######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.CabdNasirWaYasar.Hindawi24731517 #META# Tags: history #META# ID: 24731517 #META# Title: عبد الناصر واليسار المصري #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقال الأول‏ # المقال الثاني‏ # المقال الثالث‏ # علاقة اليسار بثورة يوليو بدأت قبل قيام الثورة‏ # لم ينقد عبد الناصر إلا اليساريون‏ # خطة اليمين: ضرب اليساريين بالناصريين‏ # الوطنية جوهر الناصرية ولهذا وقف معها اليسار‏ # فؤاد زكريا يرد على نفسه‏ # كان جمال عبد الناصر كتوما فحكم بالأجهزة ~~السرية‏ # هل ستنتهي ثورة يوليو نهاية ثورة عرابي؟‏ # الحساب الأخير لعبد الناصر والماركسيين‏ # فؤاد زكريا يستأنف النزاع‏ # الرأي العام يرد على فؤاد زكريا‏ # المقال الأول‏ # المقال الثاني‏ # المقال الثالث‏ # علاقة اليسار بثورة يوليو بدأت قبل قيام الثورة‏ # لم ينقد عبد الناصر إلا اليساريون‏ # خطة اليمين: ضرب اليساريين بالناصريين‏ # الوطنية جوهر الناصرية ولهذا وقف معها اليسار‏ # فؤاد زكريا يرد على نفسه‏ # كان جمال عبد الناصر كتوما فحكم بالأجهزة ~~السرية‏ # هل ستنتهي ثورة يوليو نهاية ثورة عرابي؟‏ # الحساب الأخير لعبد الناصر والماركسيين‏ # فؤاد زكريا يستأنف النزاع‏ # الرأي العام يرد على فؤاد زكريا‏ # | عبد الناصر واليسار المصري # | عبد الناصر واليسار المصري # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # بقلم صلاح حافظ # كانت أول جهة قاومت نشر هذا الكتاب هي روز اليوسف، أو بتعبير أدق: مجموعة الكتاب ~~السياسيين في هيئة تحرير المجلة. وكان الحق معهم إلى حد كبير. ولم يكن سهلا على الإطلاق ~~تجاهل وجهة نظرهم. # كان الجو العام جو محاكمة لجمال عبد الناصر، وكتب تظهر هنا وهناك تدينه بطريقة أو بأخرى، ~~وتنفد نسخها من السوق بمجرد أن تظهر. # وكان خصوم عبد الناصر أسرع من استثمر جو «الانفراج الديمقراطي» بعد مايو 1971م فبدءوا ~~بحملة تشهير يشتمون فيها «مراكز القوى» التي سقطت في ذلك اليوم، ولكن بقصد التشهير ضمنا ~~بجمال عبد الناصر وحكمه. # ثم جاءت حرب أكتوبر، وما تلاها من إطلاق شامل لحريات الكلام والتعبير، فكان خصوم عبد ~~الناصر أسرع أيضا إلى استثمار الفرصة، ودون تحفظ هذه المرة. أطلقوا ألسنتهم فيه على ~~اعتبار أنه كان سبب الهزيمة، بينما السادات سبب النصر. وبعد أن كانوا يهاجمونه ضمنا، في ~~حملتهم على مراكز القوى، أصبحوا يهاجمونه شخصا، وعينا، وتاريخا، وإنجازات، وأصبح في ~~قفص الاتهام كل شيء قاله ms001 أو فعله. # وتدفقت كتب ومقالات تعفي الاستعمار وإسرائيل من مسئولية تخريب مصر، وتلقيها على عاتق ~~الإصلاح الزراعي، والسد العالي، ومجانية التعليم، ومحاربة الاستعمار، والتطور الصناعي، ~~والتحول الاشتراكي ... إلى آخر هذه «الجرائم» الفادحة! # ثم شيئا فشيئا، تجاوزت الحملة حدود التضليل، ودخلت مرحلة البذاءة وأصبح يشترك فيها ~~قوادون، ويغلب عليها ألفاظ رواد الحانات وبيوت الدعارة، ثم انعقد لواؤها في النهاية ~~للذين احترفوا - في مختلف العهود - كتابة التقارير لأجهزة المباحث. فخيالهم الذي تدرب ~~طويلا على اختلاق التقارير جعلهم أقدر من غيرهم في الاختلاق على عبد الناصر، وأكثر رواجا ~~وجاذبية. # ومثلما تروج الصور الفاضحة، وكتب «الأدب» المكشوف، جاء وقت أصبح يكفي فيه أن تشتم عبد ~~الناصر بأي كلام، على أي ورق لكي تنفد النسخ في ساعات. # في هذا الجو بالذات، تلقت «روز اليوسف» الصفحات الأولى من هذا الكتاب. # تلقتها في صورة مقال، طويل بعض الشيء، كتبه أستاذ الفلسفة الشهير «فؤاد زكريا» يناقش ~~فيه علاقة جمال عبد الناصر باليسار المصري، ويصدر أحكاما قاسية عليه وعلى اليسار ~~معا. # وكان جوهر المقال - كما كتبه الدكتور فؤاد - يتلخص في أن اليسار المصري قد أخطأ عندما ~~شارك في تأليه جمال عبد الناصر، وتحالف معه دون شروط، ووضع نفسه في خدمته متغاضيا عن ~~أخطائه. وأنه يخطئ الآن حين يستمر في الدفاع عن هذه الأخطاء وتبريرها، تاركا لليمين ~~شرف كشفها ومهاجمتها. # ولكي يثبت الدكتور زكريا قضيته، فإنه قام بدراسة حاول أن يبين فيها أن عبد الناصر قد ~~استخدم اليسار ولم يستخدمه اليسار، وأنه لم يضع سلطته في خدمة الاشتراكية، وإنما وضع ~~الاشتراكية في خدمة سلطته. وأن اليسار أخطأ خطأ العمر حين فهم غير ذلك. # ومع أن موضوع المقال لم يكن محاكمة عبد الناصر، أو تقييم عهده، إلا أنه انطوى - كضرورة ~~فرضها الموضوع - على شيء من المحاكمة وشيء من التقييم. # ومتى؟ # في وقت حملة ضارية ضد عبد الناصر، يقودها كذابون ومخبرو مباحث، ويختلقون لحسابها كل ~~ما يخطر بخيالهم المبتذل، ويقبضون ثمنها من ناشرين لا يهمهم إلا الرواج، أو يقبضون مباشرة ~~من أسياد ms002 هؤلاء الناشرين. # وكان طبيعيا لهذا أن يعترض الكتاب السياسيون في «روز اليوسف» على نشر بحث الدكتور ~~زكريا في الوقت الذي ورد فيه ... وأن يقرروا بالإجماع تأجيله حتى تنتهي حملة التشهير ~~المبتذلة ضد عبد الناصر، حتى لا يستفيد منه قادة هذه الحملة وقوادوها. # وفعلا، تأجل نشر البحث عدة أسابيع. # ولكن الحملة كانت تزداد عنفا كل يوم ... وتزداد انحطاطا وهبوطا واستهانة بعقول الناس ~~وتخريبا لها. # وهنا قررت «روز اليوسف» - ربما لأول مرة - أن تتجاهل رأي كتابها، وتتصرف عكس ~~نصيحتهم، وتنشر البحث الذي أجمعوا على عدم نشره! # لماذا؟ # بالذات لكي تجهض حملة القوادين ... # كان واضحا أن نقد عبد الناصر، ومراجعة الماضي بكافة تفاصيله، أصبح أهم ما يشغل ~~الناس، وأن السبيل الوحيد إلى منع القوادين من استثمار هذه الحقيقة هي طرح طراز آخر، ~~محترم، من النقد والمراجعة. # وليكن مضمون هذا النقد الآخر خاطئا، أو صائبا، وليكن ظالما أو منصفا ولنكن موافقين ~~عليه أو رافضين له. فالمهم هو أنه يرتفع بمستوى نقد عبد الناصر من لغة المواخير إلى لغة ~~مدرجات الجامعة. وأنه يحول هذا النقد من لعبة في مدينة الملاهي إلى قضية تستثير التفكير ~~الجاد. # وفي التجربة ثبت أن «روز اليوسف» لم تخطئ عندما أقدمت - في 14 أبريل 1975م - على نشر بحث ~~الدكتور زكريا ... برغم معارضة كتابها السياسيين. # فقد ماتت بالسكتة حملة القوادين بمجرد نشر الحلقة الأولى من البحث، وانصرف الرأي العام ~~عن متابعة بضاعتهم المبتذلة، إلى متابعة المناقشة الموضوعية الراقية في ~~«روز اليوسف». # وبعد أن كان الرأي العام يقرأ حملات القوادين ثم ينام، أصبح يقرأ حملة فؤاد زكريا ثم ~~يسهر، ويكتب ردا عليها، أو تأييدا لها، أو اعتراضا على بعضها وموافقة على بعضها ~~الآخر. # وهكذا انتقلت قضية «عبد الناصر» من عالم باعة الفضائح إلى عالم المشتغلين بالسياسة ~~والفكر، وتحولت من مخدر لعقول الناس إلى محرك لها، وحافز لهم على الكتابة ~~والتفكير. # وقبل أن تنشر الحلقة الثالثة والأخيرة من بحث الدكتور زكريا، كانت «روز اليوسف» قد ~~تجمع لديها سيل من رسائل القراء ... يتراوح طول كل ms003 منها ما بين صفحة ومائة صفحة. وكل سطر ~~فيها جدير بالاحترام؛ لغة ومعنى، تجربة وفكرة ... بصرف النظر عن مدى الصواب أو الخطأ ~~فيما تقول ... # ولم تكن «روز اليوسف» في حاجة إلى دليل أبلغ من هذا على صواب قرارها بنشر بحث ~~الدكتور؛ فها هو الموضوع الذي كان تجارة قد صار قضية، وها هو الجمهور الذي كان يقرأ نقد ~~عبد الناصر على سبيل الاستمتاع الرخيص أصبح يقرؤه على سبيل الفهم والتفهم، وأصبحت ~~القراءة تحفزه على التفكير والتحليل ... وعلى الكتابة أيضا. # ولكيلا يعود الرأي العام يستدرج إلى المستوى الهابط القديم، فقد حرصت «روز اليوسف» على ~~أن تتلو بحث الدكتور زكريا ردود عليه. تتمتع بنفس المستوى من الجدية والموضوعية. ~~وكان كتاب السياسة في «روز اليوسف» بالطبع أسبق الجميع. # لكن كتابا من خارج «روز اليوسف» بدءوا يقتحمون الميدان. # وشيئا فشيئا تراكمت الردود، والبحوث والمقالات. ولم تعد «روز اليوسف» قادرة على ~~استيعاب السيل الذي يغمرها كل أسبوع وبدأ الموقف يتطور إلى مأزق لا حل له! # وحتى هذه اللحظة، ما تزال ترد إلى «روز اليوسف» أبحاث تستحق النشر كلها، ولكن صفحات ~~المجلة لا تستطيع بحال أن تستوعبها. # ومن هنا ... نشأت فكرة هذا الكتاب. # ومادته - كما سيرى القارئ - هي بحث الدكتور زكريا، ثم الأبحاث المضادة للكتاب الذين ~~ردوا عليه، ثم عرض لمعظم ما كتب القراء، أو بالتحديد لفقرات مما كتبوا. وقد اخترنا كل ~~فقرة بحيث لا تكرر معنى سجلته فقرة أخرى. وفضلنا ما كتب رجال ونساء لا يحترفون الكتابة، ~~وإنما يكتبون من واقع تجاربهم في مواقع العمل ... حتى نضمن أن يكونوا معبرين حقا عما ~~نعنيه بكلمة «الرأي العام». # ونحن واثقون من أن الكتاب، بصورته هذه، يقدم خدمة خاصة لكل فئة من الفئات القارئة في ~~مصر والعالم العربي. # فهو بالنسبة للقارئ العادي فرصة للاطلاع على الآراء المختلفة حول قضايا ربع القرن الماضي ~~وكلها تمس حياته. # وهو بالنسبة للمهتمين بالسياسة ندوة تناقش أخطر وأهم تجربة ثورية في العالم العربي ~~المعاصر. # وهو بالنسبة للمفكرين، والكتاب، والمؤرخين، مادة خصبة ~~للتحليل ... تتاح لهم ms004 دون أن يتكبدوا عبء ~~جمعها بأنفسهم. # وهو بالنسبة للشباب مجرد بحث يبين لهم كيف يفكر آباؤهم، وكيف يحكمون على أهم إنجاز ~~في جيلهم، ومن خلال هذا المرجع تتهيأ لهم فكرة لا بأس بها عما سيرثون من متاعب ... ومن ~~أمجاد أيضا. # أما بالنسبة لنا في «روز اليوسف»، فالكتاب حل موفق لمأزق وقعنا فيه، وحجة لا بأس بها ~~لإقفال باب الحوار على صفحات المجلة حول هذا الموضوع الذي يتعلق بالماضي ... وتخصيص المساحة ~~التي سيوفرها لقضايا أخرى، تتعلق بالمستقبل! # | المقال الأول # هل كان جمال عبد الناصر فوق مستوى الخطأ؟ # عن نفسي مع الخجل الشديد # لا توجد طريقة لكتابة المقال، أو مجموعة من المقالات، أسوأ من أن يبدأ الكاتب بالكلام ~~عن نفسه، ولكنني أجد نفسي مضطرا إلى أن أبدأ على هذا النحو؛ لأن الموضوع الذي أعالجه ~~يتسم - في هذه الأيام بوجه خاص - بقدر من الحساسية يجعل كل من يتطرق له مطالبا ~~بأن يثبت براءته من الدوافع الشخصية، ومن شبهة الرجعية، ومن الجبن والانتهازية، قبل أن ~~يكتب فيه كلمة واحدة، فليتحمل القارئ قليلا بعض الأسطر التي سأحدثه فيها عن نفسي، ~~وسوف يجد فيما يلي ذلك من أجزاء المقال ما يقنعه بأن هذه البداية السيئة، كانت شيئا ~~لا مفر منه. # ولأبدأ بمسألة الدوافع الشخصية؛ فكثيرون ممن يكتبون عن الناصرية كتابة نقدية، في ~~أيامنا هذه، لديهم بالفعل دوافع شخصية تسهم أو تمس المحيطين بهم أو مصالح الطبقة التي ~~يريدون استعادة مجدها. أما أنا فلم تكن لدي، أو لدى واحد من أفراد أسرتي المباشرة أو ~~أقربائي البعيدين، أرض انتزعها الإصلاح الزراعي، أو مصنع أو شركة سرى عليها التأميم. # والأمر الذي أستطيع أن أؤكده بصورة قاطعة هو أن العهد الناصري لم يمس أية مصلحة من ~~مصالحي بالضرر، بل إنني - على العكس من ذلك ~~- أحرزت خلاله بالتدريج أي قدر من النجاح ~~أستطيع أن أقول إنني حققته في مجالي المحدود: مجال أستاذ الجامعة والكاتب ~~المفكر. # أما عن شبهة الرجعية، فإنني أصنف نفسي من بين التقدميين، وربما كنت قد تعرضت في ~~وقت ms005 من الأوقات لحملات يعرفها كثير من القراء، اتهمت فيها بما هو أشد من ذلك، وعلى ~~أية حال فإنني أعتقد أن اليسار، إذا كان يعني الدعوة إلى التغيير والتجديد، وإلى إعطاء ~~الأولوية للمشروعات التي تخدم مصالح الفئات العريضة من المجتمع، بدلا من تلك التي تخدم ~~فئات محدودة، ومحظوظة في داخله، وإذا كان يعني الدعوة الصريحة القاطعة إلى تحقيق ~~عدالة اجتماعية حقيقية، لا صورية، يحس بها الإنسان المطحون ويلمس أثرها في حياته ~~المباشرة، وإذا كان يعني صون الكرامة الإنسانية وحمايتها من الذل والفقر والظلم ~~الاجتماعي والسياسي؛ إذا كان اليسار يعني ذلك كله، فإنني أعد نفسي يساريا بلا أدنى ~~تردد، وأعتقد أنني كنت أدافع عن هذه المعاني على الدوام. # وأما صفة الجبن والانتهازية، فإن أولاهما تتعلق بموقف من الماضي، والثانية تتعلق ~~بموقف من الحاضر والمستقبل. # فهناك بالفعل نقاد للعهد الناصري كانوا ممن يحرقون له البخور طوال أعوامه الثمانية ~~عشر، وكانوا طول تاريخهم ممن يجيدون تغيير جلدهم بتغير الحاكم، ولم يكن التغيير ~~الذي طرأ على موقفهم من حكم عبد الناصر هو التحول الوحيد في حياتهم، بل إنهم سبق أن ~~مارسوا مثل هذا التحول في أوائل عهد عبد الناصر لصالح عبد الناصر ذاته، وضد أسيادهم ~~السابقين، هذه حقيقة لا شك فيها، ولكني أستطيع أن أقول عن نفسي، بعبارات قاطعة: إنني ~~لست من هؤلاء. أما السؤال التقليدي الذي يثار في هذه الأيام ضد من يوجه انتقادا ~~للعهد الناصري والذي يقول: أين كنت في ذلك العهد ولماذا لم تتكلم أثناءه؟ ففي استطاعتي ~~أن أجيب باطمئنان كامل أنني تكلمت، ونبهت، وانتقدت، وعلى من يود التأكد من ذلك أن ~~يعود إلى قراءة مقالاتي في مجلة الفكر المعاصر وغيرها، وسيجد - فضلا عن ذلك ~~- أن هذه المقالات والكتابات لم تتضمن ~~عبارة تملق واحدة حتى من ذلك النوع الذي اعتاد الكتاب أن يبدءوا به كتاباتهم لكي ~~يضمنوا لانتقاداتهم التالية قدرا من الأمان، وأنا أقول ذلك مطمئنا، وأتحدى من يحاول ~~أن يثبت عكسه. # وأما عن الانتهازية، فتلك شيمة الكثيرين ممن يتصورون أن نقد ms006 التجربة الناصرية قد أصبح ~~مطلوبا، وأنه قد يضمن لهم، في الوقت الحاضر أو في المستقبل، مزيدا من الحظوة ويكفل ~~لهم سبيل «الوصول». # وتلك بدورها صفة بعيدة عني كل البعد؛ لسبب بسيط هو أنني راض عن نفسي وعن موقعي كل ~~الرضا، ولو كنت من أصحاب المطالب أو التطلعات لكان لي شأن آخر وطريق آخر، منذ وقت ~~طويل. # وبعد، فإني - أيها القارئ العزيز - أشعر بالخجل الشديد إذ أجد نفسي منساقا إلى مثل ~~هذا الحديث الشخصي عن نفسي، ولكن ما حيلتي وأنا أود أن أكتب عن الناصرية كتابة فيها ~~جانب سلبي، وكل من يكتب سلبيا في هذه الأيام متهم في شخصه، وفي ماضيه وحاضره ~~وأخلاقه ألست معي أنني مضطر إلى كتابة هذه المقدمة، حتى أقنع القراء بموضوعيتي، ~~وأضمن عدم الربط بين القضايا التي سأثيرها وبين أية اعتبارات أو مصالح شخصية؟ # والآن، تعال ندخل في الموضوع ... # درس ستالين # بعد عامين أو ثلاثة من موت جوزيف ستالين، بدأت عملية إعادة تقييم واسعة النطاق لعهد ~~ذلك الزعيم الذي حكم الاتحاد السوفيتي قرابة الثلاثين عاما، والذي حياه الكتاب في ~~مختلف أرجاء العالم، وفي مصر أيضا عقب وفاته مباشرة بوصفه بطلا من أبطال السلام، ~~وإنسانا عظيما، ومناضلا صلبا من أجل الاشتراكية. وأخذت تتكشف بالتدريج صورة أخرى ~~لستالين، ظهر فيها حاكما مستبدا زج بالألوف في السجن بلا سبب، وأعدم الكثيرين دون ~~محاكمة حقيقية، واستخدم أبشع الأساليب البوليسية من أجل توطيد مركزه الشخصي في ~~الحكم. # ولقد أثارت عملية إعادة التقييم هذه ضجة كبيرة في أوساط المفكرين والمعلقين ~~السياسيين في مختلف أرجاء العالم، وأحدثت رد فعل قويا لدى الكثيرين؛ فالبعض، ممن ~~يتمسكون بالخط الشيوعي المتطرف، دافعوا بحرارة عن ستالين، مؤكدين أن الإجراءات ~~الاستثنائية التي ربما كان قد لجأ إليها، إنما كانت ترجع إلى أنه كان يبني دولة جديدة، ~~ويؤسس نظاما اشتراكيا لأول مرة في تاريخ العالم، ويواجه في سبيل ذلك قوى عاتية ~~داخل بلاده وخارجها، وكفاه فخرا في نظر هؤلاء المدافعين أنه هو الذي وطد دعائم ~~الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وكان ms007 هو المنتصر الحقيقي في الحرب العالمية الثانية ~~التي كانت جبهة غرب أوروبا والشرق الأوسط فيها نزهة عسكرية إذا قيست بأهوال المعارك في ~~الجبهة الشرقية، ونستطيع أن نقول إن موقف الدفاع هذا يمثل خطا لا تزال تأخذ به ~~الصين الشعبية وألبانيا حتى اليوم. # غير أن الخط الذي أخذت به الغالبية الكبرى من المفكرين النظريين الاشتراكيين في مختلف ~~أرجاء العالم، وضمنهم اليساريون المصريون، هو أن نجاح ستالين في دعم النظام الاشتراكي ~~في بلاده، ونقلها من بلد زراعي متخلف إلى بلد صناعي من الطراز الأول، وتحقيق الصمود ثم ~~الانتصار لها في أكبر معارك الحرب العالمية الثانية؛ كل ذلك لا يشفع له فيما ارتكبه ~~داخليا من جرائم، ولا يعفيه من محاسبة الحزب له بعد موته، وهي المحاسبة التي بلغ من ~~قسوتها أن نقل جثمانه من مقبرته، وحذف اسمه من مدينة «ستالينجراد» التي دارت فيها ~~معركة التحول الحاسمة في الحرب الماضية وأغفل ذكره تماما - وكأنه لم يكن - من ~~القواميس ودوائر المعارف التي ألفت منذ ذلك الحين. # وظهر رد فعل آخر على إعادة التقييم هذه لدى بعض المفكرين من ذوي النزعة الليبرالية؛ ~~إذ رأوا فيها نوعا من المحاكمة الغيابية لرجل مات ولم يعد قادرا على الدفاع عن ~~نفسه، وأبدوا استنكارهم - من وجهة النظر الأخلاقية - لأن الذين عقدوا هذه المحاكمة ~~الغيابية هم أنفسهم زملاء ستالين ورفاقه على جرائمه، بل كانوا يؤيدونه فيها بصورة ضمنية ~~ولم يتذكروا أنه كان مذنبا إلا بعد أن مات، غير أن الغالبية العظمى من الكتاب ~~الاشتراكيين، ومن بينهم عدد كبير من اليساريين المصريين والعرب، دافعوا عن محاكمة ~~ستالين بعد موته على أساس أن الاعتبارات الأخلاقية كغدر الزملاء وخيانتهم لزميلهم، ~~والافتقار إلى الوفاء لذكرى زعيم كبير رحل عن هذا العالم، لا ينبغي أن تؤخذ في ~~الاعتبار عند الحكم على أعمال رجل الدولة، وإني لأذكر جيدا ما كتبه كثير من ~~اليساريين في مصر عن ضرورة الاتصاف ب «الموضوعية الثورية» التي تترك جانبا المسائل ~~الأخلاقية وتركز على الوجه الموضوعي لتصرفات الحاكم، مؤكدين بناء على ذلك أن ms008 العهد ~~الجديد في الاتحاد السوفيتي كان له كل الحق في محاكمة ستالين بعد موته مباشرة. # وقد حدث مثل ذلك للزعيم الذي أخذ على عاتقه هذه المحاكمة؛ أعني نيكيتا خروشوف، الذي ~~أعيد تقييم سياسته هو الآخر وكان من نتيجة إدانته أن قضى الجزء الأخير من حياته ~~مهملا، وعندما مات لم يحضر جنازته إلا عدد من أقربائه يعد على الأصابع، وامتنع ~~المسئولون؛ كبارهم وصغارهم، عن حضورها. # تلك وقائع أردت أن أسردها لا لكي أبدي فيها رأيا بالقبول أو بالرفض، بل لكي أبين ~~أن اليسار قد اتخذ في تلك الحالات موقفا يبدو من الوجهة الأخلاقية مفرطا في قسوته، ~~ويبدو بعيدا كل البعد عن صفات المروءة والشهامة والوفاء لذكرى ~~الراحلين، ولكن وجهة نظره هي أن مبادئ الحياة ~~السياسية تختلف عن مبادئ الحياة الشخصية، وأن الاعتبارات الأخلاقية التي تحكم تصرفاتنا ~~الشخصية لا ينبغي أن تكون أساسا للحكم على تصرفات الحكام السياسيين، بل يتعين علينا ~~أن نتوخى «الموضوعية الثورية» في أحكامنا السياسية، ونترك العواطف جانبا حين يكون ~~الأمر متعلقا بمصائر الشعوب. # إنني - بالطبع - لم أكن أهدف، من اختيار الأمثلة السابقة، إلى أن أصدر حكما مسبقا ~~بتشبيه دور جمال عبد الناصر في الثورة المصرية بدور جوزيف ستالين في الثورة السوفيتية، ~~وإنما أردت أن أقارن بين رد فعل اليسار على عملية إعادة التقييم في كلتا الحالتين: ففي ~~حالة ستالين كانت الكتلة الرئيسية من اليسار العالمي، وضمنها اليسار المصري، مؤيدة ~~لمبدأ توجيه الاتهام إلى ذكرى ستالين، على الرغم من إنجازاته الضخمة التي لا يمكن أن ~~يغفلها التاريخ. أما في حالة جمال عبد الناصر فإن اليسار المصري يتخذ موقف الرفض التام ~~لأي نوع من إعادة التقييم، والهجوم الشديد على كل من يتصدى للعهد الناصري بالنقد، وكأن ~~هذا العهد كان فوق مستوى الخطأ. # ومن العجيب حقا أن كثيرا من اليساريين الذين يعتبرون أنفسهم حماة لذكرى العهد ~~الناصري، يلجئون في هجومهم على نقاد ذلك العهد إلى سلاح الأخلاق، ويتحسرون على ~~الشجاعة المفقودة التي جعلت هؤلاء النقاد لا يفتحون أفواههم إلا بعد رحيل ms009 الزعيم، ~~ويترحمون على معاني الوفاء والإخلاص لذكرى الأموات، أقول إن هذه ظاهرة عجيبة، لا لأني ~~غير معترف بقيم الشجاعة والوفاء، بل لأن اليساريين هم أنفسهم أصحاب مبدأ «الموضوعية ~~الثورية»، وهم الذين يؤكدون أن الأخلاق بناء فوقي وأنها ناتج وحصيلة لظروف موضوعية ~~تنتهي إلى بنية المجتمع الأساسية، وبالتالي فإن تقييم السياسات على أسس أخلاقية هو في ~~الواقع نزعة «مثالية» لا يصح أن يكون لها مكان في أية نظرة علمية إلى الظواهر ~~الاجتماعية. # والأمر المؤكد في نظري هو أنه، عندما يكون الأمر متعلقا بمصير أمة مرت بتجربة ~~معينة في الحكم دامت قرابة عشرين عاما، فلا ينبغي أن نمتنع عن التقييم الموضوعي ~~الصارم مراعاة للعواطف و«الشهامة» والنخوة، ولا يجب السكوت عن الخطأ لمجرد أن مرتكبه ~~قد مات، وخاصة إذا كان هذا الخطأ متعلقا بحياة الشعب بأسره، وإني لأتساءل: كيف نستطيع ~~أن نرسم خطوط مسيرتنا في المستقبل إذا لم نستوعب دروس الماضي كاملة، إذا لم نحكم عليها ~~بموضوعية ونزاهة، دون عاطفية كاذبة أو ولاء ساذج؟ # حافز المبدأ وحافز المصلحة # الآن لنحاول أن نحلل موقف اليسار المصري من القضية التي تثار في هذه الأيام على ~~نطاق واسع، في العالم العربي عامة، وفي داخل مصر بوجه خاص، وأعني بها قضية تقييم ~~التجربة الناصرية. # إن اليسار - أو على الأقل الفئة البارزة فيه، التي تعبر عن نفسها في وسائل الإعلام ~~- يتخذ موقف الدفاع المطلق عن التجربة الناصرية. ولهذا الدفاع المطلق في تصوري سببان رئيسيان: # أولهما: # أن الأصوات التي ترتفع من اليمين، في هذه الأيام تهدد بالفعل ~~بالقضاء على كل العناصر ذات المسحة الاشتراكية في التجربة السابقة. فلو ~~بحثت عن الأهداف الحقيقية لأصحاب هذه الأصوات، لوجدت أنها إلغاء ~~القطاع العام كلية وعودة القطاع الخاص إلى الاستحواذ على الاقتصاد ~~القومي، وإلغاء التأميمات وإعادة المصانع والبنوك إلى أصحابها القدماء، ~~وربما إلغاء الإصلاح الزراعي ذاته وعودة الملاك الكبار بصورة أو ~~بأخرى. هذه الأهداف لا يعلن عنها، طبعا، بمثل هذه الصراحة ولكنها ~~واضحة كل الوضوح في الخلفية الفكرية لكثير من نقاد التجربة ~~الناصرية. ms010 وهكذا يجد اليسار المصري لزاما عليه أن يتخذ الموقف المضاد، ~~موقف الدفاع المطلق عن هذه التجربة؛ لأنه بذلك إنما يدافع أيضا عن ~~عناصر أساسية من عناصر البناء الاشتراكي الذي يسعى إلى إرساء قواعده ~~ويقطع الطريق على دعوات الردة التي تستهدف إعادتنا إلى نمط اقتصادي ~~تمتزج فيه إقطاعية القرون الوسطى برأسمالية القرن التاسع عشر. # أما العامل الثاني: # فأقل موضوعية من العامل السابق، ولكن من الواجب ألا نغفل عن أهميته ~~في الموقف الذي نحن بصدده؛ ذلك لأن التجربة الناصرية اقتضت، في مراحلها ~~الأخيرة، تعيين بعض البارزين في مناصب رفيعة، وسوف أتناول فيما بعد هذه ~~الظاهرة بالتحليل والتعليل، أما الآن فإني أكتفي بتسجيلها وبالإشارة ~~إلى نتائجها بالنسبة إلى التصرفات التالية لهؤلاء اليساريين؛ فقد ظهر ~~واقع جديد لم يألفه اليسار المصري في أية مرحلة سابقة من مراحله؛ هو ~~وجود «مصالح» لعدد غير قليل من أقطابه، ارتبطت بالتجربة الناصرية ~~وأصبحت تحتم على أصحابها الدفاع عن هذه التجربة دفاعا مستميتا، كما ~~أصبحت تتحكم إلى حد بعيد في تصرفات عدد ~~كبير من مهاجمي هذه التجربة، الذين ~~يريدون أن يحلوا محل اليساريين في تلك المناصب الرفيعة، وأن يسيطروا ~~- ماديا ومعنويا - على الأجهزة التي كان لليساريين فيها مركز ~~رئيسي. وفي اعتقادي أننا لا ينبغي أن نغفل هذا العامل عندما نتأمل ~~موقف الدفاع المطلق أو الهجوم الذي يتخذه اليسار واليمين - وخاصة في ~~قطاع الإعلام - من التجربة الناصرية. فكثير من الأصوات التي نسمعها هي ~~في واقع الأمر أصوات المصالح الخاصة. وعندما تتدخل المصالح لا تعود ~~المبادئ وحدها هي التي تتكلم؛ لأن هناك وضعا يريد أحد الطرفين أن ~~يحافظ عليه، ويريد الطرف الآخر أن ينقض عليه ويقتنصه. وربما لم يكن ~~هذا العامل ظاهرا على المستوى الشعوري لدى كثير من اليساريين (بينما ~~هو لدى خصومهم واضح وواع تماما)، ولكنه على الأقل يشكل خلفية لا ~~شعورية بدونها يصعب تفسير هذه الاستماتة في الدفاع عن تجربة في الحكم ~~كانت بلا شك مشوبة بقدر غير قليل من الأخطاء وكانت أخطاؤها من النوع ~~الذي لا يغتفره الفكر ms011 اليساري بالذات ، في الأحوال العادية، بل يشن عليه ~~أقوى هجماته. # جوهر الخطأ الناصري # ولنبدأ من هذه النقطة الأخيرة، أعني الأخطاء التي كان المفروض أن يكون اليساريون أول ~~من ينبهون إليها. هذه الأخطاء في رأيي، تتركز في أسلوب تطبيق الاشتراكية ذاتها. # فقد كان من واجب اليساريين أن يدركوا، قبل غيرهم، أن الأسلوب الذي طبقت به ~~الاشتراكية يسيء إلى الاشتراكية أكثر مما يفيد قضيتها؛ فالتأميم وإنشاء قطاع عام واسع ~~ليس - بالنسبة إلى الاشتراكية - غاية في ذاتها، وإنما هو وسيلة لكي تتم سيطرة الشعب ~~على وسائل الإنتاج، ولكي يرتد عائد هذا الإنتاج في نهاية الأمر إلى الشعب. # وفي التجارب الاشتراكية الناجحة ظهر أثر هذه الإجراءات على الطبقات الشعبية بوضوح في ~~فترة وجيزة. صحيح أن الطبقات العليا، وربما الوسطى أحيانا، يصيبها الضرر، ولكن ~~الغالبية العظمى من الشعب، ممن يكونون طبقاته الكادحة يشعرون على الفور بأثر تطبيق ~~الاشتراكية على حياتهم؛ فقد تتخذ الدولة - مثلا - قرارا بأن يخصص لكل أسرة مسكن من ~~حجرتين، وفي هذه الحالة ستشعر مليون أسرة كانت تعيش في أربع حجرات بالضيق، وتنضم إلى ~~قائمة المعارضين وربما هاجر بعض أفرادها وحاربوا النظام في الخارج، ولكن عشرات ~~الملايين من الأسر كانت تعيش في أكواخ أو على الأرصفة ستشعر بالامتنان، وتحس بأن حياتها ~~قد تغيرت إلى الأحسن، وتدافع عن النظام بكل ما تملك من قوة، وقد تقرر الدولة للفرد ~~حذاء واحدا كل عامين، فيحس من اعتاد تنويع ملابسه بالسخط، ولكن ملايين الحفاة ~~سيفرحون. # وعلى العكس من ذلك، فإن التجربة الاشتراكية الناصرية لم تضع الطبقات الشعبية نصب ~~عينيها دائما [فيما] كانت تتخذه من إجراءات، بل كانت في بعض الأحيان تصدر قرارات يعجب ~~المرء حقا لصدورها في عهد اشتراكي، كرفع سعر الأرز والكيروسين، وهما مادتان أساسيتان ~~للكادحين الفقراء، في الوقت الذي تحتفظ فيه لكبار الموظفين ورجال الدولة بكل الامتيازات ~~التي وصلت أحيانا إلى حد الترف والبذخ المقزز. ويكفي أن الجنيهات المعدودة التي كانت ~~تشكل دخل العامل أو الفلاح أو الموظف الصغير كانت تظل ثابتة أو تنقص، في ms012 الوقت الذي ظلت ~~فيه قوتها الشرائية تضعف عاما بعد عام. وبقدر ما أعلم فإن التجارب الاشتراكية ~~الناجحة تسعى إلى زيادة القوة الشرائية لأجور العمال، عن طريق إجراء تخفيضات متوالية ~~لأسعار المواد الأساسية - وهو أمر لم يحدث عندنا في حالة واحدة. # أما الفوارق بين الطبقات، فمن المؤكد أنها لم تزل على الإطلاق في تجربة الاشتراكية ~~الناصرية. وإذا كانت هذه التجربة قد بدأت بمجتمع النصف في المائة، فأخشى أن أقول إنها ~~قد انتهت بمجتمع الخمسة في المائة! أعني أنها وسعت نطاق الطبقة العليا إلى عشرة أضعاف ~~ما كانت عليه، دون أن تقرب منها الطبقة الدنيا، بحيث كانت النتيجة العملية هي زيادة عدد ~~الأسياد. # وعلى الرغم من أنني أخشى أن أتهم بالسطحية، فإنني سأضرب مثلا مفرطا في البساطة ~~للتدليل على وجهة نظري؛ فلقد ألغت الثورة الألقاب بمجرد قيامها، ومع ذلك لا تزال ~~الألقاب تستخدم في المحادثات اليومية حتى اليوم، لا لأنها عادة يصعب التخلص منها ~~فحسب، بل لأن مبررات وجود الألقاب ما زالت قائمة. ولا يكفي لإزالة هذا الوضع أن تلغى ~~الألقاب بقرار حكومي ولذلك استمرت متداولة على الألسن؛ لأن بلادنا بالفعل ما زالت ~~مليئة «بالبكوات» حتى لو لم يكونوا رسميا من حملة اللقب ويكفي أن تقارن بين رئيس ~~إحدى المؤسسات والعامل البسيط فيها، ليس فقط من حيث دخله أو نمط معيشته، بل أيضا من ~~حيث نظرته إلى نفسه ومدى إحساسه بكرامته كعضو في المجتمع، لكي تدرك بوضوح أن الفوارق ~~بين الطبقات ما زالت على ما كانت عليه. # إنني أدرك جيدا نوع الاعتراضات التي ستوجه إلي، وهي أنني لا أنظر إلى الصورة ~~الكلية، بل أكتفي بالجزئيات. والصورة الكلية، في نظر أصحاب هذا الاعتراض، هي نزع مصادر ~~الثروة والإنتاج من أيدي الإقطاعيين والرأسماليين والأفراد، وإقامة قاعدة صناعية قوية ~~يمكن أن تكون نواة لتحول اشتراكي حقيقي في المستقبل. وأنا لا أنكر أن هذه الصورة ~~الكلية صحيحة، ولكني لا أستطيع أن أعترف بنتيجتها ما لم يتحقق هذا التحول، بمعاييره ~~المعروفة، أو تكون بوادره على الأقل قد ms013 بدأت في الظهور. # وطالما أن هذا التحول لم يتحقق، فلن يكون في وسع أحد أن يرد على النقد الذي كان ~~يتردد من آن لآخر وهو أن الدولة في بعض النظم تسيطر على المرافق الإنتاجية لخدمة ~~جهازها الخاص، وللتخلص من الخطورة التي يشكلها وجود المال وأدوات الإنتاج في أيدي ~~طبقة منافسة. # وربما بدا للبعض أن هذا النقد الأخير له مبرراته القوية في حالة التجربة الناصرية ~~بالذات؛ إذ قد لا يكون من المصادفات أن تبدأ إجراءات التأميم في أواخر أيام الوحدة مع ~~سوريا، حتى بدأت الطبقة المسيطرة على المال في الإقليم الشمالي تناوئ الوحدة بوضوح ~~وتعززت هذه الإجراءات في مصر حين تبين - بعد الانفصال - أن هذه الطبقة تشكل خطرا ~~حقيقيا، وأنها تستطيع أن تهدد النظام القائم بما لديها من قوة اقتصادية. # كذلك سيكون من الصعب الرد على النقد الذي تردد على ألسنة الكثيرين، والذي قيل فيه ~~إن هذه السيطرة على مرافق الإنتاج يمكن - في أحوال معينة - أن تنقلب إلى إجراء في غير ~~مصلحة الشعب، إذا كانت السياسة العامة للدولة التي تحدث فيها هذه السيطرة سياسة مغامرات ~~وشراء للأعوان والأنصار في الداخل والخارج. وكلها أمور تحتاج إلى أموال لن تتوافر إذا ~~كان الإنتاج في أيدي أفراد. # ولعل الأمر الذي يدهشني حقا سكوت اليساريين عليه، في التجربة الناصرية، هو الانعدام ~~التام للرقابة الشعبية على المال العام؛ فقد تدفقت أموال كثيرة، ابتداء من القصور ~~الملكية المصادرة حتى أموال المجهود الحربي، مرورا بالحراسات وغيرها في مسارب ليست ~~كلها معروفة، وظهرت حالات عديدة من الثراء غير المشروع لدى أفراد لم يكن إيرادهم أو ~~دخلهم يسمح لهم بأن يكونوا من الأثرياء. والأهم من ذلك أن الوظائف العامة ذاتها أصبحت، ~~خلال فترة طويلة من هذه التجربة، فرصة للحصول على مغانم، لا لأداء خدمات عامة ومن ~~المؤكد أن أجهزة كثيرة كانت تعرف تفاصيل حالات استغلال النفوذ التي كان معدلها يزداد ~~عاما بعد عام، ولكنها كانت تصمت أو تتستر عليها، ولا تستغل ما تعرفه من معلومات إلا في ~~الحالات التي تريد ms014 فيها أن تفضح شيئا. # وبوصفي مواطنا عاديا يحس بالقلق على مصير بلاده، وبالحزن على أوضاع الملايين من ~~فقراء شعبه، فإني لا أستطيع أن أتصور تجربة اشتراكية يكاد يكون استغلال النفوذ هو ~~القاعدة فيها، والنزاهة هي الشذوذ ولقد كانت تلك بالفعل هي النتيجة المنطقية لانعدام ~~الرقابة الشعبية على المال العام، ولأن معظم المستغلين كانوا يستندون إلى مراكز القوى، ~~بأجيالها المختلفة، ومن ثم كانوا في كثير من الأحيان يرتكبون آثامهم بطريقة شبه علنية، ~~اعتمادا على متانة «المسند» الذي يرتكزون عليه. وفي شعب فقير مطحون، كالشعب المصري، ~~يصبح مثل هذا الاستغلال جريمة كان ينبغي أن يشنق مرتكبها علنا في أوسع الميادين، ~~ومع ذلك فإن التستر كان هو القاعدة، وما زالوا يشاركون فيه إلى اليوم بدفاعهم المطلق ~~عن التجربة الناصرية. # | المقال الثاني # دفاع اليسار ... والرد عليه # كان العذر الذي يقدم لهذا التسيب في الداخل، ولهذا التراخي في تطبيق المعايير ~~الاشتراكية الصحيحة على الحياة الاقتصادية للبلاد؛ عذرا مزدوجا: فقد كانت مصر تمر ~~بمرحلة تريد فيها أن تثبت وجودها خارجيا، وأن تؤدي رسالتها على المستوى العربي ~~والأفريقي ومستوى بلاد العالم الثالث بوجه عام. ومن جهة أخرى كان من الضروري بناء جيش ~~قوي لدعم هذه السياسة الخارجية، ولتأكيد هيبة مصر في العالم والوقوف في وجه المؤامرات ~~المناوئة، التي كانت إسرائيل هي الأداة المختارة لتنفيذها، وبالفعل أثبتت مصر وجودها، خلال ~~فترة التجربة الناصرية، على نحو لا يستطيع أحد أن ينكره، وتمت إنجازات على الصعيد ~~الخارجي جعلت للتجربة الناصرية سمعة عالمية وسط بلاد العالم الثالث. # وإذا كان هناك من مأخذ على هذه الإنجازات، فربما كان المأخذ الوحيد هو نجاحها الزائد ~~ذاته؛ ذلك لأن هذا النجاح كان يغري بمزيد من الاهتمام بالسياسة الخارجية على حساب الأوضاع ~~الداخلية للشعب. # وحين أقول «على حساب»، فأنا أستخدم هذه الكلمة بمعنيين: # المعنى الأول: # معنى تجاهل هذه الأوضاع الداخلية وإبداء اهتمام ضئيل بها، ما دام النجاح ~~الخارجي يحجب سوء الأوضاع في الداخل ويمتص أي سخط يمكن أن يترتب عليه. # المعنى الثاني: # الأقرب إلى المعنى الحرفي، ms015 هو الإنفاق المتزايد على العمليات الخارجية من ~~أموال كان الشعب في الداخل أحوج ما يكون إليها. # وأنا لا أنكر أن الحدود الفاصلة بين «السياسة الخارجية» و«السياسة الداخلية» مرنة ومطاطة ~~إلى أبعد حد بحيث لا يكون من الصواب إيجاد فاصل قاطع بينهما، ولكن هذه الحقيقة هي ذاتها ~~التي تدفعني إلى توجيه هذا المأخذ: فالسياسة الخارجية الناجحة لا بد أن ترتكز على جبهة ~~داخلية قوية، وعلى قاعدة شعبية مؤمنة بها، وقادرة على الاضطلاع بأعبائها؛ لأنها حققت ~~- على الأقل - حدا أدنى من طمأنينة العيش، ولكن المؤسف أن عدم التناسب بين الاهتمام ~~الخارجي والاهتمام الداخلي بلغ حدا جعل هذه السياسة الخارجية الناجحة مفروضة «من أعلى» ~~وليست مخططة ومرسومة بوصفها الحصيلة النهائية لموقف المجتمع ككل من مشكلات العالم الخارجي، ~~ولو كانت الجبهة الداخلية التي تستند إليها تلك السياسة الخارجية - التي كانت وجهتها العامة ~~سليمة بالفعل - أقوى مما هي عليه، لتغلبت تلك السياسة بسهولة على كثير من العقبات التي ~~تراكمت عليها، وخاصة في النصف الأخير من فترة التجربة الناصرية. # أما بناء الجيش القوي، الذي كان واحدا من أهم الأهداف الستة لثورة 1952م فكان أمرا ~~لا مفر منه إزاء التحدي الصهيوني الذي أثبت بعد عام 1956م أنه لم يلتهم فلسطين فحسب، ~~بل أصبح يهدد كل بلد عربي ذي نزعة استقلالية داخل أرضه. ومن المؤسف حقا أن الأموال ~~التي أنفقت في سبيل هذا الهدف، والجهود التي بذلها عسكريون مخلصون يفخر بها تاريخنا ~~القومي، قد ضاعت هباء بسبب التفكك الذي أصاب القيادات العسكرية في ذلك الحين، والذي ~~جعلها تبدد عرق الشعب المصري وماله الذي كان يعتصره من قوته الضروري، وتتركها تحت رحمة ~~العدو كل عشر سنوات. # والواقع أنه في وسع الكاتب أن يتحدث في هذا الموضوع بمزيد من الرؤية الواضحة بعد حرب ~~أكتوبر، التي كانت أول امتحان حقيقي لجيشنا وهو امتحان أثار نجاحه فيه دهشة العالم أجمع. ~~ففي ضوء إنجازات هذه الحرب الأخيرة نستطيع أن ندرك فداحة الخسارة التي لحقت بوطننا ~~وبجيشنا، في الحربين السابقتين؛ نتيجة لتفسخ القيادات واهتمامها ms016 بكل شيء ما عدا مهمتها ~~الأصلية. والشيء الذي يدعو إلى الأسى هو أن هذا التفسخ كان معروفا للأجهزة التي كانت تحصي ~~على المواطنين العاديين حركاتهم وسكناتهم، ومع ذلك لم يحاول أحد تدارك الأمر ووضع الجيش ~~في أيد أمينة، جادة، تعلم أن رسالتها الحقيقية هي الحرب والدفاع عن الوطن، لا الإغراق في ~~الملذات والدخول في مناورات ومؤامرات شخصية. # ولم تكن النتائج المترتبة على انحلال القيادات العسكرية متعلقة بأوضاع الجيش ذاته فحسب، ~~بل لقد انعكست هذه النتائج بوضوح على السياسة الخارجية والداخلية معا. # ففي مجال السياسة الخارجية، كان إخفاق السند العسكري الذي لا غناء لهذه السياسة عنه ~~مؤديا إلى انتكاسات أضاعت كثيرا من المكاسب التي تراكمت على مر السنين، وأوضح دليل على ~~ذلك هزيمة يونيو 1967م وما أدت إليه من فقدان للهيبة وللمكانة الدولية، ومن ارتداد بالأهداف ~~القومية إلى مستويات أدنى بكثير مما كانت تسعى إليه طوال السنوات السابقة. # وفي مجال السياسة الداخلية كانت كل هزيمة عسكرية تعني تبخر عصارة شقاء الإنسان المصري ~~طوال سنوات عدة، وإلحاق هزيمة مماثلة بآمال هذا الإنسان في حياة أفضل، وقد كانت أحوال ~~القيادات العسكرية خلال الفترة الناصرية ذات تأثير كبير في نجاح التجربة الاشتراكية أو ~~إخفاقها، وكان من واجب اليساريين أن يتأملوا بإمعان ما في هذه الأحوال والأوضاع من سلبيات ~~واضحة، انعكست آثارها على التجربة الاشتراكية إلى الحد الذي أدى إلى تشويهها ومسخ ~~معالمها. # القمع والرضا به # على أن سلبيات التجربة الناصرية في الاشتراكية لا تقتصر على الأمور المادية - ~~كالاقتصاد والجيش - فحسب، بل إن السلبيات المعنوية أخطر وأهم؛ ذلك لأن الاشتراكية ~~الحقة إنما هي إعلاء لشأن الإنسان قبل كل شيء، وعمل دءوب من أجل تحريره من كافة ألوان ~~الاضطهاد والاستغلال، المعنوي منه والمادي. وهي تتعهد أسمى ملكات الإنسان بالرعاية، ~~فتشجعه على التفكير المستقل، وعلى استخدام عقله في معالجة مشكلاته، وتحيي فيه الشعور ~~بآدميته وآدمية الآخرين معه. # والشيء الذي لا أستطيع أن أستسيغه في أية تجربة تصف نفسها بالاشتراكية، هو أن تمتهن ~~الإنسان وتعمل على إذلاله، وأنا ms017 لا أعني بذلك تجربتنا السابقة بالذات، بل إن حكمي ينسحب ~~على أية تجربة أخرى تتخذ تدابير تؤدي في نهاية الأمر إلى سحق الإنسان. صحيح أن الثورة ~~قد تجد نفسها مضطرة إلى قمع أفراد في طبقة معينة يعملون على مناوأتها، ولكن هذا القمع ~~يتم في نهاية الأمر لصالح القيم الإنسانية التي تراعى في حالة الطبقات الكادحة ~~مراعاة كاملة. أما أية ثورة تقمع الجميع لحساب الطبقة الحاكمة وحدها، فليطلق عليها ~~أصحابها وأنصارها ما يشاءون من الأسماء ما عدا الاشتراكية. # والحق أن التجربة الناصرية قد تضمنت من عناصر القمع ما يتجاوز بكثير نطاق التدابير ~~المشروعة التي تحمي بها الثورة نفسها من أقلية معادية لصالح المجموع. فالإنسان المصري ~~قد خرج من هذه التجربة مختلفا، في جوهره الباطن، اختلافا جذريا عما كان عند ~~بدايتها؛ لقد كان في البدء يشعر بأنه يستطيع أن يتكلم، وأن يناقش وأن يعترض، وبأن ~~البلد بلده، وله فيها رأي مسموع، صحيح أن كثيرا من الأحزاب - وخاصة أحزاب الأقلية - ~~كانت تتصرف على نحو يجعل من هذا الشعور أمرا خاليا من أي مضمون، ومن أية نتيجة ~~عملية ولكن الشعور ذاته ظل موجودا، وكان يعبر عن نفسه حالما تتاح له الفرصة بانتخاب ~~حزب الوفد - الذي كان بالفعل أكثر الأحزاب شعبية - بأغلبية كبيرة. وصحيح أيضا أن هيكل ~~البناء الاجتماعي والاقتصادي كان من شأنه أن يسلب هذا الشعور كل قيمة له، إذ كانت ثروة ~~البلاد في يد فئة ضئيلة من الإقطاعيين والتجار والرأسماليين الذين يتحكمون على ~~طريقتهم الخاصة، في أرزاق الملايين. ومع ذلك فإن الإنسان المصري كان في أحلك الأوقات ~~يشعر بأن الاضطهاد لا بد أن تكون له نهاية، ويقف في وجه مضطهديه إلى الحد الذي يرغمهم، ~~في بعض الأحيان، على التراجع، كان هناك على الأقل، الشعور بالأمل، وبأن مكافحة الظلم ~~يمكن أن تأتي بنتيجة، ولو على المدى الطويل، وبأن من يقمع الحريات ليس من حقه أن ~~يقمعها ولا بد أن يعرف ذلك. # ولكن هذا الإحساس أخذ يختفي منذ اللحظات الأولى للتجربة الناصرية، ورسمت سياسة لا ms018 بد ~~أنها كانت منظمة ومخططة من أجل القضاء على هذه المعاني في نفوس الناس، وبأن إجراءات ~~القمع لا ينبغي أن تقاوم ولا حتى بالكلام، وحوكم أشخاص، في السنوات الأولى، وعوقبوا ~~سنوات طويلة من الأشغال الشاقة لأنهم رددوا إشاعات، أي عارضوا واعترضوا، في أحاديثهم ~~الخاصة، وتسلل الرعب إلى النفوس بالتدريج، ومع الرعب ظهرت السلبية، والنفاق، والتحدث ~~بلغتين، والجهر بعكس ما يؤمن به الإنسان. وفقد الإنسان المصري قدرته على الرفض ~~والاعتراض، والاحتجاج، ومن فقدان هذه القدرة فقد ملكة التفكير العقلي المتزن، والحكم ~~على الأمور حكما صائبا: إذ كان القمع مصحوبا بحملة دعاية منظمة، قائمة على أسس علمية ~~مدروسة تستهدف في نهاية الأمر ألا يكون هناك إلا رأي واحد وألا يسمع الناس إلا ~~وجهة نظر واحدة، تظل تردد مرة تلو المرة إلى أن يصدقها كل من كان يقاومها ولم يكن ~~مقتنعا بها في مبدأ الأمر. # هذا التخريب الداخلي لنفس الإنسان المصري وعقله، هو في رأيي أكبر سلبيات التجربة ~~الناصرية، وحتى لو كان الهدف الذي تحذقه عملية التخويف، وإسكات الأصوات، وتعطيل ملكات ~~التفكير النقدي، هدفا وطنيا مائة في المائة فإني أعد التجربة التي تلجأ إلى هذا ~~الأسلوب أشد ضررا على الإنسان من تلك التي تترك له قدرا من الأمل، ومجالا ~~للاعتراض، وهي في الوقت نفسه تستغله وتنهبه، إن الأمرين بالتأكيد شر، ولكن ضرر التجربة ~~الأولى أفدح. # ذلك لأن الإنسان هو، في نهاية الأمر هدف كل تجربة في الحكم، وبقدر ما تأخذ هذه ~~التجربة بيد الإنسان لتعيد إليه الشعور بكرامته، وبأن كلمته مسموعة، وبأن له دورا ~~يؤديه في وطنه، وبأن الحاكمين يستجيبون لرغباته ولا يفرضون عليه رغباتهم، تكون تجربة ~~الحكم ناجحة ولقد كانت التجربة الناصرية تؤكد، على الدوام، أن هذا عين ما تقوم به، ~~ولكن النتيجة الحقيقية لهذه التجربة أتت على عكس ما كانت تنادي به دعايتها ويؤكده ~~إعلامها. كانت النتيجة الحقيقية هي إحساس الإنسان المصري العادي بأن هناك من يفكر له، ~~وبأنه ليس في حاجة إلى التفكير، وبأنه حتى لو فكر فلن يجديه ذلك ms019 شيئا؛ لأن الأمور ~~ستسير دائما كما يريد أصحاب السلطة، وكانت النتيجة الحقيقية هي اعتياد الإنسان المصري ~~الانكماش والسلبية، والوقوف موقف المتفرج غير المكترث، وحتى المكترثين منا، والمعجبين ~~بنتائج التجربة، كانوا يصفقون بطريقة سلبية: أعني أنهم كانوا يصفقون إعجابا ~~وانبهارا بقرارات مفاجئة تصدر من أعلى ولا يؤخذ رأيهم فيها. والفرق هائل بين هذا ~~النوع من التصفيق وذلك الذي يهلل فيه الناس؛ لأن القرارات التي طالما نادوا بها، ~~وشاركوا في صنعها وفي الدعوة إليها بإيجابية وفعالية، قد صدرت أخيرا. # الخطأ، والخطأ المقصود # لقد أصبح الإنسان المصري، من فرط خوفه وانكماشه، يقبل أوضاعا ما كان ليقبلها من قبل. ~~أصبح يقبل باستسلام فكرة وجود قانونين، قانون للمحكومين وقانون للحاكمين، وصحيح أن، من ~~حيث الأمر الواقع، كانت مصر طوال الجزء الأكبر من تاريخها تعاني من عدم تطبيق قوانين ~~المحكومين على الحاكمين، ولكن كان الشعور بالسخط - يعبر عن رفض مكتوم لازدواجية ~~القانون، لكن أخطر الظواهر في التجربة الناصرية هي أن الناس أصبحوا بالتدريج يقبلون هذه ~~الازدواجية بوصفها أمرا طبيعيا، ولا يدهشون لها، ولا يعلقون عليها، وكأنها جزء من ~~طبيعة الأشياء هذا هو ما أعنيه بالتخريب الداخلي لنفس الإنسان المصري وعقله. فالمشكلة ~~لم تكن انتشار مظالم أو استثناءات، بل كانت في اعتياد الإنسان عليها إلى حد أنه أصبح ~~يراها شيئا طبيعيا؛ بحيث تبلد الإحساس بالظلم، وتحول الاستثناء إلى قاعدة لا بد من ~~قبولها باستسلام. # ولكي يدرك القارئ ما أعنيه، أود أن أضرب له مثلا بسيطا: ففي أواخر عهد ما قبل ثورة ~~1952م، انشق مكرم عبيد على حزب الوفد المصري وأراد أن يبرر انشقاقه ويكشف فضائح الوفد ~~فألف الكتاب الأسود الذي عدد فيه حالات استغلال النفوذ والاستثناءات في مختلف ~~فترات تولي الوفد الوزارة. ولو ألقى المرء نظرة واحدة على هذا الكتاب، في ضوء التطورات ~~التي حدثت بعد ذلك، لاستبدت به الدهشة وعجب كيف تستخدم وقائع بسيطة كهذه في التشنيع على ~~أكبر حزب في البلاد: إذ تجد فيها حالة الموظف رقي درجتين بصورة استثنائية في مدى عام أو ~~عامين، ms020 وتجد فيها حالات استغلال نفوذ في بناء مرافق خدمات خاصة وخدمات عامة في الوقت ~~ذاته، في حدود لا تتجاوز بضعة ألوف من الجنيهات، ولكن الأمر الذي يلفت النظر حقا هو ~~أن هذه الوقائع ظلت محور أحاديث الصحف ومناقشات الناس فترة طويلة. وأنا لا أضرب هذا ~~المثل لكي أدافع عن مكرم عبيد أو أهاجمه (وإن كنت أفضل لو أنه لم يختم جهاده الطويل ~~بمثل هذا الكتاب)، ولكن ما يهمني في الأمر هو إحساس الناس بأن الاستثناء شيء مستنكر، ~~وبأنه يستحق التنديد والتشنيع حتى لو لم يكن من الممكن القضاء عليه بصورة ~~مباشرة. # قارن هذه الحالات المخففة التي كانت أقصى ما استطاع مكرم عبيد أن يجمعه (والتي بالغ ~~في بعضها دون شك)، بما حدث بعد ذلك من استثناءات ومن استغلال نفوذ، وستجد في ضوء هذه ~~المقارنة أن الكتاب الأسود قد أصبح ناصع البياض. # ولكن الأخطر من حالات الانحراف ذاتها، هو رد فعل الناس إزاءها: فبقدر ما استنكروها، ~~وهي قليلة ومخففة، ومتعلقة بأشخاص في قمة الحكم، أصبحوا بعد ذلك يقبلونها بوصفها ~~شيئا عاديا، ومألوفا على الرغم من تكاثرها وتكاثفها الشديد، وعلى الرغم من أن ~~كثيرا من مرتكبيها كانوا نكرات بلا وزن، هذا الإحساس المتبلد، الذي لم يعد يستنكر ~~الظلم، أو يسعى إلى محاربته، هو أخطر آفة تصيب الأمة، وهو الخطر الحقيقي في ~~مستقبلها. # ولكي تبرر التجربة الناصرية أمثال هذه الانحرافات التي لم يكن هناك مفر من أن ~~تتسرب أنباؤها من آن لآخر، أطلقت شعار «من لا يعمل لا يخطئ» وكان المقصود من الشعار ~~أن هناك عملا وجهدا وبناء متصلا، وأن من الطبيعي وسط هذا العمل المستمر أن تحدث ~~أخطاء، وأننا كنا نستطيع أن نتجنب الخطأ بألا نعمل ولا نبذل جهدا، ولكن من الأفضل، ~~بطبيعة الحال، أن يعمل المرء ويخطئ بدلا من ألا يعمل ولا يخطئ وبقدر ما كان الشعار ~~براقا، وانخدع به الكثيرون، فإني أعده واحدا من أخطر الشعارات التي أضرت بحياتنا ~~وقيمنا ومعاييرنا الأخلاقية. # ذلك لأن الشعار يرتكب مغالطة كبرى في كلمة ms021 «الخطأ» إذ إن نوع الخطأ الذي يمكن أن يجعل ~~لهذا الشعار معنى مقبولا بالمقاييس الخلقية السليمة، هو ذلك الخطأ غير المقصود، الذي ~~يرتكبه المرء رغما عنه من فرط ما يبذله من جهد، أما الخطأ الذي كان هذا الشعار يهدف ~~إلى تبريره والدفاع عنه، فكان خطأ مقصودا ومتعمدا، ارتكب بروية وتفكير وعن سبق ~~إصرار وترصد، يرمي إلى إكساب مرتكبه مغانم لا يستحقها، من قوت شعب فقير ~~مطحون. # مثل هذا الخطأ ليس من النوع الذي لا بد أن يقع فيه المرء في زحام العمل، بل إن من ~~يخلص حقيقة في عمله هو أبعد الناس عن ارتكابه. إنه بالاختصار، ليس خطأ، بل جريمة ~~وسرقة. ومن يعمل من أجل بلاده يستحيل أن يرتكب أمثال هذه الموبقات. ويكفي، لكي ندلل عن ~~خطورة هذا الشعار، أن نترجمه إلى معناه الحقيقي، فيصبح «من لا يعمل لا يسرق»، «من لا ~~يعمل لا يأكل قوت الشعب» والحق أن مجرد التفكير في إطلاق هذا الشعار هو في ذاته عمل يدل ~~على استعداد كامل للانحراف، ومن عجائب الدنيا أن يطلق شعار كهذا في عهد اشتراكي، وأن ~~يبتلعه اليساريون ويسكتوا عنه. # الوجه السلبي والوجه الإيجابي # إن للنظم التقدمية مؤشرات معروفة تدل - دون حاجة إلى مجهود - على أنها حققت ~~أهدافها أو سارت في طريق تحقيقها بجدية ومن هذه المؤشرات القضاء على الأمية، وانخفاض ~~معدلات الانحراف بأنواعه، ونهوض التعليم، وارتفاع مستوى الصحة العامة. وأخشى أن أقول ~~إننا لو طبقنا هذه المعايير على التجربة الناصرية لكان من الصعب أن ندرجها ضمن النظم ~~التقدمية. فالأمية قد ظلت نسبتها على ما هي عليه، مع أن البلاد الاشتراكية - بالمعنى ~~الصحيح لهذه الكلمة - اتخذت من محو الأمية هدفا من أوائل أهدافها، وتمكنت فعلا من ~~تحقيقه دون جهد كبير. وإنا جميعا لنعلم، ويعلم اليساريون بوجه خاص، أن اقتراحات ~~كثيرة قد قدمت في هذا الصدد، تستهدف الإفادة من تجارب المجتمعات الأخرى في محو ~~الأمية، مع مراعاة ظروفنا المحلية. وأن الكثيرين قد رددوا إلى حد الإملال أن القضاء ~~على هذه الوصمة واجب ms022 مقدس على الدولة، وعلى التنظيم السياسي بوجه خاص غير أن ~~الاتحاد الاشتراكي ظل خارج الموضوع كله، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد؛ لأنه ~~كان بطبيعة الحال مشغولا بما هو «أهم». # أما التعليم فإن التوسع الكمي الهائل فيه - وهو عنصر ~~إيجابي بلا شك - قد اقترن بتدهور كيفي ~~رهيب أصبح يشكل بالفعل خطرا على مستقبل هذه الأمة. وأما الانحرافات، فإنا لم نسمع ~~مثلا أن إدمان المخدرات قد توقف، أو تضاءلت نسبته بل على العكس من ذلك ازداد استفحالا ~~برغم تشديد العقوبات. وبقدر ما أعلم فإن قيام نظام اشتراكي حقيقي في أي مجتمع يؤدي إلى ~~اختفاء ظاهرة إدمان المخدرات، أو تناقص معدلها إلى حد ملحوظ؛ لأن الإدمان هروب من واقع ~~قاس وبحث عن الأمان وسط ضباب الأوهام، والمجتمع الاشتراكي يقدم لأفراده واقعا أفضل، ~~ويكفل لهم الأمان وزوال الهموم المرتبطة بوسائل العيش. # ولست أود أن أتحدث عن تدهور الصحة العامة، وعجز الفقير عن أن يجد العلاج ومهزلة ~~الوحدات المجمعة، فتلك كلها أوجاع يعرفها الجميع، وتعاني منها الأغلبية ~~الساحقة. # هذه كلها سلبيات لم يخترعها أحد، ولا يوجد فيها أدنى نصيب للمبالغة، وإنما هي تعبير ~~صريح عن واقع موضوعي ... ولا جدال في أن من حق المدافعين عن التجربة الناصرية أن ~~يؤكدوا أن صورة الواقع الموضوعي لا تكتمل إلا إذا أضيفت إليها الإيجابيات، ولكن ~~مثلما يتهم هؤلاء المدافعون خصومهم بأنهم لا يكشفون إلا عن وجه واحد للصورة؛ هو الوجه ~~السلبي، فإن خصومهم يتهمونهم - عن حق - بأنهم لا يكشفون بدورهم إلا عن الوجه ~~الإيجابي لتلك الصورة، متغافلين تماما عن وجهها السلبي الذي يشكل حقيقة لا جدال ~~فيها. # | المقال الثالث # عبد الناصر لم يتحول تجاه اليسار ... وإنما حول ~~اليسار تجاهه! # من حق اليسار، قبل أن نفسر موقفه من التجربة الناصرية أن نرد على سؤاله المشروع: ~~لماذا التركيز على سلبيات هذه التجربة في هذه الأيام؟ # إن هذه الظاهرة قد لا تكون كلها عن سوء نية، أو عن رغبة في اصطياد الأخطاء؛ ذلك لأن ~~الإيجابيات معروفة، وهي ليست معروفة ms023 فحسب، بل ظلت تعاد وتكرر وتردد على مسامعنا ~~حتى حفظناها عن ظهر قلب. # وأصبحت تؤلف نسبة كبيرة مما يتعلمه أبناؤنا في المدارس ويمتحنون فيه آخر العام. وإنه لمن ~~الطبيعي تماما، بعد أن ظلت وسائل الإعلام كلها تردد على مسامعنا وأمام أعيننا ~~الحديث عن هذه الإيجابيات ثمانية عشر عاما، أن يكون رد الفعل بعد ذلك هو التركيز على ~~السلبيات، فتلك ظاهرة إنسانية لا مفر منها. ولو شئنا أن نحدد المسئولية الحقيقية عن ~~الحملة التي تركز على سلبيات التجربة الناصرية في هذه الأيام، دون إيجابياتها؛ لقلنا إن ~~المذنب الأكبر في ذلك هو أجهزة الإعلام في العهد الناصري؛ إذ إن تركيزها على الدعاية ~~للإيجابيات وحدها، والأسلوب المفرط في المبالغة، الذي كانت تلجأ إليه في هذه الدعاية، ~~يتحمل النصيب الأكبر من المسئولية عن رد الفعل الذي يظهر في هذه الأيام. # ومن ناحية أخرى فإن الوعي السياسي الناضج لا يجد غضاضة في التركيز على السلبيات، ~~مهما كانت قيمة الإيجابيات التي تقف إلى جانبها. ولدينا على ذلك مثل واضح في موقف الصحف ~~الأمريكية من نيكسون أيام أزمة ووترجيت: إذ كان نيكسون قد اكتسب قبلها رصيدا إيجابيا، ~~وخاصة في ميدان السياسة الخارجية يضعه في مستوى الرؤساء الأمريكيين القلائل جدا الذين ~~نجحوا في تغير وجه السياسة الأمريكية تغييرا جذريا نحو الأفضل، ولكن ظهور فضيحة ~~ووترجيت جعل الجميع يركزون على الجوانب السلبية في حكمه، ولم يشفع له نجاحه التاريخي في ~~الميدان الخارجي، ولم يحاول هو ذاته أن يلتمس لنفسه عذرا بهذا النجاح؛ ذلك لأن الخطأ يظل ~~خطأ حتى لو أحاط به الصواب من كل جانب. # وقل مثل هذا عن تشرشل حتى أسقطه الشعب البريطاني في الانتخابات عقب الحرب العالمية ~~الثانية التي أحرز فيها تشرشل انتصارا سيذكره له التاريخ، أو عن ديجول الذي سقط في آخر ~~انتخابات دخلها، بعد أن أنقذ بلاده من تخبط الجمهورية الرابعة وسياستها الحمقاء، ووضع ~~السياسة الفرنسية في طريق الاستقرار؛ فضلا عن اعترافهم به بطلا قوميا أثناء الحرب ~~العالمية الثانية. # وبالاختصار، فقد تكون المسألة راجعة إلى ms024 عاطفية مفرطة لدى الشرقيين، أو إلى عدم النضج ~~الذي يجعلهم يخلطون بين العواطف على المستوى الشخصي والأحكام على المستوى السياسي الموضوعي. ~~ولكن أيا كان الأمر فإن من يهتف في كل مرة يقرأ فيها حكما سلبيا على التجربة ~~الناصرية: لماذا لا تذكرون الإيجابيات؟ ليس دائما على صواب. ومن يركز حديثه على السلبيات ~~وحدها ليس دائما على خطأ. # والآن، أعود فأتساءل: ما الذي جعل اليسار يتخذ هذا الموقف، ويدافع دفاعا مطلقا عن تجربة ~~لم تكن في حقيقتها يسارية بالمعنى الصحيح، ولم يكن لها من مقومات الاشتراكية، بالمقاييس ~~العلمية الصحيحة، إلا أقل القليل؟ # هذا السؤال يدخل بنا إلى لب الموضوع، ومن خلال إجابتنا عنه يمكن أن توضع قضية اليسار ~~والتجربة الناصرية في موضعها الصحيح. # والأمر المؤكد أن موقف اليسار، في الوقت الراهن، يمثل رد فعل على الاتجاهات اليمينية ~~التي انتعشت بعد موت عبد الناصر، والتي تصورت أنها تستطيع أن ترث التركة، وتعيد عقارب ~~الساعة إلى الوراء. فاليسار، بدفاعه المستميت عن الناصرية، إنما يهدف إلى قطع الطريق على ~~اليمين في اتخاذه هذا الموقف؛ إذ إن هناك خطرا حقيقيا من المد اليميني الزاحف ومن ~~الوسائل الفعالة لإيقاف هذا المد التمسك بما أنجزته التجربة الناصرية. # وأنا أعتقد أن هذا الموقف اليساري، الذي يبدو سليما لأول وهلة، خطأ من أساسه. وليس مرد ~~هذا الخطأ هو أنني مقتنع، بأي معنى من المعاني، بدعاوى اليمين، أو أنني مؤيد لمطالبهم، بل ~~إنني لم أكتب هذه السطور - كما سيرى القارئ بعد ~~قليل - إلا لكي أجرد اليمين من أسلحة يعطيها إياهم اليسار دون أن يشعر، وذلك حين ~~يتخذ موقف الدفاع المطلق من التجربة الناصرية، وحين يربط مصير اليسار بنتيجة تقييمنا ~~لهذه التجربة. # إن اليمين غول بشع يريد أن ينقض على هذا الشعب؛ لكي ينهش لحمه من جديد، ولكن اليسار ~~الذي يتصور نفسه حارسا للشعب، وهو حارس غافل، يساعد اللص المعتدي دون أن يدري، ويقدم ~~إليه - بقصر نظره - ما لم يكن يحلم به من خدمات. # ولذلك أود أن أكون في هذا الصدد واضحا ms025 وضوحا تاما؛ فأنا أعد دعوة اليمين الرجعي ~~دعوة عدوانية ينبغي التصدي لها بكل قوة، وأنا أرفض بشدة أية محاولة من جانب اليمين ~~لاستغلال ما أكتب من أجل تأييد قضيته التي أقف فيها ضده دون أي لبس أو غموض، ومن المستحيل ~~أن أقبل استخدام ما أكتب لصالح مدخني السيجار من أصحاب المصانع السابقين، أو لصالح أصدقاء ~~آل صيدناوي وأفرينو. ولو حدث أن استخدم أحد ما أكتب على هذا النحو المشين، فسيكون الخطأ في ~~ذلك مرة أخرى هو خطأ اليسار ذاته، كما سأبين الآن. # ذلك لأن اليسار، بتجاهله لسلبيات التجربة الناصرية وإغماضه عيونه عن نقاط ضعفها التي ~~ظهرت نتائجها أمام الشعب واضحة للعيان، في هزيمة 1967م بصورة سريعة صارخة وفي المصاعب ~~الاقتصادية الرهيبة بصورة تراكمية بطيئة، قد ترك لليمين وحده شرف التنديد بهذه السلبيات، ~~وإعلان نفسه حاميا للقيم التي أهدرتها تلك التجربة. # فاليمينيون، الذين كانوا يستهترون بالحريات والقوانين حين كان حكم البلاد في أيديهم، ~~أصبحوا هم أصحاب أعلى الأصوات في المناداة بالحريات وسيادة القانون. # ولم يكن في وسعهم أن يجرءوا على هذه المغالطة الصفيقة لو لم يكن اليسار قد ترك لهم ~~الميدان ليصولوا فيه ويجولوا، على حين ظل هو متمسكا بالدفاع عن تجربة يتمسك بأنها كانت ~~اشتراكية تقدمية، بينما يثبت الواقع اليومي عكس ذلك. # وحين أتحدث عن الواقع اليومي، فإني لا أعني واقع رجل الأعمال الذي انتزعت منه مصالح أو ~~سلب منه نفوذ، بل أعني الواقع اليومي للإنسان البسيط، صاحب المصلحة الحقيقية في ~~الاشتراكية. هذا الإنسان البسيط هو الذي أحس بعيوب التجربة، وهو الذي أعلن سخطه عليها ~~بشتى الصور المباشرة وغير المباشرة، وهو الذي لا بد أن ينقل هذا السخط إلى كل من يتمسك ~~بالدفاع عنها بلا تمييز، على حين أن من ينبهه إلى سلبياتها يكتسب رضاءه. # ولقد كان سخط الإنسان المصري على التجربة الاشتراكية واضحا جليا - على سبيل المثال - ~~في استقبال نيكسون، كان ذلك استفتاء غير رسمي على التجربة الاشتراكية المزعومة، ولم يكن ~~الذي أعلن رفضه للتجربة هم الذين أضيروا منها ms026 فحسب، بل هم أولئك الذين لا يظهر أي مذهب ~~اشتراكي إلا من أجلهم. # وموضع الخطر هنا هو أن الإنسان العادي حين يجد التجربة قد أخفقت، لا يستطيع أن يميز ~~بسهولة بين المبدأ والتطبيق. وهكذا أصبحت طاقة السخط لديه منصبة على مبدأ الاشتراكية ~~ذاته، مع أن ما يشكو منه ليس إلا تطبيقا خاطئا لمبدأ لو طبق بالطريقة السليمة لكان هو ~~ذاته أول المستفيدين منه. # ولا جدال في أن تمسك اليساريين بصواب التجربة السابقة، وإصرارهم العنيد على أنها كانت ~~«اشتراكية» فعلا، كفيل بأن يفقدهم تلك القواعد الجماهيرية العريضة التي كانت تحوطهم بالعطف ~~والتأييد حين كانوا يدعون إلى اشتراكية حقيقية، أي في تلك الفترات التي لم يكونوا فيها قد ~~ارتبطوا بتجربة محددة في الحكم أصبحوا يدافعون عنها كما لو كانت تجربة تنتمي إلى صميم ~~مبادئهم. # أمنا الغولة # ولنتساءل هنا: هل كانت تلك التجربة مؤيدة لليسار إلى الحد الذي تصوره اليساريون؟ وهل ~~ساعدت بالفعل على خدمة المبادئ التي ظل اليساريون يدعون إليها طوال حياتهم؟ # إن هذا السؤال، على الرغم من أهميته القصوى، يثير إشكالات يصعب البت فيها برأي ~~نهائي في المرحلة الراهنة؛ نظرا إلى التعقيد الشديد للموضوع ووجود عناصر كثيرة فيه لن ~~تتكشف إلا بمضي للزمن، ولكن في وسعنا أن نشير إلى بعض التساؤلات التي تطرحها ~~التجربة، والتي تساعد القارئ على استخلاص النتائج المترتبة عليها بنفسه. # ففي الوقت الذي أعلنت فيه قرارات التأميم، كانت قد مضت على اليساريين سنتان ونصف في ~~المعتقلات، ومن الأمور التي ربما لم يخطر ببالهم التفكير فيها أنهم قضوا بعدها سنتين ~~ونصفا أخريين في نفس المعتقلات أليس لهذه الظاهرة دلالتها؟ ألم يكن من المنطقي، إذا ~~كانت تلك القرارات قد اقتربت مما ينادون منه ولو لمنتصف الطريق، أن يفرج عنهم ~~بعدها؟ # أما الإفراج الفعلي فقد حدث بدافع الرغبة في مجاملة طرف رئيسي في التوازن الدولي، على ~~الرغم من نفور اليساريين الشديد من هذا التفسير، وتأكيدهم أن الإفراج كان نتيجة «لظروف ~~موضوعية». # ومن المؤكد أن تفسيرهم هذا أكثر إرضاء لهم؛ لأنه يعطي ms027 لتضحياتهم معنى، ولكن من المؤسف ~~أنه غير صحيح؛ إذ لو كان الدافع الحقيقي هو تلك «الظروف الموضوعية»، وحدوث تغير ~~حقيقي في موقف السلطة الحاكمة تجاههم، لما ظلوا في المعتقلات بعد قرارات التأميم مدة ~~تساوي تلك التي قضوها قبل صدورها. # ومما زاد في اضطراب أحكام اليساريين، بعد خروجهم، أن عددا كبيرا من أقطابهم عينوا ~~في مراكز رئيسية في الدولة، وفي ميادين الإعلام والثقافة بوجه خاص، فازداد في نظرهم ~~رجحان كفة التفسير المفضل لديهم، وهو أن سياسة الدولة الرسمية تزداد اقترابا منهم، ~~وحتى عندما كانت تظهر من آن لآخر شواهد قاطعة تدل على بطلانه، كانوا يغمضون أعينهم ~~عنها وكأنها لم تكن. # ولا جدال في أن النقلة المفاجئة من جحيم الواحات إلى رئاسة مجالس الإدارات، كانت ~~عاملا من العوامل التي تساعد - ولو بطريقة لا شعورية - على استخدام منطق التبرير في ~~مثل هذه الحالة، وهم على أية حال كانوا يعلمون جيدا، من تجربتهم السابقة، ما هو البديل ~~المطروح أمامهم. # ولكن هل كان هذا التكريم والتمجيد لليساريين دليلا على تحول حقيقي، في السياسة ~~الرسمية، نحو اليسار؟ # في واقع الأمر، لم تخسر التجربة الناصرية شيئا من هذا التغيير الذي أحدثته فجأة، ~~ومن النقيض إلى النقيض، في معاملتها لليسار. # فهي أولا قد اكتسبت رضاء الاتحاد السوفيتي في وقت كانت فيه أحوج ما تكون إليه، ~~ولكنها في الوقت ذاته لم تتحول تجاه اليسار، بل حولت اليسار تجاهها! # وبلا جدال في أن أيسر الطرق وأسرعها لانتزاع المخالب الثورية من التأثر هي أن نضع ~~بين يديه المال والنفوذ بلا حساب؛ ومن هنا فإني أنظر إلى هذا التكريم لليسار على أنه ~~هو الوجه الآخر لوضعه في المعتقل: فالأمران يؤديان نفس الوظيفة، وهي أن تسلبه الطاقة ~~الثورية وكل ما في الأمر أن أسلوب التكريم أذكى، وأنفع، وأقل جلبا للمشكلات. # ولا ينبغي أن ننسى، بعد هذا كله، أن اليساريين هم الأوسع ثقافة، وهم الأقدر على ~~الإقناع، والأقوى جاذبية في ميدان الصحافة والإعلام، ومن هنا فإن كسبهم إلى صف التجربة ~~الناصرية كان مصدر نفع ms028 كبير لها؛ لأنه قدم لها «التنظير » الذي كانت تفتقر إليه، فبين ~~اليساريين تجد أفضل المثقفين وأعمق المحللين وأبرع الكتاب، وكل ذلك كان أمرا لازما ~~وحيويا لتجربة تحتاج إلى الدعاية أشد الاحتياج. # وإذن فلم يكن إغراء اليساريين، في رأيي، تعبيرا عن تحول التجربة الناصرية تجاههم، ~~بل كان في الواقع كسبا خالصا لهذه التجربة، التي ظلت تسير في طريقها الخاص، وتخدم ~~مصلحتها الخاصة حتى اللحظة الأخيرة. # على أن أكثر الأطراف ربحا في هذه العملية كلها كان خصوم الاشتراكية الذين كانوا ~~يتفرجون على اللعبة وقد فركوا أيديهم مسرورين ... فها هو ذا النظام يقدم إليهم خدمة ~~لا يحلمون بها، إذ نجح في ربط الاشتراكيين بعجلته، وجعل سمعته الاشتراكية كلها مرتبطة ~~بتطبيق غير سليم لها، وهكذا تطوعت التجربة الناصرية بإعطاء صورة غير مستحبة ~~للاشتراكية في أعين الجماهير. # ومن هنا أكاد أكون موقنا بأن المعسكر الرأسمالي العالمي كان سعيدا كل السعادة بهذه ~~التجربة التي قدمت إليه خدمة مجانية جليلة، وكان ينتظر الوقت الذي يصبح فيه إخفاقها ~~مدويا؛ لكي يتقدم هو باعتباره البديل المنقذ، وهو واثق من أن الجماهير التي لم تنل ~~شيئا من مكاسب الاشتراكية الحقيقية لن تتردد في تلبية دعوته. # فالتجربة الناصرية، في رأيي، كانت تحمل في داخلها كل العوامل التي تؤدي إلى انتعاش ~~اليمين وإضعاف اليسار وفقدانه للقاعدة الشعبية، على الرغم من أن ظواهر الأمور توحي بعكس ~~ذلك. وليست التطورات التالية على الإطلاق، في رأيي، «ارتدادا» أو «انحرافا» نحو ~~اليمين، بل إن منطق الأحداث كان يحتم أن يكون رد الفعل في اتجاه البديل، وفي صف الطرف ~~الآخر لمجرد كونه شيئا «مختلفا» عما جرب وأثبت فشله. # لقد كان موقف التجربة الناصرية من اليسار، في سنواتها الأخيرة على الأخص، أشبه «بأمنا ~~الغولة» في الحكايات الشعبية: فقد كانت تقتله وهو في أحضانها، ولم يكن القتل يحدث ~~عفوا، ولا من شدة ضغط الأحضان، بل لقد كانت تعرف جيدا ما تفعل: فالقتل بالأحضان كان ~~في ذلك الحين أفضل بكثير من القتل بالمخالب والأنياب. # ولو فهم اليسار معنى ما كان ms029 يحدث لعرف أن هذا الاحتضان هو الذي سيؤدي فيما بعد إلى ~~فقدانه قواعده الجماهيرية لفترة طويلة، لا بد أن تدوم حتى الوقت الذي يعرف فيه كيف ~~ينفض عن نفسه غبار التجربة الفاشلة، على حين أنه لو كان قد قتل بالمخالب والأنياب لكان ~~الأمل كبيرا في أن تظل هذه القواعد متعلقة بذاكرة، بوصفه المنقذ والملاذ، حتى يحين ~~الوقت الذي يبعث فيه من جديد. # وليس معنى ذلك أنني أدعو إلى ضرورة ~~استشهاد اليسار؛ لكي يحتفظ بقواعد الجماهير، بل إنني أقارن فقط بين طريقتين في محاربة ~~اليسار، إحداهما أشد فعالية وأطول أمدا بكثير من الأخرى. وهي في الوقت ذاته أدهى ~~وأذكى فضلا عما تتيحه من قدرة أعظم على المناورة في الساحة الدولية. # والمهم في الأمر أن النتيجة كانت ~~محتومة، وأن امتصاص التجربة الناصرية لليسار، الذي بدأ في ظاهره، ولوقت ما، نصرا ~~عظيما له، كان ينطوي في ذاته على عنصر «النكسة» التي حدثت فيما بعد للقوى اليسارية، ~~ولم يكن تمسك اليسار خلال هذه النكسة بالتجربة الناصرية وإصراره على «يساريتها» سوى ~~معول آخر ... يهدم به اليسار بناءه الذي شيده على مدى كفاحه الطويل. # لقد كان الذكاء والوعي هو الذي يميز اليسار طوال الفترات السابقة على التجربة ~~الناصرية، ولكن ما حدث في السنوات الأخيرة لهذه الفترة أفقد اليسار وضوح الرؤية، وسلبه ~~قدرته السابقة على النظرة الشاملة إلى الأمور والتحليل المتعمق لها. # ذلك لأن التجربة كانت تتبع أسلوبا جديدا كل الجدة في مواجهة اليسار عن طريق ~~الاحتواء، وفي إفراغه من مضمونه الحقيقي وإحلال مضمون فيه قدر كبير من الزيف محله، مع ~~الاحتفاظ بالعدد الأكبر من شعارات اليسار ومن أقطاب اليسار، بعد نقلهم المفاجئ - على ~~طريقة حمام «الساونا» - من حمام البخار الملتهب إلى حوض الماء المثلج. # ومنذ ذلك الحين لم يعرف اليسار إلا الدوار واختلال التوازن، وكان من الطبيعي أن تشوه ~~صورته أمام الجماهير التي كانت تتعلق به في أوقات ثباته وصلابته. # أما الموقف الراهن لليسار، فليس إلا النتيجة الطبيعية للأخطاء السابقة، وكل ما يبدو ~~على السطح من ms030 تحول إنما هو في واقع الأمر تطور منطقي لم يكن هناك مفر من حدوثه، ~~ويصل هذا التطور إلى نقطة مؤسفة حين يترك اليسار لليمين شرف المناداة بالحرية وسيادة ~~القانون ومحاسبة المختلسين والقتلة والسفاحين - وقد عرفت مصر منهم الكثيرين بالفعل خلال ~~السنوات الماضية - على حين أنه يقف مستنكرا لأية دعوة إلى محاكمة أخطاء الماضي، ~~وكأنها ردة وجريمة لا تغتفر. # وبذلك يترك الميدان خاليا لليمين لكي يصول ويجول، ويرفع أسهمه من خلال مناداته ~~بشعارات أصبحت تمثل بالنسبة إلى شعبنا أهدافا لا بد من السعي إلى تحقيقها، مع أن ~~اليمين هو أول من كان يدوس هذه الشعارات بقدميه حين كانت مقاليد الأمور في يديه، وهو ~~أول من سينتهكها لو آلت إليه هذه المقاليد مرة أخرى. # ثم تصل المهزلة إلى قمتها حتى يصبح اليمين هو الذي ينادي بالرفض والتغيير والتجديد، ~~ويقف اليسار مطالبا ب «الستر» وبقاء الأمور على ما هي عليه. وبذلك يتبادل الأدوار مع ~~اليمين تبادلا كاملا: فيصبح اليسار - ~~الداعية التقليدية للتغير والتجديد - هو المحافظ والمتمسك بالوضع الراهن، على حين أن ~~اليمين المحافظ بطبيعته تتاح له الفرصة كاملة؛ لكي يتقمص رداء الدعوة إلى التجديد ~~والتغيير الثوري. # وبذلك تسرق من اليسار كل الشعارات التي قضى تاريخه الطويل كله داعيا إليها، وتصبح ~~هذه الشعارات أداة لتجميل الوجه القبيح لليمين وتشويه صورة اليسار. كل ذلك لأنه يصر ~~على إنكار الواقع الموضوعي الذي أحست به الجماهير في حياتها اليومية، ولم تكن محتاجة ~~من أجل هذا الإحساس إلى نظريات أو تحليلات معقدة. وأعني بهذا الواقع أن التجربة ~~السابقة لم تعط الإنسان المصري البسيط ما تعطيه التجربة الاشتراكية الناجحة للشعب ~~الذي يمارسها، وأنها قد ارتكبت أخطاء موجهة ضد إنسانية هذا الإنسان، تتجاوز بكثير ~~نطاق الخطأ غير المقصود الذي يقع فيه نظام الحكم الثوري في سعيه إلى تغيير الأوضاع ~~بصورة مفاجئة. # وبعد، فإن هذه لا تعدو أن تكون محاولة لتحليل الموقف الراهن لليسار إزاء التجربة ~~الناصرية، وردها إلى جذورها العميقة ولتخطي التفسير الساذج لنكسة اليسار من خلال أوضاع ~~اللحظة الحالية ms031 وحدها. # وهذه المحاولة تشير، في رأيي ، إلى طريق الخلاص الحقيقي لليسار، في نفس الوقت الذي ~~تكشف فيه عن أخطائه الماضية والحاضرة. # وكل ما آمله هو أن ينظر إليها اليسار بهذا المعنى، حتى لو اختلف ما صاحبها في الرأي ~~حول طبيعة التحليل الذي يقدمه. # وإذا كنا قد ألفنا تشويه الفكر وإقحام عوامل غير موضوعية في كل رأي يخالف ما ~~نعتنقه، فإني أرجو ألا تطبق تلك اللعبة على هذه المحاولة، حتى لا نعود مرة أخرى إلى ~~المهاترة، بينما تظل القضية الرئيسية سائرة في طريق التضليل والتخبط. # إن هذا، على أية حال، تحذير مخلص، وأرجو ألا يكون قد أتى بعد فوات الأوان! # | علاقة اليسار بثورة يوليو بدأت قبل قيام الثورة # بقلم فتحي خليل # حين وصلت في مقال الدكتور فؤاد زكريا، إلى قوله: أنا أرفض بشدة أية محاولة من جانب ~~اليمين لاستغلال ما أكتب من أجل تأييد قضيته التي أقف فيها ضده دون أي لبس أو غموض ومن ~~المستحيل أن أقبل استخدام ما أكتب لصالح مدخني السيجار من أصحاب المصانع السابقين، أو لصالح ~~أصدقاء آل صيدناوي وأفرينو ... ولو حدث أن استخدم أحد ما أكتب على هذا النحو المشين ... # حين وصلت إلى هذه السطور توقعت لوهلة أن الدكتور سيهدد برفع قضية على من يقترف هذا ~~الإثم، ولكن المفاجأة التي صدمتني أن الدكتور حول مدفعيته من اليمين نحو اليسار حين قال: ~~فسيكون الخطأ في ذلك مرة أخرى هو خطأ اليسار! # لم يهدد الدكتور برفع قضية على اليمين بل أحال الجريمة إلى دوسيه اليسار بغير تردد، ~~وتلك في الحقيقة هي قضيته. # بالمنهج الذي اتبعه صديقي وزميل دراستي الدكتور فؤاد زكريا، فأينما تول وجهك في أفق ~~السياسة المصرية المعاصرة فثم أخطاء اليسار. # ما هي خلاصة الدراسة التي رحبنا بنشرها في روز اليوسف احتراما لحرية الرأي؟ # هي بكلمات د. فؤاد «محاولة تشير إلى طريق الخلاص لليسار، في نفس الوقت الذي تكشف فيه عن ~~أخطائه الماضية والحاضرة ... وتحذير مخلص إلى اليسار بأن ينفض عن نفسه غبار تجربة فاشلة هي ~~الناصرية.» ms032 # قبل الدخول في تناول دراسة د . فؤاد بالتعليق أحب أن أوجز علاقة اليسار بثورة 23 يوليو ~~لأضع صاحب الدراسة والقارئ في دائرة ضوء ضرورية لكي تنتقل المناقشة إلى ساحة أكثر ~~صلابة. # لم يعد سرا أن علاقة اليسار بثورة 23 يوليو سبقت قيامها. وبالتحديد فإن تنظيما ~~ماركسيا واسع النفوذ هو «الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني» كان على علاقة عضوية وفكرية ~~بتنظيم الضباط الأحرار منذ النشأة حتى الاستيلاء على السلطة. ولقد كان أول بيان سياسي ~~يؤيد الثورة في ساعاتها الأولى هو بيان من هذا التنظيم إلى الشعب ومنشور إلى أعضائه ~~بالدعوة إلى تأييد الثورة كل في مجاله. وإذا كان هذا التنظيم قد تعرض لنكسة قصيرة في ~~موقفه عن تفهم طبيعة الثورة فقد نجح على الدوام في كسب فصائل اليسار، الرافضة لثورة 23 ~~يوليو، إلى موقفه بدرجات متفاوتة، حين كانت تخرج بالتطرف إلى حدود مناوأة الثورة ~~باعتبارها انقلابا عسكريا أو فاشيا أو سلطة تمثل الرأسمالية الكبيرة أو الاحتكار ~~المصري. # ثورة 23 يوليو إذن ليست ظاهرة سياسية بعيدة عن اليسار مقطوعة الصلة به تتعامل معه بالقمع ~~أو الاحتضان القاتل. هذا الفصل غير قائم ولم يكن قائما، وهذه مسألة جوهرية لا اليمين يحسب ~~حسابها في هجمته على ثورة 23 يوليو، ولا الدكتور فؤاد زكريا في دراسته حسب حسابها، ولعل ~~الخطأ الأكبر، سواء بالنسبة لعبد الناصر أو لليسار كان في غياب هذه الحقيقة عن أحدهما أو ~~كليهما خلال مجرى الثورة في فترات تقصر أو تطول. وفي اللحظة الراهنة فإن الخطر الأكبر ~~أيضا سواء بالنسبة لليسار أو القوى الوطنية التي تدين بمبادئ الناصرية - في السلطة أو ~~خارجها - هو غياب هذه الحقيقة: إن بين ثورة 23 يوليو واليسار المصري علاقة عضوية وفكرية ~~وكفاحية. # وذلك بالتحديد هو الباب الذي نفذت منه كافة سلبيات ثورة 23 يوليو، أقصد غياب حقيقة ~~العلاقة العضوية والفكرية والكفاحية عن واحد من الطرفين أو عنهما معا. # من هذا الباب كان يدخل التطرف العدائي من جانب بعض فصائل اليسار. # ومن هذا الباب كان يدخل انزلاق سلطة 23 ms033 يوليو إلى كمائن الرجعية أحيانا، والعزلة عن ~~الجماهير أحيانا، والتراخي أمام انحرافات الطبقة الجديدة في مؤسسات الدولة والحياة ~~العامة. # أردت بهذا الشرح لطبيعة العلاقة بين ثورة 23 يوليو واليسار أن أوضح للدكتور فؤاد ~~ابتداء، كيف يستحيل على اليسار المصري أن ينفذ نصيحته بأن ينفض يده من تجربة فاشلة، كما ~~يسمي ثورة 23 يوليو، فليس من المعقول أن ينفض تيار سياسي يده من تجربة مهد لها بقيادته ~~لحركة شعبية عنيفة هزت أركان النظام القديم، وامتدت في مطلع عام 1946م حتى مطلع عام ~~1952م، ثم يساهم في قيامها وإعداد أداتها بالفكر والمطبعة السرية والمنشور السياسي، وبإنجاز ~~الدور العنيف ليلة استيلائها على السلطة، بالسيطرة على قيادة القوات المسلحة، ثم كان أول من ~~أيدها علنا، وتعارك مع فصائلها الأخرى - عن اعتقاد بأنه يصحح مسارها - عراكا كلفه ~~السجن والاستشهاد فيه أحيانا، وكلفه عمر جيل بأسره من أبنائه بوجه عام. # إن بصمات اليسار المصري موجودة - شاء هذا الطرف أو ذاك من فصائل الثورة أم أبى - على ~~البرنامج السياسي للضباط الأحرار قبل تولي السلطة، موجودة على المبادئ الخمسة، موجودة على ~~قوانين الإصلاح الزراعي، موجودة على مبادئ باندونج، موجودة على تأميمات المعاقل الكبرى ~~للرأسمالية المصرية، موجودة على الميثاق وبيان 30 مارس، موجودة على حملات النقد للتطبيق ~~الاشتراكي، موجودة على حملة تهريب الأرض حين ضبط الإقطاع متلبسا بطعن قوانين الإصلاح ~~الزراعي من الخلف، موجودة على حملات الأقلام اليسارية لكشف السوق السوداء وكافة وسائل ~~الانحراف بالمسار الشعبي للثورة، موجودة على المحاولات الجادة الوحيدة للتصدي لمراكز ~~القوى، وبتضحيات لا أشك في أن الدكتور فؤاد يلم ببعضها. # وإذا التزمنا بالمسار العام لحركة اليسار المصري تجاه عبد الناصر والمتجاوبين معه بالفكر ~~في قمة السلطة، فيمكن تلخيص هذا المسار على الوجه التالي: أن عبد الناصر بدأ من منطلق وطني ~~صرف، أو عن طريق التجربة والخطأ تبنى أفكارا اشتراكية «غير علمية» أي أنه يسير قدما بفكره ~~ونشاطه في اتجاه تقدمي، وأنه في كل مرحلة يحدد في وثيقة سياسية مدى تقدمه بأفكاره ~~الأولى، وأن لهذا المنهج ms034 - التجربة والخطأ - إيجابياته وسلبياته، ولقد حاول اليسار بشكل ~~عام وباستثناء فترات الصدام العنيف، أن يضع ثقله لكي ترجح كفة الإيجابيات على كفة السلبيات ~~مع الاهتمام بالتصدي لقوى اليمين سواء في هجومها السافر أو تسللها المستور أو التفافها ~~على حركة التقدم في الثورة. # في حدود هذا الإطار يمكن أن يحاسب اليسار على مدى نجاحه أو فشله، على تنازلاته أو ~~ضماناته، وكذلك على موقفه الراهن من تقييم التجربة كلها سلبا وإيجابا. # يطالبنا الدكتور فؤاد زكريا بأن ننزع من يد اليمين راية الحكم على التجربة بالفشل، بل ~~يطالبنا بأن ننتزع من اليمين «هذا الشرف» شرف التنديد بفشل ما يسميه بالتجربة ~~الناصرية. # لماذا؟ # لأنه كصديق لنا حريص على أن نكسب المواطن المصري إلى صفنا قبل أن يخطفه اليمين. # إن الساحة المصرية أمامه تتلخص في حلبة صراع بين غول بشع هو اليمين، يريد أن يعتصر ~~المواطن المصري كما كان يفعل قبل الثورة، وبين يسار قصير النظر يعطف الدكتور عليه وينصحه ~~نصيحة تضمن له كسب المواطن المصري؛ لأن الدكتور على يقين من أن اليسار يريد بالمواطن ~~خيرا. ويرى الدكتور أن الغلبة في هذه الحلبة ستكون لمن يبادر بإهالة أكبر قدر من التراب ~~على تجربة ثورة 23 يوليو. # وهو يعلم اليسار ويلقنه بأسلوب أستاذ الفلسفة ماذا يقول، ليس أكثر ولا أقل مما يقوله ~~اليمين: إن الثورة لم تكن ثورة، ولكن نكسة على ~~الإنسان المصري من جميع الوجوه، طبقة حاكمة جديدة أكثر عددا من سابقتها في الحكم، مناظر ~~اشتراكية ليست من الاشتراكية في شيء، انحرافات لا تقاس بها انحرافات مجتمع ما قبل الثورة، ~~جبهة داخلية مفككة وجيش متفسخ، وتحت هذا الثقل الهائل يقف الإنسان المصري البسيط مخرب النفس ~~والعقل مشلولا بالسلبية مستنكرا تماما كل ما وقع في وطنه عبر عشرين عاما بشهادة رآها ~~الدكتور دامغة كأنها استفتاء شعبي عام، هي الاستقبال الشاذ للرئيس الأمريكي نيكسون. # إن الدكتور فؤاد زكريا يتهم اليسار بأنه ذاب في أحضان «التجربة الناصرية» ويتهم المواطن ~~المصري بأنه مات تحت وطأة التجربة الناصرية وهو يطالب ms035 اليسار بأن ينتزع نفسه قبل فوات ~~الأوان من عناقه القاتل للتجربة الناصرية، ليرد الحياة إلى المواطن المصري الذي لفظ أنفاس ~~إنسانيته تحت أقدامها. # والحقيقة أن دائرة الرؤية عند الدكتور فؤاد زكريا - بالنسبة لليسار - قد توقفت عند عدد ~~محدود من شخصيات يسارية اقتصر دورها على الهجوم المطلق على ثورة يوليو في مرحلة، ثم انتقلت ~~إلى الدفاع المطلق عنها وتبرير سلبياتها بعد ذلك. # قد تكون هذه العناصر مرموقة ولكنها أيضا محدودة وأعتقد أن دورها قد انتهى. # أما بالنسبة للمواطن المصري ... فإن حدود رؤية الدكتور له قد توقفت عند نفس الحدود التي ~~يراها اليمين. # اليمين رآها بالوهم وأحلام اليقظة، أما الدكتور فؤاد زكريا فقد رآها بالانسياق. وشخصية ~~المواطن المصري البسيط المعادي لثورة 23 يوليو الكاره لعبد الناصر وتجربته، العاقد الآمال ~~على أمريكا. المخدوع بأبواق اليمين المصري، هي شخصية وهمية تماما. # لقد ظل المواطن المصري البسيط سواء قبل وفاة عبد الناصر أو بعد وفاته ينتقد السلبيات ~~ويتصدى بقدر ما يطيق للانحرافات، ولكنه أبدا لم يرفع شعار «هدم المعبد» على حد تعبير ~~واحد من كتاب اليمين هذه الأيام. إن شخصية المواطن المصري العادي الكاره لمبدأ الاشتراكية ~~نتيجة انحراف التطبيق، هي قضية أنصح الدكتور فؤاد زكريا أن يفحصها بمنهج غير مكتبي، إذا ~~أراد أن يتصدى للسياسة المصرية. # وسوف أضمن للدكتور فؤاد زكريا اكتشاف أن الإنسان المصري لم يعش تجربة الثورة وخرج منها ~~«مرعوبا سلبيا منافقا فاقدا القدرة على الرفض والاعتراض والاحتجاج، فاقدا ملكة ~~التفكير العقلي والحكم الصائب، مخرب العقل والنفس مسلوب الكرامة، متكلا على غيره في الفكر ~~والعمل معتادا على الانكماش والوقوف موقف المتفرج غير المكترث متبلد الإحساس لا يستنكر ~~الظلم ولا يسعى إلى محاربته.» وذلك كما صور هو الإنسان المصري في دراسته. # وقد يسأل الدكتور عن موقف اليسار إذا لم يأخذ بنصيحته، وهي التنافس مع اليمين على شجب ~~تجربة 23 يوليو. # إن موقف اليسار من اليمين ليس التنافس معه على شيء، ولكن رده على أعقابه. # وموقف اليسار من أخطاء التجربة، سواء أكانت أخطاءه أو أخطاء ms036 غيره، هو تصحيحها. # وموقف اليسار من منجزات التجربة ليس هو الاكتفاء بأنها «محفوظة ومعروفة» بل حمايتها ~~والتقدم بها؛ لأنها من عمل العمال والفلاحين وأبنائهم في مواقع الإنتاج الفكري والتكنولوجي ~~من المثقفين، وكذلك أبناؤهم في القوات المسلحة. # هي مهام صعبة، ولكن اليسار يضع ثقته في هذا المواطن المصري البسيط الذي تصور د. فؤاد أنه ~~فقد كل شيء، بينما يثق اليسار في أنه يملك كل شيء: الزمن والمقدرة. # وأخيرا لقد بدأ الدكتور فؤاد زكريا دراسته بمقدمة نفى فيها عن نفسه شبهة الدوافع ~~الشخصية وشبهة الرجعية وشبهة الجبن والانتهازية ثم حذر اليمين من أن يحاول الاستفادة ~~بدراسته وعلق جريمة هذا الاحتمال أو التخوف في عنق اليسار وختم دراسته بتحذير إلى اليسار ~~بألا يرد عليه بمهاترة. # اطمئن يا دكتور فؤاد، لن يتهمك اليسار بالرجعية أو الجبن أو الانتهازية أو الانطلاق من ~~دوافع شخصية، وإذا استغل اليمين ما كتبت في لعبته فإن اليسار سيحمل وزر ذلك عن كليكما. كذلك ~~لن تجد من اليسار مهاترة في الرد عليك. ستخرج سليما معافى من هذه المعركة التي أهلت فيها ~~أكوام التراب على كل شيء، فإن أصدقاءك اليساريين يفهمون جيدا حساسية المثقفين! # | لم ينقد عبد الناصر إلا اليساريون # بقلم فيليب جلاب # على غير عادة الدكتور فؤاد زكريا، جاءت دراسته حول «جمال عبد الناصر واليسار المصري» مثل ~~بعض عمارات هذه الأيام: تبدو في غاية الدقة والإحكام، ولكن عيبها الخفي في عمودها ~~الفقري! # فأساس دراسة الدكتور فؤاد زكريا أن اليسار المصري يدافع بالحق وبالباطل عن تجربة عبد ~~الناصر والعهد الناصري، ويرفض أي نقد أو تقييم لهذه التجربة، ورغم أن الدكتور فؤاد ~~زكريا، وهو باحث مدقق، لم يقدم أمثلة لإثبات أهم أركان دراسته، إلا أنه واصل شرح أسباب ~~هذا الموقف «الوهمي» ليساريين «وهميين»، حتى نسب إليهم دون حرج وجود دوافع أو «مصالح ~~شخصية» وراء موقفهم هذا. # ونحن لن نناقش الأسس النظرية التي تحول بين اليساري (الجدير بهذه الصفة) وبين اتخاذ موقف ~~سياسي على أساس مصالح شخصية (مما ينفي عنه تماما صفة اليسارية) ms037 ولن نتعرض في البداية لعدد ~~اليساريين الذين حصلوا على «مناصب رفيعة» كما يقول إبان «العهد الناصري» فسنرى في النهاية ~~من هم وأية مناصب «رفيعة» احتلوها. # ليس رفضا للتقييم ولكن ... خلاف حوله # لكننا نبدأ بتوضيح مسألتين، لم نكن نتوقع أن تغيبا عن الدكتور فؤاد زكريا: # الأولى: # أنه لم يحدث في حدود علمنا ومتابعتنا لما نشر في الصحف والمجلات ~~ومختلف المطبوعات أن رفض اليساريون نقد وتقييم عبد الناصر وثورة 23 ~~يوليو، أو هاجموا من يتصدى لعبد الناصر والثورة بالنقد والتقييم، ~~وذلك شريطة أن نضع حدا فاصلا واضحا بين الشتائم والبذاءات ومحاولات ~~الارتداد إلى العهد الملكي، وبين أي نقد أو تقييم موضوعي، لعبد الناصر ~~والثورة. # والثانية: # أن أحدا لم يقدم نقدا أو تقييما لتجربة عبد الناصر يمكن أن ~~يكون جديرا بصفة الموضوعية سوى اليسار، بقدر ما أتيح له من «مساحة» ~~أو «فرصة» في صحفنا. # أما أن يكون تقييم اليسار لتجربة عبد الناصر وثورة 23 يوليو مختلفا في كثير أو قليل ~~مع تقييم الدكتور فؤاد زكريا لنفس التجربة (وهو تقدمي ويساري أيضا) فهذه قضية أخرى، لا ~~يصح أن تختلط بمبدأ التقييم ذاته. # واليساريون في النهاية ليسوا حزبا موحد الفكر والموقف، ولا تجمعهم إلا الخطوط ~~النظرية العامة، والتي لم تعد هي أيضا بمنأى عن الخلاف بين تيارات اليسار ~~المتعددة. # أين هو النقد والتقييم لعبد الناصر الذي اتخذ منه اليسار موقف الهجوم والرفض؟ هل هم ~~الذين يقول عنهم الدكتور فؤاد زكريا: «هناك بالفعل نقاد للعهد الناصري كانوا ممن يحرقون ~~له البخور طوال أعوامه الثمانية عشر، وكانوا طول تاريخهم ممن يجيدون تغيير جلدهم بتغير ~~الحاكم ... بل إنهم سبق أن مارسوا مثل هذا التحول في أوائل عهد عبد الناصر لصالح عبد ~~الناصر ذاته وضد أسيادهم السابقين.» أو من يسميهم أيضا: «مدخني السيجار من أصحاب ~~المصانع السابقين أو ... أصدقاء آل صيدناوي وأفرينو»؟ ~~... حسنا! هل يمكن أن يقبل نقد لعبد الناصر من جانب تلك الفئات؟ وهل يمكن أن يصدر أي ~~نقد أو تقييم موضوعي لثورة أو زعيم ثورة من جانبهم. ms038 # وهل إذا رفض اليسار الإسفاف والافتراء على الثورة، وهو إسفاف وافتراء على شعب مصر قبل ~~أن يكون على جمال عبد الناصر ... أصبح رافضا «للنقد »؟ # لقد كتب رجل من كبار الرأسماليين، وهو محمد فرغلي «باشا» نقدا وتقييما للقطاع العام ~~في صحيفة الأهرام، ذكر فيه ما له وما عليه من وجهة نظره، بموضوعية وتجرد، فلم يلق ~~ترحيبا إلا من اليسار (في مجلتي روز اليوسف والطليعة). # وإذا كان رجل كفرغلي استطاع أن يسمو على مصالحه الشخصية، ويقدم تقييما موضوعيا، ~~فهل «يدان» اليسار في رأي الدكتور فؤاد زكريا؛ لأنه ارتفع على آلامه الذاتية وما أصابه ~~شخصيا متمسكا بالدفاع عن إيجابيات الثورة في عهد عبد الناصر قبل وبعد وفاته؟! # ثم أين هو النقد والتقييم الذي يرى الدكتور فؤاد زكريا أن اليسار قد رفضه؟ هل «النقد» ~~هو أن يقال إن مصر لم تستقل أو تتحرر إلا بعد وفاة عبد الناصر، وإن إسرائيل والولايات ~~المتحدة وغيرهما من الدول الاستعمارية أو العميلة ليست مسئولة عما أصاب شعب مصر من ~~عدوان متكرر، لكن مصر بعد ثورة 23 يوليو وبقيادة عبد الناصر هي المسئولة؟ # هل النقد والتقييم لعشرين عاما من تاريخنا هو أن يقال إن مصر كانت أسعد حالا قبل ~~التأميم والتصنيع وإنشاء السد العالي والإصلاح الزراعي؟ وإن الفلاحين والعمال في مصر ~~الملكية عاشوا في نعمة ورضاء لم ينتزعهم منهما إلا عبد الناصر والثورة؟! # هناك فرق كبير بين النقد وبين نفث سموم الأحقاد الطبقية، وفرق كبير بين تقييم مرحلة ~~حاسمة في تاريخنا المعاصر بالدراسة والبحث والأرقام، وبين التعبير عن مطامع شخصية في ~~ثروات قديمة غير مشروعة، أو ثروات جديدة مأمولة بالأصالة عن النفس أو بالوكالة عن ~~الغير. # إن ما يقوله هؤلاء وأولئك هو ما يرفض اليسار أن يقبله كنقد «للعهد الناصري» لأنه كلام ~~معاد لمصر، ولثورة 23 يوليو، ولكل نظام وطني سواء قاده عبد الناصر أو السادات. # اليسار نقد أيضا # أما اليسار - وهو ما فات الدكتور فؤاد زكريا أن يتابعه للأسف - فقدم أكثر التقييمات ~~موضوعية على قدر استطاعته، وفي حدود ms039 «الفرص» المتاحة في الصحف كما أشرنا في البداية. ~~وإذا كان من الصعب حصر بعض المقالات الفردية المتباعدة لكتاب اليسار في هذا الشأن، ~~أفليس من التجني على اليسار تجاهل الدراسة التي قدمها يساري ماركسي مصري معروف هو ~~الدكتور «محمد فريد شهدي» تحت عنوان «تأملات في الناصرية». # وإذا كانت الطبعة الأولى من هذه الدراسة قد ظهرت في يوليو 1973م، إلا أن ندوة مجلة ~~«الطليعة» القاهرية حول تقييم تجربة عبد الناصر بين اليسار المصري وتوفيق الحكيم لا ~~تزال مستمرة حتى كتابة هذه السطور، وهي من الموضوعات الرئيسية في أعداد المجلة. # هل غابت هذه المحاولات المتواضعة لليسار عن ملاحظة الدكتور فؤاد زكريا؟ # لنكن أكثر صراحة ونؤكد أن الدكتور فؤاد زكريا (من واقع دراسته) ليس غافلا عما ~~يقدمه اليسار من تقييم لتجربة عبد الناصر، وعما يقدمه بعض اليمينيين من بذاءات ~~وينفثونه من أحقاد ضد الثورة، وضد إيجابياتها على وجه الخصوص، لكن المشكلة التي أوضحها ~~الدكتور فؤاد زكريا بجلاء، ليست هي رفض اليسار لتقييم عبد الناصر، وإنما هي اختلاف ~~تقييم الدكتور فؤاد زكريا عن تقييم اليسار لعبد الناصر. # ولو كان الدكتور فؤاد واضحا في هذه النقطة منذ البداية لوفر الكثير من الجهد، ~~ولما اضطر إلى اعتساف المنطق وتجريح اليسار واتهامه بالدفاع عن «مصالح شخصية» وهمية، ~~لمجرد أن اليسار يرفض أن يدخل في مزايدة مفتوحة مع اليمين المتطرف؛ لكي يكسب قصب ~~السبق في إهالة التراب على ثورة وطنية، وعلى واحد من أعظم أبطالنا القوميين طوال ~~تاريخنا! # تقدمية أو رجعية # يقول الدكتور فؤاد زكريا دون أي لبس: إن اليسار ظل متمسكا «بالدفاع عن تجربة ~~يتمسك بأنها كانت اشتراكية تقدمية بينما يثبت الواقع اليومي عكس ذلك» ثم يعود ~~ويتساءل: «ما الذي جعل اليسار يتخذ هذا الموقف ويدافع دفاعا عن تجربة لم تكن في ~~حقيقتها يسارية بالمعنى الصحيح، ولم يكن لها من مقومات الاشتراكية بالمقاييس العلمية ~~الصحيحة إلا أقل القليل؟!» # وتساؤلات الدكتور فؤاد محيرة فعلا؛ لأنها لا تتسق مع منطقه السائد في الدراسة ~~كلها. # فإذا كان الواقع اليومي يثبت أن ms040 التجربة الناصرية ليست «اشتراكية تقدمية»، بل ~~رأسمالية رجعية ... فأي مبرر في رأيه يدفع اليمين إلى الهجوم الدائب والمستميت ضد هذه ~~التجربة؟ وما معنى قوله إن «الاتجاهات اليمينية انتعشت بعد موت عبد الناصر»، متصورة ~~أنها تستطيع أن «تعيد عقارب الساعة إلى الوراء»؟ # كيف يعلن اليمين سخطه على تجربة ~~رأسمالية رجعية، وكيف يحاول اليمين إعادة عقارب الساعة إلى الوراء إذا لم تكن تجربة عبد ~~الناصر بإيجابياتها وسلبياتها تمثل دفعة إلى الأمام في إطار التطور الوطني والاجتماعي ~~المستقل، وإذا لم يكن عبد الناصر وثورة يوليو قد حركا عقارب الساعة إلى الأمام؟! # لكن لندع منطق المخالفة ولنذكر شيئا عن موقف اليسار من ثورة يوليو وعبد الناصر منذ ~~قيام الثورة إلى وفاة عبد الناصر. لقد أيدت الثورة فور قيامها بعض تيارات اليسار عن ~~اقتناع وعارضتها تيارات أخرى عن اقتناع أيضا. # وبعد سلسلة من الصدام بين الثورة وتيارات اليسار، وبعد أخطاء متبادلة من الجميع ~~بدرجات متفاوتة استقر رأي جميع اليساريين على أن ما حدث في 23 يوليو ليس انقلابا ~~عسكريا ولكنه ثورة وطنية بأسلوب غير تقليدي، لا بد أن يعمل اليساريون مع بقية الفئات ~~الوطنية على تأييدها، دون أن يحرمهم هذا من حقهم الطبيعي في انتقادها من موقع ~~المساندة؛ من أجل التقدم بالثورة الوطنية نحو الأفضل. # ثم إن عشرين عاما من ثورة يوليو وقيادة عبد الناصر لم تكن مرحلة واحدة من حيث تطورها ~~وتجاوبها مع مطامح الفئات الشعبية والمطالب الاجتماعية؛ ولذلك فلم يكن موقف اليسار من ~~الثورة واحدا في كل مراحلها. # فبينما اتسمت الفترة منذ قيام الثورة عام 1952م حتى بدايات سنة 1955م بالتخبط من كل ~~الأطراف، كان تأييد اليسار للثورة واضحا بعد الموقف الحاسم من حلف بغداد وصفقة الأسلحة ~~التشيكوسلوفاكية (أو السوفيتية) وتأميم قناة السويس وتمصير المصالح الأجنبية وغيرها. ~~ورغم الحملة المعروفة من جانب الثورة ضد اليسار عام 1959م والتي انتهت باعتقال المئات، ~~لم يتغير موقف غالبية اليساريين في المعتقلات من تقييمهم لطبيعة الثورة الوطنية، ذلك أن ~~اليساريين، كما يعلم الدكتور فؤاد زكريا، لا يغيرون ms041 مواقفهم المبدئية بسبب ما ينالهم ~~من اضطهاد أو حظوة شخصية. # وفي داخل المعتقلات ازداد اليساريون تأييدا للثورة عندما أممت بنك مصر والبنك الأهلي ~~وما تلاه من إجراءات التأميم الكبرى عام 1961م، والتي انتهت بالميثاق كوثيقة تؤكد ~~الرغبة في اتباع الاشتراكية «العلمية» كطريق وحيد للتنمية في مصر لصالح الغالبية العظمى ~~من الشعب. # ولعل أكثر الأمور اعتسافا في دراسة الدكتور زكريا هو محاولته استخدام هذه المسألة ~~بالتحديد لكي يثبت أن الإفراج عن اليساريين بعد عامين ونصف عام من قرارات التأميم «التي ~~ربما لم يخطر ببالهم التفكير فيها» لم يكن بسبب اقتراب قرارات التأميم مما ينادي به ~~اليساريون! # ومرة أخرى لم تكن مسألة الاعتقال أو الإفراج هي الفيصل في موقف اليسار الأساسي من أي ~~نظام ... وإلا فهل ينفي عدم اعتقال الحكومة الإنجليزية لأعضاء الحزب الشيوعي البريطاني ~~صفة الرجعية أو الاستعمار عن مثل تلك الحكومة؟! # أما القول بأن الإفراج عن اليسار تم رغبة في مجاملة طرف رئيسي في التوازن الدولي فهو ~~تفسير يستحق أكثر من مجرد «النفور». فقد تكون الرغبة في مجاملة هذا الطرف عاملا من ~~العوامل، لكن من المستحيل أن يكون العامل الأساسي في هذا الشأن إلا عاملا داخليا. ~~ومن المؤكد كما يعرف الجميع وكما أعلن عبد الناصر أن شيئا لم يتغير في تعهدات الاتحاد ~~السوفيتي العسكرية والاقتصادية والسياسية باعتقال اليساريين، بل إن أبرز الاتفاقيات حول ~~المرحلة الثانية للسد العالي وغيرها تم توقيعها بينما كان اليساريون يقطعون الحجارة في ~~«أبي زعبل» ومرة أخرى لم يكن هذا الموقف، من عبد الناصر أو من الاتحاد السوفيتي، يغير ~~بالسلب أو الإيجاب من اتجاهات اليسار بالنسبة للنظام، إذ إن موقف اليسار يرتكز أساسا ~~على تحليل الظاهرة الكلية دون التوقف عند بعض الجزئيات التي تبدو مثيرة للوهلة الأولى، ~~ثم لا تلبث أن تتبدد أمام أي تحليل أكثر دقة، وشمولا، وواقعية. # والأغرب من هذا هو أن يتوقع الدكتور فؤاد زكريا أن يطالب اليسار بالتأميم وبالإصلاح ~~الزراعي، وبالاتجاه نحو الاشتراكية، وبموقف واضح وحازم من القوى الاستعمارية والصهيونية ~~وبصداقة أو علاقة ms042 استراتيجية مع الدول الاشتراكية والمعادية للاستعمار، فإذا فعلت ثورة ~~23 يوليو وقيادة عبد الناصر نفس الشيء لا يجب في عرف الدكتور فؤاد زكريا أن يظن اليسار ~~(قصير النظر كما يقول) أن الثورة تقترب من اليسار. كلا ففي رأيه أن اليسار هو الذي ~~يقترب من الثورة! # خرافة المناصب # لقد اقترب اليسار من الثورة فعلا ... ما المانع في ذلك؟! واقتربت الثورة من اليسار ~~بهذه الإجراءات! وإلا فهل تخضع التطورات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية للمزاج ~~الشخصي؟ # إن اليسار لم يؤيد هذه الإجراءات بعد خروجه من المعتقل؛ بسبب «المناصب الرفيعة» التي ~~قدمها عبد الناصر لبعض أقطابه في مجالس الإدارات، الأمر الذي أدى، كما يقول الدكتور، ~~إلى اضطراب في أحكام اليساريين «لأن عددا كبيرا من أقطابهم عينوا في مراكز رئيسية في ~~الدولة وفي ميادين الإعلام والثقافة بوجه خاص.» # قلنا إن تأييد اليسار لهذه الإجراءات لم يرتهن بالخروج من المعتقل ... أما حكاية ~~«المناصب الرفيعة» والرئيسية في الدولة فتثير التساؤل حول مفهوم الدكتور فؤاد «للمنصب ~~الرفيع»! # كان المنصب الرفيع بعد الثورة هو عضوية مجلس قيادة الثورة. وقد استقال العضوان ~~اليساريان في المجلس وهما خالد محيي الدين والمرحوم يوسف صديق؛ بسبب خلاف مع غالبية ~~المجلس وعبد الناصر حول «مفهوم الديمقراطية» بصرف النظر عن المخطئ والمصيب ... وحتى وفاة ~~عبد الناصر لم يصل أكثر اليساريين خبرة وثقافة وتخصصا إلى منصب وزاري واحد، رغم ما ~~نعرفه عن «كفاءة» بعض الذين تولوا منصب الوزارة في ذلك الوقت. # ومن بين مئات الأكفاء وغير الأكفاء من غير اليساريين الذين تولوا رئاسة مجالس ~~الإدارات في مصر لا يمكن أن نجد أكثر من واحد أو اثنين في وقت واحد من بين اليساريين. ~~أما رئاسة مجلس الإدارة فهي في النهاية ليست إغراء لمثقف أو أستاذ جامعي لديه الحد ~~الأدنى من الكفاءة، فما بالك بيساري يفترض ألا تغريه هذه الوظائف ويضطر إزاءها إلى ~~التنازل عن وجهات نظره أو «إغماض عينيه» كما يقول الدكتور. # إن التفسير الوحيد لمثل هذا «الدليل» الذي أفرط الدكتور فؤاد في التمسك به والحديث ~~عنه هو ms043 واحد من اثنين: إما أنه يرى أن المكان الوحيد لليساري هو المعتقل، أو أن كفاءة ~~اليساري لا ترقى به إلى مستوى الحد الأدنى من الوظائف المتوسطة، وأن عودة الصحفي إلى ~~عمله تعد من قبيل الرشوة والمجاملة التي لا يستحقها! # ولعل الدكتور فؤاد لا يعرف الكثير عن جداول المرتبات والمكافآت، مما دعاه إلى ~~الاعتقاد بأن الثورة أو عبد الناصر قد وضعا بين أيدي اليسار «المال والنفوذ بلا حساب» ~~لانتزاع المخالب الثورية من الثائر كما قال. # وإذا كانت المخالب الثورية تنتزع بهذه الطريقة ... لماذا إذن يصر اليساريون، كما ~~يقول، على الدفاع عن تقييمهم لثورة 23 يوليو والتجربة الناصرية ما دام عبد الناصر قد ~~مات وضاعت من بين أيديهم هذه المكاسب أو المصالح الخاصة؟ # لكن الدكتور فؤاد زكريا على غير طريقة الباحث المدقق، لم يتابع مواقف اليسار من ~~تأييد التجربة الناصرية في حياة عبد الناصر ... لقد كان الموقف الأساسي كما قلنا هو ~~التأييد على أساس الإجراءات العملية والثورية التي قامت بها الثورة، لكن هذا التأييد لم ~~يكن ثابتا وبنفس الدرجة، في كل المراحل ولقد كان اليساريون من خلال وسائل الإعلام، هم ~~الذين انتقدوا محاولات الإبطاء في التنمية وفي التغيير الاجتماعي، ومن أجل ديمقراطية ~~أوسع للجماهير الشعبية ومن أجل ضرب الطبقة الجديدة التي بدأت تطل برأسها من ثنايا ~~التطور الاقتصادي الجديد. # وبعد عام 1967م، ودون تجاهل لظروف ~~المعركة الوطنية لم يكف اليسار عن إثارة كل الأمور الخاصة باقتصاد الحرب والتقشف ~~والتعبئة الشعبية والعسكرية وتصفية الطبقة الجديدة، وكل ما من شأنه سرعة إعداد البلاد ~~للحرب الوطنية الاجتماعية من أجل التحرير والتنمية ... ولعل اليسار هنا لم يقل كل ما كان ~~يجب، وهو ما لا ينكره اليساريون أنفسهم ولكن أحدا لا ينكر أنه بسبب تمسك اليسار بحق ~~النقد، وممارسته له، كان اليساريون ضيوفا دائمين - وعلى دفعات - على المعتقلات والسجون ~~حتى وفاة عبد الناصر، ولست أذكر رقما محددا بدقة، لكن البعض يقدر العدد في ذلك الوقت ~~بأكثر من 120يساريا ونحن نشعر بالأسف إذا كانت هذه الحقائق لا تساعد ms044 على إثبات صحة ~~التحليل الذي قدمه الدكتور فؤاد زكريا. # إن مصدر الخلاف الطبيعي بين الدكتور فؤاد زكريا وبين اليسار هو خلاف في التقييم كما ~~ذكرنا، فهو يرى من خلال جزئيات لا تصمد كثيرا أن الرجل البسيط في مصر أضير من ~~الإجراءات الثورية الاقتصادية والاجتماعية ... وهو يناقش التراكمات والمشاكل التي تجمعت ~~في عام 1975م، متجاهلا أن الإجراءات التي اتخذها عبد الناصر رفعت مستوى البسطاء من ~~الناس في الستينيات خاصة، بعد الخطة الخمسية الأولى وقرارات التأميم والإصلاح الزراعي ~~وغيرها ... ومتجاهلا أيضا أن ظروف المعركة والإعداد للحرب والإبطاء في إجراءات التغيير ~~الاجتماعي تبعا لذلك، وإن كان اليسار قد عارض ذلك في حينه في حياة عبد الناصر، قد ~~أدت إلى هذه التراكمات. # إن أحدا لا ينكر كل ما حدث من تجاوزات، ومن تضخم في دور أجهزة القمع، ومن افتقار ~~للتنظيم الديمقراطي لجماهير الشعب، ومن إهمال لدور الشعب في مساندة النظام، ومن الخشية ~~أحيانا من مواجهة تكاليف المعارك بالطريقة المثلى ... لكن هذه كلها لا تغير من وضع ~~عبد الناصر كبطل قومي قاد ثورة قضت على الملكية وقلمت أظافر الرأسمالية والإقطاع، ~~وتحدت أعتى الدول الاستعمارية، وأيقظت الروح القومية على مستوى مصر والوطن العربي ~~كله، وخلقت أمام جماهير شعبنا لأول مرة - وعمليا - أملا محسوسا في العدالة ~~الاجتماعية بعد قرون من الظلم والاستبداد. # ثم إن عبد الناصر نفسه لم يزعم أنه أقام نظاما اشتراكيا لكنه أكد أكثر من مرة أنه ~~يستهدف الوصول إلى الاشتراكية، وأنه يعمل من أجل التحول الاشتراكي أو التطبيق العربي ~~للاشتراكية. # وفي هذه الحدود قاد عبد الناصر تجربة وطنية وثورية واجتماعية تضاف إلى رصيد ~~التقدم المصري والعربي والعالمي بكل إيجابياتها وسلبياتها. # الأبيض والأسود # لقد كان من الممكن دائما أن تكون تجربة عبد الناصر أفضل مما كانت، وكان ذلك ~~دائما هو محور نضال اليسار المساند والناقد للثورة ... ولكن ما حدث كان إنجازا بكل ~~المقاييس. وهذا بالتحديد هو مصدر خلافنا مع الدكتور فؤاد زكريا هو يرى الأسود فقط ونحن ~~نرى الأبيض والأسود معا. # وهو يناقض نفسه بطريقة ms045 مثيرة بضرب مثال بقصة «الكتاب الأسود» الذي ألفه مكرم عبيد ~~لكشف بعض حالات استغلال النفوذ أو فضائح الوفد ... فيقول إنه كان يفضل لو أن مكرم عبيد ~~«لم يختم جهاده الطويل بمثل هذا الكتاب» ... الذي لا يرى في حكم الوفد غير الأسود ~~فقط. # أي أن الدكتور يعتبر أن ذكر بعض مثالب أو سلبيات عهد مصطفى النحاس أمر ضار، إزاء ~~الإيجابيات المعروفة لحكم الوفد في ذلك العهد ... أما في حالة زعيم للثورة كعبد الناصر، ~~فالدكتور فؤاد زكريا يرى أن من علامات النضج السياسي التركيز على السلبيات فقط، ما دام ~~قد اتخذ الاحتياطات اللازمة لكيلا يستفيد اليمين مما كتب، بقوله: «وأنا أرفض بشدة أية ~~محاولة من جانب اليمين لاستغلال ما أكتب ... ومن المستحيل أن أقبل ما أكتب لصالح أصدقاء ~~صيدناوي وأفرينو ... إلخ.» # أما إذا استخدم اليمين ما كتب الدكتور فؤاد كما يقول فسيكون الخطأ خطأ اليسار ذاته؟ ~~ولعل مما يؤسف له، وقد لا يطمئنه أيضا، أن اليمين لن يستخدم ما كتب الدكتور فؤاد؛ ~~لسبب بسيط: وهو أن الدكتور فؤاد قد استخدم ما كتب اليمين! # ولعل ذلك واضح في أهم أجزاء الدراسة، وخاصة عندما يقول إن استقبال نيكسون كان ~~«استفتاء غير رسمي على التجربة الاشتراكية المزعومة.» # وبماذا تفسر إذن - يا دكتور - خروج الملايين يوم اعتزال عبد الناصر بعد الهزيمة ~~مباشرة؟ وبماذا تفسر أيضا خروج أعداد أكبر بعد أن عرف نبأ وفاته، وحتى ووري جثمانه ~~التراب؟! # هل هكذا يفسر باحث مثل الدكتور فؤاد زكريا أي حشد مهما بلغت ذروته في استقبال ضيف ~~أجنبي لحكومته؟ وهل نحن في حاجة إلى تفاصيل في هذا الشأن؛ لكي ننقذ شرف وكرامة الشعب ~~المصري من مثل هذا الامتهان؟ # لقد ذكر الدكتور فؤاد أن تجربة عبد الناصر أدت إلى تخريب داخلي لنفس الإنسان ~~المصري وعقله، لكن هذا الإنسان «المخرب» هو الذي حقق الانتصار في 6 أكتوبر كما يشهد ~~الدكتور فؤاد في دراسته! هل يعتقد الدكتور أن هناك شكا في أن قيادة الرئيس السادات ~~لمعركة العبور لا تقلل من عمليات الإعداد الجاد ms046 للمعركة منذ هزيمة 1967م، كما أعلن ~~الرئيس السادات نفسه، عندما ذكر أنه شارك عبد الناصر بعد 1967م في التركيز الأساسي على ~~إعادة بناء القوات المسلحة وإعدادها للحرب؟ # إن الذين يحاربون ويعبرون أو يقتحمون القناة بالحديد والنار لا يخرجون في صفوف ذليلة، ~~ليقدموا أنفسهم وبأنفسهم إلى الرئيس نيكسون استفتاء معاديا لتجربة الثورة المصرية، ~~ولواحد من أعظم أبنائها، الذي عاش ومات من أجل مصر، ومن أجلهم أيا كانت الأخطاء ~~والهزائم. # إن مثل هذا المنهج الذي أراه «جديدا» في كتابات الدكتور فؤاد زكريا يمكن أن يجرد ~~أبطال مصر وقادتها الوطنيين جميعا من أهم منجزاتهم ... وإلا فكيف سنحاسب صلاح الدين ~~وعرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس؟! # دار الحديث بين فتحي ونجيب محفوظ حول دراسة د. فؤاد زكريا عن اليسار المصري وعبد ~~الناصر. # بقلب شاب تحدث نجيب محفوظ. لم تكن إجاباته إملاء ولكن في صيغة الأخذ والعطاء واحترام ~~العقل. # ليت أمور ثورتنا سارت على هذا «النهج» ... إذن لسارت الأحداث على خير ما تمنى نجيب ~~محفوظ صباح 23 يوليو 1952م وحين استمع إلى مبادئ الثورة الستة قال: هذه ثورتنا. # أنفي عن الماركسيين تماما شبهة الرشوة. # نجيب محفوظ # تناول حديثنا مسألتين: # تقييم د. فؤاد زكريا لثورة يوليو باعتبارها تجربة فاشلة من وجهة ~~نظره. # اتهام د. زكريا لليسار الماركسي بأنه خضع للرشوة فاتخذ موقف الدفاع عن ~~التجربة. # قال نجيب محفوظ: أحب أن أسجل منذ البداية أن المعاصرين يعتبرون أسوأ المؤرخين؛ لأن ~~اندماجهم في التجربة يحول بينهم وبين الحكم الموضوعي السليم. # يصح لهم أن يعطوا شهادة ... وهذه الشهادة تنفع مستقبلا كوثيقة للمؤرخ. # لذلك أنا لا أستطيع أن أعطي حكما تاريخيا بالمعنى الحقيقي لفترة عشتها وما زلت ~~أعيشها ... ولكنني سأدلي بشهادة. # هي شهادة بكل المعنى؛ فيها الذاتية، وقد يكون فيها التحيز، وكل عيوب الشهادة، رغم ~~توخي الصدق والموضوعية. # إن أي تجربة سياسية يمكن أن نصدر عليها حكما مؤقتا عن بدايتها وخط سيرها وما حصل ~~فيها ... وهناك حكم على نتائجها البعيدة وهو ما لا يتأتى إلا مع الزمن. ms047 # مثال ذلك الثورة الفرنسية ... لو حكمنا عليها بعصر الإرهاب وعودة الملكية يمكن القول ~~بأنها تجربة فاشلة. # لو حكمنا عليها بعد ذلك بما أنجزته على طريق الديمقراطية يمكن أن نقول إنها تجربة ~~ناجحة، بل هي ثورة من أنجح الثورات على المستوى المحلي والعالمي . # بهذه النظرة، حين ننظر إلى ثورتنا نجد أننا يمكن أن نحكم ~~عليها - ونحن مضطرون في نهاية من نهاياتها ~~الحاسمة - يونيو 1967م - بأنها تجربة فاشلة، أنزلت بالبلد هزيمة لم يسبق لها مثيل، ~~وقفت بنا على شفا الإفلاس، إلى آخر نتائج الهزيمة. # لكن هناك ما لا يستطيع أحد أن يغفله مما جاءت به الثورة من معالم التغيير، وإن كانت ~~أمورا من شأنها أن تفعل فعلها مع الزمن ويصح أن تتبلور فيما بعد. # مثل تغيير التركيب الطبقي للمجتمع حتى لو أن هناك «طبقة جديدة» نشأت. # ومثل تجربة امتلاك الشعب أو الدولة لوسائل الإنتاج ... رغم الانحرافات. # ومثل الدعوة إلى التضامن العربي ... والدعوة إلى تحرير الشعوب من الاستعمار. # كل هذا بعد 50 سنة يصح أن تكون له نتائج مثل نتائج الثورة الفرنسية ... ليس على المحيط ~~المصري والعربي فحسب، بل على المحيط الآسيوي والأفريقي. # أقدر أن أقول إن التصحيح يتمشى مع هذا المنطق، مثلا لم يقم على إلغاء القطاع العام ~~أو الإصلاح الزراعي، ولكن لتوفير حسن الإدارة والنزاهة. # وكذلك كان لها أسلوب جديد في التضامن العربي أثمر أكثر مما أثمرت السياسة ~~السابقة. # هناك فرق بين المبادئ وتطبيق هذه المبادئ، ويجب أن تضع هذا السؤال إذا أردنا تقييم ~~حقيقة ثورة يوليو: # هل مبادئ العدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستعمار والتضامن ~~العربي ... هل هذه المبادئ نتيجتها المحتومة ~~الفقر والطبقة الجديدة والهزيمة؟ # طبيعي لا. # إذن ما الذي حول هذه المقدمات إلى هذه النتائج؟ # هذا ما يجب أن نعرفه لا لنؤرخه، ولكن لكي نتجنبه. # أحب قبل الدخول على ما يجب عمله وما يجب تجنبه أن أضرب مثلا بالإسلام ... # بعد وفاة النبي لو أن من تولى كان معاوية لما وجد شيء اسمه إسلام. # إذن هنا لا بد من دور الناس. # إن ms048 كلمة أبو بكر وكلمة عمر هي التي أوجدت أو ضمنت استمرار الإسلام. # بعد هذا أسأل: ما الذي حول المبادئ العظيمة لثورة يوليو إلى هذا الانهيار؟ # أولا: # الدكتاتورية؛ حتى حرماننا من الديمقراطية في أضيق معانيها ... في ~~الهيئة أو النقابة أو حتى الجماعة القليلة العدد. # إن استئثار فكر واحد، واستئثار شخص واحد بالسلطة جعل الصواب والخطأ ~~مثل الأمور الغيبية، خبطة صح مثل تأميم شركة قناة السويس، وخبطة غلط ~~مثل حرب 1967م ... وهكذا. # ثانيا: # نسينا الحكمة المصرية الصحيحة التي تقول «على قد لحافك مد ~~رجليك.» # أنا رجل أومن بالتحرير وبالثورة وبالاشتراكية، ولكن كيف أخدم هذه ~~المبادئ؟ # في حدود طاقتي. # في ثورة مثل ثورة اليمن، ماذا أفعل كمصري؟ # أعترف بالدولة الجديدة. # أضع في خدمتها جميع وسائلي الإعلامية. # لا أضن عليها بسلاح مما تنتجه مصانعي. # أسمح لمن يريد التطوع بأن يلتحق بصفوف الثورة. # ولسنا دولة عسكرية، ولكن انتصارا لمبادئ ثورتي أخدم بما أقدر عليه، ~~لا بما هو فوق طاقتي. # وكذلك أنا اشتراكي وأريد أن أجعل من العالم العربي مجتمعا ~~اشتراكيا. # هل يكون ذلك بالهجوم على كل سلطة تختلف معي بوسائل مثل المهارات ~~الإعلامية؟ # هناك طريقة أفضل، طريقة أحسن. # أن أجعل من مصر نموذجا لمجتمع اشتراكي يشد الشعوب العربية إلى أن ~~تحذو حذو التجربة. # المؤمنون بالاشتراكية يعطون مثلا بالاتحاد السوفيتي؛ فلنتأمل هذا ~~المثل ... # الاتحاد السوفيتي لم ينشر الاشتراكية بقوة جيش، ضربت فيتنام عشرات ~~السنين ولم يتدخل الاتحاد السوفيتي. # ساند، وساعد، ولكن لم يتدخل. # ثالثا: # التناقض في الرؤية أو العقيدة. # في الوقت الذي يدعو فيه عبد الناصر إلى الاشتراكية، يعتقل ~~الاشتراكيين، ويسلم القطاع العام لموظفين! # رابعا: # المسألة الأخلاقية؛ بصراحة كانت مبادئ الثورة أعظم من القائمين على ~~تنفيذها. # مبادئ عظيمة وناس لهم تكوينهم البشرى بما في ذلك التكوين من ~~ضعف. # يزيح الإقطاعي، وهذا مفهوم، ولكن يجلس في قصره هذا هو الخطأ. # لا تتصور كم كنت أنزعج حين أسمع أن هذا القصر هو قصر المسئول ~~فلان. # ماذا يصنع الموظفون الذين تسلموا القطاع العام ... وقد انتفت ~~القدوة؟ # والمؤسف حقا أن ms049 كل نقاط الضعف هذه كان من الممكن علاجها. # والمأساة أن تتحمل المبادئ العظيمة مسئولية هذه الأخطاء! # وأخيرا. # إن نقدنا لعبد الناصر هو نقد الذين كانوا يتوقعون منه ثلاث خطوات لا خطوة. # وهذا موقف يجب أن يتميز تماما عن موقف أعداء الثورة الذين يهاجمون عبد الناصر ؛ لأنه ~~خطا هذه الخطوة. # بالنسبة لاتهام د. فؤاد زكريا لليسار الماركسي بأنه خضع لرشوة عبد الناصر، فدافع عن ~~التجربة؛ فإنني أنفي عن الماركسيين شبهة الرشوة تماما. # في حدود تجربتي الشخصية، أنا عرفت نوعين من الاشتراكيين. # فريق تعاون مع عبد الناصر على اعتبار أن التجربة - حتى لو اختلفوا على الأهداف ~~البعيدة - هي خطوة إلى الأمام. # كانوا مخلصين تعاونوا عن إخلاص وعقيدة ومن خلال هذا التعاون تولوا مناصب في الدولة ~~وأدوا أمانتها على خير وجه. # وبقيت قلة أرثوذكسية متمسكة بآرائها فلم تتعاون ولم تتوافق. # وأعتقد أنني صورت الفريقين في «المرايا». # كانوا مخلصين فيما يعتقدون. # في نطاق هذه التجربة لا أستطيع أن أعتبر أن من تعاون منهم كان مرتشيا. فوق هذا لقد ~~كانوا أكفاء لهذه المناصب ... كل واحد في مكانه المناسب. # اتخذ موقفه من التجربة أولا، ثم جاء المنصب وليس العكس، وشهدت كثيرين منهم يتركون ~~هذه المناصب عند اختلاف الرأي ولا يحرصون عليها. # الفريق الرافض كان مخلصا، رفض التعاون ولم يحتل منصبا وهو بالطبع أمر لم يكن ~~متاحا. # موقف الاشتراكيين الآن يحتاج إلى وقفة، إن واقعنا يعاني من سلبيات يطحن بها كل مواطن؛ ~~وهي نتيجة حتمية لأخطاء التجربة. # كيف يكون الموقف من هذه السلبيات؟ # إما أن ندافع عن المبادئ ولن يتأتى ذلك إلا بكشف النقص فيمن كان مسئولا عن الأمر ~~أيامها. # وإما سنلقي التبعة على المبادئ نفسها بدفاعنا عن المسئول. الواجب على الاشتراكيين أن ~~يتولوا حملة النقد بهذا المفهوم فهم بموقف الدفاع المطلق يتركون هذه المسئولية للجانب ~~الآخر؛ وبذلك يكونون عونا له وهم لا يعلمون. # قلت لنجيب محفوظ: الدفاع المطلق لم يعرفه الماركسيون لا أمس ولا اليوم بقدر طاقتهم، ~~وبتضحيات كانت لهم كلمتهم المستقلة، واليوم أيضا لهم وقفتهم ms050 المستقلة، ~~وبتضحيات. # نقف جميعا عند نكسة 1967م. # اعتبرها البعض نهاية الثورة بالهزيمة، بينما صممت أغلبية الشعب الساحقة على أن تقيم ~~عبد الناصر على قدميه، ونهض وأعلن عن أخطاء ولفظ أنفاسه من جهد جهيد كان يبذله لإعادة ~~بناء القوات المسلحة وللوصول إلى تضامن عربي واسع. # هل انتهى نظام سيهانوك بهجمة أمريكا وأعوانها عليه واقتلاعه من الحكم؟ لقد سانده ~~شعبه. ومنذ أيام خرج من الغابات إلى موقعه القديم ... فكيف ننفض أيدينا من التجربة لدى ~~أول هزيمة مهما كان حجمها؟ أما الأخطاء والخطايا، فإن علينا تصحيحها، وتصحيحها لا ~~يتأتى إلا بتحديدها والاعتراف بها، على ألا يشغلنا ذلك عن مهام الثورة الأساسية، ~~التحرير والتقدم الاجتماعي. # قال نجيب محفوظ: إذن يميزوا موقفهم ويعلنوا معارضتهم لسياسة الدفاع المطلق، وإلا ~~فإن الرأي العام معذور إذا خلط الحابل بالنابل. # إذ يجب الفصل بين قضية الاشتراكية وتجربة عبد الناصر بمعنى رفض الصيغة الغريبة التي ~~تقول: إذا كنت مع الاشتراكية ... فأنت ناصري! # نحن اشتراكيون ... ولم نوافق عبد الناصر على أسلوبه في تطبيق الاشتراكية. # فتحي خليل # | خطة اليمين: ضرب اليساريين بالناصريين # بقلم أحمد طه عضو مجلس الشعب # إن الموضوعات التي تطرحها للمناقشة دراسة د. فؤاد زكريا متشعبة ومن الصعب تناولها بالرد ~~في مقال واحد؛ لهذا فسوف أختار لمساهمتي في الحوار نقاطا محددة هي: جوهر الخطأ في تقييم ~~الدكتور فؤاد للناصرية - من المسئول عن تطور اليسار؟ - المشكلة الحقيقية التي تواجه ~~اليمين. # جوهر الخطأ # أين يكمن جوهر الخطأ في تقييم د. زكريا للناصرية؟ لقد تناول التجربة في جوانبها ~~الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، غير أن نقده للجوانب الاقتصادية والاجتماعية جاء ~~بعيدا عن روح المنهج العلمي. # في تقييم التطور الاقتصادي قال د. فؤاد زكريا: «لا أنكر أن هذه الصورة الكلية صحيحة ~~ولكني لا أستطيع أن أعترف بنتيجتها ما لم يتحقق هذا التحول بمعاييره ~~المعروفة.» # هل تكفي هذه الحجة للإخلال بالجوهر المعادي للرأسمالية في التجربة الناصرية، وهل يخل ~~بهذا الجوهر أن تكون السياسة - على حد زعم الدكتور - «مغامرات وشراء للأعوان والأنصار ~~في الداخل والخارج»! # كنت أتصور أن ms051 يحدد صاحب الدراسة حجم العلاقة بين رأس المال الخاص ورأس المال ~~العام، وهو ما ذكره عرضا وأحجم عن مناقشته؛ لأنها مربط الفرس. # وفي الجانب الاجتماعي على الرغم من حجم المعاناة اليومية للكادحين، فلا شك أن قدرا ~~ملموسا من التقدم قد تم، لو أتيح للدكتور منذ سنوات أن يقف إلى جوار سور حديقة ~~الأزبكية لكان الحفاء واحدة من الظواهر اللافتة للنظر، ولعله يعرف أن برامج بعض ~~الحكومات قبل الثورة كانت مقاومة الحفاء ... فهل حجم هذه الظاهرة لا زال يثير ~~الانتباه؟ # والتعليم، وإن بدا موقفه من الكم كريما، فإنه في نهاية الأمر، لا يعكس إلا رأي ~~القادرين على قدر محدود من التسهيلات، أصبح متاحا الآن للمعدمين. # في النهاية، هل التقدم النسبي الذي تم في مجال الصحة والتأمينات الاجتماعية، ~~والبطالة، وساعات العمل التي أصبحت 42 ساعة، يوم كان المطلب العالمي لأكثر الدول تقدما ~~40 ساعة ... هل كل هذه ظواهر لا تلفت النظر؟ ولا أريد أن يفهم من هذا أنه ليس لدى الفقراء ~~هموم جدية، ولا تطلعات إنسانية ومشروعة، وأنه ليس هناك نضال لتحقيق هذه الأماني. # حتى لو سلمنا جدلا بصحة كل ما ذكره د. زكريا عن الجوانب السياسية، فإنني أؤكد على ~~الجانب الاقتصادي والاجتماعي أنه هو العامل الحاسم. # إنني أدعو الدكتور إلى موازنة بين تجربتين متشابهتين إلى حد كبير هما التجربة ~~الإندونيسية في ظل سوكارنو والمصرية في ظل عبد الناصر. # من الناحية السياسية، كانت التجربة الإندونيسية أكثر تقدما، جبهة لكل القوى الوطنية ~~تمارس تجربة ديمقراطية متطورة ومتميزة. # ولكن ... من الناحية الاقتصادية والاجتماعية: في إندونيسيا كانت مواقع رأس المال ~~الأجنبي والإقطاع قوية، وفي مصر ضربت تلك المواقع بضراوة. # وعندما تعرضت التجربتان للامتحان، ورغم ضراوة الضربات ضد التجربة المصرية أثبتت ~~الأحداث قدرة التجربة المصرية على الصمود بينما تبخرت التجربة الإندونيسية ~~بالكامل. # إن جوهر خطأ د. زكريا، أنه لم يتنبه إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بما فيه ~~الكفاية؛ بحيث طغى الجانب السياسي على هذا العامل الحاسم وأخفى صورته، ولعل هذا ما دفعه ~~للتساؤل عن سبب عدم الإفراج ms052 عن اليساريين عند صدور قرارات التأميم. # إن اليسار في نظر صاحب الدراسة قد استؤنس في ظل عبد الناصر وفقد جاذبيته وسرقت ~~شعاراته. # إن عبد الناصر ليس هو المسئول عن تطور اليسار، صحيح أن هناك تأثيرا متبادلا، لكن ~~هذا الاعتبار الثانوي لا يمكن بكل المقاييس العلمية أن يكون هو الاعتبار الرئيسي في ~~حياة اليسار. # من المسئول عن تطور اليسار # تطور اليسار المصري تم بصورة موضوعية، وبسبب عوامل ذاتية أساسية في داخله، وفي الظروف ~~والتطور العام الذي عاش فيه، وهو لم يبع شعاراته ولم تسرق منه، ذلك أن الشعارات التي ~~رفعها قبل وبعد 52 كانت من الجماهيرية بحيث أجبرت حزب الوفد على التخلي عن بعض مواقفه ~~التقليدية والتاريخية، وفرضت نفسها على مجمل التطور بعد الثورة. # وخطأ اليسار أنه لم يكن مطلوبا أن يتحول إلى بائع «روبابيكيا» يبيع شعاراته القديمة ~~أو يعرضها للسرقة، ولكنه أخطأ في توحيد كلمته على التقدم بأفكار جديدة، وفق علاقات ~~القوى الجديدة ذلك هو جوهر الخطأ وهو نابع من داخل اليسار نفسه. # المشكلة الحقيقية التي تواجه اليمين # إنني أتوجه إلى الدكتور زكريا كمثقف وطني أن ينتبه لحدود اللعبة التي يلعبها اليمين ~~في مصر. إن هناك، كما قلت في خطاب لي بمجلس الشعب، مصرين لا مصر واحدة، مصر البناء ~~الفوقي، ومصر البسطاء بهمومها وتضحياتها وبطولاتها وآمالها، والمشكلة الحقيقة التي ~~تواجه اليمين هي مصر الأخرى هذه التي اتهمها الدكتور ظلما بالاستسلام والخنوع. ومشكلة ~~اليمين أن النضال اليومي منذ الحرب العالمية الثانية كان هو المدرسة الأساسية لتثقيف ~~وتربية الجماهير، خاصة المراتب المتخلفة منها. وذلك في السياسة شرط لثورية الحركة ~~الجماهيرية ولا تركز النظر يا دكتور زكريا على أشكال التثقيف والتربية العلوية، فتلك ~~كما كررت مرتبطة بعالم آخر. # لم يمر منذ تلك الأيام شهر دون حدث يهز أكثر المراتب تخلفا، لكن هذا الواقع ~~لقصور في التطور السياسي، لم يجد تجسيدا حقيقيا له. # الحركة الجماهيرية مناضلة، واعية، من الممكن خداعها في المسائل الثانوية، ولكن في ~~المسائل الرئيسية أصبحت واضحة ومحددة ... وأقصد بالمسائل الرئيسية قضية ms053 العداء للاستعمار ~~والتحول الاجتماعي أيا كانت مسمياته. # إن ثورية حركة الجماهير هذه هي مشكلة اليمين. # ولقد أدت بعض الظروف إلى بروز النشاط اليميني الذي يبحث عن شيء معاكس تماما هو فرض ~~طريق التطور الرأسمالي. وحتى اليوم، وإن بدا للبعض أن خطر هذا اليمين داهم ومخيف، فإني ~~أراه بائسا مرتعدا ، بل وعاجزا. # تصور هذا اليمين أن ضرب الناصرية فكريا يتيح له التقدم لضرب كل تجسيد مادي لها. ~~وشهدت مصر حملة مسعورة، وصلت إلى حد أنه من داخل التنظيم السياسي الوحيد وهو الاتحاد ~~الاشتراكي جرت محاولات تستبيح دم الميثاق، تحت يدي وثائقها. # كان الهدف الأساسي ضرب اتجاه اجتماعي. # لكن هذه الحملة فشلت، وأكد الرئيس السادات على الصلة العضوية بين مختلف مراحل ~~الثورة. # وعادت الحملة تغير تكتيكها؛ لتقرر ضرب اليسار باعتباره أكثر تلك القوى الجماهيرية ~~وضوحا ونضالية، وتعزله عن جماهير الناصرية، وفشل ذلك التكتيك مرة أخرى. # وتغير التكتيك للمرة الثالثة ليجرب ضرب اليساريين بالناصريين وهذا الضرب قد تستخدم ~~فيه أطراف من الجانبين. وهذا هو الوجه الضار والمدمر؛ لأنه قد يعرقل قضية توحيد كل ~~القوى الوطنية والديمقراطية. # وأخيرا، فإنني أستعير منهج تبرئة الذات من شبهة المصلحة وهو المنهج الذي استهل به د. ~~زكريا دراسته. لقد بنى براءته على أساس أنه لم يمسه أو يمس عائلته إجراء اجتماعي ~~مثل الإصلاح الزراعي أو غيره. بينما تبرئة الذات من شبهة المصلحة في حالتي أنني قد ~~مسني في ظل عبد الناصر أذى كبير ... في ظله قضيت أحد عشر عاما في السجن، وقضت زوجتي ~~خمسة أعوام، وقضى ابنى في السجن نصف عام، وخلال هذا مات أبي وأمي دون أن تتاح لي فرصة ~~إلقاء نظرة وداع عليهما. وفي ظله قضيت عاما بلا عمل، وبالطبع فإنني لا أتناول ألوان ~~التعذيب، تلك ليست القضية أما مكاني النيابي فجاء نتيجة معركة سياسية ونضالية، لها قصة ~~لعلها أن تكون قد ترامت إلى مسامع د. فؤاد زكريا في حينها. # | الوطنية جوهر الناصرية ولهذا وقف معها اليسار # بقلم أديب ديمتري # الخطأ الذي وقع فيه د. فؤاد ms054 زكريا حين فتح للمناقشة قضية موقف اليسار من عبد الناصر ... خطأ ~~منهجي في الأساس ... ذلك في تقديري مصدر الخلاف الكبير بينه وبين اليسار في تقييم حكم عبد ~~الناصر ... فليسمح لنا أستاذ الفلسفة الذي نعتز به، أن نرسي أولا قواعد المنهج والمبادئ ~~ذلك أدعى للاتفاق أو الاختلاف «على نور» ... فقليل من الفلسفة قد يصلح المعدة، والرأس أيضا ~~ويحمينا على الأقل من التخبط في متاهات السياسة. # ولنتفق قبل كل شيء على القضية: هل هي محاكمة عبد الناصر كفرد وزعيم بكل أمجاده أو ~~أخطائه، وتقييم تجربة الحكم الناصري، ما لها وما عليها، في الإطار المحدود الذي وقعت فيه - ~~إطار الزمان والمكان؟ أم هي قضية الناصرية كظاهرة تاريخية وتيار وفلسفة؟ # فظاهرة الناصرية يعرفها وطننا العربي في العديد من زعاماته وأحزابه ونظمه الوطنية ~~والتقدمية ... وقد يكون نظام عبد الناصر أسبقها وشخصيته أبعدها أثرا ودلالة ... ولكنه لا ينفرد ~~وحده بصفاته وسمات نظامه الأساسية، وكذلك العديد من بلدان العالم الثالث، كما تمثلت في ~~نظم سوكارنو ونكروما وسيهانوك قبل انقلاب لول نول وغيرهم وغيرهم، مع اختلاف في الشخصيات ~~والظروف وموازين القوى الداخلية في بلدانهم. # فهي إذن ظاهرة تتكرر في زماننا وتتعدد بأشكال وصور مختلفة. وهي تخص بلدان العالم ~~الثالث برغم ما بينها من اختلافات ... وعندما تتكرر الظاهرة فلا بد أن يكون لها قانونها - ~~كما لا يخفى على أستاذ الفلسفة - ولها تفسيرها الموضوعي الذي لا يستمد في الأساس من شخصية ~~الزعيم الفرد أو أخلاقياته أو نواياه - وهذا لا يعني في شيء إسقاط شخصية الزعيم أو أساليبه ~~وتصرفاته - بل وضعها في إطارها الصحيح، وفي سياقها التاريخي. # نحن بإزاء ظاهرة تاريخية لا زالت أبعادها وآثارها تنكشف منذ الخمسينيات، ويتطلب تقييمها ~~مناهج التحليل التاريخي والاجتماعي ومعايير الموضوعية التي تتخطى أساليب التحليل النفسي ~~وأخطاء الأفراد والأحكام الأخلاقية على الزعامات ونظم الحكم. والخطأ الذي يقع فيه د. فؤاد ~~زكريا منهجي في المحل الأول حينما يبني تقييمه للنظام الناصري انطلاقا من شخصية الزعيم ~~ونواياه وأساليبه وأخلاقياته وحدها ... كما يبني حكمه على التجربة في إطار زماني ms055 ومكاني ضيق ~~ومحدود، ولا تتسع رؤيته لتشمل الزعيم ونظامه في إطار الحركة العالمية المعاصرة؛ حركة الثورة ~~والثورة المضادة في زماننا. # النظم الوطنية في الميزان # جوهر الخطأ الناصري في رأي د. فؤاد زكريا يتركز في أسلوب تطبيق الاشتراكية، فقد ~~أقام عبد الناصر اشتراكية سمحت لغير العمال والفلاحين بامتصاص معظم ثمارها ، وتركت مال ~~الشعب تنهبه الطفيلية والتسيب ... وكان نجاح ~~السياسة الخارجية على حساب الأوضاع الداخلية للشعب، وكان القمع سمة بارزة للحكم. # أما النظم التقدمية فلها في تقديره مؤشرات معروفة تدل عليها: القضاء على الأمية، ~~وانخفاض معدلات الانحراف بأنواعه، ونهوض التعليم، وارتفاع مستوى الصحة العامة إلخ؛ لذلك ~~كان من الصعب أن ندرج التجربة الناصرية ضمن النظم التقدمية فسلبيات النظام لا تخطئها ~~عين. # هذا مجمل تقييم الدكتور للنظام الناصري: سلبياته غلبت إيجابياته وتطبيقاته الاشتراكية ~~خذلت مبادئه: # وهنا لنا أن نتساءل: من أين إذن جاء عداء الاستعمار الشديد لمثل هذا النظام؟ وإذا كان ~~الزيف طابعه فلماذا يأتي العدوان تلو العدوان لإزاحته؟ وكيف نفسر سلسلة المؤامرات التي ~~لم تكف للإطاحة به؟ ولماذا تتصاعد هجمات اليمين المسعورة اليوم لتصفيته من الداخل ... ~~وتصفية آثاره. # شيء من هذا لا نعثر له على جواب، وإنما تقدم السلبيات كالألغاز بلا تفسير، إلا إذا ~~فهمت انطلاقا من شخصية الزعيم وفساد نظامه، كما لا نجد من يرشدنا في بحر النظم الوطنية ~~التقدمية التي يموج بها عالمنا الثالث، لنحكم لها أو عليها إلا إذا أخذنا بحساب المكاسب ~~والخسائر وقوائم الإيجابيات والسلبيات. # أما الجواب فيكمن في الحقيقة لا في شخصية الزعامات في الحل الأول ... دونما تقليل لدور ~~الشخصيات والزعامات التاريخية ولا في هذه القوائم والحسابات، بل في طبيعة هذه النظم من ~~حيث تركيبها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ووضعها ودورها في حركة الثورة الوطنية ~~والعالمية في مرحلتها الراهنة. # هذه النظم جميعا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لا تقاس بمعايير الاشتراكية ~~مهما رفعت من شعاراتها، أو تطلعت إلى آفاتها. بل هي تنتمي بالفعل وبلسان زعمائها ~~أنفسهم، ومنهم عبد الناصر إلى حركة التحرير الوطني، والتي تلتحم بالثورة الاشتراكية ~~العالمية، ms056 وتشكل جزءا من قواها. # وبطبيعة هذه النظم الوطنية والمعادية للإمبريالية والطبقات الإقطاعية والرأسمالية ~~العميلة الضالعة معها، فهي تعبر عن مصالح الطبقات والفئات الوطنية وهذا ما يشكل ~~جوهر تقدميتها ويساريتها رغم كل شيء. # ولأن هذه النظم في بلدان مختلفة بدرجات متفاوتة؛ فالقيادة فيها عادة للبورجوازية ~~الوطنية بأقسامها وأجنحتها المختلفة تبعا لنموها وتطورها، والأيديولوجية الغالبة ~~والفكر الرائج للبورجوازية الصغيرة بجاذبيته الشديدة، وفيه تختلط شعارات الوطنية ~~والتقدمية والعصرية، بضيق الأفق وقصر النظر، كما تختلط الاشتراكية بالمحافظة بل ~~وبالسلفية أحيانا، وتتوه الحقائق في ضباب كثيف من الخيالات والشعارات. # هذه النظم بتركيبها هذا تحدت الإمبريالية وخاضت ضدها أعظم معاركها ... ومنها تستمد ~~أمجادها ورصيدها أو إيجابياتها ... كما دعمت استقلالها بإجراءات إصلاحية راديكالية ~~متقدمة: إصلاح زراعي، وتأميمات واسعة واستعادة للثروة القومية وبرامج للتنمية ~~والتصنيع. # هذه الثروة المنتزعة من الاستعمار ومن الطبقات الرجعية القديمة، كان من المفروض، في ~~ظل أوضاع ديموقراطية وتحالف وطني حقيقي، أن تعود ثمارها للشعب العامل في المحل الأول ... ~~ولكنها عادة تنتزع لتتكدس في يد طبقات وفئات وشرائح اجتماعية جديدة ... تدعم مصالحها ~~ومراكزها المستحدثة بالانفراد والتسلط وعزل الشعب العامل وحرمانه من جني الثمرات؛ وهي ~~لذلك تهدر شروط الوحدة الضرورية بين القوى الوطنية والتقدمية لتستبدلها باليفط وشعارات ~~التحالف. وبأجهزة القهر والقمع في نفس الوقت، وتظهر بؤر الفساد مثل البثور على الوجه ~~وتنبت السلبيات في سرعة العشب الشيطاني ... ويشتد الصراع والقلق ... وتحت البرك الآسنة ~~تعاود الروح الطبقات القديمة الرجعية والعميلة وتشتد عزيمتها على النشاط ~~والحركة. # هذه الحقائق الدامغة والتي تدين اليمين، أو أصحاب المصالح الضيقة القديمة والجديدة ~~تغلب، ويشتد نقيق الضفادع، وترتفع أعلام الحرية المزيفة؛ لتخفي مواقع الفساد الحقيقية ~~ومنبع كل السلبيات. # محكمة الآلهة # ولأن النظم بطبيعة تركيبها وتعدد الطبقات المشاركة فيها حمالة أوجه، تختلط فيها ~~الأمجاد بالدنايا، الفضيلة بالرذيلة، والخير بالشر؛ فإن المرء عندما يتصدى لتقييمها ~~وتحديد موقف منها، بحاجة إلى أن يتسلح بمزيد من الموضوعية والبعد عن المعايير ~~الذاتية. # والذاتية في المنطق والفلسفة، وفي معايير الحكم والتقييم - كما يعرف جيدا أستاذ ~~الفلسفة - لا تعني أبدا ms057 مجرد الأغراض الذاتية - وهو بالفعل بريء منها، فلا هو ~~بالإقطاعي ولا أضير من الحكم الناصري حتى يحمل عليه لهدف ذاتي. # ولكن الغضب وهو انفعال مشروع ضد المثالب والعيوب، إذا أخفي عنا العلل والأسباب ~~الموضوعية والقوى الاجتماعية الكامنة وراء هذه المثالب والعيوب، تحول إلى موقف ذاتي ... ~~وقد يقودنا إلى عكس ما نريد تماما. # وقد يستهوينا أيضا هذا الميزان الخادع في الحكم على النظم والسياسات، ميزان الحسنات ~~والسيئات، الإيجابيات والسلبيات. وقد يبدو ميزان عدل وإنصاف، بينما هو في حقيقته معيار ~~أخلاقي فردي وذاتي، قد يصلح للحكم على تصرفات الأفراد، ولكنه لا يجوز على النظم ~~السياسية والاجتماعية، والتي تحكمها قوانين غير قوانين الأفراد. فقد تسقط نظم تحت وطأة ~~أخطائها وسيئاتها كما سقطت نظم نكروما وسوكارنو وسيهانوك وغيرهم، ومع ذلك تظل هذه النظم ~~تحتفظ بوجهها الوطني والتقدمي الأساسي برغم الأخطاء والسلبيات، ويمثل الانقضاض عليها ~~وتقويضها نكسة وردة إلى الوراء. # وما بالنا نتخيل النظم كما لو عبرت بروحها إلى ما وراء الأفق، في الفلك المقدس ~~لتمثل أمام محكمة الآلهة - تضع حسناتها في كفة وسيئاتها في الأخرى لتقرر مصيرها في ~~الأبدية! # هذا الميزان لا يقوم بديلا عن قوانين الاجتماع والعمران وقد بدأنا نضع أيدينا عليها ~~منذ ابن خلدون. # ولا تؤخذ النظم أيضا بمجرد النتائج العملية، ولا تقاس بما حققت أو عجزت عن تحقيقه ~~وهو المعيار البراجماتي العملي الذي يستخدمه د. فؤاد زكريا في إدانته للحكم الناصري. ~~صحيح أن النظام الناصري لم ينجح في محو الأمية أو إزالة الفقر إلى هذه القائمة من أنواع ~~الفشل ... بل إن هزيمة 67 كانت هي بذاتها تجسيدا لكل الفشل والخيبة والثمرة الطبيعية ~~لسلسلة من الحماقات والأخطاء. ومع ذلك فإن الوجه الأساسي للنظام وطبيعته لا تتحدد ~~بمجرد مصادر النجاح أو الفشل ودرس التاريخ أيضا يعلمنا أن هذا المعيار خاطئ، ودون أن ~~ننخرط في مقارنات بين عبد الناصر ونابليون ومحمد علي، فالظروف تختلف تماما. والشخصيات ~~تختلف ومع ذلك فنهاية نابليون في سانت هيلانه لا تمحو البصمات التي تركها على التاريخ ~~الأوربي الحديث وزلزاله ms058 الذي أطاح بالنظم الإقطاعية الأوربية. ونهاية محمد علي وسيئاته ~~لا تلغي أنه منشئ مصر الحديثة. # هذه الأساليب في تقييم نظم الحكم والسياسات تفتقد الموضوعية وتسقط في الذاتية؛ لأنها ~~تقف عند حدود المظاهر والأعراض، أو ما نسميه بالسلبيات ولا تتعمق الجذور الاجتماعية ~~والعلل. ولا تغوص إلى المنابع ومصادر الداء. واليمين الرجعي يحرص كل الحرص على أن يقف ~~بنا عند السطح، وأخوف ما يخافه أن ينكشف الغطاء عن الأسباب الاجتماعية العميقة للسلبيات ~~والأخطاء؛ لأنها تدينه وتفضح دوره في الفساد والإفساد، كما تقطع عليه الطريق وعلى ~~أهدافه المشبوهة. # أما المعيار الموضوعي الصحيح في الحكم على النظم والسياسات، فهو يستمد في عصرنا من ~~واقع حركة الثورة، ومن قوانين هذه الحركة، وهي حركة موجهة في الأساس إلى تصفية ~~الإمبريالية ونظامها الرأسمالي العالمي، وفتح الطريق إلى الاشتراكية، ومن ثم يتحدد ~~الوجه الأساسي لأي نظام أو سياسة في الحكم من موقفه من الإمبريالية وتتحدد سمته ~~الأساسية الوطنية والتقدمية بمعايير الوطنية في عصرنا بوجهيها الخارجي والداخلي. فهي ~~ليست بالوطنية الساذجة أو التحلي بالمشاعر الوطنية الساذجة أو التحلي بالمشاعر الوطنية ~~الرومانتيكية، بل انتهاج سياسة نشطة في مواجهة الإمبريالية، قوامها التلاحم الضروري مع ~~قوى الثورة الوطنية وقوى الثورة الاشتراكية العالية، وفي الداخل دعم الاستقلال السياسي ~~والاقتصادي وتحقق التقدم الاجتماعي. # فإذا تحدد المعيار، تحدد الوجه السياسي للنظام، وتحدد الموقف منه، أما معالجة قضايا ~~التاريخ والاجتماع بمنطق الأخلاق وقواعد السلوك الفردي وحساب الآخرة! فلا يخدم سوى ~~فرسان اليمين الرجعي من أدعياء الطهارة ومنتجي الخطب المنبرية والمواعظ والشعارات ~~الزائفة بديلا عن موقف الوطنية الحقيقية. # ولا يعني هذا التغاضي عن السلبيات أو السكوت عليها، بل تحديد موقف أساسي سليم، ~~والانطلاق منه لمجابهة كافة تحديات الداخل والخارج. # ولأن هذه النظم الوطنية التقدمية تعادي الإمبريالية فهي تستحق المساندة والتأييد، ~~ولكن دون أدنى شبهة من ذيلية أو تبعية. # لأن المواجهة الفعالة للقوى الإمبريالية في الخارج وحلفائها من اليمين الرجعي والعميل ~~في الداخل يتطلب جبهة وتحالفا واسعا أساسه الحرية والاختيار، وجوهره الديمقراطية ~~فلا بد من الوقوف بحزم ضد ms059 كل أشكال التسلط والقمع والاستغلال، وتتحقق الوحدة الوطنية من ~~خلال الجدل الحر والصراع غير العدائي ولا بديل. # مخالب القطط # ولا شك أن حملة اليمين المسعورة ضد عبد الناصر والناصرية تحاول أن تقفز على ظهر ~~الجواد الرابح. وهي تنطلق من مقدمات كثير منها حق، ولكنه الحق الذي يراد به باطل. أما ~~التصدي لهذه الحملة ودحرها فلا يأتي بالتقاء بها عند منتصف الطريق، أو الخضوع لابتزازها ~~وإرهابها، بل بفضح أساليبها، وتعميق الوعي بالحركة الاجتماعية في الماضي والحاضر ~~والمستقبل وضبط الشراع في بحار النظم والتيارات والفلسفات في عالم اليوم، هذا إذا أردنا ~~ألا نتحول إلى مخالب فقط. # لنأخذ الحكمة من شعوبنا. # أما شعوبنا فقد أثبتت أنها تملك من الحكمة أضعاف ما يمتلك الفلاسفة والحكماء، ذلك هو ~~الدرس العظيم لهبة 9 و10 يونيو سنة 1967م. لقد استطاع شعبنا في لحظة عبقرية وحاسمة أن ~~يستخرج المدلول الحقيقي للنظام من بين حطامه في المعركة. احتفظ برأسه عالية وتوازنه ~~برغم الضربة الصاعقة، واندفع لتثبيت إنجازات الماضي، وتحرك لا عن غفلة أو جهل، بل بوعي ~~عميق؛ ليفوت على الإمبريالية والصهيونية أهدافها، ويحبط كل مخططاتها، ثم مضى في طريقه ~~بصبر وأناة يعالج السلبيات ويتصدى للأخطاء متطلعا إلى التحرر والتقدم ~~والديمقراطية. # | فؤاد زكريا يرد على نفسه # بقلم أبو سيف يوسف ~~• # عبد الناصر خرب نفس الإنسان ~~المصري من الداخل. ~~• # عبد الناصر ترك لنا إرادة الصمود ~~والإصرار على الانتصار. ~~• # الناصرية أساءت إلى الاشتراكية ~~أكثر مما أفادتها. ~~• # مجرد المناداة بالشعارات ~~الاشتراكية في حد ذاته تقدم هائل. ~~• # نظام عبد الناصر أسكت الشعب وعطل ~~ملكات التفكير فيه وجرده من مجرد الأمل في التفكير. ~~• # إنجازات يوليو ديمقراطية أساسا ~~وبعضها كبير وجذري. # في ثلاثة مقالات كتبها د. فؤاد زكريا عن «جمال عبد الناصر واليسار المصري» ركز الدكتور ~~مدفعيته الثقيلة على التجربة الناصرية، وعلى اليسار المصري في آن واحد. # ولندع الآن هجومه على اليسار، ولنحاول أن نتعرف على تقييمه «للتجربة الناصرية» (لاحظ ~~أنه يتفادى تعبير «ثورة يوليو») وخلاصة رأيه في التجربة هو: # أن أسلوبها في تطبيق الاشتراكية أساء ms060 إلى الاشتراكية أكثر مما أفادها. # وأن للتجربة بعض إنجازات في الداخل والخارج، ولكن التجربة - في النهاية - لا يمكن ~~إدراجها تحت عنوان التجارب التقدمية؛ لأن للتحول الاشتراكي معايير وبوادر معروفة لم ~~تتحقق. # إن أشد سلبيات التجربة بتخريب نفس الإنسان المصري من الداخل عن طريق القمع من ناحية، وعن ~~طريق أجهزة الإعلام من ناحية أخرى ، وأن كل هذا أسكت الشعب، وعطل ملكات التفكير فيه، وجرده ~~حتى من مجرد الشعور بالأمل في تغيير الحال. # وإنه ترتيبا على ما تقدم، إذا جاز أن نوازن بين ما حدث من عمليات قمع للشعب قبل 1952م أو ~~ما حدث له خلال التجربة الناصرية، لأمكن القول بأن ضرر العهد الناصري أفدح من ضرر العهد ~~الملكي الإقطاعي الذي تمكن فيه الإنسان من أن يحتفظ - على الأقل - بشعور بالأمل وبأن مقاومة ~~الظلم يمكن أن تأتي بنتيجة. # ولما كان الدكتور قد قدم لمقالاته بفصل في «مناقب الدكتور» أوضح فيه - وهو محرج بلا شك - ~~أنه يساري وأنه لا يمكن اتهامه بالجبن أو الانتهازية فإننا سنطالبه باسم هذا كله أن ينقد ~~نفسه نقدا ذاتيا فيه من القسوة والأمانة وفيه من الصراحة والإدانة ما يزكي الصفات التي ~~نسبها إلى نفسه. # ذلك أن د. فؤاد زكريا عام 1975م نسي أن د. فؤاد زكريا لعام 1970م كتب عن الناصرية عندما ~~كان رئيسا لتحرير مجلة الفكر المعاصر. # ففي العدد 68 - أكتوبر 1970م - من مجلة «الفكر المعاصر» نقرأ في صدر العدد كلمة غير موقعة ~~ونفهم أنها كلمة المجلة التي يرأس تحريرها د. فؤاد زكريا، ونفهم من أسلوبها أيضا أن كاتبها ~~هو د. زكريا نفسه. # جاء في الكلمة رثاء لعبد الناصر نقرأ فيه: ~~«كان الكل في واحد، والواحد في الكل.» ~~«الدموع التي انهمرت قديما من عيني الأم الطيبة إلى بحر من الأيدي الملهوفة والنفوس ~~المفجوعة والحناجر الصارخة.» ~~«النعش الذي سجن فيه الأخ والأب والراعي تحول إلى راية ترفرف على المركب وتدعوه لمواصلة ~~الزحف على الطريق.» ~~«الأطفال والشباب والعجائز المتعبون والصابرون اندفعوا للتعبير عما استقر في ضمائرهم: ~~هذا رجل حمل ms061 همنا وعاش ... لم يصل إلى أغلبنا شيء من خيرات الثورة التي فجرها ... لكن وصل إلينا ~~صوته فأحسسنا صدقه ... لا زلنا نعاني الفقر والجهل والمرض والحرمان ... لكن نعلم أنه لم ينسنا ~~أبدا.» # تعودنا من آلاف السنين على اللقمة المرة والعيشة المرة لكن ما أندر من أعطانا حبه ~~واحترامه. ~~«وإذا كان الرائد قد ودع الركب، فلا بد أن يواصل الركب سيره ويتشبث بأعلامه، وإذا كان ~~القائد قد تركنا ونحن لا نزال نعيش في كابوس الهزيمة، والعدو الشرس الغادر يدنس ترابنا، فقد ~~ترك لنا إرادة الصمود والإصرار على الانتصار.» # إلى أن يقول: ~~«اذكروا أيها العاملون أنه عاش ليعمل، ويعمل.» ~~«واذكروا أيها الفلاحون أنه سلمكم الأرض أمانة ... إلخ.» # ونكتفي بهذه الفقرات، ومنها نفهم: ~~(1) # إن الأسلوب الفردي الذي ينقد من أجله التجربة الناصرية عام 1975م، لم يكن من ~~سلبيات التجربة عام 1970م؛ لأن مجلة «الفكر المعاصر» كانت ترى أن عبد الناصر ~~كان «الكل في واحد والواحد في الكل.» ~~(2) # إن الدموع التي انهمرت من أعين الشعب عام 1970م كانت في نظر «الفكر المعاصر» ~~دموع نفوس مفجوعة عارفة بالجميل لرجل أعطاها من حبه واحترامه، وترك لها إرادة ~~الصمود والإصرار على الانتصار، لكن نفوس هذه الجموع لعام 1975م، هي نفوس هذه ~~الجموع لعام 1975م، هي نفوس شعب دمرت معنوياته تدميرا مروعا. ~~(3) # إنه على الرغم من أن غالبية الشعب لم يصل إليها شيء من خيرات الثورة التي ~~فجرها عبد الناصر فإن مجلة «الفكر المعاصر» لعام 1970م، قد دعت الجماهير إلى أن ~~تواصل الركب، وتتشبث بأعلامه التي هي أعلام الثورة، ولكن في عام 1975م أصدر ~~د. زكريا حكما بالإدانة الكاملة على التجربة الناصرية (لاحظ أنه في عام 1970م ~~كان ما فعله عبد الناصر منذ 1952م هو أنه فجر «ثورة») أما في عام 1975م فقد ~~انكمشت هذه الثورة إلى تجربة ناصرية بائسة وفاشلة. ~~(4) # إنه في عام 1970م وكما تشير إلى ذلك «الفكر المعاصر» كنا نعيش مرارة الهزيمة، ~~لكن عبد الناصر ترك للشعب إرادة الصمود مع الانتصار، ولكن في عام 1975م اكتشف ms062 ~~د. فؤاد زكريا أن التجربة الناصرية تركت الشعب مجردا حتى من الشعور بالأمل في ~~المقاومة، أي مقاومة، وفي أن تغييرا يمكن أن يحدث. # وربما اعترض د. زكريا بقوله إن الكلام الذي استشهدنا به لم يكن يعبر عن رأيه الشخصي ~~بقدر ما كان يعبر عن رأي «هيئة تحرير» المجلة التي كان يرأس تحريرها، فليكن! ولنأت إلى ~~مقال آخر صريح بقلم د. فؤاد زكريا تحت عنوان كلمة عن المستقبل (الفكر المعاصر - العدد 69 - ~~نوفمبر 1970م). # يبدأ مقال الدكتور بفضح دعايات الأعداء الذين زعموا أن مصر تعاني من الفراغ بعد رحيل ~~القائد، ويرد الدكتور على مزاعم الأعداء بقوله: إن أي مقارنة بين الماضي والحاضر تبين أن ما ~~يميز الحاضر (1970م) هو الامتلاء لا الفراغ. # ودلل الدكتور على ما ذهب إليه بقوله: # إن هذا يتضح، إذا قارنا بين اتجاهات عقولنا قبل 1952م، وبين اتجاهاتها الراهنة. # ثم قال الدكتور بالنص: ~~«فقبل عام 1952م، كان التفكير في العدالة الاجتماعية يتخفى ويتسرب تحت الأرض، وكانت ~~الاشتراكية معنى محرما، تعاقب عليه قوانين الدولة، وكانت الملكية الخاصة - سواء الزراعية ~~منها أو الصناعية - حقا مقدسا لا يمس، مهما بلغ مقدار استغلالها أو وقوفها في وجه النمو ~~المنطلق للمجتمع، وكانت أبواب البلاد مفتوحة على مصراعيها أمام الاستثمارات الأجنبية دون ~~أن يتساءل أحد عن مدى التعارض بين هذه الاستثمارات وبين رغبتنا في تنمية اقتصادنا على نحو ~~مستقل. أما اليوم، فإن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية هي السياسة الرسمية للدولة، ~~والاقتصاد الوطني يعرف كيف يميز بين المساعدة الآتية من الأصدقاء وبين الاستغلال الذي يعوق ~~نموه ... والملكية الخاصة قد تكشفت وظيفتها الاجتماعية، ولم تعد تحاط بهالة القداسة التي كانت ~~تمنع المجتمع من تقليم أظافرها.» # وبعد أن يتحدث الدكتور - في مقاله - عن المعالم الإيجابية في سياسة مصر الخارجية، يخلص من ~~ذلك كله إلى أن: «هذه الوقائع الموضوعية، بناء على هذه الوقائع، تغير تفكيرنا، وأصبحت له ~~أسس ومحاور جديدة. ولما كانت هذه الأسس تستجيب لرغبات شعبية طاغية، فقد أصبح الجميع يتبنون ~~شعاراتها، ويجهرون بالدفاع عنها، ويتقربون إلى الناس ms063 عن طريقها.» # هنا، لا نحتاج إلى تعليق مطول على كلام الدكتور زكريا عام 1970م، لكننا نلفت النظر، بوجه ~~خاص، إلى أن الدكتور في محاولته التعرف على الوقائع الموضوعية في المجتمع المصري توصل إلى ~~أن تفكير المصريين قد تغير (طبعا إلى الأفضل)، وأصبح لهذا التفكير أسس ومحاور وأن هذا ~~التغيير تم استجابة لرغبات طاغية، بمعنى أن هذه الرغبات الشعبية استطاعت أن تفرض نفسها على ~~القيادة فتستجيب لها، وأن هذه الرغبات لم تكن (وفقا لرؤية الدكتور في 1975م) مكبوتة أو ~~سلبية أو فاقدة الأمل في إحداث أي تغيير. # ثم نواصل قراءة المقال، والواقع أننا إذ نقرأ فإننا نميل إلى احترام د. فؤاد زكريا؛ لأنه ~~حاول فيه أن يتعمق عددا من الظواهر السلبية التي رآها - في عام 1970م - تطفو على سطح ~~المجتمع وأن يردها إلى أصولها، فلقد لاحظ الدكتور - مثلا - أن هناك ما يهدد أسس الفكر ~~الاشتراكي في مصر، وفسر ذلك بقوله: ~~«إن أفكار الناس لم يكن من الممكن أن تتغير بنفس السرعة التي تغيرت بها الوقائع فقد ظلت ~~كثير من العقول باطنها الجمود وظاهرها الثورية. ومن جهة أخرى فإن المعاني والقيم الجديدة ~~فاجأت عقولا أخرى لم تكن متأهبة لها، ولم تكن قد نضجت إلى الحد الذي يسمح لها باستيعاب ~~الأفكار الجديدة، هذا فضلا عن قلة من الأذهان كانت تتعمد جذب الاشتراكية إلى الوراء، ~~ووضعها قسرا في إطار من الأفكار المختلفة.» # هنا، أيضا لا نحتاج إلى تعليق مسهب على كلام الدكتور عام 1970م ولكننا نقول إن هذا ~~الكلام - في ذلك الوقت - جدير بأستاذ فلسفة ينظر إلى الظاهرة فيحلل حركة تناقضاتها ~~والصراعات في داخلها فينبه إلى ما يهدد الفكر الاشتراكي والتراث الذي خلفه عبد الناصر، ~~وعلى العكس من ذلك يأتي د. فؤاد زكريا عام 1975م، لينظر إلى التجربة الناصرية ككتلة صماء ~~لا تجري في زمان أو مكان، وليس لها علاقة تأثر أو تأثير بالقوى المؤيدة والمضادة، وكانت ~~أخطر سلبياتها الخراب الذي لحق بنفس الإنسان. # لكن الدكتور عام 1970م، يواصل الرد على الدكتور عام 1975م، ms064 فيقول: إنه رغم كل محاولات ~~تشويه الاشتراكية على المستوى الفكري، والانحراف بها، فإن الجميع قد أصبحوا ينادون - ولو ~~بأطراف اللسان عند البعض - بالشعارات الاشتراكية. # ويعقب الدكتور على ذلك بقوله: وهذا يعد في ذاته تقدما «هائلا» ثم يشرح الدكتور ~~لماذا هو تقدم هائل: ~~«لأن هذا الإجماع يعكس تعلقا شديدا أو شاملا، من الشعب بالمعاني التي تعبر عنها هذه ~~الشعارات، بحيث يكون التراجع عنها في المستقبل ضربا من المستحيلات، وفي هذا التعلق ~~الشعبي الكامل بمبدأ الاشتراكية واضطرار القلة التي لا تؤمن بها، أو لا تفهمها، إلى صياغة ~~أفكارها في إطار ظاهري من هذا المبدأ ذاته - في هذا ما يؤكد أن الوصف الصحيح لموقفنا الفكري ~~بعد غياب القائد هو «الامتلاء لا الفراغ».» # ونعلق على هذا النص فنقول: بينما كان د. زكريا يرى في عام 1970م أن الشعب كان يبدي ~~تعلقا كاملا بمبدأ الاشتراكية، وأنه كان يتعلق بشعارات الاشتراكية تعلقا شديدا وشاملا ~~يستحيل معه التراجع عنها في المستقبل، إذا بالدكتور في عام 1975م يكتشف «إن الإنسان العادي ~~حين يجد التجربة قد أخفقت، لا يستطيع أن يميز بسهولة بين المبدأ والتطبيق، وهكذا أصبحت ~~طاقة السخط لديه منصبة على مبدأ الاشتراكية ذاته.» # ولنلاحظ هنا أن د. زكريا الذي كان يقول هذا الكلام هو نفسه الذي قال عام 1970م: إن ~~الغالبية العظمى من الشعب لم يصل إليها شيء من خيرات الثورة التي فجرها عبد الناصر، ومع ~~ذلك فقد ظلت - كما قال - تبدي تعلقا شديدا أو شاملا، بمبادئ الاشتراكية ~~وشعاراتها. # ونواصل قراءة المقال، فنراه يشرح نظرية «الامتلاء» الذى خلفه «القائد» بعد رحيله، وما ~~ينطوي عليه من خصوبة وثراء وتنوع فكري، هذا الذي يميز «العصر الذي نجد أنفسنا الآن على ~~أبوابه» لكنه يحذر من أن يمتد هذا التنوع والتعدد إلى الأسس والمبادئ الأولى للطريق ~~الاشتراكي؛ لأن المجتمع الذي يخوض معركة البناء في الداخل، فضلا عن معاركه المصيرية ضد قوى ~~عالمية عاتية، لا يملك أن يستمتع بمثل هذا الترف. # هنا نرى إلى أي حد كان الدكتور في عام 1970م يوغل ms065 في تشدده حتى ليرفض - مع تمسكه ~~بحرية التفكير - أن تمتد هذه الحرية إلى مناقشة «الأسس والمبادئ الأولى للطريق الاشتراكي» ~~وقد علل ذلك بقوله: # إن البلاد لا تخوض معارك التنمية فحسب بل معارك المصير الضاربة ضد أعدائها الخارجيين وهم ~~- في المقال - الإمبريالية والصهيونية (ولربما وجدنا من يتحفظ هنا على تشدد الدكتور في ~~وجوب رفض مناقشة «الأسس الأولى للطريق الاشتراكي» لكننا مع ذلك نحترم موقفه؛ لأنه يبدو أنه ~~كان يتحرك في ذلك من منطلق الحفاظ على الوحدة الوطنية). # غير أننا نفاجأ في عام 1975م ومعركة المصير لم تزل قائمة ضد الإمبريالية والصهيونية ~~ومعركة التنمية لم تزل محتدمة، بل تزداد احتداما تحت وطأة اليمين - الذي قال الدكتور إنه ~~يريد للبلد ردة كاملة - نقول إننا نفاجأ بالدكتور وهو يركز النيران على «التجربة» بأشد مما ~~يركزها على اليمين، وكذلك يفعل باليسار المصري ولنا هنا أن نسأله أليس هذا ترفا لا ~~تتحمله البلاد ولا تتحمله الوحدة الوطنية؟ # ولكن سنمضي مع الدكتور في مقاله، وسوف نرى أنه عندما يصل إلى الكلام «عن الأسس الأولى ~~للطريق الاشتراكي» يقدم نظرية أو رؤية تناقض رؤيته الحالية تماما. # ففي عام 1970م، كان لا يزال يرى أن غالبية الشعب الساحقة لم تأخذ شيئا من خيرات الثورة ~~التي فجرها عبد الناصر، وفي ذلك الوقت حاول في مقاله أن يشرح ولا نقول يبرر كيف حدث ~~هذا. قال الدكتور: ~~«... إن الفكر في عهد التغيير الاجتماعي السريع، ما بين 1952م، حتى وقتنا الحاضر (1970م) لم ~~يكن هو الذي يصنع الحوادث، بل كانت الحوادث هي التي تصنعه.» # ثم فسر ذلك بقوله: ~~«إن أحدا لن ينكر أن تلاحق الأحداث، في الفترة السابقة، لم يدع لمجتمعنا فرصة كبيرة ~~لتطبيق المبادئ التي اهتدى إليها حديثا، وكانت المؤامرات والمعارك الخارجية هي العامل ~~الأول الذي أدى بنا إلى تكريس القدر الأكبر من جهدنا من أجل طرح المبادئ نفسها، ووضع أسس ~~التغيير الذي تستلزمه، أما إخراج هذه المبادئ إلى حيز التنفيذ فلم يكن الوقت يتسع له، ولم ~~تكن الظروف تسمح به.» # ثم يضيف ms066 أن: «التحدي الذي يفوق كل ما عداه في هذه المرحلة هو مواجهة مؤامرات دعاة ~~الارتداد والتراجع أولا، ثم الانتقال بالمبادئ الجديدة من مرحلة الدعوة النظرية إلى مرحلة ~~التطبيق العملي.» # هنا تقول لنا رؤية الدكتور في عام 1970م: لا تلوموا النظام إذا كان لم يشرع في تطبيق ~~المبادئ الاشتراكية، واكتفى بإرساء أسسها، فلقد فعل هذا تحت ضغط ضرورات موضوعية: تلاحق ~~الأحداث والمعارك التي فرضها الأعداء على البلاد، ولكن إذا جئنا إلى عام 1975م، فسوف نرى أن ~~الدكتور يحاسب نظام عبد الناصر - حساب الملكين - على التطبيق الاشتراكي الخاطئ والمشوه ~~والمنحرف ... إلخ. فأي الرؤيتين هي الصحيحة؟ # عبد الناصر وضع الأسس ولم يطبق؟ أم أن عبد الناصر تورط وقطع شوطا طويلا في تطبيق ~~سليم؟ # وعندما يجيبنا الدكتور على هذا السؤال، فإننا نتوقع أن تكون الإجابة - من باب الأمانة ~~على الأقل - نوعا من النقد الذاتي وليس نوعا من التبرير الذي طالما عودنا عليه في بعض ~~كتبه وكتاباته، على أننا نقول له إنه ليس على الإنسان من حرج إذا اختلطت عليه الأمور، ~~فرأى - مثلا - في عام 1970م أسسا للاشتراكية ~~توضع وتثبت، ورأى «امتلاء» و«خصبا» و«ازدهارا» في الفكر ينبغي ترشيدها حتى لا تنقلب فوضى ~~فكرية تهدد الأسس الأولى للطريق الاشتراكي، ثم عاد - في 1975م - ليرى أنه كان وهما ما ~~حسبه حقيقة. # على أية حال، نعود إلى مقاله لنرى إلى أي ختام ينتهي. # فبعد أن يحلل الدكتور اتجاهات وأهداف الأعداء الإمبرياليين والصهيونيين، وبعد أن يوضح ~~أن أغراض العدو الرئيسية من عدوانه الأخير على بلادنا أن يعوق نمونا حضاريا وعلميا ~~واقتصاديا، يحدد المهام الملقاة على عاتق جميع الوطنيين، فيدعوهم إلى حل هذه المعادلة ~~الصعبة. ~~«ألا وهي حشد الجهود من أجل معركة المصير من جهة، وعدم إعطاء العدو فرصته الذهبية التي ~~يحلم فيها بتوقف نمونا من جهة أخرى.» # ومن المؤكد أن هذا الطرح للمهام التي تواجه البلاد لم يزل حتى الآن صحيحا كل الصحة، ~~وإذا أضفنا إلى ذلك أن الدكتور في مقاله قد أضاف مهمة ثالثة هي حماية الفكر الاشتراكي ms067 من ~~محاولات التشوية، فسوف نرى أنه - في عام 1970م - استطاع أن يحدد بموضوعية ثلاثة أنواع من ~~المهام النضالية الرئيسية: ~~(1) # نضال على الجبهة الأيديولوجية (حماية الفكر الاشتراكي إلخ). ~~(2) # نضال على الجبهة الاقتصادية (مواصلة التنمية). ~~(3) # نضال على الجبهة السياسية (التعبئة لدحر العدوان). # ونحن إذ نهنئه بصدق - على هذه الرؤية السليمة (في ذلك الوقت) نضيف أنه إنما توصل إليها - ~~فقط - عندما طرح مشكلات «ما بعد عبد الناصر» في الإطار العام والأساسي، إطار التناقض ~~الرئيسي بين الحركة الوطنية (من أجل التحرر والتنمية المستقلة) وبين الإمبريالية والصهيونية ~~والرجعية أعداء التحرر والتنمية المستقلة. # نقول هذا، ولا نخفي أنا نختلف اختلافات كبيرة وصغيرة مع كثير من الحيثيات والقضايا التي ~~أوردها د. زكريا في مقالة الذي عرضنا هنا أفكاره الرئيسية، من ذلك مثلا خلافنا معه حول ~~واقعة أنه عندما رحل عبد الناصر كانت الأسس الأولى للاشتراكية قد أرسيت. نعم لقد كان مكسبا ~~كبيرا أن يعلن نظام وطني ثوري عن تبنيه لشعار إقامة مجتمع اشتراكي، لكننا لا نوافق ~~الدكتور على أن الأسس الأولى للاشتراكية كان قد تم إرساؤها غداة رحيل عبد الناصر عام ~~1970م. فمن الناحية النظرية كان الميثاق خليطا من اليوتوبيا والبرنامج الاستراتيجي، ومن ~~الناحية العملية فإن ما أنجزته ثورة يوليو كان بالأساس إنجازات ديموقراطية (الإصلاح ~~الزراعي مثلا) وبعضها كبير وجذري (المثال هنا: القطاع العام) وفي نفس الوقت فإن هذه ~~الإنجازات كان يمكن - في ظل توافر شروط معينة - أن تكون أدوات حقيقية للتحول نحو الاشتراكية ~~(ولنلاحظ أن عبد الناصر أوضح أكثر من مرة أننا لا زلنا - في مصر - بعيدين عن المجتمع ~~الاشتراكي). # على أية حال فإن اختلافنا مع الدكتور لا يقلل من صحة النتائج التي انتهى إليها في ~~تحديد مهام المرحلة بعد وفاة عبد الناصر، وهذا يدل على أن القوى الوطنية والتقدمية تستطيع ~~أن تتفق على الأهداف والمهام إذا أخذت بعين الاعتبار حركة التناقض الرئيسي بين الطبقات ~~الوطنية والشعبية، وبين الإمبريالية والرجعية. ولا يغير من صحة هذه الحقيقة أن هذه القوى ~~الوطنية والتقدمية يمكن أن تتباين تحليلاتها، وتختلف ms068 حيثياتها وفقا لتاريخها وانتمائها ~~الاجتماعي والفكري ... إلخ. # إلا أنه من المؤسف أن يأتي الدكتور (في عام 1975م) ليناقش قضيتين من أخطر القضايا! هما: ~~التجربة الناصرية واليسار المصري بمعزل عن المعركة المحتدمة مع الاستعمار الجديد، ومع ~~الصهيونية والرجعية؛ لهذا كان من الطبيعي أن يطرح الدكتور مهام هي من طبيعة مختلفة غير تلك ~~التي طرحها في عام 1970م، وفي مقدمتها: ~~(1) # إدانة التجربة الناصرية. ~~(2) # إدانة اليسار المصري بزعم أنه يدافع عن هذه التجربة «دفاعا مطلقا». # وسوف لا نحتاج إلى جهد إذا قلنا إن دعايات اليمين الرجعي تدور حول هاتين النقطتين، وهذا - ~~في حد ذاته - لا يدعو إلى الدهشة. # غير أننا نذهل، عندما نجد الدكتور في هجومه على التجربة الناصرية وعلى اليسار المصري ~~يستخدم نفس الحيثيات التي يستخدمها أقصى اليمين: # فقد انتهى من هجومه على التجربة الناصرية إلى أنها - بسلبياتها التي خربت نفس الإنسان - ~~أفدح ضررا من تجربة أخرى عرفتها مصر هي تجربة الحكم الملكي الإقطاعي، ولما كانت الدعايات ~~المكثفة لليمين لا تطرح بديلا ثالثا بين التجربة القديمة وبين التجربة الناصرية، فهنا ~~يمكننا أن نتصور كيف يحمل الدكتور بنفسه الماء إلى طاحونة العدو. # وفيما يتعلق باليسار المصري فهو - بعد أن اتهمه بأنه خليط بين الاشتراكية الصحيحة وبين ~~«التطبيق الاشتراكي المزيف للتجربة الناصرية» هاجمه بكل أسلحة اليمين الرجعي، فراح يوحي - ~~مستخدما عبارات مطاطة وزئبقية - بأن اليسار المصري أخذ رشوة في شكل المناصب الرفيعة التي ~~تولاها عدد من أعضائه أو أقطابه، وأنه سيطر على أجهزة الإعلام في مقابل أن يتولى الدفاع ~~عن التجربة دفاعا مطلقا. # وهي اتهامات لا تختلف كثيرا عن ادعاءات اليمين الرجعي بأن مصر شهدت عشرين عاما من الحكم ~~الشيوعي يجب أن تتخلص منها، ولا تختلف عن الادعاءات التي نشرت في بعض الصحف (وفندتها ~~الطليعة بالوقائع) بأن الصحافة كانت تخضع إلى أربعة شهور مضت لسيطرة شيوعية كاملة. # أما هجوم اليمين على اليسار فهذا أمر مفهوم ورد فعل طبيعي، وهو لم يتوقف لحظة واحدة ~~منذ الأربعينيات عندما طرح اليسار شعارات الاشتراكية العلمية، والشعارات الخاصة بمرحلة ms069 ~~الثورة الوطنية الديموقراطية (ضرب الإقطاع وتصفية سيطرة رأس المال الاحتكاري الأجنبي)، ~~ويعلم اليمين الرجعي من تجربته أن اليسار المصري لم يزل رأس الحربة في النضال ضد كل قوى ~~التخلف في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. # وأما هجوم الدكتور على اليسار المصري، فهو وإن قدم أجل الخدمات النشاط اليمين الرجعي، ~~إلا أنه يدخل بمقياس الحقيقة في باب الافتراء، بقواعد أدب الحديث في باب الأمور غير ~~الصحيحة. وبأسلوب المجاملة في باب الوقائع التي دست على الدكتور فتقبلها بحسن نية. # ولسوف يطول بنا الحديث في قضية اليسار المصري ومواقفه بما لا يسمح به الحيز على هذه ~~الصفحات، ولسوف يكون لنا لقاء طويل، طويل مع الدكتور على صفحات مجلة «الطليعة» حول هذا ~~الموضوع، ولكن الشيء المؤسف - على سبيل المثال لا الحصر: ~~(1) # أنه عندما تحدث عن اليسار المصري لم يحدد أسماء ووقائع وتواريخ. وندعوه ~~إلى أن يفعل. ~~(2) # أنه عندما اتهم اليسار بالسكوت على نهب المال العام ابتداء مما كان في ~~القصور الملكية إلى الحراسات إلى المجهود الحربي لم يعجز فقط عن أن يذكر اسما ~~واحدا أو واقعة واحدة، ولكنه ذهب في التجني إلى محاسبة اليسار على فترة ~~يعلم الدكتور أن اليسار كان فيها مطاردا فضلا عن أنه لم يكن في الحياة ~~العامة. # فمثل هذا الهجوم، وبهذا الأسلوب الهابط، يظل - على الأقل - من المواقف التي تثير أكثر من ~~علامة استفهام. # وإذا كان الدكتور قد نفى عن نفسه - في مقدمة مقالاته الثلاث - صفة الجبن (بدليل أنه - ~~كما قال - لم يسكت، وإنما تكلم ونبه وحذر في مجلة الفكر المعاصر)، فإننا لن نجادله في ~~هذا. # لكن يبقى مع ذلك أمور تحتاج إلى إيضاح؛ منها - مثلا - أن الدكتور تحدث عن القمع الشديد ~~في التجربة الناصرية (وهو القمع الذي أصاب المعارضين)، وإذا كان الدكتور قد أعلن أنه لم ~~يسكت عن سلبيات التجربة، وأنه تصدى في «مجلته» - وبكل الشجاعة - لهذه السلبيات التي فصل ~~الحديث عنها في روز اليوسف، ثم لم يمسه أي ضر أو أذى من أي نوع (بل على العكس ms070 من ذلك، فإذا ~~هو يمضي في سلك الترقي في وظيفته الجامعية، ثم هو يتولى في أجهزة الإعلام (الناصري) رئاسة ~~تحرير مجلة من المجلات الثقافية الهامة). # نقول أما والأمر كذلك، أو كان كذلك، فربما وافقنا الدكتور على أن تجربته في مناطحة ~~«التجربة الناصرية» في مجلاتها، وفي عقر دارها، وبكل الشجاعة، ثم النجاة من بطشها ... هذه ~~التجربة هي قصة مثيرة، بل هي تجربة رائدة لمواطن تصدى لقمع الحريات وللانحراف «بالتطبيق ~~الاشتراكي» في مختلف المجالات. # | كان جمال عبد الناصر كتوما فحكم بالأجهزة ~~السرية # بقلم حسين ذو الفقار صبري # عندما ألقي القبض على علي صبري في 15 مايو 1971م، وضع شقيقه حسين ذو الفقار صبري ~~استقالته فورا تحت تصرف الرئيس السادات. # ولكن الرئيس، بدلا من أن يقبل الاستقالة، مد فترة خدمته عامين بعد سن المعاش! # فقد كان حسين ذو الفقار صبري منذ شبابه بطلا من أبطال المقاومة ضد الاحتلال البريطاني. ~~وكان زميل الطيار حسن عزت في محاولة هرب الفريق عزيز المصري جوا أيام الحرب العالمية ~~الثانية. # وفي جميع المناصب التي تولاها حسين ذو الفقار صبري بعد الثورة (مستشارا لرئيس الجمهورية، ~~ووكيلا لوزارة الخارجية، وسفيرا في سويسرا) كانت سمعته دائما نقية، ونزاهته فوق كل ~~شك. # ومن هنا خطورة هذا المقال، الذي كتبه خصيصى لروز اليوسف. ~~••• # يثير الدهشة حقا أن أطراف النزاع حول «التجربة الناصرية» قد تجاهلوا جميعا، وما زالوا ~~يتجاهلون، دور التكوين الشخصي والنفسي لجمال عبد الناصر فيها! # ذلك أن أية «تجربة» في عهد الثورة، سواء تعلقت بشكل المجتمع وأهدافه، أو ضربت باتجاهها ~~إلى مجالات أخرى، قد خضعت خضوعا تاما لمزاج تكوينه الشخصي ... وطبع عليها بصمات واضحة ~~عميقة الأثر. # وما من ميدان جد إليه جمال عبد الناصر باهتماماته - وإني لأحار حين أبحث على ساحة أو ~~خباء لم يجد إليها باهتماماته - إلا ونجده كان قد سوي من جديد؛ فاليسار المصري بعد التجربة ~~الناصرية جد مختلف عن اليسار قبلها، وليس اليمين هو اليمين، وما