######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.CarabWaNamudhajAmriki.Hindawi84080974 #META# Tags: philosophy :: history #META# ID: 84080974 #META# Title: العرب والنموذج الأمريكي #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - التغلغل الأمريكي في عقولنا‏ # 2 - أمريكا ظاهرة فريدة لن تتكرر‏ # 3 - أمريكا من الداخل‏ # 4 - أمريكا وقضايانا السياسية‏ # 5 - قضية إسرائيل‏ # 6 - قضية الأيديولوجية والتنمية‏ # 1 - التغلغل الأمريكي في عقولنا‏ # 2 - أمريكا ظاهرة فريدة لن تتكرر‏ # 3 - أمريكا من الداخل‏ # 4 - أمريكا وقضايانا السياسية‏ # 5 - قضية إسرائيل‏ # 6 - قضية الأيديولوجية والتنمية‏ # | العرب والنموذج الأمريكي # | العرب والنموذج الأمريكي # تأليف # فؤاد زكريا # الفصل الأول # | التغلغل الأمريكي في عقولنا # على عكس ما يقول الكثيرون، أعتقد أن العالم يشهد في السنوات الأخيرة مدا أمريكيا ~~واسع النطاق. فهزيمة أمريكا في فيتنام قد تقادم عهدها، والضربة التي تلقتها أمريكا في ~~أفغانستان ثم إيران ضربة موجعة بلا شك. ولكن في مقابل ذلك أحرزت أمريكا انتصارين على أعظم ~~جانب من الخطورة: أحدهما في الصين، مفتاح الشرق الأقصى، حيث أصبحت السياسة الصينية - في ~~الآونة الأخيرة - ذيلا للسياسة الأمريكية، بل أصبحت أشد منها تحمسا في محاربة جميع خصوم ~~أمريكا، ووصلت إلى حد محاربة حركات التحرر الوطني أينما كانت، والآخر في مصر، مفتاح الشرق ~~الأوسط، حيث تسير السياسة الرسمية في اتجاه التحالف الصريح مع أمريكا على جميع الجبهات، ~~وحيث يتوقع الأمريكيون من المعاهدة المصرية الإسرائيلية أن تكون الخطوة الأولى في طريق ~~السيطرة الشاملة على المنطقة، والقضاء على الحركات المعارضة لنفوذهم في المناطق الأخرى ~~المحيطة بالشرق الأوسط. # وربما قيل إن الأحداث الأخيرة قد أفقدت أمريكا الصداقة التقليدية المطلقة التي كانت ~~تحملها لها بعض الدول العربية المحافظة، وإن هذا يدخل في باب الخسارة بالنسبة إلى النفوذ ~~الأمريكي في الشرق الأوسط. ولكن ينبغي أن نتنبه إلى أن السبب الذي تعلنه هذه الدول صراحة ~~لغضبها من أمريكا هو أنها لا تحمي أصدقاءها بحزم كاف، كما أثبتت الأحداث الإيرانية بوضوح. ~~وأبسط تحليل لهذا السبب يدلنا على أن الغضب في هذه الحالة لا يرجع إلى نزعة تحررية لدى ~~هذه الدول، بقدر ما يرجع إلى خيبة أملها في تساهل أمريكا أو سلبيتها. وبعبارة أخرى، فلو ~~كانت أمريكا قد أظهرت مزيدا من الحزم في إيران (وكلنا نفهم ماذا ms01 يعنيه «الحزم» في هذه ~~الحالة)، وتمكنت من حماية «أصدقائها» في ذلك البلد ، لما غضب منها أحد. وهكذا فإن الصداقة ~~المفقودة لا تحسب، في الواقع، ضمن خسائر أمريكا، لأنها تعبر عن وجهة نظر أولئك الذين ~~كانوا يتوقعون من أمريكا أن تكون أشد بطشا، وكانوا يتمنون أن تكون قبضتها أكثر ~~إحكاما - أي كانوا يريدون من أمريكا أن تكون أكثر «تأمركا» بالمعنى التقليدي لهذا ~~اللفظ. # هناك، إذن، حركة توسع أمريكية في الشرق الأوسط. ولكنني أود أن أركز حديثي على ~~منطقتنا، ومن هذه الزاوية أستطيع أن أقول إن آمال أمريكا في المنطقة قد انتعشت إلى أبعد ~~حد في السنوات الأخيرة، إن لم يكن بسبب انتصاراتها الذاتية فعلى الأقل بسبب هزيمة القوى ~~المناوئة لها. # ولكن الأهم من ذلك أن هناك مدا أمريكيا داخل عقولنا ونفوسنا: فالنموذج الأمريكي يفرض ~~نفسه علينا بقوة متزايدة، والأسلوب الأمريكي في الحياة، الذي قد يرفضه الكثيرون في العلن، ~~يقابل في السر بإعجاب متزايد، والقوة الأمريكية العسكرية والاقتصادية والإعلامية تبهر ~~أعدادا متزايدة من العرب، بل إن أجهزة الإعلام في أكبر دولة عربية، وهي مصر، أصبح يسيطر ~~عليها أشخاص لا هدف لهم سوى تجميل صورة أمريكا وعرضها بأزهى الألوان، ولن أكون مبالغا إذا ~~قلت إن هذه الأجهزة قد نجحت بالفعل في إقناع الكثيرين بروعة هذه الصورة. ووصل هذا الاقتناع ~~إلى حد الاقتناع السائد على أعلى المستويات بأن محاكاة النموذج الأمريكي يمكن أن يحل جميع ~~مشكلات بلد كمصر ويدفعها بخطوات سريعة إلى الأمام ما دام هذا النموذج قد جعل من أمريكا ~~ذاتها أعظم وأقوى دول العالم في مائتي سنة فقط. # لقد أصبحت «الوصفة» غاية في البساطة: أمريكا بنت نفسها في قرنين من الزمان، فأصبحت أعظم ~~بلاد العالم. إذن فاتباعنا للنموذج الأمريكي سيجعلنا بدورنا عظماء متقدمين، وسينقلنا ~~من الفقر إلى الغنى، ومن الضعف إلى القوة. # هذه هي العقيدة الجديدة التي لا توجد فقط في عقول بعض الزعماء، بل تتسرب بشتى الوسائل ~~إلى عقول الناس العاديين. ولو تأملنا المحيطين بنا من الناس، لوجدنا نسبة كبيرة منهم ms02 تؤمن، ~~داخليا على الأقل، بفاعلية هذه «الوصفة» وتقف مشدوهة أمام عظمة النموذج الأمريكي، ~~وتتمنى في قرارة نفسها لو استطعنا أن نحاكيه في مجتمعاتنا. # هذا المد الأمريكي الزاحف، على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، وعلى المستوى ~~الفردي في عقول الناس ونفوسهم، هو الذي أقنعني بضرورة الكتابة من أجل تحليل النموذج ~~الأمريكي تحليلا موضوعيا، وإيضاح أبعاده للإنسان العربي حتى يتخذ موقفه من هذه المسألة ~~الحيوية بوعي وتبصر، دون أن ينجرف في تيار الدعاية أو يغرق في خضم التضليلات. ~~••• # وليعذرني القارئ إذا بدأت هذا التحليل بتقديم نفسي من الزاوية المطروحة في صفحات هذا ~~الكتاب، أعني من حيث علاقتي الشخصية بأمريكا. فكاتب هذه السطور قضى في الولايات المتحدة خمس ~~سنوات من أخصب فترات حياته، وفيها أنجب اثنين من أبنائه الثلاثة، وألف اثنين من أعز ~~كتبه إليه. وفي أمريكا يعيش شقيق له مهاجر حصل على جنسيتها، وما زالت علاقاته الشخصية بكثير ~~من الأصدقاء الأمريكيين تحمل كل سمات الود والوفاء. وليس في تاريخ كاتب هذه السطور أي ~~انتماء إلى أية هيئة أو حزب معاد بطبيعته، وبحكم أيديولوجيته، لأمريكا. # هذا التقديم الشخصي بدا لي ضروريا حتى يدرك القارئ الروح التي أكتب بها هذا التحليل. ~~ذلك لأن من السهل الاعتراض على شهادة من يحكم على أمريكا من منطلق عدائي، ومن يرفض ~~أيديولوجيتها رفضا مبدئيا دون أن يعايشها أو ينغمس في دروب حياتها. لكني أردت أن أطمئن ~~القارئ، منذ البداية، إلى أني لن أتخذ وجهة نظر معادية بلا تفاهم، وإلى أنني عرفت أمريكا ~~عن قرب، ومن حقي أن أدلي عنها بشهادتي في هذه الأيام التي يطرح فيها النموذج الأمريكي ~~نفسه علينا بقوة والحاح. # من طبيعة أمريكا أنها بلد يدعو إلى الانبهار. إنها بلد جمع في داخله أكبر كمية من «أفعل ~~التفضيل»: فهي أقوى، وأغنى، وأحدث من كل بلاد العالم. كل شيء فيها أضخم، وأسبق، وأعظم مما ~~تجده في أي بلد آخر. إنها البلد الذي وصلت فيه سيطرة الإنسان على الطبيعة، وتسخيرها لخدمته، ~~وتأكيد سيادة العقل البشري على العالم المادي وقدرته ms03 على تشكيله وفقا لغاياته، إلى حد ~~يفوق ما كان يحلم به الفلاسفة والأدباء وأصحاب «المدن الفاضلة» على مر التاريخ. هذه حقيقة ~~لا يقدر على إنكارها من عالمنا المعاصر أحد. # ولكن القضية التي أود أن أدافع عنها، في هذه الدراسة هي: # أولا: # أن النموذج الأمريكي فريد في نوعه، حدث مرة واحدة ولا يقبل ~~التكرار. # ثانيا: # أن هذا النموذج الأمريكي، الذي يدعو حقا إلى الانبهار، مليء بالعيوب ~~الذاتية. # ثالثا: # أن هذا النموذج لا يصلح لأي بلد في العالم الثالث، ولا لأي بلد في العالم ~~العربي بوجه خاص. # قلت من قبل إن المد الأمريكي يزحف، لا إلى سياستنا واقتصادنا فحسب، بل إلى عقولنا أيضا. ~~قد نحمل على أمريكا حين ينكشف دورها في مساندة إسرائيل بصورة مفضوحة، ولكن في عقول الكثيرين ~~منا إعجابا صامتا بها، مقرونا بالرهبة والانبهار. # وفي اعتقادي أن الإعجاب المفرط بأمريكا يظهر، في عالمنا العربي (وربما في جميع بلاد ~~العالم الثالث) بين الفئات الآتية: ~~(1) # هناك أولا أصحاب المصالح المباشرة. ولا أعني بذلك فقط أولئك الذين ترتبط ~~مكاسبهم الاقتصادية بأمريكا، كأصحاب التوكيلات والشركات المتعاملة مع أمريكا، ~~بل أعني أيضا أولئك الذين يؤمنون بأن أعمالهم، حتى ولو لم تكن ترتبط مباشرة ~~بأمريكا، لا تزدهر إلا في جو يسوده الود والوئام مع هذا البلد. # فهؤلاء يعتقدون أن ارتباط بلادهم بأمريكا يهيئ لهم أفضل مناخ يستطيعون فيه ~~أن يمارسوا نشاطهم الاقتصادي - الذي هو عادة نشاط حر ذو طبيعة رأسمالية - وهم ~~آمنون على مصالحهم وكثيرا ما تجد هؤلاء يبررون مواقفهم بشتى التبريرات ~~التي قد تغلف بقشرة معنوية أو أخلاقية أو حتى دينية، ولكن من وراء هذا كله ~~توجد المصالح المباشرة. # هذه الفئة تتخذ موقفا صريحا، واضحا، لا يستطيع أحد أن يلومها عليه، ما ~~دام ينسجم مع أهداف الحياة التي اختارتها لنفسها. ~~(2) # أما الفئة الثانية فينتمي إليها أشخاص يتسمون بانحراف الوعي الاجتماعي ~~والأخلاقي، فتغطي مشاعرهم ورغباتهم الأنانية على تقييمهم للنمط الأمريكي في ~~الحياة. هؤلاء قد لا يكونون أصحاب مصالح مباشرة مع الأمريكيين، كالفئة السابقة، ~~ولكنهم ينظرون إلى ms04 أمريكا على أنها مرادفة للترف، والمتعة الاستهلاكية، ~~والمستوى المعيشي المرتفع، والسيارات الفارهة ، والأجهزة الإلكترونية الراقية. ~~ومعظم أفراد هذه الفئة من المهنيين، ولكننا قد نجد بينهم عمالا فنيين، أو ~~حتى مجموعات تنتمي إلى فئات أدنى. هؤلاء جميعا تتجه أمانيهم وتطلعاتهم إلى ~~تحقيق النموذج الأمريكي في حياتهم الخاصة، وينفرون من أي نموذج آخر باعتباره ~~مرادفا للتقشف والاقتصار على الضروريات والحرمان من متع «الحياة ~~اللذيذة». # وتتسم هذه الفئة بأنها لا تطرح على نفسها أسئلة من نوع: هل هذا الرخاء ~~الاستهلاكي الذي قد يجلبه النموذج الأمريكي لهم، يمكن أن يصل إلى الجميع، حتى ~~الفقراء من الناس؟ ألن يغدو الفقراء أشد فقرا، ويزداد حرمانهم بقدر ما يزداد ~~استمتاع الفئة المميزة في المجتمع؟ هل ينجح النمط الأمريكي في الحياة، حين ~~يطبق على بلد متخلف أو محدود الموارد، في حل مشكلات فئات المجتمع كلها، أم ~~أنه يرضي فئة محدودة إلى أقصى حد، على حساب أوسع فئات المجتمع؟ هذه أسئلة لا ~~تطرحها الفئة التي نتحدث عنها من المعجبين بالنمط الأمريكي. وليس معنى عدم ~~طرحها لهذه الأسئلة أنها دائما غير واعية بها، بل إنني أعرف - من تجربتي ~~الشخصية - حالات كثيرة لأشخاص لديهم إدراك كامل للتمييز الصارخ الذي يجلبه ~~الأخذ بالنموذج الأمريكي، ومع ذلك فإنهم يتعلقون به أشد التعلق لأنهم، ~~ببساطة، لا يكترثون بمصير الفئات الأخرى ولا يضيرهم على الإطلاق أن ينعموا على ~~حساب غيرهم. إن لسان حال كل منهم يقول: ما دامت مشكلتي الشخصية قد حلت، ~~ففيم يهمني الآخرون؟ ~~(3) # وتأتي بعد ذلك فئة أولئك الذين ارتبطت حياتهم، في وقت ما بأمريكا، أعنى أولئك ~~الذين تلقوا العلم فيها، أو قاموا بزيارات لها، وهؤلاء تعود نسبة كبيرة منهم ~~إلى بلادها وقد انطبعت بالطابع الأمريكي في تعاملها مع الناس، وأخذت تستخدم ~~التعبيرات الأمريكية في لغتها والحركات الأمريكية في سلوكها، بل إن أعدادا ~~منهم تعود حاملة معها تحيزات الأمريكيين المريضة ذاتها. فقد عرفت من العرب ~~المقيمين في أمريكا أناسا كانوا يغيرون المبنى الذي يقيمون فيه لو سكنه ~~زنجي، حتى لو كان ذا مركز ms05 اجتماعي محترم، وكان عدد منهم يردد نفس الحجج ~~التي يرددها غلاة المتعصبين الأمريكيين عن «الملونين». # ولحسن الحظ أن بلادنا تضم عددا غير قليل من خريجي الجامعات والمعاهد ~~الأمريكية، ممن لا يكتفون بالمشاهدات السطحية ولا ينجرفون وراء التحيزات ~~الضيقة، وإنما تنفذ بصيرتهم إلى ما وراء المظهر السطحي البراق، ومن ثم ~~فإنهم يحتفظون بموضوعيتهم طوال إقامتهم وبعد عودتهم. والعامل الذي يحدد ~~الفارق بين هؤلاء وأولئك هو مدى الوعي الذي يكون الدارس في أمريكا أو الزائر ~~لها مسلحا به. ومن هنا كنا نجد نسبة كبيرة ممن دخلوا أمريكا في مقتبل ~~أعمارهم، بغير وعي سياسي واجتماعي متماسك، يجرفهم التيار في طياته، ويعودون ~~إلينا بمظهر أمريكي وعادات وحركات وإيماءات أمريكية، ويحملون معهم، قبل هذا ~~وذاك، إعجابا غير مشروط، متغلغلا في أعمق تلافيف أمخاخهم، بالنموذج الأمريكي ~~في جميع المجالات. ~~(4) # أما الفئة الأخيرة فهم أولئك الذين يتأثرون بالصورة الإعلامية البراقة ~~للحياة الأمريكية. ففي «الثقافة العالمية» التي تولدت عن الثورة المعاصرة في ~~وسائل الإعلام، تحتل نواتج الإعلام الأمريكي موقع الصدارة. وهكذا تصدر ~~أمريكا إلى بلاد العالم - وبخاصة العالم الثالث - أفلامها السينمائية ~~ومسلسلاتها التلفزيونية وأسطواناتها ورقصاتها وأزياءها. وفي هذه النواتج ~~الإعلامية والثقافية تندس - بطريقة قد لا تكون مقصودة أحيانا، ولكنني أرجح ~~أنها مقصودة في أغلب الأحيان - صورة براقة ~~للحياة الأمريكية، تمر في الفيلم أو الحلقة التلفزيونية مرورا عابرا، ولكنها ~~تؤثر تأثيرا بالغا - على المستوى الشعوري واللاشعوري - في المشاهدين، ولا ~~سيما إذا كان الطابع الغالب على حياتهم هو الحرمان. وبمضي الوقت تترسب في ~~أذهانهم صورة أمريكا الضخمة، الفخمة، المترفة، القادرة على كل شيء، والتي لا ~~يقف في وجهها شيء، ويكون لهذه الصورة حتما تأثيرها في وعيهم الاجتماعي ~~واختياراتهم السياسية. # هذه الفئة الأخيرة، الخاضعة للتضليل الإعلامي المنهجي المدروس، تؤلف الشطر ~~الأكبر من أنصار أمريكا في بلادنا، ولكنها فئة يستطيع المرء أن يتفاهم معها دون ~~أن يخشى من أن تطغى عليها مصالحها أو أنانيتها أو تحيزاتها. ومن ثم فإن ~~حديثي موجه أساسا إلى أفراد هذه الفئة، وإن كنت آمل بطبيعة الحال أن ms06 يمعن ~~النظر فيه بعض أفراد الفئات الأخرى على الأقل. ففي اعتقادي أن عرض الصورة ~~كاملة، ومن كافة جوانبها، يمكن أن يفتح أمام الكثيرين أبوابا للتفكير ولمراجعة ~~آرائهم السابقة. وهذا أقصى ما آمل فيه: أن يعيد المعجبون المفتونون بالنمط ~~الأمريكي النظر في أفكارهم، وأن يراجعوا موقفهم في إطار ما سيقدم إليهم من ~~حقائق آمل أن تكون موضوعية بقدر ما أستطيع، حتى يتبينوا بأنفسهم، في النهاية، ~~إن كان هذا النمط هو الذي يصلح لمجتمعاتنا، أم أنه سيكون عائقا في وجه تقدمنا، ~~فيما لو أصبح هو السائد بيننا؟ # الفصل الثاني # | أمريكا ظاهرة فريدة لن تتكرر # إلى المؤمنين بمنطق أن «أمريكا بنت نفسها حتى أصبحت الدولة العظمى في مائتي عام، فلنفتح ~~لها أبوابنا حتى نضمن لأنفسنا تقدما مماثلا»، إلى هؤلاء أقول إن الظاهرة الأمريكية ~~فريدة غير قابلة للتكرار، وأنها حدثت نتيجة لتضافر عدد من الظروف التي يستحيل أن تتجمع مرة ~~أخرى في مكان آخر أو في زمان مختلف. # هذه الظروف التي لا تقبل التكرار، والتي جعلت من أمريكا «الدولة الأعظم» في العصر الحديث، هي: # أولا: # أمريكا قارة تنتمي إلى العالم الجديد. وهذه في ذاتها حقيقة أساسية ~~تحكمت في تحديد مركز أمريكا وسط دول العالم منذ البداية: فالعالم القديم ~~كان قد استهلك منذ ألوف السنين، ونضبت موارده عبر الحضارات التي تعاقبت ~~عليه. أما أمريكا فكانت أرضا بكرا اكتشفت منذ أقل من خمسة قرون، ولم ~~يبدأ استغلالها الحقيقي إلا منذ ثلاثة قرون، وربما اثنين. وهي لم تكن أرضا ~~بكرا فحسب، بل كانت قارة كاملة غنية بالموارد الطبيعية إلى حد مذهل، ~~تجاورها قارة أخرى كاملة تكون «ساحتها الخلفية» وتخضع لاستغلالها خضوعا ~~مباشرا. وفي هذا الصدد نستطيع تشبيه أمريكا بكنز هائل ظل مخفيا ألوف ~~السنين، ينتظر صاحب الحظ السعيد الذي يعثر عليه، ولم يكتشف إلا بعد أن ~~كانت الكنوز المعروفة قد شبعت استهلاكا. # ولقد كان الوقت الذي اكتشف فيه هذا الكنز الجبار وقتا فريدا بدوره، ~~أعني عصر النهضة الأوروبية ومطلع العصر الحديث؛ ذلك العصر الذي بدأت فيه ~~أوروبا ms07 تتطلع إلى السيطرة على الطبيعة عن طريق العلم والتكنولوجيا، والذي ~~نادى فيه مفكروها وفلاسفتها الكبار بأن يصبح البشر «سادة الطبيعة ~~وملاكها». وأن يكون العلم للسيطرة، «لا للمعرفة فحسب». في لحظة الطموح ~~الفريدة هذه، وفي العصر الذي خرج فيه الأوروبيون من ظلام العصور الوسطى ~~الطويل وتفتحت أمامهم آمال وتطلعات هائلة، وفي الفترة التي تخلص فيها ~~الإنسان من عبودية الإقطاع، وانتقل إلى التحرر والطموح الرأسمالي وأتاحت ~~له علومه الجديدة ومراجعته الجذرية لتنظيماته الاجتماعية إمكانات للتقدم ~~بغير حدود، في هذه اللحظة بالذات، اكتشفت أمريكا. # وهكذا تضافرت عوامل فريدة في خلق الظاهرة الأمريكية: أرض مليئة بالخيرات ~~التي لم تكد تمس، يهبط عليها فجأة مجموعة من البشر المنتمين إلى حضارة بلغت ~~أوج نهوضها وتفاؤلها، ويحملون معهم كل خبرات العالم القديم وتراثه العلمي ~~والفكري، وطموح الإنسان الحديث إلى السيطرة على الطبيعة وتشكيل حياة جديدة ~~لنفسه. وإذا كانت التقاليد الأوروبية قد وقفت عائقا، إلى حد ما، في وجه ~~هذا الطموح، فها هي ذي أرض جديدة لا حدود لاتساعها وإمكاناتها، تفتح ~~أبوابها على مصراعيها أمام الإنسان الأوروبي وهي تبدو أمامه بلا تاريخ، ولا ~~صاحب. # ثانيا: # ولكن هل كانت هذه الأرض حقا بلا تاريخ، وبلا صاحب؟ من الحقائق التي ~~يعرفها الجميع أن هذه الأرض كان يسكنها شعب مسالم، أدت به عزلته النائية ~~وعدم اختلاطه بالحضارات الأخرى إلى التخلف عن بقية العالم في ميادين ~~متعددة، ولكنه كان صاحب حضارة مزدهرة في مناطق معينة على الأقل: في ~~المكسيك، وأمريكا الوسطى، وأجزاء من أمريكا الجنوبية، وخاصة بيرو. # غير أن نقطة الضعف الكبرى في هذا الشعب كانت أدوات الحرب: فقد طور ~~الغرب الأوروبي أسلحته قبل الفترة التي غزا فيها الأرض الأمريكية، إلى ~~مستوى كان يتيح له بسهولة إبادة شعب لا يستخدم سوى أسلحة الصيد البسيطة. ~~وكان هذا التفوق في التسلح، أي في صناعة القتل، هو العامل الأول لانتصار ~~المستعمرين الأوروبيين على أصحاب الأرض الأصليين، ومن المؤكد أن أمريكا ظلت ~~دائما تدرك بوعي تام أهمية التفوق في التسلح، بدليل أنها ما زالت تفوق ~~سائر ms08 بلاد العالم في هذا الميدان الرهيب، وما زالت صاحبة «الفضل» الأول في ~~«تحسين» أدوات الفتك والإبادة، وفي تطوير أنواع وأجيال جديدة من الأسلحة، ~~وإرغام العالم على مجاراتها في هذا الميدان اللاإنساني العقيم. # ولسنا في حاجة إلى أن نشير إلى الأساليب البشعة التي استخدمت في هذا ~~التصادم بين حضارة طموح تستهدف التوسع بأحدث وسائل الدمار المعروفة عندئذ، ~~وبين حضارة مسالمة معزولة لم تكن تعمل أي حساب لليوم الذي سيهبط عليها فيه ~~هؤلاء الغرباء المتفوقون، بل لم تكن تتصور أنهم موجودون أصلا. ذلك لأن ~~أفلام الهنود الحمر، على ما فيها من تشويه وقلب للحقائق، كفيلة بإلقاء ~~الضوء على عملية الإبادة الجماعية التي كان المستعمرون يمارسونها ضد كل من ~~يقف في وجه توسعهم وامتداد نفوذهم - تلك الإبادة التي ما زالت تؤرق ~~ضمائر كثير من المؤرخين الأمريكيين المنصفين حتى اليوم. # لقد كان الهنود الحمر شعبا أبيا، لا يقبل الذل، فقاوم بقدر ما يستطيع، ~~وكانت نتيجة ذلك أن استأصله الأمريكيون من جذوره، ولم تبق منه إلا مجموعات ~~قليلة تعيش في مستوطنات مقفلة معزولة تستغل في الأغلب لأغراض تجارية ~~بوصفها متحفا بشريا حيا. # ولكني أود، قبل أن أترك هذا الموضوع أن أطرح على قارئي العربي سؤالا: ~~ألم تستنتج من هذا الوصف لموقف الأمريكيين من الهنود الحمر شيئا؟ ألا ~~يذكرنا ذلك، إلى حد بعيد، بموقف الصهيونية من فلسطين؟ لقد كانت أمريكا ~~بدورها، في نظر المستوطنين الأوروبيين الجدد، أرضا بلا شعب، وكان الوافدون ~~من جميع أرجاء أوروبا، الذين ضاقت بهم قارتهم القديمة أو ضاقوا بها، والذين ~~كان منهم تجار مغامرون ورجال دين متزمتون وأفاقون وأرباب سجون ومجرمون ~~هاربون؛ كان هؤلاء يعدون أنفسهم شعبا بلا أرض. # كان كل شيء في الأرض الجديدة ممهدا أمام طموحهم وأهدافهم التوسعية، ~~ولم تكن تعترضهم سوى عقبة «صغيرة» هي أن في هذه الأرض سكانا ظلوا يعيشون ~~فيها منذ ألوف السنين. إذن فلنتخلص منهم بسرعة، ولنحاول بعد ذلك أن نسدل ~~ستارا من الصمت والنسيان على تلك الحقيقة «الصغيرة» المزعجة، لا سيما وأن ~~إنجازاتنا اللاحقة كفيلة ms09 بأن تبرر في نظرنا، وفي نظر العالم، ما حدث في ~~تلك المرحلة الأولى، المظلمة، من تاريخنا. # لقد أردت أن أجري هذه المقارنة حتى لا يشعر القارئ بالدهشة حين يجد ~~أمريكا تؤيد إسرائيل إلى هذا الحد الذي يبدو أحيانا غير مفهوم. فإلى ~~جانب المصالح المشتركة والسياسة الرسمية، هناك شيء في نفس المواطن الأمريكي ~~يجعله متعاطفا مع الحجج الصهيونية؛ إذ يرى فيها ترديدا لنفس الحجج ~~التي قامت عليها بلاده، والتي كان يستخدمها أجداده في إبادة الهنود الحمر. ~~فهناك عنصر مشترك قوي بين التكوين العقلي والنفسي للإنسان الأمريكي ~~والإنسان الصهيوني: هو الإيمان بأن الأرض ينبغي أن تنتمي إلى من يعرف كيف ~~يستغلها إلى أقصى حد، أما صاحبها الأصلي فليذهب إلى الجحيم، وهو أيضا ~~الالتجاء إلى القوة الغاشمة في سبيل إقرار حق الاستغلال، واستخدام ~~التبريرات المعنوية في وقت لاحق، بعد أن تكون القوة المباشرة قد فرضت أمرا ~~واقعا، وهو الاعتقاد بأن ما ينتمي إلى حضارة أكثر تقدما، بالمعنى ~~المادي البحت للكلمة، من حقه أن يعيش على حساب المتخلفين أو حتى فوق ~~جثثهم. صحيح أن الفرق بين الصهيوني والفلسطيني من حيث القدرة على استغلال ~~الأرض، ومن حيث التقدم الحضاري بوجه عام، لا يقارن بالفرق بين الأمريكي ~~المستوطن والهندي الأحمر، بل إن التمييز - في الحالة الأولى - يمكن ألا ~~يكون قائما على أي أساس، ولكن ليس هذا هو لب الموضوع، وإنما المهم هو أن ~~الحجج التي تقدمها الأيديولوجية الصهيونية إلى العالم، والتي تجد صدى ~~خاصا في نفوس الأمريكيين، ترتكز على فكرة التفوق الحضاري والقدرة على ~~الانتفاع من موارد الأرض، إلى أقصى حد، وعلى الإقلال من شأن «السكان ~~الأصليين» والدعوة إلى نسيان وجودهم. # أليس من المعقول، والحال هذه، أن تكون الصهيونية قادرة على الضرب على وتر ~~حساس لدى المواطن الأمريكي العادي، وأن يكون «الضمير الأمريكي» على أتم ~~استعداد للتوافق مع العقلية الصهيونية؟ أيستطيع الأمريكي العادي أن يقول ~~للصهاينة: «ولكن الأرض ليست أرضكم، بل كان فيها شعب يمتلكها من عشرات ~~القرون»؟ أيستطيع أن يقول ذلك دون أن يكون قد ms10 أدان نفسه في الوقت ~~ذاته؟ # ثالثا: # ولأنتقل - بعد هذا الاستطراد، الذي هو مع ذلك ضروري بالنسبة إلى هدف ~~بحثنا هذا - إلى العامل الثالث الذي أتاح لأمريكا أن تبلغ ما بلغته، والذي ~~يجعل من أمريكا ظاهرة فريدة غير قابلة للتكرار. هذا العامل هو نظام ~~الرق، الذي تفشى في أمريكا على أوسع نطاق في نفس الفترة التي كان ~~فيها المستوطنون يبنون مجتمعهم الجديد، والذي أسهم بنصيب هائل في إثراء هذا ~~المجتمع. # ولست في حاجة إلى أن أذكر القارئ ببشاعة الأساليب التي كان يلجأ ~~إليها تجار الرقيق لجلب آدميين مسالمين من مواطنهم الأصلية في أفريقيا لكي ~~يعاملوا معاملة أسوأ من معاملة الحيوانات في البلد الجديد، في نفس الوقت ~~الذي كان فيه هذا البلد يقدم إلى العالم «وثيقة حقوق الإنسان» - الأبيض ~~بالطبع - ذلك لأن القصة أصبحت الآن معروفة، في أغلب بلدان العالم العربي، ~~بفضل عمل من أروع الأعمال الفنية التثقيفية الهادفة، وهو مسلسل «الجذور» ~~التلفزيوني. # ولكن الذي يهمنا في هذا السياق هو أن نشير إلى أن استغلال عمل ملايين ~~العبيد الأشداء، طوال أجيال كثيرة، بلا أي مقابل، كان لابد أن يسهم بدور ~~عظيم الأهمية في تحقيق نهوض اقتصادي سريع في هذا البلد. لقد كان الجنوب ~~الزراعي كله، والشمال إلى حد ما في البداية، يعتمد على قوة عمل العبيد ~~المجانية، فإذا ما تساءل شخص: كيف أحرز النظام الرأسمالي هذا النجاح السريع ~~في أمريكا؟ كان من الواجب أن نرد عليه بما قاله أحد المفكرين الأمريكيين ~~المستنيرين وهو يتحدث عن أثر استغلال عمل الزنوج في الاقتصاد الأمريكي: إذا ~~كان لديك تاجران متنافسان، يعمل لدى أحدهما عمال لا يتقاضون أجرا طوال ~~حياتهم، على حين أن الآخر يدفع لعماله أجورهم بانتظام، فأيهما تكون فرصته ~~أكبر في الربح وفي توسيع أعماله؟ # رابعا: # كان موقع أمريكا المنعزل، الذي يفصله عن بقية العالم محيطان شاسعان، من ~~أكبر عوامل تقدمها. ذلك لأن الحروب المتوالية قد مزقت سائر البلدان ~~المتقدمة أو المؤهلة للتقدم في أوروبا وآسيا، على حين أنها تركت أمريكا ~~سليمة لم تمس. ms11 وعلى كل من يقارن بين المستوى الأمريكي المرتفع وبين بقية ~~دول العالم أن يسأل نفسه: ماذا لو كانت أمريكا قد ألقيت عليها قنابل ذرية ~~كاليابان، أو استنفدت مواردها المادية والبشرية في حروب القرن التاسع عشر ~~وفي الحربين العالميتين الرهيبتين في القرن العشرين كألمانيا وإنجلترا ~~وفرنسا؟ ماذا لو كانت أخصب أراضيها قد أحرقت، وأعظم مدنها قد دمرت، ~~وثلاثون مليونا من سكانها قد قتلوا، كما حدث للاتحاد السوفيتي في الحرب ~~العالمية الثانية وحدها؟ # طوال تلك الحروب كانت أمريكا آمنة من كل ضرر: فلم تسقط على أرضها قنبلة ~~واحدة، ولم يهدم فيها بيت واحد (إذا استثنينا حربا واحدة في أواسط القرن ~~الماضي، وتلك كانت حربا أهلية بين الشمال والجنوب الأمريكيين)، ولم تجد ما ~~يدعوها حتى إلى إطفاء الأنوار، على سبيل التحوط، طوال الحرب العالمية ~~الثانية. # بل إن أمريكا لم تسلم من أضرار الحروب فحسب، وإنما كانت الحروب بالنسبة ~~إليها مصدرا هائلا للربح، وقوة دافعة ضخمة لاقتصادها. ففي الوقت الذي كان ~~فيه الأوروبيون يقتتلون بضراوة، كانت كل معركة جديدة، وكل دماء جديدة تسيل، ~~تعني مزيدا من الربح لمصانع الأسلحة الأمريكية، ووراء مصانع الأسلحة تأتي ~~مئات الصناعات المساعدة والمساندة، وتعني مزيدا من فرص العمل للعمال ~~ومزيدا من التوسع والازدهار لأصحاب الأعمال. وأقرب مثل إلينا ذلك ~~الاختلال الذي طرأ على بنية الاقتصاد الأمريكي كله بعد انتهاء حرب فيتنام ~~- وهي حرب محدودة، بالقياس إلى الحروب العالمية. # وهكذا لم يكن موقع أمريكا البعيد، المنعزل، مصدر تأمين لها من ويلات ~~الحرب فحسب، بل أتاح لها أن تحول الحروب التي تدمر الآخرين إلى رصيد ~~إيجابي يزيد من قوتها ويضاعف ثراءها. # ما الذي نستدل عليه من هذا كله؟ لقد كانت القضية التي نود إثباتها، في ~~هذا الجزء، هي أن أمريكا ظاهرة فريدة لا تتكرر، وأن مجموعة العوامل التي ~~تضافرت لكي تجعل أمريكا أقوى وأغنى دولة في العالم كانت بالفعل عوامل لم ~~يتح مثلها لأي بلد آخر. ومن هنا فإن المقارنة بين أمريكا وبين أي بلد ~~آخر، إذا كانت تأتي دائما لصالح ms12 الأولى، فإن ذلك يرجع أساسا إلى أن ~~الظروف خدمت أمريكا على نحو يستحيل تحققه في أية حالة أخرى. # ونحن لا نعني بذلك أن الشعب الأمريكي قد وجد نفسه محظوظا بفعل مجموعة من ~~المصادفات التاريخية الفريدة التي قدمت إليه القوة والثروة على طبق من ~~ذهب. فمن المؤكد أن هذا الشعب قد بذل جهودا جبارة من أجل استثمار ~~موارده. ولكن كانت هناك أيضا شعوب أخرى تبذل جهودا شاقة، دون أن تجني ~~مقابلها ثمارا معادلة؛ لأن مجموعة الظروف التي تحيط بها غير مواتية، ولأن ~~الموارد التي تستغلها محدودة أو شحيحة، أما في حالة أمريكا فإن كل جهد ~~يبذل كان كفيلا بتحقيق أعظم النتائج، لأن كل شيء كان متوافرا. # وتترتب على هذه القضية نتيجة في غاية الأهمية: هي أن أمريكا لا تصلح ~~أصلا لكي تكون «نموذجا»؛ ذلك لأن من طبيعة الظاهرة الفريدة أن تحدث مرة ~~واحدة، وألا تقبل المحاكاة. بل إنني سأفترض افتراضا خياليا، فأقول إن ~~أمريكا ذاتها لا تستطيع أن تكرر نفسها. فلو فرضنا أن قارة مثل أمريكا قد ~~اكتشفت في مكان ما من العالم، في الظروف الراهنة، فإن من المستحيل أن يظهر ~~فيها من جديد أقوى وأغنى مجتمع في العالم؛ لأن ظروف العالم الحالية لن تسمح ~~لمستوطني هذه القارة بإبادة شعبها الأصلي بسهولة، ولن تسمح لهم بجلب ملايين ~~العبيد واستغلال قوة عملهم بلا مقابل، لأن وجود نظم اقتصادية وسياسية ~~منافسة لن تتيح لهم حرية الحركة والتوسع والامتداد التي كانت متوافرة لهم ~~في القرنين الأولين من تاريخهم. # الفصل الثالث # | أمريكا من الداخل # إذا كانت أمريكا، كما بينا من الفصل السابق، ظاهرة لا تقبل التكرار، ومن ثم لا تشكل ~~نموذجا يمكن الاقتداء به في مجتمعات أخرى، فإنا نود أن نثبت في هذا الفصل أن الإنسان ~~الأمريكي بدوره نوع فريد من البشر، وأن نمط الحياة التي يعيشها هذا الإنسان لا يصلح أصلا ~~للعالم الثالث، وللإنسان العربي بوجه خاص. # إن الإنسان الأمريكي يتمتع، دون شك، بسعادة من نوع خاص. فهو - على وجه الإجمال - غني، ~~تحيط به ms13 أحدث منتجات التكنولوجيا وأكثرها تطورا. وهو يستهلك بمعدل عال جدا، يفوق ~~استهلاك الفرد الواحد فيه استهلاك عشرات الأفراد في البلاد الفقيرة، ويحيط نفسه بمجموعة من ~~«المقتنيات» التي تحسده عليها معظم شعوب العالم. # وهو يشعر بأنه حر، بل إنه ينتمي إلى أكثر المجتمعات البشرية حرية. وبالفعل يعطيه الدستور ~~ضمانات تؤمنه ضد تعسف السلطة، ويمنحه حق التعبير عن نفسه ومحاسبة حكومته دون عائق، ~~ويكفل له اختيار ممثليه دون تدخل سافر، وسحب ثقته ممن يسيئون استغلال سلطتهم حتى لو ~~كانوا في أعلى قمم جهاز الدولة. ويمتد شعور الإنسان الأمريكي بالحرية حتى يصل إلى تفاصيل ~~حياته الشخصية: فلديه حرية كاملة في اختيار نوع التعليم الذي يريد، وليس هناك - نظريا - ~~أية حواجز طبقية تمنع أبناء الشعب من تلقي أرفع أنواع التعليم. وهو حر في اختيار الطبيب ~~الذي يعالجه، وفي استطاعته، لو شاء، أن يتلقى الرعاية الطبية في أعظم دور العلاج ~~وأرقاها. وهو حر في اختيار صاحب العمل الذي يعمل عنده، وفي أن يغيره كما يشاء لو أتيحت ~~له فرصة أفضل، بل إن الابن أو الابنة لهما الحرية في ترك منزل العائلة والبدء في حياة ~~مستقلة، ماديا ومعنويا، منذ اللحظة التي يشعران فيها بالرغبة في الاستقلال، ~~وهكذا. # فإذا أضفنا إلى ذلك عدم وجود رقابة حكومية على الصحف ومصادر المعلومات، كان من السهل أن ~~نفهم ذلك الشعور الحاد بالحرية، الذي يتميز به الإنسان الأمريكي، والذي يؤمن بأنه هو السمة ~~الإيجابية الكبرى التي يتفوق بها نمط الحياة الأمريكي على سائر أنماط الحياة ~~المعاصرة. # هذه هي الصورة كما تبدو على السطح، وكما يراها معظم الأمريكيين والمعجبون بنمط الحياة ~~الأمريكي من بين أفراد الشعوب النامية. ولكن وراء هذا السطح أعماقا خفية لا تدركها العين ~~للوهلة الأولى، وإن كان الوعي بها يزداد انتشارا يوما بعد يوم. ونحن إذ نركز حديثنا ~~على ما وراء المظهر الخارجي، لا نهدف إلى تصيد الأخطاء أو اقتناص السلبيات، وإنما نود ~~قبل كل شيء أن نكمل الوجه الآخر للصورة، وذلك في إطار الهدف العام الذي نسعى إليه ms14 من هذا ~~البحث، وهو أن يكون الإنسان العربي رأيه عن النموذج الأمريكي بطريقة موضوعية ~~متكاملة. ~~••• # إن الثراء الأمريكي ليس مطلقا. ففي أمريكا فقراء بأعداد لا بأس بها، وفيها عاطلون ~~يشكلون نسبة من الأيدي العاملة قد تصل أحيانا إلى العشر. وقد يرى البعض أن الفقير في ~~أمريكا أحسن حالا، على وجه العموم، من متوسط الحال في معظم البلاد المتخلفة، وهو أمر يمكن ~~أن يكون صحيحا إذا ما نظرنا إليه نظرة إحصائية رقمية، أما إذا تأملناه من منظور إنساني ~~فلن يعود السؤال الرئيسي هو: ما مدى فقر الفقير في المجتمع الأمريكي؟ وإنما لماذا يكون هناك ~~فقراء أصلا، في بلد يتمتع بكل هذا الثراء؟ وبالمثل فإن العاطل يحصل، لمدة معينة، على ~~مبلغ من الضمان الاجتماعي قد يسد احتياجاته الضرورية، ولكن المسألة في هذه الحالة أيضا ~~ليست مقدار هذا المبلغ، وإنما هي: لماذا يكون هناك عاطلون بالملايين، في أوقات الرخاء وفي ~~أوقات الأزمات على حد سواء، وكيف يرضى المجتمع الأمريكي بأن تكون ظاهرة البطالة جزءا لا ~~يتجزأ من بنيانه، ومن نظام حياته؟ ولماذا تظهر البطالة - على مستوى غير قليل - في مجتمع ~~يملك وسائل إنتاج هائلة وإمكانات عظيمة للتوسع؟ وما هو التأثير المعنوي للبطالة في نفس ~~الإنسان، بغض النظر عن تأثيرها المادي في مستوى حياته؟ # إن التعليل المعروف لهذه الظاهرة هو أن المجتمع الذي يقوم على الاقتصاد الحر بأوضح صوره، ~~يحتاج إلى وجود نسبة من العاطلين عن العمل كيما يساوم بهم ضد مطالبات العمال المستمرة لرفع ~~أجورهم. وهذا التعليل يفترض، بالطبع، أن العامل الإنساني في الموضوع لا أهمية له، أي أن ~~إحساس العاطل بالإحباط، وعدم الأمان، والانهيار الناتج عن شعوره بأنه سيظل لفترة - لا يدري ~~إلى متى تطول - إنسانا غير منتج في المجتمع، كل ذلك لا يدخل في الحسبان ما دامت مصلحة ~~الأعمال الاقتصادية (البيزنس) تقتضيه. # وهنا نضع أيدينا على نقطة أساسية من النقاط التي تميز مجتمع الثراء والوفرة هذا: هي ~~اللاإنسانية. وأنا لا أعني بذلك أن الإنسان هناك يحارب أو يضطهد في كل الحالات، ms15 وإنما ~~أعني ببساطة أن الإنسان «لا يعمل له حساب» - فهو يأتي على الهامش، بالقياس إلى ضرورات ~~الأعمال الصناعية والتجارية. والعلاقات الإنسانية لا تدخل بوصفها عاملا يحسب حسابه عند ~~اتخاذ قرار اقتصادي أو اجتماعي معين. «من المفارقات الساخرة أن العقل الأمريكي هو الذي ~~اخترع علما اسمه العلاقات الإنسانية # Human Relations ~~» ~~وهذا العلم يتعلق بالجانب الإعلامي والإعلاني من الأعمال الاقتصادية، والمتخصصون فيه ~~يبحثون في كيفية التأثير في العمال والعملاء، أي في المنتجين والمستهلكين، وفي كيفية ~~التعامل مع المنافسين أو المشاركين في الإنتاج، كل ذلك بهدف واحد أخير هو زيادة الربح إلى ~~أقصى حد، أي أنه - بصريح العبارة - هو علم «العلاقات اللاإنسانية». وعندما تكون مصلحة ~~الأعمال الاقتصادية (البيزنس) مهددة، فإن العوامل المجردة التي لا تقيم أي وزن لما هو ~~إنساني هي وحدها التي تؤخذ في الاعتبار. إنه شكل من أشكال قانون الغابة، ولكنه منقول من ~~صورته البدائية إلى صورة شديدة التعقيد، تلائم أعلى مراحل العلم والتكنولوجيا وأعقد صور ~~الإنتاج. # هذا الشعور بانعدام الأمان، وإحساس الإنسان، عن وعي أحيانا أو بلا وعي في الغالب، بأن ~~متطلباته النفسية والوجدانية خارجة عن نطاق العمل، ولا يعمل لها حساب في جهاز الإنتاج ~~الجبار، يخلق مناخا عاما من التعامل اللاإنساني بين البشر. ولا أود أن أطيل الحديث في ~~موضوعات أصبحت الآن معروفة: كالقول مثلا إن نسبة الجريمة في المجتمع الأمريكي تعلو على ~~نظيرتها في معظم المجتمعات الأخرى. ولكني أود، في صدد مسألة كهذه، أن أنبه القارئ إلى ~~ظاهرة قد لا يجدها واضحة في التحليلات الشائعة؛ وهي الارتباط الوثيق بين «شكل» الجريمة ~~الأمريكية، والطابع العام للمجتمع. ففي العالم كله ترتكب جرائم، والكثير منها بشع، ولكن ~~الجريمة في أمريكا لصيقة إلى أبعد حد بالمجتمع الأمريكي ذاته: إنها أولا جريمة تكنولوجية ~~على أعلى مستوى، تستخدم فيها أحدث الأساليب والمعدات التي يقف أمامها أعتى اللصوص في ~~مجتمعاتنا «المتخلفة» مشدوهين بلهاء. (من دواعي