######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.CasrAydiyulujiyya.Hindawi80850730 #META# Tags: philosophy #META# ID: 80850730 #META# Title: عصر الأيديولوجية #META# AuthorID: 37940460 #META# Author: هنري د. أيكن #META# EditorID: 92815162 #META# Editor: عبد الرحمن بدوي #META# TranslatorID: 90639697 #META# Translator: فؤاد زكريا #META# Related_books: 1402HenryDavidAiken.AgeOfIdeology (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم المترجم‏ # مقدمة‏ # 1 - الفلسفة والأيديولوجية‏ # 2 - التحول الترنسندنتالي في الفلسفة الحديثة‏ # 3 - مذهب الأنا في الفلسفة الألمانية‏ # 4 - الديالكتيك والتاريخ‏ # 5 - العالم إرادة وتمثلا‏ # 6 - مؤسس الوضعية‏ # 7 - قديس المذهب الحر‏ # 8 - نبي التطور‏ # 9 - الديالكتيك والمادية‏ # 10 - الخلاص بلا مخلص‏ # 11 - ظهور الوجودية‏ # 12 - العودة إلى التنوير‏ # 13 - حاشية ختامية غير علمية‏ # تقديم المترجم‏ # مقدمة‏ # 1 - الفلسفة والأيديولوجية‏ # 2 - التحول الترنسندنتالي في الفلسفة الحديثة‏ # 3 - مذهب الأنا في الفلسفة الألمانية‏ # 4 - الديالكتيك والتاريخ‏ # 5 - العالم إرادة وتمثلا‏ # 6 - مؤسس الوضعية‏ # 7 - قديس المذهب الحر‏ # 8 - نبي التطور‏ # 9 - الديالكتيك والمادية‏ # 10 - الخلاص بلا مخلص‏ # 11 - ظهور الوجودية‏ # 12 - العودة إلى التنوير‏ # 13 - حاشية ختامية غير علمية‏ # | عصر الأيديولوجية # | عصر الأيديولوجية # تأليف # هنري د. أيكن # ترجمة # فؤاد زكريا # مراجعة # عبد الرحمن بدوي # | تقديم المترجم # لم يخف مؤلف الكتاب، أو ناشره، «هنري ديفد أيكن»، على القارئ في ~~مقدمة كتابه تعقد التيارات الفلسفية وتعددها في القرن التاسع عشر، ~~إلى الحد الذي يجعل من العسير، أولا، اختيار الفلاسفة الذين ينبغي أن ~~يمثلوا في كتاب من النصوص المقتطفة مثل كتابه هذا، وثانيا، اختيار ~~النصوص التي تعرض في الكتاب لهؤلاء الفلاسفة أنفسهم؛ فعملية الاختيار ~~هنا مزدوجة، وفي كل مرحلة منها صعوبة وحيرة؛ إذ يضطر المرء دائما - ~~كما أشار أيكن في المقدمة - إلى التضحية بفلاسفة لهم مكانتهم المؤكدة ~~في عالم التفكير الفلسفي، ثم يضطر بعد ذلك إلى اختيار نص ضئيل ~~جدا، لا يتجاوز خمس عشرة صفحة في الأصل الإنجليزي، من بين ألوف ~~الصفحات التي يكتبها كل مفكر من هؤلاء. # ولقد تحدث أيكن في مقدمته عن عملية الاختيار الأولى؛ أعني اختيار ~~الفلاسفة. وأود هنا أن أعرض بضع ملاحظات على عملية الاختيار الثانية؛ ~~أعني اختيار النصوص؛ فمن الضروري، في كتاب كهذا، أن تتوافر في النصوص ~~المختارة صفتان؛ الأولى: أن تكون ممثلة لتفكير الفيلسوف بإيجاز. ~~والثانية: أن تكون دالة على اتجاهه الأيديولوجي. وأستطيع أن أقول إن ~~المؤلف كان في معظم الأحيان موفقا فيما اختاره من النصوص، ولكني ~~أعتقد ms001 أن التوفيق لم يحالفه في حالات قليلة، وهو أمر ينبغي، في رأيي، ~~أن ينبه القارئ إليه حتى لا يحكم على كل الفلاسفة الذين يقرأ لهم من ~~خلال النصوص التي تمثلهم في هذا الكتاب. # فالنص المختار من «كانت» ليس دالا على فلسفته بأسرها، بل إنه ~~يتناول جانبا محدودا منها فحسب، ولا يكشف بوضوح عن طابعها ~~«الأيديولوجي»، بالمعاني التي حددها المؤلف في الفصل الأول لهذا ~~اللفظ. وكم كنت أتمنى أن يختار المؤلف نصا دقيقا، واضحا، جامعا، ~~مثل مقدمة الطبعة الثانية لكتاب «نقد العقل الخالص»، حيث يجد القارئ ~~تلخيصا كاملا لاتجاه «كانت» الفكري، وللدلالة الأيديولوجية لفلسفته، ~~معروضا بلغة واضحة في صفحات قليلة نسبيا. # أما النص المختار من «فشته»، فهو في رأيي غير موفق على الإطلاق، ~~ويبدو أن المؤلف ذاته أحس بذلك لأنه اهتم في مقدمته كثيرا بهذا النص ~~ودافع بقوة عن اختياره له. وبغض النظر عن تبرير المؤلف لهذا الاختيار، ~~فإن هناك ناحية أخرى كان ينبغي أن يحسب لها حسابا، وهي: إذا قدمت ~~لقارئ «فشته» في عشر صفحات، فهل تقدمه له في صورة هذه المبادئ التي ~~تتحدث كلها عن «الأنا» «واللاأنا» بطريقة تمثل قمة التعقيد في ~~المثالية الألمانية؟ وهل هذا يتفق مع نفسية قارئ «النصوص الموجزة ~~المختارة»، ويقدم إليه صورة صحيحة عن «فشته»، أم إنه ينفره منه ~~نفورا قد يصبح فيما بعد أبديا؟ # وبعد ذلك، فإن النص المختار من «جون ستيوارت مل»، وإن يكن موفقا ~~من حيث دلالته على تفكير «مل» الهادئ المتسلسل في دقة وإحكام، فإنه لا ~~ينطوي - في رأيي - على أية دلالة أيديولوجية، ولا يعدو أن يكون ~~اختبارا منطقيا للمعاني المختلفة للفظ «الطبيعة». # أما النص المختار من «هربرت اسبنسر»، فهو خاتمة لأحد كتبه، تفترض ~~مقدما إلمام القارئ بهذا الكتاب، وليست خاتمة من النوع الذي ~~يلخص المناقشات الماضية تلخيصا يمكن أن يفهم بذاته. # وبعد هذه الانتقادات التي أرى لزاما علي أن أوجه إليها أنظار ~~القارئ، أود أن أمتدح في المؤلف شيئين: # أولهما: # أن البعض الآخر من نصوصه كان موفقا دون شك، ولا ms002 ~~سيما النصوص المختارة من كونت ونيتشه ~~وكيركجورد. # وثانيهما: # أن الشروح التي سبقت كل نص، والتي تكاد تعادل ~~النصوص ذاتها في عدد صفحاتها، هي بالفعل شروح واضحة ~~مفيدة، تقدم إلى القارئ لمحة سريعة قيمة عن ~~تفكير الفيلسوف موضوع البحث وعلاقته بغيره من فلاسفة ~~الفترة نفسها، وربما غيرها من الفترات. (هذا إذا ~~استثنينا بعض المقارنات التي لا تجدي فتيلا، مثل ~~مقارنة فكرتي المراحل الثلاث عند كونت وعند ~~كيركجورد!) وهكذا، فعلى حين قد يجد القارئ في نص ~~معين غموضا أو قصورا عن شرح وجهة نظر الفيلسوف ~~الكاملة، فإن الشرح السابق للنص - وهو دائما شرح ~~وإيضاح لفلسفة المفكر كلها، لا النص الوارد بعدها ~~فحسب - يفيد إلى حد بعيد في سد ثغرات الاختيار. # وينبغي في هذا المقام أن أشير بإيجاز إلى بعض مشكلات الترجمة التي ~~يثيرها هذا الكتاب، وإلى طريقتي في معالجة هذه المشكلات. وأهم ما ينبغي ~~أن يشار إليه في هذا الصدد، هو اضطراري إلى ترك بعض الكلمات الأصلية ~~بأصلها الإنجليزي، ونقلها إلى العربية كما هي. # فلفظ «الأيديولوجية» الذي يتصدر عنوان هذا الكتاب، يترجم عادة ب ~~«العقائدية»، وهي ترجمة قد يتسنى قبولها في مقال سياسي أو ثقافي ~~عام، أما في سياق كتاب متخصص كهذا، فمن المحال أن يكون له مجال. ~~ويكفي أن يتصفح القارئ الفصل الأول من هذا الكتاب، ليدرك اتساع معاني ~~هذا اللفظ وتشعبها إلى الحد الذي يستحيل معه التعبير عنه بلفظ واحد ~~كهذا، لا يتناول إلا معنى واحدا من المعاني المقصودة، هو معنى ~~«الاعتقاد»، وهو معنى ليس هو وحده المميز للفظ. ولعل أفضل شرح للفظ ~~الأيديولوجية هو ذلك الذي أتى به «مانهيم # Karl ~~Mannheim ~~» في كتابه «الأيديولوجية والمدينة ~~الفاضلة # Ideology and Utopia ~~»، والذي ~~يلخص في أن اللفظ يطلق بمعنيين؛ أحدهما مذموم والآخر مقبول. ~~فالمعنى المذموم تكون الأيديولوجية فيه هي آراء الخصم الظاهرية، التي ~~تخفي الطبيعة الحقيقية لموقفه، والتي ليس من صالح ذلك الخصم الكشف ~~عنها. وبالمعنى المقبول يقال إن أيديولوجية عصر أو طبقة ما هي إلا ~~خصائص الذهن وتركيبه في ذلك العصر ms003 أو تلك الطبقة. # 1 # ويظهر هذان المعنيان معا في الفلسفة الماركسية، التي يرجع إليها ~~إذاعة شهرة لفظ الأيديولوجية؛ فترى ماركس يتحدث عن الأيديولوجية على ~~أنها تمثل مواقف الناس كما لو كانت في صورة مقلوبة، ويضع ~~الأيديولوجية مقابل التفكير العلمي الأصيل، وينظر إلى مذهبه ذاته على ~~أنه تجاوز للأيديولوجية وكشف لخداعها، وبهذا المعنى يتحدث عن ~~«الأيديولوجية الألمانية» بوصفها مذهبا فكريا لفلاسفة خضعوا ~~لمؤثرات لم يشعروا بها، على حين أن فلسفته هو لم تكن في نظره ~~«أيديولوجية» على الإطلاق. ومع ذلك فقد تطور اللفظ إلى حد أن أي ~~تفكير أصبح يمكن أن يعد أيديولوجيا، بمعنى أنه لا بد أن يعكس ظروف ~~طبقة معينة. وهكذا اختفى التقابل القديم بين الأيديولوجية وبين التفكير ~~العلمي، وأصبحنا نجد مفكرا ماركسيا مثل «جورج بوليتزر» يصف ~~الأيديولوجية بأنها «مجموعة من الأفكار تكون كلا أو نظرية أو ~~مذهبا أو حالة ذهنية فقط في بعض الأحيان»، ويعترف بأن المذهب الماركسي ~~ذاته له أيديولوجيته التي تعكس تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية ~~المؤثرة في الطبقة العاملة. # 2 # وإذن، فلفظ الأيديولوجية ينطوي على معان معقدة لا يمكن أن يعبر ~~عنها لفظ «العقائدية» بأية حال. وإذا كان هذا الأخير يمكن - تجاوزا - ~~أن يعد تعبيرا عن الناحية التي يعد فيها اللفظ دالا على مجموعة ~~من الأفكار والمواقف الأساسية للإنسان، فإنه لا يمكن أن يعد معبرا ~~عن الوجه الآخر الذي يعد فيه اللفظ دالا على «انعكاس» لأوضاع ~~وظروف تؤثر في الفكر الظاهري وتكون أهم وأسبق منه. وهكذا يستحق اللفظ ~~في رأينا أن يدخل على اللغة العربية بصورته الأجنبية دون تغيير. # ومثل هذا يقال عن لفظ «الترنسندنتالي» الذي أذاعته ونشرته في الأوساط ~~الفلسفية كتابات «كانت». وأنا أول من يدرك أن اللفظ بصورته الأجنبية ~~المعربة هذه ثقيل على اللسان والأذن، ولكن مثل هذا الحل يبدو أمرا لا ~~مفر منه؛ فليس للفظ علاقة بالعلو أو «التعالي»، التي يدل عليها ~~اشتقاقه في اللغات الأجنبية، بل هو، كما يردد «كانت» في كتاباته ~~دائما، ولا سيما في «المدخل إلى كل ميتافيزيقا مقبلة»، على ms004 عكس العلو ~~والتعالي تماما؛ لأنه تعبير عن الشروط «الكامنة» في المعرفة بحيث ~~تجعلها ممكنة. وقد كنت أوثر ترجمة مثل «الممكن» أو «التمكيني»، ولكن ~~هذه الألفاظ ما زالت عاجزة عن التعبير عن كل المعاني المعقدة التي ~~استخدم بها «كانت» هذا اللفظ. وهكذا فأنا أعترف بأن استخدام لفظ ~~«الترنسندنتالي» هنا هو، إلى حد بعيد، حل مبعثه العجز عن الإتيان بما ~~هو أحسن. # أما عن الترجمة نفسها، فقد يجد القارئ اختلافا طفيفا بين بعض ~~الترجمات وبين النص الإنجليزي الأصلي، ولا سيما في النصوص التي يكون ~~أصلها غير إنجليزي؛ وسبب هذا الاختلاف هو إيثاري الرجوع إلى الأصل في ~~هذه الحالات. # بقيت أخيرا كلمة عن مؤلف الكتاب أو ناشره، هنري ديفد أيكن. وقد ولد ~~أيكن عام 1912م، وتلقى دراساته بالجامعات الأمريكية، ولا سيما جامعة ~~هارفارد، ثم تولى التدريس فيها أيضا. ومؤلفاته المنشورة في صورة كتب ~~قليلة العدد، منها، إلى جانب هذا الكتاب، نشرة لكتاب «الفلسفة ~~الأخلاقية والسياسية» لديفيد هيوم # Moral and Political Philosophy ~~، كما أصدرت له دار «نوبف # A. Knopf ~~» للنشر بنيويورك منذ أشهر ~~قليلة كتاب «العقل والسلوك # Reason and ~~Conduct ~~». # أما الكتاب الذي نترجمه ها هنا فقد أصدرته أولا دار # Houghton Mifflin # بأمريكا سنة ~~1956م، ثم دار # Braziller # في سنة 1957م، ~~وبعد نفاد هاتين الطبعتين، صدرت له طبعتان شعبيتان، في دار # Mentor # للطباعة الشعبية. والكتاب ~~هو المجلد الخامس في سلسلة من ست مجلدات بعنوان «العصور الكبرى ~~للفلسفة الغربية # Great Ages of Western Philosophy ~~». # نيويورك في يناير 1962م # فؤاد زكريا # | مقدمة # إن التفكير الفلسفي في أي عصر هو دائما أشد تنوعا وتعقيدا مما ~~يبدو لأول وهلة. ومع ذلك فإن القرن التاسع عشر يفوق بمراحل عديدة ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر - مع احترامنا الكامل لسلفيه ~~العظيمين هذين - وذلك على الأقل من حيث تعدد أفكاره الفلسفية ~~وتنوعها وتعقيدها. ولذا كان من الصعب إلى حد بعيد أن يهتدي المرء إلى ~~قضية أو مسألة أساسية تدور حولها آراء معظم كبار مفكري تلك الفترة، ~~بل إن مجرد الجمع بين أسماء ms005 ضخمة مثل هيجل ونيتشه، وماركس ومل، وكونت ~~وكيركجورد، ليبعث في الذهن على التو فروقا لا نظير لها، لا في المزاج ~~والأسلوب الفلسفي فحسب، بل في المؤثرات السابقة والمنهج أيضا. ففي ~~القرن التاسع عشر تزدهر مملكات فلسفية كاملة، ثم تدول، خلال بضع سنوات ~~قصيرة، وسرعان ما يتحول المصطلح الفني لدى إحدى المدارس إلى هراء في ~~نظر المدرسة التالية. وباقتراب نهاية ذلك القرن، يتزايد تداخل الحدود ~~الفاصلة واختلاطها، حتى لتكاد التصنيفات المفيدة الصادقة للفلاسفة ~~تغدو مستحيلة. ومع ذلك فقد تبين لي، رغم هذا كله، أنه توجد من وراء ~~معظم المشاهد المحيرة التي تعرض لمن يؤرخ فلسفة القرن التاسع عشر ~~ويقتطف منها نصوصا مختارة، مجموعة رئيسية من المشاكل يرجع إليها القدر ~~الأكبر من غرابة هذه الفلسفة وصعوبتها؛ فمنذ «كانت» طرأ تعديل أساسي ~~عميق على نفس مفهوم التفلسف كما كان يسود منذ وقت أرسطو، مما استتبع ~~تغييرا هائلا حتى في معاني ألفاظ أساسية في مصطلح الفلسفة التقليدية ~~مثل «الميتافيزيقا» و«المنطق». وتبين حينئذ أن هناك مشاكل لم يشك ~~أحد في قيمتها أو دلالتها طوال ألفي عام، قد أصبحت تعد خلوا من ~~المعنى، واستعيض عنها بمسائل أخرى لم تخطر من قبل على بال أحد. وإلى ~~هذه الحقيقة يرتد مباشرة كثير من الغموض الذي يكتنف الكتابات ~~الفلسفية في القرن التاسع عشر. # ولا جدال في أن هذا قد زاد من عمق فلاسفة القرن التاسع عشر وأصالتهم، ~~غير أنه لم يزدهم وضوحا، ولم يجعل كتاباتهم أسهل قراءة. # ولقد كان ضيق المكان عاملا آخر على تعقيد عملية اختيار فلاسفة ~~معينين لتقديمهم في هذا الكتاب؛ فقد تبين لي منذ البداية أن من ~~المستحيل أن أدرج هنا كل فيلسوف ذي أهمية رئيسية خلال هذه الفترة، إذا ~~شئت ألا يغدو هذا الكتاب مجرد ثبت لا معنى له بالأسماء والاتجاهات ~~الاقتباسات. وكان اختياري النهائي مبنيا على عوامل ثلاثة؛ هي الأصالة ~~والتأثير التاريخي، والأهمية المعاصرة. وحتى مع تقيدي بهذه العوامل، ~~فقد تعين علي أن أحذف فلاسفة عديدين تكاد تنطبق عليهم كل هذه ~~الشروط التي وضعتها ms006 لإدراج الفيلسوف في الكتاب، مثل شلنج، # 1 # وبنتام # 2 # وف. ه. برادلي. # 3 # ومع ذلك، فلو كنت قد أدرجتهم، لاضطررت إلى حذف فيلسوف آخر ~~كان حذفه في نظري، لسبب ما، أمرا لا يعقل. ومع ذلك فإني أسارع إلى ~~تنبيه القارئ إلى أن القرن التاسع عشر فترة في تاريخ الفلسفة بلغت من ~~الخصوبة حدا يجعل ما قدم منها في هذه الصفحات مجرد لمحات سريعة ~~فحسب. # ولقد كتب «عصر الأيديولوجية» هذا للقارئ المفكر الذي قد لا يهتم ~~بمناقشات الشراح العلمية المعقدة، وإنما يلتمس شيئا قد يكون ذا صلة ~~بمشاكله العقلية والروحية الخاصة، أو يلقي بعض الضوء على الخلافات ~~الأيديولوجية التي ورثها عصرنا من القرن السابق عليه. وهكذا حاولت أن ~~أضع هاتين الحاجتين المشروعتين نصب عيني دائما، دون أن أشوه ~~آراء الفلاسفة الذين عرضت لهم ها هنا. وبالاختصار، فقد هدفت إلى أن ~~أكتب لأولئك الذين يعتقدون أن التفكير الفلسفي ليس ترفا محفوفا ~~بالخطر، وإنما هو عنصر لا غنى عنه يعيننا على السلوك في الحياة. ~~ويؤمنون مثلي، في الوقت ذاته، بأن من المستحيل التمسك بقول سقراط «اعرف ~~نفسك!» إن لم يكن المرء يعرف شيئا على الإطلاق. ولو أتاح هذا الكتاب ~~لقارئ أن يهتدي في تفكير فيلسوف مثل كانت أو مل أو نيتشه إلى مفتاح ~~معين لحل مشاكل عميقة خاصة به، أو شجعه على الاستزادة من قراءة ~~هؤلاء المفكرين الكبار، لكنت بذلك قد حققت كل ما أرمي إليه من هذا ~~الكتاب. # وقد يتساءل القارئ عن السبب الذي دعاني إلى ألا أختار في كتاب له ~~مثل هذا الاتجاه نصوصا ذات طابع أيديولوجي أوضح وأصرح. فلماذا مثلا، ~~اخترت بحث مل في «الطبيعة»، بدلا من كتابه عن «الحرية # Liberty ~~»، أو «مذهب المنفعة # Utilitarianism ~~»؟ ولماذا اخترت بحث ~~ماركس «قضايا عن فويرباخ» بدلا من «البيان الشيوعي # The ~~Communist Manifesto ~~»؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ~~ترتد إلى أساس نظرتي إلى القرن التاسع عشر من حيث هو عصر للأيديولوجية، ~~فليس ثمة شك في المدلول الأيديولوجي المؤكد لكتابات مثل «الحرية»، أو ~~«البيان الشيوعي»؛ ms007 فهي كتابات ترمز إلى صراع أيديولوجي ضخم بلغ قمته ~~في عصرنا هذا. ولكن الأمر الذي قد لا تدركه الأذهان بنفس هذا القدر من ~~الوضوح، هو أن المذاهب الأعمق أسسا لدى فلاسفة القرن التاسع عشر تحمل ~~بدورها طابعا أيديولوجيا بالمعنى العام؛ فمن المفارقات العجيبة أن ~~إيمانويل كانت، الذي ظن أنه سدد إلى الميتافيزيقا النظرية ضربة ~~الموت، قد استهل حركة إحياء ميتافيزيقي ضخم في المثالية المطلقة لدى ~~فشته وهيجل. ومع ذلك فقد كانت الميتافيزيقا لديهما، كما سنرى فيما بعد، ~~من نوع لم يكن يحلم به الفلاسفة السابقون. على أن الفارق بين ~~ميتافيزيقا فيلسوف مثل فشته وميتافيزيقا فيلسوف مثل ديكارت أو ليبنتس، ~~ليس فارقا نظريا، وإنما هو فارق يتعلق بدلالة المواقف الميتافيزيقية ~~ومعناها ذاته. وهو أساسا فارق بين نوع من البحث يلتمس معرفة نظرية ~~لأشمل سمات الوجود، ونوع آخر يسعى إلى إثبات الالتزامات الأساسية التي ~~ينطوي عليها كون المرء إنسانا أو كونه شخصا، أو عاقلا، أو متمدينا. ~~فقد نظر ديكارت، وأرسطو من قبله، إلى الميتافيزيقيا على أنها استمرار ~~للأبحاث في العلوم الخاصة، ولا تختلف عن هذه الأبحاث إلا في النطاق ~~والأولوية. أما عند فشته، فإن هدفها ومنهجها عمليان، لا نظريان، في ~~المحل الأول؛ فهي لا تأتي بأوصاف للأمور الواقعة، وإنما ب «أوضاع أو ~~تأكيدات Posits ~~» أو التزامات أساسية ~~للسلوك في الحياة. # وعلى ذلك فالرأي الذي أدافع عنه لا يقتصر على القول بأن أبرز سمات ~~مذاهب فلاسفة القرن التاسع عشر وأقواها أثرا كانت ذات طابع أيديولوجي ~~في الأساس، بل إني لأذهب في رأيي هذا أيضا إلى القول بأن الفلاسفة قد ~~ازدادوا منذ عهد «كانت» إدراكا لطبيعة الهدف الأساسي للنقد الفلسفي، ~~من حيث هو لا ينتمي إلى «العلم»، بأي معنى معتاد للكلمة، وإنما إلى ~~شيء لا تنطبق عليه إلا كلمة «الأيديولوجية». # أما من حيث ما قدمته من شروح على كل فيلسوف بعينه، فإن ديني ~~عظيم لعشرات من الباحثين، وهو في الحق أكبر من أن أعترف هنا بتفاصيله، ~~فلهم جميعا الشكر على ما اقتبست منهم عن ms008 وعي ومن غير وعي. ومع ذلك ~~فبودي أن أعبر عن امتنان خاص لعدة أشخاص؛ أولهم زوجتي «ليليان ~~ودورث أيكن»، التي أبدت حكمة ومساعدة جمة في قراءة كل المسودات ~~المتعاقبة لهذا الكتاب. كما أن صديقي وزميلي «بول زيف» قد قرأ أجزاء ~~كبيرة وناقشني بالتفصيل في عدة فلاسفة ممن كتبت عنهم، فله مني ثناء حار ~~على تشجيعه لي. ويسرني أن أعرب لزميلين آخرين هما «مورتون وايت» ~~و«و. ف. كواين» عن شكري للصحبة العقلية والولاء اللذين أعاناني طوال ~~سنوات عديدة كنت خلالها أتحسس طريقي نحو آفاق فلسفية لا أظن أنها ~~تختلف كثيرا عن آفاقهما. ولقد اعتمدت على «الوعي التاريخي» لدى الأول ~~- وهو أعمق كثيرا مما لدي من هذا الوعي - اعتمادا أعظم مما ~~يعلم. على أن ديني الأعظم إنما هو إلى «رالف بارتون بيري»، الذي أهدي ~~إليه هذا الكتاب بمودة واحترام، والذي استمددت منه أهم ما لدي من ~~معايير التفوق خلال السنوات التي انقضت منذ أول أيام دراساتي العليا ~~بجامعة هارفارد. # لكسنتن # ماساتشوستس. هنري ديفد أيكن # الفصل الأول # | الفلسفة والأيديولوجية # في القرن التاسع عشر # تتميز فترة الفلسفة الحديثة الواقعة بين إمانويل كانت وبين إرنست ~~ماخ بأنها فترة مرت فيها الميتافيزيقا - التي كان ديفيد هيوم قد أجهز ~~عليها منذ عهد قريب، وكانت قد أعلن موتها رسميا - بعهد إحياء معجز ~~عادت فيه إلى الظهور في المثالية المطلقة لدى فشته وهيجل، وعاشت حياة ~~جديدة قوية في المذهب الطبيعي التطوري عند هربرت سبنسر، ووجدت، كما يرى ~~البعض، دارها الباقية في المادية الديالكتية عند كارل ماركس. كذلك كان ~~عصر الأيديولوجية فترة بلغت فيها فلسفة التاريخ - وهي أشد المباحث ~~الميتافيزيقية بريقا - أقصى مراحل الازدهار، وأتت معها بمجموعة كاملة ~~من النظريات الطامحة المتعلقة بطبيعة المسار التاريخي ومصير الإنسان. ~~وهكذا يبدو لأول وهلة أن القرن التاسع عشر، على خلاف القرن السابق ~~عليه، كان عصر تأملات غير ناقدة، بل جامحة، في الطبيعة النهائية ~~للعالم الحقيقي، أكثر مما كان عصر نزعة نقدية اجتماعية وسياسية، ~~سلمت بالمبدأ القائل إن الموضوع الصحيح لدراسة الفلسفة، إن لم ms009 يكن ~~لدراسة الجنس البشري ذاته، هو الإنسان. # ومع ذلك، فحتى لو قبل هذا الوصف على علاته، فما زال من الممكن ~~الدفاع عن الرأي القائل بأن القرن التاسع عشر كان عصرا أيديولوجيا؛ ~~فلفظ الأيديولوجية، يعني، في أحد معانيه المتعددة، «التأمل النظري أو ~~الفكري المجرد». غير أن مثل هذا الوصف لفلسفة القرن التاسع عشر بأسرها ~~وصف غير كامل؛ فهو يغفل ذلك الاتجاه والاندفاع الأساسي للتفكير ~~الفلسفي في القرن التاسع عشر، حتى في إطاره الميتافيزيقي ذاته. ولو ~~رجعنا إلى قاموس «وبستر # Webster ~~»، ~~لوجدنا معاني أخرى للفظ «الأيديولوجية» لها ارتباط أوثق بتلك المعاني ~~التي أقصدها حين أطلق على هذه الفترة اسم «عصر الأيديولوجية»؛ ففي أحد ~~هذه المعاني يشير اللفظ إلى «نسق من الأفكار بشأن الظواهر، ولا سيما ~~ظواهر الحياة الاجتماعية؛ طريقة التفكير المميزة لطبقة أو فرد.» غير أن ~~هذا التعريف يغدو أكثر غموضا كلما أمعن المرء التفكير فيه؛ ذلك لأن ~~الجزء الأول فيه يوحي بنظرية عن الظواهر، ولا سيما الاجتماعية منها، في ~~حين أن الجزء الثاني لا يوحي بنظرية، وإنما بطريقة في التفكير أو نسق ~~من المواقف. فالأول يبعث في الذهن قضايا موضوعية تصف شيئا موجودا في ~~العالم، والثاني لا يوحي بقضايا يجوز فيها الصواب أو الخطأ، وإنما بشيء ~~أكثر ذاتية، يعبر عن الطريقة التي ينظر بها فرد أو جماعة إلى عالم ~~الواقع. هذا الغموض أو ازدواج المعنى، هو في رأيي كامن في الاستخدام ~~المألوف لكلمة «الأيديولوجية»، وهو أيضا ازدواج يكمن في صميم التفلسف ~~المميز للفترة التي نتناولها ها هنا بالبحث؛ ذلك لأن نظرة معظم فلاسفة ~~القرن التاسع عشر إلى أية قضية ذات صورة فكرية على أنها شيء يتصور، ~~ويوضع (أو يؤكد)، ويرغب فيه، ويتاق إليه، هي ذاتها التي تجعل ~~من العسير علينا أن نعرف متى يتحدثون عن طريقة التفكير ومتى يتحدثون عن ~~موضوعه. وهم كثيرا ما يتحدثون عن الأمرين معا، أو على الأصح، عن ~~علاقة بينهما يعدونها أساسية لهما معا. أما السبب في تحدثهم على ~~هذا النحو، فإنه يؤلف جزءا كبيرا من مشكلتنا ms010 في هذا الكتاب. وعلى أية ~~حال فسواء أكانت هذه الفكرة صحيحة أم باطلة، فإنها تمثل خروجا على ~~طبيعة التفلسف النظري السابق، وهي تؤدي آخر الأمر إلى نظرة جديدة ~~تماما إلى عملية التفلسف ذاتها. # ولقد كان الفلاسفة في الفترة السابقة على القرن التاسع عشر يهتمون ~~كثيرا بمشكلة المنهج، ولكنهم في عمومهم لم يشكوا كثيرا في وجود ~~حقيقة مستقلة موضوعية يمكن فهمها على نحو ما . # 1 # كما أنهم لم يرتابوا في وجود طريقة موضوعية للتفكير في ~~الواقع، مشتركة بين كل الحيوانات العاقلة، ولا تؤدي إلى تغيير أو ~~تشويه أساسي للشيء المعروف. فهم في واقع الأمر لم يتعمقوا كثيرا ~~مفهوم الموضوعية ذاته، بل اقتصروا على استخدامه للتعبير عن إيمان شبه ~~شعوري بقدرة الملكة العاقلة على بلوغ موضوعها، وعن التطابق بين الشيء ~~في ذاته والشيء كما يعرف. وقد نظروا إلى ما أسموه ب «العقل # reason ~~»، على أنه الملكة العاقلة ~~التي تدرك بها قوانين الطبيعة، وعلى أنه في الآن نفسه مبدأ النظام أو ~~القانونية اللذين تدركهما الملكة العاقلة في الطبيعة. وهكذا نظر إلى ~~العلاقة بين تفكير الإنسان في الواقع وبين الواقع ذاته على أنها علاقة ~~«تطابق»، شفاف، وعدت أيضا علاقة خارجية صرفا، لا تؤثر بحال في ~~الخصائص الكامنة في الشيء المعروف. # 2 # أما الانسجام المقدر بين الذهن العارف والموضوع ~~الحقيقي للمعرفة فهو، تبعا لهذا الرأي، معجزة إلهية لا يملك الإنسان ~~إلا أن يعرب عن امتنانه لها. # أما منذ وقت كانت، فقد أصبح افتراض وجود تطابق مقدر بين الذهن ~~وموضوعه، يعد افتراضا دجماطيقيا (توكيديا) غير ناقد. # فإذا كان العقل الكامن في الأشياء هو ذاته العقل الذي نعترف بأنه ~~معيار التفكير السليم في أي موضوع، فما ذلك إلا لأنا نحن أنفسنا قد ~~حددنا مقدما الشروط التي ينبغي أن تتوافر في أي موضوع حتى نعده ~~«حقيقيا # real ~~». وبالاختصار، فالذات ~~المفكرة هي ذاتها التي تضع معايير الموضوعية. وإذا لم يكن العالم هو ~~«فكرتي»، على حد تعبير شوبنهور المضلل، فإنه على أية حال لا يكون ~~حقيقيا في نظرنا إلا بقدر ms011 ما يتمشى مع فهمنا الخاص للشروط الواجب ~~توافرها في أي شيء حقيقي. # وهكذا فإن أية صورة فلسفية للواقع تفترض مقدما طريقة للتفكير ~~فيه، وقاعدة أو مبدأ لتنظيم التصورات، ينبغي أن يسلم بها صانعها ~~تسليما. وبهذا يكون من المحال حذف عنصر الذاتية، مهما دق تخفيه، ~~حذفا تاما من أي مذهب فلسفي؛ فكل مذهب فلسفي يفترض، بطريقة شعورية ~~أو بغيرها، بعض الالتزامات أو «المواقف» النهائية الأخرى. وهذه ~~الالتزامات أو المواقف من صنع الحيوان العاقل ذاته، يضعها حتى يعيش ~~ويؤدي عمله، دون أن يكون ثمة جهة يحتكم إليها في حالة الاعتراض على ~~صحتها من بعد تصميمه هو على الالتزام بها. # 3 # ومع ذلك فقد عدلت هذه الذاتية العميقة تدريجيا بفعل عامل آخر ~~كان أقوى سيطرة على تفكير معظم الفلاسفة في العصر الأيديولوجي؛ ذلك هو ~~ما يسمى ب «الوعي التاريخي». ولقد كان هيجل هو الفيلسوف الذي ساهم ~~بأكبر نصيب في دعم هذه الطريقة في التفكير. ومنذ وقت هيجل، أصبح ~~الاتجاه المفضل هو النظر إلى الطبيعة البشرية في عمومها، بل إلى ~~العقل ذاته، على أنهما متطوران خلال التاريخ، وبالتالي على أنهما ~~يتأثران على الدوام بتغير ظروف الفرد والحياة الاجتماعية. وهذا ~~ينطوي، أو يبدو منطويا، على القول بأن العقل ليس مبدأ شاملا ثابتا ~~للفهم البشري والطبيعي، وإنما صورة للفكر متطورة تاريخيا، تخضع ~~معايير الصحة فيها للتغير وفقا لتغير مقتضيات الحياة البشرية ~~وظروفها. # ويتضمن قاموس «وبستر» معنى ثالثا للفظ «الأيديولوجية» هو بدوره ~~مرتبط بموضوعنا؛ ففي هذا المعنى - وهو المعنى الأصلي - يشير اللفظ إلى ~~«علم الأفكار؛ أي دراسة أصل الأفكار وطبيعتها، ولا سيما في مذهب ~~كوندياك # Condillac ~~، الذي استمد جميع ~~الأفكار من الإحساس وحده». # غير أن دلالة هذه الإشارة التاريخية ليست واضحة، ولزام علينا أن ~~نأتي بتفسير لها، نظرا إلى أهميتها الأساسية بالنسبة إلى المشكلة التي ~~يتعرض لها هذا الكتاب. فقد كان أول من صاغ لفظ «الأيديولوجية» فيلسوف ~~فرنسي أصبح الآن منسيا، اسمه «ديتوت دي تراسي # Destutt ~~de Tracy ~~» (1754-1836م). # 4 # وقد استخدمها دي تراسي للإشارة إلى التحليل ms012 التجريبي ~~المجدد للذهن البشري، وهو التحليل الذي صاغه في أكثر صوره اتساقا ~~الفيلسوف «كوندياك» في القرن الثامن عشر، والذي يرجع آخر الأمر إلى ~~«طريق الأفكار الجديد # The new way of ~~ideas ~~»، الذي وضعه لأول مرة جون لوك في كتابه «بحث ~~في الفهم البشري # Essay Concerning the Human ~~Understanding ~~». وقد تبنى زعماء الثورة الفرنسية ~~هذا التحليل، الذي جعل من الإحساس مصدرا لكل الأفكار، على أساس أنه ~~سلاح لا غنى عنه في محاربة العقائد السياسية والدينية المتسلطة التي ~~استغلها النظام القديم في الاحتفاظ بقبضته. بل إن حكومة الثورة قد ~~اعترفت بهذا التحليل بوصفه الفلسفة الوحيدة، وكان الفلاسفة الوحيدون ~~المعترف بهم أثناء عهدها هم «الأيديولوجيون # les ~~idéologues ~~» كما أصبحوا يسمون فيما بعد. # ومنذ ذلك الحين فقدت كلمة «الأيديولوجية» هذا المعنى المحدود، ولكن ~~ارتباطها بالمذاهب المستمدة من اعتبارات سياسية، والمؤيدة رسميا، ~~ظلت باقية. ومع ذلك فقد طرأ تحول آخر على هذا المعنى للفظ خلال عهد ~~نابليون، عندما أصبحت «الأيديولوجية» تكاد تعني أي رأي ذي طابع جمهوري ~~أو ثوري؛ أعني أي رأي مضاد لنابليون ذاته. على أن هذه الارتباطات شبه ~~المجازية لم تختف تماما قط من استعمالات هذا اللفظ، بل لقد ظلت ~~طوال القرن التاسع عشر تكتسب قوة جديدة، ويتسع نطاقها، ولا سيما في ~~كتابات كارل ماركس وزميله فريدرش إنجلز؛ ففي كتابهما المشترك ~~«الأيديولوجية الألمانية»، ظل معنى اللفظ مرتبطا ارتباطا وثيقا ~~بالفلسفة، ولا سيما تلك الفلسفات التي كانت في نظرهما معادية ~~لفلسفتهما الثورية الخاصة في التاريخ. وهكذا استخدما اللفظ، ليس فقط ~~للدلالة على التراث «البرجوازي» للمثالية الألمانية التي يمثلها ~~هيجل وأتباعه، بل أيضا للإشارة إلى الصور «الآلية» السابقة للمذهب ~~المادي، وهي الصور التي تعجز في رأيهما عن تفسير طبيعة التطور ~~التاريخي. # وهناك عدة سمات في مفهوم الأيديولوجية عند ماركس وإنجلز، تقتضي هنا ~~بعض البحث؛ فمن الملاحظ أولا أن ما أطلقا عليه اسم «الأيديولوجية» لا ~~يشمل نظرية المعرفة والسياسة فحسب، بل يشمل أيضا الميتافيزيقا ~~والأخلاق والدين، وأية «صورة للوعي» تعبر عن المواقف أو الالتزامات ~~الأساسية لطبقة ms013 اجتماعية. كذلك يتضمن كتاب «الأيديولوجية الألمانية» ~~عددا من الفقرات الطريفة التي يبدو فيها أن ماركس وإنجلز يحاولان ~~إيجاد نوع من التمييز بين المكونات «الأيديولوجية» للوعي وبين ما ~~يطلقان عليه تارة اسم «المعرفة الحقيقية»، وتارة اسم «العلم الوضعي ~~الحقيقي». وهما لا يقدمان أبدا إيضاحا تاما لمعنى هذا التمييز، ~~ولكنه يوحي على أية حال بأن الأيديولوجيات، أو «الأسباب» التي تدعو إلى ~~قبولها، غير عقلية. كذلك يثير هذا التمييز مسألة صعبة تتعلق بمركز ~~المادية الديالكتيكية ذاتها، التي تصورها ماركس على أنها ليست ~~أيديولوجية الطبقات العاملة الثورية فحسب، بل على أنها أيضا فلسفة ~~«علمية» يمكن وصفها، دون تردد، بأنها «صحيحة». # ولم يقم ماركس وإنجلز أو أحد من أتباعهما مطلقا بتحديد دقيق للصلات ~~بين الأيديولوجية وبين العلم والمعرفة. ومع ذلك فإن القول بوجود ~~ارتباطات لا معقولة تتعلق بالمصالح الاجتماعية أو السياسية البعيدة، ~~وهي الارتباطات التي ما زالت تلحق المذاهب «الأيديولوجية» في كثير من ~~الأحيان، يرجع الكثير من جذوره إلى النظرية الماركسية القائلة إن ~~العناصر الأيديولوجية وبالتالي الفلسفية، في الوعي، تنتمي إلى «التركيب ~~الظاهر» # superstructure # 5 # للحضارة. # وتبعا لهذا الرأي تكون هذه المذاهب، رغم مظاهرها الخارجية، مفتقرة ~~إلى المضمون العقلي أو «المعرفي» المستقل، وليس لها مسار تاريخي قائم ~~بذاته. # ولقد كان كلام ماركس وإنجلز عن وجود معنى مضلل ودلالة «حقيقية» ~~باطنة للمذاهب الأيديولوجية أقوى أثرا أو أعمق تغلغلا في تفكير القرن ~~العشرين مما يعترف به عادة؛ ففي رأيهما أن علاقات الناس وأفكارهم ~~عندما تصاغ في قوالب أيديولوجية، تظهر الصورة المقلوبة؛ أي إن ~~الأيديولوجية والفلسفة تتجهان إلى عرض الأفكار ذاتها كأنها قوى ~~متحكمة قادرة على توجيه وتحديد العلاقات السياسية والاقتصادية بين ~~الناس. وإلى هذا الميل إلى أن نصبغ بصبغة موضوعية ونشخص ما هو في ~~حقيقته مجرد ناتج ثانوي ذاتي للصراع الاقتصادي الطبقي، ترجع سيطرة ~~الأفكار الخالصة على من يؤمنون بها، ويعتقدون أن في إمكانها إحداث فارق ~~ملحوظ في حياتهم. وهذا كله باطل؛ فالصورة التي تعرض بها القضايا ~~الأيديولوجية تخفي مضمونها الحقيقي، وهي في واقع الأمر لا تعدو ms014 أن ~~تكون مظهرا للتضليل اللغوي اللازم للدعوة إلى أية «نظرية» أيديولوجية. ~~والواقع أن الأيديولوجيات في نظر ماركس إنما هي «انعكاسات» أو «أصداء» ~~لقوى أخرى متحكمة تقوم هي ذاتها بالمهمة الأساسية في إحداث أي تغيير ~~اجتماعي حقيقي. ويطلق ماركس على هذه العلل التنفيذية أو الفاعلة ~~للتغير الاجتماعي اسم العلل «المادية»، وذلك إيضاحا للتقابل بينها ~~وبين نواتجها العرضية الأيديولوجية. # وليس هذا موضع القيام بتحليل أو تقدير شامل لأقوال ماركس وإنجلز ~~التي لم تكن متسقة دائما، بشأن الصلات بين «التركيب الظاهر» ~~الأيديولوجي وأساسه الاقتصادي المادي. غير أن هذه النظرية توحي ضمنا ~~على الدوام بأن المذاهب الأيديولوجية أساطير اجتماعية أو «مخدرات» ~~للشعوب، وبأن «أسباب» قبولها لا صلة لها، في أساسها، باعتبارات ~~البداهة أو الواقع. وما زالت هذه الفكرة المتضمنة في النظرية مرتبطة ~~بمفهوم الأيديولوجية حتى يومنا هذا. # وأود في هذا الكتاب أن أستخدم بعض، لا كل، المعاني والارتباطات ~~التاريخية المعقدة للفظ «الأيديولوجية». والرأي الذي أود أن أقدمه ~~ها هنا هو أن الفلسفة لم تعد تتصور، خلال الجزء الأكبر من القرن ~~التاسع عشر، على أنها امتداد للعلم ذاته أو جزء منه. وهذا، كما سنرى، ~~يصدق حتى على أشد الفلاسفة تعلقا بالعلم، مثل أوجيست كونت. غير أني ~~لا أستخدم لفظ الأيديولوجية بمعنى مجازي لكي أوحي بأن هيجل أو كونت أو ~~حتى ماركس ذاته قد استخدموا فلسفاتهم - بشيء من المخادعة - ذريعة ~~لتحقيق أهدافهم السياسية أو الاجتماعية الخفية؛ فلا المثالية، ولا ~~الوضعية، ولا المادية، يمكن أن تفهم أو تقدر بما فيه الكفاية إذا ~~ما عدت مجرد أساطير أو مخدرات اجتماعية. كذلك لا أود أن أوحي بأن جميع ~~المذاهب الفلسفية لدى الفلاسفة الذين سنعرض لهم هي مذاهب «لا عقلية»، ~~بل إن استخدامي للفظ «الأيديولوجية» محايد تماما في هذه النواحي. ولا ~~جدال في أن الالتزامات الأيديولوجية لفلاسفة القرن التاسع عشر يمكن أن ~~توضع مقابل المعتقدات الواقعية المنتمية إلى النوع الذي يؤمن به الناس ~~العاديون أو رجال العلم من حيث هم علماء، غير أن هذا لا ينطوي على أقل ~~اعتقاد بأن ms015 هذه الالتزامات لا عقلية، أو بأنها تقترح أو تقبل بلا ~~سبب. ومن الأمثلة الواضحة لذلك هيجل؛ فهو لم يفترض لحظة واحدة أن ~~فلسفة التاريخ لديه تنتمي إلى مجال العلم الوضعي، ولكنه صاغ هذه ~~الفلسفة على نحو نقدي واع بذاته إلى حد بعيد، وهو يقدم ما يطلق ~~عليه «مل» اسم «خواطر للتأثير في الذهن»، وهي في رأيه كفيلة بأن تجعل ~~هذه الفلسفة معقولة، وربما مقبولة لدى أي شخص نزيه. وفضلا عن ذلك، ~~فحتى لو كان صحيحا أن صفة «الأيديولوجية» تنسب إلى معظم القضايا ~~الفلسفية لفلاسفة القرن التاسع عشر، بحيث تضعها مقابل نظريات العلم ~~التجريبي، فهذا لا يعني بأية حال أنه لا توجد بين هذه الفلسفات وبين ~~العلم التجريبي أية علاقات سوى علاقة التضاد أو التقابل. # وهذا يفضي بنا إلى بحث لا بد منه في أي تقدير سليم لفلاسفة القرن ~~التاسع عشر؛ فكتاباتهم عادة معقدة، وكثيرا ما تكون غامضة، وذلك على ~~عكس أسلافهم في القرن الثامن عشر. غير أن من الأسباب الرئيسية لذلك ~~أنهم اضطلعوا بمهمة لم يكن لدى هؤلاء الأخيرين أبسط فكرة عنها. ومن ~~المسلم به أن السهولة والسلاسة أمر يسير، طالما أن المرء يقنع بأن ~~يستخدم، دون تساؤل، تلك التصورات والمناهج المتوارثة التي فرضت عليه ~~«معقوليتها»، «وصحتها»، مقدما. ولكن إذا ما بدأ المرء في الشك في ~~ضرورتها الأزلية الشاملة، وبالتالي في الشك في وجود معايير ومبادئ ~~موضوعية في «طبيعة الأشياء»، فإن عمل التحليل والنقد الفلسفي يبدأ ~~عندئذ في الظهور في ضوء مخالف. ففي «عصر العقل»، # 6 # ظلت الإهابة بالعقل أو بالطبيعة لا تلقى انتقادا، لا ~~لشيء إلا لأن معظم الفلاسفة كانوا يشاركون في نفس الإيمان بالعقل، ~~وقبلوا معظم ما تتضمنه نفس مجموعة المبادئ «العقلية». ولكن مثل هذه ~~الإهابة لم تعد ممكنة بالنسبة إلى كانت وخلفائه. ولهذا السبب اضطروا ~~إلى الاضطلاع بتلك المهمة التي هي أعجب وأغرب المهام الفلسفية، ألا ~~وهي نقد العقل ذاته وتبريره؛ فهؤلاء الفلاسفة لم يكونوا شكاكا بأي ~~معنى معتاد للكلمة، وإنما كان شكهم محدودا، وموجها في المحل ms016 الأول ~~إلى المفاهيم السائدة للعقل، وإلى الادعاءات الفلسفية التي كانت تساق ~~بلا حساب باسم العقل. # كما أنه ليس من الإنصاف أن يستخف المرء بهم بحجة أنهم ليسوا إلا ~~رومانتيكيين لا عقليين؛ فهم لم يثوروا إلا على عصر العقل وعلى ما يمكن ~~أن يسمى بالحساسية الزائدة للعقل في الفلسفات العقلية السابقة. والذي ~~حدث هو أن مفهوم العقل لم يعد تلك الفكرة الواضحة المتميزة التي بدت ~~لديكارت أو اسبينوزا، ولم تعد قوانينه المزعومة تتسم بما ادعي لها من ~~وضوح ذاتي. ومع ذلك فإن هذه الشكوك لم تكن إلا إحدى مراحل اتجاه عام ~~متزايد القوة إلى النقد الذاتي، كانت تمر به الحضارة الغربية بأسرها. ~~ففي ذلك العصر، امتدت إلى قلب الفلسفة ذاتها تلك الثورات السياسية ~~والاجتماعية والعلمية التي كانت مستمرة منذ عصر النهضة، مما أدى ~~آخر الأمر إلى التشكك في أداة التفكير الفلسفي ذاتها؛ أي العقل. وهكذا ~~تساءل المفكرون: أفلا يجوز أن يكون العقل، ذلك المحرر المزعوم للفكر ~~البشري، مجرد مستودع للأوهام البالية والعادات الذهنية العتيقة التي لا ~~تتسم بأي قدر من الصحة الشاملة؟ فإذا صح ذلك، فماذا إذن تكون «الصحة # Validity ~~» ذاتها؟ وكيف تحدد ~~معاييرها، أو تعدل إذا اقتضى الأمر؟ بل كيف يكون نقد العقل ذاته ~~ممكنا؟ أليس هناك نوع أساسي من الامتناع في نفس محاولة نقد وشروط ~~وحدود كل قول معقول، تقويم مهمة العقل العملي ذاتها؟ # ولم تكن الإجابات التي أدلى بها كانت وخلفاؤه على هذه الأسئلة تتسم ~~بما يوده المرء من الوضوح. غير أن من أسباب إخفاقهم في هذه المهمة، ~~بالقياس إلى غيرهم، أنهم اضطروا إلى إثارة مسائل لم تثر من قبل، بل ~~لقد خلقوا، من العدم تقريبا، إطارا من التصورات ومنهجا لمناقشتها. ~~وترتب على ذلك أنهم ارتكبوا أخطاء، وكثيرا ما ضللوا قراءهم، بل ~~أنفسهم، باللغة الجديدة الغريبة التي استخدموها في محاولة حل مشاكلهم. ~~وبدا أحيانا أنهم يمارسون نشاطا فلسفيا يشبه ما أطلق عليه الفلاسفة ~~السابقون اسم «الميتافيزيقا» أو «علم المعرفة». ولكن الواقع أن المرء ~~عندما يتأمل ما وراء شكل ms017 الألفاظ، يجد أن هدفهم كان في حقيقة الأمر ~~القيام بنقد أساسي، لا للعقل فحسب، بل لكل نظام المعايير والمبادئ في ~~الفلسفة الغربية. وهذه المهمة لم تتحقق، ولم يكن من الممكن أن ~~تتحقق، من طريق مجرد استخدام مناهج «عقلية» كانت هي المستخدمة ~~تقليديا في النظر الفلسفي؛ إذ إن هذه المناهج ذاتها كانت تؤلف ~~جزءا أساسيا من الحضارة التي أصبحت معاييرها موضوعا للشك ~~والتساؤل. # ومع ذلك فمن الخطأ أن نتصور أن فلاسفة القرن التاسع عشر كانوا ~~«مجرد أيديولوجيين»، أو أن مذاهب أسلافهم لم تكن لها أوجه أيديولوجية، ~~بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما. # فالموضوعات التي كانت تندرج تحت اسم «الفلسفة»، كانت في عمومها تشتمل ~~دائما على أمور تزيد على ما ينطوي عليه معنى «الأيديولوجية» مهما ~~توسعنا فيه؛ ف «الفلسفة» توحي بحب المعرفة فضلا عن الحكمة العملية، ~~حتى لو توسعنا في العبارة الأخيرة بحيث تشمل «حكمة العالم». وكثير من ~~الفلاسفة، قبل كانت وبعده، كانوا يعتقدون أنهم يساهمون بنصيب، لا في ~~زيادة الحكمة اللازمة للسلوك في الحياة فحسب، بل في مقدار المعرفة أو ~~المعلومات النظرية المتعلقة بالعالم أيضا؛ فالفلسفة كانت، ولا تزال، ~~أم العلوم ذاتها، أو على الأقل كانت هي مربية هذه العلوم وراعيتها. ~~ولقد كانت العلوم، شأنها شأن كل الأبناء، تميل دائما إلى إنكار آبائها ~~عندما تبلغ سن الرشد، غير أن الفلاسفة كثيرا ما كانوا يثيرون بطريقتهم ~~النظرية أسئلة أجاب عليها العلماء فيما بعد بطريقتهم التجريبية. وقد ~~ظلت الفلسفة في القرن التاسع عشر مستودعا لمشاكل لم تحل قبل ذلك، ~~حول طبيعة الأشياء. وساهم فلاسفة القرن التاسع عشر بدور أصيل مفيد في ~~ميداني النظريات الاجتماعية وعلم النفس بوجه خاص. فهيجل مثلا كان له ~~تأثير عميق في النظريات القانونية التالية، كما أن شوبنهور ونيتشه قد ~~ساهما بدور كبير فيها يسمى الآن ب «علم النفس المتعمق». وكذلك لم ~~يكتف أوجيست كونت بنحت ذلك الاسم الأجنبي غير الموفق # 7 # لعلم الاجتماع، بل ربما كان أول مفكر وضع علما عاما ~~للمجتمع. تلك كلها مساهمات هامة، حتى ms018 لو كانت مهمة إيضاحها وتأكيدها قد ~~تركت للآخرين. # ومن الصحيح مع ذلك أن الجهود الرئيسية لفلاسفة القرن التاسع عشر كانت ~~متجهة إلى غاية أخرى؛ فهناك هوة شاسعة بين كتابين مثل كتاب ~~«الأخلاق» لاسبينوزا، وكتاب فشته «نظرية العلم # Wissenschaftslehre # أو علم المعرفة # Science of knowledge # كما تشيع ~~ترجمته خطأ في الإنجليزية. ومن مظاهر التباين بينهما، ذلك التحول ~~الأساسي في المفهوم الفعلي أو الممكن للمباحث الفلسفية الرئيسية، ~~كنظرية المعرفة والميتافيزيقا والأخلاق؛ فاسبينوزا، الذي كانت كتاباته ~~تمثل مركزا تتلاقى فيه المفاهيم السابقة لهذه المباحث الفلسفية، ~~وبالتالي لمهمة التفلسف ذاته، لم يكن يهدف إلى أقل من البرهنة، من خلال ~~بديهيات وتعريفات واضحة بذاتها، على الحقائق الأساسية الضرورية ~~المتعلقة بالله، والإنسان، وسعادة الإنسان. وقد استخدم نفس المنهج ~~الهندسي الذي استخدمه إقليدس، لا لشيء إلا لأنه كان يعتقد أنه المنهج ~~«الوحيد» الذي يمكن به الوصول إلى معرفة علمية لأي موضوع. وقد حاول ~~اسبينوزا في كتاب «الأخلاق» أن يحول الحكمة الشعبية القديمة لدى ~~الأنبياء إلى علم للأخلاق، وأنظار القدماء في الطبيعة إلى حقيقة ~~ميتافيزيقية ضرورية. ففلسفة الإيمان والوحي اليهودية والمسيحية القديمة ~~قد استعيض عنها، من وجهة نظره، بعقيدة للعقل، هدفها الوحيد هو معرفة ~~ما هو كائن. وهكذا عمد اسبينوزا - وكأنه يحاول في ذلك إقناع القارئ ~~نهائيا بأن الدين والفلسفة والعلم لها كلها نهج واحد - إلى وضع عبارة ~~«وهو المطلوب إثباته # quod erat ~~demonstrandum ~~» عند نهاية البرهان على كل نظرية في ~~«الأخلاق»، سواء أكانت هذه النظرية تقول بوحدة الله، أم بعدم وجود ~~إرادة حرة على الإطلاق، أم بأن غاية الحياة البشرية هي الحب العقلي ~~لله. # كل هذا بعيد تماما عن نظرة فشته إلى موضوعه؛ فالميتافيزيقا ونظرية ~~المعرفة والأخلاق تبدو بالنسبة إليه مباحث معيارية في أساسها، مهمتها ~~تحليل وتقدير وإعادة تكوين المبادئ الأساسية التي ينبغي علينا أن ~~نفكر ونحيا بها. وإذا كان هو ومعاصروه قد أطالوا الحديث عن «عالم ~~الواقع # reality ~~»، فلم يكن ما يتحدثون ~~عنه هو الوجود اليومي الفعلي، وإنما الواقع «الفكري»، فحسب. ولا يحاول ~~فشته أن يبرهن ms019 على قضاياه الميتافيزيقية الأساسية، وإنما هو يكتفي ~~«بوضعها أو تأكيدها»، بوصفها مقتضيات لا مفر منها لأناه الخاص. ولا شك ~~أن القليلين من فلاسفة القرن التاسع عشر هم الذين يقبلون تلك الذاتية ~~المتطرفة في مذهب المعرفة عند فشته، بل إن فلاسفة قليلين في أي عصر ~~هم الذين يتجرءون على قبولها. ومع ذلك فإن معظم فلاسفة القرن التاسع ~~عشر يعترفون، بطريقة ما، بأن مهمتهم الأساسية، لا من حيث هم باحثون ~~أخلاقيون فحسب، بل بوصفهم ميتافيزيقيين ولاهوتيين وباحثين في نظرية ~~المعرفة أيضا، ترتبط بالمسائل المتعلقة بالمبدأ أكثر مما ترتبط ~~بالمسائل المتعلقة بالواقع، وتتعلق بمعايير الصحة والمعقولية في أي ~~مجال أكثر مما تتعلق بالأشياء الخاصة التي تتفق مع هذه المعايير أو ~~لا تتفق، بل إن البعض منهم على الأقل يصل إلى حد الاعتراف بأن ~~الموضوعية ليست حقيقة عن الكون بقدر ما هي مسألة معايير مشتركة في ~~الحكم والنقد. وبالاختصار، فهنا تعد الموضوعية اشتراكا بين الذوات في ~~أحكام واحدة. والمعايير المشتركة بين الذوات لا يتفق عليها أفراد ~~المجتمع لأنها موضوعية، بل إنها في الواقع تغدو موضوعية لأن الأفراد ~~قد اشتركوا في قبولها. # ولقد كان اعتراف فلاسفة القرن التاسع عشر بوجود فارق في النوع بين ~~المسائل المعيارية والمسائل الواقعية (مهما كان غموض ذلك الاعتراف)، ~~وكذلك نظرتهم إلى مسائلهم الفلسفية الصرفة على أنها معيارية، كان ذلك ~~هو الذي حدا بمعظمهم إلى الاعتراف تدريجيا بأن عملهم، بوصفهم فلاسفة، ~~لم يكن، بما هو كذلك، جزءا من العلم، وبأنهم لا يستطيعون استخدام ~~مناهج العلم. وليس معنى ذلك أنهم كانوا في عمومهم معادين للعلم؛ فبعضهم ~~كان كذلك، وبعضهم الآخر لم يكن. ولكن حتى أولئك الذين كانوا مناصرين ~~للعلم كانوا شاعرين، على نحو ما، بأن الدفاع عن العلم ليس في ذاته ~~جزءا من النظرية العلمية المعترف بها رسميا؛ فالمفكرون من أمثال ~~كونت ومل كانوا، من حيث هم فلاسفة، شهود إثبات في المحكمة أكثر مما ~~كانوا قضاة أو أعضاء في هيئة المحلفين. ولقد كان كانت، الذي تبدأ ~~به قصتنا، عالما، وصديقا للعلم طوال ms020 حياته، غير أن كتابه «نقد العقل ~~الخالص»، الذي يستهدف أمورا منها؛ كيف، وبأي الشروط، تكون المعرفة ~~العلمية ممكنة، لا ينتمي هو ذاته إلى العلم. ومثل هذا يصدق على الفلسفة ~~الوضعية عند أوجيست كونت. # ونحن لا ننكر مع ذلك أن بعض فلاسفة القرن التاسع عشر، مثل هربرت ~~سبنسر، قد اعتقدوا أن جزءا من أقوالهم، على الأقل، كان قابلا للتبرير ~~علميا. ولكن الاهتمام الفلسفي لدى هؤلاء الفلاسفة أنفسهم لم يتجه إلى ~~الوقائع بما هي كذلك، وإنما إلى المواقف الأساسية التي تؤيدها ~~الوقائع كما وصفوها؛ فهم لم يكونوا باحثين علميين في المحل الأول، كما ~~كان تشارلس دارون، وإنما أصحاب مواقف، يسعون إلى استخلاص النتائج ~~الصحيحة من الكشوف التي توصل إليها فرض التطور. وقد أنكروا، بوصفهم ~~باحثين طبيعيين، وجود أية كيانات عالية على التجربة. ولكن اهتمامهم ~~باستخدام هذا الإنكار في إثارة شكوك عملية حول المواقف الدينية ~~والأخلاقية التقليدية، كان أعظم كثيرا من اهتمامهم بمجرد وصف السمات ~~الشاملة للوجود بما هو كذلك. # وإنا لنجد في نيتشه مثلا رائعا على ما نقول؛ فمن صفات كتابه «أصل ~~نشأة الأخلاق # The Genealogy of ~~Morals ~~»، أنه استبق بوقت طويل الدراسات التاريخية ~~والأنثروبولوجية الحالية في تطور الأفكار والعادات الأخلاقية. وهناك ~~خط واضح يصل مباشرة بين نيتشه وبين هبهوس # Hobhouse # ووسترمارك # Westermark # ومالينوفسكي # Malinowski # مثلا. # 8 # ولكن رغم أن نظرة نيتشه إلى هذه الدراسة كانت ذات نزعة ~~تجريبية وطبيعية واضحة، فإن اهتمامه الكامن من ورائها لم يكن علميا، ~~وإنما أيديولوجي؛ أي إنه يستخدم آراءه في أصل نشأة الأفكار الأخلاقية، ~~بل فكرة وجود أصل ونشأة الأخلاق ذاتها، وسيلة لتخليص قرائه من ~~التزاماتهم القديمة الساذجة تجاه أسلوب في الحياة يراه مناقضا لذاته؛ ~~فالنظرة التاريخية إلى دراسة الأخلاق ذاتها هي في رأي نيتشه أداة ~~أساسية في «انقلاب كل القيم» عنده. وبالاختصار، فقد كان التاريخ والعلم ~~بالنسبة إليه، كما كان بالنسبة إلى كونت وماركس، أدوات للتغير ~~الحضاري، تستخدم قصدا لإعادة تشكيل مواقف الإنسان الغربي تجاه تراثه، ~~وبالتالي تجاه ذاته. # ولكن هناك مع ذلك معنى أوسع ms021 كان فيه التفكير الفلسفي في القرن ~~التاسع عشر ذا طابع «أيديولوجي». فمن الممكن، من وجهة نظر معينة، النظر ~~إلى تاريخ الأفكار في العصر الحديث بأسره على أنه تاريخ الانهيار ~~التدريجي للمذهب المسيحي الوسيط الذي عبر عنه توما الأكويني في ~~«الجامع # Summum ~~» # 9 # على أدق نحو ممكن، وعبر عنه دانتي في «الكوميديا ~~الإلهية» أقوى تعبير مؤثر مقنع. فمنذ عصر النهضة، كانت أولى «المشاكل ~~الوجودية» للإنسان وأهمها هي تكييف المواقف والأفكار الجديدة مع القيم ~~المتوارثة والنظرة التقليدية إلى مصير الإنسان كما تتمثل في المذهب ~~الوسيط. ولكن، منذ أواسط القرن الثامن عشر، أخذ الشك في إمكان هذا ~~التكيف ذاته يتزايد على مستويات حضارية متزايدة الأهمية. وفي القرن ~~التاسع عشر، أصبح فلاسفة كثيرون ينكرون إمكان هذا التكيف. وهكذا ~~قرروا أن يعيدوا بناء المثل العليا للحضارة الغربية على أساس ~~دنيوي وإنساني خالص؛ أي على أساس غير مسيحي. وربما كان ذلك من الأسباب ~~التي جعلت فلاسفة القرن التاسع عشر أشد اهتماما بمسألة معنى الرموز ~~الدينية منهم بوجود الله، وهو من الأسباب التي جعلتهم، على خلاف ~~شكاك القرن الثامن عشر، الذين شكوا في وجود علة أولى للأشياء، ~~يبدءون في التساؤل عما إذا كان «الإله قد مات»؛ فبعضهم قد اعتقد ~~فعلا بأن «الإله»؛ أي الرمز التقليدي للألوهية، قد مات. # وهم يقصدون بذلك أن هذا الرمز لم يعد له أي فائدة للناس في عصر ~~النظم السياسية والاجتماعية الدنيوية. وغيرهم، ممن لم يكونوا أقل من ~~هؤلاء شكا في جدوى السؤال اللاهوتي التقليدي عن وجود الله بالنسبة ~~إلى الإنسان الحديث، قد سعوا إلى إعادة تفسير الرموز الأساسية للعقيدة ~~الغربية على نحو يجعلها معبرة عن محن الإنسان الحديث ومواقفه. غير أن ~~النتيجة في كل حالة هي نقد انقلابي عنيف للعقيدة، لم يعد يقنع بآراء ~~الدين «الطبيعي» العقلية، ولا بالعقيدة الإنجيلية أو المنزلة كما ~~تفسر تقليديا. وكثيرا ما يبدو هذا النقد «لا عقليا»، على الأقل ~~من وجهة نظر المعايير الأسبق عهدا للمعقولية الفلسفية، ولكنه ليس في ~~الحق إلا واحدا من أوجه النقد المستمر ms022 للعقل ذاته. # مثل هذه الآراء قد تساعد على إيضاح السبب الذي دعا فلاسفة القرن ~~التاسع عشر إلى أن يأخذوا على عاتقهم تلك المهمة الهائلة، مهمة إعادة ~~البناء الأيديولوجية والثقافية، التي كان يستحيل معها التفلسف بالطرق ~~«العقلية» و«الموضوعية» التقليدية التي سادت الفلسفة الغربية منذ عهد ~~أفلاطون، وأرسطو؛ فهؤلاء الفلاسفة لم يكونوا يستطيعون الاكتفاء بالتأمل ~~أو النظر أو ممارسة الاستدلال على طبيعة الأشياء؛ إذ إن نفس الإطار ~~الذي دار فيه التأمل والنظر والاستدلال الفلسفي التقليدي قد تزعزع حتى ~~أعمق جذوره. وبالاختصار، فقد كان عصرهم عصر أزمة طويلة الأمد للعقل، ~~كانت أعمق من أية أزمة مرت بها الحضارة الغربية منذ الاصطدام الأصلي ~~بين الوثنية وبين المسيحية الأولى. # الفصل الثاني # | التحول الترنسندنتالي في الفلسفة الحديثة # إمانويل كانت (1724-1804م) # لن يستطيع المرء حين يتصفح للمرة الأولى كتاب كانت «نقد العقل ~~الخالص» أن يهتدي على التو إلى أسباب التأثير الضخم الذي أحدثه ذلك ~~الكتاب؛ فهو يحفل بغوامض ومعميات عظيمة التجريد، تبدو لأول وهلة ~~بعيدة عن المشاكل التي تحير الأذهان البشرية المعتادة. وأسلوبه شديد ~~التعقيد، يصدم دون شك من ينتقل إليه مباشرة بعد قراءة كتاب مثل ~~فولتير أو هيوم. وفضلا عن ذلك، فإن افتقار كتابة كانت إلى ذلك الوضوح ~~واللمعان الكلاسيكي الذي يرتبط عادة بعصر التنوير، لا تعوضه أية ~~نفحة من الحماسة والبلاغة الجديدة التي كان روسو، أمير الرومانتيكيين، ~~قد أدخلها على النثر الفلسفي منذ عهد قريب. ومع ذلك كله فقد كان ذهن ~~كانت من أكثر الأذهان في تاريخ الفكر البشري جرأة وأصالة. وقد انطوى ~~نقداه المعقدان للعقل الخالص والعملي، كما أدرك بعض معاصريه، على ~~انقلاب فلسفي عميق. # ولقد قدم إلينا الشاعر «هينه» وصفا موجزا لكانت يغني، في تعبيره ~~عن أهم خصاله، عن مائة صفحة مكتوبة عن تاريخ حياته؛ فهو يقول: «من ~~العسير كتابة تاريخ حياة إمانويل كانت؛ إذ لم تكن له حياة ولا تاريخ، ~~وإنما كانت حياته حياة أعزب عجوز، مجردة آلية التنظيم، في شارع هادئ ~~منعزل في كونجزبرج، تلك البلدة القديمة الواقعة على الحدود الشمالية ms023 ~~الشرقية لألمانيا. ولست أعتقد أن الساعة الضخمة للكاتدرائية القائمة ~~هناك كانت تؤدي عملها اليومي على نحو أكثر دأبا وانتظاما مما كان ~~يؤديه مواطنها إمانويل كانت؛ فقد كان يلتزم وقتا محددا في ~~استيقاظه، وشربه القهوة، وفي كتابته وقراءته محاضرات الجامعة، وأكله ~~ومشيه، وكان جيرانه يدركون أن الساعة قد بلغت الثالثة والنصف بالضبط، ~~عندما يبارح إمانويل كانت باب داره بمعطفه الرمادي، وفي يده عصاه ~~الخيزرانية، ويسير في شارع «شجرة الليمون» الذي لا يزال يسمى ب «طريق ~~الفيلسوف»، تخليدا لذكراه. فما أشد التعارض بين الحياة الخارجية لذلك ~~الرجل، وبين تفكيره الهادم المحطم للعالم! والحق أن مواطني كونجزبرج ~~لو كانوا قد أدركوا من بعيد المعنى الحقيقي لتفكيره، لأحسوا عند مرآه ~~بهلع يفوق هلعهم من رؤية جلاد متخصص في قتل البشر. إن هؤلاء السذج ~~لم يروا فيه سوى أستاذ للفلسفة، وعندما كان يمر بهم في الوقت ~~المحدد، كانوا يحيونه تحية الصديق، ويضبطون ساعاتهم عليه. ولكن ~~إذا كان إمانويل كانت، الهادم الأكبر في عالم الفكر، قد فاق ماكسميليان ~~روبسبير بكثير في الإرهاب، فقد كان بينه وبين هذا الأخير أوجه شبه ~~عديدة تغري على المقارنة بينهما؛ فكل منهما يتسم، أولا، بنفس الشعور ~~الصارم، القاطع، الجاف، الجاد، بالشرف والنزاهة. وكل منهما يتميز ~~بالقدرة الفائقة على الارتياب، وهي قدرة مارسها أحدهما على الأفكار ~~وأسماها بالمذهب النقدي، وطبقها الآخر على الناس وأسماها بالفضيلة ~~الجمهورية. ومع ذلك فقد كان كل منهما يمثل «برجوازية» المواطن العادي ~~أصدق تمثيل؛ فقد شاءت لهما الطبيعة أن يقوما بوزن القهوة والسكر، ولكن ~~القدر أصر على أن يقوما بوزن أشياء أخرى، وهكذا وضع أحدهما ملكا، ~~والآخر إلها في الميزان، وتعادلت كفتا الميزان تماما.» # 1 # ولقد كان تطور كانت الفكري بطيئا إلى حد غير مألوف؛ فقد تشبع ~~وهو طالب بمذهب عقلي كان يحظى باحترام كبير في ذلك الحين، وهو مذهب ~~«كريستيان فون فلف # Christian von ~~Wolff ~~»، وهو تلميذ غير لامع لليبنتس العظيم. ولم يبدأ ~~كانت في التغلب على هذا التأثير إلا في أواسط حياته. وكان أول ما ~~أعانه ms024 في هذا الصدد كتابات روسو وهيوم. وهذان، بالإضافة إلى ليبنتس، ~~يمكن أن يعدوا المؤثرات الرئيسية الثلاثة التي شكلت فكره الناضج. ~~ومن المحال أن يفهم المرء فلسفة كانت ذاتها إلا إذا ألم بعض الإلمام ~~بطبيعة هذه المؤثرات. # فقد كانت مشكلة المعرفة تشغل جانبا كبيرا من اهتمام مدرستين ~~فلسفيتين رئيسيتين، ابتداء من عصر ديكارت، هما العقلية والتجريبية. ~~بل إن من الشائع وصف هذا الاهتمام بأنه هو المميز للفترة «الحديثة» ~~في تاريخ الفلسفة من الفترتين القديمة والوسطى السابقتين عليها. ومع ~~ذلك فإن أحدا من السابقين على كانت لم يتصور لحظة أن مسائل المنهج ~~هي نقطة النهاية في الفلسفة، بل لقد كان معظمهم يعدون نظرية المعرفة، ~~أو الأبستمولوجيا، كما تسمى، مجرد نقطة بداية ضرورية للتفلسف ~~الحقيقي، الذي هو تحديد الطبيعة الحقيقية للأشياء، وشروط سعادة ~~الإنسان؛ فغاية ديكارت من كتابة مقاله المشهور في المنهج لم تقتصر على ~~إيضاح ما عده منهج العلم، الذي كان يتفق في رأيه مع طريقة المعرفة ~~بوجه عام، وإنما كانت أيضا تطبيق نتائجه في حل المسائل الميتافيزيقية ~~الكبرى المتعلقة بطبيعة الذهن والمادة وعلاقاتهما، وعلتهما، التي ~~أسماها بالله. ولقد كان ديكارت وخلفاؤه في المدرسة العقلية؛ أي ~~اسبينوزا وليبنتس، يعدون أنفسهم علماء ذوي وعي ذاتي عميق، مهمتهم إيضاح ~~نفس المناهج التي أحرزت أخيرا ذلك النجاح الباهر في ميادين الرياضيات ~~والفيزياء، ثم تطبيقها على المشاكل الأعم المتعلقة بالوجود، والتي ~~عالجها الفلاسفة منذ عصر ما قبل أفلاطون. وقد تصوروا أنفسهم علماء ~~هندسة أو علماء فيزياء من مرتبة أعلى - إن جاز هذا التعبير - ولم ~~يداخلهم شك في أن أبحاثهم الميتافيزيقية ذاتها كانت في أساسها امتدادا ~~لأبحاث العلوم «الخاصة»، وكانت الميتافيزيقا؛ أي علم الوجود، لا تعدو ~~في نظرهم أن تكون «ملكة العلوم»، أما الأخلاق فليست سوى نسق من ~~«القوانين الطبيعية» التي تحدد شروط تحقيق الإنسان لطبيعته. ولم يدر ~~بخلدهم وجود أي نوع من التمييز القاطع بين قوانين الطبيعة والمبادئ ~~المعيارية، على حين أن هذا التمييز كانت له أهميته الكبرى في فلسفة ~~كانت. # ولقد استبق كبار خصوم المذهب ms025 العقلي، وهم لوك وباركلي وهيوم، كثيرا ~~من أفكار كانت. ولكن إذا كان لوك، في كتابه المشهور «بحث في الذهن ~~البشري»، قد سار مترددا في الطريق المؤدي إلى مشكلة النقد العقلي ~~عند كانت، فإن فهمه للمشكلة قد ظل غير واضح؛ فتحليله للذهن البشري لم ~~يتضمن خروجا صريحا على مسلمات ديكارت المنهجية الأساسية. كما ~~أنه لم ينظر إلى هدفه الخاص بتحديد «يقينية المعرفة البشرية ومداها» ~~على أنه هدف يختلف اختلافا شديدا عما نطلق عليه نحن اسم علم النفس ~~التجريبي ( # empirical ~~). وكان اهتمامه ~~بالمسائل الخاصة بأصول أفكارنا، واتباعه لما أسماه ب «المنهج ~~التاريخي الصريح»، دليلا قويا على أنه لم يشعر بوجود فارق أساسي بين ~~الأبحاث النفسية للعلل المتحكمة في أفكارنا ومعتقداتنا، وبين ~~التحليلات الفلسفية لمعنى أفكارنا وصحة معتقداتنا. # أما فلسفة كانت فهي تفترض في أساسها تمييزا قاطعا بين المسائل ~~المنتمية إلى مجال ما هو كائن، وتلك المنتمية إلى مجال ما يجب أن يكون. ~~ومثل هذا التمييز في رأيه ضروري، لا في الأخلاق فحسب، حيث ينبغي ~~التفرقة بين المرغوب فيه وبين الجدير بأن يكون مرغوبا فيه، وإنما هو ~~ضروري أيضا في المنطق ونظرية المعرفة، حيث ينبغي التفرقة، على نحو ~~مماثل، بين ما نعتقده وما ينبغي أن نعتقده، وبين ما نستدل عليه وما ~~يكون من الصحيح الاستدلال عليه. ومما له دلالته أن كانت، من حيث هو ~~فيلسوف، لم يكتب «بحثا في الطبيعة البشرية» كما أسمى هيوم كتابه ~~الرئيسي، وإنما كتب «نقدا للعقل الخالص» و«نقدا للعقل العملي». ولا ~~جدال في أن «المنهج التاريخي الصريح» عند لوك لم يكن يفي بأغراض كانت ~~على الإطلاق، ومن ثم فقد كان عليه أن يضع «منهجا ترنسندنتاليا» ~~جديدا، هو وحده الكفيل بتحديد أسس الاعتقاد والفعل المبنيين على ~~العقل. # وطالما أساء الناس فهم المعنى الذي استخدم به كانت لفظ ~~«الترنسندنتالي». فقد يظن القارئ غير المدقق، حين يلاحظ تكرار ورود هذا ~~اللفظ في صفحات مؤلفات كانت، أن فيلسوفنا كان يعني به طريقة للوصول ~~إلى أشياء «تعلو على هذا العالم». ومثل هذا الاعتقاد باطل؛ ms026 إذ إن آراء ~~كانت حول إمكان معرفتنا لأية حقيقة علوية كانت آراء حذرة لا تطلق ~~جزافا على الإطلاق. ولم تكن لديه أية رغبة في أن يفعل ما فعلته إحدى ~~شخصيات أوبرا جلبرت وسليفان «بيشنس Patience ~~»، # 2 # فيأخذ جميع بذور الألفاظ الترنسندنتالية ويزرعها في كل ~~مكان، بل إنه بذل قدرا كبيرا من طاقته العقلية في سبيل انتقاد ~~التطبيق الميتافيزيقي للألفاظ الترنسندنتالية على ما يتجاوز حدود ~~التجربة الممكنة. # ولقد كان كانت يعتقد أن نقده للعقل قد أحدث ما يمكن تسميته ب ~~«الانقلاب الكبرنيكي» في الفلسفة. غير أن التشبيه الذي قصده من هذه ~~التسمية غامض، وكثيرا ما أسيء فهمه، شأنه في ذلك شأن لفظ ~~«الترنسندنتالي». وعلينا، لكي نفهم على نحو أكمل المعنى الذي قصده ~~كانت، أن نعود إلى الموقف التاريخي الذي واجهه عندما قرأ لأول مرة، في ~~وقت كان فيه من أتباع ليبنتس، تحليل هيوم للعلية، الذي بدا ذا طابع ~~شكاك. # فقد سلم كانت في شبابه، حين كان من أتباع المذهب العقلي، بأن مبدأ ~~العلية؛ أي المبدأ القائل بأن لكل حادث علة، هو مبدأ ضروري ~~للطبيعة، متأصل في طبيعة الأشياء، ولا يحتاج المرء لإدراك حقيقته إلا ~~إلى عقله الخالص، دون التجاء إلى التجربة. كما سلم دون مناقشة بوجود ~~ارتباطات ضرورية في الطبيعة، كامنة في النظام الموضوعي للواقع. ومن ~~خلال وجهة النظر هذه، لا يمكن أن تكون قوة العقل سوى القدرة على إدراك ~~مثل هذه «العلاقات الواقعية» بالحدس، فيكون بذلك قد رسم نوعا من ~~الخريطة أو الأشعة السينية للتركيب الداخلي للوجود ذاته؛ فالذهن البشري ~~يفكر من خلال العلية؛ لأن ذلك الذهن ذاته هو في واقع الأمر مرآة ~~تعكس بدقة ذلك التركيب الباطن للعالم الخارجي. والعقل يدرك هذه ~~المبادئ على أنها ذات صحة واضحة بذاتها؛ إذ إنه «يرى»، عن طريق عملية ~~حدس عقلي، أنها تصح بالضرورة على طبيعة الأشياء. وهكذا لا يكون العقل ~~من وجهة النظر هذه مجرد ملكة للتجريد والاستدلال، وإنما ملكة للكشف ~~أيضا، تتيح لنا إدراك أعم صفات الأشياء كما هي في ذاتها. ms027 # ولقد رد هيوم على هذا كله ردا غاية في البساطة. # فقد تساءل: كيف يتسنى لنا أن نعرف، على نحو مستقل عن التجربة، أن ~~كل حادث له، وينبغي أن تكون له، علة؟ لقد كان هيوم على استعداد ~~للاعتراف بأن لبعض القضايا صحة ضرورية، ومن هذه القضايا الحقائق ~~الرياضية والمنطقية، والقضايا «اللفظية» مثل «كل كلب كلب» و«كل شيء ~~ملون ممتد». غير أن مثل هذه الحقائق تعبر عن «علاقات بين الأفكار»، ~~ولا تنبئنا بشيء عن الأمور الواقعة أو الوجود الفعلي. والمعيار ~~الوحيد للحقيقة الضرورية عند هيوم هو قانون عدم التناقض. # فإذا كان من المحال نفي قضية دون تناقض، فإن القضية تكون صحيحة ~~بالضرورة. ولكنها، لهذا السبب عينه، لا تنبئنا بشيء يتجاوز ما ~~تتضمنه التصورات التي تنطوي عليها . أما القضية التي يمكن نفيها ~~دون تناقض، فليست لها صحة مطلقة. وفي هذه الحالة لا يمكن استخلاص ~~الشواهد على صحتها - إن كان لها أي معنى - إلا من التجربة. # فماذا نقول إذن عن قانون العلية؟ أهناك أي تناقض في إنكار إمكان ~~وجود شيء دون علة؟ يرى هيوم أن الجواب ينبغي أن يكون بالنفي دون قيد ~~ولا شرط؛ فمبدأ العلية الشاملة، من حيث هو قانون للطبيعة، لا يمكن ~~إدراك صحته بطريقة أولية سابقة على التجربة. # وللمسألة موضوع الخلاف هنا أهمية قصوى؛ إذ لو كان مبدأ العلية غير ~~يقيني، لبدا أن العلم بأسره لا يرتكز على أساس أمتن من ذلك الذي ترتكز ~~عليه العقيدة المنزلة. وإذن فهلا يوجد مبرر لاعتقاد العالم باطراد ~~الطبيعة؟ أهذا الاعتقاد مجرد رأي إيماني ليس له من الأسس العقلية أكثر ~~مما لالتزامات الكاهن أو النبي أو الطبيب؟ # مثل هذه الأسئلة الفائقة الأهمية هي التي تصدى لها كانت في كتابة ~~«نقد العقل الخالص»، وكانت إجابته عليها تؤلف الجزء الأكبر من ثورته ~~الكبرنيكية في الفلسفة؛ فقد أخذ كانت بالوجه السلبي لتحليل هيوم، ووافق ~~على أن أصحاب المذهب العقلي كانوا يفتقرون إلى الروح النقدية عندما ~~اعتقدوا أن قانون العلية الشاملة حقيقة مطلقة يدرك العقل بحدسه ~~انطباقها على جميع ms028 الأشياء كما هي في ذاتها. وكان من رأيه أن ذلك ~~القانون ليس، على حد تعبيره، «تحليليا»؛ فهيوم كان مصيبا تماما حين ~~أنكر أن معنى لفظ «الشيء» يستتبع أن تكون له علة. وإذن ينبغي أن يكون ~~المبدأ «تركيبيا». غير أن كانت يأبى أن ينظر إلى هذا المبدأ على أنه ~~مجرد تعبير عرضي عن أمر واقع، مثل «كل البجع أبيض»، أو «كل الفلاسفة ~~مصابون بالعصاب». وإذن، فإلى أي نوع من القضايا ينتمي قانون ~~العلية؟ # يجيب كانت عن هذا السؤال بأن القانون ليس تعبيرا عن أمر واقع، ذا ~~صحة بعدية # aposteriori ~~، وليس إيضاحا ~~«تحليليا» لمعان موجودة بالفعل في تصور ما. وإنما هو مبدأ تنظيمي ~~يعبر عن قاعدة شاملة لكل بحث عقلي؛ فجميع المبادئ التي تنتمي إلى هذا ~~النوع أولية، ولكنها تركيبية أيضا؛ أي إنها ذات شمول وضرورة مطلقة، ~~ومن ثم فإن صحتها لا تتوقف على تأييد من التجربة، بل إن صحتها، على ~~العكس من ذلك، تفترض ضمنا في جميع الأحكام التي تنقل إلينا معرفة ~~بالظواهر. ومع ذلك فهل هذه المبادئ تنطبق على تصورنا للأشياء من حيث هي ~~موجودة، لا على ما أسماه هيوم بالعلاقات بين الأفكار فحسب. # وإذن فالسؤال الأساسي في نقد العقل لا يعدو، في رأي كانت، أن يكون: ~~«كيف تكون الأحكام التركيبية الأولية ممكنة؟» وليس في وسعنا في هذا ~~الحيز المحدود، إلا أن نشير إشارة عامة إلى إجابة كانت على هذا ~~السؤال؛ فالمقدمة التي يرتكز عليها هي أن الذهن البشري لا يمكن تصوره ~~مرآة سلبية تعكس، بطريقة حدسية، الأنماط الكامنة في الأشياء كما هي ~~ذاتها، أو العنصر المعقول فيها، وإنما ينبغي أن ننظر إلى ما نسميه ~~بالذهن على أنه قوة فعالة تقوم هي ذاتها بتشكيل المادة الخام التي ~~تقدمها التجربة الحسية في نظام شامل من الظواهر المصوغة في تصورات. ~~ومع ذلك فإن كانت ليس «مثاليا»؛ أي إنه لا يقول إن الذهن ذاته هو ~~الحقيقة الوحيدة، أو أن الذهن يخلق عالمه؛ فعناصر التجربة الحسية ~~«معطاة» سواء شئنا أم لم نشأ، ونحن، بكل ms029 بساطة، نجدها هناك كلما فتحنا ~~أعيننا وآذاننا. كذلك لا يشك كانت في أن ثمة «أشياء في ذاتها» بمعنى ~~معين؛ أشياء خارجة عن الذهن، ذات حقيقة مستقلة عنه. بل إن هذا ~~الافتراض في الواقع من القضايا الرئيسية في فلسفته بأسرها. غير أن ~~الأشياء في ذاتها ليست، في رأيه، موضوعات للمعرفة، وليس لدى الذهن أي ~~شيء يقوله عنها بالمعنى الصحيح. بل إن مهمة الذهن هي تشريع قوانين ~~البحث، التي تتيح للوقائع الحسية الخام أن تتعايش سويا في مجتمع مدني ~~يضم موضوعات خاضعة للقانون. # ومع ذلك، فمن واجبنا ألا نمضي في هذا التشبيه أبعد مما ينبغي؛ ~~فكانت لا يعتقد أن الذهن المشرع يستطيع إذا شاء أن يضع قواعد غير تلك ~~التي تستخدم بالفعل في تفكيرنا العادي وتفكيرنا العلمي في الظواهر. وفي ~~هذا الصدد ظل كانت ملتزما التراث العقلي الذي تأثر به؛ فما يسميه ~~كانت ب «صورتي الحدس»، وهما المكان والزمان، هما، رغم ذاتيتهما، ~~كامنتان في كل إدراك بشري. وفي رأيه أن من المحال تصور شيء لا يشغل ~~مكانا ولا يمر بزمان. وفضلا عن ذلك فقد اعتقد كانت أن الهندسة ~~الإقليدية، التي كانت في عصره الهندسة الوحيدة التي وضعها الرياضيون، ~~تعبر عن العلاقات الضرورية الشاملة بين جميع الموضوعات التي يمكن أن ~~تظهر لنا في المكان، ولم يدر بخلده قط أن من الممكن وضع هندسات أخرى ~~قد تكون أكبر فائدة من هندسة إقليدس في ميادين علمية معينة. كذلك ~~اعتقد أن مقولات مثل العلة والجوهر أساسية في كل تفكير عقلي حول ~~الظواهر. ولم يطف بذهنه مجرد إمكان قيام علم يستغني عن هذه ~~المقولات. # ومع ذلك، فالأمر الذي أدركه بوضوح هو أن جميع المقولات، من أمثال ~~«العلة» و«الجوهر»، لا تمثل علاقات أو كيانات حقيقية. # ولقد كان هو أول من قال بذلك الرأي الذي عبر عنه مفكرون تالون على ~~أنحاء شتى، والقائل إن التصورات والمبادئ المنهجية للبحث ليست تعبيرا ~~عن عنصر عقلي كامن في طبيعة الأشياء، وإنما هي أفكار وقواعد إجرائية، ~~تتخذ لأغراض عملية هدفها السيطرة على العالم ms030 الذي نعيش فيه. # ونستطيع أن نقول، على الإجمال، إن الوجه السلبي لمذهب كانت كان له ~~أثر أعظم من الوجهة التاريخية؛ فموقفه، كما رأينا، يحتم ألا تكون ~~صورتا الحدس، وهما المكان والزمان، ومقولات الذهن، كالجوهر والعلة، ~~قابلة للانطباق على ما يتجاوز المعطى في التجربة الحسية. والثمن الذي ~~ينبغي علينا أن ندفعه لكي نضمن إمكان المبادئ التركيبية الأولية، ~~كقانون العلية، هو أن نقصر تطبيقها على عالم الظواهر الداخلة في نطاق ~~التجربة. ومن حقنا أن نظل نميز، داخل هذا العالم، بين ما هو «حقيقي»، ~~وما هو «خداع»، غير أن مثل هذا التمييز لا ينطبق على الأشياء في ~~ذاتها؛ فعندما نحاول أن نتوسع في تطبيق أفكار كالعلة والجوهر بحيث تسري ~~على الأشياء في ذاتها، أو أن نفكر «بطريقة واقعية» حول «علة» عالم ~~الظواهر في مجموعه، فإن المطاف ينتهي بنا حتما إلى نقائض لا ضابط لها، ~~ولا قبل للذهن البشري بحلها على الإطلاق. مثل هذا الاستخدام النظري # 3 ~~( # speculative ~~) الجامح ~~للعقل، هو الصفة المميزة لتلك الأحكام التوكيدية التسليمية التي كان ~~يدلي بها العقليون السابقون حول الطبيعة النهائية والعلة القصوى ~~للأشياء. ويرى كانت أن هذا الاستخدام النظري # 4 # البحت يؤدي في جميع ~~الحالات إلى قضايا ميتافيزيقية يحق لنا أن نشك حتى في كونها قضايا ذات ~~معنى. فلكل قضية مثل؛ للعالم في مجموعه علة، قضية مضادة تعادلها ~~إمكانا، ويمكن البرهنة عليها بنفس القدر من الإحكام، ومن ثم فإن ~~معناها يعادل الأولى في افتقاره إلى الوضوح. فلو أثبت بطريقة عقلية ~~خالصة أن العالم لا بد أن تكون له بداية في الزمان، ففي وسعي أن أثبت، ~~ببرهان تبدو له نفس ضرورة برهانك، أن العالم لا يمكن أن تكون له هذه ~~البداية. ولو قدمت حججا تبدو مقنعة تماما، على أن المادة تتألف ~~من ذرات بسيطة لا تتجزأ، ففي وسعي أن أثبت، بطريقة لا تقل عن ذلك ~~إقناعا، أن المادة تقبل الانقسام إلى ما لا نهاية. ولو أثبت أنه إذا ~~كان ثمة شيء موجود، مثلك أنت، فلا بد أن يكون هناك ms031 موجود # 5 # ضروري يعد علة، ففي وسعي أن «أبرهن» بنفس القوة على ~~القضية المضادة، القائلة إن مثل هذا الموجود الضروري غير موجود ولا ~~يمكن أن يكون موجودا. # والذي يحدث في كل هذه الحالات هي أننا نمد تطبيق مقولات الذهن دون ~~تمحيص، إلى كيانات افتراضية تخرج تماما عن نطاق التجربة الممكنة، ~~فتكون النتيجة أن نفقد ضوابطنا المنطقية، ولا يتبقى لنا سوى ادعاءات ~~متضادة تتعرض صحتها لنفس القدر من الشك. حقا إن السؤال عما إذا ~~كان للكون في مجموعه علة أو بداية في الزمان يبدو في ظاهره سؤالا ~~معقولا، غير أن البحث الدقيق يثبت أننا لا نستطيع الإجابة على هذه ~~الأسئلة قط، لا لأننا نفتقر إلى الأدلة الكافية، بل لأن وجهة الأسئلة ~~ذاتها باطلة. ولو نظرنا إلى الكون بأسره على أنه نتيجة لعلة هائلة ~~الحجم، لكان علينا أن ننظر إلى الكون على أنه شيء مادي ضخم تربطه بتلك ~~«العلة» نفس العلاقة التي تربط بين ظاهرتين مألوفتين. غير أن الكون ~~في مجموعه ليس ظاهرة، ولا يمكن تصوره على أنه ظاهرة؛ ففي كل تفكير ~~ميتافيزيقي من هذا النمط نضطر إلى تطبيق تصورات على مجال يتجاوز ~~النطاق المعتاد الذي تنطبق عليه إلى حد لا نعود معه نعرف ما الذي يبدو ~~أننا نقوله، فتكون النتيجة تأرجحا لا ينقطع بين قضايا وقضايا مضادة لا ~~تقل كل منهما عن الأخرى إحكاما، وهذا الإحكام المتكافئ بين قضايا ~~متضادة هو الذي يجعلها مفتقرة، بنفس القدر، إلى المعقولية. والأجدر ~~بنا، في رأي كانت، أن نكف تماما عن ألعوبة الميتافيزيقا النظرية ~~العقيمة، وإلا فقد الذهن ثقته بالمقولات ذاتها، ووقع دون خلاص في ~~قبضة الشك. # وعلى مثل هذه الأسس يقوم تفنيد كانت للبراهين التقليدية على وجود ~~الله، وهي البراهين التي احتلت مكانة هامة في ميتافيزيقا العقليين ~~ولاهوتهم. وحسبنا هنا أن نقول إن هذه البراهين ترتكز كلها، في رأي ~~كانت، على ما يسمى ب «البرهان الأنتولوجي»، وهو البرهان الذي يقال ~~فيه إن إنكار وجود الله يستتبع التناقض حتما، فتصور الله هو، حسب ~~تعريفه، تصور ms032 كائن مطلق الكمال، ولكن لا بد أن يكون الوجود من صفات ~~الكائن المطلق الكمال، وإلا لما كان كاملا، وإذن فلا بد أن يكون ~~الله، من حيث هو الكائن المطلق الكمال، موجودا. وموضع بطلان هذه ~~الحجة هو أنها ترى «الوجود» محمولا يدل على صفة معادلة لجميع الصفات ~~الأخرى التي تعزى إلى الله، كالعلم المحيط بكل شيء. غير أن الوجود، ~~ليس محمولا، ولا يدل على صفة أو سمة للأشياء التي يعزى إليها. ويضرب ~~كانت لإيضاح فكرته مثلا بالفارق بين مائة قرش حقيقي ومائة قرش خيالي؛ ~~فالفارق الوحيد بينهما ينحصر في أن الأولى موجودة والثانية غير موجودة، ~~أما تصور المائة قرش فواحد في الحالتين. # والمسألة التي يريد كانت إثباتها في هذا الصدد هي أن لفظ «الوجود» ~~يفقد وظيفته المنطقية إذا ما عومل، كما تتطلب البراهين التقليدية على ~~وجود الله، على أنه محمول يدل على صفة. والنتيجة الوحيدة التي تستخلص ~~من هذا، كما سبق أن قال هيوم، هي أن فكرة الله ذاتها، بمعنى «الموجود ~~الضروري»، فكرة مستحيلة. ويضيف كانت إلى ذلك نقطة هامة، هي أنه حتى ~~لو صحت براهين وجود الله هذه، لما استتبعت، مع هذا، أن يكون هذا ~~الموجود الضروري، هو ذاته، تلك العناية الإلهية التي يرى الكثيرون أنها ~~هي الموضوع الحقيقي لتقديس البشر وتقواهم. # وقد يستنتج المرء من هذا كله أن نقد كانت المدمر للميتافيزيقا ~~النظرية كان استباقا للنظرية الوضعية التالية القائلة إن جميع القضايا ~~الميتافيزيقية واللاهوتية لا معنى لها على الإطلاق. غير أن هذا استنتاج ~~باطل؛ إذ إنه، مع معارضته الشديدة لكل الادعاءات المتعلقة بالمعرفة ~~الميتافيزيقية للواقع، كان يؤمن بأن لبعض الاعتقادات الميتافيزيقية أو ~~اللاهوتية أهمية من حيث هي «مصادرات» للعقل «العملي». وإذن فلا بد، ~~لتكوين صورة أدق عن تعاليم كانت في هذا الصدد، من أن نلم بعض ~~الإلمام بفلسفته الأخلاقية. # يعتقد كانت أنه ليس من مهمة الأخلاق أو العقل العملي على الإطلاق وصف ~~الأمور الواقعية أو التنبؤ بها، وإنما تنحصر هذه المهمة في إرشادنا إلى ~~الطريقة التي ينبغي أن نحيا ms033 بها، وإلى ما ينبغي علينا فعله. وهكذا فإن ~~أحكام العقل العملي لا تمدنا بمعرفة بالمعنى النظري، وإنما هي أوامر ~~عملية وظيفتها إرشادنا في اتخاذ قراراتنا. وليست وظيفة الاستدلال ~~العملي أو الأخلاقي تبديد الشكوك العقلية المتعلقة بالموجودات، وإنما ~~هي القضاء على تردد الإرادة. ويعتقد كانت أن لهذا التردد نوعين ~~رئيسيين؛ (أ) تردد ناشئ عن التعارض المعتاد بين الرغبات أو الميول. ~~(ب) وتردد ناشئ عن التعارض بين الرغبات أو الميول الطبيعية وبين ~~شعورنا بالواجب. وللتغلب على هذين النوعين تماما من التردد ~~العملي، يوجد نوعان رئيسيان من الأوامر؛ (أ) أوامر مشروطة # hypothetical imperatives ~~، ~~تنبئنا بما ينبغي علينا عمله لإرضاء رغباتنا. (ب) وأوامر مطلقة # categorical imperatives ~~، تنبئنا ~~بما ينبغي علينا عمله بوصفنا كائنات أخلاقية. فإذا شئت حفظ صحتي، ~~فينبغي علي ألا أستسلم للقلق. ولكن الأساس الوحيد الذي يرتكز عليه ~~«الواجب» في هذه الحالة هو رغبتي الطبيعية في حفظ صحتي. وإذن فالأمر في ~~هذه الحالة أمر مشروط تستمد ضرورته العملية الوحيدة من رغبتنا في ~~تحقيق الغاية التي يعبر ذلك الأمر عن وسيلتها الضرورية. أما ~~الأوامر المطلقة فتقتضي منا أداء الأفعال التي تدعو إليها، بغض النظر ~~عن ميولنا الشخصية. وهي لا تتساءل عن تفضيلاتنا أو أذواقنا، وإنما ~~توجه إلينا دون قيد أو شرط، وعلى نحو لا شخصي، بوصفنا موجودات ~~أخلاقية عاقلة. ~~••• # ويرى كانت أن مفتاح الفهم الصحيح للأوامر الأخلاقية أو المطلقة هو ~~تصور القانون؛ أي المبدأ الذي يصح دون استثناء. غير أن القوانين ~~الأخلاقية تختلف عن قوانين الطبيعة التي يصنعها العلم في أنها لا ~~تنبئنا بما هو كائن بالفعل، وإنما تنبئنا بما ينبغي أن يكون، وما ~~ينبغي أن يفعله أي كائن عاقل في ظرف معين. وعلى ذلك فالأمر المطلق، ~~الذي طالما أشير إلى وجه الشبه بينه وبين «القاعدة الذهبية»، # 6 # هو أنه ينبغي علينا ألا نتخذ لأنفسنا من قواعد السلوك في ~~أي موقف عملي سوى تلك القواعد العامة التي نريد لها أن تكون على الدوام ~~قوانين شاملة للطبيعة. ولنقل مرة أخرى إن هذه القواعد ليست قوانين ms034 ~~الطبيعة، وأن النظر إليها على هذا النحو ينطوي على سوء فهم لوظيفتها، ~~ولكنها لا تصبح قواعد أخلاقية إلا إذا اتجهت إرادتنا - بقدر استطاعتنا ~~- إلى أن نجعلها كذلك. # ولقد وجهت إلى نظرية كانت انتقادات كثيرة. والذي يهمنا هنا هو ~~النتيجة الهامة لتمييزه القاطع بين العقل الخاص أو النظري والعقل ~~العملي؛ أي بين العلم والأخلاق. ذلك لأن قبول المرء لفكرة كانت ~~المسماة بفكرة «العقلين»، وقوله مع كانت إن أساس كل عقل عملي يكمن في ~~الإرادة لا في العقل وحده، كفيل بأن يؤدي على التو إلى تخليص مجال ~~رئيسي كامل للتفكير الفلسفي من الخضوع للسلطان المطلق للمنهج العلمي. ~~حقا إن علم الأخلاق، وكل مبحث آخر قد يماثله في هذا الصدد، قد يظل ~~«عقليا» بمعنى هام، ولكن ليس لنا أن نظل ننظر إلى العقل في هذه ~~الحالة على أنه ملكة نظرية خالصة. وفضلا عن ذلك، فإذا كانت ~~الاعتقادات اللاهوتية أو الميتافيزيقية الوحيدة المشروعة، كما يرى ~~كانت، هي تلك التي تبنى، آخر الأمر، على مطالب الإرادة الأخلاقية، فإن ~~هذا يؤدي إلى استبعاد فرعين آخرين في البحث الفلسفي لهما أهمية ~~عظمى من ذلك المجال الذي يجوز تسميته ب «العلم»، مهما كانت مرونة فهمنا ~~لهذا اللفظ. وبالاختصار ففي وسعنا أن نرى، في هذا الجزء ذي الأهمية ~~التاريخية من فلسفة كانت، أن الفلسفة ذاتها تنتقل تدريجيا من مركز ~~علم العلوم # super science ~~، إلى مركز ~~الأيديولوجية. ومع ذلك فالأمر ذو الدلالة الحاسمة هو أن كانت ذاته ~~يستطيع أن يعترف بهذا الانتقال في حالة الأخلاق، ويؤكد في نفس الآن ~~مع ذلك أنها نوع من النشاط العقلي. # وعلينا، لكي نتم رسم الصورة، أن نتابع تحليل كانت لشروط الحياة ~~الأخلاقية خطوة أخرى؛ فالأوامر الأخلاقية كما رأينا مطلقة، ومع ذلك ~~فهي في نظر كانت لا معنى لها إلا إذا بنيت على افتراضات أو مسلمات ~~معينة. مثال ذلك أنه ما لم تكن الإرادة الأخلاقية حرة في فعل ما ~~يأمر به القانون الأخلاقي أو عدم فعله، فإن الأخلاق ذاتها تعد وهما ~~خادعا. غير أن شيئا، ms035 في رأي كانت، لا يفرض علينا حقيقته بنفس القوة ~~التي تفرضها علينا أحكام الضمير. ومع ذلك فلا سبيل لنا إلى تصور ~~أنفسنا أحرارا، طالما أننا ننظر إلى أنفسنا بوصفنا كائنات عضوية ~~مادية؛ ففي هذه الحالة يخضع سلوكنا، شأنه شأن سلوك أي كائن عضوي، ~~لتحكم العلل الطبيعية. وبالاختصار، فإن أجسامنا، بقدر ما يمكننا ~~«معرفتها» بالوسائل العلمية، هي ظواهر في الزمان والمكان، وبالتالي فهي ~~خاضعة تماما لقوانين الفيزياء وعلم وظائف الأعضاء. غير أن مذهب كانت ~~في الأشياء في ذاتها يتيح له مهربا من هذه النتيجة؛ فليس من الضروري ~~افتراض أن مقولة العلة والمعلول تنطبق على ما يتجاوز نطاق الظواهر ~~المكانية - الزمانية. وعلى ذلك، فلما كان الاعتقاد بأن الإرادة حرة ~~ضروريا لضمان حقيقة الحياة الأخلاقية، فإنا نستطيع أن نؤمن، دون ~~تناقض، بأننا ننتمي إلى علم أخلاقي «خارج» عن عالم الظواهر المكانية ~~والزمانية. وبهذا تكون الافتراضات «الميتافيزيقية» الأولية للأخلاقية ~~متمشية تماما مع قواعد البحث العلمي. # وعلى هذا النحو يحاول كانت، بسلسلة من الحجج التي لا يتعين علينا ~~ذكرها في هذا المقام، أن يثبت، على أسس أخلاقية، أن من واجبنا ~~الاعتقاد بأننا أفراد أحرار في عالم روحي عاقل، وأننا بهذا الوصف، ~~خالدون أيضا. كذلك يأتي كانت بحجج لإثبات أن الضرورة العملية تحتم ~~علينا الإيمان بكائن أو إله هو وحده الذي يضمن لنا الخلود، ويجعل بذلك ~~للحياة الأخلاقية أساسا. غير أن هذه المعتقدات أو الموضوعات الإيمانية ~~ليست سوى مصادرات للعقل العملي؛ فمن المحال معرفة ما إذا كانت صحيحة، ~~وأية محاولة نظرية لإثبات صحتها تؤدي بنا حتما إلى نقائض العقل ~~الخالص وقضاياه الممتنعة. وبالاختصار فإن كانت ينظر إلى الدين (وكذلك ~~الميتافيزيقا في الواقع) على أنه من لواحق الحياة الأخلاقية؛ فقبولنا ~~ل «حقائقه» لا يرجع، في نهاية الأمر، إلى وجود أي دليل عليها، وإنما ~~لأن هذا أمر يحتمه كوننا فاعلين أخلاقيين. # ورغم أن الكثيرين من خلفاء كانت لم يقتنعوا بتفاصيل حجته، فإن القضية ~~الرئيسية في هذه الحجة كانت، ولا تزال، ذات أهمية باقية؛ إذ إن ما ~~يقوله كانت ms036 هو في واقع الأمر أن مهمة اللاهوت التقليدي بأسرها قد أسيء ~~فهمها؛ فماهية الدين، كماهية الأخلاق، لا تنحصر في فروض فوق العلمية ~~تتعلق بطبيعة العالم «المخلوق»، وأصله، وإنما في إيجاده أساسا ~~للتجربة الأخلاقية والسلوك الأخلاقي. وربما كان هذا هو السبب الذي تطلق ~~من أجله اللغة الإنجليزية على موضوعات أية عقيدة دينية اسم موضوعات ~~الإيمان # faith ~~، لا موضوعات الاعتقاد # believe ~~، معترفة في ذلك برأي كانت ~~القائل إن معنى أية عقيدة دينية لا يكمن في أدلة الذهن البشري. # إن فلسفة كانت معبر يصل بين عصر التنوير، الذي آمن بالعلم بوصفه ~~معرفة شاملة ودواء شافيا لكل ما يحير ذهننا من الأسئلة، وبين ~~العصر الرومانتيكي، الذي بحث فيه المفكرون عن أساس متباين تماما ~~للأخلاق والدين والفلسفة ذاتها. ولقد فند كانت ذاته بعض النتائج ~~الفلسفية اللاحقة التي استخلصها فشته، معاصره الأصغر سنا ، من مذهبه ~~في العقلين النظري والعملي. ومع ذلك فقد كان هذا المذهب، ومعه نظرته ~~إلى الفلسفة على أنها في أساسها «نقد»، هو السبب الأكبر لأهم ~~التطورات الفلسفية التي حدثت في الفترة التالية. # والنص التالي مقتطف من الأقسام 50-54 من كتاب كانت: المدخل إلى كل ~~ميتافيزيقا مقبلة. # 7 # وعنوان هذه الأقسام «الأفكار الكونية # The ~~Cosmological Ideas ~~». # النص ~~(القسم 50) ~~: إن هذا الناتج للعقل الخالص في استخدامه العالي ~~(على التجربة) # transcendent # هو ~~أجدر ظواهره بالملاحظة، وهو أقدر هذه الظواهر على إيقاظ ~~الفلسفة من سباتها التوكيدي، ودفعها إلى أداء تلك المهمة ~~الشاقة، مهمة نقد العقل. # وأنا أطلق على هذه الفكرة اسم الفكرة الكونية (الكسمولوجية)؛ ~~لأنها لا تستمد موضوعها إلا من العالم المحسوس، كما أنها لا تحتاج ~~إلى أي عالم سوى ذلك الذي يكون موضوعه شيئا محسوسا، وبالتالي ~~فإنها، بقدر ما تكون كامنة # 8 # وليست عالية، لا تكون حتى ذلك الحين قد أصبحت فكرة ~~بعد، أما أن نتصور النفس على أنها جوهر بسيط فهذا يعني، على ~~العكس من ذلك، تصور هذا الموضوع (وهو البسيط) من حيث هو لا يمكن ~~أن يتمثل للحواس. ومع ذلك فإن الفكرة الكسمولوجية تمضي ms037 في الربط ~~بين المشروط وشرطه (سواء أكان رياضيا أم ديناميا) إلى حد ~~تعجز التجربة تماما عن مجاراته، وبذا تظل دائما، من هذه الناحية، ~~فكرة لا يمكن أن يعطى موضوعها بطريقة مطابقة في أية تجربة. ~~(القسم 51) ~~: وتظهر هنا، أولا، فائدة نسق (قائمة) المقولات على نحو واضح لا ~~ينكر، حتى إنه لو لم تكن توجد أدلة أخرى عديدة عليها، لكان في ~~هذا وحده الكفاية لإثبات ضرورتها الأساسية في نظام العقل الخالص. ~~ولا يوجد من هذه الأفكار العالية ~~( # transcendent ~~) سوى أربع؛ أي ~~بقدر ما يوجد من فئات المقولات. ومع ذلك فهي تشير في كل منها ~~إلى المجموع # 9 # المطلق لسلسلة الشروط الخاصة بمشروط معين فحسب. ~~ويناظر هذه الأفكار الكسمولوجية الأربع أربعة تأكيدات ديالكتيكية ~~فحسب للعقل الخالص، وهي تأكيدات يدل كونها ديالكتيكية على أن لكل ~~منها تأكيدا مناقضا يقابله، ويبني على مبادئ للعقل الخالص تعادل ~~المبادئ التي يبني عليها الأول تهافتا. وليس في وسع أي فن ~~ميتافيزيقي للتمييز الدقيق أن يمنع هذا التعارض، سوى ذلك الذي يدفع ~~الفيلسوف إلى الرجوع إلى المصادر الأولى للعقل الخالص. هذه ~~النقيضة، التي لم تبتدع ابتداعا إراديا، وإنما تتأصل في طبيعة ~~العقل البشري، والتي هي بالتالي لا مفر منها ولا تتوقف عند حد ~~أبدا، تنطوي على القضايا الأربع الآتية ومعها قضاياها ~~المضادة: ~~(1) # القضية: العالم، من حيث الزمان والمكان، ~~بداية (حد). # القضية المضادة: العالم، من حيث الزمان والمكان، لا متناه. ~~(2) # القضية: كل ما في العالم يتألف من البسيط. # القضية المضادة: ليس ثمة ما هو بسيط، بل إن كل شيء مركب. ~~(3) # القضية: في العالم علل عن طريق الحرية. # القضية المضادة: ليست ثمة حرية، بل كل شيء طبيعة. ~~(4) # القضية: يوجد في سلسلة علل العالم موجود ضروري. # القضية المضادة: ليس في هذه السلسلة شيء ضروري، بل كل ما فيها ~~عرضي. ~~(القسم 52) ~~: تلك هي أغرب ظواهر العقل البشري، وهي ظاهرة لا نظير لها في أي ~~استخدام آخر لهذا العقل. فإذا ما تصورنا ظواهر العالم المحسوس ~~كما يحدث عادة، على أنها أشياء في ذاتها، وإذا ms038 ما نظرنا إلى ~~المبادئ الرابطة بينها على أنها مبادئ تصح على نحو مطلق على ~~الأشياء في ذاتها لا على التجربة فحسب، وهو ما يحدث عادة - بل هو ~~ما يكون، لولا «نقدنا» أمرا لا مفر منه - فهنا ينشأ تعارض لا يمكن ~~إزالته بالمنهج التوكيدي المعتاد؛ إذ إن من الممكن الإتيان ببراهين ~~متساوية الوضوح والبداهة والإقناع على القضية والقضية المضادة معا ~~- وأنا كفيل بصحة هذه البراهين جميعا - وهكذا يدرك العقل أنه ~~منقسم على نفسه، وهي حالة يضطرب لها الشكاك، ولكنها لا بد أن تدفع ~~الفيلسوف النقدي إلى التأمل وتبعث فيه القلق. ~~(القسم 52 باء) ~~: إن المرء يستطيع أن يرتكب في الميتافيزيقا عديدا من الأخطاء دون ~~أن يخشى أن يكشف خطؤه، فلو اقتصر على تجنب مناقضة ذاته، وهو أمر ~~ممكن جدا في القضايا التركيبية التي هي في الآن نفسه غير مستندة ~~إلى أساس من الواقع، فإن من المحال أن تناقضنا التجربة في جميع ~~الحالات التي تكون فيها التصورات التي تربط بينها أفكارا لا يمكن ~~أن تعطى، من حيث محتواها الكامل، في التجربة. إذ كيف نقرر، عن ~~طريق التجربة، إن كان العالم أزليا أم له بداية، وإن كانت المادة ~~منقسمة إلى ما لا نهاية أو تتألف من أجزاء بسيطة؟ إن مثل هذه ~~التصورات لا يمكن أن تعطى في أية تجربة، مهما كان اتساع نطاقها، ~~وعلى ذلك فمن المحال كشف بطلان القضية الإيجابية أو السالبة بهذا ~~المعيار. # والحالة الوحيدة التي يستطيع العقل فيها أن يكشف رغم إرادته عن ~~ديالكتيكه الخفي، الذي ينظر إليه خطأ على أنه محتواه التوكيدي، هي ~~تلك التي يمكنه فيها أن يبني تأكيدا على مبدأ معترف به اعترافا ~~شاملا، ويستنبط عكسه تماما بأدق استدلال منطقي من مبدأ آخر ~~مسلم به بنفس القوة، وهذه بالفعل هي الحال ها هنا، بالنسبة إلى ~~أفكار العقل الطبيعية الأربع، التي تسفر من ناحية عن أربعة ~~تأكيدات، ومن الناحية الأخرى عن أربعة تأكيدات مضادة، يتلو كل ~~منها، دون تخلف، من مبادئ معترف بها اعترافا شاملا. وهكذا تكشف ~~هذه ms039 الأفكار عن الخداع الديالكتيكي للعقل الخالص في استخدامه لهذه ~~المبادئ، وهو الخداع الذي لولا ذلك لظل مختفيا إلى الأبد. # وإذن فها هنا اختبار حاسم يؤدي حتما إلى كشف أي خطأ مستتر ~~يختفي بين ثنايا مصادرات العقل؛ # 10 ~~⋆ # فالقضيتان المتناقضتان لا تكونان باطلتين ما، إلا إذا كان ~~التصور الذي ترتكزان عليه باطلا. # مثال ذلك أن القضيتين «الدائرة المربعة مستديرة» و«الدائرة ~~المربعة ليست مستديرة» باطلتان معا؛ في الأولى يستحيل أن تكون ~~هذه الدائرة مستديرة؛ لأنها مربعة، ولكن يستحيل أيضا ألا تكون ~~مستديرة؛ أي أن تكون لها زوايا؛ لأنها مستديرة. ذلك لأن المعيار ~~المنطقي لاستحالة تصور ما هو أن يكون افتراضه مؤديا إلى ~~إمكان بطلان قضيتين متناقضتين معا، ومن ثم، فلما كان من المحال ~~تصور قضية وسط بينهما، فإن هذا التصور لا يكون منطويا على أي ~~شيء. ~~(القسم 52ج) ~~: ومثل هذا التصور المتناقض هو أساس النقيضتين الأوليين، ~~اللتين أسميهما بالرياضيتين؛ لأنهما تتعلقان بجمع المتجانس ~~أو قسمته، وعلى هذا النحو أفسر اشتراك القضية والقضية المضادة ~~معا في البطلان. # فعندما أتحدث عن أشياء (موضوعات) في الزمان والمكان، فإني لا ~~أتحدث عن أشياء في ذاتها؛ إذ إني لا أعرف عن هذه شيئا، وإنما ~~أتحدث عن أشياء ظاهرية؛ أي عن التجربة، بوصفها طريقة خاصة ~~لمعرفة تلك الموضوعات، متاحة للإنسان وحده. وليس لي أن أقول عما ~~أدركه في المكان والزمان إنه يوجد في ذاته، مستقلا عن أفكاري، ~~في الزمان والمكان، وإلا لكنت مناقضا لنفسي؛ إذ إن الزمان ~~والمكان، مع ما فيهما من ظواهر، لا وجود لهما في ذاتهما خارج ~~تمثلاتي، وإنما هما مجرد طرق للتمثل، ومن التناقض الصريح أن ~~يقال عما هو مجرد طريقة للتمثل، إنه يوجد دون تمثلنا. وإذن ~~فموضوعات الحواس لا توجد إلا في التجربة، أما إذا أضفينا عليها ~~وجودا قائما بذاته، مستقلا عن التجربة أو سابقا عليها، فإنا ~~نكون أشبه بمن يتصور التجربة موجودة دون التجربة، أو ~~قبلها. # فإذا ما تساءلت عن عظم العالم من حيث المكان والزمان، فمن ~~المحال أن تتيح لي تصوراتي أن ms040 أقرر إن كان لا متناهيا أم ~~متناهيا؛ إذ إن كلا القولين ليس متضمنا في التجربة؛ لأن من ~~المستحيل أن تكون لدينا تجربة عن مكان لامتناه أو عن زمان ~~لامتناه في مجراه، ولا عن تحدد العالم بمكان خاو؛ فهذه كلها لا ~~تعدو أن تكون أفكارا. وعلى ذلك، فسواء أحددنا عظم العالم على ~~هذا النحو أم ذاك، فسيكون من المحتم، بناء على ذلك، أن يوجد في ~~ذاته، مستقلا عن كل تجربة. غير أن هذا يناقض تصور العالم ~~المحسوس، الذي لا يعدو أن يكون مجموعة من المظاهر لا وجود لها ولا ~~ارتباط بينها إلا في تمثلاتنا؛ أي في التجربة؛ إذ إن هذا العالم ~~ليس شيئا في ذاته، وإنما مجرد طريقة للتمثل. ويترتب على ~~ذلك أنه لما كان تصور عالم محسوس ذي وجود بذاته متناقضا مع ~~نفسه، فإن حل المشكلة المتعلقة بعظمه باطل دائما، سواء ~~جربناه إيجابا أم سلبا. # ومثل هذا يصدق على النقيضة الثانية، التي تتعلق بانقسام ~~الظواهر؛ إذ إن هذه مجرد تمثلات، أجزاؤها لا توجد إلا في ~~تمثلاتها، وبالتالي في الانقسام؛ أي في تجربة ممكنة تعطى فيها، ~~بحيث لا يبلغ الانقسام إلا المدى الذي تبلغه التجربة الممكنة. ~~فافتراضنا، مثلا، أن مظهرا كالجسم يحوي في ذاته، قبل كل تجربة، ~~جميع الأجزاء التي يمكن أن تبلغها أي تجربة ممكنة، معناه أننا ننسب ~~إلى مجرد مظهر، لا وجود له إلا في التجربة، وجودا فعليا ~~سابقا على التجربة، أو نقول بإمكان وجود التمثلات الخالصة قبل ~~أن يهتدى إليها في ملكتنا للتمثل، وهو قول مناقض لذاته، مثله في ~~ذلك مثل كل حل لهذه المشكلة التي أسيء فهمها، سواء أقلنا فيه إن ~~الأجسام في ذاتها تتألف من عدد لا متناه من الأجزاء، أو من عدد ~~متناه من الأجزاء البسيطة. ~~(القسم 53) ~~: وموضع بطلان الفرض في الفئة الأولى من النقائض (الفئة الرياضية) ~~هو في تمثل شيء مناقض لذاته (أي المظهر بوصفه شيئا في ذاته) على ~~أنه يمكن أن يجتمع في تصور واحد. أما موضع بطلان الفرض في ~~الألفية الثانية من ms041 النقائض (أي الفئة الدينامية)، فهو في تمثل ~~ما يقبل التوفيق على أنه متناقض. وعلى ذلك، في حين كان القولان ~~المتضادان باطلين في الحالة الأولى، فإنهما هنا يمكن أن يكونا ~~صحيحين معا، ما دام التقابل بينهما يرتد إلى سوء فهم ~~فحسب. # والواقع أن الارتباط الرياضي يفترض مقدما تجانس ما يجمع بينه ~~(في تصور المقدار # Grösse ~~) في حين ~~لا يلزم هذا في الارتباط الدينامي؛ فعندما يتعلق الأمر بمقدار ما ~~هو ممتد، ينبغي أن تكون جميع الأجزاء متجانسة بعضها مع البعض ومع ~~الكل، أما في حالة ارتباط العلة بالمعلول، فقد يوجد التجانس ~~فعلا، غير أنه ليس ضروريا؛ إذ إن تصور العلية (الذي يتلو ~~فيه شيء من شيء آخر مختلف عنه تماما) لا يستلزم التجانس ~~قط. # ولو عدت موضوعات عالم الحس أشياء في ذاتها، وقوانين الطبيعة ~~المشار إليها من قبل قوانين للأشياء في ذاتها، لأصبح التناقض ~~أمرا لا مفر منه. وكذلك لو نظر إلى موضوع الحرية على أنه مجرد ~~مظهر، شأنه شأن بقية الموضوعات، لكان التناقض هنا أيضا أمرا لا ~~مفر منه؛ إذ إن محمولا واحدا سيثبت وينفى في هذه الحالة على ~~موضوع واحد بنفس المعنى. أما إذا ألحقت الضرورة الطبيعية ~~بالمظاهر وحدها، والحرية بالأشياء في ذاتها فحسب، فلن يكون ثمة ~~تناقض في القول بنوعي العلية هذين في آن واحد، مهما كانت ~~صعوبة أو استحالة تقريب النوع الأخير إلى الأذهان. # إن كل معلول بين المظاهر حادث؛ أي شيء يحدث في الزمان، وينبغي ~~تبعا لقانون الطبيعة الشامل، أن يسبقه تحديد لسببية علته ~~( # Kausilität ihrer Ursache ~~)؛ ~~أي حالة لهذه العلة، يتلو منها المعلول تبعا لقانون ثابت. غير أن ~~هذا التحديد للعلة المؤدية إلى السببية ( # Ursache ~~zur Kausilität ~~)، ينبغي أن يكون بدوره شيئا ~~يقع أو يحدث، ولا بد أن تكون العلة قد «بدأت في الفعل»، وإلا لما ~~أمكن تصور التعاقب الزمني بينها وبين المعلول، ولكان المعلول، ~~وكذلك سببية العلة، موجودين على الدوام. وإذن فلا بد أن يكون ~~تحديد علة الفعل قد نشأ بدوره بين المظاهر، ولا بد ms042 بالتالي أن ~~يكون، مثل معلوله، حادثا، وهذا الأخير ينبغي أن تكون له علته، ~~وهكذا دواليك، وإذن فلا بد أن تكون الضرورة الطبيعية هي الشرط ~~الذي تحدد تبعا له العلل الفاعلة. أما لو نظر إلى الحرية على ~~أنها صفة لبعض علل الظواهر، فلا بد أن تكون الحرية، بالنسبة إلى ~~هذه الظواهر الأخيرة من حيث هي حوادث، قدرة على البدء بها ~~تلقائيا؛ أي دون أن تقتضي ابتداء لسببية العلة ذاتها، ودون أن ~~تحتاج إلى أي أساس آخر يحدد بدايتها. ولكن عندئذ لن تندرج ~~العلة، من حيث سببيتها، # 11 # تحت التحديدات الزمنية لحالتها؛ أي إنها لن تكون ~~ظاهرة، وإنما ينبغي النظر إليها على أنها شيء في ذاته، بينما تعد ~~معلولاتها وحدها هي المظاهر. # 12 ~~⋆ # فإذا استطعنا أن نتصور، دون تناقض، كائنات عاقلة تمارس مثل هذا ~~التأثير على الظواهر، فعندئذ ستلحق الضرورة الطبيعية جميع ~~ارتباطات العلة والمعلول في العالم المحسوس، وإن كان من الممكن، من ~~ناحية أخرى، التسليم بحرية العلة التي ليست هي ذاتها ظاهرة (مع ~~كونها أساسا للظاهرة). وإذن فالطبيعة والحرية يمكن أن ينسبا دون ~~تناقض إلى الشيء نفسه، ولكن على نحوين مختلفين؛ أي بوصفه مظهرا ~~من ناحية، ووصفه شيئا في ذاته من ناحية أخرى. # إن لدينا في ذاتنا قدرة لا ترتبط فقط بالأسس المتحكمة فيها ~~ذاتيا، التي هي العلل الطبيعية لأفعالها، وبالتالي لا تقتصر على ~~أن تكون قدرة كائن ينتمي هو ذاته إلى الظواهر، وإنما ترتبط أيضا ~~بأسس موضوعية ليست سوى «الأفكار»، من حيث إن في وسعها التحكم في ~~هذه القدرة. وتعبر عن هذا الارتباط كلمة «الوجوب # Sollen ~~». وهذه الملكة تسمى ب ~~«العقل» # Vernunft ~~، وبقدر ما ننظر ~~إلى الكائن (كالإنسان) تبعا لهذا العقل القابل للتحدد ~~موضوعيا فحسب، فلا يمكن أن يعد كائنا محسوسا؛ فهذه الصفة صفة ~~للشيء في ذاته، وهي صفة لا نستطيع أن نفهم إمكانها. أعني أننا لا ~~يمكننا أن نفهم كيف يستطيع «الوجوب» أن يتحكم (حتى لو لم يكن ذلك ~~قد حدث بالفعل على الإطلاق) في فاعليته، ويصبح علة لأفعال ms043 نتيجتها ~~ظاهرة في العالم المحسوس. ومع ذلك فإن علية العقل تغدو حرية فيما ~~يتعلق بالمعلولات في العالم المحسوس، بقدر ما يمكننا أن ننظر إلى ~~«الأسس الموضوعية» التي هي ذاتها أفكار، على أنها هي المتحكمة في ~~هذه المعلولات؛ إذ إن فعل العقل في هذه الحالة لن يتوقف على الشروط ~~الذاتية، وبالتالي لن يتوقف على شروط زمانية، ولن يتوقف تبعا لذلك ~~على قانون الطبيعة التي يتحكم فيها؛ إذ إن القاعدة التي تضفيها ~~أسس العقل على الأفعال تكون شاملة وفقا للمبادئ، ولا تتأثر ~~بظروف الزمان ولا المكان. # وفي وسعي الآن أن أقول، دون تناقض، إن جميع أفعال الكائنات ~~العاقلة، من حيث هي ظواهر (تصادف في تجربة ما) تخضع لضرورة ~~الطبيعة، غير أن نفس هذه الأفعال تغدو حرة إذا ما نظر إليها من ~~حيث الذات العاقلة وحدها، وقدرتها على الفعل تبعا للعقل وحده؛ إذ ~~ما هو الشرط اللازم لضرورة الطبيعة؟ لا شيء سوى قابلية كل حادث في ~~عالم الحس للتحدد وفقا لقوانين ثابتة ؛ أي إرجاعه إلى علة في ~~عالم الظواهر، بينما يظل الشيء في ذاته، الذي يكون أساس الحادث ~~وعلته، مجهولا. غير أن قانون الطبيعة يظل باقيا، سواء أكان ~~الكائن العاقل هو علة المعلولات في عالم المحسوس عن طريق العقل - ~~أي من خلال الحرية - أم لم يكن يتحكم فيها على أسس منتمية إلى ~~مجال العقل. ففي الحالة الأولى يتم الفعل تبعا لقواعد عامة # Maximen # تتمشى نتيجتها، من ~~حيث هي ظاهرة، مع قوانين ثابتة على الدوام. وفي الحالة الثانية، ~~التي لا يتم فيها الفعل حسب مبادئ العقل، يخضع الفعل لقوانين الحس ~~التجريبية، وفي الحالتين ترتبط المعلومات تبعا لقوانين ثابتة. ~~ولسنا في حاجة إلى أكثر من هذا فيما يتعلق بالضرورة الطبيعية، بل ~~إننا لا نعرف عنها أكثر من هذا. ولكن العقل في الحالة الأولى هو ~~علة قوانين الطبيعة هذه، ومن ثم فهو حر، أما في الحالة الثانية ~~فإن المعلومات تتلو وفقا لقوانين الحس الطبيعية وحدها؛ لأن العقل ~~لا يؤثر فيها. غير أن العقل ذاته لا يتحدد، ms044 لهذا السبب، ~~بالحساسية (وهو محال)، ولذا يكون حرا في هذه الحالة بدورها، وإذن ~~فالحرية ليست عائقا في وجه القانون الطبيعي للظواهر، كما أن هذا ~~القانون لا يقضى على حرية الاستخدام العملي للعقل، الذي يرتبط ~~بالأشياء في ذاتها، بوصفها الأسس المتحكمة فيه. # وهكذا تصان الحرية العملية؛ أي الحرية التي تكون للعقل فيها ~~علية مبنية على أسس متحكمة موضوعيا، دون أن يستتبع ذلك أي ~~تضييق لنطاق الصورة الطبيعية فيما يتعلق بالمعلولات ذاتها، ~~بوصفها ظواهر. وهذه الملاحظات ذاتها تفيد في تفسير ما قلناه بشأن ~~الحرية الترنسندنتالية وتمشيها مع الضرورة الطبيعية (في الذات ~~الواحدة، ولكن ليس تبعا لوصف واحد لها) إذ إنه في هذه الحالة ~~تكون كل بداية لفعل كائن تبعا لعلل موضوعية تعد أسسا متحكمة ~~و«بداية أولى» على الدوام، وإن يكن هذا الفعل ذاته في سلسلة ~~المظاهر مجرد «بداية ثانوية»، ينبغي أن تسبقها حالة للعلة تتحكم ~~فيها وتخضع هي ذاتها، على النحو ذاته، لتحكم حالة أخرى تسبقها ~~مباشرة. وهكذا نستطيع، دون أن نناقض قوانين الطبيعة، أن نتصور ~~لدى الكائنات العاقلة، أو الكائنات في عمومها بقدر ما تتحدد ~~عليتها فيها بوصفها أشياء في ذاتها، قدرة على أن تبدأ من ذاتها ~~سلسلة من الحالات؛ إذ إن علاقة الفعل بالأسس الموضوعية للعقل ليست ~~علاقة زمنية، ولا يكون الفعل في هذه الحالة مسبوقا في الزمان بما ~~يتحكم في عليته؛ إذ إن هذه الأسس المتحكمة لا تمثل الإشارة ~~إلى موضوعات حسية؛ أي إلى العلل المتحكمة من حيث هي أشياء في ~~ذاتها، لا تندرج تحت شروط الزمان، وعلى هذا النحو يمكننا أن نعد ~~الفعل، فيما يتعلق بعلية العقل، بداية أولى، في حين أنه فيما ~~يتعلق بسلسلة الظواهر لا يعدو أن يكون بداية ثانوية، ومن ثم ففي ~~وسعنا دون تناقض أن نعده حرا من وجهة النظر الأولى، وخاضعا ~~للضرورة الطبيعية من وجهة النظر الثانية (أي من حيث هو مجرد ~~ظاهرة). # أما النقيضة الرابعة، فمن الممكن حلها على نفس النحو الذي ~~يخالف به العقل ذاته في النقيضة الثالثة؛ إذ إننا إذا ms045 سلمنا بأن ~~العلة «في» الظاهرة تتميز عن علة الظواهر (بقدر ما يمكن أن تعد ~~هذه الحالة شيئا في ذاته)، فمن الممكن عندئذ التوفيق بين ~~القضيتين؛ الأولى: إذ تقول إنه لا توجد للعالم المحسوس علة (حسب ~~قوانين العلية المماثلة) يكون لها وجود ضروري. والثانية: إذ ~~تقول إن هذا العالم يرتبط مع ذلك بكائن ضروري هو علته (ولكنه علة ~~من نوع آخر وتبعا لقانون آخر). أما الاعتقاد بتعارض هاتين ~~القضيتين فيرتكز بأسره على خطأ تطبيق ما لا يصح إلا على الظواهر، ~~على الأشياء في ذاتها، والخلط بين الاثنين في تصور واحد. # الفصل الثالث # | مذهب الأنا في الفلسفة الألمانية # يوهان جوتليب فشته (1762-1814م) # رغم أن فلسفة كانت تنطوي على الكثير من بذور الثورة الرومانتيكية على ~~«عصر العقل»، فإن خصائص هذا العصر تظهر في معظم اتجاهات كانت الأساسية. ~~فتأكيده الاستقلال الذاتي الأخلاقي للفرد هو صفة مميزة لفترة أنكرت ~~فيها معظم الأذهان المتعمقة السلطة الروحية المستقلة لأي نظام. ولقد ~~كان كانت فردي النزعة، بحيث كان الالتزام الأخلاقي الأساسي في نظره هو ~~احترام فردية كل شخص بوصفها غاية في ذاتها. ومع ذلك فهو لم يكن ~~فرديا بالمعنى الرومانتيكي. ولا جدال في أنه كان يرتاع لو اطلع على ~~تأكيد نيتشه لحق الإنسان الأرقى في «قلب» جميع القيم، أو في النظر ~~إلى مطامحه الشخصية على أنها قوانين لذاته. فكانت قد ظل من أصحاب ~~النزعة الكلية الشاملة؛ أي إن أي أمر أخلاقي هو في نظره أمر للناس ~~أجمعين، لا للألمان أو المسيحيين أو الجنس الأبيض فحسب. ولقد كان ميله ~~إلى جعل المسائل الخاصة بالسعادة الفردية وبرفاء المجتمع تحتل مركزا ~~ثانويا، كان هذا الميل من الخصائص المميزة لفترة كانت فيها المشكلة ~~الاجتماعية الكبرى هي مشكلة الحقوق الإنسانية المشتركة. # ولقد اقتبس كانت من روسو، وهو الأب الحقيقي للرومانتيكية، الرأي ~~القائل بأولوية الإرادة من وجهة نظر الأخلاق. غير أنه، على خلاف روسو، ~~قد حرص على أن يلحق هذا الرأي بشرط يقول إن الإرادة الأخلاقية هي في ~~الوقت ذاته إرادة عاقلة لا بد ms046 لها من تصور للقانون. كما أنه لم يشارك ~~روسو خوفه من العقل النظري أو كراهيته له، ولم يشاطره رغبته في إخضاع ~~المعايير العقلية للمعايير الأخلاقية أو الدينية. وقد يكون صحيحا، ~~بمعنى معين، أن للقلب، كما قال إسكال، أسبابه التي لا يعرفها العقل، ~~غير أن هذا، في رأي كانت، لا يبرر على الإطلاق تخلينا عن قوانين ~~المنطق لحساب الضمير أو الإيمان، ولا يحلل لنا الاعتقاد أن الشمس ~~تشرق من الغرب إذا بدا أن الأخلاق أو الدين تقتضي ذلك. # والواقع أن العناصر الأساسية المؤدية إلى فهم سليم للطابع الفلسفي ~~الذي تميز به كانت هي تلك العناصر التي لم يكن فيها مقتفيا أثر ~~روسو. ولا مفر للمرء من إساءة فهم تعاليم كانت إلى حد بعيد إذا حاول ~~أن يمضي بها إلى أبعد من فترة البداية الأولى للعصر الرومانتيكي. أما ~~في حالة فشته، الذي كان أول مفكر هام، وأصيل، تأثر بكانت، فلسنا في ~~حاجة إلى مثل هذه المحاولة؛ إذ إنه يتجاوز حدود البدايات الأولى ~~الرومانتيكية بطبيعته، وبحكم ميله ومزاجه وعقيدته. وفي تفكيره تخف ~~وطأة تلك القيود التي حالت دون تمجيد كانت للإرادة على حساب الذهن. ~~كذلك يكاد يكتمل في تفكيره ذلك التحول لمفهوم العقل، الذي كان قد بدأ ~~عند كانت. فقد نظر كانت إلى قوانين المعقولية، لا على أنها انعكاس ~~لتركيب الأشياء في ذاتها، بل على أنها صور للذهن البشري. ولكنه لم ~~يفترض أن في وسع أي مخلوق بشري أن يطرح هذه الصور جانبا إذا ما شاء ~~ذلك. فلا جدال في أن الذهن البشري يفرض على ذاته من القواعد ما يلزم ~~لإنجاز مهمة المعرفة. غير أن القواعد التي يشرعها الذهن للبحث واحدة ~~بالنسبة إلى جميع الناس. أما فشته فإنه يصبغ ثورة كانت الكبرنيكية، ~~في البداية على الأقل، بصبغة ذات طابع أقوى بكثير؛ فهو يتخذ في البداية ~~الموقف القائل إنه، مثلما أن أي قانون أخلاقي لا يمكن أن يلزمني إلا ~~إذا اخترت بنفسي أن ألتزم به، فكذلك لا تستطيع أية قوانين لا شخصية ~~مزعومة للذهن ms047 البشري أن تشرع الطريقة التي يتعين علي بها أن ~~أنجز مهمة المعرفة إلا إذا كنت على استعداد لقبول هذه القوانين ~~بوصفها قوانين خاصة بي. ولا بد أن يكون أي «عقل» أعد مسئولا أمامه، ~~عقلا «خاصا بي». وبالاختصار، فإن فشته يفسر الفلسفة «النقدية» ~~بأنها تقوم على القول بأن مقتضيات الذات الفردية، أو الأنا، هي نقطة ~~بداية كل تفكير فلسفي. والمشكلة الأساسية هي معرفة هذه ~~المقتضيات. # وهكذا حول فشته النقد الكانتي للعقل إلى مسألة حياة أو موت ل ~~«يوهان جوتليب فشته» ذاته، فإذا ما وجد أفراد آخرون أن النتائج التي ~~انتهى إليها مقبولة لديهم بدورهم، فذاك شأنهم. ومن المسلم به أن ~~أحدا لا يستطيع، ولا ينبغي، أن يظل جزيرة عزلاء. أما من الوجهة ~~الفلسفية فإن عليه أن يبدأ على هذا النحو بالفعل. # ولن يدرك أحد الأزمة البشرية الأساسية الكامنة في النقد الكانتي ~~للعقل إلا إذا اعترف باستحالة وجود أية نقطة بداية أخرى للتفلسف. أو ~~إذا شئنا تحوير الاستعارة السابقة، فليقل إن أحدا لا يستطيع مبارحة ~~جزيرة الأنا إلا عن طريق جسور يختارها هو. كما أن «من المحتم عليه»، ~~من الوجهة العملية، أن يشيد هذه الجسور. ولكن «الضرورة» الوحيدة هنا ~~تكمن في إرادته الخاصة. ومع ذلك فقد حاد فشته عن هذا الموقف في النهاية ~~إلى حد ما، وهكذا نجده يتحدث، ولا سيما في الفترة المتأخرة من ~~تطوره، عن «روح مطلقة»، لا يعد «أناي» المتناهي سوى مظهر لها. ولكن ~~حتى لو بدا أن فشته لم يكن جادا كل الجد في تفسير التحول ~~الترنسندنتالي عند كانت تفسيرا شخصيا خالصا، فعلينا نحن على الأقل ~~أن نأخذه مأخذ الجد إذا شئنا أن يكون لفلسفته أية أهمية بالنسبة ~~إلينا. # ولقد كان تطور فشته الفلسفي عكس تطور كانت على خط مستقيم؛ فكانت ~~قد بدأ بنزعة عقلية توكيدية، ولم يصل إلى فلسفته النقدية الجديدة إلا ~~في مرحلة متأخرة من أواسط عمره. أما فشته فقد بدأ تلميذا لكانت، ~~وعد نفسه مجرد منفذ لبرنامج كتب «النقد» الثلاثة على نحو أكمل، ~~وانتهى به ms048 الأمر مثاليا توكيديا لا يعترف بحقيقة سوى الروح، مما ~~دفع كانت نفسه في النهاية إلى تفنيد فلسفة فشته بوصفها تحريفا ~~أساسيا لتعاليمه. # وأفضل كتابات فشته تلك الكتابات الأولى التي كان لا يزال فيها واقعا ~~تحت تأثير كانت، أما كتاباته المتأخرة فأقل طرافة، وأقل تشويقا ~~بكثير. فلقد بدأ بدفاع قوي عن المثل العليا التي استهلتها الثورة ~~الفرنسية، مؤكدا بحماسته المعروفة أن للفرد حقوقا لا يمكن مطلقا ~~أن يسلبه إياها أحد، وأن حرية الكلام والفكر ضرورية، وأن لكل شعب حقا ~~أخلاقيا في الثورة على أي نوع من الحكم تقمع فيه حرياته. ولكنه حين ~~تحول فيما بعد إلى وطني ألماني متعصب، أغضبه غزو نابليون لوطنه، ~~ألف كتابه المشهور «نداءات إلى الأمة الألمانية»، الذي تظهر فيه ~~بوضوح نزعة عنصرية وقومية عنيفة جعلت بعض نقاده يعدونه سلفا مباشرا ~~للنازية. وفي آخر أطوار تفكيره، تحولت نزعته الفردية الأولى ~~تدريجيا إلى مذهب لتمجيد الدولة قائم على أسس تاريخية الوجهة، وهو ~~مذهب يتزايد فيه إخضاع حرية الأنا الفردي «للروح المطلقة» في تكشفها ~~الذي يتبدى تاريخيا في حياة المجتمع، أو يؤكد أن تلك الحرية هي ~~ذاتها هذه الروح المطلقة. # وهكذا يشبه تطور فشته، في هذا الصدد، تطور كثير من الرومانتيكيين ~~الآخرين في عصره، ممن بدءوا ثوارا وانتهوا محافظين أو أسوأ من ~~المحافظين. # وثمة طريقتان لفهم فلسفة فشته، تقترب كل منهما من الأخرى كثيرا في ~~نهاية الأمر. الطريقة الأولى لفهمه تسمى عادة بالطريقة «الأخلاقية»، ~~والثانية تسمى ب «الميتافيزيقية». وسبب تقاربهما في نهاية الأمر هو ~~أن الميتافيزيقا ليست عند فشته علم العلوم # superscience ~~، وإنما هي نسق من ~~مواقف الإرادة أو تأكيداتها؛ فالواقع # reality # كما يفهمه، ليس مقترنا ~~بما يقال عنه إنه «موجود # exist ~~» بأي ~~معنى مألوف، وإنما بما تعده الإرادة ضروريا لتحقيق غاياتها الخاصة. ~~ففي فلسفته يقضى آخر الأمر تماما على أي تمييز بين ما ينبغي أن يكون ~~وما هو واقع؛ ولهذا السبب لم يكن لديه أي تمييز قاطع بين الأخلاق أو ~~الأيديولوجية الأساسية وبين الميتافيزيقا. فمن العبث، من وجهة نظر ms049 ~~فشته، أن نتساءل، على طريقة العالم، عما إذا كان ثمة إله؛ فمثل هذه ~~الطريقة في وضع هذه الأسئلة تشوه تماما دلالتها، التي هي دلالة ~~عملية لا نظرية؛ فالشخص الذي يشك فيما إذا كان ثمة عالم خارجي ليس في ~~حاجة إلى دليل، وإنما إلى علاج؛ فإخلاصي في سعيي وجدي في عملي هو ~~وحده الكفيل بجعل العالم الخارجي حقيقة بالنسبة إلي. كما أن ذاتي ~~ومقتضياتها هي التي تأتيني بالضمان الوحيد الممكن للإيمان بالله. ~~والواقع أن فشته لا يرى فارقا أساسيا، في نطاق المسائل ~~الميتافيزيقية، بين الاعتقاد بالشيء وبين الإيمان به. فأي شي يكون ~~حقيقيا من الوجهة الميتافيزيقية إذا تحتم علينا الإيمان به، أو إذا ~~شئنا ذلك، حتى لو لم يكن يوجد سبب، بالمعنى المعتاد، للقول ~~بوجوده. # كل هذه الآراء تبدو خيالية جامحة إذا لم يتأملها المرء دائما في ~~ضوء التعاليم الكانتية الكامنة من ورائها. أما إذا تتبعنا ~~استدلالات فشته المعقدة من خلال هذا المنظور على الدوام، فسوف يبدو ~~مذهبه أقرب إلى المعقول إلى حد ما . ويضع فشته، في البداية، تقابلا بين ~~فلسفتين يطلق عليهما اسم «التوكيدية» و«المثالية». وهو يرى أن الأساس ~~النهائي الوحيد لاختيار المرء بينهما هو ملاءمة الفلسفة التي يختارها ~~«لنوع الإنسان الذي يكونه ذلك الشخص». وهنا يقول فشته في الواقع بذلك ~~الرأي الذي يؤمن به الكثيرون، وإن كان القليلون هم وحدهم الذين يعترفون ~~به، وأعني به أن الالتزامات النهائية تحدث آخر الأمر بناء على أسس ~~تنتمي إلى مجال الطبع أكثر منها إلى مجال البرهان. والأهم من ذلك أنه ~~يقول إن هذه الالتزامات سابقة على المعقولية؛ إذ لا يمكن أن تفهم ~~الأحكام المتعلقة بما هو معقول أو صحيح إلا في علاقتها بهذه ~~الالتزامات. إن الفيلسوف الواقعي يسلم، دون تمحيص، بوجود عالم من ~~الأشياء المستقلة الحقيقية التي لا تختبر حقيقة أفكارنا أو مطابقتها ~~إلا عن طريقها، وينسى أن مجرد القول بوجود هذا العالم معناه اتخاذ موقف ~~فلسفي تعد معطيات التجربة بالنسبة إليه محايدة تماما. # إن التوكيدية هي فلسفة أولئك الذين يحتاجون إلى ms050 سلطة خارجية، ولو ~~كانت سلطة عقل لا شخصي «موضوعي» يستطيع المرء بوصفه «كائنا عاقلا» أن ~~يرتكن إلى قوانينه أو قواعده؛ فالفلاسفة العقليون، من أمثال ديكارت ~~واسبينوزا، كانوا توكيديين، غير أن توكيديتهم تقضي على ذاتها إذ تعجز ~~عن تبديد شكوكهم الفلسفية الباقية. إنهم حقا يتحدثون كما لو كانت ~~المعرفة هي الغاية القصوى للحياة الفلسفية، ولكن المعنى الذي يتضح أنهم ~~يستخدمون به كلمة المعرفة لا يعدو أن يكون الحدس السلبي. وهكذا ينتهي ~~الأمر فعلا بالعقليين إلى التوحيد بين المعرفة وبين التأمل الحسي ~~على نحو يقضي بطريقة غريبة على التفرقة بين ما هو حقيقي بالفعل # real ~~، وما هو غير حقيقي # unreal ~~. ويرضى بالصور الخيالية ~~بقدر ما يرضى بإدراك ما هو موجود. ومن المحال أن يتم أي تمييز جدي ~~بين الذات واللاذات # the not-self # إلا ~~على يد «أنا» يتجاوز ما هو «معطى» في الحدس لكي «يؤكد» أنه إما ~~مظهر وإما واقع. أما المثالية فهي فلسفة إيجابية، تضع افتراضاتها ~~عن إدراك لما تفعله، وتأبى التقيد بأي سلطة خارجية، حتى لو أكدت ~~هذه السلطة على نحو لا شخصي باسم العقل ذاته. والمثالي لا يعترف بسلطة ~~أي عقل سوى عقله هو، ولا يتقيد بقوانينه إلا لأنها تعبر عن مطالب ~~«أناه» هو. وعلى حين أن صاحب المذهب العقلي يسلم مقدما بعالم ~~خارجي لأشياء في ذاتها يفترض أن على أفكارنا مطابقتها، فإن المثالي ~~يرفض التقيد مقدما بأي افتراض كهذا، ولا يقبل في البداية سوى ~~حقيقة الأفكار كما تعطى في التجربة. فإذا ما أكد بعد ذلك حقيقة ~~عالم من وراء أفكاره هذه، فينبغي أن يفهم قبوله هذا على أنه نتيجة ~~لما اختار هو ذاته أن يصنعه منها. # وليس هناك بالطبع أي شك في نوع الرجل الذي كانه فشته؛ فقبوله ~~للمثالية لم يكن راجعا إلى كونها «أقرب» إلى طبيعة الأشياء في نظره، ~~بقدر ما كان راجعا إلى ملاءمتها على نحو أفضل لنظرته إلى ذاته على ~~أنه فاعل حر الإرادة، وهو إذا كان يقبل حقيقة الطبيعة، كما فعل، فلا بد ~~أن يكون ms051 ذلك بشروطه هو، لا لأن أي مبدأ لا شخصي للعقل يرغم على ذلك. إن ~~فشته ليس من الشكاك، ولا هو من المنادين بمذهب «الذات الوحيدة # solipsism ~~»؛ فهو لا ينكر وجود شيء ~~في الواقع عداه هو وأفكاره، غير أن هذا الشيء في نظره «حقيقي» لأنه ~~يتيح مجالا لفاعلية إرادته. # وإذن فأولى خطوات الفلسفة المثالية عند فشته هي رفض ذلك الأثر الباقي ~~للتوكيدية العقلية في نظرية المعرفة عن كانت؛ أعني «الشيء في ذاته». ~~ويرى فشته أن أي حديث عن «الشيء في ذاته» هو حديث لا قيمة له من وجهة ~~نظر الفلسفة النقدية الحقة؛ فما نسميه ب «نظام العالم» هو عالم ~~قضايانا. والسبب الوحيد لتأكيد واقعية أي شيء من وراء انطباعاتنا ~~المباشرة هو سبب عملي. وكل ما يفعله المفكر العقلي هو أن يخفي هذه ~~الحقيقة عن ذاته باستخدام تعبيرات لا شخصية مثل «العقل» أو «الحدس» أو ~~«الحقيقة الواضحة بذاتها». # فنقطة بداية فشته هي إذن تلك النتيجة التي انتهى إليها كانت في مذهبه ~~في العقل العملي. فلقد اعترف كانت ذاته أن المنفذ الوحيد الذي يصلنا ~~بعالم الأشياء في ذاتها المتجاوز للتجربة هو مصادرات العقل العملي. ~~ومضى فشته أبعد مما مضى إليه كانت مؤكدا أن المنفذ الوحيد الذي ~~يصلنا بأي عالم، تجريبيا كان أم متجاوزا للتجربة، هو تلك التأكيدات # posits # التي يتعين على الذات ~~الفاعلة القيام بها لممارسة نشاطها. ولقد اعترف كانت ذاته بأن موضوعات ~~البحث العلمي ليست معطاة. ويرى فشته أن حقيقتها التجريبية ذاتها ~~تتوقف على كوننا نجد من الضروري تأكيدها، تحقيقا لأغراض المعرفة. ~~والواقع أن أي موضوع نرى لزاما علينا أن نؤمن به، سواء أكان هو الله ~~أم الإرادة الحرة أم النفس الخالدة - وهي الموضوعات التي عدها كانت ~~ضرورة للحياة الأخلاقية - أم كان من الموضوعات التجريبية للعلم ولحياة ~~الإنسان اليومية، ليس إلا هدفا يفي بواحد من المطالب الجدية ~~للذات. # وفي وسعنا أن نقدم صورة لخلاصة مذهب فشته على النحو الآتي: ~~فلنتصور شخصا عاديا، واقعيا إلى أبعد حد، تثيره أولا تلك ~~الخلافات الميتافيزيقية حول ms052 مسألة وجود العالم الخارجي، وتزيد بعد ذلك ~~من حيرته تدريجيا، فينتهي به الأمر إلى الهتاف موجها هذا السؤال ~~الذي يبدو غير فلسفي: «فيم يهم، على أية حال، إن كان ثمة عالم خارجي ~~أم لا؟» مثل هذا السؤال ينتمي إلى صميم فلسفة فشته؛ فالسؤال الفلسفي ~~عند فشته ليس السؤال عما إذا كان ثمة شيء «هناك»، وإنما السؤال عما ~~إذا كان لهذا القول أية قيمة عملية. # ورغم أن فشته يؤكد أن كل نشاط بشري، سواء أكان علميا أم غير ذلك، ~~يبدأ بتأكيدات معينة، وأن ما نسميه باللاذات # not-self ~~«الموضوعية»، هي ذاتها لا ~~تعطى مستقلة عن فاعلية الإرادة، فإنه لا يقول بأن شيئا لا يعطى في ~~التجربة؛ فمواد الحس ليست من خلق الذهن العارف. صحيح أننا نستطيع ~~بإرادتنا أن نهتم بها أو نطرحها جانبا، ولكننا لا نستطيع أن نقرر إن ~~كانت ستظهر أمامنا عندما نفتح أعيننا؛ فهي معطاة، ولكنها ليست معطاة ~~بوصفها موضوعات، وكونها معطاة ليس في ذاته كافيا لجعلها حقيقية. ~~وبعبارة أخرى فإن الإحساس، بما هو كذلك، لا ينطوي على عنصر التأكيد # assertion # أو الحكم. فليس ثمة ~~إحساس يأتي منطبعا بما في ذاته بصفة «الواقعية» أو «الظاهرية»، مثلما ~~لا يوجد إحساس منطبع في ذاته بصفة «الزرقة»، أو «الصلابة». وقبل أن ~~يمارس الذهن أي نشاط له على أي تمثل حسي، يظل هذا التمثل «س» غير ~~مصنفة وغير مفسرة، لا يمكن أن يقال عنها سوى أنها ماثلة فحسب. ~~ولا يتحول ما تكشفه الحواس إلى معطيات أو شواهد لأي اعتقاد إلا عندما ~~ننظر إليه على أنه كذلك، وفقا لقواعد للبحث وضعناها نحن أنفسنا. وهكذا ~~لا يكون المنهج العلمي ذاته شيئا تتكشف أو تظهر لنا «صحته» أو ~~«صدقه» على نحو واضح بذاته، بل إنه من حيث هو منهج، شيء ينبغي لنا ~~الأخذ به تحقيقا لمصالحنا الخاصة، والشيء الوحيد الذي يضمن آخر الأمر ~~اتخاذ أي إجراء أو قاعدة معيارا للصحة أو للتبرير هو جدية التزاماتنا ~~وولائنا لغاياتنا الخاصة؛ فتصور «الصحة # validity ~~» كتصور الإلزام، لا ~~ينطوي على إشارة ms053 إلى «علاقات فعلية» كامنة في واقع معطى بصفة مستقلة، ~~بل إن كل ما يعنيه هو شروط معينة للقابلية للتصديق نفرض بها مقدما ~~تلك القواعد التي ينبغي في اعتقادنا تصديق أي شيء بناء عليها. # وهكذا يرفض فشته تلك النظرية القديمة، التلقائية، عن الحقيقة، ~~المسماة ب «نظرية التطابق»، ويستعيض عنها برأي يقترب كثيرا مما ~~أسماه المثاليون اللاحقون باسم «نظرية الترابط»، القائلة إن حقيقة أي ~~قول تختبر تبعا لتمشيه مع مجموع الأقوال الأخرى التي يتعين علينا ~~الأخذ بها. والهدف الأخير للمعرفة لا يعدو أن يكون تنظيم التأكيدات # posits # على أكمل وأحكم وجه يكفل ~~تحقيقنا لذواتنا بوصفنا كائنات فاعلة. والبرهان الوحيد على صحة مثل هذا ~~النسق هو استعدادنا للأخذ به. # وفي فلسفة فشته عناصر كثيرة استبق فيها الاتجاه الفلسفي للبرجماتيين ~~في القرن التالي. ولقد أدرك أحد هؤلاء البرجماتيين، وهو «كلارنس أ. ~~ليويس # c. I. Lewis ~~» # 1 # وجه الشبه هذا بكل وضوح، وأشار أكثر من مرة إلى تأثير فشته ~~في تفكيره. فالمعطى الحسي عند البرجماتي ليس معرفة. والتجربة ليست ~~مرآة لحقيقة مغايرة لا نستطيع، لظروف شاذة، إدراكها مباشرة. وإنما ~~الأفكار موجهات للعمل، لا يمكن تقدير قيمتها إلا ببحث النتائج ~~المترتبة على تصرفنا بموجبها. وليست معايير المعقولية في أي ميدان ~~منزلة من السماء، وإنما هي معايير تأخذ بها الكائنات الفاعلة ~~بوصفها ضرورات عملية. وكل تفكير، إذا فهم على حقيقته، إنما يكون ~~استباقا للتجربة، لا يتضح صوابه آخر الأمر إلا بقدرته على الوفاء ~~بحاجاتنا. وإذن فأقصى ما يحققه العقل ليس «التأمل»، وإنما الحل ~~العملي للمشاكل. والحقيقي # real # ليس ~~شيئا يتأمل، بل هو ما نقبله في النهاية بوصفه الحل المرضي ~~لمشكلاتنا. # ولا جدال في أن طريقة فشته في التعبير مختلفة كل الاختلاف عن مثيلتها ~~لدى البرجماتيين المتزمتين، الذين لا يقبلون على الإطلاق طريقته ~~التشخيصية في الكلام؛ فذلك الميل الغريب لدى فشته إلى وصف الأمور كما ~~لو كان ثمة شيء يسمى ب «الحرية»، هو الذي يؤكد ذاته ويحقق ذاته في ~~الفعل، يصدم القارئ الذي لا يقبل آراءه، فيصف الكثير ms054 منها بأنها أشنع ~~أنواع التضليل الميتافيزيقي. كذلك لا يمكننا أن ننكر أن فشته قد وقع، ~~ولا سيما في مرحلته المتأخرة (التوكيدية)، في نفس الحبائل التي تحاول ~~الفلسفة النقدية الكشف عنها، فهو يقع آخر الأمر ضحية ميله إلى تشخيص ~~التصورات والنظر إليها كما لو كانت هي، لا نحن، التي تريد وتفعل. ~~وتكون خاتمة مطافه المحزنة هي اتخاذه موقف «المثالي المطلق»، الذي ينظر ~~إلى الذات الفردية، ومعها «اللاذات» التي تؤكدها الذات لأسباب عملية، ~~على أنها أوجه أو مظاهر لروح مطلقة أو ذات كبرى يقال إنها تشمل الواقع ~~بأسره. # وهكذا ينتهي الأمر بفشته إلى محاولة الإمساك بفطيرته والتهامها؛ فهو ~~يبدأ بأنا جزئي متناه يضع # posits # عالما يخدم أغراضه العملية، وينتهي بإدماج الاثنين معا في أنا مطلق ~~يضعهما معا. وهكذا فإن الشيء في ذاته الذي قال به كانت، والذي سبق ~~لفشته أن رفضه رفضا قاطعا، بوصفه آخر بقايا التوكيدية، يعود إليه آخر ~~الأمر كشبح لا يبارحه. والنتيجة أنه هو ذاته قد منح الميتافيزيقا ~~التوكيدية فسحة جديدة من العمر أتاحت لها القضاء على كل مبرر لمذهبه ~~في أولوية العقل العملي. وهو إذ قضى على تمييز كانت بين الترنسندنتالي ~~(المرتبط بالتجربة) والعالي (المتجاوز للتجربة)، فقد أحال المذهب الذي ~~بدأ في صورة نقد ذاتي مشروع إلى «نقد أعلى» ممسوخ انتهى به آخر الأمر ~~إلى الخلط بينه وبين الواقع ذاته. # ومع ذلك فمن الممكن، إذا اقتفينا أثر أكثر مفسريه تحمسا له؛ ~~أعني «جوشيا رويس # Josiah Royce ~~»، أن ~~نجد حتى في هذا الحطام شيئا ينقذه، شيئا لا يعد مجرد خزعبلات ~~ميتافيزيقية. فرغم قوة «مذهب الأنا» لدى فشته، فإنه يدرك بوضوح الطابع ~~الاجتماعي، بل العرفي، لكل نشاط إنساني. # ولقد أدرك كانت ذاته أن ما نسميه «عقليا» في أي ميدان هو ما ~~نتصوره مشتركا بيننا وبين آخرين مثلنا؛ فنحن لا نتصور أنفسنا ~~عمليا على أننا نشتغل وحدنا، ولا ننظر إلى معاييرنا على أنها مقتصرة ~~علينا. وبالاختصار، ففي كل مهمة نضطلع بها، سواء أكانت شيئا نسميه ~~فعلا أخلاقيا أو بحثا عمليا، ننظر ms055 إلى أنفسنا على أننا مقيدون ~~بمعايير «موضوعية» أو مشتركة بين الأشخاص، يلتزم بها الآخرون مثلما ~~نلتزم نحن بها. ولو لم نفترض أن الآخرين موجودون مثلنا، لما استطعنا ~~الحديث عن معايير موضوعية على الإطلاق. ولو لم نفترض أن ثمة مجتمعا من ~~الكائنات المماثلة لنا والراغبة في الالتزام بهذه المعايير، لما ~~استطعنا القول بأن أي كائن عاقل ملزم بالاعتراف بهذه المعايير. فما ~~قيمة الحديث عن «الحقوق» و«الواجبات»، بل ما قيمة الحديث على إطلاقه، ~~إن لم أكن أفترض أن عالمي عالم مشترك للفعل، يندمج فيه آخرون مثلي، ~~وذلك لأسباب مماثلة لأسباب؟ وهكذا فرغم أن أحدا غيري لا يستطيع القيام ~~بدلا مني بعملية التأكيد الخاصة بي ( # my ~~position ~~)، فما زلت مضطرا إلى النظر إلى القواعد ~~التي أختار بها أن أحيا على أنها قواعد مشتركة بين الأشخاص أو ~~الذوات. # لا مفر لأحد، إذن، من أن ينظر إلى عالمه على أنه عالم اجتماعي، وإلى ~~أناه على أنه ينتمي إلى مجتمع من «الأنوات # egos ~~» أوسع نطاقا. وربما لم يكن ~~هذا «معطى» كاللون الأصفر أو طعم الثوم، ولكنه مع ذلك وجه ضروري ~~لتفكيرنا وفعلنا بوصفنا موجودات اجتماعية، فلو نحينا جانبا كل ~~الادعاءات، لقلنا إذن إن ما نسميه بالعالم المشترك هو كثرة من ~~«الأنوات»، أو ينطوي على الأنوات من أمثالنا، وهي كثرة تصدر تأكيدات ~~مشتركة، وتعد نفسها مسئولة عن قواعد مشتركة للفكر والعمل. وليس هناك، ~~من وجهة نظر فشته، سوى خطوة واحدة بين هذا القول وبين افتراض «أنا ~~أعظم» يريد هذا العالم المشترك وهذه الحياة المشتركة من خلالنا. ولا شك ~~في أننا لسنا ملزمين بأن نخطو هذه الخطوة، ولكن كثيرا من الناس في ~~جميع العصور قد خطوها. وهي في رأيهم ضرورية لإضفاء الحقيقة على ~~المبادئ المشتركة التي نجد أنفسنا مسئولين عنها. # والنص التالي مختار من الأقسام الثلاثة الأولى من كتاب فشته: ~~«مبادئ النظرية العامة في العلم». # 2 ~~⋆ ~~(النص) # القسم الأول ~~: المبدأ الأول الأساسي غير المشروط على ~~الإطلاق. # علينا أن نبحث عن المبدأ المطلق الأول، والأساسي غير ~~المشروط على أي ms056 نحو، للمعرفة البشرية. ولكي يكون هذا ~~مبدأ أول مطلقا، فلا يمكن أن يقبل البرهنة عليه أو ~~تحديده. # هذا المبدأ ينبغي أن يعبر عن ذلك الفعل # Thathandlung # الذي ~~لا يحدث ولا يمكن أن يحدث، بين التحديات التجريبية ~~لوعينا، وإنما يكون هو أساس وعينا، وهو وحده أول ما ~~يجعل هذا الوعي ممكنا. والأمر الذي يخشى منه عند ~~تصور هذا الفعل ليس هو ألا يفكر المرء فيما ~~ينبغي أن يفكر فيه، بقدر ما هو أن يفكر فيما لا ~~ينبغي له التفكير فيه. وهذا يحتم علينا تأمل ما قد ~~يعد مؤقتا فعلا كهذا، وتجريده من كل ما لا ينتمي ~~فعلا إليه. # هذا الفعل، الذي ليس بالواقعة، التجريبية للوعي، لا ~~يمكن أن يتحول، حتى عن طريق هذا التأمل التجريدي ~~إلى واقعة للوعي، ولكنا نستطيع عن طريق هذا التأمل ~~التجريدي أن ندرك ما يلي؛ إن هذا الفعل ينبغي بالضرورة ~~أن يعد أساس كل وعي. # وإن القوانين # 3 # التي ينبغي بالضرورة أن يعد هذا الفعل ~~تبعا لها أساسا للمعرفة البشرية، أو بعبارة أخرى، ~~تلك القواعد التي يسير ذلك التأمل التجريدي تبعا ~~لها، لم تثبت صحتها بعد، ولكننا سنفترض ضمنا، وبصفة ~~مؤقتة، أنها معروفة متفق عليها. وسوف نستنبطها، أثناء ~~سيرنا، من ذلك المبدأ الأساسي الذي لا يصبح إثباته إلا ~~إذا كانت هي صحيحة. وفي هذا حقا دور، ولكنه دور لا ~~مفر منه. ولما كان دورا لا مفر منه، ومعترفا به ~~فعلا، فإنه يحق لنا الإهابة بجميع قوانين المنطق ~~العام في وضع هذا المبدأ الأساسي الأعلى. # وعلينا أن نبدأ، عند القيام بهذا التأمل التجريدي، ~~من قضية يسلم بها الجميع دون جدال. ولا شك أن ثمة ~~قضايا عديدة كهذه. وسنختار منها تلك التي تبدو في ~~نظرنا أقرب الجميع إلى تحقيق الغرض الذي نرمي ~~إليه. # ولا بد عند قبول هذه القضية من قبول الفعل الذي ~~نعتزم أن نتخذه أساسا لكل نظرية العلم لدينا، ولا بد ~~أن يوضح التأمل أن هذا الفعل يقبل بمجرد قبول ~~القضية. وهكذا سنتناول أية واقعة من وقائع ms057 الوعي ~~التجريبي يعترف بأنها قضية لها مثل هذه الصحة، ونعزل ~~عنها واحدا بعد الآخر من تحديداتها التجريبية، حتى لا ~~يتبقى فيها إلا ما لا ينطوي على شيء يعزل أو ~~يجرد. # والقضية التي سنتناولها من هذا النوع هي: أ هي أ ~~(وهي تعادل أ = أ؛ لأن هذا هو معنى الرابطة المنطقية). ~~فصحة هذه القضية معترف بها من الجميع دون أي تردد. ~~والكل يقرون بيقينيتها ووضوحها التام. # فإذا ما طلب أحد برهانا على يقينيتها، فلن يأتي أحد ~~بمثل هذا البرهان، بل سيقول: إن هذه القضية يقينية ~~فحسب؛ أي دون أي أساس آخر. وهو إذ يقول هذا، يعزو إلى ~~نفسه القدرة على تأكيد ~~( # setzen ~~) شيء على ~~نحو مطلق. # وأنت حين تؤكد يقينية القضية السابقة في ذاتها، لا ~~تؤكد أن أ موجودة؛ إذ إن القضية أ هي أ لا تعادل على ~~الإطلاق القضية أ موجودة، أو: توجد أ (إذ إن تأكيد ~~الوجود دون محمول يختلف كل الاختلاف عن تأكيده مع ~~محمول). ولو فرضنا أن أ تعني مكانا منحصرا بين ~~خطين مستقيمين، فعندئذ تكون القضية أ هي أ صحيحة ~~رغم ذلك، وإن كانت القضية «أ موجودة» كاذبة؛ إذ إن مثل ~~هذا المكان محال. # ولكنك تؤكد بهذه القضية ما يلي. إذا كانت أ ~~موجودة، فإن أ موجودة، وإذن فمسألة كون أ موجودة أو ~~غير موجودة، لا تتأثر هنا أصلا. ومحتوى القضية لا ~~يبحث هنا على الإطلاق، بل إن موضع البحث هو صورتها ~~فحسب. والمسألة ليست ذلك الموضوع الذي تدور معرفتك ~~حوله، بل ما تعرفه عن أي موضوع ما. وإذن فالشيء الوحيد ~~الذي يؤكد في هذه القضية هو الارتباط الضروري بصفة ~~مطلقة بين أ وأ. وسوف نرمز إلى هذا الارتباط بالحرف ~~س. # أما بالنسبة إلى أ ذاتها فإنا لم نؤكد شيئا ~~بعد. # وهكذا يظهر السؤال التالي: تحت أي الشروط تكون أ ~~موجودة؟ إن س على الأقل توجد في الأنا، وتؤكد من ~~خلال الأنا؛ إذ إن الأنا هو الذي يؤكد القضية ~~السابقة، وبذا يؤكدها عن طريق س بوصفها ms058 قانونا، ومن ~~ثم وجب أن تكون س هذه، أو هذا القانون، معطاة للأنا. ~~ولما كانت تؤكد على نحو مطلق، ودون أي أساس آخر، ~~فلا بد أن تكون معطاة للأنا عن طريق ذاته. # ولكنا لا نعلم إن كانت أ تؤكد ~~« # Gesetzt ~~»، ولا ~~كيف تؤكد، ولكن لما كان المقصود من س هو أن تعبر ~~عن ارتباط بين تأكيد غير معروف ل أ (أ الأولى في ~~القضية أ هي أ) وتأكيد ل أ نفسها، وهو تأكيد مطلق في ~~الحالة الأخيرة بناء على التأكيد الأول، فالنتيجة هي ~~أن أ تؤكد، على الأقل بقدر ما يؤكد هذا الارتباط، في ~~الأنا ومن خلاله، مثل س؛ ذلك لأن س لا تكون ممكنة إلا ~~في ارتباطها ب أ. ولكن الأنا هو الذي يؤكد س، وإذن ~~فالأنا هو الذي يؤكد أ أيضا، بقدر ما ترتبط بها ~~س. # وفي القضية السابقة ترتبط س ب أ التي تحتل فيها موقع ~~الموضوع المنطقي، وكذلك ب أ التي تحتل فيها موقع ~~المحمول؛ إذ إن س هي التي تجمع بينهما. وإذن فكلتاهما، ~~بقدر ما تؤكد # Gesetzt ~~، ~~تؤكد في الأنا، كما أن أ المحمول تؤكد تأكيدا مطلقا ~~إذا ما أكدت الأولى. ومن هنا فمن الممكن التعبير عن ~~القضية السابقة على النحو الآتي: إذا أكدت أ في ~~الأنا، فإنها تؤكد (أو توضع)؛ أي تكون. # وهكذا يؤكد الأنا عن طريق س: أن أ موجودة بصفة مطلقة ~~بالنسبة إلى الأنا المؤكد، وأنها موجودة لا لشيء إلا ~~لأنها مؤكدة في الأنا، أو أن في الأنا شيئا يظل ~~دائما على ما هو عليه، وبذلك يتمكن من أن يربط أو ~~يؤكد، ومن ثم فمن الممكن أيضا التعبير عن س المؤكدة ~~تأكيدا مطلقا على النحو الآتي: أنا = أنا، أو: «أنا ~~أكون أنا». # وهكذا وصلنا إلى القضية «أنا أكون» لا بوصفها ~~تعبيرا عن فعل، وإنما على الأقل بوصفها تعبيرا عن ~~واقعة. # ذلك لأن س مؤكدة بصفة مطلقة، وهذه واقعة للوعي ~~التجريبي كما يتبين من القضية المعترف بها. ولكن ~~معنى س يساوي «أنا أكون ms059 أنا»، ومن هنا فإن هذه القضية ~~مؤكدة على نحو مطلق. # غير أن «أنا أكون أنا»، لها معنى مختلف كل الاختلاف ~~عن أن أ هي أ؛ إذ إن القضية الأخيرة لا يكون لها ~~محتوى إلا بناء على شرط معين؛ أي إذا أكدت أ. ~~ولكن القضية «أنا أكون أنا» صحيحة على نحو مطلق غير ~~مشروط، ما دامت معادلة ل س، وهي صحيحة لا من حيث ~~صورتها فحسب، ولكن من حيث محتواها أيضا. وفيما يؤكد ~~الأنا لا بناء على شرط، بل على نحو مطلق، مع محمول ~~المساواة للذات، وهكذا فإن الأنا يؤكد، ويمكن ~~التعبير عن القضية أيضا على هذا النحو: «أنا ~~أكون». # هذه القضية، «أنا أكون» لا تقوم حتى الآن إلا على ~~واقعة، وليست لها سوى صحة واقعة. فلكي تكون «أ = أ»، ~~(أو س) يقينية، ينبغي أن تكون «أنا أكون» يقينية ~~بدورها. على أن من وقائع الوعي التجريبي أننا مضطرون ~~إلى النظر إلى س على أنها يقينية على نحو مطلق، وإذن ~~«فأنا أكون» يقينية بدورها؛ إذ إنها أساس س. وهذا ~~يستتبع أن أساس تفسير جميع وقائع الوعي التجريبي هو ~~الآتي: # قبل كل تأكيد ~~( # setzen ~~) في ~~الأنا، ينبغي أن يؤكد الأنا ذاته. ~~••• # إن في القضية أ = أ حكما، غير أن كل حكم ~~( # urtheilen ~~) فعل ~~للذهن البشري؛ إذ إن له جميع شروط هذا الفعل في الوعي ~~التجريبي، الذي ينبغي أن نفترض مقدما كونه معروفا، ~~ومسلما به، حتى نتقدم بتفكيرنا. على أن هذا الفعل ~~مبني على شيء ليس له أساس أعلى؛ أي س أو أنا ~~أكون. # وعلى ذلك فما يؤكد # posited # على نحو ~~مطلق، وما يكون مبنيا على ذاته، هو أساس فعل معين ~~(وستكشف لنا نظرية العلم بأسرها أنه أساس كل فعل) ~~للذهن البشري، ومن هنا كان طابعه الخالص، وهو الطابع ~~الخالص للفعل في ذاته، مجردا تماما من شروطه ~~التجريبية الخاصة. # وإذن فتأكيد الأنا لذاته هو الفعل الخالص للأنا؛ ~~فالأنا «يؤكد ذاته»، والأنا، لهذا السبب، هو مجرد ~~تأكيد ذاته. وبالعكس، فإن الأنا «يكون ويؤكد» وجوده، ~~لمجرد ms060 كونه موجودا؛ فهو الفعل وحاصل الفعل معا، ~~والفاعل ونتيجة الفاعلية معا، والنشاط والفعل ~~متحدين، ومن هنا فإن «أنا أكون» تعبر عن فعل # Thathandlung ~~، وعن ~~الفعل «الوحيد» الممكن، كما ستكشف لنا نظرية العلم ~~بأسرها بالضرورة. # القسم الثاني ~~: المبدأ الأساسي الثاني المشروط بمقتضى ~~محتواه. # لا يمكن البرهنة على المبدأ الأساسي الثاني؛ لنفس ~~السبب الذي لم يمكن من أجله البرهنة على المبدأ الأول. ~~وعلى ذلك فنحن نبدأ في هذه الحالة أيضا من واقعة ~~للوعي التجريبي على النحو ذاته. # ولا شك في أن كل شخص على استعداد للاعتراف بيقينية ~~القضية لا أ ليست هي أ ( # A nicht = ~~A ~~)، ولا يكاد يتوقع من أحد أن ~~يطلب عليها برهانا. # ومع ذلك، فإذا كان مثل هذا البرهان ممكنا، فلا بد ~~في مذهبنا هذا ... أن يستنبط من القضية أ = أ. # غير أن هذا البرهان مستحيل. فلنتصور، على أحسن ~~الفروض، أن القضية السابقة تعادل لا أ هي لا أ (وبذلك ~~تكون لا أ مساوية ل ص التي تؤكد في الأنا)، وأن ~~معنى قضيتنا هذه قد أصبح الآن، نتيجة لذلك، هو: إذا ~~أكد عكس أ، فإنه يؤكد؛ ففي هذه الحالة لا نكون قد ~~أكدنا سوى نفس الارتباط (س) الذي وصلنا إليه في ~~القسم الأول، وبدلا من أن تكون قضيتنا «لا أ ليست هي ~~أ» مستمدة من أ = أ، فإنها عندئذ تكون هي هذه القضية ~~ذاتها. وهنا يغفل تماما السؤال الرئيسي، وهو: هل يؤكد ~~عكس أ، وتحت أي شرط من صورة الفعل البحت يؤكد؟ # 4 # إن هذا الشرط ينبغي أن يكون مستمدا من ~~القضية أ = أ، إذا كانت قضيتنا الثانية هذه قضية ~~مستمدة، ولكن كيف يمكن أن تتضمن القضية أ = أ، التي ~~لا تنطوي إلا على صورة التأكيد، صورة التأكيد العكسي # Gegensetzen # 5 # أيضا، الذي هو مقابل الأولى وعكسها؟ لا ~~بد إذن أنها غير مشروطة تؤكد عكسيا على نحو مطلق ~~بدورها؛ أي إن لا أ تؤكد بما هي كذلك لمجرد كونها ~~تؤكد. # وعلى ذلك، فكما أن القضية لا أ ليست هي ms061 أ تحدث قطعا ~~ضمن وقائع الوعي التجريبي، فإنه يحدث ضمن أفعال الأنا ~~تأكيد عكسي، وهذا التأكيد العكسي ممكن على نحو مطلق ~~غير مشروط، من حيث صورته، وهو فعل # Handlung # ليس له ~~أساس أعلى. # وعن طريق هذا الفعل # Handlung # المطلق ~~يؤكد العكس، من حيث هو مجرد عكس. وكل عكس، بما هو مجرد ~~عكس، لا يكون إلا بفضل فعل مطلق الأنا، وليس له أي ~~أساس عدا ذلك. # فالعكس عامة لا يعدو أن يكون مؤكدا من خلال ~~الأنا. # ولكن تأكيد أي «لا أ» يحتم تأكيد أ. ومن هنا فإن ~~فعل التأكيد العكسي هو أيضا، ومن وجهة نظر أخرى، ~~مشروط؛ فمجرد كون الفعل ممكنا يتوقف على فعل آخر، ومن ~~ثم فإن الفعل في محتواه، من حيث هو فاعلية # ein Handeln # على ~~الإطلاق، مشروط، وهو فاعلية # ein ~~Handeln # بالنسبة إلى فاعلية أخرى، ~~أما كون الفعل قد حدث على هذا النحو، لا على نحو ~~آخر، فهو أمر غير مشروط؛ أي إن الفعل من حيث الصورة ~~(أي من حيث «الكيف # das ~~wie ~~» غير مشروط. (فالتأكيد العكسي # Das ~~Entgegenaetzen # لا يكون ممكنا ~~إلا بشرط وحدة الشعور بالتأكيد والتأكيد العكسي؛ إذ لو ~~لم يكن الشعور بالفعل الأول مرتبطا بالشعور بالثاني، ~~لما كان التأكيد الثاني تأكيدا عكسيا، بل لكان ~~تأكيدا مطلقا. وهو لا يغدو تأكيدا عكسيا إلا من ~~خلال علاقته بتأكيد). # ونحن إلى الآن لم نتحدث إلا عن الفعل من حيث هو ~~مجرد فعل؛ أي عن «نوع» الفعل، فلنختبر الآن ناتجه، ~~وأعني به «لا أ». # ففي لا أ يمكننا أن نميز بين صورة ومادة. أما ~~الصورة فهي التي تقرر كونها ضدا # gegentheil ~~، ~~وأما المادة فتقرر كونها عكس شيء محدد (هو أ)؛ ~~أي كونها ليست هذا الشيء المحدد. # وتتحد صورة لا أ عن طريق الفعل فحسب، وهي «ضد» لأنها ~~نتيجة تأكيد عكسي # gegensetzen ~~، ~~أما مادتها فتتحدد بواسطة أ؛ فهي ليست ما تكونه أ، ~~وماهيتها كلها تنحصر في كونها ليست ما تكونه أ، فكل ما ~~أعلمه عن لا أ هو أنها ضد ms062 أ. أما كنه ذلك الذي أعلم ~~عنه هذا، فذلك ما لا يتسنى لي معرفته إلا عن طريق ~~معرفة أ. # والأصل أن الأنا وحده هو الذي يؤكد، وهو وحده الذي ~~يؤكد على نحو مطلق (القسم الأول). ومن ثم فإن أي تأكيد ~~عكسي مطلق لا يمكن إلا أن يشير إلى الأنا. ونحن نطلق ~~على عكس الأنا اسم «اللاأنا». # وكما يسلم بالقضية «لا أ ليست هي أ» على نحو غير ~~مشروط بوصفها واقعة في الوعي التجريبي، فكذلك يؤكد ~~اللاأنا بوصفه العكس المطلق للأنا. وكل ما قلناه من ~~قبل بشأن التأكيد العكسي عامة، يستنبط من هذا ~~التأكيد العكسي الأصلي، ومن ثم فهو يسري عليه، وإذن ~~فهو غير مشروط في صورته ولكنه مشروط في مادته. وهكذا ~~نجد المبدأ الثاني لكل المعرفة البشرية: # فكل ما ينتمي إلى الأنا، لا بد أن ينتمي ضده إلى ~~اللاأنا. ~~••• # وبإجراء نفس التجريد الذي أجريناه على القضية ~~الأولى، على هذه القضية، نحصل على القضية المنطقية لا ~~أ ليست هي أ، التي ينبغي أن أسميها قضية التأكيد ~~العكسي. هذه القضية، أولا، لا يمكن حتى الآن تحديدها ~~على النحو الصحيح، أو التعبير عنها في صيغة، وذلك لسبب ~~سنذكره في القسم المقبل. # وبالتجريد من الفعل المحدد للحكم المتضمن في هذه ~~القضية، والنظر المجرد إلى صورة استخلاص اللاوجود من ~~الوجود المؤكد عكسيا، نحصل على «مقولة السلب»، وهذا ~~أيضا لا يمكن إيضاحه بإسهاب حتى القسم المقبل. # القسم الثالث ~~: المبدأ الثالث الأساسي المشروط بمقتضى صورته. # إن كل خطوة نسيرها في علمنا تقربنا من النقطة ~~التي يصبح فيها كل شيء مبرهنا عليه؛ ففي المبدأ الأول ~~كان ينبغي ألا يبرهن، أو أن يتسنى البرهنة، على ~~شيء. وفي الثاني، كان فعل التأكيد العكسي هو وحده غير ~~القابل للبرهنة. ولكن ما إن أكد هذا الفعل العكسي ~~بصورته المجردة تأكيدا مطلقا، فقد برهن بدقة على ~~أن العكس ينبغي أن يكون لا أنا. أما المبدأ الثالث ~~فكله تقريبا قابل للبرهان؛ إذ إنه ليس مشروطا في ~~مادته، كالثاني، وإنما في صورته فحسب، وهو فضلا ms063 عن ~~ذلك مشروط في صورته بالقضيتين السابقتين. # ومعنى كونه مشروطا في صورته، هو أن القضيتين ~~السابقتين هما اللتان تكونان مشكلة الفعل التي يثيرها ~~ذلك المبدأ، ولكنهما لا تأتيان بحل لهذه المشكلة؛ إذ ~~الحل ناتج عن فعل مطلق غير مشروط للعقل. # فنحن إذن نبدأ باستنباط، ثم نمضي أبعد ما يمكننا ~~المضي. فإذا ما بلغنا نقطة لا نستطيع المضي بعدها، ~~فسوف يكون علينا أن نهيب بهذا الفعل المطلق. ~~(1) # فبقدر ما يؤكد اللاأنا، لا يؤكد الأنا؛ إذ إن ~~اللاأنا يلغي الأنا تماما. # على أن اللاأنا يؤكد في الأنا؛ لأنه ~~يؤكد عكسيا في مقابله، وكل تأكيد عكسي ~~يفترض مقدما هوية الأنا. # وإذن فالأنا لا يؤكد في الأنا بقدر ما ~~يؤكد فيه اللاأنا. ~~(2) # ولكن لا يمكن تأكيد اللاأنا إلا بقدر ما ~~يؤكد في الأنا (أي في الوعي القائم على ~~الهوية) أنا يكون اللاأنا هو تأكيده ~~العكسي المقابل. ~~(3) # وإذن فبقدر ما يؤكد اللاأنا في الأنا، ~~لا بد أن يؤكد الأنا بدوره فيه. ~~(4) # ومع أن كلا من نتيجتي القضيتين 1 و2 ~~عكس الأخرى، فإن كلتيهما مستمدة من ~~المبدأ الأساسي الثاني، وعلى ذلك فهذا ~~المبدأ الثاني معاكس لذاته ويلغي ~~ذاته. ~~(5) # ولكنه يلغي ويرفع ذاته بقدر ما يعمل ~~المؤكد عكسيا على إلغاء المؤكد؛ أي بقدر ~~ما يكون هذا المبدأ صحيحا. # وإذن، فهو لا يلغي ذاته؛ فالمبدأ ~~الأساسي الثاني يلغي ذاته ولا يلغي ~~ذاته. ~~(6) # فإذا كان هذا حال المبدأ الثاني، فلا بد ~~أن يكون أيضا حال المبدأ الأول. فهذا ~~المبدأ الأول يلغي ذاته ولا يلغي ذاته؛ إذ ~~إنه: # إذا كان الأنا = الأنا، فكل ما يؤكد في ~~الأنا يؤكد. # ولكن المبدأ الثاني يتعين أن يؤكد وألا يؤكد في ~~الأنا. # وإذن فالأنا ليس هو الأنا، وإنما الأنا هو اللاأنا ~~واللاأنا هو الأنا. # كل هذه النتائج قد استنبطت من المبادئ المقررة ~~وفقا لقوانين الفكر التي افترضنا مقدما صحتها، ~~وعلى ذلك فلا بد أن تكون صحيحة، ولكن إذا كانت صحيحة، ~~فإن هذا يؤدي إلى إلغاء هوية الوعي، وهي الأساس ~~الوحيد المطلق لمعرفتنا، وهذا يحدد ms064 مشكلتنا. فعلينا ~~أن نجد س تتيح صحة هذه النتائج كلها، دون قضاء على ~~هوية الوعي. ~~(1) # ولما كانت الأضداد الواجب توحيدها ~~موجودة في الأنا بوصفه وعيا، فلا بد أن ~~تكون س بدورها في الوعي. ~~(2) # والأنا واللاأنا معا ناتجان عن أفعال ~~أصيلة للأنا، والوعي ذاته ناتج عن هذا ~~النوع للفعل الأصيل الأول للأنا؛ أي ~~لتأكيد الأنا لذاته. ~~(3) # ولكن نتيجتينا السابقتين تدلان على أن ~~الفعل الذي يكون اللاأنا ناتجه؛ أي ~~التأكيد العكسي، ليس ممكنا على الإطلاق ~~دون س. وإذن فلا بد أن تكون س ذاتها ~~ناتجة عن فعل أصيل للأنا؛ أي لا بد أن ~~يكون هناك فعل للذهن البشري = ص، يكون ~~ناتجه هو س. ~~(4) # وتتحدد صورة هذا الفعل ص على أساس ~~المشكلة السابقة، فعليه أن يكون توحيدا ~~للضدين (الأنا واللاأنا) دون أن يلغي ~~أحدهما الآخر؛ أي إن من الواجب جلب ~~الضدين معا في هوية الوعي. ~~(5) # ولكن المشكلة لا تحدد كيف؛ أي بأية ~~طريقة، يتحدان، بل لا توحي بها على ~~الإطلاق. فعلينا إذن أن نجري تجربة، ~~ونتساءل: كيف يمكن التفكير في أ ولا أ؛ أي ~~في الوجود واللاوجود، والإيجاب والسلب ~~معا، دون أن يلغي كل منهما ~~الآخر؟ ~~(6) # لا يتوقع من أحد أن يجيب عن هذا ~~السؤال إلا على النحو الآتي: لا بد أن يحد ~~( # einschränken ~~) ~~كل منهما الآخر. فإذا كان هذا الجواب ~~صحيحا، فإن الفعل ص هو حد الضدين كل عن ~~طريق الآخر، ويكون معنى س هو الحدود ~~( # die ~~Schränken ~~). ~~(7) # على أن فكرة الحدود تتضمن أكثر من س ~~المطلوبة؛ «إذ هي تنطوي أيضا على مفهومي ~~الإيجاب والسلب، الواجب التوحيد بينهما». ~~وإذن، فلكي نصل إلى س خالصة، ينبغي أن ~~نقوم بتجريد آخر. ~~(8) # ومعنى أن يحد شيء هو إلغاء إيجابيته ~~بالسلب لا إلغاء تاما، وإنما إلغاء ~~جزئي. وإذن ففكرة الحدود تتضمن، إلى ~~جانب فكرتي الإيجاب والسلب، فكرة ~~القابلية للانقسام (أي القابلية للإنصاف ~~بصفة الكم عامة، لا الحكم المحدد). وهذه ~~الفكرة هي س المطلوبة، ومن هنا، فعن طريق ~~الفعل ص، يؤكد الأنا وكذلك اللاأنا ~~بوصفهما قابلين للانقسام. ms065 ~~(9) # إن الأنا، وكذلك اللاأنا، يؤكدان ~~بوصفهما قابلين للانقسام؛ إذ لا يمكن أن ~~يعقب الفعل ص فعل التأكيد العكسي؛ إذ ~~تبين أن فعل التأكيد العكسي هو في ذاته ~~مستحيل، كما لا يمكنه أن يسبق هذا الفعل؛ ~~إذ إن الفعل ص لا يحدث إلا لكي يجعل فعل ~~التأكيد العكسي ممكنا؛ والقابلية ~~للانقسام ليست سوى شيء قابل للانقسام. ومن ~~ثم فإن الفعل ص وفعل التأكيد العكسي ~~يحدثان كل منهما في الآخر ومع الآخر، ~~وكلاهما نفس الفعل، وهما لا يتميزان إلا ~~بالفكر. وإذن فعن طريق تأكيد لا أنا في ~~مقابل الأنا، يؤكد الأنا واللاأنا معا ~~بوصفهما منقسمين. # فلنر الآن إن كان الفعل الذي وصلنا إليه ها هنا قد ~~حل المشكلة بالفعل ووحد الأضداد. # إن النتيجة الأولى تتحدد الآن على النحو التالي؛ ~~فالأنا لا يؤكد في الأنا عن طريق تلك الأجزاء من ~~الواقع التي يؤكد بها اللاأنا؛ فذلك الجزء من الواقع ~~الذي يعزى إلى اللاأنا، يلغى في الأنا. # هذه القضية، في صورتها الحالية، لا تناقض النتيجة ~~الثانية؛ فبقدر ما يؤكد اللاأنا، ينبغي أيضا أن يؤكد ~~الأنا؛ إذ إنهما معا يؤكدان بوصفهما منقسمين من حيث ~~حقيقتهما. # والآن فقط يمكنك أن تقول عن أحدهما إنه شيء ما؛ إذ ~~إن الأنا المطلق في المبدأ الأساسي الأول ليس «شيئا» ~~(أي ليس له، ولا يمكن أن يكون له محمول)، وإنما هو لا ~~يعدو أن يكون ما هو عليه. ولكن كل واقع # reality # إنما يكون ~~في الوعي، ومن هذا الواقع ينسب إلى اللاأنا ذلك الجزء ~~الذي لا ينبغي أن ينسب إلى الأنا، والعكس بالعكس؛ ~~فكلاهما شيء ما. واللاأنا هو ما لا يكونه الأنا، ~~والعكس بالعكس. وفي مقابل الأنا المطلق، يكون اللاأنا ~~لا شيء مطلقا (ولكنه لا يمكن أن يوضع في مقابل الأنا ~~المطلق إلا بقدر ما يكون موضوعا للتمثل، كما سنرى ~~فيما بعد)؛ ففي مقابل الأنا المنقسم، يكون اللاأنا ~~كمية سالبة. # وهكذا يتعين على الأنا أن يكون مساويا لذاته، وأن ~~يكون مع ذلك مضادا لذاته. ولكنه مساو لذاته فيما ~~يتعلق بالوعي، ms066 وفي هذا الوعي يؤكد الأنا المطلق بوصفه ~~غير منقسم، ويؤكد الأنا، الذي يقابله اللاأنا، بوصفه ~~منقسما. وهكذا تتحد كل الأضداد في وحدة الوعي؛ إذ إن ~~الأنا ذاته، بقدر ما يكون هناك لا أنا مقابل له، يكون ~~فيها مقابلا للأنا المطلق، وذلك هو الاختيار الذي يدل ~~على أن مفهوم القابلية للانقسام، الذي تم وضعه، هو ~~المفهوم الصحيح. # وعلى أساس افتراضنا الأول، الذي لا يمكن إثباته إلا ~~بالانتهاء من المعرفة، لا يمكن أن يكون هناك سوى مبدأ ~~واحد مطلق غير مشروط ومبدأ واحد مشروط في محتواه، ~~ومبدأ واحد مشروط في صورته. وإذن فلا يمكن أن يكون ثمة ~~مبدأ آخر؛ فقد استنفد كل ما هو مؤكد على نحو مطلق غير ~~مشروط، وأستطيع أن أعبر عن الكل بهذه الصيغة: ~~«أنا أؤكد في الأنا لا أنا قابلا للانقسام مقابل ~~أنا قابل للانقسام». # وليس في وسع أية فلسفة أن تمضي إلى ما وراء هذه ~~المعرفة، وإنما ينبغي أن تصل إليها كل فلسفة دقيقة، ~~فتصبح بذلك نظرية للعلم. وكل ما يمكن أن يحدث بعد ذلك ~~في نسق الذهن البشري ينبغي أن يكون قابلا للاستنباط ~~مما أثبتناه ها هنا. # الفصل الرابع # | الديالكتيك والتاريخ # ج. ف. ف. هيجل (1770-1831م) # ينظر إلى فلسفة هيجل عادة على أنها القمة التي بلغها تطور ~~المثالية التالية لكانت في ألمانيا. وهذه الفلسفة هي قطعا من أقوى ~~المذاهب الفكرية تأثيرا في القرن التاسع عشر؛ فمن غير هيجل، يستحيل ~~تصور ماركس، وعلى ذلك فمن الصعب بدونه تخيل الخلافات الأيديولوجية ~~السائدة في عصرنا الحالي. ولكن هيجل كانت له آثار أخرى عديدة بعيدة ~~المدى في الفكر الحديث، وهي آثار لا تقتصر على ميدان الفلسفة، بل تشمل ~~النظريات الاجتماعية والتاريخ والتشريع. ولقد كنا على وشك القول بأن ~~الميدان الوحيد الذي لم يكن لتفكير هيجل فيه أثر هو ميدان العلوم ~~الفيزيائية، ولكن هذا غير صحيح؛ إذ إن علماء الفيزياء أنفسهم في روسيا ~~ينبغي عليهم أن يشيدوا بالديالكتيك الهيجلي كما صاغه ماركس. # وليس من السهل أن يقدر المرء فلسفة هيجل حق ms067 قدرها؛ إذ إن الآراء لم ~~تختلف حول فلسفة رئيسية بقدر ما اختلفت حول فلسفته؛ فالبعض ينظر إليه ~~كما نظر القديس توما الأكويني إلى أرسطو، على أنه هو «الفيلسوف» الذي ~~أتى بمذهب رحب يسع في داخله كل الفلسفات السابقة الضيقة النطاق. والبعض ~~الآخر يعده «الخطأ الأكبر» الذي ارتكب في تاريخ الفلسفة. وفي هذا ~~غرابة بحق؛ إذ إن كتابة هيجل تتصف بأسلوب لا شخصي لا يقل في جفافه عن ~~أي كتاب في التقويم الفلكي. وليس في هيجل، من حيث هو إنسان، أي جانب ~~طريف؛ إذ يبدو أن الهدف الوحيد لحياته كان القيام بدور كاتم سر ~~«المطلق». ولكن إذا لم يكن في الرجل ذاته من الصفات ما يجذب المرء إليه ~~كثيرا أو ينفره منه كثيرا، فإن ضخامة تأثيره كانت أمرا لا شك فيه. ~~وقد ينفر المرء من فلسفته، ولكن أحدا لا يملك أن يتجاهلها. # ولقد وصف هيجل كتاباته بأنها «محاولة لجعل الفلسفة تنطق بالألمانية.» ~~ولو صح هذا، لكانت تلك لغة ألمانية لم ينطق بها أحد قبله. ولقد وصف ~~البعض كتابة هيجل بأنها «حبلى»، وهو وصف لا بأس به؛ فهيجل لا يقدم ~~إلينا النتيجة النهائية قط، بل يظل دائما ثمة وصف آخر ينبغي إطلاقه، ~~ومنظور جديد ما ينبغي النظر إلى أية فكرة من خلاله. والنتيجة هي أن ~~قراءة هذه الكتابات ليست هينة؛ فكتابة هيجل مركزة، مدققة، متقنة، ~~مثقلة بالمعاني، ونادرا ما يقول ما يعنيه، أو يعني ما يبدو أنه ~~يقول. فالوصف هو في رأيه ماهية الحقيقة. والنتيجة هي أن الناقد المجهد ~~ييأس آخر الأمر من أن يقول عنه شيئا لا يكون باطلا، أو لا يكون ~~مضللا - والصفة الثانية لا تختلف كثيرا في رأي هيجل عن الأولى. ومع ~~ذلك فإن أسلوبه الذي يغلب عليه اللون الرمادي الباهت، له سحره الغريب، ~~وعندما ننتهي من قراءته، يكون قد فتح أمامنا، على نحو ما، آفاق عالم ~~فلسفي. وإذا كانت الأشياء في ذلك العالم لا تتحرك على طريقتها ~~المعتادة، فإنها مع ذلك تتحرك، والبراعة إنما تكون في تعلم طريقة ms068 ~~رؤيتها. # وتظهر في فلسفة هيجل أول محاولة كاملة للنظر إلى جميع المشاكل ~~والتصورات الفلسفية، ومنها تصور العقل ذاته، من خلال منظور تاريخي ~~في أساسه. فليس لأية فكرة، في نظر هيجل، معنى ثابت، وليس لصورة الذهن ~~صحة أزلية ثابتة. ولقد نظر معظم الفلاسفة السابقين، وضمنهم كانت، إلى ~~الطبيعة والذهن من وجهة نظر المقولات والقوانين السكونية التي تفرض ~~أزلا، ويعاد فرضها، على الكثرة المتغيرة من الأشياء الجزئية. ~~وتصور كانت الذهن على أنه قوة فاعلة إيجابية مشكلة، غير أن مقولات ~~الذهن وأوامر العقل العملي ليست في رأيه معرضة للتغير. أما هيجل ~~فينظر إلى كل شيء - ما عدا فلسفته هو، على الأرجح - من منظور التاريخ. ~~ولقد نظر الفلاسفة السابقون عليه إلى ما هو جزئي على أنه، بما هو جزئي، ~~غير قابل للفهم. وكانت كل معرفة في نظرهم متعلقة بالكليات، والمعرفة ~~الفلسفية هي أعم المعارف كلها. أما هيجل فقد نظر إلى الخاص أو الجزئي ~~وحده على أنه هو الذي ينبغي أن يفهم، وإن كان قد رأى أنه لا يمكن أن ~~يفهم فهما كاملا إلا إذا تأملناه في علاقته بكل شيء آخر. وكل ما ~~هو جزئي هو، من غير علاقاته، «مجرد جزئي»، وبالتالي مجرد تجريد آخر. ~~وإذا تأملنا الجزئي عينيا كما هو في حقيقته، لما كان له وجود إلا ~~في علاقاته بكل ما يحيط به. وفي مثل هذا الفهم للجزئي، لا يعود منظورا ~~إليه على أنه «جوهر» أو «شيء»، ويصبح عملية حادثة دائمة التغير. ~~ولهذا السبب كان «الوعي التاريخي» هو وحده الذي يدرك الواقع كما هو؛ أي ~~من حيث هو عملية صيرورة. # ففلسفة هيجل إذن فلسفة تغير، شأنها شأن تفكير هرقليطس، الفيلسوف ~~القديم السابق على سقراط، والذي كان هيجل شديد الإعجاب به. ومع ذلك ~~فبين الاثنين فوارق هامة؛ فهرقليطس يرى أن «الدوامة هي السائدة»، ~~غير أن الاستعارة توحي بأن هرقليطس، مثله مثل معظم الفلاسفة اليونانيين ~~الآخرين، قد اعتقد بأن التغير خاضع لمبدأ عاقل (لوجوس) أو قانون هو ~~ذاته ثابت لا يتغير. أما هيجل فقد نظر إلى ms069 التاريخ على أنه يعني ~~التطور، وكل عملية تاريخية هي شيء جديد تحت الشمس، وليس ثمة شيء مشابه ~~تماما لأي شيء سابق عليه. وعلى كل قانون صحيح للتغير التاريخي أن ~~ينظر إلى هذا التغير، لا على أنه تعاقب لدورات من التغير أزلية ~~العود، بل على أنه تطور تدريجي تعد كل مرحلة أو «لحظة» فيه (حسب ~~تعبير هيجل) نتيجة ضرورية لما قبلها ومختلفة أساسا عنه. # ومن المؤسف أن نظرية هيجل في التطور التاريخي لا يمكن أن تفهم ~~فهما كاملا دون إشارة إلى ديالكتيكه أو «منطقه» الشاذ، ولعلنا نذكر ~~أن كانت قد رأى أن العقل الخالص عندما يحاول أن يمد تطبيق مقولات ~~كالعلة والمعلول إلى ما وراء التجربة، ينتهي حتما إلى تناقضات لا سبيل ~~إلى رفعها. ولذا رأى أن النظر الميتافيزيقي في العلة النهائية للأشياء ~~هو بحث عقيم تماما. ومع ذلك فقد كان في وسعه أن يسير في الطريق الأكثر ~~جسارة، والأكثر تسرعا في نظر معظم الفلاسفة، ألا وهو قبول هذه ~~المتناقضات بوصفها معبرة، بذاتها، عن طبيعة الأشياء. وذلك في الحق هو ~~الطريق الذي سار فيه هيجل؛ فقد استعان هيجل بفشته إلى حد ما في تحويل ~~مذهب كانت في التعارض الديالكتيكي المحتوم للقضايا الميتافيزيقية - وهو ~~التعارض الذي عده كانت علامة لا تخيب على خداع الميتافيزيقا - إلى ~~منطق جديد للحقيقة الفلسفية. فالتقابل الديالكتيكي عند هيجل يميز كل ~~تفكير صحيح عن الواقع . وكل قضية، كما رأى كانت، تولد قضيتها المضادة. ~~والأمر الذي غاب عن ذهن كانت هو أن من الممكن النظر إلى القضية والقضية ~~المضادة على أنهما صحيحتان إذا ما فهمت الاثنتان، في ضوء جديد، على ~~أنهما تعبيران ناقصان عن قضية أعلى وأشمل، تضم ما له أهمية في كل ~~منهما. مثل هذه القضية هي ما يطلق عليه هيجل اسم «القضية ~~المركبة». # وإذا شئنا تعبيرا أدق من ذلك، لقلنا إن كل تناقض هو في نظر هيجل ~~علاقة أو إضافة متنكرة، وإذن فمن الممكن النظر إلى أي تناقض على أنه ~~لا يعدو أن يكون وصفا مجردا، وبالتالي ms070 ناقصا، لحقيقة أشمل، حقيقة ~~تفهم عينيا على نحو أكمل. ولقد كان منطق أرسطو التقليدي، الذي رأى ~~هيجل أنه لا يصلح لفهم التغير. ينظر إلى نقيض أي «أ»، على أنه دائما ~~«لا - أ» التي تستبعد «أ» تماما. وكل أ، حسب قانون عدم التناقض ~~التقليدي، هي دائما لا لا - أ. أما هيجل فيرى أن أية لا - أ، بما هي ~~كذلك فحسب، هي لا وجود بحت، وتجريد خالص لا يتميز عن العدم التام. ~~وإذن، فإذا شئنا أن يكون لأي تناقض معنى إيجابي، فلا بد أن تفهم لا - ~~أ على أنها «ب»؛ أي على أنها شيء إيجابي ذو طابع خاص به، ولكنا إذ ~~نتصورها على هذا النحو، نرفع التناقض على التو، ونستبدل به تركيب ~~إضافة يمكن أن يرمز إليه الآن على هذا النحو «أ ض ب». # 1 # وإذن فكل تفكير صحيح عن الواقع ينطوي على حركة ثلاثية من ~~قضية أ، إلى نقيضها لا أ. وهذا بدوره يؤدي إلى مركب يؤدي إلى ~~تغيير الطريقة التي تفهم بها أو لا - أ معا. ولكن لا بد أن يولد ~~هذا المركب نقيضا جديدا لا يمكن رفعه إلا بمركب أعلى منه. ثم ~~يعود الديالكتيك إلى الحركة مرة أخرى. ويرى هيجل أن هذه الحركة لا ~~نهاية لها. # وربما لن يدهش القارئ إذ يعلم بعد هذا كله أن هيجل يتهم في كثير من ~~الأحيان بمناقضة نفسه في كل مناسبة . ولا شك في أن هذا يحدث بالفعل، ~~ولكنه يستطيع على الأقل أن يؤكد المزايا الكامنة في عيوبه هذه؛ ~~فالتناقض عنده ليس علامة على التخبط العقلي، وإنما علامة على القدرة ~~الإبداعية والبصيرة. وعلى الفيلسوف الحق أن يرحب به بوصفه حافزا على ~~تكوين مركب جديد يكون أصدق تمثيلا لموضوعه. وليس للتناقض الذاتي، ~~بالنسبة إلى البشر، نهاية، وبالتالي فلا نهاية للتطور العقلي. فإذا ~~لم يكن أمام الذهن البشري مكان نهائي يسكن إليه، ففي وسعنا أن نعزي ~~أنفسنا إذ نتذكر، على الأقل، أن أفكارنا تتسع في نطاقها وترتفع في ~~مستواها. ولا شك أن هناك ذلك المطلق ms071 الذي نظر إليه هيجل، بطريقته ~~الشاذة، على أنه الحقيقة العينية الوحيدة، ولكنا لا نستطيع الوصول إليه ~~إلا على نحو مجرد، بوصفه مثلا أعلى لا يتوصل إليه. # ولا يفرق هيجل بين منطقه وميتافيزيقاه؛ فالديالكتيك، كما يفهمه، ~~قانون للفكر وقانون للوجود في آن واحد، ولو نظرنا إلى الأمور نظرة ~~سطحية لقلنا إن الشيء الذي تبدو له في نظرنا أكثر حقيقة، هو الشيء ~~الفردي أو الجوهر. ولكنا إذا تأملنا هذا الشيء الفردي أو الجوهر في ~~ذاته، لوجدناه يستحيل إلى مجرد تجريد؛ أي مجرد «وجود» لا يمكن تمييزه ~~من أي شيء آخر. ولنقل إن أي شيء لا يغدو حقيقيا # real ~~، إلا بقدر ما يختفي فيه ~~الطابع الجزئي المجرد، مثلما أن الكائن البشري في نظر هيجل لا يصبح ~~شخصا إلا بقدر ما يتنازل عن ادعائه الفردانية ويقنع بأن يعد وجها من ~~أوجه الكل الاجتماعي الذي ينتمي إليه. فالجزئي البحت مجرد، والكل ~~العيني هو وحده الحقيقي. والكيان الوحيد الذي يتصف بالعينية أو الحقيقة ~~الكاملة هو ذلك الكل الذي لا يعبر عنه؛ أي «المطلق» ذاته، وكل ما عدا ~~ذلك - إن كان ثمة أي شيء عدا ذلك - ليس إلا «لحظة» في المطلق. وهكذا ~~ينتهي به الأمر إلى فكرة ممتنعة يقصد منها القضاء على كل الأفكار ~~الممتنعة؛ إذ يرى أن الحقيقية العينية الوحيدة تظل في نظرنا مثلا أعلى ~~للعقل يتحقق دائما بعمليات خاصة ليس لها أي وجود «حقيقي ». # ومن السهل، وسط هذه الغوامض، أن تغيب عن بال المرء الدلالة الإنسانية ~~لفلسفة هيجل؛ فكثيرا ما يتهم هيجل بالالتواء المتعمد، ولكن لا شك ~~في أن رده هو أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتصور حقيقة هي أكثر ~~التواء. فالمرء يلمس في فلسفته بأسرها شعورا طاغيا بتغير كل ~~الأشياء، وتسلطا رومانتيكيا للفكرة القائلة بوجود نقص كامن في كل ~~نشاط ونظام بشري. وهو يجمع، على نحو غريب، بين القلق والاستسلام، وبين ~~الطموح العقلي المفرط والتواضع الذي نجح في إخفائه. وإن قراءته لتذكر ~~المرء دائما بعبارة فاوست الخالدة: «ليس تماما أبدا ...» ~~( # ever not quite ~~)؛ ففلسفته ms072 تعد، من ~~وجهة نظر معينة، كابوسا في نظر المنطقي، وإفسادا حقيقيا للعقل، ~~ولكن المطلق، الذي هو وحده المعقول والحقيقي تماما في نظر هيجل، يظل ~~مثلا أعلى للعقل لا يمكن بلوغه، ولا يمكن أن يدركه الوعي الديالكتيكي ~~المتناهي للإنسان إلا بوصفه هدفا يسعى إليه دون انقطاع، ولا يتوصل ~~إليه أو يفهم أبدا. ولقد أطلق على مذهب هيجل، إن كان هذا هو الوصف ~~الذي يصدق على فلسفته، اسم الكوميديا الإلهية الفلسفية. ولهذا المذهب ~~قطعا أوجهه الكوميدية، ولكن ما يعرضه أقرب، في المنظور البشري، إلى ~~المأساة (التراجيديا) منه إلى الكوميديا. والحق أنه لم يكن من قبيل ~~المصادفة أن هيجل قد حلل في مذهبه الفلسفي الضخم عن الفن، معنى ~~المأساة على نحو أعمق مما فعل أي فيلسوف حديث آخر؛ فالمأساة في نظره ~~عقلية وأخلاقية أو ميتافيزيقية في آن واحد، وهي مظهر لا مفر منه ~~لحياتنا الجزئية المتناهية المتغيرة المنشقة على ذاتها. # ولنعد الآن إلى فلسفة التاريخ في هيجل. فلنقل باختصار إن هيجل ~~يعد كل تغير تاريخيا، وينظر إلى التاريخ ذاته على أنه هو ~~الديالكتيك كما يتبدى في الزمان. وهو بهذا المعنى حركة هائلة أشبه ~~برقصة الفالس، # 2 # من القضية إلى نقيضها إلى المركب بحيث تمثل كل خطوة ~~مرحلة أعلى في التطور الذاتي المطلق؛ في التطور الديالكتيكي ~~للأفكار، الذي يطلق عليه هيجل اسم «المنطق»، لا تنكر أية قضية ~~إنكارا كاملا نهائيا، كما أن أي نجم لا يأفل تماما في ديالكتيك ~~التاريخ. وكل لحظة تاريخية، إذ تقضي على سابقتها، تقتبس منها في الوقت ~~ذاته ما هو هام فيها، وتحتفظ بها بوصفها مظهرا لواقع اجتماعي أكثر ~~ثراء وشمولا. وإذن فلكل جيل جديد، من وجهة نظر هيجل، أن يعد نفسه ~~محطم الحضارة التي ورثها من الجيل السابق عليه، وكذلك حافظها ~~والناهض بها في آن واحد. والواقع أن حضارتنا الغربية ذاتها هي، من ~~وجهة نظر معينة، شيء جديد تحت الشمس. غير أن كل ما كان ذا أهمية حيوية ~~في حضارات اليونان وروما وجوديا ومسيحية العصور الوسطى، لم يضع ~~«حقيقة»، ms073 وإن تكن حضارتنا الحالية قد حورته وتجاوزته جزئيا. ~~والواقع، في نظر هيجل، أن الدلالة الكامنة في هذه الحضارات تتكشف لنا ~~على نحو لم يكن ميسورا لليونانيين والرومانيين واليهود القدماء، بل ~~وللمسيحيين أنفسهم. ولهذا السبب استطاع هيجل أن يدعي فهم المسيحية ~~أفضل مما فهمها آباء الكنيسة، وفهم الدلالات التي تنطوي عليها ~~الفلسفة اليونانية خيرا مما فهمها أفلاطون وأرسطو. # ولكن لهذه الفكرة وجها آخر؛ ذلك لأنه إذا كان في وسعنا فهم «فكرة» ~~اليونان أو المسيحية أفضل من اليونانيين القدماء والمسيحيين أنفسهم ~~(نظرا إلى موقعنا في التاريخ)، فليس في استطاعتنا أن نحيا حياتهم من ~~جديد، أو أن نعيد إقامة الظروف الحضارية للمجتمعات التي عاشوا فيها. ~~وهكذا فإن هيجل، رغم إعجابه الشديد باليونانيين، لم تكن تشوب فكره أية ~~شائبة من تلك «العقلية العتيقة» كما أسماها المؤرخ توينبي، وهي العقلية ~~التي تميز أولئك الذين يرجعون القهقرى، بفكرهم، إلى حضارة سابقة ما ~~يعدونها العصر الذهبي. كذلك عد هيجل نفسه «مسيحيا»، ولكن فلسفته لم ~~يكن فيها أثر لذلك التعلق بالعصور الوسطى، الذي تميز به كثير من ~~رومانتيكيي عصره. # والتاريخ عند هيجل عملية ديالكتيكية وروحية معا، وهكذا نظر إليه على ~~أنه التكشف أو التطور الذاتي الديالكتيكي لما هو غير مشروط على ~~الإطلاق؛ أي للمطلق ذاته، وهذا يعني، بتعبير أكثر عبثية، أن من الواجب ~~النظر إلى التغير التاريخي على أنه صراع مستمر نحو الحرية الروحية ~~للبشر. وكل مرحلة في هذه العملية هي مرحلة (أعلى) بالنسبة إلى ما ~~سيتلوها. ولو نظرنا إلى الأمور من وجهة نظر ما سيحدث، فإن أي شيء يبدو ~~أنه يقاوم التغير هو، بهذا المعنى، شر، ولكنه، من حيث هو تحقيق ~~واكتمال لما سبقه، هو، بهذا المعنى، خير. ومن الشائع أن ينظر إلى ~~هيجل على أنه محافظ متطرف، وهو بالفعل قد أخذ في سنواته الأخيرة ~~يزداد تأكيدا لأهمية التراث والنظم الثابتة بوصفها نواقل للحضارة. غير ~~أن تفكيره، كما رأى ماركس فيما بعد، ينطوي أيضا على جانب ثوري، ومذهبه ~~ذاته يرى في حتمية تغير كل تراث وكل نظام ms074 مجرد حقيقة من حقائق ~~الحياة. والواقع أن فلسفة هيجل محافظة وثورية في آن واحد. ولقد كان ~~هيجل نفسه يميل شخصيا إلى الجانب المحافظ، غير أنه كان في الوقت ذاته ~~شاعرا بأن العصر الذي كان يمثل روحه كان موشكا على الزوال. # وكتاب هيجل في «فلسفة التاريخ» هو في أساسه لاهوت أخلاقي # theodicy ~~، # 3 # مثل كتاب القديس أوغسطين «مدينة الله» الذي يشبه كتاب هيجل ~~هذا من نواح عديدة. فهو لا يهتم بالتاريخ من حيث هو مجرد سرد لحوادث ~~متعاقبة في الزمان. بل إن وصف أية حضارة هو بالنسبة إليه مجرد تمهيد ~~لتحديد دلالتها الروحية بالنسبة إلى العصر الحاضر. وحين ينظر تفكيرنا ~~الاجتماعي إلى حضارتنا هذه على أنها النتيجة التاريخية المحتومة ~~لتطور مستمر للمجتمع، فإن هذا التفكير يكتسب تحددا ودقة ما كانت ~~لتتوافر له لو كان يبدأ في بحث مشاكلنا (من الصفر). وعلى هذا النحو ~~أيضا يمكننا التغلب على الشعور بالعزلة الروحية التي هي آفة الحياة ~~الحديثة؛ فالدراسة الفلسفية للتاريخ تكشف لنا عن اتصال في المقصد ~~والغاية بيننا وبين أسلافنا. # ومع ذلك فإننا إذا فهمنا الطابع الديالكتيكي للتطور التاريخي، فلن ~~يؤدي هذا الوعي التاريخي إلى حرماننا من الشعور بفرديتنا أو بالفوارق ~~بين أحوالنا وأحوال من سبقونا. وليست الدلالات الروحية للسجل ~~التاريخي شيئا «معطى»، وإنما هي نتيجة نظر فلسفي. وبالمثل فإن ~~«الضرورة» المنسوبة إلى التقدم الديالكتيكي للبشر خلال العصور ليست ~~مجرد واقعة «اعتباطية» أخرى نجدها هناك على نفس النحو الذي نكتشف به أن ~~قيصر كان أصلع. بل إن من المحال عندما نقرأ التاريخ قراءة «آلية» على ~~أنه مجرد حوادث جزئية متعاقبة، أن ندرك أية ضرورة فيه. «فالضرورة»، كما ~~لاحظ كانت، هي تصور عقلي ينبغي أن نقرأه نحن أنفسنا في هذا السجل. ~~وكما قال فشته، فليس من الممكن أن يعزى إلى التاريخ أي مقصد أو أية ~~ضرورة إلا لأننا نريد أن ننظر إلى التاريخ من خلال صورة الروح أو ~~العقل. وإذا كنا ننسب إلى هذا التفسير الروحي «واقعية»، فينبغي أن ~~نذكر أن الواقعية عند هيجل ms075 ليست شيئا في ذاته نهتدي إليه بمجرد ~~التطلع، وإنما هو تركيب مثالي للروح ذاتها. # وهكذا فإن «ميتافيزيقا» التاريخ ليست ناتجا ثانويا محتوما ~~لدراسات تاريخية خالصة لسجل الحوادث الماضية، وإنما هي شيء لا يتوصل ~~إليه إلا بالتفكير في ذلك السجل عندما يفهم ديالكتيكيا من خلال ~~الروح؛ أي عندما نضفي نحن أنفسنا على ما حدث اتجاها أو هدفا. والأمر ~~الذي يجوز أن هيجل لم يدركه بوضوح هو أن الصبغة التي أضفاها على ~~التاريخ ليست هي الصبغة الروحية الوحيدة التي يمكن أن يصطبغ بها ~~التاريخ، وأن لغيره نفس الحق في أن ينظر إلى التاريخ، كما فعل المانويون، # 4 # على أنه صراع لا نهاية له بين قوى متعارضة، مما يجعل ~~المسألة الروحية أمرا مشكوكا فيه في آخر الأمر، بل إن البعض قد ينظر ~~إلى التاريخ على أنه سجل للإخفاق المنظم الذي يلحقه الواقع بكل ~~أماني البشر. ولكن هيجل لا ينبئنا بالسبب الذي ينظر من أجله إلى ~~تفسيره على أنه أكثر «معقولية» من سائر التفسيرات، وإن يكن من العسير ~~أن نرى، في ضوء تفكيره الخاص، كيف يتسنى له إنكار «صحة» تلك ~~التفسيرات الأخرى، طالما أن هذه التفسيرات قد تكون معبرة، من وجهة ~~نظرها الخاصة، عن مرحلة «أعلى» في تطور الروح البشرية. بل إن هيجل لو ~~كان أكثر سخرية مما هو، لوجد في المذهب المتشائم الذي قال به نقيض ~~هيجل؛ أعني شوبنهور، مزيدا من الكمال الروحي بالقياس إلى مذهب هيجل ~~ذاته. # وفي فلسفة هيجل فكرتان هامتان أخريان تستحقان التنويه؛ إحداهما هي ~~فهمه للحرية. فكثيرا ما انتقد هيجل لتغييره مفهوم الحرية تغييرا ~~أساسيا؛ إذ إنه عندما يختم وصفه لها، لا يكون قد تبقى من معناها ~~المعتاد إلا النزر اليسير. ولكن مرد ذلك إلى أنه قد نظر إلى هذا ~~التصور، كما نظر إلى غيره، نظرة ديالكتيكية، وهي نظرة تتجه فيها أية ~~فكرة، إذا ما فهمت فهما كافيا، إلى ضدها. وينظر هيجل إلى المسألة ~~على النحو الآتي؛ فالمرء ينظر في البداية إلى الحرية على أنها فعل ~~لما يحلو له. ms076 ويعتقد هيجل أن هذا الفهم للحرية هو أكثر التجريدات ~~هزالا، وهو خال من أي معنى أخلاقي. وإنما الحرية عنده قدرة المرء ~~على تحقيق ذاته، وليست الذات أنا محضا، وإنما هي من الوجهة العينية، ~~شخصية ذات ميول وقدرات محددة. ويتوقف كنه هذه الميول والقدرات ~~تماما على ما يتلقاه الفرد من المجتمع الذي يعيش فيه من تدريب ~~وتعليم. وإذن فأول خطوة نحو معرفة المرء لذاته وتثقيفه لذاته هي اعتراف ~~المرء بانتمائه إلى مجتمع متطور تاريخيا، وعلى هذا النحو وحده ~~يهتدي المرء إلى ذاته بوصفه كائنا بشريا متكاملا؛ فالشخص الحر هو ~~ذلك الذي يعرف كيف يفرض بنفسه على نفسه تلك الواجبات والمسئوليات التي ~~تحملها إياه الدولة، وهي في نظر هيجل أعلى النظم الاجتماعية. # وفي فلسفة هيجل شواهد تدل على أن عقليته كانت بيروقراطية إلى حد ~~بعيد، غير أن خصومه من النقاد قد بالغوا دون شك في صبغ مذهبه في الحرية ~~بالصبغة المضادة للفردية والتحررية، وكذلك في إضفاء طابع مطلق على ~~مذهب الدولة لديه. صحيح أن هيجل قد نظر إلى الدولة على أنها تجسد ~~للحرية العاقلة، كما تحقق ذاتها وتعرف ذاتها في صورة موضوعية. ~~فالدولة كما يقول هي فكرة الروح في التجلي الخارجي للإرادة البشرية ~~وحريتها، غير أن هذه الصور «الموضوعية» للحرية ليست هي صورها الوحيدة. ~~ولا يمكن بلوغ أعلى صور الحضارة البشرية إلا في الفن والدين والفلسفة، ~~التي وصفها هيجل بأنها المظاهر البشرية «للروح المطلقة»؛ فتلك مجالات ~~للحياة الروحية تضع قوانينها لذاتها. وليس لأي نظام سياسي محض أي سلطان ~~على تطورها الباطن. # وهكذا يتبدى في فلسفة الحرية عند هيجل ذلك الجمع الغريب بين الخضوع ~~الظاهري للدولة، بل العبودية الظاهرية إزاءها، وبين الحرية الروحية ~~الباطنة التي نصادفها في كثير من الأحيان لدى رجال الفكر الألمان. وفي ~~وسعنا أن نلحظ ملامح مماثلة لدى ممثلين آخرين للعصر الذهبي للفكر ~~الألماني، مثل ليبنتس، وجوته، بل وكانت ذاته. ومع ذلك فمن الإنصاف ~~لهيجل أن نقول إنه ينظر إلى إطاعة الواجبات التي يفرضها المجتمع على ~~أنها مجرد مظهر واحد ms077 للتثقيف الذاتي أو التربية الذاتية # self-culture ~~، ولكنه يشبه معظم ~~المتعلقين بالتقاليد في أنه لا يتذكر دائما أن «العقل الموضوعي» ~~الذي يتجسد في النظم الاجتماعية قد لا يكون في بعض الأحيان سوى ~~مجموعة من السنن والقواعد المتراكمة التي تفرض ذاتها بجمود، ولا تعود ~~تخدم الوظائف «الروحية» الكامنة من ورائها. والواقع أن تمجيده المفرط ~~للدولة البروسية لا يليق بفيلسوف ينظر إلى فلسفته كلها، بمعنى معين، ~~على أنها تفكير في مشكلة الحرية البشرية. # بقيت لنا كلمة عن فلسفة الدين عند هيجل؛ فقد ولد هيجل لوثريا، ~~وكان في نيته، كما قال ذات مرة، أن يموت كذلك. غير أن مسيحيته لا شأن ~~لها بالنزعة إلى التمسك بأصول الدين؛ ذلك لأن هيجل، شأنه شأن كثير من ~~المسيحيين «المتحررين» الذين كان تأثيره عليهم هائلا، لم ينظر إلى ~~الإنجيل على أنه سجل لحقائق تاريخية، وإنما على أنه كتاب من الرموز لا ~~يمكن فهم معناه الباطن على النحو الصحيح إلا بعد قدر كبير من التفسير ~~الفلسفي. وليست مسألة وجود الله، كما تفهم عادة، بالمشكلة في نظره. ~~وهذا لا يعني أن على الذهن العقلي أن يتخلى عن الدين عامة أو عن ~~المسيحية خاصة، بل إن الدين عند هيجل «يستبق الفلسفة»، «وما الفلسفة ~~إلا دين واع»، وعلى ذلك فهو ينظر إلى فكرة التجسد المسيحية على أنها ~~تعبير أسطوري متقدم عن فلسفته هو، وهي الفلسفة التي ترى في التاريخ ~~تجسدا تدريجيا للروح المطلقة. وهكذا فإن ما يعرفه الإنجيل في صورة ~~مجازية على أنه «وحي»، هو بعينه ما يحاول هيجل تبريره في صورة أكثر ~~نقدية أو معقولية. والعنصر المشترك بين الاثنين هو الحاجة الدينية إلى ~~تبرير التاريخ البشري في مجموعه، والنظر إليه على أنه يزيد عن كونه ~~«أسطورة لا معنى لها يرويها مخبول». # على أن هناك فلاسفة مسيحيين آخرين في القرن التاسع عشر لم يتمكنوا، ~~كما سنرى فيما بعد، من السير في الطريق الذي مهده هيجل؛ فقد نظر ~~بعضهم إلى تفسيره العقلي لفكرة المسيح في الكتب المقدسة على أنه مجرد ~~خطوة أخرى نحو ms078 صبغها بصبغة دنيوية، ومن ثم نحو القضاء على الحضارة ~~المسيحية بعد ذلك. ففي رأيهم أن طريقة تفسير الإنجيل تتجاوز تماما تلك ~~الادعاءات الوجودية الجدية التي ينطوي عليها ذلك الكتاب. ولقد اتهمه ~~خصمه الأكبر، كيركجورد، صراحة بأنه كان في قرارة نفسه ملحدا يخفي ~~تجديفه وراء قناع من الرموز. ف «مسيحية» هيجل كانت في نظر كيركجورد ~~نموذجا لمسيحية الدنيوي البرجوازي، الذي يسعى إلى التمتع بصفة مسيحية ~~غامضة، بينما يرفض في الوقت ذاته التقيد بأي من التزامات العقيدة ~~المسيحية. # ويمكن القول، دفاعا عن هيجل، إن نظرة المسيحية الأولى إلى العالم لم ~~تعد، في رأيه اختيارا حيا للأذهان المفكرة التي ظهرت بعد عصري ~~العقل والتنوير. والسبيل الوحيد إلى بقاء هذه الأذهان مسيحية، هو الأخذ ~~بتلك المبادئ التي تنطوي عليها فلسفته الدينية. فاستحالة العودة إلى ~~المنظور الديني للمسيحية الأولى لا تقل، من وجهة نظر هيجل، عن استحالة ~~إحياء النظم السياسية اليونانية القديمة. وعلى الرغم من كل ما قاله ~~هيجل عن المطلق، فقد كان عمق وعيه التاريخي - وبالتالي النسبي - من ~~أكبر العوامل المنفردة التي أدت في القرن التاسع عشر إلى تدهور ~~النزعة المطلقة الدينية والفلسفية. ولقد بلغ من سخرية الأقدار من نوايا ~~هيجل، أن القضاء على المطلق قد تم، إلى حد بعيد، على يديه هو ~~ذاته. # والنص الآتي مقتطف من مقدمة كتاب هيجل «محاضرات في فلسفة التاريخ». # 5 ~~⋆ ~~«والنوع الثالث من التاريخ هو التاريخ الفلسفي. ولم يكن النوعان ~~السابقان بحاجة إلى إيضاح، بل كان تصورهما مفهوما بذاته. والأمر ليس ~~كذلك في هذا النوع الأخير الذي يبدو أنه يحتاج قطعا إلى شرح أو تبرير. ~~وأعم تعريف يمكن الإتيان به هو أن فلسفة التاريخ لا تعني إلا تأمله ~~من خلال الفكر. والفكر في الواقع أساس للبشر، وهو الذي يميزنا عن ~~البهائم. والفكر عنصر مشترك يظهر في الإحساس والتعرف والتعقل، وفي ~~غرائزنا بقدر ما تكون بشرية بحق. ولكن تأكيد أهمية الفكر في هذا الصدد ~~مع التاريخ قد لا يبدو أمرا مرضيا؛ إذ يبدو كأن من المحتم على ~~الفكر، في ms079 التاريخ، أن يخضع لما هو معطى؛ أي لما هو موجود، بحيث ~~يبدو هذا الأخير كأنه هو أساس هذا العلم وموجهه، في حين أن الفلسفة ~~تنتمي إلى مجال الأفكار التي يجلبها النظر الفكري ~~( # Spekulation ~~) من ذاته، دون إشارة ~~إلى الواقع الفعلي. فإذا ما طرق النظر الفكري مجال التاريخ متأثرا ~~بهذا الرأي، فقد يتوقع منه أن ينظر إلى التاريخ على أنه مادة سلبية ~~فحسب، وأن يرغمه على الاتفاق مع فكرة تسوده، بدلا من أن يتركه في ~~حقيقته الأصيلة، وأن يشيده، كما تقول العبارة المعروفة «بطريقة ~~أولية». ولكن لما كانت مهمة التاريخ لا تزيد على أن يضم إلى سجلاته ~~ما هو الآن، وما كان من قبل، حوادث وأفعالا، ولما كان يغدو أصدق ~~بقدر ما يتمسك بالوقائع الموجودة بدقة، فيبدو لذلك أن الفلسفة عملية ~~مضادة تماما لعمل المؤرخ. وسوف نعمل فيما بعد على إيضاح ودحض هذا ~~التناقض، ومعه التهمة التي توجه نتيجة لذلك إلى النظر الفكري. ومع ~~ذلك فليس في نيتنا تصحيح التشويهات الخاصة الهائلة العدد، التي ظهرت من ~~قبل ويتكرر ظهورها على الدوام، بشأن أهداف البحث التاريخي وعلاقته ~~بالفلسفة، وفوائد هذا البحث وطرقه. # إن الفكرة الوحيدة التي تدخلها الفلسفة على تأمل التاريخ، لا ~~تعدو أن تكون فكرة «العقل»؛ أي الفكرة القائلة إن العقل يسود العالم، ~~وإن تاريخ العالم بالتالي يكشف لنا عن عملية عاقلة. هذا الاعتقاد ~~والحدس هو فرض في مجال التاريخ من حيث هو تاريخ فحسب، أما في مجال ~~الفلسفة فهو ليس فرضا، بل إن المعرفة النظرية ~~( # spekulative ~~) تثبت في هذا المجال ~~أن العقل - وهو في هذا المجال تعبير كاف، دون بحث العلاقة التي تربط ~~الكون بالكائن الإلهي - هو جوهر، فضلا عن كونه قوة لا متناهية، وأن ~~مادته اللامتناهية - الكامنة من وراء كل حياة مادية وروحية تولدها، ~~هي أيضا الصورة اللامتناهية - هي التي تبعث الحركة في تلك المادة. ~~وفضلا عن ذلك فالعقل هو الجوهر، الذي تكتسب كل حقيقة وجودها وبقاءها ~~في الوجود منه وفيه. وهو القوة اللامتناهية للكون؛ إذ إن العقل ليس ms080 من ~~العجز بحيث يعجز عن إنتاج أي شيء ما عدا مجرد مثل أعلى، ومجرد مقصد، ~~مكانه يقع خارج الواقع، حيث لا يعلم أحد؛ أعني شيئا مفارقا مجردا، ~~في رءوس بعض الكائنات البشرية. كما أن العقل هو المركب اللانهائي ~~للأشياء، وهو ماهيتها وحقيقتها الكاملة، وهو مادة ذاته، التي تعهد بها ~~ذاته إلى فاعليتها لتشكيلها؛ إذ إنه لا يحتاج، كما يحتاج الفعل ~~المتناهي، إلى شرط مادة خارجية مؤلفة من وسيلة معينة، يكتسب منها ~~دعامته وموضوعات فاعليته، وإنما هو يأتي بغذائه الخاص معه، وهو موضوع ~~عملياته. وإلى جانب كونه هو الشرط الوحيد لوجوده الخاص، وهدفه النهائي ~~المطلق، فإنه أيضا القوة الفعالة العاملة على تحقيق هذا الهدف، وبعثه، ~~لا من باطن ظواهر الكون الطبيعي فحسب، بل من باطن ظواهر الكون الروحي ~~أيضا؛ أي في تاريخ العالم. أما أن هذه «الفكرة» أو «العقل» هي ~~الماهية الحقة، الأزلية الفعالة على نحو مطلق، وأما أنها تتكشف في ~~العالم، وأنه لا شيء في هذا العالم يتكشف سوى هذه الفكرة أو العقل ~~وشرفه ومجده، فتلك هي القضية التي ثبتت، كما قلنا، في الفلسفة، والتي ~~نعدها هنا مبرهنا عليها. ~~••• # وسأكتفي هنا بذكر صورتين ووجهتي نظر تتعلقان بالاعتقاد المنتشر ~~عامة بأن العقل قد ساد العالم وما زال يسوده، وبالتالي ساد تاريخ ~~العالم؛ ذلك لأنهما يتيحان لنا في آن واحد فرصة للقيام باختبار أدق ~~للمسألة الرئيسية التي تتمثل فيها أعظم صعوبة، ولإيضاح ما سيكون ~~علينا التوسع فيه فيما بعد. # إحدى هاتين النقطتين هي تلك الرواية التاريخية التي تنبئنا بأن ~~أنكساجوراس اليوناني كان أول من نادى بالمذهب القائل إن «النوس # nous ~~»؛ أي الذهن عامة، أو العقل، ~~هو الذي يحكم العالم. وليس المقصود هنا هو الذكاء بوصفه عقلا شاعرا ~~بذاته - ولا الروح بما هي كذلك - فهذان معنيان ينبغي تمييز كل منهما من ~~الآخر. فحركة النظام الشمسي تحدث وفقا لقوانين ثابتة، وهذه القوانين ~~هي العقل من حيث هو كامن في الظاهرة المشار إليها. ولكن لا الشمس ولا ~~الكواكب التي تدور حولها وفقا لهذه القوانين، لديها ms081 وعي بتلك ~~القوانين. ~~••• # أما الصورة الأخرى التي ظهرت فيها هذه الفكرة القائلة إن العقل ~~يوجه العالم - في صدد تطبيق آخر لها، معروف لنا جيدا - فهي صورة ~~الحقيقة الدينية، القائلة إن العالم ليس متروكا للاتفاق وللعلل ~~العرضية الخارجية، وإنما تتحكم فيه عناية إلهية. # ولقد قلت من قبل إني لن أستعين بإيمان القارئ فيما يتعلق بهذا ~~المبدأ الذي قلت به. ومع ذلك فإن لي أن أهيب بإيمان القارئ به، في هذه ~~الصورة الدينية، «إذا كانت طبيعة العلم الفلسفي تسمح له، كقاعدة عامة، ~~أن ينسب إلى المسلمات # Voraussetzungen # سلطة. وبعبارة أخرى، فهذه الإهابة محرمة؛ لأن العلم الذي يتعين ~~عليها بحثه، يعلن هو ذاته أنه يأتي بالبرهان، لا على الحقيقة المجردة ~~للمذهب، وإنما على صوابه إذا ما قورن بالوقائع، وإذن فالحقيقة القائلة ~~إن عناية (هي العناية الإلهية) تتحكم مقدما في أحداث العالم، ~~تتفق مع القضية موضوع البحث؛ إذ إن العناية الإلهية هي الحكمة ذات ~~القدرة اللامتناهية، التي تحقق هدفها، وهو رسم خطة عقلية مطلقة ~~للعالم. فالعقل هو الفكر الذي يحدد ذاته في حرية كاملة. ولكن سيظهر ~~فارق - بل تناقض - بين هذا الاعتقاد وبين مبدئنا؛ إذ إن الاعتقاد في ~~عناية شاملة هو بدوره اعتقاد غير محدد # unbestimunt # لا يتابع في تطبيقات ~~محددة، أو يتبدى في تأثيره على المجموع الكلي؛ أي المجرى الكامل ~~للتاريخ البشري. غير أن تفسير التاريخ هو وصف لانفعالات البشر، ~~وللعبقرية والقوى الإيجابية التي تلعب دورها على المسرح الهائل، ~~وتؤلف العملية التي تتحكم فيها العناية، والتي تتبدى في هذه ~~الانفعالات والعبقرية والقوى، ما يسمى عامة باسم «خطة» العناية ~~( Plan ~~). ومع ذلك فإن هذه الخطة ~~ذاتها هي التي يفترض أنها تختفي عن أنظارنا، والتي يعد من الغرور حتى ~~أن نرغب في معرفتها. ~~••• # غير أننا في تاريخ العالم نتعامل مع أفراد هم شعوب أو مجموعات كلية، ~~هي دول؛ ولذلك فليس لنا أن نقنع بما يمكننا أن نسميه هذه النظرة ~~المحدودة إلى العناية، التي يقتصر عليها الاعتقاد المشار إليه. كذلك لا ~~يمكن الاكتفاء بالاعتقاد البحت، المجرد، ms082 غير المحدد، في عناية، بالمعنى ~~العام، دون ربط بين ذلك الاعتقاد وبين تفصيلات الفعل الذي تقوم به هذه ~~العناية. بل إن حماستنا ينبغي أن تتجه إلى التعرف على الطرق التي ~~تسلكها العناية، والوسائل التي تستخدمها، والظواهر التاريخية التي ~~تتبدى فيها، وعلينا أن نوضح ارتباط هذا كله بالمبدأ العام الذي ~~أشرنا إليه. ولكني، إذ أشرت إلى الاعتراف بخطة العناية الإلهية عامة، ~~قد عرضت ضمنا لمسألة هامة من مسائل اليوم؛ أي مسألة إمكان معرفة الله، ~~أو على الأصح - طالما أن الرأي العام لم يعد يسمح بجعلها موضوع سؤال - ~~المذهب القائل إن من المستحيل معرفة الله. فعلى العكس تماما مما ~~يقول الكتاب المقدس إنه الواجب الأسمى - أي إننا ينبغي أن نعرف الله، ~~لا أن نحبه فحسب - فإن الفكرة السائدة الآن تنطوي على إنكار ما يقال ~~في ذلك الكتاب من أن «الروح» هي التي توصل إلى «الحقيقة»، وهي التي ~~تعرف كل الأشياء، وتتغلغل حتى في أعماق الألوهية. وبينما يؤدي هذا ~~إلى وضع الوجود الإلهي فوق معرفتنا، وخارج حدود الأمور البشرية، فإن ~~المرء يتمتع في هذه الحالة بحرية التنقل كما يشاء، في الاتجاه الذي ~~تشاؤه تخيلاته. وهكذا يتحرر المرء من الالتزام بربط معرفته بما هو ~~إلهي وحقيقي. ومن جهة أخرى، فإن الغرور والأنانية اللذين يميزان هذه ~~المعرفة، يجدان في هذا الموقف الباطل مبررا قويا، كما أن التواضع ~~التقي الذي يجعل معرفة الله بعيدة عنها، يستطيع حقا أن يقدر مدى ~~الكسب الذي سيعود من ذلك على مطامحه الباطلة الغريرة. والواقع أني لم ~~أشأ أن أترك الكلام عن الارتباط بين رأينا القائل بأن العقل كان وما ~~يزال يحكم العالم، وبين مسألة إمكان معرفة الله، وذلك، قبل كل شيء، حتى ~~لا أفوت فرصة ذكر ذلك الادعاء الموجه إلى الفلسفة بأنها مقصرة ~~أو مضطرة إلى التقصير عن إدراك الحقائق الدينية، أو لا تملك فرصة إدراك ~~هذه الحقائق، وهو ادعاء ينطوي على إيعاز بالشك في حسن نية الفلسفة إزاء ~~هذه الحقائق. على أن حقيقة الأمر غير ذلك تماما، بل إن ms083 الفلسفة قد ~~اضطرت في الآونة الأخيرة إلى الدفاع عن ميدان الدين ضد هجمات عدة ~~مذاهب لاهوتية، ففي العقيدة المسيحية تكشف الله - أي جعل الإنسان ~~يفهم ما هو الله، بحيث لم يعد وجوده محتجبا أو خفيا. وهذه القدرة ~~المتاحة لنا لمعرفته، تجعل مثل هذه المعرفة واجبة؛ فالله لا يريد لخلقه ~~أن يكونوا من ذوي النفوس الواهنة أو الرءوس الفارغة، بل يريد أناسا ~~تكون نفوسهم فقيرة بذاتها، ولكنها غنية بمعرفته، أناسا يعدون معرفة ~~الله ذخيرتهم الوحيدة. هذا التطور للروح المفكرة، الذي نشأ من تكشف ~~للوجود الإلهي بوصفه أساسه الأصلي، لا بد أن يمتد آخر الأمر إلى الفهم ~~الفكري لما كان ماثلا أول الأمر، للروح الشاعرة المتخيلة، ولا بد ~~أن يأتي وقت يفهم فيه هذا الناتج الزاخر للعقل الإيجابي، الذي يتيحه ~~لنا تاريخ العالم. ولقد كان الشائع في وقت من الأوقات إبداء الإعجاب ~~بحكمة الله كما تتبدى في الحيوانات والنباتات والحوادث المنفردة. ~~ولكن، إذا سلمنا بأن العناية تتمثل في مثل موضوعات الوجود وصوره ~~هذه، فلماذا لا نسلم بوجودها أيضا في التاريخ العالمي؟ إن هذا ~~الأخير يعد أضخم من أن يخضع للعناية. غير أن الحكمة الإلهية؛ أي ~~العقل، هي بعينها فيما هو كبير وما هو صغير، وعلينا ألا نتصور الله ~~على أنه أضعف من أن يمارس حكمته على النطاق الضخم. والغاية التي ~~تستهدفها معرفتنا هي تحقيق الاعتقاد بأن ما قصدته الحكمة الأزلية، قد ~~تحقق فعلا في مجال الروح الإيجابية الفعالة في العالم، مثلما تحقق ~~في مجال الطبيعة الخالصة ؛ فبحثنا في هذا الموضوع هو، من هذه الناحية، ~~«ثيوديسية»؛ أي تبرير للمسالك الإلهية، مماثل لذلك الذي حاول ليبنتس ~~القيام به، بطريقة ميتافيزيقية، في منهجه؛ أي بمقولات مجردة غير ~~محددة؛ لكي يستطيع عن طريقه فهم الشر الموجود في العالم، والتوفيق ~~بين الروح المفكرة وبين وجود الشر. والواقع أن مثل هذه النظرة ~~التوفيقية هي ألزم ما تكون في مجال التاريخ العالمي، ولا يمكن الوصول ~~إليها إلا بالاعتراف بالوجود الإيجابي الذي يخضع له، ويتلاشى فيه، هذا ~~العنصر السلبي. فلا ms084 بد من جهة أن يدرك أن هذا القصد النهائي من ~~العالم، ولا بد من جهة أخرى أن يدرك أن هذا القصد قد تحقق فيه ~~بالفعل، وأن الشر لم يتمكن من أن يضمن لنفسه على الدوام مركزا يسمح ~~له بمزاحمته. # إن السؤال عن مصير العقل في ذاته يعادل - بقدر ما يكون ذلك العقل ~~مرتبطا بالعالم - السؤال عن الغاية القصوى للعالم. وهذا التعبير ~~الأخير ينطوي على القول بأن هذا الغرض مقصود منه أن يتحقق. وهنا تعرض ~~لنا مسألتان للبحث؛ أولاهما هي دلالة هذه الغاية القصوى؛ أي تعريفها ~~بما هي كذلك. وثانيها هو تحقيقها. # فأولا ينبغي أن يلاحظ أن موضوع بحثنا - أي التاريخ العالمي - ينتمي ~~إلى مجال الروح، ويشمل لفظ «العالم» الطبيعة المادية والنفسية؛ ~~فللطبيعة المادية هي الأخرى دور تقوم به في تاريخ العالم، ولا بد من ~~توجيه الاهتمام منذ البداية إلى العلاقات الطبيعية الأساسية التي ينطوي ~~عليها مثل هذا الدور. غير أن الروح، ومجرى تطورها، هي الأساسية. ~~ومهمتنا لا تقتضي منا تأمل الطبيعة بوصفها نسقا عاقلا في ذاته - ~~وإن تكن تثبت في مجالها الخاص أنها بالفعل كذلك - من حيث علاقتها ~~بالروح فحسب. والروح تتكشف على حقيقتها الأكثر عينية في ذلك المسرح ~~الذي نلاحظها منه؛ أي في التاريخ العالمي. ورغم ذلك (أو بالأحرى، من ~~أجل فهم المبادئ العامة التي تتضمنها فاعليتها العينية هذه) ينبغي ~~علينا أن نفترض مقدما بعض الخصائص المجردة عن طبيعة الروح. على أن ~~من المحال أن يتخذ هذا الشرح هنا أية صورة سوى صورة التأكيد المحض. ~~فليس هنا مجال للكشف نظريا عن فكرة الروح؛ إذ إن الموضوع الذي يحتل ~~مكانا في مقدمة ينبغي، كما لاحظنا من قبل، أن ينظر إليه على أنه ~~تاريخي فحسب؛ أي أن يؤخذ على أنه شيء شرح وأثبت في موضع آخر، أو ~~سيثبت إثباتا لاحقا في علم التاريخ ذاته. # إذن ينبغي أن نذكرها هنا: ~~(1) # الخصائص المجردة لطبيعة الروح. ~~(2) # والوسائل التي تستخدمها الروح لتحقيق فكرتها. ~~(3) # وأخيرا، ينبغي أن ننظر في الشكل الذي يتخذه التحقق ~~الكامل للروح؛ أي ms085 الدولة. ~~(1) # يمكن إدراك طبيعة الروح بتأمل ضدها التام، وهو المادة. ~~وكما أن ماهية المادة هي الثقل (الجاذبية)، فعلينا أن نقول ~~إن جوهر الروح وماهيتها هي الحرية. وإن كل شخص ليوافق دون ~~عناء على الرأي القائل بأن الحرية صفة من صفات الروح، غير ~~أن الفلسفة تذكر أن جميع خصائص. الروح لا توجد إلا من خلال ~~الحرية، وأن هذه الخصائص لا تعدو أن تكون وسيلة لبلوغ ~~الحرية، وأنها كلها تسعى إلى بلوغ الحرية، والحرية وحدها. ~~فالنظر الفلسفي يفضي إلى القول إن الحرية هي الحقيقة ~~الوحيدة للروح. والمادة تتصف بالثقل نظرا إلى اتجاهها نحو ~~نقطة مركزية. وهي مركبة بالضرورة، تتألف من أجزاء ~~يستبعد كل منها الآخر. وهي تسعى إلى وحدتها، وبالتالي ~~تتبدى قاضية على ذاتها، وساعية إلى ضدها (أي النقطة ~~غير المنقسمة). ولو أمكنها أن تصل إلى ضدها هذا، لما ~~عادت مادة، ولقضت على ذاتها؛ فهي تسعى إلى تحقيق حالتها ~~الفكرية أو المثالية؛ ففي الوحدة يكون وجودها فكريا أو ~~مثاليا. # أما الروح فيمكن تعريفها بأنها ما يوجد مركزه في ذاته. ~~فليست لها وحدة خارجها، بل إنها تملك بالفعل وحدتها، وهي ~~توجد في ذاتها ومع ذاتها. وعلى حين أن ماهية المادة توجد ~~خارجها، فإن الروح وجود مع ذاته. وهذه هي الحرية بعينها؛ ~~إذ إنني عندما أكون غير مستقل، يكون وجودي مرتبطا بشيء ~~آخر مختلف عني، ولا أستطيع أن أوجد مستقلا عن شيء ~~خارجي. وعلى العكس من ذلك، فإني أكون حرا عندما يتوقف ~~وجودي على ذاتي. وما وجود الروح المنطوي على ذاته هذا سوى ~~الشعور بالذات؛ أي شعور المرء بوجوده. وعلينا أن نميز ~~بين أمرين في الشعور: # أولهما كوني أعرف، وثانيهما ما أعرفه. أما في الشعور ~~بالذات، فالأمر أن يندمجان في شيء واحد؛ إذ تعرف الروح ~~ذاتها، ويكون في ذلك حكم لها على طبيعتها الخاصة، كما أن ~~فيه فاعلية تتيح لها تحقيق ذاتها، وجعلها بالفعل ما ~~تكونه بالقوة. ويمكن القول، على أساس هذا التعريف ~~المجرد، إن التاريخ العالمي عرض للروح وهي تستخلص معرفة ~~ذلك الذي ms086 تكونه في ذاتها. وكما تنطوي البذرة في ذاتها على ~~طبيعة الشجرة بأسرها، وعلى طعم ثمارها وشكلها، فكذلك تنطوي ~~أول آثار الروح بالقوة على ذلك التاريخ بأسره؛ فالشرقيون ~~لم يصلوا إلى المعرفة القائلة إن الروح - أي الإنسان بما ~~هو كذلك - حرة، ولعدم توافر هذه المعرفة لديهم، فإنهم لم ~~يكونوا أحرارا، وكل ما عرفوه هو أن فردا معينا حر. ~~غير أن حرية هذا الفرد تغدو؛ لهذا السبب ذاته، مجرد نزوة، ~~وهمجية، واندفاع وحشي للانفعال، أو اعتدال وكبح للرغبات، ~~هو في ذاته عرض من أعراض الطبيعة، وبالتالي فهو نزوة ~~كسابقه. وإذن فهذا الفرد ليس إلا طاغية، لا إنسانا حرا. ~~ولم يظهر الشعور بالحرية لأول مرة إلا لدى اليونانيين؛ ~~ولذا كانوا أحرارا، غير أنهم، كالرومان، لم يدركوا إلا أن ~~البعض وحدهم هم الأحرار، لا الإنسان بما هو كذلك. بل إن ~~أفلاطون وأرسطو ذاتهما لم يدركا ذلك؛ ولذا كان لدى ~~اليونانيين رقيق، وكانت حياتهم بأسرها، وكذلك كان الاحتفاظ ~~بحريتهم الرائعة، مرتبطين بنظام الرق، وهي حقيقة أدت ~~فضلا عن ذلك، إلى جعل تلك الحرية نموا عرضيا عابرا ~~محدودا من جهة، وجعلت منها من جهة أخرى، عبودية صارمة ~~لما هو بشري؛ أي إنساني. ولقد كانت الأمم الألمانية، ~~بتأثير المسيحية، أول من وصلت إلى الشعور بأن الإنسان، بما ~~هو إنسان، حر، وإلى أن حرية الروح هي التي تكون ماهيتها. ~~وقد ظهر هذا الشعور، أول ما ظهر، في الدين، وهو أشد مجالات ~~الروح تغلغلا، غير أن إدخال هذا المبدأ في مختلف علاقات ~~العالم الفعلي ينطوي على مشكلة أوسع نطاقا من مجرد تنفيذ ~~هذا المبدأ، فتلك مشكلة يحتاج حلها وتطبيقها إلى عملية ~~حضارية شاقة طويلة الأمد. والدليل على ذلك، مثلا، أن ~~الرق لم ينته بعد قبول المسيحية مباشرة، كما لم تسد ~~الحرية بين الدول، ولم تتخذ الحكومات ولا الدساتير تنظيما ~~عقليا، أو تعترف بالحرية أساسا لها. بل إن هذا التطبيق ~~للمبدأ على العلاقات السياسية، وتشكيل هذا المبدأ لتركيب ~~المجتمع وتغلغله فيه، هو ذاته ذلك المسار الطويل الأمد، ~~الذي يكون التاريخ ms087 ذاته. ولقد سبق لي التنبيه إلى ~~التمييز المتضمن هنا، بين المبدأ في ذاته وبين تطبيقه؛ ~~أي الأخذ به وتنفيذه في الظواهر الفعلية للروح والحياة. ~~وتلك نقطة لها أهميتها الكبرى في علمنا، وينبغي أن نذكر ~~على الدوام أنها أساسية. وكما أن هذا التمييز قد استرعى ~~الانتباه في صدد المبدأ المسيحي القائل إن الشعور بالذات ~~والحرية شيء واحد، فإنه يتمثل أيضا بصورة أساسية في صدد ~~مبدأ الحرية بوجه عام. وما تاريخ العالم إلا تقدم الشعور ~~بالحرية، وهو التقدم الذي يتعين علينا هنا تتبعه في ~~ضرورته الكامنة. ~~••• # في رأينا أن مصير العالم الروحي، بل الغاية القصوى ~~للعالم بأسره - إذ إن العالم الروحي هو العالم الأهم، في ~~حين يظل العالم المادي خاضعا له، أو بلغة النظر الفلسفي، ~~لا تكون له حقيقة في مقابل الروحي - إنما هو شعور الروح ~~بحريتها، وبالتالي حقيقة هذه الحرية. غير أن العصور ~~الحديثة قد أدركت بوضوح يفوق إدراك كل ما عداها من العصور، ~~أن لفظ «الحرية» هذا، إن لم يلحقه وصف آخر، يظل لفظا ~~غامضا، غير محدد، ولا يعول عليه. وأنه، في حين أن ~~مدلوله هو أقصى ما يطمح في الوصول إليه، فإنه معرض ~~لشتى أنواع سوء الفهم والخلط والخطأ، ومعرض لأن يكون ~~موضوعا لجميع أنواع التطرف الخيالي. ومع ذلك فلزام ~~علينا، في الوقت الحالي، أن نقنع باللفظ ذاته دون مزيد من ~~التعريف. ولقد نبهنا أيضا إلى أهمية الفارق الهائل بين ~~المبدأ مجردا، وبين تحقيقه عينيا. وفي مجالنا هذا سوف ~~تعرض الطبيعة الأساسية للحرية - التي تنطوي في ذاتها على ~~ضرورة مطلقة - على أنها الوصول إلى شعور بالذات (إذ إنها ~~تبعا لتصورها ذاته معرفة بذاتها)، وعلى أنها تحقق ~~بذلك وجودها؛ فهي ذاتها الهدف الذي تسعى إلى بلوغه والهدف ~~الوحيد للروح. وتلك هي النتيجة التي ظلت عملية التاريخ ~~العالمي تستهدفها على الدوام، والتي قدم من أجلها من ~~القرابين ما ظل يوضع دون انقطاع على مذبح الأرض الواسعة، ~~طوال الأحقاب التاريخية الطويلة. # وهذا هو الهدف الوحيد الذي يرى ذاته متحققا ومنفذا، ~~وهو القطب ms088 الوحيد الساكن وسط التغير الدائم للحوادث ~~والظروف، والمبدأ الوحيد الفعال الذي يسودها. # وهذه الغاية القصوى هي مقصد الله من العالم، غير أن الله ~~موجود مطلق الكمال، ولا يمكن بالتالي أن يرغب في شيء سوى ~~ذاته، وإرادته؛ فطبيعة إرادته؛ أي طبيعته ذاتها، هي ما ~~نسميه هنا بفكرة الحرية، هذا إذا ترجمنا لغة الدين إلى لغة ~~الفكر. # وإذن فالسؤال الذي يحق لنا أن نوجهه بعد ذلك مباشرة ~~هو: # ما هي الوسائل التي يستخدمها مبدأ الحرية هذا لتحقيق ~~ذاته؟ تلك هي النقطة الثانية التي يتعين علينا ~~بحثها. ~~(2) # هذا السؤال عن الوسيلة التي تكشف بها الحرية عن ذاتها ~~في العالم يؤدي بنا إلى ظاهرة التاريخ ذاته. ورغم أن ~~الحرية ذاتها تصور منطو على ذاته، فإن الوسائل التي ~~تستخدمها خارجية وظاهرية، تتكشف وتتجلى لأعيننا ~~مباشرة في التاريخ. وإن النظرة الأولى إلى التاريخ ~~لتقنعنا بأن أفعال الناس مبعثها حاجاتهم وعواطفهم وطباعهم ~~ومواهبهم؛ وتبعث فينا الاعتقاد بأن هذه الحاجات والعواطف ~~والاهتمامات هي المصادر الوحيدة للفعل؛ فهي العلل الفاعلة ~~على مسرح الفاعلية هذا. وربما وجدت ضمن هذه أهداف عامة ~~متحررة، كالخيرية أو الوطنية النبيلة، غير أن مثل هذه ~~الفضائل والمواقف العامة ضئيلة القيمة بالقياس إلى العالم ~~ونواتجه، وربما أمكننا أن ندرك المثل الأعلى للعقل ~~متحققا فيمن يستهدفون مثل هذه الأهداف، وفي مجال ~~تأثيرهم، غير أن نسبتهم في الحق إلى مجموع البشر ضئيلة، ~~وبهذا القدر نفسه يكون تأثيرهم محدودا. أما العواطف ~~والغايات الشخصية، وإرضاء الرغبات الأنانية؛ فهي أقوى ~~الدوافع إلى الفعل. وتكمن قوتها في أنها لا تتقيد بواحد ~~من القيود التي تفرضها عليها العدالة والأخلاقية وفي أن ~~لهذه الدوافع الطبيعية تأثيرا أقرب إلى الإنسان من تأثير ~~النظام الشاق المصطنع، الذي يوجه الإنسان إلى الطاعة ~~وضبط النفس والقانون والأخلاقية. وعندما نتأمل معرض مسرح ~~الانفعالات هذا، ونتائج عنفها، واللاعقلية التي ترتبط، لا ~~بها فحسب، بل بالمقاصد الحسنة والنوايا الطيبة ذاتها (أو ~~بالأحرى ترتبط بهذه الأخيرة بوجه خاص)، وعندما نتأمل ~~الشر والرذيلة والدمار الذي لحق أكثر مجالات الروح البشرية ~~ازدهارا؛ عندئذ لا ms089 يسع نفوسنا إلا أن تفيض أسفا على ~~لطخة الفساد الشامل هذه. ولما كان إحداث هذا الفساد لا ~~يقتصر على الطبيعة وحدها، بل تشترك فيه الإرادة البشرية ~~أيضا، فإن النتيجة التي يفضي إليها تفكيرنا قد تكون ~~شعورا بالمرارة الأخلاقية وثورة من الروح الخيرة (إن ~~كان لا يزال لها فينا وجود). ويمكن القول، دون أية مبالغة ~~بلاغية، إن مجرد الجمع بين مظاهر البؤس التي قهرت أقل ~~الأمم والمدن، وأفضل أمثلة الفضيلة الشخصية، يؤلف صورة ~~مخيفة إلى أقصى حد، ويثير انفعالات الحزن الذي لا يعادله ~~حزن آخر في عمقه ويأسه، ولا تعوضه أية نتيجة مواسية. ~~وهكذا نتحمل عند تأملنا لهذه الصورة عذابا عقليا لا ~~يقبل دفاعا أو مهربا سوى القول بأن ما حدث قد حدث على ~~هذا النحو وانتهى الأمر، وأنه قدر، وأنه ما كان في ~~الإمكان رده، وينتهي بنا الأمر إلى الارتداد من ذلك ~~الاشمئزاز الذي لا يطاق، والذي تهددنا به هذه الأفكار، ~~إلى مجال حياتنا الفردية الحبيب إلى نفوسنا، إلى «الحاضر» ~~الذي تكونه غاياتنا ومصالحنا الشخصية. ولكن حتى لو نظرنا ~~إلى التاريخ على أنه المذبح الذي ضحيت من أجله سعادة ~~الشعوب وحكمة الدول وفضيلة الأفراد، فلا بد أن يثار، ~~رغما عنا، السؤال التالي: لأي مبدأ، ولأي هدف نهائي، ~~قدمت هذه التضحيات الهائلة؟ من هذه النقطة ينتقل البحث ~~عادة إلى ذلك الذي جعلنا منه بداية عامة لمعالجتنا ~~للموضوع؛ فقد بدأنا من هذه النقطة، وأشرنا إلى تلك الظواهر ~~التي تكون صورة توحي بقدر كبير من الانفعالات الكئيبة ~~والتأملات الفكرية، بوصفها عين الميدان الذي نعتقد أنه ~~يكشف عن وسيلة تحقيق ما نؤكد أنه المصير الأساسي، والهدف ~~المطلق، أو - بنفس المعنى - النتيجة الصحيحة لتاريخ ~~العالم. ولقد تعمدنا خلال هذا كله اتخاذ «التأملات ~~الأخلاقية» منهجا للارتقاء من مجال الحوادث التاريخية ~~الخاصة إلى المبادئ العامة التي تنطوي عليها هذه الحوادث. ~~وفضلا عن ذلك فمثل هذه التأملات العاطفية لا تهتم فعلا ~~بالارتفاع فوق مستوى تلك الانفعالات المحزنة، وبحل ألغاز ~~العناية الإلهية التي أثارتها هذه التأملات؛ فمن طابعها ~~الأساسي ms090 أن تجد رضاء كئيبا في ذلك التسامي الخاوي العقيم ~~الذي تنطوي عليه تلك النتيجة السلبية. وعلى ذلك فسوف نردها ~~إلى وجهة النظر التي اتخذناها، ملاحظين أن الخطوات ~~المتعاقبة للتحليل الذي تؤدي بنا إليه، ستكشف أيضا عن ~~الشروط اللازمة للإجابة عن الأسئلة التي توحي بها تلك ~~اللوحة الكبيرة الزاخرة بالرذيلة والألم، والتي يكشف عنها ~~التاريخ. # وأول ملاحظة يتعين علينا إبداؤها - وهي ملاحظة سبق إبداؤها أكثر من ~~مرة، ولكن لا بد من تكرارها كلما بدا أن الحاجة تدعو إليها - هي أن ما ~~نسميه بمبدأ الروح، أو هدفها أو مصيرها أو طبيعتها وتصورها، ليس إلا ~~شيئا عاما جدا؛ فألفاظ المبدأ، والخطة الأساسية والقانون، تعبر ~~عن ماهية كامنة غير متكشفة، ليست في ذاتها متحققة تماما، مهما ~~كانت صحيحة في ذاتها؛ فالأهداف والمبادئ ... إلخ، ليس لها من مكان إلا ~~في أفكارنا، وفي مقاصدنا الذاتية، لا في مجال الواقع ذاته. وما يوجد من ~~أجل ذاته فحسب، إنما هو إمكانية أو قوة، لم ترق بعد إلى مرتبة ~~الوجود. وهناك عنصر ثان ينبغي إدخاله لنقلها إلى مجال الفعل - هو ~~التحقيق والواقعية، والقوة المحركة لهذا العنصر هي الإرادة - أي فاعلية ~~الإنسان بأوسع المعاني. فبهذه الفاعلية وحدها تتحقق وتنتقل إلى مجال ~~الفعل تلك الفكرة وتلك الخصائص المجردة بوجه عام؛ إذ لا حول لهذه ~~الأخيرة في ذاتها. فالقوة المحركة التي تدفعها إلى العمل، وتكسبها ~~وجودا محددا، هي حاجة الإنسان وغريزته وميله وانفعاله. فتحول فكرة ~~معينة لدي إلى فعل ووجود، هو رغبتي الجادة؛ إذ أرغب في تأكيد شخصيتي ~~بالنسبة إليها، وفي إرضاء ذاتي بتنفيذها. ولا بد لكي أبذل جهدي في سبيل ~~أي هدف، من أن يكون ذلك هدفي بمعنى من المعاني. ولا بد في تحقيقي لهذا ~~الهدف أو ذاك أن أجد في الوقت ذاته رضاء لي، رغم أن الهدف الذي أبذل ~~نفسي في سبيله ينطوي على نتائج معقدة، ليس للكثير منها أهمية بالنسبة ~~إلي. فالحق اللامتناهي للذات هو أنها تجد إرضاء لذاتها في فاعليتها ~~وجهدها. ولو شاء الناس أن يكون لهم اهتمام ms091 بأي شيء، فلا بد (إن جاز هذا ~~التعبير) أن يشركوا جزءا من كيانهم في هذا الشيء، وأن يجدوا شخصيتهم ~~راضية عن بلوغه. وها هنا خطأ ينبغي تجنبه، فعندما نصف شخصا بأنه ~~«مغرض» (في اشتراكه في أمر ما)؛ أي يسعى إلى نفعه الخاص وحده، نقصد من ~~ذلك معنى الذم، وننسب الأمر إليه - عن حق - على أنه خطأ. ونحن إذ نذم ~~هذا الشخص، ننتقده لسعيه وراء أهدافه الشخصية دون أي اهتمام بمقصد أعم، ~~يستغله هو لتحقيق مصلحته الخاصة، بل قد يضحي به لهذا الغرض. غير أن ~~من يجتهد في سبيل تحقيق هدف، ليس مغرضا فحسب، وإنما ينصب غرضه على هذا ~~الهدف ذاته. وإن اللغة لتعبر عن هذا التمييز تعبيرا دقيقا. وإذن ~~فلا شيء يحدث، ولا شيء يتحقق، ما لم يسع الأفراد الذين يعنيهم الأمر ~~إلى تحقيق رضائهم الخاص في هذا الأمر؛ فهؤلاء الأفراد وحدات جزئية في ~~المجتمع؛ أي إن لهم حاجاتهم وغرائزهم، وبوجه عام مصالحهم الخاصة بهم ~~وحدهم. ولا تقتصر هذه الحاجات على ما نسميه عادة بالضرورات - ~~كمنبهات الرغبة والإرادة الفردية - بل تشمل أيضا تلك الحاجات المرتبطة ~~بالآراء والمعتقدات الفردية، أو إذا شئنا استخدام لفظ ينطوي على تصميم ~~أقل، اتجاهات الرأي الفردية، هذا إذا افترضنا أن دوافع التفكير والفهم ~~والعقل قد استيقظت. وفي هذه الحالات يود الناس، إذا لزم أن يبذلوا ~~جهودهم في أي اتجاه، أن يكون الموضوع ذاته مقبولا لديهم، وأن يكونوا، ~~من حيث رأيهم في خيرية هذا الموضوع وعدالته وقيمته ومنفعته، قادرين على ~~«الاندماج فيه». # وإذن فنحن نؤكد أن شيئا لم ينجز دون اهتمام من جانب فاعليه، فإذا ~~أمكن تسمية الاهتمام باسم الانفعال # Leidenschaft # على أساس أن الشخصية ~~بأكملها تكرس ذاتها للموضوع بكل ذرة في إرادتها، مركزة جميع ~~رغباتها وقواها فيه، ومتجاهلة كل اهتمام ومطلب فعلي أو ممكن آخر، ففي ~~وسعنا عندئذ أن نؤكد على نحو مطلق أنه لم ينجز شيء عظيم في العالم ~~دون انفعال. وعلى ذلك فموضوع بحثنا يشتمل على عنصرين؛ أولهما «الفكرة»، ~~وثانيهما مجموعة الانفعالات البشرية المعقدة. ms092 أحدهما هو لحمة النسيج ~~الضخم لتاريخ العالم والآخر سداه. والوسط الموحد بين الاثنين هو ~~الحرية، في ظل شروط الأخلاقية داخل دولة. ولقد تحدثنا عن فكرة الحرية ~~بوصفها طبيعة الروح، والهدف المطلق للتاريخ. أما الانفعال فينظر إليه ~~على أنه شيء غير سليم، وعلى أنه قبيح بمعنى ما. وهكذا يطلب من الإنسان ~~ألا تكون لديه انفعالات. وأنا أعترف بأن لفظ الانفعال ليس هو اللفظ ~~الذي يلائم تماما المعنى الذي أرمي إلى التعبير عنه؛ فأنا لا أعني هنا ~~سوى الفاعلية البشرية من حيث هي ناتجة عن اهتمامات شخصية - أي مقاصد ~~خاصة، أو إن شئت فسمها مقاصد مبعثها حب الذات - موصوفة، مع ذلك، بصفة ~~خاصة، هي أن كل طاقة الإرادة والشخصية تكرس لبلوغها، وأن الاهتمامات ~~الأخرى (التي قد تكون في ذاتها أهدافا جذابة)، أو على الأصح كل ~~الأشياء الأخرى، يضحى بها من أجلها، وهكذا يرتبط الموضوع مدار البحث ~~بإرادة الإنسان إلى حد يجعله هو وحده المتحكم تماما في عزيمة الشخص ~~وغير منفصل عنها. ويغدو هو ماهية إرادة الإنسان ذاتها؛ ذلك لأن الشخص ~~إنما هو وجود محدد؛ فهو ليس الإنسان عامة (الذي هو لفظ لا يقابله وجود ~~فعلي)، وإنما هو كائن بشري بعينه. ~~(3) # ومن هذا الإيضاح للعنصر الأساسي الثاني في التجسد التاريخي لهدف ما، ~~نستنتج، عندما نلقي نظرة عابرة على نظام الدولة، أن الدولة تكون ~~سليمة الكيان قوية البنيان إذا اتفقت المصلحة الخاصة لمواطنيها مع ~~الصالح المشترك للدولة، وإذا تحقق الأول وأرضي عن طريق الثاني، وهي ~~قضية لها في ذاتها أهميتها العظمى. غير أنه لا بد في الدولة من اتخاذ ~~أنظمة متعددة، ومن اختراع أجهزة سياسية عديدة، تصحبها ترتيبات ~~سياسية ملائمة - مما يحتم صراعا طويلا للذهن قبل كشف ما هو ~~ملائم بحق - ويتضمن كذلك صراعا مع المصالح والانفعالات الشخصية، ~~وترويضا شاقا لهذه الأخيرة، حتى يتحقق الانسجام المنشود. وتبلغ ~~الدولة مرحلة الازدهار والفضيلة والقوة والرخاء في العصر الذي يتحقق ~~فيه هذا الانسجام. غير أن التاريخ العالمي لا يبدأ بهدف واع من أي ~~نوع، كما هي الحال ms093 في المجالات البشرية الخاصة. وإن الغريزة الاجتماعية ~~وحدها لتتضمن هدفا واعيا هو أمان الحياة وسلامة المال، وعندما يتم ~~تكوين المجتمع، يغدو هذا الهدف أشمل. ويبدأ تاريخ العالم بهدفه العام - ~~أي إدراك فكرة الروح - ولكن في صورة ضمنية فحسب؛ أي بوصفها طبيعة، ~~وغريزة واعية خفية، بل هي الأشد خفاء، وتأخذ عملية التاريخ بأسرها ~~(كما لاحظنا من قبل) اتجاها يستهدف جعل هذا الدافع اللاشعوري دافعا ~~واعيا. وهكذا تتبدى منذ البداية الأولى، ولكن في صورة مجرد وجود ~~طبيعي الإرادة الطبيعية؛ أي ما يسمى بالوجه الذاتي، والميل المادي ~~والغريزة والانفعال والمصلحة الشخصية، وكذلك الرأي الخاص والفهم ~~الذاتي، ويكون هذا المجموع الضخم للإرادات والاهتمامات والأفعال، ~~وسائل الروح الكلية وأدواتها للوصول إلى هدفها، ونقله إلى الوعي، ~~وتحقيقه. وما هذا الهدف سوى اهتدائها إلى ذاتها، أو عودتها إلى ذاتها، ~~وتأملها ذاتها في تحققها العيني. أما القول بأن مظاهر الحيوية هذه ~~في الأفراد والأمم، وهي المظاهر التي سعوا فيها إلى الاهتداء إلى ~~أهدافهم وتحقيقها، هي في الوقت ذاته وسائل وأدوات هدف أعلى وأوسع لا ~~يعلمون عنه شيئا، ويدركونه لا شعوريا، فذلك قول قد يكون موضوع ~~تساؤل، بل لقد كان بالفعل موضوع شك، وأنكر وانتقد وازدري بشتى ~~الصور، بوصفه مجرد أضغاث أحلام و«فلسفة». غير أني قد أبديت رأيي في هذه ~~المسألة منذ البداية، وأكدت فرضنا - الذي سيظهر مع ذلك فيما يعد في ~~صورة استدلال مشروع - واعتقادنا بأن العقل يحكم العالم، وبالتالي فقد ~~تحكم في تاريخه. وكل ما عدا ذلك خاضع وتابع لهذا الوجود الكلي ~~الأساسي ووسيلة لإظهاره. والقول بأن الحقيقة الوحيدة هي اتحاد الوجود ~~الكلي المجرد عامة مع الفرد أو مع العنصر الذاتي، هذا القول ينتمي إلى ~~مجال النظر، ويبحثه المنطق في هذه الصورة العامة. أما في عملية تاريخ ~~العالم ذاته، وهي عملية ما زالت غير تامة، فإن الهدف النهائي المجرد ~~للتاريخ لا يصبح بعد هو الموضوع المتميز للرغبة والاهتمام. وفي حين ~~أن هذه المشاعر المحدودة ما زالت غير واعية بالغرض الذي تحققه، فإن ~~المبدأ الكلي كامن فيها، ويحقق ms094 ذاته من خلالها. كذلك يتخذ السؤال ~~صورة توحيد بين الحرية والضرورة؛ إذ تعد العملية المجردة الكامنة ~~للروح ضرورة، أما الوجه الذي يتكشف للإرادة الواعية للناس، ويغدو ~~موضوعا لاهتمامهم، فإنه ينتمي إلى مجال الحرية. # الفصل الخامس # | العالم إرادة وتمثلا # أرتور شوبنهور (1788-1860م) # يصعب على المرء، وهو يشق طريقه بصعوبة خلال مؤلفات هيجل المعقدة، ~~أن يتجنب الشعور بأن هيجل يعد نفسه، في تواضع محمود، مجرد وسيط شاء ~~«المطلق» ذاته، بمحض إرادته، أن يتحدث من خلاله. ومن هنا فإن المرء ~~يتنفس الصعداء عندما ينتقل أخيرا إلى كتابات عدوه اللدود ~~شوبنهور، الذي يشعر المرء على التو بأن فلسفته إن هي إلا فكرة شديدة ~~التواضع لكائن بشري واحد عن عالم لم يصنعه قط، ولا يعجب به إلا ~~قليلا. # ولقد كانت شخصية شوبنهور عكس الشخصية الوديعة الطيبة تماما؛ ففي ~~الوقت الذي كان فيه مدرسا شابا في جامعة برلين، يتميز بقدر كبير ~~من الصلف والاعتزاز بالنفس، اختار أن يحاضر في نفس الساعة التي كان ~~هيجل العظيم يحاضر فيها، وهو اختيار له مغزاه. وغني عن البيان أن قاعة ~~محاضراته كانت خاوية. ولقد نبذته أمه، فكان من الطبيعي أن يغدو كارها ~~للنساء. ولقد كان شوبنهور ميالا إلى المتع الحسية ولكن بحرص شديد؛ ~~فكان يتعاطى لذاته بجرعات صغيرة على الدوام، غير أن الوسيلة الوحيدة ~~التي اتخذها سبيلا إلى الشهرة من حيث هو إنسان، هي أن يصبح واحدا من ~~أكبر «الكارهين» في العالم. ولهذا كان من المعقول ألا يعد، بوجه ~~عام، واحدا من أبطال الثقافة في القرن التاسع عشر. غير أن ثمة شيئا ~~محببا إلى النفس لدى هذا الأعزب العجوز الشاذ الطبع، المنطوي على ~~ذاته؛ ففي تشاؤمه صدق وإخلاص. كما أن هذا التشاؤم لا يقتصر عليه وحده؛ ~~فشوبنهور، كالشاعر الإيطالي ليوباردي، # 1 # يمثل ذلك الضجر من العالم والشعور بالعزلة اللذين ~~ينطوي عليهما معظم إنتاج الحركة الرومانتيكية، واللذين لا يصعب ~~الاهتداء إليهما حتى لدى أصحاب المذاهب التي تعد رسميا متفائلة مثل ~~هيجل. غير أن شوبنهور رفض في إصرار أن يستخدم الدعائم الأيديولوجية ms095 ~~التي استخدمها معظم معاصريه؛ فهو مثلا متحرر تماما من الهوس القومي ~~الذي انتاب فشته وهيجل، كما أن كتاباته ليس فيها أثر لأسلوبهما الخطابي ~~الممل في إعلاء الذات. وهو لا يتخذ مواقف رسمية، ولا يسمح لنفسه أبدا ~~أن يستخدم ناطقا بلسان روح العصر. ففلسفته تبدو آخر الأمر نوعا من «الثيوديسية» # 2 # المعكوسة، يسعى فيها إلى تبرير اعتقاده بأن العالم شرير في ~~أساسه، وأن المهرب الوحيد للناس العاديين إنما يكون في عالم التأمل ~~المنزه عن الغرض، غير أن ما يطرب الذهن أن يقرأ لمعاصر شاب لهيجل ~~يجسر على أن يسمي الألم شقاء، ولا يجد نفسه مضطرا إلى النظر إلى ~~التاريخ البشري على أنه مسار محتوم نحو التقدم. وإن ثقافة شوبنهور ~~وإحساسه بالتناسق، ونزعته الدنيوية الغريزية وذكاءه، ورشاقة أسلوبه ~~الأدبي، كل هذا يذكر المرء بقوة بعصر التنوير. # ولقد لمح شوبنهور على التو، بذهنه الثاقب كعادته، الدلالة ~~الأيديولوجية الأساسية لفلسفتي هيجل وفشته. وها هي ذي الكلمات التي ~~يستخدمها في التعبير عن الأهمية السياسية والاجتماعية لمذهب ~~هيجل: ~~«لقد تعين على الفلسفة، التي استعادت سمعتها بفضل كانت ... أن تغدو ~~سراعا أداة تلعب بها المصالح، مصالح الدولة من أعلى، والمصالح ~~الشخصية من أسفل ... وعلى العكس من جميع تلك المظاهر والتأكيدات الجادة، ~~لم تكن القوى الدافعة لتلك الحركة أفكارا، بل كانت بالفعل أغراضا ~~حقيقية إلى أبعد حد؛ أي مصالح شخصية، ورسمية، وكنسية، وسياسية، ~~وبالاختصار، مصالح مادية. فالمصالح الجزئية تهز بعنف أقلام الكثيرين من ~~محبي الحكمة الخالصة ... ولا جدال في أن الحقيقة هي آخر ما يجول بخاطرهم ~~... فالفلسفة تستغل استغلالا سيئا، من جانب الدولة بوصفها أداة، ومن ~~الجانب الآخر بوصفها وسيلة للكسب. وإذن، فمن ذا الذي يؤمن فعلا بأن ~~الحقيقة بدورها ستظهر إلى النور، بوصفها مجرد ناتج عرضي؟» والحق أنه لو ~~كان كارل ماركس قد فهم تماما اتجاه نقد شوبنهور، بدلا من أن يحاول أن ~~يقلب الديالكتيك الهيجلي رأسا على عقب، كان من الجائز جدا أن يطرأ ~~تغير أساسي على تاريخ البشر خلال الأعوام المائة الأخيرة. # 3 # ولقد كان ms096 من أسباب كراهية شوبنهور لفشته وهيجل اعتقاده أنهما قد ~~شوها ما هو صحيح وعميق في فلسفة كانت؛ فشوبنهور كان واحدا من أوائل ~~المجموعة الكبيرة من الفلاسفة الذين نادوا، في عصر ساد فيه المذهب ~~الهيجلي بالشعار «عودا إلى كانت!» واستخدموه في الاحتجاج على ~~الاتجاهات السائدة؛ وهذا يعني في حالة شوبنهور، أنه يعد نفسه قبل كل ~~شيء فيلسوفا نقديا ينبغي أن ينقد العقل أولا قبل أن يستخدمه ~~فلسفيا. والحق أن شوبنهور وإن لم يكن قد اشتهر بفضل مساهماته في ~~نظرية المعرفة، فإن كتابه الأشهر «العالم إرادة وتمثيلا» يبدأ، لا ~~على نحو توكيدي ببيان مبادئ ميتافيزيقية، بل بتقدير لطبيعة الذهن ~~وحدوده. ويعتقد شوبنهور، مثل كانت، أن الذهن عاجز عن معرفة كنه ~~الأشياء في ذاتها. فهو يرى أن أفكارنا لا توصلنا إلى أي عالم يتجاوز ~~نطاق مدركاتنا الحسية. والواقع أن شوبنهور يقترب كثيرا من مذهب لوك ~~التجريبي؛ إذ يصر على أن يستخدم كل التصورات مما يوجد في التجربة. ~~ومع ذلك فهو يرى أننا نستطيع الوصول بطريقة أخرى، غير عقلية، إلى حقيقة ~~تتيحها لنا الإرادة. ونستطيع أن ندرك مدى ابتعاده عن كانت في هذا ~~الصدد إذا تأملنا الفارق بين تفسير كل منهما لهذا التصور. فإلى ~~كانت ترجع بلا شك، من الوجهة التاريخية، تلك الفلسفات الإرادية التي ~~طالما تردد ظهورها طوال القرن التاسع عشر. غير أنه نظر إلى الإرادة ~~أساسا من خلال الأخلاق. أما عند شوبنهور فالإرادة هي المقولة ~~الميتافيزيقية الرئيسية، وهي أصل كل ما نسميه ب «الحقيقي». فهو يرى ~~أننا لا نحقق أنفسنا بوصفنا كائنات موجودة إلا في أفعالنا الإرادية، ~~ولا نشعر بالعالم الحقيقي على أنه أكثر من نسق من الأفكار المترابطة ~~إلا لشعورنا بأنفسنا من حيث نحن نريد شيئا. # ومن الواضح، رغم كل عداء شوبنهور لفشته، أن في هذا الجزء من فلسفته ~~تشابها قويا بينهما. ولم يكن الفارق الرئيسي بينهما في هذا الصدد ~~فارقا نظريا بقدر ما كان اختلافا في المزاج؛ ففشته يمجد الإرادة ~~في آخر الأمر، أما شوبنهور، فهو وإن يكن يتجه إلى ms097 إضفاء صبغة شخصية ~~عليها، فإنه يعدها قوة شريرة تحبط من كل وجه حياة الإنسان ~~الروحية. # ومع ذلك فإن شوبنهور ليس مجرد ميتافيزيقي شيطاني يشوه «عالم ~~الواقع» الذي وصفه معاصروه بأنه «معقول» و«حقيقي» في آن واحد. بل إن ~~فيه أيضا شيئا من النزعة الطبيعية، بحيث إن نظرته إلى الحياة الواعية ~~للإنسان على أنها ناتج عرضي للإرادة فيها قطعا استباق لفرويد. ولقد ~~كان شوبنهور يستخدم على الدوام معلومات بيولوجية وتاريخية تجريبية ~~لضرب أمثلة لرأيه القائل إن إرادة الحياة هي القانون الأساسي للحياة ~~ذاتها. وإذا كانت فكرة الإرادة عنده قد حملت ما لا تحتمل، واكتسبت ~~صفات شبه خرافية لا شأن للعلم التجريبي بها، فإن الكثيرين من شراح ~~شوبنهور قد نوهوا بحساسيته العميقة في ميدان علم النفس. # ويمكن القول، بمعنى ما، إن أوصاف شوبنهور التجريبية غير المتكلفة ~~للإرادة، تبعث قدرا كبيرا من الحرج في نفس أي فيلسوف يتخذ نقطة ~~بدايته من ثورة كانت الكبرنيكية في الفلسفة. إذ إنه يربط فهمه للإرادة ~~بأوصافه للسلوك الملحوظ للكائنات العضوية ربطا يبلغ من الوثوق حدا ~~يجعل مشكلة الاحتفاظ بالتمييز الأساسي بين الإرادة من حيث هي شيء في ~~ذاته يعلو على التجربة وبين الجسم البشري بوصفه فكرة، أو ظاهرة صبغت ~~بصبغة موضوعية، واحدة من مشاكله الأساسية. ورغم تحمس شوبنهور الهائل ~~لكانت، فإنه لم يتعلم تماما درس الفلسفية النقدية؛ إذ يبدو، من وصفه ~~للإرادة أو مظاهرها مثل هذا التفصيل، أنه يحولها إلى مجرد «فكرة» ~~أخرى ليس لها، بالنسبة إلى مقدماته هو، أن تدعي لنفسها حقيقة تزيد ~~على حقيقة أية فكرة أخرى مستمدة من التجربة. وبالاختصار، فليس في وسع ~~شوبنهور أن يجمع بين الأمرين معا؛ فهو لا يستطيع أن يعد السلوك ~~الملحوظ للكائنات العضوية البشرية مظهرا لحقيقة الإرادة الكامنة من ~~ورائه بوصفها شيئا في ذاته، وأن يؤكد، في الوقت ذاته، أن مجال ~~الملاحظة التجريبية منفصل تماما عن الأشياء كما هي في حقيقتها. # أما حل هذه المشكلة، إن كان هذا هو الاسم الذي ينبغي إطلاقه عليها، ~~فلا يكون في أي جدل نظري ms098 أو تحليل منطقي، وإنما نهتدي إليه في المجال ~~الأيديولوجي، وفي مواقف شوبنهور الرئيسية من السلوك في الحياة، ~~واستخدامه الساخر للكلمات الرنانة من أمثال «الواقع # reality ~~». وفي حين أن فشته، ومن ~~بعده نيتشه، قد أكدا الواقعية المطلقة للإرادة، وجعلا من هذه الصفة ~~علامة على قيمتها الإيجابية الأساسية، فإن شوبنهور يستخدم الكلمات ~~ذاتها للتعبير عن احتقاره العميق ويبدو أنه يقول: هذا حقيقي «في ~~الواقع»، وكأنه ليس ثمة طريقة أشد فعالية من هذه للتعبير عن اشمئزازه. ~~فتلك هي طريقته الحاقدة في التعبير عن احتقاره لكل ذلك النشاط ~~البرجوازي اللاهي غير المكترث الذي تنطوي عليها كل هذه الحركة المثالية ~~بأسرها. ويبدو أنه يتساءل: هل ينظر معاصروه الآن إلى «الإرادة» على ~~أنها مرادفة «للواقع # reality ~~»؟ إذن ~~فالواقع شيء ينبغي الانسحاب منه بأي ثمن، حتى إلى «عالم» أوهام إذا ما ~~دعا الأمر، والواقع أن شوبنهور يمضي في تفنيده للحياة الإيجابية ~~«الأخلاقية» التي يمجدها فشته، وكذلك هيجل إلى حد ما، إلى حد أنه ~~يرفض أن يعزو إلى الإرادة، تلك «الحقيقة القصوى»، حتى تلك التقوى ~~الطبيعية التي يتنازل الطيبون عنها عادة للشيطان. فالإرادة في ذاتها ~~شر كلها، وهو يدير لها ظهره تماما، و«يستغلها»، بطريقته الساخرة، في ~~تشويهها والقضاء عليها. # وهناك من نقاد شوبنهور من يدعون أنهم يجدون في عزوفه المتشائم عن ~~العالم شيئا من عدم الإخلاص. والأمر الذي يفوتهم هو السخرية الكامنة ~~في طريقة ممارسة شوبنهور للتفكير الميتافيزيقي؛ فشوبنهور متشائم بالفعل ~~من وجهة نظر المتعلقين بالعالم، الذين يوحدون بين «الواقع # reality ~~» وبين مطامعهم الخاصة ~~الجامحة. فليخلعوا، إذا شاءوا، صفة «المعقولية» على الإرادة، ~~وليسموا مظاهرها «الموضوعية» في النظم التاريخية للدولة والكنيسة ~~مظاهر تكشف بها «الروح» عن ذاتها، فما ذاك في الحق إلا تعبير عن ~~طريقتهم الخاصة في الكشف عن أنفسهم؛ فليس في مثل هذا «الواقع» في نظر ~~شوبنهور سلام ولا سعادة بالنسبة إلى الإنسان. ولنتأمل الواقع ~~( # reality ~~) «الروحي» الذي يصفه هيجل ~~ذاته، فماذا يكون الديالكتيك التاريخي إن لم يكن سجلا للصراع ~~اللامتناهي الذي يكتب فيه على كل «لحظة» أن ms099 تجد آفتها في التعارض ~~المحتوم الذي تولده داخل ذاتها، وهكذا يقول شوبنهور إنه إذا كان هذا ~~هو «الواقع»، فمرحبا بهيجل فيه، وإذا كان التشاؤم هو بديله عنه، فلم ~~لا تقبل التشاؤم؟ # ولكن ماذا يكون الأمر إذا أمكن تحويل الإرادة، وهي مصدر كل شقاء، ضد ~~ذاتها؟ إذا كانت الإرادة هي الشر، فشفاؤنا منها يكون في إخمادها. وهنا ~~يبدو أن الحل الواضح هو الانتحار. غير أن شوبنهور يرفض الانتحار بوصفة ~~آخر أفعال الإرادة وأكثرها يأسا فحسب؛ فالانتحار يقضي على الجسم من ~~حيث هو ظاهرة، ولكنه لا يقضي على الإرادة ذاتها. والحل الوحيد الآخر، ~~في رأيه، هو تحويل الإرادة ضد ذاتها، وإخماد رغباتنا الخاصة عن طريق ~~سلسلة من أفعال العزوف. وهكذا لا تكون النتيجة عنده هي الموت، وإنما ~~التأمل. # وكثيرا ما قيل إن فلسفة شوبنهور تتأثر بأفلاطون وبصوفية الهنود ~~معا. وهذا صحيح، غير أن نظرته إلى حياة التأمل تختلف إلى حد عن نظرة ~~هؤلاء إليها؛ فالتحرر من الرغبة يتم، عند شوبنهور، عن طريق التأمل ~~الجمالي، وعن طريق تأمل الفن بوجه خاص. ففي التجاوب مع الفن الرفيع، ~~ولا سيما الموسيقى، تنزه واضح، وخروج عن التصديق والتكذيب، والأمل ~~واليأس، يتركنا أحرارا في تأمل صور الأشياء دون انشغال، بل في تأمل ~~مظاهر الإرادة ذاتها دون اندماج أو اهتمام شخصي. # ولم يفت نقاد شوبنهور أن ينبهوا إلى أن هذا الوجه من أوجه مذهبه ~~يفتقر إلى الاتساق الشكلي. فإذا كانت الإرادة «هي» الواقع # real ~~، وإذا كانت تتبدى في شكل من ~~أشكال الحياة، فليس لنا أن نفترض أن التأمل قادر على «القضاء» عليها. ~~فليس ما تقضي عليه الحياة التأملية عند شوبنهور هو الإرادة في ذاتها، ~~وإنما الرغبات الجشعة المتشاحنة للحياة اليومية. غير أن عدم الاتساق لا ~~يكون خطيرا، إذا ما نظرنا إلى ميتافيزيقا شوبنهور، لا على أنها محاولة ~~لتشييد بناء منطقي، بل على أنها نظرة شخصية إلى العالم، كان فيها رده ~~على الأيديولوجيات «الموضوعية» التي أتى بها السابقون عليه. والمسألة ~~الأهم ليست هي كون حياة التأمل تخلصنا من الإرادة، ms100 بل هي ما إذا كانت ~~تأتي لنا بحل شاف للمشاكل الروحية، كالقلق وخيبة الأمل، والعزلة ~~والتغرب عن الذات، وهي مشاكل تعد من صميم إنتاج الحياة الحديثة. ~~ولقد عادت نزعة شوبنهور الجمالية إلى الظهور لدى واحد على الأقل من ~~فلاسفة القرن العشرين، هو سانتيانا، # 4 # كما أكد فلاسفة كثيرون آخرون، ممن يرون أن حياة ~~التأمل لا يصح أن تكون مثلا أعلى يكتفي به المرء، أن التأمل الجمالي ~~ينبغي مع ذلك أن يكون جزءا كبيرا مما نسميه ب «الحياة ~~الطيبة». # وإنه ليكون من الخطأ أن ننظر إلى فلسفة شوبنهور على أنها مجرد تعبير ~~عن شخصيته التي كانت عصابية شاذة المزاج إلى حد بعيد؛ فهذه الفلسفة ما ~~هي إلا صورة واحدة من صور خيبة الأمل الدائمة التي تشعر بها النفوس ~~الحساسة إزاء أنواع الخلاص الجماعي التي تقدمها النظم الاجتماعية. ~~وفضلا عن ذلك، فقد كان شوبنهور صادق التنبؤ في اعترافه بأعماق ~~«اللامعقول» البشري. وكثيرا ما يصادف المرء في كتاباته إدراكا يدعو ~~إلى الدهشة لحياة الإرادة على المستوى دون العقلي واللاشعوري، وهي أمور ~~أصبحت لها في عمرنا أهمية كبرى بفضل أتباع فرويد. # ولقد أدرك شوبنهور خطورة العقل وعقم الوقوف في وجه الإرادة بوساطة ~~مجرد «أفكار»، ولكنه، على خلاف الكثيرين من «اللاعقليين» الآخرين، لم ~~يمجد اللامعقولية أبدا. فهو مثل فرويد، قد اعترف بعصر الحيوانية في ~~الطبيعة البشرية كاملا، دون أن يحاول تأليه هذا العنصر. بل إنه لم يكن ~~في النهاية يخشاه حقيقة؛ إذ كان يعلم أن ثمة مخرجا منه، عن طريق الفهم ~~والإبداع الفني، والتأمل الجمالي. ولكم في فلسفة هذا المتشائم الأكبر ~~من عناصر حكيمة! إنه ليس مجرد «مرحلة» في تاريخ الفكر في القرن التاسع ~~عشر؛ بل إنه يقف من هيجل، في نواح معينة، موقفا يشبه كثيرا موقف ~~فرويد من كارل ماركس. ولو أغفله المرء لكان في ذلك إغفال لحقيقة هامة، ~~هي أن العصر الذي قدس التقدم كان أيضا عصر يأس فردي. # والنصوص الآتية مقتطفة من الكتاب الأول (القسمين 1، 2) ومن الكتاب ~~الثاني (الأقسام 17-19) من كتاب ms101 شوبنهور «العالم إرادة وتمثلا». # 5 ~~⋆ # وعنوان الكتاب الأول هو «العالم تمثلا. الوجه الأول: الفكرة خاضعة ~~لمبدأ السبب الكافي: موضوع التجربة والعلم.» # وعنوان الكتاب الثاني: «العالم إرادة. الوجه الأول: الصبغة الموضوعية ~~للإرادة.» # القسم الأول ~~: «العالم تمثلي.» تلك حقيقة تصح على كل كائن يعيش ~~ويعرف، وإن يكن الإنسان وحده هو القادر على استحضارها في الوعي الفكري ~~المجرد، ولو فعل ذلك حقا، لأشرقت عليه الحكمة الفلسفية. وعندئذ يدرك ~~عن يقين ووضوح أن ما يعرفه ليس شمسا ولا أرضا، وإنما هو عين ترى ~~شمسا، ويد تلمس أرضا، وأن العالم المحيط به لا يوجد إلا بوصفه ~~تمثلا؛ أي لا يوجد إلا في علاقته بشيء آخر؛ أي المتمثل، الذي هو ~~الإنسان ذاته. ولو كان لنا أن نؤكد أوليا أية حقيقة، فهذه هي؛ إذ ~~إنها تعبير عن أعم صورة لكل تجربة ممكنة يتسنى لنا تصورها، وهي صورة ~~أعم من كل الصور الأخرى؛ أعم من المكان والزمان والعلية؛ إذ إن هذه ~~كلها تفترضها. وعلى حين أن هذه الصور كلها، التي رأينا أنها ليست إلا ~~أحوالا لمبدأ السبب الكافي، لا تصح إلا على فئة خاصة من التمثلات، فإن ~~التقابل بين الذات والموضوع هو الصورة المشتركة بين كل هذه الفئات، وهي ~~الصورة التي هي وحدها الكفيلة بتحقيق إمكان أي تمثل وجعله قابلا ~~للتصور بوجه عام، سواء أكان هذا التمثل مجردا أم حدسيا، خالصا أم ~~تجريبيا. وإذن فليس ثمة حقيقة أكثر يقينا واستقلالا عن كل ما ~~عداها، وأقل حاجة إلى البرهنة عليها من هذه الحقيقة القائلة إن كل ما ~~هو موضوع للمعرفة، وبالتالي هذا العالم بأسره، ليس إلا موضوعا بالنسبة ~~إلى ذات، ومدركا بالنسبة إلى مدرك. أي إنه بالاختصار تمثل. ومن ~~الواضح أن هذا يصح على الماضي وعلى المستقبل كما يصح على الحاضر، وعلى ~~أبعد الأمور وأقربها؛ إذ إنه يصدق على الزمان والمكان ذاتيهما، وهما ~~اللذان لا تنشأ كل هذه التفرقات إلا فيهما؛ فكل ما ينتمي أو يمكن أن ~~ينتمي إلى العالم على أي نحو يخضع لتحكم الذات، ولا يوجد إلا ms102 بالنسبة ~~إلى الذات، فالعالم تمثل. ~~••• # وهكذا فإنا ننظر إلى العالم في هذا الكتاب الأول من هذا الوجه فحسب؛ ~~أعني من حيث كونه تمثلا. غير أن التردد الباطن الذي يشعر به أي شخص ~~في قبوله للفكرة القائلة إن العالم تمثله هو فحسب، لكفيل بتنبيهه ~~إلى أن هذا الرأي عن العالم، مهما كان من صحته، هو مع ذلك تعبير عن وجه ~~واحد من أوجه المسألة، وأنه ينجم عن نوع من التجريد المتعمد. ولكنه ~~من جهة أخرى رأي لا يستطيع أن يجد منه مهربا. وعلى أية حال فسوف يعالج ~~الكتاب المقبل أوجه النقص في هذا الرأي، عن طريق حقيقة ليس لها مثل ~~اليقين المباشر الذي تتصف تلك الحقيقة التي نتخذها ها هنا نقطة بداية ~~لنا، وهي حقيقة لا يمكننا الوصول إليها إلا ببحث أعمق وتجريد أشق، ~~وبالفصل بين ما هو مختلف والتأليف بين ما هو متماثل. وهذه الحقيقية، ~~التي ينبغي أن تكون شديدة الخطورة والتأثير، إن لم تكن حقيقة مخيفة ~~لكل شخص، هي أن الإنسان يستطيع أيضا، بل ينبغي عليه، أن يقول: «العالم ~~إرادتي.» # ومع ذلك فعلينا في هذا الكتاب الأول أن نبحث على حدة في ذلك الوجه ~~الذي نبدأ به من أوجه العالم؛ أعني في الوجه الذي يكون فيه قابلا ~~للمعرفة، وبالتالي أن ننظر دون تحفظ إلى جميع الأشياء الموجودة، حتى ~~أجسامنا ذاتها (كما سنرى بمزيد من التفصيل بعد قليل) على أنها مجرد ~~تمثل، وأن نسميها مجرد تمثلات. وعلى هذا النحو نجرد هذه ~~الموضوعات دائما (كما نأمل أن نوضح للجميع فيما بعد) من الإرادة ~~التي تؤلف في ذاتها الوجه الآخر للعالم. فكما أن العالم هو، في واحد ~~من أوجهه، تمثل كله، فإنه كذلك في وجه آخر إرادة كله. أما القول ~~بوجود حقيقة ليست واحدا من هذين، وإنما هي موضوع في ذاته (هو الذي ~~تدهور إليه الشيء في ذاته، للأسف، على يد كانت) فهو خيال حالم، وقبوله ~~إنما هو السراب الخادع في الفلسفة. # القسم الثاني ~~: إن ما يعرف كل الأشياء، ولا يعرفه شيء، ms103 هو الذات. وإذن ~~فهي دعامة العالم، وهي شرط جميع الظواهر والموضوعات، وهي دائما تفترض ~~مقدما؛ إذ إن كل ما يوجد، إنما يوجد بالنسبة إلى الذات فحسب. وإن كل ~~شخص ليجد نفسه ذاتا، ولكن بقدر ما يعرف فحسب، لا بقدر ما هو موضوع ~~للمعرفة. غير أن جسمه موضوع بالفعل، وبالتالي فمن الممكن، من وجهة ~~النظر هذه، أن نسميه تمثلا. إذ إن الجسم موضوع ضمن الموضوعات، تسري ~~عليه قوانين الموضوعات، وإن يكن موضوعا مباشرا. وهو ككل موضوعات ~~الإدراك الحسي، يندرج تحت الصور الكلية للمعرفة، كالمكان والزمان، ~~اللذين هما شرطا الكثرة. أما الذات التي هي العارف دائما، ولا تكون ~~هي المعروف أبدا، فلا تندرج تحت هذه الصور، بل إن هذه الصور تفترضها ~~مقدما. ومن ثم فهي لا تتصف بالكثرة ولا بعكسها؛ أي الوحدة، فنحن لا ~~نعرفها قط، ولكنها هي دائما العارف كلما كان ثمة معرفة. ~~(من الكتاب الثاني، القسم 17) ~~: غير أن ما يدفعنا الآن إلى البحث هو ~~أننا لا نقنع بأن نعرف أن لدينا تمثلات، وأن هذه التمثلات هي كذا ~~وكذا، وأنها مرتبطة حسب قوانين معينة يعبر عنها مبدأ السبب الكافي ~~تعبيرا عاما، بل إنا نريد معرفة دلالة هذه التمثلات، ونتساءل ~~عما إذا كان هذا العالم تمثلا فحسب - وهو قول لو صح لكان العالم ~~يمر بنا كما يمر حلم عابر أو رؤية خادعة، ولما استحق انتباهنا - ~~أم إنه أيضا شيء آخر، شيء يزيد على مجرد التمثل، وفي هذه الحالة، ~~فما هو هذا الشيء؟ إن الأمر المؤكد هو أن هذا الشيء الذي ننشده ينبغي ~~أن يكون في طبيعته الكاملة مختلفا عن التمثل اختلافا تاما ~~أساسيا، وبالتالي إن صور التمثل وقوانينه ينبغي أن تكون غريبة عنه ~~تماما، وهكذا فنحن لا نستطيع أن نصل إليه من التمثل بإرشاد القوانين ~~التي تقتصر مهمتها على الجمع بين الموضوعات والتمثلات سويا، وإنما ~~هذه هي صور مبدأ السبب الكافي. # وهكذا نرى بالفعل أننا لا نستطيع أبدا الوصول إلى الطبيعة الحقة ~~للأشياء من الخارج، ومهما بحثنا، فلن يكون في وسعنا أبدا ms104 أن نصل إلى ~~شيء سوى الصور والأسماء؛ فنحن أشبه برجل يدور حول قلعة باحثا، دون ~~جدوى، عن مدخل، ويقوم أحيانا برسم الوجه الظاهري لهذه القلعة. ومع ذلك ~~فهذه هي الطريقة التي اتبعها جميع الفلاسفة من قبلي. ~~(القسم 18) ~~: والواقع أن المعنى الذي ننشده لهذا العالم الماثل لي ~~بوصفه تمثليا فحسب، أو الانتقال من العالم بوصفه مجرد تمثل للذات ~~العارفة إلى أي شيء آخر قد يكونه إلى جانب هذا، لا يمكن الاهتداء إليه ~~إن كان الباحث نفسه مجرد ذات عارفة (أي ملاك مجنح دون جسم)، غير أنه ~~هو ذاته متغلغل في هذا العالم، وهو يجد نفسه فيه بوصفه فردا؛ أي إن ~~معرفته، التي هي الدعامة الضرورية للعالم كله من حيث هو تمثل، تعطى ~~كلها مع ذلك بتوسط جسم، تكون انفعالاته، كما رأينا، نقطة بداية الذهن ~~في إدراكه لهذا العالم؛ فجسم هذا الباحث، من حيث هو ذات عارفة خالصة، ~~هو بالنسبة إليه تمثل شأنه شأن أي تمثل آخر، وموضوع من الموضوعات. ~~وحركاته وأفعاله لا تعرف لديه إلا كما تعرف تغيرات جميع الموضوعات ~~المدركة الأخرى، ولو لم يكن معناها يكشف له على نحو مختلف تماما، ~~لظلت لها بالنسبة إليه نفس الغرابة والغموض. ولو لم يكن الأمر كذلك ~~لرأى سلوكه يتلو من دوافع معينة باطراد القانون الطبيعي، مثلما تتلو ~~تغيرات الموضوعات الأخرى من علل أو منبهات، أو دوافع. ولكنه لن ~~يدرك عندئذ تأثير الدوافع أكثر مما يدرك الارتباط بين كل معلول آخر ~~يراه وبين علته. عندئذ قد يسمي الطبيعة الباطنة التي لم يفهمها ~~لمظاهر الجسم وأفعاله هذه قوة أو كيفية أو صفة حسبما يشاء، ولكن فهمه ~~لها لن يتجاوز هذه الحدود. غير أن الحال ليست كذلك على الإطلاق، بل إن ~~الإجابة على هذا السؤال المحير إنما تعطى للذات العارفة بوصفها ~~فردا، فالإجابة هي الإرادة. فهذا، وهذا وحده، هو الذي يعطي الذات ~~مفتاح وجودها الخاص، ويكشف لها عن أهمية وجودها وفعلها وحركاتها ~~وتركيبها الباطن؛ فالجسم يعطى على نحوين مختلفين تماما للذات ~~العارفة التي لا تصبح فردا ms105 إلا باتحادها معه. فهو يعطى في الإدراك ~~العاقل، بوصفه تمثلا وبوصفه موضوعا ضمن الموضوعات، تسري عليه ~~قوانين هذه الموضوعات، ولكنه يعطى أيضا على نحو مختلف تماما بوصفه ~~ما يعرفه مباشرة كل واحد، وتدل عليه كلمة الإرادة. فكل فعل حقيقي ~~لإرادته هو حتما حركة لجسم في الوقت ذاته، وهو بالفعل لا يستطيع أن ~~يريد الفعل ما لم يشعر في الوقت ذاته أنه يبدو بوصفه حركة للجسم. وليس ~~فعل الإرادة وحركة الجسم شيئين مختلفين معروفين موضوعيا، تجمع ~~بينهما رابطة العلية، بل هما لا يرتبطان ارتباط العلة بالمعلول، ~~وإنما هما شيء واحد، وإن كانا يعطيان على نحوين مختلفين تماما؛ أي ~~على نحو مباشر أولا، ثم في الإدراك بالنسبة إلى الذهن. وما فعل الجسم ~~إلا فعل الإرادة وقد اتخذ صبغة موضوعية؛ أي ترجم إلى إدراك. وسوف نرى ~~فيما بعد أن هذا يصح على كل حركة للجسم، لا على تلك الحركات التي تتلو ~~من دوافع فحسب، بل أيضا على الحركات اللاإرادية التي تتلو من مجرد ~~منبهات، بل إن الجسم كله ليس في واقع الأمر سوى إرادة اتخذت طابعا ~~موضوعيا؛ أي إرادة أصبحت تمثلا، كل هذا سيثبت ويوضح بجلاء ~~خلال هذا الكتاب. ولهذا فإن الجسم، الذي أطلقت عليه في الكتاب السابق، ~~وفي بحثي عن «مبدأ السبب الكافي»، اسم «الموضوع المباشر»، وفقا لوجهة ~~النظر المقتصرة على جانب واحد، والتي اتخذتها فيهما عمدا (أعني وجهة ~~نظر التمثل) اسم الموضوع المباشر، سأطلق عليه ها هنا، من وجهة نظر ~~أخرى، اسم «موضوعية الإرادة». وهكذا يمكننا أن نقول أيضا بمعنى معين ~~إن الإرادة هي المعرفة الأولية للجسم، وإن الجسم هو المعرفة البعدية # a posteriori # للإرادة، وليست ~~قرارات الإرادة المتعلقة بالمستقبل سوى تفكير العقل فيما سنريده في ~~وقت معين، لا أفعال حقيقية للإرادة. والأمر الوحيد المميز للقرار ~~الذي ينعقد عليه العزم هو التنفيذ؛ إذ إنه لا يكون، حتى ذلك الحين، سوى ~~مقصد قد يتغير، ولا يوجد إلا في العقل وبطريقة مجردة؛ فالإرادة ~~والفعل لا يكونان مختلفين إلا بالنسبة إلى الفكر، أما في ms106 الواقع ~~فهما شيء واحد. وكل فعل مباشر أصيل صحيح للإرادة هو في الوقت ذاته وعلى ~~التو فعل ملموس للجسم. ومقابل ذلك نجد أن كل انطباع على الجسم هو ~~أيضا، ومن الناحية الأخرى، انطباع على الإرادة. وهو بهذا المعنى ~~يسمى ألما عندما يخالف الإرادة، وإشباعا أو لذة عندما يوافقها. ~~ولكل من الاثنين درجات واسعة الاختلاف. ومع ذلك فمن الخطأ التام أن ~~نسمي الألم واللذة تمثلات؛ إذ إنهما ليسا تمثلات، وإنما انفعالات ~~مباشرة للإرادة في ظاهرتها التي هي الجسم، وهما رغبة أو عدم رغبة ~~إجبارية فورية في الانطباع الواقع على الجسم. وليست هناك سوى انطباعات ~~قليلة للجسم لا تثير الإرادة، وعن طريق هذه الانطباعات وحدها يكون ~~الجسم موضوعا مباشرا للمعرفة؛ إذ يكون الجسم، بوصفه إدراكا في ~~الذهن، موضوعا غير مباشر شأنه شأن كل ما عداه. ولذا كان من الواجب أن ~~ينظر إلى هذه الانطباعات مباشرة على أنها مجرد تمثلات، وأن نستثنيها ~~مما قيل من قبل، فالمقصود هنا هو انفعالات الحواس الموضوعية الخاصة، ~~حواس البصر والسمع واللمس، وإن لم تكن هذه مقصودة إلا بقدر ما تتأثر ~~أعضاؤها على النحو الفريد المرتبط بطبيعتها المحددة فحسب. ولانفعال ~~الحواس هذا تأثير في الحساسية الحادة المتخصصة لهذه الأجزاء يبلغ من ~~الضعف حدا يجعله لا يؤثر في الإرادة، وإنما يمد الذهن بالمادة التي ~~ينشأ منها الإدراك، دون أن تعكر صفو هذا الذهن أية إثارة للإرادة. ~~غير أن كل تأثر لأعضاء الحس هذه على نحو أقوى أو على نحو مختلف ينطوي ~~على ألم؛ أي يخالف الإرادة، ومن هنا كان بدوره منتميا إلى موضوعية ~~الإرادة. ويظهر ضعف الأعصاب عندما تصل الانطباعات التي ليس لها من ~~القوة إلا ما يكفي لجعلها مادة للذهن، إلى الدرجة الأعلى التي تؤثر ~~فيها في الإرادة؛ أي تسبب ألما أو لذة، أو على الأصح ألما في معظم ~~الأحيان. غير أن هذا الألم يتصف إلى حد ما، بالإبهام والغموض، بحيث ~~لا يقتصر الأمر على تألمنا من أصوات معينة أو من الضوء القوي، بل ~~تنشأ لدينا حالة من ms107 الاعتلال والوسوسة لا نفهمها بوضوح. كما تتضح هوية ~~الجسم والإرادة على أنحاء أخرى، منها أن كل حركة قوة عنيفة للإرادة؛ أي ~~كل انفعال، تثير الجسم وكيانه الباطن مباشرة، وتبعث الاضطراب في مجرى ~~وظائفه الحيوية. # وأخيرا فإن المعرفة التي لدي عن إرادتي، وإن تكن مباشرة، لا يمكن ~~أن تفرق عن معرفتي بجسمي. فأنا أعرف إرادتي، لا بوصفها كلا أو وحدة، ~~ولا أعرفها معرفة كاملة حسب طبيعتها، بل أعرفها في أفعالها الخاصة ~~فحسب، وبالتالي في الزمان، الذي هو صورة لظاهرة جسمي، ولكل موضوع كذلك. ~~وإذن فالجسم شرط لمعرفة إرادتي. وهكذا لا يمكنني بالفعل أن أتصور هذه ~~الإرادة دون جسمي. ولقد عالجت الإرادة، أو بالأحرى الذات المريدة، على ~~أنها فئة خاصة من التمثلات أو الموضوعات. ولكنا حتى في تلك الحالة قد ~~رأينا هذا الموضوع يصبح هو والذات شيئا واحدا؛ أي رأيناه لا يعود ~~موضوعا؛ فبقدر ما أعرف إرادتي حقا على أنها موضوع، أعرفها بوصفها ~~جسما، ولكني في هذه الحالة أعود ثانية إلى الفئة الأولى من ~~التمثلات التي عرضتها في ذلك البحث؛ أي إلى الموضوعات الفعلية. وسنرى ~~بوضوح متزايد، كلما سرنا قدما، أن تمثلات الفئة الأولى هذه لا تجد ~~تفسيرها وحلها إلا في تمثلات الفئة الرابعة التي عرضناها في ذلك ~~البحث، والتي لا يعود من الممكن وضعها مقابل الذات بوصفها موضوعا، وأن ~~علينا بالتالي أن نتعلم فهم الطبيعة الباطنة لمبدأ العلية الذي ~~يصح على الفئة الأولى، ولكل ما يحدث وفقا لهذا المبدأ، من خلال مبدأ ~~تحكم الدوافع، الذي يسري على الفئة الرابعة. # ومن المحال إثبات هوية الإرادة والجسم، التي قدمنا لها الآن ~~تفسيرا مؤقتا، إلا على النحو الذي قلنا به ها هنا. ولقد كان هذا أول ~~إثبات لهذه الهوية. وسوف يزداد إثباتنا هذا عمقا خلال هذا الكتاب، ~~وبعبارة أخرى فقد أخرجنا هذه الهوية من نطاق الوعي المباشر، ومن ~~المعرفة العينية، ونقلناها إلى مجال المعرفة العقلية أو المعرفة ~~المجردة. ومن جهة أخرى، فإن طبيعة هذه الهوية ذاتها تجعل من المحال ~~البرهنة عليها؛ أي استخلاصها بوصفها ms108 معرفة غير مباشرة من معرفة أخرى ~~أقرب إلى الطابع المباشر، لا لشيء إلا لأنها هي ذاتها أقرب المعارف إلى ~~الطابع المباشر. فإذا لم ندركها أو نتمسك بها على هذا النحو، فسيكون ~~من العبث أن نتوقع تلقيها مرة أخرى على نحو غير مباشر بوصفها معرفة ~~مشتقة؛ فهي معرفة من نوع خاص إلى أبعد حد، وبالتالي لا يمكن أن تدرج ~~حقيقتها تحت واحدة من الفئات الأربع التي صنفت بها كل الحقائق ~~المنطقية، والتجريبية، والميتافيزيقية، وما بعد المنطقية؛ إذ إنها ~~تختلف عن هذه كلها في أنها ليست مثلها ربطا لتمثل مجرد بتمثل ~~آخر، أو بالصورة الضرورية لتمثل الحدسي أو المجرد، وإنما هي ربط لحكم ~~بالعلاقة التي تجمع بين تمثل إدراكي، هو الجسم، وبين ما ليس ~~بالتمثل على الإطلاق، وإنما يختلف عن ذلك كل الاختلاف؛ أعني ~~بالإرادة. ~~(القسم 19) ~~: وعلى حين أننا قد اضطررنا كارهين في الكتاب الأول إلى ~~وصف جسم الإنسان بأنه مجرد تمثل للذات العارفة، شأنه شأن سائر ~~موضوعات عالم الإدراك هذا، فقد اتضح لنا الآن أن في وعي كل شخص شيئا ~~يميز تمثل جسمه من جميع التمثلات الأخرى التي تشبهه تماما من ~~جميع الأوجه الأخرى؛ ذلك لأن جسمنا يبدو في الوعي على صورة أخرى مختلفة ~~تماما، يعبر عنها بلفظ الإرادة. وهذه المعرفة المزدوجة لدينا بجسمنا ~~هي التي تمدنا بالمعلومات عنه، وعن فعله وحركاته الناجمة عن دوافع، ~~وكذلك عما ينفعل به عن طريق الانطباعات الخارجية، وبالاختصار عما ~~يكونه، لا بوصفه تمثلا، بل بوصفه أكثر من التمثل؛ أي عما يكونه ~~في ذاته. وليست لدينا أية معلومات مباشرة كهذه عن طبيعة أي شيء حقيقي ~~آخر أو فعله وانفعاله. # ولا تكون الذات العارفة فردا إلا بفضل هذه العلاقة الخاصة بجسم ~~بعينه، فإذا ما نظر إلى هذا الجسم بمعزل عن هذه العلاقة، لما غدا ~~سوى تمثل كسائر التمثلات. غير أن العلاقة التي تكون الذات العارفة ~~بفضلها فردا هي لهذا السبب عينه علاقة لا تقوم إلا بينها وبين تمثل ~~واحد بعينه من بين جميع ما لديها من التمثلات، ms109 ومن ثم فإنها تشعر ~~بهذا التمثل الخاص، لا بوصفه تمثلا فحسب، بل في الوقت ذاته على ~~نحو مخالف تماما، بوصفه إرادة. أما إذا تجرد عن هذه العلاقة الخاصة، ~~وعن هذه المعرفة المزدوجة والمتباينة تماما لما هو موضوع واحد لا ~~يتغير، فإن هذا الواحد؛ أي الجسم، يغدو تمثلا كسائر التمثلات. ~~وإذن فلا بد لفهم المسألة من أحد أمرين؛ إما أن يفترض الفرد العارف ~~أن ما يميز هذا التمثل الواحد من غيره هو مجرد كون معرفته ترتبط به ~~هو وحده في هذه العلاقة المزدوجة، وأن التبصر في اتجاهين مختلفين في ~~آن واحد لا يتاح له إلا في حالة موضوع الإدراك هذا وحده، وإن مرد ~~هذا ليس إلى الفرق بين هذا الموضوع وجميع الموضوعات الأخرى، وإنما إلى ~~الفرق بين علاقة معرفته بهذا الموضوع الواحد وعلاقتها بجميع الموضوعات ~~الأخرى فحسب. وإما أن يفترض أن هذا الموضوع يختلف عن الباقين جميعهم ~~اختلافا أساسيا، وأنه هو وحده دونها جميعا، إرادة وتمثل معا، في ~~حين أن بقية الموضوعات تمثلات؛ أي أشباح، فحسب. وهكذا يكون عليه أن ~~يفترض أن جسمه هو الفرد الحقيقي الوحيد في العالم؛ أي إنه هو الظاهرة ~~الوحيدة للإرادة، والموضوع المباشر الوحيد للذات. أما كون الموضوعات ~~الأخرى، من حيث هي مجرد أفكار، تشبه جسمه؛ أي تشغل مثله مكانا (لا ~~يتمثل بدوره إلا بوصفه تمثلا)، ولها مثله فاعلية إيجابية في ~~المكان، فذلك ما يثبته بجلاء قانون العلية الذي يصدق أوليا على ~~الأفكار، والذي لا يسمح بوجود أي معلول دون علة. ولكن بالإضافة إلى ~~كوننا لا نستطيع أن نستدل من المعلول إلا على علة بوجه عام، لا على علة ~~مماثلة، فإنا ما زلنا في مجال التمثل وحده، وهو المجال الذي لا يصدق ~~قانون العلية إلا عليه، والذي لا يمكنه أن يسري على ما هو خارج عنه. ~~أما كون الموضوعات المعروفة للفرد بوصفها تمثلات فحسب، هي، مثل ~~جسمه، مظاهر لإرادة، فذلك، كما قلنا في الكتاب الأول، هو المعنى الصحيح ~~للسؤال المتعلق بحقيقة العالم الخارجي. ومن ينكر ذلك يقع ms110 في الأنانية ~~النظرية التي ترى، على هذا النحو، أن جميع الظواهر الواقعة خارج ~~إرادتها هي أشباح، مثلما تؤدي الأنانية العملية إلى النتيجة ذاتها في ~~المجال العملي: حيث ينظر فيها الإنسان إلى ذاته وحدها على أنها شخص ~~حقيقي، ويرى في جميع الأشخاص الآخرين بمجرد أشباح. ولا جدال في أن من ~~المحال تفنيد الأنانية النظرية بالبرهان، غير أن استخدامها الوحيد في ~~الفلسفة كان استخدامها بوصفها مغالطة شكاكة؛ أي لغرض الادعاء ~~الظاهري. أما من حيث هي اعتقاد جدي، فمن المحال أن يكون لها قيام إلا ~~وسط المجانين، ومن ثم فإنها بهذا المعنى تحتاج إلى علاج أكثر مما ~~تحتاج إلى تفنيد؛ ولذا فلن نمضي في محاربتها أبعد من ذلك، بل سننظر ~~إليها على أنها آخر معاقل الشكاك فحسب، وهو معقل جدلي على الدوام. ~~وهكذا فإن معرفتنا، التي تتقيد وتحد دائما بالفردية، تقتضي ~~بالضرورة أن يكون كل منا واحدا فحسب، في حين أنه يستطيع أن يعرف كل ~~شيء؛ وهذا التحدد ذاته هو الذي يخلق الحاجة إلى الفلسفة. وإذن فنحن؛ ~~إذ نسعى لهذا السبب بعينه إلى توسيع حدود معرفتنا بالفلسفة، فإننا ~~سننظر إلى حجة الشكاك هذه؛ أعني حجة الأنانية النظرية، مثلما ينظر ~~الجيش إلى قلعة صغيرة على الحدود. حقا إن من المحال اقتحام القلعة، ~~غير أن من المستحيل على حاميتها أن تغادرها؛ ولذا ففي وسعنا أن ~~نتجاوزها دون خطر، وأن نتركها في مؤخرة صفوفنا دون أن نخشى ~~شيئا. # وهكذا أوضحنا بجلاء تلك المعرفة المزدوجة التي لدينا بطبيعة جسمنا ~~وفاعليته، والتي تعطى على نحوين مختلفين تماما، ومن ثم فسوف ننتفع ~~منها على نحو آخر إذ نتخذها مفتاحا للماهية الباطنية لكل ظاهرة في ~~الطبيعة، وسوف نحكم على جميع الموضوعات المغايرة لأجسامنا، والتي لا ~~تعطى لوعينا بالتالي على نحو مزدوج، وإنما بوصفها تمثلات فحسب، على ~~أساس تشبيهها بأجسامنا. وهكذا فسوف نفترض أنه لما كانت هذه الموضوعات ~~في أحد أوجهها تمثلا، كأجسامنا، ولما كانت متجانسة مع أجسامنا في ~~هذا الوجه، فإن ما يتبقى منها عندما ندع جانبا وجودها بوصفها ~~تمثلا ms111 للذات، لا بد أن يكون في طبيعته الباطنة مماثلا لما ~~نسميه بالإرادة فينا. إذ ما هو النوع الآخر من الوجود أو الحقيقة ~~الذي ينبغي أن نعزوه إلى بقية العالم المادي؟ ومن أين نستمد العناصر ~~التي نشيد منها مثل هذا العالم؟ ليس ثمة شيء معروف لنا أو يمكننا ~~التفكير فيه، سوى الإرادة والتمثل، فإذا شئنا أن نعزو أكبر قدر من ~~الحقيقة المعروفة إلى العالم المادي الذي لا يوجد مباشرة إلا في ~~تمثلنا، فإنا نعزو إليه الحقيقة التي تكون لجسمنا في نظر كل منا؛ إذ ~~إن الجسم هو أكثر الأشياء حقيقة بالنسبة إلى كل منا. ولكنا إذا ما ~~قمنا بتحليل لحقيقة هذا الجسم وأفعاله، خلاف كونه تمثلا، فلن نجد ~~فيه سوى الإرادة؛ فبالإرادة تستنفد حقيقته. وإذن فليس في وسعنا أن نجد ~~نوعا آخر من الحقيقة نعزوه إلى العالم المادي. فإذا قلنا إن العالم ~~المادي يزيد على كونه مجرد تمثل لنا، فينبغي أن نقول إنه، إلى جانب ~~كونه تمثلا؛ أعني في ذاته وفي أعماق طبيعته الباطنة، هو ما نهتدي ~~إليه في أنفسنا مباشرة بوصفه إرادة. # الفصل السادس # | مؤسس الوضعية # أوجست كونت (1798-1857م) # كان أوجست كونت أول فيلسوف كبير في القرن التاسع عشر لم تشتق أفكاره ~~مباشرة من كانت. كما أنه أول مفكر غير ألماني نتحدث عنه في هذا ~~الكتاب، وإن النظرة السطحية لتوحي بأن تفكيره يتعارض أشد التعارض مع ~~الميتافيزيقا المثالية الجديدة لدى فشته وهيجل. غير أن ثمة أوجه شبه ~~خفية عديدة بين كونت وبين معاصريه من الألمان. فرغم أن كونت ينادي برفض ~~الميتافيزيقا رفضا باتا، فإنه لم يلجأ إلى النظر الفكري الخالص. ~~ونستطيع أن نقول إن المعنى الذي يفهمه المثاليون من الميتافيزيقا هو، ~~من وراء الاختلاف في المصطلح، معنى لا يبعد كثيرا عما كان كونت ~~يقصده ب «الفلسفة الوضعية». وسوف تبدو أوجه الشبه هذه بين الفلسفتين ~~أقل تعسفا إذا تذكرنا أن الميتافيزيقا ليست عند المثاليين «ما ~~يعلو على الطبيعة»، وإنما هي الأيديولوجية الأساسية أو النظرة إلى ~~العالم # weltanschauing ~~، وإذا أدركنا ~~أيضا أن ms112 كونت لا يعد الفلسفة الوضعية جزءا من العلم التجريبي ذاته. ~~والحق أن أخطر الاختلافات بين المثالية والوضعية هي في معظم الأحيان ~~اختلافات أيديولوجية؛ فقد كان المثاليون محافظين من الوجهة ~~الأيديولوجية، يسعون إلى الاحتفاظ بتلك القيم التي نظروا إليها على ~~أنها هي القيم الأولى للتراث المسيحي، ولكن في صورة معدلة. غير أن ~~الروح الدنيوية العنيفة التي اتسم بها عصر التنوير قد ظلت في هذه ~~الأثناء حية، وظهر في العصر التالي فلاسفة كثيرون كانوا يعترضون حتى ~~على التفسيرات المخففة التي حاول بها المثاليون تعديل النظرة ~~المسيحية إلى العالم. وكان هناك فلاسفة كثيرون، وخاصة في فرنسا ~~وإنجلترا، ظلوا يؤكدون ضرورة التخلي عن التراث على نحو أشد عنفا ~~مما كان المثاليون على استعداد لقبوله، وحاولوا إيجاد أساس ~~لأيديولوجية جديدة ذات طابع علمي، تحل تماما محل ما تبقى من نظرة ~~العالم المسيحي في العصور الوسطى. وكان الهدف الذي يسعون إليه هو ~~إيجاد حضارة إنسانية خالصة، ترتكز ارتكازا متينا على أساس من العلم ~~الحديث، وتطهر مما في المثالية من غوامض متلاعبة بالألفاظ ومن ~~تمويهات. وبين هؤلاء الفلاسفة يحتل أوجست كونت مكان الصدارة. # وأفضل سبيل إلى فهم وجهة نظر فلسفة كونت الوضعية هو مقارنتها بفلسفة ~~كانت النقدية؛ فكانت لا يقل عن كونت معارضة للميتافيزيقا النظرية ~~واللاهوت النظري. غير أنه لا ينكر أبدا أن الحديث عن أشياء في ذاتها ~~لا يصل إليها الذهن العلمي يمكن، من وجه معين، أن يكون حديثا ذا ~~معنى، كما أنه لا ينكر أن هناك أنواعا للنشاط العقلي غير تلك التي ~~تطابق إجراءات العلم التجريبي. وبالاختصار فإن نقده للعقل لا يمثل ~~اعتراضا أساسيا على الرأي التقليدي القائل إن النشاط العلمي لا ~~يستنفد جميع أطراف حياة العقل؛ ففي رأيه أن للأخلاق والدين والفن ~~أساسها العقلي، حتى لو لم يكن من الممكن وصف النتائج التي تحققها ~~بأنها «معرفة». # أما كونت فيرفض الخروج عن نطاق العلم في سبيل تبريره نقديا بوصفه ~~الصورة الوحيدة للمعرفة البشرية؛ فمعيار المعقولية الوحيد عنده هو، منذ ~~البداية، العلم، والأساس الوحيد لرفضه أن ms113 يعد اللاهوت أو الميتافيزيقا ~~ميادين للمعرفة هو أن طرق البحث العلمية لا يمكن أن تبرر ادعاءاتها ~~المعرفية. وبالاختصار فإن موقف كونت من العلم ليس نقديا، وإنما هو ~~«وضعي»، والعالم الذي يصفه العلم هو العالم «الوحيد» ومنهجه هو منهج ~~المعرفة ذاتها. وهذا لا يعني، كما سنرى، أن كونت يرفض الأخلاق أو الدين ~~تماما، وإنما معناه أن من الواجب الكف عن تصور الأخلاق والدين على ~~أنهما يتنافسان مع العلم في ميدانه الخاص، وأن عليهما الالتجاء إلى ~~العلم في صدد أية ادعاءات علمية قد يضطران إلى القيام بها. # وطالما زعم نقاد كونت أن فلسفته مستعارة بأسرها. وهذا خطأ يتضح إذا ~~ما قارناه بالسابقين عليه مثل لوك أو هيوم؛ فالتجريبيون الإنجليز ~~يحاولون جميعا أن يبرروا تجريبيتهم بإظهار أن من الممكن تعقب ~~«أصول» جميع أفكارنا إلى انطباعات للحس وانعكاسات على الفكر أو شعور. ~~أما كونت فيرفض أي تبرير نفساني كهذا، ويكتفي بإعلان إصراره على عدم ~~الاعتراف بإمكان تصديق أية عبارة ما لم تحققها مناهج العلم التجريبي. ~~وبالاختصار فإن تجريبيته «وضعية» وهو يستخدمها صراحة وعلنا بوصفها ~~أداة أيديولوجية للقضاء على كل المناهج غير العلمية في التفكير. ~~وهدفه، من حيث هو فيلسوف، هو الدعوة إلى عقلية تأبى التفكير على نحو ~~غير علمي، وترفض قضايا اللاهوت التقليدي والميتافيزيقا التقليدية لمجرد ~~كونها غير علمية. # هذا الموقف الصارم الحازم يبدو بعيدا كل البعد عن فلسفة كانت ~~المتأنية في نقدها، وعن المذهب الترنسندنتالي الرقيق اللهجة عند فشته ~~وهيجل، وهو بالفعل بعيد عن هذه المذاهب في نواح عدة. غير أن كانت يرفض ~~إمكان الميتافيزيقا النظرية بنفس القوة التي يرفضه بها كونت، ونتيجة ~~معارضتهما للميتافيزيقا العقلية واللاهوت العقلي تتقارب في النهاية إلى ~~حد بعيد. ولقد كانت فلسفة كونت مشابهة لفلسفة هيجل في تغلغل فكرة ~~التطور فيها بعمق، وقانونه المشهور «للمراحل الثلاث» للتطور العقلي ~~البشري يحمل طابعا هيجليا لا ينكر، كما أن كونت يستخدمه، على ~~طريقة هيجل، وسيلة للقضاء بطريقة خفية بارعة على كل وجهات النظر ~~السابقة عليه. ولكن هل القانون ذاته فرض تجريبي؟ ms114 لا ونعم؛ فهو ظاهريا ~~لا يزيد على كونه وصفا تاريخيا لتطور الذهن البشري، ولكنه من وجهة ~~نظر أعمق قانون للتقدم العقلي والحرية العقلية يفرض على نحو جامع ~~الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه البشرية إذا ما استنارت تدريجيا. ~~فكونت مثل هيجل، يقف من جميع الاتجاهات الفلسفية والدينية السابقة على ~~اتجاهه الخاص موقف الوصي إلى حد ما. وهو مثل هيجل ينظر إليها على أنها ~~«لحظات» لا مفر منها في التطور التاريخي للفكر البشري نحو بلوغ غايته ~~النهائية في الفلسفة الوضعية. وفضلا عن ذلك فإن كونت يذكر بكل وضوح أن ~~فلسفته لا تعلو على الاتجاهات الفكرية الأسبق والأدنى منها فحسب، بل ~~تضم بين ثناياها كل ما له دلالة حقيقية فيها. # ويعترض كونت بشدة على التفكير الأسطوري، بقدر ما ينافس تقدم العلم ~~أو يعترض سبيله، ويراه مميزا للدين التقليدي. ولكن عندما تتاح للمرء ~~فرصة التسلح بالفلسفة الوضعية ضد الأوهام التي يولدها هذا النوع من ~~التفكير، فمن الممكن عندئذ العودة إلى الأساطير الدينية لما قد ~~تحتوي عليه من شعر أو إرشاد خلقي. بل إن الوضعي قد «يقبل»، بمعنى ~~معين، معتقدات الكنيسة، وإن يكن هذا القبول لا يرتبط على الإطلاق، في ~~نظره، بالاعتقاد العقلي، وعلى هذا النحو تتجمع ثانية في فلسفة كونت ~~بعض المواقف المعقدة ذات الاتجاه المزدوج نحو المسيحية، التي نجدها لدى ~~هيجل. وأستطيع أن أضيف إلى ذلك أن من الممكن الاهتداء إلى هذه ~~الاتجاهات المزدوجة في معظم المذاهب اللاهوتية «المتحررة» في وقتنا ~~هذا. # ويرى كونت أن المرحلة الأولى، أو اللاهوتية للتطور، تتميز بعقلية ~~تنظر إلى الأشياء الأخرى من خلال تشبيهات بالعقل البشري ذاته إلى حد ~~بعيد. وتعزو بالتالي إلى الظواهر الطبيعية تلك المشاعر والرغبات التي ~~تتميز بها استجابتنا نحن لها. ففي هذه المرحلة يتجه كل تفكير إلى بعث ~~ما يشبه الحياة في الظواهر الطبيعية وتشبيهها بالإنسان، وينظر المرء ~~إلى كل شيء من خلال مقولات الغرض والإرادة والروح، ويتصور أن وجود أي ~~شيء يفسر تماما من خلال الغرض أو الروح الكامنة التي تعزى إليه. ms115 ~~وهكذا فإن الصفة المميزة للوعي اللاهوتي هي عدم إدراكه لوجود تمييز ~~قاطع بين السؤالين البادئين ب «كيف؟» و«لماذا؟» وبالتالي عدم تميزه ~~بوضوح بين ما نسميه ب «التفسير» وبين «التبرير». وهكذا يتصور ~~العالم، من وجهة النظر هذه، تصورا أسطوريا على أنه نظام روحي ينظر ~~فيه إلى الأغراض الحيوية للأشياء على أنها في الوقت ذاته عوامل فعالة ~~«تسبب» سلوك هذه الأشياء على النحو الذي تسلكه. وبعبارة أخرى في هذه ~~المرحلة اتجاه إلى تشخيص كل الظواهر، والنظر إلى كل عملية كما لو كانت ~~فعلا بشريا، فما يحدث ليس شيئا يحدث فحسب، بل هو شيء يفعل أو ~~ينفعل به أو يتحقق. # والمرحلة اللاهوتية، كما يصفها كونت، أقسام فرعية هامة؛ فالمرحلة ~~الأولى فيها هي المرحلة «الصنمية # fetishistic ~~» التي ينظر فيها إلى ~~الأشياء الطبيعية كما لو كانت حية لها مشاعر وأغراض خاصة بها. وفي ~~المرحلة الثانية؛ أي مرحلة تعدد الآلهة، يحدث تبسيط تدريجي لهذا ~~المذهب الحيوي الذي يقول أساسا بالكثرة. فهنا تتصور «الآلهة» على ~~أنها قوى غير منظورة أو تكاد تكون غير منظورة، تتحكم في جميع أنواع ~~الظواهر. وأخيرا تأتي مرحلة ثالثة أو توحيدية، يحدث فيها مزيد من ~~الجمع بين القوى في صورة إله موحد، ينظر إليه على أنه خالق الكون ~~بأسره، ومتحكم فيه، إما بطريق مباشر وإما بوسائط أدنى مرتبة منه ~~وتأتمر بأمره. # والمرحلة الكبرى الثانية للتقدم العقلي هي تلك التي يطلق عليها كونت ~~اسم المرحلة «الميتافيزيقية». وهنا يبدأ الاتجاه إلى إضفاء صفة الحياة ~~على الأشياء في الاختفاء لأول مرة؛ فالميتافيزيقي لا ينظر إلى الطبيعة ~~على أنها خلق إلهي لعناية إلهية، بل على أنها مبدأ أول أو علة أولى ~~ينبغي افتراضها لتفسير النظام في الكون. ولا شك في أن بعض آثار الاتجاه ~~إلى إضفاء صفة الحياة على الأشياء تظل باقية، غير أن فكرة الغرض أو ~~الإرادة «ترق أو تلطف أو تغدو أثيرية» # etherialized ~~، على حد التعبير ~~المألوف لدى أرنولد توينبي، حتى تعود أكثر من تجريد عقلي. فهنا لا يعود ~~الأمر متعلقا بروح تبعث الحياة في ms116 كائن بعينه، وإنما، «بقوة» لا ~~شخصية لا يمكن تحديد موقع فاعليتها في أي مكان من العالم الطبيعي. ~~والاتجاه المميز للذهن الميتافيزيقي ليس إضفاء صفة الحياة على ~~الطبيعة بقدر ما هو «تجسيم» الأفكار، وليس نسبة مشاعر إلى الرياح أو ~~أغراض إلى البحر، بقدر ما هو إضفاء «حقيقة» # reality # ثابتة على التصور، ~~معادلة لحقيقة عالم الصخور والكراسي والحشرات. وهكذا تبدأ «الماهيات» ~~و«الميول» و«الإمكانيات» و«الطبائع» في تعمير الكون بوصفها كيانات لها ~~قوامها الخاص، وتعزى إليها فاعلية علية لم تكن تنسب من قبل إلا ~~إلى الأرواح. ويتصور الميتافيزيقيون وجود «لوجوس» أو «عقل» يتحكم ~~في نظام العالم الطبيعي، بدلا من الآلهة غير المنظورة التي قال بها ~~اللاهوتيون. وأقوى مميزات الميتافيزيقي هي أنه يجعل «العقل» مساويا ~~«للعلة»، ويتصور بذلك أن في إمكانه عن طريق الاستدلال وحده أن ~~يفسر علل الأشياء. فهو يقدم «براهين» استمدت بالاستنباط من ~~حقائق معقولة واضحة بذاتها، على وجود موجود ضروري يسميه ب «الله»، ~~ويعزو «الضرورة» التي يزعم أنها مميزة لاستدلاله، إلى الأشياء التي ~~يتصور أنه قد استدل عليها. # وتأتي بداية النهاية بالنسبة إلى الميتافيزيقا عندما تنشب الخلافات ~~الكبرى بين من يسمون ب «الواقعيين» و«الاسميين» حول مركز التصورات ~~الكلية. هذه الخلافات ما زالت «ميتافيزيقية»؛ إذ يظل كلا الطرفين ~~يعتقد أن التحليل المنطقي وحده كفيل بالبت في المسائل المتعلقة ~~بالوجود. غير أن النظر إلى «حقيقة» الكليات، مستقلة عن الجزئيات التي ~~تتصف بها، على أنها مشكلة، هو في ذاته دليل على الوهن التدريجي لقيود ~~الميتافيزيقا ذاتها. # أما المرحلة الثالثة أو «الوضعية» فتأتي أخيرا عندما تترك كل هذه ~~«المشاكل» جانبا بسبب عقمها ، ويظل العلم الوضعي هو وحده الذي يعترف ~~به مصدرا للمعرفة البشرية. في هذه المرحلة لا يتصور «التفسير» إلا ~~من خلال فروض أو قوانين تجريبية تصف العلاقات الثابتة القائمة بين فئات ~~من الظواهر الملاحظة، وهنا لا يعترف «بارتباط على» غير التضايف القابل ~~للتحقيق بين فئات من الظواهر، ويقتصر دور العقل على تتبع العلاقات ~~المنطقية القائمة بين الفروض العلمية ذاتها. # والواقع أن وصف كونت لهذه المرحلة ms117 هو في حقيقة الأمر عرض لنظريته ~~الخاصة في المعرفة، وهي نظرية ليست، رغم ذلك، «تجريبية» إلا بأعم ~~معاني هذا اللفظ. فكل تفكير علمي يتعين عليه، في رأيه، أن يقبل ~~اختبارات الملاحظة بوصفها اختبارات حاسمة في تحدد صحة أي فرض. غير أن ~~العلم أكثر من مجرد إقرارات قائمة على الملاحظة، وإن علما كالفيزياء ~~ليتسم، لا بحشد عدد كبير من الوقائع الجزئية، وإنما بصياغة فروض ~~ونظريات عامة تربط هذه الوقائع بغيرها من الوقائع على نحو منظم. ~~والعلم الصحيح لا يظهر إلا عندما يكشف التضايف بين الوقائع، وأهم من ~~ذلك، عندما ينظر إلى الظواهر الفردية على أنها أفراد في فئات شاملة ~~لظواهر مماثلة ترتبط في علاقات شبه قانونية متعلقة بتلازمها في الوجود ~~أو تعاقبها مع أفراد الفئات الأخرى المماثلة. وعندما تكون العلاقات ~~التي تصفها نظرية علمية معينة علاقات تلازم في الوجود، يطلق كونت على ~~هذه النظرية اسم القانون «السكوني # static ~~»، وعندما تكون علاقات تعاقب ~~أو استمرار، يسمي القانون ب «القانون الحركي # dynamic ~~». ويرى كونت أن هذين ~~النوعين من القوانين أساسيان للعلم، وليس لنا أن نؤثر أحدهما على ~~الآخر على نحو نهائي. ولنضف إلى ذلك، في هذا الصدد، أن من الممكن ~~تجنب قدر كبير من الجدل العقيم حول إمكان أو طبيعة ما يسمى بقوانين ~~التطور التاريخي إذا ما استقر هذا التمييز البسيط دائما في ~~الأذهان بوضوح. ولقد أظهر كونت في هذه المسألة، كما أظهر في مسائل أخرى ~~متعددة، صفاء ذهنيا كان سابقا لزمانه إلى حد بعيد. # ويقبل كونت، بمعنى ما، المثل الأعلى لوحدة العلم. ولكن يبدو أن فكرة ~~وحدة العلم لم يكن لها في ذهنه المعنى الذي كان لها في أذهان بعض ~~الفلاسفة الآخرين من ذوي العقليات العلمية. ويظهر موقف كونت بوضوح في ~~آرائه الطريفة حول تصنيف العلوم، وهي بهذه المناسبة، مشكلة أتاحت ~~لفلاسفة العلم في القرن التاسع عشر ممارسة إحدى رياضاتهم المنزلية ~~(الداخلية) المحببة إلى نفوسهم. فكونت أولا يرفض رد العلوم بعضها ~~إلى بعض، وهو يعارض أي تصنف يسعى إلى رد علم الاجتماع ms118 إلى علم الأحياء، ~~أو علم الأحياء إلى الفيزياء، وهو يرى أن الفارق في نطاق قوانين العلوم ~~أو عموميتها ليس إلا سببا جزئيا للاختلاف بين العلوم. وإنما يرجع ~~هذا الاختلاف أيضا إلى أن التجربة تكشف عن أنماط متميزة شديدة ~~التباين من الظواهر التي يحتاج تفسيرها، لهذا السبب، إلى مجموعة ~~متباينة من التصورات المتميزة، وإلى كثرة من النظريات التي لا ~~يمكن رد بعضها إلى بعض. وإذن فالوحدة الوحيدة للعلم، التي تدعو إليها ~~فلسفة كونت، هي وحدة المنهج؛ أي اشتراك كل الباحثين العلميين في التزام ~~المنطق واختبارات الملاحظة التجريبية. ولا يعترف كونت، ثانيا، بأن ~~الفلسفة ذاتها علم أساسي هام، أعم من الفيزياء. تعد فروض العلوم الأقل ~~عمومية بالنسبة إليه نتائج منطقية أو تطبيقات جزئية. ومن السمات ذات ~~الدلالة الهامة في وضعية كونت أنه يرفض أي نوع من المادية، لا لأن ~~المادية «ميتافيزيقية» فحسب، بل أيضا لأنها تشوه الفوارق الحيوية ~~القابلة للملاحظة والقائمة بين أنواع الظواهر التي تعالجها العلوم ~~الفيزيائية والبيولوجية والاجتماعية. # ومع ذلك فليس معنى هذا أن كونت كان على استعداد لتأييد ما أسماه ~~الفلاسفة الألمان بالعلم الروحي # Geisteswissenschaft ~~، ولا سيما إذا ~~كان هذا اللفظ يدل على مبحث يعيد صراحة إدخال المقولات الروحية في ~~مجال العلم، أو يهيب بمعطيات «خاصة» مزعومة للتجربة، لا يتوصل إليها، ~~من حيث المبدأ، إلا بالاستبطان، أو يستخدم أخيرا «منطقا» ~~ديالكتيكيا خاصا يختلف عن المنطق المستخدم في العلوم الفيزيائية. ~~وعلى العكس من ذلك يرفض كونت أن ينظر إلى الذهن البشري على أنه مجال ~~وحيد للبحث لا تصل إليه طرق التحليل والملاحظة العامة المشتركة بين ~~الذوات. وهو يرى أن هنالك أساسا علمين أساسيين للسلوك البشري؛ علم ~~وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا)، وعلم الاجتماع. وفي رأي كونت أن أي علم ~~ثالث يزعم أنه يعالج ظواهر (نفسية) خاصة إنما هو من قبيل الأسطورة ~~المحض. وينبغي أن يضاف إلى ذلك هنا أن كونت نفسه قد نحت اللفظ، اللقيط: ~~« # sociology ~~»، # 1 ~~(علم الاجتماع) للدلالة على علم لم يكن موجودا بعد ~~للمجتمع البشري، وهو العلم الذي اعتقد ms119 أن قوانينه هي وحدها الكفيلة ~~بتفسير السلوك الاقتصادي والسياسي والأخلاقي للبشر. ويعترض كونت بشدة ~~على أية نظرة تاريخية خالصة إلى دراسة العمليات التاريخية، وهو في هذا ~~يتحالف مع معاصره الإنجليزي الأصغر سنا، جون ستيوارت مل، ضد مؤيدي ما ~~يسمى بالمنهج التاريخي، الذين يزعمون أن دراسة التاريخ وحدها كفيلة ~~بإتاحة المعرفة المؤدية إلى السلوك في الحياة. فالتاريخ في رأي كونت ~~يمدنا بمجموعة من الملاحظات الجزئية التي لا تستطيع، على أحسن الفروض، ~~إلا تقديم المعطيات الممهدة لتعميم النظريات الاجتماعية واختبارها، ~~ولكنه لا يأتي بالنظريات ذاتها. ومن المحال في نظره توافر معرفة بحركية ~~التاريخ ما لم تقم هذه المعرفة على علم للمجتمع. # وهناك صفة أخرى تتصف بها فلسفة كونت وينبغي علينا إيضاحها؛ فقد أخذ ~~كونت في سنواته الأخيرة يزداد إيمانا بأن فلسفته تنطوي على أساس ~~«لعقيدة جديدة للبشرية»، كانت هي وحدها الملائمة في نظره لعقل البشر في ~~عصر علمي. فالأديان التقليدية تقتضي قبول معتقدات لاهوتية غير علمية، ~~وتحول جهودنا عن مشاكل الرفاه الفردي والاجتماعي «في هذا العالم». ~~وفي هذا كان كونت معارضا لها، وقد حاول أن يستعيض عنها بالمثل الأعلى ~~الديني الجديد لبشرية تزداد استنارة بالتدريج، وتتفاني بغيرية في سبيل ~~مبادئ الرعاية والحب. ولكن مما يؤسف له أن كونت لم يقنع بالدعوة إلى ~~عقيدته الجديدة، وإنما اتجه أيضا إلى تحديد طقوس مفصلة لها، مما ~~كان موضوعا لسخرية ناقديه. وفضلا عن ذلك فقد ازداد كونت في سنواته ~~الأخيرة إيمانا بأنه النبي الحقيقي لدينه الجديد، وبأن عشيقته الشابة ~~هي القديسة الحامية لهذا الدين، كما أنها رمزه. ولم يكن في هذا، بطبيعة ~~الحال، ما يؤدي إلى إعلاء قيمته من حيث هو مفكر. # ولقد أصيب كونت في سنواته الأخيرة بما يشبه مرض البارانويا # 2 # وكشفت كتاباته الأخيرة عن قدر من اختلال التوازن الانفعالي ~~أدى، لسوء الحظ، إلى إلقاء ظل من الغموض على كتاباته المبكرة ~~الجلية. ولقد كان ذهن كونت، رغم كل مظاهر العظمة التي أضفاها على ذاته، ~~من نتاج عصره، وكانت فلسفته الوضعية تمثل دون شك إحدى ms120 المعالم ~~الرئيسية في تفكير القرن التاسع عشر. كما أنه كان أكثر بكثير من مجرد ~~داعية محدود. الأفق للعلم؛ فقد كان يعتقد بوجوب احتلال المنهج العلمي ~~مكان الصدارة في ميدان المعرفة، ولكنه لم يتصور لحظة واحدة أن ~~اكتساب المعلومات العلمية هو الغاية الوحيدة للحياة البشرية. وكان يؤمن ~~بوحدة العلم، ولكن بمعنى أن مناهج البحث العلمي واحدة فقط، ولم يكن ضمن ~~برنامجه، من حيث هو مفكر وضعي، أن ينزل بالإنسان إلى مرتبة الشيء ~~المادي فحسب. وفضلا عن ذلك فإنا لا نضطر في حالة كونت إلى أن نتردد ~~لحظة لكي نفهم ما يقوله، مثلما نفعل في حالة فشته وهيجل. فهو في معظم ~~الأحيان يتحدث حديثا مباشرا واضحا، بأقل قدر ممكن من الغموض، ولقد ~~كانت له أخطاء خطيرة، غير أن من الممكن على الأقل تحديد موضعها. ~~وبالاختصار فسوف يكتشف كل قارئ نزيه في أوجست كونت مفكرا يتسم بقدر ~~كبير من العمق والأصالة، كان، مع كل أخطائه، هو الممهد لكثير من ~~الاتجاهات التي ما زالت في عنفوان نشاطها بين الفلسفات التجريبية ~~والطبيعية في عصرنا هذا. ولقد كان معظم مؤرخي فلسفة القرن التاسع عشر ~~متجنين عليه، وإنه لمن دواعي اغتباطي، أنني حاولت، في هذه الصفحات ~~القلائل، رد حقه إليه. # والنص التالي مقتطف من الفصل الأول من المجلد الأول من كتاب (فلسفة ~~أوجست كونت الوضعية)، # 3 ~~⋆ # وفي هذا النص يشرح كونت هدف فلسفته، ويوضح طبيعة الفلسفة الوضعية ~~وأهميتها. ~~«إن الإيضاح العام لأي مذهب فلسفي قد يكون عرضا موجزا لمذهب يزمع ~~وضعه، أو تلخيصا لمذهب موضوع بالفعل. وإذا كانت قيمة الأخير أعظم، فإن ~~للأول مع ذلك قيمته، من حيث إنه يوضح خصائص الموضوع الذي سيعالج منذ ~~البداية. ومما له أهمية خاصة، في حالة كهذه الحالة التي تقترح فيها ~~دراسة موضوع متشعب لم تتضح معالمه قبل الآن، أن يحدد ميدان البحث ~~بكل دقة ممكنة؛ ولهذا السبب سوف أعرض لمحة عن الدواعي التي أدت إلى ~~قيام هذا البحث، والتي سوف تعرض خلاله بإسهاب تام. # ولكي نفهم القيمة الحقيقية للفلسفة الوضعية ms121 وطابعها، ينبغي علينا أن ~~نلقي نظرة عامة موجزة على التطور التدريجي للذهن البشري، منظورا ~~إليه من حيث هو كل؛ إذ لا يمكن فهم أية فكرة إلا من خلال ~~تاريخها. # قانون التقدم البشري ~~: تؤدي دراسة تطور العقل البشري في جميع الاتجاهات وفي كل العصور ~~إلى كشف قانون أساسي هام، يخضع له هذا التطور بالضرورة، ~~وتثبته، على أساس متين، وقائع تركيبنا وتجربتنا التاريخية. هذا ~~القانون هو أن كلا من مفاهيمنا الرئيسية، وكل فرع لمعرفتنا، يمر ~~على التوالي بثلاثة ظروف نظرية مختلفة؛ اللاهوتية، أو الخرافية، ~~والميتافيزيقية أو التجريدية، والعلمية أو الوضعية. وبعبارة أخرى ~~فالعقل البشري، بحكم طبيعته، يستخدم في تقدمه ثلاثة مناهج ~~للتفلسف، يختلف طابعها اختلافا كبيرا، بل تتعارض تعارضا ~~أساسيا؛ هي المنهج اللاهوتي، والميتافيزيقي، والوضعي. ومن هنا ~~تظهر ثلاث فلسفات، أو ثلاثة نسق عامة من المفاهيم حول مجموعات ~~الظواهر، كل منها يستبعد الآخرين؛ أولها هو نقطة البداية الضرورية ~~للذهن البشري، وثالثها هو الحالة الثابتة المستقرة، أما الثاني ~~فحالة انتقالية فحسب. # المرحلة الأولى ~~: في الحالة ~~اللاهوتية يفترض الذهن البشري، في بحثه عن الطبيعة الأساسية الأشياء، ~~والعلل الأولى والغائية (أي أصلها والغرض منها)، أن كل الظواهر ناتجة ~~عن الفعل المباشر لكائنات فوق الطبيعة. # المرحلة الثانية ~~: وفي المرحلة ~~الميتافيزيقية، التي لا تعدو أن تكون تعديلا للأولى، يفترض الذهن، ~~بدلا من الكائنات فوق الطبيعة، قوى مجردة، وكيانات فعلية (أي ~~تجريدات مشخصة) كامنة في كل الموجودات، وقادرة على إحداث جميع الظواهر. ~~وليس ما يسمى بتفسير الظواهر في هذه المرحلة سوى إحالة كل منها إلى ~~كيانه الخاص به. # المرحلة الثالثة ~~: وفي المرحلة الأخيرة الوضعية يكشف الذهن عن البحث العقيم عن ~~أفكار مطلقة، وعن أصل الكون وغايته، وعن علل الظواهر، وينصرف إلى ~~دراسة قوانينها؛ أي علاقات التعاقب والتشابه الثابتة بينها. ووسيلة ~~هذه المعرفة هي الاستدلال والملاحظة مجتمعين. والمعنى المفهوم هنا ~~من الحديث عن تفسير الظواهر هو مجرد إثبات ارتباط بين الظواهر ~~الفردية وبين وقائع عامة ما، يقل عددها تدريجيا كلما تقدم ~~العلم. # الحد النهائي لكل مرحلة ~~: يصل النظام اللاهوتي ms122 إلى أقصى كمال يستطيع بلوغه عندما يستبدل ~~الفعل الإلهي لموجود واحد بالعمليات المتنوعة لآلهة عديدة كانت ~~تتصور من قبل. وبالمثل يستبدل الناس في المرحلة الأخيرة من ~~النظام الميتافيزيقي كيانا واحدا هائلا (هو الطبيعة)، من حيث ~~هو علة لجميع الظواهر، بالكيانات الكثيرة التي افترضت في البداية. ~~وعلى هذا النحو ذاته سيكون الكمال الأقصى للنظام الوضعي (إن كان ~~لنا أن نأمل في مثل هذا الكمال)، هو تصوير جميع الظواهر على أنها ~~أوجه جزئية لواقعة عامة واحدة، كالجاذبية مثلا. # وسوف نثبت فيما بعد أهمية تطبيق هذا القانون العام. وحسبنا الآن ~~أن نشير إلى بعض أسبابه: # الأدلة على القانون، أدلة فعلية (واقعية) ~~: لا بد أن يحمل كل علم وصل إلى المرحلة الوضعية الطابع الذي ~~يدل على أنه مر بالمرحلتين الأخريين. فأيا كان هذا العلم، ~~فلا بد أنه كان منذ وقت مضى مؤلفا من تجريدات ميتافيزيقية، ~~كما نستطيع أن ندرك الآن. فإذا تعقبناه إلى وقت أسبق، وجدناه ~~يتخذ طابع المفاهيم اللاهوتية. وسوف تصادفنا، أثناء البحث، فرص ~~لا حصر لها، ندرك منها أن أكثر علومنا تقدما ما زال يحمل ~~الطابع الواضح كل الوضوح للمرحلتين السابقتين اللتين مر ~~بهما. # وإن في تقدم الذهن الفردي لمثلا، بل دليلا غير مباشر، على ~~تقدم الذهن العام. فلما كانت نقطة بداية الفرد والنوع ~~البشري واحدة، فإن مراحل ذهن الشخص الواحد تطابق عصور ذهن ~~النوع البشري. وإن كلا منا ليدرك، إذا ما عاد بفكره إلى ~~تاريخ حياته الخاص، أنه كان لاهوتيا في طفولته، ~~ميتافيزيقيا في شبابه، وفيلسوفا طبيعيا في نضوجه. وفي وسع ~~كل من بلغ سن النضج فينا أن يحقق هذا في نفسه. # أدلة نظرية ~~: تؤيد هذا القانون ~~أسباب نظرية إلى جانب ملاحظة الوقائع. # وأهم هذه الأسباب هو أن من الضروري أن توجد دائما نظرية ما ~~نرد إليها وقائعنا، وأن من الأمور الواضحة الاستحالة، في الوقت ~~ذاته، أن يكون الناس في بداية المعرفة البشرية قد كونوا ~~نظريات من ملاحظة الوقائع. فقد أكدت كل العقول السليمة، منذ ~~عصر بيكون، أنه لا يمكن قيام ms123 معرفة حقيقية سوى تلك المبنية على ~~وقائع ملاحظة. # وهذا أمر لا جدال فيه، في مرحلتنا المتقدمة الحالية، ولكنا ~~إذا ما عدنا القهقرى إلى المرحلة البدائية للمعرفة البشرية، ~~فسنرى أن الأمر كان قطعا على خلاف هذا في ذلك الحين. فإذا كان ~~صحيحا أن كل نظرية ينبغي أن تبنى على وقائع ملاحظة، فمن ~~الصحيح بالقدر نفسه أن من المستحيل ملاحظة الوقائع دون ~~الاسترشاد بنظرية ما. فبغير هذا الاسترشاد تكون وقائعنا مفككة ~~عقيمة، ولا يكون في وسعنا الاحتفاظ بها، بل لا نستطيع إدراكها ~~في معظم الأحيان. # وهكذا، فلولا المهرب الطبيعي الذي تتيحه المفاهيم ~~اللاهوتية، لظل العقل البشري يدور في حلقة مفرغة، ما بين ~~ضرورة ملاحظة الوقائع من أجل تكوين نظرية، وضرورة وجود نظرية ~~من أجل إمكان ملاحظة الوقائع. وهذا هو السبب الأساسي للطابع ~~اللاهوتي للفلسفة البدائية. ومما يؤكد هذه الضرورة، ملاءمة ~~الفلسفة اللاهوتية لأقدم أبحاث العقل البشري ملاءمة تامة. ومن ~~العجيب أن أصعب المشاكل؛ أعني مشاكل طبيعة الموجودات، وأصل ~~الظواهر والغرض منها، كانت هي أول ما خطر على الأذهان في ~~الحالة البدائية، على حين أن المشاكل التي كانت بالفعل قريبة ~~المنال كانت تعد غير جديرة بالدراسة الجدية. والسبب واضح كل ~~الوضوح؛ فالتجربة وحدها هي التي تعرفنا بنطاق قدرتنا، ولو ~~لم يكن الناس قد بدءوا بتقدير مبالغ فيه لما يستطيعون عمله، ~~لما فعلوا أبدا ما يمكنهم القيام به. وإن تكويننا ذاته ~~ليقتضي هذا؛ ففي فترة كهذه لم يكن من الممكن أن يعير الناس ~~أذنا صاغية لأية فلسفة وضعية تستهدف دراسة قوانين الظواهر، ~~وتتصف أساسا بأنها تنهى العقل البشري عن تأمل تلك الأسرار ~~الرفيعة التي يشرحها اللاهوت حتى أدق تفاصيلها بيسر جذاب. ~~ويتضح هذا بجلاء إذا ما تأملنا، بطريقة عملية، طبيعة الأبحاث ~~التي اهتم الناس بها في البداية؛ فمثل هذه البحوث تخلب اللب ~~بقوة؛ إذ تقنع الإنسان بأن له سيطرة لا حد لها على العالم ~~الخارجي - الذي هو عالم لا يستهدف سوى نفعنا، ويرتبط بحياتنا ~~على شتى الأنحاء. ولقد أتاحت الفلسفة اللاهوتية، بعرضها هذا ~~الرأي، ms124 تلك القوة الدافعة الضرورية لحث الذهن البشري على بذل ~~الجهد الشاق الذي لا يتحقق دونه تقدم. وليس في وسعنا أن ~~نتصور بوضوح طبيعة هذه المرحلة، بعد أن بلغ عقلنا من النضوج ما ~~يتيح له خوض أبحاث علمية شاقة دون حاجة إلى قوة دافعة كتلك ~~التي أثارت خيال المنجمين أو الكيميائيين القدامى. فلدينا ما ~~يكفينا من الدوافع في أملنا أن نكشف قوانين الظواهر، بغية ~~تأييد نظرية أو رفضها. ولكن لم يكن من الممكن أن يكون الأمر ~~كذلك في الأيام الأولى، ونحن إنما ندين لأوهام التنجيم ~~والكيمياء القديمة بتلك السلسلة الطويلة من الملاحظات ~~والتجارب التي بني عليها علمنا الوضعي. وهذا ما أدركه كيبلر # 4 # في حالة الفلك، وبرتوليه # Berthollet # 5 # في حالة الكيمياء. # وهكذا كانت الفلسفة اللاهوتية، وهي فلسفة تلقائية، هي ~~البداية والمنهج والمذهب المؤقت الوحيد الممكن، والذي أمكن ~~أن تنمو الفلسفة الوضعية منه. ومن السهل بعد ذلك أن ندرك كيف ~~كانت المناهج والمذاهب الميتافيزيقية التي أتاحت بالضرورة ~~وسيلة الانتقال من إحدى المرحلتين إلى الأخرى. # فلم يكن في وسع الذهن البشري، وهو البطيء في تقدمه، أن ~~يقفز دفعة واحدة من الفلسفة اللاهوتية إلى الفلسفة الوضعية؛ ~~إذ إن بين الاثنين من التعارض الشديد ما حتم قيام مذهب فكري ~~وسيط لإتاحة الانتقال من أحدهما إلى الآخر. والفائدة الوحيدة ~~للأفكار الميتافيزيقية تنحصر في قيامها بهذه المهمة. وهكذا فإن ~~الناس في تأملهم للظواهر يستبدلون بالتوجيه الصادر من كائن فوق ~~الطبيعي كيانا مقابلا له. وربما اعتقد أن هذا الكيان ~~مستمد من فعل فوق الطبيعي، ولكن الأيسر من ذلك صرف الانتباه ~~عنه، وتركيز الاهتمام في الوقائع ذاتها، حتى لا تعود القواعد ~~الميتافيزيقية في النهاية سوى الأسماء التجريدية للظواهر. وليس ~~من السهل أن نحدد طريقة أخرى غير هذه لانتقال أذهاننا من ~~الأفكار فوق الطبيعية إلى الأفكار الطبيعية، ومن النظام ~~اللاهوتي إلى النظام الوضعي. # وبعد أن حددنا على هذا النحو قانون التطور البشري، ينبغي ~~أن نبحث في الطبيعة الحقة للفلسفة الوضعية. # طابع الفلسفة الوضعية ~~: إن أول طابع الفلسفة الوضعية، كما ms125 رأينا من قبل، هو أنها تنظر ~~إلى جميع الظواهر على أنها خاضعة لقوانين طبيعية لا تتغير. ~~ولما كنا ندرك مدى عقم ما يسمى بالعلل، الأولى منها أو ~~الغائية، في أي بحث، فإن مهمتنا هي السعي إلى كشف هذه القوانين ~~بدقة، بغية اختصارها إلى أقل عدد ممكن. أما التأمل النظري للعلل ~~فلا يؤدي إلى حل أية مشكلة متعلقة بالأصل والغرض. ومهمتنا ~~الحقيقية هي أن نحلل بدقة ظروف الظواهر، ونجمع بينها عن طريق ~~علاقات التعاقب والتشابه الطبيعية. وأفضل مثل على ذلك يتبدى في ~~فكرة الجاذبية؛ فنحن نقول إنها تفسر الظواهر العامة للكون؛ ~~لأنها تجمع كل الوقائع الفلكية الهائلة التنوع تحت باب واحد، ~~وتكشف عن الاتجاه الدائم للذرات بعضها نحو البعض في تناسب طردي مع ~~كتلها، وفي تناسب عكسي مع مربعات مسافاتها، على حين أن الواقعة ~~مألوفة تماما لدينا، ونقول بالتالي إننا نعرفها؛ أعني وزن الأشياء ~~على سطح الأرض. أما ما هو الوزن وما هي الجاذبية، فذلك أمر لا ~~شأن لنا به؛ إذ هو ليس موضوعا للمعرفة على الإطلاق. وقد يمارس ~~اللاهوتيون أو الميتافيزيقيون خيالهم حول هذه المسائل، ~~ويحللونها، غير أن الفلسفة الوضعية ترفضها. وقد اقتصرت كل محاولة ~~بذلت لتفسيرها على القول آخر الأمر، إن الجاذبية هي الوزن الكوني، ~~وإن الوزن هو الجاذبية الأرضية؛ أي إن مجموعتي الظواهر واحدة، ~~وتلك هي النقطة التي بدأ منها السؤال. # تاريخ الفلسفة الوضعية ~~: قبل تحديد المرحلة التي بلغتها الفلسفة الوضعية، ينبغي أن يستقر ~~في أذهاننا أن أنواع معارفنا المختلفة قد مرت بمراحل التطور ~~الثلاث بسرعات متفاوتة، وأنها بالتالي لم تصل (إلى آخر المراحل) في ~~وقت واحد. ويتوقف معدل التقدم على طبيعة المعرفة موضوع ~~البحث، حتى إن هذه القاعدة تؤلف ملحقا لقانون التقدم الأساسي. ~~فتبكير أية معرفة في بلوغ المرحلة الوضعية يتناسب تناسب طرديا مع ~~عموميتها وبساطتها واستقلالها عن فروع المعرفة الأخرى. فعلم الفلك، ~~الذي يتألف، قبل كل شيء، من وقائع تتصف بالعمومية والبساطة ~~والاستقلال عن العلوم الأخرى، كان أول علم بلغ هذه المرحلة، وتلته ~~الفيزياء الأرضية، ثم ms126 الكيمياء، وأخيرا علم وظائف الأعضاء. # ومن العسير تحديد تاريخ دقيق لهذا الانقلاب في العلم. ومن الممكن ~~أن يقال عنه، كما يقال عن أي شيء آخر، إنه كان قائما على الدوام، ~~ولا سيما منذ جهود أرسطو ومدرسة الإسكندرية، ثم منذ إدخال العرب ~~للعلم الطبيعي إلى غرب أوروبا. أما إذا كان علينا أن نركز ~~أنظارنا على فترة محددة بعينها، تعد نقطة تجمع، فلا بد أن تكون ~~هي الفترة التي أدت فيها قواعد بيكون وأفكار ديكارت وكشوف ~~جاليليو، منذ حوالي قرنين من الزمان، إلى إيقاظ الذهن البشري من ~~سباته. ففي تلك الفترة قامت روح الفلسفة الوضعية تعارض المذاهب ~~الخرافية والمدرسية التي كانت تشوه قبل ذلك الطابع الحقيقي لكل ~~علم. ومنذ ذلك الوقت، أصبح تقدم الفلسفة الوضعية وتدهور ~~المرحلتين الأخريين من الوضوح بحيث لا يشك ذهن عاقل، في وقتنا ~~هذا، في أن الثورة صائرة حتى منتهاها، حين يدخل كل فرع للمعرفة، ~~عاجلا أو آجلا، في نطاق الفلسفة الوضعية. هذا هدف لم يتحقق ~~بعد؛ إذ إن بعض فروع المعرفة ما زال خارجا عن هذا النطاق، ولن ~~تكتسب الفلسفة الوضعية طابع الشمول اللازم لإقامتها بصورة نهائية ~~إلا إذا أصبحت كل العلوم داخلة في هذا النطاق. # فرع جديد للفلسفة الوضعية ~~: لا بد أن القارئ قد لاحظ وجود حذف فيما ذكرته منذ قليل عن ~~الأنواع الأربعة الرئيسية للظواهر الفلكية والفيزيائية والكيميائية ~~والفسيولوجية؛ إذ لم أقل شيئا عن الظواهر الاجتماعية. ورغم ~~ارتباط الظواهر الاجتماعية بالظواهر الفسيولوجية، فإنها تقتضي ~~تصنيفا متميزا، نظرا إلى أهميتها وصعوبتها. فهي أكثر الظواهر ~~فردية، وتعقدا، واعتمادا على كل الباقين، ومن هنا وجب أن تكون ~~آخرها، حتى لو لم تكن تصادفها أية عقبة خاصة؛ فهذا الفرع من العلم ~~لم يدخل قبل الآن في مجال الفلسفة الوضعية. وما زالت المناهج ~~اللاهوتية والميتافيزيقية، التي قضي عليها في الفروع الأخرى، ~~تطبق حتى الآن في كل بحث للموضوعات الاجتماعية، سواء في طريقة ~~البحث والمناقشة، وإن تكن أفضل العقول قد سئمت تماما تلك ~~المنازعات الأزلية حول الحق الإلهي وسيادة الشعب. تلك ms127 هي الثغرة ~~الكبرى، ومن الواضح أنها أيضا الوحيدة التي ينبغي ملؤها لإقامة ~~الفلسفة الوضعية راسخة كاملة؛ ففي وقتنا هذا، الذي توصل فيه ~~الذهن البشري إلى الفيزياء السماوية والأرضية، الميكانيكية ~~والكيميائية، والفيزياء العضوية، النباتية والحيوانية - لم يبق ~~إلا علم واحد لإكمال حلقات سلسلة علوم الملاحظة - وأعني به علم ~~الفيزياء الاجتماعية. وهذا أهم هدف يحتاج الناس الآن إلى بلوغه، ~~وهو أيضا الهدف الرئيسي الذي يسعى كتابنا هذا إلى تحقيقه. # الفيزياء الاجتماعية ~~: من الحمق أن ندعي القدرة على الإتيان بهذا العلم الجديد ~~على التو وفي صورته الكاملة؛ فهناك علوم أقدم منه، ما زالت ~~أحوالها من حيث التقدم متفاوتة إلى حد بعيد. ولكننا سنبين ~~أن نفس طابع الوضعية الذي تتسم به كل العلوم الأخرى، ينتمي إلى ~~هذا العلم بدوره. وبانتهاء هذا العمل يكون المذهب الفلسفي ~~للمحدثين قد اكتمل بالفعل؛ إذ لن تظل هناك ظاهرة لا تندرج ~~بطبيعتها تحت واحدة من الفئات الخمس الكبرى. وعندما تصبح كل ~~أفكارنا الرئيسية متجانسة، تكون دعائم المرحلة الوضعية قد ~~استقرت تماما. ومن المحال أن يتغير طابعها هذا ثانية، وإن ~~تكن ستظل على الدوام في تطور بإضافة معارف جديدة. وعندما ~~تكتسب طابع الشمول الذي كان من قبل هو الميزة الوحيدة ~~للنظامين السابقين، فسوف تحل محلهما بتفوقها الطبيعي، ولا ~~تترك لهما إلا وجودا تاريخيا. # الهدف الثانوي لهذا الكتاب ~~: أوضحنا من قبل الهدف الخاص لهذا الكتاب. أما هدفه الثانوي ~~والعام فهو: دراسة ما حدث في العلوم؛ لكي نبين أنها ليست ~~منفصلة في ماهيتها، وإنما هي كلها فروع لجذر واحد. ولو كنا ~~قد اقتصرنا على الهدف الأول والخاص لهذا الكتاب، لكانت نتيجة ~~بحثنا هي دراسة للفيزياء الاجتماعية فحسب. على حين أن القول ~~بالهدف الثاني العام يجعلنا نقدم دراسة للفلسفة الوضعية، ~~مستعرضين جميع العلوم الوضعية التي تكونت من قبل. # دراسة فلسفة العلوم ~~: ليس الغرض من هذا الكتاب تقديم عرض للعلوم الطبيعية؛ فمثل ~~هذا العرض إلى جانب كونه لا ينتهي، وكونه يقتضي إعدادا ~~علميا لا يتوافر لأي شخص بمفرده، خارج عن نطاق هدفنا، الذي ~~هو ms128 تتبع مجرى الفلسفة الوضعية، لا العلم الوضعي. وكل ما ~~علينا هو أن ننظر إلى كل علم أساسي في صلته بالمذهب الوضعي في ~~مجموعه، وفي الروح المميزة له؛ أي من حيث مناهجه ونتائجه ~~الرئيسية. # والهدفان، مع تميز كل منهما عن الآخر، لا ينفصلان؛ إذ لا ~~قيام، من جهة، لفلسفة وضعية دون أساس من العلم الاجتماعي، الذي ~~لولاه لما كانت شاملة لكل شيء. وليس في وسعنا، من جهة أخرى، ~~متابعة العلم الاجتماعي دون أن نكون قد تأهبنا لذلك بدراسة ~~ظواهر أقل تعقيدا من الظواهر الاجتماعية، وتزودنا بمعرفة ~~للقوانين والوقائع السابقة التي تؤثر في العلم الاجتماعي. ~~ورغم أن العلوم الأساسية لا تتساوى في درجة أهميتها للأذهان ~~العادية، فليس فيها ما يمكن تجاهله في بحث كهذا، وكلها في نظر ~~الفلسفة ذات قيمة متساوية لرفاه الإنسان. وحتى تلك التي تبدو ~~أقلها أهمية، لها قيمتها الخاصة؛ إما لاكتمال منهجها، وإما ~~لأنها أساس ضروري للباقين جميعا. # مزايا الفلسفة الوضعية: الآن، وقد أوضحنا الروح العامة لهذه الدروس في الفلسفة الوضعية، ~~فلنلق نظرة على المزايا الرئيسية التي يمكن استخلاصها لصالح ~~التقدم البشري من دراسة هذه الفلسفة. ولنشر بوجه خاص إلى أربع ~~من هذه المزايا: # الفلسفة الوضعية تلقي ضوءا على الوظيفة ~~العقلية. تتمثل في دراسة الفلسفة الوضعية الوسيلة المعقولة ~~الوحيدة لعرض القوانين المنطقية للذهن البشري، وهي القوانين ~~التي كانت تلتمس من قبل بوسائل غير سليمة. # ولكي نوضح ما نعنيه بهذا، نشير إلى عبارة قالها السير «دي ~~بلانفيل # de Blainville ~~» في ~~كتابه عن علم التشريح المقارن، وهي أن كل كائن إيجابي، وكل ~~كائن حي بوجه خاص، يمكن أن ينظر إليه من ناحيتين؛ ناحية ~~سكونية، وناحية حركية؛ أي من حيث هو خاضع لظروف أو من حيث هو ~~فعال. ومن الجلي أن جميع الأفكار تندرج تحت واحدة من هاتين ~~الفئتين. فلنطبق هذا التصنيف على الوظائف العقلية. # إذا ما نظرنا إلى هذه الوظائف من الناحية السكونية - أي إذا ~~ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي تخضع لها في وجودها - لوجب ~~علينا أن نحدد الظروف العضوية ms129 لهذه الحالة، وهو مبحث ~~ينقلنا إلى مجال التشريح وعلم وظائف الأعضاء. أما إذا ~~تأملنا الناحية الحركية، فسيكون علينا أن نكتفي بدراسة ممارسة ~~القوى العقلية للجنس البشري ونتائجها، وهي دراسة لا تزيد ولا ~~تنقص عن الموضوع العام للفلسفة الوضعية. وبالاختصار، فعلينا أن ~~ننظر إلى جميع النظريات العلمية على أنها وقائع منطقية هامة ~~بنفس مقدار هذه النظريات. وعندئذ لا يكون علينا، لكي نصل إلى ~~معرفة القوانين المنطقية، إلا أن نقوم بملاحظة دقيقة لهذه ~~الوقائع. ولما كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة الظواهر ~~العقلية، فسوف يؤدي هذا إلى استبعاد علم النفس المزيف، ~~الذي هو المرحلة الأخيرة للاهوت. ذلك لأن علم النفس هذا يزعم ~~لنفسه القدرة على تحقيق كشف قوانين الذهن البشري بتأمله في ~~ذاته؛ أي بفصله عن العلل والمعلولات. ومثل هذه المحاولة، التي ~~تنطوي على تحد للدراسة الفيسيولوجية لأعضائنا العقلية، وخروج ~~على مناهج البحث العقلي، لا يمكن أن تنجح في أيامنا ~~هذه. # إن الفلسفة الوضعية، التي ظلت في صعود منذ أيام بيكون، قد ~~اكتسبت الآن مكانة بلغت من العلو حدا جعل الميتافيزيقيين ~~أنفسهم يدعون أنهم يبنون علمهم المزعوم على ملاحظة للوقائع؛ ~~فهم يتحدثون عن وقائع ظاهرة وباطنة، ويزعمون أن الأخيرة هي ~~موضوع بحثهم. وما أشبه هذا بالقول إن الإبصار يفسر بطبع ~~الأشياء المضيئة لصورها على حدقة العين! وهو زعم يرد عليه ~~علماء وظائف الأعضاء بقولهم إنه لا بد عندئذ من عين أخرى ترى ~~الصورة. وعلى هذا النحو ذاته قد يلاحظ الذهن جميع الظواهر ما ~~عدا ظواهره الخاصة. وقد يقال إن في استطاعة عقل الإنسان ملاحظة ~~انفعالاته؛ لأن مركز العقل بعيد، إلى حد ما، عن مركز ~~الانفعالات في المخ، ولكن لا يمكن وجود ما يماثل الملاحظة ~~العلمية للانفعالات إلا من الخارج؛ إذ إن ثورة الانفعالات تبعث ~~الاضطراب في ملكات الملاحظة إلى حد ما. أما القيام بملاحظة ~~عقلية للعمليات العقلية، فأمر أكثر من ذلك استحالة. فهنا يكون ~~العضو الملاحظ والملاحظ واحدا، ولا يمكن أن يكون عمله ~~طبيعيا خالصا. فلا بد لعقلنا، لكي يلاحظ، أن يكف ms130 عن نشاطه، ~~غير أن هذا النشاط بعينه هو ما نود ملاحظته؛ فلو لم توقف هذا ~~النشاط، لما استطعت أن تلاحظ، ولو أوقفته لما وجدت شيئا ~~تلاحظه. وإن نتائج هذا المنهج لتتناسب مع مقدار امتناعه؛ فبعد ~~ألفي عام من البحث النفساني لم توضع قضية واحدة يرضى عنها ~~أتباع هذا العلم، بل إنهم لينقسمون حتى يومنا هذا إلى مدارس ~~متعددة، ما زالت تختلف على المبادئ الأولى لمبحثها. ويبدو أن ~~هذه الملاحظة الباطنة تؤدي إلى نظريات تبلغ في كثرتها مبلغ ~~عدد الملاحظين. ومن العبث أن نتساءل عن كشف واحد، عظيم أو ~~ضئيل، تم من خلال هذا المنهج. # ولقد أدى الباحثون النفسانيون بعض الخير إذ أبقوا على ~~فاعلية أذهاننا، في وقت لم يكن أمام ملكاتنا أن تفعل فيه ما ~~هو أفضل من ذلك، وربما كانوا قد أضافوا شيئا إلى ذخيرتنا من ~~المعرفة. وإذا كانوا قد فعلوا ذلك فإنما كان هذا بفضل ممارسة ~~المنهج الوضعي؛ أعني بملاحظة تقدم الذهن البشري في ضوء ~~العلم؛ أي بأن يكفوا مؤقتا عن أن يكونوا باحثين ~~نفسانيين. # وإن الرأي الذي قلنا به الآن فيما يتعلق بالعلم المنطقي ~~ليتجلى بوضوح أعظم إذا ما تأملنا الفن المنطقي. # فالمنهج الوضعي لا يمكن الحكم عليه إلا مطبقا. ولا يمكن ~~تأمله في ذاته، بمعزل عن العمل الذي يطبق عليه. وعلى أية ~~حال فمثل هذا التأمل لن يكون إلا دراسة مجدبة، لا تنتج شيئا ~~في العقل الذي يبدد وقته فيها. وقد نتحدث ما شاء لنا ~~الحديث عن المنهج، ونصفه بعبارات غاية في الدقة، ومع ذلك لا ~~نكون قد عرفنا عنه نصف ما يعرفه ذلك الذي طبقه مرة واحدة ~~على حالة واحدة من حالات البحث الفعلي، حتى لو لم تكن له أية ~~غاية فلسفية. وهكذا فإن قراءة الباحثين النفسانيين لقواعد ~~بيكون ومقالات ديكارت قد أدت بهم إلى الخلط بين أحلامهم وبين ~~العلم الصحيح. # ورغم أنني لا أجزم بإمكان وضع منهج صحيح للبحث أوليا، على ~~نحو مستقل عن الدراسة الفلسفية للعلوم، فمن الواضح أن أحدا لم ~~يقم بهذه ms131 المحاولة بعد، وإننا لا نستطيع القيام بها الآن؛ فنحن ~~لا نستطيع حتى الآن أن نفسر العمليات المنطقية الكبرى، بمعزل ~~عن تطبيقاتها. ولو حدث أن أصبح هذا ممكنا، فسيظل من الضروري ~~عندئذ، مثلما هو ضروري الآن، أن نكون عادات عقلية مفيدة ~~بدراسة التطبيق المنظم للمناهج العلمية التي سنكون قد ~~توصلنا إليها. # تلك إذن هي النتيجة الهامة الأولى للفلسفة الوضعية؛ الكشف، ~~بالتجربة، عن القوانين التي يخضع لها العقل في البحث عن ~~الحقيقة، وبالتالي معرفة القواعد العامة المناسبة لهذا ~~الغرض. # إحياء التعليم: ثانيا: وللفلسفة الوضعية تأثير ثان لا يقل أهمية عن ~~الأول، وإن تكن الحاجة إليه أشد إلحاحا؛ وأعني به إحياء ~~التعليم. # فأفضل العقول تتفق على أن تعليمنا الأوروبي، الذي لا يزال ~~لاهوتيا وميتافيزيقيا وأدبيا في أساسه، ينبغي أن يستبدل ~~به تعليم وضعي، ملائم لعصرنا وحاجاتنا. بل إن حكومات هذه ~~الأيام قد بدأت هي ذاتها في بذل محاولات لإيجاد تعليم وضعي، أو ~~ساهمت بنصيب في مثل هذه المحاولات، وهذا دليل واضح على الشعور ~~العام بما نحن في حاجة إليه. ومع ذلك، فمع تشجيعنا هذه الجهود ~~إلى أقصى حد، ينبغي ألا نخفي عن أنفسنا أن كل ما بذل حتى ~~الآن لا يفي بالغرض؛ فالتخصص الحالي الشديد في أبحاثنا، وما ~~ينجم عنه من انفصال بين العلوم، يفسد تعليمنا. ومن الممكن أن ~~يستمر في بحث الأوجه الخاصة للعلوم أولئك الذين تخصصوا في ~~مثل هذه الأوجه، وهم أناس لا غنى لنا عنهم، وليس لنا أن ~~نهملهم، ولكن ليس في وسع هؤلاء أنفسهم أن يجددوا نظامنا ~~التعليمي، ولا بد لكي ينتفع منهم على الوجه الأكمل من أن ~~يرتكزوا على أساس ذلك التعليم العام الذي هو نتيجة مباشرة ~~للفلسفة الوضعية. ~~••• # إعادة تنظيم المجتمع: رابعا: تكون الفلسفة الوضعية الأساس المتين الوحيد لإعادة ~~التنظيم الاجتماعي التي ينبغي أن تعقب المرحلة الحرجة التي تمر ~~بها الآن معظم الأمم المتمدينة. # ولا حاجة بنا إلى أن نثبت لكل من يقرأ هذا الكتاب أن الأفكار ~~تحكم العالم، أو تلقي به في براثن الفوضى، أو بعبارة ms132 أخرى أن ~~كل العمليات الاجتماعية ترتكز على آراء؛ فالتحليل الدقيق يثبت ~~أن الأزمة السياسية والأخلاقية الكبرى التي تمر بها المجتمعات ~~الآن ناشئة عن الفوضى العقلية. وعلى حين أن الاستقرار في ~~المبادئ الأساسية هو الشرط الأول للنظام الاجتماعي الأصيل، ~~فإنا نعاني خلافا أساسيا نستطيع أن نعده شاملا. وإلى أن ~~يتسنى الاعتراف بعدد معين من الأفكار العامة على أنها نقطة ~~التلاقي في المذهب الاجتماعي، ستظل الأمم في حاله ثورية، مهما ~~وضعت لها من المسكنات، ولن تزيد نظمها على أن تكون مؤقتة. ~~أما حين يتسنى الاتفاق الضروري على المبادئ الأولى، فسوف ~~تظهر منها نظم مناسبة، دون اصطدام أو مقاومة؛ إذ سيكون الاتفاق ~~وحده عاملا على القضاء على أسباب الاضطراب. وفي هذا الاتجاه ~~ينبغي أن تتجه أنظار أولئك الذين يتطلعون إلى حالة طبيعية ~~منظمة سوية للمجتمع. # ولا شك في أن الاضطراب القائم يفسره على أكمل وجه وجود ~~الفلسفات المتضاربة الثلاث في آن واحد؛ أعني الفلسفة ~~اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية. ففي وسع أي من هذه ~~الفلسفات وحدها أن تضمن نوعا من النظام الاجتماعي، أما إذا ~~وجدت الثلاث معا فمن المستحيل علينا أن نتفاهم على أية نقطة ~~أساسية. فإذا صح هذا، فكل ما علينا هو أن نعرف أيا من هذه ~~الفلسفات هي التي ينبغي، حسب طبيعة الأشياء، أن تسود، فإذا ما ~~عرفنا ذلك، فلن يملك كل شخص، أيا ما كانت آراؤه السابقة، إلا ~~أن يقر بانتصارها. وما إن ندرك طبيعة المشكلة حتى يغدو حلها ~~قريب المنال؛ إذ إن كل الشواهد تشير إلى أن الفلسفة الوضعية ~~هي التي سيكون مآلها إلى الانتصار؛ فهي وحدها التي ظلت في ~~تقدم خلال قرون من الزمان، كانت الفلسفتان الأخريان خلالها ~~في تدهور. وهذه حقيقة لا شك فيها، وقد يأسف لها البعض، ولكن ~~ليس في وسع أحد أن يقضي عليها، وليس في وسعه بالتالي أن ~~يتجاهلها إلا إذا انخدع بالتأملات الباطلة. ولقد أوشك هذا ~~الانقلاب العام للذهن البشري أن يتم، وكل ما علينا هو أن نكمل ~~الفلسفة الوضعية بإدخال الظواهر الاجتماعية ضمن مفهومها، ms133 ثم ~~بالتوحيد بين الكل في مذهب واحد متجانس. وإن التفضيل الواضح ~~الذي تبديه جميع الأذهان، من أرفعها إلى أبسطها، للمعرفة ~~الوضعية على الأفكار الصوفية الغامضة، ليبشر بالقبول الذي ~~ستلقاه هذه الفلسفة عندما تكتسب الصفة الوحيدة التي تفتقر ~~إليها الآن؛ صفة العمومية اللازمة. فعندما تصبح كاملة، ~~ستتحقق سيادتها تلقائيا، وستعيد إشاعة النظام في كل أرجاء ~~المجتمع. والتعارض الوحيد القائم حاليا هو التعارض بين ~~الفلسفتين اللاهوتية والميتافيزيقية؛ فهما تتنافسان على مهمة ~~إعادة تنظيم المجتمع، غير أن هذا عمل يتجاوز كثيرا نطاق قدرة ~~كل منهما. ولقد اقتصر تدخل الفلسفة الوضعية حتى الآن على ~~اختبارهما، وهو اختبار لم تصمدا فيه على الإطلاق. والآن حان ~~وقت القيام بعمل أكثر فعالية، دون تبديد لقوانا في جدل عقيم. ~~حان وقت إتمام العمل العقلي الضخم الذي بدأه بيكون وديكارت ~~وجاليليو، ببناء نظام من الأفكار الهامة التي ينبغي من الآن ~~فصاعدا أن تسود الجنس البشري. وعلى هذا النحو يمكن أن يوضع حد ~~للأزمة الثورية التي تمزق الأمم المتمدينة في ~~العالم. # والآن، وقد ذكرنا هذه المزايا الأربع، ينبغي أن نتنبه إلى ~~هذا التحذير. # لا أمل في الرد إلى قانون واحد: # ليس معنى دعوتنا إلى الجمع بين معارفنا المكتسبة كلها في نسق ~~واحد متجانس، أننا نعتزم دراسة هذه المعارف الشديدة التنوع ~~كما لو كانت صادرة عن مبدأ واحد، وخاضعة لقانون واحد؛ ففي ~~المحاولات التي تبذل لتفسير كل الأشياء عن طريق قانون واحد من ~~البطلان ما يدعونا إلى استبعاد أي زعم من هذا القبيل عن كتابنا ~~هذا، وإن يكن سيتضح خلال فصوله مدى افتراء هذا الزعم. فعتادنا ~~العقلي يبلغ من الهزال، كما يبلغ الكون من التعقد حدا لا ~~يدع مجالا لأي أمل في أن يكون في مقدورنا المضي في الكمال ~~العلمي حتى أقصى درجاته في البساطة. ويبدو فضلا عن ذلك، أن ~~قيمة هذه النتيجة، على فرض بلوغها، قد بولغ فيها إلى حد ~~بعيد. # وليس النظر إلى جميع الظواهر على أنها قابلة للرد إلى أصل ~~واحد، ضروريا على الإطلاق لتكوين العلم بطريقة منظمة، ms134 ولا ~~لإدراك النتائج الهائلة الماهرة التي نتوقعها من الفلسفة ~~الوضعية. والوحدة الضرورية الوحيدة هي وحدة المنهج، وهي وحدة ~~ثبتت دعائمها بالفعل إلى حد بعيد. أما المذهب ذاته فلا ~~يتعين أن يكون واحدا، بل يكفي أن يكون متجانسا. وإذن فسوف ~~ننظر في هذا الكتاب إلى مختلف فئات النظريات الوضعية من ~~هاتين الزاويتين؛ وحدة المنهج وتجانس المذهب. ومع استهدافنا ~~الغاية الفلسفية لكل العلوم؛ أعني الإقلال من عدد القوانين ~~العامة اللازمة لتفسير الظواهر الطبيعية، فسوف ننظر إلى كل ~~محاولة تبذل في أي وقت مقبل لردها جميعها إلى قانون واحد على ~~أنها محاولة دعية مغرورة. # الفصل السابع # | قديس المذهب الحر # جون ستيوارت مل (1803-1873م) # كان من أوائل الإنجليز الذين أدركوا أهمية فلسفة كونت، معاصره الأصغر ~~سنا جون ستيوارت مل، ورغم أن مل قد شعر فيما بعد بالامتعاض وخيبة ~~الأمل من جراء جنون العظمة والروح الدينية التي تجلت في كتابات ~~كونت المتأخرة، فقد أدرك جيدا أن هناك قضايا فلسفية كثيرة يشتركان في ~~الالتزام بها. ولقد نظر كونت إلى تعليقات مل المشجعة على أفكاره على ~~أنها صادرة عن تلميذ إنجليزي سيساعد على إبلاغ رسالة الفلسفة الوضعية ~~إلى الكافرين بها. ولكن تلك كانت نظرة كونت وحده؛ فلم يكن من طبيعة ~~مل، لا في مزاجه ولا في اعتقاداته، أن يكون تلميذا لأحد أو مجرد ~~داعية لأية فكرة. ومن المحال أن نتصور أنه بذل كل هذا الجهد في تحرير ~~نفسه - بعد عناء شخصي شديد - من العقائد الجامدة لمذهب بنتام النفعي ~~الذي تشرب بتعاليمه في شبابه على يد أبيه «جيمس مل»، لكي يتحول إلى ~~عقيدة الإنسانية عند كونت. ذلك لأن تقديس كونت الصوفي للإنسانية قد ~~اقترب إلى حد خطير من ذلك النوع من التجسيم الحيوي للتصورات، الذي ~~عابه هو ذاته على الفكرة في المرحلتين اللاهوتية والميتافيزيقية. كما ~~أن نظرة كونت إلى العلاقة بين الفرد والمجتمع، وهي النظرة التي تزايد ~~اصطباغها بالصبغة العضوية تدريجيا، كانت ذات ملامح لا تختلف كثيرا ~~عن مذهب الدولة عند فشته وهيجل. وما كان لمثل هذه الاتجاهات ms135 التي اتصف ~~بها تفكير كونت المتأخر أن تجتذب مل الذي كانت المشكلة الرئيسية ~~للحياة الاجتماعية بالقرن التاسع عشر هي بالنسبة إليه، الحرية الروحية ~~والفكرية والاجتماعية للفرد. فقد تشبع مل، على العكس من كونت، بتلك ~~العادات الذهنية المتأصلة في تراث المذهب التجريبي الإنجليزي، الذي ~~كان هو ذاته آخر ممثل هام له - أعني العادات المرتبطة بالنظرة ~~التفتيتية # atomistic # والنفسانية إلى ~~الأمور. فقد كان من قبيل الأمور المسلم بها بالنسبة إليه أن ينظر إلى ~~الذهن البشري، كما فعل لوك وهيوم من قبله، على أنه «حزمة» من ~~الانطباعات والأفكار الجزئية. كما كان من الأمور المسلم بها أن ينظر ~~إلى المجتمع على أنه مجموعة من الأفراد لا تجمع بينهم إلا مصالح مشتركة ~~ومسئوليات متبادلة. ولم يكن في وسعه أبدا، حتى عهد متأخر من حياته، ~~أن ينظر إلى مشكلة الحرية البشرية في ضوء أنظمة مقررة. ولقد كان من ~~المبادئ الأساسية الدائمة لتصنيف مل ذاته للعلوم الاجتماعية، أن ~~قوانين الترابط والدوافع ( # motivation ~~) ~~هي أساس أي علم للمجتمع يسعى إلى فهم السلوك الاجتماعي للإنسان، وعلى ~~ذلك فقد خالف كونت في اعتقاده بأن أية نظرية تسعى إلى تفسير أفعال ~~البشر في مجموعها، تفترض مقدما نظرية نفسية في الطبيعة ~~البشرية. # ولقد كانت الصفة الغالبة على مل طوال حياته، وفي جميع مؤلفاته، هي ~~صفة المناضل الذي شن حملة لا تكل على شتى ألوان المذاهب الغيبية ~~والتوكيدية واللاعقلية - التي حفل بها الفكر في القرن التاسع عشر. ~~وكانت جميع شعاب فلسفته التي أسماها ب «فلسفة التجربة» موجهة ضد كل ~~أنواع المطلق، سواء أتنكر هذا المطلق في ثوب قضايا واضحة بذاتها، أو ~~حقائق متوارثة، أو أوامر مطلقة، أو حقوق طبيعية، أو بديهيات منطقية. ~~ولقد فات الكثيرين من نقاد مل أن يدركوا حقيقة هامة، هي أن نظرياته ~~المنطقية ونظريته في المعرفة، فضلا عن فلسفته الأخلاقية والسياسية، ~~تستهدف كلها آخر الأمر نفس الغاية الأساسية. فمثلا كانت محاولة إيجاد ~~أساس استقرائي بحت للمنطق الاستنباطي، هي ذاتها جزءا من حملته الضخمة ~~على أصحاب المذهبين الحدسي والترنسندنتالي، الذين كانوا ms136 يستشهدون ~~دائما بالطابع غير التجريبي للحقائق المنطقية والرياضية تأييدا ~~لمذاهبهم الأولية والتوكيدية في مجال الدين والأخلاق والسياسة. وهكذا ~~رأى مل أنه طالما أعفي المنطق، والرياضة، من الخضوع لاختبار التجربة، ~~فسوف تظل هناك حجة يرتكز عليها، من حيث المبدأ، أولئك الذين يهيبون ~~بالحدس والوضوح الذاتي والسلطة في المجالات الأخرى التي تؤثر في ~~سعادة الإنسان. وقد خطا مل خطوة بطولية هي إنكار وجود تمييز بين ~~الحقائق المنطقية والحقائق الواقعية، وهو التمييز الذي كان محور المذهب ~~التجريبي المتطرف عند هيوم. ومع ذلك فقد كان هدفه الرئيسي من ذلك هو ~~تبرير الرأي القائل، إن كل معرفة على إطلاقها ينبغي أن تقوم على ~~التجربة وتختبر فيها، وهو رأي كان مل يؤمن بأنه ضروري لجعل روح ~~المذهب الفلسفي الحر تسود على الرغم من خصومه. # ولقد كانت فلسفة مل تجريبية إلى حد التطرف، ولكن الأهم من ذلك ~~بالنسبة إلى وجهة نظره هو ما يمكن أن نسميه بمذهب «اشتراط المعقولية # reasonablism ~~»؛ أي اعتقاده بأنه ~~ليس ثمة قضية، أيا كان نوعها، ينبغي أن تظل بمنأى عن النقد، وأن من ~~الضروري أن نطلب أسبابا لأي قول يطلب منها قبوله، على أن تكون هذه ~~أسبابا قادرة على «التحكم في العقل». وإن إعفاء قضايا معينة من مثل ~~هذا الفحص والاختبار، لهو أصل كل مذهب مؤمن بالسلطة وكل مذهب مطلق، ~~وهما في رأي مل أعظم مصدر ممكن علاجه لتعاسة البشر. والشرط الضروري ~~للقضاء على هذه الشرور هو الامتناع عن النظر إلى أي اعتقاد، مهما كان ~~عمق الإيمان به، على أنه معصوم؛ فنمو المعرفة والحكمة البشرية، التي ~~يتوقف عليها، قبل غيرها، تقدم البشر، هر محصل ذلك العدد الذي لا ~~يحصى من ملاحظات الأفراد وتأملاتهم وانتقاداتهم وردودهم على ~~الانتقادات. وطالما أعفيت أية قضية من شرط تقديم المبررات هذا؛ فإن ~~هذا النمو يعاق إلى حد خطير، وتهدد قضية حرية الفكر بأسرها، وهي في ~~نظر مل الحرية الأساسية. # وعلى ذلك فالدوافع الموجهة لكتاب «المنطق» عند مل، هي ذاتها تلك ~~التي تتحكم في بحثه الرائع عن «الحرية # Liberty ms137 ~~». وإذا كان الأحرار في كل ~~مكان لا يزالون يذكرونه بالتقدير؛ فذلك لأن فلسفته بأسرها، مهما كانت ~~أخطاؤها، ربما كانت أعظم رمز عرفه القرن التاسع عشر للتحرر الروحي ~~والاتزان الفكري. ورغم أنه لم يكن يستطيع أن يقرأ هيجل، كما ذكر في ~~ترجمته الذاتية لحياته، دون أن يشعر بشيء من التقزز، فإنه لم يكن ~~جامد الإحساس إزاء الأحاسيس الشاعرية والدينية التي حفلت معظم الكتابات ~~الهامة في الفلسفات الرومانتيكية والترنسندنتالية لمعاصريه ~~الإنجليزيين؛ كولردج # 1 # وكارليل. # 2 # ولم يفترق عنهما إلا في اللحظة التي تحولت فيها حماستهما ~~الأصيلة إلى مذهب روحي غيبي لا يتمشى مع فلسفة التجربة. # ولقد كان السبب الفعلي الذي أطلق من أجله مل على فلسفته اسم «فلسفة ~~التجربة # phil. of experience ~~»، هو ~~رغبته في تمييزها من المذهب التجريبي # empiricism # في صورته العامية ~~المجهولة، التي يؤدي بها عدم الاعتراف بأية قضية لا تؤيدها التجربة ~~الحسية تأييدا مباشرا حاسما، إلى رفض الميتافيزيقا الترنسندنتالية ~~والأديان المنزلة، بل إلى رفض العلم ذاته. ففي رأي مل أن على جميع ~~القضايا أن تنجح في اختبار التجربة. ولكن ليست كل القضايا الصحيحة ~~بمنبئة عن تجربة مباشرة. ولقد كان مل، مثل كونت، يدرك تماما أن ~~العلم لا يمكن قيامه دون فروض ونظريات، فضلا عن الملاحظات، وأنه، مع ~~وجوب اختبار الفروض الموثوق بها عن طريق الملاحظة، فإن هذه الفروض ليست ~~مجرد تكديس لمادة الملاحظة. كما كان من السمات البارزة لنظريته في ~~المعرفة أن الملاحظات الخام، التي تحدث خبط عشواء، وتنقل دون اختبار ~~نقدي، لم تكن لها في نظره، من حيث البرهان، إلا قيمة ضئيلة. ولهذا ~~السبب فإن «دروس التاريخ» لا تكون أساسا كافيا لإدارة الشئون ~~السياسية، كما دأب مل على تذكير «ماكولي # Macaulay ~~» # 3 # وغيره من الممثلين المحافظين للمدرسة التاريخية. ولقد ~~كان من الأغراض الرئيسية «لقوانين الاستقراء» المشهورة عند مل، إيجاد ~~منهج لانتقاء الأدلة على الارتباطات المشتركة التي تبنى عليها ~~القوانين العلمية. وقد أدرك مل المغالطة في القضية القائلة: «بعد هذا، ~~وإذن فبسبب هذا # post hoc, ergo propter ~~hoc ~~» (أي ms138 إن الظاهرة التي تسبق ظاهرة أخرى هي ~~سببها)، وكان يدرك تماما أن للتجريب أهمية حاسمة في الاختبار العلمي ~~للنظريات. وقد ذكر مل أن الارتباطات الحقيقية في الطبيعة لا توجد ~~دائما على السطح الخارجي للتجربة. ولا يمكن إقامة ارتباطات علية ~~سليمة إلا عن طريق انتقاء دقيق وتنويع مستقل للمجموعة المعقدة من ~~الظروف السابقة والنتائج اللاحقة التي تتوارى عن الملاحظة العلية. ~~أما المظاهر غير المنتقاة، وضمنها مظاهر الارتباط المشترك (التضايف)، ~~فهي خداعة إلى حد بعيد. وينبغي أن يكون من مهام المنطق الاستقرائي ~~إيجاد أسلوب سليم لتنقيتها. # ومن المحال أن نعالج تفاصيل نظرية المنطق الاستقرائي في مثل هذا ~~الحيز الضيق، وإنما ينبغي أن يقتصر بحثنا هنا على أهميتها الفلسفية ~~الرئيسية، والمشاكل الفلسفية التي تثيرها. # لقد أدرك مل، كما قلنا، أن جميع الفروض والتنبؤات العلمية تتجاوز ~~«الوقائع»؛ فليس العلم على الإطلاق مجرد سجل لما حدث في حالات فردية ~~عديدة، وإنما يهتم العلم بالاطرادات العلية التي تصدق بانتظام على ~~جميع أفراد فئة معينة. ومهمته هي أن ينتقل بدقة، وعلى نحو فيه شعور ~~بالمسئولية، من التجربة الماضية إلى مستقبل لم يجرب بعد. فكيف إذن ~~يمكن تبرير الإيمان بمثل هذه الاطرادات والتنبؤات العامة رغم أن ما ~~تشتمل عليه يتجاوز دائما نطاق المعطيات المتوافرة؟ يجيب كانت، كما ~~رأينا، عن هذا السؤال بقوله إن مبدأ العلية مبدأ أولي تركيبي للذهن ~~البشري تفترضه مقدما جميع الكائنات العاقلة عندما تفكر في موضوعات ~~المكان والزمان. غير أن مثل هذا الحل لم يكن في متناول يد مل، ومن ثم ~~فقد اضطر إلى افتراض أن مبدأ اطراد الطبيعة، كما أسماه، هو ذاته قائم ~~تماما على التجربة. وقد عبر هو ذاته عن هذه المسألة تعبيرا بلغ ~~أقصى حدود الوضوح والدقة فقال: «علينا أن نلاحظ أولا أن في نفس القول ~~الذي نعبر فيه عن كنه الاستقراء، مبدأ متضمنا، ومصادرة بشأن ~~مجرى الطبيعة ونظام الكون، وأعني بهما أن في الطبيعة حالات يمكن أن ~~تعد حالات متوازية، وأن ما يحدث مرة سيحدث إذا ما تشابهت الظروف ~~بقدر كاف، ms139 مرة أخرى، وليس مرة أخرى فحسب، بل عددا من المرات يساوي ~~عدد مرات تكرار الظروف نفسها. فإذا ما رجعنا إلى المجرى الفعلي ~~للطبيعة، لوجدنا فيه ما يؤيد هذا الافتراض؛ فالكون بقدر ما نعلمه، ~~مكون بحيث إن ما يصدق على أية حالة بعينها يصدق على جميع الحالات ~~التي تتصف بأوصاف معينة، والصعوبة الوحيدة هي معرفة كنه هذه ~~الأوصاف.» # غير أن المبدأ القائل إن مجرى الطبيعة مطرد، وإن يكن على ما يبدو ~~هو المبدأ الأساسي للاستقراء، لا يفسر، في رأي مل، العملية ~~الاستقرائية أو يبررها تبريرا مستقلا. إذ إن هذا المبدأ ذاته في ~~حاجة إلى تبرير؛ لأنه كما يعتقد مل، لا يعدو أن يكون أعم فرض يمكن ~~وضعه بشأن نظام الأشياء في الطبيعة. وفضلا عن ذلك فهو ليس أول استقراء ~~لنا من التجربة، بل هو واحد من أواخر استقراءاتنا. ونحن لا نصل إليه ~~إلا بعد القيام باستقراءات وتعميمات خاصة عديدة، تتوقف عليها صحة هذا ~~المبدأ إلى حد بعيد. وهكذا يبدو، بالفعل، أن مل ينظر إلى قانون اطراد ~~الطبيعة على أنه تعميم جامع من مرتبة ثانوية، يشهد بصحته المجموع ~~الكامل للفروض المحدودة في مجال العلم ومجال التجربة اليومية. ومعنى ~~ذلك أن القانون في أحسن الظروف، فرض استقرائي يقتضي، ويتلقى بالفعل، ~~أدلة لا حصر لها تتجمع لديه من التعميمات الأضيق نطاقا للعلوم ~~الخاصة والتجربة المعتادة. ولكن كيف إذن يكون فيه «ضمان» لهذه الأخيرة؟ ~~ألسنا نصادف ها هنا دورا واضحا، ومحاولة عقيمة من المرء لحمل ذاته ~~من أربطة حذائه الاستقرائية؟ # هكذا، على الأقل، قال معظم نقاد مل، فإذا كان الضمان الوحيد للقضية ~~القائلة إن مجرى الطبيعة مطرد، هو تلك التعميمات الأقل مرتبة التي ~~استخلصت قبل ذلك من التجربة، فكيف يتسنى لهذه القضية بدورها أن يكون ~~فيها ضمان لهذه التعميمات؟ وهكذا تظل مشكلة الاستقراء الكامنة قائمة؛ ~~فما الذي يبرر أي استقراء من التجربة، سواء أكانت مقيدة أم غير ~~مقيدة؟ يرى نقاد مل أنه لا يأتي بأي جواب على هذا السؤال. كما أنه لم ~~يكلف نفسه عناء ms140 توجيه السؤال الأهم، وأعني به إن كان مبدأ العلية ~~الشاملة بالفعل فرضا على الإطلاق؛ أي إن كان ما يؤكده قانونا ~~للطبيعة يصف ارتباطات تجمع بين فئات من الظواهر. والواقع أن هذا السؤال ~~الملح، الذي ربما كان قد أدى، ب «مل» إلى التفكير طويلا لو كان قد ~~حلل بعمق «مقال # Treatise ~~» هيوم، أو ~~«نقد # Critique ~~» كانت، هو النتيجة ~~الجدية التي تؤدي إليها تحليلاتهما للعلية. ولو كان الجواب عليه ~~سلبا، لكان من الجائز أن ترد «مشكلة الاستقراء» بأسرها إلى مشكلة ~~تتعلق بصياغة شروط الصحة التي نكون نحن أنفسنا، بوصفنا باحثين، على ~~استعداد لقبولها في سعينا إلى تبرير أفكارنا بشأن عالم الظواهر. ولو ~~فسرت هذه الشروط على هذا النحو، لكانت مهمتها هي تحديد ما نعده شروطا ~~للمعقولية في مجال البحث الواقعي، ولو اتخذنا وجهة النظر هذه لما كان ~~للأسئلة المتعلقة بصحة هذه الشروط ذاتها مجال؛ إذ ليس ثمة محكمة أعلى ~~للعقل، يتسنى لنا تقديم استئناف معقول إليها. وعندئذ يكون الشك فيها ~~أشبه بالشك في وجوب فعلنا الخير في مجال الأخلاق. # فإذا ظل أحد يشك فيها رغم هذا، فلا سبيل إلى التعامل معه إلا ~~باتباع طريقة مل نفسه، في محاولته الرد على أولئك الذين جهروا بالشك ~~في مبدأ المنفعة. فالمطلوب في هذه الحالة الأخيرة ليس هو البرهان، ~~وإنما هو الدراسة الذاتية وإيضاح الالتزامات الكامنة للمرء بوصفه ~~كائنا بشريا. وكما يقول مل «فليست المبادئ الأولى قابلة للبرهنة، ~~وإن يكن من الممكن دعمها بمعنى ما. ولكن يبدو أن من المفيد، قبل دعمها ~~على هذا النحو، أن نتساءل عن نوع الدعم الذي قد يعتقد أنها تقتضيه. ~~ولو كان مل قد فكر في هذه المسألة في صدد مشكلة المعرفة بنفس دقته في ~~التفكير فيها بالنسبة إلى مشكلة السلوك، لكان من الجائز أن يدرك أن ~~المسألة الأساسية في الحالتين مسألة دوافع # motivation ~~، وأن العلاج الوحيد في ~~الحالتين علاج عملي. وفي هذه المسألة، قد يكتشف الفيلسوف التجريبي أن ~~في وسعه أن يستفيد شيئا، في معرض الدفاع عن العقل، من عدوه ms141 اللدود، ~~فشته. # وهناك وجه آخر هام لفلسفة التجربة عند مل، لم نأت على ذكره بعد. وفي ~~هذا الوجه يقتفي عن قرب أثر سلفيه باركلي وهيوم. فقد كان الهدف ~~الأكبر لهذين الفيلسوفين معا، هو أن يأتيا بتفسير لملكات الذهن ~~البشري وعتاده لا ينطوي على ما يتجاوز معطيات الإدراك الحسي والشعور ~~ومبادئ الترابط «الطبيعية» التي تنظم بها «مادة» الإحساس والشعور، ~~بحيث تتحول إلى الأفكار والمعتقدات التي نكون بها صورة عالمنا ~~الذي نعيش فيه. وتبعا لهذا الرأي، لا يتمثل في الخيال شيء لا يكون ~~موجودا من قبل، بطريق مباشر أو غير مباشر، في التجربة الحسية، ولا ~~يكون الخيال ذاته سوى استعداد أفكارنا لتكوين ارتباطات مع أفكار أخرى. ~~وهكذا لا يتألف ما نتصوره عالما طبيعيا، في أساسه، إلا من ~~اطرادات ثابتة معينة بين فئات من الإحساسات، ولا يكون ما نراه شيئا ~~ماديا، آخر الأمر، إلا «إمكانية معقدة للإحساس». وتبعا لهذا ~~الرأي، الذي يطلق عليه أحيانا اسم «مذهب الظواهر # phenomenalism ~~»، تكون كل قضية ~~متعلقة بالواقع قابلة من حيث المبدأ للرد إلى مجموعة من القضايا ~~المتعلقة بانطباعات حسية واقعة أو ممكنة. كما أن كل رد، تبعا لهذا ~~الرأي، ينبغي أن يشير إلى نوع من أنواع الإحساس قابل بالقوة للتجربة. ~~وليس ما نسميه ب «المادة» سوى نسق واحد للاطرادات بين الإحساسات، ~~على حين أن ما نسميه ب «الذهن» نسق آخر لها. وعلى ذلك فنحن حين ~~نتحدث عن الذهن البشري، لا نتحدث عن جوهر لا مادي يكمن من وراء ~~عالم الحس، وإنما، نتحدث، كما قال هيوم، عن «حزمة من الانطباعات» ~~فحسب. ولكن من الضروري ألا تفهم كلمة «انطباعات» على أنها تعني ~~شيئا لا يوجد إلا في «الذهن»؛ إذ إن الذهن ذاته، حسب الفرض، كلمة ~~خاوية لا تشير إلا إلى تنظيم معين لانطباعاتنا ذاتها. فالتمييز بين ~~«المظهر» و«الحقيقة »، هو - إذا جاز التعبير - تمييز داخلي لا يسري إلا ~~على مجال التجربة الممكنة ذاتها. # والهدف الكامن لفلسفة مل هو دائما أخلاقي بالمعنى العام للكلمة؛ ~~فهذه الفلسفة ترمي إلى الإتيان بنظرة عامة ms142 إلى المعرفة البشرية وعالم ~~الطبيعة، تكون لها أكبر منفعة في سلوكنا في الحياة. وهكذا تظهر فلسفة ~~التجربة، بمنطقها الاستقرائي ومذهبها في الظواهر، على أنها تمثل قبل ~~كل شيء مدخلا تمهيديا إلى الفلسفة النفعية في الحياة، التي ورثها ~~مل عن جريمي بنتام، والتي أعاد التعبير عنها، بعد إدخال تعديلاته ~~الخاصة، في بحثيه الشهيرين؛ «مذهب المنفعة # Utilitarianism ~~»، و«الحرية # Liberty ~~». # ولقد أساء نقاد مل فهم «برهان» مل المزعوم على مذهب المنفعة؛ فقد ~~كان مل يدرك بكل وضوح التمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؛ أي ~~بين الأقوال المعبرة عن الواقع، والأحكام التي تشير إلى ما ينبغي ~~عمله. ويشرح مل بوضوح تام في كتابه «المنطق» - وهو كتاب أغفله الكثيرون ~~من نقاد فلسفته الأخلاقية - فوضع التفرقة الأساسية الممكنة بين العلم ~~والأخلاق، التي يصفها على نحو له دلالته بأنها «فن». فلم يكن في ذهنه ~~خلط خطير حول التمييز بين المرغوب فيه والجدير بأن يكون مرغوبا فيه، ~~كما لم يتوهم أبدا إمكان استنباط علم للأخلاق من القوانين النفسية أو ~~الاجتماعية للسلوك البشري. فمل، مثل بنتام، يرى أن من الواجب الحكم ~~على الأفعال بنتائجها، غير أن من الواجب أن يفرض العلم تلك النتائج ~~التي ينبغي تفصيلها. وفضلا عن ذلك فإن مبدأ المنفعة الذي ينص على أن ~~الأفعال لا تكون قويمة إلا بقدر ما تؤدي إلى السعادة العامة، أو إلى ~~أعظم سعادة لأعظم عدد من الناس، هو مبدأ سلوكي، وليس تعريفا نوضح ~~فيه الوظيفة المنطقية لكلمة «القويم». وبالاختصار، فقد كان مذهب ~~المنفعة عند مل، كما كانت عند بنتام، أسلوبا للحياة، لا نظرية في ~~اللغة المستخدمة في الأخلاق. وعلى هذا النحو فسرها في القرن التاسع ~~عشر معظم خصومها، فضلا عن أنصارها. # وإذن فالأخلاق هي، أو ينبغي أن تكون، فن السعادة الفردية ~~والاجتماعية. ومل يفهم كلمة السعادة أو الرفاه من خلال فكرة الإرضاء ~~المنسجم لرغبات الفرد. والواقع أن بين نظرة مل «الشاملة # generic ~~» إلى السعادة، وبين نظرة ~~أرسطو إليها، عناصر مشتركة كثيرة، والفارق الرئيسي هو أن مل يؤمن بأن ms143 ~~للبيئة تأثيرا أعظم، ويرى أن الطبيعة البشرية ذاتها أكثر قابلية ~~للتغير. وإذا كانت النزعة الإنسانية لدى اليونانيين القدماء قد صادفت ~~ثناء حارا لكونها مذهبا أخلاقيا رحبا ينظر فيه إلى سعادة ~~الإنسان على نحو يعمل فيه حساب كامل لجميع رغبات الإنسان وقدراته، فإن ~~نظرة مل إلى السعادة لا تقل عن ذلك رحابة، وإن يكن موضع التأكيد فيها ~~قد اختلف إلى حد ما، فهو مقتنع بأن الإنسان حيوان اجتماعي مثلما أنه ~~حيوان عاقل، وبأن قدرا كبيرا من سعادته يتوقف على إرضاء نزعاته ~~الاجتماعية ومشاعره المتجهة إلى الآخرين. وقد اتهمت بعض الصور الأقدم ~~عهدا لمذهب اللذة # hedonism # بأنها ذات ~~اتجاه أناني، وربما كان هذا يصدق على الأبيقورية، ولكن ليس من العدل ~~توجيه اتهام كهذا إلى مذهب المنفعة كما عبر عنه مل؛ فهو يرى أن ~~الحياة التي تتركز حول التماس اللذة الشخصية تؤدي إلى ضياع للذات ~~لا يقل عن الضياع الذي يؤدي إليه أي نمط آخر للسلوك لا ينتظم النطاق ~~الكامل للمشاعر البشرية. # ويرى مل أنه ليست ثمة مشكلة خطيرة تتعلق بإيجاد باعث لمبدأ ~~المنفعة؛ فهذا الباعث موجود بالفعل، من حيث المبدأ، في الصور الأبسط ~~للتعاطف البشري أو المشاركة الوجدانية. والمشكلة الأخلاقية الرئيسية ~~هي، على العكس من ذلك، مشكلة التفتح والتنور الذهني. فلو أحسن الناس ~~فهم أنفسهم، ولم تلههم الأفكار الباطلة عن موقف الإنسان، التي بثتها ~~في نفوسهم العقائد الباطلة والفلسفات الزائفة والحكومات الفاسدة، لكان ~~التقدم الأخلاقي للبشر أقل تعثرا. وأهم ما يلزم لتحقيق التنور ~~الذهني في الوقت الحالي هو، في رأي مل، الحرية # Liberty ~~؛ فالعامل الاجتماعي ~~الرئيسي الذي يعترض طريق السعادة الفردية والجماعية في الحياة الحديثة ~~هو انتشار تدخل الأنظمة الرسمية وغير الرسمية في محاولة الفرد تنمية ~~ذاته. ومن الأمور التي لا يتنبه إليها معظم نقاد مل، أنه يعترف بأن ~~أية صورة للمجتمع المنظم لا بد أن تؤدي، بدرجة ما، إلى إحباط رغبة ~~الفرد في أن يفعل كل ما يشاء؛ فذلك حقا من نوافل القول. وإنما ~~المشكلة هي أن هذا الإحباط لم يعد، ms144 منذ زمن بعيد، يخدم السعادة العامة. ~~فمن المعقول ومن الضروري، بلا جدال، أن تقيد حرية الفرد، على أن ~~يقتصر ذلك على المدى الذي تكون فيه تلك القيود ضرورية لتنمية الآخرين ~~لذواتهم. # وربما كان دفاع مل المتحمس والمعقد عن الحرية أقوى وأخصب دفاع ~~ظهر عن المجتمع المفتوح # 4 # والمثل الأعلى للتنمية الذاتية الفردية. فالحرية في رأيه ~~غاية ووسيلة معا، وهي شرط الرخاء العام وعنصر أساسي في السعادة ~~الشخصية. وفضلا عن ذلك فدفاعه لا يقتصر على الحرية بوجه عام، وإنما هو ~~يدافع عن حريات محددة لا بد منها لسير الحياة. فحرية الفكر، وحرية ~~اختيار المهنة، وحرية الانضمام إلى الجمعيات والكلام - وهي كلها أمور ~~ينطوي عليها المثل الأعلى «للحرية» كما تصوره مل - هي في رأيه أسمى ~~ما يمكن أن يمنحه المجتمع المنظم من الهبات. والمقياس الوحيد لتمدين ~~أي مجتمع وقدرته على التقدم هو، في رأي مل، مدى تحقق هذه الحريات ~~فيه. # ولقد أدرك مل - ربما خيرا من أي مفكر آخر من أصحاب المذهب الحر في ~~القرن التاسع عشر - أن الديمقراطية والعلم الفني التطبيقي ليسا بلسما ~~يشفي كل العلل بطريقة آلية؛ ففي كل نظام بشري يوجد دائما اتجاه نحو ~~التمسك بالسنن القائمة وإطاعتها دون مناقشة. وليست الديمقراطية ولا ~~العلم المنظم بمنأى عن هذه الاتجاهات. والوسيلة الوحيدة للقضاء على ~~تأثيرها هي التوسيع الدائم لنطاق الحرية الفردية، والنقد الذي تتيحه ~~الحرية. والواقع أن مل كان أكثر فلاسفة عصره احتراما للعلم ومناهجه. ~~ولكنه لم يتأثر قط بإغراء فكرة التخطيط العلمي الواسع النطاق، الذي ~~تتولاه صفوة مثقفة للمجتمع. بل إن تقدم المعرفة، الذي هو شرط ~~التقدم الاجتماعي، لا يكون في رأيه ممكنا إلا في مجتمع لا يحال فيه ~~بين أي شخص، مهما كان بسيطا، وبين المساهمة بدور فعلي في ذخيرتنا ~~الشحيحة من المعرفة البشرية. فالسلطة تولد التعصب دائما، ~~والتعصب مهما كانت «سلامته »، هو على الدوام من علائم المجتمع المغلق ~~الذي بلغ آخر حدود القدرة على إصلاح ذاته وإنهاضها. فإذا كانت السلطة ~~لازمة أيضا لإقرار القانون والنظام، كما يعلم ms145 مل، فلا بد أيضا أن ~~تشعر على الدوام بأنها مقيدة ومسئولة، بفضل النقد الحر لأناس ذوي ~~نفوس مطمئنة. # وأيا ما كانت الأخطاء التفصيلية لفلسفة مل، فإنها ما زالت حتى ~~اليوم نقطة البداية في تفكير معظم المؤمنين بالحرية، حول المجتمع ~~الصالح والحياة الصالحة. وإن الكثيرين ممن لم يقتنعوا بحلوله للمشاكل ~~المنطقية والمعرفية التي بحثها، ليشيدوا بفضله ويعتزون به. ولقد ~~أطلق عليه اسم «قديس المذهب العقلي»، غير أن مذهبه العقلي - إن كان ~~مذهبه عقليا فحسب - بعيد كل البعد عن ذلك المذهب العقلي الذي قال به ~~أسلافه في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وإني لأوثر أن أرى فيه ~~«قديسا لمذهب الحرية»، احتفظ بالمثل الأعلى للمعقولية حيا في عصر ~~الأيديولوجية، دون أن تصل معقوليته أبدا إلى حد الإفراط أو تتصف ~~بالغرور. ومثل هذا المثل الأعلى ليس من ذلك النوع الذي يسهل المبالغة ~~في قيمته، وهو لا يلقى استجابة لدى معظم الباحثين وراء اليقين. غير ~~أنه هو العلامة المميزة للذهن المتمدين، وقبوله على نطاق عام هو ~~الميزة للمجتمع المتمدين. # والمقتطفات الآتية مختارة من بحث لمل بعنوان «الطبيعة # Nature ~~». # نشرته ابنة زوجته بعد وفاته، بوصفه أول بحث من ثلاثة أبحاث عن ~~الدين، والاثنان الآخران هما «منفعة الدين # The ~~Utility of Religion ~~»، «والمذاهب الألوهية # Theism ~~». # 5 ~~⋆ # وأيا ما كان حكمنا على المقالين الآخرين، فإن مقال «الطبيعة» ~~يمثل بلا جدال تفكير مل الناضج المتأني فيما بحثه من الموضوعات. ~~(النص) ~~«وإذن فالطبيعة، في أبسط معانيها، هي اسم جامع لكل الوقائع، ~~الفعلية منها والممكنة. أو (بتعبير أدق) هي اسم لذلك الحال # mode # الذي تحدث فيه كل ~~الأشياء، والذي لا نعرفه إلا جزئيا؛ ذلك لأن الكلمة لا تدل على ~~التفاصيل الكثيرة للظواهر بقدر ما تدل على المفهوم الذي يمكن أن ~~يكونه ذهن لديه معرفة كاملة بها، عن طريقتها في الوجود بوصفها ~~كلا ذهنيا، وهو مفهوم يرمي العلم إلى الوصول إليه عن طريق ~~خطوات متعاقبة من التعميم للتجربة. # ذلك، إذن، هو التعريف الصحيح للفظ الطبيعة. غير أن التعريف لا ~~ينطبق إلا على ms146 واحد فقط من المعاني المتعددة لهذا اللفظ. # فمن الواضح أنه لا ينطبق على بعض الأحوال التي يشيع فيها استخدام ~~اللفظ؛ فهو مثلا يتعارض تماما مع التعبير الشائع الذي يقال فيه، ~~الطبيعة مقابل الفن (أو الصنعة)، والطبيعي مقابل الصناعي. ففي ~~المعنى الذي عرضناه لكلمة الطبيعة، وهو المعنى العلمي الصحيح، يكون ~~الفن (أو الصنعة) طبيعة، شأنه شأن أي شيء آخر، ويكون كل شيء صناعي ~~طبيعيا؛ إذ ليست للفن قوة مستقلة خاصة به، وما هو إلا استخدام ~~قوى الطبيعة لغاية ما؛ فالظواهر التي تنتجها فاعلية الإنسان، ~~مثلها مثل تلك التي تكون، من وجهة نظرنا، تلقائيا، تتوقف على ~~خصائص القوى الأولية، أو الجواهر الأولية ومركباتها، ولو اجتمعت ~~قوى الجنس البشري بأكمله لما استطاعت أن تخلق صفة جديدة للمادة ~~بوجه عام، أو لأي نوع من أنواعها. وكل ما يمكننا هو أن ننتفع ~~لأغراضنا الخاصة، مما نجده من الخصائص. # وهكذا يبدو أن علينا الاعتراف بمعنيين رئيسيين على الأقل ~~لكلمة الطبيعة؛ فالطبيعة، بأحد المعنيين، هي كل القوى الموجودة في ~~العالم الخارجي أو الداخلي، وكل ما يحدث بفعل هذه القوى. وهي ~~بالمعنى الآخر، ليست كل ما يحدث، وإنما كل ما يحدث دون تدخل ~~الإنسان، أو دون تدخله الإرادي المقصود. وهذا التمييز لا يستنفد ~~كل المعاني المختلفة للفظ، ولكنه مفتاح لتلك المعاني التي تتوقف ~~عليها نتائج هامة. # فإذا كان هذان هما المعنيان الرئيسيان لكلمة الطبيعة، ففي أيهما، ~~أو في أي معنى إذن، تقال الكلمة عندما تستخدم هي ومشتقاتها ~~للدلالة على أفكار الإطراء والاستحسان بل والإلزام الخلقي؟ ~~••• # أمن الضروري أن نرى في هذه التعبيرات معنى جديدا متميزا ~~لكلمة الطبيعة؟ أم إن من الممكن ربطها، في أية وحدة معقولة، بأي ~~من المعنيين السابقين؟ قد يبدو لأول وهلة أنه لا مناص لنا من ~~الاعتراف بوجود اختلاف آخر في معنى اللفظ، فكل الأبحاث تنصب إما ~~على ما هو كائن، أو على ما ينبغي أن يكون ؛ فالعلم والتاريخ ينتميان ~~إلى القسم الأول، والفن والأخلاق والسياسة تنتمي إلى ~~الثاني. # غير أن المعنيين اللذين أوضحناهما أولا ms147 لكلمة الطبيعة، يتفقان ~~في الإشارة إلى ما هو كائن فحسب؛ ففي المعنى الأول تكون الطبيعة ~~اسما لكل ما يوجد بذاته، دون تدخل بشري إرادي. غير أنه يبدو أن ~~استخدام لفظ الطبيعة بوصفه مصطلحا في الأخلاق يكشف عن معنى ثالث، ~~لا تدل فيه الطبيعة على ما هو كائن، وإنما على ما ينبغي أن يكون، ~~أو على قاعدة أو معيار ما ينبغي أن يكون. غير أن قليلا من التفكير ~~كفيل بإيضاح أن هذه ليست حالة اختلاف في المعنى، وأنه ليس ثمة ~~معنى ثالث للكلمة ها هنا. فأولئك الذين يقولون بالطبيعة معيارا ~~للسلوك، لا يقصدون القول بقضية لفظية (لغوية) فحسب؛ أي إنهم لا ~~يعنون أن المعيار، أيا كان، ينبغي أن يسمى بالطبيعة، وإنما ~~يعتقدون أنهم يقدمون بعض المعلومات عما يكونه معيار السلوك ~~بالفعل؛ أي إن القائلين بوجوب سلوكنا وفقا للطبيعة لا يعنون فقط ~~قضية الهوية القائلة إننا ينبغي أن نفعل ما ينبغي أن نفعل، وإنما ~~يعتقدون أن لفظ الطبيعة يمدنا بمعيار خارجي لما ينبغي أن نفعله. ~~وإذا كانوا يختارون قاعدة لما ينبغي أن يكون، من كلمة تدل في ~~معناها الصحيح على ما هو كائن، فإنهم يفعلون ذلك لأن لديهم فكرة، ~~واضحة كانت أم غامضة، مؤداها أن ما هو كائن هو قاعدة ما ينبغي أن ~~يكون ومعياره. # وهدفنا من هذا المقال هو دراسة هذه الفكرة؛ فالمقال يعتزم البحث ~~في حقيقة المذاهب التي تتخذ من الطبيعة مقياسا للصواب والخطأ، ~~وللخير والشر، أو التي تعزو فضلا وتبدي استحسانا، على أي نحو أو ~~بأية درجة، لاتباع الطبيعة أو محاكاتها أو إطاعتها. ولقد كان البحث ~~السابق الخاص بمعنى الألفاظ مقدمة لا غناء عنها لهذا البحث؛ ~~فاللغة، إن جاز هذا التعبير، هي جو البحث الفلسفي، الذي ينبغي أن ~~يصبح أكثر صفاء قبل أن يتسنى مشاهدة أي شيء من خلاله في شكله ~~ووضعه الصحيح. ومن الضروري في هذه الحالة أن نحتاط من اختلاف آخر ~~في المعنى، ضلل أحيانا، على وضوحه، عقولا بعضها راجح، ويحسن ~~الإلمام به على حدة قبل المضي ms148 قدما في البحث. فليس ثمة كلمة ألصق ~~ارتباطا بلفظ الطبيعة من كلمة القانون. ولهذه الكلمة الأخيرة ~~معنيان متلازمان، تدل في أحدهما على جزء محدد مما ينبغي أن يكون؛ ~~فحين نتحدث عن قانون الجاذبية، وقوانين الحركة الثلاثة، وقانون ~~النسب المحددة في التفاعلات الكيميائية، والقوانين الحيوية ~~للكائنات العضوية، نعني أجزاء مما هو كائن. أما عندما نتحدث ~~عن القانون الجنائي والقانون المدني، وقانون الشرف، وقانون الصدق، ~~وقانون العدل، فإنا نعني أجزاء مما ينبغي أن يكون، أو من ~~افتراضات شخص ما أو مشاعره أو أوامره بشأن ما ينبغي أن يكون. ~~فأما النوع الأول من القوانين، كقوانين الحركة والجاذبية، فما هو ~~إلا الاطرادات الملاحظة في حدوث الظواهر؛ منها اطرادات تتعلق ~~بالسابق واللاحق، ومنها اطرادات تتعلق بالتلازم في الحدوث. تلك ~~هي القوانين المقصودة من كلمة «قوانين الطبيعة» في العلم، بل وفي ~~الحديث المعتاد. أما القوانين بالمعنى الآخر فهي قوانين البلاد، ~~أو قانون الأمم، أو القوانين الأخلاقية، وهي قوانين يقحم بينها ~~المشرعون والمتفقهون، كما لاحظنا من قبل، شيئا يعتقدون أن من ~~الصحيح تسميته بقانون الطبيعة. # وعندما يقال صراحة أو ضمنا إن من الواجب الاتفاق مع الطبيعة أو ~~قوانينها، فهل يكون المقصود بالطبيعة هنا، الطبيعة بالمعنى الأول؛ ~~أي كل ما هو كائن؛ أي قوى الأشياء كلها وخصائصها؟ من الواضح أنه لا ~~حاجة بهذا المعنى إلى توصية للفعل وفقا للطبيعة، ما دامت هي ما لا ~~يملك أحد إلا أن يفعله، سواء أصاب في فعله أم أخطأ. فليس ثمة طريقة ~~للسلوك لا تتفق مع الطبيعة بمعناها هذا، وهذا يسري بنفس القدر على ~~كل طرق السلوك؛ فكل سلوك إنما هو ممارسة قوة طبيعية ما، وتأثيراته ~~أيا كان نوعها، هي بدورها ظواهر طبيعية، تنتجها قوى وخصائص بعض ~~الأشياء الطبيعية، وتتبع فيها بكل دقة واحدا أو أكثر من قوانين ~~الطبيعة. وإنه لمن الممتنع أن نطلب إلى الناس أن يسلكوا وفقا ~~لقوانين الطبيعة، في الوقت الذي لا يملكون فيه من القوة إلا ما ~~منحتهم إياه الطبيعة، وفي الوقت الذي يستحيل فيه عليهم ماديا أن ms149 ~~يفعلوا أقل شيء إلا من خلال واحد من قوانين الطبيعة. والأمر الذي ~~يلزم أن يوضح لهم، هو تحديد تلك القوانين الطبيعية التي ينبغي ~~عليهم أن يطبقوها في حالة محددة. # ومع ذلك، فرغم أن من الأمور العقيمة أن تدعو الناس إلى أن يفعلوا ~~ما لا يملكون إلا أن يفعلوه، ورغم أن من الممتنع أن تضع للسلوك ~~القويم قاعدة تتفق تماما مع ما يسري على السلوك المنحرف؛ فقد ~~يكون من الممكن وضع قاعدة عاقلة للسلوك على أساس العلاقة التي ~~ينبغي أن تجمع بين السلوك وبين قوانين الطبيعة بأوسع معنى لهذه ~~الكلمة. فصحيح أن المرء يطيع بالضرورة قوانين الطبيعة، أو بعبارة ~~أخرى صفات الأشياء، ولكنه لا يسترشد بها بالضرورة. ورغم أن كل سلوك ~~متفق مع قوانين الطبيعة، فليس كل سلوك قائما على معرفة بها، ~~وموجها على نحو عاقل إلى بلوغ أهدافه عن طريقها. ورغم أننا لا ~~نستطيع أن نحرر أنفسنا من قوانين الطبيعة في مجموعها؛ ففي وسعنا ~~التهرب من أي قانون بعينه من قوانين الطبيعة، إذا ما استطعنا أن ~~نبتعد بأنفسنا عن الظروف التي يسري فيها هذا القانون. ورغم أننا لا ~~نفعل شيئا إلا من خلال قوانين الطبيعة، ففي وسعنا استخدام قانون ~~مقابل الآخر. وكما يقول بيكون في كلمته المأثورة؛ ففي وسعنا إطاعة ~~الطبيعة على نحو نسيطر به عليها. فكل تغيير في الظروف يغير، إلى ~~حد كثير أو قليل، قوانين الطبيعة التي نسلك بمقتضاها، وفي كل ~~اختيار نقوم به للغايات أو الوسائل، نخضع أنفسنا إلى حد قليل أو ~~كثير لمجموعة من قوانين الطبيعة دون غيرها. وعلى ذلك فلو غيرنا ~~الدعوة العقيمة إلى اتباع الطبيعة، إلى قاعدة لدراسة الطبيعة، وإلى ~~معرفة خصائص الأشياء التي يتعين علينا التعامل معها والاهتمام ~~بها، بقدر ما يتسنى لهذه الخصائص أن تساعد على تحقيق هدف معين ~~أو تعوقه، فعندئذ يكون قد توصلنا إلى المبدأ الأولي لكل فعل ~~عاقل، أو على الأصح إلى تعريف الفعل العاقل ذاته، ولا ريب عندي في ~~أن هناك فكرة باطنة عن هذا المبدأ الصحيح في ms150 أذهان الكثيرين ممن ~~يقولون بالمبدأ الفارغ المشابه له سطحيا؛ فهم يدركون أن الفارق ~~الأساسي بين السلوك الحكيم والأهوج ينحصر في الاهتمام أو عدم ~~الاهتمام بتلك القوانين الخاصة للطبيعة، والتي تتوقف عليها نتيجة ~~هامة ما. وهم يعتقدون أن الشخص الذي يهتم بقانون للطبيعة، كما يصوغ ~~سلوكه وفقا له، يمكن أن يقال عنه إنه يطيعه، على حين أن الشخص ~~الذي يهمله عمليا، ويسلك كما لو لم يكن لمثل هذا القانون وجود، ~~يمكن أن يقال عنه إنه يوصيه. وفاتهم أن ما يسمى عصيانا لقانون ~~للطبيعة إنما هو إطاعة لقانون آخر، وربما لنفس القانون. # ولكن مهما كان مقدار ما يدين به مذهب «اتباع الطبيعة # Naturam sequi ~~» في سلطته ~~وتأثيره للخلط القائم بينه وبين الدعوة المعقولة إلى مراعاة ~~الطبيعة # Naturam observare ~~، فإن ~~أنصار هذا المذهب والداعين إليه يعنون به قطعا شيئا يتجاوز هذه ~~الدعوة كثيرا. فاكتساب معرفة بخصائص الأشياء، والانتفاع من هذه ~~المعرفة في الاسترشاد بها، هو قاعدة من قواعد الفطنة ~~( # prudence ~~) ترمي إلى تكييف ~~الوسائل مع الغايات، وإلى تحقيقي رغباتنا ومقاصدنا أيا كانت. غير ~~أن مبدأ إطاعة الطبيعة، أو الاتفاق مع الطبيعة، لا يعد من مبادئ ~~الفطنة أو الحكمة فحسب، وإنما يعد أيضا مبدأ أخلاقيا، بل إنه ~~في نظر من يتحدثون عن «الحق الطبيعي # jus ~~natural ~~»، يعد قانونا جديرا بالتطبيق في ~~المحاكم، وبالتنفيذ عن طريق الجزاءات؛ فالفعل القويم ينبغي أن يعني ~~شيئا يزيد ويختلف عن مجرد الفعل العاقل، ومع ذلك فمن المستحيل ~~ربط أية قاعدة تتجاوز هذه الأخيرة، بكلمة الطبيعة في معناها الواسع ~~الأقرب إلى روح الفلسفة. وإذن فلنجرب معناها الآخر؛ أي ذلك الذي ~~تتميز فيه الطبيعة من الفن أو الصنعة، وتدل، لا على المجرى ~~الكامل للظواهر التي تقع تحت أنظارنا، وإنما على مجراها التلقائي ~~فحسب. # فلننظر إذن إن كان في وسعنا أن نعزو أي معنى إلى القاعدة ~~العملية المزعومة الخاصة باتباع الطبيعة، في هذا المعنى الثاني ~~للكلمة، الذي تدل فيه على ما حدث دون تدخل بشري؛ فهل المجرى ~~التلقائي للأشياء إذا ما تركت ms151 وشأنها في الطبيعة، مفهومة بهذا ~~المعنى، هو القاعدة التي ينبغي اتباعها عند محاولة تسخير الأشياء ~~لمنفعتنا؟ من الواضح على التو أن القاعدة بهذا المعنى ليست فقط ~~عقيمة وخالية من المعنى، كما هي حالها في المعنى الآخر، بل إن ~~امتناعها وتناقضها الذاتي واضحان. ففي حين أن سلوك الإنسان لا مفر ~~له من الاتفاق مع الطبيعة بأحد معنيي اللفظ، فإن الهدف والقصد من ~~السلوك هو تغيير الطبيعة بالمعنى الثاني وتحسينها. وإذا كان المجرى ~~الطبيعي للأشياء سليما ومرضيا تماما، فإن مجرد السلوك يكون ~~تدخلا لا جدوى منه، يؤدي حتما إلى زيادة الأمور سوءا طالما ~~أنه لا يستطيع تحسينها. أو أنه لو أمكن تبرير الفعل على الإطلاق، ~~فسيكون ذلك في حالة الإطاعة المباشرة للغرائز فحسب، طالما أنه قد ~~يكون من الممكن حسبان هذه جزءا من النظام التلقائي للطبيعة، ~~وعندئذ يكون أي سلوك يصدر عن روية وغرض، خرقا لهذا النظام ~~الكامل. فإن لم يكن الصناعي # artificial # أفضل من الطبيعي، ~~فإلى أية غاية تسير كل صنائع الحياة وفنونها؟ عندئذ يكون الحفر، ~~والحرث، والبناء، وارتداء الملابس، خرقا مباشرا للدعوة إلى اتباع ~~الطبيعة. ~~••• # إن كل مديح يزجى إلى المدنية أو الفن أو العقل المبتكر، إنما هو ~~في الآن نفسه ذم للطبيعة، واعتراف بالنقص الذي يتعين على ~~الإنسان، تحقيقا لرسالته وبلوغا لكماله، أن يسعى على الدوام إلى ~~إصلاحه أو تقويمه. # ولقد أدى الشعور بأن كل ما يفعله الإنسان لتحسين حاله هو في ~~الآن نفسه كبت وإحباط للنظام التلقائي للطبيعة، أدى هذا الشعور ~~في كل الأزمان إلى إلقاء ظل من الشك الديني في مبدأ الأمر على ~~المحاولات الجديدة المبتكرة لتحسين هذه الحال؛ إذ نظر إلى هذه ~~المحاولات على أن فيها تحديا، وربما إهانة، للكائنات ذات القدرة ~~(أو إلى الموجود القادر على كل شيء، عندما حل التوحيد محل تعدد ~~الألوهية)، التي يفترض أنها تسيطر على مختلف ظواهر الكون، والتي ~~كان ينظر إلى مجرى الطبيعة على أنه تعبير عن إرادتها. وهكذا كان ~~من السهل أن تبدو أية محاولة لتسخير الظواهر الطبيعية من ms152 أجل راحة ~~البشر، تدخلا في تحكم هذه الكائنات العليا، ورغم أنه كان من ~~المستحيل الاحتفاظ بالحياة - ناهيك بإعلائها - دون تدخل دائم ~~من هذا النوع، فقد كان كل تدخل جديد يقترن حتما بالرعب والرعدة، ~~حتى تثبت التجربة أن من الممكن ممارسته دون جلب نقمة الآلهة. ومع ~~ذلك فما زالت هناك فكرة غامضة مؤداها أنه رغم أن السيطرة على هذه ~~الظاهرة الطبيعية أو تلك أمر مستحب، فإن النظام العام للطبيعة إنما ~~هو أنموذج لنا نحتذيه، وإننا مع ممارستنا لقدر، قل أو كثر، من ~~الحرية في التفاصيل، ينبغي علينا أن نسترشد في سلوكنا عامة بروح ~~السلوك الطبيعي واتجاهه العام. وإن هذه أمور من صنع الله، ومن ثم ~~فهي كاملة، وإن الإنسان لا يستطيع منافسة كمالها المعجز، وإن أكثر ~~ما يستطيع به أن يظهر قدرته وتقواه، هو أن يحاول الإتيان بمثيل ~~لها، مهما كان نقص المحاولة. وإنه إذا لم تكن إرادة الخالق تتبدى ~~في نظام الطبيعة التلقائي كله، فإنها تتبدى على الأقل، بمعنى ~~خاص، في أجزاء خاصة منه، تختار وفقا لهوى المتحدث، وتكون ~~بالنسبة إليه أشبه بإشارات الطريق تدل على الاتجاه الذي قصد من ~~الأشياء عامة، وبالتالي من أفعالنا الإرادية، أن تسير فيه. هذا ~~النوع من الآراء، وإن يكن المجرى المضاد للحياة يكبته في الظروف ~~المعتادة، يظل على استعداد للانطلاق كلما صمت العرف، ولم تجد ~~الهواجس الكامنة في الذهن شيئا يعارضها سوى العقل، وهكذا نجد أهل ~~البلاغة يستشهدون على الدوام بمثل هذه الآراء، فتكون النتيجة هي ~~أنه إذا لم يقتنع الخصوم، فسوف تطمئن على الأقل نفوس أولئك الذين ~~يعتنقون من الآراء ما يرغب أهل البلاغة في نشره. # فإذا كانت هذه الفكرة القائلة بمحاكاة أساليب العناية الإلهية ~~كما تتبدى في الطبيعة، لا تجد إلا في أحوال نادرة تعبيرا صريحا ~~مباشرا عنها بوصفها قاعدة للسلوك تنطبق بشكل عام، فإنها أيضا لا ~~تجد من يناقضها إلا في أحوال نادرة. وهكذا تجد من يصادفونها في ~~طريقهم يفضلون الالتفاف حول العقبة بدلا من مهاجمتها؛ إذ إنهم ~~هم أنفسهم ليسوا ms153 في كثير من الأحيان متحررين من هذا الرأي، وهم ~~على أية حال يخشون أن يجلبوا على أنفسهم تهمة الزندقة إذا ما ~~قالوا شيئا قد يعد مزريا بآثار قدرة الخالق. وهكذا تجدهم في ~~معظم الأحيان يحاولون أن يبينوا أن لديهم من الحق في الحجة ~~الدينية مثل ما لخصومهم، وأنه إذا كان المسلك الذي يوصون به يبدو ~~متعارضا مع بعض أساليب العناية الإلهية، فإنه في جزء آخر منه يتفق ~~معها على نحو أفضل مما تتفق عليه معها مزاعم خصومهم، وفي مثل هذه ~~الطريقة في معالجة المغالطات الأولية الكبرى، يؤدي تقدم الفهم ~~إلى محو أخطاء معينة، على حين تظل أسباب الخطأ على ما هي عليه، ولا ~~ينالها من أي نزاع إلا أقل سوء. ومع ذلك فإن السلسلة الطويلة من ~~هذه الانتصارات الجزئية تؤدي إلى تراكم السوابق التي يمكن ~~الاستعانة بها ضد هذه الأفكار السابقة الراسخة، والتي تعطينا أملا ~~متزايدا في أن يجيء اليوم الذي يضطر فيه الرأي الباطل، بعد أن ~~كثرت مرات تراجعه، إلى التسليم دون قيد ولا شرط. إذ إنه مهما بدت ~~تلك القضية جارحة لشعور المتدينين، فمن واجبهم أن يقبلوا دون ~~مواربة مواجهة الحقيقة الصريحة القائلة إن نظام الطبيعة، بقدر ما ~~تظل بمنأى عن تدخل الإنسان، له صفات يستحيل معها أن يكون كائن ~~عادل رحيم قد صنعها بقصد أن يجعل مخلوقاته العاقلة تتخذ منها مثلا ~~يحتذى. فإذا كانت الطبيعة كلها من صنع مثل هذا الكائن، ولم تشترك ~~في صنعها كائنات لها صفات مختلفة كل الاختلافات، فلا يمكن إلا أن ~~تكون عملا ترك ناقصا عن عمد، يتعين على الإنسان، في مجاله ~~المحدود، أن يمارس العدل والرحمة في تقويمه. والواقع أن أفضل الناس ~~كانوا يرون دائما أن جوهر الدين هو في أن يجعل أسمى واجب للإنسان ~~على الأرض إصلاح ذاته، ولكنهم جميعا، باستثناء المترهبنين ~~السلبيين، قد أضافوا إلى ذلك، في قرارة أنفسهم (وإن لم يكونوا في ~~معظم الأحيان على استعداد للجهر بذلك بنفس القدر من الوضوح) واجبا ~~دينيا آخر هو إصلاح العالم، لا ms154 في جزئه البشري فحسب، بل في جزئه ~~المادي أيضا؛ أي إصلاح الطبيعة المادية. ~~••• # هذا العرض الموجز يكفي كل الكفاية لإثبات أن للإنسان نفس الواجب ~~بالنسبة إلى طبيعته الخاصة وبالنسبة إلى طبيعة كل الأشياء الأخرى؛ ~~ألا وهو أن يصلحها، لا أن يتبعها. ومع ذلك فإن بعض الناس، الذين ~~لا يحاولون أن ينكروا وجوب إخضاع الغريزة للعقل، يذعنون للطبيعة ~~إلى حد أنهم يقولون إن من الواجب أن يترك لكل ميل طبيعي مجال عمل ~~ما، ومنفذا لإشباعه، فهم يقولون إن كل الرغبات الطبيعية لا بد قد ~~غرزت في النفس لغرض ما، ويمضون في هذه الحجة إلى حد أنهم كثيرا ~~ما يقولون إن كل رغبة، يفترض أن الشعور بها أمر طبيعي، لا بد أن ~~يكون لها في نظام الكون مجال مقابل لإشباعها، وذلك بقدر ما يعتقد ~~الكثيرون (مثلا) أن الرغبة في إطالة الحياة إلى أجل غير محدد هي ~~ذاتها دليل كاف على حقيقة الحياة الأخرى. # وفي رأيي إن كل هذه المحاولات الرامية إلى كشف مقاصد العناية ~~الإلهية بالتفصيل من أجل إعانة هذه العناية على تحقيق هذه المقاصد ~~بعد الاهتداء إليها، هي محاولات ممتنعة من أساسها؛ فأولئك الذين ~~يستنتجون من دلائل معينة أن العناية الإلهية تقصد هذا الأمر أو ~~ذاك، إما أن يعتقدوا أن في استطاعة الخالق فعل ما يريد، أو أن ~~هذا ليس في استطاعته. فإذا أخذنا بالفرض الأول، وقلنا إن العناية ~~الإلهية قادرة على كل شيء، لكانت العناية الإلهية تقصد كل ما هو ~~حادث، وكون الشيء حادثا يثبت أن العناية الإلهية قد قصدته. فإن ~~كان الأمر كذلك، فإن كل ما يستطيع الإنسان عمله مقدر من العناية ~~الإلهية من قبل، وما هو إلا تحقيق لمقاصدها. أما إذا لم تكن ~~العناية الإلهية تقصد كل ما يحدث، وإنما تقصد الخير فقط، وهو الرأي ~~الأقرب إلى نفوس المتدينين، فإن في وسع الإنسان عندئذ أن يساعد ~~مقاصد العناية الإلهية بقدرته وأفعاله الإرادية، ولكنه لا يستطيع ~~أن يعرف هذه المقاصد إلا بالبحث فيما يؤدي إلى تحقيق الخير ~~العميم، إلا ms155 فيما يميل الإنسان إليه بطبيعته؛ إذ إنه لما كان من ~~المحتم أن تتصف القدرة الإلهية، في هذا المعنى، بالقصور، نتيجة ~~لما يعترضها من عقبات غامضة وإن تكن كأداء، فمن ذا الذي يعرف أنه ~~كان من الممكن خلق الإنسان دون رغبات لن تشبع أبدا، بل ولا ينبغي ~~أن تشبع على الإطلاق؟ إن الميول التي وهبت للإنسان، وكذلك أية ~~قوى أخرى مما يشاهده في الطبيعة، قد لا تكون تعبيرا عن الإرادة ~~الإلهية، وإنما قد تكون هي الأغلال التي تعوق الفعل الحر لهذه ~~الإرادة. فإذا ما استرشدنا بها في توجيه سلوكنا، فقد نقع في فخ ~~نصبه لنا العدو. والواقع أن الافتراض القائل إن كل ما يتسنى ~~للخير اللامتناهي، أن يرغبه، يحدث بالفعل في هذا الكون، أو أن ~~علينا على الأقل ألا نقول أو نفترض أبدا أنه لا يحدث، مثل هذا ~~الافتراض لا يليق إلا بمن يؤدي بهم الخوف الذليل إلى التوسل ~~بالأكاذيب إلى كائن يدعون أنه لا يخدع، وأن نقمته تحل على كل ~~زور وبهتان. # أما الافتراض الخاص القائل إن الميول الطبيعية، وكل النزعات ~~التي تبلغ من الشمول والتلقائية حدا يتيح إدراجها في باب ~~الغرائز، لا بد أن توجد لغايات طيبة، وأن كل ما ينبغي أن نفعله ~~إزاءها هو أن ننظمها، لا أن نقمعها. أما هذا الافتراض فإنه يصدق ~~بالطبع على معظمها؛ إذ إنه ما كان يتسنى للنوع البشري أن يستمر ~~في الوجود ما لم تكن معظم ميوله متجهة إلى أمور لازمة أو مفيدة ~~لبقائه. ولكن ينبغي - ما لم تحدد الغرائز بعدد قليل جدا - أن ~~نعترف بأن لدينا أيضا غرائز فاسدة يجب أن تستهدف التربية، لا ~~تنظيمها، وإنما استئصالها، أو على الأصح إخمادها بعدم الاستعمال ~~(وهو أمر يمكن تحقيقه حتى بالنسبة إلى الغرائز). # ولكن حتى لو صح أن لكل ميل أولي في الطبيعة البشرية جانبه ~~الصالح، وأن من الممكن بالتدريب الصناعي الكافي أن نجعل نفعه يفوق ~~ضرره، فما أقل ما نستخلصه من هذا ، إذا كان من المعترف به على أية ~~حال أنه لولا ms156 هذا التدريب لأدت كل هذه الميول، حتى الضرورية منها ~~لبقائنا، إلى ملء العالم بؤسا، وإحالة حياة الإنسان إلى نسخة ~~مكبرة لتلك الصورة القبيحة من العنف والإرهاب الذي يتمثل في ~~بقية عالم الحيوان، إلا ما استأنسه وهذبه منه الإنسان. ولو شاء ~~أولئك الذين تخيلوا في أنفسهم القدرة على استشفاف مقاصد الخالق ~~في خلقه أن يكونوا منطقيين مع أنفسهم، لرأوا في ذلك دليلا يثبت ~~صحة النتيجة التي يتهربون منها. فلو كان ثمة أي مظهر لمقصد خاص ~~في الخلق، لكان من أوضح الأمور المقصودة أن يقضي جزء كبير من ~~الحيوانات حياته في تعذيب والتهام غيره من الحيوانات. وإذا لم نكن ~~مضطرين إلى الاعتقاد بأن خلق الحيوان من عمل الشيطان، فذلك لأنه لا ~~يتعين علينا افتراض أن هذا الخلق من عمل كائن لا متناهي القدرة. ~~أما لو قلنا إن قاعدة السلوك المطبقة في هذه الحالة هي محاكاة ~~الإرادة الإلهية كما تتمثل في الطبيعة، فإن أشنع فظائع الأشرار من ~~الناس تجد لها عندئذ كل مبرر في المقصد المزعوم للعناية ~~الإلهية، القاضي بأن يلتهم القوي الضعيف في كل أرجاء الطبيعة ~~الحية. ~~••• # إن الاتفاق مع الطبيعة لا يرتبط قط بالخير والشر. ومن المحال أن ~~يتسنى إدخال الفكرة على نحو ملائم في الأبحاث الأخلاقية، إلا في ~~مسألة درجات الإثم # degrees of ~~culpability ~~، وذلك على نحو جزئي عارض ... فكون ~~الشيء غير طبيعي، بأي معنى يمكن أن تفهم به هذه الكلمة، ليس على ~~الإطلاق سببا يجعله مذموما؛ إذ إن أشد الأفعال إجراما ليست، ~~بالنسبة إلى كائن كالإنسان، أبعد عن الطبيعة من معظم ~~الفضائل. ~~••• # ومن المفيد هنا أن نوجز في كلمات قليلة أهم نتائج هذا ~~البحث: # فلكلمة الطبيعة معنيان رئيسيان؛ فهي إما أن تدل على نظام ~~الأشياء كاملا، ومعه مجموع خصائصها، أو على الأشياء كما تكون إذا ~~لم يتدخل فيها الإنسان. # والمذهب القائل بوجوب اتباع الإنسان للطبيعة عقيم بالنسبة إلى ~~المعنى الأول؛ إذ ليس للإنسان قدرة أن يفعل أي شيء سوى اتباع ~~الطبيعة، وكل أفعاله تتم من خلال واحد أو أكثر ms157 من القوانين المادية ~~أو الذهنية للطبيعة، وتطيع هذه القوانين. # أما بالمعنى الثاني، فإن المذهب القائل بوجوب اتباع الإنسان ~~للطبيعة، أو اتخاذه من المجرى التلقائي للأشياء أنموذجا لأفعاله ~~الإرادية، لا يقل عن ذلك افتقارا إلى المعقولية ~~والأخلاقية. # فهو يفتقر إلى المعقولية لأن كل فعل إنساني، أيا كان، قوامه ~~تغيير المجرى التلقائي للطبيعة، وكل فعل مفيد قوامه إصلاح هذا ~~المجرى. # وهو يفتقر إلى الأخلاقية؛ إذ إنه لما كان مجرى الظواهر ~~الطبيعية زاخرا بكل ما يبعث على التقزز والنفور إذا ما ارتكبه ~~الإنسان، فإن من يحاول محاكاة المجرى الطبيعي للأشياء في أفعاله ~~يغدو في نظر الجميع وبإقرارهم أشر الناس جميعا. # إن من المحال أن يكون الهدف الوحيد، أو حتى الهدف الرئيسي، لنظام ~~الطبيعة، منظورا إليه في سياقه الكامل، هو صالح الكائنات البشرية ~~أو الكائنات الحاسة الأخرى. وكل ما يجلبه لهم من خير إنما هو ~~ثمرة جهودهم الخاصة. وكل ما يبدو في الطبيعة دليلا على مقصد خير، ~~يثبت أن القدرة التي يتسلح بها هذا الخير محدودة، وواجب الإنسان ~~هو أن يتعاون مع القوى الخيرة، لا بمحاكاة مجرى الطبيعة، بل ~~بالسعي الدائم إلى تقويمه، وإلى التقريب المتزايد بين ذلك الجزء ~~الذي نستطيع السيطرة عليه منها، وبين المثل الأعلى للعدل ~~والخير. # الفصل الثامن # | نبي التطور # هربرت سبنسر (1820-1903م) # ظلت النظرة التطورية إلى دراسة الظواهر العضوية، حتى عهد قريب ~~نسبيا، تسيطر لا على علوم الحياة فحسب، بل على علوم الإنسان أيضا. ~~وقد كان لوجهة النظر هذه تأثير عميق كذلك في مجرى التفكير الفلسفي في ~~القرن التاسع عشر؛ ولذا تعين علينا أن نقول في هذه الصفحات شيئا عن ~~نظريات تشارلس دارون؛ ذلك لأن موقع هذه النظريات من الفلسفات العلمية ~~في القرن التاسع عشر، يشبه إلى حد معين موقع النظريات الفلكية ~~والفيزيائية لكبرنك وكيلر وجاليليو ونيوتن من التأملات الفلسفية في ~~العصر السابق. # ولم يكن دارون هو أول من قال بمفهوم التطور، ولكنه كان أول من جعل ~~لنظرية التطور العلمي أساسا علميا، وكان مؤلفاه العظيمان: «أصل ~~الأنواع»، و«السلالة المؤدية إلى ms158 الإنسان # The Descent ~~of Man ~~»، هما اللذان رفعا في نهاية الأمر راية ~~المنهج التطوري. ولم يكن دارون ذاته فيلسوفا، وإنما اكتفي بأن ترك ~~غيره يستخلص النتائج الفلسفية لفروضه العلمية. ولقد كانت الأفكار ~~الرئيسية في نظريته معروفة منذ وقت بعيد. ومن أمثلة هذه الأفكار، ~~الصراع من أجل الحياة، وقابلية الأنواع للتغير، والانتقاء الطبيعي، ~~وتوارث الصفات المساعدة على الاستمرار البيولوجي، وتسلسل الإنسان من ~~نوع أدنى منه من الحيوانات الراقية. وكان دور دارون هو جمع كل هذه ~~الأفكار في نظرية موحدة كانت تهدف إلى تفسير تطور كل الكائنات الحية ~~من خلال علل طبيعية. # ولم يكن دارون يقصد من «الصراع من أجل الحياة» نظرية غائية تنسب ~~إلى كل الكائنات العضوية غرضا أو إرادة للحياة، وإنما كان ذلك في ~~نظره تعبيرا مجازيا لا يقصد منه إلا الإشارة إلى الحقائق الملاحظة ~~التي تدل على أن كل حياة تعتمد دوما على البيئة الطبيعية، وعلى أن ~~الأشياء الحية تتجه في مثل هذه البيئة إلى التنافس من أجل البقاء. ~~وفضلا عن ذلك فالصراع من أجل الحياة إنما هو وجه واحد فقط من أوجه ~~ظاهرة عضوية عامة، هي التكيف العضوي مع بيئة تتضمن ظروفا مادية ~~متغيرة، وكذلك تكيفا متنافسا للأنواع. أما «الانتقاء الطبيعي» ~~فلم يقصد منه دارون إلا الطريقة التي تشجع بها البيئة في مجموعها ~~صفات معينة، وتحبط صفات أخرى، بحيث تحفظ التغيرات النوعية المؤدية إلى ~~البقاء، بينما تختفي تلك التي تعرض البقاء للخطر. # أما الشعار المشهور «البقاء للأصلح»، فلم يقل به دارون، وإنما قال ~~به هربرت سبنسر. فلقد كان دارون ذاته حريصا على تجنب أية نتائج ~~أخلاقية مزعومة لنظرياته، ولم يكن مما سعى دارون ذاته إلى إثباته ذلك ~~الرأي الشائع المنسوب إلى من يسمون ب «الداروينيين الاجتماعيين»، ~~والقائل إن الأقدر على البقاء هم الذين يستحقون البقاء. كذلك كان دارون ~~حريصا كل الحرص على التزام حدود فرضه؛ فهو لم يدع لنفسه القدرة على ~~تفسير أصل الحياة ذاتها، ولم يقل إنه يعرف بدقة أسباب تلك التنوعات ~~التي تكون هي العامل الأصلي ms159 في تحديد مختلف الأنواع العضوية. ولقد رفض ~~تلك النتيجة التي حاول البعض استخلاصها من نظريته، ألا وهي أن الأنواع ~~«العليا» أفضل تكيفا مع بيئتها من الأنواع «الدنيا». وكانت مهمة ~~معاصره هربرت سبنسر هي أن يستخلص النتائج الفلسفية الرئيسية للنظرية ~~التطورية؛ فعلى يديه تحولت تلك النظرية إلى مركب ضخم للمعرفة ~~البشرية، له فلسفته الخاصة في الكونيات والأخلاق والسياسة. # ولا يكفي لتحديد موقع فلسفة سبنسر أن نبحث في صلاته بدارون، بل ~~ينبغي أيضا أن نضع هذه الفلسفة مقابل الفلسفات السابقة عليها، ولا ~~سيما فلسفة هيجل وكونت؛ فقد وضع كل من هيجل وكونت نظريات عن مسار ~~التاريخ، غير أن اهتمامهما كان منصبا في المحل الأول على مسار ~~الأفكار والنظم البشرية. ولم يبد أي منهما اهتماما جديا بالمسائل ~~الكونية، كما لم يبذل أي منهما محاولة جدية لوضع قوانين شاملة لمسار ~~التاريخ، لا تنطبق على تقدم الأفكار والنظم البشرية فحسب، وإنما تنطبق ~~أيضا على الحياة في مجموعها، بل على الكون المادي بأسره. والواقع أن ~~معظم فلاسفة القرن التاسع عشر قبل سبنسر، لم يكونوا يكترثون بالمسائل ~~الكونية التي طالما اهتم بها الفلاسفة في القرن السابع عشر. وكانت ~~النظرية التطورية هي التي حفزت مرة أخرى خيال الفلاسفة إلى الانطلاق ~~بحرية خلال الكون في مجموعه، وإلى وضع نظرة شاملة إلى العالم من خلال ~~مفهوم المسار التطوري. # ويشير التقابل بين سبنسر وكونت بكل وضوح إلى طريقتين مختلفتين ~~أثر بهما العلم الحديث في الفلسفة؛ ففي نظر كونت، وكذلك معظم ~~الوضعيين، كان أهم ما في العلم من الوجهة الفلسفية هو المنهج، وكما ~~رأينا من قبل، فقد كانت الوحدة الوحيدة للعلم، التي دافع عنها كونت، هي ~~وحدة المنهج. # أما سبنسر، الذي وصف نفسه بأنه فيلسوف علمي أيضا، فقد كان موقفه ~~من العلم مختلفا؛ فهو يرى، مثل كونت، أن المنهج العلمي هو، بمعنى ~~واسع، المنهج الوحيد للمعرفة البشرية. وبين فلسفته وبين الوضعية ~~والتجريبية أوجه شبه كثيرة، غير أن ما أعجبه في العالم لم يكن منهجه ~~فحسب، وإنما صورة العالم ومركز الإنسان فيه كما ms160 توحي بهما الفروض ~~الأساسية في العلوم الفيزيائية وفي العلوم البيولوجية على وجه أخص. ~~وربما كانت «فلسفته التركيبية» منظورا إليها في مجموعها، أعظم جهد ~~بذله واحد من فلاسفة القرن التاسع عشر لتنظيم وتشكيل المعرفة العلمية ~~الموجودة في عصره في مركب فكري ضخم يسعى إلى تقديم وصف شامل للعالم ~~الطبيعي بأسره. # وإذن ففلسفة سبنسر تتصف أساسا بالنزعة الطبيعية والمادية، لا ~~بالنزعة الوضعية. وهي تنتمي في هذا الصدد إلى التراث المادي الضخم ~~للفيلسوفين لوكريتيوس # 1 # وهز، # 2 # أكثر مما تنتمي إلى التراث المعرفي البحت للتجريبيين ~~والوضعيين كما يمثلهم كونت ومل. والفارق الأساسي بين سبنسر وسابقيه ~~في التراث المادي هو أن الأخيرين، في مجموعهم، قد اتخذوا لتعميماتهم ~~أنموذجا من الشيء المادي (الفيزيائي)، بينما استخدم سبنسر علم الحياة ~~التطوري مفتاحا لتعميماته الميتافيزيقية. # ومما له دلالته أن سبنسر يستهل كتابه «مذهب في الفلسفة التركيبية # System of Synthetic Philosophy ~~» ~~ببحث نقدي لحدود المعرفة البشرية والعلاقات بين العلم والدين. ويتسم ~~هذا البحث بطابع توفيقي واضح، كذلك يتجلى فيه الطابع التلفيقي الذي ~~يجعل من العسير إلى حد ما تحديد موقع فلسفة سبنسر من التيارات الرئيسية ~~للفكر في القرن التاسع عشر. فهو، مثل كانت، يرى أن كل معرفة وضعية ~~تقتصر على الظواهر كما تبدو في المكان والزمان، ولكنه، مثل كانت أيضا، ~~لا يقصر «العالم الحقيقي # reality ~~» على ~~ما يبدو أو ما يمكن أن يبدو لحواسنا؛ فهو يتحدث أيضا عن حقيقة ~~خارجية مستقلة يسميها «بما لا يعرف # The ~~Unknowable ~~»، وفي رأيه أن من الممكن التوصل آخر ~~الأمر إلى التوفيق بين الفلسفة والدين عندما يعترف العلماء وفلاسفة ~~العلم بأن مناهج العلم الوضعي لا تنفذ إلى الأغوار العميقة للوجود، ~~وعندما يكف دعاة الدين عن محاولة تفسير وجود الأشياء عن طريق «كائن» ~~لا نستطيع أن نعرف طبيعته. ويعتقد سبنسر أن رأيه هذا يظهر ضمنا في ~~التطور التاريخي للدين من عبادة الأصنام # fetishism # إلى القول بتعدد ~~الآلهة # polytheism ~~، ثم إلى الأديان ~~الموحدة الأرقى، التي ترى أن أية محاولة من الإنسان لمعرفة الله أو ~~وصفه بصفات ms161 بشرية كالإرادة والعقل والشخصية هي أشنع تجديف. ويرى سنبسر ~~أن الماهية الباطنة للدين لا شأن لها بالأوصاف الخاصة بطبيعة الله أو ~~علاقته والعالم أو بتاريخ البشر، وإنما هي تنحصر في الاعتراف بالسر ~~الكامن في الوجود، وفي شعور الإنسان بالخشوع أمام ذلك السر. # ومن الممكن أن يقال إن سبنسر حين ذكر أن الدين يختص ب «اللامعروف» ~~الغامض، لم يكن يقول، أو على الأقل لم يكن يقول بالضرورة، إن الدين ~~يختص ب «كيان» حدث أننا لا نستطيع أن نعرفه، وإنما قال إنه لا يصح ~~أن يختص ب «المعروفات» على الإطلاق، وأن اهتمامه «بما هو موجود» ~~مركز في اتجاه مختلف تماما. وفي هذا المعنى لا يكون الدين على ~~الإطلاق علما بدائيا فاشلا يعجز بطبيعته عن تحقيق هدفه، وإنما يكون ~~شيئا يختلف عن ذلك كل الاختلاف، تعثر خلال التاريخ، لسوء حظه، في ~~مشاكل تفسيرية لا شأن له بها، وينبغي من الآن فصاعدا أن يتخلى عنها ~~إذا شاء أن يؤدي مهمته التي يختص بها. # ولم يكن دارون هو المفكر الذي استوحاه سبنسر في ميتافيزيقاه ~~التطورية، وإنما استوحى الفيلسوف المثالي الألماني «شلنج # Scheling ~~»؛ فقد رأى هذا الأخير أن ~~عالم الحياة العضوية يكشف عن مسار نحو المزيد من التنوع والتنظيم ~~والتفرد. وبدا أن أفكار شلنج النظرية قد وجدت ما يؤيدها في أبحاث عالم ~~الأجنة «فون باير # K. E. von Baer ~~» الذي ~~تقدم بالفرض القائل إن التغيرات التركيبية الحادثة في نمو كل الأجنة ~~تكشف عن تطور تدريجي من أشكال لا محددة متجانسة إلى أشكال أكثر تحددا ~~وأقل تجانسا. وقد بدا من الواضح في نظر سبنسر أن هذا التطور ينبغي ~~ألا يقتصر على صور الحياة وحدها، وإنما يمكن أن يعزى أيضا إلى ~~العمليات غير العضوية بدورها، وحاول دعم رأيه ذي الطابع الأعم بأمثلة ~~متعددة مستمدة من العلوم الطبيعية. # غير أن سبنسر كان يعتقد أن لعملية المسار التطوري الشامل هذه وجها ~~آخر بالإضافة إلى ذلك؛ فهناك اتجاه آخر يعوض تأثير عملية التنوع أو ~~التفاضل، هو اتجاه إلى التكامل، وإلى إعادة ms162 تشكيل العمليات المتفاضلة ~~بالتدريج في مجموعات كلية جديدة ذات طابع أشمل. فهو يرى أن التعقد ~~والتفرد المتزايد للأنواع العضوية، الذي يبلغ مداه في الإنسان، ~~يعوضه اتجاه آخر في الحياة البشرية نحو التكامل المتزايد للسلوك عن ~~طريق العقل. كما أن التنوع أو التفاضل التطوري الذي يتمثل على المستوى ~~الاجتماعي في التقسيم المتزايد للعمل البشري، يعوضه، كلما تقدمت ~~المجتمعات، ذلك التكامل التدريجي للأفراد في تجمعات بشرية أشمل وأوثق ~~في ترابطها العضوي. فإذا كان هذا كله يدخل في باب الميتافيزيقا، فإنه ~~على أية حال من قبيل المتافيزيقا ذات الاتجاه التجريبي، التي تبنى ~~بطبيعتها على أدلة مستمدة من العلوم التجريبية. وهي تبدو، من وجهة نظر ~~معينة، أشبه بقصة نجاح كبرى في ميدان الكونيات، وتوجد مبررات للنظرة ~~الذائعة إلى سبنسر على أنه مجرد رسول يدعو إلى ذلك الوهم الهائل الذي ~~عرف به القرن التاسع عشر، ألا وهو «التقدم». وما أسهل أن نتصور ~~ناقدا معاديا يطلق على تفسيره لفلسفة سبنسر عنوان «من الفوضى الشاملة ~~إلى الكون المنظم، أو إنجيل التقدم الشامل». غير أن في مثل هذا التفسير ~~إجحافا؛ فسبنسر كان يماثل معظم زملائه من مفكري العصر الفيكتوري في ~~أنه لم يغفل ما للمسار التطوري للتاريخ من أوجه منفرة. ولقد أدرك ~~جيدا أن التغير عملية تحلل مثلما هو عملية تطور، وعملية تفكك مثلما ~~هو عملية تكامل. وفي هذا لم يكن سبنسر وحيدا؛ فيبدو أن جميع فلاسفة ~~الارتقاء والتطور والتقدم، الذين ينظرون إلى الحياة والنظم البشرية من ~~خلال صورة التاريخ لا الأزل، يأتي عليهم وقت ينادون بنفس نغمة العرضية ~~والتحولية والصراع الكامل في كل ما هو إنساني. فمن وراء التباهي ~~والتفاؤل الظاهريين، والوثوق الساذج، الذي نضفيه عادة على العقلية ~~الفكتورية، يوجد دائما شيء قريب جدا من الخوف، وهذا أمر لا ينبغي أن ~~يعجب له أحد؛ إذ إن الصورة الرائعة للمسار التطوري هي أيضا صورة ~~للصراع العنيف من أجل البقاء. # ولقد تأثر سبنسر ودارون معا بمالتوس، # 3 # الذي تحوي نظريته عن السكان، إذا ما قرئت على نحو معين، ~~نبوءة ms163 مخيفة عن مستقبل الجنس البشري. ففي رأي سينسر أن ضغط السكان، ~~الذي يسبق على الدوام زيادة موارد العيش، هو «السبب القريب للتقدم»؛ إذ ~~يرغم الناس على تعمير أراض جديدة، وعلى التخلي عن عادات القنص ~~الوحشية، وتعلم حرف تربية الحيوانات والزراعة، وتحسين أساليب الإنتاج، ~~واتخاذ المواقف «الأخلاقية» التي تحفظ الأمن والنظام الجماعي. ومع ذلك ~~فإن السؤال الملح هو ما إذا كان التقدم التدريجي قادرا، بصفة دائمة، ~~على تعويض أثر الاشتداد التدريجي لصراع الفرد في سبيل البقاء، وهو ~~الصراع المتولد عن الزيادة المستمرة في السكان. وعلى أية حال فإن نظرية ~~سبنسر القائلة بمسار شبه دائري، لا توحي بإجابة تفاؤلية صريحة. # وفي وسع فلسفة سبنسر أن تدعي على الأقل بأن عيوبها مقترنة بمزايا ~~معينة، فإذا بدت تلك الفلسفة «متصنعة»، بالمعنى المجازي، فإنها تكشف ~~أيضا عن الاهتمام الجدي الأكبر للفيلسوف، بالتنظيم المنهجي. والواقع ~~أن من أروع سمات فلسفة سبنسر محاولته المنهجية لتطبيق نظريته العامة في ~~المسار التطوري، وإثبات خصبها بطريق غير مباشر، في ميداني النظرية ~~الاجتماعية والأخلاق. فهنا أيضا نجد سبنسر يقوم بدوره المميز، دور ~~الوسيط بين وجهتي نظر متعارضتين؛ ولذلك فإنه يقف في هذه المجالات ~~موقفا وسطا إلى حد ما، بين النزعة النفسية والفردية المتحررة عند ~~مل، والنزعة الجماعية والاجتماعية عند كونت وهيجل. # ويقترح سبنسر قانونا ذا مراحل ثلاث للتطور الاجتماعي، مثله في ذلك ~~مثل كونت، وإن كان قد أدخل تعديلات طريفة خاصة به؛ في المرحلة الأولى ~~لا توجد أنماط أو طبقات اجتماعية محدودة المعالم، وإنما تكون المجتمعات ~~ما زالت صغيرة، ويكون نمط التنظيم الاجتماعي متجانسا وغير متنوع ~~نسبيا، حيث يؤدي كل فرد أو كل أسرة كل شيء لنفسه أو لنفسها. ~~والمرحلة الثانية ذات طابع «عسكري»، تكون الحكومة فيها فائقة التركيز ~~وملكية في العادة، ويكون العرف صارما والفروق الطبقية واضحة ~~والعقيدة متسلطة. وأخيرا تأتي مرحلة تتميز بها المجتمعات الصناعية ~~الحديثة، يتزايد فيها تقسيم العمل، ويزداد الاهتمام بالتجارة والإنتاج، ~~ويتضاءل دور الحكومات المركزية، وتضعف بالتدريج النظم الاجتماعية ~~التقليدية المتسلطة. وقد رأى سبنسر أن حضارة ms164 إنجلترا في القرن التاسع ~~عشر تقترب تدريجيا من هذا النظام، بما فيه من تقدم علمي وتكنولوجي ~~سريع، ومن تجارة حرة عالمية، ونظم سياسية واجتماعية متزايدة التحرر، ~~تحدد فيها العلاقات البشرية بالاتفاق أو التعاقد، لا بالمركز ~~الموروث أو الوظيفة. # وعلى حين أن مل قد ازداد ميلا إلى الاشتراكية في السنوات الأخيرة ~~من عمله، فإن سبنسر لم ينظر إلى الاشتراكية على أنها هي التطور التالي ~~للمجتمع، الذي سيخلف ديمقراطية النظام الحر والاقتصادي الفردي، وإنما ~~رأى فيها ناتجا فرعيا للنمط العسكري الإقطاعي للمجتمع. ولم يدهشه ~~على الإطلاق أن يرى في ألمانيا زعيما ذا نزعة استبدادية شخصية مثل ~~بسمارك يحبذ نوعا من اشتراكية الدولة؛ فالاشتراكية في رأيه تخلق ~~مجتمعا كمجتمع النمل والنحل، يتم فيه آخر الأمر حشد جهود الأفراد ~~وتعبئتها على نحو تام الاطراد. وقد تنبأ، ببصيرة نفاذة، بأن ~~البيروقراطية في المجتمع المصطبغ بالصبغة الاشتراكية ستؤدي إلى نوع ~~جديد من الأرستقراطية، أقوى من أي نوع ظهر من قبل، تضطر فيه الجماهير ~~إلى العمل في سبيلها على الدوام ودون جزاء حقيقي. # 4 # وقد سخر الكثيرون في عصر اتسم بالممارسة العملية للماركسية، فضلا عن ~~التفكير النظري فيها، من نظرية سبنسر المضادة للماركسية في أصل ~~الاشتراكية وطبيعتها، ووصفت بأنها «غير تاريخية» أو برجوازية فحسب. ~~غير أن وجهات النظر تتغير، ومن الممكن افتراض أن أعداء الماركسية ~~سيكتشفون من جديد في سبنسر مفكرا ذا قدرة فائقة على التنبؤ، وطبيبا ~~شخص التطورات التالية للحضارة الغربية ببراعة. # ولم تكن عيوب مجتمع القرن التاسع عشر لتفوت سبنسر، ولكن من الصفات ~~المميزة لسبنسر، شأنه في ذلك شأن معظم الأذهان المصقولة الأصيلة، أنه ~~كان يبني تفكيره على أساس «الدرجات»؛ فهو لم يكن محافظا، ولم يكن ~~ثوريا، وإنما كان من أنصار التدرج، فرأى أن الانتقال من أية مرحلة ~~للمجتمع إلى أخرى ينطوي على فترة من المسار التطوري. وفضلا عن ذلك ~~فإنه يترك المجال مفتوحا لحدوث تطور أخلاقي يعلو على تلك الجنة ~~الضئيلة الشأن، التي وعدت بها الديمقراطية الصناعية في القرن التاسع ~~عشر، وهو يرى أن ms165 من الضروري، لكي نتصور ما سيكون عليه هذا التطور، أن ~~ننتقل من علم الاجتماع والتاريخ إلى علم الأخلاق؛ فكل قانون أخلاقي ~~مرتبط بنظام اجتماعي معين، وهو حتما يستهدف حفظ وإنهاض نوع الحياة ~~الموجود في ظل هذا النظام الخاص. وعلى ذلك فإن قانونه الخاص يرمي إلى ~~تحقيق أعظم امتلاء ممكن للحياة كما يتصورها ممثل مستنير للمجتمع الذي ~~عاش هو ذاته فيه. ومن المحتم على كل نشاط أخلاقي في هذا المجتمع أن ~~يكون شاملا تكامليا، متجها إلى السعادة العامة. أما في المجتمع ~~الفاضل، الذي هو إسقاط مثالي لميول وأمان موجودة بالفعل، فإن الواجبات ~~الإلزامية تخلي مكانها بالتدريج لغيرية حرة متعاطفة، لا ترتكز على ~~«الضمير» الذي قال به كانت، أو على الشعور بالواجب، وإنما على دوافع ~~غيرية تلقائية ترضينا على الفور. # ولكن من سوء الحظ، كما يدرك سبنسر، أن المجتمع الفاضل لم يوجد بعد؛ ~~فالغيرية، في ظل الأوضاع الحالية، ما زالت واهنة تفتقر إلى الانتشار. ~~وفي رأيه أن التقدم الأخلاقي لن يتحقق إلا بازدياد تقدم النظام ~~الاجتماعي في مجموعه. ولقد كانت واقعية سبنسر، في مذهبه الأخلاقي، ~~مرتبطة بالنزعتين التطورية والبيئية عنده؛ فالسلوك الأخلاقي، شأنه ~~شأن أي نوع آخر من السلوك، هو نوع من التكيف، تتحكم فيه الظروف الخاصة ~~التي يجد فيها الفرد نفسه وجميع الأفراد مندمجين، طوعا أو كرها، في ~~الصراع من أجل العيش. وتتوقف مدى استجابتهم للصراع على الوضع الاجتماعي ~~الذي يتحتم عليهم أن يسلكوا فيه بوصفهم كائنات عضوية مكيفة ~~اجتماعيا، أكثر مما يتوقف على «دوافع» تجريدية معينة كالأنانية أو ~~الحب. فالغيرية، من حيث هي صورة فعلية للسلوك الاجتماعي، لا تكون ممكنة ~~إلا في مجتمع تلزمه الغيرية ليضمن بقاءه. وهكذا يكون ما يعنيه سبنسر ~~بالفعل هو أننا لا نقترب من المجتمع الفاضل إلا إذا ازداد كمال التوافق ~~بين مصالح الفرد الشخصية وبين التزاماته الاجتماعية، أو تضمن سعيه ~~وراء سعادته الشخصية تحقيق مواقفه المتجهة إلى الغير؛ أي مواقفه ~~«الأخلاقية». # ولا يسعني، في ختام هذه الملاحظات الخاصة بفلسفة سبنسر، إلا أن ~~أوجه كلمة فيها ms166 ثناء متحفظ، وربما كانت فيها نبوءة أيضا؛ فعندما ~~نقارن مذهبه، في عمومه، بالمذاهب الفلسفية المفرطة الادعاء في القرن ~~التاسع عشر، نجدها أكثر اتزانا وجدية من معظم هذه الفلسفات. صحيح أن ~~أخطاءه كانت كثيرة، ولكنها لم تكن راجعة إلى افتقار إلى الاجتهاد، أو ~~إلى أي تجاهل متعمد للوقائع، أو اجتهاد في تعقبها، وتلك فضيلة عظيمة ~~الشأن. وإذا كان سبنسر قد تعجل في التعميم أكثر مما ينبغي، فقد كان ~~ذلك على الأقل تعميما من وقائع ملاحظة، ومن الممكن تصحيح أخطائه بنفس ~~عملية الملاحظة والتعميم الاستقرائي. ولكن هذا لا يمكن أن يقال على ~~كثير من معاصريه. ولقد كان أسلوب سبنسر في الكتابة مفرطا في واقعيته ~~وجموده، ولكن إذا كانت كلماته ثقيلة غير شاعرية، فإن لخياله الذي ~~اصطبغ في أساسه بصبغة كونية وتاريخية، نواحيه الشعرية الخاصة، وهكذا ~~كان هو بطريقته الثقيلة الخاصة، الشاعر الفلسفي لمسرحية التطور الهزلية ~~الجادة. وعلى أية حال فإن للقارئ العادي أن يقرأ فلسفته حسب معانيها ~~الظاهرة، لا بوصفها أسطورية خفية يكمن معناها الأساسي في موضع آخر. ~~فللمرء أن يقبل عليه أو يعرض عنه، ولكنه على الأقل سيعلم في معظم ~~الأحيان ما هو مقبل عليه أو معرض عنه. والمشكلة هي أنه، مع كثرة ما ~~يوجه إليه من انتقاد، قليلا ما يقرأ. ولو كان يقرأ، لارتفعت أسهمه ~~الفلسفية في رأيي إلى حد ما؛ فسبنسر على خلاف هيجل، مفكر بلا أسرار. ~~ولكن إذا لم تكن فلسفته غامضة على الإطلاق، فإنه أقوى من بعض نقاده ~~شعورا بالسر الكامن الذي ينبض به قلب الوجود. وأنا على العموم، رغم ~~تحفظاتي الكثيرة، أماثل سانتايانا في أنني «من معسكر سبنسر». # أما نبوءتي فهي أن الاهتمام بسبنسر سيبعث مرة أخرى. فإذا كان ~~عصره قد بالغ في قيمته، فإن عصرنا قد قلل من قدره. والواقع أن مثله ~~العليا لا تختلف أساسا عن مثل ذلك النصف من العالم، الذي يسمي نفسه، ~~بشيء من البلاهة، باسم «العالم الحر». وفي وقت كهذا يكون لعقلية سبنسر ~~المعتدلة، بما فيها من جمود وصرامة، مزاياها العديدة. ms167 # والنص التالي مقتطف من الفصل الأخير (الفصل الرابع والعشرين) لكتاب ~~سبنسر «المبادئ الأولى # First Principles ~~» # 5 ~~⋆ # وفي هذا النص يذكر سبنسر القضايا الأساسية لفلسفته التطورية، ويستخلص ~~ما يرى أنه أهم مضموناتها. ~~«... تنطوي المعرفة المتسقة على أكثر من إيجاد الارتباطات، فعلينا ~~ألا نقنع برؤية كل مجموعة صغيرة من الحقائق تحتل مكانها وسط مجموعة ~~أكبر منها، وبرؤية المجموعات الكبرى تتسق فيما بينها، وإنما الواجب أن ~~نبتعد مسافة ما، فننظر إلى التركيب العام من بعد تغيب فيه التفاصيل ~~الصغيرة عن الأنظار، لنلاحظ طابعه العام. # فهدفنا في هذا الفصل يتجاوز نطاق تلخيص ما سبق، بل يتجاوز نطاق العرض ~~المنظم له؛ إذ إننا سنجد أن الحقائق العامة التي توصلنا إليها من ~~قبل تكشف في مجموعها، من نواح معينة، عن وحدة لم نلاحظها من ~~قبل. # وهناك أيضا سبب خاص لملاحظة الطريقة التي تترابط بها مختلف الأقسام ~~والفروع التي عرضنا فيها وجهة نظرنا، ذلك هو أن النظرية العامة التي ~~عرضناها تجد لها ها هنا مثلا أخيرا يؤيدها. # فالجمع بين التعميمات التي عرضناها من قبل متفرقة، في صورة تامة ~~التكامل، يزودنا بمثل آخر لعملية التطور، وفيه دعم آخر للنسيج العام ~~لنتائجنا. # القسم 185 ~~: وهنا نجد أننا قد عدنا، دون توقع، إلى تلك الحقيقة التي ~~بدأنا بها، والتي ينبغي أن يستهل بها تلخيصنا هذا؛ إذ إن هذا النوع ~~المتكامل للمعرفة هو، بغض النظر عن نظرية التطور، الصورة التي رأينا ~~أنها هي أعلى الصور. # فعندما تساءلنا عن كنه الفلسفة، وعندما قارنا مختلف آراء الناس في ~~الفلسفة؛ رغبة في الاهتداء إلى العنصر المشترك بينها بعد حذف العناصر ~~المختلف عليها، وجدنا فيها كلها ذلك الرأي الضمني القائل إن الفلسفة ~~معرفة تامة التوحيد. فبغض النظر عن كل نظام خاص من المعرفة الموحدة، ~~وعن المناهج المقترحة التي يفترض أن التوحيد يتم بها، وجدنا في كل حالة ~~اعتقادا بأن التوحيد ممكن، وبأن غاية الفلسفة هي الوصول إليه. # وبعد أن توصلنا إلى هذه النتيجة، نظرنا في المعطيات التي ينبغي أن ~~تبدأ بها الفلسفة، فوجدنا أن القضايا ms168 الأساسية؛ أي القضايا التي لا ~~تستنبط من قضايا أخرى أكثر منها أولية، لا تحدد إلا إذا بينا أن ~~كل النتائج التي نبلغها على أساس افتراض هذه القضايا متوافقة تماما، ~~وهكذا بدأنا بالمقدمة القائلة إن هذه القضايا ستظل تفترض حتى تثبت على ~~هذا النحو، فاستمددنا معطياتنا من العناصر المكونة لعقلنا، والتي ~~يستحيل دونها أن تستمر العمليات العقلية التي ينطوي عليها ~~التفلسف. # وبعد تحديد هذه القضايا الخاصة، انتقلنا إلى بعض الحقائق الأولية؛ ~~«عدم فناء المادة»، و«استمرار الحركة»، و«دوام القوة»، وهي حقائق تعد ~~الأخيرة منها هي الأساسية، والأخريان مشتقتين. ولما كان قد تبين ~~لنا من قبل أن تجاربنا المتعلقة بالمادة والحركة ترتد إلى تجارب ~~متعلقة بالقوة، فقد اتضح لنا أيضا أن الحقيقتين القائلتين إن المادة ~~والحركة لا تتغيران كما، إنما هما نتيجتان متضمنتان في الحقيقة ~~القائلة إن القوة لا تتغير كما. وانتهينا إلى أن هذه هي الحقيقة التي ~~يتعين إثبات جميع الحقائق الأخرى بالاشتقاق منها. # وكانت أولى الحقائق التي تبين أنها تثبت على هذا النحو هي «دوام ~~العلاقات بين القوى»، وقد وجدنا أن هذه الحقيقة، التي تسمى عادة ب ~~«اطراد القانون # Uniformity of Law ~~»، ~~وهي نتيجة ضرورية للحقيقة القائلة إن القوة لا تنشأ من العدم أو ~~تتحول إلى العدم. # وكان الاستنباط الثاني هو أن القوى التي تبدو مفقودة تتحول إلى ما ~~يعادلها من القوى الأخرى، أو على العكس من ذلك، أن القوى التي تظهر بعد ~~أن لم تكن ظاهرة، هي نتيجة اختفاء قوى معادلة كانت موجودة من قبل. وقد ~~وجدنا أمثلة لهذه الحقائق في حركات الأجرام السماوية، وفي