يصر على أن يجعل ~~مفاهيم الرياضة والفيزياء منتمية إلى المجال العقلي وحده، ويفصلها تماما عن مجال ~~الإدراك المباشر، مؤكدا أنها لغة عقلية اصطنعت لأغراض معينة فحسب. ولقد كانت ~~هذه الثنائية القاطعة بين التركيبات الذهنية وبين الظواهر، وما تستتبعه من استبعاد ~~تام للأفكار التي يستخدمها العالم في وصف الطبيعة من مجال الطبيعة ذاتها، موضوعا ~~لانتقاد كثير من الباحثين في مناهج التفكير العلمي؛ إذ إنها تكرار لنفس الخطأ الذي ~~وقع فيه ديكارت من قبل، حين ظن أن عالم الذهن بما فيه من كليات ومبادئ عقلية ينفصل ~~تماما عن عالم الطبيعة المادية. صحيح أن الظواهر لا تطيع القانون العقلي حرفيا ~~في كثير من الأحيان، وأن أي ظاهرتين لا يمكن أن تكونا في هوية تامة. ولكن هذا لا ~~يعني أن القانون ذهني فقط، وأن عالم الفكر منفصل تماما عن عالم الطبيعة، فمن ~~الممكن أن يكون هذا الانحراف الذي نلمسه في الطبيعة راجعا إلى تعقد ظواهرها ~~وتشابكها. ومع ذلك يكون القانون صحيحا لو وجدت هذه الظواهر في حالتها الخالصة، # 22 # فقانون القصور الذاتي - بما يتضمنه من حركة مستمرة وسكون مطلق - يتناول ~~بالفعل حالة فرضية لا وجود لها في الطبيعة المدركة. ولكن هذا لا يعني أن هناك ~~انفصالا بين عالم العقل - الذي ينتمي إليه هذا القانون - وبين عالم الظواهر، وإنما ~~يعني أن تعقد الظواهر ms217 وتداخلها يحول دون توافر الظروف التي تتيح انطباق هذا القانون ~~في صورته الخالصة، وبالاختصار فإن عدم إطاعة الطبيعة للقانون العلمي، واستحالة ~~تطبيق هذا القانون عليها في صورته المباشرة، ليس معناه أن هناك ثنائية قاطعة ~~وانفصالا تاما بين عالم الذهن وعالم الظواهر، بل إن تقدم العلم يقدم في كل يوم ~~مزيدا من الأدلة على تداخل هذين العالمين. ~~(11) نصوص مختارة من كتاب «أركان العلم» ~~(11-1) الكون كما تحكمه العلية وكما يحكمه الارتباط (القسم الخامس من الفصل الخامس) ~~«تكاد كل الأفكار الموروثة التي وقفت حجر عثرة في وجه الفكر البشري أن تكون ~~ناتجة، لا عن التجربة مباشرة، وإنما عن استنباط عقلي من تجربة محدودة النطاق ~~إلى حد بعيد، وما علينا إلا أن نتأمل المذاهب الكونية السابقة على كبرنك، وننظر ~~إلى تلك المفاهيم الضيقة من أمثال «المادة» و«القوة» أو «الذرة» و«الأثير»؛ ~~لندرك مدى سيطرة المفهوم الذهني على التجربة، إلى الحد الذي يجعل الكثيرين ~~ينظرون إليه على أنه حقيقة من حقائق التجربة، وضمن هذه القيود الذهنية ~~التصويرية ينبغي أن يندرج آخر الأمر قانون العلية في صورته الصريحة ~~المطلقة. # إن الكون مؤلف من كيانات لا حصر لها، كل منها على الأرجح فردي، وكل ~~منها على الأرجح غير دائم، وأقصى ما يستطيع المرء أن يحققه هو أن يصنف هذه ~~الكيانات - عن طريق القياس # measurement # أو ~~ملاحظة الخصائص - إلى فئات من الأفراد «المشابهة». وفي داخل هذه الفئات يمكن ~~ملاحظة تنوعات؛ ومن هنا كانت المشكلة الأساسية في نظر العلم هي كشف طريقة ~~ارتباط تنوع فئة معينة بتنوع فئة أخرى، فرجل العلم يبحث دائما - عن وعي أو دون ~~وعي في معظم الأحيان - عن جداول للارتباط، فإذا ما وجد كل فرد محدد في الفئة ~~«أ» فردا مرتبطا به في الفئة «ب»، قال: إن «ب» مرتبطة ب «أ». ولكن الواقع أنه ~~يجد على الدوام لكل فرد مختار من «أ» مجموعة من أفراد «ب»، وذلك إذا بلغت قدرته ~~على الملاحظة والقياس قدرا كافيا من الدقة، وهذه المجموعة الأخيرة قد تكون ~~شديدة التركيز وقد ms218 لا تكون، ومن هذه المجموعة يصل بعمليات ذهنية خالصة إلى حد ~~نهائي تصور فيه «ب» بطريقة ذهنية على أنها معتمدة على «أ»، وينظر فيه إلى «أ» ~~على أنه يحدد «ب» على نحو مطلق، وهنا نكون قد انتقلنا من وقائع التجربة إلى ~~الحد التصوري الذي يتمثل في الاعتماد التام؛ أي إلى ما يسمى بقانون العلية. غير ~~أن النظرة الأحدث والأصح في نظري إلى الكون هي القائلة إن الموجودات كلها ~~تترابط بدرجات متفاوتة؛ فالموجودات فردية وليست عملية تصنيفها إلى عملية بشرية ~~عقلية تستهدف الاقتصاد في الفكر، وأي تنوع داخل موجودات فئة معينة يتبين أنه ~~مرتبط بتنوع مناظر بين موجودات فئة أخرى، وعلى العلم أن يقيس درجة وثوق ~~الارتباط أو تفككه في هذه التنوعات المتلازمة؛ فالاستقلال المطلق هو الحد ~~الذهني - في أحد الطرفين - لتفكك الروابط، والاعتماد المطلق هو الحد الذهني - ~~في الطرف الآخر - لوثوق هذه الروابط، ولقد حاولت النظرة القديمة - القائلة ~~بالعلة والمعلول - أن تدرج الكون تحت هذين الحدين التصوريين للتجربة. وكان لا ~~بد لها أن تخفق؛ إذ إن الأشياء في تجربتنا ليست إما مستقلة أو معتمدة. بل إن ~~جميع فئات الظواهر ترتبط سويا، والمشكلة في كل حالة هي تحديد درجة وثوق ~~الارتباط. # إن الموقف العقلي الذي يرى بين كل الموجودات درجات متباينة من الارتباط - لا ~~اعتمادا واستقلالا فحسب - يتأمل الكون عقليا من خلال مقولة جديدة، وهو ~~يتحرر بسهولة من التمييز القديم البالي بين الظواهر الحيوية والظواهر ~~الفيزيائية، وهو التمييز الذي لا يرجع إلى هذه الظواهر ذاتها، وإنما يرجع إلى ~~تلك الحدود التصورية التي استخلصها منها الإنسان بعقله، ثم نسي كعادته قدرته ~~على الخلق اليسير، فحولها إلى حقيقة قائمة من وراء إدراكاته الحسية وخارجة ~~عنه، إن كل ما يمدنا به الكون هو التشابه في التنوعات. أما الإنسان فقد أضفى ~~فكرة الاعتماد عليها رغبة منه في اقتصاد طاقته العقلية المحدودة.» ~~(11-2) الإرادة بوصفها علة (القسم الثالث من الفصل الرابع) ~~«ليس من المستغرب أن يتأثر البشر في مرحلة مبكرة جدا من نموهم العقلي ~~بالقوة الحقيقية ms219 - أو البادية على أية حال - التي تكمن في نزوع إرادتهم إلى ~~إحداث «حركة»، وعلى هذا النحو نجد أن أكثر الشعوب بدائية تنسب كل الحركات إلى ~~إرادة معينة من وراء الجسم المتحرك؛ إذ إن أول تصور يكونونه عن علة الحركة إنما ~~يكمن في إرادتهم الخاصة. وهكذا ينظرون إلى الشمس على أنها محمولة أثناء دورانها ~~على أيدي إله للشمس، وإلى القمر على أن لديه إلها للقمر، بينما تفيض الأنهار ~~وتنمو الأشجار وتهب الرياح بفضل إرادة مختلف الأرواح التي تكمن فيها. وكان لا ~~بد من مضي عصور طويلة حتى يدرك البشر - بقدر متفاوت من الوضوح - أن الإرادة ~~ترتبط بالوعي، وبتركيب فسيولوجي محدد، وأن الوصف العلمي للحركة يحل تدريجيا ~~محل التفسير الروحاني، وأننا نستغني في حالة بعد الأخرى عن الفعل المباشر ~~للإرادة في حركة الأجسام الطبيعية. ومع ذلك فإن فكرة الإجبار، وفكرة وجود ضرورة ~~ما في ترتيب التعاقب ما زالت متأصلة بعمق في أذهان الناس، وكأنها إحدى حفريات ~~التفسير الروحاني الذي يرى في الإرادة علة للحركة، وما زالت هذه الفكرة للأسف ~~مرتبطة بالوصف العلمي للحركة، وبالفكرة المادية للقوة بوصفها ما يجعل من ~~الضروري حدوث تغيرات أو تعاقبات معينة للحركة، وهي الفكرة التي تعد شبحا ~~متخلفا عن المذهب الروحاني القديم؛ فالقوة التي يقول بها المادي هي الإرادة ~~التي كان يقول بها الروحاني القديم، منفصلة عن الوعي، وكلتا الفكرتين تنقلنا ~~إلى مجال يتجاوز انطباعاتنا الحسية؛ ومن ثم فكلتاهما فكرة ميتافيزيقية، ومن ~~ذلك فربما كان استدلال الروحاني القديم - مع فساده - أقل بطلانا من استدلال ~~المادي الحديث؛ إذ إن الروحاني لم يقل بوجود الإرادة وراء مجال الوعي الذي كان ~~يجد الإرادة مرتبطة به على الدوام. # إن القوة بوصفها علة للحركة تقف على قدم المساواة تماما مع إله الشجر بوصفه ~~علة للنمو، فكلاهما اسم يخفي جهلنا بالسبب الذي يرجع إليه النظام المطرد ~~لإدراكاتنا الحسية، والضرورة في القانون الطبيعي لا تتسم بنفس الحتمية المطلقة ~~التي تتسم بها النظرية الهندسية، ولا بالوجوب المطلق الذي يطلبه المشرع البشري، ~~وإنما هي لا تعدو ms220 أن تكون تجربتنا التي نشعر فيها بوجود نظام مطرد لا تتسم ~~مراحله بترتيب منطقي أو إرادي.» # الباب الثالث # | الجذور الفلسفية للبنائية # | ملخص # يبدأ البحث بتأكيد أن البنائية - من حيث هي منهج - قديم العهد. أما من حيث هي مذهب ~~فكري شامل فهي ظاهرة حديثة. ومع ذلك فمن الوجهة الفلسفية الخالصة يمكن تتبع جذورها ~~الفلسفية إلى أصول من أهمها فلسفة «كانت»، التي كانت بدورها تبحث عن نسق «قبلي» تنظم ~~إطاره التجربة ويتألف من صورة أو قوالب ذات طبيعة ذهنية، وتشكل البنائية حلقة في تلك ~~السلسلة الطويلة من المحاولات التي تهدف إلى جعل دراسة الإنسان علما دقيقا؛ ومن ثم ~~كان النموذج اللغوي يقوم فيها بدور أساسي. # وأهم ما يميز البنائية - فلسفيا - هو محاربتها للنزعة التجريبية من جهة، وللنزعة ~~التاريخية من جهة أخرى ؛ فهي تذهب إلى أن العقل ينمو نموا عضويا؛ بحيث تظل فيه صور ~~هي أشبه بالنواة الثابتة، وإن كنا نزيدها على الدوام توسيعا وتعميقا، وعن طريق اكتشاف ~~عناصر الثبات هذه تعتقد البنائية أنها انتقلت بدراسة الإنسان ومجتمعاته إلى مرحلة العلم ~~المنضبط. # ويعرض البحث بعد ذلك للأسس الفلسفية للبنائية عند عدد من ممثليها الرئيسيين: # ليفي ستروس # يظهر الأساس الفلسفي لتفكير ستروس في تأكيد تدخل الذهن البشري في تشكيل كل ~~نواتج ثقافته، وجمعه بين مجموعات متغايرة من الظواهر ضمن إطار أو بناء واحد، هو ~~أساس كل المظاهر الخارجية للنظم الاجتماعية. وهذا الطابع الفلسفي هو أساس ~~الانتقادات التي وجهها إليه علماء الأنثروبولوجيا، حين اتهموه بأنه كان دجماطيقيا ~~يخرج البناءات عن مجرى الزمان، كما أن هذا هو أصل المعركة المشهورة بين ستروس ~~وبين سارتر الوجودية بوجه عام. # ميشيل فوكو # في كتاب «الكلمات والأشياء» يحاول فوكو أن يبحث بطريقة غير تاريخية عن البناء ~~المميز لكل مرحلة من مراحل الفكر الأوروبي الحديث، منذ عصر النهضة حتى اليوم، وهو ~~يتعسف في تحديد هذا البناء الذي يراه ثابتا إلى حد إغفال كثير من العناصر الأساسية ~~التي يستحيل فهم العصر بدونها. # الماركسيون # يستعرض البحث محاولة إيجاد مركب بين البنائية والماركسية عند ms221 «لوسيان سيباج»، وهي ~~المحاولة التي ارتكزت على أساس اهتمام ماركس بالبحث عن أطر «كلية» تتجاوز نطاق ~~العوامل الاقتصادية التي اقتصرت عليها الماركسية التقليدية؛ ولذلك أنكر «سيباج» ~~السببية المطلقة للعامل الاقتصادي ووضعه في إطار أوسع منه. # والمحاولة الأهم هي التي قام بها «لوي ألتوسير»، الذي أراد أن يعيد إلى الماركسية ~~انضباطها العلمي، ويؤكد استقلالها عن هيجل وعن التراث الفلسفي السابق كله، ويجعل ~~محورها بناء اجتماعيا اقتصاديا يكون الإنسان ذاته جزءا منه، وهو يستعيض عن ~~السببية التقليدية بين البناء الأدنى والأعلى بسببية معقدة متعددة الجوانب، وقد ~~انتقدت هذه المحاولة بسبب تفسيرها المتعسف للماركسية من خلال منظور واحد هو ~~المنظور العلمي الدقيق وحده، وتجاهلها المفرط للإنسان. # وفي خاتمة البحث تنتقد البنائية ككل لهذا السبب نفسه، أي تجاهل الإنسان، ~~وتجاهل التاريخ والتطور، وإن كان «بياجيه» و«سيباج» يذهبان إلى تأكيد إمكان التوفيق ~~بينها وبين النزعة التاريخية عن طريق تحديد أدق لمعنى «الإنسان» الذي تركز عليه ~~البنائية أبحاثها، وينتهي البحث بتأكيد أن هذا الدفاع غير مقنع تماما، وأن ~~البنائية لم تعمل حسابا لعوامل الحركة والتغير والفاعلية؛ لأنها ركزت على الإنسان ~~في حالته «السكونية» حين يكون «مفعولا» لا «فاعلا». # | مقدمة # بلغت البنائية - من حيث هي اتجاه فكري وفلسفي - ذروتها في السنوات الأخيرة من ~~الستينيات في هذا القرن. وكان من الشائع في أوساط المثقفين أن ينظر إليها على أنها ~~«مذهب فلسفي»، ومن سمات المذهب الفلسفي - أيا كان - أنه يسعى بقدر إمكانه إلى الشمول، ~~ويستهدف تقديم تفسير موحد لمجموعة كبيرة من المشكلات الفكرية، ويضم مجالات معرفية ~~متعددة في إطار نظرة واحدة إلى العالم وإلى طبيعة الأشياء، وبالفعل وصل المد البنائي - ~~في فترة الذروة هذه - إلى ميادين شديدة التنوع؛ ففي مجال اللغويات كان جاكوبسون # Jakobson # وشومسكي # Chomsly # يقودان حركة نشطة اتخذ منها الكثيرون نموذجا ومثالا يحتذى ~~في ميادين أخرى. وفي ميدان التحليل النفسي كان «لاكان # Lacan ~~» يشد انتباه معاصريه بنظرته الجديدة إلى هذا العلم الذي كان ~~يبدو - قبل نشر بحوثه - في حالة ركود نسبي. وفي النقد الأدبي كان «بارت # R. ms222 Barthes ~~» يفتتح عهدا جديدا في تفسير النصوص على أساس ~~بنائي. وفي الميدان الفلسفي كان مفكر ميال إلى المحافظة مثل «فوكو # Foucault ~~» يبهر جماهير المثقفين برؤيته الجديدة في كتابه ~~المشهور «الكلمات ~~والأشياء # Les ~~Mots et les Choses ~~»، على حين أن مفكرا ماركسيا أصيلا هو «ألتوسير # Althusser ~~» كان يعيد قراءة الأصول الكبرى للفلسفة ~~الماركسية - وخاصة كتاب «رأس المال» ذاته - من خلال تفسير بنائي مبتكر، وقبل هؤلاء ~~جميعا كان «ليفي ستروس # Lévi-Strauss ~~» يواصل جهوده ~~الرائدة التي كان قد بدأها قبل هذا التاريخ بما يقرب من عشرين عاما، والتي استطاع ~~بفضلها أن يجعل للبنائية مكانة بارزة على خريطة المذاهب الفلسفية في النصف الثاني من ~~القرن العشرين، على الرغم من أن ميدان تخصصه كان علما اجتماعيا وليس فلسفيا هو ~~الأنثوبولوجيا. # على أن هذا الانتشار الذي جعل من البنائية مذهبا فلسفيا شاملا ما يقرب من عشر ~~سنوات ، لا ينبغي أن يخفي عن حقيقة هامة، هي أن البنائية لم تصبح مذهبا فلسفيا إلا ~~لأن المتخصصين قد تنبهوا في ذلك الوقت بالذات إلى الإمكانات الخصبة التي تكمن في فكرة ~~«البناء»، إما الفكرة ذاتها، وإما مبدأ التفكير من خلال «بناءات»، فكان معروفا قبل ذلك ~~بوقت طويل، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول: إن البنائية هي - قبل كل شيء - «منهج» في ~~التفكير، وبهذا المعنى كانت موجودة منذ عهد بعيد. ولكنها لم تصبح «مذهبا» فلسفيا إلا ~~بعد أن تنبه بعض المفكرين - بطريقة واعية - إلى أهمية هذا المنهج وحددوا معالمه بوضوح ~~بعد أن كان يطبق بطريقة ضمنية دون وعي بكافة أبعاده. وكانت نتيجة الحماسة التي تملكتهم ~~حينما اكتشفوا هذه الطريقة في التفكير أن جعلوا منها «مذهبا» شاملا يقدم تفسيرا ~~للمشكلات التي تواجه العقل في ميادين شديدة التباين، ومعنى ذلك أن البنائية - من حيث هي ~~منهج - قديمة العهد. أما من حيث هي مذهب شامل؛ فهي ظاهرة حديثة في الفكر ~~المعاصر. # ولكن على أي أساس نقول: إن البنائية - من حيث هي منهج - كانت معروفة ومطبقة منذ وقت ~~طويل؟ ذلك لأن مجرد تطبيق نموذج رياضي ms223 على موضوع علمي معين، هو في ذاته نوع من ~~البنائية، «فإذا أدركنا أن العلم الحديث - منذ القرن السابع عشر - لم يتمكن من تحقيق ~~إنجازاته الضخمة إلا بفضل تطبيق النموذج الرياضي على الظواهر الطبيعية، كان في ~~استطاعتنا أن نحكم بأن هذا العلم كان منذ بدايته «بنائيا»؛ لأنه استهدف الاهتداء إلى ~~«البناء» الكامن وراء الظواهر الطبيعية، وعبر عن هذا البناء بلغة رياضية. بل إن كل علم ~~لا بد أن يكون له من البنائية نصيب؛ لأن دراسته تنصب على بحث أنساق من العلاقات ~~والروابط بين الظواهر.» # 1 # ويؤيد بياجيه - عالم النفس المشهور - الرأي القائل: إن البنائية في تصميمها منهج قبل ~~أن تكون مذهبا؛ ذلك لأنها أسلوب فني متخصص ~~( # Technical ~~)، وتقتضي التزامات عقلية معينة، تؤمن ~~بالتقدم المتدرج. ولقد كان للمنهج الذي تمثله البنائية تاريخ طويل يشكل جزءا من تاريخ ~~العلوم. غير أن سماتها لم تكتشف إلا في وقت متأخر؛ وذلك لأسباب منها: صعوبة المنهج ~~البنائي وتعقده، واتجاه العقل البشري إلى أن يتجاهل في البداية مفاهيم الاعتماد ~~المتبادل بين الظواهر، والكل النسقي الذي تشكله، مكتفيا بتفسيرات مبسطة موحدة الاتجاه. ~~هذا فضلا عن أن البناءات الكاملة وراء الظواهر لا تظهر للملاحظة المباشرة، بل توجد على ~~مستويات لا يتم التوصل إليها إلا بتجريد مضاعف، أو على حد تعبيره: بتجريد «صور الصور # Forms of Forms ~~». # 2 # على أنه إذا كان للبنائية - بوصفها منهجا - مثل هذا التاريخ الطويل، فإن ظهورها الذي ~~يبدو على شكل انبثاق مفاجئ، والذي اتخذ صورة مذهب فكري متكامل، قد ارتبط بظروف تاريخية ~~معينة، كان لها تأثيرها في الفلسفة الفرنسية بالذات؛ إذ إن أول البنائيين وأهمهم كانوا ~~من الفرنسيين. فبعد الحرب العالمية الثانية كان إنتاج سارتر الغزير في ميادين الفلسفة ~~والرواية والمسرحية والمقال السياسي هو المسيطر على الجو الثقافي الفرنسي. بل إنه تعدى ~~نطاق هذا الجو الثقافي حتى أصبح «أسلوبا خاصا للحياة» يتميز به عدد كبير من الشبان ~~الفرنسيين في مظهرهم وملبسهم ومناقشتهم، هم «الوجوديون» الذين كانوا من المعالم ~~الفرنسية المميزة في ذلك الحين، ولم تظهر ms224 قوة فكرية أخرى تتحدد آراء سارتر في الحرية ~~«المحكوم بها» على الإنسان إلا في الماركسية، التي ركزت أبحاثها على قوانين التحول ~~التاريخي، وأكدت حتمية الصراع الطبقي، ولم يمض وقت طويل حتى سعى سارتر نفسه إلى إزالة ~~التعارض الحاد بينه وبين الماركسية، حتى وصل به الأمر إلى حد إعلان أن الماركسية لا ~~يمكن تجاوزها، وأن فلسفته بالتالي تتخذ لنفسها موقعا «داخل» الماركسية. هذا على الرغم ~~من أن حركة التقارب لم تكن متبادلة من الطرفين؛ لأن الماركسية ظلت تهاجم النزعة الذاتية ~~والمثالية في الوجودية، وتصفها بأنها نموذج واضح للأيديولوجية البورجوازية. # في هذا الجو ظهرت البائية لكي تدخل طرفا ثالثا في الصراع الفكري الذي سيطر على ~~الثقافة الفرنسية في الستينيات، فأضافت وقودا جديدا إلى لهيب المعارك الدائرة بين ~~المثقفين. وكان لظهورها دوي كبير، لا لأنها أتت باتجاه جديد فحسب، بل أيضا لأن ~~التقابل بين الوجودية والماركسية - كما قلنا من قبل - كانت قد خفت حدته. وكان ~~لا بد من ظهور خصم جديد يثير المعركة الفكرية مرة أخرى. # على أن البنائية كانت لها جذور فلسفية أقدم كثيرا من العصر الذي ظهرت فيه، وأهم هذه ~~الجذور - في اعتقادي - هو فلسفة كانت؛ فالبنائية - مثل فلسفة كانت - تبحث عن الأساس ~~الشامل، اللازماني، الذي ترتكز عليه مظاهر التجربة، وتؤكد وجود نسق أساسي ترتكز عليه كل ~~المظاهر الخارجية للتاريخ. وهذا النسق سابق على الأنظمة البشرية؛ بحيث تستند إليه تلك ~~الأنظمة زمانيا ومكانيا؛ أي إن هذا النسق «قبلي # a priori ~~» بمعنى مشابه لما نجده عند كانت. ولقد ظهر لدى البنائيين - على ~~اختلاف اتجاه تخصصاتهم - ميل واضح إلى فكرة النسق الشامل، ووضع أطر أو قوالب أساسية ~~تندرج ضمنها الكثرة الموجودة في الواقع. بل إن هذه الأطر والقوالب لها عندهم طبيعة ~~عقلية، حتى لو اتخذت مظاهرها أشد الصور حسية، كذلك تدعو البنائية بدورها إلى نوع من ~~الثورة الكبرنيكية مماثل لذلك الذي دعا إليه كانت؛ إذ تؤكد أهمية العلاقات الداخلية ~~والنسق الكامن في كل معرفة علمية، وتسعى إلى تجاوز المظهر الذي تبدو عليه المعرفة ms225 من ~~أجل النفاذ إلى تركيبها الباطن، وهي بدورها تترفع على النظرة التجريبية، وتؤكد أن تقدم ~~المعرفة لا يتم عن طريق وقائع تجريبية يضاف بعضها إلى البعض، وإنما يتم عن طريق إعادة ~~النظر في قوالب أو صور أو عمليات موجودة بالفعل. ولكنها تتخذ مظهرا جديدا في كل عصر. ~~وأخيرا فإن البنائية تتشابه مع فلسفة كانت في نقطة أساسية، هي أنها بدورها تستهدف أن ~~تجعل من دراسة الإنسان موضوعا لعلم دقيق، وتحاول أن تهتدي إلى السر الذي جعل العلوم ~~الأخرى تسير في طريق العلم الراسخ؛ لكي تطبقه على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإن ~~كان التركيز عند كانت ينصب على العلوم الرياضية والطبيعية، على حين أنه كان في حالة ~~البنائيين ينصب على علوم أخرى، أهمها علم اللغة. # والواقع أن علم اللغة كان مصدرا من أهم مصادر البنائية، وهو مصدر كان معترفا به ~~صراحة في كتابات البنائيين، على حين أن تأثير فلسفة «كانت» في تفكيرهم كان ضمنيا في ~~أغلب الأحيان، ولهذا الارتباط بين البنائية وبين اللغويات مبررات قوية؛ إذ لا يوجد ~~«بناء» بالمعنى الصحيح إلا لما هو لغوي، وجميع المجالات المعروفة لا يصبح لها بناء إلا ~~حين تتخذ طابعا لغويا. # 3 # وفضلا عن ذلك فإن للغة بالذات ميزات خاصة جعلت النموذج اللغوي يحتل مكانة خاصة في ~~تفكير البنائيين؛ ذلك لأن اللغويين - منذ أيام العالم السويسري المشهور «دي سوسير # Ferdinand de ~~Saussure ~~» في أوائل ~~القرن العشرين - درسوا عناصر اللغة والسمات المميزة لعلاقاتها بوصفها أنساقا لا علاقة ~~لها بالعالم الذي تعبر عنه أو تدل عليه، فكانوا بذلك يطرحون مشكلات بنائية خالصة ~~ويضربون مثلا يحتذى للعلوم الإنسانية الأخرى التي لم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة ~~الاستقلال عن مضموناتها واكتشاف تركيباتها الخالصة، # 4 # أي إن نجاح اللغويات - وهي قبل كل شيء علم إنساني - في بلوغ مرتبة العلم ~~المنضبط كان عاملا مشجعا للباحثين في الميادين الأخرى للدراسات الإنسانية والاجتماعية ~~على الاقتداء بهذا العلم الناجح في منهجه. وفي الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه. ولقد عبر ~~ليفي ستروس عن هذه العلاقة ms226 بين اللغويات وسائر العلوم الإنسانية تعبيرا صريحا واضحا: ~~إننا (يقصد علماء الأنثروبولوجيا) نجد أنفسنا - إزاء علماء اللغة - في وضع حرج، فطوال ~~سنوات متعددة كنا نشتغل معهم جنبا إلى جنب، وفجأة يبدو لنا أن اللغويين لم يعودوا ~~معنا، وإنما انتقلوا إلى الجانب الآخر من ذلك الحاجز الذي يفصل العلوم الطبيعية الدقيقة ~~عن العلوم الإنسانية والاجتماعية، والذي ظل الناس يعتقدون طويلا باستحالة عبوره. وهكذا ~~أخذ اللغويون، يشتغلون بتلك الطريقة المنضبطة التي تعودنا أن نعترف باستسلام أنها وقف ~~على العلوم الطبيعية وحدها، مما ولد في نفوسنا قدرا من الأسى، وكثيرا من الحسد؛ إذ ~~أردنا أن نكون صرحاء؛ فنحن نود أن نتعلم من اللغويين سر نجاحهم، فهلا يمكننا أن نطبق ~~بدورنا على المجال المعقد لدراساتنا - كمجال القرابة والتنظيم الاجتماعي والدين ~~والفلكور والأدب - تلك المناهج المنضبطة التي يتحقق عالم اللغة في كل يوم من فعاليتها؟ # 5 # ويهمنا في هذا النص - الذي يذكرنا إلى حد بعيد بما قاله كانت في معرض المقارنة بين ~~الفلسفة والعلوم الرياضية والطبيعية في مقدمة كتاب «نقد العقل الخالص» - أن البنائيين ~~الذين كان ليفي ستروس رائدهم بغير نزاع، ليسوا من أولئك الذين يبحثون للعلوم الاجتماعية ~~والإنسانية عن منهج خاص بها، مرتبط بطبيعة الظاهرة التي تتناولها هذه العلوم وهي ~~الإنسان، وإنما هم يؤمنون بأن «العلم» - سواء أكان طبيعيا أم إنسانيا - له منهج ~~واحد، وأن ما يصلح لإحدى الفئتين يصلح - بعد تعديلات بسيطة - للفئة الأخرى، وأن العلوم ~~التي تبحث في الإنسان تستطيع أن تمسك بطوق النجاة الذي ينقذها من عواصف التخبط والتناقض ~~واللامعقولية إذا طبقت نفس المنهج الذي جرب بنجاح في العلوم الدقيقة، وإن لديها في ~~علم اللغة نموذجا رائعا لعلم إنساني تمكن من اللحاق بركب العلوم المنضبطة، تلك هي ~~وجهة النظر التي ينطلق منها البنائيون، وهي تعبر عن فلسفة خاصة بهم، يمكن أن توجد فلسفة ~~أخرى بديلة لها، هي تلك التي ترفض هدف الدقة والانضباط للعلوم الإنسانية أصلا، وتؤكد ~~أن هذه العلوم تقدر على أمور ولا تقدر على أمور أخرى، وأن لها سماتها ms227 الخاصة التي لا ~~تجعل من محاكاتها لمناهج العلوم الدقيقة أمرا مرغوبا فيه. وبعبارة أخرى: فإن البنائية ~~قد اختارت لنفسها طريقا معينا تسير فيه نحو هدف الدقة العلمية عند دراستها للإنسان، ~~وهي تستعين أساسا بالنموذج اللغوي من أجل تحقيق هذا الهدف، وقد لا نجد لدى بعض من ~~يتبعون المنهج البنائي اهتماما كبيرا بالنموذج اللغوي، كما هي الحال عند بياجيه، الذي ~~بنى أبحاثه على نماذج منطقية. ولكن الاتجاه الغالب لديهم هو أن يتخذوا من تلك البناءات ~~الشكلية للتركيب اللغوي في عمومه - بغض النظر عن تركيب أية لغة بعينها وبغض النظر عن ~~كل الدلالات اللغوية الخاصة - نموذجا يمكن أن يقتدي به الباحثون في مختلف مجالات ~~العلوم الإنسانية والاجتماعية. # ونستطيع أن نختم هذه المقدمة التاريخية بالقول: إن البنائية في أساسها نظرية في العلم ~~( # epistémologie ~~)، تؤكد أهمية النموذج أو البناء في ~~كل معرفة علمية، وتجعل للعلاقات الداخلية والنسق الباطن قيمة كبرى في اكتساب أي علم. ~~ولكن الحماسة الفياضة التي أثارتها هذه النظرية في فترة تاريخية معينة - هي فترة ~~الستينيات المتأخرة. وربما أوائل السبعينيات - أدت بالبعض إلى أن يعاملوها كما لو كانت ~~انقلابا فلسفيا شاملا، وثورة فكرية جديدة تجعل من الذات مجرد حامل للبناءات. ومن ~~التاريخ مجرد تعاقب لصور تظل في أساسها ثابتة، وإن اختلفت مظاهرها التاريخية؛ على أن ~~هذا التوسع في فهم البنائية قد أدى في تلك الفترة بالذات، إلى بعض التشويه في صورتها، ~~وإلى إقحام عناصر داخلية عليها، عندما أصبحت هي «الموضة» الشائعة، وعوملت على أنها ~~أيديولوجية جديدة كاملة، طبقت على ميادين قد لا يكون المنهج البنائي صالحا لها ~~أصلا. وهذا تطرف نجده في كل مذهب يبهر الناس بجدته وخروجه عن المألوف. ولكنه لا يصح أن ~~يتخذ أساسا للحكم على هذه الحركة الفكرية المثمرة. # | ما هي البنائية؟ # حينما أراد «بياجيه» أن يقدم تعريفا للبنائية في مستهل كتابه الذي خصصه لعرض هذا ~~الاتجاه الفكري في جوانبه المختلفة، كان من رأيه أن من الضروري التفرقة بين الاتجاهات ~~النقدية التي يسير فيها كل شكل خاص من أشكال ms228 البنائية، يطبق على ميدان محدد من ميادين ~~معرفة الإنسان، وبين المثل الأعلى الذي تستهدفه فكرة البنائية مهما تعددت أشكالها؛ أي ~~إنه كان يفرق بين التعريف السلبي للبنائية، من خلال بحث «ما تنقده» التعريف الإيجابي ~~الذي يحدد «ما تهدف إليه». وكان يعتقد أن الأخذ بالأسلوب الأول يمكن أن يوقعنا في ~~التعدد والتشتت؛ لأن البنائية لها أضداد يختلفون تبعا للميدان الذي تبحثه، فما تعارضه ~~البنائية في ميدان الرياضيات مختلف عما تعارضه في ميدان علم النفس أو الأنثروبولوجيا أو ~~اللغويات؛ ومن ثم فإن الأفضل - في رأيه - ألا نعرف البنائية من خلال اتجاهاتها ~~النقدية، بل ينبغي أن نبحث عن المثل الأعلى المشترك بين جميع ضروب البنائية. وهذا المثل ~~الأعلى في رأيه، وهو السعي إلى تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية ~~بنفسها، لا نحتاج من أجل بلوغها إلى الرجوع إلى أية عناصر خارجية، ومحاولة الوصول إلى ~~السمات التي تشترك فيها كل البناءات التي نتوصل إليها بوجه عام. # 1 # هذا المثل الأعلى المشترك موجود بالفعل في كل أشكال البنائية. ولكنه في رأينا لا يوصل ~~إلى الكثير. وربما كان الطريق الآخر - أعني التعريف بالسلب - أمرا لا مفر منه من أجل ~~تكوين فهم مبدئي سليم للبنائية؛ ذلك لأن هذا الاتجاه لم يظهر في فراغ، لكي يدعو إلى مثل ~~أعلى في المعقولية يكون فيه كل نسق يكونه العلم مكتفيا بذاته وقادرا على تنظيم ذاته ~~دون إقحام عناصر خارجية. بل إنه كان في الأصل دعوة إلى التخلي عن أساليب مضادة في البحث ~~العلمي. وكان يرتكز على فلسفة خاصة لا يمكن فهمها إلا في ضوء النقد الذي وجهته إلى ~~الفلسفات المضادة لها، ولقد كان البنائيون - منذ البداية - يخوضون معارك حامية ضد خصوم ~~أقوياء، لهم مواقع ثابتة في أرض الفلسفة والتفكير العلمي؛ ومن هنا كان مما يفيد في ~~تقديم إيضاح أولي للبنائية أن نحددها من خلال المعارك التي خاضتها، ومن خلال الأفكار ~~المضادة التي سعت إلى محاربتها. ومما يؤيد صحة هذا الاتجاه أن بياجيه نفسه حين قدم ~~تعريفا أوليا للبنائية ms229 مرتكزا على مثلها الأعلى «الإيجابي»؛ اضطر عند شرحه لعناصر ~~هذا التعريف إلى إيضاحها من خلال أضدادها - أي إنه عاد مرة أخرى إلى تعريف البنائية من ~~خلال «ما تعارضه» - لا من خلال «ما تسعى إليه». # على أية حال فإننا لا نستطيع أن نغفل التحديد الإيجابي لمعنى البنائية، وكل ما في ~~الأمر أن هذا التحديد ينبغي أن يستخلص - في رأينا - في مرحلة تالية؛ فالطريقة المثلى في ~~إيضاح معنى البنائية هي أن نبدأ بتحديد هذا المعنى من خلال الاتجاهات التي ظهرت ~~البنائية لكي تنقذها. أما الأهداف الإيجابية للبنائية فسوف تعرض بالتفصيل عندما ~~نتحدث عن الأسس الفلسفية لهذا المذهب في الميادين المختلفة لمعرفة الإنسان، وسيكون من ~~السهل عندئذ استخلاص العناصر المشتركة بين أشكال البنائية في كل هذه الميادين: ~~(1) البنائية والنزعة التجريبية # في الفلسفة الفرنسية بأسرها - منذ عهد ديكارت - اتجاه إلى الإقلال من شأن النزعة ~~التجريبية وتأكيد دور العقل الذي يسبق التجربة - سواء أكانت هذه الأسبقية منطقية أم ~~زمنية - ويضفي عليها اتجاها وهدفا ومعنى، ومنذ أن أكد ديكارت أهمية النموذج ~~الرياضي في المعرفة البشرية، وأكد فرانسس بيكن، في نفس العصر تقريبا، أهمية ~~الملاحظة والرصد الدقيق للواقع، تحددت معالم اتجاهين متضادين: أحدهما دور العقل في ~~المعرفة، والثاني يركز على أهمية التجربة. وصحيح أن العلم قد استطاع منذ وقت مبكر - ~~بل منذ عهد هذين الفيلسوفين ذاتهما - أن يتجاوز التضاد بين النزعة العقلية والنزعة ~~التجريبية، وذلك حين قدم جاليليو نماذج رائعة لكشوف علمية تعتمد على ملاحظات وتجارب ~~دقيقة من جهة، وعلى فروض عقلية وصياغات رياضية من جهة أخرى. ولكن هذا التضاد ظل ~~يقوم بدور أساسي في الفكر الفلسفي، وما زال له تأثيره عند المشتغلين بالعلوم ~~الإنسانية حتى اليوم. # ومن أهم السمات التي نستطيع أن نلمحها عند البنائيين: مواصلتهم السير في هذا ~~الاتجاه العقلي المعادي للنزعة التجريبية، وسعيهم إلى تفسير التجربة من خلال مبادئ ~~عقلية، بدلا من إرجاع مبادئ العقل إلى مكتسبات تجريبية. ومما يدل على تأصل هذا ~~العداء للتجريبية في تفكيرهم، أننا نجده عند مفكرين بنائيين تفصل بين ms230 اتجاهاتهما ~~العقلية مسافات هائلة، وأعني بهما الأنثروبولوجي ليفي ستروس، والباحث لوي ألتوسير # Louis Althusser ~~، فمن الأسس المنهجية التي ~~ترتكز عليها أبحاث ستروس في الأنثروبولوجيا، أنه لا يستهدف بمنهجه البنائي الاهتداء ~~إلى عادات متشابهة وسط عدد هائل من الملاحظات الأنثروبولوجية التي يتم إجراؤها في ~~ثقافات متباينة، كما كان يفعل الأنثروبولوجي الإنجليزي الكبير فريزر # Frazer # مثلا، بل يؤكد أن ما هو مشترك بين الثقافات ~~لا يهتدي إليه بوضوح على مستوى الملاحظة، وإنما على مستوى البناء العقلي؛ فالبناء ~~هو الذي يشكل العنصر الكلي الشامل في الثقافة البشرية. وهذا البناء خفي، لا يوجد ~~على السطح الخارجي للظواهر أبدا، وإنما يكشف عقليا. وهكذا يستهدف التحليل ~~البنائي - في ميدان الأنثروبولوجيا - الوصول إلى نوع من الجدول الرياضي أو المصفوفة ~~الجبرية التي تعبر عن كل التحولات والتجمعات الممكنة في «الذهن البشري» اللاشعوري؛ ~~ومن ثم كان هناك نوع من الازدراء في تعامل البنائية مع «الظواهر الأمبيريقية»، ~~«وطوال كتابات ستروس يتكرر مرارا هذا التفضيل للتجريد العام على الواقعة التجريبية.» # 2 # وهكذا يؤكد ستروس الطبيعة المستقلة للذهن البشري على نحو يكاد يبدو معه فيلسوفا ~~مثاليا، فهو يتكلم كما لو كان لدى الذهن ( # L’esprit ~~Humain ~~) استقلال خاص يجعله يمارس عمله بطريقة لا تعتمد على أي ~~فرد أو جماعة إنسانية بعينها، وهو يذهب إلى حد أن يقول في واحد من كتبه: «إننا لا ~~ندعي بيان الطريقة التي يفكر بها الناس في الأساطير، وإنما نبين كيف تفكر ~~الأساطير في ذاتها من خلال الناس، ودون وعي منهم»، فهل يعني ذلك أن ليفي ستروس مفكر ~~مثالي يجعل للذهن أولوية مطلقة على الظواهر؟ إنه هو ذاته ينفي بشدة كونه مثاليا، ~~ويرى أن كل ما يدافع عنه هو القول بوجود طبيعة ثابتة للذهن البشري لا تتأثر بتغير ~~الأفراد والمجتمعات، وتعبر عن نفسها من خلال نواتج الإنسان الثقافية كالأساطير؛ ~~فالعقل البشري لديه مبادئ ثابتة، أشبه بمبادئ علم الجبر، يظهر تأثيرها في كل رسالة ~~ينقلها إلينا أي موضوع ثقافي أنتجه الإنسان، وتعبر عن وجود «آليات» موحدة يعمل بها ~~العقل البشري ms231 أينما كان. # فإذا انتقلنا إلى الطرف البعيد عن ليفي ستروس في البنائية - وأعني به الفيلسوف ~~الماركسي ألتوسير - وجدناه بدوره يشترك مع ستروس - برغم كل ما بينهم من اختلافات ~~أيديولوجية عميقة الجذور - في نقد المذهب التجريبي، والنظر إلى الحقيقة على أنها ~~معيار لذاتها، دون الحاجة إلى تحقيق تجريبي خارجي؛ ففي نظر التجريبية تكون المعرفة ~~تجريدا من الواقع؛ أي إن الواقع نفسه يتضمن المعرفة ويخفيها وسط عناصر أخرى ~~متداخلة تحجبها عنا، وكل ما علينا هو أن نطرح هذه العناصر جانبا لنجلو وجه الحقيقة ~~الذي يشتمل عليه الواقع بالفعل؛ أي إن المعرفة عند التجريبيين هي عملية «طرح» ~~نستبعد فيها الزوائد لكي نكشف ماهية الحقيقة، ومعنى ذلك أن التجربة المباشرة فيها ~~أكثر مما هو مطلوب للوصول إلى الحقيقة، وعلى عكس ذلك يرى ألتوسير أن هذه التجربة ~~المباشرة تتضمن «أقل» مما هو مطلوب لبلوغ الحقيقة؛ فنحن لا نحذف أو نختصر منها لكي ~~نصل إلى الحقيقة، وإنما «نضيف» إليها؛ إذ إن من سمات التجربة المباشرة ألا تكون ~~مكتفية بذاتها ، ومن سمات العقل الإنساني ألا يكون مجرد شاهد سلبي يسجل حقيقة موجودة ~~بأكملها خارجه. # ولا يكتفي ألتوسير بهذا النقد للتجريبية. بل إنه يذهب خطوة أبعد من ذلك، فيقول: ~~إن عملية المعرفة تحدث كلها في الفكرة، وإن الممارسة النظرية تتضمن في ذاتها معايير ~~علمية النتائج التي يتم الوصول إليها في العلوم المختلفة؛ أي إن العلوم عندما تبلغ ~~قدرا معينا من النمو، لا تكون أبدا بحاجة إلى ذلك التحقيق التجريبي الذي يربط ~~بين قضاياها وبين واقع خارجي، والذي يقال: إنه معيار الصدق في القضايا، # 3 # والمثل الذي يضربه ألتوسير للتدليل على ذلك هو الرياضيات، التي لا ~~تحتاج إلى تحقيق خارجي للتدليل على صحة قضاياها، ويعمم ألتوسير ما ينطبق في حالة ~~الرياضيات على بقية العلوم؛ بحيث يجعل معيار الصدق في المعرفة كلها معيارا ~~داخليا هو التماسك والاتساق، ويكون مقر الحقيقة عنده داخل الذهن # intramental # فحسب. أما الالتجاء إلى التجربة ~~فهو «برجماتية» يرفضها ازدراء وترفع. # وهكذا نرى إلى أي حد يظل ms232 ألتوسير - في هذه المسألة بالذات - ديكارتيا مخلصا؛ ~~وذلك أولا بسبب نزعته القبلية # a-priorisme # الواضحة، وجعله الحقيقة معيارا لذاتها، وتأكيده أن التجربة هي التي تكتسب ~~مشروعيتها من حقيقة موجودة قبلها، بعكس ما يقول به التجريبيون من أن الحقيقة هي ~~التي تكتسب مشروعيتها من تجربة سابقة عليها، وهو فضلا عن ذلك ديكارتي صميم حين ~~يدلل على هذا كله بما يحدث في الرياضيات، ولا يكتفي بذلك، بل يواصل اتجاه ديكارت في ~~اتخاذه من الرياضيات نموذجا لكل معرفة بشرية؛ على أن ألتوسير يعرض نفسه هنا لنفس ~~النقد الذي طالما وجه إلى ديكارت، وأعني به أن ما يصدق على الرياضيات لا يتعين أن ~~يصدق على بقية العلوم، وأنه إذا كانت العلوم الرياضية تكتفي بمعيار الاتساق الشكلي ~~وتستمد حقيقتها كلها من داخل الذهن، فإن هناك علوما أخرى كثيرة تحتم الخروج عن ~~الذهن، وتحيلنا إلى الواقع، ولا تجد غضاضة في الاستعانة بالتجربة من أجل تصحيح ~~النظرية، ومن أجل أن تتمكن من التمييز بوضوح بين ما هو واقع فعلي وما هو مجرد إمكان ~~ذهني . # وعلى أية حال، فها نحن أولاء نرى ليفي ستروس وألتوسير يتفقان معا على توجيه نقد ~~شديد إلى النزعة التجريبية، ويضعان معيارا لصدق تحتل فيه التجربة - على أحسن ~~الفروض - المرتبة بعد الجهد العقلي، وقد يبدو هذا متعارضا مع ما اعترف به ليفي ~~ستروس ذاته من أن الوصول إلى البناء أمر يحتاج إلى مقارنة وتحليل دقيق لعدد من ~~الأمثلة المدروسة، وما أكده من أن الباحث يلقى مشقة كبيرة حتى يتوصل إلى النسق أو ~~التركيب الباطن للظاهرة التي يدرسها. ولكن حقيقة الأمر أنه ليس ثمة تعارض بين ~~الموقفين؛ فالجهد الذي كان يبذله ستروس لا ينصب على دراسة الوقائع الخارجية بقدر ~~ما ينصب على التفكير العقلي فيها. ومن المعترف به - كما سنرى فيما بعد - أن ستروس ~~لم يكن من أولئك العلماء الأنثروبولوجيين الذين يقضون حياتهم في ملاحظة الجماعات ~~البدائية وتسجيل عاداتها وطرائق حياتها إلخ، بل كان الجهد «الميداني» الذي بذله ~~ضئيلا بالقياس إلى غيره من العلماء في هذا ms233 الميدان نفسه. أما الجهد الأكبر فكان في ~~عملية التحليل الفكري الداخلي لتلك المادة غير المتسعة التي جمعها «من الميدان» ~~ذاته. ومع ذلك بالرغم من المشقة العقلية الكبرى التي كان يعانيها في مقارنة الأمثلة ~~المختلفة والجمع بين ظواهر شديدة التباعد من أجل التوصل إلى «البناء» الكامن فيها، ~~فقد كان يؤكد دائما أن البناء موجود في الواقع بمعنى ما. وليس مجرد تركيب عقلي ~~نقوم به للتسهيل أو التوضيح أو تقريب الظاهر إلى الأذهان. وهكذا يجمع البناء قدرا ~~غير قليل من صفات القانون العلمي؛ فكل منهما يكشف عن ثبات من وراء التغير، وكل ~~منهما يرد الكثرة الظاهرة إلى وحدة، وكل منهما عقلي في طريقة اكتشافه، وواقعي في ~~وجوده خارج الذهن الخالص. ولكن البناء أهم من القانون العلمي؛ لأن هذا الأخير يلخص ~~فئة معينة من الظواهر، على حين أن الأول يجمع بين فئات متباينة ومتباعدة، يستطيع ~~العقل أن يكشف فيها كلها بناء واحدا. # وتبقى الكلمة الأخيرة - بعد هذا كله - للعقل، فبالرغم من تأكيد ستروس وجود البناء ~~في الظواهر ذاتها، وبالرغم من إصراره على أنه ليس مجرد تركيب أو نموذج ذهني نبسط به ~~الوقائع لكي يسهل علينا فهمها، فإن البناء ما كان يمكن أن يوجد في ظواهر على هذا ~~القدر من التباعد (كوجود بناء واحد لنظام القرابة في مجتمع بدائي، وللنسق اللغوي في ~~هذا المجتمع) لو لم يكن راجعا إلى تركيب الذهن البشري ذاته، ولو لم تكن مبادئ ~~العقل واحدة في كل هذه المجالات، ولو لم تكن العملية التي يصوغ بها عقلنا نواتجه ~~المتباينة عملية واحدة في صميمها؛ فالبناء موجود في الواقع بالفعل. ولكنه موجود فيه ~~لأن هذا الواقع - في مجال الظواهر الإنسانية - إنتاج لذهن بشري يعمل دائما - وفي ~~كل الميادين - بطريقة واحدة؛ ولهذا كانت البنائية تحارب النزعة التجريبية وترفض كل ~~تفسيراتها لطبيعة المعرفة وعلاقتها بالواقع. # ومن النتائج الهامة لموقف المعارضة الذي وقفته البنائية من النزعة التجريبية، ~~رفضها التام للنظرة التجريبية إلى علاقة الجزء بالكل؛ فالتجريبيون يرون أن الأطراف ~~في أية علاقة سابقون على العلاقة ms234 ذاتها؛ أي إن تجمع الأطراف هو الذي يضفي على ~~العلاقة طابعها الخاص، ويستحيل تصور هذه العلاقة مستقلة عن الأطراف الداخلين فيها، ~~على حين أن كلا من هذه الأطراف له استقلاله الخاص، ويمكن تصوره بمعزل عن العلاقة ~~التي يدخل فيها؛ أي إن العلاقات كلها، في رأي النزعة التجريبية، خارجية أما ~~البنائيون فيرون أن العلاقة ليست مجرد مجموع لعناصر مستقلة قائمة بذاتها. بل إن هذه ~~العناصر تخضع لقوانين تتحكم في بناء العلاقة التي تجمعها، وهذه القوانين تضفي على ~~البناء سمات كلية تتميز عن سمات عناصره مأخوذة على حدة، كما تتميز عن مجموع هذه ~~العناصر، ويضرب بياجيه مثلا لهذه الصفة بالأعداد الصحيحة في الحساب، فهذه الأعداد ~~لا توجد بمعزل عن بعضها البعض، ولم يكتشف كل منها مستقلا بتعاقب عشوائي. بل ~~إنها لا تظهر إلا في ترتيب معين. وهذا الترتيب يرتبط بسمات «بنائية» تختلف عن سمات ~~الأرقام المنفردة. # 4 # وهكذا تنقد البنائية المبدأ الشائع بين التجريبيين، الذي يجعل أطراف العلاقة ~~مستقلين عن العلاقة ذاتها، ويؤكد أن هؤلاء الأطراف أشبه «بالذرات» القائمة بذاتها، ~~والتي لا تتغير طبيعتها بدخولها في أية علاقة (وهو المعروف بمبدأ الذرية ~~التجريبية). ولكن هل يعني هذا النقد أن البنائية تنحاز إلى الرأي المضاد، الذي ~~عرفناه في النظرية الجشطلتية في علم النفس، والذي يؤكد أولوية الكل على الأجزاء، ~~ويجعل منه أكثر من مجرد تجميع لعناصر مستقلة؟ الواقع أن هذا القول بأسبقية الكل ~~يقربنا إلى حد ما من فكرة البناء. غير أن مفهوم البناء ينطوي على ما هو أكثر من ~~تغليب الكل على الأجزاء، واتخاذ الموقف المضاد - بطريقة آلية - للموقف التجريبي؛ ~~فالبنائية لا تكتفي بأن تضع الكل في البداية، دون أن تحدد خصائصه وسماته الداخلية. ~~بل إن أهم المشكلات في نظرها هي العلاقات الداخلية بين العناصر؛ فهي تركز بحثها على ~~العمليات الطبيعية أو المنطقية التي يتكون بها الكل، والقوانين المتحكمة في تركيبه، # 5 # وتتجاوز بذلك الموقف الجشطلتي الذي يكتفي بافتراض أولوية الكل دون مزيد ~~من التحليل لتركيبه الباطن. ~~(2) البنائية والنزعة التاريخية # ربما كان ms235 التضاد الأهم، الذي تتحد به طبيعة البنائية بمزيد من الوضوح، هو تضادها ~~مع النزعة التاريخية # historicisme ~~؛ إذ إن الجدل ~~الأكبر الذي أثاره البنائيون كان موجها ضد أنصار النزعة التاريخية، والقوة ~~الدافعة الأولى للتيار البنائي كانت الرغبة في مراجعة التفسير التاريخي مراجعة ~~جذرية؛ ومن هنا كان فهم موقف البنائية من النزعة التاريخية أساسيا في تحديث ~~سماتها. # فقد كان من الشائع - في القرن التاسع عشر بوجه خاص - تفسير كل الظواهر من خلال ~~التاريخ، فالسابق هو الذي يتحكم دائما في اللاحق، والمنشأ الأول لأي ظاهرة، ثم ~~مسارها التالي، أساسي في فهم طبيعتها الحالية. ولقد اتفق على هذه النقطة مفكرون ~~كانوا يختلفون فيما بينهم في مسائل أساسية؛ إذ قدم إلينا دارون تفسيرا لتطوير ~~الأحياء من منظور تاريخي، وعمم «سبنسر» نظرية دارون من المجال البيولوجي إلى جميع ~~المجالات الاجتماعية والروحية والعلمية والمادية، واتخذ «نيتشه» من فكرة التاريخ ~~أساسا لفلسفة كاملة تؤمن بأن للأخلاق والمعرفة والقيم (حتى المنطقية منها) ~~تاريخا، وبأن حاضر هذه المعاني لا يفهم إلا من خلال ماضيها، وبأن الإنسان كائن ~~تاريخي في صميمه، وطبق ماركس فكرة التاريخ على العلاقات الإنتاجية بين البشر في ~~مراحلها المختلفة، فقدم إلينا نظرية في «المادية التاريخية» تجمع بين تأكيد ~~الشروط المادية (والاقتصادية بوجه خاص) لتطور المجتمعات البشرية، وبين إعطاء أهمية ~~كبرى للعامل التاريخي في هذا التطور، بل يمكن القول، من وجهة نظر معينة. إن العلوم ~~الطبيعية ذاتها كانت تضفي على الفكرة الرئيسية فيها - وهي فكرة السببية - طابعا ~~تاريخيا أو زمنيا؛ لأن السبب كان ينظر إليه على أنه «السابق المتكرر أو ~~الدائم»، والتقطت علوم إنسانية كثيرة فكرة التفسير التاريخي، فأصبح من الضروري، من ~~أجل فهم أية ظاهرة تنتمي إلى مجال الحياة الإنسانية، الرجوع إلى سوابقها الماضية، ~~وأصبح النقاد الفنيون والأدبيون يفسرون عمل الكاتب من خلال تاريخ حياته، ويبنون ~~نظرتهم إلى الفنان على وقائع نفسية أو اجتماعية أو سياسية لها كلها موقع محدد في ~~«التاريخ»؛ أي إن التاريخ أصبح متغلغلا في كل شيء. # ولم يقف هذا التيار التاريخي الطاغي عند ms236 حدود القرن التاسع عشر، بل كانت له ~~إمدادات قوية في القرن العشرين، تمثل ذلك في عودة ظهور فكرة «التقدم» التي ترجع إلى ~~القرن الثامن عشر، وتأكيد وجود اتصال واستمرار تاريخي بين الظواهر؛ فالحاضر كامن في ~~الماضي، والمستقبل كامن في الحاضر، وهناك خط متصل من التقدم، يمتد من أقدم العصور ~~حتى اليوم، وبفضله يتحقق انتصار الروح في هذا العصر؛ لأن كل عصر وإن كان موجودا في ~~حالة «كمون» في العصر الذي سبقه، يضيف جديدا إلى حصيلة التجارب البشرية، ويسهم ~~في دفعها إلى الأمام؛ ولذلك فإن أعلى المستويات التي تصل إليها الروح البشرية ستكون ~~في المستقبل. # ولقد ظهرت محاولات متعددة للحيلولة دون انتشار هذه النزعة التاريخية الطاغية، كان ~~من أشهرها محاولة «باشلار # G. Bachelard ~~» الذي أنكر ~~وجود خط متصل من التقدم في المعرفة العلمية، وذهب إلى أن تاريخ العلم هو تاريخ ~~أخطاء وعقبات تقف في وجه المعرفة بقدر ما هو تاريخ إنجازات ناجحة. بل إن الماركسية ~~ذاتها - برغم ارتباطها القوى بالنزعة التاريخية - تنطوي على الفكرة القائلة بوجود ~~نقاط انقطاع وانفصام في التاريخ البشري . وفضلا عن ذلك فليس من الضروري أن يكون ~~الأساس الذي يبنى عليه التفسير سابقا من الوجهة الزمنية، فهناك غايات معينة ~~تستهدف المستقبل، وتكون - في المجال الإنساني - نوعا خاصا من العلية تتطلع إلى ~~الأمام لا إلى الخلف، وهذه مسألة ظهرت في الماركسية، التي يرتكز جانب كبير من ~~دعوتها الأيديولوجية على نوع من العلية المتطلعة إلى المستقبل، هي تحقيق مجتمع بلا ~~طبقات. # ولكن البنائية كانت هي التي أوقفت - بطريقة حاسمة - هذا التيار الطاغي للنزعة ~~التاريخية، أو على الأقل قضت على ادعائها احتكار القدرة على تفسير الظواهر البشرية، ~~فقد استعاضت البنائية عن النظرة الشائعة إلى تقدم الروح الإنسانية، وهي النظرة التي ~~تمثل هذا التقدم على أنه تراكم تدريجي لمكتسبات يضاف الجديد منها إلى القيم إضافة ~~خارجية، بتصور آخر تكون فيه الأفكار الجديدة مجرد توسيع لأفكار سبق ظهورها من قبل، ~~وإن كانت قد اتسمت في البدء بالبساطة والبدائية؛ فالعقل الإنساني لا يسير في ms237 طريقه ~~بطريقة جيولوجية إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير؛ أي إنه لا يضيف طبقة من ~~المعرفة فوق طبقة أخرى، وإنما يسير بطريقة عضوية، يعيد فيها تمثل القديم بطريقة ~~أصعب وأعقد، ويحتفظ فيها ببنائه القديم، وإن كان يدرك خلال تطوره أن هذا البناء - ~~الذي كان يعد صحيحا صحة مطلقة في وقت مضى - لا يمثل إلا جانبا من الحقيقة، هو ذلك ~~الجانب الذي كان عقلنا يستطيع بلوغه في ذلك الوقت. # وفي وسعنا أن نربط بين معارضة البنائية للنزعة التجريبية ومعارضتها النزعة ~~التاريخية في هذه النقطة بالذات، فنقول: إن تصور التقدم البشري بأنه تراكم تدريجي ~~لمكتسبات تتجدد على الدوام - وهو التصور المميز للنزعة التاريخية - ينطوي على وجه ~~من أوجه النزعة التجريبية، إذ يصبح التقدم عندئذ حصيلة وقائع تجريبية تضاف كل ~~منها إلى الأخرى مكونة طبقات متراكمة بعضها فوق بعض. وفي مقابل ذلك ترفض البنائية ~~كلا من النزعتين التاريخية والتجريبية؛ إذ تستعيض عن التصور السابق بتصور آخر يظل ~~فيه العقل البشري متضمنا صورا أو قوالب أو عمليات ثابتة، وإن كنا لا نكف عن إعادة ~~النظر فيها، وعن توسيعها وتعقيدها؛ أي إن كل تقدم يظل محتفظا بالنواة المركزية. ~~وهكذا يمكن القول: إن نوع التقدم الذي تعترف به البنائية هو ذلك الذي يرى أن طريق ~~المستقبل يمر بالماضي، وأن الوصول إلى الغد يتم من خلال مراجعة ما تم بالأمس، ~~فالبذور القديمة موجودة دائما، وكل ما نفعله هو أننا ننميها بطريقة جديدة. # والواقع أن كثيرا من الباحثين في تطور الحضارات قد اعترفوا بهذا المبدأ الذي ~~تنادي به البنائية حتى قبل أن تعبر البنائية عن نفسها بوصفها مذهبا فكريا ~~متميزا، فمنذ وقت بعيد لاحظ مؤرخو الحضارة أن كثيرا من ضروب التفكير العلمي ~~والإبداع التكنولوجي التي عرفها العصر الحديث، ليست إضافة مطلقة لشيء لم يكن ~~موجودا من قبل، بل هي تنمية لبذرة سبق ظهورها في عصور ماضية. وهكذا عرفنا - من ~~تاريخ العلم والفلسفة - أن نظرية التطور كما ظهرت في القرن التاسع إنما هي صياغة ~~جديدة لفكرة نستطيع أن ms238 نعدها من البذور الثابتة في العقل البشري، نبتت عند ~~أناكسيمندر في القرن السادس ق.