السخرية أن المسلسلات البوليسية الأمريكية ~~تتباهي بالأساليب التكنولوجية الفائقة في عصريتها، والتي تستخدمها الشرطة الأمريكية في ~~القبض على المجرمين: من ms16 طائرات هليكوبتر وزوارق هائلة السرعة وأجهزة لاسلكية خفيفة وأدوات ~~تحليل بارعة وعقول إلكترونية تختزن المعلومات وتعيد تقديمها في ثوان، ومع ذلك فإن صانعي ~~هذه المسلسلات لا يدركون أن الشرطة لا تضطر إلى استخدام هذه الأساليب العصرية المعقدة إلا ~~لأن المجرمين بدورهم يستخدمون أساليب مماثلة، أي لأن المجرمين أعتى وأشد إجراما). وهي ~~ثانيا جريمة لا إنسانية: فنسبة جرائم القتل التي ترتكب بلا سبب، أو لأسباب لا يمكن أن ~~تؤدي إلى القتل في المجتمعات الأخرى، نسبة رهيبة. وهكذا تكون الجريمة صورة مصغرة للمجتمع، ~~في تكنولوجيته الرفيعة المقترنة باللاإنسانية. # أما ظواهر التعصب العنصري، الذي لا تزال آثاره باقية بوضوح، وخاصة في الجنوب الأمريكي، ~~فأمرها معروف. وأما إدمان المخدرات، وتفكك الأسرة وانحلالها وانعدام المشاعر الإنسانية ~~الحميمة فيها، فتلك أيضا ظواهر أصبح الجميع على وعي بها، وأصبح الكتاب الملتزمون في ~~أمريكا نفسها يدقون ناقوس الخطر بشأنها بلا انقطاع. ولكن الشيء الذي أود أن أوجه إليه ~~نظر القارئ العربي بالذات هو الطابع «العبثي» لهذه الظواهر في المجتمع الأمريكي: فالفنون ~~الأمريكية تقدم إلينا كل يوم أعمالا تعرض فيها صراعات بين الأب والابن مثلا، ولكن ~~المرء حين يتأملها جيدا لا يرى «مشكلة» على الإطلاق، ولو كان الموضوع الذي يدور حوله ~~الصراع في مجتمع شرق مثلا، لأمكن حله بسهولة تامة، دون أن يصاب أحد بعقدة مستعصية. وحين ~~يتأمل المرء ظاهرة إدمان صغار المراهقين للمخدرات، وارتكابهم شتى أنواع الجرائم أو ~~الرذائل في سبيل «حقنة» من المخدر، يشعر بأن المجتمع الذي يسيطر على مادة الطبيعة على أكمل ~~وجه، قد وقف عاجزا تماما عن السيطرة على الإنسان، وأن الدقة الكاملة التي يتسم بها ~~الإنتاج المادي يقابلها تسيب كامل واختلال أساسي في السلوك البشري. # ولكن، ماذا نقول عن الإحساس بالحرية، الذي يعده الأمريكي مفخرته الكبرى، والذي وصل إلى حد ~~إطلاق اسم «العالم الحر» على الاتجاه الأيديولوجي الذي تتزعمه أمريكا؟ ~~••• # إن في بعض الضمانات الفردية التي يمنحها الدستور الأمريكي للمواطن، وفي الإحساس بوجود ~~«قانون»، لا بد من احترامه - قانون يسري على الجميع، ولا يستثنى ms17 منه أحد ~~- في هذا نموذج يمكن أن يتعلم منه الإنسان العربي، ~~والحكومات العربية، الكثير . لكن مع تسجيلي لإعجابي الخاص بهذا الجانب من «الحرية» ~~الأمريكية، فلا بد من تنبيه القارئ إلى أن هذا الحكم لا يمكن إطلاقه دون تحفظات ~~هامة. ~~••• # إن القانون هناك يحترم حقا، والدستور لا يخرق، وعندما يحدث انتهاك صارخ تكون العواقب ~~وخيمة، حتى لو كان المنتهك أكبر رأس في البلاد. هذا صحيح بلا شك، ولكن لنسأل أنفسنا: من ~~الذي يضع القانون هناك؟ إن المؤسسات الدستورية قائمة، وهي تمارس عملها بكفاءة تامة في إطار ~~الشرعية السائدة في البلاد. ولكن من الذي يصل إلى السيطرة على هذه المؤسسات؟ وما نوع ~~القوانين التي يتوقع من هؤلاء المسيطرين أن يصدروها؟ # في الانتخابات الأمريكية، سواء على مستوى المجلسين المنتخبين (الكونجرس) أو محافظي ~~الولايات أو رئاسة الجمهورية، نجد نموذجا واضحا لطبيعة هذه الحرية الدستورية؛ فكل شيء يتم ~~بحرية كاملة، ولا يمكن أن يحدث تدخل من جانب الحكومة لتزييف إرادة الشعب أو توجيه عملية ~~الانتخاب لصالح مرشح معين. ولكن من المحال أن يكون أي شخص قادرا على ترشيح نفسه على نحو ~~يعطيه أملا في النجاح إلا إذا كان منتميا إلى طبقة الأثرياء، لأن النظام يجعل من ~~المستحيل أن ينجح مرشح، على أي مستوى، ما لم ينفق على الدعاية أموالا طائلة. وليس هناك - ~~خارج مجموعة قليلة من المفكرين الناقدين - من يطرح أسئلة مثل: لماذا تكون قوة الدعاية ~~والإعلان عاملا أساسيا في النجاح؟ ولماذا يعين كل مرشح، حتى على مستوى أعضاء الكونجرس ~~مكتبا كاملا للاتصال والعلاقات العامة والدعاية، مهمته تحسين صورته أمام الناخبين؟ وهل ~~يعد النجاح الذي يتم إحرازه بفضل تدخل عامل كهذا، مقياسا لحرية اختيار حقيقية لدى ~~الناخبين؟ والأهم من ذلك كله: ما نوع القوانين التي سيصدرها مرشح كهذا حين ينجح، وما هي ~~المصالح التي سيدافع عنها في هذه القوانين؟ # وتنطبق تساؤلات مماثلة على حرية الصحافة وسائر أجهزة الإعلام؛ فبالرغم من أن الرقابة ~~الحكومية غير موجودة، فإن هذه المرافق مؤسسات تجارية في أغلب الأحيان، تستهدف الربح ms18 وتعتمد ~~على إيراد الإعلانات، ومن ثم فإنها لا تستطيع أن تعبر عن سياسة مضادة لمصالح الشركات التي ~~تقدم إليها أموالها اللازمة عن طريق الإعلان، ولو فعلت ذلك لكان أيسر السبل لتأديبها ~~أو لإسكاتها هو حجب الإعلانات عنها. # وتتدخل المصالح التجارية ذاتها في ميادين كالتعليم، حيث تدار أهم الجامعات على أساس ~~تجاري، وتعتمد اعتمادا أساسيا على منح المؤسسات وهباتها، ومن ثم كان لهذه المؤسسات ~~دائما صوت في إدارة سياستها. وإذا كان الشاب «حرا» في اختيار نوع التعليم الذي يريده، ~~فما قيمة هذه الحرية إذا كانت نفقات التعليم باهظة، وما قيمة حريتك في اختيار طبيبك إذا كان ~~المرض ذاته من أكبر المصائب التي يمكن أن تحل على الإنسان، نتيجة لما يتكلفه علاجه من ~~نفقات باهظة، وإذا كان إجراء عملية جراحية كارثة لمن كان دخله محدودا، وإذا كانت نقابة ~~الأطباء الأمريكية - وهي من أكثر الهيئات رجعية في العالم - تقف بكل صلابة، منذ عشرات ~~السنين، معارضة لأي نوع جاد من تأميم الطب، أو حتى أي شكل من أشكال رعاية المجتمع لصحة ~~الفقراء أو المسنين؟ # إن الأمثلة لا حصر لها، وكلها تدل على أن «الحرية» موجودة قانونا، ومحترمة شكلا، ولكن ~~كل شيء يتم تحت السطح وبطريقة «قانونية» أيضا، بحيث تفرغ هذه الحرية من مضمونها ~~الحقيقي، وتكون إطارا خارجيا يختلف عن محتواه الداخلي كل الاختلاف. ~~••• # إن تجاهل الاعتبارات الإنسانية عنصر أساسي من عناصر نمط الحياة الأمريكي: فالهدف هو أن ~~تدور عجلة الإنتاج بكفاءة، وأن يزداد الربح وتتوسع الأعمال بلا انقطاع. وفي سبيل تحقيق ~~هذا الهدف لا يقام وزن للعوامل الإنسانية، بل ينظر أحيانا إلى الاهتمام بها على أنه سمة ~~مميزة للمجتمعات الأكثر تخلفا؛ لأن الكفاءة الصناعية والإنتاجية ينبغي أن تكون لا شخصية، ~~مجردة. # هذه حقيقة أشار إليها الكثيرون، وإذا أكدناها فلن نكون قد أضفنا جديدا إلى ما كتبه ~~مئات الكتاب عن ضياع الإنسان في المجتمع الصناعي الضخم، وعن طغيان قيم النجاح والتوسع ~~والربح على القيم الإنسانية. ولكن، في هذا الوقت الذي يعرض فيه النموذج الأمريكي على ms19 الأمة ~~العربية بقوة وإلحاح بوصفه نموذجا ينبغي أن نأخذ به لكي نعوض تخلفنا، وفي هذا الوقت الذي ~~يتطوع فيه بعضنا للدعاية لهذا النموذج وغرسه في عقولنا بكل قوة، لا بد لنا من أن نشير ~~إلى مفارقة غريبة تنطوي عليها الدعاية الأمريكية التي تهدف إلى «بيع» نموذجها لبلاد العالم ~~الثالث. # ذلك لأن أمريكا تقدم نفسها على أنها حامية القيم المعنوية والروحية والإنسانية، ~~وتكرس جزءا كبيرا من دعايتها لإثبات أن خصومها الأيديولوجيين (المعسكر الاشتراكي) هم ~~الماديون، على حين أنها هي التي تتجاوز المادية وتعلو عليها. ولما كان هدفنا من هذه ~~الدراسة هو إلقاء الضوء على النموذج الأمريكي ذاته، فسوف نترك جانبا ما تقوله أمريكا عن ~~خصومها، ونختبر هذا النموذج من تلك الزاوية بالذات. # إن المفكرين المدافعين عن نمط الحياة الأمريكي يفخرون بأنه يتيح للإنسان كل فرص الربح، ~~ويؤكدون أن دافع الربح أساسي في الإنسان؛ فهو القوة المحركة التي تحفزه إلى المزيد من ~~العمل والتجديد والابتكار. وعلى الرغم من أن هذه القضية قابلة للنقاش على أوسع مدى، وعلى ~~الرغم من أن الإنسانية قد عرفت نظما تنادي بحوافز أخرى للعمل والمجهود غير حافز الربح، ~~كالسعي إلى تحقيق مصلحة المجموع، أو تحقيق الإنسان لإمكاناته الخلاقة وما ينتج عنه من ~~إرضاء معنوي إلخ، فإننا نود أن نتوقف عند نقطة واحدة: هي التناقض الصارخ بين تأكيد دافع ~~الربح، وبين ادعاء حماية المعنويات واتهام الخصوم بالمادية. # إن أمريكا، وفقا لأيديولوجيتها المعلنة صراحة، لا بد أن تكون أكثر المجتمعات مادية في ~~عالمنا المعاصر. وليس هذا اتهاما وإنما هو إقرار لحقيقة بسيطة واضحة. فحين تقول إن حافز ~~الربح هو القوة الدافعة إلى العمل والابتكار، وحين تتهم خصومك بأنهم لا يعطون الإنسان فرصة ~~كافية لكي يربح إلى أقصى مدى تسمح له به إمكاناته، يكون معنى ذلك أن فلسفتك مادية حتى ~~النخاع، وأن تشدقك بحماية المعنويات والروحانيات ليس نفاقا فحسب، بل تناقض صارخ يرفضه ~~أبسط عقل منطقي. إن الإنسان هناك لا يعمل إلا من أجل المزيد من المال، ومن الأرباح، ومن ~~المستوى ms20 المادي المرتفع. وقد تكون هذه حقيقة من حقائق الحياة، وقد يكون هذا هو بالفعل أقوى ~~الحوافز التي ثبت، حتى المرحلة الحالية من تاريخ البشر على الأقل، أنها هي التي تحرك ~~الإنسان إلى الإنتاج وبذل الجهد، هذا كله جائز، ولكن ليست هذه هي القضية التي أناقشها، ~~وإنما الذي أود أن أقوله ببساطة هو: إذا كنت من أنصار هذا الرأي فكيف تدعي أنك خصم ~~للمادية، وكيف تنصب نفسك حاميا للمعنويات وحارسا لإنسانية الإنسان؟ # هذا التناقض يمثل، في رأيي خدعة من أخطر الخدع الفكرية التي تتعرض لها شعوب العالم ~~الثالث. وعلينا أن نتنبه بكل وعي إلى هذه المغالطة في الوقت الذي يطرح فيه النموذج ~~الأمريكي على الساحة العربية بقوة وإلحاح؛ ذلك لأن مجتمعاتنا ما زالت حريصة كل الحرص على ~~وجود حد معين من القيم الإنسانية والمعنوية، وما زالت تؤمن بأن ما يحرك الإنسان ليس ~~الماديات وحدها (رغم اعترافنا بأهمية الماديات)، وبأن في الإنسان قوى تعلو على السعي ~~المباشر إلى الكسب والاقتناء. فإذا تقدمت إليها الدعاية الأمريكية على أنها هي التي ترعى ~~هذا الجانب المعنوي في الإنسان، وإذا ظهر بيننا من يبدي إعجابه غير المحدود بالنموذج ~~الأمريكي، فلنقل له: في استطاعتك أن تعجب بنمط الحياة الأمريكية كما تشاء، ولكن عليك أن ~~تعترف بأنك تسعى، في هذه الحالة، إلى إقامة مجتمع مادي بصورة صريحة مباشرة في صميم كيانه، ~~وعليك في نهاية الأمر أن تتحمل العواقب اللاإنسانية المترتبة على هذا الجري اللاهث وراء ~~المادة، وهذا التجاهل التام للجانب المعنوي في الإنسان. # الفصل الرابع # | أمريكا وقضايانا السياسية # منذ الحرب العالمية الثانية على وجه التحديد، أصبحت أمريكا طرفا في القضايا السياسية ~~التي تقرر مصير الأمة العربية؛ فطوال الفترة التي سبقت تلك الحرب، كانت هناك قوى عظمى أقدم ~~عهدا، مثل بريطانيا وفرنسا تشغل القدر الأكبر من اهتمام العرب، لأنها كانت تمثل الاستعمار ~~التقليدي، أو قوى منافسة له، تمثل شكلا جديدا من أشكال السيطرة يريد بسط نفوذه على ~~العالم بالقوة العسكرية المباشرة، كألمانيا النازية أو إيطاليا الفاشية. وكانت المشاكل التي ms21 ~~تعترض الفكر السياسي العربي إزاء هذه القوى الاستعمارية التقليدية واضحة وبسيطة: فالصراع ~~بين الأمة العربية والدول الكبرى كان ينحصر، عندئذ، في السعي إلى الاستقلال الوطني وإخراج ~~المحتل من الأرض. ومن جهة أخرى فإن المعسكر الآخر، المنافس، الموجود في ذلك الحين لم يكن ~~يقدم نفسه إلى العالم العربي على أنه يمثل نظاما متكاملا للحياة والفكر والسياسة ~~الاجتماعية والاقتصادية، أي على أنه صاحب أيديولوجية تسعى إلى الانتشار عن طريق الاقتناع ثم ~~الاعتناق، بل كان أقصى ما يغري الآخرين