التغيرات ~~الحادثة على سطح الأرض، وفي جميع الأفعال العضوية وفوق العضوية. # وقد بينا أيضا أن الأمر كذلك في القانون القائل إن كل شيء يتحرك ~~في الاتجاه الأقل مقاومة، أو الأقوى جذبا، أو حاصلهما. وبينا أن ~~الأمر كذلك في جميع أنواع الحركات، من حركات النجوم حتى حركات ~~الشحنات العصبية والرياح التجارية، وأن فكرة دوام القوة تحتم أن ~~يكون الأمر كذلك. ~~••• # القسم 186 ~~: وقد تبين لنا أن ms169 هذه الحقائق التي تصدق على الموجودات ~~في عمومها، هي من النوع اللازم لتكوين ما نميزه باسم الفلسفة. ولكنا ~~أدركنا عند بحثنا ، أنها بصورتها هذه لا تكون فلسفة، وأن الفلسفة لا ~~تتكون بوساطة أي عدد من مثل هذه الحقائق التي يعرف كل منها على حدة؛ ~~فكل من هذه الحقائق يعبر عن قانون عامل واحد ما، تنتج بوساطته ~~الظواهر كما نمارسها، أو تعبر، على أحسن الفروض، عن قانون تضافر ~~عاملين. غير أن معرفة عناصر عملية ما، غير معرفة الطريقة التي تتجمع ~~بها هذه العناصر لإحداث هذه العملية. والشيء الوحيد الذي يمكنه توحيد ~~المعرفة هو قانون تضافر العوامل؛ أي القانون الذي يعبر في آن واحد ~~عن مجموعة السوابق ومجموعة اللواحق التي تتمثل في كل ظاهرة من حيث هي ~~كل. # كما انتهينا إلى نتيجة أخرى هي أن الفلسفة، كما نفهمها، ينبغي ألا ~~تقتصر على توحيد التغيرات المتمثلة في ظواهر عينية منفردة فحسب، كما ~~ينبغي ألا تقف عند حد توحيد التغيرات المتمثلة في فئات منفردة من ~~الظواهر العينية، بل ينبغي أن توحد التغيرات المتمثلة في جميع ~~الظواهر العينية. فإذا كان قانون عمل كل عامل يصح على الكون بأسره، فلا ~~بد أن يكون الحال كذلك في القانون الجامع بين هذه القوانين. وعلى ذلك ~~فإن أعلى توحيد تسعى إليه الفلسفة ينبغي أن يكون في فهم الكون من حيث ~~هو مطابق لهذا القانون الجامع. # وعندما نظرنا إلى الأمر من زاوية أكثر عينية، رأينا أن القانون الذي ~~نسعى إليه لا بد أن يكون قانون إعادة التوزيع الدائمة للمادة والحركة؛ ~~فكل مما يحدث من تغيرات، ابتداء من تلك التي تغير ببطء تركيب ~~مجرتنا الفلكية، حتى تلك التي تكون تحللا كيميائيا، هي تغيرات ~~في المواقع النسبية للأجزاء المكونة، وهي كلها تتضمن بالضرورة ظهور ~~تنظيم جديد للحركة مقترن بتنظيم جديد للمادة، ويترتب على ذلك أنه لا ~~بد من وجود قانون لإعادة التوزيع المتلازمة للمادة والحركة، وهو قانون ~~يسري على كل تغير، ولا بد، لكونه عاملا على توحيد جميع التغيرات، أن ~~يكون هو ms170 أساس الفلسفة. # وعندما بدأنا في البحث عن هذا القانون الشامل لإعادة التوزيع، تأملنا ~~مشكلة الفلسفة من وجهة نظر أخرى، ورأينا أن حلها لا يمكن إلا أن يكون ~~على النحو الموضح. وقد بينا أن أية فلسفة تبلغ الحد المنشود من ~~الاكتمال لا بد أن تصوغ السلسلة الكاملة للتغيرات التي تمر بها ~~الموجودات فرادى وجماعات عند انتقالها من غير المدرك إلى المدرك، ~~وكذلك من المدرك إلى غير المدرك. ولو بدأت الفلسفة تفسيرها بموجودات ~~لها بالفعل صور عينية، أو انتهت وما زالت لهذه الموجودات صور عينية، ~~لكان المعنى الواضح لذلك هو أن لهذه الموجودات سوابق ماضية أو تطورات ~~مقبلة أو كليهما معا، وأن تلك الفلسفة لم تقدم تفسيرا لهذه ~~السوابق أو التطورات. وهكذا رأينا أن ذلك يستتبع ضرورة كون الصيغة ~~التي ننشدها، والتي تنطبق على الموجودات وهي فرادى مثلما تنطبق عليها ~~مجتمعة، قابلة للانطباق على التاريخ الكامل لكل منها والتاريخ الكامل ~~لها كلها. هكذا ينبغي أن تكون الصورة المثلى للفلسفة، مهما كان الواقع ~~بعيدا عن تحقيقها. # بهذه الأفكار ازددنا اقترابا من الصبغة المطلوبة؛ ذلك لأنه إن كان ~~يتعين على هذه الصيغة أن تعبر عن التقدم الكامل من غير المدرك إلى ~~المدرك، ومن المدرك إلى غير المدرك، وإن كان يتعين عليها أن تعبر ~~عن إعادة التوزيع المستمرة للمادة والحركة، فلا مناص بالطبع من أن تكون ~~صيغة تحدد العمليات المتضادة للتركز والانتشار # diffusion # في المادة والحركة. وإذا ~~كان الأمر كذلك، فلا بد أن تكون تعبيرا عن الحقيقة القائلة إن تركز ~~المادة ينطوي على انتشار للحركة، وإن امتصاص الحركة ينطوي بعكس ذلك على ~~انتشار للمادة. # وهكذا تبين لنا أن ذلك هو قانون الدورة الكاملة للتغيرات التي يمر ~~بها كل موجود. وقد رأينا فضلا عن ذلك أن هذا القانون، إلى جانب ~~انطباقه على التاريخ الكامل لكل موجود، ينطبق أيضا على كل من تفاصيل ~~ذلك التاريخ؛ فالعمليتان تحدثان في كل لحظة، ولكن هناك دائما نتيجة ~~تفاضلية لصالح العملية الأولى أو الثانية. ولا بد أن يؤدي كل تغيير، ~~حتى ms171 لو كان مجرد تبدل لمواضع الأجزاء، إلى إحداث هذه العملية أو ~~تلك. # ولكن رغم أن التعريف الذي أوردناه للتطور والتحمل # Evolution & Dissolution ~~، ~~وهما الاسمان اللذان نطلقهما على هذين التحولين المتضادين، يحدد ~~طابعهما العام تحديدا صحيحا، فإن هذا التعريف ما زال ناقصا، أو على ~~الأصح فإن تعريف التحلل كاف، بينما تعريف التطور غير كاف على ~~الإطلاق؛ فالتطور دائما تكامل للمادة وانتشار للحركة، ولكنه في كل ~~الحالات تقريبا لا يقتصر على ذلك؛ إذ إن إعادة التوزيع الأولية للمادة ~~والحركة تقترن بإعادات توزيع ثانوية. # وقد ميزنا بين النوعين المختلفين للتطور، الناجمين على هذا ~~النحو، فأسمينا أحدهما بالتطور البسيط والآخر بالتطور المركب، ثم ~~انتقلنا إلى بحث الظروف التي تحدث فيها إعادات التوزيع الثانوية التي ~~تجعل التطور مركبا، فوجدنا أن المجموع المتركز الذي يفقد بسرعة ما ~~ينطوي عليه من حركة أو يتكامل بسرعة، لا يتكشف إلا عن تطور بسيط، ~~ولكن بقدر ما يؤدي كبره، أو التركيب الخاص لمكوناته، إلى إعاقة انتشار ~~حركته، فإن أجزاءه، مع مرورها بإعادة التوزيع الأولية التي تسفر عن ~~تكامل، تمر بإعادات ثانوية تؤدي إلى درجات متباينة من التعقد. # القسم 187 ~~: ومن هذا الفهم للتطور والتحلل، من حيث هما يؤلفان معا ~~العملية الكاملة التي تمر بها الأشياء، وكذلك من هذا الفهم للتطور من ~~حيث هو ينقسم إلى بسيط ومركب، انتقلنا إلى بحث قانون التطور كما يتمثل ~~في جميع صور الموجودات في عمومها وتفاصيلها. # ولم نقتصر على تعقب تكامل المادة وما يقترن به من تبدد للحركة، في ~~الكل الذي يكونه كل موجود على حدة، بل تعقبناه أيضا في الأجزاء ~~التي ينقسم إليها كل موجود كامل؛ في المجموعة الشمسية بأسرها، وكذلك في ~~كل كوكب وتابع، كان وما زال يتمثل تركز تدريجي. وفي كل كائن عضوي ~~يقترن ذلك الاندماج العام للمواد المتفرقة، المؤدي إلى النمو، ~~باندماجات محلية، تكون ما نسميه بالأعضاء. وعلى حين تتبدى في كل ~~مجتمع العملية التجميعية # aggregative ~~process # من خلال زيادة مجموع سكانه، فإنها تتبدى ~~فيه أيضا من خلال تركز هؤلاء السكان ms172 في أجزاء معينة من أرضه. وفي كل ~~الحالات يقترن بهذا التكامل المباشر تكامل غير مباشر تصبح بفضله ~~الأجزاء معتمدة ببعضها على البعض. # ومن إعادة التوزيع الأولية هذه انتقلنا إلى الكلام عن إعادات التوزيع ~~الثانوية، فتساءلنا عن الطريقة التي يتم بها تكوين أجزاء خلال تكوين ~~الكل. وتبين أن هناك عادة انتقالا من التجانس إلى اللاتجانس، ~~مقترنا بالانتقال من الانتشار إلى التركيز؛ ففي الوقت الذي اتخذت فيه ~~المادة المكونة للنظام الشمسي صورة أكثف، تحولت من الوحدة إلى ~~تنوع التوزيع. وقد اقترن تيبس الأرض بتقدم من الوحدة النسبية للصورة # 6 # إلى التنوع الشديد. كما أن كل نبات وحيوان، في تحوله من ~~بذرة إلى كتلة ضخمة نسبيا، يتحول أيضا من البسيط إلى المركب. وكل ~~زيادة في عدد أفراد المجتمع وتركزهم تقترن بزيادة في تغاير التنظيم ~~السياسي والمهني لهذا المجتمع. ومثل هذا يصدق على كل النواتج فوق ~~العضوية، كاللغة والعلم والفن والأدب. # غير أنا رأينا أن إعادات التوزيع الثانوية هذه لا تجد لها، على هذا ~~النحو، تعبيرا كاملا. فعلى حين أن الأجزاء التي ينحل إليها أي كل ~~تزداد اختلافا بعضها عن البعض، فإنها تزداد في الوقت ذاته ~~تميزا. # وعلى ذلك فإن نتيجة إعادات التوزيع الثانوية هي تحويل تجانس غير واضح ~~المعالم إلى لا تجانس واضح المعالم. وقد ظهرت لنا هذه الصفة الأخرى في ~~جميع أنواع التجمعات المتطورة أيضا. ومع ذلك فقد اتضح من البحث ~~اللاحق أن وضوح المعالم المتزايد الذي يقترن باللاتجانس المتزايد ليس ~~سمة مستقلة، وإنما يأتي نتيجة للتكامل الذي يزداد في كل من الأجزاء المتفاضلة، # 7 # مع تزايده في الشكل الذي تكونه هذه الأجزاء. # كذلك أشرنا إلى أن هذا التنظيم للمادة يقترن، في كل التطورات، سواء ~~منها غير العضوية وفوق العضوية، بتغير مواز في تنظيم الحركة ~~المحتواة؛ أي إن كل زيادة في التعقد التركيبي تنطوي على زيادة مقابلة ~~في التعقد الوظيفي. وبينا أن اندماج الجزئيات في كتل، يقترن باندماج ~~لحركة الجزئيات في حركة الكتل، وأنه بمثل السرعة التي يحدث بها تنوع في ~~أحجام ms173 التجمعات وأشكالها وعلاقاتها بالقوى الحادثة، يحدث أيضا تنوع في ~~حركاتها. # ولما كان التحول الذي اهتدينا إليه ها هنا على وجهين منفصلين لا ~~يعدو في ذاته أن يكون تحولا واحدا ، فقد تحتم توحيد هذين الوجهين ~~المنفصلين في مفهوم واحد، والنظر إلى إعادة التوزيع الأولية وإعادات ~~التوزيع الثانوية على أنها تعمل في آن واحد على حدوث نتائجها ~~المختلفة؛ ففي كل حالة نجد أن التحول من البساطة غير الواضحة إلى ~~التعقد الواضح المتميز، في توزيع المادة والحركة معا، يحدث مع تركز ~~المادة وفقدان حركتها الداخلية، ومن هنا فإن إعادة توزيع المادة ~~وحركتها المحصورة فيها، تتم من تنظيم منتشر ومطرد ولا محدد نسبيا، ~~إلى تنظيم مركز كثير الصور ومحدد نسبيا. # القسم 188 ~~: وهنا نصل إلى إحدى الإضافات التي ينبغي إلحاقها برأينا ~~العام ونحن في معرض تلخيصه. فهنا آن أوان إدراك وجود درجة من الوحدة ~~في الاستقراءات السابقة تزيد على ما لاحظناه فيها أثناء عرضنا ~~لها. # لقد نظرنا حتى الآن إلى قانون التطور على أنه يصدق على كل نوع من ~~الموجودات على حدة، غير أن عرض الاستقراء على هذا النحو يجعله يفتقر ~~إلى ذلك الاكتمال الذي يكتسبه عندما ننظر إلى مختلف أنواع الموجودات ~~هذه على أنها تكون بأسرها كلا طبيعيا واحدا. فعندما ننظر إلى ~~التطور على أنه ينقسم إلى تطور فلكي، وجيولوجي، وبيولوجي، ونفساني، ~~واجتماعي ... إلخ، قد يبدو أن انطباق قانون واحد للتحول على كل هذه ~~التقسيمات إنما هو من قبيل المصادفة إلى حد ما. ولكنا إذا ما أدركنا أن ~~هذه التقسيمات ليست إلا تجمعات مصطلح عليها، أجريت تيسيرا لتنظيم ~~المعرفة واكتسابها، وإذا تذكرنا أن الموجودات المختلفة التي تتعلق ~~بها هذه التقسيمات كل على حدة، إنما هي أجزاء مكونة من كون واحد، ~~لتبين لنا على التو أنه ليس ثمة أنواع متعددة من التطور لها سمات ~~معينة مشتركة، وإنما هناك تطور واحد يسري على كل شيء وعلى نحو واحد. ~~ولقد لاحظنا مرارا أنه في الوقت الذي يتطور فيه أي كل، يحدث على ~~الدوام تطور الأجزاء التي ms174 ينقسم إليها هذا الكل. ولكننا لم نلاحظ أن ~~هذا يسري بنفس القدر على مجموع الأشياء، وهو المجموع المؤلف من ~~أجزاء، من أعظمها إلى أصغرها. ونحن نعلم أنه في الوقت الذي يتزايد فيه ~~كبر تجمع مترابط ماديا، كجسم الإنسان، ويكتسب شكله العام بالتدريج، ~~يحدث نفس الأمر لكل من أعضائه، وأنه في الوقت الذي ينمو فيه كل عضو ~~ويصبح مختلفا عن الآخرين، يحدث تفاضل وتكامل في أنسجته وأوعيته ~~المكونة له؛ وأنه حتى مكونات هذه المكونات تتزايد كل على حدة، وتتحول ~~إلى تركيبات يزداد لا تجانسها وضوحا. ولكنا لم نلاحظ بما فيه الكفاية ~~أنه في الوقت الذي يتطور فيه كل فرد، يتطور كذلك المجتمع الذي هو وحدة ~~ضئيلة الشأن فيه، وأنه في الوقت الذي يتحول فيه مجموع السكان الذين ~~يكونون مجتمعا إلى التكامل ويصبح لا تجانسهم أوضح، فإن المجموع ~~الكلي، وهو الأرض، يواصل تكامله وتفاضله، وأنه في الوقت الذي تتحول فيه ~~الأرض، التي لا تزيد في كتلتها عن جزء من المليون من النظام الشمسي إلى ~~تركيب أكثر تركزا، يسير النظام الشمسي ذاته على نفس النمط. # فإذا فهمنا التطور على هذا النحو، فسنجد أنه واحد لا من حيث المبدأ ~~فقط، بل من حيث الواقع أيضا؛ فليس ثمة تحولات كثيرة تتم على نمط ~~متشابه، وإنما هناك تحول واحد يسري على نحو شامل، في كل الحالات التي ~~لا يكون فيها التحول المضاد موجودا. وفي كل مكان، كبيرا كان أم ~~صغيرا، تكتسب فيه المادة التي تشغله فردية ملموسة أو قابلية للتمييز ~~عن المواد الأخرى، يكون ثمة تطور حادث، أو على الأصح، يكون اكتساب هذه ~~الفردية الملموسة بداية للتطور. وهذا يصح بغض النظر عن حجم المجموع ~~وبغض النظر عن احتوائه على مجموعات أخرى. # القسم 189 ~~: وبعد أن قمنا بهذه الاستقراءات التي تثبت في مجموعها ~~قانون التطور، وجدنا أنها، طالما ظلت استقراءات، لا تكون ذلك الكل ~~الذي ينطبق عليه اسم الفلسفة، بل إن الانتقال الذي أوردناه منذ قليل ~~لهذه الاستقراءات من الاتفاق إلى الهوية، لا يكفي لإيجاد الوحدة ~~المنشودة؛ ms175 إذ لا بد لتوحيد الحقائق التي توصلنا إليها على هذا النحو مع ~~الحقائق الأخرى من أن تكون، كما لاحظنا في ذلك الحين، مستنبطة من مبدأ ~~دوام القوة. ولذا فإن الخطوة التالية كانت بيان السبب الذي من أجله ~~يكون من الضروري حدوث التحول الذي يظهره لنا التطور، مع كون القوة ~~دائمة. # وكانت أولى النتائج التي انتهينا إليها هي أن أي تجمع متجانس لا بد ~~أن يفقد تجانسه، عن طريق تعرض أجزائه بطريقة غير متساوية للقوى ~~الحادثة، وأن التجمع الناقص التجانس لا بد أن يتحول إلى آخر منعدم ~~التجانس تماما. وقد أشرنا إلى أن قيام القوى المتباينة، والقوى التي ~~تمارس في ظروف متباينة، بإيجاد تركيبات متباينة، يتمثل في التطور ~~الفلكي، وأن التعديلات التي تسري على هذا الكون، كبيرها وصغيرها، يتمثل ~~فيها كلها ارتباط متشابه للسبب بالنتيجة. وقد تجلى في التغيرات ~~المبكرة للجراثيم العضوية دليل آخر على أن تغاير التركيب ينجم عن تغاير ~~العلاقات بالعوامل المحيطة، وهو دليل يدعمه ما يطرأ على أفراد النوع ~~الواحد من تنوع فرعي حين تختلف بيئاتهم. ورأينا أن التضاد السياسي ~~والمهني الذي ينشأ بين أجزاء المجتمعات، يعد دليلا آخر على المبدأ ~~ذاته. ووجدنا أن عدم الاستقرار الذي يتميز به دائما ما هو متجانس ~~نسبيا، يسري أيضا على كل من الأجزاء المميزة التي يتحول إليها ~~الكل، بحيث يزداد اللاتجانس على الدوام. # وقد كشفت خطوة أخرى في البحث عن سبب ثانوي لتزايد تنوع الصور؛ فكل ~~جزء متفاضل ليس مركزا لتفاضلات أخرى فحسب، بل إنه أيضا يخلق مزيدا ~~من التفاضلات؛ إذ إن نموه على نحو مخالف للأجزاء الأخرى يجعله مركزا ~~لردود أفعال مختلفة للقوى الحادثة، وبهذا تؤدي إضافته لقوى عاملة ~~متباينة، إلى تباين التأثيرات الناتجة. وقد تبين أن من الممكن تتبع ~~تعديد التأثيرات هذا في كل شيء في الطبيعة في الأفعال - وردود الأفعال ~~- التي تحدث في جميع أرجاء النظام الشمسي، وفي التعقدات الجيولوجية ~~التي لا تتوقف أبدا، وفي التغيرات الكامنة التي تنتجها المؤثرات ~~الجديدة في الكائنات العضوية، وفي كثرة الأفكار والمشاعر ms176 التي تولدها ~~انطباعات واحدة، وفي النتائج الدائمة التشعب التي يحدثها كل مؤثر ~~زائد يضاف إلى المجتمع، وقد أضفنا إلى ذلك نتيجة هي أن كثرة المؤثرات ~~تسير في متوالية هندسية مع سير اللاتجانس. # ولكي نفسر التغيرات التركيبية التي تكون التطور تفسيرا كاملا، ~~بقي علينا إيجاد سبب لذلك التميز المتزايد الوضوح بين الأجزاء، الذي ~~يقترن بحدوث فروق بينها. وقد تبين لنا أن هذا السبب هو انفصال ~~الوحدات المختلفة بفعل قوى قادرة على تحريكها، ووجدنا أنه عندما تؤدي ~~قوى حادثة متغايرة إلى جعل أجزاء تجمع ما، متغايرة في طبائع ~~وحداتها المكونة، يظهر بالضرورة ميل إلى انفصال الوحدات المتباينة كل ~~عن الأخرى، وتكدس الوحدات المتشابهة. وتبين أن سبب وضوح معالم ~~التكاملات المحلية التي تقترن بتفاضلات محلية، يتمثل بدوره في جميع ~~أنواع التطور؛ في تكوين الأجرام السماوية، وتشكيل القشرة الأرضية ~~والتعديلات العضوية، وإيجاد تمييزات ذهنية، ونشوء انقسامات ~~اجتماعية. # وأخيرا، فقد أجبنا على السؤال عما إذا كان لهذه العمليات أي حد ~~بأنها لا بد أن تنتهي إلى التوازن؛ فذلك الانقسام والانقسام الفرعي ~~المستمر للقوى، الذي يغير ما هو وحيد الصورة إلى شيء كثير الصور، ~~وما هو كثير الصور إلى شيء أكثر صورا، هو عملية تنتشر بها القوى ~~دواما. وانتشارها هذا، الذي يستمر طالما ظلت هناك قوى لا توازنها ~~قوى أخرى، لا بد أن ينتهي إلى السكون. وبينا أنه عندما تحدث عدة ~~حركات سويا، كما هي الحال في التجمعات المختلفة الأنواع، فإن ~~التبدد الأول للحركات الأصغر والتي تلقى مقاومة أشد، يوجد توازنات ~~متحركة من أنواع مختلفة، فيكون بذلك مراحل انتقالية في الطريق إلى ~~التوازن التام. وقد كشف لنا البحث التالي على أن هذا السبب ذاته يجعل ~~لهذه التوازنات المتحركة قدرات معينة على حفظ ذاتها، ويتضح ذلك في ~~تعادل الانحرافات وفي التكيف مع الظروف الجديدة. وقد تعقبنا هذا ~~المبدأ العام المتعلق بالتوازن، كما فعلنا في المبادئ العامة السابقة، ~~في جميع صور التطور - الفلكي منه والجيولوجي والبيولوجي والذهني ~~والاجتماعي. وكان استنتاجنا النهائي هو أن المرحلة الأخيرة للتوازن في ~~العالم ms177 العضوي، وهي المرحلة التي تستقر فيها أشد حالات كثرة الصور ~~تطرفا، وكذلك يستقر أعقد توازن متحرك، لا بد أن تكون مرحلة تنطوي على ~~أعلى حالات البشرية. ~~••• # القسم 190 ~~: وأخيرا انتقلنا إلى تأمل عملية التحلل كما تتمثل في جميع ~~أرجاء الطبيعة، وهي العملية المكملة للتطور، والتي تقضي، في وقت واحد ~~أو في آخر، على ما تم بفعل التطور. # فقد رأينا أن التحلل لا بد أن يحل بمضي الزمن. # فهو في المجاميع # aggregates # غير ~~المستقرة، يحل فور توقف التطور، وفي المجاميع الثابتة المحيطة بنا، يحل ~~بعد توقف التطور بفترات قد تطول ولكنها تبلغ في النهاية، بل إنه لا ~~بد أن يحل حتى في أكبر المجاميع التي تكون هذه كلها أجزاء منها - أي ~~في الأرض من حيث هي كل - بل لقد وجدنا من الأسباب ما يدعو إلى الاعتقاد ~~بأن التجمعات المحلية لتلك الكتل الأكبر حجما بكثير، والتي نعرفها ~~باسم النجوم، ستتحلل بمضي الوقت. والسؤال الذي يظل دون جواب هو ما ~~إذا كان نظامنا النجمي في مجموعه سيلقى نفس المصير بعد وقت لا يتصوره ~~الخيال المتناهي. ومع استنتاجنا أن التحلل يعقب التطور في أجزاء عديدة ~~من الكون المنظور، وأن التطور في جميع هذه المجالات سيبدأ من جديد، فإن ~~مسألة وجود تعاقب منتظم بين التطور والتحلل في مجموع الأشياء هي مسألة ~~ينبغي تركها دون جواب؛ لأنها تعلو على فهم العقل البشري. # أما إذا كنا ميالين إلى الاعتقاد بأن ما يحدث للأجزاء سيحدث بمضي ~~الوقت للكل، فإن هذا يؤدي بنا إلى الرأي القائل بوجود تطورات دارت في ~~ماض سحيق وتطورات ستدور في مستقبل بعيد، وعندئذ لا يعود في وسعنا أن ~~نتأمل العالم المنظور على أنه ذو بداية أو نهاية محددة، أو على أنه ~~منعزل، وإنما يصبح متحدا بكل الموجودات السابقة واللاحقة، وتسري على ~~القوة المتمثلة في الكون نفس ما يسري على المكان والزمان، من حيث إنها ~~لا تقبل أي تحدد في الفكر. # القسم 191 ~~: ويتفق هذا الرأي مع النتيجة التي وصلنا إليها في الجزء ~~الأول، الذي ms178 تناولنا فيه العلاقة بين القابل للمعرفة وغير القابل ~~للمعرفة. # فقد بينا في ذلك الجزء، من خلال تحليل الأفكار الدينية والعلمية ~~معا، أنه مع استحالة معرفة العلة التي تحدث تأثيرات في الوعي، فإن ~~وجود «علة » لهذه التأثيرات هو من معطيات الوعي. والإيمان ب «قوة» تعلو ~~على المعرفة هو ذلك العنصر الأساسي في الدين، الذي يبقى من وراء كل ~~تغيرات صوره. وقد ثبت أن هذا الإيمان القاهر هو بالمثل ما يبنى عليه ~~كل علم دقيق. وهذه بدورها هي النتيجة التي تؤدي بنا إليها تلك النظرة ~~التركيبية الشاملة التي نقدمها الآن؛ فالاعتراف بقوة دائمة، تتغير ~~مظاهرها أبدا ولكن لا تتغير كميتها في كل وقت مضى وكل وقت مقبل، هو ~~في اعتقادنا الأساس الوحيد لإمكان كل تفسير عيني، وهو في نهاية الأمر ~~ما يوحد كل التفسيرات العينية. # ومن الواضح أن كل بحث علمي أو ميتافيزيقي أو لاهوتي كان، ولا يزال، ~~يسير نحو الوصول إلى نتيجة كهذه. ويظهر هذا التقدم بوضوح في تبلور ~~النظرات التعددية إلى الآلهة في نظرة موحدة، وتحول النظرة الموحدة ~~بالتدريج إلى صورة تزداد شمولا، يندمج فيها العلو التشخيصي في الكمون ~~الكوني، كذلك يظهر في تواري النظريات القديمة عن «الماهيات» ~~و«الإمكانيات» و«الفضائل الخفية» ... إلخ، وفي التخلي عن مذاهب ك «المثل ~~الأفلاطونية» و«الانسجام المقدر»، وما شابهها، وفي الاتجاه إلى ~~التوحيد بين «الوجود» كما يتمثل في الوعي، وبين «الوجود» كما يتحدد ~~على نحو آخر خارج الوعي، بل إنه لأوضح من ذلك في تقدم العلم، الذي كان ~~منذ البداية يعمل على جمع وقائع متفرقة في قوانين، والتوحيد بين قوانين ~~خاصة في قوانين أعم، وبذلك يصل إلى قوانين تزداد عمومية بالتدريج، إلى ~~أن أصبح تصور القوانين الكلية الشاملة مألوفا لدينا. # ولما كان التوحيد هو الصفة المميزة لتطور جميع أنواع الفكر، ولما ~~كان من حقنا أن نستنتج أنه سيتم التوصل إلى الوحدة بمضي الوقت، فإنا ~~نجد في ذلك تأييدا آخر للنتيجة التي توصلنا إليها؛ إذ إن الوحدة ~~التي وصلنا إليها ينبغي أن تكون هي الوحيدة التي يتجه ms179 إليها التفكير ~~المتطور، ما لم تكن هناك وحدة أخرى أعلى منها. ~~••• # القسم 193 ~~: فإذا قبلت هذه الاستنتاجات - أي إذا ووفق على أن الظواهر ~~التي تحدث في كل مكان هي أجزاء لعملية التطور العامة، إلا حيثما تكون ~~هناك أجزاء لعملية التحلل العكسية - فعندئذ يكون لنا أن نستنتج أن ~~جميع الظواهر لا تفسر تفسيرا كاملا إلا إذا أدركناها بوصفها ~~أجزاء من هذه العمليات ومن هذا يتلو أن الحد النهائي الذي تتقدم ~~إليه المعرفة لا يبلغ إلا عندما تطبق صيغ هذه العمليات على نحو ~~يؤدي إلى تفسيرات الظواهر في عمومها. غير أن هذا مثل أعلى لا بد أن يظل ~~الواقع على الدوام عاجزا عن بلوغه. # ذلك لأنه، مع اعترافنا بأن جميع تغيرات الظواهر قد تكون نتائج ~~مباشرة أو غير مباشرة لبقاء القوة، فلا يمكن الإتيان بدليل على ذلك ~~إلا جزئيا. وما التقدم العلمي إلا تقدم في هذا التكيف للفكر مع ~~الأشياء، الذي رأيناه واقعا، ولا بد أن يستمر في الوقوع، وإن لم يكن ~~يصل في أي وقت إلى ما يقرب من الكمال. ومع ذلك، فرغم أن العلم لا يصل ~~أبدا إلى هذه الصورة، ورغم أنه لن يستطيع الاقتراب منها، ولو من بعيد، ~~إلا بعد زمن طويل جدا، فإن من الممكن، حتى في وقتنا الحالي، تحقيق ~~الكثير في سبيل هذا التقريب. # ومن الطبيعي أن ما يمكن عمله الآن لا يمكن أن يتم على يد أي فرد واحد ~~بعينه؛ فليس ثمة شخص واحد يملك المعلومات الموسوعية اللازمة للتنظيم ~~الصحيح للمعلومات، حتى تلك التي سبق إثباتها. ومع ذلك، فلما كان كل ~~تنظيم، بعد أن يبدأ بخطوط عامة خافتة غامضة، يتم عن طريق تعديلات ~~وإضافات متعاقبة، فقد يتحقق النفع من أية محاولة (مهما كانت بساطتها) ~~لجمع الحقائق المتراكمة حاليا - أو على الأصح فئات معينة منها - فيما ~~يشبه النسق المنظم. # الفصل التاسع # | الديالكتيك والمادية # كارل ماركس (1818-1883م) # وفريدرش إنجلز (1820-1895م) # 1 ~~⋆ # يمكن النظر إلى فلسفة ماركس وإنجلز، من الوجهة التاريخية، على أنها ~~نتاج مشترك للديالكتيك الهيجلي، والمادية، والتجريبية. ms180 غير أن ~~التصنيفات التاريخية يمكن أن تكون مضللة في الفلسفة، كما هي الحال في ~~بقية المجالات؛ فالعناصر الأصيلة أو الجذابة في تفكير ماركس وإنجلز لا ~~تظهر بوضوح في هذا الوصف، وإنما تضيع منه تماما تلك الصفة التي جعلت ~~الماركسية رمزا للأيديولوجية الثورية في عصرنا؛ أعني صفة الخروج ~~القاطع المتعمد على كل التقاليد الاجتماعية الكبرى للحضارة الغربية. ~~كما أن هذا الوصف لا يوضح الفارق الرئيسي في المنظور بين ماركس ~~والفلاسفة الذين سبق بحثهم في هذا الكتاب. فرغم كل ما اقتبسه ماركس ~~منهم، فإنه خالفهم جميعا على نحو أشد مما خالف به أي منهم ~~الباقين. # إن الخلافات الرئيسية بين المثاليين والوضعيين، كما فسرتها، لا ~~تتعلق بمسائل الواقع، وإنما بمسائل المنهج والقيمة. وقد ظلت هذه ~~الخلافات دائما منحصرة في حدود معينة؛ فنحن لا نجد مثلا أن واحدا ~~من المثاليين كفشته وهيجل، أو الوضعيين مثل كونت، أو أنصار مذهب الحرية ~~مثل مل، أو الطبيعيين التطوريين كسبنسر، لا نجد أن واحدا من هؤلاء قد ~~عد نفسه ثائرا اجتماعيا أو مرتدا عن التراث الحضاري الكامن الذي ~~ظهرت فيه فلسفاتهم ونمت، وإنما كانوا قادة ومصلحين حاولوا فقط أن ~~يوضحوا التراث وينقوه ويعدلوه، ولم يكن في نيتهم أبدا أن ~~ينشقوا عليه نهائيا. ولقد كانوا بلا شك مندمجين في أزمة العقل التي ~~اشتدت تدريجيا، والتي بسطت ظلها على جميع الفلسفات منذ كانت. ومع ~~ذلك فما زال من الممكن النظر إلى الخلافات الفلسفية بين المثاليين ~~والوضعيين، على خطورتها، على أنها مراحل لمناقشة برلمانية مستمرة بين ~~فئتين مهذبتين إلى حد غير قليل؛ إحداهما محافظة والأخرى تناصر مذهب ~~الحرية، في الوقت الذي يلتزم فيه الجميع، بدرجات متفاوتة، النظم ~~المتطورة السائدة في العالم المسيحي البرجوازي. وفضلا عن ذلك فقد كانت ~~تلك مناقشة ظلت فيها الخطوط الفاصلة بين الأحزاب واضحة المعالم، وظل ~~النظام الحربي، في المسائل الكبرى على الأقل، محفوظا إلى حد كبير. ~~أما عندما نأتي إلى ماركس، وإلى نيتشه وكيركجورد في الفصلين ~~المقبلين، فإنا نجد هذه الخطوط تصبح غامضة، ويبدأ ظهور تقابل فلسفي ms181 من ~~نوع أشد وأجرأ، فلم يكن واحد من هؤلاء الفلاسفة ليقنع بتغيير التراث، ~~بل حاول كل منهم، على طريقته الخاصة، أن يهدمه. ولم يكن ما سعوا إليه، ~~من حيث هم فلاسفة، هو مجرد الاعتداء إلى مسلك جديد للأفكار، أو نقد ~~جديد للعقل، وإنما شيء يقرب من خلق نوع جديد من الإنسان. وإن ~~كتاباتهم تختلف، شكلا وموضوعا، عن كتابات السابقين عليهم إلى حد جعل ~~كثيرا من المؤرخين المحافظين لا يعترفون بأنهم كانوا فلاسفة على ~~الإطلاق. ومع ذلك فإن مذاهبهم، لا النظريات «المحترمة» لمعاصريهم الأشد ~~تمسكا بالتقاليد، هي التي كان لها أكبر الأثر (سواء أكان هذا الأثر ~~مفيدا أم ضارا) في التفكير الفعلي لعصرنا الحالي. # ولقد بدا من الواضح في نظر ماركس ونيتشه وكيركجورد، وعدد آخر قليل من ~~المفكرين، أن من المستحيل إيجاد أي مركب أو توافق حضاري بين المسيحية ~~والعلم الوضعي والمذهب السياسي التحرري. ولم يكن هدفهم هو التمسك ~~بمبادئ المعقولية، وإنما كان هو الخلاص أو النجاح. وهكذا قال ماركس إن ~~المشكلة الفلسفية ليست فهم العالم وإنما تغييره. وكان لفظ «الحقيقة» ~~ذاته في نظر نيتشه مدعاة للسخرية، فحيثما لا تنفع الحقيقة يلجأ نيتشه ~~صراحة إلى الأكذوبة الرفيعة. ومع ذلك فإن رأيه يساء فهمه عادة؛ فهو ~~لم يكن يعترض على الحقيقة ذاتها، وإنما على الافتراضات الفلسفية ~~الجريئة المتعلقة بموضوعية المعايير التقليدية للمعقولية وشمولها؛ ~~فالمعايير من أي نوع، إما أن تقبل اختيارا من أجل غاية معينة، أو ~~أن يسلم بها سلبيا نتيجة لخوف أو تعود؛ فالأسئلة الفلسفية ~~الهامة ليست، بالنسبة إلى نيتشه، هي تلك التي تماثل أسئلة من نوع: «ما ~~هو الحقيقي؟» أو «ما هو المعقول؟» أو «ما هو الخير؟» وإنما هي أسئلة من ~~نوع: «ماذا أريد أن أفعل؟» «وماذا أريد أن أصبح؟» ويتسم كيركجورد بنفس ~~القدر من العناد؛ فهو يدير ظهره، بكل بساطة، للمذاهب اللاهوتية ~~«العقلية» في تراثنا. وفي رأيه أن هذه ليست إلا محاولات متعددة غير ~~مسيحية لصبغ فكرة المسيح بصبغة عقلية، وبالتالي فهي طرق متعددة، بنفس ~~المقدار، للتوفيق بين معناها ms182 الذاتي الباطن وبين مقتضيات العالم ~~الدنيوي الغريبة عن هذه الفكرة. وفي رأيه أن استحالة التوفيق بين فكرة ~~الحياة المسيحية وبين مقتضيات النظم التاريخية التي جعلها هيجل مساوية ~~«للروح الموضوعية» أو «العقل»، لا تقل عن استحالة مساواة الحرية ~~الروحية بالضرورة التاريخية. ولقد كان خروجه عن المعقولية اللاهوتية في ~~الوقت ذاته خروجا جريئا على النظم الراسخة للحياة البرجوازية في ~~القرن التاسع عشر، ولم يكن أقل في جرأته وقطعيته من خروج ماركس أو ~~نيتشه عليها. # ولقد قام الثلاثة جميعا بمحاولات جريئة للتعبير عن محنة الإنسان ~~المغترب روحيا واجتماعيا في العصر الحديث؛ ولذلك فإن المهام ~~الفلسفية لماركس ونيتشه وكيركجورد لا تتصف بأنها نظرية إلا عرضا. ولم ~~يكن هدفهم بأقل من إيضاح معالم أسلوب جديد للحياة يفي بمقتضيات أولئك ~~الذين يرفضون الاعتراف بأن ما أطلق عليه ماتيو أرنولد # 2 # اسم «هذا المرض الغريب الحياة الحديثة»، هو فعل إلهي أو ~~قدر محتم على العقل. فهل كان هؤلاء أنبياء أم مجانين؟ هذا سؤال ~~ستظل الإجابة عليه غير مؤكدة. # ولقد كان ماركس ذاته أكثر الثلاثة معقولية. ويتجلى هذا أولا في ~~اهتمامه بمشكلة المنهج، غير أن منهج ماركس هو أيضا مصدر من أكبر ~~الصعوبات التي تمثلها الماركسية في نظر المؤرخ الفكري؛ فمن بين صفات ~~ماركس، التي لا يمل أنصاره من تكرارها، أنه كان عالما اجتماعيا ~~جديا كان لنظريته في التطور التاريخي تأثير لا حد له في النظريات ~~الاجتماعية التالية. وهم يؤكدون أنه لم يكن مجرد مفكر ديالكتيكي، مثل ~~هيجل، ينسج بطريقة أولية قضايا وقضايا مضادة تفرض مقدما المجرى الذي ~~ينبغي أن يسير فيه التاريخ البشري. وهذا صحيح إلى حد ما؛ فقد كان من ~~ضمن أهداف ماديته التاريخية إيجاد إطار لنظرية قابلة للتحقيق في ~~الأسباب الفعلية المؤدية إلى التطور الاجتماعي. ولم يقتصر ماركس وإنجلز ~~على توجيه انتقادهم الشديد إلى هيجل المثالي، بل وجهاه أيضا إلى فويرباخ # 3 # المادي، وذلك على أساس أن فلسفتي التاريخ عند هيجل ~~وفويرباخ كانتا مفرطتين في الطموح والغموض، ومفرطتين في عدم ~~اهتمامهما بالأسباب والنتائج الاجتماعية القابلة ms183 للملاحظة. # ومع ذلك فإن ماركس كان أكثر من مجرد عالم ينسج نظريات للتطور ~~التاريخي، بل كان أيضا مفكرا أخلاقيا ونسبيا؛ فهو قد استخدم ~~نظريته في التاريخ، ليس فقط لإيضاح ما حدث، ولا حتى للتكهن بما قد يحدث ~~في ظروف تاريخية معينة، بل أيضا للتنبؤ بالمصير النهائي للبشر في ~~مجموعهم؛ فالثروة البروليتارية وظهور المجتمع اللاطبقي بمضي الزمن هي ~~بالنسبة إليه نتائج ضرورية للتناقضات الكامنة في الاقتصاد الرأسمالي، ~~وهي نتائج ليست فقط مرجحة الظهور إذا ما توافرت ظروف تجريبية معينة، بل ~~إنها ضرورية الظهور، أو هي - حسب مقصده الحقيقي الباطن - واجبة الظهور. ~~فمن الواجب، في نظر ماركس كما في نظر هيجل، أن يقرأ التاريخ البشري ~~على أنه تطور ضروري ينتقل فيه كل نظام اجتماعي حتما إلى ضده. ولقد ~~كانت نظرته الديالكتيكية إلى التغير - كما هي الحال أيضا لدى هيجل - ~~أقرب إلى القاعدة الصارمة للتحليل الذي يرمي إلى أن يفرض على كل تفكير ~~صحيح أو «معقول» عن التاريخ طابعا ديالكتيكيا واضحا منها إلى ~~التعميم الاستقرائي. وهكذا يندمج العلم والأخلاق والبحث في المصائر # eschatology # في ذهن ماركس، وربما ~~بطريقة لا شعورية، على نحو يمكن أن يعد نظيرا حديثا لما تتصف به ~~العقلية الإنجيلية من مزج قديم بين التاريخ والأخلاقيات والنبوءة. وأية ~~محاولة لإيجاد فصل قاطع بين هذه العناصر كفيلة بحرمان الماركسية من ~~طابعها الصوفي الخاص، ومن جاذبيتها الهائلة من حيث هي أيديولوجية ~~كاملة. # ومن الطبيعي أن ماركس، من الوجهة الشكلية، معارض للدين، وأن فلسفته ~~في التاريخ ترتكز على ميتافيزيقا مضادة للروحية أو مادية. ومع ذلك فإن ~~ماديته تختلف بشدة، في اتجاهها فضلا عن مذهبها، عن نظريات الماديين ~~والطبيعيين السابقين عليه، فمن الملاحظ أولا أن أبحاث الماديين ~~الأوليين، مثل ديمقريطس، كانت تهتم إلى حد بعيد بطبيعة العالم المادي، ~~على حين أن الاهتمام الأول عند ماركس كان منصبا على الإنسان ~~والمجتمع، ولقد نظر الأولون إلى التغير على أنه مسألة حركة أو تغيير في ~~المكان فحسب، متجاهلين تلك التغيرات الكيفية التي كانت أساسية في ~~نظرية ماركس في ms184 التطور التاريخي، بل إن نظرتهم الآلية، وبالتالي ~~اللاتاريخية (من وجهة نظر ماركس) إلى التغير، قد حالت بينهم وبين إدراك ~~أن التاريخ عملية غير متكررة، تحدث فيها، في مراحل حاسمة معينة، ~~تغيرات أساسية لا نظير لها في الأسس المادية للتنظيم الاجتماعي. # ولعله لم يكن من قبيل المصادفة أن كثيرا من الماديين القدامى، الذين ~~رأوا أنه لا جديد بالفعل تحت الشمس، كانوا من المسالمين الذين دعوا إلى ~~أخلاق شخصية قوامها الاستسلام والتأمل. أما ماركس فكان داعية متطرفا ~~إلى العمل الإيجابي، لا يستطيع لهذا السبب نفسه أن يقبل أية ميتافيزيقا ~~تبدو قاضية على الأمل في حدوث تحسن أساسي في الظروف المادية لحياة ~~الإنسان. وبعبارة أخرى، فقد كان عليه أن يأخذ التاريخ مأخذ الجد، ~~مدفوعا بنفس الرغبة الشديدة إلى تملكته في الانفصال الحاسم عنه. ~~وأخيرا فقد قال الماديون السابقون عليه بنظرية ذرية في المادة اقترنت ~~في أغلب الأحيان - كما في حالة هبز - بنظرية اجتماعية مماثلة، ترى أن ~~المجتمع مجرد مجموعة من الأفراد لا تتحكم في علاقاتهم بعضهم ببعض إلا ~~قراراتهم أو مصالحهم الفردية. وتبعا لهذا الرأي تتم جميع التنظيمات ~~الاجتماعية على أساس تعاقدي، بحيث ينطوي أي خرق للعقد الاجتماعي على ~~تحلل عاجل للمجتمع ذاته. أما نظرية ماركس الاجتماعية فتقضي بتفسير ~~السلوك الاجتماعي «الهام» للأفراد، لا من خلال القرارات الشخصية ~~المبنية على الاهتمام العقلي بالمصالح الخاصة، وإنما من خلال الأدوار ~~التي يقوم بها هؤلاء الأفراد من حيث هم ينتمون إلى طبقة اقتصادية ~~معينة، وهي أدوار محددة اجتماعيا. ولقد كانت الحالة الطبيعية للبشر ~~في نظر هبز هي حالة «حرب الكل ضد الكل»، وهي حالة لا يزيلها إلا تنصيب ~~حاكم كامل السلطة. أما في نظر ماركس، فإن الصراع هو حقا قانون ~~الحياة البشرية، غير أن نظرته إلى دراسة المجتمع من خلال نظمه العامة ~~جعلته يرى أن الصراع الأساسي اجتماعي، وأن الصورة الأساسية للصراع ~~الاجتماعي هي حرب الطبقات؛ لذلك كان من الضروري ألا ينطوي أي مذهب ~~مادي يكون مقبولا لديه، على استبعاد لإمكانية النظرة الجدية إلى ~~القضية القائلة ms185 إن المجتمع يزيد على مجرد مجموعة من الذرات البشرية، ~~التي لا تربطها سويا إلا اتفاقات من صنعها هي. # ولقد وجد ماركس في فلسفة التاريخ عند هيجل إطارا يصلح، «إذا ما قلب ~~رأسا على عقب»، لإيجاد جميع الأسس اللازمة في نظره لأية مادية تاريخية ~~أصيلة. على أنه لم يستطع أن يقبل تفسير هيجل للتاريخ، الذي كان في ~~نهاية الأمر تفسيرا مثاليا، يبدو على الأقل أنه يعزو إلى الأفكار ~~والمثل وحدها قوة متحكمة في التغير الاجتماعي. ففي رأي ماركس أن كل ~~تغير اجتماعي هام إنما هو تغير في الطرق المادية للإنتاج الاقتصادي. ~~ومع ذلك فإن تحليل هيجل الفعلي للتطورات الاجتماعية يلتزم دائما حدود ~~النظم الاجتماعية ذاتها، ونادرا ما كان يرتكب ما يعده ماركس الخطأ ~~الأصيل في الفلسفة الاجتماعية، ألا وهو تفسير دور الفرد في المجتمع ~~على أنه يرتبط فقط بذوقه واختياره الشخصي. فهيجل كان مثاليا، غير أنه ~~كان مثاليا موضوعيا مطلقا، وقد أتاح له هذا الاحتفاظ بمسحة من ~~الروحية في الوقت الذي استبعد فيه عمليا، وبطريقة منظمة، تأثير ~~الأغراض الشخصية في تحديد مجرى التطور الاجتماعي. غير أن الأمر الذي ~~كان له تأثير بالغ في ذهن ماركس هو إمكانية إعادة تفسير الديالكتيك. ~~ولم يعبأ ماركس بميل هيجل إلى الخلط بين التناقض المنطقي والتضاد أو ~~التعارض المادي؛ إذ كان ماركس أقل احتفالا بخصائص المنطق الصوري من ~~هيجل ذاته. وقد لا تكون هناك قيمة للقانون الديالكتيكي الخاص بالقضية ~~ونقيضها، من حيث هو نظرية للاستدلال المنطقي، ولكن هذا القانون أمد ~~ماركس بأداة لا نظير لها لكشف خيوط التطور التاريخي؛ فهو حين فسر هذا ~~القانون «ماديا» بدلا من أن يعده مجرد قانون للفكر، قد كشف لأول مرة ~~عن طريقة عمل الديالكتيك في العالم الواقعي. ولقد كان استخدام هيجل ~~ذاته للديالكتيك يبدو دائما اعتباطيا، لا لشيء إلا لأنه لم يكن يملك ~~الأساس المادي الغني اللازم للقول بوجود ارتباط علي بين القضية ~~ونقيضها، أو بين النقيض والمركب الناشئ. وهكذا كان ماركس يهدف لأول مرة ~~من إعادة تفسير هذا القانون ms186 إلى إعطائه معنى محددا قد ينفع في أغراض ~~التفسير العلي الجاد والتنبؤ. # وهكذا سعى ماركس، بجمعه بين الديالكتيك التاريخي عند هيجل وبين ~~المادية، إلى تحويل المادية ذاتها من التفكير الميكانيكي النظري إلى ~~فلسفة للتطور الاجتماعي، وكذلك إلى تحويل الديالكتيك من قانون للفكر ~~يبدو اعتباطيا، إلى قانون فعلي للعلية التاريخية. وربما كان استخدام ~~ماركس للفظ «الديالكتيك» قد أفقد اللفظ أي ارتباط باق بينه وبين معناه ~~الأصلي. غير أن هذه في الواقع مسألة ألفاظ. ورغم أن لفظ «المادة» في ~~أهم معانيه لم يعد عند ماركس يستخدم للدلالة على أساس أو جوهر كامن، ~~وإنما على «المواد # materials ~~» الملاحظة ~~التي يعمل بها الناس ويبذلون عليها طاقتهم. فإن هذا يعبر مرة أخرى ~~عن تحول في اهتمام ماركس من حيث هو مفكر أيديولوجي. وأهم ما في الأمر ~~هو أن الأيديولوجية المسماة ب «المادية الديالكتيكية» - بغض النظر عن ~~صحة التسمية - قد استحوذت على مخيلة الناس إلى حد لم يقدر عليه أي مذهب ~~منذ عهد المسيح. # وطالما ردد ماركس احتجاجه القائل إن استخدامه للديالكتيك كان ~~علميا فحسب. وينبغي أن ننبه في الوقت ذاته إلى أن الديالكتيك، كما ~~وصفه هيجل، كان يتميز بسمات أعجب بها ماركس كثيرا. ومن هذه السمات، ~~تلك المعقولية الكامنة التي عزاها هيجل إليه؛ فقد استطاع هيجل - وربما ~~كان في ذلك متلاعبا بمعنيين للفظ «المعقول» - أن يؤكد أن أية عملية ~~معقولية ينبغي أن تكون مفهومة وصحيحة في الوقت ذاته. ونظرا إلى أن ~~«المفهومية» و«الصحة» متأصلتان في معنى المعقولية ذاتها، فقد استطاع أن ~~يستخدم اللفظ للتعبير عن الإطراء اللاشخصي في نفس عملية تأكيد الطابع ~~المعقول أو الخاضع للقانون في أي تطور اجتماعي. ولقد كان لهذا، من ~~الناحية الأيديولوجية، ميزة كبرى هي إعفاء هيجل من ضرورة التعبير عن ~~موافقته الخاصة على الديالكتيك في صورة حكم قيمة صريح. # وقد استخدم ماركس نفسه، وربما دون أن يدري بالضبط ما فعل، هذا الجانب ~~المعياري في أساسه للديالكتيك الهيجلي في أغراضه الأيديولوجية الخاصة ~~التي كانت مختلفة كل الاختلاف. غير أن هذا الازدواج ms187 في معنى كلمة ~~«المعقول» هو الذي أتاح له الاحتفاظ بسمة النزاهة العلمية الرفيعة، دون ~~أن يحرم نفسه مزايا لغة المديح اللاشخصي. وبفضله استطاع أن يترك ~~الديالكتيك يشير إلى وجهه الأخلاقي الخاص دون أن يقحم عليه أي حكم ~~ذاتي ، يفترض أنه دخيل، متعلق بالخير أو الشر. # وهكذا كانت فكرة التقدم منسوجة ببراعة في ثنايا الديالكتيك ذاته، ~~وعلى هذا النحو كان تفسير ماركس المادي للتاريخ ينطوي، دون أي تأكيد ~~خاص من ناحيته، على النتيجة الضمنية التي لم يعبر عنها، رغم كونها ~~أساسية، وهي أن التطور الثوري للمجتمع هو دائما حركة خاضعة للقانون، ~~تتجه إلى الأحسن. غير أن الديالكتيك كان يتسم بصفة أخرى أعجب بها ~~ماركس، ألا وهي صفة «الضرورة»، فلعله كان يكفي، في نظر ماركس العالم، ~~أن يقتصر المرء على إيضاح شروط التغير الاجتماعي. أما من حيث هو مفكر ~~أيديولوجي، فقد كان من الضروري جدا لتحقيق أغراضه أن يتمكن من وصف ~~رقصة التاريخ الكبرى الثلاثية الإيقاع بأنها «ضرورية» أو «حتمية». ولا ~~جدال في أن من واجب كل من توافرت لهم النية الطيبة أن يقبلوا عن طيب ~~خاطر أي تطور معقول، ولكن إذا كان هذا التطور حتميا أيضا كما وصف ~~ماركس النصر النهائي للبروليتاريا، فعندئذ تصبح مقاومته منعدمة ~~الجدوى. والمسألة العملية الوحيدة، في نظر أنصار ماركس، هي مسألة ~~التوقيت. فلن يستطيع أي شيء أن يؤجل تغيرا تاريخيا ضروريا إلى ~~الأبد. غير أن الديالكتيك لا يشير إلا إلى اتجاه للتغير، لا إلى جدول ~~تقويمي للحوادث المقبلة؛ ولذلك ينبغي أن تفعل المنظمات الثورية ~~كالحزب الشيوعي شيئا للتعجيل بالغاية المحتومة المنشودة؛ أي المجتمع ~~اللاطبقي. # وكثيرا ما أكد نقاد ماركس أن منطق نظريته ليس بمنأى عن ~~النقد. # فقيل إن مناداته بالحتمية جعلته لا يترك مجالا للحرية، وبذلك تصبح ~~الدعوة الأيديولوجية ذاتها عديمة الجدوى. ويبدو لي أن نقاد ماركس لم ~~يدركوا، في هذه المسألة، أن لفظ «المحتوم»، كما استخدمه ماركس، هو في ~~المحل الأول للفظ يقصد منه تشجيع البعض وبث اليأس في نفوس البعض ~~الآخر؛ فهو لا ينتمي ms188 إلى لغة الأوصاف العلمية، وإنما إلى لغة الصراع ~~الأيديولوجي. ووظيفته التنبؤية هي أن يوقظ في عمال العالم الشعور ~~برسالتهم التاريخية بوصفهم محرري البشر، أو هذا على الأقل هو الرد ~~الذي كان ماركس خليقا بأن يدلي به عندما يتحدث من وجهة نظر أكثر ~~واقعية. # وما زال أمامنا أن نلاحظ نتيجة أخرى لتفسير ماركس للتاريخ؛ ~~فالتطورات في الفكر الديني أو الفلسفي أو السياسي هي في نظر ماركس ~~نواتج عرضية، في الأساس، للتغيرات في أساليب الإنتاج والتنظيم المادي. ~~وهنا كان هدفه الفعلي هو أن يقلب تفسير هيجل المثالي للتاريخ، بحيث ~~يتسنى للمرة الأولى فهم «التركيب الظاهر # superstructure ~~» الفكري المثالي ~~على حقيقته، من حيث هو نتيجته للتغيرات الأساسية في النظام الاجتماعي، ~~لا سبب متحكم فيها. وكان من نتيجة هذا القلب أن ماركس نظر إلى التقدم، ~~لا من خلال النمو الذاتي الروحي أو «الحرية»، وإنما من خلال تحسين ~~الأوضاع الاقتصادية الكامنة للحياة الاجتماعية. وهكذا رأى ماركس أن ~~تحسين أحوال الإنسان يبدأ بحل لمشكلة الفقر حتى لو لم يكن ينتهي بها. ~~وهو يرى أن خلاص الإنسان، وشفاءه من عزلته ومن بؤسه أيضا، إنما يكمن ~~أساسا في التصدي الجماعي لهذه المشكلة، ومن هنا قال: «إن تشريح ~~المجتمع المدني ينبغي أن يلتمس في الاقتصاد السياسي.» ولعله كان ~~خليقا بأن يضيف أن الحال كذلك أيضا في تشريح التقدم البشري. # ولقد كانت نزعة ماركس الجماعية ناتجة، إلى حد بعيد، عن تتلمذه الأول ~~في المدرسة الهيجلية؛ فهو منذ البداية قد نظر إلى خلاص البشر، مثلما ~~نظر إلى السلوك البشري ذاته، من خلال المجتمع. على أن الإنسان ليس ~~حيوانا اجتماعيا لأن لديه غريزة الإخاء، وإنما لأنه قد كيف على ~~التفكير والسلوك بوصفه عضوا في طبقة اجتماعية؛ فتلك الدوافع التي ~~يملكها الفرد والتي تتعلق بالذات أو بالغير، تعبر عن نفسها دائما من ~~خلال مسالك تحكمت فيها البيئة الاجتماعية التي يخضع لها. ولقد نسب كارل ~~بوبر # Karl Popper # في كتابه القيم ~~«المجتمع المفتوح وأعداؤه» إلى ماركس فضلا هو كونه أول من قرر ما ~~يسميه ms189 ب «الاستقلال الذاتي لعلم الاجتماع». وهذا في رأيي غير صحيح؛ ~~فرغم أن فلسفة هيجل في التاريخ كانت ذات نزعة روحية، فإنها قد صيغت ~~أيضا في عبارات كانت في أساسها منتمية إلى مجال علم الاجتماع أكثر ~~مما هي منتمية إلى مجال علم النفس. ومنه تعلم ماركس التفكير في ~~السلوك البشري من خلال أدوار تفرضها النظم الاجتماعية ذاتها. كذلك تخطئ ~~قضية بوبر في ناحية أخرى؛ إذ إن أوجست كونت، كما رأينا، قد أكد قبل ~~ذلك بأوضح العبارات أن قوانين علم الاجتماع لا ترد إلى القوانين ~~النفسية للطبيعة البشرية. ومع ذلك ففي وسعنا أن نتفق مع بوبر إلى حد ~~معين، فنقول إن ماركس قد ساهم بأكثر مما ساهم به أي فيلسوف آخر في ~~القرن التاسع عشر في إشاعة فكرة الاستقلال الذاتي لعلم الاجتماع، وأن ~~تأثيره، لا تأثير كونت أو هيجل، هو الذي كان له أكبر الأثر في محاربة ~~النزعة النفسية الكامنة في معظم النظريات الاجتماعية السابقة. ولنضف ~~إلى ذلك أن نظرية كنظرية ماركس، لا تتعارض مع نوع من الفردية ~~الأخلاقية. وينبغي أن نقرر، إحقاقا للحق، أن تصور ماركس للمجتمع ~~الفاضل كان، على خلاف هيجل أو كونت، تصورا فوضويا؛ فالمجتمع الفاضل ~~أو اللاطبقي لا يمكن في نظره أن ينشأ دون تدابير جماعية، غير أن الغاية ~~القصوى لهذه التدابير ولكل النظم ليست حفظ كائن عضوي اجتماعي هائل، ~~وإنما سعادة أفراد الناس. وهنا لا يمكن أن يعد ماركس، كما هي الحال ~~بالنسبة إلى هيجل، من الممهدين للفاشية. # كذلك ينبغي أن نلاحظ أن فلسفة ماركس المادية لا يمكن أن تعد، ~~بالفعل، منطوية على نظرية أنانية في الطبيعة البشرية، فماركس من أنصار ~~فكرة تأثير البيئة، وهو يرى، من وجهة نظره الخاصة، أنه إذا كان معظم ~~الناس قد عاشوا حتى الآن بحد السيف، فذلك ليس راجعا إلى نزعة عدوانية ~~غريزية فيهم، وإنما هو راجع إلى أن ظروف البيئة الاجتماعية تحتم ~~عليهم السلوك بطريقة عدوانية. والرأسمالية، لا شهوة القوة، هي التي ~~تولد النزعة الاستعمارية والحرب في نظر ماركس. وبالمثل ليس ms190 الفساد ~~الفطري في الإنسان هو سبب جشع الرأسماليين، بل إن السبب هو روح السلب ~~والنهب التي يثيرها نظام الربح. ولقد قال فولتير إن الناس لم يكونوا ~~دائما ذئابا، وإنما أصبحوا ذئابا. أما ماركس فرأى أن مهمته هي ~~إيضاح سبب ذلك، ولكنه رأى أيضا أن مهمته هي أن ينبئ الناس بالوسائل ~~التي قد تؤدي بهم إلى الكف عن سلوك مسلك الذئاب. # 4 # وأول المقتطفات التي سنوردها هو مؤلف ماركس: ~~«قضايا حول فويرباخ». وقد كتبت «القضايا» سنة 1845م، ونشرت لأول ~~مرة بوصفها ملحقا في طبعة 1888م لكتاب إنجلز «لودفج فويرباخ». أما ~~النص الثاني فمأخوذ من الجزء الأول من كتاب إنجلز: «ضد دورنج # Anti-Dübring ~~» # 5 # ويحوي الكتاب الأخير، الذي كان آخر ما كتبه إنجلز بالتعاون ~~مع ماركس، عرضا ربما كان أفضل عرض عام للتفسير المادي للتاريخ. وفيه ~~يهاجم إنجلز المادية غير الديالكتيكية التي شاعت عندئذ بفضل كتابات ~~دورنج، الذي كان محاضرا للاقتصاد في جامعة برلين، وأصبح الآن شخصا ~~منسيا. ~~(النص) # أولا: # إن العيب الرئيسي في كل مذهب مادي ظهر حتى الآن ~~- وضمن هذه المذاهب مذهب فويرباخ - هو أن الموضوع، ~~أو الواقع، أو المحسوس لا ينظر إليه إلا في صورة ~~موضوع التأمل، لا بوصفه نشاطا حسيا بشريا، أو ~~سلوكا عمليا؛ أي ليس من الوجهة الذاتية. والذي ~~حدث هو أن المثالية أكدت الوجه الإيجابي، ~~معارضة بذلك المادية، غير أنها لم تؤكد ذلك ~~إلا بطريقة مجردة؛ إذ إن المثالية بطبيعة الحال ~~لا تعرف الفاعلية الحسية الحقيقية بما هي كذلك. ~~ولقد أراد فويرباخ تأكيد وجود موضوعات حسية، ~~مميزة واقعيا من الموضوعات الفكرية، غير أنه لم ~~ينظر إلى الفاعلية البشرية ذاتها على أنها فاعلية ~~من خلال الموضوعات. وهكذا نراه في «ماهية ~~المسيحية» يرى أن الموقف النظري هو الموقف ~~الإنساني الأصيل الوحيد، على حين أنه لا ينظر إلى ~~الجانب العملي، ولا يقرره، إلا من خلال صورته ~~اليهودية القذرة، من حيث هو «مظهر». ومن هنا فإنه ~~إدراك أهمية الفاعلية «الثورية»، العملية ~~والنقدية. # ثانيا: # إن مسألة إمكان نسبة الحقيقة الموضوعية إلى ms191 ~~التفكير البشري ليست مسألة نظرية، وإنما مسألة ~~عملية؛ ففي ميدان العمل ينبغي أن يثبت الإنسان ~~الحقيقة؛ أي صحة تفكيره «وقوته وانطباقه على هذا ~~العالم». أما الخلاف حول حقيقة التفكير أو عدم ~~حقيقته، منفصلا عن المجال العملي، فما هو إلا ~~خلاف مدرسي. # ثالثا: # إن المذهب المادي القائل إن الناس نواتج للظروف ~~والتربية، وأن تغير الناس بالتالي ناجم عن تغيير ~~الظروف والتربية، يغفل أن الظروف لا تتغير إلا ~~عن طريق الناس، وأن المربي ذاته ينبغي أن ~~يربى، ومن هنا فإن هذا المذهب ينتهي بالضرورة ~~إلى تقسيم المجتمع قسمين، يتعالى أحدهما على ~~المجتمع (كما هي الحال لدى روبرت أوين ~~مثلا). # ولا يمكن تصور اقتران تغير الظروف بالنشاط ~~البشري، وفهمه فهما معقولا، إلا بوصفه سلوكا ~~عمليا ثوريا. # رابعا: # يتخذ فويرباخ نقطة بدايته من واقعة خروج الذات ~~عن حدودها في الدين ( # religious ~~self-alienation ~~)، وازدواج ~~العالم إلى عالم ديني خيالي وآخر حقيقي. ومهمته في ~~مؤلفاته تنحصر في تفكيك العالم الديني وإرجاعه إلى ~~أساسه الدنيوي. ولكنه يغفل أنه بعد أن يتم هذا ~~العمل، تظل المهمة الرئيسية باقية؛ إذ إن كون ~~الأساس الدنيوي يرفع ذاته فوق ذاته، ويستقر في ~~السحب بوصفه عالما مستقلا، هو ظاهرة لا تفسر ~~إلا على أساس الانشقاق الذاتي والتناقض الداخلي في ~~هذا الأساس الدنيوي. وعلى ذلك فمن الواجب أولا ~~فهم هذا الأساس الدنيوي في تناقضه، ثم إحداث ~~انقلاب ثوري فيه عمليا بالقضاء على التناقض. ~~مثال ذلك أنه عندما يتضح أن العائلة الأرضية هي سر ~~العائلة المقدسة، فمن الواجب عندئذ نقد الأولى ~~نظريا وإدخال تغيير أساسي فيها عمليا. # خامسا: # يؤدي عدم اكتفاء فويرباخ بالتفكير المجرد إلى ~~التجائه إلى التأمل الحسي، ولكنه لا يدرك الحساسية ~~من حيث هي نشاط عملي، وحسي بشري. # سادسا: # يرد فويرباخ الماهية الدينية إلى الماهية ~~البشرية، غير أن الماهية البشرية ليست كيانا ~~مجردا كامنا في كل فرد على حدة، وإنما هي في ~~حقيقتها مجموع العلاقات الاجتماعية. # وعلى ذلك فإن فويرباخ، الذي لا يحاول نقد هذه ~~الماهية الحقيقية اضطر إلى: ~~(1) # استخلاص الشعور الديني ms192 بالتجريد من ~~العملية التاريخية، وتثبيته، على أنه شيء ~~في ذاته، والتسليم مقدما بوجود فرد ~~بشري مجرد - منعزل. ~~(2) # وبالتالي فهو لا يستطيع أن يفهم ~~الماهية البشرية إلا على أنها «جنس»، وعلى ~~أنها تعميم باطن أخرس يقتصر على الجمع ~~بطريقة طبيعية بين الأفراد ~~العديدين. # سابعا: # وبناء على ذلك لا يدرك فويرباخ أن «الشعور ~~الديني» هو ذاته ناتج اجتماعي، وأن الفرد المجرد ~~الذي يملكه ينتمي في الواقع إلى شكل خاص من أشكال ~~المجتمع. # ثامنا: # الحياة الاجتماعية في أساسها عملية، وكل الأسرار ~~التي تضلل التفكير النظري وتدفعه إلى الصوفية ~~تجد حلها العقلي في مجال العمل البشري، وفي فهم ~~هذا المجال العملي. # تاسعا: # إن القمة التي تصل إليها المادية التأملية؛ أي ~~المادية التي لا تدرك الحساسية بوصفها فاعلية ~~عملية، هي تصور أفراد منعزلين في «مجتمع ~~مدني». # عاشرا: # إذا كانت المادية القديمة ترتكز على «المجتمع ~~المدني»، فالمادية الجديدة ترتكز على المجتمع ~~البشري أو البشرية المندمجة في مجتمع. # حادي عشر: # لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم على أنحاء ~~عدة، غير أن المهم في الأمر هو تغييره.» # ضد دورنج # التصنيف - الأولية # Apriorism # لا يمكن أن تتعلق القوالب المنطقية إلا بأشكال الفكر، ولكن ~~موضوع بحثنا هنا ليس إلا أشكال الوجود، والعالم الخارجي، وهذه ~~الأشكال لا يمكن أن يخلقها الفكر ويستمدها من ذاته، وإنما من ~~العالم الخارجي فقط. غير أن هذا يؤدي إلى قلب العلاقة بأسرها رأسا ~~على عقب؛ فالمبادئ ليست نقطة بداية البحث، وإنما نتيجته النهائية، ~~وهي لا تطبق على الطبيعة والتاريخ البشري، وإنما تجرد منهما، ~~وليست الطبيعة وعالم البشر هما اللذان يتفقان مع هذه المبادئ، بل ~~إن المبادئ لا تصح إلا بقدر ما تتفق مع الطبيعة والتاريخ. هذه هي ~~النظرة المادية الوحيدة إلى المسألة، أما نظرة السيد دورنج فهي ~~مثالية، تجعل الأشياء واقفة على رءوسها تماما، وتصوغ العالم ~~الحقيقي من أفكار ومن قوالب أو إطارات أو مقولات توجد في مكان ما ~~قبل العالم منذ الأزل، فهو في ذلك مثل هيجل تماما. # مثل هذه النتيجة تتلو من القول، على مثال ms193 المذهب الطبيعي تماما، ~~بأن «الوعي» و«الاستدلال» أشياء معطاة، وأشياء قائمة منذ البداية، ~~في مقابل الوجود والطبيعة. ولو كان الأمر كذلك، لكان من الأمور ~~التي تدعو إلى العجب الشديد أن يوجد مثل هذا التناظر بين الوعي ~~والطبيعة، والفكر والوجود وقوانين الفكر وقوانين الطبيعة. ولكن لو ~~أثير السؤال الآخر: ما هو الفكر والوعي إذن، ومن أين أتيا؟ لوضح ~~أنهما ناتجان للمخ البشري، وأن الإنسان ذاته ناتج للطبيعة، تطور ~~في بيئته ومعها، ومن هنا فمن الواضح بذاته أنه لما كانت نواتج ~~المخ البشري في نهاية الأمر نواتج للطبيعة أيضا، فإنها لا تناقض ~~بقية الطبيعة وإنما تناظرها. # فإذا استخلصنا القوالب التي تسري على العالم، لا من أذهاننا، ~~وإنما من العالم الواقعي بتوسط أذهاننا فحسب، فلن نحتاج إلى فلسفة ~~لهذا الغرض، وإنما إلى المعرفة الوضعية للعالم وما يحدث فيه، وما ~~تمدنا به هذه المعرفة ليس بدوره فلسفة، وإنما علم وضعي. # وفضلا عن ذلك، فإذا لم يعد ثمة داع لأية فلسفة من هذا النوع ~~الخالص، فلن يعود هناك داع أيضا لأي مذهب، بل لأي مذهب طبيعي في ~~الفلسفة؛ فإدراك الارتباط المتبادل المنظم بين ظواهر الطبيعة يؤدي ~~بالعلم إلى إثبات وجود مثل هذا الارتباط المتبادل المنظم في جميع ~~المجالات، من حيث أوجهها العامة وتفاصيلها. ولكن من المستحيل ~~علينا، وسيظل من المستحيل دائما، الإتيان بتعبير علمي صحيح شامل ~~عن هذا الارتباط المتبادل، وصياغة صورة فكرية دقيقة لنظام العالم ~~الذي نعيش فيه. ولو أمكن في أي وقت من تطور البشر الوصول إلى نسق ~~نهائي كامل للارتباطات المتبادلة في العالم - المادي والذهني ~~والتاريخي أيضا - لكان معنى ذلك أن المعرفة البشرية قد بلغت ~~منتهاها، ولتوقف التطور التاريخي منذ اللحظة التي يصبح فيها ~~المجتمع متوافقا مع هذا النسق، وهي فكرة ممتنعة، ولغو محض؛ فكل ~~صورة ذهنية للنظام العالمي تحد موضوعيا وستظل تحد، بالمرحلة ~~التاريخية التي تمر بها، وذاتيا بالتركيب المادي والذهني ~~لصانعها. # الفلسفة الطبيعية: تركيب الكون والفيزياء والكيمياء # لقد تحدث الماديون قبل دورنج عن المادة والحركة، أما هو فيرد ~~الحركة إلى القوة ms194 الميكانيكية بوصفها صورتها الأساسية المزعومة، ~~وبذلك يصبح من المستحيل عليه فهم الارتباط الحقيقي بين المادة ~~والحركة، وهو الارتباط الذي كان بالفعل غامضا لدى جميع الماديين ~~السابقين عليه. ومع ذلك فالأمر بسيط إلى حد بعيد؛ فالحركة هي طريقة ~~وجود المادة، إذ لم توجد، ولا يمكن أن توجد في أي مكان، مادة بلا ~~حركة. فهناك حركة الفضاء الكوني، والحركة الآلية للكتل الصغرى ~~الموجودة على مختلف الأجرام السماوية، وحركة الدقائق التي تتخذ ~~شكل حرارة أو تيارات كهربية أو مغناطيسية، أو تفاعل أو تحلل ~~كيميائي، أو حياة عضوية، هذه كلها حركات تسري واحدة منها، أو كثرة ~~منها في آن واحد، على كل ذرة مادية في الكون. وكل سكون، وكل ~~توازن، إنما هو نسبي فحسب، ولا معنى له إلا بالنسبة إلى صورة محددة ~~ما للحركة؛ فالمادة بلا حركة، كالحركة بلا مادة، أمر يستحيل ~~تصوره، ولذلك فالحركة لا تقبل السكون والفساد، شأنها في ذلك شأن ~~المادة ذاتها. وكما قالت من قبل إحدى الفلسفات (فلسفة ديكارت)، ~~فإن كمية الحركة الموجودة في العالم تظل دائما على ما هي عليه، ~~وإذن فالحركة لا تخلق، وإنما يمكن أن تنقل فقط، وعندما تنقل ~~الحركة في جسم إلى آخر، فإنها تعد موجبة من حيث هي تنقل ذاتها، ~~وتكون علة للحركة، بقدر ما تكون هذه الأخيرة منقولة؛ أي سالبة. ~~وهذه الحركة الموجبة هي ما نسميه ب «القوة»، بينما السالبة هي ~~«مظهر القوة»، ومن هذا يظهر بكل وضوح أن القوة مساوية لمظاهرها؛ ~~لأن نفس الحركة هي التي تظهر في كليهما في واقع الأمر. # وعلى ذلك فإن القول بحالة ساكنة للمادة هو فكرة من أسخف الأفكار ~~وأكثرها امتناعا، وهو خيال هذياني محض. ومن الضروري للوصول إلى ~~فكرة كهذه، تصور التوازن الميكانيكي النسبي (وهو حالة يمكن ~~بالفعل أن يمر بها أي جسم على الأرض) على أنه سكون مطلق، ثم مد ~~هذه الفكرة إلى الكون بأسره. ولا شك أن مما ييسر ذلك إرجاع ~~الحركة الكونية إلى قوة ميكانيكية محض، كما أن قصر الحركة على ~~القوة الميكانيكية المحض ms195 له ميزة أخرى، هي إمكان تصور القوة على ~~أنها ساكنة ومتوقفة؛ أي على أنها قد شلت مؤقتا. أما عندما يكون ~~نقل الحركة عملية معقدة إلى حد ما، تنطوي على عدد من النقاط ~~الوسطى، كما يحدث في كثير من الأحيان، فعندئذ يصبح من الممكن ~~إرجاء النقل الفعلي إلى أية لحظة نشاء، عن طريق حذف الحلقة الأخيرة ~~في السلسلة. # فمن الممكن إذن أن نتصور أن المادة في حالتها الساكنة المماثلة ~~لذاتها كانت محملة بالقوة، ويبدو أن هذا هو ما يعنيه دورنج ~~بوحدة المادة والقوة الميكانيكية، إن كان يعني بذلك شيئا على ~~الإطلاق. على أن هذه الفكرة باطلة؛ لأنها تتناول حالة هي بطبيعتها ~~نسبية، وبالتالي لا تنطبق إلا على جزء واحد من المادة في الوقت ~~الواحد، فتنقلها إلى الكون وكأنها مطلقة. وقد يكون لنا أن نلف ~~وندور ما شاء لنا اللف والدوران، ولكننا سنعود دائما، إذا اتبعنا ~~طريق دورنج، إلى إصبع الله. ~~••• # إن صاحبنا الميتافيزيقي هذا ليجد في القول بأن مقياس الحركة إنما ~~يكون في ضدها، وهو السكون، عظمة في حلقه وعلقما في لسانه، فهذا ~~بالفعل تناقض صارخ، وكل تناقض هو في رأي دورنج لغو فارغ. ومع ذلك ~~فمن الصحيح أن الحجر المعلق، كالبندقية المحشوة، يمثل كمية ~~محددة من الحركة الميكانيكية، وأن هذه الكمية تقاس بدقة بوساطة ~~وزنه وبعده عن الأرض، وأن الحركة الميكانيكية يمكن أن تستخدم على ~~أنحاء شتى حسبما نشاء؛ أي في سقوطها المباشر، أو انزلاقها على سطح ~~مائل، أو في إدارة أسطوانة. فإمكان التعبير عن الحركة من خلال ~~ضدها؛ أي السكون، لا ينطوي على أية صعوبة على الإطلاق من وجهة ~~النظر الديالكتيكية. وما التناقض بأسره، بالنسبة إلى الفلسفة ~~الديالكتيكية، إلا شيء نسبي، فليس ثمة شيء اسمه السكون المطلق، ~~والتوازن غير المشروط. بل إن كل حركة مفردة تسعى إلى التوازن، ~~والحركة من حيث هي كل تضع حدا للتوازن. وعلى ذلك فعندما يحدث ~~السكون والتوازن، فإنهما يكونان نتيجة لحركة أوقفت، ومن الواضح أن ~~هذه الحركة قابلة للقياس في نتيجتها، ويمكن أن يعبر ms196 عنها من ~~خلال هذه النتيجة، وأن تستخلص منها ثانية بصورة أو بأخرى. غير ~~أن دورنج لا يمكنه أن يريح نفسه بقبول هذا العرض البسيط للمسألة؛ ~~فإخلاصه للميتافيزيقا يجعله يبدأ بحفر هوة لا قرار لها، ولا وجود ~~لها في الواقع، بين الحركة والتوازن، ثم يدهشه بعد ذلك أنه لا ~~يستطيع الاهتداء إلى أي جسر يعبر به هذه الهوة التي صنعها بنفسه. ~~وإنه لحري به، والحال هذه، أن يمتطي صهوة جواده الميتافيزيقي الهزيل، # 6 # ويتعقب «الشيء في ذاته» الكانتي، إذ إن هذا، ولا شيء ~~غيره، هو الذي يختبئ من وراء ذلك الجسر الذي لا يمكن الاهتداء ~~إليه. # الديالكتيك: الكم والكيف # من الصحيح أننا طالما كنا ننظر إلى الأشياء على أنها ساكنة لا ~~حياة فيها، وعلى أن كلا منها قائم بذاته بجوار الآخر ومن بعده، ~~فلن يعترضنا فيها أي تناقض. حقا إننا سنجد بعض الصفات التي يكون ~~منها ما هو مشترك بينها، ومنها ما هو متباين، بل متناقض، بين ~~الواحد والآخر، غير أن هذه الصفات تكون عندئذ موزعة بين أشياء ~~مختلفة، وبذلك لا تنطوي على تناقض. وفي حدود هذا المجال يمكننا أن ~~نظل نسترشد بالطريقة الميتافيزيقية المعتادة في التفكير. ولكن ~~الوضع يختلف تماما حالما نتأمل الأشياء في حركتها، وتغيرها، ~~وحياتها، وتأثيرها المتبادل بعضها في البعض؛ ففي هذه الحالة نصادف ~~التناقض على التو. بل إن الحركة ذاتها تناقض؛ فأبسط تغيير ميكانيكي ~~للمكان لا يمكن أن يحدث إلا عن طريق جسم يكون في نفس الآن في مكان ~~ما، وفي مكان آخر معا، ويكون موجودا وغير موجود في المكان ~~الواحد. وما الحركة ذاتها، إلا تأكيد مستمر لهذا التناقض، ورفع له ~~في الوقت ذاته. # فإذا كان التغير الميكانيكي البسيط للمكان ينطوي على تناقض، فإن ~~هذا يصدق بالأحرى على الصور الأعلى لحركة المادة، ولا سيما الحياة ~~العضوية ونموها. ولقد رأينا من قبل أن قوام الحياة إنما هو أن ~~يكون الشيء الحي ذاته وشيئا آخر في كل لحظة. فالحياة إذن تناقض ~~بدورها، وهي تناقض يتمثل في الأشياء والعمليات ذاتها، ms197 ويؤكد ذاته، ~~ويرفع ذاته على الدوام، وحالما يتوقف التناقض، تنتهي الحياة ذاتها، ~~ويقبل الموت. وقد رأينا كذلك أننا لا نستطيع تجنب التناقض في ~~مجال الفكر أيضا، وأن التناقض الموجود بين قدرة الإنسان على ~~المعرفة، وهي محدودة بطبيعتها، وبين تحققها الفعلي في الناس، ~~الذين تحد من معرفتهم الظروف الخارجية، وكذلك قدراتهم العقلية ~~الخاصة، يرفع عن طريق ما نعده، في رأينا على الأقل، ومن وجهة نظر ~~عملية، تعاقبا لا نهاية له للأجيال التي تسير في تقدمها إلى ما لا ~~نهاية. # وقد انتهى ماركس في ص336، # 7 # بعد تحليله السابق لرأس المال والقيمة الفائضة ~~الثابتين والمتغيرين، إلى النتيجة الآتية: «ليس كل مبلغ من ~~المال، أو من القيمة، قابلا للتحويل كما نشاء إلى رأسمال، بل إنه ~~لا بد لإحداث هذا التحويل من افتراض وجود حد أدنى معين من المال، ~~أو من القيمة التداولية، بين يدي مالك المال أو السلع». # وهو يضرب بعد ذلك مثلا بحالة عامل في أي فرع من الصناعة، يعمل ~~ثماني ساعات لنفسه - أي في إنتاجه لقيمة أجره - ويعمل الساعات ~~الأربع التالية لصاحب رأس المال، في إنتاج قيمة فائضة، تنساب فورا ~~إلى جيب صاحب رأس المال. في هذه الحالة يكون على صاحب رأس المال أن ~~يملك كمية من القيمة تكفي لتمكينه من إمداد عاملين بالمواد الخام ~~وأدوات العمل والأجور، لكي يستطيع أن يحصل كل يوم على كمية من ~~القيمة الفائضة تمكنه من أن يعيش عليها في نفس مستوى عامليه على ~~الأقل. ولما كان هدف الإنتاج الرأسمالي ليس مجرد العيش الضروري، ~~وإنما زيادة الثروة، فإن صاحبنا هذا لن يكون بعامليه رأسماليا. ~~ولكي يعيش على مستوى أفضل مرتين من العامل العادي، ويخصص نصف ~~القيمة الفائضة الناتجة ليستخدمها رأسمال، فعليه أن يوظف ثمانية ~~عمال؛ أي إن عليه أن يملك أربعة أمثال القيمة المذكورة من قبل. ~~وبعد هذا فقط، ومن خلال شروح أخرى أوضح بها ماركس وأثبت أنه ليست ~~كل كمية صغيرة من القيمة كافية للتحول إلى رأسمال، وإنما يتفاوت ~~الحد الأدنى اللازم تبعا لكل مرحلة ms198 في التطور ولكل فرع في ~~الصناعة. بعد هذا فقط يلاحظ ماركس أنه «هنا» كما في العلم الطبيعي، ~~تحقق صحة القانون الذي اهتدى إليه هيجل (في كتابه «المنطق»)، ~~والقائل إن التغير الكمي وحده يتحول بعد نقطة معينة إلى فروق ~~كيفية.» # الفصل العاشر # | الخلاص بلا مخلص # فريدرش نيتشه (1844-1900م) # لو كان قد أجري استفتاء بين الفلاسفة المحترفين قبل الحرب العالمية ~~الثانية عما حققه فردريش نيتشه، لانعقد الاتفاق على الأرجح، في ~~البلدان الناطقة بالإنجليزية على الأقل، على أنه «فيلسوف أدبي» رائع، ~~ولكنه يفتقر إلى الشعور بالمسئولية، وينبغي ألا يفرط المرء في أخذ ~~أفكاره المثيرة مأخذ الجد. وقد أعرب «سانتيانا» عن الرأي السائد عندما ~~تحدث في كتابه «الأناتية» ( # Egotism ~~) ~~في الفلسفة الألمانية، عن «البلاهة العبقرية» وعن «التجديف الصبياني» ~~عند نيتشه. ولخص برتراند رسل، في كتاب متأخر إلى حد ما، هذا الرأي ~~بقوله إن نيتشه «لم يخترع نظريات جديدة، بالمعنى الدقيق، في ميدان ~~الأنطولوجيا (مبحث الوجود)، وتنحصر أهميته في ميدان الأخلاق أولا، ~~وبوصفه ناقدا تاريخيا دقيقا ثانيا.» وفيما يتعلق بتأثير نيتشه ~~يضيف إلى ذلك أن أتباعه «كان لهم وقتهم، ولكن لنا أن نأمل في أن تكون ~~النهاية مقتربة بسرعة.» # وقد ثبت في هذه الحالة أن قدرة رسل على التنبؤ كانت ضعيفة إلى أبعد ~~حد، ولكنه أثار بطريقة ضمنية سؤالا يتغلغل في أعماق المشكلة ~~المتعلقة بمعنى فلسفة نيتشه: فمن هم أتباعه الحقيقيون؟ لقد كان ~~الاتجاه السائد وقتا ما هو النظر إليه على أنه قد استبق الأيديولوجيات ~~اللاعقلية الممجدة للقوة، والتي بلغت قمتها في الفاشية والنازية. وقد ~~اعترف موسوليني صراحة بإعجابه بنيتشه، كما أن الكثيرين قد تنبهوا ~~إلى وجود أوجه شبه، سطحية على الأقل بين انقلاب القيم عند نيتشه، بما ~~يتسم به من طابع مضاد بعنف للتحررية والديمقراطية، وبين عقيدة القوة ~~والمصير النازية. ورغم ما كان لهذه الارتباطات السيئة من تأثير مدمر ~~في سمعة نيتشه، فليس من الممكن استبعادها والاستخفاف بها بسهولة؛ ~~فكلمات نيتشه، إن لم تكن أفكاره، حافلة بالقسوة، وبغضه الواضح «للقطيع» ~~أشد مرارة من بغض ms199 «سوفت # Swift ~~» له. ~~ولا شك في أن هناك نيتشه آخر، لا يظهر بوضوح، يميز بين عدو المسيح ~~وعدو المسيحية، وكان خليقا بلا شك بأن يشمئز من قسوة النازية، أو على ~~الأقل من سوقيتها. غير أن امتداحه «للفضائل» العسكرية كان صادقا، ~~وهجومه المندفع على «حزب الإنسانية» يتردد مرارا في كل مكان من ~~مؤلفاته. # ومع كل هذا فإن لفلسفة نيتشه أوجها عديدة تتعارض بوضوح مع النازية، ~~ومن المستحيل أن يعد مسئولا عن جميع الآثام التي ارتكبت باسمه؛ فهو ~~قطعا لم يكن من المعجبين، ب «الروح» الألمانية أو القومية الألمانية. ~~ورغم أنه كان من أنصار السلطة المفروضة، # 1 # فقد عارض عقيدة تسلط الدولة، وكان ينظر إلى نفسه دائما ~~على أنه «أوروبي صالح»، على عكس معظم معاصريه من الألمان. وكان يبغض ~~«أخلاق العبيد»، التي اعتقد أن أصلها يرجع إلى الشعب اليهودي. ولكن هذا ~~هو الأساس الحقيقي لكراهيته المزعومة للسامية. وكان يعجب كثيرا ب ~~«الرجال العظماء» مثل نابليون، ولكن السبب الرئيسي لهذا الإعجاب هو أنه ~~كان يرى فيه رمزا رومانتيكيا للوثوق الباطن من الذات، ولحرية العمل ~~الخارجية، في عصر كان فيه الوثوق والحرية يتزايدان استحالة. وفضلا عن ~~ذلك فإني مقتنع بأن مثله الأعلى «الإنسان الأرقى»، هو أقرب إلى الفنان ~~المبدع أو النبي الديني منه إلى باني الإمبراطوريات. # وقد ظهرت منذ الحرب العالمية الأخيرة موجة أخرى من الاهتمام بفلسفة ~~نيتشه، صدرت من جهات أكثر عطفا عليه. ومنذ ظهور الوجودية أصبح من ~~الشائع تمجيده، هو وكيركجورد، بوصفه واحدا من أهم الممهدين لهذه ~~الفلسفة المفرطة في نزعتها الفردية. وهكذا ينمو الآن اتجاه أقوى ميلا ~~إلى تفكير نيتشه. وقد أخذت وجهة النظر هذه تستعيض عن الصورة التي كانت ~~مرسومة له، وهي صورة آكل النار الذي يفتقر إلى النضج والتوازن، والذي ~~استخدم قلمه بديلا لسيف عجز عن حمله، بصورة أخرى يظهر فيها منعزلا ~~مغتربا، يشغل سخف حياة الإنسان كل تفكيره، ويشعر على نحو أعمق من أي ~~من معاصريه بأنه يعيش «في نهاية العالم». وهنا أيضا يطلب إلينا أن ~~نعده أول ms200 فيلسوف، منذ هيوم، أدرك «في قرارة نفسه» عدم وجود ارتباطات ~~ضرورية بين الأمور المنتمية إلى مجال الواقع، وواجه بحسه وعقله الحقيقة ~~القائلة إن الوجود حافل بالسخف والامتناع. # وقد كثر الحديث في هذه الأيام عن قدرة نيتشه في ميدان «علم النفس ~~المتعمق»؛ فقد اعترف نيتشه، مثل شوبنهور، الذي كان له تأثير عظيم في ~~تفكيره، بمدى ضآلة الدور الذي يقوم به الاختيار الواعي والتفكير ~~الواقعي في تحديد الأفعال البشرية. كما أدرك مدى تحكم تجارب الخيبة ~~والقلق العميقة الغور، والتي لا يشعر بها الفرد عادة، في اتجاهاته ~~الأيديولوجية، الدينية منها والسياسة. وعرف نيتشه، على نحو أفضل كثيرا ~~من أي مفكر سبقه، تلك الطرق التي لا تعد ولا تحصى، التي يمكن بها ~~استخدام الرموز الانفعالية في التحكم في الاتجاهات البشرية وتسييرها. ~~بل إنه كان أكثر فلاسفة القرن التاسع عشر إدراكا للخطر الكامن في حياة ~~العقل، وللأقنعة الرمزية الهائلة العدد التي يمكن أن يرتديها اللاعقل. ~~وإذا بدا أحيانا أنه يقع في حب كشوفه الخاصة، ويجد لذة غير مألوفة في ~~إبداء احتقاره لمخلوق يمكن أن تخدعه انفعالاته على أنحاء شتى إلى هذا ~~الحد، فإنه إنما يكشف في سلوكه عن بعض الصفات التي قد تساعدنا فلسفته ~~ذاتها على فهمها؛ فالواقع أن نيتشه ذاته كان ضحية تعسة لبعض من تلك ~~العلل النفسية والاجتماعية التي فعل هو ذاته الكثير للكشف عنها. ~~والعجيب في الأمر أنه، مع مرضه، قد استطاع الغوص إلى مثل هذا العمق من ~~وراء الأقنعة التي يستخدمها الناس لإخفاء وحدتهم وخيبتهم. # ولم ينجح نيتشه أبدا في وضع مذهب فلسفي؛ ولذا يبدو أن من الخطأ في ~~نظري أن نحاول وصف فلسفته المعقدة الغامضة بالطريقة المعتادة، وعلى ~~ذلك فسوف أتبع طريقة مختلفة إلى حد ما في تحديد معالم هذه الفلسفة؛ ~~فسوف أبدأ بإجراء عدد من المقارنات بين نيتشه وبين الفلاسفة الآخرين ~~الذين بحثناهم، حتى أوضح بعضا من السمات البارزة لطريقة تفكيره، ثم ~~أخلص من ذلك إلى بعض الملاحظات العامة حول موقعه الفلسفي ~~التاريخي. # ولنبدأ أولا بمقارنته بهيجل؛ ففي كلتا ms201 الحالتين نجد الأسلوب دالا ~~على الفيلسوف. ولو أجرينا مقارنة سطحية، لبدا أنهما على طرفي نقيض. ~~فإذا كانت هناك كلمة واحدة تصف أسلوب هيجل، فهي أنه «معتم»؛ إذ رفض ~~مذهب ديكارت في «الأفكار الواضحة والمتميزة»، ولم يثق بقدرة اللغة ~~المعتادة على التعبير عن أفكاره، فكتب بطريقة ثقيلة مركزة، محملة ~~بالمصطلحات وبالعبارات الوصفية التي كثيرا ما تعقد أفكاره دون أن ~~تلقي عليها مع ذلك مزيدا من الضوء. أما نيتشه، فيكتب بطريقة تختلف ~~تماما عن طريقة «الفيلسوف المدرسي»؛ فهو أستاذ في استخدام اللغة ~~المعتادة للتعبير عن كل ما يريد قوله. وهو يتحدث بأسلوب صادق غير ~~متكلف، وفي فقرات منفصلة، وتحتشد مؤلفاته باستعارات وتشبيهات رائعة ~~يبدو أن دلالتها تزداد، بطريقة غامضة، كلما أمعن المرء تفكيره فيها. ~~وهو، مثل هيجل، أستاذ في التهكم والمعارضة. ولكن إذا كانت معانيه ~~الكامنة بدورها بعيدة المنال، فإن الوجه الظاهر من نثره، على خلاف ~~هيجل، واضح إلى أبعد حد. وحيثما يتحدث هيجل بطريقة لا شخصية ~~و«موضوعية» إلى حد يكاد يكون مضحكا، فيخفي ذاته من وراء قناع من ~~المعرفة التاريخية الشاملة، نجد نيتشه يتحدث دائما عن نفسه ويمجد ~~ذاتيته. ولقد كان «حسه التاريخي» مرهفا بقدر ما كان حس هيجل على ~~الأقل، ولكنه اتصف بميزة استثنائية لم تتوافر لهيجل، وهي تطبيق هذا ~~الحس التاريخي على نفسه؛ فهو لا ينسى أبدا، ولا يدع قراءه ينسون ~~موقعه التاريخي المتأرجح الغامض. وهو أيضا يدرك بوضوح نقط الضعف في ~~الحس التاريخي، كميله مثلا إلى الاستعاضة عن الاختيار والمسئولية ~~الأخلاقيين بنوع من التمثيل الخيالي للأفعال الماضية، وهروبه من ~~المصير الوجودي للحياة البشرية، وانحلاله. وأخيرا، فإن نيتشه، على ~~خلاف هيجل، ليس فيلسوفا فحسب، بل إن كتابه «هكذا تكلم زرادشت» من أعظم ~~الأشعار الفلسفية في الأدب الغربي. # ولقد كان موقف نيتشه المعقد من المسيحية والمسيح حافلا بالتضارب ~~مثله في ذلك مثل هيجل؛ فقد تمكن هيجل، كما رأينا، من القيام بنوع من ~~التوفيق الروحي مع المسيحية عن طريق تفسيره التاريخي والرمزي الخاص ~~لها. أما نيتشه فلم يكن في ذهنه مكان ms202 لروحية هيجل شبه المسيحية. ~~حقا إن هيجل قال إن «الله قد مات»، ولكن نيتشه كان يؤمن بذلك؛ ~~فإلحاده كان عقليا وعاطفيا؛ فليس الله غير موجود فحسب، بل إنه قد ~~مات. وهكذا يتساءل زرادشت بلسانه: «إن كان ثمة آلهة، فكيف كنت أطيق ~~ألا أكون إلها؟ لذلك، فليس ثمة آلهة.» غير أن رفض نيتشه للمسيحية لا ~~يستتبع إنكار وجود الله فحسب، وإنما هو يعارض بعنف المسيحية التاريخية، ~~التي يعتقد أنها عممت أخلاق العبيد الموروثة عن اليهود، ووقفت في ~~جميع المراحل حجر عثرة في وجه التنوير العقلي والحرية الروحية. # ولقد قيل إن نيتشه لم يعد نفسه معاديا للمسيح بقدر ما عد نفسه ~~معاديا للمسيحية، وإن عدوه الحقيقي هو بولس، الذي جعل من سيده معلما، ~~وأحال أساطيره الطريفة إلى لاهوت منظم. وهكذا قيل إن ما كان نيتشه ~~يعترض عليه بحق، هي أخلاق الخدمة الداعية إلى الطبية، والتواضع الكاذب ~~والإحسان اللذان يتوجان بوصفهما أعلى الفضائل المسيحية؛ فهي مليئة ~~بالمتناقضات الغريبة، وتنادي بأن خلاص البشر لا يتحقق إلا بالعزوف ~~والتضحية والعذاب. وهنا يبدو نيتشه في صورة شخص يقسو لكي يكون رحيما، ~~ولا هدف له إلا طرد تجار المال والمنافقين من المعبد، وقتل أفعوانات ~~التكاسل الروحي، والتهاون، والجري السوقي وراء اللذة، كما فعل المسيح ~~ذاته. بل إن في وسعنا أن نمضي خطوة أخرى أبعد من ذلك، ونصف فكرة العود ~~الأبدي، التي قال بها نيتشه، بأنها لا تعدو أن تكون تحويرا طفيف ~~الاختلاف لفكرتي التجسد والبعث المسيحيتين. # هذا كله ممكن، ولكنه لا ينبغي أن يدفعنا إلى إنكار بغض نيتشه ~~للمسيحية وجميع ثمارها الروحية. ولست أعتقد أن معارضة نيتشه للمسيحية ~~كانت أخلاقية فحسب، كما قال برتراند رسل. إنها أخلاقية قطعا، ولكنها ~~تتجاوز ذلك بكثير؛ فمن وراء حملته على أخلاق الحب الأخوي، ومن وراء عدم ~~إيمانه بالمسيح بوصفه مخلصا، يكمن عدم إيمانه، من حيث هو فيلسوف، ~~بوجود إله متجسد يدخل، على نحو يحتشد بالتناقض، في مجرى التاريخ، ~~ويتدخل في مصائر البشر ويتحكم فيها، ويضمن للناس بعث أجسادهم في ~~الآخرة. وهنا ms203 أيضا يقول زرادشت: «إني لأبتهل إليكم، أيها الأخوة، أن ~~تظلوا مخلصين للأرض، وألا تصدقوا من يحدثكم عن آمال تعلو على ~~الأرض! إنهم ينفثون السم، سواء أكانوا يعلمون ذلك أم لا ~~يعلمونه.» # كذلك قد يساعد إجراء بعض المقارنات بينه وبين ماركس في تحديد موقع ~~فلسفته؛ فكلاهما يؤمن بالمذهب الطبيعي، وكلاهما يألو على نفسه، إلى حد ~~معين، أن يفسر العالم الطبيعي وموقع الإنسان في الطبيعة تفسيرا ~~علميا. ولقد كاد نيتشه أن يكون، مثل ماركس، رومانتيكيا رغم أنفه، ~~وهو يشبه ماركس في احتقاره للتفكير الغيبي اللاعقلي، ولجهالة العصور ~~الوسطى، وللابتعاد عن التنوير، وهي كلها صفات لبعض أوجه رومانتيكية ~~القرن التاسع عشر. غير أنه يدرك بوضوح تام، كما أدرك ماركس، مدى التغير ~~الذي لحق مصير الإنسان في القرن التاسع عشر منذ «الأيام الجميلة ~~الغابرة»، أيام موتسارت وفولتير وهيوم. ورغم حنينه إلى عصر التنوير، ~~فإنه يدرك أن مثل ذلك العصر لا يمكن أن تكون مثله هو. وهو يشعر ~~بالمرارة نتيجة لإدراكه ذلك. وهكذا أضفى عليه الحس التاريخي شعورا ~~بالأسى أعمق مما كان لدى ماركس، بل لدى هيجل نفسه؛ فرغم روح الظفر ~~الفياضة التي يتصف بها زرادشت، فإن نيتشه لم يشارك ماركس تأكيده الجاد ~~القائل إن التطور التاريخي للبشر، رغم كل ما فيه من منازعات دموية ~~وضياع، إنما هو مسار قهري نحو المجتمع الفاضل. # ولقد كان نيتشه أصدق تنبؤا بكثير من ماركس؛ فقد تكهن بظهور جيل ~~جديد من الطغاة، الذين سيستغلون، بشيء من الهزء، مخاوف الجماهير ~~وافتقارها إلى الأمان؛ لكي يوجهوهم كيفما شاءوا عن طريق أساطير ~~اجتماعية محكمة. كما تنبأ، ببصيرة نادرة، بأن المثل الأعلى الذي رسمه ~~هيجل للدولة سينحدر إلى مثل أعلى لدولة سوقية تمجد الثراء، ولا هدف ~~لها إلا الحرب «ثم الحرب». # 2 # ولكنه يعد الاشتراكية مجرد تطور آخر الأخلاق القطيع ~~الديمقراطية النفعية، وهي الأخلاق التي يعدها أول نتيجة دنيوية للمسيح. ~~«ومن الطريف أن نقارن بينه وبين هربرت سبنسر في رأيه هذا في ~~الاشتراكية»؛ فالاشتراكية في رأي نيتشه ليست مذهبا تحرريا مجددا ~~على الإطلاق، ms204 بل إنها تدعو إلى المزيد مما هو موجود فحسب. وهو يرى أن ~~ما هو مطلوب ليس مجرد إعادة تنظيم لوسائل الإنتاج أو إصلاح عام للأشكال ~~السياسية الديمقراطية القائلة بمذهب الحرية، وإنما هو إعادة تقويم ~~شاملة للقيم، ترفض صراحة أخلاق خدمة الغير بأسرها، وهي الأخلاق التي ~~ترتكز عليها الاشتراكية ومذهب الحرية معا. # ويشترك نيتشه مع ماركس في كثير من آرائه حول الشرور المتأصلة في ~~الحياة الاجتماعية والسياسية الحديثة، غير أن تشخيصه وعلاجه كانا معا ~~مختلفين تمام الاختلاف؛ فمن الملاحظ أولا أن التفكير بطريقة مادية، ~~من خلال الأساليب الاقتصادية للإنتاج، والصراع المنظم بين الطبقات، ~~كان غريبا عن ذهن نيتشه إلى حد بعيد. وهو لا يؤمن على الإطلاق ~~بالفضيلة الكامنة في العمل الجماعي وفي الإخاء الاجتماعي. كما أنه لا ~~يعبأ كثيرا بأي حل اقتصادي أو سياسي في أساسه لمشكلة حرية الإنسان ~~وإبداعيته المفقودة. وربما كان نيتشه أكثر المفكرين كراهية لكل ما ~~هو جماعي في تاريخ الفلسفة الحديثة. ومن هنا لم يكن من قبيل المصادفة ~~أن يكون الرمز المعتاد الذي أشار به إلى الجماهير هو «القطيع». والحق ~~أن الخوف الذي ملأ قلبه من أن يطأه القطيع بأرجله، والرعب الانطوائي من ~~أن تطغى عليه الحياة اللاشخصية الجماعية الحديثة، هو الذي يتخذ له ~~رمزا عكسيا في دعوته إلى إرادة القوة؛ فالقوة ترمز عند نيتشه، كما ~~ترمز عند اسبينوزا، إلى تقرير المرء لمصيره. وهي تعني بالنسبة إليه أن ~~تفعل، وتكون قادرا على أن تفعل ما تريد، لا ما تعده طبقة معينة أو ~~نظام معين أو إرادة عامة «خيرا» لك؛ ففي رأي نيتشه أنه طالما ظل ~~الفرد غارقا في نسيج من الطقوس الجماعية والقواعد الاجتماعية ~~اللاشخصية الرتيبة، فإن أي تدخل في النظام السياسي أو الاقتصادي يترك ~~المصير الأساسي للحياة الحديثة كما هو، دون أن يمسه، مهما أدت تلك ~~الطقوس والقواعد إلى ما يسمى ب «الرخاء» العام. # ولقد كان «مل» من الفلاسفة الذين كان نيتشه يحب دائما إبداء عدائه ~~لهم؛ فقد احتقر نيتشه فلسفة المنفعة التي أسماها ب «فلسفة ms205 الخنازير»، ~~وكان هذا المذهب في نظره دعوة تتسم بالحرص الممزوج بالجبن إلى تحقيق ~~منافع مادية جماعية، لا تصلح إلا لمجتمع من أصحاب الحوانيت العمليين، ~~وذلك طبقا لتصوره للبريطانيين. وقد أطلق على مل اسم «الغبي» وجهر ~~باشمئزازه من «سوقية ذلك الرجل»، ولكن الواقع أن اختلاف نيتشه عن مل ~~كان أقل مما تصور؛ فقد اشتركا معا في ميلهما إلى النزعة الطبيعية، ~~وإلى العلم في حدود معينة. ولم يكن هناك اختلاف كبير بين موقفيهما من ~~الكنيسة وأخلاقها العزوفية المتعلقة بعالم آخر. ولم يكن مل يقل عن ~~نيتشه سخطا على ما تجلبه النظم الديمقراطية الاجتماعية والسياسية من ~~نتائج تبدو محتومة فيها ضعة وإملال واطراد. كما أن مشكلة تحرر ~~الإنسان في العالم الحديث لم تكن تقف، في رأي مل أيضا، عند حد مسألة ~~الحريات المدنية، بل كانت تعني عنده، كما كانت تعني عند نيتشه، قدرة ~~الفرد على إكمال ذاته، وتحقيق أعلى قدراته من حيث هو إنسان. ويبدو لي ~~أن لغتهما، لا معناها الأساسي، هي التي كانت مختلفة تماما. وفضلا عن ~~ذلك فإن كراهية نيتشه الأرستقراطية للمعايير الكمية الخالصة للكمال، ~~لها ما يقابلها عند مل في تفضيله لفكرة «الحكام العدول»، بوصفهم ~~معيارا مستقلا للقيمة. # ولكن، رغم اشتراكهما في الرغبة في إنقاذ ما أطلق عليه «مانيو أرنولد # Matthew Arnold ~~» اسم «البقية ~~الاستثنائية»، فإن هذا يقابله عند مل، وليس عند نيتشه، تعاطف عميق مع ~~القطيع؛ ولذلك لم يشعر مل بأي ميل إلى التخلي عن ولائه للمثل العليا ~~الديمقراطية السياسية من أجل إنقاذ القيم الأرستقراطية، قيم الذوق، ~~والجدارة الشخصية، والامتياز الفردي؛ فالمجتمع الفاضل ينبغي في رأيه أن ~~يشمل الاثنين معا؛ ذلك لأنه إذا كانت الأخلاق عند مل أكثر إنسانية، ~~فإن نيتشه أقوى شعورا بصعوبة التوفيق بين أخلاق الرخاء وبين أخلاق ~~الكمال الذاتي للأفراد «الأرقى» أو «الحكام العدول». وكان يعتقد أن من ~~الضروري القيام باختيار بين الأمرين اللذين حاول مل أن يجمع بينهما. ~~ولا شك في أن قراره النهائي بينهما واضح تماما. ولعله كان خليقا بأن ~~يقول إن الأخلاق عند ms206 مل؛ إذ تحاول الجمع بين رفاه المجموع وكمال ~~الفرد، تغدو مزجا مختلطا عقيما بين مثل لا تقبل التوفيق بينها. ~~أما بنتام فكان على أية حال خصما متسقا مع نفسه، وعلى استعداد تام ~~لتحمل نتائج معاييره الكمية المحض؛ فبنتام هو القائل إنه إذا كان في ~~لعبة الكرة من اللذة قدر ما في الشعر، فإنها تعادله من حيث هو خير، ~~وهذا كل ما في الأمر. ولا شك أن الرد الممكن لمل على ذلك هو أنه ليس ~~ثمة تحقيق ذاتي دون حب، ولا سعادة عامة إذا كان فيها تجاهل للفروق ~~الكيفية بين أنواع الخير البشري. # أما الصلات بين نيتشه وبين شوبنهور، فإنها أوضح ظهورا. # فقد كانت الاستعارة الرئيسية في فلسفة نيتشه، وهي إرادة القوة، ~~تعديلا، من خلال دارون، لإرادة الحياة عند شوبنهور. والواقع أن نيتشه ~~قد تصور «الصراع من أجل الوجود» على نحو أكثر حرفية مما تصوره ~~دارون. فهذا الصراع في نظره مجهود مستمر، فيه تناحر ووحشية، لا من أجل ~~الحياة فحسب، كما ظن شوبنهور، وإنما من أجل السبق أيضا. وفضلا عن ذلك ~~فإن نظرة نيتشه إلى الإرادة كانت أقل ميتافيزيقية من نظرة شوبنهور ~~إليها. فالإدارة عنده تتعلق بالفعل قبل كل شيء، وليست المسألة في نظر ~~نيتشه مسألة إرادة «حرة»، وإنما مسألة إرادات أقوى وأضعف. ولقد حاول ~~شوبنهور - وربما كان في ذلك غير متسق مع نفسه - أن يجعل الإرادة تنقلب ~~على ذاتها، بحيث نظر إلى الحياة الصالحة على أنها حياة التأمل المتحرر ~~من الإرادة. أما نيتشه، فقد أدرك ما في هذا الموقف من افتقار إلى ~~الاتساق، ورأى أن من المسلم به كون الإرادة كامنة في كل حياة، ~~وكونها باقية ما بقيت الحياة. ولذلك فالمسألة عنده لا يمكن أن تكون ~~مسألة إنكار للإرادة أو تجاوز لها، وإنما السؤال الوحيد هو: أية إرادة ~~هي التي ستسود؟ وهذه في رأيه مسألة قوة فحسب. # ومع ذلك، فهل كان الأمر كذلك حقا، حتى بالنسبة إليه؟ لقد قيل ~~مرارا إن نيتشه، شأنه شأن جميع القائلين بالنزعة الطبيعية، يشوه ~~التمييز ms207 بين ما هو موضوع للإرادة وما هو جدير بالرغبة فيه؛ أي الخير، ~~وإنه ينتقل من واقعة وجود إرادة القوة، إن كانت فعلا موجودا، إلى ~~تمجيدها، دون أي تبرير ظاهر لهذا الانتقال. وهذا صحيح شكليا، وهو ~~يوقع نيتشه في نفس المأزق الذي وقع فيه السفسطائي ترازيماخوس في ~~«جمهورية» أفلاطون؛ فهو يعترض على أخلاق العبيد المسيحية بأنها تكبل ~~الأقوياء بالحديد. ولكن من هم الأقوياء في حقيقة الأمر؟ إن الأخلاق ~~المسيحية والنظم الديمقراطية كما يصفها نيتشه، هي حيل تنظم بها إرادات ~~الكثرة المتصفة بالضعف الفردي في إرادة جماعية عظمى تكبت الإرادات ~~الأقوى لمن هم أرفع من هذه الكثرة. وهنا يبدو أن نيتشه يعترف، دون ~~تنبه، بالحقيقة المرة للمبدأ القائل إن «الاتحاد قوة»، وهكذا قد يقول ~~البعض إنه كان من واجبه، بوصفه محبا للقوة على الدوام، أن يعجب ~~بالأخلاق المسيحية والمبادئ السياسية الديمقراطية أكثر من إعجابه ~~بإنسانه الأرقى وبمثله العليا السياسية للصفوة الأرستقراطية. والواقع ~~أن نيتشه يعجب بالقوة، ولكن عندما يملكها أناس أرقى فحسب، لا عندما ~~يستخدمها القطيع ليقيد بها من هم أرقى منه. # وقد صنف نيتشه أحيانا بأنه دارويني اجتماعي، أحال الصراع من أجل ~~الوجود إلى حكمة أخلاقية. ولكن الواقع أن فكرة الإنسان الأرقى عند ~~نيتشه لا تكون نظرية تطورية إلا إذا نظر إليها نظرة سطحية، فما ~~تتنبأ به هذه الفكرة بالفعل ليس نوعا بيولوجيا جديدا، وإنما هو ~~نوع جديد من الإنسان، يدرك قدرته الخاصة على العلاء على ذاته، ويطالب ~~لنفسه ولكل الأناس الراقين من أمثاله بحق العلاء على أنفسهم وتحقيق ~~ذواتهم. فمذهبه هو قبل كل شيء دعوة أخلاقية أو دينية إلى العمل، وهو ~~ينطوي على مناشدة لذوي القدرات الرفيعة بأن يعلوا بالجهد الصارم ~~والتضحية فوق مستوى تراثهم الحيواني من الاستجابات المنعكسة الغريزية، ~~وتراثهم الاجتماعي من الخضوع للنظم السائدة بطريقة رتيبة كطريقة ~~القطعان. وبالاختصار، فنيتشه لم يكن يهتم جديا بالمسألة العلمية ~~المتعلقة بإمكان حدوث تطور لنوع جديد من بعد نوعنا «الآدمي العاقل»، ~~وإنما كان يهتم بالإمكانيات الروحية لهذا «الآدمي العاقل» ذاته. # وأعتقد أن ms208 من الإجحاف أن نقول إن نيتشه، الذي كان أبوه قسيسا، قد ~~ظل طوال حياته واعظا غير متخصص يسير في الطريق البروتستانتي ~~التقليدي للفردية غير الخاضعة للنظم السائدة. على أن العقيدة التي يعظ ~~بها هي في أساسها إمكان الخلاص الفردي دون مخلص. وإنا لنلاحظ، بين ~~المثقفين المستنيرين الذين يتعين عليهم، في عصر علمي، أن ينظروا إلى ~~العالم من خلال النزعة الطبيعية، أن الأركان الأساسية للأسطورة ~~المسيحية لا تعود لديهم قابلة للتصديق، وأن هذه الأسطورة، كما ينبغي ~~أن يعترف دعاة المسيحية «المتحررة» صراحة، قد فقدت أخيرا قوتها ~~المخلصة. أما أولئك الذين يسعون، مثل هيجل، إلى الاحتفاظ بالفضل ~~الإلهي المخلص في المسيحية، مجردا من جذوره في الإيمان والأمل ~~البشري الدافق، فهم إنما يخدعون أنفسهم؛ وكل ما يصلون إليه هو إرجاء ~~ظهور الإلحاد النزيه. # وليس معنى ذلك أن نيتشه، حين كف عن أن يكون مسيحيا، قد تمكن ~~آليا من أن يطرح عن عاتقه الحاجات التي دعمت أسطورة البعث لدى عدد لا ~~يحصى من الناس. فالمسألة هي: كيف يتسنى تلبية هذه الحاجات في إطار ~~نظرة إلى العالم من خلال النزعة الطبيعية، لا تستطيع أن تنسب إلى ~~الأسطورة المسيحية فضل التنبؤ، ولا فضل النبوءة الرمزية؟ لقد ظن نيتشه ~~أنه اهتدى إلى الجواب في مذهب قديم هو العود الأبدي. ولقد رأينا كيف ~~لمح هربرت سبنسر من بعيد إلى هذه الفكرة في نظريته شبه الدائرية ~~للتكامل والتحلل التطوريين، غير أن سبنسر لم يستخدمها دينيا. أما ~~في حالة نيتشه، فقد كانت الفكرة في أساسها تصورا دينيا للخلود ~~الفردي؛ ففي رأيه أن كل فرد يمر في كل لحظة بدورة من الفاعلية أبدية ~~العود، وإذن ففي كل شيء يفعله الفرد أو يمارسه، يكون هذا الفرد ذاته ~~حاضرا أبدا. فما يهم الشخص الفردي، من وجهة نظر نيتشه، ليس الخلود ~~اللاشخصي الذي يتمثل في الشهرة أو التأثير في حياة الناس الذين لم ~~يولدوا بعد، وإنما خلوده الشخصي هو ذاته، وهو لا يقنع بأن أناسا ~~سيحيون حياة مماثلة لحياته في المستقبل، أو بأن آخرين ms209 سيتمكنون، ~~بفضل جهوده، من الإيمان بأعز القيم لديه، وإنما يطلب أن يظل وعيه هو ~~ذاته مستمرا على الدوام بطريقة ما. فإذا كانت النظرة إلى العالم ذات ~~نزعة طبيعية، فمن المحال تلبية هذه الحاجة إلا عن طريق مذهب للعود ~~الأبدي تعود فيه من جديد، مرات لا متناهية، دورة الحياة ذاتها. # فإذا ما سألت عن الأدلة التي يقدمها نيتشه لمثل هذه النظرية، كان ~~الجواب، لا شيء. # 3 # غير أن النظر إلى المسألة على هذا النحو فيه إغفال لحقيقة ~~الفكرة؛ إذ إنها لم تكن في الواقع نظرية على الإطلاق، وإنما وسيلة ~~لإشباع حاجة نيتشه العارمة إلى أن يكون. وفضلها هو أنها تجعل من كل ~~لحظة في حياة الإنسان، لا مجرد تجربة عابرة، وإنما ذا أهمية مطلقة ~~أبدية. # والمختارات الآتية مأخوذة من الفصل الأول من كتاب «ما وراء ~~الخير والشر» # 4 ~~⋆ # وعنوان الفصل: «تغرض الفلاسفة»: ~~(1) «لكم ثارت في أذهاننا من الأسئلة بفضل الرغبة في ~~الوصول إلى الحقيقة، تلك الرغبة التي تغرينا على أداء ~~عديد من المهام الخطرة، وذلك الصدق المشهور الذي ~~تحدث عنه الفلاسفة حتى اليوم بالتبجيل! ما أكثر هذه ~~الأسئلة الغريبة، المحيرة، التي تغدو هي ذاتها موضوعا ~~للشك والتساؤل! إن القصة لطويلة حقا، ومع ذلك يبدو ~~أنها لم تكد تبدأ. فهل يستغرب أحد، بعد ذلك، أن نشعر ~~آخر الأمر بالريبة، وينفد صبرنا، وندير ظهرنا ~~متأففين؟ وأن «أبا الهول» هذا يعلمنا أخيرا أن ~~نوجه نحن أنفسنا أسئلة؟ فمن هو الذي يوجه إلينا ~~الأسئلة هنا؟ وما هي بالفعل هذه «الرغبة في الوصول إلى ~~الحقيقة» فينا؟ الحق أننا وقفنا وقفة طويلة عند مسألة ~~أصل هذه الرغبة، حتى وصلنا أخيرا إلى توقف مطلق إزاء ~~سؤال أهم حتى من السابق؛ فقد تساءلنا عن قيمة هذه ~~الرغبة؛ ذلك لأننا نسلم بأننا نريد الحقيقة، فلماذا ~~لا نفضل اللاحقيقة؟ واللايقين؟ بل الجهل؟ لقد ~~مثلت أمامنا مشكلة قيمة الحقيقة، أم إننا نحن الذين ~~جعلنا أنفسنا نمثل أمام المشكلة؟ أينا أوديب هنا؟ ~~وأينا أبو الهول؟ يبدو أن ثمة لقاء هنا بين الأسئلة ~~وعلامات ms210 الاستفهام. وهل يصدق أحد أنه يبدو لنا ~~أخيرا كأن المشكلة لم تبحث من قبل قط، وكأننا أول ~~من أدركها ولمحها، وخاطر بإثارتها؛ ذلك لأن في إثارتها ~~مخاطرة ربما كانت أشد المخاطر.» ~~(2) «كيف يمكن أن يظهر أي شيء من ضده؟ الحقيقة من ~~البطلان مثلا؟ أو الرغبة في الوصول إلى الحقيقة من ~~الرغبة في الخداع؟ أو الصنيع الكريم من الأنانية؟ أو ~~التبصر النقي الوضاء لدى الحكيم من الجشع والطمع؟ ~~إن هذا التولد والظهور مستحيل، وكل من يحلم به أبله ~~وأسوأ من الأبله؛ فلا بد أن يكون للأشياء الأعلى قيمة ~~أصل آخر، أصل خاص بها، ومن المحال أن يكون أصلها في ~~هذا العالم العابر، المليء بالمغريات والبطلان، ~~والتفاهة، هذا المعترك الذي يختلط فيه الخداع بالجشع. ~~وإنما لا بد أن يكون أصلها بين ثنايا «الوجود»، وفيما ~~ليس عابرا، في الإله الخفي، في «الشيء في ذاته». ~~هناك، لا في أي شيء آخر، ينبغي أن يكون أصلها.» هذا ~~النوع من الاستدلال يكشف عن التغرض المميز الذي يمكن ~~عن طريقه التعرف على جميع الميتافيزيقيين في كل ~~العصور، وهذا النوع من التقسيم هو أساس كل أساليبهم ~~المنطقية، وعن طريق «اعتقادهم» هذا، يكرسون أنفسهم ~~«لمعرفتهم»، لشيء يطلقون عليه في النهاية، بكل وقار، ~~اسم «الحقيقة». فالاعتقاد الأساسي لدى الميتافيزيقيين ~~هو الاعتقاد بتقابل القيم. ولم يدر أبدا بخلد ~~أحدهم، حتى أذكاهم عقلا، أن يشك هنا، وهو يخطو هذه ~~الخطوة الأولى (مع أن الشك في الخطوة الأولى ضروري إلى ~~أبعد حد)، رغم أنهم قد آلوا على أنفسهم «أن يشكوا في ~~كل شيء # de omnibus ~~dubitandum ~~». ذلك لأن للمرء أن ~~يشك أولا في وجود التقابل بأسره، وثانيا في أن ~~التقييمات والقيم المتقابلة الشائعة، التي باركها ~~الميتافيزيقيون، قد لا تكون إلا تقديرات سطحية، ~~ومنظورات مؤقتة، فضلا عن كونها منظورات من ركن معين، ~~وربما من أسفل؛ أي «منظورات ضفدعية» إذا جاز لي أن ~~أقتبس هذا التعبير الشائع بين الرسامين، فرغم كل ما ~~يعزى إلى الحقيقي # True ~~، والإيجابي، ~~والغيري، من القيمة، فقد يكون من الجائز أن ms211 نعزو قيمة ~~أهم، بالنسبة إلى الحياة عامة، إلى التظاهر والرغبة في ~~الخداع والأنانية والجشع. بل ربما كان ما يضفي على هذه ~~الأشياء الخيرة المحترمة قيمتها، إنما هو كونها متصلة ~~ومربوطة ومنسوجة، على نحو خفي، بهذه الأشياء الشريرة ~~التي تبدو مضادة لها، بل في كونها هي ذاتها هذه ~~الأشياء المضادة. ربما! ولكن من ذا الذي يود أن يشغل ~~نفسه بمثل هذه «الربمات» الخطيرة! إن مثل هذا ~~البحث لا بد أن ينتظر ظهور نوع جديد من الفلاسفة، ~~ستكون له أذواق وميول أخرى، عكس الأذواق والميول ~~السائدة، فلاسفة «ربما» الخطيرة، بكل ما في هذه الكلمة ~~من معنى. وإني لجاد تماما إذ أقول إني أرى هؤلاء ~~الفلاسفة الجدد آخذين في الظهور. ~~(3) وإني لأقول لنفسي الآن، بعد أن نظرت إلى الفلاسفة ~~مليا وبإمعان، وقرأت ما بين سطورهم وقتا طويلا، إن ~~الجزء الأكبر من التفكير الواعي ينبغي أن يعد من ~~الوظائف الغريزية، وإن هذا يصدق حتى على التفكير ~~الفلسفي، فعلى المرء أن يتعلم هنا من جديد، مثلما ~~يتعلم من جديد عن الوراثة و«الفطرية». وكما أن لحظة ~~الميلاد لا تلقي إلا انتباها ضئيلا في عملية ~~الوراثة بأسرها، وفي استمرارها، فكذلك لا يوجه إلا ~~اهتمام ضئيل إلى التقابل بين «حالة الوعي» وبين ما هو ~~غريزي. والواقع أن الجزء الأكبر من التفكير الواعي ~~للفيلسوف يتأثر سرا بغرائزه، ويدفع رغما منه في ~~مسارات محددة. ومع وراء كل منطق، وكل سيادة ظاهرية ~~مطلقة في حركة هذا المنطق، توجد تقييمات، أو بعبارة ~~أوضح، مطالب فسيولوجية؛ لحفظ نوع محدد من ~~الحياة. ~~(4) إن بطلان أي رأي ليس في رأينا اعتراضا يوجه إليه، ~~وربما كان هذا أغرب ما في لغتنا الجديدة وقعا على ~~الأذان؛ فالمسألة هي: إلى أي حد يعد الرأي مؤديا إلى ~~تقدم الحياة، وحفظها، وحفظ النوع، وربما إكثار ~~النوع؟ وإنا لنميل بكل قوة إلى القول بأن أكثر الآراء ~~بطلانا (وهي الآراء التي تنتمي إليها الأحكام الأولية ~~التركيبية) هي أكثرها ضرورة لنا، وأنه دون اعتراف ~~بالأساطير المنطقية، ودون مقارنة بعالم الواقع بعالم ~~متخيل كله، ms212 هو عالم المطلق والثبات، ودون تزييف دائم ~~للعالم عن طريق الأعداد - دون هذا كله لم يكن الإنسان ~~يستطيع أن يعيش - وأن التخلي عن الآراء الباطلة إنما ~~هو تخل عن الحياة، وإنكار لها. فإدراك أن اللاحقيقة ~~شرط للحياة، هذه قطعا إهانة خطيرة للأفكار التقليدية ~~عن القيمة، وأية فلسفة تجرؤ على ذلك، تكون بهذا وحده ~~قد اتخذت لنفسها موقعا بمعزل عن الخير والشر. ~~(5) إن ما يؤدي إلى نظرة الآخرين إلى الفلسفة على نحو ~~تمتزج فيه الريبة بالسخرية، ليس الاهتداء الشائع إلى ~~مدى سذاجتهم - ومدى وقوعهم بسهولة في الخطأ، وضلالهم ~~عن الطريق؛ أي بالاختصار، مدى طفوليتهم - وإنما هو ~~افتقارهم إلى الأمانة في معاملاتهم، في الوقت الذي ~~يرفعون فيه عقيرتهم جهرا، وقد انتفضوا غيرة على ~~الفضيلة، إذا ما لمح أحد إلى مشكلة صدقهم ولو من ~~أبعد طرف، فهم جميعا يحاولون إيهامنا بأن آراءهم ~~الحقيقية قد كشفت وبلغت عن طريق التطور الذاتي ~~لديالكتيك جامد، خالص، منزه مترفع (على عكس ~~الصوفية بجميع أنواعهم، الذين يتحدثون على نحو أصدق ~~وأكثر حمقا عن «الإلهام»)، مع أن الذي يحدث في الواقع ~~هو أنهم يدافعون بحجج يفتشون عنها فيما بعد، عن قضية ~~أو فكرة أو «إيحاء» مغرض، يمثل عادة خلاصة ~~رغباتهم مجردة مصفاة؛ فهم جميعا محامون لا يريدون أن ~~ينظر إليهم بما هم كذلك، وكذلك مدافعون بارعون بوجه ~~عام، عن تغرضاتهم، التي يسمونها «حقائق»، وهم أبعد ~~ما يكونون عن ذلك الضمير الحي الذي يسمح لهم بالاعتراف ~~بهذا لأنفسهم في شجاعة، وأبعد ما يكونون عن الذوق ~~السليم أو عن الإقدام الذي يجعلهم يسمحون للآخرين ~~بإدراك ذلك، ربما على سبيل تحذير صديق أو عدو، أو في ~~معرض الإفصاح عن دخائل نفوسهم في مرح وسخرية من ذاتهم. ~~وإن منظر نفاق كانت، الذي يتصف بالجمود والترفع في ~~آن واحد، وهو المنظر الذي يغرينا به على السير وراءه ~~في أزقة الديالكتيك المؤدية (أو على الأصح المضللة) ~~إلى «أمره المطلق»؛ ليبعث الابتسام على شفاه المشاكسين ~~من أمثالنا، الذين يجدون مسلاة طريفة في الكشف عن ~~الحيل اللئيمة ms213 لفلاسفة الأخلاق ووعاظها القدماء. ~~والأدهى من ذلك هو الاحتيال باسم الصورة الرياضية التي ~~خلعها اسبينوزا على فلسفته ووضعها من وراء قناع مخيف - ~~أو، لكي نترجم لفظ «الفلسفة» ترجمة أنصف وأصرح، لنقل ~~«حبه لحكمته هو» - حتى يبعث بذلك الرعب على التو في ~~قلب المهاجم الذي يدور بخلده أن يجرؤ على إلقاء نظرة ~~على تلك الصبية المصونة، ربة الحكمة الأسطورية. فيا ~~للجبن الشخصي والشعور بالضعف الذاتي الذي يكشف عنه هذا ~~القناع الذي أخفى به ذلك المعتزل المريض وجهه! ~~(6) ولقد اتضح لي بالتدريج قوام كل فلسفة عظيمة ظهرت حتى ~~الآن؛ أعني كونها اعترافا لمبدعها، ونوعا من ترجمته ~~الذاتية لحياته على نحو لا إرادي ولا شعوري، وأن ~~المقصد الأخلاقي (أو اللاأخلاقي) في كل فلسفة، كان هو ~~النواة الأساسية التي نما منها النبات بأسره. # والواقع أن من الأصوب (ومن الأحكم) أن يتساءل المرء أولا، إذا ~~شاء أن يفهم كيف توصل الفيلسوف إلى أعقد تعبيراته الميتافيزيقية: ~~«ما هي الأخلاق التي يهدف (أو يهدفون) إليها؟» وعلى ذلك، فلست أومن ~~بأن أصل الفلسفة «ميل طبيعي إلى المعرفة»، بل إن ها هنا، كما في كل ~~شيء آخر، ميل طبيعي آخر، استخدم المعرفة (والمعرفة الباطلة!) أداة. ~~ولكن كل من يتأمل الميول الطبيعية الأساسية للإنسان بغية تحديد ~~المدى الذي ربما كانت قد قامت فيه بدور الأرواح الخفية الملهمة (أو ~~الشياطين والجن)، سيجد أنها كلها قد مارست الفلسفة في وقت أو آخر، ~~وأن كلا منها كان على أتم استعداد لينظر إلى ذاته على أنه الغاية ~~القصوى للوجود، والحاكم الشرعي لكل الميول الطبيعية الأخرى؛ ذلك ~~لأن كل ميل طبيعي ينزع بطبيعته إلى السيطرة، وعلى هذا الأساس يحاول ~~أن يتفلسف. ومن المؤكد أن الأمر، في حالة الباحثين ورجال العلم ~~الحقيقيين، قد يكون على خلاف ذلك أو «أفضل» من ذلك إذا شئت؛ ففي ~~هذه الحالة قد يكون هناك فعلا شيء يمكن أن يعد «ميلا طبيعيا ~~إلى المعرفة»؛ أي نوعا من الساعة الدقاقة الصغيرة المستقلة، التي ~~تعمل بجد لهذا الغرض إذا ما ملئت جيدا، دون أن ms214 يكون لبقية الميول ~~الطبيعية المتعلقة بالبحث العلمي أي دور ملموس فيها. ف «اهتمام» ~~الباحث العلمي إذن يسير عموما في اتجاهات مخالفة تماما؛ في ~~الأسرة، أو في جمع المال، أو في السياسة. والواقع أنه لا تكاد تكون ~~ثمة أهمية لنقطة البحث التي توضع فيها هذه الآلة الصغيرة، أو لكون ~~الباحث الشاب المليء بالأمل سيصبح فقيها لغويا متبحرا، أو ~~إخصائيا في الفطريات، أو كيميائيا ؛ فهو لا يتصف بكونه قد أصبح ~~هذا أو ذاك. أما في حالة الفيلسوف، فليس ثمة شيء لا شخصي على ~~الإطلاق، والأهم من هذا كله أن مذهبه الأخلاقي يشهد بكل دقة ووضوح ~~على طبيعته؛ أي على العلاقة التي ترتبط بها أعمق ميوله الطبيعية ~~بعضها ببعض. ~~••• ~~(13) ينبغي على علماء النفس أن يفكروا مليا قبل أن يؤكدوا ~~أن غريزة حفظ الذات هي الغريزة الأساسية لدى كل كائن عضوي؛ فالكائن ~~الحي يسعى قبل كل شيء إلى إطلاق قوته، والحياة ذاتها إنما هي إرادة ~~قوة، أما حفظ الذات فليس إلا واحدا من أكثر النتائج غير ~~المباشرة شيوعا لهذه الإرادة. وبالاختصار، فلنحذر هنا، كما في كل ~~موضع آخر، من المبادئ الغائبة المزيفة - ومنها غريزة حفظ الذات ~~(التي ندين بها لعدم اتساق اسبينوزا). هذا ما يقتضيه المنهج، الذي ~~ينبغي أن يكون اقتصادا في المبادئ قبل كل شيء. ~~••• ~~(16) ما زال هناك من الناس من يلاحظون أنفسهم في سذاجة فيؤمنون ~~بوجود «يقينيات مباشرة»، مثل «أنا أفكر»، أو كما تعبر عنها ~~أوهام شوبنهور: «أنا أريد»، وكأن المعرفة هنا قد أمسكت بزمام ~~موضوعها، وأدركت أنه لا يعدو أن يكون «شيئا في ذاته» دون أن يحدث ~~أي تزييف، لا من جانب الذات ولا من جانب الموضوع. ومع ذلك فها أنا ~~ذا أكرر للمرة المائة أن «اليقين المباشر»، وكذلك «المعرفة ~~المطلقة» و«الشيء في ذاته» تتضمن تناقضا في الألفاظ، وعلينا ~~بالفعل أن نتحرر من المعاني المضللة لهذه الألفاظ! وقد يظن الناس ~~من جانبهم أن المعرفة هي إدراك كل الأمور المتعلقة بالأشياء، ولكن ~~ينبغي أن يقول الفيلسوف لذاته: «عندما أحلل العملية التي تعبر ms215 ~~عنها عبارة «أنا أفكر»، سأجد سلسلة كاملة من التأكيدات الجزئية، ~~سيكون إثباتها الجدلي عسيرا، وربما مستحيلا؛ مثال ذلك أني أنا ~~الذي يفكر، وأنه ينبغي أن يوجد بالضرورة شيء يفكر، وأن التفكير ~~نشاط وعملية يقوم بها كائن ينظر إليه على أنه علة، وأن هناك «أنا # ego ~~». وأخيرا، أنه قد تم ~~بالفعل تحديد المقصود عن، من التفكير، وأنني أعرف ما هو التفكير؛ ~~ذلك لأني إذا لم أكن بالفعل قد قررت في نفسي ما هو التفكير، فبأي ~~مقياس أستطيع أن أقرر إن كان ما يحدث ليس «إرادة» أو شعورا؟ ~~والاختصار فإن التأكيد القائل «أنا أفكر» يفترض أنني «أقارن» ~~حالتي في اللحظة الراهنة بحالات أخرى لي أعرفها، حتى أقرر ما هي، ~~وبناء على هذا الارتباط الراجع ب «معرفة» أخرى، فليس لهذه العبارة ~~على أية حال أي يقين مباشر بالنسبة إلي.» وهكذا يجد الفيلسوف، ~~بدلا من «اليقين المباشر» الذي قد يؤمن الناس به في هذه الحالة ~~الخاصة، سلسلة من الأسئلة الميتافيزيقية ماثلة أمامه، وهي أسئلة ~~صادقة موجهة فعلا إلى عقله، مثل: «من أين أتتني فكرة «التفكير»؟ ~~ولم أومن بالعلة والمعلول؟ ومن أين لي حق التحدث عن «أنا»، بل عن ~~«الأنا» بوصفه علة، وأخيرا عن «الأنا» بوصفه علة للتفكير؟ «أما ~~من يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة الميتافيزيقية فورا، وبالإهابة ~~بنوع من الإدراك الحدسي، كمن يقول «أنا أفكر، وأعلم أن هذا على ~~الأقل صحيح وفعلي ومؤكد»، فسيقابل بابتسامة وعلامتي استفهام من ~~فيلسوف اليوم. وربما قال له ذلك الفيلسوف: «سيدي، ليس من المحتمل ~~ألا تكون مخطئا، ولكن لم كان يتعين أن يكون هذه هي ~~الحقيقة؟» ~~(17) أما عن أوهام المناطقة، فلن أمل أبدا تأكيد حقيقة ~~بسيطة محكمة، تعترف بها هذه الأذهان الساذجة رغما منها؛ وأعني بها ~~أن الفكرة تأتي عندما تشاء «هي»، لا عندما أشاء «أنا»؛ فالمرء ~~يفكر، غير أن كون هذا «المرء» هو «الأنا # ego ~~» القديم المشهور، إنما هو، ~~على أحسن الظروف، مجرد فرض، وتأكيد، وهو قطعا ليس «يقينا ~~مباشرا». بل إن عبارة «المرء يفكر» هذه مسرفة أكثر ms216 مما ينبغي؛ ~~فحتى كلمة «المرء» هذه تنطوي على تفسير للعملية، ولا تنتمي إلى ~~العملية ذاتها، فهنا يسير الاستدلال وفقا للصيغة النحوية ~~المألوفة: «إن التفكير فعل، وكل فعل يحتاج إلى فاعل؟ إذن ...» وعلى ~~نحو قريب جدا من ذلك بحث المذهب الذري القديم عن شيء إلى جانب ~~«القوة» العاملة؛ أي عن الجزيء المادي الذي تكمن فيه هذه القوة ~~وتعمل بدءا منه، وهو الذرة. غير أن الأذهان الأشد صرامة قد عرفت ~~أخيرا كيف تسلك من غير هذا «الباقي الأرضي»، وربما استطعنا يوما ~~ما أن نعود أنفسنا، حتى من وجهة نظر المنطقي، على أن نسلك من غير ~~كلمة «المرء» الصغيرة هذه (التي تشكل بها «الأنا # ego ~~» القديم المحترم بعد أن ~~تهذب وانصقل). ~~(18) ومن المؤكد أن قابلية النظرية للتفنيد من العوامل التي ~~تجعلها محببة إلى النفس؛ ففي هذا تجذب الأذهان الأشد عمقا. ويبدو ~~لي أن نظرية «الإرادة الحرة» التي فندت مئات المرات، تدين ~~بدوامها إلى هذه الجاذبية وحدها؛ إذ يظهر دائما شخص يشعر في نفسه ~~بالقوة التي تجعله يفندها. ~~(19) ولقد اعتاد الفلاسفة التحدث عن الإرادة وكأنها شيء مألوف ~~تماما، بل لقد حاول شوبنهور إيهامنا أن الإرادة هي وحدها ما نعرفه ~~بحق، وبطريقة مطلقة كاملة، بدون أي استنباط أو إضافة. ولكن يبدو لي ~~على الدوام أن شوبنهور لم يفعل في هذه الحالة أيضا سوى ما اعتاد ~~الفلاسفة أن يفعلوه - أي يبدو أنه آمن «بوهم شائع» وبالغ فيه؛ ~~فالإرادة تبدو لي في المحل الأول، شيئا معقدا، شيئا لا وحدة ~~فيه إلا بالاسم - والواقع أن الأوهام الشائعة، التي غلبت ~~التحوطات غير الكافية للفلاسفة في كل العصور، لا تكمن إلا في ~~أسماء. وإذن، فلنكن من الآن فصاعدا أشد حذرا، ولنخالف طريقة ~~الفلاسفة، ولنقل إن في كل إرادة، أولا، عددا كبيرا من الأحاسيس، ~~وأعني بها الإحساس بالظرف «الذي نبتعد عنه»، والإحساس بالظرف «الذي ~~نتجه إليه»، والإحساس بهذا «الخروج» و«الابتعاد» ذاته، يضاف إلى ~~ذلك، إحساس عضلي مصاحب، يبدأ عمله، حتى لو لم نحرك «ذراعينا ~~ورجلينا» بقوة العادة، بمجرد أن «نريد» شيئا. ms217 وعلى ذلك، فكما أن ~~الإحساسات (وأنواعا كثيرة منها بالفعل) ينبغي أن ينظر إليها على ~~أنها مكونات الإرادة، فمن الواجب أن ينظر إلى التفكير، ثانيا، ~~على هذا النحو ذاته. ففي كل فعل للإرادة، فكرة غالبة. وعلينا أن ~~نكف عن تصور إمكان فصل هذه الفكرة عن «الإرادة»، وكأن الإرادة ستظل ~~عندئذ مكتوفة الأيدي! وثالثا، فليست الإرادة ظاهرة مركبة تتألف ~~من إحساسات وتفكير فحسب، بل إنها قبل كل شيء انفعال، بل هي انفعال ~~الأمر والسيطرة، فما يسمى ب «حرية الإرادة»، هو أساسا انفعال ~~الغلبة على من يتعين عليه أن يطيع: «أنا حر، وعليه هو أن يطيع» - ~~فهذا الشعور كامن في كل إرادة، وكذلك الحال في تركيز الانتباه، ~~والنظرة الجادة التي تستقر على شيء واحد لا تحيد عنه، والحكم غير ~~المشروط بأن «هذا ولا شيء غيره ضروري الآن»، واليقين الباطن بأن ~~فروض الطاعة ستقدم - وكل أمر آخر ينتمي إلى حالة الأمر المسيطر، ~~فمن يريد يأمر ويسيطر على شيء في نفسه يقدم إليه فروض الطاعة، أو ~~يعتقد أنه سيقدم إليه فروض الطاعة، ولكن، فلنتأمل الآن أغرب ما ~~في الإرادة، تلك الظاهرة العظيمة التعقيد، التي لا يطلق عليها ~~الناس إلا اسما واحدا، فبقدر ما نكون في الظروف المعينة آمرين ~~ومطيعين في آن واحد، وبقدر ما نعرف، بوصفنا الطرف المطيع، أحاسيس ~~الإرغام والإكراه والضغط والمقاومة والحركة، التي تبدأ عادة بعد ~~فعل الإرادة مباشرة، وبقدر ما نعتاد، من جهة أخرى، أن نتجاهل هذه ~~الثنائية، ونخدع أنفسنا حيالها باستخدام اللفظ المركب «أنا». بهذا ~~القدر أصبحت هناك سلسلة كاملة من الاستنتاجات المخطئة، وبالتالي من ~~الأحكام الباطلة عن الإرادة ذاتها، ترتبط بفعل الإرادة، إلى حد أن ~~من يريد يعتقد اعتقادا راسخا بأن عملية الإرادة كافية للفعل. ~~ولما كان ما يحدث في معظم الحالات هو أننا لا نمارس الإرادة إلا ~~عندما يكون تأثير الأمر - وبالتالي الطاعة، وبالتالي الفعل - ~~متوقعا، فقد عبر المظهر عن ذاته بالإحساس بأن هناك ضرورة ~~علية، وبالاختصار، أصبح من يريد يؤمن بقدر غير قليل من اليقين ~~بأن الإرادة والفعل ms218 أمر واحد على نحو ما، فيعزو نجاح عملية الإرادة ~~والقدرة على تنفيذها إلى الإرادة ذاتها، وبذلك يتمتع بمزيد من ~~الشعور بالقوة، المصاحب لكل نجاح؛ ف «حرية الإرادة» هي التعبير عن ~~الحالة المعقدة لاغتباط الشخص الذي يمارس عملية الإرادة، ويأمر ~~ويرى في نفسه منفذا للأمر في آن واحد؛ أي يتمتع أيضا بالانتصار، ~~على العقوبات، ولكن يعتقد بينه وبين نفسه أن إرادته الخاصة هي التي ~~تغلبت على هذه العقبات بالفعل. ~~••• ~~(21) إن عبارة «علة ذاته # Causa ~~sui ~~» هي أفضل تناقض ذاتي ظهر حتى اليوم، وهي ~~نوع من خرق المنطق ومن الخروج على طبيعة الأشياء، غير أن الغرور ~~المسرف للإنسان قد جعله يشغل نفسه بعمق، وعلى نحو مخيف بهذا الجنون ~~المطبق؛ فالرغبة في «حرية الإرادة»، بالمعنى التفضيلي، ~~الميتافيزيقي، كما تتملك عقول الكثيرين من أنصاف المتعلمين حتى ~~وقتنا الحالي للأسف الشديد، والرغبة في تحمل المرء للمسئولية ~~النهائية الكاملة عن أفعاله، وفي إعفاء الله، والعالم، والأسلاف، ~~والصدفة، والمجتمع منها، لا تنطوي على أقل من كون المرء «علة ~~لذاته» بهذا المعنى عينه، وفي أن يجذب نفسه من شعره إلى الوجود من ~~هوة العدم، بجرأة لا تدانيها جرأة «مونشهاوزن # Munchhausen ~~». # 5 # فإذا تمكن أحد على هذا النحو من الاهتداء إلى ~~الحماقة الكبرى التي تنطوي عليها فكرة «حرية الإرادة» التي ترتد ~~إلى استخدام باطل للعلة والمعلول، فعلى المرء ألا يخطئ بتجسيد ~~«العلة» و«المعلول» ماديا، كما يفعل الفلاسفة الطبيعيون (وكل من ~~يلف لفهم بالتفكير من خلال المذهب الطبيعي في وقتنا هذا)، تبعا ~~للخطأ الميكانيكي السائد، الذي يجعل العلة تضغط وتدفع حتى «تحدث» ~~غايتها. وعلى المرء ألا يستخدم «العلة» و«المعلول» إلا بوصفهما ~~تصورات؛ أي ألفاظا مبتدعة مصطلح عليها بقصد الإشارة والفهم ~~المتبادل، لا بقصد التفسير. فليس في «الوجود في ذاته» شيء من ~~«الارتباط العلي» أو من «الضرورة» أو من «انعدام الحرية النفسية»، ~~وهنا لا يتلو المعلول من العلة، ولا يسري «القانون». وإنما نحن ~~وحدنا الذين ابتدعنا العلة، والتعاقب، والتأثير المتبادل، ~~والنسبية، والإكراه، والعدد، والقانون، والحرية، والدوافع، والغرض، ~~وعندما نفسر عالم الرموز ms219 هذا، ونمزج بينه وبين الأشياء، وكأنه ~~«موجود في ذاته»، فإنما نسلك مرة أخرى كما كنا نسلك دائما ~~بطريقة أسطورية. «فانعدام حرية الإرادة أسطورة، أما في الحياة ~~الحقيقية فليس ثمة إلا إرادات قوية وضعيفة. والواقع أن المفكر ~~عندما يرى في كل «ارتباط علي»، و«ضرورة نفسية» شيئا من ~~الاضطرار، والعوز، والخنوع، والاضطهاد، وانعدام الحرية، يكاد يكشف ~~بذلك عن أعراض لما هو مفتقر إليه؛ فشعور المرء بأحاسيس كهذه شيء ~~يدعو إلى الريبة؛ إذ إنه يكشف بها عن دخيلة نفسه، وإذا كانت ~~ملاحظتي صحيحة، فإن «انعدام حرية الإرادة» يعد، على وجه العموم، ~~مشكلة من وجهتي نظر متعارضتين تماما، ولكن على نحو شخصي عميق ~~دائما؛ فالبعض لا يود أن يتخلى عن «مسئوليته» وإيمانه بنفسه، ~~وحقه الشخصي في مزاياه هو، بأي ثمن (وإلى هذه الفئة تنتمي الأجناس ~~المغرورة). والبعض الآخر لا يود، على عكس ذلك، أن يكون مسئولا عن ~~أي شيء، أو أن يلام على أي شيء، ويسعى، بسبب احتقار ذاتي باطن، ~~إلى الهروب من المعركة، أيا ما كان الأمر. فالأخيرون، عندما ~~يؤلفون كتابا، يعتادون حاليا أن ينحازوا إلى صف المجرمين؛ ~~فالتنكر المحبب إلى نفوسهم هو نوع من التعاطف الاشتراكي. والواقع ~~أن قدرية ضعفاء الإرادة تجمل نفسها على نحو يدعو إلى الدهشة ~~عندما تظهر بمظهر «عقيدة العذاب البشري»؛ فهذا هو «ذوقها ~~الطيب». ~~(22) ولتعذروني يا علماء الفيزياء إذا قلت، بوصفي عالما قديما ~~في اللغة لا يستطيع الإقلاع عن عادة سيئة هي وضع إصبعه على طرق ~~التفسير الفاسدة، إن عبارة «اتفاق الطبيعة مع القانون»، التي ~~تتحدثون عنها بكل هذا الفخر، لا وجود لها إلا بفضل تفسيركم وسوء ~~ثقافتكم اللغوية؛ فهي ليست أمرا واقعا، وليست «نصا»، وما هي ~~إلا تكيف بشري ساذج، وتشويه للمعنى، تستطيعون به أن ترضوا إلى ~~حد بعيد الغرائز الديمقراطية في نفس الإنسان الحديث! فالمساواة ~~أمام القانون شاملة - والطبيعة لا تختلف عنا في هذا الصدد، وليست ~~أفضل منا - وهو مثل رائع لدافع دفين، يتوارى من ورائه مرة أخرى ~~ذلك العداء السوقي لكل ما هو مميز ومسيطر، ms220 وكل ما يستحق بالتالي ~~أن يعد إلحادا، بمعنى آخر أعمق للكلمة. «فلا إله، ولا سيد» - ~~ذلك أيضا هو ما تريدون، وعلى ذلك «فليحيا القانون الطبيعي!» - ~~أليس الأمر كذلك؟ ولكن هذا، كما قلنا، تفسير، وليس نصا، وقد يأتي ~~شخص يستطيع، بمقاصد وطرق تفكير مضادة، أن يرى في «الطبيعة» ذاتها، ~~وفي الظواهر ذاتها، مجرد تنفيذ مستبد غاشم لمطالب القوة؛ أعني ~~مفسرا يضع أمام أعينكم الطابع المطرد المطلق لكل «إرادة قوة» على ~~نحو يجعل كل لفظ، بل لفظ «الاستبداد» ذاته، يبدو غير ملائم، أو ~~منطويا على إضعاف وتخفيف من حدة الاستعارة؛ أي يبدو إنسانيا ~~أكثر مما ينبغي، وينتهي به الأمر مع ذلك إلى تأكيد نفس ما ~~تؤكدونه عن هذا العالم؛ أعني أن له مجرى ضروري «يمكن حسابه»، ولكن ~~ليس لأن القوانين تنطبق عليه، بل لأن هذه القوانين منعدمة تماما، ~~ولأن كل قوة تحدث تأثيراتها النهائية في كل لحظة. فلو سلمنا بأن ~~هذا بدوره لا يعدو أن يكون تفسيرا - وهل ستتحمسون إلى حد توجيه ~~هذا الاعتراض؟ - فما زال هذا في نظري أفضل. ~~(23) لقد ظل علم النفس حتى اليوم يتغاضى عن التحامل والجبن ~~الأخلاقي، ولم يجرؤ على اقتحام أعماقه، وبقدر ما يكون من حق المرء ~~أن يدرك فيما كتب حتى اليوم، دليلا على ما ظل حتى اليوم ~~مطويا في ثنايا السكوت، فيبدو أن أحدا لم يتنبه حتى اليوم، ~~كما تنبهت أنا، إلى فكرة علم النفس، بوصفه وصفا لتغير إرادة ~~القوة وعرضا منظما لتطورها؛ ذلك لأن قوة التحاملات الأخلاقية ~~قد تغلغلت بعمق في أبعد نواحي العالم العقلي، ذلك العالم الذي يبدو ~~أشد موضوعية ونزاهة، وأثرت فيه بوضوح تأثيرا ضارا عائقا ~~مموها مضللا. وعلى كل مذهب نفساني فسيولوجي سليم أن يواجه ~~العداوة اللاشعورية في قلب الباحث؛ فهذا «القلب» هو خصمه؛ فحتى ~~المذهب القائل بأن الدوافع «الخيرة» و«الشريرة» تتحكم بعضها في ~~البعض تحكما متبادلا، يولد (بوصفه لا أخلاقية مهذبة) استياء ~~ونفورا في أي ضمير ما زال يتصف بالقوة والشهامة، فما بالك بمذهب ~~يستمد كل الدوافع الخيرة من دوافع ms221 شريرة؟ أما إذا نظر شخص إلى ~~انفعالات الكراهية والحسد والطمع وحب السيطرة ذاتها على أنها ~~انفعالات تتحكم في الحياة، وعلى أنها عوامل لا بد أساسا من ~~وجودها من أجل استمرار المجرى العام للحياة (وبالتالي عوامل ينبغي ~~تشجيعها إذا شئنا تشجيع الحياة ذاتها على التطور)، فإنه سيقاسي من ~~نظرته هذه إلى الأشياء كما يقاسي من دوار البحر. ومع ذلك فهذا ~~الفرض ليس أغرب الفروض وأكثرها إيلاما في هذا الميدان الواسع، ~~الذي لم يكد يطرق من قبل، للمعرفة الخطرة، والحق أن هناك مئات من ~~الأسباب المعقولة التي تحتم على كل من يستطيع الامتناع عن طرق ~~هذا الميدان أن يفعل ذلك! ومن جهة أخرى، فإذا وجه امرؤ شراعه في ~~هذا الاتجاه، فعليه أن يقبض عليه بكل ما يملك من قوة، وأن يفتح ~~عينيه ويثبت قبضته على الدفة! فنحن هنا إنما نبحر فوق الأخلاق ~~مباشرة، ونحن إنما نسحق، وربما ندمر، ما تبقى من أخلاقيتنا إذ ~~نجسر على القيام برحلتنا هنا. ولكن فيم يهمنا ذلك؟! لقد تفتح ~~أمامنا عالم للتأمل لم يتكشف مثله للرحالة والمغامرين الجسورين، ~~وعلى الأقل فسوف يكون من حق عالم النفس الذي يقوم بهذه التضحية - ~~وهي ليست «تضحية العقل»، بل عكسها - أن يطالب مقابل ذلك بالعودة ~~إلى الاعتراف بعلم النفس تاجا للعلوم، توجه كلها لخدمته وتزويده ~~بما يريد. فها هنا يسير علم النفس مرة أخرى في الطريق المؤدي ~~إلى المشاكل الأساسية. # الفصل الحادي عشر # | ظهور الوجودية # سورين كيركجورد (1803-1855م) # لم يظهر في إنجلترا أو الولايات المتحدة أي اهتمام جدي بكيركجورد من ~~حيث هو فيلسوف إلا منذ الحرب العالمية الثانية، عندما تنبه الجميع، ~~حتى المجلات الإخبارية الأسبوعية، إلى مذهب جديد غريب في الفلسفة ~~الأوروبية اسمه «الوجودية». بل إن تواريخ الفلسفة المعتمدة لا تذكره ~~حتى اليوم إلا لماما، وعندما تذكره، فإنها لا تشير أبدا إلى أنه ~~ربما كان واحدا من «عظماء» الفلسفة في القرن التاسع عشر. وما زال ~~الجدل دائرا حول المزايا الكامنة لأفكار كيركجورد الفلسفية، غير أن ~~أحدا لم يعد يستطيع إنكار أهميته ms222 التاريخية؛ إذ إن كتاباته كانت ~~بمثابة الطليعة لحركة من أقوى الحركات الفلسفية أثرا في عصرنا. # ولقد كان هذا من الأسباب التي جعلتني أرى من الضروري إدراجه في هذا ~~الكتاب، وإن يكن هناك سبب آخر هو أنه مظهر لصورة أخرى اتخذتها أزمة ~~العقل منذ عصر كانت. # ولقد كان كيركجورد من أشد الكتاب قدرة على المخادعة في عصر كان ~~يلائمه جدا إطلاق اسم عصر الغموض عليه . وكانت كتاباته أصعب حتى من ~~كتابات نيتشه ذاتها، من حيث إمكان عرضها وتحليلها بطريقة منهجية منظمة. ~~وليس معنى ذلك أن كيركجورد يفتقر إلى البراعة الأدبية، بل لقد كان، ~~بعكس ذلك، مغرما إلى أبعد حد بتجميل أسلوبه، وهو قطعا من أعظم ~~الساخرين العقليين في تاريخ الأدب الحديث؛ ففي وسعه إذا شاء أن يكون ~~ناقدا فلسفيا عميقا، كما حدث حين وجه ديالكتيكية المضاد المدمر ~~ضد هيجل، ولكنه عادة لا يدلي بحجج لدعم رأيه على الإطلاق، وإنما يعرض ~~رأيه فحسب. وكما قال لي حديثا فيلسوف بارز من أكسفورد، فإن كيركجورد ~~ليس من أولئك الفلاسفة الذين يمكنك أن تمارس عليهم عملية صقل ذكائك. ~~وهو في هذا الصدد أشبه بشاعر يقدم إلى قارئه عالما روحيا جديدا ~~غريبا، يتعين عليك أن تحيا وتتنفس فيه مؤقتا إذا شئت أن تفهمه. ~~وكيركجورد، مثل سقراط، هو أيضا نوع من «ذباب الدواب» الذي يظل يلسع ~~قراءه حتى يؤدي العملية الأساسية للمعرفة الذاتية. ولكن المهمة ~~الشاقة تقع على عاتقك أنت، أيها القارئ، وكل ما يفعله كيركجورد أو ~~يحاول أن يفعله هو أن يصدمك بحيث تواجه حقيقة وجودك بوصفك كائنا ~~واعيا. وبالاختصار فليس لدي كيركجورد مذهب يعرضه أو نظرية يدافع عنها، ~~بقدر ما لديه من مسلك في الحياة وإحساس ومنظور يريد من قارئه أن يشاركه ~~إياه إذا كان على استعداد لبذل الجهد اللازم. # وربما كان أول ما ينبغي أن يقال عن وجهة نظر كيركجورد - وإنها لوجهة ~~نظر أكثر من كونها «فلسفة» بالمعنى التقليدي - هو أنه يشترك مع نيتشه ~~في تقززه الشديد من العالم البرجوازي المريح، المنافق، التقدمي الذي ms223 ~~عاش فيه. بل إن نيتشه ذاته لم يحمل على المسيحية التاريخية الموضوعة في ~~قوالب منظمة بمرارة أشد مما حمل بها عليها كيركجورد، المؤمن ~~بالمسيحية. ونظرا إلى ولائه الشديد للأناجيل، فقد حمل على الكنيسة ~~القائمة بوصفها مجرد نظام رسمي محترم يقف في وجه هذا التقدم الروحي ~~للفرد المسيحي. وهو يرفض تماما ادعاء الكنيسة أنها الخليفة الحقيقية ~~لمسيحية الحواريين. # ولكن كيركجورد يحتفظ بأقوى حملاته لمحاولة هيجل تفسير التراث المسيحي ~~وتبريره بطريقة عقلية مثالية؛ فهذا في رأيه، أوضح أعراض العلة العقلية ~~التي تعانيها الفلسفة الحديثة. فهيجل لا يقدم إلينا إلها حيا، ~~وإنما عرضا ديالكتيكيا تاريخيا للأسطورة المسيحية، مهمته الوحيدة ~~هي تحديد الموقع الذي يرابط فيه الناس في مجرى التاريخ. ولم يكن الوعي ~~التاريخي الذي طالما افتخر به هيجل، في نظر كيركجورد، وسيلة لزيادة ~~المرء فهمه لموقفه الخاص بوصفه موجودا حيا، وإنما كان قبل كل شيء ~~هروبا من هذا الموقف. وكما رأينا من قبل، فقد اعترض هيجل ذاته على صفة ~~التجرد الباطلة المزعومة التي اتصف بها منطق أرسطو الشكلي التقليدي، ~~واعتزم أن يستبدل به منطقا حقيقيا للفكر أو الوجود (وهما بالطبع ~~يعنيان في نظره شيئا واحدا). وهكذا تصور أنه يستطيع بهذا المنطق ~~الديالكتيكي وحده أن يكون لنفسه فكرة صحيحة عن حقيقة التغير. واعتقد ~~أن الطريقة الوحيدة التي تتيح لنا إدراكا عينيا لطبيعة عملية ما، هي ~~النظر إليها بطريقة ديالكتيكية من خلال شبكة للعلاقات التاريخية ~~متزايدة الاتساع. أما من وجهة نظر كيركجورد، فإن كل ما قام به هيجل ~~فعلا هو إدماج الوجود الخاص للفرد في ذلك التجريد الشامل لكل ~~التجريدات؛ أي المطلق، الذي يضيع فيه نهائيا كل أثر باق للوجود ~~العيني. ومما يدعو إلى السخرية حقا أن هيجل لا يترك لنا آخر الأمر ~~إلا تلك المنطقية الشاملة # pan-logism # التي يتضح أن الحقيقة الوحيدة فيها هي الحركة اللاشخصية للديالكتيك ~~ذاته. أما كيركجورد فيتحدث عن تفكيره على أنه «ديالكتيك كيفي»، ~~ويعني بذلك ديالكتيكا يرفض أي ادعاء بتفسير الانتقال من قضية إلى ~~نقيضها على أنه لحظة ضرورية في ms224 عملية تطور مستمرة. والواقع أن ديالكتيك ~~كيركجورد لا شأن له على الإطلاق بالمنطق بمعناه المألوف. وهو، إذا جاز ~~هذا التعبير، «منطق ~~نفساني # psycho-logic ~~» يسير في مجراه ~~الخاص غير المحتوم نحو غايات بعيدة تماما عن الحقيقة العلمية. وقد ~~تقول إن هذا المنطق النفساني مغرق في الغرابة. ورد كيركجورد على ذلك ~~هو أن هذا في الحق فضله الأعظم؛ إذ إن الوجود ذاته مغرق في غرابته، ولا ~~يمكن الوصول إليه ذاتيا إلا بوسائل ممتنعة هي التأمل الباطن والوعي ~~الذاتي. # على أن معارضة كيركجورد لهيجل لا تقف عند حد مسائل الديالكتيك؛ ففي ~~رأيه أن فلسفة القانون عند هيجل إنما هي إنجيل يصلح لإنسان آلي جامد ~~فقد أي إحساس بذاته بوصفه شخصا، وقنع بالعيش سلبيا بوصفه مجرد موظف ~~في الدولة والكنيسة والأسرة؛ ففي رأي كيركجورد أن كل ذلك الجانب الخاص ~~«بالروح الموضوعية» في فلسفة هيجل إنما هو بناء شامخ من التضليل ~~الأنتولوجي يصرف أنظار الناس عن مواجهة الحقيقة الوحيدة التي يتعين ~~عليهم مواجهتها، وهي وجودهم الواعي الخاص؛ فالروح الموضوعية عند هيجل ~~ليست إلا مخلوقا كونه ديالكتيكه، وشبحا للفكر لا شأن له بما هو موجود ~~وحي. # وفي رأي كيركجورد أن الحقيقة # reality # لا يتوصل إليها بتداول التصورات، وإنما بالتجربة المباشرة وحدها. ~~ولقد كان كانت، بطريقته الخاصة، على حق؛ «فالوجود # existence ~~» # 1 # ليس محمولا. ومن المحال أن يدرك المرء معنى كونه موجودا ~~إلا بطريقة الإشارة، وبحدس مباشر لذاته. # ولقد رأى كيركجورد أن وعي المرء بوجوده يغدو أقوى ما يكون في فترات ~~التوتر الداخلي الشديد، عندما يتجاوز القلق مرحلة الانشغال المحلي ~~بغايات خاصة، ويصبح كليا أو «ميتافيزيقيا» إن جاز هذا التعبير. ~~هذا القلق الكلي، غير المتعلق بموضوع محدد، لا ينشأ إلا عندما يكف ~~المرء عن الانشغال بمشكلة الوصول إلى نتائج خاصة أو الاحتفاظ بما لديه، ~~وعندما تغدو كل مسألة الوصول إلى نتائج أمرا لا أهمية له، ويهدد ~~نهج حياة المرء كله بالخطر، عندئذ فقط يدرك المرء حقا المعنى ~~الحقيقي ل «وجوده». ومن العبث أن توجه إلى كيركجورد في ms225 هذا الصدد ~~تهمة النزعة المرضية؛ فإن رده الوحيد هو أن يهز كتفيه غير عابئ ~~ويقول: «ولو!» فهو لا يحاول إثبات نقطة ما، وإنما يحاول التعبير عن ~~موقف يعتقد أن له أعظم الأهمية بالنسبة إلى الشيء الوحيد الذي يستحق ~~الاهتمام، وهو الخلاص الفردي. # وينبغي أن نشير في هذا الصدد إلى أن ولوع كيركجورد بالحياة الشاذة ~~للوعي - وهو بهذه المناسبة ولوع يشاركه إياه فيلسوف أمريكي «سليم ~~العقل» إلى أبعد حد، هو وليم جيمس - هو أيضا من الصفات المميزة لعدد ~~من كبار الروائيين والشعراء في القرنين التاسع عشر والعشرين. والواقع ~~أن كل من تلمس طريقه في عالم روايات دستويفسكي الغريب المحموم، أو ~~فتنته ونفرته في آن واحد تلك الروايات الميتافيزيقية التي كتبها ~~فرانتس كافكا، # 2 # يكون قد أعد نفسه أفضل إعداد أدبي ممكن لفهم مؤلفات لكير ~~كجورد مثل؛ «مرض الموت» # Sickness unto ~~Death # و«تصور القلق» # The Concept ~~of Dread ~~. ومع ذلك فإن اهتمام كيركجورد، ب ~~«العقلية المتأزمة» ليس أدبيا أو نفسيا، وإنما هو اهتمام ~~ميتافيزيقي وديني؛ إذ إنه يرى أن الوسيلة الوحيدة إلى معرفة ما يعنيه ~~وجود المرء أو عدم وجوده إنما هي قضاء ليال حالكة للنفس كهذه. # على أن لكلمة «ما يعنيه» في الجملة الأخيرة دلالة مزدوجة؛ فهي قد ~~توحي، إذا قرأتها على نحو ما، بأن كيركجورد يهتم أساسا بالدفاع عن ~~نظرية معينة بشأن معنى «الوجود # existence ~~» ومعرفته، وهي نظرية لا ~~تختلف كثيرا عن نظرية كانت. غير أن ثمة طريقة أخرى لفهم كلمة «ما ~~يعنيه» في هذا الصدد، طريقة أقرب في اعتقادي إلى اهتمام كيركجورد ~~الأساسي من حيث هو فيلسوف، وتبعا لهذه الطريقة يكون هدفه الأساسي هو ~~القول إن المرء لا يدرك مغزى وجوده الخاص إلا في حالات الأزمة ~~الانفعالية العنيفة، عندما يواجه خطر انعدامه، لا من حيث إن هذا ~~الانعدام مجرد إمكانية، بل من حيث هو حقيقة واقعة. وعندئذ فقط يقرر ~~المرء أخيرا أن يعيش أو يموت، أن يكون أو لا يكون وبالاختصار، فإن ما ~~يهم كيركجورد هو دلالة الحياة، أكثر ms226 من كونه معنى «الوجود»، وإذا كانت ~~لمذهبه نتائج أنتولوجية أيضا، فإن هذه تكون نوعا من الأنتولوجيا ~~ينتهي آخر الأمر إلى موقف عملي لا نظري. وعندما تصل الفلسفة إلى هذه ~~النقطة، تكون قد انتقلت إلى أقصى طرف بعيد عن العلم، ولا تعود أسئلتها ~~متعلقة على الإطلاق بمعرفة ما هو موجود، بأي معنى معتاد لهذه ~~العبارة. # والواقع أن نفور كيركجورد من اللاهوت والميتافيزيقا العقليين بلغ ~~حدا قد يجعل البعض يعتقدون أنه ينكر فعلا قدرة العقل والفلسفة ~~ذاتها. كما ظلت تفهم منذ عهد سقراط، على حل أية مشكلة روحية أساسية ~~للتجربة البشرية. وقد يبدو من وجهة النظر هذه أن كيركجورد ينكر فعلا ~~مجرد إمكان التفلسف. بل إن المرء قد يستنتج من ذلك أنه قد وصل إلى نفس ~~النتيجة التي انتهى إليها الوضعيون أنفسهم، وإن يكن قد سلك طريقا ~~مخالفا تماما؛ فكلا الفريقين يأتينا بفلسفة ترمي إلى القضاء على كل ~~فلسفة. # ومع ذلك فإن كيركجورد، كالوضعيين، هو فيلسوف؛ ذلك لأن نقد العقل، كما ~~بين كانت ذاته، هو عمل فلسفي لا غناء عنه، مهما كانت نتائجه. والواقع ~~أن محاربة كيركجورد للعقلية، إذا ما نظر إليها من زاوية معينة، إنما ~~هي صورة متطرفة لرد الفعل الرومانتيكي المستمر على المعقولية. كذلك ~~يمكن النظر إليها على أنها مظهر متأخر لتراث إيماني مضاد للعقل، ظهر ~~منذ القدم في اللاهوت المسيحية، وتنتمي إليه أسماء لامعة كأسماء ~~«ترتوليان # Tertulian ~~» # 3 # والقديس أوغسطين # 4 # وباسكال؛ # 5 # فجميع هؤلاء الكتاب يرون أن أهمية الحياة الدينية ليست في ~~قدرتها على تقديم إجابات عن الأسئلة التي قد يظل العالم الدائب ~~يوجهها خلال بحثه لأسباب الظواهر الطبيعية، وإنما هي تنحصر في نوع من ~~الالتزامات أو العهود الإيمانية فوق العقلية، تصدر استجابة لشكوك من ~~نوع مخالف تماما. إذ إن كيركجورد، شأنه شأن جميع الإيمانيين، يرى أن ~~الأسئلة الدينية الأساسية لا تقبل إجابات عقلية. ولكن لا شك في أن هذا ~~راجع إلى أن الأسئلة الدينية لا تثار نتيجة لشيء يمكن أن يسمى ~~رغبة في اكتساب المعلومات، بأي معنى ms227 معتاد لهذه العبارة. فليس ما ~~تستهدفه هو الفهم، وإنما هي تستهدف شيئا يتجاوز الفهم؛ أعني الخلاص. ~~وليس للخلاص من سبيل إلا العهد الإيماني. # ويكشف كيركجورد عن موقعه التاريخي على نحو آخر، حين يستخدم فكرة ~~«التطور # development ~~». على أن هدفه ليس ~~وضع قوانين للتطور التاريخي، كما فعل هيجل وماركس، وإنما كان مهتما ~~بما يمكن تسميته «بتطور أشكال التقدم الروحي». وفي رأيه أن لهذا التطور ~~مراحل ثلاث، على نحو قد يذكرنا بأوجست كونت، ولكن بينما نظر كونت ~~إلى قانونه الخاص بالمراحل الثلاث على أنه ينطبق على التطور العقلي ~~للفرد والجنس، فإن فكرة كيركجورد لا تتعلق إلا بالتطور الروحي للنفس ~~البشرية من الوعي الحسي # aesthetic # إلى ~~الأخلاقي، ثم إلى الديني. وقد يوحي هذا، لأول وهلة، بأنه بينما ينظر ~~كونت إلى رجل العلم على أنه أعلى مرحلة للتطور البشري، فإن كيركجورد ~~يرى أن رجل الدين يمثل أعلى المراحل. غير أن المظاهر هنا خداعة إلى ~~حد ما، والمقارنة ذاتها مضللة إلى أبعد حد؛ فكونت وكيركجورد لم ~~يكونا في الواقع يتحدثان عن التقدم من منظور واحد في نظريتهما عن ~~المراحل الثلاث. ويتضح ذلك إذا تذكرنا أن كونت لا يوحد بين اللاهوت ~~والدين، وأنه ينظر إلى العالم الكامل على أنه ملتزم أيضا بالعقيدة ~~الوضعية للبشرية. وبالاختصار، فإن كونت لا يرى تعارضا بين العلم ~~والدين، وإنما التعارض في رأيه يقوم بين الطريقة اللاهوتية لتصور ~~عالم الواقع والتفكير فيه. أما كيركجورد فلا يتحدث عن التفكير ~~العلمي بوصفه واحدا من هذه المراحل. والتطور الذي يصفه ليس تقدما من ~~العلم إلى الدين، وإنما من الفن # 6 # والأخلاق إلى الدين. وبالاختصار فكيركجورد لا يهتم بذلك ~~النوع من التطور العقلي الذي يصفه كونت في نظرية المراحل الثلاث، وإنما ~~يهتم بمسائل القيمة ومشكلتي معرفة الذات والعلاء على الذات. # وليس هدفي هنا أن ألمح إلى أن من السهل التوفيق بين وضعية كونت ~~ووجودية كيركجورد، وإنما أقول إن التقابل بينهما لا يمكن أن يوصف عن حق ~~بأنه التقابل بين العلم والدين؛ فكيركجورد لم يكن يدخل مع ms228 العلم في ~~منازعات شديدة، طالما أن هذا يظل ملتزما مكانه بوصفه نظاما ونسقا ~~فكريا، كما أن كونت لم يدخل مع الدين في منازعات، طالما أنه يترك ~~مجال المعرفة البشرية للعلم. وفضلا عن ذلك، فإن اشتراكهما في معارضة ~~اللاهوت والميتافيزيقا العقليتين، وفي الاعتقاد بأن مسائل الوجود لا ~~يمكن أن تحل بالعقل وحده، يكشف عن تقارب تاريخي عميق يحسن بالوضعيين ~~والوجوديين المحدثين أن يتدبروا أمره؛ فقد يساعد الاعتراف بهذا ~~التقارب، مع كل ما بينهما من اختلاف في الهدف المنهجي، على تضييق ~~الثغرة التي تبدو سحيقة بين الفلسفة التحليلية المعاصرة في إنجلترا ~~والولايات المتحدة وبين الميتافيزيقا الوجودية في فرنسا ~~وألمانيا. # ولم ينظر كيركجورد إلى تقدم الإنسان الروحي على أنه مظهر ضروري ~~للتطور التاريخي الذاتي للروح المطلقة، كما فعل هيجل، بل رأى فيه ~~تطورا شخصيا حرا تماما، يجوز للمرء أن يمر به أو لا يمر، حسبما ~~يشاء. فنظرة هيجل إلى الحرية باطلة تماما، من وجهة نظر كيركجورد؛ إذ ~~ينبغي على كل شخص في رأيه أن يقرر لنفسه إن كان سيرتقي من مجال ~~التأمل الحسي # aesthetic # إلى مجال ~~المسئولية الأخلاقية والفعل الأخلاقي، ثم يرقى من هذا المجال الأخير ~~إلى مرتبة الإيمان الديني. غير أن ما يدعو إليه كيركجورد، كما أفهمه، ~~ليس تصوفا؛ فمرحلة الحياة الدينية التي يؤكدها ليست اتحادا ~~صوفيا بالله أو تأملا صوفيا له، وإنما هي إيمان وعقيدة إيجابية. ~~فالله عنده يظل عاليا تماما، وهو يعز على الحدس مثلما يعز على الفهم ~~النظري أو العقل. وعلى هذا النحو يتبدى لنا كيركجورد سائرا في ~~الطريق الرئيسي للبروتستانتية اللوثرية. وعلى هذا النحو أيضا يتبدى ~~لنا ابنا بارا لعصر الأيديولوجية، الذي لم يكن عصر أمل، وإنما عصر ~~قرار وتأكيد وإيمان. # ولنختم حديثنا بهذه الكلمة الأخيرة: فكيركجورد، مثل نيتشه، ينكر أية ~~إمكانية للحل الجماعي أو الاجتماعي للمشاكل الروحية للحياة البشرية؛ ف ~~«الطريق» الذي يدعو إليه طريق منعزل، متفرد، ينبغي أن يختاره كل إنسان ~~ويسير فيه بنفسه. وهو أيضا يرفض المثل الأعلى الإنساني النفعي للخير ~~المشترك الذي يمكن تحقيقه ms229 إلى حد ما بالبحث العقلي والعمل الاجتماعي ~~المشترك، وفي هذا يشترك مع نيتشه، وإن يكن الهدف مختلفا إلى حد ما. ~~وإنما ينحصر الفرق بينهما في أن كيركجورد قد فقد تماما تلك الثقة التي ~~لم يفقدها نيتشه مثله، في المثل الأعلى لمملكة أرضية يتحقق فيها ~~التطور الذاتي للإنسان في هذا العالم؛ فهو يدعو الناس من وجهة نظره ~~الخاصة، إلى الرجوع إلى الإيمان المفقود بإله آبائهم، غير أن هذا إيمان ~~لا شأن له، من حيث مقصده على الأقل، بالمسيحية التاريخية وبكنائسها، ~~البروتستانتية منها والكاثوليكية. ولكن ما هو «معنى» ذلك ~~بالفعل؟ # إن المختارات الآتية مأخوذة من كتاب ربما كان أهم مؤلفات كيركجورد ~~الفلسفية، وهو قطعا أكثرها اتساقا، وأعني به «حاشية ختامية غير ~~علمية # Concluding Unscientific Postscript ~~». # 7 ~~⋆ # فالنص الأول مأخوذ من الفصل الثاني. وعنوانه: «الحقيقة الذاتية، ~~الباطنية، الحقيقة هي الذاتية». والنص الثاني من الفصل الثالث، ~~وعنوانه: «الذاتية الحقيقية أو الأخلاقية، المفكر الذاتي». ~~«لو تمكن فرد موجود من تجاوز ذاته حقا، لكانت الحقيقة بالنسبة إليه ~~شيئا نهائيا تاما، ولكن أين هي النقطة التي يكون فيها خارجا عن ~~ذاته؟ إن عبارة «أنا هو أنا # I am I ~~»، ~~هي نقطة رياضية لا وجود لها، ومن ثم فلا شيء يحول بين كل شخص وبين ~~اتخاذ وجهة النظر هذه؛ فليس ثمة شيء يحول دون ذلك. فالفرد الخاص لا ~~يستطيع إلا مؤقتا أن يدرك وجوديا وحدة اللامتناهي والمتناهي، التي ~~تتجاوز هذا الوجود. وهذه الوحدة تتحقق في لحظة الانفعال # passion ~~. ولقد فعلت الفلسفة ~~الحديثة كل ما في وسعها لمحاولة مساعدة الفرد على تجاوز ذاته ~~موضوعيا، وهي مهمة مستحيلة تماما؛ فالوجود يمارس تأثيره المقيد، ~~ولو لم يكن فلاسفة اليوم قد أصبحوا مجرد ملفقين في خدمة تفكير شاذ ~~والاهتمام به، لأدركوا منذ عهد بعيد أن الانتحار هو التفسير العملي ~~الوحيد المحتمل لهذه المحاولة. غير أن الفلسفة الحديثة الملفقة تنظر ~~إلى الانفعال بازدراء، ومع ذلك فالانفعال قمة الوجود بالنسبة إلى فرد ~~موجود، ونحن جميعا أفراد موجودون؛ ففي الانفعال تصبح الذات الموجودة ~~لا نهائية ms230 في أزلية التمثل الخيالي، ومع ذلك تكون هذه الذات نفسها ~~بأوضح معاني الكلمة في الآن ذاته. أما «أنا هو أنا» الخيالية، فليست ~~هوية بين اللامتناهي والمتناهي؛ إذ ليس هذا ولا ذاك حقيقيا، إنه ~~لقاء خيالي في السحب، وتعانق غير مثمر، كما أن علاقة الذات الفردية ~~بهذا السراب لا توضح أبدا. # إن كل معرفة أساسية تتعلق بالوجود، أو بعبارة أخرى إن كل معرفة، ~~لها علاقة أساسية بالوجود هي معرفة أساسية. وكل معرفة لا تربط ذاتها ~~داخليا بالوجود، في انعكاس الحياة الباطنة، هي من حيث الماهية، معرفة ~~عرضية، ودرجاتها ونطاقها لا قيمة لهما من حيث الماهية. وكون المعرفة ~~الأساسية ترتبط بالوجود ارتباطا أساسيا، لا يعني الوحدة المشار ~~إليها من قبل، التي يفترضها التفكير المجرد بين الفكر والوجود، كما ~~أنها لا تعني، موضوعيا، أن المعرفة تطابق شيئا موجودا بوصفه ~~موضوعا لها. وإنما تعني أن للمعرفة علاقة بالعارف، الذي هو أساسا ~~فرد موجود، وأن كل معرفة أساسية، لهذا السبب ترتبط ارتباطا أساسيا ~~بالوجود؛ فالمعرفة الأخلاقية، والمعرفة الأخلاقية الدينية، هي وحدها ~~التي ترتبط ارتباطا أساسيا بوجود العارف. # والتوسط # mediation # سراب، مثل «أنا ~~هو أنا»؛ فمن وجهة النظرة المجردة يكون كل شي موجودا، ولا ينتقل شيء ~~إلى الوجود. وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون للتوسط مكان في التفكير المجرد؛ ~~لأنه يفترض الحركة. حقا إن المعرفة الموضوعية قد تتخذ من الوجود ~~موضوعا لها، ولكن لما كانت الذات العارفة فردا موجودا، وسائرا في ~~عملية الصيرورة نظرا إلى كونه موجودا؛ فعلى الفلسفة أن توضح أولا ~~كيف ترتبط ذات خاصة موجودة بمعرفة للتوسط، وعليها أن توضح ما تكونه ~~هذه الذات في هذه اللحظة، إن لم تكن تكاد تكون شاردة. وأين هي، إن لم ~~تكن في القمر؟ إن هناك من يتحدث على الدوام، ويكرر الحديث، عن ~~التوسط. فهل التوسط إذن إنسان، كما ظن، بيتر ديكن Peter ~~Deacon ~~«أن لفظ مطبوع # Imprimatur ~~» إنسان؟ وكيف يتحول ~~الكائن البشري إلى شيء من هذا النوع؟ هل هذا الشرف، وهذا الموضوع ~~الفلسفي العظيم، ثمرة دراسة، أم ms231 إن الحاكم يعينه، كما هي الحال في ~~منصب إمام الجامع أو حارس القبور؟ جرب أن توجه أسئلة بسيطة كهذه ~~الأسئلة التي يوجهها إنسان عادي يسره أن يصبح «توسطا» إذا أمكن أن ~~يتم ذلك على نحو مشروع حلال، لا بطريقة «واحد اتنين جلا جلا»، أو ~~بنسيان أنه هو ذاته كائن بشري موجود، ووجوده بالتالي أساسي بالنسبة ~~إليه، ووجوده الأخلاقي الديني هو غاية ما يصبو إليه. إن الفيلسوف ~~النظري قد يجد أن من فساد الذوق توجيه أسئلة كهذه. غير أن من المهم ~~ألا يوجه النزاع في الاتجاه الخاطئ، وبالتالي ألا نبدأ بطريقة ~~موضوعية شاذة لنناقش الأسباب المؤدية إلى الاعتراف بالتوسط، والأسباب ~~المؤدية إلى إنكاره، وإنما أن نتمسك بما يعنيه كون المرء كائنا ~~بشريا. # وسأوضح الآن، محاولا إظهار الفرق بين طريقة التفكير الموضوعي ~~وطريقة التفكير الذاتي، كيف يشق التفكير الذاتي طريقه داخليا إلى ~~العالم الباطن. إن باطنية الذات الموجودة تبلغ قمتها في الانفعال، ~~والحقيقة المناظرة للانفعال في الذات تتحول إلى امتناع منطقي. وكون ~~الحقيقة تتحول إلى امتناع منطقي هو أمر متأصل في كونها ذات صلة بذات ~~موجودة. وهكذا فإن كل طرف هنا يناظر الآخر، فإذا نسي المرء أنه ذات ~~موجودة، فإن انفعاله يضيع ولا تعود الحقيقة امتناعا منطقيا، وتصبح ~~الذات العارفة كيانا خياليا أكثر من كونها كائنا بشريا، وتغدو ~~الحقيقة موضوعا خياليا لمعرفة هذا الكائن الخيالي. # فعندما تثار مسألة الحقيقة على نحو موضوعي، يتوجه التفكير ~~موضوعيا إلى الحقيقة، بوصفها موضوعا يرتبط به العارف. غير أن ~~التفكير لا يتركز على العلاقة، وإنما على مسألة كون الحقيقة هي ما ~~يرتبط به العارف. فإذا كان الموضوع الذي يرتبط به هو الحقيقة فحسب، ~~فعندئذ تعد الذات مالكة للحقيقة. أما عندما تثار مسألة الحقيقة ~~ذاتيا، فإن التفكير يوجه ذاتيا إلى طبيعة علاقة الفرد، فإذا كانت ~~طريقة هذه العلاقة هي الحقيقة، فإن الفرد يعد مالكا للحقيقة حتى لو ~~كان في ذلك مرتبطا باللاحقيقة. # 8 ~~⋆ # ولنضرب لذلك مثلا بمعرفة الله؛ فمن الناحية الموضوعية، يوجه التفكير ~~إلى مشكلة كون هذا الموضوع ms232 هو الإله الحقيقي، أما من الناحية ~~الذاتية، فإنه يوجه إلى مسألة كون الفرد متصلا بشيء على نحو يجعل ~~اتصاله هذا اتصالا بإله في واقع الأمر؛ ففي أي جانب إذن توجد الحقيقة؟ ~~ألا يجوز لنا أن نلجأ إلى الوساطة، فنقول إنها لا توجد في هذا الجانب ~~ولا ذاك، وإنما في وسط بين الاثنين؟ هذا كلام رائع، بشرط أن نتمكن ~~من إيضاح كيف يستطيع الفرد الموجود أن يكون في حالة توسط؛ فلكي يكون أي ~~شيء في حاله توسط لا بد أن يكون منتهيا، على حين أن الفرد الموجود في ~~حالة صيرورة. وكما أن الفرد الموجود لا يستطيع أن يكون في مكانين في ~~آن واحد، فكذلك لا يستطيع أن يكون هوية بين ذات وموضوع. وعندما ~~يكون أقرب ما يمكن إلى الوجود في مكانين في آن واحد، يكون في حالة ~~انفعال غير أن الانفعال وقتي، والانفعال كذلك أرفع تعبير عن ~~الذاتية. # وهكذا فإن الفرد الموجود الذي يختار اتباع الطريق الموضوعي، يسير في ~~جميع مراحل عملية التقريب التي يكون هدفه فيها الكشف عن الله بطريقة ~~موضوعية. غير أن هذا مستحيل تماما؛ لأن الله ذات، ومن ثم لا يوجد إلا ~~بالنسبة إلى الذاتية في حياتها الباطنة. أما الفرد الموجود الذي ~~يختار اتباع الطريق الذاتي، فإنه يدرك على الفور كل الصعوبة ~~الديالكتيكية التي ينطوي عليها الاضطرار إلى استغراق وقت ما، وربما وقت ~~طويل، من أجل الاهتداء إلى الله موضوعيا، وهو يحس بهذه الصعوبة ~~الديالكتيكية بكل ما تبعثه من ألم؛ لأن كل لحظة لا يصل فيها إلى الله، ~~إنما هي لحظة ضائعة. # 9 ~~⋆ # في هذه اللحظة بعينها يكون قد وصل إلى الله، لا بفضل أي تأمل موضوعي، ~~وإنما بفضل الانفعال اللانهائي لعالمه الباطن. أما الباحث الموضوعي ~~فلا تحيره تلك الصعوبات الديالكتيكية التي ينطوي عليها تخصيص فترة ~~بحث كاملة للاهتداء إلى الله؛ إذ إن الباحث قد يموت غدا، وإذا عاش فلن ~~يكاد يستطيع أن ينظر إلى الله على أنه شيء يؤخذ إذا تبين أنه مريح؛ ~~إذ إن الله ليس ms233 إلا ما يسعى إليه المرء بأي ثمن، وهذا هو ما يكون في ~~فهم الانفعال العلاقة الباطنة الحقيقية بالله. # في هذه المرحلة العظيمة الصعوبة من الوجهة الديالكتيكية، ينحرف ~~الطريق بكل من يعرف معنى التفكير، والتفكير وجوديا، وهو أمر مختلف ~~تماما عن الجلوس إلى منضدة والكتابة عما لم يفعله المرء قط، ومختلف ~~تماما عن الدعوة إلى «الشك في كل شيء # de omnibus ~~dubitandum ~~، والتصرف وجوديا بطريقة فيها من ~~التصديق الساذج ما لدى أكثر الناس تقيدا بعالم الحس. ها هنا ينحرف ~~الطريق، ويتضح التغير في أنه على حين أن المعرفة الموضوعية تسير ~~بتؤدة في طريق «التقريب» الطويل، دون أن يعوقها اندفاع الانفعال، فإن ~~المعرفة الذاتية تعد كل إبطاء خطرا مميتا، وترى أن القرار ذو أهمية ~~عظمى، وملح إلحاحا شديدا إلى حد يبدو معه كأن الفرصة قد فاتت ~~بالفعل. # فإذا كان علينا أن نواجه مشكلة تحديد الجانب الذي تكون فيه حقيقة ~~أعظم، وهل هو جانب من يلتمس الإله الحق موضوعيا، ويتعقب الحقيقة ~~التقريبية لفكرة الله، أم جانب من يتملكه انفعال لا نهائي بحاجته إلى ~~الله، فيشعر باهتمام لا نهائي بعلاقته بالله في الحقيقة (إذ إن كون ~~المرء في كلا الجانبين معا بقدر متساو، هو كما لاحظنا من قبل ~~مستحيل على فرد موجود، وما هو إلا الخداع البراق لعبارة أنا، هو أنا ~~التقليدي). أما هذا فسؤال لا يمكن أن يشك في الإجابة من لم يؤد ~~العلم إلى تثبيط عزيمته. فإذا ما توجه شخص يعيش وسط العالم المسيحي ~~إلى بيت الله الحقيقي، ولديه في معرفته فكرة صحيحة عن الله، وصلى، ~~ولكنه صلى بروح زائغة، وإذا ما صلى شخص يعيش في مجتمع وثني بكل ~~انفعال اللامتناهي، وإن تكن عيناه مرتكزتين على صورة وثن؛ ففي أيهما ~~تكون الحقيقة أعظم؟ إن أحدهما يصلي حقيقة لله وإن يكن يعبد وثنا، ~~والآخر يصلي باطلا لله الحقيقي، ومن ثم فهو الذي يعبد الوثن. ~~••• # إن الاهتمام الموضوعي ينصب على «ما» يقال، والاهتمام الذاتي ينصب ~~على «كيف» يقال هذا. وهذا التمييز يسري حتى في ms234 العالم الحسي، ويجد ~~تعبيرا محددا عنه في المبدأ القائل إن ما هو صحيح في ذاته قد يغدو ~~باطلا إذا صدر عن هذا الشخص أو ذاك. وفي عصرنا هذا، تغدو لهذا التمييز ~~أهمية خاصة إذ إننا إذا شئنا التعبير في جملة واحدة عن الفرق بين ~~العصور القديمة وعصرنا، كان علينا بلا شك أن نقول: «في العصور القديمة ~~كان فرد هنا وهناك هو وحده الذي يعرف الحقيقة، أما الآن فالكل ~~يعرفونها، إلا أن امتلاكها في باطن النفس يتناسب عكسيا مع مدى انتشارها.» # 10 ~~⋆ # فمن الوجهة الحسية تكون الطريقة الكوميدية هي أفضل طريقة لتصور التناقض ~~الذي ينطوي عليه تحول الحقيقة إلى بطلان إذا ما صدرت عن هذا الشخص أو ~~ذاك، أما في المجال الأخلاقي الديني، فإن الاهتمام ينصب ثانية على ~~«الكيف». ولكن ينبغي ألا يفهم هذا على أنه يشير إلى المسلك الخارجي ~~أو التعبير أو ما شابه ذلك، وإنما هو يشير إلى العلاقة القائمة بين ~~الفرد الموجود، في وجوده الخاص، وبين محتوى قوله؛ فالاهتمام لا ينصب من ~~الوجهة الموضوعية إلا على محتوى الفكر، بينما هو ينصب من الوجهة ~~الذاتية على الصدى الباطن. وهذا «الكيف» الباطن يصبح، عندما يبلغ أقصى ~~مداه، الشوق إلى اللامتناهي، والشوق إلى اللامتناهي هو الحقيقة، غير أن ~~الشوق إلى اللامتناهي هو بعينه الذاتية، وبهذا تصبح الذاتية هي ~~الحقيقة. فمن الوجهة الموضوعية لا يوجد عزم لا متناه، ومن هنا فمن ~~الملائم موضوعيا القضاء على الفرق بين الخير والشر، ومعه مبدأ ~~التناقض، وكذلك الفارق اللامتناهي بين الصحيح والباطن، أما هذا العزم ~~فلا وجود له إلا في الذاتية؛ ولهذا كان البحث عن الموضوعية وقوعا في ~~الخطأ؛ فالشوق إلى اللامتناهي، لا محتواه، هو العامل الحاسم؛ إذ إن ~~محتواه هو ذاته تماما. وعلى هذا النحو تكون الذاتية، و«الكيف» الذاتي، ~~هي قوام الحقيقة. # غير أن «الكيف» الذي يرجع تأكيده ذاتيا على هذا النحو إلى أن الذات ~~فرد موجود، يخضع أيضا لديالكتيك فيما يتعلق بالزمان؛ ففي لحظة القرار ~~المنفعلة، عندما ينحرف الطريق بعيدا عن المعرفة الموضوعية يبدو ms235 كأن ~~القرار اللانهائي قد تحقق على هذا النحو، ولكن الفرد الموجود، في ~~الوقت ذاته، يجد نفسه في عالم الزمان، ويتحول «الكيف» الذاتي، إلى ~~«توق» # striving ~~، وهو «توق» يتلقى ~~قوته الدافعة وتجدده الدائم من الشوق الحاسم إلى اللامتناهي، ولكنه ~~يظل مع ذلك «توقا». # وعندما تصبح الذاتية هي الحقيقة، ينبغي أن يتضمن تحديدها في شكل ~~تصورات تعبيرا عن تضادها مع الموضوعية، وعلامة على المفرق الذي ~~ينحرف فيه الطريق، ويكون هذا التعبير في الآن ذاته دليلا على توتر ~~الباطنية الذاتية. وها هو ذا تعريف الحقيقة الذي نعنيه: إن اللايقين ~~الموضوعي، الذي يتمسك به في عملية تملك لأكثر المشاعر الباطنة ~~انفعالا، هو الحقيقة، وهو أسمى حقيقة يمكن أن يصل إليها الفرد ~~الموجود؛ ففي النقطة التي ينحرف فيها الطريق (ومن المستحيل تحديد هذه ~~النقطة موضوعيا؛ إذ إن المسألة متعلقة بالذاتية) تعطل المعرفة ~~الموضوعية، فلا يكون لدى الذات، من الوجهة الموضوعية، سوى اللايقين، ~~غير أن هذا هو بعينه ما يزيد توتر هذا الانفعال اللانهائي الذي يكون ~~باطنيته؛ فالحقيقة هي بعينها تلك المخاطرة التي تختار اللايقين ~~الموضوعي بانفعال الشوق إلى اللامتناهي. فأنا أتأمل نظام الطبيعة ~~آملا الاهتداء إلى الله، فأرى القدرة على كل شيء والحكمة الكاملة، ~~ولكني أرى أيضا أشياء أخرى كثيرة تعكر ذهني وتثير قلقي. ومحصل ~~هذا كله هو اللايقين الموضوعي، غير أن هذا هو بعينه السبب الذي تصبح ~~الباطنية من أجله بهذا القدر من الشدة؛ إذ إنها تضم هذا اللايقين ~~الموضوعي بكل انفعالها المشتاق إلى اللامتناهي. أما في حالة القضية ~~الرياضية فإن الموضوعية تكون موجودة، غير أن حقيقة مثل هذه القضية تغدو ~~لهذا السبب حقيقة غير مكترثة # indifferent ~~. # ولكن التعريف السابق للحقيقة هو تعبير معادل عن الإيمان؛ فلا إيمان ~~بلا مخاطرة، وما الإيمان إلا التناقض بين الشوق اللامتناهي في باطنية ~~الفرد وبين اللايقين، ولو كنت قادرا على إدراك الله موضوعيا، لما ~~احتجت إلى الإيمان، ولكن لا بد لي من الإيمان لأنني بالفعل لا أستطيع ~~إدراكه موضوعيا. وإذا شئت أن أحتفظ بإيماني فعلي أن أحرص دائما ms236 ~~على التمسك باللايقين الموضوعي، حتى أظل في المياه العميقة، التي يزيد ~~عمقها على سبعين ألف فرسخ، محتفظا بإيماني. ~~••• # القسم الرابع: المفكر الذاتي؛ رسالته، وصورته، وأسلوبه. إذا ما ~~استطاعت رحلة في عالم الفكر الخالص أن تقرر إن كان الشخص مفكرا ~~أم لا، فإن المفكر الذاتي يستبعد آليا من الحساب. ولكن في ~~استبعاده هذا استبعادا لكل مشكلة وجودية أيضا بحيث تطلق النتائج ~~الأليمة لهذا صيحات تحذير خافتة تمتزج بصيحات التهليل التي استقبل بها ~~الفكر المجرد الحديث «المذهب». # 11 # وهناك مثل قديم يقول إن البلاغة والتأثير # tentatio # والتأمل، تصنع عالم ~~اللاهوت. وبالمثل يحتاج المفكر الذاتي إلى الخيال والشعور، والديالكتيك ~~في الباطنية الوجودية، مقترنة بالانفعال. ولكن أهم ما يحتاج إليه هو ~~الانفعال؛ إذ يستحيل التفكير عن الوجود # existence ~~، وفي الوجود دون انفعال؛ ~~فالوجود ينطوي على تناقض هائل، لا يتعين على المفكر الذاتي أن يجرد ~~نفسه منه، وإن يكن يستطيع ذلك إذا شاء، وإنما تكون مهمته هي البقاء ~~فيه. أما بالنسبة إلى ديالكتيك التاريخ العالمي، فإن الأفراد ~~يتلاشون في الإنسانية؛ فأنت، وأنا، وأي فرد ذو وجود خاص، لا يمكن أن ~~تظهر في أعين هذا الديالكتيك حتى لو اخترعت أحدث وأقوى أجهزة ~~التكبير. # إن المفكر الذاتي ديالكتيكي يختص بما هو وجودي، ولديه انفعال الفكر ~~اللازم للتمسك بالانفصال الكيفي. أما إذا طبق هذا الانفصال الكيفي ~~على فراغ خاو، أو طبق على الفرد على نحو تجريدي محض، فإن الخطر ~~هنا هي أن المرء قد يقول شيئا ذا أهمية هائلة، ويكون مصيبا فيما ~~يقول، ولكنه مع ذلك - ويا للسخرية! - لا يقول شيئا على الإطلاق. ومن ~~هنا فإن من الظواهر الجديرة بالملاحظة نفسانيا، أن الانفصال المطلق ~~قد يستخدم بمنتهى الدهاء، لا لشيء إلا من أجل التضليل، فلو عوقبت كل ~~جريمة بالإعدام، فلن تعود هناك آخر الأمر جريمة يعاقب عليها مطلقا. ~~وكذلك الحال في الانفصال التام؛ فلو طبق بطريقة تجريدية، لأصبح ~~نصا أخرس لا يمكن النطق به، أو إذا نطق به فلن يقول شيئا. أما ~~المفكر الذاتي فيجد الانفصال المطلق في ms237 متناول يده، ومن ثم فهو يحرص ~~عليه بانفعال المفكر، بوصفه لحظة وجودية أساسية، ولكنه يستبقيه بوصفه ~~ملجأ أخيرا حاسما، حتى يحول دون رد كل شيء إلى مجرد فروق كمية، وهو ~~يحتفظ به على سبيل الاحتياط، ولكن لا يطبقه على نحو يجعله يلجأ إليه ~~بطريقة مجردة لكبت الوجود. ومن هنا فإن المفكر الذاتي يضيف إلى عتاده ~~الانفعال الحسي والأخلاقي، الذي يضفيه عليه العينية اللازمة. # إن جميع المشاكل الوجودية مشاكل انفعالية؛ إذ إن الوجود عندها ~~يتخلله الفكر # reflection ~~، يولد ~~الانفعال. والتفكير في المشاكل الوجودية على نحو يترك فيه الانفعال ~~جانبا، يعادل عدم التفكير فيها على الإطلاق؛ إذ يغفل أهم ما في ~~الأمر، وهو أن الفكر ذاته موجود. غير أن المفكر الذاتي ليس شاعرا، وإن ~~يكن من الجائز أن يكون شاعرا أيضا، وهو ليس باحثا أخلاقيا، وإن ~~يكن من الجائز أن يكون ديالكتيكيا أيضا إنه فرد موجود أساسا، في ~~حين أن وجود الشاعر ليس أساسيا بالنسبة إلى القصيدة، وكذلك وجود ~~الباحث الأخلاقي بالنسبة إلى مذهبه، ووجود الديالكتيكي بالنسبة إلى ~~فكره. إن المفكر الذاتي ليس رجل علم، وإنما هو فنان. والوجود # Existing # فن. والمفكر الذاتي حسي ~~إلى الحد الذي يجعل لحياته محتوى حسيا، وأخلاقي إلى الحد الذي يكفي ~~لتنظيمها، وديالكتيكي إلى الحد الذي يكفي لتفسيرها فكريا. # إن مهمة المفكر الذاتي هي فهم ذاته في وجوده؛ فالتفكير المجرد خليق ~~بالتحدث عن الوجود، وبقوته الدافعة الكامنة، وإن يكن بتجريده من ~~الوجود، ومن حالة الوجود يقضي على الصعوبة والتناقض. أما المفكر ~~الذاتي فهو فرد موجود ومفكر في آن واحد، وهو لا يجرد من التناقض ~~ومن الوجود، وإنما يعيش فيهما وهو يفكر في نفس الوقت؛ ولذلك فعليه في ~~كل تفكير له أن يذكر أنه فرد موجود. ولهذا السبب كان لديه دائما ما ~~يكفي للتفكير فيه، وسرعان ما يطرح جانبا الإنسانية من حيث هي تصور ~~مجرد، وكذلك تاريخ العالم؛ فحتى هذه البقاع الشاسعة، كالصين وفارس، ~~إلخ، ليست شيئا بالنسبة إلى الوحش الجائع الذي تكونه العملية ~~التاريخية، وسرعان ما يطرح ms238 جانبا التصور المجرد للإيمان، غير أن ~~المفكر الذاتي الذي يظل في كل تفكير له ملازما لوجوده، سيجد في إيمانه ~~موضوعا للتفكير لا ينضب معينه، وذلك عندما يحاول تتبع هذا الإيمان ~~في منعطفاته مع كل الأحوال العديدة للحياة. وليس هذا التفكير الذاتي ~~بالأمر الهين على الإطلاق؛ إذ إن التغلغل في الوجود أصعب الأمور عندما ~~يتعين على المفكر أن يظل فيه؛ لأن تلك اللحظة يقتضي أعلى قرار يصدره ~~المرء، ومع ذلك فهي لحظة عابرة في الأعوام السبعين الممكنة للحياة ~~البشرية. ~~••• # وعلى حين أن التفكير المجرد يسعى إلى فهم العيني بطريقة مجردة، فإن ~~المفكر الذاتي على العكس من ذلك، يتعين عليه أن يفهم المجرد عينيا؛ ~~فالفكر المجرد يتحول من الناس العينيين إلى النظر في الإنسان عامة، ~~أما المفكر الذاتي فيسعى إلى فهم التحديد المجرد لكون المرء إنسانا ~~من خلال هذا الكائن البشري الخاص الموجود. ~~••• # وهناك معنى معين يتحدث فيه المفكر الذاتي بطريقة تماثل في تجردها ~~طريقة المفكر المجرد؛ إذ إن الأخير يتحدث عن الإنسان بوجه عام وعن ~~الذاتية بوجه عام، بينما يتحدث الأول عن الإنسان الواحد. غير أن هذا ~~الكائن البشري الواحد كائن بشري موجود، وبذلك لا تكون الصعوبة قد ~~ذللت. # كذلك فإن فهم المرء لذاته في وجوده هو قوام المبدأ المسيحي، سوى أن ~~هذه «الذات» تتلقى عندما تقترن بالوجود تحديدا أكثر ثراء وعمقا ~~بكثير، بل وأصعب من ذلك على الفهم؛ فالمؤمن مفكر ذاتي، والفارق في هذه ~~الحالة، كما أوضحنا من قبل، لا يزيد على الفارق بين الإنسان البسيط ~~والإنسان الحكيم البسيط، وهنا أيضا لا تكون «الذات» هي البشرية عامة، ~~أو الذاتية عامة، التي يغدو فيها كل شيء هينا لأن الصعوبة تزول، ~~وتنقل المهمة بأسرها إلى عالم الفكر المجرد بأشباحه الخيالية. وإن ~~الصعوبة ها هنا لأعظم مما كانت لدى اليونانيين؛ لأن الموقف ينطوي ~~على المزيد من المتناقضات؛ إذ يؤكد الوجود، بطريقة ممتنعة، على أنه ~~هو الخطيئة، وتؤكد الأزلية، بطريقة ممتنعة، على أنها هي الله في ~~الزمان؛ فقوام الصعوبة هو الوجود في مثل هذه ms239 المقولات، لا في تخلص ~~الإنسان منها بالفكر المجرد؛ أي بالتفكير على نحو مجرد في صيرورة إلهية ~~أزلية مثلا، وما شابه ذلك، وهي كلها أفكار تظهر بمجرد أن تزال ~~الصعوبة، ونتيجة لذلك فإن وجود المؤمن ما زال أكثر انفعالية من وجود ~~الفيلسوف اليوناني، الذي كان في حاجة إلى درجة كبيرة من الانفعال حتى ~~بالنسبة إلى «عدم اكتراثه # etaraxy ~~»؛ إذ ~~إن الوجود الذي يؤكد بطريقة ممتعة يولد أقصى قدر من ~~الانفعال. # إن في التجريد من الوجود إزالة الصعوبة، والبقاء في الوجود من أجل ~~فهم شيء معين في لحظة ما، وشيء آخر في لحظة أخرى، لا يؤدي بالمرء إلى ~~فهم ذاته. على أن فهم أعظم المتقابلات سويا، وفهم المرء لنفسه ~~موجودا فيها، هو أمر عسير حقا. فليكتف كل امرئ بأن يلاحظ ذاته، ~~ويرقب الطريقة التي يتحدث بها الناس، وسيدرك مدى ندرة الحالات التي ~~تحققت فيها هذه المهمة بنجاح. ~~••• # إن المفكر الذاتي لا يتمتع، رغم كل ما يبذله من جهود مضنية، إلا ~~بثواب هزيل؛ فكلما ازدادت الفكرة الجماعية سيطرة حتى على الذهن ~~العادي، ازدادت صعوبة انتقال المرء إلى أن يصبح كائنا بشريا خاصا ~~موجودا بدلا من أن يفقد ذاته في الجنس الشامل، ويقول «نحن» و«عصرنا» ~~و«القرن التاسع عشر». ونحن لا ننكر أن كون المرء كائنا بشريا خاصا ~~موجودا فحسب، هو شيء ضئيل، ولكن هذا السبب عينه هو الذي يجعل عدم ~~الاستخفاف به أمرا يقتضي استسلاما غير قليل. إذ ما قيمة الفرد وحده؟ ~~إن عصرنا ليعلم حق العلم مبلغ ضآلة قيمته، ولكن ها هنا أيضا تكمن ~~اللاأخلاقية الخاصة لهذا العصر؛ فلكل عصر عيبه المميز له. وأعتقد أن ~~عيب عصرنا ليس في اللذة أو التهالك أو الحسية، وإنما في الاحتقار ~~الانحلالي للإنسان الفرد بطريقة مبنية على نظرة شاملة إلى الوجود؛ فوسط ~~كل ما نشعر به من فخر بما أنجزه العصر والقرن التاسع عشر، تسمع نغمة ~~من الاحتقار المذموم للإنسان الفرد، ووسط كل الشعور بالأهمية الذاتية، ~~الذي يتملك الجيل المعاصر، يتكشف إحساس باليأس من الكائن البشري. ~~وعلى ms240 كل شيء أن يرتبط بحركة ما ليكون جزءا منها؛ فالناس مصرون ~~على أن يفقدوا ذواتهم في المجموع الكلي للأشياء، وفي تاريخ العالم، ~~وكأن ثمة سحرا يفتنهم ويخدعهم، ولا أحد يريد أن يكون كائنا بشريا ~~فرديا. وربما كان هذا مصدر المحاولات العديدة التي تبذل للاستمرار ~~في التمسك بهيجل، حتى من أناس توصلوا إلى إدراك الطابع المريب ~~لفلسفته. والمسألة ها هنا إنما هي خوفهم من أنهم لو أصبحوا كائنات ~~بشرية خاصة موجودة، فسوف يختفون دون أن يبقي لهم أثر، بحيث لا تستطيع ~~أن تهتدي إليهم الصحافة اليومية ذاتها، ناهيك بالجرائد الناقدة، فما ~~بالك بالفلاسفة التأمليين الغارقين في تاريخ العالم! إنهم يخشون ~~بوصفهم كائنات بشرية خاصة، أن يطويهم وجود منسي أكثر انعزالا عن وجود ~~الإنسان في الريف؛ ذلك لأن المرء لو تخلف عن ركاب هيجل فلن يستطيع ~~حتى أن يجد من يبعث برسالة إلى عنوانه. # الفصل الثاني عشر # | العودة إلى التنوير # إرنست ماخ (1838-1916م) # لم يساهم أي فيلسوف بحثنا، في هذا الكتاب، باستثناء كانت، بأي دور في ~~العلم الفيزيائي، بل إن القليل منهم من كانت له معرفة دقيقة به؛ ~~فاهتمام الفلاسفة بالعلم الطبيعي خلال جزء كبير من القرن التاسع عشر ~~ظل خاملا إلى حد بعيد، على عكس الحال في «عصر العقل». # 1 # حقا إن التقدم ظل سريعا، غير أن معظم العلماء قد ~~قنعوا بأداء عملهم بدلا من الكلام عنه. ومن أسباب ذلك أن التكيفات ~~الفلسفية الأساسية مع النظرة العلمية الجديدة إلى العالم الطبيعي كانت ~~قد تمت في الفترة السابقة. وفضلا عن ذلك فإن نجاح العلوم الطبيعية ~~في تقديم أوصاف منظمة قابلة للتحقيق، قد بدد أية شكوك باقية بشأن صحة ~~مناهج العلم، وذلك في ميدان الظواهر غير العضوية على الأقل، وإذ تم ~~بالتدريج سريان فيزياء نيوتن في مجرى الحياة الثقافية الأوروبية، فإنه ~~لم تظل هناك بعدئذ نقطة أساسية للخلاف بين العلم الفيزيائي ~~والمجالات الرئيسية التقليدية لاهتمام المجتمع، بل إن الكنيسة، التي ~~كانت دائما مفرطة في ترددها، قد بدأت أخيرا توفق بين أركان ~~إيمانها وبين ms241 الصورة العلمية للعالم المادي. وظل ما تبقى من الجدل ~~يدور حول تطبيق مناهج العلم الفيزيائي على مجالات الحياة والعقل ~~والتاريخ. # ومع ذلك فإن الاهتمام الفلسفي بالعلوم الفيزيائية ومناهجها قد بعث ~~من جديد قرب نهاية القرن التاسع عشر. وجاء هذا الاهتمام أول الأمر من ~~العلماء أنفسهم، أكثر مما جاء من الفلاسفة المحترفين. وكان ذلك ~~راجعا في المحل الأول إلى بدء ظهور أفكار أساسية جديدة في مجال ~~الفيزياء والرياضيات، اقتضت قيام علماء الفيزياء والرياضيات بالتفكير ~~أساسيا من جديد في طبيعة علومهم وعلاقة تصورات هذه العلوم بالتجربة ~~(وبعالم الواقع). «فكانت» كان ينظر إلى الهندسة الإقليدية، بطريقة شبه ~~يقينية، على أنها علم المكان الوحيد الشامل الضروري. ولكن لم يعد من ~~الممكن، بعد ظهور الهندسات اللاإقليدية الانقلابية على يد ريمان # Riemann # ولوباتشفكي # Labachavski ~~، أن ينظر إلى الهندسة ~~الخالصة على أنها علم لحقائق تركيبية أولية تتعلق بالظواهر المكانية ~~المعطاة في التجربة، فما هو إذن موضوع الهندسة، وعلى أي شيء تصدق ~~الهندسات اللابعدية الجديدة، إن كانت تصدق على شيء؟ كذلك أدت تطورات ~~مماثلة في تعقدها وتعمقها، طرأت على النظرية الفيزيائية، إلى ظهور ~~مشاكل تفسيرية مماثلة أمام العلماء والفلاسفة الذين ظلوا يتمسكون ~~بالنظرية القائلة إن الفضيلة الكبرى للمنهج العلمي تنحصر قبل كل شيء في ~~رفضه البات أن يعترف بتعبيرات لا تشير إلى موضوعات تجريبية. # ولقد كانت المشاكل معقدة وعسيرة، ولكن كان لا بد من الاهتداء إلى حل ~~لها من أجل الاحتفاظ بمركز الفيزياء بوصفها علما تجريبيا، ومن أجل ~~الإبقاء على مكانة علم الفيزياء بوصفه أنموذجا للمعرفة البشرية. وكانت ~~الحاجة إلى مثل هذه الحلول أشد إلحاحا في ذلك العصر؛ لأن النظريات ~~التجريبية في المعرفة، تلك النظريات التي ظل المنهج العلمي يرتكن ~~إليها طويلا في تبرير إعادته بأنه هو الوسيلة الوحيدة لنقل التصديق ~~العقلي، كانت هي ذاتها تتعرض لهجوم عنيف من مصادر أخرى؛ ذلك لأن ~~الاضطراب المتزايد في صفوف العلماء أنفسهم قد عاد بالفائدة الجزيلة، ~~ولم يعد بأية خسارة، على الفلاسفة المثاليين وحلفائهم في ميداني ~~التاريخ والنظرية الاجتماعية، بل على ms242 علماء اللاهوت والثوريين ~~السياسيين. فإذا كان هذا العلم المحبب إلى الروح الوضعية؛ أي ~~الفيزياء ذاتها، لم يعد ينظر إليه على أنه علم تجريبي محض، فأي شيء ~~إذن يستطيع أن يمنع «العلوم» الأخرى، التي تعترف بأنها غير تجريبية، من ~~الادعاء بأنها تأتينا بنوع من المعرفة «عن العالم الحقيقي؟» # لقد رأى التجريبيون منذ عهد هيوم أن الصفة المميزة للعلم، التي ~~تفرق بينه وبين اللاهوت المتعالي والميتافيزيقا تفرقة قاطعة، هي ~~رفضه لأي تصور لا يمكن تعريفه بعبارات وألفاظ تشير إلى مكونات يمكن ~~إدراكها في التجربة الحسية. ولكنه أصبح من الواضح الآن أن علم ~~الفيزياء، الذي يعد مثلا أعلى للعلوم، يزداد هو ذاته إقبالا على ~~استخدام تصورات لا يبدو أن من الممكن ردها على هذا النحو . ومع ذلك، ~~فأية حجة يمكن أن تقدم في هذه الحالة ضد أولئك الفلاسفة الذين رأوا ~~أن مجرد عدم قابلية أفكار مثل فكرة الله والحرية والخلود للتعريف ~~التجريبي لا تؤلف اعتراضا جديا ضدها؟ وإذا كان علم الفيزياء ~~العظيم يلجأ رغما عنه إلى مفهومات تتجاوز التجربة عندما يحاول تفسير ~~الارتباطات بين ظواهر قابلة للملاحظة فحسب، ألا يكون العلم ذاته قد ~~رضي بطريقة ضمنية عن التصورات اللاهوتية والتفسيرات الميتافيزيقية التي ~~رفضها كونت وأتباعه باسم العلم الوضعي؟ وماذا نقول عن ادعاءات «مل» ~~المتعلقة بفلسفة التجربة، إن كانت الفيزياء ذاتها، لا الرياضيات فحسب، ~~قد أصبحت لا تكترث بمسألة وجود أساس تجريبي لنماذجها التصورية؟ # في هذا الجو الحافل بالحيرة والاضطراب، أخذ العالم الفيزيائي ~~والفيلسوف النمسوي «إرنست ماخ» على عاتقه مهمة الدفاع من جديد عن ~~برنامج الوضعية ضد مهاجميها؛ فقد كان ماخ على ثقة من أنه إذا ما أريد ~~الدفاع عن العلم بطريقة متسقة، بوصفه الصورة الوحيدة للتصديق العقلي، ~~فمن الواجب أن يرود العلماء أنفسهم دائما على الامتناع عن استخدام ~~ألفاظ ونظريات لا ترتبط بوقائع التجربة ارتباطا استنباطيا. ولذلك ~~أقترح وصفة غذائية علاجية ثورية كفيلة بإرجاع العلوم الفيزيائية إلى ~~وزنها الذي تستطيع فيه استئناف نشاطها بوصفها علوما تجريبية، وبذلك ~~يزول عن جسم ذلك العلم الرفيع ms243 كل ما تراكم عليه من شحم التركيبات ~~النظرية غير القابلة للتحقيق. على أنه لم يقترح ذلك باسم الفلسفة ~~الوضعية، وإنما باسم العلم ذاته؛ فقد تحدث بوصفه عالما فيزيائيا ~~يخاطب علماء فيزيائيين، لا بوصفه مجرد داعية فلسفي. # وفي رأي ماخ أن الهدف الوحيد للعلم هو وصف العلاقات القابلة للملاحظة ~~بين الظواهر والتنبؤ بها. ولكن ما الذي ينبغي علينا أن نقبله بوصفه ~~ظواهر؟ إن إدراكاتنا الحسية اليومية التلقائية تحتوي عناصر غريبة من ~~التفسير الذاتي تتجاوز ما يمكن أن يقال إننا نراه أو نسمعه بالمعنى ~~الدقيق. فمن غير الممكن الاعتماد على ما نسميه عادة ب «الملاحظة» في ~~تقديم تصوير صادق للمعطيات الحسية التي هي أول وآخر كل تعميم وتنبؤ ~~علمي؛ ولذلك كان يتعين على أية نظرية علمية في المعرفة أن تضع نظرية ~~سليمة للظواهر، يحذف منها كل أثر للذاتية. وهكذا اعتقد ماخ؛ إذ لم ~~يعترف ب «عناصر» المعرفة البشرية سوى الإحساسات ذاتها، ولم يتخذ أساسا ~~للإشارة إلا من الألفاظ الدالة على هذه العناصر، إن من الممكن وضع ~~اختبار حاسم للإدراك الصادق وللتمييز المعرفي بين التعبيرات ذات المعنى ~~والتعبيرات غير ذات المعنى. ومع ذلك فقد أدرك أن العلم لا يستطيع المضي ~~في طريقة دون استخدام بعض الألفاظ الأخرى غير الدالة على العناصر ~~الحسية أو مركباتها. مثال ذلك أن العالم لا يستطيع أن يستغني عن ~~«الكلمات الشيئية» أو عن تصورات كالعلة أو العدد. ومن رأي ماخ أن هذه ~~التصورات كلها «تصورات مساعدة»؛ فهي لا تقبل في اللغة العلمية إلا ~~بقدر ما تمكننا من التعبير بدقة واختصار عن تفسيرنا في الظواهر؛ ~~فهذه التصورات أجهزة حاسية، إن جاز هذا التعبير، وليست ألفاظا تنطبق ~~على الظواهر وتشرحها. وإذن فبقدر ما تتيح هذه الألفاظ تنظيم الفروض في ~~إطار منظم، جامع، واضح، للنظرية العلمية، فإن ماخ على استعداد ~~لقبول الأفكار المساعدة في اللغة العلمية، على أن يكون مفهوما بوضوح ~~أن من الواجب ألا يظن أنها تدل على أي شيء ما لم يؤت بتعريفات ~~تبين كيف يمكن ردها دون باق إلى ms244 مجموعات من الألفاظ الأخرى التي ~~تشير مباشرة إلى عناصر حسية. # وإذن ففي نظرية المعرفة عند ماخ مبدآن منهجيان؛ أولهما، ويمكن تسميته ~~التجريبية، يقول إن الإحساسات وحدها هي التي تمدنا بالمعطيات أو ~~«المادة» الحقيقية للمعرفة. ويرى ماخ أن لهذا المبدأ نتيجة هامة، هي ~~أن الألفاظ التي ينبغي استخدامها وتطبيقها ليست إلا تلك التي تسير، ~~بطريق مباشر أو من خلال تعريفات، إلى الإحساسات. ومن الممكن أن نطلق ~~على هذه النتيجة اسم «نتيجة المذهب الظاهري». # أما المبدأ الثاني، الذي يمكن تسميته بالمبدأ البرجماتي للاقتصاد ~~في الفكر فيقضي بأن التصورات المساعدة يمكن أن تقبل في اللغة العلمية، ~~ولكن لغرض واحد هو تنظيم الفروض في نسق محكم الترابط. وينبغي أن نعترف ~~بأن هذين المبدأين يولدان نوعا من التوتر في تفكير ماخ. كما أنه ~~لم ينجح في تقديم إيضاح لطبيعة الألفاظ المساعدة يكفل تفسير استخدامها ~~على نحو لا يقضي منا افتراض أنها تشير إلى كيانات غامضة في عالم ~~الواقع. ولقد كان ماخ يحتاج، من أجل إزالة هذا التوتر، وتفسير الوظيفة ~~الرمزية في العلم للألفاظ غير المشيرة إلى موضوعات، إلى فلسفة للغة ~~والمنطق أوسع نطاقا وأبعد غورا مما كان هو ذاته قادرا على الإتيان ~~به. ولم يبدأ الوضعيون وحلفاؤهم البرجماتيون في تعويض هذا النقص إلا في ~~القرن التالي. # ولقد كان ماخ، مثل كونت من قبله، واضع برنامج في المحل الأول؛ ~~فأفكاره كانت كالبذور المولدة لغيرها، وكان لها تأثير بالغ في الفترة ~~التالية لوفاته. غير أنه لم يقدم تحليلات لتصورات مساعدة خاصة توضح ~~بالتفصيل طريقة عمل هذه التصورات في عملية «توفير التجارب». # وفضلا عن ذلك فإن نظريته نفسانية أكثر مما ينبغي، ولكن المطلوب ~~ليس بيانا للقيمة النفسانية لهذه الأفكار، بقدر ما هو تفسير لوظائفنا ~~المنطقية في اللغة. والأمر الذي كان ألزم من كل ما عداه هو تصور أوضح ~~للرياضيات والمنطق ذاتهما. ولكن هذا لا يمكن الإتيان به إلا بعد إتمام ~~تنظيم هذين العلمين وكشف الأسس المنطقية الخالصة للرياضيات. عندئذ، ~~وعندئذ فقط، يمكن إيجاد تفسير صحيح للمعنى اللاإشاري # non-referential ms245 # للتصورات المساعدة ~~في العلوم. # ولقد كانت أهداف نظرية المعرفة عند ماخ مضادة للذاتية تماما، وكانت ~~كلها معارضة للمثالية الميتافيزيقية؛ ولهذا السبب كان من الطريف أن ~~نلاحظ أن لينين، أنبغ تلاميذ ماركس، قد هاجم في كتابه «المادية ~~والنقدية التجريبية» # Materialism and ~~Empirio-Criticism # فلسفة ماخ بوصفها أحدث وأدق ~~صورة للمذهب الذاتي وللمثالية، التي ظلت المادية الديالكتيكية ~~تحاربها طوال ما يزيد على نصف قرن. ومع ذلك فللمرء أن يتساءل إن كان ~~لينين قد أدرك تماما طبيعة المذاهب التي هاجمها. لقد كان من الذكاء ~~بحيث رأى أنها تحمل تهديدا أساسيا لأية ميتافيزيقا أو فلسفة للتاريخ ~~تدعي أنها عملية وديالكتيكية ومادية في آن واحد. ولكنه أخطأ إذ تصور ~~أن نظرية الإحساس عند ماخ مجرد شكل دقيق معقد للمثالية الذاتية؛ فماخ ~~لم ينظر على الإطلاق إلى ما أسماه ب «الإحساسات» على أنها كيانات ~~ذهنية لا توجد إلا في الإدراك الحسي أو بوصفها موضوعات لذهن أو أنا ~~ترنسندنتالي، وإنما كانت كل هذه المسائل «الميتافيزيقية» في رأيه لا ~~معنى لها على الإطلاق. والواقع أن تصورات الذهن، والجسم، والمادية، ~~هي ذاتها، إذا ما فهمت فهما صحيحا، ما أطلق عليه الفلاسفة التالون ~~اسم «التركيبات المنطقية»؛ أي إنها قابلة تماما للتحليل إلى ألفاظ ~~أخرى لا تشير إلا إلى مجموعات من الارتباطات بين عناصر التجربة. ومن ~~وجهة النظر هذه يرتد ما يسمى ب «مشكلة الذهن والجسم» إلى مشكلة تحديد ~~الارتباطات الخاصة ذات المرتبة العليا، التي تقوم بين هذه الارتباطات ~~الدنيا، مرتبة الظواهر التي نطلق عليها اسما مختصرا جامعا هو ~~«الظواهر الذهنية» أو «المادية». فليس للفيزياء ولعلم النفس معا إلا ~~موضوع أساسي واحد؛ هو التجربة الحسية. والفرق بينهما ليس إلا فرقا في ~~طرق كل منهما في تصنيف الظواهر، وفي الأنواع الخاصة للارتباطات التي ~~تختص بها كل منهما. # والواقع أن للمسألة موضوع البحث هنا أهمية أساسية لبرنامج وحدة ~~العلم الذي كان يعني الكثير بالنسبة إلى ماخ، كما كان يعني بالنسبة إلى ~~كونت من قبله، فليس هناك، بالنسبة إلى هذا البرنامج، فروق منهجية ~~أساسية بين ms246 العلوم الطبيعية وعلوم الحياة والذهن. كما لا تتسم الظواهر ~~التي يعالجها علم الأحياء وعلم النفس بأية خصائص تجعلها في ذاتها غير ~~قابلة للخضوع لمناهج التحقيق المشترك بين الذوات، المستخدمة في العلوم ~~الفيزيائية. فنظرية ماخ في الإحساسات بوصفها العناصر الوحيدة للمعرفة، ~~تتمشى تماما، في مقصدها على الأقل، مع ذلك النوع من المذهب السلوكي ~~أو - كما يسمى أحيانا - المذهب الفيزيائي Physicalism # الذي لا يعترف بأية ~~كيانات عقلية «خاصة» على الإطلاق. ف «الذهن» في رأيه لا معنى له بمعزل ~~عن متضايفات الإحساس التي يمكن أن يشير إليها، والإحساسات ذاتها ~~كيانات محايدة يمكن أن تتضايف وتتضايف من جديد، على أنحاء لا حصر لها. ~~وليس هناك ما يمنع على الإطلاق، من وجهة نظر ماخ، من أن يكون الإحساس ~~الواحد «ماديا» و«ذهنيا » معا، أو من أن يكون أي إحساس بعينه ~~قابلا من حيث المبدأ لأن يدركه أكثر من شخص واحد. # على أنه لا يمكن القول إن جميع النظريات التجريبية في المعرفة قد ~~أنكرت على هذا النحو القاطع وجود فروق حتمية في المنهج، بين العلوم ~~التي تتناول الموضوعات المادية وتلك التي تختص بالظواهر الذهنية؛ فمن ~~الممكن منطقيا الاعتراف بأن كل معرفة تشير آخر الأمر إلى أجزاء من ~~التجربة، وتظل مسألة كون جميع أنواع التجربة مشتركة بين الناس من حيث ~~المبدأ أم لا، مسألة لم يبت فيها بصفة قاطعة. ولقد كان هناك في الواقع ~~عدد غير قليل من الفلاسفة الذين عدوا أنفسهم تجريبيين، وظلوا مع ذلك ~~يؤكدون أن هناك فئة معينة من المعطيات (يسميها هيوم «بانطباعات ~~الانعكاس») لا يمكن أن تفهم إلا بنوع خاص من الملاحظة، يشار إليها ~~بتعبيرات مختلفة؛ منها «الاستبطان» و«ملاحظة الذات» أو «الوعي بالذات»، ~~ولا شك أن اعترافات كهذه كفيلة بالقضاء على برنامج كبرنامج ماخ؛ إذ ~~إننا ما إن نعترف من حيث المبدأ بأن الوسيلة الوحيدة للوصول إلى وقائع ~~الانفعال والشعور والذاكرة هي أنواع خاصة معينة من الملاحظة، حتى ~~ينهار المثل الأعلى لوحدة العلم بأسره في الحال. وفي هذه الحالة يكون ~~من الضروري الاحتفاظ بمبدأ ms247 مثالي واحد على الأقل، هو المبدأ القائل إن ~~هناك فارقا أساسيا في النوع بين علوم الطبيعة والسلوك، وتلك الأبحاث ~~التي تتعلق أساسا بالحياة الباطنة. # وإذن، فليس يكفي، لتحقيق أهداف ماخ، أن يقال إن من الواجب ألا ~~يقبل شيء بوصفه فرضا علميا ما لم يواجه اختبار الملاحظة؛ إذ ما ~~الذي ينبغي أن نعده «ملاحظة»؟ وهل هناك نوع واحد أساسي للملاحظة فحسب، ~~أم إن هناك أنواعا شتى؟ وهل بعض فئات الظواهر عام وبعضها الآخر خاص، ~~أم إن جميع الظواهر قابلة، من حيث المبدأ على الأقل، للملاحظة بين ذوات ~~مختلفة؟ تلك أسئلة كانت ملحة في عصر ماخ، وما زالت كذلك حتى يومنا ~~هذا. كما أنه لا يكفي من وجهة نظر ماخ، أن يقال إن جميع الأسئلة ~~المتعلقة بالارتباطات العلية بين الظواهر هي أسئلة خاصة بالارتباط ~~القابل للملاحظة. فماذا يكون الحال لو لم يكن من الممكن في جميع ~~الحالات تحقيق هذه الارتباطات بطريقة مشتركة بين الذوات؟ وإذا كانت بعض ~~الظواهر المترابطة لا يتوصل إليها إلا فرد واحد، فيبدو أنه ليس ثمة ~~أساس كاف للقول إن المناهج المستخدمة في العلوم الفيزيائية هي في ~~أساسها تلك اللازمة لمعرفة الظواهر النفسانية. # وإذن فالهدف من مذهب ماخ مضاد أساسا للذاتية. ولنعبر عن فكرتنا ~~بلغة «مل»، فنقول إنه لا توجد إمكانيات للإحساس لا يمكن، من حيث ~~المبدأ، المشاركة فيها. وتبعا لهذا الرأي تكون العزلة راجعة إلى ~~انفصال المرء عن رفاقه من الناس، لا إلى وجود إحساسات أو مشاعر في ~~تجربته تمتنع بالضرورة على الآخرين. # وليس بين الفلاسفة بأجمعهم اتفاق حول كون هذه القضية الوضعية هي ~~ذاتها «ميتافيزيقية»، أم إنها مجرد قاعدة من قواعد البحث أو المنهج. ~~ولكن ليس لمسألة الأسماء أهمية كبرى، طالما أننا ندرك أن مبدأ اشتراك ~~الإحساسات بين الذوات هو التزام أساسي ليس في ذاته قابلا للتحقيق ~~بمناهج العلم. وكيف يكون قابلا للتحقيق وهو في قراره ادعاء بشأن ~~الإجراءات والمثل العليا التي يختص بها العلم ذاته؟ غير أن هذا لا ~~يغدو أمرا يؤخذ عليه، إذا أدركنا أن ms248 كل فلسفة، وكل ميتافيزيقا قبل كل ~~شيء، ترتبط بالتزامات أو مواقف أساسية معينة لا تقبل البرهنة عليها ~~لأنها سابقة على كل برهان. # والحق أن الأهداف الكامنة من وراء فلسفة ماخ واضحة تماما؛ ففي رأيه ~~أن العلم، بوصفه النظام المتعلق بالمعرفة التراكمية، لم يحقق ~~نجاحه الباهر إلا بفضل تمسكه الشديد، عمليا، بالمبدأ القائل إن ~~الفرض لا يصح أن يقبل إلا إذا خضع لشروط قابلة للملاحظة المشتركة بين ~~الذوات. ومجرد تأكيد سلطة هذا المبدأ، حتى باسم مذهب تجريبي أكثر ~~تسامحا، يسمح بالاعتراف بالإحساسات الخاصة التي لا تعرف إلا ~~بالاستبطان، يعني أنه قد أزيلت من الطريق عقبات أنصار الغيبيات، الذين ~~يدعون بصحة قضايا لا يدعمها إلا التحامل أو الوحي أو سلطة أفراد ~~معينين، ولا شك أن الاعتراف بهذه الأنواع من «المعرفة» ينطوي على ~~نتائج أيديولوجية خطيرة. # ولقد أدرك ماخ بكل وضوح الدلالة الأيديولوجية الأساسية لالتزاماته ~~الفلسفية الخاصة. ولعله من الملائم أن يختم كتاب كهذا، يبحث في خلافات ~~أيديولوجية لها أعظم الأهمية في حياتنا، بمختارات من كتابات فيلسوف ~~استطاع، عن إيمان صادق، أن يؤكد من جديد المثل الروحية العليا ~~الكامنة في «عصر التنوير» ذاته؛ فقرب نهاية كتاب ماخ العظيم «علم ~~الميكانيكا» نجد الفقرة الآتية: «يبدو أن المذهب العقلي لم يجد مسرحا ~~واسعا للعمل إلا عند ظهور أدب القرن الثامن عشر؛ ففي هذا الأدب تقابل ~~العلم الإنساني والفلسفي والتاريخي والفيزيائي، وشجع كل منهم الآخر. ~~والحق أن كل من تتبعوا جزئيا تجربة هذا التحرر الرائع للعقل ~~البشري في أدبه سيظلون يشعرون طوال حياتهم بأسف رثائي عميق على القرن ~~الثامن عشر.» ولقد أدرك ماخ أن المثل العليا القيمة لعصر التنوير لم ~~تواجه بالرفض من جانب الفلاسفة المعادين للوضعية فحسب، بل إنها أصبحت ~~الآن مهددة من جانب العلماء أنفسهم، الذين قد يقوضونها دون أن ~~يشعروا. ولقد سمعنا في الآونة الأخيرة وضعيين معاصرين يصيحون «عودا ~~إلى ماخ» عندما أدركوا وجود انحرافات بين صفوفهم. ولكن المعنى الحقيقي ~~لصيحتهم هذه، من وجهة نظر ماخ ذاته، هو «عودا إلى عصر ~~التنوير». # ولقد ms249 أثيرت منذ عصر ماخ مجادلات خاصة حول صحة برنامج ماخ لتطهير ~~العلم من شوائبه؛ فرأى عالم الفيزياء الكبير، ماكس بلانك، مثلا، أن ~~مبدأ الاقتصاد الفكري عند ماخ يؤدي، إذا ما طبق تطبيقا عاما، ~~إلى إعاقة تقدم العلم ذاته على نحو خطير؛ إذ يشل الخيال العلمي ~~وإيمان العالم بعمله من حيث هو تصوير صادق للواقع. ورأى آخرون أن كرامة ~~العلم بوصفه أرفع أداة لنقل المعرفة البشرية، ستختفي إذا ما نظر إلى ~~نظريات العلم الطبيعي، عموما، على أنها لا تعدو أن تكون نظاما من ~~الصيغ الشاملة المريحة للتنبؤ بحدوث الإحساسات، بل إنه ليبدو أن ~~أينشتاين ذاته، مع إعجابه الشديد بماخ، قد عارض الوضعية أحيانا في ~~سنواته المتأخرة لأسباب مماثلة. # ومع ذلك فهذه الاعتراضات نفسانية في أساسها، وهي لا تؤثر في قوة ~~مركز برنامج ماخ من الوجهة الفلسفية. وهناك صعوبة أخطر، تتعلق بالوجه ~~القائل بمذهب الظواهر في نظرية المعرفة عند ماخ. وتتضح هذه الصعوبة من ~~الدفاع الآتي للأستاذ فيليب فرانك إزاء التأويلات الباطلة لمذهب ماخ: ~~«فالمسألة ليست هي التعبير الفعلي عن جميع القضايا الفيزيائية بوصفها ~~قضايا تعبر عن علاقات بين إدراكاتنا الحسية، وإنما المهم هو إثبات ~~المبدأ القائل إن القضايا التي يمكن من حيث المبدأ التعبير عنها بوصفها ~~قضايا تعبر عن علاقات بين إدراكاتنا هي وحدها القضايا التي تحمل ~~معنى حقيقيا.» على أن هذا الدفاع غير كاف؛ فقد يتساءل المرء: ~~ولماذا لا تكون المسألة هي القيام فعلا بما يقول المذهب إن من الممكن ~~القيام به؟ وكيف ندرك أن للمبدأ معنى، إذا كان من المتفق عليه بوجه ~~عام أن أحدا لم يأت بمثال واضح واحد ترجمت فيه القضايا المتعلقة ~~بالأشياء المادية إلى قضايا أخرى عن العلاقات بين الإحساسات دون فقدان ~~للمعنى؟ إن عددا كبيرا من الفلاسفة الذين يعطفون، في النواحي الأخرى، ~~على فلسفة التجريبية العلمية، يؤمنون في الوقت الحالي بأن من المستحيل ~~تماما تنفيذ نظرية ماخ «الظاهراتية Phenomenalistic ~~» في المعنى. ~~والسبب الرئيسي لذلك يتعلق في رأيهم بالفروق المنطقية القاطعة بين ~~القضايا الخاصة بالأشياء المادية ms250 وبين عمليات وتقارير التجربة المباشرة ~~التي تستخدم لتأكيد هذه القضايا. ولكن حتى لو تعين علينا أن نتخلى ~~عن هذا الجانب في مذهب ماخ، فإن هذا لا يعني، مع ذلك، أن من الواجب ~~التخلي عن المبدأ الأساسي للتجريبية الوضعية؛ أعني المبدأ القائل إن ~~الملاحظة المشتركة بين الذوات هي المعيار الأساسي الوحيد لجميع القضايا ~~الواقعية؛ ذلك لأن هذا المبدأ لا يتعلق بإمكان ترجمة القضايا ~~الواقعية ( # factual ~~) إلى قضايا عن ~~العلاقات بين الإدراكات الحسية، وإنما بالمسألة الأهم، الخاصة بطبيعة ~~الدليل الذي يمكن الإتيان به لتأييد أي اعتقاد واقعي # factual ~~. وليس التخلي عن هذا ~~المبدأ بالأمر الهين؛ فعليه يتوقف، إلى حد غير قليل إمكان المعرفة ~~التراكمية وتقدم العرفان، بل يتوقف عليه إلى حد بعيد إمكان قيام ~~مجتمع من الأحرار الذين يتعايشون في عالم مشترك. وليس في هذه المسألة ~~فارق كبير بين ماخ وبين كانت ذاته. وهكذا تكون قصتنا قد أتمت على هذا ~~النحو دورة كاملة. ~~••• # والمقتطفات الآتية مختارة من الفصل الرابع، وعنوانه: «التطور ~~الشكلي لعلم الميكانيكا»، من كتاب ماخ «علم الميكانيكا». # 2 ~~⋆ ~~(6) «وهكذا فإن الفكرة القائلة إن اللاهوت والفيزياء فرعان ~~متميزان للمعرفة قد استغرقت، منذ بوادرها الأولى لدى كوبرنيكس حتى ~~صياغتها بشكل نهائي على يد «لاجرانج»، # 3 # قرابة قرنين من الزمان حتى أصبحت واضحة في أذهان ~~الباحثين. وفي الوقت ذاته لا ينكر أحد أن هذه الحقيقة كانت دائما ~~واضحة في أذهان أعمق العلماء، مثل نيوتن. فرغم تدين نيوتن ~~العميق، فإنه لم يخلط أبدا بين اللاهوت وبين المسائل العلمية. ~~صحيح أنه قد ختم كتابه في «البصريات»، الذي ظل ذهنه الواضح ~~الباهر لامعا فيه حتى صفحاته الأخيرة، بصيحة توبة ذليلة عن غرور ~~الأشياء الأرضية الفانية، غير أن أبحاثه المتخصصة في البصريات لا ~~تحوي أثرا للاهوت، على عكس الحال في أبحاث ليبنتس. ومثل هذا يمكن ~~أن يقال عن جاليليو وهيجنز # Huygens ~~، # 4 # فكتاباتهم تتفق اتفاقا شبه مطلق مع وجهة نظر لاجرانج، ~~ويمكن أن تعد في هذا الصدد كتابات كلاسيكية. غير أن الآراء ~~والميول العامة لعصر ما، ينبغي ms251 ألا يحكم عليها تبعا لأعظم ~~أذهان ذلك العصر، وإنما لأذهان الأوساط فيه. # ولكي نفهم العملية التي نشرحها ها هنا، ينبغي أن ننظر في الأحوال ~~العامة السائدة في تلك العصور؛ فمن الطبيعي أن ينظر الناس إلى ~~الأشياء من وجهة نظر لاهوتية، في مرحلة للمدنية يكون الدين فيها هو ~~المصدر الوحيد للتعليم، ويكون هو النظرية الوحيدة عن العالم، وأن ~~يعتقدوا أن هذه النظرية هي السليمة في جميع ميادين البحث. ولو ~~رجعنا بأذهاننا إلى العهد الذي كان فيه الناس يعزفون فيه على ~~الأرغن بقبضة يدهم، ولا يستطيعون إجراء العمليات الحسابية إلا إذا ~~كان أمامهم جدول الضرب، ويؤدون بأيديهم كثيرا من الأعمال التي ~~يؤديها الناس اليوم بأدمغتهم، فلن يكون لنا أن نطلب من الناس في ~~وقت كهذا أن يختبروا آراءهم ونظرياتهم بطريقة ناقدة. غير أن هذا ~~التحامل الذهني قد اختفى ببطء وتدريجيا باتساع الأفق العقلي بفضل ~~الكشوف والمخترعات الفنية والعلمية والجغرافية في القرن الخامس عشر ~~والسادس عشر، وبكشف مجالات كان من المستحيل إحراز أي تقدم فيها ~~في ظل النظرة القديمة إلى الأشياء، لا لشيء إلا لأن هذه النظرة قد ~~تكونت قبل معرفة هذه المجالات. وسيظل من العسير دائما فهم حرية ~~الفكر الهائلة التي ظهرت في حالات فردية في العصور الوسطى ~~المتقدمة، بين الشعراء أولا ثم بين العلماء. فلا بد أن التنوير ~~كان في تلك الأيام مبنيا على جهود قلة من الأذهان الخارجة تماما ~~عن المألوف، ولم تكن تربطه بآراء جمهرة الناس إلا خيوط واهية إلى ~~أبعد حد، أحرى ببلبلة هذه الآراء منها بتقويمها. ويبدو أن المذهب ~~العقلي لم يجد مسرحا واسعا للعمل إلا عند ظهور أدب القرن الثامن ~~عشر؛ ففي هذا الأدب تقابل العلم الإنساني والفلسفي والتاريخي ~~والفيزيائي، وشجع كل منهم الآخر. والحق أن كل من تتبعوا ~~جزئيا تجربة هذا التحرر الرائع للعقل البشري في أدبه، سيظلون ~~يشعرون طوال حياتهم بأسف رثائي عميق على القرن الثامن عشر. ~~(7) وإذن فقد تم التخلي عن وجهة النظر القديمة، ولم يعد ~~تاريخها يتلمس الآن إلا في صورة المبادئ ms252 الميكانيكية. وستظل هذه ~~الصورة غريبة عنا طالما أننا نجهل أصلها. وقد حلت بالتدريج ~~محل النظرة اللاهوتية إلى الأشياء نظرة أخرى أشد صرامة، واقترنت ~~هذه بكسب كبير في التنوير كما سنبين الآن بإيجاز. # فعندما نقول إن الضوء يسير في أقصر الطرق زمنا، ندرك في تعبير ~~كهذا أمورا كثيرة، ولكنا لا نعرف حتى الآن لماذا يفضل الضوء ~~أقصر الطرق زمنا. ولو قلنا إن السبب هو حكمة الخالق، لسددنا بذلك ~~الطريق على كل معرفة تالية للظاهرة. وإنا لنعلم اليوم أن الضوء ~~يسير في جميع الطرق، ولكن موجات الضوء تقوي بعضها بعضا في أقصر ~~الطرق زمنا فحسب، بحيث لا تحدث نتيجة ملحوظة إلا في حالة هذه ~~الطرق. وهكذا يبدو فقط أن الضوء يسير في أقصر الطرق زمنا. وبعد أن ~~أزيحت الأفكار المغرضة السائدة حول هذه المسائل ، اكتشفت على ~~الفور، إلى جانب الاقتصاد المفروض في سلوك الطبيعة، حالات ظهرت ~~فيها أوضح أمثلة الإسراف فيها. ومن قبيل هذه الحالات، ما أشار إليه ~~«ياكوبي # Jacobi ~~» # 5 ~~«في صدد مبدأ الفعل الأدنى» # principle ~~of least action # الذي قال به «أويلر # Euler ~~». # 6 # وإذن فكثير من الظواهر الطبيعية تبعث فينا اعتقادا ~~بوجود الاقتصاد فيها، لا لشيء إلا لأنها لا تظهر للعيان إلا عندما ~~يحدث عرضا تراكم اقتصادي للنتائج. وتلك هي نفس الفكرة التي قال ~~بها دارون في ميدان الطبيعة العضوية، مطبقة هنا على مجال الطبيعة ~~غير العضوية؛ فنحن نيسر بغريزتنا فهمنا للطبيعة بأن نطبق ~~عليه الأفكار الاقتصادية المألوفة لدينا. ~~••• # وهنا يكون للمرء كل الحق في أن يوجه السؤال الآتي: # إذا كانت وجهة النظر اللاهوتية التي أدت إلى وضع مبادئ ~~الميكانيكا باطلة تماما، فكيف حدث أن جاءت هذه المبادئ ذاتها ~~صحيحة في جميع النقط الأساسية؟ والجواب على ذلك يسير؛ فمن الملاحظ ~~أولا أن وجهه النظر اللاهوتية لم تكن هي مصدر مضمونات المبادئ، ~~وإنما حددت شكلها فحسب، أما المادة فقد استمدت من التجربة. ~~وكان من الممكن أن يحدث تأثير مماثل لهذا بفضل أي نمط فكري سائد، ~~كموقف تجاري من ذلك النوع ms253 الذي أثر، على الأرجح، في تفكير ستفنوس # Stevinus ~~. وثانيا فإن النظرة ~~اللاهوتية إلى الطبيعة ترجع في أصلها إلى محاولة للوصول إلى نظرة ~~أشمل إلى العالم، وهي نفس المحاولة الكامنة من وراء العلم ~~الفيزيائي. وعلى ذلك، فحتى لو سلمنا بأن الفلسفة الفيزيائية ~~للاهوت مبحث عقيم، وعودة إلى مرتبة أدنى من الثقافة العلمية، فلن ~~يتعين علينا مع ذلك أن نفند الأساس السليم الذي ظهرت منه، ~~والذي لا يختلف عن أساس البحث للفيزيائي الصحيح. ~~••• # إن القول بإرادة وعقل فعالين في الطبيعة ليس وقفا على عقيدة ~~التوحيد المسيحية، بل إن الفكرة، على عكس ذلك، مألوفة تماما في ~~العهد الوثني وعهد العبادات السحرية. غير أن الوثنية تجد هذه ~~الإرادة وهذا العقل في الظواهر الفردية وحدها، في حين تلتمسهما ~~عقائد التوحيد في «الكل». وفضلا عن ذلك فليس ثمة توحيد خالص؛ ~~فالتوحيد اليهودي في الإنجيل لا يخلو من إيمان بالجن والشياطين ~~والسحرة، والتوحيد المسيحي في العصور الوسطى أكثر من ذلك احتشادا ~~بالأفكار الوثنية. ~~(8) ولم يتمكن العلم الفيزيائي من التخلص من هذه الأفكار إلا ~~ببطء شديد. # فمن الطبيعي أن تؤكد هذه الأفكار ذاتها بإصرار؛ فالتحليل ~~العلمي والمعرفة التصورية لا يتناولان إلا قدرا ضئيلا جدا من ~~تلك الدوافع العديدة التي تتحكم في الإنسان بقوة جبارة، والتي ~~تغذيه وتحفظه وتنميه، دون معرفة أو رقابة من جانبه - تلك ~~الدوافع التي تمثلت في العصور الوسطى مظاهر مرضية مفرطة لها. ~~والطابع الأساسي لكل هذه الغرائز هو الشعور بوحدتنا مع الطبيعة ~~ومماثلتنا لها، وهو شعور يمكن إسكاته أحيانا، ولكنه لا يقتلع ~~أبدا بالاستغراق في المشاغل العقلية، وله قطعا أساس سليم، مهما ~~كانت النتائج الدينية الممتنعة التي يؤدي إليها. ~~(9) ولقد تصور «الموسوعيون» # 7 # الفرنسيون في القرن الثامن عشر أنهم ليسوا بعيدين عن ~~الوصول إلى تفسير نهائي للعالم بمبادئ فيزيائية وميكانيكية، بل إن ~~لابلاس قد تصور ذهنا قادرا على التنبؤ بتقدم الطبيعة حتى ~~الأزل، لو أنه أدرك الكتل المادية ومواقعها أو سرعاتها الأصلية. ~~ويحق لنا أن نلتمس العذر لهذا الإفراط المتفائل في تقدير مجال ~~الأفكار الفيزيائية ms254 الميكانيكية الجديدة لدى مفكري القرن الثامن ~~عشر. بل إنه في الحق لأمل منعش، نبيل، رفيع، ولنا أن نشعر بعطف ~~عميق على هذا التعبير عن السرور العقلي الذي لا نجد له في التاريخ ~~نظيرا. أما الآن، بعد انقضاء قرن من الزمان، وبعد أن أصبح حكمنا ~~أكثر رزانة، فإن نظرة الموسوعيين إلى العالم تبدو لنا من قبيل ~~«الأسطورة الميكانيكية»، على حين كانت نظرة الأديان القديمة ~~أسطورة قائمة على بعث الحياة في الكون بأسره؛ فالرأيان معا ~~ينطويان على مبالغات مفرطة خيالية في إدراك ناقص. أما البحث ~~الفيزيائي الدقيق فسوف يؤدي إلى تحليل لإحساساتنا، وعندئذ سنكتشف ~~أن عطشنا لا يختلف أساسا عن ميل حامض الكبريتيك إلى الزنك، وأن ~~إرادتنا لا تختلف كثيرا عن ضغط حجر، كما يبدو الآن. كذلك سنشعر ~~بأنفسنا أقرب إلى الطبيعة، دون أن يكون من الضروري أن نتحول إلى ~~كتلة سديمية غامضة من الجزئيات أو أن نجعل من الطبيعة مرتعا ~~للعفاريت. ولا شك في أننا لا نستطيع إلا أن نخمن الاتجاه الذي ~~ينبغي أن نلتمس فيه هذا التنوير، نتيجة لأبحاث طويلة مضنية؛ ~~فاستباق النتيجة، بل محاولة إدخالها في أي بحث علمي حالي، ليس ~~علما وإنما لاهوت. # إن العلم الفيزيائي لا يدعي أنه نظرة «كاملة» إلى العالم، ~~وإنما يقول فقط إنه يعمل لبلوغ نظرة كاملة في المستقبل. وإن أعلى ~~فلسفة يتصف بها الباحث العلمي إنما هي تحمل هذه النظرة غير الكاملة ~~إلى العالم، وتفضيلها على نظرة تبدو كاملة، ولكنها غير محددة. وإن ~~معتقداتنا الدينية لتظل دائما من شئوننا الخاصة، طالما أننا لا ~~نقحمها على المجالات الأخرى، ولا نطبقها على أمور تخضع لشرع ~~سلطة مخالفة. وهذا موضوع تتباين فيه آراء الباحثين الفيزيائيين ~~أنفسهم تباينا شديدا، حسب نطاق أذهانهم وتقديرهم للنتائج. # إن العلم الفيزيائي لا يبحث على الإطلاق في الأشياء التي تظل على ~~الدوام بعيدة عن متناول البحث الدقيق، أو ما زالت حتى الآن بعيدة ~~عنه. ولكن إذا ما حدث أن خضعت للعلم الدقيق مجالات هي اليوم ~~مستعصية عليه، فلن يتردد إنسان سليم العقل، ms255 أو شخص يعتز بشرف ~~موقفه من نفسه ومن الآخرين، في المضي في البحث بحيث يستبدل بآرائه ~~الخاصة عن هذه المجالات معرفة إيجابية بها. # فإذا كنا نرى المجتمع يتذبذب اليوم، ويغير آراءه في ~~المسألة الواحدة، حسب هواه وتبعا لحوادث الأسبوع، كما تتغير ~~السلالم الموسيقية في الأرغن، ثم نرى ما يستتبعه ذلك من قلق ذهني ~~عميق، فلنعلم أن هذه هي النتيجة الطبيعية الضرورية للطابع الناهض ~~العابر الذي تتسم به فلسفتنا؛ فمن المستحيل أن يحصل المرء على نظرة ~~سليمة إلى العالم وكأن هذه النظرة هبة تقدم إليه، وإنها يتعين ~~عليه اكتسابها بالعمل الشاق. وإن إطلاق العنان للعقل والتجربة في ~~الحالات التي لا يستطيع سواهما التحكم فيها، إنما هو السبيل ~~الوحيد إلى تحقيق ازدهار البشرية بالاقتراب التدريجي البطيء، ~~والأكيد في الوقت ذاته، من المثل الأعلى لرأي موحد في العالم، ~~يكون هو وحده الذي يتمشى مع اقتصاد الذهن السليم. # رابعا: اقتصاد العلم ~~(1) # إن هدف العلم هو الاستعاضة عن التجارب أو توفيرها عن ~~طريق استعادة الوقائع واستباقها في الفكر؛ فالذاكرة ~~أقرب إلى متناول اليد من التجربة، وكثيرا ما تحقق ~~نفس غرضها. هذه المهمة الاقتصادية للعلم، التي تملأ ~~حياته بأسرها، واضحة لأول وهلة، وإن الاعتراف الكامل ~~بها لكفيل باستبعاد كل تصوف في العلم. # والعلم ينقل بالتلقين؛ حتى ينتفع الشخص من خبرة ~~الآخر ويعفى من عناء جمعها لنفسه؛ ولذا تختزن تجارب ~~أجيال بأسرها في المكتبات لإعفاء الأجيال القادمة من ~~هذا العناء. # واللغة، التي هي أداة هذا النقل، هي ذاتها جهد ~~اقتصادي؛ إذ تحلل التجارب أو تقسم إلى تجارب ~~أبسط وأقرب إلى معرفتنا، ثم يرمز إليها، مع بعض ~~التضحية بالدقة. وما زالت رموز التخاطب محصورة في ~~استخدامها في حدود قومية، وستظل قطعا كذلك مدة ~~طويلة. غير أن اللغة المكتوبة تتحول بالتدريج إلى ~~اتخاذ طابع مثالي شامل. ~~(2) # وعندما نستعيد الوقائع في الفكر، لا نستعيدها كاملة ~~أبدا، بل نستعيد منها ذلك الجزء الذي يهمنا، مدفوعين ~~في ذلك بالمنفعة العملية، سواء أكان بطريق مباشر أم ~~غير مباشر. وهكذا تكون استعاداتنا تجريدات على ms256 الدوام. ~~وهنا أيضا نجد نزوعا إلى الاقتصاد. # إن الطبيعة تتألف من إحساسات هي عناصرها. ومع ذلك ~~فقد التقط الإنسان البدائي أول الأمر مركبات معينة ~~لهذه العناصر؛ أعني تلك التي تتسم بثبات نسبي وبأهمية ~~أعظم بالنسبة إليه؛ فأول الكلمات وأقدمها هي أسماء ~~«أشياء». وحتى في هذه المرحلة نجد عملية تجريدية؛ أي ~~تجريدا لأشياء مما يحيط بها، ومن التغيرات الصغيرة ~~المستمرة التي تمر بها هذه الإحساسات المركبة، والتي ~~لا تلاحظ لأنها ليست بذات أهمية عملية. فلا وجود لشيء ~~لا يتغير، وإنما الشيء تجريد، والاسم رمز، لمركب ~~من العناصر تجرد منه التغيرات. والسبب الذي ~~يجعلنا نطلق كلمة واحدة على مركب كامل هو أننا ~~نريد أن نوحي بكل الإحساسات المكونة دفعة واحدة. ~~وعندما نلاحظ فيما بعد قابلية الشيء للتغير، لا ~~نستطيع في الوقت ذاته أن نتمسك بفكرة دوام الشيء ما ~~لم نلجأ إلى تصور شيء في ذاته، أو ما يشبه ذلك من ~~التصورات الممتنعة؛ فالإحساسات ليست علامات على ~~الأشياء، وإنما الشيء هو في الواقع رمز فكري لإحساس ~~مركب ذي ثبات نسبي. وبعبارة أصح، فالعالم ليس مؤلفا ~~من «أشياء» هي عناصره، وإنما من ألوان وأصوات وضغوط ~~وأمكنة وأزمنة، وبالاختصار فهو مؤلف مما نسميه ~~عادة بالإحساسات الفردية. # وما العملية بأسرها إلا مسألة اقتصاد؛ فنحن نبدأ، في ~~استعادة الوقائع، بالمركبات الأكثر دواما والأقرب إلى ~~معرفتنا المألوفة، ونكمل هذه فيما بعد بالمركبات غير ~~المألوفة عن طريق التصويبات. وهكذا نتحدث عن أسطوانة ~~مخرمة، وعن مكعب ذي أحرف مشطوفة، وهي تعبيرات تنطوي ~~على تناقضات، ما لم نقبل الرأي الوارد ها هنا. وجميع ~~الأحكام إنما هي توسيع وتصويب لأفكار سلم بها من ~~قبل. ~~(3) # عندما نتحدث عن علة ومعلول، نتعمد إبراز تلك ~~العناصر التي ينبغي أن ننتبه إليها عند استعادة واقعة ~~من الناحية التي تهمنا فيها؛ فليس في الطبيعة علة ولا ~~معلول، وليس فيها إلا وجود فردي؛ فالطبيعة تكون فحسب. ~~وليس لتردد وقوع الحالات المماثلة التي يرتبط فيها أ ~~مع ب على الدوام؛ أي ينتج فيها المماثل في الظروف ~~المماثلة، وهي ماهية ms257 الارتباط بين العلة والمعلول - ~~ليس لهذا وجود إلا في التجريد الذي نقوم به بقصد ~~استعادة الوقائع ذهنيا. فإذا ما أصبحت إحدى الوقائع ~~مألوفة، فلن نحتاج إلى إبراز سماتها الرابطة، ولن يعود ~~انتباهنا موجها إلى ما هو جديد ومستغرب، ولا نعود ~~نتحدث عن العلة والمعلول. # ويبدو أن التفسير الطبيعي المعقول هو الآتي؛ ففكرة العلة ~~والمعلول قد ظهرت أصلا من محاولة لاستعادة الوقائع في الفكر؛ ففي ~~البداية يعد الارتباط بين أ، ب، وبين ج، د، وبين س، ص، إلخ، أمرا ~~مألوفا. ولكن بعد اكتساب قدر أكبر من المعرفة، وملاحظة ارتباط بين ~~ك ول، فكثيرا ما يحدث أننا نتعرف على ك على أنها مؤلفة من أ، ~~وج، وس، وعلى ل على أنها مركبة من ب، ود، وص، وهي ظواهر كان ~~ارتباطها من قبل واقعة مألوفة، وبالتالي تكون له لدينا سلطة ~~أعلى. وهذا يفسر السبب الذي من أجله ينظر الخبير إلى الحادث ~~الجديد نظرة تختلف عن نظرة الشخص الساذج إليه؛ فالتجربة الجديدة ~~تستنير بمجموع التجارب القديمة. وهكذا توجد في الذهن بالفعل «فكرة» ~~تدرج تحتها التجارب الجديدة، غير أن هذه الفكرة ذاتها قد تكونت ~~بالتجربة. وربما كان أصل فكرة ضرورة الارتباط العلمي هو حركاتنا ~~الإرادية في العالم والتغيرات التي تحدثها هذه الحركات بطريق غير ~~مباشر، كما افترض هيوم، وعارضه فيه شوبنهور. # إن قدرا كبيرا من سلطة فكرتي العلة والمعلول إنما يرجع إلى ~~أنهما تكونتا غريزيا وبطريقة لا إرادية، وإلى أننا لا نشعر على ~~نحو ملموس بأننا قد ساهمنا بشيء في تكوينهما. وهكذا نستطيع أن نقول ~~فعلا إن حاسة العلية عندنا لم يكتسبها الفرد، وإنما صقلت ~~بالتدريج في تطور الجنس. ومن ثم فالعلة والمعلول أمور فكرية، لها ~~وظيفة اقتصادية. ولا يمكن الكلام عن سبب ظهورهما؛ إذ إننا لا نعرف ~~السؤال عن «السبب» إلا بالتجريد من اطرادات. # الفصل الثالث عشر # | حاشية ختامية غير علمية # ظهر قرب نهاية القرن التاسع عشر، كما لاحظنا عند الحديث عن ماخ، رد ~~فعل على طرق التفلسف التي سادت طوال جزء كبير من ms258 ذلك القرن. وقد ~~استمر رد الفعل هذا، ولا سيما في البلدان الناطقة بالإنجليزية، طوال ~~معظم السنوات المنقضية من القرن العشرين، وكانت تلك ثورة ضرورية، ~~ومحمودة في نواح عديدة؛ فقد سئم الفلاسفة لغة الممتنعات والغموض ~~وأسلوب الهيجليين، وضجروا من منهج ديالكتيكي يتيح لمن يمارسونه ألا ~~يقولوا أبدا ما يعنونه أو أن يعنوا ما يقولونه. وتضاءلت الثقة ~~بالتدريج بذلك الاتجاه المميز لفلاسفة القرن التاسع عشر، اتجاه وضع ~~فلسفات طموحة للتاريخ وقوانين حتمية للتطور التاريخي مثلما تضاءلت ~~الثقة بتلك النسبية التاريخية الغامضة التي بدا أنها تنطوي على القول ~~بأن أي شيء يكون صحيحا أو صائبا طالما أنه يعبر عن روح عصره. وبعد ~~العصر الذهبي للنظرية التطورية بدأ الفلاسفة والعلماء على السواء ~~يزدادون شكا في المنهج التاريخي من حيث هو المفتاح الكفيل بفتح جميع ~~أبواب دار المعرفة. وأثبت تطور الحوادث أن الآمال العريضة التي علقت ~~على المنهج لم تتحقق، واضطرت علوم الإنسان إلى العودة إلى أساليب ~~أقل إثارة، وأقرب إلى الأساليب المستخدمة في العلوم الفيزيائية. بل إن ~~الوعي التاريخي ذاته قد أصبح أمرا مشكوكا فيه؛ إذ أعلن فلاسفة ~~مشهورون مثل برتراند رسل # 1 # من جديد لا زمانية الحقيقة، وشمول المناهج التي تمسكوا ~~هم أنفسهم بها. # وباقتراب القرن السابق من نهايته، شبت أمريكا أخيرا عن الطوق، ~~فلسفيا، في أشخاص تشارلس بيرس ووليم جيمس وجون ديوي. # 2 # فأكد دعاة فلسفة البرجماتزم الجديدة هؤلاء، باقتناع ~~وتأكيد متزايدين، أن وظيفة الفكر بأسرها إنما هي إيجاد عادات سلوكية. ~~ورأى بيرس أن معنى أية فكرة لا يمكن تحديده إلا بملاحظة العادات ~~السلوكية التي تؤدي إليها، وأوجز رأيه في قوله: «إن معنى الشيء ليس ~~إلا ما ينطوي عليه من العادات.» ونتيجة هذا الرأي واضحة؛ فإذا لم ~~يتسن الوصول إلى عادات سلوكية مرتبطة بلفظ ما، فليس لهذا اللفظ، ~~بالنسبة إلى جميع الأغراض العملية، معنى. وهكذا بدا أن المعيار ~~البرجماتي للمعنى قد وصم، بضربة واحدة، كل ما قاله المثاليون عن ~~المطلق، لا بأنه باطل فحسب، بل بأنه خلو من المعنى. غير أن للمعيار ms259 في ~~الواقع حدين، ولم يكن البرجماتيون أقرب إلى الميتافيزيقا المادية عند ~~مفكر مثل سبنسر منهم إلى مثالية فيلسوف كهيجل. ولنعبر عن المسألة ~~بطريقة وليام جيمس المرحة، فنتساءل: ما هي «القيمة النقدية» لكل ~~المنازعات الصاخبة بين المثاليين والماديين؟ هذا سؤال ينبغي أن نعترف ~~بأن معظم البرجماتيين لم يصبروا على الإجابة عليه فيما عدا جيمس ذاته؛ ~~فقد كانوا أكثر اهتماما بإيضاح أن دعاة «الكون المعقد»، كانوا هم ~~أنفسهم من ذوي العقول المعقدة، أكثر منهم بالبحث عن الدور المعتاد ~~للأحكام الميتافيزيقية في الحياة البشرية. كما أنهم لم يتريثوا ~~ليفكروا في مدى ما يدينون به هم أنفسهم لتلك السوابق الواضحة ~~للبرجماتية، التي ظهرت في كتابات كانت وفشته ونيتشه. ولو أمعنوا الفكر ~~في المسألة، كما ابتهل إليهم «جوشيا رويس» # 3 # أن يفعلوا، لكان من الجائز أن يجدوا أن روح المثالية ~~الكامنة كانت قريبة في نواح عدة من روح فلسفتهم الخاصة . # وإلى جانب الأسئلة المتعلقة بوجود معنى للقضايا الفلسفية في القرن ~~التاسع عشر، ظهرت اعتراضات لا تقل عن ذلك أهمية، على المفاهيم السائدة ~~حينئذ لمهمة الفلسفة ذاتها؛ فقد اعترض جيمس، ومعاصراه الإنجليزيان ~~الأصغر سنا، ج. أ. مور # G. E. Moore ~~، # 4 # وبرتراند رسل، على اتجاه الفلاسفة المشهورين في القرن ~~التاسع عشر إلى بناء مذاهب فلسفية ضخمة، وأكدوا أن التقدم الفلسفي لا ~~يتحقق إلا من التحليل الأكثر تفصيلا للتصورات الجزئية، والدراسة ~~المتخصصة لمشكلات محددة. وأدى هذا المزاج التعددي الجديد إلى إعراض ~~عن الروح المذهبية الفلسفية القديمة المفرطة، وعن المركبات الضخمة ~~التي كونها هيجل وسبنسر، والتي تولد شعورا غامضا بالاطمئنان دون ~~أن تساهم بشيء في فهمنا للطبيعة؛ فقد هاجم مور تناقضات المثالية باسم ~~الرأي الشائع لدى الإنسان العادي؛ وهاجمها رسل باسم العلم، ورفض كلاهما ~~طريقة التفلسف هذه، التي لا يتوافر فيها شرط الوضوح والتميز ~~الديكارتي، ورفضا بشدة نظرية الترابط ~~( # Coherence ~~) عن الحقيقة، وفكرة ~~العلاقات الداخلية، مؤكدين - كما فعل هيوم من قبلهما - أنه ليس ثمة ~~علاقات «داخلية» أو «ضرورية» بين الأمور الواقعية، ورأيا أن معيار ~~الحقيقة لا يمكن أن ms260 يكون مجرد الترابط أو الاتساق الداخلي للقضايا، بل ~~إن المعيار النهائي لأية قضية إنما هو مطابقتها لواقعة ملاحظة. وزعما ~~بأنهما «واقعيان»، ولعله قد فاتهما أحيانا أن موقفهما الأساسي يتعرض ~~للخطر بفعل نقد العقل الذي كان أعظم ما حققه كانت وأتباعه ~~المثاليون. # على أن الفلسفات البرجماتية والواقعية الجديدة التي أخذت في الظهور ~~عند مطلع القرن الجديد كانت مصممة، من وراء هذا كله، على التقريب على ~~نحو أوثق بين الفلسفة وبين الرياضيات والعلوم التجريبية؛ فقد كان رسل ~~كأسلافه من فلاسفة القرن السابع عشر، يحلم بفلسفة علمية جديدة لا تعترف ~~بوجود فارق أساسي بين الفلسفة والعلم. بل إنه ذهب إلى حد القول بأن ~~الأخلاق والفلسفة السياسية ليستا في الواقع جزءا من الفلسفة على ~~الإطلاق؛ إذ إنهما لا تعنيان بالحقيقة، وإنما بالتعبير عن المواقف ~~وتنظيمها فحسب. # وفي رأيي أن ما حققه هؤلاء المفكرون اللامعون قد ساهم بدور كبير ~~في تنوير البشر. غير أن ثمة دلائل تدل على بدء ظهور اتجاه إلى تقدير ~~فلسفة القرن التاسع عشر تقديرا أعدل وأكثر عطفا، بعد أكثر من خمسين ~~سنة كان فيها تأثير جيمس وبيرس وديوي في أمريكا، ومور ورسل في ~~إنجلترا، هو التأثير الغالب. فقد بدأنا نذكر أنفسنا، أولا، بأن روح ~~التنوير لم تختف بالفعل قط في القرن التاسع عشر، وبأن الفلسفات ~~السائدة في عصرنا هي في أساسها استمرار للمواقف الفلسفية التي دافع ~~عنها مفكرو ذلك القرن بقوة ومقدرة. بل إن الوضعية ذاتها، كما رأينا، هي ~~وليدة القرن التاسع عشر، كما أن مواقف المذهب التجريبي والمذهب الطبيعي ~~قد ظلت سائدة لدى مل وسبنسر، بل لدى نيتشه وماركس. ومن الممكن أن ~~يقال بالفعل إن المثالية لم تعد هي القوة الغالبة على فلسفة القارة ~~الأوروبية بعد عصر هيجل، وأن تأثيرها الأكبر كان بعد سنة 1850م مقتصرة ~~على بلدين ناطقين بالإنجليزية، وأكثر تخلفا في هذا الميدان، وهما ~~إنجلترا وأمريكا. وبالاختصار فعلينا ألا ننسى أن القرن التاسع عشر، ~~مع كل ثورته الرومانتيكية على «عصر العقل»، كان هو ذاته قرن تقدم ~~علمي عظيم. ms261 بل إن المعارضة العصبية العنيفة التي قوبلت بها الأفكار ~~الجديدة في علم الحياة التطوري وعلم النفس وعلم الاجتماع «الوضعيين» ~~الجديدين من جانب الأوساط المتمسكة بالتقاليد القديمة، إنما تدل على ~~تزايد قوة النظرة العلمية إلى الإنسان طوال هذه الفترة. ولا يقتصر ~~الأمر على الفلاسفة والعلماء فقط، بل إن روائيين مثل «جورج إليوت # George Eliot ~~»، # 5 # وصمويل بطلر # Samuel Butler ~~»، # 6 # ليشهدان بتلك القوة التي اكتسبتها النظرة العلمية بين ~~أوساط المثقفين عامة في القرن التاسع عشر. بل إن «ماتيو أرنولد» نفسه، ~~الذي حارب في معركة المؤخرة اليائسة دفاعا عن التراثين الهيليني ~~والعبري، قد تأثر إلى حد بعيد بالنزعة الطبيعية والعلمية لعصره. ويمكن ~~القول إن كتابه «الأدب والعقيدة الثابتة # Literature and ~~Dogma ~~» هو بمعنى معين، استباق تنبؤي لمذاهب ~~اللاهوت التحررية أو الوضعية المتأخرة التي تحاول الاحتفاظ بسلطة ~~الكتاب المقدس وبقيمته الأخلاقية عن طريق إبعاده تماما من مجال ~~الكتابة الواقعي وإدراجه ضمن نطاق «الأدب» الذي لا تكون مهمته هي ~~المعرفة بقدر ما تكون «نقد الحياة». # غير أن ثمة دلائل أخرى على أن الفلاسفة المعاصرين قد بدءوا يعترفون ~~بالأواصر التي تجمع بينهم وبين كبار فلاسفة القرن التاسع عشر. ومن ~~أسباب ذلك أننا أصبحنا ندرك أن المشكلات الحضارية الكبرى التي شغلت ~~أذهان فلاسفة القرن التاسع عشر ما زالت قائمة بيننا؛ فبظهور ~~أيديولوجيات لا عقلية كالفاشية والنازية، وبانتشار الشيوعية، وإحياء ~~الأديان فوق الطبيعية في الغرب في الآونة الأخيرة، اضطر فلاسفة القرن ~~العشرين إلى إعادة النظر في إيمانهم بالعقل، والتزامهم الأعمى بكتب ~~العلم المقدسة، أو ما يسمونه هم «موقف الإنسان العادي». وهكذا بدأ ~~الفلاسفة، بعد فترة من التحليل المفصل للأسس المنطقية للعلم، ~~يدركون أن النقد الأهم للعقل، الذي بدأه كانت وواصله المثاليون، ما ~~زال مهمة فلسفية لا غناء عنها، وأنه بدون ذلك النقد قد يكسب دعاة ~~الجهالة والغيبيات المعركة لعدم وجود خصم يقف في وجههم. # لقد كان في العصر الزاهي لفلسفة القرن التاسع عشر عمق وحرية روحية ~~يخلق بنا أن نحاول استعادتهما. وقد يحتقر الفلاسفة العلميون ~~الأيديولوجية، غير ms262 أن هذا لن يكون إلا على حسابهم. وقد تضيع مكاسبهم ~~العقلية التي أحرزوها بجهد جهيد في موجة من اللاعقلية الفلسفية ~~واللاهوتية إذا ما ظلوا يرفضون الاقتداء بأسلافهم العظام، مثل كونت ومل ~~وماخ. ومن المحال أن يأتي وقت تكون فيه قضية التنوير قد ربحت نهائيا. ~~وعلى أصدقاء العلم أنفسهم إذا ما شاءوا أن يبقوا روح التنوير حية في ~~عصر معارضة أيديولوجية عميقة لها، أن يدخلوا هم أنفسهم في حلبة ~~الأيديولوجية. ومعنى ذلك أن يمارس المرء الميتافيزيقا، طوعا أو كرها، ~~بمعنى واحد على الأقل من معاني هذا اللفظ الغامض. # ومع ذلك، فعلينا هنا أن نعترف بفضل للمثاليين في مسألة معينة؛ ~~فالميتافيزيقا عندهم لا تعني علما أسمى من العلوم، وإنما وضع صيغة ~~للالتزامات البشرية الأساسية والدفاع عنها. وإن تأكيدهم للترابط بوصفه ~~معيار الصحة الميتافيزيقية ليوحي هو ذاته بأن امتلاء الحياة، لا مطابقة ~~الوقائع، هو الهدف النهائي للبحث الميتافيزيقي. ولقد أدى حديثهم عن ~~«عالم الواقع # reality ~~» إلى إثارة ~~الحيرة في أذهان الكثير من الشراح، ولكن كون قضاياهم الميتافيزيقية ~~تهتم دائما «بالواقع الفكري أو المثالي» لا «بالوجود» في الواقع، يجعل ~~من الواضح تماما أن المهمة الأساسية للميتافيزيقا عندهم ليست وصف ~~طبيعة الأشياء، وإنما صياغة نظرة مترابطة إلى العالم، كافية لإرشاد ~~السلوك في الحياة. # والواقع، كما أدرك هيجل، أن الإنسان يستخدم أنواعا كثيرة مختلفة من ~~الصور الرمزية، بحيث ينبغي الحكم على صحة أية قضية حسب المعايير ~~المتعلقة بالغايات التي تستهدفها هذه القضية. مثال ذلك أن القول بأن ~~الأحكام الأخلاقية لا معنى لها، لا لشيء إلا لأن لفظي «الخير» و«الشر» ~~لا يدلان على أية صفات للأشياء يمكن ملاحظتها، معناه الافتراض ~~مقدما بأن نسبة مثل هذه الصفات إلى الظواهر هو الهدف الوحيد ~~للكلام، ولكن لم نقول بفرض كهذا؟ إن المسألة هي أن أية صورة للكلام ~~ذات مرمى، وتتجه إلى تحقيق هدف إنساني جدي، لا بد أن يكون لها معنى، ~~وذلك في واحد من المفاهيم الثابتة المستقرة لكلمة «المعنى». # وإن البرجماتيين أنفسهم ليعترفون بذلك؛ فما تسميه فلسفة القرن ~~التاسع ms263 عشر بالميتافيزيقا قد يكون ذا دلالة، بل قد يكون ضروريا ~~للسلوك في الحياة، حلو لم يكن له معنى «علمي». وهنا يحق لنا أن نهيب ~~بالمبدأ البرجماتي القائل إن معنى أي قول لا يكون في «الأفكار الواضحة ~~المتميزة»، وإنما في عادات الفعل المرتبطة به؛ فالأنواع المختلفة ~~للكلام مخصصة لتحقيق أنماط مختلفة من السلوك، ليست إقامة العلم إلا ~~نوعا رئيسيا واحدا، وواحدا فقط، منها. ولما كان الأمر كذلك، ~~فليس للمحلل المفكر أن يعلن خلو الميتافيزيقا من المعنى إلا بعد أن ~~يبحث أولا في دورها الاجتماعي المميز لها. كما لا يجوز له أن يحكم على ~~صحتها مقدما بمعايير لا تنطبق إلا على نوع آخر من أنواع النشاط ~~البشري. وهذا، إن لم أكن مخطئا، هو عين ما تنطوي عليه نظرية ~~«العقلين» عند كانت. كما أنه جزء مما ينطوي عليه ضمنا مذهب المعرفة ~~عند فشته. # وإن لعلى ثقة من أن التحول الترنسندنتالي الذي قام به كانت وأتباعه ~~عند بداية القرن التاسع عشر قد حقق، إلى جانب بعض المزايا الأخرى غير ~~المؤكدة، فوائد ذات أهمية عظمى للفلسفة. ومع ذلك فإنا لم ندرك هذه ~~الفوائد في منظورها الحقيقي إلا في الوقت الحالي فقط؛ فهو إذ أكد ~~ضرورة القيام بنقد أساسي في ميادين المعرفة والأخلاق والميتافيزيقا ~~والدين، قد أدخل في المجرى العام للتفكير الفلسفي قدرا من الوعي ~~الذاتي النقدي بالحقوق المشروعة للفلسفة ومناهجها وأهدافها، كانت له ~~أنفع النتائج. وكثيرا ما نجد من الفلاسفة المعاصرين من يعربون عن عدم ~~رضائهم عن النتائج النهائية لتفكير كانت. بل إن بعضهم تطلع في حنين ~~إلى تلك الأيام الخوالي التي كانت فيها الميتافيزيقا لا تزال تعد تاج ~~العلم، وتضع بجلالة القوانين الضرورية لكل ما هو موجود. غير أن هذه ~~الأيام قد مضت إلى غير رجعة. وليس معنى ذلك أن مهمة الميتافيزيقا ~~بأسرها غير هامة، أو ينبغي التخلي عنها، وإنما معناه أن من الواجب ~~تصورها وممارستها بروح مخالفة؛ فبعد كانت أصبحت الميتافيزيقا تملك ~~حرية القيام بعملها المتكامل في إيضاح وتنظيم وحماية المواقف ~~والالتزامات البشرية ms264 الأساسية الكامنة في أي أسلوب للحياة أو أية ~~حضارة. وفي ضوء هذا الهدف ينبغي أن يظل معيار المعقولية لديها، كما يرى ~~المثاليون، هو معيار الترابط. صحيح أن أية ميتافيزيقا سليمة ينبغي أن ~~تتمشى مع كشوف العلم، بل أن ترحب بها، غير أن هناك التزامات ~~إنسانية أساسية ينبغي عليها أن تعمل لها حسابا، وأنماطا أخرى للفعل ~~ينبغي أن تأخذها بعين الاعتبار عند محاولتها تكوين صورة سليمة عن ~~«الواقع». # ولكلمة «صورة» هنا أهمية حاسمة؛ فهدف أية صورة ليس وصف الأشياء في ~~ذاتها، وإنما عرض تكوين يؤدي في مجموعه إلى إرضاء الناظر إليه على ~~نحو دائم. فالصورة ليست «تقريرية # Assertive ~~»، إن جاز هذا التعبير، ~~وسلامتها لا تقاس بمطابقتها نقطة فنقطة لموضوع خارج عنها. والمذهب ~~الميتافيزيقي لا يختلف عن الصورة في هذا الصدد، وإن تكن غاياته أقرب، ~~على الأرجح، إلى الأخلاق منها إلى الفن. غير أن أهدافه أشمل من أهداف ~~الأخلاق؛ لأن التكيفات التي يسعى إليها ليست تكيفات العدل بين الأشخاص ~~فحسب، وإنما تكيفات الشخص بأكمله مع بيئة الطبيعة والاجتماعية ~~والداخلية في مجموعها. فإذا أخذنا آراء كانت وكونت معا في المعرفة ~~البشرية مأخذ الجد، كما أفعل، فلن نعود نرى في المثالية المطلقة، ولا ~~في الطبيعية التطورية، مذاهب كفيلة بتوسيع نطاق معرفة الإنسان العلمية ~~للعالم. بل إنهما معا محاولتان «ميتافيزيقيتان» لوضع إجابات نقدية على ~~أشمل وأبعد الأسئلة التي يستطيع الفرد أن يسألها عن تنظيم الحياة ~~البشرية والفعل البشري في مجموعهما. وليس من المهم أن تكون هذه ~~الإجابات «معرفية» أو «صحيحة» أو «باطلة» بالمعنى العلمي، وإنما المهم ~~هو أن صورة الواقع كما تعرضها علينا قد تتيح لنا تنظيم طاقاتنا على ~~نحو أسلم لإرضاء مجموع حاجاتنا بوصفنا بشرا. عندئذ تكون «صحيحة» ~~بالمعنى الوحيد الذي يكون فيه هذا اللفظ جديرا بالبحث. # ولقد بدأنا مرة أخرى ندرك، كما يدرك الناس دائما في أوقات ~~الأزمات الحضارية الحادة، أن الحاجة الميتافيزيقية؛ أي الحاجة إلى نظرة ~~متكاملة إلى مصير الإنسان وأمله، لا يمكن أن تكبت على نحو دائم. وعندما ~~تختفي فترة قصيرة ms265 عن الأنظار، فإن معنى ذلك أن أفراد مجتمع ما إما ~~متكيفون مع المطالب الرئيسية التي تلقيها نظمهم على عاتقهم إلى حد لا ~~يترك لهم مبررا لإثارة أسئلة جدية عن هذه النظم، وإما أن ~~التزاماتهم الأساسية متأصلة وأن قبولها عام شائع إلى حد أنه لا توجد ~~فرصة للصعود بها إلى مجال الوعي وإخضاعها لنقد أساسي. وإن فترات الرضاء ~~الاجتماعي والتماسك الحضاري لنادرة جدا، ولا سيما في مجتمع دينامي ~~«مفتوح» كمجتمعنا. # 7 # أما في الأحوال المألوفة، فإن التفكير الميتافيزيقي ~~القوي هو علامة أساسية على النمو الحضاري، وهو أيضا شرط أساسي للتقويم ~~الذاتي سواء بالنسبة إلى النظم أم إلى الأفراد؛ ففي عصر منهمك في ~~الصراع الأيديولوجي بكل قوة، كعصرنا الحالي، يغدو هذا التفكير ~~الميتافيزيقي ثانية أداة لا غناء عنها لإيضاح طريقتنا في الحياة ~~بأسرها، ولتطهيرها وحفظها. مثال ذلك أن معارضة الشيوعية دون المثابرة ~~على اختبار التزاماتنا الأساسية وإيضاحها لأنفسنا من جديد، قد ينطوي ~~على خطر ترك الصراع يتردى إلى مجرد تنازع على القوة، بل قد تكون ~~النتيجة أسوأ، فنفقد تراثنا في الحرية أثناء محاولة الدفاع عنه. # ولكن قد يكون أمامنا درس يلقنه إيانا مصير المثالية في ألمانيا؛ ~~فقد بدأت المثالية هناك فلسفة «للحرية»، أكدت ضرورة ربط كل معيار ~~اجتماعي بمطالب كل فرد، وكل مبدأ عقلي بالعمل الذي ينبغي على الأفراد ~~القيام به لتحقيق ذواتهم، وانتهت نهاية مشينة، أصبحت فيها دفاعا شبه ~~رسمي عن النظام القائم وإهابة شبه ذليلة ب «التراث»؛ فالمثاليون حين ~~اكتشفوا أن العقل ذاته متحفظ حتما، وأن المعايير العقلية لكل مجتمع ~~ينبغي أن تكون متأصلة في تراث حضاري مقبول لدى الجميع، قد ارتكبوا خطأ ~~نسيان ما أطلق عليه «سانتايانا» اسم الحاجات «قبل العقلية»، والإشباع ~~«بعد العقلي» الذي ينبغي على العقل ذاته العمل على تحقيقه، والذي يكون ~~للقيام بأي نقد للعقل مبرر في ضوئه ومن أجله. # إن الخطأ الروحي الأساسي الكامن في أي نظام تقليدي، وبالتالي «عقلي» ~~للأشياء، ينحصر في أننا نتجه حتما إلى أن نجعل منه صنما معبودا. ~~والأمر هنا كأن ms266 مصير المعقولية ذاتها، في أي مجال، يحتم عليها أن ~~تصبح صنما معبودا لدى من يخضعون لها. ولكن القرن التاسع عشر يكشف لنا ~~في هذه الحالة أيضا عن الداء ويصف الدواء. فهيجل قد أدرك بفضل وعيه ~~التاريخي أن للعقل ذاته جذوره التاريخية، وأن مفاهيم المعقولية ذاتها ~~تتغير بتغير الظروف الحضارية. ولقد كان هيجل ذاته «متحررا» من ~~المزاعم المسرفة التي كانت الفلسفات السابقة تدعي بها لنفسها صحة ~~شاملة؛ إذ إنه رأى فيها تكيفات متجددة تاريخيا، وبالتالي قابلة ~~للتغير وفقا لبيئة اجتماعية متبدلة. ومن سخرية الأقدار أنه لم يدرك ~~أن فلسفته مقيدة بزمانها أيضا، وأن الديالكتيك التاريخي لم يتجمد ~~بصورة نهائية قاطعة في منطقه الخاص. # لقد كان هيجل يفتقر إلى ذلك التواضع المحمود الذي نستطيع تعلمه من ~~فلسفة التجربة عند مل؛ فمل يلقننا إمكان قيام تراث يقوم ذاته، ~~ويأتي بترياق لميله الخاص إلى أن يصبح صنما معبودا. فهنا، باختصار، ~~نظرة إلى العقل، أطلقت عليها اسم «مذهب اشتراط المعقولية # reasonablism ~~»، تكيف ذاتها ~~مقدما مع الأسئلة الجبرية التي قد يسألها الناس عن أي نظام من ~~نظمهم، مهما كانت قداسته. تلك هي الحرية الأساسية التي دافع عنها مل. ~~غير أن في الدفاع عنها دفاعا عن الفكرة القائلة إن نقد العقل، ~~وبالتالي نقد الحضارة، أمر ضروري على الدوام. وإن إمكانية الثورة على ~~الصور الخاصة التي قد يتخذها العقل هي دائما إمكانية مشروعة؛ فالبحث ~~عن أسباب عقلية، إذا ما سار شوطا كافيا، يولد دائما أخطارا ~~تهدد النظام القائم، وأعظم ما في فلسفة مل هو أنها تدافع عن هذه ~~الأخطار بل تدعو إليها، وبذلك تعرف كيف تروضها. والواقع أن ما ~~يقدمه إلينا مل إنما هو تراث آخر، وهو تراث لا يلتزم في أساسه إلا ~~بمبدأ اشتراط المعقولية ذاته؛ أي المبدأ القائل إن من الواجب البحث عن ~~سبب لأية قضية، وإنه ليس ثمة مبدأ بمنأى عن النقد، طالما أن هذا النقد ~~يتم بأمانة وبنية طيبة. # وهكذا يبدو لي أن فكرة نقد العقل، ومثله الأعلى، الذي ساهمت فيه جميع ~~المدارس الفلسفية ms267 في القرن التاسع عشر بنصيب كبير، ربما كانت لا تزال ~~هي أعظم ما ساهمت به فلسفة القرن التاسع عشر. وليس معنى ذلك على ~~الإطلاق أن في هذا دعوة إلى اللامعقولية أو افتقارا إلى الإيمان ~~بمبادئ العلم. ومع ذلك يبدو للأسف أن كثيرا من المستنيرين يعتقدون ~~بوجوب ترك حقوق العلم بمعزل عن مخاطر عملية النقد، وأن مجرد الشك في ~~وجود هوية بين «المعقولية # rationality ~~»، والصواب # validity ~~، وبين مبادئ المنطق ~~الصوري والعلم التجريبي، يهدد بهدم بناء العلم الوضعي بأسره. ومع ~~ذلك فهذا لا يدل على أكثر من ضعف أعصاب وخوف كامن من أن تعجز النظرة ~~العلمية عن البقاء سليمة في سوق الأفكار الحرة. فالمرء لا يكون ~~بالضرورة خائنا للمثل العليا للعلم إذا اعترف بوجوب إخضاع العلم لنقد ~~من نفس النوع الذي ينبغي أن يخضع له أي نظام آخر. ولم يكن «إمانويل ~~كانت» قد أدار ظهره للتنوير والمعقولية عندما سعى إلى إيجاد نقد للعقل ~~النظري، يرسم في الوقت ذاته حدوده السليمة. بل إن الأمر على العكس من ~~ذلك تماما، فقد كان يأمل من رسم هذه الحدود أن يدعم مطالبة العلم ~~بالسيادة في مجاله الخاص. وإذا كانت مناهج العلم، أو «الفهم» هي ~~الوسائل الوحيدة الصحيحة لاكتساب المعرفة الواقعية، فإن هذه القضية لم ~~تكن واضحة بذاتها في كل عصر، وإنما ينبغي في كل جيل إيضاح هذه الوسائل ~~من جديد، وإعادة تقدير قيمتها، والدفاع عنها ضد المعارضة وإساءة الفهم. ~~ولكن إذا كان الدفاع عنها ممكنا، فإن نقدها أيضا ممكن، ولا مفر في ~~كلا الحالين من «الفلسفة الأولى»، أو الميتافيزيقا، شاء المرء أم لم ~~يشأ. # ولا جدال في أن فلاسفة القرن التاسع عشر قد أخفقوا في معظم الأحيان ~~في مواجهة مقتضيات الوضوح والدقة التي تشترطها الفلسفة التحليلية ~~المعاصرة. غير أن الدليل على إمكان مواجهة هذه المقتضيات دون التضحية ~~بعمومية النظرة الفلسفية وشمولها، يمكن أن يتمثل في واحد على الأقل ~~من الفلاسفة الذين عرضنا لهم، وهو كانت؛ فكانت يفي، من حيث المبدأ على ~~الأقل، بقدر كبير من مطلبنا ms268 «الميتافيزيقي» للتكيف الوضعي التام مع ~~بيئتنا الكاملة. غير أنه يفعل ذلك دون تضحية بالمطلب المقابل، مطلب ~~التحليل المفصل، والنقد الدقيق للتصورات الخاصة. صحيح أن كثيرا من ~~تحليلات كانت الخاصة لم تعد مقبولة للفلاسفة التحليليين، وأن مذهبه ~~العام، بما فيه من فهم ثنائي عميق للطبيعة البشرية، ومن شيء في ذاته ~~مجهول، ومن مصادرات للعقل العملي ضعيفة الأساس غير مقبولة، لم يعد ~~يرضي الفلاسفة المعاصرين، غير أن كانت ما زال يعد المثل الأعلى لما ~~يستطيع الذهن الفلسفي في أحسن أحواله أن يحققه؛ إذ يعترف بقصوره دون ~~مرارة، ويدرك حدوده بوضوح وينتقدها، ولكنه يظل مع ذلك متعلقا ~~بمعايير المعقولية والإنسانية التي يتخذ منها أساسا، ويتمسك بإخلاص ~~بمبادئ التنوير البشري الذاتي، مع إدراكه أن التنوير الذاتي يتمشى مع ~~احترام المبدأ القائل إن الإنسان كائن اجتماعي مسئول أمام الآخرين ~~وعنهم، مثلما هو مسئول أمام نفسه عنها، وأخيرا فإنه يفسح مجالا لا ~~لمقتضيات المعرفة فحسب، بل أيضا لتلك المطالب المشروعة للفن والأخلاق ~~والدين. # وإن المرء ليشعر بإغراء لأن يعود ثانية فيهتف : «عودا إلى كانت!» ~~غير أن هذا لا يقل عقما عن الهتاف المقابل «عودا إلى أفلاطون!» أو ~~«عودا إلى أرسطو!» أو «عودا إلى الأكويني!» وهو الهتاف الذي نسمعه ~~كثيرا في هذه الأيام. فمن المحال، كما علمنا هيجل، أن نعود القهقرى، ~~وإنما الواجب علينا أن نحاول أن نقدم إلى أنفسنا وحضارتنا ما قدمه ~~هؤلاء الرجال العظماء لعصورهم. ولو ظهر في عصرنا كانت جديد لتحتم أن ~~يتخذ نقده العقل شكلا يختلف تماما عن نقد كانت ذاته. فعليه، على سبيل ~~المثال، أن يجعل بين حياة العقل وبين السياقات الطبيعية والاجتماعية ~~التي ينبغي ممارستها فيها روابط، أوثق مما استطاع كانت أن يقيمه ~~بينها من الروابط؛ ذلك لأن العقل شكل للحياة، وليس قالبا مجردا. ~~وفضلا عن ذلك فهو صورة للحياة تقوم، كما تعلمنا من اللاعقليين ~~بطرقهم المضللة، على حاجات عاجلة فعالة هي وحدها التي تقدم لصورة ~~الحياة هذه مبررا نهائيا. وليس في هذا القول استسلام للاعقل، ~~وإنما فيه إنقاذ للمرء من ms269 المطالب العقيمة واللاعقلية في آخر الأمر؛ ~~«للواقعية» و«العقلية # rationalism ~~» ~~التوكيدية. وما هو إلا اعتراف بأننا إذا لم نكن نستطيع العودة إلى ~~كانت، فإننا لا نستطيع أيضا العودة إلى عصري «العقل» و«الإيمان» ~~السابقين عليه؛ فالاعتراف بأن تنظيم الفكر والفعل البشريين هو عمل ~~بشري محض، وبأن مبادئهما لا تكمن آخر الأمر إلا في التزامنا بهما، هو ~~فكرة ناضجة تهذب النفس وتحد من غلوائها. ولكن فيها أيضا إدراكا ~~طال انتظاره لمسئوليتنا الضخمة عن صون المثل العليا لمجتمع حر ~~بحق، لا يكون لنقد العقل أي معنى حقيقي إلا في سبيله. ms270