######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.AraNaqdiyya.Hindawi31794031 #META# Tags: philosophy #META# ID: 31794031 #META# Title: آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # الباب الأول: مشكلات ثقافية‏ # أزمة العقل في القرن العشرين1‏ # نحن وثقافة الغرب1‏ # دفاع عن الثقافة العالمية1‏ # التعصب ... من زاوية جدلية1‏ # مشكلة الكم والكيف والثقافة1‏ # حديث عن الشباب والثقافة1‏ # عن الإنسان والقمر‏ # الباب الثاني: نقد القيم الاجتماعية‏ # القيم الإنسانية بين الحركة والجمود1‏ # الفكر الاشتراكي والتحدي المعاصر1‏ # الاشتراكية، والقيم الروحية1‏ # أخلاقنا العلمية ... إلى أين؟1‏ # اشتراكية العالم الثالث: نظرة نقدية1‏ # العالم الثالث، والعقل الهارب1‏ # شخصيتنا القومية: محاولة في النقد الذاتي1‏ # أخلاقنا الاجتماعية ... إلى أين؟1‏ # بين التعليم وقيم المجتمع1‏ # الباب الثالث: الفلسفة والمجتمع‏ # بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم1‏ # حول فكرة الاتصال في تاريخ الفلسفة1‏ # اليمين واليسار في الفلسفة1‏ # القومية والعالمية في الفكر الفلسفي1‏ # الفلسفة والتخصص العلمي1‏ # النظريات اليونانية في فلسفة الفن1‏ # نظريات حديثة في فلسفة الفن1‏ # بين الفكر والآلة (1)‏ # بين الفكر والآلة (2)‏ # بين الفكر والآلة (3)‏ # عقبات في طريق العلوم الإنسانية1‏ # الباب الرابع: أفكار معاصرة‏ # هيجل في ميزان النقد1‏ # الجدل بين الوجودية والماركسية1‏ # من الذي صنع الأخلاق؟1‏ # كارل ياسبرز بين الفلسفة والسياسة1‏ # الثورة والتمرد عند ألبير كامي1‏ ~~«الحلم والواقع» لبرديايف1‏ # أفق جديد للفلسفة1‏ # تصدير‏ # الباب الأول: مشكلات ثقافية‏ # أزمة العقل في القرن العشرين1‏ # نحن وثقافة الغرب1‏ # دفاع عن الثقافة العالمية1‏ # التعصب ... من زاوية جدلية1‏ # مشكلة الكم والكيف والثقافة1‏ # حديث عن الشباب والثقافة1‏ # عن الإنسان والقمر‏ # الباب الثاني: نقد القيم الاجتماعية‏ # القيم الإنسانية بين الحركة والجمود1‏ # الفكر الاشتراكي والتحدي المعاصر1‏ # الاشتراكية، والقيم الروحية1‏ # أخلاقنا العلمية ... إلى أين؟1‏ # اشتراكية العالم الثالث: نظرة نقدية1‏ # العالم الثالث، والعقل الهارب1‏ # شخصيتنا القومية: محاولة في النقد الذاتي1‏ # أخلاقنا الاجتماعية ... إلى أين؟1‏ # بين التعليم وقيم المجتمع1‏ # الباب الثالث: الفلسفة والمجتمع‏ # بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم1‏ # حول فكرة الاتصال في تاريخ الفلسفة1‏ # اليمين واليسار في الفلسفة1‏ # القومية والعالمية في الفكر الفلسفي1‏ # الفلسفة والتخصص العلمي1‏ # النظريات اليونانية في فلسفة الفن1‏ # نظريات حديثة في فلسفة الفن1‏ # بين الفكر والآلة (1)‏ # بين الفكر والآلة (2)‏ # بين الفكر والآلة (3)‏ # عقبات في طريق العلوم الإنسانية1‏ # الباب الرابع: أفكار معاصرة‏ # هيجل في ميزان النقد1‏ # الجدل بين الوجودية والماركسية1‏ # من الذي ms001 صنع الأخلاق؟1‏ # كارل ياسبرز بين الفلسفة والسياسة1‏ # الثورة والتمرد عند ألبير كامي1‏ ~~«الحلم والواقع» لبرديايف1‏ # أفق جديد للفلسفة1‏ # | آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة # | آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة # تأليف # فؤاد زكريا # | تصدير # يجمع بين موضوعات هذا الكتاب كلها - على تعددها وتنوعها - نزوع واحد إلى تأمل الأمور ~~بنظرة عقلية وبمنهج نقدي، وأحسب أن هاتين السمتين هما اللتان تميزان طريقتي في التفكير ~~وأسلوبي في النظر إلى الأمور حتى الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور؛ أما السمة الأولى، وهي ~~النظرة العقلية - أو العقلانية بمعنى أدق - فلست أعني بها السير وراء ذلك العقل الجاف، ~~المتعالي عن أمور الحياة ومشكلات الناس الواقعية، ذلك النوع من العقل الذي دأب الفلاسفة على ~~تمجيده عصورا طويلة، والذي ازدهرت في ظله مذاهب فكرية شاملة كان معظمها يتطلع إلى عالم ~~الإنسان بترفع وشموخ. ولست أعني ذلك العقل الذي يدعي الثبات ويتهم كل شيء عداه بالتغير ~~والزوال والفناء. ولست أعني ذلك العقل الذي يزدري المشاعر والأحاسيس الإنسانية، ويتجاهل ~~الانفعالات والعواطف على زعم أنها ترتبط بالتقلب والتحول وعدم الاستقرار، وإنما أعني العقل ~~الذي يندمج في الحياة ويسخر نفسه لخدمتها، ويحقق ذاته على أكمل نحو بالتغلغل في مشكلاتها، ~~وأعني العقل الذي يعترف بالتطور والنمو في كل ظواهر الكون والحياة والمجتمع، ويكرس جهده من ~~أجل كشف مسارات هذا التطور والنمو، والاهتداء إلى دروبه ومسالكه المعقدة، جامعا بين الثبات ~~والتغير في مركب يعلو على كل تناقض. وأعني أخيرا العقل الذي لا يحول بين الإنسان وبين ~~الاستغراق في حب الفن والانفعال الخصب بالحياة؛ لأن أحاسيس الفن وانفعالات الحياة هي في نظر ~~العقل السليم جزء لا يتجزأ من واقع البشر، وعنصر جوهري تكتمل به مقومات الإنسانية، ومن ~~المحال أن يكتفي العقل بإنسان مبتور أو بإنسانية أحادية الجانب. # وأما السمة الثانية - وهي المنهج النقدي - فلا يخالجني شك في أنها ترتبط بالسمة الأولى ~~أوثق الارتباط، بل تنبثق عنها انبثاقا عضويا؛ فالعقل - بالمعنى الذي حددته - لا بد أن ~~يكون ناقدا، وفي تصوري أن العقل الذي يتأمل مشكلات الفكر ms002 وأوضاع المجتمع والناس بنظرة غير ~~نقدية إنما يتنكر لطبيعته ويأبى أن يمارس وظيفته؛ ذلك لأن سمة العقل المميزة هي قدرته على ~~تخطي ما هو شائع، وتجاوز الأمر الواقع من خلال مقارنته بصورة يرسمها الفكر المتطلع إلى أوسع ~~الآفاق، ولو لم تكن لدى العقل تلك القدرة على التخطي والتجاوز لكان ملكة عاطلة، لا تمتاز ~~بشيء عن تلك الحواس التي يقتصر إدراكها على ما يقع في نطاق محيطها المباشر، وأنا - على أية ~~حال - ممن لا يستطيعون تصور التفكير إلا مصحوبا بالنقد، وممن يؤمنون بأن النقد هو أعلى ~~مظاهر تحقيق الفكر لذاته. ومن هنا كانت الأفكار التي تضمنها هذا الكتاب نقدية في صميمها، ~~وهي في نقدها هذا إنما تعبر عن وجهة نظري الخاصة إلى المشكلات التي عالجتها، وإن كنت آمل أن ~~تتجاوز وجهة النظر هذه النطاق الفردي لصاحبها؛ إذ إنني أرجو أن أكون في الوقت ذاته قادرا ~~على إقناع الآخرين، ما داموا بدورهم يحتكمون إلى العقل. # وبعد، فإن هذا الكتاب يضم مجموعة من الدراسات والمقالات نشرت منذ عام 1964م حتى الوقت ~~الراهن في مجلات «الثقافة» و«الكاتب» و«الكتاب العربي» و«الطليعة» و«المجلة»، وقبلها جميعا ~~في مجلة «الفكر المعاصر»، ولقد صنفت هذه الكتابات إلى موضوعات رئيسية أربعة، تندرج تحت كل ~~موضوع منها مجموعة من المقالات رتبت بقدر الإمكان ترتيبا منطقيا لا ترتيبا ~~زمنيا. # وأود أن أقول - دون مواربة - إن هذه الدراسات والمقالات أقرب إلى التعبير عن فكري في ~~صورته الصريحة المباشرة من أي شيء آخر كتبته من قبل، وهي بهذا المعنى معيار صادق لما أومن ~~به ولما أرفضه، وإني - إذ أقدمها إلى القراء في هذه الصورة المتكاملة - لا أتوقع ولا أتمنى ~~أن يوافقني الجميع على ما أقول، ولكن ما أتمناه حقا هو أن يناقشني الموافقون والرافضون ~~معا على نفس المستوى العقلي والنقدي الذي كتبتها به؛ ذلك لأن أسعد لحظات المفكر هي تلك ~~التي يحس فيها بأن ما كتبه قد حفز الآخرين إلى التفكير معه، وأتعس لحظاته هي تلك التي يشعر ~~فيها بأن آراءه لم تثر في ms003 الناس إلا استجابات انفعالية متسرعة لا ترتكز على أساس من التعمق ~~والتحليل. فليكن تقديم هذا الكتاب دعوة إلى المشاركة في السعادة الفكرية. # دكتور فؤاد زكريا # القاهرة 5 سبتمبر 1974م # الباب الأول # | مشكلات ثقافية # | أزمة العقل في القرن العشرين1 # يعتقد الكثيرون أن السمة الغالبة على الفكر في القرن العشرين هي أنه يعاني أزمة، ~~ويرون أن أبرز صفات العقل في هذا القرن هي تلك المحنة التي جعلته يشك في أكثر مبادئه ~~رسوخا وأشد بديهياته وضوحا، على أن هذا الاعتقاد تواجهه اعتراضات شديدة يرى أصحابها ~~أنه ليس من الممكن - أو ليس من الواجب - الكلام عن أزمة العقل في القرن العشرين. # أما أن الكلام عن هذه الأزمة غير ممكن؛ فذلك لأن العقل لم ينتصر في أي عهد، فيما يرى ~~أصحاب هذه الاعتراضات، مثلما انتصر في هذا القرن؛ فالعلم قد أحرز في فترة وجيزة مكاسب ~~تزيد عما أحرزه طوال تاريخه السابق، والفكر الفلسفي قد ازدهر وتنوع وازداد خصبا على ~~الدوام، وربما كان الأهم من ذلك أن حياة الإنسان ذاتها قد أصبحت تنظم على أساس يستحيل ~~تصوره بدون العقل، سواء كنا نعني حياة الإنسان الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو ~~حتى حياته اليومية، فهل يحق لأحد - بعد ذلك - أن يتحدث عن أزمة للعقل؟ # وأما أن الكلام عن هذه الأزمة غير واجب؛ فذلك لأن هذا الكلام موجه إلى مجتمع يحتاج ~~إلى من يحثه في كل لحظة على الثقة بالعقل والاعتماد عليه في فكره وفي فعله، وحتى لو ~~كانت أزمة العقل - من الوجهة الموضوعية - حقيقة واقعة في المجتمعات الغربية، فمن الواجب ~~أن يكون ما نعرضه على مجتمعنا الشرقي حافزا له على السير في طريق العقل الذي هو أحوج ~~ما يكون إليه، لا أن يكون مشجعا للعناصر الضيقة الأفق فيه على الدعوة إلى الابتعاد عنه ~~والاستعاضة عنه ببدائل أخرى طالما اقترحت علينا، وطالما جربناها ولم نفز منها إلا ~~بالتخلف. # ولسنا نزعم أن هذا الاعتراض لا يقوم على أساس، ولكن من الصحيح بالرغم من ذلك أن موقف ~~الفكر العالمي من ms004 العقل قد طرأ عليه - منذ مطلع القرن العشرين - تغير أساسي يستحق أن ~~يوصف بأنه أزمة، وذلك إذا ما قورن بموقف الثقة من العقل الذي كان سائدا في القرون ~~السابقة، ومن جهة أخرى فإن الإشارة الصريحة إلى أزمة العقل في مجتمع كمجتمعنا ليست على ~~الإطلاق دعوة إلى الهروب من العقل أو تشجيع الاتجاهات المعادية له ، وإنما هي جهد ~~يبذل من أجل التنبيه إلى الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه في حياتنا ملكة كدنا أن ~~ننساها، وإلى الثمن الباهظ الذي كلفنا إياه هذا النسيان. # على أنني أود - منذ البداية - أن أبين بوضوح قاطع أن أزمة العقل في مجتمعنا تعني ~~شيئا مختلفا كل الاختلاف عنها في المجتمعات الغربية، ولا جدال في أن المقارنة بين ~~مظاهر هذه الأزمة في نوعي المجتمع هذين يمكن أن تلقي ضوءا ساطعا على المشكلة ~~بأكملها، بل يمكن أن يكون فيها رد كاف على الاعتراض السابق بشقيه معا؛ إذ إن هذه ~~المقارنة ستكشف - من جهة - عن الملامح الإيجابية إلى جانب الملامح السلبية فيما يسمى ~~بأزمة العقل في الفكر العالمي، وستثبت - من جهة أخرى - أن الأزمة التي نعانيها من نوع ~~مختلف كل الاختلاف، وأن ما يصدق على المجتمعات الغربية في هذا الصدد لا يصدق على ~~مجتمعاتنا على الإطلاق، وعلى هذا النحو نتحاشى خطر تشكيك شعوبنا في الالتجاء والاحتكام ~~إلى العقل الذي هو أحوج ما تكون إليه في المرحلة الراهنة من تاريخها. ~~••• # إن من الضروري لمن يتصدى لموضوع له مثل هذا الخطر، أن يبدأ بحثه وهو على وعي تام بما ~~يستخدمه من ألفاظ وعبارات، وأفضل سبيل لتحقيق هذا الوعي هو أن يحاول تحديد المصطلحات ~~الرئيسية التي يستخدمها بقدر من الدقة يسمح له بالمضي في تناول الموضوع وهو آمن من ~~التخبط أو التناقض غير الواعي، الذي يمكن أن يثيره الاستخدام الفضفاض للألفاظ. # ولعل أول لفظ ينبغي أن نعمل على إيضاحه هو لفظ «الأزمة»؛ فالأزمة - قبل كل شيء - ~~انقطاع وانفصال عن حالة سوية أو مألوفة أو مستمرة، ومن شأن هذا الانقطاع أن يجلب ~~اضطرابا ms005 أو ألما؛ لأن المألوف بطبيعته مريح، ولأن السوي بطبيعته صحي، وبهذا المعنى ~~نتحدث عن المرض بوصفه أزمة، غير أننا إذا انتقلنا من المجال الجسمي إلى المجال المعنوي، ~~وجدنا أن الأزمة هي التي تصبح أقرب إلى معنى الصحة؛ فالخروج عن المألوف - في هذا المجال ~~- يظل يجلب الاضطراب والقلق، ولكنه لا يعد بأي معنى من المعاني تعبيرا عن المرض، بل إن ~~أزمات العقل هي في معظم الأحيان دليل حيويته وفاعليته ونشاطه، ومن السهل تعليل هذا ~~الاختلاف في معنى الأزمة بين المجالين؛ ذلك لأن الجسم بطبيعته يخضع لقوانين ثابتة، ~~ومظهر الصحة فيه هو احتفاظه بقدرته على أداء وظائفه المحددة التي لا تتغير إلا في أضيق ~~الحدود، أما العقل فإن صحته في تغيره وانتقاله على الدوام إلى مواقع جديدة، وأي تصور ~~للعقل من خلال فكرة الثبات، أو فكرة الوظائف المحددة التي لا تتغير، هو إلى المرض أقرب، ~~على أن من الواجب أن نتنبه إلى أن الأزمة في المجال العقلي تمثل خطوة أولى تتسم ~~بطابع سلبي نحو تحقيق صحة العقل؛ فهي تعني الوعي بقصور القديم وضرورة تجاوزه، وهي ~~بذلك تشكل الشرط الذي لا غناء عنه من أجل تحقيق هذا التجاوز، ولكن من الممكن أن تظل ~~الأزمة في مرحلتها السلبية دون أن تهتدي إلى وسيلة تعين العقل على تجاوز ذاته، أو تؤدي ~~إلى خطوة أخرى تبدو في مظهرها إيجابية، وإن كانت تمثل بالفعل ارتدادا لا تقدما، وفي ~~هاتين الحالتين يمكن أن تكون أزمة العقل في عصر أو مجتمع معين مظهرا من مظاهر مرض هذا ~~العصر أو المجتمع. # أما اللفظ الثاني الذي ينبغي أن نقوم بتحديد أدق لمعناه، فهو لفظ «العقل»، وهنا يتعين ~~علينا أن ننبه إلى أن تعريفات هذا اللفظ بالذات يمكن أن تستغرق مجلدات بأكملها، بل ~~إن من الفلاسفة من نظروا إلى تطور البشرية كلها - في جميع مظاهر حضارتها من فكر وفن ~~وعلم ودين وتشريع - على أنه تطور للعقل، وعلى ذلك فإن مجرد الكلام عن تحديد لمعنى العقل ~~في مقال كهذا، يبدو أمرا بعيدا كل ms006 البعد عن الروح العلمية ذاتها، ومع ذلك فسوف نحاول ~~أن نقوم بتحديد، لا لمفهوم العقل ذاته، بل للمجال الذي يتناوله هذا المقال من مجالات ~~العقل الكثيرة. # ولعل أفضل سبيل لفهم المقصود بالعقل - في الحدود التي تخدم أغراض بحثنا الحالي - هو ~~أن نفهم العقل من خلال ما يقابله أو ما هو مضاد له؛ ذلك لأن كل أزمة يمر بها العقل كانت ~~تؤدي إلى تغليب مفهوم آخر مضاد وتمجيده وإعلاء شأنه على حساب العقل، وعلى ذلك فإن قدرا ~~كبيرا من الغموض الذي يحيط بطريقة فهمنا للعقل يمكن أن يتبدد لو عرفنا ما هي القوى أو ~~الملكات المضادة التي يهيب بها الإنسان كلما مر العقل بمرحلة من مراحل الأزمة. ~~(أ) # لعلنا جميعا نعرف - بصورة أو بأخرى - ذلك التقابل المشهور بين العقل ~~والعاطفة أو الانفعال، ونعبر عن فهمنا لهذا التقابل حين نصف شخصا بأنه ~~يحكم على الأمور بعقله وآخر بأنه يصدر أحكاما عاطفية، هذا التقابل يعبر في ~~حقيقة الأمر عن تكامل؛ إذ إن العقل والعاطفة ليسا طرفين يستبعد كل منهما ~~الآخر، بل هما قوتان تجتمعان معا في كل إنسان، وإن كان طغيان إحداهما على ~~الأخرى في أفراد معينين هو الذي يبعث فينا الاعتقاد بأن كل قوة منهما مضادة ~~للأخرى، والحالة السوية - بطبيعة الحال - هي تلك التي تلتزم فيها كل منهما ~~مجالها الخاص، أو تتضافر مع الأخرى في إصدار حكم متكامل في الحالات التي ~~يتعين فيها الرجوع إلى العقل وعدم تجاهل صوت العاطفة في الآن نفسه. # على أن العصور الرومانتيكية قد أثارت ما يمكن أن يسمى بأزمة للعقل، حين ~~تمادت في العاطفية والانفعالية إلى حد اعتبار العقل ملكة انقطعت صلاتها ~~بالمنابع الفياضة للنفس الإنسانية، وعملت على محاربة كل فكر منهجي ومنطقي ~~بقدر من العنف وصل إلى حد الخصومة المرضية، وظهرت لدى أصحاب الأمزجة ~~الرومانتيكية مجموعة كاملة من المبادئ التي ترتد في النهاية إلى العاطفة أو ~~الانفعال، وتشترك كلها في التنديد بالعقل أو تأكيد قصوره، منها مبدأ ~~الإرادة عند شوبنهور، أو إرادة القوة عند نيتشه، أو ms007 الحياة عند دلتاي، أو ~~الحدس عند برجسون، في كل هذه الحالات يؤكد الفكر أن لدى الإنسان قوة أخرى ~~تعلو على منطق العقل، وتنفذ إلى لب الأشياء أو جوهرها الباطن، على عكس ~~العقل الذي لا يصل إلا إلى العلاقات الخارجية بين الظواهر فحسب. ~~(ب) # أما المقابل الرئيسي الثاني للعقل، فهو السلطة، وإذا كان التقابل بين ~~العقل والعاطفة (بأشكالها المختلفة واشتقاقاتها المتعددة) ينصب على ~~«المضمون»، فإن التقابل بين العقل والسلطة ينصب على «الطريقة أو المنهج»؛ ~~ذلك لأن التفكير على أساس السلطة لا يتعين أن يؤدي - بالضرورة - إلى نتائج ~~مخالفة لتلك التي ينتهي إليها التفكير العقلي، بل قد يكون المضمون الفكري ~~واحدا في الحالتين، ولكن طريقة التفكير أو منهجه هي التي تختلف؛ ففي حالة ~~اتباع السلطة يكون التفكير خاضعا لمصدر يعلو عليه، ويقبل أحكامه بلا ~~مناقشة، على حين أن التفكير المرتكز على العقل يعتمد على الموارد الإنسانية ~~وحدها، ويؤمن بأن كل ما يصدر نتيجة لجهود الإنسان الخاصة يسري عليه كل ما ~~يسري على الإنسان ذاته من قابلية التغير والتطور والتعديل الصحيح، وبينما ~~يؤدي اتباع منهج الخضوع للسلطة إلى التحجر والجمود، فإن الارتكان إلى العقل ~~يعني المرونة والتفتح واتساع الأفق. # وللسلطة - كما نعلم جميعا - أشكال متعددة؛ فهناك سلطة الأسرة أو القبيلة ~~أو المجتمع، وحين يرتكز الفكر على واحدة من هذه السلطات يكون معنى ذلك كبت ~~حرية العقل الفردي في فهم الأمور على أساس تقديره لها وحكمه الخاص عليها. ~~على أن أشهر مظاهر السلطة هو - بلا جدال - سلطة الوحي الديني، ولقد آثرت أن ~~أتحدث عن الوحي الديني بوصفه السلطة الحقيقية المقابلة للعقل، بدلا من ~~الحديث عن الإيمان، على الرغم من أن التقابل بين العقل والإيمان كان له ~~تاريخه الطويل منذ العصور الوسطى حتى أيامنا هذه؛ ذلك لأن الإيمان - في ~~ذاته - لا يمثل بالضرورة قوة مضادة للعقل، أو حتى مخالفة له، وإنما هو قبل ~~كل شيء طاقة انفعالية يمكن توجيهها في أي اتجاه نشاء؛ فمن الممكن أن يوجه ~~العالم المتحمس لكشفه الجديد طاقة الإيمان لديه في ms008 الدفاع عن هذا الكشف ~~والدعوة إليه، على الرغم من أن الكشف كان مرتكزا على أسس عقلية بحتة، ~~وبذلك يمكن القول إن الإيمان - في معناه العام - قوة محايدة إزاء العقل، ~~أما القوة التي تمثل التضاد الحقيقي فهي الوحي الديني، بوصفه مصدرا للسلطة ~~يرى الكثيرون أنه ينافس العقل ويتفوق عليه؛ لأن السلطة في هذه الحالة إلهية ~~تعلو على ضعف العقل الإنساني وقصوره. ~~(ج) # أما المقابل الرئيسي الأخير للعقل فهو الأسطورة، التي كانت في العصور ~~البدائية هي البديل الوحيد للعقل، نظرا إلى ضعف الإمكانات الفكرية ~~للإنسان، ولكنها وجدت في العصور الحديثة ذاتها أنصارا يضعونها في مقابل ~~العقل بوصفها تعبيرا رمزيا عن القوى الحيوية التي يباعد العقل بين ~~الإنسان الحديث وبينها بما يفرضه عليه من كبت وقهر، ويمكن القول إن بعض ~~جوانب نظرية التحليل النفسي - وخاصة ما يتعلق منها بالدلالة الرمزية ~~للأحلام، وبالتضاد بين الشعور واللاشعور - تهيب مرة أخرى بقوة الأسطورة ~~اللاواعية في مقابل العقل الواعي، هذا فضلا عن أن عددا لا يستهان به من ~~المذاهب الفنية الحديثة - في التصوير والمسرح والنحت والأدب - قد تأثرت ~~بهذا الجانب من نظرية التحليل النفسي، وهاجمت العقل الشعوري المنظم سعيا ~~إلى استكشاف الأغوار الخفية للنفس البشرية في عالم الأسطورة الرمزية ~~اللاشعورية. # يكفينا إذن - بالنسبة إلى أغراض هذا المقال - أن نشير إلى أن العقل قوة بشرية توضع في ~~مقابل الانفعال أو العاطفة، وهي قوة مضادة للسلطة بشتى مظاهرها، تسعى إلى التخلص من كل ~~آثار التفكير الأسطوري، ويكفي أن نشير إلى أن العقل يعاني أزمة في كل حالة يسعى فيها ~~الإنسان إلى الدفاع عن إحدى هذه القوى المضادة وتغليبها عليه. # على أن هذا التحديد لمعنى العقل لن يكتمل إلا إذا أشرنا إلى بعد آخر للعقل لم يظهر ~~بوضوح من خلال العرض السابق؛ ذلك لأن العقل كان يبدو لنا - في كل ما سبق - قوة للمعرفة ~~أو العلم فحسب، ولكن للعقل جانبا عمليا أو جانبا أخلاقيا واجتماعيا لا يصح ~~تجاهله؛ فمنذ أيام اليونانيين كان العقل مرتبطا بالتناسب الصحيح وبالعدل، وفي أوروبا ~~الحديثة ms009 كانت العقلانية فلسفة تنادي بإقرار العدل في نفس الوقت الذي تنادي فيه بتحقيق ~~سيادة الإنسان على الطبيعة وإعلان حكم العقل في العالم. # ولو رجعنا إلى الأصول اللغوية لما وجدنا عناء في الاهتداء إلى الجوانب العملية في ~~معاني كلمة العقل، بالإضافة إلى جوانبها النظرية؛ فالحقيقة (وهي الهدف النظري الرئيسي ~~لكل تفكير عقلي) ترتبط لغويا بالحق ، أي بالمبدأ الأخلاقي الذي يدافع عنه الإنسان، وفي ~~اللغات الأجنبية يظهر هذا الارتباط نفسه؛ ففي الفرنسية مثلا نستخدم كلمة # raison ~~(العقل) للتعبير عن الحق أو المبرر، كما في قولنا: # il a raison ~~(أي إن له حقا أو لموقفه ما يبرره)، ~~ولفظ الفهم مرتبط بالتفاهم (عقليا واجتماعيا) في العربية وفي الإنجليزية # understanding # والفرنسية # entendement ~~، وإذا كان العقل قد ارتبط بالنور ~~والعدل، فإن انعدام العقل قد ارتبط بالظلم، ويكفي أننا نتحدث دائما عن «ظلام الجهل»، ~~وأن الارتباط قوي بين الظلام والظلم، أي بين المجالين النظري والعملي أو العلمي ~~والأخلاقي، وإذا لم يكن هذا الاشتقاق اللغوي يقدم تبريرا كافيا لوجهة النظر هذه، ~~فإن التاريخ ذاته خير شاهد على وثوق الارتباط بين الدفاع عن العقل والدفاع عن الخير ~~والعدل؛ إذ كان كبار العقلانيين في أوروبا في القرن الثامن عشر هم أصحاب أقوى الأصوات ~~دفاعا عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، على حين أن فلسفات اللامعقول ~~(شبنجلر وروزنبرج) كانت تقدم مبررا لعهود الاضطهاد والديكتاتورية، أو تستخدم رغما ~~عنها (كما في حالة نيتشه) من أجل تبرير أمثال هذه العهود. ~~••• # هذا التحديد الذي قمنا به للمفاهيم الرئيسية التي تدور حولها المشكلة موضوع بحثنا، ~~ليس على الإطلاق مقدمة تمهيدية، بل هو ينتمي إلى صميم البحث ذاته؛ فبفضل هذا التحديد ~~نستطيع أن نوفر على أنفسنا عناء الدخول في كثير من المناقشات التفصيلية المتعلقة بطبيعة ~~أزمة العقل في المجتمعات الغربية، وندرك بوضوح دلالة الأزمة المناظرة التي تمر بها ~~مجتمعاتنا، ونجيب بسهولة عن السؤال الحاسم: هل تعد أزمة العقل لدينا صدى لأزمة الفكر ~~العالمي، أم أنها شيء قائم بذاته، وبالتالي لا يصح أن تطبق عليه المقولات المستخدمة ~~في ms010 وصف الأزمة الفكرية العالمية؟ # لقد شهد الفكر الغربي - منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى وقتنا هذا - ظواهر لا يمكن ~~أن توصف إلا بأنها أزمة؛ ففي وقت واحد على وجه التقريب، أصبحت منابع الفكر الفلسفي هي ~~آراء برجسون ونيتشه وكروتشه وشبنجلر ووليم جيمس، وكلها آراء تمجد قوى أخرى غير العقل ~~الاستدلالي المنهجي المنظم، وتهيب بمبادئ الحدس أو الإرادة أو القدر الصارم أو النجاح ~~العملي، حتى أصبح أنصار العقل التقليديون - لأول مرة منذ عهد بعيد - أقلية ضعيفة خافتة ~~الصوت، تدافع عن مواقعها بخجل واستحياء إزاء هجوم جارف لا سبيل إلى مقاومته. # وفي هذا الوقت ذاته كان علم النفس عند فرويد يجعل من السلوك الواعي ما يشبه «البناء ~~العلوي» (بالمعنى الماركسي لهذا التعبير)، ويكتشف تحته طبقات كثيفة من «الأبنية الدنيا» ~~التي تتحكم فيه، والتي تتألف من ذكريات وتجارب لا شعورية مكبوتة، وتكون عالما مظلما ~~معتما لا يدرك إلا من خلال رموزه، ولا ينفذ إليه العقل الواعي، وإن كان هو أساس تفسير ~~الكثير مما يدور في مجال الوعي. # وفي المجال الأدبي والفني، اتخذت الرواية والدراما والموسيقى والفنون التشكيلية ~~طابعا خلا من الترابط المنطقي والقالب المحدد المنظم، وحلت محله الانطباعات السريعة ~~المباشرة المختلطة والقوالب غير المألوفة، وأصبح الفن بدوره يخاطب القوى اللاواعية في ~~الإنسان، ويبدو كما لو كان يريد الغوص في أعماق معتمة تقربه من المنابع السحيقة للحيوية ~~البشرية. # وحتى في المجال العلمي النظري ذاته - وهو المجال الذي فيه يجد العقل نفسه «في بيته» ~~كما يقولون - مر العقل بأزمة حادة تنازل من أجلها عن مبادئ ظل يتخذها أساسا يرتكز عليه ~~طوال قرون عدة، وطرأ تغير أساسي على نظرته إلى العالم الأكبر والأصغر؛ فالنظرة الآلية ~~إلى العالم أصبحت تحتاج إلى مراجعة جذرية، ومبدأ السببية ذاته أصبح موضوعا لهجوم جارف، ~~وأشد البديهيات وضوحا حلت محلها مواضعات، والمطلق - في شتى المجالات - قد أنزل ~~عن عرشه لكي يحل محله النسبي، والمبادئ التي كان يظن أنها سارية على كل ما في الكون ~~أصبحت - على أحسن الفروض - تكتفي بمجالات معينة لا ms011 تدعي لنفسها الصحة خارجها، كما هي ~~الحال في هندسة إقليدس، بل في منطق أرسطو ذاته. # هذه الظواهر يستحيل أن تجتمع كلها في توقيت زمني واحد، وتشير جميعها إلى اتجاه واحد، ~~ما لم تكن تعبيرا عن أزمة واحدة؛ فمن المستحيل أن نفهم كيف تتوافق التطورات في ميادين ~~متباعدة لا تجمعها أية رابطة ملحوظة، إلا إذا نظرنا إليها على أنها مظاهر مختلفة لجوهر ~~واحد، هو وجود أزمة حادة يمر بها العقل. # ولكن ينبغي أن ندرك أن هذا الاستنتاج ذاته لم يتم التوصل إليه إلا عن طريق العقل، أي ~~إن العقل الاستدلالي هو الذي يستنتج وجود أزمة عامة للعقل من ملاحظته لظواهر معينة ~~تتلاقى كلها في نقطة واحدة، وتجمعها دلالة واحدة، وتلك في واقع الأمر هي أبرز سمات ما ~~يسمى بأزمة العقل في العالم الغربي؛ فالأزمة في هذه الحالة ليست على الإطلاق اتجاها ~~إلى التنازل عن العقل، وإنما هي سعي إلى الخروج به عن آفاقه المألوفة، واستكشاف أبعاد ~~جديدة له، وإدماج قوى أخرى - حتى تلك التي تبدو مضادة له - في داخله. ومن المستحيل أن ~~نفهم هذه الأزمة إلا في ظل حضارة كان لها مع العقل تاريخ بلغ من الطول حدا جعلها ~~تضيق بالحدود التقليدية التي ظل العقل يحصر نفسه فيها، وتعمل على تفجير الحواجز التي ~~ظلت تحول دون انطلاق العقل إلى أرحب الآفاق. إن العقل هنا هو الذي يتمرد على نفسه، وهذا ~~التمرد على الذات هو أعلى درجات تحقيق العقل لذاته. ~~••• # ولو شئنا أن نلخص في عبارة واحدة طبيعة الأزمة العقلية التي تمر بها المجتمعات ~~الغربية، ونحدد وجه الاختلاف الأساسي بينها وبين أزمة العقل في مجتمعاتنا الشرقية، ~~لقلنا إن الأزمة عندهم هي أزمة ما بعد العقل، على حين أننا لا زلنا نمر بأزمة ما قبل ~~العقل، إنهم قد تجاوزوا نطاق التفكير العقلي التقليدي بعد أن تشبعوا بالعلم والمنطق ~~والفلسفة، وأصبحوا يتطلعون إلى عقل يتجاوز نطاق العقل الذي ألفوه، أما عندنا فلا زال ~~العقل يعمل جاهدا من أجل استكشاف ذاته وتحقيق أبسط مطالبه الضرورية. ms012 # ولنضرب لذلك مثلا واحدا: ففي نقد الفكر الغربي لفكرة السببية، يرتكز هذا الفكر على ~~التعقد الذي لا يسمح لنا بإخضاع كل نتيجة لسبب واحد بعينه، على النحو الذي كان سائدا ~~في ظل الفهم الميكانيكي التقليدي لفكرة السببية، إن العقل هنا - بعد أن ظل يطبق فكرة ~~السببية طويلا وبنجاح - يكتشف من المجالات ما يدعوه إلى تجاوزها؛ فهو يبحث عما بعد ~~السببية وما بعد الضرورة دون أن يتخلى عن مبدأ السببية أو مبدأ الضرورة، وفي مقابل ذلك ~~حارب العقل في حضارتنا مبدأ السببية (في أحوال معينة) دفاعا عن الفهم الغائي واللاهوتي ~~للظواهر، ومع ذلك ترتفع أصوات باحثينا فخورة بأن نقد الغزالي لفكرة السببية - مثلا - ~~قد استبق نقد هيوم، وربما استبق الاتجاهات المعاصرة ذاتها، دون أن يتنبهوا إلى أن ~~الغزالي كان ينقد السببية لكي يدعم الغائية، على حين أن هيوم والمعاصرين ينقدون السببية ~~لكي يوسعوا من نطاق العقل العلمي ويضموا إلى مملكته مجالات أرحب. إن الفرق هنا واضح ~~بين أزمة العقل الناجمة عن رغبة العقل في تجاوز ذاته، وبين أزمته الناجمة عن هروب العقل ~~من ذاته وعجزه عن تحقيق مطالبه وارتمائه في أحضان القوى التي تحكم عليه بالقصور ~~الأبدي. # وفي وسعنا أن نعبر عن هذا الفارق تعبيرا آخر، فنقول إن الباعث إلى ظهور أزمة العقل ~~الغربي هو الرغبة في إعطاء العقل مزيدا من «الحرية»، وفي مجال كهذا يكون للحرية معنى ~~مزدوج، وهو رفض القديم من جهة، وخلق الجديد من جهة أخرى، والحق أننا لو حاولنا أن نتتبع ~~السمة المشتركة بين تلك الظواهر المتعددة التي تنتمي إلى مجالات شديدة التباين، والتي ~~تبين لنا من قبل أنها هي التي تؤلف ما يسمى بأزمة العقل في الفكر الغربي، لما وجدنا سمة ~~تعبر عن روح هذه الظواهر جميعا خيرا من سمة الحرية؛ فالعقل يسعى إلى أن تكون له حرية ~~حتى إزاء مبادئه الأساسية وبديهياته المطلقة، وإزاء كل نوع من الإلزام والضرورة ~~العقلية، وهو يحارب كل محاولة لرد الإنسان إلى مجرد جزء من الطبيعة، ويهدف إلى تأكيد ~~طابع ms013 الحرية فيه بوصفه مقابلا للضرورة السارية على الطبيعة، وهو يود التحرر من كل ما ~~هو مطلق أو تقليدي أو مألوف، حتى لو كان هذا المألوف هو الشكل الطبيعي للأشياء، وليس ~~أدل على أن مطلب الحرية هو الذي خلق أزمة العقل، وهو الذي يحل هذه الأزمة، من أن طريقة ~~الخروج من هذه الأزمة كانت في معظم الأحيان وضع أنساق أرحب من الأنساق القديمة يستطيع ~~العقل أن يتحرك خلالها بمزيد من الحرية، بعد أن كاد يختنق داخل الأنساق القديمة الضيقة، ~~وفي مقابل ذلك يمر العقل في الشرق بأزمة ليس لها من سبب سوى الرغبة في تبديد حرية العقل ~~وتضييق الخناق عليه؛ فالعقل يعاني من اتجاهات تريد تعطيله أو إلغاءه، زاعمة أنها تفعل ~~ذلك لحساب سلطة دينية تعرف كل شيء، أو لحساب سلطة سياسية قادرة على أن تدبر للناس ~~أمورهم وعلى أن تفكر بدلا منهم، وحين يستمر تعطيل العقل زمنا طويلا، يعتاد الناس ~~إلغاء عقولهم، ولا يجدون أية غرابة في أن تطلب إليهم اليوم أن يتخذوا موقفا مناقضا ~~لما كان يطلب إليهم بالأمس، بل إن الاعتداء على قانون التناقض ذاته لا يعود أمرا ~~مستغربا، وحين يقترن هذا الصدأ العقلي بعامل الخوف من التفكير الحر، فإن العقول تفقد ~~القدرة على ممارسة فاعليتها حتى عندما تزول الأسباب التي تؤدي إلى الخوف. ومجمل القول ~~أن الفارق بين الأزمتين هو الفارق بين عقل يسعى دوما إلى توسيع نطاق حريته، وبالتالي ~~إحكام سيطرته على العالم، وعقل تكبله الأغلال ويشغله الكفاح من أجل تحقيق الحد الأدنى ~~من مطالبه الضرورية. # إن مستوى المناقشات التي تدور في مجتمعاتنا الشرقية حول مشكلة العقل كفيل بأن يكشف ~~لنا عن نوع الأزمة التي نعانيها، أزمة «ما قبل العقل»، أو أزمة العقل الذي يكافح لكي ~~يخرج إلى النور؛ فما زالت مشكلة التوفيق بين العقل والإيمان تشغلنا وتستغرق من جهودنا ~~الفكرية قدرا غير قليل، وما زلنا نجد علماء يحاولون أن يثبتوا أن أحدث الكشوف العلمية ~~لها أساس في النصوص الدينية، ورجال دين يسعون إلى إثبات أنهم ms014 مستنيرون لأنهم يسمحون ~~للعقل بالتحرك في الحدود التي يسمح بها الإيمان فقط. # ولقد كان من العوامل التي أثارت هذه المشكلة - في العهود الأولى للمجتمع الإسلامي - ~~أن المسيطرين على مقاليد الأمور (روحيا أو سياسيا) نبذوا الفلسفة على أساس أنها ~~غريبة أو دخيلة، ما دامت يونانية الأصل، وكان من المحتم أن يؤدي نبذ الفلسفة هذا إلى ~~نبذ للعقل ذاته؛ إذ إن خصوم الفلسفة قد خلطوا بين «المصدر» و«المبدأ»، أعني بين المصدر ~~الذي أتت منه الفلسفة - وهو بالفعل يوناني دخيل - وبين مبدأ التفلسف ذاته، أي إخضاع ~~الأمور لحكم العقل والمنطق، ومن المؤسف أن اسم الفلسفة ظل ردحا طويلا من الزمان ~~محوطا بالشبهات، على أساس أنها بدعة دخيلة، ولم يكن ذلك في واقع الأمر إلا استغلالا ~~لمصدرها الأجنبي من أجل تجريح أسلوب التفكير العلمي في ذاته، وحين يوضع الإيمان في كفة ~~والتفكير العقلي الإنساني (وخاصة إذا كان معتمدا على مصادر دخيلة) في كفة أخرى، فإن ~~النتيجة لا بد أن تكون معروفة منذ اللحظة الأولى. # إن مهمتنا ليست على الإطلاق إصدار حكم حول هذه المشكلة، بل إن كل ما نود أن ننبه إليه ~~هو النتائج الحتمية التي يؤدي إليها الاهتمام المفرط الطويل الأمد بمشكلة مثل مشكلة ~~التقابل بين العقل والإيمان؛ ذلك لأن تفضيل الوحي أو الإيمان معناه تفضيل الخصوصية على ~~العمومية؛ فالإيمان خصوصي بطبيعته، والعقيدة بطبيعتها تسري على فئة محددة من الناس، هي ~~فئة المؤمنين، وتصطدم بعقائد أخرى تؤمن بها فئات أخرى إيمانا مماثلا في قوته وحماسته، ~~ولا جدال في أن لدى كل عقيدة ميلا إلى أن تضفي على نفسها طابع العمومية والشمول ~~والوحدانية، غير أنها لا بد أن تجد في مواجهتها عقائد أخرى تدعي لنفسها هذا الطابع ~~ذاته، ومن هنا لا يكون ثمة مفر من أن يظل الإيمان خصوصيا، مهما كانت قوة سعيه إلى ~~العمومية، أما العقل فهو القوة الوحيدة التي لا يملك البشر غيرها حكما مشتركا بينهم، ~~إنه عام وشامل بحكم ماهيته ذاتها، ومن هنا كان تغليب الإيمان على العقل يعني ضمنا ~~انطواء ms015 ثقافة معينة على نفسها وتجاهلها للثقافات الأخرى ولحقيقة الاتصال التاريخي ~~والاجتماعي بين البشر، وبطبيعة الحال لم تكن لمشكلة الاتصال هذه أهمية كبيرة في العصور ~~الوسطى، حين لم تكن إنجازات العقل من الضخامة بحيث تستدعي مشاركة الجميع في الجهد ~~العقلي وفي الانتفاع من ثمار هذه الإنجازات، أما في عصرنا الحاضر، فإن الحد الفاصل بين ~~الحياة الخصبة والحياة العقيمة يتوقف على الاختيار بين التقوقع وبين المشاركة في ركب ~~الحضارة العالمية؛ فعناصر النضال المشترك بين فئات هائلة من البشر أصبحت أقوى من أن ~~يمكن تجاهلها بتأكيد خصوصية العقيدة في مقابل عمومية العقل، والأهداف العليا التي يسعى ~~إليها الإنسان المعاصر - كتحقيق العدالة الاجتماعية والسيطرة على الطبيعة وغزو آفاق ~~جديدة في الكون - تحتاج إلى استخدام المعايير العقلية المشتركة، لا إلى انطواء الحضارة ~~على ذاتها بتغليب معاييرها الإيمانية الخاصة. # وقد يجد بعض القراء أن فيما قلته عن استمرار مشكلة التقابل بين العقل والإيمان قدرا ~~من المبالغة، ويستشهدون على ذلك بأن الاتجاه السائد الآن هو التوفيق بين العقل ~~والإيمان، لا تأكيد التقابل بينهما، ولكن الاهتمام بالتوفيق بين أي طرفين يعكس تأكيدا ~~ضمنيا لتقابلهما، ومن المؤكد أننا لم نكن لنبذل كل هذا الجهد في التوفيق لو لم نكن ~~نؤمن بأن كلا من الطرفين يتجه إلى أن يكون مضادا للآخر. # ومن جهة أخرى فإن إلقاء نظرة سريعة عابرة إلى المشاكل التي تشغلنا يكفي لإقناع كل ~~متشكك بأن مشكلة العقل والإيمان - التي تخلص منها الفكر الأوروبي منذ زمن بعيد - ما ~~زالت تشكل جوهر أزمة العقل في مجتمعاتنا الشرقية؛ فالمجتمع يلمس بنفسه - وبصورة واقعية ~~تغني عن كل تبرير - أضرار الإباحة غير المقيدة لتعدد الزوجات وللطلاق، ويدرك أن حقوق ~~المرأة الأساسية - وكذلك حقوق الطفل - تحتاج إلى قدر كبير من الدعم والحماية، ويعرف ~~الأخطار الفعلية - التي تشهد بها تجربته اليومية - لزيادة النسل، ولكنه لا يزال يتخذ من ~~هذه المشكلات كلها موقفا سلبيا يرجع في حقيقته إلى تغليبه لوجهة نظر الإيمان على ~~وجهة نظر العقل في هذه الأمور، ولا بد أن يؤدي مثل هذا ms016 الموقف إلى توتر حاد، ربما ~~وصل إلى حد التمزق الصامت، حين يجد الفرد العادي أن تجربته الفعلية (وبالتالي أحكام ~~العقل) تثبت له أن نظام تعدد الزوجات - في صورته الراهنة - يجلب أضرارا اجتماعية لا ~~حصر لها، ويجد من جهة أخرى أن حكم الشرع (أي حكم النص الديني) صريح في هذا الصدد، كما ~~يقول له الفقهاء. # وفي وسعنا أن نضرب أمثلة كثيرة أخرى تثبت أن مشكلة التقابل بين العقل والإيمان ما ~~زالت تقوم في مجتمعاتنا بدور رئيسي في حياتنا الفكرية، وأنها ليست على الإطلاق مشكلة ~~كانت تنتمي إلى فترة تاريخية معينة، وتم حسمها بعد ذلك بصفة نهائية، من هذه الأمثلة ~~تلك المناقشات الطويلة التي دارت - في صدد وضع الدستور الدائم - حول مركز الشريعة ~~الإسلامية كأساس لأحكام الدستور، وأيا كانت النتيجة التي سوف تسفر عنها هذه ~~المناقشات، فإن ما يهمنا هو دلالتها على وجود توتر بين حكم الإيمان، وهو توتر يعبر عن ~~أزمة حقيقية، ولكنها أزمة «ما قبل العقل»، وخلال هذه المناقشات ذاتها ارتفعت أصوات لا ~~حصر لها تنادي بأن سبب هزيمتنا في 5 يونيو هو انحرافنا عن طريق الإيمان، ووجدت هذه ~~الأصوات صدى واسعا بين فئات عريضة من الجماهير، مع أن قليلا من التفكير في أوضاع ~~الطرف الآخر الذي انتصر في 5 يونيو يكفي لإقناعنا بأن هذا الطرف المنتصر هو الذي حكم ~~عليه - بموجب هذا الإيمان ذاته - بالتشرد الأبدي. # وأخيرا فقد يعترض علينا بأن الفئات التي تمثل هذه الأمور في نظرها مشكلات جدية ~~لا تمثل المجتمع كله، وأن هناك إلى جانب هؤلاء من يكرسون حياتهم للعمل العلمي المرتكز ~~على مبادئ العقل وحده، ولكن الواقع أن وجود هذه الفئة ذاتها يزيد من حدة المشكلة ولا ~~يلغيها؛ إذ إنه يمثل تجسيدا حيا للتوتر العام بين العقل والإيمان في المجتمع الواحد، ~~هذا فضلا عن التوتر الخاص بينهما في نفوس كثير ممن كرسوا حياتهم كلها للبحث العلمي ~~الصرف (ارجع إلى شخصية «الدكتور سعيد» في مقالات الأستاذ توفيق الحكيم عن الشخصية ~~المصرية في جريدة الأهرام، أعداد 30 ms017 يوليو، و6 و13 أغسطس 1971م)، ونتيجة ذلك كله هي أننا ~~نقيم نظما تعليمية كاملة، تقدم خلاصة العلم الحديث (في حدود الإمكانات المتاحة بالطبع) ~~فوق أرضية من العقلية الغيبية الأسطورية تتنافس مع تعاليم العلم تنافسا صارخا حينا، ~~وتنافسا صامتا رهيبا في معظم الأحيان، وفي هذا التنافس الذي لا يزال العقل فيه يحتل ~~مركزا ضعيفا تكمن أخطر مظاهر أزمة العقل في مجتمعنا. # ولو حاولنا أن نبحث عن الجذور الاجتماعية لهذه الأزمة فلن يكون من الصعب الاهتداء إلى ~~أصولها إذا ما قارناها بالأزمة المماثلة التي مرت بها المجتمعات الغربية في البدايات ~~الأولى للعصر الحديث؛ فالصراع بين القيم العقلية والقيم المرتكزة على سلطة الوحي كان في ~~تلك المجتمعات صراعا بين أسلوب جديد للحياة (اصطلح على تسميته بالأسلوب البورجوازي) ~~وبين الأساليب الإقطاعية الحريصة على التشبث بآخر معاقلها، ولم يكن من قبيل المصادفات ~~أن ينتصر العقل، ويبدأ مسيرته الظافرة في نفس الوقت الذي توطد فيه أسلوب الحياة الجديد، ~~وأخذت فيه النظم الإقطاعية تتداعى واحدا بعد الآخر، ولم تكن انتصارات العقل الساحقة - ~~ابتداء من منظار جاليليو حتى خطوات أرمسترونج وجولات «لونوخود» على سطح القمر - تحدث ~~في فراغ، بل كانت ترتبط على الدوام بتغييرات اجتماعية أساسية تمهد لها الطريق، وتهيئ ~~الجو الملائم لانتفاع البشر بها. # وفي هذا الإطار ذاته يمكن القول إن الأزمة التي مر بها العقل الغربي، والتي بدأت في ~~أوائل هذا القرن وما زالت مظاهرها مستمرة حتى اليوم؛ هي أزمة لنمط الحياة البورجوازي ~~الجديد، وهي بطبيعة الحال لا تستهدف العودة إلى علاقات اجتماعية إقطاعية، بل تستهدف ~~أولا التعبير عن ضيق الإنسان الغربي بالواقع البورجوازي السائد، وبحثه عن بديل لم تتحدد ~~معالمه بعد، ولعل الدليل على أن هذا البديل لم تتحدد معالمه هو الأزمة الموازية التي ~~يمر بها العقل في المجتمعات الاشتراكية الأوروبية والآسيوية؛ ففي هذه المجتمعات بدورها ~~أخذ العقل يراجع خطواته ويعدلها وينقدها - وخاصة في الآونة الأخيرة - على نحو ينم عن ~~قدر قليل من عدم الاستقرار، وازدادت المراجعات والتحريفات إلى حد زالت معه الحواجز ~~بينها وبين ms018 «الأصل»، بل أصبح من الصعب الوصول إلى «أصل» تعد الاجتهادات الأخرى ~~«تحريفات» بالقياس إليه، وأخذ كل اجتهاد في التفسير يؤكد لنفسه الحق في أن يعد ~~أصلا من الأصول. وعلى الرغم من التباين الشديد بين جذور هذه الأزمة وجذور الأزمة في ~~المجتمع البورجوازي، فإن الأمر المرجح هو أن وسيلة الخروج منها ستكون توسيعا لنطاق ~~العقل وخروجا له من إسار الأنساق الضيقة التي كان من قبل منحصرا فيها. # فإذا طبقنا هذا التفسير على مجتمعاتنا، كانت النتيجة الواضحة هي أن استمرار الدفاع عن ~~مبدأ السلطة - بشتى مظاهره - واضطرار العقل حتى الآن إلى اتخاذ موقع الدفاع، والمطالبة ~~بالحد الأدنى من حقوقه، وهي حريته في التعبير عن نفسه؛ كل ذلك دليل على أن العلاقات ~~الإقطاعية - ولا سيما في المجال الفكري - ما زالت متشبثة بمواقعها، وعلى أن المرحلة ~~التالية في تطورنا الاجتماعي (التي نريدها أن تكون مرحلة اشتراكية) لم تستطع بعد أن ~~توطد أقدامها، وأن تؤثر على عقول الناس وأساليب تعاملهم ونظرتهم العامة إلى ~~الحياة. # وبعد، فلعل النتيجة التي تفرض نفسها بعد هذا الحديث الطويل عن أزمة العقل بين ~~مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية، هي أن نوع الأزمة في الحالتين مختلف اختلافا جذريا، ~~وأن إحداهما أزمة مجتمع فاض فيه العقل حتى طغت أمواجه على مجالات لم يكن يستطيع من قبل ~~أن يقترب منها، على حين أن الأخرى أزمة مجتمع ما زال العقل فيه يكافح لكي يكتسب حقه ~~المشروع في التعبير عن نفسه إزاء قوى متأصلة تهدده من كل جانب. # وفي اعتقادي أن الدرس الذي نخرج به من هذا التحليل هو أن أعراض الأزمة العقلية ينبغي ~~أن تكون متباينة تماما في الحالتين، أو لنقل بعبارة أخرى إن من يتصور أن مظاهر ~~أزمة العقل عندنا ينبغي أن تكون مماثلة لمظاهر الأزمة في الفكر العالمي لا بد أن ~~يكون شخصا يخدع نفسه ويخدع الناس، ويكفي أن أضرب لذلك مثلا واحدا مستمدا من فكرة ~~«العبث» أو «اللامعقول». # فالمجتمع الغربي قد سادته في وقت قريب موجة تصف العصر الحاضر بأنه عصر العبث الذي ms019 ~~لا يكون فيه لأي شيء معنى ولا غاية، ولكن هذا الوصف للوجود بأنه عبث # absurde ~~، لا يمكن أن يكون له معنى إلا على أساس «مقارنة» ~~ضمنية تحدث داخل ذهن كان يتوقع أن يجد العالم معقولا، وأن يجد له معنى، ولولا هذه ~~المقارنة لما طرأت أصلا فكرة العبث أو اللامعقول على ذهن أحد؛ فالإنسان البدائي - ~~مثلا - لا يصف العالم بأنه عبث، ولا تطرأ على ذهنه فكرة اللامعقول ، وذلك على الرغم من ~~أنه يعيش هذه اللامعقولية في كل لحظة من حياته؛ لأنه لم يكن يتوقع أن يجد العالم غير ~~ذلك، ولم يقم بأية مقارنة ضمنية بين الحالة الفعلية والحالة المتوقعة أو المرغوب فيها، ~~ومن ثم فإن اللامعقولية تفرض نفسها عليه بوصفها الحالة الأصلية والدائمة والمفروضة ~~للعالم، وعندما تكون اللامعقولية حالة أصلية على هذا النحو، يستحيل أن يصل الوعي إلى ~~إدراك فكرة اللامعقول، وبعبارة أخرى: فإن اللامعقول لا يمكن تصوره إلا على أرضية خلفية ~~من المعقول، وفي الحضارات العقلانية وحدها يمكن أن تظهر - من آن لآخر - فكرة العبث، ~~وتبنى عليها فلسفات كاملة وأعمال أدبية وفنية كبرى، أي يمكن أن تصل هذه الفكرة إلى ~~نطاق الوعي الإنساني. # هذا الكلام موجه - أساسا - إلى أولئك الذين يتصورون إمكان قيام فلسفة أو فن أو أدب ~~للعبث في المجتمع الذي نعيش فيه؛ فبالقدر الذي لا تكون فيه مجتمعاتنا الشرقية قد مرت ~~بتجربة عقلانية هزت حياتها من جذورها، لا يكون هناك معنى للقول إن الوجود عبث، لسبب ~~بسيط هو أن العقل الذي يصدر هذا الحكم لم يكن يتوقع أن يجد الوجود على خلاف ذلك، إنه ~~عقل اعتاد اللامعقول طويلا، وما زالت الخرافة وحرفية النص تحتل في حياته مكانة رئيسية، ~~ومن ثم فلا معنى عنده لفلسفة العبث أو لفنون اللامعقول وآدابه، وإذا ظهرت هذه فلن تكون ~~إلا محاكاة ببغائية تفتقر إلى الأصالة. # إن من يعيش طيلة حياته في اللامعقول لا يملك ترف التفلسف أو التفنن على أساس من ~~اللامعقول؛ لأنه لا يشعر بتناقضه و«عبثيته» عن وعي، ولا يقارنه بأي مقياس ms020 عقلي مخالف، ~~فلنعرف إذن حدود أزمتنا العقلية، ولنعمل على الخروج منها بمنح العقل حقوقه كاملة، بدلا ~~من أن نقفز - دون تبصر - من مرحلة التفكير الأسطوري إلى مرحلة ما بعد العقل، متخطين ~~المرحلة الوسطى، مرحلة ممارسة التفكير العقلاني، التي هي أملنا الوحيد في أن نصبح ~~مجتمعا مسايرا للعصر. # | نحن وثقافة الغرب1 # في العالم اليوم حضارة متفوقة تفوقا لا شك فيه - هي الحضارة الغربية - بالمعنى ~~الواسع لهذه الكلمة ، وفيه أيضا حضارات لم تبلغ هذا القدر من التفوق، ولكن كلا منها ~~يعتز بماض مجيد ويفخر بتراث أسهم بنصيب هام في بلوغ المدنية مستواها الحالي، ولما كانت ~~الحضارة الغربية متفوقة ولكنها حديثة العهد نسبيا، والحضارات الأخرى - مع عدم تفوقها ~~الحالي - لها جذور ممتدة إلى أقدم العهود؛ فقد ترتب على ذلك انقسام بين المثقفين من ~~أبناء الحضارات غير الغربية حول الهدف الذي ينبغي أن تتجه إليه ثقافتهم، أهو مسايرة ~~الحضارة الغربية الجديدة؟ أم إحياء الحضارة القومية الأصلية؟ # ونظرا إلى أن الحجج التي يستند إليها كل من هذين الطرفين قوية مقنعة، فقد كان من ~~الطبيعي أن يحتدم الخلاف بينهما، ويبدو كأنه خلاف يستحيل التوفيق بين أطرافه؛ ذلك لأن ~~أنصار التمسك بالتراث يستندون في دعوتهم إلى أساس متين، هو ضرورة المحافظة على وحدة ~~الأمة عن طريق التعلق بماضيها والاعتزاز به، وهو هدف لا يستطيع أحد أن ينكر أهميته، حتى ~~من كان له رأي مخالف في الوسائل المؤدية إليه، ومن جهة أخرى فإن أنصار مسايرة الحضارة ~~الغربية الحديثة يرتكزون بدورهم على حجة لا مفر من الاعتراف بقوتها، هي عظمة حضارة ~~الغرب في القرون الأخيرة وتفوقها الساحق في جميع المجالات، من علمية وفكرية وفنية ~~واجتماعية، وهم يؤكدون أن من العبث اتخاذ موقف العناد في هذا الصدد؛ إذ إن الحضارة ~~المتقدمة هي التي تسود دائما، ومن المحال أن تستطيع أمة أن توصد أبوابها في وجه التفوق ~~الحضاري الذي يأتيها من مصدر خارجي؛ لأن هذا التفوق سيفرض نفسه سواء شاءت هذه الأمة أم ~~أبت، وكل ما ستجنيه من العناد هو استمرارها ms021 في التخلف واستمرار الآخرين في ~~السبق. ~~••• # ومن المؤكد أن أنصار كل من هذين الطرفين يعانون - عن وعي أو دون وعي - نوعا من ~~أزمة الضمير نتيجة لتشبثهم بموقفهم ذي الاتجاه الواحد؛ ذلك لأن من يدعو إلى المحافظة ~~على التراث الحضاري القومي يعلم - على الرغم من قوة حجته - أن الحضارة الغربية لا تزال ~~هي التي تقود العالم، ويدرك أن تجاهل هذه الحضارة والاكتفاء بإحياء التراث كفيل بأن ~~يزيد الهوة بيننا وبينهم اتساعا، وهو يلمس حوله في كل يوم انتصارات جديدة في ميادين ~~العلم، وتجارب شيقة غير مألوفة في الأدب والفن، فلا بد أن يؤدي به ذلك آخر الأمر إلى ~~الإحساس بضعف موقفه، وبأن من الضروري إقامة نوع من الاتصال بين بلاده وبين أصحاب ~~الحضارة المتقدمة، حتى يشعر المثقفون بأنهم يسايرون موكب الزمان ولا يتخلفون عن ركبه، ~~ومن جهة أخرى فإن دعاة الاقتداء بالحضارة الغربية لا بد أن يشعروا - عاجلا أو آجلا ~~- بأنهم قوم مقتلعون من جذورهم، وبأن روابطهم بماضيهم منعدمة، صحيح أنهم يشايعون حضارة ~~تتميز بقوة مادية وروحية طاغية، ولكنهم يحسون بأنفسهم دخلاء على هذه الحضارة غرباء ~~فيها، ويلتمسون لأنفسهم مكانا فيها فلا يجدونه، وينتهي بهم الأمر إلى إدراك قصور ~~دعوتهم، والشعور بأنهم - بمعنى معين - قوم لا ينتمون إلى الماضي الأصيل ولا إلى الحاضر ~~الدخيل. وبالاختصار فإن أزمة الضمير هذه تواجه أنصار التراث القومي وأنصار الحضارة ~~الغربية معا، وذلك حين يتشبث كل منهم بموقفه ويأبى الاعتراف بسلامة موقف الطرف ~~الآخر. # هذه الأزمة - كما قلت - تواجه المثقفين في جميع أرجاء العالم غير الغربي، وضمنه ~~بطبيعة الحال العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بوجه عام، ومع ذلك ففي اعتقادي أن لهذه ~~المنطقة الأخيرة على وجه التحديد وضعا خاصا ينبغي أن يخفف إلى حد بعيد من وقع هذه ~~الأزمة على ضمائر المثقفين فيها، بل ينبغي أن يؤدي آخر الأمر إلى إزالة الخلاف بين ~~وجهتي النظر المتعارضتين؛ فقد كان الاتصال وثيقا إلى أبعد حد بين حضارات الشرق الأوسط ~~- ومنها الحضارة العربية - وبين الحضارة الغربية على مر العصور، ms022 وإذا كان إدراك هذه ~~الرابطة القوية بين الشرق الأوسط وبين جذور الحضارة الغربية حقيقة لا يصعب إثباتها، فإن ~~الكثيرين يعجزون عن استخلاص النتيجة الضرورية التي تترتب على هذه الحقيقة، وهي أن من ~~الواجب ألا يجد المثقفون في هذه المنطقة من العالم - على وجه التخصيص - حرجا في ~~مسايرتهم للحضارة الغربية؛ لأن هذه الحضارة ذاتها لم تتحرج في الماضي من استخلاص ~~دعاماتها الأساسية من حضارات الشرق الأوسط، وبعبارة أخرى فإن العلاقة بين منطقة الشرق ~~الأوسط بالذات وبين الغرب أعقد من أن تكون مجرد ازدواج حضاري، وإنما هي علاقة تداخل ~~وتشابك وثيق، لا ينبغي معه أن يقوم بين المثقفين مثل هذا الخلاف الحاد حول الرجوع إلى ~~التراث أو الاقتداء بالغرب. # وأستطيع أن ألخص النمط الذي جرى عليه الاتصال بين الشرق الأوسط بين الغرب - من ~~الوجهة الحضارية - بأنه أخذ وعطاء متناوبان ومتكرران، أي إن الشرق الأوسط بدأ بإعطاء ~~الغرب مقومات أساسية لحضارته، ثم أخذ منه عناصر دفعت بثقافته إلى الأمام، ثم عاد فأعطاه ~~عناصر أخرى، وهكذا على التوالي، وعندما يكون الاتصال بين حضارتين على هذا النمط؛ فمن ~~الصعب أن نتحدث في هذه الحالة عن حضارة غربية خالصة وحضارة شرقية خالصة؛ لأن كلتا ~~الحضارتين تضم في تكوينها الداخلي عناصر أساسية من الحضارة الأخرى. ~~(1) # كان أول اتصال سجله التاريخ بين حضارة الشرق الأوسط وبين الغرب يمثل ~~مرحلة عطاء كبرى من الشرق إلى الغرب، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الشرق الأوسط - ~~كما هو معروف - كان هو المهد الأول للحضارة العالمية الحالية، وقد كان ~~لحركة العطاء هذه مظهر علمي وفلسفي في مطلع العصور القديمة؛ ذلك لأن فلسفة ~~اليونانيين حين أخذت بوادرها في الظهور - في القرن السادس قبل الميلاد - ~~كانت في واقع الأمر نقطة نهاية تطور فكري وعلمي في الشرق بقدر ما كانت نقطة ~~بداية تطور عقلي في الغرب، وفي كل يوم يزداد رجحان كفة الرأي القائل بأن ~~الفلسفة اليونانية لم تبدأ تلقائية - كما تصور الكثيرون في القرن الماضي - ~~وإنما كان ظهورها على أرض اليونان نتيجة لمؤثرات قوية مستمدة أساسا ms023 من ~~الحضارات القديمة في الشرق الأوسط. # ومن المؤكد أن الكلام عن «المعجزة اليونانية» ليس إلا اعترافا بالعجز عن ~~تعليل قيام هذه الظاهرة الفذة في تاريخ الفكر البشري، وهي النمو السريع ~~لمجموعة من المذاهب الفلسفية التي كان لها تأثيرها الدائم في الحياة ~~العقلية للإنسان؛ فالتفكير العلمي يأبى الاعتراف بمثل هذه الطفرات ~~المفاجئة، ويكشف لنا عن أدلة متزايدة على وجود تطور متدرج من الحكمة ~~الشرقية إلى التفلسف اليوناني ، ويكفي لإثبات ذلك أن نقول إن أولى المدارس ~~الفلسفية اليونانية كانت في مدن تنتمي جغرافيا إلى الشرق الأوسط، وإن تكن ~~من الوجهة الحضارية مدنا يونانية، فضلا عن أن زيارات كبار الفلاسفة ~~اليونانيين الأوائل لبلاد الشرق الأوسط وتأثرهم بعلمها هي حقائق ثابتة ~~تاريخيا. # ولقد كانت شخصية أفلاطون - وهي أضخم الشخصيات في الفلسفة اليونانية - ~~تجمع في ذاتها خلاصة هذه المؤثرات الشرقية؛ ذلك لأنه قام برحلات متعددة في ~~الشرق، وخاصة مصر، واقتبس من حكمة الشرق عناصر كثيرة، وفضلا عن ذلك فقد ~~ظهرت المؤثرات الشرقية في فلسفته بوضوح كامل؛ فالديانات والنحل الشرقية ~~القديمة قد تركت آثارها واضحة في فلسفة أفلاطون، ولم تكن العقائد الأورفية ~~والفيثاغورية التي كان لها أقوى الأثر في تفكيره إلا وسيلة لنقل التيارات ~~الدينية في الشرق إلى اليونان، وفي وسع المرء أن يقول - بعد تحليل دقيق ~~لاتجاه تفكير أفلاطون - إنه كان فيلسوفا نصف شرقي ونصف يوناني، وإنه هو ~~ذاته كان أكبر دليل على اتصال حضارات الشرق الأوسط القديمة بالحضارة ~~الغربية ممثلة في اليونان، فإذا أدركنا أن التفكير الغربي - منذ أيام ~~اليونان القديمة حتى اليوم - يتضمن عنصرا أفلاطونيا متصلا يظهر أحيانا ~~بصورة صريحة ويظهر في كثير من الأحيان بصورة ضمنية، وإذا أدركنا أن ظل ~~أفلاطون ما زال ممتدا في طريقة التفلسف الغربية حتى عصرنا الحاضر، وأن ~~حضارة الغرب بأسرها مبنية على أسس رئيسية من أهمها الأساس الأفلاطوني؛ إذا ~~أدركنا هذا كله تبين لنا مدى تشابك الصلة بين الحضارات القديمة في الشرق ~~الأوسط وبين الحضارة الغربية في تطوراتها الأولى، واتضح لنا أن عطاء الشرق ~~للغرب - في هذه ms024 المرحلة الأولى من تاريخه الثقافي - لم يكن ثانوي الأهمية ~~على الإطلاق كما دأب البعض على تصويره. # وفي أواخر العصور القديمة اتخذت حركة التأثير الشرقي في الغرب شكلا آخر ~~هو الشكل الديني؛ ذلك لأن المسيحية - كما هو معلوم - ديانة شرقية خالصة، ~~شقت طريقها إلى الغرب في الإمبراطورية الرومانية بصعوبة بالغة في بداية ~~الأمر، حتى استتب لها الأمر في النهاية، وأصبحت هي العقيدة الرسمية ~~للعالم الغربي بأسره، وبعبارة أخرى فإن الحياة الروحية في الحضارة الغربية ~~ترتكز منذ أوائل العصر الوسيط على عقيدة تنتمي إلى صميم الشرق الأوسط، ~~وترتبط ارتباطا أساسيا بالإقليم الذي نشأت فيه، ومن المعروف أن هناك ~~خطا متصلا يربط بين عقائد الشرق الأوسط الثلاث: اليهودية والمسيحية ~~والإسلام، وأن هذا الخط يبدو أوضح ما يكون في نظر من يتأمل هذه العقائد من ~~منظور عالمي شامل، ويقارنها بعقائد الشرق الأقصى مثلا، ومعنى ذلك أن ~~الأساس الديني لشعوب الشرق الأوسط وللشعوب الغربية متقارب إلى أقصى حد، ولا ~~جدال في أن هذه العقيدة الشرقية الأصل - أعني المسيحية - لها في حضارة ~~الغرب أهمية أساسية، صحيح أن من الكتاب من يرون أن كل ما في الغرب من ~~خصب فكري وعمق علمي قد ظهر على الرغم من المسيحية لا بسببها، ولكن هؤلاء ~~الأخيرين أنفسهم يعترفون ضمنا بأن للمسيحية دورها الكبير في تشكيل حضارة ~~الغرب، وإن يكن هذا الدور قد اتخذ طابعا سلبيا. وعلى أية حال فسواء ~~نظرنا إلى هذا الدور على أنه سلبي أم إيجابي، فلا جدال في أن المسيحية - من ~~حيث هي عنصر أساسي بنيت عليه الحضارة طوال الألفي عام الأخيرة - دليل حي ~~على أن الرابطة بين حضارات الشرق الأوسط والحضارة الغربية رابطة تداخل ~~وثيق، لا مجرد اتصال سطحي خارجي. ~~(2) # أما المرحلة الثانية في علاقة هاتين الحضارتين فمن الطبيعي أن تكون مرحلة ~~أخذ، أعني أن الغرب هو الذي قدم إلى الشرق في هذه المرحلة عناصر أساسية في ~~غذائه الروحي؛ فقد ظهرت في الغرب - كما قلنا من قبل - مذاهب فلسفية شامخة، ~~ونظريات علمية هامة، تمكن بها اليونانيون ms025 من أن ينقلوا الإنسان نهائيا ~~من عهد الأسطورة والخرافة إلى عهد التفكير المنطقي المنظم، وكان من الطبيعي ~~أن تمتد آثار هذه الحركة الفكرية الهائلة إلى الشعوب المجاورة، وبالفعل ~~استجابت الشعوب العربية للمؤثرات اليونانية حالما سنحت لها الفرصة، وكانت ~~حركة الترجمة الهائلة التي نقلت بها المؤلفات الفلسفية اليونانية إلى ~~السريانية والعربية دليلا آخر على مدى التقارب الحضاري بين هاتين ~~المنطقتين، والواقع أن هذه الحركة كانت - بالنسبة إلى هذا العصر - تمثل ~~ظاهرة فريدة ليس لها في العالم نظير. ولو سألنا أنفسنا: أي شعوب الأرض ~~تمكنت من استيعاب تراث اليونانيين والإفادة منه بعمق ووعي في هذه الفترة ~~البعيدة من العصور الوسطى؛ لكان الجواب: شعوب الشرق الأوسط وحدها؛ فهذه ~~الشعوب - ولا سيما العرب - هي وحدها التي تجاوبت مع الثورة الفكرية الضخمة ~~التي بدأها اليونانيون وأدمجت الفلسفات اليونانية في تراثها الحضاري، حتى ~~أثمر هذا كله فلسفة إسلامية لا تستطيع أن تضع فيها الحد لفاصل بين ما هو ~~إسلامي أو عربي بحت وما هو يوناني. ~~(3) # وأعقبت مرحلة الأخذ هذه مباشرة مرحلة عطاء؛ ذلك لأن الفلسفة الإسلامية ~~والعلم العربي - حين بلغا دور النضج - قد امتد تأثيرهما تدريجيا حتى وصل ~~إلى الغرب، فإذا بالغرب يتعرف على فلسفته القديمة مرة أخرى، وبعد مضي ~~أكثر من ألف عام على اختفاء آخر آثارها من خلال العرب. # وكانت الترجمات اللاتينية للترجمات العربية هي العامل الرئيسي الذي أدى ~~إلى تعريف أوروبا بفلسفة اليونانيين في أواخر العصور الوسطى، وبفضل هذه ~~الترجمات، وكذلك بفضل العلم العربي الأصيل الذي شق له طريقين رئيسيين إلى ~~أوروبا: طريق الحروب الصليبية وطريق الأندلس؛ أتيح للأوروبيين أخيرا أن ~~يعملوا على إحياء العلم والفكر في عصر النهضة بعد طول ركودهما في العصر ~~الوسيط، والحق أن المرء حين يمعن الفكر في هذه الظاهرة التي أصبحت مألوفة ~~يمر بها الكثيرون دون أن يجدوا فيها ما يستلفت النظر، يرى فيها ظاهرة فريدة ~~بحق في تاريخ الاتصال الحضاري، فأين نجد مثالا آخر لحضارة تتعرف على نفسها ~~وتهتدي إلى ذاتها وتحيي ماضيها عن طريق حضارة أخرى؟ ms026 من الواضح أن الصلة بين ~~الحضارة العربية والحضارة في الغرب في آخر العصور الوسطى كانت صلة فريدة ~~حقا؛ إذ إن الغرب لم يستطع أن ينهض من جديد بقواه الذاتية، وإنما احتاج ~~إلى دماء جديدة تبعث فيه الحيوية وتمكنه من استرداد نشاطه الذي فقده في ~~ظلام العصور الوسطى الطويل، فاستمدها من أقرب الحضارات إليه، وكان في ذلك ~~نوع نادر من الأخوة الحضارية؛ حيث تقوم حضارة باختزان ثروة حضارة أخرى خلال ~~فترة ضعف هذه الأخيرة واعتلالها، ثم تردها لها في الوقت المناسب - بعد أن ~~تضيف إليها المزيد من عندها - لكي تعود هذه إلى استثمارها والانتفاع بها من ~~جديد، فإذا أدركنا أن هذه الظاهرة التي نسميها بالأخوة الحضارية هي أهم ~~العوامل التي ساعدت على قيام عصر النهضة الأوروبية، وإذا علمنا أن هذا ~~العصر هو الذي بدأ حركة التقدم العلمي الهائل الذي تميز به الغرب طوال ~~القرون الثلاثة الأخيرة من تاريخه؛ لاتضح لنا مرة أخرى أن بين الغرب وبين ~~الشرق الأوسط - ولا سيما العربي منه - روابط يستحيل معها الكلام عن أي ~~تنافر بين حضارتيهما. ~~(4) # وتلت مرحلة العطاء هذه مرحلة أخذ، هي الممتدة من عصر النهضة ~~الأوروبية إلى عصرنا الحاضر، في هذه المرحلة أثبت الغرب تفوقه بما لا يدع ~~مجالا للشك، وذلك في الميدان العلمي والفني والاجتماعي في آن واحد، وأتيح ~~للغرب - بعد أن أحسن الإفادة مما تلقاه من العرب - أن يبني علما شامخا ~~استطاع بتطبيقاته العلمية أن يغير وجه حياة الإنسان في العالم بأسره، وما ~~زالت قدراته هذه في اتساع مستمر، وتلك هي الصفة الرئيسية للمرحلة الحالية ~~من تاريخ العالم؛ فالعلم اليوم - كما يدرس في الشرق والغرب - هو علم ~~غربي إلى حد بعيد، والنظريات الاجتماعية التي تهز أركان العالم وتقوض نظمه ~~الموروثة وتمتد آثارها إلى أبعد أطراف الأرض هي في الأصل نظريات غربية ~~مرتبطة بفلسفات غربية، وكل اتجاه فني جديد في الغرب - في الأدب أو الموسيقى ~~أو الرسم أو النحت - يغزو العالم كله ويلهب خيال المثقفين فيه ويثير ~~مناقشات ومجادلات مستمرة، لا في بلاده ms027 الأصيلة وحدها، بل في بلاد ذات جذور ~~حضارية مختلفة عنها كل الاختلاف. # هذا النمط المتكرر من الاتصال الحضاري بين الشرق الأوسط وبين الغرب - بما فيه من أخذ ~~وعطاء متعاقبين - يثبت لنا أن للعلاقة بين هذين الإقليمين طابعا خاصا فريدا يندر أن ~~نجد له نظيرا في حالات الاتصال الحضاري الأخرى؛ ذلك لأن هناك أدلة لا شك فيها على أن ~~ما وصل إليه الغرب في مرحلته الراهنة من تقدم، إنما كان نتيجة لتضافر حضارات الشرق ~~الأوسط معه في العصور القديمة والوسطى وأوائل العصور الحديثة؛ ففي مراحل متعددة كان ~~الشرق يقدم إلى الغرب المادة الخام لحضارته، فيصوغها هذا في أشكال محددة منظمة: قدم ~~إليه معلومات عملية تطبيقية مستمدة من خبرته الحرفية والزراعية القديمة، فصاغها الغرب ~~في اليونان على شكل نظريات هندسية ورياضية أيام فيثاغورس وإقليدس، وقدم إليه مبادئ ~~روحية في العقيدة المسيحية جعلها الغرب لاهوتا منظما في العصور الوسطى، وحورها ~~تبعا لمقتضيات حياته الخاصة في حركات الإصلاح الديني في عصر النهضة، وقدم إليه ترجمات ~~للفلسفة اليونانية وشروحا لها، ومناهج تجريبية للبحث العلمي الذي ازدهر في العصر ~~الذهبي للحضارة الإسلامية، فاتخذ الغرب من هذا كله أساسا لنهضة علمية وفكرية ضخمة تتسع ~~آفاقها حتى اليوم على نحو متزايد. # وعلى ذلك، فإذا كان الغرب في المرحلة الراهنة من تاريخ العالم متفوقا على غيره من ~~الحضارات تفوقا لا شك فيه، وإذا كان المثقفون المنتمون إلى حضارات متعددة يجدون حرجا ~~في الأخذ عن حضارة غريبة تماما عنهم كالحضارة الغربية، فينبغي أن يخف هذا الحرج إلى ~~حد بعيد عند المثقفين المنتمين إلى الحضارة العربية، وحضارة الشرق الأوسط بوجه عام؛ ~~إذ إنهم حين يأخذون اليوم عن العرب فهم إنما يهتدون من جديد إلى كثير من العناصر التي ~~سبق لبلادهم أن قدمتها للغرب وإن تكن مصوغة في شكل جديد، وإذا كان الأمر كذلك، فمن ~~واجبنا أن نتخلى تماما عن ذلك الموقف الذي نعتقد فيه بوجود ثنائية حضارية قاطعة، لا ~~يكون لنا فيها مفر من الاختيار بين أحد أمرين لا ثالث لهما، ms028 إما التمسك بتراثنا القومي، ~~وإما مسايرة الحضارة الغربية؛ ذلك لأن تراثنا متداخل مع تاريخهم، وماضينا قد أثر في ~~حاضرهم، والدور الذي قمنا به لكي تبلغ حضارة الغرب مستواها الحالي حقيقة لا يمكن ~~إنكارها، ولو جاز لنا أن نضع عقولنا أمام هذا الاختيار المزدوج ونرغمها على أن تنحاز ~~إلى أحد الطرفين دون الآخر؛ لجاز للغربي بدوره أن يدعو إلى التخلي عن كل ما يتصل ~~بالمسيحية من قريب أو بعيد؛ لأنها ذات أصل شرقي، ولجاز له أن ينظر إلى حركة إحياء ~~العلوم في عصر النهضة على أنها غزو حضاري أجنبي؛ لأن القوة الدافعة لها كانت علوم العرب ~~وفلسفاتهم! ~~••• # إن التضاد الحقيقي - والازدواج الحضاري بمعناه الصحيح - إنما يكون بين الغرب وبين ~~بلاد الشرق الأقصى، ولو اتخذنا اليابان مثالا لبلدان هذا الإقليم؛ لوجدناها ظلت منعزلة ~~عن كل المؤثرات الغربية انعزالا شبه تام حتى القرن التاسع عشر، ولم يكن يقوم بينها ~~وبين الغرب أي اتصال حضاري يذكر قبل ذلك العهد، وفجأة ومنذ فترة لا تزيد عن المائة ~~عام إلا قليلا، تحولت اليابان إلى بلد يقتبس الأساليب الغربية في كثير من مظاهر حياته، ~~حتى أصبح اليوم غارقا في خضم الحضارة الغربية، تظهر فيه تياراتها الأدبية والفنية ~~الجديدة بعد ظهورها في بلادها الأصلية بقليل، ويحاكي الشباب فيه أبناء الغرب في ~~هواياتهم ومظهرهم وأساليب معيشتهم. # فإذا أدركنا أن التيار المحافظ على التراث القومي في هذا البلد الآسيوي ما زال ~~محتفظا بقوته، وأن التقاليد الحضارية ما زالت لها مكانتها المتأصلة في نفس هذا الشعب؛ ~~لأمكننا أن ندرك مدى حدة الازدواج الحضاري في هذه الحالة، ومدى الأزمة التي يعانيها ~~المثقفون نتيجة لهذا الازدواج. # ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن الأوروبي عندما يبحث عن نمط من الحياة مخالف تماما ~~للنمط الذي يعيش عليه، لا يلتمسه في الشرق الأوسط، بل في الشرق الأقصى؛ فهناك يجد ما ~~ينشده من حضارة مختلفة كل الاختلاف عن حضارته الغربية، هناك يجد شعوبا عاشت آلاف ~~السنين بعقائد مختلفة وتقاليد خاصة بها، ويجد تراثا ظل قرونا طويلة مقفلا على ms029 نفسه ~~في وجه المؤثرات الخارجية ولا سيما الأوروبية، أي إنه بالاختصار يجد نمط الحياة الذي ~~يقف مع النمط الغربي على طرفي نقيض، أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط فإن الاختلاف مهما ~~بلغ مداه لا يكون كبيرا إلى هذا الحد، وحتى التراث الروحي الديني لشعوب هذه المنطقة من ~~العالم يشترك في نقاط كثيرة مع نظيره في الغرب؛ فليست بلاد الشرق الأوسط هي تلك التي ~~يحس فيها الأوروبي بالتضاد الحضاري الحقيقي، لا من حيث مظاهر حياتها الحديثة، ولا من ~~حيث تراثها الحضاري الماضي. # ففي رأيي إذن أن مشكلة التضاد بين التراث القومي والحضارة الغربية الحديثة، لا ينبغي ~~أن تحتل في تفكيرنا المعاصر كل هذه الأهمية؛ لأن هذا التضاد غير قائم أصلا بالصورة ~~التي يقوم بها بين حضارات كثيرة أخرى، وليس معنى ذلك - بطبيعة الحال - أننا نستطيع أن ~~نهتدي مباشرة - في الحضارة الغربية - إلى عناصر شرقية يسهل التعرف عليها؛ إذ إن هذه ~~العناصر قد مرت بشتى أنواع التغيير والتحوير، وإنما الحقيقة التي أود التنبيه إليها هي ~~أن الشرق الأوسط والغرب كان بينهما من الروابط على مر العصور ما يجعل من المستحيل وضع ~~حد فاصل بين النصيب الذي أسهم به كل منهما في تقدم الحضارة البشرية. # والحق أن من الظواهر التي تسترعي الانتباه في بلادنا - وتعد دليلا عمليا على ~~هذا الرأي - أن بعض المفكرين الذين هم من أشد الناس تحمسا للحضارة الغربية، هم في ~~الوقت ذاته من أقدر الناس على تعمق روح أمتهم، ومن أحرص الناس على تراثهم القومي، ~~ويكفينا في هذا الصدد أن نشير إلى شخصيتي طه حسين وحسين فوزي في مصر؛ فقد حورب طه ~~حسين في وقت من الأوقات بحجة أنه يدعو إلى ثقافة مستوردة من الغرب، ويتحمس لها إلى حد ~~التعصب، ومع ذلك فإن كتابا قلائل في البلاد العربية هم الذين بلغوا مستواه في فهم ~~طبيعة الحضارة العربية والقدرة على تحليلها بطريقة عميقة واعية، كذلك فإن حسين فوزي يقف ~~اليوم على رأس الفريق الذي يدافع عن الثقافة الغربية في بلادنا، ولا يخفي ms030 في أي مجال ~~إعجابه بكل ما هو أصيل وعميق في حضارة الغرب، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس تعمقا ~~في فهم الشخصية المصرية والتعبير عن طبيعتها الباطنة في مختلف العصور التاريخية بوعي ~~كامل، فكيف اجتمعت لهذين المفكرين صفتا الإعجاب المفرط بالغرب، والإخلاص الكامل للثقافة ~~القومية؟ في رأيي أن هذا لم يكن ليحدث لولا أن هناك جذورا مشتركة بين الحضارتين، ولولا ~~أن الشرق الأوسط والغرب كانا على مر العصور متنافرين - رغم اختلاف ظروفهما المحلية - في ~~الإسهام بدورهما في بناء الحضارة الإنسانية، وخلال ذلك الشوط الطويل الذي قطعه الإنسان، ~~منذ أن ظهرت لديه أولى بوادر الوعي الحضاري في مصر القديمة وبابل وآشور، حتى انطلقت ~~صواريخه بين الكواكب في الحضارة الغربية المعاصرة، كان الاتصال الحضاري بين الشرق ~~الأوسط والغرب من أهم العوامل التي ساعدت على بلوغ الإنسان في كافة أرجاء العالم ما ~~بلغه اليوم من تقدم مادي ومعنوي. # | دفاع عن الثقافة العالمية1 # إن الحديث عن وجود نوع من «الفراغ الحضاري» - أو بتعبير أدق: نوع من «الغزو الحضاري» ~~- الذي يمارسه الغرب ضدنا لا بد أن يثير فينا التفكير في أسباب هذا الغزو، وفي ~~العوامل التي تجعل حضارة تغزو حضارة أخرى؛ ففي اعتقادي أن الكلام عن الغزو - بوصفه ~~أمرا واقعا - لن يكون مثمرا ما لم يسبقه تحليل للعوامل التي تؤدي إلى هذا الغزو، ومن ~~هذا التحليل تتضح الحلول التي ينبغي اتباعها للتحرر من كل غزو حضاري. # وأود أن أتساءل في البداية: هل نحن حقا - في علاقتنا بالحضارة الغربية - خاضعون ~~لغزو آت من الخارج؟ هل تعد كلمة الغزو أدق وصف لهذه العلاقة؟ يبدو لي أن لفظ ~~«الغزو» لا ينطبق إلا على المرحلة التي كان فيها الاستعمار الأجنبي يفرض علينا فيها ~~ثقافته فرضا، أما فيما عدا ذلك من المراحل، وكذلك في البلاد التي لم تمر بمرحلة ~~الاستعمار المباشر، فإن الظاهرة لا يمكن أن توصف بأنها «غزو»، وإنما هي تأثر أو اقتباس؛ ~~فالحضارة الغربية لم تفرض علينا أدبها وفنها، وإنما نحن الذين اقتبسناه وتأثرنا به، ~~والفارق كبير ms031 بين إرغام الآخرين على قبول ثقافة ما، وبين تقبل الآخرين لهذه الثقافة ~~بمحض اختيارهم. # ومع ذلك، فمن حقنا أن نظل نتساءل: ما الذي يجعل ثقافة معينة تؤثر في شعوب أخرى غير ~~تلك التي ظهرت بينها؟ وهل المسألة أشبه بالحروب حيث يغزو شعب أرض شعب آخر، ثم يرحل ~~عنها متى توافرت للشعب المهزوم من العزيمة ما يتيح له أن يرد الغاصب مدحورا؟ في ~~اعتقادي أن الأمر في حالة الثقافة مختلف عن ذلك كل الاختلاف؛ فهو في رأيي أشبه ما يكون ~~بقانون «الأواني المستطرقة»، حيث ينتقل السائل حتما من المنسوب المرتفع إلى المنسوب ~~المنخفض ما دام هناك اتصال بين الاثنين، وعلى الرغم من أن هذا لا يعدو أن يكون تشبيها، ~~فإنه في اعتقادي تشبيه مفيد إلى أقصى حد، يصلح لإلقاء ضوء وضاح على الظاهرة التي نحن ~~بصددها. # ذلك لأن الانتقال في هذه الحالة «حتمي» ما دام هناك ارتفاع من جهة وانخفاض من جهة ~~أخرى في المستوى؛ فالمسألة ليست متوقفة على رغبة الطرف المتلقي في أن يتخلص مما يأتيه ~~من الخارج، بل إن هناك حالة واحدة يستطيع فيها أن يضمن عدم نفاذ العناصر الخارجية إليه، ~~هي أن يرتفع بمستواه بحيث يغدو مكافئا للمستوى الآخر، وربما أمكنه أن يعطي هذا الآخر ~~شيئا من عنده لو استطاع أن يعلو عليه. # ومن جهة أخرى فإن «قانون الأواني المستطرقة» لا ينطبق إلا في حالة وجود اتصال، وهذا ~~يصدق على الحضارات بدورها؛ إذ إن الاتصال بينها هو الذي يجعل الحضارة الأضعف تمتص عناصر ~~من الحضارة الأقوى، وكلما كانت سبل الاتصال أيسر؛ ازداد انطباق هذا القانون إحكاما، ~~ولهذه الحقيقة أهمية كبرى في المقارنة بين موقفنا الحاضر من الثقافة الغربية، وبين موقف ~~الحضارة الإسلامية من الثقافة اليونانية. # ولنتوقف قليلا عند هذه النقطة الأخيرة، التي يبدو أن لها أهمية خاصة في نظر الكثيرين ~~ممن يريدون لنا أن نتحرر من الثقافة الغربية، فيذكروننا دائما بموقف المسلمين من ~~الثقافة اليونانية الوافدة، وكيف أنهم تمكنوا من استيعابها داخل ثقافة إسلامية أو عربية ~~أصيلة. # ولعل ms032 أول ما ينبغي أن نلاحظه في هذا الصدد هو أن موقف الفلاسفة لم يكن متحررا إلى ~~الحد الذي يتصوره البعض، وأن الرأي الغالب هو أنهم نقلوا عن الثقافة اليونانية أكثر ~~بكثير مما أضافوا إليها، وأقول إن هذا هو الرأي الغالب؛ لأنه ليس رأي المستشرقين أو ~~الباحثين الأجانب بوجه عام فحسب، بل إنه أيضا رأي كثير من المفكرين الإسلاميين الذين ~~لا يجدون الرد الحقيقي على مشكلة الثقافة الإسلامية لدى الفلاسفة. وبعبارة أخرى فليس ~~من المؤكد على الإطلاق أن الفلاسفة الإسلاميين قد أخذوا موقفا خاصا بهم من التراث ~~الغربي المعروض عليهم في تلك الأيام، وإنما الرأي المرجح أنهم أخذوا كثيرا ولم يعطوا ~~إلا قليلا، ومن هنا رأى البعض أن الثقافة الإسلامية الأصيلة تتمثل في علم الكلام، ورأى ~~البعض الآخر أنها تتمثل في مدرسة بعينها من مدارس علم الكلام هي الأشعرية، ورأى غير ~~هؤلاء أن أهل السنة هم خير معبر عن هذه الثقافة. وهكذا نستطيع أن نميز مراتب أو درجات ~~أربعا على الأقل، لا أقول إنها درجات في اليسارية أو اليمينية أو في التقدم والرجعية ~~حسب الاصطلاح السياسي الحديث، وإنما أقول إنها درجات في الاقتراب من حرفية العقيدة: ~~الفلاسفة، فعلماء الكلام من المعتزلة، فعلماء الكلام من الأشاعرة، فأهل السنة، ولكل فريق ~~من هؤلاء أنصار، وغني عن البيان أن أنصار الفريق الأخير مثلا يحكمون على الفريق السابق ~~- حتى لو كان يضم مفكرا كالغزالي - بأنه متحرر أكثر مما ينبغي، ويؤكدون أن موقفهم هو ~~الاقتراب إلى تمثيل الروح الإسلامية على حقيقتها، وقل مثل هذا عن الباقين جميعا، كل ~~حسب نظرته الخاصة إلى الأمور. ومجمل القول أن النظر إلى الفلاسفة على أنهم هم الذين ~~استطاعوا أن يتخذوا من التراث الغربي (اليوناني) الوافد عليهم موقفا سليما، وعرفوا ~~كيف يصبغوه بالصبغة الإسلامية، ليس أمرا مؤكدا كل التأكيد، وإنما هو رأي يقال به من ~~وجهة نظر خاصة تنطوي ضمنا على طريقة خاصة في الحكم على الحضارة الإسلامية، وهي طريقة ~~سنعرض لها في هذا المقال بعد قليل. # على أن أهم ما ms033 في الأمر أنه إذا لم يكن من الممكن التأكيد على نحو قاطع بأن الفلسفة ~~الإسلامية هي التي استطاعت أن تكون مركبا يجمع بين الثقافة الأصيلة والثقافة ~~الدخيلة، فإن كل محاولة للاقتداء بها في عصرنا الحالي تغدو أمرا لا يستطيع أحد أن يضمن ~~ما يسفر عنه من نتائج، وإذا كان فلاسفة الإسلام قد عانوا صعوبات في تأكيد موقفهم ~~الخاص إزاء الثقافة الوافدة من الخارج، فلا بد أن تزداد هذه الصعوبات بالنسبة إلينا ~~- في عصرنا الحاضر - أضعافا مضاعفة. # ذلك لأن الاتصال بين الثقافات أصبح الآن أقوى إلى حد لا متناه مما كان عليه في عصر ~~ازدهار الفلسفة الإسلامية، ولست بحاجة إلى أن أكرر ما يردد على مسامعنا كل يوم من أن ~~التكنولوجيا الحديثة أزالت المسافات مكانيا وثقافيا، ومن أن العالم يتجه سريعا إلى ~~أن يصبح وحدة واحدة؛ فهذه حقائق لا سبيل إلى الشك فيها، لو طبقنا في ضوئها القانون الذي ~~تحدثنا عنه من قبل؛ لأصبح من المؤكد أن انتقال الثقافات من المستوى الأعلى إلى المستوى ~~الأدنى قد غدا في عصرنا الحاضر أمرا محتوما؛ لأن الاتصال بين الأواني المستطرقة قد ~~أصبح أشد إحكاما، وصار حقيقة من حقائق العصر الضرورية. # ومن جهة أخرى فإن الحضارة الإسلامية حين واجهت الفكر اليوناني كانت تواجه ثقافة انتهى ~~عهدها، وتحددت كل معالمها، وعرفت جميع حدودها وأبعادها، كان أمام المسلمين «كم» معين من ~~التفكير الفلسفي، ظهر على شكل مجموعة من المدارس المتعاقبة، واكتمل هذا الكم ثم توقف ~~نهائيا قبل أن يتلقاه المسلمون بما لا يقل عن خمسة قرون، وبالاختصار، وجد المسلمون ~~أنفسهم إزاء «تراث» فكري يستطيعون أن يحددوا موقفهم منه بوضوح (وإن كان هذا الموقف ذاته ~~قد تفاوت بين قبول يكاد يكون تاما وبين رفض قاطع كما أشرنا من قبل)، أما اليوم فإن ~~الثقافة الغربية بعيدة كل البعد عن أن تكون «تراثا»، إنها شيء حي تام متحرك، وفي اليوم ~~الذي يبدو لنا فيه أننا قد اتخذنا من هذه الثقافة موقفا محددا، نراها قد تحركت إلى ~~مواقع جديدة، وفاجأتنا بتيارات ms034 لم تكن في حسباننا، بل إن الأهم والأخطر من ذلك أن سرعة ~~تحركها أعظم بكثير من قدرتنا على ملاحقتها، وأن المسافة تزداد اتساعا، والمنسوب العالي ~~في «الأواني المستطرقة» يزداد ارتفاعا، ومن ثم تشتد قوة التيار الذي يسير في اتجاه ~~واحد، من المرتفع إلى المنخفض، هذا وضع جديد كل الجدة، لا يمكن مقارنته على أي نحو ~~بموقف الإسلاميين من التراث اليوناني الذي كان قد بلغ مرحلة الجمود والاكتمال ، والذي ظل ~~متوقفا حيث هو، ينتظر من الآخرين اللحاق به واتخاذ موقف واضح منه. # والحق أن مشكلة ازدياد الهوة اتساعا بين العالم المتخلف - بوجه عام - وبين العالم ~~المتقدم منظورا إليه بأوسع معانيه، هذه المشكلة لا بد أن تؤرق كل من يفكر باستبصار ~~في مستقبل العلاقات بين هذين العالمين؛ ذلك لأن معدل النهوض - في البلاد التي تقدمت ~~بالفعل - يزداد سرعة، ويبدو أن ازدياد السرعة هذا يؤدي بذاته إلى الجمود أو التوقف في ~~البلاد المتخلفة؛ لأن بطء معدل نموها - إذا حدث مثل هذا النمو - يجعلها تبدو أشبه براكب ~~الدراجة الذي يبدو متراجعا إلى الوراء حين يمرق بجانبه قطار سريع، ومن العبث أن نعزي ~~أنفسنا بأن تقدم الغرب تكنولوجي فحسب، وبأننا نستطيع أن نتفوق عليه في ميدان الثقافة؛ ~~ذلك لأن التكنولوجيا تخلق لنفسها ثقافتها الخاصة، وهي ثقافة ما زلنا بعيدين عنها بعدا ~~كبيرا، ومن الخطأ الفادح أن نتصور أن النهضة التكنولوجية لا ترتبط بنهضة ثقافية، بل إن ~~كل الظواهر تدل على أن النجاح التكنولوجي قد أسدى إلى الثقافة خدمات هائلة، وأن هناك ~~ازدهارا ثقافيا وتنوعا وتعددا وتخصصا وتعمقا لا يقل في أهميته عما نجده - مثلا ~~- في تكنولوجيا الفضاء. أما العزاء الآخر الذي نقدمه إلى أنفسنا بين الحين والحين، وهو ~~أن الغرب سائر إلى الانهيار لتحل حضارات أخرى محله، فهو عزاء واهم إذا صدر عن أناس لم ~~يبذلوا أدنى جهد لمغالبة الغرب والتفوق عليه، ولن يكون له ما يبرره إلا عند الشعوب التي ~~أثبتت بالفعل قدرتها على الكفاح والصمود والبناء في ميادين التنظيم الاجتماعي كما في ~~ميادين ms035 التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي. # والحق أنه لمما يبعث على القلق حقا أن نرى مدى اتساع الهوة بيننا وبين الثقافات ~~العالمية المتقدمة، ثم نكتفي بالقول إننا أخذنا ما فيه الكفاية، وإن دور النقل انتهى ~~وحان وقت اتخاذ المواقف المستقلة؛ فبأي مقياس يقال إننا نقلنا عن ثقافة الغرب ما فيه ~~الكفاية؟ هل نحن حقا قد استوعبنا هذه الثقافة حتى نستطيع أن نقف منها موقف الند للند؟ ~~إن الإجابة بالإيجاب ترضي كبرياءنا وتشعرنا بالاطمئنان، ولكن هذا لن يكون إلا رضاء ~~أجوف واطمئنانا زائفا، وإن نظرة واحدة إلى الأجيال الجديدة من دارسينا لتقنعنا بأن ~~قدرة هذه الأجيال على استيعاب الثقافات العالمية الجادة تتضاءل دوما (وذلك لأسباب قد ~~يكون معظمها خارجا عن إرادتها)، ويزداد كل يوم الاتجاه إلى الاكتفاء من هذه الثقافات ~~بالقشور، والاعتماد على ترجمات ركيكة معيبة غير علمية، تعد هي الزاد الأكبر لدى ~~نسبة كبيرة ممن نعتمد عليهم في النهوض بثقافتنا في المستقبل، وما زالت أمهات الكتب ~~الثقافية العالمية غير معروفة لدى جماهير القراء؛ لأننا لم ننقلها بعد إلى لغتنا نقلا ~~أمينا، ولم نعمل على وضعها في متناول أيدي طالبي الثقافة بشروط ميسرة، فكيف يقال بعد ~~ذلك إننا نقلنا وشبعنا، وحان وقت الهضم والاستيعاب والتمثل والبناء الجديد؟ # إن رأيا كهذا يلقى استجابة وترحيبا بمجرد أن يصدر، ولكن هذه الاستجابة الفورية يمكن ~~أن تكون عائقا في وجه الإدراك الصحيح للحقائق، وهي أننا لم نصل بعد إلى مرحلة ~~الاستيعاب الكامل للثقافة العالمية، وأن هناك أوضاعا قد تؤدي إلى زيادة الإقلال من ~~قدرتنا على فهم هذه الثقافة، فإذا اقترن هذا العجز المتزايد بشعور بالرضا عن الذات؛ ~~كانت حصيلة الجمع بينهما وضعا خطيرا بحق، نكون فيه بعيدين على نحو متزايد عن المستوى ~~العالمي، ونتصور أننا وصلنا إليه وتجاوزناه، ومن هنا فإن الواجب الأكبر الذي يقع على ~~عاتق المثقفين في بلادنا في الوقت الراهن ليس - في رأيي - أن يبعثوا في الناس أحاسيس ~~الرضا عن الذات، بل أن يثيروا فيهم القلق والرغبة في تجاوز أوضاعهم الراهنة، ومن أهم ~~عناصر ms036 هذا القلق أن يدركوا اتساع الهوة بينهم وبين المجتمعات المتقدمة ثقافيا ~~وعلميا وتكنولوجيا، وإني لأعتقد اعتقادا راسخا بأن أول خطوة في سبيل عبور هذه ~~الهوة، وتضييق شقة التخلف، أن نكون في البداية على وعي بمدى اتساعها، وأن نعمل ~~جادين على فهم أسباب تقدم الآخرين لكي نتمكن من اللحاق بهم ثم التفوق عليهم. # على أن الكلام عن «ثقافة عالمية» لا بد أن يصطدم برأي شائع يؤكد أن الحضارة ~~الأوروبية - في جانبيها المادي والمعنوي - ذات طابع محلي، وأن ما أنجزته لا يصلح إلا ~~للمجتمعات التي خلقت هذه الحضارة فحسب، والواقع أن المبالغة في تأكيد الطابع المحلي ~~للثقافة الأوروبية - بل حتى للعلم والتكنولوجيا الأوروبية - تنطوي في رأينا على أخطار ~~لا يستهان بها؛ ذلك لأنها تعني المبالغة في تقسيم البشر إلى أنماط يعد كل منها ~~مقفلا على نفسه، وتغفل الطابع الإنساني العام الذي تتسم به كل نواتج العبقرية البشرية، ~~وصحيح أن أحدا لا يستطيع أن ينكر اصطباغ الثقافات بلون محلي مستمد من الظروف الخاصة ~~للمجتمع الذي تظهر فيه، ولكن هذه النواتج الثقافية المحلية ذاتها تنطوي - في كل الأحوال ~~- على جانب إنساني لا يصح التغاضي عنه. # ففي ميدان النظم الاجتماعية - على سبيل المثال - لن ينكر أحد أن الإقطاع والرأسمالية ~~في أوروبا كان لهما طابع محلي، وأن الظروف الخاصة التي عاشتها أوروبا في العصر الوسيط ~~وأوائل العصر الحديث كانت هي العامل الحاسم في إعطاء هذين النظامين طابعهما المميز، ~~ولكن هذا لن يمنع من تكرار هذين النظامين في بيئات أخرى مغايرة لتلك التي ظهر فيها ~~الإقطاع والرأسمالية الأوروبيان؛ فمع اختلاف الصبغة المحلية يوجد اتفاق في الإطار العام ~~بين الرأسمالية في الولايات المتحدة واليابان مثلا، ومن هنا كان مما يفيد الاشتراكيين ~~في مختلف بلاد العالم - ولا سيما العالم الثالث - أن يدرسوا النظم الاجتماعية الأوروبية ~~لا على سبيل زيادة العلم فحسب، بل على أساس أن أوروبا قد مرت بتجارب يمكن أن تمر بها ~~الإنسانية كلها من بعدها، مع اختلاف في التفاصيل بطبيعة الحال. # إن عوامل الوحدة بين التجارب الإنسانية ms037 أقوى في رأيي بكثير من عوامل التباين ~~والاختلاف، وإذا كان من المعترف به أن الإنسان يكون - من الناحية البيولوجية - نوعا ~~واحدا يمكن فيه التزاوج والإنجاب بين أقزام الغابات الاستوائية الزنوج وعمالقة السويد ~~الشقر، وأن مشاعر كالحب والغضب والفرح عنده واحدة، فينبغي أن نعترف أيضا بأن هذه ~~الوحدة تكون أساسا كافيا لتشابه مماثل في التجارب البشرية الأشد تعقيدا، فحين يتخلص ~~بلد أوروبي من عوامل الاستغلال بفضل بنائه نظاما اشتراكيا، ينبغي أن نؤمن بأن النظام ~~الذي بناه يصلح - من حيث المبدأ - للتطبيق على بلاد أخرى تريد بدورها أن تتخلص من ~~الاستغلال؛ إذ إن أنماط الاستغلال واحدة، وطرق التخلص منها متقاربة إلى حد بعيد. أما أن ~~يقال مثلا إن الفلسفة الاشتراكية جزء من الحضارة الأوروبية، وإنها ظهرت في ظروف معينة ~~وبيئة خاصة لا يمكن أن تنطبق إلا فيها وحدها، فإن هذا ينطوي على تجزئة غير مشروعة ~~للتجربة البشرية، فضلا عما يؤدي إليه من أضرار سياسية واجتماعية للبلاد غير الأوروبية، ~~صحيح أننا نستطيع أن نكيف التجربة مع ظروفنا المحلية كما نشاء، ولكن لا ينبغي أن ننكر ~~المبدأ العام، وهو أن الشعوب التي سبقت غيرها من ميدان الحضارة تمر بتجارب يمكن أن تمر ~~بها هذه الشعوب الأخرى في مستقبلها، ومن ثم فلا محل للفصل بين الشعبين بحجة أن الحضارات ~~محلية فحسب. # وإذا كان هذا القول يصدق على ميدان السياسة والمجتمع، فهو - بلا شك - أصدق في ميدان ~~الفنون والآداب، أو في ميدان الثقافة بوجه عام، بل إني لأومن إيمانا راسخا بأن التأثر ~~في هذا الميدان بالذات أوضح منه في غيره بكثير، إني لا أستطيع أن أنكر أن بيتهوفن نتاج ~~لحضارة طويلة امتدت جذورها من أيام المسيحية الأولى وربما قبل ذلك، وأن موسيقاه مرتبطة ~~ببيئة مختلفة عن بيئتي اختلافا بينا، وأنها ظهرت في نظام اجتماعي ربما لم يكن له نظير ~~في مجتمعي، ولكني لا أستطيع - في الوقت ذاته - أن أمنع نفسي من أن أحب بيتهوفن وأن أرى ~~موسيقاه فنا رفيعا يخاطبني بوصفي إنسانا، ويكلمني بلغة أفهمها (لأني ms038 تعودت عليها ~~بما فيه الكفاية) ويبعث في مشاعر لا تختلف عن تلك التي يبعثها في أبناء حضارته، وقل ~~مثل هذا عن كثير من الأدباء والمصورين والمفكرين الذين سما إنتاجهم حتى استطاع أن يخاطب ~~«الإنسان» لا الفرد في هذا المجتمع أو ذاك، ولست أرى في ذلك طغيانا ولا غزوا، بل هو ~~في رأيي إثراء للتجربة الإنسانية وتعميق لها. # على أن الكثير من مفكرينا يعتقدون أن الوسيلة الوحيدة لإثراء تجربتنا - مع تخليصها من ~~تأثير الثقافات الوافدة - هي اتخاذ التراث الماضي بديلا عن المؤثرات الحضارية الدخيلة، ~~ويرون أن هذه الوسيلة هي الكفيلة بالقضاء على الاغتراب الثقافي الناشئ عن اندماجنا في ~~حضارة غريبة عنا. # وأود في هذا الصدد أن أطرح سؤالا لا أهدف منه إلى التعبير عن رأيي الخاص بقدر ما ~~أهدف إلى إثارة مشكلة قد تجد من يبحثها فيما بعد بمزيد من التفصيل: أليس من المحتمل أن ~~يكون هناك اغتراب عن الماضي، يعادل الاغتراب عن العنصر الوافد الدخيل أو يزيد عليه؟ ~~وبعبارة أخرى، هل يشعر المرء نحو ماضيه - إذا كان ذلك الماضي بعيدا، وإذا كانت ظروفه ~~قد تغيرت على نحو جذري - بمزيد من الألفة بالقياس إلى ما يأتي إليه من مؤثرات، هي حقا ~~خارجية، ولكنها تعيش معه في عصر واحد وفي ظروف متقاربة؟ أليس بعد الشقة في ~~الماضي - بدوره - عاملا من عوامل الاغتراب؟ وهل نستطيع أن نطمئن - حين ننادي ببعث ~~حضارة ماضية تفصلنا عنها فترات زمانية واختلافات هائلة - إلى أننا قد تخلصنا حقا من ~~الاغتراب عن أنفسنا؟ # إن «الاغتراب عن الماضي» فكرة لا أعتقد أنها تلقى ترحيبا من الكثيرين، ومع ذلك فإني ~~أطرحها آملا أن تبحث بمزيد من العناية، وكل ما أود أن أقوم به الآن هو أن أثير ~~الموضوع فحسب، ولعل أبعاد المشكلة تظهر بمزيد من الوضوح إذا تأملناها في ضوء الظروف ~~الخاصة التي يعيشها الإنسان المعاصر، وهي ظروف تختلف اختلافا جذريا عما كان عليه ~~الإنسان في أي عصر مضى. # إن عصرنا الحاضر يسير في تطور يؤدي - على نحو متزايد - إلى اختصار ms039 المسافات المكانية ~~وتضييق شقة الاختلافات الموضعية، ويؤدي من ناحية أخرى إلى تأكيد الفوارق الزمنية ~~ومضاعفة تأثيرها، وفي كلتا الحالتين يظهر التأثير الحاسم للتفاعل بين التكنولوجيا ~~والثقافة؛ فالتكنولوجيا - كما هو معروف - تتجه بفضل عدد كبير من المخترعات الحديثة إلى ~~صبغ العالم بصبغة ثقافية تزداد تقاربا وتشابها، وبذلك تلغي بالتدريج تأثير الفوارق ~~بين الحضارة، أو تتيح وضع الحضارات المختلفة في إطار معاصر موحد، هذه حقيقة معروفة ~~طالما نبه إليها الكتاب، ولكن الذي لم يتنبه إليه من كتبوا في هذا الموضوع، هو أن نفس ~~العملية التي تؤدي إلى إزالة الحواجز المكانية، وتقريب الشقة بين الثقافات تؤدي من ~~ناحية أخرى إلى زيادة الإحساس بتأثير الفوارق الزمنية؛ ذلك لأن التكنولوجيا الحديثة ~~بدورها هي التي جعلت الإنسانية تمر خلال عشر سنوات من عصرنا الحالي بتجارب تزيد على ما ~~كانت تمر به في العصور السابقة خلال قرن كامل، وهي التي ستجعل معدل التغير هذا يزداد ~~سرعة على الدوام، والمعنى الواضح لازدياد سرعة معدل التغير - في فترات زمنية تزداد ~~قصرا على الدوام - هو أن الشقة بين الماضي والحاضر تزداد اتساعا بلا انقطاع، أي ~~إن الإنسان المعاصر يشعر بأنه أبعد عن إنسان القرن الماضي إلى حد يزيد كثيرا عن إحساس ~~إنسان القرن الثاني عشر بابتعاده عن إنسان القرن الثاني مثلا، وهكذا فإن المكان ~~والطابع المحلي يتجه إلى التقارب والتوحد، على حين أن الفواصل الزمنية بين الحاضر ~~والماضي تزداد حدة على الدوام، وإذا لم نكن على ثقة من ذلك، فإن حركات الشباب، وشعور ~~الأجيال الجديدة بأنها عاجزة عن الالتقاء على أرض مشتركة مع الأجيال الأقدم التي لا ~~تزال تعيش معها في عصر واحد، إنما هو الدليل الملموس الصارخ على ازدياد حدة الفوارق ~~الزمنية في عصرنا الحاضر على نحو لم يكن له نظير في أي عصر سابق. # وإذن فمن سمات هذا العصر الذي نعيش فيه تلك السمة التي لم تظهر بوضوح إلا في وقتنا ~~الراهن، وإن كانت ستزداد ظهورا ووضوحا في المستقبل، وأعني بها تضييق المكان وتوسيع ~~الزمان، وفي مثل هذا ms040 الوضع - الذي نعتقد أنه جديد كل الجدة - يكتسب السؤال السابق الذي ~~أثرته للمناقشة دلالته العميقة: فهل يقتصر الاغتراب الثقافي على صلتنا بالثقافات ~~الأجنبية فحسب؟ ألا يمكن أن يظهر - إن لم يكن في الحاضر ففي المستقبل على الأقل - ~~اغتراب ثقافي أشد من ذلك حدة بين الحاضر والماضي؟ وفي هذه الحالة، ماذا يكون مصير تلك ~~الدعوات التي ترى أن طريق التحرر من الثقافات الدخيلة إنما يكون بإحياء ثقافات تفصلنا ~~عنها مسافات زمنية كبيرة؟ أنستطيع حقا أن نتخذ من هذه الثقافات القديمة مرشدا ~~وموجها لنا ونحن آمنون من أن رجوعنا إليها سيخلصنا من كل اغتراب؟ # | التعصب ... من زاوية جدلية1 # عرفت البشرية خلال تاريخها الطويل ألوانا متباينة من التعصب؛ فقد حفظ لنا الشعر ~~معلومات هامة وقيمة عن التعصب القبلي، وسجل التاريخ - وما زال يسجل - حالات لا حصر ~~لها للتعصب الوطني أو القومي، وعرف تاريخ الفكر ألوانا من التعصب الديني أو الطائفي، ~~وشهدت المجتمعات - وخاصة في عصرنا الحديث - ضروبا متعددة من التعصب العنصري أو العرقي، ~~وفي هذه الحالات كلها كان التعصب يمثل انتماء زائدا إلى الجماعة التي ينتسب إليها ~~المرء، وارتباطا بها يصل إلى حد الاستبعاد التام للآخرين أو كراهيتهم أو التعالي ~~عليهم. # والواقع أن التعصب - بوصفه ظاهرة بشرية خالصة تنتمي إلى مجال العلاقة بين إنسان ~~وإنسان - يمكن أن يعالج بمناهج وأساليب متعددة، تبعا للزاوية التي نتأمله منها؛ ففي ~~استطاعة علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والعلوم البيولوجية؛ في استطاعة هذه العلوم ~~كلها أن تلقي أضواء كاشفة على ظاهرة التعصب، وأن تساعد الإنسان على إزالة هذه الغشاوة ~~التي أعمت بصيرة البشرية ردحا طويلا من الزمان، ومع ذلك فإن المعالجة الفلسفية لهذه ~~الظاهرة تستطيع أن تكشف عن جوانب خفية وأساسية منها، وأن تزيح النقاب عن تلك البناءات ~~الكامنة التي قد لا ينتبه إليها أي علم من العلوم السابقة حين يستنفد طاقته في معالجة ~~المشكلة من زاويته الخاصة، ومن خلال مفاهيمه ومناهجه المميزة، فهناك إذن أبعاد لمشكلة ~~التعصب أعمق من تلك التي تتناولها العلوم الخاصة، وحين أقول «أعمق» ms041 فلست أعني بذلك حكما ~~تفضيليا، بل إن كل ما أقصده هو العمق بمعناه الأصلي لا المجازي، أعني عمق القاع ~~بالقياس إلى السطح، هذه الأبعاد العميقة التي تكمن من وراء كل معالجة علمية خاصة لمشكلة ~~التعصب، تنكشف للتفكير الفلسفي وحده، ربما كان أصلح منهج يتبع في الكشف عنها هو ذلك ~~المنهج الذي أثبت أنه خصب ومثمر في معالجة الموضوعات الإنسانية على وجه التخصيص، وأعني ~~به المنهج الجدلي أو الديالكتيكي . # إن التعصب - كما هو واضح - يتضمن عنصرين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، فالعنصر ~~الإيجابي هو اعتقاد المرء بأن الفئة التي ينتمي إليها - سواء أكانت قبيلة أم وطنا أم ~~مذهبا فكريا أو دينيا - أسمى وأرفع من بقية الفئات، والعنصر السلبي هو اعتقاده بأن ~~تلك الفئات الأخرى أحط من تلك التي ينتمي إليها، وقد يبدو من الأمور البديهية أن يكون ~~هذان العنصران متلازمين؛ إذ إن اعتقاد فئة معينة بتفوقها يعني آليا أنها تنظر إلى ~~الفئات الأخرى كما لو كانت أقل منها قدرا، ومع ذلك فإن هناك نوعا من التميز بين وجهي ~~التعصب هذين، على الرغم من ارتباطهما الوثيق. # ذلك لأن المشكلة التي عانت منها البشرية طوال الجزء الأكبر من تاريخ التعصب فيها كانت ~~مشكلة الوجه السلبي للتعصب، بل إن مفهوم التعصب ذاته يرتبط في أذهان معظم الناس بهذا ~~الجانب السلبي؛ فالشخص المتعصب هو - قبل كل شيء - ذلك الذي يحتقر فئة معينة أو يتحامل ~~عليها، صحيح أن هذا التحامل ينطوي ضمنا على اعتقاد بأنه أرفع من تلك الفئة التي يتحامل ~~عليها، أو أنه بريء من نقائصها، ولكن هذا لا يعدو أن يكون اعتقادا مضمرا فحسب، وفضلا ~~عن ذلك فكثيرا ما يكون سبب التحامل على الآخرين هو نوع من الحسد الخفي الدفين لهم، أو ~~الاعتقاد بأنهم يتمتعون بمزايا يعجز المرء عن بلوغها، وعلى أية حال فإن كراهية الآخرين ~~هي الصفة الغالبة على المتعصب، أما استعلاؤه بنفسه فهو صفة ثانوية، على الرغم من كونها ~~نتيجة لازمة - في معظم الأحيان - عن كراهية الآخرين. # فالتعصب إذن هو في أساسه نظرة ms042 سلبية إلى الغير، والمتعصب يتجه بتفكيره أساسا إلى ~~الآخرين في حقد أو حسد أو احتقار، ويميل إلى إلحاق الضرر بالغير أكثر مما يميل إلى ~~تأكيد مزاياه الشخصية أو كسب منفعة لنفسه، وليس في هذا ما يدعو إلى الاستغراب؛ إذ إن ~~الجانب الإيجابي في هذه العلاقة الجدلية لا يؤدي بالضرورة إلى التعصب، فتأكيد المرء ~~لذاته أو اعتقاده بسمو الفئة التي ينتمي إليها، لا يترتب عليه بالضرورة ازدراء للآخرين، ~~ولقد سمعنا كثيرا عن تلك الفلسفة التي تؤكد الأرستقراطية والاستعلاء، ولكنها ترفض ~~التعصب وكراهية الآخرين بوصفها مظهرا لا يتمشى مع وثوق المرء بنفسه وبقدراته؛ فالرفيع ~~والنبيل حقا - عند نيتشه - لا يكره الآخرين ولا يتعصب ضدهم؛ لأنه لا يحتاج من أجل ~~تأكيد ذاته إلى مقارنة نفسه بغيره أو التسلق على أكتاف الآخرين، ومن جهة أخرى فإن تأكيد ~~الذات - في الفلسفات التي تنحو منحى ديمقراطيا - يزداد بالتكاتف مع الآخرين والتسامح ~~معهم لا بالتفوق على حسابهم. # ومعنى ذلك أن الوجه الإيجابي في علاقة التعصب - وهو تأكيد استعلاء الذات - لا يمثل ~~جوهر التعصب، وأن النظرة السلبية إلى الآخرين هي الطابع المميز لذلك النوع الشائع من ~~الانحراف. ~~••• # ولا جدال في أن تلك النظرة السلبية إلى الآخرين ترتكز على اعتقاد بوجود نوع من الشر ~~الكامن فيهم، والذي يبرر به المتعصب تحامله عليهم، ولعل أول ما يطرأ بالذهن هو أن يبادر ~~إلى الكشف عن زيف هذا الاعتقاد بوجود الشر في الآخرين، ويبحث عن أسباب نفسية أو ~~اجتماعية تدفع الناس إلى التحامل على غيرهم بهدف تبرير استغلالهم لهم، أو إيجاد منفذ ~~لشعورهم هم أنفسهم بالإثم أو بالعجز أو بالإخفاق، ومن المؤكد أن ظاهرة التعصب تنطوي على ~~شيء من هذا كله، ولكن العلاقة بين المتعصب وبين من يتحامل عليه هي في معظم الأحوال ~~أعقد من أن تفسر من خلال هذا الفهم الذي يسير في اتجاه واحد، والذي يرتكز على ~~القول بأن التعصب علاقة بين ظالم ومظلوم، وهذه العلاقة المعقدة لا يمكن التعبير عنها أو ~~فهمها إلا من خلال منهج جدلي. # ولعل تعقد ms043 هذه العلاقة يتكشف بوضوح لو ضربنا لها مثلا مستمدا من بلد التعصب ~~المتسق والمنظم، أعني من الولايات المتحدة؛ فقد راعني في الأيام الأولى من زيارتي لهذا ~~البلد أن أجد كثيرا من الشرقيين يتحدثون عن الزنوج بنفس اللهجة التي يتحدث بها ~~الأمريكيون عنهم، ويتجنبون الأحياء والمساكن التي يسكنها «الملونون»، مع أن بلادهم ~~الأصلية تتخذ موقفا مستنيرا من مشكلة الاضطهاد العنصري، وتنتقد الأمريكيين البيض ~~انتقادا مرا على تعصبهم، وحين أتيحت لي فرصة الاطلاع عن كثب على أحوال الزنوج، ~~تكشف لي السبب بوضوح؛ فقد وجدت في حياتهم بالفعل عناصر منفرة، وكانت الأحياء التي ~~يسكنونها أقذر من أحياء البيض إلى حد يدعو الاشمئزاز، كما كان مسلك الكثيرين منهم - على ~~المستوى الشخصي - ينم عن قدر غير قليل من الانحلال. # عند هذا المظهر الانحلالي يتوقف التفكير الذي يسير في اتجاه واحد، فيحكم على الأقلية ~~الزنجية بالشر الكامن، ويجد مبررا للتفرقة التي تمارسها الأغلبية البيضاء ضدها، ولكن ~~التفكير الجدلي يستطيع أن يتوصل - من وراء هذا المظهر السطحي - إلى التعقد والتشابك ~~الحقيقي الذي تنطوي عليه علاقة التعصب؛ فانحطاط الزنجي ليس سببا للتعصب ضده فحسب، بل ~~هو قبل ذلك نتيجة لهذا التعصب، وممارسة التعصب تزيد من تدهور الجماعة التي يمارس ضدها ~~التعصب، وبذلك تكتمل عناصر الحركة الجدلية في علاقة التعصب؛ إذ إن من يمارس الاضطهاد ~~يعمل - عن وعي أو بغير وعي - على إبقاء من يضطهده في حالة يكون فيها جديرا بأن يضطهد، ~~وكلما ازداد الاضطهاد وطال أمده، اشتد التدهور الذي يبرر الاضطهاد ويخلق له المعاذير، ~~وازداد التباعد والاستقطاب بين طرفي علاقة التعصب. # ومثل هذا يقال عن شكل آخر من أشكال التحامل، هو اتهام الأقليات بالتقوقع والتساند ~~والتكاتف فيما بينها على حساب تعاونها وتضامنها مع الأغلبية؛ ففي هذه الحالة بدورها ~~تؤدي ممارسة الأغلبية للاضطهاد إلى رد فعل لدى الأقلية يتمثل في مزيد من الانطواء على ~~ذاته والحرص الشديد على مصالح أفرادها، وهذا الحرص يدفع الأغلبية إلى مزيد من الاضطهاد، ~~فتقابلها الأقلية بمزيد من الأفعال «الدفاعية» التي تزيد من كراهية الأغلبية ms044 لها، وهكذا ~~تتوالى الحركة الجدلية حتى تصل إلى تضاد بين قطبين لا سبيل إلى التوفيق بينهما. # فهل لا يوجد سبيل لكسر هذه الحلقة المفرغة؟ وهل يتحتم أن يظل طرفا هذه العلاقة في ~~تباعد وتنافر يتزايدان بلا انقطاع؟ إن المنطق السليم يقنعنا بأن المشكلة ليست مما ~~يستعصي حله، وبأن هذا الحل لا بد أن يبدأ بجهود تبذلها الأغلبية لا لأنها هي الأفضل، ~~بل لأنها هي المسيطرة، وهي التي تملك زمام المبادرة؛ فمن الممكن أن تسير الحركة ~~الديالكتيكية في الاتجاه العكسي، وأن يتضاءل التباعد والتنافر إذا خطت الأغلبية خطوة ~~تقربها من الأقلية، وتعيد إليها ثقتها بنفسها، وعندئذ يحق لنا أن نتوقع خطوة مماثلة من ~~الطرف الآخر، ويستمر التقارب باطراد، فيسحق في طريقه بذور التعصب. ~~••• # إن من الشائع - عند تحليل الهيكل البنائي للتعصب - أن يقال إن التعصب ينشأ عند ~~الأغلبية ضد الأقلية أولا، وإن تعصب هذه الأخيرة ليس إلا رد فعل دفاعيا تقوم به ~~لحماية نفسها من الاضطهاد الذي تمارسه عليها الأغلبية، ولا جدال في أن هذا النمط ينطبق ~~بالفعل على الأغلبية الساحقة من حالات التعصب التي عرفها تاريخ البشرية، غير أن هناك ~~حالات قليلة يكشف التحليل الجدلي عن خروجها على هذا النمط المألوف؛ أعني حالات يبدأ ~~فيها التعصب لدى الأقلية، وتضطر الأغلبية إلى القيام بردود فعل دفاعية ضدها، أو إلى ~~ممارسة تعصب مضاد أشد وأعنف من التعصب الأصلي. # وقد شهد عصرنا الحاضر نموذجا فريدا لهذا اللون من التعصب في روديسيا وفي جنوب ~~أفريقيا؛ حيث تمارس أقلية بيضاء من أصل أوروبي اضطهادا جماعيا شاملا ضد أغلبية ~~أفريقية من سكان البلد الأصليين؛ ذلك لأنه على الرغم من وجود أوجه تشابه قوية بين هذا ~~النوع من الاضطهاد العنصري وبين نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن بينهما ~~فارقا بنائيا لا يصح تجاهله، هو أن الأول تعصب عدواني من الأقلية تجاه الأغلبية، على ~~حين أن الأغلبية في الحالة الثانية هي التي تمارس التعصب على أقلية مغلوبة على أمرها، ~~ولا شك في أن تعصب الأقلية ضد الأغلبية أشد ms045 ألوان التعصب شراسة؛ إذ إن هذه الأقلية تدرك ~~أنها - من الوجهة العددية على الأقل - في مركز الضعف، ومن ثم فهي تعوض ضعفها باتخاذ ~~جميع التدابير الكفيلة بإبقاء الأغلبية المضطهدة في حالة لا تسمح لها بالانقضاض عليها، ~~ومن هنا كانت أقسى أنواع التعصب العنصري التي يعرفها عصرنا الحاضر هي تلك التي تمارسها ~~الأقلية الحاكمة في روديسيا وجنوب أفريقيا ضد الأغلبية الملونة من سكان البلاد ~~الأصليين. # على أن تاريخ اليهودية يمكن أن يعد مثلا صارخا - امتد عبر مئات طويلة من السنين ~~- لهذا اللون الفريد من تعصب الأقلية ضد الأغلبية، ومن الجدير بالذكر أن الأقلية ~~اليهودية لم تكن - في أية حالة من الحالات - أقلية حاكمة مسيطرة على زمام الدولة كما هي ~~الحال بالنسبة إلى الأوروبيين في روديسيا وجنوب أفريقيا، وإنما كانت أقلية ضعيفة من ~~الوجهة السياسية، ومع ذلك فقد كانت - وهي في حضيض الضعف - تمارس نوعا من الاستفزاز ~~يدفع المجتمع الذي توجد فيه إلى اضطهادها رغما عنه. # ذلك لأن أسطورة شعب الله المختار - مهما قيل عنها - تقوم بدور حقيقي في التراث ~~اليهودي، صحيح أن المستنيرين من أبناء هذا التراث يحاولون تفسيرها بمعان غير عنصرية، ~~ولكن هناك شواهد قاطعة على أن هذه الأسطورة تكون جزءا لا يتجزأ من التكوين العقلي ~~لليهودي العادي، وتدفعه إلى أنواع من السلوك لا بد أن تؤدي آخر الأمر إلى التصادم ~~بينه وبين مجتمعه. # وحتى لو قيل إن المجتمع يتخذ الأقلية اليهودية الموجودة فيه «كبش فداء» يفرغ فيه ~~شعوره بالخيبة أو اليأس أو الإخفاق - وهو أمر لا يمكن للباحث الموضوعي أن ينكر حدوثه في ~~حالات معينة على الأقل - فإن وقوع الاختيار على الأقلية اليهودية بالذات طوال ألوف ~~السنين لكي تكون «كبش الفداء» هذا؛ هو أمر يدعو إلى التأمل العميق، ويدفعنا إلى البحث ~~عن جذور التعصب في هذه الأقلية ذاتها قبل أن نبحث عنها في المجتمع المحيط بها. # فالتحليل الجدلي لظاهرة الاضطهاد العنصري لليهود يثبت لنا أن هذا الاضطهاد في حقيقة ~~الأمر رد فعل من جانب الأغلبية على الأقلية، إنه في ms046 حقيقته اضطهاد مضاد، أما الاضطهاد ~~الأصلي فهو ذلك الذي تمارسه الأقلية اليهودية، وهو - بطبيعة الحال - اضطهاد صامت مستكين ~~حين تكون هذه الأقلية في مركز الضعف، ولكنه ينقلب إلى وحشية مخيفة حين تتحول إلى مركز ~~القوة، كما هي الحال في مذابح فلسطين المشهورة. وعلى ذلك فلو شئنا أن نصحح الرأي ~~الشائع عن التعصب ضد اليهود، لقلنا عنه إنه تعصب مضاد، أو إنه في معظم حالاته رد فعل، ~~أما الفعل الأصلي والتعصب الأساسي، فيرجع إلى خرافات وأساطير استفزازية عنيدة على ~~الدوام تكون جزءا لا يتجزأ عن التراث اليهودي. # ولعل أبلغ دليل على ما نقول هو أن اليهود - مهما كان مقدار ضعفهم في مجتمع ما - ~~يرفضون الاندماج في هذا المجتمع، ويعدون هذا الاندماج علامة على انهيارهم، فيعملون ~~على مقاومة هذا الانهيار بكل ما يملكون من قوة. # ذلك لأن الاندماج في الأغلبية والحصول على نفس حقوقها على قدم المساواة هو الحلم ~~البعيد الذي تكافح من أجله الأقليات المضطهدة في جميع أرجاء العالم، وحسبنا شاهدا على ~~ذلك كفاح زنوج أمريكا في سبيل المساواة في فرص العمل والتعليم والحقوق السياسية، وسعيهم ~~الدائب من أجل أن يسمح لهم المجتمع بأن ينصهروا فيه ويكونون جزءا لا يتجزأ منه، أما في ~~حالة الأقلية اليهودية فإن الاندماج يعد في نظرها أفظع الجرائم التي يمكنها أن ~~ترتكبها في حق ذاتها، إنه خيانة للتراث اليهودي، وضياع لكل ما هو مميز «للشعب المختار»، ~~ومن هنا كانت صعوبة التعامل مع الأقليات اليهودية، وحتمية تحول هذا التعامل إلى ~~اضطهاد حتى في المجتمعات التي لم تكن تنوي ممارسة هذا الاضطهاد أصلا؛ إذ إن هذه ~~المجتمعات لو منحت الأقلية اليهودية حقوقها المتساوية وعملت على إدماجها فيها وإذابتها ~~ذوبانا تاما؛ لقوبل هذا الإدماج بمقاومة عنيفة منها، ولو تركتها تعيش على هامش ~~الجماعة الكبيرة لارتفع صراخها بالشكوى من الاضطهاد! # وواقع الأمر أن وجود نوع من الإحساس بالظلم والاضطهاد كان - ولا يزال - جزءا لا يتجزأ من ~~القوة الدافعة التي ساعدت اليهود على التماسك والاحتفاظ بتراثهم على مر العصور، وإذا ~~وعينا ms047 هذه الحقيقة جيدا؛ لتبين لنا أن الوصول إلى تسوية نهائية على أساس التعايش ~~السلمي مع دولة قائمة على أساس عنصري مثل إسرائيل، هو أمر يكاد يكون في حكم المستحيلات، ~~ليس فقط بسبب الأطماع المتزايدة التي تنتمي إلى صميم بناء هذه الدولة، بل لأن قادتها ~~يدركون أن حالة السلام الدائم هي أكبر خطر يمكن أن يتعرض له كيان الشعب اليهودي في ~~إسرائيل؛ فهذه الحالة كفيلة بأن تقضي على الدينامية العدوانية النشطة لدى هذا الشعب، ~~وتهدد تماسكه الداخلي وتضامنه مع الطوائف اليهودية في الخارج، وتمزق المتناقضات التي ~~ينطوي عليها هذا التجمع المصطنع الذي لا يوحده إلا الشعور بالخطر، ولما كانت تصريحات ~~القادة اليهود - على مر العصور - تكشف عن وعيهم المكتمل بهذه الحقيقة، فإننا نستطيع أن ~~نتنبأ منذ الآن بأن دولة مثل إسرائيل لن تكف عن إثارة القلاقل والمشاكل من حولها، حتى ~~ولو تهيأت لها في المنطقة كل أسباب السلام، وذلك على الأقل من أجل الاحتفاظ بتماسكها ~~وفاعليتها عن طريق الاحتفاظ بجذوة الإحساس بالخطر متقدة على الدوام. # وأخيرا فلعل أهم الأسئلة التي يثيرها التفكير الجدلي في ظاهرة التعصب، هو السؤال عما ~~إذا كان التعصب منتميا إلى البناء ~~الأعلى # superstructure # أو إلى البناء الأدنى أو الأساس # infrastructure ~~، أعني عما إذا كان التعصب ظاهرة تفسر بذاتها، أم لا تفهم ~~إلا من خلال ظواهر أخرى أكثر أولوية منها؟ # ونستطيع أن نقول - بوجه عام - إن التعصب كان يفسر بذاته في العصور القديمة التي ~~كانت كل الأسس فيها خافية، وكانت الأبنية العلوية فيها هي كل شيء، أما في عصرنا هذا، ~~عصر الكشف عن الأسس الخبيثة، وفضح الأسباب الحقيقية المستورة، فقد أصبح التعصب يرد ~~دائما إلى أصول أخرى أسبق منه وأقدر على تفسيره. # ولقد قام علم النفس بدور هام في الكشف عن الجذور العميقة للتعصب في النفس البشرية، ~~ولكن الذي يعنينا هنا هو أن تفسيرات علم النفس ذاتها تعد - في نظر الكثيرين - ~~منتمية إلى البناء العلوي، على الرغم من أنها تتركز على الجذور الخفية اللاواعية لظاهرة ~~التعصب، أما البناء ms048 الأساسي الذي يقدم تفسيرا كافيا لهذه الظاهرة، فهو في نظر هؤلاء ~~البناء الاقتصادي؛ فالتعصب - تبعا لهذا التفسير - لا يعدو أن يكون مظهرا من بين مظاهر ~~استغلال الإنسان للإنسان، سواء في المجتمع الزراعي أم في المجتمع الصناعي، إنه التبرير ~~الأيديولوجي للاضطهاد الواقع على فئات معينة يستغل المجتمع طاقتها دون أن يمنحها حقوقها ~~المشروعة. # وليس في وسعنا أن نجزم إن كان هذا التفسير صالحا للانطباق على كل حالات التعصب التي ~~شهدها البشر على مر التاريخ، ولكن الأمر المؤكد هو أن النظرة الفاحصة إلى مظاهر التعصب ~~في عالمنا المعاصر تقنعنا بأن هذا هو التفسير الأكثر انطباقا على الواقع الذي نعيش ~~فيه؛ فالحكم على الزنوج بالدونية هو الذي يجعل الأغلبية البيضاء في أمريكا، والأقلية ~~البيضاء في روديسيا وجنوب أفريقيا، تستغل عملهم بأبخس الشروط، وتبرر لنفسها ذلك بضمير ~~مستريح. # والاعتقاد بأن الشعب اليهودي شعب مختار وعده الله منذ ألوف السنين بأرض فلسطين هو ~~الذي يبرر للصهيونية طرد العرب من ديارهم واستغلال من بقي منهم أسوأ استغلال بوصفهم ~~مواطنين من الدرجة الثانية. ~~••• # فإذا صح أن التعصب - في عالمنا المعاصر - هو في أساسه تبرير ظاهري لعلاقة الاستغلال ~~التي تمارسها فئة قوية على فئة أخرى تحتل - لسبب أو لآخر - مركزا أسوأ، كانت النتيجة ~~الحتمية المترتبة على هذا هي أن الكفاح ضد التعصب لا يمكن أن يكون كفاحا إصلاحيا يتم ~~على مستوى الوعظ الأخلاقي، بل هو في أساسه كفاح أيديولوجي واجتماعي وسياسي يؤلف جزءا ~~لا يتجزأ من إطار أوسع، هو نضال الإنسان المعاصر في سبيل التحرر من كافة أشكال ~~الاستغلال. # | مشكلة الكم والكيف والثقافة1 # في 13 نوفمبر 1965م نشرت مجلة «الاشتراكي» مشروع دستور ثقافي، يستهدف توحيد ~~فكر المثقفين حول قضايا أساسية، وفي المقال التالي يناقش المؤلف قضية رئيسية ~~ورد ذكرها في المشروع المشار إليه، وهي قضية الكم والكيف في الثقافة. ~~*** # لا أخفي على القارئ أنني فوجئت بالنص الذي تضمنه مشروع الدستور الثقافي - كما ~~نشرته مجلة «الاشتراكي» - عن مشكلة الكم والكيف، وأعدت قراءة هذه الفقرة مرارا حتى ~~أتأكد مما تضمنته ms049 من معان، ولا أخفي على القارئ أيضا أنني عندما قرأت أول عبارة تضمنها ~~هذا المشروع حول هذه المشكلة - وهي «الرجعيون وحدهم هم الذين يدعون إلى تغليب الكم على ~~الكيف في الأعمال الفنية» - كان إحساسي مزيجا من الدهشة والارتياح؛ أما الدهشة فلأن ~~كثيرا من «الدساتير الثقافية» أو «المنشورات الفنية» أو ما يشابهها من البيانات التي ~~تعلن مبادئ عامة يلتزمها المثقفون في عدد غير قليل من البلدان الاشتراكية، تتضمن ~~تأكيدا عكسيا، أي إنها تذهب إلى أن الرجعيين هم الذين يدعون إلى تغليب الكيف على ~~الكم. وأما الارتياح فلأن واضعي هذا المشروع لم يقعوا - لحسن الحظ - في هذا الخطأ الذي ~~وقع فيه كثير من الاشتراكيين في بلدان أخرى، وإنما حذرونا بأشد لهجة من الاعتقاد بأن ~~الانتشار العددي للإنتاج الفني هو أمر أجدر بالاهتمام من ارتفاع مستواه من حيث ~~النوع. ~~••• # أما أن تغليب الكم على الكيف خطأ فادح يقع فيه كثير من الاشتراكيين في البلدان ~~الأخرى، فذلك ما يتضح من الارتباط الوثيق الذي يقيمه هؤلاء بين كل ما له قيمة وكل ما هو ~~شعبي، وهذا أمر يمكن أن يصدق على مجالات متعددة، ولكنه لا يصدق على مجال الفن والأدب ~~والثقافة بوجه عام؛ فليس يكفي أن يكون العمل الفني منتشرا على نطاق شعبي لكي يكون ~~عملا قيما؛ إذ إن هناك أعمالا لا يمكن أن يكون جمهورها كبيرا، ومع ذلك تعد ~~أعمالا رفيعة بحق. وبعبارة أخرى فقد اعتقد كثير من الاشتراكيين أن شعبية العمل الفني ~~هي دائما هدف ينبغي أن يتجه إليه الفنان، وحكموا بالتالي على الأعمال التي لا تلقى ~~إقبالا واسعا بأنها انعزالية أرستقراطية، أي بأنها رجعية، وبذلك ربطوا بين الرجعية ~~وبين تغليب الكيف على الكم. # غير أن من الإنصاف أن نقول إن السنوات الأخيرة شهدت تحولا كبيرا في تفكير نفس ~~أولئك الاشتراكيين الذين أذاعوا هذه الدعوة، وكان الدافع الأول إلى هذا التحول ذلك ~~العقم الفني الذي أدت إليه هذه النظريات؛ فقد أدى استهداف «الشعبية» غاية لكل عمل فني ~~إلى تحول الفن إلى نوع من ms050 المخاطبة السطحية الساذجة للجماهير في صورة دعاية صريحة ~~مضمونها سياسي وشكلها بعيد في أغلب الأحيان عن الفن الصحيح؛ لذلك اتجهت الدعوة في ~~السنوات الأخيرة إلى تحقيق المزيد من التوازن بين مطلب التوجيه السياسي ومقتضيات الشكل ~~الفني السليم، والتخلي تدريجا عن النظرة «الكمية» إلى الفن والأدب في سبيل الاعتراف ~~بأهمية الكيف وقيمته. # والأمر الذي لا شك فيه أن واضعي مشروع الدستور الثقافي قد أفادوا من تلك التجربة التي ~~مرت بها بلاد أخرى سعت من قبلنا إلى ربط الفن بالهدف الاجتماعي الذي تخطته الدولة ~~نفسها، ولكنها تخبطت وتعثرت في البداية، فكان من الطبيعي أن نعمل نحن على تجنب تكرار ~~هذا التخبط والتعثر في تجربتنا الخاصة، وأن نؤكد منذ البداية أن معيار الحكم على سلامة ~~العمل الفني هو نوعه ومستواه لا مقدار انتشاره. # ومعنى ذلك أن دعوتنا إلى جودة العمل الفني والاهتمام بالكيف قبل الكم ليست ردا على ~~الرجعيين الهدامين فحسب، بل هي أيضا رد على كثير من التقدميين من أصحاب النظريات غير ~~الناضجة في الفن، ومن هنا لم يكن الرجعيون «وحدهم» هم الذين يدعون إلى تغليب الكم على ~~الكيف في الأعمال الفنية، وكان لا بد لنا أن نحدد موقفنا في هذا الصدد بأنه يرتفع عن ~~مستوى النظرة النفعية المادية التي تسود لدى الرجعيين من جهة ومستوى النظرة السطحية ~~الدعائية التي تسود لدى بعض التقدميين من جهة أخرى. ~~••• # وفي اعتقادي أن قضية الكم والكيف في الفن والأدب هي قضية تبلغ من التعقيد حدا ~~يستحيل معه إصدار حكم عام بشأنها إلا إذا قمنا بتحديد دقيق للمجال الذي تنطبق عليه، ~~ولما كان لكل عمل فني طرفان أساسيان على الأقل: أولهما خالق العمل الفني نفسه؛ أعني ~~الفنان أو الأديب. وثانيهما متذوق ذلك العمل؛ أعني الجمهور الذي يوجه إليه العمل، ~~فلا بد في رأيي من معالجة منفصلة لقضية الكم والكيف بالنسبة إلى الفنانين الخالقين من ~~جهة، وبالنسبة إلى جماهير المتذوقين من جهة أخرى. # ولنبدأ أولا ببحث المشكلة من زاوية الفنان أو الأديب الخالق، عندئذ تتخذ المشكلة ~~طابع ms051 الإنتاج المستمر الذي لا ينقطع من جانب فئة محدودة من المؤلفين، ولهذه الظاهرة ~~أسباب متعددة، منها افتقار الميدان الفني والثقافي إلى العدد الكافي من المنتجين ~~الخلاقين، ومنها الرغبة في الحصول على مجد أو ثراء شخص عن طريق تضخيم الإنتاج وزيادة ~~كميته، وسواء أكان السبب هذا أم ذاك، فلا جدال في أن من أوضح العيوب التي ينبغي أن نعمل ~~على تلافيها في الحقل الثقافي بكل فروعه، نزوع الكثير من المشتغلين في هذا الحقل إلى ~~الإكثار من إنتاجهم دون أن يلقوا بالا إلى نوع هذا الإنتاج أو مستواه. # فما زال عدد غير قليل من المثقفين يقيس قدرة المؤلف في أي ميدان بمقدار إنتاجه، وما ~~زال كثير من المؤلفين يظنون أن غمر الأسواق بإنتاجهم هو أفضل وسيلة تضمن لهم الشهرة ~~وعلو المكانة في الأوساط الأدبية؛ ففي مجال التأليف نرى الكاتب يفخر بعدد ما ينتج أكثر ~~مما يباهي بمستوى إنتاجه، ونرى مؤسسات تتخذ لنفسها شعارات «كمية» خالصة لا تخدم الثقافة ~~الحقيقية في شيء. وفي ميدان الترجمة يقتصر الإنتاج على عدد قليل يكاد أفراده يحتكرون هذا ~~الميدان الحيوي ولا تتاح لغيرهم فرصة الإنتاج فيه، حتى أصبح من أعقد مشكلات الترجمة ~~تزاحم الأعمال على هذه القلة المحدودة وما يستتبعه ذلك من ضعف في مستوى إنتاجها، أما في ~~الميادين الفنية على التخصص - كالتمثيل والموسيقى والسينما - فإن هذه المشكلة أوضح ~~وأفدح بكثير؛ إذ إن الوجوه المعروفة تتكرر على الدوام، وما دام إنتاجها مطلوبا بلا ~~انقطاع فإنها لا تبذل أية محاولة جادة لتنويع أسلوبها أو تجديد فنها أو النهوض ~~بمستواها، بحيث يمكن القول إن هناك احتكارا حقيقيا للإنتاج الفني في هذا المجال، ~~يؤدي إلى زيادة إنتاج البعض إلى حد الإفراط الشديد، وعجز البعض الآخر عن الحصول على ~~«جواز مرور» يتيح لهم اختراق الحاجز الكثيف الذي فرضه الأولون على الميدان ~~الفني. # ولا جدال في أن الأمور ستظل تسير على هذا النحو إلى أن تتسع قاعدة الإنتاج الأدبي ~~والفني إلى الحد الذي يكفي لاستبعاد العناصر الضعيفة أو المستغلة من هذا المجال، ms052 ~~فلا سبيل إلى القضاء على هذا الطوفان الكمي الذي تقتصر على إنتاجه فئة محدودة إلا بأن يزيد ~~عدد المشتغلين في ميدان الفن والثقافة بوجه عام، بحيث لا يعود الإنتاج الهزيل قادرا ~~على الصمود في الميدان، ويتجه الفنانون والأدباء تلقائيا إلى إتقان عملهم «كيفيا» ~~حتى يكتب له البقاء، أما إذا ظل الميدان مقتصرا على فئة قليلة، فإن الإلحاح ~~المستمر على أفرادها وخلو الميدان من المنافسة الحقيقية يدفعهم حتما إلى الابتذال، ~~ويؤدي إلى خفض مستوى مقاييسهم على الدوام، على أن اتساع قاعدة الإنتاج في المجالات ~~الثقافية مرتبط أوثق الارتباط بالأحوال الاجتماعية العامة للبلاد، بحيث يمكن القول إن ~~النهوض في هذا الميدان لا يمكن أن ينفصل عن النهوض الحقيقي في المرافق التي تتحكم في ~~حياة المجتمع، ولا سيما في جانبها الثقافي. وبعبارة أخرى فظاهرة تغليب الكم على الكيف ~~من وجهة نظر الفنانين أو الأدباء، ليست ظاهرة منعزلة، وإنما هي ظاهرة وثيقة الارتباط ~~بعوامل تزداد عمومية بالتدريج حتى تنتظم المجتمع بأسره. ~~••• # أما الوجه الآخر من مشكلة الكم والكيف في الثقافة، فهو ذلك الذي يتعلق بالجمهور، أو ~~بمن يتجه إليهم العمل الفني، ومن الواجب أن نشير منذ البداية إلى الصلة الوثيقة بين هذا ~~الوجه والوجه السابق؛ إذ إن ضعف حساسية الجمهور يشجع الفنان على الابتذال ويهبط بمستوى ~~إنتاجه، كما أن هبوط مستوى الفنان يؤدي بدوره إلى زيادة ضعف الحساسية الفنية للجمهور ~~وإفساد الأذواق فيه، ومثل هذا يقال بطبيعة الحال عن التأثير المتبادل بين ارتفاع مستوى ~~الفنان وارتفاع مستوى جمهوره. وإذن فهذان الوجهان للمشكلة مرتبطان أوثق الارتباط، ومن ~~المستحيل تصور أحدهما منفصلا عن الآخر. # إن الأمر المشاهد فعلا هو أن كثيرا من الأعمال الفنية والأدبية الضعيفة تلقى ~~رواجا كميا هائلا، صحيح أنه قد يظهر - من آن لآخر - عمل فني كبير يلقى رواجا ضخما ~~بين الجمهور، غير أن من السهل تحقيق رواج أكبر بعمل تافه مبتذل، ولهذه الظاهرة تعليلات ~~واضحة؛ ذلك لأن العمل قد يتعمد إثارة غرائز الجماهير كما في القصص الجنسية الصريحة أو ~~أغاني «الصالات» بما ms053 فيها من تصريحات أو تلميحات، وقد يقدم ذلك العمل إلى الجمهور وسيلة ~~يروح بها عن نفسه ويضيع بها وقت فراغه، كما في حالة أفلام الجريمة والروايات ~~البوليسية، والأهم من هذه الأسباب كلها أن العمل التافه لا يقتضي إلا مجهودا ذهنيا ~~ضئيلا، ومن هنا كان من السهل انتشاره بين أكبر عدد ممكن من الناس، ولكي يتضح للقارئ ~~معنى هذه النقطة الأخيرة، فما عليه إلا أن يقارن بين حالة جمهور المستمعين إلى أغنية ~~سطحية أو قطعة موسيقية خفيفة راقصة، وبين حالتهم عندما يستمعون إلى فن موسيقي رفيع، ~~إنهم في الحالة الأولى يستمعون وهم يتحدثون أو يأكلون، وقد يرددون الأنغام من آن لآخر ~~خلال انشغالهم بأعمال أخرى بعيدة عن حالة التذوق الفني كل البعد، أما في الحالة الثانية ~~فلا بد لهم من التركيز والانصراف عن أية مشاغل أخرى، ولا بد لهم من أن يهبوا ~~أنفسهم للعمل الفني ولا ينشغلوا إلا به، وهذا أمر يحتاج إلى جهد غير قليل، وإذا كان من ~~الصحيح أن هذا الجهد يقدم إلى المتذوق جزاء ومكافأة كبرى في صورة ممتعة فنية أرفع ~~وأعمق بكثير من تلك التي يوصله إليها العمل السطحي، فإن من الصحيح أيضا أن هذه الآفاق ~~البعيدة للمتعة الجمالية بما تقتضيه من جهد وتركيز ذهني لا تتيسر للجميع؛ إذ إن الجزء ~~الأكبر من الناس يؤثرون الراحة ويفضلون متعة سطحية بجهد قليل على متعة عميقة بجهد كبير، ~~ومن هنا كان رواج الأعمال المبتذلة وانتشارها بين الجماهير على أوسع نطاق. # وإذن فالواقع نفسه يثبت أن الثقافة التي يغلب فيها الكم على الكيف، هي ثقافة لا تدافع ~~عن أية قيمة إنسانية شريفة، وإنما ثقافة تخدر حواس الإنسان وتشل تفكيره وتجذب خياله ~~إلى مجال أحلام اليقظة، وتبدد طاقته في أمور لا تجديه ولا تسهم في تقدم حياته، والواقع ~~نفسه يشهد بأن مثل هذه الثقافة - إن كانت تستحق هذا الاسم - هي التي تزدهر وتنتشر حين ~~تكون القيم التجارية هي وحدها المتحكمة فيما يقدم إلى عقول الناس وأرواحهم من إنتاج فني ~~وأدبي، أما ms054 الثقافة الرفيعة فلا بد لكي تزدهر من حماية ورعاية يكفلها سيادة قيم ~~إنسانية تعلو على دوافع الربح وتتجاوز مقتضيات السوق وعوامل العرض والطلب. وبعبارة ~~أخرى، فهناك ارتباط لا يمكن إنكاره بين القيم الرأسمالية وبين ثقافة الكم من جهة، وبين ~~القيم الاشتراكية وثقافة الكيف من جهة أخرى. # وعلى الرغم من أن هذه هي النغمة الرئيسية التي تتردد في مشروع الدستور الثقافي، فإن ~~هناك مبادئ معينة تبدو - في ظاهرها - متعارضة مع هذه النغمة الرئيسية، أي إنها تنطوي ~~على نوع من الدفاع عن الكم أو تغليبه على الكيف، ولكن التحليل الدقيق لهذه المبادئ يثبت ~~أن هذا التعارض ظاهري فحسب، وأن من الممكن إدماج هذه المبادئ ضمن القاعدة الرئيسية - ~~وهي تغليب الكيف على الكم - دون أي تناقض. # أما المبدأ الأول: # فهو قبول الفن الدعائي - ذي الأهداف الواضحة المباشرة - في الريف، ~~وذلك - كما جاء في مشروع الدستور - من أجل تخليص الفلاح من عادة سيئة، ~~أو غرس مادة طيبة في نفسه أو محيطه، مثل هذا الفن هو بطبيعته فن كمي، ~~يضحى فيه بالكيف في سبيل ضمان نشر المعاني المتضمنة فيه على أوسع نطاق ~~ممكن، غير أن لهذه التضحية طابعا مؤقتا، ولا بد أن ينتهي الأمر - ~~على المدى الطويل - إلى عودة الاهتمام بالكيف، والعمل على رفع مستوى ~~الشكل الفني إلى جانب المضمون. وعلى أية حال فإن هذا النوع من التوسع ~~الكمي يختلف كل الاختلاف عن ذلك النوع الآخر الذي استهدف المشروع ~~محاربته؛ فليس الهدف من التوسع في هذه الحالة تخدير الجماهير أو ~~تضليلها أو إبعادها عن أهدافها الحقيقية، وإنما هو يرمي - على العكس من ~~ذلك - إلى زيادة وعي الجماهير وتنبيهها إلى حقوقها المشروعة، وهكذا ~~يمكننا أن نتصور - في هذه المرحلة المؤقتة - نوعا من الفن الذي يعتمد ~~على الكم قبل الكيف، دون أن يكون ذلك الفن رجعيا على الإطلاق. # وأما المبدأ الثاني: # فهو مستمد من ضرورة وجود معنى لكل عمل فني، بحيث يخاطب ذلك العمل ~~بيئة معينة، ويعبر عن مجتمعه مثلما يعبر عن الفنان الخالق له، وقد ~~عبر ms055 مشروع الدستور فن هذا المبدأ في نهاية الفقرة السادسة من المبادئ ~~العامة، فقال: «ولهذا فإن الأعمال الفنية التي تخاطب أعدادا كبرى من ~~الناس، وتحظى برضاهم أو اهتمامهم، هي بالضرورة أفضل من أعمال أخرى أقل ~~منها جمهورا، وذلك شريطة أن تجذب الأعمال الفنية جمهورها دون ابتذال ~~أو تملق الغرائز، أو تضحية بهدف الفن الدائم، وهو الحق والخير ~~والجمال.» # ومن المؤكد أن العبارة السابقة تثير عديدا من الإشكالات، فهي تفترض إمكان وجود أعمال ~~فنية رفيعة المستوى، ليس فيها ابتذال أو تملق الغرائز، ولكنها مع ذلك ترضي جمهورا ~~كبيرا، وهي تضع نوعا من المعيار الكمي - هو رضا الجمهور - للتفضيل بين الأعمال الفنية ~~التي تشترك في الصفات السابقة، وإذا أمكن وجود مثل هذه الأعمال الفنية ذات المستوى ~~الرفيع، وكان في وسع هذه الأعمال أن تخاطب أعدادا كبرى من الناس فتجد منهم استجابة ~~ورضاء واهتماما، فعندئذ لن تعود مشكلة الكم والكيف قائمة، ولن يصبح في وسع تجار ~~الثقافة أن يغرقوا الأسواق بإنتاجهم المبتذل، ما دام هناك إنتاج رفيع يرضي الجموع ~~الكبيرة من الجماهير. # وهذا يؤدي بنا إلى نقطة أعتقد أنها على جانب عظيم من الأهمية، وعن طريقها يمكننا رفع ~~التناقض الذي أشرنا إليه من قبل، تلك هي أن المثل الأعلى للثقافة وللتربية الفنية ~~والأدبية هي إزالة التعارض بين الكم والكيف، أعني الوصول إلى حالة تستطيع فيها الجموع ~~الكبيرة من الجماهير تذوق أرفع أنواع الإنتاج الفني، بحيث يكون أجمل الأعمال الفنية هو ~~في الوقت نفسه أوسعها انتشارا، وبحيث لا يلقى العمل المبتذل استجابة على الإطلاق، وهذا ~~دون شك هدف بعيد يصعب تحقيقه، ولكنه مع ذلك هدف ينبغي أن يضعه مخططو الثقافة نصب أعينهم ~~على الدوام؛ لأنه هو الأمنية التي يتجه كل مجتمع اشتراكي أصيل إلى تحقيقها بكل ~~قواه. # فالتعارض الشديد بين الكم والكيف مرتبط - دون شك - بنوع من التخلف الثقافي، تكون فيه ~~القلة أو الصفوة هي وحدها القادرة على تذوق الأعمال ذات المستوى الرفيع، وتكون الغالبية ~~العظمى من الناس عاجزة عن الاستمتاع إلا بالأعمال السطحية المبتذلة، ms056 وفي مثل هذا ~~المجتمع المتخلف ثقافيا تتخذ مشكلة الكم والكيف صبغة حادة، ويكون الباب مفتوحا على ~~مصراعيه أمام المزيفين لخداع الجماهير بثقافة سطحية تتملق غرائزهم أو تخدر عقولهم، ~~وكلما ازداد نصيب المجتمع من الثقافة أو نصيب الثقافة من اهتمام المخططين الاجتماعيين؛ ~~خفت حدة التعارض بين الكم والكيف، واتجها إلى التقارب التدريجي حتى ينتهي بهما الأمر ~~إلى الاتحاد في المجتمع المثقف بالمعنى الصحيح، فلو تصورنا مثلا مجتمعا يكون التعليم ~~الثانوي فيه إلزاميا لكل الفلاحين ، ويكون التعليم العالي أو الجامعي من نصيب فئة ~~كبيرة من العمال الصناعيين، فسوف يكون في وسع الأعداد الكبيرة من الجماهير في مثل هذا ~~المجال أن تستمتع بأعمال على مستوى شكسبير ودستويفسكي وبلزاك، ويصبح مدى إقبال الناس ~~على العمل الفني عندئذ معيارا لقيمة هذا العمل في ذاته، وصحيح أن هذا مجتمع فرضي يصعب ~~تحقيقه في ظروف الحرب الباردة والتسلح التي تقف حائلا بين عالم اليوم وبين توجيه ~~الاهتمام الكافي إلى تنمية الثقافة وغيرها من الجوانب المعنوية في حياة الإنسان، ولكن ~~من الواجب أن نضع هذه الحقيقة نصب أعيننا، وندرك أن الهدف النهائي لجهودنا في هذا ~~الميدان ينبغي أن يكون عبور الهوة بين الكم والكيف ورفع التناقض بينهما، والوصول إلى ~~الحالة التي يصبح فيها أرفع أنواع الفن هو أكثرها انتشارا بين جموع الناس. # ولعل القارئ قد أدرك - من خلال المناقشة السابقة لمشكلة الكم والكيف في الثقافة - أن ~~المسئولية الكبرى عن حل هذه المشكلة - في المجتمع الاشتراكي - لا بد أن تقع على عاتق ~~الحكومة، صحيح أن المشروع الذي نناقشه موجه أساسا إلى الفنانين أنفسهم، ولكنه في ~~الوقت ذاته يمثل نوعا من الدستور الثقافي الذي يحدد دور الفن والأدب في المجتمع ~~الاشتراكي، كما يحدد موقف المجتمع الاشتراكي - ممثلا في حكومته - من الفن والأدب، وإذا ~~كان من المفيد أحيانا أن نتوجه إلى الفنانين بالنداء حتى يهتموا برفع مستوى أعمالهم ~~قبل اهتمامهم بكثرة الإنتاج أو وفرته، فإن مثل هذه الفوائد تتضاءل إلى جانب النفع ~~العظيم الذي يمكن أن يجنيه الأدب والفن لو وضع ms057 الإطار التنظيمي الذي يكفل تحقيق هذا ~~الهدف، ولو توافرت الشروط الموضوعية التي تضمن الاهتمام بالكيف قبل الكم أو معه، بحيث ~~لا تعود المسألة متوقفة على إرادة الفنانين أو استجابتهم فحسب، بل يصبح الجو الفكري ~~ذاته هو الذي يحتم حدوث هذا التحول الأساسي، وفي اعتقادي أن على الحكومة - في سبيل ~~تحقيق هذا الهدف - واجبا عاجلا وواجبا آجلا، كليهما لا بد منه لضمان الحل الصحيح ~~لمشكلة الكم والكيف. # أما الواجب العاجل فهو تهيئة الظروف التي تجعل الإنتاج الفني والأدبي مستقلا عن ~~مطالب السوق ومقتضياته؛ ذلك لأن مركز الفن في المجتمع - بوصفه سلعة تسري عليها قوانين ~~السوق - هو الذي يؤدي إلى الاستغلال الرأسمالي وإلى كل الأضرار الأخرى المترتبة على ~~تطبيق مبدأ الربح على مجال الإنتاج الفني. ومن هنا كان تشجيع الدولة للفنانين والأدباء ~~على رفع مستوى إنتاجهم، وتعويضها إياهم عن الخسارة المادية التي يمكن أن يلحقها بهم عرض ~~هذا الإنتاج الرفيع في السوق؛ ضرورة حتمية من أجل ترجيح كفة الكيف على الكم، وفضلا عن ~~ذلك فإن رعاية الدولة أساسية حتى لا يضطر الفنان - جريا وراء لقمة العيش - إلى التبذل ~~والإسفاف والهبوط عمدا بمستوى فنه لإرضاء مطالب السوق، وربما كان الأهم من هذا وذاك أن ~~الدولة وحدها - بما لها من إمكانيات ضخمة ومن نظرة موضوعية إلى الأمور - هي وحدها ~~القادرة على الأخذ بيد الفنانين الناشئين وتشجيعهم على الوقوف إلى جانب مشاهير ~~الفنانين، وبهذا وحده تتسع قاعدة الإنتاج الفني إلى الحد الذي لا يعود من الممكن معه ~~احتكار فئة محدودة للإنتاج وإغراقها للسوق بأعمال متلهفة تفتقر إلى الصقل ~~والنضج. # وأما الواجب الآجل فهو الاهتمام العام بالثقافة بوصفها جزءا من النهضة الاجتماعية ~~الشاملة؛ فبهذه النهضة وحدها تجد مشكلة الكم والكيف حلها الصحيح، وهو - كما قلنا - أن ~~تزول الهوة بينهما، ويلقى أرفع الأعمال الفنية أكبر استجابة من الجماهير العريضة، وهذا ~~هدف لا يخطر بالذهن إمكان تحقيقه إلا في المجتمع الاشتراكي، حيث يربط التخطيط بين كل ~~مظاهر حياة المجتمع في وحدة واحدة، ومن هنا كان الحل الصحيح لمشكلة ms058 الكم والكيف - في ~~رأيي - هو أن نعمل على إلغاء هذه المشكلة بإنهاض المجتمع تدريجيا إلى المستوى الذي ~~يكفل رفع ملكة التذوق الثقافي لدى الجماهير الكبيرة من الناس، أما المشكلة بوضعها ~~الحالي - أعني مشكلة وجود تعارض بين الكيف والكم، وانتشار الأعمال التافهة على أوسع ~~نطاق ممكن، واقتصار الأعمال الرفيعة على جمهور ضئيل بحيث يتحتم حمايتها من طغيان الرغبة ~~في الكسب المادي - فهي مشكلة ترتبط أساسا بنوع من التخلف الثقافي يتحتم على المجتمع ~~الاشتراكي أن يكرس كل جهوده للقضاء عليه. # | حديث عن الشباب والثقافة1 # كان الحافز لي إلى كتابة هذا المقال موضوعا كتبته فتاة فرنسية في السابعة عشرة من ~~عمرها، لا تزال طالبة بالمرحلة الثانوية؛ فقد دأبت مجلة «ألفيجارو الأدبية» على نشر ~~أفضل موضوعات الإنشاء (أو التعبير) التي يكتبها طلبة البكالوريا الفرنسية (الثانوية ~~العامة)، وكان العدد الذي وقع في يدي من هذه المجلة يضم ثلاثة موضوعات لطلاب يمتحنون في ~~مجموعات مختلفة، كان الموضوع الأول بعنوان: «هل يمكن أن نقبل - بلا تحفظ - الرأي ~~القائل إن العمل مصدر الثروة؟» والثاني: «هل يكفي أن يكون لدى المرء منهج لكي يجري ~~بحثا علميا؟» والثالث: «هل نحن أدوات في يد التاريخ أم نحن صانعوه؟» # ولقد كان النضج والتعمق الذي عالج به شبان في مرحلة المراهقة موضوعات معقدة كهذه ~~أمرا يدعو إلى الدهشة حقا؛ فقد كانت كتابتهم على مستوى المفكرين الكبار، بحيث يستحيل ~~أن يبدي المرء نحوهم إعجابا نسبيا، يأخذ فيه أعمارهم الصغيرة بعين الاعتبار، ~~ويعدهم متفوقين بالقياس إلى الشباب في مثل سنهم، بل إن المرء لا يملك إلا أن يعجب ~~بعمق الثقافة ودقة التفكير والتخيل ناسيا تماما أنه إزاء مراهقين صغار. # وسيجد القارئ في الجزء الأخير من هذا المقال ترجمة كاملة لثالث هذه الموضوعات، أقدمها ~~مهداة إلى شبابنا الذين نضع أملنا في المستقبل بين أيديهم، ولكنني لا أود أن أعرض عليهم ~~هذه الترجمة إلا بعد أن أقف معهم، ومع كل من تهمه قضايا الفكر والثقافة والشباب في ~~بلادنا؛ لنناقش بهدوء بعض المشكلات التي أثارتها في ذهني قراءة ms059 هذه الموضوعات. ~~••• # لقد دأب جيل الكبار في بلادنا على اتهام الشباب بالتقصير في التزود بالعلم والثقافة، ~~وربما كان قدر كبير من هذا الاتهام راجعا إلى رغبة الكبار في تمجيد جيلهم والإشادة ~~بفضله، لا بدافع الاستعلاء فحسب، بل بدافع التشبث بالماضي الذي يعني بالنسبة إليهم أكثر ~~مما يعني الحاضر، ورغبة في الدفاع عن النفس والتمسك بأهداب الزمن الذي ينقضي رغما ~~عنهم، ولا يكف عن الإفلات من قبضة يدهم. # وأنا من المؤمنين بأن الشباب في كل بلد هو على ما يريده الكبار أن يكون، إنهم أبناء ~~جيل الكبار، والآباء - في معظم الأحيان - هم المسئولون عما يلحق بأبنائهم، وكما أن من ~~الأمور المثيرة للسخرية أن يعيب الأب على طفله الصغير - الذي لم تتح له بعد فرصة ~~الاندماج في أي عالم سوى عالم أسرته المباشرة - تفوهه بألفاظ غير لائقة، أو اكتساب ~~عادات سلوكية قبيحة؛ لأن هذه العادات وتلك الألفاظ لم تستمد - في واقع الأمر - إلا ~~من الآباء أنفسهم، فكذلك يكون من قبيل الظلم والعجز عن فهم الأمور أن يعيب الجيل الأقدم ~~على الجيل الأحدث أمورا لا يمكن أن يكون الجيل الأحدث قد اختارها لنفسه، بل لا بد ~~أنه تلقاها على هذا النحو ممن في يدهم مقاليد أموره. # فقبل أن نصدر أي حكم على موقف الشباب من العلم ومن الثقافة الجادة، ينبغي علينا - ~~نحن الكبار - أن نسائل أنفسنا، هل وفرنا لأبنائنا الجو الذي يكفل إقبالهم على المعرفة ~~وسعيهم إلى توسيع آفاق عقولهم؟ هل أنشأنا لهم المدارس الكافية؟ هل قدمنا إليهم برامج ~~تعليمية تساعد على إثارة حب العلم في النفوس؟ هل عهدنا بهذه البرامج إلى معلمين ~~أكفاء يفهمون التعليم على أنه زيادة قدرة العقول على فهم الأمور لا حشوها بمعلومات فجة؟ ~~هل زودنا مدارسهم بمكتبات كافية، ونمينا فيهم حب القراءة والاطلاع؟ هل استطعنا أن ~~نفصل بين الرغبة في التعلم والرغبة في التخلص من ذلك الشبح المخيف؛ شبح الامتحان؟ هل ~~تقوم وسائل الإعلام لدينا بدورها في نشر الثقافة وتشجيع الأجيال الجديدة على أخذ أمور ~~حياتها مأخذ الجد؟ ms060 وربما كان الأهم من ذلك كله، هل استطعنا - نحن الكبار - أن نخلص ~~أنفسنا من السطحية والجري وراء المصالح، وأن نضرب لأبنائنا مثلا صالحا في احترام ~~العلم والثقافة؟ # تلك بعض الأسئلة التي لا بد أن تؤدي الإجابة عنها إلى تذكير كل من يوجه الاتهام ~~إلى الشباب بكلمة المسيح: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر! فنحن في واقع الأمر ~~ندين أنفسنا كلما اتهمنا شبابنا بالتقصير في طلب العلم والثقافة، ولن يكون لهذا الاتهام ~~أساس إلا لو كان جيل الكبار قد أدى بالفعل واجبه كاملا نحو الجيل الذي سيحمل الأمانة ~~من بعده. # على أنني لا أملك - برغم كل هذه العوامل - إلا أن أقرر بعض الحقائق، وأعقد بعض ~~المقارنات، يدفعني إلى ذلك اعتباران: أولهما أن في استطاعة المرء أن يقوم بمهمة ~~التشخيص، ويعدد العيوب وينبه إليها، دون أن تقترن بذلك التشخيص إدانة أو يترتب عليه لوم ~~للشباب أنفسهم؛ فمع الاعتراف الكامل بمسئولية المجتمع ككل - تحت قيادة جيل الكبار - عن ~~جوانب النقص التي يعاني منها الشباب، ينبغي التنبيه بكل قوة إلى هذه الجوانب، وتبديد ~~ذلك الوهم الكبير الذي يجعلنا ميالين دائما إلى تصوير أمورنا كما لو كانت على خير ما ~~يرام. # أما السبب الثاني والأهم فهو أن من وراء كل حتمية في المجال الإنساني قدرا معينا من ~~التلقائية والاستقلال عن التحديد الدقيق، وحين نطبق هذا الحكم على مجال الشباب، نجد أن ~~لدى الشباب - من الوجهة النظرية - القدرة على التحرر من القيود التي فرضتها عليهم أخطاء ~~الكبار، أو على تجاوز الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وذلك في حدود معينة على الأقل، هذا ~~القدر من التلقائية هو الذي يتحقق به التقدم، وهو الذي يجعل كل جيل يضيف جديدا إلى ~~الجيل الذي سبقه بالرغم من تحكم هذا الجيل السابق في مصيره، وباسم هذه التلقائية ينبغي ~~أن يتحمل الشباب نصيبهم من المسئولية عن تكوين أنفسهم، مع اعترافنا الكامل بأن الكبار ~~لم يتحملوا القدر الخاص بهم من هذه المسئولية تحملا كاملا. # ولقد كان الشباب أنفسهم هم الذين طالبوا بهذه ms061 المسئولية، واعترفوا بوجود هذا القدر من ~~التلقائية في سلوكهم، حين أكدوا - في مجتمعات كثيرة - أن الكبار لم يعودوا يصلحون ~~لإدارة دفة هذا العالم الذي يسير على حافة الهاوية، وحين فرضوا - بتصرفاتهم العملية - ~~مفهوم «الفجوة بين الأجيال» على باحثي العلوم الاجتماعية، وجعلوا منه إطارا أساسيا ~~تفهم من خلاله العلاقة بين جيل الشباب وجيل الكبار في العالم المعاصر، هذه «الفجوة» ~~إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الجيل الجديد يشعر بقدر متزايد من الاستقلال عن الجيل ~~القديم، ولا يقبل أن يعتبر نفسه مجرد «ضحية» لأخطاء الجيل السابق، أي إنه لا يقبل ~~الاعتراف بالحتمية التي يتحكم بموجبها القديم في الجديد، ويؤكد أن لديه قدرة - تتزايد ~~جيلا بعد جيل - على أن يشكل حياته بنفسه، ويأخذ مقاليد أموره بين يديه، على الرغم من ~~أن الكبار هم الذين يتخذون القرارات الحاسمة المتعلقة به، وهم الذين يملكون سلطة ~~تنفيذها. # في ضوء هذه التلقائية وهذه المسئولية التي هي مطلب أساسي للشباب أنفسهم، يحق لنا أن ~~نحاسب شبابنا على ما يبذلون من جهود في الميدان الثقافي ونحن آمنون من أن يوجه إلينا ~~ذلك الاعتراض الصارخ: ~~«وما ذنبنا نحن إذا كنتم أنتم - أيها الكبار - المتحكمون في مصيرنا؟» # لعل أوضح مظاهر ثقافة الشباب في أيامنا هذه، تلك الظاهرة التي أحب أن أطلق عليها اسم ~~«العطاء قبل الأخذ»، وإنا لنعلم جميعا أن هذه صفة محمودة في مجال العلاقات ~~الإنسانية، لا سيما وأنها هي بعينها شيمة كل من يتصف بالكرم والسخاء، ولكن مثل هذا ~~الكرم ينقلب إلى شيء مذموم في الميدان الثقافي؛ إذ إنه يعني أن يقدم الإنسان إلى ~~الآخرين زادا ثقافيا في الوقت الذي يكون فيه هو ذاته ما زال محتاجا أشد الاحتياج ~~إلى مثل هذا الزاد. # وفي اعتقادي أن من له صلة بميدان النشر - سواء أكان ذلك نشر الكتب أم المقالات - هو ~~أقدر الناس على أن يلمس هذه الصفة في الأجيال الجديدة من المثقفين؛ ففي حالات عديدة - ~~ولا أقول في كل الحالات بالطبع - يجد المرء لدى هذه الأجيال ميلا طاغيا ms062 إلى التعجل ~~بتقديم إنتاج هو أبعد ما يكون عن النضج، ولا مفر عندئذ من أن تترتب على هذا التعجل ~~الشديد آفات كل منها أخطر وأفدح من الأخرى. # فهناك فئة كاملة من المثقفين تكاد صلتها الوحيدة بالثقافة العالمية أن تقتصر على ~~قراءة تلك الترجمات الشوهاء المبتورة المتخلفة التي يغرق بها الأسواق ناشرون لا يعبئون ~~في عملهم بشيء سوى الربح - والربح وحده - في عواصم عربية معروفة، وكثير من أفراد هذه ~~الفئة يتسابقون إلى النشر وهم لا يملكون من حطام الدنيا إلا فتات من المعلومات صيغت ~~بأسلوب عجيب كاد أن يصبح - في أيامنا هذه - لغة قائمة بذاتها، لها مصطلحاتها وتركيباتها ~~وتعبيراتها المحفوظة المتداولة، وهكذا لم يعد من المستغرب في أيامنا هذه أن نجد كاتبا ~~يتحدث عن شكسبير وهو لم يقرأ له عملا واحدا قراءة كاملة في لغته الأصيلة، أو تجد ~~مجموعات من المثقفين يعالجون كل مشكلات العالم من وجهة نظر ماركسية وهم لم يقرءوا في ~~حياتهم نصا واحدا لماركس بلغة أجنبية ترجمت إليها أعماله ترجمة علمية أمينة، أما ~~هيجل وسارتر فالكل يتكلم عنهما، بل ويكتب عنهما، ولكن من قرأ لهما نصوصا أصلية لا ~~يعدون على الأصابع، وأصبح من الشائع في الجو الثقافي أن يتكلم الناس بجرأة شديدة عن ~~أهم الشخصيات وأخطر المشكلات دون أن يكون لديهم أي إلمام بها إلا عن طريق مصادر الدرجة ~~الثالثة التي أصبحت - بفضل الأسلوب المشوه والفهم المبتور - ثالثة مخفضة، والأخطر من ~~ذلك أن أحدا لم يعد يرى في ذلك أمرا مستغربا، بل أصبح شيئا مقبولا يكاد يرقى إلى ~~مرتبة المسلمات. # ومن الطبيعي أن تؤدي سطحية الثقافة من ناحية، والرغبة الملحة في النشر من ناحية ~~أخرى، إلى انتشار صفات مذمومة كان المفروض أن يترفع عنها الشباب وهم في مرحلة المثاليات ~~والمبادئ الرفيعة، فأمثلة الاقتباس المفرط غير المشروع من أعمال الغير مألوفة وشائعة، ~~وأمثلة التحزب والتكتل وتبادل المصالح أصبحت لا تقل انتشارا في عالم الشباب عنها في ~~عالم الكبار، ووجه الخطورة في هذا أن الكبار الذين تشيع بينهم هذه الآفات ms063 بدأ الكثير ~~منهم حياته بداية تتسم بقدر غير قليل من التمسك بالمبادئ، ثم انزلقوا تدريجيا وبفعل ~~ظروف معقدة، حتى وصلوا إلى ما هم عليه، أما إذا كانت نقطة البداية عند الشاب الناشئ هي ~~ذاتها نقطة النهاية عند الشيخ اليائس المستسلم، فعندئذ يحق للمرء أن ينظر إلى المستقبل ~~نظرة قاتمة. # ولكن ما دمت قد أخذت على عاتقي أن أقوم بمهمة التشخيص، فلا بد لي من أن أحاول البحث عن ~~أسباب لهذه الظواهر التي قد يميل البعض - ممن يفتقرون إلى الأسلوب العلمي في التفكير - ~~إلى النظر إليها على أنها نتيجة انحلال أخلاقي عام أو انصراف عن التمسك بأهداب الفضيلة ... ~~إلخ. ولكي تكون هذه الأسباب مقنعة فلا بد أن تكون موضوعية قدر الإمكان. # أول هذه الأسباب - في رأيي - زيادة الطلب على العرض في ميدان الثقافة؛ فقد أتيحت ~~لأبناء هذا الجيل فرص - في ميدان الثقافة - تزيد بكثير عن تلك التي كانت متاحة لكل ~~الأجيال السابقة؛ فهناك - إلى جانب الصحافة - حاجة متزايدة إلى الإنتاج الثقافي في ~~ميدان التأليف بكافة أنواعه، وفي ميدان الترجمة وفي المجلات المتخصصة؛ نتيجة لاتساع ~~قاعدة القراء وظهور جمهور جديد يحتاج إلى إنتاج ثقافي لا ينقطع، وقد أتاحت الإذاعة ~~والتليفزيون فرصا جديدة أمام المثقفين؛ إذ إن ساعات إرسال المواد الثقافية - وإن كانت ~~من حيث النسبة العامة لا زالت قليلة بالقياس إلى مواد الترفيه غير الثقافي - قد زادت ~~زيادة كبيرة، وهي تمثل طلبا يوميا ملحا يحتاج إلى إنتاج دائم، كل هذه المجالات ~~الجديدة أدت إلى ظهور تلك الفصيلة الجديدة من المثقفين، أولئك الذين يضعون في حقيبتهم ~~شتى أنواع المنتجات الثقافية الرائجة، من مقالات مثيرة إلى أحاديث خاطفة إلى ندوات ~~جذابة ... إلخ، ويدورون بها من جريدة إلى استوديو إلى مؤسسة للنشر، يعرضون عليها آخر عينات ~~بضاعتهم المرغوبة المطلوبة، ولا يفوتهم أن يلمحوا - من حين لآخر - إلى ما يمكنهم أداؤه ~~للآخرين من خدمات مماثلة لو قبلوا شراء شيء مما تحمله الحقيبة. # ويرتبط بذلك ارتباطا وثيقا ظاهرة مقابلة نشهدها جميعا في عالم الكبار، ولا يكاد ~~المرء ms064 يعرف لها تعليلا، وأعني بها «قصر العمر الثقافي»؛ ذلك لأن المثقفين الذين ~~تجاوزوا مرحلة الشباب لا يدوم اهتمامهم بالإنتاج الثقافي إلا أمدا قصيرا، وفي كثير من ~~الحالات تنقطع الأنفاس وينضب المعين بمجرد بلوغ منصب مرموق - علميا كان أو إداريا - ~~ويعيش المثقف الكبير (سنا) على ذكرى فترة ماضية في حياته، كان فيها إنسانا جادا ~~ينتظر له الجميع مستقبلا باهرا، ويظل يرتزق بفضل هذه الشهرة طوال حياته، مثل هذا ~~الانسحاب المبكر من ميدان العمل الثقافي الجاد يخلق فراغا لا بد أن يشغله أناس لم ~~يبلغوا بعد مرحلة النضج العقلي الكافي، ويفتح الباب على مصراعيه أمام المتعجلين الذين ~~يقدمون إلى الناس ثمار إنتاجهم وهي لم تزل فجة. # وأخيرا فربما كانت القدوة السيئة من أقوى أسباب هذا الاندفاع المحموم إلى تقديم ~~ثقافة تفتقر إلى النضج؛ ذلك لأن الشباب يجدون في المجتمع - من آن لآخر - نماذج صارخة ~~لأناس تمكنوا - بأساليب متباينة لا تشترك إلا في شيء واحد، هو أنها لا تتصل من قريب أو ~~بعيد بعلمهم أو ثقافتهم - من إحراز نجاح صاروخي في دويه وفي سرعته، ولا مفر من أن ~~يؤدي تأثر الشباب بهذه النماذج إلى أن يرسخ في أذهانهم الاعتقاد بأن التعمق والجدية هما ~~أسوأ وأبطأ وسائل النجاح، ومن ثم فإنهم يؤثرون العمل على اكتساب شهرة سطحية أو مسطحة، ~~ويتدربون في الوقت ذاته على ممارسة الأساليب الأخرى التي يرون بأعينهم أنها حققت لغيرهم ~~أبهر النجاح. # والنتيجة - بعد هذا كله - هو أن نموذج الشاب الرزين، الذي يعكف على أخذ الثقافة قبل ~~أن يفكر في إعطائها، والذي يزيد من تعميق فكره قبل أن يخطر بباله نشر شيء من إنتاجه على ~~الناس، والذي يفضل أن يظل مجهولا بدلا من أن يحرز بين الناس شهرة كاذبة، هذا النموذج ~~كاد أن يختفي اختفاء تاما، وكاد أصحابه أن يصبحوا - بين الشباب - نوعا أوشك على ~~الانقراض. ~~••• # إن أي مجتمع لا يستطيع أن يأمل في مستقبل مزدهر إلا إذا كانت أجياله الشابة تؤدي ~~رسالتها كاملة في التزود بالثقافة قبل أن تفكر في ms065 تزويد الآخرين بها، وإذا كنت في بعض ~~أجزاء هذا المقال قد وصفت شبابنا بعبارات ربما بدت في نظر البعض قاسية، فما ذلك إلا ~~لأني آمل في الكثير. ومع اعترافي الكامل بمسئولية الكبار عن كثير من مظاهر القصور في ~~حياة الشباب الثقافية، فإني أومن بأن لدى الشباب قدرة على تخطي العقبات التي وضعها ~~الكبار - مختارين أو مرغمين - في طريقهم، بل إنني لأومن بأن استغلال الشباب لقدرتهم هذه ~~لن يتيح لهم مراجعة نظرتهم إلى الثقافة فحسب ، بل سيمكنهم من أن يفرضوا إرادتهم - في ~~حدود مطالبهم المشروعة - على الكبار أيضا، فلو اجتمعت كلمة الشباب على طلب أي نوع من ~~الثقافة الجادة، فما أظن أن الكبار سيملكون عندئذ أن يرفضوا لهم مثل هذا الطلب، ولو ~~اجتمعت كلمة الشباب على رفض التزييف الذي يقدم إليهم في رداء زاه براق - كالترفيه ~~الكاذب الذي يغويهم ويشغلهم عما هو جاد من الأمور، في وقت هم فيه أحوج ما يكونون إلى ~~التفكير الموضوعي المركز (وأعني به عروض كرة القدم التي يبدو أنها ستطل برأسها من ~~جديد)، أقول إنه لو اجتمعت كلمة الشباب على رفض مثل هذا الإغراء المزيف لما جرؤ ~~الكبار على فرضها عليهم. # إن موضوعا قصيرا كتبته فتاة فرنسية في السابعة عشرة من عمرها، قد أثار في ذهني ~~خواطر لا حصر لها عن موقف شبابنا من الثقافة، وأنا لا أزعم على الإطلاق أن المقارنة ~~جائزة أو مشرعة بين حالة واحدة كهذه - قد تكون استثنائية تماما - وبين أحوال الجموع ~~الكبيرة من شباب بلد لا يزال يعاني كثيرا من مظاهر التخلف، ولكن تقديم النماذج الصالحة ~~أمر مفيد على الدوام. # وأحسب أن هذا النموذج كفيل بإقناع شبابنا بأن صورة الشاب الأوروبي ليست صورة الشعر ~~المتهدل والملابس الغريبة والعادات المتحدية للعرف الأخلاقي فحسب، بل هي أيضا - ومن ~~وراء هذا كله، بل قبل هذا كله - صورة الجدية في طلب العلم والتعمق في تحليل المجتمع ~~الذي يعيش فيه الإنسان، وهو أيضا كفيل بإقناع فتياتنا بأن المرأة - حتى في بلاد ~~الأناقة والتألق والمساحيق المبتكرة والحب ms066 المتحرر من القيود - تستطيع أن تكون - إلى ~~جانب هذا كله - إنسانة مثقفة واعية بما يجري حولها في العالم، وبدور الإنسان في صنع ~~التاريخ. # هل نحن أدوات في يد التاريخ، أم نحن صانعوه؟ # كاتبة الموضوع: # تيريز بريزاك. # السن: # 17 سنة. # المدرسة: # ليسيه فنلون. # لو نظرنا إلى أنفسنا على أننا «أدوات في يد التاريخ» لكان معنى ذلك أننا نجعل من ~~التاريخ فكرة، وتجريدا مستقلا عن تحققه، وبالتالي شيئا لا يمكن التأثير فيه، أي ~~إننا إما نجعل منه تسلسلا من الحتميات التي تماثل في ثباتها قوانين الجاذبية الكونية، ~~وإما نجعل منه - على عكس ذلك - تعاقبا لمصادفات ليس للإنسان أي سلطان عليها، وفي هذا ~~إغفال لحقيقة لا شك فيها، وهي أن التاريخ لا يوجد إلا لأن هناك بشرا يصنعونه ويفكرون ~~فيه. # إن من الواضح أن علم التاريخ علم إنساني، ولكنه ما دام علما فلا بد أيضا أن تكون ~~هناك روابط سببية وقوانين عامة في المسار التاريخي، وعلى ذلك فليس التاريخ مجرد تراكم ~~سطحي «لمصائر عظيمة» أو لأفعال فردية، أي إن القول بأن الإنسان صانع التاريخ لا يقدم ~~تفسيرا واضحا للمسار الكلي للتاريخ؛ فمن الواجب إذن إيضاح الدور الحقيقي للبشر ~~بالنسبة إلى التاريخ ومعرفة ما إذا كنا نحن الذين نصنع التاريخ، أم أنه هو الذي ~~يحركنا. # إن التاريخ هو عملية تغيير الطبيعة والمجتمع عن طريق فاعلية البشر؛ ففي كل لحظة إذن ~~يكون التاريخ ناتجا عن ملايين الأفعال الفردية التي توجد لها أسباب ولها غايات ~~متباينة، بل متناقضة في كثير من الأحيان، ومن ثم فهي أفعال يستحيل التعرف عليها في ~~محصلتها النهائية، مع أن هذه المحصلة لم تتكون إلا منها. ولكن إذا كان السبب الرئيسي ~~لكل هذه الأفعال هو الصراع من أجل الحياة ضد القوى المعادية في الطبيعة، أو الصراع من ~~أجل مصالح فردية متباينة، فمن الواضح أن لها أساسا مشتركا، يتمثل في حالة الثروات ~~المتراكمة، وحالة الأساليب التكنيكية والمعارف في عصر معين، وفي الظروف السياسية ~~والثقافية والصراعات والعادات الموروثة من العصور الماضية؛ ذلك لأنه إذا ms067 كانت هذه ~~العوامل كلها نتاجا للإنسان، فإنها مع ذلك توجد خارجه، ووجود هذه العوامل الموضوعية ~~جميعها يتحكم في مسار التاريخ في أية لحظة بعينها. # وصحيح أن مجموع هذه الشروط هو نتاج لتراكم عمل البشر ولتفاعلهم بعضهم مع البعض، غير ~~أن الروابط التي تربطها بأسبابها وتربطها بعضها ببعض، لما كانت أعقد من أن تظل روابط ~~واعية، فإنها تصبح بالفعل معرضة للتجاهل والإغفال، وهكذا لا يكون التاريخ حصيلة الفعل ~~الواعي للبشر، بل حصيلة الحالة الموضوعية للعالم الذي يمارس البشر فعلهم عليه؛ ذلك لأنه ~~لا يوجد أي إصرار واع يتدخل في محصلة هذه الأفعال الفردية، التي هي أصل كل تغيير أولي، ~~وهكذا يبدو للبشر أن مسار تاريخهم الخاص غريب عنهم؛ لأن الناس يكونون بالفعل عاجزين - ~~على المستوى الفردي - أمام التاريخ، إن لم يرتكزوا على تلك الحقيقة الواقعية التي تتحكم ~~فيهم بقدر ما تكون قد اكتسبت وجودا مستقلا ودينامية مستقلة («من المستحيل إعادة عجلة ~~التاريخ إلى الوراء» من المستحيل العودة إلى العصور الوسطى). # وعلى ذلك فإن الناس يبدون كما لو كانوا أدوات في يد التاريخ، ولكنهم يبدون أيضا ~~كما لو كانوا صانعيه، أعني صانعين غير واعين عندما يكون فعلهم مقتصرا على المساهمة ~~الفردية في الحياة الاجتماعية (كالعمل والقراءة والدراسة والانتخاب)، أو صانعين واعين - ~~على ما يبدو - حين يكون الأمر متعلقا بأفراد يقومون بدور «تاريخي» (نابليون أو هتلر)، ~~ولكنهم في الواقع يكونون عندئذ أيضا معتمدين على التاريخ «الموضوعي»، ما داموا لا ~~يكونون - في أية لحظة بعينها - سادة للتاريخ ومتحكمين فيه إلا لأن الناس لا يمكنهم أن ~~يستعيدوا السيطرة على التاريخ بصورة واعية، ولا يظلون سادة له إلا بقدر ما يمتثل الناس ~~لرغبات الجماعات المسيطرة في تلك اللحظة، وهذه الجماعات لا تكون هي ذاتها مسيطرة إلا ~~لأسباب مادية تبدو في الظاهر عشوائية. # ولكن إذا كان التاريخ غريبا بالنسبة إلى الفاعل الرئيسي، فمرد ذلك إلى أن الإنسانية ~~ليست كلا متجانسا متماسكا؛ فمن الجلي أننا لا نستطيع أن نصبح صانعين للتاريخ إلا عن ~~طريق الفهم الفعلي العلمي للمسار ms068 الموضوعي، وعن طريق أخذنا لهذا المسار على عاتقنا، ~~واستيعابه في داخلنا، أي عن طريق فهم الواقع فهما شاملا؛ فليس من الممكن التأثير في ~~كل معقد ومتناقض إلا عن طريق معرفة عناصره الرئيسية، ولنلاحظ أننا عندما نتحدث عن ~~الإنسان بوصفه صانع التاريخ، فلا بد أن يكون حديثنا منصبا على مجموع البشر، لا على ~~جماعة فوضت إليها البشرية أمرها على نحو ما. وعلى ذلك فمن المستحيل أن يحدث ذلك إلا عن ~~طريق التأثير المباشر في التاريخ، أي عن طريق معرفة قوانينه، والواقع أن تلك العصور ~~التي صنع فيها الإنسان تاريخه - كعصر ثورة 1789م (الثورة الفرنسية) - تتميز بالتوافق بين ~~اتجاهات المسار التاريخي (أي نمو الطبقة البورجوازية وتداعي السلطة الملكية) وبين وعي ~~الناس، أما حين لا يوجد هذا التوافق من تلقاء ذاته، فمن المستحيل خلقه إلا عن طريق ~~الفهم العام ومعرفة هذه القوانين عن وعي. # إن من الواضح أن ما يؤدي إلى وجود فجوة بين أفعال البشر والتاريخ هو الاختلاف ~~والتناقض بين مصالح القائمين بهذه الأفعال، والواقع أن من المستحيل أن يأخذ المجتمع على ~~عاتقه - عن وعي - مهمة تنظيم تاريخه إذا كان هذا المجتمع قائما على الصراع الفردي من ~~أجل العيش، وعلى ذلك فلا يمكن التأثير في التاريخ إلا بتوحيد المصالح الأساسية ككل (وهو ~~التوحيد الذي قامت به - مثلا - الثورة الفرنسية في عام 1789م ضد السلطة الملكية)، وهذا ~~التوحيد لا يأتي إلا بالعمل في نفس اتجاه المسار غير الواعي، فلا يمكن التأثير في ~~التاريخ إلا بمعرفة قوانينه، ولا يمكن الانتفاع من هذه القوانين إلا باتباعها (وهكذا ~~فإن قيام شعوب كالشعب الجزائري بأخذ مستقبلها الاقتصادي في قبضة يدها، يعد تحقيقا ~~واعيا ومنظما لمهمة التصنيع التي تمت بصورة طبيعية أو تلقائية في البلاد الرأسمالية ~~خلال القرن التاسع عشر). # إن التاريخ لا يوجد خارج البشر رغما عنهم إلا لأن ما يطلق عليه اسم البشرية هو في ~~واقع الأمر مجموعة من القوى المتباينة المتناقضة، وبالتالي لأن التاريخ هو محصلة هذه ~~الصراعات، وهي محصلة تتحقق على أساس التاريخ الماضي ms069 بعد أن أصبح حقيقة موضوعية «طبيعية» ~~لا واعية على نحو ما. # وبهذا القدر يكون الإنسان أداة في يد التاريخ، ولكنه بمعنى أهم هو صانعه، ليس فقط ~~لأنه هو الذي ينتج التاريخ، بل أيضا لأنه يستطيع أن يتحكم فيه عن طريق إعادة السيطرة ~~على ناتجه الذي أصبح غريبا عنه، وذلك بفضل المعرفة والتنظيم. # فمن الواجب إذن أن ننظر إلى أنفسنا على أننا صانعو التاريخ، ما دام هذا وحده هو ~~سبيلنا إلى أن نصبح صانعيه بالفعل، أي أن نقبض بكلتا يدينا على زمام تاريخنا، ونجعل تلك ~~العملية الفعلية - عملية إنتاج البشر للتاريخ - عملية واعية لإرادتنا. # | عن الإنسان والقمر # خواطر هادئة حول رحلة القمر # 1 # قلت لنفسي - وأنا أتأهب لتدوين خواطري عن أروع حدث علمي وحضاري مرت به البشرية منذ ~~قرون عديدة - راحت السكرة وجاءت الفكرة؛ فقد كنت أريد أن أفكر لا أن أنفعل؛ ولذلك آثرت ~~ألا أكتب عن هذا الحديث فور وقوعه، لقد كان العالم كله مبهورا، وكانت العقول مسحورة ~~بالرحلة التي تجاوز الواقع فيها أقصى حدود الخيال، وكان لا بد لمن يريد أن يتأمل ~~الأمور في منظورها الحقيقي أن يتريث قليلا حتى تهدأ النفوس وتخف حدة الانفعالات، وتعود ~~أنفاس الناس ودقات قلوبهم إلى إيقاعها السوي المنتظم، ويستطيع هو ذاته أن يستجمع شتات ~~أفكاره بهدوء، وبلا انفعال مفرط يبدد طاقة العقل. # ولست أدري هل مضى من الوقت ما يكفي لكي يطمئن المرء إلى أنه يكتب وهو غير منفعل؛ ~~فأغلب الظن أن ما حدث سيظل يلهب خيال الناس طويلا، ولكن الذي أستطيع أن أقرره مطمئنا ~~هو أنني حاولت - بقدر ما استطعت - أن أجمع الخيوط المتفرقة التي تحيط بهذا الحدث ~~الجليل، وأن أتأمله من منظور أوسع، دون أن تنبهر عيناي بوهج الكشف العظيم وحده، فتختفي ~~من حوله عناصر الإطار الذي لا يفهم هذا الكشف إلا من خلاله، وأحسب أن القارئ بدوره ~~قد بدأ يستعيد من رباطة الجأش ما يتيح له أن يستمع إلى حديث هادئ عن حدث لم يعرف الناس ~~من بعده الهدوء. # القمر ms070 وسياسة الأرض # لقد كنا جميعا - خلال المرحلة الرومانتيكية التي أعقبت هذا الحدث مباشرة - نؤكد ~~أن هذا نصر جديد للإنسانية كلها، ونردد مع زائر القمر الأول هتافه: إنها خطوة صغيرة ~~لإنسان واحد، ولكنها قفزة هائلة للبشرية! وكان طبيعيا أن يتردد صدى هذه النغمة ~~الجميلة في جنبات عالم مفتون بالإعجاز الذي تحقق، ولكن هل كانت هذه قفزة للبشرية ~~كلها؟ وهل تسمح حقائق العالم الذي نعيش فيه بأن تتشارك الإنسانية كلها في جني ثمار ~~نصر علمي كهذا؟ # إن من خصائص التفكير الرومانتيكي - بوجه عام - أنه يتجاهل الحقائق العلمية ~~والأمور الواقعة لا سيما إذا كانت قبيحة، ومن المؤكد أن العالم قد مر - على أثر ~~هبوط الإنسان على القمر - بفترة نشوة رومانتيكية كان يحن إليها منذ أمد بعيد بعد ~~أن ظلت أسلاك البرق لا تحمل إليه - خلال سنين طويلة - إلا أنباء المعارك والمجازر ~~والتسابق على القتل وتوازن الرعب بين طرفين يقف كل منهما مترصدا كل حركة للآخر، في ~~مثل هذا العالم بدت رحلة القمر - في أيامها الأولى - نبأ رائعا من نوع غير ~~مألوف؛ لأنه أول نبأ غير عسكري أو غير سياسي يحتل المكانة الأولى في صحف العالم ~~وإذاعاته، وفي أحاديث الناس داخل بيوتهم وخارجها، ولأنه أول نبأ يتركز فيه اهتمام ~~العالم كله على موضوع يعلو على خلافات المعسكرات السياسية ومشاحناتها، بل يعلو على ~~مشكلات الأرض كلها، وينتقل بعقولنا لأول مرة - وعلى نحو حقيقي لا مجازي - إلى ما ~~يسمو على عالمنا الأرضي. # ولكن النشوة الرومانتيكية لم تدم طويلا، وكان أصحاب الانتصار العظيم هم ~~أنفسهم الذين ذكروا العالم بحقائقه العملية القبيحة مرة أخرى، وهم الذين سكبوا ~~ماء باردا على رءوس الناس بعد أن أسكروها بكشفهم الرائع، فحتى قبل هبوط رواد ~~القمر الثلاثة إلى الأرض، كان الرئيس نيكسون قد بدأ رحلته إلى بعض الدول ذات الوضع ~~الشائك في آسيا وأوروبا، واستقبل رواد القمر وهو في منتصف الطريق إلى رحلته، ولم ~~ينتظر ولو يوما واحدا بعد النصر العظيم، وكان واضحا أنه أراد أن يطرق الحديد وهو ~~ساخن، بل وهو ms071 في أتون الفرن، وأنه - بعد تاريخ حافل بالاستقبالات العدائية قل أن ~~تحظى به شخصية عالمية أخرى (خلال مدة نيابته لرئاسة الجمهورية منذ ما يقرب من عشر ~~سنوات) - أراد أن يستغل الانتصار الرائع في نفس لحظة حدوثه، عله يلقى هو وبلاده ~~معاملة مختلفة من شعوب العالم المحرومة، ومع ذلك فقد حملت إلينا الأنباء أن ~~الهتافات العدائية - من أمثال «اقذفوا به إلى القمر!» - ظلت تتردد طوال الرحلة، ~~وربما كان التاريخ الحافل الذي أشرت إليه قد ظل يلاحق صاحبه حتى اليوم ، ولكن الأهم ~~من ذلك هو ما يدل عليه الهتاف نفسه من أن حقائق الموقف العالمي قد عادت وفرضت نفسها ~~على الناس، وأنهم أفاقوا سريعا من النشوة، ولم يستطيعوا - بالرغم من روعة الحدث - ~~أن ينسوا مشكلات عالمنا وصراعاته، وإنما بادروا إلى إدخال الكشف العظيم في إطار ~~الخلافات العالمية السائدة. # والدلالة الواضحة لواقعة بسيطة كهذه هي أن الانتقال إلى القمر لا يمكن أن ~~ينظر إليه - في عصر كهذا الذي نعيش فيه - من منظور إنساني شامل، بل إن الناس لا ~~يجدون مفرا من أن يربطوا بينه وبين صراعات الفترة الزمنية التي يمر بها العالم، ~~وعلى حين أن هذا الحدث العظيم قد أتاح للإنسان - لأول مرة - أن يرى بعينه المجردة ~~كوكبنا هذا وقد بدا كرة صغيرة محلقة في فضاء فسيح، فقد تبين للبشر مع ذلك أنه ليس ~~ثمة مفر من تأمل هذا الفتح الرائع في ضوء الخلافات الجزئية التي يحتشد بها كوكبنا ~~المزدحم المعقد. # خلاصة القول أن غزو القمر في هذا العصر الذي نعيش فيه وفي الظروف التي تم فيها، ~~لا يمكن أن يكون عيدا خالصا للإنسانية، بل هو بالإضافة إلى ذلك مرحلة من مراحل ~~الصراع داخل الأرض نفسها؛ فللحدث العظيم وجهان لا ينفصل أحدهما عن الآخر: وجه ~~إنساني شامل، ووجه سياسي واقتصادي وعسكري تتغلغل جذوره في صراعات العالم في الثلث ~~الأخير من القرن العشرين. # والآن فما الذي نرى لو تأملنا ارتياد القمر من هذين الوجهين معا؟ # إن الحقيقة الأولى والأساسية هي أن عصر الفضاء بأكمله ms072 إنما بدأ أصلا بوصفه واقعة ~~من وقائع الحرب الباردة، وجزءا لا يتجزأ من الصراعات المرتبطة بهذه الحرب؛ ففي ~~أكتوبر من عام 1957م عندما أعلن الاتحاد السوفييتي افتتاح هذا العصر بإرسال «سبوتنيك» ~~إلى الفضاء، كان من الواضح أن هذا الكشف الجديد - والمذهل في ذلك الحين - مرتبط ~~أوثق الارتباط بحقائق الحرب الباردة؛ ذلك لأن الاتحاد السوفييتي ترك الولايات ~~المتحدة تنفق ألوف الملايين من الدولارات لكي تحيطه بقواعد عسكرية تساعدها على ~~الوصول بالطائرات السريعة إلى قلب بلاده في حالة الحرب، وركز جهوده على سلاح جديد ~~يجعل من هذه القواعد العسكرية شيئا عقيما لا جدوى منه، هو القذائف العابرة ~~للقارات، ولقد كانت القوة الدافعة لهذه القذائف هي ذاتها التي أتاحت إرسال أقمار ~~صناعية تدور حول الأرض، وكان إطلاق القمر الصناعي الأول ينطوي على الوجهين معا ~~بوضوح كامل؛ فهو من جهة كشف علمي عظيم فتح أمام العقل البشري آفاقا جديدة، بل إنه ~~ظهر أصلا بوصفه جزءا من برنامج «السنة الجيوفيزيقية الدولية» (العام 1957م)، وهو ~~من وجهة أخرى إيذان ببداية مرحلة جديدة في الاستراتيجية العسكرية العالمية، ودليل ~~على أن أسلوب القواعد العسكرية القريبة من أراضي العدو والمحيطة به من كل جانب، قد ~~أصبح أسلوبا عفا عليه الزمان، وعلى أن الدول المتفوقة تكنولوجيا تستطيع أن ~~تصيب أهدافا على بعد آلاف الأميال، دون أن تضطر إلى مغادرة أرضها، وكانت ~~التعليقات التي استقبل بها العالم هذا الحدث تكشف بوضوح عن تلازم هذين الوجهين، ~~فبالإضافة إلى الترحيب بدخول البشرية عصرا جديدا - هو عصر استكشاف الفضاء - كان ~~هناك إدراك واضح - لا سيما في الولايات المتحدة - للإمكانات الاستراتيجية التي ~~ينطوي عليها هذا الفتح الجديد، ولم يكن من الممكن أن تقف الولايات المتحدة مكتوفة ~~الأيدي وهي تشهد خصمها ينقل توازن القوى إلى مرحلة جديدة ترجح فيها كفته رجحانا ~~واضحا، وهكذا قررت الولايات المتحدة أن تدخل سباق الفضاء بكل قواها، وكان من ~~الواضح أن تضافر الأموال الأمريكية والعقول الألمانية يستطيع أن يحقق ~~الكثير. # ومنذ ذلك الحين كانت كل مرحلة من مراحل سباق الفضاء تكشف ms073 عن التداخل الوثيق بين ~~الوجهين: العلمي والسياسي أو الإنساني والعسكري، فعلى حين أن أوزان الأقمار ~~الصناعية أخذت تثقل وحمولتها البشرية تزيد وفوائدها العلمية تتراكم، فإن ~~استخداماتها الحربية كانت في الوقت ذاته تتنوع، من صواريخ تحملها الغواصات السريعة ~~التنقل، إلى صواريخ مدفونة تحت الأرض ومصوبة إلى أهداف محددة في أراضي العدو، إلى ~~صواريخ متعددة الرءوس ... إلخ. وبينما كان العالم يهلل لأقمار الاتصال التي أتاحت ~~الربط بين أجزاء كبيرة من العالم في شبكة تليفزيونية ولاسلكية واحدة، كان نوع مشابه ~~من الأقمار يقوم بمهمة الجاسوس العالمي الذي يدور حول العالم على فترات منتظمة لكي ~~يصور بدقة ما يجري في كل بقعة صغيرة منه، وهكذا كان عنصر المنافسة العسكرية - التي ~~تعد انعكاسا للمنافسة الأيديولوجية - واضحا منذ اللحظة الأولى، إلى جانب عنصر ~~المنافسة العلمية. # وأصبح كل نصر جديد يحرزه أحد الطرفين في ميدان الفضاء لا يعد دليلا على ~~ارتفاع مستواه العلمي والتكنولوجي فحسب، بل يستغل أيضا بوصفه مظهرا لتفوق ~~نظامه الاجتماعي، ولم تكن الحرب الدعائية - التي تكمن من وراء المنافسة في ميدان ~~الفضاء - خفية أو متوارية خلف ستار، بل كانت صريحة سافرة، وعلى الرغم من «الروح ~~الرياضية» التي دأب كل من الطرفين على أن يبديها إزاء الآخر، فيبعث إليه ~~ببرقيات التهنئة كلما أحرز نصرا جديدا، فإن السباق كان يجري على أشده لكي يثبت ~~كل طرف للآخر ولبقية العالم، أن نظامه الذي أتاح له إحراز هذا النصر أفضل من النظام ~~الآخر، وحين ظهر بوضوح للدولتين المتنافستين أن كشوف الفضاء هي أكثر أنباء عالمنا ~~المعاصر إثارة لشعوب الأرض كلها، وأقواها تأثيرا في ميدان الدعاية، أخذت حرارة ~~المنافسة بينهما تشتد، ولم تعد كل منهما تبخل بجهد وبمال على هذا الميدان الذي لم ~~يكن له وجود منذ سنوات قلائل، وفي اعتقادي أن هذا العامل من العوامل الهامة التي ~~أدت إلى الإسراع بسباق الفضاء، وإعطائه الأولوية في ميزانيات الدولتين ~~المتنافستين. # وفي ضوء هذه الاعتبارات يمكن القول إن وصول إنسان أمريكي إلى القمر يعد دفعة ~~قوية للنظام الرأسمالي بأسره، وهي دفعة ms074 ينبغي أن تعمل لها الدول البعيدة النظر ~~حسابا، صحيح أن أناسا كثيرة قد شعروا بالأسف لأن المجتمع الذي تم على يديه هذا ~~الكشف هو نفسه المجتمع الذي يسحق الإنسان في فيتنام، ويمتص خيرات أمريكا اللاتينية، ~~ويهدر حقوق شعب بأكمله في فلسطين، ولكن للقوة في عالم القرن العشرين احترامها مهما ~~كانت غاشمة، وأبلغ دليل على ذلك أن بلدا هائلا كالصين قد عمد إلى إخفاء أنباء ~~رحلة القمر فترة طويلة، وذلك - قطعا - بدافع الخوف مما يمكن أن تحدثه هذه ~~الأنباء من تأثير في معنويات شعبه، مع أن هذا الشعب ربما كان أشد شعوب الأرض عداء ~~للنظام الأمريكي وإصرارا على مواجهته. # وعلى أية حال فإن الأمر المؤكد الذي يثبته هذا الكشف هو أن أصحاب الحلول السهلة ~~والعبارات الروتينية المحفوظة عن الانهيار الوشيك للرأسمالية التي تتآكل بفعل ~~تناقضاتها الداخلية ينبغي أن يدركوا أن الواقع أعقد بكثير مما يتصورون، أما ~~بالنسبة إلينا - نحن سكان العالم الثالث - فهذا دليل آخر - إن كان يعوزنا الدليل - ~~على أن المستقبل رهن بالتقدم العلمي، وعلى أن إنسان المستقبل لن تكون له كرامة إلا ~~بقدر علمه، وعلينا أن ندرك أن الهوة تزداد اتساعا بسرعة مخيفة بين الأمم العارفة ~~وغير العارفة، وأن نركز كل طاقتنا في اللحاق بالركب. # العلم والتخطيط في عصر القمر # إن روعة الكشف الذي تم والدقة المذهلة التي أنجز بها، ربما جعلت الكثيرين ~~ينسون حقيقة معروفة، هي أن عصر الفضاء بأكمله يقل عمره عن اثني عشر عاما! فلم يكن ~~أحد يتصور - قبل انطلاق «سبوتنيك السوفييتي» في أكتوبر من عام 1957م - أن الفضاء قابل ~~للاستكشاف وللملاحظة التجريبية المباشرة بواسطة الآلة، وبواسطة حواس الإنسان ذاتها، ~~وما زلت أذكر ذلك المثل الذي ساقه برتراند رسل في أحد كتبه الفلسفية التي صدرت قبل ~~هذا التاريخ بفترة غير طويلة، حين وصف أية قضية تتحدث عن الوجه الآخر للقمر بأنها ~~قضية غير قابلة للتحقيق التجريبي، هكذا كانت العقول الممتازة ذاتها تتصور الأمور ~~قبل أكتوبر 1957م! # لكن هل كان أحد يتصور - بعد هذا التاريخ ذاته مباشرة ms075 - أن التطور سيسير بهذه ~~السرعة المذهلة؟ لقد حاولت الولايات المتحدة في أواخر العام نفسه أن تدخل سباق ~~الفضاء، وكان أول مشروعاتها صاروخ «فانجارد»، ولن أنسى تلك التجربة الأولى التي ~~شاهدتها بنفسي على شاشة التليفزيون الأمريكي في يوم من أيام ديسمبر عام 1957م، حين ~~كان الشعب الأمريكي كله يترقب بأعصاب متوترة صعود الصاروخ الذي يحمل قمرا صناعيا ~~أظن أن وزنه كان خمسة أرطال، فإذا بالصاروخ بعد أن أصدر ضجيجا يصم الآذان ودخانا ~~يغشى العيون، يرتفع بتؤدة فوق الأرض مسافة لا تزيد عن المترين، ثم يميل بتثاقل على ~~أحد جانبيه؛ لينتهي به الأمر إلى رقاد مريح، وفي الأيام التالية كانت السخرية تنهال ~~على المشروع بأكمله، حتى إن ابن مصمم المشروع كان يشكو من أن تلاميذ المدرسة الصغار ~~أخذوا يعيرونه ولا يكفون عن سؤاله: متى يقذف أبوك بهذه الكرة إلى أعلى؟ # بين هذا الحادث وبين أول خطوة خطاها نيل أرمسترونج على أرض القمر أقل من اثني عشر ~~عاما، فما دلالات هذا التطور المذهل؟ # إن أولى الدلالات - بطبيعة الحال - هي المعدل المخيف لسرعة التقدم العلمي ~~والتكنولوجي؛ ففي جيل واحد - بل في فترة قصيرة من حياة ذلك الجيل - استطاع العقل ~~البشري أن ينتقل من الإخفاق في إرسال كرة صغيرة في مدار حول الأرض، إلى النجاح في ~~إرسال مركبة كاملة تهبط برفق، ومعها حمولتها من البشر والآلات فوق القمر، ثم تغادره ~~وتعود إلى الأرض في زمانها ومكانها المحددين، وخلال هذه السنوات القلائل تمكن ~~الإنسان من أن يسيطر على آلاف المشكلات المتعلقة بقوة دفع أحمال ضخمة بسرعة هائلة ~~تكفي للإفلات من جاذبية الأرض، والتغلب على الحرارة الشديدة الناتجة عن الاحتكاك ~~بالغلاف الجوي عند العودة، وتحديد اتجاه الصاروخ حين يخرج من أرض تتحرك بسرعة هائلة ~~ليصيب قمرا يتحرك بدوره بسرعة هائلة على مسافة مئات الألوف من الأميال، وحل عشرات ~~المشكلات الطبية والبيولوجية المتعلقة بحياة رواد الفضاء في مركبتهم وتنفسهم ~~وتغذيتهم وغير ذلك من وظائفهم الطبيعية في جو محكم الإغلاق، ونوع ملابس الرواد في ~~كل مرحلة من الرحلة، والانفصال ms076 عن السفينة الأم وعودة الاتصال بها، والسير دون خطأ ~~على أرض كوكب مجهول، والاتصال اللاسلكي والتليفزيوني بالأرض من هذا البعد السحيق، ~~إلى آخر المشكلات الهائلة العدد التي كان أبسط خطأ يرتكب في إحداها كفيلا بإفساد ~~الرحلة كلها، وكان حل هذه المشاكل يعني تقدما علميا وتكنولوجيا في مجالات ~~الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضة والحاسبات الإلكترونية والفسيولوجيا والطب ~~والتغذية وغير ذلك من الميادين المعروفة، والميادين الجديدة التي استحدثها عصر ~~الفضاء. # ومن الأمور البالغة الدلالة - بالنسبة إلى هذه الرحلة القمرية - أن كل شيء، فيها ~~كان محددا بدقة ، حسب تخطيط محكم وضع منذ سنوات طويلة؛ فالعالم كله كان منذ سنوات ~~يعرف التاريخ المحدد لهبوط الإنسان على القمر، وإني لأعترف بأنني كنت كلما سمعت ذلك ~~التاريخ انتابني الشك في إمكان بلوغ هذا الهدف الطموح، ولم أصدق ما حدث إلا بعد أن ~~حدث! والأمر الذي يدعو إلى الحيرة حقا هو أن هذا التخطيط البالغ الدقة قد تم وضعه ~~وتنفيذه بنجاح في ظل نظام اجتماعي كان على الدوام يشكك في قيمة التخطيط الذي يحشد ~~له المجتمع أكبر قدر من موارده لكي يحقق هدفا حدده مقدما، ولست أدري هل سيؤدي هذا ~~النجاح إلى تطبيق التجربة نفسها في ميادين أخرى؟ أم سيظل هذا المجتمع يعترف بقيمة ~~التخطيط في ميدان وينكرها في سائر الميادين؟ # هذا السؤال له - في نظري - أهمية بالغة، ولكي يتصور القارئ ما أعنيه، أود أن أعقد ~~مقارنة بين الطريقة التي تم بها الوصول إلى القمر، وطريقة البحث عن علاج لمرض ~~السرطان في الولايات المتحدة؛ فمن المعروف أن مشكلة مكافحة السرطان - الذي يعد ~~أشد الأمراض فتكا بالإنسان، ولا سيما في البلاد الصناعية المتقدمة - تحتل في تفكير ~~كل أمريكي - وربما كل إنسان في العالم - أهمية لا تقل عن أهمية الوصول إلى القمر، ~~ومن المؤكد أن فرحة العالم - وضمنه الشعب الأمريكي - بالوصول إلى علاج حاسم للسرطان ~~ستزيد أضعافا مضاعفة عن فرحته بنزول الإنسان على القمر، ومع ذلك فكيف تجرى ~~الأبحاث في أمريكا للتغلب على هذا المرض القاتل؟ إن أساس هذه الأبحاث ms077 وغيرها من ~~الأبحاث الخاصة بالأمراض الأخرى هو التبرعات التي تقدمها المؤسسات الخيرية ~~والأفراد، وتشرف على حملات التبرع هذه شركات للإعلان والعلاقات العامة، تتقاضى ~~بالطبع مبالغ باهظة، وبقدر براعة الشركة المشرفة على الحملة تتحدد الأموال التي ~~تخصص للبحث العلمي في أي مرض بعينه، وكثيرا ما يحدث أن ينال مرض ضئيل الانتشار ~~أموالا هائلة، بينما لا ينال مرض أخطر منه وأوسع انتشارا بكثير ما هو جدير به من ~~التبرعات، لا لشيء إلا لأن الشركة التي تشرف على الحملة الإعلانية للمرض الأول أبرع ~~من الأخرى، أو لأن ممثلا مشهورا تطوع بإقامة برامج تليفزيونية لصالح هذا المرض ~~(وهو تطوع يكتسب بفضله الممثل - في الوقت ذاته - صورة نبيلة في أعين الجماهير، تعود ~~عليه آخر الأمر على شكل مزيد من الإقبال على أفلامه)، والمهم في الأمر أن عوامل ~~عرضية كثيرة تتدخل في تحديد مقدار الأموال التي تخصص للبحث العلمي في الأمراض، ~~وصحيح أن مرضا كالسرطان لديه موارد ثابتة من مؤسسات مضمونة، ولكن هذه الموارد لا ~~تقاس على الإطلاق - سواء من حيث انتظامها - بقدر ضئيل من الموارد المخططة لبرنامج ~~الفضاء. # ومن الأمور التي تدعو - لأول وهلة - إلى الدهشة في برنامج الفضاء الذي توج ~~بالوصول إلى القمر أن التخطيط العلمي في هذا البرنامج لم يكن يعترف بأية مشكلات ~~متعلقة بقدرة العقل البشري أو عدم قدرته على الاختراع؛ ففي الوقت الذي وضع فيه ~~البرنامج، وحدد فيه وقت معين للنزول على القمر، كانت هناك آلاف المشكلات لم ~~تحل بعد، والمفروض - من وجهة النظر التقليدية المألوفة - أن التنبؤ الدقيق ~~بمراحل الكشف في المستقبل يستحيل ما دامت هناك مشكلات لم يتيسر حلها، وما دام وصول ~~العبقرية البشرية إلى حلول ناجحة لمشكلاتها أمرا لا يمكن تحديده بزمان ثابت، أو ~~التنبؤ به مقدما، ومع ذلك فإن البرنامج لم يقم أي وزن لهذه العقبة، بل وضع ~~تخطيطا معينا، ونفذ كل مرحلة في هذا التخطيط في موعدها المحدد. # والفكرة الجديدة في هذا هي أن المجتمع إذا استطاع أن يعبئ الموارد اللازمة - مهما ~~عظمت - والعدد الكافي من ms078 العلماء والفنيين - مهما كبر - فعندئذ لن تقف عقبة في وجه ~~البرنامج الذي يخططه على أساس مدروس بدقة، وبعبارة أخرى فإن الفهم التقليدي للكشف ~~العلمي والتكنولوجي الذي يعتمد على انتظار هبوط الوحي بالحل السعيد على ذهن العالم ~~أو المخترع، قد طرح جانبا في هذا البرنامج، وأصبحت الأمور تسير على أساس مبدأ جديد ~~هو: لا تبخل بالمال ولا بالرجال، وسيتم كشف كل ما هو مجهول في الموعد المطلوب، ~~ويمكن القول - بناء على ذلك - إن نجاح رحلة القمر في موعدها، والوصول إلى حلول ~~لألوف المشكلات التي كانت مجهولة في الوقت المحدد، ربما كان إيذانا ببداية عصر ~~جديد، لا في كشف الفضاء الكوني وحده، بل في منهج البحث العلمي ذاته. # هذا المبدأ لو طبق على السرطان أو على غيره من الآفات التي تفتك بالبشر، لكان ~~كفيلا بحل المشكلة، والأمر الذي يكاد يكون مؤكدا هو أنه لو خصصت لهذا النوع ~~من المشكلات الإنسانية نفس الجهود ونفس الأموال، وكرست لها موارد وإمكانات ~~مجتمع صناعي متقدم كالمجتمع الأمريكي؛ لأصبح السرطان وغيره من الأمراض الفتاكة مجرد ~~ذكريات أليمة لا ترد إلا في القصص وكتب التاريخ. # إنني لست الآن في معرض اللوم أو النقد، ولست أود أن أردد مع الكثيرين من أصحاب ~~النزعات الإنسانية: ألم يكن هذا أجدر بالاهتمام من ذاك؟ وهل انتهت مشكلات الإنسان ~~على الأرض لكي نكرس كل قوانا للانتقال إلى القمر؟ هذه في رأيي أسئلة ليس لها الآن ~~جدوى، وذلك لسببين: أولهما أن نجاح التخطيط العلمي في ميدان معين هو في ذاته أمر ~~يدعو إلى التفاؤل؛ لأنه يجعلنا نتطلع إلى اليوم الذي يتحقق فيه تخطيط مماثل في سائر ~~الميادين. والسبب الثاني هو أن كثيرا من أروع الكشوف العلمية والثورات الحضارية ~~التي غيرت مجرى الحياة البشرية، قد ظهرت في البداية نتيجة لدوافع ليست كلها إنسانية ~~خالصة، وإلى هذا العامل الثاني أنتقل الآن. # شيء من الخيال # إن وصول الإنسان إلى القمر - مهما كانت دوافعه الأيديولوجية أو العسكرية - هو في ~~رأيي أمر يدعو إلى التفاؤل لأكثر من سبب، ولست ms079 أود أن أتحدث عن نتائجه المباشرة ~~التي يعرفها الجميع، كما أنني لا أود أن أطيل الكلام عن نتائجه غير المباشرة، التي ~~تتلخص في أن البلايين التي أنفقت لم تصرف كلها من أجل سفن «أبولو» وحدها، بل ~~إن هناك كشوفا جانبية عديدة تمت أثناء الإعداد لهذا البرنامج الضخم، لا بد أن ~~تنعكس آثارها على حياة الإنسان اليومية في هذه الأرض خلال السنوات القليلة المقبلة، ~~وإنما الذي أود أن أتحدث عنه - بشيء من الخيال - هو ما يمكن تسميته بالنتائج ~~البعيدة لهذا الحدث العظيم. # في رأيي أنه ليس من المصادفات أن يتمكن الإنسان من استبدال القلب البشري، ومن ~~الهبوط إلى سطح القمر في فترة متقاربة، إنه في كلتا الحالتين لا يرضى بوضع طبيعي ~~فرض عليه منذ آلاف السنين، ويحاول أن يصنع لنفسه - بيديه - وضعا آخر، ومن ~~المسلم به أن مسار المدنية كلها - منذ بدايتها حتى الآن - يتلخص في عدم رضاء ~~الإنسان بالأوضاع التي يجد نفسه فيها، ومحاولته أن يتحكم بنفسه في حياته وفي بيئته، ~~ولكن ما يتم في هذه الأيام شيء أعمق من ذلك بكثير، إن الإنسان يحاول أن يتحكم في ~~تركيبه الداخلي «الطبيعي» من جهة، ويحاول من جهة أخرى أن يتلمس لنفسه سبيلا للحياة ~~في وسط مخالف لذلك الوسط «الطبيعي» الذي كان يعتقد أنه لا يصلح إلا للعيش فيه، هذا ~~الاتجاه إلى تحدي كل ما درجنا على أن نعده «طبيعيا» - سواء في ذلك تركيب عقولنا ~~وقدراتنا الذهنية والبدنية وتكويننا البيولوجي وطريقة تكاثرنا ... إلخ - هو الذي سيسير ~~فيه التطور في المستقبل. # وبالمثل فليس من قبيل المصادفات - في اعتقادي - أن يتمكن الإنسان من الوصول إلى ~~القمر قبل وقت غير طويل من تلك اللحظة الحرجة التي يتوقع علماء السكان أن يصل إليها ~~العالم، حين يصل عدد سكانه إلى حد لا تعود عنده موارد الغذاء كافية، بل لا يعود فيه ~~مجال كاف لتحرك البشر في يسر على سطح الأرض، وها هي ذي بوادر الحل قد ظهرت. # إن المستقبل يحمل في طياته للجنس البشري نوعا من الحياة ms080 يمكنه أن يستبدل فيه ~~بأعضائه الطبيعية التالفة أعضاء أخرى صناعية أفضل وأكفأ، وأن يكتسب القدرة على ~~استئصال الأمراض كلها، فإذا تحقق ذلك، فما الذي يمنع من تصور إنسان يعيش في المتوسط ~~مائتي عام ثم خمسمائة عام؟ وما الذي يمنع من محاولة قهر الموت؟ # ولنتأمل الأمر من زاوية أخرى: إن جاذبية القمر سدس جاذبية الأرض، والجهد الذي ~~يتحمله قلب الإنسان على سطح الأرض يستطيع أن يتحمل ستة أضعافه على سطح القمر، وهذا ~~وحده كاف - حتى بدون التقدم الطبي - لكي نتصور إنسانية تحقق لنفسها - في السماء - ~~حياة أخرى أبقى من الحياة الأرضية، وستكون هناك علاقة متبادلة بين طول عمر الإنسان ~~وبين استكشافه لأبعاد الكون الفسيح؛ إذ إن الحياة في الفضاء بلا جاذبية أو بجاذبية ~~قليلة، ستؤثر هي ذاتها في إطالة عمر الإنسان، واستكشاف الكواكب ثم النجوم البعيدة ~~يحتاج من جهة أخرى إلى إنسان يعيش مئات السنين حتى يقطع الرحلة الطويلة، ولنتخيل ~~ماذا يستطيع مثل هذا الإنسان - سواء على الأرض أو في الفضاء الفسيح - أن ينجزه خلال ~~حياته الطويلة، لقد أنجز الإنسان في جيلنا الحاضر كشوفا مذهلة في ميدان الفضاء في ~~مدى اثني عشر عاما فقط، ومعدل التقدم العلمي في ازدياد مستمر، فما ننجزه الآن في ~~خمسين عاما سينجزه الإنسان في نهاية القرن في عشرة أعوام، وربما أنجزه في القرن ~~التالي في عامين أو ثلاثة، وهلم جرا، فإذا أضفنا إلى ذلك زيادة كبيرة في عمر ~~الإنسان، ومزيدا من الخبرات لكل جيل على حدة (إذا ظل هناك معنى لكلمة «جيل» في ~~المستقبل) فهل يستطيع الخيال عندئذ أن يحيط بما يمكن إنجازه؟ # إن تطورات مذهلة تنتظر الإنسان، وما نشاهده اليوم ليس إلا أول البدايات، فما زال ~~تاريخ البشر حتى الآن «أرضيا»، ولكن بوادر التاريخ «السماوي» قد بدأت تظهر، ~~والمهم أن تظل البشرية حية، وتلقي جانبا بتلك الألعاب الخطرة السخيفة المسماة ~~بالأسلحة النووية وبالأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية، وعندئذ نستطيع أن نتساءل: ~~إذا كانت الإنسانية قد انتقلت من عصر الخيل إلى عصر الصواريخ والقمر في مائة عام، ~~فما ms081 الذي ستكون عليه أحوالها لو عاشت ألف عام أخرى؟ # لنسرح بخيالنا كما نشاء، فسوف تظل عقولنا الحالية - مهما أسرفت في التخيل - عاجزة ~~عن إدراك لمحة واحدة من أبعاد هذا الأفق الفسيح. # الباب الثاني # | نقد القيم الاجتماعية # | القيم الإنسانية بين الحركة والجمود1 # في كل عصر من عصور التحول الكبرى تتكرر من جديد قصة «دون كيخوته»، فتجد في ذلك العصر ~~نفوسا تدافع بحرارة وإخلاص عن قيم تجاوزها ركب الزمان، وتتوهم أن هذه القيم أزلية ~~مخلدة، وتشن حربا شعواء على كل من يدعو إلى أي نوع من التجديد أو التغيير فيها، أما ~~الدعوة إلى التخلي عنها وإحلال قيم أخرى محلها، فتلك في رأيها قمة الكفر وأوضح الدلائل ~~على المروق. # وعصرنا هذا عصر تحول حاسم في تاريخ البشرية، بل إن الفترة الراهنة من تاريخ العالم قد ~~تكون أهم نقطة تحول طوال ذلك التاريخ، صحيح أن كل عصر يظن نفسه «حاسما»، وأن المفكرين ~~في كل زمان كانوا دائما يعتقدون أنهم يقفون في مفترق الطرق، ويتصورون الفترة التي ~~يعيشون فيها على أنها أعظم أهمية بالنسبة إلى مصير البشر من كل فترة مرت بالإنسان من ~~قبل، هذا صحيح كل الصحة، ويبدو أنه يرجع إلى ميل طبيعي في العقل البشري إلى إعلاء شأن ~~العصر الذي يعيش فيه، والنظر إليه على أنه محور التاريخ كله. ومع ذلك فإن القول بأن ~~عصرنا هذا هو عصر التحول الأكبر في تاريخ الإنسانية لا ينبع من أي ميل عاطفي إلى إعلاء ~~الذات، أو أية رغبة متعمدة في تأكيد أهمية هذا العصر، وتأكيد أهمية أنفسنا معه، وإنما ~~هو يرجع إلى حقائق موضوعية لا تقبل الخلاف أو الجدل، ويكفي دليلا على ذلك أن ندرك ~~حقيقتين أساسيتين: الأولى أن هذا العصر هو الذي سيقرر نهائيا مصير مشكلة الحرب ~~والسلام، فإن كانت حرب فهي الأخيرة، وإن كان سلام فهو السلام الذي لا حرب بعده. ~~والحقيقة الثانية أن عصرنا هذا هو الذي سيشهد التحول الحاسم للعلاقات البشرية من علاقات ~~استغلال إلى علاقات مشاركة وتضامن ومساواة، فإذا تذكرنا أن ms082 الحرب ظاهرة قديمة قدم ~~التاريخ، حتى لقد تحدث البعض عن «غريزة القتال أو الحرب» في الإنسان، أدرجوها ضمن ~~غرائزه المتأصلة التي لا يستطيع التخلص منها، وإذا تذكرنا أيضا أن استغلال الإنسان ~~للإنسان ظل على الدوام صفة ملازمة للعلاقات البشرية منذ أقدم عصور التاريخ؛ لأدركنا ~~أننا حين نصف عصرنا هذا بأنه عصر التحول الحاسم، فإننا لا نكون في ذلك مغالين على ~~الإطلاق، ولا يكون حكمنا هذا صادرا عن أي غرور أو رغبة في تأكيد أهمية الذات. # في مثل هذا العصر تعيش القيم المتطلعة إلى الوراء والقيم المتطلعة إلى الأمام جنبا ~~إلى جنب، ويدور بين هذه وتلك صراع فكري عنيف، تزداد حدته بقدر رغبة القديم في التشبث ~~بآخر معاقله، والجديد الوليد في تأكيد ذاته وإثبات جدارته بالحياة. ومما يزيد هذا ~~الصراع الحاد تعقيدا أنه لا يتخذ على الدوام شكل تعارض بين قيم رجعية وقيم تقدمية، ~~وإنما يتخذ في كثير من الأحيان شكل اختلاف في تفسير قيم واحدة؛ فقد تظل نفس القيم ~~باقية، ولكنها تكتسب مع أنصار الجديد دلالة جديدة، على حين أن أنصار القديم يتمسكون ~~بدلالتها التقليدية، فيزداد الصراع بين الطرفين تعقيدا؛ لأن كليهما ينادي بنفس القيم، ~~وإن تكن المعاني الكامنة من وراء هذه القيم المشتركة مختلفة كل الاختلاف. # وعلى ذلك فإن بحثنا في قيم التخلف وقيم التقدم لا بد أن يتشعب إلى فرعين: أحدهما ~~يتناول المقارنة بين أنواع متقابلة من القيم، والآخر يقارن بين معان ووجهات نظر مختلفة ~~لقيم واحدة. # ومن المحال أن يتسع المجال في هذا المقال لبحث شامل أو قريب من الشمول لموضوع عظيم ~~الاتساع كهذا، ومن هنا كان علينا أن نكتفي بتناول نماذج من القيم الرئيسية، نستطيع أن ~~نستخلص منها بوضوح تلك الصفات المميزة للنظرة الراجعة إلى الوراء، وللنظرة المتطلعة إلى ~~الأمام، وأن ندرك بالتالي طبيعة القيم التي قدر لها الزوال، وتلك التي سيكتب لها ~~البقاء. # القيم الفردية، والقيم الجماعية # لا جدال في أن جزءا كبيرا من الصراع الفكري الذي يدور اليوم بين قوى التقدم ~~والتخلف، يتركز في ms083 التعارض بين القيم الفردية والقيم الجماعية، وكثيرا ما يتخذ ~~أنصار الفردية أسلوب المدافعين عن الكرامة الإنسانية وعن حرمة الشخصية البشرية، وهم ~~في ذلك يقتربون كل القرب من موقف ذلك الفارس النبيل الذي أشرنا إليه في مستهل هذا ~~المقال - أعني «دون كيخوته» - في تعلقه الإنساني المخلص بقيم فات أوانها وانقضى ~~عهدها إلى غير رجعة. # وذلك لأن الفرد - من أية زاوية تتأمله منها - لا يمكن أن يكون ذرة منعزلة بلا ~~أبواب ولا نوافذ - على حد تعبير الفيلسوف الألماني المشهور ليبنتس - وإنما هو ملتقى ~~طرق طولية وعرضية لا حصر لها ولا عدد، إنه أشبه بالنقطة الهندسية التي لا تعرف ~~بذاتها، وإنما تعرف بأنها موضع التقاء خطين أو أكثر، ولا تفهم إلا من حيث هي ~~موضع التقاء فحسب، ولقد دارت مناقشات طويلة حول معنى الفردية وإمكانها من الوجهة ~~الفلسفية، ولست أهدف هنا إلى إضافة أي جديد إلى هذه المناقشات التي أصبحت عناصرها ~~الأساسية مألوفة لكل مثقف، وإنما أود أن أتناول المشكلة من حيث علاقتها بالقيم ~~الأخلاقية، أي في صلتها بالموضوع الرئيسي لهذا المقال. # إن المبالغة في تأكيد قيمة الفردية يؤدي - سواء شاء المرء أم لم يشأ - إلى نوع من ~~التغليب للروح الأنانية؛ ذلك لأن هناك أنواعا أساسية من الكفاح لا يمكن أن تتم على ~~المستوى الفردي على الإطلاق، وإذا قام بها أفراد منعزلون فإن النتيجة تكون دائما ~~إخفاقا وشعورا مريرا بخيبة الأمل؛ فالكفاح الأساسي ضد الاستغلال والاستعباد بشتى ~~أنواعه (وأقول إنه أساسي لأنه هو وحده الذي يمهد الطريق لجميع مظاهر التحرر ~~الأخرى) ينبغي أن يتم على مستوى التضامن الجماعي، إن شئنا أن يتحقق له أي قدر من ~~النجاح، وعلى ذلك فإن إنكار قيم التضامن هذه يؤدي - ولو بطريق غير مباشر - إلى ~~تأكيد حالة الاستعباد، وتأخير لحظة التحرر بالنسبة إلى المجتمع وإلى الفرد ~~ذاته. # ولقد كان المقابل الاقتصادي لمبدأ الفردية هو تأكيد دافع الربح؛ ففي الحضارة ~~الرأسمالية تسير الفكرتان جنبا إلى جنب، بحيث يؤكد المفكرون والأدباء من جهة قيمة ~~الفردية، ويقوم الاقتصاد من جهة أخرى ms084 على مبدأ تشجيع حافز الربح في الأفراد إلى ~~أقصى مدى ممكن، ولقد أصبح من الشائع في هذه الحضارة أن ينظر إلى قيمة الفردية ومبدأ ~~الربح على أنهما وجهان - أحدهما أخلاقي والآخر اقتصادي - لحقيقة واحدة، ومع ذلك فلا ~~جدال - في رأيي - أن هناك تناقضا صارخا بين هذين المبدأين، حتى إن تأكيد أحدهما ~~يؤدي حتما إلى القضاء على الآخر. # ولكي نكشف هذا التناقض، علينا أن نتساءل: ما الذي يعنيه تأكيد دافع الربح في ~~المجتمع الرأسمالي؟ إنه يعني اعتقادا ضمنيا بأن أقوى الدوافع المسيطرة على الفرد ~~هو تحقيق منفعته الذاتية، ولو كان ذلك على حساب الآخرين، إنه ينطوي على اعتراف صريح ~~بأن الإنسان أناني بطبعه، وبأن الاعتبارات المعنوية أو الأخلاقية لا يمكنها أن تكون ~~حافزا كافيا لجهد الإنسان ونشاطه، على حين أن الاعتبارات المادية هي الأقدر على ~~أن تحفزه إلى الفعل وبذل المجهود ... ولسنا الآن بسبيل مناقشة مدى صحة هذه النظرة إلى ~~طبيعة الإنسان (وهي النظرة التي يراها البعض تعبيرا صريحا عن «الواقع المؤسف»، ~~ويؤكد البعض الآخر أنها ليست صحيحة على الإطلاق، وإنما هي وليدة أوضاع وعلاقات ~~معينة ظلت سائدة في المجتمع البشري حتى اليوم، وليس هناك ما يمنع من تغييرها ~~جذريا في المستقبل) وإنما الذي يعنينا من هذا هو التناقض الصارخ الذي تكشف عنه ~~هذه النظرة، بين الأساس الاقتصادي والبناء المعنوي أو الأخلاقي للحضارة الرأسمالية ~~التي تسود فيها؛ ذلك لأن محور الدعوة الأخلاقية في المجتمع الرأسمالي هو تأكيد ~~كرامة الفرد، وفلسفة هذا المجتمع ودعايته تنصب على تأكيد أن الحضارة الأخرى - ~~أعني الحضارة الاشتراكية في شتى مظاهرها - تقضي على الكرامة الفردية وتجعل من ~~الأفراد «أرقاما» في مجتمع من «النمل والنحل»، والأهم من ذلك أن المجتمع ~~الرأسمالي نفسه هو الذي يطالب لنفسه بحق الدفاع عن القيم الروحية، ويتهم المجتمع ~~المقابل له بتأكيد المادية واتخاذها محورا لنشاط الإنسان في كل الميادين. # وهنا يظهر لأعيننا بكل وضوح مدى التناقض في بناء عالم القيم في المجتمع ~~الرأسمالي؛ ذلك لأن هذا البناء يرتكز على مبدأ اقتصادي يفترض ضمنا ms085 أن غاية الإنسان ~~الكبرى هي تحقيق الربح والمصلحة الذاتية، وهي غاية مادية صرف، ولكن واجهة البناء ~~تتخذ شكلا روحيا رفيعا، ينصب فيه المفكرون أنفسهم مدافعين عن كرامة الإنسان ~~وجدارته، وعلى حين أن الأساس الذي ترتكز عليه هذه الحضارة هو المادية في أوضح وأصرح ~~صورها، فإن المحور الذي تدور حوله الدعوات الفكرية والمذاهب الفلسفية فيها هو ~~الروحانية في أرفع مظاهرها، ومثل هذا التناقض الصارخ علامة من علامات الانهيار؛ إذ ~~إن الفكر الواعي لا بد أن يتنبه إليه، ويعمل على إزالته، وهذا لا يكون إلا ~~بتغيير حاسم لبناء القيم من أساسه. # ولا يقتصر تطبيق مبدأ «حافز الربح» هذا على العلاقات بين الأفراد فحسب، بل إن ~~المجتمع الرأسمالي يطبقه على العلاقات بين الدول وبين الأجيال أيضا؛ فالاستعمار هو ~~بهذا المعنى تطبيق مباشر لهذا المبدأ على مستوى الدول؛ إذ إن نفس العلاقات التي ~~تربط بين صاحب العمل وبين العامل من جهة - في ظل مبدأ حافز الربح - هي التي تربط ~~بين الدولة الاستعمارية وبين مستعمراتها من جهة أخرى، وكما أن من غير الطبيعي من ~~وجهة النظر الإنسانية أن يصبح الفرد الواحد من أصحاب الملايين على حساب شقاء الألوف ~~من العاملين، فإن من غير الطبيعي أيضا أن تصبح الدولة الواحدة خيالية الثراء على ~~حساب شقاء عشرات الدول المنتجة الأخرى، ولا بد - في هذه الحالة الأخيرة - من أن ~~ينسب هذا التفاوت بين ثروات الدول إلى أوضاع غير طبيعية في علاقاتها، وهي أوضاع ~~تخضع بدورها لمبدأ «حافز الربح» وتعبر عن فكرة الاستغلال أوضح تعبير، وهنا أيضا ~~نجد تناقضا بين الأساس المادي الصريح لهذا النوع من العلاقات الدولية، وبين ~~الواجهة الظاهرية لبناء القيم المعبرة عن هذه العلاقات، حيث يشيع الحديث عن ~~«الإخاء»، و«التضامن»، و«التحالف من أجل التقدم» وكلها تركيبات معنوية زائفة ~~تتناقض مع الدعامات الفعلية التي ترتكز عليها، ولا بد للتخلص من هذا التناقض من ~~تغيير بناء القيم بأسره. # وأخيرا فإن الروح الفردية المتطرفة تؤدي إلى مظهر آخر من مظاهر الأنانية، هو ~~أنانية الأجيال المتعاقبة؛ فالافتقار إلى التخطيط الطويل ms086 الأمد - في المجتمعات ~~الرأسمالية - يعني أن كل جيل يفكر في نفسه فقط، ولا يعبأ بما سيئول إليه أمر ~~الأجيال التالية، وبالفعل نجد في أرقى البلاد الرأسمالية مفكرين ينبهون إلى خطورة ~~الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية دون حساب للمستقبل، وإلى الفوضى التي تؤدي إلى ~~تضخم الإنتاج في سلع ثانوية الأهمية، ولكنها تدر ربحا، وتضاؤل الإنتاج في سلع ~~عظيمة الأهمية، ولكن ربحها قليل، أما سياسة التخطيط البعيد الأمد فهي لا تعني إلا ~~شيئا واحدا، هو أن الجيل الحالي يفكر في الأجيال المقبلة بطريقة أساسها إنكار ~~الذات ويقبل التضحية من أجلها بكثير من مطالبه، وهكذا فإن التخطيط هو - من الناحية ~~الأخلاقية - تعبير عن نوع من «الغيرية» على مستوى الأجيال المتعاقبة، على حين أن ما ~~يسمى «بالإنتاج الحر» إنما هو تعبير عن أنانية الجيل الحاضر وجشعه الذي يحول بينه ~~وبين التفكير في المصالح البعيدة المدى للأجيال المقبلة، وفي هذه الحالة بدورها ~~يتناقض الهيكل المعنوي للمجتمع - الذي تنتشر فيه أفكار مثل «حرية الإنتاج» و«حرية ~~العمل» - مع التركيب الحقيقي الذي تسوده الفوضى والقيم الأنانية، ويتحتم إحلال ~~قيم جديدة محل القيم «الفردية» - على مستوى الأجيال المتعاقبة بدورها - من أجل ~~القضاء على هذا التناقض. # في كل هذه الحالات ينتهي الأمر بالفيلسوف الداعي إلى الفردية إلى تأكيد قيمة ~~الأنانية في صورة من صورها، على الرغم من أن نواياه قد تكون حسنة، ورغبته قد تكون ~~حقيقية في اتخاذ دعوته هذه وسيلة لتأكيد كرامة الإنسان، ومن هنا كان عليه أن يراجع ~~موقفه المعنوي بأسره إذا شاء ألا يكون وسيلة لخدمة قيم التخلف، وإذا أراد أن يكون ~~تفكيره عاملا على إعلاء مكانة الإنسان بحق. # الثبات والتغيير # ومن البديهي أن الإيمان بالتقدم هو ذاته أحد القيم الأساسية في كل مذهب تقدمي، ~~على حين أن إنكار التقدم من أوضح صفات المذاهب الفكرية المرتكزة على قيم متخلفة، ~~على أن فكرة التقدم تفترض مقدما فكرة أخرى، هي فكرة التغير؛ لأن التقدم لا يكون ~~حقيقة أساسية إلا في فلسفة تؤمن بإمكان التغيير وضرورته، فما هو موقع فكرة التغير ms087 ~~بالنسبة إلى قيم التقدم؟ وعلى أي نحو ترتبط بها؟ # نستطيع أن نقول إن الإيمان بالتغير هو الشرط الأول الضروري لكل القيم التقدمية؛ ~~فلقد أتى على الناس حين من الدهر كان الإيمان بالتغير يعد فيه مظهرا من مظاهر ~~النقص، وكان كل ما هو كامل يوصف بالثبات والأزلية، في ذلك الوقت كانت القيم ~~المحافظة هي السائدة، وكانت الثورة والرغبة في التغيير تعد خروجا على النظام ~~الأزلي للكون، ولم يكن من المستغرب أن نجد في فلسفة أفلاطون أقوى دفاع عن فكرة ثبات ~~القيم، وأن يكون أفلاطون في الوقت ذاته هو الداعية الأكبر إلى تركيب سكوني ثابت ~~للمجتمع، تؤدي فيه كل طبقة من طبقات المجتمع ما تصلح له - بحكم تكوينها الطبيعي - ~~من الأعمال، ولا يحق لها فيه أن تتطلع إلى أعمال الطبقات الأخرى؛ ذلك لأن الارتباط ~~بين فكرة أزلية القيم وبين ثبات التركيب الاجتماعي، هو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى ~~أية إشارة خاصة، ومنذ ذلك الحين أصبح من سمات التفكير المحافظ المرتكز على قيم ~~متخلفة: الإيمان بأن الكمال مرتبط بالثبات، وبأن التغير نقص، وأصبح هذا النوع من ~~التفكير - الذي ظل مسيطرا على الأذهان عصورا طويلة - ينظر إلى الإنسان على أن له ~~طبيعة ثابتة لا تتغير، ويؤكد أن القيم الأساسية أزلية لا تتبدل، ويساعد بالتالي على ~~توطيد دعائم الاستغلال القائم بتأكيد استحالة تغييره. # ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكون عصر التحول الاجتماعي الجذري - أعني القرن ~~التاسع عشر - هو ذاته العصر الذي تأكدت فيه فكرة التغير في جميع المجالات، وعلى ~~رأسها مجال القيم؛ ففي نفس الوقت الذي أخذت فيه فكرة التاريخ والزمانية تحل محل ~~فكرة الثبات والأزلية بوصفها أساسا لتفسير الظواهر، في نفس هذا الوقت كانت تحدث - ~~على المستوى العملي - تغييرات اجتماعية هائلة تبشر بقرب حدوث ثورة شاملة في علاقات ~~القوى بين البشر، وعندئذ بدأت تظهر لأول مرة حقيقة هائلة كانت هي المقدمة العملية ~~الكبرى لكل ثورة، هي أن النظم الاجتماعية ليست أزلية منزلة من السماء، وإنما هي من ~~صنع الإنسان ومن خلقه، وفي ms088 وسعه أن يعدل منها ما يشاء، بل إن الإنسان نفسه ليست له ~~طبيعة ثابتة، ولا تحكمه مجموعة ثابتة من القيم وإنما هو كائن قابل للتشكل إلى غير ~~حد، ولا يقف شيء في وجه قدرته على التغيير. # فالثورة والتقدم يتوقف مصيرهما على الإيمان بفكرة قابلية الإنسان وما يضعه من ~~النظم للتغيير، ومن المؤكد أن آمال الإنسان في تطوير حياته وتحسين أحوال معيشته لا ~~تعود تعرف حدودا منذ اللحظة التي يدرك فيها أن طبيعته ذاتها قابلة للتغيير، وليس ~~أدل على مدى التحول الهائل الذي طرأ على موقف الذهن البشري في هذا الصدد، من أن ~~عصرنا الحالي أصبح يعد التطور والتغير مظهرا من مظاهر الكمال، ويرى في الثبات ~~علامة من علامات النقص؛ فالظواهر التي تنتمي إلى مجال العلم والمعرفة والنظم ~~الاجتماعية ومظاهر الخلق والإبداع بكافة أنواعه، كل هذه أصبح التغير والنمو دليلا ~~على حيويتها وقدرتها على مسايرة الزمن، أما صفة الثبات التي كانت منذ عصر أفلاطون ~~حتى عهد قريب تعد أهم معيار للحقيقة في مجال المعرفة، وأكبر دليل على الاستقرار ~~في مجال العلاقات الاجتماعية؛ فقد أصبحت تعني التحجر والجمود، وتعد عائقا في ~~وجه تحقيق الإنسان لكل ما فيه من إمكانات. # أخطاء التقدميين # على أن كثيرا من المؤمنين بالقيم التقدمية يقعون - دون وعي منهم - في أخطاء ~~موروثة من تلك العهود الطويلة التي كان الثبات والأزلية يعدان فيها قيمة عليا ~~لكل الظواهر التي تتصل بالإنسان، من أهم هذه الأخطاء التقيد المفرط بالسلطة؛ فمن ~~أوضح الصفات المميزة للتقدميين في عصرنا هذا، التجاء الكثيرين منهم إلى نصوص ثابتة ~~يعدونها مرجعا أخيرا وحكما فاصلا في كل المشكلات التي يدور حولها أي خلاف، ~~والحجة التي يتذرعون بها هي أن هذه النصوص ذات طابع تقدمي في أساسه، ومع ذلك فمن ~~الواضح أن النص التقدمي عندما يصبح مرجعا نهائيا، وعندما يتخذ سلطة أخيرة لا ~~تناقش، يتحول إلى أداة تخدم أغراض التخلف؛ ذلك لأن الإيمان العميق بالتغيير، وبأن ~~الواقع المتطور نفسه هو المعيار النهائي لكل حقيقة، يحتم علينا ألا نقف من النص ms089 ~~موقف التقديس الخاشع مهما كانت درجة تقدميته، وأقصى ما يمكننا أن نفعله إزاءه هو أن ~~نتخذه دليلا هاديا، أما إذا أصبح متعارضا مع التجربة الفعلية للمجتمع (وهو أمر ~~لا بد أن يحدث بمضي الوقت) فلا مفر عندئذ من التضحية بالنص ومجاراة الواقع، وفي ~~اعتقادي أن الخطأ الذي يرتكبه كثير من التقدميين في هذا الصدد إنما يرجع إلى تحمسهم ~~البالغ للحقيقة الجديدة التي كشفها لهم النص التقدمي، وهي حقيقة تبهر عيونهم وقد ~~تعطل - إلى حين - ملكة التفكير النقدي لديهم، وهذا أمر مشاهد بالفعل في كل عصور ~~التحول الكبرى؛ ففي الفترات الأولى بعد ظهور الأديان كانت القاعدة الشائعة هي ~~التمسك بحرفية النص الديني، واتهام كل من يحاول إيجاد تفسير مستنير له بالمروق ~~والخروج عن الدين، ولكن استمرار التطور أدى في معظم الحالات إلى التخفيف من هذا ~~التزمت، وإلى النظر بعين التسامح والفهم إلى كثير من «الخوارج» و«المارقين»، ومثل ~~هذا لا بد أن يحدث - وهو قد بدأ يحدث بالفعل - في مجال التفكير السياسي بدوره؛ ~~فالإيمان الحقيقي بالتطور لا بد أن يخلص الأذهان من عادة الاستشهاد - في كل ~~صغيرة وكبيرة - بنص جامد، والاعتقاد بأن أي خلاف في الفكر النظري أو التطبيق العملي ~~يمكن أن يحل بالرجوع إلى ما ورد عنه في الكتب، حتى لو كانت هذه الكتب وثائق كبرى ~~للفكر التقدمي. # أما الخطأ الآخر الذي يقع فيه كثير من التقدميين فهو الاعتقاد بأن التغير ينبغي ~~أن يسري على القيم المتخلفة وحدها، على حين أن القيم التقدمية - عندما تتحقق لها ~~السيطرة - ستظل ثابتة، أي بأن الهدف النهائي لكل تطور هو تحقيق مجتمع اشتراكي مكتمل ~~العناصر، بالمعنى الذي نفهمه الآن لهذه الكلمة. هذا الاعتقاد في رأينا غير صحيح ~~لسبب جوهري هو أن التطور لا يعرف غاية نهائية يقف عندها؛ فمنذ اللحظة التي نعترف ~~فيها بأن الإنسان كائن قابل للتشكل، وبأن التطور الدائم يكون جزءا من طبيعة ~~الحضارة البشرية، يصبح من الضروري أن نمتنع عن تحديد أية نهاية لعملية التغير ~~والنمو التي تطرأ على أنظمة المجتمعات وعلى ms090 نواتج العبقرية البشرية، ومعنى ذلك أن ~~غاية التطور - عند من يؤمن حقا بالقيم التقدمية - ليست هي الاشتراكية وحدها، ~~وليست أي نظام آخر يستطيع العقل البشري أن يتصوره في مرحلته الراهنة، إن الاشتراكية ~~هي في واقع الأمر نقطة بداية تطورات هائلة لا بد أن تتلوها، وهذه التطورات سوف ~~تسفر قطعا - خلال المستقبل البعيد للبشرية - عن أنواع من التنظيم لا نستطيع ~~الآن أن نتكهن بها ولو على صورة تقريبية، وكل ما يمكن تأكيده بشأنها هو أنها - من ~~الوجهة السلبية - ستخلو تماما من جميع مظاهر الاستغلال؛ ففي التطور العلمي المذهل ~~الذي تزداد سرعته بمضي السنين، تفتح في كل يوم إمكانات جديدة أمام الإنسان، وإذا ~~اقترن ذلك بتنظيمات اجتماعية تتخلص تماما من الاستغلال، فإن النتيجة تكون ظهور ~~عهود جديدة للإنسان لا يستطيع أشد الناس إغراقا في الخيال أن يتخيلوها، والمهم في ~~الأمر أن هذا التطور لن يسير حتما حسبما تقرره الكتب أو الدراسات النظرية، وإنما ~~سيسير مسترشدا بالتجربة ويأتينا على الدوام بالجديد الذي لم يكن نحلم به. # الحرية حالة أم عملية؟ # ولست أود أن أطيل الحديث عن ذلك النوع الآخر من القيم الذي يتمسك به التقدميون ~~والرجعيون في آن واحد، ولكنهم يختلفون أساسا في تحديد معانيه، وهو النوع الذي وعدت ~~القارئ في بداية المقال بالحديث عنه؛ فلدينا لهذا النوع أنموذج واحد عظيم الأهمية، ~~تغنينا معالجته عن الكلام في القيم الأخرى المنتمية إلى هذه الفئة، ذلك الأنموذج ~~الواحد هو قيمة الحرية. # ففكرة الحرية تكون جزءا أساسيا من مجموعة القيم التي لا يستطيع الإنسان ~~الاستغناء عنها، وإن يكن فهمه لها يختلف من النقيض إلى النقيض تبعا لفلسفته العامة ~~في الحياة، وهكذا يدعو أنصار التخلف وأنصار التقدم معا إلى الحرية، ويعدونها ~~قيمة رئيسية تتوج حياة الإنسان المعنوية، ولكن الاختلاف بينهما في تفسير معناها يصل ~~إلى حد التضاد التام، بحيث لا يعود هناك عنصر مشترك بين هذه الحرية وتلك سوى اللفظ ~~فحسب. # ولقد أسهب المفكرون في إيضاح مفهومي الحرية عند أنصار التقدم والتخلف إلى حد لا ~~يعود من ms091 الممكن معه إضافة أية فكرة جديدة إلى هذا الموضوع في مثل هذا الحيز الضيق، ~~ومع ذلك فربما كان من المفيد أن نقدم إلى القارئ صيغة موجزة تعبر بدقة عن التضاد ~~بين النظرة التقدمية والنظرة الرجعية إلى قيمة الحرية، هذه الصيغة هي أن الحرية في ~~التفكير الرجعي «حالة»، وفي التفكير التقدمي «عملية»؛ فعندما يتحدث الداعون إلى قيم ~~التخلف عن الحرية، يعنون بذلك حالة معينة يتصف بها الإنسان، ويدور كل الخلاف ~~الميتافيزيقي بين أنصار الحرية وأنصار القهر أو الجبرية حول السؤال الآتي : هل هذه ~~الحالة أم عكسها هي التي تلازم الإنسان؟ أعني هل يعد الإنسان بحكم تركيبه ~~وتكوينه كائنا حرا أم مجبرا؟ مثل هذا السؤال لا يحتمل إجابة وسطا، وإنما هو ~~يقرر أحد الأمرين على نحو مطلق، فإما أن تكون للإنسان حرية كاملة أو لا تكون له ~~حرية على الإطلاق، أما الداعون إلى قيم التقدم فإنهم يتحدثون عن الحرية على أنها ~~عملية نامية متطورة، تسير مع تاريخ الإنسان بالتدريج ولا يمكن أن تقف عند حد أو ~~تكتسب كاملة، وهكذا تتمشى النظرة «السكونية» إلى الحرية - عند أنصار القيم ~~المتخلفة - مع موقفهم العام في الدفاع عن الثبات والأزلية وإنكار حقيقة التغير، على ~~حين أن المفهوم «الحركي» للحرية عند أنصار القيم المتطورة يتلاءم تماما مع فكرة ~~التغير والتقدم التي وصفناها من قبل بأنها جزء أساسي من البناء التقدمي للقيم، بل ~~إن التقدم في معناه الحقيقي إنما هو نفس العملية التي تنمو بها الحرية، وتتحقق بها ~~سيطرة الإنسان على الكون وتنميته لمواهبه وقدراته، وبهذا المعنى تكون الحرية عملية ~~مستمرة، لا تعرف حدا نهائيا تتوقف عنده، وتظل تنمو طوال تاريخ الإنسان؛ ففي كل ~~اختراع جديد - من العجلة الخشبية إلى الصاروخ الموجه - مزيد من الحرية، وفي كل ~~مرض يقهره الإنسان مزيد من الحرية، وفي كل عائق طبيعي يتغلب عليه الإنسان مزيد من ~~الحرية، وبالاختصار فإن الإنسان لا «يكون» حرا، وإنما «يصبح» حرا على قدر ما ~~يبذل من الجهد وما يحقق من التقدم. # هذه بعض القيم الفلسفية الرئيسية في ms092 مفاهيمها التقدمية والرجعية، ومن الواضح أن ~~الاختلاف في هذه المفاهيم ليس مجرد خلاف نظري أو فلسفي، وإنما هو خلاف في النظرة ~~الكاملة إلى العالم، وفي الطريقة التي يحكم بها الإنسان على حاضره ومستقبله، ~~والسؤال الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا في هذه المرحلة من تاريخنا هو: إلى أي حد ~~استطاعت أذهاننا أن تتخلى عن قيم التخلف وتتحول إلى قيم التقدم؟ وإلى أي حد أمكنها ~~أن تجعل من هذه القيم الأخيرة، لا مجرد أقوال تسرد بل أسلوبا كاملا في ~~الحياة؟ # | الفكر الاشتراكي والتحدي المعاصر1 # في رأيي أن ضرورة التجديد كامنة في صميم الفكر الاشتراكي ذاته؛ فهناك على الأقل مبدآن ~~رئيسيان في هذا الفكر، يحتمان القيام بمراجعة دائمة لأصول النظرية الاشتراكية: # أول هذين المبدأين: # أن كل نظرية إنما هي انعكاس لواقع معين وتعبير عنه، وأنها ليست ~~بناء فكريا يرتكز على فراغ، بل إن جذورها تتغلغل دائما في الواقع الذي نبتت ~~منه. # وثانيهما: # أن الواقع في تغير مستمر، وأن التحول قانون الحياة في العالم الطبيعي ~~والإنساني معا. # فإذا جمعنا بين هذين المبدأين، أمكننا أن نقرر أن الفكر الاشتراكي ينطوي - ضمن ~~مقوماته الرئيسية التي لا تنفصل عنه - على مبدأ ضرورة مراجعته وتعديله وإعادة النظر ~~فيه، ولو لم نعترف بهذا المبدأ الأخير، لكنا نرتكز في عدم اعترافنا هذا على قضايا ~~تتنافى مع أصول الفكر الاشتراكي نفسه؛ إذ إننا عندئذ إما أن نكون ممن ينكرون تغير ~~الواقع، فنظن أن هذا الواقع قد ثبت وتحجر عند وضع معين، وإما أن نكون من القائلين ~~بإمكان وجود نظرية تظل محتفظة بصلاحيتها بالرغم من تغير الواقع الذي ظهرت أصلا لكي ~~تعبر عنه. # على أن لفظ «المراجعة» قد أصبح من الألفاظ المشينة في المصطلح الاشتراكي، وأصبح ~~الاتصاف به وصمة لا تغتفر، والواقع أنه إذا كان المقصود من المراجعة هو معنى المروق ~~والخيانة؛ لكان لهذه الطريقة في فهم اللفظ ما يبررها، أما إذا كان المقصود منه مجرد ~~الانحراف عن خط أصلي أو إعادة النظر فيه، فلست أرى في اللفظ ما يشين؛ إذ إن ms093 الخط الأصلي ~~قد ظهر في ظل واقع معين، والواقع دائم التغير، فلا بد من عملية إعادة نظر دائمة في ~~هذا الخط، وإذا أدرك المرء هذه الحقيقة عن وعي، واستوعب مضمونها استيعابا كاملا؛ ~~لتبين له عندئذ أن الوضع المرغوب فيه هو «المراجعة» - بشرط أن تكون مخلصة واعية - وأن ~~الوضع الذي ينبغي أن تنصب عليه الإدانة والاتهام هو التمسك المتحجر بقضايا ونظريات ~~تتغير الأرض من تحتها دون انقطاع. # على أن تغيير الواقع الذي يستتبع ضرورة مراجعة النظرية لا يعني أن النظرية ذاتها ~~عميقة ، أو أنها تعجز عن أن تقدم إلينا أي أساس للتنبؤ؛ ذلك لأن التغير - كما قلنا من ~~قبل - حقيقة طبيعية ترتكز عليها كل فلسفة ذات صبغة علمية، ومن جهة أخرى فإن هناك نوعا ~~آخر من التغير، يمكن أن يوصف بأنه تغير مفتعل أو متعمد، يتم فرضه على الواقع قسرا من ~~أجل هدم الأساس الذي ترتكز عليه النظرية، والحيلولة دون حدوث النتائج التي تتنبأ بها؛ ~~فالنظرية الاشتراكية تتنبأ بانهيار النظام الرأسمالي، أو على الأقل بتزعزع أركانه؛ ~~نتيجة لحدوث تطورات معينة، تتخذ صبغة التناقض الحاد في داخله، والنظام الرأسمالي حريص ~~على بقائه، ويدرك من جهة أخرى أن تطوره لو سار في طريقه الطبيعي فسوف يؤدي إلى تحقيق ~~التنبؤات التي تقول بها النظرية الاشتراكية، ومن هنا فإنه يعمل على تغيير مسار تطوره ~~بطريقة مفتعلة حتى يحول دون تحقيق تنبؤاتها، مثل هذا التغير هو بمعنى معين - أي بالمعنى ~~السطحي الظاهري - تكذيب للنظرية الاشتراكية، ولكنه بمعنى آخر أعمق تأييد وتأكيد لها؛ ~~إذ إنه لم ينبعث إلا عن مقاومة النظام الرأسمالي لها، وإدراكه لخطرها على كيانه، أي عن ~~اعترافه الضمني بصحتها. # ومع ذلك فإن النظرية الاشتراكية إذا تمسكت بطابعها التقليدي، ولم تعمل على مواجهة ~~الواقع الذي تعمد النظام الرأسمالي إحداث تغيرات مفتعلة فيه، فإنها تكون بذلك قد ~~ساعدت - بطريقة غير مباشرة - على تحقيق أهداف خصومها، وبالتالي على هدم نفسها بنفسها، ~~وبعبارة أخرى فإذا كان كل تنبؤ يرتكز على واقع معين، وإذا كان النظام الرأسمالي قد ~~تعمد ms094 تغيير الواقع الذي يعتمد عليه التنبؤ الاشتراكي، فإن من الخطأ التمسك بحرفية هذا ~~التنبؤ المبني على واقع تم تجاوزه - حتى لو كان هذا التجاوز قد تم بطريقة مفتعلة - بل ~~إن المسلك الصحيح في هذه الحالة هو التعديل المستمر للنظرية في ضوء الواقع ~~الجديد. # وربما بدا للمرء أن هذه عملية لا نهاية لها؛ إذ إن هذا الواقع الجديد بدوره يمكن ~~تغييره، وعندئذ يتعين على النظرية أن تعدل نفسها من جديد، وهكذا إلى ما لا نهاية، ومن ~~الجائز أن هذا صحيح، بل إن من الممكن أن يذهب المرء إلى حد القول إن نفس عملية وضع ~~نظرية ترسم خطوطا محددة للثورة الاشتراكية في المستقبل، يمكن أن تعد بمعنى معين ~~معوقا لهذه الثورة ذاتها، من حيث إنها تنبه الخصم إلى نقاط ضعفه الداخلية وتدفعه إلى ~~بذل جهوده من أجل تلافيها، والحيلولة دون تحقيق الظروف التي تصدق في ظلها النظرية، كل ~~ذلك قد يكون ممكنا، ولكنه لا يدعو إلى اليأس أو التوقف عن العمل والتفكير، بل إن كل ما ~~يدل عليه هو أن طريق الكفاح أمام الفكر الاشتراكي طويل وشاق ومتعرج، وأن أصحاب النظريات ~~التي ترسم لهذا الكفاح مسارا واحدا يسير في خط مستقيم، غالبا ما ينتهي بهم الأمر إلى ~~واقع يصدمهم ويكذب تنبؤاتهم. # وعلى الرغم من أن ضرورة إعادة النظر في أسس الفكر الاشتراكي تبدو أمرا واضحا لا ~~يحتاج إلى تبرير، فإن الكثيرين ممن تتيح لهم تجاربهم ويسمح لهم مستواهم الفكري، بممارسة ~~نقد النظرية الاشتراكية، يحجمون عن ذلك النقد، أو لا يسيرون فيه إلى الحد الذي ينبغي ~~عليهم أن يمضوا إليه، وبطبيعة الحال فإن أعداء النظرية لا يترددون في توجيه شتى ألوان ~~الانتقادات إليها، ولكنا لا نود أن نتحدث عن هذا النوع المغرض من النقد، بل إن موضوع اهتمامنا هو النقد النزيه المحايد، فضلا عن النقد النابع من باطن ~~الفكر الاشتراكي ذاته، مثل هذا النقد الأخير يعاني في عصرنا أزمة ينبغي له أن يتغلب ~~عليها، وربما أمكننا أن ندرك أسباب هذه الأزمة إذا اختبرنا ms095 الموقف الذي تتخذه كل فئة من ~~فئات المفكرين القادرين على النقد، إزاء أسس النظرية الاشتراكية. # فهناك فئة من المفكرين تجعل للاتساق المنطقي أهمية تعلو على كل الاعتبارات العملية، ~~وهذه الفئة لا تتردد - حين تجد ما تتصور أنه تناقض في النظرية الاشتراكية - في الانحياز ~~فكريا إلى المعسكر الآخر، بحيث إن خصومتها الفكرية البحتة تنتهي بها إلى اتخاذ موقف ~~الدفاع عن الرأسمالية، هذه الفئة التي تبدأ في واقع الأمر بداية محايدة لا تتحكم فيها ~~اعتبارات المصلحة أو التحيز، تغفل في تفكيرها حقيقة هامة لا ينبغي أن تغيب عن ذهن أي ~~مفكر نزيه؛ هي أن الاشتراكية حتى لو بدت مفتقرة إلى الاتساق المنطقي ومنطوية على بعض ~~الصعوبات الفكرية، هي في الوقت ذاته ضرورة عملية، وإن قيمتها العملية هذه ينبغي أن ~~تدفعنا إلى بذل الجهد اللازم من أجل تخليصها من أية صعوبات نظرية تقع فيها، وإذن فموقف ~~هذه الفئة من المفكرين سلبي ومفتقر في حقيقة الأمر إلى تلك النزاهة التي يدعيها ~~أصحابها لأنفسهم، وحسبنا أن نذكر أن النظام المضاد - الذي ينتهون إلى الدفاع عنه - ~~ينطوي على مزيد من التناقضات النظرية، فضلا عن أضراره العملية والإنسانية ~~الفادحة. # وهناك فئة أخرى من المفكرين تدرك عن وعي هذه الحقيقة التي نبهنا إليها في صدد الفئة ~~السابقة، فتوجه إلى الفكر الاشتراكي نقدا نظريا، ولكنها تؤكد ضرورة التمسك بممارسته ~~عمليا، هذه الفئة - وإن كانت أشد إخلاصا من الفئة السابقة - تعاني نوعا من ~~«الفصام»؛ إذ إن موقفها النظري يسير في جانب وموقفها العملي يسير في جانب آخر، مع أن ~~التجانس بين النظر والعمل شرط لا بد من تحقيقه لكي يكتمل إيمان الإنسان بالهدف الذي ~~يعمل من أجله؛ فالمفكرون المنتمون إلى هذه الفئة يتخذون إذن موقفا لا يمكن الاستقرار ~~عنده طويلا، بل ينبغي تجاوزه. # وهناك فئة ثالثة تخشى أن يؤدي بها نقد الفكر الاشتراكي إلى النهاية التي انتهت إليها ~~الفئة الأولى، أي الانحياز إلى الموقف المضاد، فتحجم عن النقد، لا خوفا من أي عامل ~~خارجي، بل حرصا على البقاء في زمرة ms096 المفكرين التقدميين، هذه الفئة تؤمن بحتمية انتصار ~~الاشتراكية في آخر الأمر، وتعلم أن السير في طريق الاشتراكية معناه مسايرة تيار التاريخ ~~ذاته، ونظرا إلى أنها لا تريد أن تقف في وجه حركة التاريخ، فإنها تمتنع عن الجهر بما ~~تشعر به في قرارة نفسها من ضرورة مراجعة أسس فكرية معينة للنظرية الاشتراكية، وهذا ~~الموقف بعيد كل البعد عن الانتهازية، بل إنه ناجم عن الإخلاص الشديد للمبدأ الاشتراكي ~~ذاته، وعن الرغبة في عدم اتخاذ موقف النقد حتى لا يفيد منه الخصم في المعركة الضارية ~~التي يشنها على الحركة الاشتراكية، ومع ذلك فإن حركة التاريخ هذه لا تسير آليا، وعلى ~~نحو منفصل عن جهود الإنسان من أجل تحقيقها، بل إن سيرها في طريقها الصحيح يتوقف إلى حد ~~بعيد على قدرتنا على تخليص القوة الدافعة للتاريخ - أعني المبدأ الاشتراكي - من كل ما ~~يمكن أن يبعث فيها أي نوع من الوهن أو التردد، وإذن فموقف هذه الفئة بدورها يفتقر آخر ~~الأمر إلى الحكمة وبعد النظر. # كل هذه الفئات إذن تمثل اتجاهات في النقد الاشتراكي تفتقر إلى الاكتمال أو النضج ~~بدرجات متفاوتة، والواجب أن يتسع الفكر الاشتراكي لكل نوع من النقد ما دام هذا النقد ~~مخلصا لا يصدر بدافع الاصطياد المتعمد للأخطاء، بل إن قوة الفكر الاشتراكي وحيويته - ~~في هذه الفترة التي نمر بها من تاريخ العالم - تتوقفان على مدى قدرته على مراجعة ذاته، ~~ومقارنة أسسه النظرية بطبيعة الواقع الذي أصبحت هذه الأسس تطبق عليه، وتعديل هذه ~~الأسس على النحو الذي يقطع على الخصم طريق استغلال أي تناقض بين الفكر النظري والممارسة ~~العملية. ~~••• # في ضوء هذا المبدأ العام - أعني الاعتراف بأن المراجعة المستمرة ضرورة حيوية للفكر ~~الاشتراكي، بل هي الموقف الذي يتمشى بالفعل مع أسس هذا الفكر - يصبح من واجب الكاتب ألا ~~يتردد في الإدلاء برأيه فيما يرى أنه تعديلات لا بد من إدخالها على الفكر الاشتراكي ~~حتى يكون أقدر على مواجهة الخصومة العنيدة للفكر الرأسمالي، وعلى أن يحقق إيجابيا ~~رسالته الإنسانية الرفيعة. # ومن المحال أن ms097 يتسع مقال كهذا - بطبيعة الحال - لأية مناقشة مفصلة لموضوع على هذا ~~القدر من الخطورة، فضلا عن أن هذه المسألة يمكن - بمعنى معين - أن تعد المحور الذي ~~يدور حوله كل ما يصدر من دراسات عن الاشتراكية، ولن يستطيع المرء في مثل هذا الحيز أن ~~يضع رءوسا لمسائل تستحق أن تكون موضوعا لتفكير أكثر تعمقا وتفصيلا؛ فالنقاط التي ~~سنشير إليها في هذا المقال لا تعدو أن تكون طرحا لأسئلة تحفز على مزيد من التفكير، أما ~~الإجابات ذاتها فإن الزمن والتجربة والممارسة هي الكفيلة بأن تضع لها أفضل صيغة ~~ممكنة. # فكرة الصراع الطبقي # مفهوم الطبقة من المفاهيم الأساسية في التفكير الاشتراكي، والتقسيم الطبقي ~~الثنائي التقليدي - أعني تقسيم المجتمع إلى من يملكون ومن لا يملكون أو المستغلين ~~والمضطهدين - هو واحد من الأسس الكبرى التي يقوم عليها التفسير الاشتراكي لتطور ~~العلاقات الاجتماعية، ولقد كان الفهم التقليدي للطبقات، في النظرية الاشتراكية، ~~فهما مبسطا إلى حد ما، يرتكز على وجود ثنائية تتخذ أشكالا متباينة في مختلف ~~فترات التطور الاقتصادي، ويقوم بين طرفيها تناقض حاد هو الذي يحرك التاريخ، وآخر ~~أشكال هذه الثنائية في العصر الرأسمالي هو التضاد بين الطبقة البورجوازية ~~والبروليتاريا أو الطبقة العاملة، وعلى أساس الصراع بين هاتين الطبقتين في عصرنا ~~هذا تحدد نتيجة الكفاح من أجل تحقيق الاشتراكية. # ولقد ظهر بوضوح - منذ تجربة الثورة الاشتراكية الرائدة في روسيا - أن مفهوم ~~الطبقة هذا يحتاج إلى بعض التعديل؛ إذ إن الثورة ظهرت في بلد لا يمثل العمال فيه ~~نسبة غالبة أو قوة ضاغطة تستطيع بمفردها أن تحمل على أكتافها عبء الثورة، وكان ~~اشتراك العمال والفلاحين في الثورة الروسية مؤديا إلى إدخال تعديل على مفهوم ~~الطبقة، وعلى طبيعة الصراع الطبقي في العصر الحديث، وسميت هذه «المراجعة» ~~المبكرة باسم «النظرية اللينينية» التي أصبحت عنصرا جديدا مضافا إلى النظرية ~~الاشتراكية، وإن كان نجاحها على المستوى العملي، واندماجها في التيار الرئيسي للفكر ~~الاشتراكي، قد حال دون النظر إليها على أنها «مراجعة» بالمعنى السيئ لهذه ~~الكلمة. # على أن التطورات الأخيرة للتجربة الاشتراكية ms098 في مختلف أنحاء العالم قد أضفت ~~على مفهوم الطبقة تعقيدا هائلا، بحيث أصبحت الثنائية التقليدية مجرد إطار خارجي ~~عام، توجد في داخله اتجاهات متشابكة ومعقدة يتحتم على الفكر الاشتراكي أن يواجهها ~~ويعمل لها حسابا إذا شاء أن يحتفظ بقدرته على فهم حركة المجتمع الإنساني والتحكم ~~فيها. # فالفكر الاشتراكي التقليدي يرتكز إلى حد بعيد على فكرة وحدة الطبقة العاملة في ~~مختلف أنحاء العالم، ومع ذلك فإن هذه الوحدة بعيدة كل البعد عن التحقق في وقتنا ~~الحالي؛ ذلك لأن الفارق بين مستوى الطبقة العاملة في البلاد الغنية، ونظيرتها في ~~البلاد الفقيرة، يبلغ من الضخامة حدا يحول دون تصور أية وحدة في المصالح بينها، ~~ويجعل من الضروري إعادة النظر في الدعوة إلى اتحاد «عمال العالم» من أجل تحقيق ~~الثورة الاشتراكية. # ففي البلاد الرأسمالية الكبرى، أصبح العمال في مجموعهم على مستوى شبه بورجوازي، ~~بحيث غدا من الصعب التأثير فيهم عن طريق الإشارة إلى حالة الفقر التي تزداد سوءا ~~في ظل النظام الرأسمالي، ومن الواجب أن ننبه - كما قلنا من قبل - إلى أن هذا ~~الارتفاع في مستوى معيشتهم ليس ناجما عن تطور داخلي في النظام الرأسمالي نفسه، أو ~~عن ميزة يتسم بها هذا النظام وتؤدي به إلى رفع مستوى العمال في داخله، بل إنه في ~~واقع الأمر محاولة دفاعية من النظام الرأسمالي لحماية نفسه، وبالتالي فهو نتيجة غير ~~مباشرة للدعوة الاشتراكية ذاتها، ومن ذلك فإن الأمر الواقع - الذي ينبغي على الفكر ~~الاشتراكي أن يواجهه - هو أنه لم يعد من الممكن مخاطبة العامل في الدول الرأسمالية ~~المتقدمة عن طريق تنبيهه إلى حالة البؤس التي يعيش فيها، وبعبارة أخرى فإن شعار ~~«أيها العمال، ليس لديكم ما تفقدونه إلا أغلالكم» لا يمكن أن يكون قوة محركة ~~للعامل الأمريكي أو الألماني الغربي مثلا؛ إذ إن لديه - إلى جانب أغلاله - الكثير ~~مما يخشى أن يفقده، ولا بد للفكر الاشتراكي من أن يبحث عن وسيلة أخرى لمخاطبة ~~مثل هذا العامل. # ومن جهة أخرى، ففي البلاد المتخلفة يمكن أن يؤدي الفقر الشديد ms099 وانتشار الجهل ~~والانحلال العام الذي يولده تراكم البؤس جيلا بعد جيل، إلى ضياع قدر كبير من ~~صلابة الطبقة العاملة وإصرارها على الكفاح، بحيث يسهل وقوع العمال أو وقوع الأقلية ~~المتزعمة لهم فريسة للإغراءات والمساومات، وتصبح الطبقة العاملة في عمومها قوة أقرب ~~إلى السلبية، يسهل التسلط عليها وتوجيهها في اتجاهات تتعارض مع مصالحها الحقيقية، ~~وفي هذه الحالة قد يكون من المفيد التفكير في إعطاء دور أكبر للقوى المثقفة، التي ~~يمكن أن يؤدي وعيها وفهمها العام للأمور إلى إكسابها مزيدا من الصلابة في الكفاح ~~من أجل تحقيق الاشتراكية. # وعلى أية حال، ففي عالم اليوم من التغيرات ما يجعل من الضروري على المفكرين ~~الاشتراكيين أن يعيدوا النظر في فكرة التعارض الطبقي بين البورجوازية ~~والبروليتاريا، وفي الشعارات التي تجعل من هذه الطبقة الأخيرة القوة التقدمية ~~الوحيدة التي يمكنها أن تحمل لواء الدعوة الاشتراكية، وليس معنى ذلك أن هذه ~~الشعارات باطلة، بل معناه أن الواقع الحالي - في تعقده الشديد - يحتاج إلى مراجعة ~~وتعديل لهذه الأفكار التي ظهرت في ظل واقع أبسط بكثير. # ولقد أدى التفاوت الشديد بين مستوى الطبقات العاملة في البلدان المختلفة إلى جعل ~~الفوارق القومية - في بعض الأحيان - أشد تأثيرا من الفوارق الطبقية؛ فالدول نفسها ~~أصبحت تكون طبقات فيما بينها، وهناك دول «رأسمالية» حتى بطبقاتها العاملة ودول ~~أخرى «بروليتارية» حتى بطبقاتها البورجوازية، ويؤدي التباين الهائل في المستوى ~~العلمي والتكنولوجي بين هذه الدول إلى مزيد من التعقيد في معنى الصراع الطبقي؛ إذ ~~إن طبيعة هذا الصراع وأهدافه لا بد أن تختلف في حالة الدول المتخلفة، بل إن من ~~الواجب - حتى في الدول الاشتراكية ذاتها - أن تكون أساليب التطبيق في دولة متقدمة ~~ثقافيا وتكنولوجيا - مثل تشيكوسلوفاكيا - مختلفة إلى حد بعيد عن أساليب ~~التطبيق في دولة مثل بلغاريا، ومثل هذه المرونة في تطبيق المبدأ الاشتراكي ذاته كان ~~يمكن أن تؤدي إلى الحيلولة دون وقوع كثير من المصاعب التي تتردد على الأسماع في هذه ~~الأيام. # مشكلة السياسيين والخبراء # ومن المشكلات الهامة التي تستحق التفكير والمراجعة، مشكلة العلاقة ms100 بين الجهاز ~~السياسي والجهاز الفني أو جهاز الخبراء في النظم الاشتراكية، فحتى الآن كان الاتجاه ~~السائد هو أن تكون للجهاز السياسي السلطة العليا الموجهة، ولجهاز الخبراء سلطة ~~التنفيذ في الحدود التي يرسمها الجهاز الأول، ولا جدال في أن الدوافع التي أملت ~~هذا الوضع - في البداية - كانت تغليب المصلحة العليا للأهداف الاشتراكية العامة على ~~أي اعتبار آخر، ولكن الخبرة الطويلة في تطبيق هذا النظام كشفت - في حالات غير قليلة ~~- عن صعوبات لم يكن من الممكن التنبه إليها في المرحلة الأولى من مراحل التطبيق، ~~وهي مرحلة تتسم عادة بقدر غير قليل من المثالية؛ ففي كثير من الأحيان أدى إعطاء ~~السلطات الرئيسية للجهاز السياسي إلى تجاهل أو إهمال لآراء الخبراء، وإلى تهاون من ~~جانب هؤلاء الأخيرين، حين يجدون أن خبراتهم لا تجد لنفسها مجالا تمارس فاعليتها ~~فيه، ومن جهة أخرى تحول الجهاز السياسي في بعض الأحوال إلى فئة محترفة تستهدف ~~المحافظة على مصالحها الخاصة، وتضع هذه الغاية فوق أي اعتبار آخر، ومثل هذا التحول ~~يمكن أن يلحق ضررا كبيرا بالمرافق التي تحتاج إدارتها إلى خبرة وكفاءة فنية، ~~فضلا عن أنه يهبط بمستوى العمل السياسي ويشوه صورته في أعين الناس. # فأمام الفكر الاشتراكي إذن مهمة حيوية، هي أن يعيد النظر في العلاقة بين سلطة ~~الأجهزة السياسية وسلطة أجهزة الخبراء، ويعيد تخطيط الحدود بينهما في ضوء الخبرة ~~المكتسبة من تجارب دول عديدة، واضعا نصب عينيه أن التعارض القديم بين هذين الطرفين ~~قد بولغ فيه، وأن هذه المبالغة ألحقت في بعض الأحيان أضرارا فادحة بالأهداف ~~الحقيقية للعمل السياسي والإنتاج الاجتماعي في آن واحد. # التنمية والإنسان # ولقد اكتسب الفكر الاشتراكي - ولا سيما في الآونة الأخيرة - من التجارب ما يسمح ~~له بأن يعيد النظر في مشكلة أساسية من المشكلات التي تواجهه، ألا وهي العلاقة بين ~~هدف التنمية الاقتصادية وبين القيم الإنسانية بوجه عام؛ ذلك لأن الفكرة الاشتراكية ~~ظهرت أصلا من أجل تحقيق أهداف إنسانية رفيعة، والقوة الدافعة لكبار الاشتراكيين ~~كانت رد اعتبار الإنسان من بعد أن حالت عوامل ms101 الظلم والاستغلال طويلا بينه وبين ~~تحقيق إمكانياته بحرية، وبعبارة أخرى فالفكر الاشتراكي يتميز منذ عهوده الأولى ~~بنزعة إنسانية واضحة كل الوضوح، ومع ذلك فإن من أكبر الانتقادات التي يوجهها خصوم ~~هذا الفكر إليه في هذه الأيام - والتي يجيد هؤلاء الخصوم استغلالها ويجنون منها ~~فائدة كبرى - تجاهله للإنسان، فكيف استطاع أعداء الاشتراكية أن يوجهوا إليها نقدا ~~كهذا؟ # من الأمور المسلم بها أن عملية بناء الاشتراكية قد اقترنت - في بعض الدول - ~~بنوع من الضغط القاسي الذي يصعب على الإنسان أن يتحمله، وإذا كانت الغاية في هذه ~~الحالة سليمة، فإن الوسيلة يمكن أن تلحق بالغاية أفدح الضرر؛ ذلك لأن هذا الضغط ~~الزائد على قوة تحمل الإنسان يفترض في أفراد المجتمع نوعا من الغيرية، والتضحية في ~~سبيل الأجيال التالية، لا يستطيع كل الناس اكتسابه في ظل القيم التي ظلت البشرية ~~تعيش عليها حتى اليوم، وما زال من الحقائق المؤكدة حتى اليوم أن لدى كل إنسان ميلا ~~إلى أن يشاهد في حياته جزءا على الأقل من ثمار الجهود التي أفنى عمره في بذلها، ~~ويتمتع بها معنويا وماديا، وقد عرف مفكرو النظام الرأسمالي كيف يستغلون نقطة ~~الضعف هذه، وربما كان جزء كبير من الاضطراب الذي تعانيه بعض التجارب الاشتراكية ~~راجعا إلى هذه المسألة بالذات. # ومن جهة أخرى، فإن هذا الضغط الزائد على طاقات الإنسان، وكذلك الحاجة إلى توجيه ~~المجتمع حسب خطة مرسومة مقدما، أثار تعارضا آخر مع النزعة الإنسانية، يتمثل في ~~تقييد بعض الحريات الأساسية، والحق أن المفكر النزيه لا يملك إلا أن يشعر بالحيرة ~~حين يجد بعض النظم الاشتراكية تعطي الرأسماليين المستغلين كل الفرص التي تتيح لهم ~~أن يعلنوا من أنفسهم حماة لحرية التفكير والتعبير وغيرها من الحقوق التي كافح ~~الإنسان من أجلها قرونا عديدة. وأقول إن هذا الأمر محير للمفكر النزيه؛ لأن مثل ~~هذا المفكر يعلم حق العلم مدى زيف الحرية المزعومة في المجتمعات الرأسمالية، ومدى ~~الخبث والدهاء اللذين يشكل بهما النظام الرأسمالي اتجاهات الرأي العام في بلاده من ~~خلال كافة أجهزة الإعلام، التي ms102 هي في الوقت ذاته مرافق ذات مصالح رأسمالية معروفة، ~~هذه حقيقة واضحة، ومع ذلك فإن كل شيء يبدو - على السطح - كما لو كان يسير تلقائيا ~~بحرية تامة، أما في تلك التجارب الاشتراكية التي نتحدث عنها، فإن الاعتراف بتقييد ~~الحرية علني صريح، مما يعطي الخصوم فرصة - هم أبعد الناس عن استحقاقها - لكي ينادوا ~~بأنهم هم وحدهم الحريصون على حرية الإنسان. # فهل كتب على الفكر الاشتراكي أن يقف عاجزا إزاء مشكلة الحريات التي يسميها - ~~على نحو غير مقنع تماما - باسم الحريات الليبرالية، ويجعل منها جزءا من تكوين ~~النظام الرأسمالي وحده، ويعطي بذلك للخصوم سلاحا لا يحلمون به؟ هل سيظل هذا الفكر ~~يحكم على نفسه بالابتعاد عن النزعة الإنسانية التي كانت هي مصدر قوته الأولى؟ وإلى ~~متى سيظل يسمح لأعداء الإنسان باتهام الاشتراكية بأنها لا تعيش إلا داخل جدران ~~أغلقت نوافذها وأوصدت أبوابها بإحكام؟ أليس التفكير في وسيلة للخلاص من هذا ~~المأزق أقدس رسالة ينبغي أن يكرس لها مفكرو الاشتراكية جهودهم في هذه الفترة ~~الحاسمة من تاريخ نضالهم؟ # إن من الأمور المسلم بها أن أيدي خصوم الاشتراكية تتدخل بكل ما تملك من قوة لكي ~~تثير الصعوبات أمام أي نظام اشتراكي تستطيع أن تمارس مؤامراتها عليه، ولكن هناك ~~حقيقة ينبغي على الفكر الاشتراكي أن يعترف بها ويواجهها صراحة، وهي أن هذا التآمر ~~وهذا التخريب إنما يستغل أخطاء موجودة بالفعل، وبقدر ما يجد التآمر صدى في نفوس ~~الجموع الكبيرة من الناس - حتى أصحاب المصلحة الحقيقية في بقاء النظام الاشتراكي ~~منهم - تكون هذه الأخطاء أفدح وأخطر، وفي مثل هذه الأحوال لا ينبغي أن تقتصر مهمة ~~الفكر الاشتراكي على التنديد بتآمر الخصم وتخريبه، بل ينبغي عليه أن يبحث بصدق ~~وأمانة وصراحة في أصل العيوب ونقاط الضعف التي استطاع التآمر أن يستغلها، والتي ~~لولاها لما استطاع أن يجد لنفسه منفذا، وكلما كان الفكر الاشتراكي أسرع إلى كشف ~~أخطائه الداخلية ومعالجتها قبل أن تستفحل، كان ذلك خيرا ألف مرة من الانتظار حتى ~~يفلت الزمام، ومعالجة الداء في آخر لحظة ms103 بطريق البتر. # سياسة التعايش السلمي # وأخيرا فلعل من أهم المسائل التي تشكل تحديا جبارا أمام الفكر الاشتراكي في ~~أيامنا هذه بالذات، مسألة حدود سياسة التعايش السلمي، وأوضح دليل على خطورة هذه ~~المسألة أن الآراء منقسمة حولها داخل المعسكر الاشتراكي إلى ما يزيد عن أربعة ~~اتجاهات يمكن تمييزها بوضوح، والإشكال الذي يواجهه مبدأ التعايش ذاته والذي يحتم ~~بالتالي إعادة تقدير حدود هذا المبدأ ومدى إمكان استمرار تطبيقه، هو أن فكرة ~~التعايش - التي كان المقصود منها في الأصل تقليم أظافر المعسكر الرأسمالي - بإشاعة ~~جو سلمي يتنافى مع مصالح الرأسمالية التي لا تزدهر إلا في جو يسوده التوتر ~~والعدوان، هذه الفكرة قد تحولت في السنوات الأخيرة إلى أداة تخدم المعسكر ~~الرأسمالي. # ولسنا نرى ما يدعو إلى تقديم أي شرح مفصل للطريقة التي استطاع بها المفكرون ~~المدافعون عن الرأسمالية أن يقلبوا مبدأ التعايش من أداة لتوريط نظامهم إلى أداة ~~لخدمة مصالحهم، تسبب لأصحاب هذا المبدأ وواضعيه أنفسهم حرجا شديدا، لكن يكفينا أن ~~نشير إلى أنهم - مع احتفاظهم بنوع من التعايش السلمي على مستوى الدول الكبرى - ~~ينتهزون كل الفرص لخرق هذا التعايش على كل المستويات الأخرى، أعني لإيجاد حالة من ~~التوتر المستمر، تهدد بقيام حرب شاملة وإن لم تكن تؤدي إليها بالفعل، هذا التوتر ~~يعطي القوى العدوانية حرية العمل، ويشل في الوقت ذاته حركة القوى ذات المصلحة في ~~السلام؛ لأن تدخلها لا بد أن يزيد من التوتر إلى الحد الذي يهدد السلام العالمي ~~تهديدا فعليا، ومن هنا كانت حرية الحركة الواضحة التي اتسمت بها سياسة الولايات ~~المتحدة في السنوات الأخيرة، والتي استطاعت بفضلها أن تلحق بالمعسكر الاشتراكي ~~وبمعسكر الحياد الإيجابي نكسات على جبهات متعددة. # هناك إذن حاجة ملحة إلى إعادة تقويم سياسة التعايش السلمي واختبارها في ضوء ~~التجارب الأخيرة، لا سيما وأن هناك ثورة على هذه السياسة داخل المعسكر الاشتراكي ~~نفسه، ولكن مما يزيد المسألة تعقيدا أن اتباع هذه السياسة يبدو أمرا لا مفر منه ~~ما دام المعسكر الرأسمالي - وعلى رأسه الولايات المتحدة - لا يزال ms104 هو المتفوق ~~اقتصاديا وعسكريا؛ فالمواجهة المباشرة مستحيلة ما دام الخصم سيلجأ فيها - إذا ~~وجد نفسه في مأزق شديد - إلى استخدام كل ما يملك من قوة، وعلى هذا الأساس يبدو ~~المعسكر الاشتراكي مضطرا إلى الأخذ بشكل من أشكال سياسة التعايش السلمي، إلى أن ~~ينقلب الميزان الاقتصادي لصالحه، وبعبارة أخرى فهناك نوع من المهادنة السياسية ~~والعسكرية، يجري خلالها العمل على أشده من أجل تعويض النقص وسد الفراغ في الميدان ~~الاقتصادي، وبهذا المعنى يبدو التعايش السلمي مرحلة مؤقتة تمنح المعسكر الاشتراكي ~~مهلة يستطيع خلالها أن يلحق بالمعسكر الرأسمالي ثم يسبقه في الميدان الحقيقي الذي ~~سيقرر نتيجة المعركة، وهو ميدان الإنتاج الاقتصادي، فإذا ما تحقق له هذا السبق؛ ~~أمكن أن تحل كل المشكلات الأخرى دون عناء. # ولكن هذا التصوير للموقف يكشف لنا عن تعقيدات هائلة في الصراع الراهن بين ~~المعسكرين؛ ذلك لأن النظام الرأسمالي يدرك بدوره هذه الحقيقة، ويعمل كل ما في وسعه ~~للحيلولة دون تحقق الظروف التي قد تساعد الخصم على التفوق عليه، وليس التوتر الذي ~~يخلقه والحروب الصغيرة والمتوسطة التي لا يكف عن إثارتها سوى محاولات لزيادة عبء ~~التسلح على العالم الاشتراكي والعالم الثالث، أي على المعسكر صاحب المصلحة في ~~السلام، ومن الواضح أن التفوق الاقتصادي الراهن للمعسكر الرأسمالي يسمح له بتحمل ~~أعباء التسلح والرفاهية الاجتماعية في آن واحد، على حين أن هذه الأعباء تحد من قدرة ~~المعسكر الاشتراكي على تحقيق الرفاهية، فضلا عن أنها تؤخر عملية لحاقه بالعالم ~~الرأسمالي في الميدان الاقتصادي، وبعبارة أخرى فإن التعايش السلمي في ظل التوتر ~~الراهن لا يحقق الغرض المقصود منه، وهو أن يعطي المعسكر الاشتراكي فسحة من الوقت ~~يستطيع خلالها أن ينال بالتدريج قصب السبق في البناء الاقتصادي. # ومن جهة أخرى فإذا حاول النظام الاشتراكي أن يضاعف من جهده حتى يستطيع تحمل ~~أعباء التسلح والنمو الاقتصادي معا، فإنه سيصطدم حتما بذلك العامل الإنساني الذي ~~أشرنا إليه من قبل، وسيضطر إلى اتخاذ مزيد من تدابير الضغط المادي والمعنوي، وهذا ~~وحده عامل من عوامل تأخير التفوق المنشود. ms105 # إنها إذن صورة معقدة غاية التعقيد، وهي نوع من المعادلة الصعبة ذات الحدود ~~المتعددة، وفي اعتقادي أن الفكر الاشتراكي يستطيع أن يجد لنفسه مخرجا من هذا ~~المأزق لو واجهه في تعقده وتشابكه مواجهة صريحة، وتلك على أية حال من التحديات ~~الكبرى التي تقابل هذا الفكر في المرحلة الراهنة من تاريخه. ~~••• # إن مراجعة الفكر الاشتراكي لنفسه في ضوء التطورات الأخيرة ضرورة لا مفر منها، بل ~~هي المعيار الحقيقي الذي يكشف عن مدى إخلاص هذا الفكر لأهدافه، أما التمسك الحرفي ~~بالنظريات التقليدية دون محاولة لتجديدها تمشيا مع ظروف عالم سريع التغير، فلا ~~يؤدي إلا إلى تشويه للفكر الاشتراكي، وللتجربة الاشتراكية ذاتها، وفي اعتقادي أن ~~تحقيق تجربة اشتراكية مشوهة أشد ضررا حتى من العجز عن تحقيق أي نوع من التجربة ~~الاشتراكية؛ ذلك لأن من السهل أن يخلط الناس بين الصورة المشوهة وبين مبدأ ~~الاشتراكية ذاته، فيكون في ذلك ما يعوق ظهور أي تطبيق صحيح لهذا المبدأ في ~~المستقبل. # إن طريق الاشتراكية هو طريق التاريخ، ولكن التاريخ لا يصنع نفسه بنفسه، ولا يكشف ~~عن مساره إلا لأولئك الذين يحسنون التفكير فيه، ويتبينون اتجاهه من خلال ذلك الضباب ~~الكثيف من التعقيدات التي تخفي معالمه، ولن يكون في وسع أي مفكر أن يساير حركة ~~التاريخ لو سار معها ردحا من الزمن ثم تصور أنه اهتدى إلى الطريق، وظل سائرا بعد ~~ذلك في خط مستقيم لا يلتفت يمنة ولا يسرة. كلا، إن أعين العقل ينبغي أن تظل مفتوحة ~~على الدوام، ومسار التاريخ في هذا العالم المعقد الذي نعيش فيه شديد التعرج ~~والالتواء، واتجاهه يزداد تعقيدا كلما بدا لنا أننا نقترب من الهدف، ولا بديل ~~لكل مفكر تقدمي من أن يبذل كل ما أوتي من قوة لكي يحلل الواقع المعقد الذي نعيش ~~فيه، ويتجاوز في تحليله هذا مرحلة الحلول السهلة والإجابات السريعة والتفسيرات ~~المعدة سلفا. # في هذا الطريق الشاق الطويل الذي ينبغي سلوكه من أجل تحقيق الاشتراكية، لن يكون ~~في وسع أحد أن يدعي أنه توصل وحده إلى ms106 كل الإجابات عما يعترضه من المشكلات، ولكن ~~حسب الفكر أن يثير التساؤلات وينبه إلى خطورة العقبات، أما الاهتداء إلى الإجابات ~~الصحيحة، والسعي العملي من أجل تحقيقها، فتلك مهمة أجيال إنسانية كاملة. # | الاشتراكية، والقيم الروحية1 # في أذهان كثير من المثقفين تصور للعلاقة بين الاشتراكية والقيم الروحية أود أن أعلن - ~~منذ بداية هذا المقال - أنني أرفضه من أساسه، بل إنني ما كتبت هذا المقال إلا لكي ~~أفنده وأثبت أن الاعتقاد النظري به ينطوي على استحالات ومتناقضات عقلية، على حين أن ~~التطبيق العملي له يجر وراءه من التشتت في السلوك، والتردد والتعثر في العزم والقصد، ما ~~لا تملك أمة تسعى إلى الأخذ بأسباب النهوض أن تترك نفسها فريسة له. # هذا التصور الذي أعترض عليه يمكن التعبير عنه - في صيغة موجزة - بقولنا إن ~~الاشتراكية والقيم الروحية تسيران جنبا إلى جنب حتى مرحلة معينة، ثم تفترقان بعد ذلك، ~~وبعبارة أخرى فالاشتراكية تظل غير متعارضة مع القيم الروحية ما دامت معتدلة، أما إذا ~~تطرفت، فإنها ترفض هذه القيم الروحية، ويفترق طريقاهما إلى الأبد. # وتجد هذه الدعوى تأييدا قويا من ذلك الميل الطبيعي في نفوسنا إلى قبول شكل من ~~أشكال «نظرية الوسط» التي وضعها أرسطو في الأخلاق، والتي تعبر عن نفسها في أمثال شعبية ~~مثل «خير الأمور الوسط»، هذه النظرية تذهب إلى أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، كالشجاعة ~~التي هي وسط بين الجبن والتهور، أي إن هناك خطا ممتدا يتميز بالاشتداد والتكثيف ~~التدريجي لصفة ما، وهذا الخط يبدأ من رذيلة وينتهي إلى رذيلة، بينما تقع الفضيلة في ~~موقع ما عند الوسط أو بالقرب منه، وعلى ذلك فإن الإفراط في الفضيلة شأنه شأن التفريط ~~فيها ينقلب إلى رذيلة، وبهذا المعنى يكون الإفراط في الاشتراكية - تبعا لهذا الرأي ~~الشائع - رذيلة تؤدي إلى ضياع القيم الروحية والتنكر لها. # ولعل أول ما ينبغي أن نشير إليه - ونحن في معرض مناقشة هذه الدعوى - أن مبدأ «خير ~~الأمور الوسط» ليس مبدأ مطلق الصحة في كل الأحوال؛ ففي حالة فضائل معينة لا تكون الحالة ms107 ~~المثلى على الإطلاق هي أن يكون لدينا من هذه الفضيلة قدر معقول فحسب، فهل الأفضل - ~~مثلا - أن يكون المرء معتدلا في نزاهته أم مفرطا فيها؟ وهل المجتمع الأمثل هو ذلك ~~الذي يسوده قدر معقول من العدالة، أم عدالة كاملة بلغت أقصى حدود «التطرف»؟ وهل يعد ~~الغش صفة يستحسن أن يكون لدى الإنسان «قدر» منها مهما كان بسيطا، أم إن التفريط الكامل ~~في هذه الصفة أمر مستحب؟ من الواضح أن «نظرية الوسط» لا تسري آليا على كل الفضائل، ~~وأن هناك صفات معينة يكون المرء أكمل من غيره لو أنه تحلى بأكبر قدر أو بأقل قدر ~~منها. # وعلى الرغم من أن هذه المناقشة لا تتصل اتصالا كاملا بالموضوع الذي نعرض له في هذا ~~المقال، فإن بلوغها بنا إلى هذه النتيجة يمكن أن يكون مقدمة مفيدة غاية الفائدة، تساعد ~~على تحقيق الهدف الذي نرمي إليه؛ ذلك لأن الكثيرين منا يعتقدون أن مبدأ «خير الأمور ~~الوسط» هو مبدأ يصدق بصفة آلية على كل شيء، ولا يتصورون أن هناك «أمورا» معينة ينبغي ~~على الإنسان ألا يكتفي فيها بالوسط، أو هم - بتعبير آخر - لا يدركون أن اتخاذ الموقف ~~الوسط، أو التزام جانب الاعتدال في أمور معينة، يعني مهادنة الشر والرذيلة، والتخلي عن ~~قدر كبير من الفضيلة، هو ذلك القدر الذي نتركه جانبا بحجة أنه يمثل حد ~~«التطرف». # ولو نظرنا إلى الاشتراكية بمعنى أنها «العدالة الاجتماعية»؛ لظهر بوضوح أنها واحدة من ~~تلك الأمور التي لا يكفي فيها اتخاذ الموقف الوسط؛ إذ إننا جميعا - دون شك - نود أن ~~يتحقق من العدالة الاجتماعية أعظم قدر يمكن تحقيقه، ونحس بقصور سلوكنا لو أننا اكتفينا ~~منها بحد «الاعتدال» وتعمدنا ألا نحققها كاملة حتى لا نصل إلى حد «التطرف»، فكيف إذن ~~يقال إن هذا التحقيق الكامل لمطلب أساسي عزيز على الإنسان، يتعارض مع القيم الروحية؟ ~~وكيف شاع - بين كثير من مفكرينا العرب على وجه الخصوص - ذلك الاعتقاد الذي تصبح فيه ~~الاشتراكية أشبه ما تكون بالخمر، قليل منها يصلح «معدة» المجتمع، وكثير منها ms108 يفسد ~~المجتمع ويصيبه بعلل، أولها فقدان الإحساس بأهمية القيم الروحية التي هي أسمى غاية ~~يتطلع إليها البشر؟ # إن المرء لا يحتاج إلى تفكير طويل لكي يدرك أن هناك فئة من القائلين بالتعارض بين ~~الاشتراكية - إذا تطرفت - وبين القيم الروحية، لا تؤكد هذه الفكرة إلا لأنها كارهة - ~~أصلا - للاشتراكية، هذه الفئة لا تستطيع أن تجهر بالعداء لمبدأ الاشتراكية حين يصبح ~~هذا المبدأ سياسة رسمية للدولة، فيكون الحل الذكي الذي تلجأ إليه هو أن تحد من نطاق ~~الاشتراكية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وأبسط وسائل هذا الحد هو أن تؤكد أضرار ~~«التطرف»، وتقيم تعارضا مزيفا بينه وبين القيم التي يعتز بها المجتمع، وبذلك تضمن أن ~~المبدأ الذي هي في صميمها كارهة له كراهية شديدة - وإن كانت غير معلنة - قد ظل حبيس ~~إطار محدود لا يخرج عنه، وتضمن في الوقت ذاته أنها بدعوتها هذه إلى تقييد المبدأ الذي ~~تبغضه، قد اتخذت مظهر المدافع المخلص الغيور عن أسمى ما يملكه الإنسان من قيم. # ولكني لا أود أن أتريث طويلا لمناقشة موقف أمثال هؤلاء المفكرين؛ ذلك لأن المعارضة ~~الصريحة للاشتراكية أشرف - في رأيي - من ذلك الالتفاف من حولها بغية طعنها من الخلف، ~~والمعارض الصريح - وإن كان يرتكب خطأ عقليا أفدح - يتسم على الأقل بمستوى أخلاقي ~~أرفع من مستوى هؤلاء الأعداء المتنكرين في ثياب الأصدقاء، فضلا عن أنه قابل للاقتناع ~~إذا كان أمينا، وإذا لم تكن لعدائه أسباب خفية مرتبطة بالمصالح الشخصية، ومن هنا فإني ~~أود أن أتوجه بحديثي إلى المعارضين الأمناء - لا المنافقين - وأن أناقش معهم ذلك المبدأ ~~الذي يأخذونه قضية مسلما بصحتها، مبدأ التعارض بين القيم الروحية وبين الاشتراكية، ~~إذا سارت حتى آخر مدى يمكن تصوره لها. # ما هي «الروحانية»؟ # إن قدرا كبيرا من سوء الفهم، يرجع إلى الافتقار إلى الدقة في تحديد معنى ~~«الروحانية»؛ فالكثيرون يتصورون أن الروحانية هي الاعتراف النظري بعقيدة معينة، ~~وأداء شعائرها وطقوسها، ومثل هذا المعنى شكلي بحت، وهو لا يمثل إلا السطح الظاهري ~~مما تدل عليه الروحانية الصحيحة، وقد ms109 يظن من يعترف نظريا بمثل هذه العقيدة ويؤدي ~~شعائرها، أنه قد حقق بذلك القيم الروحية في نفسه. ولكن هل من الصحيح أن مثل هذا ~~المسلك يوفي القيم الروحية حقها؟ # إن أبسط تفكير يقنعنا بأن الروحانية هي - قبل كل شيء - جهاد وكفاح ومغالبة، وذلك ~~الذي يقتصر على الاعتناق الشكلي للعقائد لم يكافح ولم يغالب شيئا، ولو وضعت ~~مصالحه الحقيقية في كفة وجوهر عقيدته في كفة أخرى، لسعى بكل قواه إلى ترجيح الأولى. ~~على أن جانب الخطورة لا يتمثل في الوجه الفردي لهذه الظاهرة ، بل يكمن في وجهها ~~الاجتماعي؛ ذلك لأن المجتمع بدوره يقر مثل هذا السلوك ويعده أمرا طبيعيا لا ~~غبار عليه، خذ مثلا ذلك التاجر الذي يؤدي فروض الدين كلها كأحسن ما يكون الأداء، ~~ثم يعلم أن بضاعة مختزنة لديه قد شحت في الأسواق، فلا يتردد لحظة واحدة في رفع ~~سعرها، مثل ذلك السلوك الفردي ينطوي على تجاهل تام للروحانية الحقيقية، ولكن الأهم ~~من ذلك أن المجتمع لا يجد في هذا المسلك مأخذا؛ فسلوك هذا التاجر في نظر المجتمع ~~مشروع ما لم يكن الأمر متعلقا بسلعة محددة السعر، وهو في نظر معارفه دليل على ~~الفطنة وبعد النظر، ولا تعارض بينه على الإطلاق وبين المظهر «الروحي» الخارجي الذي ~~عرف به صاحبه بين الناس. # على أن هذا الفهم الباطل للروحانية قد اتخذ في عالمنا المعاصر مظهرا أخطر بكثير، ~~هو المظهر الأيديولوجي، الذي أصبحت فيه الروحانية وسيلة لمقاومة الاشتراكية في ~~صورتها المكتملة، وهذا المظهر الأيديولوجي هو الذي ينبغي التنبه إليه وتحليل أسبابه ~~وتحديد مدى البطلان فيه. # ذلك لأن من أعجب المفارقات في عالمنا المعاصر أن الدفاع عن القيم الروحية أصبح هو ~~الشعار الذي تنادي به أشد النظم الاجتماعية إغراقا في الماديات، وأبعدها عن كل ما ~~تسمو به الروح وتزهو به الفضيلة والأخلاق؛ ففي عالمنا هذا تتكرر مرة أخرى، قصة ~~التاجر الذي يسرق عملاءه، ويظهر أمامهم برغم ذلك بمظهر الغيور على التقوى والإيمان، ~~فكيف وصل فكرنا إلى الوقوع راضيا في هذا التناقض؟ # إننا نعلم ms110 جميعا أن أشد الدول الرأسمالية إغراقا في استغلال الإنسان - داخل ~~بلادها وخارجها - وفي العدوان على كل القيم التي تعتز بها البشرية، تتباكى من ~~الوجهة الأيديولوجية على القيم الروحية التي تقضي عليها الاشتراكية المتطرفة، وتعلن ~~على البسطاء والسذج أن هذه القيم لا حياة لها إلا في ظل نظامنا الاجتماعي ~~والاقتصادي الخاص، وفي كل يوم يتفاخر الدعاة الأيديولوجيون للنظام الرأسمالي ~~بتميزهم عن «الماديين» من الاشتراكيين، ويتباهون بأن «الروحانية» لا حياة لها إلا ~~بين ظهرانيهم، وربما عقدوا محالفات صريحة أو ضمنية مع هيئات دينية - كالكنيسة ~~الكاثوليكية مثلا - يضفون بها على هذه المزاعم بركة «سماوية»، وإنك لتجد الجندي ~~الأمريكي يقتل النساء والأطفال في فيتنام، ويلقي القنبلة الذرية في هيروشيما، ~~وينقض على ثورات التحرر في أمريكا اللاتينية، ثم يذهب إلى الكنيسة يوم الأحد ~~راضيا، دون أن يشعر بوجود أي تناقض بين هذا المسلك وذاك، وقد يكون هذا نفاقا ~~تمليه المصالح الخاصة لشعب أو لنظام اجتماعي معين، ولكن العجيب حقا هو أن تبادر ~~هيئات دينية واسعة النفوذ إلى الاعتراف بأن القيم الروحية لا تجد من يحميها إلا بين ~~أنصار النظام الاجتماعي الذي يرتكب كل هذه الشرور، والأعجب من هذا وذاك أن يصدق هذه ~~المزاعم قطاع لا بأس به من الرأي العام في العالم، بل وفي عالمنا العربي بدوره، ~~فيسلم بالتعارض بين القيم الروحية وبين الاشتراكية المكتملة التحقق. # ولكي تكتمل لدينا صورة الزيف الفكري الذي يسيطر على أذهان كثير من الناس في ~~عالمنا المعاصر، ينبغي أن نتأمل نماذج من سلوك أولئك الاشتراكيين «المتطرفين»، ~~الذين يشيع وصفهم بأنهم أعداء للقيم الروحية، وبأنهم لا يبنون سلوكهم إلا على أساس ~~من المادية اللاإنسانية. # خذ مثلا سلوك شعب فيتنام، أيشك أحد في أن البطولات الأسطورية التي يسجلها هذا ~~الشعب الصغير ضد أعتى جهاز عسكري وحربي عرفه الإنسان طوال تاريخه، هي انتصار قاطع ~~وحاسم للروح على المادة؟ إن السلاح الحديث الوفير الذي تدعمه أعظم البحوث العلمية، ~~والأموال التي تصل إلى أرقام فلكية، والثراء وكثرة العدد وضخامة الأجسام وحسن ~~التغذية والعقول الإلكترونية، كل ms111 هذه تقف عاجزة حائرة أمام شعب فقير ضئيل العدد ~~قليل العدة، يحيا حياة ريفية بسيطة، ولا يعتمد في تدبير أموره إلا على موارد شحيحة ~~لا تكفي سكان بلدة متواضعة في أشد ولايات أمريكا تأخرا. # فما هي القوة التي تحرك الجسد النحيل الهزيل لتجعله يصرع أضخم جبابرة الأرض؟ ~~أيستطيع أحد أن يزعم لحظة واحدة أن قوة المادة هي التي تمنح الفيتنامي القدرة على ~~الصمود والانتصار على أشد أجهزة القتل والدمار كمالا، وتعطي عقله البسيط المباشر ~~مقدرة التفوق على أدهى ما تتفتق عنه أذهان محترفي العسكرية، مقترنة بأعقد خطط ~~العقول الإلكترونية؟ إن الفيتنامي الفرد - في هزاله وضآلة جسمه وفقره وبساطة حياته ~~- ما هو إلا كتلة متحركة من القيم الروحية - بأرفع ما تنطوي عليه هذه الكلمة من ~~معان - تقف بإصرار وإباء أمام جبروت المادة وتقهرها دون عناء؛ لأن الروح المتفانية ~~أقوى - في نهاية الأمر - من كل مادة فجة غاشمة. # وقل مثل هذا عن أفراد كثيرين عاشوا في عالمنا هذا مثالا للتفاني في سبيل أسمى ما ~~تعتز به البشرية من القيم: هوشي منه، الذي يأبى إلا أن يكون عظيما حتى بعد لحظة ~~مماته، فيطلب في وصيته ألا تقام له إلا جنازة بسيطة قصيرة، «حتى لا يكون في ذلك ~~مضيعة للجهد والمال»! وجيفارا الذي يأخذ على عاتقه تحقيق رسالة الثورة ضد الظلم في ~~كل مكان، ويترك جاه الحكم ونفوذه ونعمه جانبا ليعود مرة أخرى مناضلا بسيطا يحارب ~~في أقسى الظروف التي يمكن أن يتصورها إنسان. # ومع ذلك فإن هؤلاء المناضلين جميعا - الأفراد منهم والجماعات - يمكن أن ~~يحسبوا - في نظر البعض - ضمن «خصوم» القيم الروحية؛ لأنهم يؤمنون بنوع من ~~الاشتراكية «المتطرفة» التي يعدها الكثيرون متعارضة مع تلك القيم، فهل هناك دليل ~~أبلغ من ذلك على ضيق نظرة هؤلاء إلى القيم الروحية وقصور فهمهم لمعناها؟ إن من ~~هؤلاء من هم مخلصون - بلا شك - لمعنى الروحانية، حريصون على توطيد أركانه، ولكن ~~ما أجدر هذا الفريق بأن يراجع تفكيره في هذا الأمر مراجعة شاملة، وأنا على ثقة من ~~أنه ms112 لو فعل فسوف يتبين له أنه ضيق من نظرته إلى الروح وإلى قيمها أكثر مما ينبغي، ~~وأنه أخرج من مجالها أنواعا من السلوك لا يستطيع أحد أن يشك في صدورها عن دوافع ~~روحية خالصة. # بين الخبز والروح # إن شعار «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» هو الكلمة السحرية التي يرددها أنصار ~~«القيم الروحية» بمعناها الضيق، ويزعمون أنهم يفحمون بها خصومهم، ويثبتون حرصهم على ~~إنسانية الإنسان، وردا على هذا الشعار، أكد الكثيرون أنك لا تستطيع أن تقنع به ~~الفقير الجائع الذي تدور معدته في خواء، فهل يعني ردهم هذا أنهم ينكرون أن في ~~الحياة الإنسانية ما هو أسمى من الخبز؟ # الحق أن مشكلة العلاقة بين الاشتراكية والقيم الروحية إنما يمكن حلها في الرد على ~~هذا السؤال البسيط؛ ذلك لأن الإنسان لا يحيا حقا بالخبز وحده، ولكنه لا يستطيع أن ~~يطبق هذا المبدأ إلا حين يتوافر لديه الخبز، وهذا هو لب الموضوع، فحين يعز الخبز ~~على الإنسان يصبح هو الغاية القصوى - بل الوحيدة - لكل سلوك يقوم به، وتلك بلا ريب ~~حالة من الضعة أشبه ما تكون بحالة الحيوان الأعجم، ومن عجيب أمور الفكر البشري أن ~~ذلك الذي يدعو إلى توفير الخبز للجميع إنما يهدف إلى أن يرتفع بالإنسان فوق مستوى ~~التفكير الدائم في الخبز والانشغال الذي لا ينقطع به، حتى يستطيع أن يتفرغ لما هو ~~أرفع منه، على حين أن ذلك الذي يؤكد - في ترفع وتسام - أن الإنسان يحيا بما هو أسمى ~~من الخبز، قد تؤدي دعوته هذه إلى أن يتجاهل الناس مشكلة الخبز، فتكون النتيجة أن ~~يظلوا أسرى لها إلى الأبد، ويعجزون بالتالي عن بلوغ مستوى الخبز ومستوى ما فوق ~~الخبز معا. # ولو شئنا أن نترجم هذا الكلام إلى اللغة الفلسفية، لقلنا إن الدفاع عن المادة ~~كثيرا ما يكون - في حقيقته - دفاعا عن الروح بمعناها الحق، على حين أن الدفاع عن ~~المثل الروحية كثيرا ما يحمل - بين طياته - أشد النزعات المادية عنفا وقسوة، ومن ~~المؤكد أن لفظي «المادية» و«المثالية» مسئولان عن قدر ms113 كبير من المغالطات التي يعش ~~الإنسان المعاصر ضحية لها. # ذلك لأن لكل من هذين اللفظين معنى عقليا خالصا أو نظريا فلسفيا، ومعنى ~~آخر عمليا أو أخلاقيا، وفي تفكير معظم الناس خلط دائم بين هذا المعنى وذاك؛ ~~فحين يتحدث أحد عن المادية - بالمعنى النظري الفلسفي وحده - ينصرف الذهن تلقائيا ~~إلى المادية بمعناها الأخلاقي، وهي شيء قبيح ينفر منه كل إنسان لديه ذرة من حب ~~الخير والجمال، وحين يتحدث آخر عن المثالية - بمعناها العقلي البحت - ينصرف الذهن ~~أيضا إلى المثالية بمعناها الأخلاقي، وهي شيء رائع يسعى إليه كل من يقدر القيم ~~الرفيعة. # ومع ذلك فإن تاريخ الفكر البشري حافل بأمثلة الفلسفات التي جمعت - دون أي تناقض - ~~بين المادية النظرية والمثالية العملية أو الأخلاقية، والفلسفات التي ارتبطت فيها ~~مثالية الفكر النظري بأقبح مظاهر المادية في السلوك العملي، وتكاد هذه أن تكون ~~قاعدة مطردة، أو قانونا يحكم العقل البشري، ومع ذلك فما أسهل المغالطة حين يكون ~~الأمر متعلقا بالجمع بين معان بلغت كل هذا الحد من التضاد! # على أنه إذا كان هذا هو الأصل الفلسفي للفهم الباطل لمعنى الروحانية (التي هي ~~وثيقة الارتباط بالمثالية)، فإننا لا نجد أنفسنا بحاجة إلى الخوض في أعماق بحر ~~الفلسفة كما ندرك أن «الدفاع عن الروح» قد أسيء فهمه وأسيء استخدامه في عالمنا هذا ~~إلى حد يؤدي إلى إلحاق أفدح الأضرار بقضية الروح ذاتها، ولا أشك لحظة في أن الأمثلة ~~الملموسة التي قدمتها في موضع سابق من هذا المقال، كفيلة - إذا ما تعمقنا فهم ~~دلالتها - بتنبيه هذه الأذهان إلى خطورة الالتباس الذي وقعت فيه. # إن فهمنا لطبيعة القيم الروحية ومجالها يحتاج إلى مراجعة جذرية، تؤدي بنا إلى ألا ~~نقتصر على المعنى الشكلي لهذه القيم، بل نضيف إليه أهم المعاني جميعا، وهو المعنى ~~الجوهري للروح، والحق أننا لو شئنا أنموذجا صارخا في هذا العالم الذي نعيش فيه ~~للفهم الشكلي للروحانيات، لكان هذا الأنموذج هو الأيديولوجية الصهيونية؛ فهذه ~~الأيديولوجية ترتكز على الاستمساك المريض بحرفية عقيدة تعتقد أنها هي وحدها العقيدة ~~الروحية ms114 المقدسة، وكل ما تقدمه هذه الأيديولوجية لتصرفاتها من تبريرات يرتكز على ~~دعائم من هذه العقيدة الروحية، ومع ذلك فما أعظم التباين بين ادعاء الدفاع عن عقيدة ~~روحانية، وبين المسلك الإجرامي الذي تحبذه هذه الأيديولوجية وتدفع أنصارها إلى ~~القيام به دون وازع من مبدأ أو ضمير، ومنذ أن كانت لليهود حياة متميزة محددة ~~المعالم، كان هذا الازدواج العجيب بين التمسك بالعقيدة وبين الجري اللاهث وراء ~~الماديات، هو السمة المميزة لحياتهم، وما هذه - في رأيي - سوى النتيجة القصوى ~~للتمسك الشكلي البحث بالروحانية، دون اكتراث بجوهرها ومعناها العميق. # إن القيم الروحية - إذن - ليست شكلا فارغا أو إطارا من الشعائر والأقوال التي ~~تتردد آليا على الألسن، بل هي قبل كل شيء سلوك عملي في الحياة، والحريص حقا على ~~القيم الروحية ليس ذلك الذي يردد ألفاظا أو يؤدي طقوسا، بل هو ذلك الذي يثبت ~~بسلوكه في الحياة أنه يتخذ لنفسه هدفا رفيعا، ويضحي من أجل تحقيقه بكل ما ~~يملك. # أما ثاني الأخطاء التي ينبغي أن يؤدي بنا التفكير الجاد في هذه المشكلة إلى ~~التخلص منها، فهو الاعتقاد بأن القيم الروحية لا تعدو أن تكون تراثا قديما يتعين ~~علينا أن نحتفظ به سليما؛ ذلك لأن القيم الروحية - وإن تضمنت هذا العنصر من غير شك ~~- تتجاوز هذا النطاق بكثير؛ فهي في أساسها خلق متجدد في ميدان العمل، وهي مرشد ~~يهدينا في محاولتنا بناء مستقبل أفضل، وليست مجرد أثر من آثار الماضي يتعين علينا ~~أن نكرس حياتنا لحمايته من عوادي الزمان. إن القيم الروحية تختنق لو أصبحت مجموعة ~~من المبادئ الموروثة، وتحيا وتزدهر إذا استحالت إلى قوة دافعه توجه المرء في حاضره ~~ومستقبله، ولن يخدم القيم الروحية في شيء ذلك الذي يقتصر على اختزان مبادئ التراث ~~في صندوق مقفل خشية أن تمتد إليها يد لتختطف منها شيئا، بل إن خادمها الحقيقي هو ~~ذلك الذي يجددها، ويخلق منها المزيد في كفاحه من أجل حياة أفضل للناس ~~جميعا. # ولو قمنا بهذه المراجعة - بصدق وإخلاص - لما عاد هناك تعارض بين الاشتراكية ms115 أيا ~~كان المدى الذي تبلغه وبين القيم الروحية، ولاختفى نهائيا ذلك الوهم الذي صور ~~لبعض الناس أن هذه القيم تمسك بيد الاشتراكية حتى منتصف الطريق - وربما ربع الطريق ~~أو عشره - ثم تفترق عنها إلى غير رجعة. # | أخلاقنا العلمية ... إلى أين؟1 # خلال ذلك الوقت العصيب الذي انقضى منذ هزيمة يونيو، والذي كنا نتلمس فيه أسباب ~~الهزيمة داخل نفوسنا وفي عقولنا وطرائق تفكيرنا، دار قدر كبير من النقاش الذي أثارته ~~هذه الصدمة الأليمة حول موضوع العلم، وكان هناك ما يشبه الإجماع بين كل من أدلوا ~~بآرائهم في هذا الموضوع على أن موقفنا من العلم كان من أول أسباب الهزيمة، وعلى أن ~~تعديل هذا الموقف أو تغييره جذريا هو أول خطوة في الطريق الشاق الذي يمكن أن يؤدي في ~~النهاية إلى النصر. # ولقد سارت المناقشات التي استهدفت تحليل موقفنا من العلم في اتجاهين: أحدهما يدعو إلى ~~توسيع نطاق «مضمون» العلم ورفع مستواه، وذلك بإبداء مزيد من الاهتمام بالبحث العلمي ~~وتدريس العلوم وتقديم كافة التيسيرات التي تتيح للعلماء جوا مستقرا يمارسون فيه ~~أبحاثهم على النحو الذي يكفل - آخر الأمر - أقصى انتفاع من العلم لصالح المجتمع ذاته. ~~أما الاتجاه الآخر فيدعو - بالإضافة إلى ما سبق - إلى الأخذ «بالمنهج العلمي» أو ~~«بالأسلوب العلمي في التفكير»، في مقابل الأسلوب الخرافي أو العشوائي الذي كان ولا يزال ~~سائدا في جوانب متعددة من تفكيرنا، ويتميز هذا الاتجاه الثاني بأن تطبيقه لا يقتصر على ~~المجال العلمي البحت فحسب، بل إنه يمتد إلى كافة جوانب حياتنا العملية أيضا؛ فالأسلوب ~~العلمي في التفكير يمكن أن يستخدم بنجاح في ميادين كالحرب والدعاية والتخطيط ~~الاجتماعي والاقتصادي وفي السياسة الداخلية والخارجية، وغير ذلك من المجالات التي يؤدي ~~تطبيق المنهج العلمي فيها إلى تغيير طريقة تناولنا لها من التخطيط والارتجال إلى ~~التنظيم والترتيب والتعمق. # على أن للمشكلة جانبا ثالثا لم يعره أحد اهتماما، وكأنه جانب مهمل لا قيمة له ~~في تحديد موقفنا من العلم، مع أنه ربما لم يكن يقل أهمية عن الجانبين السابقين، بل قد ms116 ~~يكون هو الذي يحدد مقدار انتفاعنا أو عدم انتفاعنا من هذين الجانبين، هذا الجانب هو ~~«الأخلاق العلمية»، أعني تلك المجموعة من القيم والقواعد والمعايير التي ترتبط بممارسة ~~العمل العلمي، وإن لم تكن هي ذاتها من صميم العلم، والأخلاق العلمية كما أود أن أتحدث ~~عنها في هذا المقال، ليست هي السلوك الشخصي للعالم من حيث هو إنسان، بل هي سلوكه من حيث ~~هو عالم فحسب، أعني أسلوبه وطريقة تعامله مع الآخرين في المجال العلمي ذاته؛ فليس هدفي ~~هنا هو الحديث عن الأخلاق في صلتها العامة بالعلم، بل هو ينصب على وجه بعينه من أوجه ~~الأخلاق، هو ذلك الذي يمارسه المرء بوصفه عالما فحسب. # وعلى الرغم من أن الأخلاق العلمية شيء متميز عن العلم ذاته، فإن بين الاثنين علاقة ~~متبادلة وثيقة، صحيح أن العلم ينتمي إلى مجال تقرير الواقع وفهمه، وأن الأخلاق تتعلق ~~بتقدير القيم والسلوك على أساسها، ومع ذلك فإن كلا من العلم والأخلاق العلمية يدعم ~~الآخر ويزيده من الارتقاء في الأخلاق العلمية ومن الحرص على مراعاتها، والتمسك بالأخلاق ~~العلمية يؤدي - من جهة أخرى - إلى مزيد من التقدم العلمي، ويزيل كثيرا من العقبات التي ~~تعترض طريق العلم، ولكن هذا الحكم العام لا يمنع - بطبيعة الحال - من وجود حالات فردية ~~لا يجتمع فيها العلم مع الأخلاق العلمية، ولا يعمل فيها كل منهما على دعم الآخر. # والأمر الذي لا شك فيه أننا - في تلهفنا الشديد على بلوغ مستوى علمي رفيع نعتقد عن حق ~~أنه هو الكفيل بحل مشاكلنا القريبة المدى والطويلة الأجل - لم نحاول إبداء أي قدر مماثل ~~من الاهتمام بالأخلاق العلمية، ومعنى ذلك أننا نتصور إمكان حدوث نهضة علمية دون أن ~~يواكبها ارتفاع مناظر في مستوى القيم التي يسلك بمقتضاها المشتغلون بالعلم، وهو في رأيي ~~تصور باطل من أساسه؛ ذلك لأن كل نهضة علمية تحتاج إلى مناخ أخلاقي معين لا تزدهر إلا ~~فيه، وكل تقدم في العلم يرتبط بمراعاة تقاليد سلوكية راسخة توطدت دعائمها في المجتمعات ~~التي سبقتنا في هذا المضمار، وازدادت ms117 فيها تأصلا كلما ازداد العلم ذاته نهوضا. # ومن المؤسف أن الجرائد اليومية هي التي ذكرتنا بهذه الحقيقة الأليمة - أعني افتقارنا ~~إلى التقاليد العلمية الراسخة - بطريقة قد لا تخلو من الابتذال، ولكنها لا تغير من ~~الواقع المؤلم ذاته شيئا، وعلى الرغم من أني لست في وضع يسمح لي بأن أصدر حكما على ~~اتهامات السرقة العلمية التي وجهتها الصحف، في الآونة الأخيرة إلى أكثر من واحد من ~~أساتذتنا الجامعيين، ولا أود أن أشارك في تعبئة مشاعر الرأي العام المثقف ضدهم، فإني ~~أعتقد مع ذلك أن الطريقة الدرامية الصارخة التي اتبعتها الصحف اليومية في إثارة هذا ~~الموضوع الشائك لا تخلو من فائدة؛ فهي أشبه بالصدمة الكهربائية التي تنبه الحواس ~~الخاملة، وهي بالفعل قد أثارت فينا سلسلة من ردود الأفعال العنيفة المفاجئة، ولكن ~~التفكير الذي أثارته كان مقتصرا على الوقائع التي كشف عنها النقاب فحسب، ولم يمتد ~~إلى الجذور العميقة للظاهرة نفسها. # إن ظاهرة الاستيلاء على ثمرة جهود الآخرين - في الميدان العلمي - ظاهرة لا تقل خطورة ~~عن السرقة الفعلية، بل إننا نجد لدى سارق الممتلكات المادية - في معظم الأحيان - دوافع ~~ترغمه على ارتكاب جريمته، فضلا عن أن مستواه العقلي - في الغالب - هابط إلى حد لا يسمح ~~له بتقدير مدى الخطأ الذي يرتكبه، أما العدوان على الجهد العلمي للآخرين فيقوم به شخص ~~ليس مضطرا إلى ارتكاب هذه الجريمة لكي يعيش أو يعول أسرة، فضلا عن أن قدراته العقلية ~~تسمح له بأن يكون على وعي كامل بمدى مخالفة فعلته هذه لكل ما تعارفت عليه الأوساط ~~العلمية من قيم. # ولكن إذا كان موقف من ينتحل لنفسه جهد الآخرين أمرا مؤسفا، فإن الأكثر منه مدعاة ~~للأسف هو موقف المسئولين من أمثال هؤلاء الأشخاص؛ ففي معظم الأحيان يكون أول ما يتبادر ~~إلى أذهان المسئولين هو «ستر الفضيحة» وتجنب إثارة الضجة بأي ثمن، ويتحقق ذلك بإيجاد أي ~~مبرر مفتعل يخفف من وطأة الخطأ الذي ارتكب، ثم تبرئة مرتكبه أو توجيه لوم شكلي إليه، ~~وبذلك يتحقق الهدف الأكبر، وهو التكتم على ms118 الفضائح العلمية، أما علاج الظاهرة ذاتها فلا ~~يفكر فيه أحد. # وأبسط علاج في نظري هو الردع الصارم؛ فالتدليل المفرط لمن يرتكب «فعلا فاضحا» في ~~مجال العلم لن يؤدي إلا إلى استفحال هذه الظاهرة والتشجيع على تكرارها، وهو إن دل على ~~شيء فإنما يدل على أن ضمير من يصدرون الحكم على هذه الحالات لا يزيد في يقظته كثيرا عن ~~ضمير من يحكم هؤلاء عليهم، ولا أظن أنني أقرر شيئا غريبا أو غير مألوف إذا قلت إن ~~أبسط رد فعل على هذه الفضائح ينبغي أن يكون استبعاد من يثبت عليه ارتكابها من أية هيئة ~~علمية استبعادا لا رجعة فيه، ولو كان هذا مسلكنا منذ البداية لأصبح نطاق هذه الظاهرة ~~في وقتنا الحالي أضيق بكثير مما هي عليه الآن. # ومن الطريف أن دفاع مرتكبي هذه الفضائح العلمية عن أنفسهم يتخذ في معظم الأحيان صبغة ~~المغالطة المعروفة التي تشير إلى دوافع من يهاجمونهم، بدلا من أن ينصب على موضوع ~~الهجوم ذاته؛ ففي كل حالة تثار فيها فضيحة كهذه، يؤكد مرتكبها - في معرض الدفاع عن نفسه ~~- أن من أثارها شخص مغرض حقود حسود ... إلخ، وهذه الصفات قد تكون كلها صحيحة، وقد لا تكون ~~دوافع الهجوم علمية على الإطلاق، ولكن هذا كله لا يؤثر في قليل أو كثير على طبيعة الجرم ~~الذي ارتكب في حق العلم؛ فالعبرة إنما هي بمضمون الواقعة ذاتها، لا بدوافعها أو الظروف ~~المحيطة بها. # هذه الملاحظة تؤدي بنا إلى مظهر آخر من مظاهر افتقارنا إلى التقاليد العلمية، وهو ~~الخلط بين الحقائق والأشخاص؛ ففي أكثر مناقشاتنا جدية ننسى - أو نتعمد أن ننسى - ~~الحقائق الرئيسية في الموضوع، ونخلط بين الوقائع الموضوعية وبين الصفات الذاتية ~~للأشخاص، وبدلا من أن نناقش الرأي في ذاته، نتهرب من المناقشة - عمدا أو عن غير عمد - ~~بالطعن في شخصية صاحب الرأي، أو بالتشكيك في دوافعه، وما أكثر ما نستخدم في جدلنا ~~العلمي عبارة «إذا كان بيتك من زجاج فلا تقذف الناس بالحجارة» أو ما يشابهها، لكي ~~نتخلص بواسطتها من المناقشة ms119 الموضوعية للآراء، ونستعيض عنها بالمهاترات الشخصية، أو - ~~على أحسن الفروض - بمحاولة إثبات أن الخصم ذاته ليس أفضل منا، وكأن خطأ الآخرين يعفينا ~~من أي خطأ ثبت أننا ارتكبناه. # ولكن لعل أوضح مظاهر افتقارنا إلى الأخلاق العلمية موقفنا من النقد العلمي؛ ففي ~~الأوساط العلمية بجميع بلاد العالم المتمدين، استقر مفهوم النقد العلمي منذ عهد بعيد، ~~وأصبح جزءا من الحياة العقلية لهذه البلاد يستحيل الاستغناء عنه، ولا يمكن لأحد أن يجد ~~فيه مسبة أو عارا، بل إن العلماء والمفكرين أنفسهم يرحبون بالنقد ويطلبون إلى الآخرين ~~بإلحاح أن ينقدوهم؛ إذ إن مثل هذا النقد هو الوسيلة الوحيدة لاختبار الأثر الذي يحدثه ~~العمل العلمي في عقول الآخرين، وهو معيار نجاح العمل أو إخفاقه، والنقد الموضوعي - سواء ~~أكان مدحا أم ذما - له في الحالتين فائدته؛ فهو يحفز الناقد على التفكير بإمعان فيما ~~يقرأ، ويخلصه من داء القراءة السطحية المتعجلة، أما ذلك الذي يوجه إليه النقد فسوف يعلم ~~- إذا تلقى المديح - أنه سار في طريق الصواب، وإذا عيب عليه عمله - كله أو بعضه - أدرك ~~أن عليه مراجعة خطواته، وبذلك يتدارك خطأه قبل فوات الأوان، ويغير خط سيره قبل أن ~~يتمادى في اتجاه البطلان. # النقد الموضوعي إذن جزء لا يتجزأ من الحياة العقلية في البلاد ذات التقاليد العلمية ~~الراسخة، أما في بلادنا فهو - على مستوى الأشخاص - لا يقل خطورة عن إعلان الحرب بين ~~الدول، إنه يؤخذ على أنه مظهر خصومة ودليل على العداء، لا على أنه سعي متبادل إلى بلوغ ~~حقيقة تعلو على الأشخاص، ولا يستطيع الفرد الواحد - أيا كان - أن يبلغها بجهوده ~~الخاصة. # ولكي نحلل موقفنا من النقد ينبغي أن نتأمله في ضوء أطرافه الثلاثة: الناقد والمنتقد ~~والجمهور الذي يحكم بينهما، وسوف يظهر لنا بجلاء أن هؤلاء الأطراف الثلاثة يسيئون - في ~~معظم الأحيان - فهم مهمة النقد، ويفتقرون بذلك إلى عنصر أساسي من عناصر الأخلاق ~~العلمية. # فالناقد كثيرا ما يكتب لإرضاء أغراض شخصية لا توخيا لأغراض موضوعية، ودليل ذلك أن ~~أبحاثنا ومقالاتنا النقدية تحتشد عادة بالألفاظ والتعبيرات ms120 التي تبعد كل البعد عن ~~الروح العلمية السليمة، فلا يكاد الناقد يلتقط خطأ حتى يسارع إلى الصياح والتهليل، ~~ويتعجب من «جهل الكاتب» و«غروره» وربما «غبائه» و«افتقاره إلى الفهم السليم»، إلى غير ~~ذلك من الألفاظ التي تبعد بالنقد عن وظيفته الأصلية، وتحوله إلى مباراة في السباب، ~~ويستطيع المرء أن يقول مطمئنا إن النقد الحاد اللهجة المشحون بالانفعالات الصبيانية ~~أكثر شيوعا من كتاباتنا من النقد الهادئ الذي لا يستهدف إلا إظهار الحقيقة وحدها، ~~وكثيرا ما يتخذ النقد ذريعة لشفاء الغليل من عدو، أو إساءة سمعة منافس، أو الانتقام من ~~خصم، وفي كل هذه الحالات تنطق سطور النقد ذاته - بما تحفل به من انفعال وتشنج - بأن ~~هدفه إنما هو تصيد الخطأ بطريقة مصطنعة متكلفة، وليس تنبيه المنتقد إلى الصواب. # أما موقف المنتقد فيختلف من النقيض إلى النقيض تبعا لنوع النقد، فإن كان النقد ~~مدحا، تملكه الغرور حتى لو كان هذا المدح من قبيل التملق والنفاق الرخيص، أما إذا ~~كان النقد ذما، فإن أبعد الأمور عن ذهنه هو التفكير الموضوعي في مضمونه النقد. إن ~~جهوده كلها تنصرف عندئذ إلى البحث عن دوافع ذاتية وشخصية لدى الناقد، يتصور أنها هي ~~التي دفعته إلى «تجريحه»، وحتى لو كان النقد موضوعيا خالصا، لا يشوبه أي انفعال، ولا ~~ينطوي على أي لفظ ينم عن السعي إلى التشنيع أو التهويل، فإن المنتقد ينظر إلى الناقد ~~- إذا كان قد كشف له عن أخطاء جسيمة في عمله العلمي - كما لو كان قد ارتكب في حقه جريمة ~~«السب العلني»، وينسى تماما مضمون النقد، ويغفل تماما ما قد يكون فيه من حقائق ~~موضوعية، وينظر إلى الأمر كله من وجهة النظر الشخصية الضيقة. # وحين يتخذ رد الفعل مثل هذا الطابع، تضيع الحقيقة التي استهدف النقد بلوغها في غمار ~~الانفعالات الحامية، ويغمض المنتقد عينيه عن الأخطاء التي وقع فيها، ولا يعود له من هدف ~~سوى رد كرامته التي يتصور أنها أهينت، وتتجسم أمام عينيه انتقادات الآخرين كما لو ~~كانت جرائم لا تغتفر، بينما ينسى أخطاءه ms121 الخاصة أو يتناساها وسط ضباب الغضب العارم، ~~بل إن هذا الغضب يتخذ في بعض الحالات المتطرفة طابع السلوك الدفاعي اللاشعوري؛ إذ يصرف ~~ذهن المنتقد عن مظاهر النقص التي كشف عنها النقد، ويحوله إلى اتجاهات لا يضطر المرء ~~فيها إلى توجيه اللوم إلى ذاته، وربما كان الغضب الذي ينصب على «الآخر» في هذه الحالة ~~شكلا لا شعوريا من أشكال الغضب على الذات، والاستياء مما وقعت فيه من أخطاء، أما ~~السعي إلى الارتقاء الذاتي، وإلى اتخاذ الأخطاء الماضية عبرة للمستقبل، وإلى الإفادة ~~إيجابيا من السلبيات التي نبه إليها النقد، فهو آخر ما يخطر ببال من يواجه الانتقادات ~~بهذه الروح العدائية. # وأخيرا فإن الطرف الثالث في الموقف النقدي - وهو الجمهور المثقف - كثيرا ما يستسلم ~~بدوره للانفعالات، حين يجد نفسه حكما في قضية نقدية، ويسلك على نحو ينم عن الافتقار ~~التام إلى فهم دلالة النقد ودور القارئ الواعي إزاءه؛ فالحجج الانفعالية والأسلوب ~~الخطابي لهما فيه تأثير يفوق بكثير تأثير الحجج الهادئة المتزنة المرتكزة على المنطق ~~السليم، وكثيرا ما تتردد على لسان الجمهور تعبيرات تدل على أن أهم المعايير التي يرتكز ~~عليها - في حكمه على القضية موضوع البحث - هي الشفقة، أو «مراعاة السن»، أو عوامل ~~الإخلاص والوفاء، وكلها مشاعر شخصية لا ينبغي أن يكون لها اعتبار في أحكامنا العلمية. ~~ومجمل القول أن استجابة الجمهور المثقف للمعارك النقدية كثيرا ما تكون مشابهة ~~لاستجابة جمهور الكرة للمباريات؛ فهو يصفق ويهلل ويستهويه كل ما هو مثير، أما الحقيقة ~~المجردة فلا يهتم بها أحد. # نحن إذن ما زلنا بعيدين كل البعد عن أصول الأخلاق العلمية كما توطدت دعائمها وتأكدت ~~في البلاد ذات التقاليد العلمية الراسخة، فما زالت كثرة غالبة من المشتغلين بالعلم ~~بيننا تخلط - على نحو مؤسف - بين الأمور الذاتية والأمور الموضوعية، وما زالت هذه ~~الكثرة الغالبة عاجزة عن إدراك الفارق الواضح الحاسم - الذي سبقتنا إلى إدراكه كل أمة ~~ناهضة - بين العلاقات والمشاعر والانفعالات الشخصية وبين الحقائق اللاشخصية التي تؤلف ~~بناء العلم. # ومن المؤكد أن الوعظ وحده لن يستطيع ms122 أن يصلح من هذا الوضع شيئا، فإذا كنا نعيب ~~على الجو العلمي السائد بيننا افتقاره إلى الأخلاق العلمية، فليس معنى ذلك أننا ندعو ~~إلى إصلاح أخلاق المشتغلين بالعلم عن طريق «الدعوة» أو «التوعية» أو غير ذلك من الوسائل ~~التي لا تجدي في هذا الميدان، بل إننا نعتقد اعتقادا راسخا بأن ارتفاع مستوى ~~الأخلاق العلمية أو هبوطه يرجع إلى أسباب موضوعية لا تقوم فيها النزاهة الفردية للعالم ~~ذاته إلا بدور ضئيل. # فالتقاليد العلمية السليمة قد أرسيت في البلاد التي توطدت فيها دعائمها على ~~قاعدتين متينتين: قاعدة رأسية، وأخرى أفقية. # أما القاعدة الرأسية فهي قدم العهد بممارسة العلم ورسوخ مبادئه وقيمه في أذهان أجيال ~~متعاقبة من المشتغلين به، والنتيجة الحتمية لذلك هي أن حداثة عهدنا بممارسة العمل ~~العلمي تحتم ظهور نوع من التراخي في الأخذ بالقيم الأخلاقية، صحيح أن لنا تاريخا ~~قديما في الاشتغال بالعلم، قد يرجعه البعض إلى أيام ازدهار الحضارة العربية، وقد يرتد ~~به البعض الآخر إلى ما قبل ذلك بكثير، ولكن هذا التاريخ لا يتصل بالحاضر اتصالا ~~مباشرا، وإنما حدثت فترة انقطاع طويلة بدأت بعدها حركة إحياء العلم تشق طريقها - منذ ~~عهد قريب - وكأنها تبدأ من جديد، وهكذا أصبحنا نفتقر إلى ذلك التراث المتصل من القيم ~~والمبادئ الذي يتوارثه جيل عن جيل، والذي يزداد رسوخا في النفوس كلما قدم به العهد، ~~ومن المؤكد أن أية دولة ذات تقاليد علمية وطيدة الأركان قد شهدت في بداية عهد نهضتها ~~العلمية تهاونا في الأخذ بأصول الأخلاق العلمية لا يختلف كثيرا عما نعاني منه في ~~أيامنا هذه؛ فالأمر - في هذه الحالة - لا يرجع إلى عيوب كامنة في شعوب معينة بقدر ما ~~يرجع إلى واقع موضوعي يتجاوز الخصائص المميزة لشعب عن شعب آخر. # وأما القاعدة الأفقية فهي اتساع نطاق المشتغلين بالعلم في البلاد ذات التقاليد ~~العلمية الراسخة، هذه الكثرة العددية البحتة عامل عظيم الأهمية من عوامل إقرار القيم ~~الأخلاقية العلمية في البلاد المتقدمة؛ إذ إنها تسد الطريق أمام أية محاولة لاغتصاب ~~جهود الغير في ms123 الميدان العلمي، فحتى لو وجد الشخص الذي تسمح له أخلاقه بأن ينتحل ~~لنفسه ثمار جهد غيره، فلا بد لمثل هذا الشخص من أن ينكشف؛ إذ سيظهر في مكان ما - من ~~بين الأعداد الهائلة التي تعمل في مختلف فروع التخصص - من يكتشف هذه السرقة ~~العلمية. # وبطبيعة الحال فإن العامل السابق لا يمكن أن يكون عاملا فعالا لو لم يتوافر شرطان ~~أساسيان يدعمان تأثيره: أولهما أن هذه القاعدة العريضة من المشتغلين بكل فرع من فروع ~~العلم تضم عددا كبيرا من الباحثين الذين توافر لهم من الفراغ ومن مصادر المعرفة ما ~~يسمح لهم بالاطلاع المستمر على الإنتاج القديم والحديث في ميادين تخصصهم، وهو أمر لا ~~يمكن القول إنه قد تحقق في حياتنا العلمية بعد، وثانيهما أن عقوبة الخروج عن التقاليد ~~العلمية في هذه المجتمعات صارمة حازمة؛ فمخالفة الأخلاق العلمية - حتى لو حدثت على نطاق ~~أضيق بكثير مما يشيع حدوثه بيننا - كفيلة بأن تقضي على المستقبل العلمي للمرء قضاء ~~مبرما. # فالأخلاق العلمية إذن وليدة ظروف موضوعية تهيأت للمشتغلين بالعلم في بلاد معينة، ولم ~~يتهيأ ما يناظرها في بلادنا بعد، ومع ذلك فمن الواجب أن نتذكر أن الأخلاق في هذا ~~الميدان - كما في غيرها من الميادين - تتحول بمضي الزمن إلى مبادئ ذاتية يدين بها المرء ~~دون أن يفرضها عليه أي قهر خارجي؛ ففي البداية تؤدي العوامل الموضوعية بالمرء إلى أن ~~يسلك بمقتضى القواعد الأخلاقية سواء شاء أم لم يشأ. ثم يحدث بالتدريج تحول لهذه ~~القواعد إلى باطن الذات، حتى تكون جزءا من «الضمير الأخلاقي» للمرء، بحيث تمارس ~~تأثيرها دون أي ضغط أو إكراه خارجي، ومن المؤكد أن نسبة كبيرة من المشتغلين بالعلم في ~~البلاد المتقدمة أصبحوا يطبقون القواعد الأخلاقية العلمية بوازع من ضمائرهم وحدها، دون ~~خوف من أن يفتضح أمرهم، أو رهبة من عقوبة توقع عليهم. # ومن الطبيعي أن الشروط المهيئة لتكوين مثل هذا «الضمير العلمي» لم تتوافر كلها في ~~بلادنا بعد؛ فالمشتغلون بالعلم ما زالوا قلة، وما زالت فرص ارتكاب الأخطاء الخلقية في ~~هذا ms124 المجال، دون خوف من الانكشاف، كثيرة، وبالتالي فنحن ما زلنا بعيدين عن تلك المرحلة ~~التي تتحول فيها القاعدة الأخلاقية الموضوعية إلى قاعدة ذاتية يطبقها المرء على نفسه ~~بوحي من ضميره فحسب. # وإلى أن نبلغ هذه المرحلة، لا بد لنا من أن نأخذ الأمور مأخذ الحزم والحسم، ولا ~~بد لنا من أن نقلع عن هذا التهاون والتراخي الذي يجعل أشد الفضائح العلمية هولا يمر ~~دون أن يثير استنكار الناس أو اشمئزازهم، ودون أن تحل على مرتكبه جزاءات معنوية أو ~~مادية . # إن التهاون في ميدان الأخلاق العلمية يؤدي إلى مزيد من التراخي والتساهل بين الأجيال ~~المقبلة، حين لا تجد حولها سوى أسوأ أمثلة السلوك حتى في ميدان العلم ذاته، وعلينا - ~~قبل أن يفوت الأوان - أن نتدارك الأمر حتى لا يأتي يوم نجد بيننا وبين بلاد العالم ~~المتقدمة فارقا في الأخلاق العلمية يزيد عن ذلك الذي يفصل بيننا وبينها في ميدان العلم ~~ذاته، فنقف عندئذ يائسين من اللحاق بركب التطور حتى في ميدان الأخلاق والمعنويات، ذلك ~~الميدان الذي كنا نتباهى على الدوام بأن لنا فيه تاريخا طويلا وتقاليد راسخة، والذي ~~كنا نعزي أنفسنا دوما بأنه خير ما يعوضنا عن تخلفنا في مجال «الماديات». # | اشتراكية العالم الثالث: نظرة نقدية1 # في كثير من المواقف الحاسمة في حياة الفرد يتساءل المرء إن كانت التجربة المباشرة - ~~التي قد تقترن بالعذاب والمعاناة - تستحق كل ما يبذل فيها من عناء، ويتمنى لو ~~أتيحت له فرصة يتجنب فيها معاناة التجربة بنفسه، ويفيد من تجارب الآخرين على نحو ~~يؤدي به إلى بلوغ الهدف المنشود مباشرة، دون حاجة إلى ممارسة كل تجربة بنفسه، ومع ذلك ~~فإنه حين يمعن الفكر سوف يتبين له - على الأرجح - الوجه الآخر من المشكلة، وهو أن ~~المعاناة والممارسة يمكن أن تكون هدفا في ذاته، وأن تحقيق المرء لهدفه بعد أن يمر ~~بتجربة زاخرة غنية، يختلف اختلافا كليا عن بلوغه هذا الهدف بأقصر الطرق، وعن طريق ~~الإفادة من تجارب الآخرين، صحيح أن طريقه في الحالة الأولى سيكون أبطأ وأشق، ms125 ولكن ثراء ~~التجربة وسلوكها مجراها الطبيعي وعمق الدروس التي يتعلمها المرء منها، لا بد أن ~~يعوضه خير تعويض عن كل ما عاناه في سبيل اكتساب تجربته الخاصة من مشقة. # وفي اعتقادي أن انتقال مجتمعات العالم الثالث إلى الاشتراكية يثير هذه المشكلة ذاتها، ~~ولكن على الصعيد الاجتماعي لا الفردي؛ ففي اللحظة التي تقرر فيها هذه المجتمعات أن تأخذ ~~بالنظام الاشتراكي، يتعين عليها أن توجه إلى أنفسها هذا السؤال الحاسم: أيهما أجدى ~~بالنسبة إلى مستقبل المجتمع على المدى البعيد؛ أن يمر المجتمع بجميع المراحل التي تجعل ~~الانتقال إلى الاشتراكية أمرا طبيعيا؟ أم أن يختصر هذه المراحل وينتقل مباشرة إلى ~~الاشتراكية، مستعينا على هذا الانتقال بالإفادة من تجارب المجتمعات الأخرى التي سبقته ~~في هذا المضمار؟ # والأمر الذي لا شك فيه أن تصميم مجتمع متخلف على أن يأخذ بالنظام الاشتراكي، يعني أنه ~~قد أخذ بالحل الثاني، وقرر أن يسلك إلى الاشتراكية طريقا مختصرا، والواقع أن المسألة ~~- بالنسبة إلى المجتمعات المتخلفة - ليست مسألة اختيار بين طريق الممارسة والتجربة ~~المباشرة وطريق الإفادة من تجربة الغير؛ إذ إن التخلف لا يترك لهذه المجتمعات مجالا ~~للاختيار، ومع ذلك فإن من واجب أي مجتمع يتخذ هذا القرار أن يدرك عن وعي طبيعة التحول ~~الذي سيطرأ عليه حين يأخذ بالنظام الاشتراكي، والفرق بين هذا النظام حين يطبق في ~~مجتمع متخلف، وبينه حين يطبق في مجتمع صناعي متقدم، والالتزامات التي تترتب على وجود ~~هذا الفرق بالنسبة إلى طبيعة التطبيق الاشتراكي في البلد المتخلف. # إن النظرة الكلاسيكية إلى الاشتراكية كما كانت سائدة في القرن التاسع عشر، أعني في عصر ~~التفكير النظري، متميزا عن عصر التطبيق والتجارب العملية المتعددة في القرن العشرين، ~~تجد غرابة - وربما استحالة - في الانتقال من التخلف إلى الاشتراكية قفزة واحدة؛ ذلك ~~لأن الاشتراكية - في وجهها الكلاسيكي - هي رد فعل على الرأسمالية، صحيح أن الرأسمالية ~~تعد مرحلة ممهدة لظهور الاشتراكية، ولكنها مع كونها ممهدة لها، هي مرحلة لا غناء عنها ~~من أجل قيام الاشتراكية، بل من أجل مجرد تصورها. # إن ms126 النموذج التقليدي للثورة الاجتماعية هو ذلك الذي تنبثق فيه الاشتراكية من قلب ~~النظام الرأسمالي؛ فالاشتراكية - تبعا لهذا النموذج التقليدي - ليست بديلا عن ~~الرأسمالية فحسب، بل هي مرحلة أعلى في تطور اجتماعي متصل، تضم في داخلها الصفات ~~الإيجابية للنظام الرأسمالي، وتتجاوز هذا النظام مع كونها منطوية على أفضل ما فيه، أما ~~اشتراكية العالم الثالث فلا تتجاوز الرأسمالية؛ لأن كثيرا من بلاد العالم الثالث تختار ~~الطريق الاشتراكي دون أن تكون قد مرت بمرحلة توافرت فيها أهم عناصر النظام الرأسمالي، ~~ولا سيما وجود تصنيع متقدم وطبقة عاملة واعية بذاتها وبوضعها الاجتماعي، ومعنى ذلك أن ~~اشتراكية العالم الثالث ليست تجاوزا للرأسمالية، بل هي بديل عنها، أو بعبارة أخرى فإن ~~مجتمعات العالم الثالث تقف في مفترق طريقين: أحدهما طريق الرأسمالية والآخر طريق ~~الاشتراكية، وهي لا تلجأ إلى الطريق الثاني بعد أن تكون قد جربت الطريق الأول وسارت فيه ~~حتى المرحلة التي لا يعود من الممكن فيها التوفيق بين متناقضاته، بل هي تلجأ إليه منذ ~~بداية وعيها بأهمية التصنيع، وتحاول أن تضفي على تطورها - حتى في أول مراحله - طابعا ~~اشتراكيا. # ومن المؤكد أن الاشتراكيين لم يكونوا على خطأ - من الوجهة النظرية - عندما تصوروا ~~الاشتراكية على أنها رد الفعل على الرأسمالية بعد أن تصل هذه الأخيرة إلى قمة التناقض ~~والتمزق الداخلي، أي عندما أكدوا أنه لا قيام للاشتراكية بدون مرحلة رأسمالية مكتملة ~~العناصر تسبقها وتمهد لها الطريق؛ ذلك لأن الاشتراكية تستطيع أن تتعلم من الرأسمالية ~~الكثير؛ ففي الرأسمالية يتحول الإنتاج إلى مرحلة الترشيد الدقيق، وتكتسب عادات الدقة ~~والنظام والانضباط والإفادة الكاملة من كل الطاقات، وإذا تركنا جانبا نواحي الاستغلال ~~في المجتمع الرأسمالي، فمن المؤكد أن هذا المجتمع يحرز تقدما لا تستطيع الاشتراكية أن ~~تتجاهله، بل إن عليها أن تستوعبه في داخلها استيعابا كاملا، وتعمل بعد ذلك على تجاوزه ~~بتصفية العلاقات الإنتاجية من كل آثار الاستغلال. وبعبارة أخرى فإن الصورة النموذجية ~~للثورة الاشتراكية - في علاقتها بالنظام الرأسمالي - هي في صميمها صورة جدلية، لا يعمل ~~الجديد فيها على استبعاد ms127 القديم والحلول محله، بل يمتص في داخله ذلك القديم ويستخلص منه ~~كل عناصره الإيجابية، ثم يعمل على دفعه إلى الأمام في صورة جديدة كل الجدة، وفي ظل ~~علاقات مغايرة تماما للعلاقات القديمة. # ولقد كان أقطاب التفكير الاشتراكي في القرن التاسع عشر على وعي تام بهذه الحقيقة، ~~وتجلى ذلك الوعي واضحا في موقفهم المزدوج من الرأسمالية؛ فالرأسمالية كانت في نظرهم - ~~من جهة - مرحلة تقدمية إذا قيست بالمراحل السابقة لها، ومرحلة رجعية إذا قيست بالتطور ~~المنتظر للمجتمع في ظل الاشتراكية، وكانت القوى الرأسمالية والبورجوازية تمثل في نظرهم ~~قوى الثورة والتقدم في مرحلة الصراع بينها وبين النظام الإقطاعي، كما كانت العقلية ~~الرأسمالية هي التي تدفع المجتمع إلى الأمام في الفترة التي كان فيها النبلاء ~~والإقطاعيون يحرصون على التمسك بعاداتهم وتقاليدهم وامتيازاتهم العتيقة البالية، ولا ~~تتحول الرأسمالية في نظرهم إلى عامل من عوامل التخلف إلا حين يستتب لها الأمر، وحين ~~تصبح مقاليد الحكم في أيدي البورجوازيين يسيطرون على نظم المجتمع وقوانينه، ويتحكمون في ~~الرأي العام ويوجهون أفكاره لصالحهم، فيبذلون طاقتهم من أجل المحافظة على الأوضاع ~~الراهنة، والإبقاء على استغلالهم للطبقات العاملة، ومعنى ذلك أن الرأسمالية مرحلة ~~ضرورية في الطريق الذي يوصل آخر الأمر إلى الاشتراكية، وأن الاشتراكية لا يمكنها أن ~~تتحقق إلا في مجتمع مر بالتجربة الرأسمالية، وسار فيها حتى أبعد مراحلها، أعني حتى ~~المرحلة التي استنفدت فيها الرأسمالية - من حيث هي نظام متقدم - أغراضها، وأحالتها ~~متناقضاتها الصارخة إلى نظام رجعي لا بد من تجاوزه. # على أن تجربة العالم الثالث قد أثبتت أن هذا النمط الكلاسيكي للتحول إلى الاشتراكية ~~ليس هو النمط الوحيد، وأن الاشتراكية يمكن أن تظهر، لا بوصفها رد فعل على الرأسمالية، ~~بل بوصفها بديلا عنها في مجتمعات لم تعرف النظم الرأسمالية بمعناها الدقيق، أعني في ~~بلاد متخلفة لم تمر إلا بالمراحل الأولى للتصنيع، ولم تتحدد فيها العلاقات بين أصحاب ~~العمل والطبقة العاملة وفقا للنماذج الرأسمالية المألوفة، بل إننا لو أخذنا في ~~اعتبارنا ذلك التخلف الذي كانت تتسم به المجتمعات التي ظهرت ms128 فيها الثورات الاشتراكية ~~الكبرى في القرن العشرين - وعلى رأسها روسيا القيصرية والصين - لأمكننا القول إن جميع ~~التجارب الفعلية للتحول إلى الاشتراكية لم تكن منتمية إلى النمط الكلاسيكي انتماء ~~كاملا، والاستثناء الوحيد من هذا الحكم هو حالة تشيكوسلوفاكيا، ومع ذلك فإن هذا ~~الاستثناء يؤيد ويثبت القاعدة التي تقول إن التحقق الفعلي للتحول إلى الاشتراكية لم ~~يحدث بنجاح إلا في بلاد لم تمر بالمرحلة الرأسمالية في صورتها المتقدمة؛ إذ إن الكثيرين ~~يعزون المتاعب التي واجهتها التجربة الاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا إلى هذه الحقيقة ~~بالذات، أعني إلى أن تشيكوسلوفاكيا هي البلد الوحيد الذي بدأت فيه الاشتراكية على قاعدة ~~رأسمالية قوية في مجتمع صناعي متقدم، ولكن حتى لو كان من الصحيح أن التجارب الناجحة في ~~التحول إلى الاشتراكية قد حدثت في بلاد تتسم كلها بالتخلف، ولا يمكن أن توصف بأنها بلاد ~~صناعية بالمعنى المتقدم لهذه الكلمة، فإن هذا التخلف متفاوت في الدرجة إلى حد يسمح لنا ~~بتمييز بلاد العالم الثالث على أساس أنها فئة قائمة بذاتها؛ لأنها أولا تتسم بقدر كبير ~~من التخلف؛ ولأنها ثانيا كانت إلى حد قريب خاضعة لنفوذ استعماري، أي إنها لم تنل ~~استقلالها إلا حديثا، وكما هو واضح فإن هاتين الصفتين - أعني التخلف الشديد والخضوع ~~طويلا للاستعمار - مرتبطتان ارتباطا وثيقا. # والسؤال الذي يتعين على هذه البلاد أن تطرحه بأمانة وتبحث عن إجابة صادقة عنه هو: ما ~~السمات المميزة لهذا التحول من التخلف إلى الاشتراكية مباشرة؟ وكيف يمكن تجنب المشكلات ~~التي يثيرها هذا التحول المباشر؟ # إن النمط الكلاسيكي للتحول إلى الاشتراكية يكتسب - كما قلنا من قبل - مزايا كثيرة؛ إذ ~~إنه يستفيد من جميع الخبرات التي تكتسبها الرأسمالية في مرحلة تقدمها الظافر، بحيث يبدأ ~~المجتمع الاشتراكي مسيرته مسلحا بتصنيع متقدم، وبأساليب إنتاجية راقية وبقدرات إدارية ~~وتنظيمية فعالة، فضلا عن إفادته من التقدم العلمي والتكنولوجي الكبير الذي كان ملازما ~~للعصر الرأسمالي منذ بدايته، ولا يزال سمة من سماته حتى اليوم. وهكذا فإن الاشتراكية ~~حين تصبح هي النظام السائد في مجتمع كهذا، تستطيع أن تبني ms129 نفسها على قاعدة صلبة من ~~التقدم الاجتماعي، تضيف إليها علاقات إنسانية خالية من أي استغلال، وبذلك يمكنها أن ~~تطلق أعظم الطاقات الخلاقة للإنسان من أجل بلوغ حياة أفضل ماديا وروحيا. # أما المجتمع الذي ينتقل من التخلف إلى الاشتراكية مباشرة فإن من المتوقع - نظريا - ~~أن تكون مشكلاته أكثر تعقيدا؛ ذلك لأن المهام التي يتعين على الاشتراكية تحقيقها في ~~مجتمع كهذا لا تنحصر في نطاق العلاقات الإنتاجية أو الإنسانية، بل إن أولى هذه المهام ~~هي إيجاد قاعدة إنتاجية متينة عن طريق التصنيع بوجه خاص، وعن طريق التقدم الاقتصادي ~~بوجه عام، وبعبارة أخرى فإن العالم الثالث حين يجرب الاشتراكية فإنه يجربها بوصفها ~~وسيلة لبلوغ التقدم الاقتصادي، وللتغلب على التخلف وتجاوزه، لا بوصفها وسيلة للقضاء على ~~الاستغلال الطبقي في مجتمع متقدم أصلا، وبعبارة موجزة فإن الاشتراكية يتعين عليها - في ~~العالم الثالث - أن تحقق هدفي التقدم والعدالة الاجتماعية، على حين أن مهمتها - في ~~العالم الذي مر بالمرحلة الرأسمالية - تقتصر أساسا على تحقيق هدف العدالة ~~الاجتماعية. # مثل هذا الانتقال المباشر للمجتمع المتخلف إلى الاشتراكية يثري التجربة الاشتراكية ~~ذاتها بعناصر إيجابية لا يمكن أن تظهر بنفس القدر من الوضوح في المجتمعات التي تمر ~~أولا بالمرحلة الرأسمالية المتقدمة، ولكن هذا الانتقال يتضمن في الوقت نفسه عناصر ~~سلبية ينبغي أن تتنبه لها المجتمعات المتخلفة إذا شاءت أن تواجه مشكلاتها بصدق وأمانة، ~~حتى لا تتحمل الفكرة الاشتراكية ذاتها وزر التطبيق الفاسد، ولنبدأ بالعناصر ~~الإيجابية: # أولا: # حين ينتقل مجتمع من حالة التخلف - التي قد تكون نظاما إقطاعيا أو قبليا ~~أو استعماريا - إلى الاشتراكية مباشرة، فإن المكاسب التي يحققها هذا التحول للجماهير ~~الشعبية تكون أوضح بكثير منها في المجتمعات التي تنتقل من الرأسمالية المتقدمة إلى ~~الاشتراكية، ففي هذه الحالة الأخيرة قد يؤدي تطبيق المبادئ الاشتراكية إلى حرمان ~~الطبقات العليا وفئات من الطبقة المتوسطة من امتيازاتها القديمة، فيؤدي ذلك إلى تكوين ~~قاعدة من السخط ربما انتقلت عدواها إلى بعض عناصر الطبقة العمالية ذاتها، أعني إلى ~~العناصر المتطلعة إلى ترف الحياة، والتي تتخذ من ms130 الطبقات الأعلى منها أنموذجا تهفو إلى ~~تحقيقه، أما في الحالة الأولى - أعني حالة المجتمعات المتخلفة - فإن القاعدة التي تنتفع ~~من مكاسب الاشتراكية تكون أوسع بكثير، ومن السهل أن تنضم الجماهير الغفيرة إلى النظام ~~الجديد قلبا وقالبا، بمجرد أن تقارن بين حياتها الجديدة وحياتها السابقة، ولا ينطبق ~~ذلك على العمال وحدهم، بل إنه ينطبق أيضا على الفلاحين الذين يجدون في الاشتراكية ~~منقذا لهم من الاستغلال البشع الذي كانوا يتعرضون له في ظل النظم الإقطاعية. # ثانيا: # يمكن أن يكون التخلف ذاته رصيدا يزيد من ثراء التجربة الاشتراكية في بلاد ~~العالم الثالث؛ ذلك لأن هذه البلاد - التي تفتقر إلى التجارب السابقة في ميدان تنظيم ~~الإنتاج الاقتصادي - يمكن أن تكون أكثر تفتحا لأية تجربة جديدة من البلاد التي استقرت ~~فيها تقاليد معينة نتيجة لطول عهدها بأساليب الإنتاج الرأسمالية، وهنا نجد أن نفس ~~العامل الذي ساعد بلادا معينة على المضي بخطى أسرع في طريق التصنيع الرأسمالي في أول ~~عهد الثورة الصناعية، هو الذي يمكنه أن يجعل طريق العالم الثالث إلى التجديد في أساليب ~~الإنتاج أيسر؛ فمن المعروف أن من الأسباب الهامة لظهور الثورة الصناعية في إنجلترا عدم ~~وجود تقاليد راسخة تفرضها الطوائف الحرفية على أساليب الإنتاج، في الوقت الذي كانت فيه ~~بلاد كثيرة من القارة الأوروبية تتمسك بالأساليب التقليدية التي ظلت تلك الطوائف تفرضها ~~طوال أجيال عديدة متلاحقة، كذلك فإن وجود مصالح رأسمالية معينة، مرتبطة بأساليب خاصة في ~~الإنتاج، يمكن أن يكون حائلا دون اتباع أساليب أخرى أو تقبل أفكار جديدة، ولكن هذه ~~العوائق تزول كلها حين يبدأ المجتمع تجربته الاشتراكية دون أن تكبله أغلال تاريخ ~~رأسمالي طويل. # ثالثا: # لما كانت معظم بلاد العالم الثالث قد خرجت حديثا من قبضة الاستعمار، فإن ~~سعيها إلى التخلص من كل ارتباط بالاستعمار يجعلها أكثر حرصا على تطبيق الاشتراكية؛ لأن ~~هذا التطبيق سيزيد من وثوق ارتباطها بالمعسكر المعادي للاستعمار، ولأن النظام الرأسمالي ~~هو العامل الذي يرتد إليه - في نهاية الأمر - كل نزوع استعماري، وهنا تقوم الاشتراكية ~~بدور ثالث إلى ms131 جانب الدورين اللذين أشرنا إليهما من قبل، وهما تحقيق التقدم الاقتصادي ~~والعدالة الاجتماعية؛ فالاشتراكية هي - بالإضافة إلى ما سبق - وسيلة البلاد المتخلفة ~~للتحرر الوطني الحقيقي، ولتحقيق استقلال لا تشوبه روابط ظاهرة أو خفية بالمصالح ~~الاستعمارية القديمة. # على أن العناصر السلبية في تجربة التحول المباشر من التخلف إلى الاشتراكية ربما كانت ~~هي الأحق باهتمامنا وعنايتنا؛ إذ إن عدم مواجهتها بصراحة وأمانة يمكن أن يلقي ظلالا من ~~الشك، لا على التطبيق الاشتراكي في هذه المجتمعات فحسب، بل على الفكرة الاشتراكية ذاتها ~~من حيث المبدأ، فإذا كانت هناك مزايا تكتسبها المجتمعات المتخلفة من انتقالها إلى ~~الاشتراكية مباشرة، فهناك أخطار ينبغي أن تتنبه إليها هذه المجتمعات إذا شاءت ألا تولد ~~تجربتها الاشتراكية شوهاء، وألا تصاب بنكسة تقضي على إيمان الجماهير صاحبة المصلحة ~~الأولى في الاشتراكية بمبدأ التحول الاشتراكي ذاته. # أول هذه الأخطار ناجم عن إطار التخلف ذاته، الذي تطبق في ظله الاشتراكية؛ ذلك أن ~~المرحلة الرأسمالية تساعد - على الرغم من كل سلبياتها - على دفع عجلة المجتمع إلى ~~الأمام، أما المجتمع الذي لم يمر بهذه المرحلة، فلا مفر له من أن يعاني آثار التخلف ~~فترة طويلة، ويكون كفاحه من أجل الاشتراكية مزدوجا، أعني أنه كفاح يستهدف إرساء قاعدة ~~متينة من التقدم الاقتصادي - والصناعي في المحل الأول - كما يستهدف في الوقت ذاته تحقيق ~~مبادئ العدالة الاجتماعية، وحسبنا أن ننظر إلى المشكلة من زاوية واحدة، هي زاوية العلم؛ ~~لكي ندرك الصعوبات التي يثيرها بناء الاشتراكية في مجتمع متخلف؛ ذلك لأن الاشتراكية في ~~أساسها نظرة علمية إلى الأمور، وهي تقتضي انتشارا على أوسع نطاق ممكن للتعليم، ~~وارتفاعا دائما في مستواه، ومهما كانت النوايا طيبة، فإن التراث الطويل من التخلف ~~العلمي كفيل بأن يقف عقبة كأداء في وجه التحول السليم إلى الاشتراكية، وهكذا تعاني ~~مجتمعات العالم الثالث في هذا الصدد توترا خطيرا بين عالمين يؤثر كل منهما في اتجاه ~~مضاد للآخر؛ فالتخلف الطويل الأمد يؤدي إلى إبطاء معدل النمو الاقتصادي والاجتماعي ~~بالقياس إلى المجتمعات التي تبدأ مسيرتها من نقطة ms132 متقدمة نسبيا، ومع ذلك فهي في حاجة ~~ملحة إلى الإسراع بمعدل تقدمها؛ لأن هذا التقدم مسألة حياة أو موت بالنسبة إليها، ~~وهو وحده الذي يضمن لها ملاحقة ركب العالم السريع التطور، وبين الحاجة إلى التطور، ~~والعوائق الأساسية التي تبطئ من معدل هذا التطور تقف الدول المتخلفة حائرة، وتقف ~~التجربة الاشتراكية ذاتها مهددة بالمخاطر في بلاد العالم الثالث. # ولعل أخطار التخلف العقلي والمعنوي أفدح - بالنسبة إلى العالم الثالث - من أخطار ~~التخلف المادي والإنتاجي؛ وذلك لأن بلاد العالم الثالث لم تتح لها فرصة اكتساب ذلك ~~الحد الأدنى من العادات العقلية المرتبطة بالتقدم الصناعي كالنظرة الموضوعية والعقلانية ~~إلى الأمور؛ فهذه البلاد - حين تبدأ في خوض تجربة التحول الاشتراكي - تنتقل من حالة ~~عقلية معنوية تسيطر عليها الخرافة إلى نظام اجتماعي يستحيل أن يطبق بنجاح إلا في مجتمع ~~يؤمن إيمانا كاملا بقيمة العقل، وبأهمية التفكير الموضوعي، في تسيير دفة ~~الأمور. # إن العقلية الريفية - وخاصة في مجتمع ظل خاضعا لسيطرة الإقطاع ردحا طويلا من الزمن ~~- لا تستطيع أن تتخلص بسهولة من صفات وقيم تتعارض بشدة مع أي اتجاه إلى التنظيم الرشيد ~~للمجتمع في ظل إنتاج ذي طابع صناعي؛ فالعلاقات الشخصية تظل تقوم بدور أساسي حتى في صميم ~~المسائل المتعلقة بالعمل والإنتاج، بحيث تختلط النظرة الذاتية والنظرة الموضوعية إلى ~~الأمور حتى على المستويات العليا للتنظيم الاجتماعي، ويتحول بطء الإيقاع - الذي تتسم به ~~الحياة الزراعية - إلى تكاسل في المجتمع الصناعي، وإلى عدم احترام لقيمة الوقت وأهميته ~~القصوى في الإنتاج، ويؤدي عدم وجود تراث يقدس العمل إلى إشاعة عدم الاهتمام بفضائل ~~النشاط والمثابرة، حتى ليتساوى المنتج والخامل في نظر المجتمع، بل ربما ارتفعت قيمة ~~الخامل إذا استطاع أن يوطد علاقاته الشخصية بأولي الأمر. # وعلى حين أن التقدم العلمي والعقلي الذي عرفته المجتمعات الغربية في المرحلة ~~الرأسمالية قد أعان هذه المجتمعات على التخلص إلى حد بعيد من تأثير الأسطورة والخرافة، ~~بحيث تستطيع أن تضمن تطورا لا تعوقه الجهالة ولا تكبله الغيبيات، سواء واصلت السير في ~~طريقها الرأسمالي أم تحولت منه ms133 إلى الاشتراكية، فإن النظم الاشتراكية التي تطبق في ~~مجتمعات العالم الثالث كثيرا ما تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة العقلية الأسطورية قبل أن ~~تمضي في طريقها خطوة واحدة، وتتخذ هذه المواجهة صورا متعددة، فهي أحيانا تتخذ شكل ~~تعايش سلمي بين الاشتراكية والتفكير الخرافي، بحيث تترك الاشتراكية هذا التفكير على ما ~~هو عليه، ولا تحاول التصدي له وكشف أخطاره، آملة أن تتمكن بذلك من كسب أكبر عدد ممكن من ~~الجماهير إلى صفها، ولكن خطورة هذا المسلك تتضح في أن تحقيق التعايش بين نمطين - أحدهما ~~عقلي والآخر لا عقلي - من أنماط التفكير لا يمكن إلا أن يكون انتهازية أو نفاقا رخيصا من ~~جانب السلطة الحاكمة، فضلا عن أنه يساعد على إبقاء الجماهير في حالة تخلف معنوي لا ~~يرجى معها أي نهوض حقيقي للمجتمع، وفي مثل هذا الجو العقلي المتناقض يستحيل أن تحقق ~~الاشتراكية إمكاناتها وتقدم إلى المجتمع أفضل ما لديها، بل إن مثل هذه الاشتراكية لا ~~بد أن تكون جوفاء مبتورة، أما إذا اتخذت مواجهة الاشتراكية للخرافة شكل التحدي ~~والنزاع السافر فإن مثل هذه المواجهة الحاسمة يمكن أن تؤدي - في حالة التخلف الاجتماعي ~~الشديد - إلى استفزاز مفرط للجماهير، يبعد بها عن طريق التعاطف مع الأيديولوجية ~~الاشتراكية التي هي أحوج ما تكون إليها، وهكذا تجد الاشتراكية نفسها في مأزق إزاء ~~العقلية الخرافية المنتشرة في المجتمعات المتخلفة، سواء اكتفت بالتعايش معها سلميا أم ~~شنت حربا صريحة عليها، ومثل هذا المأزق يقتضي من التنظيم الاشتراكي جهدا هائلا من ~~أجل الارتفاع بالجماهير فوق مستوى النظرة الخرافية إلى الأمور دون استفزاز لمشاعرها أو ~~استعداء لها بلا مبرر. # والواقع أن من الخطأ المبالغة في تصوير خطورة التعارض بين النظرة الخرافية وبين ~~الدفاع المتحمس عن الاشتراكية، صحيح أن طرق التفكير البالية والانسياق الأعمى وراء ~~الجهالات يمكن أن يكون عقبة لا يستهان بها في وجه كل محاولة لتنظيم المجتمع على أسس ~~عقلية رشيدة، ولجعل عالم الإنسان جنة أرضية، ومع ذلك فإن الحد الفاصل بين انحياز ~~الجماهير إلى نظام اجتماعي معين أو ms134 نفورها منه هو - في نهاية الأمر - ما يقدمه إليها ~~هذا النظام من مكاسب، وليس في هذا المعيار ما يستوجب الخجل؛ إذ إن النظام الاجتماعي ~~الذي يعطي جماهيره مكاسب أكبر لا يقدم إليها رشوة، وإنما يحقق لها هدف الحياة على نحو ~~أفضل، ولنذكر أن الرشوة على نطاق الجماهير العريضة مستحيلة، فضلا عن أنها تفقد معناها ~~حين تصبح شاملة ومستمرة، أي إنه - مع تحوير بسيط للكلمة المأثورة المعروفة - فأنت ~~تستطيع أن ترشو بعض الناس كل الوقت، أو كل الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن ترشو كل ~~الناس كل الوقت، فإذا استطاع نظام اجتماعي أن يثبت للناس أنه يقدم إليهم مكاسب حقيقية ~~لها طابع الدوام، وأن يرفع مستوى حياتهم ماديا ومعنويا بصورة لا يملك أحد إنكارها، ~~فأغلب الظن أن التفكير اللاعقلي مهما بلغ من تأصله في نفوسهم - أو القيم العتيقة مهما ~~بلغ رسوخها - لن يستطيع أن يقف عقبة في وجه المسيرة الاشتراكية الظافرة، أما إذا كانت ~~الاشتراكية مترددة خائرة، وإذا كانت مكاسبها أمرا مشكوكا فيه على الدوام، فعندئذ ~~تستطيع الخرافة أن تطل برأسها في شماتة، وتستطيع الجهالة أن تجد لنفسها - في ~~المجتمع المتخلف أصلا - أنصارا يتزايدون باطراد. # على أن التخلف العقلي والمعنوي ليس هو العقبة الوحيدة التي تحول بين جماهير المجتمعات ~~المتخلفة وبين السعي المتحمس إلى تحقيق الاشتراكية، بل إن هذه الجماهير كثيرا ما تكون ~~مفتقرة إلى الوعي الاجتماعي الذي يسمح لها بإدراك ضرورة الثورة على التخلف، على الرغم ~~من أن هذه الثورة هي التي يكمن فيها أملها الوحيد في المستقبل؛ ذلك لأن الطبقة العاملة ~~- التي تعتمد عليها الاشتراكية التقليدية - لا تكون فئة عريضة في مثل هذه المجتمعات، ~~فضلا عن أن هذه الطبقة لم تتح لها فرصة اكتساب الروح الثورية العميقة التي تغلغلت في ~~نفوس عمال المجتمعات الرأسمالية بفضل تجاربهم الطويلة وتراثهم البعيد الأمد؛ فمن الصعب ~~أن نتوقع من طبقة عاملة قليلة العدد محدودة التجارب - خرج معظم أفرادها حديثا من بيئات ~~ريفية غير ثورية - أن تحقق كل الآمال التي تعقدها الاشتراكية الكلاسيكية ms135 على ~~«البروليتاريا» في العالم الرأسمالي، ومن هنا فإن التجارب الاشتراكية الناجحة في بلاد ~~العالم الثالث تجد لزاما عليها أن تعتمد على طبقات أخرى؛ فطبقة الفلاحين قد تمكنت من ~~أن تكون العمود الفقري لثورات اشتراكية متعددة في شرق آسيا وجنوبها الشرقي، ولكن نجاح ~~هذه الثورات كان يقتضي تنظيما عبقريا يزيل من الفلاح رواسب التواكل والاستسلام التي ~~خلفها في نفسه نظام إقطاعي ظل يتحكم في مقدراته المعنوية والمادية ألوف السنين، كذلك ~~فإن الطبقة الوسطى - ولا سيما القطاعات المثقفة منها - يجب أن يعطى لها دور أهم بكثير ~~من الدور الذي يعزى إليها في المذاهب الاشتراكية الكلاسيكية، بل إن الطلبة بالذات ~~يمكنهم أن يقوموا - في بلاد العالم الثالث - بدور لا يقل أهمية عن دور البروليتاريا في ~~البلاد الرأسمالية العريقة، بل إن من الممكن الاهتداء إلى أوجه تشابه غير قليلة بين ~~هاتين الفئتين، من حيث إن كلا منهما تمثل الضمير الواعي لمجتمعها، ولا ترتبط بأجهزة ~~الحكم القائمة أو تكون جزءا منها، وليس لديها - حسب التعبير المشهور - ما تخسره إلا ~~الأغلال، وإذا كانت بوادر الجهود الإيجابية للطلاب قد بدأت تظهر في بعض بلاد أمريكا ~~اللاتينية، فمن المؤكد أن دورهم سيزداد ظهورا وأهمية في مناطق أخرى من العالم الثالث ~~في المستقبل القريب. # وأخيرا فربما كان أبرز النواحي السلبية في اشتراكية العالم الثالث هو أنها - في ~~أحيان قليلة - اشتراكية مفروضة من أعلى، وليست اشتراكية نابعة عن ثورة شعبية بالمعنى ~~الصحيح، وربما بدا أن الفارق بين النوعين ليست له أهمية كبيرة ما دامت النتيجة واحدة، ~~ولكن الواقع أن تجربة الثورة الشعبية تتمتع بميزة كبرى هي أنها تؤدي إلى صهر القيادات - ~~فضلا عن القواعد بطبيعة الحال - في تجربة الممارسة الاشتراكية الحقيقية، والمشكلة ~~الكبرى في الاشتراكية التي تنبع من القمة - لا من القاعدة - هي أنها تعتمد على صلابة ~~الحاكمين لا المحكومين، ولكن الانحراف في الطبقات الحاكمة أمر مألوف، حيث يبدو إغراء ~~السلطة، والافتقار إلى التقاليد الثورية الأصيلة، عاملا مشجعا على تكوين «طبقة جديدة» ~~ربما استخدمت الاشتراكية ذاتها أداة لدعم مركزها وصرف ms136 أنظار الجماهير عن انحرافاتها، ~~ومن هنا كانت بلاد العالم الثالث أحوج ما تكون إلى إعادة بناء نظمها الاشتراكية بحيث ~~ترتكز على القاعدة لا على القمة، وكلما سارعت بذلك ضمنت لاشتراكيتها البقاء ~~والازدهار. # إن بلاد العالم الثالث أحوج ما تكون إلى مواجهة نفسها مواجهة صريحة، وخاصة إذا كانت ~~تنادي بالاشتراكية مبدأ لحياتها، وفي هذه المواجهة ينبغي عليها أن تعترف دون مواربة ~~أنها مختلفة، لأنها بالفعل كذلك، ولن يفيدها أن تتلاعب بالألفاظ فتسمي نفسها «نامية» في ~~الوقت الذي يكون فيه نموها متوقفا بالمعنى الصحيح، وحين تعترف بهذا التخلف ستدرك أنه ~~يمكن أن يكون كذلك رصيدا لها وحافزا في تجربتها الاشتراكية، ولكنه في الوقت ذاته يمكن ~~أن يكون عائقا مخيفا في وجه هذه التجربة، وحين تتضح لها المشكلات التي يثيرها تخلفها ~~هذا، والصعوبات التي تعرقل مسيرتها نحو الاشتراكية، فعندئذ ستدرك أن التغلب على هذه ~~المشكلات والصعوبات لن يكون بالالتجاء إلى أنصاف الحلول، بل بمزيد من الإصرار على السير ~~في الطريق الاشتراكي والتمسك به، وإذا كان من الشائع أن يقال إن الاشتراكية الوحيدة ~~التي تصلح لبلاد العالم الثالث هي الاشتراكية «المعتدلة»، فإن حالة التخلف التي تعانيها ~~هذه البلاد تدعونا إلى التفكير مليا قبل إصدار حكم كهذا؛ إذ إن «الاعتدال» إذا كان ~~صفة مستحبة في أمور كثيرة، فإنه ليس بالشيء المرغوب فيه عندما يكون الأمر متعلقا ~~بمسيرة المجتمع نحو التقدم ونحو اللحاق بركب الحضارة العالمية. # إن على بلاد العالم الثالث أن تحدد المجالات التي يكون فيها الاعتدال مستحبا، وتلك ~~التي لا يكون فيها مفر من الصلابة، والإصرار والسعي الدائم إلى الهدف المرسوم، وفي ~~اعتقادي أن كل ما توصف من أجله هذه البلاد بأنها «متخلفة» ينبغي أن يدخل في هذه الفئة ~~الأخيرة. # | العالم الثالث، والعقل الهارب1 # ليس أدل على سرعة إيقاع التغير في عالمنا المعاصر من ذلك التطور السريع الذي يطرأ على ~~التعبيرات التي يشيع استخدامها في اللغة اليومية، بل في اللغة العلمية ذاتها؛ ذلك لأن ~~اللغة - حسب التعبير الذي شاع إلى حد يكاد يقرب من ms137 الابتذال - كائن حي متطور، وأساس ~~تطورها هو أن تكون معبرة عن الواقع الدائم التجدد الذي تدخل اللغة في إطاره، ومن المؤكد ~~أن معدل استخدام التعبيرات والمصطلحات الجديدة في اللغة قد ازداد سرعة إلى حد بعيد في ~~العقود الأخيرة، تمشيا مع الأوضاع الدائمة التجدد التي تطرأ بلا انقطاع على حياة ~~الناس، ومع ذلك يبدو أن العقل البشري، في تلهفه على وضع تسميات جديدة لحقائق العالم ~~المتغيرة، لم يكن قادرا في كل الأحوال على أن يحدد مدلول هذه التسميات بدقة، بحيث كان ~~جهده مركزا على تجديد حصيلته اللغوية أكثر مما هو مركز على إيجاد تحديد دقيق لمفردات ~~هذه اللغة الجديدة وتعبيراتها، تاركا هذه المهمة - على ما يبدو - لمضي الزمن وشيوع ~~الاستخدام وقيام الأذهان - تلقائيا - بعملية الانتقاء والاستبعاد التي تفضي في نهاية ~~الأمر إلى ارتباط كل لفظ وكل تعبير بمجال محدد - بقدر معقول من الدقة - من مجالات ~~المعنى. # ولو تأملنا تعبير «العالم الثالث» لوجدناه يرجع إلى عهد قريب ربما كان أوائل ~~الخمسينيات من هذا القرن، فما أظن أن أحدا قد استخدم هذا التعبير خلال الحرب العالمية ~~الثانية أو قبلها، ولقد كانت فترة التحرر السريع الواسع النطاق للبلاد المستعمرة أو شبه ~~المستعمرة في الستينيات الأولى - بوجه خاص - هي التي خلقت واقعا جديدا اقتضى استخدام ~~تعبير ينطبق على تلك الفئة الجديدة من البلاد التي أصبحت - لأول مرة - ذات كيان واع ~~بذاته، ولها وجود يفرض نفسه على مسرح الأحداث العالمية. # على أن تسمية «العالم الثالث» - برغم انتشارها السريع - كانت وما زالت تفتقر إلى تحدد ~~المعنى ووضوح المدلول، ويبدو أن التعبير قد استخدم في البداية كوسيلة مريحة للدلالة ~~على مجموعة من البلاد والمجتمعات التي تتباين ظروفها تباينا شديدا، ثم أدى ذيوعه ~~وتكراره إلى تثبيته على نحو لم يعد من الممكن معه إعادة النظر فيه، لا سيما وأن إعادة ~~النظر هذه ستثير إشكالات معقدة تختفي كلها وراء هذا التعبير الفضفاض، ومع ذلك فإن البحث ~~الجاد في أوضاع «العالم الثالث» - وخاصة في الميدان الثقافي - يحتم علينا أن نتوقف ~~قليلا ms138 عند هذه الإشكالات، التي يمكن أن يؤدي تعمقها إلى إلقاء مزيد من الضوء على أحوال ~~المجتمعات التي يعرض هذا المقال لإحدى مشكلاتها المعقدة. # أول ما يلفت النظر في تسمية «العالم الثالث» هو لفظ «الثالث» هذا؛ فكل ثالث يأتي بعد ~~أول وثان، فما هما الأول والثاني في هذه الحالة؟ لا شك أن المقصود هنا هو النظامان ~~الاجتماعيان الرئيسيان في عالم اليوم، أعني الاشتراكية والرأسمالية، وهنا يتخذ اسم ~~«العالم الثالث» معنى حافلا بالدلالة، فالمقصود منه ذلك العالم الذي يكون نظاما ~~«ثالثا»، لا هو بالاشتراكية ولا هو بالرأسمالية، ولكن هل هذا المعنى مطابق للواقع؟ إن ~~هناك - في مبدأ الأمر - إشكالا نظريا يدور حول إمكان اتخاذ هذا «الطريق الثالث»، فهل ~~من الممكن - في عالم اليوم - الاهتداء إلى طريق غير الاشتراكية وغير الرأسمالية، أو ~~طريق يمزج بين هذه وتلك على نحو يمكن معه تمييزه بوصفه طريقا مستقلا؟ إننا لا نود أن ~~نجيب عن هذا السؤال بنعم أو لا، ولكنا أردنا فقط أن ننبه إلى الإشكال النظري الذي ينطوي ~~عليه اسم «العالم الثالث»، وهو إشكال لا يمكن التفكير فيه بمعزل عن الواقع العملي الذي ~~يثبت أن بلاد العالم الثالث بالذات لم تستطع حتى الآن أن تهتدي إلى هذا الطريق المستقل، ~~وأنها مضطرة دائما إلى الاختيار بين أحد النظامين الرئيسيين، على أنه لما كانت كثير من ~~الدول الناجحة في مناطق العالم التي توصف بهذا الوصف قد اختارت لنفسها الاشتراكية ~~طريقا، ففي وسعنا أن نقول إن تسمية «العالم الثالث» يقصد بها في أذهان المفكرين ~~الغربيين - بوجه خاص - إبعاد بلاد هذا «العالم» عن الطريق الاشتراكي، وتقوية الاعتقاد ~~بأنها لا بد أن تبحث لنفسها عن نظام مخالف، ولا بد أن تشق لنفسها طريقا خاصا ~~بها، بدلا من أن تستفيد من خبرة البلاد التي سبقتها في تجربة الانتقال من التخلف إلى ~~التقدم. # على أن تعبير «العالم الثالث» لا يستخدم للإشارة إلى النظم الاجتماعية فحسب، بل ~~إنه يستخدم أيضا بمعنى حضاري، وربما استخدم أحيانا بمعنى عنصري؛ فهو ينطبق ~~أساسا على بلاد غير ms139 أوروبية، بدليل أن بلدا كاليونان لا تدرج ضمن العالم الثالث مع ~~أنها - من حيث مستوى النمو - ليست أرفع من كثير من بلاد هذا العالم، ولكن الموقف يزداد ~~تعقيدا إذا أدركنا أن هذه التسمية تطلق على بلاد أمريكا اللاتينية، بالرغم من أن ~~حضارتها الحالية هي امتداد للحضارة الأوروبية بوجه عام أو اللاتينية على وجه التخصيص، ~~فهل يعني ذلك أن النمو الاقتصادي والاجتماعي هو أساس هذه التسمية؟ هنا أيضا تثار ~~إشكالات أخرى؛ إذ إن كثيرا من بلاد العالم الثالث لا تستحق - إذا قيست بالمعايير ~~المتقدمة - اسم «العالم العاشر»، ولكن بعض البلاد التي تدرج أحيانا ضمن هذا العالم - ~~كالصين عند البعض، والهند عند الجميع - قد بلغت، في نواح معينة على الأقل، مستوى ~~رفيعا من النمو العلمي والثقافي. # على أن الأمر الجدير بالتأمل حقا هو استخدام لفظ عددي أو كمي لتمييز البلاد ~~المنتمية إلى هذه الفئة؛ ذلك لأن هذه الفترة نفسها - أعني فترة ما بعد الحرب العالمية ~~الثانية - قد شهدت تسميات «كيفية» متعاقبة، بدأت بالبلاد «المتخلفة»، وانتهت بالبلاد ~~«النامية»، وكانت لهذه التسميات الكيفية - على الأقل - ميزة الإيجابية، على الرغم من ~~أنها لم تكن تتصف في كل الأحوال بصفة الدقة والتحديد؛ فصحيح أن صفة «النامية» صفة مضللة ~~إلى أبعد حد؛ لأنها تخلط ما بين الأمر الواجب والأمر الواقع، وتجعل «النمو» صفة لمجموعة ~~من البلاد لا يطرأ على الكثير منها نمو فعلي، وإنما يعد النمو فيها مطلبا واجبا ~~لم يتحقق بعد، ومع ذلك فإن هذه الصفة تحدد على الأقل المقياس الذي ينبغي أن ينظر به ~~إلى هذه المجموعة من البلاد، وأعني به مقياس النمو أو التخلف، أما في حالة التسمية ~~الكمية البحتة - تسمية العالم «الثالث» - فإن طابع الإبهام والغموض هو الذي يحيط ~~بالعالم المسمى بهذا الاسم. # إن كل ما يفهم من وصف هذا العالم بأنه «ثالث» هو أنه مغاير للعالمين المألوفين في ~~المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي فحسب، أما هوية هذا العالم فتختفي تماما وراء التسمية، ~~إنها تسمية سلبية فحسب، تعبر عما لا يكونه هذا العالم بالقياس ms140 إلى العالمين «المعروفين» ~~ولا تلتزم بأي تحديد إيجابي لطبيعته، إنها تجعله أشبه ما يكون بالطرف «الثالث» في ~~الصيغة المعروفة للعقود، ذلك الطرف المجهول الذي يمكن أن يكون أي شيء، والذي لا يهم ~~أحدا أن يعرف هويته. # وهكذا فإن من يستخدمون لفظ «العالم الثالث» يريحون أنفسهم من عناء البحث عن صفة أو ~~صفات مشتركة بين هذه المجموعة الشديدة التباين من البلاد والمجتمعات، ومن جهة أخرى فإن ~~من ينتمون إلى هذا العالم يجدون فخرا في تلك التسمية التي تجعل من بلادهم عالما ~~قائما بذاته، مستقلا عن الأنظمة المألوفة، وتخلص أبناء هذه البلاد من الحرج الذي ~~تسببه لهم صفات كالتخلف أو السعي إلى النمو. # ولقد ساعدت هذه التسمية على إخفاء المشكلات الحقيقية للعالم الثالث عن أعين أبنائه، ~~وجعلتهم يركزون أذهانهم على صفة «الاختلاف» التي تتسم بها بلادهم، ويغفلون صفة التخلف ~~أو يتغافلون عنها؛ فهم يعتزون بعدم اندراجهم ضمن النوعين الرئيسيين للأنظمة الاجتماعية ~~المعاصرة، ولكنهم لا يتنبهون إلى أن هذين النظامين قد استطاعا - كل بطريقته الخاصة - أن ~~يحققا لبلادهما قدرا هائلا من التقدم، وأن المشكلة الكبرى أمام بلاد العالم الثالث هي ~~أن تعبر هوة التخلف، قبل أن تكون تأكيد استقلال نظمها الاجتماعية، بل إن الانتماء إلى ~~الاشتراكية - على التحديد - قد أثبت في حالات كثيرة أنه هو الحل الأمثل لمشكلة التخلف ~~بالنسبة إلى هذه المجتمعات، بحيث كانت القوى الداعية إلى استقلال النظم الاجتماعية فيها ~~مشجعة - دون أن تدري - على استمرار تخلفها؛ لأن عقدة النقص والرغبة المفرطة في تأكيد ~~استقلال الذات، هي التي تغلب فيها على الاتجاه إلى التقدم وملاحقة ركب التطور ~~العالمي. # على أن الأثر الأشد إضرارا والأشد خفاء في الوقت ذاته لتسمية «العالم الثالث» هو ~~ذلك الذي خلفته هذه التسمية في عقول المثقفين الذين لا ينتمون إلى هذا العالم؛ فقد ~~أثار اسم العالم الثالث في نفوس هؤلاء المثقفين نوعا من الإحساس الرومانتيكي الذي يرجع ~~إلى أصول خيالية أكثر مما يرتد إلى جذور واقعية، كانت نتيجته أن أشد المطالب تناقضا ~~أصبحت تطلب من هذا العالم. ms141 # فباسم «الأصالة» أصبح كثير من مثقفي الدول المتقدمة يطلبون إلى هذا العالم أن يظل ~~متحفا للقيم الأثرية، يأتي إليه العلماء ليجدوا فيه الماضي متجسدا في الحاضر، ولكي ~~تكتمل خصائص هذا المتحف يستحسن أن يتوقف فيه سير التاريخ أو يمضي بدرجة من البطء تضمن ~~استمرار وجود هوة حضارية شاسعة بينه وبين العالم الذي يتغير بسرعة لاهثة، ومن الطبيعي أن ~~تجد هذه الدعوات صدى في نفوس أبناء العالم الثالث؛ لأنها أولا تقدم تبريرا للجمود ~~السائد، وتجعل من التخلف فضيلة، ولأنها ثانيا توفر عليهم عناء السير في طريق التجديد ~~بما ينطوي عليه من مشاق نفسية ومادية، وتشعرهم بأن أسلوب حياتهم «مرغوب فيه»، وبأن هناك ~~من يبدي به إعجابا، حتى بين أشد المجتمعات تقدما، ناسين أن هذا الإعجاب ليس إلا ~~صورة مهذبة مثقفة لإعجاب الإنسان بأقفاص القرود في حديقة الحيوان، حين يجد لذة في ~~الحضور لمشاهدتهم بين حين وآخر، وإن لم يكن يتصور - بالطبع - مجرد فكرة العيش معهم داخل ~~القفص! # ومن جهة أخرى فإن المثقفين الغربيين - ولا سيما التقدميين منهم - يلقون على بلاد ~~العالم الثالث مسئولية تتناقض مع المطلب السابق تناقضا صارخا، إنهم يريدون منها أن ~~تحقق لهم ما عجزت عن تحقيقه الفئات الثورية التقليدية في البلاد المتقدمة ذاتها، ~~فالمفروض أن تقوم حركات التحرر في العالم الثالث، لا بمهمة تحرير بلاد هذا العالم من ~~كافة أشكال السيطرة الأجنبية فحسب، بل بمهمة تحرير البلاد المتقدمة ذاتها من الاستغلال ~~غير الإنساني في الداخل، وأوضح الأمثلة على ذلك نظرة المثقفين في البلاد الغربية ~~الرأسمالية إلى فيتنام؛ فهم يتوقعون منها أن تتمكن - بحربها البطولية ضد أعتى القوى في ~~تاريخ البشرية - من تحرير أمريكا ذاتها من السيطرة المطلقة لتحالف رأس المال والعسكرية ~~المحترفة، في نفس الوقت الذي تحرر فيه نفسها من التدخل الأجنبي ومن القوى العميلة في ~~بلادها، وعلى حين أن الطبقات الثورية التقليدية في البلاد الرأسمالية - وعلى رأسها ~~الطبقة العاملة - تقف عاجزة أو غير راغبة في النضال، بعد أن أصبحت مندمجة في السلطة ~~القائمة اندماجا يكاد يكون تاما، ms142 فإن الأمل كله بات معقودا على تلك الحرب في تنبيه ~~الشعب الأمريكي إلى مساوئ النظام الذي يعيش في ظله، وفي إحداث الصدمة أو الهزة العنيفة ~~التي ستؤدي بهذا الشعب إلى الإفاقة من حلم الحياة الاستهلاكية السعيدة التي كان ينعم ~~بها، وإدراك ما تؤدي إليه هذه الحياة ذاتها من مغامرات وأخطار ونفقات فادحة تتناقض مع ~~هدفها الأصلي. # هكذا أصبح مطلوبا من العالم الثالث أن يحرر العالم «الأول» ذاته - إذا نظرنا إلى ~~الرأسمالية على أنها هي الأسبق زمنا - ولكي تكتمل المفارقة وتتخذ شكلا دراميا ~~مثيرا، فإن المفروض أن يظل هذا العالم الثالث على تخلفه وهو يقوم بهذه الرسالة ~~التاريخية الكبرى، وهكذا يقف الناس - ولا سيما في الدول التي بلغت من التقدم مستوى ~~رفيعا - مشدوهين أمام هذه البطولة الخارقة، ويتغزل التقدميون بكفاح هؤلاء الفلاحين ~~البسطاء الفقراء أمام أقوى أداة حرب عرفتها البشرية، وكلما كان التضاد بين القوتين ~~صارخا، ازداد المجال اتساعا أمام الإعجاب الرومانتيكي ببطولة هذا الشعب، وفي الوقت ~~الذي يموت فيه من هؤلاء الأبطال الألوف وتحرق قراهم ويخرب اقتصادهم ويعم العذاب ~~والخراب بلادهم، يقف الناس في العالم أجمع يصفقون في إعجاب وفي دهشة من بطولتهم ~~الخارقة، ولكنهم يستمتعون - في سلبية تامة - بأنباء انتصار الفقراء الضعفاء على ~~الأغنياء الجبابرة، ويكتفون بالتأييد على المستوى الكلامي، ويجدون في المأساة التي ~~تتكرر كل يوم متعة أشبه بمتعة الطفل الساذج حين يجد جمال «سندريلا» الفقيرة يفوز ~~بالأمير منتصرا على ثراء قريباتها الشريرات. # وهكذا يبدو أن صورة العالم الثالث ينبغي - في نظر البلاد المتقدمة - أن تظل مرتبطة ~~بالحياة المتخلفة البسيطة، حتى يستطيع العالم المتقدم أن يشعر بتقدمه بالقياس إلى غيره، ~~وحتى يتسنى للمستنيرين في البلاد الصناعية الكبرى أن يجدوا في هذا العالم «الآخر» نوعا ~~من الترياق الذي يطهر مجتمعاتهم من سمومها، أو وسيلة للتطهر تساعد هذه المجتمعات على ~~رؤية نتائج استبدادها في صورة عينية مجسمة. # وسواء أكان الأمر على هذا النحو أو ذاك، فإن الاعتقاد الكامن وراء هذا اللون من ~~التفكير هو أن العالم الثالث ليس بحاجة إلى ms143 علم وفير أو عقول مفكرة كثيرة، وأن الرسالة ~~«المقدسة» التي يحملها هذا العالم على أكتافه هي أشبه برسالات الأنبياء، يكفي فيها ~~الإيمان العميق، لا العقل الدقيق، فإذا ما هاجرت العقول من هذا العالم الثالث بأعداد ~~وفيرة، فإنها لا تفعل شيئا سوى أن تنتقل من بيئة لا يفيدها العقل كثيرا إلى بيئة أخرى ~~تحتاج - لسوء حظها - إلى أعداد لا حصر لها من العقول، البشرية منها وغير ~~البشرية. ~~••• # تلك هي الزاوية التي تنظر منها البلاد المتقدمة إلى ظاهرة هجرة العقول، ومن هذه ~~الزاوية تعد تلك الظاهرة «استنزافا» بحق، وتبذل بلاد العالم الثالث جهودا جبارة وصلت ~~إلى حد المطالبة بوضع اتفاقيات دولية، من أجل الحد من امتصاص البلاد المتقدمة للمواهب ~~والكفاءات التي لن يكون للبلاد المتخلفة أمل في التقدم بدونها. # على أن للمشكلة وجها آخر لا يلقى ما يستحقه من الاهتمام، وخاصة من جانب بلاد العالم ~~الثالث ذاتها، على الرغم من أنه يتعلق بالجانب الخاص بها من المسئولية عن هذه الظاهرة؛ ~~ذلك لأن هجرة العقول تعد - على الدوام - مظهرا من مظاهر «استنزاف» الدول المتقدمة ~~لموارد الدول المتخلفة، أي الموارد البشرية في هذه الحالة، ومن المؤكد أن لهذه النظرة ~~ما يبررها، بل إن كل ما جاء في هذا المقال من قبل إنما كان تأييدا وتدعيما لها، ولكن ~~هجرة العقول لا ترجع فقط إلى رغبة الدول المتقدمة في الانتفاع من الموارد البشرية للدول ~~المتخلفة، حتى تظل المسافة بين التقدم والتخلف محفوظة على الدوام، بل إن قدرا كبيرا ~~من مسئوليتها يرجع إلى أخطاء قاتلة ترتكبها دول العالم الثالث ذاتها، وإن كانت تميل إلى ~~تجاهلها ملقية اللوم كله على مستنزفي العقول. # ولنقل بعبارة أخرى إن للمشكلة جانبين مترابطين: المهاجر في علاقته بالبلد الذي ~~يغادره، والمهاجر في علاقته بالبلد الذي يرحل إليه، وإذا كان الجانب الثاني وحده هو ~~الذي ينصب عليه الاهتمام في البلاد النامية، فإن من واجب هذه البلاد أن تواجه في ~~شجاعة مسئوليتها عن الجانب الأول؛ إذ إن أي حل للمشكلة لن يكتمل إلا إذا عولجت ms144 جوانبها ~~جميعا. # إن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن العقول المهاجرة كثيرا ما ترحل عن بلادها بسبب ~~تطلعاتها الاستهلاكية، وفي هذه الحالة يعبر هؤلاء المهاجرون عن وضع طبقة كاملة في ~~العالم الثالث، يتسم تفكيرها بالبحث عن إشباع الرغبات الخاصة لأفرادها، دون اعتبار ~~لظروف المجتمع ككل، وما دام هناك طلب، في مجتمعات أخرى أكثر ثراء على كفاءاتهم، فلم ~~لا يهاجرون إلى حيث تتوافر وسائل عيش أفضل؟ # هذه الفئة من المثقفين لا ترحل عن بلادها حينما تكون الأوضاع التقليدية سائدة فيها، ~~ولكنها تبدأ في الرحيل عندما يحدث اختلال حقيقي في التوازن التقليدي، وهذا الاختلال ~~يمكن أن يكون نتيجة لأحد عاملين: إما حدوث تحول اشتراكي حقيقي، وإما إعادة توزيع ~~المكاسب الطبقية بصورة جذرية. # ولعل المثل الكلاسيكي للهجرة الواسعة النطاق - التي تتم نتيجة لحدوث تحول اشتراكي ~~حقيقي - هو ذلك الذي تمثل في كوبا بعد ثورة كاسترو؛ فقد رحل عن البلاد - في السنوات ~~الأولى من الثورة - عشرات الألوف من المثقفين الذين كانت البلاد في حاجة حقيقية إلى ~~جهودهم في بناء المجتمع الجديد، ولكن هؤلاء المثقفين والعلماء كانوا من ذلك النمط ~~الشائع الذي تتركز اهتماماته السياسية والاجتماعية على قمة المجتمع لا على قاعدته، ~~فالتحول الثوري الذي يحرم الطبقات العليا بعض امتيازاتها - وإن كان يمنح الجماهير ~~الغفيرة حقوقها الآدمية لأول مرة - لا يعد في نظرها تحولا مرغوبا فيه؛ لأن ما ~~يهمها هو مصير الطبقات العليا لا الدنيا. # على أن من الأمور التي تلفت النظر أن عددا غير قليل من هؤلاء المهاجرين قد أخذوا ~~يعودون إلى بلادهم بعد أن اتضحت لهم الصورة الحقيقية للثورة، صحيح أن الفئة التي كانت ~~مصالحها مرتبطة بالنظام البائد قد ظلت على عدائها للنظام الجديد، ولكن المثقف الشريف ~~سرعان ما يدرك أن رفع مستوى الجماهير ككل هدف يستحق التضحية، بل هو أجدى من أية مكاسب ~~استهلاكية تسعى من أجلها الطبقات المتوسطة والعليا. # أما الحالة الأخرى التي يهاجر من أجلها العلماء والمثقفون من ذوي التطلعات المادية، ~~فهي التي تحدث فيها إعادة توزيع لثروة المجتمع لصالح ms145 «طبقة جديدة» تصبح هي المستمتعة ~~بثمار عمل الجماهير الكادحة، في هذه الحالة يكون التوازن الجديد لغير صالح الطبقة ~~المتعلمة في معظم الأحيان؛ إذ إن التكوين الطبقي التقليدي كان يسمح للعلماء والمثقفين - ~~الذين ينتمي معظمهم إلى الطبقة الوسطى - بالمشاركة في جزء على الأقل من الرخاء الذي ~~تستمتع به الطبقة العليا، أما التكوين الجديد فيسفر عن ظهور طبقة أكبر عددا وأشد نهما ~~وشراهة من الطبقة العليا التقليدية، تود أن تستأثر لنفسها بكل شيء، وأن تكون الوريثة ~~الوحيدة لكل الطبقات المستمتعة القديمة. # في هذه الحالة الأخيرة يندر أن يعود العالم المهاجر إلى وطنه؛ لأن الأمر يصبح في هذه ~~الحالة متعلقا بتنافس طبقي يكون العالم عادة في الجانب الأضعف منه، وإذا كانت التجربة ~~قد أثبتت أن نسبة غير قليلة من العلماء المهاجرين يعودون إلى بلادهم - بالرغم من أنها ~~لا تشبع حاجاتهم الاستهلاكية - عندما يتيقظ وعيهم إلى طبيعة التغيير الاشتراكي الذي ~~يعطي الأولوية لمصالح الجماهير العريضة، فإن هذه التجربة قد أثبتت أيضا أنه في ~~المجتمعات التي لا تسفر فيها الثورات إلا عن إعادة توزيع للثروة لصالح طبقة جديدة لا ~~ينتمي إليها العلماء أو المثقفون، دون حدوث تحول حقيقي في حياة جماهير الناس، فإن هجرة ~~العلماء تصبح ظاهرة يكاد يكون من المستحيل تجنبها أو حصرها في حدود ضيقة. ~~••• # على أن العلماء لا يهاجرون فقط لأسباب مادية، أعني من أجل إرضاء تطلعاتهم ~~الاستهلاكية، بل إن هناك عوامل معنوية وعلمية تؤدي - في بلاد العالم الثالث بالذات - ~~إلى هجرة عدد لا يستهان به من العقول. # فمن الحقائق المعروفة أن اتساع الهوة بين التقدم والتخلف العلمي يسير بمعدل متزايد ~~باطراد، وأن نمو المعرفة يزداد بمتوالية هندسية، بحيث يؤدي وجود العلم إلى جلب المزيد ~~من العلم بمعدل أسرع (كالمال الذي يخلق مزيدا من المال)، على حين أن نقص العلم ~~والعلماء يؤدي - في كثير من بلاد العالم الثالث - إلى نوع من الجمود الذي يبدو تدهورا ~~سريعا بالقياس إلى معدلات النمو المرتفعة في البلاد المتقدمة، هذا الاتساع في الهوة ~~يبعث الخوف في العقول ms146 الواعية في العالم الثالث ويشعرها باليأس، ويزداد هذا اليأس ~~قوة في نفوس العلماء بوجه خاص؛ إذ إن العالم يود أن يلمس ثمار جهوده أثناء حياته، وحين ~~يجد أن طريق التقدم في بلاده ما زال طويلا إلى أبعد حد، فإنه يفضل الرحيل إلى مجتمع ~~آخر يستطيع - في تصوره - أن يجد فيه صدى محسوسا للجهود التي يقوم بها العلماء. # على أن أقوى العوامل المعنوية التي تدفع علماء بلاد العالم الثالث إلى الهجرة، هو ~~الشعور بالغربة داخل الوطن؛ ففي كثير من هذه البلاد تسود أساليب في الحكم وفي الإدارة ~~يشعر معها العالم بأن الحاكمين يعادون العلم ولا يكترثون بجهود العلماء، بل إنهم ~~يحتقرون العقل ذاته ولا يقيمون في تصرفاتهم وزنا للمنطق السليم، في هذه البلاد لا يجد ~~العالم أمامه - حيثما ولى وجهه - إلا طرقا مسدودة؛ فالمسيطرون على البلاد يكرهون ~~العلم، وربما اهتموا بالمحافظة على بقائهم أكثر مما يهتمون بالإنفاق على تقدم البحث ~~العلمي وانتشار التعليم، والرؤساء المباشرون تشغلهم المناورات الشخصية وأساليب النفاق ~~حتى لا يتبقى من وقتهم أو جهدهم قسط يسمح لهم بالتفكير في المشكلات العلمية الحقيقية، ~~بل إنهم يحاربون المخلصين المتفانين في عملهم؛ لأن نوع القيم الأخلاقية التي تصدر عنها ~~تصرفاتهم يختلف عن قيمهم الخاصة ويستحيل أن يلتقي معها في أي موضع. # في مثل هذه البلاد قد يكون المهاجر إنسانا وطنيا مخلصا، حاول أن يناضل في مجاله ~~الخاص بقدر ما يستطيع، فلم يصل إلى شيء، وحاول أن يقنع الناس بجدوى عمله فلم يجد حوله ~~إلا من تشغله مصالحه الشخصية عن المشكلات العامة للمجتمع، وحين يجد كل الآذان حوله ~~صماء وكل الأبواب مغلقة، لا يجد مفرا من الرحيل وهو آسف حزين على ما آل إليه أمر ~~مجتمعه. # هذا النموذج - الذي يتكرر كثيرا في بلاد العالم الثالث - يكشف بوضوح عن مدى مسئولية ~~هذه البلاد ذاتها عن ظاهرة هجرة العقول، التي قد لا تكون في كل الأحوال «استنزافا»، بل ~~قد تكون «طردا» و«نفيا» إجباريا، والدليل الحي على صحة هذا الرأي هو أنه في ~~الحالات التي ms147 يصبح فيها نظام الحكم مشجعا للعلم مقدرا لجهود العلماء، يعود كثير من ~~هؤلاء المهاجرين ويتفانون في خدمة أوطانهم على الرغم من أن الفقر لا يزال هو السمة ~~العامة المميزة لها، وعلى الرغم من أن الأماني الاستهلاكية ما زالت بعيدة كل البعد عن ~~أن تتحقق. # إن هدف الكثير من العلماء - ولا أقول كلهم؛ لأن الأنماط الطامعة أو المتطلعة إلى ~~إشباع رغباتها المادية موجودة على الدوام - هو أن يشعروا بأن جهودهم تجد صدى في ~~المجتمع الذي يعيشون فيه، وبأن الحكام يسعون مخلصين إلى التغلب على عوائق التخلف ~~والتخلص من مشكلات الفقر والجهل، في هذه الحالة لن يعود انخفاض مستوى المعيشة في ~~مجتمعاتهم أمرا منفرا، ولن يهرب العالم إلى بلد آخر يتمتع فيه بالمرتب الضخم والحياة ~~الرغدة، ذلك لأنه أصبح يشعر بأن عليه رسالة يؤديها، وهذه الرسالة تعطيه رصيدا معنويا ~~يعوض - في حالة الكثيرين - ما يشعر به العالم من حرمان في حياته المادية. # إن العلماء لا يهربون لأن مجتمعهم فقير فحسب، بل إنهم يهربون لأن هذا المجتمع فقير ~~ولا يريد أن ينتشل نفسه من الفقر، جاهل ولا يبذل جهدا من أجل تخليص نفسه من الجهل، ~~وحين يصبح الجو العام السائد في المجتمع هو جو الكفاح من أجل النهوض والتقدم، وحين يحس ~~كل مخلص بأن صوته مسموع، وبأن جهوده تحدث صداها، وبأن المجتمع بأسره يسير نحو ~~المستقبل بأمل باسم، عندئذ سيتضاءل إلى أبعد حد عدد الهاربين، وأغلب الظن أن نسبة كبيرة ~~ممن رحلوا من قبل سيعودون وهم على وعي تام بصعوبة الظروف التي سيرجعون إليها، ولكن ~~المهم أنهم أصبحوا مقتنعين بأن كل فرد في المجتمع، ابتداء من أعلى المسئولين حتى رجل ~~الشارع العادي، يبذل أقصى جهده من أجل الإصلاح في حدود إمكانات المجتمع ~~المتواضعة. # في أمثال هذه المجتمعات يعود العلماء المهاجرون لكي يشاركوا في تحقيق الأمل، ويبذلون ~~جهودهم من أجل ابتكار أساليب بسيطة وأقل تكلفة، تتيح حل المشكلات المتوطنة في المجتمع، ~~وتمضي المسيرة بخطى سريعة قد تؤدي - في زمن غير بعيد - إلى لحاق المجتمع ms148 بركب التطور ~~وإسهامه في خلق عالم أفضل للإنسان. ~~••• # إن جانبا كبيرا من مشكلة هجرة العقول يرتد إلى أخطاء العالم الثالث نفسه، صحيح أن ~~هذا العالم يحمل أكثر مما يطيق، وصحيح أن المجتمعات المتقدمة تنظر إليه من خلال مرآة ~~مشوهة تجعله يبدو في نظر الرجعيين من أبناء هذه المجتمعات أشبه بالبقرة الحلوب، وفي نظر ~~التقدميين منهم أشبه بالقديس الفقير المخلص الذي سيحرر الأغنياء من أخطائهم وهو يحرر ~~نفسه من سيطرتهم عليه ... هذا كله صحيح، ولكن ما لا يقل عنه صحة هو أن العالم الثالث نفسه ~~مسئول عن قدر كبير من أخطائه، وهو مسئول أساسا عن تلك الأخطاء التي تؤدي إلى هروب أمله ~~الوحيد في تعويض التخلف واللحاق بركب المدنية المتقدمة، وأعني به العقل والعلم، ولعل ~~أول مظاهر شعوره بهذه المسئولية هو أن يدرك عن وعي أن العقول لا تهاجر لأنها تتلقى ~~إغراءات من الخارج فحسب، بل إن للمشكلة أبعادا أخرى لا تقل عن هذه أهمية، يقف على ~~رأسها شعور العالم بأن العقل والعلم لم يعد له وزن في بلاده، وعلاج هذا الجانب الأخير ~~ينتمي إلى مسئولية بلاد العالم الثالث ذاتها. # | شخصيتنا القومية: محاولة في النقد الذاتي1 # إن الحديث عن شخصية الأمة - أيا كانت - يواجه من حيث المبدأ اعتراضات علمية منهجية ~~لا يستطيع المرء أن يستخف بها إلا إذا كان ممن يستخفون بالقيم العلمية ذاتها، وأقل ~~ما يقال في هذا الصدد هو أن من الخطورة بمكان - من وجهة نظر العلم - أن نشبه الأمة ~~بالفرد من حيث وجود سمات ثابتة للشخصية؛ إذ إن مثل هذا التشبيه ينطوي على تعميم لا ~~يقبله العلم إلا إذا أحيط بضمانات وتحوطات تؤدي - آخر الأمر - إلى تضييق نطاقه وتقييده ~~بشروط لا يعود معها ذلك التعميم مجديا، بل إن الملاحظة الدقيقة - حتى لو لم تكن علمية ~~بالمعنى الصحيح - تثبت في كثير من الأحيان بطلان تلك الأحكام العامة التي يشيع إصدارها ~~على شخصيات الشعوب؛ فكل من زار بلدا غير وطنه الأصلي يذهب إليه وفي ذهنه مجموعة من ~~الأحكام المسبقة السريعة ms149 التعميم، فإذا أقام في هذا البلد ردحا كافيا من الزمان، ~~وكانت لديه فرصة معقولة لكي يكون لنفسه فكرة صائبة عن أحوال الناس فيه، فإنه يعود من ~~إقامته هذه - في معظم الأحيان - بحكم مختلف عن ذلك الذي بدأ به زيارته، وحتى لو تمسك ~~بحكمه الأصلي فإنه يقرنه بتحفظات شديدة تزيل عنه طابع التعميم الشامل الذي كان يتسم به ~~في البداية، ومجمل القول أن موضوعا كهذا الذي نحن بصدده يثير منذ البداية - ومن حيث ~~المبدأ - اعتراضات منهجية أساسية، لا يجد المرء معها مفرا من أن يعمل لها حسابا قبل ~~أن يخوض في الموضوع ويتعمق في تفاصيله. # على أننا لسنا نتحدث عن شخصية أية أمة، بل إن حديثنا ينصب على أمتنا بالذات، وهو لا ~~ينصب عليها في وقت يستحب فيه التأمل ويتسع فيه المجال للتفكير الهادئ، بل إن هذا ~~الحديث يأتي في فترة ربما كانت من أحرج الفترات التي مرت بها هذه الأمة في تاريخها ~~الطويل، وهنا يحق لأي معترض أن يشير إلى صعوبتين أخريين. # فإن كنا نتوخى في حديثنا هذا أن نكون موضوعيين، فإن الموضوعية عسيرة إلى أبعد الحدود ~~في أوقات المحن والأزمات؛ إذ إن التوتر الانفعالي الذي يصاحب هذه الأزمات، واللهفة ~~الشديدة على التخلص من المحنة والخروج من الأزمة، لا يدع للمرء فرصة لكي يتحدث عن شخصية ~~أمته حديثا موضوعيا يتسم بنزاهة العلم وحياده. # أما إذا كانت الغاية من بحث موضوع كهذا غاية عملية، لا تكتفي بالدراسة النظرية ~~للظواهر، بل تنتقل إلى إيضاح السبل اللازمة لمعالجة النقائص ومداواة العيوب، فلن يكون ~~من العسير أن يعترض المرء بأن وقت المحنة ليس أنسب الأوقات للكشف عن المثالب، ولا هو ~~بأفضل الفرص للبحث عن وسائل الخلاص منها. # وخلاصة القول أن حديثنا هذا عن الشخصية المصرية يواجه اعتراضات متعددة تتلخص - آخر ~~الأمر - في اعتراضين أساسيين: أحدهما ذو طبيعة علمية منهجية، يشكك في إمكان الوصول إلى ~~نتيجة لها قيمتها في موضوع كهذا، ولا يؤمن بإمكان تحقيق الموضوعية في هذا الميدان، ~~والآخر يستمد انتقاده من طبيعة اللحظة ms150 التاريخية التي نمر بها، فيؤكد أن مثل هذا الحديث ~~- حتى لو سمح به العلم وأجازه - إنما يأتي في غير أوانه. # ولست أرمي من مقالي هذا إلى الرد على هذين الاعتراضين؛ إذ إنهما يثيران مشكلات ~~لا بد لمن يتصدى لها أن يكون ذا قدرات خارقة، تجمع بين التعمق في دراسة مناهج العلوم ~~الإنسانية ومعرفة شروط الموضوعية العلمية فيها، وبين الاستبصار الاجتماعي والسياسي بما ~~يجوز وما لا يجوز أن نثيره من المشكلات في هذه الفترة الحرجة من تاريخ أمتنا، وأنا لا ~~أدعي لنفسي أيا من هاتين الصفتين، ولا أزعم - بالأحرى - أنني قادر على الجمع ~~بينهما، وكل ما أود أن أقدمه في هذا المقال مجموعة من الخواطر التي أثارها موضوع ~~الشخصية المصرية في نفسي، وهي خواطر لا تزعم أنها رد حاسم على هذين الاعتراضين، وأقصى ~~ما تدعيه هو أنها تلقي بعض الأضواء على وجهة نظر الباحثين في موضوع كهذا حينما ~~تواجههم انتقادات حاسمة كتلك التي أشرت إليها الآن. # مناقشات في المنهج # ثمة تفرقة أرى لزاما علي أن أنبه القارئ إليها قبل الدخول في أية مناقشة ~~للمنهج الواجب اتباعه عند بحث موضوع كالشخصية المصرية؛ لأنها كفيلة بأن تلقي الضوء ~~على طبيعة الخلاف المنهجي بين المشتغلين في أمثال هذه الموضوعات، تلك هي التفرقة ~~بين جانبين من جوانب البحث في الشخصية القومية؛ فمن الممكن أن تبحث الشخصية القومية ~~من حيث هي تتمثل في الأفراد الذين يعيشون في وطن معين، بحيث يعد كل فرد منهم ~~نموذجا لهذه الشخصية، وبحيث تنعكس على شخصيته الفردية تلك السمات العامة التي ~~يقال إنها سمات الشخصية القومية للأمة التي ينتمي إليها، ومن الممكن أن تبحث ~~الشخصية القومية من حيث هي «شخصية معنوية» تسمو - بمعنى ما - على الأفراد، أي من ~~حيث هي واحدة من تلك الكيانات الجماعية التي لا ترد إلى مجموع عناصرها، بل يكون لها ~~شبه استقلال ذاتي بالقياس إلى الأفراد الذين يؤلفونها. # في الحالة الأولى يفترض أن الأفراد المنتمين إلى أمة معينة يمثلون - بدرجات ~~متفاوتة - نمطا عاما هو نمط «الشخصية القومية»، ms151 ويكون علينا لكي نصدر حكما على ~~مدى وجود هذه الشخصية القومية وتأثيرها أن نقوم بدراسات منهجية منظمة على عدد كاف ~~من الأفراد؛ لكي نتأكد من وجود تلك السمات العامة فيهم، وتبعا لنتيجة تلك الدراسات ~~يتحدد ما إذا كان الكلام عن هذه «الشخصية القومية» مشروعا أو غير مشروع. # أما في الحالة الثانية فإن الاهتمام لا ينصب على الأفراد بقدر ما ينصب على ~~ظواهر لها طابع العمومية، تظل متمثلة في المجتمع بقدر من الدوام يسمح لنا بتأكيد ~~وجود ذلك الكيان المعنوي المسمى بالشخصية القومية. # مجمل القول إذن أنني أريد أن أفرق بين دراسة للطابع القومي للشخصية الفردية، ~~ودراسة للطابع «الفردي» للشخصية القومية، وأعني بلفظ الطابع «الفردي» في الحالة ~~الأخيرة، ذلك الطابع الذي تصبح الشخصية القومية الجماعية بفضله أشبه ما تكون بالفرد ~~المتميز، بالقياس إلى «أفراد» آخرين هم «الشخصيات القومية» للأمم الأخرى. # وفي اعتقادي أن عددا غير قليل من مناهج البحث التي طبقت في مجال دراسة ~~الشخصية القومية، كان ينصب على النوع الأول من الدراسة وحده، أعني على اختبار صدق ~~الأحكام القائلة إن الأفراد في أمة معينة تجمع بينهم سمات مشتركة معينة يمكن أن ~~يطلق عليها في مجموعها اسم «الشخصية القومية»، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن ~~يتشكك الباحث المتشبع بالروح العلمية، والواعي بالشروط الضرورية للحكم العلمي ~~السليم، في مفهوم الشخصية القومية أصلا إذا اتضح له أنه لم يجد بين الأفراد الذين ~~درسهم والذين اختارهم بعناية قدرا كافيا من هذه السمات المشتركة، أو لم يقتنع ~~بالنسبة الإحصائية لتردد تلك السمات في هؤلاء الأفراد، ولهذا الباحث كل الحق في أن ~~يرفض دراسة الشخصية القومية - من هذه الزاوية - بأي منهج فيما عدا منهجه العلمي ~~السليم. # ولكني أعتقد أن الزاوية الأخرى لدراسة الشخصية القومية تحتاج إلى مناهج علمية من ~~نوع مخالف إلى حد بعيد، أو هي على الأصح تقتضي من الباحث نظرة أرحب إلى المنهج ~~العلمي، وتخفيفا شديدا للشروط المنهجية التي يمكن أن يعترف بها في هذا ~~المجال. # فلنتأمل أمثلة قليلة لتلك الظواهر الجماعية التي تدخل ms152 ضمن نطاق دراسة «الشخصية ~~القومية» بالمعنى الثاني. إن استخلاص طابع معين مميز لهذه الشخصية من الأعمال ~~الأدبية، ولا سيما الأدب الشعبي، أو من الأعمال الفنية وخاصة الفن الشعبي أيضا، أو ~~من المأثورات والحكم المتداولة بين الناس، هو أمر لا يمكن إخضاعه لنفس النوع من ~~المناهج التي تفيد في حالة دراسة الأفراد من أجل استخلاص السمات المشتركة بينهم؛ ~~فعلى أي نحو - مثلا - يمكنك أن تخضع الحكم القائل إن «الموسيقى الشعبية في الريف ~~المصري حزينة» للمنهج العلمي الدقيق؟ إن كل من استمع إلى ألحان الناي التي تنبعث ~~تلقائيا من الفنان الريفي المصري لا يحتاج إلى جهد كبير لكي يجزم بأنها ألحان ~~حزينة، بحيث يكون من القصور الشديد إخراج الحكم السابق من زمرة الحقائق العلمية ~~لمجرد عدم وجود وسيلة لتطبيق المناهج العلمية الدقيقة المعروفة عليه، ومثل هذا يصدق ~~على الموال الشعبي والشعر الشعبي ... إلخ. # فإذا ما تبين للباحث وجود سمة الحزن هذه - مثلا - في الموسيقى والغناء والشعر ~~المعبر عن الروح الشعبية، وإذا ما اتضح له أنها سمة غالبة على الأمثال والمأثورات ~~الشعبية بدورها، كان من حقه عندئذ أن يصدر حكما أعم، يقول فيه إن سمة الحزن من ~~السمات المميزة للشخصية الشعبية، ومن المؤكد أن هذا الحكم العام بعيد كل البعد عن ~~استيفاء شروط المنهجية العلمية بمعناها الدقيق؛ لأنه حصيلة ملاحظات فردية أو ~~انطباعات كونتها مجموعة من الأشخاص، ولكن هل يكون من حقنا أن ننكر عليه صفة العلمية ~~لهذا السبب؟ أليست الظواهر التي ينصب عليها حكم كهذا مستعصية بطبيعتها على تلك ~~المناهج التي يمكن أن تحرز نجاحا كبيرا في حالة الدراسة الاستقصائية لمجموعات من ~~الأفراد أو من السمات الفردية؟ # مجمل القول أن هناك أحكاما تنتقل من الخاص إلى العام، وأخرى تبدأ من العام وقد ~~تنتهي إلى الخاص، وإذا كانت الأحكام الأولى وحدها هي التي تستوفي الشروط الدقيقة ~~لمنهج الاستقصاء العلمي، فليس معنى ذلك أن الأحكام الثانية ينبغي أن تكون خارجة عن ~~نطاق العلم لمجرد كونها غير خاضعة بطبيعتها لأمثال هذه الشروط. # ولعل ما أرمي ms153 إليه يزداد وضوحا إذا ما تأملناه في ضوء الإطارين الرئيسيين اللذين ~~يتم من خلالهما إصدار الأحكام العامة على «الشخصية المصرية» على وجه ~~التحديد. # أول هذين الإطارين هو الإطار الجغرافي، ولعلنا نعرف جميعا تلك المحاولات ~~المتعددة التي بذلت للربط بين سمات معينة في الشخصية المصرية وبين الطبيعة ~~الجغرافية لبلادنا، وهي محاولات كان من آخرها ومن أكثرها امتيازا محاولة الدكتور ~~جمال حمدان في كتابه عن شخصية مصر. # والآن فبأي منهج من المناهج الاستقصائية يمكن التحقق من صدق الحكم القائل - مثلا - إن الاشتغال بالزراعة ، والاعتماد فيها على الري النهري، كان له تأثيره في تحديد ~~سمات شخصيتنا المصرية؟ وهل إذا لم نجد منهجا كهذا، يكون ذلك سببا كافيا للاعتراض ~~على القيمة العلمية لمثل هذا الحكم؟ في اعتقادي أن المنهج الوحيد الممكن في مثل هذه ~~الحالة هو اختبار مدى الاتساق بين المقدمات والنتائج، ومقدار أحكام وتماسك القضايا ~~القائلة بأن هذا العامل الجغرافي أو ذلك يمكن بالفعل أن يؤدي إلى هذه السمة أو تلك، ~~وهذا منهج فلسفي ومنطقي قبل كل شيء. # ولكن الإطار الثاني لهذا النوع من الأحكام العامة على «الشخصية المصرية» أهم في ~~رأيي بكثير، ذلك هو الإطار التاريخي، الذي هو الدعامة الأساسية لكل حكم عام يشير ~~إلى سمة معينة من سمات ذلك الكيان الجماعي المسمى بالشخصية المصرية، بل إنني لأعتقد ~~أن كل الظواهر السابقة تكتسب داخل هذا الإطار التاريخي مزيدا من التأكيد والتأييد؛ ~~فحين نقول مثلا إن الحزن سمة مميزة للأعمال الأدبية والفنية الشعبية، نزداد ~~اقتناعا بحكمنا هذا إلى حد بعيد إذا تبين أن هذه السمة ظلت تميز هذه الأعمال طوال ~~فترات التاريخ السابقة المعروفة لدينا، وحين نستخلص صفة «الاتكالية» من أمثالنا ~~ومأثوراتنا الشعبية الشائعة حاليا، ثم نجد أنها كانت صفة مميزة لنظائرها في كثير ~~من العهود السابقة، يكون ذلك دعما لصحة استنتاجنا السابق، بل إن الإطار الجغرافي ~~بدوره يمكن أن تزداد أحكامنا المتعلقة به تأكيدا إذا وضعناها في إطار تاريخي؛ فحين ~~يكون للسمة التي نحكم - لأسباب جغرافية - بوجودها في الشعب المصري استمرار خلال ms154 ~~التاريخ، يكون في ذلك تأكيد واضح لصحة التعليل الجغرافي الذي نقول به، على حين أن ~~هذه السمة لو كانت تظهر خلال التاريخ ظهورا غير منتظم، لكان من حقنا أن نشك في ~~قيمة هذا التعليل الجغرافي أصلا. # وإذن فالبعد التاريخي حاسم في دراسات الشخصية المصرية، وذلك أمر تقضي به طبيعة ~~الأشياء ذاتها؛ إذ إن بلدا عريق التاريخ كمصر يشكل مجالا خصبا للتفسير التاريخي ~~للظواهر، ولكن بأي نوع من المناهج العلمية الدقيقة نستطيع أن نتحقق من صحة الحكم ~~الذي نصدره على سمة معينة حين نجدها تتردد في كتابات المؤرخين ترددا واضحا، أو ~~حين تشهد بها وثائق تاريخية تنتمي إلى عصور طويلة متباينة؟ أو بعبارة أخرى: هل ~~تستطيع المناهج المستخدمة في علوم الأنثروبولوجيا الاجتماعية أو الحضارية، أو في ~~علم النفس بفروعه واتجاهاته المختلفة، أن تزودني بالأداة التي أستطيع بها التأكد من ~~صحة أو عدم صحة الحكم الذي يعتمد أساسا على شهادة السوابق التاريخية؟ وإذا لم تكن ~~تستطيع أن تزودني بالأداة التي أستطيع بها التأكد من ذلك، فهل يعني ذلك أن مثل هذا ~~الحكم ينبغي أن يستبعد بوصفه حكما لا يستوفي شروط المنهج العلمي، أم يعني أن ~~من الواجب التوسع في شروط هذا المنهج بحيث تتسع للحكم المبني على قدر معقول من ~~استقراء الشواهد التاريخية؟ # تلك بعض الأسئلة التي استهدفت من طرحها في مناقشتي المنهجية هذه أن أوجه ~~الأنظار إلى احتمال وجود جوانب أخرى للمنهج العلمي - مفهوما بمعناه الواسع - تجعل ~~لمثل هذا البحث في الشخصية المصرية ما يبرره من وجهة نظر العلم. # شخصيتنا المصرية واللحظة الحاضرة # ولكن هب أننا استطعنا تبرير هذا البحث في الشخصية المصرية من وجهة نظر المنهج ~~العلمي النظري، فهل يكون في وسعنا أن نبرره من وجهة النظر العملية؟ هل تعد ~~اللحظة الحاضرة - التي تعاني فيها بلادنا كثيرا من مشاعر المرارة والإحباط - أنسب ~~اللحظات للبحث في موضوع كهذا؟ ألسنا نتعرض - نتيجة لهذه الظروف - للوقوع في خطأ ~~الانسياق وراء المشاعر المؤقتة وإصدار أحكام عامة متسرعة قد لا نكون على استعداد ~~لقبولها على ms155 الإطلاق لو لم نكن نعيش هذه اللحظات الحرجة من تاريخنا؟ ألن يؤدي هذا ~~البحث - حين يتم في ظروف كهذه - إلى شيء من تثبيط الهمم في وقت نحن فيه أحوج ما ~~نكون إلى كل ما يرتفع بمعنوياتنا ويبث فينا روح الكفاح والنضال؟ # لقد أشرت من قبل إلى أن الإطار التاريخي أهم الأطر التي تعالج من خلالها فكرة ~~الشخصية المصرية، وتلك حقيقة لا جدال فيها؛ فكل من كتبوا عن مصر يؤكدون الاتصال ~~التاريخي الفريد الذي يتسم به شعبنا، وعراقة أصل هذه الأمة، وأصالة الحضارة التي ~~بناها المصري على أكتافه والعالم ما زال يحبو في مهده. إن تاريخ مصر العريق مصدر ~~أعظم أمجادها، ولكن هذا التاريخ ذاته مصدر كثير من العيوب التي تهدد شخصيتنا ~~القومية بأخطار لا مفر من أن نتنبه إليها ونعمل على تلافيها. # إن الأمر المؤكد أن لكل أمة الحق - كل الحق - في أن تتغنى بماضيها وتمجده، ولكن ~~التشبث المريض بهذا الماضي ليس له إلا معنى واحد، هو العجز عن السيطرة على الحاضر ~~أو عدم الرضا عنه، وفي اعتقادي أن الأمة التي تتحكم في حاضرها وتمسك بزمامه وتسيطر ~~عليه وتدير دفته في الاتجاه الذي يحقق لها أمانيها، لا تحتاج إلى كل هذا القدر من ~~التغني بالماضي واجترار أمجاد الأسلاف، ولو تأملنا مقدار الجهد الذهني الذي بذل، ~~والطاقات النفسية والعصبية التي أنفقت في المعركة التقليدية بين أنصار الأصل ~~الفرعوني وأنصار الأصل العربي الإسلامي؛ لبدا لنا المعنى الذي نرمي إلى إثباته ~~واضحا وضح النهار؛ إذ إن هذه المعركة كان يمكن أن تحسم لو أن كلا من ~~الفريقين المتنازعين خاطب الآخر بتلك العبارة البسيطة المعقولة الحكيمة، كفانا ~~تناحرا على الماضي يا سادة، ولنتذكر قليلا حاضرنا الذي نعيش فيه! # والحق أن نفس عامل الثبات في الشخصية - الذي يعد مصدرا للفخر والاعتزاز ~~بالماضي العريق - يمكن أن يعد سببا من أسباب التعاسة في الحاضر؛ ذلك لأن ~~الظروف التي أدت - منذ آلاف السنين - إلى بناء حضارة عظيمة يمكن - إذا ظلت سائدة ~~دون تغيير أساسي - أن تؤدي إلى تدهور ms156 شديد في الحاضر، وإذا كنا نعترف بأن شخصية ~~الفلاح المصري وطبيعة حياته وطريقة معيشته ظلت على ما كانت عليه منذ أيام المصريين ~~القدماء، فمن الواجب ألا نرى في ذلك ما يدعو إلى الإفراط في الفخر، بل ينبغي أن نجد ~~فيه حافزا قويا إلى التغيير. # إن التفاخر بالأصل والحسب صفة مميزة لشعوب هذه المنطقة من العالم، وحسبنا دليلا ~~على ذلك أن نرجع إلى باب «الفخر» في دواوين الشعر العربي التقليدي، وهو موضوع لا ~~يكاد يكون له نظير بين أغراض الشعر في الآداب العالمية كلها، وفي حياتنا الشخصية ~~كان الفخر بالحسب والنسب - ولا يزال إلى حد بعيد - مصدر كثير من الأحكام الباطلة ~~على الناس، ومن التصرفات الخاطئة في المجتمع، ومع ذلك فإن مثل هذا التفاخر ما زال ~~يمارس على مستوى الشخصية القومية بصورة يمكن أن توصف بأنها مريضة، ومرة أخرى فإني ~~حريص على أن أؤكد أن من حق كل شعب - بل من واجبه - أن يحافظ على تراثه ويتغنى ~~بأمجاده الماضية، ولكن هذا الرجوع إلى الماضي يتخذ في الحالات السوية شكل القوة ~~الدافعة إلى مزيد من النهوض بالحاضر، بينما يتخذ في الحالات المريضة صورة البديل ~~الخيالي عن الحاضر، أو العزاء الوهمي عما هو فيه من تخلف. # إن كل من بحثوا في الشخصية المصرية يؤكدون أن أهم سماتها هو ذلك الاستمرار ~~الفريد بين الماضي السحيق والحاضر، ولكن النتائج التي تستخلص من هذا الاستمرار ~~والاتصال في شخصيتنا تختلف كل الاختلاف بين أجيال الباحثين، ويمكن القول بصورة ~~عامة إن الجيل الأقدم من الباحثين يستمد من هذا الاستمرار قوة روحية هائلة تعطيه ~~أملا كبيرا في الحاضر - أو على الأصح عزاء مريحا عنه - على حين أن جيل الشباب ~~يرى في هذا الاستمرار عاملا مثبطا للهمم، ومظهرا من مظاهر التخلف. # وفي اعتقادي أن كلا من هاتين النتيجتين لا تلزم بالضرورة عن مقدماتها، وأن ~~حقيقة الاستمرار التاريخي لا ينبغي أن تكون مصدرا للأمل المبالغ فيه أو لليأس ~~المفرط. # ذلك لأن المغرقين في الأمل يؤمنون - في واقع الأمر - بنوع من القوة ms157 السحرية ~~الغامضة في هذا الشعب الذي استطاع أن يصمد طوال هذا التاريخ ويحتفظ بجوهره نقيا ~~برغم كل المؤثرات الأجنبية والغزوات الدخيلة، وأن يقهر المعتدين بالصبر، ويرغمهم ~~على الرحيل آخر الأمر خاسرين، وفي رأيي أن الإيمان بوجود علاقة سببية بين ماضي ~~الشعب وحاضره هو إيمان صوفي لا يمت إلى التفكير العلمي بصلة، وأن الماضي مهما كانت ~~عراقته لا يستطيع أن يؤثر في الحاضر إلا بقدر ما نبذل نحن في سبيل إنهاض هذا الحاضر ~~من جهود، وكم من الأمم لم يشفع لها ماضيها العريق حين تراخت جهودها ووهنت عزائمها، ~~فأصبح حاضرها تعيسا يدعو إلى الرثاء، بل إني لأومن بأن كل جيل في حياة الأمة يحمل ~~على أكتافه وحده أمانة الكفاح كاملة، أما الاعتقاد بأن الأصل البعيد يرتبط بالحاضر ~~على نحو ما، ويمكن أن يكون قوة مؤثرة فيه، فهو اعتقاد يفتقر إلى تأييد الشواهد ~~التاريخية والمنطق السليم معا، ولا يعدو أن يكون شعورا انفعاليا في بعض النفوس، ~~لا يطابقه في الواقع الموضوعي شيء. # ولست أود أن أعلق على الوجه الآخر من هذه الطريقة في التفكير، وهو الوجه القائل ~~إننا حاربنا الغزاة وانتصرنا عليهم بالصبر، وحسبي أن أقول إن هناك مواقف في حياة ~~الأمم لا تحتمل مثل هذا الصبر، وإن الحد الفاصل بين الصبر والمذلة إنما هو خيط ~~رفيع، وإن الذليل - على أية حال - يستطيع أن يضمن لنفسه عمرا طويلا! # من أجل ذلك لم تكن هذه الفلسفة مقبولة لدى جيل الشباب، وكان استقرار الشخصية ~~القومية وثباتها على المدى الطويل - في نظر هذا الجيل - مدعاة إلى اليأس لا إلى ~~الأمل؛ ذلك لأن هذا الاستقرار إنما يعني استمرار كثير من عوامل التخلف، وقيم الطاعة ~~والخنوع، والإيمان بالقدرية والغيبيات، وأحاسيس المرارة واليأس، والتفنن في الهروب ~~من الواقع والعجز عن التصدي له. # ومع ذلك فإني لست من المؤمنين إيمانا تاما بطريقة تفكير هؤلاء اليائسين؛ ذلك ~~لأن وحدة الشخصية القومية عبر التاريخ، واستمرار السمات السلبية فيها، إنما هو في ~~واقع الأمر استمرار للظروف التي أدت إلى نشوء هذه السمات ms158 وتلك الظروف في نهاية ~~التحليل، ذات طابع اجتماعي في الأغلب، أي إنها مما يدخل في نطاق تحكم الإنسان، ~~وليست قدرا فرضته عليه قوة قاهرة، ومن المؤكد أن تغيير هذه الظروف كفيل بأن يؤدي ~~في نهاية الأمر إلى تغيير النتائج المترتبة عليها، وبالتالي إلى القضاء على السمات ~~السلبية في شخصيتنا القومية. وبعبارة أخرى فإن هذه الشخصية القومية - مهما كانت ~~درجة ثباتها - ليست شيئا فطريا مقدرا لنا ويستحيل علينا تغييره، بل نتاج لعوامل ~~معينة في حياتنا هي التي أدت إلى تشكيلها في هذه القوالب، وما ثبات هذه الشخصية على ~~مدى تاريخنا الطويل إلا انعكاس لاستمرار هذه العوامل وعجزنا عن تغييرها طوال هذه ~~القرون، ولكن هذه العوامل قابلة للتغيير من حيث المبدأ (ولا سيما في هذا العصر الذي ~~لا يصمد أمام قوى التغيير فيه شيء)، ومن ثم فإن سمات شخصيتنا القومية يمكن أن تطرأ ~~عليها تحولات جذرية لو استطعنا أن نبذل الجهد اللازم في سبيل تغيير العوامل المؤثرة ~~فيها. # وأول شروط بذل هذا الجهد، وبالتالي أولى مراحل عملية التغيير، هو الشعور الواعي ~~بمظاهر السلبية في شخصيتنا. # إن «النظرة إلى الوراء بسخط» (ومعذرة لكاتب المسرحية المعروفة) جزء لا يتجزأ من ~~صفات جيل الشباب المتطلع إلى التغيير، وهي نظرة بناءة، تحاول إعادة التوازن بين ~~الحاضر والماضي بعد أن ظل طويلا في اختلال ترجح فيه كفة الماضي على الحاضر، وأحسب ~~أن أول ما تقتضيه مرحلة محاسبة النفس التي نمر بها هو المواجهة الصريحة لعيوبنا، ~~ولا سيما المتأصلة منها في نفوسنا خلال فترات تاريخية طويلة بدلا من إسدال ستار من ~~الصمت عليها بحجة التغني بأمجاد الأجداد. # فإن كان الغضب على الماضي الراكد، والسخط على أسلوب في الحياة جامد لا يتطور، ~~بشيرا ببداية الوعي الذي يقودنا إلى مستقبل أفضل، فأهلا بالغضب ومرحبا ~~بالسخط! # | أخلاقنا الاجتماعية ... إلى أين؟1 # لم يكن يجول في خاطري أن أقوم يوما ما بالكتابة بشيء من الإسهاب في موضوع الأخلاق ~~كما تطبق عمليا على حياتنا في مرحلتها الراهنة؛ إذ كنت أعتقد على الدوام أن الأخلاق ms159 - ~~في جانبها العملي - ترتكز على أسس أسبق منها وأعمق، أي إنها ليست كيانا قائما بذاته، ~~خاضعا لمنطقه الداخلي الخاص، مستقلا عما عداه وغير متأثر إلا بنفسه، وإنما هي السطح ~~الظاهري الذي تتفاعل من تحته وتتعامل عشرات من العوامل الدفينة، وهي عوامل يصعب على ~~العين العادية إدراكها، وتكون حصيلة تفاعلها في نهاية الأمر ذلك الشيء الذي نسميه ~~بالأخلاق، ومن هنا كان من قبيل إضاعة الوقت والجهد فيما لا طائل وراءه أن يجهد المرء ~~نفسه في الحديث عما يجري على السطح الظاهري، الذي لا يرى معظم الناس سواه، وهو يعلم أن ~~من وراء هذا السطح عوامل خفية هي التي تحركه من وراء ستار، وأن هذه العوامل تبدو مقطوعة ~~الصلة بمجال الأخلاق، بينما هي في حقيقة الأمر تمارس عليه تأثيرا حاسما، وإن لم يكن ~~مع ذلك تأثيرا واضحا للعيان. # على أن الترحيب الذي لقيه مقالي السابق بعنوان «أخلاقنا العلمية ... إلى أين؟» قد ~~أقنعني بأن للكتابة في ميدان الأخلاق مجالا واسعا، وبأن هناك رغبة يمكن أن توصف بأنها ~~عامة في معالجة هذا الموضوع لا في مجال ضيق كالأخلاق العلمية فحسب، بل على أوسع نطاق ~~ممكن، وبأن الكلام فيه ليس منعدم الجدوى إلى الحد الذي قد يبدو عليه لأول وهلة. # وبطبيعة الحال فإن التصدي لهذا الموضوع يحتاج إلى تلافي محاذير يقع فيها الكثيرون، ~~وترتد كلها إلى الخطأ الأساسي الذي أشرنا إليه من قبل، وأعني به النظر إلى الأخلاق على ~~أنها تكون مجالا مستقلا عن كل ما عداه، وعلى أنها قادرة على تفسير نفسها بنفسها، فلا ~~مفر للمرء - وهو يعمل على تشخيص العيوب - من أن يرد هذه العيوب إلى أسبابها الموضوعية ~~الكامنة في تركيب المجتمع ذاته، ولا بد له - في مرحلة البحث عن العلاج - من أن يقدم ~~أفكارا تصلح لمعالجة الداء من جذوره، لا لتغطية سطحه الخارجي فحسب. # إننا شعب اشتهر بميله - الذي قد يكون مفرطا - إلى نقد ذاته، وكثيرا ما يتردد في ~~أحاديثنا - حينما نجد أنفسنا إزاء أمر يثير فينا السخط - لفظ «يا بلد!» أو ms160 «يا شعب!» ~~وكثيرا ما يلحق هذا اللفظ بصفات تدل على أننا نتهم أنفسنا - كشعب - بالضعف الأخلاقي، ~~وبما قد يكون أسوأ من ذلك، وبطبيعة الحال فإن المتكلم يستثني نفسه دائما من هذا الحكم ~~(إذ كيف يكون قد أدرك هذا الضعف، واستطاع أن ينتقده، لو لم يكن هو ذاته فوق مستوى ~~الضعف؟) ومع ذلك فإن أحدا لا يتنبه إلى المفارقة التي تتلخص في أننا جميعا نردد هذه ~~العبارات، وبالتالي فلو كنا جميعا فوق مستوى الضعف الأخلاقي لما كان لعباراتنا هذه ~~معنى، ولكن لندع جانبنا هذا التناقض الشكلي، ولنتأمل الظاهرة في جوهرها، فما الذي يدل ~~عليه هذا النقد الذاتي المفرط، الذي قد يتجلى مباشرة في عبارات ساخطة، وقد يتخذ مظهرا ~~غير مباشر في ذلك السيل الجارف من النكات التي لا يفلت أحد من سخريتها اللاذعة، أو من ~~لذعتها الساخرة؟ # إنه يدل - أولا وقبل كل شيء - على اعتقاد منتشر بين معظم العامة وكثير من المثقفين، ~~بأن لكل شعب أخلاقا خاصة مميزة له، وبأن هذه الأخلاق صفة لاصقة به، أو جزء من تكوينه ~~«الطبيعي» أو «الفطري»، ولما كنا لا نود الخوض في مناقشة طويلة نفند فيها الاعتقاد ~~بوجود أي نوع من الارتباط بين ما يسمى بالتكوين الطبيعي لشعب ما وبين النمط الأخلاقي ~~السائد فيه، فسوف نكتفي بالقول إن أخلاق أي شعب لا تتميز عن أخلاق شعب آخر إلا لأن ~~الظروف الموضوعية المتراكمة عبر التاريخ، والتي مر بها هذا الشعب، تختلف عن ظروف الشعوب ~~الأخرى، ومعنى ذلك أن من واجبنا - قبل أن نقسو على أنفسنا بلوم مفرط - أن ندرك مدى ~~تأثير العوامل المعاكسة التي تعرضنا لها على مر التاريخ، ومدى عجزنا - كمجتمع - عن ~~التحكم في هذه العوامل وتغيير اتجاهها على النحو الكفيل بتحقيق مصالحنا، عندئذ يمكن أن ~~تبدو عيوبنا الأخلاقية في ضوء مختلف، وتتخذ أساليب إصلاح هذه العيوب طابعا مغايرا، ~~مستمدا من الفهم السليم للعوامل الحقيقية المتحكمة في أخلاقنا. # على أن هذا النقد الذاتي القاسي يدل أيضا على حقيقة لا يمكن الشك فيها، وهي أن هناك ms161 ~~إحساسا عاما بوجود أزمة أخلاقية، ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن عددا غير قليل من ~~المشتغلين بشئون الفكر قد دأبوا على التحذير من هذه الأزمة الأخلاقية، ومع ذلك لا يشعر ~~المرء في كتاباتهم بوجود تلك الرغبة المخلصة في البحث عن علاج حقيقي، بل إن أكثر ~~الأصوات ارتفاعا في التنبيه إلى عيوبنا الأخلاقية، كثيرا ما تصدر عن أبعد الناس عن ~~الأخلاقية بمعناها الصحيح، وتعليل هذه الظاهرة أمر ميسور؛ إذ إن هؤلاء يعزلون العامل ~~الأخلاقي عن غيره من العوامل، ويصورون مشكلتنا الأخلاقية كما لو كانت مستقلة عن غيرها ~~من المشكلات، وتتجه دعوتهم - نتيجة لذلك - إلى «إصلاح الأخلاق» أو «تقويمها»، وإلى ~~«تهذيب النفوس»، وما إلى ذلك من الأهداف التي يستحيل تحقيقها عمليا، والتي يستحيل ~~التأكد من صداها الحقيقي في النفوس حتى لو أمكن تحقيقها، وهكذا فإن أصحاب النزعة ~~الأخلاقية الخالصة هؤلاء، يقومون في واقع الأمر بتمييع المشكلة عن طريق نقلها إلى مجال ~~غير قابل للبحث الموضوعي ويستحيل أن تطبق فيه معايير متفق عليها، وأعني به مجال إصلاح ~~النفوس وتهذيبها. # ولكن إذا كانت هذه النظرة - التي ترتكز على الاعتقاد بالاستقلال الذاتي للأخلاق - قد ~~زيفت المشكلة بنقلها إلى مجال لا يخضع البحث فيه - بطبيعته - للمنهج العلمي، فإن هذا ~~لا ينفي أن المشكلة ذاتها قائمة، وإن كانت تحتاج في تشخيصها وفي علاجها إلى وجهة نظر ~~مختلفة تمام الاختلاف. # وربما كانت أوضح مظاهر هذه الأزمة الأخلاقية هي تلك الحالات التي تكتمل فيها كل ~~المقومات الكفيلة بنجاح مشروع معين، من تخطيط سليم ومعدات كاملة ووسائل مادية لا ينقصها ~~شيء، ثم تكون النتيجة أن يلقى المشروع إخفاقا ذريعا، في هذه الحالة، حين نتساءل في ~~حيرة ودهشة: أين الخطأ إذن؟ لا نجد أمامنا مفرا من أن نجيب: إنه في الإنسان، أو ~~بعبارة أدق: في الأخلاق. وما أكثر هذه الحالات في حياتنا، وما أقوى أصوات النائحين ~~الذين يندبون حظنا العاثر في ميدان الأخلاق، ويلحون على المجتمع كيما يقوم اعوجاج ~~المنحرفين بالوعظ والإرشاد، ولكن الأمر المؤكد أن هذه الطريقة في معالجة الأزمة لا ms162 ~~تجدي فتيلا؛ لأن صاحب المصلحة يستحيل أن يتنازل عنها من أجل موعظة، وهكذا نظل ندور ~~في حلقة مفرغة؛ فالأزمة موجودة يشعر بها الجميع، ولكن أسلوب العلاج التقليدي لا يؤدي ~~إلا إلى زيادة الأزمة تفاقما، فكيف يتسنى لنا الخروج من هذا المأزق؟ # أولى الخطوات في الطريق الصحيح هي - في رأيي - الإدراك الواعي لقصور نظرتنا إلى ~~الأخلاق؛ فنحن - بوصفنا مجتمعا شرقيا ميالا إلى المحافظة - نميل إلى المبالغة في ~~تأثير العامل الأخلاقي، ولكنا لا نكاد نفهم هذا العامل إلا من جانب واحد هو الجنس ، ~~والحق أنك لو سألت ألوفا من عامة الناس - بل ومن المثقفين - عن مفهوم الشخص الأخلاقي ~~والشخص اللاأخلاقي، لقدم إليك معظمهم أوصافا تدل على أن الأول في نظرهم هو العفيف ~~جنسيا، والثاني هو المتحرر أو «المنحل» في مسائل الجنس. # هذا التوحيد بين الأخلاق وبين الجانب الجنسي من سلوك الناس له دلالاته الخطيرة؛ فهو ~~أولا يدل على اهتمام مفرط بالجنس، ناشئ عن قسوة الحرمان وصرامة القيود التي يفرضها ~~المجتمع الشرقي المحافظ على أفراده في هذا المجال، ومن المعروف أن الإنسان كثيرا ما ~~يميل إلى تحريم أحب الأشياء إلى نفسه، أو على الأقل فرض قيود شديدة عليها، على أن هذه ~~الصرامة في النظرة إلى الجنس تخفي وراءها نفاقا شديدا لا يملك المرء إلا أن يتشبع به ~~منذ حداثته؛ إذ إن قدرا كبيرا من التحريمات التي نفرضها في مجال الجنس ترجع إلى ~~الرغبة الخفية فيه، وكثير من المتزمتين لا يبدون هذه الصرامة إلا لأنهم محرومون، ~~بحيث تكون قسوتهم وصرامتهم مجرد مظهر سلبي للرغبة العارمة في ارتكاب كل ما يحرمونه على ~~الغير، ومن المؤكد أن شبابنا الذي ينشأ موزع النفس بين التحريم الشديد الذي يفرضه ~~المجتمع، وبين الرغبة القوية التي تزيدها لديه الحواجز المفروضة على الاختلاط بكل ~~أنواعه ودرجاته، لا بد أن ينتهي به الأمر إما إلى أن يساير ركب النفاق الاجتماعي ~~فيدعي لنفسه ورعا لا يؤمن به في قرارة نفسه، وإما إلى الأساليب الهروبية كإدمان ~~النكات الجنسية أو ما هو شر من ذلك. ms163 # أما الدلالة الأخرى لهذا الاهتمام المفرط بالجنس واتخاذه مقياسا أوحد لأخلاقية ~~المرء، فهي افتقارنا إلى الوعي بالبعد الاجتماعي للأخلاق، وبما ينطوي عليه من إحساس ~~بالمسئولية العامة، وتركيزنا الاهتمام على أبعادها الفردية فحسب؛ ذلك لأن الجنس بطبيعته ~~فردي لا يؤثر إلا في فرد بعينه من حيث علاقته بفرد آخر أو بمجموعة ضيقة من الأفراد، ومن ~~هنا كان هذا التركيز على الجنس مؤديا إلى تصور الأخلاق كما لو كانت مسألة تهم الفرد ~~المنعزل وتتعلق به وحده، مع أن للأخلاق بعدا اجتماعيا هو دون شك أهم أبعادها جميعا، ~~والنتيجة المباشرة لذلك هي أن التهاون في أداء المسئوليات العامة نحو المجتمع، ~~والافتقار إلى الضمير المهني أو الوعي الاجتماعي، كلها أمور لا تعد في نظرنا مدعاة ~~إلى اللوم كالانحراف عن العرف الشائع في مجال الجنس. # ولسنا نعني بذلك أن الجنس ينبغي ألا تكون له أهمية في التقييم الأخلاقي، وإنما الذي ~~نعنيه أنه لا يعدو أن يكون واحدا من العناصر التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند الحكم ~~على أخلاقية الناس، وهو عنصر ليس له تأثير ملحوظ على السلوك العام للفرد، أعني سلوك ~~الفرد في الأمور التي تمس المصلحة العامة، ومن هنا كان تركيز الاهتمام على التصرفات ~~المتعلقة بالجنس مؤديا إلى تجاهل أمور أكثر حيوية إلى حد بعيد بالنسبة إلى مصالح ~~المجتمع ككل. ~~••• # فلنحاول إذن أن نقدم لمحات سريعة لبعض مظاهر تلك الأزمة الأخلاقية التي يؤكد الجميع ~~وجودها، ولنبحث في الوسائل الكفيلة بأن تضعنا على أول الطريق الصحيح المؤدي إلى ~~علاجها. # أول ما ينبغي أن نتنبه إليه - ونحن نبحث عن مظاهر أزمتنا الأخلاقية - هو أن السلوك ~~الأخلاقي المتعلق بالمسائل التي تمس المصالح العامة هو في صميمه قدوة تتخذ مسارا يتدرج ~~من المسئوليات العليا إلى المستويات الدنيا، وبعبارة أخرى فإن الخطوة الأولى في أي ~~إصلاح أخلاقي يراد له أن يعم مستويات المجتمع كلها، ينبغي أن تبدأ من أعلى وتتدرج حتى ~~تصل إلى أدنى المستويات وأوسعها نطاقا، هذا المسار من أعلى إلى أسفل قد يبدو مخالفا ~~لمسار الإصلاح ms164 الثوري الاجتماعي والاقتصادي مثلا؛ إذ إن هذا النوع الأخير من الإصلاح ~~يسير من أسفل إلى أعلى، بمعنى أن الطبقات الدنيا - صاحبة المصلحة الحقيقية في تغيير ~~الأوضاع - هي التي تبدأ الثورة، وهي التي تفرض مبادئها على الطبقات العليا، ولكن الوضع ~~في السلوك الأخلاقي يختلف؛ إذ إننا هنا بصدد بناء معنوي لا يمكن أن يبدأ تشييده من ~~المستويات الدنيا، لسبب بسيط هو أن هذه المستويات تستمد أمثلتها العليا من المستويات ~~التي تعلوها، ولأنها لو فقدت ثقتها في أخلاقية القيادات فسوف تشعر بأن أخلاقيتها هي ~~ذاتها غير مجدية، وبأن أي مجهود تبذله في هذا الصدد ضائع لا محالة، ما دامت الأيدي ~~المتحكمة في عملها غير مؤتمنة. # في ضوء هذه الحقيقة الأولى نستطيع أن ندرك أن قدرا غير قليل من عيوبنا الأخلاقية ~~راجع إلى انتقال عدوى القدرة السيئة بالتدريج من مستويات عليا في المجتمع إلى المستوى ~~الأدنى منها، ولسنا في حاجة إلى جهد كبير لكي نأتي بأمثلة لتصرفات لا تؤدي - إذا انتقلت ~~عدواها من أعلى السلم الاجتماعي إلى أسفله - إلا إلى انهيار وانحلال أخلاقي؛ فبين الحين ~~والحين تشيع أخبار استغلال نفوذ أو تصرف غير مشروع في الأموال العامة أو إثراء مفاجئ ~~بغير حدود، وترتبط هذه التصرفات المعيبة بأشخاص يؤثر سلوكهم في نفسية الألوف من الناس، ~~بحيث يضرب لهم أسوأ الأمثلة، ويكون لهم شر قدوة، وكثيرا ما يجد المجتمع نفسه حائرا ~~إزاء انتشار هذه النقائص بين مستويات يفترض أنها أقل الجميع حاجة إلى هذه التصرفات، ~~فيتساءل الناس: من أين نأتي بالعناصر الصالحة إذن؟ ماذا نفعل إذا كان اختيارنا قد تم ~~على أفضل أساس ممكن، ثم انتهى الأمر إلى هذه النتيجة المؤسفة؟ # ولكن، أحقا كان الاختيار على أفضل أساس ممكن؟ وهل قمنا بفحص كل الأسس التي يتم ~~الاختيار بناء عليها لكي نتأكد من أننا أخذنا منها بالأفضل؟ وهل الأمر يدعو حقا إلى ~~مثل هذا اليأس؟ إن أبسط قدر من الحرص على المصلحة العامة يقتضي منا أن نختبر الظروف ~~التي يتم فيها تفويض المسئولية لأصحابها، وهل هي ms165 ظروف تشجع على السلوك القويم أم على ~~الانحراف، وهنا نجد أنفسنا نواجه المشكلة الأصلية التي بدأنا بها هذا المقال مواجهة ~~مباشرة؛ فسرعان ما نكتشف أن المسألة ليست مسألة إصلاح للأشخاص، بل للنظم وللشروط التي ~~يتم في ظلها تكليف الأشخاص بمسئولياتهم، ولو كانت هذه النظم والشروط غير صالحة فسوف ~~تؤدي حتما إلى إفساد كل من يتولى مسئولية واسعة النطاق، حتى لو كان في الأصل صالحا، ~~والمهمة الكبرى التي تقع على عاتق الفكر الثوري هي أن يبحث عن النظم والشروط الموضوعية ~~التي لا تترك مجالا للانحراف، بل عن تلك التي ترغم المنحرف ذاته عن أن يسلك - في ~~تصرفاته العامة - سلوكا لا غبار عليه. # فلنفرض مثلا أن حالات من الثراء غير المشروع قد ظهرت بين عدد غير قليل ممن يتولون ~~مسئوليات عامة، فماذا يمكن أن يكون العلاج المجدي في هذه الحالة؟ هل نوجه إليهم ~~المواعظ والإرشادات ونسعى إلى إصلاح نفوسهم وتهذيبها؟ كل هذه حلول لا جدوى منها، وذلك ~~على الأقل لأننا لن نصل أبدا إلى أغوار النفوس لكي نكون على ثقة من أنها قد انصلحت، ~~ولكن العلاج الموضوعي لهذه الحالة يبدأ من دراسة أسباب الانحراف، عندئذ قد نجد - على ~~سبيل المثال - أن الأموال العامة لا توجد عليها ضوابط كافية، وأن الارتفاع المفاجئ وغير ~~المعقول في الإيراد الرسمي للشخص نتيجة لتوليه منصبا هاما يفقده توازنه ويثير فيه ~~الرغبة في مزيد من الثراء، فإذا اتضح أن الأمر كذلك، كان الحل بسيطا، خفض ملموس في ~~مرتبات هذه الفئة كلها، وجزاءات صارمة غاية الصرامة على أي تصرف غير مشروع في الأموال ~~العامة، هنا تصبح الموضوعية الثورية - لا «الوعظ الفردي» - هي العلاج الحاسم، وبمثل هذا ~~العلاج يجد الانتهازيون أنفسهم مضطرين إلى الانسحاب من تلقاء ذاتهم؛ لأن المسألة لم تعد ~~تجلب غنما، ولا يبقى إلا من يريد أن يؤدي الخدمات العامة لصالح المجتمع ككل، لا ~~لصالحه هو أو أقربائه أو المحيطين به. # ولنضرب مثلا آخر لن يشك أحد في أنه يكون جزءا من عيوبنا الأخلاقية الظاهرة، وأعني ~~به النفاق ms166 والمجاملة المتطرفة، وحسبنا أن نفتح صفحات جرائدنا لكي نلمس في أكبر مساحاتها ~~أمثلة لا حصر لها لتلك الظاهرة التي ربما كنا ننفرد بها عن سائر بلاد العالم، الثورية ~~منها وغير الثورية، وأعني بها الإعلانات المدفوعة من الأموال العامة أو الخاصة (والأولى ~~هي الغالبة)، والتي لا ترمي إلى الترويج لسلعة جديدة أو تنبيه الناس إليها، بل تستهدف ~~تملق مسئول أو الدعاية الشخصية لحساب أصحاب الأمر والنهي في الجهة صاحبة الإعلان، هذه ~~الظاهرة الغريبة - التي تمر علينا يوميا دون أن نبدي بها اهتماما - لها في واقع ~~الأمر أخطر الدلالات؛ فكيف يمكن أن يشيع في مجتمع يريد أن يسلك سلوكا ثوريا مثل هذا ~~النفاق العلني الواسع النطاق، ولمصلحة من تؤجر تلك المساحات الشاسعة على صفحات الجرائد ~~في سبيل كتابة كلمات لا يقرؤها أحد إلا من كتبوها، وحتى لو قرئت فلن يستخلص الناس ~~منها إلا دروسا بارعة في التملق الرخيص؟ وهل مما يتفق مع الثورية أن تمتلئ صحفنا ~~بعبارات النفاق الفارغة التي تعود في نهاية الأمر على خزانة الصحف ذاتها بمزيد من ~~الإيرادات على حساب أموال الشعب من جهة، وأخلاقه ومعنوياته من جهة أخرى؟ وهل يحق لنا أن ~~نتحمل هذه الأضرار الفتاكة في سبيل رفع المستوى المادي لجزء من صحافتنا إلى حد لا ~~يتناسب مع التقشف العام الذي ترتضيه بلادنا طائعة مختارة في سبيل أهدافها ~~العليا. # هذا - من غير شك - عيب أخلاقي لا يحتاج إلى مزيد من البيان، ولكن يظل أمامنا السؤال ~~الكبير: وما الحل؟ إنك لا تستطيع أن تعطي الناس دروسا في أضرار النفاق، ما داموا ~~يشعرون بأن هذا النفاق يعود عليهم آخر الأمر بمنفعة، ومن المؤكد أن في الأمر منفعة، ~~وإلا لما انتشرت الظاهرة واستمرت إلى هذا الحد. # وعلى ذلك فالحل يكون - أولا وقبل كل شيء - بالقضاء على كل نفع يمكن أن يعود على مثال ~~هؤلاء المنافقين، ومن الواضح أن حلا كهذا لا يمكن أن يفرضه إلا من توجه إليهم الكلمات ~~المنافقة. ولأضرب لذلك مثلا: فلنفرض أن رئيس مجلس إدارة إحدى المؤسسات ms167 قد عاد من ~~الخارج، وامتلأت مساحات من الصحف بتهاني مرءوسيه على سلامة الوصول وتمام الشفاء ... إلخ، ~~عندئذ يقتضي السلوك الثوري الحقيقي منه أن يوجه اللوم - برفق أولا ثم بالشدة إذا تكررت ~~هذه التصرفات - إلى من يعاملونه بمثل هذا النفاق، في هذه الحالة - وفيها وحدها - سيختفي ~~هذا السلوك المعيب لأنه أصبح يحقق عكس الهدف المقصود منه، وذلك دون أن نجد أنفسنا ~~مضطرين إلى تغيير طبائع الناس أو إعطائهم مواعظ أخلاقية. ولكن من الغريب حقا أن شيئا ~~من هذا لا يحدث، وأن هناك نوعا من الخداع المتبادل - المقبول من الطرفين - في حالة ~~النفاق الاجتماعي العلني؛ فالمرءوس ينافق رئيسه عن وعي، والرئيس ينافق مرءوسه عن غير ~~وعي إذ يقبل منه نفاقه وهو عالم أنه مجرد نفاق. # ولنتأمل عيبا آخر من عيوبنا التي نعيش فيها كل يوم، وأعني به الاستعانة بالوساطة، أو ~~«بالواسطة»، هذا العيب المستفحل الذي نضج منه جميعا بالشكوى حين تؤدي ممارسته إلى ~~اكتساب الآخرين منفعة على حسابنا، ونتسابق جميعا إلى الالتجاء إليه إذا كان يؤدي إلى ~~اكتسابنا نحن أنفسنا نفعا على حساب الآخرين. # هذه الوساطة أصبحت تكون جزءا مألوفا من حياتنا إلى حد أننا لم نعد نجد فيها أي ~~غضاضة، بل إنها قد تفشت إلى حد أن من يمتنع - بحكم مبادئه - عن ممارستها أو عن ~~الاستجابة لندائها أصبح يعد في نظر الناس متزمتا، وربما اتهم «بقلة الذوق» ~~و«انعدام المروءة»، ولو حاولنا أن نتتبع جذور هذا العيب لتعددت أمامنا المسالك وتشعبت ~~إلى أبعد حد، ولكن يكفي أن أشير إلى عاملين رئيسيين أعتقد أنهما هما أقوى الأسباب ~~المؤدية إلى حدوث هذه الظاهرة: أولهما قيام العلاقات التي تمس المصالح العامة على أساس ~~من المنافع المتبادلة، وثانيهما امتداد أسلوب التعامل العائلي أو الريفي أو القبلي إلى ~~المعاملات الرسمية التي ينبغي أن تتسم بالطابع اللاشخصي على الدوام، وكلا هذين العاملين ~~لا يعالج بالدعوة الفردية أو بالنصائح الشخصية، بل إنه يحتاج إلى معالجة جذرية؛ فنحن ~~في حاجة ملحة إلى التعود على الأسلوب الموضوعي في التعامل، في حاجة ms168 إلى أن نتعلم ~~كيف نفصل بين الأهداف الشخصية وبين العمل الرسمي الذي يعلو على الأشخاص، في حاجة إلى أن ~~نتذكر دائما أن الدولة لا يملكها أفراد، بل يملكها الجميع، وأن حقنا في التصرف في ~~أمورها مقيد بمصلحة المجموع لا بمصلحتنا نحن، ولا يمكن أن تستقر هذه المبادئ في أذهاننا ~~إلا إذا وضعت خطة مرسومة طويلة المدى تهدف إلى استئصال شأفة هذا الداء الذي كاد أن ~~يصبح مستعصيا على كل علاج. وفي اعتقادي أن من المهام الرئيسية لأي تنظيم سياسي في ~~الظروف الحرجة التي نمر بها - والتي تقتضي منا أكبر قدر من الموضوعية الثورية الحازمة - ~~أن يعمل على تنظيم حملة على أوسع نطاق ممكن لكشف الوساطات وفضحها علنا، بحيث يأتي ~~الوقت الذي يخجل فيه المرء من إرسال بطاقته إلى صديقه موصيا بتعيين «حامله» الذي ~~«يهمني أمره» في الوظيفة الخالية، بل يخجل فيه من الجلوس إلى جانب قريبه في مكتبه لكي ~~يقضي له - على الفور - أمرا يستغرق بقية الناس في قضائه أضعاف هذا الوقت، ويبذلون في ~~سبيله أضعاف هذا الجهد، إنه علاج ما أسهله! وما أجمله لو استقرت العزائم عليه! ~~••• # إن الأخلاق المتعلقة بالأمور التي تمس المصلحة العامة - كما قلت - قدوة تنتقل تدريجا ~~من المستويات العليا إلى المستويات الأدنى منها في المجتمع، ومن المؤكد أن المستويات ~~المتوسطة والدنيا تتحمل بدورها نصيبها من المسئولية، وتمارس بدورها شتى ألوان التصرفات ~~التي تكشف عن عيوب أخلاقية جسيمة، وإذا كنا قد ركزنا اهتمامنا - في الجزء الأكبر من هذا ~~المقال - على التصرفات التي تمارسها المستويات العليا؛ فذلك لأنها هي التي تملك مفاتيح ~~الحل، وهي التي ينبغي أن يبدأ منها العلاج، ولكن ذلك لا يحول دون التنبيه إلى بعض مظاهر ~~الأزمة الخلقية في المستويات الأدنى بدورها. # لعل أبرز هذه المظاهر - في المرحلة الحالية من تاريخنا - هو عدم الاكتراث، وهو مظهر ~~سلبي، والإهمال وهو أخطر المظاهر؛ لأنه متعمد ومقصود؛ ففي قطاعات عريضة من الموظفين ~~والعمال، أصبحنا نشكو من تضاؤل الإنتاج، وعدم الاهتمام برفع مستواه، ومن اللامبالاة ~~والرغبة في إبعاد ms169 المسئولية عن الذات من أجل إلقائها على أكتاف الآخرين، أي باختصار من ~~انعدام الإخلاص والجدية في العمل، وأصبح من المشاهد المألوفة في حياتنا اليومية أن تدخل ~~إدارة حكومية فتجد نصف موظفيها غير موجودين على مكاتبهم، ونصفهم الآخر يقرأ الجريدة ~~الصباحية أو يشرب القهوة مع زوار، بينما الأعمال معطلة والأوراق مكدسة ودورة العمل لا ~~تكاد تتحرك، وأصبحنا نشكو في كل يوم من ارتفاع نسبة تغيب العمال وادعائهم المرض وانخفاض ~~إنتاجهم وبالتالي انخفاض إنتاج المجتمع ككل. # فهل تنفع في هذا الصدد «توعية » و«دعوة» أخلاقية بحتة؟ هل نستطيع أن نبذل الجهد اللازم ~~لتوصيل نصائحنا إلى هذه الملايين العديدة التي تتجلى فيها ظاهرة عدم الاكتراث أو ~~الإهمال المتعمد؟ من الواضح أن علاجا كهذا مستحيل عمليا فضلا عن كونه غير مجد من ~~حيث المبدأ، ولو شئنا أن نلتمس الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة التي تمثل خطرا داهما ~~على حياة أية أمة؛ لاتضح لنا - دون عناء كبير - أن المواطن لا يكترث بمصالح المجتمع؛ ~~لأنه يشعر بأن المجتمع لا يكترث بمصالحه؛ فهناك عنصر انتقامي مؤكد - وإن كان في معظم ~~الأحيان لا شعوريا - كامن من وراء هذا التكاسل والتراخي وعدم الحرص على المصلحة ~~العامة. # فكيف يمكن أن يعالج عيب كهذا؟ بنفس المنهج الموضوعي الذي كنا ندعو إلى اتباعه في كل ~~الحالات السابقة، نقول إن من واجب المجتمع أن يمد يده إلى هذه الجموع الغفيرة من ~~أبنائه كيما يمدوا هم بدورهم أيديهم إليه، هذه اليد التي تمتد من المجتمع يمكنها أن ~~تقدم إلى الملايين من أبنائه علاجا معنويا وعلاجا ماديا للأزمة التي يعاني منها ~~الجميع، أما العلاج المعنوي فهو أن يشعر الجميع - عن وعي - بأهداف عامة يمكنهم أن ~~يشاركوا فيها مشاركة إيجابية، أعني أن يشاركوا في تحديد هذه الأهداف، ثم في تنفيذها، ثم ~~في تقييمها بعد أن تنفذ؛ فالمواطن الذي يشعر بارتباطه بالمجتمع من أجل تحقيق هدف ~~يقتنع هو ذاته به، لا يمكن أن يظل غير مكترث، أما إذا سار كل شيء في المجتمع دون أن ~~يكون لهذا المواطن وعي ms170 بما يدور حوله، ودون أن يعرف قيمة الدور الذي يطلب منه أن يؤديه، ~~ودون أن يسمع أحد صوته في اختيار الأهداف وفي طريقة بلوغها، فلا مفر عندئذ من أن يكون ~~غير مكترث، بل من أن يتعمد الإهمال. # وأما العلاج المادي فهو أن يشعر المواطن بأن المجتمع حريص على ضمان احتياجاته ~~الضرورية في حياته بقدر ما يستطيع، وبطبيعة الحال فإن هذا الحل يمكن أن يؤدي بنا إلى ~~حلقة مفرغة؛ فالمواطنون يتكاسلون لأن المجتمع لا يعطيهم الحد الأدنى اللازم لمعيشتهم، ~~والمجتمع لا يستطيع أن يقدم هذا الحد الأدنى إلا إذا كف المواطنون عن التكاسل وزاد ~~الإنتاج، ولكن لا بد لهذه الحلقة المفرغة من أن تنكسر وإلا كان التدهور مصير ~~المجتمع، ولكي نخطو أولى الخطوات المؤدية إلى انكسارها يتعين علينا أن نقدم دليلا لا ~~مفر من أن يكون في البداية بسيطا غاية البساطة، على أننا نتذكر هؤلاء الناس، تكفي أقل ~~زيادة مادية - في الحد الأدنى للأجور مثلا - لكي تقنع قطاعات عريضة من الناس بأن ~~المجتمع لم ينسهم، وعندئذ سيتذكرون هم بدورهم المجتمع، ولو بمقدار بسيط في البداية، ~~وتبدأ العجلة في الدوران، ولكن في هذه المرة إلى أعلى لا إلى أسفل. ~~••• # ربما كنت في هذا الحديث قد ركزت اهتمامي على الجوانب السلبية، على نحو قد يتبادر معه ~~إلى ذهن القارئ أنني لا أرى سوى الوجه القاتم من الصورة، ومع ذلك فلا بد أن أؤكد - ~~بنفس المنهج الموضوعي الذي حاولت أن أتبعه طوال هذا المقال - أن العيوب التي تمس الجموع ~~الغفيرة من الناس ليست عيوبا فطرية كامنة، بل هي - بالنسبة إلى ظروف معيشتهم - نتائج ~~لا مفر منها لنمط من الحياة لا بد أن يفرز هذه العيوب. إن الأخلاق والذوق وحب الجمال ~~ورهافة الحس ترف لا يملك الفقير المريض الجاهل أن يستمتع به، أو حتى أن يتطلع إليه، ~~وليس لأحد أن يلوم شخصا كهذا إذا كانت حياته تسودها اللاأخلاقية والغلظة والجلافة ~~وبلادة الحس. # ومع ذلك وبالرغم من قسوة الظروف التي تمر بها جموع الناس في بلادنا، ms171 فإن لديهم رصيدا ~~من الأخلاقية ما أحرانا أن نعمل على استغلاله بقدر ما وسعنا من جهد؛ فعلى أدنى ~~المستويات بين أبناء شعبنا نجد من صفات المروءة والشهامة وحب الجار والمبادرة إلى نجدة ~~الضعيف ونصرة المظلوم ما يمكن أن يكون نواة لنهوض أخلاقي رائع، لو وجد أمامه الظروف ~~المواتية، ومهما قيل عن هذه الصفات من أنها أثر من آثار الحياة الريفية المتأصلة في ~~نفوسنا، فإن هذا لا ينفي أنها من الوجهة الموضوعية موجودة بين أبناء شعبنا بقدر لا ~~تتوافر به لدى أبناء شعوب أخرى كثيرة، وأنها يمكن أن تكون نقطة بداية ارتقاء أخلاقي ~~ومعنوي لا حد له، ولكن لكي يتحقق هذا الارتقاء، لا مفر من أن يتوافر الشرطان اللذان ~~حرصنا في هذا المقال على إبرازهما بوضوح كامل، وأعني بهما - من الناحية المادية - تهيئة ~~الظروف الموضوعية التي لا تتحقق بدونها أية نهضة أخلاقية، والتي تتجاوز نطاق الوعظ ~~والإرشاد المعنوي البحت، بل تتجاوز نطاق الأخلاق ذاتها وتتغلغل في صميم حياة المجتمع ~~وعلاقاته المادية، ومن الناحية المعنوية امتداد تأثير القدوة الحسنة من أعلى المستويات ~~إلى أدناها، وانتشار الأمثلة الرائعة للسلوك الأخلاقي الثوري من النماذج التي يود ~~الجميع محاكاتها إلى القاعدة العريضة من جموع الناس. # | بين التعليم وقيم المجتمع1 # في اعتقادي أن أية مناقشة جادة لمشكلات التعليم، إذا ما سارت إلى مداها الطبيعي، ~~وامتدت إلى أبعادها المنطقية، لا بد أن تفضي آخر الأمر إلى مناقشة أسلوب حياتنا في ~~أعم صوره، ولا بد أن تنتقل من المنظور الضيق للمشكلات التعليمية على وجه التخصيص إلى ~~المنظور الأوسع لمشكلاتنا الاجتماعية في المرحلة الراهنة من تاريخنا. # والقضية التي أود أن أدافع عنها في هذا المقال هي أن كل مشكلة رئيسية في ميدان ~~التعليم إنما ترتد في نهاية الأمر إلى مشكلة تنتمي إلى صميم حياة المجتمع، وأن التعليم ~~بهذا المعنى ليس إلا الوجه الذهني للمجتمع بكل ما فيه من خير وشر، ومن تقدم أو تخلف، ~~وأن تشخيصنا لحالة التعليم إنما هو في واقع الأمر تشخيص لحالة مجتمعنا منعكسة على مرآة ms172 ~~هذا المرفق الحساس. # وليس من الصعب أن يقدم المرء أدلة وشواهد تثبت صحة هذه القضية، بل إن الصعوبة ربما ~~كانت تكمن في اختيار أوضح الأمثلة من بين ذلك العدد الهائل من المشكلات التي تثبت كلها ~~ارتباط أحوال التعليم بأوضاع المجتمع، وعلى أية حال فإن عددا قليلا من الأمثلة الدالة ~~يكفي لكي يثبت أن انتباهنا الراهن إلى عيوب التعليم ينبغي - منطقيا - أن يفضي إلى وعي ~~أوسع بالأصول الاجتماعية التي تولدت عنها هذه العيوب، ومن ثم فإن مناقشاتنا المتعلقة ~~بالتعليم ينبغي أن تجمع - إلى جانب النواحي الفنية المتعلقة بالعملية التعليمية - ~~مناقشات أوسع مدى عن وضع التعليم في الإطار الاجتماعي العام. وفي كلمة موجزة فإن ~~السؤال: كيف نصلح التعليم؟ لن يجاب عنه إجابة وافية إلا في ضوء السؤال: ما الهدف الذي ~~نرسمه لحياتنا؟ وما نوع المجتمع الذي نريد أن نصبحه في المستقبل؟ # إن بناء الهيكل التعليمي يرتكز على قاعدة عريضة هي التعليم الابتدائي، وينتهي إلى قمة ~~ضيقة هي التعليم الجامعي، والمشكلة الكبرى عند القاعدة هي الفاقد التعليمي، الذي يتمثل ~~في أمور من أهمها عدم إقبال الجماهير - ولا سيما في الريف - على الفرص التعليمية ~~المتاحة لهم، أما عند القمة فإن المشكلة هي التزاحم الشديد والتنافس العنيف على ~~الالتحاق بالجامعة، ومن المستحيل أن نفهم كلا من هاتين المشكلتين ما لم نردها إلى ~~أصولها في القيم السائدة في المجتمع. # فظاهرة عدم إقبال الآباء في الريف على تعليم أبنائهم تعكس الرغبة في الانتفاع المباشر ~~من الأبناء بوصفهم مصدرا للدخل أو للإنتاج في الأسرة، وهذه الرغبة ربما لم تكن إلا ~~تعبيرا ساذجا عن ظاهرة مماثلة تصدق على المجتمع ككل، وأعني بها عدم الاعتراف الكافي ~~بالتعليم بوصفه أفضل أنواع الاستثمار، أو لنقل بعبارة أدق إن الريفي الذي لا يؤمن ~~بما يمكن أن تقوم به المدرسة في تكوين مستقبل أبنائه وأسرته هو صورة مصغرة للمجتمع الذي ~~لا يعطي التعليم حقه الكافي من حيث هو استثمار للمستقبل، ويفضل عليه أنواعا أخرى من ~~الاستثمار (وفي بعض الأحيان من الاستهلاك) المباشر. # أما ظاهرة ms173 التزاحم على التعليم الجامعي، فإنها توصف عادة بأنها انعكاس لقيم تحتقر ~~العمل اليدوي أو المهن ذات الطابع العملي البحت، وتعبر عن تطلعات اجتماعية يرضيها ذلك ~~الاستقرار الذي تحققه الوظائف الممنوحة للجامعيين، فضلا عن ارتفاع المستوى الأدبي الذي ~~يضفيه اللقب الجامعي على صاحبه، ولكن ألم يكن المجتمع ذاته هو الذي شجع إلى حد بعيد ~~على سيادة هذه القيم، حين أتاح للجامعي من فرص الارتقاء ما لم يتحه للعامل أو الفني، ~~وحين عمل على تحويل المعاهد الفنية إلى كليات جامعية، مؤكدا بذلك ضمنا ارتفاع قيمة ~~التعليم الجامعي بالقياس إلى كل ما عداه من أنواع التعليم؟ في هذه الحالة بدورها نجد ~~أسلوب التفكير والتقييم السائد لدى الأفراد انعكاسا لأسلوب أوسع منه نطاقا، تعمل ~~الدولة ذاتها - بطريق مباشر أو غير مباشر - على نشره في المجتمع. ~~••• # فإذا انتقلنا من الهيكل التعليمي إلى العملية التعليمية، تمثلت لنا المشكلة بصورة ~~صارخة في العلاقة بين الطريقة والمضمون، أو بين الأساليب التربوية والمادة التعليمية، ~~ولعل من أوضح الأدلة على حدة هذه المشكلة، إن التربويين يؤكدون أن آفة التعليم عندنا هي ~~عدم إبدائه اهتماما كافيا بالطرق التربوية السليمة، وعدم تطبيق الأجهزة التنفيذية ~~لنتائج أبحاث التربويين، في حين أن كثيرا من المعنيين بشئون التعليم يؤكدون - على عكس ~~ذلك - أن ما يعاني منه التعليم في بلادنا هو الاهتمام المفرط بالأساليب التربوية، أي ~~بالطريقة على حساب المضمون. # والحق أنني أجد نفسي منحازا إلى هذا الجانب الأخير، لا لأنني أشك من حيث المبدأ في ~~أهمية التربية، بل لأن الطابع الخاص الذي اتخذه الاهتمام بالتربية في بيئتنا المحلية ~~جعلها في أحيان غير قليلة عائقا في وجه التقدم التعليمي بدلا من أن تكون معينا عليه؛ ~~ذلك لأن العهود التي سيطر فيها على العملية التعليمية أصحاب النظريات التربوية ~~(أيا كان حكمنا على هذه النظريات) كانت عهود تدهور فعلي في التعليم؛ فعلى حين أن التعليم ظل ~~حتى الأربعينيات وأوائل الخمسينيات يهتم أساسا بالمضمون، فإنه تحول بعد ذلك إلى اهتمام ~~مفرط بالطريقة التعليمية دون اكتراث بالمادة التي تعلم، حتى ms174 أخذت مدارسنا تتحول ~~بالتدريج إلى معارض مزوقة منمقة لأوجه «النشاط»، من صور ولوحات وأشكال ورسوم بيانية، ~~أما الاهتمام بالعلم ذاته فقد تراجع إلى الصفوف الخلفية وربما اختفى تماما في بعض ~~الأحيان، ومن الحقائق المعروفة أن بعض المسئولين عن توجيه التعليم كانوا يعلنون صراحة ~~أن كل ما يريدون أن يروه في المدارس هو تلك المظاهر الخارجية للنشاط، أما مدى استيعاب ~~التلاميذ للعلم وتحصيلهم للمعلومات وقدرتهم على الانتفاع من المعرفة فكان في نظرهم ~~أمرا ثانوي الأهمية. # ومن الواضح أن هذا الاهتمام بنشاط الطلاب والمعلمين ليس في ذاته عيبا على الإطلاق؛ ~~إذ إنه يكون مظهرا صحيا حين ينبثق تلقائيا، وحين يكون دليلا على ارتفاع مستوى ~~التعلم ووصوله إلى مرحلة التعبير عن نفسه بصورة عينية، أما حين يكون في جميع مراحله ~~تكلفا، وحين يرغم عليه التلميذ والمعلم إرغاما، وحين يصبح وسيلة لإرضاء الرؤساء ~~وتلبية أوامرهم الملحة، فإنه يغدو عندئذ ظاهرة مريضة تلفت النظر وتستحق ~~التأمل. # والأمر المؤكد أن هذا الخروج بوظيفة النشاط التربوي، من مجاله الأصلي الذي يكون فيه ~~معينا للمادة التعليمية، إلى مجاله المصطنع الذي يصبح فيه بديلا عنها، لا يمكن أن ~~يحدث إلا في ظل قيم اجتماعية من نوع معين؛ فالمسألة هنا ليست انحرافا أو خطأ ينتمي إلى ~~مجال التعليم وحده، وإنما هي جزء من انحراف أوسع نطاقا بكثير، يتعلق بأسلوب حياة ~~المجتمع بوجه عام؛ ذلك لأن الاهتمام بشكليات التعليم دون جوهره هو مظهر من مظاهر روح ~~النفاق، وعدم الإحساس بالمسئولية، والاتجاه إلى «سد الخانات»، بدلا من الاهتمام الجاد ~~بالمشكلات، ولا جدال في أن اهتمام المعلم بعرض لوحات أنيقة على الموجه أو المدير، ~~واهتمام هذين الأخيرين برؤيتها، مع علم الجميع بأن التلاميذ لم يكونوا هم الذين أعدوها، ~~أو بأنها ليست تعبيرا حقيقيا عن مستوى معرفتهم، هو شكل آخر من أشكال النفاق الذي ~~ينتشر في مكاتب الرؤساء، ويعلن عن نفسه في صفحات مدفوعة بالجرائد، وهو النفاق الذي يعلم ~~الطرفان معا أنه لا يعبر إلا عن شعور كاذب، وليست المدرسة التي تظهر في أبهى ms175 صورة يوم ~~زيارة مدير المنطقة، وتظل بقية أيامها في أقبح مظهر، ليست سوى تعبير جزئي عن اتجاه عام ~~يجعلنا نضفي على منشآتنا يوم حضور أولي الأمر مظهرا لا ينم على أي نحو عن حقيقة ~~الأوضاع السائدة فيها، ومن هنا فإن الظروف التي أدت بالتعليم إلى الاهتمام بالطرق ~~والأساليب الشكلية بوصفها بديلا عن الجوهر، تبدو من هذه الزاوية وجها من أوجه طابع ~~عام في قيم المجتمع بأسره، لا مجرد تعبير عن اتجاه مدرسة بعينها من مدارس ~~التربية. ~~••• # ولنتأمل ظاهرة أخرى يعدها الكثيرون من أوضح مظاهر تدهور التعليم في بلادنا، وأعني ~~بها ظاهرة الحفظ الحرفي للمعلومات العلمية، دون محاولة لهضمها أو اتخاذها وسيلة لحل ~~المشكلات المعقدة التي يواجهها الإنسان في حياته، والتي لا يمكن أن تدخل بحذافيرها ضمن ~~نطاق ما يدرس في الكتب، هذه الظاهرة لا يمكن أن تعلل تعليلا كافيا بما يحدث في ~~مجال التعليم ذاته؛ فليس يكفي في رأيي أن يقال إن الاستعمار حين أراد أن يفسد التعليم ~~حرص على أن يجعله تلقينا مباشرا لمعلومات تفيد التلميذ في أداء وظيفة محددة يراد له ~~أن يقوم بها بعد خروجه إلى ميدان الحياة العملية، دون أن يكتسب أي نوع من النظرة ~~الشاملة إلى الأمور، قد يكون هذا التعليل صحيحا على نحو جزئي، وبالنسبة إلى مرحلة ~~معينة في نظامنا التعليمي، ولكنه لا يمكن أن يكون تعليلا كاملا لتلك الظاهرة الخطيرة ~~التي تجعل تلاميذنا أشبه ما يكونون بآلات تسجيل تفرغ ما لديها وقت الامتحان، دون أن ~~يتبقى لديهم شيء مما عرفوه لكي يستعينوا به في مواجهة المهام المعقدة التي تزدحم بها ~~الحياة. # إن التعليل الحقيقي لانتشار ظاهرة الحفظ الحرفي دون قدرة على التصرف الحر، هو شيوع ~~الخضوع المفرط للسلطة في مجالات حيوية من حياتنا، وينبغي أن يعلم من يحبون أن يلقوا بكل ~~أخطاء التعليم على عاتق «الاستعمار» أن عيوبا أساسية كهذا الذي نتحدث عنه الآن كانت ~~سمة مميزة لتعليمنا قبل أن نعرف أي لون من ألوان الاستعمار، بل قبل أن يصبح لدينا تعليم ~~«علماني» ms176 على الإطلاق؛ فالطابع الغالب على أساليب التعليم في كثير من المعاهد التي تقدم ~~تعليما دينيا ولغويا تقليديا كان منذ عهد بعيد - ولا يزال - هو الحفظ عن ظهر ~~قلب، وحتى أصبحت صورة لابس العمامة الذي يجلس القرفصاء ممسكا بيده كتابا يحاول أن ~~يستظهره وهو يهز رأسه جيئة وذهابا في إيقاع منتظم، من الصور النمطية المميزة لهذا ~~النوع من التعليم. # ولا شك أن هذه الطريقة في تلقي العلم ترتبط ارتباطا وثيقا بالقداسة التي تحيط ~~بالتعاليم الدينية، وبالسلطة المطلقة التي تتخذها هذه التعاليم في نفوس أفراد المجتمع ~~بوجه عام، ومن هنا فإن جذور هذه الظاهرة التي يعترف الجميع بأنها من أشد آفات التعليم ~~في بلادنا ضررا، ترجع في واقع الأمر إلى قيم اجتماعية عامة تشيع فيها فكرة السلطة التي ~~لا تناقش، بحيث لا يكون من المستغرب على من اعتاد النظر إلى السلطة على أنها معصومة، أن ~~يتلقى كل تعليم يوجه إليه على أنه لا يقبل المناقشة. # ومن ناحية أخرى فإن انقضاء ألوف السنين التي كانت خلالها السلطة السياسية تمارس حكما ~~غاشما لا يقبل معارضة، ولا يسمح بقيام أي نوع من القيم الديمقراطية، قد أسهم بدوره في ~~تعميق مفاهيم اجتماعية يصبح في ظلها التعليم المبني على المناقشة والنقد أمرا ~~مستحيلا؛ فالتقيد الحرفي الذليل بما في الكتاب المدرسي هو مظهر من مظاهر العجز عن ~~ممارسة الديمقراطية، والتعود على تلقي الأوامر وتنفيذها دون مناقشة، والخوف من الحرية ~~التي تضع الإنسان وجها لوجه أمام مسئوليته، ولكي ندرك الصورة على حقيقتها، علينا أن ~~نقارنها بما حدث في فرنسا إبان ثورة الطلبة في مايو 1968م؛ فقد كان من أهم مظاهر هذه ~~الثورة، التمرد على الطريقة التقليدية في التعليم، تلك الطريقة التي يقف فيها الأستاذ ~~كأنه إله شامخ وسط جمع من الطلاب الصامتين الخاشعين، والتي يسير فيها تيار العملية ~~التعليمية من قطب موجب إلى قطب سالب، دون أي تبادل حقيقي بين الطرفين، وكان من أول ~~المطالب التي نادى بها الطلاب، القضاء على الكهنوت العلمي الموروث من العصور الوسطى، ~~والذي يجعل ms177 من الأساتذة أوصياء على عقول الطلاب وأرواحهم، وكأن هؤلاء الأخيرين أجهزة ~~تستقبل كل ما يأتيها دون أن ترسل من عندها شيئا. وهكذا كانت الثورة تستهدف أن تحقق في ~~ميدان التعليم نفس النوع من الحرية والديمقراطية الذي يسعى الإنسان المعاصر إلى تحقيقه ~~في ميدان الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن تهدم معقلا أخيرا من معاقل ~~السلطة التي تكبل عقل الإنسان، وأعني به سلطة العلم الذي يتدفق من جانب واحد دون تبادل ~~أو مشاركة، مثل هذه الثورة لا يمكن تصورها في مجتمع تغلغلت فيه القيم المبنية على فكرة ~~السلطة، وأصبح فيه التعليم المرتكز على التفكير الحر والحوار المتبادل أمرا يفزع منه ~~الشباب ويتجنبونه في سبيل تعليم يرتكز على ترديد آراء معروفة ومحفوظة ومأمونة. # والحق أنه إذا كانت لطريقة التعليم المرتكز على سلطة لا تناقش أضرارها حتى في العصور ~~التي كانت فيها هي الطريقة الوحيدة المعروفة، فقد أصبحت لها في عصرنا الحاضر عواقب ~~وخيمة تهدد مستقبل الأمم قبل الأفراد؛ ففي عصرنا هذا أصبحت المعلومات التي تؤلف مضمون ~~العلم تتغير بسرعة هائلة، حتى إن المفكرين في البلاد الناضجة بدءوا يشكون في قيمة تكوين ~~إنسان «متعلم»، أيا كان مستوى تعليمه؛ ذلك لأنه عندما يجيء الوقت الذي يستطيع فيه هذا ~~الإنسان أن يستخدم ما تعلمه، تكون المعرفة قد تغيرت وتجددت، وتصبح المواقف التي يتعين ~~عليه مواجهتها مختلفة إلى حد بعيد عن تلك التي تدرب في دراسته عليها، ومن هنا اتجه ~~التفكير إلى ضرورة الاستعاضة عن تكوين الإنسان المتعلم بتكوين إنسان «قابل للتعلم»، ~~أعني إنسانا لديه المرونة الكافية لمواجهة ظروف سريعة التغير، ولاستيعاب المعارف ~~الدائمة التجدد والتوسع، وهذا يعني - بعبارة أخرى - أن الجمود والمحافظة - في مثل هذا ~~العالم الذي يجري تيار التغير فيه بسرعة لاهثة - هو جريمة في حق الفرد والأمة، فما بالك ~~بالتخلف والرجوع إلى الوراء؟ إن الحس التاريخي وحده يقنعنا بأننا إذا شئنا أن نسير مع ~~تيار التجديد المتلاحق، ينبغي علينا أن ندخل على حياتنا بأسرها تجديدا شاملا لا ~~يسمح للتعليم المبني على السلطة الجامدة بأن ms178 يسيطر على عقول المعلمين والمتعلمين على حد ~~سواء. ~~••• # وأخيرا فإن أساليب الاستظهار الحرفي للمعلومات في تعليمنا الراهن ترتبط ارتباطا ~~وثيقا بآفة أخرى نشكو منها جميعا، ولا نكاد نعرف لها تفسيرا في ضوء الفهم المنعزل ~~للعملية التعليمية، هي ظاهرة الاهتمام المفرط بالامتحانات، والغش الذي أصبح جزءا لا ~~يتجزأ من التكوين الأخلاقي لشبابنا الدارس. # والحق أن الامتحانات في بلادنا تمثل طقسا من الطقوس العجيبة التي تجمع - على نحو ~~يبعث على الدهشة - بين جو الرهبة الشديدة والهزل المفرط، أما الرهبة فتتمثل في جو الرعب ~~الذي يحيط بكل امتحان، وفي توتر الأعصاب وانهيارها الذي أصبح من اللوازم المألوفة ~~للامتحان، وأما الهزل فيتجلى في عدم الجدية التي تؤخذ بها عملية الامتحان بوصفها ~~مقياسا لقدرات الطلاب؛ إذ يشتد - من جهة - التهاون بين المصححين، وخاصة إذا كان الأمر ~~متعلقا بأعداد كبيرة من الأوراق، وتنتشر من جهة أخرى فنون الغش بين الطلاب في جميع ~~مراحل التعليم، ويبدو لي أن ظاهرة الغش - التي أصبحت ظاهرة مستفحلة لا يكاد يحجم عن ~~ممارستها أي طالب تتاح له الفرصة - أشبه ما تكون بظاهرة «النكتة» في حياتنا السياسية ~~والاجتماعية؛ ففي جو الامتحان الرهيب - بطقوسه وشعائره المخيفة - يشيع الغش الذي يهزأ ~~بكل المقاييس والمعايير الرسمية، مثلما يطلق شعبنا النكتة في أشد المواقف هولا ~~وإيلاما، لكي يخفف عن نفسه حدة التوتر، أو لكي يهرب من المواجهة الجادة المسئولة ~~للموقف الذي لا يرضى عنه. # والنظرة الجزئية إلى الأمور هي التي تجعلنا نواجه ظاهرة الغش بمزيد من الرقابة ~~الصارمة، حتى لتغدو قاعات الامتحان أشبه بمعسكرات الاعتقال، ولكن هذه التدابير كلها لا ~~تزيد الظاهرة إلا استفحالا، ونتيجتها العلمية الوحيدة هي تفنن الطلاب في البحث عن ~~أساليب للغش أذكى وأشد خفاء، وحين تكون الظاهرة متأصلة على هذا النحو، يتعين علينا أن ~~نبحث عن أسبابها في قيم المجتمع، لا في الوسط التعليمي وحده، وفي هذه الحالة لن نجد ~~صعوبة كبيرة في الربط بين ظاهرة الغش وبين صفات ظلت حياتنا العامة تتسم بها منذ مئات ~~السنين، أهمها ذلك التهاون الأخلاقي الذي ms179 يتهرب فيه الناس من مواجهة مسئولياتهم، ~~ويلتمسون لقضاء أمورهم أشد الأساليب التواء وانحرافا، إن الغش في الامتحان، وانتشار ~~الوساطة والإهمال والرشوة بوصفها عيوبا متوطنة في حياتنا الاجتماعية، ما هي إلا أشكال ~~متعددة لظاهرة واحدة، ومن المستحيل أن يتسنى علاج هذه الظاهرة - أو حتى فهمها - في ~~الميدان التعليمي وحده، ما دامت قد تركت تستشري في بقية الميادين. ~~••• # في هذا المقال حاولت أن أضرب بعض الأمثلة التي تكشف عن التداخل الوثيق بين مشكلات ~~نعانيها في ميدان التعليم، ومشكلات نعانيها في حياتنا الاجتماعية عامة ، وأن أوضح مدى ~~قوة التأثير المتبادل بين ما يحدث في مجال التعليم وبين القيم الاجتماعية التي تسود ~~حياتنا منذ عصور موغلة في القدم، وإذا استطاعت هذه الإشارة أن تقنع الأذهان بأن الحلول ~~الجزئية لمشكلات التعليم - لو فرضنا أنها قد تحققت - لن تؤتي ثمارها كاملة ما دامت غير ~~مقترنة بحلول أشمل لمشكلات أوسع مدى بكثير، تمس صميم حياة المجتمع ذاته، فإن الهدف الذي ~~أرمي إليه من كتابة هذا المقال سيكون قد تحقق. # الباب الثالث # | الفلسفة والمجتمع # | بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم1 # ينفرد التاريخ الفلسفي بصفات تميزه على نحو قاطع عن تاريخ أي علم آخر؛ ففي حالة أي ~~علم ينبغي النظر إلى دراسة التطورات السابقة لهذا العلم على أنها مرحلة ثانوية الأهمية، ~~وربما مرحلة لا قيمة لها بالنسبة إلى دراسة هذا العلم ذاته، مثال ذلك أن دارس الكيمياء ~~لا يحتاج إلى دراسة تاريخها، وبالفعل لا يعرف معظم المتخصصين في هذا العلم إلا القليل ~~عن تاريخه، ولا يمنع ذلك من وجود مجموعة قليلة تهتم بالأبحاث التاريخية المتعلقة بهذا ~~العلم لذاتها، وهؤلاء يمكن أن يعدوا مؤرخين أكثر مما يعدوا كيميائيين، أما بالنسبة ~~إلى الأغلبية الساحقة من علماء الكيمياء وباحثيها، فليست لتاريخ هذا العلم أهمية إلا في ~~أقرب تطوراته وآخرها فحسب، وبقدر ما يكون الإلمام بهذه التطورات الأخيرة أمرا لا بد ~~منه للقيام بأبحاث علمية جديدة تبدأ من حيث انتهت هذه التطورات، وتكمل ما تركته ناقصا، ~~وتسد الثغرات التي تتكشف للعالم في أعمال السابقين ms180 عليه والمعاصرين له. # وعلى ذلك فإن دراسة تاريخ العلوم ليست لها أهمية تذكر بالنسبة إلى هذه العلوم ~~ذاتها، ومن الممكن أن يسير العلم في طريقه على نحو سليم ومثمر دون أن يتعرض للبحث في ~~تاريخه، فإذا ما بدا لأحد أن يبحث في تاريخ العلم، كان ذلك البحث أقرب إلى التاريخ منه ~~إلى العلم ذاته، واتخذ شكل دراسة منفصلة عن أبحاث ذلك العلم، وفي جميع الأحوال تكشف هذه ~~الدراسة التاريخية عن حقيقة واضحة، هي أن البدايات الأولى والمراحل المبكرة في تاريخ أي ~~علم ، ليست لها إلا أهمية ضئيلة كل الضآلة بالقياس إلى تطوراته الأخيرة، بحيث يكون من ~~الممكن الاكتفاء بالصورة التي يتخذها العلم في آخر مراحله، وتجاهل صوره السابقة أو ~~إنكارها. # وعلى العكس من ذلك يتسم التطور الفلسفي بسمات مخالفة - وربما مضادة لسمات التطور ~~العلمي - مما يؤدي إلى اتخاذ تاريخ الفلسفة طابعا مختلفا كل الاختلاف عن تاريخ العلم؛ ~~فتاريخ الفلسفة جزء لا يتجزأ من الفلسفة ذاتها، حتى ليمكن القول إنه لا قيام للفلسفة ~~بغير تاريخها؛ ذلك لأن الأفكار الفلسفية لا تعرض في كثير من الأحيان إلا من خلال عرض ~~تطورها، وهذا العرض ذاته يؤلف فلسفة بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، وإذن فهناك ارتباط لا ~~ينفصم بين الفلسفة وتاريخها، والدافع الذي يدعونا إلى البحث في تاريخ الفلسفة هو دافع ~~فلسفي أكثر منه دافع تاريخي. وليس هدف الباحث في تاريخ الفلسفة هو مجرد إكمال معلوماته ~~العلمية، أو التوسع في جانب إضافي ثانوي الأهمية من جوانب بحثه، بل إن هذا الهدف يتصل ~~أوثق الاتصال بصميم التفكير الفلسفي، منظورا إليه في تطوراته الماضية. # وفضلا عن ذلك، فالأمر في الفلسفة لا يقتصر مطلقا على بحث تطوراتها الأخيرة أو ~~الأحدث عهدا، وليس في الفلسفة أي مجال لتفضيل الجديد على القديم لمجرد كونه أقرب ~~زمنيا، بل إن المفاضلة الوحيدة المقبولة فيها إنما ترتكز على أساس القوة الكامنة في ~~المذهب الفلسفي ذاته، سواء أكان هذا المذهب قريبا أم بعيدا، وسواء أكان ينتمي إلى ~~التاريخ القديم أم الوسيط أم الحديث، وربما ms181 رأى بعض دارسي الفلسفة أن تطوراتها القديمة ~~أعمق وأخصب من تطوراتها المتأخرة، أو هي على الأقل ذات قوة حية متجددة، مهما مرت عليها ~~الأزمان، ومهما ابتعدت عنها في الماضي السحيق، وتلك صفة يستحيل أن يتصف بها التطور ~~القديم لأي علم من العلوم، وقد تجد لها نظيرا في نظرة البعض إلى تطور الفنون؛ إذ ~~يمجدون فنون العصر الكلاسيكي - مثلا - كما لو كانت هي الفترة التي يستحيل أن يقترب ~~منها مستوى الفن في أي تطور لاحق. # فالتاريخ الفلسفي كله يكون حركة دائمة التجدد، وكثيرا ما نرى مراحل منه تتجدد ~~وتعود إلى الحياة في عصور يبدو أنها منعدمة الصلة تماما بالعصر الذي ظهرت فيه أول مرة؛ ~~إذ نجد مذاهب تنتمي إلى صميم العصور الوسطى (كالتوماوية مثلا) تتجدد في صميم القرن ~~العشرين، على الرغم من الفارق الهائل في السياق الحضاري بين العصرين، ومن طول الفترة ~~الزمنية التي انقضت بين ظهور المذهب الأصلي وبين إحيائه. # ومن جهة أخرى فإن التاريخ الفلسفي يعود فيؤثر في التفلسف ذاته تأثيرا عميقا؛ ذلك ~~لأن الفيلسوف لا يستطيع - في معظم الأحيان - أن يتجاهل المذاهب الفلسفية القائمة ~~بالفعل، بل يجد لزاما عليه أن يسوي حسابه مع التطورات الماضية للفكرة التي يتناولها ~~بالبحث، ويحدد موقفه وموقعه منها، فإما أن يتأثر بمذهب من المذاهب السابقة، وإما أن ~~ينقده ويقف منه موقفا سلبيا متشككا، وإما أن يأتي برأي جديد بعد هذا النقد، وهكذا ~~تتحدد معالم التفلسف من خلال عملية الجذب والتنافر التي يشعر بها المفكر إزاء المذاهب ~~السابقة، ويتميز تطور الفلسفة - قبل كل شيء - بذلك الطابع الجدلي الذي يكون تاريخ ~~الفلسفة فيه أشبه بمحاورة هائلة بين مذاهب مختلفة تثور المناقشات بينها في مختلف ~~المشكلات، وترتفع هذه المناقشات إلى مستويات أعلى كلما تراكمت الخبرات وازداد البحث ~~عمقا. # والحق أن وجود هذا النقاش والجدل والخلاف هو ذاته من السمات التي تميز التاريخ ~~الفلسفي من كل أنواع التاريخ الأخرى؛ ذلك لأن التاريخ - في معناه العام - يتجنب ~~المناقشات والخلافات قدر إمكانه؛ فهو ببذل قصارى الجهد من أجل عرض ms182 الوقائع الماضية ~~عرضا موضوعيا هادئا، لا مكان فيه للنزاع أو لمحاسبة الماضي، وحين يعرض المؤرخ لحادث ~~سياسي - مثلا - لا يصدر حكما باستحسان ما حدث أو استهجانه إلا في أحوال نادرة، وإنما ~~يحاول عادة أن يعيد تركيب صورة الماضي على أدق نحو ممكن، وينظر إليه من حيث هو بعيد ~~ومنفصل عنه، ذلك هو طابع التاريخ بمعناه العام، أما التاريخ الفلسفي فهو في أساسه جدلي ~~خلافي، وقد يؤدي ذلك في أحيان غير قليلة إلى فقدان صفة الموضوعية فيه تحقيقا لأغراض ~~الخلاف والجدل، ويمتد هذا الجدل إلى أقدم النظريات والمذاهب الفلسفية، أي إنه لا يقتصر ~~على المذاهب القريبة العهد كما هي الحال في الجدل العلمي، وفي كل الأحوال يحرص مؤرخ ~~الفلسفة على الحكم على ما يعرضه من المذاهب، ومقارنة بعضها ببعض، ولا يكتفي أبدا ~~بالعرض الموضوعي، وإلا اتسم عمله بالنقص والتقصير. # ويمكن القول إن الانحياز في حالة عرض التاريخ الفلسفي أمر مرغوب فيه في كثير من ~~الأحيان، بينما هو من أشد عيوب البحث في حالة التاريخ الصرف؛ فشخصية مؤرخ الفلسفة ~~وطريقة تفكيره تقوم بدور هام في طريقة عرضه للمذاهب الأخرى، وهو لا يحاول أن يخفي ذلك - ~~على عكس المؤرخ العادي الذي قد تظهر شخصيته أو ميوله الخاصة أيضا في بحثه، ولكنه يحرص ~~على إخفائها كل الحرص، وعلى تقديم بحثه في صور لا شخصية قدر الإمكان - وإنما يعترف مؤرخ ~~الفلسفة بأن نظرته إلى المذاهب الأخرى تتلون باتجاهاته الخاصة في التفكير، وقد يجد في ~~هذا الاعتراف ما يدعو إلى الزهو والمباهاة، بل إن مجموعة من الكتب الهامة في تاريخ ~~الفلسفة كانت مصطبغة بالطابع الفكري الخاص للمؤرخ على نحو صريح، واعترف مؤلفوها دون ~~مواربة بأنهم إنما يتأملون الفلسفة في منظورهم الخاص كما هي الحال في كتاب هيجل الضخم ~~«محاضرات في تاريخ الفلسفة»، وكتابات هيدجر المتعددة عن مختلف مراحل تاريخ الفلسفة، منذ ~~الفجر الأول للفلسفة اليونانية حتى العصر القريب. ~~••• # وهكذا ظهر لنا تاريخ الفلسفة - من وجهة النظر السابقة - مرتبطا على نحو لا يقبل ~~الانفصام بالفلسفة ذاتها، وتأكدت ms183 لنا الأهمية الكبرى لهذا التاريخ بالنسبة إلى كل ~~تفلسف. # ومع ذلك فمن الممكن القول - من وجهة نظر أخرى - إن العنصر التاريخي لا أهمية له في ~~التفلسف على الإطلاق، وعلى قدر اهتمام كثير من الباحثين بتاريخ الفلسفة بوصفه أقوى ~~تعبير عن الفكر الفلسفي ذاته، ظهر من الباحثين من أنكروا قيمة التاريخ في مجال الفلسفة، ~~وقدموا حججا قوية تؤيد رأيهم هذا، وهي حجج لو صحت لأدت بنا إلى طريق مضاد تماما لذلك ~~الذي سلكناه من قبل. # فمن الظواهر الملحوظة في التطور الفلسفي، أن يظهر من آن لآخر مفكر يبدأ بداية تبدو ~~جديدة كل الجدة، ويتجاهل التاريخ السابق وكأنه لم يكن، ووجهة نظر هؤلاء أن الفلسفة ~~إنتاج فكري مستقل، أو خلق حر، لا ينبغي له أن يتقيد بالسوابق الماضية أو يلتزم بإكمال ~~التطور السابق، ويتخذ ظهور المذاهب الفلسفية عند أصحاب هذا الرأي طابعا أقرب إلى ~~الانبثاق المفاجئ منه إلى التطور المتصل المنتظم، وهم يرون أن الفلسفة لا تعرف ذلك ~~التدرج البطيء المعقول، الذي يترتب فيه السابق على اللاحق بانتظام، على النحو الذي نجده ~~في العلوم الأخرى. # ولقد لاحظ الفيلسوف الألماني الكبير «كانت» هذه الصفة في التطور الفلسفي، وأشار ~~بوضوح إلى عدم انتظام هذا التطور، وذلك في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه «نقد العقل ~~الخالص» فقال - مشيرا إلى الميتافيزيقا وإن كان كلامه ينطبق على الفلسفة بوجه عام: ~~«على الرغم من أن الميتافيزيقا أقدم من العلوم الأخرى جميعا، وستظل باقية حتى لو غرقت ~~العلوم الأخرى كلها في لجة من الهمجية التي لا تدع شيئا إلا وقضت عليه، فإن الحظ لم ~~يسعدها حتى الآن بسلوك طريق العلم المؤكد؛ ذلك لأن العقل يضطر فيها دائما إلى التوقف، ~~ويتعين علينا دائما أن نقطع الشوط من جديد؛ إذ إن مسلكنا الأول لا يقودنا إلى الاتجاه ~~الذي نود السير فيه. كذلك فإن باحثي الميتافيزيقا قد بلغ بهم الافتقار إلى بلوغ أي نوع ~~من الإجماع في دعاويهم حدا جعل الميتافيزيقا أحق بأن تعد ساحة قتال، تلائم بوجه ~~خاص أولئك الذين يريدون التدرب ms184 في معارك وهمية، وهي ساحة لم يفلح أي متسابق فيها حتى ~~اليوم في كسب شبر واحد من الأرض، أو على الأقل لم يفلح في كسبه على النحو الذي يضمن له ~~امتلاكه بصفة دائمة.» # هنا يشير «كانت» إلى صفة هامة في البحث الفلسفي، تفرق بينه وبين البحث العلمي تفرقة ~~قاطعة، ومن ثم فهي تؤدي إلى إدراك الاختلاف بين طريقة التطور التاريخي في كلا المجالين؛ ~~فالفلسفة لا تعرف حقائق تامة نهائية يستطيع باحثو الفلسفة أن يقولوا إنها اكتسبت ~~وأصبحت جزءا لا يتجزأ من مضمون المبحث الذي يشتغلون به، أما العلم فيبنى خطوة بعد ~~خطوة على حقائق يمهد القديم فيها الطريق للجديد، ومن هنا فلا يمكن أن يكون فيه مجال ~~للخلاف والنزاع والجدل إلا حول المعارف الجديدة أو القريبة العهد، أي إن طابع التكامل ~~والاستقرار الذي تتسم به الحقائق العلمية يؤدي إلى استبعاد الجدل من تاريخها الماضي، ~~ويركزه في التطورات الأخيرة وحدها؛ لأن هذه هي التي لم تستقر بعد، أو لم تتم إضافتها ~~إلى ذخيرة هذا العلم وحصيلته المكتسبة، وهنا يظهر الفارق واضحا بين نظرة الفلسفة ~~والعلم إلى تاريخهما الماضي؛ ذلك لأن عدم وجود حقائق مستقرة في الفلسفة يجعل للقديم نفس ~~المكانة التي نعزوها إلى الجديد، ويضع مراحل التطور كلها على قدم المساواة من حيث ~~أهميتها في الجدل الفلسفي، ولسنا نعني هنا بالمساواة أن تكون لها كل قيمة واحدة بالنسبة ~~إلى تفكيرنا المنطقي، بل نعني أن انتماء أي مذهب فلسفي إلى الماضي أو إلى الحاضر ليس ~~«في ذاته» عاملا من عوامل استبعاده أو التمسك به في ميدان الفلسفة، وهذا لا يمنع - ~~بطبيعة الحال - من تفاوت مراتب المذاهب تبعا لمدى اتساقها الداخلي، وغير ذلك من معايير ~~التفضيل في ميدان الفلسفة. # إن العلم يتطور عن طريق التوسع في مجموعة من الحقائق اللاشخصية التي تتسم بطابع ~~مستقر، دون أن يكون لفردية العالم تأثير فيما يصل إليه من الحقائق؛ فحين نتأمل أي علم ~~في تطوراته الماضية ونقارنها بصورته الراهنة، نجد أن هذه التطورات تسير دائما في ~~طريقها ms185 بمنطق داخلي خاص بها، ومن الممكن أن نتتبعها دون أية إشارة إلى شخصية مكتشفيها ~~أو خصائصهم الفردية؛ ذلك لأن هذا التطور العلمي إنما هو محاولة لتحقيق المزيد من الصواب ~~فحسب، وليس معنى ذلك أن العلم لم يكن فيه أخطاء، أو أن كل عالم يسير آليا في الطريق ~~الصحيح، بل إن ما يحدث في تاريخ العلم هو أن الأخطاء تستبعد آليا، وتزاح من ~~الطريق الرئيسي الذي يسلكه العلم، فلا يتبقى فيه إلا الحقائق، وصحيح أن الحقيقة الجديدة ~~تنسخ ما سبقها في كثير من الأحيان، غير أن العلم يحتفظ خلال تقدمه بالحقائق التي تتضمن ~~في ذاتها قدرة على توليد حقائق أصح منها، مثال ذلك أنه حين اكتشفت نظرية كبرنيكوس في ~~الفلك، استبعدت آليا نظرية بطليموس القديمة التي كانت تجعل الأرض مركزا للكون، ~~كما استبعدت بطبيعة الحال نظريات خرافية أخرى متعددة كانت تعلل حركات الكواكب ~~والنجوم بقوى خفية شبيهة بقوى الإنسان، ومع ذلك فإن نظرية بطليموس هي التي تمثل مرحلة ~~من مراحل تاريخ العلم؛ لأنها تنطوي على إمكانات تسمح بظهور حقيقة أخرى أدق منها، أما ~~النظريات الخرافية فهي لا تمثل حتى مجرد مراحل قديمة في هذا التاريخ؛ لأنها لا تؤدي إلى ~~شيء، والمهم في هذا كله أن تاريخ العلم إنما هو تاريخ حقائق متدرجة أو متراكمة تؤدي كل ~~منها إلى حقيقة أدق منها وأشمل. # أما لو تتبعنا التاريخ الفلسفي، لوجدناه تاريخ محاولات لا تاريخ حقائق؛ ذلك لأن عدم ~~وجود معارف مكتسبة مستقرة في المجال الفلسفي يجعل تاريخها منطويا على عناصر الخطأ ~~والصواب معا، بل يكاد يقضي على أي تمييز قاطع بين ما هو خطأ وما هو صواب؛ فحين نتتبع ~~التاريخ الفلسفي لأي عصر من العصور، لا نستطيع أن نهتدي إلى طريق رئيسي واحد يسير فيه ~~الفكر مستقرا واثقا من نفسه من البداية إلى النهاية، وتستبعد منه على الدوام أخطاء ~~تطرح جانبا لكي تختفي في غياهب النسيان؛ فالتاريخ الفلسفي يضم في داخله كل المحاولات، ~~ما أصاب منها وما أخطأ، بل إنه يضمها كلها دون ms186 أن يجد معيارا لتمييز ما هو مخطئ فيها ~~وما هو مصيب، أو على الأصح دون أن يحاول الاهتداء إلى مثل هذا المعيار. ومجمل القول أن ~~تقدم العلم يسير في خط رأسي يرتفع دواما إلى أعلى، على حين أن مسار الفلسفة يسير في خط ~~أفقي يقف فيه كل مذهب إلى جوار الآخر. # وفي ضوء هذه التفرقة بين طريقتي تطور الفلسفة والعلم، نستطيع أن نحكم على نقد ~~«كانت» السابق لطريقة تطور الفلسفة؛ فهو لم يكن يقبل إلا طريقة واحدة، وهو قد عاب على ~~الفلسفة عجزها عن سلوك طريق العلم هذا، واستهدف بتفكيره ومذهبه النقدي أن يخلصها من هذا ~~العجز، ويحقق لها تطورا مماثلا لتطور العلم، ولم يدر بخلده أن الفلسفة تستطيع أن ~~تظل حية ومزدهرة، مع احتفاظها بطريقتها الخاصة في التطور، تلك الطريقة التي تظل فيها ~~النظريات والمذاهب السابقة معترفا بها ومحتفظة بأهميتها، على الرغم من كونها تتناقض ~~فيما بينها، ولا تتكامل أو تتواءم على أي نحو، أي إنه - بالاختصار - أصر على أن تتحول ~~الفلسفة - في طريقة تطورها - إلى علم، برغم علمه أن الموضوعات التي تعالجها لا تنتمي ~~إلى مجال العلم بمعناه الدقيق، أما إذا حاولت الفلسفة أن تحتفظ بأسلوبها الخاص في ~~التطور، فإن هذا يؤدي في رأيه إلى طريق مسدود لا مخرج لها منه، وغني عن البيان أن كل ~~التاريخ اللاحق للفلسفة إنما كان تفنيدا مفصلا لرأي «كانت» هذا؛ إذ إن الفلسفة ظلت ~~مزدهرة، وفي الوقت ذاته ظلت مذاهبها واتجاهاتها تتعدد وتتشعب في خط أفقي مغاير تماما ~~لخط التقدم العلمي. ~~••• # وعلى أساس وجهتي النظر السابقتين نستطيع أن نقول بوجود نوع من «النقيضة» في نظرة ~~المشتغلين بالفلسفة إلى طريقة تطورها التاريخي؛ فقد رأينا أولا أن الفلسفة لا يمكن أن ~~تنفصل عن تاريخها، وأن التاريخ الفلسفي حي على الدوام، يكون جزءا لا يتجزأ من موضوع ~~الفلسفة، وينبغي أن يحسب له حساب في كل محاولة جديدة للتفلسف، ورأينا ثانيا أن من ~~الممكن - من وجهة نظر أخرى - القول بأن تاريخ الفلسفة لا أهمية له على ms187 الإطلاق من حيث ~~هو تاريخ؛ فهو ليس تاريخا منظما كتاريخ العلوم، بل إنه ليس تاريخا على الإطلاق، ~~وإنما هو محاولات لا يكاد أن يكون للعنصر الزمني فيها أدنى تأثير، ومن الممكن في أية ~~حالة أن يختار المرء للمناقشة أية مرحلة سابقة في هذا التاريخ دون تمييز، كما أنه ~~يستطيع - كما حدث بالفعل في بعض الحالات - أن يتجاهل المراحل السابقة ويبدأ من جديد، ~~وبهذا المعنى لا يكون للفلسفة تاريخ، أي إنها لا تتطور زمنيا وفقا لمنطق ~~محدد. # فكيف إذن يمكن حل هذا الإشكال ، الذي يكون فيه للتاريخ أهمية أساسية في الفلسفة، ولا ~~تكون له - في الوقت ذاته - أهمية على الإطلاق؟ # نستطيع أن نقول أولا إن هذه النقيضة إنما هي نقيضة تتمثل في كل تاريخ بوجه عام، لا ~~في التاريخ الفلسفي وحده؛ فالتاريخ لا تصبح له أهمية في العلم الذي يسير تطوره بانتظام ~~وفي مسار منطقي محدد، على حين أن أهميته تزداد في العلم الذي لا يخضع مساره لمثل هذا ~~الانتظام، ولنعد ثانية إلى مقارنة التطور في علم الكيمياء بتطور الفلسفة؛ ففي التطور ~~المنتظم للكيمياء لا نحتاج إلى التاريخ؛ لأن القديم في هذا العلم موجود ضمنا في ~~الجديد، بحيث تغنينا معرفة الجديد عن القديم، فحسبنا في هذه الحالة أن نعرف آخر تطورات ~~العلم لنستدل منها - بطريقة منطقية إلى حد بعيد - على تطوراته السابقة، وفي هذه الحالة ~~لا يكون لتاريخ هذا العلم قيمة في ذاته، بل يستدل عليه بسهولة من خلال الحالة ~~الراهنة لذلك العلم، أما في حالة الفلسفة - التي لا يخضع تطورها لمثل هذا الانتظام - ~~فإن لكل مرحلة في التاريخ قيمتها الأساسية، ولا مفر من معرفة هذه المراحل من أجل معرفة ~~الفلسفة. # على أن التاريخ الذي يخضع لمسار منطقي هو وحده التاريخ بمعناه الصحيح، أي هو التاريخ ~~الذي يكون تعاقب الزمان فيه عنصرا أساسيا، ويكون للماضي فيه موقعه المحدد إزاء ~~الحاضر، دون أن يكون في وسع أحد إحلال أحدهما محل الآخر، أما التاريخ الذي لا يخضع ~~لمسار منطقي فليس تاريخا بالمعنى الصحيح، ms188 وإنما هو سلسلة غير منتظمة من المراحل ~~فحسب. # وهكذا تظهر النقيضة التي أشرنا إليها من قبل بوضوح كامل؛ فالتاريخ لا تكون له أهمية ~~رئيسية عندما يكون لموضوعه تاريخ بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، أي حين يكون تطور هذا ~~الموضوع منطقيا تفضي كل مرحلة فيه إلى الأخرى على نحو ضروري، وفي مقابل ذلك تصبح ~~للتاريخ أهمية كبرى عندما لا يكون لموضوعه تاريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، أي حين ~~يفتقر تطور هذا الموضوع إلى منطق دقيق يسري من بدايته إلى نهايته. # ومما يثبت ذلك أن علم التاريخ نفسه من حيث هو علم مستقل، ينصب في كثير من الأحيان ~~على حوادث يصعب إلى حد بعيد كشف التسلسل المنطقي بينها، بل يكون لكل منها قيمته في ~~ذاته، من حيث هو ظاهرة لها موقعها الفريد في الزمان والمكان، أي إنه يتعلق عندئذ بحوادث ~~يضعف فيها العامل «التاريخي» - بمعنى التسلسل المنطقي من القديم إلى الجديد - إلى حد ~~بعيد، ولو كان مسار التاريخ منطقيا إلى حد كامل، أعني لو كان السابق يؤدي إلى اللاحق ~~بدقة تامة، أو بتعبير آخر: لو كان مساره «تاريخيا» بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، لما ~~كانت لدراسة التاريخ مثل هذه الأهمية، ولتضاءل مجال هذا العلم وضاق نطاقه إلى حد بعيد؛ ~~لأننا عندئذ نستطيع أن نقرأ الماضي دون عناء على صفحة الحاضر. ~~••• # هذه النقيضة تفترض مقدما - كما هو واضح - إمكان وجود تاريخ يتألف من حوادث فردية لا ~~رابط بينها، وتطبق هذا الفهم على تطور الفلسفة فتراه انتقالا بين مذاهب منفصلة يستقل ~~كل منها عن الآخرين، غير أن البحث التاريخي ذاته يميل رويدا رويدا إلى إنكار مثل هذا ~~الموضوع الفردي البحت للتاريخ، ويتجه على نحو متزايد إلى الكشف عن عناصر الانتظام في ~~التطور التاريخي؛ ففي مجال التاريخ السياسي والاجتماعي، أخذ يختفي بالتدريج ذلك الرأي ~~الذي يفترض أن الحوادث فردية لا تتكرر، وأن كل مرحلة قائمة بذاتها لا تؤدي إلى الأخرى، ~~وأخذ يحل محله رأي آخر يؤكد وجود منطق خاص للانتقال من مرحلة إلى المرحلة ~~التالية. # وكما يطبق ms189 هذا الرأي على مجال السياسة والمجتمع، فإنه يطبق أيضا على ميدان الفكر ~~الفلسفي بوصفه تعبيرا عن الحالة العقلية للإنسانية في مراحل التاريخ المتعاقبة، على ~~أنه من المعترف به أن الاهتداء إلى منطق التطور - في كل هذه المجالات الإنسانية - أمر ~~بالغ الصعوبة؛ لأن هذه المجالات شديدة التعقد بالقياس إلى الظواهر الطبيعية، فضلا عن ~~أن الكشف عن نمط منتظم للتطور يقتضي الجمع بين فترات زمنية كبيرة واختبارها كلها من ~~منظور واحد، ولا يتعلق بحوادث قريبة من متناول أيدينا، كما هي الحال في الحوادث ~~الطبيعية . # وإذن ففي تاريخ الفلسفة نوع خاص من التعاقب المنتظم، يحتاج الكشف عنه إلى جهد كبير، ~~ولا يمكن أن يصل في نهاية الأمر إلى نفس القدر من الدقة الذي نجده في تاريخ العلوم، ~~ووجود مثل هذا التعاقب المنتظم الذي يكشف عن نفسه - في الوقت ذاته - بصعوبة شديدة، وهو ~~الذي يخلصنا من تلك النقيضة التي أشرنا إليها من قبل؛ فللفلسفة تاريخ، ولكنه ليس ~~تاريخا واضحا ضروري المسار كذلك الذي نجده في العلم، وهو في الوقت ذاته ليس تاريخا ~~متخبطا يمكن أن نتأمله من أية نقطة فيه، أو يمكن أن نتصوره راجعا القهقرى، أو نمحو ~~منه كل أثر للتطور الزمني، إنه تاريخ علينا نحن أن نكتشف عنصر الانتظام فيه، وحين نصل ~~إلى هذا الكشف بعد مجهود شاق، لا نستطيع أن نقول إن التطور الماضي كان منطقيا ~~تماما، كما هي الحال في تطور العلوم الدقيقة، إنه تاريخ يدعونا إلى دراسته، وإلى كشف ~~عنصر النظام فيه، أو بناء هذا العنصر وخلقه من جديد، وبفضل هذه الصفة تعلو دراسة تاريخ ~~الفلسفة على نقيضة التاريخ التي كان علينا فيها أن نختار بين تاريخ حقيقي - أي منطقي ~~دقيق في مساره - لا ضرورة لدراسته في تفاصيله؛ لأنه يكشف عن نفسه من خلال مرحلته ~~الحاضرة، وتاريخ لا يستحق هذا الاسم - لتخبطه وعدم انتظامه - هو وحده الذي لا نجد ~~مفرا من دراسته بكل ما فيه من تفاصيل؛ لأن حاضره لا ينبئ عن ماضيه. # أما طبيعة هذا النظام الذي يستطيع ms190 الذهن أن يضفيه على تطور التاريخ الفلسفي من خلال ~~دراسته لتفاصيله، والذي يحررنا بالتالي من الوقوع في براثن النقيضة السابقة، فأحسب أنها ~~موضوع له من الأهمية ما يجعله جديرا بمقال قائم بذاته. # | حول فكرة الاتصال في تاريخ الفلسفة1 # يسود رأي واسع الانتشار، يذهب إلى أن صفة الانفصال هي المميزة لحركة الفكر الفلسفي، ~~وأن المذهب الفلسفي انبثاق فجائي ظهر في ذهن عبقري بفضل قدراته العقلية الخاصة، وكان من ~~الممكن أن يظهر - دون أي تغيير كبير - لو أن هذا الذهن قد قدر له أن يحيا قبل الفترة ~~التي عاشها فعلا أو بعدها بزمان طويل. # تلك النظرة الفردية إلى الفلسفة جزء من منظور فردي أوسع وأعم بكثير؛ فهي في واقع ~~الأمر مظهر من مظاهر نظرة إلى الحياة تجعل الظاهرة الفردية - في تميزها واختلافها ~~وطابعها الفريد - أساسا لتفسير كل شيء، وفي مثل هذه النظرة إلى الحياة يكون التاريخ ~~بأسره - لا تاريخ الفلسفة وحدها - مجموعة من الحوادث المتلاحقة التي يقوم بها «أفراد» ~~ممتازون، ويسود الانفصال المطلق كل ظواهر الحياة الإنسانية، ويكون الزمان الذي تجري ~~خلاله وقائع التاريخ زمانا آليا بحتا، أي سلسلة متعاقبة من اللحظات، وليس على ~~الإطلاق خطا متصلا يمهد أوله لآخره، ولا يفهم اللاحق فيه إلا على أساس ~~السابق. # وجدير بنا أن نشير إلى صفة مميزة للتاريخ الفلسفي، تجعل إدراك عناصر الانتظام ~~والاتصال فيه مهمة شاقة إلى أبعد حد؛ فمن المعترف به أن العلوم الإنسانية بأسرها تعاني ~~من هذه الصعوبة، نظرا إلى تعقد موضوعها وخفائه وصعوبة التزام الموضوعية الكاملة فيه، ~~ولكن هذه المشكلة تزداد تعقيدا في حالة الفلسفة؛ لأن العرض التاريخي لها هو - إلى حد ~~بعيد - «إعادة خلق»؛ فالمشكلات القديمة لا تزال حية لم تندثر، ولا توجد في الفلسفة منذ ~~ظهورها أيام اليونان حتى اليوم مشكلة يمكن أن توصف بأنها ذات أهمية «تاريخية» فحسب، بل ~~إن أبعد المشكلات عن طريقة تفكيرنا الراهنة لا تخلو من عناصر تثير تفكيرنا وتدفعه إلى ~~أخذها مأخذ الجد، ومن هنا لم يكن مؤرخ الفلسفة مجرد راوية يسرد أحداثا ms191 لم تعد لها صلة ~~به، بل هو - بمعنى معين - أقرب إلى الشاعر الذي يتمثل مشاهداته ومعلوماته ويعيد خلقها ~~من جديد، وحين تكون إعادة الخلق هذه ضرورة لازمة، لا يعود هناك مفر من أن تتعدد نظراتنا ~~إلى تاريخ الفلسفة وتصوراتنا له، وبعبارة أخرى: فحتى لو لم يكن تاريخ الفلسفة سلسلة من ~~الانبثاقات الفكرية والمنفصلة في أذهان صانعيه، فإنه يغدو على هذا النحو في أذهان رواته ~~وكتابه وشارحيه، وحتى لو كانت طريقة صنع تاريخ الفلسفة متميزة بالاتصال والانتظام، ~~فإن طريقة عرض هذا التاريخ لا يمكن أن تخلو من عنصر الانفصال والعشوائية. # ولنضف إلى العوامل السابقة عاملا آخر ربما كان أهم أسباب انتشار النظرة الفردية ~~العشوائية إلى تاريخ الفلسفة؛ ذلك لأن الكثيرين يتصورون أنهم يحطون من قدر الفلسفة ~~والفلاسفة إذا تصوروا تاريخها على أنه خط متصل يتسم بأي نوع من النظام. إن الفلاسفة هم ~~عباقرة العقل الإنساني، والعبقري لا بد أن يكون متفردا، لا يخضع لقانون حتمي يتحكم ~~في الأحداث ولا يدعها تتحكم فيه، وأي نوع من «المنطق» المنتظم في مسار التاريخ الفلسفي ~~معناه أننا أخضعنا هذه الظاهرة العبقرية لقاعدة خارجة عنها، وأننا بالتالي قد انتقصنا ~~من قدرها، وربما كان أصحاب هذا الرأي على استعداد لأن ينكروا أهمية دور العبقري الفرد ~~في التاريخ العام، أما تاريخ الفلسفة فإنهم لا يتصورونه إلا تاريخ عقول فذة جبارة يصنع ~~كل منها لتفكيره منطقه الخاص، ولكنه يتحدى كل منطق خارجي يفرض على تفكيره مسارا معينا ~~ويحصره في إطار لا يفهم إلا من خلاله. # على أن مثل هذا الفهم ينطوي على قدر غير قليل من السذاجة؛ إذ يفترض أن عبقرية ~~الفيلسوف لا تتجلى على حقيقتها إلا حين يكون تفكيره ظاهرة فريدة منعزلة عما يسبقها وما ~~يليها، وحسبنا أن نجري مقارنة بسيطة مع ميدان آخر غير الفلسفة لندرك مدى خطأ هذا ~~التصور؛ فمن المسلم به أن بيتهوفن كان أعظم عباقرة الفن الموسيقي، وأنه في هذا المجال ~~يعد أصدق ممثل للظاهرة الفردية التي يستحيل أن تتكرر، ومع ذلك فمن المسلم ms192 به - ~~بنفس المقدار - أن بيتهوفن يمثل في تاريخ الموسيقى مرحلة محددة لا تفهم إلا في ضوء ~~ما سبقها وما تلاها، ولا يمكن أن ينقص من عبقريته على الإطلاق إدراكنا لموقعه التاريخي، ~~وفهمنا لفنه على أنه مرحلة في تاريخ متصل يتسم مجراه بنوع من الانتظام. # ولا بد أن تؤدي النظرة الموضوعية - التي تعلو على الرومانتيكية الساذجة عند أصحاب ~~نظرية «العبقرية الفردية» - إلى الاعتراف بنوع مماثل من الانتظام والاتصال في تاريخ ~~الفلسفة، وإن كان من المستحيل أن نتصور مثل هذا الانتظام على أنه يسير في خط واحد ~~مستقيم متصاعد تدريجيا كما هو الحال في تطور العلم. # فما هو إذن مصدر هذا الانتظام الذي نعترف بأنه شديد التعقيد إلى حد قد يختفي معه في ~~كثير من الأحيان عن الأعين تماما؟ إن مصدره هو الانتظام في تدرج حياة الإنسان نفسها، ~~واستحالة فصل التاريخ الفلسفي عن التاريخ الإنساني العام، وهكذا يتعين علينا في هذه ~~المرحلة أن نصحح ما يقال عن وجود تقابل شديد قاطع بين طريقة تطور الفلسفة وطريقة تطور ~~العلوم الدقيقة؛ فهناك بالفعل اختلاف كبير بين الطريقتين، ولكن هذا الاختلاف لا يصل إلى ~~حد الانفصال أو التضاد التام، ولو اعترفنا بهذا الانفصال لكان في ذلك تفتيت لوحدة العقل ~~البشري، الذي يستحيل أن يسير تبعا لمنهج دقيق في بعض ميادينه، ويسير دون أي منهج على ~~الإطلاق في بعضها الآخر، فلا بد من الاعتراف بوحدة في الظواهر البشرية، ولا بد من ~~تأكيد التأثير المتبادل بين هذه الظواهر، ولو كان العلم هو وحده الذي يسير بانتظام، ~~والفلسفة لا تتبع أي نظام؛ لكان معنى ذلك أننا لا نعترف بوجود أي تأثير للعلم في ~~الفلسفة أو للفلسفة في العلم، وهذا خطأ يمكن اكتشافه بسهولة إذا تتبع المرء تاريخ ~~العلاقة بين هذين الميدانين، وعلى ذلك فأصل الإشكال هو الاعتقاد بإمكان قيام نوع من ~~الفلسفة يظهر تلقائيا من العقل البشري دون أي تأثر بظروف عصره، وبإمكان انفصال ~~الفلسفة عن سائر ميادين نشاط هذا العقل، وهو اعتقاد باطل كل البطلان؛ لأن الذهن ms193 البشري ~~وحدة لا تنفصم، وعلى أية حال فإن كشف التطور الفلسفي - إذا كان أمرا شاقا داخل نطاق ~~الفلسفة ذاتها - يغدو أيسر كثيرا إذا تأملناه من خلال التطور العام للتاريخ البشري في ~~مختلف مظاهره الحضارية والثقافية، وعندئذ يختفي التضاد الشديد بين طريقة تطور الفلسفة ~~وطريقة تطور العلوم، ويكون من الواجب اتباع منهج مشابه في الحالتين، مع اعترافنا بأن ~~كشف مسار هذا التطور في حالة الفلسفة أصعب كثيرا منه في الحالات الأخرى. # الآراء المختلفة في طبيعة التطور الفلسفي # نستطيع - في ضوء التحليل السابق - أن نستخلص رأيين أساسيين في طبيعة التطور ~~الفلسفي، يمكن تلخيصهما بوجه عام بأنهما رأي يقول بأن هذا التطور يفتقر إلى كل ~~نظام، ورأي آخر يقول إنه تطور منتظم، وسوف نعرض أمثلة لكل من هذين الرأيين، ~~وتعد هذه الأمثلة بالفعل تطبيقا عمليا للمناقشة العامة السابقة. # نظريات الانفصال # الرأي القائل بعدم انتظام التاريخ الفلسفي يمكن أن يكون راجعا إلى أسباب مختلفة، ~~من أهمها وأوضحها بطبيعة الحال عدم وجود معلومات كافية عن التطورات الفلسفية ~~السابقة، وهكذا كانت الحال عند بداية الفترة الحديثة في كتابة التاريخ الفلسفي في ~~عصر النهضة الأوروبية؛ فلم تكن هناك من المواد أو من الدراسات النقدية ما يسمح ~~بتكوين نظرة جامعة إلى التاريخ السابق، أو بإدراك الخطوط الكبيرة التي يسير فيها ~~التطور الفلسفي؛ ولذلك كانت دراسة الفلسفة في ذلك الحين هي دراسة لشيع أو طوائف ~~منفصلة، وكانت طريقة عرض الفلسفات السابقة هي طريقة السرد أو الرواية، ومن الواضح ~~أن هناك تشابها بين هذه الطريقة وبين الطريقة القديمة في كتابة التاريخ بمعناه ~~العام؛ إذ كان المؤرخون القدماء - كما هو معروف - يسردون الوقائع في تتابعها الزمني ~~دون أية محاولة لاستخلاص تيارات عامة فيها، ودون كشف للعلل المتحكمة في مسار هذه ~~التيارات، أما الطريقة الحديثة في بحث التاريخ، فتحتاج إلى مقدار من التعمق، وكذلك ~~إلى قدر من المعلومات والوقائع، لا يتوافران لدى المؤرخين القدماء. # ومن الواضح أن هذه النظرة التجزيئية إلى تاريخ الفلسفة تؤدي إلى الحط من مكانة ~~الفلسفات السابقة؛ إذ إنه ms194 كلما تعددت المذاهب وتناقضت ردودها وإجاباتها، كان ذلك ~~مؤديا إلى المزيد من الشك في قيمتها، ما دامت كل منها تعد منفصلة تماما عن ~~الأخريات، وهكذا كان الكثير من مؤرخي الفلسفة في هذه الفترة - بل من الفلاسفة ~~أنفسهم - ينتهون إلى اتخاذ موقف الشك في قيمة الفلسفة بوجه عام (مونتني، ~~بيكن). # على أن هذا القول بعدم انتظام مسار التاريخ الفلسفي لم يكن راجعا فقط إلى العجز ~~عن تكوين نظرة عامة بسبب قلة المواد المعطاة أو نقص المعلومات المتوافرة، وإنما ~~يمكن أن يكون له سبب مضاد ، فإذا توافرت المواد أكثر مما ينبغي، وإذا ازداد التخصص ~~بحيث يركز الباحث جهوده كلها على فترات محدودة قصيرة الأمد، أو على مشكلات خاصة ~~ضيقة النطاق، فعندئذ ينصرف بطبيعة الحال عن إصدار الأحكام العامة الشاملة على فترات ~~تاريخية كبيرة، ويرى في هذه الأحكام خروجا عن روح البحث العلمي الدقيق بالمعنى ~~الذي يفهمه لهذه الكلمة، ولهذا الاتجاه أهمية كبيرة في الفترة الحالية من تاريخ ~~الأبحاث الفلسفية؛ حيث يزداد التخصص بين الباحثين ويعد في كثير من الأحيان ~~شرطا أساسيا للبحث السليم، وكلما أراد المرء التعمق في أبحاثه؛ وجد نفسه مضطرا ~~إلى تضييق نطاق هذه الأبحاث، بينما ينظر إلى الأبحاث الواسعة النطاق على أنها ~~سطحية، وحتى لو أتيح له التعمق في عدة مذاهب تنتمي إلى فترات مختلفة، فإن هذا ~~التعمق ذاته كفيل بأن يكشف له عن اختلافات أساسية بينها يستحيل ردها إلى عنصر ~~مشترك، ويجعله يخشى إصدار الأحكام العامة التي قد يكون فيها تزييف للتاريخ وضياع ~~للدقة التي اعتادها في بحثه. # وهناك أخيرا سبب ثالث لامتناع الباحثين عن القول بوجود انتظام في التاريخ ~~الفلسفي، ذلك السبب هو النزعة الثورية؛ ففي الفترات التي تشتد فيها الثورة على ~~القديم، يقلل المفكرون من شأن الماضي ويؤكدون أن من الواجب تركه جانبا، وتكون أبغض ~~الأفكار إلى أذهانهم هي الفكرة القائلة بوجود ارتباط سببي بين الماضي والحاضر؛ ~~لأنهم يريدون أن تظهر أفكارهم في صورة خلق جديد تماما يثور على الماضي ولا يكمله، ~~وهذه هي الصفة التي ms195 كانت تتميز بها نظرة الفلاسفة في أوائل العصر الحديث - مثل ~~ديكارت وبيكن - إلى التاريخ الماضي للفلسفة. # ومثل هذا يقال أيضا من كل اتجاه فردي حديث، يدعو إلى الثورة على القوالب الجامدة ~~في الفلسفة، والتخلي عن الروح التعميمية المفرطة؛ ففي مثل هذه الاتجاهات، تكون ~~الفلسفة الحقيقية وثيقة الصلة بالشخصية الفردية، وتعد مظهرا من مظاهر النشاط ~~الباطني للنفس، بحيث إن أية محاولة لكشف اتصال واستمرار في تاريخها تكون محاولة ~~متعلقة بالسطح الظاهري للفلسفة، لا بكيانها الباطني الأصيل، ومن أوضح الأمثلة لهذه ~~النظرة إلى طبيعة التطور الفلسفي، رأي فيلسوف وجودي مثل ياسبرز؛ فعنده أن كل فلسفة ~~لها أصالتها المطلقة، ولها طابعها الفردي التام، وهي لا تتكرر ولا يطرأ عليها زيادة ~~أو نقصان، ولا يمكن أن تعدل أو تقوم بمضي الزمان، وإنما تظل لها على الدوام ~~قدرتها على الإيحاء؛ فكل فلسفة كاملة في نطاقها الخاص؛ لأنها نتاج أصيل لوجود حر ~~تلقائي، وفي هذه الحالة لا يكون للفلسفة من قيمة إلا من حيث هي تعبير ذاتي، له في ~~حدوده الخاصة قيمته المطلقة التي لا تستمد من أية علاقة له بغيره من التعبيرات، ~~أي إن كل فلسفة تبعا لهذا الرأي مقفلة على نفسها، ولا تقبل أن تكون أي مركب مع ~~غيرها من الفلسفات. # نظريات الاتصال # هناك مجموعة أخرى من النظريات تذهب إلى عكس النظريات السابقة تماما، فتؤكد أن في ~~تاريخ الفلسفة نوعا من الانتظام الذي قد يكون من الصعب إدراكه لأول وهلة، ولكنه ~~موجود على أية حال، وكل ما علينا هو أن نبذل الجهد الكافي لكي نهتدي إليه. # وكان من الطبيعي أن يتحمس لفكرة التطور الفلسفي المنتظم والمتصل دعاة التقدم من ~~الفلاسفة عند نهاية القرن الثامن عشر؛ فهم يرون أن الفلسفة - شأنها شأن كل نشاط ~~عقلي أو مادي آخر للإنسان - قد سارت في طريق التقدم التدريجي، ابتداء من الفلسفة ~~اليونانية التي بلغت قمتها عند سقراط وأفلاطون وأرسطو، حتى العصر الحديث الذي بلغ ~~أعلى نقطة في تطوره عند ديكارت، مارة بالعصور الوسطى التي كانت تمثل نكسة ~~للفلسفة. ms196 # وظهرت في القرن التاسع عشر عوامل متعددة تؤدي إلى تقوية هذا الاتجاه، أهمها دون ~~شك النزعة التاريخية التي كانت تميل إلى تفسير كل الظواهر من خلال تاريخها، لا على ~~أن لها طابعا مطلقا يفهم بذاته، وهكذا ظهرت في ذلك القرن محاولات متعددة ~~لإظهار الانتظام في مجرى التاريخ الفلسفي، من أهمها محاولتا كونت وهيجل. # ففي فلسفة أوجست كونت اتجاه إلى ربط الفلسفة بالمجرى العام للتاريخ الإنساني، وهو ~~يؤكد استحالة فصل المراحل العقلية الحالية عن المراحل الماضية، بل إنها كلها ترتبط ~~سويا في خط واحد ، تكون كلها فيه خطوات نحو تحقيق التقدم البشري العام، وهكذا تنكر ~~هذه الفلسفة حدوث تحولات أساسية في الفكر البشري من اتجاه إلى اتجاه مضاد، وإنما ~~تسير المذاهب الفكرية كلها في طريق متصل، تؤدي فيه كل مرحلة إلى المرحلة التالية ~~بالضرورة، ولا يمكن أن يرجع إلى الوراء، وبلغ الأمر بكونت حد تأكيد أن فلسفة العصور ~~الوسطى أعمق وأكمل من الفلسفة اليونانية القديمة، وهو رأي يخالف دون شك ما اتفق ~~عليه معظم مؤرخي الفلسفة. # على أن أشهر هذه المحاولات لإثبات وجود انتظام في مجرى التاريخ الفلسفي هي دون ~~شك محاولة هيجل؛ فهيجل لا يرى في كثرة المذاهب الفلسفية مظهرا من مظاهر ضعف ~~الفلسفة، أو دليلا على تهافت هذه المذاهب، وإنما لا يوجد في نظره تعارض بين هذه ~~الكثرة في المذاهب وبين وحدة الروح البشرية؛ فتاريخ الفلسفة يكشف في رأيه عن فلسفة ~~واحدة، تمثل المذاهب المختلفة مراحل متباينة لنموها، وهكذا تكون كل فلسفة متأخرة - ~~في رأيه - نتيجة لجميع الفلسفات التي سبقتها، وتتضمن في ذاتها كل ما تنطوي عليه تلك ~~الفلسفات من مبادئ، وعلى حين أن القول بفلسفات كثيرة منفصلة يؤدي حتما إلى إنكار ~~قيمة هذه الفلسفات أو الشك فيها، فإن القول بفلسفة واحدة لها مراحل متباينة في ~~نموها، يؤدي إلى الاعتقاد بضرورة كل مرحلة من هذه المراحل، وبحتمية هذا التاريخ ~~السابق الذي يستحيل فهم إحدى حلقاته دون الأخريات، وبذلك تصبح للمذاهب كلها ضرورتها ~~وقيمتها في التطور الفلسفي العام، ويعبر هيجل ms197 عن رأيه هذا من خلال مصطلحاته الخاصة، ~~فيقول إن تاريخ الفلسفة إنما هو نمو روح حية واحدة، تدرك ذاتها بالتدريج، وهو يكشف ~~خلال الزمان عما تكشفه الفلسفة ذاتها بطريقة أزلية خالصة، أي إن من وراء التطور ~~الزمني للتاريخ الفلسفي توجد روح تكشف عن نفسها بالتدريج، وتوجه مراحل هذا التاريخ ~~بانتظام، وهكذا يتعين على المرء أن يكون فيلسوفا لكي يستطيع البحث في التاريخ ~~الفلسفي؛ إذ إن كشف الروح الكامنة من وراء هذا التاريخ لا يتسنى إلا للفيلسوف، وكما ~~أن هناك عقلا واحدا لا عقول كثيرة، فكذلك لا توجد إلا فلسفة واحدة لا فلسفات ~~كثيرة، وهذه الفلسفة الواحدة لا تتكشف إلا للفيلسوف نفسه في مراحلها المتعاقبة وفي ~~غايتها الواحدة. # ونستطيع أن نعلق على فكرة هيجل هذه بقولنا إنه إذا كان يقصد بذلك أن من واجب ~~الباحث في التاريخ الفلسفي أن يكون لديه حس فلسفي سليم، فإن رأيه هذا يكون معترفا ~~به من الجميع، أما إذا كان يقصد بذلك أنه لا بد للمرء من أن يكون لنفسه فلسفة ~~كاملة قبل أن يستطيع البحث في تاريخ الفلسفة، فإن هذا بالطبع أمر لا تؤيده التجربة ~~ذاتها؛ لأن المرء يستطيع فهم تاريخ الفلسفة بالحس الفلسفي وحده، وليس تكوين فلسفة ~~كاملة بالشرط الضروري لهذا الفهم. # ومن الواضح أن هيجل قد أكد الاستقلال الذاتي للفلسفة، وانفصالها عن سائر مظاهر ~~النشاط الروحي أو العقلي، بحيث إن تطورها يكتسب معنى ودلالة مستمدة من منطقها ~~الداخلي ذاته، ولكن محاولته تخفق لهذا السبب ذاته؛ إذ إنها تفترض مقدما إيمان ~~المرء بفلسفة هيجل نفسها، وتفسيره للتاريخ الفلسفي كله على أساس أنه يتجه إلى ~~تحقيقها، أما بالنسبة إلى أي مفكر آخر لا يؤمن بالفلسفة الهيجلية فلا بد أن يكون ~~انتظام التطور الفلسفي راجعا إلى سبب آخر. # لذلك كان من الواجب - كما أشرنا من قبل - أن يحرص المرء دائما على الربط بين ~~الفلسفة وبين مجموع المظاهر الأخرى للنشاط العقلي، وعندئذ لن يعود من الصعب كشف ~~الانتظام في تطورها؛ فالفلسفة كانت دائما تستهدف إيجاد نظرة عامة ms198 إلى مجموع ~~المعارف العلمية للإنسان، بل كانت أحيانا تزعم أنها علم شامل للكون بأسره، وهناك ~~ارتباط وثيق بين الفلسفة وبين مظاهر الحياة الروحية، من علم وفن وسياسة واجتماع، ~~وفي الفلسفة تتلخص القيم الروحية لأي عصر من العصور، صحيح أن الفلسفة ترتبط أحيانا ~~بوجه معين من الحياة الروحية أكثر مما ترتبط بوجه آخر، فتهتم أحيانا بالعلم أو ~~بالسياسة أو بالأخلاق، وتتأثر بجانب من الحياة الروحية أكثر مما تتأثر بجانب آخر، ~~ولكنها على الدوام متصلة بالمجموع العام للحياة الروحية في عصر معين. # وأخيرا فإن للماركسية رأيا معروفا في الربط بين الفلسفة وبين المرحلة التي يمر ~~بها المجتمع في علاقاته الإنتاجية، ومن الطبيعي أن تؤكد الماركسية اتصال التاريخ ~~الفلسفي الذي يعد في رأيها انعكاسا لعلاقات الإنتاج على صفحة الوعي الإنساني، ~~والذي يعود بدوره فيؤثر في هذه العلاقات تأثيرا تبادليا؛ فالمسار الجدلي الذي ~~يمر به تطور العلاقات العينية بين طبقات المجتمع، هو نفسه المسار الذي تعبر به ~~الفلسفة - نظريا - عن هذه العلاقات، ومع ذلك فإن الرأي الماركسي وإن كان يؤكد من ~~الناحية النظرية أن لكل فلسفة موقعا معينا داخل التطور العام للعلاقات البشرية، ~~فإنه يقتضي معرفة كاملة بكل جوانب هذه العلاقات من أجل إصدار الحكم الصحيح على كل ~~فلسفة بعينها، وتحديد موقعها بدقة داخل المسار الديالكتيكي للتاريخ البشري، ومثل ~~هذه المعرفة الكاملة تكاد تكون مستحيلة في معظم الأحيان، ومن هنا كان التضارب في ~~تفسير المذهب الفلسفي الواحد ظاهرة لا يمكن أن توصف بأنها غير مألوفة بين الشراح ~~الماركسيين؛ فكثيرا ما يحدث أن يؤدي استخدام نفس المنهج - بالنسبة إلى نفس المذهب ~~الفلسفي - إلى تفسيرين متناقضين عند اثنين يصف أحدهما هذا المذهب بأنه تقدمي، ~~والآخر يصفه بأنه رجعي، أو خليط من هذا وذاك، وربما لم يكن ذلك راجعا إلى قصور في ~~منهج التفسير نفسه، بقدر ما يرجع إلى أن هذا المنهج يفترض - قبل الشروع في تطبيقه - ~~معرفة وافية بكل جوانب الإطار الاقتصادي والاجتماعي الذي يظهر المذهب في داخله، وهي ~~معرفة كثيرا ما يكون الوصول إليها أمرا ms199 عسيرا، فيكتفي الشارح بجزء غير واف ~~منها، ويقدم بذلك للمذهب الفلسفي تفسيرا لا يدعمه أساس كاف من المعلومات. # وعلى أية حال، فإن الرأي الماركسي القائل بوجود نوع من الاتصال في التاريخ ~~الفلسفي، يقدم إلينا الجانب الآخر من العملة الذي كان يفتقر إليه الرأي الهيجلي، ~~وأعني به الربط بين الفلسفة وبين سائر أوجه الحياة العينية للإنسانية، فكما أن هيجل ~~أكد ضرورة الربط بين الفلسفة وبين جوانب الحياة الروحية في كل العصور، فإن ~~الماركسيين ينبهون - من زاويتهم الخاصة - إلى أن الفلسفة لا تفهم إلا داخل ~~الإطار الشامل لحياة الإنسان المادية العينية. # وسواء أكان القارئ ممن يفضلون هذا الرأي أو ذاك، فالأمر المؤكد هو أن الاتجاه ~~الحديث يميل على وجه العموم إلى رفض النظرة القائلة إن الفلسفة تتطور بقواها ~~الذاتية الخاصة؛ فهي لا يمكن أن تكون ظاهرة منعزلة، وإنما هي تعكس وتلخص المجرى ~~العام لحياة الناس وتفكيرهم في أي عصر من العصور، وبذلك ينبغي أن تسري عليها ~~القوانين العامة التي تتحكم في تطور هذه الحياة، وإن تكن علاقتها بالمظاهر الأخرى ~~للحضارة تبلغ من التعقيد حدا لا يكون من السهل معه - في كثير من الأحيان - إدراك ~~ارتباطها بهذه المظاهر على نحو مباشر، برغم علمنا بأن هذا الارتباط موجود على ~~الدوام. # | اليمين واليسار في الفلسفة1 # في كثير من اللغات يعبر التقابل بين اليمين واليسار عن معان تكشف بوضوح عن موقع هذين ~~اللفظين من القيم الشعبية السائدة؛ ففي الإنجليزية والفرنسية يعبر لفظ «اليمين» # droite-right # عن معنى الصواب والاستقامة، كما تشتق ~~من اللفظ نفسه صفات تدل على البراعة والمهارة # adroit ~~، ~~على حين أن لفظ «اليسار» # gauche # يدل في الفرنسية ~~أيضا على التشويه والانحراف وسوء التصرف، وفي اللاتينية يعبر لفظ «اليمين» # dexter # عن حسن الطالع، على حين أن «اليسار» # sinister # يدل على التشاؤم وسوء الحظ (واللفظ الأخير ~~له في الإنجليزية والفرنسية نفس المعنى، على حين أن الأول يدل فيهما على البراعة ~~والإتقان). أما لغتنا العربية فهي حافلة بالأمثلة التي تؤكد ارتباط «اليمين» بالاستقامة ~~والصلاح والنجاح، و«اليسار» بالانحراف والخسران، ms200 وإذن فالتراث الشعبي - كما يتمثل في ~~اللغة - يربط بوضوح بين لفظ «اليمين» وبين قيم مرغوب فيها، على حين أن «اليسار» يعبر عن ~~قيم شاذة منحرفة لا يقرها المجتمع. # ويبدو أن الأمور ظلت تسير على هذا النحو إلى أن وقع - في أواخر القرن الثامن عشر - ~~حادث تاريخي مشهور كان له أثره في ظهور المعنى الحديث لليمين واليسار؛ ففي آخر اجتماع ل ~~«مجلس الطوائف # Etats généraux ~~» الفرنسي قبل ~~الثورة الفرنسية مباشرة أصر نواب «الطائفة ~~الثالثة» # tiers-état # على أن يجتمع ممثلو الشعب كلهم ويقترعوا سويا، بدلا من أن ~~تقترع كل طائفة على حدة، وانتقل نواب هذه الطائفة إلى يسار رئيس المجلس، تعبيرا عن ~~معارضتهم للملك. # ومنذ ذلك الحين أصبح لليسار معنى جديد، معنى معارضة الأوضاع القديمة السائدة، والسعي ~~إلى تغيير ظروف الحياة في سبيل تحقيق مزيد من التقدم للمجتمع. # ولقد أردت بهذا التمهيد اللغوي والتاريخي أن أوضح كيف تغير معنى اليسار في ضمير ~~الإنسان من التعبير عن الانحراف المرذول إلى التعبير عن الرغبة الثورية في تغيير ~~الأوضاع، وكيف أن اليمين الذي كان «مستقيما وصحيحا»، وقد أصبح في ذهن الإنسان الحديث ~~يعني الجمود والتخلف والاتجاه إلى المحافظة على أوضاع عتيقة، ولهذا التحول - دون شك - ~~دلالة فكرية واضحة؛ فالمحافظة على القديم ظلت تعد «صوابا واستقامة» حتى جاءت فترة ~~حاسمة في تاريخ الإنسان، مارست فيها إرادة التغيير نفسها في شكل ثورة كبرى أطاحت بعروش ~~وطبقات اجتماعية ونظم كاملة في القيم، ومنذ ذلك الحين أصبح «اليسار» مبشرا بالتقدم ~~ومتطلعا إليه، أما اليمين فهو دائما محافظ على ما هو قائم من الأوضاع. ~~••• # وفي وسعنا أن نستخلص من التمهيد السابق نتيجة هامة، هي أن المعنى الحديث للتقابل بين ~~اليمين واليسار قد استمد أصلا من مجال السياسة، وارتبط منذ البداية بفكرة الصراع ~~بين الطبقات، ويمكن القول إن هذا الأصل قد طبع هذا التقابل بطابعه الخاص حتى اليوم، ~~وإن هناك نغمة سياسية - مباشرة أو غير مباشرة - من وراء كل مقارنة بين اليمين واليسار ~~في أي مجال من المجالات. # ومعنى ذلك أن ms201 موضوع اليمين واليسار في الفلسفة يمس نقطة الاتصال بين الفلسفة ~~والسياسة؛ فالفلسفة اليمينية هي التي تؤدي آخر الأمر إلى دعم القوى المحافظة في ~~المجتمع، على حين أن الفلسفة اليسارية تتحدث بلسان القوى الثورية فيه. # وعلى الرغم من أن تعبير «الفلسفة اليمينية أو اليسارية» لم يستخدم على نطاق واسع ~~إلا في الآونة الأخيرة، فإن الفلسفة قد عرفت منذ عهد بعيد مواقف يمكن أن ينطبق عليها ~~هذا التعبير، مع شيء من التجاوز بطبيعة الحال؛ ذلك لأن تاريخ الفلسفة كان يشهد من آن ~~لآخر تيارات مضادة يمكن أن يوصف موقفها من الاتجاهات السائدة بأنه موقف يساري؛ فمنذ ~~أقدم العهود كانت فلسفة هرقليطس - في دعوتها إلى التغير الدائم - تتخذ موقفا يمكن أن ~~يسمى يساريا بالقياس إلى فلسفات تؤكد فكرة الثبات كفلسفة بارمنيدس ومدرسته، كذلك كانت ~~المذاهب المادية القديمة عند ديمقريطس - ومن بعده أبيقور ولوكريتيوس - تقف في تاريخ ~~الفلسفة إلى يسار ذلك التيار الروحي الذي سيطر على جزء كبير من تاريخ الفلسفة ~~اليونانية، ابتداء من فيثاغورس إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو. وبالمثل نجد في بداية العصر ~~الحديث اتجاهات فلسفية يمكن أن توصف بأنها «يسارية» إذا ما قورنت بالأوضاع الفكرية ~~«اليمينية» السائدة بين المفكرين اللاهوتيين في ذلك الحين، وإلا فكيف نصف المعارضة التي ~~وجهها إلى التفكير التقليدي الموروث فلاسفة مثل بيكن في حملته الشديدة على سلطة أرسطو ~~والفلسفة المدرسية بأسرها، أو مثل ديكارت في تأكيده أن «العقل السليم أعدل الأشياء قسمة ~~بين الناس» أو اسبينوزا في تمجيده للعقل على حساب الوحي والإيمان؟ تلك كلها كانت - ~~بالنسبة إلى الجو الفكري السائد في القرن السابع عشر - اتجاهات «يسارية» دون شك، حتى ~~قبل أن يعرف التقابل الحديث بين التفكير اليميني والتفكير اليساري. # على أن قضية اليمين واليسار في الفلسفة لم تطرح بكل أبعادها إلا منذ القرن التاسع ~~عشر، وربما أمكن القول إن معالمها لم تتضح كل الوضوح إلا في القرن العشرين، ولم تكن ~~تطورات الفلسفة ذاتها - من حيث هي مبحث فكري قائم بذاته - هي التي أدت إلى ظهور هذه ~~القضية، ms202 بل إن تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية هي التي جرفت معها الفلسفة وفرضت ~~عليها أن تواجه مشكلة اليمين واليسار بكل حدتها. # فما هي إذن عناصر هذه القضية؟ وما موقف طرفيها من كل هذه العناصر؟ لا شك أن الإجابة ~~المفصلة عن هذا السؤال تقتضي عرضا شاملا لتيارات الفكر المعاصر؛ إذ إن هذه التيارات ~~كلها قد تأثرت - بطريق مباشر أو غير مباشر - بالتقابل بين اليمين واليسار، ولكن هذا ~~المقال لن يتسع بطبيعة الحال إلا لعرض موجز لأهم العناصر التي يظهر من خلالها التقابل ~~بين اليمين واليسار في الفكر الفلسفي بأكبر قدر من الوضوح، ولا بد لنا أن ننبه - منذ ~~البداية - إلى أنه ليس من الضروري أن تتوافر هذه العناصر كلها في فلسفة معينة لكي توصف ~~بأنها يمينية مثلا، بل يكفي أن يتوافر منها البعض لكي ينطبق عليها هذا الوصف. ~~(1) # أول هذه العناصر يمثل نتيجة مباشرة تترتب على ارتباط الفلسفة اليسارية بفكرة ~~الثورة وتغيير الأوضاع. # فلكي يتغير أي وضع - سواء أكان سياسيا أم اجتماعيا أم اقتصاديا - فلا ~~بد أن تكون جميع عناصر هذا الوضع مفهومة ومعقولة، ولا بد أن تكون قابلة ~~للبحث والتحليل، وبعبارة أخرى فإن الثورة والتغيير تغدو مستحيلة لو ظل هناك أي ~~عنصر غامض أو غير قابل بطبيعته للفهم، ومن هنا كانت الفلسفات ذات الاتجاه ~~اليساري تميل إلى تأكيد فكرة المعقولية، وتحرص على تأكيد سيطرة الذهن على ~~الطبيعة، وتنظر إلى العالم بكل مجالاته على أنه يخضع - أو يمكن نظريا أن يخضع ~~- لقوانين منتظمة يستطيع العقل البشري أن يكشفها. # هذا الحرص على المعقولية هو الذي أدى بالفلسفة اليسارية إلى أن تتخذ في كثير ~~من الأحيان موقفا ماديا؛ ذلك لأن الدفاع عن المادية كان طوال تاريخ الفلسفة ~~مرتبطا بالرغبة في تأكيد قدرة العقل على فهم العالم، وعدم وجود أي مجال يعلو ~~بطبيعته على سلطة الذهن البشري. # ولسنا نود أن نبحث الآن في مدى صواب هذه الفكرة أو خطئها، ولكن ما يعنينا هنا ~~هو أن تاريخ الفلسفة كان يشهد - من آن لآخر - مذاهب يؤكد أصحابها ms203 أن العقل لا ~~يكون مطلق السلطة في العالم إلا في ظل فهم مادي للظواهر، وأن النظرة المثالية ~~إلى الأمور كفيلة بأن تحجب مجالات كثيرة عن سيطرة العقل، وتحد من قدرته على فهم ~~العالم. # وهنا تظهر لنا صفة هامة من صفات التقابل بين المثالية والمادية، وهو التقابل ~~الذي يعبر في كثير من الأحيان عن موقف اليمين واليسار في الفلسفة؛ فهذا التقابل ~~لا يرجع إلى أسباب فلسفية خالصة بقدر ما يرجع إلى أسباب عملية، وإذا كان ~~اليساريون في الفلسفة يحملون على المثالية، فليس ذلك راجعا إلى أنها لا تقنعهم ~~بوصفها مذهبا فلسفيا، بقدر ما هو راجع إلى أنها في نظرهم طريقة في تفسير ~~العالم تترك جوانب كثيرة منه بمنأى عن قدرة الإنسان في تغيير الأحداث والتحكم ~~في مجراها؛ فحين يكون العالم «فكرة»، وحين يكون الجانب المادي من حياة الإنسان ~~ضئيل الأهمية بالقياس إلى جوانبها الروحية، يكون معنى ذلك - في نظر أنصار الفكر ~~اليساري - أن الفلسفة ستهمل شأن العوامل العينية الملموسة في حياة المجتمع، ولا ~~سيما الاقتصادية منها، وحين يسود الاعتقاد بأن تجربة العقل البشري قاصرة ~~محدودة، وبأن هناك قوى حدسية أو صوفية أقدر من العقل على إدراك «ماهية العالم»، ~~يكون معنى ذلك - من الوجهة العملية - تقييد إرادة التغيير في الإنسان، والحد من ~~قدرته على التحكم في مجرى الحوادث، وبعبارة أخرى فليس اليساريون - في نقدهم ~~للاتجاهات المثالية والصوفية والحدسية - بأقل حرصا على الجوانب «الروحية» في ~~حياة الإنسان من اليمينيين، وكل ما في الأمر أنهم يحرصون على أن تكون لهم فلسفة ~~تقدم للعالم أوضح الصور وأكثرها معقولية، وبالتالي تتيح أكبر مجال لفاعلية ~~الإنسان وقدرته على التغيير. ~~(2) # ومن أهم الصفات المميزة للفلسفات التي يمكن أن يطلق عليها اسم ~~«اليمينية»، أنها تبحث في مشكلات لا تتقيد بزمان معين أو مكان معين؛ فموضوعات ~~بحثها «أزلية»، ومعيار الصدق عندها هو الثبات والعلو على عوامل التغير. # ومن جهة أخرى فإن الفلسفة اليسارية تؤكد فكرة التغير والحركة، وتحرص على ربط ~~كل ظاهرة بسياق زماني أو مكاني محدد، ولا شك أن ms204 التضاد بين هذين الاتجاهين ~~الفلسفيين - في هذا الصدد - واضح كل الوضوح؛ إذ إن هناك تيارا فلسفيا كاملا ~~ما زال متأثرا - ولو بطريق غير مباشر - بالتراث الأفلاطوني الذي ينظر إلى ~~الحركة على أنها نقص، ويعد التغير مظهرا من مظاهر البطلان، وفي مقابل ذلك نجد ~~أن هناك فلسفات كاملة - في الجانب اليساري - تركز جهودها في بحث قوانين حركة ~~التاريخ وتطوره، أي إن غايتها هي دراسة قوانين نفس الظاهرة التي تعدها الفلسفة ~~التقليدية تعبيرا عن النقص أو البطلان. # ومن المؤكد أن لفكرة الأزلية إغراء خاصا للفيلسوف، الذي يعتقد أن من أعظم ~~مظاهر الحكمة أن يبحث العقل مشكلات لها صفة الدوام والبقاء لا مشكلات متغيرة، ~~ويظن أن ما يستحق التفكير فيه بحق هو الأمور التي تفرض نفسها على كل عقل بشري ~~أيا كان مكانه أو زمانه؛ ففكرة أزلية المشكلات الفلسفية وثباتها هي إذن فكرة ~~ترضي إلى أبعد حد كبرياء الفيلسوف وتقنعه بخطورة رسالته في الحياة، ومع ذلك فإن ~~تلك الفئة الأخرى من المفكرين الذين يدرجون ضمن أصحاب الفلسفات اليسارية، ~~ينظرون إلى هذا الأمر من زاوية أخرى؛ ففكرة الأزلية لم تقحم في مجال الفلسفة ~~- في رأيهم - لأغراض نظرية بحتة، وإنما كان الغرض من إقحامها عمليا في نهاية ~~الأمر؛ إذ إن تأكيد الأزلية يعني تثبيت القيم الموجودة بالادعاء بأنها جزء من ~~النظام الثابت للكون، وبذلك تكون مهمة الفلسفة اليمينية - دون أن تشعر - هي أن ~~تبرر المظالم الموجودة وتقطع على الناس طريق التفكير في تغييرها. ~~(3) # على أنه إذا كانت المشكلات الفلسفية أزلية ثابتة بطبيعتها، فإن حلولها - في ~~نظر الفلسفات اليمينية - كثيرة متعددة؛ فالمشكلة واحدة على مر العصور، ولكن كل ~~مذهب وكل فيلسوف يأتي لهذه المشكلة الواحدة بحل مختلف، ومن هنا كان تعدد ~~المذاهب وكثرتها أمرا طبيعيا في الفلسفة التقليدية، بل لقد أصبح هذا التعدد ~~أمرا مسلما به، يقبل دون مناقشة، كما لو كان جزءا من ماهية الفلسفة ~~ذاتها؛ فالفلسفة - تبعا لهذه النظرة التقليدية - مبحث يظل يعالج نفس المشكلات ~~- أو مشكلات متقاربة - إلى ما لا نهاية، وهي بطبيعتها ms205 مبحث لا يتوقف عند حد، ~~ولا يصل إلى حلول، وإنما هو سعي متواصل وراء غاية لا تبلغ، وربما كان في نظر ~~البعض سعيا بلا غاية، ومن هنا كانت الفلسفة التقليدية - أعني الفلسفة التي ~~توصف بأنها «يمينية» - تتبدى على صورة زاخرة ثرية إلى أبعد حدود الثراء؛ ففيها ~~مئات المذاهب والتيارات الرئيسية والفرعية، وهي لا تكف أبدا عن التنوع ~~والتشعب، بحيث تبدو دائمة التجدد، وتظهر لها على الدوام صورة مغايرة لصورها ~~المألوفة. # وفي مقابل ذلك، يرى أنصار الاتجاهات اليسارية في الفكر الفلسفي أن هذه الكثرة ~~في المذاهب والتيارات الفلسفية، وإن كانت ترضي الذهن لأول وهلة، فإنها تبدو ~~للعقل الفاحص علامة ضعف لا قوة؛ ذلك لأن الفلسفات التقليدية لا تتعدد إلا لأن ~~قوامها فكر خالص يتعامل مع نفسه فقط، وحين يقتصر الفكر على التعامل مع نفسه، ~~ولا يرتبط بواقع يضبطه، أو بحقيقة عينية تكبح جماحه، فعندئذ تصبح كثرة المذاهب ~~وتعدد وجهات النظر أمرا طبيعيا، إن الفكر المنطلق بلا قيود لا بد أن ~~تتشعب مسالكه؛ إذ لا يوجد شيء يقف في وجهه، ويمنعه من أن يسلك أي طريق يشاء، ~~ولكن لنفرض أننا قيدنا هذا الفكر إلى الأرض، وأرغمناه على مواجهة مشكلات ~~ملموسة، وعلى أن يجد لهذه المشكلات حلا قابلا لأن يختبر في الواقع العملي، ~~فهل سيظل هذا الفكر محتفظا بتعدد اتجاهاته؟ من الطبيعي أن التصاق الفكر ~~بالواقع وتقيده به لا بد أن يؤدي إلى القضاء على هذا التعدد؛ إذ يختبر الفكر ~~ذاته من خلال الواقع، ويظل يستبعد أخطاءه واحدا بعد الآخر حتى يستقر على اتجاه ~~واحد لا يحيد عنه إلا في أضيق الحدود. # والواقع أن مسألة كثرة المذاهب وتعددها كانت منذ البداية «لعبة» مسلما بها ~~في الفلسفة، وكان على المشتغلين في هذا الميدان - منذ أقدم عهوده - أن يسلموا ~~مقدما بقواعد هذه اللعبة ويقبلوها على ما هي عليه، وأن يمارسوها بدورهم عن ~~طريق إضافة الجديد من المذاهب، أو تنويع وتفريع القديم منها، ولكن ماذا لو ~~اعترض المرء على قواعد اللعبة ذاتها، وأكد أن الفلسفة ينبغي ms206 ألا تتعدد مذاهبها، ~~وأنها يجب أن تستقر آخر الأمر على اتجاه واحد، أو على منهج واحد على الأقل؟ ~~تلك وجهة نظر موجودة بصورة ضمنية في الفلسفة اليسارية؛ فتعدد المذاهب - في نظر ~~أصحاب هذه الفلسفة - ترف لا معنى له، وهو إذا دل على شيء فإنما يدل على أن ~~الفلسفة التقليدية ستظل تبني قصورا في الهواء إلى ما لا نهاية، وأن الفكر - إذ ~~يبتعد عن الواقع وعن المشكلات الفعلية التي يواجهها الإنسان في العالم المحيط ~~به - لن يجد ما يحد من انطلاقه في أي اتجاه يحلو له أن يسير فيه، أما إذا ~~قيد الفكر نفسه بمشكلات حقيقية ملموسة، فسوف يختفي هذا التعدد تلقائيا، ~~ولن تعود هناك سوى فلسفة واحدة، هي تلك التي تصلح منهجا لاستطلاع آفاق عالمنا ~~الحقيقي. ~~(4) # ولكن ما هي النتيجة التي تترتب على تعدد المذاهب في الفلسفة اليمينية ~~التقليدية؟ # لقد استطاعت هذه الفلسفة أن تبني لنفسها تراثا ضخما يرجع إلى أكثر من ألفي ~~عام، وظل هذا التراث يتراكم ويزداد تشعبا وتنوعا على الدوام، وكل جديد يظهر ~~في هذه الفلسفة في عالم اليوم، يضاف إلى ذخيرة هائلة من المشكلات والحلول ~~والآراء، ظل الفكر الفلسفي محتفظا بها على مر القرون، وخلال هذا التاريخ ~~الطويل كان الفكر الفلسفي التقليدي يزداد دقة وعمقا بالتدريج، حتى أصبح له ~~أسلوبه الشديد التعقيد، ومصطلحه العظيم الدقة، وتميز بقدرة فائقة على التجريد ~~والتحليل العميق؛ فليس في وسع أحد أن ينكر أن الفلسفة التقليدية قد أفلحت في ~~تكوين جهاز فريد من نوعه من المصلحات والتعبيرات التي تزداد عمقا على الدوام، ~~وما زالت حتى اليوم تزيد هذا الجهاز المحكم دقة وإحكاما. # على أن الفلسفة اليسارية لا تتمتع بميزة كهذه على الإطلاق؛ فهي فلسفة لا تراث ~~لها، «مقطوعة من شجرة» على حد التعبير الشائع، ومن هنا كانت تفتقر إلى القدرة ~~على تقديم المصطلحات الدقيقة وتنويع الحجج العميقة واستخدم أسلوب مرهف حساس ~~لأقل فرق في وزن معاني الألفاظ. # وعلى حين أن الفلسفة اليمينية التقليدية قادرة على النمو والتشعب - في اتجاه ~~العمق - إلى ms207 ما لا نهاية، فإن الفلسفة اليسارية محكوم عليها بألا تتحرك في هذا ~~الاتجاه إلا في أضيق الحدود، وأن نظرة واحدة يلقيها المرء إلى كتاب مثل «الوجود ~~والزمان» لهيدجر أو «نقد العقل الديالكتيكي» لسارتر (والكتاب الأخير يميني ~~الشكل وإن كان يساري المضمون، أي إن طريقة مؤلفه في كتابته تنتمي إلى صميم ~~التراث التقليدي اليميني، ولم يكتسبها سارتر إلا بفضل جذور هذا التراث في ~~أسلوبه)، لكفيلة بإيضاح مقدار التعقد الهائل الذي اكتسبه الجهاز اللفظي للفلسفة ~~التقليدية بعد كل ما مر به من التطورات، وهو تعقد لا نجد له أي نظير في ~~الكتابات اليسارية ، بما تتسم به من بساطة شديدة تصل إلى حد السطحية ~~أحيانا. # ومع ذلك فالمسألة في نظر اليساريين ليست مسألة عمق وسطحية، أو تعقد وبساطة ~~فحسب، بل إن هناك عوامل أخرى ينبغي أن يحسب حسابها في المقارنة بين هذين ~~الاتجاهين؛ فالعمق الفكري الذي تتبدى عليه الفلسفات اليمينية، والقدرة المعجزة ~~على استخدام الألفاظ والتصورات والحجج، وعلى التوغل المذهل في التجريد؛ كل ذلك ~~إنما يرجع إلى أن هذه الفلسفة تكون لنفسها عالما قائما بذاته، ظلت تعيش فيه ~~آلاف السنين، فعرفت كل دروبه ومسالكه الخفية، ولكنها لم تعرف مع كل ذلك كيف ~~تخرج من سجن التجريد الذي حبست نفسها فيه؛ فموقف الفيلسوف التقليدي - في ~~هذا الصدد - إنما هو امتداد لموقف «الساحر»، الذي يظن أن كلماته وتعاويذه ستغير ~~الأشياء، مع أن هذه الكلمات والتعاويذ محصورة في عالمها الخاص، ولن يتسنى لها ~~أن تخرج عنه مهما أطال الساحر ترديدها وتكرارها، أما الفلسفة اليسارية فهي في ~~رأي أصحابها تقف من الألفاظ موقف «العالم» الذي لا يستخدم الكلمات إلا لأنها ~~تتصل بالوقائع وتستمد منها وتلخصها، وبالتالي تقدر على التأثير فيها، وقد تكون ~~حصيلته من الألفاظ والتعبيرات - نتيجة لذلك - أضيق نطاقا بكثير، ولكن ذلك إنما ~~يرجع إلى استبعاده للمشكلات الوهمية وللتعبيرات التي ترمي فقط إلى إظهار قدرة ~~العقل على التجريد، واقتصاره في استخدامه للغة على ما يتصل منها بالواقع ويسهم ~~في عملية تغييره. ~~(5) # ولعل أهم الصفات التي تفرق ms208 بين مفهوم الفلسفة اليميني التقليدي ومفهومها ~~اليساري الثوري، هو أنها في الحالة الأولى مبحث ذو كيان مستقل، على حين أنها في ~~الحالة الثانية مبحث مندمج في مجالات أكثر واقعية وعينية من المجال الفلسفي ~~التقليدي، وتلك صفة تؤدي إليها المقارنات السابقة كلها، سواء منها ما تعلق ~~بمسألة الأزلية أو التغير، وبمسألة كثرة المذاهب أو وحدتها، وبمسألة تعقد ~~الأسلوب الفلسفي أو بساطته؛ فالفلاسفة التقليديون ينظرون إلى الفلسفة كما لو ~~كانت بناء قائما بذاته، مستقلا عن غيره، وهي في رأيهم مبحث نظري بحت، لا ~~يحتاج إلى الارتباط بأي مجال عملي، بل إن المسائل العملية - كأبحاث الأخلاق ~~والسياسة - إذا كان لها مجال في مذاهبهم الفلسفية فإنما يكون ذلك بوصفها نتائج ~~ضرورية للمقدمات النظرية التي تنطوي عليها تلك المذاهب، وبعبارة أخرى فمدار ~~البحث في الفلسفة التقليدية هو المسائل النظرية، التي تكون بناء متكاملا ~~مكتفيا بذاته، يستطيع إذا شاء أن يستقل عن كل ما عداه. # أما الفلسفة اليسارية فلا تعترف إلا بالمسائل التي تربط الفكر بالمشكلات ~~الفعلية للمجتمع والناس؛ فالمسائل الميتافيزيقية المجردة - كالبحث في الوجود ~~الخالص أو المقولات الشاملة - ليس لها مكان في مثل هذه الفلسفة، وإنما يدور ~~البحث فيها حول مسائل كقوانين التطور التاريخي أو الطبيعي، وقد يزداد تغلغلا ~~في المجال العيني فيتناول مسائل تدخل في مجال علم الاقتصاد السياسي أو علم ~~الاجتماع، ولا شك أن هذا يؤدي إلى تضييق واضح لمجال الفلسفة؛ إذ تقتصر في هذه ~~الحالة على المسائل التي تمس الجوانب العملية مساسا مباشرا، وتستبعد منها ~~كثيرا من المشكلات التي كانت - ولا تزال - تكون جزءا لا يتجزأ من «بضاعة» ~~الفيلسوف التقليدي. # ومع ذلك، ففي مقابل تضييق نطاق الفلسفة على هذا النحو، نجد أنها تشارك - عند ~~أصحاب الاتجاهات اليسارية - في صنع التاريخ وفي تغيير أحوال المجتمع، أي إنها ~~تنتقل من حالة التفكير النظري البحت إلى حالة التطبيق العملي الفعلي، وتضع ~~لنفسها أهدافا تسعى إلى تحقيقها بالفعل، ولا تكتفي بتأملها من بعيد ~~فحسب. # والواقع أن الثورة على الطابع النظري الجاف للتفكير الفلسفي التقليدي لم ~~تقتصر ms209 على الأوساط اليسارية المعروفة فحسب، بل لقد شاركت فيها مصادر بعضها - من ~~الوجهة السياسية - يميني النزعة إلى أبعد حد، وبعضها يقف بمعزل عن اليمين ~~واليسار؛ لأن فلسفته لا تزعم أنها تتخذ هذا الموقف السياسي أو ذاك، وحسبنا أن ~~نذكر في هذا الصدد تلك الحملة القاسية التي وجهها الفيلسوف الألماني «نيتشه» ~~إلى الفيلسوف التجريدي الخالص بوصفه نمطا مشوها من البشر، وكذلك المحاولات ~~العديدة التي تبذلها مذاهب كالبرجماتية والوضعية القديمة والحديثة، لاستبعاد ~~المشكلات الميتافيزيقية الخالصة من مجال الفلسفة، وهكذا تمتد الثورة على الطابع ~~النظري المفرط للفلسفة حتى تشمل أوساطا خارجة عن «اليسار» بمعناه المألوف، ~~تتفق معه في الجانب السلبي من نظرته إلى الفلسفة، أعني في الحملة على إغراق ~~الفلسفة التقليدية في التجريد. # بل إن البعض ليذهب في الثورة على هذه الأوضاع إلى حد القول بأن في الفلسفة ~~التقليدية شيئا ينتمي إلى باب الظواهر المريضة أو المعتلة؛ فهذه الفلسفة تدرس ~~المعرفة - مثلا - على أنها «مشكلة»، لا على أنها «أمر واقع»، وبذلك تضيع ~~جهودها في دراسة المشكلة ومحاولة الإتيان بحل لها، بدلا من أن تكرس هذه الجهود ~~لتنمية المعرفة وتوسيعها بعد أن تسلم مقدما بوجودها، وهي تدرس الأخلاق على ~~أنها مشكلة نظرية بدورها، فيحاول كل مذهب أن يأتي بقاعدة عقلية للسلوك، ولكن ~~دون أن تفلح مذاهب الأخلاق النظرية كلها - منذ نشأتها إلى اليوم - في تغيير ~~السلوك الفعلي للناس أو التأثير فيه على أي نحو، على حين أن أكثر الناس تأثيرا ~~في سلوك البشر هم أبعدهم عن الادعاء بأنهم أصحاب مذاهب «أخلاقية» فلسفية، ~~وأقلهم كلاما عن قواعد السلوك، وهي تدرس المناهج العلمية بعد أن تكون هذه ~~المناهج قد وضعت، وربما بعد أن يتجاوزها العلم ذاته ويتخطاها، وبذلك لا تؤدي ~~دراستها لها إلى تقدم العلم خطوة واحدة إلى الأمام، وما هذه إلا أمثلة قليلة ~~تدل على أن الفلسفة - في طابعها النظري التقليدي - يمكن أن تدرس بوصفها ~~استخداما «مرضيا» للعقل البشري، يتخذ فيه التجريد غاية في ذاتها، دون محاولة ~~لتبيان مدى صلاحية هذه التجريدات للانطباق على الواقع ms210 والحياة. # ولو شئنا أن نعبر عن هذه الصفة بلغة هيجلية، لقلنا إن التفكير الفلسفي يمثل ~~نوعا من «الاغتراب»، وإن الفيلسوف النظري إنسان مغترب؛ لأنه يمارس نشاطا ~~ناقصا مشوها مقتلعا من جذوره، وإن حياة التأمل الفلسفي - تلك الحياة التي ~~رأى فيها أرسطو أكمل غاية يستطيع أن يحققها الإنسان - إنما هي حياة غير طبيعية، ~~مقتطعة من سياقها. # فالفيلسوف النظري يتخذ موقفا غير مكتمل العناصر، ويحيا بأفكاره وفي أفكاره ~~ولأفكاره، ناسيا أن حوله عالما كاملا يدعوه إلى تطبيق هذه الأفكار عليه، ~~وإلى تجاوز حالة «الاغتراب» التي يعيش فيها بأن يكون إنسانا متكاملا لا ~~إنسانا «نظريا» فحسب، ولن يكون هذا التجاوز إلا بإعادة الفلسفة إلى سياقها ~~الطبيعي الذي تكون فيه أداة لحل المشكلات الفعلية للإنسان والمجتمع. # مصير الفلسفة بين اليمين واليسار # والآن - وبعد أن رسمنا تلك الصورة المجملة للعناصر الرئيسية في التقابل بين ~~الطريقة اليمينية والطريقة اليسارية في التفكير الفلسفي - فما زالت أمامنا مسألة ~~على أعظم جانب من الأهمية، هي أن نحاول استخلاص ما يترتب على هذا التقابل من نتائج ~~بالنسبة إلى مصير الفلسفة في المستقبل. # والأمر الذي يبدو بكل وضوح هو أن الفلسفة تقف اليوم في مفترق للطرق، يتعين عليها ~~فيه أن تقوم بعملية اختيار حاسمة، فإذا شاءت أن تحتفظ بكيانها المستقل، فعليها أن ~~تتمسك بوجهة النظر اليمينية التقليدية. # ذلك أن الكثيرين يعتقدون أن قضية الفلسفة مرتبطة باليمين ارتباطا وثيقا، وأن ~~مصيرها متوقف عليه؛ ففي اليمين - كما رأينا من قبل - نجد المذاهب المتشعبة ~~المتعددة، ونجد ازدهارا حقيقيا للفكر الفلسفي، وتنوعا غنيا لكل جوانبه، وفي ~~المذاهب اليمينية تبلغ اللغة الفلسفية أقصى درجات الدقة، وتصل إلى أعماق تعجز قطعا ~~عن بلوغها في أي مذهب يساري، وعند الفلاسفة اليمينيين وحدهم يكون للفلسفة كيانها ~~المستقل، بحيث يبدو بحق أن استمرار الفلسفة - بوصفها مبحثا قائما بذاته - متوقف ~~على استمرار الطريقة اليمينية التقليدية في التفلسف. # ومع ذلك، فالفلسفة اليمينية لا تحقق شيئا، ولا ترتبط بالمشكلات الحقيقية التي ~~تواجهها الجموع الكبيرة من البشر في حياتها الفعلية، ولا تسهم بأي دور ms211 في تحقيق رغبة ~~الإنسان الدائمة في تغيير المجتمع المحيط به، والثورة على أي وضع ظالم يجد نفسه ~~فيه. # ومن المؤكد أن المذاهب اليسارية هي وحدها التي تتصدى لتحقيق هذه الغاية، وتأخذ ~~على عاتقها مهمة استخدام الفلسفة أداة تساعد الإنسان على فهم السياق التاريخي ~~والاجتماعي الذي يعيش فيه، وبالتالي على تغيير أوضاع حياته وتحقيق المزيد من التقدم ~~فيها. # ولكن هذه الفلسفة اليسارية - من جهة أخرى - تبدو منتهية إلى طريق مسدود، فلنفرض ~~أننا وصلنا بالفعل إلى منهج مستقر تستعين به الفلسفة على فهم مشكلات الإنسان فهما ~~حقيقيا، وتقضي به على تعدد وجهات النظر الذي ظل ملازما لها منذ البداية، فما ~~الذي يمكن أن يحدث في مجال الفلسفة بعد ذلك؟ سيتوقف سير الفلسفة، ولن يكون أمامها ~~بعد ذلك شيء تفعله سوى أن نطبق منهجها على مجالات أخرى غير مجالها الأصلي، فيؤدي ~~بها ذلك إلى أن تذوب وتنصهر في هذه المجالات، وأقصى ما يمكنها أن تفعله - لكي تحتفظ ~~بشيء من دماء الحياة - هو أن تدرس تاريخها السابق، وتتحول إلى «تاريخ لتطور الفكر ~~البشري»، ولكن مثل هذه الدراسة التاريخية لن تكون بطبيعة الحال «فلسفة» قائمة ~~بذاتها. # هذا إذن هو المصير الذي يبدو أنه ينتظر الفلسفة في عصرنا هذا؛ فهي إذا شاءت أن ~~تظل مزدهرة منتعشة بين المذاهب اليمينية، كان عليها أن تدفع لذلك ثمنا غاليا، هو ~~أن تظل على هامش الحياة الفعلية للناس، أي تظل نشاطا تجريديا صرفا، يعجز عن ~~الفعل ولا يقبل التحقيق أو التطبيق، وهي إذا اختارت أن تعمل شيئا، أي أن تحقق ~~ذاتها وتخوض مشكلات الإنسان الفعلية، وتسهم بدور حقيقي في حياة الناس - كما يريد ~~أصحاب الاتجاه اليساري - فإنها ستقضي على كيانها المستقل، وستندمج وتذوب في عشرات ~~من الدراسات الأخرى، ولا تعود مبحثا قائما بذاته، وبعبارة أخرى فإن على الفلسفة ~~أن تختار بين أحد أمرين: إما أن تحتفظ بكيانها الخاص، وتظل عاجزة عن التأثير في ~~الواقع أو القيام بدور في تغييره، وإما أن تحقق ذاتها في الواقع، وتقضي على ذاتها ~~بالاندماج في ms212 الكل الأشمل الذي يمثل هذا الواقع. # فهل كتب على الفلسفة إذن ألا تظل حية إلا بوصفها مشروعا فكريا لا يتحقق، ~~على حين أنها لو انتقلت إلى مجال الفعل لما ظلت قائمة بوصفها «فلسفة»؟ وهل يتعين ~~عليها أن تعيش بوصفها «حالة اغتراب»، بينما لو تكاملت مع بقية عناصر الإنسان ~~والمجتمع، وقضت على هذا الاغتراب لقضت في الوقت نفسه على ذاتها؟ أليس لها مفر من ~~الاختيار بين حياة عقيمة وبين موت مثمر؟ # هكذا - بالفعل - يبدو وضع الفلسفة الآن بين اليمين واليسار، والصورة كما نرى ~~قاتمة، ولكنها في اعتقادي هي الأقرب إلى الحقيقة، ولكم وددت لو استطعت أن أختم هذا ~~المقال بكلمة تفاؤل، فأقول إن الفلسفة سوف تتمكن يوما ما من الجمع بين فاعلية ~~اليسار وإيجابياته وبين عمق اليمين وتنوعه، ولكني لا أملك إلا أن أقول إن هذا ~~الجمع لو كان سيتحقق في وقت ما، فإن بوادره لم تظهر بعد حتى اللحظة الراهنة من ~~تاريخ العالم على الأقل. # | القومية والعالمية في الفكر الفلسفي1 # إذا كانت «الشخصية» هي مجموع الصفات التي يعرف بها الفرد ويتميز بها عن غيره من ~~الأفراد، فإن «الفلسفة» هي مجموع الخصائص التي تتميز بها الأمة وتحدد معالمها الخاصة ~~وسط الأمم الأخرى، وبهذا المعنى يمكننا أن نصف الفلسفة بأنها «شخصية الأمة» وركن أساسي ~~من أركان قوميتها. # ففي كل فلسفة إذن عنصر قومي لا يمكن إنكاره، ولكن فيها أيضا عنصرا عالميا، يخاطب ~~الإنسان بما هو إنسان، لا من حيث هو فرد في هذه الأمة أو تلك، ومن هنا كان من الطبيعي ~~أن يثور الجدال حول العلاقة بين هذين العنصرين، وأن تشتد الخلافات بين أنصار القومية ~~وأنصار العالمية في مجال الفلسفة، مثلما اشتدت في مجالات أخرى متعددة، ولسنا نود في هذا ~~المقال أن نضيف وقودا جديدا إلى هذه الخلافات المستعرة، وإنما نود أن نسهم في ~~إلقاء بعض الضوء على هذه المشكلة، عن طريق تحديد بعض المفاهيم الرئيسية المستخدمة فيها، ~~وتحليل المعاني الحقيقية لمختلف الآراء التي تساق في هذا الشأن، وإيضاح معالم بعض ~~التجارب ms213 التي سبقتنا في هذا الاتجاه من أجل الاسترشاد بها في توجيه تجربتنا ~~الخاصة. # وفي رأيي أن أفضل بداية لبحث موضوع كهذا هي البداية التاريخية. # فمن الممكن أن تتحدد معالم المشكلة بمزيد من الوضوح إذا استعرضنا الطريقة التي نشأت ~~بها بعض الفلسفات القومية، والعلاقات التي كانت تجمع بينها وبين الفلسفات القومية ~~الأخرى التي اتصلت بها على نحو ما، وسوف نتناول من النماذج الرئيسية ما يعيننا على ~~استخلاص أهم النتائج التي نود الوصول إليها في هذا المقال، دون أن نحاول - بطبيعة الحال ~~- تقديم عرض شامل لمختلف الفلسفات القومية. ~~(1) # لا شك أن أول نموذج يفرض نفسه على ذهن الباحث في موضوع كهذا هو الفلسفة ~~اليونانية؛ فعلى أرض اليونان ظهرت - منذ خمسة وعشرين قرنا - فلسفة ناضجة ~~غنية لها معالمها القومية الواضحة، وهذا الطابع القومي للفلسفة اليونانية ~~هو ما أجمع عليه مؤرخو هذه الفلسفة، سواء منهم من يؤمن بالحتمية ومن لا ~~يؤمن بها، ومن يجعل هذه الحتمية تاريخية أو جغرافية أو اقتصادية؛ فالكل - ~~على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية - يتفقون على شيء واحد، هو أن الفلسفة ~~اليونانية نتاج يوناني صميم، وأنها تعبير عن «عبقرية» الأمة اليونانية ~~القديمة، وما كان لها أن تظهر إلا في هذه الأمة على وجه التحديد. # ومع ذلك، فهل كان الطابع القومي الواضح الذي تتصف به هذه الفلسفة حائلا ~~بينها وبين التأثر بشتى التيارات الفكرية التي كانت سائدة في عصرها وفي ~~العصور السابقة عليه؟ إن الرأي الذي أصبح الاتفاق يكاد يكون منعقدا عليه ~~بين الباحثين في هذا الموضوع، هو أن الفلسفة اليونانية قد استمدت عناصر ~~أساسية من حضارات الشرق القديم، وأنها أدمجت في داخلها كل ما انتقل إليها ~~عن طريق الاتصال الحضاري من علم هذه الحضارات وتجاربها وأفكارها، بل ~~وعقائدها في بعض الأحيان. # ومن جهة أخرى، فقد اندمجت الفلسفة اليونانية في التراث الغربي التالي ~~اندماجا وثيقا، وأصبحت تكون أصلا مؤكدا لتلك الحضارة التي تعرف ~~اليوم باسم الحضارة الغربية؛ فمنذ أوائل العصر الحديث، بدأت حركة الإحياء ~~الضخمة لتعاليم الفلسفة اليونانية، ولكن أين حدث هذا الإحياء؟ ms214 لقد حدث في ~~بيئات وفي ظروف اجتماعية تختلف كل الاختلاف عن بيئة اليونانيين القدماء ~~وظروفهم الاجتماعية، فأين دولة المدينة Polis # اليونانية القديمة من الدولة الأوروبية الحديثة ~~المعقدة؟ وأين الحياة اليونانية البسيطة من الحياة الحديثة المعقدة؟ ومع ~~ذلك ما زال الكتاب الغربيون المحدثون يتخذون من آراء الفلاسفة ~~اليونانيين مرشدا لهم في حل كثير من مشكلاتهم، وما زالوا يؤمنون إيمانا ~~عميقا بانتمائهم فكريا إلى هؤلاء القدماء، أو بأن حضارتهم الحديثة قد ~~استمدت مجموعة من أهم عناصرها من طريقة تفكير هذه المجموعة الصغيرة من ~~الدويلات التي عاشت منذ خمسة وعشرين قرنا. ~~(2) # ولنتناول نموذجا آخر مألوفا لدينا ، هو الفلسفة العربية، هذه الفلسفة ~~التي صاغت لنفسها مصطلحاتها الخاصة، وحددت لنفسها مشكلات كان بعضها (كمشكلة ~~العلاقة بين العقل والنقل أو بين الحكمة والشريعة) أصيلا فيها كل الأصالة، ~~قد اصطبغت بصبغة محلية وقومية لا شك فيها، ومع ذلك فإن القوة الدافعة ~~الأولى لظهور هذه الفلسفة كان تأثر المفكرين العرب بمؤلفات اليونانيين ~~القدماء عندما نقلت إلى لغتهم، ومن جهة أخرى فإن هذه الفلسفة عندما نضجت ~~وقدمت إلى العالم مؤلفات أصيلة وشروحا عميقة على أعمال كبار الفلاسفة ~~اليونانيين قد انتقلت إلى الفكر الغربي وكانت دعامة أساسية من دعائم تلك ~~النهضة العقلية والعلمية التي تميزت بها أوروبا منذ أوائل العصر الحديث، ~~وفي الحالتين لم يكن الطابع القومي للفلسفة العربية حائلا بين العرب وبين ~~الأخذ بتوسع من غير العرب، ولم يحاول أحد - في تلك العصور الغابرة - أن يضع ~~تعارضا بين القومية وبين التأثر بأفكار الأمم الأخرى، أو أن يحمل على هذا ~~التأثر بحجة أنه إقحام لعناصر «دخيلة» لا صلة لها بالظروف الخاصة للبيئة ~~التي تحل فيها. ~~(3) # وأخيرا فقد نشأت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فلسفة ألمانية ~~واضحة المعالم، كان أعظم أقطابها «كانت» وشلنج وفشته وشوبنهور وهيجل، ~~وكانت لهذه الفلسفة خصائصها المميزة لها عن سائر الفلسفات المعروفة في ذلك ~~الحين؛ فهي فلسفة مثالية تفسر العالم كله من خلال مقولات ذهنية أو فكرية، ~~وهي بذلك تكون تيارا متميزا لم يعرف بمثل هذا ms215 الوضوح إلا بين مفكري ~~الأمة الألمانية وحدها، وفضلا عن ذلك فقد دعا كثير من أنصار هذه الفلسفة ~~إلى القومية الألمانية صراحة، واشتهر من بينهم في هذا الصدد فشته وهيجل ~~بوجه خاص، ومع ذلك فهل يمكن أن تفهم هذه الفلسفة - ذات النزعة القومية ~~الواضحة - بمعزل عن التيار الفكري الذي بدأه ديكارت، وأضفى عليه اسبينوزا ~~صبغة كونية شاملة، وحوله هيوم في اتجاه الشك بوجود واقع صلب يطابق ~~المفاهيم الفكرية؟ ومن جهة أخرى فإن تأثير هذه الفلسفة الألمانية لم يقتصر ~~على مفكرين ممن ينتمون إلى نفس قوميتها، بل امتد إلى اتجاهات فكرية ظهرت في ~~بلدان لا تربطها بالقومية الألمانية صلة وثيقة، كما في الوجودية الفرنسية ~~المعاصرة التي ترجع جذورها الأولى إلى تلك الفلسفة الألمانية، وكما في ~~الماركسية - وهي فلسفة لا قومية - ترتبط في أصلها بمثالية هيجل أوثق ~~الارتباط. # فما هو إذن الدرس الذي يعلمنا إياه التاريخ كما عرضناه في الأمثلة الثلاثة السابقة، ~~التي ينتمي أحدها إلى التاريخ القديم، والثاني إلى الوسيط، والثالث إلى الحديث؟ إن ~~النتيجة الواضحة التي تؤدي إليها دراسة هذه الأمثلة، هي زيف التعارض الحاد الذي يقول به ~~الكثيرون بين القومية والعالمية؛ فأشد الفلسفات تأثيرا - على النطاق العالمي - ~~وأطول الفلسفات بقاء خلال الزمان، هي فلسفات نشأت في ظروف قومية معينة، واصطبغت ~~بصبغة محلية خاصة، ولكن الإنسان عرف كيف يجد فيها أفكارا تتجاوز نطاق الأصل الذي نشأت ~~منه، وتعلو على حدود الوطن الذي ظهرت فيه، ومن المؤكد أن الفكرة التي نقول بها - وأعني ~~بها عدم التنافر بين القومية والعالمية - تزداد دعائمها رسوخا بمضي الزمان؛ إذ إن ~~التجارب الإنسانية تزداد على الدوام تقاربا بفعل عوامل تكنولوجية وحضارية لا نجد ما ~~يدعونا هنا إلى الإشارة إليها؛ لأنها معروفة ومألوفة للجميع؛ فالفواصل والحواجز الفكرية ~~بين الأمم تتساقط بالتدريج، والاتجاه العقلي أو الفني أو الأدبي الواحد يفرض نفسه على ~~بيئات متباينة كل التباين، وينتشر في أرجاء الأرض دون أن يجرؤ أحد على أن يوصد في وجهه ~~أبواب بلده أو يحول دون ذيوعه في بيئته، وبعبارة أخرى ms216 فالظروف الخارجية لحياة العالم ~~المعاصر تؤدي إلى إسقاط الحواجز بين القومية والعالمية - حتى النووية - إلى التوحد ~~سياسيا وفكريا، سواء شاء أم لم يشأ؛ إذ إن هذا هو البديل الوحيد عن الفناء التام، ~~وسواء أصح هذا التنبؤ أم لم يصح، فلا جدال في أن العالم سيشهد - خلال الأجيال القليلة ~~القادمة - تعديلات أساسية على مفهوم القومية، ربما لم تخطر من قبل على بال البشر طوال ~~تاريخهم المعروف. # ولننظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فنقول إن البشرية - بعد أن دخلت عصر الصواريخ، ~~وأوشكت على دخول عصر الانتقال إلى الكواكب الأخرى - ستجد نفسها مضطرة - بحكم الظروف ~~الحتمية - إلى الإقلال من أهمية الحواجز القومية بالتدريج، ولن نتحدث هنا عن النفقات ~~والجهود والأبحاث التي يقتضيها انتقال الإنسان من كوكبه الأرضي إلى الكواكب الأخرى، ~~والتي تبلغ من الضخامة حدا يتجاوز نطاق قدرة أية دولة بعينها، ويقتضي تضافرا بين ~~البشر أجمعين، وإنما نود أن نشير إلى موقف لا أشك في أن الإنسان سيواجهه في وقت ليس ~~بالبعيد؛ فعندما يطل الإنسان على أرضنا هذه من كوكب كالمريخ أو حتى من القمر، فهل يشك ~~أحد في أن مثل هذا الإنسان، ومعه كل العالم الذي سيقف مبهورا أمام الكشف الجديد، سينظر ~~إلى الأرض نظرة تعلو على تخطيطات الحدود السياسية أو الفوارق الضئيلة في الصفات ~~العنصرية؟ ألن تصبح وحدة تفكيره عندئذ هي الكوكب الواحد، بعد أن كانت في أقدم العصور هي ~~القبيلة والعشيرة، ثم أصبحت المدينة، ثم تحولت إلى الدولة في عصرنا الحالي؟ تلك كلها ~~احتمالات حقيقية ينبغي أن نفكر فيها جديا؛ لكي ندرك طبيعة العصر الذي نحن مقبلون ~~عليه. # وإذن فهناك - كما قلت - ظروف خارجية حتمية تؤدي بالإنسان - سواء شاء أم لم يشأ - إلى ~~تجاوز التعارض بين القومية والعالمية، ولا بد أن تستجيب كل مجالات النشاط الإنساني - ~~من فن وأدب وعلم وفكر - لهذه الظروف الحتمية، ولكنني أحسب أن الفلسفة ستكون أسرع هذه ~~المجالات كلها استجابة لهذه الظروف؛ ذلك لأن الفلسفة تميل بطبيعتها إلى العمومية ~~والشمول، واتجاهها الأصيل إنساني قبل أن يكون ms217 قوميا. إن الفلسفة مبحث عقلي، والعقل هو ~~أساس التوحيد بين البشر، وهو ينزع تلقائيا إلى تجاوز الفوارق الضيقة، ولا يعرف له ~~حدودا إلا «عالم الإنسان» بما هو كذلك. وليس معنى ذلك أن العنصر القومي مفقود تماما ~~في الفلسفة، وإنما معناه أن هذا العنصر إنما هو الإطار الذي يضفي هيكلا خارجيا على ~~مضمون لا يمكن بطبيعته إلا أن يكون إنسانيا؛ فاعتماد الفلسفة على العقل هو إذن العامل ~~الرئيسي الذي يجعل الصفة الإنسانية العالمية تغلب فيها على الصفة القومية، وإن يكن لهذه ~~الأخيرة دون شك وجودها الأصيل. # فإذا كانت الفلسفة - كما قلنا - تتألف من مضمون إنساني عام، قوامه العقل الذي هو عنصر ~~التوحيد في حياة البشر، ومن شكل أو إطار قومي، يمكن أن تتباين أحواله من شعب إلى آخر، ~~فلا بد لكل فهم سليم للفلسفة من أن يتضمن هذين العنصرين معا، ومع إدراك الاتجاه ~~الواضح إلى العالمية ولا سيما في العصر الحديث. ومعنى ذلك أن كل فهم للفلسفة يقتصر على ~~العنصر القومي وحده، أو يؤكد العنصر العالمي وينفي العنصر القومي نفيا تاما، لا ~~بد أن يقع في أخطاء أساسية، فلننتقل إذن إلى بيان أخطاء كل من هذين الاتجاهين ~~المتطرفين. # أخطاء النزعة القومية المتطرفة # من السهل أن يؤدي التطرف في تأكيد أهمية العنصر القومي في الفلسفة إلى نظريات ~~غريبة عن الروح الفلسفية الحقة، ومن أكثر هذه النظريات خطأ، تلك النظرية التي ~~تستمد خصائص فلسفة أمة معينة من بيئتها الجغرافية، فتتحدث عن تأثير الجبال الوعرة ~~في تفكير اليونانيين أو تأثير الصحراء الشاسعة في تفكير العرب، مثل هذه النظريات لا ~~تستحق منا اهتماما كبيرا، لا لأنها تجهل الحقيقة، بل لأنها تتناول عنصرا ضئيلا ~~من عناصرها وتعممه وتجعل منه أساسا كاملا للتفسير. # وهناك نظريات أخرى تربط بين فلسفة الأمة وبين خصائصها العنصرية، ولقد اشتهرت من ~~تلك النظريات في الآونة الأخيرة، النظرية النازية التي كانت تؤكد وجود صفات عرقية ~~تميز كل شعب، وتذهب إلى أن هذه الصفات هي التي تفسر عبقرية هذا الشعب أو افتقاره ~~إلى العبقرية، ms218 وهكذا ذهب النازيون إلى أن الفلسفة الألمانية مرتبطة بالخصائص ~~العنصرية للجنس الجرماني الآري، وأكدوا من جهة أخرى أن هناك شعوبا عاجزة - بحكم ~~تركيبها الطبيعي - عن التفلسف، أو عن الوصول إلى أية نتيجة لها قيمتها إذا ما ~~تفلسفت، وهي بوجه خاص الشعوب السامية، هذه المزاعم بدورها تفتقر إلى أي دليل، وتقوم ~~على أساس لا يمت إلى العلم الصحيح أو الفكر السليم بسبب، ومع ذلك فقد اقتنع بها ~~الملايين في وقت من الأوقات، وكان اقتناعهم بهذا الخطأ الواضح دليلا على مقدار ~~الخلط الذي يمكن أن تجلبه النزعة القومية المتطرفة على الأذهان. # على أننا لو تأملنا حياتنا الثقافية الراهنة بإمعان؛ لوجدنا أننا - لحسن الحظ - ~~لسنا واقعين في هذا النوع من الأخطاء، وربما كانت أخطاء أصحاب النزعة القومية ~~المتطرفة بيننا أقل خطورة بكثير، ومع ذلك فمن الواجب أن نناقشها مناقشة صريحة حتى ~~تظهر لنا العلاقات بين القومية والعالمية في الفلسفة في ضوئها الصحيح. # في بلادنا العربية وفي مرحلتنا التاريخية الراهنة، يعتقد الكثيرون أن الفكر لكي ~~يكون قوميا بالمعنى الصحيح، ينبغي أن يكون «مختلفا»، فهم يتعمدون تأكيد العناصر ~~المتنافرة مع الفلسفات الأخرى، ظانين أن هذه العناصر هي التي تتمثل فيها روح الأمة ~~وتقاليدها الحقة، فإذا اعترضتنا مشكلة من المشكلات، واقترح البعض لها حلا ~~مستمدا من تجارب أمم أخرى سبق أن مرت بنفس المشكلة، وجدت من يسارع إلى رفض هذا ~~الحل آليا، والإتيان بحل آخر مخالف له، قد لا يكون أحد جربه من قبل، ولكنه يفضل ~~على الأول بحجة أنه هو الذي يتمشى مع قوميتنا، وفي اعتقادي أنه لا يكفي لكي يكون ~~المبدأ متمشيا مع قوميتنا أن «يقرر» البعض أنه كذلك، وإنما لا بد من «إثبات» أن ~~هذا المبدأ دون غيره هو الذي يعبر عن قوميتنا تعبيرا صحيحا. # كذلك لا يتعين أن تكون الفكرة قومية لمجرد أنها «تخالف» أو «تغاير» أفكارا ~~صدرت عن مجتمعات أخرى، والخطر الأكبر في هذا النوع من التفكير هو أنه يؤدي إلى نوع ~~من الانعزالية، وإلى ضياع كثير من فرص الاستفادة بالتجارب ms219 المفيدة التي يشترك معنا ~~فيها غيرنا من الأمم، بحجة أن في الاسترشاد بهذه التجارب قضاء على قوميتنا، ~~وكثيرا ما يترتب على التطرف في هذا الموقف الاتجاه إلى المخالفة والعناد لذاتهما، ~~ومعنى ذلك أن يقف المرء من الأمور موقفا سلبيا؛ إذ إن العنيد يظن أنه يؤكد ذاته، ~~على حين أنه في واقع الأمر شخص سلبي يكتفي بالقيام برد فعل عكسي على تصرفات ~~الآخرين، فيكون بذلك مقيدا بهم أكثر مما يظن، وبالاختصار فليس معنى اتجاهنا إلى ~~تأكيد قوميتنا هو أن نتعمد مخالفة آراء الغير في كل صغيرة وكبيرة ونظن أننا بذلك ~~ندعم شخصيتنا القومية، بل إن هذا الدعم لا يكون إلا باتخاذ الموقف الناضج الذي نقف ~~فيه من أفكار الآخرين موقف الواثق من نفسه، ولا نتعمد تأكيد ما يتنافر معها من أجل ~~إقناع أنفسنا باستقلالنا الفكري. # وهناك اعتقاد آخر يتمسك به الكثيرون في هذا المجال، وهو - في رأيي - لا يقل خطأ ~~عن الاعتقاد السابق، وإن يكن أشد منه خفاء، هذا هو الاعتقاد بأن كل ما هو قديم ~~ينتمي بالضرورة إلى صميم الروح القومية؛ ذلك لأن القديم لا يتعين بالضرورة أن يكون ~~قوميا، بل إنه قد يكون دخيلا، شأنه شأن أي اتجاه حديث مستورد، ومع ذلك فإن ~~أصواتا كثيرة تعلو مؤكدة أن الاهتداء إلى قوميتنا الأصيلة لا يكون - أو لا يبدأ ~~- إلا بإحياء التراث الغابر، الذي يعتقدون أنه كله ألصق بقوميتنا من كل ما هو جديد. ~~مثل هذه الطريقة في التفكير تنطوي ضمنا على اعتقاد شائع إلى حد بعيد، ولكنه كثيرا ~~ما يكون بعيدا عن الصواب، هو الاعتقاد بأن القومية فكرة «سكونية» ثابتة ترتبط ~~بالماضي أكثر مما ترتبط بالحاضر، ولو أمعن أصحاب هذا الرأي فكرهم في مقدمتهم ~~الأساسية هذه؛ لوجدوا أنها تقبل اعتراضات حاسمة؛ فقد ثبت في عصرنا الحاضر أن ~~القومية فكرة «ديناميكية» تقوم أساسا على التجدد والحياة، وأنها إذا اكتفت بأن تشد ~~الأمة إلى ماضيها الغابر، ولم تساعده على التطلع إلى مستقبل أفضل، كانت قوة معوقة ~~هدامة، ومن هنا فإن العناصر التي ms220 ترتكز عليها فكرة القومية، والتي تتجمع حولها ~~أماني الأمة الواحدة، ينبغي ألا تكون عناصر متجمدة متحجرة، وإنما الواجب أن ترتبط ~~مشاعرنا القومية بحاضرنا ومستقبلنا مثلما ترتبط بماضينا، بل إني لأذهب إلى أبعد من ~~ذلك، فأقول إن نظرتنا إلى التراث ينبغي ألا تكون قيدا يمنعنا من الحركة، وإن ~~موقفنا من التراث ينبغي أن يتقرر تبعا لمقتضيات حياتنا الراهنة؛ فالقديم لا ينبغي ~~أن يتحول إلى صنم مقدس لمجرد كونه قديما، بل إن تبجيلنا واحترامنا له يجب أن يتوقف ~~على مدى قدرته على الإنتاج في حياتنا الحاضرة والإسهام في دفعها إلى الأمام، وليس ~~معنى ذلك أن نتنكر لتراثنا، أو أن نتعمد تأويله تأويلا ملتويا لكي يبدو متمشيا ~~مع اتجاهاتنا الراهنة، بل إن معناه الوحيد هو الخضوع لسنة الحياة التي تجعل من ~~تاريخ الإنسان الغابر دعامة يرتكز عليها في حاضره ويسترشد بها في مستقبله. # أخطاء النزعة العالمية المتطرفة # قلنا من قبل إن الفلسفة - بحكم كونها مبحثا عقليا - لديها نزوع طبيعي إلى ~~العالمية، وإن صفة العالمية تعد - بالتالي - أقرب إلى التعبير عن طبيعة ~~الفلسفة، ومع ذلك فكما يخطئ من يتطرف في تأكيد النزعة القومية في الفلسفة، فكذلك ~~يخطئ من يذهب في تأكيده لطابعها العالمي إلى حد التجاهل التام لكل الفروق التي ~~تترتب على تباين الظروف المحلية والقومية التي تنشأ فيها كل فلسفة؛ ذلك لأن الفلسفة ~~- كما قلنا - تتناول مضمونا إنسانيا عالميا، موضوعا في إطار قومي محدد، وهذا ~~الإطار المحدد يحتم تأثر المضمون ذي الطابع الشامل بالظروف الاجتماعية المتغيرة ~~للمجتمع القومي الذي تنبع منه الفلسفة، وبالتالي ينبغي في كل فهم سليم للفلسفة أن ~~نعمل حسابا لتأثير تغير هذه الظروف في المضمون الفلسفي الذي يعبر عن نفسه من ~~خلالها. # ومع ذلك فكثيرا ما نرى اتجاهات في فهم الفلسفة تتجاهل هذا العنصر تجاهلا ~~تاما، وقد تكون نقطة بداية أصحاب هذه الاتجاهات هي إدراك الحقيقة التي سبق أن ~~نبهنا إليها من قبل، وهي نزوع الفلسفة بطبيعتها إلى الصبغة الإنسانية الشاملة، غير ~~أنهم يتطرفون في هذا الاتجاه إلى حد إغفال ms221 كل تأثير للسياق القومي أو الاجتماعي ~~المحدد في الفلسفة التي تظهر فيه؛ فهم يتصورون الفكر الفلسفي نباتا شاذا تستطيع ~~أن تزرعه في أية تربة، وتستطيع أن تتوقع منه دائما نفس الثمار. # ففي الغرب مثلا ظهرت فلسفات واتجاهات فكرية قد تكون المشكلات التي أثارتها ذات ~~صبغة إنسانية عامة، ولكن الإطار الذي ظهرت فيه هو دون شك إطار محلي تحكمت فيه ظروف ~~خاصة مرت بها المجتمعات الأوروبية على التخصيص، ولم تمر بها المجتمعات الشرقية التي ~~ظلت بمنأى عن هذه المؤثرات، ولأضرب لذلك مثلين: فالاتجاهات اللامعقولة في الفكر ~~والفن والأدب الغربي - ابتداء من السيريالية إلى الرواية الجديدة - هي اتجاهات لم ~~يكن من الممكن أن تظهر إلا في شعوب مرت بتجربة العقل ردحا طويلا من الزمان، حتى ~~سئمت التفكير العقلي وسعت إلى تجاوز حدود المعرفة العلمية وإلى استطلاع آفاق ~~جديدة في عالم مغاير لعالم المنطق، أي إن اللامعقولية - سواء في الفن وفي الفكر ~~والأدب - ظهرت في الغرب نتيجة للتشبع بالمعقولية والرغبة في البحث عن اتجاهات أخرى ~~تجدد نشاط الروح التي سئمت المنطق المنظم، غير أن نقل هذه الاتجاهات نقلا حرفيا ~~في مجتمع شرقي - لم يمر بنفس التجربة - ينطوي على محاكاة آلية تعبر عن فقدان ~~الشخصية والعجز عن الاستقلال الفكري؛ فنحن في الشرق ما زلنا نسعى إلى إقرار حكم ~~العقل، وما زلنا نحتاج إلى كفاح طويل لكي نعود شعوبنا احترام التفكير المنطقي ~~وتطبيقه في شتى أنواع معاملاتهم، فكيف إذن نقفز هذه القفزة المفاجئة، عبر ثلاثة أو ~~أربعة قرون من المعقولية التي مر بها الغرب أولا وأثرى بها حياته في كافة ~~المجالات، لكي نصل دفعة واحدة إلى اللامعقولية؟ وكيف نستطيع - في ظروفنا هذه - أن ~~نجد متعة في اللامعقول ونراه معبرا عن روح العصر، مع أن هذه الروح تتخذ في بيئتنا ~~المحلية طابعا مختلفا كل الاختلاف عنه في البيئات الغربية التي انتشرت فيها ~~الدعوة إلى اللامعقول؟ # ولنضرب لفكرتنا هذه مثلا آخر: ففي الغرب انتشرت تيارات فردية وتشاؤمية قاتمة، ~~وظهر صدى هذه التيارات واضحا في كثير من الفلسفات ms222 والاتجاهات الفكرية، بل إن البعض ~~يعزو انتشار الوجودية - أو على الأصح عودة إحيائها بعد أن ظهرت بوادرها في النصف ~~الأول من القرن التاسع عشر وظلت منسية قرابة ثلاثة أرباع القرن - إلى ظروف خاصة مر ~~بها المجتمع الغربي وفرضت عليه التشاؤم والفردية؛ فمنذ الحرب العالمية الأولى وبعد ~~الحرب الثانية - بوجه خاص - كان واضحا أن الإنسان الغربي يسير في طريق لا نهاية له ~~إلا الدمار الشامل، وكانت أبواب الأمل في حياة هادئة تخلو من القتل والتدمير ~~والشعور الدائم بالخطر تكاد تكون كلها موصدة في وجهه، وكان طبيعيا أن يميل هذا ~~الإنسان إلى فلسفة تؤكد خلو الحياة من كل معنى، وتضع بين الفرد والآخر حواجز لا ~~تعبر إلا بوسائل مصطنعة غير مؤكدة، ولكن أيحق لنا في الشرق أن نتصور هذه الفلسفة ~~معبرة عن أخص ما يميزنا؟ إن الإنسان في الشرق لم يصب بمثل هذا التشاؤم الذي ~~تملك الإنسان الغربي؛ لسبب بسيط هو أنه لم يخض مثله حروبا طاحنة، ولم يشعر بأن ~~مستقبله مهدد بالفناء، وما زال في حياة الشرق من التماسك العائلي ومن الشعور بأهمية ~~القيم المشتركة ما يحول دون الإحساس بالتفكك، الذي يشجع على انتشار الروح الفردية، ~~فنحن إذن لسنا ملزمين بأن نرى في هذا التيار ما يعبر عن وضع الإنسان في عالمنا ~~الخاص. # تلك إذن أمثلة أردت أن أسوقها لكي أدلل بها على أن الإفراط في النزعة العالمية، ~~والاعتقاد بأن المشكلات الفلسفية لا تعرف أية حواجز قومية أو محلية، هو بدوره خطأ ~~ينبغي أن نحذر الوقوع فيه. # فباسم العالمية يعتقد البعض بأن وضع الإنسان المعاصر - في عمومه - يحتم عليه أن ~~يخوض تجربة اللامعقول، وباسم العالمية يعتقد البعض الآخر أن موقف الإنسان في عصرنا ~~هذا يفرض عليه الاتجاه إلى التشاؤم والانعزال والفردية المتطرفة، مع أن هذه كلها ~~مواقف مرهونة بمجتمع يمر تطوره بمرحلة معينة، ولا يحق للمجتمعات الأخرى أن تحاكيها ~~ما دامت تمر في تطورها بمرحلة مختلفة كل الاختلاف. # كيف تتحقق فلسفتنا القومية؟ # وأخيرا فما زال هناك سؤال رئيسي لم يجد القارئ ms223 إجابة عنه بعد، وإن كان لا بد ~~قد ألح عليه منذ بداية هذا المقال؛ فقد أوضحنا الحدود الواجبة للنزعتين القومية ~~والعالمية في الفلسفة، وبينا الأخطاء التي يمكن أن يؤدي إليها التطرف في كل من ~~هاتين النزعتين، ولكنا لم نتناول بعد موضوعا قد يكون هو بيت القصيد في بحث ~~كهذا، وأعني به: كيف نستطيع أن نخلق فلسفتنا القومية ونضفي عليها صبغة عالمية؟ ~~وبعبارة أخرى، كيف يمكننا أن نخلق فلسفة مستمدة من بيئتنا وظروفنا الخاصة، ونضمن في ~~الوقت ذاته احترام العالم وتقديره لنا؟ # إذا كان المقصود من «الفلسفة» في هذه الحالة هو «طريق الحياة» أو «الاتجاه العام ~~للمجتمع» فأحسب أن هذا موضوع يتجاوز نطاق مقال كهذا. # أما إذا كان المقصود هو الفلسفة بمعناها الضيق - أي بمعنى المذهب الفلسفي المتخصص ~~- فإن الإجابة المقنعة عن هذا السؤال تقتضي - مرة أخرى - استقراء بعض أمثلة ~~التاريخ؛ ففي إنجلترا ظهرت منذ القرن السابع عشر - وربما قبل ذلك - فلسفة محددة ~~المعالم تستطيع أن تدرك معالمها وخصائصها المميزة بوضوح كامل حتى يومنا هذا، فهي ~~فلسفة تجريبية لا تفرق كثيرا في مشكلات ما بعد الطبيعة، وتتخذ من التحقيق الفعلي ~~معيارا لصحة كل حكم يصدره العقل، وفي فرنسا ظهرت في الوقت نفسه تقريبا فلسفة أخرى ~~لا بد من الاعتراف بأن لها طابعا قوميا مميزا؛ إذ إنها تعتمد على الوضوح ~~الفكري وعلى ما أسماه باسكال بروح اللطف أو الدقة، أي على الإحساس المرهف بالفوارق ~~الدقيقة للمعاني والأفكار، وفي ألمانيا ظهرت منذ القرن الثامن عشر فلسفة ذات نزعة ~~مثالية متصلة، يحس فيها المرء بأن طريقة استجابة الفلاسفة المختلفين للمشكلات كانت ~~متشابهة أو متكاملة، ومع ذلك فكيف اتخذت هذه الفلسفات طابعها القومي هذا؟ هل قام ~~هؤلاء الفلاسفة بتحليل للخصائص القومية لبلادهم، ثم شيدوا فلسفة تتلاءم مع هذه ~~الخصائص؟ لا شك أن شيئا من هذا لم يحدث، فما الذي حدث إذن حتى ظهرت هذه ~~الفلسفات؟ # من المؤكد أن الفلسفة القومية لا تتعمد أن تكون قومية، ولا يسعى الفيلسوف إلى ~~الكشف أولا عن الخصائص القومية لبلاده ms224 لكي يبني مذهبا فلسفيا منطبقا عليها، ~~وإنما يمارس الفيلسوف تفكيره، وتأتي أجيال تالية من الشراح تكشف خصائص مشتركة بينه ~~وبين غيره من بني وطنه، فتكون تلك الخصائص هي الروح القومية في الفلسفة، ومعنى ذلك ~~أن المرحلة الأولى هي التفلسف - أعني ممارسة الفكر على أوسع نطاق ممكن - وهي مرحلة ~~لا نستطيع أن نقول إننا قد سرنا فيها بعد بما فيه الكفاية؛ فقبل أن تكون هناك ~~«فلسفة قومية» ينبغي أن تكون هناك «فلسفة» أولا، ولا معنى لأن نؤكد ونلح - ونحن ما ~~زلنا في أولى المراحل - على ضرورة صبغ فلسفتنا بالطابع القومي؛ لأننا لو عرفنا كيف ~~نمارس الفكر الفلسفي ممارسة سليمة عميقة، فلا بد أن يصطبغ هذا الفكر من تلقاء ~~ذاته بالصبغة القومية. # وإذن فلنحرص أولا على التفلسف ذاته؛ لنؤلف ونكتب ونشرح، ثم نتعمق ونسير في ~~اتجاهات فكرية خاصة، وسوف تتضح حتما سماتنا القومية في أفكارنا، وسيكشفها غيرنا ~~باستقراء مختلف أعمالنا، كما كشفت سمات الفلسفات القومية الإنجليزية والفرنسية ~~والألمانية من قبل، أما أن تعلو الأصوات هاتفة بإلحاح: لنضع فلسفة قومية! فما أظن ~~أن هذا أفضل السبل إلى بلوغ الهدف الذي نريد. # | الفلسفة والتخصص العلمي1 # لا يجادل أحد - ممن توافر له أبسط قدر من العلم بطبيعة الدراسة الفلسفية - في أن لهذه ~~الدراسة موقعا فريدا بين بقية الدراسات، سواء منها الإنسانية والعلمية الخالصة؛ فعلى ~~حين أن الفلسفة - كما هو معروف - أقدم من العلوم جميعا، فإنها هي المبحث الوحيد الذي ~~ما زال حتى اليوم يتساءل عن ماهيته، وما زال موضوع تعريفها وتحديد مجالها يشغل قدرا ~~كبيرا من اهتمام الباحثين فيها حتى اليوم، بعد ألفي وخمسمائة عام على الأقل من التاريخ ~~المتصل. # هذا الموقف الغريب الذي تنفرد به الفلسفة، والذي يجمع بين القدم السحيق من ناحية، ~~والافتقار إلى التحدد في طبيعتها الكامنة ذاتها من ناحية أخرى، يوحي إلينا بضرورة النظر ~~إلى الفلسفة بمعايير ومقاييس تختلف عن تلك التي ننظر بها إلى سائر العلوم وبقية موضوعات ~~النشاط الذهني البشري، ويقنعنا بأن من السذاجة أن نطبق عليها آليا تلك ms225 المبادئ التي ~~سبق أن طبقت بنجاح في ميادين العلوم المختلفة، وفي الفروع الأخرى للدراسات ~~الإنسانية. # ومن أهم هذه المبادئ، مبدأ أدى تطبيقه في كل فروع البحث العلمي إلى إحرازها تقدما ~~كبيرا، هو مبدأ التخصص الذي أخذت أهميته تتزايد كلما اتسع نطاق المعرفة التي تحصلها ~~البشرية وتتراكم لديها جيلا بعد جيل، ولقد كان من الطبيعي أن يطبق هذا المبدأ على ~~ميدان الفلسفة، منذ أصبحنا نجد في جامعات العالم طلابا يتخصصون في الكيمياء، وآخرين في ~~التاريخ، وغيرهم في «الفلسفة»، فهل يحق لنا أن ننظر إلى التخصص في هذه الفروع جميعا ~~نظرة واحدة؟ وهل يكون مما يفيد تقدم المعرفة البشرية أن يتخصص الطالب في الفلسفة مثلما ~~يتخصص في الكيمياء أو التاريخ؟ بل هل يكون لكلمة «التخصص» ذاتها معنى واحد في هذه ~~الحالات جميعا؟ # من الحقائق المعروفة أن الاشتغال بالفلسفة ظل وقتا طويلا لا يمثل «تخصصا» بالمعنى ~~المعروف؛ ففي الوقت الذي كانت الفلسفة فيه تضم في ذاتها كل العلوم الأخرى أو عددا ~~كبيرا منها، لم يكن المشتغل بالفلسفة متخصصا بأي معنى من المعاني، وإنما كان ساعيا ~~وراء المعرفة على النحو الذي كانت فيه المعرفة ميسرة للناس في ذلك الحين؛ فهو - قبل ~~كل شيء - شخص يريد أن يعلم وأن يعرف، ومن هنا كان اهتمامه بذلك المبحث الذي كانت تندرج ~~فيه أهم حقائق العلم والمعرفة حينئذ، غير أن الموقف الراهن مختلف عن ذلك كل الاختلاف؛ ~~فهناك عشرات بل مئات من العلوم وفروعها وأجزائها، ولم تعد الفلسفة تمثل إلا واحدا من ~~ميادين أخرى متعددة، تتزايد تشعبا وتفرعا على الدوام، فماذا يكون مركز الباحث في ~~الفلسفة والمتخصص فيها في مثل هذا الموقف؟ # فلنتأمل المسألة في صورتها العينية، ولنتتبع دراسة هذا المتخصص في الفلسفة حتى نستطيع ~~إصدار حكم صحيح على قيمة تخصصه، إنه في كل الأحوال تقريبا شاب نال في التعليم الثانوي ~~- وما قبله من مراحل التعليم - نصيبا ضئيلا لا يعدو أن يكون مدخلا تمهيديا إلى بعض ~~فروع العلم؛ فحصيلته العلمية الحقيقية ضئيلة إلى أبعد حد، وهو ينتظر إكمال ms226 هذه الحصيلة ~~بدراسة فرع من فروع المعرفة البشرية بحيث يمارس من دراسته هذه تجربة العلم والمعرفة كما ~~تتبدى في هذا الفرع، وأستطيع أن أقول إن كل متخصص - أيا كان ميدانه - يحقق هذا ~~الهدف، أما في حالة المتخصص في الفلسفة فالمسألة موضوع شك. # فمن هذه الحصيلة الضئيلة التي تجمعت لدى الطالب قبل سنوات تعليمه الجامعي، ينتقل ~~فجأة إلى البحث في أخطر مشاكل العالم وأعم مسائل الكون، ويجد نفسه - دون أية مقدمات - ~~يناقش مشكلات السلوك الإنساني في أعم صورها، ومشكلات غاية العالم وهدف الإنسان من ~~الحياة، ومعايير الأخلاق، كل ذلك - وغيره كثير - مما يدخل ضمن نطاق «التخصص» في ~~الفلسفة. # وهنا يظهر لنا بوضوح الفارق بين معنى التخصص في الفلسفة وبين معناه في سائر الميادين؛ ~~ففي الفلسفة يناقش المتخصص موضوعات تفترض علما سابقا غزيرا، ولا أقول إنها تفترض ~~علما في فرع معين أو في ميدان خاص، وإنما هي تفترض نضوجا عقليا عاما وتمرسا ~~عميقا بتجربة العلم والحياة، وبدون هذا النضوج والتمرس، يغدو كل حكم من الأحكام العامة ~~التي يصدرها هؤلاء «المتخصصون» سطحيا فجا، ولا يكتسب له موقعا صحيحا في ذهن ~~صاحبه، وإنما يردده هذا دون فهم أو تعمق أو إدراك لمغزاه الحقيقي. # ذلك لأن الفلسفة ما زالت - كما قال الأقدمون - حبا للحكمة، والحكمة لا تأتي في ~~فراغ، ولا تبنى في الهواء، وإنما ينبغي أن ترتكز على دعائم متينة، ولا يتعين أن تكون ~~هذه الدعائم «علما» بالمعنى الخاص لهذه الكلمة - أعني علما وضعيا دقيقا - وإنما ~~يكفي أن تكون تجربة عميقة في ميدان من ميادين النشاط الذهني للإنسان؛ ففي وسع المرء أن ~~يناقش أعم مشكلات الكون، وتكون مناقشته هذه مجدية لنفسه وللآخرين، إذا كان - على سبيل ~~المثال - عالما متخصصا أو مشتغلا بشأن من شئون الفن أو الأدب أو باحثا في التاريخ، ~~ولكن كيف ننتظر منه أن يتناول - على نحو له جدواه - هذه المسائل الفلسفية الخطيرة وهو ~~لم يزل مفتقرا إلى الخبرة في كل ميادين العلم والأدب والحياة؟ # إن الفلسفة أو الحكمة ليست في رأيي جزءا ms227 من «تعليم» المرء، وإنما هي جزء من ~~«ثقافته»، والفرق هائل بين التعليم والثقافة؛ فالتعليم عتاد أساسي لا غنى عنه للمرء ~~كيما يواجه مسئولياته بوصفه فردا يريد أن يكون نافعا في المجتمع، أما الثقافة فهي ~~تكامل أطراف المعلومات التي جمعها المرء في تعليمه، وتكوينها كلا متناسقا يرتبط من ~~جهة بشخصية صاحبه ومن جهة أخرى بالمجتمع والعصر الذي يعيش فيه، أي إن الثقافة - مع ~~كونها تتويجا للتعليم - ليست جزءا أساسيا منه، والخطأ الذي نرتكبه حين ننظر إلى ~~الفلسفة على أنها تخصص يتفرغ له المرء في وقت مبكر، هو أننا نعدها مرحلة من مراحل تعليم ~~الفرد، مع أنها في الواقع ليست على الإطلاق جزءا من هذا التعليم بالمعنى الذي تكون به ~~الكيمياء أو اللغات كذلك، وإنما هي تتويج للتعليم أو ثمرة له، وهكذا أستطيع أن أقول - ~~دون أدنى حرج - إن المرء لا يكمل تعليمه بدراسة الفلسفة؛ لأن هذه الدراسة ليست ~~امتدادا لأية مرحلة سابقة من المراحل التي مر بها تعليمه، وإنما هي تثقيف - أي تنظيم ~~لمعرفة أو خبرة - ينبغي أن يكون المرء قد اكتسبها من قبل. # فأين إذن ينبغي أن يكون موقع الدراسة الفلسفية من بقية الدراسات؟ في رأيي أن الموقع ~~الصحيح لهذه الدراسة إنما يكون بعد اكتمال المراحل المختلفة للتعليم؛ فأكمل صورة ~~للدراسة الفلسفية هي تلك التي تأتي بعد اكتساب تجربة المعرفة في أي ميدان من ميادين ~~العلوم الإنسانية أو الطبيعية، أي إن الدراسة الصحيحة للفلسفة ينبغي ألا تبدأ إلا ~~بوصفها «دراسة عليا» بالمعنى الذي نستخدمه اليوم للدلالة على كل دراسة تعقب المرحلة ~~الجامعية المألوفة. # وهكذا يبدو لي أن أجل خدمة تسدى إلى الدراسة الفلسفية في عصرنا الحالي، هي أن ~~تتحول من أقسام جامعية تمهد للتخرج إلى دراسات عليا تعقب التخرج، ويقبل عليها أصحاب ~~الميول الفلسفية من الخريجين بمحض إرادتهم، بحيث تؤدي في نفوسهم وظيفة التثقيف لا ~~التعليم، وبحيث تكون تتويجا لتعليمهم لا جزءا أساسيا منه، وعندئذ فقط تكون الفلسفة ~~قد أدت مهمتها الحقيقية، وهي أن تزود النفوس بالحكمة، لا بمقدار مكمل ms228 من العلم كما تفعل ~~ميادين التخصص الأخرى. # وإني لأعلم حق العلم أن الاعتراضات على هذا الرأي كثيرة، فمنها مثلا ما يقول إن ~~بلادا أقدم منا عهدا بالثقافة الفلسفية تتبع نفس المنهج الذي ننتقده في هذا المقال ~~(وهل سنكون نحن أعمق شعورا بالمشكلة من الألمان والفرنسيين؟) مثل هذا الاعتراض لا ~~يتعرض في الواقع لجوهر المشكلة، وإنما لشكلها الخارجي فحسب، وإذا كانت الفلسفة ما زالت ~~تدرس في العالم كله بوصفها مرحلة من مراحل الإعداد التعليمي للشباب، فإن هذا لا يمنع ~~على الإطلاق من إجراء مناقشة فعلية للرأي القائل بأن موقع الفلسفة في العالم الذي نعيش ~~فيه ينبغي ألا يكون ضمن مواد التخصص الأساسية وإنما بعدها. # كذلك قد يوجه إلى هذا الرأي اعتراض ذو صبغة شخصية، فيقال إن كاتب المقال قد خضع ~~بدوره لنفس هذا النوع الذي ينتقده من التعليم الفلسفي، وأنا أعترف بهذا الانتقاد ~~اعترافا كاملا، وأرجو أن ينظر إلى هذا المقال على أنه يمثل - من هذه الناحية - ~~نوعا من النقد الذاتي، والحق أن تجربتي الشخصية في تدريس الفلسفة بالجامعة طالما أثارت ~~في خواطر من ذلك النوع الذي أحاول في هذا المقال أن أسجل طرفا منه؛ ففي هذه التجربة ~~كنت أواجه على الدوام شبابا نتلقاهم وهم في معظم الأحوال دون العشرين، ويكملون ~~«تعليمهم» الفلسفي وقد تجاوز معظمهم العشرين بعام أو اثنين، هؤلاء الشبان السذج - الذين ~~لم يكتسبوا قبل التحاقهم بالجامعة إلا قشورا من العلم - كان يطلب إليهم دائما أن ~~يناقشوا أصل الكون والإنسان ومصيرهما، وغاية الحياة وقيمها ومعايير السلوك فيها؛ كان ~~يطلب إليهم أن يكونوا «حكماء» وهم لم يكتسبوا بعد من خبرة الحياة أو تجربة العلم ~~شيئا، ولم يتزودوا بأي قدر من العتاد الضروري الذي لا يصبح المرء حكيما بدونه، ~~وكثيرا ما ساءلت نفسي: أي نمط من المتعلمين يمثله هؤلاء «الحكماء» الصغار؟ وأي سلاح ~~هذا الذي نزود به هؤلاء الشبان لنساعدهم على مواجهة الحياة؟ وما جدوى الحكمة التي ~~نلقنهم إياها إن كانت مبنية على فراغ؟ وهل يستطيع مواجهة مطالب الحياة في القرن ms229 العشرين ~~شخص تخصص - من هذه السن المبكرة - في الفلسفة وكأنها ستملأ ذهنه بمضمون علمي - مثلما ~~تملؤه الرياضيات أو اللغات أو العلوم الطبية مثلا - مع أننا كلنا نعلم أن هذه ليست ~~وظيفتها على الإطلاق؟ ولقد كنت دائما - خلال تجربتي هذه - أشعر بالهلع كلما استمعت إلى ~~الأحكام التعميمية الشاملة التي يصدرها هؤلاء الشبان بشجاعة فائقة وقلب جسور، فهل ينتظر ~~من الأحكام الفلسفية التي تصدر داخل مثل هذه الأذهان أن تكون صحيحة؟ وحتى لو كانت صحيحة ~~بمعنى أنها متفقة مع المعلومات الشائعة في ميدان الفلسفة، فهل هي تؤدي في أذهانهم وفي ~~كيانهم الشخصي نفس الوظيفة التي يفترض من الأحكام الفلسفية أن تؤديها في أذهان الحكماء؟ ~~وكيف يتسنى للمرء أن يصدر أعم وأشمل الأحكام على الحياة وهو لم يكتسب من خبرتها شيئا، ~~أو أن يدرس «المناهج العلمية» أو «فلسفات العلوم» وهو لا يملك شيئا من المادة العلمية ~~التي تفترضها هذه الدراسات مقدما؟ # إن البحث الفلسفي يقتضي أمرين أساسيين هما: النضوج العلمي والنضوج النفسي، أما النضوج ~~العلمي فقد أصبح ضرورة من ضرورات العصر الذي نعيش فيه، ولو تجاهلناه وبنينا تفلسفنا على ~~فراغ لكنا نغمض أعيننا عن أهم حقيقة من حقائق هذا العصر، وأما النضوج النفسي فهو ~~حقيقة أخرى هامة أدركها أفلاطون ذاته منذ خمسة وعشرين قرنا، حين دعا إلى تعلم الفلسفة ~~بعد سن الثلاثين، ولست أدري كيف يجوز لنا نحن أن نتجاهلها رغم وضوحها وضرورتها، أو ~~كيف استطعنا أن نبرر لأنفسنا إعطاء الحكمة لمن هم دون ريب غير متأهبين لتلقيها؟ # على أن للمسألة - في رأيي - وجها أعم من هذا الوجه التعليمي ذاته، وأعني به مركز ~~الفيلسوف المتخصص ذاته في العصر الذي نعيش فيه؛ فطبيعة هذا العصر تحتم علينا أن ~~نتساءل: أما زال في عالمنا هذا مكان للفيلسوف الخالص، أم إن هذا العالم لا يتسع إلا ~~لفلاسفة رياضيين أو فلاسفة اجتماعيين أو فلاسفة فنانين فحسب؟ وبعبارة أخرى فبعد أن كان ~~موضوع البحث في القسم السابق هو نمط الشاب الذي لم يلم إلا بقشور من المعرفة، ويطلب ms230 ~~إليه فجأة أن يكون فيلسوفا، والذي يخرج إلى الحياة وليس في جعبته إلا مجموعة من ~~الأحكام العامة التي ترتكز على فراغ، أصبح موضوع بحثنا في هذا القسم نمطا أعم، هو ذلك ~~المفكر الذي لا تتوافر له معرفة علمية متخصصة، ولا يلم في هذا الميدان بأكثر مما يلم به ~~الشخص العادي، ومع ذلك يجرؤ على مناقشة أخطر المسائل وأشدها احتياجا إلى المعرفة ~~والأفق الواسع. # هذه المسائل الأخيرة الشائكة لا يمكن البت فيها برأي حاسم في الوقت الحالي، وقد تكون ~~واحدة من تلك المسائل التي لا يحسمها إلا المستقبل، ومع ذلك فإن معظم المحاولات التي ~~تبذل من أجل إيجاد مكان للفلسفة في عصر العلم الذي نعيش فيه إنما يؤدي مباشرة - أو ~~سيؤدي في نهاية الأمر - إلى إنكار نمط الفيلسوف المتخصص، فلنتأمل أهم هذه المحاولات ~~لندرس مشكلتنا هذه من خلالها. # يرى الكثيرون أن أفضل وسيلة لضمان مكان للفلسفة في عالم اليوم هي تأكيد الوظيفة ~~التعميمية للفلسفة، ومعنى ذلك أن مهمة الفلسفة قد تحولت من منافسة العلوم إلى تعميم ~~النتائج التي تصل إليها تلك العلوم ومحاولة الوصول إلى نظرة شاملة إلى الكون تتميز عن ~~النظرة العلمية باتساع نطاقها، ولكنها ترتكز تماما على ما يأتي به العلم من معرفة، ولا ~~تأتي من جانبها الخاص بجديد إلا في تنظيم هذه المعرفة وتطبيقها على المشاكل الإنسانية ~~والكونية القصوى، فإذا كانت هذه هي الوظيفة الوحيدة الممكنة للفلسفة في عالم اليوم - ~~على ما يقول أصحاب هذا الرأي - فلا بد أن يسبق الفلسفة إلمام واسع بالعلم؛ إذ إن ~~التعميم الذي يمارس في فراغ سيكون تشويها لصورة العالم لا تنظيما له. # ومن جهة أخرى، فهناك من يقصرون مهمة الفلسفة على تحليل تصورات العلم واللغة المستخدمة ~~فيه، وهؤلاء يفترضون ضمنا أن على المرء أن يكون متعمقا في العلم قبل أن يتفلسف؛ إذ إن ~~تحليل لغة العلم يقتضي دراية واسعة باتجاهات العلم وتطوراته القديمة والحديثة، وفهما ~~لدلالة كل مصطلح فيه بالنسبة إلى تطوره العام. # وهناك أخيرا رأي ثالث يجعل من الفلسفة دراسة لمشكلات ms231 نهائية لا يتناولها العلم، ~~كالحرية ومعناها ومصير الإنسان وموقفه، وقد يبدو لأول وهلة أن أصحاب هذا الرأي هم الذين ~~يجعلون من الفلسفة مبحثا متخصصا، ما دامت هذه الموضوعات تقف «إلى جوار» العلم ولا ~~تندمج فيه، ويظل لها كيانها الخاص، المرتبط بماهية الإنسان ذاته، مهما طرأ على العلم من ~~تغير أو تطور، ولكن إمعان النظر في هذا الموضوع يثبت لنا على نحو قاطع أن ربط الفلسفة ~~بالموقف الإنساني هو الذي يقضي تماما على طابعها المتخصص؛ فحين تغدو الفلسفة مرتبطة بي ~~من حيث إنني «إنسان» فحسب، فعندئذ أكون قد ضللت نفسي والآخرين إذا ما ادعيت أنني ~~المتخصص فيها دون سواي؛ ذلك لأن الفلسفة لا تعود في هذه الحالة احتكارا لأحد، وإنما ~~يكون لكل شخص منها نصيب في ميدانه الخاص، والفارق بين الفيلسوف وغير الفيلسوف لن يعود ~~عندئذ فارقا بين شخص دارس للفلسفة وآخر غير دارس لها، وإنما يغدو فارقا بين شخص اكتمل ~~لديه الوعي بذاته وبموقفه من حيث هو إنسان، وشخص آخر يعيش حياة سطحية لا تنعكس على ~~ذاتها ولا تتأمل مشكلاتها بوعي ذاتي عميق، ومثل هذا الفارق الأخير لا يرتبط ضرورة ~~بدراسة الفلسفة، ولا يخضع للتخصص فيها، وإنما هو فارق بين أنماط إنسانية وذهنية بأعم ~~معاني هذه الكلمة، وبعبارة أخرى فقد يكون المرء دارسا متعمقا للفلسفة، وقد يصل إلى ~~أرفع درجات التفوق في هذا الميدان، دون أن يكون له نصيب في عملية «التفلسف»، تبعا ~~للمعيار الذي يضعه أصحاب هذا الرأي؛ لأن صلته بالفلسفة إنما هي صلة دراسات وكتابات ~~وقراءات، وليست صلة حياة وتجربة عميقة يعيشها بكيانه الكامل، وعلى العكس من ذلك، قد ~~ينطبق هذا المعيار على أشخاص لم يعرفوا الفلسفة معرفة علمية على الإطلاق، إذا كان ~~منهاجهم في الحياة يجعلهم يشعرون في كل لحظة بموقفهم من العالم ومن الآخرين ومن أنفسهم ~~شعورا كاملا، وهكذا فإن الفلسفة حين تغدو مرتبطة بإنسانية الإنسان ذاتها، تبتعد عن ~~التخصص إلى حد تغدو معه عبارة «الفيلسوف المتخصص» مناقضة لذاتها، وعندئذ يكون على كل ~~شخص أن يسلك ms232 في الحياة سبيله المعتاد، وتصبح الفلسفة - في الوقت ذاته - نشاطا موازيا ~~للنشاط الذي يقوم به في حياته المعتادة، نشاطا يزداد أو يقل شعورا بذاته تبعا لما ~~يمر به الإنسان نفسه من تجارب ومواقف، وتبعا لنوع الحياة التي اختارها لنفسه. # والخلاصة أنه سواء أنظر إلى الفلسفة على أنها تأتي عند نقطة نهاية العلم - كما ~~يقول أصحاب الرأي التعميمي - أم على أنها تأتي عند نقطة بدايته - كما يقول أصحاب الرأي ~~الوضعي التحليلي - أم على أنها تسير في خط مواز له وتحتل مجالا غير مجاله - كما يقول ~~أولئك الذين يربطونها «بوجود» الإنسان - فإن وجود نمط «الفيلسوف المتخصص » أو «الفيلسوف ~~بلا علم» يزداد صعوبة، إن لم يصبح مستحيلا في كل هذه الأحوال. وهكذا يبدو أن الفلسفة ~~مضطرة على الدوام إلى الاندماج بمحتوى علمي أو فني أو أدبي في ذهن الإنسان، وأنها في ~~عالمنا هذا تزداد بالتدريج عجزا عن أن تملأ وحدها الفراغ الثقافي في أي ذهن يريد أن ~~يساير هذا العالم ويؤدي فيه وظيفته الصحيحة، وقد يرى البعض في ذلك انتقاصا من قدرها، ~~ولكني لا أعتقد أن شيئا من مكانة الفلسفة ينتقص إذا ما تحولت وظيفتها من التعليم إلى ~~التثقيف، ومن إمداد الذهن بمضمون معرفي إلى تنظيم المضمون الذي يستمده الذهن من مصادر ~~العلم الأخرى، ومن مهنة متخصصة إلى نشاط خلاق تمارسه كل الأذهان إلى جانب أية مهنة أخرى ~~يتخصص في إجادتها كل ذهن منها على حدة. # | النظريات اليونانية في فلسفة الفن1 # كان الشعب اليوناني فنانا بطبيعته؛ إذ إنه - بالإضافة إلى ما خلفه للعالم من روائع ~~الآثار الفنية في ميادين النحت والتصوير والعمارة والشعر والمسرح - قد نظر إلى الحياة، ~~في جميع مظاهرها، نظرة يمكن أن يقال إنها فنية في أساسها؛ فالدين اليوناني لم يكن ~~فكرة أو عقيدة فحسب، بل كان في الوقت ذاته طقوسا وشعائر تسهم في أدائها أنواع عديدة من ~~الفنون، ولم يكن من الممكن فصل أي من هذين الوجهين عن الآخر أو إيجاد أي نوع من التمييز ~~بينهما، والآلهة اليونانيون لم يكونوا ms233 قوى خفية تتحكم في مسار العالم دون أن نعلم عنها ~~شيئا، وإنما كانوا شخصيات فنية في دراما هائلة، هي دراما الخلق والصيرورة الكونية ~~ومصير العالم، كذلك لم تكن الأخلاق اليونانية أخلاقا مجردة، بل كانت فكرة الجمال وفكرة ~~الانسجام تلعب فيها دورا أساسيا، أما التربية فلم تكن أبدا تحصيلا أو تكديسا ~~للعلم، بقدر ما كانت تحقيق التوازن الكامل بين الجسم والروح، وتنظيم ملكات الإنسان على ~~نحو يسوده أكمل قدر من التوافق. # غير أن الشعب اليوناني لم يتميز بالفن فحسب، بل تميز أيضا بالفلسفة، أي إنه لم يكن ~~يكتفي بالخلق والإبداع، بل كان يبذل جهدا كبيرا في تحليل هذا الخلق والإبداع والتفكير ~~فيه بوعي دقيق، ومن هنا فكما ترك لنا اليونانيون مجموعة من أروع الآثار الفنية، فكذلك ~~تركوا أولى النظريات التي احتفظ بها تاريخ البشر في مجال الفن؛ ولذا كان معظم الباحثين ~~في علم الجمال يبدءون دراستهم بالنظريات الجمالية اليونانية، بوصفها أول محاولة للتفكير ~~الواعي في الأسس الجمالية للخلق الفني، ولعل النظريات الجمالية الكبرى - التي سنوردها ~~في هذا المقال لأشهر الفلاسفة اليونانيين - كفيلة بأن توضح مدى عمق التفكير الجمالي ~~اليوناني على المستوى النظري، مثلما توضح آثارهم الفنية مدى عمق تجربتهم الجمالية على ~~المستوى العملي. # النظرية الأخلاقية عند أفلاطون # من الممكن القول إن آراء أفلاطون في الفن تكون أول نظرية جمالية عامة محددة ~~المعالم ظهرت في تاريخ الفلسفة، صحيح أن الإنتاج الفني قديم قدم البشرية ذاتها، ~~ولكن التفكير الواعي في معنى الفن وقيمته، وتحديد العناصر التي تجعل العمل الفني ~~جميلا، كل هذه أمور كان لا بد من أن يمر وقت طويل قبل أن تصاغ في صورة نظرية ~~واضحة المعالم. # ولكي نتبين طبيعة الجو الذي صاغ فيه أفلاطون نظرياته الجمالية، ينبغي أن نبدأ ~~بكلمة عن العلاقة بين فن كالشعر وبين الفلسفة في العصر الذي تقدم فيه أفلاطون ~~بآرائه، وبذلك يتسنى لنا أن نضع آراء أفلاطون في سياقها التاريخي الصحيح؛ فقد نشأ ~~التفكير في علم الجمال - عند اليونانيين - في جو من التنافس والصراع بين الشعر ms234 ~~والفلسفة، واضطر الفلاسفة - إخلاصا منهم للحقيقة - إلى الحملة على الشعراء الذين ~~كانوا ينافسونهم في ادعاء الحكمة والمعرفة، ولم يكن أفلاطون في الواقع أول فيلسوف ~~يوناني يحمل على الشعراء ويندد بادعاءاتهم، بل سبقه إلى ذلك فلاسفة آخرون اتفقوا ~~جميعا على أن الشعراء يقدمون إلى الناس صورة مزيفة عن العالم وعن الإنسان الآلهة، ~~والواقع أن فنا كالشعر لم يكن يؤدي في حياة اليونانيين دورا سطحيا على ~~الإطلاق، ولم يكن تأثيره فيهم يقتصر على ما يبعثه في نفوسهم من المتعة الجمالية، ~~وإنما كان له في حياتهم دور أساسي؛ فملاحم هوميروس كانت بالنسبة إلى العصر اليوناني ~~أشبه بالإنجيل بالنسبة إلى العصر المسيحي فيما بعد، وكانت الأساطير التي هي المادة ~~الخام لهذه الملاحم تقوم بمهمة تعليم الذهن الشعبي وتشكيله في آن واحد، ولم يكن ~~اليوناني العادي ينظر إلى هذه الملاحم على أنها مجرد قصص مثير يروى بطريقة ~~إيقاعية، ويكون عالما خياليا مصطنعا، وإنما كان يعدها حجة في الشئون المتعلقة ~~بالحرب والسياسة والعلاقات الاجتماعية والدين والحياة الأخرى، ومن المعروف أنه لم ~~تكن لدى اليونانيين القدماء كتب دينية مقدسة أو هيئة دينية تضع الدين في صيغ ثابتة ~~يتقيد بها الناس، ومن هنا كانوا يرجعون إلى الشعراء ليسترشدوا بهم في الشئون ~~المتعلقة بالسلوك في الحياة. ولما كانت الفلسفة قد ظهرت بين اليونانيين لتطالب ~~لنفسها بنفس هذه الوظيفة - أعني وظيفة تقديم تفسير للعالم وتوجيه الإنسان أخلاقيا ~~في سلوكه - فقد كان من الطبيعي أن يحدث الصدام بين الفلاسفة وبين الشعراء، ونظرا ~~إلى أن الشعر يرتبط ارتباطا وثيقا بالموسيقى، ولا سيما عند اليونانيين الذين كانت ~~أشعارهم تلقى بطريقة غنائية إيقاعية، كما يرتبط أيضا بفنون أخرى كالفن المسرحي، ~~فقد كان من الطبيعي أيضا أن يؤدي هذا الصدام إلى صراع له طابع أشمل بين الفلسفة ~~وبين الفن بوجه عام. # هذا التمهيد - كما قلنا - ضروري لكي ندرك طبيعة الجو الفكري الذي ظهرت فيه نظرية ~~أفلاطون الجمالية؛ فعلى أي نحو إذن كان أفلاطون يفهم الفن في معناه العام؟ يعني ~~أفلاطون بالفن أولا ما اكتسبه الإنسان ms235 من مهارات أساسية تؤدي إلى الوفاء بحاجاته ~~الأولية التي لا تستطيع الطبيعة تلبيتها؛ فالفن هو ما يضيفه الإنسان بذهنه إلى ~~الطبيعة، ويمارس فيه مهاراته التي يكتسبها بعد خبرة طويلة، على أن الفن سرعان ما ~~ينتقل عنده إلى معنى آخر أعمق، يصبح فيه عملية واعية يمارسها الإنسان وفي ذهنه غاية ~~يحددها مقدما، فهو يقتضي معرفة دقيقة، ويسير تبعا لغاية معينة، وبعبارة أخرى فلكل ~~فن خير يؤمل منه، وهدف يسعى إلى تحقيقه، وهكذا يرتبط البحث في الفن بالمعاني ~~الأخلاقية منذ بداية الأمر. # ولقد كان من الطبيعي أن تتركز أول نظرية في علم الجمال على فكرة التقليد أو ~~المحاكاة، فحتى يومنا هذا نجد كثيرا من العقول الساذجة تنظر إلى الفن على أنه ~~محاولة لمحاكاة الطبيعة، وتلك هي النظرة السائدة عن طبيعة الفن عند أفلاطون؛ ~~فالفنان - في رأيه - قادر على محاكاة كل شيء، وكما يقول هذا الفيلسوف في إحدى فقرات ~~محاورة «الجمهورية»: «إن الفنان يستطيع أن يصنع النباتات والحيوانات، ويصنع ذاته ~~وكل الأشياء الأخرى، من أرض وسماء، وما يعلو في السماء ويكمن في باطن الأرض، بل ~~يستطيع أن يصنع الآلهة أيضا؛ ألست ترى أن هناك وسيلة تستطيع أن تفعل بها أنت نفسك ~~ذلك؟ ... إن كل ما عليك أن تظل تدير مرآة حولك، وسرعان ما تجد نفسك قد صنعت الشمس ~~والأرض وذاتك في المرآة وحدها.» وهكذا يشبه أفلاطون عمل الرسام بهذه العملية التي ~~يدير فيها الإنسان مرآة من حوله ليصنع منها مظاهر وخيالات للأشياء، فإذا رسم الفنان ~~كرسيا، فلهذا الكرسي مرتبة ثالثة من حيث الوجود؛ فهناك أولا فكرة الكرسي كما ~~توجد في الذهن الإلهي، وهناك ثانيا الكرسي الفعلي الذي يصنعه النجار، وثالثا مظهر ~~الكرسي أو صورته كما يرسمها الفنان، وعلى ذلك يكون العمل الفني في المرتبة الثالثة ~~من مراتب الوجود؛ لأنه لا يتناول الأفكار الثابتة للأشياء، أو المثل كما يسميها ~~أفلاطون، ولا يتناول الأشياء الجزئية التي نراها في العالم الواقعي، وإنما يتناول ~~مظاهر لهذه الأشياء الجزئية فحسب، وهكذا يرتبط رأي أفلاطون في الفن بنظريته ~~الفلسفية ms236 المعروفة باسم نظرية المثل، التي ترتب فيها الموجودات ترتيبا تنازليا، ~~يبدأ بتلك الأفكار الثابتة المسماة بالمثل، وينتقل إلى الأفراد الجزئية الهائلة ~~العدد، والتي تشارك كل مجموعة منها في مثال واحد، وينتهي إلى ظلال الأشياء أو ~~مظاهرها كما يصورها الشعراء والفنانون. فالفن إذن محاكاة، وهو ليس محاكاة للموجودات ~~في أعلى مراتبها - أعني للمثل - وإنما هو محاكاة للأشياء الجزئية الفردية الزائلة، ~~ومن هنا كان يحتل أدنى مرتبة من مراتب الوجود، وإذا كان من الشائع اليوم وصف الفنان ~~بأنه خالق، فإن أفلاطون لم يكن ليقبل وصفا كهذا على الإطلاق؛ ذلك لأن الفنان في ~~نظره مقلد فحسب، وهو يأتي في المرتبة الثالثة بعد الخالق الحقيقي، وهو الخير الكوني ~~أو مثال المثل، وبعد الصانع الذي يصنع أشياء جزئية ملموسة يحاكي بها المثل ويقلد ~~عالم الأفكار الثابتة. # وعلى أساس فكرة المحاكاة هذه تتخذ نظرية أفلاطون في الفن طابعا أخلاقيا ~~واضحا؛ ذلك لأن الفن يتصف بنفس صفات الأشياء التي يحاكيها، فينبغي إذن أن يخضع ~~لنفس القيود التي يخضع لها الناس هذه الأشياء في حياتهم الفعلية، فإذا كنا في هذه ~~الحياة مثلا نحرم السرقة ونعدها جريمة في حق المجتمع، فمن واجبنا أيضا أن نحرم ~~الشعر الذي يتحدث عن السرقة ويجعلها تبدو أمرا محببا إلى نفوس الناس. وربما قيل ~~إن تأثير التقليد أضعف من تأثير الأصل، ولكن الواقع أن المحاكاة الفنية أشد إثارة ~~للنفوس؛ لأن الفنان مبالغ بطبيعته، ولأن الفن أقرب صلة إلى الانفعال، وإذن فمن ~~الواجب إخضاع الفن لقيود تشريعية صارمة بحيث نطبق على الأفعال التي يدعو إليها ~~الفنان نفس الأحكام التي نطبقها على نظائرها التي تحدث في الحياة الواقعية. # كذلك نصل إلى هذه النتيجة ذاتها إذا تأملنا الأثر الداخلي الذي يتركه الفن في ~~النفوس؛ فالفن يبعث فينا نوعا من اللذة، ويرتبط بانفعالاتنا أوثق الارتباط، وله ~~فينا تأثير أشبه بالسحر الخلاب، وهذا التأثير وحده كاف للحملة عليه في نظر ~~أفلاطون؛ إذ إن التأثر بهذا السحر هو ذاته ابتعاد عن الحقيقة، وانخداع بوهم باطل، ~~والفن - بما يبعثه في الإنسان ms237 من لذة - يتقاذف النفس البشرية وكأنها ألعوبة في يده، ~~فتراه يعلو بها أحيانا إلى قمة السرور، وينزل بها أحيانا أخرى إلى حضيض الحزن ~~والألم، ويظل الإنسان نهبا لهذه الانفعالات، يمتلئ بها ويفرغ منها كأنه وعاء خاو. ~~فالفن إذن يبعث في النفس البشرية حالة من عدم الاستقرار نتوهم خطأ أنها متعة، وفي ~~هذا يجد أفلاطون سببا آخر للحملة عليه؛ ففي هذه اللذة التي يبعثها فينا خطورة؛ ~~لأنها تؤثر حتما في واجباتنا الاجتماعية. ويرى أفلاطون أن هذه الصفة واضحة في ~~الموسيقى بقدر ما هي واضحة في الشعر، ومن الطبيعي أن الموسيقى في نظر أفلاطون تعجز ~~عن محاكاة الموضوعات الخارجية محاكاة مباشرة، وإنما هي تحاكي - أو على الأصح تصور - ~~أحوالا للنفس البشرية، ومن هنا يصبح المعيار الذي يحكم به أفلاطون على الموسيقى هو ~~نوع الحالة النفسية أو الخلق الذي تثيره الموسيقى في نفس الإنسان. ~~••• # ويؤكد أفلاطون أن الأحوال التي تثيرها الفنون المختلفة - وخاصة الموسيقى - في ~~الإنسان، تتغلغل في نفسه تدريجيا حتى تصبح طبيعة ثابتة، أي إن النمو النفسي للمرء ~~يتحدد من خلال الانفعالات التي يمر بها، والتي تلعب فيها الفنون دورا كبيرا، ومن ~~هنا كان من الواجب الحرص على إخضاع النشء للمؤثرات الفنية الصالحة وحدها، واستبعاد ~~كل فن يبعث في نفسه عزيمة خائرة أو يولد فيه صفات الجبن والغش والخداع. وهكذا يبدو ~~أن أفلاطون - رغم كل ما يبديه من عداء لأنواع معينة من الفن - يعترف ضمنا بما للفن ~~من تأثير هائل في النفوس، وبدوره الكبير في التربية، وبقيمته الأساسية بوصفه سلاحا ~~أخلاقيا من الطراز الأول. # ومن الواضح أن هذه الآراء قد تكررت مرارا خلال تاريخ التفكير الجمالي، ومن أشهر ~~الأمثلة الحديثة لها، النظرية التي عرضها الكاتب الروسي الشهير تولستوي في كتابه ~~«ما الفن؟» فهو يرى أن الفن نوع من التبادل المقصود للمشاعر، وأنه رغم كونه محايدا ~~أخلاقيا، فإنه لا يستحق أن يقبل إلا إذا أثار فينا مشاعر تتمشى مع غاية ~~الحياة وخيرها كما يحددها المجتمع في عصر معين. وعلى أية حال فلسنا بحاجة ms238 إلى الخوض ~~في تفاصيل نظرية تولستوي، التي تنتهي إلى نتائج مشابهة لتلك التي انتهى إليها ~~أفلاطون، رغم ارتكازها على دوافع وقيامها على أسس مختلفة كل الاختلاف عن دوافع ~~نظرية أفلاطون وأسسها؛ فالنظرية الأخلاقية في الفن متشابهة في طابعها العام، ولها ~~أينما ظهرت عيوب ومزايا واحدة. # فما هي إذن أهم عيوب هذه النظرية؟ أوضح هذه العيوب أنها تخلط بين البحث عن ~~المنفعة العملية والفائدة الأخلاقية وبين المتعة الفنية أو الجمالية ذاتها؛ فمن ~~الصعب أن يعترف المرء بأن الفن لا ينبغي تقديره إلا لما فيه من دعوة أخلاقية؛ لأن ~~الفن يغدو عندئذ نوعا من المواعظ، بل تصبح المواعظ ذاتها أعظم قيمة منه، فضلا عن ~~أنها سبيل أيسر للوصول إلى الهدف المطلوب، ولو تأملنا الأسس التي نحكم بها على ~~الأعمال الفنية، لما وجدنا الأساس الأخلاقي واحدا منها؛ فقد يحدث أن يفضل الناس ~~عملا فنيا يؤدي إلى نوع من التهاون الأخلاقي، والأكثر من ذلك شيوعا ألا ينظر ~~الناس إلى المضمون الأخلاقي للعمل الفني على الإطلاق، وهم في ذلك على حق؛ إذ إننا ~~في تجربتنا الجمالية لا ننظر إلى الفنان على أنه معلم يلقننا درسا في الأخلاق، ولا ~~نعجب بلوحاته أو بموسيقاه بناء على ما تبعثه فينا من معاني الفضيلة وحسن السير ~~والسلوك، ولنتساءل بعد ذلك: أية أخلاق هذه التي يريدنا أصحاب هذه النظرية أن نطالب ~~بها في كل عمل فني نستمتع به، أهي أخلاق طبقة معينة، أم عصر كامل، أم أخلاق الحكام؟ ~~إن أفلاطون يؤكد أن الفيلسوف - بوصفه الشخص الذي يعرف الخير والشر أكثر مما يعرفهما ~~غيره من الناس، وبوصفه أجدر الناس بتولي مقاليد الحكم في الدولة المثالية - هو ~~القادر على أن يحدد لنا الفن المقبول والفن غير المقبول، وعلى عكس ذلك يدعو تولستوي ~~إلى أن يكون كل فن مفهوما ومقبولا لدى أبسط فلاح، وإن كنا لا نستطيع أن نفترض أن ~~«أبسط فلاح» هذا سيكون بالضرورة شخصا أخلاقيا تتمشى أحكامه مع الخير ومع ~~الفضيلة، والمهم في الأمر أن أحدهما يضع المعيار في أعلى درجات ms239 السلم الاجتماعي ~~والفكري، أي عند الحاكم الفيلسوف، والآخر يضعه في أدنى درجاته، أي عند الفلاح ~~البسيط، وهذا وحده شاهد على أن القول بوجوب اتباع الفن للأخلاق ليس كافيا وحده؛ إذ ~~إننا سنظل نتساءل دائما عن نوع الأخلاق التي ينبغي أن يتبعها الفن، وسندخل في ~~خلافات جديدة حول تفضيل نظم القيم المختلفة للناس. وعلى أية حال فمن الواضح أن مغزى ~~العمل الفني أعمق وأوسع من مثل هذه الخلافات الضيقة؛ فالعمل الفني العظيم يضعنا ~~وجها لوجه أمام ماهية الإنسان ذاتها، أعني الإنسان من حيث هو موجود له موقف معين ~~من الكون ومن عالم الناس، وهو أعم وأشمل من أن يرتبط بهذا النظام الأخلاقي أو ذاك، ~~والمتعة الجمالية ذاتها شيء يختلف كل الاختلاف عن الاعتبارات العملية المتعلقة ~~بالسلوك الأخلاقي الناجح، والأمر المؤكد أن كبار الفنانين لم يخلقوا أعمالهم وفي ~~أذهانهم غايات أو نوايا أخلاقية، ولم يبدعوا وهم يرمون إلى تحسين أخلاق الناس أو ~~إعطائهم دروسا في الفضيلة، ولو أصبحت الغاية الوحيدة للفن هي غرس الأخلاق الحميدة ~~في النفوس، لانحط مستوى الفن انحطاطا شديدا، بينما لن تفيد الأخلاق ذاتها شيئا ~~من كل ما يقدمه الفنانون من مواعظ. # ومثل هذا يقال عن ارتباط الفن باللذة عند أفلاطون؛ فالمنطق السليم لا ينكر أن ~~الفن يجلب نوعا من اللذة، وإلا لما كنا نجد العمل الفني جميلا؛ إذ إن العمل الذي ~~نتذوقه دون لذة حاضرة أو مأمولة لا يمكن أن يكون في نظرنا جميلا على الإطلاق، ولكن ~~هذا الارتباط باللذة لا يعني أن الفن مجرد وسيلة لالتماس اللذة بأي ثمن، ولو كان ~~الأمر كذلك لكان أفلاطون محقا في هجومه على الفن؛ إذ إن من المعترف به أن بعض ~~اللذات تنطوي على الشر إما في ذاتها أو بما تجلبه من النتائج، ولكن الواقع أن الخلق ~~الفني وتذوق الجمال هما مظهران لنشاط مرغوب فيه لذاته، ولو كان الفن مجرد وسيلة ~~لاكتساب اللذة أو مداعبة الحواس؛ لكان من واجبنا أن نستبدل به وسائل أخرى تعطينا من ~~اللذات قدرا أعظم، ولكان من ms240 الصعب على المرء - على حد تعبير أحد الكتاب - أن ~~يفاضل بين علبة السجاير وبين شكسبير، فإذا قيل - ردا على ذلك إن على المرء أن ~~يفضل ذلك النوع الخاص من اللذة المسمى بالفن، لكان في هذا اعتراف بالمطلوب؛ لأنه ~~يعني أن ما يجذبنا إلى الفن ليس اللذة في ذاتها، وإنما أمور أخرى نسلم بوجودها في ~~العمل الفني، وبعدم وجودها في بقية الموضوعات المحسوسة الأخرى. # أما فكرة المحاكاة - التي تبنى عليها هذه النظرية الأخلاقية في الفن - فإن ~~فيها عيوبا واضحة، أبرزها أن هناك أنواعا من الفن لا تحاكي شيئا على الإطلاق، ~~وكذلك أنواعا من الجمال لا تنطوي على تصوير أو تقليد لشيء، ومن أمثلة هذه الأنواع: ~~جمال الطبيعة وجمال الفن الزخرفي والفن المعماري وفن الرقص، ولا يمكن أن تستقيم ~~نظرية أفلاطون إلا إذا استطاع أن يدخل ضمنها هذه الفنون جميعا، ومما له دلالته أن ~~أفلاطون لم يتحدث في الكتاب العاشر من محاورة «الجمهورية» - الذي هاجم فيه الفن على ~~أساس فكرة المحاكاة - إلا عن فن الشعر والتصوير، وأغفل الفنون الأخرى التي هي ~~بطبيعتها غير محاكية. والواقع أننا - حتى في الحالات التي يكون فيها الفن محاكيا ~~- نرى الأصل في كثير من الأحيان فلا نعجب به إعجابنا بالتقليد الذي هو العمل الفني، ~~فلا بد إذن أن يكون بينهما شيء من الفارق هو الذي يعلل هذا الإعجاب، أما التقليد ~~الحرفي فقد يكون أمرا مسليا، ولكنه لا يثير فينا متعة جمالية، والدليل على ذلك أن ~~القردة أقدر عليه من معظم الناس. # وفي آراء أفلاطون الجمالية - بعد هذا - عيب أساسي، هو ارتباطها بنظريته الفلسفية ~~المعروفة باسم نظرية المثل، بحيث إن المرء يستطيع أن يرفض كل هذه الآراء الجمالية ~~إذا لم يوافقه على نظرية المثل، وإذا لم يكن يؤمن بأن للأفكار أسبقية في الوجود على ~~الأشياء الجزئية الواقعية، أو بأن الأولى هي الثابتة، بينما يقل الثبات وتنعدم ~~الوحدة والنظام كلما ابتعد المرء عنها هبوطا في سلم الموجودات. والواقع أن هذه ~~النظرية عندما تطبق على الفن تؤدي إلى نتائج ممتنعة ms241 غاية الامتناع؛ إذ هي تفترض ~~ضمنا القول إن الصانع - كالنجار الذي يصنع الكرسي في المثل الذي ضربناه من قبل - ~~أفضل من الفنان؛ لأن الأول على الأقل يحاكي المثل الفكرية مباشرة، بينما الثاني لا ~~يحاكي إلا ما أنتجه الأول بالمحاكاة، وعلى حين أن الصانع يتصل مباشرة بالمثل، ~~وينتج شيئا واقعيا ملموسا، فإن الفنان لا ينتج إلا ظلالا وأوهاما في أدنى ~~مراتب الوجود، ولعل هذه النتيجة وحدها كافية لإثبات مدى استحالة تطبيق مثل هذه ~~النظريات الميتافيزيقية في مجال الفن. # ولنتساءل في هذا الصدد: لماذا أصر أفلاطون على القول بأن الفنان يقلد الأشياء ~~الجزئية، ولم يقل إنه إذا كان مقلدا، فإنه يقلد المثل الفكرية العامة؟ هل الفنان ~~بالفعل - في خلقه لعمله الفني - يصور الأشياء الفردية الجزئية الخاصة، ولا يضع في ~~اعتباره الفكرة أو المثال أبدا؟ إننا نعترف بأن موضوعات الفن جزئية، بمعنى أن ~~الكاتب مثلا يرسم في روايته شخصية فردية محددة، لها اسم معين وطبيعة واحدة وظروف ~~خاصة في الحياة، ولكن الفنان كثيرا ما يتناول - من خلال هذه الشخصية الجزئية - ~~نمطا عاما يمثل الفكرة بأسرها، لا تحققها الجزئي في هذا الفرد أو ذاك، ولنقل ~~من ناحية أخرى إن المثال الأفلاطوني ذاته شيء يصعب تصوره بالفكر المحض، وربما كانت ~~أفضل وسيلة لتقريبه إلى الأذهان هي تأمله من خلال العمل الفني؛ فحين يعرض الفنان ~~شخصية إنسانية جزئية خاصة، قد يعرض لنا من ورائها أنموذجا كاملا للإنسان ذاته، ~~صحيح أنه لا يزعم أنه يصور الإنسانية كلها، من حيث هي فكرة واحدة ثابتة لا تتغير، ~~كما أراد أفلاطون من المثل أن تكون، ولكنه على أية حال يخرج في عمله الفني عن حيز ~~الفردية الضيقة، بحيث يمثل في «روميو وجولييت» مثلا المحبين في كل زمان ومكان، ~~ويمثل في «الإخوة كارامازوف» أزمة الإنسان الحديث بأسرها، بالإضافة إلى ما ينطوي ~~عليه كل من العملين - بطبيعة الحال - من عناصر خاصة لا تفهم إلا في سياق محدود. ~~وبعبارة أخرى فإذا كان في وسع الإنسان أن يتصور نماذج لعالم مثالي يعلو على ~~الجزئيات ms242 الفردية التي يتعامل معها الناس في حياتهم اليومية، فأقرب شيء إلى هذه ~~النماذج هو تلك الموضوعات التي يخلقها الفنان، وهذا يؤدي بنا إلى قلب أوضاع نظرية ~~أفلاطون، بحيث يحتل العمل الفني المرتبة الأولى بدلا من الثالثة، أو على الأقل ~~يصبح هو أقرب الأشياء التي يمكننا تصورها إلى هذه المرتبة وإلى طبيعة المثال أو ~~الفكرة الكامنة من وراء الجزئيات. # فإذا انتقلنا إلى الجانب الإيجابي من آراء أفلاطون ومن نظريته الأخلاقية بوجه ~~عام، كان علينا أن ننبه أولا إلى أن قدرا كبيرا من سوء الفهم - بالنسبة إلى هذه ~~النظريات القديمة - يرجع إلى الاختلاف في فهم معاني المصطلحات بين اللغات القديمة ~~واللغات الحديثة؛ فالكلمة اليونانية المعبرة عن الشاعر تعني أيضا الصانع أو ~~الفاعل، وكان يشيع استخدامها بين اليونانيين للدلالة على كل فنان يخلق شيئا أو ~~يصنعه بعد أن لم يكن موجودا. وهكذا فإن الكلمة حتى عندما تستخدم بمعناها الضيق ~~- وهو معنى الشاعر - تحمل دائما ارتباطات أوسع من هذا المعنى، وهذا يصدق أيضا على ~~الكلمة المعبرة عن الموسيقى؛ فهي أحيانا تشمل كل الفنون والآداب، أي كل ما يرتبط ~~بربات الفن والأدب، وهذا هو المعنى الذي يقصده أفلاطون حين يتحدث عن العنصرين ~~الأساسيين اللذين ينبغي أن تتضمنهما التربية، وهما: الموسيقى - أي التربية الروحية - ~~والرياضة البدنية - أي التربية الجسمية، بل إن هذا الاختلاف يظهر بوضوح في كلمة ~~الفن ذاتها؛ فالفن عند اليونانيين يشمل - بالإضافة إلى معناه المألوف لدينا اليوم - ~~الفنون الصغرى والحرف اليدوية والصنائع العملية، أي إن التقابل الحديث بين الفن ~~الجميل والصنعة لم يكن قد عرف بعد، ويرى بعض الباحثين أن هذا التوسع في معنى ~~الفن هو أمر تتميز به النظرة اليونانية في مجموعها عن النظرة الحديثة التي ضيقت ~~مجال الفن أكثر مما ينبغي، حين أخرجت من ميدانه أنواعا من النشاط تنتمي بالتأكيد ~~إلى مجال التنظيم المعقول للموضوعات الحسية التي يتعامل معها الإنسان. # ورغم كل العيوب التي أشرنا إليها من قبل في صدد فكرة المحاكاة، فمن المؤكد أن ~~لهذه الفكرة أساسا ثابتا في التجربة الفنية ms243 ذاتها، هو أن الفن - في معظم اتجاهاته ~~- يصور شيئا ما، وقد لا يعترف أنصار الفن التجريدي المعاصر بذلك، ولكن كثيرا من ~~الرسامين والنحاتين قد اعترفوا بأنهم يصورون في أعمالهم موضوعات معينة بل يحاكونها ~~أحيانا، كما أننا نقول عن الروائي أو الكاتب المسرحي أو الشاعر إنه يصور شخصيات ~~أو مشاعر معينة بدقة، بل إن أكبر مدح نوجهه إلى الأديب القصاص هو أن نصف حوادثه ~~بأنها طبيعية، وشخصياته بأنها صادقة، ولغته بأنها مماثلة لتلك التي يستخدمها الناس ~~بالفعل. وإذا كان أفلاطون قد عبر في نظريته عن طبيعة عصره الذي درس فيه المثالون ~~تفاصيل الجسم البشري بدقة ليحاكوها في أعمالهم على نحو علمي دقيق، فإن آراؤه تغدو ~~أقرب إلى فهمنا إذا تذكرنا تلك الدراسات الطويلة التي قام بها رسامون محدثون ~~للظواهر الطبيعية حتى يحاكوها في لوحات أصبحت لها منذ ذلك الحين شهرة ~~عالمية. # وأخيرا فإن الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى النظريات الأخلاقية في الفن ~~كثيرة، ولكن سيظل من الصحيح رغم كل ذلك أن التجربة الجمالية تجعلنا أناسا أفضل، ~~وأنها تهذب مشاعرنا وتجعلها أقل عنفا وأكثر إنسانية، وتبلغنا بالتالي رسالة لا شك ~~في أن لها طبيعة أخلاقية، وإذا كان من الخطأ أن يطلب إلى الفنان أن يقدم إلينا ~~دروسا مباشرة في الأخلاق، فمن المؤكد أن هذه الدروس موجودة حتى لو لم يتعمدها ~~الفنان، وهي تتمثل في قلب التجربة الجمالية ذاتها، في ذلك السر الغامض الذي يتميز ~~به العمل الفني العظيم، حين يضفي على مشاعرنا رقة لا ندرك مصدرها، ويجعلنا - على ~~نحو لا نفهمه بوضوح - نبعد عن مشاغلنا ومصالحنا الجزئية ونزداد اقترابا من إنسانية ~~الإنسان. # النظرية الواقعية عند أرسطو # أما أرسطو فكان أول من خصص مؤلفا كاملا عن موضوع في صميم علم الجمال، هو ~~كتاب الشعر، ورغم أن موضوع البحث في هذا الكتاب - كما هو واضح من عنوانه - هو الأدب ~~بل الأدب المنظوم، فإن الكتاب أول مؤلف نظري خصص كله لمناقشة المسائل ~~الجمالية، فضلا عن أنه تضمن إشارات موجزة إلى مختلف الفنون، وإلى طبيعة ms244 التجربة ~~الجمالية بوجه عام. ولم يكن كتاب الشعر هو الوحيد الذي عالج فيه أرسطو الموضوعات ~~الفنية، وإنما تضمنت كتبه الأخرى - ولا سيما كتاب السياسة - أبحاثا هامة في هذا ~~الموضوع. # ولقد كان الأسلوب الذي تناول به أرسطو موضوع الفلسفة الجمالية مختلفا كل ~~الاختلاف عن طريقة أفلاطون في معالجة هذا الموضوع؛ فأرسطو ينقلنا إلى جو علمي جديد، ~~خلا من تلك النزعة الشعرية الواضحة التي تميزت بها طريقة أفلاطون في الكتابة، ولم ~~يكن أرسطو يشعر على الإطلاق بذلك التوتر الذي أحس به أفلاطون بين مزاجه الشعري ~~الخاص وبين رفضه الفلسفي للشعر. ومن هنا كان أرسطو أقدر على التحليل العلمي ~~الهادئ من أفلاطون، وأقدر منه أيضا على المضي في أبحاثه بحيث تتفرع الموضوعات ~~عنده إلى ميادين أدق وأعمق. # والأهم من ذلك أن أرسطو كان يتميز بموقف فلسفي عام أقرب إلى الواقعية كثيرا من ~~أفلاطون، وكان لهذا الموقف تأثير هام في صبغ نظريته الجمالية بالصبغة الواقعية؛ فهو ~~لا يحمل على الواقع وعلى عالم الجزئيات كما فعل أفلاطون، ولا يهاجم العالم المادي ~~من الوجهة الأخلاقية مثله، وإنما يتصف العالم في نظره بالدينامية والحرية، ~~وبالغرضية التي تتغلغل في أدق تفاصيله، وبعبارة أخرى فللطبيعة ذاتها - في كل ~~أفعالها - غاية يمكن أن توصف بأنها جمالية بمعنى ما، ولها في كل شيء حكمة وخطة ~~مرسومة، وسوف نرى بعد قليل إلى أي حد تؤثر نظرة أرسطو الواقعية هذه إلى الطبيعة في ~~فلسفته الجمالية بوجه عام. ~~••• # ولكي نوضح العناصر الرئيسية في نظرية أرسطو في الفن، سنقتبس أجزاء من تعريف ~~للشعر ورد في مستهل كتابه، ويمكن أن ينطبق على مجال الفن بأسره؛ ففي التعريف يقول ~~أرسطو: «إن أصل الشعر راجع إلى سببين، كل منهما يرتد إلى ميول طبيعية: الأول هو ~~المحاكاة، وهي متأصلة في البشر منذ طفولتهم وما يلي ذلك من فترات العمر ... كما أن ~~التمتع بالمحاكاة متأصل في الناس جميعا، وهذا أمر يشهد به الواقع ذاته؛ إذ إننا ~~نستمتع برؤية أدق صور الأشياء التي نكره أن ننظر إليها في حقيقتها، كصور أبشع ms245 ~~الحيوانات أو الجثث، والسبب الثاني هو أن الناس جميعا - لا أهل العلم فقط - ~~يستمتعون برؤية الأشياء من جديد؛ إذ إن هذه تتيح لهم فرصة التعرف والاستدلال على كل ~~شيء على حدة، فيقولون إنه ذاك؛ ذلك لأن الرائي لو لم يكن قد رأى الشيء من قبل ~~أبدا، لما كان الشبيه هو الذي يسبب اللذة، ولكن الذي يسببها هو الأداء أو اللون أو ~~أي عامل آخر.» # في هذا التعريف المشهور يحدد أرسطو عناصر معينة للفن، أولها عنصر المحاكاة؛ ففي ~~الفن يعمل الإنسان على محاكاة الطبيعة، ويكون منتجا مثلها، وكل ما في الأمر أن ~~المبدأ المنتج في حالة الطبيعة يكون موجودا في الطبيعة ذاتها، أما في حالة الفن ~~فإنه يكون في نفس الفنان، وعلى ذلك فالفن راجع إلى ذلك الميل الطبيعي لدى الإنسان ~~إلى محاكاة الأشياء، وهذا هو الأصل الأول للفن كما يحدده أرسطو بطريقته المميزة ~~التي كان يحرص فيها على رد كل شيء إلى منشئه، وهي الطريقة المسماة بالمنهج المشئي ~~أو منهج الرجوع إلى الأصول. # ومع ذلك فإن أرسطو لا يحمل على الفن نظرا إلى كونه يحاكي الطبيعة أو عالم ~~الواقع؛ لأن الواقع - كما قلنا - ليس عنده ظلالا معتمة، وإنما هو حقيقة حية تنطوي ~~في ذاتها على أسمى غاياتها، وفضلا عن ذلك فإن الفن يضيف إلى هذا الواقع جديدا على ~~الدوام؛ ففي البدايات الساذجة وحدها يكون الفن مقيدا بالطبيعة، أما حين يشب عن ~~الطوق، فإنه يضم العناصر التي توجد متفرقة في الطبيعة بحيث يكون منها كلا واحدا، ~~وكما يقول أرسطو: «فالجميل يختلف عن غير الجميل - مثلما تختلف الأعمال الفنية عن ~~الأشياء الواقعية - في أنه يجمع بين العناصر المتفرقة كالألوان في الرسم، والأصوات ~~المنفردة في السلم الموسيقي، والكلمات في الشعر، والحوادث في الرواية.» ولكي يكون ~~العمل الفني سليما، فلا بد أن يحدث فيه هذا الجمع بين العناصر تبعا لنسب ~~محددة، وبالإضافة إلى جمع الفن بين العناصر التي توجد متفرقة في الطبيعة، فإنه ~~يأتينا بما هو عام، على حين أن الطبيعة لا تنطوي إلا ms246 على جزئيات، ولكن ليس المقصود ~~من العمومية في هذه الحالة هو أن الفن يتناول ظواهر يشترك فيها كثرة من الناس أو ~~الأفراد؛ إذ إن هذا النوع من التعميم من شأن العقل لا الخيال، وكلما كان الخيال ~~المبدع حيا، كانت الشخصيات التي يرسمها أكثر عينية وفردية، وإنما المقصود بقولنا ~~إن الفن يصور حوادث عامة، هو أن الفنان عندما يصور شخصية - مثلا - يصور ما يفعله ~~أي فرد آخر في مثل ظروفنا وموقفنا، أي إنه يصور عنصر الضرورة في الحوادث والأفعال، ~~بحيث يبدو ارتباطها فيما بينها، وصدورها عن الشخصية التي تقوم بها، ارتباطا يقنع ~~العقل ويرضي نزوعنا إلى البحث عن الأسباب. وعلى ذلك فالفن عام بمعنى أنه يصور الكلي ~~في مقابل العرضي، لا بمعنى أنه يصور ما ينطبق على كثرة من الأفراد، وبعبارة أخرى ~~ففي الفن نوع خاص من الحقيقة، يتمثل في أنه لا يصور نزوات فردية يستحيل تعليلها، ~~وإنما ينقل إلينا حقائق يقتنع بها الجميع، وتحتل كل واحدة منها مكانها وسط السلسلة ~~العامة لما يعرضه من الحوادث، فإذا كنا نجد الفن معبرا، فلا بد أن يكون ذلك ~~راجعا إلى أنه يعبر عن إمكانية من إمكانياتنا، وبذلك ندرك التقارب بين أذهاننا ~~وذهن الفنان، سواء في الشعور وفي التعبير، وهو تقارب يمتد - مثاليا - إلى البشرية ~~جمعاء. ~~••• # وربما كان أهم ما يستخلص من التعريف السابق - فيما يتعلق برأي أرسطو في فكرة ~~المحاكاة - هو قول أرسطو إن المرء قد يستمتع برؤية صورة شيء يكره أن ينظر إليه في ~~حقيقته؛ فأرسطو هنا يسير في أول الطريق الذي يؤدي إلى الاعتراف بأن للفن حقيقة ~~مستقلة بذاتها، وعلى حين أن أفلاطون قد أكد - بشيء من السذاجة - أن تأثير التصوير ~~في نفوسنا مماثل لتأثير الواقع، فإن أرسطو يجعل للتصوير تأثيرا مستقلا عن الواقع ~~الذي يمثله، أعني أن في العمل الفني عنصرا جماليا مستقلا عن الواقع الذي يمثله ~~مضمون الموضوع الذي يصوره هذا العمل، ويرى بعض الكتاب في هذا الرأي تلميحا إلى ~~فكرة الرمزية، أي إن هذه هي الخطوة الأولى في ms247 الطريق الذي يؤدي إلى القول بأن الفن ~~يرمز إلى الواقع بدلا من أن يحاكيه، وعلى أية حال فأقل ما يمكن أن يقال في هذا ~~الصدد هو أن أرسطو قد أدرك - لأول مرة بالنسبة إلى الفلاسفة السابقين عليه - أن ~~تصوير الواقع فنيا يؤدي إلى تغييره، ويصبغه بصبغة مثالية. # وتتفاوت الفنون من حيث قدرتها على تصوير الواقع ومحاكاته؛ فللموسيقى قدرة مباشرة ~~على تصوير الأحوال النفسية والطباع، «فالإيقاع والنغم يقومان بمحاكاة مشاعر الغضب ~~والرقة، وكذلك صفات الشجاعة والاعتدال، والصفات المقابلة لهذه وغيرها من صفات ~~الخلق، وهذا أمر تثبته التجربة؛ إذ إننا نشعر بتأثيرها في نفوسنا عند سماعنا لها »، ~~أما في التصوير فليست المحاكاة مباشرة، صحيح أننا قد نشعر في التصوير بمزيد من ~~المتعة، تولدها فينا قدرتنا على استنتاج موضوع التصوير والتعرف عليه، ولكن هذا ~~السرور ملتو غير مباشر. على أن المحاكاة تكتمل وتبلغ هدفها في المأساة أي ~~التراجيديا؛ فالموسيقى والتصوير - على ما لهما من أهمية - لا يقدمان إلينا فكرة ~~تبلغ من الثراء والاتساع ما تبلغه العقدة الموحدة المحبوكة في التراجيديا. وهكذا ~~يقيس أرسطو شرف الفن المحاكى - مثلما يقيس شرف المعرفة - بمقدار ما فيه من شمول ~~ومعقولية وضرورة محتومة، تناظر ما في العلم الأصيل والمعرفة الحقة من هذه ~~الصفات. # والفكرة الرئيسية الثانية في نظرية أرسطو في الفن هي فكرته المشهورة في ~~«التطهر # catharsis ~~»، ويعرض أرسطو هذه الفكرة ~~في تعريفه للتراجيديا الذي يقول فيه: إنها «تصور فعلا نبيلا كاملا في ذاته ... ~~بلغة لها سحرها الخاص ... وتؤدي - بإثارتها لانفعالي الشفقة والخوف - إلى تطهير النفس ~~من هذين الانفعالين.» وهذا التعريف يحدد صفة أساسية للتراجيديا، هي أنها تصور فعلا ~~كاملا في ذاته؛ فلا بد أن تكون للتراجيديا وحدة عضوية متكاملة، وأن تكون لها ~~بداية ووسط ونهاية، وينبغي أن ترتب الحوادث فيها بحيث إنه إذا تغير موضع أي جزء ~~منها أو حذف؛ اختل نظام الكل، وهكذا تكون العلاقة بين الحوادث أشبه بالعلاقات ~~الرياضية بما فيها من نظام وتماثل وتحدد. # ولكن أهم ما في هذا التعريف هو إشارته إلى فكرة ms248 التطهر؛ فعلى حين أن أفلاطون قد ~~رأى في الشعر والأدب عامة وسيلة لإثارة الانفعالات بأي ثمن، فإن أرسطو يرى - على ~~العكس من ذلك - أن المأساة وسيلة لتخفيف الانفعالات أو إطلاقها وتحرير الإنسان ~~منها، وبعبارة أخرى فاللذة التي تترتب على الفن لا تحمل ذلك الطابع المذموم الذي ~~تحمله عند أفلاطون، وإنما هي تتويج للحياة ودليل على الشعور بامتلائها، وفي استطاعة ~~اللذة الفنية أن تخلص النفس من المتاعب والهموم والانفعالات، مثلما يؤدي الشرب ~~إلى خلاص الجسم من العطش؛ ذلك لأن الانفعالات لو تركت لتتراكم في النفس، فإنها ~~تغدو فيها أشبه بالسموم التي ينبغي التخلص منها، وهناك أشخاص يسهل تعرضهم لانفعالات ~~الخوف والإشفاق المتزايد، وهؤلاء يصابون بأضرار كثيرة لو أطلقوا العنان لهذه ~~الانفعالات، ومن هنا كان في الفن - وفي فن المأساة بوجه خاص - شفاء لنفوسهم وتطهير ~~لها من انفعالاتها المتطرفة؛ ذلك لأنهم يمرون - عند مشاهدتهم للمأساة - بتجربة ~~مماثلة لما يحدث في الحياة الواقعية، وهكذا تنطلق الطاقة الحبيسة في نفوسهم، ولكن ~~في ظروف مصطنعة لا تكون لها نفس الأضرار التي يمكن أن تصيب النفس لو أطلقت هذه ~~الطاقة في الظروف الطبيعية، وعن طريق هذه التجربة المحاكية تتخفف النفس من ~~انفعالاتها الأصلية. ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين فكرة المحاكاة وفكرة التطهر، ~~أي بين العنصرين الرئيسيين في نظرية أرسطو في الفن؛ ذلك لأن التطهر لا يتم إلا ~~بمحاكاة ظروف مماثلة لتلك التي تثار فيها الانفعالات في الحياة الواقعية. وهكذا ~~يبدو أن أرسطو من أنصار المثل القائل: وداوني بالتي كانت هي الداء. وكل ما في ~~الأمر أن الدواء هنا يتم في ظروف فنية مصطنعة، تعالج الداء الذي هو الإفراط الفعلي ~~في الانفعال، ولنوضح بطريقة أخرى ما يقصده أرسطو من فكرة التطهر، تلك الفكرة ~~المشهورة التي طالما اختلف حولها الشراح والمفسرون، فهو يرى أن شفاء الجسم ~~والنفس من العلل يتم عن طريق بلوغ حالة من التوازن تتسنى فيها معادلة التطرف بحالة ~~مضادة له، تؤدي إلى التخفيف منه، وتعيد التوازن إلى سابق عهده، وهكذا ففي مقابل ~~الشفقة المرضية ms249 المفرطة التي يتعرض لها الناس في حياتهم المعتادة، يعود التوازن ~~السليم بفضل تلك الشفقة المتزنة العاقلة التي تثيرها المأساة؛ ذلك لأن الإفراط في ~~الشفقة قد يؤدي بنا إلى الإشفاق على من لا يستحق، أما المأساة المسرحية السليمة ~~فإنها تعلمنا كيف نضع الشفقة في موضعها الصحيح، ومن هنا كان أرسطو يرى أن المأساة ~~الجيدة ينبغي أن ترسم لنا صورة شخص تظلمه الأقدار وهو لا يستحق الظلم، وإن كان قد ~~ارتكب خطأ بسيطا هو الذي أدى إلى نزول الكارثة عليه، وهنا تكون شفقتنا عليه في ~~موضوعها، ولا تكون شفقة مفرطة نشعر بها تجاه من يستحق ومن لا يستحق ، ومثل هذا يقال ~~أيضا عن تأثير المأساة في انفعال الخوف والحماسة المفرطة، وهكذا فإن مشاهدة مأساة ~~مسرحية كهذه، تعيد إلى المشاهد التوازن في انفعالاته، وترد إليها ما فيها من تناسب ~~وتناسق. # وهنا نلمس فارقا آخر بين نظريتي أفلاطون وأرسطو؛ فعلى حين أن أرسطو يرى أن ~~إشفاقنا على الضحية في المأساة يفرغ طاقتنا الانفعالية، ويخلصنا بالتالي من المشاعر ~~المتطرفة، فإن أفلاطون يرى - على العكس من ذلك - أن تكرار الاستماع إلى القصص ~~الشعري ومشاهدة العروض المسرحية يزيد من حساسية النفس للانفعالات، ولا يؤدي مطلقا ~~إلى التخلص منها، وقد أدى هذا الاختلاف بين الفيلسوفين إلى تباين آخر في تقدير كل ~~منهما لقيمة الفنان؛ فأفلاطون كان يضع الشاعر بعد الصناع وأصحاب الحرف، أما أرسطو ~~فيضعه في أعلى السلم مع الفلاسفة والحكماء؛ ذلك لأن أرسطو كان يرى في قدرة الشاعر ~~ومؤلف المأساة على تصوير تجارب الحياة، وعلى تمثل هذه التجارب في نفسه بكل ما فيها ~~من تفاصيل ومشاعر عميقة، دليلا على وجود موهبة لدى الشاعر لا تقل عن موهبة ~~الفيلسوف، أما أفلاطون فقد كان يرى في هذه الصفة ذاتها - أعني في قدرة الأديب على ~~تقمص الشخصيات والمواقف المختلفة والتقلب معها - دليلا على تقلب النفس ذاتها ~~وافتقارها إلى التماسك والثبات، ولو قارن المرء بين الموقفين؛ لظهر له على التو أن ~~موقف أرسطو هو الأسلم والأقرب إلى الفهم السليم لطبيعة التجربة ms250 الفنية. وهكذا فإن ~~إدراك أرسطو لقدرة الفن على السمو بالانفعالات الإنسانية - بالإضافة إلى اعترافه ~~بأن للفن حقيقة قائمة بذاتها، بغض النظر عن طبيعة الموضوع الذي يصوره - يمثل تقدما ~~كبيرا في التفكير الجمالي، بل هو يدل على ظهور بوادر النظريات الجمالية منذ ذلك ~~العهد البعيد، عهد الفلسفة اليونانية القديمة. # النظرية الصوفية عند أفلوطين # أما نظرية أفلوطين فتمثل آخر مرحلة للتفكير الجمالي عند اليونانيين، ومن الممكن ~~أن تعد قمة وتتويجا لهذا التفكير، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي في ذاتها على ~~عنصر يقضي على الطابع المميز للفكر اليوناني، ويمهد الطريق لنمط التفكير الذي ساد ~~العصور الوسطى؛ ذلك لأن أفلوطين قد جمع أهم الأفكار التي تضمنتها النظرية الجمالية ~~عند أفلاطون وأرسطو، وكون منها مركبا أعلى، ولكنه في الوقت ذاته قد صبغ هذا ~~المركب بصبغة صوفية كانت في واقع الأمر تمهيدا لظهور النظرة اللاهوتية إلى الحياة ~~وإلى الفن في العصور الوسطى، وبالتالي لاختفاء المفهوم اليوناني في هذين ~~المجالين. # ومنذ أول «تساعية» من تساعيات أفلوطين، نراه يتساءل عن ماهية الجمال، فيقول إن ~~هناك جمالا يرى أو يسمع أو يحس، وهناك جمال الروح الذي نجده في سلوك معين أو في ~~طبيعة معينة، ولكن هل يوجد عنصر مشترك بين نوعي الجمال هذين؟ لو اهتدينا إلى هذا ~~العنصر المشترك؛ لعرفنا ماهية الجمال في ذاته. # ويرفض أفلوطين نظرية الانسجام أو التماثل التي قال بها أرسطو؛ فالفن لا يرجع إلى ~~رغبة غريزية في الانسجام - كما قال أرسطو - إذ لو كان الأمر كذلك لما اتصف بالجمال ~~إلا ما هو مركب معقد، حتى يمكن أن يكون هناك انسجام بين عناصره المختلفة، غير أن ~~التجربة تثبت لنا أن الجمال كثيرا ما يكون مرتبطا بالبساطة، ومتنافيا مع ~~التعقيد، وفضلا عن ذلك ففي عالم الأفكار جمال، غير أن هذا العالم بسيط وليس ~~مركبا، فكيف يمكن وجود الجمال في مثل هذا العالم؟ # بهذا السؤال الأخير ينتقل أفلوطين إلى صميم بحثه الخاص في طبيعة الجمال، ويربط ~~بين هذا البحث وبين نظرياته الميتافيزيقية ربطا واضحا؛ ذلك لأن أفلوطين - في ms251 ~~فلسفته النظرية - كان يرى أن الأشياء جميعا تشارك في الله أو في العالم المثالي، ~~وهو حين يطبق هذا الرأي في ميدان علم الجمال يقول إن أي شيء لا يكون جميلا إلا ~~بقدر مشاركته في هذه الطبيعة الإلهية، ومبعث اللذة التي نحس بها عند إدراك عمل فني ~~عظيم، هو أن النفس الإنسانية - التي هي بطبيعتها قريبة من الطبيعة الإلهية - ~~تطرب وتبتهج كلما رأت شيئا يقرب بدوره من هذه الطبيعة. # فالجمال إذن إنما هو حضور الماهية الإلهية الأزلية في عالم الأشياء الزمانية، ~~ومعنى ذلك أننا نستطيع أن نصل إلى الله عن طريق حبنا للجمال، مثلما نصل إليه عن ~~طريق سعينا إلى الخير والحق؛ ففي الله تلتقي القيم جميعا، ومن مشاركة الأشياء ~~الزمانية في الماهية الإلهية الأزلية تستمد كل القيم. # ولكي يحدد أفلوطين العلاقة بين الأشياء الجميلة وبين عالم الأفكار الإلهية الذي ~~هو مصدر جمالها، يؤكد أننا نصف بالجمال كل شيء نرى فيه ذلك الطابع الذي أضفيناه نحن ~~عليه، بفضل اتحادنا بالمبدأ الإلهي؛ فحين يصنع المهندس بيتا جميلا، فهو إنما يطبع ~~المادة الخارجية - أي الحجارة - بفكرة في داخله، أو يقربها من المثل الأعلى الباطن ~~فيه، ولهذا السبب وحده كان يراه جميلا كلما نظر إليه. # وإذا كان جمال الأشياء المادية يرجع إلى انعكاس الفكرة الإلهية عليها، فإن هذه ~~الصفة أوضح ظهورا في جمال الأشياء اللامادية؛ فللأفعال والخلال والفضائل جمالها ~~وللنفوس جمالها، وإلا فبماذا نصف ذلك الطرب الذي نحس به كلما سمت نفوسنا، وذلك ~~السعي إلى العلو بأرواحنا، وتجاوز حدود جسمنا؟ إن هذه كلها مظاهر للجمال، لا ترجع ~~إلا إلى شعورنا بحضور الله في هذه الأفعال والخلال. # وعلى أساس هذا الفهم لطبيعة الجمال يعرف أفلوطين الفن بأنه التعبير عن مشاعر ~~الفنان الذي يدرك مظاهر المبدأ الإلهي في شيء مادي موجود في الزمان والمكان، وهو ~~إدراك يتوافر للفنان بفضل مشاركته بدوره في هذا المبدأ الإلهي؛ فالفنان إذن ينقل ~~فكرته إلى المادة، ويعبر من خلال وسط مادي عن إدراكه لحضور المبدأ الإلهي في العالم ~~الزماني والمكاني، ولنتأمل ms252 ذلك الحجر الذي يتحول على يد الفنان إلى تمثال، ويكتسب ~~بفضل هذا التحول جمالا، إن الجمال لا يكون في هذه الحالة كامنا في المادة، وإنما ~~في الصورة التي يضفيها عليها الفنان، أي إنه مستمد من روحه، وبعبارة أخرى فالفنان ~~ينطق الحجر انفعالاته ومشاعره، وهي انفعالات ومشاعر لم تنشأ في نفس الفنان إلا من ~~تأمله لصورة المبدأ الإلهي مطبوعة على عالم المكان والزمان. # ولا شك أننا نستطيع أن نلمح هنا تلك الفكرة المشتركة بين أهم النظريات الجمالية ~~عند فلاسفة اليونان، وأعني بها فكرة المحاكاة، غير أن المحاكاة ليست في هذه الحالة ~~محاكاة لأشياء مادية، وإنما هي محاكاة للمثل الأفكار الإلهية، أي إنها محاكاة للروح ~~اللامادية من خلال وسيط مادي أو شبه مادي، ولا جدال في أن آراء أفلوطين هذه في الفن ~~تمثل تقدما كبيرا بالنسبة إلى آراء أستاذه الروحي أفلاطون؛ فقد رأينا هذا الأخير ~~يقصر مهمة العمل الفني على محاكاة الأشياء المادية الجزئية، بينما يسمو أفلوطين ~~بهذه المهمة إلى محاكاة المثل أو العنصر الإلهي في العالم، ومن هنا كان التفاوت ~~النسبي في قيمة الفن عند كل من الفيلسوفين؛ فالأول يجعل منه نشاطا يحتل مرتبة أدنى ~~من مرتبة الأشياء التي يحاكيها، على حين أن الثاني يجعل منه نشاطا روحيا رفيعا، ~~يعلو على ما يحاكيه من الموضوعات. # وهكذا فإن فلسفة أفلوطين الجمالية - في إعلائها من شأن العمل الفني على هذا النحو ~~- تمثل القمة العليا للتفكير الجمالي عند اليونانيين، ولكنها في الوقت ذاته تتضمن - ~~كما قلنا - تلك العناصر التي قضت - بالتدريج - على الطريقة اليونانية في التفكير؛ ~~ذلك لأن أفلوطين يرد كل شيء إلى المبدأ الإلهي، ويجعل من الفن تأملا لصورة ~~الألوهية كما تنطبع على عالم الزمان والمكان، ولولا هذا الاتصال الدائم بالمبدأ ~~الإلهي لما كان في وسعنا أن نرى الجمال في شيء، وهكذا كانت فلسفة أفلوطين في ميدان ~~الجمال - كما كانت في سائر الميادين - تمثل الجسر الذي انتقلت عليه الحضارة من ~~طريقة التفكير اليونانية إلى طريقة التفكير اللاهوتية في العصور الوسطى، وتمثل نقطة ~~النهاية ms253 بالنسبة إلى منهج اليونانيين العقلي في حل مشكلات الفن والفكر ~~والحياة. # | نظريات حديثة في فلسفة الفن1 # تناولنا في مقالنا السابق أهم النظريات الجمالية عند اليونانيين، أما هذا المقال ~~فيعالج بعضا من أهم النظريات الحديثة التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ~~فهل يعني ذلك أن التفكير الجمالي قد توقف تماما فيما بين هذين العصرين؟ من المحال ~~بالطبع أن تكون الفترة الفاصلة بين هذين العصرين فترة جدب تام في الفكر الجمالي، وإنما ~~الأصح أن نقول إن التفكير الجمالي لم يزدهر - بعد بوادره القوية في العصر اليوناني - ~~إلا في القرن الثامن عشر، بفضل حركة الإحياء الضخمة التي بدأها مفكرون مثل «باومجارتن» ~~و«لسنج»، على أننا لم نجد ما يدعونا إلى التعرض لحركة الإحياء هذه - في بداياتها الأولى ~~- نظرا إلى أن فلسفة «كانت» الجمالية، التي يبدأ بها مقالنا هذا قد جمعت في ذاتها أهم ~~ما فيها، وتجاوزتها في نواح متعددة. # ولو بحثنا عن تعليل لهذه الهوة السحيقة التي تفصل بين فترتي التفكير هاتين - أعني ~~العصر اليوناني والقرن التاسع عشر - لبدا ذلك عسيرا في مبدأ الأمر؛ ذلك لأن الحركة ~~الفلسفية في عمومها، قد استؤنفت في العصر الحديث بقوة منذ القرنين السادس عشر والسابع ~~عشر، فلم لم تقترن هذه النهضة الفلسفية الحديثة بنهضة متفرعة عنها في ميدان التفكير ~~الجمالي؟ إن التفكير النظري في الفن مرتبط - دون شك - بالفن نفسه، وقد كانت أعظم حركة ~~فنية - بعد العصر اليوناني - هي حركة الفن الكبرى في عصر النهضة ثم في القرن السابع ~~عشر، ومع ذلك يبدو أن التفكير الجمالي يحتاج إلى فترة نضج طويلة، ولا يمكنه أن يعقب ~~الحركات الفنية الكبرى أو يتلوها مباشرة، وبعبارة أخرى لا بد من مضي وقت غير قليل، ~~تتأثر فيه أجيال متعددة بالأعمال الفنية الكبرى وتتذوقها وتهضمها، حتى يتسنى بعد ذلك ~~ظهور فلسفة فنية تكون انعكاسا لهذه الأعمال، ومن هنا كان تأخر ظهور الفلسفات الفنية ~~التي سنتناولها في هذا المقال، والتي تعد أهم معالم طريق التفكير الجمالي بعد العصر ~~اليوناني. # النظرية العقلية عند «كانت» ms254 # هناك رأي شائع يقول إن الذوق أمر نسبي، لا يصح أن يختلف عليه الناس؛ لأن ما ~~يستهوي ذوقي قد لا يستهوي أذواق الآخرين، وليس لواحد أن يفرض على الغير آراءه ~~الذوقية، أو حتى أن يعتقد بأنها مماثلة لآراء الآخرين، ومن المعروف أن كلمة «الذوق» ~~تعني في الأصل تجربة مذاق الطعام أو الشراب، ثم امتدت الكلمة بحيث أصبحت تطلق ~~على التقدير الفني، وأصبحنا نتحدث عن تذوق الموسيقى مثلما نتحدث عن تذوق لون معين ~~من ألوان الطعام، ومع ذلك فقد ظل الرأي الشائع للناس يحتفظ لكلمة الذوق بنفس المعنى ~~النسبي، بحيث يعد تقديري للوحة الفنية أمرا ذوقيا نسبيا ، شأنه شأن تقديري ~~لمذاق مشروب أو صنف من أصناف الطعام. # ولكن هل صحيح أن للذوق - في مجال الفن - نفس النسبية والفردية التي يتصف بها في ~~سائر المجالات؟ أم إن للحكم الذوقي الجمالي طبيعة مغايرة، أعني طبيعة ثابتة بمعنى ~~من المعاني؟ من هذه المسألة اتخذ المفكر الألماني إيمانويل كانت - فيلسوف القرن ~~الثامن عشر الأكبر - نقطة بداية أبحاثه الجمالية؛ فالحكم الذوقي ينبغي بالفعل أن ~~يكون شيئا مغايرا للذوق بمعانيه الحسية الأخرى، بل إن فيه بالضرورة عنصرا ثابتا ~~مشتركا بين الأفراد، ولو لم يكن الأمر كذلك لما حرص الفنان على أن يكتب أو يرسم ~~للآخرين، ولما انتظر منهم استجابة فيها تقدير وتذوق لإنتاجه الفني، ولو كان الذوق ~~شيئا فرديا تماما؛ لاكتفى الفنان بممارسة فنه لنفسه فقط، ما دام أن أحدا لن ~~يفهمه ولن يتفق معه في الحكم على عمله، أما أن الفنان يتوقع مشاركة الآخرين له في ~~رأيه، فهذا معناه أن في التجربة الجمالية شيئا يزيد على مجرد الذوق الفردي، ~~وبالمثل فلو كانت الفردية هي الطابع المميز للفن لما كان للنقد الفني معنى، ولكانت ~~كل مقاييس هذا النقد ومعاييره باطلة. # فالتجربة الجمالية إذن ليست فردية، ولا تتعلق بما يروقني «أنا» وحدي، ولكن هل هي ~~تتعلق بما يروق جماعة معينة من الناس؟ وهل يكفي لتجاوز الفردية أن نتتبع أذواق ~~الناس الفعلية لنستخلص منها الحكم الصحيح على كل فن؟ ms255 ربما رأى البعض أن في هذا ~~كفاية، غير أن «كانت» يؤكد أن الحكم الجمالي يتصف بنوع من الضرورة التي تجعله أكثر ~~من مجرد تلخيص لأذواق الناس الفعلية؛ فنحن حين نحكم على عمل أو شيء بأنه جميل، لا ~~نعني فقط أن مجموع الناس يرونه جميلا، وإنما نعني أن كل من يتأمل هذا الموضوع في ~~نفس الظروف التي نتأمله فيها لا بد أن يراه جميلا، وإذن فالرأي التجريبي - الذي ~~يرتكز على وقائع علم النفس، والذي يكتفي بتسجيل الطريقة التي يحكم بها الناس بالفعل ~~على الأعمال الفنية - ليس كافيا؛ لأنه يغفل عنصر الوجوب والضرورة والشمول في الحكم ~~الجمالي، ويكتفي بإيضاح أصل هذا الحكم في الحياة النفسية للناس فحسب، أما «كانت» ~~فيريد أن يبني الحكم الذوقي على أساس أمتن، هو أساس عقلي ثابت، يتجاوز نطاق الاتفاق ~~المشاهد بين الناس على أحكام معينة إزاء موضوعات جمالية خاصة، وينتقل من مجال ~~الواقع إلى مجال الضرورة والوجوب. # ومن الطبيعي أن يصطدم رأي «كانت» هذا بالرأي الشائع القائل إن الحكم الجمالي فردي ~~وذاتي، أي إن التجربة الجمالية هي تجربتي «أنا»، وليس لها معنى إلا بالنسبة إلى ~~المجرب ذاته فحسب، وهنا نجد أن «كانت» يعترف بعنصر الذاتية في التجربة الجمالية؛ لأن ~~إدراك الجمال «شعور» قبل كل شيء، ونحن في حالة الإحساس بالجمال لا ندرك صفة من ~~الصفات الموجودة في الشيء ذاته، وإنما ندرك قبل كل شيء شعورا ذاتيا بعثه فينا ~~حضور هذا الموضوع أمامنا. ومبعث الإحساس بالجمال هو ذلك الانسجام الذي تشعر به ~~قوانا وملكاتنا الإدراكية عندما نمارسها في حضور موضوعات معينة، ومع ذلك فإن للحكم ~~الجمالي - رغم صفة الذاتية هذه - نوعا من الموضوعية؛ فليس الإحساس بالجمال مشابها ~~لإحساساتنا في حالة الحلم أو التخيل الصرف، وإنما يتمثل كل حكم جمالي نصدره في صورة ~~حكم صحيح يسري على أي شخص آخر يواجه نفس الموضوع في نفس الظروف، صحيح أن هذا الحكم ~~يبدأ بالفرد دائما، ويتعلق بموضوع محدد، ولكن هذا الموضوع ذاته يفرض على ذهني ~~إحساسا غير شخصي، وبالتالي فإنه يفرض ms256 مثل هذا الإحساس على أي شخص آخر في موقفي، ~~ومن هنا كان المرء حين يصدر حكما جماليا، يطالب الآخرين ضمنيا بأن يصدروا على ~~الشيء نفسه حكما مماثلا، فإذا سئل عن السبب الذي يحتم على الآخرين الاتفاق معه في ~~حكمه هذا، عجز عن تحديد هذا السبب بدقة، وربما كانت رغبة «كانت» في تقديم تعليل ~~لهذا الاتفاق الموضوعي بين المشاعر الجمالية الذاتية، هي التي دفعته إلى أن يرى في ~~جمال الصورة # Forme # المظهر الأساسي للجمال في كل ~~موضوع؛ ذلك لأن جمال الصورة أو التصميم أو الشكل هو أمر يدركه الناس بطريقة واحدة، ~~على حين أن إدراكاتهم للصفات الأخرى - كاللون أو الصوت - تختلف إلى حد ما حسب ذاتية ~~الأفراد، ومن هنا كان حرص «كانت» على تجريد هذه الصفات الأخرى واستبقاء تناسق ~~الصورة بوصفه العنصر الرئيسي في كل ما هو جميل. # وربما كانت أهم صفة تميزت بها طريقة «كانت» في بحث موضوع الجمال، هي أنه جعل منه ~~وسيلة للتوسط أو التوفيق بين متناقضات أو متقابلات مختلفة تمر بها التجربة البشرية؛ ~~فمن السهل أن نستخلص من العرض السابق أن الحكم الجمالي يحتل موقعا وسطا بين ~~الإدراك الحسي الخالص من جهة، وبين التفكير المجرد من جهة أخرى، فصفة الشمول فيه ~~تميزه عن مجرد الإدراك الحسي، ولكن كونه في أساسه شعورا يجعله مميزا عن الحكم ~~العلمي؛ إذ إن هذا الأخير لا يعتمد على الشعور، وإنما يرتبط بصفات ثابتة في ~~الموضوعات ذاتها، مجردة عن مشاعرنا الذاتية نحوها. # على أن هذه القدرة التي يستطيع بها الفن أن يوفق بين الإحساس وبين التفكير ~~المجرد، ليست في الواقع إلا مظهرا لقدرة أعم على التوفيق بين مجالين أشمل من هذين ~~بكثير، هما مجالا الطبيعة والحرية، وقد فرق «كانت» بين هذين المجالين تفرقة ~~قاطعة في كتابيه: نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي؛ فعالم الطبيعة هو العالم ~~الذي يخضع للضرورة والحتمية وللتسلسل الدقيق بين الأسباب والنتائج، وهو العالم الذي ~~تتناوله العلوم الطبيعية بشتى فروعها، أما عالم الحرية فهو العالم الأخلاقي ~~للإنسان؛ ذلك لأن الإنسان ms257 - من حيث هو كائن أخلاقي - لا بد أن يكون حرا في ~~سلوكه، وأن يتخلص من التسلسل الدقيق للعلية الطبيعية، ويكون مشرعا لنفسه، وإلا لما ~~كان لأداء الواجب وللمسئولية عنده معنى. وقد لاحظ «كانت» نفسه ما بين هذين العالمين ~~من تعارض قاطع، وترك للفن مهمة إزالة هذا التعارض؛ فالحكم الجمالي هو نقطة التقاء ~~عالم الطبيعة بعالم الحرية؛ لأن الموضوعات التي تثير هذا الحكم مستمدة من عالم ~~الطبيعة أو مرتبطة به ارتباطا أساسيا، ولكننا نضفي على هذه الموضوعات - بما ~~لدينا من فاعلية حرة - صورة وشكلا ملائما، وننسب إليها في حكمنا الجمالي غرضية ~~وغائية ترضي أذواقنا، وبهذا يجمع الحكم الجمالي بين عالمي الطبيعة والحرية، مثلما ~~رأيناه يجمع من قبل بين المحسوس والمعقول. # وفي وسعنا أن نستخلص من العرض السابق صفة أخرى يوفق فيها الجمال بين مجالين: مجال ~~اللذة الحسية ومجال الخير الأخلاقي؛ فاللذة الجمالية ليست منبعثة من غرض محدد أو ~~موضوع معين نجد رضاءنا في الحصول عليه؛ ذلك لأن هذا النوع المحدود من اللذة مرتبط ~~برغبات وحاجات خاصة، وهو لا يعدو أن يكون جزءا من سلسلة العلل والمعلولات ~~الطبيعية؛ فلذة الأكل نتيجة مباشرة للشعور بالجوع، وهي ترتبط به ارتباطا ضروريا، ~~ومن هنا لم تكن لذة حرة، وإنما كانت لذة مقيدة بغرض معين أو مصلحة معينة، وهي ~~تكتسب بالحصول على موضوعها وامتلاكه. أما اللذة الحرة - المنزهة عن مثل هذه ~~الأغراض، كما هي الحال في اللذة الجمالية - فيكفي فيها أن يتأمل المرء موضوعها عن ~~بعد دون أن يسعى إلى امتلاكه، صحيح أن كثيرا من محبي الفنون يشعرون بالرغبة في ~~تملك الصور الجميلة التي يشاهدونها في أي معرض يزورونه مثلا، غير أن هذا الشعور - ~~في ذاته - ليس لذة جمالية، وإنما هو شيء آخر أضيف إليها، أما اللذة الجمالية ~~بمعناها الصحيح فهي تلك التي يحسون بها لحظة الاستمتاع بالصورة دون أن تشوب هذا ~~الإحساس أية رغبة في التملك، وإلى هذا الحد نرى اللذة الجمالية تتشابه مع الاتجاه ~~إلى الخير الأخلاقي، ولكنها تعود فتتميز عنه بطابعها الذاتي الذي ms258 يجعلها - كما قلنا ~~- مجرد شعور موجود في النفس الإنسانية فحسب، وفضلا عن ذلك فإنها - رغم كونها بلا ~~غرض معين - ترتبط بفكرة الغرضية بوجه عام، فتتميز بذلك عن الأخلاق التي هي - في نظر ~~«كانت» - «أمر مطلق». # وهذه الصفة الأخيرة - أعني تلك التي يطلق عليها «كانت» اسم «الغرضية بلا غرض» - ~~من الصفات المحيرة للحكم الجمالي عند «كانت»؛ فاللذة الجمالية - كما قلنا - لا ~~تستهدف إرضاء ميل معين، ولا ترتبط برغبة خاصة للجسم أو للنفس، ولا تسعى إلى تحقيق ~~أية مصلحة، ولا تنبعث عن ضغط أي دافع شخصي، ولكنها رغم ذلك ليست تجربة خلت من كل ~~شعور أو انفعال، وإنما يظهر هذا الشعور والانفعال نتيجة لها، دون أن يكون هو سبب ~~وجودها، فهي منزهة بمعنى أنها لا تنبعث عن اهتمام خاص بموضوعها، ولكنها غرضية لأنها ~~تخلق هذا الاهتمام بالموضوع الجمالي بعد تأمله، ومن الممكن تفسير هذه الصفة - أعني ~~الغرضية بلا غرض - بطريقة أخرى؛ فصحيح أن الإحساس بالجمال لا يرتبط بغرض معين، ~~ولكنه يبعث إحساسا عاما بالتناسق والانسجام، وهذا الإحساس هو بدوره نوع من ~~الغرضية، ولكنه ليس غرضية جزئية، أي لا يرتبط بغاية محددة؛ فشعورنا بالتناسق عند ~~رؤية زهرة مثلا، يجعلنا نعتقد بأن صورتها نسقت تبعا لغاية، وإن لم يكن في وسعنا ~~أن نحدد ما هي هذه الغاية، أو نعين الغرض الخاص الذي يمكن استخدامها لأجله، وإذا ~~كنا نسلم بأن التجربة الجمالية نوع من اللذة، وبأن من طبيعة اللذة أن ترتبط بفكرة ~~الغاية أو الغرض، فينبغي أن نذكر أن قوام اللذة الجمالية في التفاعل المنسجم بين ~~ملكات الإدراك لدى الإنسان على نحو ينبغي أن يشترك فيه الجميع، ولا ينفرد فيه شخص ~~بعينه، وهكذا فإن الجمال - من جهة - لا غرض له؛ لأن إعجابنا بعمارة مبنى أثري لا ~~يرتبط برغبتنا في سكناه، أي في اتخاذه أداة لإشباع رغبات ذاتية خاصة، ولكن يبدو من ~~جهة أخرى أنه يخدم غرضا عاما ملائما لنا؛ إذ إن صورته تغرينا بإطالة تأمله، أي ~~إنه يلائم حاجات ملكة النظر لدينا على نحو غامض ms259 يصعب علينا فهمه. # ولكن هل يعني ذلك أن الجمال يقتصر على الموضوعات التي لا يكون لنا في استخدامها ~~غرض محدد؟ لا شك أن هذا ليس هو المعنى الذي قصد إليه «كانت»؛ فكلامه عن التنزه كان ~~منصبا على الذات التي تقدر الجمال، والتي ينبغي أن تحكم على الجمال حكما يستقل ~~عن المنفعة الممكنة للموضوع، وليس معنى ذلك أن الموضوع النافع لا يتصف بالجمال ~~لكونه نافعا، وإنما المهم في الأمر أن يكون تقديرنا له راجعا إلى عنصر الجمال فيه ~~قبل عنصر المنفعة، وعلى هذا الأساس نجد أن «كانت» يفرق بين نوعين من الجمال: الجمال ~~الحر أو الخالص كجمال الأزهار والزخارف والنقوش والقواقع، وهو جمال الصورة أو ~~التصميم، والجمال المعتمد أو المتوقف على شيء آخر - كجمال المباني - الذي يمتزج فيه ~~الإحساس بجمال الصورة بإدراك الفائدة العملية للموضوع، ويدرج «كانت» الجمال البشري ~~ضمن الفئة الثانية؛ فجمال المرأة مثلا لا يرجع إلى إدراك التناسق في خطوطها فحسب، ~~وإنما يضيف «كانت» إلى ذلك عنصرا آخر، هو إدراك ملاءمة النموذج الموجود أمامنا ~~لوظيفة المرأة ولما تريده الطبيعة من المرأة أن تكون؛ ففي المجال البشري إذن يتحقق ~~المثل الأعلى للكائن البشري كما ينبغي أن يكون، ومن الواضح أن فكرة المثل الأعلى ~~هذه تجعل هذا النوع من الجمال ممتزجا بعنصر أخلاقي، مع أن «كانت» قد حرص دائما على ~~أن يفصل بين الجمال وبين الخير الأخلاقي، وعلى أن يجعل التجربة الجمالية مستقلة ~~تماما عن اعتبارات الخير والشر. # وفي نظرية «كانت» الجمالية عنصر آخر ينبغي الإشارة إليه نظرا إلى ما كان له من ~~أهمية في الفلسفات الجمالية التي ظهرت في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع ~~عشر، هو الازدواج بين فكرة الجمال وفكرة الجلال. ولكي نتصور المقصود من الجلال، ~~علينا أن نحلل شعورنا إزاء بناء كالهرم الأكبر مثلا (ومن الجدير بالذكر أن «كانت» ~~نفسه قد تحدث عن الأهرامات في شرحه لما يقصده من فكرة الجلال)؛ فحين نتأمل بناء ~~شامخا كهذا قد نشعر بادئ الأمر بنوع من الانقباض إزاء ضخامته وضآلتنا نحن ms260 بالقياس ~~إليه، وعجزنا عن الإحاطة بجميع أطرافه في نظرة واحدة، ولكن سرعان ما يستعيد ذهننا ~~قواه، ويزداد تماسكا عما كان عليه من قبل، ويؤدي تأملنا له إلى نوع من التعبئة ~~الروحية للنفس، نزداد فيها إعجابا بالقيمة الباطنة للذات الإنسانية التي تتميز ~~بجدارة أخلاقية تعلو بها على كل ما في الطبيعة من موجودات، وتفيض النفس شعورا ~~بكرامة الإنسان الذي يستطيع أن يجد معاني ترضيه وتبعث فيه الإعجاب، حتى في موضوع ~~خليق بأن يشعره بضآلة وقلة شأنه، ولو نظرنا إلى الهرم الأكبر نظرة جمالية ~~مجردة، لما وجدنا في هذه الكتلة الضخمة من الحجارة أي جمال ذاتي، بل إنها لتبدو لنا ~~أقرب كثيرا إلى القبح، ولكنها مع ذلك تثير فينا أحاسيس تنتمي قطعا إلى المجال ~~الجمالي أو الفني على الأصح، ومثل هذا يقال عن البحر المترامي الأطراف، الذي يؤدي ~~تأمله إلى نفس التعبئة الروحية للنفس، مع أن الموضوع ذاته لا يعدو أن يكون كتلة ~~ضخمة لا نهاية لها من الماء، وسواء أكان مصدر الإعجاب هو الحجم الهائل للموضوع - ~~أعني تضاؤلنا بالقياس إليه من حيث المقدار - كما هي الحال في بناء كالهرم، أم كان ~~شعورنا بأن للموضوع قوة طاغية لا تقاس بمقاييس القوة لدى البشر، مثل قوة المياه ~~المندفعة من شلال جبار، فإننا في الحالين نكون إزاء موضوع يتصف بالجلال، هو في كل ~~الأحوال غير جميل في ذاته، ولكنه يثير فينا أحاسيس روحية تنتمي إلى صميم التجربة ~~الجمالية، وكما ينبغي أن يكون إدراكنا للجمال منزها عن الغرض والرغبة، فكذلك ينبغي ~~أن يكون إدراكنا للجلال غير مقترن بأي نوع من الرهبة أو الخوف الذي تثيره القوة ~~الطاغية أو الحجم الهائل للموضوع الجليل. # والفارق الأساسي بين الجميل والجليل - عند «كانت» - هو أن الأول يتوقف على تناسق ~~الصورة وتلاؤم الخطوط، أما الثاني فقد يكون متعلقا بصورة هي في ذاتها مشوهة تفتقر ~~إلى كل تناسق، ومن هنا كان تأثير الجمال مهدئا لأعصابنا ومريحا لنفوسنا، على حين ~~أن في الجلال نوعا من الإثارة التي تنبه الخيال وتحفزه على النشاط ms261 المستمر، وهذا ~~يؤدي إلى فارق آخر هام بينهما، هو أن إحساسنا بالجلال ينبع كله عن ذاتنا؛ فليس هناك ~~أي نوع من الارتباط المباشر بين طبيعة الموضوع الذي أثاره، وبين الأحاسيس التي ~~تولدت في نفوسنا تجاه هذا الموضوع؛ فالجلال كله ذاتي، وهو ينشأ في صدد موضوع ليست ~~له أية قدرة تعبيرية، على عكس الحال في الجمال، حيث توجد علاقة مباشرة بين تناسق ~~صورة الموضوع وبين استجابتنا الجمالية لها. # وتكتمل معالجة «كانت» لموضوع الفلسفة الجمالية بحديثه عن القوة الخلاقة في الفن، ~~أي العبقرية، وأهم ما يميز العبقرية عنده هو استحالة وصف طريقتها في الخلق الفني ~~بطريقة عقلية مفهومة؛ فالخلق عندها يحدث بطريقة طبيعية، لا تكلف فيها ولا جهد، ~~ومن هنا عرف «كانت» العبقرية بأنها «الطبيعة وهي تعمل بوصفها عقلا في الإنسان»، أي ~~إنها هي ظهور الإنتاج الروحي في الإنسان بنفس السهولة والتلقائية اللتين تتم بهما ~~عمليات الطبيعة. وعلى ذلك فأهم ما يميز العبقرية هو القدرة الفائقة على الإنتاج، ~~وهو الطاقة الروحية الفياضة التي تجعل الخلق والإنتاج أمرا ميسورا، ويرى «كانت» أن ~~العبقرية هي ملكة توليد «أفكار جمالية»، وهنا تستخدم كلمة «الأفكار» بمعنى غير ~~المعنى العقلي؛ فهي صور تتجاوز نطاق الفكر المجرد - كأساطير أفلاطون مثلا - وهكذا ~~تقتصر فكرة العبقرية - في نظر «كانت» - على مجال الخلق الفني وحده، أما العلم فلا ~~يحتاج في رأيه إلى العبقرية؛ لأن أي شخص يستطيع - إذا بذل الجهد الكافي - أن يكون ~~عالما كبيرا؛ فالفن يحتاج إلى تلك الشعلة الغامضة التي لا نستطيع أن نضع لسيرها ~~القواعد، أما العلم فله قواعد يستطيع المرء إذا سلكها أن يهتدي بسهولة إلى طريقه ~~فيه، وقد لا يتفق الكثيرون مع «كانت» في هذه التفرقة القاطعة بين العلم والفن، وقد ~~نرى أن العالم كثيرا ما يقترب من الفنان حين يقفز بفروضه إلى عالم المجهول، فيحتاج ~~عندئذ إلى نفس شعلة العبقرية الغامضة التي تضيء روح الفنان، ولكن الأمر الذي لا شك ~~فيه هو أن «كانت» إنما كان يرمي بحكمه هذا إلى إعلاء شان الفن، ووضعه في ms262 القمة ~~العليا من مظاهر النشاط الروحي للإنسان. # فإذا أردنا أن نصدر على نظرية «كانت» الجمالية حكما أخيرا؛ لوجب أن نقول إنه ~~كان أول فيلسوف جعل للفن مجالا متميزا لا يختلط فيه بسائر المجالات؛ فقد رفض كل ~~النظريات الجمالية القديمة التي تخلط بين مجال الفن ومجال الواقع، وتعيب على الفن ~~كونه ذا قيمة ميتافيزيقية أدنى من الواقع، وكونه ظلا باهتا يعجز عن أداء وظيفته ~~الأصلية، وهي محاكاة الطبيعة وموجوداتها، أما «كانت» فإنه يرفض كل هذه النظريات ~~ويؤكد استقلال الفن عن الطبيعة، بل يجعل الإنتاج الفني رمزا قائما بذاته، له ~~قيمته الذاتية التي تعلو أحيانا على قيمة الموضوعات الطبيعية ، بما تضفيه عليها ~~من صور متناسقة وأفكار مبتكرة. كذلك استطاع «كانت» أن يحقق للفن استقلاله عن الغايات ~~الأخلاقية، وأن يقضي على الخلط بين مجال الاستمتاع الجمالي ومجال السلوك العملي، ~~فأكد بذلك الطابع المميز للمتعة الفنية الخالصة، وتمكن بتحليله العقلي من أن يكشف ~~عن الظاهرة الجمالية فيما تتصف به من خصائص فريدة مميزة عن خصائص الظواهر العلمية ~~والعملية معا. # النظرية الرومانتيكية في الفن: شوبنهور ونيتشه # ذكرنا في حديثنا عن نظرية «كانت» العقلية في الفن أن هذا الفيلسوف كان أول من ~~جعل للفن مكانة مستقلة، وأكد أن الظاهرة الفنية قائمة بذاتها، تقف إلى جوار مختلف ~~الظواهر التي تتناولها الفلسفة. ولقد كان شوبنهور تلميذا «كانت» في اتجاهه الفلسفي ~~العام، أما في فلسفته الجمالية فقد كان أشد اهتماما بالفن من أستاذه نفسه، والسبب ~~الرئيسي في ذلك هو أن تجارب شوبنهور الجمالية كانت أعمق من تجارب «كانت»، كما أنه ~~كان أوسع منه ثقافة في هذا المجال، وإنا لنجد في كتابات شوبنهور - لأول مرة - ~~أحاديث مطولة عن العمارة والشعر والتصوير والموسيقى، تدخل في صميم مؤلفه الرئيسي، ~~وتقف جنبا إلى جنب مع كل الموضوعات الفلسفية الأخرى التي يعالجها في هذا ~~الكتاب. # وتقوم نظرية شوبنهور الجمالية على القول بأن الفن نوع من المعرفة، غير أنه ليس ~~معرفة بموضوعات فردية محسوسة، كما هي الحال في الإدراك الحسي للإنسان، وهو في الوقت ~~نفسه ms263 ليس معرفة تصورية مجردة، كما هي الحال في العلم، وإنما يحتل الفن موقعا وسطا ~~بين هذين. ولكي يعبر شوبنهور عن طبيعة المعرفة التي تكون قوام الفن، استخدم فكرة ~~«المثل»، وهي الفكرة الأفلاطونية القديمة، ولكن بمعنى مخالف للمعنى الأفلاطوني، ~~فالمثال عند شوبنهور ليس فرديا، وهو في الوقت ذاته ليس تصورا مجردا، وإنما هو ~~يعبر عما هو أساسي في العالم، مع كونه في الوقت ذاته قابلا لأن يدرك، ولأن يتحدد ~~على نحو واضح المعالم، ولكن كيف تصل الذات الإنسانية إلى إدراك هذه المثل التي تكون ~~أساس الفن؟ يؤكد شوبنهور أنه لا بد من حدوث تغيرات أساسية في الذات لكي تتهيأ ~~لإدراك هذه الماهيات الكامنة في قلب الأشياء أعني المثل؛ ففي حياتنا اليومية - حين ~~تتحكم فينا الإرادة برغباتها وأطماعها التي لا تقف عند حد - نعجز عن الوصول إلى ~~حالة التأمل الخالص، وتشغلنا مصالح الحياة ومتاعبها بأمور جزئية فردية، ومن هنا كان ~~لا بد من التخلص من كل مطالب الإرادة، بحيث يكون نشاطنا الروحي خارجا تماما عن ~~مجال الإرادة ومصالحها الذاتية، ونصل إلى حالة التنزه التي تغدو فيها الذات أداة ~~للتأمل الخالص الذي تتغلغل به في قلب الأشياء وماهيتها الباطنة. # وهكذا يقوم الفن في فلسفة شوبنهور بدور المخلص للإنسان من استعباد الإرادة ~~واستبدادها؛ ذلك لأن الإرادة عنده قوة طاغية لا تتحكم في الإنسان فحسب، بل تتحكم ~~أيضا في مجرى الحوادث المادية للكون بأسره؛ فكل ما في الكون من حوادث إنما هو ~~الوجه الخارجي لإرادة باطنة تعد هذه الحوادث مجرد مظاهر خارجية لها، ولقد كان هذا ~~الرأي تعبيرا فلسفيا صادقا عن تشاؤم شوبنهور ونظرته القاتمة إلى الحياة؛ ذلك ~~لأن الإرادة بطبيعتها قوة عمياء تفتقر إلى التعقل والنظام، وهي نزوع أهوج لا يستطيع ~~أن يكبح جماحه شيء، وما دامت القوة الباطنة في العالم لها مثل هذه الصفات، فلا ~~بد أن يكون مسار العالم متخبطا، وأن يكون الإنسان بدوره - من حيث هو جزء من هذا ~~العالم - خاضعا لقوة الإرادة العمياء تتحكم فيه كما تشاء، ومن هنا كان ms264 الفن يلعب ~~في فلسفة شوبنهور دورا أساسيا؛ فهو وسيلة من وسائل الخلاص من جبروت الإرادة ~~وتحكمها في الإنسان، صحيح أنه ليس هو الوسيلة النهائية، وإنما هو يمثل - في نظر ~~شوبنهور - مرحلة خلاص مؤقتة، تليها وتعلو عليها مرحلة نهائية هي مرحلة الإنكار ~~التام للفردية وللكثرة، وإماتة إرادة الحياة، وبالتالي القضاء على المصدر الأساسي ~~للشر، ومع ذلك فقد رأى شوبنهور في الفن وسيلة من أقوى الوسائل التي تتيح للإنسان ~~التغلب على ما في العالم من خداع وشر؛ فبفضل الفن يتمكن الإنسان من نسيان فرديته ~~وفردية الأشياء، فلا يعود ينظر إلى الأشياء بوصفها موضوعات لرغبته، وإنما يتأملها ~~بصورة موضوعية خالصة تخلو تماما من كل نزوع أو طموح للإرادة، وهنا يبدو أن شوبنهور ~~قد جمع بين رأي أرسطو في الفن ورأي «كانت» في مركب واحد لا تكلف فيه ولا تصنع؛ ~~فالفن عنده يؤدي إلى الخلاص مثلما يؤدي عند أرسطو إلى «التطهر»، وهو يرتبط أساسا ~~بحالة من التنزه والبعد عن الأطماع والأغراض الشخصية، تماما كما قال «كانت». # وعلى أية حال، فإن شوبنهور ينظر إلى الفنون على أنها مظاهر لتلك القوة الكامنة في ~~الكون - أعني الإرادة - وتعبيرات عنها بوسائل متباينة وبمراتب متدرجة، وهكذا يقاس ~~كمال الفن عند شوبنهور بمقدار علو مرحلة الإرادة التي يعبر عنها؛ فالفنون تتدرج في ~~سلم صاعد يبدأ بالعمارة التي تتعلق بقوة من قوى الإرادة الكونية هي الجاذبية، وتسعى ~~إلى حل مشكلة مقاومة المادة الصلبة لهذه القوة، وتلي ذلك قوة أخرى في الطبيعة، هي ~~قوة النمو، كما تتمثل في النبات وتظهر في فن فلاحة البساتين، وتصوير المناظر ~~الطبيعية، وقد بدا الجمع بين هذين الفنين معا غريبا في نظر الكثير من شراح ~~شوبنهور، لا سيما وتصوير المناظر الطبيعية لا يقتصر مطلقا على العالم النباتي. ~~وعلى أية حال فيبدو أن ذلك كان ضروريا لتكملة التناسق الفكري لمذهب شوبنهور، ويلي ~~هذا الفن: النحت والرسم، الذي يصور الجسم الحيواني والإنساني، أي إنه يعلو مرتبة ~~على تصوير قوة النمو في النبات، ثم يأتي بعد ذلك الشعر بكل أنواعه ms265 وفروعه، وهو يسمو ~~على الفنون السابقة؛ لأنه يختص بالإنسان وحده، ويصور أحوال إرادته ومشاعره بمزيد من ~~الدقة. # أما الموسيقى فإن شوبنهور يجعل منها قمة الفنون جميعا، ويحرص على التمييز بدقة ~~بينها وبين سائر أنواع الفن؛ فالموسيقى في رأيه عالم قائم بذاته، وهي لا تتناول ~~موضوعات مثل معينة، أو مظاهر خاصة للإرادة، وإنما هي تعبير مباشر عن الإرادة ~~بأكمل معانيها، وهكذا يقول شوبنهور: «إنه ليبدو لمن ترك سيمفونية تتغلغل في نفسه ~~تماما، أنه رأى كل الأحداث الممكنة للحياة وللعالم وهي تمر في داخله، ومع ذلك فإنه ~~لو أمعن التفكير في الأمر، لما أمكنه أن يؤكد وجود أي تشابه بين هذه القطعة ~~الموسيقية وبين الأشياء التي تمر بذهنه؛ ذلك لأن الموسيقى تختلف عن كل الفنون ~~الأخرى في أنها تصوير مباشر للإرادة ذاتها ... وعلى ذلك ففي إمكاننا أن نسمي العالم ~~موسيقى متجسدة، مثلما يمكننا أن نسميه إرادة متجسدة.» وهكذا تقف الموسيقى عند ~~شوبنهور إلى جوار العالم - إن جاز هذا التعبير - ولا تكون جزءا منه؛ لأنها عالم ~~قائم بذاته، ولأنها تكشف عن ماهية الإرادة الكونية بطريقتها الخاصة، مثلما يكشف ~~عنها عالم الظواهر من خلال ما فيه من موضوعات، وفضلا عن ذلك فإن الموسيقى تتميز عن ~~كل الفنون الأخرى بأنها تمثل عالم الزمان الخالص بلا مكان، ومن الطبيعي أن ترتبط ~~الفنون الأخرى المكانية بالعالم الخارجي على نحو ما، أما الموسيقى فلا تعبر عن شيء ~~مما في هذا العالم، وإنما هي تعبر عن أعمق ما في القوة الباطنة المحركة لكل ما في ~~العالم. وأخيرا فالفنون الأخرى - في رأي شوبنهور - تستعين بوسائط مادية كالحجارة ~~وغيرها من المواد في النحت والعمارة مثلا، أما الموسيقى فلا تستعين بمثل هذه ~~الوسائط، ولهذه الأسباب كلها استطاع شوبنهور أن يقول إن في وسع الموسيقى أن توجد ~~حتى لو لم يكن للعالم وجود على الإطلاق، وهي عبارة تمجد الموسيقى كما لم تمجدها ~~عبارة أخرى لأي فيلسوف آخر، ولكن صيغتها الغريبة لا تفهم إلا إذا ربطت بآراء ~~شوبنهور الفلسفية والفنية في مجموعها. # ولعلنا قد ms266 لاحظنا في العرض السابق نوعا من التناقض الظاهري في استخدام كلمة ~~«الإرادة» عند شوبنهور؛ فالمفروض - من جهة - أن الفن مظهر للإرادة، إما بطريقة ~~مباشرة - كما هي الحال في الموسيقى - وإما بطريقة غير مباشرة، كما هي الحال في ~~الفنون الأخرى، ولكن وظيفة الفن - من جهة أخرى - هي تحرير الفرد من رغبات الإرادة ~~وأطماعها التي لا تقف عند حد، ولا شك أن مرجع هذا الاختلاف إلى المعنى المزدوج الذي ~~استخدمت فيه كلمة الإرادة؛ فالمقصود منها في الحالة الأولى هو الإرادة الكونية، ~~أو الإرادة من حيث هي قوة ميتافيزيقية تكمن من وراء كل ظواهر الكون، أما في المعنى ~~الثاني، فالمقصود هو الإرادة في الإنسان بما لها من أطماع ورغبات لا نهاية لها، ~~وهذا المعنى الثاني هو الذي كان في ذهن شوبنهور حين تحدث عن الفن من حيث هو وسيلة ~~لخلاص الإنسان وتطهيره، أما المعنى الأول فهو الذي قصده حين وصف الفنون بأنها مظاهر ~~متدرجة للإرادة. # ولكن هل صحيح أن الفن عامة - والموسيقى خاصة - نشاط نفسي تخمد فيه الإرادة ~~الفردية؟ إنه ليبدو - لمن يتأمل هذه المسألة بمزيد من الدقة - أن الفن يقوي - ~~أحيانا - شعور المرء بشخصه وبإرادته، وليس صحيحا أن الفن في كل الأحوال ينسينا ~~فرديتنا بحيث نصبح في حالة تأمل لا صلة له بالإرادة الفردية، والأهم من ذلك أن ~~موضوع الفن نفسه لا يفقد دائما فرديته في حالة التأمل أو الخلق الفني؛ فالفنان لا ~~ينظر في موضوعه إلى «المثال الأفلاطوني»، بل إنه في معظم الأحيان يتجه إلى تأمل هذا ~~الموضوع من حيث هو فردي محدد، ونستطيع أن نقول إن صفة الفردية المحددة هي التي ~~تميز موضوع الفن عن موضوع العلم، الذي لا يتناول من الأشياء إلا أوجهها العامة ~~المشتركة بين كل الأفراد، وإذن فمن المشكوك فيه أن يكون شوبنهور قد أصاب حين وصف ~~موضوع الفن بأنه موضوع تنتزع فرديته ... وإنما العكس هو الذي يبدو صحيحا؛ لأن عين ~~الفنان الفاحصة هي التي تضفي الفردية على موضوعات لا نلاحظها في حياتنا ~~المعتادة، أو نكتفي بالنظر ms267 إليها على أنها مجرد أمثلة لنمط واحد متكرر، وربما كانت ~~أهم صفات الفنان هي قدرته هذه على أن يكتشف ما هو منفرد - لا يتكرر - في كل شيء ~~يتخذه موضوعا لفنه. ~~••• # ولنلاحظ - بعد هذا - أن شوبنهور يحدد العلاقة بين الفن والحياة بطريقة قد لا ترضي ~~الكثيرين، فهل صحيح أن الفن وسيلة لتحرير الإنسان من إرادة الحياة؟ الواقع أن ~~كثيرا من المفكرين والفنانين يأبون - بناء على تجاربهم الخاصة - أن يربطوا بين ~~الفن وبين التخلص من الرغبات والمشاعر الحية، وهذه في الواقع هي نقطة بداية تفكير ~~«نيتشه» في المشكلة الفنية؛ فالفن عنده ليس على الإطلاق وسيلة لإماتة إرادة الحياة، ~~بل إنه هو في الواقع النشاط الذي يؤكد الحياة ويعليها ويقف منها موقفا إيجابيا، ~~والنشاط الخلاق في الفن هو من أبرز مظاهر تأكيد إرادة الحياة في الإنسان، والأفكار ~~الفنية لا ترتبط بعالم فوق المحسوس، وإنما هي من صميم هذا العالم، وهي لا تفهم ~~إلا إذا ربطت بهذه الحياة وبهذه الأرض. # ولكي يعبر نيتشه عن آرائه هذه تعبيرا أوضح، وضع في كتابه المبكر «ميلاد ~~المأساة من روح الموسيقى» تقابلا أساسيا بين نوعين من الفن، أطلق على كل منهما ~~اسم إله من آلهة اليونان، هما الفن الأبولوني والفن الديونيزي، أما الأول فهو الفن ~~الذي يظهر الموضوع فيه محدد المعالم، ويتميز بالتناسق والوضوح والشفافية، وتكون ~~الحالة النفسية السائدة فيه - سواء عند الفنان الخالق وعند المشاهد المتذوق لهذا ~~الفن - هي حالة التأمل والتعبير الهادئ، أما الثاني فيتسم موضوعه بشيء من الغموض، ~~وقد يفتقر إلى التناسق ووضوح النسب، ولكن الحالة المصاحبة له تكون حالة من النشوة ~~والسكرة، والشعور بزوال كل الحواجز، وبأن المرء قد اتحد - بطريقة شبه صوفية - مع ~~الماهية الباطنة للعالم، وعلى حين أننا في النوع الأول نقف من الحياة موقف المتأمل ~~المشاهد، فإنا من النوع الثاني نندمج في الحياة اندماجا كليا، ونصبح وإياها ~~شيئا واحدا، ومن أمثلة النوع الأول - الأبولوني الهادئ من الفن - التصوير والنحت، ~~أما الموسيقى فهي خير ما يعبر عن الفن الديونيزي؛ إذ لا يعود ms268 موقفنا فيها هو موقف ~~التأمل، وإنما يصبح موقف الاندماج التام في الأنغام، وفيما تكشفه لنا من ماهية ~~باطنة للعالم. # ولا شك في أن هذا التقسيم متأثر بتفرقة شوبنهور بين الموسيقى وبين الفنون الأخرى، ~~على النحو الذي عرضناه من قبل، ومع ذلك فينبغي ألا ننسى أن نيتشه كان أكثر اتساقا ~~مع نفسه من شوبنهور، وذلك حين أنكر تماما أن يكون الفن أداة للهروب من العالم أو ~~للتحرر من أعبائه، وربط - على أقوى نحو - بين الفن وبين تأكيد إرادة الحياة، ولقد ~~كان هذا الاختلاف ضروريا بين فيلسوفين يتخذ أحدهما موقفا مثاليا، وينكر عالم ~~المحسوس بوصفه عالما للظواهر الخداعة التي ينبغي الفرار منها والزهد فيها، ويؤكد ~~الآخر أن هذا العالم هو الوحيد الذي نعرفه، ويمجد المحسوسات ويرى في الفن وسيلة ~~لتأكيدها لا لتحقيرها، ومظهرا من مظاهر إعلاء الحياة لا الهروب منها. # وعلى أية حال فإن نيتشه - رغم عمق تجاربه الفنية، ولا سيما الموسيقية منها - لم ~~يلتزم هذا الموقف من الفن إلى النهاية؛ ففي وسعنا أن نلمح في صراعه الأخير مع فاجنر ~~علامات صراع آخر بينه وبين الفن ذاته، لا كما يتمثل في فاجنر فحسب، أي إن من الممكن ~~القول إن شخصية فاجنر - التي جمعت في ذاتها أوسع وأعمق ما وصلت إليه الفنون في ~~عصرها - هي تلخيص لأقصى ما يستطيع الفن أن يقوم به من أجل العلو بالإنسان، ومن هنا ~~فإن نقد نيتشه المرير لفاجنر - في الفترة الأخيرة من حياته - إنما هو تعبير عن ~~الصراع بين روح البحث عن الحقيقة - التي كانت طاغية لديه - وبين الفن الذي يعد ~~مظهرا من مظاهر الخداع والهروب من مواجهة الواقع. وهكذا يتضح لنا أن نيتشه قد عاد ~~آخر الأمر - بمعنى ما - إلى موقف شوبنهور من الفن، من حيث هو أداة للهروب من ~~الحياة، ولكنه - على عكس شوبنهور - لم يمتدح هذه الصفة في الفن، وإنما حمل عليه ~~وعلى أعظم ممثليه حملة شعواء، رغم عمق شعوره الباطن نحوهما، وذلك إخلاصا منه لروح ~~الحقيقة، وتمسكا منه بهذه الحياة، التي حرص على ms269 قبولها وتأكيدها بكل عناصرها، وبكل ~~ما فيها من عناصر مقبولة أو منفرة. # النظرية التعبيرية عند كروتشه # في وسعنا جميعا أن نميز بين طريقتين من طرق معرفتنا للأشياء: طريقة المعرفة ~~المباشرة، التي تكون أشبه بومضة سريعة ندرك فيها الموضوع كاملا، دون حاجة إلى جهد ~~أو تفكير في علاقات الموضوع بغيره، وطريقة المعرفة التدريجية التي نربط فيها ~~الموضوعات بعضها ببعض لنحكم على كل منها من خلال علاقاته بالآخرين، أما المعرفة ~~الأولى فتسمى عند الفلاسفة بالمعرفة الحدسية، والثانية تسمى بالمعرفة العقلية أو ~~المنطقية، والفن عند كروتشه ينتمي إلى النوع الأول؛ فكل حدس مباشر - ينفذ إلى ~~الموضوع الفردي ويتغلغل فيه - ينطوي في ذاته على بادرة القدرة الفنية، وليس الفارق ~~بين الفنان وغير الفنان فارقا في النوع، وإنما الفنان شخص لديه قدرة أعظم - من ~~الوجهة الكمية - على التعبير عن أنواع معينة من الموضوعات التي يدركها بهذا الحدس، ~~ويؤكد كروتشه أننا لا نستطيع أن ندرك طبيعة الشعور الباطن الذي ينتابنا إلا عندما ~~يكون في وسعنا التعبير عنه، كما لا يمكن أن يكون لدينا حدس بمنظر طبيعي إلا إذا ~~كانت تفاصيل هذا المنظر واضحة في أذهاننا، بحيث نستطيع أن نعبر عنه بوضوح لمن يطلب ~~إلينا ذلك، وبالاختصار: فمعرفتنا تظل غامضة مبهمة حتى نعبر عنها؛ فالفن إذن في ~~أساسه تعبير. # والفارق الوحيد - في نظر كروتشه - بين الفنان أو العبقري وبين الإنسان العادي، هو ~~أن للأول قدرة أعظم على التعبير عما يدركه بالحدس، ولكن هذه القدرة موجودة في الوقت ~~ذاته لدى الجميع، وإنما بدرجات أقل، صحيح أننا نقول عن الفنان إنه يكشف لنا ~~أنفسنا، ولكن كيف يتسنى له ذلك لو لم تكن طبيعة خياله وطبيعة خيالنا واحدة، ولو ~~لم يكن الفارق بين الطبيعتين إلا فارقا في الدرجة فحسب؟ من الواضح أن القصيدة ~~الشعرية - مثلا - لا تؤثر في إلا إذا كانت لدي أحاسيس مماثلة لتلك التي كانت ~~لدى مؤلفها، بحيث أهتدي في هذه القصيدة إلى شيء أحس به في نفسي فعلا، وبهذا المعنى ~~أقول إنها عرفتني نفسي أو كشفتها لي، ms270 ولو لم تكن قد مرت بنا في حياتنا لحظات ~~مختلفة شعرنا فيها بإحساسات مشابهة لإحساسات هاملت أو ماكبث، لما أحسسنا بإعجاب ~~حقيقي نحو هاتين الشخصيتين، ولكان الشعر الذي يتحدث عنهما مجرد كلمات لا تعني ~~بالنسبة إلينا شيئا. # ولكن علينا أن نحذر فهم فكرة التعبير هذه بأنها تعني أن العمل الأساسي للفنان هو ~~أن ينقل مشاعره للآخرين؛ فهذا المعنى أبعد الأمور عن تفكير كروتشه، وكل ما يود أن ~~يقوله هو أن الفنان يعبر عن أحاسيس باطنة، ويطلق هذه الأحاسيس من عقالها في عملها ~~الفني، ويتحرر منها بمعنى ما في مجهوده التعبيري، وعند هذه المرحلة تنتهي مهمة ~~الفنان، أما من يتذوقون هذا العمل الفني فإنهم لما كانوا يمرون أيضا بأحاسيس ~~مماثلة، ففي وسعهم أن يقدروا هذا العمل ويستمتعوا به جماليا، دون أن يكون الفنان ~~الخالق قد استهدف بعمله متعتهم؛ ذلك لأن عمل الفنان يتوقف ويكتمل - كما قلنا - عند ~~مرحلة التعبير عن انطباعاته الخاصة؛ ففي اللحظة التي يكون فيها الفنان - في داخله ~~- صورة حية لشكل أو لتمثال أو يهتدي إلى لحن موسيقى، يكون التعبير قد تم واكتمل، ~~وهو ليس في حاجة إلى أكثر من ذلك، وحتى الصورة الخارجية التي يتخذها التعبير لا ~~تعد ضرورية على الإطلاق، أعني أن عزف اللحن الذي اهتدى إليه الفنان، أو إمساك ~~ريشة الرسم أو القلم لتدوين التعبير الداخلي بصورة خارجية يدركها الآخرون، كل هذا ~~يعد إضافة إلى العمل الفني الأصلي، وهي إضافة تنتمي إلى المجال العملي، ولا شأن ~~لها بالمجال الجمالي في ذاته، ومن هنا كان كروتشه يرفض التفرقة بين التعبير الداخلي ~~والتعبير الخارجي؛ إذ إن كل عمل فني هو تعبير «داخلي» على الدوام، وما نسميه بالعمل ~~الخارجي ليس هو العمل الفني ذاته. # وبعبارة أخرى فالفن نشاط روحي صرف، وترجمته أو نقله إلى مجال الأشياء الخارجية ~~هو عمل ثانوي يضاف إلى الجهد الروحي الحقيقي، الذي هو التعبير الفني الأصيل، ولو ~~حالت الظروف - على أي نحو - بين الفنان وبين نقل فنه إلى الآخرين أو التعبير عنه ~~بصورة يدركها الجميع، ms271 فإن هذا لا ينقص من تجربته الجمالية شيئا، ما دامت هذه ~~التجربة قد عبرت عن نفسها - في داخله - تعبيرا باطنا كافيا، ونقلت مشاعره ~~وانطباعاته الغامضة إلى صورة محددة يستطيع هو ذاته أن يتبين معالمها في داخله ~~بوضوح. # ورغم ذلك التأكيد للطابع الباطن للتعبير الفني، فإن كروتشه يؤكد وجود حقيقة فنية ~~يمكن أن تنقل إلى الآخرين، وكل ما في الأمر أن الفنان لا يعبر عن نفسه من أجل ~~الآخرين، وإنما تؤدي وحدة المشاعر بين البشر إلى أن نفهم نحن عمل الفنان ونقدره، ~~وهكذا نجد أن الألوان والأصوات التي عبر بها الفنان عن إحساسه الباطن تستطيع أن ~~تنقل إلينا هذا الإحساس، فيتكون لدينا حدس مماثل لذلك الذي أحس به الفنان، صحيح ~~أننا لا نستطيع أن نحيا تجربة الفنان من جديد، أو نمر بها مرة أخرى؛ لأن ما حدث مرة ~~لن يتكرر فيما بعد، ومع ذلك فإن أول ما يميز الفنان العظيم هو قدرته على أن يعبر عن ~~حقيقة تحتفظ بقيمتها عبر الزمان والمكان، وتستطيع أن تثير فينا خيالات مماثلة لتلك ~~التي مرت في ذهنه، ومن هنا كان من المستحيل ألا نعجب بهذا العمل؛ لأن نفس ~~الضرورة التي جعلت الفنان يعبر عنه، تجعلنا نحن أيضا نقدره، وهكذا يوجد بين الفنان ~~وبين جمهور المتذوقين نوع من الاتصال لم يتعمده الفنان ولم يكن يعنيه في شيء، ولكنه ~~موجود نتيجة لوحدة المشاعر، ولأن النفوس يتصل بعضها ببعض من خلال العمل الفني مثلما ~~يتصل بعضها ببعض في عملية المعرفة والتفاهم العقلي. # وإذن فهناك حقيقة فنية، ولكنها مختلفة عن الحقيقة العلمية والأخلاقية، ومن هنا ~~كان كروتشه من أكبر أنصار فكرة الفن للفن، بمعنى أن التعبير الفني مستقل عن جميع ~~الاعتبارات العلمية، وإذا كانت هذه الاعتبارات ترتبط - من الوجهة الواقعية - ~~بالأعمال الفنية؛ فليس هذا الارتباط منطقيا ولا ضروريا، وإنما هو شيء عارض ~~فحسب، وعلى ذلك فالحكم على العمل الفني ينبغي - في نظر كروتشه - أن يتم من وجهة نظر ~~فنية صرف. وأكبر الأخطاء في النقد الفني أن نخلط بين المعايير ms272 المنتمية إلى ~~مجالات مختلفة، فنحكم على العمل الفني من خلال أخلاقيته، أو نحكم على عمل عقلي من ~~حيث تناسقه وانسجامه، ومهما بدا لنا أن العمل الفني يحمل معاني أخلاقية أو دينية ~~أو عقلية، فمن الواجب أن نتذكر أن الفنان الخالق ذاته - من حيث هو فنان - لم يكن ~~يقصد إلى شيء من ذلك، ولا يعبأ بهذه النتائج، ولم يكن يريد أن يؤكد لنا شيئا، ~~وإنما كان يريد التعبير عن نفسه فقط، وعن مشاعره إزاء موضوعات معينة، بغض النظر عن ~~كل اعتبار عملي أو نظري ينتمي إلى مجال الأخلاق أو العلم، ورغم أن مفكرين كثيرين قد ~~رحبوا - وقت ظهور هذه الآراء - بتلك النظرية الخالصة في الفن على أساس أنها تخلص ~~الفن من الارتباط بالأهداف الأخلاقية أو الاجتماعية التي لا تنتمي إلى صميم الفن ~~ذاته، فقد كان رد الفعل عليها قويا، وتوالت بعد ذلك انتقادات شديدة لفكرة الفن ~~للفن، نظرا إلى ما تفترضه من انفصال للروح البشرية إلى مجالات كل منها مقفل على ~~ذاته، لا يتصل بالمجالات الباقية، وهو أمر تأباه وحدة الشخصية الإنسانية وتداخل ~~مظاهر نشاطها. # على أن في نظرية كروتشه التعبيرية نقاط ضعف أخرى لا تقل عن هذه أهمية؛ فهو في ~~فكرة التعبير الخالص يتجاهل مادة الفن ويعدها مجرد أداة ثانوية، ولا يهتم بالمنظر ~~الخارجي للعمل الفني إلا من حيث هو وسيلة لإعطاء التعبير شكلا يدركه الآخرون، على ~~حين أن التعبير الحقيقي هو الأصل الباطن في نفس الفنان فحسب، وربما كان في وسعنا أن ~~نرى في ذلك مظهرا من مظاهر القصور في ملاحظة ما يحدث بالفعل في حالة الخلق الفني؛ ~~إذ إننا نعلم جميعا مدى تأثير مادة الفن في تشكيل الصورة النهائية للعمل الفني بل ~~في عملية الخلق ذاتها أحيانا؛ فكثيرا ما تكون المشاعر التي تنتاب اثنين من ~~الفنانين متشابهة، ولكن أحدهما أقدر على تشكيل عالم الألوان والثاني أقدر على ~~تشكيل الحجارة، فتكون النتيجة في الحالة الأولى صورة وفي الحالة الثانية تمثالا، ~~وهكذا نرى أن الشكل أو الوسط المادي للتعبير هو ms273 الذي يتيح تصنيف الفنون، ولولا هذه ~~المادة لما وجدت فنون مختلفة، بل لكان هناك فن واحد فحسب، وفضلا عن ذلك فإن ~~طبيعة الشعور الذي يريد أن يعبر عنه الفنان تتغير إلى حد بعيد عندما تصطدم قوته ~~التعبيرية بالعالم المادي ويحاول أن يستخلص من المادة تلك المعاني التي تجيش بها ~~نفسه، وللمادة ذاتها دور أساسي في تحديد الطبيعة النهائية للعمل الفني؛ لأن إرادة ~~الفنان لا تمارس في فراغ، وإنما في مادة تقاومه لها قوانينها الخاصة التي لا ~~يستطيع أن يخضعها لرغباته في كل الأحوال. # أما فكرة الحقيقة الفنية التي تنقل إلينا بفضل اتحاد مشاعرنا مع مشاعر الفنان، ~~أو قدرتنا على إعادة إحياء ما مر به الفنان من التجارب في أنفسنا، فمن الممكن أن ~~توجه إليها انتقادات متعددة؛ ذلك لأنه ليس من الضروري على الإطلاق أن نستعيد - ~~ونحن إزاء عمل فني كبير - تجارب مماثلة أو مشابهة لتلك التي مر بها الفنان نفسه، بل ~~إن هذا أمر مستحيل من الوجهة العملية؛ فقد لا يرتبط العمل الفني على أي نحو ضروري ~~بالحالة الشعورية التي أنتجه الفنان في أثنائها، ولدينا شواهد عديدة على ذلك في ~~تاريخ الفن؛ فأروع مؤلفات موتسارت الموسيقية هي تلك التي كتبها بتكليف، بحيث كان ~~مقيدا بموعد يتعين عليه إتمامها فيه، أو كان في ضائقة مالية ويريد الانتهاء منها ~~في أسرع وقت حتى يجني منها بعض المال، ومن جهة أخرى فمن الملاحظ في موسيقاه أن أشد ~~سيمفونياته مرحا هي تلك التي كتبها في أوقات حزنه، وفي ظروف قاسية إلى أبعد حد، ~~وهنا نجد أن الحالة التي خلق في ظلها العمل الفني - من حزن أو عسر مالي أو ديون ~~أو تعجل في الإنتاج - تختلف كل الاختلاف عن الشكل النهائي الذي اتخذه هذا العمل، ~~ومن المحال أن يعيد المرء هذه التجربة في نفسه وهو يستمع إلى موسيقاه، لسبب بسيط هو ~~أنه لا توجد أية علاقة بين هذه الموسيقى وبين المشاعر التي كانت تمر به وقت ~~تأليفها، ويبدو أن قدرة الفنان الكبير إنما تكون في ms274 تمكنه من خلق إنتاج لا يتقيد ~~بظروفه الذاتية الجزئية، ولا تربطه بمشاعره المتغيرة أية علاقة سببية، وإنما هو فيض ~~من الطاقة يمكن أن ينطلق في أشد الظروف قسوة، وفي ظل أحوال قد تبدو أحيانا غير ~~متلائمة مع الإنتاج الفني على الإطلاق. # ومن جهة أخرى، فإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية تلقي العمل الفني وتقديره عند من ~~يتأمله أو يستمع إليه؛ لوجدنا أن العمل الفني الواحد قد يثير في مختلف الناس أحاسيس ~~متباينة كل التباين، وليس من الممكن أن نشعر عند تقديرنا لعمل فني بنفس أحاسيس ~~منتجه، بل إن هذا ليس أمرا مرغوبا فيه، وربما لم يكن يحدث إلا في حالة الأنواع ~~الهزيلة من الإنتاج الفني، والأمر الذي نستطيع أن نؤكده - فقط - هو أن العمل الفني ~~يؤثر في حاستنا الجمالية تأثيرا عاما دون تحديد لاتجاه هذا التأثير، بل إن للعمل ~~الفني العظيم قدرة على أن يؤثر في كل شخص على نحو مختلف، ومع ذلك يظل الجميع - رغم ~~اختلاف طريقة تأثر كل منهم، واختلاف طرقهم جميعا عن طريقة تأثر الفنان نفسه - ~~يشعرون بأنه عمل له قيمته. # وأخيرا فإني أود أن أثير مسألة لا أظن أنها خطرت ببال كروتشه أصلا في حديثه عن ~~التعبير الجمالي؛ فهل يقتصر الفن على التعبير عن مشاعر إنسانية موجودة من قبل أم ~~إنه يخلق مشاعر جديدة؟ يبدو أن هناك أعمالا فنية تفتح أمامنا آفاق مشاعر جديدة كل ~~الجدة، لم نصادفها من قبل في تجربتنا على الإطلاق؛ فهي تخلق مشاعر لا نحس بها في ~~حياتنا، وتحول مجرى حياتنا الانفعالية إلى طريق لم يطرق من قبل، فأرقى أنواع ~~الموسيقى تثير فينا أحاسيس لا نستطيع تحديد كنهها على الإطلاق، وكل ما نستطيع أن ~~نقوله بشأنها هو أنها تكشف لمن يمكنه تذوقها عن أوجه خفية باطنة في العالم، لم يكن ~~قد تنبه إليها في حياته من قبل، ومثل هذا يصدق على أحدث نظريات فن التصوير؛ إذ ~~يرى كثير من المصورين المعاصرين أن على الفنان أن يخلق موضوعات جديدة كان ينبغي أن ~~تكون ms275 في الطبيعة، ولكنها لم تكن بالفعل، وأن عليه بالتالي أن يولد مشاعر تفتقر ~~إليها التجربة المألوفة للإنسان، وهم يرون أنه لا جدوى من التعبير عما تحقق بالفعل، ~~وإنما المهم أن نستخلص ما كان ينبغي أن يكون، ونخرجه إلى حيز الوجود، ومن هنا كانت ~~حملة كثير من هذه المذاهب المجددة على كل تصوير أو تمثيل للطبيعة، سواء منها ~~الظاهرة والباطنة، ويؤكد أصحاب هذه الاتجاهات أن النظرية التعبيرية تحد من حرية ~~الفنان، على حين أن مذهبهم هو الذي يضمن له حرية كاملة؛ إذ يستطيع التحكم في مشاعره ~~الأصيلة، بل وفي كل الظروف المحيطة به، والمقترنة بلحظة الخلق الفني، وتحويلها إلى ~~شيء جديد كل الجدة، نابع من عبقريته الخلاقة، وهكذا يبدو أن أعظم ما في الفنان هو ~~قدرته على تشكيل المشاعر الذاتية والمادة الخارجية في صورة جديدة، لا تتقيد بحتمية ~~التعبير عن مشاعر معينة، وإنما هي تعبير عن القدرة الخالقة والطاقة الفياضة للفنان ~~فحسب. # | بين الفكر والآلة (1) # الفلسفة والتكنولوجيا في العالم القديم # 1 # بين الفكر والفعل أو بين الرأس واليد حوار دائم، وقد اتخذ هذا الحوار صورا متعددة ~~طوال تاريخ البشرية؛ فكان أحيانا يتخذ صورة عداء متبادل، أو ترفع من الفكر على ~~الفعل، أو تضافر وتعاون بين عقل الإنسان ويديه. ولقد كانت قصة العلاقة بين الفكر ~~والآلة، وموقف الفيلسوف من التكنولوجيا، انعكاسا واضحا للعلاقات الاجتماعية السائدة ~~في كل عصر، وأستطيع أن أقول إن تتبع المراحل الرئيسية لهذه العلاقة يلقي ضوءا ساطعا ~~على كثير من المسائل الفكرية والحضارية، ويكشف على نحو أعمق عن موقف الإنسان من ~~الطبيعة في مختلف العصور، وسأحاول في سلسلة من المقالات أن أقدم عرضا تاريخيا ~~عاما لهذه المشكلة، فضلا عن تناول بعض جوانبها التي تمس الإنسان المعاصر. وفي ~~اعتقادي أن القارئ سيكون قد أفاد من هذه المقالات على النحو الذي آمله إذا لم ينظر ~~إليها على أنها مقالات فلسفية خالصة، وإذا تأملها على أنها تلخيص لمشكلات لا بد أن ~~يمر بها كل مجتمع بشري عندما تواجهه لأول مرة مشكلة الصنعة ms276 أو التصنيع، وتبدأ قوة ~~الآلات فيه تؤدي عملها إلى جانب قوة الإنسان، ويحدث الاصطدام المحتوم بين العقل في ~~انطلاقه الحر وبين الآلة في نظامها الصارم. # كانت فترة ظهور أولى مدارس الفكر اليوناني - وهي المسماة بالمدرسة الأيونية - تبشر ~~بتضافر مثمر بين النشاط الفكري النظري والنشاط العملي الآلي؛ إذ كان كثير من فلاسفة هذه ~~الفترة - أعني من يسمون بالطبيعيين الأولين - مهتمين بالمسائل العملية بقدر اهتمامهم ~~بالمسائل النظرية، وكانت جهودهم تنصب على الميدانين معا دون تعارض. في تلك الفترة ~~كان هناك اتصال رائع بين حضارات الشرق الأوسط القديمة وبين الحضارة اليونانية الناشئة، ~~وكانت الخبرات والمعلومات والتجارب تتبادل إلى جانب المحصولات والمصنوعات ، وأثمر ذلك ~~كله تفكيرا يجمع إلى الممارسة التطبيقية القدرة على البرهان العقلي. # ولقد كان طاليس «أبو الفلسفة» الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد؛ كان مفكرا ~~نظريا ومخترعا عمليا في الوقت ذاته؛ فقد نسب إليه مؤرخو الفكر أول نظرية ~~متكاملة حاول بها الذهن البشري تفسير الكون كله من خلال مبدأ واحد مقنع عقليا، لا من ~~خلال أسطورة أو خرافة، ولكنه كان في الوقت ذاته ذا عقلية علمية وعملية من الطراز الأول، ~~فروي عنه أنه حول مجرى نهر «هاليس» لكي يتيح لجيوش كرسيوس أن تعبره، ونسبت إليه ~~كشوف عديدة في الفلك والملاحة، وليس ما يعنينا هنا أن نعدد الاختراعات والكشوف ~~المنسوبة إلى شخص طاليس، وإنما المهم في الأمر أن أول فيلسوف يذكره التاريخ كان شخصية ~~نظرية وعملية في آن واحد، ولم يكن ذلك الرجل المنعزل الذي يتأمل السماء فتتعثر مشيته ~~ويقع في الوحل كما تصوره القصة المشهورة، وبعبارة أخرى فإن بداية ظهور الفلسفة كانت ~~مرتبطة بالجمع بين الفكر النظري والعلم التطبيقي معا، بل ربما جاز القول إن الاهتمام ~~بالأمور العملية هو الذي أوحى إلى فلاسفة هذه الفترة آراءهم النظرية. # وإذن فقد كان كل شيء يوحي بأن التقدم الفكري والتقدم التكنولوجي سيسيران جنبا إلى ~~جنب في العصر اليوناني الكلاسيكي، وكانت الوسائل كلها ميسرة لذلك؛ فالعلم اليوناني قد ~~أخذ يزدهر، وأسرار الرياضيات بدأت تتكشف للعقل ms277 اليوناني، والاتصالات بالحضارات القديمة ~~قائمة لا تنقطع، والمناخ السياسي والاجتماعي يساعد على ذلك دون شك، وفضلا عن ذلك ففي ~~تلك الفترة بعينها وضعت أسس النظرية الذرية من جهة، وظهر مذهب «أبقراط» العلمي ~~التجريبي في الطب من جهة أخرى، وهما كشفان يساعدان على تمهيد الطريق للكشف والاختراع ~~الآلي: الأول إذ يصور الكون كله على أنه آلة ضخمة، والثاني إذ ينظر إلى جسم الإنسان ~~نفسه على أنه آلة معقدة، ومع ذلك فإن هذا التطور المتوقع لم يحدث، وظل العلم اليوناني ~~نظريا لا تطبيقيا، ولم يعرف اليونانيون «الآلة» بمعناها الصحيح، وإن عرفوا مجموعة ~~بسيطة من الأجهزة الآلية كانت في نظرهم مصدرا للتسلية والترويح عن النفس، ولم تكن لها ~~في حياتهم وظيفة جدية. # فما هي أسباب عدم ظهور النزعة الآلية عند اليونانيين؟ ولماذا لم يستخدم العلم ~~اليوناني المزدهر في تطبيقات عملية ترفع مستوى حياة الإنسان؟ من المؤكد - كما قلنا من ~~قبل - أن الجو العام كان مهيأ لذلك، وأن الاهتمام بالتكنولوجيا - الذي لم يظهر بوضوح ~~إلا في عصر النهضة الأوروبية - كان يمكن أن يظهر في تلك الفترة المبكرة (ولنتصور مدى ~~التغير الهائل الذي كان يمكن أن يطرأ على التاريخ البشري لو أن النزعة العلمية ~~التطبيقية قد بدأت قبل موعد بدايتها الفعلية بألفي عام)، فما هي إذن أسباب اختفاء الآلة ~~من حياة الإنسان القديم، ونفور الفكر البشري منها. # إن المتشككين في قيمة التصنيع في عصرنا الحالي، يشيرون إلى الأضرار المادية والمعنوية ~~التي جلبتها النزعة الآلية ولا سيما في الحروب، ويبدو بالفعل أن اليونانيين القدماء قد ~~أخذوا يتساءلون هذه الأسئلة، ولا سيما في صدد الآلات المستخدمة في الحرب، فإذا كانت ~~الآلة تحل محل اليد البشرية في محاربة العدو (كما في حالة المنجنيق مثلا) فما قيمة ~~الشجاعة إذن؟ وفضلا عن ذلك فقد أدرك اليونانيون خطر البطالة الذي يتولد عن التوسع في ~~استخدام الآلة؛ إذ روي عن أحد الأباطرة أن مهندسا عرض عليه جهازا يتيح نقل أعمدة ~~ضخمة بنفقات قليلة حتى قمة الكابيتول، فرفض الإمبراطور استخدام الجهاز شاكرا، وقال ms278 ~~لمخترعه: «دع الفقراء يأكلون خبزا!» # 2 # مثل هذه الأسباب إذن كانت موجودة، ولكن إدراك اليونانيين لها لم يكن من ~~الوضوح بحيث يمكن أن تعد على أي نحو تعليلا لبطء تطور المخترعات الآلية. # أما السبب الحقيقي الذي يمكننا أن نعزو إليه زهد اليونانيين في هذه المخترعات - في ~~الوقت الذي توافرت لهم فيه كثير من الإمكانيات الكفيلة بتحقيق تقدم سريع في هذا المجال ~~- فهو أنهم لم يكونوا يشعرون بالحاجة إليها، نظرا إلى شيوع نظام الرق، فلماذا ينصب ~~تفكير العلماء على الاقتصاد في الجهد البشري، وإحلال الآلة محل اليد العاملة؛ إذ كان ~~لدى المجتمع مصدر لا ينضب من موارد الطاقة، يتمثل في الأرقاء الذين لم يكن يخلو منهم ~~بيت يوناني متوسط؟ لقد كان نظام الرق - في واقع الأمر - حقيقة أساسية من حقائق المجتمع ~~اليوناني، وكان الرقيق الذي ظل محروما من كل حقوق المواطنين الأحرار، والذي كان يعيش ~~على هامش المجتمع بكل معاني هذه الكلمة؛ كان وسيلة زهيدة التكاليف لقضاء الحاجات ~~المادية والقيام بالأعمال اليدوية. # فالرقيق كان يحتل موقعا وسطا بين الإنسان بمعناه الصحيح - أي الإنسان الحر - وبين ~~الحيوان، ولما كانت الحروب اليونانية المستمرة تتيح جلب مزيد من الأرقاء على الدوام، أو ~~على الأصح من أسرى الحرب الذين يحولون إلى أرقاء، فقد كان من الطبيعي ألا تقوم الحاجة ~~أصلا إلى إعفاء الإنسان من متاعب العمل اليدوي المرهق، ومن هنا لم تتقدم التكنولوجيا ~~اليونانية، وبالعكس فإن عدم وجود الآلات قد جعل اليونانيين يتمسكون بنظام الرق، ولا ~~يستغنون عن أرقائهم، وهكذا ظل اليونانيون يدورون - في هذا الصدد - في حلقة مفرغة لم ~~يعرف العالم القديم منها مخرجا. # ومما له دلالته الواضحة في هذا المجال أن الأرقاء - في العصر اليوناني - كانوا ~~يستخدمون في أغراض تتصل بالصناعة لا في الزراعة؛ فالتجربة الأمريكية الحديثة - ~~التي كان يجلب فيها الألوف من العبيد للعمل في المستعمرات الزراعية الكبيرة ~~( Plantations ~~) - لم تكن معروفة عند اليونانيين، أو ~~كانت تطبق بصورة بدائية وعلى نطاق ضيق إلى أبعد حد، وإنما كان الشائع استخدام الأرقاء ~~في الحرف ms279 اليدوية الصناعية أو في الأعمال المنزلية؛ فكان الصناع القادرون يجلبون ~~الأرقاء ويدربونهم، آملين أن يتقاعدوا آخر الأمر ويعيشوا سنوات شيخوختهم على حصيلة عمل ~~أرقائهم، وقد تحدث سقراط عن خمسة من معاصريه كانوا يعيشون عن سعة بفضل استغلالهم ~~لجهود أرقائهم، كذلك كان تشغيل الأرقاء في الصناعة من صور الاستثمار المعروفة التي يلجأ ~~إليها الأغنياء، وقد أدرج سقراط الأرقاء مع الأرض والعقار بوصفها مصادر تجلب دخلا بلا عمل. # 3 # ولو تأملنا كتابات فيلسوفي اليونان الكبيرين وهما أفلاطون وأرسطو؛ لوجدناها تتضمن ~~دفاعا حارا عن نظام الرق، وهو دفاع إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تأصل هذا النظام ~~في حياة اليونانيين في ذلك العصر؛ ففي محاورة «الجمهورية» يعدد أفلاطون مساوئ ~~الديمقراطية، وهي نظام الحكم الذي كان بغيضا لديه، ويرى أن أبرز هذه المساوئ هو التطرف ~~في الحرية التي تصل إلى حد الفوضى، ثم يقول: «على أن أقصى ما تصل إليه الحرية في مثل ~~هذه الدولة، هو أن يغدو الأرقاء من الرجال والنساء الذين يشترون بالمال متساوين في ~~حريتهم مع أسيادهم الذين اشتروهم.» # فالمساواة بين الرقيق وسيده في النظام الديمقراطي هي - في رأي أفلاطون - أكبر عيوب ~~هذا النظام، أما أرسطو فله نص مشهور في كتاب السياسة (الكتاب الأول، الفصل الرابع) يقول ~~فيه: «إن للآلات أنواعا متباينة؛ فمنها ما هو حي، ومنها ما هو غير حي، ففي الدفة يجد ~~قائد السفينة آلة لا حياة فيها، أما الحارس فهو آلة حية ... والخادم نفسه آلة لها ~~الأفضلية على كل الآلات الأخرى؛ إذ لو كانت كل آلة قادرة على إنجاز عملها، فتطيع إرادة ~~الآخرين أو تتوقعها، كتماثيل ديدالوس أو كراسي هفايستوس الآلية ذات الأرجل الثلاثة، ~~التي يقول الشاعر إنها «دخلت من تلقاء ذاتها مجلس الآلهة»، ولو كان في وسع النول أن ~~ينسج والريشة أن تضرب العود دون أن تمسها يد، لما احتاج أصحاب العمل إلى خدم، ولما ~~احتاج السادة إلى عبيد» (1253ب). # ولقد تصور البعض أن أرسطو - بعبارته الأخيرة - كان يشير إلى أن نظام الرق سيظل ~~ضروريا ms280 ما دامت الآلات لم تبلغ المرحلة التي يمكنها فيها القيام بحركاتها تلقائيا، ~~وأنه كان بذلك يبرر الرق على أساس الضرورة العملية البحتة، لا لأنه مقتنع به. # ولكن سياق النص يدل بوضوح على أن أرسطو إنما يشير هنا إلى أساطير خيالية، وأنه يؤكد ~~بذلك نظام الرق ويدعمه؛ لأن هذا النظام في رأيه لا يمكن أن يزول إلا إذا تحقق المستحيل، ~~ودبت الحياة في الجمادات، وأصبحت الأساطير حقائق واقعة. # وإذن فقد كان أفلاطون وأرسطو متحمسين لنظام الرق، وكلاهما حاول أن يقدم له أقوى أساس ~~ممكن من المبررات العقلية، وتلك في واقع الأمر ظاهرة غريبة حقا عند هذين الفيلسوفين ~~الكبيرين؛ ذلك لأنهما لم يتركا صغيرة ولا كبيرة إلا وقاما بتحليل وتشريح دقيق لها، وقد ~~بلغ تفكيرهما درجة من التجريد والقدرة على التحليل لم يبلغها الفكر طوال تاريخ البشرية ~~إلا في حالات نادرة، وكان كل منهما ناقدا لعصره، ولكل منهما أبحاثه العميقة في الأخلاق ~~والسياسة وأمور المجتمع، وكم تحدثا عن الفضيلة والعدالة وكرامة الإنسان وبلوغه كماله ~~وتحقيقه الغاية المقصودة منه، فكيف بعد هذا كله تغيب عن نظرهما ظاهرة واضحة الظلم ~~كالرق؟ وكيف يتحدث أرسطو عن الرقيق بوصفه «ذلك الذي هو بالطبيعة شخص لا يملك ذاته، بل ~~يملكه شخص آخر؟» كيف يتحدث على هذا النحو دون أن تدفعه حاسته الأخلاقية «المرهفة» إلى ~~الوقوف عند هذا الوضع الشائن للإنسان، وكيف يمضي بعدها مباشرة إلى تبرير نظام الرق ~~وإثبات أنه متفق مع الطبيعة؟ لا شك أننا نرى هنا تناقضا أساسيا بين القدرة التحليلية ~~الدقيقة التي لم يفلت من قبضتها شيء، وبين التغاضي العجيب عن نظام مضاد تماما لكل نزعة ~~إنسانية في الأخلاق، ولقد حاول البعض أن يدفعوا عن أرسطو وأفلاطون تهمة التناقض، مؤكدين ~~أن هذا النظام كان متغلغلا في حياة اليونانيين إلى حد كان من الصعب معه على من يعيش ~~في ظله - ومن اعتاده في كل لحظة من حياته - أن يتخذ منه موقف الناقد الموضوعي، وأن ~~يتنبه إلى ما فيه من مظالم، غير أن هذا دفاع واه ms281 لا يصمد للتحليل الدقيق؛ ذلك لأنه ~~كانت توجد في اليونان معارضة لنظام الرق، بدليل قول أرسطو في كتاب السياسة: «إن البعض ~~يرون أن حكم السيد علم ... وأن السيطرة على العبيد والحكم السياسي والملكي - كما قلت في ~~البداية - كلها شيء واحد، وغير هؤلاء يؤكدون أن حكم السيد للعبيد مضاد للطبيعة، وأن ~~التمييز بين الحر والعبد لا وجود له إلا بالقانون لا بالطبيعة، ولما كان ذلك تدخلا في ~~مجرى الطبيعة، فإن فيه ظلما» (الكتاب الأول، الفصل الثالث)، ومن المؤسف أن أرسطو لم ~~يذكر من هم أولئك الذين كانوا يعترضون في عصره على نظام الرق، ولكن اهتمامه بالموضوع ~~وتخصيصه الصفحات الطوال من كتابه هذا للرد على حجج خصوم الرق، يدل على أنه كانت هناك ~~معارضة قوية لهذا النظام، وعلى أن دفاع أرسطو - ومعه غيره من أنصار الرق - كان واعيا ~~مقصودا لذاته. # وإذن فالسبب الأول لعدم تقدم الاختراع الآلي على الرغم من وجود عدد كبير من العوامل ~~التي كانت في بداية العصر اليوناني الكلاسيكي تبشر بخير كثير، هو أن الحاجة لم تكن تدعو ~~إلى توفير طاقة الإنسان؛ لأن هناك إنسانا آخر كان يبذل طاقته بدلا منه، أعني أن ~~الآلات البشرية جعلت المجتمع اليوناني في غنى عن الآلات المادية الميكانيكية. # ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الصدد أنه في الفترة الأولى للفلسفة اليونانية، وهي ~~فترة الفلسفة الطبيعية التي كان الفكر النظري يسير فيها مع التطبيق العملي جنبا إلى ~~جنب دون أن يزعم أحد بوجود تعارض بينهما، في هذه الفترة لم يكن نظام الرق قد توطدت ~~دعائمه في المجتمع اليوناني، مما يجعل الارتباط بين الظاهرتين بمنأى عن كل شك. # على أن هناك سببا آخر ترتب على السبب السابق، وكان بدوره من العوامل الرئيسية التي ~~أدت إلى انصراف اليونانيين عن الكشوف العملية التطبيقية؛ فقد ترتب على نظام الرق ظهور ~~قيم معينة معادية للكشف والاختراع التكنولوجي، وكان ارتباط الرقيق بالعمل اليدوي مؤديا ~~إلى نفور الأحرار منه، وابتعادهم عن كل ما له صلة بالسيطرة على الطبيعة المادية، وكما ~~عمل ms282 كبار فلاسفة اليونان على تبرير نظام الرق، فقد عملوا أيضا على تأكيد مجموعة القيم ~~التي ترتبت عليه، وهي أن العمل اليدوي لا يليق بالأحرار، وإنما ينبغي أن ينصرف هؤلاء ~~إلى التأمل العقلي المحض، أي إلى نشاط روحي صرف لا تربطه بالمادة أدنى صلة. وهكذا وضع ~~اليونانيون الفنون الميكانيكية في مقابل الفنون الحرة، وأكدوا أن الرجل الحر لا يليق به ~~ممارسة الأولى، وكان أرسطو حاسما في تعبيره عن هذه القيم حين قال: إن المدينة المثلى ~~ينبغي ألا تجعل من الصناع مواطنين فيها، وحين أكد أن المرء لا يستطيع أن يمارس الفضيلة ~~إذا كان يحيا حياة صانع، وبالمثل كان أفلاطون من قبله من أقوى أنصار القيم التقليدية ~~التي تؤكد الفوارق الحاسمة بين أعلى الطبقات وأدناها، وتتخذ من التفلسف النظري أشرف ~~مهنة تليق بالأحرار، بينما تترك كل عمل له صلة بالطبيعة المادية للعبيد، وعلى عكس ما ~~كان سائدا عند اليونانيين الأوائل من تكريم الصناع والمخترعين، فقد رأى أفلاطون أن ~~الحرفي أو الصانع لا يستطيع اختراع شيء إلا بعد أن يتأمل صورته أو مثاله كما صنعته ~~الآلهة، وبذلك انتزع أفلاطون الفضل من كل مكتشف ومخترع، ونسبه إلى الآلهة فحسب، ولم ~~يقتصر على إنكار مكانة الصانع المخترع وفضله في الكشف، بل لقد أنكر عليه أيضا أي علم ~~حقيقي في فن الصناعة؛ إذ برهن - بمنطق خداع - على أن من لديه معرفة حقيقية بأي شيء ~~ليس هو من يصنعه، وإنما هو من يستخدمه، وأن الثاني هو الذي يصحح معلومات الأول ويضفي ~~عليه علمه، ولقد كانت لهذه الفكرة دلالة واضحة في مجتمع قائم على نظام الرق؛ إذ لم يكن ~~من الممكن أن يعزى إلى العبد الذي يصنع الأشياء علم يفوق علم السيد الذي يستخدمها. # 4 # وكانت نتيجة هذه النظرة الخاصة إلى القيم أن أصبحت كلمة الصانع والعامل اليدوي مرادفة ~~عند اليونانيين القدماء لمعاني الانحطاط والتدهور الأخلاقي، وأصبح كل حرفي محتقرا بحكم ~~مهنته ذاتها لا بحكم شخصه، وأصبح اليونانيون ينفرون من كل ما له صلة بالعمل المادي؛ ~~لأنه - كما ms283 يقول أفلاطون - لا يشوه البدن فحسب، بل يشوه الروح أيضا، وأقصى ما يصل ~~إليه من يمارسون هذا النوع من الأعمال هو أن يشبعوا الحاجات المنحطة لدى ~~الإنسان. # ومن أجل تحقيق هذا الغرض تراهم يعملون ليل نهار، ويركزون كل قواهم في كسب قوتهم يوما ~~بعد يوم، ولا ينصرف تفكيرهم لحظة واحدة عن المسائل المحدودة المرتبطة بعملهم الآلي، أما ~~الرجل الحر بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة فهو ذلك الذي لا تشغله هذه الأعمال اليومية ~~التافهة (لأن غيره يقوم بها)، وإنما ينصرف بكليته إلى التأمل العقلي المحض؛ فحياة العقل ~~هي القيمة العليا عند هؤلاء الفلاسفة، وعندما نقول حياة العقل لا نعني بذلك التفكير ~~العقلي في أمور الدنيا واتخاذ البحث العلمي هدفا للحياة، فهذا معنى حديث للكلمة، ~~وإنما كان اليوناني يستخدم هذا التعبير بمعنى الانصراف إلى التأمل الخالص في أمور لا ~~صلة لها بالعالم المادي الزائل، عالم المظهر والخداع والتغير والفناء. إن استخدام العقل ~~هو في ذاته أمر يفخر به الإنسان في كل عصر وكل مكان، ولكنه عند كبار الفلاسفة ~~اليونانيين كان يعني الاقتصار على التفكير على نحو تجريدي صرف، وتحويل الطاقة العقلية ~~عن كل ما له صلة بالعالم الأرضي المتغير، وتعامل الفكر الخالص مع نفسه دون أية محالة ~~لاختبار صحة نتائجه في عالم الواقع أو تطبيقها على المشكلات الفعلية التي يواجهها ~~الإنسان في حياته اليومية. هذه إذن هي القيمة العليا التي اتجه إلى تحقيقها فلاسفة ~~اليونان في ذلك العصر، وهي - بلا شك - قيمة مرتبطة أوثق الارتباط بنظام الرق وعلاقة ~~السيد بالعبد. # ولن تكتمل في أذهاننا صورة هذا النظام الخاص في القيم إلا إذا أدركنا أن الكلمة التي ~~تدل على الصانع كانت في المجتمع اليوناني تمتد إلى نطاق أوسع بكثير من مرادفاتها في ~~المجتمعات الحديثة؛ فالصانع عندهم لم يكن يعني العامل اليدوي فحسب، وإنما يعني ما نسميه ~~اليوم بالعامل الفني والمهندس والمخترع، كل هؤلاء في آن واحد، ومعنى ذلك أن كل ما كان ~~ينتمي إلى مجال التطبيق العملي للعلم من أجل رفع مستوى حياة الإنسان ms284 كان يلقى من كبار ~~فلاسفة اليونان احتقارا. # ولم يكن هذا الاحتقار حائلا دون اعترافهم بنفع هذا النوع من المهن وضرورته في ~~الحياة، ولكنه مع نفعه وضرورته ينبغي أن يظل على هامش المجتمع، وأن يقوم به أناس لا ~~يرقون إلى مرتبة المواطنين الأحرار، وأن يتم في السر والخفاء بقدر الإمكان، فلا يبقى ~~ظاهرا إلا مجتمع الأحرار من المفكرين التجريديين. # وقد بلغ من تأصل هذه القيم في نفوس هؤلاء الفلاسفة أنهم كانوا يزدرون العلوم العقلية ~~ذاتها إذا كانت تستهدف في أبحاثها أي نفع عملي؛ فقد روي عن أفلاطون أنه غضب من ~~العالم الرياضي «أرخوطاس»؛ لأنه عمل على حل مسائل هندسية معينة مستعينا بأجهزة ~~ميكانيكية، واتهمه بأنه يحط من مكانة علم الهندسة ويشوه جلاله؛ إذ يهبط به من الأمور ~~العقلية إلى الأمور الحسية المادية، ويستخدم فيه مواد جسمية ينبغي أن يلجأ الإنسان من ~~أجل معالجتها إلى العمل اليدوي الذليل، # 5 # ومعنى ذلك أن علم الهندسة - كما يراه أفلاطون - كان ينبغي أن يظل منفصلا ~~تماما عن الميكانيكا والعمارة وأي فن آخر من الفنون الهندسية بمعناها التطبيقي الحديث، ~~وأن عالم الهندسة النظرية يسمو على المهندس أو المخترع التطبيقي بقدر ما يسمو الفيلسوف ~~على الصانع اليدوي؛ فالعلم - بمعناه الصحيح - يستهدف إرضاء العقل لا تحقيق منافع أو ~~ضرورات، وأفضل ما يسعى إليه هو تحقيق التناسق والجمال، لا تلبية الحاجات الفعلية، ~~والقوة الدافعة إلى العلم الحقيقي هي الرغبة الحرة في التفكير والتأمل، لا الضرورة ~~الملحة أو السعي إلى حل مشكلة عملية. # وإذا كان هؤلاء الفلاسفة اليونانيون قد ازدروا الغاية التي يسعى إليها كل كشف أو ~~اختراع تطبيقي، فقد احتقروا أيضا المنهج التجريبي المتبع في هذا النوع من الكشف؛ ذلك ~~لأن المخترع يحتاج إلى تطبيق منهج المحاولة والخطأ، وإلى السير ببطء، وتجربة طريقة بعد ~~الأخرى، غير أن مثل هذا المنهج في نظر الفلاسفة العقليين لا يؤدي إلى معرفة حقة، وإنما ~~إلى معرفة وسط بين العلم والجهل، أو ما يسمى بالمعرفة الظنية، والمنهج الذي يفضلونه هو ~~منهج التبصر المباشر الذي ms285 يحتاج المرء للوصول إلى نتائجه إلى استنارة وكشف خاطف، ولا ~~يتردد في استخلاص هذه النتائج أو يجرب طريقة بعد الأخرى، وبعبارة أخرى ففلاسفة ذلك ~~العهد لم يكونوا يطيقون صبرا على الملاحظة الدقيقة التي يحتاجها علم الفلك مثلا، أو ~~على التجارب البطيئة التي يقتضيها تطبيق أية نظرية علمية، من أجل حل مشكلة عملية أو ~~التغلب على عقبة مادية، ولم تكن أرستقراطية العقل ترضى لنفسها أن تقف موقف المنتظر ~~المترقب الصابر، مع أن هذا الموقف لا ينفصل أبدا عن العقلية المخترعة القادرة على صنع ~~الآلات. وعلى هذا النحو نستطيع أن نعلل هذه الظاهرة الغريبة، وهي أن صاحب الذهن المخترع ~~في العصور القديمة كان في كثير من الأحيان يعمل على إخفاء هذه القدرة لديه، ويصور ~~مخترعاته بأنها نشاط ثانوي الأهمية بالقياس إلى كشوفه العقلية الخالصة؛ فأرشميدس - صاحب ~~أكبر عقلية علمية تطبيقية على العالم القديم - كان ينظر إلى مخترعاته النافعة (كالمضخة ~~مثلا) على أنها مجرد ترويح وتسلية يقوم بها في الأوقات التي يستريح فيها من عناء ~~الأبحاث النظرية في الرياضة والفيزياء، وكان يحرص على أن يذكره الناس على أنه عالم نظري ~~وليس مخترعا. # والنتيجة الحتمية لهذا الازدراء للمنهج التجريبي وللانفصال القاطع بين النظرية ~~والتطبيق، هي أن وجود الرق أدى بهؤلاء العلماء إلى الانصراف عن أية محاولة لتحقيق ~~الشروط الكفيلة بالقضاء على الرق. # أي إن تدرج القيم على أساس وضع البحث النظري الصرف في القمة واحتقار كل ما له صلة ~~بالتطبيق - وهو التدرج الذي نشأ عن نظام الرق - قد ساعد من جانبه على دعم نظام الرق؛ ~~إذ إن انصراف العلماء عن ميدان الاختراع التطبيقي كان يعني عدم تحقيق الشرط الوحيد الذي ~~كان كفيلا بالقضاء على نظام الرق، أعني حلول قوة الآلة محل قوة الإنسان، ومن المؤسف أن ~~البشرية قد اضطرت إلى أن تنتظر أكثر من ألفي عام حتى يتحقق هذا الشرط؛ ففي القرن التاسع ~~عشر وحده بدأت الآلة تحل محل الإنسان على نطاق واسع، فإذا أدركنا أن إلغاء الرق لم يتخذ ~~صبغة قانونية دولية لأول ms286 مرة في التاريخ إلا في النصف الثاني من ذلك القرن؛ لاتضح لنا ~~أن هناك ترابطا عكسيا لا شك فيه بين التقدم التكنولوجي الآلي وبين نظام الرق. # إن الإنسان الحديث يرفع لنفسه شعار «العمل شرف»، وينسب بذلك إلى العمل قيمة أخلاقية ~~رفيعة ترتبط بمعاني الفضيلة والمسئولية وأداء الواجب، أما الإنسان في العصر اليوناني ~~فكان يرفع شعار: العمل (المتصل بالمادة) عار ... والشرف في نظره هو الفراغ مع التأمل ~~العقلي، وهو أن يعفيك غيرك من ممارسة أي جهد جسمي لتتفرغ أنت للمناقشة والجدل والحوار ~~و«الديالكتيك»، وأرفع موضوع لهذا الجدل والنقاش هو الفلسفة الإلهية أو الفلسفة الأولى ~~التي لا تبحث في أية مسألة تتصل بالعالم الأرضي المتغير . # ولقد كان الفيلسوف اليوناني - باتباعه هذا الأسلوب في الحياة - يظن نفسه حرا بحق، ~~ونسي أن الطبيعة ظلت تقهره وتغلبه؛ لأنه لم يحاول أن يسيطر عليها بالاختراع التكنولوجي، ~~فحريته كانت إذن سلبية، تنحصر في الانعزال عن العالم الأرضي وتأمل الأمور عن بعد ... ~~وبدلا من أن يمارس هذا الفيلسوف فاعليته ونشاطه في التغلب على مشكلات العالم المحيط ~~به، نراه يظن أنه قد بلغ أقصى درجات الحرية إذ انعزل عن المجال العملي وتفرغ للتفكير ~~النظري البحت، ثم يبرر هذا كله بأنه زاهد في المتع الأرضية وبأنه متعلق بما هو أرفع من ~~ذلك، ولو كان قد خفض بصره قليلا من السماء إلى الأرض، وأزال الهوة الشاسعة التي وضعها ~~بين النظر والعمل؛ لاستطاع بالفعل أن يمارس الحرية الحقيقية - حرية قهر الطبيعة - بدلا ~~من تركيز الجهد على قهر النفس حتى تتحرر من رغباتها وتترفع عن مطالبها ~~الطبيعية. # ولكن هذا كله كان يقتضي جوا فكريا مختلفا كل الاختلاف، ومجموعة من القيم متباينة ~~تماما عما كان سائدا في العصر اليوناني الكلاسيكي، وكان لا بد من عقلية جديدة تدرك ~~أن الاندماج في الطبيعة من أجل كشف أسرارها وإخضاعها لإرادة الإنسان واستغلالها في رفع ~~مستوى حياته هو أرفع مظاهر الحرية الحقيقية، ولكن سيطرة الفكر التجريدي على الأذهان ~~كانت تحول دون تهيئة الظروف التي تساعد على التقدم التكنولوجي، ms287 وظل الارتباط واضحا ~~بين ضعف النزوع إلى الاختراع الآلي وبين النظر إلى التفكير المجرد على أنه أسمى غايات ~~الإنسان، ولقد رأينا من قبل أن اليونان قد شهدت في أول عهد حضارتها الفكرية فترة ظهرت ~~فيها بوادر لحركة التقدم التكنولوجي، وكانت في الوقت ذاته فترة تضافر - لا عداوة - بين ~~النظر والعمل، وذلك حين لم يكن الاتجاه التجريدي قد أحرز بعد انتصاره الحاسم على أيدي ~~سقراط وأفلاطون وأرسطو. وبالمثل انتهت الحضارة القديمة بفترة أخرى من الازدهار النسبي ~~للتكنولوجيا، شهدتها مدرسة الإسكندرية على وجه الخصوص، وظهرت فيها مجموعة من المخترعات ~~المفيدة، وفي هذه الفترة بدورها كانت سطوة التفكير التجريدي قد خفت بعد انهيار ~~المدارس الكبرى الموروثة عن أفلاطون وأرسطو. # ولكن هذه كلها لم تكن إلا فترات انحراف عن الطريق الرئيسي للعصر الكلاسيكي؛ طريق ~~الانفصال بين النظر والعمل. وظلت عقلية أفلاطون وأرسطو هي المسيطرة، وظل الإنسان قرونا ~~طويلة يترفع عن العالم المادي ويتصور الآلة قوة معادية لحياته الروحية، إلى أن حتمت ~~العوامل الموضوعية ذاتها تغيير هذه العقلية في ظروف مختلفة كل الاختلاف. # | بين الفكر والآلة (2) # فكرة الآلية في الفلسفة الحديثة # 1 # لم تكن العصور الوسطى الأوروبية فترة مجدبة عقيمة في اتجاهاتها الفكرية إلى الحد الذي ~~تبدو عليه لأول وهلة، بل إن كثيرا من العناصر التي أصبحت فيما بعد مميزة للحضارة ~~الغربية الحديثة قد ظهرت بوادرها في تلك الفترة التي تتميز بامتدادها الزمني الهائل، ~~والتي نضجت فيها - ولكن ببطء شديد - اتجاهات حضارية لم تجد التعبير الكامل عنها إلا في ~~العصر الحديث. # ولقد ورثت العصور الوسطى عن العصرين: اليوناني والروماني ازدراء العمل اليدوي، والفصل ~~بين مجال الفكر ومجال التطبيق، وظهر في تلك العصور عامل جديد كان خليقا بأن يزيد هذه ~~الهوة اتساعا، هو العامل اللاهوتي الذي أصبحت له المكانة الأولى في حياة الناس في تلك ~~العصور، والذي كان يتضمن دعوة صريحة إلى الزهد وازدراء كل نشاط متعلق بالعالم الأرضي ~~المادي الزائل، ومع ذلك فإن العصور الوسطى قد شهدت تحولا تدريجيا بطيئا غاية البطء ~~- في النظرة إلى ms288 قيمة النشاط العملي التطبيقي - بالقياس إلى سائر أوجه النشاط البشري؛ ~~ذلك لأن النصوص الدينية المسيحية لم تكن واضحة تماما في هذا المجال؛ ففي الإنجيل نصوص ~~تحمل على العمل، كما أن المسيح لم يكن يعبأ بالخيرات المادية التي ينتجها العمل، ومع ~~ذلك فإن المسيح ذاته وكذلك الكثير من حوارييه كانوا صناعا، وهو أمر له دلالته الكبرى ~~في هذا الصدد؛ إذ إنه يؤدي إلى الربط بين العمل اليدوي وبين المثل الأعلى لذلك العصر، ~~وهو شخصية القديس. # ومن جهة أخرى فإن طبيعة العلاقات الاجتماعية في ذلك العصر كانت تشجع على التحول ~~التدريجي في مركز العمل؛ فبينما نجد أن العمل الزراعي - الذي كان حرا في العصر القديم ~~- قد تحول تدريجا إلى نوع من العبودية بتوطيد دعائم نظام الإقطاع الذي حول الفلاحين ~~إلى أشباه عبيد، نجد من ناحية أخرى أن العمل الحرفي والصناعات اليدوية قد انتقلت إلى ~~التحرر والاستقلال، ولا يمكن القول إن هذا التغير قد حدث دفعة واحدة، بل إن احتقار ~~الصنائع الميكانيكية ظل قائما بعد انتهاء العصور القديمة بفترة طويلة، وكانت قيم ~~الفروسية التي سادت في العصور الوسطى امتدادا لمبدأ ترفع الإنسان الحر عن العمل؛ إذ لم ~~يكن الفارس يقوم بعمل يدوي، بل كان كل ما يقبل أن يشتغل به هو تلك الفنون المسماة ~~بالحرة، وفي حياة الفارس الإقطاعي كان الشرف والنبل قيمتين مضادتين لقيمة العمل المادي، ~~ومع ذلك كان هناك تيار متصل يتجه إلى رد اعتبار العمل بالتدريج، وحين شاهد إنسان العصور ~~الوسطى تلك الكاتدرائيات الشامخة التي أنتجها العمل والصناعة الميكانيكية، لم يملك إلا ~~أن يبدي إعجابه بالصنعة الفنية ونواتجها الرائعة التي يمكنها أن تثري حياة الإنسان ~~الدينية ذاتها، وبدأ يدرك بصورة غامضة مقدار التغير الذي يمكن أن يحدثه امتزاج العلم ~~بالصنعة اليدوية في حياة الإنسان. # ويمكن القول إن نوع الحياة التي كان يحياها الرهبان في الأديرة في العصور الوسطى ~~يعد أنموذجا مصغرا لموقف العصور الوسطى من مشكلة العمل والصناعة بأسرها؛ ذلك لأن ~~فكرة الحياة في الأديرة كانت هي ذاتها تعبيرا عن ms289 احتقار العمل والترفع عن كل ما له صلة ~~بالعالم المادي، ومع ذلك فقد ظهر عند القديس أوغسطين وغيره من آباء الكنيسة اتجاه إلى ~~التنديد بالرهبان الذين لا يعملون، وإلى إدخال العمل اليدوي في حياة الدير، وبالفعل ~~أخذت الأديرة تتحول بالتدريج من دور للتأمل والتعبد الخالص إلى أماكن تجرى فيها تجارب ~~رائدة في شتى ميادين الأعمال والصنائع اليدوية. # وعندما أقبل عصر النهضة الأوروبية، ظهر بوضوح أن الاتجاه إلى الاعتراف بقيمة العمل ~~اليدوي قد تغلب على الاتجاه إلى استنكاره والزهد فيه. وكانت حركة الإصلاح الديني من ~~أهم العوامل التي ساعدت على عودة العمل إلى مكانته المشروعة؛ ذلك لأن «مارتن لوثر» كان ~~ينظر إلى العمل على أنه دواء للخطايا والآثام، ويؤكد التزام المؤمنين بالعمل، ويصف حياة ~~التأمل في الأديرة بأنها ناشئة عن أنانية الرهبان، ويطالب كل إنسان بأن يقوم - على قدر ~~وسعه - بالعمل الذي يمكنه أداؤه. # وقد أكد لوثر - معبرا في ذلك عن قيم عصر جديد - أن العمل اليدوي والعمل الروحي سواء ~~في قيمتهما، وامتدح الصانع الفقير الكادح، ووصفه بأنه مقرب إلى الله، ومضى كالفن أبعد ~~من ذلك، فوصف العمل بأنه الصلاة الحقيقية التي يتجه بها الإنسان إلى الله، وعبر كالفن ~~عن القيم التجارية التي أخذت تسود ذلك العصر، حين أكد مشروعية أرباح التجار قائلا: «من ~~أين تأتي أرباح التجار؟ إنها لا تأتي إلا من نشاطهم وكدهم في العمل.» تلك هي الصورة ~~التي رسمتها مذاهب الإصلاح الديني، والتي مهدت بها الطريق لقيم العصر التجاري ~~والرأسمالي الآخذ في الظهور. # وقد أكمل مظهر التطهر (البيوريتانية) رسم ملامح هذه الصورة؛ صورة الإنسان الجديد ~~النشيط الصارم ذي الإرادة الحديدية، الذي يتغلب على كل العقبات بعمله. ومن جهة أخرى فإن ~~الأدب والفن في عصر النهضة الأوروبية قد سارا في نفس الطريق، حين مجدا القيم المرتبطة ~~بهذه الحياة وهذا العالم، واعترفا لأول مرة بكيان الإنسان الكادح العامل، وظهر هذا ~~التحول واضحا في موقف أكبر شخصيات عصر النهضة - وهو ليوناردو دافنشي - من الصنائع ~~الميكانيكية؛ إذ إن هذا الفنان العملاق والمفكر ms290 الإنساني العبقري كان في الوقت ذاته ~~مهندسا ومصمما للآلات الميكانيكية، وقد ترك - كما هو معروف - تصميمات لآلات توصلت ~~البشرية إلى اختراع الكثير منها فيما بعد، ولم يكن إبداعه الفني حائلا بينه وبين ~~تمجيد الميكانيكا والنظر إليها على أنها أرفع العلوم وأنبلها. # على أن هذا التطور التدريجي الذي طرأ على مركز الصنعة العملية والأعمال اليدوية في ~~أذهان الناس طوال العصور الوسطى وعصر النهضة، كان لا يزال يفتقر إلى عنصر أساسي لا يمكن ~~بدونه أن يحدث تحول حاسم في نظرة الإنسان إلى الآلة وتحديده للدور الذي تؤديه في حياته، ~~ذلك العنصر هو الجمع بين العلم النظري والعمل المادي في مركب واحد؛ فقد كان التقدم الذي ~~أشرنا إليه تقدما في الخبرة العملية وحدها، أما العلم فكان يسير في طريقه النظري ~~الخاص، منعزلا عن تطور المعارف العملية، وبعبارة أخرى فإن العلم لم يكن مطبقا على ~~الصنائع في تلك العصور، وإنما تحقق التقدم الملموس في هذه الصنائع عن طريق الخبرة ~~والمران وحدهما، دون الاعتماد على معرفة علمية، ومع ذلك كانت هذه الخبرة تنمو وتكتشف ~~وتخترع، وتصل بأبسط الوسائل إلى استحداث أدوات وآلات جديدة، وتحقق في بعض الأحيان نتائج ~~باهرة، وكان لا بد من مضي قرن أو اثنين - في مطلع العصر الحديث - قبل أن يتم ~~الامتزاج بين العلم والعمل، وتزول الحواجز المصطنعة التي وضعتها العصور السابقة بينهما، ~~ويؤمن المفكرون والفلاسفة أنفسهم بأن العلم ينبغي أن يستخدم في النهوض بحياة ~~الإنسان الكاملة، لا بملكاته العقلية وحدها. # ويمكن القول إن فرانسيس بيكن كان أول فيلسوف دعا صراحة إلى اتخاذ العلم سبيلا إلى ~~الارتقاء بحياة الإنسان العملية، وكانت لهجته قاطعة في التنديد بالمعرفة النظرية ~~الخالصة التي لا تستطيع أن تشق طريقها إلى واقع الإنسان، وإذا كانت حملة بيكن على ~~الفلاسفة القدماء قد اشتهرت بأنها دعوة إلى تجديد المنطق وتغيير الأداة العقلية ~~المستخدمة في العلم، فلا جدال في أن أهم عناصر هذه الحملة هو نظرة بيكن الثورية إلى ~~العلاقة بين العلم والعمل أو بين المعرفة والتطبيق؛ فالمثل العليا التي يدعو ms291 إليها بيكن ~~مضادة تماما للمثل العليا اليونانية؛ إذ إنه يعزو أرفع قيمة إلى المعارف العملية ~~المثمرة الخصبة، على حين أنه يعد التأمل النظري البحت أمرا عقيما لا يليق بالإنسان، ~~بل هو يكاد يعد العلم تلخيصا أو تعميما أو امتدادا للمعرفة المكتسبة في الميدان ~~العملي. # ولقد كان بيكن يقارن على الدوام بين ركود التفكير الفلسفي النظري الصرف، وبين التقدم ~~المستمر للصنائع والمخترعات التي تستطيع تغيير مجرى حياة الإنسان بالفعل، وهو حين يتحدث ~~عن التأثير الهائل الذي أحدثته هذه الأخيرة في تاريخ البشر يقول: «ينبغي علينا أن نلاحظ ~~قوة المخترعات وتأثيرها ونتائجها، وهي أمور تظهر أوضح ما تكون في تلك المخترعات الثلاثة ~~التي لم يعرفها القدماء : الطباعة والبارود والبوصلة؛ ذلك لأن هذه المخترعات الثلاثة قد ~~غيرت وجه العالم بأسره، الأولى في ميدان العلم، والثانية في ميدان الحرب، والثالثة في ~~الملاحة، وهي قد أحدثت تغييرات لا حصر لها، بحيث يمكن القول إن أي مذهب سياسي أو ديني ~~أو أي نجم فلكي لم يكن له في شئون البشر تأثير أعظم مما كان لهذه الكشوف الميكانيكية، ~~وجدير بنا أن نميز بين ثلاث مراتب من الطموح: الأولى طموح أولئك الذين يسعون إلى زيادة ~~قوتهم الخاصة في بلادهم، وهو طموح وضيع منحط، والثانية طموح أولئك الذين يسعون إلى ~~زيادة قوة بلادهم وسيطرتها على البشر، وهو طموح أرفع من السابق، ولكنه لا يقل عنه ~~طمعا، أما إذا حاول امرؤ أن يسترجع للجنس البشري كله قوته ويوسعها، ويزيد من سيطرته ~~على الكون، فإن مثل هذا الطموح (إن جازت تسميته بهذا الاسم) إنما هو أشرف وأنبل من ~~النوعين السابقين، على أن سيطرة الإنسان على الأشياء إنما تقوم على الفنون العلمية ~~والعلوم وحدها؛ إذ إن الطبيعة لا تحكم إلا بإطاعتها.» # هذه العبارة الأخيرة في كلمات بيكن السابقة تلخص فلسفة عصر بأكمله «الطبيعة لا تحكم ~~إلا بإطاعتها»؛ فالهدف هنا هو حكم الإنسان للطبيعة وسيطرته العملية عليها وتغييره لها، ~~والوسيلة هي إطاعة الطبيعة، أي معرفة قوانينها. # وعلى حين أن الفلاسفة القدماء - كالرواقيين مثلا ms292 - كانوا يدعون إلى فهم الطبيعة من ~~أجل قبول ما فيها من حتمية وضرورة، فإن شعار العصر الحديث أصبح فهم الطبيعة من أجل ~~تغييرها، فلا غرابة إذن إن كانت الفلسفة القديمة فلسفة تأمل نظري بحت، والحديثة ممهدة ~~لعصر التصنيع، ولقد طبق بيكن في كتاباته شعاره هذا بكل إخلاص؛ إذ حمل في هذه الكتابات ~~على كل علم يعجز عن تغيير حياة الإنسان، ودعا إلى تخطيط البحث العلمي وإنفاق الدولة ~~عليه بسخاء، وطالب بنوع جديد من التعليم تمتزج فيه المعلومات النظرية بالخبرات العملية ~~والصناعات الفنية، وحدد موضوعات يعتقد أن اهتمام العلماء ينبغي أن يتركز فيها، من ~~بينها التبريد الصناعي والمطر الصناعي، وتلقيح الفصائل الحيوانية والنباتية المختلفة ~~لإنتاج أنواع جديدة، واختراع سفن تسير تحت الماء، وأخرى تطير في الهواء، وفي هذا ~~البرنامج الذي رسمه بيكن يظهر - بكل وضوح - مدى تغير المناخ العقلي بالنسبة إلى ما كان ~~عليه في العصور القديمة، فها هنا فلسفة تتخذ مثلها الأعلى من تغيير الإنسان للطبيعة، ~~ومن اتخاذ المعرفة سبيلا إلى إحراز الإنسان لمزيد من القوة في هذا العالم، وهو مثل ~~أعلى كان يعد في العصور الوسطى داخلا في باب السحر والشعوذة؛ إذ إن السحرة وحدهم ~~هم الذين يدعون القدرة على تغيير الطبيعة والتحكم في قواها المختلفة، وما كان مفكر ~~مثل بيكن ليخجل من تشبيه غاياته بغايات السحرة، وكل ما في الأمر أنه لم يكن يدعو إلى ~~تغيير الطبيعة عن طريق خرق قوانينها كما يفعل هؤلاء، وإنما هو يدعو إلى التحكم فيها عن ~~طريق معرفة هذه القوانين. # كانت النزعة التجريبية - كما ظهرت في دعوة بيكن إلى تطبيق العلم على مجال الصناعات - ~~تمثل أول مظهر من مظاهر التحول الفلسفي الذي هيأ الأذهان لقبول فكرة الآلية ووضع الأساس ~~الفكري للعصر الصناعي الحديث، ولكن لهذا التحول الفلسفي مظهرا آخر لا يقل تأثيرا عن ~~هذا المظهر الأول في عملية التهيئة العقلية هذه، هو النزعة التجريدية كما تمثلت في ~~تطبيق العلم الرياضي على الأبحاث الطبيعية. # ولقد كانت للتفكير الرياضي في فلسفة الغرب جذور قديمة العهد، ms293 ترجع إلى أيام فيثاغورس ~~الذي أعلن - لأول مرة - إمكان تفسير ظواهر الكون كلها تفسيرا رياضيا، وازدهر هذا ~~التفسير الرياضي للظواهر أيام إقليدس وبطليموس اللذين قاما بأبحاث رائعة كان من الممكن ~~أن تثمر علما طبيعيا ذا صبغة رياضية دقيقة، ومع ذلك فإن العالم القديم كله لم ~~يقدم على هذه المحاولة، وذلك للأسباب التي أوضحناها في المقال السابق. # وكانت نتيجة ذلك أن الفكر اليوناني نظر إلى العالم الذي نعيش فيه على أنه عالم متغير ~~خداع لا يمكن أن ينطبق عليه علم ذو موضوعات «أزلية» ثابتة كالرياضة؛ فللعلم الرياضي ~~مجاله الخاص المترفع على هذا العالم، وهو ينحط ويفقد امتيازه وترفعه إذا ما طبق ~~على عالم الواقع المتغير . إن كل شيء في الرياضة ثابت ودقيق، على حين أن كل ما في هذا ~~العالم «تقريبي» فحسب، فكيف تتفق الدقة مع التقريب؟ وكيف يمكن أن يخضع عالم المحسوسات ~~المتغيرة للرياضيات العقلية الثابتة؟ وكيف تنطبق المجردات الرياضية على العالم العيني ~~الواقعي؟ كل ذلك كان بطبيعة الحال مستحيلا في نظر القدماء؛ إذ إن الهوة الشاسعة بين ~~مجال الفكر ومجال الفعل أدت إلى الفصل القاطع بين مجال عقلي أرستقراطي كالرياضة، ومجال ~~عرضي متغير كمجال الطبيعة، وإذا كان من الجائز أن تنطبق الرياضة على العالم فلا يمكن - ~~في رأيهم - أن يكون ذلك إلا العالم السماوي؛ عالم الأفلاك، أما العالم الأرضي؛ عالم «ما ~~تحت فلك القمر»، فلا مجال فيه للدقة الرياضية على الإطلاق. # وفي العصور الوسطى لم يطرأ تغير حاسم على العلاقة بين الرياضة وبين عالم الطبيعة، ولم ~~يحاول أحد أن يطبق الأعداد والمقاييس والموازين الدقيقة على دراسة العالم المحيط بنا، ~~ويتخذها أساسا لمعرفة علمية دقيقة؛ ذلك أولا لأنه لم تكن هناك أدوات للملاحظة، وإنما ~~كان على الإنسان لكي يلاحظ أن يكتفي باستخدام عينيه فحسب، دون استعانة بأية آلة بصرية، ~~ومن جهة أخرى لم تكن هناك لغة أو نظام من الرموز يتيح التعبير عن الملاحظات بدقة، ~~ويساعد على إضفاء صبغة رياضية على العلاقات بين الظواهر المتغيرة، فحتى عصر النهضة ~~الأوروبية لم ms294 تكن العمليات الحسابية العادية شيئا هينا، وإنما كان من الشائع استخدام ~~أجهزة خاصة لإجراء أبسط عمليات العد، ولمساعدة الذهن المجهد على إتمام هذه العمليات، ~~ولم يكن الجميع يستخدمون الأرقام العربية التي بسطت عمليات الحساب إلى حد بعيد، بل ~~كان الكثيرون ما زالوا يستخدمون الأرقام الرومانية البدائية المعقدة. وعلى أية حال فإن ~~الخطأ في هذه العمليات لم يكن يعنيهم كثيرا؛ إذ إن كل شيء كان في نظرهم «تقريبا»، ولم ~~تكن الدقة الرياضية قد تغلغلت بعد في حياة الناس على النحو الشائع في العصر ~~الحديث. # ولقد أدت عوامل معقدة إلى حدوث ذلك التحول الحاسم في أوائل العصر الحديث؛ أعني ~~الانتقال من الفصل التام بين الرياضة والطبيعة إلى التوحيد المثمر بينهما. # ولكن لعل العامل الاجتماعي والاقتصادي من أكثرها أهمية وطرافة؛ فقد كان ظهور طبقة ~~التجار في عصر النهضة الأوروبية، وازدهار هذه الطبقة في المدن الأوروبية على حساب طبقة ~~النبلاء الإقطاعيين، باعثا للحاجة إلى تطبيق الحسابات الرياضية على المعاملات النقدية ~~التي كان يقوم بها هؤلاء التجار؛ ذلك لأن إدارة الأعمال التجارية تقتضي معرفة واسعة ~~بالعد والحساب، وتحتاج من رجل الأعمال إلى نظرة تجريدية صارمة، بدونها لا يكون ناجحا ~~في أعماله، وحين يشيع التعامل بالنقود ويتغلغل في حياة الناس اليومية، ويحل محل ~~المقايضة بالسلع، يكون معنى ذلك مزيدا من التجريد؛ إذ إن النقود أشبه بالرموز ~~الرياضية، من حيث إنها لا تعني في ذاتها شيئا، بل إنها تكتسب معناها كله مما يستعاض به ~~عنها في التعامل النقدي. # وهكذا اكتسبت الأعمال التجارية صبغة مجردة بفضل انتشار المعاملات المالية، واستخدام ~~الكميات والمقادير النظرية الخالصة في حسابات التجار. # ومن جهة أخرى فقد كان العلم ذاته يسير في اتجاه مماثل يرمي إلى الاهتمام بالعلاقات ~~الرياضية بين الأشياء لا بالصفات النوعية أو الكيفية الكامنة فيها، واتجه العلماء ~~تدريجيا إلى اتخاذ الدقة الرياضية والتجريد الكامل مثلا أعلى يهدفون إلى تحقيقه في كل ~~بحث في الطبيعة، ولا شك في أن الأدوات العلمية التي استعان بها علماء القرنين السادس ~~عشر والسابع عشر كانت من ms295 أهم الوسائل التي ساعدت على توطيد دعائم النظرة التجريدية إلى ~~الأمور، وبالتالي على تمهيد الطريق - عقليا - للثورة الصناعية الحديثة، ويمكن تقسيم ~~هذه الأدوات - بوجه عام - إلى أدوات مكانية وأخرى زمانية؛ فالميكروسكوب والتلسكوب ~~أداتان تعملان على تقريب المكان وتكبيره واختصار مسافاته، وعلى مضاعفة حدة حاسة ~~الإبصار، وتوسيع نطاق العالم المكاني الذي نتعامل معه. ونتيجة لاستخدام هذه الأدوات ~~المكانية أخذ العقل الإنساني يدرك - لأول مرة - أن الطبيعة المحيطة به امتداد هائل ~~متجانس، لا يوجد فيه تفاوت في القيمة أو المرتبة بين ما هو أعلى وما هو أدنى، أي بين ~~عالم السموات وعالم الأرض، بل إن المادة المنتشرة في الكون بأسره متشابهة، وحركاتها ~~كلها تخضع لقوانين واحدة يمكن التعبير عنها رياضيا. # أما الساعة فهي أداة زمانية أتاحت للإنسان أن يدرك الوقت - لأول مرة - إدراكا ~~دقيقا، وأن يقسمه إلى فترات قصيرة محددة بدقة، والواقع أن اختراع الساعة الميكانيكية ~~كان من أهم العوامل التي مهدت الطريق للثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، ليس فقط ~~لأنها هي ذاتها أنموذج كامل للآلة المكتفية بذاتها، التي تسير بدقة ونظام دون أن تحتاج ~~إلا إلى أقل قدر من التدخل الخارجي، بل أيضا لأنها كونت في الناس عادات فكرية وعقلية ~~جديدة تساعد على توطيد دعائم فكرة الآلية في الأذهان؛ فاختراع الساعة كان مرتبطا أوثق ~~الارتباط بحياة حضرية أو صناعية تقتضي تنظيما دقيقا للأعمال والمواعيد، أما البيئات ~~الزراعية، أو تلك التي تسودها العقلية الزراعية الريفية، فتكتفي بتحديدات تقريبية ~~للزمان، والمواعيد فيها لا تعدو أن تكون «في ساعة الظهيرة» أو «عند حصاد القطن»؛ فالوقت ~~الذي تعرفه هذه البيئات هو الوقت المعاش لا الوقت المحسوب، ومن هنا فإن الساعة ~~الميكانيكية قد أحدثت تغييرا حقيقيا في حياة الناس وأفكارهم ونظرتهم إلى الأمور، ولا ~~يمكن أن تنحصر أهميتها في كونها اختراعا جديدا مفيدا فحسب؛ فبفضل الساعة دخل الناس ~~عصرا جديدا شعاره أن يكون كل شيء «منتظما كالساعة»، عصرا لا يمكن أن يكتفي فيه ~~الإنسان بالتحديد المرن غير الدقيق للوقت أو المواعيد «التقريبية»، وبفضل الساعة أصبح ms296 ~~الزمان شيئا مجردا مقاسا بدقة لا شيئا يحياه المرء، وكما يقول «لويس ممفورد»: ~~«فعندما ينظر المرء إلى النهار على أنه فترة مجردة من الزمان، لا يذهب إلى الفراش في ~~نفس الوقت الذي تأوي فيه الطيور إلى أوكارها في ليل الشتاء، وإنما يخترع الشموع ~~والمداخن والمشاعل وضوء الغاز والمصابيح الكهربائية لكي يستفيد من كل الساعات التي تدخل ~~في نطاق النهار، وعندما ينظر المرء إلى الزمان، لا على أنه تجارب متعاقبة بل على أنه ~~مجموعة من الساعات والدقائق والثواني، تظهر عادات إضافة الوقت وتوفير الوقت ... وهكذا ~~أصبح الزمن المجرد هو الوسيط الجديد للحياة، ونظمت الوظائف العضوية ذاتها على ~~أساسه؛ إذ أصبح المرء يأكل، لا لأنه يشعر بالجوع، بل عندما تنبئه الساعة بذلك، وينام لا ~~لأنه يشعر بالتعب، بل عندما تأذن له الساعة بذلك ... وإذن فنحن قد نستطيع أن نتصور العصر ~~الصناعي الحديث بلا فحم ولا حديد ولا بخار، ولكنا لا نستطيع تصوره بلا ساعات.» # تلك إذن كانت أهم العوامل التي أدت إلى إيجاد الجو العقلي الملائم لقبول فكرة الآلية، ~~وتحويل أذهان المفكرين من الاعتقاد بوجود هوة لا تعبر بين الفكر والفعل، إلى الإيمان ~~باندماج هذين المجالين، وبأن أفضل استخدام للعقل البشري هو تطبيقه على الطبيعة من أجل ~~زيادة رفاهية الحياة الإنسانية في هذا العالم. # ذلك لأن العقل البشري لم يكن يستطيع أن يتهيأ لدخول عصر الآلة إلا إذا اقتنع بأن ~~وظيفته ليست هي التحليق في آفاق منفصلة عن عالمه الواقعي، وأيقن بأن مهمته الحقيقية هي ~~كشف أسرار هذا العالم ذاته، ذلك هو الشرط الأول الذي ينبغي أن يفترض مقدما قبل أن ~~يتسنى للبشرية الانتقال إلى عهد الآلية والتصنيع، وقد يبدو هذا الشرط بديهيا ~~بسيطا، ولكن العالم القديم - بكل ما فيه من فلسفات عميقة - لم يستطع أن يحققه، وظل ~~مقتنعا بأن وظيفة العقل هي مفارقة الطبيعة لا التغلغل فيها، ومن هنا لم يظهر كبلر ~~وجاليليو وكبرنك بعد إقليدس وبطليموس مباشرة، بل كان لا بد من مضي ما يقرب من ألفي ~~عام قبل أن ms297 تواصل الحركة العلمية مسيرها. # كذلك لم يكن في وسع العقل البشري أن يتقبل فكرة الآلية ويتعمقها لو لم يكن يتخذ من ~~الرياضيات أنموذجا للعلم الدقيق، ويطبق كشوفها في حل مشكلات الطبيعة، ولا يكتفي بأن ~~يجعل منها ترفا عقليا يعينه في سعيه إلى الترفع عن الطبيعة والانفصال عنها؛ فالرياضة ~~علم لا غناء عنه للقيام بتلك الحسابات الدقيقة التي يفترضها كل اختراع آلي، وفضلا عن ~~ذلك فإن تجرد الرياضة وانضباط سيرها بدقة كاملة يعد هو ذاته أنموذجا للانتظام الذي ~~يجب أن تسير عليه الآلة ذاتها. # وأخيرا فلم تكن الآلة لتحتل موقعها في حياة الإنسان لو لم يكن قد تعلم - في فترة ~~انتقال من العصر الإقطاعي إلى العصر التجاري - كيف ينظم حياته تبعا لتوقيت منظم دقيق ~~لا مجال فيه للاختلافات الفردية، ولو لم تكن الكشوف الطبيعية والفلكية والجغرافية ~~والأدوات العلمية الجديدة التي أتاحت هذه الكشوف، قد علمته كيف ينظر إلى المكان المحيط ~~به على أنه امتداد لا نهائي متجانس، تسري عليه نفس القوانين ويخضع كله لمبادئ علمية ~~واحدة. # وعندما أتيح لهذه الشروط الأساسية أن تتحقق، أصبحت الآلية حقيقة ماثلة في الأذهان، ~~وأصبح الفكر الفلسفي - الذي كان يحاربها بلا هوادة في العالم - يعمل من تلقاء ~~ذاته على تقديم المبررات لها وإعطائها المركز الذي تستحقه في مذاهبه النظرية، وهكذا ~~أصبحت فكرة الآلية سائدة حتى قبل أن تظهر الآلات ذاتها في الأفق، وكان من الواضح أن عقل ~~الإنسان يتهيأ لظهور نمط جديد من الحياة، وأسلوب جديد في الإنتاج تقوم فيه الآلة بالدور ~~الأساسي، ولن يتسع المجال هنا للكلام عن كل ما قاله فلاسفة العصر السابق على الثورة ~~الصناعية في موضوع الآلية، بل يكفينا أن نشير إلى المكانة التي احتلها مفهوم الآلة في ~~ذهن واحد أو اثنين من كبار مفكري ذلك العصر، بوصفه أنموذجا للدور الذي أصبحت هذه ~~الفكرة تؤديه في العصر الجديد. # ففي كتابات الفيلسوف الفرنسي الكبير «رينيه ديكارت» تحتل فكرة الآلة مكانة عظيمة ~~الأهمية؛ إذ إن النماذج البسيطة التي شاهدها منها قد أقنعته بإمكانياتها الهائلة، ms298 وهو ~~يصف هذه النماذج بقوله: «إننا نرى ساعات ونافورات صناعية وطواحين وما شابهها من الآلات ~~التي صنعها البشر، ومع ذلك فهي لا تعدم القدرة على التحرك بذاتها على شتى الأنحاء.» ~~فإذا كان في وسع الإنسان أن يصنع آلات على هذا القدر من الدقة، أفلا يكون في استطاعة ~~الطبيعة ذاتها أن تصنع آلات أدق؟ أليس من المحتمل أن يكون جسم الحيوان - بل الإنسان ~~ذاته - آلة دقيقة الصنع؟ ألا يجوز أن تكون الطبيعة ذاتها والكون بأسره آلة هائلة عظيمة ~~التعقيد؟ تلك هي الاحتمالات التي بحثتها فلسفة ديكارت بالتفصيل، والتي تعبر عن جو ~~عقلي مغاير تماما للجو الذي ظهرت فيه فلسفة اليونانيين. # وكان الفيلسوف الألماني «ليبنتس» أشد جرأة من ديكارت ذاته في التنبيه إلى مزايا فكرة ~~الآلية في الفلسفة؛ إذ وصل به الأمر إلى حد الكلام عن اختراع «آلة مفكرة»، وكان يعتقد ~~أن التفكير البشري كله يمكن أن يرد إلى مجموعة أفكار أولية بسيطة يمكن تعدادها، وأن ~~هذه الأفكار تكون «أبجدية العقل البشري»، أي إنها أشبه بالحروف التي تتكون بتجمعها ~~كلمات اللغة بأسرها، فإذا أمكن معرفة صفات كل من هذه الأفكار؛ لاستطعنا تصور كل ~~تجمعاتها، والعلم الذي يبحث في هذه التجمعات الممكنة هو الذي يفتح الباب للمعرفة حتى ~~تتسع إلى أبعد الآفاق، وهو الذي يؤدي في النهاية إلى وضع قواعد ثابتة للغة عالمية هي ~~لغة العقل البشري بوجه عام، وقد طبق ليبنتس بدوره فكرة الآلية على تصوره للكائنات الحية ~~وللكون في مجموعه، وكان متحمسا لفكرة الاختراع، وقد أسهم هو ذاته فيها باختراع آلة ~~حاسبة كان يفخر بها كل الفخر. # ولسنا نود أن نعدد الأمثلة؛ إذ إن الاتجاه واضح لا شك فيه، وهو يدل دلالة واضحة ~~قاطعة على أن الفلسفة في بداية العصر الحديث قد تلاءمت مع الأوضاع الاجتماعية الجديدة، ~~وأصبحت متمشية مع الظروف المختلفة التي أخذت تلوح في أفق حياة الإنسان الحديث، وعلى ~~الرغم من أن كثيرا من المشكلات التي عالجتها هذه الفلسفة تبدو مجرد امتداد لطريقة ~~التفكير السائدة في العصور القديمة والوسطى، ms299 فمن المؤكد أن تغييرا أساسيا قد طرأ على ~~الأذهان، وأن الحياة الجديدة لم تعد تحتمل الفصل بين مجال الفكر ومجال العمل، أو بين ~~العقل والواقع الطبيعي، وأن زوال الحواجز الاجتماعية بالتدريج قد أدى إلى زوال الفروق ~~بين الميدان النظري والميدان العملي، والقضاء على أرستقراطية العقل وتجرده وترفعه عن ~~مشكلات العالم الطبيعي. وفي ظل هذه الفلسفة التي تؤمن بأن العلم ينبغي أن ينفع الحياة، ~~وبأن غاية المعرفة هي السيطرة على الطبيعة؛ أصبح الجو العقلي في بداية العصر الحديث ~~مهيئا لظهور الآلة وبداية المرحلة الصناعية في التاريخ. # | بين الفكر والآلة (3) # العمل ومشكلاته الإنسانية # 1 # في مقالين سابقين حاولنا أن نقدم عرضا للتطورات التي مرت بها فكرة الآلية منذ ~~العصور القديمة حتى أوائل العصر الحديث، وقد اتضح من هذا العرض أن العصور القديمة كانت ~~ترفض فكرة الآلية على أساس أنها تنطوي على اهتمام مفرط بالعالم المتغير، وتحط من قدر ~~الإنسان الحر الذي ينبغي أن يترفع عن الاتصال بكل ما له صلة بالأمور المادية، وهو - كما ~~رأينا - موقف كان يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة المجتمع القديم المبني على نظام الرق، ~~وعلى تقسيم البشر إلى أحرار وعبيد، كذلك اتضح أن فكرة الآلية قد أخذت تشق طريقها بعد ~~انتهاء العصور القديمة ببطء شديد، وتكتسب لنفسها أنصارا بين المفكرين، حتى إذا جاء ~~القرن السابع عشر، أصبحت الأذهان مهيأة لقبولها، وأصبح الفلاسفة أنفسهم يدافعون عنها ~~ويجعلون لها مكانا في مذاهبهم، متخذين منها أنموذجا لتفسير العمليات الطبيعية ~~والكونية، بل وكثير من العمليات التي تدور داخل الإنسان نفسه. وكان معنى ذلك أن الأذهان ~~قد تهيأت لتحول ضخم، تؤدي فيه الآلة دورا أساسيا في حياة البشر، بعد أن كانت من قبل ~~منبوذة محرمة. # وكان من الطبيعي أن يقترن هذا التحول بتغير مناظر في قيمة العمل؛ ذلك لأن العمل ~~اليدوي أصبح بالتدريج مشروعا بعد أن كان في العصور القديمة نشاطا ثانويا تقوم به ~~فئات محتقرة تعيش على هامش المجتمع، ولعل خير ما يرمز إلى قيمة العمل في العصور القديمة ~~تلك الأسطورة التي شاعت ms300 في الأدب اليوناني القديم، وهي أسطورة «العصر الذهبي»، التي ~~تقول إن الإنسان لم يكن مضطرا إلى العمل عندما كانت الأرض فتية تقدم إليه كل ما ~~يحتاجه بسخاء، أما عندما أصابتها الشيخوخة وانتابها الفقر، فقد اضطر الإنسان إلى أن ~~يشقى لكي يحصل بعد عناء على ما كانت تقدمه إليه الأرض من تلقاء ذاتها. # والواقع أن كثيرا من اللغات تحمل ضمن ألفاظها آثار ذلك العصر الذي كان العمل فيه ~~يعد شقاء تفرضه ضرورة قاسية، أو عبودية محتومة لا مهرب منها؛ ففي اللاتينية تدل ~~كلمة # Labor # على العمل وعلى الشقاء والألم في وقت واحد، ~~وفي الإنجليزية تدل كلمة # Labour ~~، على آلام الوضع، إلى ~~جانب معنى العمل. وفي العربية تدل كلمة «الشغل» على العمل، وعلى الهم أيضا، وحسبنا هذه ~~الأمثلة القليلة للدلالة على مدى التحول الذي طرأ على معنى العمل وقيمته في العصور ~~الحديثة، بعد تغير الظروف الاجتماعية التي جعلته في البداية محتقرا ومكروها. # ولقد كان تهيؤ الأذهان - في أوائل العصر الحديث - لقبول فكرة الآلية والدفاع عنها ~~فلسفيا، دليلا على حدوث تغير أساسي في نظرة المجتمع إلى العلاقة بين العمل اليدوي ~~والعمل العقلي، وبالفعل نجد فيلسوفا مثل «دالمبير # D’Alembert ~~» يؤكد - في تصديره ل «الموسوعة» - ذلك العمل الفكري الضخم ~~الذي لخص علوم القرن الثامن عشر وفلسفاته بطريقة تقدمية مهدت الطريق لقيام الثورة ~~الفرنسية، إنه ليس من الصحيح أن الفنون الحرة أرفع بالضرورة من الفنون الميكانيكية. ~~كذلك قال فولتير: «إن العمل يعصمنا من شرور ثلاثة فادحة: هي السأم والرذيلة والحاجة.» ~~أما روسو فقد أكد فكرة التزام الإنسان بالقيام بعمل ما، وأضاف إلى ذلك أن الصانع أكثر ~~تحررا من الزارع؛ لأن الأخير مقيد بأرضه، على حين أن الأول حر طليق. # وكان لظهور الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أثره الحاسم في رد ~~اعتبار العمل بوصفه نشاطا مميزا للإنسان، وأخذ الأدباء والكتاب يمجدون العمل حتى ~~أصبحت هناك مدرسة فكرية كاملة تعده القيمة العليا في حياة الإنسان، وترى أنه خالق كل ~~ما أنتجته البشرية من أعمال ms301 تستحق التمجيد، بل إن الحضارة الحديثة ذاتها أصبحت تسمى ~~«حضارة العمل»، وأصبح الإنسان نفسه يعرف بأنه «صانع # Faber ~~»، بعد أن كان يعرف بأنه عاقل أو ناطق. # ووصل الأمر إلى حد ظهور «عبادة أو عقيدة للعمل»، تعزى فيها إلى العمل صفات ~~القداسة، ويوصف بأسمى العبارات الصوفية، وفي ظل هذه النظرة الحديثة إلى العمل أصبح ~~ينظر إلى الإنسان على أنه - قبل كل شيء - كائن يقهر الطبيعة ويشكلها كما يشكل ذاته، ~~ويمنحها قدرات جديدة بإخضاع الطبيعة لسلطانه. # وهذا ما عبر عنه «برودون Proudhon ~~» حين عرف العمل ~~بأنه «امتداد الكائن بنفسه وتوسيعه لها بفضل ممارسة عمله على الطبيعة.» وعبر عن تفضيل ~~العمل المادي على العمل العقلي بقوله: «من كانت فكرته في راحة يده كان على الأرجح ~~إنسانا أعقل، وهو على أية حال إنسان أكمل، ممن يحمل فكرته في رأسه، ولا يستطيع التعبير ~~عنها إلا على شكل صيغة نظرية.» # وإذن ففي بداية العصر الصناعي كانت البشرية تحلم بعهد تتحرر فيه - بفضل العمل - من ~~خضوعها لقوى الطبيعة، وتنتصر على المظالم الاجتماعية التي تجثم فوق صدرها، وظل هذا ~~الشعور ملازما للمفكرين فترة غير قصيرة، غير أن انتشار الآلية على نطاق واسع، وما ~~صاحبه من ظروف أليمة لحياة العمال في العصر الصناعي الجديد، أدى إلى حلول التشاؤم ~~تدريجيا محل التفاؤل المفرط، وإلى خيبة الآمال التي ظلت تداعب البشرية قرابة قرنين من ~~الزمان قبل ذلك العهد؛ فقد أخذ المفكرون يدركون أن تمجيدهم المطلق للعمل كان سذاجة ~~مفرطة، وبدءوا يرفعون أصواتا ساخطة يعلنون فيها أن الآلة التي أتت لتخفيف آلام البشر ~~لم تؤد إلا إلى مضاعفة هذه الآلام، وأن العصر «الذهبي» المزعوم قد اتضح أنه عصر أسود ~~«فحمي»، وبدلا من أن يصبح الإنسان - بفضل الآلة - سيد الطبيعة ومالكها، أصبح عبدا لما ~~خلقه هو ذاته، وبالاختصار ظهرت لهم حقيقة بشعة، هي أن الآلة تنتج البؤس بدلا من الثروة ~~والرخاء. # ولقد وجد المفكرون والشعراء - بوجه خاص - مظاهر متعددة في العصر الصناعي الجديد، تدل ~~على أن هذا العصر قد نشر القبح وقضى على ms302 ما في العالم من جمال؛ ذلك لأن الآلات ~~المستخدمة في مستهل العصر الصناعي كانت بالفعل آلات قبيحة؛ لأنها بدائية وناقصة ومعقدة، ~~ومن جهة أخرى فإن الطبقة الاجتماعية الجديدة التي أدت الثورة الصناعية إلى صعودها ~~وتفوقها على غيرها من الطبقات كانت تفتقر إلى التهذيب وإلى حاسة الذوق والجمال، ~~«فأغنياء الصناعة» الذين أصبحوا يحتلون قمة السلم الاجتماعي في ذلك العصر، كانوا في ~~الأغلب أناسا غير مثقفين، تمكنوا بفضل ثروتهم أو قدرتهم على تحسين آلة معينة من أن ~~يتفوقوا على الطبقات العليا القديمة، ولم يكن لهم من هدف سوى زيادة ثروتهم وتوسيع نطاق ~~أعمالهم فحسب، ولا وجه للمقارنة على الإطلاق بين هؤلاء وبين أقطاب الصناعة الحاليين في ~~البلاد الرأسمالية الكبرى؛ إذ إن بعض هؤلاء الأخيرين قد استطاع أن يكتسب بمضي الوقت ~~نوعا من الثقافة أو الإحساس بالفن والجمال، أما في العصر الذي نتحدث عنه فلم يكن الوقت ~~قد اتسع لهم لاكتساب شيء من هذه الصفات، بل كان هدفهم الأوحد من الحياة هو سحق ~~المنافسين، وكان ذهنهم عاجزا عن استيعاب أي شيء يخرج عن دائرة مصالحهم وأعمالهم، كذلك ~~كان الفارق هائلا بينهم وبين أفراد الطبقة العليا القديمة؛ طبقة الإقطاعيين الوراثيين، ~~الذين كان لديهم من الوقت ومن الفراغ - في حياتهم ذات الإيقاع الهادئ البطيء - ما يسمح ~~لهم بإبداء الاهتمام بكثير من الميادين الثقافية والفنية. # ولسنا في حاجة إلى الاستطراد في بيان مساوئ أحوال العمل الصناعي، من بطالة وسوء أجور ~~وتدهور للأحوال الصحية والنفسية للعامل؛ إذ إن هذه قصة معروفة طالما تناولتها الأقلام، ~~والذي يهمنا في هذا الصدد هو أن عددا كبيرا من المفكرين الذين هاجموا العصر الصناعي - ~~في هذه الفترة - كانوا أناسا مخلصين ثارت نفوسهم على النزعة الآلية بعد أن بدا لهم ~~أنها مصدر كل الشرور في ذلك العصر؛ فتلك النزعة قد أدت - في رأيهم - إلى القضاء على ما ~~في العالم من تنوع وفردية، وأحلت محله الاطراد الممل الرتيب، وهي قد أدخلت لأول مرة ~~عبادة الكم والضخامة العددية الخالصة، واستعاضت بها عن تقدير الكيف والقيم ms303 الكامنة ~~للأشياء، وهي قد أدت إلى تدهور الأذواق وانخفاض مستوى الثقافة، وأخضعت الإنسان للسعي ~~وراء الكسب، وعودته اللذات السوقية، وقضت على العمق أو البعد الباطن في حياة الإنسان، ~~ووصل الأمر بالبعض إلى حد القول إن العامل الذي يقف أمام الآلة ليؤدي عملا رتيبا ~~متكررا عددا لا متناهيا من المرات، تنحط إنسانيته إلى حد لا يختلف كثيرا عن حالة ~~الرقيق في العصر اليوناني أو الروماني. # ولا شك أن رد الفعل هذا كان عنيفا إلى حد بعيد، وكان مسرفا في انتقاده للعصر ~~الصناعي؛ إذ نسب إليه أخطاء لم يكن له دور فيها، على حين أنه نسب إلى العصور السابقة ~~عليه مزايا مبالغا فيها إلى حد بعيد، فعصر الحرف - الذي سبق العصر الصناعي في أوروبا - ~~كان بدوره عصر بؤس شديد، ولم يكن العامل فيه حرا على النحو الذي صوره الكتاب ~~الرومانسيون الساخطون على الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كذلك صور هؤلاء ~~الكتاب مدن العصور الوسطى على نحو مبالغ فيه، وتخيلوها بصورة أجمل بكثير من صورة ~~المدن المزدحمة القبيحة التي نمت بسرعة في العصر الصناعي، ومع ذلك فقد كانت هذه ~~المدن تمثل واحات صغيرة من الرخاء وسط صحراء من البؤس والفقر المدقع في الريف، الذي ~~كانت أحوال الفلاحين فيه تقرب بالفعل من أحوال العبيد. # وإذن فمهما قيل عن مساوئ العصر الصناعي في فترته الأولى، فهو على أسوأ الفروض لم يزد ~~من البؤس الموجود فعلا، بل لقد كان السبب الحقيقي في ذلك الشعور الواضح ببؤس العامل في ~~تلك الفترة هو الإحساس الواعي بوجود الطبقة الدنيا من المجتمع، وبأن لهذه الطبقة ~~مشاكلها التي ينبغي أن تعالج على نحو حاسم؛ فقبل العصر الصناعي كانت مشكلات هذه الطبقة ~~الدنيا تتوارى تماما وراء السطح الظاهري الذي تمثله حياة الطبقات العليا في المجتمع، ~~ولم يكن هناك بالتالي إحساس واضح بطبيعة الحياة البائسة التي تحياها الكثرة الغالبة من ~~المجتمع، أما منذ العصر الصناعي، فقد ازداد الكتاب والأدباء وعيا بالأحوال التي ~~تعيش فيها الطبقات الكادحة، وبدأ ظهور المثل الديمقراطية التي أتاحت ms304 لعدد متزايد من ~~الأقلام أن تصف حقيقة الفقر الذي يعانيه العامل، وتقترح مختلف الوسائل لمكافحته، ومعنى ~~ذلك - باختصار - أن ما زاد بالفعل لم يكن بؤس الطبقات الدنيا من المجتمع، وإنما وعي ~~المجتمع بهذا البؤس. # ومن جهة أخرى، فقد أدرك المفكرون الأكثر تعمقا أن انتشار البؤس في العصر الصناعي لم ~~يكن راجعا إلى الآلة ذاتها، أو إلى طبيعة العمل في صورته الصناعية الجديدة، وإنما إلى ~~العلاقات الاجتماعية التي تتحكم في طريقة توزيع الثروة في العصر الجديد؛ فالتنظيم ~~الاجتماعي القائم - بما فيه من استغلال واستعباد للعامل الصناعي - كان مسئولا إلى حد ~~بعيد عن تدهور أحوال الطبقات الدنيا من المجتمع في عصر كان يمكنهم فيه الإفادة إلى حد ~~بعيد من ذلك الشكل الثوري الجديد من أشكال الإنتاج، وأعني به الصناعة. وهكذا كانت ~~محاولات الإصلاح تسير في طريق مزدوج - طريق فني أو تكنولوجي - يتم فيه تحسين الآلات ~~وزيادة كفاءتها وقدرتها الإنتاجية والإقلال من تعقيدها، وطريق اجتماعي يتم فيه تغيير ~~العلاقات الاجتماعية الاستغلالية السائدة، ويستعيد فيه العامل تدريجيا حقوقه ~~المسلوبة. # ونستطيع أن نقول إن العصر الصناعي الحالي قد حقق الثورة الفنية أو التكنولوجية ~~الكفيلة بالقضاء على كثير من مساوئ أحوال العمل في العصر الصناعي المتقدم، وأنه مضى ~~شوطا بعيدا في سبيل تحقيق الثورة الاجتماعية التي تعيد إلى العامل قيمة عمله كاملة، ~~فهل اختفت - نتيجة لذلك - مشكلات العمل؟ وهل أفلحت التطورات التكنولوجية والاجتماعية ~~الحاضرة في إضفاء طابع إنساني على العمل، وإزالة الفوارق بين العمل الآلي أو اليدوي ~~وبين سائر أنواع النشاط التي يشتغل بها الإنسان؟ الواقع أن المشكلة أعقد من أن يمكن ~~الإتيان بجواب مبسط لها، ولا بد لتقدير أبعادها الحقيقية من تقديم عرض مفصل لطبيعة ~~المشكلات الإنسانية التي يواجهها العمل في وقتنا الحالي. # يقسم بعض المفكرين العصر الصناعي إلى فترات منفصلة: الأولى فترة «الفحم والحديد» منذ ~~بداية الثورة الصناعية حتى أواسط القرن التاسع عشر، والثانية فترة الكهرباء، والثالثة ~~فترة الطاقة النووية والآلات الإلكترونية، والواقع أن كل عهد من هذه العهود يمثل ثورة ~~حقيقية على العهد ms305 السابق عليه؛ ففي عصر الكهرباء تخلص الإنسان من كثير من مظاهر ~~القبح التي كانت تلازم العمل في العصر الصناعي الأول، وأصبحت الآلة أدق وأبسط وأنظف ~~وأقوى بكثير مما كانت عليه من قبل، غير أن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد الثورة ~~الحاسمة؛ ثورة الطاقة النووية والسيبرنطيقا والتسيير الذاتي والعقول الإلكترونية، وكان ~~لهذا النوع الجديد من الآلات مزاياه الهائلة؛ فهي تقتضي حدا أدنى من تدخل الإنسان، ~~وتوفر الطاقة البشرية إلى حد لم يكن أحد يحلم به من قبل، وتستطيع القيام بكثير من ~~الأعمال الرتيبة التي كانت تحط من إنسانية العامل في العصر الصناعي الأول، والأهم من ~~ذلك كله أن قدرتها الإنتاجية الهائلة قد أتاحت زيادة الثروة في البلاد الصناعية ~~المتقدمة إلى حد ارتفع معه مستوى حياة العامل ارتفاعا كبيرا، وازدادت معه قدرة ~~المجتمع الصناعي على توزيع ثمار العمل والإنتاج على عدد متزايد من الناس. # هذه كلها حقائق واضحة لا تحتاج إلى مزيد من التفصيل، ولكن الأمر الذي يبدو أقل وضوحا ~~هو أن هذا العصر الصناعي الجديد قد خلق مشكلاته الإنسانية الخاصة التي لم يعرف كيف ~~يتخلص منها حتى اليوم؛ ففي رأي الباحثين - مثلا - أن الآلات الإلكترونية ستنتزع ~~الإنسان عن عرشه، وتحل محله كائنات آلية تنافسه في القيام بالأعمال التي كان ينفرد بها ~~من قبل؛ فهم يرون أن الإنسان - في عصر السيبرنطيقا - قد أصبح يعهد إلى الآلة بعمليات ~~تزيد على ما ينبغي أن يكلفها به، فأية عملية حسابية معقدة إلى حد ما تترك للآلات ~~الحاسبة، على حين كان العلماء في العصور السابقة يقومون بأنفسهم بكثير من هذه العمليات ~~فيزيد هذا من شحذ أذهانهم وينمي قدرتهم على التفكير، وبعبارة أخرى فإن البعض يخشون من ~~أن تعتاد الأذهان الخلاقة هذا الكسل العقلي إلى حد لا تعود معه قادرة على الاعتماد على ~~قدراتها الخاصة في حل ما يواجهها من المشكلات العقلية. # ومن جهة أخرى، فإن الآلات الإلكترونية الحديثة لما كانت تنظم نفسها بنفسها، وتستطيع ~~الاختيار بين عدة ممكنات، فإنها تبدو كما لو كانت تقوم ms306 ببعض الوظائف الفكرية ... وليس هذا ~~اعتقادا يشيع بين عامة الناس فحسب، بل إن بعض الفلاسفة المتخصصين يشاركون فيه؛ فقد ~~خصص أحد أعداد مجلة «الفلسفة» (عدد يناير-أبريل 1957م) للآلات الإلكترونية، وكان ~~السؤال الرئيسي الذي تناوله الباحثون: هل تستطيع هذه الآلات أن تفكر بالفعل؟ وهل يستطيع ~~الإنسان أن يدافع عن نفسه ضد منافسة هذه الآلات؟ وهكذا يقف الإنسان لأول مرة موقف ~~المدافع عن قدرته الفكرية أمام شيء صنعه هو ذاته، وإذا كان هناك من ينكرون جدية هذه ~~المشكلة، فليذكر هؤلاء أن الفترة الصناعية كلها قصيرة العمر جدا بالنسبة إلى تاريخ ~~البشرية، وأن الثورة الصناعية الثالثة - ثورة العقول الإلكترونية - لم تتعد عشرين أو ~~ثلاثين عاما، فما الذي يمكن أن يأتي به التطور في هذا الاتجاه بعد مائة عام مثلا، مع ~~عمل حساب التزايد المستمر في معدلات النمو والتقدم؟ # على أن هذه - باعتراف الجميع - ليست أخطر المشكلات الإنسانية التي يواجهها العصر ~~الصناعي، وإنما الخطير هو إدراك كثير من المفكرين أن الهوة بين العمل اليدوي والعمل ~~العقلي ما زالت قائمة، وربما زادت اتساعا، وأن كل ما حدث من تقدم آلي لم يصبغ العمل ~~بالصبغة الإنسانية المنشودة، فما زال كثير من المفكرين الاجتماعيين يؤكدون أن الاتصال ~~المستمر بين العامل وبين المادة أو الآلة يجعله يفقد - بحكم طبيعة عمله ذاتها - شيئا ~~من إنسانيته، ويزداد عجزا عن التكيف مع كل عناصر الحياة الاجتماعية. # فالكاتبة «سيمون فيل» تؤكد أن الإنسان الذي يقف أمام الآلة في مصنع كبير هادر، هو ~~إنسان منعزل تماما، حتى على الرغم من كل ما يحيط به من مظاهر الحياة الصاخبة، وهي تؤكد ~~أنه لا شيء يجعل الإنسان عاجزا عن تهذيب نفسه أكثر من الاتصال المستمر بالآلة؛ إذ إن ~~عليه أن يطيعها في صمت، بل إن هذه الكاتبة لتذهب إلى أن أية ثورة اجتماعية تعجز عن أن ~~تفعل شيئا حيال هذا الوضع؛ «ففي العمل اليدوي ... عنصر ضروري من العبودية لا يمكن أن ~~تمحوه العدالة الاجتماعية الكاملة ذاتها.» # وقد يكون في هذا الرأي نوع من التطرف، ولكن ms307 من الواجب ألا يستخف به المرء ويتمسك ~~بالنظرة الرومانسية التي كان اشتراكيو القرن التاسع عشر يمجدون بها العمل ويجعلونه ~~مصدرا للمتعة وللثقافة، بل وللفن والجمال، فهل يستطيع أحد أن ينكر أن هناك مشكلة ~~حقيقية تتمثل في التفاوت الشاسع بين العمل الخلاق الذي يقوم به العالم أو المفكر أو ~~الكاتب أو الباحث، وبين العمل المتكرر الذي يؤديه العامل دون تغيير - أمام رصيف متحرك - ~~آلاف المرات في اليوم، ومئات الأيام في السنة، وعشرات السنين خلال حياته؟ صحيح أن العمل ~~ذاته قد أصبح أبسط، ولم تعد المشكلة مشكلة إجهاد جسمي، وهذا يمكن أن يعد تقدما من ~~وجهة نظر معينة، ولكن هناك الإجهاد النفسي والتوتر العصبي الشديد الذي يتولد عن السأم، ~~وعن سرعة إيقاع العمل، وعدم التنوع فيه، وتلك مشكلات قد لا تقل في نظر البعض خطورة عن ~~المشكلات القديمة. # إن العمل - لكي يكون إنسانيا بحق - ينبغي أن يكون خلاقا متنوعا جذابا، وتلك صفات ~~لا تتوافر في كثير من الأعمال الآلية التي يؤديها الإنسان المعاصر، صحيح أن تقدم الآلية ~~يخفف تدريجيا من وطأة الأعمال المرهقة، ويقتضي تدريب أعداد متزايدة من العاملين ~~المهرة، وإحلال مزيد من الأعمال العقلية محل الأعمال اليدوية، والاستعاضة بالآلات عن ~~الإنسان في كثير من الأعمال التي تتم في ظروف قاسية كالتعدين مثلا، ومع ذلك فما زال ~~الألوف من العمال، في كل بلاد العالم المتقدمة في التصنيع، وفي كل الأنظمة الاجتماعية ~~يقفون أمام الآلة كل يوم ليؤدوا نفس الأعمال المتكررة التي لا تثير خيالا ولا تقتضي ~~أية قدرة خالقة، فهل ينكر أحد مدى اتساع الهوة بين هذه الأعمال وبين الأعمال العقلية ~~الخلاقة؟ # إن بعض الباحثين يرون أن الحل إنما يكمن في توزيع الإنسان لجهده بين العمل العقلي ~~واليدوي، وهم يرون أن آلات المستقبل ستبلغ من الكمال حدا يجعل تشغيلها أمرا هينا ~~يستطيع أي إنسان القيام به، وعندئذ يمكن الأخذ بنظام «التناوب» بحيث يقوم المرء ~~بالأعمال الآلية جزءا معينا من الوقت، ثم يتركها إلى الأعمال العقلية أو يتنقل بين ~~أنواع متعددة من الآلات ms308 حتى لا يتملكه الملل، وبذلك تزداد طرافة العمل بالنسبة إليه، ~~فهؤلاء يحلمون بانتهاء عهد «التخصص» الضيق نتيجة لبلوغ الآلات مرحلة الكمال، ولتزايد ~~بساطة الدور الذي يقوم به الإنسان إزاءها، ولكن إمكان الاعتماد على هذا الحل يتوقف - ~~بطبيعة الحال - على الاتجاه الفعلي الذي سيسير فيه التطور، وليس هناك أي نوع من الإجماع ~~على الرأي القائل بأن هذا التطور يسير نحو الاستغناء عن التخصص الدقيق، أو القضاء على ~~فكرة تقسيم العمل التقليدية، ويرجح الكثيرون أن الإنسان سيظل يعتمد طويلا - في ~~إتقانه لعمله - على التدريب الطويل في ميدان محدد، وسيظل التخصص هو سبيله لرفع مستوى ~~معرفته النظرية وإنتاجه العملي، وإذن فأقل ما يقال عن هذا الحل أنه غير مضمون. # ولا شك أن الحل الأكثر واقعية هو تعويض ما يفقده العامل عن طريق زيادة أوقات فراغه ~~والإفادة من هذه الأوقات إلى أقصى حد، وبالفعل نجد أن وقت الفراغ في حياة العامل الحديث ~~يزداد اتساعا؛ فبفضل تراكم ثمار العمل استطاع الإنسان أن يقلل ساعات عمله ويزيد أجره ~~ويخترع الوسائل التي تكفل له الاستمتاع بهذا الوقت، وترتب على ذلك أن ازدادت أهمية ~~المشاغل التي يقضي بها الإنسان وقت فراغه كالرياضة واللهو والترويح عن النفس ... وظهرت ~~فنون لا تصلح إلا لعصر يخرج فيه العامل من عمله مكدودا، ويسعى إلى الترفيه بأي ثمن، ~~كموسيقى الجاز الصاخبة والرقص الهستيري الذي يخفف على الأقل من التوتر العصبي للعامل ~~المرهق نفسيا. # ولكن هل يستطيع أحد أن يقول إن الإفادة من وقت الفراغ - حتى لو كان ذلك بطريقة أسلم ~~وأخصب من الطريقة السابقة - تعد حلا حاسما للمشكلات الإنسانية في العمل؟ الواقع ~~أن كل ما يفعله الإنسان في وقت فراغه إنما هو شيء يتعلق بما يترتب على عمله لا بعمله ~~ذاته؛ فنحن في هذه الحالة نعالج مشكلات «ما بعد العمل» لا العمل نفسه، وإذا كنا نعقد ~~آمالنا على الإفادة من أوقات الفراغ في حل مشكلات العمل، فمعنى ذلك أن العامل لا يبدأ في ~~الاستمتاع بوقته ولا يشعر بإنسانيته حقا إلا بعد أن ينتهي ms309 يوم عمله، وتلك - بلا شك - ~~ميزة غير قليلة، ولكنها لا تدل على أن مشكلة العمل ذاتها قد حلت؛ إذ يعد العمل في ~~هذه الحالة مجرد وسيلة شاقة مرهقة من أجل غاية أخرى تتجاوزه، دون أن يكون غاية في ذاته، ~~فإذا كان العمل ذاته يزداد رتابة وإملالا، وتزداد آفاقه ضيقا، على حين أن الفراغ ~~يزداد اتساعا، فلا بد أن يحدث توتر آخر بين هذا الضيق وذاك الاتساع. ومن جهة أخرى ~~فمن الواجب أن تقدر قيمة أوقات الفراغ في ضوء الحياة الكاملة التي يحياها الإنسان؛ فمن ~~الصعب أن نتصور إنسانا يشعر بالسأم من عمله المتكرر، ومع ذلك يستطيع أن يقضي أوقات ~~فراغه بطريقة سليمة مثمرة، وإنما الأرجح أن يكون ما يفعله بوقت فراغه رد فعل على عمله ~~الذي يضيق به، أي إن سأمه وملله وضيقه هو الذي يتحكم في طريقة شغله لأوقات فراغه، ومعنى ~~ذلك - بعبارة أخرى - أنه لا بد من حل مشكلة العمل ذاتها حتى يستطيع العامل أن يجني ~~كل الفوائد الممكنة من أوقات فراغه. # وإذن فهل نستطيع - بعد هذه الرحلة الطويلة التي استعرضنا فيها موقف الفكر البشري من ~~الآلة ومن العمل اليدوي على مر العصور - أن نقول إن انتقادات الفلاسفة القدماء للعمل ~~اليدوي قد أصبحت غير ذات موضوع؟ وهل نستطيع أن نجزم بأن الإنسان العامل قد تخلص تماما ~~من كل أنواع العبودية؟ # إن الأمر الذي يمكننا أن نؤكده هو أنه قد سار شوطا بعيدا في سبيل التخلص من ~~العبودية الاجتماعية، وتحرير ذاته من النظم الاستغلالية التي كانت تحول بينه وبين ~~التمتع بثمار عمله، ولكننا لا نستطيع أن نؤكد - بنفس القوة - أنه أصبح - وهو يقوم بعمله ~~- يحس بأنه يمارس نشاطا خلاقا مشوقا، لا يشعر فيه بأن إنسانيته قد أهدرت، صحيح ~~أنه الآن أقوى شعورا بما يمكن أن يعود به العمل من مكاسب، وبمقدار التغير الذي يمكن أن ~~يطرأ على حياته بفضل العمل، ولكن من الصعب أن يجزم المرء بأن العامل يجد متعة كامنة في ~~عمله ذاته، وأنه ليس محتاجا إلى وسائل ms310 أخرى - خارجة عن نطاق عمله - لإثارة حماسته ~~للعمل. # وهكذا يبدو للكثيرين أن أدق النظم تطبيقا للاشتراكية ما زالت - حتى الآن - بعيدة عن ~~حل مشكلة رتابة العمل الآلي وشعور الإنسان فيه بالتفتت والتمزق، وما زالت عاجزة عن ~~التخلص من كثير من الأعمال «المهينة» كأعمال النظافة مثلا، وما زال العامل فيها يفتقد ~~في أوقات عمله عنصر الابتكار والخيال وسط الآلية الشاملة المحيطة به. إن تحقيق العدالة ~~الاجتماعية - بمفهومها الراهن - لم يقض على كل المشكلات الإنسانية في العمل، وما زال ~~على البشرية أن تكتشف أبعادا أخرى أشد اتساعا لمفهوم العدالة الاجتماعية، وتبتدع ~~وسائل جديدة لحل مشكلة التقابل بين العمل اليدوي والعمل العقلي، بعد أن قطعت شوطا ~~بعيدا في حل مشكلة التقابل بين العامل وصاحب العمل. # وقد يكون من أهم هذه الحلول إشعار العامل بقيمة عمله ونتيجته؛ ذلك لأن المشكلة ~~الحالية للعامل الصناعي ليست هي الإرهاق الجسمي - كما قلنا من قبل - وإنما الملل ~~والسأم، والشعور بأنه مجرد «ترس» في آلة ضخمة لا يعرف أولها ولا آخرها، وبأنه جزء ضئيل ~~من كل أكبر لا يفهمه ولا يعرف حدوده. وبالاختصار فالمشكلة تنحصر إلى حد بعيد في أن ~~العامل لا يعرف النتيجة الكاملة لعمله، ولا جدال في أن المجتمعات الاشتراكية هي الأقدر ~~على حل هذه المشكلة؛ فبالتوعية تستطيع هذه المجتمعات أن تشرح لعمالها أهدافها العامة، ~~وتربط بين عملهم وبين حياة المجتمع من حيث هي كل شامل؛ فحين يتكشف للعامل نتاج عمله ~~المباشر، وحين يدرك أثر عمله وعمل غيره في حياة المجتمع بوجه عام، ستخف إلى حد بعيد ~~وطأة الجو اللاشخصي الذي تخلقه الآلة، ويزداد العامل شعورا بإنسانيته، أما في ~~المجتمعات الرأسمالية فنادرا ما يدرك العامل طبيعة الهدف الذي تتجه جهوده إلى تحقيقه، ~~ولو أدركه لوجد أنه هدف محدود ينتفع منه غيره، لا المجتمع ككل؛ فالهدف هو دائما زيادة ~~إنتاج المصنع أو أرباح أصحابه، أو إرضاء حاجات الطبقة المترفة من المجتمع. # وإذا كنا قد تحدثنا عن المجتمعات الاشتراكية بوصفها أقدر من غيرها على إضفاء مزيد ~~من الطابع الإنساني ms311 على العمل، فمن الواجب أن نضيف إلى ذلك أن المشكلات الإنسانية للعمل ~~أقل ظهورا في الدول النامية بوجه خاص؛ ذلك لأن هذه الدول متأخرة في تطورها، ولم تمر ~~بالتجارب المريرة الأولى التي اقترنت بالعصر الصناعي في مرحلته الأولى، ومن هنا كانت ~~نظرتها إلى التصنيع أكثر تفاؤلا، بل إن التصنيع يمثل - في واقع الأمر - أملها ~~الحقيقي في مستقبل أفضل. # ومن جهة أخرى فإن النهضة الثقافية للدول النامية ترتبط بمرحلة التصنيع ارتباطا ~~وثيقا؛ فالعهود السابقة على التصنيع - وهي الاحتلال الاستعماري وما يرتبط به من ~~استغلال وجهل وتخلف - ليست بالعهود التي تستحق أن تتحسر عليها هذه البلدان، وعلى عكس ~~البلاد الأوروبية التي كانت تجد في ماضيها الإقطاعي عناصر مضيئة تدفع بالبعض إلى ~~التشاؤم من مستقبل المجتمع في ظل الصناعة، فإن البلاد النامية تدخل عهد الصناعة وهي ~~مؤمنة بأن نهضتها الحقيقية متوقفة عليه، ومتحررة تماما من كل قيد يشدها إلى ~~الماضي. # وأخيرا فإن البلاد النامية إذا بدأت دخول عصر التصنيع في ظل نظام اشتراكي، ففي وسعها ~~عندئذ أن تتخلص من كثير من المسائل غير الإنسانية للنظام الرأسمالي، وتمر بتجربة جديدة، ~~هي تجربة يتمشى فيها السير نحو التصنيع مع السير نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، ويدرك ~~فيها العامل - منذ بداية الأمر - نوع الأهداف الاجتماعية الشاملة التي سيشارك في ~~تحقيقها بعمله، وبذلك يصطبغ عمله منذ البداية بصبغة إنسانية واعية. # | عقبات في طريق العلوم الإنسانية1 # كان ازدهار الدراسات الإنسانية - وما يزال - مرتبطا على نحو وثيق بالأزمات التي يمر ~~بها الإنسان نفسه؛ ففي كل عصر يجد فيه الإنسان نفسه أمام مفرق طرق حاسم، أو يرى نفسه ~~عاجزا عن مواجهة تحديات أقوى منه وأبعد عن سيطرته، أو يشعر بأن زمام الأمور أوشك على ~~الإفلات من يده، وبأن هناك قوى عاتية لا سلطان له عليها، توشك أن تؤدي إلى الدمار، في ~~كل عصر كهذا كان الإنسان يعود إلى نفسه باحثا منقبا، وكان يقنع نفسه بأن حل مشكلاته ~~يكمن في داخله وفي فهمه لنفسه قبل أن يكمن في الطبيعة الخارجية. وهكذا كانت ms312 الأزمات ~~السياسية والكوارث المتلاحقة التي مرت بها أثينا في عصر سقراط مرتبطة باتجاهه إلى بحث ~~النفس الإنسانية في عبارته المشهورة «اعرف نفسك»، وكانت أزمة العلم الطبيعي والهزة ~~العنيفة التي أحدثتها الكشوف الفلكية في أوائل العصر الحديث مرتبطة باتجاه ديكارت إلى ~~البحث في أعماق الذات الإنسانية، واستهلال عهد جديد للفكر الفلسفي، يدور حول المعرفة ~~الإنسانية والمنهج الذي ينبغي أن يتبعه العقل الإنساني للوصول إلى الحقيقة، وهو العهد ~~الذي كانت ترمز إليه عبارته المشهورة «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وكانت العلاقات ~~الاجتماعية اللاإنسانية التي أدى إليها انتشار الثورة الصناعية في أوروبا، هي الأصل في ~~ظهور ذلك الفهم الجديد للمجتمع الذي نادى به ماركس، وأصبح منذ ذلك الحين عاملا ~~رئيسيا من العوامل التي تحدد شكل مجتمعنا المعاصر، وكانت الأزمة التي أحدثتها العلوم ~~البيولوجية في القرن التاسع عشر، وإدراك الروابط الوثيقة بين طبيعة الإنسان الحالية ~~وبين أصوله الحيوية الأولى، من العوامل التي ساعدت على تحول دراسة النفس الإنسانية في ~~اتجاه جديد بفضل التحليل النفسي عند فرويد، كما كانت الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى ~~في الثلاثينيات من هذا القرن قوة دافعة لمزيد من التعمق في الدراسات الإنسانية، ولظهور ~~نظريات ومناهج جديدة فيها، وأخيرا فإن أزمة الحرب والسلام التي يمر بها العالم في ~~أيامنا هذه والتهديد الدائم الذي يتعرض له أول جيل بشري أصبح يملك بالفعل من أدوات ~~الدمار ما يكفي لإفناء الحياة على سطح الأرض، هذه الأزمة قد أدت إلى مراجعة جذرية لكثير ~~من مفاهيم العلوم الإنسانية ونظرياتها، وإلى بذل محاولات دائبة من أجل تحقيق نوع من ~~التوازن بين فهم الإنسان لنفسه، وبين السيطرة الهائلة على الطبيعة التي حققتها ~~التكنولوجيا المعاصرة. # خلال هذا التاريخ الطويل، كانت دراسة الإنسان تزداد تعمقا في كل مرحلة، وكان لا ~~بد للرواد الذين مهدوا الطريق لسير هذه الدراسة في طريق العلم من أن يكافحوا من أجل ~~التغلب على عقبات كانت كفيلة بأن تحول دون ظهور أية معرفة علمية بالإنسان، وعلى الرغم ~~من أن هذه العقبات معروفة، وكثيرا ما يرد ذكرها - كلها ms313 أو بعضها - في المقدمات التي ~~تكتب للمؤلفات الخاصة بمناهج البحث في العلوم الإنسانية، فإنا لا نرى بأسا من أن ~~نعرض هنا لأهمها؛ وذلك نظرا إلى ما يلقيه هذا الموضوع من ضوء على المشكلات التي نود أن ~~نناقشها في هذا المقال: ~~(1) # أولى هذه العقبات نوع من الجمود العقلي أدى بالمفكرين إلى أن يرتفعوا ~~بالإنسان فوق مستوى الموضوعات التي يمكن أن تخضع للبحث العلمي المنظم، ~~وحجتهم في ذلك هي الدفاع عن الكرامة الإنسانية، والاحتفاظ للإنسان بمركزه ~~المميز في الكون، وتأكيد ضرورة معاملته على نحو يختلف عن ذلك الذي تعامل به ~~«موضوعات» العالم الطبيعي. على أن مثل هذا الحرص الكاذب على الكرامة ~~الإنسانية كان هو القوة الدافعة من وراء المعارضة التي سبق أن قوبل بها ~~كبرنيكوس عندما أكد أن الأرض - مقر الإنسان - ليست مركز الكون، وليست هي ~~النقطة المحورية التي تدور حولها ومن أجلها كل حوادثه، وبالمثل كان هذا ~~الاهتمام الزائف بمكانة الإنسان «الاستثنائية» و«الفريدة» في الكون من أهم ~~العوامل التي دعت إلى معارضة كل «كاشفي النقاب» عن حقيقة الدوافع ~~الإنسانية، من أمثال فرويد وماركس، وهو نوع من المعارضة لا يقوى على ~~الصمود طويلا في وجه أي كشف جديد حاسم. ~~(2) # ويرتبط بالعقبة السابقة اعتقاد ظل مسيطرا على الأذهان ردحا طويلا من ~~الزمان، يرتكز على حقيقة لا يمكن إنكارها، هي التعقد المفرط للظواهر ~~البشرية، من هذه الحقيقة استنتج الكثيرون أن أية معالجة علمية لتلك الظواهر ~~لا بد أن تكون تبسيطا مفرطا ومخلا، يهبط بها إلى مرتبة «الأشياء» ~~المألوفة المتكررة التي تسير على وتيرة واحدة، ويمكن بسهولة كشف نماذج ~~للاطراد المنتظم في سلوكها، على حين أن أهم ما في الإنسان هو الاختلافات من ~~فرد إلى فرد، لا الصفات المشتركة بين الأفراد، هذه العقبة تفترض مقدمة ~~رئيسية موروثة منذ عهد الفلاسفة اليونانيين الأوائل، هي أنه «لا علم إلا ~~بما هو عام»، ولكن العلوم الإنسانية أثبتت - بفضل مجموعة من المناهج ~~المبتكرة - أن من الممكن قيام علم بما هو خاص، أو أن الفردي يمكن أن يكون ~~موضوعا لدراسة ms314 لا تقل في علميتها عن تلك التي تتعلق بما هو عام، وبذلك قضت ~~على الأساس الذي ترتكز عليه هذه العقبة. ~~(3) # وأخيرا فقد اعتقد الكثيرون أن العلوم الإنسانية - حتى لو استطاعت أن ~~تضمن لنفسها مكانة مساوية لمكانة العلوم الطبيعية - ليست بأفضل وسيلة ~~لمعرفة الإنسان؛ فهناك حدود معينة لا تستطيع هذه العلوم أن تتعداها، وهي ~~إذا تمكنت من معرفة الإنسان فإنما يكون ذلك «من الخارج»، أما التعمق ~~الحقيقي في أغوار النفس البشرية، والنفاذ إلى جوهرها الفريد، فإنما يتم على ~~أيدي أوساط أخرى كالأدب والفن والفلسفة، وذهب بعض أنصار هذا الرأي إلى حد ~~القول بأن لمحة من لمحات دستويفسكي قد تفوق - في فهمها لحقيقة الإنسان - ~~مجلدات كاملة في علم النفس، وأن استبصارا فلسفيا عميقا قد يكشف - ~~بطريقة بسيطة مباشرة - عما تعجز عشرات الأبحاث التجريبية عن الوصول ~~إليه. # على أن الفن والأدب لا يمكنهما أن يقدما ما فيهما من معرفة عميقة بالنفس البشرية إلا ~~لمن يمر «بتجربة» من نوع فريد، هي تجربة تذوق العمل الفني أو الأدبي والاندماج فيه؛ ~~فالمعرفة المتضمنة فيهما إذن ليست متاحة للجميع، وإنما هي رهن بتهيؤ المرء لتلقيها، لا ~~عن طريق المران أو التدريب فحسب، بل عن طريق اتصافه بقدر معين من رهافة الحس وشفافية ~~النفس؛ فهي إذن مقرونة بشروط تجعلها بطبيعتها معرفة «خاصة» لا تتوافر إلا لفئة معينة من ~~الناس، وربما كانت تتوافر لكل فرد في هذه الفئة ذاتها على نحو يختلف باختلاف أبعاد ~~تجربته الفنية أو الأدبية الخاصة. # أما الفلسفة فإنها - بالرغم من كل ما أسهمت به في إثراء معرفتنا بالإنسان - تكسب ~~المشتغلين بها قدرا لا مفر منه من الطموح المفرط، يجعلهم يتعجلون إصدار الأحكام ~~العامة التي قد تتجاوز بكثير نطاق المعرفة المحققة؛ فالفيلسوف بطبيعته عاجز عن مجاراة ~~المشتغل بالعلم في تواضعه ورضائه بالقليل، واكتفائه بالسير المتدرج في أبحاثه، وقناعته ~~بالنتائج غير الكاملة، وتذرعه بالصبر والتأني والتمهل في الحكم على الأمور، ومن هنا كان ~~من الصعب أن تترك معرفة الإنسان في أيدي الفلاسفة وحدهم؛ لأنهم - مع عدم امتلاكهم ms315 ~~للحصيلة العلمية التي أصبحت أمرا لا غناء عنه عند معالجة أي موضوع طبيعي أو إنساني - ~~ما زالوا متمسكين بعادات عقلية تجعلهم يظنون أنفسهم قادرين على أن يحققوا في استبصار ~~خاطف ما يعجز العلماء عن تحقيقه بعد بحث شاق دءوب، وربما كانت أمثال هذه الاستبصارات قد ~~حدثت بالفعل في حالات متفرقة، ولكنها لم تعد اليوم قاعدة، وهي على أية حال أمر لا يمكن ~~الاعتماد على حدوثه بانتظام، فضلا عن أن احتمالات الإخفاق في هذا المجال أعظم بكثير من ~~احتمالات النجاح. # وإذن فلم يكن من العسير على العلوم الإنسانية أن تتغلب على هذه العقبات، وأن تؤكد ~~نفسها بوصفها علوما تستطيع أن تضيف على الدوام - بطريقة تراكمية منظمة - مزيدا من ~~المعارف المتعلقة بالإنسان ، مستخدمة في ذلك مناهج خاصة تقرب أو تبعد عن المناهج ~~المستخدمة في العلوم الراسخة، التي تعالج موضوعات يسهل كشف الاطراد المنتظم في ~~ظواهرها. # وليس من أهدافنا في هذا المقال أن نتتبع قصة نجاح العلوم الإنسانية في اكتساب هذه ~~المكانة، ولكنا نستهدف - على العكس من ذلك - تنبيه الأذهان إلى بعض الإشكالات التي لا ~~تزال تعوق سير هذه العلوم، وتمنعها من تحقيق ما ترجوه لنفسها من نجاح في فهم الإنسان، ~~ولسنا نود أن نتحدث عن الإشكالات التي تدركها هذه العلوم عن وعي، وتحاول التغلب عليها ~~بجهد دائب منتظم، بل إن هدفنا الحديث عن صعوبات منهجية تعترض طريق العلوم الإنسانية دون ~~أن تكون هذه الأخيرة واعية بها كل الوعي، وخطورة هذا النوع من الصعوبات تكمن في أنه ~~يمكن أن يظل ملازما للعلوم الإنسانية أمدا طويلا، بحيث يظل يهدد موضوعيتها ودقتها ~~بالخطر، وإن كانت هذه العلوم تظل طوال ذلك الوقت معتقدة أنها تحقق لنفسها موضوعية ودقة ~~تتزايدان باطراد. # ذلك لأن تلهف المشتغلين بالدراسات الإنسانية على اكتساب صفة العلمية، واعتقادهم - ~~عن حق - أن هذه الصفة تشريف وتكريم لأي جهد عقلي يقوم به الإنسان؛ قد أدى بهم أحيانا ~~إلى الوقوع في إشكالات منهجية يصعب كشفها؛ لأنها - في مجال العلوم الأخرى - ليست ~~بإشكالات على الإطلاق، وبعبارة أخرى ms316 فقد استعيرت من مجال العلوم الطبيعية أو الرياضية ~~مفاهيم معينة، وطبقت بشيء من التسرع في مجال العلوم الإنسانية، فترتب على ذلك نوع ~~من تشويه صورة هذه العلوم، بحيث أصبحت في بعض الأحيان تبدو محاكية لعلوم أخرى ذات ~~موضوعات مغايرة، دون أن تكون قادرة على إدراك الصفات التي تنفرد بها موضوعاتها الخاصة، ~~والتي تحتم عليها استخدام مفاهيم مخالفة، أو تعديل المفاهيم المستعارة من المجالات ~~الأخرى، إن لم يكن من استعارتها بد. # وسوف أكتفي - لإيضاح وجهة نظري - بفكرتين رئيسيتين، يقوم بينهما ارتباط وثيق، هما ~~فكرة الحتمية وفكرة القانون، وسأحاول أن أثبت أن العلوم الإنسانية حين طبقت هذين ~~المفهومين على مجالها الخاص، لم تكن قادرة في كل الأحيان على إدراك ما تقتضيه سماتها ~~المميزة من تعديلات خاصة كان ينبغي مراعاتها عند استخدام مفهومين كهذين ظلا مرتبطين ~~بمجال العلوم الطبيعية أمدا طويلا. # فكرة الحتمية # هناك حقيقة لا يستطيع الكثيرون ممن تشغلهم مشكلات العلم ومناهجه أن يدركوها، على ~~الرغم من وضوحها البين، هي أن الاعتراف بفكرة الحتمية من حيث المبدأ لا يتعارض ~~على الإطلاق مع إدراك صعوبة تطبيقها في مجالات معينة، وأبسط مثل لذلك هو مجال علم ~~الأرصاد الجوية؛ فمنذ عهد بعيد تخلت الإنسانية عن التفسيرات الأسطورية والغائية ~~لتقلبات الجو، وأصبح هناك اعتراف عام بأن ما يطرأ على الجو من تغيرات هو أمر خاضع ~~لحتمية دقيقة، وبأن حالة الجو في أية لحظة معينة هي محصلة عوامل متعددة نستطيع - ~~إذا عرفناها معرفة كاملة - أن نتنبأ بدقة بما ستكون عليه الأحوال الجوية في ~~المستقبل القريب وربما البعيد أيضا، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر - في الوقت ~~ذاته - أن علم الأرصاد الجوية ما زال بعيدا عن إدراك كل العوامل التي تتحكم في ~~حالة الجو في لحظة معينة إدراكا كاملا، وحساب تأثيرها بدقة، بدليل أن التنبؤات ~~الجوية ما زالت معرضة لأخطاء كثيرة، وأن هذه الأخطاء تزداد كلما كان مدى التنبؤ ~~بعيدا، فهل يمكن أن يحكم على الشخص الذي يؤكد وجود حدود لا تتعداها القدرة على ~~التنبؤ بحالة الجو ms317 - في الحالة الراهنة لعلم الأرصاد الجوية - بأنه لا يؤمن بسيادة ~~الحتمية في هذا المجال؟ من الواضح أنه لا تعارض على الإطلاق بين الإيمان بالحتمية ~~من حيث المبدأ، وبين إدراك الحدود التي لا تتعداها الحتمية في هذا المجال، ومن جهة ~~أخرى فليس من حق المرء أن يستخدم الإيمان بمبدأ الحتمية مبررا لتأكيد ضرورة الوثوق ~~من التنبؤات الجوية إلى حد يزيد على ما تسمح به الحالة الراهنة لعلم الأرصاد، وليس ~~من حق مثل هذا الشخص أن يقيس مدى «علمية» الآخرين بمقدار إيمانهم أو عدم إيمانهم ~~بصحة التنبؤات الجوية، ما دام من المعترف به أن ظاهرة مثل الحالة الجوية ما زالت من ~~التعقيد بحيث لا يمكن - في ضوء معرفتنا الراهنة - إدراك كل أبعادها وجوانبها ~~والعوامل المتحكمة فيها إدراكا تاما. # وأخشى أن أقول إن شيئا من هذا القبيل يحدث في مجال العلوم الإنسانية؛ ذلك لأن ~~هذه العلوم قد كافحت - في مبدأ الأمر - كفاحا مريرا من أجل تأكيد انطباق مبدأ ~~«الحتمية» على السلوك البشري، وما زال الكثيرون غير معترفين بهذا الانطباق، أي إنهم ~~ما زالوا يتمسكون بشكل من أشكال ذلك التقسيم المشهور الذي قسم به «كانت» مجالات ~~المعرفة إلى عالم للضرورة - هو عالم الطبيعة - وعالم للحرية - هو عالم الإنسان، ~~ولسنا نود أن نخوض الآن هذه المعركة؛ لأنها ستغرقنا في متاهات كفيلة بإبعادنا عن ~~الفكرة الأصلية التي نرمي إلى إثباتها، ولذلك فسوف نسلم بأن الحتمية تسري - من ~~حيث المبدأ - على السلوك الإنساني، وأن هذا السلوك قابل لأن يتنبأ به إذا ما عرفت ~~كل العوامل المتحكمة فيه معرفة دقيقة، ومع ذلك - وبرغم التسليم بهذا المبدأ - فإن ~~الظواهر البشرية تبلغ من التعقيد حدا يستحيل معه - في معظم الأحيان - إدراك كل ~~العوامل التي يمكن بواسطتها تطبيق مبدأ الحتمية تطبيقا مؤكدا. # على أن الأمور التي لا يمكن أن تفوت الملاحظ المدقق أن لدى المشتغلين بالعلوم ~~الإنسانية ميلا إلى تعجل التطبيق يزيد بكثير عن ذلك الميل الذي نجده لدى أصحاب ~~العلوم الأخرى؛ ففي الطب - مثلا - لا يستخدم عقار جديد إلا إذا ms318 ثبتت فائدته - ~~في الحالات التي ينطبق عليها - ثبوتا مؤكدا، وصحيح أنه قد تحدث من آن لآخر حالات ~~سوء استخدام للعقاقير الطبية، أو تعجل في تطبيقها، غير أن هذه الحالات تمثل ~~الاستثناء لا القاعدة، فضلا عن أنها لا تعبر عن موقف العلماء في هذا الميدان، بل ~~تمليها المصالح التجارية للشركات الساعية إلى الربح أو أي دافع آخر غير ~~علمي. # أما في حالة العلوم الإنسانية، فإن هذا الميل إلى التطبيق المتعجل - دون أن تكون ~~قد توافرت بعد كل الشروط الكفيلة بالاطمئنان إلى أن كافة شروط الحتمية قد توافرت - ~~ظاهر كل الظهور، وصحيح أن هذه العلوم تتخلى - في كثير من الأحيان - عن المفهوم ~~التقليدي للحتمية، أعني مفهوم العلاقة الحتمية بين سبب ونتيجة، وتستعيض عنه بمفاهيم ~~أكثر ملاءمة لمجال معقد كمجال الظواهر البشرية، مثل مفهوم الارتباط الإحصائي بين ~~الظواهر، ولكن يظل من الصحيح مع ذلك أن التلهف على إخضاع دراسة السلوك البشري ~~للمنهج العلمي - وهو تلهف مشروع تماما - قد أدى في أحيان غير قليلة إلى تسرع في ~~التطبيق لم يتوخ علماء الإنسانيات فيه من الحذر بقدر ما يتوخاه علماء الطبيعة ~~أو الطب - مثلا - حين يشرعون في تطبيق كشف جديد. # وربما كان الأهم من هذه الملاحظة أن علماء الإنسانيات كثيرا ما ينظرون بعين ~~الريبة إلى كل من ينبه إلى ظاهرة التعجل هذه، وقد يكون لهم في ذلك بعض العذر؛ ذلك ~~لأن هناك من يشكك في قيمة التطبيقات التي تقوم بها هذه العلوم؛ لأنه غير مؤمن أصلا ~~بإمكان خضوع الظواهر الإنسانية للبحث العلمي الدقيق، وبالتالي فهو غير مقتنع بأن من ~~الممكن استخلاص تطبيقات منها، ولكن الواجب تجنب الخلط بين أصحاب هذا الرأي وأصحاب ~~الرأي المخالف، القائل إن مبدأ قابلية الظواهر الإنسانية للبحث العلمي مبدأ سليم، ~~ومع ذلك فإن تطبيق هذه العلوم ينبغي أن يواكب مستوى التقدم النظري الذي تحققه لا أن ~~يسبقه. ولما كان استكشاف الظواهر البشرية ما زال أمرا حديث العهد، وما زلنا في أول ~~مراحل البحث في هذا الميدان الشديد التعقيد، فإن للمرء الحق ms319 في أن يأخذ على بعض ~~العلوم الإنسانية أنها تتسرع إلى حد ما في التطبيق، فتلجأ إلى «العلاج» بمجرد أن ~~تكتشف نظرية جديدة، وتسارع بتقديم «تفسير» دون أن تكون قد توافرت لديها سوى معطيات ~~قليلة. # وحسبنا - في هذا الصدد - أن نضرب مثلا بالجهود التي يبذلها أنصار التفسير ~~الاجتماعي والاقتصادي للظواهر الثقافية والفنية، وكل ما ينتمي إلى «البناء الأعلى # Superstructure ~~» في حياة الإنسان؛ فمن ~~الممكن أن يكون المرء مؤمنا بتأثير البناء الأدنى في البناء الأعلى، ومعترفا ~~اعترافا كاملا بالمبدأ القائل بوجود علاقة متبادلة بينهما، ولكن لا يلزم عن ذلك ~~أن يعترف بتطبيق هذا المبدأ في كل حالة على حدة؛ فلكي يطبق هذا المبدأ تطبيقا ~~صحيحا لا بد أن تكون المعطيات كاملة أو قريبة من الكمال، أما في الحالات التي ~~لا نعرف عنها إلا وقائع قليلة، فإن من حق المرء أن يعترض على التسرع في تطبيق ~~المبدأ، لا لعدم إيمانه به، بل لعدم توافر الشروط الكافية لتطبيقه، ولكن الذي يحدث ~~أن أنصار هذا المبدأ يسارعون بتطبيقه بناء على أبسط المعطيات، كما هي الحال في ~~تطبيقه على عصور سحيقة في القدم، لم تتوافر لدينا عنها سوى معلومات هزيلة، ويظنون ~~أنهم قد وصلوا بذلك إلى كل العوامل المتحكمة في الظاهرة موضوع بحثهم، وكثيرا ما ~~يترتب على ذلك أن تفسر الظاهرة الواحدة تفسيرين مختلفين كل الاختلاف في كتابات ~~مفكرين يؤمن كل منهما بنفس المبدأ، ويطبق نفس المنهج، وما هذا إلا مثل واحد - من ~~بين أمثلة عديدة - لظاهرة التعجل في التطبيق العملي قبل أن يتوافر الأساس النظري ~~الكافي. # فكرة القانون # ترتبط فكرة القانون بفكرة الحتمية - مفهومة بأعم معانيها - ارتباطا وثيقا. ولقد ~~كان من أبرز مظاهر التقدم في العلوم الإنسانية، تأكيدها خضوع الإنسان لقوانين يمكن ~~صياغتها واستخدامها في السيطرة على الظواهر البشرية والتنبؤ بما ستكون عليه في ~~المستقبل، وصحيح أن هناك علوما إنسانية ما زال يدور بشأنها جدل حول إمكان وجود ~~قوانين - بالمعنى العلمي - فيها، ولكن علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ (في بعض ~~مذاهبه على الأقل) يستخدمون فكرة ms320 القانون منذ عهد ليس بالقريب، ويحققون بذلك نجاحا ~~لا بأس به في فهم الظواهر التي يتناولونها بالبحث. # ومع ذلك فإن المعنى الذي يستخدم به مفهوم «القانون» في العلوم الإنسانية، ~~يحتاج إلى تخصيص يلائم طبيعة هذه العلوم، وإن كان كثير من المشتغلين بها ينظرون إلى ~~معنى «القانون» في علومهم كما لو كان مكافئا لمعناه في العلوم الطبيعية ~~والتجريبية، وأساس هذا الإصرار على توحيد معنى «القانون» في الحالتين هو الرغبة في ~~ضمان صفة العلمية للدراسات الإنسانية، وهي في ذاتها رغبة مشكورة، ولكن الأماني ~~والغايات - كما نعلم جميعا - لا ينبغي أن تفرض ذاتها على الواقع أو تحاول تشكيله ~~على هواها، وواقع العلوم الإنسانية يشهد بأن فكرة «القانون» فيها تتخذ - في بعض ~~الحالات على الأقل - معنى لا يمكن أن يكون مساويا كل المساواة لمعناها في العلوم ~~الطبيعية. # ولكي أوضح فكرتي أود أن أضرب لها مثلا بفكرة قوانين التاريخ في النظرية ~~الماركسية، وأول ما ينبغي أن نتنبه إليه هو أن كلمة «التاريخ» ذاتها تجريد لفظي، ~~وأن تجسيم التاريخ - وكأنه شيء أو كيان متحرك - ينطوي في ذاته على قدر غير قليل من ~~التجاوز، كما ينبغي أن نتنبه إلى أن التاريخ - حسب تعريفه - يتعلق بالماضي، وأننا ~~حين نتحدث عن «حركة التاريخ في المستقبل» - على سبيل المثال - فنحن - من الوجهة ~~المنطقية الخالصة - نرتكب خطأين: أولهما استخدام لفظ يرتبط في ماهيته بالماضي، ~~للدلالة على المستقبل، وثانيهما تجسيم المجردات وتشخيصها وتحريكها على النحو الذي ~~أشرنا إليه من قبل. # وإذا تركنا جانبا هذه الملاحظات - التي قد يراها البعض شكلية - وانتقلنا إلى ~~فكرة قوانين التاريخ - كما تصاغ في النظرية الماركسية - لتبين لنا أن القانون يحتم ~~قيام الصراع بين الطبقة الرأسمالية وطبقة العمال، نتيجة لاشتداد التناقض بينهما، ~~ويحتم انتصار الطبقة العمالية في نهاية الأمر، ويؤكد حتمية القضاء على رأس المال، ~~هذا القانون يتسم بسمات خاصة، تحول دون تشبيهه - آليا - بالقوانين الطبيعية: ~~(1) # أولى هذه السمات أنه مبني على استقراء ناقص؛ ففي النظرية الماركسية ~~يبرر هذا القانون على أساس أنه كان هناك تناقض مماثل بين ms321 الأرقاء ~~ومسترقيهم في العصور القديمة، وبين الفلاحين المعدمين والإقطاعيين في ~~العصور الوسطى، وأن هذا التناقض انتهى - في الحالتين - بانتصار الطبقة ~~المقهورة، وبتحرك التاريخ خطوة إلى الأمام، تسود فيها قيم أكثر تقدمية ~~من تلك التي سادت المرحلة السابقة، وإن كانت بدورها تفضي إلى تناقض ~~جديد، وقياسا على ذلك فإن «قانون التاريخ» ذاته يحتم انتهاء التناقض ~~الثالث بين العمال والرأسماليين بانتصار الأولين وظهور شكل جديد من ~~أشكال علاقات الإنتاج. # ولو سلمنا بكل مقدمات هذا الاستدلال دون مناقشة، فسوف نجد مع ذلك ~~أن هذا «القانون» يرتكز على حالتين سابقتين مماثلتين، ويقيس الثالثة ~~عليهما، ومن الواضح أنه ليس يكفي في حالة العلوم الطبيعية تكوين قانون ~~من ملاحظة حالتين فحسب، وفضلا عن ذلك فإن التماثل ليس تاما بين ~~الحالات الثلاث في المجال التاريخي؛ إذ إن كل حالة تقوم في سياق مختلف ~~عن الحالة الأخرى، وتختلف في تفاصيلها عنها إلى حد غير قليل، فاستقراء ~~الماضي إذن لا يعد في هذه الحالة أساسا كافيا لاستخلاص «قانون»، ~~إذا كنا نود أن نحتفظ لكلمة «القانون» بمعناها العلمي المألوف. ~~(2) # وفي الوقت الذي يؤكد فيه أصحاب النظرية الماركسية - وهي في هذه ~~الحالة «المادية التاريخية» - أن انتصار الطبقة العاملة أمر مؤكد بحكم ~~«قانون تاريخي» حتمي، فإنهم - حتى أشدهم تحمسا - يؤكدون أن هذه ~~الحتمية ليست آلية تفرضها الحوادث ذاتها سواء شاء الإنسان أم لم يشأ، ~~بل هي حتمية تقوم فيها الإرادة الإنسانية بدور أساسي. # ولقد كان تأكيد أهمية الإرادة الإنسانية على هذا النحو أمرا لا مفر ~~منه؛ إذ إن الكثيرين قد أساءوا فهم المادية التاريخية بحيث تصوروا أن ~~«حركة التاريخ» تسير آليا في صالح الطبقات المغلوبة على أمرها، ومن ~~ثم لم يكن هناك ما يدعو في نظرهم إلى بذل جهد كبير في الكفاح من أجل ~~تحقيق أهدافهم؛ إذ إن «حركة التاريخ» ستحقق لهم هذه الأهداف تلقائيا، ~~وما عليهم إلا أن ينتظروا حتى يحقق لهم التاريخ ما يبتغون؛ لذلك كان ~~لزاما على مفكري المادية التاريخية أن يصححوا هذا الفهم، ويؤكدوا أن ~~للقانون التاريخي معنى ms322 خاصا، بحيث يستحيل أن يتحقق هذا القانون ما ~~لم تتدخل الإرادة الإنسانية من أجل ضمان تحقيقه. # على أن هذا التصحيح لمعنى القانون في مجال التاريخ الإنساني كفيل بأن ~~يجعل هذا القانون شيئا فريدا بحق؛ ذلك لأن أهم ما يميز القانون ~~العلمي هو استقلاله عن الإرادة الإنسانية، وحدوثه سواء شاء الإنسان أم ~~لم يشأ؛ فإلى أي حد يستحق أن يسمى قانونا ذلك الذي لا يتحقق إلا ~~بمساعدة الإرادة الإنسانية؟ وأين هي النقطة التي يمكن عندها تحديد دور ~~الحتمية التاريخية المؤدية إلى ظهور القانون، ودور الإرادة الإنسانية ~~التي تساعد على تحقيق القانون؟ وهل هناك حقا - إلى جانب إرادة ~~الإنسان - أي عامل آخر «خفي» يوجه الحوادث في اتجاه معين؟ أم إن ~~الإرادة الإنسانية هي التي تقوم فعلا بكل شيء؟ وإذا صح أن إرادة ~~الإنسان هي العامل الوحيد المتحكم في توجيه دفة التاريخ الإنساني، فما ~~قيمة الإشارة إلى «القانون» في هذه الحالة؟ ألن يكون في وسع هذه ~~الإرادة أن تكسر القانون إذا شاءت وتوجهه في اتجاه آخر؟ # ولكي أزيد هذه النقطة الأخيرة إيضاحا، أود أن أشير إلى حقيقة أعتقد ~~أنها غابت عن ذهن كل من قرأت لهم من أنصار المادية التاريخية؛ فتسلسل ~~التفكير في هذه النظرية يسير على النحو الآتي: هناك قانون تاريخي يحتم ~~انتصار الطبقة العاملة في صراعها مع الرأسمالية، ولكن هذا القانون لا ~~يسير على نحو آلي، بل لا بد من أن تتدخل الإرادة الإنسانية - ممثلة ~~في كفاح الطبقة العاملة - من أجل تحقيقه، ولولا هذا الكفاح لما استطاع ~~القانون أن يتحقق، والأمر الذي غاب عن أذهان هؤلاء المفكرين هو أن ~~القول بأن الإرادة الإنسانية هي التي يتحقق من خلالها قانون التاريخ، ~~يترتب عليه أن الإرادة الإنسانية قادرة - لو شاءت - على كسر القانون أو ~~عدم تحقيقه، وبعبارة أخرى فإن القانون إذا كان رهنا بالجهد الذي يبذله ~~الإنسان من أجل وضعه موضع التنفيذ، فإنه يمكن أن يلغى لو اتجه جهد ~~الإنسان إلى عدم تنفيذه، ما دام القانون لا يملك بذاته قوة تمكنه من ~~تحقيق ms323 ذاته. # هذه الحقيقة البسيطة لها - في رأيي - أهمية قصوى في فهم تاريخ القرن ~~العشرين؛ ذلك لأن هذا التاريخ إذا كان سجلا لكفاح الطبقات المقهورة ~~من أجل تحقيق الاشتراكية، فهو أيضا سجل لكفاح الطبقات المالكة والرأسمالية من ~~أجل الحيلولة دون تحقيقها، ولم يكن في وسع «قانون التاريخ» في هذه ~~الحالة أن يغلب كفاحا على كفاح، بل إن الانتصار في كل حالة كان يتوقف ~~على مقدار الجهد الذي تبذله إرادة الإنسان، وإذا كنا نعترف بأن تدخل ~~الإنسان قادر على تحقيق حتمية التاريخ، فيجب أن نعترف أيضا بأن التدخل ~~في الاتجاه المضاد قادر على إلغاء تأثير هذه الحتمية أو إبطاله، وليس ~~تاريخ مقاومة الرأسمالية طوال القرن العشرين إلا سلسلة متصلة من ~~المحاولات الواعية التي تبذلها إرادة مضادة، لإلغاء تأثير القانون ~~التاريخي الذي تؤكد نظرية المادية التاريخية أنه سيؤدي في نهاية المطاف ~~إلى القضاء على الرأسمالية، ومن الواضح أن قدرة الرأسمالية على البقاء ~~قد جاوزت بكثير الحد الذي كان يتوقعه ماركس أو لينين أو غيرهما من ~~أقطاب المادية التاريخية، بل إنه لم تظهر حتى الآن أية بوادر تدل على ~~قرب انهيارها، وربما كان العكس - في السنوات العشر الماضية - هو ~~الصحيح، فعلام يدل هذا كله؟ إنه يدل على تلك الحقيقة التي لم يعمل لها ~~أقطاب المادية التاريخية حسابا، وهي أن إرادة الإنسان إذا كانت هي شرط ~~تحقيق الحتمية التاريخية، فإنها تستطيع - إذا اتجهت وجهة مضادة - أن ~~تغير عن عمد مسار التاريخ في اتجاه مغاير للاتجاه الذي تشاؤه إرادة ~~الطبقة العاملة، أي تستطيع - إذا اكتملت لها القوة الكافية - أن تبطل ~~تأثير «القانون التاريخي»، وليست هذه دعوة إلى اليأس على الإطلاق، بل ~~إنها لا تعدو أن تكون تنبيها للإنسان المكافح إلى أن كل شيء يتوقف على ~~إرادته، وعلى مدى صلابته في الكفاح، وإلى أن «حتمية التاريخ» لن تنفع ~~المتخاذل، ولن تعوض تقصيره في الدفاع عن حقوقه، أو في السعي إلى ~~تحقيق مطالبه، بل إن مسار التاريخ يمكن أن ينقلب عليه إذا لم يبذل ~~الجهد الكافي في توجيهه ms324 نحو الغاية التي ينشدها؛ إذ ليست للتاريخ قوة ~~«سحرية» خارج نطاق إرادة الإنسان. ~~(3) # فإذا كان القانون التاريخي «موضوعيا»، فإنه لا يكون كذلك إلا بمعنى ~~خاص تماما؛ فموضوعيته «مصنوعة» بواسطة الإرادة الإنسانية، ومن الممكن ~~أن يثار في هذا الصدد سؤال على قدر كبير من الأهمية، وأعني به: هل يمكن ~~أن تكون هناك موضوعية «تصنع»؟ وماذا يعود للموضوعية من معنى حين لا ~~تعود مفروضة بموجب المنطق الداخلي للحوادث ذاتها؟ هذا - على أية حال - ~~سؤال لا أود أن أخوض فيه الآن - بالرغم من أهميته البالغة - حتى لا ~~يفلت من أيدينا الخيط الرئيسي للمناقشة، ولكني أود أن أتناول المسألة ~~من زاوية أخرى، هي: ما قيمة «القانون التاريخي» - في هذه الحالة - إذا ~~كان حدوثه أو عدم حدوثه متوقفا على إرادة الإنسان؟ أي بعبارة إذا كانت ~~الإرادة الإنسانية هي العامل الحاسم والوحيد المتحكم في توجيه دفة ~~التاريخ؟ # قد يكون أول ما يتبادر إلى الذهن - إجابة عن هذا السؤال - هو أن ~~القانون التاريخي لا تعود له في هذه الحالة فائدة، ولكن الواقع أن فكرة ~~وجود قانون تاريخي يحتم انتصار الاشتراكية على الرأسمالية لها فائدة ~~عملية كبرى؛ إذ إنها قوة دافعة تحفز الجماهير على الكفاح وتشجعها عن ~~طريق إقناعها بأن حركة التاريخ تساعدها في كفاحها، أو بأن كفاحها مساير ~~لحركة التاريخ، وهي في هذا الصدد تؤدي وظيفة مشابهة لوظيفة فكرة ~~المشيئة والقدرة الإلهية بالنسبة إلى المؤمنين المجاهدين؛ فالقدرة ~~الإلهية تفعل من خلال كفاح المجاهدين أنفسهم، ومن المستحيل أن تساعد ~~هذه القدرة على انتصار مؤمن متخاذل، أي إن مصير المجاهدين يتقرر - في ~~نهاية الأمر - بالجهد الذي يبذلونه في كفاحهم، ومع ذلك فإن شعور ~~المجاهد بأن القدرة الإلهية في صفه، يقدم إليه قوة دافعة كبرى في ~~كفاحه، كما يشل حركة خصومه إذا اقتنعوا بأن الإرادة الإلهية ليست في ~~صفهم؛ فالمبدأ في الحالتين واحد، وهو في أساسه مبدأ ذو هدف «عملي» ~~قبل كل شيء، وبالاختصار فإن فكرة «القانون التاريخي» فكرة تشجيعية قد ~~لا يكون لها في الواقع نفسه كيان، ولكن تأثيرها ms325 يتحقق كما لو كانت ذات ~~وجود وتأثير واقعي؛ بفضل قدرتها الحافزة وحدها. ~~(4) # فإذا صح هذا التحليل كان معناه أن فكرة القانون التاريخي يتداخل فيها ~~ما هو كائن مع ما ينبغي أن يكون، وأنها ليست وصفا لما هو واقع بقدر ما ~~هي إشارة إلى ما هو واجب، أي إنها فكرة غائية أكثر مما هي وصفية؛ ~~فالقانون في هذه الحالة تعبير عما نريده أن يكون، أي إنه نوع من ~~التفكير المبني على الرغبة والتمني # Wishful ~~Thinking ~~، وكل هذه - في صميمها - معان غير علمية لا ~~صلة لها بالمعاني المألوفة التي تتضمنها فكرة القانون في العلم البحت. ~~وهكذا فإن فكرة القانون التاريخي - التي أملتها الرغبة في تحقيق ~~الموضوعية في مجال الظواهر البشرية، وإخضاعها للمنهج العلمي الدقيق - ~~تتضمن بالضرورة عوامل خارجية عن مجال العلم البحت، وتخدم أغراضا ~~وغايات عملية في صميمها. # هذا التحليل لا يعني على الإطلاق أننا نرفض الأهداف التي يسعى إلى ~~تحقيقها القائلون بحتمية انتصار الاشتراكية بناء على قانون علمي ~~موضوعي، بل يعني أن الألفاظ المستخدمة في أمثال هذه العبارة - كلفظ ~~الحتمية، أو لفظ القانون - ينبغي أن تفهم على أن لها - في هذا ~~المجال الإنساني - معنى يختلف اختلافا كبيرا عن معناها في العلوم ~~الطبيعية، ومن الواجب أن تستقر في أذهاننا هذه الاختلافات الأساسية حتى ~~لا نحاول اقتباس مفاهيم العلم الطبيعي وتطبيقها آليا على مجال ~~الإنسان، ولو لم تبادر العلوم الإنسانية إلى إدراك هذه الحقيقة عن وعي ~~لظلت إلى الأبد أسيرة «تطلعاتها» إلى العلوم الطبيعية ومحاكاتها ~~لها. # ومجمل القول أنني حاولت في هذا المقال أن أسير - على طريقتي الخاصة ~~- في نفس الاتجاه الذي يبدو أن العلوم الإنسانية كلها تتجه إليه في ~~الفترة الحالية من تاريخها، اتجاه البحث عن مفاهيم خاصة لهذه العلوم، ~~أو تحديد معان جديدة للمفاهيم التي تستعيرها من مجالات العلوم الأخرى، ~~بعد أن اقتربت نهاية ذلك العهد الذي كانت فيه العلوم الإنسانية تنبهر ~~بالعلوم الطبيعية وتقتبس فيه مفاهيمها ومناهجها دون تمييز. # الباب الرابع # | أفكار معاصرة # | هيجل في ميزان النقد1 # ليس النقد الذي ms326 أعنيه ها هنا نقدا أود أن أوجهه إلى فلسفة هيجل، أو محاولة لإصدار ~~حكم على هذه الفلسفة من خلال وجهة نظر خاصة بكاتب المقال؛ إذ إن مثل هذا النقد يقتضي من ~~التفرغ والانقطاع لدراسة هذه الفلسفة ما أعترف أنه لم يتوافر لي بعد، بل إن كثيرا من ~~المفكرين قد كرسوا الشطر الأكبر من حياتهم في محاولة للتعمق في فكر هذا الفيلسوف الكبير ~~ولم يصلوا - بعد كل ما بذلوه من جهد - إلى المرحلة التي يستطيعون فيها أن يضعوا فكر ~~هيجل في ميزان النقد، وإنما كنت أعني نقد العصر - عصرنا الذي نعيش فيه - لتلك الفلسفة ~~التي استطاعت أن تواجه تحديات عصور متباينة كل التباين، وأن تجدد نفسها - طوال ما يقرب ~~من قرن ونصف القرن - في أشد الظروف الحضارية والسياسية والاجتماعية اختلافا. # وإذا كان المفكر الفرد يشعر بالحرج من التصدي لفكر فيلسوف ضخم مثل هيجل، ومن وضعه في ~~ميزان النقد، إن لم يكن قد هيأ نفسه لهذه المهمة عن طريق الدراسة الشاقة المضنية التي ~~تستغرق من العمر وقتا ليس بالقصير، فإن العصر حين ينقد فيلسوفا، لا يمكن أن يشعر بحرج ~~كهذا، بل إنه يمارس - في واقع الأمر - حقا مشروعا؛ ذلك لأن من حق أي عصر أن يتمثل ~~الفكر الفلسفي من جديد، وأن يعيد اختباره في ضوء مقوماته ومتطلباته الخاصة، وحين يضع ~~العصر مفكرا في ميزان النقد، فهو لا يفعل ذلك على سبيل الادعاء والغرور، بل إنه إنما ~~يتخذ عندئذ الموقف الذي يتعين اتخاذه إزاء كل فلسفة، وأعني به إعادة تفسيرها - وربما ~~إعادة خلقها - على أساس تلك الخصائص التي يتميز بها كل عصر عن غيره، وحتى لو أدى ذلك ~~إلى ألا تعود للفيلسوف الواحد صورة واحدة تتخذ مقياسا لغيرها من الصور، وإلى أن تكتسب ~~الفكرة الواحدة ألوانا وسمات متباينة تفقد معها «هويتها» الأصلية، فلن يكون في ذلك ~~ضير؛ إذ إن الفكر الفلسفي - على خلاف الفكر العلمي - لم يظهر أصلا لكي يكشف للناس عن ~~حقائق ثابتة، بل لكي يثير أذهانهم ويدفعها إلى إعادة اختبار مشكلاتها ms327 من جديد، ولن يكون ~~ذلك الفكر قد أدى الوظيفة المتوقعة منه، ولا الرسالة التي كرس الفلاسفة أنفسهم حياتهم ~~لها، لو أنه فرض نفسه علينا في صورة واحدة جامدة لا يطرأ عليها تطور، أو طالبنا بأن ~~نحتفظ بطابعه «الأصلي»، ونصونه من تأويلات العصور المتباينة وتحريفاتها. # فلكل عصر - إذن - حق مشروع في أن يضع الفلسفات التي ورثها في ميزان النقد، وهو إذ ~~يفعل ذلك فإنه لا يستهدف تحقيق مصالحه الخاصة وحدها (أعني أنه لا يهدف إلى إعادة اختبار ~~تراثه الفكري من أجل استبقاء ما يعينه على تحقيق فهم أفضل لنفسه وللعالم فحسب)، بل إنه ~~يستجيب بذلك لنداء الفلسفة الحقة، ويعمل على تحقيق رسالتها الأصيلة - التي هي إثارة ~~الأذهان وحفز العقول على التفكير - لا نقل مضمون أو محتوى ثابت من المعارف من جيل إلى ~~جيل. # بهذا المعنى واستهدافا لهذه الغاية يعمل عصرنا على إعادة تفسير هيجل، ويضع فكره في ~~ميزان النقد، وعلى الرغم من أن هيجل قدم فلسفته على صورة مذهب متكامل محكم البناء، ~~لا يمكن أن ينتزع منه أو يضاف إليه شيء، فإن فلسفته هذه قد كشفت لكل العصور التالية - ~~على رأسها عصرنا الحاضر - عن قدرة مذهلة على الاستجابة لمقتضيات أنماط من الحياة تختلف ~~أساسا عن تلك التي صيغت هذه الفلسفة في ظلها، وبالمثل فعلى الرغم من أن هيجل كان من ~~أشد الفلاسفة وعيا بطبيعة العصر الذي عاش فيه، حتى إنه جعل من ذلك العصر محور ارتكاز ~~تدور حوله كل أحكامه على العصور السابقة، وكانت فلسفته تبدو كما لو كانت قد اتخذت ~~طابعا مقفلا على نفسه، مكتفيا كل الاكتفاء بذاته، ويستحيل أن تفهم إلا بالإشارة ~~إلى العصر الذي ظهرت فيه، على الرغم من ذلك فإن هيجل يعد أنموذجا نادرا للفيلسوف ~~الذي يوحي للعصور اللاحقة بأفكار جديدة، ويستطيع أن يخاطبها بلغتها الخاصة، وهذه القدرة ~~وحدها كافية لكي تجعل لهيجل مكانة رفيعة في عصرنا الحاضر، مهما ثقلت موازينه حين يوضع ~~فكره في ميزان النقد. # إن كل فلسفة كبرى تقبل بطبيعتها ألوانا شتى من التفسيرات، ms328 بل ربما كان في وسع المرء ~~أن يتخذ من تباين التفسيرات معيارا يقيس به المكانة الحقيقية لفكر الفيلسوف، وبهذا ~~المقياس يظهر هيجل في صورة مارد فكري لا نظير له؛ ذلك لأن فلسفته قد أوحت للشراح بأشد ~~التفسيرات تقدمية ورجعية في آن واحد؛ فهو في نظر البعض فيلسوف تشع من تعاليمه روح ~~الثورة، وفي نظر البعض الآخر داعية متحمس إلى الروح المحافظة، وتارة تتبنى تعاليمه أشد ~~الاتجاهات الفكرية يسارية، وتارة أخرى يرحب بها اليمين ويرى فيها أفضل وسيلة لمحاربة ~~تطرف اليسار، وهي فلسفة مثالية - بمعنى خاص لهذه الكلمة - ومع ذلك فقد انبثق منها أشهر ~~المذاهب المادية في العصر الحديث، وهي في نظر البعض فلسفة متفائلة إلى حد تبرير كل وضع ~~قائم، وفي نظر البعض الآخر فلسفة مأساوية يحركها إحساس الإنسان بتمزق وعيه وشقائه، بل ~~إن صورة الفيلسوف ذاته تتباين، من ذلك الأستاذ الجامعي المهادن الذي أصبح في الطور ~~الأخير من حياته «دكتاتورا فلسفيا» في بلاده، ومعبرا عن مصالح النظام القائم، إلى ~~فيلسوف الثورة والتغير والنفي والرفض. # لقد كان هيجل فيلسوفا محترفا دون أدنى شك، بل إنه ربما كان خير ممثل للفلسفة كمهنة ~~مستقلة قائمة بذاتها، أو إن شئت فقل إنه كان تجسيدا حيا للفلسفة من حيث هي عمل يشغل ~~به الإنسان حياته كاملة، ولم يكن هيجل يخجل من أن يوصف بأنه فيلسوف محترف؛ إذ إن ~~الفلسفة عنده «حرفة» لها قواعدها ولغتها وأصولها، وتقتضي مرانا وتدريبا عقليا ~~خاصا، ولقد كان هيجل في ذلك على النقيض من خصميه المعاصرين له - كيركجورد وشوبنهور - ~~اللذين أراد كل منهما أن «يعيش» فلسفته، وأن يقضي على كل ازدواج بين شخصيته من حيث هو ~~إنسان، وشخصيته من حيث هو فيلسوف، ولعل خير ما يمكن التعبير به عن موقفهما من طريقة ~~هيجل في التفلسف هو أن نستعير لفظا من هيجل ذاته - أعني لفظ «الاغتراب» - فالفيلسوف ~~المحترف إنسان مغترب؛ لأنه يحيا بوصفه صاحب مهنة معينة - أعني «أستاذا» في حالة هيجل - ~~ويحيا من ناحية أخرى بوصفه فيلسوفا، وهو في حياته كفيلسوف ms329 يمارس فكرا لا صلة له ~~بحياته اليومية أو بمهنته بوصفه موظفا عاما في الدولة. # ومع ذلك فإن هذا الذي يعد اغترابا قد يكون - من وجهة نظر معينة - مصدر إثراء لفكر ~~الفيلسوف؛ ذلك لأن عمله في الدولة يمكن أن يعني اندماجه في الحياة العامة بوصفه ~~مواطنا، بحيث تثرى تجربته الفلسفية بممارسته للشئون العملية، على حين أن ذلك الذي يحيا ~~فلسفته (ويظن أنه يقضي على الاغتراب في ذاته) قد تكون حياته خاوية هزيلة؛ لأنها لا تخرج ~~عن حدود تفكيره الفلسفي. والحق أننا لو ألقينا نظرة إلى طبيعة عصرنا الحاضر؛ لتبين لنا ~~أن وجهة نظر هيجل هي الأقرب إلى الصواب؛ إذ إن كثيرا من أنواع النشاط الروحي تتحول إلى ~~«حرف» لها أصولها وقواعدها الخاصة، بحيث أصبحنا نجد شعراء وأدباء وفنانين محترفين، ~~وكاد أن يختفي من حياتنا ذلك النمط من الهواة ومن أصحاب الأمزجة الأدبية أو الشاعرية، ~~الذين يمارسون التفلسف أو غيره من ضروب النشاط الروحي دون أن يعترفوا به مهنة ذات قواعد ~~وأصول تقتضي تدريبا ومرانا شاقا. # على أن الأمر الذي يدعو إلى العجب حقا هو أن هذه الفلسفة، التي ظهرت أصلا بوصفها ~~مهنة احترافية، على نحو يوحي بأنها تدعو إلى تثبيت الفكر وتمجيده، كانت في واقع الأمر ~~أبعد الفلسفات عن التحجر في أشكال أو قوالب ثابتة؛ ذلك لأن الفلسفة عند هيجل هي أعلى ~~صور وعي الروح بذاتها، وهي أرفع مراحل تجلي هذه الروح، وماهية الروح لا تعدو أن تكون ~~فعلها ونشاطها. وعلى ذلك فإن الصورة الحقة للفلسفة هي ذلك الفعل والنشاط الفكري الذي لا ~~ينقطع، والذي يمارس على كل حصيلة استمدها الذهن البشري من أي ميدان من ميادين نشاطه، ~~وبعبارة أخرى فإن فلسفة «الأستاذ» الذي طالما سخر خصومه من لقبه هذا، هي أبعد ما تكون ~~عن التعاليم الثابتة التي يلقيها «الأساتذة» في عقول تلاميذهم، وهي فاعلية فكرية لا ~~تنقطع، وحركة ذاتية للعقل البشري، لا تتجمد ولا تتحجر في أي مذهب أحادي الجانب. # هذا الطابع الدينامي لمذهب هيجل هو الذي يتيح له أن ms330 يعلو على كل الصور الشائعة ~~للمذاهب الفلسفية، بل أن يخرج من إطار كثير من التفسيرات التي قدمت له، والتي لقيت ~~في وقت ما رواجا عظيما. # إن المألوف في المذاهب الفلسفية - وخاصة ما كان منها واسع النطاق، ينتظم عددا كبيرا ~~من مجالات الفكر والواقع - أن تكون مشيدة عن طريق الاستنباط، وعلى هذا النحو شيد ~~«كانت» مذهبه ووضع اسبينوزا فلسفته المستخلصة بمنهج هندسي استنباطي دقيق. ولكن أوضح ~~نماذج التفكير الاستنباطي في الفلسفة كان مذهب ديكارت الذي يبدأ بحقائق بسيطة، ويقيم ~~بناء فلسفيا كاملا على أساس انتقال الوضوح والبداهة من المقدمات إلى النتائج بفضل ~~أحكام عملية الاستنباط، مثل هذه المذاهب الاستنباطية تسير - بطبيعتها - في طريق يزداد ~~تجريدا على الدوام، بحيث تكون كل لحظة لاحقة فيها أبعد عن الطابع العيني من اللحظة ~~السابقة. # على أن مذهب هيجل - بالرغم من أنه، باعتراف الجميع، أشمل المذاهب الفلسفية كلها، ~~وأشدها طموحا في استيعاب كل ظواهر الروح بحيث لا يخرج عنه شيء منها حتى أشدها تنافرا ~~- لم يكن مبنيا على استنباط يتزايد تجريده، ولم يكن الإحكام المنطقي هو وسيلة ~~الانتقال من لحظاته المختلفة، بل إنه قد شيد بطريقة تركيبية تتضمن فيها اللحظة ~~اللاحقة «أكثر» مما تتضمنه اللحظة السابقة، وتكون أقل تجريدا وأقرب إلى العينية منها. ~~إن المذهب ينمو عضويا، ويتوسع تدريجيا ولا يترتب الجديد فيه - بطريقة تحليلية - على ~~القديم، ولا يكون مجرد استخلاص لما كان موجودا فيه بالقوة، بل إن القديم يكون مادة ~~يبنى عليها الجديد بطريقة تركيبية خلاقة. وهكذا يبدأ المذهب من المجرد - الذي كان ~~هيجل يعده هزيلا خاليا من المضمون - إلى العيني، الذي كان في نظره ثريا زاخرا ~~بالتعقيد والتنوع. وبهذا المعنى يمكن أن يقال - على نحو مؤكد - إن هيجل لم يحاول أن ~~يستنبط العالم أو يقدم له تفسيرا منطقيا، وإنما أراد أن يضم كل ما هو موجود، وكل ما ~~هو مغطى، في إطار معقول واحد. وعلى هذا النحو تعد فلسفته واقعية ومثالية في آن معا، ~~فهي واقعية لأنها تضم لحظات الواقع كلها وتجعل كلا منها ms331 حقيقة فلسفية في لحظة حدوثها، ~~وهي مثالية لأن الإطار الذي تضع فيه الواقع بأسره إطار عقلي في أساسه. # إن صفة الشمول هي مصدر قوة الفكر الهيجلي ومظهر ضعفه في الآن نفسه؛ فلقد كان يتملك هيجل شعور طاغ بأن عصره يمثل - في جميع الميادين - قمة الأحداث ~~التاريخية التي سبقته، ويمثل أكمل صور تحققها في الوقت ذاته، ومن هنا أحس بالرغبة في ~~تقديم «كشف حساب» للحضارة على حد تعبير «لوفيفر»، وإيجاد مركب يؤلف بين كل عناصرها، ~~وكان الهدف الرئيسي لفلسفته هو تحقيق الوحدة بين الفكر والواقع وبين الشكل والمضمون، ~~على نحو يضمن الجمع بين هذه الأطراف وتجاوزها في مركب أعلى؛ ففلسفة هيجل كانت - في نظره ~~- مركبا يضم كل ما سبقها، لا في ميدان الفلسفة فحسب، بل في كل ميادين نشاط الروح ~~الإنسانية، ولم يكن هيجل يسعى إلى تحقيق هذا الضم بطريقة تلفيقية، أو عن طريق الجمع بين ~~عناصر متنافرة فيما بينها، بل كان هدفه هو أن يؤلف منها مركبا عضويا متماسكا، وكان ~~يرى في ذلك لب النزوع الفلسفي الحقيقي وجوهره، ولقد كان يتملكه شعور واضح بأن فلسفته ~~وصلت إلى العمق الباطن للأشياء، وقدمت تفسيرا للواقع في كليته وبجميع جوانبه، وهو شعور ~~يستبعد تماما روح الشك واللاأدرية كما سادت في القرن الثامن عشر، وكما ظلت آثارها ~~واضحة في أول مذهب فلسفي ألماني كبير، وأعني به مذهب «كانت». # لقد كان للمذهب الفلسفي عند هيجل بناء مذهل من حيث شموله وإحكام الانتقال من كل خطوة ~~إلى الخطوة التالية فيه؛ فمن الروح كما هي في ذاتها وفي تجردها - أي من المنطق - ينتقل ~~البحث إلى الروح كما تصبح موضوعية في فلسفة الطبيعة، ثم إلى الروح كما تعود إلى ذاتها ~~في فلسفة الروح، وفي داخل كل مظهر من هذه المظاهر يتحرك الفكر على نفس النحو المحكم، ~~ولو أخذنا فلسفة الروح وحدها كمثال لوجدناها تبدأ بالأنثروبولوجيا (بالمعنى القديم لهذا ~~اللفظ قبل أن يصبح دالا على علم اجتماعي متخصص)، وهي دراسة الإنسان على نحو لا يخلو ~~من التأثر بالطبيعة كما ms332 هي الحال في علم النفس، ثم تنتقل إلى دراسة الظواهر الاجتماعية ~~بوصفها درجة أعلى من درجات تجلي الروح، بالقياس إلى الظواهر النفسية الفردية، فتبدأ ~~بالقانون الذي هو في أساسه علاقة خارجية للإنسان بمجتمعه، طابعها سلبي في الأساس، ~~وتنتقل إلى الأخلاق التي هي الإرادة الباطنة حين تحفظنا على إطاعة قوانين المجتمع، ~~والتي تتجلى أولا في حياة الأسرة ثم المجتمع المدني ثم الدولة، وهي أعلى مظاهر الروح ~~الموضوعية، وينتقل الفكر بعد ذلك إلى الروح المطلقة، وتتمثل أولا في الفن ثم الدين ~~وأخيرا الفلسفة. # في كل مرحلة من هذه المراحل يكتب هيجل كتابة تفصيلية متعمقة تستحق أن تعامل على أن ~~لها قيمتها الذاتية الكامنة، بغض النظر عن قيمتها داخل المذهب المتكامل، وفي كل ما ~~يكتبه هيجل يتخذ تفكيره طابعا موسوعيا ينم عن قدرة مذهلة على الاطلاع والاستيعاب ~~والإحاطة الشاملة، ولكن هذه الإحاطة الشاملة هي بعينها - في نظر الكثيرين - موطن الضعف ~~عند هيجل، فهل يستطيع عقل واحد - مهما بلغ تعمقه - أن يحيط بكل ما أنتجته الروح ~~البشرية، أو حتى أن يدرك اتجاه هذه النواتج وحركتها وعلاقاتها وروابطها؟ ألا يؤدي شمول ~~المذهب نفسه إلى الحكم عليه بالجمود والموت؟ إن «المذهب» حين يحاول أن يدرج في داخله كل ~~مظاهر فاعلية الروح - من منطق وعلم طبيعي وأخلاق وتاريخ وسياسة وفن ودين وفلسفة - يحكم ~~على هذه المظاهر ذاتها بالجمود؛ لأنه يفسرها جميعا من خلال وضعها الحاضر، كما لو كان ~~ذلك الحاضر وضعا نهائيا لا يتسع لأي جديد، ولكن إذا كان الحاضر ذاته مجرد مرحلة في ~~حركة لا نهائية، ألا يؤدي ذلك إلى زعزعة أركان المذهب، لا لأنه يجمد الحاضر فحسب، بل ~~أيضا لأنه يفسر الماضي من منظور الحاضر بوصفه غايته وهدف تطوره، مع أن هذا المنظور ~~بدوره متحرك، وسرعان ما يتجاوزه ويطغى عليه تيار التطورات اللاحقة؟ # لقد أدت هذه الصعوبة ببعض شراح هيجل إلى أن يحكموا على فلسفته كما لو كانت بناء ~~عقليا أروع ما فيه هو ذلك التناسق الذي تكشف عنه حركته المعمارية، أما المضمون الفكري ~~ذاته ms333 فقد أضفوا عليه قيمة نسبية لا تعادل أبدا قيمة البناء المحكم؛ ففي رأيهم أن أعظم ~~ما قدمه هيجل ليس معالجته المنفصلة لكل موضوع من الموضوعات التي يضمها «المذهب» على ~~حدة - برغم ما تتسم به هذه المعالجة من عمق - وإنما هو ذلك التماسك والترابط، وتلك ~~الدراما الحية المتطورة التي عرض هيجل فصولها المتتابعة في المذهب ككل. وخلاصة القول ~~أن تناسق الحركة أعظم - في نظر البعض - من العناصر الثابتة التي تتحقق هذه الحركة فيما ~~بينها. # ولكن ربما كان التعبير الأدق عن هذه المشكلة هو ذلك التضاد المعروف الذي وضعه تلاميذ ~~هيجل - بعد وفاته مباشرة - بين «المذهب» و«المنهج»؛ فعلى حين أن كل ما في المذهب يوحي ~~بأن البناء مكتمل لا يتسع للجديد، وبأن الدائرة قد أغلقت بإحكام في نهاية الرحلة ~~الممتعة التي يقودنا فيها هيجل من الروح المجردة إلى الروح المطلقة، مارا بالروح ~~الموضوعية، فإن المنهج نفسه - أعني «الديالكتيك» الهيجلي المشهور - يوحي بحركة دائمة ~~وصيرورة مستمرة لا يقف في وجهها شيء؛ ففكر هيجل يتسم بتوتر حاد بين الحركة الدينامية ~~متمثلة في الديالكتيك، في المسار الذي لا يتوقف لكل ما هو موجود، في الصيرورة التي يحمل ~~بمقتضاها كل شيء نقيضه في داخله، في السلب الذي يكمن في قلب كل إيجاب، في الآخرية التي ~~ينبغي الإحالة إليها من أجل فهم أية ظاهرة نتصور أنها منعزلة متفردة، وبين الإحساس ~~بالاكتمال الذي يسري في المذهب من بدايته إلى نهايته. # إن المذهب لا يمكن أن يوضع إلا «من أعلى»؛ فالعقل الذي يضع المذهب لا بد أن يكون ~~عقلا أدرك حركة الكل، وتأملها في شمولها، واستبانت له الخيوط الجامعة بين مظاهر الروح ~~جميعا، من أبسط تجلياتها حتى أشدها تعقيدا. هذا العقل الذي يضع المذهب، يضع ذاته خارج ~~المذهب، أعني خارج حركته الديالكتيكية، وخارج التناقض والسلب الذي يسري على كل وجود، ~~إنه عقل أحاط بالكل وأدرك الإطار الذي تندرج فيه كل عناصر ذلك الكل، والنقطة المركزية ~~التي تتلاقى عندها كل خيوطه، والتي لا يفسر تطورها كله إلا من خلالها، ولولا ms334 هذه القدرة ~~الشاملة لما أمكن أن يتسم المذهب بالاكتمال والتناسق، ولما أمكن أن يسري ذلك النبض ~~المنتظم - أعني إيقاع الحركة الديالكتيكية - في كل التخطيطات العامة للمذهب، بل في كل ~~فروعه وفروع فروعه، كل ذلك يعطينا إحساسا بالاكتمال، وبأن الصورة العامة قد اتضحت ~~وانتهى الأمر، وبأن العقل المفكر قد تكشف له كل شيء؛ لأنه يقف عند «نهاية الطريق»، ~~وعند القمة العليا التي يتوقف عندها كل مسار. # هذا التوتر بين الإحساس بالحركة الدائمة، والنقص المستمر الذي يحتاج إلى تعويض وتجاوز ~~و«رفع»، وبين الإحساس بالاكتمال والانتهاء، هو صفة من أبرز صفات الفلسفة الهيجلية، إنه ~~التوتر بين فلسفة تنظر إلى الأمور في نموها وتقدمها إلى مراحل أعلى وأعقد، وفلسفة تتأمل ~~الظواهر بنظرة راجعة، بعد أن تكون قد كشفت حقيقتها وغايتها، وسيظل من الأمور التي تثير ~~جدلا لا نهاية له بين قراء هيجل وشراحه، البحث فيما إذا كان في تفلسفه يتطلع إلى ~~الأمام ليفتح الطريق أمام أحداث جسام توشك أن تقع، أم ينظر إلى الخلف ليفسر الماضي ~~كله في ضوء حقيقة بدت له نهائية، هي حقيقة الحاضر؟ # وبين طرفي هذا التوتر يتحدد موقف عصرنا من هيجل، فإذا تأملناه من وجهه الدينامي ~~المتحرك، كانت روح هيجل لا تزال سارية فينا، معبرة عن نزوع عصرنا إلى التطور، وإلى ~~الثورة على كل وضع متجمد متحجر، وإذا نظرنا إليه من وجهه المكتمل، الذي يجمد المعرفة في ~~بؤرة ثابتة، ويحقق الفكرة المطلقة في عصره؛ لبدا في نظرنا - على أحسن الفروض - فيلسوفا ~~ميتافيزيقيا وسط مجموعة كبيرة من نظرائه الذين جعل كل منهم من عصره - بل من عقله - ~~مركزا للكون؛ فمن بعد هيجل ظل التاريخ مستمرا، وظلت المتناقضات قائمة، بل لقد ازدادت ~~حدة، وتغيرت صورة العالم، واتخذت نواتج الروح أشكالا مختلفة كل الاختلاف؛ فالفن السائد ~~في عصره أصبح فنا تاريخيا تجاوزه التطور بمراحل، والنظرة السائدة إلى الدين قد ~~اختلفت، أما الفلسفة فقد تعددت مذاهبها، واتخذت وجهات جديدة غير متوقعة. كل شيء إذن - ~~حتى في ميدان الروح - ما زال نابضا بالحياة والحركة والتغير، ms335 فإذا كان في ذلك تكذيب ~~«للمذهب»، ففيه ولا شك دعم وتأكيد لصحة «المنهج». # فما هو إذن مصدر حيوية هذا المنهج؟ وما الذي يجعله قادرا على تأكيد ذاته، حتى من ~~خلال التطورات التي يبدو أنها تنكره؟ إن الديالكتيك الهيجلي هو - قبل كل شيء - طريقة في ~~التفكير، وفي النظر إلى الظواهر من خلال ارتباطها بعضها ببعض، إنه باختصار شديد طريقة ~~التفكير التي تلغي الحواجز بين الجزئيات المنفردة، وتدرك أن فهم أية جزئية على حدة ~~إنما يكون من خلال علاقاتها المعقدة بالجزئيات الأخرى، وبالكل الذي تندرج فيه، على أن ~~هذه النظرة قد تتخذ طابعا سكونيا، كما هي الحال مثلا في منهج «الجشطلت» المشهور في ~~علم النفس، أما عند هيجل فإن أساسها هو فكرة الحركة والدينامية والتطور؛ فالعلاقات التي ~~تفهم من خلالها كل ظاهرة جزئية، ليست فقط علاقاتها بالظواهر الأخرى التي تتزامن ~~معها، وإنما علاقاتها بالمجرى الكامل الذي تطورت فيه حتى وصلت إلى طابعها ~~الراهن. # هذا المنهج يشيع وصفه بأنه منهج ثلاثي الإيقاع؛ أي إنه ينتقل من الوضع # thesis # إلى الوضع المضاد # antithesis # ومنه إلى الوضع المركب # synthesis # وفي اعتقادي أن هذا المقال، إذا لم يكن ~~يتسع لشرح مفصل لمعالم هذا المنهج - وهو على أية حال أمر لم يعد مجهولا في بلادنا بعد ~~ما بذله الباحثون في الآونة الأخيرة من جهود - فلا أقل من أن يقدم «تحذيرات» تعصم ~~القارئ من الوقوع في خطأ سوء الفهم وسوء التطبيق في هذا المجال الذي أصبح الكلام فيه ~~على ألسن الجميع، وازدادت الأذهان بالتالي تعرضا للأخطاء التي قد يؤدي بعضها إلى تشويه ~~في الفكر النظري وانحراف في التطبيق العملي. # ولنبدأ بالطرف الثالث في الحركة الديالكتيكية وهو المركب؛ فكثيرا ما يشيع فهم المركب ~~بأنه حصيلة الوضع الأصلي والوضع المضاد، أو بأنه متضمن فيهما من قبل، ولكن الواقع أن ~~هيجل كان يعني به المركب بمعناه الاشتقاقي الأصيل، أي من حيث هو حقيقة جديدة خلاقة لم ~~تكن موجودة في الطرفين السابقين، بل إن هذين الطرفين لا يفهمان - في الواقع - إلا ~~من ms336 خلال علاقتهما بالمركب، وإذا كان هو - بمعنى معين - ناتجا عنهما، فإنهما - بمعنى ~~أعمق - ناتجان عنه، أي إن معنى أي لحظة معينة - في مجال التاريخ مثلا - يتحدد على أساس ~~اللحظات المقبلة، ولا يمكن أن تعني اللحظة في ذاتها شيئا، ومن المؤكد أن هذه النظرة ~~الديالكتيكية تتلاءم إلى أبعد حد مع عصرنا الحاضر في ديناميته وسعيه إلى فهم حاضره، ~~والسلوك فيه، على أساس ما يتوقع أن يحققه في المستقبل من غايات. # ولكن المشكلة الأهم هي التي تتمثل في الطرفين الأولين، أعني الوضع وضده؛ ذلك لأن مجرد ~~تصورهما على أنهما طرفان قد يؤدي إلى تشويه المعنى الحقيقي للديالكتيك كما كان يعنيه ~~هيجل؛ فالضد أو النقيض ليس طرفا قائما بذاته، وإنما هو يكمن في قلب الوضع الأصلي ~~ويضفي عليه معناه، ويعين على إيضاح معالمه، والعلاقة بين الوضع ونقيضه هي التي تتمثل ~~فيها دلالة فكرة «السلب» وفكرة «التوسط» الهيجلية، وعلى الرغم من الطابع التجريدي الذي ~~عبر به هيجل عن موقفه في هذا الصدد، فإن من السهل أن نجد - في حياتنا العينية - ألوف ~~الأمثلة التي تمثل تجسيدا لتفكير هيجل النظري في هذا المجال. # إن قوة تأثير الديالكتيك الهيجلي إنما تكمن في تأكيده لطابع الصراع الذي يسود كل ~~أرجاء الوجود، ابتداء من أشد مظاهر العقل تجريدا - في المنطق - حتى أكثرها عينية - في ~~الفلسفة، هذا الصراع يتمثل في حياتنا اليومية بلا انقطاع، نلمسه في وعينا بذاتنا؛ إذ ~~إن هذا الوعي يتضمن مفارقة معروفة، هي أن المرء لا يعي ذاته إلا عندما يصبح في لحظة ~~مغايرة لتلك التي يريد أن يعيها، وهو يتمثل في علاقة وعيي بوعي الآخرين؛ فأنا لا أعرف ~~نفسي إلا من خلال الآخرين، أي حين أخرج عن ذاتي، ولو قطعت علاقاتي بأسرها، وانطويت على ~~نفسي انطواء تاما، متوهما أنني أهتدي إلى ذاتي في هذه الحالة على نحو أفضل، فسوف ~~أجد أن ذاتي هذه قد أفلتت مني، وأنها لم تعد شيئا، أي إن من ماهية الوعي أن يهتدي إلى ~~حقيقته الداخلية بفقدان ذاته في علاقات خارجية، ولا ms337 بد أن يتمايز الوعي في أشكال ~~متعددة متقابلة ومتعارضة، وأن يعيش صراعاتها وتناقضاتها، ويعمل على قهر هذا التناقض، ~~وهذا يعني أن الوعي توحيد وتنظيم لعناصر متعارضة بطبيعتها؛ فليس فيه شيء مباشر، بل إن ~~كل ما فيه يتم عن طريق «التوسط»، أعني توسط النقيض الذي يعيننا على فهم الموقف الأصلي، ~~وكلما توسعت في تنمية متناقضات عناصر هذا الوعي، ازددت فهما لها وقدرة على تجاوزها، ~~وما حياة الروح سوى عملية مستمرة تقوم فيها بشطر ذاتها إلى قوى متضادة، وتعمل على قهر ~~هذا التضاد. هذه القوى التي يحدث فيها هذا الانشطار أو التمايز، هي تعبير عن قوة السلب ~~أو النفي في الحياة. # ولقد كان من أهم أسباب الحيوية المتجددة لفلسفة هيجل أنها طبقت قانون الصراع هذا على ~~كل مستويات الروح؛ ففي المنطق تعد كل مقولة منطقية تأليفا عضويا من عناصر ~~متعارضة ومتكاملة في آن معا، وتكون المفاهيم الأساسية نسقا واحدا، بحيث تترابط أشد ~~الأفكار اختلافا، وتأتلف تحت مفهوم «الفكرة الشاملة» أو الفكر الكلي للعالم. وفي ~~«ظاهريات الروح» يبدأ الفكر من الذات، وينتقل تدريجا - بالتوسع في هذه الذات - حتى يصل ~~إلى الروح المطلقة، مرددا - على جميع المستويات - مفارقة الوعي الأساسية، التي لا ~~تدرك فيها الذات نفسها إلا من خلال التوسط، وبالخروج عن ذاتها، وفي الحياة الأخلاقية ~~لا يكون للفضيلة كيان إلا من خلال صراعها مع الرذيلة وتغلبها عليها (ففي عالم الملائكة ~~لا توجد فضيلة، ما دام الصراع ضد الشر مستحيلا)، وعلى كل المستويات لا تتحقق الذات إلا ~~بقدر ما تتصارع في داخلها المتناقضات، وبقدر ما تبذل من جهد في سبيل قهر هذه ~~المتناقضات. # على أن عصرنا - الذي لم يتأثر بهيجل في شيء قدر تأثره بفكرته عن السلب وصراع ~~المتناقضات وقهرها - كثيرا ما كان يسيء فهم موقف هيجل من فكرة التناقض، ويتصوره ~~فيلسوفا تخلص نهائيا من مبدأ التناقض، ولا جدال في أن للأجيال التي أعقبت هيجل بعض ~~العذر في إساءة فهمه؛ ذلك لأن من الصعب أن يكون لفكرة التناقض في مجال المنطق نفس ~~المعنى في ms338 مجال الأخلاق أو الحياة الاجتماعية، وفي وسع المرء - بقدر من التفكير ~~التحليلي - أن يستخلص معاني للفظ التناقض، أكتفي هنا بذكر أهمها: ~~(1) # التناقض بمعنى التضاد، حين يؤكد هيجل أن وجود أي شيء ينطوي على ضده أو ~~على عنصر سالب كامن فيه. ~~(2) # التناقض بمعنى الصراع، وهو معنى درامي ينطبق على مجالات الأخلاق والسياسة ~~والمجتمع، ولكن من الصعب تصوره منطبقا على مجال المنطق، إلا إذا فسر ~~اللفظ تفسيرا مجازيا. ~~(3) # التناقض بمعنى المغايرة أو الانتساب إلى الآخر، وذلك حين يؤكد هيجل أن من ~~ماهية كل شيء أن يكون منسوبا إلى شيء آخر أو أن يتحول إلى الآخر أو يفهم ~~من خلاله، أي أن يخرج عن وجوده المكتفي بذاته. # هذه المعاني كثيرا ما تختلط في أذهان المعاصرين حتى يقتبسون منهج هيجل الديالكتيكي، ~~ويمضون في تطبيقه إلى حد يوحي بأن هيجل كان من أنصار الفوضى والجمع بين المتناقضات ~~كيفما اتفق، ناسين أن هيجل كان - قبل كل شيء - فيلسوفا عقليا، وأن العقل حين يصبح ~~القوة المحركة لمذهب فلسفي، لن يقبل أن يكون القانون السائد في الكون هو التلاعب ~~العشوائي بالمتناقضات. # والحق أننا لو قارنا وجهة نظر هيجل في التناقض بوجهة النظر التقليدية، لوجدناه - من ~~زاوية معينة - أشد نفورا من التناقض من كل من سبقوه، ألم يكن إحساس هيجل بالتناقض - ~~حين جعله صراعا داخليا يحرك كل نمو وتطور، ويدفع الروح بكل مظاهرها إلى الأمام - ~~أقوى من إحساس أولئك الذين جعلوه «علاقة خارجية» بين أشياء يظل كل منها محتفظا بهويته؟ ~~إن العلاقة بين منطق أرسطو ومنطق هيجل كثيرا ما تصور كما لو كان الأول يهدف إلى ~~استبعاد التناقض والثاني يهدف إلى استبقائه، ولكن الواقع أننا لا نستطيع أن نتصور ~~شعورا بالتناقض أقوى من ذلك الذي يتمثل في فيلسوف يجعل من الرغبة في قهر التناقض ~~وتجاوزه قوة تحرك الروح وتدفعها إلى العلو على ذاتها دواما، ولو كان هيجل - كما يصوره ~~الكثيرون - يهدف إلى استبقاء التناقض، لما تحدث عن «الارتفاع» إلى مستوى أعلى، وعن ~~تجاوز التناقض ورفعه بعد الجمع بين أطرافه ms339 في مركب أشمل وفي وحدة أعمق. إننا نستطيع أن ~~نتصور فلسفة تؤكد التناقض وتحتفظ به، أما تلك التي تجعل منه قوة دينامية تدفع الروح على ~~الدوام إلى تجاوزه، فهي فلسفة تبلغ فيها الرغبة في استبعاد التناقض حدا يفوق ما كانت ~~عليه في أية فلسفة سابقة تجعل منه علاقة خارجية شكلية سكونية عاجزة عن تحريك أي ~~شيء. # وأخيرا فإن أكبر المحاذير التي ينبغي أن يتجنبها عصرنا الحاضر - حين يستخدم المنهج ~~الديالكتيكي - هو أن يعامل الديالكتيك على أنه قانون، أو مجموعة من القوانين، ويعمل على ~~تطبيق هذه القوانين آليا، صحيح أننا نستطيع أن نستخلص من فكر هيجل مبادئ ديالكتيكية، ~~مثل «نفى النفي» أو «وحدة المتناقضات» أو «تحول الكم إلى الكيف»، ولكن الديالكتيك هو - ~~قبل كل شيء - أسلوب ومنهج في التفكير وفي التطبيق. إن القانون يمثل نهاية المسار في كل ~~بحث، أما الأسلوب والمنهج فهو قوته الدافعة المحركة، وتحويل الديالكتيك إلى مجموعة من ~~القوانين - مهما كانت مشروعيتها - هو خروج على الروح الحقيقية التي تستوحيها فكرة ~~الديالكتيك، وتجميد له في قوالب ثابتة، وبالفعل تتمثل في عصرنا الحاضر - بوضوح تام - ~~محاولات متناقضة يبذلها بعض الدجماطيقيين لتطبيق الديالكتيك كما لو كان قانونا ثابتا، ~~فيبحثون في كل موقف عن «نفى النفي» أو عن الكم الذي سيتحول إلى كيف ... إلخ، وينسى هؤلاء ~~أن الديالكتيك - قبل كل شيء - منهج يعلمنا المرونة الفكرية والعملية؛ إذ يكشف لنا عن ~~التعقد الهائل للواقع، وينهانا عن رده إلى صيغ مبسطة وقوالب جامدة. هذا هو «القانون» ~~الأول للديالكتيك (إن جازت تسميته بالقانون)، وهو الذي تتضاءل إلى جواره كل قوانين أخرى ~~جزئية. # ولو استوعبنا روح الديالكتيك - لا نصه الحرفي - لأدركنا أننا لا نستطيع أن نجد في كل ~~المواقف انتقالا ثلاثيا من وضع إلى نقيضه إلى وضع مركب؛ ففي تاريخ عصرنا كثيرا ما ~~يتم الانتقال من وضع إلى وضع آخر أسبق عليه بكثير كما في حالة الانقلابات الرجعية، التي ~~تتميز أساسا بأنها «رجوع» إلى الوراء، وليست مجرد تضاد مع ما كان موجودا من قبل، ~~وكثيرا ما ms340 يكون المركب أكثر هزالا من أطرافه المتناقضة، كما هي الحال في الصيغ التي ~~استطاعت بها الأنظمة الرأسمالية أن تحتفظ ببقائها منذ أزمة الثلاثينيات حتى اليوم، ~~وكثيرا ما تخف حدة التناقض دون الوصول إلى مركب، كما يتضح من مقارنة العلاقة بين ~~الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال ربع القرن الأخير، والأمثلة كثيرة لا حصر لها، ~~ولكن أهم ما يستخلص منها هو أن روح الديالكتيك تتمثل في الشعور بالتعقد الشديد ~~للواقع، ولا تقدم إلينا صيغا ثابتة نرد إليها تطور هذا الواقع ونحشره في قوالبها ~~حشرا، ولو استطعنا أن نستخلص من الديالكتيك هذا الدرس البليغ، وعرفنا كيف نطبقه على ~~المواقف الجديدة التي لا يكف عصرنا الحاضر عن مواجهتنا بها، لكنا بذلك نحتفظ بما هو ~~حي بحق في تفكير هيجل . # | الجدل بين الوجودية والماركسية1 # في التفكير الفرنسي المعاصر يتمثل التقابل بين الوجودية والماركسية أوضح ما يكون، ~~بحيث إن المرء لا يكون مغاليا إذا شبه هذين التيارين العقليين بقطبين يتجاذبان عقول ~~المثقفين الذين يهدفون إلى اتخاذ موقف إيجابي - لا موقف المتفرج السلبي - من حوادث ~~العالم الراهنة؛ ففي فرنسا إذن نجد أفضل ميدان للصراع الفكري بين هذين المذهبين ~~الرئيسيين من مذاهب الفكر المعاصر، ومع ذلك فإن هذا الصراع قد أخذ يسفر - في الآونة ~~الأخيرة - عن نوع من التقارب والتقدير المشترك لوجهات النظر المتبادلة، ولعل من أوضح ~~مظاهر هذا التقدير المتبادل، تلك المناظرة التي دارت بين سارتر وجان إيبوليت # Jean Hypolite # وهما يمثلان الجانب الوجودي، وبين ~~روجيه جارودي # Roger Garaudy # وبعض الممثلين الآخرين ~~للتفكير الماركسي الفرنسي - في 7 ديسمبر عام 1961م - حول الموضوع الآتي: ~~«هل الديالكتيك قانون للتاريخ فحسب، أو هو أيضا قانون للطبيعة؟» وقد نشرت هذه ~~المناظرة في كتاب أصدرته دار «بلون» Plon # للنشر في عام ~~1962م، بعنوان «الماركسية والوجودية: جدال حول الديالكتيك»، ولعل أجمل ما في هذا الكتاب ~~- إلى جانب المستوى الرفيع للتفكير وطريقة معالجة الموضوعات - تلك الروح الموضوعية التي ~~تجلت بوضوح في المناقشة، والتي جعلت كلا من الطرفين - مع تمسكه بموقفه الأساسي - ~~يقدر نواحي القوة ms341 والضعف في آراء الآخر بنزاهة تامة. # وليس هذا البحث عرضا للجدال الذي دار بين الطرفين بقدر ما هو محاولة لتلخيص الحجج ~~العامة التي استند إليها كل منهما في تأكيده لرأيه، دون التزام لترتيب هذه الحجج أو ~~تسلسلها في المناقشة، وفضلا عن ذلك فإن البحث يتضمن تعليقا خاصا للكاتب ومحاولة ~~للوصول إلى رأي في المشكلة موضوع البحث، وهو رأي تمليه علينا الاعتبارات الموضوعية ~~وحدها. وعلى أية حال فالمشكلة أعقد وأعمق من أن يستوعب بحث كهذا جميع أطرافها، وللقارئ ~~المفكر في نهاية الأمر أن يكون لنفسه رأيا خاصا بعد اختبار وجهات النظر الممكنة في ~~الموضوع. # الموقف الوجودي # يبدو أن فكرة الديالكتيك قد توطدت دعائمها في مجال التاريخ الإنساني؛ فبفضل ~~النظرة الديالكتيكية إلى التاريخ أمكن تجاوز الفهم الآلي المحدود للتاريخ، الذي ~~تعبر عنه «نظرية أنف كليوباترا»، وإحلال فهم آخر «شامل» محله؛ ذلك لأن تطبيق مفهوم ~~الديالكتيك على التاريخ يعني إدراك «الصفة الكلية» لمجرى التاريخ البشري، والنظر ~~إلى كل حادث جزئي من خلال الكل الشامل الذي يجد الحادث معناه بوصفه جزءا منه، ~~وبعبارة أخرى فالفهم الديالكتيكي للتاريخ يعني توسيع أفق النظرة إلى الحوادث ~~الفردية بحيث تندرج تحت «كليات» أعم منها، وبحيث لا يعود لمعنى «الجزئية» أو ~~«الخصوصية» مجال في أحداث التاريخ؛ فالمقولة الأساسية في الديالكتيك التاريخي هي ~~مقولة «الكلية # Totalité ~~»، ولا بد أن تتحكم هذه ~~المقولة في كل تفكير بشري في التاريخ، ولم يكن تأكيد ماركس لأهمية «علاقات الإنتاج» ~~في تفسير التاريخ إلا تطبيقا لفكرة «الكلية» هذه؛ فعلاقات الإنتاج هي ذلك الكل ~~الذي ينبغي أن ترد إليه كل ظاهرة جزئية، حتى لو كانت «أنف كليوباترا»، وما كان ~~من الممكن أن يفهم الإنسان تاريخه على أنه يكون كلا شاملا لو لم يكن الإنسان ~~ذاته «كلا»، أعني شخصية عضوية متماسكة؛ فعلى صفة «الكلية» في كل فرد ترتكز كلية ~~الواقع الاقتصادي أو واقع الإنتاج آخر الأمر. ولما كان التاريخ ظاهرة بشرية قبل كل ~~شيء، أعني ظاهرة أسهم الإنسان نفسه في إحداثها وفي تطويرها، فمن الطبيعي في هذه ms342 ~~الحالة أن تقوم بين الذهن البشري وبين الواقع التاريخي علاقة ديالكتيكية تعبر عن ~~تغلغل الفكر في هذا الواقع وعما يقوم بينهما من علاقات متبادلة. # أما تطبيق فكرة الديالكتيك في مجال الطبيعة فأمره مختلف؛ ذلك لأن الرغبة في تحقيق ~~وحدة المعرفة - أعني تطبيق مبادئ واحدة على كل مظاهر المعرفة - تدفع الماركسيين إلى ~~القول بالمادية الديالكتيكية، لا المادية التاريخية فحسب؛ أعني إلى تطبيق ~~الديالكتيك على الطبيعة، لا على التاريخ وحده، ولكن هل يحق لنا في المرحلة الراهنة ~~من تطور العلم أن نتحدث عن ديالكتيك للطبيعة؟ وهل يعد تطبيق فكرة الديالكتيك ~~على الطبيعة كشفا حقيقيا، أم إنه مجرد تشبيه وإقحام لمبدأ نجح في تفسير الظواهر ~~في مجال معين، على جميع المجالات الأخرى دون تمييز؟ وهل يمكن القول إن الطبيعة ~~ذاتها - وكل ما فيها من عمليات - لها طابع ديالكتيكي ، وأن ديالكتيك التاريخ البشري ~~ما هو إلا تطبيق جزئي لمبدأ أعم يسري على الكون بأسره؟ # إن المقولة الرئيسية في الديالكتيك - كما قلنا من قبل - هي مقولة «الكلية»، فهل ~~تتألف الطبيعة من «كليات» حتى يمكن القول بانطباق الديالكتيك عليها؟ إن وجود هذه ~~الكليات يكاد يكون أمرا معترفا به في المجال البيولوجي، حيث تكون الكائنات ~~العضوية الفردية - وكذلك الحياة في تطورها - كليات واضحة، أما في المجال الفيزيائي ~~الكيميائي، فلا يمكن تطبيق هذه الفكرة إلا على سبيل التشبيه أو التمثيل؛ إذ إن فكرة ~~«الكل» - عندما تطلق على الحقائق الفيزيائية - تقال بمعنى مختلف عن معنى تلك ~~الكلية المتغيرة النامية التي يكشفها لنا التاريخ؛ فنحن في مجال الطبيعة لا نشارك ~~في أحداث الواقع ولا نكون جزءا منه - مثلما نكون بالنسبة إلى الوقائع التاريخية - ~~وإنما ندركها ونحكم عليها من الخارج فحسب، وهناك حد فاصل أو مسافة بيننا وبينها، ~~تحول دون اندماجنا فيها ودخولنا معها في علاقة ديالكتيكية باطنة. إننا عندما نتحدث ~~عن التاريخ فإنما نتحدث عن مجال نعيش فيه ونصنعه، أي نتحدث عن أنفسنا في واقع ~~الأمر، أما عندما نتحدث عن الطبيعة فنحن إنما نصف مجالا غريبا عنا لا نستطيع أن ms343 ~~نرتبط به إلا بعلاقة خارجية فحسب. # وإذن فلا يمكن الكلام عن صفة «الكلية» في الحوادث الطبيعية إلا على سبيل التمثيل، ~~أما الطبيعة في مجموعها فليست كلا بالمعنى المألوف؛ إذ إنها لا متناهية تفتقر إلى ~~الوحدة الجامعة، واللامتناهي لا يمكن أن يكون بطبيعته ديالكتيكيا. # ولننتقل إلى مبدأ أو «قانون» آخر من قوانين الديالكتيك، وهو التناقض أو التعارض ~~الداخلي، هذا القانون لو طبق على العمليات الطبيعية لكان له معنى مختلف تماما ~~عن معنى الصراع بين القوى التاريخية؛ ففي مجال التاريخ يقوم التعارض بين كل جماعة ~~والأخرى، ويكون وجود كل جماعة - في الوقت ذاته - مرتبطا بوجود الجماعة المتعارضة ~~معها، وتركيبها الباطن يفترض هذا التعارض مقدما، أما في مجال الطبيعة فإن هذا ~~التعارض بين القوى - إذا وجد - لا يكون جزءا من تركيب القوى المتعارضة، ~~ولا يمكن في هذا الصدد الكلام عن «سلب» إلا من وجهة نظرنا نحن. وإذن فمعنى التناقض ذاته ~~مختلف تماما في الحالتين، وهو لا يوجد في الطبيعة إلا بمعنى مجازي أو تشبيهي ~~فحسب. # وهكذا يمكن القول إن قوانين الديالكتيك بأسرها - وهي قانون «الكلية» ونفي النفي، ~~وتداخل الأضداد ووحدتها، والانتقال من الكم إلى الكيف - يختلف معناها اختلافا ~~أساسيا في مجال الطبيعة عنه في مجال التاريخ، وليس لنا أن نحكم مقدما بأن ~~الطبيعة تنطبق عليها مبادئ أو قوانين ديالكتيكية معينة، بل إن هذا متروك للعلماء ~~أنفسهم؛ فعلى قدر كشوف العلماء نستطيع أن نتحدث عن وجود هذه القوانين في الطبيعة أو ~~عدم وجودها، ومن الواضح أننا كلما بعدنا عن المجال البشري، كان تطبيق هذه المبادئ ~~أكثر تعسفا، وكان من المستحيل أن ننسب إليها نفس طابع اليقين الذي نستطيع أن نعزوه ~~للصيغ الديالكتيكية في ذلك المجال الذي شاركنا في صنعه إيجابيا، مجال التاريخ ~~البشري. وهكذا فإن القول بوجود ديالكتيك تاريخي في مجال كالجيولوجيا أو في علم ~~الفلك، لا يعدو أن يكون تشبيها بلاغيا فحسب، وليست محاولة فرض هذه القوانين ~~مقدما على الطبيعة إلا نوعا من اللاهوت الذي ظهرت فكرة ديالكتيك الطبيعة أصلا ~~لمحاربته؛ ذلك لأن ms344 تأكيد وحدة الكون، ووجود اتصال واستمرار بين مجال الطبيعة ومجال ~~الإنسان، على نحو لا يسمح بوجود الهوة المفاجئة التي تبرر فكرة «الخلق الإلهي»، هذا ~~التأكيد الذي كان يهدف أصلا إلى سد الطريق أمام كل تدخل لاهوتي؛ قد أدى إلى نتيجة ~~مشابهة لتلك التي أراد تجنبها؛ إذ إننا في هذه الحالة نستعيض عن الفاعلية الإلهية ~~بقانون كوني شامل تام الدقة، يخلق من المادة كل الصور التي يمكن أن نصادفها، وهذا - ~~بتعبير سارتر - «لاهوت جديد؛ إذ لا يمكن أن يعرف وجود قانون كهذا سوى إله، ولا ~~يمكن أن يكون قد خلقه سوى إله.» # الموقف الماركسي # ليس صحيحا - في رأي الماركسيين - أن فكرة ديالكتيك الطبيعة إنما هي تطبيق تال ~~لفكرة نجحت في المجال البشري على مجالات أخرى غريبة عنه، وإنما الصحيح أن فكرة وجود ~~ديالكتيك للطبيعة أسبق - في تاريخ الفكر البشري - من التعبير الواعي عنها في القرن ~~التاسع عشر بكثير؛ فمن الممكن القول إن بذورها قد ظهرت لدى الفلاسفة السابقين على ~~سقراط - ولا سيما هرقليطس - ثم تأكد ظهورها في كل تقدم أحرزه العلم منذ عصر النهضة، ~~فاتجاه العلم في العصر الحديث يؤكد لنا مجموعة من المبادئ الرئيسية التي تشترك فيها ~~العلوم جميعا، وهي: ~~(أ) # أن كل سكون أو قصور ذاتي # inertie # إنما هو ~~أمر نسبي، وأن كل شيء يتحرك ويتحول. ~~(ب) # وأن هذه الحركة ليست مجرد إعادة ترتيب لعناصر ثابتة، وإنما هي حركة تتضمن ~~ظهور الجديد؛ فهي ليست مجرد إضافة، وإنما تكشف عن تركيبات يكون الكل فيها مغايرا ~~لمجموع العناصر المكونة له وزائدا عنها. ~~(ج) # وهذا الظهور للجديد يتيح تحديد تاريخ الأشياء وعمرها، لا في حالة الكائنات ~~الحية فحسب، بل في حالة الجوامد أيضا؛ فللطبيعة كلها تاريخ. # وتظهر هذه المبادئ بوضوح تام في النظرية الداروينية، التي عدها ماركس تحليلا ~~ديالكتيكيا بالمعنى الصحيح لتطور الأنواع الحية؛ فعليها تنطبق بدقة مفاهيم ~~الديالكتيك الرئيسية؛ لأنها تؤكد وجود تاريخ للحياة، يتطور على أساس ديالكتيكي واضح ~~من خلال التناقض والصراع بين الأضداد، ويتحول فيه التغير الكمي إلى تغير ms345 كيفي، ولكن ~~تطبيق مبدأ التطور لم يقتصر على العلوم البيولوجية وحدها، بل إن الفكرة قد غزت ~~مجالات متعددة في العلوم المختلفة بالتدريج، وأصبح لها دورها في علوم الفلك ~~والكيمياء والفيزياء. # ويمكن القول إن كل تقدم علمي إنما يسير في اتجاه التخلي عن الأوصاف الكونية ~~للواقع في سبيل تأكيد تحليلاته الحركية، أعني في اتجاه المنطق الديالكتيكي بدلا من ~~المنطق الصوري، بل إن ما يبدو لنا ساكنا متجانسا على مستوى علمي معين - كالكتل ~~المادية الكبيرة مثلا - يتضح على مستوى علمي أعمق أنه مليء بالحركة والتعقيد ~~والتناقض؛ ففي كل تقدم جديد للعلم تأييد لعبارة هرقليطس العميقة، القائلة إن كل شيء ~~يتحرك ويتحول، وهي العبارة التي تكون الأساس الأول للديالكتيك، وربما كان إنكار ~~وجود ديالكتيك للطبيعة راجعا إلى الاعتقاد بأن للعالم عناصر أو مكونات نهائية - ~~كالجزئيات والذرات - وهو اعتقاد يكذبه العلم كلما اكتشف داخل هذه المكونات مزيدا ~~من التعقيدات والتناقضات. # وإذن فتقدم العلوم الطبيعية يدفعنا إلى التخلي عن المنطق التقليدي - في مستوى ~~معين - والالتجاء إلى نوع آخر من التفسير لا يخضع لذلك المنطق ولا لمبادئ الآلية ~~المرتبطة به، وما دمنا ننجح في تطبيق قوانين الديالكتيك على الطبيعة، فكيف كان ~~يتسنى ذلك لو لم تكن الطبيعة نفسها ذات طابع ديالكتيكي؟ إن التفكير الديالكتيكي لا ~~يمكنه السيطرة على موجود ما لم يكن ذلك الموجود ذاته ديالكتيكيا بطبيعته، وإذا ~~كنا نعترف بأن مجال التاريخ البشري يخضع للديالكتيك، وكذلك مجال علم الحياة؛ فمن ~~غير المعقول أن نتوقف في منتصف الطريق لنقول إن الديالكتيك لا ينطبق على تركيب ~~الذرة، أو أن النواة الذرية لا تؤلف كلا ينطوي في ذاته على سلب وتناقض؛ لذلك فإن ~~ديالكتيك الطبيعة ليس مجرد إسقاط لفكرة بشرية على المجال الطبيعي، وإنما هو الصورة ~~الأعم والأبسط لذلك المبدأ الذي يكون الديالكتيك التاريخي تطبيقا جزئيا له على ~~مجال شديد التعقيد، هو مجال العلاقات الإنسانية. # ولكن الاعتراف بقوانين ديالكتيكية خارج مجال التاريخ البشري لا يعني فرض مصير ~~محتوم على الإنسان، أو جعل التاريخ مجرد ملحق أو تذييل لمسار ms346 طبيعي أوسع منه وأشمل؛ ~~ذلك لأن الماركسية - مع حرصها على تحقيق وحدة المعرفة - تؤكد في الوقت ذاته أن لكل ~~مجال طابعا خاصا مميزا، بحيث يكون من المستحيل رد مستويات المعرفة بعضها إلى ~~البعض؛ فلكل من مجال الإنسان ومجال الطبيعة خصائصه المميزة التي لا تسمح برد الواحد ~~منهما إلى الآخر، على الرغم من سيادة الديالكتيك في كلا المجالين في آن ~~واحد. # والعلاقة الحقيقية بين مجالي الطبيعة والإنسان هي علاقة اتصال وانفصال في نفس ~~الوقت؛ فلو لم تكن هذه العلاقة إلا اتصالا فحسب، لكنا إزاء مادية آلية تفسر كل ~~ما يحدث في مجال الإنسان بحوادث طبيعية خالصة، ولو لم يكن يوجد إلا انفصال، لكنا ~~إزاء مذهب روحاني يؤكد استقلال ماهية الإنسان عن كل ما له صلة بالمادة أو الطبيعة. ~~أما الماركسية فتؤكد وجود الاتصال والانفصال بين المجالين في آن واحد؛ إذ إن ~~الإنسان يكون جزءا من الطبيعة، ومع ذلك فإن للتاريخ البشري قوانينه الخاصة التي لا ~~تسمح برد الإنسان إلى مجموع الظروف المحيطة بحياته فحسب. # ولا شك في أن النقد الوجودي يدفع كثيرا من الماركسيين إلى تعديل مواقفهم الأصلية ~~إلى حد ما، بحيث يسلمون - بناء على ما قاله سارتر - بأن الطبيعة لا تكون كلا ~~واحدا، وإنما تتضمن «كليات» متعددة فحسب، ومثل هذا يصدق على التاريخ بدوره؛ لأن ~~التاريخ ليس كلا واحدا متصلا، بل إن فيه «كليات» كثيرة، يكون كل مجتمع واحدا ~~منها، وقد يكون الواحد منها منفصلا عن الباقين، كذلك يسلمون بأن فكرة وجود مجموعة ~~تامة مقفلة محددة من قوانين الديالكتيك هي فكرة باطلة تؤدي إلى خلق نوع جديد من ~~اللاهوت، وكل ما يؤكدونه هو أن المنطق الأرسطي ومبادئ الميكانيكا ليست إلا حالات ~~خاصة داخل تفكير ديالكتيكي أعم وأوسع نطاقا، يترك فيه المجال مفتوحا لتقدم ~~العلم ولما تكشفه العلوم المختلفة من أوجه جديدة للطبيعة؛ فالقوانين الديالكتيكية ~~إذن تخضع للتغيير المستمر، والمصدر الوحيد الذي يستمد منه كل جديد في هذا المجال هو ~~العمل الاجتماعي والتجربة العلمية. # هل يوجد ديالكتيك للطبيعة؟ # اتضح لنا من ms347 المناقشة السابقة أن من الممكن أن تتفق آراء بعض الوجوديين - مثل ~~سارتر وإيبوليت - مع الماركسيين حول موضوع الديالكتيك البشري أو التاريخي، أما في ~~موضوع ديالكتيك الطبيعة - وهو الذي يسمى عادة بالمادة الديالكتيكية - فهناك اختلاف ~~أساسي بين الموقفين. # وفي اعتقادي أن أية مناقشة جدية لموضوع ديالكتيك الطبيعة ينبغي أن تبدأ بالسؤال ~~الآتي: أيهما أسبق، الواقع أم الفكر؟ من الواضح أن الإجابة الماركسية عن هذا السؤال تؤكد ~~أسبقية الواقع على التفكير، وهذا بدوره رأي قد لا يختلف عليه الوجوديون من أمثال ~~سارتر، ولكني أعتقد أن الالتزام الدقيق لمبدأ أسبقية الواقع على الفكر كفيل ~~بالتشكيك في فكرة ديالكتيك الطبيعة، أو على الأقل يجعلها فكرة عقيمة أو إطارا ~~فارغا غير مثمر، وسوف أحاول في هذا الجزء النقدي من المقال أن أثبت هذا ~~الرأي. # إن القول بأن الديالكتيك قانون للطبيعة، يعني أن فهمنا للطبيعة يصبح متوقفا على ~~قانون فلسفي، أي إن العلاقة بين الفكر والواقع قد انعكست، بحيث أصبح المبدأ الفكري ~~أساسا وشرطا لفهم الواقع، وهذا يستتبع تغييرا مناظرا في فهمنا للعلاقة بين ~~العلم والفلسفة؛ إذ إن المعرفة العلمية تصبح عندئذ متوقفة على المعرفة الفلسفية ~~ومعتمدة عليها، بحيث لا يتمكن العلم الطبيعي من السير في طريقه إلا بعد استيعابه ~~لمبدأ رئيسي في الفلسفة، ومعنى ذلك أن الفلسفة لا تعود لاحقة أو تالية للعلم، وإنما ~~تصبح متغلغلة في صميم العلم، تكون شرطا سابقا للعمل العلمي ذاته، وهكذا يبدو أن ~~هناك تعارضا أساسيا بين مبدأ أسبقية الواقع على العقل، وبين مبدأ «ديالكتيك ~~الطبيعة»، الذي يفترض مقدما وجود صيغة فلسفية تعد شرطا ضروريا لكل كشف علمي ~~لأوجه الواقع، وكلا المبدأين السابقين ماركسي كما هو معلوم، فهلا يحتم الاتساق ~~الفكري إذن التضحية بأحدهما في سبيل الآخر؟ # إن مبدأ أسبقية الواقع على الفكر يعني - في رأيي - شيئا أساسيا واحدا، هو أن ~~يقوم العالم ببحثه العلمي بذهن متفتح لا تتحكم فيه أية فكرة سابقة، ولا يستهدف ~~إثبات أي مبدأ بعينه مقدما، بل يدع الواقع نفسه - كما يتكشف له تدريجيا خلال ~~عمله ms348 العلمي - يحدد الصيغة الفكرية التي تنطبق عليه، وقد تكون هذه الصيغة ~~ديالكتيكية، ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تعمم، أو ينظر إليها على أنها هي ~~الصيغة التي سيؤدي إليها كل كشف علمي مقبل، أو هي التي تصلح منهجا يساعد العلم على ~~كشف أسرار الكون بنجاح، إلا إذا كنا على استعداد للتنازل عن مبدأ أسبقية الواقع على ~~الفكر. # فمن الواجب - في رأينا - أن يترك العالم احتمالات المستقبل مفتوحة على الدوام، ~~حتى لو كان البحث العلمي قد أيد صيغة معينة طوال المراحل السابقة لتطوره، وعلى ~~العالم دائما أن يسأل نفسه: لنفرض أن موقفا معينا قد ظهر في المستقبل يتعارض مع ~~الصيغة السائدة حتى اليوم، فهل أعيد تفسير الوقائع من أجل دعم هذه الصيغة، أم أتنازل ~~عن الصيغة احتراما للواقع؟ فإن كان هذا العالم ممن يؤمنون بأن الواقع هو الأصل ~~والأساس، فلا جدال في أنه سيكون على استعداد لطرح أية صيغة جانبا إذا اقتضى الواقع ~~ذلك، ولنتأمل مثالا أقل تجريدا كحالة عالم اتضح له أثناء بحثه لتطور الصخور مثلا ~~أن الظاهرة التي يبحثها لم تخضع لقانون أساسي في الديالكتيك هو قانون التناقض، أي ~~إن تكوين الصخر مثلا لم يعقبه تحلل وتفكك له، فهل يعيد تفسير الظاهرة لكي تتمشى مع ~~القانون الديكالكتيكي أم يمضي في أبحاثه غير ملق بالا إلى مبادئ الديالكتيك؟ من ~~الجلي أن الروح العلمية الصحيحة تقضي عليه بأن يترك مجال البحث مفتوحا لتلقائية ~~الطبيعة، ولما يمكن أن تأتي به من عناصر جديدة غير متوقعة، بدلا من أن يحدد طريقه ~~مقدما بصيغة معينة، ومن المؤكد أن كل عالم أصيل يؤمن بفكرة التفتح الذهني هذه ~~ويطبقها عمليا في أبحاثه، والدليل على ذلك عدم وجود اختلافات أساسية بين المبادئ ~~التي يسير عليها العلماء، على الرغم من اختلاف المعسكرات السياسية التي ينتمون ~~إليها. # على أن مثل هذه الخلافات كانت تحدث في وقت من الأوقات، وكان حدوثها عندئذ مظهرا ~~من مظاهر عدوان العقل الجامد على الواقع الحي؛ فقد كان عالم الأحياء السوفييتي ~~«ليسنكو» في أيام ستالين ms349 يشترط في أبحاث العلماء مقدما أن تكون مؤيدة للمادية ~~الديالكتيكية، ويندد بكل بحث يبدو مخالفا لها، وفي مقابل ذلك كان «مورجان» في ~~العالم الغربي يسعى مقدما إلى إثبات وجود مقاصد لاهوتية تتحكم في تطور الحياة، ~~ويهدف إلى إثبات إمكان تدخل قوى فوق الطبيعة في مجرى الحوادث الطبيعية، والموقفان ~~معا على خطأ؛ لأن الروح العلمية تحتم استقلال العلم عن كل فلسفة تفرض عليه ~~مقدما. # وإذن فالديالكتيك - بوصفه منهجا يستعين به الباحث العلمي - هو في واقع الأمر ~~عائق فكري يقف في وجه تلقائية الواقع، وحتى لو كانت قوانينه صحيحة، فإنها تبلغ من ~~العمومية حدا لا تعود معه مفيدة في شيء، إن قوانين الديالكتيك تمثل منطقا ~~جديدا أوسع وأرحب وأكثر مرونة من منطق أرسطو، ولكن هل تمت كشوف العلم الكلاسيكي ~~بفضل منطق أرسطو، أو هل كان لهذا المنطق أي فضل في أي كشف تم في العهد الذي كان ~~سائدا فيه؟ إذا أجبنا على هذا السؤال بالنفي، فمن الواجب أيضا أن ننفي قيمة أية ~~صيغة ديالكتيكية في توجيه دفة العلم الطبيعي في أي مجال؛ فالمنطق بكل صوره عاجز عن ~~أن يدفع العلم خطوة واحدة إلى الأمام، وليست الصيغة المرنة الموسعة للمنطق بأسعد ~~حظا - في هذا المجال - من أية صيغة جامدة سابقة، وسواء أكان المنطق قائما على ~~مبدأي الهوية وعدم التناقض، أم على مبدأي الكلية والجمع بين الأضداد فإن قوانينه ~~تظل على الدوام إطارات أو قوالب تبلغ من الاتساع والعمومية حدا يحول دون الإفادة ~~منها في أي موقف عيني محدود، وكل ما يمكن أن يقال عنها هو أنها تتيح وضع الكشف ~~العلمي في إطار معين أو في صيغة منظمة «بعد» أن يكون هذا الكشف قد تم فعلا، ~~والدليل الواضح على ما نقول هو نظرية داروين؛ فقد اتخذ ماركس من هذه النظرية مثالا ~~لكشف ديالكتيكي من الطراز الأول، ولكن أهم ما في الأمر هو أنها تمت دون الاستعانة ~~بأي نوع من الديالكتيك أو من المنطق، وحتى لو كان ذهن دارون ينطوي على فكرة فلسفية ~~عن قوانين ms350 الديالكتيك، فمن المشكوك فيه إلى أبعد حد أن تكون هذه الفكرة قادرة على ~~أن تجعله يخطو في بحثه خطوة واحدة تزيد عما كان يستطيع الوصول إليه بذهنه التلقائي ~~المتفتح لملاحظة الواقع، ومثل هذا يقال عن كل كشف علمي هام، وإن كان بعض العلماء ~~ميالين إلى ربط كشوفهم بصيغ فلسفية أوسع، «بعد» أن يكونوا قد أتموا هذه الكشوف بنفس ~~الطريقة المستقلة عن كل مبدأ منطقي أو ديالكتيكي مجرد. # إن كل محاولة للمبالغة في أهمية الصيغ المنطقية المجردة إنما تنطوي على إقلال من ~~أهمية الواقع الحي في نفس الوقت وبنفس المقدار، ولو تصورنا الديالكتيك على أنه يسري ~~على الطبيعة في جميع أوجهها، ويصلح منهجا يعيننا على كشف جوانبها المجهولة؛ لكان ~~معنى ذلك أننا نجعل من الديالكتيك كيانا يسير بقوة تلقائية، ويتبع قانونه الخاص، ~~ويتحكم في مجرى الأشياء دون أن يتحكم فيه هو ذاته شيء، وبين هذا التصور وبين ~~اللاهوت خيط رفيع، ومن هنا لم يكن من المستغرب أن يجد سارتر في أقوال بعض المؤمنين ~~بديالكتيك الطبيعة ما يذكره بنفس المبادئ اللاهوتية التي حاولوا القضاء عليها عن ~~طريق الديالكتيك، كذلك فإن في هذه القوة التلقائية للديالكتيك ما يذكرنا بهيجل، ~~أعني بذلك الفكر الذي وصف بأنه يفرض مقولاته على الواقع بصورة قاهرة، ويجعل من ~~تصورات العقل قوالب يرغم الطبيعة على التشكل بصورها. # على أن الواقع المتطور المتجدد أرحب وأغنى من أية صيغة نحاول أن نضفي عليها طابع ~~الشمول، وإذا كان هذا الحكم يصدق على مجال العلم فإنه يصدق أيضا على مجال المجتمع، ~~أعني أن واقع المجتمع يتجاوز كل المحاولات التي تهدف إلى فرض نظرية موحدة عليه، ~~ولنتأمل في هذا الصدد تلك الملاحظة العميقة التي وصف بها «إيبوليت» زيارة قام بها ~~للاتحاد السوفييتي في الآونة الأخيرة: «لقد أعجبت بعمق وحيوية شعب يستحق أن ~~يدرس في تراثه وإنجازاته الاقتصادية والاجتماعية، ولكن أملي خاب إلى حد ما في ~~الفلسفة التي تزعم أنها تعبر عن هذه التجربة، صحيح أن هذه الفلسفة آخذة في التفتح، ~~وأنني أفدت من الاتصال ms351 بالفلاسفة هناك، ومع ذلك فقد راعني التعارض بين الإطار ~~الديالكتيكي الجامد وبين التجربة الحية ذاتها؛ فقد كانت هناك هوة سحيقة بين التاريخ ~~الفعلي وبين النظرة الديالكتيكية الموحدة.» # وكل الدلائل تشير إلى وجود اتجاه متزايد القوة - في ذلك البلد الذي اتخذ من ~~الديالكتيك من قبل فلسفة رسمية - إلى عبور هذه الهوة بين واقعه الحي الزاخر وبين ~~القالب الفكري الذي يعبر به عن ذلك الواقع، وإذا كانت هذه النظرة التوحيدية الجامدة ~~- التي لا تقبل عن الصيغة الديالكتيكية الشاملة بديلا في جميع المجالات - قد ظهرت ~~في مرحلة كان للاعتبارات العملية فيها دور أساسي في تأكيد ضرورة التشبث بمبدأ موحد، ~~فإن تغير الظروف العملية في المرحلة الراهنة، وما ينتظر حدوثه في المستقبل من ~~تطورات أعظم أهمية، كفيل بأن يزيل المخاوف التي تشجع على الجمود؛ فقد يقبل الإنسان ~~مؤقتا أن يحصر ذهنه في إطار ضيق من أجل هدف عملي يعتقد أن له الأهمية الأولى، ولكن ~~تحقق هذا الهدف لا بد أن يؤدي آخر الأمر إلى تحرير الذهن من هذا الإطار، وخصوبة ~~التجربة ذاتها كفيلة بأن تطغى على النظرية وتفيض على جوانب الصيغة ~~الجامعة. # | من الذي صنع الأخلاق؟1 # المشكلة # صنعها الضعفاء ليحدوا بها من سيطرة الأقوياء. (نيتشه) # صنعها الأقوياء ليسيطروا بها على الضعفاء. (ماركس) # كيف يمكن أن يبلغ التضاد هذا الحد بين مفكرين عاشا في عصر واحد، وتحدثا عن ظاهرة ~~واحدة، واتخذ كل منهما إزاء هذه الظاهرة موقف التحليل والتشريح والنقد؟ هل يعقل أن ~~تكون الأخلاق من صنع الضعفاء ومن صنع الأقوياء في آن واحد، وأن تكون أداة للسيطرة وللحد ~~من السيطرة في نفس الوقت؟ أليست هناك هوة عميقة لا تعبر بين موقف كل من نيتشه وماركس ~~من الأخلاق؟ # أود أولا أن أصرح للقارئ بأن القضيتين اللتين بدأت بهما هذا المقال ليستا نصين ~~حرفيين مقتبسين من نيتشه وماركس، ولكنهما تعبران عن الروح التي تسود تفكيرهما في موضوع ~~الأخلاق، وتلخصان بإيجاز شديد موقفهما من هذا الموضوع، وأود ثانيا أن أدعو القارئ إلى ~~أن يمعن النظر في هاتين ms352 القضيتين، ويرى إن كان من الممكن إيجاد جسر موصل بين كل من ~~الطرفين؛ ذلك لأن الأفكار في الموضوع الواحد قد تتعارض فيما بينها، ولكن لا بد أن ~~تكون هناك جسور توصل بينها، ما دام هناك نوع من المنطق يحكم التفكير في كلتا الحالتين، ~~ومن يدري، فلعلنا نهتدي - من وراء هذا التناقض الحاد - إلى أوجه شبه أو نقاط التقاء بين ~~الموقفين، على أننا لن نستطيع أن ننكر لو اهتدينا إلى نقاط الالتقاء هذه أن ثمة ~~اختلافا أساسيا بين الموقفين، وعلينا أن نوضح طبيعة هذا الاختلاف ونبرز معالمه، ومع ~~ذلك فمن واجبنا ألا نتوقف عند هذا الحد، فأمامنا آخر الأمر مهمة أشق وأصعب، هي أن نعلل ~~هذا الاختلاف، ونبحث عن تلك الأرض المشتركة التي يقف كل من الرأيين السابقين في طرف ~~منها، ونحاول الإتيان بتفسير للظاهرة الفريدة التي كانت نقطة البدء في هذا المقال؛ ~~ظاهرة التعارض الأساسي بين مفكرين ناقدين لعصر واحد، حول موضوع أصل الأخلاق وغايتها، ~~وهكذا يسير هذا المقال بعد عرض المشكلة التي حفزت إلى كتابته في مرحلتين: الأولى محاولة ~~الاهتداء إلى نقاط الالتقاء بين نيتشه وماركس، والثانية تحديد مظاهر اختلافهما، ومحاولة ~~تعليل التعارض الحاد بينهما. # نقاط الالتقاء # أول ما يتكشف لنا من تحليل قضيتي نيتشه وماركس السابقتين، أنهما متفقان على أن ~~الأخلاق «مصنوعة»، وهذا وحده اتفاق لا يستهان به، وعن طريقه يتحدد موقفهما إزاء ~~تراث أخلاقي كامل، كان يتخذ من هذه المسألة موقفا مخالفا؛ فقد ظل الناس دهورا ~~طويلة يعتقدون أن الأخلاق ليست «مصنوعة» بل «مطبوعة»، ويؤكدون أن الأخلاق ليست من ~~صنع البشر، بل هي «موحى بها»، وكان الموقف الذي اتخذه نيتشه وماركس ثورة حاسمة على ~~هذين الاعتقادين. # إن الإنسان ميال بطبيعته إلى صبغ القيم التي يؤمن بها بصبغة أزلية، وتأكيد ~~انبثاقها عن «طبيعة» ثابتة، وقد عملت طرق التفكير العقلية النظرية - منذ عهد سقراط ~~- على دعم هذا الاتجاه، حتى أصبح من العلامات المميزة للتفكير الفلسفي في الأخلاق ~~أن يضع تقابلا ما بين قواعد السلوك المؤقتة التي تصدر عن هوى ms353 عارض أو مصلحة ذاتية، ~~وبين مجموعة من المبادئ التي تتصف بالأزلية والثبات؛ لأنها تنتمي إلى «ماهية» ~~الإنسان، وتنبثق من «طبيعته»، وتتفق مع ما يقضي به «عقله الخالص»، وكان لا بد من ~~ثورة عقلية شاملة لكي ينتزع الإنسان من عقله وهم الطبيعة الثابتة التي لا تتغير ~~في كل الأزمان، والقيم الأزلية التي تعيش بها البشرية في كل مكان، ومن المؤكد أن ~~نيتشه وماركس كانا من أقوى دعائم هذه الثورة، كل من جانبه الخاص. # وإذا كان العقل النظري قد عمل على دعم الرأي القائل بوجود مجموعة من المبادئ ~~الأخلاقية الثابتة التي تمتد جذورها إلى طبيعة «الإنسان» بمعناها العام المجرد، فإن ~~الإيمان قد أدى من جانبه إلى ظهور رأي له مصدر مختلف، ولكنه يسفر عن نتيجة ~~مماثلة إلى حد بعيد، هي أن مبادئ الأخلاق آتية من وحي إلهي، أي من مصدر يعلو على ~~البشر، ومن ثم فإن أوامرها لا تناقش، وليست مما يجوز للإنسان - بعقله المحدود - ~~أن يجادل فيه، وحتى لو بدا تعارض ظاهري بين الأمر الأخلاقي الإلهي وبين مصالح ~~الإنسان، فعلى الإنسان أن يظل ممتثلا لهذا الأمر الذي صدر عن حكمة إلهية تفوق ~~إدراكه. وأقول إن هذا الرأي يؤدي إلى نتيجة مماثلة للرأي السابق؛ لأنه بدوره يجعل ~~الأخلاق الأزلية لا تتبدل، ويرتفع بقيمها فوق مستوى التحول والتطور والتباين ~~والتعدد، وكان لا بد من جرأة ثورية هائلة لكي ينكر نيتشه وماركس الأصل الإلهي ~~للقيم الأخلاقية، ويؤكدان أنها ظاهرة «إنسانية، وإنسانية أكثر مما ينبغي»، تنتمي ~~إلى عالم التغير والصيرورة، لا إلى مجال إلهي يعلو على الطبيعة. # ويؤدي تأكيد الطابع الإنساني للأخلاق إلى نتيجة مباشرة، هي أنه ليس ثمة «أخلاق» ~~واحدة، بل هناك كثرة من النظم الأخلاقية، أما الأخلاق التي كانت تعد أزلية ~~لأنها مرتبطة بطبيعة إنسانية ثابتة، أو بوحي يعلو على تقلبات أحوال البشر، فليست في ~~حقيقتها إلا أخلاق المجتمع أو الحضارة التي يعيش فيها المرء، والتي يميل دائما إلى ~~تعميمها بحيث يتصورها صالحة لكل زمان ومكان، والواقع أن كلا من نيتشه وماركس قد ms354 ~~جعل للأخلاق نوعا من الإيقاع الثنائي تتطور بمقتضاه؛ فنيتشه لم يقل إن أخلاق ~~الضعفاء هي وحدها السائدة، وإنما أكد وجود نوع من التناوب الدوري بين «أخلاق ~~السادة» و«أخلاق العبيد»، بحيث تسود هذه تارة وتلك تارة أخرى، بل لقد حدد نوعا من ~~التاريخ الدوري للأخلاق، ذهب فيه إلى أن العصر الكلاسيكي القديم كانت تسوده أخلاق ~~السادة، والعصور الوسطى اليهودية والمسيحية تسودها أخلاق العبيد، ويستمر التناوب ~~بينهما إلى أن نصل إلى أخلاق السادة في عصر نابليون، ثم إلى أخلاق العبيد في عصر ~~«الديمقراطية» المعاصر لنيتشه، ولكنه مع ذلك أكد أن الطابع الغالب على الأخلاق ~~الأوروبية - منذ العصر المسيحي - كان طابع أخلاق العبيد، وأن أخلاق السادة كانت ~~تظهر في فترات قصيرة وسرعان ما يطغى عليها التيار الرئيسي، تيار الضعفاء الذين ~~يفرضون قيمهم الخائرة على الأقوياء ليحدوا من سطوتهم ويأمنوا جانبهم ويقضوا على ~~امتيازهم. ونستطيع أن نلمح إيقاعا ثنائيا مماثلا في الحركة الديالكتيكية التي ~~تضمنتها فلسفة التاريخ (وفلسفة القيم) عند ماركس، وكل ما في الأمر أن التقابل في ~~هذه الحالة بين طبقة مستغلة وطبقة مضطهدة، منذ عصر الرق اليوناني إلى عصر الإقطاع، ~~ثم الرأسمالية المعاصرة، وبعبارة أخرى فلما كانت علاقات الإنتاج هي الأساس الأول ~~لكل ما يسود المجتمع من القيم، وكانت هذه العلاقات بطبيعتها متغيرة وصاعدة من مرحلة ~~إلى أخرى، فمن الطبيعي أن يسري هذا التغير والتطور على النظم الأخلاقية ~~بدورها. # ومن الواجب أن نلاحظ أن الاهتداء إلى هذا الإيقاع الثنائي كان في حالتي نيتشه ~~وماركس معا نتيجة بحث تجريبي لا تأمل نظري؛ فنيتشه يستهل عرضه لفكرة ثنائية أخلاق ~~السادة وأخلاق العبيد، في كتابه «بمعزل عن الخير والشر» بفقرة مشهورة يقول فيها: ~~«خلال جولاتي بين العديد من النظم الأخلاقية - العميقة منها والسطحية - التي سادت ~~الأرض من قبل، أو ما تزال سائدة فيها، لاحظت سمات معينة تتردد سويا بانتظام ~~ويرتبط بعضها ببعض، حتى توصلت آخر الأمر إلى نوعين رئيسيين يفرق بينهما اختلاف ~~أساسي؛ فهناك أخلاق للسادة وأخلاق للعبيد.» وتدل هذه الفقرة على أن نيتشه قد ms355 اتبع ~~نوعا من المنهج الاستقرائي في كشفه لهذا الإيقاع الثنائي لتطور الأخلاق؛ إذ إنه ~~استعرض العديد من النظم في كل بقاع الأرض، وانتهى من استعراضه هذا إلى السمات ~~العامة للنوعين الرئيسيين، ولسنا بحاجة إلى القول بأن ماركس قد اتبع منهجا مماثلا ~~لهذا؛ إذ إن صفة «المادية» التي كان حريصا على أن ينسبها إلى نظرياته إنما تدل على ~~انبثاق هذه النظريات من عالم التجربة الفعلية، لا من عالم التأمل المجرد، ولم يكن ~~التطور الأخلاقي الذي أشرنا إليه من قبل عنده سوى تعبير عن تطور القيم المصاحب ~~لتحولات فعلية في علاقات الإنتاج. والحق أن نيتشه وماركس كانا معا ابنين بارين ~~للقرن التاسع عشر، الذي أسماه البعض عن حق «قرن التاريخ»؛ لأنه هو القرن الذي اتضحت ~~فيه فكرة التاريخ للأذهان بأجلى صورة ممكنة، وأصبحت فيه الظواهر ترد على الدوام ~~إلى أصولها التاريخية، ونزعت هالة القداسة عن كل ما كان يعد ثابتا لا ~~يتغير، ابتداء من الأنواع الحية حتى القيم المجردة. # فهناك إذن تحول أساسي في طريقة النظر إلى موضوع الأخلاق، هو الذي أفضى إلى ~~النسبية التاريخية التي اشترك فيها نيتشه وماركس معا. هذا التحول يتمثل في التخلي ~~التام عن التفكير في «نظرية» الأخلاق، وتركيز الاهتمام على «واقع» الأخلاق؛ فلم يكن ~~نيتشه من أولئك الفلاسفة الباحثين عن «أساس» عقلي للخير الأخلاقي؛ لأن نسبية ~~الأخلاق تحول دون أي بحث كهذا، ونستطيع أن نطبق على موقف نيتشه من الأخلاق كلمة ~~قالها في مجال آخر، هو مجال تفنيد فكرة الألوهية، وأعني بها عبارته المشهورة: «من ~~قبل كان المرء يسعى إلى أن يبرهن على أنه ليس ثمة إله، أما اليوم فإن المرء يبين ~~كيف أمكن أن «ينشأ» الاعتقاد بوجود إله.» هذه الكلمة لا تنطبق على فكرة الألوهية ~~وحدها، بل تنطبق على كل ما له في نفوس الناس منزلة الألوهية والقداسة كالقيم ~~الأخلاقية؛ فمن قبل كان الناس يبحثون عن تفنيد (أو تأييد) عقلي للقيم الأخلاقية، ~~أما الآن فيكفي أن نبين أن لهذه القيم أصلا تاريخيا، فيكون في ذلك أقوى ms356 تفنيد ~~للاعتقاد بوحدتها وثباتها، دون حاجة إلى إضاعة الجهد في بحث عقلي تجريدي عقيم. ~~وبالمثل كان تفكير ماركس الأخلاقي عمليا في أساسه، ولم يكن للنظريات فيه من دور ~~سوى أن تساعد آخر الأمر على تحقيق النشاط العملي، وتصب في نهر الواقع، وبمثل هذه ~~الروح كان من المستحيل أن تكون للنظرية الأخلاقية أهمية حاسمة في تفكيره، ومجمل ~~القول أننا نجد ها هنا نقطة التقاء أخرى تجمع بين هذين المفكرين اللذين يبدو رأيهما ~~في الأخلاق - لأول وهلة - متنافرا إلى حد التناقض؛ فكل منهما يتجاهل الأخلاق ~~المنتزعة من إطارها الواقعي الأوسع، والتي تبحث في مبادئ مجردة، وتنفصل عن الإنسان ~~في واقعه العيني، وكل منهما لا يعرف من الأخلاق إلا وجهها العملي، أو الذي يمكن أن ~~يندمج آخر الأمر في المجال العملي. # بل إننا نستطيع أن نمضي في التحليل أبعد من ذلك، فنقول إن الأخلاق عند كل من هذين ~~المفكرين ليست ظاهرة أصيلة مكتفية بذاتها، وإنما هي «بناء علوي # Superstructure ~~» يرتكز على أساس آخر أعمق منه، ~~وهذه الصفة واضحة كل الوضوح في تفكير ماركس؛ إذ إن العوامل التي ترتد إلى أصل ~~اقتصادي - وأهمها علاقات الإنتاج - هي التي تتحكم في كل ما يعلوها من التركيبات ~~الذهنية والمعنوية وضمنها الأخلاق، وقد لا تبدو هذه الصفة في الأخلاق واضحة لأول ~~وهلة عند نيتشه، ولكنها تتمثل لديه بالفعل، وإن كان الأساس الذي يرتكز عليه البناء ~~العلوي عنده أساسا حيويا ونفسيا، وليس أساسا اقتصاديا؛ فكل أخلاق في نظر ~~نيتشه مظهر من مظاهر «إرادة القوة» التي هي الدافع الأصلي والمحرك الأول لكل فعل ~~إنساني، إننا نبحث عن الخير، وندعو إلى الفضيلة والعدالة والشفقة، لا لأننا كائنات ~~أخلاقية، بل لأننا نجد في هذه المعاني ما يساعد على اكتسابنا مزيدا من القوة، وحتى ~~عندما تتجه دعوتنا إلى المسالمة والتنازل عن القوة، يكون هذا مظهرا تستتر وراءه ~~«إرادة القوة» بخفاء ودهاء؛ فالأخلاق إذن ليست مقصودة لذاتها، والقوة المحركة لها ~~ليست مستمدة من مجالها الخاص، بل هي القوة التي تحرك كل نشاط إنساني، أعني ms357 «إرادة ~~القوة» التي يرتكز عليها كل بناء علوي في مجال القيم. # وقد يعتقد المرء أن دور الأخلاق يغدو ثانويا حين تصبح «بناء علويا» على هذا ~~النحو، ولكن الواقع أن للقيم الأخلاقية دورا أساسيا عند كل مفكر ثائر على عصره، ~~وهذا يصدق على نيتشه وماركس بنفس المقدار؛ فبقدر ما كان نيتشه قاسيا في نقد الروح ~~الأخلاقية لعصره - بل في نقد الروح الأخلاقية بوجه عام - كان الدافع الذي أدى به ~~إلى هذا النقد أخلاقيا في صميمه، إنه يحمل على قيم العصر ويشمئز منها ويصفها ~~بالانحلال، ويدين كل مجتمع سابق، بل يعتقد بأن فكرة «الأخلاقية» ذاتها ينبغي أن ~~تدان؛ لأن كل أخلاقية إنما هي تكبيل لقوى الإنسان الخلاقة، ومحاولة لحصر روحه ~~المتوثبة في إطار من النظم التي تسري على المجموع، ولا تترك للفرد منطلقا، ولكن من ~~وراء هذا النقد المرير للأخلاق - سواء أكانت أخلاق العصر أم الأخلاقية بوجه عام - ~~دوافع أخلاقية لا شك فيها؛ ففي كلتا الحالتين يستهدف المفكر نوعا أفضل من الإنسان ~~يؤمن بأنه سيظهر في المستقبل، وما دام الهدف إنسانا «أفضل»، فإن الأخلاقية تكون هي ~~القوة الدافعة إلى هذا النقد، وإلى هذا الإيمان بالمستقبل. # فهل نستطيع أن نقول مثل هذا عن ماركس؟ أيمكن أن يوصف تفكيره بأنه أخلاقي في ~~أساسه؟ إن أول إجابة تتبادر إلى الذهن هي أن فلسفة ماركس تتعلق أساسا بالموضوعات ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأنها بهذا الوصف واهية الصلة بالأخلاق، وبالفعل ~~فإن الكتاب الذين بحثوا عن آراء أخلاقية في كتابات ماركس، لم يستطيعوا أن ~~يستخلصوا إلا عبارات بسيطة متناثرة، لا تكفي على الإطلاق لإعطاء القارئ أية فكرة عن ~~اتجاه محدد المعالم في الأخلاق، ومع ذلك فإذا لم تكن الأخلاق عنده واضحة في صورتها ~~الصريحة المباشرة، فإنها ماثلة في كل كتاباته بصورة هي حقا ضمنية، ولكنها تمثل ~~قوة دافعة رئيسية له، فإدانته للرأسمالية تحمل طابعا أخلاقيا لا تخطئه العين، ~~والعبارات التي استخدمها في حملته عليها تظهر فيها الروح الأخلاقية واضحة؛ إذ هو ~~ينعى عليها ما فيها من ظلم واستغلال واضطهاد ms358 وقضاء على إنسانية الإنسان. وبهذا ~~المعنى يمكن القول إن هدفه النهائي من دعوته الاشتراكية إنما هو إعادة الأمور إلى ~~نصابها أخلاقيا ومعنويا قبل كل شيء، وهنا تتمثل لنا مفارقة غريبة؛ إذ إن هذه ~~الأخلاق - التي هي في عصرنا الحاضر وفي العصور السابقة - مجرد بناء علوي يرتكز على ~~أساس أصلي من العلاقات الاقتصادية، ستصبح هي ذاتها الغاية القصوى من الثورة ~~الاجتماعية التي كان يحلم بها ماركس؛ فبعد أن تتحقق هذه الثورة، وتختفي كل صور ~~استغلال الإنسان للإنسان، سيكون الهدف النهائي للإنتاج الاقتصادي وللمخترعات ~~العلمية والتكنولوجية هو تحقيق أفضل تنظيم ممكن للعمل الإنساني، ولوقت الفراغ ~~الإنساني أيضا، على النحو الذي يضمن تنمية المواهب الخلاقة للإنسان إلى أقصى حد ... ~~أي إن القيم الأخلاقية والمعنوية التي كانت «بناء علويا» في مرحلة الصراع ~~والكفاح ستصبح «غاية قصوى» في مرحلة الانتصار. # وما دمنا قد تحدثنا عن آمال هذين المفكرين في المستقبل، فإن هذا الحديث يقودنا ~~إلى سمة أخرى مشتركة بينهما، هي أن هذا المستقبل الذي يعلقان عليه آمالهما ليس ~~«عالما آخر» مغايرا لهذا العالم الذي نعيش فيه، بل إن على الإنسان أن يحقق في ~~عالمه هذا كل ما يسعى إلى تحقيقه؛ فليس ثمة ازدواج بين عالمين، وليست هناك حملة على هذه الحياة ودعوة إلى التعلق بحياة أخرى تعوض الإنسان عما فاته في ~~هذه الدنيا، بل إن من أقوى أسباب نقد نيتشه وماركس معا للأخلاق الشائعة، أنها ~~تنطوي على بذور «أخروية»، ولا تدفع الإنسان إلى التعلق بحياته هذه والوقوف منها ~~موقفا إيجابيا. # ولا جدال في أن انتشار هذه الأخلاق «الأخروية» - التي تصرف جهود الإنسان عن نفسه ~~وعن العالم الذي يعيش فيه - يرجع إلى تأثير المسيحية التي اشترك نيتشه وماركس معا ~~في مهاجمتها بكل ما أوتيا من قوة وإن اختلفت الأسباب؛ فالأول يهاجم القيم المستمدة ~~من المسيحية؛ لأنها تكبت كل الدوافع الحية في نفس الفرد، وتدعو إلى إنكار الحياة بل ~~إماتتها، والثاني يهاجمها لأنها تتستر على الظلم الاجتماعي، بل تنادي - بصورة غير ~~مباشرة - بأن الوضع القائم في العلاقات ms359 بين البشر - بما فيه من تفاوت طبقي ومظالم ~~اجتماعية - هو قانون إلهي أو مشيئة عليا لا يستطيع أحد أن يعترض عليها. # بل إننا لو تجاوزنا نطاق هذا التشابه الواضح في حملة هذين المفكرين على المسيحية؛ ~~لأمكننا أن نهتدي إلى تشابه أعمق منه بين موقف نيتشه من المسيحية من جهة، وموقف ~~ماركس من الرأسمالية من جهة أخرى؛ فليس خافيا أن نيتشه جعل من المسيحية خصمه ~~الأول، وكرس للصراع معها الجانب الأكبر من كتاباته، وفي مقابل ذلك لم تكن ~~المسيحية هي الخصم الرئيسي لماركس، بل إن الاستغلال الطبقي - الذي يعني الرأسمالية ~~في عصرنا الحاضر - هو العدو الذي اتجهت كتابات ماركس كلها إلى محاربته، ولكن أليس ~~في وسعنا أن نلمح توازيا بين هاتين الحملتين؟ إن نيتشه يهاجم المسيحية بقسوة وعنف، ~~لا من أجل عداء باطن يحمله لها، بل لأنها تقتلع الإنسان من جذوره، وتجعله يخلق ~~أصناما ثم يعبدها، إن الإنسان في رأي نيتشه يستخلص أرفع ما فيه من قوى ومن معان ~~روحية ومن آمال وغايات ويضفي عليه طابعا مشخصا ويضعه خارجا عنه، وأعلى منه، بعيدا ~~في السماء، ثم يخر له ساجدا. ولكن أليس هذا بعينه ما تفعله الرأسمالية في نظر ~~ماركس؟ إنها تخضع الإنسان لتلك القوة الغاشمة اللاإنسانية التي تقهره وتستذله؛ ~~قوة رأس المال. أليس رأس المال هذا إلها اصطنعه الإنسان ثم عبده؟ إن رأس المال ~~المتراكم - آخر الأمر - ما هو إلا حصيلة جهد العامل، وفائض قيمة عمله؛ فهو بدوره ~~مستخلص من داخل الإنسان العامل ومن كده وعرقه، ولكنه في النظام الرأسمالي يصبح ~~موضوعا خارجيا، يظل يرتفع ويعلو على الأصل الذي جاء منه، حتى يغدو آخر الأمر قوة ~~غاشمة تسلب العامل (الذي خلقه) إنسانيته، وتجعل من عمله سلعة تباع وتشترى، بل ~~تجعله هو ذاته «شيئا» لا إنسانا، إن رأس المال بدوره إله استخلصه الإنسان من دخله ~~ثم رفعه بعيدا في السماء، وخر أمامه ساجدا. # أما الهدف من «إعادة تقويم القيم» فهو - في كلتا الحالتين - «تحطيم الأصنام» ~~وإعادة الإنسان إلى جذوره التي اقتلع منها، ms360 واسترداد ما سلب منه واغترب عنه ~~حتى طغى عليه، إن كلا منهما يعلن - في كل ما كتب - أن شمس الآلهة المصطنعة في ~~أفول، وأن مملكة الإنسان لا بد أن تعود. # مظاهر التناقض وطريقة تجاوزه # لقد بدأت مقالي بقضيتين متناقضتين لمفكرين متعاصرين حول موضوع واحد، ولكن التحليل ~~الذي ينفذ إلى ما وراء التناقض الظاهر كشف لنا - رويدا رويدا - عن عدد كبير من ~~نقاط الالتقاء بين هذين المفكرين، حتى ليحسب القارئ - بعد الصفحات السابقة - أن ~~نيتشه وماركس متفقان - في موضوع الأخلاق - على كل شيء، ولكني لا أود أن أترك لدى ~~القارئ أي انطباع كهذا؛ فالتضاد بين موقف هذين المفكرين قائم، وكل ما في الأمر أن ~~من ورائه نقاط التقاء هامة يستطيع التحليل الذي ينفذ إلى ما وراء ظاهر أقوالهما أن ~~يتوصل إليها، ومع ذلك فإن نقاط الالتقاء هذه لا تنفي التعارض الأساسي بينهما، ~~وبالتالي فإنها - حتى لو استطاعت أن تخفف من حدة التناقض الذي نبهنا إليه في مستهل ~~هذا المقال - لا يمكنها أن تقدم حلا للإشكال الأساسي، وهو: كيف وصل مفكران يعيشان ~~في عصر واحد وتدفعهما روح نقدية واحدة، إلى مثل هذين الرأيين المتعارضين بصدد موضوع ~~واحد؟ # أما أن الاختلاف بين نيتشه وماركس يظل - على الرغم من نقاط الالتقاء السابقة - ~~اختلافا أساسيا، فهذا ما يتضح من أن كل ما اتفق فيه المفكران لا يمس موقفهما ~~الأساسي، وهو أن الأخلاق - عند أحدهما - من صنع الضعفاء للحد من سيطرة الأقوياء، ~~وعند الآخر من صنع الأقوياء للسيطرة على الضعفاء. # ولعل أول خطوة ينبغي أن نخطوها في هذا الصدد هي أن نتساءل: من هم الأقوياء ~~والضعفاء في كلتا الحالتين؟ إن الأقوياء عند نيتشه هم «الممتازون بطبيعتهم»، أما ~~عند ماركس فهم الطبقة المسيطرة اقتصاديا وبالتالي سياسيا، وهذا اختلاف أساسي، ~~اختلاف «الطبيعة» عن «العرف»، إن جاز أن نستخدم هذا التقابل المشهور لدى فلاسفة ~~اليونان؛ فالأقوياء عند نيتشه هم أصحاب الامتياز الكامن، الذين تؤهلهم طبيعتهم لأن ~~يسيطروا، أما عند ماركس فامتيازهم يرجع إلى وضع اجتماعي معين، لا إلى أية ms361 صفات ~~كامنة فيهم، وفي مقابل ذلك فإن الضعفاء عند ماركس هم المضطهدون الذين كان يمكن أن ~~يصبحوا أفرادا ممتازين لو أتيحت لهم الفرصة، وكل ما في الأمر أن ظروفا خارجة عن ~~إرادتهم وضعتهم في مركز الضعف، ولكن الأمل في خلاص البشرية كلها منعقد على ثورتهم، ~~أما عند نيتشه فإن الضعفاء «وضيعون» بطبيعتهم، وضعفهم ذاته يولد فيهم شرا كامنا، ~~وربما كان هو ذاته متولدا عن الشر الكامن فيهم. # وعلى أساس هذا الإيضاح نستطيع أن نضع مشكلتنا الأصلية بصورة أكثر تحددا، فنقول ~~إن الضعفاء - في رأي نيتشه - يخشون سطوة الأقوياء الذين هم بطبيعتهم ممتازون، ~~ويبغضون كل ما هو رفيع وكل ما يبرز فوق المستوى العادي «للمجموع»، فيصطنعون نظاما ~~من الأخلاق يكفل الحد من هذه السيطرة، والقضاء على كل امتياز طبيعي؛ نظاما يدعو ~~إلى «العطف» و«المشاركة» و«الرحمة » وغيرها من القيم التي لا تهدف - آخر الأمر - إلا ~~إلى حماية الضعفاء من الأقوياء بانتزاع مخالبهم، إنهم ينشرون قيم «الكثرة» ~~و«المجموع»؛ لأنهم يخشون «الفردية» التي تكشف ضعفهم، وتجعلهم يبدون أقزاما. أما ~~ماركس فيرى - على العكس من ذلك - أن الأقوياء المسيطرين هم الذين يعملون على نشر ~~أخلاق الاستكانة والرضا والزهد لكي يضمنوا سكوت المضطهدين ورضاءهم بالظلم الواقع ~~عليهم. إنهم يحتمون وراء هذه الأخلاق ويستترون خلفها؛ لأنها تدفع عنهم نقمة ~~المظلومين، وتسلبهم روح الثورة، فهل تقدمنا بعد هذه الخطوة كثيرا إلى الأمام؟ إن ~~التضاد أصبح أكثر وضوحا بلا شك، ولكن حدته لم تخف على الإطلاق، فما زلنا نعجب كيف ~~جعل أحد المفكرين من الأخلاق وسيلة للحد من ثورة الأقوياء، وجعلها الآخر وسيلة للحد ~~من ثورة الضعفاء، وما زال الموقف في عمومه وفي تفصيلاته محيرا كما كان منذ ~~البداية. # فلقد قلنا من قبل إن نيتشه وماركس متفقان في موقفهما إزاء المسيحية، ولكن هل هما ~~متفقان إلى الحد الذي بدا لنا للوهلة الأولى؟ إن المسيحية عند نيتشه تقيم نوعا من ~~المساواة المصطنعة بين الناس «فالكل إزاء الله سواء»، وهي على هذا النحو تكبل ~~الامتياز الطبيعي وتقضي على القيم الأرستقراطية، التي ms362 تقوم على الشعور بالترفع عن ~~العامة والوقوف بمبعدة عنهم. وعلى العكس من ذلك يتهمها ماركس بأنها تتستر على ~~الفوارق الطبقية واللامساواة الاجتماعية، وتدافع عن التفاوت بين الناس، بل إنها حين ~~تجعل هذا التفاوت أمرا مقدرا بقوة إلهية، تعمل في واقع الأمر على تثبيته وجعله ~~منتميا إلى «طبيعة الأشياء»، وليس هناك تضاد أقوى مما يعبر عنه هذان الموقفان، ~~ويترتب على ذلك أن القيم الواحدة تتخذ في كلا الموقفين دلالة مختلفة كل الاختلاف؛ ~~فالزهد واحتقار الجسد والعالم الأرضي هي عند نيتشه أخص صفات أخلاق الضعفاء، وهي ~~وسيلتهم إلى إثبات وجودهم إزاء تفوق الأقوياء، أما عند ماركس فهي سمة أساسية لأخلاق ~~الأقوياء والحاكمين يفرضونها على المحكومين ليضمنوا خضوعهم وسكوتهم، وفكرة الازدواج ~~بين عالمين - عالم فان وعالم أزلي - هي في رأي نيتشه سمة مميزة لأخلاق العبيد، ~~بينما هي عند ماركس أداة هامة من الأدوات التي يسيطر بها أصحاب السلطان على ~~المعدمين والمحرومين. # إنه إذن تضاد كامل في النظر إلى نفس القيم، ولا بد لهذا التضاد من تفسير، ولا ~~جدال في أن هناك تفسيرا ألح على ذهن القارئ - طوال العرض السابق - هو أن هذا ~~التضاد تعبير عن تعارض أساسي بين فلسفتين: إحداهما أرستقراطية والأخرى ديمقراطية ~~بطبيعتها؛ فنيتشه من حيث هو مفكر يتجه بطبيعته إلى تأكيد الفوارق بين الأذهان، ~~ويعجب بكل ما هو فخور مترفع متكبر يتعالى على «المجموع»، ويعيش في القرن التاسع عشر ~~بروح مفكر أرستقراطي ينتمي إلى العصر التراجيدي اليوناني، كان لا بد أن يحمل بكل ~~قواه على نفس القيم التي أعلاها ورفع من قدرها مفكر مثل ماركس، تتجه دعوته قبل كل ~~شيء لصالح الجماعات لا الأفراد، ويرى أن رسالة الفكر هي تغيير المجتمع البشري من ~~«الطبقية» إلى «اللاطبقية»، ويؤمن بأن الأمل في تحقيق هذه الرسالة معقود على نفس ~~الطبقات المضطهدة ذات المصلحة في هذا التغيير. # ولكن هل يكفي هذا التفسير، الذي يرجع التضاد بين آراء هذين المفكرين في ~~الأخلاق إلى التعارض الأساسي في مزاجهما وفي اتجاههما الفلسفي العام؟ هل ينبغي أن ~~نطمئن تماما ms363 إلى هذه النتيجة، ونحكم بأن نيتشه وماركس قد وصلا إلى رأيين متنافرين ~~في مصدر القيم الأخلاقية وفي الغاية التي تستهدفها هذه القيم؛ لأن نظرة كل منهما ~~إلى العالم كانت مختلفة، وموقف كل منهما إزاء مشكلات العصر كان متباينا؟ في ~~اعتقادي أننا قد نستطيع أن نحل بهذا التفسير جزءا من المشكلة، ولكن الجزء الأكبر ~~منها يظل مع ذلك قائما دون حل؛ ذلك لأن نيتشه وماركس لم يكونا يعبران فقط عما ~~يفضلانه، وعما يودان أن تكون عليه الأمور، بل كانا يصفان أيضا ما هو واقع بالفعل؛ ~~ففي كل ما عرضناه قبل الآن من آراء، كان هذان المفكران يتخذان موقف العالم الذي ~~يستقرئ تاريخ القيم الأخلاقية البشرية ليصل من هذا الاستقراء إلى حكم على تطورها ~~الماضي واتجاهها في المستقبل، ولو كان كل منهما قد اقتصر على التعبير عما يتمنى أن ~~تكون عليه القيم الأخلاقية؛ لجاز عندئذ أن يكون في اختلاف مزاجهما الفكري تفسير ~~كاف للتعارض الأساسي في وجهتي نظرهما، ولكنهما كانا يتحدثان أيضا من وجهة نظر ~~الواقع لا المثل الأعلى، وكان كل منهما يحاول أن يجيب - بطريقة الباحث العالم لا ~~بطريقة المتأمل الحالم - عن سؤالنا الأساسي: «من الذي صنع الأخلاق؟» فكيف تعارضا ~~إلى هذا الحد في وصف ظاهرة واحدة؟ إننا نسلم بأن مزاج المفكر واتجاهه الفكري ~~العام له - دون شك - دوره حتى عندما يتخذ المرء لنفسه هدف الوصف المجرد، لا عندما ~~يحلم بما يتمنى تحقيقه فحسب، ومن المؤكد أن الموضوعية الكاملة في هذا المجال ~~مستحيلة، وأن تصور كل منا لما ينبغي أن يؤدي إليه التطور في المستقبل يتحكم - إلى ~~حد ما - في تشكيل نظرته إلى ما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر، ولكنا نقول: «إلى ~~حد ما»؛ لأن هذا التأثر بالاتجاه الفكري الذاتي يمكن أن يحدث نوعا من التباين ~~بين المفكرين حين يصفان ظاهرة واحدة، ولكنه لا يكفي لإيجاد تناقض كامل بين أوصافهما ~~هذه؛ ولهذا قلنا من قبل، إننا قد نستطيع أن نحل بهذا التفسير جزءا من المشكلة، ~~ولكن الجزء الأكبر منها ms364 يظل بلا حل. ~~••• # أما التعليل الصحيح لهذا التضاد فيكمن - في رأيي - في حقيقة أساسية ينبغي أن تتضح ~~للأذهان بصدد كل أخلاق، وهي أن من يصنعها ليس هو بالضرورة من يستخدمها أو يطبقها في ~~حياته، بل إنه قد يصنعها لكي يطبقها طرف آخر مغاير له تماما، بحيث لا تكون القيم ~~عندئذ تعبيرا عن المصدر الذي أتت منه، بل تعبيرا عن الطرف الذي تتجه إليه، ~~ولنقل بتعبير آخر، إن كل أخلاق مسيطرة تخلق أخلاقا أخرى نقيضة لها، توجهها إلى ~~من تمارس عليهم هذه السيطرة، فإذا كانت العلاقات في فترة معينة علاقات قوة واستغلال ~~واضطهاد، فإن القيم التي تنتشر على أوسع نطاق لا تكون عندئذ قيم القوة والسيطرة، بل ~~قيم الخضوع والاستكانة، أو لنقل - مستخدمين تعبيرات نيتشه - إن العصر الذي يسيطر ~~عليه «السادة» ليس هو عصر أخلاق السادة كما توهم، بل هو عصر أخلاق العبيد؛ لأن أيسر ~~طريق يضمن للسادة الاحتفاظ بتميزهم وتفوقهم هو أن تنتشر «أخلاق العبيد». # ولنطبق هذا الحكم العام على فترات محددة في تاريخ الأخلاق كما حدد معالمه نيتشه؛ ~~لنرى إلى أي حد تختلف الصورة التي تتكون نتيجة لهذا التطبيق عن الصورة التي رسمها ~~نيتشه. # فالمجتمع اليوناني الكلاسيكي كانت تسوده - في نظر نيتشه - قيم السادة وأخلاق ~~الأقوياء، ولكن إذا صح هذا فكيف نستطيع أن نفسر أن الاتجاه الأخلاقي الرئيسي عند ~~سقراط وأفلاطون - وأرسطو إلى حد ما - كان اتجاها تظهر فيه معاني الزهد وإعلاء ~~القيم الروحية - بمعناها التجريدي المنفصل عن العالم المادي - فوق كل ما عداها من ~~القيم؟ كيف نفسر قول أفلاطون «أو سقراط» إن «الجسم مقبرة النفس»، وتأكيد أرسطو أن ~~الحالة المثلى لحياة الإنسان هي حالة التأمل العقلي المجرد؟ إن هذه - دون شك - سمات ~~أساسية لما يسميه نيتشه بأخلاق العبيد، فكيف يحل هذا التناقض؟ إن الحل الوحيد الذي ~~يهتدي إليه نيتشه هو أن يعد تيار سقراط وأفلاطون وأرسطو - هذا التيار الرئيسي ~~في الفكر اليوناني - شذوذا يخرج عن طبيعة الروح اليونانية، وهكذا يخفق في الربط ~~بين أقوى اتجاه فكري في المجتمع ms365 اليوناني وبين «أخلاق السادة» التي رآها مميزة لهذا ~~المجتمع، وتعليل هذا الإخفاق هو أنه يأخذ الأخلاق حسب قيمتها الظاهرة، أما لو ~~طبقت عليها القاعدة العامة التي أوضحناها من قبل، وهي أن كل أخلاق مسيطرة تخلق ~~نقيضها؛ لأصبح كل شيء واضحا ومتسقا؛ فأخلاق هؤلاء الفلاسفة هي بدورها أخلاق ~~للسادة، ولكنها خلقت نقيضها؛ فإلى جانب دعوتهم إلى الزهد واحتقار الجسد، هناك تبرير ~~لنظام الرق ومحاولة لإثبات أنه ينتمي إلى «طبيعة الأشياء»، وتلك في صميمها أخلاق ~~الطبقة المسيطرة المنتفعة بهذا النظام، إن السادة يدافعون عن النظام الذي يكفل لهم ~~عبيدا يخدمونهم، ولكنهم - بوصفهم سادة - لا يمكن أن يقفوا ليعلنوا صراحة قيم ~~الاستعلاء والكبر والتفوق والامتياز، بل إنهم ينشرون أخلاق الزهد؛ لأنها كفيلة ~~بتغطية الامتهان الأساسي للإنسان، الذي دافعوا هم أنفسهم عنه وحرصوا على ~~تبريره. # ولننتقل إلى مرحلة أخرى في تاريخ الأخلاق، وهي مرحلة الأخلاق اليهودية المسيحية. ~~إن نيتشه يصف هذه المرحلة بأنها انتصار لأخلاق العبيد، أخلاق الشفقة والمحبة ~~والرحمة والمساواة التي ينتزع بها الضعفاء مخالب الأقوياء، ولكن هل كانت هذه ~~التعاليم بعينها هي التي سادت بالفعل مجتمع العصور الوسطى؟ ألم يكن الإقطاعيون ~~والبابوات وكبار رجال الكنيسة يمارسون أشد أنواع الاضطهاد على عامة الناس، وينعمون ~~بامتيازاتهم وتفوقهم؟ ألم يكونوا بالفعل «سادة» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان؟ ~~ألم تكن أخلاق العبيد - في هذه الحالة - مجرد نقيض يخلقه السادة لكي يحتفظوا ~~بسيطرتهم؟ إن نيتشه ذاته ينبهنا إلى ذلك الانقلاب في القيم، الذي بدأ بالديانة ~~اليهودية، واستمر في المسيحية، والذي كان انقلابا ضد الأرستقراطية الوثنية، في هذا ~~الانقلاب أصبح هناك تكافؤ في المعنى بين ألفاظ: الغني والقوي والشرير والفاجر، ~~وتكافؤ آخر بين الضعيف والطيب والقديس، ويفسر نيتشه هذا التحول في القيم بأنه مظهر ~~لأخلاق «العبيد»، ولكن هل العبيد بالفعل أصحاب المصلحة في هذه القيم الجديدة؟ وهل ~~تعد هذه القيم تعبيرا عن انتصارهم؟ لا شك أن نيتشه كان ساذجا حين تصور ذلك، ~~ولو تعمق فيما وراء السطح الخارجي لهذه الظاهرة لوجد أن الأمر على عكس ما ms366 اعتقد؛ ~~فحين تقول إن الغني والقوي هو الشرير والفاجر، تريد إبعاد الناس عن الغني، وبث ~~النفور في نفوسهم منه، حتى لا يطمعوا في أن يحققوا الغنى أو القوة في أنفسهم، وحتى ~~يتركوا الغني وشأنه (وكفاه عقابا أنه شرير وفاجر، وأن العذاب الأبدي ينتظره في ~~العالم الآخر)، فأنت إذن تحمي الغني والقوي بطريق غير مباشر، وحين تقول إن الفقير ~~والضعيف هو الطيب والقديس، تعني بذلك أن الفقر والضعف حالة مثلى ينبغي الرضا بها، ~~بل السعي إليها، وبذلك تشجع الفقير على أن يظل فقيرا، أليس هذا بعينه هو ما يريده ~~«السادة»؟ لنتأمل صورة كاهن العصور الوسطى وهو يعظ الناس بالزهد في متاع الدنيا، ~~ويمنيهم بحياة أبدية ينعمون فيها بكل ما حرموا منه في هذا العالم ... هذا الكاهن ~~الذي هو ذاته قوي مسيطر يستمتع بعيش رغد ، ويعيش من كد الآخرين، أهو يتحدث عندئذ ~~بلسان السادة أم بلسان العبيد؟ ألم يكن مصدر الخطأ - في هذه الحالة بدورها - أن ~~نيتشه أخذ الأخلاق بقيمتها الظاهرية، ولم يفرق بين أولئك الذين صنعوا الأخلاق ~~وأولئك الذين تخاطبهم هذه الأخلاق وتوجه إليهم؟ # وآخر مرحلة نشير إليها هي تلك التي كان يعيش فيها نيتشه ذاته، أعني أواسط القرن ~~التاسع عشر، إن هذه المرحلة - بدورها - هي في رأيه مرحلة أخلاق للعبيد تسودها قيم ~~الشفقة والعطف على الغير وحب الجار، ولا يجد الفرد المنعزل ذو الروح المستقلة فيها ~~مكانا لنفسه. ولكن أكان القرن التاسع عشر كذلك بالفعل؟ ألم تكن العلاقات ~~الاجتماعية في هذه الفترة المبكرة من فترات العهد الصناعي أشبه بشريعة الغاب في ~~ابتعادها التام عن كل إنسانية وتعاطف بين البشر؟ صحيح أن هناك أخلاقا رسمية - أو ~~ظاهرية - مشابهة لما يسميه نيتشه بأخلاق العبيد، ولكن ألم تكن الممارسة الفعلية ~~أقرب كثيرا إلى أخلاق السادة كما حددها هو ذاته؟ # هناك إذن تفاوت أساسي بين الأخلاق كما ينادي بها، أو كما تظهر على السطح، وبين ~~الأخلاق كما تمارس بالفعل. ومن الواضح أن نيتشه حينما تحدث عن الأخلاق على أساس ~~أنها «من صنع الضعفاء» كان ms367 المقصود في هذه الحالة هو الأخلاق كما تظهر على السطح، ~~أما حين وصف ماركس الأخلاق بأنها من صنع الأقوياء، فإن حديثه كان منصبا على ~~الأخلاق كما تمارس فعلا، أعني الأخلاق التي يوجهها الأقوياء إلى الفقراء ~~لتخديرهم، ولكي يظلوا هم أنفسهم أحرارا في ممارسة سيطرتهم كما يشاءون، وعلى أساس ~~هذا التقابل نستطيع أن نفهم بسهولة لماذا كانت القيم الأخلاقية الواحدة - في العصر ~~الواحد - تعد تارة قيما يفرضها الأقوياء على الضعفاء (وجهة النظر الفعلية)، ~~وتارة أخرى قيما يفرضها الضعفاء على الأقوياء (وجهة النظر الرسمية). # هذا التضاد بين الأخلاق «الرسمية» والأخلاق «الفعلية» - في داخل المجتمع الواحد - ~~يعبر عنه عادة بأنه تضاد بين «الواقع» و«المثل الأعلى»، وما دام هذا التضاد ~~قائما فلا يمكن القول إن الإنسان أصبح أخلاقيا بحق. إن هذا التضاد تعبير عن ~~نفاق أساسي ما زال يشوب نظم الإنسان الأخلاقية، وقد اعتدنا أن نعده ضرورة محتومة، ~~ولكنه ليس في حقيقة الأمر ضروريا على الإطلاق، فلماذا لم يكن الواقع مثلا أعلى؟ ~~ولماذا لم يكن المثل الأعلى واقعا؟ أليس معنى بقاء هذا التضاد أن هناك تداخلا بين ~~الأخلاقية واللاأخلاقية، بحيث تكون دراسة تاريخ الأخلاق هي في الوقت ذاته دراسة ~~لتاريخ اللاأخلاقية في نفس الإنسان؟ # إن الإنسان لا يصبح أخلاقيا بحق إلا بقدر ما تخف حدة التعارض بين الواقع ~~والمثل الأعلى. ولن تبلغ الأخلاق أعلى مراحلها إلا باندماجها في السلوك العملي، ~~وتلاشيها في مجال العلاقات الإنسانية الفعلية. وبعبارة أخرى فإن الأخلاق تبلغ أعلى ~~درجات اكتمالها باندماجها في كل أوسع منها، هو مجال السلوك العملي في كل صورة، إنها ~~تكتسب - بهذا الفناء في مجال العمل - أقصى ما تطمح إليه من حياة. # ولكن هذه مرحلة لا تقبل التفسير من خلال المقدمات النظرية للمفكرين اللذين اتخذنا ~~من آرائهما محورا لهذا المقال؛ فلو تحققت الأخلاقية المثلى كما كان يدعو إليها ~~نيتشه، ووصل الإنسان إلى مرحلة «ما فوق الإنسان»، أو إذا بلغ المجتمع تلك المرحلة ~~التي تطلع إليها ماركس، وأصبح مجتمعا لا طبقيا بحق؛ فعندئذ لن يكون في وسعنا أن ms368 ~~نفسر هذه الحالة المثلى من خلال مفاهيم كل من هذين المفكرين، ولنختم مقالنا هذا ~~بسؤال كما بدأناه بسؤال: # إذا كان ما يميز «الإنسان الأرقى» عند نيتشه هو السمو والعلو والامتياز، فكيف ~~سيشعر بترفعه هذا حين يأتي عهده، ويختفي من يمارس عليهم هذا الترفع؟ # وإذا كانت الطبقية الاجتماعية - عند ماركس - هي مصدر كل قيمة أخلاقية، فعلى أي ~~شيء سترتكز الأخلاق حين يصبح المجتمع لا طبقيا؟ # | كارل ياسبرز بين الفلسفة والسياسة1 # كنت على الدوام أجد في تفكير كارل ياسبرز شيئا يستفزني ويثير في «غريزة القتال»، ~~وربما لم يكن في وسعي أن أصف هذا الشيء على وجه التحديد، ولكني أستطيع أن أعبر عنه - ~~على نحو لا يخلو من الغموض - بأنه ذلك التناقض بين نزعة إنسانية يدعيها في كتاباته ~~ويحرص على أن يؤكد إيمانه بها، ونزعة غير إنسانية تؤدي إليها هذه الكتابات إذا ما نظر ~~إليها المرء بعين النقد والتحليل، ولم يكتف بأخذ أقواله على علاتها، أو قل إنه التناقض ~~بين كلمات ظاهرة تفيض اعتزازا بالعقل، ومعان باطنة تهدم ما يستند إليه العقل من ركائز ~~عميقة. # ولقد كان من الطبيعي أن يظل حكمي هذا على ياسبرز غامضا؛ لأن الأساس الوحيد الذي كان ~~يرتكز عليه هو تلك الكتابات التي تنتمي إلى مرحلته الفلسفية الرئيسية، وهي المرحلة التي ~~توقفت عند أوائل الثلاثينيات، وتتميز هذه المرحلة بأن كتاباته فيها كانت نظرية في ~~الغالب، تنتمي إلى مجال علم النفس أو الفلسفة. ولكن ظهور وانتشار مؤلفات المرحلة ~~الثانية من حياته الفكرية - وهي المرحلة التي بدأت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ~~والتي يعالج جزء غير قليل منها موضوعات سياسية أو حضارية - ساعد على إلقاء مزيد من الضوء ~~على الاتجاهات الحقيقية لتفكير ياسبرز ولطريقته في النظر إلى المشكلات التي تهدد عالمنا ~~المعاصر. وعلى الرغم من أن مؤلفات هذه المرحلة الثانية ليست أهم ما كتب، فإنها قد ~~كشفت عما كان مستورا، وأظهرت بصورة صريحة ما لم يكن يتوصل إليه المرء من قبل إلا بصورة ~~ضمنية. ~~••• # في كتاب «الموقف الروحي للعصر» - الذي ألفه ms369 ياسبرز عام 1930م - يتخذ المؤلف موقف ~~المفكر الناقد للحضارة المعاصرة، ويحاول طوال الكتاب أن يهتدي إلى مكان للإنسان وسط ~~الآلية الشاملة التي أصبحت تحاصر حياتنا من كل جانب. وحين يتحدث ياسبرز عن الحضارة، فهو ~~إنما يعني الحضارة الغربية، أما غير ذلك من الحضارات فلا تهمه في قليل أو كثير، بل إنه ~~في الحالات القليلة التي يتحدث فيها عن الحضارات الشرقية أو الزنجية مثلا يردد تلك ~~الأحكام السطحية المحفوظة المألوفة التي لا تنم عن تعمق في الموضوع أو اهتمام به؛ ~~فالعصر كله - في رأيه - عصر الغرب، والقيم السائدة في العالم بأسره هي قيم الغرب، وفي ~~الغرب سيتقرر مصير الإنسان ويتحدد شكل حياته في المستقبل. # وربما كان للمرء أن يلتمس لياسبرز العذر في إغفاله كل ما عدا الغرب في الفترة التي ~~ألف فيها هذا الكتاب، حين كان الغرب وحده هو المحور الذي تدور حوله كل أحداث العالم، ~~ولكن كتابات ياسبرز المتأخرة تكشف عن نفس هذا التجاهل الغريب لأي نمط للحياة غير النمط ~~الغربي، وهي تفعل ذلك في الوقت الذي أصبح الاعتراف فيه عاما بالعالم الثالث كقوة لها ~~وزنها في العالم، وكأسلوب في الحياة له نمطه المميز، وفي الوقت الذي ظهرت فيه في الشرق ~~الأقصى على الأقل - أعني في الصين - وكوريا وفيتنام (ومن قبلهما اليابان)، روح جديدة ~~سرت في شعوب ذات حضارات عريقة، وهي روح لا يعود من الصعب معها - لكل مفكر فاحص - أن ~~يتنبأ بالمكان الذي ستبلغ فيه حضارة المستقبل أوج ازدهارها. # وعلى أية حال فإن ياسبرز يحدد - في مقدمة كتابه هذا - المشكلة التي يسعى إلى ~~مواجهتها، فيقول إن غرور الإنسان المعاصر قد هيأ له الاعتقاد بأنه قادر على فهم ~~العالم بأسره، والسيطرة عليه وفقا لرغباته، ولكنه سرعان ما يدرك الحدود التي لا يستطيع ~~أن يتعداها، فيتولد لديه شعور بالعجز، ومن هنا يأخذ ياسبرز على عاتقه مهمة تحليل أسباب ~~هذا الإحساس بالعجز وفقدان الحيلة، وبيان الوسيلة التي يستطيع بها الإنسان أن يسترد ~~ذاته وسط هذا الضياع العام المحيط به من كل جانب. ms370 # وحين يحدد ياسبرز السمات التي تميز العصر الحاضر، يجد أن أهمها هو ذلك التقدم ~~التكنولوجي السريع، الذي يخضع للعقلانية الصارمة والحساب الدقيق وقابلية التنبؤ، وهي ~~سمة تباعد بين الإنسان وبين منابع الإحساس والشعور في حياته. كذلك يتسم عصرنا بسيطرة ~~الجماهير، وهو يعني بالجماهير ذلك التجمع العفوي العابر المفتقر إلى التنظيم، الذي يسهل ~~التأثير فيه، وينقاد بسهولة للانفعالات، ويميل بطبيعته إلى العنف، ويتشابه أفراده ولا ~~يقوم بينهم أي نوع من التمايز، هذه الجماهير أو الدهماء هي المسيطرة على عصرنا الراهن، ~~وهي التي تفرض عليه أذواقها ورغباتها، ويتملقها الحكام ويتقرب إليها قادة الرأي ~~العام. # ولقد أصبحت حياة الإنسان ذاتها - في عصرنا الحاضر - تنظم على نمط أسلوب العمل في ~~المصانع؛ ففي المصنع يتم كل شيء في موعده، ولا يضيع أي شيء هباء، ويستحيل أن يكون في ~~جميع عملياته أي عنصر لا يمكن التنبؤ به، بل يخضع كل شيء للحساب الدقيق وللتخطيط ~~المنظم. وهكذا أصبحت حياتنا؛ فلم تعد الآلة أسلوبا في الإنتاج فحسب، بل أصبحت أيضا ~~أسلوبا في الحياة، أما الوجود الإنساني الحق فقد ضاع وسط هذا التنظيم التكنيكي لحياة ~~الناس. # لقد أصبح العمل اليومي رتيبا متكررا مملا لا هدف له، «أصبح الإنسان محروما من ~~العالم، إن جاز التعبير»؛ فوجود الإنسان أصبح مجرد وظيفة يؤديها للمجتمع ككل، ولكن ~~الوظيفة - مهما اتسع معناها - لا يمكن أن تستوعب الإنسان ككل، من حيث هو شخصية أصيلة ~~متميزة، وهكذا يقوم الصراع بين إرادة تحقيق الذات في الإنسان، وبين التنظيم الشامل الذي ~~تقتضيه الحياة الحديثة. # إن العصر الحاضر يرد الوجود البشري كله إلى «العام»، وفيه يفقد الإنسان لذة الاستمتاع ~~بالتجارب الشخصية الفريدة التي لا تتكرر، أما الحياة الخاصة التي يمكن أن تتاح للإنسان ~~في عالم كهذا فما هي إلا سلسلة من حالات الإثارة والتعب والرغبة في التجديد ثم نسيان ~~الجديد بدوره، وذلك في تعاقب أشبه ما يكون بلقطات متقطعة في شريط سينمائي يعرض في سرعة ~~لاهثة. # فهل نجد للفرد مكانا في مثل هذا العالم الآلي؟ لقد أصبح الفرد قابلا ms371 لأن ~~يستغنى عنه، ويمكن أن يحل أي فرد آخر محله، ما دامت ماهيته لم تعد شخصيته الفريدة ~~المميزة، أو كيانه الحق الذي لا يستبدل به أحد، بل أصبحت هي الوظيفة التي يؤديها ~~من أجل الكل، في مثل هذا العالم يختفي الأفراد المتميزون، وتصبح السيادة لأوساط الناس، ~~وتحل الكفاءة والفعالية - أي حسن أداء الوظيفة - محل العبقرية. # ولكن هل جلب هذا التنظيم الآلي للحياة الاطمئنان للناس حتى الأوساط منهم؟ حسبنا أن ~~نلقي نظرة حولنا؛ لنجد الناس أبعد ما يكونون عن راحة البال وهدوء النفس. إن القلق هو ~~الشعور المسيطر على حياة الإنسان في هذا العصر، إنه قلق ينتابه في كل ساعاته، ويحاصره ~~من كل جوانبه، قلق على الحياة، على المركز والعمل، على الصحة؛ «فالوجود كله ليس إلا ~~قلقا»، والإحساس الغالب على الإنسان هو الإحساس بهوة سحيقة يخشى في كل لحظة من حياته ~~أن تبتلعه. ~~••• # لست أود أن أستطرد طويلا في عرض الملامح العامة للصورة القاتمة التي رسمها ياسبرز - ~~في أول الثلاثينيات - للعصر الحاضر، وللإنسان الضائع في عالم لا يكترث به، ولا يحرص إلا ~~على استمرار سير الآلية الشاملة بدقة وانتظام، إنها - على أية حال - صورة مألوفة، انضم ~~بفضلها ياسبرز إلى صفوف أولئك الذين يرون في الحضارة الصناعية شرا مستطيرا يهدد ~~الوجود الحق للإنسان بالضياع، أو يفضي به إلى السطحية. وعلى الرغم من أنني لا أريد أن ~~أنساق وراء الرغبة الشديدة في مهاجمة هذا اللون الشائع من ألوان التفكير، فإني أود مع ~~ذلك أن أشير إلى بعض المآخذ التي ينبغي أن ينتبه إليها المرء قبل أن ينزلق مع ياسبرز ~~وأشياعه في طريقة التفكير هذه التي تجمع بين الجاذبية والخطورة في آن واحد. # هذه الطريقة في التفكير تتسم بتجاهل غريب للأمر الواقع، أو بالدخول معه في معركة ~~خاسرة لا تؤدي في نهاية الأمر إلا إلى شعور الإنسان بالعجز والحسرة إزاء عالم موجود ~~بالفعل، ويستحيل إنكار حقيقته، والواقع أن مهمة الفكر الحقيقية ليست في رأيي محاربة هذا ~~الأمر الواقع، الذي يتمثل في التقدم التكنولوجي والتنظيم ms372 العقلاني لحياة الإنسان، بل هي ~~قبوله والترحيب به، والسعي بقدر الإمكان إلى الإفادة منه في تعميق حياة الإنسان ~~الروحية؛ فالتقدم التكنولوجي قد وجد ليبقى، وليس ثمة وسيلة لإرجاع عقارب الساعة إلى ~~الوراء، والمفكر الذي يفهم عصره حقا هو ذلك الذي يعترف بهذه الحقيقة، ويرتفع بالوجود ~~الإنساني الأصيل إلى مستواها، أما موقف العناد والتحامل على الواقع الذي لا سبيل إلى ~~الرجوع فيه، فهو أشبه بمناطحة صخرة نعلم مقدما أنها لن تتحطم. # على أن هذا لا يعني أن نقد العصر محرم على المفكر الأصيل، أو أن من واجب مثل هذا ~~المفكر أن يقبل عصره بكل جوانبه الإيجابية والسلبية؛ فكل مفكر كبير كان ناقدا لعصره ~~بمعنى ما، ولكن هذا النقد ينبغي أن ينصب على الأسباب الحقيقية لنقائص العصر، لا على ~~العصر ذاته ككل، ولا جدال في أن أي تفكير موضوعي نزيه في أسباب انهيار الإنسان في هذا ~~العصر، كفيل بأن يوصلنا إلى نتيجة ضرورية هي أن التنظيم التكنولوجي ليس هو الآفة، بل إن ~~هذا التنظيم يمكن أن يكون مصدر خير عميم للبشر، لو عرفنا كيف نستغله لصالح ~~الإنسان. # فمن الممكن أن يكون للتنظيم التكنولوجي تأثير إيجابي على حياة الروح ذاتها، وعلى ~~تحقيق الإنسان لوجوده الأصيل، وهو جانب أغفله ياسبرز إغفالا تاما، ولنضرب لذلك مثلا ~~واحدا؛ فبفضل التكنولوجيا استطاع الإنسان أن يدخل في بيته روائع الأعمال الفنية، ~~كالنسخ الدقيقة للوحات العالمية أو روائع الموسيقى الكلاسيكية، وبذلك أتيحت لأكبر عدد ~~ممكن من الناس فرصة الاستمتاع بتجارب روحية عميقة لم تكن متاحة من قبل إلا لأقلية ~~محظوظة من البشر، وما هذا إلا مثل واحد للتأثير الإيجابي الذي يمكن أن تحدثه ~~التكنولوجيا في الوجود الإنساني الأصيل. أما ياسبرز فقد أسقط هذا التأثير من حسابه، ~~واكتفى بأن تصور تضادا زائفا بين التنظيم التكنولوجي وبين عمق الوجود الإنساني، وهو ~~تضاد يعكس التقابل التقليدي الحاد بين الروحي والمادي، الذي يبدو أن ياسبرز قد سلم به ~~- في هذا المجال على الأقل - دون نقد أو تحليل. # على أن الخطأ الأكبر الذي يقع ms373 فيه هذا النمط الفكري الذي مثله ياسبرز هو أنه حين ~~يحمل على الحاضر، يفترض ضمنا أن الماضي كان أفضل منه، دون أن يكون قد توافر لديه من ~~الشواهد ما يكفي لإثبات صحة هذه الدعوى؛ فكل نقد يوجه إلى حياة الإنسان الآلية ~~السطحية الرتيبة في العصر الحاضر، يفترض أن الماضي - في جميع عهوده، أو في عهد واحد منه ~~على الأقل - كان يتصف بكل ما يفتقر إليه الحاضر من قدرة على تحقيق إمكانات الشخصية ~~الإنسانية، ومن عناية بالجانب الروحي لحياة الإنسان، ولكن هل يستطيع المرء أن يحدد فترة ~~معينة في التاريخ توافرت فيها هذه الصفات بدرجة تكفي لكي نقول مطمئنين، إنها تفوق درجة ~~توافرها في العصر الحاضر؟ في اعتقادي أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن إلا أن تكون ~~نفيا قاطعا. # وأحسب أن أهم أسباب هذا الخطأ هو أنه كلما رجع المرء بفكره إلى الماضي، اختفت من ذهنه ~~التفاصيل، ولم تبق إلا المعالم البارزة، وهذه المعالم البارزة ذات طابع إيجابي في أغلب ~~الأحيان؛ فنحن لا نذكر من العصور الماضية إلا ثقافتها وشخصياتها الهامة وتراثها الروحي ~~وآثارها الفنية، أما الحياة اليومية - بما فيها من تعاسة وفقر ومرض ومجاعات وظلم وجهل - ~~فلا يدركها إلا المؤرخ المتخصص المتعمق، إذا استطاع. ومن هنا كانت المقارنة بين الحاضر ~~والماضي غير سليمة من حيث المبدأ؛ إذ إننا نتناول من الحاضر تفاصيله وننقدها، على حين ~~أننا لا نأخذ من الماضي إلا معالمه البارزة فلا نجد فيه إلا ما يستحق المدح، وتلك - بلا ~~شك - نظرة رومانتيكية إلى الماضي، تؤدي حتما إلى تضاؤل قيمة العصر الحاضر والتحامل ~~عليه إذا ما قورن بأي عصر سابق. # في عصرنا هذا يحتل العلم مكانة خاصة؛ فهو «إله العصر»، يتصور الإنسان أنه يستطيع عن ~~طريقه أن يجتاز كل ما يصادفه وسيصادفه من عقبات. ولكن العلم - في رأي ياسبرز - لا بد ~~أن يكون قاصرا محدودا، إنه لا يستطيع أن يكتفي بنفسه، بل هو محاط بنوع من «الإيمان» ~~في كل جوانبه؛ فالقوة التي تدفع الإنسان إلى البحث العلمي ms374 لا تنتمي إلى مجال العلم ~~ذاته، وإنما هي نوع من الإيمان، والهدف الذي يكتسب الإنسان المعرفة العلمية من أجله لا ~~يستمد من مجال العلم، بل من مجال الإيمان. # وهكذا يمضي ياسبرز في كتابه «الإيمان الفلسفي» في نقد الروح العلمية، فيبين حدودها ~~التي لا تستطيع أن تتعداها، ويؤكد أنها لا تستطيع أن تستوعب كل جوانب الروح الإنسانية، ~~بل هي في حاجة دائمة إلى إيمان يكملها، ولا بأس من أي نقد كهذا حين يكون الهدف منه هو ~~تنبيه العقل العلمي إلى فضيلة التواضع، وإقناعه بأن لحياة الإنسان جوانب أخرى لا ~~يستوعبها العلم كلها، ولكن ياسبرز يمضي في هذا النقد إلى حد يحس معه المرء بأنه يتحول ~~تدريجيا إلى شخص معاد للعلم، وبأنه يسعى عامدا إلى تضييق رقعة العلم لكي يوسع رقعة ~~الإيمان، وبالفعل يخرج المرء من كتابه «الإيمان الفلسفي» هذا - وكذلك من كتابه الذي ~~أشرنا إليه من قبل - بانطباع عام هو أن العلم يحاول أن يكون موضوعيا ولكنه يعجز عن ~~ذلك؛ لأن القوى التي تتحكم فيه غير موضوعية، ويحاول أن يكون شاملا ولكنه يعجز عن ذلك؛ ~~لأن الحياة أوسع من أن ينتظمها كلها العلم. ومجمل القول أن ياسبرز - في نقده للعقل ~~العلمي - يعطي المرء إحساسا بأنه ينقد وقد عقد العزم على الهدم لا على البناء. # ولكن الغريب في أمر فيلسوفنا هذا هو أنه حين يصادف فلسفات من النوع الذي يعاديه، يوجه ~~إليها نقده باسم الدفاع عن العلم، ويستعين في ذلك بفهم للعلم مضاد لذلك الذي عرضه صراحة ~~في كتبه التي أشرنا إليها؛ ففي كتيب بعنوان «العقل واللاعقل في عصرنا» - وهو كتيب ينتمي ~~إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية - يوجه ياسبرز هجومه إلى اتجاهين فلسفيين يرى ~~كلا منهما مفتقرا إلى «الموضوعية» العلمية، ومرتكزا على إيمان متنكر في ثوب العلم ~~والمعرفة، هذان الاتجاهان هما الماركسية والتحليل النفسي، اللذان يقعان في خطأ الارتفاع ~~بمعرفة محدودة إلى مرتبة العلم الكلي المطلق. # فكل علم محدود بطبيعته، ولا يمكن أن يكون مطلقا، وتعبير «العلم الشامل» تناقض في ms375 ~~الألفاظ؛ إذ إن الفلسفة وحدها هي التي تستطيع أن تصل إلى تكوين مركب شامل للمعرفة، أما ~~العلم فهو نوع من المنهجية المنظمة التي تعلمنا كيف نكتشف هذا الموضوع المحدد أو ذاك، ~~هذا الفهم للعلم يعصمنا من خطأ الارتفاع بمستوى المطلق الذي نعرفه مقدما ونوجه أبحاثنا ~~نحوه، وهو الخطأ الذي يقع فيه كل اتجاه فكري يستخدم العلم أداة للوصول إلى معرفة شاملة ~~بالعالم أو بالتاريخ أو بالحضارة الإنسانية، كما هي الحال في التحليل النفسي أو ~~الماركسية. # على أن العلم نفسه لا يكتفي بذاته، ونحن أنفسنا لا نكتفي به بل نحاول تجاوز حدوده، ~~والوصول إلى الحقيقة في كليتها، لا إلى موضوعات في العالم يستطيع العلم أن ينتقل من ~~الواحد منها إلى الآخر إلى غير حد؛ فنحن نبحث دائما من وراء العلم عما هو «أكثر» من ~~العلم ، ولكن المشكلة هي: هل نبحث عن هذا «الأكثر» بالعقل أم باللاعقل؟ إن الكثيرين قد ~~اتخذوا من «اللاعقل» وسيلة لإكمال ما يعجز عنه العلم، وقد اتخذ هذا اللاعقل - في رأي ~~ياسبرز - أشكالا متباينة؛ فهو قد اتخذ طابعا شاعريا عند نيتشه أو علميا عند ~~ماركس، وفي كلتا الحالتين نجد المفكر أشبه بالساحر الذي يخلب ألباب الناس ويجمع حوله ~~أنصارا كثيرين، ولكنه لا يبذل جهدا كبيرا في إقناع العقول، ويلجأ في سبيل نشر دعوته ~~إلى نفس الوسيلة على الدوام، وهي تقديم نظرة كلية شاملة إلى الأشياء، يكون هو ذاته ~~مركزها ومحورها. # ولكن هل يحق لياسبرز - في ضوء نظرته المعروفة إلى العلم - أن يوجه إلى خصومه نقدا ~~كهذا؟ إن هذا النقد يفترض مقدما إيمانا بالعلم يتجاوز بكثير نطاق الثقة المحدودة التي ~~كان ياسبرز يوليها للعلم طوال تفكيره الفلسفي، وعلى حين أن ارتكاز العلم على الإيمان ~~كان في نظره على الدوام جزءا من ماهية العلم ذاته، فإنه يصبح الآن مظهرا من مظاهر ضعف ~~الروح العلمية وافتقارها إلى الموضوعية، وهكذا يبدو أن ياسبرز حين يواجه خصوما ينسبون ~~إلى تفكيرهم صفة العلمية يلجأ في محاربته لهم إلى تأكيد موضوعية العلم ومنهجيته ~~الدقيقة، أما ms376 حين يقارن بين مجال العلم ومجال الإيمان فإنه عندئذ يميل إلى تضييق نطاق ~~العلم وتأكيد عجزه عن تحقيق ما يدعيه لنفسه من أهداف، والموقف الثاني - على أية حال - ~~هو الذي يغلب على تفكير ياسبرز. ~~••• # مثل هذا الاتجاه الفكري، ومثل هذا الموقف من العلم ومن التكنولوجيا ومن التقدم ~~الحضاري بوجه عام، يوحي بأننا إزاء فيلسوف يغلب على تفكيره النزعة المحافظة؛ ذلك لأن ~~أنصار التجديد والتغيير هم - في أغلب الأحيان - مؤمنون بالعلم وبقدرته على بسط سلطانه ~~إلى كل الآفاق، وهم لا يقبلون أن يجعلوا من فلسفتهم أداة لتكبيل العلم وتضييق نطاقه، ~~وحتى لو كانوا على يقين من أن العلم في مرحلته الراهنة عاجز في مجالات كثيرة، فإنهم ~~يميلون إلى جانب التفاؤل، ويؤمنون بأن المستقبل كفيل بأن يمنح العلم القدرة على إثبات ~~وجوده في المجالات التي يقف أمامها اليوم عاجزا، فلو حكمنا على ياسبرز بناء على ~~فلسفته النظرية وحدها؛ لكان من المحتم أن نستنتج أن فكره يسير في الاتجاه ~~المحافظ. # على أن ياسبرز ذاته قد كفانا مئونة الاستنتاج، وأعرب في كثير من المواضع (ولا سيما في ~~الفترة الثانية من تفكيره، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية) عن اتجاهاته السياسية ~~على نحو لا لبس فيه ولا غموض، فإذا بها اتجاهات تندرج قطعا ضمن الفئة التي يطلق ~~عليها في المصطلح السياسي اسم اليمين المتطرف. # ولسنا نود أن نتحدث عن كتابه الذي أثار ضجة كبيرة، وهو «القنبلة الذرية ومستقبل ~~البشرية»؛ إذ إن هذا الموضوع قد عولج في بلادنا بما فيه الكفاية، بل إن هناك كتابا آخر ~~يلقي على آرائه السياسية ضوءا ساطعا، ويعرض اتجاهاته إزاء صراع القوى في عالمنا ~~المعاصر بما لا يحتاج إلى مزيد من الوضوح، ذلك هو كتاب «الحرية وإعادة التوحيد» الذي ~~يتناول المشكلة الألمانية، والذي يعد من أواخر ما كتب. # كان ياسبرز قد أدلى بحديث تليفزيوني مع صحفي ألماني اسمه «تيلو كوخ # Thilo Koch ~~»، وأثار هذا الحديث ضجة كبرى نظرا إلى ما ~~تضمنه من آراء غير مألوفة عن المشكلة الألمانية، فكتب ياسبرز بضع مقالات ms377 في مجلة # Die Zeit # الألمانية عام 1960م لكي يبرر الآراء التي ~~عرضها في هذا الحديث، وهذه المقالات - بالإضافة إلى الحديث الأصلي - هي التي تؤلف مادة ~~هذا الكتاب. # ومنذ صفحات الكتاب الأولى نجد ياسبرز يقسم العالم إلى كتلتين: كتلة المذهب الشمولي، ~~الذي يفتقر إلى الحرية، والكتلة الغربية التي هي في رأيه الكتلة الحرة بالمعنى الصحيح، ~~الأولى عدوانية تقدم إلى الجماهير الغفيرة وعودا لا تحققها، والثانية حاملة لواء ~~الحرية والكرامة الإنسانية. # والموضوع المباشر الذي يتصدى له ياسبرز هو موضوع إعادة توحيد ألمانيا؛ فهو يرى أن من ~~واجب ألمانيا الغربية أن تتخلى عن فكرة إعادة التوحيد، وأن تتنازل عن إعادة ألمانيا ~~إلى حدودها التي اكتسبتها منذ أيام بسمارك؛ لأن تلك - على أية حال - حدود حديثة ~~نسبيا، لا ترجع إلى أكثر من سبعين عاما (قبيل الحرب العالمية الثانية)، والمشكلة ~~الكبرى في رأيه ليست إعادة التوحيد بل «الحرية»؛ فعلى الألمان أن يركزوا جهودهم على ~~تحقيق الحرية لإخوانهم في الشرق، أما محاولة ضمهم إليهم مرة أخرى فهي هدف يستحيل تحقيقه ~~في ظروف العالم الراهنة. # إن ياسبرز ينظر إلى ألمانيا الشرقية لا على أنها دولة، بل على أنها «إقليم اعتدت على ~~استقلاله سلطة أجنبية»، ثم يتساءل: «كيف يمكن إنقاذ إخواننا في الشرق من العبودية؟ أليس ~~هناك طريق سوى إعادة التوحيد؟» إن هذا الطريق يؤدي إلى ظهور النزعات الوطنية المتطرفة ~~التي عانت منها ألمانيا في أيام هتلر؛ ولذلك يرد ياسبرز بقوله: «إن الوحدة التي تهمنا ~~اليوم هي الوحدة الكونفدرالية لأوروبا، ووحدة أوروبا مع أمريكا» (ص25 من الترجمة ~~الفرنسية). # وفي رأي ياسبرز أن الوضع الحالي في ألمانيا، وإن كان قد ترتب على الحرب، فإنه لا يمكن ~~أن يتغير بالحرب؛ لأن القنبلة الذرية ستقضي عندئذ على الجميع (ومعنى ذلك أنه لو لم تكن ~~هناك قنبلة ذرية، لكان من الجائز أن يدعو ياسبرز إلى تغير هذا الوضع بالحرب!) إن وضع ~~التقسيم هذا هو الجزاء الذي استحقه الألمان نتيجة لتعاونهم مع هتلر، وعلى الألمان أن ~~يتحملوا مسئوليتهم من ذلك، ولا يحاولوا إعادة ms378 دولة بسمارك، وإلا تسببوا في فناء ~~البشرية، كما كانوا منذ عام 1933م سببا في تعاستها. # وفي هذا الصدد ينبغي أن نعود إلى الرأي الذي عرضه ياسبرز في كتاب آخر ظهر بعد الحرب ~~العالمية الثانية مباشرة، هو «الذنب الألماني». في هذا الكتاب يفرق ياسبرز بين مفهومين ~~رئيسيين متعلقين بفكرة الذنب؛ فهناك الخطأ الأخلاقي والجريمة من جهة، والمسئولية ~~السياسية من جهة أخرى، أما الخطأ الأخلاقي فلا يمكن أن ينسب إلا إلى عدد قليل من ~~الألمان، والجريمة بالذات لم يقترفها إلا عدد قليل جدا منهم! وأما المسئولية السياسية ~~فشيء يختلف عن ذلك كل الاختلاف، «فمن كان يعيش في بلد، ولم يهاجر بحيث لا يعود ~~متضامنا مع الدولة، ومن لم يتصد لمنع الجريمة في هذا البلد مسئول سياسيا، ويجب ~~أن يتحمل تبعات مسئوليته مع المذنبين الآخرين.» وإذن فعلى الألمان أن يتحملوا انقسامهم ~~بوصفه نتيجة ضرورية لمسئوليتهم السياسية عن العهد النازي. # فإعادة التوحيد إذن مطلب ثانوي نسبي، أما الحرية فهي المطلب المطلق، وإذا لم يكن ثمة ~~مفر من الاختيار بين الأمرين، فإن للحرية الأولوية دون أدنى شك، ومع ذلك فإن الألمان في ~~رأي ياسبرز يحتاجون إلى مران طويل على الحرية؛ لأنهم اعتادوا الاستبداد وأيدوه طويلا، ~~وقد أورد ياسبرز في كتابه نص محادثة عجيبة دارت بينه وبين أحد المسئولين الأمريكيين، ~~سأله فيها هذا الأخير عن رأيه في إدخال نظام برلماني في ألمانيا بعد الحرب مباشرة، فكان ~~من رأي ياسبرز أن الحرية ينبغي أن تمنح بالتدريج لشعب لا يقدرها ولم يعتدها بعد، ~~وأن الحرية المفاجئة قد تؤدي إلى هدم بذور الحرية الأولى في نفس هذا الشعب، بينما كان ~~رد الأمريكي (الذي وجدها فرصة لا تعوض) هو أن الأمريكيين لا يستطيعون الانتظار ~~طويلا في منح الحرية؛ لأن هذا «ضد مبادئهم» (ص103-105). # ويلخص ياسبرز موقفه في هذا الصدد فيقول: «لو تعاونا دون قيد أو شرط مع الغرب بأكمله ~~- تحت السيطرة الفعلية لأمريكا - لأمكننا أن نضمن الحرية السياسية الداخلية، وأن نضمن ~~كذلك أمنا نسبيا، هو الوحيد المتاح لنا في الموقف ms379 العالمي الراهن؛ فالحد من سيادتنا ~~هو شرط بقائنا، وهو وحده الذي يحمينا من روسيا، وكذلك من القوى التي تفجرت داخلنا أيام ~~حكم هتلر» (ص111). ومن هنا كان ياسبرز يعارض الأصوات التي دعت - من بين صفوف اليمين ~~ذاته - إلى وقوف أوروبا ضد أمريكا، أو استقلالها عنها مثل ديجول، ويتخذ من أديناور في ~~تهالكه على أمريكا مثلا أعلى له. # والحق أن الضجة التي أثارتها آراء ياسبرز هذه إنما تدل على أنه برغم خضوعه الذليل ~~للغرب ولأمريكا بالذات، التي يؤكد أنها هي مصدر نعمة ألمانيا الغربية («أننا في ألمانيا ~~الغربية أحرار بفضل كرم المنتصرين لا بفضلنا نحن»)؛ برغم هذا كله، لم يستطع أن يحظى ~~باحترام مواطنيه أنفسهم، حتى لقد علق مراسل إحدى الصحف على آرائه بقوله: «لقد أطلق كارل ~~ياسبرز في مقابلته التليفزيونية قوى المعارضة الساخطة من الأحزاب والمنظمات السياسية ~~والجرائد اليومية في الجمهورية الاتحادية، والواقع أن خروشوف نفسه لم ينجح أبدا في أن ~~يثير ضده مظاهرة إجماعية كهذه!» # تلك المقارنة بينه وبين خروشوف - الخصم الأكبر لألمانيا الغربية في ذلك الحين - ليست ~~مجرد مبالغة كلامية، بل هي تحمل دلالة ضمنية عميقة، هي الفرق بين الاحترام الذي يلقاه ~~الخصم العنيد المتمسك بموقفه، والازدراء الذي يقابل به النصير حين يكون متهالكا ~~متداعيا، «ملكيا أكثر من الملك». ألم يصل حقد ياسبرز إلى حد التفكير في أمور لا تجلب ~~عليه سوى السخرية والازدراء؟ لقد أعرب مثلا عن خوفه من أن تؤدي قلة الأيدي العاملة في ~~ألمانيا الشرقية (التي يسميها دائما بالمنطقة المحتلة أو ما شابه ذلك من الأسماء) إلى ~~قيام الروس بجلب عدة ملايين من الصينيين للعمل فيها، فيكون في ذلك أيضا حل لمشكلة ~~زيادة السكان في الصين (ص129). ~~••• # إن مشكلة ياسبرز الكبرى في هذا الصدد هي أنه - برغم كل قدراته الفكرية التحليلية - لم ~~يحاول لحظة واحدة أن يتوقف ليسائل نفسه عن معنى «الحرية» السائدة في العالم الغربي، ولم ~~يبذل أي جهد لتحليل هذا المفهوم، وهو الذي كتب من الصفحات ألوفا مؤلفة في تحليل مفاهيم ~~أقل أهمية ms380 بكثير من هذا المفهوم الحيوي. حقا إنه حلل معنى الحرية في مواضع أخرى، ولا ~~سيما في كتابه الأكبر «الفلسفة»، ولكن ما كان يعنيه عندئذ كان الحرية الوجودية، التي هي ~~جزء من كيان الإنسان، لا الحرية السياسية أو الاجتماعية التي يكتسبها بعض الناس ويفقدها ~~البعض الآخر، والتي يحتاج بلوغها إلى جهد وكفاح. # ولم يحاول ياسبرز أن يتجاوز نطاق الحرية الشكلية الظاهرية في العالم الغربي لينفذ إلى ~~العوامل الخفية المعقدة التي تتحكم في تشكيل الرأي العام الغربي دون وعي منه، بحيث يبدو ~~هذا الرأي العام معبرا عن نفسه وهو في حقيقة الأمر يردد آراء القوى الخفية التي تتحكم ~~في الصحافة والإذاعة ووسائط التعبير المختلفة، عن طريق الإعلان والسيطرة المالية ~~والإدارية. # لم يحاول ياسبرز أن يقارن بين حرية الغرب المزعومة داخل بلاده، وبين استعباده للشعوب ~~المستعمرة، واستنزافه لموارد الشعوب شبه المستعمرة، ولم يرتفع له صوت يندد بهذا النوع ~~من العبودية والاسترقاق، بل إن بكاءه كله لم ينصب إلا على «مواطنيه في الشرق»! # لم يحاول ياسبرز أن يفكر بعمق في معنى تلك الحرية التي تكون حصيلتها النهائية هي شن ~~الحروب وإحاقة الكوارث بالشعوب. وإنصافا له أقول إنه تنبه في أحد مواضع كتابه إلى ~~الفارق بين الديمقراطية الشكلية والديمقراطية الحقيقية، وكان ذلك في صدد الحديث عن تلك ~~الأغلبية التي اقترعت في ألمانيا لصالح هتلر، فقال: «عندما تقوم أغلبية بهدم الحرية ~~ذاتها، وتجعل شخصا خارجا عن القانون يفعل ما يحلو له، لا تعود تلك الأغلبية ~~ديمقراطية.» وهذا رأي صحيح كل الصحة، ولو طبقناه على تلك الأغلبية التي اقترعت لصالح ~~جونسون؛ لأصبح الكلام متسقا كل الاتساق، ولانطبق بدقة على موقف الناخب الأمريكي الذي ~~يظن نفسه «حرا» إزاء سفاح فيتنام، ومنكر الحقوق المشروعة للفلسطينيين، ولكن ياسبرز - ~~للأسف البالغ - لم يقم بهذا التطبيق. # وعلى أية حال فقد عاش ياسبرز ليشهد أعنف مراحل حرب فيتنام وأكثرها وحشية، ولم يرتفع ~~له صوت باستنكارها، وكذلك عاش ياسبرز ليشهد أبشع فصول المأساة الفلسطينية، ولكن هذه - ~~على أية حال - قصة أخرى؛ فقد كانت زوجته ms381 يهودية، وكان لها عليه - فيما يبدو - سلطان غير ~~قليل. ~~••• # إنني لعلى يقين من أن الكثيرين من قراء هذه المقال سوف يحتجون بصمت لأني حاسبت ياسبرز ~~فيه على آرائه السياسية في الوقت الذي كانت رسالته فيه - طوال الجزء الأكبر من حياته ~~الفكرية - فلسفية قبل كل شيء، على أن ياسبرز ذاته كفيل بالرد على هذا الاحتجاج؛ إذ هو ~~يدافع بقوة عن تدخل الفلسفة في السياسة، مؤكدا أن الفيلسوف قد لا ينجح في أمور السياسة ~~اليومية التفصيلية، ولكنه قادر على أن يلقي ضوءا ساطعا على السياسة البعيدة المدى، ~~والاتجاهات العامة لشئون الحكم، وهو يرفض بشدة الرأي الذي يتهم الفلسفة بأنها خيالية ~~واهمة، تشيد قصورا في الهواء، ويدافع عن حق الفيلسوف في أن يتدخل في الأمور السياسية، ~~بل يؤكد أن من واجب الفلسفة أن تواجه الواقع وتتغلغل في صميم الحياة (ص18، 19). # ولقد أكد ياسبرز - في مستهل الحديث التليفزيوني الذي أشرت إليه من قبل - أن الفلاسفة ~~كانوا على الدوام يبدون آراءهم في السياسة، وأن هذا يصدق على أعظم الفلاسفة في ~~التاريخ، مثل «كانت» وهيجل ونيتشه (ومن قبلهم أفلاطون بالطبع)، ولنستمع إليه وهو يقول: ~~«لقد بدت لي الفلسفة منذ شبابي شيئا مختلفا كل الاختلاف عن مجرد قراءة كتب بديعة ~~أو البقاء بمعزل عن العالم؛ فهي - على عكس ذلك - بدت لي شيئا يرشدني ويبعث في القوة ~~عن طريق فهم الواقع الحاضر لعالمي ولذاتي ... ففي الوقت الحالي - وبالنسبة لي على الأقل - ~~يبدو لي من الواضح أن الأرستقراطية (الفكرية) أصبحت اليوم عتيقة بالية، وأن الإنسان ~~الذي يفكر ويريد أن يفعل شيئا ينبغي له أن يسير في الطرقات إن جاز هذا التعبير، وأن ~~الفلسفة يجب أن تثبت - من الآن فصاعدا - أنها قادرة على الاهتداء إلى الصيغ أو بعث ~~المشاعر الدافقة التي يمكنها أن تنتشر بين الناس» (ص195-6). # ذلك هو رأي ياسبرز في العلاقة بين الفلسفة والسياسة، فهل يمكن أن تكون النتيجة ~~الوحيدة التي توصل إليها فلسفة «تسير في الطرقات» هي أن الغرب - بزعامة أمريكا - هو ~~وحده حامي حمى الحرية في ms382 العالم المعاصر؟ هل هذه هي الصيغة التي يمكن حقا أن «تنتشر ~~بين الناس»؟ ذلك - على أية حال - هو المدى الذي بلغه تفكير ياسبرز السياسي. # | الثورة والتمرد عند ألبير كامي1 # بعض الكتاب يطيلون الحديث عن الثورة دون أن يكون في نفوسهم إيمان عميق بها، وبعضهم ~~يكتبون عن التمرد وفي أذهانهم معان تقضي على كل ما فيه من أصالة، وتزيف قيمته الحقيقية، ~~ومن هؤلاء - في رأيي - ألبير كامي، الذي كرس لهذا الموضوع كتابا كبيرا - ربما كان أهم ~~كتبه كلها - باسم «الإنسان المتمرد» (باريس 1951م)؛ ففي الكتاب هجوم على كل ثورة باسم حب ~~الإنسانية، ودعوة إلى الاتزان والاعتدال باسم التمرد، وإنكار للتاريخ باسم الرجوع إلى ~~الطبيعة، وتزييف لمعاني التقدم باسم القضاء على الاستعباد والدفاع عن التحرر. # وكتاب «الإنسان المتمرد» لا يمكن أن يوصف بأنه كتاب فلسفي نظري، وإنما هو - في واقع ~~الأمر - كتاب سياسي في المحل الأول، يتضمن محاولة لفهم العصر وللتعبير عن ماهيته ~~الباطنة، في ضوء النظرة الخاصة التي كونها كامي عنه، وفي الكتاب اعتراف بأن التمرد ~~حقيقة ملازمة للإنسان تقتضيها طبيعته المتغيرة والمتطورة، ومع ذلك فهو يضع لعملية ~~التمرد الأصيلة قيودا تقصرها على المجتمعات الغربية وحدها؛ فهو يتفق مع الفيلسوف ~~الألماني ماكس شيلر في التفرقة بين التمرد والكراهية الحاسدة؛ ففي الثانية يعتمل الشر ~~في النفوس ويظل في داخلها مكتوما، معبرا عن عجز وقصور لا مخرج منهما، أما التمرد فهو ~~منطلق متحرر متغير، يعبر عن فيض من القوة والطاقة، ومن جهة أخرى فإن التمرد لا تكتمل ~~شروطه حيث تكون اللامساواة هائلة أو حيث توجد مساواة مطلقة، وإنما يمكن أن يقوم التمرد ~~«في مجتمع تختفي فيه مظاهر التفرقة الواقعية الصارخة وراء المساواة النظرية.» ومن هذا ~~كله يستنتج كامي أن «مشكلة التمرد لا معنى لها إلا في حدود مجتمعنا الغربي.» # وهكذا يتخذ فعل التمرد عند كامي منذ البداية معنى يصبح فيه وقفا على مجتمعات ~~الغرب في القرنين الأخيرين من تاريخها فحسب، ويفسر التاريخ السابق كله على نحو تصبح فيه ~~الثورات القديمة العهد تعبيرا عن ms383 أي شيء سوى التمرد الأصيل، كذلك ينظر إلى المجتمعات ~~الأخرى كلها - ما عدا المجتمع الغربي - على أنها عاجزة عن بلوغ مرحلة التمرد، وسواء ~~أكان ذلك راجعا إلى عجز كامي نفسه عن التوغل في روح هذه المجتمعات غير الغربية، أو إلى ~~نوع من التعصب اللاشعوري للحضارة التي ينتمي إليها، فمن المؤكد أن نظرته هذه - التي ~~يستهل بها كتابه عن التمرد - نظرة تفتقر إلى الموضوعية وسعة الأفق. ~~••• # في عصرنا هذا لم يعد التمرد - في رأي كامي - تمرد العبد على سيده، ولا تمرد الفقير ~~على الغني، وإنما أصبح تمردا ميتافيزيقيا، أعني تمرد الإنسان على وضعه وموقفه ~~الإنساني ذاته؛ فالتمرد الميتافيزيقي هو احتجاج على أوضاع الإنسان وعلاقته بالكون، وهو ~~تأكيد لفردانية الإنسان وإنكار للأخلاقية، وهو سعي إلى تأكيد الذات إزاء عوامل اليأس ~~ومظاهر الموت، ولكن على مستوى إنساني شامل، لا على المستوى الفردي وحده. هذا التمرد ~~الميتافيزيقي يشجع على «الجريمة»، أي على مظاهر القسوة والتنكيل والقتل التي حفل بها ~~عصرنا الحاضر، والتي بلغت قمتها في الفاشية والنازية، فهو يتمثل عند المركيز دي ساد ~~الذي حبذ الجريمة صراحة، وفي أدب دستويفسكي يظهر دفاع عن النزعة العدمية التي يصبح فيها ~~«كل شيء مباحا» وضمنه الجريمة بطبيعة الحال، وأخيرا فإن نيتشه لم يكن من دعاة الجريمة ~~صراحة، ولكنه دعا إليها ضمنا حين جعل مثله الأعلى هو «الإيجاب والتأكيد»، فقبول المصير ~~- بكل ما فيه من خير وشر - ينطوي ضمنا على قبول الجريمة. # وقبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى في تفكير كامي في هذا الموضوع، يجدر بنا أن نشير إلى ~~مجموعة المقدمات الباطلة التي ارتكز عليها في آرائه السابقة؛ فهو يفترض أن تمرد العبد ~~على السيد، والفقير على الغني، قد انتهى عهده، مع أن هذا التمرد ما يزال قائما، بل إنه ~~هو الشكل الرئيسي للتمرد في عصرنا هذا، وهو الذي يضفي على كل شكل آخر من أشكال ~~التمرد في أيامنا هذه طابعه المميز، أما التمرد الميتافيزيقي للإنسان على وضعه وموقفه، ~~ومركزه في الكون، فقد كانت دواعيه منذ أقدم العصور ms384 قائمة على الدوام؛ لأن وضع الإنسان ~~من الوجهة الميتافيزيقية لم يتغير في شيء، وإذا كان هذا النوع من التمرد قد ازدهر بصورة ~~خاصة في الفترة التي تحدث عنها كامي، فلا بد أن ذلك راجع إلى أسباب غير ~~ميتافيزيقية، أعني أسبابا تتعلق بطبيعة الحياة في القرنين الأخيرين على وجه التحديد، ~~أما الأمثلة التي ساقها كامي للتمرد الميتافيزيقي - وأهمها «ساد» ودستويفسكي ونيتشه - ~~فلن نقف عندها طويلا، وإنما يكفينا أن نشير إلى أنه لم يستخلص من تفكير دستويفسكي أو ~~نيتشه إلا الدلالة السلبية فحسب، أعني التشجيع على ما يسميه «بالجريمة»، مع أن جزءا ~~كبيرا من أفكارهما كان موجها في الواقع إلى الحيلولة دون وقوع «جرائم» أكبر. ~~••• # على أن كل تمرد ينتهي إلى ضده، وذلك عندما يتحول التمرد إلى «ثورة سياسية» تدعم سلطة ~~الدولة وقوتها؛ فالنمو الغريب المرعب للدولة الحديثة يمكن أن يعد نتيجة منطقية ~~لمطامح فلسفية واقتصادية غير منظمة، بعيدة عن الروح الحقيقية للتمرد، ولكنها تؤدي مع ~~ذلك إلى بعث الروح الثورية المميزة لعصرنا؛ فالأحلام التنبؤية عند ماركس، والتنبؤات ~~المبالغ فيها عند هيجل أو نيتشه قد انتهت، بعد أن قوضت أركان مدينة الله إلى تشييد ~~دولة قائمة على العقل أو على نقيضه، ولكنها في كلتا الحالتين كانت مبنية على ~~الإرهاب. # وعلى ذلك فالثورة في رأي كامي نتيجة منطقية لا مفر منها للتمرد، وعلى حين أن التمرد ~~هو في حقيقته موقف ذهني أو عقلي فحسب، فإن الثورة إنما هي تطبيق غير سليم لمفاهيم ~~التمرد، وهو تطبيق ينتهي في رأيه حتما إلى عكس الغاية الأصلية للتمرد، أي إلى تقييد ~~الحرية بدلا من توسيعها، وهنا أيضا ينطوي تفكير كامي على مقدمات ينبغي التنبيه إليها ~~حتى لا ينساق الذهن في تيارها دون تمييز؛ فهو يفترض أن دعم قوة الدولة شر في جميع ~~الظروف، وصاحب هذا الرأي لا بد أن يكون ذا ميول فوضوية، وبالفعل نجد كامي يبدي ~~اهتماما كبيرا بشخصية باكونين، داعية الفوضوية الأكبر، ويبدي عطفا حقيقيا على ~~الفوضويين من أمثال كيلاييف، أولئك الذين يقتلون ويموتون دون ms385 أن يسعوا في أية مرحلة في ~~حياتهم إلى إقامة دولة أو دعمها؛ فهؤلاء في نظره هم «المتمردون» الحقيقيون، الذين ~~يرفضون تمجيد أنفسهم في نظام للحكم، أو التنازل عن حريتهم في سبيل الدولة، مع هؤلاء ~~يتعاطف كامي، وفي هذا الإطار الذي تجاوزه التاريخ المعاصر إلى غير رجعة يدور ~~تفكيره. ~~••• # وعلى أساس هذا الفهم لطبيعة الثورة - في علاقتها بالتمرد الأصيل الذي نبعت عنه - يحكم ~~كامي على الثورات السياسية التي عرفها الغرب في القرنين الأخيرين؛ فالثورة الفرنسية ~~عندما قتلت الملك، كانت في واقع الأمر قضاء على الآلهة، وتحريرا للإنسان من ربقتها؛ ~~لأنها قضت على «فكرة» الملك، أي على رمز السلطة الإلهية. وهكذا لا ينظر كامي إلى هذه ~~الثورة الحاسمة إلا من خلال هذه الصورة الرمزية، ويتجاهل أبعادها الاجتماعية الهائلة ~~الأخرى، إن لويس السادس عشر - في واقع الأمر - لم يكن أول ملك يقتل، ولكنه كان أول ~~ملك تقتله الجماهير، والثورة ذاتها لم تكن أول محاولة لتغيير نظام الحكم بالقوة، ولكنها ~~كانت أول محاولة ناجحة قامت بها جموع شعب مضطهد جائع للاستيلاء على السلطة، وإقرار حكم ~~مبني على قيم جديدة، وحين يستعرض المرء أمام ناظريه مجموعة الأحداث الضخمة التي صاحبت ~~قيام هذه الثورة، ينبغي أن يكون أقل الأمور شأنا بالنسبة إليه هو صورة قتل الملك بوصفه ~~رمزا لسلطة الألوهية، وإنما الواجب أن تحل محلها صورة الملك من حيث هو رمز لطبقة ~~اجتماعية ظلت تتحكم في التاريخ الغربي كله حتى ذلك الحين؛ فالدلالة الاجتماعية لمقتل ~~الملك، ولاستيلاء الطبقة الدنيا - لأول مرة - على مقاليد الحكم - ولو بصفة مؤقتة - هي ~~أبرز الصور التي توحي بها الثورة الفرنسية، أما الصورة التي استحوذت على تفكير كامي، ~~فأهميتها ثانوية إلى حد بعيد. # على أن كامي لا يكتفي بذلك في حكمه على الثورة الفرنسية، بل إنه ينظر إلى قتل الملك ~~على أنه رمز «للجريمة»؛ فهو في رأيه دليل على التطرف الذي يصيب الإنسان عندما تتحول روح ~~التمرد فيه من حالة ذهنية إلى ثورة سياسية، ومن المؤكد أن هذا الحكم على قتل الملك ms386 بأنه ~~رمز للجريمة ومظهر للتطرف لا يصدر إلا عن ذهن يتجاهل كل المظاهر الأخرى «للجريمة» قبل ~~قتل الملك، أعني الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، والفقر والجوع والمرض، وكل ما كان ~~يعانيه الذين قتلوا الملك من ويلات، وما وقع عليهم من جرائم حقيقية، تفوق تلك التي ~~أصابت الملك وكل ضحايا الثورة الفرنسية، الظالمين منهم والأبرياء ألوف المرات، فأقل ما ~~يمكن أن يحكم به على نظرة كامي هذه إلى الثورة هو أنها نظرة أرستقراطية محدودة أو ضيقة ~~الأفق. ~~••• # ولكي نتابع تفكير كامي في النتائج التي ترتبت على «الجريمة» الأولى - التي أذنت ~~بانبثاق عهد الثورة السياسية في العصر الأخير - علينا أن نتساءل: ما دلالة هذا الحادث ~~الرمزي الضخم، حادث مقتل الملك، أي القضاء على رمز السلطة الإلهية، في مطلع الفترة التي ~~سادتها روح التمرد؟ لقد كان القضاء على السلطة الإلهية، وبالتالي التحرر من قيود الدين، ~~إيذانا ببدء تحول ضخم؛ ففي العصور الدينية ، يسود معنى الأزلية، ويتضاءل تأثير التاريخ ~~والزمانية. وإذن فقد كان مقتل الملك - وهو رمز السلطة الإلهية - إيذانا باستهلال عهد ~~جديد، اختفت فيه فكرة الأزلية، وتحكمت فيه فكرة التاريخ، وفي ظل سيطرة «التاريخ» هذه ~~استبيحت الجريمة وانتهى عهد المسالمة الذي ساد البشرية عندما كان كل شيء يقاس بمقاييس ~~أزلية. ولا جدال في أن تفكير كامي في هذا الصدد يبدو غامضا، وربما استغلق تماما على ~~الفهم، إن لم نوضح معنى «التاريخ» عنده، ونحدد طبيعة الارتباط الذي يقول به بين التاريخ ~~وبين سيطرة العنف على سلوك البشر. # إن اختيار الإنسان للتاريخ يعني اختياره للعدمية الأخلاقية؛ ففي ظل الأزلية كان كل ~~شيء يخضع لقواعد محتمة لا يضل الناس طريقهم إليها، أما في ظل التاريخ، فإن صرامة الحركة ~~الزمانية تجرف أمامها كل شيء، وهكذا يصبح الهدف هو «الفعل» بلا قواعد ولا مبادئ ~~أخلاقية، وعندما أصبح التاريخ هو المسيطر على أذهان البشر - في القرن التاسع عشر - ~~أصبحت روح التمرد فيهم تستهدف الفعل المطلق، دون أن يحدها حد أو يقف في وجهها ~~عائق. # ولقد اتخذت سيطرة التاريخ شكلين، أدى ms387 كل منهما إلى نوع مختلف من «الجريمة»؛ فالتاريخ ~~إما أن ينظر إليه على أنه قوة عاقلة، أو على أنه قوة لا عاقلة، في الحالة الأولى أدى ~~التاريخ إلى الثورة الشيوعية، وفي الثانية إلى النازية. # فبفضل تأثير هيجل، أصبح ينظر إلى العقل على أنه القوة المحركة للتاريخ، وترتب على ذلك ~~سيادة النزعة المادية العلمية والنزعة الإلحادية واللاأخلاقية، ووضعت للتاريخ غايات ~~حددها العقل مقدما، ثم أصبح كل شيء يستباح في سبيل تحقيق هذه الغايات. وهكذا تم ~~التحالف بين هذه النزعة العقلية في تفسير التاريخ، وبين الحركة الثورية التي قادها ~~مثقفو القرن التاسع عشر، والتي كانت قبل ذلك الحين حريصة كل الحرص على الارتباط بأصلها ~~الأخلاقي المثالي، وكانت سيطرة أفكار هيجل - بما فيها من معقولية تاريخية صارمة، على هذا ~~الاتجاه الثوري، وتحويلها إياه من منابعه النقية إلى تاريخ العنف - إيذانا بانتصار ~~الأيديولوجية الألمانية، التي سارت في طريق التطرف حتى بلغت قمتها في الثورة الشيوعية ~~الروسية في القرن العشرين؛ «فالقيم لا توجد إلا في نهاية التاريخ، وإلى أن يأتي ذلك ~~الحين لا يوجد معيار ملائم يبنى عليه أي حكم للقيمة، وإنما ينبغي أن يسلك المرء ~~ويعيش من أجل المستقبل، وهكذا تصبح كل أخلاق مؤقتة.» وإذن فالخطر الأكبر - الذي فتحت ~~أبوابه على مصراعيها بفضل تعاليم هيجل - هو أن نعهد إلى التاريخ وحده بمهمة خلق القيم ~~وإقرار الحقيقة، «فعندما يكون من المستحيل فهم أي شيء بوضوح قبل أن تظهر الحقيقة في ضوء ~~باهر - عند نهاية الزمان - فعندئذ يصبح كل فعل مستباحا، وتصبح السيادة للقوة لا ~~ينافسها شيء.» # ويعتقد كامي أن النازية بدورها نتيجة لسيادة فكرة التاريخ على تفكير الإنسان المعاصر، ~~وإن تكن تنظر إلى التاريخ على أنه قوة لا عاقلة؛ «فهتلر» هو التاريخ في أنقى صوره؛ ذلك ~~لأن هتلر كان يمجد الفعل المحض، دون أي أساس أو أي مبدأ يستهدفه ذلك الفعل، وما كانت ~~حياة هتلر، بوصفه حاكما إلا سلسلة من الأفعال، ومن الحركة المتصلة التي لا تتخذ لنفسها ~~أي هدف؛ فالنازية عدم محض بلا أفكار ms388 ولا أهداف، وإنما هي سلسلة من «الأفعال» الوحشية ~~فحسب. ومنذ بداية هذه الحركة لم تكن قد رسمت لنفسها خطة محددة، بل كانت تنتقل من فعل ~~إلى فعل، ومن نجاح إلى نجاح، غير هادفة إلى شيء سوى المزيد من المغامرات فحسب، وفي ظل ~~هذه العدمية المطلقة عاشت النازية حياتها وهي تتصور التاريخ على أنه قوة لا عقل فيها ~~ولا هدف لها، قوة أشبه بالسيل الجارف الذي ينطلق وينطلق ويهدم في طريقه كل شيء، دون ~~غاية توجهه أو خطة تتحكم في مساره. # ومن هنا كانت النازية - في رأي كامي - هي التاريخ في صورته الخالصة، أي من حيث هو فعل ~~محض لا عقل له ولا غاية من ورائه. # وإذن، فسواء أنظرنا إلى التاريخ على أنه يستهدف غاية أحكم وضعها، ويسير بقوانين عقلية ~~صارمة نحو هدف محدد، أم نظرنا إليه على أنه قوة لا عقلية تستهدف الفعل بلا معنى أو ~~غاية، فنحن في الحالتين واقعون في قبضة الإرهاب؛ فالتاريخ المعقول يفرض علينا إرهاب ~~الغاية التي يسعى إلى تحقيقها بأي ثمن، ويستبيح في سبيل بلوغها أي شيء، وينظر إلى ~~مسلكنا الذي نعبر به الهوة بيننا وبين الهدف النهائي على أنه مجرد مرحلة انتقالية ينبغي ~~أن نستحل فيها لأنفسنا كل إرهاب وطغيان من أجل تحقيق هدف التاريخ، والتاريخ اللامعقول - ~~من حيث هو فعل محض - أشبه بجسم ضخم لا رأس له، وفيه يستوي كل شيء طالما أنه يطلق طاقتنا ~~الكامنة، التي تسير في طريق أهوج لا مكان فيه للمبادئ أو القيم، وبالاختصار فسيطرة ~~التاريخ تعني الوقوع في قبضة الإرهاب، سواء أكان هذا الإرهاب عقليا منظما مخططا، أم ~~كان لا عقليا متخبطا أهوج. # على هذا النحو إذن يبدو التاريخ لكامي قوة طاغية تستخدم الثورة السياسية أداة تسحق ~~بها الإنسان، وتقضي بها على روح التمرد الأصيلة فيه، أي على سعي الإنسان إلى التحرر، ~~واحتجاجه على الطغيان في كل صوره؛ فالتاريخ يعني العبودية، وسيطرته على الإنسان في ~~القرنين الماضيين هي التي أدت إلى استباحة «الجريمة» واستفحالها، ومنذ اللحظة التي قضى ms389 ~~فيها الإنسان على الآلهة، وأنهى عهد «الأزلية»، واختار بدلا منها أن يخضع لحكم ~~التاريخ، منذ هذه اللحظة شهدت الإنسانية جريمة تلو الأخرى، وأصبح القتل هو وسيلة ~~الإنسان الكبرى للتعبير عن نفسه. ~~••• # هذه الخواطر التي دارت بذهن كامي عن معنى التاريخ هي في رأيي سلسلة متصلة من ~~المغالطات، بعضها مقصود وبعضها غير مقصود، لكنها كلها تنم عن فكر يفتقر إلى ~~الموضوعية، توقعه تحيزاته في أخطاء لا حصر لها. # فهل بدأ عهد الجريمة وعهد استباحة القتل على نطاق عالمي شامل، منذ اللحظة التي ~~قوض فيها عرش الأزلية الدينية لتحل محلها تاريخية الإنسان؟ وماذا نقول عن جرائم ~~محاكم التفتيش، وغيرها من الجرائم الرهيبة التي كانت ترتكب على أوسع نطاق، وكلها ~~باسم الدفاع عن الأزلية ودعم سلطة الدين؟ وهل كانت جرائم النخاسين وهم يختطفون العبيد ~~وينقلونهم إلى المزارع الأمريكية ليعملوا بلا أجر؛ هل كانت هذه جرائم ارتكبت في ظل ~~سيطرة التاريخ أو روح الثورة التاريخية؟ من المؤكد أن القتل والجريمة قد ارتكبا على ~~نطاق واسع منذ أقدم العهود، دون أن يكون لعهد سيطرة التاريخ أدنى تأثير في نشرها، صحيح ~~أن كامي يفرق بين الجريمة الحديثة وبين الجرائم السابقة، على أساس أن الأولى تتم عن ~~روية وتدبير، وأنها محسوبة ومنظمة، على حين أن الجريمة السابقة كانت انفعالية هوجاء ~~فحسب، ومع ذلك فإن هذه التفرقة تسقط حالما نفكر في طبيعة «الجريمة» في العصور الوسطى ~~الأوروبية مثلا؛ فهناك كان القتل يرتبط بالقداسة، وكان يتم بناء على أحكام ومبررات ~~«منطقية» تصدر من أعلى السلطات؛ فالتاريخ إذن ليس مسئولا على الإطلاق عن الجريمة ~~المدبرة، بل هو وريثها منذ أقدم العهود، وفضلا عن ذلك فليست الجريمة هي القتل وحده، حتى ~~لو كان ذلك القتل جماعيا، بل إن هناك أنواعا من الجرائم لا تقل قسوة عن القتل، ترتد ~~كلها إلى الظلم الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي، وبهذا المعنى الأخير يكون عصر سيطرة ~~التاريخ هو العصر الذي بذل فيه الإنسان أولى محاولاته للتخلص من «الجريمة» بمعناها ~~الواسع. # ومن جهة أخرى، فإن مفهوم «التاريخ» عند ms390 كامي مشوه إلى حد بعيد؛ ذلك لأنه يحمل ~~التاريخ بمعنييه، المعقول واللامعقول، أوزارا هو منها براء؛ فاللامعقولية عند النازية - ~~من حيث هي فعل محض وسلسلة لا تنتهي من المغامرات الهوجاء - لا صلة لها بمعنى التاريخ ~~على الإطلاق، ولم تكن النازية جزءا من تلك الحركة التي استهدفت إقامة مملكة الإنسان ~~على الأرض، بل إن الفلسفة النازية كانت تتضمن عنصر الأزلية، وتدعي الدفاع عن القيم ~~الدينية، وتؤكد أنها ستقيم عالما يدوم إلى الأبد، أما المعقولية التاريخية عند هيجل ~~وتلاميذه - مثل ماركس - فلم تكن تتضمن أية دعوة إلى استباحة كل شيء من أجل تحقيق غاية ~~التاريخ؛ ذلك لأن فكرة «نهاية التاريخ أو غايته» (ولنلاحظ أن كامي في هذا الصدد يتلاعب ~~بمعنيين لكلمة # fin # التي تعني الغاية بمعنى الهدف، وتعني ~~النهاية أيضا) هذه الفكرة هي ذاتها تناقض في الألفاظ؛ لأن التاريخ من حيث هو ظاهرة ~~متطورة دائمة الحركة لا يقبل غاية يتوقف عندها ، قد تكون هذه غاية لمرحلة معينة في ~~التاريخ، ولكنها لا يمكن أن تكون حدا نهائيا تتوقف عنده حركة التاريخ، ومن جهة أخرى ~~فإن ما يسميه كامي باستباحة كل شيء في سبيل تحقيق هذه الغاية، ما هو إلا السعي إلى قهر ~~العقبات التي تحول دون تطور المجتمع نحو تنظيم إنساني أفضل. ~~••• # وإذن فكل تحول للتمرد إلى ثورة سياسية تاريخية هو في رأي كامي انتكاس لروح التمرد ~~الأصيلة في الإنسان، وارتداد من الرغبة في التحرر إلى الوقوع في براثن الطغيان ~~والاستبداد، فما الذي يفعله المتمرد الحر إذن؟ يجيب كامي عن هذا السؤال بقوله: «لو كان ~~للمتمرد أن يشيد فلسفة، لكانت هذه فلسفة الحدود والجهل المحسوب والمخاطرة؛ فمن لا ~~يعرف كل شيء لا يستطيع أن يقتل كل شيء. إن المتمرد بدلا من أن يجعل من التاريخ قوة ~~مطلقة، يرفضه ويعترض عليه باسم مفهوم يكونه عن طبيعته الخاصة، وهو يرفض موقفه، وهذا ~~الموقف تاريخي إلى حد بعيد ... ومن المؤكد أن المتمرد لن يستطيع أن ينكر التاريخ المحيط ~~به؛ فمن خلاله يسعى إلى تأكيد ذاته، غير ms391 أنه يشعر إزاءه بمثل ما يشعر به الفنان إزاء ~~الواقع الذي يواجهه، فهو يزدريه دون أن يهرب منه.» # فالخلاص من المشكلات التي جلبها علينا طغيان التاريخ إنما يكون إذن في «الاعتدال»، أي ~~نبذ التطرف الذي يدعي معرفة كل شيء، والذي يحدد لكل شيء غاية ثم يستبيح لنفسه كل شيء ~~في سبيل بلوغها، ولا بد للتمرد من أن تكون له حدوده، ويعود إلى الأصل الروحي الذي ~~استلهمه في البداية، والواقع أن كامي يمجد فكرة «الاعتدال» أعظم التمجيد، ويرى أنها هي ~~ما يحتاج إليه الإنسان المعاصر حقا، وهو في هذا الصدد يضع تقابلا بين روح البحر ~~الأبيض المتوسط - بما تتسم به من اعتدال وسعة أفق - وبين الروح أو الأيديولوجية ~~الجرمانية بما تتسم به من تعصب وتطرف، وعلى حين أن الكثيرين يتوهمون أن التمرد نقيض ~~الاعتدال، فإن كامي يؤكد أن المتمرد الحق هو ذاته المعتدل، فهو يأبى أن يؤله ذاته، أو ~~أن يمضي في أي شيء إلى حد التطرف، وهو لا يصل أبدا في تمسكه بوجهة نظره - أو في ادعائه ~~المعرفة - إلى حد السعي إلى القضاء ماديا على كل من يخالفه، أو يقف في وجه ~~آرائه. # وبهذا المعنى يمكن القول إن كتاب «المتمرد» بأسره إنما هو رد فعل على النظريات ~~«الشمولية» في الأيديولوجيات المعاصرة؛ فمن السهل على الإنسان في عصرنا هذا أن يكون ~~متطرفا، وأن ينحاز بكل عنف إلى طرف معين ويعادي الأطراف الأخرى، ويحاربها بكل ما يملك ~~من قوة، ولكن أصعب الأمور هي أن يكون المرء معتدلا، وأن يعيش داخل حدود تفرضها إرادته، ~~ويعرف هذه الحدود عن وعي يلتزمها على الدوام، وكما احتج المفكر الدنمركي «سورين ~~كيركجورد» على شمولية المذهب العقلي عند معاصره الألماني هيجل، فإن كامي يعبر في كتابه ~~هذا عن احتجاج مماثل على الأيديولوجيات الموروثة عن هيجل، والتي تأثرت بالفيلسوف ~~الألماني الكبير في نظرته الشمولية إلى العالم؛ ذلك لأن الغاية القصوى لهذه ~~الأيديولوجيات هي تحويل روح التمرد الأصيلة في الإنسان إلى ثورة سياسية لا تعرف حدودا ~~إلا ما تقتضيه حركة ms392 التاريخ، وفي سبيل ذلك يستحيل كل شيء، وتستباح «الجريمة» التي أصبحت ~~الطابع المميز للسياسة المعاصرة. # ومن المؤكد أن روح «الاعتدال» التي يدعو إليها كامي، لو كانت ممكنة في عصرنا الحالي، ~~لكانت بالفعل شيئا يستحق الإعجاب، غير أن التجارب العملية للثورات الحديثة أثبتت أن ~~هذا «الاعتدال» مستحيل التحقيق في كثير من الأحيان، فماذا يفعل الثائر حين يجد خصوم ~~الثورة يسلكون مسلك الوحوش الضارية في التنكيل بالأحرار، وفي الدفاع عن مصالحهم ~~الأنانية، والوقوف في وجه كل اتجاه إلى التحرر؟ وماذا يفعل الثائر حين توصد أمامه كل ~~أبواب الاعتدال؟ من المؤكد أن الجزء الأكبر من التطرف الذي يعيبه كامي على الثورات ~~الحديثة إنما يرجع إلى طبيعة المقاومة التي تواجهها هذه الثورات، لا إلى انحراف في ~~الثورات ذاتها، وغالبا ما يكون التجاء الثائر إلى العنف أمرا تمليه عليه طبيعة الخصم ~~الذي يواجهه، ويفرضه عليه هذا الخصم رغما عنه، أما الثائر نفسه فهو - في معظم الأحيان ~~- ذو نفس مفعمة بحب الإنسانية، ولو وجد سبيلا يتسم بالاعتدال لتحقيق أهدافه النبيلة ~~لما تردد لحظة واحدة في أن يسلكه. فالعنف إذن صفة طارئة عليه، تفرضها عليه المقاومة ~~التي يلقاها، وشراسة الخصوم أنفسهم، وفداحة الظلم الذي يتعين عليه أن يحاربه، وعلى أية ~~حال فمهما اتصفت به تصرفات الثائر من قسوة، فلن تكون قسوته هذه شيئا مذكورا بالقياس ~~إلى فظاعة الأوضاع التي يثور عليها. # وبالاختصار فإن التجاء الثائر إلى العنف إنما هو التجاء إلى أسلوب فرض عليه فرضا، ~~وهو في قرارة نفسه يؤثر الاعتدال ويميل إليه، ولكنه لو ظل يتخذه سبيلا إلى تحقيق ~~أهدافه، في مواجهة خصوم خلت نفوسهم من كل روح إنسانية، لكان في ذلك مقصرا في خدمة ~~الرسالة التي آلى على نفسه أن يحققها، ولما استطاع أن يحقق شيئا من مبادئ ثورته وتمرده ~~الأصيل. # | «الحلم والواقع» لبرديايف1 # قد يكون في وسع التفسيرات الاجتماعية أن تعلل ظهور مذهب فلسفي كالوجودية من حيث هو ~~ظاهرة فكرية عامة تتمثل في عصر معين، ولكن هذه التفسيرات تعجز قطعا عن أن تعلل سبب ms393 ~~إيمان هذا الشخص أو ذاك بالمذهب الوجودي؛ فتحمس شخص معين - دون غيره - للمذهب الوجودي ~~هو أمر لا يعلله إلا التكوين الفردي لهذا الشخص، والظروف الفردية التي مر بها في حياته، ~~ومن المؤكد أن مؤلف هذا الكتاب - وهو الفيلسوف الروسي نيكولاي برديايف - هو شخص توافرت ~~له جميع الصفات التي تحتم على المرء - إن كان مفكرا - أن يسير في الطريق الوجودي، ~~والأهم من ذلك أنه يشعر شعورا تاما بوجود هذه الصفات فيه، ويحللها ويعرضها بطريقة ~~دقيقة في كتابه هذا الذي هو ترجمة ذاتية لحياته، وتحليل فكري وفلسفي ونفساني عميق لذاته ~~في نفس الوقت. # فالنزعة الفردية - التي هي من أهم خصائص التفكير الوجودي - تتمثل في برديايف منذ ~~اللحظة الأولى لحياته؛ إذ إنه أرستقراطي النشأة، عرف أفراد كثيرون من أسرته حياة ~~الرهبنة، ويصف هو نفسه نزوعه إلى الفردية وصفا دقيقا، حتى لقد اعترف بأنه يكره ~~التشابه العائلي ويكاد يراه أمرا مشينا (ص14)، وهو اعتراف غريب يكشف لنا عن نفسية بلغ ~~من كراهيتها لأي عنصر مشترك بين الناس أنها تأنف من أن يكون الشخص شبيها بأخيه أو ~~أبيه! # ولكن ربما كان الأغرب من ذلك قول برديايف أنه شعر منذ اللحظة الأولى لولادته بأنه نزل ~~عالما غريبا عنه، وأحس بالتصدع في موقفه من العالم والحياة، وخاض معاركه مع العالم ~~«لا بوصفي إنسانا يريد أو يستطيع أن يغزو هذا العالم ويخضعه لنفسه، بل باعتباري شخصا ~~يريد أن يحرر نفسه من هذا العالم، ويرفض تسلط هذا العالم على حياة الناس» (ص22). ~~وبعبارة أخرى فأنت تشعر منذ اللحظة الأولى أن نزعة برديايف الفردية تصل إلى حد أنه ~~يتمنى ألا يكون إنسانا يعيش في عالم الناس، وإنما كان يود لو كان مخلوقا ملائكيا أو ~~شيئا آخر غير البشر، وليس هذا الذي نقوله مبالغة، وإنما هو أمر يطالعك مرارا على ~~صفحات الكتاب؛ فهو ينفر من الجسد الإنساني ويقول: «وأنا أتمتع بجسد قوي حسن البناء، ~~ولكن أشعر بنفور من وظائفه الفسيولوجية» (ص33). ويقول أيضا: «إن احتياجات الجسد لم ~~تبد لي ذات أهمية ms394 على الإطلاق» (ص35). وهو يصف الجنس بأنه «غير صحي وغير نقي»، وكذلك ~~بأنه «دليل على الوضع الساقط للإنسان» (ص75). ويلخص موقفه في هذه المسألة كلها بقوله: ~~«لم أشعر إطلاقا بأنني جزء من العالم الموضوعي، أو بأنني أحتل فيه مكانا محددا أو ~~مركزا معينا» (ص43). وهذا هو موضع الغرابة في هذا النوع من الكتاب، وهو أيضا موضع ~~الطرافة في قراءة مؤلفاتهم؛ ذلك لأن من صفات الإنسان الحق أنه يود أن يعلو على ~~إنسانيته، غير أن الشخص السوي يفعل ذلك من خلال إنسانيته ذاتها، أعني أنه يتجاوز ~~الإنسان بقدرات الإنسان ذاتها، أما الشواذ من ذوي النزعات الفردية فإنهم يرفضون الوضع ~~الإنساني بأكمله، ويتمنون لو كانوا شيئا أعلى من الإنسان، ولما كانت وظيفة كل فلسفة ~~وكل نشاط روحي بوجه عام، هي أن تحلل مشكلات الإنسان ذاته، بكل جوانبه المادية والروحية، ~~الجسدية والعقلية، وتحاول الإتيان بحلول تلائم الإنسان في وضعه الحالي؛ فإنا نستطيع أن ~~ندرك إلى أي حد تبتعد الفلسفات الفردية المتطرفة عن الهدف الصحيح للفلسفة ذاتها، ومع ~~ذلك فإن هذا الابتعاد ذاته من أسباب طرافة هذه الطريقة في التفكير؛ فهي تمثل تجربة غير ~~مألوفة يستمتع الإنسان بالاطلاع عليها حتى لو لم يكن يقبل كل ما فيها من مضمون ~~فكري. # ويطبق برديايف موقفه العام - وأعني به «رفض العالم» - على مختلف المجالات التي يندمج ~~فيها؛ فهو أولا متباعد عن الحياة: «كنت أشعر دائما بأنني على مسافة مما يدعونه عادة ~~بالحياة، والحق أنني أبغض تلك الحياة المزعومة بغضا إيجابيا» (ص33). وهو ثانيا ~~متباعد عن الناس نفور منهم: «ولقد قطعت صلتي دائما بكل جماعة انتميت إليها، ولم ~~أستطع قط التكيف مع أي تجمع، كما لم أتمكن إطلاقا من مجاراة التيار السائد حولي، أو ~~الخضوع لأي إنسان أو لأي شيء» (ص26). وعندما اندمج - رغما عنه - في تلك التيارات ~~الاجتماعية العاصفة التي اجتاحت روسيا في الربع الأول من القرن العشرين، تصارع في نفسه ~~من المتناقضات ما جعل من المستحيل عليه أن يندمج في أية جماعة أو أي مذهب؛ فهو ms395 أولا ~~أرستقراطي يعتز بأرستقراطيته «ولا مناص من الاعتراف ... بأن طريقة الحياة الوحيدة التي ~~خلقت لها هي حياة الجنتلمان الروسي الريفي، فما زلت - بمعنى من المعاني - أعتز بهذه ~~الحياة وأشعر بالحنين إليها حتى اليوم» (ص27). ولكن لديه من جهة أخرى ميولا اشتراكية ~~حتمتها طبيعة العصر الذي عاش فيه، ولم يستطع برديايف أن يتغلب قط على هذا التعارض بين ~~النزعات المحافظة والارتباطات الإقطاعية، وبين الميول التقدمية الاشتراكية في تفكيره. ~~وفي هذا التعارض نمت شخصيته، وإليه ترجع مأساة حياته. # فهو من جهة عدو للثورة الشيوعية التي نفته من بلاده، ولكنه من جهة أخرى لا يعطف ~~على النظام القديم، ويؤمن بأن ذلك النظام كان يجب أن يزول، وهو أثناء إقامته في ظل ~~النظام الشيوعي، يهاجم الشيوعية بعنف في سبيل الدين، أو في سبيل حرية الروح بوجه عام: ~~«فإذا كنت أعارض الشيوعية، فما ذلك إلا على أساس حرية الروح، لا لأنني أرغب في الإبقاء ~~على هذا النظام الاجتماعي أو السياسي أو ذاك» (ص234). ومع ذلك فإن هذا الذي طرد من ~~روسيا السوفييتية بسبب ميوله الدينية التي كان يدعو إليها علنا في كل اجتماع يقصده، لم ~~يشعر بالراحة في الاجتماعات التي كانت تقيمها الطوائف الدينية في المنفى (ص255). ~~وبالمثل فإنه رغم كونه قد نفي لميوله اليمينية في السياسة، يتحدى شعور المهاجرين ~~أو المنفيين اليمينيين بآرائه اليسارية، ويقف منها موقفا مضادا معاندا، فيقول إن ~~«الموقف الذي اتخذته الغالبية العظمى من المهاجرين يجعل الاتجاه نحو اليسار بالنسبة ~~إليها لا يزيد عن كونه مجرد احترام أولي للذات» (ص270). # وهذه الفقرة الأخيرة تكشف عن صفة أساسية في شخصيته، هي المخالفة لأجل المخالفة؛ فهو ~~مع الماديين متدين، ومع المتدينين مخالف للدين، وهو بالنسبة إلى عائلته المحافظة ~~الرجعية ثائر سياسي، وبالنسبة إلى الثوار محافظ رجعي، والذي يحدث عادة هو أن النقاد ~~يصفون هذا النمط من الناس بأنه لا يريد أن يكون في هذا الجانب أو ذاك، وإنما يريد أن ~~يكون نفسه فحسب، ومع ذلك فالأمر يصل ببرديايف إلى حد ألا يكون نفسه ms396 أيضا؛ فهو في كل ~~أوصافه لذاته يبدي عدم الرضا عن نفسه، ولا يفخر بشيء من خصاله، وكتبه كلها لا تعجبه ~~فيؤكد «أن شيئا منها لا يرضيني في نهاية الأمر»؛ فهو إذن شخص نافر حتى من نفسه، ولعل ~~هذا ما يفسر قوله إن ميوله الحقيقية تتجه نحو الفوضوية (ص307)، وتأكيده قرب نهاية ~~الكتاب أنه يجد نفسه «ممزقا»، ولا يرى حلا قاطعا حاسما (ص312). # فإذا حاولنا أن ننفذ إلى شيء من المضمون الفعلي لتفكيره من وراء هذا التمزق والتناقض ~~الذي لا يحل؛ لوجدنا فكرة أساسية تتردد في كل تعبير له عن فلسفته الخاصة، هي فكرة ~~الحرية، ومن الطبيعي - بعد كل ما رأيناه عن تكوين برديايف النفسي ومزاجه الشخصي ونظرته ~~العامة إلى الحياة - أن تكون فكرته عن الحرية فكرة غير مألوفة على الإطلاق؛ فهو أولا ~~يحدد موقعها العام في فلسفته فيقول: «فالحرية هي المصدر الأول للوجود وشرطه، ولقد وضعت ~~الحرية بدلا من الوجود في أساس فلسفتي» (ص55). ثم يبدأ في تحديد مفهوم الحرية عنده ~~فيقول: «وقد وجدت من نفسي الشجاعة في الإعراض عن أشياء كثيرة في الحياة، ولكنني لم ~~أتخل مطلقا عن أي شيء باسم الواجب أو خضوعا للأوامر والنواهي»؛ ففهمه الخاص للحرية ~~إذن يعد الخضوع للواجب قيدا ثقيلا يتنافى مع الحرية الصحيحة، ويبدو هذا الفهم غريبا ~~من الوجهة الفلسفية إذا أدركنا أن فيلسوفا مثل «كانت» يرى أن الحرية تتمثل أوضح ما تكون ~~في أداء المرء للواجب، ويضع مجال الواجب والحرية في مقابل مجال الطبيعة والحتمية، ~~ويزداد العجب إذا أدركنا أن برديايف - الذي ينادي بحرية يعد أداء الواجب عبودية ~~بالنسبة إليها - من أشد المعجبين ب «كانت»، وبتمييزه الأساسي بين نظام الطبيعة ونظام ~~الحرية. # وهو ينزع عن الحرية أي مضمون سياسي أو اجتماعي؛ فالحرية عنده «ليست ديمقراطية بل ~~أرستقراطية، (وهي) لا تعني الجماهير الثائرة وليست ضرورية لها، بل إن عبء الحرية أثقل ~~من أن تحتمله تلك الجماهير، والوجود الإنساني خاضع لرمزي الخبز والحرية ممزق بهما، ~~والثورات في أغلب الأحيان ترفض الحرية باسم الخبز» (ص223). ms397 ولا مفر لي هنا من أن ~~أتساءل: لماذا نضع هذا التقابل الأساسي بين الخبز والحرية؟ أليس الخبز ذاته حرية؛ أعني ~~تحررا من الجوع، وهو أول أنواع التحرر، والشرط الذي لا غناء عنه لاكتساب أي نوع آخر من ~~الحرية؟ وما قيمة الحرص على حرية الثقافة وحدها إن لم يكن الخبز موجودا، أعني إذا كانت ~~الأغلبية جائعة؟ لنفرض أن مثقفا مخلصا خير بين هذا الأمر وذاك، فأيهما ينبغي عليه ~~أن يختار؟ إن أفضل الأمور - بطبيعة الحال - هو الجمع بين الحريتين، ولكن ينبغي أن نذكر ~~على الدوام أن الخبز ليس مضادا للحرية وإنما هو شرطها الأساسي، وإن على المثقف أن ~~يحارب في سبيله مثلما يحارب في سبيل أية حرية أخرى. # ومن الطبيعي - ما دامت هذه هي طريقة برديايف في فهم فكرة الحرية - ألا يجد مكانا ~~لنفسه بين كل جماعات الثائرين الذين نادوا بشعار الحرية في أوائل القرن العشرين. ~~والواقع أن كتابه هذا وثيقة هامة في تاريخ الفترة التي سبقت الثورة الروسية، وكذلك ~~الأعوام الأولى من هذه الثورة. صحيح أن هذه الوثيقة قد كتبها شخص له ميول فردية واضحة، ~~ولكن الأهم من ذلك أنه شخص شارك في الأحداث ذاتها إلى حد ما، كتب بإخلاص وأمانة يندر أن ~~يكتب بهما من شهد تلك الأيام العصيبة من تاريخ روسيا الحديث، ولا أدل على ذلك الإخلاص ~~من شعور الحنين الذي يظهر في كتابه بصورة ضمنية مستترة، والذي يأبى أن يعلنه في ذلك ~~الكتاب جهرا - أعني الحنين إلى بلاده، والرغبة الخفية في مشاركتها مصيرها أيا كان - ~~وولائه لهذه البلاد أيام محنتها أثناء الهجوم النازي، على عكس معظم المهاجرين الروس، ~~ونفوره الواضح من التعقيدات النفسية التي تتحكم في سلوك هؤلاء المهاجرين. # ومع ذلك فإن برديايف لم يكن من النوع الذي يقبل أن تستقر الأمور في أي وضع، حتى لو ~~كان وضعا ثوريا تمناه هو ذاته منذ البداية، إن في نفسه عنصرا فوضويا اعترف به هو ~~ذاته حين قال: «إن ميولي الكامنة في أعماق نفسي تتجه نحو الفوضوية» (ص307). وهذه ms398 الميول ~~الفوضوية تجعله ينزع إلى المضي في الثورة إلى ما لا نهاية، ويرى أن الثورة التي تنجح ~~شيء مناقض لذاته؛ لأنها ستصبح نظاما قائما ثابتا، وتفقد طبيعتها من حيث هي ثورة، ~~ولكن الشيء الذي فاته هو أن الثورة المستمرة بدورها مناقضة لذاتها؛ إذ إنه سيتعين عليك ~~أن تثور على ما كنت تتخذه في البداية هدفا ومثلا أعلى تسعى إلى تحقيقه، إنه يود أن ~~يثور على كل نظام، حتى لو كان ذلك الذي دعا إليه طوال حياته؛ إذ إن لديه ميلا شخصيا ~~إلى التمرد على كل ما هو ثابت «وقد انبثق الدافع الثوري عن عجز فطري عن الخضوع لنظام ~~العالم والانصياع لمطالبه؛ فلهذا الدافع إذن دلالة شخصية في المقام الأول لا دلالة ~~اجتماعية. لقد كنت معنيا بثورة الشخص الإنساني لا بثورة الشعب أو الجماهير» (ص113). ~~وهو يزيد فكرته هذه إيضاحا فيقول: «كل ثورة سياسية تنهار بسبب انتصارها نفسه؛ فلا ~~بد أن يكون موضوع الثورة الحقيقية هو الإنسان لا الجماهير أو السلطة السياسية، ~~والثورة الشخصية هي وحدها التي يمكن أن تسمى ثورة»، ولكن كيف يترجم هذا الكلام إلى ~~لغة الناس والمجتمع؟ وماذا تكون قيمته إذا حاولنا أن نطبقه على مستوى الشعوب أو الدول؟ ~~ألا يرحب أكثر الناس رجعية بهذا الرأي الذي يريد أن يحصر الثورة في نفس الفرد وحده، ولا ~~يقبل أي مظهر اجتماعي أو جماهيري من مظاهرها؟ لا شك أن هذه الآراء كانت كفيلة بإسعاد ~~قيصر روسيا إلى أقصى حد، لو كانت هي التي طبقت بالفعل؛ فالثورة الفردية قد لا ~~تتعارض قط مع الرجعية الاجتماعية، وهي دعوة لا تقبل الترجمة إلى لغة المجتمع. # على أن أكمل تعبير عن موقف برديايف من العالم هو ما يسميه بنزعته الأخروية؛ فالقوة ~~الدافعة الأولى إلى هذه النزعة هي شعور بالسخط على العالم والسأم منه: «أهذا العالم ~~الساقط المنكوب ... يمكن أن يمتلك واقعا صادقا أصيلا؟ أليس الإنسان مدفوعا بطبيعة ~~الأشياء نفسها للبحث عن واقع يعلو على هذا العالم؟» وهكذا ترتبط النزعة الأخروية ~~والدينية برفض أساسي للعالم، ms399 وبإحساس قوي بأنه لا يجد لنفسه مكانا فيه، وهو إحساس ~~ولده الإخفاق في التكيف مع أي وضع وأي مذهب؛ فمن الطبيعي أن يلجأ ذلك المغترب في هذا ~~العالم، إلى عالم آخر يلوذ به ويركز أفكاره فيه، ويتخذه مهربا من كل ما يراه في عالمنا ~~من «الحقد والقسوة والأنانية» (ص286). # إن عنصر الطرافة والتشويق في هذا الكتاب هو أنه وصف بليغ دقيق وتحليل بارع لنفسية شخص ~~أخفق تماما في التكيف مع أسرته ومجتمعه وعصره، بل مع الحياة ذاتها، ولقد ذكرت من قبل ~~أن في كتاباته شواهد تدل على أنه كان يتمنى ألا يكون إنسانا، ويود في قرارة نفسه لو ~~كان ينتمي إلى عالم يعلو على عالم الإنسان، ومع ذلك ففي نفسيته عنصر يصعب تعليله، وهو ~~حبه للحيوانات، الذي وصل إلى حد بكائه بشدة عند موت قطه الأليف، وموضع الغرابة هنا أن ~~يتمثل هذا الحب الهائل للحيوان لدى ذلك الذي كان يكره الجسد ووظائفه الفسيولوجية وينفر ~~منهما أشد النفور، ولكن ربما كانت هذه الظاهرة تخضع لنفس التعليل، أعني كراهيته لعالم ~~الإنسان ، ورغبته في الهروب منه إلى مستوى أعلى أو مستوى أدنى من مستويات الحياة. # | أفق جديد للفلسفة1 # سوزان لانجر والفلسفة الوضعية # لا يتمثل تقدم التفكير الفلسفي في كشف حقائق جديدة، بقدر ما يتمثل في إلقاء ضوء جديد ~~على الحقائق الموجودة المعروفة من قبل؛ ذلك لأن قدرة الفلسفة لا تمتد إلى مجال الخلق ~~والإبداع، بقدر ما تنصب على التحليل والتفسير والفهم، وإذا كانت عهود التفكير الفلسفي ~~القديمة والوسيطة قد أخطأت في شيء، فإنما كان خطؤها في عدم إدراك هذه الحقيقة الأساسية، ~~بحيث توهمت أن الفكر وحده قادر على أن يخلق بقواه الخاصة معرفة جديدة، وظنت أن العقل ~~إذا مارس فاعليته على ذاته وحدها - في التفكير الفلسفي المجرد - كان كفيلا بأن يستخلص ~~من ذاته علما كافيا بالعالم، على أن انتهاء هذه العهود الغابرة كان إيذانا بارتداد ~~العقل إلى صوابه، وبإدراك الفلسفة لحدودها ولطبيعته الحقة، وهي أنها ضوء كشاف يلقيه ~~العقل على ظواهر كانت موجودة ms400 من قبل، أو استمدت من أحد المصادر المتعددة للتجربة ~~البشرية. # ومنذ ذلك الحين، اعتادت أذهاننا أن تقيس كل فلسفة جديدة تبعا لقدرتها على تفسير ~~جوانب متعددة من التجربة البشرية، أو على إلقاء الضوء على مظاهر متباينة للنشاط ~~الإنساني. # وهكذا توجه الفلسفة في كل عصر أسئلتها وتحدد مشكلاتها على النحو الملائم لذلك العصر ~~ذاته، أما ردودها على هذه الأسئلة أو حلولها لهذه المشكلات؛ فليست في واقع الأمر «لب» ~~فلسفة العصر. # إن طريقة وضع المشكلة وصياغتها - أعني طريقة النظر إلى الحقائق المعروفة من قبل - هي ~~التي تحدد روح الفلسفة، وتعبر عن عبقرية العصر، وقد تظل المشكلة الفلسفية واحدة على ~~مر عصور متعاقبة، ولكن طريقة التساؤل واتجاه الذهن الباحث عن حل لها تختلف من عصر إلى ~~آخر، ويعبر اختلافها عما هو أصيل في روح كل عصر. # فلكل فترة رئيسية من فترات التفكير الفلسفي أفكارها الخصبة القادرة على التوليد، وهذه ~~الأفكار ليست حلولا للمشكلات، وإنما هي الإطار الذي تصاغ فيه المشكلات وتحدد خلاله ~~معالم تفكير الفيلسوف؛ ففي العهد اليوناني منذ سقراط كانت فكرة «الغائية » و«الخير ~~الأقصى» هي المحور الذي يدور حوله التفكير، ولم تكن هذه الفكرة تمثل إجابة محددة على ~~الأسئلة التي تطرأ على ذهن الفيلسوف، وإنما كانت هي القالب الذي يشكل طريقة الفيلسوف في ~~خوض المشكلات ويوجه حلولها. وفي العصر المسيحي كانت معاني الخطيئة والخلاص واللطف ~~الإلهي - مثلما كانت معاني العقل والنقل والحكمة والشريعة في العصر الإسلامي - هي التي ~~تلهب في الفلاسفة حماسة التفكير، وعن طريقها صيغت المشكلات صياغة جديدة، واكتسبت ~~الحقائق المعروفة لونا لم يكن معهودا من قبل، وكان من الضروري أن تتأثر الحلول بهذه ~~الوجهة الجديدة التي سار فيها العقل بفضل هذه الأفكار السائدة، وفي العصر الديكارتي ~~أصبحت المشكلات تصاغ من خلال فكرة الذات والموضوع، وثنائية الفكر والامتداد، والتجربة ~~الباطنة والظاهرة، وصارت الفلسفة تنويعا لهذه النغمة السائدة، أو عزفا على هذا الوتر ~~الرئيسي. ~~••• # فما هي الأفكار التوجيهية السائدة في العصر الحالي، وما هي القوالب الجديدة التي يشكل ~~بها الإنسان تجاربه المألوفة ms401 في هذا العصر، لكي يمارسها على نحو يتلاءم مع طبيعة حياته ~~الجديدة؟ حول هذا الموضوع يدور كتاب المؤلفة الألمانية الأصل الأمريكية الجنسية، سوزان ~~لانجر بعنوان «الفلسفة من منظور جديد». # 2 # وقد ظهر الكتاب لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت الشهرة التي اكتسبها منذ ~~ذلك الحين دليلا على أنه أشار بالفعل إلى منظور جديد للفلسفة أو إلى زاوية جديدة إذا ~~تأملنا من خلالها مشكلاتنا المألوفة أصبحت تبشر بعهد جديد من التفكير الخصب ~~الخلاق. # ولكي ندرك طبيعة هذا المنظور الجديد، ينبغي أن نتأمل أولا طبيعة الاتجاه الفكري ~~السائد في عصرنا هذا. إن حضارتنا في هذا العصر حضارة علمية قبل كل شيء، وفي هذه الحضارة ~~العلمية أصبحت الفكرة التوجيهية المسيطرة على الأذهان هي فكرة «الواقعة»، وأصبحت ~~ملاحظات الحواس التي كان الأقدمون ينبذونها ويعدونها أساسا خداعا للمعرفة هي أداتنا ~~الرئيسية للاتصال بالعالم. إنه عصر تسيطر عليه النزعة التجريبية، وتعبر عن روحه تلك ~~الفلسفات التي ترد كل شيء إلى ما يمكن ملاحظته أو تحقيقه بالتجربة. # ومن هنا كانت الوضعية المنطقية معبرة عن كل شيء أساسي في حياة الإنسان الحديث: هو ~~رفضه الاعتراف بأي شيء سوى ما يتمثل للملاحظة بوضوح، أو ما يمكن تحقيقه بالتجربة على ~~نحو حاسم؛ فكل ما لا يمكن تحقيقه أو تفنيده، هو - في رأيها - كلام لا معنى له، أو ~~«قضايا مزعومة» لا يصح أن نصفها بأنها خطأ أو صواب؛ لأنها كلام يستحيل التفكير ~~فيه. # على أن صفة التجريبية أو الوضعية المتطرفة هذه - في العصر الذي نعيش فيه - إنما هي ~~انعكاس لنوع من الهزال الروحي للإنسان الحديث؛ فمن نتائجها أن يصبح الفن والشعر ~~والميتافيزيقا مجرد تعبيرات عن انفعالات ومشاعر رغبات خارجة عن عالم المعنى ولا تدل على ~~أفكار، وإنما هي أغراض معينة للحياة الباطنة، شأنها شأن الضحك والبكاء، إنها صيحات ~~انفعالية، تعبر عن مشاعر معينة لدى صاحبها، وتثير فينا مشاعر مماثلة، ولكنها لا تمدنا ~~بأية معرفة، ولا تفتح أمامنا أفقا جديدا في فهم العالم أو الإنسان، ولا تقرر في واقع ~~الأمر شيئا ms402 له مدلول. # وهكذا تبلغ عقيدة «الوقائع» وعبادة التحقيق والملاحظة حدا يؤدي إلى استبعاد أوجه ~~للنشاط الروحي كانت لها في حياة الإنسان - وما تزال - أهمية قصوى. # وعلى ذلك فإن أية نظرة متكاملة إلى الإنسان - أعني نظرة تضم أوجه النشاط الإنساني ~~كلها في وحدة واحدة، ولا تضع بينها حواجز ولا تفرق بين مراتبها - ينبغي أن تدخل ~~الفن والشعر والميتافيزيقا وطقوس العبادة في عالم المعنى، عالم التجارب التي تضفي ثراء ~~على حياة الإنسان، وتوسع أفقه الروحي، وتزيد من فهمه لنفسه وللعالم المحيط به، ولكي ~~يتحقق هذا الهدف، فلزام علينا أن نعيد النظر في فكرة المعنى والدلالة ذاتها، وفي المجال ~~الذي يصح أن يقال إن نشاطنا فيه يوسع نطاق معرفتنا وفهمنا للأمور، أي أن نتأمل عقل ~~الإنسان ونشاطه الروحي من منظور جديد. ~~••• # إن الإنسان كائن يعيش في عالم من الرموز والمعاني، أكثر مما يعيش في عالم من ~~الإحساسات؛ «ففي استطاعة شخص مثل هيلين كيلر، حرم السمع والبصر، بل شخص لا يملك ~~إلا حاسة واحدة هي اللمس، أن يعيش في عالم أوسع وأغنى من ذلك الذي يعيش فيه أي حيوان ~~يملك كل حواسه المرهفة.» # وهكذا يمكن القول إن أهم ما يميز الإنسان عن الحيوان هو قدرته على صنع الرموز، وهي ~~القدرة التي تتبدى أساسا في اللغة، التي خلقت للإنسان عالما فريدا لا يشاركه فيه ~~كائن آخر، وفتحت أمامه أبواب السيطرة على الكون. إن عملية صنع الرموز هي النشاط ~~الرئيسي المميز للإنسان، وهي العملية الذهنية الأساسية التي تستمر بلا انقطاع. # وإذا كانت عملية خلق الرموز وإضفائها على العالم مستمرة لا تنقطع، فليس لنا أن نقصرها ~~على وجه واحد من أوجه فاعلية الذهن البشري كالتفكير؛ ذلك لأن للذهن أوجه نشاط أخرى غير ~~التفكير، وإن يكن هذا الأخير هو أهم هذه الأوجه وأبعدها أثرا في حياة الإنسان، وكل هذه ~~الأوجه الأخرى حافلة بالمعاني، وإن تكن هذه المعاني من نوع مخالف لذلك الذي ينتجه الذهن ~~المفكر؛ فالإنسان في سعي دائم إلى التعبير عن نفسه، وإذا كان التعبير الفكري هو ms403 أوضح ~~مظاهر هذا السعي فليس معنى ذلك أنه الوحيد، وإنما يعبر الإنسان عن نفسه في مظاهر أخرى ~~متعددة، منها ما يتم في اليقظة، ومنها ما يتم في المنام، وقد لا يكون لنشاطه هذا أي غرض ~~عملي ملموس؛ لأن الطاقة الذهنية الفائضة، والثروة المختزنة في الروح الإنسانية ستنطلق، ~~سواء أكان لانطلاقها هدف علمي أم لم يكن. # وعلى ذلك فإن عالم المعاني أوسع نطاقا بكثير من عالم اللغة؛ فمع اعترافنا بأن اللغة ~~هي أهم مظاهر نشاط الذهن البشري في اتجاهه إلى التعبير عن نفسه تعبيرا ذا معنى، ينبغي ~~أن نعترف في الوقت ذاته بأن نطاق التعبير ذي المعنى - في الإنسان - أوسع كثيرا من نطاق ~~اللغة. إن الحلم ذاته قد يكون تعبيرا له معناه - من خلال رموز معينة - عن تجارب بشرية ~~حقيقية، وما كشوف التحليل النفسي بأسرها إلا تأكيد لهذه الفكرة، أعني فكرة ضرورة إدخال ~~الأحلام ضمن أوجه النشاط البشري ذات المعنى والدلالة، وعدم الاستخفاف بها أو استبعادها ~~بحجة أنها أخيلة جوفاء متخبطة لا دلالة لها. # صحيح أن تعبير الحلم لا يقاس بمقاييس المنطق اللغوي؛ لأنه لا يتضمن «قضايا» يمكن ~~تطبيق معايير التحقيق عليها، غير أن المنطق اللغوي كما قلنا لا ينتظم مجال المعنى ~~بأسره، وبالتالي فإن معاييره ليست هي الحدود القصوى للمعقولية، وهكذا يتفتح أفق جديد ~~ضخم أمام العقل البشري في اللحظة التي يبحث فيها احتمال كون عالم المعنى أوسع من عالم ~~الفكر اللغوي أو المقالي # discursive ~~، وحين يبدأ في تأمل ~~نواتج الروح البشرية على أنها تعبيرات لها معناها، ولكن بطريقة خاصة غير لغوية، عن ~~تجارب إنسانية أصيلة، وليست مجرد رجوع إلى حالة سابقة على المنطق، أو مظاهر لعالم غامض ~~مبهم من التجارب المجهولة التي لا يدركها وعينا، ولا يمكن نقلها إلى وعي الغير. ~~••• # فلنتأمل ما يحدث بين الشعوب البدائية حين يقوم أفرادها بنشاط مثل أداء الشعائر ~~والطقوس، إن هذا النشاط ليس في هذه الشعوب لهوا ولا مرحا على الإطلاق، وإنما هو نشاط ~~جاد تماما، وقد يتخذ صورة قاسية عنيفة، كما في ms404 احتفالات الوصول إلى سن البلوغ، حيث يمر ~~الشبان بمحن أليمة قد تودي أحيانا بحياتهم، كذلك فإنه ليس نشاطا يستهدف غاية عملية ~~مباشرة في حياة هذه الشعوب، وإنما هو أساسا محاولة بدائية ساذجة لفهم العالم والتماس ~~التوجيه في السلوك، وهو مظهر لبداية التفكير الجاد في العالم، وعلامة على بزوغ التبصر ~~الخلاق للناس بالحياة، إنه ينبثق عن حاجة أساسية لدى الإنسان، وهو نشاط تلقائي صرف، لا ~~يدفعه شيء سوى النزوع إلى التعبير الرمزي عن تجارب لا يمكن التعبير عنها بأية وسيلة ~~أخرى؛ فهو إذن حافل بالدلالة، جدير بالانتماء حقا إلى عالم المعنى. # ومثل هذا يقال عن الأساطير؛ فهي ليست مجرد مظاهر لقصور العقل أو لسيادة الجهل في شعب ~~بدائي، وإنما هي محاولة للإطلال على الحياة والكون من خلال أفكار سياسية كالقوة ~~والإرادة والموت والحياة. وهكذا يرى الإنسان البدائي في كل موضوع يحيط به معاني رمزية، ~~فينسب إلى هذا الموضوع دلالة صوفية، ويراه بالفعل معبرا عن مخاوفه أو آماله أو مثله ~~العليا. # إن العالم يتحول - من خلال الأسطورة - إلى مجموعة من المعاني الذاتية التي هي أساسا ~~مظاهر لنزوع الذهن - في أول مراحله - إلى الفهم. # ولو بحثنا في أية أسطورة عن دلالات حرفية مباشرة؛ لوجدناها بالطبع مدعاة إلى السخرية، ~~ولكن هذه الطريقة في تأمل الأسطورية تفوت علينا فهم دلالتها الحقيقية، وهي الدلالة ~~«الرمزية»، التي تتحول فيها قوى الطبيعة إلى رموز حافلة بالمعاني المعبرة عن أعمق ما في ~~النفس البشرية في هذه المرحلة من تاريخها. ~~••• # أما الميتافيزيقا، فقد قيل عنها إنها لا تقرر شيئا، وأكد كارناب # Carnap # وفتجنشتين # Wittgenstein # أن ~~قضاياها ليست صادقة ولا كاذبة، وأنها بالتالي تخرج عن نطاق عالم المعنى، وإنه لعسير على ~~الإنسان أن يرى ميدانا كاملا من ميادين الفكر البشري - هو في الوقت ذاته واحد من أقدم ~~ميادين هذا الفكر - يستبعد بهذه السرعة وهذه السهولة، من مجال ما له معنى من نواتج ~~الذهن الإنساني، فهل كان النشاط الذي مارسه العقل البشري طوال هذه القرون، والمذاهب ~~العديدة التي عبر فيها عن أفكاره ms405 الميتافيزيقية؛ هل كان ذلك كله شيئا لا معنى له؟ ~~لنفرض أن قضايا الميتافيزيقا ذاتها تفتقر إلى المعنى؛ لأن العقل لا يستطيع تحقيقها أو ~~تفنيدها، فلا تكون لهذا النشاط ذاته - بغض النظر عن مضمونه من القضايا الخاصة - دلالة ~~ما؟ ألا نستطيع أن نستخلص معنى من محاولات الذهن الدائمة خوض هذا الميدان، بغض النظر ~~عما يحرزه من محاولاته هذه من النتائج؟ ألا يبدو لنا أن الفيلسوف الألماني الأكبر ~~«كانت» قد وضع أصبعه على حقيقة بالغة الخطورة، حين قال في السطور الأولى من تصدير ~~الطبعة الأولى لكتابه الرئيسي «نقد العقل الخالص»: # إن للعقل البشري هذا المصير الغريب، وهو أنه في أحد أنواع معرفته (يقصد ~~الميتافيزيقا) تلح عليه أسئلة لا يستطيع تجاهلها؛ لأن طبيعة العقل ذاتها ~~تفرضها، ولكنه أيضا لا يستطيع الإجابة عنها؛ لأنها تتجاوز جميع قواه. # في هذه الأسطر القليلة، أدرك «كانت» السر، وكأني به يقول: لا تستهينوا بالميتافيزيقا ~~مهما تخبطت، ومهما عجزتم عن تحقيق قضاياها إيجابا أو سلبا؛ إذ إن هناك «سرا» في تلك ~~القوة التي تفرض بها الميتافيزيقا ذاتها على نفس الأذهان التي تعلم أنها لن تصل فيها ~~إلى نتيجة، وأنها ستنتهي حتما - كغيرها من الأذهان السابقة عليها - إلى طريق مسدود، ~~وما كان كتابه هذا بأسره إلا محاولة لكشف هذا السر، وللرد - قبل قرن ونصف من الزمان - ~~على محاولة استبعاد الميتافيزيقا من مجال النشاط الذهني ذي المعنى. # ولو شئنا أن نعبر عن سر الميتافيزيقا بلغتنا الحديثة لقلنا إن أهميتها كلها إنما ~~تكون في «نزوعها» ذاته، وفي سعيها الدائم الذي لا يثبطه إخفاقها المستمر؛ فها هنا شيء ~~لا بد أن تكون له دلالته، وما هذه الدلالة إلا سعي العقل إلى ملء حياته بالمعاني، ~~التي لا يستمدها كلها من العلم. # إن العلم - في تقدمه المستمر - يحول أفكارا معينة من مجال التأمل الميتافيزيقي إلى ~~مجال الوقائع، ولكن عملية التحويل هذه تتناول نطاقا محدودا، مهما أحرز العلم من تقدم؛ ~~لأن حركة العلم وسعيه إلى مزيد من المعقولية دليل على أن كل شيء لم يتحول بعد ms406 إلى وقائع ~~علمية، أعني أنها دليل على أن للسعي الميتافيزيقي مجالا في تجربة الإنسان، صحيح أننا ~~لو افترضنا أن العلوم كلها قد استقرت، وأن اللغة البشرية قد بلغت حد الدقة الكاملة، وأن ~~حركة المعرفة قد توقفت لأنها لم تعد تجد ما تتجه إليه؛ فعندئذ لن يعود للميتافيزيقا ~~مجال، غير أن هذا افتراض للمستحيل، وبالتالي فسوف تظل الميتافيزيقا تغطي تلك الأرض التي ~~لم يمتد إليها ظل العلم بعد. # والأهم من ذلك أن «النزوع» الميتافيزيقي سيظل له مبرره، حتى على الرغم من إدراك ~~الإنسان عدم جدواه؛ إذ إن من صفات العقل البشري ألا يترك مجالا للتجربة دون أن يضفي ~~عليه معنى، وهو لا يقبل أن يترك «فراغات» خالية من الدلالة في عالمه، هذه هي طبيعته، ~~وعلى هذا فطر. ~~••• # والفن، ماذا نقول عنه؟ أهو مجرد صيحات انفعالية، ولكن على مستوى عال؟ أم هو نظام رمزي ~~يعبر عن معان تنتمي إلى مجال أوسع من مجال اللغة الكلامية، ويكون تجربة أصلية تقف إلى ~~جوار تجربة التفكير اللغوي، وينبغي أن تقاس بمقاييسها؟ # إن الفن أولا ليس تجربة تبعث اللذة أو ترضي الحواس مباشرة؛ لأنه لو كان كذلك لأمكن ~~أن يتذوقه الجميع بمقدار متساو، على حين أن الفن - في أيامنا هذه التي أصبحت فيها ~~روائعه متاحة لأكبر عدد من الناس - لا يجد استجابة إلا لدى القلة منهم فحسب، مع أن ما ~~يبعث الرضا في الحواس يلقى من الجميع نفس الاستجابة، وفضلا عن ذلك، فحسبنا أن نتأمل ~~اتجاهات الفن المعاصر لندرك أن الفن لا يجلب في كل الأحوال لذة الحواس أو يبعث السرور ~~في النفس، وإذن فدلالة الفن لا تنقل إلينا مباشرة؛ لكي تدركها حواسنا على نحو ما ~~تدرك موضوعاتها المألوفة، فهل تكون الأعمال الفنية - كما تقول نظرية التحليل النفسي - ~~رموزا لأشياء محبوبة أو مرغوب فيها، ولكنها ممنوعة أو محرمة علينا، بحيث تكون هذه ~~الأعمال تعبيرا عن رغبات لا شعورية تستخدم الموضوعات التي تمثلها أداة لتصوير الأخيلة ~~الخفية في نفس الفنان؟ إن نظرية كهذه لا تقدم أساسا للتفرقة ms407 بين العمل الفني الجيد ~~والعمل الفني الرديء؛ فهي قد تعلل سبب ظهور العمل الفني عند الفنان، أو سبب إقبال الناس ~~عليه، ولكنها لا تمدنا بمعيار «للامتياز» الفني؛ لأن ما تتحدث عنه إنما هو سمات تظهر في ~~أي عمل فني، قيما كان أو تافها. # وأخيرا فليس الفن مجرد تعبير انفعالي عن ذات الفنان، الذي يحس بمشاعر معينة ويبعثها ~~فينا عن طريق إثارة مشاعر مماثلة في نفوسنا. # فالرسالة التي ينقلها إلينا الفن أعمق من أن تكون مجرد انفعال نتعاطف به مع الانفعال ~~الأصلي للفنان. إن الفن يفتح لنا آفاق عالم من المعاني التي يعبر عنها بطريقته الرمزية ~~على نحو فريد لا تشاركه إياه وسيلة أخرى من وسائل التعبير. # ولو شئنا أن نتأمل الصفة الرمزية للفن على أوضح صورة ممكنة، فلنركز بحثنا في الموسيقى ~~التي وصفت بأنها فن الصورة الخالصة بلا مادة، وبأنها الفن الذي لا يستمد مضمونه من ~~أي موضوع خارجي مباشر. # إن لتركيب الموسيقى كثيرا من الخصائص التي تتيح استخدامها رمزيا، وتقترب بذلك من ~~طبيعة تركيب اللغة؛ فهي تتألف من وحدات منفصلة (هي أصوات السلم الموسيقي) يمكن الجمع ~~بينها على أنحاء مختلفة كل الاختلاف، كما أن لهذه الوحدات القدرة على أن يغير بعضها ~~طبيعة بعض عند تجمعها، كما يحدث للكلمات عندما تتجمع في بيت من الشعر مثلا، ومع ذلك ~~فإن هناك فارقا أساسيا بين الموسيقى وبين اللغة؛ إذ ليست للموسيقى مفردات ذات معنى ~~ثابت؛ لأن الأصوات والأنغام الموسيقية ليست لها أية دلالة ثابتة، على عكس الحال في ~~الكلمات اللغوية. # وإذن فالموسيقى هي عالم من المعاني المستقلة عن المعاني اللغوية، ومن العبث أن نلوم ~~الموسيقى على عجزها عن التعبير عن مشاعر كالحزن أو الفرح بنفس الدقة التي تعبر بها ~~اللغة الكلامية عنها؛ إذ لو كانت الموسيقى تستهدف مثل هذه الدقة والوضوح لكان عملها ~~مجرد ازدواج للوظيفة اللغوية، على حين أنها هي وسائر الفنون إنما تكشف عن أوجه أخرى من ~~عالم المعنى، غير تلك التي تختص بها اللغة. # إن الموسيقى لا تقبل «الترجمة» ms408 إلى اللغة؛ فهي وسيلة للمعرفة أو لكشف المعنى تقف مع ~~اللغة جنبا إلى جنب. # فعلى أي نحو إذن تعبر الموسيقى عن عالمها الخاص من المعاني؟ إنها تعبر عنه بطريقة ~~رمزية؛ إذ إن القالب أو الصورة # form # التي تصاغ بها ~~الموسيقى إنما هي العنصر الأساسي في تركيبها؛ فتاريخ الموسيقى إنما هو تاريخ الابتعاد ~~التدريجي عن الاتجاه التعبيري المباشر، والاقتراب من المثل الأعلى للصورة الكاملة، ~~وازدياد أهمية القالب أو الصورة يدل على أن صلة الموسيقى بموضوعاتها ليست صلة محاكاة ~~مباشرة؛ إذ إن المرء لا يكون بحاجة إلى اصطناع صورة أو قالب معين لكي يحاكي مباشرة ~~موضوعا خارجيا يتمثل أمامه، أو لكي ينقل إلينا انفعالاته الذاتية، إن مادة الصوت ~~الموسيقي وصورته تنفيان عنه تماما فكرة محاكاة الموضوعات الخارجية، أما المشاعر التي ~~تعبر عنها الموسيقى، فليست هي المشاعر الذاتية للفنان وحده؛ فالرموز الموسيقية تكشف لنا ~~عن عالم من المعاني أشمل من ذلك كثيرا، إنها تكشف عن مدى معرفة الموسيقار بالنفس ~~البشرية ومشاعرها، وبذلك تكون الموسيقى معبرة عما هو أزلي، وعما يتجاوز الوقت واللحظة ~~المناسبة، إنها تقدم إلينا نوعا من الاستبصار والمعرفة الجديدة بعالم المشاعر في ~~ذاتها، ذلك العالم الذي يمكن القول بأن أبوابه تظل مغلقة أمام أنواع التعبير الأخرى ~~كالتعبير اللغوي مثلا؛ فالانفعالات التي تنفذ أذهاننا إلى ماهيتها بفضل الموسيقى ليست ~~انفعالات فردية أو ذاتية، وإنما هي «الصورة المنطقية» للانفعالات (إن جاز هذا التعبير)، ~~كما تتكشف لنا من خلال هذا الوسط الخاص من وسائط نقل المعاني إلى الأذهان. # ففي الموسيقى إذن يجد المرء تأييدا واضحا للرأي القائل إن اللغة ليست هي الوسيلة ~~الوحيدة لمعرفة المعاني، وإن الوظائف اللغوية لا يتعين أن تتكرر بالضرورة في الوسائل ~~الأخرى لهذه المعرفة؛ لأن هذه الوظائف ليست نهائية ولا مطلقة. # وإذا كانت اللغة تعبر عن وجه معين للواقع، فإن الفنون - ولا سيما الموسيقى - تعبر عن ~~أوجه أخرى لا يمكن كشف النقاب عنها على أي نحو مخالف. إن حدود اللغة ليست هي آخر حدود ~~التجربة البشرية، وقد تعجز اللغة عن ms409 الوصول إلى تجارب معينة، وتظل للذهن مع ذلك وسائله ~~الخاصة في الوصول إلى هذه التجارب، ومن الواجب أن تفسح نظرية المعرفة مجالا لهذه ~~الوسائل الأخرى - كالفن والموسيقى بوجه خاص - إذا شاءت هذه النظرية أن تكون شاملة لكل ~~أطراف عالم المعاني. ~~••• # فما الذي يترتب على اتساع نطاق نظرية المعرفة إلى الحد الذي يتيح لها استيعاب المعنى ~~الفني في داخلها؟ إن أفقا جديدا يتجلى لنا عندما نتخلى عن تلك النزعة العلمية ~~المتطرفة، التي تكون فيها نظرية المعرفة مجرد نقد للعلم، مقيد بحدود اللغة وبالمظاهر ~~«الخارجية» لتجارب الإنسان، في هذا الأفق الجديد يتسع نطاق المعاني التي تتناولها ~~الفلسفة فيشمل التجارب «الداخلية» التي تنقلها إلينا نظم رمزية أخرى غير اللغة، وعندما ~~نتحرر من إسار اللغة وشروط صحة التفكير المرتبط بالصيغة اللغوية، يتسع نطاق حياتنا ~~الروحية ذاتها إلى حد لم يطرأ ببالنا من قبل. # إن الإنسان الحديث يعيش في أزمة روحية وحضارية؛ فالحياة الآلية قد ضيقت نطاق عالم ~~المعاني الذي يعيش فيه، وأفقدته الإحساس بتلك الرمزية الحيوية التي تحفل بها الطبيعة؛ ~~ذلك لأن مجتمع المدنية الصناعية قد فصل الإنسان عن الطبيعة فصلا كاد أن يكون تاما؛ ~~فلم تعد تجربته تتضمن الإحساس بالقوى الطبيعية المباشرة وبما تنطوي عليه من رموز تثري ~~حياته الروحية. # إنه يعيش في عالم صنعه هو بكل تفاصيله، وبالتالي فقد كل دلالة رمزية له؛ لأن ما يصنعه ~~الإنسان يتكشف كله له، ولا يعود فيه سر ولا غموض، ولا يصلح لكي يتخذ رمزا لمعنى غير ~~مباشر. # ولم يعد العمل الذي يمارسه الإنسان موقظا لذهنه أو مثيرا لخياله، وإلا فأين الخيال ~~في حياة الصانع الذي يدير مسمارا معينا ألوف المرات كل يوم أمام الرصيف المتحرك في ~~مصنعه؟ وأين المعاني الموحية في عمل كاتب السجلات الذي يتلقى كل يوم ألوف الأوراق ~~ويقتصر نصيبه في العمل الاجتماعي على ترقيمها برقم مسلسل؟ إن معين الخيال في هذا ~~النوع من الأعمال - الذي تحفل به الحضارة الحديثة - لا بد أن يجف وينضب، وليس من ~~قبيل المصادفة على الإطلاق أن تنتشر ms410 في هذا العصر فلسفة ترى في التحقيق الواقعي معيارا ~~نهائيا «للمعنى»، وتتخذ من القضايا اللغوية ميدانا أوحد لنشاط الذهن، وتصف كل ما عدا ~~ذلك من نواتج الروح بأنه من قبيل الانفعال الغامض الذي لا يقبل التعبير عنه، والذي يظل ~~إلى الأبد متخلفا عن ركب العقل الظافر. # إن مثل هذه الفلسفة إنما هي المقابل الفكري لحياة حضارية خلت من كل محتوى رمزي حي، ~~وانفصل فيها الإنسان عن الطبيعة حتى لم يعد يرى منها إلا أشباحا من صنعه هو. # على أن نفس الحضارة التي اقتلعت الإنسان من جذوره الطبيعية، كفيلة في الوقت ذاته ~~بإثراء حياة الروح على نحو لم يحلم به الإنسان طوال تاريخه من قبل؛ فالإنتاج الصناعي ~~الذي يهدد بأن يحيل عمل الإنسان إلى نشاط آلي يقتل كل خيال خلاق، هو ذاته الذي يمنح ~~الإنسان من الفراغ ما يتيح له تنمية أسمى مواهبه وأرفعها، والآلات التي تحجب عن الإنسان ~~وجه الطبيعة هي ذاتها التي تضع في متناول يديه - في سهولة ويسر - روائع الإنتاج الثقافي ~~والفني كما تراكمت على مر الأجيال. # وهكذا فإن لحياة الإنسان الحديث وجها آخر غير ذلك الوجه الذي يقيده بعالم الوقائع ~~المحققة ويرى فيه المجال الوحيد لنشاطه الفعال. في ذلك الوجه الآخر يتسع أفق العقل ~~البشري، ويمتلئ بشتى أنواع التجارب التي تسهم كلها في فتح أبواب المزيد من المعاني ~~أمام الإنسان. # وإذا كان الأمل الأعظم للبشرية - في كفاحها الحاضر - هو أن تتخذ من ~~الحضارة الصناعية الحديثة أداة لإثراء حياة الإنسان بدلا من إفقارها، فلا جدال في أن ~~الفلسفة الجديرة بأن تعبر عن هذا الأمل، هي تلك التي تفتح أبوابها أمام شتى ألوان ~~التجارب البشرية، من شعر وفن وتأمل، وترى في هذه التجارب كلها محاولات على مستويات ~~مختلفة لفهم الإنسان وعالمه، محاولات لها دلالتها ومعناها؛ لأن عالم المعنى والدلالة في ~~الإنسان أوسع وأرحب من أن تستوعبه اللغة العلمية وحدها. ms411