أو يهددهم به هو أنه مجتمع عسكري قوي يحشد كل ~~طاقاته من أجل الغزو والتوسع والحصول على مزيد من المجال الحيوي. # على أن تغيرا جذريا قد طرأ على هذه الصورة المبسطة المباشرة منذ الحرب العالمية ~~الثانية. فقد دخلت أمريكا إلى المنطقة بكل ثقلها، ~~وكان تحقيق الاستقلال الوطني من الاستعمار ~~التقليدي من أهم العوامل التي ساعدتها على التغلغل السياسي في البلاد العربية، بل إنها في ~~بعض الحالات ساعدت الدول العربية إيجابيا على تحقيق استقلالها الوطني لكي تزيح الدول ~~الاستعمارية القديمة وتفسح لنفسها مجال التغلغل في المنطقة بأشكال جديدة، ولأهداف جديدة. ~~وفي الوقت ذاته لم تعد القوة المنافسة لأمريكا هي النظم ~~الفاشية التي لا تمتلك شيئا تقدم به نفسها إلى العالم سوى قوتها العضلية - إن جاز هذا ~~التعبير - بل أصبحت أيديولوجية متكاملة، قد تتخذ شكلا معتدلا هو الاشتراكية، أو شكلا ~~متطرفا هو الشيوعية، ولكنها في كل الحالات تقدم نفسها إلى المنطقة باعتبارها بديلا ~~جديدا يقدم حلوله الخاصة المتكاملة للمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ~~المتوطنة في مجتمعاتها. وكان على أمريكا، أمام هذا المنافس الجديد، أن تضاعف من جهدها ~~من أجل صد التيار الأيديولوجي المنافس لها من جهة، وإقناع دول المنطقة بتفوق النموذج ~~الأمريكي وصلاحيته للتطبيق في مجتمعاتها، أو على الأقل تخويفها من الخصم الأيديولوجي إلى ~~الحد الذي يدفعها إلى الاحتماء بأمريكا عسكريا وسياسيا. # وهكذا وجدت الدول العربية نفسها، بعد الحرب العالمية الثانية؛ تواجه خيارا جديدا كل ~~الجدة لم تألفه طوال العهود السابقة التي كان العدو فيها محددا بوضوح، ms22 وكانت طرق النضال ~~فيها معروفة ومباشرة. فقد أصبح عليها أن تحدد موقفها إزاء معسكرين متضادين، لم يكن أي ~~منهما يحتلها احتلالا عسكريا مباشرا، ولم يكن المنهج الذي يتبعه والهدف الذي يسعى ~~إليه أي منهما معروفا بوضوح لدى جموعها الشعبية حتى أواسط القرن العشرين. وبعبارة أخرى، ~~فقد وجد العرب أنفسهم يواجهون، لأول مرة، مشكلة الأيديولوجيات التي أصبحت هي الطابع المميز ~~لصراعات القوتين العالميتين الرئيسيتين بعد الحرب العالمية الثانية. وكان جزء كبير من ~~الجهود التي تبذلها أمريكا من أجل التغلغل في المنطقة العربية، يتخذ طابع الهجوم ~~الأيديولوجي على المعسكر المضاد، والتبرير الأيديولوجي لأسلوبها الخاص في الحياة. # ولكن، لماذا سعت أمريكا إلى التغلغل في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية؟ ~~السبب الذي يعرفه الجميع، بالطبع، هو البترول، الذي كان قد ظهر بالفعل في البلاد العربية ~~قبل تلك الحرب، ولكن إمكاناته الهائلة في المنطقة العربية، ودوره الحيوي في مستقبل العالم ~~الصناعي، لم تظهر بوضوح إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وبعبارة أخرى فإن العوامل التي ~~كانت تدفع الدول الاستعمارية التقليدية إلى احتلال أجزاء من الوطن العربي، كالموقع الجغرافي ~~والسيطرة على طرق برية أو بحرية حيوية ... إلخ، لم تعد تحتل المكان الأول في سياسة الدولة ~~الكبرى التي ورثت الاستعمار التقليدي (وإن كانت تلك العوامل قد ظلت تحتفظ بقدر غير قليل من ~~أهميتها)، وإنما حلت محلها الرغبة في السيطرة على موارد مادة حيوية بدونها يتوقف نبض ~~الحياة في مصانع العالم الغربي، ويوجد أهم مخزون عالمي منها في المنطقة العربية. # على أن أمريكا، في سعيها إلى بلوغ هذا الهدف، كانت تحتاج إلى وسيلة تختلف عن الوسائل ~~التقليدية التي كانت تلجأ إليها الدول الاستعمارية السابقة. وسرعان ما اهتدت إلى تلك ~~الوسيلة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، عندما حللت الموقف في المنطقة العربية وظهرت ~~لها الإمكانات الهائلة التي ينطوي عليها الطموح الصهيوني إلى إنشاء دولة إسرائيل على أرض ~~فلسطين. وسرعان ما تبنت قضية الصهيونية، وساعدت بكل قوة إلى إقامة الدولة الإسرائيلية وعلى ~~استمرار وجودها وتوسعها، متخذة من هذه الدولة أهم ms23 أداة لها من أجل تحقيق هدفها في ~~السيطرة على المنطقة، وعلى مواردها. ~~••• # وهكذا يتبين لنا، من العرض الموجز السابق، أن بين العرب وأمريكا ثلاث قضايا رئيسية، هي: ~~الاختيار الأيديولوجي، والبترول، وإسرائيل. # وفي اعتقادي أن مناقشة هذه القضايا الثلاث كفيلة بإلقاء الضوء على طبيعة العلاقة بين ~~أمريكا والعرب على المستوى السياسي، ومن ثم فإنها تعيننا على تحديد موقفنا من أمريكا على ~~أسس فكرية أكثر رسوخا. وسوف نناقش هذه القضايا الثلاث بالترتيب الذي أراه منطقيا، فنبدأ ~~بقضية البترول، ثم إسرائيل، وأخيرا الأيديولوجية. ~~(1) قضية البترول # ليس من الصعب أن يستنتج المرء أن قضية البترول هي القضية الأساسية والحاسمة في تحديد ~~موقف أمريكا من العرب، وموقف العرب من أمريكا، طوال الأعوام الثلاثين الماضية. صحيح أن ~~هناك قضايا أخرى هامة تثيرها العلاقة بين هذين الطرفين، ولكن تلك القضايا لا تكتسب ~~أهميتها إلا بقدر تأثيرها - إيجابا أو سلبا - في القضية الرئيسية، وهي ~~البترول. # وربما اعتقد المرء أن هذه القضية لا تؤثر إلا في علاقة أمريكا بعدد من الدول العربية ~~فقط، هي الدول البترولية، ولكن الواقع أن الممارسات السياسية التي تقوم بها أمريكا مع ~~الدول غير البترولية تستهدف بدورها هذه الغاية نفسها؛ فموقف أمريكا من مصر، ومن اليمن ~~الشمالي، على سبيل المثال، يتقرر إلى حد بعيد على أساس مصالحها البترولية، أي أنها ~~حين ترسم سياستها إزاء هذين البلدين غير البتروليين تضع في ذهنها أساسا تأثير هذه ~~السياسة في مصالحها البترولية. وأستطيع أن أقول، بوجه عام، أنه منذ اللحظة التي تبين ~~فيها وجود البترول بكميات هائلة في العالم العربي، سواء من حيث ما يستخرج منه أو ما ~~يختزن في جوف أراضيه، ومنذ اللحظة التي اتضح فيها مدى اعتماد الاقتصاد الغربي كله ~~على هذه المادة الحيوية، تحددت لأمريكا سياسة معينة في المنطقة، وأصبحت هذه السياسة ~~جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمريكية العامة في العالم المعاصر. # والآن، ما هي الأهداف الرئيسية التي تسعى إليها أمريكا في سياستها البترولية إزاء ~~العرب؟ «الهدف الأول هو الربح» وهذا هو الهدف المباشر، والتقليدي، في ms24 كل مرة تعثر فيها ~~دولة متقدمة تكنولوجيا وعسكريا على مادة خام ذات أهمية اقتصادية في أراضي دولة ~~أقل منها تقدما. فالشركات الأمريكية تجني أرباحا طائلة من كافة عمليات النقل ~~والتأمين والتكرير والبيع إلخ، هذه قصة معروفة، ولكنها تظل حقيقة ذات تأثير دائم؛ إذ إن ~~الحرص على استمرار الأرباح وزيادتها يشكل عنصرا أساسيا من العناصر التي تأخذه ~~أمريكا في اعتبارها عندما تحدد سياستها إزاء أية دولة عربية، أو أية حركة سياسية أو ~~اجتماعية تظهر في هذه المنطقة من العالم. ~~«والهدف الثاني هو استمرار التدفق» وقد ظهرت أهمية هذا الهدف بالذات بعد الحظر ~~البترولي المؤقت الذي مارسه العرب خلال حرب أكتوبر 1973. ومنذ ذلك الحين أصبحت أمريكا ~~أكثر وعيا بأهمية هذا العامل الذي يمكن أن يشكل أداة ضغط رهيبة يمارسها العرب ضد ~~المصالح الغربية بوجه عام. ومن هنا فقد حرصت على أن تفعل كل ما من شأنه ألا يلجأ العرب ~~إلى استخدام هذا السلاح مرة أخرى، ولم تتردد حتى في اللجوء إلى التهديد باحتلال منابع ~~البترول إذا اقتضى الأمر ذلك. ~~«أما الهدف الثالث في سياسة أمريكا البترولية فهو أن تحول - بكل الطرق الممكنة - دون ~~أن يصبح البترول العربي أداة مضادة للمصالح الأمريكية» مثال ذلك أن البترول لا ينبغي أن ~~يؤدي إلى أن يصبح العرب قوة اقتصادية قائمة بذاتها، تعتمد على نفسها وتنمو بصورة مستقلة ~~عن أطماع الدول الكبرى، وإذن فلا بد من رسم السياسة التي تمنع العرب من انتهاز الفرصة ~~البترولية المتاحة لهم (لفترة زمنية قصيرة بالنسبة إلى عمر الشعوب) من أجل إحداث نهضة ~~حقيقية في بلادهم. والوجه الآخر للعملة، في هذه السياسة، هو عمل كل ما من شأنه تحويل ~~تلك الفرصة البترولية إلى مصدر نفع للغرب بوجه عام، وأمريكا بوجه خاص، بدلا من أن تنفع ~~أصحابها الأصليين. # هذه باختصار، هي أهم الأهداف التي تسعى أمريكا إلى تحقيقها في العالم العربي فيما ~~يتعلق بتلك القضية الجوهرية، قضية البترول. ولما كان الكلام عن هذه الأهداف سيأتي، بشيء ~~من التفصيل، في آخر فصول هذه الدراسة، ms25 فإننا سنكتفي الآن بذكر هذه الأهداف دون تعليق ~~عليها، وحسبنا أن نشير إلى مسألتين جوهريتين تتعلقان بالجانب السياسي لقضية البترول: # المسألة الأولى: # هي أن التهديدات الأمريكية بالاحتلال لا تعدو أن تكون عملية تخويف ~~مقصودة. فهي تظهر دائما في مناسبات معينة، وتسرب بطريقة مدروسة، ~~وتخدم أغراضا محددة بعناية ولكن تنفيذ هذه التهديدات، في ظروف العالم ~~الحالية، أمر يصل في صعوبته إلى حد يقرب من الاستحالة. ففي وقت ~~الخطر، ليس أسهل من قيام عمليات تخريب واسعة النطاق تعطل إنتاج ~~الآبار وقدرة الأنابيب على النقل لمدد طويلة، وهو أمر تعرفه أمريكا ~~جيدا، ولا تستطيع منعه لو تطورت الأمور إلى الحد الذي يستدعي حدوثه. ~~ومن جهة أخرى فإن التوازن الدولي الدقيق، وخاصة بعد سياسة الوفاق، يمنع ~~أمريكا من ممارسة هذه السياسة العدوانية في منطقة قريبة كل القرب من ~~حدود خصمها الرئيسي، وهو الاتحاد السوفيتي؛ فقد تجاوز العالم إلى غير ~~رجعة تلك المرحلة التي كانت فيها الدول الكبرى تستخدم السلاح دون رادع ~~من أجل أي بلد تطمع في موارده الاقتصادية، بل أصبحت كل دولة تعمل ~~حسابا لعشرات العوامل قبل أن تقدم على أبسط خطوة عسكرية. ولو كنا ~~في القرن التاسع عشر، لاحتلت أمريكا منابع البترول في غمضة عين دون أن ~~يوقفها أحد، أما في ظروف العالم الراهنة فإن التهور العسكري لم يعد ~~ممكنا. وأوضح دليل على ذلك هو موقف أمريكا من أحداث إيران؛ فلو كانت ~~فكرة الاحتلال المباشر قابلة للتنفيذ لكانت إيران أحق من غيرها بذلك، ~~ولكن التوازنات الدولية الدقيقة شلت حركة أمريكا عن التدخل، وقدمت ~~بذلك إلى الثورة الإيرانية خدمة كبرى. # أما المسألة الثانية: # فهي أن البترول، مثلما أنه هو بيت الداء، فهو أيضا أصل الدواء. لقد ~~كان البترول هو نقطة البداية في الاهتمام الأمريكي المكثف بالمنطقة ~~العربية، منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان بالتالي هو ~~العامل الأساسي الذي يكمن وراء كل التدخلات الأمريكية في المنطقة، وكل ~~السياسات التي تهدف في النهاية إلى أن تضمن دوران بلدان المنطقة في ~~حلقة النفوذ الأمريكي. ms26 فإذا شاءت شعوب المنطقة أن تتحرر حقيقة من ~~هذا النفوذ الأمريكي، وأن تسير في طريقها المستقل، فلا بد أن يكون ~~البترول أحد المفاتيح الرئيسية التي تستخدمها من أجل الخروج من سجن ~~التبعية والانقياد. # وحين أقول ذلك، فأنا لا أعني بالضرورة أن تقوم الدول العربية باستفزاز أمريكا، أو ~~الغرب، بتروليا، إلى الحد الذي يدفع أمريكا إلى المغامرة، اعتمادا على العامل الذي ~~أشرنا إليه منذ قليل، وهو أن موازين القوى ~~لا تسمح الآن بالتدخل العسكري السافر؛ فمثل هذا التهور المتطرف ليس من مصلحة أحد. وكل ~~ما أعنيه هو أن العرب يجب أن يقفوا بحزم في وجه أية تدخلات سياسية أمريكية تتم بحجة ~~تأمين الموارد البترولية التي لا يستغني عنها الاقتصاد الغربي. # إنني أذهب إلى حد القول بأن المصالح الأمريكية والغربية، في الميدان البترولي ~~العربي، لا يمكن أن تتعرض لتهديد حقيقي، حتى في أسوأ الظروف (من وجهة النظر الأمريكية)؛ ~~ذلك لأن أي نظام حكم عربي، مهما كان تطرفه، لن يقطع البترول نهائيا عن الغرب. وحتى ~~لو تحقق تأميم كامل، في جميع المراحل، للصناعة البترولية، فلا ينبغي أن يكون هذا ذريعة ~~لتدخل أمريكا بحجة تأمين موارد البترول؛ ذلك لأن التضاد بين التأمين والتأميم هو تضاد ~~زائف، مصطنع، لسبب بسيط هو أن البترول سلعة لا بد أن تباع، ولأن خصوم أمريكا في الكتلة ~~الشرقية لديهم ما يكفيهم وزيادة. فأين يذهب البترول في هذه الحالة، وهل يحتمل أن توقف ~~الدول العربية، مهما كان تطرفها، نموها الداخلي من أجل معاكسة أمريكا؟ هذه كلها ~~افتراضات خيالية، ولكن الشيء الحقيقي هو أن ما يتعرض للخطر في هذه الحالة ليس الإمداد ~~بالبترول، وإنما هو شروط معينة للتعامل في هذه السلعة الحيوية؛ فالخطر الذي تخشاه ~~أمريكا، هو رفض الاستغلال والسيطرة واستمرار الإنتاج بالمعدلات التي تحتاج إليها السوق ~~الغربية، لا وفقا لاحتياجات البلد المنتج من الدخل البترولي. ولو قبلت أمريكا ~~التعامل مع الحكومات المنتجة - مهما كانت درجة تطرفها - بشروط متكافئة، لما أصبح هناك ~~شيء مهدد. ومعنى ذلك، باختصار، هو أن التهديد بالاحتلال ms27 يرجع إلى الرغبة في استمرار ~~الاستغلال، لا في تأمين موارد مستمرة من البترول. # وإذن ففي القضية الأولى من القضايا السياسية التي تطرحها علاقة العرب بأمريكا، أعني ~~قضية البترول، تقف هذه الأخيرة موقف الطرف المتحكم الذي يستغل قوته من أجل فرض شروطه ~~الجائرة. وعلى الرغم من أنه لا يتعرض لتهديد حقيقي، ~~فإنه يلوح في أوقات محددة مدروسة باستخدام ~~القوة الغاشمة، ويهدد بالاحتلال، لا لشيء إلا لكي يحافظ على العلاقة غير المتكافئة ~~في التعامل بهذه السلعة الحيوية، مما يشكل أسلوبا في العلاقات الدولية عفا عليه ~~الزمان، ويضفي ظلالا قائمة على النموذج الأمريكي الذي لا يزال يبهر الكثيرين! # الفصل الخامس # | قضية إسرائيل # لا بد لكل من يبهره النموذج الأمريكي، ويحلم بتحقيقه في بلده العربي، أن يواجه مشكلة ~~أساسية، هي التوفيق بين إعجابه المفرط بأمريكا، وبين ما يعرفه عن الارتباط الوثيق بين ~~أمريكا وإسرائيل. والذي يحدث عادة هو أن المعجبين بأمريكا يصورون هذا الارتباط بصورة مشوهة، ~~أو مخففة، لا تعبر عن حقيقته، وإنما تعبر عن رغبتهم - الواعية أو غير الواعية - في ~~الاحتفاظ بصورة نقية لأمريكا من جهة، مع عدم التفريط في موقفهم تجاه إسرائيل من جهة أخرى. ~~وتدور هذه الصورة المشوهة عادة حول فكرة رئيسية، هي أن الارتباط بين أمريكا وإسرائيل ~~مؤقت، وأن في استطاعة العرب، لو أجادوا استخدام الأساليب السياسية والدبلوماسية، أن ~~يفكوا هذا الارتباط، ويوجهوا السياسة الأمريكية نحو الانحياز لهم، وأن يضمنوا على الأقل ~~وقوفها على الحياد، بحيث تتخذ في نهاية الأمر خطا متوازيا بين الطرفين. # هذه الفكرة تستهدف في واقع الأمر، أن توفق بين شيئين لا يمكن أن يتلاقيا، وهما الحرص ~~على إرضاء أمريكا من جهة، والتصدي لإسرائيل من جهة أخرى. والواقع أنه، إذا كانت أحداث ~~الأعوام الثلاثين الأخيرة قد أثبتت شيئا، فهو أن الارتباط بين أمريكا وإسرائيل ارتباط عضوي ~~لا ينفصم، وأننا لا يمكن أن نكون جادين لو حاولنا أن نحتفظ بصداقتنا لأمريكا، وأن نقف في ~~الوقت ذاته موقفا حازما في وجه النزعة التوسعية الإسرائيلية. فهذان موقفان لا يجتمعان، ~~وكل ms28 تجاربنا السياسية الماضية تثبت ذلك. # فكل من يختار البديل الأول، أعني صداقة أمريكا وتأييد اتجاهاتها العامة وترك المجال ~~أمامها لكي تتغلغل استراتيجيا واقتصاديا في المنطقة، لا بد أن ينتهي به الأمر إلى ~~موقف متهاون في القضية الأخرى، قضية إسرائيل. وكل من يأخذ البديل الثاني مأخذ الجد، أعني ~~من يريد الوقوف بحزم وصلابة في وجه الأطماع الصهيونية، لا بد أن يصطدم، بشكل أو بآخر، ~~بالمصالح الأمريكية، وأن يتخلى عن وهم الاستعانة بأمريكا من أجل زحزحة إسرائيل عن ~~مواقفها. # هذه هي القضية في شكلها البسيط، الصريح، الذي لا يعرف الالتواء أو المواربة. ~~••• # إن موقف أمريكا من إسرائيل يرتبط ارتباطا جوهريا وأساسيا بقضية البترول، ومنذ اللحظة ~~التي أدركت فيه أمريكا خطورة الثروة البترولية الكامنة في الأرض العربية على مصالح الغرب ~~كله، اقتصاديا واستراتيجيا، اتخذت قرارها الحاسم: وهو أن تقف إلى جانب إسرائيل على طول ~~الخط، وأن تحافظ على وجودها كما لو كانت ولاية أمريكية، أي كما لو كان الاعتداء عليها ~~اعتداء على أراضي أمريكا ذاتها، وأن تؤيد جميع مطالبها، مشروعة كانت أم غير مشروعة، على ~~حساب العرب. # وإني لأكاد أجزم، عن طريق الاستنتاج وحده، بأنه يوجد في مكان ما من أدراج مكاتب صانعي ~~السياسة الأمريكية، تقرير أو تخطيط استراتيجي أساسي وضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ~~يوجه السياسة الأمريكية إلى تأييد إقامة دولة لإسرائيل على أرض فلسطين، وإلى تبني ~~القضية الصهيونية، والاعتماد على إسرائيل بوصفها الركيزة الكبرى للسياسة الأمريكية في ~~المنطقة. هذا التقرير لا بد أنه يستند إلى أساسين مترابطين: # الأساس المباشر: # هو أن إسرائيل خير ضمان لتدفق البترول العربي، بإمكاناته الهائلة، إلى ~~مصانع الغرب وشركاته. # والأساس غير المباشر: # هو أن وجود إسرائيل سيخلق مشكلة سياسية وعسكرية وحضارية كبرى لسكان ~~المنطقة العربية، تحتل مكان الصدارة في تفكيرهم، وتشغلهم عن قضاياهم ~~الأخرى، وتمتص طاقاتهم الاقتصادية وتوقف نمو بلادهم، بحيث تظل في حاجة ~~دائمة إلى العون الخارجي والعون الأمريكي بوجه خاص، وبحيث ينتهي بها الأمر ~~إلى الاستعانة بأمريكا نفسها ضد إسرائيل، أي بأمريكا ضد أمريكا! ms29 # وأكاد أجزم بأن هذا التقرير الأمريكي يحذر صانعي السياسة في هذا البلد من أن إمكانات ~~العرب البترولية يمكن أن تخلق في المنطقة العربية دولة كبرى في المدى الطويل، وذلك إذا ~~تجمعت الثروة البترولية مع إرادة الوحدة بين شعوبها، وإذا أمكن التوفيق بين ضخامة الموارد ~~البشرية لبعض البلاد العربية (مصر مثلا)، وإمكانات الاستغلال الواسعة النطاق في بعضها ~~الآخر (السودان والعراق مثلا) وتوافر الموارد المالية عند بعضها الأخير (البلاد ~~البترولية). مثل هذه الدولة ذات الإمكانات الضخمة يمكن أن تشكل خطرا جسيما على مصالح ~~الغرب، لأنها ستوجه مواردها لخدمتها هي ذاتها قبل كل شيء، ومن هنا كان لا بد من الحيلولة ~~دون سير تاريخ المنطقة العربية في هذا الاتجاه. # وأكاد أجزم أيضا بأن هذا التقرير قد انتهى إلى أن هناك وسيلتين رئيسيتين لتوجيه الأحداث ~~في المنطقة العربية على النحو الذي يحول دون إقامة هذه الدولة العربية القوية، الموحدة، ~~الغنية، المستنيرة. # الوسيلة الأولى: # هي إقامة إسرائيل كجسم غريب، مدجج بالسلاح، في قلب الأرض العربية. # والثانية: # هي إدخال لعبة الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، وإخضاع أهم وأكبر ~~شعوب المنطقة لأنظمة حكم أحادية الرأي، أحادية الاتجاه، تقمع كل معارضة، ~~وتتخذ من الاستمرار في الحكم هدفا يعلو على كل هدف آخر. # ولو تأملنا الارتباط الوثيق بين هاتين الوسيلتين، والتوافق الزمني العجيب بين قيام دولة ~~إسرائيل ووقوع أول انقلاب عسكري في المنطقة، لأدركنا إلى أي حد نجحت أمريكا في تنفيذ هذا ~~المخطط الاستراتيجي الأساسي. ~~••• # على أن الأمر الذي أود أن أؤكده، في هذه الدراسة، بوضوح قاطع، هو أنه لم يحدث حتى ~~الآن ما يدعو أمريكا إلى تغيير هذه الاستراتيجية الأساسية. فهناك كثيرون، في وطننا العربي، ~~على استعداد للاعتراف بأن الخط السياسي العام لأمريكا كان يسير في هذا الاتجاه، ولكنهم ~~يعتقدون أن هذا الخط قد تغير في السنوات الأخيرة. وسبب هذا التغير، في رأي هؤلاء، هو تبني ~~بعض الدول العربية خطا معتدلا، مما جعل أمريكا تشعر لأول مرة بإمكان حفظ مصالحها في ~~المنطقة العربية عن طريق العرب أنفسهم، دون ms30 الحاجة إلى الاستعانة بإسرائيل وحدها، أو ~~بإسرائيل قبل غيرها. # وفي رأيي أن هذا الاتجاه مخطئ في أساسه، وأن الخط العام للسياسة الأمريكية في الشرق ~~الأوسط، الذي يتخذ من إسرائيل الركيزة الكبرى لهذه السياسة، ما زال قائما، بالرغم من مظاهر ~~هذا التغير السطحية التي يفسرها البعض خطأ بأنها تحول جوهري. # أما الأسباب التي أستند إليها في هذا الرأي الذي أدافع عنه فهي: # أولا: # إن إسرائيل تنتمي حضاريا إلى الغرب؛ فهي قطعة من حضارة الغرب أقحمت ~~بالقوة على أرض عربية. وكل باحث في الحضارة الغربية يجعل من ~~«العبرانية-المسيحية» أو من عقيدة «العهد القديم والعهد الجديد»، أصلا ~~أساسيا من أصول هذه الحضارة. وعلى الرغم من كل التقلبات التي مرت بها ~~علاقة الأقليات اليهودية بالمجتمعات الغربية التي تعيش بينها، فإن رواد ~~الصهيونية، وأهم الوافدين إلى إسرائيل، وأبرز زعماء الدولة الجديدة، كانوا ~~ينتمون في صميمهم إلى الحضارة الغربية، وكانوا غرباء، عقليا ونفسيا ~~وثقافيا، عن المنطقة التي أصبحوا يعيشون فيها. # ثانيا: # إن النظام الذي تطبقه إسرائيل في بلادها يتفق أساسا مع النظم ~~الغربية؛ فإسرائيل دولة رأسمالية ذات أهداف توسعية، ومهما قيل من وجود ~~تجارب ذات لون «اشتراكي» في الظاهر، كالكيبوتز وغيرها، أو عن المنظمات ~~العمالية الضخمة، كالهستدروت، فإن هذه التنظيمات تدين أساسا بالأيديولوجية ~~الغربية الرأسمالية، وتدافع عن مصالحها بكل قوة، وأحزاب الأغلبية فيها ~~تسير وفقا لبرامج تنظر إلى إسرائيل على أنها جزء لا يتجزأ من المعسكر ~~الغربي الرأسمالي، بل على أنها عضو شديد التطرف في هذا المعسكر. # ثالثا: # إن إسرائيل، بنظامها الغربي الليبرالي، هي النظام الوحيد المستقر في ~~المنطقة. وليس المقصود بالاستقرار هنا - كما يفهمه بعض العرب - أن تكون ~~هناك حكومة واحدة تظل متربعة على كرسي الحكم وتتقن فن الإمساك بزمام ~~البلاد والحيلولة دون وصول أي منافس إلى السلطة، بل إن المقصود به هو أن ~~إسرائيل، شأنها شأن معظم الدول الغربية المتقدمة، قد اهتدت منذ وقت طويل ~~إلى الصيغة التي تجعل انتقال الحكم من جماعة سياسية إلى أخرى يتم بطريقة ~~سليمة منظمة بدون انقلابات أو إراقة ms31 دماء، أي أنها اهتدت إلى الصيغة التي ~~عجزت جميع الدول العربية عن الاهتداء إليها حتى الآن، وهي أن يتغير الحاكم ~~بهدوء عندما تتخلى عنه الإرادة الشعبية، ويترك مكانه لغيره مغادرا قصر ~~الحكومة سائرا على قدميه إلى بيته، لا محمولا إلى قبره أو منقولا في ~~عربة سجن أو - إذا كان سعيد الحظ - مشحونا على طائرة حربية تقله إلى ~~خارج البلاد. # وهكذا فإن إسرائيل من وجهة نظر المصالح الأمريكية، هي وحدها المضمونة. ومن الواضح أنه لم ~~يحدث، طوال الأعوام الثلاثين الماضية، أي شيء يدعو أمريكا إلى إعادة النظر في العوامل التي ~~تدفعها إلى الاعتماد الكامل على إسرائيل. # ولكن، قد يتساءل البعض: ألم يحدث في السنوات الأخيرة بالذات تغيير في اتجاه أمريكا إزاء ~~هذه القضية؟ # نعم، حدث نوع من التغيير، ولكنه تغيير تكتيكي فقط؛ ففي السنوات التي توالت منذ إنشاء دولة ~~إسرائيل، كانت أمريكا تتخذ من إسرائيل حارسا ~~مسلحا لمصالحها، وكانت الحروب الدائمة التي تشنها إسرائيل على العرب هي الوسيلة التي ~~تحقق لأمريكا أهدافها البعيدة والقريبة في المنطقة. أما في السنوات القريبة فقد لاحت بوادر ~~تكتيك آخر؛ فبدلا من أن يضطر العرب إلى تخصيص مواردهم المتزايدة لمحاولة الحد من انتشار ~~هذا السرطان المخيف في جسم الأرض العربية، وبدلا من أن يهملوا مشاكلهم الملحة تحت تهديد ~~السلاح الأمريكي المقدم إلى إسرائيل، أصبحت السياسة الأمريكية تتجه الآن إلى دفع العرب ~~إلى الدخول باختيارهم في معسكر أمريكي واحد، إلى جانب إسرائيل، وحلت أساليب الوعد ~~والإغراء محل أساليب التهديد والتخويف، وظهرت بوادر تعطي أمريكا أملا في أن يقبل العرب ~~بالتدريج، وبمحض إرادتهم، ما لم يكونوا يقبلونه قبل ذلك إلا تحت تهديد السلاح. # التكتيك إذن هو الذي طرأ عليه التغيير، أما الاستراتيجية العامة فتظل على ما هي عليه؛ ~~حماية المصالح الأمريكية عن طريق ركيزة أساسية هي إسرائيل، وكل من يقبل التعاون معها لتحقيق ~~هذا الهدف. ~~••• # في ظل هذه الاستراتيجية تظل مصالح أمريكا مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بإسرائيل، أما الدول ~~العربية فإن أمريكا تدرك جيدا أن المصالح الحقيقية لشعوبها ms32 تتعارض معها، ومن ثم فإنها لا ~~تعتمد عليها إلا بقدر ما تسير حكوماتها على سياسة مغايرة لأماني شعوبها، وهو أمر تعلم ~~أمريكا حق العلم أنه لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، ولذلك كان اعتمادها على أي نظام ~~عربي أو تحالفها معه مؤقتا بطبيعته مهما طال أمده، وكان دائما ثانوي الأهمية بالقياس إلى ~~اعتماده على إسرائيل. # وعلى أساس التحليل السابق يتضح لنا أن هناك خطأين أساسيين في أسلوب تعامل العرب مع ~~أمريكا، فيما يتعلق بالقضية الإسرائيلية: # الخطأ الأول: # هو استخدام السلاح الأمريكي، إذا كان الهدف الحقيقي من هذا السلاح هو أن ~~نحارب به إسرائيل؛ ذلك لأن أمريكا هي المورد الرئيسي لأسلحة إسرائيل. ~~ولما كانت مصالحها متطابقة معها تطابقا تاما، فمن العبث أن نتصور أنها ~~ستقدم إلينا من السلاح ما يكفينا للوقوف في وجه المطامع الصهيونية؛ فكل ~~قطعة سلاح تعطى للعرب، لا بد أن تعطى أضعافها لإسرائيل، فضلا عن أن ~~التسلح عن طريق أمريكا لا بد أن يكشف لإسرائيل، من خلال حليفتها ~~الكبرى، عن مدى قوة العرب ومواطن ضعفهم أولا بأول، مما يتيح لها أن تجري ~~حساباتها معهم على أدق الأسس الممكنة. # إن المنطق السليم وحده يكفي لإقناعنا بأن استيراد السلاح من أمريكا من ~~أجل محاربة إسرائيل عملية مناقضة لذاتها. ولعل في موقف أمريكا من مصر، في ~~مناسبتين مختلفتين، ما يؤكد هذه الفكرة بكل وضوح: ~~(أ) # ففي حرب أكتوبر 1973، عندما كان السلاح المصري غير أمريكي، ~~حرصت أمريكا، بعد أسبوع الانتصارات الأولى، على أن تعوض ~~إسرائيل عن خسائرها وتضمن تفوقها في أكبر وأسرع عملية نقل سلاح ~~عرفها التاريخ، وكانت حجة كيسنجر هي أنه لا يمكن أن يسمح ~~للسلاح الروسي بإثبات تفوقه على السلاح الأمريكي، ولكن السبب ~~الحقيقي هو أن أمريكا - وفقا لاستراتيجيتها الأساسية - لا ~~يمكن أن تسمح بتفوق حقيقي للعرب على إسرائيل، ولا بد أن تجعل ~~لإسرائيل اليد العليا في أية معركة مع العرب. # فإذا كان هذا تصرف أمريكا في معركة لم تكن فيها هي التي ~~وردت السلاح للعرب، فماذا يكون ms33 تصرفها لو كانت هي التي ~~توزع بنفسها الأسلحة على الطرفين؟ ~~(ب) # وفي الآونة القريبة لم توافق أمريكا على توريد أسلحة لمصر ~~على نطاق واسع إلا بعد معاهدة 26 مارس مع إسرائيل، أي أنها لم ~~تقبل تقديم أسلحتها إلينا إلا بعد أن ضمنت أن هذه الأسلحة ~~ستستخدم لأغراض أخرى، غير محاربة إسرائيل. # ويبدو لي أن هذا المبدأ الأخير هو الذي تفرضه أمريكا في حالة ~~أي بلد عربي يطلب منها السلاح على نطاق واسع، بحيث لا توافق ~~على هذا الطلب إلا بقدر ما تكون واثقة من أن لهذا السلاح ~~أهدافا أخرى غير إسرائيل. # أما الخطأ الثاني: # فهو الاعتقاد بأننا نستطيع أن نفكك التحالف بين أمريكا وإسرائيل، أو ~~نضعفه عن طريق إقناع أمريكا بأن مصالحها مع العرب أهم من مصالحها مع ~~إسرائيل؛ فهذا النوع من التفكير يفترض عدة أشياء، كلها باطلة. # فهو يفترض أولا أن العرب يمكنهم أن يخدموا المصالح الأمريكية دون أن ~~يتهاونوا ويتخلوا عن أماني شعوبهم، أي أن من الممكن أن تتطابق مصالح العرب ~~مع مصالح أمريكا، وهو أمر يدخل في باب المستحيلات. وهو يفترض ثانيا أن ~~أمريكا تقبل بأن تجد لنفسها حليفا أو حارسا لمصالحها غير إسرائيل، وهو ~~بدوره أمر مستحيل. وكل ما قلناه في هذا الفصل إنما كان محاولة لإثبات ~~استحالة هذين الافتراضين. # وهكذا تتضح لنا الصورة على حقيقتها؛ فقد يكون في إمكاننا أن نستعين ~~بأمريكا في أمور كثيرة، ولكن ليس في صراعنا مع إسرائي؛ ذلك لأن من يستنجد ~~بأمريكا لكي تعينه على الوقوف في وجه إسرائيل هو، كما يقول المثل العربي ~~البليغ، كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كمن يستعين بزعيم العصابة ليحمي ~~نفسه من تهديدات عضو صغير من أعضائها - عضو له حقا مطامعه الجزئية ~~الخاصة، ولكنه في نهاية الأمر يأتمر بأوامر الرئيس، ولا يستمد كيانه إلا من ~~انتمائه إليه. # الفصل السادس # | قضية الأيديولوجية والتنمية # طوال هذه الدراسة، حاولت بقدر ما أستطيع أن أتجنب الألفاظ والمصطلحات الضخمة، وأن أعرض ~~أفكاري للقارئ من خلال لغة عادية خلت من تلك التعبيرات ms34 المعقدة التي اعتادها مثقفونا، ~~والتي قد تصلح في مناقشاتهم الداخلية، ولكنها حين تستخدم في مخاطبة الجماهير العريضة تؤدي ~~إلى فجوة واسعة بين المثقف وجمهوره، لا يملؤها إلا فراغ من عدم التفاهم. # لذلك فإنني حين أستخدم كلمة «أيديولوجيا» في عنوان هذا الفصل الأخير، لا أود من القارئ ~~أن يتصور أنني خرجت أخيرا عن هذه القاعدة، وخضعت آخر الأمر لعادات المثقفين في استخدام ~~الألفاظ الرنانة. فالأيديولوجيا كما تستخدم هنا، لا تعني أكثر من مجموعة الأفكار الأساسية ~~التي تشكل نظرة المجتمع إلى نفسه وإلى العالم أو الموقف الأساسي الذي يعبر به المجتمع عن ~~اتجاهاته في الحاضر وأمانيه في المستقبل. # ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن يكون هناك ارتباط وثيق بين ~~الأيديولوجيا - مفهومة بهذا المعنى - وبين قضية التنمية؛ ~~فالتنمية ليست مجرد «نمو»، كما قد يوحي أصل اللفظ ذاته، وإنما هي مسيرة شاملة تسترشد في ~~سعيها إلى التقدم بأفكار رئيسية توجهها، ومن واجب كل من يتصدى لعملية التنمية في مجتمعه ~~أن يجيب عن أسئلة أساسية مثل: لمصلحة من تتم هذه التنمية؟ وهل تكون التنمية اقتصادية فحسب، ~~أم تشمل المجال الاجتماعي والثقافي بدوره؟ وما نوع المجتمع الذي نريد أن نحققه عن طريق هذه ~~التنمية؟ ولو أمعن المرء التفكير في هذه الأسئلة، لوجدها كلها أسئلة أيديولوجية، أي أسئلة ~~تتعلق بمجموعة الأفكار التي يرسم بها المجتمع طريقه في الحياة. ومن هنا كانت التنمية التي ~~تقوم على أساس رأسمالي، مثلا، مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي تهدف إلى إقامة مجتمع ~~اشتراكي؛ لأن الاختيار الأيديولوجي الذي ترتكز عليه التنمية مختلف في الحالتين. ~~••• # على أساس هذه المقدمة الواضحة، نود أن نعالج الآن آخر الموضوعات التي سنعرض لها في هذه ~~الدراسة، وهو في الوقت نفسه ربما كان أهم موضوعاتها جميعا؛ فالنموذج الأمريكي مطروح اليوم، ~~بقوة وإلحاح، على العالم العربي بوصفه نموذجا مثاليا للتنمية، وأنصار هذا النموذج يؤمنون ~~بالأيديولوجية الأمريكية، ويعتقدون أن الأسس التي ترتكز عليها تصلح للانطباق على المجتمعات ~~العربية، بل إنها هي التي تحمل في طياتها إمكانات حل المشكلات المزمنة التي ms35 تعاني منها ~~مجتمعاتنا. فما مدى صحة هذا الاعتقاد؟ # في معالجتنا لهذا الموضوع الحيوي، لا بد أن ننظر إليه من زاويتين مختلفتين، هما زاويتا ~~البلاد العربية الغنية والفقيرة، لأن مشكلات التنمية في كل منهما تختلف في نواح ~~كثيرة. ~~(1) الدول الغنية # هناك أسباب كثيرة تجعل الدول الغنية أكثر من غيرها تعرضا لإغراء النموذج الأمريكي في ~~التنمية، وأكثر من غيرها ميلا إلى اختيار الأيديولوجيات الأمريكية. ولعل في واقع ~~الثراء ذاته، وارتفاع مستوى الدخل القومي والفردي، ما يفسر هذه الظاهرة إلى حد بعيد. ~~فالأيديولوجيات التي تسير أمريكا وفقا لها تفتح الباب على مصراعيه أمام فرص الإثراء، ~~ولا تضع حدودا لما يمكن أن يملكه الفرد، على حين أن الأيديولوجية المضادة التي تحاربها ~~أمريكا تحد من فرص الامتلاك وتضع مصالح المجتمع كضوابط وحدود لما يمكن أن يحرزه ~~الفرد من ثروات. # ومع ذلك فإن من واجبنا أن ننفذ بنظرتنا إلى ما وراء السطح الخارجي للظواهر، وأن ~~نتساءل: هل يصلح نمط التنمية الذي تشجعه أمريكا للانطباق على البلاد العربية الغنية، ~~وهل يؤدي هذا النمط إلى خدمة المصالح الحقيقية لشعوب هذه البلاد؟ # لكي نجيب عن هذا السؤال لا بد لنا من الإشارة إلى ثلاث حقائق أساسية: # الأولى: # هي أن ثروة البلاد العربية، في وضعها الحالي، توظف - فيما يتعلق ~~بفوائضها ومدخراتها على الأقل - من أجل خدمة الاقتصاد الغربي، وعلى ~~رأسه الاقتصاد الأمريكي. وعلى الرغم من كل الروابط المتينة، سياسيا ~~واقتصاديا وتعليميا وثقافيا ... إلخ، بين الدول العربية البترولية ~~وبين أمريكا، فإن هذه الأخيرة لم تسهم في وضع أي برنامج يساعد الدول ~~الغنية على الانتفاع من أموالها في إرساء دعائم اقتصاد داخلي متين، ~~معتمد على ذاته، قادر على مواجهة الظروف التي ستجد عندما تنضب موارد ~~البترول. # هذه حقيقة مألوفة، نقرأ عنها في صحفنا كل يوم، ولكنها تظل - بالرغم ~~من ذلك - شيئا يدعو إلى التأمل العميق؛ فكيف تكون هناك كل تلك الروابط ~~الوثيقة بين البلاد العربية البترولية وبين أمريكا، دون أن تحاول هذه ~~الأخيرة مساعدة الأولى في الإفادة من إمكاناتها الاقتصادية الهائلة؟ أي ms36 ~~نوع من النموذج أو من المثل الذي تضربه تلك الدول الكبرى في علاقتها ~~بدول صغيرة تحتاج إلى الإفادة من تجارب الآخرين كيما تشق لنفسها طريقا ~~مستقلا؟ أليس ذلك هو نموذج الاستغلال فحسب - أعني الاستغلال الذي ~~يخدم مصالح الطرف القوي ولا يكترث بالمطالب الحيوية البعيدة الأمد ~~للطرف الضعيف؟ ولماذا لا تساعد أمريكا الدول العربية البترولية على وضع ~~برنامج للتنمية توظف فيه معظم فوائضها المالية في الداخل بدلا من ~~أن تودعها في بنوك غربية وأمريكية لخدمة اقتصاد هو أصلا قوي معتمد على ~~ذاته؟ أليس هذا دليلا على التعارض بين النموذج الأمريكي وبين أبسط ~~متطلبات المستقبل لدى الدول العربية الغنية؟ # والحقيقة الثانية: # هي أن أمريكا لا تكتفي بالإفادة من فوائض الأموال العربية لخدمة ~~مصالحها الخاصة، ولا تكتفي بالامتناع عن الإسهام في أي برنامج شامل ~~يضمن للدول العربية الغنية مستقبلا مأمونا، بل إنها تضع نصب أعينها ~~استنزاف الثروة البترولية العربية في أسرع وقت ممكن، دون أية مراعاة ~~لحاجات البلاد المنتجة، فأية محاولة لخفض إنتاج البترول إلى الحد الذي ~~يتمشى مع المطالب الحقيقية للبلد المنتج، تلقى مقاومة من الطرف ~~الأمريكي؛ لأن ما يحرص عليه هذا الطرف هو سد حاجات الاقتصاد الغربي، ~~وليس مراعاة مطالب المنتجين على الإطلاق. # ولو قيل إن هذا أمر لا مفر منه، لأن في الغرب مصانع لا بد لها أن ~~تعمل، وهي تحتاج إلى كميات يومية هائلة من البترول - لو قيل هذا لقلنا ~~إن هذه حجة غير ملزمة على الإطلاق؛ ذلك لأن الغرب لا يريد أن يغير ~~نمط حياته، الذي ينطوي على قدر هائل من السفه والتبديد، والذي يستهلك ~~فيه المواد الخام في العالم، وليس البترول وحده، إلى حد أصبح يثير ~~قلقا حقيقيا لدى كل من يفكر في مستقبل البشرية بشيء من التعمق. ~~ولقد اشترى الغرب نمط حياته الباذخ هذا، منذ أن كان يملك السيطرة ~~العسكرية إلى أن استعاض عنها بالسيطرة الاقتصادية، على حساب شعوب ~~العالم الثالث. فإذا كانت هذه الشعوب الأخيرة تعيش حياة الكفاف، ~~وتنقصها ضرورات الحياة الأساسية ذاتها، ومع ذلك ms37 تظل تعمل وتكافح دون أن ~~تشكو، فلماذا لا تتنازل الشعوب الغربية المترفة عن قدر من رفاهيتها ~~لكي تحقق مزيدا من التوازن بين اقتصاديات مناطق العالم المختلفة؟ ~~الذي يحدث بطبيعة الحال هو أن هذه الشعوب تقبل أي حل - حتى لو كان هو ~~التدخل العسكري ذاته - فيما عدا المساس بمستوى معيشتها المرتفع، ومن ~~ثم فإنها تستنزف، من بين ما تستنزفه، موارد البترول بسرعة تفوق كثيرا ~~ما تحتاج إليه الدول المنتجة ذاتها، وبذلك تكون عاملا معوقا في ~~وجه تنمية هذه الدول. # والحقيقة الثالثة: # هي أن الدول الغربية الصناعية، وعلى رأسها أمريكا، تحرص على أن تنشر ~~في الدول العربية الغنية عادات استهلاكية متطرفة، تحقق لها عدة أهداف، ~~ولكنها تعود على أصحابها بأوخم الضرر: ~~(أ) # فالاستهلاك الزائد يعود على الدول الصناعية الكبرى ذاتها ~~بالنفع المباشر. وكلما انتشرت بين الشعوب العربية الغنية ~~عادات الترف، والشراء بسبب وبغير سبب، وتغيير طراز السلع ~~والأجهزة الاستهلاكية بلا انقطاع، واقتناء أحدث المنتجات ~~أولا بأول، مع التخلص من القديم بلا ثمن، كان معنى ذلك ~~مزيدا من النفع لأصحاب المصانع، ومزيدا من التورط ~~والإدمان الاستهلاكي لدى المشترين. ~~(ب) # والأخطر من ذلك أن هذا الاستهلاك المفرط يفسد أذواق ~~هذه الشعوب ويشوه شخصيتها بالترف الزائد، الذي يصل في ~~كثير من الأحيان إلى حد التبديد، ويساعد على تنشئة أجيال ~~اعتادت سهولة العيش حتى أصبحت تعزف عن بذل أي نوع من الجهد ~~أو المعاناة. ووجود هذه الرغبة الطاغية في الحياة السهلة، ~~التي يأتي فيها كل شيء جاهزا بلا مجهود، يتعارض بطبيعة ~~الحال مع متطلبات التنمية التي ينبغي أن تعتمد فيها الشعوب ~~على نفسها وتبذل في حاضرها جهودا تقيها شر الحاجة في ~~المستقبل. ~~(ج) # وربما قيل إن شعوب الدول الصناعية الكبرى تستهلك بدورها ~~على نطاق واسع، دون أن يؤدي ذلك إلى فقدانها حماسة العمل ~~وبذل الجهد. ولكن شتان ما بين الحالتين: # فالشعوب الصناعية قد مرت بتجربة الاختراع والإبداع ~~بالنسبة إلى كل ما تستهلكه، وهي قد عايشت التليفزيون منذ ~~أن كان وميضا خافتا على شاشة باهتة إلى أن ms38 أصبح أفلاما ~~ملونة وربما مجسمة، وعايشت السيارة منذ أن كانت عربة خيل ~~مطورة إلى أن أصبحت صالونا فاخرا سريعا صامتا. أما ~~الشعوب الغنية المستهلكة في بلاد العالم الثالث، فلا تعرف ~~هذا الإنتاج إلا في صورته النهائية، ولا تتعامل معه إلا عن ~~طريق استعماله فحسب، وهي لم تعايش تجربة اختراع ولم تمر ~~بمعاناة التطوير والتجويد؛ ومن ثم فإن دلالة الاستهلاك ~~عندها، وتأثيره في شخصيتها، مختلفة كل الاختلاف. # من هذه الحقائق الثلاث يتضح لنا أن نمط التنمية الذي تشجعه أمريكا في الدول العربية ~~الغنية يؤدي بهذه الدول إلى أن تنعم بحلم وردي سريع، ولكنه يترك الواقع الذي سيعقب هذا ~~الحلم دون معالجة على الإطلاق. ومن هنا كان واجب هذه الدول ألا تنساق وراء هذا النمط، ~~وأن تدرك الفوارق بين أوضاع أمريكا وأوضاعها الخاصة، والاختلاف الكبير في نموذج الحياة ~~الاستهلاكية ونتائجها لدى مجتمع تكنولوجي متقدم، ولدى مجتمع يعاني من مشكلات التخلف ~~بالرغم من امتلاكه ثروة مؤقتة. ~~(2) الدول الفقيرة # إذا كان نمط الحياة الاستهلاكية، الذي يفتح الأبواب على مصراعيها لمنتجات البلاد ~~الصناعية المتقدمة، لا يصلح للبلاد العربية الغنية، فمن السهل أن ندرك أنه أقل صلاحية ~~للبلاد العربية الفقيرة؛ فحين تتخذ هذه البلاد الأخيرة من النمط الأمريكي نموذجا، ~~وحين تحاول أن تقلد أسلوب الحياة الأمريكي، متصورة أن هذا الأسلوب سينجح عندها كما ~~نجح في بلده الأصلي، فإنها تقع في وهم كبير، وتسقط في هوة سحيقة قد يكون من الصعب ~~عليها أن تنتشل نفسها منها لأمد بعيد. # ذلك أولا لأن البلد الفقير أقل قدرة من البلد الغني، بطبيعة الحال، على استيعاب ~~أدوات الترف الاستهلاكي. والنتيجة الطبيعية لذلك هي تشجيع فئة محدودة جدا على ~~الاستثمار السريع الربح في تجارة السلع الاستهلاكية واستيرادها، وفئة أخرى أكبر قليلا ~~من السابقة، ولكنها بدورها محدودة، على اقتناء هذه السلع. أما القاعدة الشعبية الواسعة ~~فسوف تنظر بحسرة إلى القلة المحظوظة، وسوف تتضاعف معاناتها، لأنها تجد أمامها نماذج ~~صارخة للاستهلاك السفيه من جهة، ولأن أعباء المعيشة ستزداد ثقلا عليها، من جهة أخرى، ~~نتيجة ms39 للتصعيد المستمر في الأسعار الذي تحدثه تصرفات تلك القلة المحظوظة. # ومن المستحيل معالجة موقف كهذا عن طريق التبشير بفلسفة «مجتمع الأسرة الواحدة» بين ~~أفراد المجتمع الفقير؛ ذلك لأن فلسفة «الأسرة الواحدة» ينبغي أن تكون التزاما من كلا ~~الجانبين؛ فكما تطالب الفقير بألا يحقد على الغنى أو يتمرد ضده، ينبغي أن نطالب الغني ~~بألا يثير حقد الفقير وتمرده. ولكن الذي يحدث هو أن فلسفة «الأسرة الواحدة»، في هذه ~~المجتمعات الفقيرة، لا تتذكر سوى التزامات الفقير وحده، أي التزامات طرف واحد من أطراف ~~«الأسرة الواحدة»، بينما تتغاضى تماما عن التزامات عضو الأسرة الغني تجاه «أقربائه» ~~الجياع! # إن النموذج الأمريكي يدعو إلى ترك نشاط الأفراد، في الميدان الاقتصادي، يسير في طريقه ~~حرا، دون أن تقف في وجهه أية قيود، ودون أن تكون هناك حدود لتوسعه ونموه. ومن ~~الجائز أنه كان لهذه الدعوة ما يبررها في ضوء ظروف أمريكا الفريدة، التي عرضناها في ~~الفصول السابقة؛ فقد كانت قلة البشر، وضخامة الموارد، وإمكانات الاستثمار الهائلة، ~~والطبيعة المغامرة للوافدين، كانت هذه كلها عوامل تشجع على إطلاق العنان للنشاط ~~الفردي حتى يصل إلى أقصى مداه. # وقد أصبح هذا الاتجاه جزءا لا يتجزأ من البناء الفكري للمجتمع الأمريكي؛ فمنذ أكثر ~~من مائتي عام، نجد الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان يتضمن بصورة واضحة انتقادا لفكرة ~~تدخل الدولة إلا في أدنى الحدود. وهكذا فإن أية دعوة إلى التأميم، أو التخطيط المركزي ~~الموجه للاقتصاد أو التعليم أو الثقافة أو الخدمات الصحية، تلقى مقاومة هائلة. وما ~~زالت عبارة جيفرسون القائلة: «إن أفضل الحكومات هي أقلها حكما» - ما زالت تعد شعارا ~~سياسيا رئيسيا لقطاعات كبيرة في المجتمع الأمريكي. # حسنا، هذه على أية حال فلسفة أمريكا الخاصة، وهي فلسفة نجحت (برغم تحفظاتنا الكثيرة ~~عليها) في ضوء الظروف الخاصة والفريدة لهذا المجتمع. ولكن مشكلة أمريكا، بعد أن أصبحت ~~القوة العظمى في العالم المعاصر، هي أنها لا تكتفي بالدعوة إلى المبادئ داخل حدودها، ~~وإنما تبذل كل ما في وسعها لكي تطبقها على أكبر عدد من دول العالم، ms40 بغض النظر عن ظروفها ~~وأوضاعها الخاصة. # إن بلاد العالم، حتى الكثير من الدول الغنية ، تتجه على نحو متزايد إلى تأميم مرافق ~~وخدمات أساسية في المجتمع، كالتعليم والصحة والمواصلات والإذاعة ... إلخ. # ذلك لأن التطور التاريخي يثبت صعوبة تطبيق مبدأ «الحد الأدنى من تدخل الحكومة» في ~~معظم مجتمعات العالم. وحين نتأمل البلدان الفقيرة بالذات نجد هذا المبدأ مستحيل ~~التطبيق؛ فعندما تكون الموارد محدودة، والسكان متزايدين، يكون معنى عدم تدخل الدولة هو ~~ترك الفرصة أمام السمك الكبير لكي يبتلع السمك الصغير. وكما أن الأسرة ذات الدخل ~~المحدود تحتاج، لكي تستمر في الحياة، إلى تدبير دقيق لميزانيتها ولأوجه الإنفاق فيها، ~~ولا تملك ترف التساهل أمام رغبات الأفراد المتباينة، فكذلك تحتاج البلاد الفقيرة إلى ~~توجيه وتخطيط لمواردها المحدودة، كيما تنتفع بها على أفضل نحو ممكن وإلا كانت الكارثة، ~~التي تتمثل في انتعاش أوضاع القلة الضئيلة، وشقاء الملايين من أبناء الشعب. # وإذن، فالنموذج الأمريكي أبعد ما يكون عن الانطباق على مجتمع فقير محدود ~~الموارد. # وهذا أمر لا نحتاج فيه إلى تفكير عميق؛ لأن النتائج العملية ذاتها تثبته على نحو ~~قاطع؛ ففي كل حالة يطبق فيها هذا النموذج بلا تمييز في بلد من بلاد العالم الثالث ~~الفقيرة، تكون النتيجة إخفاقا ذريعا. خذ أوثق الدول صلة بأمريكا، وأكثرها اقتداء بها، ~~كدول أمريكا اللاتينية، أو تركيا، أو فيتنام الجنوبية فيما مضى، أو تايلاند، أو إيران ~~في عهد الشاه، هل نجح النموذج الأمريكي، في حالة واحدة من هذه الحالات، في بناء مجتمع ~~تسوده العدالة وينال فيه كل إنسان - وخاصة من الطبقات الفقيرة - نصيبه المعقول من ثروة ~~المجتمع؟ ألا تشترك هذه المجتمعات كلها في وجود تفاوت صارخ بين طبقاتها، وعدم التوصل ~~إلى حلول لمشكلاتها الأساسية، والعجز عن النمو والاستثمار الرشيد لمواردها، وسيطرة ~~أساليب القمع من أجل تغطية المظالم الفادحة؟ # هذه أمثلة نلمسها بأنفسنا، وهي تقدم إلينا نحن العرب - وخاصة الفقراء منا - أبلغ دليل ~~على أن النموذج الأمريكي الذي يفتتن به بعضنا، عاجز تماما عن حل مشاكلنا، وأن نجاحه ~~في بلاده ليس ms41 على الإطلاق دليلا على أنه يمكن أن ينجح في ظروف مختلفة كل ~~الاختلاف. # ولكن السؤال الذي يطرح نفسه عند هذه النقطة هو: هل تجهل أمريكا هذه الحقائق؟ هل هي ~~بلد مثالي توجد لديه كل النوايا الطيبة إزاء الآخرين، ولكن سوء حظه هو الذي يجعله ~~فاشلا دائما مع الآخرين؟ إن المسألة، بالطبع، أبعد ما تكون عن ذلك؛ فأمريكا تعلم تمام ~~العلم أن نظامها لا يصلح إلا لها، وأنه في حالة البلاد الفقيرة بالذات يؤدي إلى الفشل ~~التام. ولكنها، ببساطة، لا تكترث بما يحدث للآخرين. # إنها تسلك بطريقة برجماتية (وهي كلمة تعبر عن الاتجاه الفلسفي المسيطر على الفكر ~~والسلوك الأمريكيين، وتعني ببساطة: البحث عن النجاح العملي، بغض النظر عن المبادئ ~~ذاتها) فقد كانت، في إيران مثلا، ترى الفقر المدقع والظلم الفادح والثراء الفاحش ~~جنبا إلى جنب، ولكنها لم تهتم، وإنما ركزت جهودها على التحالف مع الحاكم ومع طبقة ~~المنتفعين المحيطة به، وشجعته على التمادي في استبداده وتجاهل مطالب شعبه، بل هي التي ~~علمت زبانيته كيف يتقنون فنون التجسس والتعذيب وانتزاع الاعترافات ... إلخ، وما دام ~~الحاكم قادرا على أن يحكم قبضته على شعبه بيد من حديد ويقوده رغما عنه إلى طريق يحقق ~~مصالحها هي، فلا يهم على الإطلاق ماذا يحدث لهذا الشعب. # ولكن عبرة التاريخ البليغة تثبت لنا أن الانقياد للنموذج الأمريكي يقود الحكام ~~أنفسهم، لا شعوبهم المغلوبة على أمرها فحسب إلى الهاوية. فكيف ينظر المسئولون ~~الأمريكيون إلى كارثة الشاه بعد حدوثها؟ إنهم نادمون لأنهم لم يتنبهوا إلى قوة ~~المعارضة، ولم يتداركوها في الوقت المناسب، ولم يساعدوا الحاكم الطاغية على التخلص ~~منها. ولكنا لم نسمع اعتراضا من مسئول أمريكي واحد على السياسة التي يتبعها الشاه، ~~ولم نلمس لدى أحد منهم ندما على أنهم تركوه يطغى ويستبد ويستبيح أموال شعبه دون أن ~~يقدموا إليه نصيحة تخفف من غلوائه. ومعنى ذلك أن الحاكم، حتى حين يعادي شعبه في ~~سبيل المصالح الأمريكية، لا يجد من أمريكا مساعدة إلا على التمادي في الطغيان، ولا يلقى ~~منها أي ms42 توجيه يرده إلى صوابه أو يقلل من إمعانه في الظلم. وبالاختصار فإن أمريكا ~~تجر أصدقاءها حتما إلى الهاوية. وهذه - كما أدرك بعد فوات الأوان حكام تهاوت ~~تيجانهم في الآونة الأخيرة - عبرة لمن يعتبر. # أعود، في نهاية هذه الدراسة، فأقول إن المسألة ليست على الإطلاق مسألة أخلاقية؛ فليست ~~أمريكا، في عالمنا المعاصر، هي الفتى القوي الشرير، الذي يجر أصدقاءه معه إلى هاوية ~~الفساد، وإنما الموضوع في أساسه موضوع نظام لا يملك إلا أن يسير في هذا الطريق؛ لأنه ~~هكذا بدأ، وهكذا نما وتوسع، وهكذا يتحتم عليه أن يسير. # إن أمريكا، بحكم تكوينها ومصالحها الحيوية، لا تستطيع إلا أن تكون كذلك. أما نحن فما ~~زالت أمامنا فرصة للاختيار، وليس هناك على الإطلاق ما يرغمنا على أن نختار طريقا ثبت ~~لنا أنه لن ينفع بلادنا الغنية ولا الفقيرة، ولن يوجه من ينقاد له إلا إلى طريق ~~الهاوية. ms43