######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.FalsafaAnwacha.Hindawi51419507 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51419507 #META# Title: الفلسفة أنواعها ومشكلاتها #META# AuthorID: 85718149 #META# Author: هنتر ميد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 90639697 #META# Translator: فؤاد زكريا #META# Related_books: 1380HunterMead.TypesAndProblemsOfPhilosophy (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # 1 - لا بد لنا من التفلسف‏ # 2 - الفلسفة وجيرانها‏ # 3 - المثالية: العالم ملائم لنا‏ # 4 - المذهب الطبيعي: العالم غير مكترث‏ # 5 - أصل الحياة ومجراها‏ # 6 - الذهن: لغز أم أسطورة أم نظام آلي؟‏ # 7 - الحقيقة: مشكلة بيلاطس - ومشكلتنا‏ # 8 - نظرية المعرفة: ماذا يمكننا أن نعرف؟‏ # 9 - الميتافيزيقا: ما الواقع؟‏ # 10 - الميتافيزيقا: الثنائية والتعددية‏ # 11 - التجريبية المنطقية‏ # 12 - الأخلاق: ماذا ينبغي أن نفعل‏ # 13 - الأخلاق: ما الخير الأسمى؟‏ # 14 - الحتمية في مقابل اللاحتمية‏ # 15 - الأخلاق المعاصرة ومشكلاتها‏ # 16 - علم الجمال: ربيب الفلسفة‏ # 17 - الخلود: في أي شيء آمل؟‏ # 18 - النزعة الإنسانية والوجودية‏ # قائمة المصطلحات‏ # مقدمة المترجم‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # 1 - لا بد لنا من التفلسف‏ # 2 - الفلسفة وجيرانها‏ # 3 - المثالية: العالم ملائم لنا‏ # 4 - المذهب الطبيعي: العالم غير مكترث‏ # 5 - أصل الحياة ومجراها‏ # 6 - الذهن: لغز أم أسطورة أم نظام آلي؟‏ # 7 - الحقيقة: مشكلة بيلاطس - ومشكلتنا‏ # 8 - نظرية المعرفة: ماذا يمكننا أن نعرف؟‏ # 9 - الميتافيزيقا: ما الواقع؟‏ # 10 - الميتافيزيقا: الثنائية والتعددية‏ # 11 - التجريبية المنطقية‏ # 12 - الأخلاق: ماذا ينبغي أن نفعل‏ # 13 - الأخلاق: ما الخير الأسمى؟‏ # 14 - الحتمية في مقابل اللاحتمية‏ # 15 - الأخلاق المعاصرة ومشكلاتها‏ # 16 - علم الجمال: ربيب الفلسفة‏ # 17 - الخلود: في أي شيء آمل؟‏ # 18 - النزعة الإنسانية والوجودية‏ # قائمة المصطلحات‏ # | الفلسفة أنواعها ومشكلاتها # | الفلسفة أنواعها ومشكلاتها # تأليف # هنتر ميد # ترجمة # فؤاد زكريا # | مقدمة المترجم # لا شك أن الخبرة الطويلة التي اكتسبها مؤلف هذا الكتاب في تدريس الفلسفة تظهر واضحة في كل ~~صفحات كتابه؛ إذ نجد لديه إدراكا واضحا لطريقة تفكير طالب الفلسفة، حين يقبل على دراسته ~~لأول مرة، في تلك المشكلات النهائية القصوى التي تتميز بها الدراسة الفلسفية عن غيرها من ~~الدراسات. ويعترف مؤلف الكتاب صراحة بأن الكتاب نص دراسي قصد منه أن يفيد الطالب المبتدئ ~~في الدراسة الفلسفية؛ ومن هنا كان ذلك الطابع العام الذي اكتسبه طريقة معالجته لموضوعاته، ~~ومحاولة مسايرة تفكير الطالب خطوة خطوة، وتصور الحجج والاعتراضات التي ms001 قد يثيرها ذهنه، ~~والأسئلة والردود التي قد تطرأ على باله. ومما يزيد في قيمة الطابع التعليمي لهذا الكتاب، ~~أن المؤلف لم يحاول أن يقطع برأي نهائي في أية مشكلة من المشكلات التي عالجها، بل ترك ~~المجال مفتوحا أمام الطالب لكي يختار الموقف الذي يراه ملائما - والأهم من ذلك أنه كان ~~يؤكد على الدوام إمكان وجود حلول مختلفة للمشكلة الواحدة، وهو تأكيد له أهمية كبرى في تكوين ~~أذهان أولئك الذين يزمعون التخصص في الدراسات. # وعلى الرغم من أن مؤلف الكتاب ينتمي إلى ما يسمى بالمدرسة التحليلية الفلسفية، وهي ~~المدرسة التي تسيطر على عدد كبير من الجامعات الإنجليزية والأمريكية في الوقت الحالي، فإنه ~~يحرص على تحقيق التوازن بين النظرة التحليلية، بما فيها من تشريح دقيق للمشكلات وتفريغ دائم ~~لها، وبين النظرة التركيبية، بما فيها من رؤية جامعة شاملة لكل مشكلة في صلتها بالتجربة ~~الإنسانية عامة. ومن المؤكد أنه قد نجح إلى حد بعيد في تحقيق غايته هذه، بحيث يمكن القول ~~إن الطبيعة التي عرض بها آراءه تجمع بين مزايا النظرتين التحليلية والتركيبية معا، وتتجنب ~~كثيرا من عيوبهما. # ولعل أوضح ميزات هذا الكتاب هي محاولة الربط بين المشكلات الفلسفية وبين المواقف الفعلية ~~التي يمكن أن يواجهها دارس الفلسفة في حياته الخاصة والعامة. وتلك دون شك ميزة لا يستهان ~~بها من وجهة النظر التربوية؛ إذ إنها تشجع طالب الفلسفة على أن يخوض بلا وجل غمار مشكلات ~~قد ينفر منها لو عرضت عليه بطريقة تجريدية جافة. ويظهر اتجاه المؤلف هذا بوضوح منذ الفصل ~~الأول، الذي ضرب فيه الأمثلة لحالات متعددة الأنماط من الطلاب الذين يقبلون على الدراسة ~~الفلسفية لأسباب مختلفة، ولكنهم يتفقون جميعا - رغم تباين أمزجتهم واستعداداتهم - على أن ~~التفلسف أمر لا مفر منه، مهما تكن وجهة نظر المرء بالنسبة إلى العالم وإلى المجتمع الذي ~~يعيش فيه. فإذا وجد القارئ العربي أن النماذج التي اختارها المؤلف محلية تنتمي إلى بيئته ~~الخاصة وحدها، فليعلم رغم ذلك أن أمثال هذه الأنماط يمكن أن توجد - مع تحوير بسيط ms002 - في أية ~~بيئة معاصرة في عالمنا الذي تتقارب طرق التفكير فيه، وخاصة بين الشباب، بسرعة مذهلة. # ولست أزعم - بوصفي مترجما للكتاب - أنني قد اتفقت مع مؤلفه في كل ما قال. ومع ذلك فقد ~~آثرت ألا أقحم في نص الكتاب أي رأي قد أكون فيه مختلفا مع المؤلف، وإن كنت قد أشرت ~~بإيجاز، في بعض الهوامش إلى عدد من النقاط التي اعتقدت أن رأي المؤلف يحتاج فيها إلى إيضاح، ~~أو تعقيب، أو تعديل، دون الدخول في خلافات مفصلة. # وأخيرا، فإن لمؤلف هذا الكتاب، كما قلت من قبل، خبرة طويلة في التدريس الفلسفي أتاحت له ~~أن يسلك - في كتابه هذا - أقصر الطرق وأيسرها إلى عقول الطلاب وربما إلى قلوبهم، بدليل ~~انتشار استخدام هذا الكتاب بوصفه مدخلا إلى الفلسفة في كثير من الجامعات الأمريكية، وقام ~~بالتدريس في عدة جامعات وكليات، بعضها في الشرق الأدنى، وبعضها في الولايات المتحدة. وهو ~~يشغل منذ عام 1947م منصب أستاذ الفلسفة وعلم النفس في معهد كاليفورنيا التكنولوجي # California Institute of Technology # ومن مؤلفاته الأخرى: مدخل إلى علم الجمال # An Introduction to ~~Aesthetic # كما أنه عضو في مجلس تحرير الكتاب السنوي لدائرة ~~المعارف الأمريكية. # الدكتور فؤاد زكريا # | مقدمة الطبعة الثالثة # حاولت مرة أخرى، وأنا أراجع هذا الكتاب للمرة الثانية، أن أنتفع من الاقتراحات المتعددة ~~التي تلقيتها من الأساتذة الذين درسوه وألموا به إلماما كافيا. ولا شك أنني لم أتمكن من ~~أن أضمن الكتاب إلا جزءا من هذه الآراء، وإلا لكان علي أن أؤلف كتابا جديدا كل ~~الجدة، ولكني أخذت على الأقل بعديد من المقترحات التي تكرر إبداؤها من أشخاص كثيرين. # ولقد كانت أبرز التغيرات التي أدخلتها على هذه الطبعة، إضافة فصل ختامي عن النزعة ~~الإنسانية والوجودية؛ ذلك لأن طلب معلومات عن هاتين الحركتين كان هو أكثر الاقتراحات التي ~~تلقيتها تكرارا. كذلك فقد أعدت كتابة معظم الفصلين المتعلقين بالميتافيزيقا، ولا سيما ~~الأقسام الخاصة بالمذهب الثنائي والمذهب التعددي. ويبدو أن هناك إجماعا في الآراء على أن ~~هذين كانا أصعب فصول الطبعتين ms003 السابقتين؛ ولذا حاولت أن أزيدهما قربا إلى أفهام الطلاب، ~~فأضفت إلى هذا الغرض مزيدا من الأمثلة الملموسة، واهتممت بتفرعات المذهب الثنائي والمذهب ~~التعددي في الميادين الأخرى. # ولقد أضفت قسما مطولا تتبعت فيه تاريخ مفهوم «الواجب»، ليكون قبل كل شيء بمثابة مدخل ~~إلى دراسة مذهب «كانت » الأخلاقي. وإني لعلى ثقة من أن هذه الإضافة ستجعل الطلاب أكثر ~~تعاطفا مع موقف «كانت» الصارم القاطع، وذلك حين يلمون ببعض الآراء التي كانت فلسفته ~~الأخلاقية رد فعل عليها. # كذلك فإني أعدت كتابة جزء من الفصل الخاص بالمثالية، وتوسعت بوجه خاص في باركلي. ذلك ~~لأنني كنت قد تلقيت عدة اقتراحات بتحسين هذا الفصل، وقد أخذت بها على قدر ما كان ذلك ممكنا ~~من الوجهة العملية. وفضلا عن ذلك فقد توسعت في الفصل الخاص بالتصوف، مع الاهتمام بوجه خاص ~~بالتصوف من حيث هو موقف معرفي (إبستمولوجي). # أما قائمة المصطلحات، التي كانت من قبل مطولة، فقد زيدت قليلا، وذلك بوجه خاص لكي تشتمل ~~على المصطلحات الواردة في الإضافات المشار إليها من قبل. وقد حاولت في كل الأحيان أن أجعل ~~الكتاب متمشيا مع أحدث التطورات في ميدان الفلسفة. وصحيح أن الأفكار الفلسفية قد لا تكون ~~سريعة التغير، ولكن من المؤكد أن المراجع والأمثلة واهتمامات الطلاب تتغير بسرعة أكبر بكثير ~~مما يدركه معظمنا، ولا بد للمؤلف الشاعر بمسئوليته من أن يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار ~~عندما يراجع كتابه. # أما الأشخاص الذين قدموا إلي اقتراحات مفيدة بشأن تنقيح هذا الكتاب بفهم أكثر مما يتسع ~~المقام لذكره، ولكن س. ن. ستوكتون، من كلية بيكرزفيلد، يستحق ثناء خاصا على أفكاره ~~المفصلة المطولة بشأن طريقة تحسين الكتاب. ومن الحظ سوء أنني لم أستطع، لأسباب عملية، أن ~~أنفذ إلا قدرا يسيرا من اقتراحاته الرائعة. كذلك تستحق ماري أليس آرنت، وفرجينيا كوتكين، ~~ثناء عطرا على مساعدتهما في الأعمال الكتابية. # هنتز ميد # باسادينا، يناير 1959م # | مقدمة الطبعة الأولى # هناك طريقتان مألوفتان لبدء الدراسة المنهجية للفلسفة، لكل منهما أنصارها المتحمسون. ~~أما الطريقة الأولى، وربما الأقدم منهما، فتبدأ ms004 بتعريف الطالب تاريخ الفلسفة؛ أعني ذلك ~~السجل الزمني للتعاقب المتصل من الشخصيات والمدارس والحركات، الذي يبدأ بطاليس في حوالي ~~600ق.م. ويظل مستمرا حتى يصل بنا إلى مفكرين ما زالوا أحياء. وربما كانت الميزتان ~~الرئيسيتان لهذه الطريقة التاريخية هما: ~~(1) # أن الطالب يكتسب الإحساس باتصال البحث الفلسفي واستمراره . ~~(2) # وأنه يكتسب قدرا كبيرا من المادة العقلية التي يستطيع الانتفاع منها في أي ~~تأمل فلسفي شخصي قد يقوم به. غير أن العيب الأساسي لهذه الطريقة التاريخية، من ~~الناحية التربوية، هو عيب يكمن في أية دراسة تبدأ الموضوع الجديد منذ أصله ~~ومنشئه الأول: فمهما بدت الطريقة التاريخية منطقية، فإنها لا يمكن أن تكون هي ~~الطريقة الطبيعية بالنسبة إلى المبتدئ. ذلك لأن أي اهتمام تلقائي قد يتملك هذا ~~المبتدئ في موضوع كالفلسفة، لا بد أن يكون ناشئا عن احتكاكه أو صراعه مع ~~مشكلات فلسفية معاصرة له، لا من حب استطلاع ينصب على أصل المفاهيم الفلسفية ~~وتاريخها، أو الاهتمام بما قال به مفكر تاريخي معين. صحيح أن الطالب المبتدئ، ~~حين يعلم أن كثيرا من المشكلات التي تشغل ذهنه هي من المشكلات الدائمة في ~~الفلسفة، يستفيد فائدة ثقافية حقيقية، ولكن الذي يحدث في كثير من الأحيان هو أن ~~الطالب الذي يدرس موضوعا معينا؛ لأنه يشعر باهتمام أصيل به، يجد أن اهتمامه ~~قد أخذ يتلاشى بالتدريج بعد أن يقوم بتحليل طويل للفكر القديم والوسيط وتفكير ~~عصر النهضة والقرن الثامن عشر. ذلك لأن مشكلاته العقلية الخاصة هي مشكلات ~~معاصرة قبل كل شيء، ومطلبه الطبيعي هو أن يتلقى إجابات حديثة إلى حد معقول. ~~وكثيرا ما يشعر، عندما يضطر إلى دراسة مقرر في تاريخ الفلسفة، أن جوعه الفلسفي ~~قد ألقم حجرا - أو خبزا شديد الجفاف على أحسن الفروض. # لهذا السبب التربوي الأساسي يبدو أن الطريقة التاريخية، على مزاياها العديدة، قد أخذت ~~قيمتها تقل تدريجيا، في أيامنا هذه، بوصفها أول مدخل إلى الفلسفة. ويبدو أن عددا ~~متزايدا من الأساتذة قد أصبحوا مقتنعين بأن من الأفضل الاحتكاك بالموضوع، لأول مرة، بطريقة ~~غير تاريخية. وتبنى ms005 هذه الطريقة الأخرى عادة إما على دراسة «لأنواع» الفلسفة (أي أهم ~~المدارس والحركات الفلسفية)، كما هي الحال في كتاب «هوكنج # Hocking ~~» المشهور # 1 # وإما على دراسة للمشكلات الأساسية في هذا الميدان، كما هي الحال في كتاب ~~«كننجهام # Cunningham ~~». # 2 # وقد نجد من آن لآخر من يحاول معالجة الموضوع بطريقة أكثر شمولا، يجمع فيها ~~بين الأنواع الأساسية والمشكلات الرئيسية. # والكتاب الذي نقدمه ها هنا يحاول، كما يدل عنوانه، أن يعالج الموضوع بهذه الطريقة ~~الجامعة. ففيه دراسة للمشكلات الرئيسية للفلسفة من خلال ما أعتقد أنه أهم المدارس والحركات ~~الفلسفية الموجودة في أيامنا هذه. وهو يبدأ بمقدمة موجزة تحاول التعريف بالفلسفة، وتبين كيف ~~أن الطلاب (ومعهم كل الناس الآخرين تقريبا) يتفلسفون سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه. ثم ~~يبحث في الفصول من الأول إلى الثالث في العلاقات بين الفلسفة وجيرانها. ولا سيما العلم ~~والدين. ويلي ذلك وصف مفصل للرأيين اللذين أعتقد أنهما أهم وأشمل الآراء عن العامل، وهما ~~المذهبان المثالي والطبيعي # Naturalism # اللذان سنتخذ منهما ~~في واقع الأمر نقطتي ارتكاز في هذا الميدان (في الفصلين الرابع والخامس). أما الفصول ~~الباقية فتعالج مختلف مشكلات الفلسفة، كل مشكلة بما لها من حلول كثيرة ممكنة، وذلك من خلال ~~نقطتي الارتكاز سالفتي الذكر. وبذلك تكون لدى المبتدئ بضعة معالم بارزة يسترشد بها خلال ~~تجواله في هذه الأرض التي هي، على أحسن الفروض، أرض محيرة. وقد يجد الفيلسوف المحترف، الذي ~~أصبح متمكنا من ميدانه على الرغم من تعقده الشديد، أن هذا الترتيب مبسط إلى حد يقارب ~~الإفراط، غير أن تجربتي مع الكثير من فصول المبتدئين قد أقنعتني بأن هذه الطريقة تصلح أكثر ~~من أية طريقة أخرى لكي تكون مدخلا أول إلى الموضوع. فقد اتضح لي أن هذه الطريقة هي التي ~~تفي أكثر من غيرها بالغرض المطلوب، سواء أكان مقياسنا هو سرعة اندماج الطالب في المشكلات ~~الفلسفية، أم كان مقدار التوجيه العام الذي يكتسبه في هذا الميدان بعد فصل دراسي واحد، وما ~~هذا الكتاب إلا تعبير عن اقتناعي بأن ms006 النتائج التربوية التي تسفر عنها هذه الطريقة هي قطعا ~~أفضل من كل ما عداها. # ولا شك أن كتابة مؤلف من هذا النوع، ونشره، يقتضي مساعدة من عدد كبير من الأصدقاء ~~الذين يستحيل الاعتراف بفضل كل منهم على حدة. على أن هناك عدة أشخاص قدموا لي معونة خاصة، ~~وهم جديرون بثناء أعظم مما يدل عليه الاقتصار على ذكر أسمائهم، هؤلاء هم: برنيس وجوردون ~~ستافورد، وروسكوبولاند، ومارفن هدريك، وجون باسووتر، وروبرت همفريز، وشيرلي مورس، بل إن ~~هناك عونا كان أعظم حتى من ذلك، هو الذي قدمه ريموند ديورانت، ووالدتي سوازن ه. ميد. ذلك ~~لأن الصبر الذي أبداه الأول في كتابة صفحات الكتاب، والبصيرة النقدية للثانية، كانا لي ~~عونا لا يقدر. كذلك يستحق ريموند إيردل، الأستاذ بكلية بومونا، ثناء خاصا على النصح ~~الذي أسداه إلي في لحظة حاسمة بشأن قائمة مصطلحات الكتاب. # هنتز ميد # سان دييجو، كاليفورنيا # يناير 1946م # الفصل الأول # | لا بد لنا من التفلسف # «الفلسفة مضيعة للوقت.» «الفلسفة لا تحل أية مشكلة.» «الفلسفة لا تعالج إلا مشكلاتها ~~الوهمية الخاصة - بل إنها تعجز عن حل هذه المشكلات.» «لم يظهر أبدا فيلسوف تحمل ألما في ~~الضرس.» مثل هذه الملاحظات توجه إلى الفيلسوف المحترف وإلى طالب الفلسفة، وتتكرر إلى ~~حد ينبغي معه النظر إليها على أنها من المتاعب المهنية. شأنها شأن غبار الطباشير في ~~التدريس، أو قذارة الأظافر في أعمال الورش. ومع ذلك، فكما أن المدرس والميكانيكي يغضبان ~~بطبعهما من أي تلميح إلى أن هندامهما الشخصي ليس على ما يرام، فكذلك يغضب الفلاسفة من ~~التلميحات المألوفة التي تنطوي عليها أمثال هذه الملاحظات القائلة إن هندامهم العقلي معيب. ~~وكما أن المدرس أو الميكانيكي قد يجيب كل منهما على النقد بقوله: «كم أود أن أراك وأنت ~~تقوم بعملي وتظل محتفظا بنظافتك!» فكذلك يشعر الفيلسوف في كثير من الأحيان بالميل إلى أن ~~يرد قائلا: «أتراك تتصرف على نحو أفضل لو كنت تعمل في ميدان؟» # ولكن التشابه بين الطرفين ينتهي عند هذا الحد؛ ذلك لأن من ينتقد السترة ms007 المغطاة بالطباشير ~~أو الأظافر القذرة يستطيع أن يقول دائما (لنفسه على الأقل) «إن لدى العقل ما يكفي لتجنب ~~أمثال هذه المهن التي تفسد الهندام.» أما في حالة الفيلسوف فليس هناك رد كهذا يمكن أن ~~يوجه إليه؛ ذلك لأننا، كما لاحظ أرسطو منذ وقت طويل، سواء أردنا أن نتفلسف أو لم نرد، ~~لا بد لنا جميعا من التفلسف. فقد يكون في استطاعة الشخص الحريص على النظافة أن يتجنب المهن ~~التي تجعل منظره يبدو غير مرتب، ولكن ليس في وسع أحد أن يفكر منطقيا، وبعمق، دون أن يقوم ~~بدور الفيلسوف، على طريقة الهواة على الأقل. وفضلا عن ذلك، فليس في وسع أحد أن يتأمل ~~تجربته الخاصة، ويصل إلى أية نتائج، حتى لو كانت مفتقرة تماما إلى الدقة، عن العالم، أو ~~الحياة، أو طبيعة الوجود ومعناه، دون أن يكون قد أقحم في تفكيره (ضمنيا على الأقل) مذهبا ~~ميتافيزيقيا كاملا. ذلك لأن ما يفعله الفيلسوف المحترف هو أنه يعرض بالتفصيل ذلك المذهب ~~الفكري الذي توجد بذوره البسيطة في أي رأي ساذج غير واع عن العالم. والفارق الأساسي بين ~~آراء المفكر المدرب وبين الخواطر غير النقدية التي تطرأ بالذهن الساذج من الوجهة الفلسفية، ~~هو فارق في المسافة التي قطعها كل من الذهنين؛ أي إن كل ما يفعله الفيلسوف هو أنه يمضي ~~أبعد في نفس الطريق الفكري الذي يسير فيه المفكر غير النقدي دون وعي. والفيلسوف يسلك عادة ~~طريقا أقصر؛ إذ إنه قد اكتسب مزيدا من الخبرة في تجنب الطرق المسدودة والمسالك الفرعية ~~العقيمة التي قد تعترضه خلال سيره. وفضلا عن ذلك فالأرجح أنه خلال سيره يرى تفاصيل أكثر ~~(أي أكثر أهمية وأعمق معنى بحق)، ومع ذلك فإن الطريق العام الذي يسلكه كل منهما يظل ~~واحدا. # حتمية الفلسفة ~~: من السهل أن يتعرض القارئ للشك في وصفنا ~~هذا للفلسفة بأنها نشاط بشري شامل. فقد تقول: «هذا هراء. فقد أمضيت هذه السنين الكثيرة كلها ~~بلا فلسفة، ولكن من المؤكد أنني خلال طريقي قد قمت ببعض التفكير!» ومع ذلك، ms008 فبينما أنه يكاد ~~يكون من المؤكد بالفعل أنك قمت ببعض التفكير خلال وقتك هذا - ولولا ذلك لما كان لديك من ~~التعليم ما يكفي لقراءة كتاب كهذا - فإن الأكثر من ذلك تأكيدا هو أنك لم تفلت من التفلسف ~~خلال جزء من وقتك، هذا على الأقل. صحيح أنك لم تستخدم المصطلح الفني للفلسفة، ولم تكن ~~بطبيعة الحال محترفا يرتزق من تدريس هذا المصطلح لطلاب الكليات، ومع ذلك فلا جدال في أنك ~~كنت تستخدم، بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، بعض الأفكار والاتجاهات الفلسفية طوال جزء كبير ~~من ذلك الوقت. # والأمر المؤكد أكثر من كل ما سبق هو أن القارئ لو كان طالبا فيك كلية فلا بد أنه بدأ ~~يتفلسف منذ وقت قريب، وكلما كان بقاؤه في الكلية أطول، كان الأرجح أنه يقف مترددا، في ~~أوقات كثيرة، على حافة التفكير الفلسفي الجاد. مثل هذا الطالب هو عادة شخص ذو ذهن جاد، ~~يهتم بما هو أكثر من الحياة الرياضية والاجتماعية بالجامعة، والأغلب أنه قد انزلق من هذه ~~الحافة مرات كثيرة، وخاض بحر المشكلات الفلسفية العميقة، الذي سبح فيه دون أن يدري، برفقة ~~مجموعة من كبار مفكري التاريخ. # والحق أن من أكثر التجارب التي يمكن أن يمر بها المبتدئ في الفلسفة مدعاة للاستغراب ~~(وربما لخيبة الأمل الشديدة)، أن يكتشف أن مجموعة الأفكار الغامضة، بل المفككة، التي ~~يعتنقها في موضوع الحياة والكون، قد يكون لها اسم، وأن من الممكن، على أساس هذه الأفكار، أن ~~يصنف على أساس أنه «مثالي»، أو «طبيعي»، أو «من أصحاب مذهب اللذة»، وربما على أنه ~~«برجماتي». ذلك لأنك لو كنت شخصا واثقا بنفسه، فأغلب الظن أنك كنت دائما تنظر إلى أفكارك ~~ووجهات نظرك على أنها فريدة في نوعها. وهذا النوع من الأشخاص يدهشه، بل يغضبه، ذلك الهدوء ~~الرزين الذي قد يستطيع أستاذ الفلسفة تحديد الفئة التي تنتمي إليها آراؤه. ومن جهة أخرى فلو ~~كنت طالبا من النوع الأكثر تواضعا وانطواء، فالأرجح أنك تشعر عندئذ بأن ذهنك كان يحتوي ~~على كثير من الأفكار التي هي ms009 أكثر «حمقا» من أن تستحق معنوياتها اسما محترما كالفلسفة. ~~وفي هذه الحالة بدورها ستتملكك الدهشة بلا شك، وإن كان سرورك بذلك أعظم؛ إذ إنك لا بد أن ~~تكتشف بدورك أن واحدا أو أكثر من الشخصيات التي حفظها تاريخ الفلسفة، قد قال بنفس هذه ~~الأفكار «الحمقاء»، ووصل إلى الشهرة لا لشيء إلا لأنه قد وسع هذه الأفكار وزادها تكاملا ~~ودقة. وهكذا فإن المبتدئين، سواء أكانوا من الواثقين أم من غير الواثقين بأنفسهم، يكتشفون ~~عادة أنهم ليسوا وحيدين في تفكيرهم؛ إذ إنهم سرعان ما يعلمون أنه لا جديد - إلا القليل ~~جدا - تحت شمس الفلسفة، ولا بد أن تمر بالمرء لحظة هائلة، قد تملكه فيها فرحة طاغية أو ~~خيبة أمل عميقة، عندما يكتشف أنه شريك في الفكر لأفلاطون، أو باركلي، أو اسبينوزا. # الطلاب بوصفهم فلاسفة ~~: يعلم أساتذة الفلسفة في الكليات ~~أن الطلاب الذين يختارون موضوع تخصصهم يفعلون ذلك لأسباب متباينة. ومن الشائع أن يكتشف ~~هؤلاء الأساتذة، من بين الطلاب الذين يختارون منهاج دراستهم لسبب أهم من كونه يتسم ~~بالسهولة أو تلقى محاضراته في مواعيد مريحة، أغلبية يقوم أفرادها بهذا الاختيار لأنهم غير ~~راضين عن الإجابات التي يتلقونها عادة ردا على أسئلة أساسية معينة. وفي معظم الأحيان ~~يقوى هذا الشعور بعدم الرضا كثيرا منذ دخول الكلية؛ لأن من الأسباب التي تبعث في الطالب ~~هذا الشعور، اتساع نطاق معرفته، والمناقشات والمجادلات الحامية التي لا تنتهي، والتي تؤلف ~~عنصرا هاما في الحياة الجامعية. على أن أكثر المؤثرات مدعاة للاضطراب وعدم الاستقرار، قد ~~يكون هو الشعور المتزايد بوجود تباين بين المثل العليا المعترف بها في المجتمع والحضارة، ~~وبين سلوك الناس الفعلي في محيط العمل أو عالم المجتمع - أو في الوسط الجامعي ذاته. وقد ~~يدرك الطالب ذو الضمير الحي أيضا أن المثل العليا التي ينادي بها هو ذاته علنا، كثيرا ~~ما تكون ذات صلة واهية بسلوكه اليومي، ويكتشف أنه ما زال يطيع بلسانه معايير السلوك التي ~~تعلمها في البيت أو في المدرسة، ولكنه يتجاهل معظمها وهو يحيا حياته ms010 الجامعية ~~الراهنة. # هذه التناقضات والمفارقات - العقلية، والأخلاقية، والدينية - هي التي تدفع كثيرا من ~~الطلاب إلى القيام بأول اتصال لهم مع الفلسفة، إما في المدرج الجامعي، وإما عن طريق كفاحهم ~~الخاص في سبيل الاتساق العقلي. فكل أستاذ مثلا، يشاهد أمثلة كثيرة لطلاب مثل «بوب». وبوب ~~هذا قد تربى في جو مسيحي محافظ، ولكنه سرعان ما أدرك أن أية إشارة إلى التعاليم التي ظل ~~يقبلها دائما دون مناقشة، تثير على وجوه زملائه من الطلاب نظرات عابسة أو مستنكرة، وربما ~~معبرة عن الحرج الشديد. وفي البداية كان بوب يميل إلى الاستخفاف بهذه الاستجابات السلبية، ~~على أساس أنها تعبر عن حالات استثنائية لا تمثل الموقف العام في الجامعة، ولكن لما كانت ~~كليته تمثل المجموع، فقد كان لا بد له أن يضطر إلى مواجهة الحقيقة الفعلية، وهي أنه هو ~~الاستثناء (أو على الأقل واحد ضمن أقلية)، وأن التعاليم المسيحية لا تؤثر مباشرة إلا في ~~تفكير وسلوك قلة من أصدقائه وزملائه في الدراسة. وقد اشتدت حدة الصراع الذي أثاره هذا ~~الاكتشاف في ذهن بوب بوجه خاص عندما أدرك أن كثيرا من الطلاب الذين كان يقدرهم ويعجب بهم - ~~والأسوأ من ذلك، بعض مدرسيه المحبوبين - يشاركون في عدم الاكتراث العام هذا، أو في تلك ~~العداوة الصريحة، للتعاليم الدينية التقليدية. # ولكي يصل بوب إلى حل لهذا الصراع، فعل ما يفعله أي شخص عاقل في مثل هذه الظروف؛ فقد بدأ ~~يفكر، فاكتسب مزيدا من المعلومات عن أصل وتاريخ تلك التعاليم التي كان يقبلها دائما على ~~أنها «مقدسة»، وحاول فهم الأسباب التي أدت بأشخاص أذكياء مثقفين (ومتمسكين تماما بالأخلاق) ~~إلى التخلي عن هذه التعاليم. فناقش مختلف المشكلات التي يثيرها الموضوع مع ممثلين ينتمون ~~إلى كلتا المدرستين الفكريتين، محاولا أثناء ذلك أن يحتفظ بموقف الحكم النزيه. # ولقد كان هذا الجهد الذي بذله بوب للوصول إلى حل لصراعه هذا، يقتضي منه أن يستخدم العقل ~~لا العاطفة؛ إذ إنه أدرك أن المشكلة عقلية قبل كل شيء، ولا تمس العاطفة إلا بطريق غير ~~مباشر. فانتهى ms011 رأيه إلى أن أسرته ومعلميه الدينيين ليسوا «موضوعيين» في الحجج التي يزعمون ~~بها إثبات وجود الله أو خلود النفس، ومن جهة أخرى رأى أن أصدقاءه الشكاك والملحدين لم ~~يكونوا في بعض الأحيان أقل تعصبا وعاطفية، أو كان كل ما يفعلونه هو تبرير تمرد مبني على ~~أسس دينية مشابهة لما لديه. وهكذا بدا له أن كلتا الجماعتين لا تقدم إليه مصدرا موثوقا به ~~للتفكير النزيه، غير الانفعالي، ورأى نفسه مضطرا إلى رفض الاسترشاد بهذا الجانب أو ذاك في ~~حل مشكلته. ومن ثم فقد اضطر إلى محاولة البحث بنفسه عن صيغة منطقية لما يستطيع أن يؤمن به ~~إيمانا صادقا على أسس تجربته ومعرفته التي اكتسبها حتى ذلك الحين. # ومنذ هذه اللحظة، أصبح بوب فيلسوفا، سواء أعرف ذلك أم لم يعرفه. ولو ظل منطقيا وثابر ~~على محاولته صياغة معتقداته الخاصة، لوصل على الأرجح إلى نتائج مشابهة لتلك التي وردت في ~~مذهب ميتافيزيقي معين من المذاهب الموجودة بالفعل. ولكن، سواء أكانت وجهة النظر التي سيصل ~~إليها هي تلك التي اشتهرت بفضل أرسطو، أو وليام جيمس، أم وجهة نظر يستطيع أن يصفها - عن حق ~~- بأنها خاصة به وحده، فإن منهجه لو كان منطقيا، وطريقة معالجته للموضوع لو كانت عقلية، ~~لكان تفكيره هذا، والنتائج التي وصل إليها، جديرا باسم «الفلسفة». # ولنتأمل حالة الطالبة «روث»، وهي حالة نجد لها نظائر في كل جامعة بها تعليم مشترك. فعلى ~~الرغم من أن تعليمها لم يكن محافظا من الوجهة الدينية على قدر ما كان تعليم «بوب»، فإن ~~التعاليم الأخلاقية التي تلقتها من والديها كانت صارمة قاطعة. صحيح أن والديها يعدان ~~نفسيهما «متحررين» ولكن روث قد تعلمت أن هناك أمورا معينة تتجاوز حدود أكثر أنواع السلوك ~~تحررا. وأبرز هذه البنود المستبعدة، كل نوع من السلوك الجنسي يتم خارج نطاق الزواج، ولا ~~سيما بالنسبة إلى امرأة تحترم نفسها. وعلى حين أن والديها قارئان مثقفان، ولديهما بعض ~~المعلومات عن علم النفس وعلم الاجتماع فإنهما قد نشآ ابنتهما على الاعتقاد بأن معايير ~~الأخلاق الجنسية ms012 صارمة لا تتغير. # ولكن، بعد أن تمضي روث في الجامعة فصلا دراسيا أو فصلين، تبدأ في إدراك أنه، على ~~الرغم من أن معظم الفتيات قد نشأن في جو أخلاقي مشابه للجو السائد في بيتها، فإن بعضهن قد ~~انحرف عنه نظريا أو عمليا أو كليهما معا. وفضلا عن ذلك فإن بعض هؤلاء الفتيات صريحات ~~فيما يتعلق بسلوكهن، لا سيما حين يتحدثن مع صديقات حميمات. وقد دهشت روث إذ وجدت أن ~~اتجاهاتهن هذه لا يبدو أنها تؤدي إلى الحد من قدرهن في نظر صديقاتهن. ولما كانت روث قد ~~تعلمت دائما أن مثل هذا السلوك يؤدي دائما إلى التعاسة، ولا سيما بالنسبة إلى الفتيات، ~~فإن الأمر الذي كان مصدر أكبر قدر من الإزعاج والحيرة لها، هو أنها لاحظت أن هؤلاء الفتيات ~~لا يبدو عليهن أنهن أقل سعادة وانسجاما مع بيئتهن من معظم زميلاتهن الأخريات. # ولما كانت روث ذكية واسعة الأفق، فقد حاولت بدورها أن تفكر في المسألة من أولها إلى آخرها ~~بطريقة عقلية. وقد أتاحت لها سياسة التسامح التي تتبعها مكتبة الجامعة، أن تطلع على كتب ~~موثوق بها في المشكلات الرئيسية للجنس والزواج، ولكنها سرعان ما أدركت أن حل مشكلتها لن ~~يوجد في هذه الكتب، ولن يستمد من مناقشات منتصف الليل في عنابر بيت الطالبات؛ ذلك لأن ما ~~كانت تحاول كشفه هو شيء أعمق وأعقد وأهم بكثير من أية إجابة على مشكلة العفة الجنسية. فقد ~~كانت تحاول كشف ما يحدد «الصواب» و«الخطأ». فهي قد ظلت حتى الآن تعتمد دائما على كلمة ~~أبويها ومعلميها في تحديد فئتي السلوك هاتين، ولكن ها هي ذي تدرك فجأة أن ذلك لم يعد ~~كافيا، ما دامت كل تعاليمهم قد صيغت على هيئة أوامر محددة تتعلق بأفعال معينة، لا على صيغة ~~معيار عقلي «للحق أو الصواب». أما كون معظم الناس يؤمنون كما يؤمن والدها، فهذا أمر لا يؤثر ~~فيما تبحث عنه شيئا؛ مثلما لا يؤثر فيه كون العفة صفة أثيرة لدى المجتمعات منذ عهود بعيدة؛ ~~ذلك لأنها تدرك أن ms013 هذه ليست إلا صورا متباينة للسلطة، التي لا يمكن أن تكون لها قوة عقلية ~~ملزمة لأذهان ترفض السلطة الخاصة المتعلقة بهذا الموضوع بعينه. فلا بد إذن من شيء أكثر ~~تأصلا، وأكثر معقولية. # وهكذا تجد روث نفسها قادرة، آخر الأمر، على البدء بعملية إعادة بناء عقلية. ولا يمضي وقت ~~طويل حتى تكتشف أن مشكلة «الصواب» و«الخطأ» لا يمكن أن تحل إلا بمزيد من التعمق؛ إذ إنها ~~تدرك أن هذين اللفظين يعتمدان على «الخير» و«الشر». ومن هنا فإن بحثها يؤدي بها آخر الأمر ~~إلى هذا السؤال الأساسي: «ما هي الحياة الخيرة؟» وإلى أن يتسنى إيجاد جواب مرض لهذا ~~السؤال - الذي هو أكثر أسئلة الإنسان إلحاحا - فإن روث تدرك أنها لا تستطيع إلا أن تعود ~~إلى سلطة من نوع ما، لتتخذ منها مرشدا لسلوكها، حتى لو كانت سلطة مشكوكا فيها مثل رأي ~~الأغلبية من زملائها الطلاب. ومن الجائز أن بحثها هذا عن جواب شاف عن مشكلة الحياة الخيرة ~~سيؤدي بها إلى اختيار برنامج دراسي في الفلسفة أو الأخلاق. ولكنها - سواء أفعلت ذلك أم لم ~~تفعله - فإنها ستكون سائرة بجد في طريق الفلسفة الفسيح إذا أدت بها جهودها الخاصة إلى بلوغ ~~نقطة قريبة من تلك التي وصفناها. # ولا شك أننا لن نجد جميع الطلاب، حتى لو كانوا أذكياء، ذوي عقول جادة، قادرين على ~~المثابرة في التفكير في مثل هذه المشكلات إلى الحد الذي يكشف لهم بوضوح عن المسائل الفلسفية ~~الأساسية. مثل ذلك أن «بوب» كان يستطيع أن يتوقف فجأة في تحليله بأن يقرر أنه يوجد لدى أي ~~شخص، على ما يبدو، دليل موثوق به على حقيقة المعتقدات الدينية أو بطلانها؛ وبالتالي يصبح ~~«الإيمان» مسألة شخصية بحتة. وكذلك كانت «روث» تستطيع التراجع في رحلتها العقلية بعد ~~البداية مباشرة؛ وذلك بأن تقرر أن أبويها أكبر منها سنا وأحكم عقلا؛ ولذا فمن الواجب ~~اتباع نصائحهما، لا سيما وأن آراءهما تتفق مع رأي الأغلبية فيما يتعلق بالأخلاق ~~الجنسية. # لكن حتى لو لم يكن الطالبان اللذان نتحدث عنهما قد ms014 وصلا إلا إلى موقفين مبدئيين من هذا ~~النوع، فإن كلا منهما يكون مؤمنا ضمنيا بفلسفة وجدت خلال التاريخ الطويل للفكر من يعبر ~~عنها بوضوح ويدافع عنها بحرارة. فعندئذ يكون «بوب» مثلا، قد اتجاه نحو مذهب نسبي شكاك من ~~نوع ما، على حين أن «روث» تكون قد ظلت قانعة بنوع من مذهب السلطة المفترض ضمنا. # أمثلة أخرى ~~: ولنبحث الآن حالة «تشارلس». ففي أثناء ~~دراسة تشارلس الثانوية، أبدى اهتماما كبيرا بتلك الألغاز التي لا بد أن كلا منا قد ~~صادفها في وقت ما، من أمثال: «إذا سقطت شجرة في وسط غابة ولم يكن هناك شخص قريب يسمعها، فهل ~~يكون هناك أي صوت؟» وحتى بعد أن عرف أن الجواب يتوقف تماما على تعريف «الصوت»، فقد ظلت ~~المشكلة تخلب لبه، لا سيما بعد أن أخبره شخص أكبر منه سنا أن من الممكن توجيه نفس هذا ~~السؤال بشأن كل تجربة حسية لنا. مثال ذلك، أيكون الفرن «ساخنا»، أو الجو «شديد الرطوبة»، ~~إن لم يكن هناك من يحس به؟ ... وهكذا أخذ تشارلس يشعر بالتدريج أن الشخص، في كل تجربة، يكون ~~أهم من الشيء الذي يمر به في تجربته، بل إن الشخص ليس أهم فقط، وإنما هو أهم وأكثر «حقيقة»، ~~بحيث ينبغي أن يعد الذهن أو الوعي العنصر المركزي الرئيسي في الكون. وبذلك يكون تشارس قد ~~اهتدى، عن وعي أو دون وعي، إلى الفكرة الأساسية لدى مدرسة من أعظم مدارس الفكر الفلسفي ~~وأقواها تأثيرا، وهي المثالية الميتافيزيقية. # وهناك طالب آخر، هو «ديك»، يبدي اهتماما كبيرا بالعلم ولا سيما الجيولوجيا والفلك ~~والدراسات البيولوجية. وقد تعلم مما درسه في هذه الفروع أن العلم، حتى في أشمل تعميماته ~~وأوسع قوانينه نطاقا، يتوقف دائما، وفي نهاية الأمر، على «الوقائع». وهو يشعر بإعجاب ~~متزايد بقدرة العلم على تفسير مختلف أسرار التجربة البشرية واحدا بعد الآخر، ويشعر برضا ~~خاص إذ يدرك أن حدود المجهول والغامض وما هو «خارق للطبيعة» تتراجع وتنكمش يوما بعد يوم. ~~وأخيرا يشعر، كما يشعر كل أساتذته في العلم، أنه ms015 على حين أن العلم قد لا يكون قادرا على ~~أن ينبئنا بكل ما نود معرفته، فهناك بالفعل أدلة كافية تثبت أن أي ميدان لا يثمر أكبر قدر ~~ممكن من المعرفة الموثوق منها إلا إذا اتبعت فيه الطريقة العلمية. كذلك يعتقد «ديك» أنه لا ~~يوجد شيء من وراء الكون الطبيعي الذي يدرسه العلم. «فالطبيعة» تشمل كل ما يوجد، بحيث لا ~~يكون ثمة مجال لما هو «خارق للطبيعة». وعندما يصل إلى وجهة النظر الأخيرة هذه، يكون قد عثر ~~(ربما دون أن يعلم مطلقا). على الفكرة الرئيسية في موقف فلسفي رئيسي آخر، هو المذهب ~~الطبيعي. # والمثل الأخير هو «باربارا»، وهي فتاة في السنة الأولى، تتصف بصلابة الرأي وبنزعة عملية ~~مشوبة بشيء من السخرية وعدم الاكتراث، ولا تطيق التفكير النظري أو التأمل أبدا. ففي كل ~~مناقشة نظرية، نراها دائما ترد بقولها: «إلى أين ستؤدي بك؟» وفي الآونة الأخيرة أخذ نطاق ~~تحديها النقدي يزداد اتساعا؛ إذ إنها الآن قد أصبحت تتساءل: «هل نوع النظرية التي تعتنقها ~~يؤدي إلى أي فارق في المدى الطويل - وإذا كان هناك فارق، فما هو؟ وما العائد من النتائج ~~الملموسة - هذا وحده هو ما يهمني!» وهنا نجد أن باربارا بدورها تتخذ موقفا نظريا موجودا ~~بصورة ضمنية في أسئلتها، وإن كانت ستدهش قطعا (وربما غضبت) لو عرفت بالأمر. ذلك لأن ~~أسئلتها توحي بنوع ساذج من «البرجماتية» التي تحاول تقويم كل شيء من خلال نتائج ذات أثر ~~ملموس، وتذهب إلى أن النظريات والتمييزات النظرية لا يكون لها معنى إلا بقدر ما تؤدي إليه ~~من اختلافات يمكننا أن نجربها مباشرة. # وهنا ينبغي أن نؤكد مرة أخرى أنه قد لا يكون هناك واحد من هؤلاء الطلاب الخمسة يعتقد أن ~~النشاط العقلي الذي يمارسه هو نوع من التفلسف، والأبعد من ذلك احتمالا أن تكون نتائج ~~تفكيرهم في نظرهم بوادر أولى لمذهب فلسفي. على أن الفلسفة المنظمة، كما سنرى في الصفحات ~~التالية، قد نمت من تفكير مماثل لهذا تماما، في نفس هذه المشكلات، بل إن تاريخ الفلسفة ms016 ~~ليس إلا تعاقبا متصلا من الإجابات المتباينة على هذه المشكلات (وعلى مشكلات أخرى مماثلة ~~لها)، على حين أن أي «مذهب» فلسفي ليس أكثر من محاولة متكاملة شديدة التنظيم للإجابة عن نفس ~~الأسئلة الأساسية التي تلح على ذهن الإنسان كلما بدأ يفكر تفكيرا عميقا شاملا. ~~(1) الاختلافات الرئيسية بين الفلسفة الشعبية والفلسفة المذهبية # هناك ثلاثة اختلافات تفرق بين الفلسفة التي نسميها «شعبية» أو «شخصية» وبين ذلك النوع ~~الذي يحظى بشهرة باقية، بل حتى ذلك النوع الذي يزاوله معظم الفلاسفة المحترفين. أوضح ~~هذه الفروق هو أن هذه الفلسفات الشخصية يعبر عنها باللغة البسيطة التي يستخدمها الإنسان ~~العادي كل يوم. أما أفكار معظم المفكرين الكبار فتصاغ عادة من خلال مصطلح فني أكثر ~~تجريدا، ينبغي أن نتعلمه مثلما نتعلم المصطلح الخاص بأي علم. وهذا المصطلح الفني ~~هو في الوقت ذاته الحاجز الأكبر الذي يقف حائلا بين معظم الفلاسفة وبين عامة ~~الناس. # ولكن الواقع أن هذا الفارق بين النوعين الشعبي والاحترافي أو الفني للفلسفة، ليس ~~ضخما إلى الحد الذي يبدو عليه. فما إن يتعلم المرء هذا المصطلح الفني، حتى يبدأ في ~~اكتشاف أوجه شبه بين الاثنين لم يكن يخطر بباله وجودها. ومن الأمور الشائع حدوثها أن ~~يقول الطالب المبتدئ، بعد أن يقوم معلمه أو القاموس بترجمة عبارة ميتافيزيقية معقدة إلى ~~لغة بسيطة: «لم لم يقل ذلك منذ البداية؟» والرد على هذا السؤال الطبيعي بالنسبة إلى ~~الشخص غير المتخصص، هو أننا حتى لو افترضنا أن الترجمة إلى اللغة العادية دقيقة (وهو ما ~~لا يصح دائما؛ إذ إن هناك جملا فلسفية معينة قد يكون من المستحيل التعبير عنها ~~بالألفاظ المستخدمة يوميا)، فإن الوضع يكون شاذا إلى حد بعيد لو عبرنا عن ~~التجريدات العميقة بلغة غير اللغة الفنية التجريدية. # والحق أن نفس هذه المشكلة المتعلقة بالمصطلح تظهر في معظم فروع العلم، فكثير من ~~المفاهيم الأساسية في أي فرع بعينه يرمز لها بعبارات يراها الشخص غير المتخصص عبارات ~~فنية، غير أن الكاتب أو المتحدث يكون عليه أن يستخدم جملة كاملة ms017 (وربما عدة جمل)، بدلا ~~من هذا اللفظ الواحد، إذا ما طلب إليه الاقتصار على استخدام اللغة العادية. ولو أتيح ~~لغير المتخصص أن يقرأ كلاما كهذا أو يستمع إليه وقتا قصيرا، لأدرك بسرعة أن محاولة ~~تجنب كل لغة فنية يؤدي إلى نقص كبير في القدرة التعبيرية، وذلك من وجهة نظر الكاتب ~~وجمهوره معا. والأمر الذي يبدو أن الحاجة تدعو إليه، ولا سيما في الفلسفة، هو وجود ~~استعداد أكبر من جانب الفلاسفة لتعريف الألفاظ بوضوح ثم استخدامها بدقة واتساق، ~~واستعداد مماثل من جانب الدارسين لتعلم لغة هذا الفرع الخاص. وإننا لنأمل أن يقتنع ~~قراء هذا الكتاب بعينه أن مؤلفه، حين أضاف قائمة بالمصطلحات الفلسفية في نهاية الكتاب، ~~إنما كان يود أن يلتقي مع قرائه، في هذه المسألة، في منتصف الطريق، ومع ذلك فإن هذا ~~العامل المساعد على التفاهم والاتصال. شأنه شأن كل الوسائل الأخرى من هذا النوع، لن ~~تكون له قيمة إلا إذا استعمل. # والفارق الواضح الثاني بين الفلسفات الشعبية وبين الفلسفة الفنية المتخصصة هو أن ~~الفلسفات الشعبية توجد، في معظم الأحيان، بصورة ضمنية، على حين أن المفكر المنهجي قد ~~جعل تفكيره صريحا ظاهرا. ذلك لأن الفلسفة الشعبية، وخاصة إذا كان واضعها شخصا ليست ~~له معرفة بتاريخ الفلسفة، هي فلسفة في طور الجنين فحسب. وقد تكون فيها كل الإمكانيات ~~التي تبشر بالتحول إلى مذهب كامل النمو، ولكن مثلما أنه لا بد من عالم بيولوجي متخصص في ~~علم الأجنة لإدراك هذه القوة الكامنة في الكائن العضوي الذي لم يتشكل إلا جزئيا، ~~فكذلك لا بد من شخص ذي خبرة واسعة في الفلسفة المنهجية لكي يكتشف جميع الإمكانيات ~~الكامنة في موقف فلسفي لم يتشكل إلا جزئيا. إن الفرق ضخم بين الجنين وبين الكائن ~~العضوي الناضج، ومع ذلك فالأجنة لها من الأهمية في نظام الأشياء بقدر ما للبالغين ~~المكتملي النمو. ومن هنا كان من دواعي التفاؤل أن نجد الطلاب عادة يتشجعون حين ~~يستكشفون أن مفكرا مشهورا معينا قد اكتسب شهرته بفضل تقديمه لعرض موسع دقيق لأفكار ms018 ~~يستطيع الطالب أن يعرفها على أنها أفكاره الخاصة. # وهناك فارق ثالث هو أن معظم المذاهب الفلسفية تنطوي على قدر من التنظيم والاتساق يكاد ~~يكون من المؤكد أن الآراء الشعبية الخاصة عن العالم تفتقر إليه؛ ذلك لأن الفيلسوف ~~المعترف به ينظم أفكاره بطريقة منهجية، بحيث إن تفكيره يكون نظاما لتفسير الكون وحل ~~المشكلات التي تعترض الذهن عندما يبدأ البحث جديا في طبيعة التجربة. أما تفكير معظم ~~الناس، حتى حين يكون جادا متعمقا، فإنه لا يستطيع أن يصل إلى الاتساق والإحكام في ~~معالجته لأي مجال شديد الاتساع من مجالات الفكر والتجربة. ومع اعترافنا بأن الفيلسوف ~~المنهجي، شأنه شأن أي إنسان آخر، ليس معصوما من التناقض العقلي وعدم الاتساق المنطقي، ~~فإنه مع ذلك ينجح في تحقيق التماسك والوحدة المنطقية بالنسبة إلى مجالات فكرية أوسع ~~بكثير من تلك التي ينجح فيها الرجل العادي، بغض النظر عن مدى إخلاص هذا الأخير وشعوره ~~بالمسئولية بوصفه مفكرا. فالنظر الفلسفية إلى العالم تظل عادة شيئا يدعو إلى الإعجاب ~~من حيث هي مذهب منظم محكم البناء، حتى لو أخفقت فيما عدا ذلك من النواحي. ~~(2) مشكلة التعريف # عندما نحاول تنظيم هذه الأفكار العامة عن طبيعة الفلسفة في تعريف شكلي للموضوع، ~~فسرعان ما تعترضنا الصعوبات؛ ذلك لأن الفلسفة هي عملية أو نشاط أكثر من كونها موضوعا ~~أو بناء للمعرفة، وتعريف النشاط أصعب دائما من تعريف الكيان أو الشيء المحدد المعالم. ~~ويحاول البعض أحيانا تجنب هذه الصعوبة بالقول إنه لا يوجد شيء اسمه الفلسفة، بل يوجد ~~فقط تفلسف. وهو النشاط العقلي الواعي الذي يحاول به الناس كشف طبيعة الفكر، وطبيعة ~~الواقع. ومعنى التجربة الإنسانية. وقد يذهب أناس آخرون إلى القول بأنه لا توجد، على ~~أحسن الفروض، إلا فلسفات؛ أي طرق متعددة للنظر إلى العالم. يصوغها مفكرون يعيشون في ~~مدنيات كثيرة مختلفة. هذه الفلسفات تتباين، وكثيرا ما تتناقض، ومن هذا كان من الممتنع ~~(على ما يقولون) أن ننظر إلى الفلسفة على أنها ميدان أو بناء موحد للمعرفة. وفضلا عن ~~ذلك، فلا مفر لكل ms019 مدرسة وكل مفكر فردي من تعريف الموضوع بطريقة مختلفة، فيؤدي هذا ~~التعريف ذاته إلى إغفال الكثير مما يود ممثل المدرسة المضادة أن يعمل له حسابا. # ولا بد لنا من تأكيد هذه النقطة الأخيرة: إذ إنها شيء قد يجده المبتدئ في دراسة ~~الفلسفة عسير الفهم. فهو قد يدرك أن إجابتك عن أي سؤال فلسفي معين تتوقف على المدرسة ~~الفكرية التي تنتمي إليها، ولكن لا يستطيع أن يفهم كيف أن تعريف الفلسفة في ذاتها يتوقف ~~أيضا - إلى حد ما - على المدرسة الفلسفية التي ينتمي إليها القائم بالتعريف. والواقع ~~أننا عندما نقارن بين فلسفة ينصب اهتمامها الأكبر على المسائل الميتافيزيقية ~~(كالمثالية) وبين مدرسة أخرى يتركز اهتمامها على نظريات الحقيقة والقابلية للتحقيق ~~(كالوضعية المنطقية)، فإنا نرى عندئذ أن هذه النتيجة تغدو أمرا لا مفر منه؛ ذلك لأن ~~المدرسة الأولى لا بد أن تعرف الفلسفة على أساس أنها جهد منظم لإثبات الطابع المنطقي ~~للواقع، على حين أن الثانية، التي ترى أن لفظ «الواقع # Reality ~~» لا معنى له، وترى في أي جهد يبذل من أجل إثبات طابعه مضيعة ~~للوقت، تعرف الفلسفة على أساس التحليل المنطقي للغة والمعنى. وهكذا الحال في القائمة ~~الكاملة للمدارس الفكرية الكثيرة، فكل منها تبرز في تعريفها ما تهتم به في نشاطها ~~التأملي أو التحليلي، وكل منها تستبعد بدورها ما لا يهمها، أو ما لا ترى في نفسها ~~الكفاية لمعالجته. # فإذا ما انحزنا مؤقتا إلى صف أولئك الذين يفضلون النظر إلى الفلسفة على أنها نشاط أو ~~عملية، لكانت مشكلتنا هي أن نقرر ما الذي يفعله كل هؤلاء المفكرين المتعددين، ~~المتعارضين أحيانا، عندما يتفلسفون. فما هو العنصر المشترك بين عملياتهم العقلية؛ أي ~~بالاختصار، ما الذي يميز التفكير الفلسفي من الأنواع الأخرى للتفكير؟ وما الذي يفعله ~~الفيلسوف ويختلف فيه عما يفعله العالم أو رجل الدين، وربما الفنان ذاته؟ وما هي أوجه ~~نشاطه العقلي الفريدة أو المميزة له؟ # على الرغم من أن تصور الفلسفة على هذا الأساس الوظيفي الدينامي يؤدي إلى تبسيط ~~مشكلتنا إلى حد ما، ms020 فما زال التعريف أمرا شديد الصعوبة. فهناك على الأقل نمطان متميزان ~~من النشاط الفكري يزاولهما الفلاسفة من حيث هم جماعة، وإن لم يكن هناك فيلسوف واحد ~~يزاول النوعين معا. وعلى الرغم من أن كلا من هذين النوعين من النشاط العقلي ليس ~~منقطع الصلة بالآخر، فإن بينهما مع ذلك من الاختلاف في المقصد والمنهج ما يكفي لتعقيد ~~محاولات التعريف. وسوف تكون مهمة كثير من الفصول التالية إيضاح هذا الفارق، أما هنا ~~فنستطيع على الأقل تقديم عرض مبدئي لهذا الموضوع. ~~(3) المهمتان الكبيرتان للفلسفة # الفلسفة بوصفها تحليلا ~~: أول نشاط فلسفي رئيسي هو ~~التحليل أو النقد، وفي هذا الدور يقوم المفكر بتحليل ما يمكن تسميته بأدواتنا العقلية: ~~فيدرس طبيعة الفكر، وقوانين المنطق والاتساق، والعلاقات بين أفكارنا والواقع، وطبيعة ~~الحقيقة، ومدى صلاحية مختلف المناهج التي نستخدمها في توصلنا إلى «الحقيقة» أو ~~«المعرفة» (وهذا الموضوع الأخير ربما كان أهم الجميع)؛ فهو يحلل مناهج العلم والدين ~~والفن والحدس والموقف الطبيعي. ويبدي اهتماما كبيرا بأية وسيلة يستخدمها الناس ~~لاكتساب المعرفة أو تنظيم تجربتهم؛ إذ إن الفيلسوف ربما كان أكثر الناس اهتماما بالبحث ~~عن أفضل الطرق للوصول إلى اليقين. ومن بين الأعمال التي يهتم بها، اختبار المناهج ~~العقلية في جميع الميادين لكي يرى ماذا يمكنه أن يتعلم منها، ولكنه أكثر من ذلك ~~اهتماما بتقويم هذه المناهج لذاتها. وهنا تقوم الفلسفة بدور الناقد الأعلى؛ إذ إنها ~~تقوم باختبار دقيق لما تدعيه مختلف الفروع الأخرى من معرفة أو حقيقة، وذلك على أساس ~~المناهج المستخدمة فيها واتساق النتائج التي تصل إليها، والعلاقة بين هذه النتائج وبين ~~الأوجه الأخرى للتجربة البشرية. # على أن هذه المهمة النقدية التحليلية للفلسفة، كما سنرى في الفصول القادمة، لا يفهمها ~~معظم الناس ولا يقدرونها إلا على نحو أقل بكثير من فهمهم وتقديرهم للمهمة الأخرى الأوسع ~~منها شهرة للفلسفة، ألا وهي التركيب، وهذا أمر يدعو إلى الأسف؛ لأن هذه الجهود ~~التحليلية للفلسفة هي التي أصبحت تسود الميدان على نحو متزايد في السنوات الأخيرة، وفي ~~ميدان التحليل هذا يبدو أن ms021 الفلاسفة يقومون اليوم بأعظم أعمالهم فائدة. فمعظم المنشورات ~~الفلسفية التي تظهر على شكل كتب أو على شكل مقالات، هي في واقع الأمر دراسات نقدية، ~~تهتم أساسا بمشكلة المعرفة ومناهجها. ولذلك فإن القارئ العام الذي لا يدرك هذه الحقيقة ~~يشعر بالنفور وخيبة الأمل حين يحاول دراسة أوجه المعرفة هذه؛ إذ إنه بدلا من أن يجد ~~إجابات لأسئلته المتعلقة بالحياة والكون، يصطدم بمناقشات شديدة التخصص حول مناهج العلم ~~أو قوانين اللزوم أو مشكلة العلية. فقد كان التصور التقليدي للفلسفة هو أنها مصدر ~~يقدم إجابات للأسئلة التي يمكن أن يوجهها أي شخص مولع بالتفكير. ولكن جهود الفلسفة في ~~العصور الحديثة أخذت تسير على نحو متزايد في طرق تحليلية (وبالتالي فنية متخصصة جدا). ~~أما مسألة ما إذا كان هذا النشاط الرئيسي للفلسفة الحديثة هو أيضا أهم أوجه نشاطها، ~~فهذا أمر لا يمكن البت فيه إلا بعد أن نكون قد توصلنا إلى فهم أفضل لمجال الفلسفة في ~~مجموعه. # الفلسفة بوصفها تركيبا ~~: أما المهمة الرئيسية ~~الأخرى للفلسفة فهي في الوقت ذاته المهمة التقليدية الأقدم عهدا، فهي تحاول إيجاد مركب ~~لكل المعارف، ولتجربة الإنسان الكلية. وهنا ينصب الاهتمام على النتيجة المتوقعة، ~~بدلا من المناهج أو الأدوات المستخدمة. وفي هذا النشاط التركيبي يبحث الفيلسوف عن أشمل ~~رأي ممكن بشأن طبيعة الواقع، ومعنى الحياة وهدفها. وأصل الوعي ومكانته ومصيره، وغير ذلك ~~من الأسئلة الحدية القصوى. فهنا ينصب الاهتمام على «الاكتمال» أو «الشمول». والهدف هو ~~تكوين نظرة إلى العالم (يستخدم للتعبير عنها أحيانا اللفظان الألمانيان # Weltansicht # أو # Weltanschauung ~~)، أو صورة عن الكون لا تغفل من ~~التجربة البشرية شيئا يمكنه أن يجعل من هذا التدفق المستمر للتجربة كلا منظما ~~متكاملا له مغزاه. # ويحرص الفيلسوف الحديث عادة على ألا يخلط بين هذا البحث عن نظرة شاملة إلى العالم ~~الحقيقي، وبين الاعتقاد الضمني بأن أي مركب متكامل يصوغه للتاريخ والتجربة البشرية هو ~~مركب نهائي، # 1 # إذ يبدو من المؤكد أنه ما دام الجنس البشري مستمرا، فسوف تظهر خبرات ~~وتجارب جديدة تحتاج إلى مركبات ms022 أحدث وأوفى. وعلى كل جيل أن يعيد تقويم وتفسير الخبرة ~~المتراكمة للجنس البشري كله، وذلك على الأقل لأن مجموع التجربة البشرية قد زاد منذ ~~الانتهاء من أي مركب سابق. # وفضلا عن ذلك فإن هذا الجزء من الكل، الذي يبدو هو الأهم بالنسبة إلى أي جيل حاضر ~~(أعني ذلك الذي يحدث خلال العقدين أو العقود الثلاثة السابقة)، لا يكون قد تم هضمه ~~عقليا، إن جاز هذا التعبير. ومن هنا فإن مهمة الفلسفة في تحقيق التكامل لا نهاية لها، ~~وينبغي بالضرورة أن تظل كذلك. فليست هناك صيغة، مهما يكن شمولها، تستطيع أن تصمد طويلا ~~بوصفها الكلمة الأخيرة. فقد تظل هذه الصيغة باقية بضعة أجيال، على الرغم من أن ظروف ~~المدنية الحديثة لا تتيح مثل هذا العمر الطويل نسبيا إلا للقلة القليلة جدا. ومن ~~هنا يبدو أن الفيلسوف، شأنه شأن أي مشتغل آخر بالأعمال العقلية، لديه عمل دائم لا ~~ينتهي. ~~(4) بعض التعريفات الممكنة # من الشائع محاولة تعريف الفلسفة من خلال موضوعها، وبالفعل يجد المبتدئ في الفلسفة ~~عادة أن هذه التعريفات السكونية أو الثابتة أكثر فائدة بالنسبة إليه. فهناك تعريف يتخذ ~~صيغة شاملة تعطي لكلتا الطريقتين في النظر إلى ذلك الميدان حقها، يقول إن الفلسفة ~~محاولة مستمرة منظمة «للنظر إلى الحياة في مجموعها، وبطريقة ثابتة». ويفهم هذا التعريف ~~أحيانا بمعنى البحث المنظم عن معان وقيم، وأحيانا أخرى على أنه يوحي باختبار متعمق ~~لطبيعة الواقع، من ذلك النوع الذي يقوم به العالم عندما يبحث في خصائص العالم الفيزيائي ~~أو طبيعة النشاط العضوي. ولكن أيا كانت طريقة فهمنا لهذه العبارة، فالفلسفة هي محاولة ~~دقيقة منظمة للربط بين الكون والحياة البشرية على نحو له مغزاه. وكما قال شخص ما، فإن ~~هدف الفلسفة هو «كشف طبيعة الكون، وعلاقتنا به، وما ينتظرنا فيه، وذلك لغرض مزدوج هو ~~إرضاء عقولنا في سعيها إلى إشباع حب استطلاعها، وقلوبنا في سعيها إلى إضفاء أكبر قدر ~~ممكن من الدلالة والقيمة على الحياة البشرية والتجربة البشرية». # 2 # إن الفلسفة، (ولا سيما في نشاطها التركيبي)، ms023 تمثل الجهود التي ترمي إلى الجمع بين ~~المعرفة كلها والتجربة كلها، سواء منها ما يكتسبه الفرد والجنس بأكمله، في نسق متكامل. ~~وهي تسعى إلى تنظيم كل الحقائق في كل موحد، وإلى أن تستخلص من حياتنا اليومية كل تلك ~~الأوجه الجزئية للتجربة التي ترد إلينا في صورة مجزأة، لكي تمزج بينها في صورة متكاملة. ~~وقد يسمى المفكرون المختلفون هذه الصورة المتكاملة نظرة إلى العالم، أو ترديدا للواقع، ~~أو تلخيصا عاما لطبيعة الأشياء تخطيطا لصورة «المجهول»، أو إطارا يحدد «ماهية ~~الأشياء في ذاتها»، أو تصويرا للمنطق. ولكن أيا كان الاسم الذي نطلقه عليها، وأيا ~~كان ما تمثله في أذهاننا، فإن الدافع الذي يحفز إلى تكوين مثل هذه الصورة واحد في كل ~~مكان وكل عصر: وأعني به زيادة الفهم، وإشباع رغبة الإنسان في أن يعرف؛ وبالتالي جعل ~~الحياة أقرب إلى الفهم وأجدر بأن نحياها في آن واحد. # الفلسفة بوصفها حب الحكمة ~~: نستطيع أن نستشف من ~~المعنى الأصلي للفظ «الفلسفة»، عناصر كثيرة من قصتها. فهذا المعنى كان عند اليونانيين ~~«حب الحكمة»؛ ومن هنا كان الفيلسوف «محبا للحكمة». وقد تفضل وجهة النظر الحديثة ~~النظر إليها على أنها السعي وراء الحكمة أو البحث عنها، غير أن التمييز ليست له على ~~الأرجح أهمية. فالحب يؤدي عادة إلى سعي من نوع ما، وحب الحكمة ليس استثناء لهذه ~~القاعدة. والمهم في الأمر أن الرغبة في الحكمة، لا في الأشياء المألوفة التي يتجه إليها ~~الناس عادة، هي التي تحفز الفيلسوف إلى ممارسة نشاطه. فالمعرفة هي ميله المفضل، والفهم ~~هو هدف حياته. غير أن الفيلسوف يختلف، على الأرجح، عن كثير من أقرانه في درجة الفهم ~~اللازمة لإرضائه. ذلك لأن معظم الأذهان تكون على استعداد للاستقرار والاكتفاء إذا ما ~~جمعت من المعرفة ما يكفي لمواجهة الحاجات العملية للحياة اليومية، أو لجعل أصحاب هذه ~~الأذهان يشعرون بأن لديهم على الأقل بعض الاستبصار بمعنى التجربة البشرية. أما الفيلسوف ~~فلا يقنع بهدف متواضع كهذا، وإنما المعرفة عنده تعني المعرفة الشاملة - أو على الأقل ~~المعرفة التي ms024 تكون شاملة بالقدر الذي تتيحه الحياة البشرية القصيرة، والحدود التي لا ~~يتعداها الذهن البشري. فالحكمة الفلسفية تنطوي على نوع من الفهم الأصيل للكون وللتجربة ~~البشرية بأكملها. # الفلسفة بوصفها سعيا عمليا ~~: ومع اعتراف الفيلسوف ~~بأن هدفه أبعد منالا من الأهداف الأخرى الأكثر تواضعا، التي يصبو إليها معظم الناس، ~~فإنه ينكر القول بأن مسعاه أبعد عن الطابع العملي من سائر المساعي البشرية العادية، ذلك ~~لأنه يعتقد أن حافز حب الاستطلاع متغلغل وطبيعي في الإنسان، شأنه شأن أية دوافع أخرى من ~~النوع المسمى «بالعملي»، كاللذة، أو القوة، أو الشهرة، فإذا كان أي نشاط يهدف إلى إرضاء ~~رغبة هو نشاط عملي، فعندئذ يكون البحث عن الفهم أو الحكم، الذي ينشأ عن رغبة من أكثر ~~الرغبات تأصلا في نفس الإنسان، بحثا عمليا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. صحيح أن ~~للفيلسوف عادة من هذا الدافع الخاص أكثر مما لدى معظم الناس، ولكن لا يوجد شخص واحد لا ~~يملك قدرا معينا منه. فحب الاستطلاع جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان، ومعنى أن يكون ~~المرء محبا للاستطلاع هو أن يطلب إجابات عن أية أسئلة تدخل في نطاق عقولنا الدائمة ~~التنقيب؛ ومن هنا فإن المرء عندما يتفلسف فهو إنما يحقق إنسانيته. وسواء أقمنا بهذا ~~التفلسف عن وعي، وباستمرار، وبوصفنا محترفين، أم بلا وعي، وعلى فترات متقطعة، وبوصفنا ~~هواة، فلا بد أن نتفلسف على نحو ما، لمجرد كوننا منتمين إلى نوع «الإنسان العاقل # Homo Sapiens ~~». # ملخص التعريفات ~~: فإذا ما شئنا تلخيصا لهذه ~~التعريفات المتباينة، كان في وسعنا أن نصف الفلسفة بأنها النشاط الذي يسعى فيه الناس ~~إلى فهم طبيعة الكون، وطبيعة أنفسهم، والعلاقات بين هذين العنصرين الأساسيين في ~~تجربتنا. وهكذا تكون الفلسفة بحثا منظما عن المعرفة، نقوم به عن طريق التفكير المنظم ~~في كشوف العالم، ونتائج المؤرخ، ورؤيا الفنان والشاعر والمتصوف، مع الجمع بين هذه كلها ~~وبين تجربتنا اليومية الشخصية. وتقتضي هذه الأفكار المنظمة من جانبها تحليلا دقيقا ~~لقدرة الذهن على اكتساب المعرفة، بحيث إن جزءا أساسيا من النشاط ms025 الفلسفي يتألف من ~~دراسة مصادر المعرفة البشرية ومناهجها وحدودها. ولما كانت المعرفة توصل إلى الغير وتسجل ~~عادة، فإن هذا بدوره قد يؤدي إلى تحليل لوسائل الإنسان في الاتصال بغيره، ولا سيما ~~اللغة. # إننا عندما نتفلسف نحاول الإجابة عن الأسئلة التي تطرأ بأذهان الناس جميعا في وقت ~~ما، عن طبيعة الحياة ومعناها وقيمتها. وهكذا فإن موضوع الفلسفة هو طبيعة الوجود، وطبيعة ~~التجربة، وأخيرا، العلاقة التي تربط بين الإنسان وذهنه وبين بقية الكون. فالسعي ~~الفلسفي هو في أساسه سعي وراء معرفة شاملة عن طبيعة التجربة ومعناها وقيمتها. ~~(5) مشكلات الفلسفة # سرعان ما يتضح لنا، عندما نخوض ميدان الفلسفة، أن دراسة هذا الموضوع تقتضي قبل كل شيء ~~الإلمام بمشكلات معينة. وسرعان ما ندرك أن الفلسفة تدور حول هذه المشكلات الرئيسية، ثم ~~نكتشف بمضي الوقت أن هذه المشكلات وحلولها المتعددة هي ذاتها الفلسفة. والواقع أن تاريخ ~~هذا الميدان هو إلى حد بعيد سجل للإجابات المختلفة التي وضعت لنفس المجموعة من ~~الأسئلة التي تتكرر دائما. ولقد تعددت هذه الإجابات بقدر ما تعددت الأذهان التي ~~وضعتها، وبلغت من التباين حدا يصعب معه أحيانا الاعتقاد بأن المقصود منها هو أن تكون ~~إجابات لنفس المجموعة من المشكلات. ومع ذلك فهناك من وراء هذا كله لب عميق من ~~المشكلات الدائمة التي ناضلت حولها أجيال متعاقبة من المفكرين. فالمجتمعات تتغير، ~~والمدنيات تنشأ وتنهار، ولكن كل عصر وكل مجتمع تقريبا، يخلف وراءه من الآثار ما يكفي ~~لإثبات أنه قد صارع بدوره مع المشكلات القديمة جدا، والباقية على الدوام، للفلسفة. ~~وسوف نعالج معظم هذه المشكلات الكبرى بشيء من التفصيل في الفصول القادمة، ولكن قد يكون ~~من المفيد ها هنا أن نقدم وصفا موجزا لبعضها، ما دامت هذه هي الطريقة الوحيدة التي ~~نستطيع بها تكوين فكرة عن نطاق الفلسفة وأهدافها. # المشكلة الأساسية ~~: كانت المشكلة الأساسية في ~~الفلسفة التقليدية أو الكلاسيكية هي دائما: بماذا تتعلق التجربة البشرية بأسرها؟ هذا ~~السؤال، إذا ما فهمت دلالته الكاملة، لاتضح أنه يلخص (أو يتضمن على الأقل) معظم ~~المشكلات والمسائل ms026 الأخرى التي تعالجها الفلسفة. فالفيلسوف المحترف يسأل هذا السؤال ~~دائما في صورة مجردة ما، مثل: ما طبيعة الحقيقة النهائية؟ أما غير المتخصصين فهم أقرب ~~إلى أن يصوغوا هذا السؤال بطريقة مثل: ما معنى الحياة والكون؟ وبينما هذا السؤال الأخير ~~يقتضي إجابة مختلفة إلى حد ما، فإنه بدوره يشير إلى نفس المشكلة الرئيسية. وأيا كانت ~~طريقة صياغته ، فإنه هو السؤال الأساسي الذي يبني حوله أي مذهب في الفلسفة. ويمكن القول ~~إن كل شخص قد تساءل هذا السؤال، بصورة ما، في وقت معين من حياته، بغض النظر عن ذكائه، ~~أو مدى ثقافته، أو عدم اكتراثه الظاهري بالتأمل الميتافيزيقي. # مشكلة علاقة الإنسان بالكون ~~: وهناك مشكلة أخرى ~~يتعين على الفلسفة مواجهتها، وهي متولدة عن تلك التي عرضناها منذ قليل. هذه المشكلة ~~خاصة بالعلاقة بين الإنسان وبقية الكون. وهناك من المفكرين من يعتقدون أن هذا أهم سؤال ~~نستطيع أن نتساءله؛ إذ إنه رغم أنه قد يكون أضيق نطاقا من البحث الأول الشامل في طبيعة ~~الواقع، فإنه أوثق اتصالا بتجربتنا اليومية؛ ذلك لأن هذا التساؤل الخاص بالعلاقة بيننا ~~وبين بيئتنا قد يكون أهم بالنسبة إلى سعادتنا ورفاهنا من أي سؤال غيره. # ولقد كان الناس في العصور الوسطى يعتقدون أن الكون (بقدر ما كان معروفا في ذلك ~~الحين) لم يخلق إلا ليكون تابعا لكوكبنا، الذي هو بدوره موجود بوصفه مسرحا تمثل ~~عليه دراما الخلاص الكبرى. وبطبيعة الحال كان لهذه النظرية الكونية المتمركزة حول ~~الأرض، تأثير مباشر في تلك النظرة إلى الأشياء، المتمركزة حول الإنسان، وقد اتضح ذلك ~~عندما تقدم كوبرنيق لأول مرة بنظامه الفلكي معارضا به هذه النظرة القديمة. فقد كان ~~الحجة الأخلاقية الكبرى ضد النظرة الجديدة «المهرطقة» هو أنها حطت من قدر الإنسان لأنها ~~أزاحته من مكانته المركزية في الكون، بحيث لم يعد يبدو هو الشخصية الرئيسية في المسرحية ~~الكونية الكبرى. وبينما أي رأي كهذا في علاقة الإنسان بالكون يبدو في نظر العلم ~~الحديث ممتنعا وذاتيا مفرطا، فما زالت هناك من الاختلافات في الرأي حول التحديد ms027 ~~الدقيق لطبيعة هذه العلاقة ما يكفي لشغل أوقات الفلاسفة في عمل لا يتوقف. ~~(6) مشكلات الدين # الخلود ~~: كل هذا يؤدي إلى مشكلات أخرى قد تكون أشد ~~إلحاحا، وهي مشكلات لا بد أن تعترف الفلسفة بأنها تنتمي إلى مجالها الخاص. فالبحث في ~~طبيعة الكون وعلاقته بالإنسان يؤدي بنا إلى سؤال يراه الكثيرون أشد الأسئلة التي يتعين ~~على الفلسفة أو الدين أن يواجهها إلحاحا، وأعني به: إلى أين نذهب؟ والواقع أن معظم ~~الأذهان ترى أن لغز المصدر الذي أتينا منه أقل أهمية بكثير من السؤال عن سبب مجيئنا ~~هنا، وعن الوجهة التي سنقصدها فيما بعد. فهم على استعداد لاستبعاد مشكلة أصل الإنسان ~~بوصفها سرا لا أمل فيه، أو على الأقل شيئا ليست له إلا أهمية أكاديمية في المحل ~~الأول. أما مشكلة هدف الحياة والمصير النهائي، فهي مشكلة لا يستطيع إنسان أن يتجنبها. ~~فلا بد أن يكون لكل فرد رأي ما في موضوع الخلود، وهنا أيضا نجد الفيلسوف لا يختلف عن ~~معظم الناس إلا في أن آراءه في الموضوع قد اكتسبت بعد تفكير أعمق، وربما كانت أكثر ~~اتساقا مع الصورة العامة التي يكونها عن الواقع. # الخلود بوصفه مشكلة فلسفية ~~: يرتبط البحث الجاد في ~~الخلود الإنساني عادة بالدين واللاهوت، ونتيجة لذلك فإن الطلاب كثيرا ما يدهشون إذ ~~يعلمون أن الفلسفة تبدي اهتماما جديا بهذا الموضوع. ومع ذلك فإننا إذا ذكرنا أنه لا ~~يوجد في التجربة البشرية شيء يخرج عن مجال الفلسفة - لا سيما إذا كان متعلقا بالمعاني ~~والقيم النهائية - فلن يدهشنا أن تقع مسألة لها كل هذه الأهمية بالنسبة إلى الدين ~~والأخلاق، تحت أعين الفيلسوف الفاحصة. # ونستطيع أن نتوقع أن تكون طريقة معالجة الفلسفة لهذه المشكلة مختلفة اختلافا كبيرا ~~عن طريقة معالجة الدين لها؛ ذلك لأن الميتافيزيقي، على الأقل لن ينظر على الأرجح إلى ~~الخلود على أنه «مصادرة ضرورية» للحياة الأخلاقية، بل إنه سيسترشد على الأرجح بالأدلة ~~العلمية في بحثه عن جواب لهذا السؤال الهائل. وهو يلح عادة على استطلاع الإمكانيات ~~الفعلية لبقاء الشخص بعد ms028 الموت استطلاعا كاملا، ويطالب بمناقشة المسألة بأسرها دون ~~مسلمات قبلية حول «ضرورة» الخلود أو علاقته المفترضة بالأخلاق. وحتى لو كان الفيلسوف ~~يعتقد أن من الممكن إثبات البقاء بعد الموت على أسس عقلية، أو أن نظرته إلى العالم تجعل ~~منه على الأقل إمكانا مثيرا، فيكاد يكون من المؤكد أنه سيفسر أي وجود كهذا على أسس ~~تختلف عن الأسس التقليدية في التفكير الديني؛ ذلك لأن العلاقة بين الحياة الأرضية وبين ~~البقاء بعد الموت تتمركز عادة، بالنسبة إلى رجل اللاهوت، حول نقاط معينة كالأخلاق، ~~والعدالة الإلهية، والقصاص وما إلى ذلك. ففي جميع الأديان تقريبا، يرتكز الخلود على ~~الافتراض القائل إنه حالة ينبغي «اكتسابها»، وهذا يؤدي إلى الربط بينه وبين بقية ~~تجربتنا على أسس أخلاقية في المحل الأول. أما الفيلسوف فيهتم، على الأرجح، بالعلاقات ~~بين هذا البقاء وبين تجربتنا الكاملة - وضمنها قراراتنا ومعاييرنا الأخلاقية بالطبع - ~~ولكن ضمنها أيضا عناصر كثيرة غير هذه. فالفلسفة إذ تنظر إلى الكون نظرة شاملة لكل شيء، ~~لا تقتصر على النظر إلى الحياة من زاوية «الخير» و«الشر» و«الخطيئة» و«الخلاص»، ومن ثم ~~فهي تنظر إلى مسألة الخلود بدورها من زاوية واسعة، فتحاول الربط بينها وبين طابع الكون ~~في مجموعه، بدلا من طابع الإنسان أو الخلاص الإنساني. # مشكلة الله ~~: لا يشعر المبتدئ في الفلسفة عادة ~~بدهشة كبيرة عندما يعلم أن مشكلة «الله» تمثل إحدى المشكلات في ميدان الفلسفة. إذ إن ~~موضوع الألوهية عادة يتمثل لنا موضوعا لا يقتصر معالجته على الدين وحده، على خلاف ~~الحال في موضوع الخلود. ومع ذلك فمن الشائع أن يشعر هؤلاء المبتدئون بالدهشة للموقف ~~الذي يتخذه معظم المفكرين من هذه المسألة. فحتى بعد أن يعلم الطالب أننا نستخدم في ~~ميدان الفلسفة نفس منهج التحليل العقلي لكل المشكلات، ونعالجها بموضوعية ونزاهة، فإنه ~~يشعر بعدم الارتياح حين يدرك أن «الله» هو بالنسبة إلى الفلسفة مشكلة عقلية أخرى فحسب. ~~وأحيانا يكون من الصعب إقناع المبتدئ بأن من الممكن (أو حتى من حسن الذوق) أن نتحدث في ~~هذا الموضوع بغير أعين غاضة ms029 «منخفضة» وعقل خاشع. والواقع أننا حينما ننبه الطالب في ~~هذا المجال إلى أن الفلسفة لا تعرف جوانب في التجربة البشرية تكون «مقدسة»، بمعنى أنها ~~تظل بمنأى عن التحليل العقلي، فإن هذا التنبيه كثيرا ما يبدو له موقفا غير لائق؛ ذلك ~~لأن البحث في مشكلة الله دون إبداء خشوع أو انفعال يزيد على ما نبديه عند تحليل مفهوم ~~«العلية» (مثلا) يبدو أمرا غير جدير بهذا الموضوع على الإطلاق. وحتى لو فهم الطالب ~~أن موقف الفيلسوف لا ينطوي على أي شيء من عدم الاحترام، وإنما هو مجرد نوع من الضمان ~~الدستوري بأن «كل المشكلات قد خلقت سواء»، فسيظل من المستبعد أن يتمكن من خوض هذه ~~المسألة دون أفكار سابقة؛ ذلك لأن الإيمان بوجود الله قد تأصل في التفكير الغربي منذ ~~أقدم العهود إلى حد أصبح معه أي تحد لهذا الإيمان، أو حتى التفكير جديا في أي بديل ~~عنه، يعد في نظر أذهان كثيرة أمرا لا يتصوره العقل. وحتى لو عقمنا المناقشة تعقيما ~~دقيقا باتفاق جميع الأطراف على أن هذه مسألة أكاديمية بحتة لا ترتبط بالإيمان الديني ~~ارتباطا مباشرا، فسيظل من الصعب على بعض الطلاب أن يهدئوا أعصابهم ويشتركوا في ~~المناقشة بحرية. # ومع ذلك فإن أي شخص يستطيع أن يدرك، بعد أن يمضي في مدرج الفلسفة أياما غير كثيرة، ~~أن مشكلة الله ليست فقط واحدة من أهم المشكلات التي تعالجها الفلسفة، بل هي أيضا من ~~أطرف المشكلات وأكثرها إثارة للفكر. ومن المألوف أن يتبين الطلاب أن الخشوع الذي ضاع من ~~تصور الألوهية قد عوض بمزيد من الاهتمام والإثارة العقلية. ولو كان من حسن حظهم أن ~~يصلوا إلى هذا الكشف، لأصبحوا إلى هذا الحد فلاسفة. ~~(7) مشكلة حرية الإنسان # هناك مشكلة ثالثة تقترن بمشكلتي الله والخلود، هي مشكلة حرية الإرادة. ولقد كان من ~~أهم التغيرات العقلية التي أسفر عنها توسيع نطاق وجهة النظر العلمية، تضاؤل مجالات ~~تجربتنا التي لا تسودها الحتمية الدقيقة. فقد كان الناس في الأصل ينظرون إلى الطبيعة ~~كلها (والطبيعة البشرية بالطبع) على ms030 أنها خارجة أساسا عن القانون. فالذهن البدائي كان ~~يرى أنه إذا تدحرجت صخرة على جانب تل، فذلك لأن للصخرة إرادة خاصة بها، يمكن أن تمارس ~~باختيار. أي إن الذهن البدائي كان ينقل حرية الاختيار والحركة التي يستشعرها الإنسان في ~~نفسه بوضوح، إلى كل الأشياء والمخلوقات. فلكل منها إرادة مستقلة، يمارسها بحرية. على ~~أن هذه النظرية الساذجة قد استبعدت، في معظم أرجاء العالم، بعد أن عرفنا أن الأشياء ~~المادية العادية تخضع لقوانين آلية، على الرغم من أننا لسنا موقنين بعد بماهية هذه ~~القوانين أو طريقة سيرها. # والحق أن نمو العلم قد أحدث تغييرا عميقا في طريقة تفكيرنا، فقد تمكن جاليليو ~~ورفاقه في العمل من صياغة هذه المعرفة المبسطة للواقع الآلي في صورة قوانين لا يتطرق ~~إليها الشك. وفضلا عن ذلك، فقد تبين أن هذه القوانين لا تقبل أي استثناء، وتنطوي على ~~تعاقب دقيق للعلة والمعلول. ومنذ ذلك الحين، أصبح القانون والنظام العلمي يبسط سيطرته ~~على عملية طبيعية بعد الأخرى. وامتدت حدود العالم الخاضع للعلم، من مجال الأجسام ~~المادية، إلى عالم الحياة الحيوانية، ولم يعد أحد يسلم مقدما بأن وجود القدرة على ~~الفعل الحركي يبطل المبدأ الأساسي القائل إن كل تغير ينتج عن تغيرات سابقة من نوع ما - ~~أي إن كل حادث يتحدد بسبب، ويؤدي إلى نتيجة مناظرة له. # ولكن على الرغم من الزحف المتصل للقانون العلمي، فقد كان هناك مجال عظيم الأهمية، هو ~~مجال الحياة البشرية، يعد حتى عهد قريب بمنأى عن أي تطبيق كامل لمبدأ الحتمية هذا ~~فبينما الناس قد تعلموا منذ عهد بعيد أن أجسامهم تخضع لقوانين آلية كثيرة تؤثر في ~~الأشياء غير الحية (كالجاذبية مثلا) فإنهم كانوا يتأثرون دائما بذلك الشعور الذي لا ~~يمكن إنكاره، وأعني به الشعور بأننا أحرار في مجال الاختيار والإرادة. هذا الشعور ~~بالحرية يبلغ من الأهمية في التجربة البشرية حدا يجعل معظم الناس يسلمون دون جدال ~~بأنه إذا كانت أفعالهم خاضعة للعوامل الفيزيائية، فإن إرادتهم تستطيع الاختيار على نحو ~~يستقل عن أية سوابق. والواقع ms031 أن هذا الشعور يبلغ من القوة، ويكاد يبلغ من الشمول، حدا ~~يجعل من العسير على أي شخص ليس لديه تكوين علمي أو فلسفي متعمق، أن يعترف باحتمال أن ~~يكون فعله واختياره معا متحددين تماما بحوادث سابقة (هي في العادة فعل واختيار ~~سابقان)، شأنها في ذلك شأن أي حادث آخر في الطبيعة. # حرية الإرادة في مقابل الحتمية ~~: على الرغم من أن ~~علم النفس الحديث قد دعم وجهة النظر الحتمية بقوة، فإن الحتمية ما زالت حتى الآن فرضا ~~لم يتم إثباته؛ ومن ثم فإن المجال يكون فسيحا للجدل الفلسفي حول مسألة حرية الإرادة ~~في مقابل الحتمية. فلما كان موقف المذهب الحتمي منفرا تماما لمعظم الأشخاص ذوي الميول ~~الدينية أو المثالية القوية، فإن المشاعر الفلسفية تحتد حول هذه المسألة، على الأرجح، ~~أكثر مما تحتد حول أية مشكلة أخرى في ميدان الفلسفة، فالذهن الميال إلى المذهب المثالي ~~يرى في توسيع نطاق الحتمية الدقيقة بحيث تمتد إلى مجال الحياة البشرية، أنكارا لتلك ~~القدرة التي ترى أمثال هذه الأذهان أنها هي المميزة للإنسان بحق؛ وأعني بها القدرة على ~~اتخاذ القرارات الأخلاقية. أما الحجج القوية التي يأتي بها مذهب الحتمية (وهي الحجج ~~التي سنعرضها بالتفصيل في فصل تال) فلا يبدو لها، في نظر أصحاب النزعات المثالية ~~الواضحة، من القوة ما يبرر إنكار حرية الإرادة. # على أن أيا من جانبي النزاع الحاد الخاص بحرية الإرادة لم يفلح في قهر الجانب ~~الآخر، وما زالت هذه المشكلة، على الأرجح، أكثر أبناء الفلسفة إثارة للضجيج الآخر، وما ~~زالت هذه المشكلة، على الأرجح، أكثر أبناء الفلسفة إثارة للضجيج والمتاعب. ولكن هناك ~~على الأقل احتمالا في أن يؤدي تطور علم النفس إلى تسوية نهائية لهذه المسألة القديمة ~~العهد. ولو حدث ذلك لكان هذا يوما سعيدا لأمها الفلسفة؛ إذ إن هذا سيثبت مرة أخرى ~~رأيها القائل إنه ليس كل أفراد ذريتها حالات مستعصية يستحيل تقويمها. ولا جدال في أن ~~الفلسفة سوف يسعدها التخلص من هذه المشكلة؛ إذ لا توجد من المشكلات ما أثارت من ms032 المتاعب ~~بقدر ما أثارت هذه. ~~(8) الميدان الأخلاقي ومشكلاته # والمسألة الرئيسية التالية التي يتعين على الفيلسوف المتخصص أن يعالجها هي أقرب ~~الألغاز الفلسفية إلى الطابع العملي. ففي وسع المرء أن يستبعد المشكلات التي عرضناها ~~حتى الآن، على أساس أنها ليست بذات أهمية عملية ملحة، مهما تكن حقيقتها ودلالتها من حيث ~~هي مشكلات عقلية، ولكن ها هي ذي مشكلة تعد أكثر المشكلات الإنسانية الكبرى اتصالا ~~بالإنسان، وأعمقها تأصلا فيه، وربما أشدها إلحاحا عليه، وأعني بها: ما الحياة الخيرة؟ ~~أما أولئك الذين ينفرون من أي سؤال يتضمن لفظ «الخير» خشية أن يؤدي إلى إقحامهم في جدل ~~حول الأخلاق، فمن الممكن أن نعيد صياغة السؤال لهم دون أن يفقد شيئا من دلالته، بحيث ~~يصبح: ما أهم شيء في الحياة؟ أو (إذا شئت أن نستخدم صيغة يشعر مؤلف الكتاب نحوها بميل ~~شخصي قوي): ما أكثر شيء يجعل الحياة جدية بأن نحياها؟ # والواقع أن مشكلة الخير الأقصى أو النهائي، وطبيعته وعلاقته بكل القيم، هي من أهم ~~الموضوعات التي يبحث فيها ذلك الفرع من الفلسفة المسمى «بالأخلاق». وهناك احتمال في أن ~~الفصول القادمة التي تعالج المشكلات الأخلاقية ستكون هي أطرف المشكلات في نظر أغلبية من ~~القراء. فمثلا: هل «السعادة» أهم شيء في الحياة؟ وإن كان الأمر كذلك، فما علاقة ~~السعادة «باللذة»، التي كان السعي إليها يعد، تقليديا، من البواعث الرئيسية للسلوك ~~البشري؟ وهل يمكن أن يكون تحقيق نوع من «الكمال» أهم حتى من بلوغ السعادة، أم أن «خدمة ~~الآخرين» قد تكون هي أقصى خير في الحياة؟ وما موقع «الواجب» و«الالتزام»؟ وما العلاقة ~~بين كل من هذه المعاني النهائية المحتملة في الأخلاق، وبين حياتنا ككل، وما تأثير كل ~~منها في حياتنا اليومية لو اخترناه بوصفه الخير ~~الأسمى # Summum Bonum ~~؟ # من الواضح أن الأخلاق هي أقل فروع الفلسفة تعرضا للاتهام بالبعد عن الميدان العملي. ~~ذلك لأنه أيا ما كان رأينا في أهمية الأسئلة من أمثال «من أين نأتي؟» أو «إلى أين ~~نذهب؟» فإن السؤال عما ينبغي أن نفعله خلال ms033 حياتنا هو سؤال عملي تماما. فمسألة ما ~~يتعين علينا أن نفعله بأيامنا وما ينبغي أن نحاول صنعه بحياتنا، هي في نظر الناس جميعا ~~أشمل الموضوعات العملية وأعظمها أهمية. قد يكون المثقفون وحدهم هم الذين يرون جدوى في ~~البحث النظري حول طبيعة الحقيقة النهائية، ولكن الناس جميعا، حتى أقلهم حظا من ~~الثقافة، يجدون أنفسهم أحيانا منغمسين في مجادلات عنيفة حول طبيعة الحياة الخيرة، وما ~~إذا كان من واجبهم أن يفعلوا هذا أو ذاك. وإذا كنا موقنين بأن التفلسف أمر لا مفر منه، ~~فإن الأمر الأكثر من ذلك يقينا هو أنه ليس ثمة مهرب من ضرورة اتخاذ قرارات أخلاقية على ~~الدوام. وفي هذا المجال يكون الدور الأكبر للفيلسوف هو أن يجعل هذه القرارات عاقلة ~~ومنطقية ومرضية بقدر الإمكان. وتشكل محاولة جعل هذه القرارات على هذا النحو موضوع «علم ~~الأخلاق». # وهناك مشكلات أخرى عديدة تنتمي إلى أسرة الفلسفة الكبيرة، بعضها له من الأهمية ما ~~يستحق معه أن نفرد له فصلا مستقلا في الصفحات التي ستأتي فيما بعد. فسوف تقتضي ~~مشكلة الحقيقة والمشكلات المعقدة المتعلقة بعلم الجمال اهتماما خاصا، ما دامت تنطوي ~~على مشكلات تتعلق بالفلسفة ككل. ومع ذلك فالأفضل أن نرجئ أية إشارة إلى هذه المشكلات ~~حتى نكون متأهبين تماما لبحث ما تنطوي عليه من صعوبات؛ إذ إن أي تقديم موجز لهذه ~~المشكلات قد يبعث في القارئ مزيدا من الحيرة، بدلا من أن يساعده على فهمها. ~~(9) هدف الفلسفة # لا بد أن يكون قد اتضح لنا الآن أن المهمة التي يأخذها الفيلسوف على عاتقه ليست مهمة ~~هينة أو هدفا متواضعا. فالفيلسوف - كما أحسن أفلاطون التعبير عن مهمته - هو من يشاهد ~~كل زمان وكل وجود. وهو إذ يتخذ من المعرفة كلها ميدانا له، ومن التجربة بأسرها مادة ~~خاما لبحثه، يهدف إلى وضع مركب لا يخرج عنه أي وجه للوجود، أو أي جزء من الفكر، أو أية ~~ذرة من الواقع. وعلى ذلك فكل شيء في الكون داخل في نطاق التجربة البشرية، يدخل أيضا في ~~نطاق الفلسفة. ms034 وكل ما يمر بنا، أو يؤثر فينا أو يترك أي أثر في وعينا، يهم الفيلسوف. ~~وهو لا يستطيع أن يقبل أي مثل أعلى أقل من تكوين صورة شاملة تامة التوحد للواقع، وهو ~~يقصد بالواقع عادة مجموع التجربة كلها - من ماضية وحاضرة ومستقبلة، وفعلية وممكنة. فكل ~~شيء، في كل مكان، وحيثما حدث، هو وقود لآلة الفيلسوف الذهنية. # أما مسألة تحديد المدى الذي يستطيع الذهن البشري أن يذهب إليه من أجل بلوغ مثل هذا ~~المثل الأعلى الهائل، فلا بد لبحثنا من الانتظار حتى نعالجها في الفصول القادمة. أما ~~الآن فحسبنا أن نذكر أن لدى الفيلسوف شعورا واضحا كل الوضوح بأن مثل هذا المثل الأعلى ~~لم يتحقق حتى الآن. وفضلا عن ذلك، فقد يكون من الأفضل الاعتراف صراحة بأن هناك مفكرين ~~محدثين كثيرين يؤمنون باستحالة بلوغ هذا الهدف. فهناك جزء كبير من النشاط الفلسفي ~~المعاصر يتركز حول السؤال: ما هي قدرات الذهن، وما هي بالضبط حدود المعرفة البشرية؟ ~~ولكن على الرغم من هذه الشكوك الحديثة في قدرة الذهن البشري على بلوغ ذلك الهدف الذي ~~كان الفيلسوف يضعه نصب عينيه في العصور السالفة، فإن هذا الهدف ما زال مثلا أعلى. ومن ~~المؤكد أن الرغبة في معرفة أشمل وفهم أوسع، هي بالفعل الدافع الأساسي لوجود كل فيلسوف ~~أصيل. # الفلسفة بوصفها نشاطا يمارسه البشر أجمعون ~~: لا ~~يمكن أن يكون هناك مفر من هذه المحاولة للتفكير منطقيا حول تجربتنا في مجموعها، ~~ولجعلها معقولة بقدر الإمكان. قد يختلف الأفراد في درجة المعقولية التي يبحثون عنها وسط ~~التجارب اليومية المختلطة، ولكن لا بد لكل منا، لكي يجد الحياة محتملة، من أن يكتشف ~~نظاما وإحكاما ما في المادة الخام التي تتدفق إلى وعينا ساعة بعد ساعة أثناء مضي ~~حياتنا. فكلنا - حتى أقلنا ثقافة أو أكثرنا سذاجة - نقوم بالضرورة بجهد لا ينقطع من أجل ~~الاهتداء إلى معنى من وراء الافتقار الظاهر إلى المعنى، ومن أجل كشف وحدة تحت التنوع ~~السطحي، ومن أجل فرض قدر معين من النظام على الفوضى البادية لتجربتنا ms035 الشخصية - وهذا ~~الهدف الأخير هو أهم هذه الأهداف جميعا. وربما كان قدر كبير من هذه الجهود غير واع أو ~~غير واضح المعالم، غير أنه لا مفر لنا من بذلها. فبعض النظر عن عمرنا أو مهنتنا، أو ~~تعليمنا، أو المدينة التي نعيش فيها، فإن هذا الجهد يمثل الحد الأدنى من النشاط العقلي ~~على المستوى الإنساني للوجود. # وهذا بعينه هو ما يفعله الفيلسوف بدوره. فإذا كانت الفلسفة، كما يعتقد الكثيرون، تمثل ~~الحد الأقصى من النشاط العقلي، فمن الواجب أن نستنتج أن الحد الأدنى الذي لا مفر منه، ~~وكذلك الحد الأقصى للفكر البشري، يتعلقان معا بمهمة واحدة: هي كشف النظام والمعنى في ~~تجربتنا التي تنساب من لحظة إلى أخرى. أما الفارق الأساسي بين هذين المستويين العقليين ~~فقد أشرنا إليه من قبل. فالفيلسوف يزاول عن وعي نشاطا يشغل وقته بأكمله، على حين أن ~~معظم الأذهان تزاول عن غير وعي نشاطا متقطعا. غير أنهما معا يسيران في طريق واحد. ~~ومن الطبيعي أن يقطع المسافر المتفرغ للسفر شوطا أبعد، ويرى خلال الطريق أمورا أكثر ~~بكثير، ولكن لا مفر للاثنين معا من أن يكونا رفيقي طريق. وسواء شئنا أم لم نشأ، فلا ~~بد لنا جميعا، بوصفنا بشرا، من أن نسير على نفس الدرب. أما إلى أي مدى نذهب، وما ~~مقدار ما نهتدي إليه أثناء سيرنا، فهذا أمر يتوقف على ذكائنا، ومزاجنا، وتعليمنا، ومع ~~ذلك، فليس لنا مفر من القيام برحلة ما. # إننا لن نحاول في الصفحات الآتية أن نفرض على الطالب أية مجموعة من الإجابات على هذه ~~المشكلات الكبرى للعالم الفلسفي، بل سنحاول طوال الوقت أن نقدم أوفى موجز ممكن للإجابات ~~الرئيسية التي صاغتها المدارس المتعددة وأقطابها الأفراد، حتى نعين القارئ على تنظيم ~~آرائه وتجاربه الخاصة في كل أكثر إحكاما وإرضاء. ونحن لا نستطيع أن نعد القارئ بأنه ~~سيجد في الفصول التالية إجابات على كل الأسئلة النهائية، ولكن أغلب الظن أن الطالب ~~المفكر سيجد على الأقل أن ضوءا جديدا قد ألقي على هذه المشكلات العسيرة. والأهم من ms036 ~~ذلك هو أن من المحتمل أن يجد هنا مادة خاما تسهم بدور هام في تمكينه من صياغة وجهة نظر ~~فلسفية خاصة به. # الفصل الثاني # | الفلسفة وجيرانها # لا بد أن يكون القارئ قد شعر، عند هذه النقطة من ~~دراستنا، بشيء من الحيرة حول العلاقات بين الفلسفة وبعض الميادين الفكرية الأخرى. فمن ~~الجائز أن كثيرا من التعريفات التي قدمناها توحي بأن الفلسفة تتداخل مع اثنين على الأقل من ~~جيرانها، هما: العلم والدين، وربما تكرر عملهما بلا داع. أليس معنيا، في المحل الأول، ~~بطبيعة العالم الفيزيائي وتركيب الكون؟ أليست هذه المسائل بعينها هي موضوع اهتمام الفيزياء ~~والكيمياء والفلك والجيولوجيا؟ أولم تقدم هذه العلوم إجابات كاملة ومحددة إلى حد معقول؟ ~~وما الذي يستطيع الفيلسوف أن يفعله أكثر من ذلك - بل ما الذي يستطيع أن يريده أكثر من ذلك؟ ~~أما فيما يتعلق بالأسئلة العظيمة الأهمية، المتعلقة بدور الإنسان في الكون ومعنى تجربتنا، ~~فأي هدف يمكن أن يكون للدين سوى تقديم إجابات عن هذه الأسئلة؟ وهنا أيضا نتساءل: أي دفاع ~~نستطيع أن ندافع به عن الفيلسوف وعمله؟ # في اعتقادنا أن أفضل وسيلة لاكتساب مزيد من الفهم لميدان الفلسفة، بعد التعريف المبدئي ~~لميدانها، الذي عرضناه منذ قليل، هي أن نعالج الموضوع بطريقة سلبية ونوضح ما لا تكونه ~~الفلسفة. فمع اعترافنا بأن ميدان الفلسفة له صلات هامة جدا بالعلم والدين معا، وبأنه ~~يسعى إلى الإتيان بإجابات أساسية من نفس النوع الذي يسعيان إلى الإتيان به، فإن الفوارق بين ~~الميادين الثلاثة من ذلك أهم مما بينها من أوجه الشبه. فإذا استطعنا أن ننفذ إلى أعماق هذه ~~الفوارق في الغاية والمنهج معا، لقطعنا بذلك شوطا لا بأس به في سبيل فهم روح الفلسفة ~~ومضمونها. # إن للفلسفة، شأنها شأن كل ميادين النشاط البشري، صلات وثيقة بالبعض من جيرانها، وصلات ~~سطحية فقط بجيران آخرين. وأقرب صلاتها هي تلك التي تجمعها بالعلم من جهة وبالدين من جهة ~~أخرى. وهناك ارتباطات أقل وثوقا، بين الفلسفة وبين الفن والأدب، على الرغم من أنه لا يوجد، ms037 ~~كما رأينا من قبل؛ أي ميدان للنشاط وأي ميدان للفكر يعد خارجا تماما عن مطلق البحث ~~الفلسفي. فكل شيء يسهم في هذا البحث، وما كان اختيارنا للعلم والدين على التخصيص لإجراء هذه ~~المناقشة الخاصة المتعلقة بالفلسفة إلا أن أهميتها بالنسبة للبحث الفلسفي أعظم. كذلك فإن ~~الخلط بين مجال الفيلسوف وبين هذين الميدانين المجاورين له ، هو أكثر وقوعا من الخلط بينه ~~وبين أي ميدان آخر. وهذا الخلط أمر طبيعي، وما دمنا في الفلسفة نعالج موضوعا قريبا كل ~~القرب من الموضوعات التي يعالجانها. وبالإضافة إلى ذلك فإن المشكلات الخاصة بهذه الميادين ~~الثلاثة تتداخل إلى حد بعيد. وهناك قدر كبير من التشابه في اللغة المستخدمة فيها. ولكن، ~~مهما كان هذا الخلط أمرا طبيعيا، فإن تخليص تفكيرنا منه أمر لا بد منه لأي فهم للفلسفة. ~~ولقد كانت نتائج هذا الخلط خطيرة بوجه خاص في العلاقات بين الفلسفة والدين، وهي العلاقات ~~التي سوف نستهل بها مناقشتنا ... ~~(1) الفلسفة والدين # من أخطر العقبات التي اعترضت عمل المفكر الفلسفي خلال قرون طويلة، الفكرة القائلة إن ~~الفلسفة والدين، نظرا إلى ما في موضوعهما من تداخل جزئي هما توأمان عقليان متلاصقان، ~~لا يستطيع أحدهما أن يذهب إلى أي مكان دون الآخر. ولقد كان هذا الربط مصدر متاعب للتوأم ~~الفلسفي بوجه خاص؛ إذ إن الدين كان عادة يحتل مركز السلطة السائدة؛ وبالتالي كان ~~قادرا على تحديد سرعة أي تقدم واتجاهه. ففي الجزء الأكبر من القرون الوسطى، مثلا، ~~كانت العلاقة الرسمية بين الفلسفة والدين تتلخص في أن للفيلسوف الحرية في الوصول إلى ~~أية نتائج قد يوحي بها تفكيره - شريطة ألا تكون هذه النتائج متعارضة مع نتائج الوحي ~~واللاهوت المقدس. ومن الجائز أن عددا قليلا من مفكري العصور الوسطى هو الذي وجد في ~~هذا القيد من المضايقة ما قد يجده فيه معظم فلاسفة اليوم، ولكن من الواضح أن ذلك القيد ~~لم يكن متمشيا مع الحرية العقلية كما نفهمها في وقتنا الحالي. وعلى حين أن سيطرة الدين ~~على الفلسفة لم تكن دائما كاملة بالقدر ms038 الذي كانت عليه في العصور الوسطى، فإن الكنيسة ~~(في فرعيها الكاثوليكي والبروتستانتي معا) لم تكن على استعداد، خلال الجزء الأكبر من ~~تاريخها الطويل، للسماح للفكر النظري بالتنقل بحرية في جميع أرجاء عالم الفكر. ذلك لأن ~~الكنيسة كانت عادة تبدي رغبتها في أن تقوم هي، على الأقل، بإصدار جوازات السفر التي ~~تبيح القيام بأمثال هذه الرحلات، وبذلك تحتفظ لنفسها بسلطة البت فيمن يسمح له بالسفر ~~الفلسفي. والواقع أن الفلسفة لم تتمكن من التحرر من هذه القيود إلا منذ أقل من قرنين من ~~الزمان، حتى في البلاد الديمقراطية الليبرالية ذاتها، بل إن هذه الحرية قد اكتسبت، في ~~مجالات معينة، منذ وقت يذكره أناس ما زالوا أحياء. ولما كان هذا الاستقلال قد اكتسب ~~بعد كفاح مرير، فمن المنطقي أن تنظر إليه جماعة المشتغلين بالفلسفة على أنه أهم الحريات ~~المدنية، وأن تعده جديرا بأن يحفظ بأي ثمن. # صعوبة المحافظة على الاستقلال ~~: على الرغم من أن ~~الفلسفة قد وصلت آخر الأمر إلى موقف تستطيع أن ترفض فيه الاعتراف بأي واجب نحو العقيدة، ~~أو قبول أي مركز خاضع لها، فقد أتت أوقات كان الفيلسوف يبدو فيها كما لو كان قد قفز من ~~المقلاة إلى النار. ففي صراعه للتحرر من سيطرة الدين، كان طبيعيا أن يتحالف مع ~~العالم، الذي مر بتجربة مشابهة لتجربة الفيلسوف إلى حد بعيد قبل حصوله على استقلاله. ~~وفضلا عن ذلك فإن النمو الرائع للعلم خلال الفترة التي كانت الفلسفة فيها تكافح في ~~سبيل استقلالها، كان أحيانا يشعر الفيلسوف بخشوع مفرط، بحيث اتجه في أحيان معينة إلى ~~ربط تفكيره بذيل «طيارة» العالم ربطا أوثق مما ينبغي. وسوف يتضمن الفصل التالي مزيدا ~~من المعلومات عن هذا الخضوع الممكن من الفلسفة للعلم. ولكن مهما تكن حقيقة هذا الخطر، ~~فإن المشكلة الرئيسية، من الوجهة التاريخية، كانت المحافظة على التأمل الفلسفي ~~متخلصا من القيود اللاهوتية؛ لذلك سنبدأ تحليلنا للارتباطات بين الفلسفة وجيرانها ~~ببحث علاقاتها بالدين. ~~(2) الفرق بين الفلسفة والدين # الفارق الأول: الموضوع # تختص الفلسفة، شأنها شأن الدين، بوضع ms039 إجابات على أسئلة نهائية معينة. والأسئلة ~~التي يشترك فيها الميدانان بوضوح هي أصل الإنسان ومصيره، وعلاقته بالكون الذي يعيش ~~فيه، وطبيعة الله، وعلاقة الإنسان بالله، وخلود النفس، وحرية الإرادة، وعلاقة ~~السلوك الإنساني بالسعادة الإنسانية. ولا شك أن اشتراك الميدانين، من حيث الموضوع، ~~في مثل هذه المشكلات الكبرى، يكفي في ذاته لكي يجعل الميدانين يتداخلان تداخلا ~~جزئيا. ومع ذلك، فهناك على الأقل أربعة أمور تفصل بين الميدانين فصلا أوضح ~~بكثير. فمن الملاحظ أولا أنه، بينما نجد أن جزءا كبيرا من الموضوعات التي ~~يبحثانها مشترك بينهما، فإن جزءا كبيرا منها مختلف أيضا. فالفلسفة مثلا تتعمق ~~في مشكلة قدرة الذهن على معالجة تجربته معالجة كافية. أما الدين فيحل هذه المشكلة ~~عادة بافتراض مصدرين للمعركة، هما العقل والإيمان، ولا يحلل قدرات أي منهما على أي ~~نحو من الدقة التي تحللها بها الفلسفة. كذلك فإن الفلسفة أكثر اهتماما بالمشكلات ~~العلمية وشبه العلمية، كأصل الكون المادي وتاريخه وقوانينه وتركيبه العام، وأصل ~~الحياة وتطورها، وطبيعة العلية، وما إلى ذلك. ويمكن القول بوجه عام إن مجال نشاط ~~الفيلسوف أوسع من مجال نشاط رجل الدين؛ ومن ثم فإن المشكلات التي يعالجها الفيلسوف ~~تشمل نطاقا أوسع بكثير. وعلى أية حال، فمن الإنصاف أن نقول إنه بينما الاثنان ~~يبدآن بكثير من المشكلات المتماثلة، فالأرجح أن يظل الفيلسوف، بعد مضي وقت طويل من ~~اهتداء المفكر الديني إلى إجابات مرضية، يناضل بعنف في سبيل الاهتداء إلى ما يعده ~~«حلولا أفضل» لنفس المشكلات. والمقصود بهذه الحلول الأفضل، إجابات أدق وأشمل. ~~وبهذا تكون الفلسفة ميالة إلى النظر إلى الأذهان الدينية على أنها معرضة لقبول ~~حلول أسهل مما ينبغي. وأخيرا فأغلب الظن أننا في أية لحظة نرقب فيها الفيلسوف وهو ~~يعمل، سنجده يناضل لحل مشكلات لا تهم اللاهوتي إلا بطريق غير مباشر، إن كانت تهمه ~~على الإطلاق. أي إن الفلسفة، بوجه عام، تتجاوز اللاهوت في نطاقها ومدى تحليلها لأية ~~مشكلة تبحثها. # الفارق الثاني: المناهج # والفارق الثاني بين الميدانين مرتبط بالأول، وهو متعلق بالمناهج التي يستخدمها كل ms040 ~~منهما. فالدين، كما رأينا منذ قليل، يقبل قضايا معينة على أنها موضوعات للإيمان - ~~أي يقبلها تصديقا - على حين أن الفلسفة لا تقبل ذلك. ولعل من المفيد - دون الدخول ~~في استطراد طويل نناقش فيه منطق الإيمان أو سيكولوجيته - أن نشير بإيجاز إلى معنى ~~«الإيمان» ما دام هذا اللفظ يستخدم عادة في الدوائر الدينية والفلسفية معا ، ~~فاللفظ، في معناه العادي، يدل على قبول رأي أو مذهب على أنه ينطوي على حقيقة لا ~~تستمد من المصادر الحسية أو من العمليات العقلية. ويعد ذلك المذهب عادة ذا أصل من ~~نوع إلهي أو خارق للطبيعة، فهو نتيجة «للوحي»، الذي يدل بدوره على أية وسيلة يتلقى ~~بها الإنسان مباشرة اتصالا من العالم الخارق للطبيعة. وقد يكون هذا المصدر كتابا ~~(كالكتب المقدسة)، أو أحاديث نبوية، أو تجارب صفوية من نوع ما. ومع ذلك فلا بد أن ~~يكون الوسيط المباشر للوحي إنسانا ما، ولكن قدرته على أن يكون حلقة اتصال بين الله ~~والناس العاديين تؤخذ بدورها على أنها موضوع للإيمان. # ومن الصحيح بالطبع أن المفكر الديني يستخدم المنطق والعقل، ويحرز في ذلك نتائج ~~رائعة، عند شرحه لتفاصيل هيكل التفكير الديني، غير أن المنطق والعقل يستخدمان هنا ~~لإضافة أدلة عقلية إلى ما يقبله هو، مع سائر المؤمنين. على أساس الإيمان. وفي معظم ~~حالات التفكير الديني، نجد أنه إذا ظهر تعارض أو تناقض بين وحي «الإيمان» وثمار ~~«العقل»، فإن الأخيرة تخضع للأولى، وتخلي استنتاجات العقل مكانا لمشاعر الرضا التي ~~يستطيع الإيمان بعثها فينا. أما في الفلسفة فإن للعقل والمنطق دورا رئيسيا. ~~فالفيلسوف على استعداد تام (بل هو حريص كل الحرص) على صياغة نظرة إلى العالم ترضي ~~مطالب الرأس والقلب معا، أما إذا لم يكن هناك مفر من التضحية بأحدهما، فهو في ~~الأغلب يضحي بأشواق القلب. # الفلسفة والعقل ~~: كل هذا يعني أن الميل الطاغي ~~للفيلسوف إنما هو الميل إلى المعرفة، مهما يكن الثمن: فإذا ما أدى بحثه وراء ~~المعرفة والفهم إلى تفسير للتجربة يوازي تفسير معظم الأديان، كان ذلك أفضل. أما ms041 إذا ~~أدى استدلاله بمنطق محكم إلى نظرة للعالم لا تكون لحياتنا فيها من غاية أو قيمة إلا ~~ما نستطيع تحقيقه بجهودنا الخاصة في عالم غير شاعر بوجودنا ولا مكترث بسعادتنا، ~~فليكن الأمر كذلك. أي إن الفيلسوف يبذل كل جهد للسير وراء العقل إلى أية نتيجة يؤدي ~~إليها. وهو يسعى، بقدر ما في البشر من طاقة، إلى مجاراة العالم وتجاهل نزوعه ~~الانفعالي خلال بحثه عن الحقيقة. وفي ذلك يقول برتراند راسل: «إن لب النظرة العلمية ~~هو رفض النظر إلى رغباتنا وأذواقنا واهتماماتنا على أنها تمدنا بمفتاح فهم العالم». # 1 # وبينما الفيلسوف لا يحقق دائما هذا المثل الأعلى الصارم بنفس الكمال ~~الذي يتعين على العالم أن يحققه به، فإن تفانيه من أجله، بوصفه مثلا أعلى، يفيد في ~~التمييز بين نشاطه وبين نشاط المفكر الديني. # ويذكر مؤلف الكتاب أنه سمع ذات مرة سيدة متقدمة في السن طيبة النوايا، تسأل ~~فيلسوفا صارم الذهن: «ولكن ألا تستطيع أن تقنع نفسك عقليا بمثل هذا الإيمان؟» ~~فكان جوابه الفوري: «أليس ما تعنينه هو: ألا أستطيع أن أبرر لنفسي # 2 # هذا الإيمان؟» وهو يعني بذلك عمل نفس الشيء الذي يحرص العالم والفيلسوف ~~معا كل الحرص على تجنبه - ألا وهو ترك انفعالاته، ورغبته البشرية الطبيعية في ~~العيش في عالم ملائم لنا ولغاياتنا، تؤثر في النتائج التي يتجه إليها استدلاله. ~~فمهما تكن ضروب الإرضاء الأخرى التي قد تتيحها الحياة للفيلسوف، فلا بد له من أن ~~يكتسب الرضا العقلي قبل كل ما عداه. وبينما بعض الأشخاص يرون أن أي مفكر يضع رضاء ~~العقل في مرتبة أعلى من رضاء القلب، لا يكاد يكون بشرا، فإن الفيلسوف يرى أن أي ~~موقف مخالف لذلك لا يمكن أن يكون جديرا بكائن مفكر. # وهناك مشهد معين في إحدى التراجيديات اليونانية القديمة، يمكن أن يبصرنا بطبيعة ~~هذا المسعى الفلسفي. في هذا المشهد يعود أجاكس، وهو أحد أبطال الجيش اليوناني في ~~حربه الطويلة ضد الطرواديين، ولكنه بطل يتسم بشيء من الغباء، يعود إلى داره بعد ~~سقوط طروادة، وهو ms042 يتيه فخرا وخيلاء بفتوحاته في ساحة الوغى. وفي آخر الأمر، تشعر ~~آلهة الأولمب المتسامحة ذاتها بالسأم من غروره، وتدبر له عقابا مناسبا؛ ففي ذات ~~يوم تسلبه الآلهة عقله حيث يضطر إلى مهاجمة قطيع من الغنم، وذبح الكثير منها ~~متوهما أنه ما زال يقاتل أهل طروادة. وعندما يستعيد رشده، يكون قد أصبح موضع سخرية ~~اليونان بأسرها؛ فها هو ذا أجاكس، المحارب المغوار، يقضي وقته الآن في ذبح الغنم! ~~على أن مثل هذه السخرية أمر لا يحتمل في نظر شخص لديه دوافع أنانية قوية كهذا ~~البطل السابق؛ لذلك قرر أجاكس، بعد إمعان الفكر في موقفه، أن يعمد إلى الانتحار - ~~وهو الحل التقليدي لمثل هذه المشكلة. فأخذ يشحذ سيفه الذي أصبح الآن مدنسا، ثم ~~تريث لحظة أخيرة محاولا أن يفهم ما الذي حدث له بحيث جعل مكانته كبطل تنحط إلى ~~هذا الحد المؤسف. وقبل أن يغمد سلاحه في نفسه يهتف صارخا للآلهة المنتقمة: «النور! ~~النور! يا ليتني أموت فيه!» في هذه اللحظة الأخيرة من حياة أجاكس، ارتفع إلى ~~المستوى الذي يحاول الفيلسوف أن يعيش فيه في كل الأوقات: فالشوق إلى المعرفة قد سما ~~فوق كل شوق آخر، وهو قد رأى أن الموت يغدو أقل مرارة وإذلالا لو أمكن أن يقترن ~~بالفهم. # التضاد مع الموقف الديني ~~: ليس في وسع الدين أن ~~يقدم نظيرا لهذا الموقف الفلسفي. فالهدف الأول لكل عقيدة تقريبا هو إعطاء أتباعها ~~إحساسا بالسلام والانسجام. وأفضل وسيلة تحقق بها هذا الهدف هي أن تفترض عالما ~~يكون فيه للفرد قيمة وغاية، ويكون فيه لحياته معنى لشيء أو لشخص غيره هو ذاته وغير ~~المقربين إليه. فإذا لم يستطع رجل الدين أن يجد أسبابا عقلية لهذا الاعتقاد، فإنه ~~يجعل العقل خاضعا، ويهيب بالإيمان أن يمده بالاقتناع الذي يفتقر إليه. وعلى قدر ما ~~يطلب الفيلسوف رضا عقليا، يطلب الشخص المتدين رضا انفعاليا. وكل نوع من ~~الذهنين تتملكه الحيرة عادة حين يجد الآخر قانعا بهذا المستوى في الرضا، وكل ~~منهما يجد في الطرف الآخر، في أغلب الأحيان، ms043 شخصا ينظر إليه شذرا. # الاختلاف الثالث: المسلمات المبدئية # والعامل التالي الذي يفيد في التفرقة بين هذين الميدانين الكبيرين يتبع العاملين ~~اللذين أوضحناهما عن كثب. هذا العامل هو درجة التسليم التي يأخذ بها كل منهما قبل ~~بدء عملياته العقلية. وهذا يشمل المسلمات والمصادرات وشتى أنواع الأفكار ~~المفترضة. # ففي الفلسفة مثلا يبذل جهد كبير لتجنب التسليم مقدما بأي شيء ما لم يكن ~~ضروريا ضرورة مطلقة، بل إن الفيلسوف يبذل جهدا أعظم للاحتراس من المسلمات ~~الخفية أو اللاواعية. ويشعر الفيلسوف بأن وجود مسلمات غير معترف بها هو إحدى ~~العقبات الكبرى في وجه التفكير الواضح؛ ومن ثم فهو يسعى على الدوام إلى تطهير فكره ~~من أي أثر لها. # مشكلة الله بوصفها مثلا ~~: فلنضرب لذلك مثلا من ~~التضاد بين موقفي كل من الميدانين من مشكلة الله. فاللاهوتي قد يخصص مجلدات ~~لمناقشة طبيعة الله - وعلاقاته بالكون والنفس البشرية الفردية ... إلخ. ولكن مهما ~~طالت مناقشته، ومهما تكن دقة تحليله لفكرة الله، فإن هذا كله يرتكز على أساس افتراض ~~أن الله موجود. وحتى عندما يشتمل التحليل اللاهوتي على ما يسمى بأدلة عقلية على ~~وجود الله، فإننا نجد دائما اقتناعا انفعاليا بهذا الوجود، هو أهم بكثير من أي ~~إثبات مبرهن عليه عقليا. فهناك شيء واحد مؤكد على الأقل في نظر المفكر الديني، ~~مهما تكن الصفات الإيجابية أو السلبية لله، وسواء أكان مشخصا أم غير مشخص، وأيا ~~ما كان دوره في أمور البشر: هذا الشيء المؤكد هو أن الله موجود. فهو يوجد على نحو ~~ما، وفي مقر ما # 3 # ومعظم اللاهوتيين يعترفون صراحة بأن الله، هو المسلمة الكامنة من ~~وراء كل تفكير لهم. أما المؤمن العادي فقلما يكون شاعرا بأنه يأخذ وجود الله، دون ~~أن يشعر، قضية مسلما بها في أي تفكير يقوم به حول هذا الموضوع. وبالاختصار، ~~فبينما اللاهوتي يعترف عادة بمسلمته الأساسية فإن الذهن المتدين الأقل ثقافة ~~نادرا ما يعترف بذلك. # موقف التجرد في الفلسفة ~~: يتميز موقف الفيلسوف، ~~على خلاف موقف التفكير الديني بمستوييه السالفي الذكر، بأنه موقف ms044 تجرد ونظر ~~خالص. فهو يرى أن مسألة الله بأسرها، من حيث وجوده، ومن حيث طبيعته معا، هي مسألة ~~مفتوحة تماما. فالفلسفة لا تعرف «أمورا مقدسة» لا يمكن الاقتراب منها. والمفكر ~~الميتافيزيقي لا يشعر عند معالجته لمفهوم الكائن الأسمى بخشوع يزيد على ما يشعر به ~~إزاء أية مسألة أخرى من تلك المسائل القصوى التي يحار لها ذهن الإنسان . وإن من أول ~~ما يتعلمه دارس الفلسفة، أن نفس وجود ميدان الفلسفة هذا - بوصفه نشاطا عقليا ~~له دلالته - يتوقف على حقنا في مناقشة أية فكرة، أو أي تصور، أو قيمة، أو قانون، أو ~~نشاط، أو نظام داخل في نطاق التجربة البشرية. وكما يقال أحيانا على سبيل المزاح، ~~فحتى الله نفسه ينبغي «أن يقدم أوراق اعتماده أمام مدخل مدرج الفلسفة.» # هذا الموقف النظري المتجرد الذي تقفه الفلسفة، يجعل النتائج التي يصل إليها ~~الفيلسوف أقل تعرضا للاشتمال على مسلمات خفية. فهو يختبر تفكيره ويعيد اختباره ~~مرارا، لكي يتأكد من عدم تسلل أية مصادر لم يعترف بها، أو أي افتراض سابق، في لحظة ~~لم يأخذ فيها حذره. والحالة المثلى هي تلك التي يبدأ فيها تفكيره دون أية مسلمات ~~فيما عدا ما هو ضروري تماما لمزاولة هذا النشاط الفكري. وهو يتمنى لو أمكن إنقاص ~~هذه المسلمات إلى اثنتين أو ثلاث، كوجوده الخاص مثلا، ووجود العالم الخارجي ~~ووجود نوع من علاقة المعرفة أو التجربة بينهما. وبينما أنه من المشكوك فيه أن ~~يستطيع كل فيلسوف أن يدعي صادقا أن عتاده العقلي قد أنقص في الأصل إلى هذه العناصر ~~التي لا تقبل مزيدا من النقصان، فإنه يدعي عادة أنه بذل جهدا واعيا للكشف عن ~~جميع المسلمات - وضمنها تلك المسلمات التي لا غناء عنها كهذه التي تحدثنا ~~عنها. # الفلسفة وحقائق الدين «الواضحة بذاتها» ~~: ينطبق ~~ما قلناه عن فكرة الله على جميع المصادرات الأخرى التي يبنى عليها أي مذهب في الفكر ~~الديني. فكثير من الأديان، مثلا، تبدأ بناءها اللاهوتي بمجموعة معينة من «الحقائق ~~الواضحة بذاتها». هذه الحقائق لا تتعلق عادة بوجود الله ms045 وحده، وإنما تتعلق أيضا ~~بقدرته الشاملة، وعلمه المحيط، وحضوره في كل شيء، وخيره المطلق، ودوره بوصفه خالق ~~الكون ... إلخ. وقد تبدو القضايا الإيجابية المتعلقة بهذه المسلمات كلها، في نظر ~~المؤمن، أوضح في حقيقتها من أن تحتاج إلى برهان، فهي تبدو «واضحة بذاتها». ولكنها ~~لا تبدو كذلك في نظر الفيلسوف. فكلمة «واضح بذاته» تمثل تحديا له. وبمجرد أن يرى ~~هذا اللفظ أو يسمعه، نراه ميالا إلى أن يقول: «قف عندك! إن «الواضح بذاته» ليس ~~بالصفة التي يمكن إطلاقها بمثل هذه السهولة. فما الذي تعنيه بها حقيقة وفي نظر من ~~تكون قضيتك واضحة الصحة إلى حد لا تحتاج معه إلى دليل؟» ويلي ذلك عادة مقارنة بين ~~القضية موضوع البحث وبين بعض الأمثلة الكلاسيكية للوضوح الذاتي، كتلك التي تتمثل في ~~البديهيات الكامنة من وراء هندسة إقليدس. ومن هذه النقطة تنتقل المناقشة بالطبع إلى ~~بحث كذلك الذي يقوم به الرياضيون المحدثون أحيانا، حول الوضوح الذاتي لهذه الأمثلة ~~الكلاسيكية ذاتها. وقد يؤدي ذلك منطقيا إلى تحليل لمفهوم الوضوح الذاتي بأسره، ~~وأهميته بوصفه مصدرا للمعرفة، وعلاقته بمشكلة البرهان، وما شابه ذلك. ولكن المفكر ~~الديني يكون خلال هذا الوقت قد انتقل دون شك إلى ما يعتقد أنه بحث فكري أعظم جدوى، ~~مقتنعا بأن هناك من الأفراد الذين سيقبلون قضاياه «الواضحة بذاتها» على أنها واضحة ~~بذاتها حقا، ما يكفي لجعل حديثه إليهم ممكنا. # الاختلاف الرابع: الأهداف # والفارق الرئيسي الأخير بين الفلسفة والدين يكمن في هدفهما أو غايتهما القصوى. ~~وهذا يؤثر بطبيعة الحال في الموقف العقلي الذي يبدأ به نشاط من يمارسونهما كما يؤثر ~~في المناهج التي يستخدمونها. ولقد ذكرنا من قبل أن أول شوق للفيلسوف هو شوقه إلى ~~المعرفة، دون أن يهتم إلا قليلا بالثمن الذي يكلفه بلوغ هذه المعرفة، ودون أن يهتم ~~إلا أقل من ذلك بانسجامها أو عدم انسجامها مع آماله وأمانيه البشرية المتأصلة فيه ~~بعمق. ومن جهة أخرى فقد رأينا أن الهدف الأول للدين هو إعطاء إحساس بالأمان ~~والطمأنينة «لا يستطيع العالم أن يعطيه إيانا ms046 أو ينتزعه منا». وهكذا يتضح لنا أن ~~للدين هدفا عمليا أكثر من الفلسفة - وذلك على الأقل من وجهة النظر المباشرة. ~~كذلك يتضح أن الدين يكون على الأرجح أهم في حياة عدد من الناس يزيد كثيرا على ~~أولئك الذين يمكن أن تمسهم الفلسفة ولو من بعيد. وبطبيعة الحال فإن من يكرسون ~~حياتهم للعمل الفلسفي يسارعون دائما بتأكيد أن الدافع إلى المعرفة لا يقل تأصلا ~~في الإنسان عن الرغبة في الأمان والطمأنينة الروحية. ولكن على الرغم من أن ~~الدافعين قد يكونان سواء في أهميتهما، فإنه لا يترتب على ذلك القول بأنهما ~~موجودان بنفس القوة لدى الناس جميعا. فمعظم الأشخاص يرون أن الوعد الذي يقدمه ~~إليهم الدين أقوى جاذبية بكثير. وهم يشعرون بضرورة حصولهم على ضمان بأن الحياة ~~جديرة بأن تعاش، ويؤمنون بأن الدين قادر على أن يعطيهم هذا الضمان على نحو أيسر مما ~~تقدر عليه منافسة الدين (أي الفلسفة). ذلك لأن الفلسفة لو استطاعت تقديم مثل هذا ~~الضمان، فإن ذلك لا يكون عادة إلا بعد تفكير طويل مضن. # وباختصار، فعلى الرغم من أن الفيلسوف قد ينتفع من أنظاره الميتافيزيقية في صياغة ~~فلسفة للحياة تصلح للتطبيق عمليا (وبذلك يحقق نفس النتيجة «العملية» التي يحققها ~~رجل الدين)، فإن معظم الناس يدركون أن الفلسفة تهتم بالنظر أكثر مما تهتم بالعمل. ~~وهم يعتقدون أن الفيلسوف سيواصل تأملاته بنفس الإصرار سواء أدت إلى نتائج عملية - ~~أو إلى «أية» نتائج - أو لم تؤد إليها. أما المفكر الديني، حتى إذا كان تفكيره ~~يكتسب طابعا لاهوتيا تجريديا في بعض الأحيان، فإن هدفه الأول يظل دائما إيجاد ~~الأساس العقلي لنشاط عملي إلى أبعد حد: هو بلوغ سلام الروح وطمأنينة القلب. ~~(3) الفلسفة والعلم # كانت علاقات الفلسفة بجارها الآخر الكبير أكثر توافقا وتعاونا، في عمومها، من ~~علاقتها بالدين. فعلى الرغم من الاتهامات المتبادلة والمناقشات العائلية المعتدلة التي ~~كانت تحدث من آن لآخر، فقد عاشت الفلسفة والعلم معا كما تعيش الأم مع ابنها الذكي. ~~وقد ارتكب كل منهما خطأ التعصب الجامد في اللحظات التي ms047 لم يكن منتبها فيها، كما كان ~~العلم يعيب على الفلسفة أحيانا كما يفعل كل الأبناء - أنها أم متمسكة بأساليب وأفكار ~~عفى عليها الزمان، أو تتدخل في الحياة المستقلة لجيل أصغر من جيلها. ومن جهة أخرى فقد ~~كان رد الفلسفة هو انتقادها لكثير من المسلمات والأدوات العقلية التي يستخدمها العلم. ~~كما أنها أبدت قلقا ملحوظا من أن يرتكب ابنها، في لحظة طيش، خطأ «رمى الطفل الوليد مع ~~ماء المستحم» # 4 # وذلك بأن ينظر إلى أوجه التجربة البشرية التي لا يمكن دراستها في المعمل ~~على أنها غير ذات جدوى (بل غير حقيقية). ومع ذلك فقد كانت العلاقة بين الاثنين، عموما، ~~علاقة احترام متبادل. وقد ازداد ذلك ظهورا منذ رد الفعل على المثالية الألمانية ~~المطلقة، عندما اضطرت الفلسفة ذاتها إلى الاعتراف بخطأ محاولة الإغراق في النظر ~~الميتافيزيقي على نحو مستقل عن العلم. ولما كانت الأم قد اعترفت بأي خطأ سابق ارتكبته ~~في هذه المسألة، فإن الابن قد استعاد الاحترام الذي فقده مؤقتا. وأصبح الوضع الحالي هو ~~أنه، مع اضطرار الفلسفة إلى أن تعتمد على ابنها، وهو العلم، اعتمادا كبيرا في ~~معيشتها، فإن إخلاصه لها قد بلغ حدا جعله لا يشكو منها - على شرط أن تعترف بالطبع ~~بمصدر دخلها، وألا تحاول أن تتجاوزه في الإنفاق على نفسها، بأن تنسب إلى النظريات غير ~~المبرهن عليها، أو للأنظار الفلسفية الخاصة، سلطة علمية. # العلاقة المزدوجة بين الميدانين ~~: يمكننا أن نصف ~~العلاقة بين الميدانين - بلغة أدق - بأنها علاقة مزدوجة. فقد تحدثنا في الفصل الافتتاحي ~~عن النشاط المزدوج الذي تقوم به الفلسفة ككل، وأوضحنا أن عمل الفيلسوف قوامه التحليل ~~والتركيب. ولقد أصبح الفارق بين هاتين الوظيفتين الفلسفيتين المتكاملتين أوضح ما يكون ~~في علاقتهما بالعلم؛ إذ إن نمو العلم هو الذي قام بالدور الأكبر في ضمان السيطرة للنشاط ~~التحليلي للفلسفة في السنوات الأخيرة. وفضلا عن ذلك، فإن هذا التحليل هو الذي يقرب ~~الميدانين بقدر الإمكان، ويولد أكبر قدر من الاحترام المتبادل بينهما. ومع ذلك، فلما ~~كانت الوظيفة التحليلية الأعمق هي ms048 في الوقت ذاته أكثر تخصصا وأبعد عن التجربة العقلية ~~لمعظم الطلاب، فقد رأينا أن من الإحكام التأمل أولا في العمليات التركيبية للفلسفة. ~~ولما كان هذا النشاط الفلسفي هو في الوقت ذاته الأقدم عهدا، فإننا حين نبدأ بحثنا به ~~أنما نساير التاريخ العام للفكر. ~~(4) العلم بوصفه تخصصا # في الوقت الذي بدأت فيه ما نسميها الآن «بالعلوم» تغادر لأول مرة بيت أمها الفلسفة ~~وتكون لنفسها حياة خاصة بها، لم تكن التقسيمات المحددة المعالم، والقائمة الآن، قد ~~عرفت بعد، بل إن لفظ «العلم» ذاته لم يكن موجودا، بل إن تلك الدراسات الغامضة التي ~~كانت لا تزال في مهدها، كانت تجمع معا تحت لفظ «الفلسفة الطبيعية». وكان الرواد ~~الأوائل في هذا الميدان أكثر انشغالا بمعالجة مشكلات محدودة، من أن يهتموا ببيان حدوده ~~المنتظرة أو بإدراك أنه قد يحدث شقاق بين المطالبين بأجزاء معينة من الأرض الجديدة التي ~~لم يكن قد تم مسحها. ولقد كان الموقف مشابها لموقف رواد الحدود الأمريكيين. إذ إن ~~انشغال المستوطنين الأوائل بقطع أشجار فردية كان أعظم من أن يترك لهم مجالا للاهتمام ~~بحجم الغابة، وكان الجزء الصغير من الأرض التي يطالبون بها لأنفسهم يشغلهم إلى حد لا ~~يعبئون معه لو أن جارا لهم اجتث بعض الأشجار في الأجزاء الأبعد من ذلك. ولم تبدأ ~~التقسيمات التي نعرفها الآن في الظهور إلا بعد أن أصبحت الأجزاء المتباينة لأرض العلم ~~مطروقة ولو جزئيا. ولقد ظهرت عندئذ عدة خطوط تقسيم طبيعية، ولا سيما حول التمييز ~~الشائع بين العلوم «الفيزيائية» و«البيولوجية». وفيما بعد، نمت العلوم الاجتماعية، ~~وادعت لنفسها الحق في أن تطلق على نفسها اسم العلوم، بحيث إنه لا يوجد اليوم إلا القليل ~~من أوجه النشاط البشري العقلي الذي لا يظهر فيه تأثير وجهة النظر العلمية، وربما ~~طريقتها الأساسية في التنظيم. # ولقد أدى تقسيم «الفلسفة الطبيعية» إلى كثير من الميادين شبه المستقلة، إلى مكاسب ~~كثيرة، وإلى بعض الخسائر. أما التقسيم ذاته فكان شيئا لا مفر منه. ففي أواخر القرن ~~الخامس عشر، كان في استطاعة عبقرية ms049 شاملة مثل ليوناردو دافنشي أن يلم إلماما كافيا ~~بكل علوم عصره، وأن يقوم ببحوث أصيلة في كثير منها. وحتى عند نهاية القرن الثامن عشر ~~كان في استطاعة جوته أن يقوم ببحوث في كثير من العلوم غير المرتبطة، إلى جانب كونه ~~سياسيا بارعا، وأعظم شعراء الأمة الألمانية. غير أن هذا النطاق العقلي أصبح اليوم ~~مستحيلا من الوجهة العملية ؛ ذلك لأن كلا من أقسام العلوم، بل كثيرا من الأقسام ~~الفرعية، قد أصبح من التعقيد والتفصيل إلى حد صار لا بد معه من قضاء سنوات من التحصيل ~~من أجل استيعاب أي واحد منها. ولا بد، عادة، من أجل الإسهام بأي نصيب أصيل في الميدان، ~~من احتفاظ المرء بوحدة الهدف طوال حياته، بالإضافة إلى قدر من التخصص لا يكاد يكون من ~~الممكن أن يتصوره الأشخاص الخارجون عن نطاق المعمل. ففي العصور الحديثة أصبح التخصص هو ~~القانون الأول للتقدم العلمي. # وحتى عندما يكون الهدف من بحث العالم هو الوصول إلى نوع من التعميم الشامل الذي يجمع ~~بين نتائج بحوث كثير من الأذهان المختلفة في وحدة مركبة، فإنه يكاد يكون من المحتم أن ~~تكون التجارب الفاصلة والأساليب الخاصة اللازمة لإثبات هذا التعميم الجديد، بمثابة ~~انتباه شديد التركيز على مجالات في الطبيعة تتزايد ضيقا. والواقع أن التجربة الفاصلة ~~التي تستخدم عادة في تحقيق أي فرض جديد، تمثل عادة طريفة في السيطرة والتحكم في عملية ~~معينة، تتميز بأنها أكثر تخصصا وتفصيلا مما تم من قبل. # مثال من الفيزياء في أوائل عهدها ~~: نستطيع أن نجد ~~مثلا طيبا لهذا التخصص المركز في البحوث التي قام بها جاليليو وهو يضع أسس علم ~~الديناميكا حوالي عام 1600م، فقد كان المعتقد قبل تجاربه أن كل الأجسام المادية تتميز ~~بأنها خفيفة أو ثقيلة في ذاتها، وبأن سرعة ارتفاعها أو سقوطها تتوقف على وزنها الكامن، ~~ما دام الافتراض السائد هو أن الأشياء «تبحث عن مقارها الطبيعية» بقوة تتناسب مع ما ~~قد يكون فيها من خفة أو ثقل كامن. # 5 # ولكن جاليليو لم يكن ليقنع بهذه ms050 الفيزياء الأرسططالية الغامضة المضللة، ~~وكان يبحث عن صياغة أدق لقوانين سقوط الأجسام (وهو التحديد الذي حاول الفلاسفة ~~السابقون الوصول إليه)، وإنما تكتفي، بدلا من ذلك، بأن تعبر بدقة وإحكام عن طريقة ~~سقوطها. # كان جاليليو يعلم أن الجسم الساقط يتحرك خلال المكان بسرعة تتزايد باطراد؛ ومن هنا ~~فقد كانت المشكلة الحقيقية هي تحديد معدل هذه الزيادة، وخاصة بالنسبة إلى العوامل ~~الأخرى المتضمنة في الموضوع. وبعد بداية باطلة (مبنية على فرض يؤمن به الذهن العادي، ~~مؤداه أن السرعة تزيد بنسبة مسافة السقوط)، اهتدى إلى الفكرة القائلة إن السرعة تزيد مع ~~زمن السقوط (لا مع مسافته). وكانت الخطوة التالية هي تلك التي تلي صياغة أي فرض علمي: ~~وأعني بها استنباط النتائج التي يمكننا أن نتوقع أنها ستلزم لو كان الفرض صحيحا، ثم ~~إجراء التجارب التي تعطينا نتائج محددة يمكن مقارنتها بتلك التي استنبطت من قبل (وتلك ~~هي الخطوة الثالثة في التجريب العلمي). وسرعان ما اكتشف جاليليو أن التجارب المتعلقة ~~بالأجسام التي تسقط سقوطا حرا هي تجارب لا جدوى منها، ما دامت السرعات أكبر من أن ~~تقاس بالأدوات التي كانت موجودة عندئذ. وإذن فقد كان لا بد من نقص هذه السرعة إلى حد ~~يتيح القياس الدقيق، وهنا كان من الطبيعي أن تطرأ على ذهنه فكرة الحركة على سطح مائل. ~~ومع ذلك يبدو أن جاليليو أجرى حسابات وتجارب كثيرة ليقنع نفسه بأن قوانين سرعة الكرات ~~التي تتدحرج أسفل منحدر هي نفسها سرعة الأجسام التي تسقط سقوطا حرا من نفس الارتفاع ~~العمودي. وعندما اقتنع بهذا التماثل، كان في استطاعته أن يبدأ تجاربه دون تحفظات. ~~وحينما قارن نتائجه بتلك التي استخلصت بالاستنباط من فرضه (القائل إن سرعة سقوط الجسم ~~تتناسب مع زمن السقوط)، استطاع أن يثبت هذا الفرض. # ولقد كانت هذه التجارب الشهيرة نقطة بداية للمنهج العلمي الحديث، وهي قد حددت الاتجاه ~~الذي سار فيه التجريب منذ ذلك الحين. والأهم من ذلك بالنسبة إلى هدفنا في هذا الفصل، هو ~~أنها قد أوضحت أن جاليليو أدرك ما يعرفه ms051 كل عالم حديث، وأعني به ضرورة تركيز بحوثه ~~بالاشتغال بطريقة مركزة في مشكلات خاصة محددة بدقة، بطريقة منهجية كاملة. # 6 # مثال من الفيزياء الحديثة ~~: والمثل الثاني للعالم ~~بوصفه أخصائيا يركز بحوثه في عمل خاص محدد بدقة، مستمد بدوره من مجال الفيزياء. وفي ~~هذه المرة سننتقل إلى أعمال أقرب عهدا، تمت خلال فترة الأعوام الخمسين المنتهية سنة ~~1933م. أما القائم بالتجارب أ . أ. ~~مايكلسون # A. A. ~~Michelson # وهو من أعظم الثقات العالميين في علم البصريات والفيزياء ~~الضوئية، وقد اشتهر بوجه خاص لاختراعه مقياس ~~التداخل # Interferometer ~~، وجهوده في سبيل إثبات أو تفنيد وجود وسيط حامل للضوء كالأثير ~~الذي افترضه بعض العلماء. # كان اهتمام مايكلسون الدائم مركزا في مشكلة التحديد الدقيق لسرعة الضوء، وقد كرست ~~تجربتاه الأولى والأخيرة معا، وهما تجربتان يفصل بينهما ما يزيد على ربع قرن، لهذا الموضوع. # 7 # ونظرا إلى أن سرعة الضوء هي من أهم الثوابت الأساسية في الطبيعة، فقد ظل ~~علماء الفيزياء طوال قرون عديدة يحاولون تحديد هذه السرعة بدقة. وقد أجري أول قياس في ~~عام 1975م، ولكن عن طريق الملاحظات الفلكية وحدها، بحيث إن مشكلة إيجاد طريقة أرضية ~~لتحديد أو زيادة دقة القياس الأصلي (وهو 186000 ميل في الثانية) ظلت قائمة. وقد اصطنع ~~كثير من العلماء التجريبيين في القرن التاسع عشر أجهزة مؤلفة من مرايا دائرية ومصادر ~~ضوئية متقطعة، غير أن تفاوت النتائج التي تراوحت بين 185,150 وبين 195,344 ميلا في ~~الثانية دل على أن الحاجة إلى مناهج أدق ما زالت قائمة. وقد وضع مايكلسون في البداية ~~تنظيما أفضل لهذا القياس عندما كان في الخامسة والعشرين من عمره فقط، وأتى برقم أدق ~~إلى حد ما (وهو 186,508). وهو رقم كان يستطيع أن يضمن صحته في حدود 0,0001٪. ولكن ~~المسافة التي كان يقوم فيها بقياسه كانت قصيرة نسبيا، شأنها شأن بقية التجارب التي ~~أجريت حول هذا الموضوع في القرن التاسع عشر؛ إذ لم يكن يفصل بين المرآتين سوى 500 ~~قدم. # وبعد مضي حوالي أربعين عاما، عاد مايكلسون إلى ms052 المشكلة، ولكنه أجرى بحوثه هذه المرة ~~على نطاق أوسع بكثير. فقد كانت نقطتاه قمتي جبلين في كاليفورنيا الجنوبية يفصل بينهما ~~اثنان وعشرون ميلا. وقد أسفرت المحاولات الخمس المنفصلة عن متوسط قريب جدا من رقمه ~~الأول، غير أن الاختلاف بين النتائج المختلفة أدى به إلى زيادة المسافة أبعد حتى من ~~ذلك، أملا في بلوغ مزيد من الدقة. وعلى ذلك فقد اختار قمتين يفصل بينهما اثنان وثمانون ~~ميلا. ومع ذلك فقد كانت هناك صعوبة بدت ثانوية في المسافة الأقصر، ولكنها أصبحت شديدة ~~الخطورة في مسافة الاثنين والثمانين ميلا، وهي الدخان والغبار الموجود في الجو؛ ومن ~~هنا كان من الضروري التخلي عن التجربة. # وعندما كان مايكلسون في حوالي الثمانين من عمره، وفي صحة متدهورة عاد إلى المشكلة ~~للمرة الأخيرة. وفي هذه الحالة تخلى عن طريقة المسافة الطويلة، والتمس الدقة الشديدة ~~بإجراء التجربة في فراغ. فقد صنع أنبوبة معدنية لا ينفذ إليها الهواء، طولها ميل وقطرها ~~ثلاث أقدام، ووضع فيها مضخات خاصة تقوم بتفريغ هذا الوعاء الضخم. وظلت الأبحاث تدور حول ~~هذا الجهاز لمدة ثلاثة أعوام (حتى بعد وفاة مايكلسون في عام 1931م)، وكان متوسط عدد ~~مرات القياس، التي بلغت 2885 مرة، هو 186,264 ميلا في الثانية. ومن المتفق عليه عامة ~~بين علماء الفيزياء أن «هذا الرقم سيظل قائما، على الأرجح، طوال سنوات عديدة، بوصفه ~~واحدا من أدق الثوابت في العلم الفيزيائي.» # 8 # هذا المثال ينطوي على شيء يهمنا في غرضنا الحالي: هو الطريقة التي التمس بها مزيد من ~~طريق اتباع أساليب متباينة، وأخيرا عن طريق استبعاد ما كان يعد من قبل عاملا لا يمكن ~~التحكم فيه، وهو حالة الجو، بل إن الأهم من ذلك أن نلاحظ أنه، على الرغم من أن موضوع ~~البحث كان هو الوصول إلى ثابت يكون مقياسا أساسيا بالنسبة إلى العلم الطبيعي بأسره، ~~فإن المشكلة الفعلية المتعلقة بتحديد هذا الثابت كانت مشكلة محدودة ومتخصصة إلى أبعد ~~حد، وهي مشكلة كان من الضروري فيها تجاهل الاهتمامات الجزئية لمختلف العلوم الخاصة ~~المتعلقة ms053 بالموضوع. وبينما أن للفلسفة بدورها مشكلاتها الفنية، التي يتعين لحلها كذلك ~~تجاهل الاهتمامات العامة للميدان، فإن هذا التركيز المتخصص على مشكلة محددة بدقة يميز ~~العلم أكثر مما يميز الفلسفة بكثير. ذلك لأن الفيلسوف، كما سنرى بعد قليل، كان دائما ~~معنيا بالمشكلات العامة والمسائل الشاملة، وفي سبيل بلوغ هذه الغايات الأعم كان لا بد ~~من التغاضي عن المسائل الجزئية أو المشكلات الفنية المحدودة. # أضرار التخصص ~~: هذا التخصص المفرط، المطلوب من معظم ~~المشتغلين بالعلم، قد أدى بطبيعة الحال إلى إغراء العالم على تجاهل كثير من الاهتمامات ~~العملية وأوجه النشاط الاجتماعية. وفضلا عن ذلك، فقد أدى هذا التخصص إلى الحد بشكل ~~واضح من الوقت والطاقة والتفكير