من شيء على أرض مصر إلا وبه ~~شاهد أن قد كابد تجربة ناصرية، ms071 تركته على غير ما كان. # وإن أية دراسة للعلاقات بين تيار ما من تيارات الحياة في مصر وبين تجربته الناصرية؛ ~~لقاصرة عن الارتقاء إلى الموضوعية ما لم يصاحبها تحليل دقيق لشخصية جمال عبد الناصر، فذة ~~متفردة، لا تتفاعل وإنما تنفعل، لا تأخذ فتعطي، وإنما تعتسر! # من زعيم إلى نبي # هو زعيم ما في ذلك من شك رجل تجمعت في كيانه مقومات الزعامة جميعا، شخصية مهيبة، ~~شديدة الاعتزاز، تتميز بجرأة وتصميم، منبثقة عن سعة صبر واستيثاق. # جهز لثورة هدفها الإطاحة بالقديم، خطط لها مع زملائه في سرية بالغة، في بلد يهيم ~~أبناؤه بالتشدق بما يعرفون وما لا يعرفون، تباهيا بأنهم وحدهم العالمون ببواطن ~~الأمور، وتظل رغم ذلك شخصيته خافية على أقرب المقربين، دليلا صادقا على رصانة وفراسة ~~في التقدير، صفات سوف تلازمه فلا يأمن إلا لكل كتوم، هم وحدهم «أهل الثقة» لا يعنيه أن ~~يكونوا أهل خبرة أو علم. # ثورة تحرك بها قبل الميعاد الذي كان قيد لها بأعوام؛ إذ تشعر السلطة القائمة أن شيئا ~~ما يجري تدبيره في الخفاء، فيزمع ويقدم مقامرا، عسى أن تتحقق المفاجأة، صفات أخرى ~~سوف تلازمه فإنها من صميم تكوينه، أن يقامر فيأخذ الغير على غرة، قبل أن تتهيأ له ~~فرصة الاستعداد. # ثم ضربة المعلم، حيث يفاجئ العالم بتأميم القناة، أمام تحديات الدول الكبرى، رد الفعل ~~الذي يشل حركة الغير، فيتخبطون وقد بوغتوا ... لازمة سوف تصبح من لوازمه، أو أنها كانت، ~~ولكن الأحداث تبرزها في صورة ساطعة جلية، فهو رجل إذا ما تربصت به قوى لها وزنها، يحجم ~~عن كشف أوراقه بمبادرة، وإنما يتريث عسى أن تنكشف اتجاهات الغير عن منافذ أو مكامن ~~إيجاع وإثخان. # ثم تبرز صلابته، فيلتهب حماس دول العالم الثالث إعجابا، حين يصمد للعدوان الثلاثي ~~عام 1956م، فإذا ما انحسرت جيوش بريطانيا وفرنسا، وثالثتهم إسرائيل، عن أرض مصر رفعت ~~الأعلام في كل مكان، تهلل لانتصارنا المذهل على اثنتين من كبريات الدول الاستعمارية، ~~ردت مدحورة، هضيمة النفس، مستخزية. # وإني لأشعر أني أخذت به في ms072 تلك الأيام، كأخذ غيري، فكأنه نبي اصطفته لنا العناية ~~الإلهية، وتتلبس حواسي غشاوات، لا أقبل بأية حال أن يمس شخصه بنقد أو تشكك في ~~التصرفات، بل أكذب نفسي، أكذب عيني إذا ما بدت لي منه، هنا أو هناك، بضع هنات. أضحيت ~~(كما قد يقول توفيق الحكيم) فاقد الوعى أمام المعبود. هو الكل في واحد، تجسدت فيه ~~متركزة أشد التركيز إنجازات مصر جميعا منذ أن كان لمصر تاريخ. # وربما إن كانت هذه نقطة التحول الخطيرة، وإن لم تبن آثارها إلا بعد سنوات من اختمار ... ~~أو قل إنها فترة بذرت فيها بذور، أخذت تنمو وتترعرع وتتفرع، وتمد بأطرافها - جذورا ~~وأغصانا - في تؤدة وإصرار حتى لم يبق في مصر لغيرها مكان. # فإن الشعار الذي رفع حينذاك، فنتسابق إلى الالتفاف من حوله، إيمانا بأن «مصر الثورة» ~~قد ردت قوى الاستعمار العتيد على أعقابها مدحورة، إنما تحول تدريجيا إلى شعور وجداني ~~عميق، بأنه لولا جمال عبد الناصر لما حصل ما حصل، فالانتصار هو انتصاره، وإن مصر ما ~~كانت لتكسب المعركة لولاه، ولولا تلك العناية الإلهية - أو القوى الغيبية - التي اصطفته ~~لنا زعيما ... وإن هذا لصحيح إلى حد كبير، بفضل تلك الصفات، وقل إن يكون لها ~~نظير. # ولكننا تغافلنا جميعا عن أن مصر في حقيقة الأمر لم تكن قد انتصرت، وما كان بوسعها أن ~~تنتصر، إنما عرفت فقط كيف تصمد حتى تتحقق الفرصة للولايات المتحدة، أو فوستر دلاس على ~~الأصح، في أن يفرض على تلك الجيوش الانسحاب من أراضينا، أراد أن يلقن حلفاءه في ~~بريطانيا وفرنسا درس العمر، فلا حركة ولا مبادرة إلا أن ترضى أمريكا فتأذن وإلا فإلى ~~مذلة وخسران. # محاولة اعتراض # وإني لأذكر أن جمعتني ندوة إلى عدد من المهتمين بشئون السياسة الدولية، بعد تلك ~~المعركة بسنوات عشر، فأرى تمسكا عجيبا بتلك النظرية. اختلقناها وكأنها مسلمة مطلقة ~~منزهة من كل نقد، بأن حرب السويس قد وضعت حدا فاصلا، إلى غير رجعة، بين أساليب ~~الاستعمار القديم بتدخلاته العسكرية السافرة وبين الاستعمار الجديد بأساليبه غير ~~المباشرة ms073 في إقرار السيطرة. # وكنت أشعر أن التشبث بتلك النظرية إنما نابع من شعور الجميع بأننا إذا قلنا حرب ~~السويس، فإنما نعني جمال عبد الناصر شخصيا، وأن أي تهجم على تلك النظرية إنما هو ~~تهجم على شخص الزعيم! # وحاولت جهدي أن أدفع إلى المناقشة بأمثلة تدحض تلك النظرية من أساس، كالتدخل ~~الأمريكي في لبنان عام 1958م، ثم في سان دومنجو عام 1965م، ربما إن كانت لهما ظروف ~~خاصة، أولها التدخل الثلاثي ضد الثورة الكونغولية في يناير 1965م - قوات مظلية بلجيكية ~~تحملها طائرات أمريكية، أقلعت من قواعد بريطانية - ثم بعد ذلك بشهر واحد، الهجوم ~~الأمريكي على فيتنام الشمالية؛ إذ تضرب بالقاذفات الضخمة في موجات إثر موجات، ومتى هذا! ~~بينما كوسيجن، رئيس الوزراء السوفيتي، في زيارة رسمية لهانوي. # وقوبلت كلماتي بستار من صمت أول الأمر، ثم بمراوغات أو محاولات تملص، فما كان أحد ~~ليجرؤ حينذاك أن يناقش تلك النظرية موضوعيا وإلا اتهم بأنه ينتقد الزعيم بالذات - ~~وأن الجدران، كل الجدران، كان لها في ذلك الوقت آذان! - فلما رأيت المناقشة تتعثر ~~وأن لا فائدة ترجى من متابعتها، تحججت بأني على ميعاد، وانسحبت. # حكم «الأجهزة السرية» # ولكن التطور الحاسم كان ذلك الذي طرأ على شخصية عبد الناصر نفسه، إيمان مطلق بأن لا ~~خلاص لمصر من الأخطاء المحدثة بها إلا على يديه، بأن لا تقدم للبلاد إلى رخاء أو حتى ~~كفاية إلا أن يخطط لذلك بنفسه، بأن لا مكانة دولية للمنطقة إلا أن تقفو البلاد العربية ~~جميعا نهجه، فينغلق على أجهزة هي أدواته إلى تنفيذ مخططاته، لا يركن إلى غيرها، ولا ~~يطمئن إلا لها. # صفاته الفطرية، بل أكاد أقول الغريزية، والتي مهدت لثورة 1952م، تأيدت. فتصاغ تلك ~~الأجهزة وكلها امتداد عضوي لشخصيته، أعضاؤها هم صفوة «أهل الثقة»، ولكنه لا يأمن لأي ~~منهم تماما، فإن فراسته في تقدير قيم الرجال من حوله، كانت مجبولة على التشكك الدائم؛ ~~خشية تحول مفاجئ، فهم دائما موضع اختبار تلو اختبار، بل وتصنت على بعضهم البعض، ثم إن ~~نجاحه المذهل في تأميم ms074 القناة دفع به إلى التوسع في استخدام تلك الأجهزة فتتقصى مواطن ~~الضعف عند الغير، حيثما تكون، ثم حصرها وتبويبها فهي السلاح الماضي يشهر في وجه من ~~تحدثه نفسه بمعارضة أو مناورة. # كلا! بل لا يشهر هذا السلاح بنفسه - وهذا هو السر في تزايد اعتماده على «أهل الثقة» - ~~بل يحرك تلك الأجهزة فتنال ممن يتوسم ضرورة النيل منه، وكأنه لا علم له بما ~~يجري. # وكان الانفصال السوري قد أدى إلى تعاظم عقدة التشكك التي جبل عليها، فالخطر كل ~~الخطر إنما في تلك الفئات من شعب مصر التي ربما ألبت عليه الموقف من داخل، فإذا بأجهزة ~~الدولة المنوط بها أساسا تعقب نشاطات العدو الخارجي (وأعني به إسرائيل في المقام ~~الأول) توجه بجلة جهودها فتتسقط أي كلمة يمكن أن يتفوه بها مواطن، لعلها أن تكون الدليل ~~على أنه يضمر بنظام الحكم شرا. # جميع مراكز القوى التي خلفها لنا كانت تأتمر بأوامره، خاضعة لتوجيهاته، والويل كل ~~الويل لأي من أعضائها لو ألمح إلى الشخصية التي تحرك كل هذا من وراء ستار. # حكم البلاد متوخيا أساليب قريبة كل القرب من تلك التي حققت له نجاحاته السابقة، ~~أساليب الرجل الذي لا يأمن إلا أن يتحرك من خلال أجهزة سرية، بل أجهزة قوامها خلايا ~~سرية، يمسك هو بخيوطها جميعا دون أن تدري عن بعضها البعض إلا أقل القليل. # فلما أن حاولت مراكز القوى تلك أن تعمل لحسابها الخاص بعد وفاته، تهاوت؛ إذ فقدت خيوط ~~التوجيه التي كانت تنسق بينها بإحكام مركزي، كأنها افتقدت السند الذي يكفل لها حماية ~~ومداراة إذا ما جاوزت حدودها. # وإني أسوق هذا الكلام استنادا إلى تجارب شخصية كابدتها بنفسي، ليس هذا مكان الدخول ~~في تفاصيلها، وإنما يكفيني استدلالا أن أشير إلى موضوع اعتقدت أنه مرتبط بصميم عملي ~~كنائب لوزير الخارجية، فقد كان يقال إن صلاح سالم كان المسئول في أيام الثورة الأولى عن ~~إذاعة صوت العرب، ولكن صلاح سالم كان قد ذهب، ومع ذلك فقد كانت تتواتر بين الحين والحين ~~من تلك الإذاعة ms075 موجات من سباب مقذع تكال يمينا وشمالا بأسلوب حري أن يخلق لنا مشاكل ~~دبلوماسية نحن في غنى عنها بيننا وبين بعض من دول عربية، وحاولت جهدي أن أتقصى شخصية ~~الذي يقف وراء تلك الإذاعة بتوجيهاته، علني أن أقنع أو أقتنع اتصلت بجميع الجهات، ~~بوزارة الإرشاد بمكاتب رئاسة الجمهورية المختلفة، ولكني لم أحظ منهم جميعا إلا ~~بالتنصل المطلق من مسئولية توجيهها، أو بمراوغات في الإجابات، بل بصمت مطبق في أغلب ~~الأحيان؛ طريق مسدود! # فمن ذا الذي كان يوجهها إذن؟ # الميثاق سبب الصدام بين اليسار # ويمضي جمال عبد الناصر في طريقه، فارضا رأيه، إيمانا منه أن الحق لا يأتيه الباطل ~~من أي جهة كان، مخلصا في دعوته إلى عدالة اجتماعية حرم منها الشعب على مر التاريخ، ~~قرأ ما قرأ عن الاشتراكيات جميعا، بينما هو غارق في خضم أحداث ومؤامرات تحاك من ~~حوله، لا يكاد يطمئن إلى أي من تنظيمات، تقدمية كانت أم غير تقدمية، زخرت بها البلاد، ~~ساعيا أبدا إلى خلق قاعدة شعبية تكون له سندا وقاعدة، ولن تكون إلا أن تدين له ~~بولاء مطلق لا مساءلة فيه ولا حتى مجالا لاستفسار. # لم يكن إيمانه بالاشتراكية مناورة تكتيكية، وإنما إيمان راسخ عميق، ولكن أي ~~اشتراكية؟ قراءاته تنبئه بأن التطبيقات متعددة تعدد نظم البلاد التي رفعت شعاراتها، لم ~~يتردد لحظة في أن يسارع ويرفع شعارها هو الآخر، ولكنه يريدها اشتراكية خالصة ~~لمصر، منبثقة من أرضها، متوائمة مع طبيعة شعبها، فيقرأ ما يقرأ، متحسسا الطريق، ويعلق ~~بذهنه ما يعلق ويرفض بشعور ما كان يعتقد بإخلاص أنه ينافي الأحوال والظروف. # يستحثه انفصال سوريا، فلا مفر من القضاء على الموانع والمعوقات، ويخرج علينا الميثاق، ~~هو الجامع لمواقف معينة وردود فعل محددة، استخلصها من قراءاته المتعجلة - فإنه في سباق ~~مع الزمن - ومن تجارب صراعات خاضها ضد توغلات الإقطاع والرأسمالية المستغلة، ومن مرارة ~~الهزيمة أمام الفئات التي تضافرت على تجربته السورية. # رفع الميثاق في صورة من نظرية مستوثقة الأركان، في نظر اليسار المصري، في نظر أي ~~يسار، إنها ms076 مجموعة من مواقف لا يمكنها أن ترقى بحال إلى مكانة النظريات. # فالنظرية، أي نظرية، في عرفهم إنما نتاج تحاليل دقيقة لمسارات تاريخ المجتمعات ~~البشرية، الاشتراكيات أنواع ولكنها جميعا مهما اختلفت بينها الملامح التطبيقية، إنما ~~منبثقة من أصول النظرية الماركسية، نظرية عكف عليها صاحبها وزملاء له بعد دراسات متأنية ~~للتاريخ، أفنوا فيها عمرهم، يضيف إليها لينين من واقع تجارب حية في مجتمع انعزل به أو ~~يكاد عن العالم الخارجي. # أما هنا في مصر، فأي تجارب تلك قمنا بها؟ نشاطات الأجهزة الشعبية إنها سلسلة من ~~اجتماعات يتبارى فيها الخطباء تمجيدا للثورة ومآثر الثورة ... حاول مرة أحد أعضاء لجان ~~الاتحاد الاشتراكي بالصعيد أن يشيد بجهود قام بها الطلبة في رفع معنويات الفلاحين؛ ~~أتت السيول على منازلهم فجرفتها من أساس، ويقوم أبناء المنطقة من طلبة، توافق أن عادوا ~~خلال إجازات دراسية، فيخوضون المناطق المنكوبة، جنبا إلى جنب مع الأهالي، ليعينوهم على ~~إعادة البناء فيدب فيهم الحماس بعد أن كان هدهم اليأس، ويحاول عضو لجنة الاتحاد ~~الاشتراكي أن يسترسل فيحلل النتائج التي يمكن الوصول إليها بالاستمرار في خلق مجالات ~~من تعاون مثمر بين الفئات الشعبية، كتلك إذ تضافروا على مواجهة الكارثة، ارتقاء إلى ~~حياة أفضل، وإذا بصوت يزجره من فوق المنبر، صوت طالما سمعته رزين النبرات، نافذا إلى ~~الأعماق، ولكنه يختلج الآن بضيق وانفعال: ~~«أنا باسألك عن العمل السياسي، مش عن شيل الطوب وشغل الفعلة! إيه هو العمل السياسي ~~اللي عملتوه؟» # ونزلت الكلمات كأنها المطرقة، فيتعثر المتحدث، ويلجم عن متابعة الحديث، فقد كان ~~المطلوب هو تقرير عن عدد الندوات التي عقدت، وأساليب التوعية من خطب وشعارات، ومن كان ~~الخطباء المفوهون الذين يرجي من ورائهم التأثير على المشاعر وإلهاب العواطف. # ومثل آخر، ربما بدا تافها ولكنه عميق الدلالة؛ إذ جزعت من هبوط المستوى في المدرسة ~~التي التحق بها ابني الأصغر، رغم ما كنت أعرف عن مديرها من سعة اطلاع وراسخ خبرة، ~~فيعتذر بأن لم يعد في وسعه بذل ما كان يبذل من وقت فيشرف على سير ms077 الدراسة: «وماذا أفعل؟ ~~فإن اجتماعات لجنة الاتحاد الاشتراكي لا تترك لي لحظة فأتفقد سير العمل، إنها تنعقد ~~وقت الدراسة.» # بل إن مجلة روز اليوسف نفسها ولا شك تعلم ماذا كان مصير محاولة كانت قامت بها، نقدا ~~لأوضاع، فتصبح مدخلا لتقييم تجربة من التجارب، فإني لأذكر اجتماعا لمجلس الوزراء ~~فتتملك الرئيس عبد الناصر سورة من غضب، إزاء الحملة التي قادتها المجلة ضد إدارات ~~المستشفيات الكبرى بعد تأميمها، فتوالى ظهور الرسوم الكاريكاتورية عن «التومرجية» ~~يأكلون طعام المرضى، وغير ذلك من مآس كانت ترتكب في تلك المستشفيات، فيعتبره هجوما ~~سافرا على الاشتراكية، وأنها أمور يجب أن يوضع لها حد فورا، في حين الأمر لم يتعد في ~~نظري، سواء صدر عن سوء نية كما كان يعتقد أم غير ذلك، أن كان هجوما على حالات من ~~استغلال بشع، الحل هو في علاج أسبابها وإلا أدى سوء التطبيق إلى أن يكفر الناس ~~بالاشتراكية، بينما الاشتراكية من تلك الوسائل براء. # فالموضوع إذن تحول إلى رفض بات لأي محاولات تقييم من جانب وسائل الإعلام؛ خوفا من أن ~~يكون هدفها الخفي هو التشهير، فكيف بالله كان يمكننا الانتفاع من تجاربنا والاستدلال ~~على مكامن الأخطاء في التطبيق؟ # بالرطل ... ذي بتاع ماركس # ومع ذلك ورغم كل، فقد كانت فرص التقاء جمال عبد الناصر باليسار المصري مهيأة في ~~أعقاب الانفصال السوري؛ إذ يوغر صدره ضد الفئات التي كان يمكن لليمين المستتر اجتذابها، ~~ولكن تشككه المتأصل وقف مانعا ضد أي تعاون مثمر، وخاصة أن اليسار المصري كان لا ~~يتمثل في تيار واحد وإنما تيارات عدة، جميعها، حتى تلك التي كانت مخلصة في وطنيتها ~~(وإنها للغالبية العظمى) لا تدين بتبعية لتنظيمات أجنبية. # لكن العقبة الكأداء كانت لا تزال كامنة في أن اليسار المصري بفئاته جميعا، كان يعنيه ~~الفعل وليس القول، التجربة الحية وليس الكلام المفروض من أعلى، وما كان بوسعه أن يعترف ~~بالميثاق نظرية متكاملة. # وإني لأذكر كيف ثارت ثائرته مرة، في جلسة مع أحد معاونيه الأقربين، تصادف أن كنت ~~حضرت طرفا منها: ~~«بيقولوا ms078 إنها مش نظرية! أمال النظرية تبقى إيه! هم عايزين كتاب يتباع بالرطل ذي ~~بتاع ماركس.» # خلاصة القول أن اليسار لم يكن يعترف بالميثاق نظرية متكاملة، وإنما يراه تعبيرا عن ~~مجموعة من مواقف هي ردود فعل، اعتملت في وجدان جمال عبد الناصر تجاه ظروف استغلالية ~~معينة، لصمت إلى بعضها البعض فتتلاحم دون ترابط وثيق. # بينما يراه جمال عبد الناصر وثيقة حرية بكل اعتزاز كإنجاز من إنجازات الفكر قل أن ~~يكون لها نظير. # أما أن يتطور العمل عن طريق تجارب فعلية، فما كانت هناك تجارب يمكن أن يقال إنها خضعت ~~لتقييم، فنتحسس طريقنا إلى أساليب من تطبيق من خلال الموازنة بين خطأ وصواب، وإنما كلها ~~اتجاهات تفرض من أعلى. # تدعى أجهزة الاتحاد الاشتراكي إلى اجتماعات دورية متباعدة لمناقشة سير العمل في ~~الأقاليم جميعا، وتطلع الصحف في اليوم التالي بعناوين ضخمة إن استمرت المناقشات ست أو ~~سبع أو عشر ساعات، فيقرر كذا وكيت وهات يا قرارات! # وإنما حقيقة الأمر أن المناقشات كانت تدور دون التزام جدي بالموضوعات التي في جدول ~~الأعمال، يفتح الكلام في موضوع معين، ويطلب الكلمة واحد تلو آخر، فيقول ما يعن له أن ~~يقول، لا يعنيه إن كان في صلب ما هو مطلوب مناقشته، ويترك له الحبل على الغارب، ~~والرئيس يتمتع بصبر لا ينفد يتابع ما يقال الساعة تلو الأخرى ولا يمل، فإذا ما بلغ ~~بالمجتمعين الإعياء، تكل العيون، وتهن الأوصال، وتتبلد أسباب التفكير فتخور العزائم، ~~يتدخل آخر الأمر الرئيس فيعلن، دون محاولة إجراء تصويت، أن المناقشات توصلت بنا إلى ~~القرارات التالية يتلوها في أوراق أمامه، هي معدة من قبل إلا من بعض تعديلات طفيفة هنا ~~أو هناك. # وكان هذا يذكرني بما كان يتباهى به من أسلوب اتبعه في مؤتمر باندونج، حين عرضوا ~~لنزاعات شكلية حول صياغة القرارات، فيقول: «كنت انتخبت رئيسا للجلسة، فلما احتدمت ~~المناقشات ورأيت أن لا تلاقي، قلت لهم نحن في رمضان وأنا صائم، فلا يعنيني رفع الجلسة ~~لتناول الغداء، لن أتحرك من مكاني حتى تصلوا إلى ms079 اتفاق ...» # ثم يضيف ضاحكا: «تعبوا، جاعوا، لقوا مفيش مفر، الاعتراضات انهارت، اتفقوا آخر ~~الأمر.» # نفس الأسلوب أو يكاد، نجح في أن يصل إلى هدفه وهو جديد على المجتمع الدولي بين فطاحل ~~مثل نهرو وشوان لاي وأونو ... فكيف به وهو الحاكم غير منازع، يطل من فوق المنصة على ~~الرقاب. # فإذا جاء الدكتور فؤاد زكريا وقال إنه لم ينجح اليسار في اجتذاب عبد الناصر، وإنما ~~نجح هو في اجتذاب عناصر من اليسار إلى صفه، فهو ما يتمشى تماما مع ما أعرفه عن شخصية ~~عبد الناصر، أما غير ذلك فإن طبيعة شخصيته لا تهضمه ولا تقبل به تحت أي ظرف كان. # ولكن بقي الاستغلال # إني أعتقد أن أي دراسة لمواقف عبد الناصر، لا يمكن أن ترقى إلى الموضوعية إلا إذا ~~اعتمدت على تحليل دقيق لجوانب شخصيته الفذة، جوانب غنية بمميزات قل أن يكون لها نظير، ~~وأخرى لا تقل أثرا عن تلك أو ضخامة هي النواحي السلبية في تلك الشخصية، لو أننا ~~تجاهلناها فكأننا نتكلم عن معبود «كل في واحد» جل أن يخطئ. # وربما إن كانت دراسة الدكتور فؤاد زكريا، لو أتبعت بغيرها فيتناول عدد من الكتاب ~~مجالات أخرى من جمال عبد الناصر هي الخطوة على الطريق الصحيح، فإنه لن يتأتى لنا ~~تقييم شخصيته أو أي شخصية تاريخية أخرى إلا من خلال دراسات متعددة، جامعة لمختلف نواحي ~~نشاطه والمجالات التي أثر فيها وتأثر بها. # أما أن يقول الأستاذ نجيب محفوظ إننا ننقد جمال عبد الناصر؛ لأنه خطا بنا خطوة إلى ~~الأمام وكنا نتوقع أن يخطو ثلاثا؛ فإنما تهرب من مواجهة الواقع، أو ربما تحرز عفيف، ~~فإن نجيب محفوظ رجل سمح رقيق، إن جمال عبد الناصر قفز بنا قفزة جبارة إلى الأمام، إلا ~~أنه سرد ذلك منجذبا إلى مسارب سنحت له بأعلام هي من صنع خياله، منقادا إلى حافة ذلك ~~الجرف الذي هوى بنا إلى حضيض يوم 5 يونيو 1967م، فتتمزق نفوسنا من داخل وتكاد أن تغيب ~~معالم أو مكاسب تلك القفزة الأولى. أين هي؟ ms080 وأين أقدامنا منها؟ فكأنها مجرد ~~ذكرى! # ثم ما هي مكاسب تلك الخطوة الأولى؟ القضاء على الملكية؟ أي نعم! طرد قوات الاحتلال؟ ~~لا شك في هذا، ولكن أين مكاسبنا الاجتماعية؟ هل قضينا على الاستغلال؟ كلا إنما ~~استبدلنا بالإقطاع والرأسمالية طبقات أخرى طفيلية، هي أشد استغلالا في بعض ~~الأحيان! ~~«ارفع رأسك يا أخي ...» من ذا الذي كان يمكنه أن يرفع رأسه فيقول ما يريد أن ~~يقول؟ # أكتوبر ليس انتصارنا # ثم تعليق أخير، فقد جاء في سلسلة المقالات التي أثارتها دراسة الدكتور فؤاد زكريا ... ~~القول بأن جمال عبد الناصر ترك لنا إرادة الصمود والإصرار على الانتصار. # ويتحتم علي أن أقرر في ضوء ما رأيت أن الذي تركه لنا عبد الناصر، ليس إرادة ~~الصمود، وإنما الامتثال المطلق لإرادته، أراد لنا أن نصمد ففرض علينا إرادة الصمود من ~~أعلى، وويل لمن كانت تحدثه نفسه ألا يمتثل! # وإنه لموقف يستحق منا كل تقدير لذاكره ... فلولا أن فرض علينا إرادة الصمود تلك لما ~~تهيأت الفرصة لقواتنا المسلحة أن تتحول آخر الأمر إلى الهجوم على العدو ~~فتنتصر. # نعم! فإن الانتصار ليس انتصارنا، وإنما انتصار أحرزته قيادتنا السياسية، وقواتنا ~~المسلحة، قواتنا هي التي عانت ما عانت من صمود على الجبهة، من انخراط جدي في تدريبات ~~شاقة مستمرة، فتبث فيها قيادتنا السياسية روح الإصرار على الانتصار. # قواتنا المسلحة وليس نحن! # وإلا فبالله حدثوني ما كان يمكن أن يحدث لو أن خراطيم المياه التي أزالت السدود ~~الترابية، كانت كلها ثقوبا كتلك التي حاولت إطفاء حريق مسرح البالون؟ # ما كان يمكن أن يحدث لو أن كميات المؤن والذخائر التي أرسلت إلى الجبهة، تكدست ~~بلا نظام، عرضة للنهب والتلف والحريق، كما يحدث في موانينا البحرية والجوية؟ # هل كان يمكن لقواتنا أن تعبر فتقتحم بارليف في تنسيق بارع، لو أن فيهم من لا يعرف ~~واجباته، لو كانوا كالموظفين في مكاتبنا الحكومية، حيث يتفشى التسيب والإهمال بل ~~الاستهتار بمصالح الناس؟ # هل كان بوسع قواتنا المسلحة أن تنتهز فرص النجاح، لو أن تحركاتها كانت خاضعة للوائح ms081 ~~من روتين، منها ما مضى عليه عشرات السنين؟ # أقول هذا الكلام إذ أرى الأقلام في كل مكان «نازلة غزل» عبارات عن العبور إلى ~~الانفتاح والعبور إلى وفرة الإنتاج والعبور إلى العبور، بينما لا انضباط ولا شعور ~~بمسئولية، بل أهم من هذا كله، لا محاسبة على أخطاء! # فهل لنا أن نستفيد من تجارب قواتنا المسلحة؟ # إنها بنود قليلة، ولكنها أساسية وفي غاية الأهمية: تحديد المسئوليات بدقة، توفير ~~السلطات القادرة على تحمل مسئوليات التنفيذ، فتحاسب وتحاسب فورا، فإما الردع وإما ~~المكافأة بسخاء! # هل آن لنا أن نفيق إلى حقائق الأمور، فنلحق كشعب بالمستوى الرائع الذي وصلت إليه ~~قواتنا المسلحة؟ فإن أفرادها إنما «منا وعلينا» ولكن الفوارق كامنة بين أسلوب العمل هنا ~~وهناك تلك هي المعركة التي تتحدانا إلى عبور! # | هل ستنتهي ثورة يوليو نهاية ثورة عرابي؟ # بقلم كمال رفعت # كانت مفاجأة لي، ولغيري، أن نجد الدكتور فؤاد زكريا - في مقالاته عن جمال عبد الناصر ~~واليسار المصري - يهاجم ثورة يوليو من نفس الزاوية التي هوجمت منها جميع ثورات العالم ~~قديمها وحديثها! # ولو أننا أخذنا حقا بمنطق الدكتور لكان علينا أن نقتنع بأن الثورات الأمريكية والفرنسية ~~والروسية والصينية (والجزائرية أيضا) كانت أخطاء حدثت في تاريخ شعوبها. # إن لكل ثورة أخطاءها، وقد يكون منها السماح للعناصر الانتهازية بالتسلق على حساب ~~العناصر الثورية، وعدم الاهتمام الكافي بتربية الكوادر السياسية، وتفشي البيروقراطية في ~~التنظيمات السياسية، وعدم الاعتماد بالقدر الكافي على طاقات الجماهير، وعدم الضرب بشدة على ~~أيدي العناصر المنحرفة أو المخربة. وقد تصل هذه الأخطاء إلى حد أن تأكل الثورة نفسها، ~~ولكنها ليست بالضرورة متعمدة كما يجزم بذلك الدكتور فؤاد زكريا في نقده لشعار «من لا يعمل ~~لا يخطئ» وإصراره على أن الخطأ «الذي كان هذا الشعار يهدف إلى تبريره والدفاع عنه، كان خطأ ~~مقصودا ومتعمدا ارتكب بروية وتفكير وسبق إصرار وترصد يرمي إلى إكساب مرتكبه مغانم لا ~~يستحقها من قوت شعب مطحون.» # سبحان الله! هل هناك امتهان بحقوق الناس، وتحيز واضح ضد ثورة يوليو أكثر من ms082 هذا. إن ~~الأرجح هو أن الدكتور كان متأثرا بموضوع شخصي لمسه عن قرب أو سمع به. وهذه هي نفس الطريقة ~~والأسلوب الذي يهاجم به اليمين الرجعي في الوقت الذي كنا نأمل منه أن يكون أكثر موضوعية ~~لا يدين بغير الحقيقة كما يفهمها بمقاييس البحث العلمي المجرد. # إن أكبر خطأ للدكتور هو أنه اكتفى بما تردده حلقات محدودة، معظمها رجعي، في منتدياتها ~~وثرثراتها ولم يحاول أن يتعرف على حقيقة شعور الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين وشباب ~~ومثقفين ثوريين ... وهم الذين قامت الثورة من أجلهم وحققت أكبر إنجازاتها بواسطتهم. # لعل الأستاذ الدكتور لم يسمع بالموقف الوطني الثوري الذي وقفته الجماهير يومي 9، 10 يونيو ~~سنة 1967م حينما رفضت الهزيمة وأصرت على استمرار النضال بقيادة جمال عبد الناصر. ولا ~~بوقفتها الرائعة حينما تصدت لقوى اليمين الرجعي في مناقشات «ورقة أكتوبر» في سبتمبر 1974م ~~أمام لجنة الاستماع بمجلس الشعب التي حاول فيها الانقضاض على مكتسبات الشعب التي حققها ~~بعرقه ودمائه، ولعله أيضا لم يسمع أن بعض عناصر اليمين طالبت أن تذهب البنوك الوطنية إلى ~~الجحيم كي تفسح المجال للبنوك الأجنبية لتحتل مكانها، أو أنها نادت بهدم السد العالي وتصفية ~~القطاع العام الذي يملكه الشعب وبيعه بالمزاد. وإلا فلماذا لم يبين لنا رأيه في هذه ~~المواضيع ويحللها التحليل العلمي الصحيح في بحثه المستفيض، ويحدد لنا موقفه منها بوضوح، ~~كما اجتهد وتوصل في تحليله إلى «أن سخط الإنسان المصري على التجربة الاشتراكية كان واضحا ~~وجليا في استقبال نيكسون وأن ذلك كان استفتاء غير رسمي على التجربة الاشتراكية ~~المزعومة.» # هل صنع اليمين كل هذا # يقول الأستاذ الدكتور: «إن التجربة الناصرية لم تكن في حقيقتها يسارية بالمعنى ~~الصحيح، ولم يكن لها من مقومات الاشتراكية بالمقاييس العلمية الصحيحة إلا أقل ~~القليل.» # وإني أسأله: هل تنتمي إلى اليمين إذن إنجازات «التجربة الناصرية السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية والثقافية، والتي غيرت خريطة مصر كما لم تتغير في كل تاريخها، والتي ~~تجاهلها في بحثه بدعوى أن الجماهير ملت من كثرة تكرارها»؟ # ما هو تقييمه للتخلص ms083 من الوجود الاستعماري البريطاني الذي ظل جاثما على صدر الشعب ~~أكثر من سبعين عاما وتحرير الاقتصاد المصري من سيطرة الرأسمالية والاحتكارات العالمية، ~~المتمثلة في الشركات الأجنبية وأهمها شركة قناة السويس - وتصفية قواعد الإمبريالية ~~المتمثلة في البنوك وشركات التأمين الأجنبية - والقضاء على الإقطاع وتوزيع الأرض على ~~المعدمين - ووضع أساس بناء القاعدة الصناعية والعلمية للمجتمع لمواجهة متطلبات ~~المستقبل، وإعطاء دفعة قوية للتنظيمات النقابية والتعاونية وإقرار مجانية التعليم، ~~وإعطاء المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية وتدعيم أكبر مؤسسة دينية (الجامع الأزهر) ~~ليكون جامعة إسلامية تجمع بين علوم الدنيا والدين، ومنارة للمعرفة لكافة المسلمين في ~~مشارق الأرض ومغاربها - وغير ذلك من إجراءات استهدفت مصالح أوسع الجماهير ~~الشعبية. # إن الدكتور يتجاهل هذا كله، ويزعم «أن التجربة الاشتراكية الناصرية لم تضع الطبقات ~~الشعبية نصب عينيها دائما فيما كانت تتخذه من إجراءات.» وهو يعطي مثلا لذلك «رفع ~~أسعار السكر والكيروسين وهما مادتان أساسيتان للكادحين الفقراء.» # ونحن نذكر أنه تم رفع سعر هاتين المادتين عام 1968م حينما كانت مصر تواجه مرحلة من ~~مراحل نضالها ضد العدو المشترك (الصهيونية والإمبريالية) وهي مرحلة الصمود الاقتصادي ~~التي كان العدو يأمل أن تنهار فيها جبهتنا الداخلية وكان من الضروري اتخاذ بعض ~~الإجراءات الاقتصادية لتدعيم هذه الجبهة. ومع ذلك فإن الزيادة التي تمت لم تتجاوز بضعة ~~مليمات للكيلو الواحد، هذا علاوة على ما اتخذ من إجراءات أخرى كان لها أثر في تدعيم ~~جبهتنا الاقتصادية بحيث اعترف كثير من المراقبين بقوة الاقتصاد المصري عام 1969م رغم ~~الأعباء الكبيرة التي كان يتحملها، لقد كنت ~~أربأ بالدكتور فؤاد زكريا أن يستشهد بهذا المثل لمهاجمة التجربة الناصرية، ولكن إنما ~~الأعمال بالنيات! # ثم هل ينتمي إلى اليمين ما قامت به ثورة يوليو - كما يحلو للأستاذ الدكتور أن يقول - ~~من دور على النطاق القومي، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر في تدعيم الحق العربي، وتصفية ~~كثير من مواقع الاستعمار والإمبريالية في الوطن العربي، وإعلان الثورة الاجتماعية، ~~وتأكيد انتماء مصر إلى الأمة العربية؟ وهل ينتمي إلى اليمين أيضا الدور القيادي ~~لمجموعة دول ms084 عدم الانحياز، والمساهمة الفعالة في قيام منظمة الوحدة الإفريقية، وتدعيم ~~حركات التحرير الوطني في العالم الثالث والوقوف بجانب حركات الشعوب المناضلة من أجل ~~الحرية والاستقلال؟ # لقد امتنع الدكتور عن إبداء رأيه في كل ذلك، واكتفى بأن يقول: «إن للنظم التقدمية ~~مؤشرات معروفة تدل - دون حاجة إلى مجهود - على أنها حققت أهدافها أو سارت في طريقها ~~بجدية.» وأورد بعض الأمثلة لذلك، تبين قصورا في قطاعات الخدمات على وجه الخصوص، وإنني ~~أحيله إذا أراد أن يزيد معلوماته في هذا الشأن إلى البيانات التي تصدرها الإدارة العامة ~~للتعبئة والإحصاء وغيرها من تقارير الأمم المتحدة والوكالات الدولية للتطور الاقتصادي ~~والاجتماعي في مصر منذ عام 1952م حتى الآن، وأعتقد أن بها كثيرا من المعلومات المفيدة ~~في هذا المجال ... إذا كان مصمما على أنه المؤشر الوحيد لتقدمية الأنظمة أو ~~رجعيتها. # أما إذا كان المؤشر ظاهرة سطحية، كاستمرار استخدام الألقاب في المحادثات اليومية حتى ~~اليوم، فإنني أستأذن في أن أضع في مقابل هذه الظاهرة أشياء تحتاج إلى تفسير، مثل: ~~القوانين العمالية التي أصدرتها الثورة، تمثيل العمال في مجالس إدارات الشركات، ~~والمشاركة في الأرباح، ونظام الحوافز المادية والمعنوية، والدور الفعال للتنظيمات ~~النقابية على مستوى وحدات الإنتاج، وغير ذلك من إجراءات أعطت للعامل كفاية وإحساسا ~~بكرامته كعضو في المجتمع، وأنه لم يعد مجرد سلعة تباع وتشترى كما كان يحدث في الماضي، ~~وقد عبرت الطبقات البورجوازية في مناسبات مختلفة عن ضيقها الشديد بهذه ~~الإجراءات. # أدعياء البطولة # على أن ما ورد في بحث الدكتور زكريا هو ثورته العامة على اليسار المصري لاتخاذه موقف ~~التأييد والدفاع عن التجربة الناصرية أو ثورة يوليو سنة 1952م، وكأنه من المفروض بل من ~~الضروري أن يتخذ اليسار نفس الموقف الذي يتخذه اليمين حيال هذه الثورة، وأن يهيل عليها ~~التراب وأن يصب عليها أقذع أنواع السباب كما يفعل اليمين. # لمصلحة من يطلب الدكتور فؤاد زكريا ذلك؟ هل لمصلحة الشعب المصري بملايينه الكادحة من ~~عمال وفلاحين حطمت الثورة القيود التي كانت تمنع انطلاقهم سياسيا واجتماعيا؟ أم ~~لمصلحة أصدقاء ms085 صيدناوي وأفرينو - حسب تعبيره - الذين يطلب من اليسار أن ينافسهم في ~~مهاجمة الناصرية. # إن العجيب حقا هو أنه يتهم اليسار بقصر النظر لاتخاذه موقف الدفاع عن الثورة، وفي ~~نفس الوقت يقول: «إن دعوة اليمين الرجعي دعوة عدوانية ينبغي ~~التصدي لها بكل قوة» أي المنطقين نصدق؟ وإذا لم ~~يكن اليسار هو القوة المؤهلة لكي تتصدى لليمين الرجعي فما هي القوة التي يطلب منها ~~الدكتور زكريا القيام بهذا التصدي؟ # الأدهى من ذلك أننا نجده يثير اليسار بقوله: إن قرارات التأميم صدرت واليساريون في ~~السجن، وبعدها ظلوا في السجن أيضا. كأنما القضية المطروحة للمناقشة ~~قضية شخصية ... وليست قضية شعب، وقضية ملايين من هذه ~~الأمة يتطلعون إلى مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وقضية نظام يحقق لهم آمالهم في التحرر ~~عن عبودية واستغلال الماضي. # والأدهى أيضا هو القول بأن اليسار يدافع دفاعا مستميتا عن التجربة الناصرية؛ بسبب ~~تعيين أفراد منه في بعض المناصب الرفيعة. فنحن نعلم أن اليسار (سواء الذي كان في السلطة ~~أو خارجها) كان القوة الوحيدة التي تنقد وتنبه إلى الأخطاء والانحرافات، في حين أن ~~الذين يدعون البطولة اليوم كانوا أول من ارتكبوا الأخطاء والانحرافات، وكانوا يسبحون ~~ويوافقون على كل إجراء مهما كان. # ولقد كان اليسار وسيظل دائما الحارس الأمين على القيم والمبادئ، ولن يكون الحارس ~~الغافل بأي حال من الأحوال ولن يكون الذي تجهض الثورة مبادئه. # وقد كنا نود لو ألقى الدكتور فؤاد زكريا بعض الضوء على ما يعني بكلمة «اليسار» نفسها. ~~قضية أخرى كنت أود أن يلقي عليها الدكتور فؤاد زكريا بعض الضوء؛ هي هل الماركسيون أم ~~أن هناك آخرين يندرجون تحت هذا المفهوم؟ وإذا كان هناك يساريون فما هو موقفهم من ~~التجربة الناصرية؟ وما هو موقف الناصريين أنفسهم، وهم عناصر معروف أنها يسارية، كما أن ~~هناك عناصر اشتراكية لها مفهومها الخاص بالنسبة للتطبيق الاشتراكي. لماذا لم يحددها د. ~~فؤاد زكريا ويحدد مواقفها من التجربة الناصرية؛ حتى لا يتيح فرصة لتفتيت قوى اليسار، ~~وإغراء جزء منهم باتخاذ موقف معاد للتجربة، واتهام الذين يقاومون ms086 الفكر اليميني الرجعي ~~بالشيوعية والإلحاد، ثم التحريض على قتلهم وسحلهم كما نادت بذلك بعض أبواق الرجعية ~~والإمبريالية أخيرا، إن الأمانة العلمية كانت تقتضي من الأستاذ الدكتور أن يكون أكثر ~~وضوحا في هذه النقطة بالذات. # من هو الإنسان المصري # يقول الدكتور فؤاد زكريا: إن التجربة الناصرية خربت نفس الإنسان المصري وعقله. وأنا ~~أتفق معه في ذلك، ولكني اختلفت معه فيمن خربت نفوسهم وعقولهم؛ إنهم الطبقة الإقطاعية ~~التي اعتصرت دماء الفلاحين قرونا طويلة، والمستغلون الذين أثروا على حساب الكادحين من ~~العمال والشباب والمثقفين، والعملاء الذين تعاونوا مع أعداء الوطن وباعوا أنفسهم ~~للشيطان، وكانوا ينفثون سمومهم من محطات إذاعات الاستعمار السرية، والخونة الذين كانوا ~~أداة لكل عهد ومطية لكل مستعمر، وأهل الرأي الذين كانوا يرون أن النظام الملكي هو ~~أصلح نظام لحكم مصر، ومؤلفو الأغاني وقصص الجنس والدعارة الذين بارت تجارتهم ببزوغ ~~فجر جديد أصبح فيه النضال والكفاح قيمة إنسانية ومطلبا جماهيريا، لم تفسد التجربة ~~الناصرية نفس وعقل العمال والفلاحين الذين تحررت نفوسهم وعقولهم من عقدة الماضي ~~بأدرانه وأوساخه. ولا الجنود من جيل الثورة الذين حطموا أسطورة إسرائيل، ولا المثقفين ~~والمهنيين الذين عملوا في المصانع ووحدات الإنتاج، ليثبتوا أساس القاعدة الصناعية ~~والعلمية في المجتمع، ولا الشباب الذين فتحت أمامهم آفاق المستقبل وربطتهم بتاريخ ~~النضال الوطني. لم تفسد التجربة الناصرية نفوس وعقول الجماهير العربية الذين انطلقوا ~~يحررون أوطانهم من عهود القرون الوسطى وسيطرة الاستعمار والإمبريالية. # بل إن حركة تحرر الجماهير المصرية كانت لها انعكاساتها على حركات التحرر في العالم ~~الثالث في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكانت التجربة الناصرية من التجارب ~~الرائدة في العالم الثالث. لم ترتبط بشرق أو غرب، لكنها كانت تعبيرا عن الواقع الذي ~~تعيشه البلاد النامية التي رزحت طويلا تحت نير الاستعمار، وكان من أبرز مهامها القضاء ~~على التخلف المادي والتخلف الثقافي. وهي استمدت أصولها من تراث الشعب وتقاليده وواقعه ~~وتاريخه الحضاري، وكان كل فرد مصري أو عربي يفخر بأنه عربي ينتمي إلى «بلاد ناصر» وأصبح ~~للمصري والعربي شخصيته المميزة في ms087 أي بلد ينزل فيه. # ما لم يفعل الدكتور # لقد كنا نتوقع من الدكتور فؤاد زكريا - وهو أستاذ يفهم التاريخ - أن يفسر أخطاء ~~الثورة بعوامل من تاريخها وظروفها وظروف المنطقة التي نشبت فيها ... لا بعوامل من طبيعة ~~أشخاص هنا وهناك، وكنا نتوقع - ما دام يفهم ~~التاريخ - أن يرى المراحل التي مرت بها الثورة رؤية تاريخية، ويبين اتساقها من ~~مرحلة إلى أخرى: # من 1952م إلى 1956م هي مرحلة الصراع ضد الاستعمار وتثبيت الاستقلال ~~الوطني وإسقاط تحالف الاستعمار والإقطاع. # من 1957م إلى 1961م محاولة إقناع الرأسمالية المحلية بالمشاركة في عملية ~~التنمية وتحمل دورها الوطني ... وظهور وجه مصر العربي، وانعكاس ذلك على ~~الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. # من 1961م إلى 1967م مرحلة الثورة الاجتماعية، وصدور القوانين والإجراءات ~~الاشتراكية في قطاعات الإنتاج والخدمات. # المرحلة من 1967م حتى الآن: مرحلة العدوان الصهيوني الإمبريالي، الذي نشط ~~لهدم مواقع النضال ضد الإمبريالية في الوطن العربي، ومحاولة الحد من الدور ~~الثوري الذي تقوم به مصر على المستوى السياسي والاجتماعي. # ثم كنا نتوقع من الدكتور فؤاد زكريا، بعد أن يرى هذه المراحل، أن يتبين طبيعة ~~المرحلة القادمة الحاسمة في تاريخ أمتنا لعدة أجيال تالية، هي مرحلة ستقرر هل تكون ~~هناك ثورة أو لا ثورة، وهي تحتاج إلى تكاتف القوى الثورية المؤمنة بوطنها وقوميتها، ~~لمواجهة الهجوم الرجعي العاتي الذي يحاول طمس معالم الثورة، ولتثبيت الإنجازات ~~السياسية والاجتماعية التي حققها الشعب خلال صراعه المرير ضد قوى التخلف ~~والاستعمار. # لقد مر الشعب المصري بتجارب كثيرة من قبل، منها الثورة العرابية التي كانت نقطة ~~مضيئة في خضم ظلام دامس كان يلف شعبنا، قدم الشعب كل ما يملك، ولم يبخل عليها بعرقه ~~ودمائه ولكن حينما هزمت عسكريا بواسطة الاستعمار نتيجة خيانة طبقات معينة معروفة أخذ ~~البعض يهيل عليها التراب. بعضهم وصفها بأنها كانت «نقطة سوداء في تاريخ مصر» والبعض ~~أطلق عليها «هوجة عرابي» وكان ذلك إرضاء للسادة الجدد ولطمس معالم تاريخ النضال الشعبي ~~المصري، بل إن الحركة الوطنية المصرية بعد ذلك - والتي كانت لها ms088 انتماءات معينة - أخذت ~~تهون من هذه الثورة، ووصلت إلى حد المسخ والتشويه، وهو ما خلق جوا من عدم الثقة في ~~نضال الشعب غذي بأكاذيب لبست ثوب الحقائق. ومع ذلك ظلت الثورة العرابية علامة على ~~طريق نضال الشعب حتى تمكنت ثورة يوليو 1952م من طرد الاستعمار وشق طريق جديد أمام ~~الشعب للكفاح. # ولنا أن نتسأل الآن: هل ستنال ثورة يوليو 52 نفس ما نالته الثورة العرابية على أيدي ~~الرجعيين والعملاء؟ # أرجو أن ننتبه لذلك قبل فوات الأوان. # | الحساب الأخير لعبد الناصر والماركسيين # بقلم محمد عودة # لا نظن أن هناك يساريا يحمل مسئولية والتزام اليسار، أو يعد نفسه واحدا منه؛ يرى أن ~~هذا هو أنسب الأوقات وأفضلها لبحث قضايا وخلافات وصراعات سويت وانتهت من زمن طويل بين أهم ~~فرق اليسار وفصائله. # ولليسار مثله مثل كل العقائد والمذاهب خلافاته وصراعاته الداخلية، ولكن ما يجمعه - خاصة ~~في أوقات الشدة - أكثر بكثير مما يفرقه ... وليس هناك بين اليساريين أو بين الوطنيين ~~التقدميين من يمكن أن يرى أن هذا هو وقت مراجعة الحسابات وتصفيتها بين اليساريين والانتهاء ~~إلى إدانة كل اليسار وأهم أجنحته. # ذلك أن الاشتراكية وهي قضية ومبرر حياة اليسار جميعه، تتعرض لحملة ظالمة عاتية ... ~~يشنها اليمين وقوى الثورة المضادة ويريد تصفية القدر الذي تحقق منها، وإعادة البديل ~~الوحيد عنها ... وهو الرأسمالية. # وقد بدأت الحملة في البداية بإثارة عيوب التطبيق الاشتراكي، وأن الاشتراكية حقيقة وسليمة، ~~وأن كل العيب في التطبيق، ثم فصلت الأخطاء وكررت وضخمت حتى اختلط الأصل والفرع. # وتدرجت الحملة إلى أن العلة في جوهرها ليست في التطبيق، ولكن في الاشتراكية نفسها، في ~~الاختبار الذي تم، وأننا استوردناها، وفرضناها، وأقحمناها في غير أرضها وعلى غير شعبها، ومن ~~هنا كان الضرر، وكان محتوما أن تتعثر وأن تنحرف، وفي ظل الحرب الدائرة بين التقدم ~~والتخلف لا يغتفر لأحد يضم نفسه إلى قوى اليسار أن يقف ليفتعل خلافا، لا يفيد من إثارته ~~الآن سوى الطرف الآخر المتربص، والمتوحش. # وقد يكون ضروريا والتزاما على كل اليساريين الآن أن ms089 يأخذوا مواقعهم، وأن يصححوها، وأن ~~يمارسوا أكبر قدر من النقد الذاتي والنقد المتبادل، ولكن بما يعزز تكاملهم وتكافلهم، ومن ~~أجل البحث عن حماية أفضل واشتراكية أعمق، ومن أجل وضع استراتيجية صحيحة لواقع معقد ولمستقبل ~~لا بد من كسبه. # ولا يمكن أن يكون ضربا من الحكمة، أن يضع «فيلسوف» يساري كل مسوحه ثم يقف فوق منصة ~~ناظرا من أعلى؛ ليعلن بكل الثقة أنه لم تكن هناك اشتراكية ولا اشتراكيون، وأن الناصريين ~~لم يكونوا سوى فاشيين أهدروا روح الإنسان المصري. # ولا يمكن أن يكون حرصا على اليسار وحفاظا على «أصالته» ومستقبله؛ أن يقف الفيلسوف ~~ليقرر تقريرا قاطعا أن الجناح الآخر للاشتراكيين؛ وهم «الماركسيون» قد خانوا قضية ~~الثورة والاشتراكية وتخلوا عنها وأنهم باعوا أنفسهم رخيصة حينما وضعوا أيديهم في أيدي ~~الناصريين، وأنهم خدعوا أنفسهم قبل أن يخدعوا الناس حول الاشتراكية. # وهو يلقي هذه النتائج القاطعة والقاصمة في تجاهل تام لأوليات العلم بالسياسة وبالواقع ~~القومي ... ولبديهيات المواصفات والفروق بين المذاهب والنظم! # حملة «الوعظ» الجديدة # إن ظاهرة جديدة في مصر، هي انتحال مفكرين ليبراليين على أحسن الأحوال لصفة اليسارية ~~«المفرطة» وتقربهم لليسار الماركسي، وتبصيرهم له بأخطائه وخطاياه، وأولها وأخطرها ~~تحالفه مع الناصريين. # وتمتد الظاهرة إلى دوائر كثيرة يمينية وبيروقراطية، لا يفوق حقدها على الاشتراكية ~~«الناصرية» سوى حقدها على الشيوعية «الماركسية» ولكنها أقامت نفسها فجأة ناقدة وناصحة ~~للماركسيين تنبههم على أنهم ارتكبوا أشد الخطأ بالتحالف مع «العهد الناصري» ذات يوم، ~~ويرتكبون خطأ أكبر بالدفاع عنه اليوم ... وأن موقفهم الصحيح هو أن ينضموا إليهم في ~~الهجوم الذي يشنونه لتصفية كل آثار ذلك العهد من أجل الحرية والديموقراطية. # وقد يكون الدكتور زكريا نقيا كالبللور طاهرا كابتسامة الملاك، ولكنه شاء أم أبى ~~يقف مع هؤلاء ويقدم لهم أثمن خدمة ممكنة. # كيف؟ # دروس الآخرين # إن اليمين في مصر قوة مهلهلة معلقة بلا جذور ولا مستقبل وهي تعيش يوما بيوم في قلق ~~متصل، وهو قوة مفلسة فكريا وسياسيا، ليس لديها ما تقدمه أو ما تقنع أو تخدع به ~~أحدا، وقد تجاوزت ms090 المشاكل والقضايا كل الحلول إلى اليمين، وتجاوز الوعي العام كل ~~مقومات ودعاوى البورجوازيين والإقطاعيين؛ ولهذا يستورد اليمين المصري في هذه الأيام ~~الوسيلة التي أطال بها اليمين في الغرب حياته لبعض الوقت والتي لا يزال يعيش بها هناك ~~وهي التفرقة بين صفوف اليسار، والعمل على استغراقه واستهلاكه في صراعات داخلية تصرفه ~~وتشغله عن الخصم الحقيقي. # وحينما قامت الحركة الاشتراكية الدولية في القرن الماضي في مواجهة الرأسمالية؛ لتحرير ~~كل المستغلين سواء من عمال الغرب أو شعوب الشرق، سخرت الرأسمالية كل الجهود والوسائل ~~لتشتيت صفوفها، ولعبت دورا كبيرا في انشقاقها إلى اشتراكيين «ديموقراطيين» وطنيين ~~وإلى ماركسيين شيوعيين اتهموا بالأممية والدكتاتورية، وخيانة الاشتراكية ~~الحقيقية! # وضوعفت الجهود وبلغت ذروتها بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انتصار الاشتراكية ~~«الماركسية» في مجموعة كبرى من دول العالم، وبعد انتصار الثورة الوطنية في معظم ~~المستعمرات وتطلع شعوبها إلى ثورة اشتراكية جديدة. # ويحرص الغرب كل الحرص على تصدير هذه الاستراتيجية إلى بلاد العالم الثالث، حيث تبلغ ~~المشكلة الاجتماعية ذروتها، وحيث تتطلع الشعوب إلى الحل الثوري الاشتراكي. # ومن هنا تتعلم قوى الثورة المضادة في العالم الثالث اللعبة بحماس. # وحينما قهر اليساريون في فرنسا خلافاتهم الحقيقية والمصطنعة، وقام ائتلاف وتحالف بين ~~الاشتراكيين والشيوعيين واستطاعوا أن يكسبوا نصف فرنسا في الانتخابات، وكادوا أن يصلوا ~~إلى قمة السلطة، واعتبر هذا أخطر تحد واجهته البورجوازية الفرنسية، وتجمعت إزاءه كل ~~من البورجوازية الأطلنطية المؤمنة بالولايات المتحدة والحلف الغربي، والبورجوازية ~~الديجولية «الوطنية» المؤمنة بفرنسا وأوروبا. ذلك أن قيام فرنسا اشتراكية ديموقراطية في ~~ظل حلف يساري عام هي بداية ثورة فرنسية اشتراكية جديدة. تسري إلى أوروبا، كما حدث ~~في الثورة الفرنسية الأولى! # والآن، ماذا عن مصر؟ وهل يمكن أن تتكرر القصة؟ # التحالف ليس بدعة # إن معظم خلافات اليسار في مصر بيزنطية أكاديمية لا أساس لها، وغير ذات موضوع. # لقد وقف أنجلز يؤبن كارل ماركس على قبره يوم وفاته فقال: «إن أعظم اكتشاف اكتشفه ~~كارل ماركس هو أن الإنسان لا بد له أن يأكل ويشرب وينام تحت سقف؛ لكي يفكر ms091 ويتفلسف ~~ويتدين.» وهذا هو جوهر الاشتراكية الذي يتفق عليه الناصريون والماركسيون والمؤمنون ~~والماديون أو الذي يجب أن يتفقوا عليه في بلد 99٪ من أهله يحلمون بهذا فقط. # وأشد ما يثير جزع اليمين في مصر هو وحدة قوى اليسار حول هذه القضية، وأن تتمخض عن ~~مزيد من الأفكار والحلول لها. # ولا شيء يثير قلق وفزع اليمين مثل أن يتفق الناصريون بشعبيتهم، الناصريون فكر، ~~وتطبيقات الماركسية في إطارهم القومي، وأن ينضم الماركسيون وينصهروا في المجرى العام ~~للثورة المصرية وفي كل التراث المصري والعربي. # ولهذا يسعى اليمين المصري سعيا محموما للفرقة بينهما. # وبينما يلعنون الناصرية والناصريين على كل المنابر يستديرون ليطبعوا قبلة الموت على ~~وجنات الماركسية، وأملهم هو أن يتعارك الماركسيون معهم في تصفية الناصرية، ثم يستديروا ~~فيما بعد لتصفيتهم، أو لإبقائهم قوة سياسية نظرية معزولة في توازن تحكمه القوى ~~البورجوازية بإحكام! # على أن الخلاف والصراع بين الناصرية وبين الماركسية، الذي تريد قوى اليمين أن تشعله ~~مرة أخرى، لم يكن خرقا لقوانين التاريخ؛ لأن الصراع بين المذاهب والعقائد والأديان ~~وفيما بينها هو تاريخ الحياة الفكرية والروحية للإنسان، وإلى جوار الصراعات المفتعلة ~~هناك صراعات حقيقية تثور لوقت طويل أو قصير، وتنتهي في أحيان كثيرة إلى تفاعلات ~~ومصالحات تثري وتخصب التفكير والتطبيق. # ومهما يكن الصراع الذي ثار ذات يوم بين عبد الناصر والماركسيين، إلا أنه أقل حدة ~~وعنفا من الصراع داخل حزب شيوعي واحد أو حزب اشتراكي واحد. # وقد كان طبيعيا وحتميا مثل أي صراع بين ثوار يختلفون حول الطرق ويتفقون حول ~~الأهداف، أن ينتهي إلى تكامل وتعايش، وحينما حمل أحد أقطاب اليسار الماركسي إلى عبد ~~الناصر قرار الماركسيين بالاندماج في الثورة وحل الحزب الشيوعي المصري قال له عبد ~~الناصر على الفور: «الآن نستطيع أن نبني الحزب الثوري الذي يضمنا جميعا.» # والصراع بين قوى الثورة وفرقها المختلفة يحل عادة حلا متوقفا على ميزان القوى، ~~وعلى قدرة وعمق جذور كل فرقة من اليسار. وإذا كان الماركسيون المصريون قد انتهوا إلى ~~الاندماج الكامل في المجرى العام للثورة المصرية، ms092 فإن هذا لم يكن استسلاما، أو ~~استيعابا ولكن كان تقديرا صحيحا لموازين القوى ورؤية حكيمة لطريق المستقبل. # والماركسيون المصريون في صفوف الثورة لم يكونوا ذيلا، ولكن رافدا هاما أضاف إلى ~~قوتها وأصالتها، وأثر فيها بقدر ما تأثر بها، وسد ثغرة كانت قائمة في الوحدة الوطنية ~~والفكرية لمصر. # وليس هذا على الإطلاق بالشيء الجديد، وإنما سبقته في تاريخ الثورات سوابق. # وقد كان أول نموذج للتعاون بين الوطنيين وبين الماركسيين في الشرق هو ما تم في الصين ~~في بداية الثورة. # كانت الثورة الصينية يومئذ بقيادة الزعيم الوطني «الثوري» صن يات صن، وكان أول زعيم ~~آسيوي أدرك مغزى الثورة الاشتراكية في روسيا بالنسبة لثورة التحرر الوطني الآسيوية، ~~وقرر التحالف معها ضد الاستعمار الغربي الذي كان يستعبد الصين. # وقد كون «صن يات صن» حزب الكومنتانج الوطني، وقرر الشيوعيون الصينيون الذين تألف ~~حزبهم في العشرينيات؛ أن ينضموا إلى ذلك الحزب الوطني كأفراد وأعضاء عاديين، وبغير ~~عضوية مزدوجة؛ أي أن يتخلوا تماما عن عضوية الحزب الشيوعي. # وربما لو عاش «صن يات صن» وقتا أطول، ولم ينتكس تشيانج كاي شيك بقضية الثورة، لاستمر ~~هذا التحالف ولأخذت الصين طريقا آخر نحو نفس الأهداف! # والعلاقة بين الماركسيين وبين الوطنيين تختلف من بلد إلى آخر وفق الواقع والتراث ~~وعلاقات القوى، ولكن تحكمها كلها قوانين ومبادئ ماركسية عامة، تلزم الماركسيين بأن ~~يقفوا وقفة كاملة مع أية ثورة وطنية تقاوم الاستعمار، حتى لو كانت قيادتها ~~وبرامجها «بورجوازية». # وقد قال ستالين في دراسة مشهورة له عام 1920م «إن أمير أفغانستان الإقطاعي الذي يقاوم ~~البريطانيين قوة تقدمية ونؤيدها كماركسيين، والثورة المصرية التي تقودها البورجوازية ~~(ثورة 1919م) ثورة تقدمية نؤيدها كماركسيين، لكن حزب العمال البريطاني الذي يقمع ~~الحركات الوطنية في آسيا وأفريقيا قوة رجعية نقاومها مهما رفعت من لافتات عمالية ~~واشتراكية.» # وقد ينكر الدكتور فؤاد زكريا على عبد الناصر كل فضل أو مزية، ولكن الآسيويين ~~والأفريقيين قبل العرب والمصريين يمجدونه ويكرمونه كأحد أبطال العصر في الحرب ضد ~~الاستعمار. # وكان عليهم أن يتقبلوا قيادته ويسيروا خلفها ms093 خلال معاركه، ولم يكن ذلك تبعية أو ~~ذيلية ولكن ماركسية صحيحة! # ولهذا فإن من السذاجة وقصور المعرفة بالثورة وبالماركسية أن يقال إن تصالح الثورة ~~والماركسيين في مصر كان صفقة أو خدعة أملتها ظروف دولية. # ولنسأل أنفسنا، والدكتور زكريا: ما هو الموقف النموذجي الذي كان على الماركسيين أن ~~يأخذوه من زعيم مثل عبد الناصر كانت الغالبية العظمى من الجماهير المصرية والعربية ~~تؤيده كل التأييد، وكان الآسيويون والأفريقيون يرونه بطلا من أبطال التحرير في هذا ~~العصر. # هل يرى الدكتور فؤاد زكريا أنه كان على الماركسيين المصريين أن يعلنوا ~~المقاومة؟ # خليط من النقد # لقد كانت المبادئ الماركسية تقضي بأن ينتهي التحالف بين الماركسيين وبين الوطنيين ~~الثوريين «البورجوازيين» بعد أن يتحقق التحرير، حينما يتسلم الوطنيون السلطة ويقيمون ~~دولة برجوازية، وحينئذ تبدأ بالنسبة للماركسيين معركة الاشتراكية والتحرر الاجتماعي ، ~~ولكن عبد الناصر قدم نموذجا في الزعامة الوطنية الثورية أدى إلى تغير في الفكر ~~والاستراتيجية الماركسية في كل العالم الثالث فقد اختار الاشتراكية، وبعد التحرر الوطني ~~رفض الرأسمالية. # وكانت ظاهرة جديدة استغرقت الكثير من البحث والجدل في الحركة الشيوعية العالمية ~~والمعسكر الاشتراكي، وانتهت إلى الخط السياسي الجديد الذي كان عبد الناصر بدايته. وهو ~~يقضي بأنه إذا ما اختار القيادات الوطنية الثورية في البلاد المتحررة التطور نحو ~~الاشتراكية فإن على الماركسيين أن يكملوا المسيرة والتحالف معها وتحت قيادتها، نحو بناء ~~المجتمع الاشتراكي الجديد، ويكون هذا التحالف وفق ظروف وموازين القوى في كل بلد. # وقد كان واجبا على الدكتور قبل أن يدين الماركسيين أن يصحح معرفته بالماركسية بعض ~~الشيء، وأن يبحث بإنصاف هل كانت الناصرية فاشية سحقت مصر والمصريين، أم اشتراكية حررت ~~جماهير مصر المسحوقة؟ # كشف حساب عبد الناصر # يقاس نقد الثورة - إذا كان علميا وموضوعيا ونزيها - بإنجاز واحد: هو ما حققته ~~للقضية المصرية. هي قضية واضحة راسخة محورها وجوهرها تحرير مصر، وهذا هو الحلم التاريخي ~~لكل المصريين، والذي ثار وانتفض وناضل وجاهد لأجله الملايين، والذي سجن وعذب ونفي ~~واستشهد في سبيله عشرات الألوف منهم جيلا بعد جيل، أن ms094 تسترد مصر استقلالها وسيادتها ~~كاملة، وتأمن ألا يسلبها أحد ثانية. # ولا ينكر أحد - ولا نظن الدكتور ينكر - أن عبد الناصر قد حقق المهمة، وكانت أول مهمة ~~للثورة كان القائد الذي يدرك أبعاد العصر بقدر ما يدرك عناصر قضية مصر، وكان القيادة ~~الجديدة التي تحتاجها البلاد بعدما تهاوت وفشلت كل القيادات السابقة وتجاوزتها ~~الأحداث. # وقد أدركت الثورة أن مصر المستقلة التي تصر على استقلالها وسيادتها كاملة، والتي ترفض ~~أي مساس بهما وأي تبعية للشرق أو الغرب، لا تستطيع أن تعيش وحدها، ولا تستطيع أن تأمن ~~على استقلالها وسط القوى العظمى والأعظم ووسط صراعات وتيارات العصر المتلاطمة، إذا عاشت ~~جزيرة معزولة وسط محيط يلتف حولها من المستعمرات والمحميات ومناطق النفوذ، وإنه لا بد ~~أن يكون هناك مجال حرية حيوي لأبعد مدى يحيط بها، ويؤمن استقلالها . # وكان الالتحام بحركة التحرر الوطني العربية وثورة العرب هو أول الخطوات. # ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بل وفي اليوم التالي لنهايتها مباشرة، انفجرت ~~الانتفاضات والثورات العربية وتتابعت من المغرب والمشرق، من الجزائر إلى سوريا ولبنان ~~والعراق، وتداعت الفواصل والموانع التي أقيمت لعزل العرب عن بعضهم البعض، واندلعت ~~شرارات ونذر الوحدة القومية بين شعوب أمة واحدة عربية، تختلف كل الاختلاف عن الوحدة ~~«الرسمية» التي قامت بقيام الجامعة العربية. # وكانت كل الثورات والانتفاضات تبحث كل منها عن الأخرى، وترى فيها امتدادا وسندا ~~متبادلا، وكانت كلها تبحث عن محور أساسي تلتف حوله، وطليعة وقيادة تاريخية تتقدمها، ~~وهنا قدمت ثورة 23 يوليو كل ما كان مفتقدا. # ومنذ نهاية الحرب انتفضت شعوب آسيا وملايينها ضد الاستعمار والإمبراطوريات الأوروبية ~~القديمة، والتي اكتسحها اليابانيون خلال الحرب، ولكن عادوا بعد استسلام اليابان يريدون ~~استئناف استعمارها كأن شيئا لم يحدث، وتتالت الثورات عنيفة عارمة ضد البريطانيين ~~والفرنسيين والهولنديين وامتدت الثورة الآسيوية إلى أفريقيا وإلى أمريكا اللاتينية، وهي ~~القارات الثلاث التي وقعت عليها كل وطأة الاستعمار واستنزافه ... والتي قام بها «عالم ~~ثالث» بين العالم الغربي الاستعماري والعالم الشرقي الاشتراكي. # وبدأت الدول المتحررة والثائرة تبحث عن تكافل جماعي ms095 فيما بينها، يواجه الكتلتين ~~ويحمي استقلال من استقلوا، ويقف مع كفاح من لا زالوا يحاربون من أجل حريتهم؛ فالحرية ~~واحدة لا تتجزأ، والاستعمار في أي مكان تهديد للاستقلال في كل مكان. # وهكذا قامت مجموعة باندونج وجبهة الحياد وعدم الانحياز، وكانت مصر أحد أعمدتها ~~الرئيسية، والجسر المتين الذي يربط الآسيويين بالعرب وبالأفريقيين، والقيادة الفتية ~~المتحدية في المنطقة الحاسمة. # وبعد قيام مجموعة باندونج ووضوح أهدافها، وتأكيد قوتها وقدرتها غيرت الكتلة الشرقية ~~الاشتراكية موقفها، ولم يعد هناك اختياران فقط أمام الدول التي تحررت، اعترفت الكتلة ~~الاشتراكية بدولتيها الرئيسيتين (الصين والاتحاد السوفيتي) بالطريق الثالث، وبحق كل ~~دولة لا تنحاز لأي من الكتلتين وبأن هذا هو تأكيد للاستقلال وحق تقرير المصير، ومساهمة ~~وضمانة لتحقيق السلام، بينما أصرت الكتلة الغربية على رفضها للحياد وعدم الانحياز، ~~واعتباره قصور نظر بل سياسة «لا أخلاقية». # وكان دور مصر في تغيير نظرة وسياسة الكتلة الاشتراكية رئيسيا وحاسما، فإن صدق ~~الثورة، وقيادتها أقنع الاشتراكيين أن عدم الانحياز ليس انتهازية وليس مناورة «ركوب ~~سرجين أو اللعب بحبلين»، ولكنه تشبث بالاستقلال، وتمسك بالإرادة، ولكل بلد وشعب طريقه ~~وإبداعه الخاص. # وبعد اعتراف الكتلة الاشتراكية بالحياد وعدم الانحياز أصبح التناقض بينها وبين العالم ~~الثالث ثانويا، واختلافا على التفاصيل والطرق المؤدية إلى نفس الأهداف؛ ولهذا توثقت ~~العلاقة بين المعسكر الاشتراكي وبين هذه الدول، واستطاعت أن تكسر الحصار التكنولوجي ~~والاستراتيجي الذي فرضه الغرب على العالم الثالث حتى لا يتصنع أو يتسلح. # وأقامت مصر وثورتها أوثق علاقة بهذا المعسكر؛ وذلك لشدة وطأة التحديات ولعمق وصدق ~~التحولات والتغيرات التي أرادتها الثورة، واستطاعت مصر بالسند العربي والسند الآسيوي ~~الأفريقي، والسند السوفيتي أن تبني مكانتها الدولية وأن تحقق الأهداف الرئيسية ~~للثورة. # لكن الرجعية نددت ويشتد كل يوم هذا التنديد، بسياسة الثورة الخارجية في تلك الفترة ~~«الناصرية» فهي ترى - كما يرى الدكتور فؤاد زكريا - أنها كانت توسعا ومغامرة تفوق كل ~~طاقات مصر وإمكانياتها. # إن السياسة الخارجية «الناصرية» لم تكن قط مغامرة أو توسعا، ولكن تحقيقا للذاتية ~~والوجود المصري على خريطة العالم بعد ms096 غياب طويل، ومصر ليست مجرد حقيقة جغرافية كما كان ~~يقول البريطانيون، ولكنها شعب وحضارة ودولة ذات دور وتاريخ لا مناص أن تقوم به في العصر ~~الحديث، بعد استعادة استقلالها وشخصيتها، تماما كما قامت به في العصر القديم وعلى مدى ~~التاريخ. # والعالم المعاصر متشابك متكامل وليست هناك قضية أو مشكلة منفصلة عن باقي القضايا ... ~~ولا تستطيع دولة ولا يستطيع شعب يريد أن يثبت جدارته وأن يؤكد ذاتيته أن يدير ظهره ~~لصراعات ومتغيرات العالم ويتصور بهذا أنه يحتمي منها، ولا بد للبلد الذي ينشد حماية ~~حقيقية لسيادته أن يواجه العصر وأن يحدد مبادئه، كما يحدد مواقفه ومصالحه، وبذلك ~~لا يتجاوزه التاريخ أو يجرفه. # وقد أصبحت مصر «الناصرية» بسياستها الخارجية وبدورها العربي، ودورها الآسيوي ~~الأفريقي، وعلاقاتها ومحالفاتها مع قوى الثورة والوطنية والاشتراكية في العالم، قوة لا ~~يملك أحد أن يتجاهلها ولا أن يمس حرماتها. # وإذا كانت قد حدثت أخطاء في السياسة الخارجية العربية أو الدولية، فإنها لم تقض ~~علينا ولم تكسرنا، ولكنها عركتنا. # وقد كانت مصر المستقلة تخرج إلى العالم وتمارس السياسة العربية والدولية لأول مرة، ~~وفي عالم معقد غير متكافئ وكان نجاحها باهرا، لا يقاس في شيء بالأخطاء التكتيكية التي ~~حدثت. # قام عبد الناصر بثورة وطنية هدفها الأول هو الاستقلال، وكان يكفيه دورا وفخرا أنه ~~حققه. # ولكنه أدرك منذ اللحظة الأولى أن القضية الوطنية لا تنفصل عن قضية أخرى لا تقل أهمية ~~وهي القضية الاجتماعية، وأنهما وجهان لقضية واحدة، وأن تحرير مصر من الاستعمار لا بد أن ~~يعني تحررها من جوهر الاستعمار وأساسه وهو الاستغلال. # والاستعمار لا يسود الأرض ولكن يستغل ويستنزف الشعب، والحرية لهذا لا تعني فقط ~~استعادة السيادة، ولكن بناء مجتمع جديد يسترد فيه كل مصري وقعت عليه الوطأة الاستعمارية ~~حقوقه كاملة. # وقد تدرجت القضية الاجتماعية من تصفية الإقطاع ورأس المال الكبير والاحتكاريين حتى ~~تمصير الاقتصاد ورفع كل سيطرة لرأس المال الأجنبي، حتى التأميم وإعلان الاشتراكية ذلك ~~أن تمصير الاقتصاد لا يعني تحريره؛ لأن طبقة جديدة مستغلة سوف تقوم مكان ms097 الأجنبي. إنما ~~يجب أن تنتقل الثروة إلى مالكها الشرعي؛ وهو الشعب. # ومنذ إعلان الاشتراكية أصبح تحقيقها هو جوهر كل السياسات الداخلية والخارجية، ولا ~~تقاس مشاق التحرر الوطني في شيء بمصاعب التحمل الاجتماعي، خاصة في مجتمع مثل المجتمع ~~المصري؛ يزخر بالتناقضات ويحمل رواسب استعمارية إقطاعية رأسمالية عمرها آلاف ومئات ~~الأعوام! # كشف حساب الأخطاء # إن العقبات والصدمات محتومة دائما في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة في ظل واقع ~~شديد التعقيد، وأول من يجب أن يميزها ويراها على حقيقتها هو الفيلسوف المفكر ~~«اليساري». # ولكن الدكتور فؤاد زكريا ينفي ذلك تماما، ويؤكد أنه لم تقم أي اشتراكية، وأن ما تم ~~لم يكن غير فاشية أهدرت مصر والمصريين، وكان خليقا بالماركسيين وهم الاشتراكيون ~~الحقيقيون أن يكشفوها ويفضحوها، لا أن يباركوها ويذوبوا في تيارها بكل المآسي والفواجع ~~التي حدثت. # ولم يحجم الدكتور - خلال تجريده للاشتراكية الناصرية من كل صفة أو مزية - عن الواقع ~~في سلسلة من المتناقضات تبلغ حد العبث. # فهو يقر مثلا أننا كنا نعيش قبل الثورة في ظل «إقطاع من القرون الوسطى ورأسمالية ~~من القرن التاسع عشر» ويقر أن الثورة قد أخرجتنا وخلصتنا منهما، وأن هناك «من يريد أن ~~يعيد عقارب الساعة إلى الوراء»، أي بعد أن دفعتها الثورة إلى الأمام، ولا شك أن الخروج ~~من مقبرة القرون الوسطى وفظاعة القرن التاسع عشر كان يكفي الثورة فخرا، ولكن الدكتور ~~يعود ليكرر ويؤكد أن الثورة سحقت المصريين، ولم تفعل سوى أن أضافت شريحة إلى ~~المستغلين والمستبدين! # ولكي يدلل الدكتور على صحة دعواه فهو يقول إننا حتى الآن لا زلنا نستعمل الألقاب ... ~~ولو كانت الثورة اشتراكية حقا، لكانت قد استطاعت أن تمحو الألقاب محوا من ذاكرة ~~الشعب وحياته اليومية ... وهو دليل فريد بالطبع. # فالدكتور لا شك عاش ولا زال يذكر العصر الذي كان المجتمع فيه ملكيا، وكان على قمته ~~ملك يلقب بحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله، ثم يليه أمراء يلقب بعضهم بحضرة ~~صاحب السمو الملكي ويلقب الآخرون بصاحب السمو الملكي فقط، ثم يتلوهم نبلاء ms098 يلقب بعضهم ~~بحضرة صاحب المجد النبيل، ويلقب بعضهم بالنبيل فقط بلا مجد! # ثم يأتي بعدهم باشوات بعضهم لا بد أن يلقب بحضرة صاحب المقام الرفيع، وبعضهم حضرة ~~صاحب السعادة، وبعضهم صاحب السعادة فقط، وآخرون بحكم مناصبهم صاحب المعالي ... وتنتهي ~~الألقاب بالبكوات وبعضهم من الدرجة الأولى، ويلقب بحضرة صاحب العزة، والآخرون درجة ~~ثانية (صاحب العزة فقط) ثم محيط واسع تحت كل ~~هؤلاء من الأفندية، ويذكر الدكتور أيضا ~~أنه كان هناك مجتمع آخر من الأجانب بألقابهم الخاصة، وتتراوح بين اللورد والسير ~~والكونت والبارون وأحيانا ممن يجمع بين السؤدد والمجد وبين كلا النوعين، وبغير ألقاب، ~~أو بألقاب منتحلة ومصطنعة، كانت هناك فئات فوق فئات وطبقات فوق طبقات، ومن الأعيان ~~والمشايخ أصحاب الوجاهة والفضيلة والحسب والنسب، ثم جيش من النفاية الأوروبية وجيش آخر ~~من النفاية العثمانية، لا هم مصريون ولا عرب ولا خوجات، ويتعالون على القاع الذي يرسف ~~فيه الملايين من المصريين المسحوقين والمجردين من كل شيء. # فإذا لم يبق من هذا المجتمع بعد عشرين عاما من الثورة سوى لقب «بك» يستعمل مجاملة ~~ويموت تدريجيا، أو بعض مخلفات ترى في ألقابها كل حياتها، فهل هذه هي الخطيئة الكبرى ~~التي يستدل منها على فشل الاشتراكية في مصر؟ # إن العادات والعبودية تموت موتا بطيئا، أشد بطئا مما يقدر ~~الثوار ... وذلك كما لا بد وقد درس الدكتور في ~~علم الاجتماع! # على أن الدكتور لا يكتفي بهذا، إنما يقدم دليلا قاطعا آخر على فشل الاشتراكية: ~~وهو الاستقبال الذي لقيه نيكسون في مصر. # وهنا يخرج الدكتور بنتيجة واضحة ومبتكرة، وهي أن استقبال نيكسون كان استفتاء شعبيا ~~على رفض الشعب للاشتراكية والثورة «الناصرية» عامة. # ولا ينتهي الدكتور إلى الوجه الآخر للنتيجة، وهو أنه إذا كان الشعب قد صوت باستقبال ~~نيكسون ضد الاشتراكية فلا بد أن يكون قد أعلن ثقته وإيمانه بالرأسمالية والإمبريالية ~~الأمريكية. # وحينئذ لا بد أن نعيد النظر في كل تاريخنا الحديث، القريب والبعيد، ويصبح لا معنى ~~لأن نترك قواتنا المسلحة في مواجهة مع هذه الإمبريالية في رمال الصحراء، ms099 ويصبح علينا أن ~~نبحث عن حقيقة الشعب «الآخر» الذي عاش في معركة متصلة مستميتة طوال عشرين عاما - ~~ومنذ الثورة حتى الآن - ضد هذه الإمبريالية والرأسمالية! # إن من المؤسف حقا أن أول من قام بهذه الدعوى، وسبق الدكتور فؤاد زكريا إليها، كاتب ~~مبتذل من كتاب إحدى المجلات الأسبوعية، وقف على أبواب كل الحكام، وأثبت ومجد كل شيء ~~قالوه ... وقد نقله عنه وتبعه رتل من الكتاب الساقطين، وجعلوا منه حجة ثابتة في صحبة ~~اليمين. # وإذا كان الدكتور الفيلسوف قد ارتضى أن ينقل هذه الفرية ويرفعها إلى مصاف الحجج ~~الفكرية على فساد الاشتراكية وفشلها، فإننا نسأله: وفق أي منهج وأي منطق؟ ولا بد أن ~~يقدم لنا الدكتور بجرأته وموضوعيته تحليلا كاملا لظاهرة استقبال نيكسون، وكيف تنتهي ~~إلى هذه النتيجة! # على أن الأجدى من هذا أن نعود إلى موضوعنا. # إن عبد الناصر لم يقل ولا أحد من الناصريين الماركسيين أن الناصرية قد أقامت المجتمع ~~الاشتراكي النموذجي في مصر وقدمت الحلول المثالية لكل المشاكل، أو حققت كل الآمال ~~التي عقدت عليها، ولكن ما يؤيدونه ويؤكدونه هو أن الاشتراكية هي الطريق الصحيح ~~والوحيد، وأن الاشتراكية طريق عسير وكفاح متصل من أجل تعميق الفكر وتصحيح التطبيق ~~المستمر. # وما أيده الناصريون والماركسيون وكل الوطنيين المستفيدين، ولا بد أن يؤيدوه ~~دائما، هو أن الثورة حينما كان عليها أن تختار اختارت الاشتراكية، وأعلنت في ميثاق ~~وطني عام بينها وبين الشعب أن الاشتراكية التي تختارها هي الاشتراكية العلمية، لا ~~اشتراكية شكلية أو مجرد واجهة وشعارات، وإنما اشتراكية تؤمم المواقع الرئيسية ~~للثروة، وتعترف بالصراع الطبقي، وتبدع طريقا خلاقا وسليما لمواجهته. # وقد قامت الاشتراكية المصرية في مجتمع معقد، هو أقدم المجتمعات الطبقية في التاريخ، ~~وكياناته وعلاقاته ورواسبه الطبقية قديمة قدم الصراع الإنساني كله. # وقامت الاشتراكية المصرية في قلب منطقة تستميت الرأسمالية العالية لكي تبقى في فلكها، ~~من أجل البترول والاستراتيجية الكونية، وتفعل أي شيء في سبيل ألا تقوم أو تنجح ~~اشتراكية فيها. وخاصة في أهم دولها. # وقد كانت حرب 67، ذروة محاولات الرأسمالية العالمية ms100 لضرب الاشتراكية في مصر، وقد يكون ~~تكرارا مملا أن نعدد ما حققته الاشتراكية: مساحة الأرض التي وزعت والأرض التي ~~استصلحت، وما غيرته في حياة الريف وحياة الفلاح، أو عدد المصانع التي أقيمت وما فعلته ~~في حياة العمال، أو عدد المدارس والمعاهد والكليات وما أثرت به في حياة مصر الثقافية، ~~أو عدد القوات المسلحة التي تكونت وما منحته من ثقة وأمن ... هذه إحصاءات يعرفها ~~الجميع، ولا بد كان الدكتور أول من يجب أن يراجعها قبل أن يعلن بيانه ~~وتقييمه. # لن نكرر إحصاءات معروفة، ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر على الثورة أنها ألقت بذور ~~الاشتراكية في مصر، بطول مصر وعرضها، في القرية والمدينة والصحراء، وأعلنت حتمية الطريق ~~الاشتراكي وقدرة الاشتراكية على حل المشاكل وأن لا حل سواها، وتركت لهذه البذور أن ~~تنمو في أخصب وأصلح تربة للاشتراكية. # ولا أحد ينكر أن الاشتراكية قد دكت المجتمع القديم الظالم من أسسه، وبددت ~~الخرافة التي كانت تجعل منه المجتمع الوحيد والأبدي والأزلي، وأكدت في نفوس الملايين أن ~~المجتمع الظالم ليس هو طبيعة الأشياء، وأن من الممكن استبداله بمجتمع كفاية ~~وعدل. # لقد قدمت هذه الاشتراكية «الأمل» حتى إنها لم تكن قد قدمت الفائدة الملموسة ~~كاملة. وعمر الاشتراكية في مصر - على أي حال - لا يزيد عن 14 عاما منذ إعلان القوانين ~~الاشتراكية، وربما كان عمرها الصحيح ست سنوات حتى حرب 67 التي كانت أقسى امتحان لها، ~~والتي وضعت مصر أمام تحد قلب كل الخطط والمشاريع. # ومن حق الدكتور أن ينكر أنه كانت هناك اشتراكية، أو أنها حققت شيئا، ولكن أفضل ~~الاقتصاديين في مصر - وطنيين أو اشتراكيين أو ماركسيين - يعترفون بأن القطاع العام ~~الذي أقامته الاشتراكية هو الذي مكن مصر من الصمود اقتصاديا خلال المحنة ~~الكبيرة. # ويعترف أفضل الاقتصاديين من كل الاتجاهات «الوطنية» أن ما حققته مصر من تنمية في ظل ~~الاشتراكية هو أضخم تنمية حققتها في تاريخها الحديث كله، أي منذ تفتحت على الحضارة ~~المعاصرة أيام محمد علي. # وإذا كان الدكتور زكريا يمجد العبور، ويرى فيه ms101 بعث الإنسان المصري الذي سحقته ~~«التجربة الناصرية» فإن العسكريين الذين قادوا هذا العبور والذين يعرفون أسراره بأفضل ~~مما يعرف، أعلنوا أنه لولا القطاع العام الذي أقامته الاشتراكية لما أمكن العبور ~~والانتصار! # ولا شك أن الدكتور فؤاد زكريا لم يزر قط قرية من قرى الإصلاح الزراعي، ولم يشهد ذات ~~يوم اجتماعا في قصر الأمير كمال حسين في نجع حمادي، بين الفلاحين الذين وزعت عليهم ~~أرضه، وبين أعضاء مجلس الشعب ورجال الإصلاح الزراعي، وهو ما لم يحلم به فلاح في يوم من ~~الأيام. # ولا شك أن الدكتور لم يزر قط مجمع الألمونيوم في نجع حمادي أيضا؛ ليرى كيف ينتقل ~~مجتمع من الإقطاع أو ما قبله إلى عصر الصناعة الاشتراكية رأسا، وبالطبع لم يزر السد ~~العالي أو مصنع السكر في إدفو؛ أشد مناطق مصر فقرا فيما مضى. # ولا شك أن الدكتور لم يقرأ ما ينشره طلبته وطلبة الجامعة التي يقوم بالتدريس فيها ~~على جدران كلياتهم، وهم الجيل الذي أنجبته الثورة، والذي يتدفق حيوية وحرارة ~~وإيجابية حتى في سخطه ورفضه وتمرده، إنه بالتأكيد لم تسحقه الثورة كما يؤكد! وحينما ~~كان الدكتور طالبا في الجامعة كانت هناك جامعتان في القاهرة والإسكندرية أما الآن ~~فتنتشر الجامعات والكليات في أرجاء مصر؛ في أسوان وأسيوط والمنيا، وفي طنطا والمنصورة ~~والزقازيق ... والنظام الذي يسحق الشعب ويضع هذا من أهدافه لا يفتح هذا العدد من المدارس ~~والجامعات. # وقد كان واجبا علميا على الدكتور قبل أن يلقي بآرائه القاطعة الجازمة؛ أن يطوف ~~المواقع وأن يرى الحياة على الطبيعة، وأن يمسح التحولات بدقة، وأن يراجع الأرقام ~~والإحصاءات. # وإلا فما هي المراجع التي استنبط منها أن كل ما فعلته الثورة هو إضافة 4,5٪ إلى ~~الطبقات القديمة، وكيف سمح له ضميره العلمي أن يلقي بهذه الحقيقة متحديا عدد العمال ~~وعدد الفلاحين وعدد الطلبة وكل التحولات التي حدثت في المجتمع؟ # حكاية الطبقة الجديدة # إن الاتهام الوحيد الذي توجهه الطبقات المخلوعة ضد الاشتراكية في كل مكان هو هذا ~~الاتهام؛ أنها خلعت الطبقات القديمة لتحل محلها طبقة ms102 جديدة، أو أنها أضافت شرائح ~~أخرى إليها من الثوار الذين تحولوا إلى بورجوازيين. # وقد وجه نفس الاتهام إلى كل الثورات الاشتراكية في المعسكر الاشتراكي أو في العالم ~~الثالث، بلا استثناء. # إن الطبقة الجديدة حقيقة، ولعنة، وهي تصاحب الاشتراكية دائما، وفي مراحل منها، وهي ~~مشكلة واجهت الاتحاد السوفيتي والصين ويوغوسلافيا، كما تواجه كوبا أو مصر أو غينيا، ~~فاستيلاء الثوار على السلطة يغري بعضهم بسوء استغلالها ... وتعمل الطبقات القديمة بكل ما ~~تستطيع على اجتذاب وإفساد أكبر قدر من الثوار لتثبيت دعائمها ولتمد في أجلها. # ولكن الطبقة الجديدة، ليست «طبقة» بل هي مجرد فئات أو شرائح صغيرة، وهي تنتهي دائما ~~باستمرار الثورة؛ لأن الاشتراكية تنجب دائما القوى التي تصحح أخطاءها وعثراتها. ~~والثورة الدائمة هي المصل المضاد للطبقة الجديدة أو الوسيلة لحصارها وتصفيتها. ~~والاشتراكية لا تتحقق سهلة يسيرة ... دائما هي صراع جدلي يستمر طويلا بين المجتمع ~~القديم والجديد. # وربما يستطيع الدكتور أن يعدد مائة عيب وعيبا للاشتراكية، ويوافقه الجميع عليها ~~ولكنها تبقى جميعا تفاصيل، المهم هو أن الإقطاع قد ضرب، وأن مصر الصناعية قامت، وأن ~~التعليم صار حقا، وحقيقة، وأن جيلا جديدا قد نشأ قادرا على مواصلة الطريق، وتحقيق ~~ما لم يتحقق من الحلم العريض. # وحكاية الديموقراطية # لأنه لم تكن هناك اشتراكية، فلم تكن هناك ديموقراطية والعكس أيضا! # هكذا لخص الدكتور فؤاد زكريا «التجربة الناصرية» ... كل شيء كان زائفا كاذبا. # وقضية الديموقراطية هي أهم قضايا العصر، ولكنها أيضا ذريعة، وباسمها ترتكب الجرائم ~~والخطايا. # فالديموقراطية مثلا هي الشعار الذي ترفعه الرأسمالية والإمبريالية الجديدة في حربها ~~ضد الثورة الوطنية والاجتماعية في العالم الثالث، وضد الاشتراكية في المعسكر الاشتراكي، ~~فهي تزعم أن معركة العصر هي معركة بين الديموقراطية وبين الشمولية، وليست بين ~~الرأسمالية الاستعمارية وبين الحرية والاشتراكية. # والديموقراطية التي تعترف بها وتتخذها نموذجا يحتذى للعالم الثالث هي ديموقراطية ~~فورموزا، في ظل المرحوم تشيانج كاي شيك، أو ديموقراطية فيتنام الجنوبية في ظل «ثيو» أو ~~ديموقراطية كوريا الجنوبية، وأخيرا وليس آخرا ديموقراطية إسرائيل! # ولكن النظم الأخرى - عبد الناصر في ms103 مصر أو سيكو توري في غينيا أو سوكارنو في ~~إندونيسيا - هي نظم ديكتاتورية شمولية شيوعية ... لا بد من مقاومتها لأجل ~~الديموقراطية. # إن الديموقراطية في البلاد التي عانت الاستعمار والاستغلال الأجنبي لا بد أن تبدأ ~~أولا بالديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية وتصفية العهد القديم بكل كياناته ~~وعلاقاته. # لا يمكن أن تقوم ديموقراطية في ظل الأمية أو المجاعة أو المرض أو البطالة ... وأغلبية ~~سحقها الاستبداد والاستغلال. # ولم يكن هدم المجتمع القديم ليتم بالحوار والإقناع، بل كان لا بد من العنف والقهر ~~لطبقات قهرت وأذلت الشعب طويلا. # وكان لا مناص - لسوء الحظ - أن يمتد القهر ويتجاوز حدودا في التطبيق، ولكن مهما ~~كانت الأخطاء التي حدثت فإنها لا تبرر اتخاذ اليمين لها ذريعة للتنديد ~~بالثورة. # إن تجاوز «الشرعية» حدث في كل الثورات بلا استثناء، في الشرق والغرب، والثورة ليست ~~حفلة وإنما صراع قوي هائل. # ثم إن اليمين لا حق له في الحديث عن القهر والتعذيب فقد حكم مصر طويلا، وتمخض حكمه ~~عن 99٪ من الشعب في أدنى درجات الإنسانية، وليس هناك قهر أو تعذيب أشد من هذا. # إن تجاوزات القانون والشرعية تعني البحث عن أفضل شكل لديموقراطية اشتراكية، ولا تعني ~~قط إعادة الديموقراطية «الرأسمالية»، وما حدث كان «حالات» واستثناءات ومن الافتراء ~~الاستناد إليها للقول بأن الناصرية قد سحقت الشعب المصري! # وأخيرا لا نظن أننا في حاجة إلى أن نذكر الدكتور الفيلسوف بعشرات من صفحاته التي ~~كتبها أيام عبد الناصر، وهو رئيس لتحرير مجلة الفكر المعاصر، فقد نشرت روز اليوسف ~~بعضها، ويستطيع أن يعود إليها. # أحب أن أضيف فقط، قوله في إحدى هذه الصفحات: # ولا نظن أن الوقيعة بين اليساريين، أو وصم «التجربة الناصرية» اليوم؛ هي أفضل مواجهة ~~لذلك الارتداد. # أطال الله في عمرنا، حتى نقرأ ما سيكتب الدكتور - إن شاء الله - عام 1995م. # | فؤاد زكريا يستأنف النزاع # بينما تستعد روز اليوسف لقفل باب المناقشة بين الدكتور فؤاد ومعارضيه حول موضوع «جمال عبد ~~الناصر واليسار»، أبى الدكتور إلا أن يفتح الباب من جديد! # صمم على أن يكتب مقالا ms104 يرد به على الكتاب السبعة الذين ردوا عليه: فتحي خليل - أبو سيف ~~يوسف - نجيب محفوظ - أحمد طه - فيليب جلاب - أديب ديمتري - محمد عودة. # هذا هو المقال، وبعده نستأنف الحوار بتعليقات القراء وردودهم على د. فؤاد. # لسنا بصدد محاكمة عبد الناصر! # لم تكن الانتقادات العديدة التي ظهرت في «روز اليوسف» (وفي غيرها)؛ ردا على دراستي ~~عن اليسار والتجربة الناصرية مفاجأة لي، فأنا لم أكن أتوقع من اليسار، وبخاصة فئاته ~~التي خاطبتها مقالاتي، أن يقف مكتوف الأيدي، أو أن يشكرني على ما كتبت، ويعدني - في ~~هدوء ووداعة - بأن يستمع إلى نصائحي؛ ذلك لأن الأمر كان متعلقا بالمسار الذي قطعه ~~اليسار، وخطة العمل التي اختارها لنفسه منذ فترة طويلة وليس لأحد أن يتوقع تراجع ~~اليسار بسهولة عن مساره بعد كل هذه السنوات، وحتى لو كان اليسار قد سكت لما سررت لهذا ~~السكوت؛ لأن معناه هو ألا تثار معركة فكرية في موضوع نحن أحوج ما نكون إلى إثارته، ~~وإلى معرفة مختلف وجهات النظر التي تقال فيه. # ومن ثم فقد كنت سعيدا بالحوار الذي دار، وبالأفكار التي طرحت، ولست أشك لحظة واحدة ~~في أن المواطن المصري الذي تابع هذا الحوار قد خرج منه وقد ازدادت نظرته إلى الموضوع ~~تعمقا، وتكشفت له أبعاد جديدة ربما لم تكن قد طافت بذهنه من قبل. # ولعل من المفيد أن أوجه نظر القارئ في هذا الصدد إلى أمرين: # أولهما: # أن الردود المنشورة كانت في معظمها مخالفة لآرائي، وقد يعطي هذا ~~انطباعا بأن رد الفعل على هذه المقالات كان في أغلب الأحيان سلبيا، ~~ولكن الواقع أن المؤيدين لا يتجشمون في العادة عناء الإمساك بالقلم ~~وكتابة مقال تأييد، بل يكتفون بالتأييد الشفوي أو الصامت، أما المعارض ~~فهو الذي تعطيه معارضته قوة دافعة تحفزه إلى الكتابة، وبقدر ما ~~أستطيع أحكم في نطاقي المحدود فإن اتجاه الردود لا يعبر عن موقف ~~عام إزاء هذه الدراسة، وإن كان يعبر بلا شك عن تيار قوي لم يكن ~~أحد يتوقع منه إلا أن يعارض. # أما الأمر الثاني: ms105 # فهو أن بعض أصحاب الردود قد تصور أن المسألة معركة بين خصوم، ~~واستخدم في بعض الأحيان لهجة معادية، كانت تشتد بقدر اقتراب صاحبها ~~من الفئة التي انتقدت موقفها في مقالاتي، ولست أنكر أن هناك ردودا ~~أخرى اتسمت بالتعقل والهدوء والمناقشة الموضوعية، وأخص منها بالذكر ~~رد الأستاذين أحمد طه وأديب ديمتري، ولكن ظهر في بعض الردود الأخرى قدر ~~من العصبية، بل من التشنج، وهو أمر لم يكن له داع، ولا أرى له مبررا ~~سوى أن مقالاتي قد مست وترا حساسا. # مع سبعة ردود # وسوف أبدأ هذه المرحلة الثالثة من الحوار بملاحظات سريعة عن بعض المقالات التي ~~انتقدتني، على أن أرجئ مناقشة المسائل العامة التي أثيرت في هذه المقالات إلى الجزء ~~الثاني من هذه المناقشة. # لعل أهم النقاط التي تركز عليها رد الأستاذ فتحي خليل، هي تأكيده وجود ما أسماه ~~«بالعلاقة العضوية» بين اليسار وبين ثورة 23 يوليو حتى قبل قيامها، وقد أتى للتدليل على ~~ذلك ببعض الشواهد التي هي بالفعل صحيحة من حيث هي تعبير عن حقيقة جزئية، ولكنها ليست ~~صحيحة إذا وضعت في الإطار العام للأحداث. # فمن المؤكد أن بعض الضباط الأحرار كان على اتصال بتنظيمات يسارية، ولكن من المؤكد ~~أيضا أن بعضهم الآخر كان على اتصال بتنظيمات أخرى، بعضها ديني كالإخوان المسلمين، ~~وبعضها حزبي كالحزب الوطني ومصر الفتاة، والقاسم المشترك بين كل هذه التنظيمات التي ~~اتصل بها الضباط الأحرار قبل الثورة هو أنها كانت تنظيمات رافضة، ولذلك بحث الضباط ~~الأحرار عن طريقهم بينها؛ لأنهم كانوا بدورهم رافضين، ولكن بهذا المنطق الذي اعتمد عليه ~~فتحي خليل يستطيع الإخوان المسلمون أو غيرهم أن يؤكدوا وجود «علاقة عضوية» بينهم وبين ~~ثورة 23 يوليو. # ومن جهة أخرى فقد رد الأخ فتحي خليل على نفسه ردا قاطعا حين أكد أن هذه العلاقة ~~العضوية بين الثورة واليسار قد غابت، لا عن اليسار نفسه «في فترات تقصر أو تطول» وبناء ~~على ذلك اعترف فتحي خليل، نصا، بأن سلبيات ثورة 23 يوليو، والتطرف العدائي لليسار، ~~والتصرفات الرجعية ms106 والانحرافات والاستغلال، كل هذه قد دخلت - على حد تعبيره - من باب ~~«غياب حقيقة العلاقة العضوية والفكرية والكفاحية عن واحد من الطرفين أو عنهما ~~معا.» # الآن، أود أن أتساءل بإخلاص: ما قيمة هذه «العلاقة العضوية» المزعومة إذا كانت قد ~~غابت عن طرفيها معا «لفترات تقصر أو تطول»؟ إن كل علاقة - بقدر ما أعلم - تتوقف على ~~الطرفين اللذين يدخلان فيها، ولا يعود لها وجود أو معنى إذا غابت عن الطرفين معا، ~~وأقصى ما يئول إليه أمرها عندئذ هو أن تصبح كعلاقة الزواج بين زوجين منفصلين روحيا ~~وجسديا! # أما الأستاذ فيليب جلاب فقد غضب لتفسير خروج اليساريين من المعتقلات في عام 1964م ~~بأنه مجاملة للاتحاد السوفيتي مؤكدا أنه لا بد أن يكون راجعا إلى تطور السياسة ~~الداخلية إلى حد لم يعد يوجد معه مبرر لهذا الاعتقال، وأنا أعلم جيدا أن كل من كان في ~~المعتقل يغضب لهذا التفسير. # لكن لنناقش الأمر بهدوء: إن التطور الحاسم في السياسة الداخلية قد حدث منذ عام 1961م، ~~فإذا كان هذا التطور هو السبب، فلم كان الانتظار ثلاث سنوات شبه كاملة؟ ولماذا «تصادف» ~~حدوث الإفراج قبل زيارة خروشوف مباشرة، وهي الزيارة التي حدثت كتتويج للمساعدة ~~السوفيتية في بناء السد العالي، والتي تعد أول زيارة في عهد الثورة يقوم بها زعيم ~~الاتحاد السوفيتي! # لقد كان من بديهيات السياسة في تلك الفترة مجاملة كل دولة من الدولتين الكبريين، ~~بإبراز شخصيات مصرية وضعت عليها بطاقة اليسار، أو شخصيات أخرى وضعت عليها بطاقة اليمين، ~~وقد تكون البطاقة مزيفة أحيانا، ولكن المهم أن أصحاب هذه البطاقة أو تلك كانوا يصعدون ~~أو يهبطون تبعا لرغبتنا في مجاملة هذه الدولة أو تلك، وإظهار غضبنا من الأخرى. # ولنتأمل واقعة أخرى، ربما كانت أكثر دلالة، وهذه الواقعة لا أسوقها لفيليب جلاب فقط، ~~بل أهديها أيضا للأستاذ محمد عودة؛ تعليقا على الرواية التي نقلها عن رغبة عبد الناصر ~~في بناء حزب ثوري يضم الماركسيين والناصريين بعد حل الحزب الشيوعي المصري. فبعد ~~القرارات «الاشتراكية» بسنتين كاملتين، وقع انقلاب علي ms107 صالح السعدي في العراق وذبح من ~~اليساريين - حتى المعتدلين منهم - عشرات الألوف في ليلة واحدة، وفي هذه الليلة كان ~~الإعلام المصري - وعلى رأسه جريدة «الأهرام» نفسها، بكل ما كان يربطها من علاقات خاصة ~~بقمة السلطة - أشبه بغرفة عمليات تتابع تطورات عملية ذبح اليساريين ساعة بساعة، وتصفق ~~لها مهللة، فهل يمكن أن يصدر تصرف كهذا عن جهاز اقترب من اليسار، ولو إلى ربع الطريق؟ ~~وهل يظل من الممكن بعد ذلك أن تفسر الإفراج عن اليساريين بأنه نتيجة طبيعية لتقارب ~~التجربة الناصرية معهم؟ # هذه كلها حقائق لم أخترعها، وإذا كانت تؤدي في النهاية إلى تفسير لا يتفق تماما مع ~~تضحيات من دخلوا المعتقلات فإني آسف لذلك أسفا حقيقيا، ولكني لا أستطيع أن أشتري لهم ~~الراحة النفسية على حساب الحقيقة التاريخية. # وقد تصور الأستاذ جلاب أنه اهتدى إلى تناقض صارخ وقعت فيه حين قلت في ملاحظة عابرة ~~وضعتها بين قوسين إنني كنت أفضل لو لم يختتم الأستاذ مكرم عبيد جهاده بتأليف الكتاب ~~الأسود، وأبدى تعجبه من استنكاري للتنديد بسلبيات الوفد، على حين أنني ركزت على ~~سلبيات التجربة الناصرية، وأي قراءة متمهلة لهذا الجزء من مقالي تبين أن القضية التي ~~دافعت عنها عندئذ هي أن الانحرافات والاستثناءات التي عددها مكرم عبيد أقل عددا، ~~وأضيق نطاقا، إلى حد لا يقارن بنظيرتها في التجربة الناصرية، فهل يحق لشخص درس قواعد ~~المنطق - كما فعل الأستاذ جلاب - أن يرى في هذا تناقضا؟ # وأخيرا، فقد استخدم الأستاذ جلاب بعض العبارات البلاغية التي لا تصمد أمام أي تفكير ~~نقدي، حين تساءل: إذا كانت التجربة الناصرية قد خربت نفس الإنسان المصري فكيف حقق ~~الإنسان العبور في 6 أكتوبر؟ إنك تعلم ولا شك، يا أخ فيليب، أن هناك من يقولون إن ~~الإنسان المخرب داخليا، هو الذي هزم في 5 يونيو، وأنه لم ينتصر في أكتوبر إلا لأن ~~التخريب بدأ يزول عن نفسه. وقد لا يكون هذا التعليل بدوره صحيحا كل الصحة، وقد يكون ~~الانتصار راجعا إلى أسباب أعمق من هذا بكثير، ولكن ms108 المهم أن من السهل الرد على كلامك ~~بأن «الإنسان» في الحالة الأولى لم يكن هو «الإنسان» في الحالة الثانية. # أما مقال أو حوار الأستاذ نجيب محفوظ فقط أثار عنوانه دهشتي؛ إذ كان العنوان هو «نجيب ~~محفوظ يرد على فؤاد زكريا»، على حين أن أي قارئ يدرك فورا أن العنوان المطابق لكلامه ~~هو «نجيب محفوظ» يتفق مع فؤاد زكريا. # لأنه كان بالفعل متفقا معي في الجزء الأكبر مما قال، وعلى أية حال فالذنب في هذا ذنب ~~«كاتب العناوين» في روز اليوسف أما نقطة الخلاف الوحيدة بينه وبيني، فكانت ما يسمى ~~ب «رشوة الشيوعيين في العهد الناصري» وهو موضوع سأناقشه فيما بعد بالتفصيل. # على أن أغرب الردود جميعها كان رد الأستاذ أبو سيف يوسف. ونظرا إلى أن هذا الرد ~~ينتمي كله تقريبا إلى باب المناقشات التفصيلية ولا يكاد يتضمن مبادئ عامة، فسوف ~~أناقشه الآن بشيء من التفصيل ، حتى أعود إليه فيما بعد. # أراد الأستاذ أبو سيف يوسف، الذي اتسمت بعض أجزاء مقاله بعدوانية شديدة لا أدري لها ~~سببا، أن يواجه مقالاتي الأخيرة بكتابات سابقة لي؛ لكي يجعل «فؤاد زكريا يرد على ~~نفسه»، ولا شك أنه بذل جهدا خارقا في قراءة كل ما كتبت في مجلة «الفكر المعاصر» وهو ~~أكثر بكثير من أربعين مقالا ودراسة؛ لكي يجد فيها ما يتناقض مع موقفي الأخير، ومن ~~المؤكد أنه ظل طوال قراءته يشعر بخيبة أمل شديدة؛ لأن مواقفي كانت دائما متسقة مع ~~نفسها، بدليل أنه لم يتوصل في النهاية إلا إلى تقديم مقالين فقط، وعلى هذين المقالين ~~بنى كل آماله في كشف تناقضي المزعوم. # والشيء المؤلم حقا أن هذين المقالين كانا قد ظهرا بعد موت جمال عبد الناصر مباشرة، ~~فهما مقالان كتبا في فترة الرثاء والتأبين، فهل يصح أن يحاسب أحد على ما يقوله في ~~كلمة تأبين؟ ألا يتبع الجميع في مثل هذه الظروف قاعدة «اذكروا محاسن موتاكم»؟ وهل من ~~الأمانة العلمية، بل والأخلاقية، أن تختار هذه المناسبة بالذات؟ وهل يمكن أن يكتب تاريخ ~~أية تجربة ms109 في الحكم، أو يحكم على أي زعيم، من خلال كلمات الرثاء التي تقال بعد الوفاة ~~مباشرة؟ ألا تذكر كلمات الرثاء الرائعة التي قالها عن ستالين في عام 1952م نفس أولئك ~~الذين أدانوه في عام 1956م؟ # هذا من حيث المبدأ العام، ولكنني مع هذا كله أستطيع أن أقول بثقة واطمئنان إنني، ~~حتى في هذه الحالة، لم أبتذل فكري، ولم أخالف ما أومن به، رغم أن أحدا لا يملك أن ~~يلومني في تلك الظروف لو كنت قد فعلت. # فقد استشهد الأستاذ أبو سيف بمقالين؛ أحدهما ظهر في عدد أكتوبر 1970م بعنوان «الكل في ~~واحد»، والثاني ظهر في الشهر التالي بعنوان: «كلمة عن المستقبل». ولنترك المقال الأول ~~مؤقتا ونتحدث عن المقال الثاني. # ففي هذا المقال، وبرغم كل الظروف التي أحاطت به، قلت (وأنا أكتفي هنا بالعبارات التي ~~استشهد بها الأستاذ أبو سيف نفسه) أنه رغم كل محاولات تشويه الاشتراكية، فإن الجميع ~~أصبحوا ينادون ولو بأطراف اللسان عند البعض، بالشعارات الاشتراكية، وعبارة «ولو بأطراف ~~اللسان» تعبر بوضوح عن تحفظ شديد، وفيها معنى لا يمكن أن يخفى عن القارئ الذكي، ~~فضلا عن أن استخدام تعبير «الشعارات الاشتراكية» يتمشى تماما مع ما أقوله الآن، في ~~عام 1975م من أننا لم نشهد من الاشتراكية في التجربة الناصرية إلا شعاراتها. # وفي موضع آخر قلت: «أما اليوم فإن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية هي السياسة ~~الرسمية للدولة.» وعبارة السياسة الرسمية تتضمن تفرقة بين ما يعلن على المستوى الرسمي ~~وما يتم على مستوى التطبيق الفعلي، فأنا لم أقل إن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ~~تحققتا بالفعل، بل قلت إنها أصبحت سياسة رسمية، ومعلنة، وهذا في ذاته يعد تقدما ~~بالقياس إلى ما سبق، ولكن المشكلة الكبرى، والمعضلة التي لم تحلها التجربة الناصرية، هي ~~كيف تتحول السياسة المعلنة رسميا إلى واقع فعلي. # وأعجب ما في الأمر أن الأستاذ أبو سيف يتصور أنني في عام 1970م فقط حذرت من الارتداد ~~عن الأسس والمبادئ الأولى للطريق الاشتراكي، على حين أنني خرجت عن هذا الخط بمهاجمتي ~~للتجربة الناصرية في ms110 عام 1975م مع أن كل ما قلته في دراستي الأخيرة لم يصدر - كما قلت ~~في الدراسة نفسها مرارا - إلا بدافع الحرص على المبادئ الاشتراكية الصحيحة، واعتقادا ~~بأن هذه المبادئ لم تكن هي التي تطبق. # إن الأمثلة كثيرة، ويكفيني أن أقول - دون إطالة - إن كل الاقتباسات التي استشهد بها ~~الأستاذ أبو سيف يمكن أن تفسر لصالح وجهة نظري الأخيرة، وخاصة إذا ما فهمت في ضوء ~~الظرف غير العادي الذي كتبت فيه، وإذا أدركنا أن مضي خمس سنوات، بعد عام 1970م، لا بد ~~أن يفتح أمام الذهن آفاقا جديدة، ويلقي على التجربة السابقة مزيدا من الضوء، ومن ~~المؤكد أن الأستاذ أبو سيف قد اعترف ضمنا، دون أن يدري، بما أطلق عليه بسخرية تعبير ~~«مناقب الدكتور فؤاد زكريا» بدليل أنه لم يجد شيئا يستشهد به في كل ما كتبت على مدى ~~أعوام طويلة سوى مقال كان لا بد في اللحظة التي كتبته فيها، أن تكون لهجته مخففة، لا ~~خوفا من شيء بل احتراما لجلال الموت. # وما دام الأستاذ أبو سيف قد فتح الحديث عن «مناقبي»، فلا بد أنه قرأ في عدد أكتوبر ~~1970م من مجلة «الفكر المعاصر»، (وهو العدد الذي أشار إليه في نقده مرارا) مقالا آخر ~~لي، كتب قبل وفاة جمال عبد الناصر (التي حدثت في آخر لحظة حيث كان العدد كله معدا ~~للنشر، مما حتم تغيير الغلاف وإضافة مقال «الكل في واحد» في اللحظة الأخيرة). فقد كان ~~طبيعيا ألا يشير إلى هذا المقال بكلمة واحدة؛ لأنه يتضمن تكذيبا قاطعا لما يدعيه ~~عني من «تناقض». # في هذا المقال تحدثت عن بعض سلبيات «اشتراكية العالم الثالث» (ولم يكن القارئ عندئذ ~~يجد أية صعوبة في فهم نوع الاشتراكية التي أعنيها)، فاعتبرت سكوتها عن التفكير الغيبي ~~أو تعايشها معه انتهازية أو نفاقا رخيصا من جانب السلطة الحاكمة، فضلا عن أنه يساعد ~~على إبقاء الجماهير في حالة تخلف معنوي لا يرجى معها أي نهوض حقيقي للمجتمع، وفي مثل ~~هذا الجو العقلي المتناقض يستحيل أن تحقق الاشتراكية ms111 إمكانياتها وتقدم إلى المجتمع ~~أفضل ما لديها، بل إن مثل هذه الاشتراكية لا بد أن تكون «جوفاء مبتورة»، ولقد كان من ~~الممكن أن تخف أضرار التفكير الغيبي لو كانت تلك الاشتراكية تقدم للناس «مكاسب واضحة»، ~~أما إذا كانت الاشتراكية مترددة خائرة، وإذا كانت مكاسبها أمرا مشكوكا فيه على ~~الدوام، فعندئذ تستطيع الخرافة أن تطل برأسها في شماتة ثم تحدثت عن عيب آخر لهذا النوع ~~من الاشتراكية هو أنها مفروضة من أعلى، وليست نابعة عن ثورة شعبية بالمعنى الصحيح، وقلت ~~بالحرف الواحد إننا نجد في هذه الاشتراكية أن «الانحراف في الطبقات الحاكمة أمر مألوف؛ ~~حيث يبدو إغراء السلطة، والافتقار إلى التقاليد الثورية الأصلية عاملا مشجعا على ~~تكوين طبقة جديدة ربما استخدمت الاشتراكية ذاتها أداة لدعم مركزها وصرف أنظار الجماهير ~~عن انحرافاتها.» # هكذا كنت أكتب أثناء حياة جمال عبد الناصر، فكيف كان نقادي يكتبون؟ وهل يعاب علي أن ~~أكتب في العدد التالي مباشرة، وهو المخصص لرثاء جمال عبد الناصر، مقالا أخف لهجة من ~~ذلك الذي كان مفروضا أن يظهر وهو حي؟ # ولأنتقل الآن إلى المقال الآخر الذي استشهد به الأستاذ أبو سيف كدليل على تناقضي، ~~وعنوانه «الكل في واحد» فقد استنتج بذكاء شديد أنني لا بد أن أكون كاتبه، إذ قال: ~~«ونفهم من أسلوبه أيضا أن كاتبه هو د. زكريا نفسه.» ثم أخذ يقتبس جملة بعد جملة وهو ~~يردد: «ويقول د. زكريا»، ولكن ما رأي الأستاذ أبو سيف في أن كل من قرأ لي شيئا يعرف ~~أن أسلوبي التقريري المباشر لا يتسم - للأسف - بشيء من شاعرية أسلوب الدكتور ~~مكاوي؟ # إنك تعلم أنني كيف أستطيع أن أصنع من هذه السقطة «فضيحة»، وكنت أستطيع أن أكتب في ~~السخرية من استنتاجك ومما بنيته عليه من نتائج، صفحتين على الأقل، تعادلان الصفحتين ~~اللتين شغلتهما من روز اليوسف في هذا الموضوع، ولكني سأكتفي بتقرير الحقيقة وأسكت؛ ~~مراعاة مني لآداب المناقشة، وتمسكا بفضيلة «العفو عند المقدرة». # على أني لا أود أن أترك هذا الموضوع دون أن أوجه عتابا ms112 آخر، أشد في هذه المرة، ~~لكاتب العناوين في روز اليوسف، فقد وضع على صدر مقالة الأستاذ أبو سيف، وبالخط العريض، ~~ثلاث عبارات ذكر أنني قلتها في سنة 1970م، وأنها تناقض ما أقوله الآن في سنة 1975م، ومن ~~بين هذه العبارات الثلاث عبارتان لم أكن أنا قائلهما على الإطلاق، الأولى جاءت في كلمة ~~الدكتور عبد الغفار مكاوي، وهي «عبد الناصر ترك لنا إرادة الصمود والإصرار على ~~الانتصار»، والثانية مأخوذة من كلام الأستاذ أبو سيف نفسه، وتعبر عن رأيه الخاص، وهي ~~«إنجازات يوليو ديموقراطية أساسا وبعضها كبير جذري» أما العبارة الثالثة والخاصة ~~بالشعارات الاشتراكية، فهي وحدها التي قلتها، وقد شرحت دلالتها من قبل. # وإذا كان الخطأ الذي وقع فيه كاتب العناوين في العبارة الأولى غير مقصود؛ لأنه ساير ~~الأستاذ أبو سيف في اعتقاده أن ما كتبه الدكتور مكاوي منسوب إلي، فإن الخطأ في العبارة ~~الثانية لا بد أن يكون مقصودا، ومن واجب كاتب العناوين أن يعتذر، إن لم يكن لي، فعلى ~~الأقل لقرائه الذين ضللهم. # وأخيرا، فإن الأستاذ محمد عودة قد كتب في نقدي مقالا طويلا بدا لي في معظمه أشبه ~~بمنشورات الدعاية التي كانت توزعها هيئات الإعلام الرسمية في عهد التجربة الناصرية، وقد ~~لفت نظري في هذا المقال أنه سار إلى أبعد مدى في ممارسة أسلوب، هو في نظري، أقرب إلى ~~الإرهاب الفكري، حين خوفني من نقد التجربة الناصرية لأن اليمين يكرر نفس الانتقادات ~~... # هذا الأسلوب يذكرني بما تلجأ إليه الدعاية الصهيونية حين تخيف كل من ينتقد تصرفات ~~إسرائيل، بأنه يردد ما كان يقوله هتلر عن اليهود، وهو أسلوب نجح فعلا في تخويف نقاد ~~إسرائيل في العالم الغربي حتى اليوم، أما العرب فيردون على هذا الإرهاب بقولهم إن صدور ~~نقد لليهود من طاغية مثل هتلر لا يعني سكوت العالم عن انتقاد إسرائيل، ما دام سجلها ~~حافلا بالجرائم. # لذلك أود أن أقول بهدوء تام للأستاذ عودة، ولكل من استخدم ضدي هذا الأسلوب، إن مثل ~~هذا الإرهاب الفكري لا يخيفني، وإنني لن أرغم ms113 نفسي على السكوت عن باطل لمجرد أن اليمين ~~يردده لأغراض أخرى مضادة تماما لأغراضي، وإنني كنت أنبه إلى هذا الباطل قبل أن ~~تهبط على اليمين، في أيامنا هذه، الشجاعة المفاجئة التي جعلته يتشدق به، وإن المنطق ~~السليم يفرق تماما بين النقد، من حيث مضمونه الفعلي، وبين المصدر الذي يأتي منه هذا ~~النقد. # على أن الأستاذ عودة لا يقف عند هذا ~~الحد، بل يكاد يجعلني جزءا من مؤامرة يمينية هدفها التنكيل باليسار، ويؤكد أن الوقت ~~الذي اخترته لكتابة مقالاتي يخدم في النهاية أهداف اليمين، ولو كان قد فهم مقالاتي ~~جيدا، لأدرك أنه لا شيء يضر بقضية اليمين، في هذه الأيام بالذات، أكثر من أن ينتزع ~~منه ذلك السلاح الذي أعترف آسفا بأن اليمين قد استخدمه ببراعة، وهو استغلال أوجاع ~~الشعب المترتبة على التجربة السابقة من أجل كسب أرض جديدة لنفسه، وليس هناك وقت أنسب من ~~الوقت الحالي لتنبيه اليسار إلى هذه الحقيقة قبل فوات الأوان، وإن كنت أعترف بأن الردود ~~التي قرأتها تجعلني أميل إلى التشاؤم من قدرة اليسار على الخروج عن جموده ~~القديم. # وقرب نهاية مقال الأستاذ عودة، يلمح تلميحا غريبا إلى أن انتقادي للتجربة الناصرية ~~يستهدف إعادة الديموقراطية الرأسمالية، وهو اتهام لا يليق توجيهه لأستاذ كتب ضد ~~الرأسمالية بصراحة في كتاب رسمي ظل مقررا على طلبة الجامعات المصرية كلها، في المادة ~~القومية لمدة سنوات عديدة (وهو كتاب «الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية») ~~وأسهم بذلك في فضح الرأسمالية أمام عقول الشباب المصري الجامعي بأكثر ما أسهم به نقادي ~~مجتمعين. # لقد ساير الأستاذ محمد عودة زميله أبو سيف يوسف في الكلام عن التناقض المزعوم بين ما ~~كتبته في عام 1970م وما كتبته في 1975م، وأخذ أقواله، بكل ما فيها من أخطاء، دون أي ~~تحقيق أو تدقيق، بل إنه أضاف إلى ذلك جملة أخيرة اختلقها اختلاقا، ولم أجد في كل ما ~~كتبت عن هذا الموضوع. فأرجو إذا كان صادقا، أن يحدد لي المقال والصفحة اللذين ظهرت ~~فيهما تلك الجملة المنسوبة إلي، ms114 كما أرجو أن يطمئن إلى أنه لو طال العمر به وبي حتى عام ~~1995م فلن يجد تغييرا في مواقفي الأساسية، وكل أملي هو أن يتمكن من أن يقول عن نفسه ~~شيئا مماثلا. # مشكلات أثارها الحوار # ولا أود أن أكتفي، في مناقشة الردود التي وجهت إلى مقالاتي، بالملاحظات التفصيلية ~~التي طرحتها بل إن من المفيد لصالح هذا الحوار بأكمله، أن أناقش الاتجاهات العامة التي ~~كشفت عنها ردود النقاد، والمشكلات التي أثيرت فيها. # ومن الممكن تصنيف هذه المشكلات إلى فئات ثلاث: الأولى تتعلق بنطاق دراستي السابقة ~~والهدف منها، والثانية بالمنهج الذي اتبعته فيها، والثالثة بمضمون هذه الدراسة. # الثورة ... غير التجربة # ولأبدأ أولا بنطاق الدراسة وهدفها، فقد تصور بعض النقاد أن دراستي منصبة على تقييم ~~حكم عبد الناصر، أو أنني أقوم بمحاكمته، وعلى الرغم من أن جزءا كبيرا من دراستي هو ~~بالفعل تقييم، فإن هذا التقييم لم يكن مقصودا لذاته، بل إن الهدف الحقيقي هو القيام ~~ببحث نقدي للعلاقة بين اليسار والتجربة الناصرية، وقد قمت بهذا البحث، لا من أجل ~~تقديم سرد تاريخي مفصل لهذه العلاقة، بل بهدف تقديم رأي مخلص إلى اليسار، أبين فيه أن ~~النكسة التي تعانيها الاشتراكية في الوقت الراهن لا ترجع إلى ضراوة هجمات اليمين ورغبته ~~في استعادة نفوذه فحسب، بل ترجع أيضا إلى أخطاء سابقة لليسار، هذا هو الهدف الأصلي، ~~وكل ما عدا ذلك وسيلة لتحقيق هذه الغاية. # وقد استخدمت تعبير التجربة الناصرية لأن هدفي لم يكن الحديث عن عبد الناصر شخصيا، ~~وإنما عن تجربة كاملة، أسهم فيها عبد الناصر نفسه، وأسهم فيها جهاز كامل أحاط نفسه به، ~~وصحيح أن بعض أقطاب هذا الجهاز كانوا يتغيرون من آن لآخر - وهو ما أصبح يعرف باسم ~~تغيير مراكز القوى، التي شهدنا منها حتى عام 1970م «أجيالا» ثلاثة على الأقل - ولكن ~~المهم أن السمات المميزة للتجربة ككل كانت هي موضوع اهتمامنا، أيا كان الدور الذي ~~أسهم به عبد الناصر شخصيا أو أسهم به المحيطون به. # وبهذا المعنى يكون هناك فارق واضح ms115 بين ~~تعبيري «التجربة الناصرية» و«ثورة 23 يوليو» فالتجربة الناصرية كان لها نطاق محدد، ~~بدأ منذ أحداث ربيع سنة 1954م، وانتهى في 9 يونيو 1967م؛ لأن السنوات الثلاث التي أعقبت ~~ذلك لم تكن سوى رد فعل على هزيمة يونيو، ولم تكن حرية الحركة أو المبادرة مكفولة فيها ~~للتجربة الناصرية، ومن هنا فإن التجربة الناصرية أضيق في نطاقها الزمني من ثورة 23 ~~يوليو، ومن جهة أخرى فإن ثورة 23 يوليو ما زالت قابلة لمزيد من التطورات في الحاضر ~~وفي المستقبل، وهي تطورات قد تختلف في قليل أو كثير عما كان موجودا في فترة التجربة ~~الناصرية؛ ولذلك كله لا يكون هناك معنى لاتهامي بأنني تجنبت ذكر ثورة 23 يوليو بالاسم، ~~أو بأنني كنت أهدف إلى «إهالة التراب على ثورة 23 يوليو». # ستالين مرة أخرى # وقد أثارت المناقشة مشكلات طريفة وهامة تتعلق بالمنهج الذي اتبعته في دراستي، وكان ~~أهم الاعتراضات التي وجهت إلي في هذا ~~الصدد اعتراضين رئيسيين: أولهما أن نظرتي إلى الموضوع كانت جزئية ولم تكن شاملة، ~~والثاني أن رؤيتي كانت «مكتبية» أي نظرية تجريدية أكثر مما ينبغي. # أما عن النقد الأول، القائل إن نظرتي لم تكن كلية أو شاملة، فقد تمثل بوضوح فيما كتبه ~~الأستاذ أديب ديمتري في بداية مقاله، وإن لم تخل منه بعض الردود الأخرى. ولست أدري من ~~أين أتى اعتقاد الناقد بأنني أحاكم عبد الناصر شخصيا، وأبني أحكامي السياسية على أسس ~~أخلاقية، ومن ثم فإنني أقيم لعبد الناصر «محكمة للآلهة» أحسب فيها حسناته الشخصية ~~وسيئاته لكي أحدد إن كان يستحق الجنة أو النار، هذا الكلام لا أساس له على الإطلاق ~~في دراستي التي حذرت فيها مرارا من الخلط بين الاعتبارات الأخلاقية والاعتبارات ~~السياسية، ولم يكن إصراري على استخدام تعبير «التجربة الناصرية» إلا دليلا على رغبتي ~~في تجاوز أسلوب الحكم على شخص فردي بعينه. # وربما كان الخلاف الحقيقي في هذا الصدد راجعا إلى اعتقاد الأستاذ أديب بأن الناصرية ~~لا يصح، من وجهة نظر المنهج العلمي، أن تبحث إلا كظاهرة عامة ms116 في بلاد العالم الثالث، ~~ولكن الذي أعلمه هو أن تجارب التحرر الوطني في هذه البلاد لم تكن كلها «ناصرية» أي أن ~~الناصرية كانت جزءا من كل أعم منها وبهذا الوصف فهي تشترك مع حركات التحرر الوطني ~~الأخرى في سمات معينة، وتنفرد بسمات أخرى هي التي تجعلها تجربة قائمة بذاتها. وليس ~~المنهج العلمي السليم هو وحده الذي يبحث في السمات المشتركة بين جميع التجارب، بل إن ~~بحث السمات النوعية المميزة لهذه التجربة بالذات يمكن أن يكون بحثا علميا بمعنى ~~الكلمة، وأخشى أن يكون الأستاذ أديب لا يزال متأثرا بموقف أرسطو الذي يقول إنه «لا علم ~~إلا بما هو عام» في الوقت الذي اعترف فيه العلم الحديث بإمكان قيام دراسة علمية لما هو ~~نوعي متميز. # أما الشق الآخر من هذا النقد، فيقول إن الأخطاء التي نبهت إليها يسيرة إذا قيست ~~بالصورة الكلية لإنجازات التجربة الناصرية، وهو نقد كنت أتوقعه في دراستي السابقة، ~~ورددت عليه مقدما، ولكن لا بأس من أن أضيف الآن مثلا آخر، فيه ذكرى تنفع المؤمنين . ~~فقد حوكم ستالين بعد موته (وأنا آسف إذا كنت قد عدت مرة أخرى إلى الكلام عن ستالين، ولن ~~تكون هذه المرة هي المرة الأخيرة، لا لأنني - أشبه كلا من الحالتين بالأخرى، بل لأن ~~للمثل دلالة بالغة في موضوع دراستنا) وكانت محاكمته لأسباب من هذا النوع الجزئي الذي ~~لا يعجب نقاد مقالاتي. فمع كل إنجازات ستالين الخارجية والداخلية الهائلة، أدانه خلفاؤه ~~من أجل الاستبداد بالرأي، ونشر عبادة الفرد، واضطهاد الخصوم بمحاكمات صورية ... (وربما ~~أضفنا أن القائمة لم تكن تشمل استغلال أعوانه لنفوذهم أو عدوانهم على أموال الشعب) ومع ~~ذلك لم يقل أحد إن خلفاء ستالين قد نصبوا له «محكمة الآلهة» وإن مقياس الحكم عليه كان ~~ينبغي أن يكون أوسع وأشمل. # وأنتقل الآن إلى النقد الثاني الذي وجه إلى منهجي في الدراسة، وهو أنه كان منهجا ~~«مكتبيا» ولقد كان الأساس الأكبر لهذا النقد هو نوع المهنة التي أمارسها؛ إذ أشار ~~الكثيرون، بالغمز تارة وبالتصريح تارة أخرى، ms117 إلى أن أستاذ الفلسفة يعالج هذه الموضوعات ~~كما لو كانت مشكلات فلسفية تجريدية. وأعجب ما في الأمر أن معظم نقادي كانوا من دارسي ~~الفلسفة! ولكن هذه، على أية حال حجة لا أكترث بها؛ لأن ما يعنيني هو مضمون الكلام ~~فقط. # والأمر الذي أومن به إيمانا عميقا هو أن عدم انتمائي إلى اليسار «المحترف» (وهو لفظ ~~لا أستخدمه على سبيل السخرية أو التنديد، بل على سبيل التمييز فقط)، يعطيني حرية في ~~التفكير والتحليل قد لا تتوافر لدى الكثيرين ممن تقيدهم «النظريات» أكثر مما ينبغي، ~~فهؤلاء تجدهم يستخدمون في تحليلاتهم مجموعة محدودة من الألفاظ والمصطلحات، يحشرون ~~فيها كل الظواهر حشرا، وكلما طرأ واقع جديد لجئوا إلى ما أسميه بأسلوب تفنيط ~~الكوتشينة: إذ تفنط مجموعة المصطلحات المعروفة والمستخدمة دائما، بطريقة مختلفة، ~~وكأننا بذلك قد فسرنا كل موقف جديد، هؤلاء هم الأكثر تعرضا، «للرؤية المكتبية» من ~~غيرهم، وإنا لنعلم جميعا كيف أن اليسار في مصر وسوريا ولبنان قد أعاد تقييم التجربة ~~الناصرية مرات متعددة، وكان في كل مرة يتصور أن هذا التقييم هو وحده العلمي، وأن من ~~يصدر تقييما مخالفا لا بد أن يكون «مكتبي» الرؤية. # ولأضرب في هذا الصدد مثلا عايشته بنفسي في السنوات الأخيرة: ففي أيام العبور ~~الأولى، وفي الوقت الذي كنا فيه جميعا نحبس أنفاسنا مبهورين من الإعجاز الذي حققه ~~الجندي المصري، سمعت بنفسي يساريين (من حسن الحظ أنهم قلة، ولا يمثلون الجميع)، ~~يفسرون ما حدث في السادس من أكتوبر بأنه محاولة البورجوازية المصرية لتلهية الشعب ~~في مغامرة خارجية بعد أن تراكمت عليها المشاكل وخنقتها المتناقضات! هكذا كانت «تفنيطة ~~الكوتشينة» في ذلك الحين، ومن الجائز أنها «فنطت» فيما بعد - بالنسبة إلى هذه الظاهرة ~~نفسها - بطريقة مختلفة، ولكن المهم أن التقيد المفرط بمقولات نظرية معينة، توصف ~~بأنها وحدها العلمية، هو الذي يؤدي إلى الرؤية المكتبية. # وفي اعتقادي أن الرؤية المكتبية هي التي تعلل استنكار نقادي ودهشتهم مما قلته عن ~~تخريب التجربة الناصرية لنفس الإنسان المصري؛ ذلك لأن هذه حقيقة كان كل مصري ms118 يعايشها ~~بنفسه، حين يتكلم في بيته لغة معينة ويتكلم في أي مكان عام لغة أخرى، بل إن ~~اليساريين الذين انتقدوني لو كانوا صرحاء مع أنفسهم لاعترفوا بأنهم كانوا بدورهم ~~يستخدمون هذه اللغة المزدوجة على أوسع نطاق. # ولكن، لم نذهب بعيدا؟ لقد كانت «سنوات الواحات» هي ذاتها دليلا حيا على ما أقول؛ ~~ذلك لأن اليساريين الذين قضوا سنوات الاعتقال الرهيبة في هذا المنفى النائي، إذا تمسكوا ~~بالدفاع عن التجربة الناصرية ضد تهمة تخريب نفس الإنسان المصري، فسيكون عليهم أن ~~يعترفوا بأنهم اعتقلوا؛ لأنهم كانوا يستحقون ذلك، ولما كانوا بالطبع لا يرضون لأنفسهم ~~بهذا الوصف - ولا أنا أرضاه لهم - فلا بد أن يكون ما حدث لهم من تعذيب وتنكيل وصل إلى ~~حد القتل، نموذجا حيا لما أعنيه، وإذا كانوا هم قد تحملوا العذاب بشجاعة وخرج معظمهم ~~من المحنة سالما، فكم من المواطنين الآخرين كان يستطيع أن يتحمل ذلك دون أن تخرب ~~نفسه؟ وكم من الذين ظلوا خارج المعتقلات لم يلجم الخوف لسانهم، ويلوذوا بالسلبية أو ~~النفاق خوفا من أن يلقوا نفس المصير؟ # إن نقادي هم أنفسهم تجسيد للفكرة التي أقولها، ومع ذلك فقد استنكروها بشدة، وهذا أمر ~~ليس له من تعليل سوى أن الرؤية المكتبية قد غلبت لديهم على الواقع الذي عاشوه وعاشه ~~غيرهم يوما بيوم؛ ذلك لأن كل شيء كان على ما يرام، وأن الإنسان المصري تحرر و«رفع ~~رأسه» ... إذن فليسقط الواقع، ولتسقط التجربة اليومية! # اليمين وآلام الناس # فإذا انتقلت الآن من مناقشة المسائل المنهجية إلى المضمون نفسه، فإني أود أن أقدم ~~إيضاحا لبعض الأمور التي التبست على نقادي، وأرد في الوقت نفسه على أسئلتهم التي ~~تصوروا أنها محرجة. # فقد استنكر البعض (فتحي خليل وفيليب جلاب) تلك العبارة التي قلت فيها إنه إذا استغل ~~اليمين ما أكتب، فسيكون الخطأ في ذلك خطأ اليسار أيضا، ورأوها عبارة متجنية، أو غير ~~مفهومة، على أن المعنى المقصود، ببساطة، هو أن اليسار إذا حاول اتهامي بأنني أخدم قضية ~~اليمين وأردد شعاراته، وإذا تصور أن أي ms119 نقد للتجربة الناصرية لا يمكن أن يصدر ~~إلا من منطلق يميني، فإنه بذلك يعطي اليمين فرصة ذهبية؛ لكي يستغل ما أقول لصالحه. ~~وقد حدث بالفعل ما توقعت، ولمح فتحي خليل إلى أنني أخدم اليمين بطريق غير مباشر، وزادت ~~جرعة الصراحة عند فيليب جلاب، واقتربت من الاتهام بالعمالة لليمين عند أبو سيف يوسف، ~~أما محمد عودة فكان في هذا الاتهام أصرح الجميع. # والأمر الذي لن أمل من تأكيده هو أن هجمة اليمين الضارية في هذه الأيام ليست ~~مبنية على فراغ، بل هي تستغل عيوبا ونقاط ضعف أساسية كانت موجودة بالفعل، ومصدر قوة ~~الهجمة اليمينية هو أنها تضرب على نغمة أوجاع الناس وشكاواهم، ثم تنحرف بالناس - بعد أن ~~تكتسب ثقتهم - في اتجاهها الخاص، ولتحقيق مصالحها الجشعة. أما عن نفسي فقد كنت أشير ~~إلى هذه العيوب صراحة في الوقت الذي كان اليمين فيه لا يزال يحرق البخور للتجربة ~~الناصرية؛ ولذلك فإني لا أشعر إزاء اتهامي بالعمالة لليمين إلا بالازدراء، ولا أقابل ~~هذا الاتهام إلا بالترفع. # وكم كنت أود أن يسير اليسار في طريقه المستقل، ~~ويكشف مدى تباعد هذه التجربة عن الاشتراكية بمعناها الصحيح، وعندئذ كان الطريق سيصبح ~~مسدودا أمام اليمين ولو كان اليسار أبعد نظرا لما واجه هجمة اليمين بالإصرار على ~~إنكار حقائق لم تعد تخفى على أحد، أو بالإقلال من أهمية ظواهر عانى منها الناس أفدح ~~الآلام، بل لكانت طريقة مواجهة هذه الهجمة هي فضح الأغراض الخبيثة التي يسعى إليها ~~اليمين، وبهذا الأسلوب وحده كان اليسار يستطيع أن يضمن احترام الجماهير، التي لم تعد ~~تحتمل تسترا على الجرائم، وكان يستطيع أن يجرد اليمين من أقوى سلاح يستخدمه في مهاجمة ~~اليسار، وفي تضليل الشعب. # ومن ناحية أخرى فإن بعض النقاد رأوا ما قلته عن دلالة استقبال الشعب لنيكسون هو ~~كلام غير مقنع، وإلا فكيف نعلل خروج جموع أكبر بكثير يوم جنازة عبد الناصر، وفى 9، 10 ~~يونيو؟ وردي على ذلك هو أن يوم الجنازة ويوم الهزيمة كانا مقترنين بانفعال شديد، صدمة ~~مفاجئة، أما استقبال ms120 نيكسون فقد جاء في أعقاب معركة كانت فيها أسلحة نيكسون تقتل شبابا ~~من كل قرية استقبلته بالترحاب، وليس أقوى من ذلك دليلا على مرارة التجربة السابقة، ~~وتعلق الناس بأمل كاذب. # على أن استقبال نيكسون ليس هو المظهر الوحيد لخيبة أمل الناس في التجربة الاشتراكية. ~~فهناك مظاهر أخرى مثل رد فعل رجل الشارع العادي - وليس فقط أصحاب المصالح - على خروج ~~الخبراء السوفيت، وربما كان المظهر الأكثر دلالة، والذي تعبر عنه أرقام وإحصاءات، هو ~~أن جريدة اليمين أصبحت أوسع الجرائد انتشارا، والتغيير الوحيد الذي طرأ على هذه ~~الجريدة هو أنها أصبحت تعزف باستمرار، وبطريقة مملة، على نغمة الظلم والاضطهاد وسلب ~~أموال الشعب، واختفاء سيادة القانون في أيام التجربة الناصرية. # ولكم أود لو قام واحد أو مجموعة من شباب الباحثين في العلوم الاجتماعية بإجراء ~~دراسة استقصائية على عينات مختلفة من الفئات الشعبية، يستكشف فيها الجوانب المختلفة ~~لمفهوم الاشتراكية لديهم، ويستطلع ردود أفعالهم إزاءها، ولا شك أن دراسة كهذه، إذا ~~أجريت بدقة، ستغنينا عن جدل كثير، وستبين بجلاء إن كانت التجربة السابقة قد نجحت، أو ~~أخفقت في تقريب معنى الاشتراكية إلى أذهان الناس وفي زيادة تمسكهم بها. # إن مشكلة اليسار تنحصر، في رأيي، في أنه يتغاضى عن الأخطاء الجسيمة كما لو كانت ~~الإنجازات تلغيها أو تحجبها ولا يكتفي بذلك، بل يفرض على هذه الأخطاء ستارا من الصمت ~~لمجرد أن اليمين أصبح في هذه الأيام يقول بها. وهنا أجد نفسي مضطرا للعودة مرة أخرى - ~~وأخيرة - إلى مثال ستالين؛ ذلك لأن كل ما أدين بسببه ستالين كان قد تردد على ألسنة ~~اليمين العالمي طوال ما يقرب من ثلاثين عاما قبل إدانته في بلاده، ولكن أحدا لم يقل ~~لخلفاء ستالين الذين أدانوه ما يقوله لي اليساريون المصريون اليوم: إنكم تخدمون اليمين ~~لأنكم ترددون نفس اتهاماته! # أما أنا فلست أعتقد أن تدهور مستوى الخدمات والمرافق، وانتشار الأمية وهبوط مستوى ~~التعليم، وشيوع السرقات والاختلاسات، والاستخفاف بالقانون وإشاعة الرعب والجبن ~~والنفاق؛ لست أعتقد أن هذه أمور هينة، أو أن إنجازا ms121 آخر يمكن أن يغفر لأي نظام في ~~الحكم تفريطه فيها. # ولست، أعتقد أن في وسعنا استبعاد هزيمة 5 يونيو ببساطة على أساس أن المهم هو الوقوف ~~في وجه الإمبريالية العالمية، فهذه الهزيمة، التي يمر عليها اليسار المصري مرا ~~سريعا وكأنها مجرد انتكاسة عابرة، ستظل آثارها البعيدة المدى تؤثر فينا حتى أواخر ~~القرن الحالي على الأقل، حتى لو أزلنا على الفور آثارها المباشرة؛ وهي احتلال الأرض. ~~وإذا كان اليسار يصورها بأنها مؤامرة خسيسة من الإمبريالية العالمية للقضاء على ~~تجربة اشتراكية، فإني أضيف إلى ذلك أنه لولا التفسخ والانحلال الداخلي لهذه التجربة ~~ذاتها لما نجحت الإمبريالية في مؤامراتها؛ إذ إن هذه المؤامرات مستمرة ليل نهار، ومع ~~جميع الشعوب، ولكنها تنجح مع البعض ولا تنجح مع البعض الآخر، أما في حالتنا نحن فقد ~~نجحت بامتياز، وإلى مدى لم تكن هي ذاتها تحلم به. # ولهذا السبب أحسست بالدهشة والألم حين قرأت منشور الدعاية الطويل الذي كتبه الأستاذ ~~محمد عودة عن السياسة الخارجية في عهد التجربة الناصرية، والذي جعل فيه السياسة هي ~~المحك الوحيد لنقد الثورة، فقال بالحرف الواحد: «يقاس نقد الثورة - إذا كان علميا ~~وموضوعيا ونزيها - بإنجاز واحد: هو ما حققته للقضية المصرية.» متجاهلا بذلك كل ~~المقاييس الأخرى المتعلقة بحياة الإنسان وأمنه وطمأنينته وحرياته ومأكله وصحته ~~وتعليمه، بل متجاهلا التداخل الوثيق بين هذه العوامل الداخلية وبين أي تحرك يمكن ~~تحقيقه بالنسبة إلى القضية المصرية، والأمر المؤسف هو أن الأستاذ عودة لم يعمل أي حساب ~~لذلك الانهيار الذي طرأ على معياره الوحيد - وهو القضية المصرية - بحيث أعادها نصف قرن ~~إلى الوراء بعد 5 يونيو ووصل ذلك التجاهل إلى ذروته حين قال: «إذا كانت قد حدثت أخطاء ~~في السياسة الخارجية العربية أو الدولية، فإنها لم تقض علينا ولم تكسرنا ولكنها ~~عركتنا.» # أرأيتم إلى أي حد يزيف اليسار الناصري تاريخنا بعد5 يونيو؟ # سؤال ورد غطائه # وهنا يأتي أوان الإجابة عن سؤال وجهه إلي، على سبيل الإحراج، عدد كبير من نقادي، ~~وهو: إذا كانت التجربة الناصرية فاشلة في ms122 مجال الاشتراكية إلى هذا الحد، فلماذا حاربها ~~اليمين بضراوة؟ ولماذا تآمرت عليها الإمبريالية العالمية؟ # أما عن اليمين، فأنا لم أقل في أي وقت أنه انتفع من التجربة الناصرية، بل إنني أعترف ~~بأنه أصيب بأضرار بالغة تفسر هجومه الحالي عليه، ولكن المشكلة هي أن الضربة التي ~~وجهت إلى اليمين لم تكن لحساب الاشتراكية الحقيقية، بل لحساب النظام نفسه، وهذا هو ~~العنصر المميز، والفريد، في التجربة الناصرية. # وأما الإمبريالية العالمية، فإن هجومها على التجربة الناصرية يرجع، في رأيي، إلى ~~اعتبارات التوازن الدقيق بينها وبين المعسكر الاشتراكي العالمي، فقد توسع الوجود ~~السوفيتي في أواخر العهد الناصري إلى الحد الذي قررت معه الإمبريالية العالمية ضرورة ~~توجيه ضربة إليه، وكان هذا الوجود، بالنسبة إلى التجربة الناصرية، إجراء تكتيكيا، أما ~~بالنسبة إلى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة فكان إجراء استراتيجيا أي أن ما كانت ~~التجربة الناصرية تراه سياسة مرحلية تخدم أغراضا مؤقتة، كان في نظر العملاقين الدوليين ~~سياسة بعيدة المدى، تؤثر على التوازن الدقيق الذي يحرص عليه كل طرف إزاء ~~الآخر. # وهكذا كانت المساعدات الأمريكية لإسرائيل ، قبل حرب يونيو وأثناءها وبعدها، موجهة في ~~المقام الأول ضد النفوذ السوفيتي لا ضد التجربة الناصرية من حيث هي نظام داخلي، على أنه ~~كان من النتائج التي ترتبت على هزيمة 5 يونيو، بطبيعة الحال، كشف البناء الهش ~~للاشتراكية المطبقة محليا، وأظهر عيوبها من خلال منظار مكبر، فكان ذلك مكسبا آخر لم ~~تتردد الإمبريالية العالمية، ولا اليمين المحلي، في استغلاله لتشويه سمعة الاشتراكية ~~كمبدأ، لا كتجربة محلية فاشلة فحسب. # لقد استكملت هذه الاشتراكية المحلية معظم المقومات الشكلية لأي تجربة اشتراكية: ~~تصفية الإقطاع ورأس المال المستغل - التمصير ثم التأميم - إقامة قطاع عام قوي واسع ~~النطاق ... كل ما تتطلبه الاشتراكية كان موجودا، فيما عدا شيئا واحدا، هو لب ~~الاشتراكية، وقلبها، وجوهرها، هذا الجوهر الذي افتقده الشعب المصري، وهو الذي لم تفتقده ~~شعوب أخرى تغلغلت الاشتراكية في حياتها وفي وجدانها، فوقفت تدافع عنها حتى آخر قطرة من ~~دمائها. # ولقد كان من الطبيعي أن ينعكس فقدان ms123 هذا «الجوهر» على قدرتنا على الصمود أمام ~~الإمبريالية، وهكذا حدث الانهيار بسرعة، وكانت الإمبريالية هي الرابحة في نهاية ~~الأمر. # والحق أن الكفاح ضد الإمبريالية العالمية ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة تستهدف ~~آخر الأمر غاية عليا، هي النهوض بالإنسان وإتاحة الفرصة أمامه لكي يمارس قدراته ~~وملكاته الإبداعية دون قهر أو ظلم، وكل المكافحين الكبار ضد الإمبريالية كانوا يعرفون ~~هذه الحقيقة، ويرددونها خلال كفاحهم، وهكذا كانت الإمبريالية، في نظرهم، قوة غاشمة ~~تتسلط على الإنسان، وعقبة كبرى في طريق نموه السليم، ولذلك فلا بد من إزاحتها من ~~الطريق، أما أن يكافح نظام ضد الإمبريالية ويسحق الإنسان في داخله، فإنه يكون بذلك قد ~~ناقض نفسه، وحكم على كفاحه بالإخفاق. # تهمة الرشوة # بقيت نقطة أخيرة لا أود أن أتركها دون إيضاح، وهي ما قيل من «رشوة» الماركسيين فقد ~~استخدم فتحي خليل تعبير «الرشوة» في سؤال وجهه إلى نجيب محفوظ، فكان من الطبيعي أن ~~يرد عليه بالنفي القاطع، ولست أختلف مع الإجابة في شيء، بل إن اختلافي كله مع ~~السؤال. # إنني أعترف بأن عدد الماركسيين الذين تولوا مناصب هامة ليس كبيرا، وبأن معظمهم كانوا ~~من أصحاب المواهب والكفاءات؛ ومن ثم لم تكن هذه المناصب أكبر مما يستحقون، ولكن العبرة ~~ليست بعدد من تولوا المناصب من اليساريين، وإنما كان هؤلاء هم «واجهة» اليسار أمام ~~الشعب، ومن ثم فإن ارتباطهم بالتجربة لا بد أن يترتب عليه ارتباط أعم بين اليسار ~~ككل، وبين التجربة الناصرية في نجاحها أو إخفاقها، حتى لو كان هناك قطاع من اليسار قد ~~رفض هذا الارتباط (وهو ما حدث فعلا). # ومن جهة أخرى ليست المسألة هي كون هؤلاء اليساريين يستحقون هذه المناصب أو لا ~~يستحقونها، بل إن لب المشكلة هو أن تولي الثوريين اليساريين لهذه المناصب كان معناه ~~أنهم أصبحوا يسيرون في طريق غير ذلك الذي نذروا أنفسهم له، وأن ارتباطهم بالسلطة ~~وتكوينهم جزءا منها، كان معناه تقديم تنازلات، قد تكون بسيطة في البداية، ولكنها ~~تزداد بالتدريج إلى أن ينتهي الأمر إلى مرحلة ms124 التبرير المطلق لكل الأخطاء، ولعلنا ~~جميعا نذكر كيف وصل الأمر ببعضهم إلى استعداد السلطة على زملاء سابقين لهم في ~~الكفاح. # أما لفظ «الرشوة» فهو لفظ سطحي لا يعبر أبدا عن حقيقة ما حدث؛ فالرشوة تقدم إلى من ~~لا يستحقها، ولم يكن اليساريون غير جديرين بما نالوا، ولكن كل ما في الأمر هو أن هذا ~~ليس هو الطريق الذي كرسوا حياتهم له، وعلى حين أن الرشوة عملية بسيطة مباشرة، فإن ما ~~حدث مع هؤلاء اليساريين كان موقفا دراميا شديد التعقيد، عناصره سنوات الاعتقال ~~والتعذيب السابقة، والمنصب الجديد المعروض، والاعتقاد بأن الأهداف التي كانت غاية قصوى ~~للكفاح الطويل قد تحققت وبأنه لم يعد هناك ما يمنع من المشاركة في الحكم، وأكاد أجزم ~~بأن معظم من تعرضوا لهذه التجربة قد مروا، في لحظة أو أخرى، بأزمات نفسية حادة ناجمة عن ~~التوتر بين الواقع والمثل الأعلى المنشود. # وبالاختصار، فقد كان في الكلام عن «الرشوة» تسطيح للمشكلة لا أوافق عليه، ومن ثم فإن ~~نفي تهمة الرشوة لا يتعارض مع موقفي الأساسي في شيء. # كلمة ختامية صريحة أود أن أوجهها إلى اليساريين المصريين الذين أغضبتهم مقالاتي، ولخص ~~فيها جوهر القضية: # إنكم تتمسكون بأن الدفاع عن الاشتراكية ينبغي أن يرتبط بالدفاع عن التجربة الناصرية، ~~وتتصورون أن هذا هو وحده الطريق الكفيل بصد هجمات اليمين. # وأنا أقول إن الاشتراكية لن يكون لها مستقبل في هذا البلد، حتى المدى المنظور، إلا ~~بالفصل بينها وبين التجربة السابقة، وكشف أخطاء هذه التجربة بصراحة، والسير في سياسة ~~جديدة، وطريق جديد، يواجه الشعار الذي يرفعه اليمين، وهو «لنجرب شيئا آخر عن فقر ~~الاشتراكية وذلها»، بشعار مضاد هو: «... ولكن الاشتراكية أفضل كثيرا من كل ما ~~عرفتم». # هذا ما تقولونه، وهذا ما أقوله. # وبيني وبينكم التاريخ. # | الرأي العام يرد على فؤاد زكريا # لم يسبق في تاريخ روز اليوسف أن تلقت من قرائها مثل الرسائل التي أمطروها بها ردا على ~~مقالات الدكتور فؤاد زكريا المثيرة: «جمال عبد الناصر واليسار المصري»، لا من حيث عدد ~~الرسائل فقط، ms125 ولكن أيضا من حيث طولها، وحرارتها، وذكاؤها، وأحيانا، شتائمها! ولأن هذه ~~الرسائل تمثل، بتنوعها وصدقها وبساطتها، حكم الرأي العام في القضية التي أثارها الدكتور ~~زكريا؛ فقد كان محالا أن نتجاهلها، ولكن كان محالا أيضا أن ننشرها؛ لأنها تحتاج إلى عدة ~~آلاف من صفحات «روز اليوسف» يستغرق نشرها على الأقل عشرة أعوام! # وللخروج من هذا المأزق، فإن روز اليوسف قد قررت أن تكتفي بنشر نماذج وفقرات من الردود ~~التي وصلتها تلخص بها الاتجاه العام لكل ما تلقته من رسائل حول هذه القضية. # وفيما يلي هذه النماذج والفقرات. # كان اليسار ينقد عبد الناصر واليمين يحرق له البخور # إنني كناصري لا أعتقد أن عبد الناصر كان فوق مستوى الخطأ، وهو في نفس الوقت لم يكن ~~دون مستوى الصواب، وأعتقد أن اليسار بوجه عام، والناصريين منهم بوجه خاص لم يوجهوا ~~النقد للتجربة بالرفض المطلق والتعصب الحنبلي في أي وقت من الأوقات، بل إنهم قد وجهوا ~~النقد للتجربة أثناء حياة عبد الناصر وفي عنفوان التجربة منتقدين تجاوزات الأجهزة، ~~والمكتبية في العمل، والبيروقراطية الناشئة، والطبقة الجديدة الطفيلية التي تسلقت إلى ~~موقع السلطة والنفوذ ومارست الاستغلال من خلالها. # وكان اليسار في نقده هذا يهدف إلى إثراء التجربة والتطور بها في خط صاعد نحو أهداف ~~الثورة التي تكفل الحياة الكريمة للشعب، أما ما رفضه اليسار فهو النقد الهدام الذي ~~يصطاد السلبيات والأخطاء ليجعل منها مبررا لهدم كل ما أنجز والنكوص ربع قرن إلى ~~الوراء. # وعندما يصف اليسار هذه الفلول باللاأخلاقية؛ فلأنها في الوقت الذي كان اليسار فيه ~~يمارس النقد البناء في داخل التجربة أيام عبد الناصر، كانت هذه الفلول تحرق له البخور ~~وتلقي قصائد المديح والثناء، في سبيل الحفاظ على مواقعها. # ثم إذا بها تنقلب مرة واحدة بعد موت عبد الناصر؛ لتحمل المعاول وتنهال على التجربة ~~بهدف تدميرها. # واليسار الآن يمارس نقد التجربة بنفس الروح وبواسطة وسائل التعبير المختلفة. # لا عبد الناصر ادعى أن التطبيق الاشتراكي قد تم، وأن الاشتراكية قد تحققت بل إن ~~العملية هي «تحول نحو ms126 الاشتراكية»، ولا يتم تذويب الفوارق بين الطبقات إلا بعد بلوغ ~~مرحلة متقدمة في التطبيق، وقول الكاتب إنه لا يستطيع أن يعترف بالتحول الذي أنجز لأنه ~~لم يحقق النتائج النهائية هو قول يفتقر إلى الرؤية المستقبلية. # أما ما أورده الكاتب عن أن الدولة تفرض سيطرتها على وسائل الإنتاج والمال لإبعاد خطر ~~سيطرة الطبقة الغنية عليه، ولإخضاعه لخدمة جهاز الدولة، ثم الحجة التي أوردها بشأن ~~المواجهة مع هذه الطبقات في سوريا عندما بدأت التأميمات هناك أيام الوحدة، فإني أعتقد ~~أن الكاتب قد استنتج تلك الحقيقة بشكل خاطئ، إذ إن المعروف أن الرأسمالية هللت لقرارات ~~التمصير التي أخرجت الشركات الأجنبية؛ لأن ذلك يتفق ومصالحها، بل إن هذه الطبقة تصورت ~~أن الثورة ستسلمها هذه الشركات الأجنبية، وهذا هو سبب ترحيبها بتلك القرارات في حينها ~~ولكنها وقفت ضد الثورة بكل قواها عندما حسمت الثورة موقفها لصالح الطبقات الكادحة، ~~واختارت الاشتراكية طريقا للتنمية ولتحقيق العدالة الاجتماعية وعندما أصبحت القوة ~~الاقتصادية في أيدي هذه الطبقة خطرا على الثورة. # أما عن انعدام الرقابة الشعبية على الأموال العامة والقطاع العام، فلعل هذا هو من ~~أبرز الأخطاء في التجربة، ولعل أحد الاقتراحات الإيجابية التي طرحت أخيرا هو نشر ~~ميزانيات شركات القطاع العام وإخضاعها للرقابة الشعبية. # ولكن القول بأن الثورة قد سيطرت على مرافق الإنتاج لتمويل مغامراتها وشراء الأنصار ~~والأعوان في الداخل والخارج فهو منتهى التحيز؛ إذ إن دعم ثورات التحرر الوطني على ~~امتداد الوطن العربي وأفريقيا وآسيا ليس مغامرات، بل هو دليل على الوعي العميق بوحدة ~~قضية التحرر في الوطن العربي، وفي العالم كله ضد عدو مشترك. # ولعل أكبر دليل على ذلك أن الثورة لم تفرض على أعوانها في الخارج تبعية للنظام ~~السياسي والاجتماعي، بل إنها أقرت منذ بدايتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وظهر ذلك ~~في قضية السودان، كما أن عبد الناصر رفض أن يستخدم القوة وإراقة الدماء ضد القوى ~~العميلة التي ارتكبت جريمة الانفصال، ولعل هذين الحدثين يدلان على أنه لم يكن يسعى ~~لتمويل مغامرات أو شراء أعوان ms127 أو تكوين إمبراطورية من خلال سيطرة الدولة على وسائل ~~الإنتاج. # كما أن القول إن القاعدة في التجربة الاشتراكية هي استغلال النفوذ وإن الشذوذ هو ~~النزاهة؛ قول موغل في التجني، يغفل دور القطاع العام في الصمود الاقتصادي، والجهد ~~الرائع الذي بذله رجاله في الإعداد لمعركة العبور في السادس من أكتوبر. # صبحي عبد الكريم محمد # طالب حقوق، جامعة القاهرة # لماذا بعد أن مات؟ # من المؤسف أنه لم تمض سنوات قليلة على رحيل القائد عبد الناصر حتى تعرض لحملة ~~مسعورة من بعض الكتاب مظهرين سلبياته، تاركين منجزاته العظيمة. # لقد تكلم عبد الناصر عن النكسة قبلهم، وقال: «أنا با تحمل المسئولية كلها، وعن كل ~~شيء، ولكن أيضا مش أنا اللي ح أقدر أغير كل شيء في هذا البلد لوحدي. فيه ناس متصورة أن ~~جمال لما يقول شيء ينفذه في الحال. الناس ما بتعرفش إيه اللي بيجرى في الكواليس ... إذا ~~كانت الانحرافات حصلت في المخابرات، والمفروض هي اللي تقول لي على الانحرافات اللي تحصل ~~في البلد، ما كانش ناقص إلا أعمل مخابرات على المخابرات، واعمل مخابرات على جهاز رقابة ~~المخابرات.» # وبالنسبة لحرب اليمن قال عبد الناصر: «إحنا ذهبنا إلى اليمن لكي ننصر المبادئ، ~~وساعدنا الجنوب لكي نقضي على الاستعمار، والآن هناك نظام حكم وطني في صنعاء بدون قوات ~~مصرية.» # وأنا أسأل فؤاد زكريا: أليس نجاح ثورة اليمن سببا في تحرير الجنوب العربي؟ وأليس ~~تحرير الجنوب العربي سببا في التحكم في مدخل البحر الأحمر في جنوب حرب أكتوبر؟ # إن العيب كل العيب أن يكثر الكلام بعد الموت. هل تعرض ديجول للنقد والتجريح من ~~الكتاب في فرنسا مثلما تعرض عبد الناصر من الكتاب في مصر؟ # إنني أطلب منكم في روز اليوسف أن تنشروا هذه الكلمات: # إن الذين يظنون أنهم يهاجمون عبد الناصر نفاقا لأنور السادات واهمون، فلم ~~يأت فرعون ليمحو أثر من قبله إلا إذا كان عاجزا. # أحمد بهاء الدين # من يملك الشجاعة لا ينتظر الموت ليمارس شجاعته. # إن في عبد الناصر جوانب كثيرة، كبيرة، موصولة بعقل ms128 ذكي ونظرة بعيدة فهو أهل ~~لكل صفة كريمة، ولكل كلمة خير تقال فيه. # أحمد حسن الباقوري # سوف يبقى عبد الناصر يفري قلوب أعدائه. # محمد عودة # لو كانت مصر عندنا عقيدة فهي الإسلام، ولو كانت مؤسسة فهي الأزهر، ولو كانت ~~شخصا فهي جمال عبد الناصر. # طلبة الفلبين # انشروا هذا الكلام ليرد على كل من تراوده نفسه أن ينبح مرة أخرى ضد ~~عبد الناصر سواء كان داخل مصر أو خارج مصر. # أستحلفكم بالله أن تنشروه! # محمد قاسم عبد القادر # القباصي، الأقصر # لا تنشروا هذا الكلام! # لفت انتباهي إصرار الدكتور فؤاد زكريا على تعرية التجربة الناصرية من أي ثوب ~~اشتراكي. # فهو يفسر الخطوات الاشتراكية بأن عبد الناصر قد ضرب الرأسمالية لمجرد شعوره بأنها ~~خطيرة على نظام حكمه، ولم يفسر لنا سيادته لماذا أحس عبد الناصر بهذا الخطر، ما لم ~~تكن الرأسمالية من جانبها قد أحست بأنه خطير عليها؟ # ثم إن الدكتور لم يفسر لنا قيام قطاع عام مرتكز على قاعدة صناعية ضخمة، تصلح ~~أساسا لقيام نظام اشتراكي قوي، ولم يذكر الأسباب التي حدت بجمال عبد الناصر أن يتيح ~~لأبناء الشعب المصري فرصة التعليم حتى الجامعة بدون مصاريف، ولم يشر الدكتور إلى المعنى ~~الحقيقي لتوزيع الأرض على الفلاحين؛ أصحابها الحقيقيين. # هذا أولا. # وثانيا: لاحظت اهتمام الدكتور الشديد بتأليب اليسار على التجربة الناصرية، بحجة ~~الخوف من أن يفقد هذا اليسار تأييد الجماهير. # وتناسى سيادته أن هذه الجماهير لم تؤمن بشيء (بعد إيمانها بالله) قدر إيمانها بجمال ~~عبد الناصر وبتجربته وأن هذه الجماهير هي جماهير اليسار، والدنيا كلها يا سيدي تعلم مدى ~~الحب الجارف والمنقطع النظير الذي أعطاه هذا الشعب الوفي لجمال عبد الناصر، نعم قد يكون ~~الشعب المصري عاطفيا ... لكن كيف تأتي هذه العاطفة؟ لماذا مثلا لم يحب الشعب الاستعمار ~~البريطاني، وقد عاش بيننا أكثر من 70 عاما، استخدم خلالها كل وسائل الخديعة ~~والدهاء؟! # إن هذا الشعب - مع عاطفيته - ذكي، وذكي جدا لا يمكن أن يعطي حبا بدون حساب أو ~~بدون ثمن. إن طيبة هذا ms129 الشعب الفلاح معروفة حقا لكن دهاء هذا الشعب لا يجهله إلا ~~جاهل. # إن أسلوب الوقيعة بين اليسار وجمال عبد الناصر هدفه الأساسي ضرب اليسار بالخط ~~الأساسي لثورة 23 يوليو، وأرى أن اليسار هو الذي يتحمل الآن مسئولية الحفاظ على أهداف ~~الثورة والسير بها إلى تحقيق أهدافها ... وأثق كل الثقة في أنه لن يقع في هذا الفخ ~~المنصوب له بعناية وذكاء بالغين. # ثالثا: يكفي للتدليل على أن السيد الدكتور يغالط ويفسر الظواهر بغير حقيقيتها؛ أنه ~~يفسر استقبال الرئيس الأمريكي السابق بأنه رفض من الإنسان ~~المصري للاشتراكية، ويتجاهل حقيقة علم الشعب المصري ~~بمدى نفوذ الولايات المتحدة على إسرائيل، وبالتالي على قضية الأرض المحتلة. فلقد أشار ~~العديد من وكالات الأنباء أن طريقة استقبال السيد نيكسون في مصر قد بددت الدعايات ~~الصهيونية في أمريكا بأن العرب يكنون الكراهية للشعب الأمريكي ... ولقد تغير فعلا بعد ~~هذا الاستقبال التأييد الأمريكي «اللامحدود» تجاه إسرائيل، على الرغم من خروج الرئيس ~~نيكسون من البيت الأبيض. # رابعا: أناشد روز اليوسف ألا تتيح لمثل هؤلاء الأساتذة أن يكتبوا على صفحاتها باسم ~~اليسار وباسم المدافعين والخائفين والأوصياء عليه؛ حتى لا يختلط الأمر خصوصا على ~~شباب ما زالوا في بداية الطريق مثلي، فلا أعرف الفرق بين الاشتراكية وبين الأستاذ ~~أحمد أبو الفتح مثلا. # إن عندنا كتابا اشتراكيين أجلاء، يستطيعون نقد التجربة ونقد دور الاشتراكيين، ولكن ~~من خلال حرصهم على تجربتنا الاشتراكية وعلى مسارها العام ومبادئها الأساسية. # نعم في تجربتنا سلبيات، وجل من لا يخطئ. وهناك ثغرات في البناء، ومهمة الاشتراكيين ~~أن يغلقوا هذه الثغرات ليبنوا بعد ذلك فوق الصرح هذا الذي بناه عبد الناصر، والذي قال ~~هو نفسه عنه رحمه الله: «إننا ما زلنا في بداية الطريق نحو بناء مجتمع اشتراكي.» كرر ~~ذلك مرارا وتكرارا هل تذكرون؟ # إنني أعرف أن كلماتي هذه لا تستطيع أن تباري أستاذا كبيرا كالدكتور حقا، ولكن ~~الشيء الذي أعتز به وأثق فيه هو أنها صادقة ... لكونها نابعة من قلب شاب مصري أحب مصر - ~~مثل كل شبابها - من قلب ms130 لم يلوث بعد، وأرجو ألا يلوث أبدا بإذن الله. # محمد شريف الريس # طالب علوم، جامعة القاهرة # أوهام الكهف # كنت أتمنى ويشاركني الكثير من جيلي الذين تعلموا السياسة في مدرسة «جمال عبد الناصر» ~~ألا يكون الدكتور فؤاد زكريا، وهو الذي حذر جيلا بأكمله من خطورة الوقوع في أخطاء ~~التعميم وأوهام الكهف عند بحث أي قضية، أول من يقع في أخطاء التعميم وأوهام الكهف، ~~فيما كتبه عن «جمال عبد الناصر واليسار المصري». # وسوف أختار تعميمات ثلاثة، اشتملت عليها تصورات الدكتور فؤاد زكريا؛ وهي: ~~(1) # إن اليسار المصري على إطلاقه، اتخذ موقف تبرير أخطاء التجربة والرفض ~~التام لأي نوع من إعادة التقييم، والهجوم الشديد على كل من يتصدى للعهد ~~الناصري بالنقد ... وكأن هذا العهد فوق مستوى الخطأ. ~~(2) # إن التجربة الناصرية ليس لها من سمات الاشتراكية إلا اسمها، وإنها في ~~تقديره قد أساءت إلى الاشتراكية، وعلى اليسار أن ينفض يديه من هذه التجربة ~~الفاشلة، ويتنافس مع اليمين في إهالة التراب عليها، ويمضي الدكتور فيحذر ~~اليسار إذا لم يسمع نصيحته فسوف يفقد شعبيته لا محالة؛ لأنه يدافع عن تجربة ~~فاشلة أعلن الإنسان المصري سخطه عليها في استفتاء غير رسمي هو استقبال ~~الرئيس الأمريكي السابق «نيكسون». ~~(3) # إن الإنسان المصري خرج من هذه التجربة مختلفا في جوهره الباطن، اختلافا ~~جذريا، وإن «الناصرية» قد قامت بعملية تخريب داخلي لعقل الإنسان المصري ~~ووجدانه، بحيث تبلد إحساسه وأصبح يقف موقف اللامبالي، من أحداث وطنه ~~وأمته. # هذه تعميمات ثلاثة، كانت أبرز ما فهمته مما كتب الدكتور فؤاد زكريا في روز ~~اليوسف. # وكنت أتمنى ألا يطلق الدكتور فؤاد زكريا أحكامه، دون أن يستند إلى أدلة علمية من ~~خلال دراسته للواقع المصري، بحيث لا يقع، كما قلت، في خطأ التعميم وأوهام الكهف. # وأقول «أوهام الكهف» ذلك أن أحكام الدكتور زكريا لا تخرج عن أحكام عدد من «المثقفين ~~المصريين» الذين يتناولون الظواهر بصورة سطحية ... ولا يغوصون في أعماقها حتى يروا نور ~~الحق ولو من بعيد. # ولسوف أبدأ بمناقشة التعميم الثالث، وهو الخاص بالتخريب الداخلي لعقل ms131 الإنسان المصري ~~ووجدانه. ~~(1) # لو أن هذا الحكم صدر عن رجل بعيد عن حركة جيل ثورة 23 يوليو لهان الأمر ~~... لكن أن يصدر هذا الحكم من رجل قريب من حركة الشباب المصري، بحكم موقعه في ~~الجامعة، فهذا يدعو إلى الاستغراب والدهشة. # ولعل لا ينسى، إن لم تكن خانته الذاكرة، أن شباب ثورة 23 يوليو بالذات، ~~والعناصر اليسارية منه بوجه خاص التي تربت في ~~أحضان منظمة الشباب الاشتراكي ~~التي كانت وما زالت إحدى التنظيمات التي أقامها العهد الناصري، هي التي ~~قادت المسيرات الطلابية، عقب الهزيمة مباشرة، وطالبت ببداية جديدة للأمور ~~ورفعت شعارات سيادة القانون والحريات، ولعل الدكتور لا ينسى الشعار، الذي ~~توجه به شباب مصر إلى الرئيس أنور السادات وكان وقتئذ رئيس مجلس الشعب ~~«أنور يا سادات ... فين قانون الحريات». # كان اليسار الناصري هو أول من رفع شعارات الحرية، وسيادة القانون، ووضع ~~بداية جادة للأمور، وإسقاط كافة السلبيات التي كان اليسار أول من نبه ~~إليها. # ولم تكن حركة اليسار الناصري هذه نابتة من فراغ ... بل إنها نتيجة التفاعل ~~الفكري الخلاق بين اليسار الناصري واليسار القديم اللذين أتيحت لهما الفرصة ~~أن يلتقيا في منظمة الشباب الاشتراكي عند بداية تكوينها عام 1965م. # ولم يكن اليمين سعيدا بحركة الشباب عام 1968م، بل إنه هاجمها وأدانها ~~سواء فيما كتبته الأقلام الرجعية في تلك الفترة، بل لعل الدكتور فؤاد زكريا ~~يذكر أن مجلس الشعب عقد جلسة عاصفة، هاجم فيها اليمين منظمة الشباب ~~الاشتراكي، باعتبارها هي أساس بلاء الشباب «بجرثومة الاهتمامات ~~العامة». # ولقد كانت حركة الشباب بالإضافة إلى الحركة الجماهيرية هي التي مهدت ~~لصدور بيان 30 مارس 1968م الذي ما زال أحد الوثائق الفكرية الهامة لثورة 23 ~~يوليو 1952م. ~~(2) # انتصار السادس من أكتوبر المجيد، تحقق بإرادة الشباب المصري. صحيح أن ~~القيادة السياسية خططت وكانت موفقة إلى أبعد الحدود في اختيار الزمان ~~المناسب لبدء الهجوم، وحقيقة أن القرار كان من أعظم القرارات التاريخية، ~~التي اتخذتها القيادة السياسية، لكن الذين وضعوا القرار موضع التنفيذ ~~الفعلي هم جيل ثورة 23 يوليو ms132 الذي يرى الدكتور فؤاد زكريا أنهم خرجوا من ~~تجربة الناصرية متبلدي الإحساس، مخربة عقولهم ووجدانهم. # والتعميم الثاني هو أن التجربة ليس لها من الاشتراكية إلا اسمها، وأنا ~~هنا أختلف مع الدكتور فؤاد زكريا، وأقول إن التجربة لم تسم نفسها ~~بالاشتراكية، وجمال عبد الناصر نفسه كان دائما يقول: إننا في مرحلة تحول ~~إلى الاشتراكية، وكيف نحكم على تجربة عمرها لم يتعد أربع سنوات! لقد تم ~~الاعتداء الخارجي على التجربة قبل أن تبدأ عامها الخامس، فالتحول إلى ~~الاشتراكية تم في مصر في منتصف عام 1962م، وجاءت الضربة الخارجية في 5 ~~يونيو 1967م ومن هنا، فليس من الصواب أن تقول إن التجربة اكتملت وإن علينا ~~أن نحكم بمقدار ما حققت من نجاح أو فشل. # وبرغم هذا العمر القصير للتجربة، فإن اليسار المصري عموما واليسار الذي ~~نما في مدرسة جمال عبد الناصر قد انتقد التجربة أثناء مسيرتها، في كل وقت ~~أتيحت له فيها حرية الكتابة أو الالتقاء بالقيادة السياسية. # ولقد كان خطأ التجربة الناصرية هو أنها كانت تتم من قمة السلطة؛ فلقد كان ~~جمال عبد الناصر في قمة السلطة يحاول بحسه الثوري أن يحدث تغييرا ~~ثوريا في المجتمع المصري اعتمادا على جهاز الدولة البيروقراطي القديم، ~~وتلك قضية أخرى لا أود التعرض لها الآن، إلا أنه يمكن القول بأنه حتى بجهاز ~~الدولة البيروقراطي القديم استطاعت «الناصرية» أن تجعل الشعب يسيطر على ~~وسائل الإنتاج الأساسية. # ولعل الدكتور فؤاد زكريا لا يختلف معنا إذا قلنا إن سيطرة الشعب على ~~وسائل الإنتاج الرئيسية هي الشرط الضروري الذي يفتح الطريق على مصراعيه ~~للتخطيط الشامل، والتنمية الاقتصادية والزيادة السريعة في الإنتاج ... (هدف ~~الكفاية). # كذلك كانت هي أيضا الشرط الضروري لتحقيق العدالة الاجتماعية (هدف العدل) ~~ولقد اقترنت الإجراءات التي نقلت الملكية لوسائل الإنتاج الرئيسية بعدد من ~~الإجراءات الأخرى التي كانت تستهدف عدالة التوزيع، أذكر من هذه الإجراءات ~~القرارات الصادرة في 19 يوليو 1961م بتخصيص 25٪ من أرباح المؤسسات ~~والمشروعات والشركات التابعة للقطاع العام للعاملين بها، والذي امتد تطبيقه ~~بعد ذلك إلى الشركات ms133 المساهمة وما يماثلها، وتمثيل العاملين في مجالس ~~إدارات الشركات بعضوين وزاد العدد فيما بعد إلى أربعة أعضاء يكون اختيارهم ~~بطريق الانتخاب. هذا فضلا عن تحديد الحد الأقصى للمرتبات بخمسة آلاف جنيه، ~~ورفع فئات الضرائب على شرائح الدخول العالية وتخفيض ساعات العمل إلى 7 ~~ساعات، وإلغاء الفائدة على القروض التي يقدمها بنك التسليف الزراعي ~~للفلاحين، والتوسع في تطبيق التأمينات الاجتماعية، على نحو يجعلها تغطي ~~كافة المخاطر التي يتعرض لها العاملون. # ومن هنا فإن الدكتور فؤاد زكريا يتفق معنا في أن نزع مصادر الثروة ~~والإنتاج من أيدي الإقطاعيين والرأسماليين والأفراد وإقامة قاعدة صناعية ~~قوية يمكن أن تكون نواة لتحول اشتراكي حقيقي في المستقبل - كما يقول - هو ~~ما يدافع عنه اليسار الآن في مواجهة الزحف اليميني الذي يريد أن يلتهم ~~إنجازات شعب بأكمله لمجرد أن أتيحت له الفرصة في التعبير عن وجهة ~~نظره. ~~(3) # والآن، هل كان اليسار المصري هو الذي برر أخطاء التجربة وامتنع عن ~~إعادة التقييم؟ # لم يقف اليسار هذا الموقف، بل إنه هو نفسه اليسار. واليسار الذي نما مع ~~التجربة ذاتها، هو الذي رفع شعارات الحرية وسيادة القانون، وهو الذي طالب ~~ببداية جادة وجديدة لمسيرة ثورة 23 يوليو، واليسار هو نفسه الآن الذي ~~يناقش ما ألم بالتجربة من سلبيات. # كذلك الجماهير العريضة هي التي حمت التجربة الثورية من الانتكاس، وإذا ~~كان الدكتور فؤاد زكريا يتخذ من استقبال نيكسون مؤشرا لاستفتاء جماهيري ~~على تجربة «جمال عبد الناصر» فماذا يقول عن هبة الجماهير المصرية يومي 9، ~~10 يونيو؟! ألم تكن استفتاء على تجربة جمال عبد الناصر؟! # أيضا أليس وداع الجماهير المصرية لجمال عبد الناصر عند رحيله استفتاء ~~شعبيا على تجربته؟! # بقيت كلمة أخيرة؛ وهي أن أخطر ما نتعرض له الآن هو خطأ التعميم، صحيح أن التجربة ~~شابها الكثير من السلبيات لكن هناك الكثير من الإنجازات التي لا يمكن إخفاؤها وأبرزها ~~على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى القاعدة الصناعية، السد العالي، شبكات ~~الكهرباء، المياه النقية في الريف، كهربة الريف، الاتساع الكمي الهائل في التعليم ms134 ~~والكيفي أيضا. # حمدان جعفر (مدير تحرير مجلة «النقل البري») # اليسار المصري وعبد الناصر، وسكان الأبراج العاجية # تأتي دراسة الدكتور فؤاد زكريا عن اليسار وجمال عبد الناصر في مرحلة هامة من مراحل ~~تطور الحركة الوطنية في مصر، مرحلة تحاول فيها قوى اليمين الرجعي العودة بمصر إلى أحضان ~~الرأسمالية العالمية، وبالمجتمع المصري إلى بناء رأسمالي متخلف ومرتع للاستثمارات ~~الأجنبية، ويقف اليسار بجميع فصائله موقف المدافع عن تقدم مصر اقتصاديا واجتماعيا ~~وحضاريا، ومن هذا المنطلق فإن أي مصري يرحب بدراسة الدكتور زكريا كمساهمة في هذا ~~الصراع الدائر الآن. # إن دراسة الدكتور زكريا نموذج متكامل لموقف المثقف المصري البرجوازي المتردد من ~~ناحية، والقادر - بما له من بلاغة - على المغالطة من ناحية أخرى، وليس هذا هجوما ~~شخصيا على الكاتب بل تقييما موضوعيا لمساهمته ومحاولته لوضعها في إطارها الصحيح من ~~حركة الفكر الوطني المصري. # أول ما يلفت النظر هو الحكم على ثورة 23 يوليو حكما «ديماجوجيا» لا يستند إلى ~~أسلوب علمي واضح، فاليمين في مصر واضح في تحليله لثورة 23 يوليو باعتبارها في نظره ~~خروجا أو انحرافا عن المسيرة الطبيعية لحركة المجتمع المصري بصورة ما قبل 1952م، أي ~~اقتصاد متخلف تابع للأسواق العالمية، ومجتمع التمايز الطبقي الصارخ وثقافة الصفوة ~~الممتازة، كذلك فإن موقف اليسار المصري واضح تماما، بل قد تحملت، وما زالت، فصائل ~~اليسار الكثير في سبيل توضيح موقفها؛ وهو أن ثورة 23 يوليو بكل منجزاتها وبكل أخطائها ~~تمثل حلقة هامة في تطور الحركة الوطنية في مصر، وهي بلا شك خطوة تقدمية بالنظر إلى ~~مجتمع ما قبل 1952م وهي بلا شك إنجاز يجب الحفاظ عليه وتطويره وتنقيته أمام هجمة ~~اليمين الرجعي في وقتنا الحاضر. إن الفترة من 1952م إلى 1970م تمثل محاولة من عناصر ~~البرجوازية الصغيرة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر لانتشال المجتمع المصري من براثن ~~الاحتلال السياسي والعسكري والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، ومن هنا فإن موقف اليسار من ~~هذه الحركة موقف متسق تماما ليس فيه ذوبان وليس فيه قصر نظر كما توهم الأستاذ ~~زكريا. # وثاني ما ms135 يلفت النظر في دراسة الأستاذ زكريا هو مغالطة دمغه لليسار بأنه ترك الحلبة ~~لليمين ليرفع الشعارات ويتبنى القضايا المصيرية، ولست أدري كيف وصل د. زكريا إلى هذا ~~الاستنتاج وهو رجل الفلسفة والمنطق! هل نسي تضحيات اليسار بكل شيء من أجل رأيه ... لقد ~~أعلن اليسار، وما زال، رأيه واضحا من كل انحراف في مسيرة ثورة 23 يوليو، وقد تكبد في ~~سبيل ذلك الكثير من فقدان الحرية إلى فقدان الحياة ذاتها ولم يكن اليسار أبدا من سكان ~~الأبراج العاجية. # وثالثا فقد ابتعد الدكتور زكريا عن العلمية حينما صور علاقة اليسار بثورة 23 يوليو ~~بأنها احتضان قاتل من الثورة لليسار، وهذا رأي يكشف عن عدم معرفة بأبسط مبادئ العمل ~~السياسي، فاليسار قوة وطنية وثورة 23 يوليو تمثل قوة وطنية ذات آفاق تقدمية ولست أرى ما ~~هو التعارض في أن ينضم اليسار إلى هذه الحركة يثريها بالفكر والعمل، ويدفعها إلى مواقع ~~أكثر تقدمية، وإن كان اليسار يدافع عن ثورة يوليو فإنه الآن إنما يفعل ذلك عن إيمان بأن ~~هذه الثورة لم تكن كلها سوءا، بل كانت حلقة تقدمية في تطور الحركة الوطنية في مصر. إن ~~اليسار المصري ليس حركة ثقافية وليس كيانا مستقلا عن المجتمع المصري؛ ولذلك فهو ~~ينخرط في تيار هذا المجتمع ويتفاعل معه، ويحاول التأثير في اتجاهه نحو آفاق أكثر تقدمية ~~ومن هنا فلا يملك اليسار ترف الجلوس على مقاعد وثيرة والنقد خاصة بعد فوات ~~الأوان. # وأخيرا فإن آراء الدكتور فؤاد زكريا هامة ويجب أن تؤخذ مأخذ الجد لا كتوجيه لليسار ~~فيما يجب أن يفعل، فاليسار يدرك تماما مسئوليته التاريخية نحو جماهير الشعب المصري، بل ~~كنموذج لفكر الأبراج العاجية البعيدة عن آلام وآمال ملايين المصريين الذين لا يملكون ~~بلاغة الكلمة، ولكنهم بكل تأكيد يملكون القدرة على تغيير مجرى تاريخ هذا البلد العظيم: ~~مصر. # د. سمير رضوان # مدرس الاقتصاد السياسي، جامعة أكسفورد # وراء موقف اليسار من عبد الناصر هدف كبير # هناك جزئية محددة تناولها الدكتور فؤاد زكريا في مقالاته؛ هي سؤال بدا أمامه ms136 ~~محيرا: # لماذا اصطدم اليسار المصري بعبد الناصر في حياته بينما يتصدى للدفاع عنه باستماتة بعد ~~موته؟ # أعتقد أن مضمون هذا السؤال هو نقطة تحتسب لليسار المصري ولا تحسب عليه؛ ففي هذا ~~الموقف بالذات ضرب اليساريون المصريون مثالا رائعا للتضحية في سبيل المبدأ، فلا يخفى ~~على أحدكم دفع اليسار المصري من حريته ومن شبابه ومن حياته ثمنا لهذا الموقف. # لقد تصدى اليسار المصري لعبد الناصر في حياته؛ لأنه كان يريد من عبد الناصر المزيد ~~من أجل تحقيق التحول الاشتراكي محذرا من الإبقاء على ذيول الإقطاع والرأسمالية ~~المستغلة، كان اليسار المصري ينتقد عبد الناصر في حياته؛ لأنه كان يريد أن يحقق ~~المأمول منه في تحقيق أمل الملايين الكادحة من هذا الشعب وهو إرساء دعائم الاشتراكية ~~الحقيقية المتكاملة، ولكن عبد الناصر تحت ضغط ظروف يعلمها الجميع دوليا وعربيا ~~ومحليا لم يستطع - مضطرا - إلا أن يخطو خطوات نحو التحول الاشتراكي، ثم مات ~~عبد الناصر ولكن التاريخ سيسجل له - سواء رضي أعداؤه أم أبوا - أنه غير خريطة المجتمع ~~المصري بأسره، وفتح باب الحياة الإنسانية بمعناها الكريم في العمل والثقافة أمام ~~الجماهير الكادحة من هذا الشعب بعد أن كانت هذه الجماهير تحيا حياة أشبه بالموت ~~البطيء، ولقد كان ذلك أعظم إنجاز اشتراكي لعبد الناصر. # ومن هنا تأتي الإجابة على الشق الثاني من السؤال المطروح وأعني به: لماذا يدافع ~~اليسار المصري عن عبد الناصر رغم كل ما لقيه على يديه؟ # لقد تصدى اليسار لعبد الناصر وحذره من الإبقاء على ذيول الإقطاع والرأسمالية ~~المستغلة، وحدث ما كان في حسبان اليسار خرج هؤلاء اليوم من جحورهم في محاولة للانقضاض ~~على التجربة بأسرها وعلى منجزات ثورة يوليو لكي يجهزوا عليها مستغلين عددا من سلبياتها ~~أو أخطائها أو «جرائمها» كما يحلو للبعض أن يسمي الأخطاء. # وهنا وللمرة الثانية يتصدى اليسار المصري انطلاقا من المبدأ الأسمى لكي يدافع عن ~~عبد الناصر وتجربته، لا شغفا بها لذاتها، وإنما لأنها التجربة الوحيدة في تاريخ ~~المجتمع المصري ذات الملامح «الاشتراكية الكاملة». # وهكذا يمكن القول إن ms137 اليسار المصري ضرب أروع الأمثلة للتصدي للسلطة أيام عبد الناصر - ~~غير عابئ بأي تبعات تقع عليه - من أجل المزيد من الانطلاق نحو تحقيق الاشتراكية وتعميق ~~الثورة الاجتماعية في مصر، وهو اليوم يتصدى لمن يريد الإجهاز على إنجازات عبد الناصر ~~الاشتراكية أملا من اليسار المصري في أن هذه الإنجازات هي اللبنات الأولى في البناء؛ ~~من أجل الوصول إلى الهدف الأعظم وهو الاشتراكية الكاملة والحقيقية. # سهام هاشم # محررة بوكالة أنباء الشرق الأوسط # اليسار حليفا ... واليسار معارضا # من الذين تعرضوا لتقييم التجربة الناصرية، فريق «فقد الوعي» على حد تعبير توفيق ~~الحكيم، فأيدها كل التأييد، ولم يلتفت إلى سلبياتها. # وفريق يناهضها بالكامل دون أن يلتفت إلى إيجابياتها. # من هؤلاء د. زكريا، الذي رفضها جملة وتفصيلا، وفي هذا الرفض المطلق أطلق النار على ~~اليسار، وكانت أدوات بحثه مواقف بعض الكتاب الماركسيين من خلال ما يكتبون في ~~الصحف. # وهذه الأدوات، ناقصة ... لأن الصحف لا يمكن - في ظروف التجربة الناصرية - أن تسمح بأن ~~يكون للماركسيين حق التعبير «الكامل» عن آرائهم. # لليسار رؤيته الخاصة، النابعة من تحليله لمسار ثورة 23 يوليو. # اليسار رآها ثورة تحرر وطني لها بعدها الاجتماعي؛ هي ثورة وطنية ديمقراطية، لها ~~مهام وطنية متمثلة في طرد المستعمر وضرب الإقطاع، وبناء اقتصاد وطني مستقل ومهام ~~ديمقراطية كان ينبغي على الدكتور فؤاد زكريا، ما دام قد تعرض لموقف اليسار، أن تكون ~~مراجعه - كأستاذ جامعي - متكاملة، فيعود إلى بيانات اليسار وصحفه السرية خلال فترة ~~التجربة الناصرية، حتى انتهاء تنظيمه المستقل؛ ليستطيع أن يقف - بدقة علمية - على حقيقة ~~الموقف «المتميز» لليسار. # الصورة التي تعكسها هذه البيانات والصحف السرية، هي صورة اليسار الماركسي المؤيد ~~بالكامل لإنجازات الثورة الوطنية مع محاولة تطويرها من جهة، ومن جهة أخرى رافضا كافة ~~أشكال الدكتاتورية، ملحا على تحقيق الديمقراطية. # كان ذلك «مربط الفرس» في الخلاف بين الماركسيين وقيادة ثورة يوليو 1952م. # إن بداية الخلاف بين التيار الغالب للماركسيين وقيادة الثورة كان الموقف من ~~الديمقراطية، وبالتحديد حين قررت هذه القيادة حل الأحزاب. # والغريب حقا، أن المتباكين ms138 على الديمقراطية اليوم، وقفوا في ذلك الوقت إلى جانب ذلك ~~الإجراء غير الديمقراطي ... بل كانوا يدعون إليه. # وفي أزمة مارس 1954م، وهي معركة حول قضية الديمقراطية، قام اليسار الماركسي بتكوين ~~جبهة ضمت الوفد والإخوان والاشتراكيين؛ للدفاع عن الديمقراطية ... ولكن في خضم المعركة ~~انسحب الاشتراكيون، وتخاذل الوفديون، وطعن الإخوان الجبهة في ظهرها، ودخل الماركسيون ~~السجون. # وعند محاكمتهم كانت لهم مواقفهم التي تسجل لهم، وقفوا أمام محكمة الدجوي الشهيرة ~~رافضين المحاكمة قبل أن تسجل احتجاجاتهم على صدور حكم بالإعدام على عبد القادر عودة ~~وزملائه، إدراكا منهم بخطورة مبدأ قمع الأفكار بالإعدام حتى ولو كان ذلك المبدأ لا ~~يتناولهم هم، بل يتناول خصومهم في الفكر. # وإنني أنصح د. فؤاد زكريا أن يعود إلى سجل محاكمات الماركسيين؛ فهي مرجع أساسي للحكم ~~على موقفهم. # إن تصاعد صدام الثورة مع الاستعمار في 1955م هو الذي تدخل لتخفيف التناقض بين ~~الماركسيين والثورة؛ إذ غمر موج الصدام العالي قضية الديمقراطية، ومع ذلك، ورغم قيام ~~عمل وطني مشترك بين الثورة والماركسيين، فقد ظل مطلب الديمقراطية في مقدمة بيانات ~~الماركسيين. # كان شعارهم للجان المقاومة الشعبية هو: السلاح والديمقراطية للشعب. # وكان شعارهم في انتخابات أول مجلس نيابي للثورة 1957م إطلاق الحريات السياسية ~~والإفراج عن «جميع المسجونين السياسيين» بالإضافة إلى برنامجهم الاجتماعي. # بل إن مطلب الديمقراطية كان يتقدم المطالب الاجتماعية في كل برنامج أو بيان ~~للماركسيين بعد الثورة بعكس موقفهم قبل الثورة؛ فقد كان للمطالب الاجتماعية صدارة ~~الأدبيات الماركسية. # وحين طرحت مسألة الوحدة مع سوريا نفسها على مستوى جماهيري، كان موقف اليسار تأييد ~~الوحدة، على أن تكون خطوتها الأولى شكل الاتحاد، وطالبوا بأن تنعكس صورة الحريات ~~السياسية المتقدمة - آنذاك - في سوريا على الوضع في مصر، بينما تنعكس صورة التقدم ~~الاقتصادي المتحرر من النفوذ الأجنبي على الوضع في سوريا. # ومن هذا الخلاف حول قضية الشكل الديمقراطي لدولة الوحدة حدث الصدام الثاني بين اليسار ~~والثورة، وخلال خمس سنوات سوداء قضاها الماركسيون في السجن التزموا نفس الموقف، مساندة ~~كل ما هو تقدمي في الثورة مع ms139 التصميم على طرح قضية الديمقراطية باعتبارها «الضمان ~~الوحيد لاستمرار التقدم» وبعد عام 1964م ظل الماركسيون يرفعون علم النضال من أجل ~~الديمقراطية وتصحيح أخطاء العمل التقدمي للثورة. # وظلت الثورة على سياستها حتى في فترة حرية العمل النسبية لليسار، تحافظ على تقليد لها ~~وهو أن يكون في سجونها بعض الماركسيين، وظل هذا الوضع إلى ما بعد وفاة عبد الناصر ~~بفترة. # لمصلحة من تخلط الأوراق إذن ... وتلصق بالماركسيين تهمة إهدار الدفاع عن الديمقراطية، ~~بينما كانت راية الدفاع عنها هي الراية التي سقط تحتها شهداؤهم ... وقضى معظمهم زهرة ~~شبابه في السجون وهم يحملونها بإصرار؟ # علي محمد الصباغ # مجلس مدينة طنطا # ملاحظات على حديث نجيب محفوظ # هذه الملاحظات سريعة على بعض ما جاء في حديث الأستاذ نجيب محفوظ ... من إنسان ينتمي ~~بالعقيدة والعمل إلى ثورة يوليو 1952م، ويرتبط بفكرها ارتباطا عضويا. # أولا: # يقول الأستاذ نجيب محفوظ: «حين ننظر إلى ثورتنا نجد أننا يمكن أن نحكم ~~عليها، ونحن مضطرون في نهاية من نهاياتها الحاسمة - يونيو 1967م - بأنها ~~تجربة فاشلة ... أنزلت بالبلد هزيمة لم يسبق لها مثيل ... وقفت بنا على شفا ~~الإفلاس ...» # ولو راجع أستاذنا صفحات التاريخ المصري، لتأكد أن هزيمة 1967م، تعد ~~شيئا لا يذكر بجانب تحطيم الجيش المصري بأكمله في عهد محمد علي أمام تجمع ~~أوروبي متعصب استطاع أن يملي شروطه بتحديد حجم الجيش المصري بحيث لا يخدم ~~سوى أغراض الأمن الداخلي، وتكرر نفس الشيء في عهد الخديوي إسماعيل حيث ~~استدرج الجيش المصري إلى حرب الحبشة ووقفت أوروبا وراء الإمبراطور المسيحي ~~وتم لهم القضاء على الجيش المصري هناك. # بل إن التجمع الأوروبي تحت شعار الصليب ضد صلاح الدين، أعتبره - من ~~وجهة نظري - بداية مخطط غربي ساري المفعول حتى الآن بتحديد حجم قوة مصر ~~العسكرية وحصرها داخل ظروف محلية غير مواتية للانتشار حتى تشغلها عما يدور ~~حولها في العالم وتبعدها عن التأثير في الأحداث. # ولماذا نذهب بعيدا والدولة الصهيونية التي تبنى الغرب مولدها في قلب ~~الأمة العربية كالخنجر المسموم، ما هي إلا عميلة له، تخدم هدفه ms140 الأساسي ~~بإجهاض القوة العسكرية العربية في مهدها وحصر انتباهها داخل حدودها بفعل ~~الشعور بالخطر الصهيوني المتزايد. # وهناك عدة حقائق أخرى - في معرض الحديث عن هزيمة يونيو 1967م. ~~(1) # إن هذه المعركة هي أول معركة تخسرها الثورة المصرية على مدى ~~15 عاما من صراعها ضد مؤامرات الاستعمار والصهيونية في ~~الخارج، والرجعية العميلة والرأسمالية المستغلة في الداخل، ~~لشعور أعداء الثورة بخطرها الداهم على مصالحهم بعد أن شدت ~~تجربة الثورة المصرية انتباه الشعوب المستعمرة في آسيا ~~وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأثارت إعجابهم باتجاهاتها الوطنية ~~واعتبروها نموذجا للاقتداء به. ~~(2) # إن هزيمة 1967م هي هزيمة عسكرية بحتة في معركة واحدة، ونتيجة ~~أخطاء عسكرية بحتة، وقع فيها بعض القادة العسكريين عن إهمال أو ~~غرور أو سوء في التقدير. ~~(3) # إن هزيمة 1967م - رغم قسوتها - لم تكسر إرادة الشعب أو إرادة ~~الثورة، وكان الشعب أكبر من الهزيمة فتجاوزها، وخرج يعلن رفضه ~~للهزيمة ويؤكد صموده وثقته الكاملة بقائده الجريح. ~~(4) # إنه من الظلم أن يصور الأستاذ نجيب محفوظ هزيمة 1967م كنهاية ~~لثورة 1952م، فهذه الهزيمة القاسية كانت هي المنطلق الأساسي ~~والحافز الأول لانتصار أكتوبر 1973م كنتيجة منطقية لاستفادة ~~الثورة بالعبرة والتجربة من أخطاء الماضي، وستبقى الثورة ~~رافعة أعلامها مرددة نشيدها، ما بقي شعب مصر الكادح. # ثانيا: # وفي معرض الحديث، يتهم الأستاذ نجيب محفوظ عبد الناصر بالديكتاتورية ~~واستئثاره بالسلطة. # وهنا تحضرني تساؤلات ملحة؛ ما هي مظاهر دكتاتورية عبد الناصر ودلالاتها؟ ~~هل هي في عدم إيجاد عبد الناصر لتنظيم سياسي فعال يملأ الفراغ الذي تركته ~~الأحزاب؟ ولكن، هل يتسنى لأحد أن يبني التنظيم السياسي الفعال بين يوم ~~وليلة؟ ومن أين تأتي فعالية التنظيم السياسي، أليس من تفاعله مع قاعدته ~~الجماهيرية العريضة؟ وكيف يتسنى لتنظيم سياسي وليد أن يتفاعل مع جماهيره ~~العريضة ويرتبط بآمالها ويلتزم بالمحافظة على مصالحها؟ والجواب بالطبع، مع ~~الوقت وبالممارسة الديمقراطية وبتوالد كادرات سياسية جديدة من داخل التنظيم ~~تعي وتؤمن وتلتزم بمبادئه عقيدة وعملا. # لقد ظل عبد الناصر يحبذ ديمقراطية الحكم كأساس وكمبدأ، وثابت في محاضر ~~مجلس قيادة الثورة أن عبد الناصر ms141 وخالد محيي الدين قدما استقالتيهما من ~~المجلس عندما أصرت الأغلبية على اختيار ديكتاتورية الحكم، ولم يقبلا ~~العودة إلى المجلس إلا بعد موافقة المجلس على رأيهما باختيار الديمقراطية ~~كأساس للحكم الثوري. # لقد ربط عبد الناصر نفسه بالجماهير - عن إيمان منه بوعيها وحساسيتها - ~~فلم تخذله الجماهير، وأصبح حديث عبد الناصر يتجه مباشرة إلى الشعب، كبديل ~~واقعي عن عدم فعالية التنظيم وضعف ارتباطه بجماهيره وعجزه عن الالتحام ~~بهم. # ومكانة عبد الناصر بين الشعب مقياسها يوما 9 و10 يونيو 1967م ويوم إذاعة ~~خبر وفاته، ويوم تشييع جثمانه إلى مقره الأخير، ولا محل هنا للتقول ~~والتبرير؛ لأنه في هذه الأيام كان عبد الناصر دون حول ولا قوة. # ثالثا: # صور الأستاذ نجيب محفوظ حرب اليمن، على أنها مغامرة من عبد الناصر ضد من ~~يهاجمون نظامه الاشتراكي. # ورغم أن ملف حرب اليمن لم يفتح بعد، إلا أنه يمكن القول بأنها تمت ~~تطبيقا لمبدأ (المساندة الكاملة للثورة العربية) عن إيمان كامل بأن الثورة ~~العربية في كل مكان جزء لا يتجزأ. # وانتصارا لنفس المبدأ، قامت ثورة مصر بإرسال قواتها إلى كل من العراق ~~وسوريا وليبيا، ثم أقرب مثال يوم وفاة العاهل السعودي الملك فيصل، حيث عرض ~~الرئيس السادات على الملك خالد إرسال قوات مصرية إليه للمساعدة تحسبا منه ~~لمظنة وقوع انقلاب عسكري في السعودية. # ومهما كانت التضحيات البشرية والمادية، فإن هذه هي مسئولية مصر وقدرها ~~وواجبها نحو كل دولة عربية مهما بعدت، وتحرص الثورة المصرية بالأصالة كلها ~~على تطبيق هذا المبدأ من واقع مسئوليتها وقدرها. # وليس بخاف على أحد أن انتصار الجمهورية في اليمن الشمالي، عجل بانتصار ~~الجمهورية في اليمن الجنوبي التي أغلقت باب المندب في حرب أكتوبر، وقدمت ~~القواعد للأسطول المصري، وبالطبع هذه إحدى ثمار ثورة اليمن وحرب ~~اليمن. # إن هزيمة في معركة مهما كان حجمها لا يمكن أن يكون نهاية لثورة ~~الشعب. # سمير عبد الفتاح سيد أحمد # الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ms142