م وربما قبل ذلك أيضا، واتخذت أشكالا متعددة، إلى ~~أن صيغت بالطريقة الحاسمة على يد دارون، ومثل هذا يقال عن فكرة الذرة التي بدأت من ~~عهد ديمقريطس، واكتسبت أشكالا متباينة عند فلاسفة الإسلام وفلاسفة الغرب في العصور ~~القديمة والوسطى والحديثة، إلى أن اتخذت شكلها العلمي في العهد القريب. وحين اخترعت ~~أوروبا البارود كان الجميع يعلمون أن الصين قد استخدمته من قبل. وحين توصل «جيمس ~~واط» إلى الطاقة البخارية، تنبه الكثيرون إلى أن المخترع الروماني «هيرو # Hero ~~» قد عرف هذه الطاقة من قبل، وإلى أن ليوناردو ~~دافنشي وضع تصميما لآلة تحركها طاقة البخار، وهكذا عرف الباحثون تاريخ الأفكار، ~~وفي تاريخ الحضارات مئات الأمثلة التي تثبت أن مسار التقدم البشري يتخذ شكل تنمية ~~وتطوير لمبدأ قديم يكاد يكون ثابتا، لا شكل إضافات خارجية جديدة كل الجدة، ~~وأدركوا أن التصورات الأساسية التي نفهم بها عالمنا الحالي كانت موجودة من قبل، وإن ~~كنا قد نميناها وعقدناها، وعرفوا أن طريق العقل البشري لا يمثل انتقالا من ~~الظلام إلى النور. ومن الجهل إلى المعرفة، ولا يسير في خط مستقيم، كذلك الذي يقول ~~به دعاة التقدم المستمر. # ومن السهل أن ندرك وجود فارق واضح بين هذا الموقف الذي اتخذته البنائية من فكرة ~~التاريخ والتطور، وبين الموقف الذي ساد بوجه خاص في الأوساط الفلسفية الفرنسية في ~~أوائل القرن العشرين، الذي يؤكد أن العصور اللاحقة تتجاوز تصورات العصور السابقة، ~~بل تتخلى عنها نهائيا. وقد تمثل هذا الموقف الأخير في الفكرة التي اتخذ منها عالم ~~الاجتماع الفرنسي «ليفي بريل # Lévi-Bruhl ~~» محورا ~~لأبحاثه؛ أعني فكرة وجود عقلية «قبل المنطقية # Mentalité ~~pre-logique ~~» لدى ~~البدائيين، كما تمثلت في فكرة «مراحل العقل» عند ليون برنشفيج # Léon ~~Brunschvicg ~~، التي ~~ينتقل فيها العقل العلمي الإنساني من مرحلة «الطفولة» إلى مرحلة النضج، هذه الأفكار ~~تفترض انتقالا من الجهل التام إلى المعرفة الكاملة، وتصور تاريخ العقل البشري بأنه ~~صعود مستمر إلى أعلى دون وجود أي ms239 عنصر مشترك بين القديم والجديد. وهذا ما تفرضه ~~البنائية؛ لأنها تؤكد مفهوم «التوازي» # 6 # بين التصورات القديمة والجديدة؛ فالعقل البشري ينمو في كل الأحوال عن ~~طريق تعميق التفسيرات التي يقدمها للطبيعة، وتحويلها من مرحلة التقيد بالمظاهر ~~الخارجية إلى مرحلة كشف القوانين الكامنة. ولكن أساس هذه التفسيرات يظل واحدا، ~~والعناصر الأساسية باقية، والمقولة الأساسية في فهم التاريخ هي مقولة التوازي لا ~~مقولة المسار الخطي الصاعد. # ولقد أورد «سيباج # Sebag ~~» # 7 # مثلا للفرق بين المنهج التاريخي والمنهج البنائي، مستمدا من ~~دراسة لجورج دوميزيل # G. Dumezil # في مجال الأديان ~~المقارن، فقد انتهى «دوميزيل» إلى أن كل دين من أديان الشعوب الهند أوروبية يتضمن ~~تقسيما ثلاثيا لموضوع العقيدة، وأن هذا التقسيم تمثل لدى الجميع وإن تفاوتت صوره ~~واختلف في مدى وضوحه ونقائه. وهكذا نكتشف، من وراء تباين الآلهة والشعائر ووظائف ~~العقيدة في كل حالة تقسيما ثلاثيا واحدا يظل على ما هو عليه مهما تنوعت ~~الحضارات، وعلى العكس من ذلك فإن النظرة التاريخية إلى هذا الموضوع ذاته تستخلص كل ~~شيء من أشكال الألوهية من الواقع الديني الخاص بكل شعب على حدة؛ ولذلك لا تتوصل إلا ~~إلى دلالات جزئية، وتضيع منها التشابهات البنائية الموجودة وراء السطح الظاهري ~~لتعدد العقائد، والواقع أن النظرة التاريخية إذا توصلت إلى أي نوع من البناء؛ فهي ~~إنما تتوصل إليه بعد دراسة مضنية للجزئيات وللأمثلة الفردية، ولن تستطيع رغم ذلك أن ~~تتوصل إلى بناء أساسي؛ ولذلك تعكس البنائية الآية، فتضع التغيرات التاريخية الجزئية ~~«في إطار» البناء الثابت، وتفسرها من خلاله؛ فالتاريخ يدور في إطار البناء ويفسر ~~بواسطته لا العكس، والعملية التاريخية الخلاقة لا تفهم إلا من خلال البناء الذي ~~ظل موجودا طوال ألوف السنين؛ ولذلك يمكن تشبيه العلاقات بين البناء والعمليات ~~التاريخية العينية التي تدور في إطاره، والتي تضفي الحياة على البناء اللاواعي ~~وتنقله إلى مجال الوجود الفعلي، يمكن تشبيهها بالعلاقة بين «الشفرة # Code ~~» والرسائل المختلفة التي نحصل عليها بعد ~~معرفة الشفرة. # ولقد تأثر علم التاريخ بهذه الحركة الجديدة التي بدأت بها ms240 البنائية عهدا جديدا، ~~فظهرت مدرسة تاريخية تركز جهدها على كشف المعالم العامة للحضارات التي تمتص في ~~داخلها الأحداث وتصبغها بصبغتها الخاصة، بدلا من أن تتشكل بالأحداث وتسير في ~~تيارها. ولكن ظهر أيضا رد فعل مضاد بين مؤرخين رأوا في هذه النظرة البنائية هدما ~~لكل ما هو أساسي في التاريخ؛ ذلك لأن البنائيين يركزون على فكرة انعدام التغير # invariance ~~. أما بالنسبة إلى المؤرخ فهناك ~~على الدوام مؤثرات وتناقضات داخلية، تتجه دائما إلى إحداث توازن جديد؛ فالتحليل ~~التاريخي يؤكد فكرة الحركة، وهو نقيض السكون الذي يؤكد التحليل البنائي؛ ولذلك يرى ~~أنصار هذا الاتجاه المعارض للبنائية # 8 # أن التاريخ يرفض الأبنية الثابتة. بل إن الزمان يحمل في طياته كل بناء ~~ويغيره، وقد يكون هذا التغيير بطيئا كما في حالة البناءات العقلية والمنطقية التي ~~لا تتغير خلال التاريخ إلا ببطء شديد. وقد يكون سريعا كما في حالة الأوضاع ~~الاقتصادية أو البناء القانوني لمجتمع ما. ولكن كل بناء يظهر ثم يذبل ويختفي، وعلى ~~المؤرخ أن يدرس كيف يتم الانتقال من بناء إلى آخر، في ضوء اختلاف الإيقاع الذي ~~تتطور به البناءات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعقلية. # على أننا لا نود أن نختم هذا الجزء - الذي نعرض فيه لموقف البنائية من النزعة ~~التاريخية - دون أن ننبه إلى ثلاث مسائل هامة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار في صدد ~~النزاع المشهور بين البنائية والتاريخية: ~~(1) # إن البنائية تستطيع أن تجد وسيلة للتوفيق بين نزوعها إلى الثبات ~~ونزوع المؤرخ إلى الحركة والتغيير، وذلك عن طريق التفرقة بين الإطار ~~العام والمضمون الداخلي في كل حدث تاريخي، فمضمون الأحداث التاريخية ~~والمادة المحتواة فيها هو الذي يختلف تبعا للعصور والمجتمعات. ولكن ~~هذا المضمون المتغير يكشف عن تنظيم يظل على ما هو عليه مهما اختلفت ~~السياقات الاجتماعية والتاريخية؛ أي إن ما يسري عليه وما يخضع للتفسير ~~التاريخي، هو المضمون والمادة الداخلية. أما التنظيم والبناء فهو فوق ~~التاريخ، وعلى هذا النحو تستطيع البنائية أن تقدم إرضاء جزئيا على ~~الأقل للمؤرخ الذي لا يمكنه أن يتصور ms241 علمه بدون فكرة التغير والحركة ~~المستمرة؛ فهي لا تنكر التاريخ، وإنما تحصر تأثيره في مسافات وتنوعات ~~تطرأ على إطار ثابت، على حين أن المؤرخ يؤكد أن كل شيء متحول، وأن أي ~~بناء لا بد أن يسير في تيار التاريخ المتدفق. ~~(2) # على أن البنائية لم تكن تهدف أساسا إلى معارضة المؤرخين حين أعلنت ~~معارضتها للنزعة التاريخية؛ ذلك لأنها كانت تحارب هذه النزعة في مجالات ~~العلوم الإنسانية الأخرى قبل أن تحاربها في مجال التاريخ ذاته، وهدفها ~~الأساسي كان رفض التفسير الذي انتشر زمنا طويلا، والذي يرجع الظواهر ~~الإنسانية إلى منشئها وتطورها فحسب، ويعجز عن كشف عناصر الثبات فيها، ~~ومن هنا كان ميدانها المفضل - وهو الميدان الذي تستمد منه الحركة ~~البنائية وحيها الأول - هو ميدان اللغويات، الذي حرص رائده «دي سوسير» ~~على أن يكشف فيه بعدا لا يمت إلى التاريخ بصلة، فقد ميز «دي سوسير» # 9 # بين محورين أساسيين في اللغة: محور التزامن # Simultanéité # الذي يختص ~~بالعلاقات بين التراكيب اللغوية دون أية إشارة إلى الزمان، ومحور ~~التعاقب # Successivité # الذي تبحث ~~فيه ظواهر المحور الأول، لا من حيث هي موجودة معا في وقت واحد، بل من ~~حيث هي متطورة متغيرة، ومن هنا قسم الدراسات اللغوية إلى سكونية # Statique # أو تزامنية # Synchronique # وهي المتعلقة بالتركيب ~~الثابت للمعاني والرموز، وتطورية # évolutive # أو تعاقبية # diachronique # وتتعلق بما يطرأ على التراكيب والعلاقات ~~اللغوية من تطورات، وعلى الرغم من أن «دي سوسير» لم يتجاهل المحور ~~الثاني الذي يتضمن فكرة الزمان والتاريخ، فإنه أدخله في سياق أوسع. ~~وكان أكثر اهتماما بالمحور الأول؛ أي بالبحث في الثوابت اللغوية التي ~~تعبر عن بناءات لا يؤثر عليها التطور؛ لأنها جزء من التركيب الأصلي ~~لمفهوم «اللغة» بوصفها وسيلة للتعبير الرمزي عن المعاني، وبالمثل كان ~~ميدان «الأنثولوجيا # Ethnologie ~~» # 10 # ميدانا آخر مفضلا لدى البنائيين؛ لأنه يتعلق بشعوب ~~بدائية؛ أعني بما يمكن أن يوصف بأنه شعوب بلا تاريخ، مادام التطور يكاد ~~يكون غير ملحوظ بين هذه الجماعات؛ ومن هنا كان نجاح البنائية في كشف ~~الأنساق الثابتة ms242 في هذا الميدان، وعجزها عن تطبيق منهجها هذا على ~~الجماعات البشرية الحديثة التي هي مجتمعات موجودة «في التاريخ»؛ ففي ~~الشعوب البدائية تحل الأسطورة محل التاريخ، ومن سمات الأسطورة أن ~~التعاقب الزمني لا يؤدي فيها وظيفة ذات بال، بل إن الأسطورة ذاتها إذا ~~طرأ عليها تطور خلال الزمان فإن القديم فيها يتعايش مع الحديث كما ~~تتعايش حفريتان تنتميان إلى عصور مختلفة؛ ولذلك كان الميدان المفضل ~~للبحث في المبادئ الأساسية للعقل الإنساني - عند البنائية - هو ~~الأساطير البدائية الساكنة، المعبرة عن العقل في ثباته وفي سماته ~~الجذرية. ~~(3) # والواقع أن البنائية - في معارضتها للنزعة التاريخية - قد استهدفت ~~إحداث تغيير منهجي حاسم في العلوم الإنسانية. ويمكن القول: إن هذا ~~التغيير يماثل - من وجهة نظرها الخاصة - ذلك الانقلاب الأساسي الذي طرأ ~~على العلوم الطبيعية حين تخلت - في أوائل العصر الحديث - عن الطريقة ~~الكيفية في فهم ظواهر العالم الطبيعي، واستعاضت عنها بالطريقة الكمية، ~~فهناك أوجه شبه متعددة بين الهدف الذي تسعى البنائية إلى تحقيقه في ~~ميدان دراسة الإنسان، وذلك الذي حققته العلوم الطبيعية في تلك المرحلة ~~الانتقالية الحاسمة من تاريخها: ~~(أ) # ففي كلتا الحالتين كان الانتقال ثوريا، يمثل التحول من ~~مرحلة «ما قبل العلمية» في دراسة الظواهر إلى المرحلة ~~العلمية الدقيقة. ولقد كان من أهم أوجه النقد التي وجهها ~~البنائيون إلى المنهج التاريخي في دراسة الإنسان: التجاؤه ~~إلى تعبيرات غامضة وعبارات إنشائية مطاطة، وعجزه عن ~~التعبير عن الظواهر التي يتركها كلها تنساب في مجرى ~~التاريخ دون أن نتمكن من إيقاف هذا السيل المتدفق من أجل ~~دراسته بطريقة علمية منضبطة. ~~(ب) # وفي كلتا الحالتين كان العلم يسعى إلى تجاوز المظهر ~~الخارجي للظواهر، والنفاذ إلى حقيقة أو ماهية أعمق منها، ~~تظل ثابتة مهما طرأ على الظواهر من تغيرات. ولا شك أن هناك ~~شبها قويا بين المعادلات الرياضية التي أصبحت قوانين ~~الطبيعة تصاغ فيها بعد انتقال العلوم الطبيعية إلى مرحلة ~~التعبير الكمي عن الظواهر، وبين البناءات التي تظل ثابتة ~~من وراء الأشكال المتعددة التي تتحقق من خلالها في ~~المجتمعات المختلفة. ms243 وفي كلتا الحالتين يحتاج إلى الثوابت ~~- من وراء المتغيرات الظاهرية - إلى نفس القدر من الجهد ~~العقلي والقدرة على التجريد. ~~(ج) # بل إننا نستطيع أن نهتدي إلى وجه شبه مباشر بين ~~الحالتين، يتمثل في التجاء البنائية إلى نماذج رياضية - قد ~~تكون جبرية وقد تكون هندسية - من أجل التعبير عن الأنساق ~~الثابتة التي يتم التوصل إليها، ومعنى أن البنائية تحقق - ~~بطريق مباشر - الانتقال إلى أسلوب التعبير الكمي في ميدان ~~الدراسات الإنسانية، وهو الانتقال الذي حدث بالفعل في ~~العلوم الطبيعية منذ أربعة قرون. ~~(د) # وأخيرا، ففي كلتا الحالتين تتخذ الحقيقة طابعا لا ~~زمانيا، فللقانون العلمي الرياضي أزليته الخاصة، بمعنى ~~أنه يعبر عن حقيقة ضرورية وبالمثل يتسم البناء في ميدان ~~العلوم الإنسانية بالأزلية، لا لأنه يعبر عن حقيقة مجهولة ~~المصدر تظل ثابتة على مر الزمان، بل لأنه فيه ضرورة تماثل ~~ضرورة القانون الرياضي؛ ومن هنا كان في وسعنا أن نقول: إن ~~التساؤل عن المصدر الذي يأتي منه البناء هو - بمعنى معين ~~- تساؤل ساذج؛ إذ إننا في حالة القانون العلمي الرياضي لا ~~نتساءل عن مصدر المعادلة الرياضية، أو عن المصدر الذي فرض ~~على الطبيعة تنظيما رياضيا ثابتا، وجعل لها قوانين ~~ثابتة من وراء مظاهرها المتغيرة؛ ففي كلتا الحالتين ترجع ~~الأزلية إلى الضرورة المنطقية قبل كل شيء. # وفي ضوء هذه الملاحظة نستطيع أن نفهم على نحو أفضل طبيعة الصراع ~~المشهور الذي قام بين البنائية والنزعة التاريخية، وندرك الهدف الفلسفي ~~والمنهجي الذي دفع البنائية إلى رفض المنهج التاريخي بصورته ~~التقليدية. # وبعد هذا العرض العام لسمات البنائية - من خلال الاتجاهات الرئيسية التي تعارضها ~~- نستطيع أن ننتقل إلى معالجة الأسس الفلسفية لهذا الاتجاه الفكري الهام عند ممثليه ~~الرئيسيين. # ولا جدال في أن هذه المعالجة التفصيلية ستزيد من وضوح السمات العامة التي اهتدينا ~~إليها من قبل، وتضفي عليها مزيدا من التحدد والدقة المكتسب من تطبيقها على مذاهب ~~فكرية محددة المعالم. ~~(3) الأسس الفلسفية للبنائية عند ليفي ستروس # قد يبدو لأول وهلة أن الميدان الذي اختاره ليفي ستروس - وهو ميدان الأنثولوجيا ~~والأنثروبولوجيا؛ ms244 أي دراسة الشعوب والحضارات القديمة - ينتمي إلى العلوم الاجتماعية ~~الخالصة؛ ومن ثم فهو خارج عن نطاق بحثنا هذا الذي ينصب على الأسس «الفلسفية» ~~للبنائية، ومن المؤكد أن المصادر التي أثرت على اتجاه ليفي ستروس الفكري كانت ~~متعددة، وبعضها بعيد عن ميدان الفلسفة. ومع ذلك فسوف نحاول أن نثبت في هذا القسم من ~~بحثنا أن ستروس كان فيلسوفا بقدر ما كان عالما أنثروبولوجيا، وأنه صبغ دراسته ~~الاجتماعية بصبغة فلسفية لا تخطئها العين، وحول المؤثرات غير الفلسفية إلى ~~الاتجاه الفلسفي. وكان هذا الطابع الذي يميزه عن سائر علماء الأنثروبولوجيا هو مصدر ~~قوته وعمقه وطرافته. ولكنه كان في الوقت ذاته هو العامل الذي أدى إلى توجيه ~~الانتقادات إليه من كلا الطرفين؛ لأن الفلاسفة لم يقنعوا بأسسه الفلسفية، على حين ~~أن الأنثروبولوجيين لم يجدوه عالما أنثروبولوجيا بما فيه الكفاية. # لقد كان ليفي ستروس متفقا مع علم النفس عند فرويد في مواضع كثيرة، أدت إلى القول ~~بأن آراء فرويد كانت مصدرا من المصادر التي استقى منها ستروس تفكيره؛ ففي كتاباته ~~يظهر بوضوح إيمانه بفكرة وجود أساس لا شعوري عميق في الإنسان إلى جانب شعوره ~~الواعي. ولقد كان مثل فرويد يؤمن بوجود جانبين: أحدهما طبيعي، والآخر نتاج للثقافة، ~~في الإنسان، والجانب الأول هو الذي أطلق عليه فرويد اسم ال # fd ~~(وتترجم عادة بكلمة: «هي») بينما الأنا، أي ~~الجانب الثاني، يمثل تأثير الثقافة (بالمعنى الشامل) في الإنسان. وكان ستروس يعتقد ~~- كما اعتقد فرويد - أن الأسطورة نوع من الحلم الجماعي في المجتمعات البدائية، وهو ~~حلم له لغته الرمزية الخاصة القابلة للتفسير. وهذا التفسير كفيل بالكشف عن المعاني ~~الخفية للأسطورة، واستخلاص المبادئ الأساسية لتفكير الإنسان البدائي من خلالها. ~~ولكن هذه المبادئ التي توجد بطريقة لا واعية في ظاهرة جماعية - هي الأسطورة ~~البدائية - ليست مقتصرة على البدائيين وحدهم. بل إنها في واقع الأمر تصدق على كل ~~العقول البشرية على نحو شامل؛ فالمبادئ الأساسية التي نتوصل إليها عندئذ تؤثر في ~~عقولنا مثلما تؤثر في عقول سكان جزر المحيط الهادئ من البدائيين، ms245 وهي تشكل ~~نوعا من المنطق الكلي الشامل، الذي يتمثل لدى هؤلاء البدائيين بصورة نقية خالصة، ~~قبل أن نضيف إليه نحن منطقنا الخاص، الذي تقتضيه الظروف المعقدة لحياة الإنسان ~~الحديث. # على أن البنائية قد تجاوزت مدرسة التحليل النفسي في نقطتين: # الأولى: # هي أن مدرسة التحليل النفسي أرجعت الأساطير والهفوات والأحلام ~~إلى مجال اللامعقول والعشوائي، ورأت أنها تعبر عن الذهن الإنساني ~~في عفويته وتلقائيته غير الموجهة. أما البنائية فرأت أن هذه ~~النواتج الذهنية هي نشاط موجه نحو تحقيق أهداف معينة، وأن لها ~~منطقها الخاص الذي يسري على مجال محدد، ويختلف عن المنطق الشامل ~~الذي تحاول الحضارة الحديثة أن تتوصل إليه. ولكنه يظل مع ذلك ~~منطقا له دقته وانضباطه في مجاله الخاص. # أما النقطة الثانية: # فهي أن البنائية تلغي المركز المميز للحالة الحاضرة أو للباحث ~~نفسه، بالقياس إلى الحالة الماضية التي كان يعيشها البدائيون؛ ففي ~~التحليل النفسي نجد المحلل يحتل مركزا مميزا بالنسبة إلى الشخص ~~الذي يحلله، ويعد نفسه مختلفا عنه، ما دام قادرا على كشف أبعاد ~~أعمق من تلك التي يرويها المريض عن تجاربه العفوية. أما في ~~البنائية وفي اتجاهها التحليلي عند لاكان # Lacan # فإن المحلل نفسه لا يعتبر نفسه سليما ~~وسويا بالقياس إلى من يحلله، ولا يتخذ منه أي موقف متميز. # ولكن إذا استثنينا هذه الفوارق البسيطة، فمن المؤكد أن حركة التحليل النفسي كان ~~لها تأثيرها المباشر في البنائية؛ وذلك لأنها قدمت إليها مبدأ أساسيا في فهم ~~الإنسان، وهو أننا إذا أردنا أن نعرف العقل الإنساني في جذوره وأصوله الأولى - التي ~~لا تزال تمارس تأثيرها فينا حتى اليوم (وإن كنا قد أضفنا إليها تعقيدات لا حصر لها) ~~- فلنحلل ذلك «اللاشعور الجماعي» للإنسانية كما يتمثل في أساطير البدائيين. # هكذا قدم علم النفس الفرويدي لستروس الهدف العام لأبحاثه. ولكن أداة البحث قد ~~أتت إليه من مصدر مختلف، هو علم اللغويات؛ ففي الأربعينيات من هذا القرن حين كان ~~ليفي ستروس في أميركا التقى بباحث مشهور في علم اللغويات هو «جاكوبسون # Jakobson ~~»، وتأثر إلى حد ms246 بعيد بطريقته في البحث ~~عن بناءات لغوية تظل ثابتة مهما اختلفت اللغات المنفردة. وكانت اللغة تعبيرا عن ~~النشاط الرمزي للإنسان، فلا بد أن هذه البناءات الثابتة تعبر عن مبادئ أساسية للعقل ~~البشري، تنعكس على مجالات نشاطه الأخرى؛ ومن هنا جاءت فكرة المزج بين البحث في ~~اللغويات والبحث الأنثروبولوجي، وتفسير الظواهر الاجتماعية عند البدائيين على أساس ~~النموذج اللغوي الثابت، وهذا معناه تجاهل العامل التاريخي، وتأكيد فكرة القبلية # a-prioisme ~~، أي وجود صور وقوالب لا تخضع لتأثير ~~الزمان، ولا شأن لها بعوامل التطور، نفس الاتجاه الذي أكده جاكسوبون في مجال ~~اللغويات. # إن اللغة - كما هو معروف - هي العنصر الأساسي في «التفكير»؛ لأننا لا نستطيع ~~التفكير في أي شيء ما لم نقسم العالم المحيط بنا إلى فئات أو أصناف أو مقولات # catégories # ونعبر عن هذه الفئات برموز أو ~~ألفاظ، ولو بحثنا في نظم القرابة العائلية مثلا # Le ~~parenté ~~؛ لوجدنا أن سلوك الإنسان في مجال القرابة يتوقف إلى حد ~~بعيد على تعبيراته في الحديث عن علاقات القرابة، فالمرء يدرك علاقة «أبناء العم أو ~~الخال» عن وعي إذا وجد في اللغة لفظا يعبر عن ابن العم أو الخال، وعند مستوى معين ~~تتيح اللغة للإنسان أن يتصل بغيره ويكون علاقات اجتماعية؛ بحيث يصبح من الممكن ~~المقارنة بين نظم القرابة عند البدائيين - التي يتم فيها تبادل النساء - ونظم اللغة ~~التي يتم فيها تبادل الألفاظ، ونستطيع عندئذ أن ننظر إلى قواعد الزواج ونظم ~~القرابة على أنها نوع من اللغة، أي مجموعة من العمليات التي تستهدف تحقيق نوع معين ~~من الاتصال # Communication # بين الأفراد والجماعات، # 11 # ففي كلتا الحالتين يتم تبادل «رسالة» معينة وتوصيلها من طرف إلى آخر: ~~إما النساء اللائي يتبادلن بين العشائر أو الأسر، وإما الألفاظ التي تتداول بين ~~الأفراد، ومن هنا كان من الممكن بحث الحالتين على أنهما تعبيران عن ظاهرة واحدة، ~~لها نفس الهيكل أو البناء الأساسي. # وهكذا كان للبحوث اللغوية دور عظيم الأهمية في تحديد الاتجاه الذي سارت فيه ~~بنائية ليفي ستروس وفي صبغ أبحاثه ms247 الأنثروبولوجية بطابعها المميز. ولكن هل يعني هذا ~~أن العوامل الفلسفية لم يكن لها تأثير في تفكيره؟ الواقع أن هذه العوامل كانت بالغة ~~الأهمية في حالة ستروس على وجه التحديد، وهي التي تميزه عن سائر الأنثروبولوجيين، ~~وكل ما في الأمر أن الاهتداء إليها يحتاج إلى جهد خاص - سنحاول القيام به - تاركين ~~جانبا تأثير العامل اللغوي (على أهميته)؛ لأنه خارج عن النطاق الأساسي لهذا ~~البحث. # ولنبدأ بأن نلاحظ أن تكوين ليفي ستروس وتعليمه كان فلسفيا وقانونيا، وأنه لم ~~يتجه إلى البحث الأنثروبولوجي إلا في مرحلة متأخرة نسبيا؛ ومن هنا كان من الطبيعي ~~أن ينعكس هذا التكوين الفلسفي على منهجه في البحث الأنثروبولوجي، حتى أن أحد ~~الباحثين قال عنه: إنه «كان يتصرف دائما كما لو كان داعية يدافع عن قضية، لا ~~عالما يبحث عن الحقيقة الفعلية.» # 12 # على أن اهتمام ستروس المتأخر بالبحث الأنثروبولوجي لا ينبغي أن يعد تحولا عن ~~الأصل الفلسفي الذي بدأ منه؛ ذلك لأن هذا الميدان بالذات يمكن أن يقدم مادة خصبة ~~للتفكير الفلسفي، إذا كان الباحث قد تدرب على هذا التفكير بما فيه الكفاية، فمن ~~الممكن أن نقول - ومن وجهة نظر معينة، إن دراسة الثقافات القديمة لها أهمية فلسفية ~~كبرى؛ إذ تخرجنا من الحيز الضيق للثقافة التي نعيش فيها، وتقدم إلينا أنماطا ~~فكرية مغايرة لتلك التي اعتقدناها. وصحيح أن هذه الأنماط البدائية - في رأي ستروس - ~~لا تختلف «في جوهرها» عن تلك التي نستخدمها اليوم، ولكن المهم أنها تدرس هنا في ~~إطار مغاير لذلك الذي ألفناه في حضارتنا الحديثة. وهكذا يجد الأنثروبولوجي ~~مجالا خصبا لتطبيق واختبار فكرة النسبية التي طالما سعى الفلاسفة إلى فهمها، ~~ويتيح له ميدان دراسته فرصة عظيمة لإلقاء نظرة «موضوعية» على الفكر الإنساني الذي ~~نسينا أصوله وعجزنا عن اختبار جذوره العميقة المتأصلة فينا دون وعي منا، وعلى حين ~~أن الفيلسوف يعجز - في الأحوال العادية - عن الخروج عن الإطار الفكري لحضارته؛ لأن ~~هذا الإطار الفكري هو الذي يتكلم فيه ومن خلاله، فإن الدراسة الأنثروبولوجية تتيح ~~له مجالا فريدا ms248 لتأمل مبادئه الفكرية «من الخارج» في بساطتها ونقائها ~~الأول. # وفضلا عن ذلك، فإن ستروس لم يكن من أولئك الأنثروبولوجيين الذين يتوقف اهتمامهم ~~عند حدود ثقافة بدائية معينة يعايشها بعمق، ويحلل ما لاحظه عنها في مؤلفات تفصيلية ~~فيها كثير من الوصف وبعض التفسير، كما هي الحال عند مالينوفسكي # Malinowski # مثلا، فقد كانت دراسة الثقافات القديمة عنده وسيلة ~~لغاية أوسع، هي الوصول إلى المبادئ الأساسية «للذهن البشري»، ولم تكن التفاصيل ~~الأنثروبولوجية في نظره سوى أداة تساعده على الوصول إلى حقائق تصدق على هذا الذهن ~~في عمومه، لا في شكل خاص من أشكاله؛ ولذلك لم يحاول ستروس أن يعايش ثقافة بعينها، ~~ويقضي بين أهلها سنوات طويلة، ويندمج في حياتها اليومية فترة طويلة كما فعل غيره من ~~الأنثروبولوجيين المحترفين. بل إنه كان يقوم بدراسات ميدانية سريعة إلى حد ما إذا ~~قيست بما قام به غيره، ولم يكن يستقر في مكان واحد طويلا، وإنما كان يدرس ثقافة ~~هذا المكان بالقدر الذي يساعده على تحقيق هدفه الأصلي، الذي هو في صميمه هدف فلسفي. ~~وهكذا يمكن القول - من وجهة نظر معينة: إن بحثه في الأنثروبولوجيا لم يكن غاية في ~~ذاته، بل كان وسيلة لغاية معينة هي في صميمها غاية فلسفية، وبقدر ما كان هذا ~~الأسلوب في البحث مميزا له عن غيره من علماء الأنثروبولوجيا، من ثم سببا من أسباب ~~شهرته بينهم، فقد كان في الوقت ذاته هو المحور الذي دارت حوله الانتقادات التي ~~وجهت إليه، سواء من جانب علماء الأنثروبولوجيا ومن جانب الفلاسفة، وتلك - على ~~أية حال - مسألة سنعرض لها فيما بعد بالتفصيل. # لقد كانت الفلسفة - مند بداية عهدها - ترفض المظهر الخارجي للعالم. وحين انبثق ~~منها العلم الطبيعي أخذ بدوره يبحث عن حقيقة لا تقدمها إلينا المظاهر المباشرة، ~~وأخذ بالتدريج يكون لنفسه عالما خاصا به، مؤلفا من كيانات عقلية ورياضية، ~~لا نستطيع أن نجد لها وجودا في عالم المظاهر، وإن كانت مع ذلك قادرة على أن تجعل ~~هذا العالم مفهوما ومعقولا. وكانت مهمة ليفي ستروس هي أن ms249 يطبق هذا الشرط الذي ~~أتاح للعلم الطبيعي إحراز أكبر قدر من التقدم على العلوم الإنسانية؛ لكي يجعلها ~~بدورها علوما تتجاوز نطاق المظهر الخارجي للأشياء، ولا تندمج في ظواهر العالم أو ~~في الظواهر الإنسانية، وإنما تبحث عن حقيقة عميقة وراء مظاهرها البادية. # ولنذكر أنه كان في هذا الصدد يفرق بين العلوم الإنسانية، التي تستهدف الفهم ~~النظري وحده، ولا تفترق مهمتها عن مهمة العلوم الطبيعية أو العلوم المنضبطة، وبين ~~العلوم الاجتماعية، التي يمكن أن يكون لها دور عملي؛ لأن هدفها هو التغيير، وهو شيء ~~لم يحاول ليفي ستروس أن يحققه في كتاباته، بل حرص على أن يظل بعيدا عن الميدان ~~العملي وعن محاولات التغيير، فهو يسعى إلى الفهم فحسب، وقد عبر عن هذه التفرقة ~~بقوله: «لقد استعارت العلوم الإنسانية من العلوم المنضبطة والطبيعية درسا هو ضرورة ~~التخلي عن المظاهر # apparences # إذا أراد المرء فهم ~~العالم، على حين أن العلوم الاجتماعية قد استخلصت درسا موازيا، هو ضرورة قبول ~~المرء للعالم إذا أراد تغييره». وربما بدا المصطلح الذي يستخدمه ستروس في هذا الصدد ~~غريبا إلى حد ما؛ إذ إن من الشائع أن يستخدم لفظ «العلوم الإنسانية» لمجموعة ~~العلوم التي تقبل مظهر العالم وتعترف بالظواهر الإنسانية على ما هي عليه، على حين ~~أن لفظ «العلوم الاجتماعية» أكثر انطباقا على تلك العلوم الهادفة إلى الانضباط ~~والدقة، والتي تسعى إلى الاقتراب من مناهج العلوم الطبيعية؛ ومن ثم ترفض الشكل ~~الظاهري للموضوعات التي تبحثها وتسعى إلى حقيقة خافية من وراء المظاهر، تعبر عنها - ~~في الغالب - بقوانين رياضية. ولكن ستروس آثر أن يعكس الآية، ويجعل الانضباط في جانب ~~العلوم الإنسانية، وعلى أية حال فالمسألة مسألة تسمية فحسب، ومن المعروف أن تعبيري ~~«العلوم الاجتماعية» و«العلوم الإنسانية» ما زال موضوع خلاف بين المشتغلين في هذا ~~الميدان، ولم يستقر الرأي نهائيا على مسميات ثابتة تحدد نطاق كل منهما حتى ~~اليوم. # والذي يهمنا في هذا الأمر هو أن ستروس بالرغم من تأكيد هدف «الانضباط» في العلوم ~~الإنسانية، كان فيلسوفا في رفضه للطابع الذي ms250 تتبدى عليه الأشياء، وسعيه إلى ~~حقيقة أعمق من هذا المظهر، ولنذكر في هذا الصدد أن «كانت» بدوره كان يضع نصب ~~عينيه هدف العلم «المنضبط»، ويستهدف تحقيقه في مجال الفلسفة ذاتها، التي أراد منها ~~أن تبحث عن عوامل الانضباط في علمي الطبيعة والرياضة وتطبقها في ميدانها الخاص. ~~وهكذا يمكن القول: إن «كانت» أراد أن يجعل من الفلسفة «علما إنسانيا» بالمعنى ~~الذي حدده ستروس. # بل إن تفاصيل الانتقال من مظهر العالم إلى الحقيقة العلمية متشابهة فيما بين ~~«كانت» وستروس؛ ذلك لأن ستروس بدوره يرى أن ما نعرفه عن العالم الخارجي ندركه من ~~خلال حواسنا، أي إننا نضفي على الظواهر التي ندركها سمات معينة، ترجع إلى الطريقة ~~التي تعمل بها حواسنا وإلى الترتيب الخاص الذي يرتب به ذهننا المنبهات الحسية ~~ويفسرها، ومن أهم سمات عملية الترتيب هذه تفتيت المتصل الزماني والمكاني المحيط بنا ~~إلى قطاعات منفصلة؛ بحيث نرى في الطبيعة أشياء مصنفة في فئات، ونجعل الزمان مؤلفا ~~من حوادث منفصلة متعاقبة، وما يحدث في حياتنا الاجتماعية. وفي ثقافتنا، هو انعكاس ~~لما يحدث في إدراكنا للعالم المحسوس؛ إذ إننا نجزئ نواتج ثقافتنا ونرتبها بنفس ~~الطريقة التي نجزئ بها نواتج الطبيعة ونرتبها، ونكون منها «بناء» مماثلا للبناء ~~الذي ننظم به إدراكنا للعالم، وكما تحدث كانت عن مقولات ذهنية تكون قوالب لا ~~بد أن يصاغ فيها كل ما ندركه عن العالم، ثم طبق هذه المقولات (في الجزء الخاص «بجدل ~~العقل الخالص» من كتابه المشهور «نقد العقل الخالص») على نواتج الفكر الميتافيزيقي ~~والتأملي البحت، فجعل منها ما يشبه «البناءات» التي تنقل من مجالها الأصلي إلى ~~مجال مغاير، فكذلك فعل ليفي ستروس حين أكد أننا عندما نضع نظما اجتماعية أو نقوم ~~بشعائر، نحاكي طريقة إدراكنا للطبيعة، ونحول النموذج الذي ندرك عليه الطبيعة إلى ~~المجال الثقافي؛ بحيث يكون بناؤهما مشتركا. وهذا أمر مفهوم؛ لأن الذهن البشري هو ~~الفعال في الحالتين، ولا بد من وجود نقاط تشابه أساسية في طريقة ممارسته نشاطه في ~~كل مجال من المجالات. # ولكن مثلما أن ms251 تأكيد «كانت» لفاعلية الذهن البشري لم يؤد به إلى أن يكون ~~مثاليا على طريقة باركلي، فكذلك كان ستروس بعيدا كل البعد عن هذا النوع من ~~المثالية؛ فهو يعترف بأن للطبيعة وجودا حقيقيا خارج الذهن البشري، ولا يجعل ~~وجودها متوقفا على إدراكنا الذهني لها، «ولكن فهمنا للطبيعة تتحكم فيه كثيرا ~~طبيعة ذلك الجهاز الذي نفهمها به. وهكذا فإن فكرة ستروس هي أننا إذا لاحظنا الطريقة ~~التي نفهم بها الطبيعة، وتأملنا خصائص التصنيفات التي نستخدمها وطريقة تعاملنا مع ~~المقولات الناتجة عن هذه التصنيفات التي نستخدمها وطريقة تعاملنا مع المقولات ~~الناتجة عن هذه التصنيفات؛ أمكننا أن نستدل على حقائق أساسية عن آلية التفكير»، # 13 # وإذا عرفنا آلية التفكير البشري؛ أمكننا أن ندرك نواحي التشابه ~~الأساسية في الثقافات المختلفة التي تشترك في أنها كلها نواتج لذهن يعمل بطريقة ~~واحدة. # وإذن فلم يكن ليفي ستروس مثاليا بنفس الطريقة التي كان بها باركلي مثاليا. ~~ولكن مثاليته «كانتية» إلى حد بعيد، فهو بدوره يؤكد تدخل الذهن في كل شيء، ويتمسك ~~بفكرة الترابط الوثيق بين كل الظواهر التي تجمع بينها آلية ذهنية واحدة، وتنفذ هذه ~~النظرة الكانتية إلى صميم عمله الأنثروبولوجي، فيسعى إلى كشف العلاقات الباطنة بين ~~مختلف مظاهر الحياة في المجتمع البدائي، وطريقة تشييدهم لمساكنهم، وأدائهم لشعائرهم ~~وطقوسهم الروحية، وتنظيمهم لعلاقات القرابة بينهم، كل هذه تكشف عن بناء واحد قد يجد ~~العالم الأنثروبولوجي صعوبة كبرى في الوصول إليه؛ لأنه بناء لا شعوري، لا يدرك ~~عن وعي ولا يوجد على السطح الظاهر. ولكنه لن يعجز عن ذلك إذا كان مسلحا بالمنهج ~~السليم. # أما هذا المنهج السليم فأهم ما فيه هو تأكيد أولوية البناء على مظاهره الخارجية، ~~أو ما يمكن أن يسمى - بلغة كانت - بالقبلية # a priorisme ~~؛ ففي استطاعتنا أن نفهم النواتج الثقافية على أساس ~~البناء الواحد الذي ترتكز عليه. أما إذا بدأنا بهذه النواتج ذاتها، ولم نحاول أن ~~نردها إلى أساس سابق فلن نصل إلى أي فهم متعمق؛ ومن هنا كان انتقاد ستروس للنزعة ~~الوظيفية عند «مالينوفسكي». # هذه ms252 الوظيفة كانت تتجلى - على سبيل المثال - في تفسير مالينوفسكي لظاهرة قيام ~~قبائل معينة بتسمية نفسها بأسماء حيوانات؛ إذ كان يرى أن هذا راجع إلى الفائدة ~~المكتسبة من هذه الحيوانات في الحياة اليومية لتلك القبائل، أو إلى أنها كانت تعتمد ~~عليها في مأكلها، وغير ذلك من التفسيرات الوظيفية التي رفضها ليفي ستروس من أساسها؛ ~~فالبناء سابق على مظاهره، وليست هذه الأفعال الجزئية هي التي تفسر البناء. بل إن ~~البناء هو الذي يفسرها، وقد عبر ستروس عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «في ~~الأنثروبولوجيا، لا تكون المقارنة هي التي يرتكز عليها الحكم العام. بل إن العكس هو ~~الصحيح، فإذا كان من الصحيح - وهو ما نؤمن به فعلا - أن النشاط اللاواعي للذهن ~~قوامه فرض أشكال على مضمون، وإذا كانت هذه الأشكال في أساسها واحدة بالنسبة إلى ~~جميع الأذهان، تستوي في ذلك القديمة والحديثة البدائية والمتحضرة (وهو ما تدل عليه ~~دراسة الوظيفة الرمزية كما تعبر عنها اللغة)، فإنه يكفي المرء عندئذ أن يدرك ~~البناء اللاواعي الكامن من وراء كل نظام اجتماعي # institution # وكل عرف؛ لكي يتوصل إلى مبدأ ~~للتفسير يسري على كل النظم والأعراف الأخرى، شريطة أن نمضي في التحليل بما فيه ~~الكفاية بطبيعة الحال.» # 14 # هكذا تكتسب لغة ستروس صبغة «كانتية» واضحة، ويصبح تفسير هذه الظواهر من خلال ~~البناء «شرطا لإمكان» هذه الظواهر؛ أي إن البناءات هي التي تفرض على الظواهر ~~المتباينة والكثيرة تنظيمها وترتيبها الخاص، بل هي التي تجعلها ممكنة. ولقد كان هذا ~~التشابه الواضح مع مذهب كانت هو الذي دعا الفيلسوف «ريكير # Ricoeur ~~» إلى أن يصف بنائية ستروس بأنها «مذهب كانتي بدون ذات ترنسندنتالية»، # 15 # صحيح أن زوال الذات الترنسندنتالية يعني فقدان عنصر أساسي في مذهب ~~كانت؛ لأن هذه الذات - بما لديها من صور الحساسية ومقولات الفهم - هي التي تعطي ~~العالم مظهره القابل للمعرفة. ولكن يظل من الصحيح أيضا أن بناءات ليفي ستروس، ~~وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية التي تفترضها مقدما، مشابهة للصور الذهنية التي هي ~~بمثابة القوالب لكل موضوع نعرفه في العالم ms253 كما قال بها كانت، وإن هذا التشابه يصل ~~إلى حد لا يمكن تجاهله. # على أن هذه النزعة الفلسفية الواضحة لدى ليفي ستروس، إذا كانت تضفي مزيدا من ~~العمق على أعماله الأنثروبولوجية، وتصبغها بطابع فريد لا نجد له نظيرا بين غيره من ~~المشتغلين في هذا الميدان، فقد كانت هي ذاتها السبب الأكبر في النقد الذي تعرض ~~له. ومما يلفت النظر أن النقد لم يأت من جانب المشتغلين بالأنثروبولوجيا وحدهم، ~~فعلى حين أن هؤلاء لم يقتنعوا بالاتجاه الفلسفي الواضح في كتابات ستروس العلمية، ~~نجد أن الفلاسفة بدورهم قد دخلوا معه في حوار حاد وجهوا فيه انتقاداتهم إلى ~~الركائز الأساسية لتفكيره، وإلى الأهداف التي يتجه إليها عمله العلمي بوجه عام، ~~وسوف نبحث كلا من اتجاهي النقد هذين - العلمي والفلسفي - على حدة. # إن من الحقائق المعروفة في حالة فلسفة كانت: أنه افترض للذهن البشري تركيبا ~~معينا دون أن يحدد مصدر هذا التركيب، فهو لا يقول لنا من الذي وضع في الذات ~~الإنسانية صور الحساسية ومقولات الفهم التي هي أساس معرفتنا لكل ظواهر العالم، ولا ~~يبين لنا كيف أصبح للذات هذا التركيب بعينه. ويمكن القول: إن ليفي ستروس قد سار في ~~أعقاب كانت في هذه المسألة بدورها، فهو لا يبين لنا كيف تكون البناء، ولا يحدد ~~له أصلا، وأغلب الظن أنه ينظر إلى السؤال عن أصل البناء على أنه سؤال ميتافيزيقي ~~لا شأن له به. # ومع ذلك ففي مجال العلم ينبغي أن يطرح هذا السؤال، ولا يمكن أن يقبل المشتغلون ~~بالعلم - سواء في ميدان الأنثروبولوجيا أو غيره - افتراضا مسبقا بوجود بناءات ~~ثابتة للعقل البشري تفرض نفسها على كل نواتجه الاجتماعية والثقافية، وتصبغها ~~بصبغتها الخاصة، ما لم يحدد الباحث أصلا لهذه الأبنية يكفي لإقناعهم بأن لها هذا ~~القدر من العمومية والثبات، وهو ما لم يفعله ليفي ستروس. # ولقد كان الأصل الوحيد الذي ورد في كتاباته صراحة هو الأصل اللغوي، وهذه نقطة ~~أساسية كان فيها ستروس مختلفا عن كانت الذي لم تكن للغويات أهمية في فلسفته. ومع ms254 ~~ذلك فمن الممكن القول بوجود قدر معين من التشابه حتى في هذه الحالة، فمن المعروف أن ~~«كانت» قد استمد قائمة مقولاته من أنواع الأحكام المنطقية، مرتكزا في ذلك على ~~الفكرة القائلة إن النشاط الرئيسي للذهن البشري يتمثل في عملية إصدار الأحكام ذات ~~الطابع المنطقي؛ ومن ثم فإننا إذا حصرنا قائمة الأحكام التي يصدرها ذهننا، أمكننا ~~أن نستخلص منها المقولات والقوالب الرئيسية التي يشكل بها الذهن كل موضوع يدخل في ~~نطاق معرفته، ويجوز أن ليفي ستروس لم يبتعد كثيرا عن هذه الفكرة حين قال: إن ~~النشاط الرئيسي للذهن هو العملية الرمزية التي تتمثل في اللغة، # 16 # وإننا نستطيع أن نرجع الأنساق الرئيسية التي ينظم بها الإنسان ~~حياته الاجتماعية إلى تلك البناءات الأساسية المشتركة بين كل اللغات ~~البشرية. # وعلى أية حال فإن وجه الخطورة في هذا الرأي هو أنه يحكم على اللغات البشرية في ~~عمومها من خلال وجهة نظر معينة، هي السائدة في عصر معين أو في مدرسة فكرية معينة. ~~ومن المعروف في علم اللغويات أن النماذج اللغوية تتعدد بتعدد المدارس. وقد تأثر ~~ستروس بالنموذج الذي وضعه «جاكوبسن»، وهو نموذج تجاوزته الأبحاث التالية في علم ~~اللغويات بمراحل، «فالآليات التي تعتمد عليها قدرة الإنسان على إضفاء معنى مركب على ~~الكلمات البشرية وما يترتب على هذه القدرة من تكوين أنماط محددة، هي عمليات أعقد ~~بكثير مما يوحي به النموذج المبسط من وراء نظريات جاكوبسن وستروس؛ ومن هنا فإن ما ~~يستخلصه من بناءات مستمدة من معطيات غير كافية، ليست على الإطلاق بناءات تعبر عن ~~صفات مشتركة بين الإنسانية كلها. بل إنها تعبر عن صفات جماعة ثقافية معينة فحسب.» # 17 # ولقد كان هذا الاتجاه إلى تعميم نموذج لغوي معين على كل مجالات العلوم الإنسانية، ~~وإنكار تعدد النماذج تعدد ميادين البحث، هو الذي أدى بالنقاد إلى التحذير من خطورة ~~التعميمات الشاملة لدى البنائيين، ولدى ستروس بوجه خاص، وبالفعل نجد في البنائية ~~ميلا إلى اتهام كل من لا يعترف بهذا الأنموذج الواحد ويطبقه على كل مجالات ~~العلوم الإنسانية ms255 بأنه جاهل أو مفتقر إلى الروح العلمية، مما دعا «لوفبفر # Henri Lefebvre ~~» إلى أن يصف البنائية بأنها «مذهب ~~إرهابي»؛ لأن المرء في نظرها إما أن يكون بنائيا متسقا يؤمن بأنموذج موحد ويطبقه ~~تطبيقا شاملا على كل شيء، وإما أن يكون شخصا لا يفهم شيئا، # 18 # والأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن ستروس قد بذر في البنائية بذرة ~~دجماطيقية أصبح من الصعب بعد ذلك التخلص منها؛ نتيجة لتسلط النموذج اللغوي عنده على ~~جميع الميادين. # وإذا كان البعض قد انتقدوا النموذج اللغوي الذي أراد ستروس تعميمه، فإن البعض ~~الآخر قد انتقدوا الاعتقاد الذي يكمن من وراء عملية التعميم هذه - سواء أكان أصلها ~~لغويا أم غير لغوي - وهو الاعتقاد الراسخ لدى ستروس بأن البناءات ثابتة، لا ~~يؤثر فيها الزمان. ولعل أحق النقاد بأن نستمع إلى وجهة نظره في هذا الصدد هو ~~«بياجيه»، ليس فقط لأنه كان عالما ومفكرا من الطراز الأول، بل أيضا لأنه كان من ~~أنصار البنائية، مع ذلك فقد هاجم فكرة ثبات البناءات، ورأى أنها ليست ضرورية على ~~الإطلاق لكي يكون المذهب البنائي متسقا مع نفسه. # فمن الملاحظ أولا أن ليفي ستروس ينسب إلى البناءات ضربا من الوجود يصعب تحديد ~~طبيعته، فهي موجودة على نحو مستقل عن ذهن العالم الذي يتوصل إليها؛ أي إنها ليست ~~مركبا من تلك المركبات الاصطلاحية التي يتواضع عليها العلماء من أجل تيسير عملهم، ~~دون أن يكون لها وجود حقيقي. ولكن وجودها في الوقت ذاته ليس وجودا متعاليا # transcendent # ينتمي إلى عالم شبيه بعالم المثل ~~الأفلاطونية، بل هو كامن في قلب التجربة الواقعية. وليس مما يقرب طبيعة هذا الوجود ~~إلى أذهاننا أن يقول ستروس: إنها تنبثق عن الذهن البشري الذي لا يتغير، وإنها سابقة ~~على كل تنظيم اجتماعي؛ لأنها أصل كل تنظيم وسابقة على ما هو نفسي وما هو عضوي؛ ذلك ~~لأن حيرتنا تزداد حين نعلم أن لها وجودا مستقلا يهتدي إليه الذهن ولكنه لا ~~يخلقه، وإن هذا الوجود ليس اجتماعيا ولا نفسيا ولا عضويا، # 19 ms256 # ويبدو أن ما يهم ليفي ستروس في هذا كله هو أن يدافع عن ثبات العقل ~~البشري عن طريق تأكيده أن لهذا العقل «وظيفة رمزية» لا يؤثر فيها تغير الزمان. ~~ولكن بياجيه يرد على ذلك بقوله: «ينبغي أن نعترف بأننا لا نفهم على وجه التحقيق ~~لماذا يكون العقل قد كرم إذا ما حول إلى مجموعة من الأطر الثابتة، أكثر مما ~~يكرم إذا نظر إليه على أنه نتاج لم يكتمل بعد لعملية بناء ذاتي مستمرة، فهل ~~من الضروري النظر إلى الوظيفة الرمزية على أنها ثابتة؟» # 20 # إن ما يدافع عنه بياجيه في هذا الصدد هو إمكان الجمع بين فكرة البناء وفكرة ~~التطور التي تسري حتى على الوظيفة الرمزية لدى الإنسان، وهو هنا يهاجم «وهم الثبات» ~~الذي كان يشكل صنما كبيرا من أصنام الفلسفة منذ أيام أفلاطون، والذي يبدو أن ليفي ~~ستروس كان بدوره من الواقعين تحت تأثيره. ولكن هل يعني هذا أن كل من رفض فكرة ~~الثبات وأكد التطور كان في موقف أفضل من موقف ستروس؟ الواقع أن بعض هؤلاء - مثل ~~«ليفي برول # Lévi-Bruhl ~~» - قد ارتكبوا أخطاء ~~أشد بكثير مما وقع فيه ستروس، على الرغم من أنهم أكدوا أن عقل الإنسان ليس أزليا ~~وليس ثابتا، فعند ليفي برول تقسم المجتمعات البشرية إلى مجتمعات خلت من ~~المنطق لها عقلية «قبل ~~المنطقية # Mentalité pré-logioqe ~~»، وهي المجتمعات البدائية، وأخرى محتضرة وحدها التي تعرف ~~الكثير. ولقد كان ستروس على حق تماما في رفضه القاطع تقسيم الإنسان إلى منطقي وغير ~~منطقي، نقد ليفي برول بشدة لأنه شبه العقلية البدائية بعقليات الأطفال أو المجانين؛ ~~لأن هذا كله يرجع إلى اتخاذ ليفي برول نظرة متركزة حول الذات، تأثر فيها بحضارته ~~الخاصة والعصر الذي يعيش فيه، وتصور أن ما عداها خطأ وتخلف، وحقيقة الأمر في نظر ~~ستروس هي أن ما يبدو غير منطقي أو قبل المنطقي له منطقة خاصة، وإن كان مخالفا ~~لمنطقنا؛ لأنه لا يخشى التناقض ولا ينفر منه، ومن ناحية أخرى فقد علل ليفي برول ~~التجاء البدائي إلى ms257 مبدأ «المشاركة Participation ~~» ~~(أي أن يكون الشخص من قبيلة معينة مثلا، ويتصور أنه من قبيلة أخرى في الوقت نفسه) ~~بأنه يرجع إلى غلبة العنصر الانفعالي الوجداني # affectif # على العنصر العقلي. ولكن الخطأ الذي ~~وقع فيه هو أنه ضيق نطاق العنصر العقلي بحيث جعله مقتصرا على النشاط العلمي، مع ~~أن النشاط العلمي ليس إلا وجها واحدا لنشاط عقلي أعم، تتولد عنه أنساق كثيرة ~~يختلف بناؤها تبعا للغاية التي تستهدفها (كاللغة والأسطورة والفن والمنطق ~~والرياضة). وهكذا يرى ستروس أن الاختلاف بين مجتمع وآخر لا يرجع إلى استخدام كل ~~منهما لشكل خاص من أشكال النشاط العقلي، ما دام من الضروري أن يتوافر فيها كلها حد ~~أدنى مشترك هو وجود لغة، وهو الشرط الضروري لقيام أية ثقافة، وما دامت اللغة ترتكز ~~على النشاط العقلي (الرمزي) ولا قيام لها بدونه. # وإذن فليس كل من قال بأن العقل البشري يتطور ويتخذ أشكالا متباينة «من حيث ~~الكيف» وفقا لمستوى الحضارة التي ينتمي إليها، ليس كل من قال بذلك يعد في موقف ~~أفضل من موقف ستروس، ومن المؤكد أن ستروس كان محقا في نقد بعض الاتجاهات التي ~~ارتكزت على فكرة حدوث تحول أساسي في نوع العقلية البشرية عبر العصور. وكان على حق ~~في دعوتنا إلى ألا نتعالى، وألا نتصور أنفسنا على أننا أسياد للآخرين، ونقيسهم ~~بمقاييسنا الخاصة، بل ينبغي أن نترك المجتمعات البدائية توجه رسالتها بلغتها ~~العقلية الخاصة دون حط من شأنها . ولكن المشكلة هي أن ستروس قد تطرف في تأكيد ~~معقولية البدائيين إلى حد القول بأن للعقل الإنساني هوية أساسية تظل ملازمة له في ~~كل زمان ومكان، وأننا نستطيع كشف هذه الهوية بتحليل نواتج هذا العقل - من أساطير ~~ونظم اجتماعية وطقوس ... إلخ - في المجتمعات البدائية، وهنا يتعرض هذا التطرف المضاد ~~للنقد الذي وجهه إليه بياجيه، والذي ركزه على قول ستروس «بمنطق طبيعي» يكون ~~الأساس الثابت لكل تفسير وتنظيم إنساني أيا كان مكانه أو زمانه، فليس هناك ما ~~يمنع على الإطلاق من تأكيد حدوث تطور حتى تلك البناءات ms258 التي تمسك بها ستروس - مثل ~~أنساق القرابة - والتي ينبغي أن تكون ناجمة عن «مؤسسات» معينة، ولا بد أن يكون ~~الجهد الجماعي الطويل الأمد هو الذي جعلها ممكنة. # وعلى عكس اعتقاد ستروس بأن العقل يكرم بتأكيد ثباته، يرى بياجيه أن التطور ميزة ~~في البناءات البشرية ليس عيبا فيها؛ ذلك لأن الحيوان لا يستطيع أن يغير نفسه ما لم ~~يغير نوعه بأكمله. أما الإنسان فينفرد بالقدرة على تشكيل ذاته وتحويرها عن طريق ~~تكوين بناءات من صنعه هو لا تفرض عليه من الداخل أو من الخارج؛ ولذلك فمهما كان ~~تأكيدنا لتلك الضرورات الباطنة التي تفرض نفسها على تطور الذهن من خلال تعامله مع ~~البيئة الخارجية، ينبغي أن نعترف بأن العقل قد تطور، وبأن هذه هي الوسيلة الوحيدة ~~التي تتيح لنا إنقاذ البنائية من عزلتها المترفعة. # 21 # هكذا فإن نقد بياجيه يلقي ظلالا من الشك على الاعتقاد الذي لم يحاول ستروس أن ~~يناقشه، وهو أن تأكيد أهمية البناءات في المعرفة يستتبعه حتما تأكيد ثبات هذه ~~البناءات، وأن البنائية - من حيث هي مذهب فكري - ترتبط بفكرة الثبات ارتباطا لا ~~ينفصم، وأغلب الظن أن العامل الذي أدى إلى تأكيد ستروس لهذه القضية وحرصه الشديد ~~على أن يقدمها كما لو كانت هي إنجازه الأكبر في الميدان الأنثروبولوجي، هو ذلك ~~المنهج الخاص الذي اتبعه في الدراسة الأنثروبولوجية، والذي أثار انتقاد عدد كبير من ~~المتخصصين «المحترفين» في هذا الفرع، وإن كان قد أضفى على كتاباته طابعا فلسفيا ~~شيقا، فقد كان ستروس يؤمن بأن البحث الأنثروبولوجي يحتاج إلى قدر محدود من الدراسة ~~الميدانية التجريبية، وإلى قدر كبير من التفكير والتحليل العقلي. وكان - مثل كبار ~~الفلاسفة الفرنسيين - يؤمن بأن التجربة لا تتضمن الحقيقة. بل إن الحقيقة «تضاف» إلى ~~التجربة بواسطة العقل. ومن الطبيعي بالنسبة إلى الباحث الذي يجعل للتحليل العقلي ~~الدور الأساسي، وأن تكون فكرة «الثبات» أساسية عنده؛ لأن مهمة العقل هي البحث عن ~~عناصر الثبات من وراء المتغيرات، ولو كان ستروس يتبع المنهج الأنثروبولوجي التقليدي ~~لما بدأ بحثه وفي ذهنه ms259 فكرة لا تتزعزع، هي محاولة الوصول إلى المبادئ العامة للعقل ~~البشري من خلال دراسة الإنسان البدائي. # لقد كان ستروس - كما وصفه واحد من نقاده - من الأنثروبولوجيين «المربوطين على ~~الكراسي # Chair-Borne anthroplgists ~~»، # 22 ~~(أو المحمولين على الكراسي)، الذين لا يكترثون بالإقامة طويلا بين ~~الشعوب البدائية التي يدرسونها، بل يقيم في مكان بالقدر الذي يسمح له بجمع المادة ~~اللازمة لاستدلالاته العقلية والرياضية، التي هي في الواقع مهمته الأساسية. أما ~~المعايشة وتعلم اللغات الأصلية للسكان والإقامة بينهم كأنه واحد منهم؛ فكلها أمور ~~تدخل في باب «التفاصيل» التجريبية التي كان يترفع عنها. وكانت نتيجة ذلك أنه قام ~~بمغامرة غير مضمونة العواقب، فهو لم يستطع أن يلقي ضوءا على عقل الإنسان المعاصر ~~من خلال الإنسان البدائي؛ لأن الهوة التي تفصل بينهما سحيقة ولأن المسافة التاريخية ~~والحضارية هائلة إلى حد لا يكاد معه القول بوجود «قوالب ثابتة» يفيدنا في إلقاء أي ~~ضوء على السلوك المعقد للإنسان المعاصر، كما أنه (وهو الأهم) ربما كان قد شوه ~~صورة الإنسان البدائي حين قصر همه على كشف «سماته الأساسية»، إذ إنه لم يحاول أن ~~يفهمه فهما متكاملا يعايش فيه كل جوانب حياته، بل كان ما يهمه منه هو أن يجد فيه ~~صورة بدائية أو «طبعة أولى» لتلك السمات التي يعدها أساسية في الذهن البشري بوجه ~~عام، ومن شأن هدف كهذا أن يجعل البحث في الإنسان البدائي مجرد وسيلة لإثبات هدف ~~فلسفي مسبق أصر عليه الباحث منذ البداية. # وهكذا كان الجانب الفلسفي الذي لا ينكر في أبحاث ستروس، سببا للحملة التي ~~شنها عليه علماء متفرغون للأنثروبولوجيا، ينظرون إلى بحوثهم المتعلقة بالحضارات ~~القديمة على أنها غاية في ذاتها، تستهدف بقدر الإمكان فهم هذه الحضارات من داخلها ~~دون إقحام لأي هدف خارجي. ولكن الفلاسفة - من جانبهم - لم يقتنعوا بالأسس الفلسفية ~~التي ارتكز عليها تفكير ستروس ولا بالأهداف التي سعى هذا التفكير إلى تحقيقها. وكان ~~الخلاف المشهور بين ليفي ستروس وجان بول سارتر علامة مميزة للتباين في وجهات النظر ~~بينه وبين الفلاسفة بوجه عام. ms260 # إن البنائية في نظر سارتر مذهب «تعالمي # Scientiste ~~» يقوم على الأخذ بنموذج علمي معين (قد يكون لغويا أو ~~رياضيا ... إلخ) ثم تطبيقه على جميع الميادين، وفرضه فرضا حتى على التركيب الأساسي ~~للذهن البشري، والفيلسوف أو العالم البنائي لا يرى أمامه - في كل شيء - سوى هذا ~~النموذج الواحد المستمد من أصل علمي، والذي يبهره إلى حد أنه يتجاهل كل شيء ما ~~عداه، ومن هنا كانت البنائية فلسفة تصلح لمجتمع تسوده وتحكمه التكنوقراطية؛ لأن ~~التكنوقراطي بدوره إنسان متخصص في ميدان فني أو علمي معين، يعجز عن إدراك أي شيء ~~إلا من خلال ما تخصص فيه، بحيث تكون نظرته إلى الأمور دائما جزئية محدودة، بالرغم ~~مما تدعيه من دقة وانضباط. هذا التكنوقراطي هو النموذج المطلوب للإنسان في ~~المجتمع البورجوازي لأنه عظيم الكفاءة والإنتاجية في ميدانه. ولكنه عاجز عن رؤية ~~الصور الكلية والأهداف العامة، ولا يخطر بباله أصلا أن يسعى إلى تغيير المجتمع ما ~~دام هذا التغيير يفترض الرؤية الشاملة؛ ولذلك فإن البنائية - التي هي فلسفة مجتمع ~~تكنوقراطي - تخضع دون أن تشعر للأيديولوجية البورجوازية السائدة في مجتمع لا ~~يطلب فيه من الإنسان إلا الدقة والانضباط، مع ترك التركيب الأساسي للمجتمع على ~~ما هو عليه دون أدنى محاولة للتغيير. # على أن ستروس لم يحاول التبرؤ من صفة «التعالمية»، ولم يجد فيها ما يدعو إلى ~~الخجل، فهو يعترف بأنه يريد أن يبحث الإنسان بطريقة موضوعية؛ ومن ثم فلا بد أن ~~يخضعه لنموذج علمي صارم، ومثل هذا البحث لا ينبغي أن يعد داخلا في إطار ~~أيديولوجية معينة؛ لأنه في حقيقته خارج عن الأيديولوجية، ولا يمكن بالمثل أن يتهم ~~بأنه تفكير مجتمع تكنوقراطي؛ إذ إنه لا يضع نفسه داخل هذا المجتمع ولا يتحدث من ~~وجهة نظر مندمجة فيه، فمن طبيعة البنائية أنها ترفض الطابع الظاهري للعالم ~~والإنسان؛ لكي تكتشف بناءاتهما الخفية، مثل هذا الرفض يجعلها بمنأى عن كل التسميات ~~أو الاتهامات المستمدة من وجهة نظر مندمجة في العالم ومعترفة بمظهره. # ولكن هل هذا رد مقنع؟ قد يكون مقنعا ms261 للبنائي ذاته. ولكن ناقده يستطيع أن يرد ~~بأن الخروج عن الأيديولوجية هو ذاته نوع من الأيديولوجية، وأن رفض الطابع الظاهري ~~للعالم والوقوف بمعزل عن محاولات تغييره هو بالضبط ما تريده البورجوازية من الإنسان ~~التكنوقراطي؛ لكي يخلو لها الجو ويزداد تسلطها إحكاما، وإن نزعة ستروس اللاسياسية ~~( # a politisme ~~) # 23 # التي حرص فيها على أن يظل بعيدا عن الميدان العملي، تسدي إلى ~~الأيديولوجية المحافظة خدمة جليلة، وعلى أية حال فالمسألة ستظل دائما موضوعا ~~للخلاف بين وجهتي نظر أساسيتين: إحداهما تبحث عن الدلالة الأيديولوجية، لكل سلوك ~~نظري أو علمي، حتى ولو كان يعلن ابتعاده عن الأيديولوجية، والأخرى تؤكد أن ~~الأيديولوجية معناها فرض تفسير على الحوادث من خارجها وإخضاعها لغايات ليست كامنة ~~فيها، بينما المطلوب من العلم أن يقدم تفسيرا داخليا للحوادث وفقا لما يكمن في ~~باطنها من عناصر فحسب. # وهكذا يبرر ستروس منهجه في التفكير على أساس أنه هو الذي يتيح كشف الطبيعة ~~الباطنة للظواهر، دون إقحام لعناصر خارجية. ولكن الأمر الملفت للنظر حقا هو أن ~~كلا من الجانبين البنائي والوجودي، يؤكد أن طريقته الخاصة في التفكير هي التي ~~تتيح بحث الظواهر من الباطن والتغلغل في أعماقها، ويتهم الجانب الآخر بأنه يتبع ~~منهجا خارجيا أو سطحيا في التفكير، لا يسمح بالاندماج في اللب العميق للظواهر، ~~فكما رأينا سارتر يتهم ستروس بالنزعة التعالمية التي تفرض على الظواهر نموذجا ~~علميا خارجا عنها، وتعجز بذلك عن فهم حقيقتها الباطنة أو العمل على تغييرها، فإن ~~ستروس يوجه اتهاما مماثلا - ولكن من زاوية أخرى - إلى سارتر وإلى الوجودية بوجه ~~عام، وقد خصص ستروس فصلا كاملا من كتاب «التفكير غير المتحضر # La ~~pensée sauvage ~~» ~~لنقد وجهة نظر سارتر في كتاب «نقد العقل الجدلي # Critique de la raison dialectique ~~»، وهو ~~نقد لم ينصب في واقع الأمر على سارتر وحده، بل على وجهة نظر كاملة تمثل وجودية ~~سارتر جانبا واحدا من جوانبها المتعددة، فهناك مجموعة كاملة من المذاهب الفلسفية ~~تتصور أنها تصل إلى العمق الباطن للإنسان من خلال «التجربة المعاشة»، وتشمل ms262 هذه ~~المجموعة - إلى جانب الوجوديين - مفكرين وفلاسفة مثل برجسون ودلتاي وريما هوسرل ~~أيضا. ولكن الواقع أن هذه التجربة المعاشة ليست - كما تبدو للوهلة الأولى - الطريق ~~الموصل إلى ما هو كامن وأصيل في الإنسان. بل إنها - في نظر ستروس - لا تعدو أن تكون ~~سطحا خارجيا تكمن من ورائه قواعد بنائية أساسية هي تلك القواعد التي تتحكم في ~~العلاقة بين الأنا والآخر. # فالتجربة المعاشة - مهما بدت عميقة - ليست إلا النتاج الظاهري لأساس أعمق، هو ~~البناء الذي يشكل معناها الباطن. # ويعتقد ستروس أن الوجوديين وأنصار التجربة المعاشة - بوجه عام - يصعدون مشاغلهم ~~الشخصية إلى مرتبة المشكلات الفلسفية. وهذا - على حد تعبيره في كتاب # Tristes tropiques # الذي كان نوعا من الترجمة ~~الذاتية لحياته، موضوعة في إطار أنثروبولوجي - «أمر محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى ~~نوع من الفلسفة السوقية ...» # 24 # ذلك لأن التفكير عندما يدخل المرحلة التعليمية الموضوعية، لا ينبغي أن ~~يعود مرة أخرى إلى الإهابة بالتجارب الشخصية والفردية التي كان يدور حولها قبل ~~وصوله إلى هذه المرحلة، والتي تجاوزها عمدا عن طريق التجريد وبناء أنساق شخصية، ~~فأمثال هذه المذاهب ترتد ثانية إلى المرحلة قبل العلمية، وتنسى أن العالم - ~~بتجريداته ونماذجه الشكلية - يستطيع أن يلقي ضوءا حتى على التجربة المعاشة ذاتها، ~~ويفسرها بطريقة أكثر ثراء. والمهم في الأمر أن هذا الصراع بين ستروس والوجوديين ~~يذكرنا بالصراع الذي دار قبله بما يزيد عن قرن من الزمان، بين كير كجورد - فيلسوف ~~الذاتية المشهور - وبين هيجل - نصير التجريد العقلي والنسق الفكري الشامل - # 25 # ويبدو أن كل عصر يشهد فصلا من فصول هذا الصراع الذي لا ينتهي بين ~~أنصار الفكر العيني المعايش للحياة وأنصار الفكر التجريدي الذي يسعى دواما إلى ~~الشمول. # ولقد كان من نتيجة هذا الصراع بين النزعة التجريدية عند ستروس، والنزعة العينية ~~عند سارتر، أنهما تبادلا الاتهامات في ميدان آخر، هو ميدان التاريخ، الذي كان سارتر ~~يتأمله في حركته وديناميكيته وصيرورته الدائمة، على حين كان ستروس يجمده لكي يدرس ~~نماذجه بطريقة سكونية، فقد عاب سارتر على ستروس أن فلسفته ms263 تتهرب من الواقع الحي لكي ~~تغرق نفسها في تجريدات شكلية تنصب على حضارات بدائية يصفها ستروس نفسه بأنها ~~«خارج التاريخ»؛ ومن ثم فإنها تعجز عن الانتقال من ذلك الميدان الذي كان فيه ~~التاريخ متوقفا أو مجمدا - إن جاز هذا التعبير - إلى مجال التاريخ الحاضر في ~~تدفقه نحو المستقبل. ومن المؤكد أن ستروس عاجز عن تطبيق أية نتيجة يتوصل إليها في ~~مجال بحثه - على الإنسان المعاصر - بالرغم من كل ما بذله من جهود لتأكيد وجود ~~تشابهات أساسية في «الطبيعة البشرية» بمعناها العام، وبغض النظر عن موقعها من ~~التاريخ. # على أن ستروس يرد على هذا الاتهام بأن الوجودية - وخاصة عند سارتر - هي التي ~~تمركزت حول الحاضر، واتجهت صوب المستقبل أكثر مما ينبغي. صحيح أنها تمجد التاريخ ~~وتؤكد تدفقه وصيرورته، ولكنها في نظرتها إلى التاريخ تفهم الماضي من خلال مقولات ~~الحاضر فحسب، ولا تعطي هذا الماضي حقه، بل لا تعترف للآخرين بالحق في دراسة الماضي ~~لذاته، وإنه لمن الطبيعي للمذهب الذي يرتكز على مقولات الذاتية، وعلى تحليل الإنسان ~~في موقفه العيني وفي «مشروعه» الحي، أن يكون متمركزا حول الذات وحول الحاضر، وأن ~~يكون التاريخ الماضي في نظره هو ما يؤدي إلى الحاضر، والمستقبل هو ما ينبثق عنه؛ ~~على أن النتيجة التي ترتبت على هذا هي أن سارتر قد تجاهل العقلية البدائية، وبدا ~~كما لو كان يساير الرأي القائل بأن البدائيين عاجزون عن التحليل العقلي والبرهان ~~المنطقي، وهو استنتاج غير مستغرب عند فيلسوف يتخذ من الذات - في موقع تاريخي معين - ~~مركزا يدور حوله كل تفكيره، وإذا كانت الوجودية تتهم البنائية بأنها تتطلع إلى ~~الماضي المتجمد خوفا من مواجهة الحاضر والمستقبل وتهربا من مسئولية اتخاذ موقف ~~منهما، فإن البنائية تعود - من جانبها - فتتهم الوجودية بأنها تغمض عينيها عن شكل ~~أساسي من أشكال التجربة البشرية، هي تلك النظم والطقوس والأساطير التي عاشت بها ~~الإنسانية البدائية، وتتصور أن السعي من أجل مستقبل أفضل يتحرر فيه الإنسان من شتى ~~أنواع العبودية، معناه تجاهل البناءات الاجتماعية والفكرية للإنسان في ms264 صورتها ~~النقية الأولى، أو أن الهدف الأول يتعارض مع الثاني، مع أنه لا تعارض بين الاثنين ~~على الإطلاق. # وهكذا فإن البنائية والوجودية - ممثلتين في ستروس وسارتر - تتبادلان الاتهامات ~~بصورة يبدو معها كأن المذهبين يقفان على طرفي نقيض، وكأنه لا سبيل على الإطلاق إلى ~~إيجاد أية وسيلة للتقريب بينهما. ومن المسلم به أن المسافة بين هذين المذهبين ~~كبيرة إلى أبعد حد، وأن بينهما اختلافا أساسيا في منهج التفكير ووسائله وأهدافه. ~~ومع ذلك فربما كان من الممكن - بشيء من الجهد - أن يتلمس المرء بعض النقاط التي ~~يتلاقى فيها المذهبان، أو على الأقل بعض أوجه الشبه غير المباشرة. وربما غير ~~المقصودة، بينهما. # ولنلاحظ أولا، فيما يتعلق بستروس وسارتر على وجه التحديد، أن كلا منهما قد ~~اتصل بالماركسية خلال فترة معينة من حياته: ستروس في أولها، وسارتر في آخرها، فقد ~~اعترف ستروس في سيرته الذاتية بأنه كان في شبابه ماركسيا. أما سارتر فإن قصة ~~التقائه المتأخر بالماركسية معروفة للجميع؛ ومن هنا كانت كتابات كل منهما تلجأ - ~~بدرجات متفاوتة - إلى المصطلحات الماركسية، على الرغم من أنهما استخدما هذه ~~المصطلحات بمعان متباينة، وعلى أية حال فإن من القرائن غير المباشرة على أن التضاد ~~بين البنائية والوجودية ليس بالحدة التي يصور بها عادة أن ستروس، برغم خلافه ~~الشديد مع سارتر، قد أهدى كتاب «التفكير غير المتحضر # La pensée ~~sauvage ~~» ~~إلى ذكرى «مير لو بونتي» الذي كان أقرب إلى الوجودية بكثير منه إلى البنائية. # 26 # على أننا نستطيع أن نجد نواحي أخرى يتشابه فيها المذهبان دون وعي منهما بهذا ~~التشابه، وأهم هذه النواحي، رأي ستروس في الطبيعة والثقافة، الذي نجد فيه ما يذكر ~~برأي سارتر في الوجود والماهية، فمنذ كتاب «البناءات ~~الأولية لنظام القرابة # Les Structures élémentaires ~~de la parenté ~~» وهو الكتاب الحاسم والأساسي في المذهب ~~البنائي بأكمله، ويؤكد ستروس وجود تضاد أساسي بين الطبيعة والثقافة # Nature et culture # في الإنسان، فليس ثمة ~~إنسان طبيعي، وإنما يكتسب الإنسان طبيعته من خلال ثقافة معينة. وهذا التقابل بين ~~طبيعة الإنسان ms265 وثقافته وخضوع طبيعته للعناصر الثقافية، وهو الذي يميز الإنسان عن ~~الحيوان، الذي لا يعيش إلا في «الطبيعة» ولا يحور هذه الطبيعة إلا إذا حور نفسه ~~من حيث هو نوع حيواني. وربما بدا لأول وهلة أن رأي ستروس في هذه المسألة ينطوي على ~~مفارقة؛ إذ إن هدفه الذي لا يمل تكراره هو أنه يريد الوصول إلى الطبيعة الأساسية ~~للذهن البشري، مما يوحي بأن لهذا الذهن تركيبا «طبيعيا» ثابتا. ولكن ستروس يؤكد ~~- من ناحية أخرى - أن طبيعة الإنسان تكمن في خروجه عن الطبيعة، فإذا أردنا أن نبحث ~~في ذلك التركيب الثابت الذي يميز الذهن البشري على نحو شامل، فلنبحث عنه في تلك ~~النظم الثقافية (أي اللاطبيعية) التي انفصل عن الحيوان منذ أن وضعها. # وهذا يعني بعبارة أخرى: أن ستروس عندما بحث عن المبادئ الكلية للذهن البشري - ~~بوجه عام - لم يحاول أن يلتمسها في تكوين طبيعي لم يتدخل فيه الإنسان وإنما تلقاه ~~على ما هو عليه، بل إنه اهتدى إليها في ذلك التنظيم الثقافي الذي يتحكم به الإنسان ~~في حياته، الذي يعبر مباشرة عما هو أساسي في طريقة تفكيره. # وإذا كان من الشائع النظر إلى الطبيعة التي لم يخلقها الإنسان على أنها هي الأصل، ~~وإلى الثقافة على أنها الفرع أو الناتج، فإن ستروس يقلب الآية ويرى الثقافة أصلا ~~والطبيعة (في حالة الإنسان بالذات) مشتقة منها، وإذا كان من الشائع أيضا وصف ~~الطبيعة الخام بأنها ثابتة والثقافة بأنها نسبية متغيرة، فإن ستروس يؤكد أن الثقافة ~~هي العنصر الثابت في تكوين الإنسان، ومنها يستمد الإنسان ثبات طبيعته، فمنذ اللحظة ~~التي يحظر فيها زواج المحارم، يكون معنى ذلك ظهور عنصر ثقافي في المجتمع ~~الإنساني (وهو الحظر، أي التنظيم الاجتماعي والقانون) يشكل الطبيعة (وهي غريزة ~~الجنس) ويتحكم فيها؛ ففي هذا الحظر والتحريم تتجاوز الطبيعة ذاتها وتبدأ في تكوين ~~بناء جديد، يحل فيه التنظيم المعقد المميز للإنسان محل العفوية والعشوائية المبسطة ~~التي تميز بناء الحياة الحيوانية. # ولسنا نود أن نستطرد في وصف العلاقة بين الطبيعة والثقافة عند ستروس. ms266 بل إن ما ~~قلناه يكفي لإيضاح المسألة التي نريد أن ننبه إليها، وأعني بها وجود نوع من التشابه ~~ربما لم يتنبه إليه ستروس ولا سارتر بين البنائية والوجودية في هذه النقطة ~~الأساسية؛ ذلك لأن من القضايا الرئيسية في الوجودية؛ تلك القضية القائلة: إن وجود ~~الإنسان سابق لماهيته؛ أي إن ما يميز الإنسان هو عدم وجود طبيعة ثابتة مميزة له. ~~ومن المؤكد أن هناك تشابها قويا بين تأكيد ستروس أن الإنسان يصنع طبيعته عن طريق ~~الثقافة، وتأكيد سارتر أن الإنسان لا يبني وجوده على ماهية ثابتة، بل يصنع ماهيته ~~من خلال وجوده. وفي كلتا الحالتين تأكيد لحقيقة أساسية: هي أن أهم ما يميز الإنسان ~~هو ما يصنعه الإنسان نفسه، مع فارق هام مستمد من مجال اهتمام كل من المفكرين ~~الكبيرين، هو أن ستروس كان يتحدث عن الإنسان الاجتماعي، على حين أن مدار حديث سارتر ~~كان الإنسان الفردي. # وأخيرا، فإن التضاد بين نزعة التجريد عند البنائيين والنزعة العينية عند ~~الوجوديين يمكن تخفيفه إلى حد غير قليل إذا أدركنا أن كل طرف يحمل في ثنايا مذهبه ~~شيئا من صفات الطرف الآخر، فلم تكن الكتابات الوجودية في كل الأحوال عينية تنبض ~~بالحياة، كما يشيع وصفها عادة، وإنما كانت في أحيان غير قليلة تتسم بقدر كبير من ~~الجفاف التجريدي، وأوضح مثل على ذلك كتابا سارتر: «الوجود والعدم» و«نقد العقل ~~الجدلي»، اللذان كانا يعرضان مضمونا فكريا عينيا من خلال شكل وأسلوب لا يقل في ~~تجريده عن كتابات ستروس. # ومن جهة أخرى ففي وسع المرء أن يجد في كتابات ستروس جانبا من اللمحات الشعرية ~~التي تخفف - من آن لآخر - من غلواء التجريدات المتطرفة ، ويظهر ذلك بوضوح حين يتحدث ~~عن الموسيقى ويربط بينها وبين الأسطورة؛ إذ يجد فيهما معا إيقاعات متكررة وتنويعات ~~على ألحان (أو موضوعات) رئيسية. وفضلا عن ذلك فهما تشتركان معا في أن ما يفهمه ~~المرء منهما خاص به إلى حد بعيد، وفي أن من يتلقى الرسالة الموسيقية أو الأسطورية - ~~وليس مرسلها - هو الذي يتحكم في ms267 معناها، وتثير الموسيقى والأسطورة - من حيث هما ~~أسلوبان ثقافيان - استجابات انفعالية في المخ البشري، يمكن عن طريق تحليلها فهم ~~البناء اللاشعوري للذهن البشري، وبالفعل يكرس ستروس جزءا كبيرا من مجلداته ~~الثلاثة الضخمة التي ألفها بعنوان «أسطوريات # Mythlogiques ~~» للكشف عن الآليات المنطقية التي تثير تلك الاستجابات ~~الانفعالية، ويؤكد وجود تواز بين البناء المنطقي والاستجابة الانفعالية؛ أي بين ~~الجانب الثقافي والطبيعي في الإنسان، ويمجد ستروس الموسيقى في لغة يختفي فيها جفاف ~~تجريداته الرياضية المألوفة، فيقول مثلا: «إن الموسيقى، هي وحدها - من بين سائر ~~اللغات - التي تتسم بطابع متناقض هو أنها معقولة أو مفهومة. وفي الوقت ذاته غير ~~قابلة للترجمة، وهذه السمات تجعل الموسيقى ذاتها السر الأعظم في المعرفة البشرية؛ ~~فكل فروع المعرفة الأخرى تسير في أعقابها، وهي التي تحمل مفتاح تقدمها.» # 27 # والواقع أن كتاب «الأسطوريات» يحفل بأمثال هذه الارتباطات الشعرية التي يمزجها ~~ستروس بتحليلاته الأنثروبولوجية فيخفف إلى حد بعيد من جفافها، ويثبت أن للجانب ~~الانفعالي العيني وجودا لا يمكن تجاهله وسط الصيغ الرياضية المفرطة التجريد التي ~~اشتهرت بها كتاباته، ولعل في هذا ما يدل على أن الشقة التي تفصل بين بنائيته ~~وبين الوجودية يضيق أحيانا إلى حد لا يتصوره من يتأملون كلا المذهبين من خلال ~~الصيغ التي شاع إطلاقها عليهما دون تدقيق أو تمييز. ~~(4) ميشيل فوكو وبناء العقل الحديث # حين نشر ميشيل فوكو # M. Foucault # كتاب ~~«الكلمات والأشياء # Les Mots et le Choses ~~» في ~~عام 1966م، أحدث الكتاب ضجة كبرى، ورآه البعض مبشرا بفلسفة جديدة، بينما نظر إليه ~~آخرون على أنه أضاف بعدا جديدا إلى الحركة التي سبق أن أثمرت - في ميادين ~~اللغويات والأنثروبولوجيا - التحليل النفسي والتفسير الماركسي. ولكن هذه الضجة ~~الصاخبة التي كانت في واقع الأمر ضجة مؤقتة؛ إذ إن الكتاب بعد مضي عشر سنوات على ~~نشره، لم يثبت قدرته على الصمود للزمن، وأصبح من المألوف كلما تعرض باحث لهذا ~~الكتاب في الوقت الحالي أن تغلب لهجة الانتقاد عنده على لهجة الإعجاب. بل إن البعض ~~يعربون عن اعتقادهم بأن الكتاب ms268 كان «موضة» مرتبطة بفترة معينة، وأنه - برغم عدم ~~اعترافه بالتاريخ - قد أصبح اليوم ذا قيمة تاريخية فحسب؛ ومن هنا فإننا لا نعتزم ~~الإطالة في الكلام عن فوكو وعن كتابه الرئيسي هذا؛ إذ إن الاتجاهات الأكثر ثباتا ~~في البنائية أحق منه بالبحث المطول. # في كتاب «الكلمات والأشياء» يعرض فوكو الصور البنائية المختلفة التي أخذها العقل ~~الأوروبي منذ عصر النهضة في القرن العشرين، وقد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن ~~مثل هذا العرض لا بد أن يكون تاريخيا، ما دام موضوعه قد تغير طابعه على مر ~~القرون الخمسة التي اتخذها المؤلف ميدانا لبحثه. ولكن حقيقة الأمر أن فوكو نظر إلى ~~العقل - الذي أطلق عليه اسمه اللاتيني # Ratio ~~- نظرة ~~نسبية لا علاقة لها بالتاريخ؛ فالعقل قد تغير طابعه في مرحلة من مراحل بحثه؛ لأن ~~هناك «بناء» مميزا لكل من هذه المراحل. أما تلك التغيرات التي تطرأ نتيجة ~~لتفاعل العقل مع الأحداث وحركته خلال الزمان فإن فوكو لا يهتم بها، ولا يتحدث عنها ~~في كتابه. وهكذا فإن كل ما يقدمه إلينا هو مجموعة من البناءات المغلقة إغلاقا ~~محكما، والتي اتخذها العقل خلال الفترة الحديثة من الحضارة الأوروبية. أما كيفية ~~الانتقال من كل بناء إلى آخر، والعوامل التي أدت إلى تغير البناءات، فهذا ما لا ~~يحاول فوكو أن يفسره. # ولقد وضع فوكو لكتابه هذا عنوانا فرعيا هو: # Archéologie des ~~sciences humaines ~~. # وهو عنوان يمكن أن يعني في اللغة العربية أمورا كثيرة: فلفظ # archéologie # هو - في معناه المباشر - علم ~~الآثار، وعلم الآثار علم تاريخي، فهل كان هذا ما يهدف إليه فوكو؟ الحقيقة أن رفضه ~~للنزعة التاريخية يؤدي إلى استبعاد هذا التفسير من أساسه، كذلك قد يدل هذا اللفظ ~~على فكرة القدم؛ بحيث يكون المعنى المقصود هو البحث في الجذور القديمة للعلوم ~~الإنسانية أو في مبادئها الأولى، # 28 # لا بالمعنى التاريخي بل بالمعنى البنائي. وهذا بالفعل هو ما يقصده ~~فوكو، فهو لا يريد أن يدرس ماضي الإنسانية من خلال وثائقها القديمة (كما يفعل علماء ~~الآثار في ميدانهم ms269 الخاص) لكي يتابع بالتدريج تلك العملية التي أدت - من خلال ~~تحولات تعاقبت تاريخيا في خط متصل - إلى اتخاذ العلوم الإنسانية طابعها الراهن. ~~بل إنه يجمد كل وضع اتخذته هذه العلوم خلال تلك الفترة، ويتأمل كل مرحلة انتقالية؛ ~~لأن بناءها يبدو له متماسكا، ولأنه يسقط من حسابه عناصر التحول والتغير الكامنة ~~في كل مرحلة؛ لكي يحتفظ بهيكل بنائي ساكن يراه أنه هو المميز حقا لكل ~~مرحلة. # ففي عصر النهضة نرى بناء أساسيا واحدا يسود جميع المجالات، ويعبر عنه فوكو ~~بفكرة الفك الكري # La Sphére ~~؛ فالمعارف كلها موحدة، ~~ومقولة التشابه والتماثل هي السارية على جميع الميادين، والمعرفة ذاتها متناهية ~~مقفلة دائرية، ومثل هذا التصور لعصر النهضة يعتمد في الواقع على الاستشهاد بآراء ~~شخصيات ثانوية في ذلك العصر؛ ولذلك التجأ فوكو في كثير من المواضع إلى آراء شخصيات ~~مغمورة، محققا بذلك هدفين: أولهما أن يبهر القارئ بمعارفه الواسعة وقراءاته ~~المستفيضة، فيجتذب بذلك أولئك الذين لا يبحثون في الفكر إلا عن تبحر صاحبه # érudition ~~، وثانيهما أن يجد في هذه الشخصيات ~~الثانوية - التي لم تكن تتابع حركة الرفض الناشئة في ذلك الحين - تأييدا لذلك ~~التصوير البنائي الذي عبر عن روح عصر النهضة، ولو كان فوكو قد رجع إلى الشخصيات ~~الكبيرة في ذلك العصر؛ لأدرك أن كل شيء كان موضوعا موضع الشك والتساؤل، وأن العقول ~~الناضجة لم تكن سوى إشكالات وأسئلة قلقة حيث كانت العقول الهزيلة ترى كلا ~~متكاملا مقفلا على ذاته. ومن الجائز أن هذه الأسئلة لم تكن تطرح دائما بطريقة ~~صارخة، وأن الشك والقلق كان يخشى التعبير عن كل ما ينطوي عليه من هدم لنظام المعرفة ~~القديم، ولكن من المؤكد أن اتجاه أقطاب عصر النهضة كان واضحا، وأن بركانا كان ~~يغلي تحت السطح، على حين أن فوكو لم يركز نظرته إلا على ذلك السطح الساكن الراكد، ~~فكان من الطبيعي ألا يتصور البناء الفكري لذلك العصر إلا على أنه أشبه بالفلك ~~المقفل المستدير. # ومثل هذا يقال عن نظرته إلى العصر الكلاسيكي في القرنين السابع عشر ms270 والثامن عشر، ~~حيث كان «النظام # Ordre ~~» يسود جميع مجالات المعرفة ~~والنشاط الذهني للإنسان؛ ففي وسعنا أن نوافق معه على أن النظام كان بالفعل حقيقة ~~أساسية في ميادين الرياضيات والفلك والفيزياء. وفي الإبداع الفني (القواعد ~~الكلاسيكية للعمل الفني) والميدان السياسي (نظام الحكم المطلق). ولكن هذا النظام ~~بدوره لم يكن يخلو من قلق وتوثب وتحفز لكسر كل إطار يدور في داخله النظام الموجود، ~~والدليل على ذلك أن الفترة الأخيرة من هذا العصر هي التي شهدت حركة التنوير، وهي ~~حركة كان أهم ما يميزها هو تطلعها إلى عصر مقبل تتحطم فيه قيود النظام المستتب، ~~سواء أكان ذلك في المجال العقلي أم في المجال السياسي والاجتماعي. ومن الظلم إدراج ~~حركة التنوير - التي كانت تتضمن بذوره ثورة كاملة - ضمن إطار عصر يوصف بأنه عصر ~~شكلت فيه المعرفة نسقا لا يحيل إلا إلى ذاته، ولا تستمد أية حقيقة فيه قيمتها إلا ~~من موقعها في كل أوسع منها، وبأنه عصر لا تظهر فيه أدنى بادرة لفكرة التطور ~~والتحول. # وحين ينتقل فوكو إلى القرن التاسع عشر، يصفه بأنه هو القرن الذي «اخترع» التاريخ ~~واستعاض به عن النظام؛ على أنه لما كانت نظرة فوكو في أساسها غير تاريخية، فإنه ~~يسيء فهم البناء الأساسي لهذا العصر إلى حد بعيد، ومثال ذلك أنه لا يتحدث عن ماركس ~~إلا في صفات قلائل، ويستبعده بسرعة على أساس أنه لم يأت بجديد بالقياس إلى ~~ريكاردو، ويذهب إلى أنه لم يتجاوز نفس المشكلات، ونفس الإطار المعرفي، الذي دارت ~~فيه أبحاث ريكاردو، ويصف الموجة التي أثارها الاثنان معا بأنها «زوبعة في فنجان»، # 29 # وليس من الصعب أن يدرك المرء الأسباب التي دعت به إلى إصدار مثل هذا ~~الحكم الجائر، فتفكير ماركس يخرج عن إطار البناء الموحد الذي حدده للقرن التاسع ~~عشر. كما أن ثبات البناء يقتضي ألا يكون قد حدث تحول أساسي في الموضوع الواحد بين ~~شخصيتين كبيرتين مثل ريكاردو وماركس. # أما العصر الحاضر، فإن فوكو يقسم المجال المعرفي فيه إلى أبعاد ثلاثة، الأول منها ~~هو ms271 العلوم الرياضية والفيزياء، والثاني هو العلوم التي أطلق عليها اسم «التجريبية» ~~كالاقتصاد والبيولوجيا واللغويات، والثالث هو التفكير الفلسفي. وفي رأيه أن العلوم ~~الإنسانية تبحث لنفسها عن مكان في هذه المجالات الثلاثة؛ إذ تحاول البحث عن صياغة ~~رياضية، وتطبيق الأسلوب التجريبي، وإن كانت تخضع في كثير من الأحيان لإغراء الفكر ~~التأملي. ولكن فوكو لم يتعمق في بحث المشكلات الجوهرية التي تواجه العلوم الإنسانية ~~في عصرنا الحاضر، كالتضاد بين الفهم والتفسير، وبين فكرتي البناء الثابت والمنشأ ~~التاريخي ... إلخ. # ومن خلال هذا العرض السريع للاتجاهات الأساسية في كتاب «الكلمات والأشياء»، ~~نستطيع أن ندرك العيوب الأساسية التي اتسمت بها نظرته إلى بناء الفكر الأوروبي ~~الحديث منذ عصر النهضة حتى اليوم. # فكتابه يحفل بمحاولات التقسيم الثلاثي الذي يسري - بطريقة واحدة - على جميع ~~المجالات، وهي المحاولات التي اشتهر بها كانت في تقسيمه الثلاثي للمقولات الذهنية ~~وتطبيقه لهذه التقسيمات على بحوثه في مختلف المجالات، كما اشتهر بها هيجل في ~~التزامه للإيقاع الديالكتيكي الثلاثي الذي يظل يحكم المذهب من بدايته إلى نهايته؛ ~~فالانتقال من عصر النهضة إلى العصر الحاضر كان انتقالا ثلاثيا مبنيا على نموذج ~~هندسي، هو الانتقال من الشكل الكري ~~المقفل # La sphére # الذي كانت فيه المعرفة محددة مقفلة، إلى المسطح # Le plan # الذي يسوده النظام الهندسي في العصر ~~الكلاسيكي، إلى المثلث أو الثلاث # La triedre # الذي ~~يتألف منه العلم المعاصر، وأمثال هذه التقسيمات قد تعجب هواة التماثلية والتناسق ~~الشكلي. ولكنها لا تفيد في الكشف عن طبيعة الواقع؛ لأن واضعها كثيرا ما يضطر إلى ~~تجاهل عناصر أساسية، أو التعسف في تفسير عناصر موجودة، من أجل ضمان الانسجام الشكلي ~~الظاهري للبناء. وفي حالة فوكو نجده يتجاهل القرن التاسع عشر؛ لأنه لا يدخل في ~~الإطار الثلاثي الذي وضعه، فضلا عن أن فكرة المسطح ليست هي الفكرة المميزة لعصر ~~تسوده روح النظام. بل إن أي شكل هندسي آخر يصلح لتحقيق هذا الغرض. # ومن ناحية أخرى فإن فوكو حتى ولو كان قد أتى بنموذج يصلح للتعبير عن كل مرحلة «من ~~داخلها»، ms272 فإنه يعجز تماما عن تفسير الانتقال من مرحلة إلى أخرى؛ أي عن تفسير ~~التغير الذي أدى إلى تحول الفكر الأوروبي من بناء إلى آخر، فموقفه يستلزم القول ~~بوجود انفصال أساسي بين كل مرحلة وأخرى، مع أن المعقولية تقتضي السعي إلى إيجاد ~~اتصال بين المراحل، والتاريخ يستحيل تصوره في ظل نظرة تضع هوة لا قرار لها بين ~~فتراته المختلفة، وتقف عند حد فهم كل فترة في إطارها الداخلي الخاص. وليس أدل على ~~ذلك من أن فوكو وجد نفسه مضطرا إلى القول بوجود «انقطاع غامض # rupture énigmatique ~~» في تفسير الانتقال من ~~عصر النهضة إلى العصر الكلاسيكي، أو من عصر «النظام» إلى عصر «التاريخ»، وهو تعبير ~~يكشف بطريقة صريحة عن العجز عن الفهم، ويدل على أن التمسك المفرط بالبناء والنسق ~~يمكن أن يصبح عقبة في وجه المعقولية الصحيحة. # على أن أهم أوجه النقد التي يمكن أن توجه إلى فوكو هو استخفافه بالتاريخ، ~~وإنكاره أن يكون العقل البشري قد أحرز تقدما منذ عصر النهضة حتى عصرنا الحاضر، ~~وكما هو واضح فإن هذا النقد لا ينطبق على فوكو وحده، بل ينطبق على البنائيين ~~عموما، وإن كان إهمال فوكو لفكرة الاتصال التاريخي أكثر وضوحا؛ لأن الموضوع الذي ~~عالجه في كتابه الرئيسي يرتبط ارتباطا وثيقا بموضوع التاريخ، وعلى أية حال فإن ~~النقد الذي يوجه إلى فوكو في هذا الصدد يمكن أن يعمم على معظم البنائيين ~~الآخرين. # إن فوكو يحاول أن يهتدي - في كل عصر - إلى عناصر الثبات من وراء التحول الظاهري، ~~وهو في هذا يرتكز على مبدأ يسلم به - هو ومعظم البنائيين - دون مناقشة، وهو أن ~~العناصر الثابتة هي الأساسية والجوهرية، وأن العناصر المتحولة والمتغيرة سطحية ~~عرضية؛ على أن هذا المبدأ يمكن الاعتراض عليه من الأساس، فمن الممكن من وجهة نظر ~~أخرى أن نقول: إن الثبات هو المظهر السطحي، الذي تكمن من ورائه تحولات وتغيرات أعم ~~منه؛ ذلك لأن حالة المعرفة في كل عصر تبدو ثابتة بالنسبة إلى من يضع نفسه في إطار ~~ذلك العصر. ولكن في ms273 استطاعة النظرة التاريخية - حين تخرج عن ذلك الإطار وتطل على ~~ذلك العصر إطلالة راجعة فيها رحابة واتساع - أن تكشف عن العمليات المتغيرة ~~والتفاعلات التي كانت تدور في الخفاء من وراء هذا الثبات الظاهري. وفي هذه الحالة ~~يعتبر المنظور التاريخي المبني على التغير أعمق وأكثر نفاذا إلى باطن الأشياء من ~~المنظور البنائي الذي يعد عندئذ مكتفيا بوصف السطح الخارجي وقبوله على ما هو ~~عليه، ولسنا ندعي أن هذه هي الحالة الوحيدة الممكنة؛ إذ إن البنائي يستطيع أن ~~يؤكد أنه اكتشف عناصر ثابتة أعمق من عناصر التحول الجديدة. وهكذا يظل لكل من ~~المنظورين الحق في القول بأنه يتعمق في الظواهر إلى مستوى أبعد من الآخر. ولكن من ~~المهم في الأمر أن هذا يبطل ادعاء البنائية، وادعاء فوكو على وجه التحديد بأن منهجه ~~الذي ركز فيه باختياره على عناصر الثبات وجمدها، وأهمل عناصر التحول، هو وحده الذي ~~يوصل إلى الأساس المطلق للمعرفة. ~~(5) البنائية والماركسية ~~(5-1) سيباج # كان لوسيان سيباج # Lucien Sebag # من أوائل ~~الماركسيين الذين تنبهوا إلى إمكان وجود عناصر بنائية في فكر ماركس، ويبدو أن ~~تحمسه لإثبات هذه الفكرة قد أدى به إلى الانحياز إلى جانب البنائية وإنكار ~~عناصر أساسية في الماركسية؛ مما أبعده بالتدريج عن التيار الرئيسي للفكر ~~الماركسي الفرنسي، وأدى إلى فصله من الحزب الشيوعي الفرنسي، وعلى أية حال فقد ~~أتيح لسيباج أن يعرض وجهة نظره كاملة - قبل موته المبكر - في كتاب يعد من ~~الكتب الكلاسيكية في هذا الموضوع، هو «الماركسية والبنائية». # 30 # ولقد أثار هذا الكتاب مجموعة من المسائل التي قد لا يلقى بعضها معارضة ~~شديدة من الماركسية التقليدية، على حين أن البعض الآخر لا يمكن الاعتراف به في ~~الإطار التقليدي للفكر الماركسي؛ لأنه يتضمن تشكيكا في مبادئ كانت أساسية عند ~~ماركس نفسه، لا مجرد تفسير جديد لأفكار كانت موجودة عنده بالفعل، ومن أمثلة ~~النوع الأول - أعني ذلك الذي يمكن أن يكون مقبولا في إطار الماركسية التقليدية ~~- القول بوجود عناصر بنائية في صميم فلسفة ماركس، أما النوع الثاني فيتمثل ms274 في ~~رفض الصورة المألوفة للعلاقة بين البناء ~~الأدنى # infrastructure ~~- وخاصة الاقتصاد - وبين البناء الأعلى # Superstructure ~~، وهو رفض يصل إلى حد ~~تغيير ركن أساسي من أركان الماركسية، وسوف نعرض لكل من هذين النوعين على ~~حدة. # من المؤكد أن الماركسية تربط بين الأسس التي يرتكز عليها سلوك أفراد أو ~~جماعات معينة، وبين عناصر معينة في أيديولوجية هؤلاء الأفراد أو الجماعات على ~~نحو ينطوي على القول بوجود تشابه بين الطرفين، فمثلا تفسر الماركسية النمط ~~الخاص للعلاقة بين الله والإنسان في العصور الوسطى (وهو نمط ينتمي إلى مجال ~~الأيديولوجيا) بأنه انعكاس للعلاقة بين الإقطاعي ورقيق الأرض في هذه العصور ~~(وهي علاقة تنتمي إلى مجال الأساس أو البناء الأدنى)، وتفسر سيادة الفكر النظري ~~المحض على البحث في العلوم التطبيقية في المجتمع اليوناني (وهو موضوع ينتمي إلى ~~أيديولوجية ذلك المجتمع) بأنها ترجمة لعلاقة السيد في مجتمع يسوده الرق (وهو ~~تفسير ينتمي إلى البناء الأدنى)، وتفسر عقيدة الجبر المطلق Prédestination ~~- كما قال بها كالفان # Calvin # في عصر النهضة الأوروبية - بأنها ~~تعبير عن إحساس الإنسان في بداية العصر الرأسمالي بوجود قوى مجهولة تتحكم في ~~مصيره (هي قوى السوق وقوانينه) وتفرض نفسها عليه دون أن يستطيع السيطرة عليها، ~~في كل هذه الحالات تفسر الماركسية عنصرا معينا من عناصر الأيديولوجية في ~~مجتمع معين، بعلاقات إنتاجية ذات طابع اقتصادي واجتماعي، ولكي يكون هذا التفسير ~~ممكنا ومقبولا فلا بد من وجود «بناء» مشترك يجمع بين المجالين المتباينين: ~~المجال الأيديولوجي (وهو في هذه الحالة فلسفي أو ديني) والمجال الاجتماعي ~~الاقتصادي، وعلى سبيل المثال فكما أن العلاقة بين الإقطاعي وتابعه في العصور ~~الوسطى هي علاقة رأسية بين طرفين يعلو أحدهما على الآخر علوا هائلا، فإن هذا ~~النمط أو «البناء» ينعكس هو ذاته على تصور هذه العصور للعلاقة بين الله ~~والإنسان، وقل مثل هذا عن سائر التفسيرات الماركسية لمختلف عناصر الأيديولوجية ~~كالفكر الفلسفي والفن والأدب. # ولنذكر في هذا الصدد ما سبق لنا أن أشرنا إليه من أن البنائية من حيث هي منهج ~~ليست بالشيء الجديد، ms275 وإنما الجديد هو التعبير الواعي عنها في مذهب فكري متماسك، ~~فهنا نجد هذا النوع من التفسير البنائي لا يلقى معارضة من الماركسيين ~~المتمسكين؛ لأنه لا يخرج عن إطار الماركسية التقليدية، وكل ما يفعله هو أنه ~~يستخدم في تقديمها مصطلحات بنائية. # على أن هذا - في رأي سيباج - لم يكن هو المظهر الوحيد الذي اتخذته البنائية ~~في الفلسفة الماركسية، فمن الممكن أن تتحدد العلاقة بين البناء الأدنى - أي ~~الأساس - وبين البناء الأعلى - أي الأيديولوجية - على مستوى آخر، هو أن ننظر ~~في مجال كامل من مجالات الواقع الاجتماعي، مثل علاقات الإنتاج، ونربطه بمجالات ~~أخرى ذات طبيعة فكرية أو أيديولوجية، فعلى هذا المستوى لا نربط بين تفكير فرد ~~معين أو جماعة معينة وبين عنصر معين في علاقات الإنتاج، وإنما نربط على نحو أعم ~~وأكثر تجريدا بين «أنماط» معينة من التفكير، وأنماط معينة من علاقات الإنتاج ~~أو من الواقع الاجتماعي، ومثل هذا الربط يحتاج إلى عملية توحيد ومقارنة أشد ~~تعمقا مما يحتاج إلى الربط على المستوى الأول، وعلى الرغم من أن ماركس بحث ~~الموضوع على المستويين معا، فقد كان البحث على المستوى الثاني هو الغالب لديه، ~~فهو لا يلجأ إلا نادرا إلى الكلام عن تأثير عامل معين يسهل تحديده في توجيه ~~الفكر وجهة معينة، بل يتحدث عن التأثير الشامل لآليات نمط اقتصادي كامل - ~~كالاقتصاد الرأسمالي - في تحديد أسلوب التفكير والوعي الاجتماعي داخل هذا ~~النمط؛ أي إنه يستهدف دائما بحث «كليات ~~شاملة # totalités ~~»، # 31 # وتؤثر كل منها في الأخرى، وتكشف عن «بناء مشترك»، ومثل هذا البحث ~~هو الجدير بأن يسمى «علما» بالمعنى الصحيح؛ لأن موضوعه بناءات كلية. # على أن «سيباج» يستخلص من تطبيق المنهج البنائي على تفسير الماركسية نتيجة ~~تتعارض مع عنصر أساسي من عناصر التفكير الماركسي التقليدي، هي رفض الحتمية ~~الاقتصادية؛ فعندما يكون أساس تفسيرنا هو البناء الكلي لا يعود من الممكن أن ~~نعطي أولوية مطلقة لواحد بعينه من عناصر هذا البناء، ونجعل منه «سببا» للعناصر ~~الأخرى؛ فالعامل الاقتصادي - وفقا للنظرة البنائية - هو مجرد عنصر ms276 من العناصر ~~التي ينطوي عليها البناء. وليس هو أساس البناء بأكمله؛ ولذلك رفض سيباج تفسير ~~التاريخ على أساس القول بأولوية العامل الاقتصادي، بل نظر إلى العلاقات ~~الاقتصادية، جنبا إلى جنب مع اللغة والأساطير ونظم القرابة؛ على أنها عناصر ~~يمكن اقتطاع أي منها من الكل بعملية ذهنية متعمدة تسعى إلى استخلاص السمات ~~المميزة لهذا العنصر بالذات، عن طريق فصله عن علاقاته بمجالات الواقع الأخرى، ~~وعندئذ يمكننا الوصول إلى مقارنات وتوازيات بين كل عنصر والآخر، # 32 # ولكننا لا نستطيع أن نصل إلى حالة يكون فيها لأحد هذه العناصر - ~~كالعنصر الاقتصادي مثلا - أولوية سببية بالقياس إلى العناصر الأخرى، أو يكون ~~هو الذي تتولد عنه هذه العناصر الأخرى. # وإذا كانت وحدة العناصر وتفاعلها المتبادل في البناء تمنع من معاملة أحد هذه ~~العناصر (كالعنصر الاقتصادي) معاملة مميزة، بوصفه أصلا للباقين، فإن هناك ~~أسباب أخرى تؤدي في نظر «سيباج» إلى هذه النتيجة نفسها، ومن أهم هذه الأسباب: ~~أن العامل الاقتصادي لا يمكن أن يكون عاملا ماديا بحتا، في مقابل نتيجة ~~فكرية أو عقلية هي الأيديولوجية بصورها المختلفة، وينتقد سيباج التصوير ~~التقليدي عند بعض الماركسيين الذين يعالجون العامل الاقتصادي كما لو كان مادة ~~خاما تختلف في طبيعتها عن العوامل الأخرى التي هي «معلولات» لها. والواقع أن ~~العقل الإنساني - الذي يتدخل في كل هذه العوامل - يزيل الفوارق النوعية بينها ~~عن طريق تدخله هذا؛ فالأساس الاقتصادي لا يكتسب كيانه ووجوده إلا من تلك ~~الدلالة التي يضفيها عليه العقل الإنساني؛ بحيث إن التضاد بين الواقع الاقتصادي ~~والناتج الأيديولوجي المرتكز عليه ليس تضادا بين حقيقتين بينهما اختلاف أساسي ~~في الطبيعة، وإنما هو تضاد يقع «داخل» الإطار العقلي والعلمي ذاته، ومن هذا ~~الإطار العقلي يكتسب الطرفان معا دلالتهما. وهكذا تكون الوسيلة الوحيدة لدراسة ~~العلاقة بين الاقتصاد والأيديولوجية - في نظر سيباج - هي البحث في العلاقة ~~المتبادلة بين الطرفين. أما فكرة وجود بداية مطلقة أو سببية نهائية، يكون فيها ~~أحد الطرفين منتجا للآخر وأصلا له، فإنه يرفضها بوصفها فكرة مستحيلة. # وهناك سبب أخير يؤدي ms277 إلى إنكار فكرة السببية المطلقة بين الواقع الاقتصادي ~~والأيديولوجي، من فكر أو فن أو دين، لا يكفي لتفسيره أن نرجعه إلى أصله؛ ~~لأن هذا الناتج يخرج عن الأصل ويتجاوزه، ويكتسب خلال تطوره دلالة خاصة مستقلة ~~عن الأصل الذي نشأ منه، ويعبر «سيباج» عن هذه الفكرة بقوله: «إن القول بأن ~~نظاما فكريا معينا يتولد عن ممارسة اجتماعية معينة لا يكفي لتفسير طبيعة ~~هذا النظام؛ إذ إن ما نعبر عنه على المستوى الرمزي يتجاوز دائما، ذلك الواقع ~~الذي اتخذ منه نقطة بدايته»، # 33 # وهو يستشهد في هذا الصدد برأي لبياجيه Piaget # يقول فيه: «إن تولد البناءات من أصل اجتماعي لا ~~يفسر وظائفها اللاحقة؛ لأن هذه البناءات حين تندمج في تركيبات كلية جديدة يمكن ~~أن تتغير لدلالاتها. وبعبارة أخرى: فإذا كان بناء تصور معين يتوقف على تاريخه ~~السابق، فإن قيمته تتوقف على موقعه الوظيفي في الكل الذي يكون هذا التصور جزءا ~~منه في لحظة معينة.» # 34 # وهكذا يدافع «سيباج» عن تلك القدرة الخلاقة التي يتسم بها العقل الإنساني، ~~والتي تجعل لنواتج هذا العقل استقلالا ذاتيا بالقياس إلى الواقع الاجتماعي ~~الذي أنتجها، ويترتب على ذلك أن النسق البنائي الواحد الذي يكونه هذا العقل ~~يستطيع أن يعبر عن أكثر من واقع أساسي واحد. كما أن الواقع الواحد يمكن أن ~~يولد أنساقا متباينة، ولهذا الرأي نتيجتان هامتان تؤلفان تعديلا أساسيا ~~على النظرية الماركسية التقليدية: # الأولى هي إنكار وجود علاقة مباشرة بين الأساس الاقتصادي والاجتماعي الواحد ~~والنسق الفكري الذي يقال: إنه يرتكز عليه؛ فالسببية هنا ليست خطية تجمع بين ~~الطرفين، بل هي متشعبة يمكن أن تسير في شتى الاتجاهات. # أما النتيجة الثانية فتذهب إلى مدى أبعد؛ إذ تنكر القسمة الثنائية التقليدية ~~بين بناء أدنى وبناء أعلى، أو بين أسس الواقع الاقتصادي الاجتماعي والبناءات ~~التي تشيد عليه في ميادين الفكر والدين والفن إلخ، فليس ثمة أولوية للأسس ~~الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يكشف لنا التاريخ عن سلسلة دائمة من التفاعلات ~~المتبادلة، التي تتحول فيها الأسباب إلى نتائج، والنتائج إلى أسباب، ms278 ولو رجعنا ~~إلى ما يحدث بالفعل في عالم الواقع؛ لوجدنا أن الناس حين يسلكون، يجمعون في ~~مركب واحد بين مستويات كثيرة لا يمكن الفصل بينها إلا بعملية فيها قدر من ~~العمق؛ ولذلك فإن هذه العملية المزعومة للعنصر الاقتصادي تعزل شطرا واحدا من ~~كل لا ينطوي إلا على علاقات متبادلة. # 35 # وهكذا يذهب «سيباج» في تحليله البنائي للماركسية إلى مدى بعيد في الخروج عن ~~المبادئ الأساسية للنظرية الماركسية التقليدية. وليس أدل على ذلك من أنه يرفض ~~النقد الذي وجهه ماركس إلى هيجل، على أساس أنه قلب الأوضاع رأسا على عقب، ~~وجعل من الواقع الاقتصادي الاجتماعي مجرد ناتج مترتب على «الفكرة» الدينية أو ~~الميتافيزيقية أو المنطقية، على حين يريد ماركس أن يعيد الأمور إلى نصابها ~~ويوقف الديالكتيك «على قدميه» بعد أن كان واقفا «على رأسه». هذا النقد يرفضه ~~«سيباج»؛ لأن قلب الأوضاع هذا يمكن أن يحدث بالفعل؛ لأنه سمة أساسية من سمات ~~العملية الرمزية التي ينفرد بها الإنسان، والتي تجعل للنواتج الرمزية - من فكر ~~ولغة وعقيدة - استقلالا ذاتيا عن الأصل الذي نشأت منه، وقدرة على التأثير في ~~الواقع ذاته، وتغيير الأسس الاقتصادية الاجتماعية؛ فنحن ها هنا في مجال لا يمكن ~~التمييز فيه بين ما هو «أصل» وما هو «نتيجة»، وتلك كلها آراء تعدها الماركسية ~~التقليدية تحريفات غير مشروعة؛ لأنها لا تتعلق بالاجتهادات في تفسير النظرية، ~~بل الأسس التي يرتكز عليها. ~~(6) البنائية والماركسية ~~(6-1) ألتوسير # كان تفكير «لوي ألتوسير # Louis Althusser ~~» ~~أوسع وأشمل بكثير من تفكير «سيباج»، كما أن اتجاهات العام في تفسير الماركسية - ~~وهو اتجاه بنائي في أساسه، وإن لم يكن هو ذاته يرحب كثيرا بهذه الصفة - قد ~~تحددت معالمه قبل سنوات قليلة من ظهور كتاب سيباج عن الماركسية والبنائية. ومع ~~ذلك فقد أرجأنا الكلام عنه إلى ما بعد عرض آراء سيباج حتى يكون الانتقال بينهما ~~انتقالا إلى مزيد من التفصيل والتعمق في الموضوع. هذا فضلا عن أن ألتوسير ما ~~زال مؤلفا خصب الإنتاج، وما زال صاحب مدرسة كاملة في التفسير الماركسي، ms279 في ~~الوقت الذي توقف فيه إنتاج سيباج فجأة بموته السابق لأوانه. # وليس من الصعب أن يستدل المرء على طبيعة الظروف التي ظهر فيها التفسير ~~البنائي للماركسية عند ألتوسير؛ إذ إن جهده الفلسفي يمكن أن يوصف بأنه رد فعل ~~على رد فعل؛ فبعد النقد العنيف الذي وجه إلى الجمود الفكري الذي اتصفت به ~~المرحلة الستالينية، حدث رد فعل في الاتجاه المضاد، وظهرت تفسيرات للماركسية ~~تؤكد جوانبها الإنسانية وتحاول التوفيق بينها وبين كثير من المذاهب الفلسفية ~~التي حاربتها طويلا، وكأنها تحاول إزالة صفات التحجر المذهبي وإنكار النزعة ~~الإنسانية، وهي الصفات التي اتهمت بها ماركسية ستالين في أوساط كثيرة - ~~منها الأوساط الماركسية ذاتها - في الخمسينيات من هذا القرن. # ولقد كان المفكر الذي حمل لواء هذه الدعوة إلى كسر جمود الماركسية التقليدية ~~وإذابة جليد الاتجاه اللا إنساني في الستالينية هو «روجيه جارودي # Roger Garaudy ~~»، ولو شئنا أن نلخص الطابع ~~المميز لرد الفعل عند جارودي - بالقياس إلى الاتجاهات السائدة من قبل - لقلنا ~~(مستخدمين لفظا أصبح شائعا في هذه الأيام): إنه هو الاتجاه إلى «الانفتاح» ~~على الفلسفات الأخرى التي كانت تقف من الماركسية السابقة موقفا عدائيا ~~صريحا، محاولا بذلك تعويض الدجماطيقية والتزمت والخصومة العنيفة التي اتسمت ~~بها فترة عبادة الفرد الستالينية؛ ففي كتاب «النزعة الإنسانية الماركسية # Humanisme marxiste ~~»، ~~وكذلك في كتاب «آفاق الإنسان Perspectives de l’homme ~~»، قدم جارودي للماركسية تفسيرا إنسانيا وصفه بأنه يستخلص - ~~«عن طريق التحليل النقدي للوجودية والفكر الكاثوليكي وللماركسية - نقاط ~~الالتقاء الممكنة في المسعى المشترك الذي تبذله هذه المذاهب من أجل الوصول إلى ~~الإنسان الكلي»، وواضح من هذا الوصف أنه يهدف إلى إثبات وجود نوع من التكامل ~~بين أفكار ماركس وبين مذاهب أخرى كانت حتى ذلك الحين تخوض ضد هذه الأفكار معارك ~~حامية؛ على أن جارودي قد ذهب في هذا البحث عن التكامل والسعي إلى التوفيق، ~~ومحاولة إجراء «حوار» يسوده التفاهم مع التيارات الفلسفية الأخرى إلى حد أبعد ~~مما ينبغي؛ إذ إنه أرجع الماركسية إلى أصولها المثالية، وخاصة عند ~~«فشته # Fichte ~~» وتجاهل الانقلاب ms280 ~~الإبستمولوجي الذي قام به ماركس وإنجلز، وجعل التحول الاجتماعي راجعا إلى ~~أسباب إنسانية تجريدية ولم يعط إلا أهمية ثانوية لمقولات المادية التاريخية ~~والديالكتيك الموضوعي، وإذا كانت الماركسية قد كسبت - بمحاولة جارودي هذه - ~~صداقة بعض التيارات التي كانت تعاديها كالوجودية والشخصانية، أو اتخذت صورة ~~متقاربة معها، فإنها قد خسرت قدرا غير قليل من طابعها النضالي وقدرتها على نقد ~~الأيديولوجيات المضادة لها، وفقدت جانبا كبيرا من طابعها العلمي ~~الموضوعي. # ويمكن القول: إن أعمال ألتوسير كانت - في جانبها الأهم - رد فعل على هذا ~~الاتجاه إلى إذابة الماركسية في رخاوة النزعة الإنسانية (ولهذا وصفناها من قبل ~~بأنها رد فعل على رد فعل). وكانت سعيا إلى العودة بها إلى صلابة النزعة ~~«العلمية # Scientificité ~~»، وعودة إلى تأكيد ~~مقولاتها المادية المستمدة من كتب مثل «الأيديولوجية الألمانية» و«رأس المال»، ~~وإبرازا لطابعها المتميز الذي يرتكز على أسس لا يمكن الجمع بينها وبين تلك ~~التي تقوم عليها الفلسفات البرجوازية، فلسفته هي بمعنى معين نوع من «السلفية» ~~المتقشفة الصارمة، التي ترجع إلى المنبع وتنبذ التحريفات. ولكنها تقوم في الوقت ~~ذاته بحركة مزدوجة؛ فهي في رجوعها إلى المنبع لا تكتفي بلعبة الاقتباس ~~والاستشهاد بالنصوص، وهي اللعبة التي يندفع إليها كثير من الماركسيين، إما عن ~~عجز منهم عن التفكير المستقل، وإما عن تقصير في متابعة تيارات الفكر التي أعقبت ~~ظهور المؤلفات الأساسية للماركسية، وإما نتيجة الانشغال بالكفاح السياسي، ورغبة ~~في خدمة الاعتبارات العلمية والكفاحية قبل أية اعتبارات أخرى. بل إن ألتوسير ~~يعود إلى الأصول مزودا بكل إنجازات الفكر والعلم المعاصر، ويستخدم في فهم ~~النصوص أحدث أدوات التحليل الفكري التي عرفت في النصف الثاني من القرن ~~العشرين، وخاصة تلك التي تحققت في العلوم الإنسانية التي امتد إليها تأثير ~~العلم الطبيعي، كعلم اللغويات المرتكز على فكرة البناء، والتحليل النفسي الجديد ~~المتأثر بهذه الفكرة نفسها، مما أتاح إلقاء جديد على موضوعه من زوايا حديثة ~~متعددة. وهكذا يمثل تفكيره عودة إلى المنبع وقفزة إلى الأمام في آن واحد، وهو ~~- فضلا عن ذلك - لا يتجاهل المشكلات السياسية التي ms281 تشغل الماركسيين في الوقت ~~الحاضر، وكل ما في الأمر أنه يؤكد الحاجة إلى منهج يتمشى مع الاتجاه الأساسي ~~لماركس، ويتيح لنا معرفة الواقع بطريقة علمية، فهو ينظر إلى الماركسية بوصفها ~~علما يأخذ هو على عاتقه صياغة قوانينه الأساسية، عن طريق هذه القوانين يمكن ~~التصدي للمشكلات التي تواجه الإنسان المعاصر بثقة والإتيان بحلول أصيلة ~~لها. # على أن من الخطأ أن ننظر إلى هذه العودة إلى المنبع على أنها مجرد شرح وإيضاح ~~لفكر ماركس، فمرحلة الشرح قد تم تجاوزها منذ وقت طويل، بل لقد أصبحت كثرة ~~الشروح المباشرة وتكرارها الممل مشكلة من المشكلات التي تواجه الفكر الماركسي. ~~وكان من الضروري أن تأتي بعد ذلك مرحلة تقديم ذلك الفكر بطريقة منهجية جديدة، ~~وإعادة تفسيره في ضوء المعرفة الجديدة التي تم اكتسابها في ميادين متعددة. بل ~~إن نصيب الفكر المبتكر الخلاق في أعماق ألتوسير لا يقل عن نصيب الكتابات ~~الأصيلة التي يقوم بتفسيرها، فإذا تذكر المرء ذلك المستوى الهابط الذي ~~قدمت به الماركسية في كثير من الشروح المباشرة - التي امتلأت بالدعايات ~~الساذجة وسطحت تفكير الفيلسوف نفسه - أمكنه أن يقدر أهمية العمل الذي قام ~~به ألتوسير، الذي بعث حياة جديدة في الفكر الماركسي، و«أثبت أن المفكر يستطيع ~~أن يكون ماركسيا وخلاقا في الوقت ذاته.» # 36 # ولقد كانت نقطة البداية الطبيعية في هذا الخلق الجديد للماركسية، هي نقد ~~الاتجاهات السائدة في تفسير الماركسية، لا في عصره فقط، بل منذ أن ظهر ذلك ~~المذهب؛ ذلك لأن هناك تفسيرا شائعا، له سمات محددة لا يكاد يشك فيها أحد، وهو ~~تفسير تفقد فيه الماركسية أصالتها وتتحول إلى مجرد امتداد للهيجلية. هذا ~~التفسير هو الذي أخذ ألتوسير على عاتقه مهمة نقده، بعد أن أطلق عليه اسم ~~«الماركسية السوقية أو العامية # marxisme ~~vulgair ~~»، فعلى أي نحو انتقد ألتوسير هذا التفسير ~~الشائع؟ # في التفسير الشائع للماركسية تأكيد مفرط لتأثير هيجل في ماركس؛ فالماركسية ~~تصور على أنها فرع من شجرة متعددة الأغصان، هي الهيجلية التي سارت ~~إمداداتها - من بعدها - في اتجاهات اليمين والوسط ms282 واليسار. وهذا الأصل الهيجلي ~~هو مصدر الخطأ الأكبر في الفهم الشائع؛ إذ إنه يؤدي إلى إغفال جوانب أخرى لم ~~تكن هي التي تميزت بها هذه الفلسفة، ولم تكن هي موضع الجدة والأصالة ~~فيها. # والواقع أن نظرة ماركس إلى الفكر تؤدي - منذ البداية - إلى افترق طريقه عن ~~هيجل على نحو حاسم، فماركس لم يعرف ذلك الفكر المكتفي بنفسه، الذي هو أبرز ~~السمات عند هيجل، وإذا كان الفكر والواقع عند هيجل يمتزجان في بوتقة واحدة، فإن ~~هذا الامتزاج يتم عن طريق إضفاء الصبغة الفكرية على الواقع. وحين يقول هيجل: إن ~~«كل واقع معقول، وكل معقول واقع»، فإن أساس قوله هذا هو طريقته الخاصة في إضفاء ~~الطابع الفكري على الواقع؛ بحيث يكون الفكر هو الطرف الثابت، والواقع هو الطرف ~~الذي يتشكل وفقا للفكر، والذي لا نفهمه إلا من حيث هو تعبير عن مقولات فكرية. ~~أما في حالة ماركس فإن نقطة البداية مختلفة اختلافا جذريا؛ إذ إن التفكير ~~عنده نوع من الإنتاج أو الإحداث، والفكر «ممارسة نظرية Pratique théorique ~~» لا تنتج عن جهد ~~الذات الفردية بقدر ما تكون حصيلة تفاعلات بين الذات وبيئتها التي تدخل فيها ~~عوامل اجتماعية وتاريخية، # 37 # بل إن كل معرفة إنما هي نوع من الإنتاج، يقوم به المجتمع مثلما ~~يقوم بإنتاج الثروة، والنظام الذي يخضع له «الإنتاج» في الحالتين متشابه. ولا ~~شك أن هذه النظرة إلى الفكر بوصفه ناتجا اجتماعيا خاضعا لشروط مشابهة لتلك ~~التي تخضع لها النواتج الاجتماعية الأخرى تشكل فارقا أساسيا ينبغي أن يؤخذ ~~في الاعتبار قبل أية محاولة للمقارنة بين فكر هيجل وماركس. # فإذا انتقلنا إلى مضمون فلسفة هيجل؛ وجدنا أن الرأي الشائع في هذا الصدد هو ~~أن ماركس قد اقتبس الجدل الهيجلي على ما هو عليه، وإن كان قد جعله يعتدل بعد أن ~~كان مقلوبا، واستخدمه في فهم الواقع المادي بعد أن كان يستخدم في تحديد ~~مسار حركة الفكر؛ على أن ماركس قد افترق عن هيجل افتراقا تاما في تصوره ~~لفكرة التناقض التي هي الفكرة المركزية ms283 في الجدل الهيجلي؛ فالحركة الجدلية تتم ~~في الإطار الهيجلي عن طريق السلب الذي يعرض علينا، كما لو كان يتضمن قوة ~~خفية تؤدي إلى التحريك. ويبدو أن في قلب الجدل الهيجلي إيمانا بنوع من الغائية ~~الغامضة تتمثل في تلك الدينامية المنبعثة عن التناقض، والتي تدفع بالفكر إلى ~~الأمام نحو مزيد من التعقيد، وتصل بهذا الفكر في النهاية إلى غايته المرسومة ~~مقدما. وحين يقتبس الماركسيون التقليديون هذا التصور الهيجلي للجدل، ويطبقونه ~~على مسار التاريخ، يصورون هذا المسار كما لو كان صراعا مستمرا بين الأبيض ~~والأسود، يقوم فيه ملاك طاهر (هو المركب) بالتوفيق بينهما، مع إلحاق الهزيمة - ~~جزئيا على الأقل - بالأسود. وهذا التبسيط هو ما يعترض عليه ألتوسير، ويراه ~~تزييفا مثاليا لفكر ماركس. # والواقع أن ماركس، كما يفهمه ألتوسير، لم يكن مجرد ناقد لهيجل أو مصحح له، ~~اكتفى باقتباس الجدل منه مع إيقافه على قدميه بدلا من رأسه. بل إنه أزال الزيف ~~الهيجلي المثالي وأعاد إلى الحقيقة طابعها المعقد المتشابك، ولم يكن استمرارا ~~لهيجل، بل كانت مهمته الرئيسية هي تفنيده وتبديد أساطيره. وهكذا لم تكن نقطة ~~بداية ماركس هي الرغبة في إكمال مسار هيجل بعد تصحيحه، وإنما كانت هي «العودة ~~إلى الوراء»، إلى التاريخ الحقيقي الذي شوهته الأيديولوجية الألمانية وبخاصة ~~عند هيجل، وإلى العناصر التي حرفت في مذهب هيجل؛ ومن هنا فإن من الخطأ النظر ~~إلى العلاقة بين ماركس وهيجل في ضوء فكرة «التجاوز والرفع # Aufhebung ~~» الهيجلية؛ لأن ماركس لم يقوم أخطاء هيجل، ~~وإنما بدد أوهامه، وعاد إلى الوراء من الوهم المتبدد إلى الواقع الذي لم ~~يتنبه إليه هيجل؛ أي إلى الأسس العينية للحياة الاجتماعية، كما تتمثل في ~~التاريخ والاقتصادي السياسي والاجتماع. فهو بالاختصار قد اقتحم أرضا جديدة ~~واستمد تفكيره من مصادر مغايرة لتلك التي انطلق منها هيجل. # ولو قارن المرء بين ما قام به هيجل بالنسبة إلى السابقين عليه، وما قام به ~~ماركس بالنسبة إلى هيجل؛ لأدرك الفرق بوضوح؛ فهيجل قد تجاوز بالفعل كلا من ~~اسبينوزا وكانت «وفشته»، ولكن هذا كان تجاوزا ms284 ينطبق عليه لفظ # Aufhebung ~~؛ إذ إنه واصل السير في نفس طريق ~~الفلسفة التأملية النظرية الذي سلكوه، واحتفظ بواحدية اسبينوزا وبالذات الفعالة ~~عند كانت وفشته، مع تجاوزه للنظرة الأحادية الجانب عند كل منهم، # 38 # أما في حالة علاقة ماركس بهيجل فإن الأمر يختلف؛ إذ إنه اتخذ لنفسه ~~منذ البداية طريقا مختلفا، وتخلى عن الوظيفة التأملية للفكر لكي يربط بينه ~~وبين الممارسة العلمية ربطا أساسيا، وجعل للتفكير مهمة مغايرة لكل من ~~سبقه، هي مهمة تغيير العالم لا مجرد تفسيره؛ أي إنه بدلا من أن يرتفع بتأملات ~~هيجل إلى مستوى أعلى قد فجر مذهبه من أساسه. # على أن هذا لا يعني أن ماركس قد انفصل بفكره عن هيجل من أول عهده بالتأليف. ~~فهناك قدر من الصواب في الرأي القائل: إنه قد بدأ هيجليا. ولكن المهم أن نفرق ~~بين الفترة التي كان فيها ماركس دائرا في فلك «الإشكال الهيجلي # la probématique Hegelinre ~~» وتلك التي ~~أصبح له فيها إطاره الفكري الخاص، الذي يتسم بالانضباط العلمي، وتنطبق عليه ~~المقولات البنائية؛ لذلك يقسم ألتوسير تفكير ماركس إلى مراحل: مرحلة الشباب ~~(1840-1844م)، ومرحلة الانفصال أو الاعتزال # coupure # 39 ~~(1845م)، ومرحلة النضج ~~(1845-1857م وما بعدها)؛ ففي المرحلة الأولى التي يمكن تسميتها بالمرحلة ~~الأنثروبولوجية، كان اهتمام ماركس منصبا على الإنسان. وكان متأثرا بفوير باخ ~~عندما جعل هدفه هو أن يحقق للإنسان ماهيته الأصيلة ومتأثرا بهيجل في مصطلحاته ~~وطريقته التأملية في تقديم الحجج وحديثه كفيلسوف تجريدي. أما بعد «الاعتزال» ~~فقد أصبح يعد المرحلة السابقة مرحلة «أيديولوجية»، وأخذ يبحث لنفسه عن ~~مصطلحه الخاص، وازداد اهتماما «بالطابع العلمي» للفكر بدلا من طابعه ~~الأيديولوجي، وأصبح مدار بحثه تحليل بنية النظام الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن ~~كان تحقيق ماهية الإنسان. # في هذه المرحلة لم ينفصل ماركس، في الواقع، عن هيجل فحسب. بل إنه انفصل عن ~~التراث الفلسفي السابق كله. وتلك نقطة يؤكدها ألتوسير بقوة؛ إذ إن من أهم ~~القضايا التي يلح عليها في تفسيره الخاص للماركسية، أن تفكير ماركس الناضج ~~كان يتسم بالجدة الكاملة وكان يمثل ms285 انقطاعا أساسيا # rypture # بالنسبة إلى كل ما سبقه. فما هي ~~السمة المميزة لتفكير ماركس في هذه المرحلة الرئيسية، مرحلة الجدة والاستقلال ~~عن التراث الفلسفي السابق؟ # لكي يتسنى لنا الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي علينا أن نلقي الضوء على لفظ ~~محوري في لغة ألتوسير، استخدمناه منذ قليل دون إيضاح لمعناه، وهو لفظ Problématique ~~(مستخدما بوصفه اسما لا ~~صفة)؛ ففي رأي ألتوسير أن كل مذهب فكري له إشكاله الخاص، أو على الأصح: إطاره ~~الإشكالي المميز، الذي تدور في نطاقه كل تفاصيله وجزئياته. بل إن كل أيديولوجية ~~ينبغي أن تفهم على أنها تؤلف كلا تجمعه وحدة باطنة، هي وحدة ذلك الإطار ~~الإشكالي أو التساؤلي الذي تتصدى للإجابة عنه، والذي تنفرد به عن غيرها، ويشكل ~~البؤرة المركزية المميزة لتكوينها النظري، # 40 # وسيان أن ننظر إلى هذا المحور الأساسي في ضوء تشبيه الإطار؛ بحيث ~~يكون هو الهيكل الذي تندرج «في داخله» كل التفاصيل ولا تفهم إلا من خلاله، ~~أو في ضوء تشبيه النواة المركزية؛ بحيث تكون هذه التفاصيل دائرة «حوله» ومتجهة ~~نحوه، فإن المهم في الأمر أن فهم هذا المحور أساسي من أجل الوصول إلى معنى كل ~~قضية من القضايا التي تثار في المذهب أو الأيديولوجية المعينة. # على أنه لا يتعين أن يكون المفكر على وعي بالإطار الإشكالي الذي يدور في ~~داخله تفكيره، أو أن يصرح به في كتاباته بوضوح. بل إن هذه هي مهمة المفسر الذي ~~ينبغي عليه أن يستخلصه من كتابات بطريقة ضمنية، وأن يقرأ ما بين السطور، ولا ~~يكفي بما هو مصرح به. وفي كثير من الأحيان لا يكون السؤال الأساسي أو المحوري ~~هو ذلك الذي «يبدو» بارزا في كتابات الفيلسوف؛ ففي كتاب «رأس المال» يبدو أن ~~الفكرة الرئيسية هي فكرة العمل وعلاقته برأس المال. ولكن التفسير الصحيح في رأي ~~ألتوسير ينبغي أن يرتكز على التقابل بين القيمة والقيمة الاستعمالية # valeur d’usage # وعلى فكرة فائض ~~القيمة، ومن هاتين الفكرتين يستخلص «البناء» الأساسي الذي أخذ ماركس يطوره ~~وينميه طوال الأجزاء الثلاثة من كتابه ms286 الرئيسي، بغض النظر عن الترتيب الفعلي ~~الذي سار عليه من جزء إلى آخر. # هذا «البناء» المميز للماركسية ذو طابع موضوعي، أصبحت بفضله الماركسية ~~«علما» بالمعنى الصحيح. أما تفسير الماركسية من خلال كتابات الشباب التي كانت ~~تنظر إلى الإنسان بوصفه الموضوع الأساسي للبحث، وتعده المحرك الوحيد للتاريخ، ~~وتركز جهودها على تحقيق صورة مثلى للإنسانية، فأقل ما يقال عنه إنه يصبغ ~~الماركسية بصبغة رومانتيكية تضيع معها علميتها وموضعيتها وانضباطها، فأصل البحث ~~الماركسي ومحوره هو ذلك البناء الاجتماعي الاقتصادي الذي يحمل الإنسان في ~~طياته، والذي يساعدنا - إذا شئنا - على أن نفهم الإنسان في داخله، وإن لم يكن ~~مستمدا من المقولات الإنسانية؛ لأنه يتعلق بحقيقة مستقلة عنها، لها قوانينها ~~الموضوعية، شأنها شأن أي بناء آخر. وكل تحليلات ماركس للصراع الطبقي من هذا ~~النوع المرتكز على قوانين بنائية تنتمي إلى تركيب المجتمع ذاته، وتفرض نفسها ~~على الإنسان. # ولكي يعمل ألتوسير حسابا لهذا البناء المعقد الذي هو محور التساؤل ومدار ~~البحث عند ماركس، كان من الضروري أن يتجاوز المفهوم الساذج للحتمية الاقتصادية، ~~الذي روجت له الماركسية العامية. فهذا التفسير الساذج يرد كل شيء إلى عامل ~~واحد، هو العامل الاقتصادي، ويقول بوجود علاقة سببية مباشرة بين البناء الأدنى ~~والبناء الأعلى، ويغفل التعقد الشديد للواقع، واستحالة تطبيق مثل هذه الحتمية ~~المباشرة ذات الاتجاه الواحد في مجال معقد كذلك الذي تصدت له الماركسية. وفي ~~مقابل ذلك يقول ألتوسير: إن نوع الحتمية الوحيد الذي يمكن تصوره في هذا المجال ~~هو ما يسميه بالحتمية المتبادلة أو المعقدة # surdétermination ~~، فمن الخطأ في نظره تفسير ~~ماركس على أساس القول بعنصر رئيسي ذي طبيعة اقتصادية تخضع له كل العناصر الأخرى ~~التي تعد «ثانوية» بالقياس إليه. بل إن الحقيقة الأصلية معقدة بطبيعتها، ~~والحتمية فيها متبادلة دون أفضلية لواحد من عناصرها على الآخرين. وهكذا يستخدم ~~ألتوسير مقولة فكرية تلائم تعقد الموضوع الذي يبحثه، ويستعين بمعطيات ذهنية ~~جديدة يراها أصلح للتعبير عن المعقولية الكامنة في الماركسية، وكما أن علماء ~~الفيزياء أدركوا - في مطلع القرن العشرين - أن الحتمية ms287 المباشرة ذات الاتجاه ~~الواحد لا تصلح للتعبير عن سلوك الجزئيات في المجال الذري، وأدخلوا مفاهيم ~~جديدة تحفظ لهذا المجال طابعه الموضوعي، وتعمل في الوقت ذاته حسابا لتعقده ~~وتشابكه، فكذلك يفسر ألتوسير الماركسية على أساس فكرة العلية المتعددة الجوانب، ~~التي لا يكون فيها مركز مميز لأي عنصر بعينه من عناصرها؛ فالأسباب أو العلل في ~~المجال الاجتماعي شديدة التعقيد، والحركة لا تتولد فيه عن طريق إضافة الأسباب ~~بعضها إلى بعض خلال مسارها، وهي تمارس تأثيرها على المستويات المختلفة، # 41 # وبذلك يتسع نطاق المعقولية على نحو يتجاوز بكثير الفهم التقليدي ~~للحتمية الاقتصادية. # وليس من المرء بحاجة إلى تفكير طويل لكي يدرك مدى تأثير فكرة «البناء» على ~~مفهوم «العلية المتبادلة» عند ألتوسير، فهذه الفكرة هي التي تتيح فهم التفاعلات ~~المتبادلة الكثيرة التي تحدث على مستويات مختلفة للواقع الاجتماعي. ولا شك أن ~~ألتوسير قد أضاف إلى الماركسية بعدا عميقا حين استخدم، في تفسيره الفلسفي، ~~مفاهيم جديدة توصلت إليها البحوث العلمية المعاصرة، فاستطاع بذلك أن يحقق ما ~~عجزت عنه أدوات التفكير الكلاسيكية، وتمكن من الإحاطة على نحو أكمل بالعلاقة ~~البالغة التعقيد بين البناء الأدنى والبناء الأعلى، متجنبا ذلك التبسيط ~~المخل الذي كانت الماركسية العامية مهددة دائما بالوقوع فيه. # وعلى الرغم من أن كتابات ماركس لم تعبر عن هذا الاتجاه إلا بصورة ضمنية، فقد ~~كانت فيها بذور مؤكدة أكن تنميتها فيما بعد، فعلى حين أن بعض الماركسيين ~~يعتقدون أن كل مجتمع بشري ينبغي أن يمر بنفس المراحل المحددة: من البدائية إلى ~~الرق ثم الإقطاع وبعده الرأسمالية؛ لينتهي إلى الاشتراكية، فإن كتابات ماركس ~~ذاتها قد تضمنت ما يوحي لنا بتفسير مخالف، يساعد على كشف ما هو مميز لكل مجتمع، ~~ولا ينظر إلى التاريخ بنظرة تراكمية تؤدي فيها كل حضارة إلى ظهور حضارة أخرى ~~تمر بنفس المراحل، ويتمثل هذا التفسير المخالف في تنبيه ماركس إلى ما أطلق ~~عليه اسم «أسلوب الإنتاج الآسيوي»، الذي يدل على رغبته في فهم واقع الشعوب ~~الآسيوية، وكثير من المجتمعات التي نطلق عليها اليوم اسم ms288 «العالم الثالث» دون ~~الحاجة إلى وضعها في قوالب أوروبية أو تأكيد انطباق مقولات التاريخ الأوروبي ~~عليها بطريقة مبسطة موحدة الاتجاه، وما هذا إلا مثل واحد يدل على أن كتابات ~~ماركس كانت تتضمن بالفعل بذورا لنظرة جديدة إلى الحتمية، مخالفة للحتمية ~~المبسطة ذات الاتجاه الواحد، التي اعتاد الماركسيون اللاحقون أن ينسبوها ~~إليه. # بقي أمامنا في هذا العرض الذي نقدمه لتفسير ألتوسير البنائي للماركسية سؤال ~~أخير، هو: هل نجح هذا التفسير بالفعل في تجاوز كل العقبات التي تقف في وجه ~~التفسير التقليدي للماركسية؟ وهل تمكن من أن يعبر - على نحو جامع - عن ~~الماهية الأصلية لتفكير ماركس؟ من المؤكد أن ألتوسير مفكر قدير، متمكن من مادته ~~ومن أسلوبه، وأن عمقه قد أفاد الماركسية كثيرا في إنقاذها من خطر «التسطيح» ~~الذي تتعرض له على يد التفسيرات المفرطة في التبسيط. ولكن المشكلة في أمثال هذه ~~التفسيرات المتعمقة هي أنها أحيانا تقوم بعملية «إسقاط» تطغى فيها أفكار ~~المفسر ذاته على الفيلسوف الذي تفسره، كما أنها قد تضطر - من أجل الاحتفاظ ~~بتماسكها الداخلي - إلى تجاهل بعض الحقائق الأساسية التي تقف عقبة في وجهها، ~~ويبدو أن ألتوسير معرض للوقوع في أخطاء من هذين النوعين. # ولعل أول ما تجدر الإشارة إليه - في هذا الصدد - هو الاتجاه العام لتفسير ~~ماركس عن ألتوسير، فهو يريد أن يثبت أن الإطار الذي وضعه ماركس لتفكيره كان ~~جديدا كل الجدة، وربما كان من حقنا أن نتساءل عما إذا كانت مبادئ الماركسية ~~ذاتها تسمح بوجود إطار جديد كل الجدة لدى أي مفكر؛ ذلك لأن هذا معناه أن ~~يكون المفكر مختلفا عن كل السابقين غير متأثر بهم، فهل تعد هذه النظرة إلى ~~تطور الفكر، التي تؤكد وجود حالات «انقطاع» حاسم فيه، وتنكر الاتصال التاريخي ~~بالنسبة إلى هذه الحالات بعينها، وتقول بإمكان وجود بداية مطلقة في الفكر؛ هل ~~تعد هذه النظرة متمشية مع وجهة النظر الماركسية ذاتها في تطور الفكر؟ أشك ~~كثيرا في أن يكون الجواب عن هذا التساؤل بالإيجاب. # وفي سبيل تأكيد هذه البداية المطلقة، أنكر ms289 ألتوسير أن يكون ماركس قد تأثر - ~~في مرحلة نضوجه - بالمقولات الفكرية الهيجلية، وتلك نقطة أخرى لا يمكن قبولها ~~بسهولة. وكانت هي على وجه التحديد من أكثر النقاط التي اعترض عليها ماركسيون ~~آخرون من نقاد ألتوسير؛ ذلك لأن ألتوسير تجاهل هنا أن ماركس نفسه قد شهد في ~~كتاباته بتأثير المنهج الديكالتيكي الهيجلي عليه، وبأنه قد اقتبسه بعد أن أعاده ~~من وضعه المقلوب إلى وضع الاعتدال، كما تجاهل لغة ماركس التي ظلت هيجلية حتى ~~كتاب «الأيديولوجية الألمانية» على الأقل، وتجاهل تأكيد ماركس أن هيجل هو الذي ~~قدم إليه الأداة المنطقية التي تمكن بواسطتها من الانتقال من أبسط العلاقات ~~وأقربها إلى الطابع المباشر - أي العلاقة بين شخصين في التعامل بسلعة معينة - ~~إلى النقد العام للنظام الرأسمالي بأسره، متبعا نفس المنهج الذي اتبعه هيجل في ~~انتقاله من أبسط المفاهيم حتى أعقدها، في كتابي «المنطق» و«ظاهريات الروح»، ~~وتجاهل أخيرا كل ما قاله لينين بعد ذلك عن أهمية هيجل واستحالة فهم ماركس دون ~~دراسة منطق هيجل، والأمر الذي أتاح له هذا التجاهل هو تلك التفرقة التي وضعها ~~بين ما عبر ماركس عنه صراحة وعن وعي، وما كان ماركس يعنيه بالفعل، فهو لا ~~يكترث بالتصريحات الفعلية بقدر ما يهتم بالمعاني الضمنية التي لا تفهم إلا ~~من خلال دراسة «النسق» الفكري لكتاباته وتحليل بنائها، بغية الوصول إلى دلالتها ~~التي تظهر على السطح الخارجي. وهكذا كان ألتوسير يقلل من شأن تأكيد ماركس أنه ~~قلب الجدل الهيجلي رأسا على عقب، ويصفه أنه مجرد مجاز لفظي، وهي طريقة في ~~التفسير يمكن أن تؤدي إلى أية نتائج يريدها المرء، ما دام لا يقيم وزنا لما ~~يقوله المفكر نفسه، وأما عن شهادة لينين، فمن الملاحظ أن ألتوسير قد قام بنفس ~~هذا العمل عن لينين نفسه (في كتاب «لينين ~~والفلسفة # Lenine et la ~~philosophie ~~»)؛ أي إنه فسره تفسيرا «علميا» مبالغا فيه، ~~وتجاهل الارتباط الوثيق بين البناء الشكلي والمضمون الفلسفي في كتاباته، كما ~~تجاهل المضمون الثوري الذي ينبغي للمرء أن يعمل حسابه في كل قراءة ms290 لتلك ~~الكتابات، إلى جانب ما فيها من شكل علمي خارجي. # 42 # والواقع أن حرص ألتوسير الشديد على كشف «البناء» العلمي المنضبط في كتابات ~~ماركس، قد أدى به إلى السير في متعرجات الاستدلال الفلسفي، التي يتوه فيها ~~القارئ معه دون أن يعرف كيف يعود إلى الواقع الذي بدأ منه. وفي خلال هذا المسار ~~المتعرج، والذي ينبغي أن نعترف لألتوسير بالقدرة على سلوكه دون أن يفقد الخيط ~~الجامع بين أطراف براهينه، وبالتمكن التام من شاد الاستدلالات تجريدا، في خلال ~~ذلك يحس القارئ بأن النهاية شيء والبداية شيء آخر، وبأن البناء الشكلي للتفسير ~~أخذ يطغى بالتدريج على المضمون الفكري، حتى يتحول الأمر في النهاية إلى مجرد ~~الاستمتاع بالجمال الشكلي لهذا البناء مع نسيان الهدف الأصلي الذي كان ماركس ~~يضعه نصب عينيه في كل ما كتب. # أما هذا الهدف الأصلي، فهو الإنسان أولا وأخيرا، ومهما قيل عن وجود بناء ~~علمي موضوعي لا شأن له بالاعتبارات العاطفية الإنسانية عند ماركس (وكثير من هذا ~~الذي يقال صحيح)، فإن كل بناء شيده ماركس كان له - في النهاية - هدف إنساني. ~~صحيح أن ماركس قد استبعد الاعتبارات العاطفية من تفكيره، ولم يكن في مرحلته ~~الناضجة يهتم بتحقيق صورة مثالية للإنسان بقدر ما كان يهتم بكشف القوانين ~~العلمية الموضوعية للعلاقات الاجتماعية التي تعلو على الأشخاص، كل هذا صحيح. ~~ولكن هذه الحجج «العلمية» كلها كانت تستهدف - آخر الأمر - القيام بثورة ~~«إنسانية» تؤدي إلى إقامة علاقات اجتماعية يختفي فيها استغلال الإنسان للإنسان، ~~ولو لم يتذكر المرء هذا الهدف النهائي للماركسية على الدوام؛ لكان - على حد ~~تعبير أحد نقاد ألتوسير - كالمستجير من دجماطيقية النزعة الإنسانية بدجماطيقية ~~أخرى أفدح وأخطر، هي دجماطيقية الشكلية التجريدية. # 43 # والواقع أن ألتوسير كان على حق في محاولته تخليص فكر ماركس من التشويهات التي ~~أصابته على يد أولئك الذين كان هدفهم الأوحد تحقيق غايات علمية وبرجماتية؛ بحيث ~~نسبوا إليه نزعة إنسانية شبه مثالية لكي يرضوا مجتمعا متشبعا بالأفكار ~~والمبادئ الليبرالية، ويقربوا أفكاره إلى عقول الناس في مثل هذا المجتمع، ms291 وبهذا ~~المعنى كان تفسير ألتوسير نوعا من العودة إلى الأصالة بعد التشويهات العملية، ~~التي لا تقيم وزنا كبيرا للمذهب في صورته النقية، ولا يملك المرء إلا أن ~~يتعرف بأن ألتوسير كان على حق - ولو بصورة جزئية - حين هاجم أولئك الذين ~~انطلقوا - في تفسيرهم لماركس - من مفهوم مجرد للإنسان، وارتكزوا على مفاهيم مثل ~~«الاغتراب» لم يحاولوا أن يربطوها بجذور اجتماعية ملموسة. وكان على حق حين أكد ~~أن العلم الإنساني الذي شيده ماركس في «رأس المال» لم ينطلق من مفهوم ~~الإنسان، حتى لو كان ذلك هو الإنسان الواقعي في علاقاته الإنتاجية المحددة، بل ~~انطلق من تحليل بناء الإنتاج ومن فكرة الطبقات الاجتماعية. ومن القوانين ~~الموضوعية للاقتصاد التي توجد مستقلة عن وعي الإنسان بها، بل وتتحكم في هذا ~~الوعي. # ولكن عندما يصل الأمر بهذا التفسير إلى رفع شعار «موت الإنسان» (بالمعنى ~~المحدد في الفقرة السابقة)، فإن المرء لا يملك إلا أن يعد هذا تطرفا غير ~~مشروع؛ فالقضية الكامنة من وراء هذا الشعار - وهي أن هناك تعارضا بين الاعتراف ~~بالإنسان كنقطة بداية للبحث، وبين الوصول إلى الحقائق الموضوعية للمجتمع - هي ~~ذاتها قضية مشكوك فيها إلى حد بعيد، وإذا كانت تلك الحقائق الموضوعية الذي ركز ~~عليها ألتوسير تفسيره هي البناء الطبقي وعلاقات الإنتاج وقوانينها اللاشخصية، ~~فمن المهم أن نذكر أن عملية الإنتاج نفسها عملية إنسانية، بل هي التي تميز ~~الإنسان عن سائر الحيوانات التي لا «تنتج» شيئا لكي تعيش، وتلك حقيقة أكدها ~~ماركس نفسه، وخطورة هذا التطرف في التفسير تكمن في أنه يصور الأمر كما لو كانت ~~في المجتمع قوى تعمل بذاتها - بصورة تلقائية لها قوانينها الخاصة - على نحو ~~مستقل عن الإنسان الذي هو في نهاية الأمر صانعها وسبب وجودها. # ولذلك نعتقد أن «ميلو # Milhau ~~» كان على حق ~~حين انتقد تطرف ألتوسير في إنكار النزعة الإنسانية بقوله: «إذا اعترفنا بأن ~~الماركسية منظورا إليها على أنها تصور علمي لتطور المجتمع لم تكن نزعة إنسانية ~~بمعنى نظرية تستمد نقطة انطلاقها من الإنسان، وإذا سلمنا بأنها على عكس ms292 ذلك، ~~هي الدراسة العلمية لتطور المجتمع في تحديداته الذاتية والموضوعية، فإنه يظل من ~~الصحيح رغم ذلك أن هناك نزعة إنسانية ماركسية تعبر عن أماني الطبقات المضطهدة ~~في صراعها من أجل التحرر . هذه النزعة الإنسانية ليست إضافة ذات طابع روحي تلصق ~~أو تلحق بنظرية علمية، بل هي تركز نظريا على حقيقة واقعة، هي وجود أفراد من ~~البشر يسلكون في العمل المنتج وفي صراع الطبقات بكل أشكاله وفقا لشروط محددة ~~لا تتوقف عليهم، وتترتب على سلوكهم هذا تغييرات على مستويات متعددة، سواء أكان ~~سلوكهم واعيا أم لم يكن، وسواء أكانت هذه التغيرات متعمدة أم لم تكن، وهذه ~~التغيرات بدورها تتخذ موضوعا لدراسات تجريبية وعينية، وفقا لمقولات المادية ~~التاريخية، (مما يؤدي إلى ظهور) دراسة إنسانية علمية لا يمكن أن تستمد مبادئها ~~إلا من المادية الجدلية والمادية التاريخية مفهومتين بمعناهما الشامل.» # 44 # وهكذا يكون من الممكن التوفيق بين الاهتمام بالقوانين الموضوعية للمجتمع ~~والاهتمام بالإنسان. أما حين يصل الأمر عند ألتوسير إلى حد استبعاد مفاهيم ~~أساسية عند ماركس، مثل مفهوم النزعة الإنسانية والاغتراب و«البراكسيس» والنزعة ~~التاريخية على أساس أنها كلها تمثل مرحلة «أيديولوجية» سابقة على الماركسية ~~الناضجة، وعلى أساس أنها تشكل عقبة في وجه الفهم البنائي العقلاني للمجتمع، فإن ~~هذا يعني أن صاحب هذا التفسير لا يتحدث عن ماركس الحقيقي بقدر ما يتحدث عن ~~ماركس كما يتلاءم مع تفكير المفسر ذاته؛ أعني ماركس التجريدي الذي وضع الإنسان ~~وواقعه العيني «بين قوسين»، واكتفى ببناء طاغ على الإنسان، ولتحقيق ذلك لجأ ~~ألتوسير إلى التمييز بين ما قاله ماركس فعلا، وما كان يعنيه «حقيقة» ولكن ~~بصورة ضمنية، ومثل هذا التمييز بين التعبير الصريح للمفكر وبين «ما يقصده ~~بالفعل» هو دائما محفوف بالخطر، يكون من الصعب معه وضع حد فاصل بين التفكير ~~الأصلي للفيلسوف المراد تفسيره، وبين الاتجاهات الخاصة التي يريد المفسر - ~~بناء على تكوينه الفكري الخاص - أن ينسبها إليه، وبقدر ما يكون في مثل هذا ~~التفسير من جدة ومن أصالة - وهي صفات تتوافر في ألتوسير بغير شك - فإنه ms293 يظل ~~على الدوام معرضا للانحراف عن نقط البداية التي انطلق منها، ولفقدان الطريق ~~الموصل إلى حل للمشكلات التي بدأ بالتصدي لها. # خاتمة: البنائية والإنسانية # لم يكن ألتوسير هو الفيلسوف البنائي الوحيد الذي وجهت إليه تهمة إنكار الإنسان ~~من أجل تأكيد نسق أو بناء يعلو عليه ويتجاوزه، فواقع الأمر هو أن البنائية - في شتى ~~اتجاهاتها - معرضة لهذا الاتهام، وبعض ممثليها لا ينكره ولا يجد فيه ما يدعوه إلى ~~اتخاذ موقف الدفاع عن نفسه. وفي البنائية - كمذهب - اتجاه عام إلى تأكيد طغيان ~~النسق على الإنسان؛ بحيث يعجز الإنسان عن التحكم في نشأته أو في غايته، ولا يتبقى ~~أمامه إلا إخضاع دراسة الإنسان للمعقولية والموضوعية الكاملة هو الذي بدا - في نظر ~~الكثيرين - مهددا للإنسان نفسه؛ بحيث تبلورت حوله كل الانتقادات التي وجهت إلى ~~البنائية من شتى الاتجاهات. # ولعل أبرز العناصر التي انصب عليها هجوم نقاد البنائية، هو نظرتها السكونية # Statique # إلى الإنسان وإلى تاريخه، فعلى قدر ~~نجاح البنائية في التعبير «التكوين الثابت» للإنسان عبر العصور المختلفة، نجدها ~~تخفق في تعليل التطور والتقدم، وتكاد تذهب إلى حد القول بأن الاعتقاد بالتقدم وهم، ~~وبأن التحديدات التاريخية سراب خداع، ويترتب على هذه النظرة السكونية عجز البنائية ~~عن تفسير «منشأ» البناءات التي تدور حولها أبحاثها، وعن تفسير كيفية الانتقال من ~~مرحلة إلى أخرى، أو من بناء إلى آخر؛ ففي أبحاث ستروس - التي استهدفت الوصول إلى ~~التكوين الثابت للعقل من خلال الدراسة الأنثروبولوجية للحضارة، نعجز عن تعليل كيفية ~~ظهور هذا العقل أو نشوئه، ويبدو وكأن هذا العقل كان «هناك» على الدوام، كما نعجز عن ~~تفسير تحول هذا العقل إلى صورته الحديثة التي أنتجت العلم وأنتجت البنائية ذاتها ~~مظهرا من مظاهر العلم. وفي تحليلات ألتوسير ينصب التأكيد على فهم العناصر المتزامنة # synchroniques ~~. أما الانتقال من أسلوب ~~في الإنتاج إلى آخر، والطريقة التي تكون بها هذا الأسلوب في فترة تاريخية معينة، ~~فهذا ما نعجز عن الاهتداء إليه في نطاق أبحاثه؛ أي إن ألتوسير بدوره لا يقدم ~~تعليلا كافيا «لمنشأ» الظواهر ms294 التي يبحثها، أو «لنقاط التحول» التاريخية الحاسمة ~~التي تطرأ عليها، والتي يتعين إذا شئنا تفسيرها أن نخرج عن النطاق الذي تقيد به ~~ألتوسير، ونعود إلى البشر والإطار الذهني الذي كانوا يعيشون فيه. أما «فوكو» فكان ~~إنكاره للتاريخ صريحا. بل إنه يتجنب كل ما له صلة بمقولات التغير والتحول، ولا يرى ~~في كل مرحلة تاريخية إلا ثوابها فحسب، ويصل به الأمر إلى حد التشكيك في مفهوم ~~«الإنسان» نفسه، من حيث هو مفهوم يصلح لإقامة دراسة علمية موضوعية، مؤكدا أن ~~الإنسان ليس إلا «ثنية خفية # ride ~~» في الرمال. # 45 # ومن النتائج الهامة التي ترتبت على إنكار مفهوم الإنسان، وإسقاط التاريخ من ~~الحساب، هجوم بعض البنائيين على المفهوم الجدلي للعقل، واعترافهم بعقل واحد فقط هو ~~العقل التحليلي، وقد ظهر ذلك واضحا في الفصل الذي خصصه ستروس لمهاجمة كتاب «نقد ~~العقد الجدلي» لجان بول سارتر، فهو في هذا الفصل ينكر أن يكون هناك استخدام آخر ~~للعقل غير الاستخدام التحليلي، ومن ثم فإن كل اتجاه إلى البحث عن منشأ الظواهر ~~وتاريخها وتطورها هو اتجاه ثانوي، يمكن أن يضاف إلى العقل التحليلي. ولكنه لا يمكن ~~أن يكون بديلا عنه، فما يسمى بالعقل الجدلي هو الجهد الذي يبذله العقل التحليلي ~~عندما يريد أن يقوم بمغامرات، ويشيد الجسور ويعبرها، وينتقل من مواقعه. ولكنه ليس ~~على الإطلاق «نوعا آخر» من العقل «يختلف» عن العقل التحليلي أو يحل محله، ويظل ~~الطابع الدائم للعقل الإنساني هو التحليل الذي يكشف عن البناءات الثابتة، والذي ~~يوصلنا هو وحده إلى المعقولية في فهم الظواهر. # على أن البعض الآخر من أنصار البنائية يأخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن المذهب ضد ~~هذه الاتهامات الموجهة إلى تصور البنائية للإنسان؛ ومن ثم للتاريخ والعقل الجدلي، ~~وهم ينطلقون في دفاعهم هذا من مبدأين أساسيين: أولهما وجود سوء فهم لتلك المقولات ~~التي تتهم البنائية بأنها تنكرها، وثانيهما إمكان التوفيق بين البنائية وبين تلك ~~المقولات مفهومة بمعناها الصحيح. # أول هؤلاء المدافعين هو بياجيه، وقد عرضنا في مستهل هذا البحث لرأيه في ms295 إمكان ~~التوفيق بين البنائية والنزعة التاريخية، وتساؤله عن الحكمة في إصرار البنائيين على ~~النظرة السكونية إلى المعرفة البشرية. وحسبنا الآن أن نعرض رأيه في النقد الذي ~~أشرنا إليه في النقطة الأخيرة، وأعني به تصور العقل في البنائية؛ ففي رأي بياجيه أن ~~ستروس كان على صواب حين قال: إن العقل الجدلي يضاف إلى العقل التحليلي وليس بديلا ~~عنه، وهو بدوره يؤمن بأن كلا منهما طريقة خاصة في استخدام العقل. ولكنهما ~~متكاملان وليسا متنافرين، فمهمة العقل التحليلي في العلم هي القيام بالتحقيق ~~والتثبيت من صحة القضايا # verification ~~، ومهمة العقل ~~الجدلي أو التركيبي هي أن يعطينا القدرة على الإبداع والتقدم، وهي قدرة يفتقر إليها ~~العقل التحليلي، وفي كثير من الأحيان يتم التقدم في العلم عن طريق عملية ~~النفي # négation # التي يهدم بها العقل الجدلي ~~معتقدات كثيرة زائفة تعترض طريق العلم، أو ينتزع مبدأ علميا يعتقد الناس بصحته ~~المطلقة من مكانته الرفيعة، ويضع محله مبدأ آخر أكثر منه مرونة، وأقدر منه على ~~تكوين مركب يوسع نطاق العلم. وهذا ما حدث حين أنكرت الهندسة اللاإقليدية مصادرة ~~التوازي، مما أدى إلى قيام هندسات أشمل من هندسة إقليدس، أو حين أنكر المناطقة ~~المعاصرون مبدأ الثالث المرفوع، فترتب على ذلك ظهور المنطق متعدد القيم، # 46 # وهكذا فإن بياجيه - مع اعترافه بوحدة العقل البشري وبالدور الرئيسي ~~للعقل التحليلي في العلم - يؤكد إمكان التوفيق بين هذا الرأي وبين أنصار العقل ~~الجدلي في العلم، يؤكد إمكان التوفيق بين هذا الرأي وبين أنصار العقل الجدلي، إذا ~~اعترفنا بأن هذا الأخير يمثل طريقة مثمرة في استخدام العقل العلمي، وأنه هو الذي ~~يتيح للعلم فرصة التحرك نحو أنساق أو بناءات أوسع وأشمل. # أما الاتهام القائل بتجاهل البنائية للإنسان أو للنزعة الإنسانية بوجه عام، فإن ~~بياجيه يرد عليه أن هذا اتهام مبني على سوء فهم لمعنى النزعة الإنسانية؛ ذلك لأن ~~موجهي هذه التهمة يعرفون الذات الإنسانية على طريقتهم الخاصة، ثم ينعون على ~~البنائية أنها تهدم هذا الذي يرون أنه هو تلك الذات، وحقيقة الأمر - في ms296 رأي بياجيه ~~- هي أن البنائية تفرق بين الذات الفردية - التي لا تتخذها البنائية موضوعا للبحث ~~على الإطلاق - وبين «الذات المعرفية» # epistémique ~~، ~~أي تلك النواة المعرفية التي تشترك فيها الذوات الفردية كلها على مستوى واحد، كذلك ~~تفرق البنائية بين ما تحققه الذات بالفعل، وبين ما يصل إليه وعيها، وهو محدود ~~بطبيعته، وما تركز عليه البنائية اهتمامها هو تلك العمليات التي تقوم بها الذات، ~~وتستخلصها بالتجريد من أفعالها الذهنية العامة، ومن هذه العمليات تؤلف البناءات ~~التي تستخدمها الذات في نشاطها العقلي الذي لا ينقطع؛ ومن هنا لم تكن عملية تكوين ~~البناءات واعية، ويرى بياجيه أن هناك سوء فهم يكمن وراء الاعتقاد بأن التركيز على ~~هذه العمليات اللاشخصية العامة - التي تتكون منها البناءات - معناه اختفاء «الذات» ~~الإنسانية؛ إذ إننا ها هنا في مجال العلاقات الشخصية، وإنما نحن في مجال «المعرفة». ~~وهذا فارق عظيم الأهمية؛ ففي مجال المعرفة نتخلى عن اتجاهنا التلقائي إلى التمركز ~~حول أنفسنا، ونتحرر من ذاتية العلاقات الشخصية، ولا يكون للذات وجود - بوصفها ذاتا ~~عارفة - إلا بقدر ما تعمل على إيجاد مركبات بين عناصر معرفتها، وبقدر ما تكشف عن ~~ترابطاتها المتداخلة، التي تتولد منها البناءات، # 47 # وبالاختصار فإن تلك الذات التي تصور سارتر في نقده أن البنائية تنكرها، ~~هي الذات الشخصية التي تركزت عليها فلسفته. ولكنها ليست الذات التي تشيد بناء ~~العلم، والتي يتحتم عليها - بحكم طبيعة عملها - أن تلجأ إلى تجريدات لا شخصية، ~~والتي لا نستدل على وجودها إلا من هذه التجريدات. # وعلى أية حال؛ ففي استطاعة المرء أن يدرك بسهولة أن هذا الاهتمام بالبناءات ~~التجريدية قد انبثق - في حالة البنائية - من دراسة متعمقة لعدد كبير من الظواهر ~~الإنسانية الأصيلة، كالأساطير والأحلام والطقوس البدائية، ولو قارنا بين موقف ~~البنائية وموقف الوضعية المنطقية في هذا الصدد لاتضح لنا أن هذه الأخيرة هي الأحق - ~~بغير جدال - بأن توصف بتجاهلها للإنسان، فقد استبعدت الوضعية المنطقية - باسم العلم ~~أو النظرة العلمية - كل هذه الظواهر من مجال «ما له معنى»، وأبت أن تعترف لها ~~بأي ms297 نوع من الحقيقة؛ حرصا منها على فهمها الخاص الشديد الضيق للحقيقة وللمعرفة ~~العلمية التي تنحصر فيما يقبل التحقيق # verification ~~، أما البنائية فكانت علمية بمعنى أوسع بكثير، يتسع ~~لأنواع من النشاط ومن التجارب الإنسانية التي ظلت تعد حتى ذلك الحين داخلة في باب ~~«اللامنطقي» أو «اللامعقول»، وأتاح لها هذا التوسيع لحدود النشاط العقلي أن ترد ~~اعتبار الإنسانية طوال الجزء الأكبر من تاريخها، وهو ذلك الجزء الذي كان تسوده ~~الأساطير والطقوس والنظم البدائية، كما أتاح لها الوصول إلى معنى جديد للمعقولية، ~~وهو ذلك الذي يهتدي إلى تركيبات عقلية في تلك الظواهر التي تبدو في الظاهر أبعد ما ~~تكون عن العقل. # ولقد انتهى «سيباج # Sebag ~~» في دفاع آخر عن ~~البنائية ضد تهمة إنكار الإنسان إلى نتيجة مماثلة ولكن من زاوية أخرى، فهو يعترف ~~بأن البناءات - التي هي ذات تركيب رياضي ومنطقي - يمكن أن تفهم على أنها مستقلة ~~عن إنتاج الإنسان لها؛ ومن ثم فلا يمكن تفسير مصدر إلا عن طريق الاعتراف بوجودها ~~«قبليا» على نحو لا يخفف من غموض المشكلة الأصلية في شيء، أو عن طريق افتراض ~~لاهوتي هو وجود إله يجعل تركيب الأشياء ذاتها قابلا للحساب الرياضي # Dieu calculateur ~~، # 48 # وهو فرض يعبر عن العجز عن حل المشكلة؛ على أن «سيباج» يرد على هذا ~~النقد معترفا بأن كل ما ينتمي إلى مجال الإنسان لا بد أن يكون من صنع الإنسان؛ ومن ~~ثم فلا يصح أن نتصور البنائية على أنها نظرية تجعل أصل الأنساق التي تفسر بها ~~الظواهر الإنسانية خارجا عن نطاق الإنسان، فمسألة ارتباط اللغة والأسطورة والدين ~~والمجتمع بالإنسان ونشاطه العقلي هي مسألة لا جدال فيها. ولكن من الواجب أن نفرق ~~بين مقاصدنا أو نوايانا الخاصة حين نستخدم اللغة أو الأسطورة مثلا، وبين ذلك النسق ~~الذي ينبغي أن نراعيه كلما نطقنا كلاما لغويا أو عرضنا موضوعا أسطوريا، فلكي ~~يكون كلامي مفهوما ينبغي أن ألتزم قواعد معينة، وحتى لو كنت من أنصار التجديد في ~~اللغة فلا بد أن أخضع في هذا التجديد لمبادئ ms298 معينة في النسق اللغوي ذاته، ومعنى ذلك ~~أن العلاقة بين الناتج وعملية الإنتاج تصبح في هذه الحالة معكوسة؛ إذ إن الناتج (هو ~~النسق اللغوي) هو الذي يتحكم في عملية الإنتاج (أي التجديد اللغوي واستخدام اللغة ~~بوجه عام) لا العكس. وهذا هو المعنى الذي يمكن أن يقال به: إن البناء يؤدي عمله على ~~نحو مستقل عن الإنسان، # 49 # أما القول بوجود بناءات خارجة عن أفعال الأفراد والجماعات الإنسانية ~~التي تتعلق بها هذه البناءات، فإنه يعبر عن فهم مثالي مشوه للبنائية؛ إذ إنه يؤدي ~~إلى تجاهل العناصر والمعلومات التي لا غناء لنا عنها في ذلك الجهد النظري الذي ~~نبذله من أجل استخلاص البناء، # 50 # أي إن البناء - في رأي سيباج - مستقل «فكريا» عن الإنسان ولكنه ~~«واقعيا» يظل مرتبطا به ومعتمدا عليه. # ويقف «فرانسوا شاتليه # François Châtelet ~~» موقفا ~~مماثلا في دفاعه عن البنائية ضد تهمة التشكيك في مفهوم الإنسان، والقضاء على ~~الحرية الإنسانية التي يقال: إنها تضيع عندما يصبح «النسق» مسيطرا على جميع مجالات ~~الواقع، دون أن يترك أي مجال للمبادرة الإنسانية؛ ففي رأي «شاتليه» أن المسألة ليست ~~عدوانا على حرية الإنسان، أو تشكيكا في مفهوم الإنسان، بل هي أولا وأخيرا سعي ~~إلى «العلمية» في ميدان دراسة الإنسان، وكل سعي إلى إخضاع الظواهر الإنسانية للعلم ~~كان يتهم في وقت ما بأنه يقضي على حرية الإنسان، ثم يتبين فيما بعد أنه يدعم هذه ~~الحرية إذ يساعد على مزيد من الفهم للإنسان، وكل ما تسعى البنائية إلى القضاء عليه ~~- في رأي شاتليه - هو تلك الطريقة غير العلمية في بحث الإنسان، التي غلبت عليها ~~النزعة البلاغية والإنشائية، التي كانت سائدة في البحوث الإنسانية قبل ظهور ~~البنائية. والواقع أنه ليس هناك ما يمنع من أن تكتسب العلوم الاجتماعية طابعا ~~موضوعيا مماثلا لذلك الذي نجده في العلوم الطبيعية وإن كان نوعه مختلفا؛ ~~فالمجتمعات البشرية ليست أعقد من أن تدرس موضوعيا، وهي لا تعرف ذلك الخضوع ~~المزعوم لنزوات الحرية وتلقائيتها. # ولكي تحقق العلوم الاجتماعية هدف الموضوعية هذا، لا بد ms299 لها من أن تشيد لنفسها لغة ~~مجردة تعمل بها على تفسير عالم الحياة اليومية، بدلا من أن تتحدث بلغة هذا العالم ~~ذاته؛ على أن كل منهج يعتمد في دراسته للإنسان على التجربة الحية أو الوعي ~~العلمي، يتقيد بهذه اللغة اليومية؛ أي إنه يظل متعلقا بالمظاهر بدلا من أن يصل ~~إلى جوهر الظواهر الإنسانية. # ومن هنا كانت البنائية تستهدف الانتقال من بحث المظاهر الخارجية إلى ما تطلق ~~عليه الفلسفة الكلاسيكية اسم «الماهيات»؛ وبذلك تتوصل إلى المعقولية الكامنة من ~~وراء التجربة العينية المعاشة؛ وعلى ذلك فإن البناءات لا تعدو أن تكون تلك المجردات ~~التي تتوصل بها إلى المعقولية في فهم الظواهر الإنسانية؛ أي إنها «أنساق للمعقولية # systémes d’intelligibilité ~~»، # 51 # فعلم اللغة البنائي هو الهيكل الفكري أو التصوري الذي أمكن بفضله جعل ~~اللغات الفعلية معقولة، ومفهوم اللاشعور هو الإطار الفكري الذي جعل من الممكن إضفاء ~~مزيد من المعقولية على ممارسات الإنسان وسلوكه، وأنساق القرابة تضفي معقولية على ~~الظواهر المعاشة في المجتمعات البدائية، والبناء الأساسي لعلاقات الإنتاج هو التصور ~~الذي أصبحت بفضله ممارسات المجتمع - في نظر ماركس - معقولة. ومن المؤكد أن سعي ~~البنائية إلى تحقيق المعقولية في كل هذه الميادين، التي كانت خاضعة لمفاهيم غير ~~علمية تغذيها نزعة إنسانية تعتمد على «التجارب المعاشة»، وعلى المظاهر الخارجية ~~لسلوك الإنسان؛ هذا السعي إلى تحقيق المعقولية لا يحد من حرية الإنسان، ولا ينطوي ~~على إنكار لتصور الإنسان إلا في ظل مذهب يسيء فهم النزعة الإنسانية فحسب. # ولكن من حقنا - بعد هذا كله - أن نتساءل: هل يظل معنى النسق واحدا في حالة ~~البناء الرياضي. وفي حالة البناء الإنساني الاجتماعي؟ هل يكون من المشروع تشبيه ~~النسق الذي يجمع بين أطراف واقعية ملموسة - كنظام القرابة أو علاقة الإنتاج - ~~بالنسق الذي تكون أطرافه تجريدات عقلية خالصة؟ وهل يوافق العلم على هذا التشبيه؟ ~~يبدو أن «دوفرين # M. Dufrenne ~~» كان على حق حين قال: ~~إن البنائيين وقعوا في خطأ كبير حين تصوروا أن معنى النسق واحد في الحالتين، وأن ~~هذا الخطأ راجع إلى ms300 أنهم - بقدر ما أرادوا التشبه بالعلم - لم يكونوا علماء بالمعنى ~~الصحيح؛ ولذلك كان هناك قدر من الصواب في عبارته الساخرة التي أطلقها على فلسفة ~~البناء أو النسق: «إن فلسفة النسق هي فلسفة للعلم وضعها أناس لم يمارسوا العلم»، # 52 # ولكن في العبارة أيضا قدرا من الخطأ؛ إذ إن من يضع فلسفة للعلم لا ~~يتعين عليه أن يكون ممارسا للعلم، وكل محاولات «تأسيس» العلم في الفلسفة تدخل في ~~هذا المضمار. # على أن السؤال الأكبر هو: هل يقنعنا دفاع البنائية عن نفسها - كما عرضنا نماذج ~~رئيسة له من قبل - بأن البنائية لم تتجاهل الإنسان بالفعل، ولم تضع مفهوم البناء أو ~~النسق بوصفه قوة عقلية شبه دكتاتورية، تفرض نفسها سواء شاء الإنسان أم لم ~~يشأ؟ # إن الأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن البنائية أكثر انطباقا على الحالات السكونية ~~للإنسان منها على الحالات المتغيرة. ومن المسلم به أن العلم يغدو أقدر على تحليل ~~موضوعاته حين يجعلها ثابتة أو يتصورها في حالة الثبات. ولكن العلم الذي يتناول ~~الميدان الإنساني بالذات يتعين عليه أن يعترف بالتغير والحركة والتاريخ بوصفها ~~مقولات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في تفسير الظواهر الإنسانية؛ ومن هنا رأى ~~البعض أن الأحداث التي عصفت بأوروبا في عام 1968م (مظاهرات الطلبة في باريس ثم في ~~معظم البلاد الأوروبية وأحداث تشيكوسلوفاكيا) قد زعزعت إلى حد بعيد أركان البنائية ~~التي بلغت أوج ازدهارها قبل هذه الأحداث بعام أو عامين؛ فهي قد أكدت مرة أخرى أهمية ~~عوامل الحركة والتغيير، وقدرتها على دفع العقل الإنساني إلى مراجعة كثير من ~~المفاهيم التي يضعها في حالاته السكونية، وشككت الأذهان من حيث المبدأ في إمكان ~~وجود أي بناء ثابت لعقل الإنسان وأنظمته. # وفي اعتقادي أن المشكلة الأساسية التي تثيرها البنائية هي: هل الإنسان - بالنسبة ~~إلى النظم التي تسود حياته - فاعل أم مفعول؟ إن أنصار البنائية يغلبون صفة ~~«المفعولية» للإنسان بالنسبة إلى هذه النظم، على حين أن نقادها يغلبون صفة ~~«الفاعلية». ولقد لخص سارتر سمة الفاعلية حين قال: «إن الشيء الهام، ms301 هو ما يفعله الناس بما فعل بهم.» # L’important c’est ~~ce que les hommes، font de ce qu’on a fait d’eux # فإذا كانت البنائية تؤكد على الدوام أن البناء «موجود هناك»، بغض النظر عن ~~الاختلافات في ظروف الحياة الإنسانية التي يطبق فيها هذا البناء، فإن قدرة ~~الإنسان على القيام برد فعل على هذا البناء هي الأمر الجدير بالاهتمام ~~حقا. # ومن هنا كان الميل الذي نلمسه لدى كثير من البنائيين إلى تصوير الأنساق أو ~~البناءات كما لو كانت تؤثر وتمارس فعلها وحدها دون أن يكون للإنسان دور فيها - أعني ~~الميل إلى جعل الإنسان «مفعولا» لا «فاعلا» - يعبر عن نزوع إلى السلبية وقبول ~~الأمر الواقع. ولقد ضرب «دوفرين» للتضاد بين سلبية الإنسان وفاعليته إزاء النسق ~~مثلا طريفا، فقال: إن المشكلة التي ينبغي أن تفكر فيها الفلسفة المعاصرة بإمعان ~~هي كيف استطاعت جبهة التحرير الفيتنامية أن تقاوم الأميركيين بكل هذا النجاح (وهي ~~لم تكن قد انتصرت بعد عندما قال هذا الكلام)، فتلك واقعة تثبت انتصار الفاعلية ~~الإنسانية على العقول الإلكترونية التي طالما استعان بها الأميركيون في التخطيط وفي ~~ممارسة الحرب ذاتها، وما العقول الإلكترونية إلا تجسيد «للنسق»، وهكذا فإن الأنساق ~~لا تستطيع أن تسير في طرقها بلا مقاومة، ولا تستطيع أن تكبت فاعلية الإنسان وتجعله ~~مجرد مفعول. # وهكذا تظهر الصورة أخيرا - في تطور التاريخ - مؤيدة لفكرة القدرة الفعالة ~~للإنسان، حتى على أشد الأنساق والبناءات ثباتا، فأحداث عام 1968م تفجر الإطار ~~السكوني للبنائية، وتنبه العالم إلى أهمية رد الفعل الإنساني على كل نسق يبدو ~~ثابتا، وانتصار فيتنام يبدو كما لو كان هزيمة لمبدأ أساسي تقوم عليه البنائية، هو ~~استقلال الأنساق عن الإنسان. # ولكن، إذا كان التاريخ قد بادر إلى الإدلاء بشهادته بعد بلوغ البنائية قمتها ~~مباشرة، فلنذكر - أخيرا - أننا لسنا في حاجة إلى شهادة التاريخ لكي ندافع عن ~~فاعلية الإنسان إزاء بناءاته؛ فالمنطق الداخلي للبنائية هو خير شاهد على ما نقول؛ ~~إذ إن كل البنائيين الكبار من ستروس إلى ألتوسير، ومن فوكو إلى لاكان، قد ms302 بذلوا ~~جهدا عقليا لا نظير له، ومارسوا «فاعليتهم» الذهنية إلى أقصى حد لكي «يكتشفوا» ~~بناءات يقولون: إنها تجعل ذهن الإنسان «مفعولا»! # أهم المراجع # Claduse lévy-Strauss: # Les structures élémentaires de la parenté paris ~~1949. # Tristes Tropiques. Paris ~~1955. # La pensée sauvge 1962-1958. # Mythloogiques (3vols) paris ~~1964-1968. # Jean-paul Sartre: Cirtique de la raison ~~dialectique. Paris (gallimard) 1963. # J. Lacan: Ecrits (Editions du Seuil) ~~1966. # M. Foucault. les mots et les choses. Gallimard ~~1966. # L. Althusser: # Lire le Capital (2 vols.) 1965 ~~(Maspéro). # pour Marx. 1965 (Maspéro). # Lénine et la philosophie 1970 ~~(Maspéro). # Elments d’auto-cirtique 1974 ~~(Hachette). # F. de Saussure: Cours de linguistique générale ~~(Payot) 1962. # Les Temps modernes (numero Spécial) Novembre ~~1966. # Structuralisme et marxisme (Plusieurs auteurs). ~~Union Générale d’Edition, 1970. # J. Piaget: Structuralisme (English Trans) Routledge ~~& Kegan paul, 1971. # F. Châtelet: Histoire de la philosophie. Tome 8 ~~(Hachette) 1973. # E. Leach: Lévi-Strauss. London (Fontana Boods) ~~1970. # Jean-Marie Auzias: Clefs pour le structuralisme. ~~paris (Seghers) 1967. # L. Sebag: structuralisme et marxisme. (payot), ~~1969. # J. Milhau: Chroniques philosophiques. (Editions ~~Sociales), 1972. # الباب الرابع # | العلم والقيم # | العلم والحرية الشخصية # مقدمة # ومشكلة الحرية الإنسانية - في عمومها - من المشكلات التي خلفت وراءها تراثا ~~طويلا، وعولجت بإسهاب طوال فترات الفكر الإنساني من الزوايا الفلسفية والأخلاقية ~~والاجتماعية والقانونية والنفسية. ولكن العلاقات بين العلم والحرية الشخصية لم ~~تبحث بحثا صريحا، ولم يخصص المفكرون لها - فيما نعلم - كتابات مستقلة. وليس ~~معنى ذلك أن الموضوع جديد كل الجدة، وإنما الذي نعنيه أن أية معالجة لهذا ~~الموضوع لن تكون مرتكزة على تراث قديم العهد من المراجع والكتابات التي تعين الباحث ~~على الاهتداء إلى طريقة، بل سيكون لزاما عليه أن يستخلص معلوماته في هذا الموضوع ~~على نحو ضمني من كتابات لم تكن تتخذ مشكلة الصلة بين العلم والحرية محورا ~~لأبحاثها. أما التركيب العقلي الذي يقوم به من أجل استكشاف الأبعاد المختلفة ~~للموضوع والجمع بين أطرافه، فلا مفر للباحث من أن يعتمد فيه على جهوده ~~الخاصة. ~~(1) العلم والحرية: لمحة تاريخية # من المعروف أن مفهوم «العلم» بمعناه الدقيق المحدد ms303 - الذي نستخدمه فيه للدلالة ~~على المعرفة المنظمة الخاضعة لمناهج دقيقة - يعد مفهوما حديثا نسبيا، وأن ~~البشرية ظلت طوال الجزء الأكبر من تاريخها تستخدم لفظ العلم بمعنى آخر لا يمكن ~~القول: إنه مضاد لهذا المعنى الأول، بل هو أوسع منه وأشمل بكثير، وأعني به معنى ~~«المعرفة» والسعي إلى بلوغ الحقيقة، إلى اكتساب معارف عن الإنسان والمجتمع ~~والطبيعة، بل وعما وراء الطبيعة وما يخفى عن طرق إدراكنا المألوفة؛ فالبحث ~~الميتافيزيقي في مثال المثل - عند أفلاطون - أو في المحرك الأول - عند أرسطو - كان ~~عندهما يدخل في صميم العلم، بل ربما كان هو «العلم» على الحقيقة، مع أنه بمقاييس ~~المناهج العلمية الحديثة أبعد ما يكون عن العلم. بل إن البحث في الأمور الغيبية هو ~~عند رجال الدين واللاهوت علم بأكمل معاني الكلمة، وإن كان في نظر العلماء المنهجيين ~~مفتقرا إلى أبسط الشروط التي لا يمكن بدونها أن يسمى البحث علما. وهكذا عاشت ~~البشرية أمدا طويلا تستخدم لفظ العلم بمعنى موسع لا يكون المعنى الراهن إلا جزءا ~~ضئيلا منه. # بهذا المعنى الموسع الذي يكون فيه العلم مرادفا «للمعرفة» - أيا كان نوعها - ~~ظهر ارتباط وثيق بين العلم وبين الحرية منذ أقدم عصور الوعي الإنساني. بل إن قصة ~~هبوط آدم من الجنة - في العقائد السماوية - تنطوي على دلالة واضحة من حيث الربط بين ~~الحرية وبين الفهم والمعرفة والعلم ، وتأكيد الإنسان لنفسه بوصفه موجودا له كيانه ~~الخاص، وله عقله الذي يستقل به عن الطبيعة الجامدة، ويسعى به إلى فهمها والسيطرة ~~عليها في الوقت ذاته. ~~«في البداية كان الرجل والمرأة يعيشان في جنة عدن في انسجام تام معا ومع ~~الطبيعة، وهناك كان السلام مستتبا، ولم تكن ثمة حاجة إلى العمل ولم يكن ثمة ~~اختيار ولا حرية ولا تفكير أيضا، كان الرجل محرما عليه أن يأكل من شجرة معرفة ~~الخير والشر. ولكنه تصرف على نحو معارض للأمر الإلهي، وخرج عن حالة الانسجام مع ~~الطبيعة التي يكون جزءا منها، وإن لم يكن يعلو عليها. ولقد كان هذا - من وجهة نظر ~~الكنيسة ms304 التي تمثل السلطة - خطيئة أساسية. أما من وجهة نظر الإنسان، فكان بداية ~~الحرية الإنسانية، فسلوك الإنسان ضد أوامر الله يعني تحرير ذاته من القهر، وارتقاءه ~~من طريقة الوجود غير الواعية المميزة للحياة في مراحلها السابقة على الإنسانية إلى ~~مستوى الإنسان. هذا السلوك ضد أوامر السلطة وارتكاب الخطيئة هو في وجهه الإنساني ~~الإيجابي أول فعل من أفعال الحرية، أي أول فعل إنساني؛ ففي القصة تكمن الخطيئة - من ~~جانبها الشكلي - في السلوك ضد الأمر الإلهي. أما من جانبها المادي فهي تكمن في ~~الأكل من شجرة المعرفة؛ أي إن فعل العصيان - بوصفه فعلا حرا - هو بداية العقل.» # 1 # إن الإنسان - حين أكد ذاته بوصفه كائنا حرا - قد اختار طريق المعرفة والعلم؛ ~~ففي فعل المعرفة إذن تكمن حرية الإنسان، وبقدر ما يتوافر لدى الإنسان من المعرفة ~~يكون حرا، تلك هي الدلالة التي يستخلصها «أريك فروم» من قصة طرد آدم من الجنة، ~~وهي دلالة لها أهميتها الخاصة بالنسبة إلى موضوعنا. وليس يعنينا هنا أن هذا الفعل ~~الحر - الذي اختار به آدم لنفسه طريق المعرفة - قد أدى إلى طرده من الجنة، فمن ~~المعترف به أن طريق المعرفة شاق، محفوف بالمخاطر والآلام، وأن المسئولية التي ~~يحملها على أكتافه من يريد الوصول إلى علم بالأشياء مسئولية ثقيلة فادحة؛ وبذلك ~~يكون الإنسان قد اختار عذابه - أي خرج من الجنة - في نفس الوقت الذي اختار فيه ~~لنفسه، بحرية، طريق المعرفة. ولكن المهم في الأمر أن أول فعل حر للإنسان كان فعلا ~~غايته العلم، وأن هذا الفعل كان يشكل تحديا لله وعصيانا له؛ أي إن الإنسان كان ~~يعلم أنه بسلوكه هذا الطريق كان يريد - بمعنى معين - أن يشارك الله في إحاطته ~~بالأشياء علما. # على أن القصة الدينية التي تتحدث عن الفعل الحر الأول للإنسان لم تكن هي الموضع ~~الوحيد الذي ربطت فيه العقائد الدينية بين الحرية وبين العلم - بمعنى المعرفة - بل ~~إن فكرة الثواب والعقاب - وهي فكرة مشتركة بين العقائد السماوية جميعا - كانت ~~تفترض مقدما وجود حرية اختيار لدى الإنسان بين ms305 الخير والشر، وهذه الحرية ترتبط ~~ارتباطا وثيقا بالمعرفة؛ إذ إن الله أعطى الإنسان معرفة الخير والشر، ووهبنا ~~إرادة - ترك لنا حرية التصرف - لكي يصدر حكمه علينا فيما بعد، ولولا هذه الحرية ~~وتلك المعرفة لكانت المسئولية أمام الله مستحيلة، ولما كان هناك معنى للعقاب ~~والثواب. وهكذا يبدو أن فكرة الحرية ترتبط بالعلم هنا ارتباطا مزدوجا: فحرية ~~الإنسان ومسئوليته أمام الله تفترض معرفته الكاملة بما هو خير وما هو شر، واختياره ~~أحدهما اختيارا واعيا مقصودا، ومن جهة أخرى فإن العلم الإلهي بنوايا الناس ~~وبأفعالهم الظاهرة والباطنة هو الذي يضمن عدالة الثواب والعقاب في العالم الآخر؛ ~~وعلى ذلك فإن حرية الإرادة ترتبط بالعلم الإلهي والعلم الإنساني معا، وبدونهما لا ~~تبلغ نتائجها الكاملة. # وربما كانت المذاهب الدينية التي تنكر الحرية وتؤكد القدرية تبدو متعارضة مع مبدأ ~~الارتباط بين الحرية والعلم؛ ذلك لأنها تعني أن كل ما يحدث في حياة الإنسان إنما هو ~~قدر مكتوب مقدما، وأن طريقة فعلنا لن تؤثر على الإطلاق في المجرى الذي تسير فيه ~~الحوادث، وأن الله قد حدد منذ البداية المسار الكامل لحياة الإنسان؛ بحيث لا تكون ~~حرية الإنسان في التصرف إلا وهما كبيرا. وبالمثل فإن معرفة الإنسان لن تقدم ولن ~~تؤخر؛ لأن أقصى ما يستطيع عقل الإنسان أن يفعله هو أن يمتثل لحكم القدر. ومع ذلك ~~فليس من الصعب أن يدرك المرء في هذا المذهب القدري تأكيدا - عن طريق السلب - ~~للارتباط بين الحرية والعلم؛ ذلك لأن انتفاء تأثير المعرفة مرتبط في هذا المذهب ~~بانعدام الحرية؛ أي إن الإنسان حين لم يعد حرا لم يبق لمعرفته أي أثر في مصيره. ~~أما إذا نظرنا إلى هذا المذهب من زاوية المسلك الإلهي، فسوف نجد أن الله فيه هو ~~الكائن الحر الوحيد، فإذا ما بحثنا عن السبب الذي يدعونا إلى نسبة هذه الحرية إلى ~~الله في المذاهب القدرية؛ لوجدنا أنه هو العلم؛ فبفضل العلم الإلهي - الذي يحيط بكل ~~شيء ويدرك المجرى الكامل للحوادث المقبلة - يكون الله وحده هو الحر. وبعبارة أخرى: ~~فإن مذهب ms306 القدرية ينطوي - بصورة ضمنية غير مصرح بها - على تعريف للكائن الحر بأنه ~~هو ذلك الذي يحيط علمه بمجرى الحوادث وبأسباب حدوثها، ويرى أن هذا التعريف يستحيل ~~انطباقه على الإنسان، ولا ينطبق إلا على الله. وهكذا تبدو فكرة القدرية منطوية ~~ضمنا على تأكيد للربط بين العلم والحرية. # فإذا ما تركنا المجال الديني جانبا، وانتقلنا إلى التاريخ الفكري الدنيوي، لم ~~يكن من الصعب أن ندرك وجود ارتباط مماثل بين الحرية والعلم في عصور الفكر المختلفة. ~~وحسبنا أن نضرب لذلك أمثلة قليلة؛ إذ إننا سنناقش هذا الموضوع فيما بعد بمزيد من ~~التفصيل، من حيث هو مشكلة فكرية. أما الآن فإن هدفنا لا يعدو أن يكون تقديم عرض ~~تاريخي سريع للربط بين العلم والحرية. # في العصر اليوناني الكلاسيكي اتخذ مفهوم الحرية الشخصية في بداية الأمر معنى ~~خارجيا لم يكن من الصعب أن يكون فيه مرتبطا بمفهوم العلم؛ فالشخص الحر عند ~~اليونانيين كان هو المواطن الذي يتمتع بمركز اجتماعي معين، يؤهله لأن يتصف بصفات ~~خاصة كالحكمة والكرم والشجاعة. والأمر الذي يتيح للحر اكتساب هذه الصفات، هو أن ~~العبيد يعفونه من أعباء الأعمال الاقتصادية المرهقة؛ بحيث يستطيع التفرغ لرعاية ~~جسمه وعقله، والتمتع بثمار المعرفة؛ فالحرية إذن كانت في الأصل صفة قانونية يكتسبها ~~المرء بحكم وضعه في المجتمع. ولكن هذه الصفة القانونية كانت تؤدي بصاحبها إلى ~~اكتساب القدرة على ممارسة أرقى أنواع المعارف العلمية التي عرفها العصر اليوناني، ~~وهي العلم الرياضي والفلسفة بوجه خاص، ولم يكن من العسير على كثير من مؤرخي الفكر ~~الفلسفي أن يثبتوا أن التفوق الكبير الذي أحرزه اليونانيون في الرياضة والفلسفة ~~كان يرجع جزئيا - على الأقل - إلى انتشار نظام الرق، الذي أتاح للمفكرين من الوقت ~~ومن الراحة الجسمية والذهنية ما مكنهم من التفرغ لتلك المهام العقلية الرفيعة. ~~وبعبارة أخرى: فإن العلم الذي ورثته البشرية عن اليونانيين كان مرتبطا إلى حد بعيد ~~بذلك النوع الخاص من الحرية الذي كان سائدا بينهم؛ أعني حرية المواطن، في مقابل ~~العبودية التي يضيع فيها العلم والحكمة مع ضياع ms307 الحرية. # وقد طرأ فيما بعد نوع من التعديل على معنى الحرية عند اليونانيين، فانتقل هذا ~~المعنى إلى داخل النفس الإنسانية بعد أن كان مجرد تعبير عن وضع قانوني معين، أصبحت ~~الحرية هي التخلص من عبودية الانفعالات ومن سيطرة الظروف الخارجية. وكان وجه ~~الاختلاف بين هذا المعنى الجديد القديم هو أن العبد ذاته يمكن أن يكون حرا ~~بالمعنى الجديد؛ ولذلك إذا استطاع أن يقهر انفعالاته ويمتنع عن الانسياق وراء ~~أهوائه، وإذا أمكنه أن يتحكم في الظروف الخارجية مهما كانت معاكسة أو مؤلمة. ولكن ~~على الرغم من هذا التعبير الهام الذي طرأ على معنى الحرية، فقد ظلت في الحالة ~~الثانية بدورها مرتبطة بالعلم؛ إذ إن المعرفة وفهم الضرورة السائدة في الكون، هي ~~التي تتيح للمرء أن يقهر انفعالاته ويعلو عليها، وينظر إلى كل ما يمر به من حالات ~~نفسية طارئة في ضوء الضرورة الكونية الشاملة؛ وبذلك يكون الحكيم أو العارف - فيما ~~رأى الرواقيون الذين انتشر بينهم هذا اللون من التفكير - هو وحده الحر. # على أن هذه الحرية - كما هو واضح - لا يمكن أن تتحقق إلا لفئة محدودة من الناس، ~~وهي - بحكم تعريفها - حرية ضيقة النطاق، ولا تتوافر إلا لمن كان لديهم من الوسائل ~~ما يعينهم على التفرغ للعلم واكتساب المعرفة، أو من ضبط النفس ما يتيح لهم التحرر ~~من الانفعالات. وهكذا كان مفهوم الحرية عند اليونانيين مقتصرا بطبيعته على فئة ~~قليلة. وكان «هيجل» على حق حين تحدث عن مراحل ثلاث لفكرة الحرية على مر التاريخ ~~البشري: حرية الفرد الواحد في عهود الطغيان القديمة، وحرية الأقلية في العصر ~~اليوناني المرتكز على نظام الرق، وحرية المجموع في العصر الحديث. # ولكن من المعروف أن «هيجل» حين تحدث عن العصر الحديث، كان يعني الأمة الألمانية ~~على وجه التخصيص. وكان يتصور - على نحو لا يخلو من الصوفية الغامضة - أن هذه الأمة ~~هي وحدها التي تحقق فيها حلم الحرية الشاملة بين مجموع الناس، وبطبيعة الحال لم يكن ~~لرأي «هيجل» هذا أي أساس من الدراسة الاجتماعية الفعلية، ولم يكن ms308 مبنيا على فهم ~~للواقع الذي كانت تعيش فيه الأمة الألمانية في عصره، والذي كان أبعد ما يكون عن ~~الحرية الشاملة. بل إنه ليمكن القول: إن الحرية الشاملة ما زالت هدفا بعيدا عن ~~التحقيق في جميع أرجاء عالمنا المعاصر. فهل يعني ذلك أن عبارة هيجل السابقة بعيدة ~~كل البعد عن الصواب في شطرها الأخير الذي يتحدث فيه عن شمول الحرية في العصر ~~الحديث؟ # والواقع أن هذه العبارة يمكن أن تصدق إذا استبعدنا منها أية إشارة إلى الأمة ~~الألمانية بالذات، وطبقناها على العصر الحديث بأكمله، وإذا لم نأخذها على أنها ~~تعبير عن أمر واقع، بل نظرنا إليها على أنها مثل أعلى يسعى العصر الحديث إلى ~~تحقيقه؛ ذلك لأن العصر الحديث - وإن لم يكن قد حقق الحرية الشاملة - يتخذ من حرية ~~المجموع هذه هدفا لكل ما يبذله في هذا السبيل من جهود، وهو في ذلك يختلف اختلافا ~~جذريا عن العصر الكلاسيكي الذي لم يكن يتصور إلا نوعا من الحرية يستحيل أن ~~يكتسبه إلا فئة قليلة من البشر. صحيح أن الإنسان في العصر الحديث بعيد كل البعد عن ~~تلك الحرية التي يحلم بها، وأن هناك مجتمعات كاملة تعيش في ظل نظم لا تسمح - من حيث ~~المبدأ - بتحقيق الحرية للجميع. ومع ذلك فإن الهدف المعلن عنه - حتى في هذا النوع ~~الأخير من المجتمعات - هو حرية المجموع، وهو هدف لم يكن من الممكن أن ينادي به أحد ~~في العصور القديمة، فما سبب هذا التغير الجذري في نظرتنا إلى الحرية؟ وما هي الظروف ~~التي ساعدت على اتخاذ الحرية الشاملة شعارا لا تجرؤ على إنكاره حتى تلك النظم التي ~~لا تتلاءم بطبيعتها إلا مع نوع محدود من الحرية، أو مع نوع شامل من ~~الاستبداد؟ # من المعروف تاريخيا، أن انتشار المثل الأعلى للحرية الشاملة كان مرتبطا ببداية ~~عصر التصنيع واستغلال الإنسان للطبيعة على أساس الفهم الصحيح لقوانينها. ومن ~~المعروف أن عصر التصنيع لم يكن من الممكن أن يبدأ إلا بعد أن مهدت له الطريق كشوف ~~العلم الحديث منذ القرن ms309 السابع عشر. وربما قبل ذلك، وهنا يظهر الارتباط واضحا بين ~~النهضة العلمية الحديثة وبين توسيع نطاق فكرة الحرية؛ فالعلم الحديث إذا كان قد أدى ~~- من الوجهة السلبية - إلى تحرير الإنسان من الجهل وتحقيق سيطرته التدريجية على ~~الطبيعة، فإنه أدى - من الوجهة الإيجابية - إلى نشر أفكار عن الحرية يمكن أن يقتنع ~~بها ويحارب من أجلها ملايين الناس. # وقد أثبت العصر الحديث، على نحو لا يدع مجالا لأي شك، أن العلاقة بين العلم ~~والحرية الشخصية علاقة طردية، وأن التقدم في أحدهما يعني تقدما في الآخر، فمنذ ~~بداية عصر النهضة كان ظهور البوادر الأولى للمنهج العلمي الحديث يعني تحررا من ~~سلطة الكنسية التي فرضت أقصى القيود على إنسان العصور الوسطى، ولم تكن الكشوف ~~الفلكية الحاسمة التي توصل إليها كبرنيكوس وكبلر وجاليليو تعني بداية عصر جديد في ~~تاريخ العلم فحسب، بل كانت تعني أيضا تحرير الإنسان من خرافة الاعتقاد بأن الأرض ~~التي يعيش عليها هي مركز الكون، وبأن كل شيء في العالم مسخر لخدمته، بأن الكون ~~يدور من حوله بينما هو ثابت مستقر. وكانت تلك ضربة قاضية إلى النظرة الغائية التي ~~سيطرت على تفكير الفلاسفة والعلماء أمدا طويلا، كما كانت بداية النظرة الموضوعية ~~إلى العالم، التي يكتسب فيها الإنسان حريته بعلمه وكفاحه وسعيه إلى إخضاع كل شيء ~~لما يضعه هو ذاته من النظم والقوانين، ولا يظن فيها أن هذه الحرية قد منحت له من ~~السماء لمجرد كونه إنسانا، أو أن غاياته وقيمه الإنسانية مطبوعة أصلا على نظام ~~الكون، وكان التقدم المطرد الذي أحرزه العلم التطبيقي - ممثلا في التكنولوجيا - ~~مرتبطا أوثق الارتباط بالكفاح من أجل نشر الحرية على أوسع نطاق. وحسبنا أن نضرب ~~مثلا واحدا على ذلك: فحركة المطالبة بتعديل قوانين الانتخاب البريطانية، وهو ~~الحركة التي أحرزت نجاحا حاسما لها في قانون الإصلاح النيابي عام 1832م، لم يكن ~~من الممكن تصورها قبل الثورة الصناعية التي كانت في ذاتها أوضح تعبير عن تقدم العلم ~~والتكنولوجيا في العصر الحديث. # وكانت لهذا الارتباط بين المطالبة بالحريات الديمقراطية وبين ms310 تقدم العلم دلالته ~~العميقة؛ ذلك لأن الحرية والعلم - في أعلى صورهما - ديمقراطيان؛ فالحرية لا تكتمل ~~إلا إذا أصبحت حرية للإنسان من حيث هو إنسان، لا حرية فرد واحد، أو طبقة واحدة في ~~المجتمع. بل إن الحرية المحدودة إنما تحمل في داخلها بذور القضاء على كل حرية، ومثل ~~هذا يقال عن العلم، الذي لا يبلغ أوج اكتماله إلا حين يصبح عاما، ولم يعد ~~احتكارا لفئة تنكر ثماره على الآخرين، ومعنى ذلك أن كلا من العلم والحرية لا ~~ينقص كلما ازداد عدد المشاركين. بل إن اتساع نطاق المشاركة فيهما يزيد من نصيب ~~المجموع ومن نصيب كل فرد منهما معا، وهنا نجد أن الحرية تتأثر بالعلم، ليس فقط من ~~حيث إن تعميق العلم نوعيا وكيفيا يساعد على تحقيق المزيد من الحرية، بل أيضا ~~لأن توسيع القاعدة التي يرتكز عليها العلم - من الناحية الكمية الخالصة - يعني ~~مزيدا من انتشار الحرية وتعميمها. ولا شك في أن هذا هو أبلغ الدروس التي نكتسبها ~~من تطور مفهومي العلم والحرية الشخصية في تاريخ عصرنا الحديث. ~~(2) تحليل نظري للصلة بين العلم والحرية # إذا كان العرض التاريخي السابق قد أكد وجود علاقة طردية وثيقة بين العلم والحرية ~~في عصور التاريخ الرئيسية، فإن المناقشة النظرية التحليلية لا تنتهي دائما إلى هذه ~~النتيجة، فقد ظهرت آراء متعددة في هذا الموضوع، وصل بعضها إلى حد التناقض التام مع ~~النتيجة السابقة. وكان ذلك أمرا طبيعيا من وجهة النظر الفلسفية؛ إذ إن المناقشة ~~الفلسفية النظرية للمشكلات تعمل - كما هو معروف - على استطلاع مختلف جوانبها، من ~~هنا فإن هذه المناقشة، وإن تكن تنتهي في كثير من الأحيان إلى نتائج نهائية، فإنها ~~تساعد دائما على استكشاف كافة الأبعاد الظاهرة والخفية للمشكلة موضوع البحث، وتقدم ~~مدخلا لا غناء عنه لكل دراسة عملية لهذه المشكلة، ومن هنا كان لزاما علينا أن ~~نعرض لأهم الآراء التي قيلت - من وجهة النظر الفلسفية - في العلاقة بين العلم ~~والحرية؛ لكي نتبين مدى اتفاق التحليل الفلسفي مع الواقع التاريخي أو اختلافه ~~عنه. ~~(2-1) حياد ms311 العلم إزاء الحرية # أول رأي يصادفنا في موضوع العلاقة بين العلم والحرية هو ذلك الرأي الذي ~~يستبعد أصلا وجود هذه العلاقة؛ فالعلم في نظر الكثيرين يلتزم الحياد التام ~~إزاء القيم البشرية كلها، وضمنها الحرية. وليس معنى ذلك - عند أصحاب هذا الرأي ~~- أن العلم لا يكترث بهذه القيم أو أنه يرفضها أو يأبى أن يعمل لخدمتها. بل إن ~~كل ما يعنيه هو أن العلم لا يتدخل في مجال القيم، ويترك لأنواع أخرى من النشاط ~~الروحي والعقلي للإنسان مهمة بحث القيم والعمل على إعلائها، والواقع أن اتجاه ~~العلم الحديث كله - منذ أيام ديكارت - يوحي بهذا الرأي؛ إذ إن التفسير الآلي ~~للطبيعة وللكون قد أخذ يزداد قوة، وأصبح العلم يقف على الطرف المقابل للقيم ~~البشرية، ويؤكد استقلاله التام عنها، وأصبحت الروح الموضوعية ذاتها - وهي شرط ~~لا غناء عنه للعلم - تعني ترك القيم والمشاعر والأماني البشرية جانبا، وصار ~~المثل الأعلى للمعرفة العلمية هو العلم الرياضي الذي أخذ يغزو على الدوام ~~ميدانا بعد الآخر من ميادين المعرفة، حتى أصبح له اليوم دور أساسي في العلوم ~~الإنسانية ذاتها، والعلم الرياضي محايد بطبيعته، بل هو النموذج الأكبر للحياد ~~الموضوعي التام إزاء كل القيم. # وكانت قمة هذا الاتجاه إلى تأكيد حياد العلم هي المذهب الوضعي، الذي جعل ~~للعلم وللقيم ميدانين مستقلين بينهما هوة لا تعبر، وأكد أن القيمة من حيث ~~هي تعبير عن أمان ورغبات إنسانية، لا شأن لها بعملية وصف الأمور الواقعة التي ~~يأخذها العلم على عاتقه. وهذا الحكم العام - حين يطبق على المشكلة التي نحن ~~بصددها - يعني أن العلم محايد إزاء الحرية، فهو لا يقف في وجهها. ولكنه لا ~~يستطيع أن يعمل شيئا من أجل تحقيقها؛ لأن الحرية تنتمي إلى ميدان خارج عن نطاق ~~اهتمام العلم؛ أعني إلى ميادين القيم ~~المعيارية # normative values ~~، على حين أن مهمة العلم تقريرية ووصفية # descriptive # فحسب. # وعلى الرغم من أننا لا نود أن ندخل الآن في معركة نقدية مع الرأي القائل ~~بحياد العلم إزاء الحرية؛ لأن المناقشة التالية تتضمن في ms312 ذاتها نقدا ضمنيا ~~كافيا لهذا الرأي، فإننا نستطيع أن نلاحظ - منذ الآن - أن هذا الرأي حتى لو ~~صح؛ لكان أقصى ما يعنيه هو أن البحث العلمي في ذاته لا صلة له بالسعي من أجل ~~الحرية. ولكن العلم يمكن أن ينظر إليه لا من حيث طبيعته الباطنة فحسب، بل ~~من حيث نتائجه أيضا. ومن المؤكد أن نتائج العلم وتطبيقاته يمكن أن تكون ذات ~~مساس مباشر بمشكلة الحرية، أيا كان فهمنا لهذا اللفظ الأخير؛ فالخطأ الذي وقع ~~فيه الرأي القائل بحياد العلم هو أنه نظر إلى العلم بطريقة انعزالية؛ بحيث لم ~~يضع في اعتباره سوى عملية البحث العلمي والممارسة العلمية فحسب، على حين أنه لو ~~كان قد تأمل العلم في سياقه الأوسع - أعني من حيث أصوله وتطبيقاته الاجتماعية - ~~لانتهى إلى رأي مخالف تماما، يظهر فيه التأثير المتبادل بين العلم والحرية ~~بوضوح. ~~(2-2) نقيضة العلم والحرية # لعل التصوير الأصدق للعلاقة بين العلم والحرية - إذا ما نظر إليها من ~~زاوية فلسفية - هو أنها تمثل «نقيضة # antinomy ~~»؛ أعني أن هذه العلاقة مزدوجة على نحو ينطوي على ~~تناقض. # هذه النقيضة يظهر أحد طرفيها بوضوح قاطع في فلسفة اسبينوزا، وذلك في قوله: ~~«إن الناس يخطئون إذ يظنون أنفسهم أحرارا، وهو ظن لا يرتكز إلا على أن لديهم ~~وعيا بأفعالهم، على حين أنهم يجهلون الأسباب التي تحكمت في هذه الأفعال، وإذن ~~فقوام فكرتهم عن الحرية هو أنهم لا يعرفون أي سبب لأفعالهم؛ ذلك لأنهم حين ~~يقولون: إن الأفعال الإنسانية تتوقف على الإرادة، فهم إنما يفوهون بألفاظ ليست ~~لديهم أية فكرة عنها. والواقع أن الكل يجهلون ما هي الإرادة وكيف يمكنها تحريك ~~الجسم ...» # 2 # أما الطرف الآخر فنستطيع أن نجد تعبيرا واضحا عنه لدى باحث كان في واقع ~~الأمر متأثرا في تفكيره باسبينوزا إلى حد غير قليل، هو «ستوارت هامبشير»، وذلك ~~حين قال: «بقدر درجة وعيي الذاتي بفعلي، وبقدر معرفتي الواضحة بما أقوم به ~~أصبح حرا، بمعنى أن أفعالي تطابق نواياي.» # 3 # فالنقيضة تتمثل في أن الشعور بالحرية - وهو ms313 شعور باطل في رأي اسبينوزا - كان ~~عنده مرتبطا بالجهل بالأسباب. أما عند هامبشير فإن هذا الشعور ناتج عن المعرفة ~~الواضحة، فكيف إذن يكون الجهل مرتبطا بالحرية من جهة، وتكون المعرفة مرتبطة ~~بها من جهة أخرى؟ هل الجهل هو الذي يوهمنا بأننا أحرار؛ بحيث إننا لو اكتسبنا ~~معرفة لما عدنا نشعر بالحرية؟ أم أن هذه المعرفة هي وسيلتنا إلى اكتساب ~~الحرية؟ # الحق أن هذه النقيضة - وإن بدت حادة قاطعة - ليست بالخطورة التي تبدو عليها ~~لأول وهلة؛ ذلك لأن اسبينوزا نفسه، مع تأكيده أن الشعور بالحرية يرجع إلى الجهل ~~بالأسباب، قد عاد وأكد أن حرية كل كائن إنما تكون في معرفته بالضرورة الباطنة ~~المتحكمة فيه. وبعبارة أخرى: فإن الحرية تكون في نظره وهما إذا ما فهمت ~~بمعنى «الفعل الذي لا سبب له»؛ لأن كل فعل لا بد قطعا أن يكون له سبب، وإن كنا ~~نجهل أسباب أفعالنا في معظم الأحيان. أما إذا فهمت الحرية بمعنى إدراك ~~الضرورة الباطنة المتحكمة في الظواهر؛ فعندئذ يكون المرء حرا كلما عرف تلك ~~الأسباب العميقة الداخلية المنبعثة من طبيعته الخاصة، والتي تدفعه إلى أفعال ~~معينة، ويكون مرغما أو مقهورا إذا كان سلوكه منبعثا عن عوامل خارجية لا ~~تنتمي إلى طبيعته الباطنة، وإذن فهناك حرية وهمية ترتبط بالجهل، وهناك حرية ~~حقيقية ترتبط بفهم الضرورة الباطنة أي بالعلم، وهناك أيضا حرية اختيار ~~عشوائية، ليس لها من مصدر سوى عدم معرفتنا بالأسباب. وفي مقابلها الحرية التي ~~يجلبها السير وفقا للعقل، والتي ترتبط بالضرورة (لا بالقهر) أوثق ~~الارتباط. # ولكن على الرغم من أن من الممكن تجاوز هذه النقيضة بالتفرقة بين الحرية ~~العشوائية والحرية الناتجة عن فهم الباطنة والتصرف وفقا لها، فما زال من ~~الصحيح أن العلاقة بين الحرية والعلم تنطوي - الوجهة الفلسفية - على إشكال ~~حقيقي؛ ذلك لأن العلم كلما ازداد تقدما، أتاح لنا أن نكتشف أسبابا ضرورية ~~لكثير من الأفعال التي كنا نظنها «حرة» أو منبعثة عن إرادتنا وحدها، وكلما اتسع ~~نطاق العلم؛ تضاءل نطاق ما يسمى بالأفعال الحرة، بهذا المعنى ms314 فالعلم في هذه ~~الحالة يلغي الحرية. ولكن العلم - من جهة أخرى - يعمل على تحرير الإنسان؛ لأنه ~~كلما تقدم أتاح له مزيدا من القدرة على التحكم في الظواهر والسيطرة عليها. ~~وهكذا يمكن القول - في آن واحد: إن العلم هو الذي يقضي على الحرية، وهو الذي ~~يجعلها ممكنة. ~~«فكيف يمكن التخلص من هذا التناقض؟» # لا بد لنا - إذا شئنا أن نصل إلى حل لهذا الإشكال - من أن نعرض لكل من ~~طرفيه بمزيد من التفصيل. ~~(2-3) التعارض بين العلم والحرية # عبر الفيلسوف الألماني «كانت» عن التعارض بين العلم والحرية أوضح تعبير حين ~~أكد أن العقل عندما يبحث في موضوعات العالم يخضع للضرورة. وحين يتجاوز هذه ~~الموضوعات إلى المجال الإنساني العلمي يصبح حرا؛ فالعالم الطبيعي - بكل ~~جوانبه - خاضع لمبدأ السببية والحتمية الدقيقة، ومن هنا لم يكن ثمة مجال للحرية ~~في أي علم من العلوم التي تبحث الطبيعة. بل إن وجهة النظر الطبيعية ذاتها - في ~~بحث الأمور - تتعارض من حيث المبدأ مع فكرة الحرية. أما حين نخوض مجال الأخلاق ~~والقيم الإنسانية، فلا يمكن أن تقف في وجهنا تلك القيود التي تلزمنا بها وجهة ~~النظر الطبيعية؛ إذ إن الروح الإنسانية تمتاز بالحرية المطلقة، والإرادة قادرة ~~على الاستقلال عن كل شروط العالم الطبيعي، وعلى أن تشرع لنفسها من القواعد ~~ما يتفق مع حكم العقل وحده دون خضوع لأي قيد خارجي. # هذه التفرقة بين العالم الطبيعي الخاضع للضرورة، والذي تبحثه العلوم ~~المختلفة، وبين العالم المعنوي أو الأخلاقي الذي ينفرد به الإنسان، والذي يتميز ~~بالحرية المطلقة، تعبر عن فكرة ظلت تتردد فيما بعد على أنحاء شتى بين مفكرين ~~كانوا يؤمنون بأن العلم - الذي يتسم مساره بالضرورة - يتعارض أساسا مع الحرية، ~~وبأن المجال الإنساني يكون حرا حين لا يصبح موضوعا لأبحاث علمية تسودها وجهة ~~النظر الطبيعية؛ ومن هنا فإن الكثيرين نظروا إلى العلوم الإنسانية التي تطبق ~~مناهج قريبة الشبه بمناهج العلوم الطبيعية على أنها متعارضة بطبيعتها مع فكرة ~~الحرية؛ فالقول بإمكان إيجاد تفسير مبني على فكرة الحتمية، لأفعالنا الذهنية ~~والنفسية، ms315 يبدو متعارضا مع حرية الفعل الإنساني؛ إذ يكشف عن وجود مسار محدد ~~لهذا الفعل لا يمكنه أن يحيد عنه. وحين يصبح الإنسان جزءا من الطبيعة، خاضعا ~~لقوانين مشابهة لتلك التي تخضع لها الحوادث الطبيعية؛ أي حين يتحقق الهدف الذي ~~يرمي إليه كل علم ببحث الإنسان مستخدما مناهج العلوم الطبيعية؛ فعندئذ يكون ~~الإنسان - تبعا لوجهة النظر هذه - قد فقد حريته واستقلاله بفقدانه الطابع ~~المميز له؛ ذلك لأن مشكلة الحرية لا تثار إلا منذ اللحظة التي يعد فيها الإنسان ~~مقابلا للطبيعة ومستقلا عن قوانينها؛ ولذلك كانت هذه المشكلة تزداد حدة كلما ~~ازداد العلم تقدما. # ففي العصر الحديث أصبحت الصورة التي يرسمها العلم للكون تتصف بالآلية، ولا ~~تترك مجالا لقيم الإنسان ورغباته، أصبح العالم موحشا - غير مكترث - يسير في ~~طريقه المرسوم بدقة وانضباط لا مكان فيهما لمشاعر الإنسان، وعلى حين أن العصور ~~الوسطى كانت ترسم للعالم صورة متعاطفة مع الإنسان، فتجعله محتشدا بالملائكة ~~والأرواح والقوى الغيبية، وتعطيه مسارا متجها إلى تحقيق غايات إنسانية، وتطبع ~~القيم الإنسانية على الكون في مجموعه وفي كل جزء من أجزائه، فإن العصر الحديث ~~أوجد انفصالا قاطعا بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان، وقضى على التداخل القديم ~~بين هذين المجالين. وكان من نتيجة ذلك أن ازدادت رغبة الإنسان في البحث عن مكان ~~لحريته في هذا الكون الأصم، وأصبح الاهتمام بمشكلة الحرية عاما بين الفلاسفة؛ ~~لأن التعارض أصبح واضحا وقاطعا بين الشعور الإنساني بالحرية وبين الضرورة ~~الكونية التي تبدو غير متجاوبة مع هذا الشعور. وبعبارة أخرى: فعندما بدا ~~للإنسان أن صورة الكون الجديدة - كما رسمها العلم الحديث - تهدد حريته، أصبحت ~~مشكلة الحرية - لأول مرة - مشكلة أصيلة. # إن المعرفة الدقيقة بكل تفاصيل الحياة والكون - وهي المعرفة التي يستهدفها ~~العلم الحديث ويستخدم مناهجه الدائمة التطور من أجل بلوغها - تبدو في نظر ~~الكثيرين متعارضة مع حرية الإنسان؛ فالوصول إلى معرفة شاملة بالطبيعة وبالحياة، ~~معناه أن كل شيء قد أصبح واضحا محدد المعالم؛ بحيث لا يعود هناك إلا طريق واحد ~~محدد بدوره لبلوغ الخير الإنساني، ms316 عندئذ لا يكون هناك معنى لترك الحرية للناس ~~بحيث يسلك كل منهم وفقا للقاعدة التي يمليها عليه عقله، بل يكون الأقرب إلى ~~المعقول هو إلزام كل شخص بمراعاة الشروط الضرورية لتحقيق الخير، وهي شروط وحيدة ~~لا بديل لها، وما يبرز هذا الإلزام أن خروج المرء عنه يعني إلحاق الضرر بنفسه ~~وبالآخرين. وهذا يعني أن العلم الشامل - على المستوى الإنساني - لا يترك مجالا ~~لحرية التصرف، أو للسلوك غير الملتزم باتجاه واحد محدد مقدما. # هذه المشكلة - التي أثارها تقدم العلم الحديث - تناظر مشكلة أخرى سبق أن ~~أثارها اللاهوت عن العلم الشامل على المستوى الإلهي، فقد بدا للبعض أن شمول ~~العلم الإلهي وإحاطته بكل شيء يتعارض مع مسئولية الإنسان عن أفعاله؛ ومن ثم ~~فهو يتعارض مع فكرة الثواب والعقاب، فكيف يعاقب الله إنسانا وقد كان بعلمه ~~الشامل يعرف مقدما أنه سيرتكب الشر؟ إن الخالق يعرف منذ البداية ما سيحدث لما ~~خلقه؛ أي إن فعل الخلق يستتبع علما شاملا، فكيف يكون المخلوق بعد ذلك مسئولا ~~أمام من خلقه، ومن أحاطه علمه منذ البداية بكل تفاصيل سلوكه في المستقبل؟ لقد ~~لخصت الفيلسوفة «سوزان ستيبنج» وجهة النظر هذه حين أكدت وجود تناقض شديد بين ~~فكرة الله بوصفه خالقا وفكرة الله بوصفه قاضيا، # 4 # فكيف يكون خالق الشيء حكما عليه؟ كيف يشكله على نحو معين، ويعلم ~~مقدما ما سيترتب على هذه الطريقة الخاصة في التشكيل، ثم يحاسبه على تصرفاته ~~المترتبة على طريقة تشكليه له؟ هذا الاعتراض الخطير هو الذي دفع اللاهوتيين إلى ~~أن يبتدعوا فكرة «حرية استواء ~~الأطراف # Librté d’indifférence ~~»، بوصفها تلك الحرية التي منحت للإنسان بحيث يكون ~~أمامه في كل حالة طريقان يستطيع الاختيار بينهما؛ فالله قد شاء أن يمنح الإنسان ~~القدرة على أن يحدد لنفسه المسلك الذي يختاره بين مسالك متعددة ممكنة؛ حتى يكون ~~للثواب والعقاب والمسئولية أمام الله معنى. # ولا جدال في أن هذا الحل يؤدي إلى تحقيق قدر من الحرية للإنسان. ولكن على ~~حساب شمول العلم الإلهي؛ إذ إن إتاحة ممكنات متعددة أمام ms317 السلوك الإنساني لن ~~يكون أمرا يستتبع مسئولية أمام الله إلا إذا كان اختيار الإنسان لواحد من هذه ~~الممكنات أمرا خارجا عن نطاق العلم الإلهي الشامل، وإلا عدنا مرة أخرى إلى ~~التعارض بين العلم الإلهي الشامل والمسئولية أمام الله، وهكذا يكون في هذا الحل ~~ذاته تأييد للتعارض بين شمول العلم الإلهي وبين الحرية الإنسانية، بحيث لا يمكن ~~تأكيد هذه الحرية إلا بتضييق نسبي لنطاق العلم الإلهي. # ولعل هذه النقاط كلها كفيلة بإيضاح وجهة النظر التي تؤكد وجود تعارض أساسي ~~بين العلم والحرية، وتذهب إلى أن ازدياد أحكام البناء العلمي يؤدي حتما إلى ~~تضييق نطاق الحرية، وإلى أن الحرية لا تزدهر بحق إلا في ظل مذهب يرخي من قبضة ~~الحتمية العلمية على العالم، ويترك مجالا للاختيار بين ممكنات متعددة تستوي في ~~أهميتها، ولا يتحتم علينا تفضيل أحدهما دون الآخرين؛ أي إن الحرية في نظر أصحاب ~~هذا الرأي لا تقوم لها قائمة إلا بقدر ما يتخلى العالم عن فكرة الضرورة ويستعيض ~~عنها بفكرة العرضية، أو بقدر ما يتنازل عن الحتمية لكي يؤكد أن مسار الحوادث ~~غير محتوم وغير متحدد أو متعين منذ البداية. ~~(2-4) التوفيق بين العلم والحرية # لم يقتنع مفكرون كثيرون بوجهة النظر السابقة، التي تؤكد وجود تعارض أساسي بين ~~العلم والحرية. وكان عدم اقتناعهم هذا راجعا إلى ما تشهد به التجربة ذاتها، من ~~أن تحرر الإنسان مواكب لتقدمه في العلم، على حين أن الجهل مظهر من أوضح مظاهر ~~عبودية الإنسان، وابتداء من هذه المقدمة التي لا تحتاج إلى برهان؛ لأنها ~~مستمدة من تجربة المجتمعات التي ارتكز عليها أنصار الرأي السابق، لكي يهتدوا ~~إلى أوجه الخطأ أو النقص فيها، ولم يكن من العسير عليهم أن يهتدوا إلى الأساس ~~النظري الكفيل بتأييد الارتباط الوثيق الذي تشهد به التجربة تقدم العلم وزيادة ~~حرية الإنسان. # ولقد كان لزاما على هؤلاء المفكرين أن يحاربوا - منذ البداية - وجهة النظر ~~التي تفصل بين العلم والحرية، بحجة أن العلم متعلق بمجال المعرفة، على حين أن ~~الحرية تتعلق بمجال الفعل ms318 والسلوك والإرادة؛ ذلك لأن تأكيد هذا الانفصال يعني - ~~في نهاية الأمر - استحالة قيام أية علاقة بين العلم والحرية، ما دام لكل ~~منهما مجاله الخاص؛ فالعلم يبحث في الأمور النظرية ويستهدف بلوغ الحقيقة ~~لذاتها، على حين أن الحرية مفهوم علمي في أساسه، يحققه السلوك البشري، ولا ~~يتأثر بالحقيقة النظرية في قليل أو كثير. # هذا الرأي ينكر التداخل الوثيق بين الجانب النظري والعلمي في حياة الإنسان، ~~ويتصور العلم عاكفا على الكشف النظري للحقائق دون أي اهتمام بالتطبيق، ويبدو ~~له أن قيمة الحقيقة تقطن - كما أراد لها أفلاطون - في عالم مثالي مفارق لعالمنا ~~هذا، لا شأن له بمشكلات العالم الأرضي أو بالتطبيقات العلمية، ولسنا في حاجة ~~إلى جهد كبير لكي نثبت بطلان هذا الانفصال غير المشروع بين مجال النظر ومجال ~~العمل أو التطبيق؛ إذ إن العلم - في كل كشف نظري يبلغه - يحرز انتصارات علمية ~~مرتبطة بهذا الكشف أوثق الارتباط، ولا يمكن فصلها عنه إلا تعسفا. # ليس هناك - إذن - انفصال بين مجالي الحرية والعلم، أو بين ميدان السلوك ~~العلمي وميدان الحقيقة النظرية؛ فالعلم حين يسعى إلى كشف أسباب الظواهر - وهو ~~سعي يبدو نظريا خالصا - يقدم إلينا في الوقت ذاته الوسائل التي تتيح لنا ~~السيطرة على هذه الظواهر، وبالتالي إثبات حريتنا إزاء الضرورة الطبيعية. بل إن ~~المبدأ العام الذي يرتكز عليه الجهد العلمي، ولا يكون هذا الجهد مفهوما بدونه، ~~وهو مبدأ الحتمية، ووجود ارتباط منتظم بين الظواهر، هو في ذاته عامل عظيم ~~الأهمية في تحقيق الحرية الإيجابية للإنسان، فهذا المبدأ يعني أن كل جهد يبذله ~~الإنسان يمكن أن يحقق النتائج المقصودة منه، إذا كان هذا الجهد متجها في ~~الاتجاه الصحيح، وأننا لو غيرنا اتجاه جهدنا لتغيرت النتائج المترتبة عليه. ~~وهذا معناه أن مبدأ الحتمية - الذي يبدو في ظاهره مبدأ نظريا بحتا - يساعد ~~على تحقيق الحرية بمعناها العلمي الإيجابي، أي من حيث هي بلوغ أهداف فعلية ~~مطابقة لما نبذله في سلوكنا من جهد، وسائرة في نفس الاتجاه الذي يسير فيه هذا ~~السلوك. أما لو تخيلنا أن ms319 مبدأ الحتمية ليس هو المسيطر، أي إذا تصورنا أن كل ~~شيء في الكون لا يخضع لقوانين العلم الضرورية، إما لأن هناك قدرا محتوما يفرض ~~على الطبيعة مسارها بقوة خارجية، لا بقواها الباطنة الخاصة، وإما لأن العرضية ~~الشاملة هي التي تسود؛ بحيث لا يتعين أن تؤدي نفس الأسباب إلى حدوث نفس ~~النتائج، لو تخيلنا ذلك فسوف تغدو الحرية مستحيلة؛ إذ إن هذا معناه أن أي جهد ~~نبذله لن يكون له أثر، وأن كل شيء إما أن يحدث بطريقة مرسومة مقدما بغض النظر ~~تماما عن الجهد الذي نبذله، وإما أن يحدث بطريقة عشوائية لا تعبر عن ارتباط ~~منتظم بين الظواهر. وفي كلتا الحالتين تختفي العلاقة السببية بين جهدنا وبين ~~النتائج التي نتوقعها منه، أو التي نبذل هذا الجهد من أجل بلوغها. # وهكذا فإن فكرة العرضية الشاملة التي تستبعد كل حتمية، والتي بدا لنا من قبل ~~أنها هي التي تجعل الحرية ممكنة، تقف حاجزا منيعا في وجه كل حرية إيجابية ~~نستهدف فيها تحقيق نتائج معينة من أفعالنا، ومعنى ذلك أن سيادة العرضية لا تقل ~~تعارضا مع الحرية عن فكرة الجبرية المطلقة، أو القدرية التي لا تترك مجالا ~~لأي تصرف فردي، وبالحتمية العلمية وحدها؛ أعني بالمبدأ القائل بوجود ترابط ~~منتظم قابل للفهم بين الظواهر، يمكن للحرية أن تتحقق إيجابيا، بحيث تترتب على ~~الأفعال الإنسانية كل النتائج التي نتوقعها منها. # بهذا المعنى يزول كل تعارض بين العلم والحرية، بل يصبح العلم أقوى أداة ~~لتحقيق حرية الإنسان في مظهرها الإيجابي الفعال؛ أعني تلك الحرية التي تتجلى في ~~سيطرة الإنسان على الطبيعة بمزيد من الإحكام. وفي قدرته على فهم قوانينها ~~واستغلالها لصالحه، وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق بين العلم والحرية قد تأكد ~~إلى أقصى حد بفضل كشوف العلم الحديث، فإن في وسعنا أن نجد لدى مذهب يوناني قديم ~~- هو المذهب الرواقي - استباقا لهذا الاتجاه؛ إذ إن الرواقيين كانوا بدورهم ~~يربطون بين فهم الإنسان للضرورة السائدة في الكون، وبين تحرره من انفعالات، ~~فالإنسان - في نظرهم - يظل عبدا ms320 لانفعالاته ما دام يستسلم لها، وينظر إليها ~~كما لو كانت قوة لها كيانها الخاص، تطغى على كل ما عداها من القوى المحيطة ~~به. أما لو توصل إلى إدراك أن انفعالاته ليست إلا جزءا ضئيلا من القوانين ~~الكلية للطبيعة، وإلى أن الأسباب التي تؤدي إلى ظهور هذه الانفعالات ليست إلا ~~حوادث ضرورية كان ينبغي أن تحدث، ولا تستطيع انفعالاته - مهما اشتدت - أن تغير ~~منها شيئا؛ فعندئذ يستطيع عقله أن يترفع عن الاستسلام للانفعال، وأن يوجه ~~إرادته إلى موقف من «الكبرياء» يتعالى على كل عوامل الضعف في النفس ~~البشرية. # ولقد لاحظنا من قبل، عند الكلام عن نقيضة العلم والحرية، رأي اسبينوزا ~~القائل: إن حرية الإنسان تتحقق إذا ما استطاع أن يفهم الضرورة الكامنة في ~~الظواهر، وأن يربط كل حادثة جزئية بالمجرى العام للحوادث الكونية. هذه القدرة ~~على الفهم هي التي تحرر الإنسان من عبودية الانفعالات، وبقدر إدراك الإنسان ~~للضرورة الكونية يكون حرا. ولا جدال في أن هناك ارتباطا وثيقا بين رأي ~~اسبينوزا هذا وبين الرأي الرواقي، حتى إن الكثيرين نظروا إلى موقف اسبينوزا على ~~أنه ترديد لفكرة رواقية قديمة، لم يأت فيه بجديد؛ على أننا نستطيع أن نلمح ~~اختلافا رئيسيا بين الموقفين؛ فالموقف الرواقي كان يقف عند حد النتيجة ~~السلبية، وهي التحرر من الانفعال، ولم يكن يجعل للعقل من دور إلا إدراك مبدأ ~~الضرورة الكونية فحسب. أما اسبينوزا فإنه يتجاوز هذا الموقف السلبي، مع ~~استيعابه له، ويؤكد أن المعرفة والفهم في ذاتهما - لا من حيث هما وسيلة للتخلص ~~من الانفعالات فحسب - هما اللذان يحققان للإنسان حريته بمعناها الصحيح، فإدراك ~~الضرورة عنده مرتبط بالحرية لمجرد كونه فهما عاقلا للقوانين الكونية. وفي ~~العمل العقلي الذي نربط فيه كل الظواهر بأسبابها يكون تحررنا، وما التخلص من ~~الانفعالات إلا خطوة تمهيدية تهيئ السبيل لتلك الممارسة العقلية التي هي أشرف ~~غاية يمكن أن يستهدفها الإنسان. وهكذا يتفق رأي اسبينوزا مع الموقف الرواقي ثم ~~يتجاوزه، والفارق بين الموقفين هو - بطبيعة الحال - تعبير عن الاختلاف بين ~~فلسفة كان كثير ms321 من أقطابها مضطهدين، بل كان بعضهم عبيدا أرقاء بالفعل، تهدف ~~إلى التخلص من مظاهر الانفعال التي تتملك النفس البشرية، دون أن تفكر على ~~الإطلاق في السيطرة على الظروف الخارجية التي تولد هذه الانفعالات؛ لأن تلك ~~الظروف خارجة تماما عن قبضتها، وبين فلسفة ظهرت في عصر الكشف العلمي وبداية ~~التصنيع، تؤمن بأن من الممكن السيطرة إيجابيا على الطبيعة وعلى كل الظروف ~~الخارجية التي تؤثر في الإنسان، ولا تكتفي بأن تقصر مجال اهتمامها على ~~الإنسان من الداخل لكي تحرره من الانفعال فحسب. # ولقد أصبح هذا الرأي - الذي يربط إيجابيا بين الحرية والعلم - معبرا عن ~~وجهة نظر الكثيرين في الفترة الحديثة من الفلسفة، ولسنا في حاجة إلى سرد أمثلة ~~كثيرة لبيان مدى الأهمية التي أصبحت لهذا الرأي في الآونة الأخيرة. ولكن يكفي ~~أن نشير إلى أن مذاهب فكرية متباينة أشد التباين قد أخذت، ومن أشهر هذه المذاهب ~~- في الآونة الحاضرة - والمذهب الماركسي، الذي يرفض كل فهم للحرية مبني على ~~فكرة عرضية الطبيعة أو نقص معرفتنا بقوانينها، ويؤكد أن لا حرية في ظل سيادة ~~الصدفة والعشوائية، وأن الحرية ليست إلا الاستغلال القائم على الفهم لقوانين ~~الطبيعة من أجل مصلحة الإنسان، والجديد الذي تضيفه الماركسية إلى هذا المبدأ - ~~الذي رأينا أمثلة عديدة له خلال تاريخ الفكر الإنساني - هو أنها لا تقتصر على ~~الربط بين الحرية وبين فهم قوانين الطبيعة، بل تربط - ربما على نحو أوثق - ~~بينها وبين فهم قوانين المجتمع، فحرية الإنسان لا تتحقق كاملة إلا إذا استطاع ~~أن يفهم الضرورة الكامنة في تطور المجتمعات البشرية، ويصل إلى القوانين ~~المتحكمة في هذا التطور، ويستخدمها من أجل الوصول إلى مرحلة القضاء التام على ~~استغلال الإنسان للإنسان. ~~(2-5) الحرية والمعرفة الذاتية # كان المعنى الذي استخدمت به كلمة «العلم» حتى الآن هو معنى العلم بقوانين ~~الطبيعة أو بقوانين الحياة الإنسانية. ولكن هناك مجالا آخر قد يكون للفظ ~~«للعلم» فيه معنى مخالف، هو مجال معرفة المرء بذاته، فهل ينطبق ما قلنا من قبل ~~عن العلاقة بين العلم والحرية على ms322 هذا المجال بدوره؟ أم أن الخصائص التي لا بد ~~أن تتميز بها هذه المعرفة الذاتية عن سائر أنواع المعرفة، تجعل لهذه العلاقة ~~طابعا مخالفا حين تطبق على هذا المجال؟ # إن كثيرا من المفكرين يفرقون على نحو قاطع بين المشاهدة الخارجية لسلوك ~~الآخرين، وبين تأمل الفاعل نفسه لسلوكه؛ ففي الحالة الأولى يبدو سلوك الآخرين ~~في أغلب الأحيان خاضعا لعوامل ضرورية. أما حين أتأمل سلوكي الخاص فإني أشعر ~~بنفسي حرا من كل قيد، والمشكلة في هذه الحالة هي أن الآخرين بدورهم يمكنهم - ~~حين يشاهدون سلوكي - أن ينسبوه إلى عوامل ضرورية مسببة له؛ بحيث يكون للفعل ~~الواحد طابع الضرورة في آن واحد. # ويتجلى هذا الاختلاف بين وجهة النظر الخارجية ووجهة النظر الداخلية إلى ~~السلوك بوضوح تام في حالة القدرة على التنبؤ؛ فالعلم يسعى إلى أن يمنح الإنسان ~~القدرة على التنبؤ بمجرى الحوادث الطبيعية وبسلوك الآخرين، والمثل الأعلى له هو ~~أن يكون من الممكن التنبؤ مقدما بأكبر عدد ممكن من الظواهر إن لم يكن بالظواهر ~~كلها. ولكن هل ينطبق ذلك على علاقة الفرد بنفسه؟ وهل يحاول أحد أن يتنبأ ~~«علميا» بما سيسلكه بناء على دراسة وافية بسوابق سلوكه؟ هذا طبعا مستحيل، ~~ويتنافى مع ما يحدث علميا؛ فالأمر المشاهد فعلا هو أن الشعور الداخلي ~~بالحرية يظل قائما مهما زادت معرفتنا العلمية بدوافع الإنسان. بل إنني لأشعر ~~بأن محاولة التنبؤ بسلوكي محاولة عقيمة؛ لأني أنا صانع أفعالي، فلا أحتاج إلى ~~تتبع العوامل المتحكمة فيها، والتي يمكن أن تساعدني على التنبؤ بها. # في هذه الحالة نجد أن عدم قابلية سلوك المرء الداخلي للتنبؤ - حين يكون الأمر ~~متعلقا بمعرفته لنفسه - لا يتعارض على الإطلاق مع شعور المرء بالحرية. بل إن ~~هذا الشعور بالحرية هو ذاته الذي يجعل محاولة تنبؤ المرء بسلوكه محاولة لا معنى ~~لها، والأمر هنا مختلف عما هو عليه في بقية الحالات: فتبعا لوجهة النظر التي ~~عرضناها من قبل، والتي تؤكد عدم التعارض بين العلم وبين الحرية، لا تتنافى ~~الحرية مع قابلية الظواهر الإنسانية للتنبؤ، فإذا ms323 تنبأت بأن شخصا أعرفه جيدا ~~سيرفض لونا معينا من الطعام قدم له، فليس معنى ذلك أنه لم يكن حرا في ~~رفضه هذا. وبعبارة أخرى: فإن الجهد الذي يبذله العلم من أجل زيادة قدرتنا على ~~التنبؤ بسلوك الناس لا يتنافى مع الحرية أو يضيق نطاقها. ولكن هذا لا يصدق على ~~ذلك النوع الخاص من المعرفة؛ أعني معرفة المرء بنفسه؛ إذ إن المرء لا يحاول أن ~~يتنبأ بسلوكه قياسا على تصرفاته الماضية، ليس فقط لأن وراء كل فعل عددا لا ~~نهائيا من العوامل التي يكاد يكون من المستحيل الإحاطة بها، والتي قد يستغرق ~~تتبعها - في حالة مجرد اختيار بسيط نقوم به - عمرا بأكمله، بل أيضا لأن ~~الطبيعة الخاصة للمعرفة الذاتية تجعل الشعور بالحرية ضروريا في تعامل المرء ~~مع ذاته؛ بحيث يختلف هذا التعامل اختلافا جذريا عن التعامل مع ~~الآخرين. # على أن هذا الشعور الداخلي بالحرية يقابله، ويرتبط به في الوقت ذاته: شعور ~~آخر لا يستطيع أحد أن ينكر أهميته في حياة الإنسان الأخلاقية، وأعني به الشعور ~~بالمسئولية. هذا الشعور يتخذ - في الحضارات الراقية - صورة علاقة بين الفرد ~~وبين نفسه أو بينه وبين «ضميره»، ولسنا الآن بصدد مناقشة مشكلة التطور الذي طرأ ~~على مفهوم المسئولية؛ بحيث تحولت من مسئولية أمام طرف خارجي - كالمسئولية أمام ~~سلطة المجتمع أيا كان طابعها - إلى مسئولية داخلية لا يتصل الفرد فيها إلا ~~بنفسه، ويكون الفرد فيها هو السائل والمسئول في آن واحد، إنما الذي يعنينا هنا ~~أن مشكلة المسئولية مظهر من مظاهر المعرفة الذاتية للإنسان؛ أعني أن الإنسان لا ~~يعد نفسه مسئولا إلا بناء على معرفة معينة بأبعاد فعله، وبعد تحليل ومقارنة ~~بين فعله الحاضر وأفعاله الماضية، بل بينه وبين ماضيه بأكمله. وربما أدخل ~~مشروعاته المستقبلية في حسبانه أيضا؛ لكي يستيقن من مدى دخول فعله في الإطار ~~الذي يرسمه لحياته في المستقبل، ومعنى ذلك - بعبارة أخرى - أن فكرة المسئولية ~~ترتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة العلاقة بين الحرية والعلم، بل إن من الممكن أن ~~تتخذ هذه المشكلة الأخيرة - في أحد ms324 جوانبها - طابعا ثلاثيا، يكون أطرافه هو: ~~العلم والحرية والمسئولية، فعلى أي نحو يمكن أن تفهم المشكلة في طابعها الثلاثي ~~هذا؟ # ولقد سبق لنا أن ناقشنا موضوع التعارض بين العلم الإلهي الشامل وبين فكرة ~~الثواب والعقاب، أي بينه وبين مبدأ المسئولية أمام الله، وتحدثنا عن الصعوبة ~~التي يواجهها الفكر الإنساني عندما يتصور الله بوصفه خالقا ويتصوره في الآن ~~نفسه بوصفه قاضيا؛ أعني عندما يتصور الخلق الإلهي للإنسان على أنه فعل مطلق ~~تتحدد بوساطته الطبيعة البشرية بجميع تفاصيلها، ويتصور الجزاء الإلهي للإنسان ~~على أنه محاسبة من الله لنفس الإنسان على أفعاله المترتبة على طبيعته هذه، أي ~~على أنه تعبير عن مسئولية الإنسان أمام خالق طبيعته التي تسببت في هذه الأفعال، ~~في هذه الحالة نجد تناقضا واضحا بين العلم - مفهوما بمعناه الإلهي الشامل - ~~وبين الحرية وما يترتب عليها من مسئولية، فهل يوجد مثل هذا التعرض على المستوى ~~الإنساني؟ أعني هل يؤدي العلم الإنساني إلى الحد من المسئولية الأخلاقية مثلما ~~يعتقد البعض أنه يؤدي إلى الحد من الحرية؟ # إذا بحثنا هذه المشكلة في أبعادها الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل - أعني ~~إذا حللنا العلاقة الثلاثية القائمة بين العلم (أو المعرفة) والحرية والمسئولية ~~- لتكشفت أمامنا - منذ البداية - نقيضة تبدو - لأول وهلة - على قدر غير قليل ~~من الغرابة؛ ذلك لأن الجميع يسلمون بأن الحرية شرط أساسي للمسئولية، ولم يكن ~~التناقض الذي أشرنا إليه منذ قليل بين الله بوصفه خالقا والله بوصفه قاضيا ~~سوى تعبير ضمني عن إيماننا بأن المسئولية لا يكون لها معنى في ظل انعدام ~~الحرية؛ أعني في الحالة التي يكون فيها مصدر الأفعال الإنسانية خارجا عن ~~الإنسان نفسه، أو تكون فيها تصرفات الإنسان خاضعة - بصورة حتمية - لمقتضيات ~~طبيعة لم يكن للإنسان ذاته دور في إيجادها. صحيح أن هناك مجتمعات بدائية تعد ~~الإنسان مسئولا عن أفعال لم يكن هو ذاته مصدرها، أو قام بها مرغما. ولكن ~~حديثنا الآن ينصب على المراحل المتقدمة في الوعي الأخلاقي، وهي المراحل التي ~~تكون فيها حرية الفعل شرطا لا غناء ms325 عنه لقيام المسئولية، ومع ذلك فإن ~~المسئولية ذاتها تفترض مقدما نوعا من الحتمية؛ إذ إن عملية وضع المرء موضع ~~المسئولية، تفترض وجود اتصال ضروري بين الشخص حين قام بالفعل الذي يسأل عنه، ~~وبينه في اللحظة التي يسأل فيها، وتفترض وجود خط سببي واحد يجمع بين هاتين ~~اللحظتين. كذلك فإن نتيجة المسئولية وهي الجزاء - سواء أكان جزاء معنويا أم ~~ماديا - تفترض الحتمية؛ لأن هذا الجزاء سيوقع على الشخص بوصفه سببا للفعل. ~~كما أن المفروض أن هذا الجزاء سوف يكون له تأثير معين في الشخص، فيشجعه على ~~فعله المحمود ويثنيه عن الفعل المذموم، ومثل هذا التأثير يفترض بدوره الحتمية ~~والسببية. وهكذا تظهر أمامنا تلك النقيضة بوضوح؛ إذ إن المسئولية تفترض الحرية ~~قبلها، أي كشرط ممهد لها، وتفترض الحرية بعدها؛ أي بوصفها أساس تبرير فعل ~~المسئولية ذاته، وما يترتب عليه من جزاء. وبعبارة أخرى، فإذا كان علمنا بأصل ~~الفعل الذي نحاسب عليه الشخص غير ضروري؛ لأننا نفترض وجود حرية لدى هذا الشخص، ~~فإن علمنا بالنتائج التي ستترتب على محاسبتنا له ضروري حتى يكون لهذه المحاسبة ~~ذاتها معنى. وهكذا يتلخص الموقف في أن المسئولية تقتضي الحرية مقدما. ولكنها ~~تقتضي عكس الحرية؛ أي الحتمية، في المرحلة اللاحقة، كما أن المسئولية لا تشترط ~~العلم في البداية. ولكنها تفترضه وتشترطه في النهاية. # هذه النقيضة تنطوي ضمنا على الاعتقاد بأن الحرية، في مقابل الحتمية، هي ~~المقدمة الضرورية لقيام المسئولية، وهو الاعتقاد الذي قلنا من قبل : إنه - ~~بالنسبة إلى الذهن العادي - يكاد يكون قضية مسلما بها، فهل يصمد هذا ~~الاعتقاد أمام النقد والتحليل؟ وهل من الصحيح أن الحتمية تتنافى مع المسئولية، ~~بمعنى أن السلوك الذي تعرف أسبابه وتحدد مقدما لا يمكن أن يكون سلوكا يسأل ~~عنه المرء؟ # من الملاحظ أن هذا الرأي لا يقدم إلا في حالة الأفعال التي تستوجب اللوم ~~فحسب؛ فحين يكون الجزاء المترتب على المسئولية عقابا، عندئذ نبحث في مقدمات ~~الفعل الذي استوجب هذا العقاب، ونحاول أن نثبت أنه لم يكن فعلا «حرا»؛ أي ~~إنه كان ms326 فعلا وقع نتيجة لأسباب حتمية؛ وبذلك نخفف من مسئولية المرء عنه أو ~~ننفيها نفيا تاما. أما في حالة الأفعال التي تستحق المدح والإطراء، والتي ~~يكون الجزاء فيها ثوابا، فإننا لا نحاول على الإطلاق أن نخفف من مسئولية ~~الفاعل، أو من مسئوليتنا نحن إذا كنا فاعلين، عن طريق الإشارة إلى وجود سوابق ~~ضرورية وحتمية للفاعل، وكما قال منكوفسكي: «فلست أعرف شخصا رفض اللجيون دونور ~~(وسام الشرف الفرنسي) بحجة أنه من أنصار الحتمية»، # 5 # ومع ذلك فالمبدأ واحد في الحالتين، فلماذا إذن لا نرفض التكريم على ~~فعل يستحق المدح على أساس أننا لم نكن أحرارا كل الحرية في القيام به، وأن ~~هناك سوابق ضرورية هي التي جعلت من المحتم علينا أن نتصرف على هذا النحو؟ ~~ولماذا نقتصر في استخدامنا لهذه الحجة على الحالات التي نكون فيها معرضين ~~للوم أو العقاب؟ من المؤكد أن هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تشككنا في صحة ~~الاعتقاد الشائع بأن المسئولية لا قيام لها في ظل الحتمية؛ أي في ظل المعرفة ~~الدقيقة بالأسباب الضرورية المؤدية إلى ظهور الفعل. # وواقع الأمر أنه ليس من الصعب على المرء تصور مسئولية بدون حرية كاملة؛ أعني ~~مسئولية في إطار علم جزئي غير كامل بمقدمات الفعل الذي يسأل عنه المرء؛ ~~فالمسئولية القانونية تفترض قدرا معينا من الحرية. ولكنها لا تفترض حرية ~~مطلقة، بدليل أنها تقوم على أساس وجود قواعد تشريعية معينة يتحتم إطاعتها، سواء ~~بحرية أم بغير حرية. وبعبارة أخرى: فإن عملية البحث عن دوافع الفعل - التي يقوم ~~بها القانون من أجل تحديد مسئولية الفاعل - لا تستمر إلا إلى حد معين، بدليل أن ~~القانون لا يظل يتعقب الأصول الوراثية للفاعل - مثلا - لكي يهتدي فيها إلى ~~الأسباب التي ربما كانت قد تحكمت في جريمته، مع أنه قد تكون هناك من بين هذه ~~الأصول عناصر يفيد منها العلم في الكشف عن عوامل كانت مقيدة لحريته، هي التي ~~دفعته إلى ارتكاب جريمته، ولما كانت المسئولية الأخلاقية تنطوي على قدر من ~~الموازاة مع المسئولية القانونية، ولما كان ms327 الضمير الأخلاقي هو «القانون وقد ~~اتخذ طابعا باطنا»، # 6 # فمن الممكن القول: إن المسئولية الأخلاقية تفترض بدورها قواعد ~~معينة، نقلت إلى المجال الباطن في الإنسان، ويتوجب على المرء إطاعتها مثلما ~~يتوجب عليه إطاعة نصوص القانون، في هذه الحالة لا تفترض المسئولية حرية كاملة، ~~بقدر ما تفترض إطاعة قواعد «الضمير الخلقي»؛ أي إنه إذا لم تكن الحتمية مؤدية ~~إلى إعفاء المرء من المسئولية القانونية، ألا يثير ذلك احتمالا في أن تكون ~~المسئولية الأخلاقية بدورها ممكنة في ظل الاعتقاد بالحتمية؟ # إن من المسلم به أن هناك اختلافا أساسيا بين المسئولية الأخلاقية ~~والمسئولية القانونية؛ فالقانون «نفعي» يستهدف تحذير الناس من ارتكاب الأخطاء، ~~ويراعي في عقوباته أن تكون رادعا للآخرين لا جزاء للفاعل وحده. أما الأخلاق ~~فهي شخصية، يتركز الحكم فيها على الفاعل نفسه؛ ومن ثم كانت أكثر اهتماما ~~بالنوايا والمقاصد. وكان يبدو أنها تتنافى مع وجود الحتمية. ولكن ألا يجوز أن ~~يكون في الأخلاق بدورها جانب نفعي؛ بحيث إنني عندما ألوم نفسي على فعل خاطئ، لا ~~أوجه هذا اللوم إلى نفسي على أساس أنني كنت أستطيع أن أسلك بطريقة مخالفة (إذ ~~أن هذا مستحيل في رأي مذهب الحتمية)، بل أوجهه على أساس أنني آمل بهذا اللوم، ~~أن أتجنب تكرار مثل هذا الخطأ في المستقبل؟ في هذه الحالة تكون المسئولية ممكنة ~~في ظل الحتمية، ولا يكون هناك تعارض بينهما. # على أن هذا التعارض يمكن أن يزول بمزيد من السهولة إذا رجعنا إلى تجربتنا ~~الباطنة، فمهما كان رأي المرء في مشكلة الحتمية، وهل هي السائدة في العالم أم ~~أن الحوادث فيها عنصر أساسي من العرضية، فإنه لا يستطيع أن يستخلص من شعوره ~~الداخلي بالمسئولية؛ أي إن الجمع بينهما ممكن بلا تعارض في داخل الشخص الواحد، ~~وتعليل ذلك ميسور؛ إذ إن الحتمية مبدأ لا شخصي شامل، على حين أن المسئولية ~~ظاهرة معيشية، تعد من المعطيات المباشرة للوعي، وبها تتميز حياتنا ~~الإنسانية على وجه التخصيص، الحتمية مبدأ يمتد إلى ما لا نهاية في المكان ~~والزمان على حين ms328 أن المسئولية تجربة حية شخصية، تحدث في زماننا ومكاننا ~~الخاصين، ولها حدودها المعلومة، ولما كانت الفكرتان لا تجتمعان على أرض واحدة، ~~فإن التعارض بينهما لا بد أن يكون مصطنعا. # وأخيرا، فحتى لو سلمنا بوجود تعارض بين المسئولية التي تفترض الحرية وبين ~~الحتمية التي تنفيها، فينبغي أن نتذكر أن هذا التعارض مصطنع؛ لأن الحتمية - كما ~~أكدنا في موضع سابق - لا تنفي الحرية، ولأن هناك تراثا فلسفيا كاملا يجعل ~~الحرية كامنة في نفس علمنا بالأسباب المتحكمة في السلوك وإدراكنا الواعي بها، ~~لا في حالة العماء والتخبط التي تبدو فيها أفعالنا مفتقرة إلى أي سبب. ~~(3) من الحرية النظرية إلى الحريات العملية # ليست التأملات النظرية السابقة منقطعة الصلة بالبحث العلمي في العلاقة بين العلم ~~والحرية الشخصية؛ ذلك لأن الاتجاه النظري للمفكر لا بد أن يكون له تأثير في ~~طريقة تناوله للأمور من زاويتها العملية. ومن الزيف أن نعتقد بوجود انفصال بين ~~الوجه النظري والوجه العملي للفكر؛ إذ إن التجربة الإنسانية تشهد في كل لحظة ~~بالتداخل الوثيق بين هذين الوجهين. وفي حالة مشكلة الحرية بالذات، كان للمواقف ~~النظرية للمفكرين تأثيرها الفعال في نظرتهم إلى الحريات العلمية؛ إذ إن الفلسفات ~~التي تقيم تعارضا بين العلم والحرية، لا تنادي عادة بمبدأ السعي الإيجابي من أجل ~~اكتساب مزيد من الحريات العلمية عن طريق العلم، على حين أن تلك التي تزيل هذا ~~التعارض تفتح الباب على مصراعيه أمام العلم كما يبذل جهود الإيجابية في سبيل نطاق ~~الحريات الإنسانية . # ومعنى ذلك أن انتقالنا من بحث المشكلة على المستوى النظري التأملي إلى بحثها على ~~المستوى الإنساني الواقعي، ليس انتقالا من مجال مخالف له، وإنما هو انتقال من ~~الوجه النظري إلى الوجه التطبيقي لنفس المجال، وإذا كان قد ظهر من المفكرين من ~~ينكرون أصلا قيمة البحث النظري في هذه المشكلة، ويؤكدون أن أمثال هذه التأملات ~~الفلسفية إنما هي مناقشات عقيمة يقوم بها أشخاص لا يريدون التصدي للمشكلة الحقيقية ~~في مواجهة مباشرة، فإن من واجبنا أن نؤكد ضرورة الجمع بين الوجهين: النظري والعملي ms329 ~~لمشكلة الصلة بين العلم والحرية، وأن نثبت أن الأبعاد الحقيقية لهذه المشكلة لا ~~تتضح إلا عن طريق إدراك العلاقات المتبادلة بين هذين الوجهين، وسوف يتبين لنا من ~~الموضوعات التي اخترنا أن نعالجها في القسم التالي من هذا البحث أن هناك تداخلا ~~وثيقا بين جانبي المشكلة هذين، وأن المناقشة النظرية السابقة تكتسب مزيدا من ~~الوضوح وتحدد المعالم، وتنتقل إلى مجال التطبيق الواقعي بفضل المناقشة العلمية التي ~~سننتقل إليها الآن. ~~(3-1) مشكلة الحرية في العلوم المختلفة # أولى المشكلات التي يتعين علينا أن نعرض لها في هذا الجزء من بحثنا هي ~~النتيجة التي تصل إليها العلوم المختلفة بالنسبة إلى مشكلة الحرية، وينبغي أن ~~نلاحظ - منذ البداية - أننا لا نستهدف تقديم عرض شامل لرأي مختلف العلوم في هذه ~~المشكلة؛ لأن مثل هذا العرض يتجاوز بكثير أبعاد بحث كهذا. بل إننا سنكتفي ~~بالحديث عن وجهة نظر مجموعة محدودة من العلوم في هذه المشكلة. كذلك فإن العلوم ~~التي سنعرض لها لا تعالج مشكلة الحرية معالجة مباشرة؛ إذ إن الموضوعات التي ~~تبحث هذه العلوم لا تتصل مباشرة بمثل هذه المشكلة. بل إن الرأي الذي نقول به ~~في هذا الصدد يمكن التوصل إليه بطريقة ضمنية غير مباشرة فحسب. وأخيرا ينبغي أن ~~يلاحظ أن هذا الموضوع يمثل جسرا يمكن العبور عليه من البحث النظري إلى ~~البحث العلمي لمشكلة الصلة بين العلم والحرية؛ إذ إن المسائل التي تعالج فيه ~~تصلح للجمع بين وجهي المشكلة هذين، أو على الأصح: تمهد للانتقال من أحدهما إلى ~~الآخر. ~~(أ) الفيزياء # خلال فترة ازدهار العلم الميكانيكي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ~~ساد الاعتقاد بأن القوانين الطبيعية تخضع لنوع من الحتمية الشاملة يجعل ~~حوادث الكون كلها تسير في اتجاه يمكن حسابه مقدما بدقة كاملة إذا ما ~~توافرت المعطيات الكافية، واستدل بعض المفكرين من ذلك على أن السببية ~~الدقيقة التي يخضع لها الكون لا تترك مجالا للحرية الإنسانية، وعلى أن هذه ~~الحرية لا يعود لها معنى في عالم تتحكم القوانين الضرورية في كل ما يقع فيه ms330 ~~من أحداث. وكان أدق تعبير عن هذا الموقف هو تلك الفقرة المشهورة التي عبر ~~فيها العالم الفرنسي «لابلاس» عن سيادة الحتمية في الكون، فقال: «لو وجد ~~عقل يعرف - في لحظة معينة من الزمان - كل القوى التي تمارس تأثيرها في ~~الطبيعة، فضلا عن المواقع التي تتخذها في تلك اللحظة جميع الأشياء التي ~~يتألف منها الكون؛ لاستطاع أن يضم حركات أكبر الأجسام في العالم وحركات ~~أصغر الذرات في صيغة واحدة، بشرط أن يكون هذا العقل من القوة بحيث يخضع كل ~~المعطيات للتحليل، فبالنسبة إلى عقل كهذا لن يكون هناك شيء غير يقيني، بل ~~يصبح الحاضر والمستقبل ماثلين أمام ناظريه.» # هذه الصيغة تعبر بوضوح قاطع عن موقف العلم الطبيعي في أواخر القرن الثامن ~~عشر وأوائل القرن التاسع عشر من مشكلة الحتمية. ولكن هل يمكن القول: إنها ~~تؤثر فعلا في نظرتنا إلى مشكلة الحرية كما اعتقد الكثيرون؟ الواقع أن هذه ~~الصيغة فرضية في أساسها؛ فهي تتحدث عن حالة غير متحققة فعلا، يوجد فيها ~~عقل محيط بكل صغيرة وكبيرة عن العالم في لحظة معينة من الزمان، وحتى لو ~~قيل: إن مسألة إمكان وجود مثل هذا العقل أو عدم وجوده مسألة ثانوية، وأن ~~أهم ما في الأمر هو المبدأ نفسه في صورته الموضوعية، فينبغي أن نلاحظ أن ~~هذا المبدأ لا يمس الحرية الإنسانية، إنه يؤكد إمكان التنبؤ بكل حوادث ~~الكون. ولكنه لا يتدخل في مسار الإطلاق بقابلية الحوادث للتنبؤ، وسيظل هذا ~~السلوك يسير في مجراه دون أي تدخل خارجي. # ومع ذلك فقد كان التفسير الشائع لصيغة «لابلاس» هو أنها تعني إلغاء ~~الحرية. وكان من المألوف في أوساط المفكرين أن يقال: إن علم الفيزياء يؤكد ~~استحالة الحرية الإنسانية، ومن هنا كان الحريصون على هذه الحرية يتحينون ~~أية فرصة للخلاص من هذا المأزق الذي أوقعتهم فيه فكرة العلية الشاملة في ~~العلم الطبيعي. # وحانت هذه الفرصة في أوائل القرن العشرين، حين حدث انقلاب حاسم في علم ~~الفيزياء، انهارت معه مفاهيم الحتمية والعلية بمعناها التقليدي، وأصبح ~~انعدام التعيين أو اللاتحدد ms331 كامنا في قلب جزئيات العالم المادي، وثبت أن ~~التنبؤ الدقيق الكامل بمسار هذه الجزئيات مستحيل؛ لأن عملية الملاحظة ذاتها ~~تتدخل في إحداث نوع من الانحراف في هذا المسار؛ بحيث تكون هناك قفزات غير ~~متوقعة في دقائق المادة، يستحيل تطبيق مبدأ العلية الدقيقة عليها. # وكما سارع المفكرون من قبل إلى استخلاص نتائج تقضي على الحرية الإنسانية ~~من صيغة لابلاس التي تؤكد الحتمية المطلقة، فقد سارع غيرهم إلى استخلاص ~~نتائج تؤكد أن علم الفيزياء ذاته يؤيد الحرية الإنسانية، بعد أن ثبتت ~~استحالة الحتمية بمعناها التقليدي. وكان من أصحاب هذا الرأي من بين العلماء ~~المشهورين في أوائل القرن العشرين، فهذا أدنجتن # Eddington # يقول في أحد مؤلفاته: «نستطيع أن نلاحظ أن العلم ~~يسحب بذلك (رأي بإدخال مبدأ عدم قابلية التنبؤ) معارضته المعنوية لفكرة ~~حرية الإرادة، فأولئك الذين يقولون بنظرية حتمية عن النشاط الذهني ينبغي أن ~~يفعلوا ذلك بوصفه نتيجة لدراستهم للذهن ذاته، لا على أساس أنهم بذلك ~~يجعلونه أكثر تلاؤما مع معرفتنا التجريبية بقوانين الطبيعة غير العضوية.» # 7 # وفي كتاب آخر يقول: «إن الثورة في النظرية العلمية - التي طردت ~~الحتمية من الفيزياء الحالية - لها نتيجة هامة هي أنه لم يعد من الضروري ~~افتراض أن الأفعال البشرية محتمة مقدما بصورة كاملة، وعلى الرغم من أن باب ~~الحرية البشرية قد فتح، فإنه لم يفتح على مصراعيه، بل ظهر قبس ضئيل ~~من نور النهار. ولكني أعتقد أن هذا يكفي لتبرير إعادة توجيه نظرتنا إلى ~~المشكلة ...» # 8 # ثم يقول: «وهكذا نستنتج أن نشاط الوعي لا يخالف قوانين ~~الفيزياء، ما دام مبدأ اللاتعين السائد حاليا يسمح بوجود حرية تمارس ~~عملها فيه.» # 9 # وبنفس الألفاظ تقريبا يقول جيمس ~~جينز # James Jeans ~~: «إن الفيزياء الجديدة (فيزياء اللاتعين) قد أظهرت ~~على الأقل أن مشكلتي: العلية وحرية الإرادة في حاجة إلى صياغة جديدة، وعلى ~~حين أن الفيزياء الكلاسيكية بدت كما لو كانت توصد الباب المؤدي إلى أي نوع ~~من حرية الإرادة، فإن الفيزياء الجديدة لا تفعل ذلك، بل يبدو أنها توحي بأن ~~الباب ms332 يمكن أن يفتح لو استطعنا أن نهتدي إلى المقبض. إن الفيزياء ~~القديمة قد كشفت لنا عن عالم كان يبدو أقرب إلى السجن منه إلى المسكن. أما ~~الفيزياء الجديدة فتكشف لنا عن عالم يبدو كما لو كان صالحا لأن يكون ~~مسكنا ملائما للناس الأحرار لا مجرد مأوى للحيوانات»، # 10 # ويرى جينز أن مبدأ اللاتعين عند هيزنبرخ يؤدي إلى الاعتقاد بأن ~~«مسامير العالم» قد تفككت قليلا، ودخل في جهاز العالم عنصر من «الخلخلة»، ~~لا لأن صنعة العالم ناقصة، بل لأن كل شيء لم يكن محكوما تماما منذ ~~البداية؛ بحيث أصبح يترك مجالا للحرية. # 11 # هذه الاستنتاجات المبنية على التطورات الحديثة في علم الفيزياء - والتي ~~تستدل من هذه التطورات على وجود الحرية الإنسانية - تقع في أخطاء متعددة لا ~~يصعب على المرء أن يتنبه إليها في وقتنا الراهن، بعد أن انقضى عهد الحماسة ~~المندفعة التي لازمت هذه الكشوف في أول عهدها، وأصبحنا أقدر على تأمل ~~«أزمة» علم الفيزياء المعاصر بطريقة موضوعية. والواقع أن من حق المرء أن ~~يتساءل عندما يصادف هذا الدفاع الحماسي عن الحرية: هل كان مكتوبا على ~~الحرية الإنسانية أن تنتظر حتى تظهر الفيزياء الجديدة لكي تدعمها؟ وهل كان ~~الإنسان عاجزا عن إثبات حريته طوال تاريخه السابق؟ لقد كان «منكوفسكي» على ~~حق حين قال باستنكار: «في أيامنا هذه، اعتقد البعض أنه استخلص حجة لصالح ~~الحرية من مفاهيم الفيزياء الحديثة. ولكن الواقع أن الحرية الإنسانية لا بد ~~أن تكون مريضة حقا إذا بحثت عن حجج كهذه في هذا الميدان، أليس الأقرب إلى ~~المعقول أن نتساءل، على عكس ذلك، عما إذا كانت هذه المفاهيم تبدو قريبة إلى ~~قلوبنا ومغرية لأنها تسير - بقدر ما يمكنها - في الطريق الذي سارت فيه ~~الحرية الإنسانية؟» # 12 # ولا جدال في أن قليلا من التعمق في بحث هذه الحجج يقنعنا بأنها تخلط - ~~على نحو مؤسف - بين مستويين للظواهر: المستوى الذري من جهة، والمستوى ~~المعتاد في حياتنا اليومية، ومن المعروف أن مشكلة الحرية لا تثار إلا على ~~المستوى الثاني؛ لأنها تتعلق ms333 بالسلوك الإنساني في هذا العالم؛ ومن هنا كان ~~من الخطأ أن نطبق ما نصل إليه من نتائج في مستوى الجزئيات الدقيقة على ~~سلوكنا في العالم اليومي بأبعاده المألوفة، وحتى لو كانت اللاحتمية هي ~~القاعدة في مجال الوجود الأصغر، فإن كل الأنساق الأكبر من ذاك يمكن أن تظل ~~محتفظة بحتميتها حتى بالرغم من أن مكوناتها الصغرى لا تسودها ~~الحتمية. # ولقد عبر «جان نابير» تعبيرا دقيقا عن هذا التعجل في تفسير النتائج ~~العلمية تفسيرا فلسفيا، الاعتقاد بأن عدم إحكام البناء العلمي هو خير ~~ضمان للحرية الإنسانية، فقال: «إن من سوء الفهم الواضح لكل ما هنالك من فكر ~~وعقل في حتمية الموضوع أن يخشى البعض سيطرة هذه الحتمية على النفس البشرية، ~~ويعتقد أنه لا يستطيع تجنب ذلك إلا بتهيئة الجو للحرية في الإنسان عن ~~طريق كشف نوع من العرضية في قوانين الأشياء. ولكن الخطر الذي تتعرض له ~~الحرية يظل موجودا عندما يجعلها المرء متوقفة على وجود لا معقولية في ~~موضوع المعرفة؛ ذلك لأن هذه اللامعقولية لا يمكن إلا أن تكون نقطة بداية ~~لتحديد أدق للموضوع. والواقع أنه قد تضافرت محاولات متعددة تلاقت كلها على ~~هدف واحد، هو إضعاف قيمة العلم لكي تتيح من جديد إمكان قيام معرفة فوق ~~العقلية، وعلية قائمة على الحرية، وهما هدفان كانت سيادة الضرورة في عالم ~~الأشياء تحول دون تحقيقهما، وكأن المطلوب هو إيجاد رابطة وثيقة بين علم ~~ناقص تتخلله ثغرات عديدة، وبين حرية لا تجد لها طريقا إلى العالم إلا بفضل ~~هذه الثغرات، والواقع أن نجاح هذه المحاولات أمر مشكوك فيه، فما هي في ~~الحقيقة سوى تفسير فلسفي متعجل لأزمة للعلم سيخرج منها أقوى مما كان، فلا ~~جدال إذن في أن لا عقلية بعض نظريات المعرفة ستظل في التاريخ شاهدا على ~~عصر كانت الفلسفة تظن فيه أنها تجد في حالة العلم الذي يعمل على زيادة ~~مرونة مناهجه وسيلة لتبرير لحرية الإنسانية على نحو لا يخلو من المخادعة.» # 13 # خلاصة القول إذن؛ إن علم الفيزياء لا يقضي على الحرية ms334 حين يؤكد سيادة ~~مبدأ الحتمية في الكون، ولا يدعم الحرية حين يؤكد وجود ثغرات في مبدأ ~~الحتمية. بل إن الحرية الإنسانية تظل على ما هي عليه، سواء أكانت الحتمية ~~أم اللاحتمية هي المبدأ السائد في الطبيعة. وهكذا يبدو أن النظريات العامة ~~في علم الفيزياء لا تؤثر - إيجابا أو سلبا - على موقفنا من الحرية ~~الإنسانية. ولكن هل يعني ذلك أن علم الفيزياء لا تأثير له على مشكلة ~~الحرية؟ ألا يحتمل أن تكون لتطبيقات هذا العلم آثارها الهامة على الحرية ~~الإنسانية؟ تلك مشكلة سنرجئ الكلام عنها مؤقتا، وسوف يتبين لنا - عندما ~~نعود إلى معالجتها فيما بعد - أن هذا السؤال لا بد أن يجاب عنه ~~بالإيجاب. ~~(ب) علم النفس # لعل قدرا غير قليل مما قيل في وقت ما عن علم الفيزياء وتأثيره في مشكلة ~~الحرية، ينطبق على علم النفس، وكل ما في الأمر أن البحث في حالة علم النفس ~~ينصب على السلوك الإنساني، لا على الحوادث أو الأفعال الطبيعية، فتقدم ~~علم النفس كان يكشف دواما عن أنواع جديدة من الحتمية تؤدي - على نحو ~~متزايد - إلى زعزعة الاعتقاد بإمكان وجود أساس للحرية الإنسانية، وهكذا ~~أصبح هناك شعور متزايد بأن نطاق حريتنا يضيق كلما ازداد علم النفس ~~تقدما. # والواقع أننا حين نتحدث عن علم النفس؛ فنحن إنما نستخدم هذا اللفظ بمعناه ~~الواسع، الذي يمكن أن تندرج تحته أبحاث فسيولوجية كثيرة كان لها تأثيرها ~~الهام في فهمنا لحقيقة السلوك البشري، فتقدم أبحاث المخ مثلا يؤدي إلى ~~مزيد من الإيمان بالحتمية في هذا المجال، ويدفعنا إلى الاعتقاد بأن سلوكنا ~~يرتد إلى مجموعة من «الدوائر الكهربائية» التي يمكن فهمها بالعلم البحت، ~~فهل يمكن أن تسمى ظاهرة الفكرة - التي ترجع إلى عوامل كهذه - مظهرا من ~~مظاهر الحرية؟ إننا «نشعر» حقا بأن فكرنا حر. ولكن ألسنا نشعر في كثير من ~~الأحيان بأننا متمتعون بصحة كاملة، في الوقت الذي تكون فيه أجسامنا مصابة ~~بأمراض خفية لا نشعر بها عن وعي؟ # إن اتساع نطاق معرفتنا النفسية والفسيولوجية بالأفعال وردود الأفعال ~~البشرية يقنعنا ms335 بأن تلك الأفعال التي نعتقد فيها أننا كنا نستطيع أن نسلك ~~على نحو مخالف، أو أنه كان أمامنا بديل آخر غيرها، أضيق نطاقا مما كنا ~~نتصور. وبعبارة أخرى؛ فهناك نسبة عكسية بين تقدم علم النفس والعلوم ~~المرتبطة به، وبين النطاق الذي تحتله تلك الأفعال التي نسميها حرة، فهل ~~نستطيع أن نطمئن إلى وجود ظاهرة الحرية في الوقت الذي نرى فيه مجالها وهو ~~ينكمش باستمرار؟ ألا يحتمل أن يزداد هذا الانكماش حتى يصل إلى حد التلاشي ~~التام؟ # لقد اعتدنا من قبل أن نتصور الفارق بين الأفعال الحرة والأفعال غير الحرة ~~على أساس أن أصل الفعل - في الحالة الأولى - موجود فينا، بينما الفعل في ~~الحالة الثانية يرجع إلى أصل خارج عنا. ولكن تقدم علم النفس قد وضعنا في ~~موقف جديد كل الجدة؛ إذ تبين أن كثيرا من الأفعال التي نظنها منبعثة من ~~داخلنا آتية في الواقع من خارجنا، والمثل الصارخ على ذلك هو الشخص المنوم ~~مغناطيسيا، الذي يأمره المنوم بأن يخلع معطفه ويفتح النافذة في ساعة ~~معينة، فيفعل ذلك في الوقت المحدد، وينتحل أعذارا لفعله، متوهما أنه حر، ~~بل ربما ظنه الناس جميعا حرا، إلا عندما ينبئهم الشخص الذي أمره بأنه لم ~~يكن إلا مضطرا فيما فعل، # 14 # ألا يمكن إذن أن تكون أفعالنا كلها اضطرارية بهذا المعنى؟ ألا ~~يحتمل أن تكون لها أسباب خارجية لا نعلم عنها شيئا؟ ألا يمكن أن يكون ~~لعوامل البيئة والوراثة تأثير خفي ندركه عن وعي، يجعلنا نسلك على نحو لا ~~نملك له دفعا، ونحاول في الوقت ذاته تبرير سلوكنا على أساس أننا ~~أحرار؟ # لا جدال في أن هذا الاحتمال قائم على الدوام. وفي أن تقدم علم النفس ~~والعلوم السلوكية يزيده ترجيحا باستمرار. ولكن الذي نود أن ننبه إليه هو ~~أن الألفاظ التي نصوغ بها هذه المشكلة تحتاج إلى إعادة نظر؛ فالمسألة - في ~~جوهرها - ليست في واقع الأمر مسألة وجود عوامل قاهرة ترغمنا على أن نسلك ~~على نحو معين، وإنما هي مسألة كشف أسباب لسلوكنا بعد أن ms336 لم نكن نعرف له ~~سببا، وكما قلنا من قبل، فإن الاهتداء إلى المزيد من الأسباب المتحكمة في ~~السلوك (وهو ما يقوم به علم النفس فعلا) لا يعني الاهتداء إلى المزيد من ~~عوامل القهر، ليس من الضروري أن تكون هذه الأسباب كلها خارجية أو قهرية. بل ~~إن تقدم علم النفس يتيح لنا أن نصنف ما نكتشفه من أسباب سلوكنا إلى فئتين: ~~الأسباب «الداخلية» والأسباب «الخارجية»، وذلك يمكننا من أن نفرق على نحو ~~أدق بين الأفعال الحرة والأفعال الاضطرارية. # وعلى ذلك فمن الممكن القول - نظريا: إنه إذا كانت الحرية لا تتعارض مع ~~السببية الباطنة؛ أي كون الفعل راجعا إلى عوامل منبعثة من داخل الكائن ~~نفسه، وإنما تتعارض فقط مع وجود أسباب خارجية تقهر الفاعل، فإن التقدم الذي ~~يحرزه علم النفس في الكشف عن أسباب أفعالنا لا يؤدي بالضرورة إلى تضييق ~~نطاق أفعالنا الحرة، بل يؤدي فقط إلى زيادة دقة التمييز بين ما هو حر وما ~~هو غير حر من أفعالنا، وسيظل من حقنا أن نفترض - على المستوى العلمي - أن ~~الفعل الإنساني يفترض الحرية بوصفها شرطا ضروريا؛ إذ إن هذا الفعل يغدو ~~مستحيلا ما لم يتخذ وعينا موقفا محددا إزاء إمكانات متعددة للسلوك تظل ~~متاحة لهذا الوعي. ~~(ج) علم التاريخ # هل يؤدي التعمق في دراسة علم التاريخ إلى دعم شعور الإنسان بحريته؟ أم ~~إلى إضعاف هذا الشعور؟ # لا شك في أن الدراسة الجادة للتاريخ تبدو وكأنها تقتضي على الشعور ~~الإنسان بالحرية؛ فكلما ازداد المرء تعمقا في معرفة التاريخ؛ بدت له ~~الأحداث البشرية خاضعة لعوامل طاغية كانت هي المتحكمة في ماضي الإنسان منذ ~~بدايته. صحيح أن البشر خلال حياتهم في عصر معين يخيل إليهم أنهم أحرار ~~حرية تامة فيما يقومون به من أفعال، وإذا أحسوا بأن أفعالهم خاضعة لقهر ~~خارجي، فإنهم ينسبون الحرية الكاملة إلى الحاكم الذي أخضعهم لإرادته، أو ~~الزعيم أو القائد الذي استطاع أن يوجههم نحو أهداف لم يكونوا ليتجهوا إليها ~~لو أنهم تركوا وشأنهم، كلما كان المرء قريبا من زمان وقوع ms337 الأحداث، بدت ~~له هذه الأحداث حرة، وخيل إليه أن كل ما وقع منها كان يمكن ألا يقع. ~~ولكنه حينما يقف على مبعدة منها، أي حين يمضي من الزمن قدر كاف لكي يتأمل ~~المرء الأحداث الماضية بنظرة شاملة، تبدو له هذه الأحداث خاضعة لأسباب ~~حتمية، ويختفي طابعها العرضي بالتدريج؛ لكي تحل محله الضرورة الحتمية، ~~وبازدياد التعمق في دراسة التاريخ، والابتعاد الزمني عن وقت الأحداث، لا ~~تبقى في نهاية الأمر إلا التيارات العامة، والتسلسل المحتوم للحوادث، ويظهر ~~كل ما كان يبدو عارضا في وقت حدوثه على أنه حلقة في سلسلة مترابطة ترابطا ~~محكما. # وهكذا فإن الأحداث التاريخية تبدو أشبه ما تكون بميناء ترى تفاصيله ~~ونبضات الحياة في طرقاته ومبانيه وأنت تعيش في جنباته، حتى إذا ما ركبت ~~سفينة وأخذت تبتعد عن الشاطئ، تلاشت أمامك التفاصيل رويدا رويدا، ولم ~~يبق من كل هذه الحياة النابضة الصاخبة إلا الخطوط العامة أو الهيكل ~~الخارجي في الأفق البعيد، ومن موقع الابتعاد هذا تبدو حياة البشر محكومة ~~بقوانين قد تختلف بعض تفاصيلها باختلاف ميادين تطبيقها. ولكنها في نهاية ~~الأمر سارية على السلوك الإنساني عبر التاريخ بلا تخلف. # وإذن فكلما اتسعت نظرتنا إلى تاريخ البشر وامتدت عبر فترات زمنية طويلة، ~~تكشفت لنا الخيوط الخفية التي تربط بين الحوادث في خطوط قد يراها البعض ~~مستقيمة، وقد يراها غيرهم دائرية أو متعرجة أو ملتوية. ولكنها على أية حال ~~موجودة دواما، وكلما ازدادت هذه الخيوط الخفية تكشفا؛ ازددنا اقتناعا ~~بأن العوامل المسيطرة على تاريخ البشر ثابتة، وتضاءل بالتدريج دور الشخصيات ~~الفردية مهما تكن عبقريتها؛ لكي تحل محلها قوى متحكمة تعلو على ~~الأفراد. # ولكن هل يعني ذلك أن دراسة التاريخ تفضي إلى اليأس من حرية البشر؟ وهل ~~يؤدي بنا التعمق في هذه الدراسة إلى أن نقف مكتوفي الأيدي ونتأمل في يأس ~~هذه العوامل التاريخية الغالبة على القوى الفردية، وهي تقود مسيرة البشر ~~الذين لا يملكون لها دفعا؟ # إن التاريخ - قبل كل شيء - من صنع الإنسان، ومهما يكن من حتمية تلك ~~العوامل التي ms338 تطغى على القوى الفردية، فإنها أولا وأخيرا عوامل بشرية، ~~ولم تكن قوانين الماضي حتمية إلا لأن البشر أرادوها - بطريقتهم الخاصة في ~~السلوك - أن تكون كذلك، وإذا كانت أفعالنا الماضية قد خرجت تماما عن نطاق ~~إرادتنا، (أي أصبحت «في ذمة التاريخ»، كما يقول التعبير الشائع) فإن ~~أفعالنا في المستقبل ما زالت خاضعة لهذه الإرادة. صحيح أننا نصور التاريخ ~~في المستقبل بنفس صورة التاريخ في الماضي. ولكن هذه طريقة في الكلام تنطوي ~~على قدر غير قليل من التجاوز؛ لأن التاريخ هو الماضي لا المستقبل، وكم من ~~الفلسفات كانت تؤكد حتمية القوانين التاريخية المستمدة من ماضي البشر، لا ~~لكي تسد الطريق أمام حرية الإنسان، بل لكي تزيد هذه الحرية تدعيما، فلو ~~ظلت القوانين الحتمية التي استخلصت من الماضي سارية على المستقبل لكان ~~في وسعنا - مع ذلك - أن نستغل هذه القوانين أو «نركب موجتها»، من أجل ~~التحكم في مستقبلنا على نحو أفضل. أما إذا كان مجال تغيير هذه القوانين ~~مفتوحا في المستقبل؛ فعندئذ تكون دراسة الماضي وسيلة لكي نستخلص منه ~~دروسا تعيننا على تجنب ما وقعنا فيه من أخطاء. # مجمل القول إذن إن دراسة التاريخ - التي تبدو لأول وهلة متعارضة مع حرية ~~الإنسان - تفتح أمام هذه الحرية مجالات جديدة، وتعصم الإنسان في بحثه عن ~~مستقبل أفضل من الوقوع في أخطاء الماضي، وتقدم إليه من خلاصة التجارب ~~الماضية ما يتيح له استغلال فاعليته على أفضل نحو في سبيل تحقيق المزيد من ~~الحرية. # | العلم والحريات العملية # (1) الحقيقة والحرية # من الشائع أن ينظر المفكرون إلى الحريات العملية - كحرية التعبير والتفكير وحرية ~~الانتخاب، إلخ - على أنها غاية في ذاتها، فهم يتصورون أن هذه الحريات هدف ينبغي أن ~~يسعى إليه الإنسان مهما تكن الظروف، ويعتقدون أن اكتساب الإنسان لها هو في ذاته ~~ضمان لتحرره من حيث هو موجود متكامل. # على أنه يكفينا لكي نبين افتقار هذا الرأي إلى الصواب أن نشير إلى حقيقة واضحة، ~~هي أن الحرية يمكن أن تكون أداة للظلم في حالة الضعفاء؛ فالحرية المطلقة حين تكون ms339 ~~أساسا للعلاقة بين عمال ضعفاء محتاجين إلى العمل من أجل قوت يومهم، وبين أصحاب ~~أعمال يمكنهم في أية لحظة أن يستبدلوا بهؤلاء العمال غيرهم، لا بد أن تؤدي في ~~نهاية الأمر إلى زيادة مركز هؤلاء العمال ضعفا، وتنقلب إلى أداة لتأكيد عبوديتهم. ~~وفي هذه الحالة تصبح القيود والضوابط التي تفرض على الحرية، أداة لتحقيق المزيد ~~من الحرية لا لتقييدها. # ولا جدال في أن العلم من أهم الضوابط التي تساعد على وضع الحريات العملية في ~~نصابها، فعن طريق نشر المعرفة وتوفيرها لأكبر عدد ممكن من الناس، يستطيع العلم أن ~~يضع الأسس الحقيقية التي لا يكون للحريات العملية بدونها قيمة، فجميع الحريات ~~الديمقراطية - مثلا - تكتسب قيمتها الكاملة حينما تعرف الجماهير الحقائق الأساسية ~~عن الأمور التي يراد منها أن تصدر حكمها عليها، أو تشترك في اتخاذ قرارات حاسمة ~~بشأنها، وبدون العلم لا يكون لحرية التفكير معنى؛ إذ إن المرء إذا لم يكن قد تعلم ~~كيف يفكر فمن العبث أن يتوقع المجتمع منه أن يفيد من حرية التفكير، مهما يكن نطاق ~~هذه الحرية. أما حرية التعبير، فماذا تعني بالنسبة إلي إذا لم أكن أعرف كيف أعبر ~~عن نفسي، وإذا لم تكن لدي معلومات عن العالم أو عن المجتمع أو التاريخ؟ إن العلم ~~- دون شك - هو الأساس الذي بدونه تكون الحريات المعروفة كلها نفاقا أو كلاما ~~أجوف، والمعرفة في ذاتها سبيل إلى الحرية، سواء أكانت مقترنة باعتراف شكلي بالحريات ~~أم لم تكن، إن «الحقيقة تحرر الإنسان»؛ لأن معرفة حقائق الأمور هي في ذاتها سبيل ~~إلى تحرير الناس من ربقة الجهل ومن عبودية الخداع. # ولو تعمقنا هذه الفكرة الأخيرة؛ لاتضح لنا أن قدرا كبيرا من الجدل الذي يدور ~~حول الاعتراف أو عدم الاعتراف بالحريات العملية لا يمس - في واقع الأمر - صميم ~~المشكلة الحقيقية؛ ذلك لأن لب الموضوع ليس الاعتراف الشكلي بهذه الحريات، وإنما ~~هو ضمان الأسس التي يمكن بناء عليها ممارسة هذه الحريات - عندما تتوافر - ممارسة ~~سليمة، مثال ذلك: إن الصحافة التي توجد في بلد يعترف ms340 اعترافا شكليا كاملا بحرية ~~الإعلام، ويحيط هذه الحرية بجميع الحصانات القانونية الممكنة، لا يمكن أن تسمي ~~نفسها صحافة حرة إذا كانت مليئة بالأكاذيب، أو كانت تبدد وقت القراء سدى في ~~مهاترات أو تفاهات، ولو قارنت هذه الصحافة بأخرى في مجتمع لا يتشدق إلى هذا الحد ~~بحرية الإعلام. ولكنه ينشر في صحافته قدرا أكبر من الحقائق؛ لكان المجتمع الأخير - ~~في واقع الأمر - أعظم حرية من الأول؛ إذ إن الحقيقة - كما قلنا - هي التي تحرر ~~الإنسان. # ومع ذلك فإن العلم ذاته يستخدم في وقتنا الراهن على نطاق واسع ليكون أداة ~~لتكبيل الإنسان بقيود خفية لا يكاد يشعر بها إلا صانعوها. ومن الغريب حقا أن نفس ~~هذه الأداة - التي رأينا منذ قليل أنها الضامن الحقيقي لكل حرية يصبو إليها الإنسان ~~- تتحول على أيدي كثير من الأخصائيين البارعين إلى وسيلة فعالة لصب عقول الناس في ~~قوالب جامدة لا أثر فيها لأي نوع من الحرية، وإذا كان التسلط على العقول والسيطرة ~~عليها بوسائل ذكية ظاهرة قديمة عرفتها البشرية منذ عهود بعيدة، فإن الجديد في عصرنا ~~هذا هو أن هذه السيطرة تتم - بأكمل صورة ممكنة - على عقول تتوهم نفسها حرة، بل توقن ~~يقينا بأن كل ما تمليه عليها تلك القوى المسيطرة إنما صدر عن إرادتها الحرة ~~ورغبتها الواعية. # والواقع أن أدوات السيطرة على العقول قد وصلت - في عصرنا الحاضر - إلى درجة عالية ~~من الإتقان، ويكفي دليلا على ذلك أن أشد الدول تعارضا تستطيع أن تقنع شعوبها ~~بعدالة قضيتها، وتجد كل منها بين شعوبها من يتحمس لهذه القضية تحمسا كاملا، مع ~~أن من المستحيل أن تكون الدولتان اللتان تدافع كل منهما عن قضية مضادة لقضية ~~الأخرى على حق في آن معا، وبعبارة أخرى: فإن معيار الحقيقة المطلقة - التي لا ~~يختلف عليها اثنان - لم يعد ساريا على الصراعات السياسية والأيديولوجية في عالمنا ~~المعاصر، وأصبح من المألوف أن نجد خصمين يؤمن كل منهما عن اقتناع كامل بحقيقة ~~مناقضة لحقيقة الآخر، دون أن يكون ثمة أمل في وصولهما إلى حل ms341 لهذا التناقض؛ ففي ~~عالمنا أصبحت الحقيقة المزدوجة - وربما الثلاثية أو الرباعية الأطراف - أمرا ~~مألوفا غير مستغرب. وليس لهذه الظاهرة من تعليل سوى القدرة الفائقة التي اكتسبتها ~~أساليب التحكم في العقول في عصرنا الحاضر؛ إذ إن الحقيقة في أي موضوع واحد ستظل ~~حقيقة واحدة مهما تغيرت الأزمان، والاقتناع الراسخ بحقائق متناقضة يعني أن هناك ~~أساليب غير منطقية قد استخدمت من أجل بث يقين كاذب في ذهن أحد الطرفين على ~~الأقل، إن لم يكن كليهما معا. # وحسبنا أن نجول بأنظارنا في عالمنا المعاصر لنرى أمثلة لا حصر لها لظاهرة التحكم ~~في العقول من أجل إقناعها بقضية كاذبة؛ ففي ألمانيا النازية سيق شعب كامل - له في ~~العلم وفي الفن وفي الفكر تاريخ مجيد - إلى مجازر استنزفت منه ومن البشرية كلها ~~أرواحا وأموالا لا حصر لها، واقتنع هذا الشعب -بالرغم من ماضيه المجيد هذا - بأشد ~~الأساطير بطلانا عن تفوق العنصر الآري وامتياز الأمة الجرمانية وسيطرة الرايخ ~~الثالث على العالم لمدة ألف سنة، إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الأكاذيب التي ~~عانت الإنسانية كلها من أجلها ويلات وكوارث لا تحصى، ولم يمض وقت طويل على ~~انتهاء الحرب وزوال الغشاوة عن أعين الألمان؛ حتى أدركوا مدى الزيف الذي عاشوا فيه، ~~وقبلوه عن طيب خاطر، وحاربوا وماتوا من أجله طوال اثنى عشر عاما، بل إن بعضا من ~~مجرمي الحرب النازيين كانوا - خلال محاكمتهم - يعربون عن مشاعر ندم حقيقية، وحسبنا ~~أن نذكر منهم «فرانك» وزير داخلية هتلر، وأحد كبار المسئولين عن المذابح النازية، ~~فقد وصل ندمه إلى حد انتابته معه نوبة من الكآبة كان يستعجل معها إعدامه، وتضمنت ~~أقواله شواهد سيكولوجية رائعة عن حالة التخدير العقلي التي كان الملايين واقعين ~~فيها خلال الحكم النازي، والتي كانت تؤدي بهم إلى ارتكاب أفعال يستحيل أن يقرها ~~المرء لو كانت لديه أدنى قدرة على التفكير الموضوعي. # وفي عصرنا الراهن نجد مثالا صارخا على عجز العقل البشري أمام سيل الدعاية ~~الجارف في حرب فيتنام، حيث يطلب إلى مئات الألوف من زهرة شباب ms342 الأمريكيين أن ~~يموتوا في سبيل الدفاع عن نظام فاسد يحكم بلدا تبعد عن بلادهم ألوفا عديدة من ~~الأميال، ومجرد استمرار الحرب حتى يومنا هذا دليل على أن نسبة غير ضئيلة من هؤلاء ~~الشبان مقتنعون بهذه الحرب إلى الحد الذي يبرر - على الأقل - استمرارهم في القتال. ~~ومع ذلك فإن معظم من يقعون منهم في الأسر، يدركون - بعد أن يزول عنهم أثر الدعاية ~~المخدرة وتعرض عليهم وجهة النظر المضادة - أنهم كانوا يحاربون من أجل قضية ~~زائفة وخاسرة، ويبدون ندما شديدا على أفعالهم. # أما في عالمنا العربي، فإن الدعاية الصهيونية تقدم إلينا مثلا صارخا لما يستطيع ~~التخدير المنظم للعقول أن يصل إليه من تزييف كامل لأهداف الناس وغاياتهم، فأشد ~~الصهيونيين فهما لموقف بلاده لا يستطيع أن يأتي، دفاعا عن هذا الموقف، إلا بحجج ~~لا عقلية تنتمي في نهاية الأمر إلى مجال الانفعالات الساذجة، أو الأساطير التي عفا ~~عليها الزمان، وبهذه الأساطير يخدع نفسه ويدعي لليهود حقا في بلد أقام فيه ~~غيرهم طوال ما يزيد على ألفي عام. ومع ذلك فعن طريق الدعاية المنظمة والتربية ~~المنحرفة للصغار؛ استطاع الصهيونيون أن يكونوا لأنفسهم أنصارا متحمسين بل ~~متعصبين بين يهود العالم، وحاولوا - وما زالوا يحاولون - أن يزيفوا عقول أبناء ~~طائفتهم من أجل دعم قضية لا شك في بطلانها. # في كل هذه الحالات، يقف العقل البشري عاجزا أمام سيل الدعاية الجارف، الذي ~~يستخدم أحدث الأساليب العلمية في تربية الصغار وتوجيه الكبار. وربما استطاع عقل ~~ناقد لماح أن يقاوم تأثير هذه الدعاية حينا من الدهر. ولكنه في نهاية الأمر يستسلم ~~لها، وتنهار مقاومته - إلا في القليل النادر - أمام الإلحاح والتكرار المستمر، ~~وأساليب الحض الظاهر والخفي، والإقناع المباشر وغير المباشر، والترويج للفكرة ~~الكاذبة يوميا في الصحف والتلفزيون والإذاعة، وهكذا فإن الإنسان المعاصر - على ~~الرغم من كل ما اكتسبه عقله من تعمق ناجم عن التقدم الهائل في العلم الحديث - لم ~~يعد قادرا على مقاومة التزييف الذي يفرض عليه بطريقة علمية منظمة، فتكون ~~النتيجة هي تلك الانحرافات الشنيعة في سلوك أمم ms343 بأكملها. # وإذا كان تأثير الدعاية ينصب أساسا على المواقف السياسية والأيديولوجية، ~~ويزداد تركيزا في أوقات الحرب والأزمات بالذات، فإن الإنسان الحديث يتعرض - بتأثير ~~الإعلان - لنوع آخر من الخداع العقلي يمارس تأثيره في الحياة اليومية، ويؤدي بدوره ~~إلى إضعاف مقاومة العقول وشل قدرتها النقدية؛ ومن ثم إلى القضاء على جانب هام من ~~جوانب حريتها؛ ففي كل يوم تنهال على الإنسان العصري - الذي هو ميال بطبيعته إلى ~~الاستهلاك - مئات الإعلانات التي تهيب كلها بالعناصر اللاعقلية في طبيعته وتتوسل - ~~من أجل بلوغ أغراضه - بسلطة شخص مشهور، أو بجاذبية فتاة جميلة، أو بإرضاء غرور قارئ ~~الإعلان والمبالغة في تفخيمه وتعظيمه، وكلها وسائل تستهدف في نهاية الأمر تحطيم ~~مقاومة العقل وإضعاف قدرته على النقد والتمييز بالإلحاح والتكرار الذي لا ~~ينقطع. # مجمل القول إذن: إن العلم الذي لا تقوم للحريات العلمية بدونه قائمة، يمكن أن ~~يكون هو ذاته أداة تؤدي إلى ضياع أعظم الحريات الإنسانية قيمة، ألا وهي حرية ~~التفكير النقدي، والقدرة على الحكم المستقل على الأمور، ومن ذلك ننتهي إلى أن العلم ~~وحده ليس ضمانا كافيا لتحقيق الحرية عمليا، وإنما ينبغي إلى أن العلم وحده ليس ~~ضمانا كافيا لتحقيق الحرية عمليا، أنما ينبغي أن يقترن العلم بقيم إنسانية توجه ~~ما ينطوي عليه من قدرات وإمكانات هائلة في الاتجاه الذي يضمن تحقيق أعظم قدر من ~~التحرر للإنسان. ~~(2) الحرية الشخصية والبحث العلمي # من الحقائق المعروفة أن البحث العلمي يحتاج لازدهاره إلى جو من الحرية يستطيع ~~العالم فيه أن يجري أبحاثه وهو آمن على نفسه، واثق من أن النتائج التي سيصل إليها ~~سوف تقدر تقديرا موضوعيا لا أثر فيه للتعصب أو التحيز. وربما بدا من الغريب ~~- لأول وهلة - أن بداية العلم الأوروبي الحديث كانت مقترنة بحوادث اضطهاد وقمع ~~لحرية العلماء والمفكرين على نحو يخيل إلينا معه أن هذا العلم قد استطاع أن يشق ~~طريقه بفضل قدرته على مقاومة الكبت والقمع، لا بفضل ما كان يتاح له من الحرية، ومن ~~ذلك فإن حوادث اضطهاد العلماء - التي أصبحت مشهورة في ms344 تاريخ العلم - لم تكن إلا ~~بقايا عهود غابرة كانت تتشبث عن يأس بمواقع لم تعد مأمونة ولا مضمونة. # فصحيح أن جاليليو قد لقي اضطهادا قاسيا من محاكم التفتيش. وكان يراد منه أن ~~يتراجع عن آرائه الفلكية التي أرست الأسس الأولى للعلم الحديث. وصحيح أن برونو قد ~~أحرق حيا بسبب معتقداته العلمية والفكرية. وصحيح أن ديكارت واسبينوزا كانا ~~يعيشان في خوف دائم من الاضطهاد. وكان لخوفهما هذا أثره البالغ في نشاطهما ~~التأليفي. وفي تحديدهما لما ينبغي وما لا ينبغي أن ينشر من كتاباتهما. هذا كله ~~صحيح. ولكن لا يقل عن ذلك صحة أن الجو العام الذي كان يعيش فيه هؤلاء العلماء ~~والمفكرون كان - بالقياس إلى الجو السائد في العصور الوسطى الأوروبية - جوا من ~~التحرر، وأن القوى الجديدة التي كانت قد بدأت تمارس تأثيرها في المجتمع الأوروبي ~~كانت أكثر تشجيعا للعلم من القوى اللاهوتية والإقطاعية السابقة، وما كان الاضطهاد ~~الذي عاناه هؤلاء العلماء والمفكرون سوى صرخة الاحتضار التي كانت تطلقها - في شراسة ~~ولكن بيأس - عقليات ومصالح تعلم جيدا أن الزمن لم يعد في صفها وأن العصر لم يعد ~~عصرها. # وإذن فبداية العلم الأوروبي الحديث تثبت - ولا تنفي - القاعدة المعروفة والقائلة: ~~إن البحث العلمي يحتاج - من أجل ازدهاره - إلى جو من الحرية. # ومع ذلك فإن التعمق في بحث هذا الموضوع - ولا سيما في ضوء الأحوال السائدة في ~~عصرنا الحاضر - يكشف لنا عن وجود تحفظات كثيرة ينبغي أن يعمل حسابها عند تأكيد ~~القاعدة العامة السابقة، وبعض هذه التحفظات ناشئ عن طبيعة البحث العلمي بوجه عام ، ~~وبعضها الآخر ناشئ عن الظروف التي يمر بها هذا البحث في عصرنا الحاضر. ~~(1) # لا جدال في أن طبيعة البحث العلمي ذاتها - بما تقتضيه من صرامة ~~وجدية، ومن تفكير منهجي دقيق - تستلزم قدرا من تضييق نطاق حرية ~~العالم، وعلى سبيل المثال، فإن الحقائق الرياضية هي المثل الأعلى للدقة ~~العلمية، وهي النموذج الذي يسعى إلى تحقيقه كل علم يود أن يكون ~~منضبطا، والحقيقة الرياضية - بطبيعتها - تتسم بالضرورة، ولا مجال فيها ~~لحرية ms345 التصرف أو للتغيير والتبديل، إنها حقيقة صارمة يتعين على العالم ~~قبولها على ما هي عليه، ولو حاول أن يمارس إزاءها حريته لضاعت منه على ~~الفور، ومثل هذا يقال عن سعي العلم إلى بلوغ الحقيقة بوجه عام، فطريق ~~العلم صارم، يقتضي من العالم التزاما دقيقا لمناهج محدودة، ولا يسمح ~~له بالتصرف الحر إزاء موضوعه إلا في حدود معلومة. وفي هذا يختلف العلم ~~عن الفن اختلافا بينا، فعلى حين أن الحرية والانطلاق هما القاعدة ~~في الفن، فإنهما بالنسبة إلى العلم قيدان ينبغي أن يتعلم الباحث كيف ~~يتخلص منهما بأسرع وقت ممكن، وإلا فقدت أبحاثه كل قيمة لها، وبما لم ~~تكن عملية التكوين العلمية - التي تستغرق من الباحث وقتا طويلا من ~~حياته إلى أن يصبح عالما متمرسا - سوى تهيئة له كيما يعتاد أن يلتزم ~~مسار العلم المقيد، ولا ينقاد للميل الطبيعي إلى الانطلاق أو التحرر من ~~القيود، وكيما يألف إطاعة الواقع وقبول حقيقته وهو يعلم أنه ليس حرا ~~في قبولها أو رفضها. ~~(2) # يقتضي العلم في عصرنا الحاضر تنظيما واسع النطاق، يخرج عن نطاق ~~الجهد الفردي لأي عالم بعينه؛ ففي الماضي كان العلم، إلى حد بعيد، ~~سلسلة من الغزوات أو الانتصارات أو الكشوف الفردية. أما الآن فإن هذا ~~الطابع الفردي يختفي باطراد، ليحل محله العمل ~~الجماعي # team ~~work # الذي يكون العالم الواحد فيه فردا في ~~مجموعة، لا يملك حرية التصرف الكاملة؛ لأنه مقيد بعمل الآخرين، وملزم ~~بتنسيق جهوده معهم. ~~(3) # ومن وجهة أخرى فإن الأبحاث العلمية أصبحت تقتضي تمويلا ضخما يستحيل ~~أن توفره موارد العالم ذاته مهما يكن ثراؤه، ومعنى ذلك أن العالم لا ~~بد أن يستعين بالتمويل المقدم من مصادر خارجية، وقليلا ما تقف هذه ~~المصادر موقف الحياد من أبحاث العالم. بل إنها تفرض عليه اتجاهات تتمشى ~~مع مصالحها الخاصة؛ فالشركات الصناعية الكبرى تمول الأبحاث العلمية من ~~أجل ترويج بضائعها، وحتى لو كانت تقدم أموالها في صورة تبرعات لمراكز ~~أبحاث «مستقلة»، فإن هذه التبرعات يمكن أن تكون في ذاتها من عوامل ~~فقدان استقلال مراكز ms346 الأبحاث بصورة جزئية أو كلية، وبعبارة أخرى: فإن ~~العالم لم يعد اليوم قادرا على أن يتحرر في أبحاثه العلمية من مطالب ~~اقتصاد السوق، أو هدف زيادة الإنتاج، وغيرها من الأهداف والنتائج ~~العاجلة التي تسلبه - ولا شك - قدرا من حريته، وإذا كان السؤال: هل ~~يكون العلم للعلم أم للمجتمع؟ سؤالا ينطوي في نظر الكثيرين على ~~مغالطة، فإن السؤال: هل يكون العلم للعلم أم للسوق؟ قد أصبح في عصرنا ~~الحاضر سؤالا حقيقيا ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار كلما بحثت ~~مشكلة العلم والحرية. ~~(4) # كثيرا ما يؤدي الولاء للوطن أو لأيديولوجية معينة إلى فرض قيود على ~~الحرية الشخصية للعلماء؛ ففي ألمانيا النازية كان العلماء يجرون ~~أبحاثهم من أجل خدمة أهداف تتنافى مع شرف العلم ذاته. وكان بعضهم ~~واعيا بما يفعل، وبعضهم الآخر يسير في عمله العلمي على نحو آلي يفتقر ~~إلى التفكير النقدي الواعي. ولكن العلماء كانوا في كلتا الحالتين ~~مفتقرين إلى الحرية، ولم يكن هذا حائلا بينهم وبين مواصلة عملهم، ~~والاهتداء إلى مجموعة هامة من الكشوف. # وفي العهد الستاليني كان العلماء السوفييت يتعرضون للاضطهاد في مجالات معينة، ~~وذلك حين يفسر البعض أعمالهم بأنها متعارضة مع النظرية الفلسفية التي يقوم عليها ~~نظام الحكم. وكان أشهر هذه المجالات: مجال البيولوجيا، الذي يسيطر عليه عالم ضيق ~~الأفق، يتسم بقدر غير قليل من النفاق هو «ليسنكو»، وعلى يد «ليسنكو» هذا لقي عدد ~~كبير من العلماء مصيرا أليما، وأوقف العمل في أبحاث كثيرة؛ لأن أحكامه المبتسرة ~~كانت تعد الكلمة الأخيرة في ذلك الميدان. وكان الخلط المؤسف بين العقيدة السياسية ~~وبين البحث العلمي سببا في الحجر على حرية علماء لم يخطر ببالهم أن يخونوا تلك ~~العقيدة، ولم يقبلوا أن يخدعوا أنفسهم في أبحاثهم. # وأخيرا، فإن ظاهرة الاضطهاد السياسي لحرية العلماء ظهرت واضحة في الولايات ~~المتحدة في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية بوجه خاص، حين واجه العلماء ~~الأمريكيون أزمة ضمير عنيفة بعد أن ألقيت على هيروشيما ونجازاكي أول قنبلتين ~~ذريتين، فقد كان هؤلاء العلماء يظنون - خلال فترة الإعداد لهذا الاختراع ms347 القاتل - ~~أنهم يخدمون قضية الحرية ببحوثهم. ولكنهم أفاقوا على ذلك الصدى المفجع الذي أحدثه ~~انفجار القنبلتين في ضمير كل إنسان شريف، وتبين لهم أن اختراعا كهذا يمكن أن يكون ~~وسيلة لاستعباد البشرية كلها، فضلا عما أحدثه بالفعل من كوارث لم يشهد العالم لها ~~مثيلا في المدينتين المنكوبتين، وأدرك بعيدو النظر منهم أن هذه ليست إلا المقدمة، ~~وأن السلاح الجديد يمكن تطويره بحيث تصل قوته التدميرية إلى أضعاف ما كانت عليه في ~~البداية، وأن المدينتين اليابانيتين ليستا إلا حقل تجارب، وأن الهدف الحقيقي من ~~التفجير المروع كان إرهاب العالم، ولا سيما البلاد ذات الأيديولوجيات المخالفة، ~~وعندما دارت هذه المعاني كلها في أذهان العلماء أدت بهم إلى مراجعة شاملة لموقفهم: ~~فمنهم من آثر أن يقف موقفا سلبيا، وانسحب من أي عمل علمي مرتبط بإنتاج أسلحة ~~الدمار الشامل، ومنهم من وقف يحارب إنتاج هذه الأسلحة إيجابيا، وينبه العالم إلى ~~الأخطار المروعة المترتبة على إشعاعات التجارب النووية، والأخطار المحتملة المترتبة ~~على تخزين الأسلحة النووية وتطويرها، ومنهم من أدت به أزمة الضمير الحاد إلى ~~الاتصال بالطرف الآخر في الصراع العالمي، وإفشاء أسرار القنابل النووية له. # وفي هذه الفئة الأخيرة تتمثل مأساة العالم المعاصر بأجلى صورها، فهم في نظر ~~الدولة التي ينتمون إليها خونة كشفوا للعدو عن سر أخطر سلاح كان يضمن لدولتهم ~~التفوق على كل من عداها من الدول؛ ولذلك حق عليهم أشد العقاب (ومنهم من أعدم ~~بالفعل كالزوجين روزنبرج). ولكنهم في نظر الإنسانية شهداء بكل ما تحمله هذه الكلمة ~~من معان سامية؛ إذ إنهم قد افتدوا بتضحيتهم البشرية بأسرها، وهم قد أدركوا أن ~~امتلاك طرف واحد لهذه الأسلحة الفتاكة قد يغريه باستعمالها للتخلص نهائيا من ~~عدوه، وإرهاب البشرية كلها بالسلاح المدمر؛ لذلك كان إفشاؤهم لأسرار ذلك السلاح ~~قضاء منهم على فعاليته. ومن المؤكد أن عدم قيام حرب ثالثة حتى يومنا هذا راجع إلى ~~توازن الرعب النووي بين القوتين الرئيستين في العالم، وهو التوازن الذي كان هو ~~الهدف الوحيد لما قام به هؤلاء العلماء من ms348 «خيانة» مزعومة. # وهكذا اكتسبت مشكلة العلم والحرية الشخصية أبعادا جديدة في عالمنا المعاصر؛ إذ ~~أصبح العالم الواعي يدرك أن أبحاثه لها نتائج تؤثر - إيجابا أو سلبا - على مستقبل ~~البشرية، ولم يعد العالم يكتفي بأن يطالب بالوسائل الكفيلة باستمرار أبحاثه فحسب، ~~بل أصبح يتساءل: إلام تؤدي هذه الأبحاث؟ وهل ستكون قيدا على حرية البشر، أم عاملا ~~من عوامل تحريرهم من الفقر أو المرض أو الخوف؟ وبالاختصار فإن العالم لم يعد ~~يكتفي بالمطالبة بحريته الشخصية وحدها، أو بحرية ممارسة البحث العلمي فحسب، بل أصبح ~~يصر على التأكد من أن نتائج أبحاثه لن تستغل في القضاء على حريات الآخرين، أو في ~~فرض شكل جديد من أشكال العبودية على البشر. ~~(3) العلم التطبيقي (التكنولوجيا) والحرية الشخصية # إذا كنا قد تحدثنا في الجزء السابق عن البحث العلمي في صورته العامة، فمن الواجب ~~أن نتذكر أن هذا البحث قد أصبح له - في عصرنا الحاضر - جانب تطبيقي عظيم الأهمية. ~~بل إن الحدود الفاصلة بين البحث النظري والتطبيق أصبحت في وقتنا الحالي أقل حدة ~~بكثير مما كانت عليه من قبل، وظهرت كشوف عديدة تجمع بين الطرفين معا، ويصعب على ~~المرء أن يقرر إن كانت تمثل نتاجا لبحث نظري أم تطبيقا، وتداخل الميدانان حتى ~~أصبح المشتغلون بأحدهما يقومون بدور إيجابي فعال في الآخر. # ومع ذلك فإن التكنولوجيا المعاصرة - وبوصفها علما تطبيقا - تتسم بطابع خاص يبرر ~~لنا معالجتها على حدة، وهي تعمل على تغيير حياة الإنسان المعاصر على نحو لا يملك ~~معه المرء إلا أن يفرد لتأثيراتها في مشكلة الحرية الشخصية قسما خاصا في بحث ~~كهذا الذي نقدمه؛ ذلك لأن الحرية الشخصية قد أصبحت مشكلة شديدة التعقيد في عصر ~~التقدم التكنولوجي السريع، ولم يعد من الممكن إصدار حكم واحد بسيط على تأثير العلم ~~التطبيقي في حرية الشخص الإنساني. بل إن الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية لهذا ~~التأثير قد تداخلت إلى حد تضاربت معه الآراء في هذا الميدان تضاربا شديدا. # إن كل كشف علمي كبير قد حرر الإنسان ماديا أو معنويا أو كليهما ms349 معا من ~~عبوديته للطبيعة أو لجانب من جوانب النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه. وحسبنا أن ~~نستعرض عددا قليلا من المجالات التطبيقية في العلم؛ لندرك العلاقة الوثيقة بين ~~تطبيقات العلم وبين الحرية الإنسانية؛ ففي الكيمياء أمكن - بواسطة المركبات ~~الصناعية التي تقدمت تقدما هائلا في القرن العشرين - تحرير الإنسان من قيود ~~البيئة الطبيعية وما تقدمه من مواد، وأدى التقدم في علم البيولوجيا، وكشف تركيب ~~المورثات (الجينات) إلى بداية التحكم في الوراثة. وكانت تجارب التلقيح الصناعي ~~وتحسين النسل إيذانا ببداية عهد جديد لا تفرض فيه الطبيعة سلطتها المطلقة على ~~الإنسان في هذا المجال. وفي الفيزياء كان كشف الطاقة الذرية والقدرة على استغلالها ~~علميا إيذانا ببداية عهد جديد من التطبيقات المثمرة في مجال الاستخدام السلمي ~~لهذه الطاقة (وإن لم يكن النجاح في هذا الميدان ميدان الإيجابي قد بلغ نفس الأهمية ~~التي بلغها النجاح في ميدان الاستخدام التدميري لهذه الطاقة). أما غزوات الفضاء ~~الكبرى - التي هي فخر عصرنا الحاضر - فإنها تمثل نقطة البداية في تحرر الإنسان من ~~الأرض التي ازدحمت بأهلها، وخروجه عن ذلك الاختناق السكاني الذي يوشك أن يطبق على ~~الناس في كوكبنا المحدود. # على أن أهم تأثيرات التكنولوجيا المعاصرة قد لا تكمن في الكشوف والمخترعات ~~الفعلية التي توصلت إليها، بقدر ما تكمن في أساليب العمل الجديدة التي ترتبت على ~~التقدم التكنولوجي المتلاحق، فهذه الأساليب قد أكسبت الإنسان حريات جديدة لم يكن ~~يحلم بها من قبل. ولكنها في الوقت ذاته واجهت حريته بأخطار لم تخطر له من قبل على ~~بال. # ولا جدال في أن أهم تغيير في أساليب العمل طرأ على الدول الصناعية المتقدمة في ~~عصرنا الحاضر، هو التوسع الهائل في تطبيق السيبرنطيقا # Cybernetics # وما يترتب عليها من تيسير ذاتي للمصانع (أوتوميشن # Automation ~~). هذا التطبيق كانت له - في الدول ~~التي أخذت به - آثار عظيمة الأهمية في الحرية الشخصية للعاملين بها؛ ففي عصر الآلة ~~- وهو المرحلة السابقة لتلك التي نتحدث عنها؛ أعني المرحلة الممتدة من الثورة ~~الصناعية الأولى حتى الحرب العالمية الثانية على وجه التقريب ms350 - كان الإنتاج مشتركا ~~بين الإنسان والآلة؛ بحيث كان كل منهما يتقيد بحدود الآخر. وكان الإنسان مرتبطا ~~بالآلة، بل كان عبدا لها يلتزم مسارها الرتيب، ويضطر إلى تكييف ملكاته وقواه حسب ~~حدودها، ومن جهة أخرى فإن الآلة كانت تعمل وفقا لقدرة الإنسان، ولما كانت للمقدرة ~~الإنسانية حدود لا تتعداها، فقد كان قصور الطاقات الإنسانية يعوق الانطلاق الحر ~~للآلة، ويحول بينها وبين العمل بالسرعة المطلوبة. ولكن عصر التسيير الذاتي ~~(الأوتوميشن) قد كسر تلك القيود التي كانت تجمع بين الإنسان والآلة في جهاز إنتاجي ~~واحد، وحرر طرفي هذه العلاقة معا، فهو قد حرر الآلة بحيث تستطيع أداء مهمتها ~~الإنتاجية كاملة، دون أن تتقيد بحدود الإنسان، وهو أيضا قد حرر الإنسان بحيث ~~يمكن إنجاز أعظم ما ينتظر منه في ميدان الإنتاج وفي غيره من الميادين التي يمارس ~~فيها ملكاته الخلاقة على أفضل نحو؛ وبذلك ساعدت التكنولوجيا كلا من الإنسان ~~والآلة على تحقيق أعظم ما لديهم من إمكانات، وعلى بلوغ قدر من الحرية لم يكن من ~~الممكن تصوره في أي عصر سابق. # 1 # وحين لا يعود الإنسان داخلا في العملية التكنولوجية المباشرة بوصفه واحدا من ~~عناصرها، يكتسب الإنسان حرية جديدة في أوقات قيامه بالعمل الإنتاجي وفي أوقات ~~فراغه. أما الحرية التي يكتسبها أثناء العمل الإنتاجي، فترجع إلى أنه لا يعود ~~مضطرا إلى أداء ما يفرضه عليه تركيب الآلة بنفس السرعة التي تفرضها الآلة. # 2 # وفضلا عن ذلك فإن الإنسان في هذا النوع من الإنتاج يقف من الآلة موقف السيد لا ~~العبد، فهو لا يكتفي بالتحرر من إيقاعها الرتيب. بل إنه يكتسب من الخبرات ما يتيح ~~له أن يسيطر على الآلة سيطرة تامة، ويستخلص منها أكبر قدر ممكن من الفوائد، فضلا ~~عن ازدياد قدرته على تطويرها من أجل تلافي أوجه النقص فيها بسرعة، واستخلاص إمكانات ~~جديدة منها. # ولكن النوع الآخر من الحرية - الذي يكتسبه الإنسان بفضل الأساليب التكنولوجية ~~الحديثة وأعني به الحرية في أوقات الفراغ - هو الذي يثير في واقع الأمر أعقد ~~المشكلات؛ ذلك لأن التكنولوجيا ms351 الحديثة أصبحت تقدم للإنسان إنتاجا أكبر بجهد ووقت ~~أقل، ولم يعد الإنسان في حاجة إلى ساعات العمل الطويلة المرهقة التي كانت تقتضيها ~~أساليب الإنتاج القديمة، بل أصبح الاتجاه العام هو الاتجاه إلى تقصير يوم العمل على ~~نحو مطرد؛ ومن ثم زادت أوقات فراغ الإنسان العامل زيادة كبيرة، ولا بد أن يؤدي ~~التطوير في المستقبل إلى زيادة ساعات الفراغ على ساعات العمل. # على أن زيادة أوقات الفراغ ليست غاية في ذاتها؛ لأن الفراغ يمكن أن يتحول إلى ~~خمول يلحق بالإنسان ضررا بالغا، أو يدفعه إلى التفكير في وسائل تعمل على إثارة ~~حواسه المتبلدة بأي ثمن، ولذلك فإن توفير الوقت الحر ينبغي أن يكون مقترنا ~~بالتفكير في أفضل وسائل الانتفاع من هذا الوقت؛ ذلك لأن الغاية الحقيقية - كما قلنا ~~- ليست هي أن تزيد أوقات فراغ الإنسان العامل، بل هي أن يصبح هذا الإنسان سيدا ~~مسيطرا على وقته بحق، وإلا وقع فريسة عبودية من نوع جديد؛ بحيث يسيطر عليه الخمول ~~أو الإثارة الزائفة أو الثقافة الضارة، وينتهي به الأمر إلى أن يصبح عبدا لوقته ~~الحر لا سيدا له. # والحق أن الطرق المألوفة حاليا في قضاء أوقات الفراغ تهدد حرية العقل الإنساني ~~بأخطار حقيقية، ولن نتحدث هنا عما يحدث على أرصفة المدينة الحديثة - وبخاصة في ~~البلاد المتخلفة في التصنيع - من تبديد لساعات طويلة على المقاهي في أحاديث وألعاب ~~مملة، أو في أحلام يقظة مريضة. بل إن ما يحدث داخل البيوت ذاتها أهم من ذلك وأخطر ~~بكثير؛ ففي أمسية هذه المدينة الحديثة، تجد العدد الأكبر من سكانها يضحكون معا في ~~لحظة واحدة ؛ وذلك لأن اختراعا هائل التأثير مثل التليفزيون يعرض عليهم نفس ~~البرنامج، ويشكل عقولهم بنفس القوالب، ويتحكم في انفعالاتهم على نفس النحو، وما ~~أسهل أن تغرس في نفوس الناس سموم كثيرة، وتنمى عادات ومطالب زائفة، عن طريق ~~هذا الجهاز الصغير الذي يشد إليه - خلال ساعات طويلة - انتباه ملايين الناس الذين ~~حققت لهم التكنولوجيا فراغا في الوقت وفائضا من المال، ومثل هذا يقال - مع ~~تعديلات ms352 طفيفة - على التأثير الذي تحدثه الصحافة اليومية والإذاعة والسينما؛ ففي كل ~~هذه الحالات يؤدي تقدم العلم التطبيقي إلى صبغ الثقافة بصبغة نمطية موحدة قد لا ~~تكون أضرارها وخيمة إذا كانت تستهدف النهوض الفعلي بعقول الجماهير ومشاعرها. ولكنها ~~تصبح خطيرة التأثير حقا إذا وضعت لنفسها أهدافا تحقق مصالح سياسية أو اقتصادية ~~على حساب تضليل الجماهير وتشويه عقولها، والقضاء التدريجي على ما بقي لديها من قدرة ~~على النقد والرفض والانتقاء. # وربما أدى انعدام التوازن بين وقت الفراغ ووقت العمل إلى أن تثار في الغد مشكلة ~~التحرر المفرط من العمل. صحيح أن العمل الشاق فيه إذلال للإنسان وحط له إلى مرتبة ~~الحيوان، وأن من أهداف الثورات الاجتماعية والتكنولوجية الحديثة تحرير الإنسان من ~~هذا النوع من الإذلال، والسمو به من مرتبة الأداة المنتجة إلى مرتبة الكائن الواعي ~~بنفس وبالعالم المحيط به، غير أن السير في هذا الاتجاه إلى نهايته قد يثير المشكلة ~~العكسية، وأعني بها الحاجة إلى العمل، فقد يدرك الإنسان في المستقبل أن العمل ضروري ~~حتى لو كان في استطاعته الاستغناء عنه والاكتفاء منه بحد أدنى، وقد يصبح السعي إلى ~~العمل ضرورة مطلوبة لذاتها أو لتحقيق التوازن، في شخصية الإنسان، بين النشاط ~~المتحرر المنطلق في أوقات الفراغ، وبين النشاط الملتزم المقيد في أوقات العمل ~~المنتج. وربما حدث للإنسان نوع من رد الفعل المماثل لما حدث في علاقته بالطبيعة، ~~حين سعى في البداية إلى التحرر منها بعد أن استعبدته طويلا. ولكنه سئم هذا التحرر ~~المفرط، وظهر رد الفعل على صورة «المحافظة على البيئة» و«استرجاع الطبيعة» وغير ذلك ~~من النزعات التي لا تكف عن ممارسة تأثيرها على نمط حياة الإنسان الحديث وعلى فنه ~~وأدبه. # على أن هذه - دون شك - تطورات لا تعرفها ولن تعرفها إلا المجتمعات الصناعية ~~المتقدمة، أما المجتمعات المتخلفة فما زالت بعيدة كل البعد عن ممارسة هذا النوع من ~~الترف الفكري، فالمشكلة الأساسية التي تشغلها في الوقت الراهن، وستظل تشغلها طويلا ~~في المستقبل، هي بلوغ مستوى من التقدم التكنولوجي ومن التطور العلمي يتيح ms353 لها أن ~~تتمتع بالحريات التي حققها العلم للمجتمعات المتطورة منذ عهد بعيد، وما زال الكفاح ~~فيها يدور حول ضمان حد من العلم والتكنولوجيا يسمح للإنسان فيها بأن يشعر بآدميته. ~~أما تلك المشكلات الناجمة عن تحول العلم والتكنولوجيا إلى كائن له كيانه الخاص ~~المستقل عن الإنسان، وله قوانينه الخاصة التي تطغى على الإنسان ذاته، وله حياة ~~ذاتية ونوع من التطور التلقائي الذي قد يتجاوز أو ينحرف عما رسمه له الإنسان من ~~خطط. أما هذه المشكلات فما زال العالم المتخلف بعيدا عن مواجهتها، ومن الجائز أنه ~~لن يواجهها في المستقبل أبدا، لا لأن تطوره لن يصل إلى الحد الذي يتيح ظهور مشكلات ~~كهذه، بل لأن المجتمعات الأكثر تطورا ستكون، على الأرجح، قد تمكنت من حل هذه ~~المشكلات خلال الوقت غير القصير الذي سيستغرقه وصول المجتمعات المتخلفة إلى هذا ~~المستوى. # ولعل أولى المشكلات التي يراد لها حل عاجل - التي نأمل ألا يضطر العالم المتخلف ~~إلى مواجهتها يوما ما - هي مشكلة القضاء على الخصوصية في المجتمعات الصناعية ~~الشديدة التقدم، في الولايات المتحدة بدأت ترتفع أصوات كثيرة تنبه إلى الخطر الذي ~~تتعرض له الحرية الشخصية للمواطنين من جراء انتشار «بنوك المعلومات» حيث تختزن ~~العقول الإلكترونية معلومات عن أدق أسرار ملايين المواطنين، وتضيف إلى البيانات ~~الموجودة استنتاجاتها الخاصة، المستمدة من تحليل المعلومات المعطاة، وحيث تستغل ~~هذه البيانات والاستنتاجات ضد كثير من الأشخاص أسوأ الاستغلال، فإذا أضفنا إلى ذلك ~~التقدم المذهل في أدوات التجسس الحديثة، والقدرة على التصنت لما يدور وراء الجدران ~~بآلات شديدة الدقة لا تكاد ترى أو بأجهزة متنقلة تسلط على بيوت المواطنين من ~~خارجها، وبآلات التصوير التي تنفذ أشعتها من الحوائط، إلى آخر هذه القائمة التي ~~يتسع نطاقها دواما؛ لأدركنا مدى الخطر الذي يتهدد حرية الإنسان الشخصية من جراء ~~تقدم العلم التطبيقي، فحياة الإنسان الخاصة توشك أن تصبح حياة عامة معروفة للجميع، ~~أو لمن يريد الاطلاع عليها، والحد الفاصل بين النشاط العام والنشاط الخاص يوشك على ~~الاختفاء؛ بحيث يعجز المرء عن ممارسة أبسط حرياته؛ ms354 أعني حرية السلوك بوصفه فردا له ~~كيانه الخاص ومشاعره الشخصية التي لا يحق لأحد أن يتدخل فيها. # هذه الأخطار التي أصبحت حقيقة واقعة في أكثر البلاد الصناعية تقدما، تعد مثلا ~~واضحا لرد الفعل العكسي الذي يمكن أن يحدثه التقدم المفرط في العلم التطبيقي؛ ~~فالتكنولوجيا التي تستهدف أصلا تحرير الإنسان من عبودية العمل الشاق، وتيسير جميع ~~سبل الحياة أمامه؛ تنقلب في هذه الحالة إلى أداة للقضاء على أكثر الحريات الشخصية ~~قداسة. ومن المؤكد أن كثيرا من المتشائمين يعممون هذا الحكم بحيث يتصورونه جزءا ~~من طبيعة التقدم التكنولوجي ذاته، ومن هنا كانوا يحذرون البشرية من الأخطار التي ~~يعرضها لها تقدم التكنولوجيا في العصر الحديث، ويحلمون بالعهود البائدة التي كان ~~الإنسان فيها متصلا بالطبيعة اتصالا بريئا مباشرا، وكانت حياته خالية من ~~تعقيدات العلم الحديث: النظري منه والتطبيقي. # ولكن هذه كلها أحلام واهمة؛ إذ لا سبيل إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولا ~~جدال في أن حكمنا على هذه المسألة كلها سوف يختلف اختلافا جذريا إذا نظرنا إلى ~~عيوب التكنولوجيا الحديثة هذه، لا على أنها عيوب كامنة في التقدم العلمي التطبيقي ~~ذاته، بل بوصفها ناتجة عن إساءة استغلال أنظمة اجتماعية وسياسية معينة لهذا التقدم، ~~في هذه الحالة يمكننا أن نأمل في أن يتخلص التطور المقبل للتكنولوجيا من هذه ~~العيوب، ويسير في طريقه محررا شخص الإنسان من القيود، بدلا من أن يفرض عليه ~~ألوانا من العبودية أقسى وأفظع من تلك التي كان يعانيها في أشد العصور ~~تخلفا. # خاتمة: الحرية الشخصية وكفاح العلم # العلم بطبيعته كفاح متدرج شاق في سبيل الوصول إلى حقيقة تختفي وراء ضباب الظواهر ~~الجزئية المعقدة المتداخلة، وهو سعي مستمر في سبيل التغلب على عقبات لا نكاد نجتاز ~~واحدة منها حتى تظهر أمامنا عشرات، والعلم أيضا مجهود يتحقق فيه الاتصال بين ~~العقول على أكمل صورة؛ فالعلم لا يمكن تصوره بوصفه مجهودا فرديا. صحيح أن قدرا ~~كبيرا من العمل العلمي يدور في ذهن العالم المنفرد. ولكن قليلا من التفكير يكشف ~~لنا عن أن ما ms355 نسميه «بذهن العالم المنفرد» هو في حقيقته ذهن تجمعت فيه حصيلة معارف ~~إنسانية هائلة تمتد من أبعد عصور التاريخ إلى أقربها، وخلاصة تجارب استمدت من ماضي ~~البشر ومن حاضرهم، وهو ذهن أسهمت في تكوينه التربية - أعني التراث الإنساني كله - ~~والتوجيهات والانتقادات والقراءات التي تربط المرء بمعاصريه وبسابقيه أوثق ~~الارتباط، وبعد هذا كله فإن هذا الذهن الفردي لا يستطيع أن يمضي في بحثه العلمي إلا ~~بعد أن يضعه في الإطار الواسع للمعرفة السائدة في عصره، ولا يستطيع أن يدرك قيمة ~~عمله إلا بعد أن يصدر عليه الآخرون حكمهم في ضوء تجاربهم ومعارفهم المتعددة ~~الأبعاد. # وبفضل هاتين الصفتين: صفة السعي التدريجي البطيء من أجل بلوغ الحقيقة، وصفة ~~الاتصال والارتباط الدائم بين الفرد وبين الآخرين (سواء أكان هؤلاء الآخرون معاصرين ~~أو تاريخيين)، استطاع العلم أن يكون أداة فعالة في تحقيق حرية الإنسان، فحرية الشخص ~~الإنساني بقدر ما تكون مرتبطة بالعلم ومعتمدة عليه، هي بدورها كفاح متدرج بطيء، وهي ~~بدورها تضافر وتواصل مع الآخرين من أجل بلوغ هدف مشترك. # على أن هذه النظرة إلى الحرية - بصفتيها اللتين ذكرناهما الآن - قد وجدت في ~~الآونة الأخيرة فلسفة تنكرها، وتجعل للحرية صفات أخرى تؤدي - في نهاية الأمر - إلى ~~فصم تلك الرابطة الوثيقة التي رأينا - طوال هذا البحث - أنها تجمع بين الحرية ~~الشخصية والعلم. هذه الفلسفة هي الوجودية التي تعد مشكلة الحرية من أهم الموضوعات ~~التي دار حولها تفكير أقطابها. # ولسنا في هذا المقال - وفي جزئه الختامي بوجه خاص - في وضع يسمح لنا بالدخول في ~~تفاصيل الرأي الوجودي في الحرية. بل إن كل ما يهمنا في هذا الرأي هو ما يتصل منه ~~بموضوع بحثنا، فهذا الرأي - في عمومه - يتعارض تعارضا أساسيا مع وجهة النظر التي ~~كنا نحاول إثباتها في هذا البحث، والتي تجعل العلم شرطا ضروريا للحرية الشخصية ~~من جهة، وتجعل الحرية - من جهة أخرى - دعامة أساسية من دعامات التقدم ~~العلمي. # إن الحرية في المذهب الوجودي مرتبطة بوضع الإنسان في هذا العالم، إنها ماهية ~~الموقف الإنساني نفسه؛ إذ ms356 إن وجود الإنسان - متميزا عن وجود الأشياء أو غيره من ~~الأحياء - هو وجود حر، يعني أنه وجود يتجاوز ذاته دواما، ولا يكون لحاضره معنى إلا ~~في إطار المستقبل الذي يتجه إليه، أو «المشروع» الذي يلقي بنفسه نحوه، وسواء أكان ~~نوع الحياة التي يحياها الإنسان مما يدخل - تبعا لتصنيفاتنا العادية - في فئة حياة ~~الحرية أو حياة العبودية، فإن الإنسان في نظر الوجوديين حر لمجرد كونه إنسانا، ~~ولأنه بفضل إنسانيته يكتسب شكلا خاصا من أشكال الوجود، يصنع فيه «ماهيته» على ~~الدوام، ولا يجدها تامة مكتملة، وتظل الإمكانات أمامه مفتوحة لكي يشكل بها حياته ~~على النحو الذي يرسمه في «مشروعه»، والقوة المحركة لهذا «المشروع» هي قدرة الإنسان ~~على الرفض أو النفي # la negativité ~~؛ أعني قدرته على ~~أن ينتزع نفسه من الواقع، ويخرج بوجوده عن نطاق ما هو معطى أو قائم بالفعل، وعلى ~~أساس هذا المشروع يصبح كل فعل وكل اختيار تعبيرا عن نظرة معينة إلى العالم يتخذها ~~كل فرد لنفسه، ويزيدها في كل فعل يقوم به وضوحا وتوسيعا وإثراء بحيث يكون كل فعل ~~تعبيرا عن هذا المشروع ورمزا له. # فهل يمكن أن يكون للعلم مكان في مثل هذه الحرية؟ نستطيع أن نقول: إن القدرة على ~~النفي وعلى الرفض، تتقارب حسب درجة العلم التي يصل إليها المرء، فهذا الرفض لا ~~يتوقف على الإرادة وحدها، وإنما يتوقف أيضا على العقل، وعلى تحليل الواقع المعطى ~~وفهمه ونقده، ومن هذا كله تظهر الرغبة في تجاوزه؛ أي إن حدود الإرادة والنطاق الذي ~~تمتد إليه تتحدد في هذه الحالة وفقا للعقل وللعلم، ومن جهة أخرى فإن «المشروع » ~~الذي يضعه إنسان واع بنفسه وبحقائق عالمه يختلف عن ذلك الذي يضعه من يفتقر إلى ~~الوعي. وفي هذه الحالة بدورها يدخل العلم عنصرا ضروريا في الحرية الإنسانية. ومع ~~ذلك فإن الفلسفة الوجودية ذاتها لم تقل بهذا الرأي، وهي لم تتعرض أصلا للدور الذي ~~يمكن أن يقوم به العلم في تحديد نطاق الحرية الإنسانية مفهومة بالمعنى الذي حددوه ~~هم أنفسهم لها. # إن الفعل ms357 الإيجابي - في الفلسفة الوجودية - لا يستهدف «الوصول» إلى الحرية، بل ~~يستهدف «استغلال» حرية موجودة بالفعل لدى كل إنسان بقدر ما يكون إنسانا. أما العلم ~~- من حيث هو عامل أساسي من عوامل تحقيق الحرية الإنسانية - فلا يفترض حرية أصيلة ~~لدى الإنسان، وإنما يعمل حسابا للواقع العيني الذي يكون فيه غالبية الناس ~~مستعبدين، ويتعين عليهم فيه بذل جهود لا حد لها من أجل الخلاص البطيء من الاستعباد، ~~والعلم لا يعرف «حرية» واحدة تجريدية شاملة، بل يعرف «حريات» عينية متعددة، تقتضي ~~كل منها جهدا مستقلا من أجل بلوغها، وإن كانت كلها تتضافر في «تحرير» الإنسان. ~~بل إن العلم لا يعرف حرية «للإنسان» بوجه عام، وإنما يعرف حرية فئة من الناس في ~~موقف تاريخي، أو في بيئة اجتماعية، أو في وضع طبقي معين. وفي كل الأحوال لا تكون ~~الحرية - في نظر العلم - صفة كامنة في الفرد، أو معطى من المعطيات كحقيقة جسم ~~الإنسان مثلا، بل هي شيء ينبغي اكتسابه واتخاذه هدفا لسعي لا يتوقف، تكون نقطة ~~البداية فيه هي الاعتراف بأن العبودية والجهل - لا الحرية والوعي - هي القدر الغالب ~~على الإنسان، والذي ينبغي عليه أن يكافح من أجل تجاوزه، وعندما يقول سارتر: «إنني ~~محكوم علي بأن أكون حرا ... إن الإنسان لا يملك أن يكون تارة حرا وتارة أخرى ~~عبدا. بل إنه حر بأكمله، وحر على الدوام، وإلا لما كان موجودا»، # 3 # عندما يقول ذلك فإنه يتحدث عن نوع من الحرية لا يعرفه الإنسان الذي ~~نراه حولنا غارقا في ظلام الجهل، أو مستعبدا بيد مستعمر أو سيد إقطاعي، أو عاجزا ~~أمام قوى عاتية لا يعرف مصدرها، ولا يدري كيف يواجهها، فأين هي هذه الحرية التي ~~«حكم علينا» بها؟ أهناك من يود التخلص منها لو استطاع أن يكتسبها؟ أهناك من يشعر ~~بأن حريته محكوم عليه بها؟ إننا لنطرب لحرية ونتوق إليها ونبحث عنها فلا نجدها في ~~كثير من الأحيان، فكيف تكون شيئا يحكم علي به أو قدرا ومصيرا لا أملك ~~دفعه؟ # إن الحرية - كما قلنا - هدف ms358 بعيد ما زال يقتضي كفاحا لا هوادة فيه، وسلاحنا ~~الأكبر في هذا الكفاح هو العلم، هو فهم الواقع من أجل السيطرة عليه على نحو متزايد، ~~والقول بأن الحرية هي سمة الموقف الإنساني يتجاهل تلك التجربة المؤكدة التي تميز ~~فيها بين إنسان متحرر وإنسان مستعبد، وهنا تبدو الوجودية وكأنها هي الوجه السلبي ~~لمذهب الجبرية المطلقة، الذي ينفي وجود أية حرية، ويتجاهل بدوره تجربة التمييز بين ~~الحر والمستعبد، فسواء نظرنا إلى الإنسان على أنه حر على نحو مطلق، أم مجبر على ~~نحو مطلق؛ فنحن في الحالتين نصبغ الإنسان بصبغة واحدة، ومع ذلك فحتى لو كان الإنسان ~~حرا أو مجبرا بصورة مطلقة، فلا بد أن يكون في وسعنا أن نميز - على أساس معين - ~~بين وضعين للإنسان؛ أحدهما يتسم بالحرية والآخر يفتقر إليها، داخل هذه الحرية ~~المطلقة أو الجبرية المطلقة، وإلا كنا نغفل عنصرا أساسيا من عناصر تجربتنا ~~الفعلية. ~~••• # إن مجرد وجود «مشكلة للحرية» هو في ذاته دليل على وجود الحرية؛ لأن «وجود» هذه ~~المشكلة معناه أن الجبرية ليست هي السائدة، ومعناه أن هناك قدرا من الاعتراف ~~بالحرية حتى في الأذهان التي تنكرها على المستوى الفلسفي. ولكن وجود «المشكلة» ~~يعني - من جهة أخرى - أن الحرية ليست مكتملة وليست مطلقة. وليست تعبيرا عن «الوضع ~~الإنساني» الذي نجد أنفسنا فيه، إن قيام «مشكلة» الحرية دليل على أن الحرية لم ~~تكتسب بعد، وعلى أن الإنسان «لا يحكم عليه» بالحرية، بل يحكم عليه بالسعي ~~طوال تاريخه من أجل التحرر، والانتقال «بوضعه الإنساني» من ألوان الاستعباد التي ~~يحفل بها إلى السيطرة على واقعه وعلى الظروف المحيطة به. # وفي هذا السعي الدائم يقوم العلم - مفهوما بأوسع معانيه - بالدور الرئيسي في ~~تحقيق الحرية الإنسانية، وهو إذ يسير في طريقه بتدرج وبطء ويتغلب رويدا رويدا على ~~ما يعترضه من عقبات، وإذ تتكامل فيه جهود العقول المنفردة بحيث تكون كلها «عقلا» ~~واحدا يتسع نطاقه زمانيا ومكانيا بلا انقطاع، يقدم إلينا أنموذجا رائعا ~~ينبغي أن نحتذيه في الجهود التي نبذلها من أجل تحرير أنفسنا. ms359 # وحين نتخذ من العلم نموذجا نضعه نصب أعيننا في سعينا إلى تحقيق حرية الشخصية ~~الإنسانية، سندرك أن الحرية جهد ومشقة، وأنها تقتضي مقاومة وتغلبا على الصعوبات، ~~وأننا لا نكون أحرارا إلا بقدر ما نبدي إيجابيتنا في التعامل مع الطبيعة ومع ~~المجتمع، وسنعلم عندئذ أن من يخاطبنا على أساس أننا «لا نملك إلا أن نكون ~~أحرارا»، وعلى أساس أننا «محكوم علينا بالحرية»، قد تجاهل واقعنا وتاريخنا، وأن ~~العلم وحده هو الذي يستطيع - من خلال تأثيره المباشر بوصفه معارف نظرية وتطبيقات ~~عملية، أو من خلال تأثيره غير المباشر بوصفه منهجا في التعامل مع الموضوعات - أن ~~يقدم إلينا أفضل مثل ينبغي أن نحتذيه في سعينا من أجل تحقيق الحرية الشخصية لأنفسنا ~~وللإنسانية جمعاء. # | الحقيقة الفنية # عرفت الإنسانية منذ أقدم عصور الفكر ثلاث قيم كانت تعدها أهدافا ينبغي أن يسعى ~~الإنسان إلى تحقيقها في نفسه وفي العالم المحيط به بكل ما يملك من طاقات: هي قيم الحق ~~والخير والجمال. وكان هذا التقسيم الثلاثي للقيم الإنسانية الكبرى مبنيا على نظرة ~~متكاملة إلى طبيعة الإنسان الروحية، التي لا تكتمل مقوماتها إلا إذا كرس الإنسان ~~حياته من أجل اكتساب الحقيقة في العلم، وتوخى الخير في التعامل مع الغير، وبحث عن ~~الجمال في الطبيعة والفن، وهكذا كانت هذه القيم الثلاث تناظر ثلاثة أنواع رئيسية من ~~النشاط الروحي للإنسان: العلم والأخلاق والفن، وإذا كانت ضروب النشاط هذه جديرة بسعي ~~الإنسان واهتمامه حتى تتكامل شخصيته، فإنها في الوقت ذاته تعبر عن ثلاثة مسالك متباينة، ~~لكل منها طابعه الخاص، مع تضافرها جميعا في تكوين شخصية الإنسان. وهذا معناه أن ~~البحث عن الحقيقة شيء، والبحث عن الجمال شيء آخر، وأن الإنسان إذا كان يستهدفهما معا، ~~فإنه يسلك لكل منهما طريقا مستقلا، لا يكون فيه مجال للالتقاء بينهما. # هكذا تطرح المشكلة تقليديا على أساس أن الحقيقة لا تتداخل مع الفن، وأن كليهما ضرب ~~مستقل من النشاط الروحي للإنسان، ولو أننا حللنا طبيعة كل نوع من نوعي النشاط هذين ~~لوجدنا مبررات قوية لهذا الفصل ms360 التقليدي بين الحقيقة والفن؛ فحين نمعن النظر في طبيعة ~~البحث عن الحقيقة، ونقارنه بالبحث عن الجمال، نستطيع أن نجد بينهما فوارق أساسية، سوف ~~أبدأ مقالي هذا بالإشارة إلى أهمها: ~~• حين نبحث عن الحقيقة نتجنب - قدر استطاعتنا - استخدام الخيال. بل إن الحقيقة ~~والخيال - في تعبيراتنا الشائعة - ضدان لا يجتمعان وحتى حين نقول: «إن الحقيقة قد تكون ~~أغرب من الخيال.» فإن هذا القول - الذي يبدو ظاهريا أنه يقرب الحقيقة من الخيال في ~~مجال الغرابة والخروج عن المألوف - يؤكد بطريقة ضمنية وجود تضاد أساسي بينهما؛ على أن ~~الخيال هو دعامة الفن، وهو الملكة الأساسية التي نمارسها فيه. وفي مقابل ذلك فإننا - ~~في سعينا إلى الحقيقة - نستخدم ملكة الاستدلال العقلي، وإذا استخدمنا الحواس في ~~المشاهدة والملاحظة فإنا نحرص على أن تكون حواسنا، أو امتداداتها في آلات الرصد أو ~~التكبير أو التصغير، مطابقة للواقع وملتزمة به التزاما كاملا، ولو فعل الفنان ذلك ~~لضاع منه كل ما هو مميز له؛ إذ إن الالتزام بالواقع - الذي هو فضيلة في حالة السعي إلى ~~الحقيقة واكتساب العلم - يغدو مظهر نقص وعلامة ضعف حين يكون هدفنا هو خلق عمل فني يتسم ~~بالجمال؛ فالفنان صاحب خيال واسع قبل كل شيء، أو لنقل على الأصح: إن الحد الفاصل عنده ~~بين الخيال والواقع يختفي لكي يحل محله تداخل وتشابك بينهما، فهو ينظر إلى الواقع بعين ~~الخيال، ويضفي على صوره ورؤاه الخيالية كيانا واقعيا، ويجسم أخيلته كما لو كانت ~~حقائق فعلية تروح وتجيء على مسرح الحياة. # ويترتب على الفارق السابق أن سعي الإنسان إلى الحقيقة يجعله مقيدا وملتزما بما هو ~~موجود، على حين أن سعيه إلى الجمال من خلال الخيال هو سعي حر طليق؛ فالعالم الذي يبحث ~~عن حقائق الأشياء لا بد له أن يخضع لنظام صارم دقيق، يتخلى فيه عن أهوائه وعن ميوله ~~الذاتية لكي يدرس الظواهر كما هي، لا كما يريدها أن تكون. وبعبارة أخرى: فإنه يخضع عقله ~~لطبيعة الظاهرة التي يدرسها، ويدربه على أن يراها على ما هي عليه؛ بحيث يكون ms361 قانون ~~الظاهرة نفسها هو هدفه ومبتغاه، وعلى العقل أن ينحني دائما أمام الضرورة الحتمية ~~الكامنة في الأشياء. # أما الفنان فقانونه الوحيد هو الحرية، وهو يتعمد أن يخالف النظام الفعلي للأشياء ~~ويصورها على نحو مغاير لما هي عليه بالفعل. وربما خلق لنفسه - في مجال فني معين - ~~عالما خاصا به، يخالف كل من هو موجود في عالم الطبيعة؛ فالفنان الموسيقي مثلا ~~يخلق لنفسه عالما خاصا من الأصوات المتآلفة، عن طريق الآلات الموسيقية، التي تصدر ~~عنها أصوات لا وجود لمثلها في الطبيعة، ويتحرر بذلك من قيود الصوت الطبيعي، الذي هو ~~عادة خشن محدود، يسير على وتيرة واحدة؛ لكي يخلق لنفسه عالما كاملا من الأصوات ~~المتآلفة، ذات الإمكانات الهائلة، ويتحرك في هذا العالم بحرية تامة يتجاوز فيها كل ما ~~تقدمه إليه الطبيعة. # وبالمثل فإن الشاعر أو الروائي حين يمسك بقلمه وأمامه صفحة بيضاء لم يبدأ بعد في ~~تدوين شيء فيها، يكون في موقفه هذا رمزا لحرية الفنان الكاملة؛ فالورقة أمامه خالية من ~~كل شيء، وهي لا ترغمه على أن يكتب فيها شيئا بعينه. بل إن له الحرية التامة في أن يكتب ~~أي شيء، أو في ألا يكتب شيئا، إنه يستطيع أن يخلق على الورق عالما كاملا من صنعه هو، ~~دون أن يقيده أو يحد من حريته شيء، فهو في هذا المجال السيد الأوحد الذي لا يخضع ~~لقانون، وشتان ما بين موقفه هذا وموقف العالم الذي تقيده قوانين الطبيعة الثابتة، ولا ~~يتحرك عقله إلا في عالم من الضرورة والحتمية لا يملك إلا أن يعبر عنه كما هو دون أن ~~يضيف إليه من عنده شيئا . ~~• في هذا العالم الذي تسوده الضرورة الشاملة، يتعين على من يسعى إلى كشف ~~الحقيقة أن يكون موضوعيا في تفكيره، موضوعيا في نظرته إلى الظواهر التي يبحثها؛ ~~فالعالم الذي ينشد الحقيقة ينبغي عليه أن يتخلى عن أهوائه وميوله الذاتية. بل إنه قد ~~يجد لزاما عليه أن يسير في طريق «مضاد» لذلك الذي يتجه ميله إليه، وكم من عالم تخلى عن ~~فرض أثير ms362 لديه كونه بعد مشقة وجهد استغرق منه سنوات عديدة من البحث والتفكير؛ لأن ~~«واقعة» بسيطة ظهرت أمامه وكذبت هذا الفرض، ولو ترك نفسه على سجيتها لتجاهل هذه ~~الواقعة العنيدة كيلا يتخلى عن نتاج عمله الشاق. وهذا بالفعل ما قد يفعله عالم ضئيل ~~الشأن. أما العالم الكبير فإنه يرفض أن يتجاهل ما هو مضاد لتفكيره، بل يوليه اهتماما ~~كبيرا، ولا يجد غضاضة في أن يراجع خطواته السابقة كلها، ويبدأ طريقه الشاق من جديد إذا ~~تأكد أن الفرض الذي كونه يتعارض مع أبسط الوقائع، وهكذا يعود العالم نفسه على ~~الموضوعية، ويتخذها قاعدة أساسية لأخلاقه العلمية. # وبالمثل فإنه يتخذ موقفا موضوعيا إزاء الظواهر التي يبحثها، والتي توجد خارجه، ~~فهذه الظواهر كلها في نظره متساوية، بمعنى أنه لا يقحم تفضيلاته الشخصية وميوله الذاتية ~~عند بحثه عن حقيقة الأشياء، ولو وجد شخص يبدي اهتماما خاصا ببحث نبات معين؛ لأنه ~~يفضل لون زهرته مثلا، لما كان في سلوكه هذا عالما بالمعنى الصحيح؛ فالبحث عن الحقيقة ~~يستلزم وضع الظواهر على قدم المساواة في صف أفقي لا تعلو فيه واحدة على الأخرى إلا بقدر ~~ما تفيد في الكشف عن القانون العام الذي يحكمها. # وعلى العكس من ذلك نجد الفنان - بالقياس إلى العالم - منحازا عاطفيا وربما ~~هوائيا، وكم من فنان عظيم - وخاصة في عصرنا الحاضر: عصر أجهزة الإعلام المنتشرة على ~~نطاق عالمي - يفرض على الناس نزواته الخاصة ويتناقلها هؤلاء الناس دون أي استياء، ~~وكأنها جزء مما يدينون به لفنه العظيم، وبالمثل فهو في معالجته لموضوعاته لا يضعها ~~أبدا على قدم المساواة، بل إنها تتخذ أمامه ترتيبا رأسيا، ويكون لبعضها عنده أفضلية ~~مؤكدة على البعض الآخر. وهكذا يحل «التفضيل» في كل سعي إلى الجمال الفني محل ~~«الموضوعية»، وتختفي المساواة بين الظواهر؛ لأن الفنان بطبيعته منحاز. بل إن متذوق ~~الجمال ذاته يتخذ من «التفضيل» معيارا أساسيا، فهو لا يقيس الأعمال الفنية بالمقاييس ~~المتعارف عليها في العلم، وإنما يضعها في ترتيب هرمي، ولا يقبل أي اعتراض على هذا ~~الترتيب؛ لأن الأذواق - في ms363 رأي الكثيرين - لا مقياس لها، وما يفضله الواحد قد لا يكون ~~مفضلا عند الآخر، دون أن يكون لأي منهما الحق في أن يفرض تفضيلاته الخاصة على ~~الآخر. ~~• ولعل أحدا لا ينكر أن سعينا إلى الحقيقة لا يصل إلى غايته إلا إذا استطعنا ~~أن نستخلص من الظواهر قانونها العام؛ فالعالم الذي ينشد معرفة خصائص السوائل - مثلا - ~~لا يهمه هذه الكمية المحددة من السائل أو تلك، وإنما يتجه جهده إلى استخلاص نتائج عامة ~~عن طبيعة السوائل كلها، كأن يعرف - على سبيل المثال - لماذا هي مرنة على حين أن الجوامد ~~صلبة؟ ولماذا تنتشر فيها الحرارة بشكل متساو؟ إلخ، ولقد أدرك المفكرون والفلاسفة هذه ~~الحقيقة منذ أقدم العصور، فقال أرسطو كلمته المشهورة: «لا علم لا بما هو عام»، وظل من ~~السمات الأساسية للعلم منذ ذلك الحين أن العالم يترك الحالات الفردية والجزئية والصفات ~~العرضية جانبا، ويستبقي من الظواهر ما هو مشترك بينها. ولا جدال في أن هذا العنصر ~~المشترك سيكون شيئا أقرب إلى التجريد؛ إذ أن القانون العام للظاهرة لا بد أن يكون ~~ذا طبيعة مجردة، تتخذ في أغلب الأحيان صبغة رياضية. # وعلى العكس من ذلك نرى الجمال الفني لا يتمثل في شيء فردي ملموس؛ فالعمل الفني يصور ~~موضوعا معينا، وحتى لو كان ذلك العمل ينتمي إلى الاتجاه التجريدي المعاصر، فإن هذا ~~التجريد يتخذ بدوره صبغة ملموسة، بدليل أنه يعبر عن نفسه من خلال خطوط أو أشكال أو ~~مساحات لونية محددة ندركها بحواسنا. # وهكذا تختلف الحقيقة عن الجمال في أن مقر الحقيقة هو العقل، على حين أن الجمال يتمثل ~~فيما ندركه بحواسنا؛ أي في موضوع محدد ملموس يقع خارج الإنسان. # وأخيرا، فإن العالم الباحث عن حقيقة الأشياء يجد نفسه مضطرا إلى القيام بتحليل ~~لموضوعات بحتة وتجزئتها إلى عناصرها الأولية، كيما تصبح مفهومة على نحو أفضل؛ فالظواهر ~~التي يبحثها العالم لا تظل على ما هي عليه في الطبيعة، وإنما يقوم بتحليلها عقليا أو ~~ماديا على نحو تفقد معه طابعها الأصلي، وقد يصعب علينا أن نتعرف ms364 عليها بعد أن فقدت ~~وحدتها الأصلية، وأصبح الكل المتماسك مجموعة من العناصر المفككة. غير أن هذا التفكيك ~~والتجزيء شيء لا بد منه لكي يتمكن العالم من فهم الظواهر المعقدة المتشابكة؛ إذ إن ~~تحويل الشيء المعقد إلى بسائطه هو الذي يتيح معرفة تركيبه بدقة، والوصول إلى القانون ~~المتحكم فيه. # وربما كانت هذه الصفة هي أكثر الصفات تمييزا للحقيقة العلمية عن الجمال الفني؛ وذلك ~~لأن الفنان لا يعمد أبدا إلى التحليل، وهو لا يسعى أصلا إلى الفهم أو كشف القانون، ~~وإنما الفن - قبل كل شيء - خبرة و«تجربة». وفي هذه التجربة الفنية لا نتذوق الجمال إلا ~~إذا تركنا أنفسنا نستمتع بالعمل الفني دون تحليل أو تشريح. ولقد عبر الشاعر الألماني ~~العظيم «جوته» عن هذه السمة المضادة للتحليل في التجربة الفنية بقوله: «إن كل نظرية ~~شاحبة. أما وجه الحياة فناضر مفعم بالحيوية.» ويقترب من هذا المعنى القول المشهور: «إن ~~كل تشريح قتل.» والمقصود هنا ليس المعنى المباشر، الذي يتعين علينا فيه أن نقتل الضفدعة ~~مثلا قبل أن نقوم بتشريحها، بل المعنى غير المباشر، الذي يؤدي فيه التحليل العلمي إلى ~~تشويه التجربة وضياع مذاقها المميز، فلكي تستمتع بالجمال الفني حقا ينبغي أن تترك هذا ~~الجمال يسري خلالك ويؤثر في أعماقك ويغمرك من جميع الجوانب، وينبغي أن تستغرق في ~~تأمله وفي تذوقه استغراقا تاما، أما إذا بدأت تحلل تجزئ وتشرح، فسوف يضيع منك قدر ~~كبير من تجربة الجمال. صحيح أن الناقد يقوم بمثل هذا التحليل والتشريح. ولكنه يفعل ذلك ~~في وقت ويستمتع بالعمل الفني في وقت آخر، وحتى لو كان من بين أولئك الذين يقومون ~~بالأمرين معا في وقت واحد، فإنه هو ذاته يعترف بأن هذه مقدرة لا تتاح إلا لقلة قليلة ~~من البشر، وبأن الأغلبية العظمى من متذوقي الفن لو جمعوا بين الاستمتاع والتحليل في وقت ~~واحد؛ لفقدت تجربتهم الجمالية قدرا كبيرا من صدقها وأصالتها. # إن الاستمتاع بالجمال الفني هو بعبارة أخرى: واحد من تلك التجارب التي لا يعبر عنها ~~باللغة إلا مجازا، على سبيل ms365 التقريب فحسب، فهو تجربة فريدة لا تتكرر، ولا يستطيع المرء ~~أن ينقلها إلى الآخرين بسهولة؛ ومن هنا كان من أهم سمات التجربة الجمالية كونها شخصية ~~ذاتية، أما الحقيقة العلمية فلا غناء لها عن لغة تعبر عن نفسها من خلالها. وقد تكون تلك ~~هي اللغة الكلامية المألوفة، أو قد تكون لغة خاصة اصطنعت لأغراض علمية كاللغة ~~الرياضية أو أية لغة رمزية أخرى. والمهم في الأمر أن تلك الحقيقة لا تنقل إلى الآخرين ~~إلا من خلال اللغة، ولما كانت الحقيقة العلمية بطبيعتها قابلة للتداول، ولا بد لكل ~~عقل يفهمها أن يقتنع بها ويتبناها كما لو كانت حقيقته الخاصة، فإن وجود نوع من اللغة ~~يعد واحدا من المقومات الرئيسية للحقيقة العلمية. أما التجربة الفنية فشخصية ~~ذاتية، لا يحس مذاقها كاملا إلا صاحبها وحده، ويعجز عن نقلها كاملة إلى ~~الآخرين. ~~••• # هكذا تكشف لنا المقارنة بين سعي العالم إلى كشف الحقيقة وسعي الفنان إلى الاستمتاع ~~بالجمال عن وجود فوارق أساسية بين طبيعة قيمتي الحق والجمال، وهي فوارق تبرر الرأي ~~الشائع الذي ينظر إليهما على أنهما تمثلان مجالين منفصلين لا سبيل إلى الالتقاء ~~بينهما. # ولقد كان هذا هو ما حدث بالفعل خلال التاريخ؛ إذ إن الطريق الذي سار فيه العلم ظل ~~منفصلا عن ذلك سار فيه الفن، ولم يحدث بينهما التقاء إلا في الحالات التي حاول فيها ~~الفن أن يتخذ من العلم موضوعا له، كما في روايات الخيال العلمي # Science Fiction # أو الموضوعات التي أوحى بها ارتياد الفضاء للفانين في ~~مجالات متعددة، وهي حالات نستطيع أن نعدها هامشية محدودة الأثر، أو في الحالات التي ~~حاول فيها العلم أن يخوض ميدان الإبداع الفني لكي يدرسه دراسة منهجية منظمة، وهي حالات ~~أهم بكثير، وتستحق أن نتوقف عندها قليلا. # ذلك لأن أهم ما يتصف به الإنسان ويتميز عن سائر الأحياء هو أنه مخلوق مبدع، وسواء ~~فهمت كلمة الإبداع هنا بالمعنى الضيق، الذي ينصب على الخلق الجديد في ميادين الفن ~~والعلم، أو بالمعنى الواسع، الذي يتعلق بأي تجديد يدخله الإنسان ms366 على جوانب نشاطه مهما ~~كان محدودا، فإن الأمر المؤكد هو أن الإبداع هو الذي أتاح للنوع الإنساني - على وجه ~~التحديد - فرصة الارتقاء والتقدم المستمر، وهو الذي أنقذ الإنسان من المصير الذي آلت ~~إليه الأنواع الحيوانية كلها، وهو التجمد عند حدود وظائف معينة تؤدي إلى نحو آلي بحت، ~~دون أي تنويع أو تجديد ودون أية قدرة على تطوير هذه الوظائف أو نقل الخبرات المكتسبة ~~منها إلى الآخرين. وهكذا فإن العلم حين يحاول الالتقاء بالفن من خلال دراسة عملية ~~الإبداع، إنما يقترب في الواقع من المنبع الأصيل للكائن البشري، ويستكشف آفاق العملية ~~التي يتميز بها الإنسان بما هو إنسان. بل إنه يستكشف جذوره العميقة (أعني جذور العلم ~~ذاته)؛ لأن الإبداع له دوره الحاسم في الكشف العلمي بدوره. # على أن الدراسة العلمية للإبداع ما زالت في أولى مراحلها. وليس لنا أن ندهش على ~~الإطلاق حين نجد العلم يرجئ دراسة هذا الميدان العظيم الأهمية ولا يبدؤها إلا منذ ~~عشرات قليلة من السنين؛ ذلك لأن هذه من أعقد الدراسات التي يتصدى لها العلم، إن لم تكن ~~أعقدها على الإطلاق، فهي تتعلق بذلك الميدان المحاط بالأساطير والمغلف بالغموض؛ أعني ~~بتلك القوة الخفية التي بفضلها يتمكن أشخاص معينون من أن يتجاوزوا مستوى البشر الآخرين، ~~ويخلقوا شيئا جديدا يحشدون له طاقتهم الروحية ما يعجز عنه سائر الناس. هذه القوة التي ~~لم تملك العصور السابقة إلا أن تعترف بعجزها عن فهمها، فأطلقت عليها اسم «العبقرية» أو ~~«الموهبة»، وصورت من يمتلكها بأنه شخص به مس من «الشيطان» أو على أحسن الفروض بأنه شخص ~~«ملهم» - وكلها ألفاظ تخفي بسذاجة جهلنا بالظاهرة نفسها - هذه القوة الشديدة التعقيد ~~أصبحت الآن موضوعا لدراسات علمية ينبغي أن نعترف لها بالفضل، ونمتدح فيها تلك الشجاعة ~~التي أتاحت لها أن تقتحم هذا الميدان المستعصي على الفهم، وإذا كانت هذه الدراسات لم ~~تسفر حتى الآن عن الكثير، ولا يتوقع لها أن تصل في المستقبل القريب إلى نتائج مدوية، ~~فإن هذا لا يمنع من الاعتراف بالأهمية القصوى لتلك المحاولات ms367 التي يسعى بها العلم إلى ~~الالتقاء بالفن، وهي محاولات ستكشف أهم أسرار الإنسان حين يقدر لها النجاح. # على أننا إذا استبعدنا محاولات الالتقاء هذه - التي هي في أحد جانبيها محدودة ~~النتائج، وفي جانبها الآخر ما زالت تحبو في أول الطريق - فسوف نجد الفن والعلم يسيران ~~في طريقين منفصلين. وهذا التباعد راجع إلى العوامل التي عددناها من قبل، التي كشفت لنا ~~عن وجود اختلافات أساسية في طبيعة هذين النوعين من النشاط الإنساني. ~~••• # ولكن هل صحيح أن الاختلافات بين السعي إلى الحقيقة العلمية والسعي إلى الجمال الفني ~~أساسية إلى الحد الذي يتصورها به الناس عادة؟ وهل هي من الحدة بحيث لا تسمح لنا بالجمع ~~بين الطرفين والكلام عن «حقيقة فنية»؟ إن البحث المتعمق للفوارق التي أوردناها في مستهل ~~هذا البحث، يكشف لنا عن وجود نقاط تشابه لا يستهان بها، بين الحقيقة العلمية والجمال ~~الفني، والواقع أننا حين أكدنا هذه الفوارق في البداية إنما كنا نعرض وجهة النظر ~~الشائعة في الاختلاف بين العلم والفن، وعلى الرغم من أن وجهة النظر هذه صحيحة إلى حد ~~بعيد، فمن الممكن بمزيد من التفكير المتعمق أن نعيد تفسير كثير من عناصر الاختلاف ~~السابقة؛ بحيث نهتدي إلى نقاط التقاء هامة بين هذين الميدانين. # ولسنا في حاجة - لكي نثبت وجود نقاط الالتقاء هذه - إلى تناول عناصر الاختلاف السابقة ~~واحدا بعد الآخر لكي نهتدي إلى ما يمكن وراء كل منها من جوانب الالتقاء، بل يكفينا ~~لإثبات وجهة نظرنا أن نشير إلى بعض من أهم هذه العناصر ونعيد تفسيرها في ضوء فكرة ~~التشابه بدلا من فكرة الاختلاف. # فقد ذكرنا من قبل أن السعي إلى الحقيقة لا يترك مجالا للخيال، الذي هو ألزم اللوازم ~~في الفن، وأن العالم يسير في طريقه مقيدا بالواقع وقوانينه الصارمة التي لا يملك إلا ~~أن يخضع لها. ولكن هل القول: إن الحقيقة العلمية لا مجال فيها للخيال، هو قول صحيح على ~~نحو مطلق؟ الواقع أن العلماء الكبار أنفسهم هم أول من يشهدون بأن البحث عن الحقيقة ~~يقتضي ms368 من الخيال قدرا قد يقترب - في بعض الأحيان - مما يحتاج إليه الفنان؛ فالنظريات ~~الكبرى في العلم لم تكن مجرد تقنين وتدوين للمشاهدات والملاحظات العلمية فحسب، وكل كشف ~~علمي كبير كان أكثر من مجرد تلخيص للوقائع المشاهدة؛ إذ إن عقل العالم يقفز - بعد مرحلة ~~جمع الوقائع وتحليلها - لكي يقدم فرضا جزئيا يحتاج إلى قدر كبير من الخيال. صحيح ~~أن هذا الفرض لا بد أن يكون له ما يبرره - ولو بطريق غير مباشر - في الوقائع المشاهدة. ~~وصحيح أن العالم يسعى إلى تحقيق فرضه هذا عن طريق إجراء تجارب حاسمة تثبت صحته أو خطأه، ~~ولا يقبل أن يظل فرضه هذا مجرد فكرة خيالية غير محققة. ولكن المهم في الأمر أن ملكة ~~الخيال تتدخل في مرحلة حاسمة من مراحل الكشف العلمي، وتقوم بدور أساسي في الوصول إلى ~~الحقيقة العلمية؛ ومن هنا كان إخفاق تلك الفلسفات التي تصور العلم بأنه مجرد تكديس ~~للوقائع وتحقيق لها واستخلاص مباشر لما توحي به المقارنة بين هذه الوقائع؛ فالعالم ~~الكبير - الذي يتوصل إلى النظريات العلمية الحاسمة - غالبا ما يكون من أصحاب الخيال ~~الخصب، إلى جانب كونه ملاحظا دقيقا ومفكرا عميقا، وهو لا يفهم الواقع إلا عن طريق ~~تجاوزه بالخيال. # ولو تأملنا تفاصيل الدور الذي يقوم به الخيال في كشف الحقيقة العلمية؛ لوجدنا أن ~~طريقة عمل الخيال مشابهة لما يحدث في ميدان الفن؛ فالفكرة الجديدة لا تظهر إلا بعد ~~إعداد وتهيئة طويلة في ذهن العالم أو الفنان، وهو يظل في حالة انشغال بموضوعه وتفكير ~~متعمق فيه، وبعد ذلك قد تأتي الفكرة المنشودة على شكل إلهام مفاجئ على أن هذا الإلهام ~~لا ينبثق إلا في أرض مهيأة له سلفا عن طريق الإعداد والتفكير والاهتمام المركز، تلك ~~سمة لا ينكر أحد أنها من أخص سمات الإبداع الفني في الوقت ذاته. # ولنتناول عنصرا آخر من عناصر الاختلاف بين العلم والفن، وهو عنصر الضرورة والحرية، ~~فلو تعمقنا بحث هذا الموضوع لوجدنا أننا نستطيع تعديل الحكم السابق الذي ذكرنا فيه أن ~~الفنان يتحرك في عالم ms369 من الحرية المطلقة؛ إذ إن هذه الحرية المطلقة ترتبط، في الواقع، ~~بتصور تقليدي للفنان، كان سائدا في العصر الرومانتيكي بوجه خاص. أما في عصرنا الحاضر ~~فقد أحاط الالتزام بالفنان من كل جانب، فمن حيث الموضوعات التي يعالجها الفنان نجده قد ~~أصبح «ملتزما»، بمعنى أنه ينشغل بقضايا معينة - قد تكون قضايا اجتماعية أو إنسانية - ~~يأخذ على عاتقه في علمه الفني أن يدافع عن وجهة نظر معينة فيها، وعلى الرغم من أن هذا ~~الالتزام لا يفرض على الفنان - في معظم الأحيان - بقوة خارجية قاهرة، بل يفرضه هو ~~نفسه على ذاته بإرادته، فإن وجوده يدل على أن الفنان الذي يتحرك في عالم الحرية المطلقة ~~قد أصبح في عصرنا الحالي أسطورة بالية، ومن ناحية أخرى فإن الفنان - في كثير من الأحيان ~~- يفرض على نفسه نظاما صارما من التدريب ومن العمل الشاق من أجل إتقان «صنعته»؛ بحيث ~~أصبح الفنان «التلقائي» الطليق الذي يغرد بحرية كالعصفور أسطورة بدوره. وهكذا اكتشفنا ~~في عصرنا الحاضر أن الحرية المطلقة لا تصنع فنانا رفيع المستوى، وأن هناك أنواعا من ~~«الضرورة» تتحكم في الفنان، قد لا تختلف كثيرا عن تلك التي تتحكم في العالم. # ومن ناحية أخرى فإن الضرورة التي تتحكم في العالم قد خفت حدتها إلى مدى غير قليل في ~~العلم المعاصر؛ إذ إن الحتمية الدقيقة قد أرخت قبضتها عن العلوم، واستطاع العلماء أن ~~يصلوا إلى مجموعة من أهم اكتشافاتهم عن طريق الخروج عن إطار البديهيات الحتمية التي كان ~~العلم - فيما سبق - يعدها أمورا غير قابلة للمناقشة. ومن المؤكد أن حرية العالم في هذا ~~التحدي لم تكن مطلقة، بل كانت مقيدة باعتبارات تنتمي إلى صميم بحثه العلمي. ولكن الشيء ~~الذي لا يملك المرء إلا أن يعترف به هو أن التصور التقليدي «للضرورة» التي تتحكم في فكر ~~العالم وسلوكه قد تغير كثيرا، وأصبح العلم في الآونة الأخيرة يسمح بقدر من الحرية يتيح ~~للعالم أن يبني أنساقا فكرية جديدة تتسم بالتماسك في داخلها، وإن كانت ترتكز على أسس ~~شاركت في وضعها - جزئيا ms370 على الأقل - حرية العالم وقدرته على الخروج عن الضرورة ~~المحتومة التي كانت سائدة في نظرة العصور السابقة إلى العلم. # ومجمل القول: إن الشقة بين الحقيقة العلمية والجمال الفني يمكن أن تضيق كثيرا، ~~حين نكتشف أن العلم ليس مقيدا إلى الحد الذي نتصوره عادة، وأن الفن ليس حرا إلى ~~الحد الذي يبدو عليه لأول وهلة. ~~••• # هناك إذن أرض مشتركة بين الحقيقة والجمال، على الرغم من كل ما يفرق بينهما من ~~الاختلافات، ووجود هذه الأرض المشتركة معناه أننا نستطيع أن نتحدث عن «حقيقة فنية» لها ~~سمات مميزة، تلتقي بالحقيقة العلمية في جوانب وتفترق عنها في جوانب أخرى. # ولنلاحظ - بادئ ذي بدء - أن الفن يمكنه في أحوال كثيرة أن يقدم إلينا حقائق مباشرة، ~~فالعمل الفني يمكن أن يكون - في حالات معينة - شاهدا على عصره، ويمكن أن يستخدم ~~«وثيقة» نعرف بواسطتها الكثير عن هذا العصر، ولنذكر في هذا الصدد أن قدرا كبيرا من ~~معلوماتنا عن العصور البدائية مستمد من أعمال فنية تركها البدائيون على جدران كهوفهم، ~~ومنها استخلص علماء الحضارات القديمة كنزا من المعلومات عن حياة الإنسان البدائي. ولعل ~~أحدا لا يستطيع أن ينكر الدور الذي تقوم به أشعار «هوميروس» وغيرها من الآثار الفنية ~~اليونانية في تعريفنا بالعالم اليوناني القديم. وفي استطاعتنا أن نجد أمثلة مشابهة في ~~تاريخنا العربي؛ إذ إن الشعر الجاهلي - مثلا - مصدر عظيم القيمة من المصادر التي ~~يعتمد عليها في معرفة تاريخ العرب القديم وعاداتهم ونظمهم الاجتماعية ... إلخ. وفي ~~أحيان غير قليلة استطاع العلماء - عن طريق التحليل الدقيق لأعمال فنية - أن يملئوا ~~فراغات كبيرة في معرفتهم بعصور ماضية لا تقدم إلينا أنواع الوثائق الأخرى معلومات ~~كافية عنها. # وإذن فالفن قادر على أن يزودنا بحقائق مباشرة. ولكن هذا ليس على التحديد ما نقصده حين ~~نتحدث عن «حقيقة فنية»، وإنما نقصد بهذا التعبير نوعا آخر من الحقيقة، فهناك كثير من ~~الناس يقولون: إنهم تعلموا الكثير عن الحياة والعالم والإنسان من خلال أعمال فنية كشفت ~~لهم «حقائق» لم يكونوا متنبهين إليها. وربما ذهب البعض ms371 إلى حد القول: إنهم تعلموا من ~~الفن أكثر مما تعلموا من العلم. هذا هو نوع الحقيقة الفنية الذي نود - فيما تبقى من هذا ~~المقال - أن نعرض لأهم خصائصه. # وأول ما يلاحظ على هذه الحقيقة أنها غير مباشرة، لا تقدم إلينا المعلومات على هيئة ~~سرد ينقلها إلى أذهاننا تامة جاهزة؛ فهي حقيقة «يوعز بها» العمل الفني دون أن يقدمها ~~صريحة على النحو الذي نجده في الكتب العلمية. بل إن التعبير الصريح عن هذه الحقيقة يضعف ~~من تأثيرها ويقلل من قيمة العمل الفني الذي تتجسد فيه؛ ومن هنا كان الفن الذي يحاكي ~~الواقع محاكاة مباشرة فنا ضئيل الشأن، فضلا عن أنه - بهذه المحاكاة المباشرة - لا ~~يصل إلى الحقيقة الكامنة لهذا الواقع. # وتلك مفارقة قد يجدها المرء غريبة للوهلة الأولى؛ إذ إن الفن كلما أراد الاقتراب من ~~الواقع بصورة مباشرة، أصبح عاجزا عن التعبير عن أهم ما في هذا الواقع؛ أي ازداد ~~ابتعادا عنه. ولكن هذه المفارقة تختفي إذا وضعنا نصب أعيننا الوظيفة الحقيقة للفن؛ ~~فليس من مهمة الفن أن يكون نسخة محاكية للواقع كما تصور أفلاطون. بل إن المحاكاة ~~الكاملة مستحيلة في الفن؛ لأن الفن مهما حاول أن ينقل الواقع على ما هو عليه، يظل لديه ~~قدر معين من الاستقلال؛ لأنه على الأقل ينتقي عناصر معينة من هذا الواقع ويستبعد عناصر ~~أخرى، بدليل الاختلاف الدائم بين اللوحة المرسومة - مهما كانت واقعية - وبين الصورة ~~الفوتوغرافية، أو بين الرواية أو المسرحية - مهما كانت واقعية - وبين الشريط الذي يسجل ~~محادثات فعلية دارت بين الناس. # وهكذا تتجلى قدرة الفن على التعبير عن حقيقته الخاصة - أوضح ما تكون - من خلال ~~«الإيعاز» غير المباشر، وتبدو المفارقة السابقة في صورة معكوسة حين نقول: إن الفن يزداد ~~اقترابا من أعماق الواقع لما ابتعد عنه، وتلك في الحق هي الفلسفة التي ترتكز عليها ~~كثير من الاتجاهات الفنية الحديثة، في التصوير مثلا؛ فالمصور الذي يقدم إليك وجه إنسان ~~تحتل فيه العين مساحة كبيرة، ولا تقع في موضعها الطبيعي، ولا يحافظ على قواعد ms372 المنظور ~~في وضع الوجه، يبتعد عن الواقع ابتعادا شديدا. ولكنه يريد بذلك أن يقول: إن هذه هي ~~«رؤيته» لهذا الوجه، وإنه يصوره كما يحس به في أعماقه الباطنة، لا كما يراه كل الناس؛ ~~ومن ثم فهو يعبر - بهذا الابتعاد عن الواقع - عن حقيقة أعمق بكثير من تلك التي يعبر ~~عنها من يصور هذا الوجه بطريقة «موضوعية» لا تتضمن «رؤية» خاصة. # لقد كان العلم - منذ بدايته - يتضمن تمييزا أساسيا بين «مظاهر» الأشياء و«جوهرها» ~~الباطن، فمن المستحيل أن يتوصل المرء إلى أية حقيقة ما لم يستطع التفرقة بين ما هو عرضي ~~وما هو أساسي في الأشياء، وما لم يستبعد صفاتها المتغيرة، ويحتفظ منها بالصفات الثابتة. ~~وفي وسعنا الآن أن ندرك وجود تشابه بين الحقيقة العلمية والحقيقة الفنية في هذا الصدد؛ ~~فالعمل الفني بدوره يستبعد ما هو عرضي، ويستبقي ما هو جوهري. صحيح أن هناك اختلافا ~~يتمثل في أن الحقيقة العلمية تتخذ طابعا عاما، مجردا، كالقانون الرياضي الذي يعبر ~~عن العلاقات الأساسية بين الظواهر، على حين أن العمل الفني يتخذ طابعا فرديا عينيا ~~ملموسا؛ لأنه ينصب دائما على «موضوع» بعينه. وليس على مجردات ذهنية خالصة؛ فالعمل ~~الفني متجسد دائما في العالم المحسوس، بينما الحقيقة العلمية مقرها العقل. ومع ذلك فإن ~~الفن - في تصويره للموضوع الفردي - لا يسعى إلى التعبير عن هذا الفرد لذاته، بل يقدم ما ~~هو جوهري وأساسي فيه. وهكذا فإن اللوحة المصورة إذا عبرت عن الفرح، فإنها لا تعبر عن ~~فرح «س» أو «ص» من بني البشر، وإنما تعبر عن «ماهية» الفرح أو جوهره الباطن كما يتصوره ~~الفنان، وقل مثل هذا عن القطعة الموسيقية أو التمثال أو أي عمل فني جاد، فللفن إذن ~~حقيقته الخاصة، وهذه الحقيقة تشترك مع الحقيقة العلمية في أنها تترك جانبا ما هو عرضي ~~في الأشياء وتحتفظ بما هو أساسي، وإن كانت تختلف عنها في أن الأولى تعبر عن جوهر ~~الأشياء من خلال صيغ عقلية مجردة، على حين أن الثانية تعبر عنه من خلال نماذج فردية ~~محسوسة. ms373 # على أن الحقيقة الفنية لا تكتفي بالتعبير عن جوهر «موضوع» ما، بل هي تعبر أيضا عن ~~جوهر «الذات»؛ فالفنان لا يتعمق بنا إلى لب الشيء الذي يتحدث عنه فحسب. بل إنه يقودنا ~~إلى الأعماق الباطنة لذاته، من حيث هو إنسان، وهذه صفة تنفرد بها الحقيقة الفنية عن ~~الحقيقة العلمية؛ إذ إن العالم يركز جهوده على موضوع بحثه وحده. أما ذاته - من حيث هو ~~إنسان - فتتوارى أو تختفي تماما وراء بحثه الموضوعي، ومهما تدخلت العوامل الذاتية في ~~كشفه العلمي، فإنه يحرص كل الحرص على إخفاء هذه العوامل حين يعرض أبحاثه؛ لأن ظهور أي ~~عامل منها يهدد «موضوعيته» بالخطر، ويصبح نقطة ضعف خطيرة في أبحاثه. وربما تحدث العالم ~~عن تأثير هذه العوامل الذاتية حديثا شخصيا، حين يكتب سيرته الذاتية. أما حين يخاطب ~~جمعا من العلماء فإن ذاته تختفي اختفاء تاما، وينصب الحديث كله على موضوع ~~بحثه. # أما الفنان فإنه لا يحاول أن يخفي ذاته، وإنما يحرص - وخاصة في العصر الحديث - على ~~أنه يطبع نظرته الخاصة إلى الحياة وميوله وتفضيلاته، على عمله الفني، ولا نعد نحن هذه ~~السمة نقصا فيه، بل نراها - بعكس ذلك - علامة من علامات النضج الفني؛ فالفنان الذي ~~تظهر خصائصه الذاتية في عمله الفني هو في نظرنا فنان له «شخصيته» المميزة التي تنعكس ~~على أعماله، أما الفنان الذي لا تكشف أعماله عن ذاته، والذي ينتج أعمالا لا نستطيع أن ~~نربطها به هو بالذات - وكان يمكن أن ينتجها أي فنان آخر - فهو فنان باهت اللون عديم ~~المذاق. # وهكذا تتخذ الحقيقة الفنية طابعا مزدوجا لا نجده في الحقيقة العلمية؛ فهي تعبر عن ~~جوهر الموضوع الذي تعرضه، وتعبر أيضا عن جوهر ذات الفنان، على حين أن الحقيقة العلمية ~~تلتزم جانب التعبير الموضوعي وحده؛ ومن هنا كان في الفن بعد لا نجده في العلم، وأعني ~~به «الصدق الفني»، وهو غير الصدق الأخلاقي المعروف، وإن كان يشاركه بعض صفاته؛ فالصدق ~~الفني هو أن يكون الفنان معبرا في عمله عن تجربة أصيلة، وألا يعمد إلى خداع ms374 النفس أو ~~التملق أو التعبير عما لا يحس به. وصحيح أن هذا معيار يصعب التحقق منه؛ لأننا لا نستطيع ~~أن ننفذ إلى أعماق الفنان لكي نعلم إن كان صادقا مع نفسه أم غير صادق. ولكن الأعمال ~~الفنية الكبيرة هي تلك التي تعبر عن معان ومشاعر عميقة لا بد أن يكون الفنان قد عاشها ~~حتى يستطيع أن يعرضها علينا بكل هذا العمق، ويثير فينا معاني وأحاسيس مناظرة. # هذا الارتباط الوثيق بين العمل الفني وبين «ذات» الفنان هو الذي يجعل الفن في جوهره ~~«تجربة»، بالمعنى الشخصي لهذه الكلمة. وفي هذه الصفة تختلف الحقيقة الفنية عن الحقيقة ~~العلمية، وتقترب من ذلك النمو الخاص من الحقيقة الذي يحدثنا عنه المتصوف، والذي لا ~~يستطيع أن يعبر عن أعمق ما فيه بالكلام؛ لأنه «تجربة» تجل عن الكلام، وعلى حين أن ~~ما يهمنا - حين نقرأ كشفا علميا - هو «الاستنتاجات» النهائية، أيا كانت الصيغة ~~التي تعرض بها، فإننا في حالة التجربة الفنية نحرص على المذاق الخاص للعمل الفني، ~~الذي لا يتوافر إلا في جو خاص وعن طريق عناصر معينة تتكامل سويا لإحداث التأثير ~~المنشود. وبعبارة أخرى؛ فالحقيقة الفنية لا تقدم إلينا قدرا معينا من المعلومات فحسب ~~كما يحدث في الحقيقة العلمية، وإنما تضع هذه المعلومات في إطار خاص وفي قالب متميز، ~~يحدث فينا تأثيرا فريدا. # ولو غيرنا هذا الإطار أو القالب لفقدت الحقيقة الفنية القدر الأكبر من تأثيرها؛ ~~فحين نحول جميع المعاني المتضمنة في قصيدة شعرية رفيعة إلى لغة النثر، يضيع الجانب ~~الأكبر من تأثير القصيدة، وتفقد «الحقيقة» التي تنقلها إلينا طابعها المميز، وتلك هي ~~المشكلة التي تثيرها «ترجمة الشعر» من لغة إلى أخرى، مما دفع الكثيرين «عن حق» إلى أن ~~ينظروا إلى هذا النوع من الترجمة على أنه تشويه غير مشروع للعمل الشعري الذي لا تكتمل ~~مقوماته إلا في إطار لغته الأصلية. # ولنقل، بتعبير موجز: إن الحقيقة العلمية تهتم بالمضمون قبل الشكل، على حين أن ~~الشكل في الحقيقة الفنية هو الذي يعطي المضمون تأثيره وقيمته، ويضفي على ms375 التجربة الفنية ~~طابعها المميز. # وحين نقول: إن الفن في صميمه «تجربة» فريدة، فإننا نعني بذلك أن الفن لا ينافس الكتب ~~العلمية في تقديم معلومات تغذي عقول الناس؛ إذ إن الفن يخاطب - إلى جانب العقل - مشاعر ~~الإنسان ووجدانه. ولكن هذه التجربة ليست عاطلة أو عقيمة، وليست خبرة ذاتية مقفلة على ~~نفسها دون أن يكون لها أي صدى خارجي؛ فالفن تجربة غنية مثمرة، قد لا يقدم إلينا ~~معلومات مباشرة، ولكنها تزودنا بخبرة عميقة بالحياة، فقد يقدم إلينا العمل الفني الواحد ~~من الفهم لأنفسنا وللناس وللعالم ما لا تقدمه عشرات الكتب. ولكنه لا يقدم إلينا هذا ~~الفهم بالتلقين المباشر، وإنما يوعز به في إطار شكل متكامل يتسم بالجمال. وهو لا يصل ~~إلى هدفه هذا بالتدرج المعروف عن العلم، بل يقدم إلينا حقيقة تنفذ بنا مباشرة إلى ~~أعماق الموضوع. # وبفضل هذه السمة الفريدة في الفن؛ رأى بعض المفكرين في الحقيقة الفنية بديلا عن ~~الحقيقة العلمية، وانتقدوا هذه الأخيرة لأنها لا تقدم إلينا من الظواهر إلا سطحها ~~الخارجي، ووجهها الذي يقبل التعبير عنه بالكم والمقدار، والذي يسمح بمقارنتها بغيرها من ~~الظواهر المشابهة، ولكنه يعجز عن النفاذ بنا إلى جوهرها أو عمقها الباطن. وهكذا تحمس ~~هؤلاء للتجربة الفنية بوصفها بديلا عن المعرفة العلمية، وقدموا إلينا مثلا أعلى ~~للإنسان يحيا فيه حياة «جمالية» خالصة، لا تشوبها تجريدات العلم أو تشوهها ~~تعميماته. # ولكن هذه الحماسة الزائدة لدى أصحاب النزعة الجمالية هؤلاء - وإن تكن تعبر عن تقديس ~~الفن - لا مكان لها في عالم وجد فيه العلم ليبقى، وقدم إلينا من الإنجازات ما لا ~~يمكن التراجع عنه، وشكل مختلف جوانب حياتنا - حتى الفن ذاته - وصبغها بصبغته الخاصة. ~~وأقصى ما يمكننا أن نحتفظ به من موقف عباد الفن هؤلاء، هو أن الحقيقة الفنية ينبغي ~~أن تكمل الحقيقة العلمية وتعوض بعضا من نقائصها في عصر التخصص العلمي المفرط الذي نعيش ~~فيه. ولو عرف الإنسان كيف يمزج بين الحقيقتين في كل متآلف؛ لكان بذلك يحقق أهم ~~الخطوات في طريق تكامل شخصيته، ويبعث الانسجام ms376 بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي، ~~ويخفف من غلواء التجريد الذي يحكم قبضته على الحياة الحديثة من كل جانب، ويضيف بعدا ~~إنسانيا عميقا إلى عالم يفقد طابعه الإنساني على نحو متزايد في كل يوم. # مراجع عامة # النقد الفني: دراسة جمالية فلسفية - تأليف جيروم ستولينتز - ترجمة ~~د. فؤاد زكريا (مطبعة جامعة عين شمس عام 1974م) الفصل الثاني عشر. # Hosperes, J,: Maening & Truth in The Arts ~~(North California U. p.) 1946. Philip Leon: “Aesthetic Knowledge”. In Vivas ~~& Kriegev: Problems of aesthetics, New York (Rinehart ~~1953). # Richards & Ogden: The Meaning of Meaning ~~London, Routhedge 1936. # Richards, I. A.: Principles of Literery Criticism. ~~New York (Haveont & Brace) 1950. # B. Heyl: Artistic Truth Reconsidered journal of ~~Aesthetics & Arts Criticim, vol, VIII ~~(1960). # Sidney Zink: “Poetry & Truth” Philosophical ~~Review, LIV (1945). # Weitz, Morris: Philosophy of The Arts. Harward U. ~~p. 1950. # Wellek, René: A History of Modern Cristicisme. Yale ~~U. p. 1955 Vol. 1. # | الخلق الفني بين العلم والتجربة الشخصية # لن نستطيع أن نفهم معنى تعبير «الخلق الفني» فهما دقيقا إلا إذا أجرينا مقارنة بين ~~هذا النوع من الخلق وبين نوعين آخرين: أحدهما يفترض أنه أعلى منه مرتبة، والثاني أدنى ~~منه، ومن خلال هذه المقارنة يمكن أن تتضح لنا مكانة الخلق الفني بين أنواع أخرى من ~~النشاط يمكن أن تختلط به في الأذهان. ~~(أ) # فلفظ الخلق مرتبط في الأذهان بالخلق الإلهي، حتى إن الكثيرين يتحرجون من ~~استخدام هذا اللفظ في أي مجال سوى المجال الديني. ولكن الواقع أن هذا الحرج ~~مبالغ فيه؛ إذ من المعترف به أن الإنسان ينتج أو يولد أشياء لم تكن ~~موجودة من قبل؛ ومن ثم يمكن أن يعد فعله هذا «خلقا». ولكنا حين نقول: ~~إن ما ينتجه الإنسان «لم يكن موجودا من قبل» ينبغي أن نتحفظ قليلا في ~~استخدام هذا التعبير، فهل صحيح أن أي إنتاج إنساني لم يكن له وجود قبل أن ~~يصنعه الإنسان؟ من الجائز أن هذا الإنتاج - بعد أن اكتمل - قد أصبحت له ~~صورة لم يكن يعرفها الناس ms377 من قبل. ولكن الأمر المؤكد هو أن «مادة» هذا ~~الإنتاج على الأقل كانت موجودة؛ ولذلك يستحيل القول بأن العمل قد خلق ~~«من العدم »، وهنا يكمن الفارق بين تعبيري: «الخلق الإلهي» و«الخلق الفني»؛ ~~فالمفروض أن الخلق الإلهي يتم من العدم، دون أن يمهد له شيء، فهو عملية ~~مفاجئة، تحدث كاملة بلا مقدمات. أما الخلق الفني فمهما كانت درجة اكتماله، ~~فإنه يظل مع ذلك مرتبطا بسوابق لا نهاية لها: منها التراث الفني السابق، ~~والمجتمع الذي يظهر فيه هذا العمل، والتكوين الشخصي للفنان، وغير ذلك من ~~الشروط الممهدة التي لا يمكن أن يكون للعمل بدونها معنى أو صدى، بل لا يمكن ~~أن يظهر أصلا. # ومع ذلك فإن الشكل النهائي للعمل الفني بالذات يكون مختلفا عن الأصل ~~المادي أو المعنوي الذي انبثق منه، إلى حد يقترب فيه هذا العمل من الخلق ~~الإلهي اقترابا يدعو إلى العجب، وهذا ما عبر عنه الناس تعبيرا مباشرا - ~~منذ أقدم العهود - حين نظروا إلى الفنان على أن فيه قبسا من الألوهية، وما ~~عبر عنه بعض أنصار الفن المتحمسين في عصرنا الحديث بقولهم: إن الفن ينافس ~~الخلق الإلهي أو يعيد تصوير العالم كما كان الفنان يريده أن يكون لا كما ~~نتج أصلا بالخلق الإلهي، وأيا كانت التعبيرات التي تستخدم، فإن الأمر ~~الذي يتفق عليه الكثيرون هو أن الإنسان يقترب من الألوهية إلى أقصى حد حين ~~يبدع فنا. ومع ذلك فإن هذا التقارب لا ينبغي أن ينسينا حقيقتين أساسيتين، ~~وهما أن الخلق الإلهي يوصف بأنه يحدث من العدم، على حين أن الخلق الفني ~~يفترض مقدمات لا غناء عنها من أجل ظهور العمل الفني، وأن نتاج الخلق الإلهي ~~هو الطبيعة، على حين أن نتاج الخلق الإنساني مستقل عن الطبيعة ومقابل لها؛ ~~أعني عملا فنيا. ~~(ب) # وهذه الحقيقة الأخيرة تقودنا إلى تفرقة ثانية بين الخلق الفني ونوع آخر ~~من الخلق، هو ما نسميه عادة بالصنعة، وإذا كانت التفرقة السابقة قد حددت ~~الصلة بين الفن وبين نوع آخر من الخلق يوصف بأنه أعلى منه ms378 مرتبة، فإن ~~التفرقة الحالية تحدد علاقة الفن بما هو أدنى منه مكانة؛ أعني نتاج الصنعة ~~الحرفية، فقد وصفنا الخلق الإنساني من قبل بأنه نتاج مستقل عن الطبيعة ~~ومقابل لها. ولكن هذه في الواقع صفة يتسم بها كل جهد يبذله الإنسان لإعادة ~~تشكيل الطبيعة وفقا لأغراضه أو لتصوراته الخاصة؛ فالكرسي الذي يصنعه ~~النجار ليس قطعة من الطبيعة، وإنما هو تشكيل جديد لمادة تقدمها الطبيعة، من ~~أجل تحقيق منفعة إنسانية معينة، فهل يعني ذلك أن الفن لا يزيد - بدوره - عن ~~أن يكون نوعا من الصنعة؟ # هناك - وفي واقع الأمر - اختلافات مؤكدة بين إنتاج الفنان وإنتاج الصانع؛ ~~فالأول عمل فردي، والثاني عمل نمطي؛ ذلك لأن الصانع ينتج مجموعة متكررة من ~~الأعمال، وإذا حدث أن أنتج عملا واحدا لا يتكرر، فإنا نمتدح مثل هذا ~~العمل فنصفه بأنه «قطعة فنية»، ونعني بذلك أن نتاج الصنعة إذا كان فرديا ~~فإن الحد الفاصل بينه وبين العمل الفني يكاد يختفي. وفضلا عن ذلك فإن ~~للتعود الآلي دورا هاما في طريقة إنتاج الصانع، على حين أن الفنان ينتج ~~بصورة تلقائية لا أثر فيها للعادات الآلية. وربما كان أهم هذه الفوارق ~~جميعا هو الدور الكبير الذي يقوم به الخيال في عمل الفنان؛ فالعمل الفني - ~~أيا كان شكله النهائي - هو في واقع الأمر خيال متجسد، على حين أن نتاج ~~الصنعة واقعي مادي، ويترتب على ذلك أن العمل الفني لا يستهدف إلا إرضاء ~~حاستنا الجمالية، بينما يستهدف عمل الصانع دائما تحقيق غرض علمي. # ولكن على الرغم من هذه الفوارق، فمن الواجب أن نتذكر أن الفن ليس منفصلا ~~عن الصنعة انفصالا تاما، فهناك صلة تاريخية قوية بينهما؛ ذلك لأن الصانع ~~هو السلف الأول للفنان، بل إن الحد الفاصل بين الفنان والصانع لم يكن ~~واضحا في العصور القديمة، وما زالت كثير من اللغات تحمل آثار هذا التوحيد ~~القديم بين الفنان والصانع، فلفظ # techné # اليوناني القديم يدل على الفن والصنعة معا، ومن هذا اللفظ اشتقت كلمة ~~«التكنولوجيا» الحديثة، وما زالت كلمة # art # تحمل معنى الصنعة ms379 إلى جانب معنى الفن، كما في التعبير # arts ~~and crafts ~~. وهذا التعبير له مقابل عربي يدل على هذه ~~الصلة الوثيقة نفسها، هو تعبير «الفنون والصنائع»، وما زلنا في العربية ~~نستخدم لفظ «صانع فني» بمعنى «صانع ماهر»، إلى جانب هذا التقارب التاريخي ~~بين الفن والصنعة، هناك تقارب واقعي ناشئ عن أن كثيرا من الفنانين - ~~وخاصة في الفنون التي تحتاج إلى أداء كالموسيقى والرقص والتمثيل - ~~يخضعون حياتهم لنظام دقيق يتدربون فيه على الأداء الفني بنفس المشقة ~~التي يتدرب بها الصانع على إتقان عمله، ويكتسبون من مرانهم عادات جسمية ~~حركية تقترب من تلك التي يكتسبها الصانع الذي يتقن حرفته. # وهكذا تكشف لنا المقارنة التي عقدناها بين الخلق الفني والخلق الإلهي من ~~جهة، وبينه وبين الصنعة البشرية من جهة أخرى، عن حقيقة هامة بشأن طبيعة ~~الفن، هي أنه يحتل مرتبة وسطى ما بين الخلق الشامل الذي يوصف بأنه غير ~~مسبوق بشيء، وبين التشكيل والتحوير النمطي لمادة الطبيعة من أجل تحقيق ~~أغراض عملية معينة. ~~(1) الخلق الفني والعلم # وكيف إذن يمكن معالجة هذا النوع الفريد من الخلق، الخلق الذي يبلغ به الإنسان ~~أقصى درجات الإيجابية والإبداع؟ إن الوسيلة الفعالة التي يلجأ إليها الإنسان في ~~فهم الظاهر هي العلم. ومن الطبيعي أن يسعى الإنسان إلى تطبيق هذه الوسيلة الفعالة ~~على جميع المجالات التي يستعصى عليه فهمها وضمنها الفن. غير أن عملية الخلق ظلت - ~~حتى يومنا هذا - محاطة بستار كثيف من الغموض، على الرغم من كل المحاولات التي ~~بذلت من أجل إزاحة هذه الغموض ومعرفة كنه العملية الخلاقة. ومن المعروف أن ~~عملية الخلق لا تتمثل في الفن وحده. بل إن الكشف العلمي بدوره - وخاصة في صوره ~~العليا - يمثل نوعا من الخلق لا يقل سموا عن الخلق الفني. وربما لم يكن يقل عنه ~~حاجة إلى استعمال الخيال. وفي وسعنا أن نستمر في عملية التعميم هذه؛ لنصل في ~~النهاية إلى حقيقة لا بد من الاعتراف بها؛ وهي أن القدرة الخلاقة هي أول وأهم ~~ما يميز به الإنسان عن سائر الكائنات؛ ms380 فالخلق - في مجال الفن وفي غيره من المجالات ~~- هو الذي حقق للإنسان كل إنجازاته التي ضمنت له التفوق على بقية الأحياء من جهة، ~~وأكدت تفوقه المستمر على نفسه من جهة أخرى. إن الخلق بعبارة أخرى: هو ماهية ~~الإنسان، فإذا كان التفسير العلمي قد ظل حتى الآن عاجزا عن الإحاطة بعملية الخلق، ~~فمعنى ذلك أن العلم لم يفهم الإنسان فهما كافيا، ولنقل بتعبير آخر: إن أزمة ~~العلوم الإنسانية، أو أزمة الفهم العلمي للإنسان، تتمثل - أوضح ما تكون - في ~~استمرار عجز العلم عن تقديم تفسير لعملية الخلق. # على أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا ندين العلم بالقصور نظرا إلى عجزه في هذا ~~المجال؛ فالعلم حركة مستمرة. وليس لأحد أن يلومه على ما لم يصل إليه بعد. والواقع ~~أن هناك - في حالة الإبداع على وجه التخصيص - أسبابا خاصة تعلل الصعوبة التي يجدها ~~العلم في فهم عملية الإبداع، وعلينا أن نتدبر هذه الأسباب جيدا حتى لا نسارع إلى ~~توجيه لوم لا مبرر له إلى العلم. # ذلك لأن الخلق هو في أساسه إنتاج لشيء لم يكن له وجود، وانبثاق من هوة العدم، فهو ~~يفترض انفصالا بين الظواهر، وانقطاعا في سلسلة العلل والمعلولات، والخلق الذي ~~يمكن فهمه فهما كاملا من خلال مقدماته والسوابق الممهدة له لا يستحق أن يسمى ~~خلقا بالمعنى الصحيح. وفي مقابل ذلك يفترض العلم اتصالا لا ينقطع بين الظواهر، ~~وتسلسلا مستمرا للأسباب والنتائج؛ فمجال الانبثاق المفاجئ غريب عن العلم، أو هو ~~على الأقل يقتضي نوعا من المعرفة يختلف عن ذلك الذي عرفناه في المعرفة العلمية ~~بمعناها المألوف. # وفضلا عن ذلك فإن الخلق ينطوي على مراحل لا شعورية لها أهميتها البالغة. ولقد ~~كانت هذه المراحل اللاشعورية هي التي جعلت الفن محاطا بهالة أسطورية منذ أقدم ~~العهود، وجعلت الفنان يوصف بأنه إنسان به مس من الجنون، أو تسيطر عليه قوى شيطانية ~~خفية. وكلنا نعلم أن «العبقرية» في اللغة العربية يرتبط باسم «عبقر»، وهو موطن ~~الجن، وإن هذا اللفظ نفسه في اللغة الفرنسية ~~( # Génie ~~) يدل ms381 أيضا على معنى الجن. ولكن إذا كان ~~العصر الحديث يطرح جانبا كل هذه الارتباطات الخرافية ويحتفظ باسم «اللاشعور» لكي ~~يدل به على مجموعة الظواهر السابقة؛ فإن هذه التسمية ذاتها لا تقل استبعادا ~~للتفسير العلمي عن كل إشارة إلى الشياطين أو الجن؛ ذلك لأن العلم يهتم أساسا بعالم ~~الوعي، والنشاط العلمي يفترض الوعي مقدما، بوصفه شرطا أساسيا لا غناء عنه؛ ومن ~~هنا كان ثمة انفصال حاد بين العنصر اللاشعوري في الفن، وبين اعتماد العلم في ~~تفسيراته على الشعور، وعجزه عن التحرك في أي مجال لا يكون فيه للوعي سيطرة ~~تامة. # ومن ناحية أخرى، فإن ارتباط الخلق الفني بالخيال لا بد أن يؤدي بالعلم إلى أن ~~يلتزم الحذر التام في التعامل معه؛ ذلك لأن العلم لا يستطيع أن يجد لديه وسيلة أو ~~منهجا يتمكن به من حفز الخيال وإثارته، بل يبدو أن الخيال يتبع مسار التلقائي ~~الخاص الذي لا شأن لقوانين العلم به؛ على أن عجز العلم عن فهم الخيال يدل على أن ~~العلم لا يستطيع أن يفهم الأصول التي ظهر هو ذاته بها؛ ذلك لأن قدرا كبيرا من ~~الأفكار العلمية الرئيسية قد تم إبداعه عن طريق الخيال، وعلى الرغم من ذلك فإن ~~العلم حين يتحدث عن هذا النوع من الخيال الذي أدى إلى ظهور نظرياته الهامة، فإنه ~~يفعل ذلك على استحياء، وكأنه يخوض أرضا محرمة؛ فالعلم يركز اهتمامه على النتائج ~~النهائية لعملية الكشف العلمي. أما كيفية ظهور هذه النتائج، ونوع العمليات التي ~~كانت من ورائها، والتي أدت إليها، فهذا ما يعجز العلم عن الحديث عنه، ما لا يبدي به ~~اهتماما كبيرا. # ومما يزيد من صعوبة المعالجة العلمية للخلق الفني، أن هذا الخلق لا يتمثل على نمط ~~واحد، فهناك فنانون ينبثق لديهم العمل الفني بسهولة ويسر، ولا يبدو أنهم قد بذلوا ~~فيه جهدا كبيرا، وذلك على مستوى الوعي على الأقل، وهناك فنانون آخرون لا يتم ~~الخلق الفني لديهم إلا بعد جهد ومعاناة شديد، وبعد محاولات متعددة يعيدون فيها ~~إنتاج عملهم ويدخلون عليه ms382 تعديلات وتحسينات لا حصر لها، إلى أن يصل إلى تلك ~~المرحلة التي يرضون فيها عنه، ويزداد الأمر تعقيدا حين نعلم أن هذا الاختلاف في ~~أنماط الخلق الفني لا ينعكس على الأعمال ذاتها، بمعنى أن العمل الذي استغرق الفنان ~~في إعداده فترة طويلة، والذي مر بتغييرات وتعديلات متعددة، لا ينم - بعد أن يكتمل - ~~عن هذا الجهد على الإطلاق، بل يبدو - في حالة كثير من الأعمال الكبرى - كما لو كان ~~الفنان قد أبدعه بيسر وطلاقة ودون أي قدر من المعاناة. ومن ناحية أخرى فإن يسر ~~الخلق الفني أو عسره لا يرتبط بقيمة العمل الناتج عنه، فليس العمل الذي ينتج في يسر ~~أفضل بالضرورة من ذلك الذي ينتج بجهد ومعاناة. بل إن بعضا من أعظم الأعمال الفنية ~~كان الجهد الخلاق فيه شديد البطء والتردد. على حين أن الانطلاق والتلقائية قد ~~يؤديان أحيانا إلى السطحية في الإنتاج. ومجمل القول: إن العلم حين يتصدى لظاهرة ~~الخلق الفني لا يجد أمامه نمطا واحدا يخضع لنوع واحد من الدراسة والتحليل، بل يجد ~~أنماطا متباينة لا تخضع لقاعدة واحدة. # ولقد كانت المحاولات العلمية التي بذلت من أجل الكشف عن القدرات المرتبطة ~~بالإبداع الفني، تتجه إلى الربط بين الإبداع وبين صفات نفسية معينة، أهمها القدرة ~~على الجمع بين عناصر منفعلة في إطار موحد؛ فالإبداع - تبعا لهذا الرأي - هو إيجاد ~~وحدة جديدة تعمل على تبسيط العلاقات القائمة بين الأشياء، وأساس الإبداع اتجاه إلى ~~الوحدة والتكامل والتوافق، بحيث إن من المستحيل أن ينتج الإبداع أجزاء أو فتات غير ~~متصلة أو مترابطة. وهذا الرأي يصدق بالفعل على أنواع متعددة من الإبداع، وخاصة في ~~ميدان الكشف العلمي. ولكنه يبدو غير كاف في حالة الفن على وجه التخصيص؛ ذلك لأن ~~الخلق الفني يتضمن إضافة جديدة إلى التجربة، ولا يمكن إرجاعه إلى بعث الوحدة في ~~العناصر المشتتة للتجربة، ومثل هذا يقال عن مختلف المحاولات التي تربط بين الإبداع ~~الفني وبين القدرة على «حل المشكلات»؛ لأن هناك فارقا في النوع - لا في الدرجة ~~فحسب - بين حل ms383 المشكلات وإعادة ترتيب العناصر الموجودة قبلا بطريقة فعالة، وبين ~~ذلك الخلق الجديد الذي هو أهم ما يميز الإبداع في الفن. # وإذا كنا قد تحدثنا حتى الآن عن عدم كفاية المحاولات التي بذلها العلم من أجل فهم ~~ظاهرة الخلق الفني، فمن الواجب أن نذكر أن الفن - من جانبه - قد أسهم بنصيب غير ~~قليل في إبعاد العلم عن مجاله الخاص؛ ذلك لأن الفنان ينفر بطبيعته من التحليلات ~~العلمية، ويتصور أن العلم إذا اقتحم مجاله الخاص فسوف يشوهه ويحيله إلى موضوع ~~للتشريح والتحليل، والفنان بطبيعته فردي النزعة، يؤمن بأصالة إنتاجه وبأن كل ما ~~يصدر عنه غير قابل للتكرار، بينما العلم يبحث عن قوانين وأنماط عامة لا شأن لها بما ~~هو فردي، ويستبدل بالحرارة والحساسية المرهفة نظرة موضوعية باردة تستبعد كل اتجاه ~~إلى التفضيل وكل نزوع إلى تأكيد الفوارق والاختلافات الفردية. # وهكذا نجد بين الفن والعلم نوعا من عدم الثقة المتبادلة، كانت نتيجته أن كلا ~~منهما سار في تطور مستقل، دون أن يحدث بينهما تفاعل حقيقي، فمنذ أوائل العصر الحديث ~~ظل العلم يحرز نصرا تلو الآخر، واستطاع أن يفتح أمام الإنسان آفاقا من الفهم ومن ~~السيطرة على العالم لم يكن يحلم بها. وفي الوقت ذاته أخذ الفن يؤكد ذاته بوصفه ~~نشاطا إنسانيا رفيعا، وتوالت مذاهبه واتجاهاته وتعددت وازدادت عمقا وتعقدا. ~~ولكن مسار كل منهما ظل مستقلا عن الآخر، واتجها معا في خطين متوازيين لا ~~يلتقيان إلا في أندر الأحوال؛ إذ إن العلم ظل ينظر إلى الإبداع الفني على أنه عملية ~~خارجية عن مجاله، والفن ظل يترفع على التحليل العلمي ويأبى الخضوع له. # ويمكن القول: إن هذا النمو المتوازي للعلم والفن من أهم سمات العصر الحديث، وهو ~~سمة تركت تأثيرها في كيان الإنسان ذاته؛ ذلك لأن عصرنا هذا إنما هو عصر التقدم ~~الهائل للعلم والفن، ولكن بغير تفاعل أو التقاء بينهما، فهناك ازدواج حاد في ~~الحضارة الحديثة بين شق علمي وشق فني، ترتب عليه بالضرورة ازدواج مناظر داخل ~~الإنسان ذاته، فلم يقتصر الأمر على تباعد ms384 العالم والفنان كل عن الآخر. بل إن ~~الإنسان الواحد أصبح ينظر إلى نفسه على أنه يشتمل على جانبين لا سبيل إلى التوفيق ~~بينهما: جانب عقلي يسيطر عليه العلم ، وجانب خيالي إبداعي يسيطر عليه الفن، هذه ~~الازدواجية تحول دون تحقيق أي انسجام بين جوانب حياة الإنسان المختلفة، وتجعل من ~~المستحيل ضم حياة الإنسان كلها في وحدة متكاملة تجمع بين دقة المنهج العلمي وحساسية ~~الخيال الإبداعي، ولو تأملنا العصر الحديث في نظرة شاملة؛ لجاز لنا أن نقول: إن ~~قدرا كبيرا من مشاكله إنما يرجع إلى هذه الثنائية الحادة التي فرضها الإنسان على ~~نفسه بين عقله العلمي وحساسيته الإبداعية؛ إذ إن العلم قد فرض عليه أن يكون غير ~~مكترث بحساسية الروح، والفن قد فرض عليه أن يكون غير مكترث بموضوعية العقل، واستحل ~~كل منهما لنفسه - في مجاله الخاص - ما يحرمه الآخر وينهى عنه، كل ذلك مع أن الهدف ~~واحد وأرض الصراع واحدة وهي النفس البشرية. # والنتيجة الواضحة التي تفرض نفسها حتما بعد هذا التحليل هي أن محاولة فهم الخلق ~~الفني من خلال العلم ما زالت حتى الآن تتعثر، وما زال من الصعب استيعاب هذا الخلق ~~بواسطة المفاهيم العلمية وحدها، وإن لم يكن من المستحيل أن نتصور مجيء يوم يتحقق ~~فيه اندماج أكبر بين العلم والفن. ولكن إلى أن يأتي هذا اليوم، فإن الدلائل كلها ~~تشير إلى أن الطريق الذي يوصلنا إلى قلب الفن لا بد أن يكون طريقا آخر. ~~(2) الخلق الفني والتجربة # هذا الطريق الآخر هو النظر إلى الفن على أنه تجربة. والواقع أن الذهن البشري قد ~~اعتاد - في أمور كثيرة - أن يضع هذا التقابل بين ما هو موضوع للعلم وما هو موضوع ~~للتجربة؛ فكل ما يعجز الإنسان عن تفسيره علميا، يتناوله على أنه موضوع للتجربة، ~~وكل ما يعتقد الإنسان أنه أرفع من أن يفهم من خلال العلم، يدرجه ضمن الموضوعات ~~التي تجرب مباشرة. وكلما كانت تجربة الإنسان أشد حرارة وأصالة، اتجه إلى أن ينأى ~~بها عن مقولات العلم وقوانينه، وإلى أن يجعل ms385 منها شيئا فريدا يجل عن الوصف. ولقد ~~قيل الكثير من قبل عن تجربة المتصوف، وكيف أنها تسمو على الفهم العقلي والمنطق، ولا ~~يتذوق إلا من يمر بها، وقيل الكثير أيضا عن تجربة الحب التي لا تخضع للتحليل ولا ~~تنطبق عليها قاعدة أو قانون، وإنما هي معاناة أصيلة لا يعرفها إلا من يكابدها، ~~ومثل هذا يقال أيضا عن تجربة الفنان؛ فهي تجربة يقتلها التحليل والتشريح العلمي، ~~وهي علاقة من نوع فريد بين الفنان وموضوعه، لا سبيل إلى وصفها. بل إن الوسيلة ~~الوحيدة لمعرفتها هي الممارسة. # ولكن، ما الذي يميز التجربة والمعاناة - بالمعنى الذي حددناه - عن المعرفة ~~العلمية؟ إن الفارق الحاسم هو أن المعرفة العلمية تفترض نوعا من التوسط، على حين ~~أن التجربة مباشرة، فحين يمر المرء بتجربة عاطفية - مثلا - يشعر شعورا مباشرا ~~بالانفعالات المرتبطة بهذه التجربة، ولا يحتاج إلى أي وسيط لكي يفهم ما يحس به. ~~بل إنه قد يشوه تجربته ويسيء إليها لو بدأ في استخدام اللغة في التعبير عنها، وحاول ~~أن يصف ما يمر به لشخص ثالث؛ فالعلاقة هنا مباشرة بين الطرفين. أما في حالة المعرفة ~~العلمية فلا بد من وسيط بين العارف وموضع معرفته، وهذا الوسيط قد يكون هو اللغة ~~العادية أو اللغة الرياضية أو المفاهيم العلمية المصطلح عليها أيا كانت، ويترتب ~~على وجود هذا الوسيط أن المعرفة العلمية قابلة بطبيعتها للتداول. بل إن قيمتها إنما ~~تكمن في قدرتها على إقناع أكبر عدد من الأذهان ومخاطبيها بلغة مشتركة يفهمها ويقتنع ~~بها الجميع. أما التجربة الفنية فهي وإذا أصبحت تجربة متداولة فإن وقعها يغدو ~~مختلفا في كل حالة عن الأخرى. # على أن هذا الاختلاف الأساسي لا يعني بالضرورة أن العلم يدير ظهره للتجربة الفنية ~~ويستبعدها من قاموسه؛ ففي حالات معينة يقدم العلم تفسيرات لا يمكن أن تستقيم إلا ~~إذا كانت هذه التجربة - بكل ما تتصف به من فردانية وأصالة - مفترضة ضمنا، فعلم ~~النفس مثلا يعترف بدور اللاشعور في الخلق الفني. وحين يحاول أن يقترب من مجال ~~اللاشعور - مستخدما لغة ms386 شبه علمية - يذكر أن ما يتم في اللاشعور هو نوع من ~~«اختمار» الفكرة، يمهد الطريق لتدفق مفاجئ للإبداع. ولكن الشرط الأساسي لحدوث هذا ~~«الاختمار». وهذا النضج البطيء غير الواعي، هو أن يكون الفنان مهتما بموضوعه ~~ومنشغلا به، وإن طغى عليه الرغبة في التعبير عن نفسه من خلال وسيطه الفني الخاص، ~~فلا يمكن أن يؤدي اللاشعور دوره في الإعداد لخلق فني مفاجئ إلا بالنسبة إلى شخص ~~يستغرق الموضوع الفني قدرا كبيرا من تفكيره الواعي، ويشغل وقته وجهده به. هذا ما ~~يقول علم النفس حين يحاول تجاوز نطاق الغموض الذي ظل طويلا يشوب كل ما يقال من ~~عملية الإبداع الفني. ولكن هذا الاهتمام الدائم، والانشغال الذي لا ينقطع بموضوع ~~معين، هو ذاته الذي يسميه الفنان تجربة ومعاناة مباشرة، فعلم النفس - في بعض ~~اتجاهاته على الأقل - يفترض وجود تجربة أصيلة لدى الفنان، ويجعل من هذه التجربة بكل ~~صفاتها المألوفة جزءا لا يتجزأ من عناصر التفسير الذي يقدمه للإبداع الفني، ومن ~~شأن هذه الحقيقة أن تؤدي إلى تضييق الهوة بين المعالجة العلمية الخالصة للخلق ~~الفني، وبين معاملته على أنه تجربة فريدة تأبى الخضوع لمنطق التحليل العلمي. # ولكن ما هي سمات هذه التجربة التي يتعين علينا أن نفهم الإبداع الفني من خلالها، ~~والتي يبدو أنها ستظل هي المفهوم الرئيسي المستخدم في هذا المجال طوال فترة غير ~~قصيرة من الزمان؟ # إن المحور الذي يدور حوله أي فهم سليم للتجربة الجمالية هو مفهوم الانتباه؛ ~~فالتجربة الجمالية هي - قبل كل شيء - انتباه مستغرق في موضوع معين، ننصرف فيه إلى ~~إدراك القيمة الكامنة في هذا الموضوع، ونتلقاها كاملة في حضورها المباشر. هذا ~~التحديد لطبيعة التجربة الجمالية من خلال فكرة الانتباه يؤدي إلى استبعاد مجموعة من ~~المفاهيم التي ظلت طويلا ترتبط بهذه التجربة في أذهان الكثيرين، ومن خلال عملية ~~الاستبعاد هذه يمكننا أن نفهم على نحو أفضل ماهية التجربة الجمالية وعلاقتها بالخلق ~~الفني. # وأول المفاهيم التي تؤدي الطريقة السابقة في تحديد التجربة الجمالية إلى ~~استبعادها - أو على الأقل إزاحتها عن ms387 مكانتها المركزية - هو مفهوم الانفعال؛ ذلك ~~لأن الكثيرين يتصورون أن الوسيلة الرئيسية لتحديد طبيعة التجربة الجمالية هي ~~تفسيرها من خلال ما تثيره من الانفعال، ولكن الشواهد التجريبية ذاتها تثبت أن ~~الموضوع الفني الواحد يمكن أن يثير انفعالات متباينة في أشخاص مختلفين. وربما في ~~الشخص الواحد خلال حالاته المختلفة، وهذه الشواهد ذاتها تكشف عن حالات لأشخاص لا ~~يشك أحد في مكانتهم الفنية، ولا يكون للانفعال تأثير واضح في تجاربهم الجمالية، ~~فهناك موسيقيون - قد لا يكونون كثيرين ولكنهم موجودون - يؤلفون بلا انفعال، وهناك ~~شعراء يكتبون بلا انفعال، دون أن يكون غياب عنصر الانفعال مؤديا بالضرورة إلى ~~الإقلال من قيمة ما ينتجون. وفي الطرف الآخر يوجد أولئك الذين لا يبحثون في العمل ~~الفني إلا عن إثارة انفعالاتهم، وهؤلاء هم الذين لا يرون في الصفات الموضوعية للعمل ~~الفني إلا وسيلة رمزية لبعث مشاعر معينة في النفس، مما يؤدي بهم إلى عدم الاهتمام ~~بهذه الصفات الموضوعية، وإلى تركيز اهتمامهم على أنفسهم، أمثال هؤلاء المتذوقين ~~يرتدون دائما إلى أنفسهم، وينظرون إلى مرآتهم الداخلية في الوقت الذي يبدون فيه ~~وكأنهم يتأملون العمل الفني الخارجي، وما العمل الفني في نظرهم إلا ذريعة أو مناسبة ~~لإثارة انفعالاتهم النفسية. وهذا النمط لا يمكن أن يقال عنه: إنه قادر على تذوق ~~الفن في ذاته تذوقا سليما؛ ومن ثم فهو أشد عجزا في ميدان الإبداع؛ على أن هذا ~~لا يعني على الإطلاق أن التجربة الجمالية لا صلة لها بالانفعال؛ فالانفعال مرتبط ~~بهذه التجربة في معظم الأحيان. ولكنه يكون في هذه الحالة نتيجة للتجربة. وليس هو ~~المحور الأساسي الذي تدور حوله. # وهناك مفهوم ثان ينبغي استبعاده من مجال التجربة الجمالية، هو مفهوم الإدراك ~~السلبي، فالذهن أثناء التجربة الجمالية لا يكون متلقيا سلبيا للموضع، يستقبله ~~على ما هو عليه دون أي تدخل من جانبه. بل إن الذهن يشارك إلى حد غير قليل في تحديد ~~طريقة إدراكه للقيم الموجودة موضوعيا في العمل الفني، ولا يمكن أن توصف حالة ~~التلقي السلبي بأنها هي الحالة المثلى للتذوق ms388 في الفنون. بل إن الشخص الخبير يعرف ~~أن الفن لغة خاصة تحتاج إلى مران وجهد وفهم، وتقتضي نوعا إيجابيا من الانتباه. ~~أما الإدراك السلبي فيندر أن يوصل إلى شيء. # وربما تصور البعض أن تأكيد سمة المشاركة الإيجابية من جانب متلقي الفن في فهم ~~صفات الموضوع الفني، يعني أن هذا المتلقي يضيف من عنده عناصر تزيد من قيمة الموضوع. ~~ولكن الواقع أن القيم التي ينبغي أن نشارك إيجابيا في إدراكها هي - كما قلنا من ~~قبل - القيم «الكامنة» في الموضوع نفسه، ومعنى ذلك أنه ليس مطلوبا ولا مرغوبا من ~~متذوق العمل الفني أن يخرج عن إطار هذا العمل إلى حد تشتيت انتباهه في أمور خارجة ~~عنه، يضيفها من معلوماته الخاصة أو من ذكرياته السابقة، معتقدا أنه يزيد بذلك من ~~قيمة هذا العمل؛ فالعمل نفسه ينبغي أن يظل محور التجربة الجمالية وكل ما يخرج عن ~~نطاق العلم لن تكون له قيمة إلا بقدر ما يرتد آخر الأمر إلى العمل نفسه ويلقي ضوءا ~~عليه. # وهنا يتضح الفارق الأساسي بين نوع الانتباه الذي تتطلبه التجربة الجمالية، ونوع ~~الانتباه الذي نحتاج إليه في حياتنا اليومية، فهذا النوع الأخير من الانتباه غالبا ~~ما يكون غير مكتمل، نكتفي فيه بإدراك وجه واحد من أوجه الموضوعات التي نتعامل معها؛ ~~فحين أقول: إنني رأيت صديقا يمر أمامي، قد لا يكون ما رأيته بالفعل مجرد لون مميز ~~لملابسه، أو طريقته الخاصة في المشي، وهذه العناصر البسيطة وحدها تكفي لتحقيق هدف ~~هذا النوع من الإدراك. أما في إدراك العمل الفني فنحن لا نكتفي بهذا الاختزال، ~~وإنما نستغرق في الموضوع استغراقا تاما، ولا نتخذه مجرد علامة لتحقيق هدف ~~آخر. # وهذا يعني أن التجربة الفنية متجردة عن المنفعة، وأنها تأمل مقصود لذاته، لا من ~~أجل أي غرض عملي. صحيح أننا نسمع عن أطماع أو منافسات تدب بين الفنانين، ونعرف أن ~~الفن يستغل كثيرا لأغراض تجارية. غير أن هذه كلها ظواهر تقع على هامش الفن ولا ~~تنتمي إلى صميمه، وإذا أصبحت لها السيطرة في حالة ms389 فنان معين، أصبح هذا الفنان في ~~نظرنا مزيفا مفتقرا إلى الأصالة. # ومع هذا كله، فلا بد من الاعتراف بأن الوصول إلى حالة من التجرد التام عن المنفعة ~~أو الهدف العملي، ونسيان الذات من أجل الاستغراق في الموضوع، والامتناع عن اتخاذ ~~الموضوع الفني وسيلة للعبور إلى موضوعات أخرى تتداعى معه في أذهاننا، هو في حقيقة ~~الأمر مثل أعلى يصعب تحقيقه، فهو يقتضي اهتماما وجهدا هائلا، وتدريبا طويلا ~~شاقا، ونادرا ما يكون في وسعنا الوصول إليه؛ إذ إننا نجد من الأيسر دائما أن ~~نعود إلى أنفسنا ونتأمل الموضوع الفني من خلال انعكاساته على حالاتنا النفسية، أو ~~أن نهرب من التركيز على العمل نفسه إلى موضوعات أخرى سبق أن دخلت نطاق تجربتنا ~~وأصبحت مألوفة لدينا ومريحة لنا. وفضلا عن ذلك فإن هذا التركيز الشديد يبدو في نظر ~~الكثيرين متعارضا مع هدف التجربة الجمالية، وهو في نظر هؤلاء هدف يرتبط بالترويج ~~عن النفس وتخفيف توتراتها، فكيف يراد مني أن أركز انتباهي وأضيف مزيدا من الجهد ~~إلى ما أقوم به فعلا في حياتي اليومية، مع أنني أريد من الفن أن يريحني، وأن يزيل ~~ما أعانيه من توتر؟ تلك هي الاعتراضات التي تكمن من وراء المقاومة التي يلقاها كل ~~اتجاه فني جديد لا يدخل بسهولة في نطاق تجاربنا المريحة المألوفة، وأبسط رد عليها ~~هو أنها تفترض أن الفن وسيلة لغاية أخرى، هي الراحة من عناء الحياة، مع أن الموقف ~~الذي ندافع عنه يعد الفن غاية في ذاتها، وتجربة أصيلة لا تستخدم لخدمة أي غرض ~~آخر. # هذه النظرة إلى التجربة الفنية على أنها غاية في ذاتها، يترتب عليها مباشرة القول ~~باستقلال التجربة الجمالية عن سائر التجارب التي نمر بها في حياتنا المعتادة. غير ~~أن استقلال هذه التجربة، وكونها فريدة في نوعها، لا يعني على الإطلاق أنها منقطعة ~~الصلة بالحياة. صحيح أنها توصف أحيانا بأنها دخول إلى عالم جديد لا صلة له بعالم ~~الحياة اليومية، وبأنها تخلق عالمها الخيالي الخاص الذي يتسم بأبعاده ومقولاته ~~الفريدة، والذي لا يكاد ms390 يتصل بعالمنا هذا على الإطلاق. غير أن من الواجب ألا نبالغ ~~في الفصل بين التجربة الفنية وبين الحياة المعتادة؛ إذ إن التجربة الفنية ليست آخر ~~الأمر إلا تكثيفا وإثراء للتجارب الإنسانية بوجه عام؛ فالفن هو خلاصة الحياة وقد ~~تركزت وتبلورت في لوحة أو قصيدة أو نغم، وما يبدو في نظر البعض فارقا كبيرا بين ~~التجربة الفنية وتجربة الحياة المعتادة إنما يرجع - في واقع الأمر - إلى ما تتسم به ~~الأولى من تركيز شديد، ومن قدرة على تلخيص الحياة واختزال عناصر كثيرة منها في عمل ~~عظيم واحد. # ونتيجة لوجود رأيين متعارضين يرى أحدهما الفن منفصلا عن الحياة ويراه الآخر ~~مرتبطا بها أوثق الارتباط، أصبح ينظر إلى الفن تارة على أنه هروب من الحياة وتارة ~~أخرى على أنه أعظم مظاهر الحيوية والإقبال على الحياة في الإنسان، وأغلب الظن أن ~~السبب الذي عد من أجله الفن هروبا من الحياة، هو أنه يكسب الفنان حرية ~~وانطلاقا لا يجدهما في حياته الواقعية بما تخضع له من قوانين صارمة؛ فالفنان يضع ~~لنفسه قوانينه الخاصة، ثم يخرج عنها كما يشاء، وهو يشكل عالما لا يخضع إلا ~~لإرادته. وربما استخدم حريته هذه على سبيل التعويض عن القهر الذي يعانيه في عالم ~~الواقع؛ ومن هنا لم يكن من الخطأ القول: إن تحرر الفنان وانطلاقه يتناسب تناسبا ~~عكسيا مع تحرر الجو الذي يعيش فيه الفنان؛ فالقهر الاجتماعي يدفع الفنان إلى مزيد ~~من التحرر والخروج عن القواعد، وعلى الرغم من أن هذه ليست قاعدة عامة، فإنها تصلح ~~لتعليل ذلك الخروج الزائد عن المألوف، والتحرر الذي يتخذ غاية لذاته، الذي يتسم ~~به فن القرن العشرين، ذلك القرن الذي أصبحت فيه الضغوط الاجتماعية تتحكم في الإنسان ~~بقوة لم يعرف لها من قبل نظير. ومع ذلك فإن هذا الهروب من القواعد هو ذاته تعبير ~~عن موقف معين من الحياة، هو موقف الرفض؛ ومن ثم فهو يعد بهذا المعنى تلخيصا ~~وتركيزا لما ينبغي عمله إزاء نوع الحياة الذي يعيشه الفنان. وهذا يعود بنا مرة ~~أخرى إلى ms391 الحقيقة التي نحرص على تأكيدها في ختام هذا البحث؛ وهي أن فردانية التجربة ~~الفنية لا تعني استقلالها التام عن الحياة وانفصالها عن المجرى العام للتجربة ~~الإنسانية. ms392