الذي يستطيع العالم أن يكرسه لمتابعة التطورات التي ~~تحدث في مجالات النشاط العلمي الأخرى المختلفة عن مجاله الخاص. وحتى في الحالات التي ~~تكون فيها هذه المجالات قريبة من المجال الذي يشتغل فيه العالم أو تكون فروعا تصادف أن ~~له اهتماما أصيلا بها، فإن هذا القيد يظل أمرا لا مفر منه. ويبدو أن التخصص، والمزيد ~~من التخصص، هو الثمن الذي يتعين على أغلبية المشتغلين بالعلم أن يدفعوه من أجل النجاح ~~في ميادينهم المختارة. وبينما توجد أقسام مختلطة، كالفيزياء الفلكية، والفيزياء ~~النفسية، والكيمياء الحيوية، فإن هذه الاستثناءات التي يبدو أنها تخرج عن الاتجاه نحو ~~التخصص، لا تنطوي عادة إلا على قدر أعظم من التركيز داخل ميدان أوسع قليلا، لا على أي ~~مركب عام من الميدانين موضوع البحث. فالمشتغلون بأي ميدان من هذه الميادين المختلطة ~~يقضون معظم أوقاتهم في معالجة مشكلات محدودة تقتضي تخصصا سابقا، ولا بد أن يكونوا ~~مقيدين، خارج نطاق الميدانين المتضمنين، مثلما تقيد أية جماعة أخرى من المشتغلين ~~بالعلم. والواقع أن التعبير الشعبي الساخر، القائل إن العلم هو عملية معرفة المزيد ~~والمزيد عن الأقل والأقل، هو قول ينطوي على قدر كبير من الصحة. # ولقد أصبح من الشائع في السنوات الأخيرة، أن نجد أصحاب النزعات الإنشائية، وأنصار ~~التعليم المتحرر، والمفكرين المتعمقين بوجه عام، ينددون بهذا التخصص على أساس ms054 أنه يهدد ~~كثيرا من القيم التي خلقتها المدنية، بل إن بعض المفكرين، وضمنهم بعض العلماء، يرون ~~فيه تهديدا ممكنا للمدنية ذاتها. وهناك أسباب متعددة تساق تبريرا لهذه المخاوف. ~~فهناك أولا الحقيقة القائلة إن التخصص المفرط يخلق شخصيات أقل من أن تكون شخصيات أناس ~~كاملين. فالعملية التعليمية اللازمة لإنتاج متخصصين علميين ليست بالضرورة عملية تشجع ~~على تكوين أفراد متعلمين تعليما واسع النطاق وملمين من كل شيء بطرف. ونتيجة لذلك كان ~~الأصح أن يقال عن العالم أو الفني إنه «يدرب»، ولا «يتعلم»، بمعنى أنه لا يعد للحياة ~~في العالم الحديث المعقد، ولا سيما عالم الناس ومشكلاتهم الاجتماعية. ونظرا إلى أن ~~هؤلاء العلماء والفنيين قد قدر لهم، على ما يبدو، أن يقوموا بدور متزايد الأهمية في ~~الحياة القومية (والدولية)، فإن ضيق تكوينهم وأفقهم يشكل خطرا مضافا على مدنيتنا ~~بأسرها. # وهناك خطر ثان يتمثل في الميل الطبيعي لدى كثير من العلماء إلى الاعتقاد بأن كل ~~المشكلات الإنسانية يمكن أن تحل بنفس المناهج التي يجدونها مثمرة في ميادينهم. وليس ~~معنى ذلك أن كل العلماء ماديون وآليون، يسعون إلى رد كل حادث في الكون (بما في ذلك أوجه ~~نشاط الإنسان) إلى عوامل فيزيائية كيموية، بل إن المقصود، على الأصح، هو أن العالم ~~المتخصص يميل في كثير من الأحيان إلى الاعتقاد بأن زيادة المعرفة تؤدي بطريقة آلية إلى ~~حل الخلافات وتسوية المنازعات. وهذا يصدق إلى حد بعيد على العلوم المختلفة، ما دامت ~~المنازعات في هذه الحالة تنشأ، في الأغلب، من عدم كفاية المعرفة، مما يتيح للفروض ~~المتضادة والنظريات غير المحققة التصارع بعضها مع بعض فيما يعد في الواقع فراغا ~~معرفيا. ومع ذلك، فإن تزايد المعرفة لا يسهم إلا بدور ضئيل جدا في تيسير اتخاذنا ~~للقرارات في ذلك المجال الواسع الذي يعيش فيه معظم الناس أغلب الوقت؛ أعني في مجال ~~التقويم واتخاذ القرارات، بل إن نمو المعرفة قد يؤدي في الواقع إلى زيادة صعوبة اتخاذ ~~القرارات؛ إذ إننا نواجه في هذه الحالة عددا أكبر من الحلول التي يتعين ms055 علينا الاختيار ~~بينها، أو نزداد شعورا بالتفريعات والتعقيدات التي ينطوي عليها كل قرار. وباختصار، فإن ~~من الأخطار التي يولدها التخصص العلمي لدى المشتغلين بالعلم، سذاجة تفكيرهم في المجالات ~~الأخرى غير العلمية، ولا سيما تلك المجالات التي تقتضي عملا اجتماعيا وقرارات ~~أخلاقية سياسية. # وأخيرا هناك خطر آخر هو أن التخصص العلمي قد يخلق شخصيات لا تكترث أو لا تشعر بالبشر ~~وأحاسيسهم. وكثيرا ما يوصف عدم الشعور هذا بعبارة «معاملة الناس وكأنهم آلات»، أو ~~«النظر إلى الناس كما لو كانوا موضوعات فيزيائية فحسب». ولا جدال في أن الأنواع الأخرى ~~من التخصص - بل التركيز المفرط على أي ميدان في الواقع - قد تؤدي إلى تبلد الشعور هذا ~~إزاء البشر وحاجتهم الانفعالية. ولكنه عندما يحدث عند العالم يكون أمرا ملحوظا إلى ~~أبعد حد؛ إذ إن المشتغلين بالعلم من حيث هم فئة، هم بالتأكيد أناس أذكياء ذوو نوايا ~~طيبة. ولكن من سوء الحظ أن تدريبهم، مع استغلاله لذكائهم استغلالا كاملا، قد يبعث ~~البلادة في حساسيتهم الاجتماعية الطبيعية. ~~(5) الفلسفة بوصفها تعميما # إذا كانت العبارة القائلة إن العلم هو عملية تعلم الأكثر والأكثر عن الأقل والأقل ~~هي عبارة تنطوي على قدر كبير من الصحة، فإن العبارة العكسية، القائلة إن الفلسفة هي ~~عملية تعلم الأقل والأقل عن الأكثر والأكثر، هي من نواح متعددة أصح حتى من السابقة. ~~فبينما العلم يسير في طريقه بالتحليل الذي تتزايد تفاصيله، فإن ماهية الفلسفة كانت تعد، ~~تقليديا، مركبا يتزايد شموله على الدوام. والمثل الأعلى للفيلسوف هو شخص يتجنب ~~التخصص في اهتماماته وتكوينه بقدر ما يحرص عليه العالم، فاتساع نطاق الاهتمام يكاد يكون ~~مرادفا للموقف الفلسفي. ومن أهم الشروط الضرورية لكي يكون النظر الميتافيزيقي مثمرا، ~~أن يكون نطاق النشاط العقلي للذهن غير محدود، ومجال معرفته شاملا بالقدر الذي تسمح به ~~حدود الحياة البشرة. ومن جهة أخرى فإن مثل هذا الاتساع في نطاق الاهتمام يعد أمرا ~~ضارا من وجهة نظر العلم؛ لأنه قد يصرف انتباه العالم عن التركيز في مشكلات ~~محددة. # الفلسفة بوصفها مكملة للعلم ~~: وهكذا ms056 يتضح أن العلاقة ~~الأساسية بين العلم والفلسفة هي علاقة التكامل. ولو تحدثنا من وجهة نظر الفيلسوف، لقلنا ~~إن من أهم الوظائف التي يؤديها في العالم العقلي، تعويض الاتجاه التخصصي للعالم بنوع من ~~المعرفة يبلغ من الاتساع قدر ما تبلغه معرفة العالم من الضيق. وهكذا فإن كلا من ~~الميدانين يقدم إلى العالم العقلي في عمومه عين ما يفتقر إليه الميدان الآخر. ولو شئنا ~~المزيد من الدقة لقلنا إن الفيلسوف يشغل مركز جهاز الاستقبال العقلي لكل نتائج العلوم ~~المتعددة . فمن أهم وظائفه في المجتمع الحديث، تجميع كل الوقائع والآراء التي يمكن أن ~~يكتشفها العاملون في مختلف الميادين، دون أن يكون لديهم الوقت الكافي (وربما دون أن ~~يكون لديهم الاهتمام اللازم) للجمع بينها في نسق منظم، بل إن الفيلسوف لا يقتصر على ~~تجميع هذه المعرفة فحسب، وإنما نستطيع التعبير عن مهمته بمجاز آخر، فنقول إنه أشبه بمن ~~يعشق لعبة القطع الخشبية إلى حد الإدمان، بمجاز آخر، فنقول إنه أشبه بمن يعشق لعبة ~~القطع الخشبية إلى حد الإدمان، بحيث لا يكتفي أبدا بجمع قطع متعددة فحسب، وإنما يريد ~~تركيبها معا، وذلك من جهة لإرضاء نزعته إلى تحقيق شيء ما، ومن جهة أخرى لكي يرى ما ~~نوع النموذج أو الصورة التي ستكونها القطع، وهذا هو الأهم. فالعلم يكتفي بأن يقتطع ~~أجزاء الصورة الكاملة (أو في حالات أكثر، يضطره ضيق الوقت وقلة الطاقة إلى ذلك)، وأقصى ~~ما يفعله هو أن يجمع البعض القليل منها لكي يكون جزءا فحسب من الصورة في أحد الأركان ~~الصغيرة داخل الكل. أما الفيلسوف فيهتم بالكل أكثر مما يهتم بالأجزاء. وهو يتوق إلى ~~تكوين الصورة الكاملة، إلى حد أنه قد يعمل على سد الثغرات التي لم يتمكن العلم من ملئها ~~بعد، وبذلك يحاول، عن طريق الافتراض والاستدلال والتضمين، أن يصوغ صورة أكمل «لطبيعة ~~الأشياء». # موقف العالم من التعميمات النظرية ~~: قد يبدي العالم ~~الحذر أحيانا - كما هو متوقع - قلقه من هذا الميل الشديد إلى إكمال الأجزاء الناقصة، ~~وهو الميل الذي يتميز به المتأمل ms057 الميتافيزيقي النظري؛ ذلك لأنه بينما العالم يعترف بحق ~~الفلسفة في صياغة صورة كاملة مؤقتة، فإنه يخشى ألا يحدد لنا المتأمل النظري بوضوح - في ~~غمرة حماسته - أين تنتهي الوقائع الصلبة، وأين تبدأ الأجزاء غير المؤكدة، المؤلفة من ~~نظريات لم يتم تحقيقها. وهو ينبه إلى أن تاريخ الفكر يقدم إلينا أمثلة متعددة لفلاسفة ~~ركبوا صورا كان معظمها مؤلفا من أجزاء نظرية خالصة، دون وقائع علمية صلبة إلا ما يكفي ~~لجعل الصورة الكاملة تبدو جديرة بالتقدير والتصديق في نظر أولئك الذين لا تكفي حاستهم ~~النقدية لإدراك الخدعة الذكية - والتي هي في الوقت ذاته خدعة صدرت بنية طيبة - المتضمنة ~~في عمل الفيلسوف. ثم يشير العالم إلى ميل الأذهان غير النقدية إلى أن تصدق أن وجود بعض ~~الأجزاء المستمدة من العلم في الصورة، معناه أن الصورة بأكملها تستند إلى تأييد السلطة ~~العلمية. مثل هذا الخطأ يبعث القلق، بطبيعة الحال، في نفس المشتغل بالعلم. وهو قد أدى ~~به عادة إلى تجنب كل المذاهب الميتافيزيقية؛ إذ إن تفنيد هذه المذاهب يؤدي إلى إلقاء ~~ظل من الشك الذي لا مبرر له على جهوده العقلية الخاصة، وعلى نزاهته العلمية. # ولو كان الخطأ في هذه المسألة هو خطأ الجمهور وحده، حين يعجز عن التمييز بوضوح بين ~~الواقع العلمي والتفسيرات الفلسفية، لكان العالم أكثر تعاطفا مع الفيلسوف التأملي. غير ~~أن الذهن العلمي يشك في أن الخطأ ليس خطأ الجمهور بقدر ما هو خطأ الفيلسوف ذاته. ففي ~~بعض الأحيان كان الفيلسوف هو الذي أخفق في الاحتفاظ بالتميز واضحا في ذهنه هو - لا ~~لأنه يفتقر إلى الأمانة العقلية، بالطبع، وإنما نتيجة لشيء أصعب كشفا بكثير، وأخطر من ~~الوجهة الفلسفية؛ ذلك لأن أفضل الفلاسفة يظل مع ذلك بشرا؛ وبالتالي يظل معرضا للميل ~~البشري الطاغي إلى أن يضفي على كل شيء معاني تؤيد مذهبه. وحتى لو ظل يمارس التفكير ~~الدقيق طوال حياته، لما استطاعت ممارسته هذه في كل الأحوال أن تمحو كل أثر للتفكير ~~المغرض من التأمل الفلسفي النظري. ~~(6) العلم يكتشف، والفلسفة تفسر # يوحي الكثير ms058 مما قلناه حتى هذه النقطة بأن المثل الأعلى للفيلسوف ينبغي أن يكون شخصا ~~مزودا بمعرفة خبيرة في كل من العلوم. فتبعا لهذا الرأي يكون ذلك الفيلسوف، قبل كل ~~شيء، عالما أعلى # Superscientist ~~، يحتاج إلى معرفة كل ~~ما يعرفه العلماء جميعا، فضلا عن ضرورة وجود أساس متين من الفكر الفلسفي التقليدي ~~لديه. ولكن من حسن الحظ أن مثل هذا التكوين الشامل ليس ضروريا للتفكير المثمر في هذا ~~المجال الواقع على الحدود بين الميدانين؛ فمن الضروري أن يكون الفيلسوف ملما إلماما ~~واسعا بمبادئ كل علم ونتائجه وأن تكون لديه معرفة جيدة بمنطق العلوم ومناهجها بوجه ~~عام. ولكن ليس من الضروري أن يعرف الأساليب الفنية الخاصة المستخدمة في كل علم، أو أن ~~يستوعب مجموعة المعلومات الهائلة التي تكدست لدى هذه العلوم. وباختصار فإن اهتمامه ~~ينبغي أن ينصب على النتائج العامة، لا على المعلومات التفصيلية المؤدية إلى هذه ~~النتائج، وعلى المبادئ الشاملة، لا على أساليب الاختبار المتخصصة. وبالإضافة إلى هذه ~~المعلومات العامة، فإن مما يفيد الفيلسوف دائما أن يكون قد قام ببحوث في ظروف معملية ~~في واحد من العلوم على الأقل، مثلما أن من المفيد (ولكن ليس من الضروري بصفة مطلقة) أن ~~يكون الناقد الفني قد مارس عملا خلاقا في واحد من الفنون على الأقل. ومع ذلك فإن كل ~~ما يستطيع المفكر النزيه أن يفعله إزاء العلوم في مجموعها هو، على أحسن الفروض، أن يجمع ~~المزيد كلما قام الباحثون العلميون بحلب بقرة الطبيعة. ولكن، حتى على الرغم من هذا ~~القيد، فليس من الأمور غير المألوفة أن نصادف فيلسوفا يتابع ما يحدث في فرع معين من ~~فروع البحث العلمي على نحو أفضل مما يفعله كثير من المشتغلين في المعامل في ميادين ~~قريبة من ذلك الفرع كل القرب أو وثيقة الصلة به. # ولا شك أن أية ادعاءات للفلسفة بأن لديها معرفة كاملة هي ادعاءات لم يعد لها مجال. ~~فكل مفكر نظري تأملي قد أصبح يشعر شعورا كاملا بأنه، بالنسبة إلى العمل الفعلي للعلم، ~~ليس إلا نحلة ms059 تمتص الرحيق. ومع ذلك فهناك مفكرون تقوم نظرياتهم وآراؤهم التعميمية ~~الشاملة على معرفة بالبحث العلمي ومشكلاته ونتائجه تبلغ من العمق حدا يستحقون معه ~~(وينالون في العادة) احترام نفس أولئك العلماء الذين هم الأكثر عداء للنشاط الفلسفي. ~~ذلك لأن من الواضح أنه عندما يبنى رأي فلسفي على فهم دقيق لمعطيات العلوم المختلفة، ~~وعندما يكون القائم بصياغة هذه النظرية قد ميز بوضوح تلك الوقائع وبين وسائله الخاصة ~~التي يستخدمها ليجمع بينها في صورة محكمة (وهو أمر لا يقل أهمية عن الأول)، فإن النتيجة ~~لا يمكن أن تكون شيئا يستطيع أن يعترض عليه أي عالم بطريقة مشروعة، مهما يكن من دقة ~~حساسيته النقدية. # وهناك سبب آخر هام يؤدي عادة بالعالم إلى التردد في نقد عادة صياغة فروض تأملية ~~شاملة: هو أن هذه الفروض العامة تقوم أحيانا بدور ملهم أو موجه في تطور أي علم، ولا ~~سيما في مراحله الأولى. ولما كانت هذه الفروض تتجاوز عادة نطاق المعرفة الماضية ~~والحاضرة، بل إنها قد تكون من النوع الذي يستحيل إجراء أية تجارب مباشرة عليه، فإن ~~التأملات من هذا النوع عادة «فلسفية» لا «علمية»، حتى لو كان مضمونها قريبا كل القرب ~~من مضمون علم معين. # وهناك عدة أمثلة مشهورة لقيام الفلسفة بهذا الدور الملهم بالنسبة إلى العلم - منها ~~مثلا تلك المفاهيم الرياضية الآلية التي وضعها الفلاسفة في القرن السابع عشر. والتي ~~ساعدت على التمهيد لعمل رجال مثل جاليليو، ونيوتن، وفي مجال العلم البيولوجي، ظهرت فكرة ~~التطور وطبقت على التاريخ قبل وقت طويل من تطبيقها على البيولوجيا والجيولوجيا، بل إن ~~العامل الأكبر على إحياء فرض التطور على مر القرون كان هو الأجيال المتعاقبة من ~~الفلاسفة، على حين أن معظم علماء البيولوجيا ظلوا يرفضون الفكرة رفضا باتا حتى الوقت ~~الذي نشرت فيه بحوث دارون العظيمة. # ولا شك أنه لا يوجد فيلسوف يزعم أن كل هذه النظرية الفلسفية التأملية أو حتى نسبة ~~كبيرة منها، كانت مفيدة علميا. وقد أحسن جون ديوي التعبير عن هذه الحقيقة عندما قال ~~إنه كان ms060 هناك إنتاج فائض من الفروض الفلسفية على الحدود البعيدة للمعرفة العلمية. # 9 # غير أن هذا الفائض أو الإنتاج الزائد قد أتاح لتقدم العلم مزيدا من ~~المرونة وحرية الحركة. فمن الثابت تاريخيا أن حصادا كبيرا من الأفكار التي أسهمت في ~~هذا التقدم العلمي قد جنى من بين كثير من المناقشات الفلسفية الغثة، وهذه الحقيقة تفيد ~~في ضمان تسامح العلماء إزاء تلك الطاحونة التأملية التي لا يكف الفلاسفة عن ~~إدارتها. # إلى أي مدى ينبغي أن تمضي الفلسفة في تجاوزها للعلم؟ ما زال أمامنا أن نجيب عن السؤال ~~عن المدى الذي يجوز للفيلسوف أن يمضي فيه متجاوزا حقائق البحث العلمي المقررة. حتى ~~عندما يعترف صراحة بأنه يسير متخلفا عن المعطيات المتوافرة. وبعبارة أخرى، فإلى أي ~~مدى ينبغي أن يظل الفيلسوف ملتزما دوره في الاقتصار على عملية التركيب، وإلى أي حد يحق ~~له أن يجرؤ على تفسير هذه الوقائع؟ يقال أحيانا إن مهمة العلم هي الكشف، ومهمة الفلسفة ~~هي التفسير. وهذا القول صحيح في عمومه، ومع ذلك يظل أمامنا أن نحدد إلى أي مدى يستطيع ~~«التفسير» أن يمضي دون أن يصبح وجهة نظر مستقلة لا يعترف أي عالم (أو جماعة من العلماء) ~~بأنها مستمدة بطريقة مشروعة من أدلة تجريبية. # إن العلماء أنفسهم يميلون إلى القول بأن أي مركب للمعرفة البشرية، حتى لو كان مركبا ~~لا يتضمن أفكارا خارجة عن الموضوع أو نظريات مقحمة، هو ميتافيزيقي بطبيعته؛ وبالتالي ~~ليس علميا بالمعنى الدقيق. وقد حدث في السنوات الأخيرة أن ترك عدة علماء مشهورين في ~~مجال العلوم الفيزيائية تجاربهم مؤقتا، ليحاولوا القيام بمثل هذه الصياغات. # 10 # غير أن معظم زملائهم من العلماء لم يتأثروا بهذه الجهود، إلا ليعترفوا بأنه ~~إذا لم يكن هناك بد من محاولة إجراء هذه العملية التركيبية، فالأضمن - على الأرجح - أن ~~يقوم بهذه المهمة الخطرة عالم تحول إلى فيلسوف، بدلا من أن يقوم بها فيلسوف تحول إلى ~~عالم. ومع ذلك فإن معظم الناس الذين دربوا على المناهج الصارمة في المعامل يشعرون، حتى ~~في الظروف ms061 المثلى، بأنه سيظل هناك دائما خطر تسلل التأملات النظرية دون أن يشعر بها ~~أحد، أو بأن الاستدلالات ستخلط عندئذ بالوقائع. # حذر العلم ~~: لا شك أنه مما يسر الفلاسفة أن يجدوا ~~عالما يخاطر بانتقاد زملاء له، ويحاول القيام بمركب كهذا، سواء أكانت الصورة التي ~~جمعها في هذا المركب ترضي الفلاسفة أم لا ترضيهم. فالميتافيزيقيون لا يغارون على ~~الإطلاق من العالم الذي يقوم بتلك المهمة التي كانت تعد جزءا تقليديا من عمل ~~الفيلسوف وإنما هم يشجعون العاملين في ميادين العلم الأخرى المتعددة على أن يفعلوا نفس ~~هذا الشيء. ومع ذلك فمن المشكوك فيه أن يلقى تشجيعهم هذا استجابة عامة من العلماء. ذلك ~~لأن العالم العادي، كما قلنا من قبل، يفتقر إلى الوقت والطاقة والتكوين اللازم للقيام ~~بهذا النشاط التركيبي. وحتى عندما تتوافر لديه الشروط الضرورية، فالأرجح أنه سيتفق مع ~~زملائه من العلماء على أن من الأفضل ترك هذه المشروعات الطموحة للفلسفة. ذلك لأن نوع ~~السمعة العقلية التي يدافع عنها الفيلسوف مختلف كل الاختلاف: فالناس ينتظرون منه أن ~~يكون تأمليا جريئا، ولو تجاوز في تأملاته المعطيات الموجودة. فلن يقسو عليه أحد في ~~النقد إلا العلماء بالطبع. # وهكذا يتضح أن العلاقات بين العلم وبين الفلسفة بوصفها مختصة بالتركيب هي علاقات ~~غامضة متقلبة. ولكن يمكن القول بوجه عام أن العالم لا يعطف كثيرا على هذا القسم من ~~أقسام النشاط الفلسفي، بل إن هذه لو كانت هي العلاقة الوحيدة بين الميدانين، لما كانت ~~الصلات بين الفلسفة وبين العلم أفضل كثيرا مما كانت عليه الصلات بين الفلسفة وبين ~~جارها الكبير الآخر؛ أي الدين في بعض الأحيان. ولكن من حسن حظ علاقات الجوار هذه أن ~~هناك نشاطا آخر تقوم به الفلسفة، ولا يعده العلماء مشروعا فحسب، بل يرونه ضروريا ~~لتقدم ميدانهم الخاص ذاته. فلننتقل إذن إلى بحث موجز للفلسفة بوصفها ناقدة ~~محللة. ~~(7) الوظيفة التحليلية للفلسفة # تتميز هذه العلاقة الأساسية الأخرى بين الفلسفة والعلم بأنها أقرب إلى الطابع الفني ~~المتخصص بكثير من العلاقة الأخرى التي ناقشناها من قبل. ومع ms062 ذلك فإن لها أهمية اعظم ~~بكثير بالنسبة إلى العلاقات اليومية المتبادلة بين الميدانين. ولذا كان من الضروري أن ~~نلم على الأقل ببعض المعلومات عن المناهج والنتائج المتعلقة بهذا الموضوع. ولقد حاولنا، ~~في مناقشتنا للعمليات التركيبية التي تقوم بها الفلسفة إزاء نتائج الكشوف المعملية، أن ~~نعطي القارئ فكرة مؤداها أن العمل الأكبر للفيلسوف هو أن يجمع الأجزاء معا، على حين أن ~~العالم مهتم أساسا بتجزيء الواقع الفيزيائي إلى أجزاء أصغر فأصغر. ومن هنا فلا بد من ~~قدر من التهيؤ الذهني لكي نتحول إلى هذه العلاقة الثانية بين الميدانين؛ إذ إن الفلسفة ~~الآن هي التي تقوم بالتحليل، وتمضي في عملية التجزيء أبعد بكثير من العلم ذاته. # مشكلة التعريف ~~: هذا الموقف الذي ينطوي على مفارقة، ~~يحدث في مجال «التعريف» و«صياغة المفاهيم». ولهذا المجال أهمية في الأوساط العقلية تفوق ~~بكثير كل ما يخطر ببال المرء لو اقتصر على قراءة الألفاظ المجردة التي تعبر عنه. فللعلم ~~(وكذلك للعلوم المنفصلة كل على حدة) ألفاظ أساسية متعددة يستخدمها في القيام بعملياته - ~~وهو في ذلك مشابه لكل ميدان كبير آخر من ميادين الفكر. هذه الألفاظ تمثل المفاهيم ~~الأساسية التي يشيد عليها البناء العقلي الضخم. وجميع المسلمات والبديهيات والمصادرات ~~و«المبادئ العامة» لهذا الميدان يعبر عنها بهذه الألفاظ؛ ومن هنا لم يكن مما يدعو إلى ~~الدهشة أن تتكرر هذه الألفاظ مرارا وتكرارا كلما بدأت المناقشة تصل إلى القاع الذي ~~يكمن من وراء جانب خاص معين من جوانب البناء العلمي. وأهم الأمثلة في ميدان العلم العام ~~هي المادة، والطاقة، والقوة، والزمان، والمكان، والقانون، والنظام، والعلة (وهذه ~~الأخيرة أهمها جميعا). فأي شخص قرأ كتابا مدرسيا بسيطا في الفيزياء أو الكيمياء ~~المقررة على طلبة المدارس الثانوية لا بد أن يذكر مدى تكرار ظهور هذه الألفاظ. فهي ~~أساسية للعلم إلى حد بعيد واستخدامها أصبح مميزا لهذا الميدان إلى حد أن أي قارئ ~~مثقف لا بد أن يعرف فورا، عندما يلقي نظرة إلى هذه القائمة، أن المناقشة ذات طابع ~~علمي. # الدور الأكبر الذي أسهمت به ms063 الفلسفة في العلم ~~: لقد ~~اكتشفت الفلسفة منذ وقت طويل أن كل مشتغل بالعلم يستخدم هذه الألفاظ؛ ومن ثم فالمفروض ~~أنه يعرف معناها. ولكن الأمر الذي كان واضحا في أحيان كثيرة، لسوء الحظ، هو أن الألفاظ ~~لم تكن تعني دائما نفس الشيء حتى عندما كان الشخص الواحد يستخدمها في أوقات مختلفة. ~~ومن ثم بدأ الفيلسوف يتساءل عن مدى «الحقيقة الموضوعية» التي يستطيع أي ميدان أن يدعيها ~~لكشوفه إذا كانت الألفاظ الرئيسية المستخدمة في صياغة هذه الكشوف تفتقر إلى أية معان ~~موحدة. فعلى الرغم من الدقة العقلية الكبرى التي يتسم بها العلم، فإن دقته في استخدام ~~الألفاظ لم تكن دائما على نفس هذا المستوى، بل إن الموقف هنا كان مماثلا إلى حد ~~بعيد لما نجده في الحديث المعتاد، حيث نفترض عادة أن كل الأفراد المشتركين فيه ~~يستخدمون الألفاظ والمفاهيم بطريقة واحدة؛ أي إننا نتصور أن كل شخص قد وافق على التعريف ~~الدقيق لهذه الألفاظ والمفاهيم قبل أن تبدأ المناقشة. ولكن الذي يحدث عادة هو أننا ~~نكتشف بعد المناقشة أن الأمر ليس كذلك. فبعد قدر معين من الجدل، وربما بعد استخدام بعض ~~التعبيرات العنيفة، يتفق الطرفان على أن يعيدوا الكرة بادئين بتعريف الألفاظ وإيضاح ~~المفاهيم. # إن لكل من العلوم مفاهيمه الرئيسية ومسلماته الأساسية التي يأخذها المشتغلون في ~~هذا الميدان قضية مسلمة إلى حد بعيد. وفضلا عن ذلك فإن كل العلوم تفترض مقدما، ~~دون سؤال تقريبا، قدرة أذهاننا على اكتساب معرفة موثوق منها - وذلك على الأقل عن طريق ~~مناهج البحث العلمي. فالعالم، بما أنه عالم، لا يناقش بعمق حدود المعرفة البشرية أو مدى ~~صحتها، بل إن من النادر أن يسأل أي مشتغل بالعلم هذا السؤال الذي تعده الفلسفة أهم ~~الأسئلة في هذا المجال بأسره؛ وأعني به: ما هو الشيء الذي تتعلق به المعرفة العلمية؛ ~~أعني: ما الذي نحصل عليه بالفعل عندما نكتسب هذه المعرفة؟ هل نحصل على صورة للواقع، ~~ونسخة طبق الأصل للطبيعة كما هي، مستقلة عمن يلاحظونها من البشر؟ أم أن من المحتم ms064 علينا ~~ألا نحصل إلا على تمثيل تقريبي لا بد أن تشوهه أجهزة الإنسان الحسية وتركيب أعصابه؛ ~~أعني تمثيلا لا بد أن يكون متجها إلى تحقيق مصالحنا بوصفنا مخلوقات بيولوجية تحاول ~~البقاء والتكيف في بيئة معينة؟ # فإذا أصبح العالم المتعمق في الفكر شاعرا بمشكلات المعرفة؛ أي إذا تجاوز الموقف ~~الطبيعي الساذج فلسفيا، الذي تأخذ فيه أذهاننا وقدراتها على جمع المعلومات قضية ~~مسلمة - فالأرجح أنه سينتقل إلى موقف آخر لا يقل عن السابق افتقارا إلى الروح ~~النقدية، وهو الموقف الذي يسلم فيه بأن كل المشكلات الإبستمولوجية (أي المشكلات ~~المتعلقة بطبيعة المعرفة وحدودها وصحتها) هي مشكلات قابلة للحل. فأغلب الظن أنه سيؤمن ~~بأن تحليلا بسيطا للموقف المعرفي. بالإضافة إلى قليل من الصبر وحسن النية من جانب ~~كل من يهمه الموضوع، سيؤدي فورا إلى حل الصعوبة. غير أن الفيلسوف، الذي يعرف أن ~~مشكلات المعرفة ظلت قرونا عديدة موضوعا للتحليل والنقد والخلاف، لا يمكن أن يقنع بهذا ~~الفرض الساذج. فقد يكون في وسع أي من العلوم أن يدعي معرفة ما هو واقعي وما هو حقيقي، ~~غير أن الفلسفة قد اكتشفت أن هذا الادعاء، إن كان مباحا على الإطلاق، لا يمكن التقدم ~~به إلا بعد تحليل طويل للذهن البشري وعملية البحث عن المعرفة بأسرها لديه. # وهكذا نشأ ذلك البحث الذي يعد دون شك أعظم خدمة تؤديها الفلسفة للعلم، وأعني به ~~التحليل النقدي للأدوات العقلية المستخدمة في ميدان العلم، وشحذ هذه الأدوات من آن ~~لآخر. وبينما العالم كان في بعض الأحيان يقدم أدلة يحاول بها الدفاع عن طريقته الخاصة ~~في استخدام مفهوم معين أداة في بحثه، فقد كان على وجه العموم يشعر بالامتنان لهذا ~~التحليل، بل لقد ظهر اتجاه متزايد من جانب العالم لترك هذه المهمة طواعية لصديقه ~~المحلل، معترفا بأنها ستكون في أيد أمينة؛ ذلك لأن الفيلسوف قد اكتسب خبرة طويلة في ~~معالجة الألفاظ المجردة - بل إنه نادرا ما يتعامل مع أي شيء غيرها - ومن هنا فهو قادر ~~على القيام بهذا التحليل بوصفه خبيرا متمكنا. # وسوف ms065 تتاح لنا الفرصة في فصل تال، عندما نبحث في العلوم البيولوجية عامة وفي نظرية ~~التطور خاصة، للقيام بتحليل كامل لمفهومين رئيسيين للعلم (هما «الحياة» و«التطور»). ~~والأفضل ألا نحاول تقديم أي مثال للعملية التحليلية حتى نصل إلى هذه المرحلة في العرض ~~الذي نقدمه. ذلك لأن أي مثال نأتي به في هذه الآونة لا بد أن يطيش عن هدفه. إذ سيبدو ~~بسيطا إلى حد التفاهة في نظر الطالب ذي التكوين العلمي المتين، كما أنه سيبدو على ~~الأرجح مفرطا في التجريد إلى درجة الاستغلاق التام في نظر الطالب الذي يفتقر إلى أي ~~تكوين علمي. ومع ذلك فليس من المحتمل أن ينتهي أي قارئ من هذا الكتاب دون أن يكون قد ~~فهم ما نعنيه عندما نتحدث عن الفيلسوف بوصفه ناقدا أعلى أو محللا أعلى؛ ذلك لأننا، ~~ابتداء من الفصل القادم، سنقوم بتحليلات كهذه طوال الكتاب، على حين أن القسم الأخير ~~الخاص بالله والخلود سيكون بأكمله ذا طابع تحليلي. وحسبن الآن أن يكون القارئ قد كون ~~في ذهنه فكرة معينة عن الوظيفتين المتضادتين اللتين تؤديهما الفلسفة في علاقتها بالعلم. ~~ولا بد أن تؤدي الصفحات القليلة التي تمس المشكلات المشتركة بين الفلسفة وبين جاريها ~~الرئيسيين إلى تعميق هذا التضاد وإيضاحه. # الفصل الثالث # | المثالية: العالم ملائم لنا # لا بد أن القارئ قد أدرك الآن أن الفلسفة ليست بالموضوع الهين. فهو قد اكتشف أنه حالما ~~تبدو المشكلة وكأن حلها بات وشيكا، فإن فروعا جديدة تظهر لها. وهذه تؤدي فورا إلى مشكلات ~~أخرى لم تكن تخطر من قبل ببال أحد ثم تؤدي هذه إلى غيرها. ولقد وصف الفيلسوف «بالرجل الذي ~~يسأل دائما السؤال المقبل»، وبأنه هادم اللذات يحطم كل حل يبدو قريبا بقوله: «نعم، ولكن ~~...» أو «ومن جهة أخرى ...» أو «هذا صحيح، ولكن ألا يترتب عليه ...؟» والواقع أن الفلسفة بالفعل ~~موضوع معقد، وربما كانت أعقد مما يتصوره القارئ. وفي وسعنا عند هذه النقطة أن نعكس عبارة ~~هاملت المشهورة «في السماء والأرض، يا هوراشيو، أمور تزيد على ما تحلم به ms066 فلسفتك» بحيث ~~تصبح في الفلسفة أمور تزيد على ما يحلم به معظم الطلاب المبتدئين. فالفلسفة، بوصفها تلك ~~الدراسة العامة أو العلم العام الذي يسعى إلى أن يدمج في ذاته كل الدراسات والعلوم الأخرى ~~ويلخصها في داخله، لا تجد لها مفرا من أن تكون معقدة. فإذا شئنا أن ندرك على نحو صائب مدى ~~ثراء هذا الموضوع وتعقده، فسيكون من الضروري القيام ببعض التبسيطات التمهيدية الشديدة. فلا ~~بد لنا من أن نخاطر بإغضاب الفلسفة؛ وذلك بأن نتجاهل الفوارق ونغفل التمييزات، بحيث لا نبقي ~~إلا الهيكل اللازم للتصنيف؛ ذلك لأننا الآن على استعداد لخوض ذلك البحر الواسع المتلاطم من ~~«المدارس» الفلسفية. ولقد كنا حتى الآن حريصين على ألا نورد - إلا في حالة الضرورة القصوى - ~~أية إشارة إلى وجود هذا البحر العاصف الذي كنا نتبادل الحديث ونحن واقفون على شاطئه. ولكن ~~هدير الأمواج المتلاطمة وتيارات الفكر المتصارعة قد أصبح الآن ملحا إلى حد لم يعد من ~~الممكن معه الاحتفاظ بموقف التجاهل إزاء صراعها هذا. # تاريخ الفلسفة بوصفه صراعا بين تيارين فكريين رئيسيين ~~: ~~يمثل هذا الفصل، والفصل التالي، محاولة للنظر إلى الفلسفة نظرة جامعة مبسطة. وسيكون معنى ~~ذلك - كما هي الحال في كل تبسيط شديد آخر - حذف كثير من الفوارق ومحو الحدود بين المدارس ~~الصغرى. ومن الممكن إضافة هذه العناصر المحذوفة فيما بعد - كلما دعت الحاجة إليها. أما الآن ~~فحسبنا أن ندرك بوضوح وعلى نحو دائم، التقابل الأساسي بين الحركتين الميتافيزيقيتين ~~الكبريين. # وبعبارة أخرى فإن الصورة التي سندركها ونحن ننظر من ~~مكاننا المرتفع إلى أسفل، ستكون أشبه بخريطة للمحيطات توضح عليها الاتجاهات الرئيسية ~~للمياه، كتيار الخليج والتيار الياباني. وفي هذه الحالة، لا يحاول واضع الخريطة أن يبين كل ~~تنوع في متوسط الحركة التي تحدث طوال العام. بل إنه حيث يتلاقى تياران رئيسيان، تصور ~~الخريطة اتحادهما بأنه هادئ تم بلا أي عنف تقريبا. أما الدوامات والحركات العنيفة التي ~~يسفر عنها هذا الالتقاء، فلا يشار إليها إلا إشارة عابرة، وقد تغفل تماما. ومع ذلك فلو ~~أتيح لنا ms067 أن نعبر هذا المحيط ملاحة، لكان الانطباع الذي يتكون لدينا مختلفا كل الاختلاف ~~عن تلك المنحنيات البديعة المنسابة التي رسمها صانع الخريطة، بل إن إحساسنا بالمظهر السطحي ~~للمحيط يطغى علينا إلى حد لا نصدق معه أن هناك أي اتجاه عميق ثابت للحركة في هذا المكان. ~~وهكذا نجد تعقدا متصارعا حيث أظهر لنا صانع الخريطة وعالم البحار بساطة منسابة. ومع ذلك ~~فكل من الطرفين على صواب. إذ إن الصورة نسبية لوجهة النظر. # وسنحاول في هذا الفصل والفصل التالي أن نحاكي صانع الخرائط. وفيما بعد، سنقدم عرضا ~~نفصل فيه إلى حد ما ذلك التبسيط الشديد الأول. وسيكون لزاما علينا أن نوضح أهم التيارات ~~الفرعية على الأقل. أما في البداية، فسنبحث أولا أهم حركتين. ولنغير الاستعارة التي كنا ~~نستخدمها مؤقتا فنقول إننا في دراستنا لهاتين المدرستين سنحاول إيجاد تقسيم في مجال ~~الفلسفة له من الأهمية في هذا الموضوع ما لفكرة الشحنات الإيجابية والسلبية في الفيزياء ~~الحديثة؛ ذلك لأن هاتين المدرستين هما الدعامتان الرئيسيتان للتفكير الفلسفي، وحولهما تتحرك ~~معظم المدارس والمفكرون الأفراد فيها. ~~(1) وجهة النظر العامة للمثالية # إن نظرة واحدة نلقيها على تاريخ الفكر في الحضارة الغربية لكفيلة بأن تبين لنا أن ~~المثالية كانت، على الأرجح، أكثر الفلسفات شيوعا وأعظمها أهمية. ولقد انتشرت هذه ~~الفلسفة في العصور الحديثة بوجه خاص، وامتد تأثيرها إلى حد أن الطالب المبتدئ كثيرا ما ~~تتملكه الدهشة حين يكتشف أن «المثالية» و«الفلسفة» ليسا لفظين مترادفين. ولقد كان مركز ~~السيطرة الذي احتلته هذه المدرسة، مقترنا بما لقيته من قبول لدى جميع أنواع السلطات ~~السائدة مؤديا إلى أن تبدو منافستها الكبرى، وهي المذهب الطبيعي # Naturalism # كما لو كانت دخيلا أقحم نفسه في حديقة ~~الميتافيزيقا، أو قريبا فقيرا تسلل إليها. وكان من الأسباب التي أدت إلى احتلال ~~المثالية مركز السيطرة هذا، وجود نقاط اتصال وتقارب بين آرائها وآراء المسيحية، وكان ~~منها أيضا ذلك الموقف التفاؤلي من الحياة والعالم، الذي كانت تتميز به العقلية ~~الغربية. وأيا ما كان المصدر الذي أتى منه التأييد، فإن ms068 المثالية قد ظلت قائمة طويلا ~~بوصفها، التراث الأرستقراطي في الفلسفة، ووجد أنصارها أوسع استجابة ممكنة. # وليس معنى ذلك أن المثالية لا تتضمن في ذاتها من المزايا ما يعلل سيادتها على الفكر ~~الغربي، بل إن الأمر على عكس ذلك تماما، فتعاليمها تلقى استجابة قوية من العقل ~~والعاطفة معا، وقد كان بين دعاتها مجموعة من أقدر المفكرين الذين ظهروا بين البشر وهي ~~فضلا عن ذلك ترضي العقل والقلب معا على نحو قد تعجز عنه أية نظرة أخرى إلى العالم . ~~ولما كان هذا الإرضاء المزدوج هو ما ينتظره معظم الناس من الفلسفة، فإن تأثير المثالية ~~وحيويتها قد يظلان باقيين بحق، بل إن خصوم المثالية أنفسهم يعترفون عادة بأنها تتم، ~~بوصفها صياغة ميتافيزيقية، بجلال يبهر النفوس. # الحقيقة النهائية ذات طبيعة نفسية ~~: فما هي الآراء ~~الرئيسية لهذه المدرسة الفكرية؟ إذا تجاهلنا مؤقتا كل المدارس الفرعية المتباينة، ~~وأرجعنا المثالية إلى ماهيتها الأصيلة، كانت هي الاعتقاد بأن الحقيقة النهائية ذات ~~طبيعة نفسية أو روحية، وأن الكون تجسد للذهن أو الروح. فالمثالية ترى أننا إذا شئنا ~~أن نكتسب أوضح تبصر بطبيعة الواقع، فلزام علينا ألا نبحث في العلوم الفيزيائية، بما ~~فيها من اهتمام بالمادة والحركة والقوة، ومن إلكترونات وبروتونات وما شاكل ذلك، بل إن ~~من واجبنا أن نتجه إلى الفكر والعقل وكل الأفكار والقيم الروحية لدى الجنس البشري. وليس ~~معنى ذلك أن الصورة التي يقدمه إلينا العلم عن العالم فيها أي شيء من الخطأ - بل إن من ~~الجائز أنها صحيحة جدا، وفي حدودها الخاصة، غير أنها ناقصة. فالعلم يدع جانبا كثيرا ~~من الأمور التي يراها المثالي ضرورية لكي تكون الصورة صحيحة أو كاملة. مثال ذلك أنه ~~يحذف الاعتبارات المتعلقة بالقيمة بل إنه لا يكاد يعترف بوجود ما يعد (من وجهة نظر ~~المثالي) أهم شيء في الكون - وأعني به الشخصية. وفضلا عن ذلك فالعلم، بما يتسم به من ~~موضوعية ولا شخصية كاملة، لا يملك أن يتجنب تقديم صورة مشوهة لطبيعة الأشياء. فهو ~~يتجاهل بالضرورة أهم عنصر في المعرفة أو ms069 التجربة: وهو الذهن أو الأنا المجرب: ذلك لأن ~~من الواضح أن كل إدراك أو معرفة يقتضي ذاتا عارفة، غير أن العلم يتجاهل هذه الحقيقة، ~~والمذهب الطبيعي ينكر أهميتها القصوى. أما المثالية فترى أن هذه الذات العارفة المجربة ~~هي مصدر كل معنى وقيمة، بل مصدر كل وجود. ومن هنا فإن أي مذهب لا يتخذ من الذهن أو ~~الذات العارفة دعامة رئيسية، ينبغي بالضرورة أن يقدم صورة ناقصة (إن لم تكن باطلة) عن ~~الحقيقة. # ومن الواضح أن مثل هذا الكون الذي يكون فيه لب الحقيقة ذهنيا أو روحيا، لا ~~ماديا، هو نظام للعالم وثيق الصلة بالإنسان وأعماله، وأمانيه ومثله العليا. فهو عالم ~~يقدم للفرد تأكيدا بأن له رسالة، وبأن البيئة الكونية تعطف على جهود الإنسان في سبيل ~~تحقيق هذه الرسالة. فالمثالية هي نظرة إلى «الأشياء كما هي»، تجعل من العالم مكانا ~~نستطيع أن نشعر فيه بعلاقة وثيقة بيننا وبين الكون. في مثل هذا العالم نشعر بأننا في ~~وسط ملائم لنا عقليا وعاطفيا؛ إذ إننا نحن وبيئتنا جزء من نظام كوني واحد، ومصدرنا ~~هو نفس «الذهن» أو «الروح». # ومن الأفكار المثالية الأساسية الأخرى، الاعتقاد بأن أذهاننا والعالم الفكري الذي ~~تتحرك فيه ترتبط بالواقع على نحو وثيق وذي دلالة خاصة. ففي نشاطنا العقلي أو الذهني ~~نقترب كل الاقتراب من تلك «الفاعلية» الشاملة التي تشكل الكون. فإذا شئنا أن نعلم ما ~~يكمن في قلب العالم، فعلينا أن نتأمل داخل أنفسنا. ففي أذهاننا ونفوسنا نحن، وفي طبيعة ~~الشخصية الإنسانية، نجد أوضح تعبير عن طبيعة هذه «الفاعلية» الشاملة. # النتائج الرئيسية للمثالية ~~: هذا التوازي الخاص بين ~~أذهاننا وبين الواقع له عدة نتائج هامة، وهذه النتائج هي التي تكسب المثالية أقوى ~~جاذبية لها بين الناس. ذلك لأننا نستطيع أن نفترض أولا. على أساس الحقيقة القائلة إن ~~أذهاننا المتناهية تعمل على أساس المنطق والنظام والإحكام، أن «الذهن المطلق» يعمل على ~~نفس النحو. ولما كان الكون تجسدا أو خلقا لهذا «الذهن» فلنا أن نتوقع أيضا أن تتكشف ~~بيئتنا الطبيعية عن نفس ms070 خصائص النظام والإحكام والمنطق. ومن هذا التوازي نستطيع أن ~~نفترض أن الكون في أساسه يتسم بالمعقولية؛ إذ إنه لما كان هذا الكون من خلق العقل ~~الشامل، فمن الطبيعي أن تكون المعقولية متغلغلة في تركيبه الأساسي. وأخيرا، نستطيع أن ~~نفترض من هذه المعقولية والقابلية للفهم، أن أذهاننا البشرية قادرة على التعامل مع ~~العالم الذي نعيش فيه. فذهننا قادر على فهم العالم لأن كليهما معقول في أساسه، وكلاهما ~~معقول لأنهما يعتمدان على «العقل» الكوني. ~~(2) التمييز بين «المظهر» و«الحقيقة » # إلى هذا الحد وجدنا المثالي يبني حججه على أسس منطقية خالصة. فهذا القدر من مذهبه ~~مستخلص من المصادر الأصلية، وهي أن الكون تجسد «للروح» أو «الذهن». والآن، بعد أن أثبت ~~ذلك، نراه يقفز إلى نتيجة جريئة. فلما كان الكون معقولا ومفهوما، فلا يمكن أن يكون ~~فيه اضطراب أو لامعقولية أو تنافر دائم. فهو ليس معقولا فحسب، وإنما هو كل معقول. ~~فالذهن يعمل في جميع أرجائه، ولا يمكن أن يظل ركن أو جزء من الكون الذي يكمن فيه العقل، ~~بمنأى عن تأثيره الطاغي. # ولكن، مهما تكن هذه النتيجة لازمة منطقيا من المصادرة المثالية الأساسية المتعلقة ~~بالطبيعة الذهنية للواقع، فمن الواضح أنها ليست مستمدة من التجربة اليومية التي يمر بها ~~الرجال والنساء في حياتهم. فاتصالنا اليومي المباشر بالعالم المحيط بنا يكشف لنا عن أمر ~~واقع لا تكاد تربطه صلة بهذا الفرض النظري الجريء؛ ذلك لأن الحياة تبدو في نظر الإنسان ~~خليطا مضطربا من التقدم والتدهور، والانتصار والهزيمة، والحرب والسلام، والجوع ~~والوفرة، والطبيعة العطوف والطبيعة المعادية إلى حد التوحش. وفي حياة الفرد، تكون ~~معقولية الكون وقابليته للفهم أقل حتى من ذلك: فالإحباط والألم والهزيمة تحتل في ~~تجربتنا مكانة لا تقل عن مكانة النجاح والسعادة والانتصار، بل إن أنجح حياة وأكثرها ~~تنظيما، تكشف عن جوانب كبيرة من المعاناة التي لا يبدو لها هدف، ومن الألم الذي لا ~~يبدو له معنى. كذلك فإن أكثر أجزاء طبيعتنا معقولية، وهو ذهننا، يخفق بدوره في تحقيق ~~هذا الشرط النظري كاملا. فخبرته في ms071 التبرير (أي في الاهتداء إلى أسباب جيدة لإيجاد ~~مبرر لأفعال أنانية أو شهوانية) لا تقل عن خبرته في الاستدلال العقلي، ونحن - بوصفنا ~~أفرادا - لا نكون مخلوقات عاقلة إلا في أوقات قليلة غير منتظمة. أما الحياة الأقل ~~نجاحا وتنظيما فهي عادة صراع بين اللذة والألم، فالحياة لا تكاد تكون محتملة بالنسبة ~~إلى جزء كبير من الجنس البشري، وهناك ملايين لا يحول بينهم وبين الانتحار إلا إرادة ~~حياة غريزية عمياء، وأمل خادع يعللهم دائما بغد أفضل لا يأتي أبدا. # أهمية التمييز ~~: إزاء هذه الحقيقة الأساسية للحياة ~~البشرية، يكون لنا أن نتوقع من المثالي دعم موقفه بشيء آخر إلى جانب التجربة المباشرة، ~~إذ إنه أكثر الناس شعورا بأن كسب المناقشة ينبغي أن يكون على أسس أخرى غير هذا الأساس، ~~ولا يمكن أن يهيب المرء بالتجربة عندما تكون الشواهد المستمدة من هذا المصدر غير قاطعة ~~على أحسن الفروض، وسلبية إلى أبعد حد على أسوئها. وهكذا فإن المثالي، لكي يواجه مشكلة ~~إثبات أن الكون معقول ومنسجم على الرغم من كل الشواهد المضادة، يضع أولا تمييزا له ~~أهمية كبرى في تفكيره، وأعني به التمييز بين المظهر والحقيقة. # هذا التمييز يرتبط ارتباطا وثيقا بقدر كبير من تجاربنا الشائعة. فالمثالي يؤكد مدى ~~الخلط الذي نقع فيه بين المظهر والحقيقة؛ إما نتيجة للإهمال في الملاحظة، وإما لعدم ~~كفاية التفكير. كذلك فإننا كثيرا ما نظن أننا قد تغلغلنا من وراء المظاهر السطحية ~~للأشياء، ونفذنا إلى ما نعتقد أنه هو الحقيقة ذاتها ثم نجد أن هذه الحقيقة الموهومة ~~ليست إلا مظهرا لحقيقة أعمق منها وأهم - ونظل نسير هكذا حتى يكون لدينا سلم كامل من ~~«الحقائق» التي لا يكون كل منها إلا «مظهرا» لحقيقة أعمق. غير أن كل سلم كهذا ينطوي ~~ضمنا على نقطة نهائية من نوع ما. ومن هنا يظهر حتما السؤال: ما هي الحقيقة النهائية؟ ~~ألا يجوز أنها شيء يختلف تماما عن المظهر السطحي «للأشياء كما هي»؟ وفضلا عن ذلك، ~~فلما كان من الممكن أن نخطئ كثيرا في تجربتنا اليومية، ms072 فهلا يجوز (بل يرجح) أن نكون قد ~~ارتكبنا خطأ جسيما في حق الواقع الحقيقي إذا ما تركنا الاضطراب واللامعقولية الظاهرين ~~في العالم يؤثران فينا؟ # من الضروري أن نوضح أن المثالية تتجاوز بكثير ذلك التمييز الذي نقول به في موقفنا ~~الطبيعي دائما بين المظهر والحقيقة. عندما نقول مثلا أن منظرا مسرحيا يظهر كأنه ~~شارع في مدينة، اصطفت على جانبيه الأبنية، ولكنه في الحقيقة قطعة من القماش المرسوم، ~~فإننا نقارن شيئا ماديا ملاحظا (هو القماش) بشيء آخر ملاحظ أو قابل للملاحظة، هو ~~الشارع. وهكذا فإن التقابل الذي نضعه بين المظهر والحقيقة يظل داخلا في إطار التجربة، ~~ويكون كل من طرفي هذا التقابل تجريبيا بنفس المقدار، وقابلا للبحث والتحقيق بنفس ~~المقدار أيضا؛ فمن الممكن إصدار أحكام لها معناها، وقابلة للاختيار، عن كل منهما، ~~ومن الممكن تحقيق هذه الأحكام. وباختصار فالمظهر والحقيقة هما معا. في هذه الحالة، ~~وقائع في التجربة. # ولكن المثالية تقوم بتمييز أعمق وأجرأ بكثير - ~~وأعني به التمييز بين العالم التجريبي أو القابل للملاحظة («المظهر») وبين «الحقيقة» ~~الترنسندنتالية أو غير التجريبية. ومعنى ذلك أن المثالي على استعداد لأن يضفي على شيء ~~ليس غير ملاحظ فحسب، بل هو أيضا غير قابل للملاحظة، قدرا من الحقيقة يفوق ذلك الذي ~~ينسبه إلى العالم المادي الذي نعيش فيه. ومن الواضح أن هذا هو عكس الرأي الذي نقول به ~~في موقفنا الطبيعي، وهو الرأي القائل إن الأشياء المادية هي أكثر الأشياء التي نعرفها ~~حقيقة، وهي التي يبدو أي شيء «ذهني» أو «روحي»، بالقياس إليها، أشبه بالمظهر. ومن ~~المؤكد أن الجرأة التي تنطوي عليها هذه الفكرة تضفي على المثالية، في نظر أناس عديدين، ~~قدرا كبيرا من سحرها وجاذبيتها. ~~(3) مشكلة الشر # تستخدم المدارس الفرعية المختلفة، المنتمية إلى ~~المذهب المثالي، أساليب مختلفة في تفسير هذا التعارض بين المظهر والحقيقة. ومن المهم أن ~~نختبر بعضا على الأقل من أهم هذه المدارس الفرعية؛ إذ إن إجاباتها ستكشف لنا الكثير عن ~~المثالية بوجه عام. ومع ذلك فلما كانت هذه المشكلة الضخمة تتداخل مع ms073 مسألة أخرى أوسع ~~انتشارا بين الناس بكثير، ويتعين على المثالية مواجهتها، فإن من المستحسن بحث الأمرين ~~معا. هذه المسألة الأوسع انتشارا هي «مشكلة الشر» المشهورة التي هي دون شك أصلب ~~بندقية يتعين على أي مذهب مثالي كسرها. # والمشكلة باختصار هي ~~: إذا كان الكون هو تجسد ~~«الذهن» أو «العقل» فكيف حدث أن تجربتنا تكشف لنا الكثير مما هو لا معقول ولا مفهوم؟ ~~وكيف يحدث أننا كثيرا ما نضطر إلى التوفيق بين ما هو بوضوح اتفاق أعمى أو مصادفة ~~أليمة، وبين الغاية العاقلة التي يفترض أنها تكمن من وراء ذلك كله؟ ولو كان نظام ~~الأشياء معقولا بحق، أكنا نجلس الآن في هذا المكان نتصارع مع مشكلة الشر؟ إننا لا نسمع ~~قط عن «مشكلة الخير»، مع أن لنا الحق - منطقيا - أن نتوقع، في ذات الكون الذي هو ~~معقول في جميع أرجائه، ألا يكون هناك شر يقتضي تفسيرا، بل إن الأصعب من ذلك تلك ~~الصورة الخاصة لهذه المشكلة الكبرى، وهي الصورة التي يتعين على كل الأديان مواجهتها - ~~وأعني بها: لو كان الله ذا قدرة شاملة وحكمة شاملة، ولكن ليس ذا خير شامل، لأمكننا أن ~~نفهم وجود مثل هذا العالم الذي نعيش فيه بالفعل، أو لو كانت لديه أسمى حكمة وخيرية، ~~ولكن مع قدرة محدودة، لأمكننا أن نفهم ذلك أيضا. ولكن كيف نوفق بين وجود إله لا متناه ~~وبين حقيقة الشر؟ إما أنه لا يكترث وإما أنه يكترث ولكن لا حيلة له في الموقف على ~~الإطلاق. وهناك احتمال ثالث هو أن تكون لديه الحكمة الضرورية اللازمة، ولكن سلطته ~~محدودة، مما يجعله يعمل بالتدريج على محو الشر، ولكن هذا بدوره يقتضي لتحقيقه آمادا ~~هائلة من الزمان. # بعض الإجابات الدينية ~~: يرى التوحيديون المؤمنون بإله ~~مشخص ولكنه لا نهائي، أن المشكلة تقتضي بالضرورة تحليلا مطولا لطبيعة الألوهية، ~~والعلاقات بين الله والكون الذي خلقه ... إلخ. وسوف نبحث كثيرا من هذه التحليلات في ~~الفصلين الأخيرين، ولكن يكفينا هنا أن ننظر إلى الإجابات التي يقدمها الإنسان في موقفه ~~الطبيعي على هذه ms074 الأسئلة المحيرة. إن أوضح جواب وهو قطعا أوسع الإجابات انتشارا - هو ~~أن «زمان الله هو الأفضل». فهو يعلم ما يفعله، وما هو أفضل لعالمه وكل المخلوقات فيه. ~~ومن المسلم به أن أساليبه ليست أساليبنا، وزمانه ليس دائما زماننا، ولكن سوف يتضح ~~لنا في آخر المطاف، عندما يكون كل شيء مفهوما، وعندما نتمكن من أن نرى كل شيء في ضوئه ~~الحقيقي، أن شكنا في عدم اكتراث الله أو عدم قدرته أمر لا مبرر له. وعندئذ سنرى أن ~~«مظهر» الأشياء هو وحده الذي خدعنا، أما «الحقيقة» (التي كان يعرفها بالطبع منذ البداية ~~إله عالم بكل شيء) فكانت معقولة، مفهومة، خيرة، وبالاختصار، فصاحب هذا المذهب في ~~الألوهية يرى، مثلما يرى المثالي، أن المشكلة الحقيقية هي أن نخترق حجاب أي المظاهر ~~وننفذ بأنظارنا إلى الحقيقة. # على أن هناك ثلاثة حلول رئيسية لمشكلة الشر واللامعقولية الظاهرين في العالم. ففي ~~استطاعتنا أن نتخذ موقفا متطرفا ونقول إن ما يسمى بالشر ليس إلا خطأ في أذهاننا نحن. ~~ففي الذهن الإلهي أو اللامتناهي، لا يمكن أن يوجد إلا الخير والحق، بحيث إن أي خطأ أو ~~شر لا بد أن يكون ناتجا عن أذهاننا نحن المتناهية الفانية. وكل ما علينا هو أن نطرح ~~جانبا فكرة الشر (ما دامت لا توجد إلا في أذهاننا) لكي نمحو تحقيق الشر؛ ذلك لأن ~~الفكرة والتحقق هنا شيء واحد. والحل الثاني لمشكلة الشر أقل تطرفا وأقرب إلى «الذهن ~~العادي». في هذا الحل يعترف بحقيقة الشر، ولكن يقال إننا لو نظرنا إلى الأمور من منظور ~~طويل الأمد؛ أي إذا تعلمنا أن نرى الأشياء «من منظور الأزل» - لأدركنا أنه مهما تكن ~~أصالة الأمم والشقاء والحمق الموجود في العالم، فإن هذه الأمور تتناقص بالتدريج. ومن ~~الممكن أن يسمى هذا بالموقف التاريخي من المشكلة. فأنصار هذا الموقف يؤمنون بالتقدم، ~~ويرون أن في استطاعة الإنسان، باستخدام العقل وجهوده الخاصة، أن يعجل مسيرة التقدم ~~ويمضي بحركته إلى تحقيق نتائج لا حد لها، من بينها محو الكثير مما نعده الآن شرا. ms075 ~~وتعرف وجهة النظر هذه باسم «مذهب التحسن # Meliorism ~~»؛ ~~أي المذهب القائل إن الأمور قابلة لأن تنصلح. ويوحي هذا المذهب في الدين - حيث تدعو ~~إليه كثير من الكنائس المتحررة اليوم بأن الله يحتاج إلى مساعدتنا في الكفاح، وبأن ~~الحياة (وربما العملية الكونية بأسرها) تمثل صراعا لا يرحم بين قوى الخير وقوى الشر. ~~في هذا الصراع لا بد من تجنيد كل مقاتل، وفيه يساعد اختيار الخير على قطع دابر الشر من ~~جذوره. وباختصار، فالشر حقيقي بالفعل، غير أن حقيقته ستزول بانتصار الخير بمضي الوقت، ~~وهو انتصار يمكن تحقيقه بتضافر الجهود بين الله والإنسان. # 1 ~~(4) الأفلاطونية # هناك وجهة نظر تقع بين التفسيرين الدينيين (اللذين هما في أساسهما عمليان) للعلاقة ~~بين المظهر والحقيقة، وهي وجهة نظر لها أهمية ميتافيزيقية أعظم بكثير. تلك هي ~~الأفلاطونية، التي هي مذهب من أسمى ما أنتجه النظر الفلسفي. وعلى الرغم من أن تفكير ~~أفلاطون ليس مثاليا بالمعنى الدقيق، ما دام للعناصر الأساسية في مذهبه وجود خارج عن ~~الذهن (أما مسألة كونها ذات طبيعة روحية أو مادية أم منطقية فحسب، فهي من المسائل التي ~~تثير أعظم الجدل في تاريخ الفلسفة)، فإن الأفلاطونية تتميز مع ذلك بسمات متعددة تتضح في ~~المثالية المحدثة. وهي تمثل المزاج والموقف العام لهذه المدرسة الكبيرة تمثيلا ~~جيدا. # يشيد أفلاطون مذهبه على أساس التقابل بين المظهر والحقيقة، وهو التقابل الذي نناقشه ~~الآن. فالطبيعة الحقيقية لأي شيء هي في نظره «الفكرة» التي تتجسد في هذا الشيء. وهو ~~ينظر إلى هذه الأفكار أو الماهيات على أن لها وجودا مستقلا وحقيقة أرفع، بل إنها هي ~~الحقيقة بعينها، أما الأشياء المادية فتقتصر على أن تعكس أو تحاكي هذه الحقيقة القصوى، ~~التي هي ماهية الشيء المادي وأنموذجه الأزلي الثابت في نفس الآن. وهكذا يوجد، من وراء ~~قناع التجربة الحسية، عالم مثالي من الماهيات. ومن هذا المجال الأعلى تأتي كل حقيقة: ~~وكلما كان الشيء أكثر تجسيدا «للفكرة» أو «المثال» الكامن من ورائه، كان له مزيد من الحقيقة. # 2 # مستويات للحقيقة ~~: غير أن هذا ms076 كله عرض مركز مجرد؛ ~~ولذا سنقوم بتحليله وتخفيفه إلى حد ما. فأفلاطون يقول بوجود مستويين أو حالتين للحقيقة؛ ~~أولهما هو الحقيقة الواضحة التي لا تنكر في الموضوعات اليومية الملموسة؛ أعني حقيقة ~~الكراسي والصخور والأشجار والجبال والكائنات الحية. غير أن الوجود على هذا المستوى لا ~~يمثل الحقيقة بمعناها الصحيح، بل إن هذه الحقيقة الحقة إنما تكمن من وراء قناع الحقيقة ~~الظاهرية، وتستقر في عالم أعلى. (ولا يفصح أفلاطون بوضوح عن رأيه في المكان المحدد لهذا ~~العالم الأعلى، إلا لكي يوحي بأنه في مكان ما «في السموات العليا»). هذا العالم يكون ~~نظاما مثاليا للماهيات الأزلية، التي توجد في سلم متدرج مبني على مبادئ أخلاقية ~~ويسوده مثال الخير. ولكن ما هي هذه الماهيات الأزلية المثالية، وما علاقاتها بهذا ~~العالم اليومي الأدنى للأشياء المادية أو الطبيعية؟ يطلق أفلاطون على هذه الأحوال ~~المثالية للحقيقة اسم «المثل» أو «الصور» # Forms # على ~~التخصيص، وقد أصبح اللفظ الأخير هو المفضل في اللغة الإنجليزية. غير أن لكلمة «الصورة» ~~عدة معان، أحدها مضاد تماما لمقصد أفلاطون. فكثيرا ما يكون المقصود من اللفظ هو الشكل ~~الخارجي أو التخطيط العام للشيء؛ أعني قسماته الكلية أو مظهره العام. غير أن هذا اللفظ ~~في نظر أفلاطون، يعني التركيب الباطن أو الفكرة المحدودة التي تتجسد في الشيء. فكيف ~~يكون الشيء شيئا؛ أعني مثلا كيف يكون البيت بيتا؟ هذا هو السؤال الذي تستطيع الصورة ~~أو المثال الإجابة عنه بأن تعرض ماهية الشيء. وبذلك تكون صورة البيت هي خطته أو تصميمه ~~أو تنظيمه، وهذا التصميم أو التنظيم يتكشف في مجموعة من اللوحات الهندسية أكثر مما ~~يتكشف في نموذج أو سلسلة من المقاطع الأمامية والجانبية، أو حتى في الصورة الفوتوغرافية ~~للمبنى الكامل؛ ذلك لأن الصورة الأفلاطونية هي دائما الفكرة غير الملموسة، أو التصور. ~~الذي قد يتجسد أو يتمثل جزئيا في الأشياء المادية، ولكنه لا يمكن أن يتحقق فيها ~~كاملا. # وعلى ذلك فإن عالم الحقيقة الحقة هو عالم من الصور التي هي أزلية ثابتة كاملة. فتلك ~~هي نماذج كل ms077 فئات الأشياء الأرضية أو أنواعها. ويرى أفلاطون أنه لا يوجد شيء ليست له ~~صورة مناظرة له، يستمد منها ما له من حقيقة. # الصور بوصفها تصورات ~~: العلاقة الأساسية بين أي ~~موضوع وبين صورته هي ذاتها العلاقة بين المدرك الحسي Percept # وبين التصور الذهني # Concept # المناظر له؛ أي بين شيء عيني يمر بتجربتنا، ~~وينتمي إلى فئة أو نوع (يدل عليه اسم مشترك، كالكتاب أو الكرسي أو الكلب، إلخ) وبين ~~فكرتنا أو تصورنا الخاص بهذه الفئة. فنحن مثلا قد رأينا جميعا مئات من الكتب. ولكن في ~~ذهن كل منا، بغض النظر عن صورة أي كتاب محدد أو انطباعه في الذاكرة، فكرة عن ~~«الكتاب بوجه عام»، أو الكتاب مجردا. هذه الفكرة هي التي تطرأ فورا على الذهن لو كان ~~قد سألنا أحد: «ما الذي يجعل الكتاب كتابا بوجه عام؟» وهذه الفكرة تسمى ~~«تصورا». # هذا التصور أو «الشيء في ذاته»، كما هو في حقيقته مجردا عن كل الصفات العرضية، هو في ~~الميتافيزيقا الأفلاطونية صورة أو مثال. ولقد كانت مشكلة التحديد الدقيق لمكانة ~~التصورات من المشكلات الرئيسية في التاريخ الطويل للفلسفة، ويمكن القول إن فلسفة العصور ~~الوسطى قد تركزت كلها تقريبا في خلاف لا نهاية له حول مسألة كون التصورات ذات وجود ~~حقيقي خارج الذهن. فهناك مدرسة كانت ترى أن «الكتاب» فكرة لها وجود فعلي منفصل ومستقل ~~عن أي كتاب مادي وعن كل الكتب المادية. أما خصومهم فيرون أن أي تصور ليس إلا اسما؛ أي ~~أداة مريحة نصنعها لكي تتيح لنا التعامل مع فئة معينة من الأشياء التي تدخل في نطاق ~~تجربتنا. (ولنتصور ما يحدث لو كانت كل شجرة أو كلب نصادفه طوال حياتنا يحتاج إلى لفظ ~~مستقل يدل عليه). أما موقف أفلاطون في هذا الخلاف فهو محدد تماما؛ فهو ما زال أشهر ~~المدافعين عن أحد جانبي هذا الخلاف وأقواهم تأثيرا. ومذهبه كله يتوقف على الرأي ~~القائل أن التصورات (أو الكليات، إذا شئنا استخدام اللفظ الشائع في العصور الوسطى) لها ~~قدر من الحقيقة أكبر مما لأي ms078 شيء يمر بنا في تجربتنا الحسية. ولنقل، بلغة العلم ~~والرياضة الحاليين، إن أفلاطون كان يرى أن الفئة أكثر حقيقة من أفرادها. # والنقطة الرئيسية في المذهب الأفلاطوني هي أن الصور لا توجد فحسب بل إنها هي الحقيقة ~~الحقة الوحيدة. أما الأشياء الأرضية التي تتجسد فيها هذه الصور فما هي إلا «انعكاسات» ~~أو «ظلال» أو «نسخ محاكية» لهذه النماذج الأزلية، تتصف بقدر محدود من الحقيقة لا تكتسبه ~~إلا بالاستعارة، أو حسب التعبير الذي يفضله أفلاطون، بالمشاركة في المثال المناظر. وهنا ~~نجد فكرة كانت على الدوام من المعتقدات الأساسية للمذهب المثالي: هي أن الواقع تصوري أو ~~عقلي؛ ومن ثم فإن أفضل سبيل إلى فهمه هو من خلال العقل وتحليل أوجه نشاطنا الذهنية ~~الخاصة. فبنيان الواقع هو ذاته بنيان أذهاننا، وعن طريق نشاط عقولنا نحن في الفهم ووضع ~~التصورات، نستطيع أن نصل إلى أفضل إدراك لطبيعة الحقيقة القصوى. # نتائج الأفلاطونية ~~: على الرغم مما يتسم به هذا ~~المذهب الميتافيزيقي العام الذي وضعه أفلاطون من أهمية في ذاته، فإنه ينطوي أيضا على ~~نتيجة ضمنية لها أهميتها، وكان الشغل الشاغل للمثاليين منذ عهد أفلاطون هو إظهار ~~مكنوناتها. فإذا كان الوجود الحق يكمن في عالم من الصور المثالية أو الماهيات التي ~~ندركها عن طريق العمليات العقلية، فمن الواضح إذن أن التجربة الحسية وموضوعاتها تغدو ~~ذات أهمية ميتافيزيقية أقل نسبيا. والواقع أن مؤلفات المثاليين حافلة بالعبارات التي ~~تقلل من شأن الحواس وتزدريها، وتؤكد عجز التجربة الحسية عن كشف الحقيقة وعرضية ~~الموضوعات التي تعالجها الحواس في مقابل الطابع الثابت للمعرفة التي يكشفها لنا العقل. ~~ويذهب أفلاطون إلى حد وصف الحواس ونشاطها بأنها عقبة في طريق كشف الحقيقة، فالتجربة ~~الحسية حجاب بيننا وبين «الوجود» الحق؛ إذ إنها لا تستطيع أن تنقل إلينا إلا ما يحدث في ~~عالم التغير أو «الصيرورة». وهكذا تسير المثالية في طريق مضاد لما يمكننا أن نسميه ~~بفلسفة الموقف الطبيعي، وهي الفلسفة التي ترى أن الصورة التي تقدمها إلينا حواسنا عن ~~«الأشياء كما هي موجودة» هي صورة صحيحة ms079 (في حدودها الخاصة على الأقل). ولا جدال في أن ~~مما يذهل الإنسان في موقفه الطبيعي أن يقال له إن عملياتنا الحسية ليست كافية فحسب، بل ~~هي أيضا تحول إيجابيا دون فهم الطبيعة الحقيقية للأشياء. أما في نظر المثالي فإن هذه ~~النتيجة ليست منطقية فحسب، بل هي أيضا نتيجة لا مفر منها. ~~(5) الطابع الأخلاقي للمثالية # هذا الإعلاء المثالي للنشاط العقلي فوق التجربة الحسية، لا يبنى على أسس منطقية أو ~~معرفية فحسب، بل إن في معظم المذاهب المثالية، كما في الأفلاطونية طابعا أخلاقيا ~~واضحا يتسم به الجزء الأكبر من تفكيرنا. وكما رأينا من قبل فإن الصور المثالية عند ~~أفلاطون لا تمثل ماهيات فقط بل تمثل كمالات أيضا، والصورة ليست متوسطات وإنما هي مثل ~~عليا، وهذه المثل العليا، هي التي يتوق الذهن إلى كشفها من وراء حجاب الحس. وبعد أن ~~يفهمها الذهن، يصبو إلى أن يحيا حياة قوامها ما في المثل من كمال، بقدر ما يتيح له ذلك ~~عبء الجسد وحاجز الحواس. هذه النغمة الرئيسية التي تصف البدن. بما فيه من حواس وشهوات، ~~بأنه عبء أو سجن أو مقبرة، تتكرر مرارا في المذهب الأفلاطوني. وتوجد على الأقل أفكار ~~ضمنية مخففة من هذا النوع ذاته في كل مدارس الفكر المثالي. والنتيجة الحتمية لهذا ~~الموقف هي الميل إلى الثنائية. فتقسيم أفلاطون الأساسي للحقيقة إلى عالم مادي أدنى، ~~مستمد من غيره، هو عالم «الصيرورة»، وعالم أعلى من «الوجود» الحقيقي، يؤدي بسهولة إلى ~~نظرة إلى الحياة يكون الجسد فيها مقابلا للنفس، والمادة مقابلة للذهن، والحس مقابلا ~~للعقل. وفي كثير من الأحيان يترتب على ذلك مذهب زاهد أو مذهب تطهري Puritanism # من نوع ما، ويصبح الجسم، حتى برغباته ~~الصحية السوية، موضوعا للارتياب الأخلاقي. وبطبيعة الحال فإن المسيحية، التي تنطوي على ~~ثنائية عميقة، قد وجدت تأييدا فلسفيا كبيرا في المثالية، على حين أن أفلاطون قد ~~أطلق عليه وصف «مسيحي قبل أربعمائة عام من المسيح». # مثال الخير ~~: يبلغ مذهب أفلاطون قمته في صورة الخير. ~~وعلى حين أنه لا يعرف هذه ms080 الفكرة بدقة، فمن الواجب أن تفهم بمعنى أخلاقي عام. وهكذا ~~فإن المذهب بأسره قائم على دعامة من القيم. ومن الواضح أن أفلاطون، مهما يكن مقدار ~~اهتمامه بأن يثبت أن العالم المادي ليس إلا ظلا أو انعكاسا لعالم معقول أعلى هو عالم ~~الصور، فإنه كان أكثر اهتماما بأن يثبت أن الكون مبني على أساس من القيم. وفي هذه ~~المحاولة للتوحيد بين الخير والحقيقي، كان أفلاطون مثاليا بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأن ~~أمثاله من المفكرين يرون أن من المستحيل، حسب تكوينهم المزاجي الخاص، أن يتصوروا الكون ~~إلا على أنه مرتبط بالخير ومتجه إليه. وهناك مدارس فكرية أخرى تبدي استعدادها للاعتراف ~~بإمكان أن يكون الواقع محايدا من الوجهة الأخلاقية، أو شرا في أساسه، غير أن أية ~~إمكانية كهذه تقع خارج حدود تصور المثالي. وهكذا نستطيع أن نتكهن بالإجابة التي سيرد ~~بها على ذلك السؤال الذي يعده بعض المفكرين أكثر الأسئلة الفلسفية إلحاحا، ألا وهو: هل ~~الكون في أساسه نظام أخلاقي، أم نظام آلي؟ هل الكون جهاز آلي هائل، يسير بطريقة لا ~~شخصية عمياء غير مكترثة، شأنه شأن أي جهاز آلي آخر؟ أم هو في أساسه بناء أخلاقي، تكون ~~للقيم والمثل فيه مكانتها العليا، ويكمن في قلبه الخير، لا العقل والغاية فحسب؟ إن ~~المثالي يذهب إلى أن الرأي الثاني هو وحده الممكن، وأية إجابات أخرى لا تؤدي فقط إلى ~~هدم مذهبه بأسره، بل هي في رأيه تكيل للآمال البشرية ضربات أشد. ذلك لأنه يشعر بأن ~~النظام الكوني الآلي كفيل بأن يقطع الطريق على كل هذه القيم التي لها أهمية عليا في ~~الحياة البشرية، والتي تشكل القوة الدافعة الأساسية لنشاطنا الروحي. ففي مثل هذا الكون ~~الآلي، تدور محاولات الإنسان لكي يعيش حياة خيرة ويحقق غاياته الأخلاقية في فراغ أخلاقي ~~هائل، ومثل هذا الكون إنما هو خواء لا يشعر على الإطلاق، ولا يكترث قط، بكل ما يهم ~~البشرية وأمانيها العليا. # الخير بوصفه كونيا ~~: يتفق المثاليون من جميع ~~المدارس بوضوح على مسألة واحدة: هي أن أي نظام من ms081 القيم البشرية البحتة - أي الأخلاقية ~~في إطار النزعة الطبيعية مثلا - لا يمكن أن تكون له غاية أو معنى. فقيمنا، ومثلنا ~~العليا، لا تكون لها حقيقة إلا إذا كانت تستند إلى تأييد من الكون. أما لو كان نظام ~~العام آليا أو طبيعيا خالصا، لكانت هذه القيم تتصف بنفس الفراغ وانعدام الدلالة ~~اللذين يتصف بهما الكون ذاته. وبالنسبة إلى البشرية ذاتها، فن مثل هذا الكون يجعل ~~الميتافيزيقا والأخلاق أسوأ من أن يكونا بلا معنى؛ فهما يصبحان فيه «دعابة أو مهزلة» ~~ضخمة. وباختصار، فالمثالية تجد أن من المستحيل التفرقة بين الأخلاق والميتافيزيقا. فلا ~~يمكن أن يكون لكفاحنا الأخلاقي، بل لقيمنا كلها؛ أي معنى إلا عندما نتأكد من أن لهما ~~علاقة بالكون في مجموعه. وسوف نرى بعد قليل ما يقوله المذهب الطبيعي في هذا الصدد ولكنا ~~نود أن نشير، خلال ذلك، إلى أن هذه النقطة هي التي يبلغ فيها التعارض بين المدرستين ~~الكبريين ذروته. فهذه المسألة أساسية بالنسبة إلى المثالية؛ ومن ثم فلا مجال بها ~~للحلول الوسطى: فإما أن يكون الكون ملائما للإنسان وقيمه جميعا، وإما أن تكون هذه ~~القيم دعابة ساخرة - أو مهزلة كونية. ويخلص المثالي من ذلك إلى القول بأن من المؤكد، في ~~عالم كهذا، أن المثل العليا تغدو شيئا غير جدير بأن نموت في سبيله، بل إنها تغدو ~~شيئا لا يستحق أن نعيش من أجله. # ويشير بعض الملاحظين المحايدين لهذا الخلاف بين ~~المثالية والمذهب الطبيعي أحيانا، إلى أن الميتافيزيقي المثالي يبدو وكأنه يشيد مذهبه ~~وفي ذهنه هدف محدد مقدما: هو أن يصور الكون بحيث لا تكون القيم مأمونة فيه فحسب، بل ~~تكون القوى الكونية مشايعة لها. ويسارع خصوم المثالية باستغلال هذا الحكم المحايد، ~~بوصفه دليلا على أن المثاليين أقل موضوعية من أصحاب المذهب الطبيعي، (وبالتالي فإنهم ~~مرشدون غير موثوق بهم كل الثقة في مجال الفلسفة). فخصوم المثالية هؤلاء يرون أننا لو ~~قررنا مقدما أي نوع من العالم سوف نجد، فهل يكون من المستغرب أن ينتهي بنا الأمر إلى ~~تكوين صورة رائعة ms082 عن عالم كهذا بالضبط؟ وهكذا فإن صاحب المذهب الطبيعي يتهم المثالي ~~بأنه ميال مقدما إلى عالم ضامن للقيم، على نحو يجعل منه شخصا متحيزا على أحسن ~~الفروض، ومتهما بالتفكير المغرض على أسوئها، وهو على أية حال شخص لا يعتمد عليه بوصفه ~~مصدرا للحقيقة الفلسفية. والتحدي الذي يحب أنصار المذهب الطبيعي دائما أن يوجهوه في ~~هذه الحالة هو: «أين كان يصبح العلم لو كان قد استهدف غايات محددة مقدما، ومرضية ~~للمشاعر الذاتية كهذه؟» ولكن المثالي يرد على ذلك عادة بقوله إنه ليس عالما، وإنه لا ~~يعترف بأن الموقف العلمي وعلم المناهج العام هما بالضرورة أفضل المصادر الموثوق منها ~~للحقيقة. ولكنا سنتحدث بمزيد من الإسهاب في هذه المسائل الخلافية عندما نتعرض للمذهب ~~الطبيعي في فصلنا التالي؛ لأن المسألة كما هو واضح أكبر وأهم من أن تعالج ~~بإيجاز. ~~(6) المثالية الذاتية # لا بد لنا أن نحرص على ألا يفهم القارئ مما نقول إن اهتمام المثالية مركز في فرع ~~الأخلاق وحده؛ إذ إن كثيرا من الأفراد المعاصرين لهذه المدرسة يبدون اهتماما أعظم ~~كثيرا بالمشكلات المعرفية والميتافيزيقية؛ لذلك فإننا سننتقل من «المثالية الأخلاقية» ~~عند مفكرين مثل أفلاطون إلى المثالية الأقرب إلى الطابع «الميتافيزيقي» (أو المعرفي) ~~عند مفكرين مثل باركلي وهيجل. ومن حسن الحظ أن عرضنا لتفكيرهم يمكن أن يكون أكثر ~~إيجازا بكثير من عرضنا لتفكير أفلاطون. وليس ذلك راجعا إلى أنهم أفراد أقل في هذه ~~المدرسة - فهم في نواح كثيرة أقرب إلى الطابع الحقيقي للمثالية كما هي معروفة في عصرنا ~~الحالي مما كان الفيلسوف اليوناني - وإنما السبب هو أن الاتجاه العام لتفكيرهم هو في ~~أساسه نفس اتجاه تفكير أفلاطون. وسوف تظهر نتائج أخلاقية ضمنية واضحة لدى هؤلاء ~~الفلاسفة المتأخرين، ولكن لما كانت تحليلاتهم الأكثر دقة وتخصصا هي التي تهمنا، فسوف ~~نقصر مناقشتنا عليها. # إن المثالية المعرفية (الإبستمولوجية)، وهي أهم صور المثالية في عصرنا الحالي، هي ~~الاعتقاد بأن الذهن وحده هو الحقيقي. أما المادة، بكل مظاهرها، فما هي إلا مضمون ذهني، ~~وبالتالي فهي متوقفة على الذهن في ms083 وجودها. إن المادة موجودة بلا شك، غير أن وجودها هذا ~~يمكن تحليله إلى إدراكات. ولو شئنا أن نستخدم المصطلح الحديث، لقلنا إن المادة ليس لها ~~وجود موضوعي (أي مستقل خارج عن الذهن)، بل هي معتمدة في وجودها على الذات (أي الذهن ~~الذي يلاحظ ويجرب). وينبغي أن يلاحظ أنه قد طرأ هنا تغيير على المذهب كما كان عند ~~أفلاطون. فللمثل أو الصور، في مذهب أفلاطون، وجود مستقل عن الفكر. وليس المهم هنا هو ~~أنه جعل لهذه الصور نوعا من الوجود العيني أو المادي أو لم يجعل لها، وإنما الذي ~~يعنينا هو أن في الأفلاطونية شيئا لا يمكن رده إلى مضمون ذهني للعقل البشري أو للعقل اللامتناهي. # 3 # فلسفة باركلي ~~: أصبح مذهب المثالية الذاتية هذا ~~سائدا لأول مرة في القرن الثامن عشر. ففي ذلك الوقت كانت الفلسفة قد أصبحت تشعر شعورا ~~واضحا بمدى صعوبة تقديم تفسير مرض للعلاقة الدقيقة بين «المعرفة» و«الواقع»؛ أي بين ~~تجاربنا أو إدراكاتنا الحسية، وبين العالم الطبيعي الخارجي الموضوعي الذي يفترض أن هذه ~~التجارب والإدراكات تشير إليه. والحق أن من الصعب مقاومة إغراء الدخول في تفاصيل قصة ~~التطورات الفذة التي أدت إلى هذه النزعة الذاتية. ومع ذلك فسوف نضطر إلى الاكتفاء ~~بالخطوط العامة لمذهب أبرع المدافعين عن النزعة الذاتية، وهو جورج باركلي. فاستدلال ~~باركلي يسير على النحو الآتي: إن كل الأشياء التي نسميها «مادة» هي موضوعات لتجربتنا. ~~وهي بهذا الوصف لا توجد في نظرنا إلا بوصفها إدراكات. فعندما نقول مثلا أن الشجرة ~~توجد، فنحن نقول إن لدينا إدراكا حسيا أو تجربة نطلق عليها اسم «الشجرة». غير أن هذه ~~التجربة، مهما تكن حيويتها، لا تضفي على أي نحو وجودا موضوعيا مستقلا على «الشجرة» ~~التي تظل مجرد تجربة. وبالاختصار، فالقول إن أي شيء يوجد، مرادف للقول إنه يدرك من خلال ~~حاسة واحدة أو أكثر من حواسنا. ويلخص باركلي المسألة كلها في عبارته المشهورة: وجود ~~الشيء هو كونه مدركا # Esse est Precipi # فليس ثمة وجود ~~بمعزل عن الذهن الذي يدخل هذا ms084 الوجود في تجربته. وبلغة علم النفس الحديث، فإن شجرتنا ~~ليست إلا مجموعة من الإحساسات، والإحساس ذاتي. وهكذا يتضح أن ما نسميه «بالموضوع» ما هو ~~إلا تجربة ذهنية - لأن وجوده ما هو إلا دخوله في التجربة - وكذلك الحال في المادة بكل ~~صورها. وإذن فالواقع ذهني بحت، والعالم بأسره ذهني، ولا وجود إلا للأذهان ~~وإدراكاتها. # نقد الموقف الطبيعي لباركلي ~~: اعترف باركلي صراحة ~~بالغرض من وضعه لمذهبه، فقال إنه تفنيد المادية الشائعة في عصره. فقد رأى أنه إذا أثبت ~~استحالة وجود المادة مستقلة، فلن تكون للمادية أرجل تقل عليها - وهو رأي منطقي تماما. ~~غير أن خصومه أهابوا بالموقف الطبيعي، وأراد أحدهم، وهو العالم اللغوي المشهور ~~«صامويل جونسون # Samuel Johnson ~~» أن يفند المثالية ~~الذاتية بضربة هائلة من رجله في حجر، ويقال إنه هتف: «على هذا النحو أفند الأسقف ~~باركلي!» ولكن لا الموقف الطبيعي، ولا ركل الحجر، بكاف للرد على حجته، كما بادر ~~الفيلسوف الأيرلندي الذكي إلى القول. فكل ما أثبته الدكتور جونسون هو ما اعترف به ~~المذهب الذاتي بالفعل وهو أن لدينا حزما من الإحساسات - هي في هذه الحالة إحساسات ~~بالمقاومة العضلية ووخزة من الألم موضعها إبهام القدم. ولكن هل يثبت ذلك أن هناك أي شيء ~~له وجود خارجي، فيما عدا أذهاننا الخاصة الواعية بوصفها مراكز للإدراك الحسي؟ إن حجة ~~الموقف الطبيعي هي أن من الممتع الادعاء بأن موضوع الإدراك الحسي. كالكتاب الموضوع على ~~المنضدة، لا يعود موجودا عندما نغادر الحجرة أو نتوقف عن إداركه لحظة لأي سبب آخر. غير ~~أن باركلي يرد على الفور بقوله: «ما هي الصفات أو الخصائص التي يمكن أن يتصف بها الكتاب ~~«الموجود» في هذه الظروف؟» فإذا ما رد الموقف الطبيعي - كما يتعين عليه أن يرد - بقوله ~~إن هذه الصفات تنتمي إلى حاسة واحدة أو أكثر، «كالأخضر» أو «الثقيل» أو «السميك» أو ~~«الكبير»، فعندئذ يكون باركلي قد أحكم إغلاق الفخ: فماذا تكون هذه الصفات كلها، إن لم ~~تكن معطيات حسية؛ وبالتالي صفات ذهنية أو ذاتية خالصة؟ وهكذا يظل الوجود ms085 حزمة من ~~الإحساسات؛ وبالتالي ذهني الطابع، على الرغم من كل ما يستطيع الموقف الطبيعي أن يعترض ~~به عليه. # غير أن الموقف الطبيعي؛ إذ يقتنع بضرورة وجود ~~خدعة في مذهب كهذا، يعود فيوجه هجوما جديدا. فكيف يستطيع باركلي أن يفسر اتساق عالمنا ~~الإدراكي واتفاق الناس عليه؟ لو كان كل وجود متوقفا على الذهن، فكيف يحدث أن تتسق ~~إدراكاتي الحسية المتعددة لتلك الشجرة بعضها مع بعض إلى هذا الحد؟ وكيف تدرك على الدوام ~~على أنها شجرة صنوبر، مثلا، بدلا من أن تدرك أحيانا على أنها شجرة بلوط أو زان؟ ~~وفضلا عن ذلك، فكيف تفسر تلك الأدلة العملية الكثيرة التي تثبت أنني أنا وأنت ندرك نفس ~~الشجرة عندما نحول أعيننا إلى اتجاه معين؟ إذا كانت شجرتك وشجرتي متشابهتين إلى حد تدل ~~معه كل الدلائل على أنهما شجرة واحدة، فلا بد أن يكون هناك مصدر مشترك واحد أو سبب ~~لإدراكاتنا. وأين يمكن أن يكمن هذا السبب إلا خارج ذهني وذهنك؛ أعني في العالم ~~الخارجي؟ # يرد باركلي على ذلك بأن يذكرنا بأنه لا ينكر على الإطلاق وجود عالم خارجي وإنما هو ~~ينكر فقط وجود عالم مادي يوجد مستقلا عن كل إدراك؛ أعني عالما لا يكون فكرة في ذهن ~~ما. وهو يعبر عن رأيه هذا بقوله: ~~«إنني لأذهب بالفعل إلى أن موضوعات الحس ليست ~~إلا أفكارا يستحيل أن توجد ما لم تدرك. ومع ذلك فليس لنا أن نستنتج من ذلك أنها لا ~~توجد إلا عندما ندركها نحن، فقد تكون هناك روح أخرى تدركها مع عدم إدراكنا نحن لها. ولا ~~يلزم عن ذلك أن الأجسام تفنى وتخلق من جديد في كل لحظة، أو لا توجد على الإطلاق خلال ~~الفترات الواقعة بين إدراكنا لها.» ~~«قد تكون هناك روح أخرى تدركها مع عدم إدراكنا نحن لها.» ماذا يمكن أن تكون الروح ~~الأخرى أو الذهن الآخر؟ من الواضح أن باركلي لو استطاع أن يثبت وجود هذا الذهن الآخر، ~~لأصبح أقدر على مواجهة مقتضيات الموقف الطبيعي. ولا يحتاج المرء إلى وقت ms086 طويل لكي يدرك ~~الاتجاه الذي يسير نحوه استدلاله: ~~«ولكن مهما يكن لدي من قدرة على بعض أفكاري، فإني لا أجد أفكارا أخرى لا تتوقف ~~كذلك على إرادتي. فعندما أفتح عيني في رائعة النهار مثلا، لا يكون في مقدوري أن أختار ~~أن أرى أو لا أرى، أو أن أحدد ما أراه. ومثل هذا يقال عن السمع وغيره من الحواس. ~~فالأفكار التي تنطبع على هذه الحواس ليست مخلوقات صنعتها بإرادتي. ومن ثم فهناك إرادة ~~أو روح أخرى، أو عقل آخر، هو الذي أنتجها. # هذه الأفكار التي لا أستطيع التحكم فيها ؛ أعني هذه الأفكار الحسية، أقوى وأشد حيوية ~~وأوضح تميزا من تلك التي أستطيع التحكم فيها. وهي تتميز أيضا بثبات ونظام وإحكام لا ~~تتصف به تلك التي تنتج بإرادتي. وهي تنم بذلك عن كونها ناتجة عن ذهن أقوى وأحكم من ~~أذهان البشر. # إن هناك حقائق قريبة من الذهن البشري وواضحة له إلى حد أن كل ما يحتاج إليه الإنسان ~~هو أن يفتح عينيه ليراها. ومن قبيل هذه الحقائق في نظري، هذه الحقيقة الهامة، وأعني بها ~~أن كل ما في قبة السماء وما تحمله الأرض؛ أي باختصار، كل الأجسام التي تكون الهيكل ~~الجبار للعالم، ليس لها وجود بدون ذهن ما، وأن وجودها هو أن تدرك أو تعرف، وأنها ~~بالتالي، ما لم أكن أدركها بالفعل، أو لم تكن موجودة في ذهني أو في ذهن أية روح مخلوقة ~~أخرى، لا بد إما ألا يكون لها وجود على الإطلاق، وإما أن تظل قائمة في ذهن روح أزلية ~~ما.» # وهكذا فإن الفرض الذي يقول به باركلي لا بد له، لكي يرضي الموقف الطبيعي للإنسان، من ~~أن يسلم بوجود ذهن معين غير ذهننا (وأعظم منه). فليس ثمة وسيلة أخرى تحفظ وجود الكون، ~~وليس ثمة وسيلة أخرى تتيح تفسيرا كافيا لإحكام إدراكاتنا واتساقها. وهكذا ربط باركلي ~~مذهبه كله بذلك المفهوم الواحد، مفهوم «الله». فإدراك الله يحفظ للكون وجوده، سواء ~~أكانت أية أذهان بشرية تقوم بواجبها الإدراكي أم لا. وذهن الله ms087 يضمن أيضا اطراد ~~إدراكاتنا: فعندما ننظر من نفس النافذة كل يوم نرى نفس الأشجار والمباني في الخارج؛ لأن ~~وجودها الحقيقي يتوقف على الوعي الإلهي بها. إننا نحن قد نذهب ونجيء، وننظر من النافذة ~~أو لا ننظر، غير أن الله يحفظ باطراد وجود كل الأشياء الطبيعية التي تمر بتجربتنا ~~مرورا عارضا غير منتظم ولا دائم. والواقع أننا مهما نقل عن إله باركلي، فمن المؤكد ~~أنه ليس متهاونا أو مهملا في الاضطلاع بواجباته الإدراكية! فهو مواظب على القيام ~~بالعمل، أربعا وعشرين ساعة في اليوم، كل يوم من أيام السنة. وبطبيعة الحال، فإنه لما ~~كان ذا علم محيط، فإنه يدرك كل ما يوجد، وضمنه الكثير مما لم يره الناس ولن يروه ~~قط. # الدور الرئيسي لله في مذهب باركلي ~~: لن نكون مغالين ~~إذا قلنا إن لله من الأهمية في مذهب باركلي ما له في أي بناء لاهوتي؛ ذلك لأن باركلي، ~~حين استعان بالذهن الإلهي ورصيده اللامتناهي من الإدراكات، قد ضرب عدة عصافير بحجر ~~واحد: (1) فهو علل وجود العالم الخارجي كما يطلب الموقف الطبيعي. (2) وفسر استمرار ~~إدراكاتنا واتساقها (فالذهن الإلهي يتولى العمل عندما ننام أو ننشغل بإدراكات أخرى، ~~وبذلك يحفظ وجود الأشياء جميعا، ويجهزها لكي تدركها الأذهان المتناهية عندما تستيقظ من ~~جديد أو تتحول مرة أخرى إلى هذا الاتجاه)، (3) وفسر التشابه في إحساساتنا عندما ندرك ~~شيئا واحدا مشتركا (ما دام الشيء يوجد بوصفه فكرة واحدة في الذهن الإلهي، فليس من ~~المستغرب أن ندركه كلنا على نفس النحو): (4) وحطم المادية بالقضاء على العالم المادي ~~المستقل عن الفكرة، (5) وفند الإلحاد بأن جعل الله حقيقة لا غناء عنها في كل وجود. وليس ~~من شك في أن بركلي كان يؤمن بإخلاص بأن محو فكرة الله من الذهن سيؤدي إلى تدمير الكون ~~- ناهيك بتدمير مذهب باركلي ذاته. # وإذن فقد اعتقد باركلي أنه تمكن من تفسير كل هذه الأمور وإثباتها. وكان لا بد ~~للفلسفة أن تنتظر جيلا آخر حتى يبين هيوم، الفيلسوف الاسكتلندي الشكاك اللامع، أن منطق ~~باركلي سلاح ذو حدين، ms088 يبتر من هذا الجانب ومن ذاك. ذلك لأننا إن لم نبدأ بالإيمان بوجود ~~الله، فليس ثمة وسيلة لإثبات أن إدراكاتنا لها ركيزة موضوعية في الذهن الإلهي. فمثلا، ~~لو كان وجود أي شيء يتوقف على كونه مدركا، فمن أين يأتي وجود الله، ومن الواضح أنه ~~ليس موضوعا إدراكيا إلا بالطبع إذا شنقنا أنفسنا بالمنطق فأكدنا أن الله يستطيع أن ~~يولد ذاته بإدراك ذاته؟! # وأيا كان تقديرنا النهائي لمذهب باركلي، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح سبب إطلاق اسم ~~«النزعة الذاتية» عليه، وسبب اعتماد كل المذاهب المثالية التي تطورت عنه على المنطق ~~ونظرية المعرفة اعتمادا كبيرا. فكل هذه المذاهب تبني نظرتها إلى العالم على حقيقة لا ~~تنكر هي أن كل شيء يوجد، يبدو مرتبطا بإدراكنا له ارتباطا لا ينفصم. ومن هذه المقدمة ~~يعتقد المثالي أن من المنطقي أن نستنتج أن الوجود بما هو كذلك يتوقف على الإدراك # Esse est Percipi # على أن صاحب هذه النظرية الواقعية ~~في المعرفة، كما سنرى في فصل تال - يجد هذا الاستدلال فاسدا. ومع ذلك فإن الأقرب إلى ~~تحقيق غرضنا، عند هذه النقطة من العرض الذي نقدمه، هو أن نناقش بإيجاز ما يسمى «بمأزق ~~التمركز حول الذات»، الذي ظهر أصلا بوصفه حجة ضد النزعة الذاتية، ولكن من الممكن ~~تقديمه من زاوية محايدة على نحو يبدو معه الموقف المثالي أقرب إلى الفهم، وربما أجدر ~~بأن يقبل. # مأزق التمركز حول الذات ~~: لسنا نود أن نخوض في ~~تفاصيل النتائج المترتبة على الحجة المسماة بمأزق التمركز حول الذات # Egocentric Predicament # ولكنا سنعرض مقدماتها بإيجاز على النحو ~~الآتي: لا بد لأي موضوع - لكي يصبح موضوعا للمعرفة، من أن يكون موضوعا للتجربة - أي ~~إن أي شيء لا يمكن أن ينفذ إلى أذهاننا ما لم يدخل في علاقة ما. هذه العلاقة هي علامة ~~المعرفة # cognition ~~(أي الإدراك والتجربة والتعرف، ~~بأوسع معانيها جميعا) فالأشياء لا تنفذ إلى وعينا إلا من خلال العملية المعرفة. ~~وبطبيعة الحال فليس هناك من سبيل إلى معرفة ما عسى أن تكون عليه الأشياء ms089 بمعزل عن هذه ~~العلاقة المعرفية - أي ما قد تكونه في ذاتها أو لذاتها - لأن من الواضح أنه في اللحظة ~~التي تبحث فيها أي شيء محاولا أن تعرف طبيعته الحقة، فإنه يصبح موضوعا للمعرفة. ~~وبعبارة أخرى فنحن لا نستطيع أبدا أن نخرج عن أذهاننا ونتحرر من عملياتنا الحسية بحيث ~~نقابل الأشياء وجها لوجه. وليس في وسعنا أن نتسلل من الخلف ونمسك بالأشياء خلسة وهي ~~«على غير استعداد». فنحن محصورون داخل وعينا الخاص، وكأننا مسجونون سجنا مؤبدا داخل ~~جهازنا الحسي والمعرفي. ومن هنا كان «مأزق التمركز حول الذات» الذي لا يستطيع إنسان أن ~~يجد منه مهربا . # ونتيجة هذا الموقف، في نظر المثالي الذاتي، واضحة وضرورية منطقيا. فالذهن المدرك هو ~~الحقيقة النهائية في الكون. والأشياء الوحيدة الموجودة هي الأذهان وإدراكاتها، وفيما ~~عدا هذه لا يوجد شيء. أما الواقعي فيرى أن حقيقة هذا المأزق لا يمكن إنكارها، ولكنه لا ~~يؤمن بهذه النتائج. فالواقعي لا يرى داعيا إلى تأكيد قصور مؤسف يتصف به الذهن، ~~والارتفاع به إلى حد جعله أساسا لنظرتنا إلى العالم. صحيح أن كل ما نعرفه عن العالم هو ~~ما يأتينا من خلاله التجربة، غير أن حتمية العلاقة المعرفية لا تبرر إضفاء تلك المكانة ~~الميتافيزيقية العليا على هذه العلاقة. ومع ذلك فإن المثالي هو الذي له الكلمة الأخيرة ~~هنا (إذ إن هذا الفصل خاص به). فهو لا يرى شيئا «مؤسفا» في مأزق التمركز حول الذات، ~~وفي رأيه أن هذا المأزق لا يدل على قصور في الذهن، بل يعبر عن طبيعة الواقع ذاته. ~~فالمشكلة عند المثالي ليست في الخروج عن أذهاننا؛ إذ إن هذه الأذهان هي الواقع، ولا ~~يمكن أن «يخرج» عن الواقعي إلا غير الواقعي؛ أي ما هو غير موجود. ~~(7) مذهب الذات الوحيدة # من الواضح أن مذهب باركلي مذهب تعددي؛ إذ إنه يرى أن الواقع يتألف من أذهان (أو ~~«أرواح»، حسب تعبير باركلي) وإدراكاتها. وحتى الذهن الإلهي، على ما له من أهمية في جمع ~~شتات المذهب، ليس إلا مركزا إدراكيا مضافا إلى غيره، ms090 وبذلك تظل التعددية ~~باقية. # ويبدو أن أي مذهب يجمع بين التعددية والذاتية معرض دائما لأن يتهدده خطر شبح لا ~~يمكن التخلص منه نهائيا بأي التجاء إلى الذهن الإلهي. هذا الخطر الذي يتهدد المذاهب ~~الذاتية على الدوام هو مذهب «الذات الوحيدة # Solipsism ~~» ~~الذي يعترف الجميع بأنه أشد المواقف الفلسفية تطرقا وأكثره تخريبا من الوجهة ~~العقلية. والقائل بالذات الوحيدة هو مفكر ذاتي متطرف لديه الجرأة على أن يخطو الخطوة ~~المنطقية الأخيرة التي يشعر جميع أعداء النزعة الذاتية بأنها خطوة لا مفر منها بالنسبة ~~إلى هذا النوع من المثالين. فهو على استعداد للسير في منطقه حتى نهايته المريرة . وذلك ~~بأن ينتهي إلى أنه لا يوجد شيء في الواقع إلا هو ذاته وإدراكاته الفردية. «فأنا وأفكاري ~~(أو إدراكاتي) كل ما يوجد» - هذا هو الموقف الأساسي للقائل بمذهب الذات الوحيدة، وكل ما ~~عدا ذلك؛ أي كل الأشخاص والأشياء والكون المادي بأسره، لا وجود له إلا بقدر ما يتحقق ~~على الدوام في ذهن صاحب مذهب الذات الوحيدة. # وأهم ما يفعله صاحب هذا المذهب هو أنه يتحدى أي شخص، وكل شخص، أن يأتي عن طريق المنطق ~~برد إيجابي على السؤال: «ما الذي يوجد غير ذاتي وتجربتي؟» ومن الواضح أن هذا ليس إلا ~~امتداد للسؤال المتضمن في الأنواع الأقل تطرفا من المثالية الذاتية، كمثالية باركلي. ~~ولكن بينما باركلي (ومعه كل مثالي في الواقع) يتساءل: «كيف تستطيع أن تثبت أن أي شيء ~~يمكن أن يوجد إلا وهو معروف لذهن ما؟» فإن صاحب مذهب الذات الوحيدة يزيد السؤال حدة ~~بأن يقول: «كيف يمكن إثبات أن أي شيء يمكن أن يوجد إلا وهو معروف لذهني أنا؟» ويلح هذا ~~المذهب على طلب رد منطقي، فهو لا يقنع بأية إهابة بالموقف الطبيعي، ولا بأية إهابة ~~برأي الأغلبية الساحقة. فلما كان صاحب هذا المذهب قد أعلن منذ البداية أنه أقلية تتألف ~~من واحد له من الأهمية ما يجعل أفكاره وتجاربه تضفي الوجود على كل شيء آخر له وجود، ~~فإنه لا يتأثر أبدا بالحجة القائلة ms091 إن معظم الناس لا يتفقون معه. فمن هم أولئك ~~الملايين الذين لا يوافقون؟ إنهم مدينون بوجودهم ذاته لإدراكه لهم، وإذن فعلى أي أساس ~~ترجح كفة آرائهم على النتائج المنطقية للذهن الذي بعثهم إلى الوجود؟ ... # ولعل القارئ قد بدأ يدرك الآن لم كان مذهب الذات الوحيدة، من الوجهة المنطقية، ~~موقفا أقوى مما يبدو لأول وهلة. فبغض النظر عن مدى نفور الموقف الطبيعي منه، فإن هذا ~~الموقف يصعب تنفيذه ما دمنا نمارس اللعبة الفلسفية على أساس قواعد المنطق الدقيق (وهو ~~ما يصر صاحب الذات الوحيدة على أن نفعله). وعلى حين أن شوبنهور لم يكن من أصحاب هذا ~~المذهب، فإن العبارة التي استهل بها كتابه الفلسفي الأكبر تعد تعبيرا كلاسيكيا عن ~~الفكرة الأساسية لهذا المذهب: «العالم فكرتي». وفي ذلك يتفق معه صاحب مذهب الذات ~~الوحيدة قائلا: «بالضبط! وإنني لأتحدى أي شخص أن يثبت أن العالم وكل ما فيه هو على أي ~~نحو أكثر من فكرة لي.» # وإنه لمن العبث أن نرد على صاحب هذا المذهب بالإشارة إلى الحقيقة التي يعترف بها ~~الموقف الطبيعي، والقائلة إن العالم قد وجد قبل وقت طويل من ميلاد صاحبنا هذا، وسيظل ~~موجودا بعد وقت طويل من مماته؛ إذ إن رده يكون دائما على نحو مماثل لهذا: «كيف أعلم ~~ذلك - وكيف يمكن إثباته لي» إن كل ما أعلمه (وكل ما يمكن إثباته بالمنطق) هو أنني الآن ~~أدرك بيئة محيطة بي. أما منذ أي وقت ظلت هذه البيئة موجودة، وإلى أي وقت ستكون موجودة، ~~وإلى أي حد تمتد فيما وراء نطاق إدراكي، فتلك كلها أمور لا أعلم عنها، ولا يمكن أن أعلم ~~عنها، شيئا. صحيح أن هناك أقوالا متواترة، وإشاعات، بل سجلات من أنواع شتى، غير أن ~~هذه بدورها لا توجد إلا بوصفها جزءا من تجربتي. وفضلا عن ذلك فهي ليست معرفة بالمعنى ~~الذي أصر على أن نعرف به المعرفة؛ أعني ما هو معروف لي شخصيا بتجربة مباشرة أمر ~~«بها». # أما فيما يتعلق بوجود الكون بعد أن تنتهي التجربة الخاصة ms092 لصاحب مذهب الذات الوحيدة، ~~فإن صاحبنا هذا يتفق تماما مع ما ورد في إحدى قصائد أ. أ. هوسمان # A. E. Housman # بأن كل ما على من يود الانتحار أن يغمد الخنجر الذي ~~يمسك به في صدره، لكي ينهار الكون كله فيصبح عدما. وقد عبر شاعر آخر، وهو الشاعر ~~الأمريكي «جون هول ويلوك # John Hall Wheelock ~~» عن فكرة ~~تكاد تكون مماثلة لهذه تعبيرا رائعا في قصيدته الطويلة «التوسط # Mediation ~~». # 4 # فبعد تأمل في سر الوجود والتعبير عن هذا السر في الفن والأدب، يقول: # الأرض تأخذ معها؛ فهي في صمت تدور # حول المدار القديم، تحمل في صدرها # ذلك الفم الوسنان، الفم الذي يغني. ~~••• # لكن هذا كله لا يحيا إلا في ذهني، # وعندما يظلم هذا الذهن، ستظلم الدنيا كلها # فجأة؛ ستصبح الدنيا كلها عمياء ... ~~••• # إن كل ما مسست، وكل ما أحببت وعرفت # سيتخلى عني؛ وسوف يتراجع صدر الحياة # تاركا إياي وحدي في الظلام ... ~~••• # أيها الكون الحاشد بالنجوم، المعلق في جرس # ذهني الصداح، لتعش في الآن! # ولتسكن في هنا لحظة! ~~••• # فلكم ولدت في أذهان الكثير من ~~الناس، # لتنقضي سراعا ... ~~••• # وتموت مرة أخرى مع كل ذهن! # إنها لفكرة ما أقساها علي: # فما أشد مرارة التفكير ... # في أن هذا كله سيكون، بالنسبة إلي، # كأنه لم يكن، عندما ينقضي أجلي ... # ولكن قد يحسن بنا نحن أيضا أن نتراجع. ولنكرر مع هامات تعبيره ~~البليغ، الذي قاله بعد التأمل في مشكلات مماثلة: «في هذا الطريق يقبع الجنون». ~~(8) المثالية الموضوعية أو المطلقة # كانت الرغبة في التخلص من ورطة مذهب الذات الوحيدة من بين الأسباب التي دعت مدرسة من ~~الفلاسفة الألمان في أوائل القرن التاسع عشر إلى وضع آخر صورة مثالية يتعين علينا ~~بحثها. هذه المثالية تعرف باسم المثالية المطلقة # 5 # أو «فلسفة المطلق»، وهو الاسم الأكثر شيوعا. ولقد كان أهم دعاتها هم نتشه ~~وشبلنج وهيجل، الذين كان آخرهم يفوق الباقين في تأثيره بمراحل. ولقد كان لهذه المدرسة ~~تأثير هائل في المذهب المثالي في إنجلترا والولايات المتحدة. ويبدو أن هذا التأثير ms093 قد ~~تعدى نقطة السمت قبل الحرب العالمية الأولى بفترة ما. ولكن أحدا لا يستطيع أن يقرأ ~~بفهم فلسفة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ولاهوته أو حتى شعره، ما لم يكن على ~~شيء من الإلمام بهذه المدرسة وتعاليمها. # وأهم ما يميز المثالية المطلقة هو أنها تتجه بقوة إلى الواحدية بقدر ما يتجه مذهب ~~باركلي إلى التعددية. «فالوحدة» و«الشمول» و«الكل» ألفاظ رئيسية في هذا المذهب. وربما ~~كانت تمثل أجرأ محاولة بذلت حتى الآن لفرض الوحدة والتكامل على العالم والتجربة ~~البشرية. وهي قد حققت هذه الوحدة بوسيلة تبدو بسيطة، هي التوحيد بين الطبيعة والذهن. ~~وبطبيعة الحال فإن باركلي كان قد حاول أن يقوم بشيء مشابه لهذا في توحيده بين الطبيعة ~~والجربة، غير أن مذهبه كان يشتمل على عدد من الأذهان الفردية أكبر من أن يتيح سد الثغرة ~~بينهما. أما مذهب هيجل فقد حاول التخلص من هذه الصعوبة عن طريق مفهوم الذهن الشامل أو ~~المطلق (الذي يطلق عليه عادة «المطلق» فحسب)، والذي لا تكون أذهاننا المتناهية إلا ~~أجزاء منه فحسب. # من باركلي إلى هيجل ~~: والواقع أن الخطوات المنطقية ~~التي أدت إلى ظهور هذا «المطلق» طريفة إلى أبعد حد، لا سيما بعد أن أصبحنا قادرين على ~~فهم هذا التطور المحتوم من النزعة الذاتية عند باركلي. فصاحب المذهب المطلق شأنه شأن ~~صاحب النزعة الذاتية، يبدأ بما هو في نظر المدرستين معا أهم الوقائع المجردة: ألا وهو ~~الاعتماد التام لكل وجود كما نعرفه على التجربة. من هذا الموقف المعرفي المعترف به، ~~يقفز كل من نوعي المثالية قفزة هائلة إلى الرأي القائل إن الوجود يتوقف على التجربة ~~- لا الوجود - كما نعرفه فحسب (أي بقدر ما تمتد تجربتنا)، وإنما الوجود بما هو كذلك. ~~ولكن في الوقت الذي ينتقل فيه باركلي إلى افتراض ذهن إلهي لكي يحفظ وجود العالم الطبيعي ~~(بوصفه موضوعا للإدراك). فإن منطق المذهب يؤدي إلى تصور أعمق وأدق من الوجهة العقلية ~~إلى حد ما. فهذا «المطلق» هو، من وجهة النظر المعرفية، ذات شاملة لكل شيء، تناظر ms094 الكون ~~بوصفه موضوعا شاملا. ذلك لأننا لو اعترفنا مع باركلي بأن «وجود الشيء هو كونه ~~مدركا»، وبأن كل موضوع في العالم ليس إلا موضوعا للإدراك (أو منسوبا إلى التجربة)، ~~فعندئذ يلزم عن ذلك منطقيا أن نفترض فعلا إدراكيا مطلقا يضفي الوجود على المجموع ~~الشامل للأشياء الطبيعية، الذي نسميه الكون؛ أي إن نفس وجود هذا الكون، الذي لا تعرفه ~~أذهاننا المتناهية إلا معرفة جزئية (أي بوصفه موضوعات فردية) يقتضي هنا أن نؤمن «بمجرب ~~مطلق» يحقق تكامل كل تجربة ممكنة لا كل تجاربنا الجزئية فحسب. # وأيا ما كان حكمنا الشخصي على المثالية بالمطلقة بوصفها الرأي النهائي عن العالم، ~~فلا مناص من الاعتراف بأن منطقه محكم. فما إن نقبل أن نخطو أول خطوة ودية مع الأسقف ~~الطيب باركلي، في أيامه الغابرة في القرن الثامن عشر، حتى يكون صاحب المذهب المطلق قد ~~امتلكنا جسدا وروحا. ولا يبدو أن هناك مفرا من منطقه الصارم؛ إذ إن أبسط غزل بريء ~~مع «وجود الشيء هو كونه مدركا» يؤدي حتما إلى الوقوع في أحضان «المطلق» التي لا يفلت ~~منها شيء. أما الواقعي، الذي هو حريص قبل كل شيء على الإفلات من هذا المصير العقلي، فإن ~~لديه طريقته الخاصة في الاحتفاظ بحريته. غير أن هذه خاصة أخرى، ينبغي أن تنتظر فصلا ~~آخر. # خصائص المذهب المطلق عند هيجل ~~: نود، قبل أن نختم ~~هذا البحث الذي هو أوجز بحث ممكن للمثالية المطلقة، أن نعدد بعضا من سماتها الهيجلية ~~الخاصة التي كان لها أوسع تأثير. فأولا، يلاحظ أن هذا الشامل، أو الكل الذي هو «مطلق» ~~ليس شيئا جامدا لا حياة فيه. وقد أخذ هيجل هذه البادرة (كما يفعل المثالي دائما) من ~~طبيعة الإنسان، ولا سيما طبيعة عمليات الإنسان العقلية، وجعل منها مفتاحا رئيسيا يفض ~~به أسرار الحقيقة. ولما كان يؤمن بأن الطبيعة والعقل موحدان في كل عضوي، فإن من ~~المنطقي في نظره أن يجد في طبيعة الإنسان العقلية ماهية «المطلق»؛ فهو روح أو عقل كوني ~~شامل. وهناك فكرة أخرى، تعد من أجرأ ms095 إسقاطاته، هي أن العملية التاريخية أو التطورية ~~للكون ما هي إلا تكشف أو تحقق متزايد «للروح». وفي هذا التحقق المتزايد نجد نموا ~~مزدوجا، فالروح تحقق ممكناتها، وتزداد وعيا في نفس الآن. وكل تغير تاريخي، وكل حادث ~~في الزمان، وكل نمو تطوري، يمثل مرحلة في النمو التدريجي «للروح». وأن هذه المراحل (أي ~~أكملها تحققا وأكثرها وعيا) هي النظم البشرية، ولا سيما الفن والدين والفلسفة. # وإذن فكل ما يتبقى هو تحقيق الوحدة النهائية. فإذا كان كل وجود تعبيرا عن «الروح ~~المطلقة»، إذا كان هذا «المطلق» هو بالتالي الواقع الكامل فعندئذ لا يمكن أن يكون ~~وعينا إلا الوعي الذاتي المطلق. وإذن فالتاريخ، أو مرور الحوادث ، وتجربتنا، أو وعينا ~~بهذه الحوادث، هما النصفان المحدودان أو الناقصان لعملية واحدة. # 6 # وهكذا فإن العملية الكونية غائية، وكل ما يحدث يهدف إلى تحقيق الإمكانات ~~الكامنة في «الروح». «فالحدوث» يعني تحقيق إمكان آخر معين للمطلق. ~~(9) تلخيص للمثالية # كان تقديم المثالية بالطريقة الشاملة المعممة التي قدمناها بها في هذا الفصل أمرا ~~بالغ الصعوبة. ذلك لأنه كان هناك خطر دائم من أن نرتكب، خلال محاولتنا الأخذ بيد القارئ ~~خلال هذه الغابة الفلسفية في جولة سريعة شاملة، خطأ تجاهل هذه الحقيقة الهامة. وهي أن ~~أية غابة مؤلفة من أشجار لا تتشابه منها اثنتان. ومن المعلوم أن الفوارق بين المدارس ~~الفرعية المتعددة داخل المذهب المثالي كثيرا ما تكون فوارق ملحوظة، بل إن المفكرين ~~الأفراد يختلفون في آرائهم اختلافا أكبر. ولقد كان أصعب الأسئلة إجابة، في تقديمنا ~~لهذه الصورة العامة لمثل هذا الميدان المعقد، هو سؤال أفلاطوني، وأعني به: كيف يكون ~~المرء مثاليا؟ ... أو بعبارة أخرى: إذا استبعدنا كل الفوارق «المظهرية» وتغلغلنا في ~~«الحقيقة» فما هي ماهية المثالية؟ # تلخيص عام ~~: إذا شئنا أن نلخص هذا الفصل ونختمه، ~~فلنقل إن المثالية هي نظرة إلى العالم يكون فيها الذهن أو الفكر أو الروح الحقيقة ~~الأساسية، وهي مذهب يتخذ من الذات العارفة (أي الذهن البشري الفردي المتناهي أو العارف ~~المطلق، أيا كان نوعه) مركزا للأشياء، ثم ms096 ينظم الكون حول هذا الوجود المركزي. وفضلا ~~عن ذلك فإن الكون مرتبط ارتباطا منظما بهذه الذات المركزية العارفة على أنحاء شديدة ~~الوثوق بوجه خاص. فالكون هو على نحو معين - يتفاوت من مدرسة مثالية إلى أخرى - إسقاط أو ~~امتداد للذهن أو الروح. ومن ثم فإن الواقع يتصف بكثير من الخصائص التي يعدها الذهن ~~أساسية فيه هو. فالمثالية تصور لنا عالما غالبا، معقولا، مفهوما، والأهم من ذلك ~~كله أنه إما خير في ذاته، وإما معني أساسا بالخير. إنه عالم لا يكون للقيم فيه وجود ~~موضوعي فحسب، وإنما يعمل مسار الكون ذاته على تحقيقها وحفظها، بل إننا نستطيع أن نجد، ~~في النظرة المثالية إلى العالم، أسبابا للاعتقاد بأن الهدف الأول لهذه العملية الكونية ~~تحقيق القيم إلى أقصى حد ممكن. وبذلك «لا يستبعد شيء مقدما بوصفه مستحيلا في اتجاه ~~أعلى أمانينا البشرية.» # 7 # ذلك لأن الكون في صميمه ملائم للإنسان ومثله العليا. # الفصل الرابع # | المذهب الطبيعي: العالم غير مكترث # مثلما أن الدين يجد المثالية أقرب المذاهب الفلسفية إلى قلبه، فكذلك كان العلم رفيقه ~~الفلسفي الخاص، هو المذهب الطبيعي. هذا المذهب هو في أساسه الاعتقاد بأن العالم الطبيعي أو ~~«الواقعي»؛ أي عالم التجربة البشرية - هو المجال الوحيد الذي يمكننا أو يجب علينا أن نهتم ~~به. وهذا التحديد لم يوضع اعتباطا؛ إذ إن العالم الطبيعي هو الذي رسم حدود بحثنا، نظرا ~~إلى كونه العالم الوحيد الذي تكشف لنا التجربة وجوده. ومن الواضح أن هذا الاعتقاد الأساسي ~~في المذهب الطبيعي يعني آليا رفض الاتجاه إلى العالم الآخر، والنزعة المتعالية أو فوق ~~الطبيعة بكل صورها. فأية معرفة أو قيمة أو مثل أعلى لا يمكن إرجاعه إلى التجربة البشرية ~~وإلى ما فيه صالح البشر، لا يمكن أن يكون له معنى في نظر المفكر المؤمن بالمذهب ~~الطبيعي. # وينظر صاحب المذهب الطبيعي عادة إلى الميتافيزيقا المثالية الرحبة على أنها بناء منطقي ~~رائع، لم يشيد على أساس من التجربة، على حين أن النموذج الذي يقدمه الدين، والذي يمتلئ ~~أملا وتبشيرا، يبدو في ms097 نظره ناتجا عن تفكير مغرض مبني على افتقار مماثل إلى أساس من ~~الواقع. وصاحب المذهب الطبيعي يكون عادة على استعداد لترك المثالي ورجل الدين والمتصوف مع ~~مذاهبهم، غير أنه يؤكد ضرورة النظر إلى هذه على أنها مسائل إيمانية خالصة، ليست لها أية ~~علاقة بالبرهان التجريبي. وهو يفخر عادة «بصرامته الذهنية»، ويميل إلى النظر بطريقة تمتزج ~~فيها السخرية بالسخط، إلى ما يعده «رقة ذهنية» لدى المثالي، الذي يبدو عاجزا عن ~~الحياة، إن لم يشيد لنفسه عالما يلائمه ويحميه، والمذهب الطبيعي يتهم المثالية بأنها ~~تجعل أماني الإنسان وأحلامه تؤثر في بحثه عن الحقيقة، بل تشوهه، على حين أن القائل ~~بالمذهب الطبيعي يكون عادة واثقا من أن صفحته في هذا الصدد بيضاء. غير أن ما قلناه عن ~~المذهب الطبيعي حتى الآن يكفي للتأثير في كثير من القراء مثلما يؤثر في المرء إناء من الماء ~~البارد يلقى على وجهه، فالأفضل إذن أن نرجع ونضع بعض الأسس ريثما يلتقط القراء ~~أنفاسهم. ~~(1) المركز التاريخي للمذهب الطبيعي # يرجع تاريخ الفلسفة في العالم الغربي إلى حوالي عام 600ق.م. أي إن عمره حوالي خمسة ~~وعشرين قرنا. وعلى حين أن هذه الفترة الطويلة من الزمان والتغير قد شهدت بالطبع مولد ~~كثير من المدارس ووجهات النظر الفردية، فإن جهد الفيلسوف في يومنا هذا ما زال مماثلا ~~لجهده في العصور اليونانية الأولى، وهو أن ينفذ من وراء الاضطراب والتغير الذي تنطوي ~~عليه التجربة اليومية، ويكشف الطبيعة الثابتة للأشياء. على أن الطريقة المثالية في ~~القيام بهذا البحث كانت ولا تزال، كما أوضحنا من قبل، أقوى الطرق في وصف الحقيقة ~~تأثيرا وأوسعها انتشارا. ولو تصورنا الفلاسفة على أنهم يكونون لجنة تحقيق دائما، ~~مكلفة بمهمة كشف طبيعة الحقيقة النهائية، لأمكن القول إن المثالية هي التقرير الرسمي أو ~~تقرير الأغلبية عادة. ولقد اكتسب هذا القبول، على مر القرون، قوة زائدة مستمدة من ~~السوابق التاريخية، بحيث إن أية وجهة نظر معارضة كانت تجد نفسها عادة في مركز من يهاجم ~~«الوضع القائم» بكل ما يستتبعه هذا الوضع من ms098 مزايا. # المذهب الطبيعي بوصفه وجهة نظر الأقلية ~~: إذا تأملنا ~~تاريخ الفلسفة في عمومه، وجدنا أن المذهب الطبيعي يمثل تقرير الأقلية. وقد تفاوتت هذه ~~الأقلية في الحجم من أقلية كبيرة (في أوائل العصر اليوناني، وفي العصور الأخيرة) إلى ~~أقلية لا تكاد تذكر. كما أن جهودها تراوحت ما بين إثارة الضجيج الزائد (كما هي الآن) ~~وبين الصمت الذي يكاد يكون مطبقا. ولكن مهما كان صغرها، فقد كانت دائما موجودة، تطلق ~~النيران بطريقة حرب العصابات على المواقع المحصنة للأغلبية المثالية. ولقد كان تدفق ~~تفكير المذهب الطبيعي في بعض الأحيان أشبه بقطرات ضئيلة لا يكاد يلاحظها أحد، وكان ~~أحيانا أخرى - كما هو الآن - أشبه بالفيضان الذي يدفع المثالية إلى التحصن بأرض أكثر ~~منعة. ولكنه سواء أكان قطرات أم فيضانا، فقد كان يشكل تيارا من الاحتجاج والنقد على ~~المسلمات الأساسية والنتائج النهائية للتأملات المثالية. ولما كان هذا المذهب يمثل ~~جماعة الاحتجاج أو حزب «الخوارج»، فقد كان بطبيعته عدوانيا؛ ذلك لأنه لما كان منذ ~~البداية في مركز اجتماعي أقل، نظرا إلى أنه يمثل موقف الأقلية، فلم يكن لديه الكثير ~~مما يخشى فقدانه. ومن ثم فقد كان في استطاعته أن يخوض بصدره غمار المعركة الفلسفية. ~~وكانت نظرة المثالية إلى المذهب الطبيعي - شأنها شأن نظرة كل المدافعين عن «الوضع ~~الراهن» إلى من يهاجمهم - هي أنه يفتقر إلى التهذيب وإلى احترام الوقار التقليدي ~~للفلسفة. وكان رد الفعل الشائع في المعسكر المثالي هو أن «الشغب» لا يليق بالفيلسوف. ~~ومع ذلك فقد استمر المشاغبون في مظاهراتهم، حتى أصبحوا اليوم يلقون معاملة أفضل، بل ~~أصبح لهم صوت أكبر في إدارة شئون الفلسفة. غير أن التقابل الأساسي بين وجهتي النظر ما ~~زال قائما، وأغلب الظن - بناء على أسباب سنحاول إيضاحها في هذا الفصل - أنه سيظل يمثل ~~دائما أهم مظاهر الانقسام داخل الفلسفة. ~~(2) ما هو العالم في صميمه؟ # من الملاحظ أولا أن التقابل بين قطبي التفكير يظل باقيا لأن المسألة الأساسية ~~ليست، كما يعتقد الكثيرون، هي كون طبيعة الواقع النهائي مادية أم ذهنية، بل ms099 إن هذه ~~المسألة، كما رأينا في الفصل السابق، هي: هل نظام العالم آلي في صميمه، أم هو نظام ~~أخلاقي؟ وهل الكون شبيه بآلة هائلة، بلا ذهن، وبلا غاية؛ وبالتالي خارج عن مجال ~~الأخلاق، أم هو بناء أخلاقي، يسير على أساس غاية عاقلة، وفي اتجاه تحقيق القيم والمثل ~~العليا؟ لا بد أن يتضح لنا على الفور أن هذا تباين أساسي، لا يمكن التغلب عليه حتى لو ~~تم الاتفاق على «جوهر» العالم. فقد تتفق المدرستان على أن الطاقة هي الأساس النهائي ~~لتركيب العالم (وهذا يبدو أمرا محتمل الوقوع). ولكن ما دامت إحدى المدرستين تنظر إلى ~~هذه الطاقة على أنها في أساسها ذهنية أو روحية، وتتجه إلى الحديث عنها بصيغة التفخيم ~~(وبذلك توحد بينهما ضمنيا - على الأقل - وبين الذهن الشامل أو الله)، على حين أن ~~المدرسة الأخرى تنظر إلى الطاقة كما ينظر إليها العلم، فإن الانقسام سيظل ~~قائما. # مركز القيمة ~~: وهناك سبب ثان يؤدي إلى استمرار ~~التعارض بين المدرستين: فالقيمة في نظر المثالية الكامنة في الكون، وهي موجودة في صميم ~~الأشياء، كما أن الحوادث والعمليات الكونية تتجه إلى تحقيق الخير إلى أقصى حد ممكن. ~~وعلى ذلك فالقيمة شيء موضوعي يكتشفه الإنسان بوصفه أساسيا في الكون، ولا شيء في نظر ~~المثالي يثبت القرابة بين الإنسان وبين بيئته الملائمة بمثل الوضوح الذي تثبتها به هذه ~~الحقيقة، ألا وهي أن الإنسانية والكون معنيان معا بالخبر. أما المذهب الطبيعي فيرى أن ~~العالم لا يتضمن من القيمة والخير إلا بقدر ما نستطيع نحن أنفسنا تحقيقه بجهودنا الخاصة ~~من بيئة غير مكترثة. فالقيم لا وجود لها إلا بالنسبة إلى الكائنات العضوية الحية، ~~ويعتقد صاحب المذهب الطبيعي أننا نخدع أنفسنا لو سعينا إلى إسقاط هذه المثل العليا على ~~شاشة الكون، وادعينا أن للكون أي شأن بها. ذلك لأن الكون يظل مترفعا عن آمال الإنسان ~~ومثله العليا، غير مكترث بها، ولا يستطيع صاحب المذهب الطبيعي أننا نخدع أنفسنا لو ~~سعينا إلى إسقاط هذه المثل معنى (أو حتى أي وجود) خارج مجال ms100 الأمور البشرية. # تلك هي الحجة القديمة، التي أحسن عرضها ~~اسبينوزا ومفكرون كثيرون غيره. فهل نحن نرغب في أشياء ومثل عليا معينة لأنها خيرة، أم ~~نحن نسميها خبرة لأننا نرغب فيها بطبيعتنا، ونحاول على هذا النحو أن نبرر رغباتنا ~~بإطلاق أسماء تمجيدية عليا؟ إن الخيرية في نظر المثالية، تكمن في أشياء معينة وأفعال ~~معينة لأن هذه الأشياء والأفعال تكون جزءا له دلالته من الخطة الكونية. أما المذهب ~~الطبيعي فيرى أن هذه «الأمور الخيرة» لا توجد إلا سبب طبائعنا البيولوجية وحاجاتها. ~~فلدينا بوصفنا أفرادا وبوصفنا جنسا في آن واحد، حاجات ينبغي الوفاء بها إذا أردنا ~~استمرار بقائنا الفردي وتحقيق مصالح النوع الذي ننتمي إليه. ولذا فنحن نطلق اسم «الخير» ~~على تلك الأشياء (كالطعام) أو النظم (كالزواج) أو الأفعال (كتضحية الوالدين) التي تفي ~~بأي من الحاجات الأولية، وهذا هو كل ما يمكن أن يعنيه اللفظ في نظر المذهب الطبيعي. أما ~~الحديث عن «الخير» بوصفه ما يعلو على مصالح البشر فهو بالنسبة إلى تفكير المذهب الطبيعي ~~حديث لا معنى له. # الآراء المتضاربة حول طبيعة الإنسان ~~: هناك سبب آخر ~~غير الأسباب السابقة، للتعارض الدائم بين هاتين المدرستين. فعلى الرغم من كل ما قد ~~تقوله المثالية عن وجود قرابة بين الإنسان وبين الكون الملائم له، فإنها تبني مذهبها ~~الأخلاقي على أساس وجود انفصال بين «الطبيعة» وبين «الطبيعة البشرية»؛ فالمثالي، مع ~~إصراره على تأكيد الطابع العقلي والأساس الروحي لعالم الطبيعة، يرى أن الإنسان بما له ~~من ذهن وإرادة روحية ينفرد بهما عن غيره، له كيان مستقل عن بقية الطبيعة. وفضلا عن ~~ذلك، فالطبيعة البشرية ليست مستقلة فحسب، وإنما هي أعلى؛ أي إنها حلقة اتصال - إن جاز ~~هذا التعبير - بين الطبيعة والذهن الشامل، أو بين ما هو طبيعي وما هو فوق الطبيعي. ومن ~~هنا فإن المثالي لا يتأثر عندما يقول صاحب المذهب الطبيعي مثلا أنه ليس ثمة دليل على ~~وجود العدالة في الكون إلا بوصفها مثلا أعلى بشريا محضا، ويبين أن القانون الأساسي ~~للطبيعة يبدو شيئا أشبه بقاعدة ms101 «السمك الكبير يأكل السمك الصغير»؛ ذلك لأن المثال ~~يعترف بأن للطبيعة «أنيابا وأظفارا مخضبة بالدماء»، ولكنه يؤكد أن امتلاك الإنسان ~~للعقل ينأى به عن هذا القانون البدائي الذي هو مجرد قانون للصراع المرير من أجل البقاء. ~~فالطبيعة البشرية تنال الخلاص بفضل اقترابها من مصدر «العقل» و«الخيرية» وبهذا تعلو على ~~أصلها الحيواني. # أما في رأي المذهب الطبيعي، فإن الإنسان أحد أفراد النوع الحيواني، وهو لا يستطيع ~~الخلاص أبدا من هذا الأصل، على الرغم من امتلاكه العقل أو الوعي. فعالم الطبيعة شامل ~~لكل ما فيه على نحو متصل، والإنسان جزء من هذا العالم، شأنه شأن أي نوع آخر: وهو لا يقل ~~عن أي شيء آخر في الكون من حيث خضوعه لقوانين العالم، وتحكم مبدأ العلة والمعلول في ~~أفعاله؛ ذلك لأن الطبيعة لا تعرف استثناءات، صحيح أن لكل نوع قدرات وخصائص فريدة، غير ~~أن امتلاك هذه الخصائص لا يفصل هذا النوع بأية حال عن بقية النظام الطبيعي. كذلك فإن ~~القدرات الفريدة للنوع لا تضفي عليه أهمية تزيد على ما للأشكال الأخرى للحياة. ولا جدال ~~في أن الحيوان القارض تبدو له القدرة على الهضم أهم «وبالتالي ذات دلالة كونية أعظم» من ~~القدرة على الاستدلال المجرد. كذلك فإن السرعة في نظر الغزال، تجعله على الأرجح فريدا ~~في عينه هو؛ وبالتالي أهم في أعين الكون. أما بالنسبة إلى السمك، فكل القيم ترتكز على ~~أساس من السيولة والقدرة على العوم. # 1 # نظرة المذهب الطبيعي إلى الذهن ~~: نستطيع الآن أن ~~ندرك، بناء على ما قلناه في الفصل السابق، أهمية المكانة المركزية التي يحتلها الذهن في ~~النظرة المثالية إلى الأشياء. أما المذهب الطبيعي فيرى في الذهن مجرد أداة فحسب. ذلك ~~لأن قدرة الإنسان على البقاء في الصراع على العيش لا تجد معونة من الألوان التي تحميه، ~~ولا من السرعة الفائقة، أو المخالب الحادة، أو القدرة على إطلاق رائحة ساطعة، أو إصدار ~~زئير مخيف. ففي استطاعة الحيوانات الأخرى أن تتفوق عليه في سرعة الجري، وفي القدرة على ~~السباحة، وأن تقهره ms102 في أية معركة تنشب دون أسلحة. غير أن للإنسان، بدلا من هذه القدرات ~~والأجهزة الخاصة، أداة أخرى، هي عقله، تمكنه من أن يعوض نفسه وزيادة، عن طريق اختراع ~~شتى أنواع الأسلحة والأدوات، وتسخير قوى الطبيعة لخدمته. غير أن هذا الذهن الفذ الذي ~~يمتلكه، والذي هو بالفعل أكثر أدوات التكيف مرونة، يظل مع ذلك (بالنسبة إلى بقية الكون) ~~مجرد أداة من أدوات البقاء والتكيف. إنه حقا فريد، وذو أهمية قصوى للإنسان، ولكن هذا ~~ليس دليلا على أن له أية أهمية كونية تزيد على أهمية مخلب النمر أو زعانف السمكة. صحيح ~~أن الإنسان يستطيع أن يفعل بعقله أمورا تفوق ما تفعله الحيوانات الأخرى «بأدواتها» ~~ولكن من الصحيح كذلك أنه يستطيع أن يستخدمه في اتجاه الشر مثلما يستخدمه في اتجاه ~~«الخير». وبالاختصار، فكل ما يعنيه امتلاك العقل هو المزيد من القوة واتساع نطاق ~~السلوك، وليس بالضرورة المزيد من الخير. # وهكذا فإن هذه الفكرة المألوفة لدى أصحاب المذهب الطبيعي، تسير على النحو الآتي؛ ففي ~~البدء كانت الطبيعة، ثم ظهر الإنسان بعد عملية تطور طويلة شديدة البطء. والنوع البشري ~~هو ارتقاء (أو ازدهار، إن كان هذا اللفظ يسعد المثالي) للطبيعة، ولكنه ليس أكثر أو أقل ~~أهمية من الأنواع الحيوانية الأخرى، التي تفصل الإنسان عنها فوارق أقل أهمية بكثير، من ~~وجهة النظر البيولوجية، من الحاجات والسمات التي يشترك فيها مع هذه الأنواع. فالنظام ~~الطبيعي متصل، والإنسان، على الرغم من فردانيته الذهنية، وأهميته العامة في نظر نفسه، ~~لا يشكل انقطاعا في هذا النظام. ~~«الطبيعة» في الإطار العام لتفكير المذهب الطبيعي ~~: ~~يوجه خصوم المذهب الطبيعي أحيانا إلى القائل به تهمة توسيع تصور «الطبيعة» وجعله ~~شاملا إلى حد يغدو معه هذا اللفظ بلا معنى، مثلما أن صاحب المذهب الطبيعي يتهم خصمه ~~بالتوسع في تصور «الذهن» إلى حد يصبح معه شاملا لكل شيء، وبذلك يجعله بلا معنى. غير أن ~~ما يعنيه المذهب الطبيعي بلفظ الطبيعة شيء مختلف كل الاختلاف. فهو عندما يسمي «الطبيعة» ~~بالحقيقة الوحيدة، ويبدو ذلك كأنه يوحد بينها ms103 وبين الوجود، لا يكون معنى ذلك أنه قد ~~افترض «مطلقا» جديدا يكون أشبه «بالليل الذي تبدو فيه كل الأبقار سوداء». # 2 # وإنما يفترض صاحب المذهب بدلا من ذلك، عالما لا يمكن أن يكون فيه للعالي ~~وجود. فهو يدعو إلى نزعة طبيعية تستبعد أي مبدأ فوق الطبيعة. والأمر الذي يؤدي به إلى ~~تعريف الطبيعة على نحو يؤدي إلى استبعاد كل «عالم آخر» أو «ما وراء هذا العالم» من ~~مقولة الوجود، هو ارتيابه العميق في المذاهب التي لا تقوم على أسس تجريبية، مهما تكن ~~منطقية أو محكمة البناء. # ويفترض المذهب الطبيعي ثلاث مسلمات بشأن الطبيعة. وهذه المسلمات تبلغ من الأهمية ~~ومن الدلالة حدا يجعلها تتحكم في تجديد الطابع الكامل لهذه المدرسة الفلسفية. ومن ثم ~~فإننا لو فهمنا هذه المسلمات فهما كاملا، ومعها نتائجها السلبية لأمكننا أن نكون ~~صورة لا بأس بها عن نظرة هذه المدرسة إلى العالم. ~~(1) # يؤكد المذهب الطبيعي أولا أنه لا يوجد إلا نظام أو نسق واحد للواقع ~~ومستوى واحد للوجود. وهذه المسألة تؤدي ضمنيا إلى استبعاد كل ميتافيزيقا ~~ثنائية، وتجعل من المستحيل وجود أي نوع من العالم العلوي أو فوق ~~الطبيعي. ~~(2) # ويرى المذهب الطبيعي ثانيا أن هذا ~~النظام الواحد للحقيقة يتألف من كل الأشياء والحوادث الموجودة في المكان ~~والزمان، ومن هذه وحدها. ولهذه المسلمة بدورها نتائج سلبية هامة، فهي ~~تؤدي إلى استبعاد إمكان الكلام عن ألوهية «خارج الزمان» أو عن عالم علوي ~~«بمعزل عن المكان». كما أن أية قضايا متعلقة بالموضوعات والحوادث التي لا ~~يمكن إدراجها ضمن مقولتي الزمان والمكان تصبح في نظر ذلك المذهب قضايا لا ~~معنى لها. ~~(3) # وأخيرا، يرى المذهب الطبيعي أن ~~سلوك هذا النظام الواحد للوجود - أي العملية الكونية بأسرها، وجميع الحوادث ~~الفردية التي تتألف منها هذه العملية - يتحكم في تحديده طابع هذا النظام ~~وحده، ومن الممكن إرجاعه إلى نسق من قوانين العلية. وهنا أيضا نجد ~~للنتائج الضمنية أهمية قد تفوق أهمية المسلمات ذاتها، وهي قطعا تكشف عن ~~أمور أكثر مما تكشفه هذه المسلمة؛ ذلك لأن ms104 قبول هذه المسلمة يعني تأكيد ~~إيماننا بأن الكون منطو على ذاته، ومكتف بذاته، ومعتمد على ذاته، ومدبر ~~لذاته. كما يعني أننا نعتقد أن الكون يوجه ذاته، دون أن يتأثر بأية ~~فاعلية «خارجية» أو قوة «أعلى»، بل إن قبول هذه المسلمة يعني إنكار إمكان ~~تدخل أي فاعل على أي نحو في نظام العالم، أو في سلسلة الحوادث الطبيعية. ~~وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم كيف يتحكم في الطبيعة بكشف ~~قوانينها وتطبيقها. فلما كان الإنسان ذاته، تبعا لفرض المذهب الطبيعي، ~~جزءا من نظام الطبيعة. فإن تدخله في هذا النظام، حتى عندما يصبح أظهر ما ~~يكون (كما في حالة تحريك الجبال) أو أعمق ما يكون (كما في حالة الانشطار ~~الذري)، لا يشكل تدخلا من خارج الطبيعة كتلك المعجزات أو «التجليات ~~الإلهية» التي يفترض وقوعها. ~~(3) المذهب الطبيعي والعلم # من الواضح أن فيلسوف المذهب الطبيعي يؤمن ~~إيمانا تاما - كما هو متوقع - بمناهج العلم ونتائجه. أما المثالية فهي، كما رأينا من ~~قبل، تقبل النظرة العلمية إلى العالم في حدودها الخاصة، ولكنها تنكر أنها تصل إلى حد ~~إعطائنا معرفة نهائية قصوى. ومن جهة أخرى فإن صاحب المذهب الطبيعي ينكر من جانبه أن ~~يكون في وسعنا تجاوز هذا التنظيم المنهجي للمعطيات التجريبية، الذي نطلق عليه اسم ~~العلم، ونظل مع ذلك على أرض موثوق منها. ففي رأي هذا المذهب أن المعرفة (أعني أية ~~معرفة جديرة بهذا الاسم) ينبغي إما أن تكون مستمدة من التجربة الحسية مباشرة، كما هي ~~الحال في الموقف الطبيعي، وإما أن تكون قابلة للتحقيق الحسي عندما تتوافر الشروط ~~اللازمة، كما هي الحال في العلم. # الخلط بين المذهب الطبيعي والمذهب الوضعي ~~: أدى قصر ~~المعرفة على المستوى التجريبي أو العلمي، على نحو ما رأينا، إلى سوء فهم كثير للمذهب ~~الطبيعي، سواء من جانب خصومه المثاليين، ومن جانب المثقفين بوجه عام. ولسوء الفهم هذا ~~جذوره التاريخية التي تمتد طوال الأعوام المائة الأخيرة من التطور العقلي. فهناك من ~~المدارس الفرعية في المذهب الطبيعي بقدر ما في المذهب ms105 المثالي تقريبا، كما رأينا من ~~قبل. وقد اضطرت كلتا المدرستين الكبيرتين إلى أن تدفع في بعض الأحيان ثمنا من فقدان ~~هيبتها العقلية لقاء المواقف المتطرفة التي اتبعتها مدرسة فرعية صغيرة ما، من بين ~~المدارس التي تسير في ركابها. وفي حالة المذهب الطبيعي، كانت الجماعة المتطرفة هي ~~الوضعيين ولقد كان مؤسس مذهبهم الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت، الذي نشر ~~كتابه الرئيسي منذ أكثر من مائة عام (1839-1842م). ولقد اندثرت مدرسته الآن تقريبا - ~~وهو أمر يدعو إلى ارتياح المعتدين من أصحاب المذهب الطبيعي، الذين أرهقهم في العقود ~~الأخيرة تبرير موقفها المتطرف. ولكن من سوء الحظ أن كثيرا من خصوم المذهب الطبيعي لا ~~يدركون أنها اندثرت بالفعل. ومن ثم تراهم يواصلون محاسبة المذهب الطبيعي ككل على خطايا ~~الموتى. # كانت الوضعية توحد بين المعرفة وبين العلم توحيدا تاما. فلم يكن العلم في نظرها هو ~~السلطة الوحيدة في كل أمور الحقيقة أو المعرفة فحسب، بل إن أية تجربة لا تقبل التحقيق ~~العلمي كانت ترد إلى فئة الأقوال المنعدمة المعنى، بل إلى فئة اللاوجود. ولقد أدت ~~وجهة النظر القطعية هذه، وهي نظرة لم يكن من الممكن أن تنشأ إلى عندما كان العلم الحديث ~~في عنفوان الثقة بالنفس، التي تتصف بها فترة المراهقة - أدت بطبيعة الحال إلى استثارة ~~سخط كل أولئك الذين تبدو لهم تجارب الإنسان الأخلاقية أو الفنية أو الدينية تجارب ~~حقيقية، بل تجارب لها مغزاها ودلالتها. ومن ثم هوجمت الوضعية بعنف، وامتد عنف الهجوم، ~~في كثير من الأحيان، بحيث شمل كل رفاق الطريق من أصحاب المذهب الطبيعي. ولكن أغلب الظن ~~أننا لن نجد اليوم أي مفكر بارز يؤيد هذا الموقف الوضعي المتطرف، بل إن الاتجاه اليوم ~~قد تحول إلى المسار العكسي: ففي نصف القرن الأخير، كان هناك تطوير فلسفي مطرد، داخل ~~الحدود العامة للمذهب الطبيعي في عمومه، لمدرسة يطلق عليها اليوم عادة اسم «المذهب ~~الطبيعي النقدي». وتحاول وجهة النظر هذه، التي ربما كانت تمثل موقف المذهب الطبيعي في ~~أعمق اتجاهاته الفكرية، أن تتجنب تطرف ms106 الوضعية وتطرف مادية القرن التاسع عشر، بأن تجد ~~مكانا لكل الظواهر، وضمنها الظواهر الاجتماعية والأخلاقية والجمالية. # 3 # فالمذهب الطبيعي النقدي، مع تعريفه لكل شيء (وضمنه الذهن) من خلال العالم ~~الطبيعي، ومثابرته على مهاجمة النزعة فوق الطبيعة بكل أشكالها، لا يوجد بين مجال الواقع ~~العلمي وبين مجال التجربة البشرية الكاملة. والأهم من ذلك أنه يرفض تعريف الطبيعة من ~~خلال المادة والحركة وحدهما، أو من خلال الحوادث التي تقع في الزمان- المكان من جهة ~~أخرى. فهو يعد هذه مفاهيم منهجية ضرورية لعمل العلم، ولكنه يأبى أن يعزو إليها مركزا ~~ميتافيزيقيا بوصفها الوسائل الوحيدة لتحديد طابع الطبيعة أو الواقع. # أما الأمر الذي يقبله المذهب الطبيعي النقدي - وهو هنا يتحدث باسم جميع أنصار المذهب ~~الطبيعي - فهو الموقف أو الاتجاه العلمي، ولا سيما الإطارات العامة المستخدمة في صياغة ~~المبادئ العامة للعلم. فهو يوافق على أن هذه المبادئ ينبغي أن تكون مبنية على وقائع ~~تجربتنا المشتركة؛ أعني ذلك العالم الموضوعي القابل للتحقيق المفتوحة أبوابه لكل ~~الملاحظين - وينبغي ألا تتجاهل هذه الوقائع أو تدعي العلو عليها بطريقة ما. # قانون الاقتصاد في الفكر ~~: ينبغي لنا، لكي ندرك ~~الدلالة الكاملة لوجهة النظر الأخيرة هذه، أن نبحث واحدا من المبادئ العامة للعلم، وهو ~~المبدأ المعروف «بقانون الاقتصاد ~~في الفكر # Law ~~of Parsimony ~~». هذا المبدأ، الذي صاغه في الأصل وليام الأكامي # William of Occam # في القرن الرابع عشر (والذي ~~يعرف أحيانا باسم سكين أوكام # Occam’s Razor ~~) ينص على ~~وجوب عدم تعديد مبادئ التفسير أو عوامله أكثر مما تدعو إليه الحاجة. ولقد كان الهدف من ~~هذا «السكين» هو إيجاد سلاح لبتر الشوائب العديدة من الكيانات والجواهر والعلل، إلخ، ~~التي تراكمت طوال قرون عديدة من التفكير في العصر الوسيط. وكانت نتيجته غير المباشرة هي ~~تمهيد الطريق للصيغ العلمية التي وضعت في عصر النهضة، وإعطاء العلوم الجديدة - آخر ~~الأمر - أداة من أهم أدواتها العقلية. ويقول هذا المبدأ، بلغة أبسط، إنه إذا كانت ~~لدينا عدة تفسيرات محتملة لأية ظاهرة بعينها، كلها تبدو متساوية في قدرتها على ms107 تعليل ~~الوقائع، وكلها منطقية بدرجة متساوية، فإن أساس الاختيار بينها ينبغي أن يكون هو ~~البساطة. وهناك تعبيرات شائعة عن هذا المبدأ، مثل «الطبيعة تحابي أبسط المناهج» أو ~~«الطبيعة تسلك بأيسر الطرق». ولو طبقنا مبدأ الاقتصاد في الفكر على فقرتنا السابقة، ~~لكان مؤداه أنه إذا كانت العلل الطبيعية كافية لتعليل كل الظواهر؛ أي إذا كانت المعرفة ~~العلمية تقدم تفسيرا كافيا - فما الذي يدعونا إلى الإتيان بفرض المثالية الذي لا يمكن ~~إثباته؟ # وبطبيعة الحال فإن لب المشكلة هو ما إذا كانت الصيغ العلمية تأتي بإجابات مرضية لنا ~~في سعينا إلى المعرفة القصوى أم لا. ففي رأي المثالي أن العالم الذي تكشفه العلوم ~~المختلفة قد يكون عالما حقيقيا، ولكنه لا يمكن أن يكون العالم الكامل مطلقا، بل إن ~~المثالي يشك حتى في كونه نموذجا يمثل الواقع تمثيلا صحيحا، فكيف إذن يقال إن قوانينه ~~تشكل تفسيرات كافية ترضينا؟ ويواصل المثالي كلامه قائلا إن قانون أوكام قد يكون صحيحا ~~بالفعل، ولكن ينبغي أن يلاحظ أن المطلوب منا هو انتقاء أبسط تفسير كاف. على أن ~~التفسيرات العلمية ليست كافية إلا بالنسبة إلى أغراض العلم، وهي في ذاتها قد تعطي صورة ~~صحيحة عن الواقع المادي، ولكنها لا تنبئنا إلا بالقليل جدا عن «الواقع» الحقيقي ~~الكامن من ورائه. # الآراء المتضاربة بشأن «الطبيعة»: ذلك لأن المثالي يرى أن «الاكتفاء الذاتي الظاهري ~~ما هو إلا وهم». # 4 # فالعالم الطبيعي ليس إلا قناعا على وجه الواقع، وما الطبيعة بأسرها إلا ~~مظهر، أو ظاهرة، يوجد من ورائها «شيء في ذاته» مختلف كل الاختلاف. وأساس العالم الطبيعي ~~إنما هو هذه الحقيقة غير المادية، التي يتوقف عليها بناء الكون بأسره. أما صاحب المذهب ~~الطبيعي فإن وجهة النظر هذه تبدو خيالية في نظره، فهي تبدو أشبه بوضع العربة قبل ~~الحصان، ولكن على مستوى الكون بأسره. فالمذهب الطبيعي يرتكز على وجهة نظر الموقف ~~الطبيعي، القائلة إن ما يبدو للطبيعة من اكتفاء ذاتي هو حقيقة أصيلة. والنظام الطبيعي ~~لا يعتمد على شيء خارجه في وجوده أو بقائه، ms108 بل إن كل شيء في الكون، وضمنه الإنسان ~~وذهنه، يعتمد إلى وجوده على النظام الطبيعي. فالكون يرجع أساسه إلى ذاته فحسب، ولسنا ~~بحاجة إلى افتراض مصدر خارجي أو قوة علوية لإضفاء الوجود أو المعقولية عليه. أي إن ~~الكون يقف على أرجله، غير معلق «بأربطة حذاء» كونية. ومن ثم فإن السؤال عما يقع خارج ~~الكون أو وراءه هو سؤال لا معنى له، فاللفظ يشمل مجموع كل وجود - وكيف يمكن أن يكون ~~وراء «الوجود» شيء؟ # حول هذه المسألة يحدث الانقسام الأساسي بين المثالية وبين المذهب الطبيعي. فالحقيقة ~~القصوى في نظر المثالي هي شيء روحي، يوجد من وراء الواقع الظاهري الذي يكشفه لنا عالمنا ~~اليومي التجريبي، عالم اللحظة الحاضرة والمكان الحالي. أما في نظر صاحب المذهب الطبيعي ~~فإن عالم التجربة هذا؛ أي النظام الطبيعي، هو في ذاته نهائي؛ ومن ثم فإن قانون ~~الاقتصاد في الفكر يحتم علينا ألا نفترض أية عوامل تفسيرية غير ضرورية لتعليمه. فقوانين ~~العلة والمعلول - كما يفهمها العلم وكما تطبق فيه - هي تفسيرات كافية، لا للعلم وحده، ~~ولكن للفلسفة والحياة العملية أيضا. وهكذا فإن المذهب الطبيعي يرى أن الصيغ المفصلة ~~التي تضعها المثالية والأديان معا، تبتر بواسطة سكين أوكام، ولا يوجد مبرر معقول ~~لاستمرار وجودها. # وهنا قد يتساءل القارئ: «ولكن، إذا كان موقف المذهب الطبيعي سليما إلى الحد الذي ~~يدعيه أنصاره، وكانت المثالية غير ضرورية، فلماذا ازدهرت هذه الأخيرة طوال تاريخ ~~الحضارة الغربية، ولماذا كانت لا تزال تحتفظ بقدرتها الفائقة على النمو؟ لا بد قطعا أن ~~يكون في المثالية شيء أكثر من التراث، هو الذي يحفظها حية!» وفي اعتقادي أن القارئ محق ~~في ذلك تماما، وهذا «الشيء» هو أن وجهة نظر المذهب الطبيعي ليست كافية في نظر كل شخص ~~بل ليست كافية في نظر أغلب الأشخاص. ذلك لأن وجهة النظر هذه، مهما تكن قدرتها على إرضاء ~~العقول، لا ترضي قلوب أناس كثيرين. # كذلك فليس ثمة احتمال كبير في أن نظرة المذهب الطبيعي إلى العالم سوف تتمكن في أي وقت ~~من ms109 إرضاء المطالب العاطفية لمعظم الناس على النحو الذي تستطيع أن ترضيها عليه النظرة ~~المثالية. فسوف تضطر النظرة الطبيعية دائما إلى أن تواجه الاتهام القائل إن أنصارها ~~قوم لا قلوب لهم، وإنهم لا يكادون يكونون بشرا، وإن نظرتهم باردة قاتمة بالقياس إلى ما ~~تستطيع المثالية تقديمه من دفء وأمان. وكما قلنا من قبل، فإن هذا الاتهام الموجه ~~لصاحب المذهب الطبيعي بأنه غير مكترث بمطالب القلب، هو في نظر معظم الناس أخطر وأهم من ~~أية نقاط ضعف عقلية في المذهب. فمعظم الناس الذين يقبلون على الفلسفة ملتمسين لديها ~~إجابات عن أسئلة تحيرهم، يكونون عادة على استعداد للتغاضي عن بضع هفوات في المنطق، وعن ~~بضع مسلمات لم تختبر، تسللت إلى الاستدلال، أو بضع ثغرات لم تسد، لو كان من شأن ~~النغمة العامة والاتجاه العام للإجابة أن ترضي عواطفهم. ومن المؤكد أن المثالية تتيح ~~مثل هذا الإرضاء، فهي قد تقف مع المذهب المنافس لها على قدم المساواة من حيث المنطق، ~~ولكنهما ليسا ندين من حيث الإرضاء العاطفي. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتعليل الشعبية ~~الواسعة والحيوية الدائمة للمثالية. ~~(4) المثالية الميتافيزيقية مقابل المثالية الأخلاقية # يكاد يكون من المحتم أن يكون القارئ قد شعر ~~فجأة بمفارقة في موضع ما من هذا الفصل. وربما كانت تجربته مشابهة لتجربة أناس كثيرين. ~~فمن الجائز أن أصدقاءه وأقرباءه يسمونه «مثاليا» ولكنه يكتشف الآن أن آراءه في الكون ~~والواقع أقرب إلى آراء المذهب الطبيعي. فإذا كانت الفكرة الرئيسية التي ألف حولها هذا ~~الكتاب صحيحة، وكانت المثالية والمذهب الطبيعي هما القطبين المتقابلين في الفلسفة، فكيف ~~يمكن إذن أن يكون المرء في كلا المعسكرين دون أن يكون مفتقرا أساسا إلى الاتساق - ~~الذي يشعر القارئ على الأرجح أنه لا يفتقر إليه؟ # إن تفسير هذه المفارقة أبسط مما يعتقد، وذلك ~~على الأقل من وجهة نظر المثالي. ذلك لأن الخلط ينشأ من وجود نوعين من المثالية، يفرق ~~بينهما لفظ المثالية الميتافيزيقية والمثالية الأخلاقية (أو التقويمية # Axiological ~~). والأولى هي التي كنا نتحدث عنها حتى ~~الآن. ولكن الواقع أننا ms110 لو شئنا الدقة فكان من الواجب تسمية هذه النظرة الميتافيزيقية ~~الكبرى باسم «الفكرية # Ideaism ~~». ولكن من المؤسف أن نطلق ~~الكلمة على هذا النحو الصعب في اللغة الإنجليزية؛ ولذا فقد أضيف إليها الحرف «I» منذ ~~وقت بعيد لتحسين وقع اللفظ. وترتب على ذلك أن اللفظ الواحد أصبح يستخدم الآن للتعبير عن ~~مفهومين مختلفين (بل لا يوجد بينهما ارتباط في نظر صاحب المذهب الطبيعي): أولهما هو تلك ~~النظرة إلى العالم، التي تكون فيها الفكرة، أو التفكير، أو الذهن، هي الحقيقة الأساسية، ~~والثانية هي ذلك المذهب في الاعتقاد أو السلوك، الذي تكون فيه المثل العليا؛ أي ~~الغايات أو المعايير المرغوب فيها - هي الدافع الأساسي. ولو كان من الممكن استخدام لفظ ~~الفكرية للتعبير عن الميتافيزيقية ولفظ المثالية للتعبير عن المذهب الأخلاقي، لأمكن ~~استبعاد قدر لا حد له من الخلط. # ادعاء الاحتكار لدى المثالي الميتافيزيقي ~~: ومع ذلك ~~فالأمر هنا يزيد على مجرد تحسين وقع اللفظ. فهناك سبب آخر أدى إلى عدم استخدام لفظين ~~مستقلين هو أن المثالية الميتافيزيقية قد حاولت الاحتفاظ باحتكار اللفظ الواحد، ~~بتأكيدها القاطع أن من المستحيل الفصل بين النظرتين. فهي تذهب إلى أن من المستحيل أن ~~يكون لديك مذهب مثالي في السلوك، إن لم تكن تفترض مقدما نظرة إلى الكون تصور الواقع ~~بأنه ذهني أو روحي. وباختصار فالمثالي الميتافيزيقي يؤكد أن من المحال أن يكون لأي مذهب ~~أخلاقي قوة أو حتى معنى، ما لم يكن يفرضه نظام كوني هو في صميمه نظام أخلاقي، ويوجد فيه ~~الله بوصفه الماهية العميقة للواقع. ففي نظر هذه المدرسة من مدارس المثالية، يكون تعبير ~~«أخلاق المذهب الطبيعي»، أو «الأخلاق في إطار من المذهب الطبيعي»، تعبيرا متناقضا؛ إذ ~~لا بد أن يكون لمثلنا العليا ومعاييرنا علاقة بمثل عليا أعلى وأشمل؛ أي «بالمثل ~~الأعلى» الواحد الشامل - إذا ما شئنا أن تكون لها قيمة على الإطلاق. أما إذا نظرنا ~~إليها على أنها معايير بشرية محضة، لا تستمد إلا من التجربة البشرية، ولا يكون لها ~~معنى إلا بالنسبة إلى أمور البشر، ms111 فإنها عندئذ لا تكون ذات أثر أو قيمة. # المثالية الأخلاقية في علاقتها بالمذهب الطبيعي ~~: على ~~أن المثالية الأخلاقية لا ترتبط ارتباطا ضروريا بوجهة النظر الصارمة هذه، وكثيرا ما ~~نجد مثاليين أخلاقيين لا يتمسكون بها. هذا النوع من المفكر الأخلاقي كثيرا ما يكون ~~صاحب مذهب طبيعي في الميتافيزيقا، يرى أن القيم والمثل العليا لا تفقد شيئا من معناها ~~أو قوتها حين تكون «بشرية فحسب». فليس في تسميتنا إياها بالقيم البشرية، أو في تسمية ~~القائل بها باسم صاحب نزعة إنسانية، أي إقلال من شأنه؛ ذلك لأنه لا يوجد في فلسفته ~~عنصر إلهي أو فوق الطبيعي يكون الطبيعي أو «البشري فحسب» أدنى مرتبة بالقياس إليه، بل ~~إن صاحب المذهب الطبيعي يرى في قدرة الإنسان على صياغة مثله العليا ثم السير في حياته ~~بمقتضاها أمرا عظيما له دلالته، غير أن هذه الدلالة لا تأتي إلا من السعادة البشرية ~~والازدهار البشري الذي يمكن أن يتحقق على هذا النحو، لا من أية علاقة مفترضة بالخير ~~الكوني. فللمثل العليا البشرية جدارة وقيمة خاصة بها، وهي تقف بذاتها، مستمدة معناها ~~وقيمها من علاقتها بالحياة البشرية وإمكاناتها. مثال ذلك أنه حتى لو لم تكن «للعدالة» ~~«صورة» أفلاطونية تكون هي مصدرها والضامن الميتافيزيقي لوجودها، فإنها توجد بوصفها ~~مثلا أعلى له معناه وفعاليته في أي مجتمع مؤلف من كائنات تستطيع مشاعرها وعقولها أن ~~تحس بالظلم. وباختصار، فنحن نضع المثل العليا ونسعى إلى تحقيقها لأننا شاعرون بوجود ~~قصور ونقائص في تجربتنا، لا لأننا مثقلون بأي إحساس بالكمال الإلهي أو الخير الأسمى. ~~فالسبب الذي يجعلنا نضع المثل العليا هو نفس السبب الذي يجعلنا نتفلسف: أعني أننا بشر ~~لدينا قدرات تجعل كلا من وجهي النشاط هذين ممكنا، وأننا نعيش في عالم يجعل كلا ~~منهما أمرا محتوما. # وإذن فالمذهب الطبيعي لا يرى في كل من وجهي النشاط هذين أكثر من رد فعل طبيعي ~~لكائنات بشرية تعيش في هذا العالم. فلا البحث عن معرفة قصوى، ولا السعي إلى تحقيق مثل ~~عليا في حياتنا، يستتبع القول بعالم ms112 رحيم أو مملكة عليا «للخير والحق والجمال». قد يكون ~~غير مكترث بمثلنا العليا وآمالنا، ولكن هذا أمر لا صلة له بالموضوع. فنحن نسعى إلى ~~تحقيقها لإرضاء أنفسنا، أو لتحقيق الرخاء لمن نعرف والسعادة لمن نحب. وهذا مسعى لا صلة ~~له باهتمام الكون أو عدم اكتراثه. ~~(5) النتائج العامة للمثالية # لا بد أن يكون القارئ قد كون في ذهنه الآن فكرة واضحة عن المعالم الجغرافية لنصفي ~~الكرة الفلسفيين هذين. وبذلك نكون على استعداد لبدء دراستنا لمشكلات الفلسفة؛ إذ إن من ~~الممكن الآن أن نفهم هذه المشكلات والمدارس التي نشأت للإجابة عنهما لفهمهما أفضل. فبعد ~~أن أصبحنا متجهين في الاتجاه الصحيح، نستطيع منذ الآن أن نتوغل في خضم الفكر التأملي ~~المتلاطم، واثقين أن لدينا من المعالم ما يكفي لضمان عودتنا إلى البر في أمان. ولكن قد ~~يكون من المستحسن لضمان المزيد من الأمان والمتعة في الرحلة المقبلة، أن نلقي حولنا ~~نظرة أخيرة شاملة؛ ذلك لأن معالم الأرض قد تبدو مؤكدة لا تخطئها العين ونحن راسون على ~~الشاطئ، ولكنها على الأرجح لن تظل بمثل هذا الوضوح أثناء محاولتنا الإبحار في طريقنا من ~~خلال الأمواج المتلاطمة والتيارات المتشابكة. # لقد رأينا أن المثالية مذهب تفاؤلي مليء بالثقة. ومصدر هذه الحالة النفسية التي تتسم ~~بالوثوق هو تلك النظرة المحكمة إلى الواقع بوصفه عالم قيم عقلية وأخلاقية وروحية - أو ~~إطار يتخذ فيه نضالنا من أجل تحقيق القيم والمثل العليا أهمية متزايدة؛ لأن الكون في ~~مجموعه لا يعطف على مثل هذا الجهد فحسب، بل أنه يشارك فيه إيجابيا. ففي هذه النظرة ~~إلى العالم يكون «الذهن» أو «العقل» هو مركز كل وجود. غير أن هذا العقل ليس مجرد مركز ~~محايد للعمليات العقلية، وإنما هو - على العكس من ذلك - يتصف بالخيرية مثلما يتصف ~~بالمعقولية. # السلوك الإنساني في ظل النظرة المثالية إلى العالم ~~: ~~مثل هذه النظرة إلى العالم تنطوي ضمنا على نتائج هامة بالنسبة إلى السوك البشري. فهي ~~تتضمن أولا أن أوجه نشاط الإنسان العقلي والروحي لها أهمية تفوق بكثير ما يوحي ms113 به ~~مقدار الوقت الذي نكرسه لها عادة. فعندما نكون في أكثر حالاتنا معقولية أو روحية، نكون ~~في أشد حالات الانسجام مع الكون. وعندئذ نصبح أقرب ما نكون إلى الحقيقة القصوى. وفي ~~هذه الحالة نحقق أكمل ما في ذاتنا، والغرض الرئيسي من وجودنا. وهناك نتيجة ثانية للنظرة ~~المثالية إلى العالم. هي ما تتيحه من تحقيق يكاد يكون لا متناهيا للمثل العليا ~~الأخلاقية والروحية للإنسان. ولقد سبق لنا أن اقتبسنا عبارة لواحد من أشهر المثاليين ~~الأمريكيين يقول فيها إن مدرسته تذهب إلى أنه «ليس ثمة شيء، يحكم عليه سلفا بأنه ~~مستحيل في اتجاه الأماني والرغبات البشرية العليا». فالكون الذي يكون عاقلا ومتلائما ~~معنا يقدم إلينا أملا - بل وعدا محددا - بأن أعمق أمانينا، وأسمى آمالنا، ليست عقيمة ~~أو عديمة المعنى. وبذلك لا يكون أمل الإنسان في الخلود وتوقع عدالة نهائية مجرد حلم ~~تعويضي، وإنما هو «الوعد الحق»، الذي تبرره طبيعتنا الخاصة، وكذلك طابع الكون ~~ذاته. # وفضلا عن ذلك؛ ففي الكون المعقول، المفهوم، لا يمكن أن تكون هناك دعابات كونية ~~ساخرة، على حين أن شوق الإنسان إلى الأزلي لا بد أن يكون دعابة ساخرة كهذه لو كان مجرد ~~تفكير مغرض مبني على أمل كاذب. فمعقولية الواقع ذاتها تستبعد إمكان وجود مثل هذه ~~اللامعقولية الشنيعة. والتسلسل المنطقي لتفكير المثالي يمضي على النحو الآتي، الإنسان ~~لديه عقل، والعقل عند الإنسان لا يمكن أن يأتي إلا من العقل الشامل. وبناء على الأسباب ~~المنطقية التي سبق إيضاحها، فلا بد من التسليم بأن مصدر هذا العقل هو بدوره مصدر كل ~~وجود. «فالذهن» الشامل مصدر الوجود كله، البشري منه وغير البشري. ولما كان العالم الذي ~~يصدر عن الذهن الشامل لا بد أن يحمل طابع أصله، فإن في هذا الدليل الكافي على المعقولية ~~المشتركة بين الإنسان والعالم. غير أن كل الأجزاء، في العالم المعقول، المفهوم، ينبغي ~~أن تتألف وتتكامل. ولو لم يكن تصور الإنسان للحياة الأزلية والعدالة الكونية إلا ~~تعبيرا عن رغبة حيوانية في شيء لا يملكه، لما كان الكون كلا ms114 موحدا؛ إذ إن ذهن ~~الإنسان وعواطفه تغدو عندئذ متنافرة مع طبيعة الأشياء. وهكذا فإن ما يضمن تحقيق أعلى ~~أمانينا هو أن لدينا من العقل ما يكفي لكي نتطلع إلى هذه الأماني ونعبر عنها. ~~(6) رد فعل المذهب الطبيعي على النتيجة المتضمنة في المثالية # تعد وجهة نظر المذهب الطبيعي رد فعل على هذه النظرة المثالية إلى حد بعيد. وكما قال ~~بعضهم، فإن السبب الرئيسي الذي يدفع صاحب هذا المذهب إلى البحث في الميتافيزيقا هو ~~نفوره مما يعتقد أنه فيض زائد عن الحد من الميتافيزيقا الرديئة. فالعالم كما تصوره ~~المثالية يبدو له مثلا واضحا كل الوضوح لقدرة الإنسان على التفكير من خلال غاياته ~~الخاصة وصبغ أحلامه بصبغة عقلية، ومن هنا يجد صاحب المذهب الطبيعي نفسه مدفوعا إلى ~~الاحتجاج عليها. غير أن الاحتجاج على مذهب ميتافيزيقي معناه القول ضمنيا بمذهب آخر، ~~وما إن يوضع المذهب المضاد ضمنا حتى تصبح صياغته أمرا لا مفر منه. وهكذا يجد المفكر ~~القائل بالمذهب الطبيعي نفسه مدفوعا إلى النظر الميتافيزيقي، مهما يبذل من محاولات لكي ~~يتوقف بعد أن يكون قد كون مركبا من نتائج العلوم والمباحث العقلية المختلفة. ~~والواقع أن اقتحام صاحب المذهب الطبيعي لساحة الميتافيزيقا على مضض، هو الذي يدفع ~~المثالي أحيانا إلى اتهام خصمه بأنه يتخذ من الفلسفة ومشكلاتها موقفا سلبيا، فهو ~~يميل إلى الاعتقاد بأن المذهب الطبيعي ليس فلسفة، وإنما هو إنكار للفلسفة. وبعبارة ~~أخرى، فإن خصم المثالية يتهم بأنه يتخذ موقف من لا ينفع الناس ولا يدع غيره ينفعهم؛ فهو ~~إذ يعجز عن أن يصوغ صورة «عقلية» كاملة للحقيقة (أعني صورة تجعل للذهن دور البطولة، ~~وتضمن للإنسان مقعدا مريحا في المقصورة الملكية)، فإنه يهاجم بعنف كل الجهود التي ~~تبذل للقيام بما يعجز هو عن القيام به. ولكن صاحب المذهب الطبيعي يرد على ذلك بعناد ~~قائلا: «صحيح أن نظرتي إلى العالم أقل تناسقا وإيحاء من نظرة المثالية، غير أنه راجع ~~إلى أن نزاهتي العقلية لا تسمح لي بملء الثغرات التي تنطوي عليها الصورة بمسلمات كتلك ~~التي ms115 أعتقد أن المثالي يلجأ إليها. فإن كان المثالي يود استخدام قلبه لإكمال صورة لا ~~يستطيع أي عقل حتى الآن أن يحققها، فهذا من حقه - ولكن ذلك لا يثبت أن مذهبه هو وحده ~~الذي يستحق أن يسمى فلسفة.» ~~(7) تباين الجو العام للمدرستين # على أن معظم الناس، كما أشرنا من قبل، يهتمون بالجو أو المزاج العام للفلسفة أكثر مما ~~يهتمون بتفاصيلها العقلية. فهذا الجو العام أو النغمة الأساسية لأي مذهب فكري هو الحاسم ~~بالنسبة إلى الإنسان العادي. ولا شك أننا ندرك الآن بوضوح أن الجو العام للمثالية ~~وللمذهب الطبيعي أشد تباينا حتى من جوانبهما العقلية. فالمثالية تنطوي على جو من الثقة ~~الهادئة بالمعقولية الأساسية للإنسان والكون معا. وهذه المعقولية لا تتضمن فقط القول ~~إن للواقع نظاما وتركيبا منطقيا مماثلا لنظام الذهن وتركيبه، بل هي تشير إلى وجود ~~غاية واتجاه في العملية الكونية. ولما كانت هذه الغاية، أو هذه «الحالة التي تسود الطقس ~~الكوني» (كما أسماها وليام جيمس) تتجه إلى تحقيق القيمة أو بلوغ «الخير»، فكل ما علينا ~~هو أن نربط حياتنا وغاياتنا الفردية بالغاية الشاملة لكي نجد في الحياة دلالة وسعادة. ~~ومن هنا فإن المثالية تدعونا إلى البحث عن الواقع المعقول الذي يعترف بأنه كثيرا ما ~~يكون مختفيا وراء المظاهر الأقل معقولية - وإلى التمتع خلال هذا البحث بالصفاء الذي ~~يبعثه الإيمان بوجود مثل هذا الواقع المعقول وقابليته للكشف. # أما فلسفة المذهب الطبيعي، فليس في وسعها أن تقدم إلينا إلا مزاحا إسبرطيا ومتعة ~~باهظة الثمن. من ذلك النوع الذي يجلبه أخذ حمام بارد في الصباح. فالجو الذي يسودها، وهو ~~جو عدم الاكتراث، والعيش في عالم لا تكون فيه أمور البشر وأمانيهم أهم من أوجه نشاط أي ~~نوع حيواني آخر ورغباته، هو جو لا يلقى استجابة من معظم الناس. وأصحاب هذا المذهب ~~الطبيعي، شأنهم شأن أولئك الذين يأخذون حماما باردا في الصباح، سيظلون دائما، على ~~الأرجح، أقلية عنيدة، تتسامح معها الأغلبية على أساس أنها فئة لا ضرر منها، وأن تكون ~~شاذة إلى حد ما. ms116 ذلك لأن المذهب الطبيعي لا يقدم إلينا حالة نفسية من الراحة واليقين، ~~ولا يزيل التناقضات بين كل العناصر المتنافرة في الحياة، بل هو بالأحرى يقول ما يغنيه ~~أ. أ. هوسمان على الدوام: # إن متاعب ترابنا الفخور الغاضب # موجودة منذ الأزل، ولن تغيب أبدا # وليس معنى ذلك أن المذهب الطبيعي ينكر إمكان تحسين أحوال حياتنا - بل ~~إنه قطعا ليس ملزما بالنظر إلى الطبيعة البشرية نظرة متشائمة - وإنما هو يؤكد أن كل ~~تحسين كهذا لا بد أن يأتي من جهودنا الخاصة التي نبذلها في هذا العالم الحاضر. ويعبر ~~جزء من مقطوعة شعرية لستيفن كرين عن هذه المسألة تعبيرا محكما؛ إذ يقول: # قال الرجل للكون: ~~«سيدي، أنا موجود!» # فرد الكون قائلا: «ولكن # هذه الحقيقة لم تولد في # إحساسا بالالتزام.» # 5 # عدم اكتراث العالم بأمور البشر ~~: ~~نستطيع أن نعبر عن هذه الفكرة تعبيرا أقرب إلى الطابع العملي، باستخدام تشبيه مستمد من ~~الدراسة النفسية للتكيف. فمشكلة السعادة البشرية، كما يقول عالم النفس، هي مشكلة تكيف: ~~إذ إن السعادة هي النغمة الانفعالية المستمرة التي تقترن بحالة التكيف بين الكائن ~~العضوي السليم وبين بيئته. وبالاختصار فلا بد لنا، لكي نكون سعداء، من أن نصبح مندمجين ~~في العالم المادي والاجتماعي الذي نعيش فيه، إما بتغيير تلك البيئة، وإما (إذا كان ذلك ~~مستحيلا)، بتغيير أهدافنا على نحو يجعلها قابلة للتحقيق. ولكن من واجبنا، حتى نبدأ ~~عملية التكيف، أن نتذكر هذه الحقيقة الأساسية، وهي أن بيئتنا ليست إلا شريكا سلبيا ~~في هذه العلاقة. فالعالم يوجد حولنا بطريقة سلبية، على استعداد لأن يستغل إلى أي حد ~~يمكننا أن نفرض به إرادتنا عليه. أما أن نقبع في أماكننا وننتظر منه أن يخطو الخطوة ~~الأولى، أو يبدي أي اهتمام بمصالحنا وسعادتنا، فهذا دليل على الافتقار إلى النضج العقلي ~~والعاطفي. # والأمر هنا أشبه بحالة طائر يبني عشه تحت سقف مخزن للغلال. فالمخزن هناك، سلبي وغير ~~مكترث بنجاح عملية بناء العش أو إخفاقها. وقد يستهلك الطائر نفسه من فرط التعب دون ~~جدوى؛ إذ إنه ما ms117 لم يحل مشكلة تكييف مواده حسب هذا المكان، فإن مآله الحتمي سيكون إلى ~~الإخفاق. ولن يرفع المخزن لوحا من الخشب أو يحرك عمودا، بغض النظر عن جهود الطائر ~~ورغباته. وليس ثمة شيء قادر على أن يحول المخزن عن عدم اكتراثه هذا، لنفس السبب الذي لا ~~يستطيع من أجله أي شيء أن يحول الكون من عدم اكتراثه: فكل منهما لا يمثل إلا فعل ~~القوى الطبيعية. وليس في أي منهما «عقل» أو «روح» أو «شخصية». ولا يوجد في أي منهما ~~شيء يمكن تحريكه بالفكر وحده، سواء اتخذ هذا الفكر صورة أحلام اليقظة الخاملة، أم صورة ~~الميتافيزيقا المذهبية المحكمة، أو حتى صورة الصلوات الخاشعة. وهذه، في نظر صاحب المذهب ~~الطبيعي، هي الحقيقة الأساسية في علاقة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه. # المذهب الطبيعي ليس تشاؤميا بالضرورة ~~: على أن ~~موقف المذهب الطبيعي هذا من العالم الذي نعيش فيه لا يعني (كما يسارع أنصاره إلى القول) ~~أن السعادة مستحيلة، أو أن الحياة مهزلة، أو أن الكون دعابة ساخرة هائلة. فالمذهب ~~الطبيعي يهتم بالسعادة البشرية بقدر ما تهتم به أية فلسفة أخرى. ومع ذلك، فهو يختلف عن ~~معظم المدارس الأخرى، ولا سيما المثالية، في الوسيلة التي يمكن بها بلوغ السعادة على ~~أفضل نحو، وتحقيق أكبر قدر من إمكانيات الطبيعة البشرية. ففي رأي صاحب المذهب الطبيعي ~~أن الوسيلة الوحيدة لبلوغ هذا الهدف أن نبني حياتنا وحضارتنا معا على أساس من المذهب ~~الطبيعي. ونحن لن نجني شيئا من الحديث عن «قانون علوي»، أو «عدالة إلهية»، أو «خير ~~كوني» أو «السماء»، أو «المطلق». ولكننا يمكن أن نخسر منه الكثير؛ لأن هذه المفاهيم ~~الغامضة قد تصبح أدوات هروبية، ووسائل لتجاهل شرور اجتماعية واضحة، أو أساليب لتبرير ~~المظالم الكامنة في مجتمعنا. صحيح أن التفكير على أساس مثل هذا «الوحي» يجلب لنا ~~السكينة عندما ننوه بمشكلات فادحة، وعندما تبدو الحياة أعقد من أن تفهم أو أصعب من أن ~~تحتمل، ويتفق صاحب المذهب الطبيعي مع عالم النفس على أن هذه المعتقدات تكون لها في ms118 بعض ~~الأحيان قيمة علاجية، من حيث إنها تخفف مؤقتا توتر الحياة اليومية. غير أن هناك خطرا ~~دائما من أن تتحول هذه المعتقدات إلى فلسفة هروبية منظمة، وبذلك تكون عقبة في وجه ~~الإمكانيات الهائلة التي تتيحها الحياة لبلوغ الرضا والسعادة. والحق أن هذه الإمكانيات ~~لا تتحقق على الوجه الأكمل إلا إذا نظمنا حياتنا داخل إطار الواقع؛ أعني الواقع كما ~~نعرفه من خلال التجربة الحسية والعلم. فنحن نحصل من الحياة على أكبر نصيب إذا ما ~~واجهناها، لا إذا هربنا منها، حتى بوسيلة موقرة كالفلسفة. ~~(8) التقابل بين وجهتي النظر لا يمكن التغلب عليه # والآن، ما الذي نصنع، في الختام، حيال هذا الصراع الدرامي بين وجهتي نظر بينهما هذا ~~القدر من التعارض العميق، كالمذهب المثالي والمذهب الطبيعي؟ كيف يكون من الممكن، أولا، ~~أن يصل أناس أذكياء، متشابهون في تجاربهم وتكوينهم العلمي، ويعيشون في مجتمع واحد وعصر ~~واحد، إلى وجهتي نظر بينهما كل هذا التعارض؟ وكيف يتسنى، مثلا، لواحد من المتمسكين ~~بالمذهب الطبيعي، ولواحد من المتحمسين للمذهب المثالي، أن يمرا جنبا إلى جنب بتجربة ~~مشتركة، وأن يخرج كل منهما بمزيد من الأدلة التي تؤيد وجهة نظره الخاصة؟ لقد أتيح ~~لمؤلف الكتاب مرة أن يقوم برحلة في جبال «هاي سييراز» في كاليفورنيا، برفقة اثنين من ~~أصحاب هذين الاتجاهين الفلسفيين، ووجد أن حججهما طريفة ومحيرة في آن واحد. فإزاء هذا ~~المنظر الهائل المترامي الأطراف، لقمم يبلغ ارتفاعها أربعة عشر ألف قدم، يجد المثالي ~~حتما دليلا على «الخير والحق والجمال»، وإزاء جلال الطبيعة يشعر دائما بغائية الكون ~~وخطته وقد بدت واضحة. فالجبال الكبرى قد أثارت فيه أفكارا كبرى بدورها، وهذه بدورها ~~نقلته إلى «الفكرة الكبرى» الكامنة من وراء هذا كله. وهو في الأعالي وقد وجد «المطلق»، ~~فجبال «سييرا # High Sierras ~~» لها في نظره دلالة رئيسية ~~هي أنها من صنع الله. # ولكن ما هو موقف صاحب المذهب الطبيعي؟ # إنه بعد أن ~~أفاق من استجابات المثالي إلى حد يسمح له بالتعبير الكلامي عن استجاباته هو، ظهر ~~التباين في وجهة نظره ms119 بكل وضوح. فالمنظر كان بالنسبة إليه رائعا بنفس المقدار، بل يمكن ~~القول إنه كان أقوى إحساسا بالجمال الطبيعي. ولكنه لم يستطع أن يحس، في القمم الشامخة ~~والبحيرات البديعة؛ أي «ذهن» أو أية «خطة» أو «غاية». وإنما أوحت إليه هذه المناظر ~~بالاتساع الهائل في نطاق الطبيعة، وبعزلتها، وثباتها الذي لا ينال منه الزمان، وبالدورة ~~الأزلية لليل والنهار، والصيف والشتاء، والشمس والثلج. وهو لم يجد في ذلك «حضرة» باقية ~~«مقرها نور الشموس الغاربة»، أو لمحات على الخلود، بل إنه كان في معظم الأحيان يبدي ~~إعجابه بأزلية النظام الطبيعي في مقابل قصر عمر الإنسان. وهكذا أشعرته كل هذه العظمة ~~والجمال بصرامة الطبيعة، وكذلك بعدم الاكتراث الهائل للكون إزاء الإنسان وحياته ~~القصيرة. ولعل لفظ «العزلة» كان أكثر الألفاظ ورودا على لسانه وهو يصف أحاسيسه إزاء ~~قمة أو بحيرة. ولقد وجد في هذا المنظر حافزا ومثيرا، وكلنه لم يجده «ملهما» أو ~~«موحيا»، فالحياة في مثل هذا الإطار لمدة أسابيع قليلة كفيلة بتطهير مخه من نسيج ~~العنكبوت الذي يعشش فيه، وبإشعاره بضآلة أمور البشر، (وضمنها أموره الخاصة. ولهذه ~~الحياة بوجه عام تأثير مقو - ولكنه كان التأثير المقوي الناتج عن الاستغراق في إحدى ~~تلك البحيرات التي يبلغ ارتفاعها ميلين. أما الجبال فلم يجد فيها «ذهنا»، بل إن عزلتها ~~الموحشة لم يكن يعدلها إلا عزلة النجوم اللامعة التي تدور حول الرءوس في إطار مرصع يكاد ~~سناه يسلب عين الإنسان الكرى. # الأسباب المحتملة للتعارض بين الموقفين ~~: وهكذا نعود ~~مرة أخرى إلى السؤال: كيف يستطيع الناس أن يمروا بنفس التجربة ويستخلصوا منها مثل هذه ~~النتائج المتباينة؟ إن من المستحيل الاختيار بين المثاليين من حيث هم جماعة وبين ~~الطبيعيين من حيث هم جماعة، على أساس الذكاء أو الإخلاص أو الحكمة أو الإرادة الخيرة. ~~ومن الواجب أن ننظر إلى ما هو أعمق من القدرة العقلية أو اتساع نطاق المعرفة، إذا شئنا ~~أن نفسر التقابل الأساسي بين قطبي الفلسفة هذين. ولقد قسم وليم جيمس، في هذا القرن، ~~وفي البلاد الأمريكية، الناس إلى صنفين ms120 كانا في نظره أساسيين: هم «ذوو العقول ~~الصارمة» و«ذوو العقول الرقيقة» وقد لقي هذان التعبيران قبولا واسعا. # ولقد كان جيمس يجمع بين وجهة نظر عالم النفس ووجهة نظر الفيلسوف. ولذلك فإن مما له ~~دلالته أنه ذكر أن الفارق هو على الأرجح فارق في المزاج - وبالتالي فهو في عمق جذوره لا ~~يقل عن أية فوارق بشرية أخرى نعرفها. ومن سوء الحظ أننا لا نعلم عن أساس هذا «المزاج» ~~أو طبيعته أكثر مما كان جيمس يعلم منذ ثلاثة أجيال. فما زال هذا المجال، حتى اليوم، ~~سرا غامضا، على الرغم مما بذله علماء البيولوجيا وعلم النفس من جهود لارتياده ~~وكشفه. # من الممكن اتخاذ قرار: لا بد أن يكون قد اتضح للقارئ الآن أن الجدل بين هاتين ~~المدرستين الكبيرتين يمكن أن يستمر إلى الأبد - وهو على الأرجح سيستمر بالفعل. وبغض ~~النظر عن طريقة تفسيرنا للتقابل بين هذين القطبين الرئيسيين للفكر الفلسفي، فإن هذا ~~التقابل ذاته سيظل أبرز حقيقة في التاريخ الطويل للنشاط التأملي. وقد لا يكون في وسع ~~المبتدئ في الفلسفة بعد أن يحدد الفئة التي ينتمي إليها، أو أن يدرك أهو «مثالي» أم ~~«طبيعي»، ولكن هذا أمر لا يتوقع من المرء في المرحلة المبكرة من تطويره الفلسفي. ويكفي ~~أن نكون قد أحسسنا الآن بالتقابل الأساسي ونتائجه الرئيسية. ولعل القارئ قد شعر بأن ~~كلتا المدرستين لديها حجج قوية مقنعة، وبأن في استطاعة المرء الاختيار من بين هذه الحجج ~~من أجل تكوين مذهبه الخاص في الفلسفة. وبالفعل نجد كثيرا من المبتدئين في هذا المجال ~~يحاولون القيام بهذا العمل، ولكن المرء كلما تقدم في الدراسة الفلسفية، كان الأرجح هو ~~أنه سينجذب إلى أحد هذين القطبين أو الآخر. وسوف يزداد موقف القارئ الخاص وضوحا في ~~نظره خلال الفصول القادمة، عندما نقوم باستعراض عام لمختلف مشكلات الفلسفة داخل الإطار ~~الذي حددناه الآن. # الفصل الخامس # | أصل الحياة ومجراها # يبدي كثير من الطلاب اهتماما بالمشكلات التي تثيرها العلوم البيولوجية، ويفوق اهتمامهم ~~بأية مشكلات أخرى تعالجها الفلسفة. وهذا أمر طبيعي؛ إذ ms121 إن هذه المشكلات أقل تجريدا من كثير ~~من المشكلات التي تعالجها الفلسفة، وهي تتعلق بأكثر الموضوعات كلها أهمية، ألا وهو ~~المخلوقات الحية. وفضلا عن ذلك، فتلك مسائل ذات صلة مباشرة بتاريخنا نحن: فمن أين أتت ~~الحياة؟ وماذا كان شكل الحياة الأصلية؟ وما التغيرات التي حدثت منذ هذا الأصل، ما الذي ~~سببها؟ وهل ما زالت التحولات مستمرة؟ وهل الإنسان مجرد نوع آخر من الحيوانات، أم أن له ~~طبيعة فريدة لا يمكن تفسيرها إلا بافتراض خلق خاص - أو على الأقل بافتراض اهتمام خاص من ~~جانب الكون؟ وباختصار، نحن نواجه الآن مباشرة تفريعات متنوعة لذلك البحث الذي يعد موضوعا ~~من الموضوعات الثلاثة الرئيسية في الفلسفة، وهو: من أين نأتي؟ # تحت هذا السؤال الواحد الشامل، تندرج ثلاثة أسئلة فرعية، تتعلق بطبيعة الحياة، وأصل ~~الحياة ، ومجرى الحياة. ولعل من المستحسن، ونحن نستهل هذا الفصل الذي يتعين أن يكون مكتنزا ~~مكدسا، أن نذكر أنفسنا بأن كل الوقائع والنظريات التي نصادفها تتعلق بثلاث مشكلات: (1) ما ~~الحياة؟ (2) من أين أتت، أو كيف بدأت؟ (3) ما الأسباب التي أدت إلى ذلك التنوع اللانهائي ~~للكائنات العضوية التي تعمر الأرض الآن؟ ومن المألوف أن نجد الطلاب الحديثي العهد بالفلسفة ~~أكثر اهتماما بأصول الحياة، ولكن سيكون لزاما علينا أن نركز اهتمامنا بالأحرى في ~~المسألتين الأخريين. ذلك لأن العالم البيولوجي والفيلسوف هما معا أكثر اهتماما بمجرى ~~الحياة من اهتمامهما بأصلها، وإن كان من الواضح أن أية مناقشة لأي من هذين الموضوعين ينبغي ~~أن تكون متوقفة على الآراء التي نقول بها بشأن طبيعة العملية الحيوية. # ما الحياة؟ # من المنطقي إذن أن نبدأ بالسؤال: ما الحياة؟ ~~أما العالم البيولوجي فيفضل أن يتساءل: ما العملية التي نطلق عليها اسم الحياة؟ ومع ذلك فإن ~~كلا من العالم البيولوجي والفيلسوف متفقان على أننا إذا كنا نستطيع أن نحدد ما الذي يميز ~~المادة الحية من غير الحية، لكنا بذلك قد قطعنا شوطا بعيدا نحو الإجابة عن سؤالنا الأول. ~~على أن من الضروري، قبل أن نبدأ مناقشة الخواص الفريدة للحياة، أن ms122 نفهم تمييزا لا بد منه ~~من أجل فهم هذا الفصل وعدة فصول مقبلة - وأعني به التمييز بين النظريتين الجوهرية # Substantive # والوظيفية # Functional # للحياة. ومن سوء الحظ أن هذا التمييز، على قدر ما له من أهمية، ~~صعب الفهم إلى حد بعيد. وهو يمثل بالنسبة إلى معظم الناس خروجا جذريا عن كل العادات ~~الفكرية السابقة، يشعرون معه وكأنه قد طلب إليهم فجأة أن يفكروا بلغة جديدة. ~~(1) النظرة الجوهرية # النظرة الجوهرية إلى الحياة، التي اعتنقناها كلنا تقريبا منذ طفولتنا، والتي نعدها ~~بالتالي «موقفا طبيعيا»، تعد الحياة جوهرا. ولكيلا يبدو تعبيرنا السابق هذا تحصيل ~~حاصل مفرطا في السذاجة، فلننظر إلى لفظ «الجوهر» مؤقتا على أنه مرادف «للشيء». وهكذا ~~يتضمن هذا الرأي اعتقادا بأن الحياة شيء، أو كيان، أو وجود مادي من نوع ما، على أن ~~مفهوم الجوهر ينطوي عادة على شرطين منفصلين، فالجوهر لا بد أولا أن يكون قادرا على ~~الوجود المستقل، وذلك على الأرجح حتى بعد أن تختفي جميع صفاته وخصائصه وتغدو عدما # 1 # والجوهر ثانيا لا بد أن يتصف بالدوام، بل إن هذا المعيار الثاني يصبح ~~دائما هو المحك العملي للجوهرية. «ذلك لأن الطريقة الوحيدة التي نعرف بها أن الشيء ~~قادر على أن يوجد وحده هي أن نلاحظ أنه يوجد في وقت ما في غياب الأشياء الأخرى التي ~~يرتبط بها عادة. وهكذا فإن الشيء إن لم يكن يتصف بالدوام، لما أمكن أن يعد جوهرا. ~~ونستطيع أن نتصور حالة يكون فيها الشيء دائما دون أن يكون جوهريا، ولكنه لا يمكن أن ~~يكون جوهريا دون أن يكون دائما». # 2 # ومن الواضح أن «الدوام» لفظ نسبي. ولكنه يتضمن في استخدامه العملي ثباتا ~~أو استقرارا بالنسبة إلى عمر الحياة البشرية. وهكذا تكون النجوم دائما على حين أن ~~الزهرة ليست كذلك. # وهناك وسيلة أخرى لوصف النظرة الجوهرية إلى الحياة، هي القول إنها تعد الحياة «مادة # Stuff ~~». والواقع أن كثيرا من مجازاتنا الكلامية ~~ينطوي على هذا المفهوم: فنحن نتحدث عن «إضاعة حياتنا» أو «تبديد المرء لحياته في ميدان ms123 ~~القتال» أو «وهب حياتنا من أجل قضية» أو «إنفاق حياتنا في جهد عقيم»، بل إن كل لفظ ~~يستخدم في الكلام عن الحياة، خارج معمل البيولوجيا، وربما خارج قاعة محاضرات الفلسفة، ~~يكاد في كل الأحيان يكشف عن هذا الاتجاه إلى النظر إلى الحياة على أنها مادة أو شيء من ~~نوع ما؛ تتصف بكل الدوام والاستقلال في الوجود، اللذين نربط بينهما عادة وبين شتى ~~أنواع «الأشياء». وسوف نناقش في فصلنا الأخير عن مشكلة الخلود بعضا من الآثار المضللة ~~للنظرة الجوهرية إلى الحياة (والنظرة الجوهرية إلى الذهن، وهي أسوأ من الخطأ السابق). ~~وحسبنا في هذه المرحلة أن نشير إلى أن هذا الرأي يؤدي حتما إلى إيمان بالبقاء بعد ~~الموت. ذلك لأن الحياة - كما يقال عادة - لا يمكن أن تختفي وكأنها لم تكن: «فالشيء» لا ~~يحدث له ذلك، بل إن أقصى ما يحدث للأشياء هو أن تغير صورتها؛ ومن هنا كان من المعقول أن ~~نفترض أن حياتنا ستستمر في صورة ما بعد الموت، على أن هذا موضوع سنعرض له فيما بعد ~~بمزيد من التفصيل. ~~(2) النظرة الوظيفية إلى الحياة # إن رد الفعل المعتاد للطلاب على أول تحد يصادفونه للنظرة الشيئية إلى الحياة، هو رد ~~فعل يتسم بالدهشة الشديدة. فهم يتساءلون: «ماذا عسى أن تكون الحياة أن لم تكن شيئا من ~~هذا القبيل؟ أليس وجود اسم هو «الحياة» دليلا على أن من الضروري وجود شيء جوهري يناظر ~~هذا الاسم؟ إن اللفظ قطعا لا يدل على بدعة من صنع الخيال!» # وهنا قد يكون من المفيد، قبل عرض الرأي الآخر، أن نقضي لحظة في تحليل هذه المسلمة ~~الأخيرة، القائلة إن الأسماء لها دائما مقابل جوهري. وأن كل معلم للفلسفة ليشعر في ~~كثير من الأحيان بخيبة الأمل؛ إذ يكتشف مدى السهولة التي يقع بها الطلاب في خطأ التسليم ~~بهذا الأمر، لا سيما وأن من الممكن تجنب هذا الخطأ بقليل من التفكير. فالأسماء تشير ~~أساسا إلى تجارب من أنواع شتى. ومعظم هذه التجارب عينية: ~~كالكتاب، والكرسي، والكلب، والقمر، وما إلى ms124 ذلك. ~~وهناك أسماء أخرى تمثل تجربة وهمية أو متخيلة، كالشبح والطيف والجن ... إلخ، غير هذه ~~وتلك؛ أسماء تدل على تجريد أو مفهوم فكري خالص: كالعدالة واللانهائية والله مثلا. ~~وهناك أسماء أخرى تمثل سلسلة كاملة من التجارب، تكاد تكون لا نهائية العدد، وكل وظيفتها ~~هو تلخيصها تحت لفظ واحد لأغراض الاتصال. ومن الأمثلة المشهورة لهذا النوع من الأسماء، ~~الذهن، والنفس، والوعي، وهكذا فإننا عندما نستخدم هذه الألفاظ لا نشير بالضرورة إلى أي ~~«شيء»، أو «مادة» أو «جوهر». فمن الواجب قبل كل شيء ألا نفترض أن كون اللفظ ذاته مفردا ~~ويوحي إلى ذهننا بالوحدة، يجعل لنا الحق في النظر إلى ما يدل عليه اللفظ على أنه بدوره ~~مفرد، موحد، جوهري. # أما النظرة الأخرى إلى الحياة، التي يفضلها معظم البيولوجيين، فتعرف عادة بالنظرة ~~الوظيفية أو العملية # Operational ~~. هذه النظرة تعد ~~الحياة عملية Process ~~، أو بالأحرى سلسلة كاملة من ~~العمليات، بدلا من أن ترى فيها شيئا أو جوهرا. وهكذا تصبح «الحياة» مجرد اسم بسيط ~~نطلقه على مجموع أوجه النشاط أو الوظائف أو العمليات التي تميز الكائن العضوي، والحد ~~الأدنى لقائمة هذه الوظائف هو عادة شيء من هذا القبيل. التكاثر، والتكيف، والتعويض ~~الذاتي، والقابلية للتأثر (أي القدرة على الاستجابة لتغيرات البيئة). وتسعى النظرة ~~الوظيفية عادة إلى تفسير كل هذه العمليات الحيوية على أسس فيزيائية وكيموية. ولهذا فهي ~~ترتبط ارتباطا وثيقا بالنزعة الآلية في البيولوجيا، أما النظرة الجوهرية فتكاد تكون ~~مرادفة للنزعة الحيوية # Vitalism # وسوف يخصص الجزء ~~الأكبر من هذا الفصل لعرض النزاع بين النزعتين الآلية والحيوية، وهو النزاع الفلسفي ~~الرئيسي الذي تثيره العلوم البيولوجية. وعندما نصل إلى هذا العرض، ستتاح لنا فرصة ~~الإشارة مرارا إلى التقابل بين النظرتين الجوهرية والوظيفية. ولكن من الواجب، إلى أن ~~يجيء الوقت الذي نبلغ فيه هذه المرحلة، أن نتأمل النظريات المختلفة المتعلقة بأصل ~~الحياة ومجراها. وعندما تستقر هذه النظريات في أذهاننا بوضوح، يكون من المفيد عندئذ أن ~~نعود إلى مناقشتنا لطبيعة الحياة. ~~(3) أصل الحياة: ثلاث نظريات # كانت هناك ثلاث نظريات ms125 تقليدية عن أصل الحياة، تعرف على التوالي باسم الخلق الخاص # Special ~~Creation # والنقل # Transmission # والبداية التلقائية # Archebiosis ~~. وقد استعيض عن اللفظ الأخير، في ~~العهود القريبة، بلفظ الانبثاق # Emergence # في معظم ~~الأحيان، على الرغم من أن المفهومين لا يعنيان شيئا واحدا. ولقد كانت هناك، من الوجهة ~~التاريخية، عدة نظريات فرعية تندرج تحت هذه الفئات الرئيسية، ولكن يكفينا لكي نحقق ~~غرضنا أن نصف هذه النظريات الثلاث: ~~(1) # الخلق الخاص ~~: تكاد نظرية الخلق الخاص ~~تشرح نفسها بنفسها. فهي تذهب إلى أن الحياة قد استحدثت في عالم من المادة ~~غير الحية بفضل فعل خاص للخلق، يفترض أن الله هو الذي قام به، وأن هذا ~~الفعل حدث بعد خلق سابق للكون ثم على يد نفس هذه القوة الفاعلة. وينبغي أن ~~نشير إلى أن هذه النظرية، بما هي كذلك، لا تنطوي بالضرورة على التفسير ~~الوارد في سفر التكوين بالإنجيل عن الخلق. فكل ما تشترطه النظرية هو ~~الإيمان بأن الحياة قد خلقت عمدا في صورة ما بفضل قوة فاعلة متدخلة. ~~وهكذا فإن المرء لا يستطيع فقط أن يستبعد وصف الإنجيل للخلق، بل يستطيع أن ~~يؤمن بالنظرية العامة للتطور، ويظل مع ذلك داخلا في إطار فرض الخلق هذا. ~~فما دام يفترض أنه كان لا بد من فعل خاص معين من أجل بدء النشاط الحيوي، ~~فإن الأسئلة الخاصة بوقت حدوث فعل الخلق هذا، أو كيفية حدوثه، أو من الذي ~~أحدثه، تغدو عندئذ أمورا ثانوية. كذلك فإن هذا الافتراض يجعل جميع ~~الأسئلة المتعلقة بالصورة الأصلية للحياة أسئلة ذات أهمية ثانوية. # ولسنا بحاجة إلى القول بأن نظرية الخلق الخاص هذه قد حظيت خلال التاريخ ~~بقبول شبه إجماعي. وهذا لا يصدق فقط على المسيحيين، بل إنه يصدق على أغلبية ~~المذاهب الفكرية القائمة على الدين وفكرة الألوهية. وبالنسبة إلى الغرب فقد ~~كان لمذهب الخلق سيادة لا ينازعه فيها أي مذهب آخر - هذا إذا استثنينا بضعة ~~أفكار ساذجة ولكنها ذكية ظهرت بين المفكرين اليونانيين الأوائل - وذلك حتى ~~أواخر عصر النهضة، عندما بدأت النظريتان الأخريان تصبحان ms126 موضوعا ~~للنقاش. ~~(2) # النقل ~~: تحاول نظرية النقل حل مشكلة ~~كيفية بدء الحياة عن طريق تجنبها، أو على الأصح إرجائها إرجاء دائما. ~~وترى هذه النظرية، وباختصار، أن الحياة قد أتت إلى أرضنا من كوكب آخر، بل ~~ربما من نظام شمسي آخر. والوسيلة المفترضة لهذا النقل هي أبواغ Spores ~~شديدة الضآلة تشتمل عليها الشهب الصغيرة، أو بعض الفتات الأخرى للمادة ~~الموجودة بين الكواكب. والواقع أننا نعرف في الوقت الحالي أنواعا معينة من ~~الأبواغ تبلغ من الصلابة وطول العمر حدا يجعل طريقة النقل هذه من كوكب ~~إلى آخر لا تعود مسرفة في الخيال كما تبدو للوهلة الأولى. ولكن هذه النظرية ~~تصادف مع ذلك، من وجهة النظر الفلسفية، اعتراضا هادما؛ فهي قد تفسر كيف ~~أتت الحياة إلى الأرض، ولكنها لا تبذل محاولة لتعليل وجود الأشكال الحية في ~~الكوكب الذي يفترض أنها انتقلت منه. وقد يكون في هذا الكفاية من حيث هو ~~مجرد تعليل بيولوجي «لأصل» الحياة، ولكنه لا يكاد يستحق اسم التفسير ~~بالمعنى المعتاد لهذا اللفظ. ~~(3) # البداية التلقائية ~~: وهكذا يبدو أن ~~علينا أن نختار بين نظرية في الخلق الخاص وبين نوع من البداية التلقائية. ~~وتعد وجهة النظر الأخيرة هذه، بوجه عام، معبرة عن موقف العلم الحديث. وهي، ~~بالاختصار، تذهب إلى أن المادة العضوية قد ظهرت من المادة غير العضوية في ~~وقت معين من الزمان، وهي لا تفترض أن أية قوة خارجية أو قدرة خالقة كانت ~~لازمة لإحداث هذا التغيير، وإنما هو قد حدث بوسائل طبيعية محضة؛ أي نتيجة ~~لتجمع عفوي لظروف طبيعية. ولا تدعي هذه النظرية القدرة على وصف هذه الظروف ~~بدقة، كما أنها لا تدعي الآن القدرة على تكرارها من جديد في المعمل. الواقع ~~أن من الواجب النظر إلى فرض البداية التلقائية على أنه عقيدة قبل كل شيء، ~~فهو ليس صيغة تفسيرية دقيقة، وإنما هو أقرب إلى أن يكون تعبيرا عن إيمان ~~بأن من الممكن الوصول إلى تفسير طبيعي محض لأصل الحياة. # ولقد كان الاعتقاد بأن المادة يمكن أن تصبح، على نحو ما، كائنا ms127 عضويا حيا، ~~خليقا بأن يبدو مسرفا في الخيال حتى العلماء أنفسهم منذ مائة عام. ومع ذلك فمنذ حوالي ~~قرن على وجه التحديد، أخذ معمل الكيموي ينتج «معجزة» تلو الأخرى في صور مركبات عضوية ~~خلقت من مادة غير عضوية. ولنسمع إلى ما يقوله واحد من كبار مؤرخي العلم في هذا ~~الموضوع: # ظل الناس طويلا يعتقدون أن المواد الشديدة التعقيد، التي تميز الأنسجة الحيوانية ~~والنباتية، لا يمكن أن تتكون إلا تحت تأثير عمليات حيوية، وكان يعتقد أن مصير الإيمان ~~بالتفسير الروحي للحياة متوقف على صحة هذا الرأي. ولكن تحضير «اليوريا» (البولينا) ~~صناعيا في عام 1828م، على يد «فريدرش ~~فولر # Fredrish Wohler # أثبت أن من الممكن أن تصنع في المعمل مادة لم تكن توجد من قبل ~~إلا في الكائن العضوي الحي. وتلا ذلك تحضير مواد طبيعية أخرى بطريقة صناعية، حتى نجح ~~إميل فيشر # Emil Fischer # في عام 1887م في تركيب ~~الفركتوز (سكر الفاكهة ) والجلوكوز (سكر العنب) من عناصرهما. وهكذا انهار التمييز بين ~~العضوي وغير العضوي، غير أن المواد المسماة «بالمركبات العضوية» تبلغ من الكثرة ومن ~~التعقد حدا يظل من المفيد معه التفرقة بين الكيمياء العضوية وبين الكيمياء غير ~~العضوية والكيمياء الفيزيائية. # 3 # والواقع أن التجارب الأخيرة في الإخصاب الكيموي لأنواع معينة، تقدم أدلة متزايدة تثبت ~~وجود خط متصل بين العالمين غير العضوي والعضوي. فقد اكتشف منذ بضع سنوات أن من الممكن ~~إخصاب بويضة قنفذ البحر # Sea-urchin # بوسائل أخرى غير ~~الوسائل الطبيعية، كما أمكن بنجاح إخصاب أنواع أخرى كالأرانب بوسائل صناعية. # 4 # وهكذا، فعلى حين أنه من المستحيل على العلم، حتى الآن، أن يصف بدقة، أو ~~يكون من جديد بنجاح، تلك الظروف التي كان يمكن عن طريقها ظهور الحياة بطريقة طبيعية ~~خالصة، فإنه يكتشف على الدوام وقائع جديدة تؤكد أن من الممكن (بل من المرجح في نظر كثير ~~من الثقات) أن تكون الحياة قد بدأت بالفعل على هذا النحو. # الحلول الممكنة ~~: سوف يكون علينا أن نذكر المزيد عن ~~نظرية المذهب الطبيعي في أصل الحياة ms128 عندما نناقش التضاد بين المذهب الآلي والمذهب ~~الحيوي في موضع تال من هذا الفصل، على حين أن المناقشة التي سنجريها في الفصل التالي ~~لمختلف النظريات المتعلقة بطبيعة الذهن وأصله سوف تلقي مزيدا من الضوء على هذا ~~الموضوع. أما الآن فحسبنا أن يكون الطالب قد أدرك أن الحلول المختلفة لسؤالنا عن كيفية ~~بدء الحياة تبدو وكأنها ترتد كلها إلى حلين ممكنين فحسب. ففي استطاعتنا أن نقبل نظرية ~~الخلق الخاص، وهي نظرية لا تفسر إلا القليل جدا، وليست لها علاقة بالعلم الحديث، مهما ~~تكن مزاياها اللاهوتية، كما أن في استطاعتنا أن نختار بدلا من ذلك التفسير العلمي الذي ~~لم يكتمل بعد، والذي يرى أن الحياة قد انبثقت من غير الحي بوسائل طبيعية خالصة دون أي ~~نوع من التدخل الخارجي. ~~(4) التطور قبل دارون # سوف ننتقل الآن إلى استعراض لمختلف النظريات المتعلقة بمجرى الحياة. هذه النظريات ~~تتعلق بتفسير طريقة ظهور تلك المجموعة الهائلة من أشكال الحياة ~~الموجودة الآن. وإذن فنحن الآن على أهبة التصدي لتلك ~~المشكلة الشديدة التعقيد، ألا وهي مشكلة التطور، ناظرين إلى هذا اللفظ الأخير على أنه ~~يعني عملية بيولوجية، كما يعني في الوقت ذاته مقولة عامة تصف نواحي معينة من عالم ~~التجربة الذي نعيش فيه. # والواقع أن اسم تشارلس دارون يحتل من الأهمية في أية مناقشة للتطور، ما يعرض الطالب ~~دائما لخطر الاعتقاد بأن هذا العالم الكبير قد صاغ نظريته هذه بجهوده الخاصة وحدها في ~~فراغ عقلي تام. ولكن الواقع أن فكرة المجرى التطوري للحياة أقدم بكثير من دارون، وأن ~~الفكرة كانت شائعة في الأوساط الثقافية في الوقت الذي بدأ فيه دراسة المشكلة، بل إن ~~بعضا من أقدم المفكرين اليونانيين لم يكتفوا بالاعتقاد بأن التغير هو الحقيقة النهائية ~~في الكون (ومنهم هرقليطس مثلا)، بل لقد نظروا إلى مجرى الحياة على أنه عملية متدرجة ~~يستعاض فيها عن الأشكال الناقصة بأشكال أكثر منها كمالا. ومنهم أنبادقليس مثلا). ~~وبحلول عصر أرسطو، ظهرت الفكرة القائلة إن الأكثر كمالا يمكن أن يتطور من الأقل ~~كمالا. وفي ms129 عصر النهضة بعثت من جديد الفكرة القائلة بإمكان وجود نوع من النمو المتدرج، ~~على الرغم من أن الفلاسفة، لا العلماء الرواد، هم الذين أبقوا شعلة فكرة التطور متوهجة، ~~فقد ألقى بيكون، وديكارت، وليبنتس، و«كانت»، أفكارا كانت بمثابة الوقود في هذه النار. ~~وخلال ذلك كان العلماء يجمعون ببطء تلك الوقائع التي زودت دارون وغيره من مفكري القرن ~~التاسع عشر، في الوقت المناسب، بأساس يكفي لجعل فرض التطور أكثر من مجرد ألعوبة ~~فلسفية. # ومن الطريف أن نلاحظ أن كفة الجانب المعرض لفرض التطور، في الرأي العام العلمي، ~~كانت حتى وقت نشر نظرية دارون هي الراجحة. ولكن من حسن الحظ أن بداية القرن التاسع عشر ~~قد شهدت ظهور عدد من علماء البيولوجيا وعلماء النبات يؤيدون فكرة النمو المتدرج بشكل ~~من أشكالها؛ مما أدى إلى نشر فكرة بين الأوساط العلمية - وإن لم تكن قد عرضت على سلطات ~~الكنيسة بعد. فقد كان أرازموس دارون # Erasmus Darwin ~~(1738-1802م)، وهو جد تشارلس قد ذهب إلى أن كل الحيوانات الحية نتجت مما أسماه «نسيجا ~~حيا واحدا»، كما أيد بوفون # Buffon # الفرنسي فكرة ~~قيام ظروف البيئة بإدخال تعديل مباشر على الأشكال الحيوانية. # 5 # نظرية لامارك ~~: على أن الفضل لا بد أن يرجع إلى ~~لامارك (1744-1829م) في الإتيان بأول نظرية تطورية محدودة ومنطقية بحق. فقد كان يعتقد، ~~مثل «بوفون»، بقدرة الظروف الخارجية على تعديل الكائن العضوي. ومن هذا الاعتقاد جاءت ~~نظريته المشهورة «وراثة الصفات المكتسبة». وأساس هذه النظرية هو أن التغير في البيئة ~~يؤدي إلى تعديل التركيب الجسمي للنوع. ولنستخدم المثال الكلاسيكي الذي أورده لامارك، ~~فنقول إن نظريته تذهب إلى أن رقبة الزرافة الطويلة قد أتت من قيام أجيال متعاقبة من ~~الزراف بمد رقابهم من أجل الوصول إلى غذاء نباتي شحيح أو رقيق كان ينمو في مكان أبعد ~~مباشرة عن متناولهم. والمفروض أن هذا المد المستمر قد أدى إلى تعديل في الكائنات ~~العضوية الفردية وهذه التعديلات (التي هي ضئيلة جدا في أية حالة فردية) قد زادت ~~بالوراثة. # وينبغي أن نلاحظ ms130 أن نظرية لامارك، على ما تتسم به من طابع منطقي ومن معقولية في نظر ~~الإنسان العادي، ظلت مجرد فرض نظري دون أية أدلة مباشرة تؤيدها. ومع ذلك فقد أوحت ~~لعلماء البيولوجيا التالين باتجاهات مثمرة في البحث للقيام بتلك الكمية الهائلة من ~~الأعمال التفصيلية المرهقة التي كان لا بد منها لكي يصبح من المستطاع صياغة أي فرض علمي ~~حقيقي. ~~(5) دارون والانتقاء الطبيعي # يرجع إلى دارون الفضل الأعظم في صياغة هذا الفرض علميا؛ وبالتالي في الجمع بين ~~التيارين المتلازمين، تيار البحث العلمي وتيار النظر الفلسفي. ولقد كان دارون، في مزاجه ~~الطبيعي وفي تكوينه، عالما طبيعيا بيولوجيا بالمعنى الصحيح. فقد كان مقتنعا، حتى ~~في شبابه، بأن هناك نموا متدرجا لأنواع # Species # جديدة في الطبيعة، مثلما أن هناك نموا لفروع # Varieties # جديدة في الطبيعة وفي السلالات الحيوانية ~~التي يربيها الإنسان. وكان الرأي التقليدي هو أنه على الرغم من أن الفروع يمكن تعديلها ~~بتربية السلالات أو بفضل ظروف البيئة، فإن الأنواع المختلفة كانت ثابتة مثلما خلقت؛ ~~لذلك أدت هذه الفكرة التي اقتنع بها دارون إلى إثارة مشكلتين في ذهنه، فقد كان عليه ~~أولا أن يجد نوعا من التفسير المنطقي لما يقول به من ظهور للأنواع الجديدة، وكان عليه ~~ثانيا أن يجمع أدلة تزيد على ما كان موجودا من قبل، لإثبات أن مثل هذا التعديل ~~للأنواع «الثابتة» يحدث بالفعل. ومن حسن الحظ أنه اهتدى في سن مبكرة إلى طريقة ممكنة ~~للتفسير، بحيث إن مشكلته المزدوجة قد اختصرت إلى نصفها. فعندما كان في التاسعة والعشرين ~~فقط من عمره، توصل من خلال كتابات المفكر الاقتصادي الإنجليزي «مالثوس # Malthus ~~» إلى الفكرة التي كان يبحث عنها. وكانت النتيجة ~~- كما وصفها بألفاظه هو - واحدة من تلك الفتوحات الفكرية الكبرى التي كانت لها أهميتها ~~العظمى في تاريخ العلم: # في أكتوبر عام 1838م، تصادف أن قرأت على سبيل التسلية كتاب مالثوس في السكان، ولما ~~كانت ملاحظتي الطويلة المستمرة لعادات الحيوانات والنباتات قد هيأت ذهني لتقدير أهمية ~~الصراع من أجل الوجود، وهو الصراع الذي ms131 يدور في كل مكان، فقد تبادر إلى ذهني على الفور ~~أن من الممكن، في ظل هذه الظروف أن تحفظ التغيرات المواتية ويقضى على التغيرات غير ~~المواتية، فتكون نتيجة ذلك تكوين نوع جديد. وهنا أصبحت لدي نظرية أستطيع أن أبدأ العمل بها. # 6 # وهكذا اتخذ دارون من هذه الفكرة النيرة مرشدا، وقضى بعد ذلك واحدا وعشرين عاما ~~يجمع الأدلة البيولوجية لتأييد فرضه. وأخيرا ظهر في عام 1859م كتاب «أصل الأنواع # The Origin of ~~Species ~~»، وهو من ~~أعظم المؤلفات إثارة للفكر. ففيه يعرض مجموعة هائلة من الأدلة بوضوح كبير، ويدلل على ~~الفرض الأساسي بطريقة مقنعة كل الإقناع، بحيث إن كتابه هذا لا يمثل العرض الكلاسيكي ~~لوجهة النظر التطورية فحسب، بل إنه يعد أيضا واحدا من أبرز الأمثلة التي توضح كيف ~~يعمل العقل العلمي. وفور ظهور هذا الكتاب اقتنع عدد كبير من العلماء بأدلة دارون، لم ~~تمض سنوات قلائل إلا وكان فرض التطور قد حظي بقبول أغلبية الأذهان العلمية. ولكن من ~~سوء الحظ أن ضمان القبول لهذه الفكرة خارج نطاق الأوساط العلمية كان أمرا أصعب بكثير. ~~فقد كان الكنيسة متحاملة بوجه خاص على هذه النظرية؛ إذ إنها بدت لها مناقضة لتفسير ~~الكتاب المقدس للخلق، ومؤدية إلى الحط من الإنسان إلى مستوى النوع الحيواني. ولكن من ~~حسن الحظ أن دارون، الذي كان هو ذاته خجولا انطوائيا، وجد له نصيرين قويين في شخص ~~هربرت سبنسر وتوماس هكسلي. وكان الأخير بوجه خاص مجادلا رائعا، أسمى نفسه «كلب حراسة ~~دارون». فقد تحمل بشجاعة رائعة ومقدرة ووضوح في العرض، العبء الأكبر للهجوم الموجه ~~من جميع الجهات على كتاب دارون، وقاد مرارا وتكرارا هجمات مضادة ناجحة على خصومه المقهورين». # 7 # عوامل ثلاثة في الانتقاء الطبيعي ~~: على الرغم من أنه ~~قد ظهرت بعد دارون عدة كشوف علمية أدت إلى إدخال تعديلات في تفاصيل أعماله، فإن هذه ~~الأعمال تستحق الدراسة بوصفها أكثر من مجرد مرحلة تاريخية في العلم. فقد كان دارون، ~~شأنه شأن أي عالم آخر، يبحث عن وسيلة يستطيع بها ms132 تفسير الطريقة التي تحدث بها التغيرات ~~في الأنواع. ولما كان يعتقد أن لديه من الأدلة ما يجعله موقنا بأن مثل هذه التغيرات ~~تحدث بالفعل، فقد تركزت جهوده الأساسية في بحث الوسيلة التي يتم بها هذا التغير. فلاحظ ~~أن العملية الفعلية تنطوي على ثلاثة عوامل منفصلة: الصراع من أجل الوجود، والتنوعات بين ~~أفراد النوع الواحد، ونقل هذه التنوعات عن طريق الوراثة. ومن الضروري إلى أقصى حد أن ~~نفهم هذه العوامل الثلاثة: ~~(1) # إن الصراع من أجل الوجود شيء يكاد يفسر نفسه بنفسه. فنظرا إلى الخصب ~~الهائل للطبيعة، فإن عدد الكائنات العضوية التي تولد يزيد كثيرا على ما ~~تتحمله البيئة الطبيعية. ويؤدي التنافس على الغذاء، الناجم عن هذه الزيادة ~~العددية، بالإضافة إلى خطر الأعداء الطبيعيين الذي يهدد أغلب أشكال الحياة ~~الحيوانية، إلى جعل الحياة صراعا مستمرا من أجل البقاء. ومن الواضح أن ~~هذه مسألة حياة أو موت، فالمنتصر يبقى، والمهزوم يفنى. وليست هناك جائزة ~~ثانية للمهزوم، أو محكمة عليا يستأنف أمامها، بل إن الصراع مميت لا يرحم ~~وهو يستمر طيلة حياة الفرد . ~~(2) # في هذا الصراع الذي لا ينقطع، يجد كثير من الأفراد ظروفا مواتية لهم، ~~بينما تعاكس الظروف أفرادا آخرين. ومصدر هذه المزايا والمضار هو التنوعات ~~أو الفوارق الفردية التي توجد داخل أي نوع. ولم يكن في استطاعة دارون تقديم ~~تفسير لهذه التنوعات، غير أن وجودها كان حقيقة لا تقبل الجدل. (ولقد كان ~~دارون يعتقد أن هذه التنوعات ضئيلة جدا، وتلك نقطة حدث فيها تغير من أهم ~~التغيرات التي أدخلت على النظرية بعد دارون.) ولكن، أيا كان سبب هذه ~~التغيرات، فإنها تنفع الفرد المحظوظ من حيث إنها تعطيه مزيدا من السرعة أو ~~القوة، أو مخالب أو أنيابا أشد حدة، أو ألوانا أفضل تحميه، أو أية صفة ~~جسمية أخرى تفيد في بقاء الحيوان. ونتيجة ذلك هي أن احتمال بقائه يزيد، كما ~~تزيد فرصته في كسب المنافسة التي تدور من أجل الحصول على رفيقات في الجنس. ~~وهنا أيضا نجد أن الفرد الذي يتميز بتنوعات غير ms133 ملائمة تعمل على إعاقته. ~~قد لا يجد جوائز تعويضية في هذا الصراع، فيكون عليه إما أن يموت جوعا، ~~وإما أن يلتهم، وإما أن تظل حياته في عقم لأنه لا يستطيع كسب رفيقة. ~~(3) # ومع ذلك فإن مجرد اكتساب فارق عفوي ~~يفيد في بقاء الفرد، لا يكفي لتفسير تغيرات النوع، بل إن من الواضح أن هذه ~~التنوعات ينبغي أن تكون قابلة للنقل عن طريق الوراثة، ولولا ذلك لعادت ~~ذريته إلى المستوى العادي للنوع، مهما كانت المزايا التي يتمتع بها الفرد ~~نفسه، ولكان معنى ذلك أن نعود من حيث بدأنا. فمن الواضح إذن أن فرض التطور ~~بأسره يتوقف على إمكان أو عدم إمكان نقل هذه التنوعات عن طريق وسيلة ~~الوراثة العادية. ومن حسن حظ هذا الفرض أن الملاحظة والتجربة قد أثبتتا أن ~~نقل الفوارق المفيدة والضارة هو حقيقة واقعة. وإذن فحتى لو كانت هذه ~~الفوارق شديدة الضآلة يكون واحد من أبوينا قد اكتسبها بالميلاد. وهذا ~~الفارق راجع إلى نوعي كما كان دارون يعتقد، فإن النتيجة التراكمية لعدة ~~أجيال من هذه التنوعات يمكن بسهولة أن تكون نوعا جديدا. # لامارك في مقابل دارون ~~: تشكل العوامل الثلاثة التي ~~عرضناها ما يعرف باسم قانون أو مبدأ الانتقاء الطبيعي. وهناك أمران متعلقان بهذا المبدأ ~~ينبغي تأكيدهما، لا يسما وإنهما ما زالا صحيحين إلى اليوم كما كانا عند نشر كتاب دارون ~~عام 1859م: أولهما هو الاختلاف بينه وبين نظرية لامارك، التي يخلط الناس عادة بينهما ~~وبين فرض دارون. ففي مقابل ما يقول به لامارك من وراثة للصفات المكتسبة؛ أي تلك الناتجة ~~عن التدريب والاستجابة المتكررة بالتعود - يفترض دارون وراثة فوارق عفوية يتصادف أنها ~~تفيد في بقاء الحيوان. وعلى ذلك فنحن لا نرث ما قد يكون آباؤنا قد اكتسبوه بالتمرين من ~~عضلات أو مهارات، ولكنا نستطيع أن نرث - ونرث بالفعل - فوارق في التركيب الجسمي يكون ~~واحد من أبوينا قد اكتسبها بالميلاد، وهذا الفارق راجع إلى نوعي أو نظامي الخلايا ~~التي لدينا، وهي مسألة سنشرحها بعد قليل. والأمر الثاني الذي ينبغي ms134 ملاحظته في مبدأ ~~الانتقاء الطبيعي هو صفة «الطبيعي». ففي مذهب دارون نجد تفسيرا كاملا مفصلا لتغيرات ~~نوعية لا يفترض فيها أي نوع من التدخل الخارجي. فالعملية كلها قابلة للتفسير على الأسس ~~الطبيعية الخالصة التي عرضناها الآن، ولا ضرورة فيها لتدخل أية قوة خارجية أو «خارقة ~~للطبيعة». # وأغلب الظن أن هذا الاستغناء عن أي فاعل عاقل أو غائي في عملية التطور، كان هو العامل ~~الأكبر في إثارة المعارضة الأخلاقية والكنسية لكشوف دارون، فقد بدا أن هذه الكشوف توحي ~~بأن الله أقل ضرورة في تدبير الأشياء مما كان يعتقد من قبل. ومع ذلك فمن المستحسن ~~الانتظار حتى نعالج كل النتائج الضمنية لفرض التطور في قسم مستقل سنورده في هذا الفصل ~~فيما بعد. ~~(6) التطور بعد دارون # في خلال الأعوام المائة التي انقضت منذ نشر كتاب دارون الهائل حدثت تغيرات متعددة في ~~تفاصيل النظرية التطورية، على الرغم من أن خطوطها العامة ما زالت تعد دعامات أساسية ~~للعلوم البيولوجية. ولقد كانت معظم هذه التغيرات ناتجة عن اتساع نطاق معرفتنا للعمليات ~~الآلية للوراثة. والواقع أن من أفيد النتائج التي أسفر عنها نشر كتاب «أصل الأنواع» أنه ~~أحدث زيادة كبيرة في كمية البحوث التجريبية في علم البيولوجيا. ولقد وصلت معرفتنا ~~لقوانين الوراثة في الوقت الحالي إلى حد أصبحت معه المصطلحات الفنية، من أمثال «الجين» ~~(المورث) و«الكروموزوم» (الصبغية)، والطفرة # Mutation # والسائد # dominant ~~، # 8 # وما إلى ذلك، جزءا من الألفاظ التي يتداولها أي شخص مثقف، وليس من ~~المستحسن، في كتاب من هذا النوع، أن ندخل في تفاصيل هذا الميدان الذي هو شاق وشائق في ~~آن واحد، لا سيما وأنه توجد، في أية مكتبة جامعية، كتب عديدة تعرف لآليات الوراثة ~~بإيجاز ووضوح. # 9 # ومع ذلك، فمن الواجب - بغض النظر عن الصعوبات الفنية - أن نتحدث عن ~~تعبيرين جذريين أدخلا على فرض التطور منذ صياغته الأصلية. # اكتشاف فيزمان ~~: أول هذين الاكتشافين لا يمثل ~~تعديلا على النظرية الداروينية، بقدر ما يمثل امتدادا وإثراء لها. وقد كان ~~فيزمان # Weismann # هو الذي قام بالكشف العظيم ms135 ~~الأهمية، الذي اتضح منه أن للجسم نظامين منفصلين وشبه مستقلين للخلايا. فالجزء الأكبر ~~من تكويننا العضوي المادي يتألف من خلايا جسمية # Somatic # تأثر بالاستعمال والتموين. ومن ثم فهي مقر «الصفات المكتسبة» عند لامارك. أما النظم ~~الثاني للخلايا فهو الخلايا الجرثومية # Germ-Cells ~~. هذه ~~الخلايا تتصف بما يمكن تسميته بالخلود؛ إذ إن الخلية الجرثومية تستمر من أول كائن بشري ~~(وربما من أول كائن عضوي حي) حتى تصل إليك؛ أعني إلى قارئ هذه الصفحة. وهكذا فإن كل فرد ~~يستمد أصله، لا من الخلايا الجسمية القابلة للتعديل، التي كانت لدى أبويه، وإنما من ~~الخلايا الجسمية الخالدة التي لم يكن أبواه إلا حاملين أو ناقلين لها. وأهم الحقائق ~~هي أن هذه الخلايا الجرثومية، التي تختزنها الخلايا الجسمية أو تحملها، تظل مستقلة ~~تماما عن التغيرات التي تحدث في النوع الآخر من الخلايا. وهكذا يبدو كأن نظرية لامارك ~~قد تركت بلا أساس من الوراثة ترتكز عليه، ما دامت الوراثة تتوقف تماما على نقل ~~الخلايا الجرثومية، التي لا تتأثر إلا بالتنوعات المستقلة التي تطرأ عليها. # ولقد وقع دارون في نفس الخطأ الذي وقع فيه لامارك عندما افترض أن تغيرات النوع تأتي ~~من تعديل في الخلايا الجسمية. ولكن من حسن الحظ أن هذه المسألة لم تكن لها، في نظرية ~~دارون، نفس الأهمية الرئيسية التي كانت لها في نظرية لامارك بأسرها. ومن هنا فإن كشف ~~فيزمان لم يسفر إلا عن تحسين في فرض دارون، على حين أنه قد سدد ضربة قاتلة إلى نظرية ~~لامارك السابقة على هذا الفرض، والواقع أن من أروع سمات الصيغة الأصلية لنظرية دارون، ~~أنها استطاعت أن تتحمل عددا كبيرا من التغيرات وتظل مع ذلك باقية. فكل ما فعلته ~~الكشوف التالية هو تعديلها، غير أن أساسيات الفرض الأصلي ظلت على ما هي عليه. # كشف الطفرات ~~: أما الكشف الثاني فكان يمثل اختبارا ~~لفرض دارون أقسى بكثير مما كان يمثله فيزمان. ففي عام 1900م أتم العالم التجريبي ~~الهولندي دي فريس # De Vries # بحثا بدا لفترة معينة أنه ~~يهدد بهدم ms136 نظرية دارون من أساسها، وهو أمر كان مصدر ابتهاج كبير لذلك العدد الكبير من ~~خصوم نظرية التطور، الذين كانوا لا يزالون محتفظين بنشاطهم في ذلك الحين. ومع ذلك فقد ~~أدخل مرة أخرى تعديل على الفرض الأصلي بحيث أصبح يتسع للمعلومات الجديدة، وبذلك ضمن ~~فسحة جديدة من العمر. فلقد رأينا من قبل أن التعبير الأصلي عن النظرية يفترض وراثة ~~التنوعات التي تفيد في البقاء، وكان المعتقد أن هذه تنوعات ضئيلة تحدث بطريقة عفوية. ~~ولكن دي فريس اكتشف في سلسلة مشهورة من التجارب التي أجراها على نبات زهرة الربيع المسائية # Evening Primrose # أنه تحدث أحيانا ~~تغيرات تبلغ من الضخامة حدا تكون معه نمطا جديدا كل الجدة. وفضلا عن ذلك فإن بعضا ~~من هذه الزهرات تتكاثر. وقد أطلق على هذه التغيرات الكبرى اسم «الطفرات # Mutations ~~»، تمييزا لها من التنوعات الضئيلة التي ~~افترضها معظم الباحثين السابقين عليه. وهكذا فإن من الممكن أن يظهر فجأة، ودفعة واحدة، ~~تنوع جديد، بل ربما نوع جديد، بدلا من أن يظهر نتيجة تراكم تدريجي لتنوعات ضئيلة. ولقد ~~كان أنصار نظرية التطور، قبل هذا الكشف الهام، يجدون لزاما عليهم أن يفترضوا انقضاء ~~مدد زمنية هائلة لتعليل ظهور ألوف الأنواع المختلفة التي توجد الآن على سطح الأرض. ولكن ~~يبدو أن الحاجة إلى افتراض مثل هذه الفترة الزمنية التطورية الهائلة قد زالت بفضل «زهرة ~~الربيع» المتواضعة وعاداتها التناسلية غير المنتظمة. وهكذا فإن النتيجة الكاملة لكشف ~~الطفرات هذا لم يكن أضعاف فرض دارون، بل كانت هي جعله أكثر منطقية وأقرب إلى ~~التصديق. # والواقع أنه لم تكن هناك صعوبة كبيرة في إدماج هذا الكشف الجديد في النظرية الأصلية. ~~ذلك لأن الطفرات ما إن تحدث (ولم يكن دي فريس يقل جهلا بأسبابها الدقيقة عما كان دارون ~~بالنسبة إلى «تنوعاته») حتى يسير بقاؤها إلى عدم بقائها تبعا لمبادئ الانتقاء الطبيعي، ~~التي ناقشناها من قبل. ولقد ظهرت منذ عام 1900م أدلة كثيرة في علم الحفريات تؤيد كشف دي ~~فريس. ~~(7) الحجج المؤيدة للتطور # على الرغم من أن النظرية ms137 العامة للتطور أصبحت تقبل الآن بوصفها أساس العلم البيولوجي ~~الحديث، فإنها لم تلق بعد قبولا تاما خارج الدوائر العلمية. أما بالنسبة إلى أرقى ~~الناس ثقافة، فإن الخلاف الذي كان محتدما من قبل، حول «التقابل بين التطور والكتاب ~~المقدس» يبدو اليوم وكأنه كاد يصبح مسألة تاريخية بحتة، شأنه شأن المعركة المماثلة التي ~~نشبت بين النظام الشمسي المرتكز حول الشمس، وبين النظام الشمسي المرتكز حول الأرض، الذي ~~كان يستند إلى تأييد الكتاب المقدس. ومع ذلك فإن ما يدفعنا إلى تلخيص الحجج التي يأتي ~~بها كل من أنصار نظرية الخلق ونظرية التطور ليس هو الأهمية التاريخية للنزاع بينهما ~~فحسب. ذلك لأن القيام بهذا التلخيص هو أفضل وسيلة لإدراك النتائج الفلسفية لكل رأي، ~~وهذه النتائج هي ما يهمنا بوجه خاص. # وسوف نفرق، في العرض الذي سنقدمه لحجج كل جانب، بين الحجج «العلمية» والحجج ~~«الأخلاقية» - على أن يفهم كل لفظ من هذين بأوسع معانيه. وكما هو متوقع، فإن القائل ~~بنظرية التطور يبدي اهتماما أعظم بالأدلة العلمية، على حين أن القائل بنظرية الخلق ~~يرتكز في حججه أساسا على وجهة النظر الأخلاقية. غير أن لكل منهما حججا تنتمي إلى ~~المجالين معا. ومن الواجب أن نوازن بين كل واحدة وبين مقابلتها. وسيكون الأقرب إلى ~~المنطق أن نبدأ بوجهة نظر المذهب التطوري؛ إذ إن دعاته هم الذين كان عليهم - تقليديا ~~- أن يأتوا بالبينة على ما يدعون. # الحجج السبع الرئيسية ~~: ترتد الحجج العلمية المؤيدة ~~للموقف التطوري العام إلى ست حجج أو نحوها. # 10 ~~(1) # أقوى الحجج تأثيرا في نظر كثير من الأذهان هي الحجة المستمدة من ~~علم الحفريات Paleontology ~~. ذلك لأن ~~بقايا الحفريات تشكل ما يكاد يكون سلسلة كاملة من الأشكال التي تؤدي من نمط ~~من الكائنات العضوية إلى نمط آخر مختلف عنه كل الاختلاف. في هذه السلسلة من ~~الحفريات يكون الفارق بين أفراد السلسلة عادة ضئيلا إلى حد يكاد الاعتقاد ~~بوجود نمو تدريجي يصبح معه أمرا لا مفر منه. ومن أشكال الحفريات المشهورة ~~بوجه خاص، تلك التي توضح التدرج من ms138 الفرس القديم الصغير # Eohippus # أو ما يسمى «بحصان الفجر # Dawn Horse ~~» حتى الحصان كما نعرفه ~~الآن. ولو قدر لك أن تلاحظ هذه السلسلة في متحف، لكانت هذه الملاحظة أشبه ~~بمشاهد فيلم سينمائي يصور تفتح زهرة: فالهيكل الصغير ينمو تدريجيا ~~بقفزات واضحة، وعدد أصابع الأرجل يتناقص ويكون بالتدريج حافرا ... ~~إلخ. ~~(2) # والحجة المستمدة من علم ~~الأجنة # Embryology # تؤثر بدورها تأثيرا متساويا في أذهان الكثيرين. ~~وتدل هذه الحجة على أننا كلما رجعنا القهقرى في نمو الجنين، كان التشابه ~~أعظم بين تلك الأنواع التي يعتقد القائل بالتطور أنها مرتبطة. ولنتأمل ~~المثل الكلاسيكي في هذا الصدد، فأجنة البشر والقرود شبه البشرية أقوى ~~تشابها بكثير في الشهر الثالث من الحمل منها في الشهر الأخير. وثانيا فإن ~~الجنين يمر بمراحل في النمو تناظر بوجه عام تلك التي تعتقد النظرية ~~التطورية أن النوع قد مر بها. ففي حالة البشر، نجد أن أبرز هذه المراحل ~~الجنينية هي ظهور فتحات خيشومية، وذيل، وأضلاع أكثر من تلك التي لدى البالغ ~~السوي. هذه المراحل يمر بها الجنين عادة بسرعة كبيرة، ومع ذلك فقد عرفت ~~حالات استمرت فيها هذه المراحل إلى ما بعد الولادة، كما يحدث عندما يولد ~~طفل بعدد من الفقرات الزائدة يكفي لتكوين ذيل متميز. هذه السلسلة من ~~«الذكريات القديمة» تسمى بالمراجعة # Recapitulation ~~؛ إذ يبدو فيها أن نمو ~~النوع يمر بما يشبه العرض السريع المجمل. ~~(3) # وهناك أدلة وثيقة الصلة بالحجة المستمدة من علم الأجنة، هي تلك التي ~~تستمد من علم التشريح ~~المقارن # Comparative Anatomy ~~. هذه الحجة تشير إلى أن التجربة تعلمنا أن ~~التشابه المادي يعني عادة وجود أصل مشترك - بحيث إننا عندما نجد شخصين ~~متشابهين جدا، فإننا نفترض وجود قرابة بينهما. وعلى ذلك فعندما نكتشف ~~أوجه شبه قويه في التركيب أو الوظيفة بين أنواع مختلفة (كالبشر والقرود ~~مثلا)، فمن المنطقي أن نشتبه في وجود أصل مشترك. ~~(4) # ولقد كشف تحليل دم أنواع متعددة ~~وجود أوجه تشابه أقوى بين الأنواع التي يقول التطوريون (على أساس أدلة ~~أخرى) بوجود صلة وثيقة بينها، وبين تلك ms139 التي يعتقد أنها متباعدة الصلة. ~~وأفضل مثال لذلك هو البشر والقرود مرة أخرى؛ إذ إن التحليلات تدل على أن ~~الصلة بين دم هذين النوعين أقوى من الصلة بين دم أي منهما وبين دم أي نوع ~~آخر. ~~(5) # أما الحجة المتعلقة بالأعضاء ~~المتخلفة # Vestigial Organs # فهي حجة مألوفة لنا جميعا. تؤكد أن الكائنات ~~العضوية البالغة ذاتها يمكن أن تكون لها آثار تشريحية متخلفة، كالزائدة ~~الدودية، التي ليست لها فائدة، بل قد تكون مصدر ضرر. فليس في وسع الفرض ~~المرتكز على فكرة الخلق أن يقدم تعليلا لهذه الأعضاء المتخلفة. أما ~~النظرية التطورية فتقول إنها مخلفات من مخلوق قديم من الجدود الأولين. كان ~~لها نفع لديه. ~~(6) # وهناك طلاب كثيرون يتأثرون خاصة بالحجة المستمدة من التوزيع الجغرافي وهي ~~الحجة القائلة إن تلك الجزر أو كتل اليابس التي يعتقد علم الجيولوجيا أنها ~~ظلت معزولة أطول فترة ممكنة (كأستراليا وجزر «جالاباجوس # Galapagos ~~» مثلا) يوجد فيها عادة أكبر عدد من الأنواع ~~النادرة أو «الشاذة». وهذا ما ينبغي توقعه، حسب الفرض التطوري، ما دام من ~~الضروري أن تكون تلك البقاع التي انفصلت عن بقية العالم منذ أقدم عهد ممكن ~~هي التي أتيح لها أكبر قدر من الوقت لإظهار أنواع تختلف عن تلك التي توجد ~~في البقاع الأخرى. ~~(7) # وأخيرا فهناك حجة مستمدة من التجربة المرسومة أو المدبرة # Controlled Experiment # فتربية السلالات ~~النباتية والحيوانية تقدم أوضح الأمثلة كالتجارب المشهورة التي قام بها ~~لوثربيربانك # Luther Burbank # 11 # ولقد أشرنا من قبل إلى أعمال مماثلة قام بها دي فريس، طبقت ~~فيها ضوابط دقيقة من أجل إحداث تغير ملحوظ في النوع. # ويعترف نصير نظرية التطور عادة بأن أية حجة من ~~هذه الحجج، إذا ما نظر إليها في ذاتها، لا يمكن أن تكون مقنعة إقناعا تاما، ولكنه ~~يعتقد أنها إذا ما أخذت سويا ودعمت بعضها البعض، كان لتجمعها تأثير لا يقاوم. ~~وبالاختصار فإن هذه النقاط السبع تنطوي، في نظر المدافع عن هذه النظرية، على مجموعة من ~~القواعد الملاحظة التي يفسرها فرضه على نحو أفضل بكثير ms140 مما يفسرها الفرض القائل بالخلق. ~~ولما كان فرضه هذا يؤدي إلى تكامل وتفسير أفضل للوقائع، فمن الواجب إذن الأخذ به ورفض ~~الفرض المضاد. ~~(8) الحجج العلمية عند القائلين بنظرية الخلق # يمكن القول إن الحجج العلمية لنظرية الخلق سلبية إلى حد بعيد، من حيث إنها تشكل ~~هجوما على موقف نظرية التطور، أكثر مما تشكل وجهة نظر إيجابية. # 12 ~~(1) # فهي أولا تذهب إلى أن هناك ثغرات خطيرة في السلسلة التطورية المزعومة، ~~ولا سيما بين الإنسان والحيوان من جهة، وبين المركبات الكيموية والكائنات ~~العضوية من جهة أخرى. وهذا الفاصل الأخير واضح بصورة خاصة، ولم يحدث تقدم ~~ملحوظ نحو سد الثغرة بينهما. ~~(2) # والأدلة المباشرة على التطور قليلة جدا - إن كانت هناك أدلة على ~~الإطلاق. والمقصود بالأدلة المباشرة، الأمثلة الملاحظة لحدوث تعديل فعلي. ~~وإذن فينبغي أن تظل النظرية بأسرها دون إثبات، بل تظل غير قابلة للإثبات ما ~~لم تتم ملاحظات كهذه. ~~(3) # ولا يستطيع من يدافع عن نظرية التطور أن يقدم تفسيرا مرضيا لأصل ~~الحياة؛ إذ إن حججه كلها تفترض أن الحياة موجودة من قبل، وهو بالطبع هروب ~~من مسألة عظيمة الأهمية. ~~(4) # ويذهب القائل بنظرية الخلق أخيرا إلى أن النظرية التطورية تمثل تبسيطا ~~مفرطا لوقائع هي في ذاتها شديدة التعقيد. فالكلمة «يتطور» مثلا تستخدم ~~بحيث تدل على عوامل كثيرة، وما هي في الواقع إلا قناع يخفى جهلنا بالوسيلة ~~التي كان يمكن أن يحدث بها هذا النمو المتدرج بالفعل. # وردا على ذلك، يعترف القائل بنظرية التطور بوجود ثغرات حقيقية بالفعل في كثير من ~~سلاسل النمو المتدرج، ولكنه يشير إلى أن استمرار التقدم العلمي يؤدي إلى سد هذه الثغرات ~~بالتدريج. وعلى أية حال، فمن المؤكد أنها أقل اتساعا مما كانت من قبل. وهو أيضا يعترف ~~بالجهل فيما يتعلق بأصل الحياة، ولكنه يذهب إلى أن الاعتراف النزيه بالجهل أفضل إلى حد ~~لا متناه من التعليل الخيالي الساذج - ولا نقول الخرافي - الذي يفترضه كثير من ~~القائلين بنظرية الخلق لأصول الأشياء. وفضلا عن ذلك فإن الافتقار إلى أدلة ملاحظة ~~مباشرة على التطور ms141 ليس أخطر في هذه الحالة مما هو في حالة بناء فرضي آخر هائل، هو ~~المذهب الذري للفيزياء الحديثة. فكلتا النظريتين تمثل أفضل محاولة للقيام بما ينبغي على ~~كل فرض علمي أن يقوم به: أعني تفسير كل الوقائع المتعلقة بالموضوع بأبسط الطرق الممكنة ~~وأكثرها فعالية وأقربها إلى المنطق. وأخيرا فإذا كان الأساس اللازم للبت في هذا ~~الموضوع هو الأدلة الملاحظة المباشرة، فهل في استطاعة القائل بنظرية الخلق أن يضرب لنا ~~مثلا لحالة لاحظ فيها أي شخص خلق من نوع جديد؟ ~~(9) الحجج الأخلاقية # من الأفضل، عند استعراض الحجج الأخلاقية التي يتقدم بها كل من الطرفين، أن ندع ~~القائل بنظرية الخلق يتحدث أولا؛ إذ إن معظم عتاده الثقيل مستمد من المجال ~~الأخلاقي. ~~(1) # ما زال كثير من القائلين بنظرية الخلق يشعرون بالقلق لأن التفسير ~~الدارويني لأصل الأنواع لا يتمشى مع تفسير الإنجيل، وإن كانت هذه الحجة قد ~~أصبحت اليوم أكثر ترددا على الألسن مما كانت عليه من قبل. ~~(2) # كذلك فإن الصورة التطورية، التي تشمل الإنسان، تنطوي على الحط من الجنس ~~البشري. فلم يعد الإنسان يبدو آخر مخلوقات الله (وأثرها لديه)، وإنما أصبح ~~مجرد نوع حيواني آخر. ~~(3) # كذلك فإن نظرية التطور، كما قلنا ~~من قبل، تبدو وكأنها تلغي الحاجة إلى غاية أو إرادة خلاقة في الكون ، بما ~~تقدمه من تفسير طبيعي بحت للظواهر البيولوجية، بل إن النظرية بأسرها إنما ~~هي محاولة أخرى للقضاء على العنصر فوق الطبيعي في تفكير الإنسان. ~~(4) # وليس في استطاعة فرض التطور أن يقدم إلينا صورة لبداية مرسومة أو غاية ~~مرغوب فيها للحياة على الأرض. ذلك لأن العلوم المختلفة يبدو أنها توحي بأن ~~أرضنا ستنجذب في وقت ما، إلى الشمس نتيجة لفقدانها قدرتها على الاندفاع ~~المستقل، أو ستفقد حرارتها نتيجة لبرودة الشمس تدريجيا، أو ربما صادفت ~~كارثة من التصادم مع جرم فلكي آخر. فإذا كانت هذه هي الصورة الصحيحة لمصير ~~الإنسان، فعندئذ يكون الإنسان عقيما تماما، وكذلك الحال في مثله ~~العليا. ~~(5) # وأخيرا فإن نظرية التطور، بما تفترض من تطور لمثلنا العليا مع ms142 تطور ~~تركيبنا الجسمي، تقترح أصلا طبيعيا بحتا لوجود الإنسان الأخلاقي. وهنا ~~أيضا يستبعد ما فوق الطبيعي، ويقترح علينا تفسير مادي آلي لطبيعة ~~الإنسان الروحية. # التطوري يرد ~~: أما التطوري، فلديه بدوره بعض العتاد ~~الأخلاقي، الذي صنع الجزء الأكبر منه لغرض صريح هو الرد على اعتراض القائل بنظرية ~~الخلق. ~~(1) # فهو عادة يعترف صراحة بالتعارض بين التفسير الدارويني وبين التفسير ~~الوارد في سفر التكوين، ولكنه يشير إلى أن نفس الاعتراض قد أثير في وجه ~~النظام الكوبرنيقي في الفلك عندما صيغ لأول مرة في القرن السادس عشر. وكما ~~أمكن التخلي عن المعلومات الفلكية الواردة في الكتاب المقدس دون مساس ~~بسلطته الروحية، فمن المؤكد كذلك التخلي عن المعلومات البيولوجية الواردة ~~فيه دون إنقاص من قدرته الأخلاقية. ~~(2) # كذلك لا يرى القائل بالتطور أي حط من قدرنا إذا كنا قد ارتفعنا من أشكال ~~دنيا للحياة. ذلك لأن موضوع فخرنا ليس ما أتينا منه، بل ما تحولنا ~~إليه. ~~(3) # والتفسير الطبيعي لأصلنا لا يؤدي ~~بالضرورة إلى حذف فكرة الله من الصورة، حتى بوصفه خالقا؛ ذلك لأن من ~~الممكن النظر إلى التطور - أو بتعبير أدق، إلى الانتقاء الطبيعي - على أنه ~~هو الوسيلة التي تتحقق بها «الغاية الإلهية». وهذا أمر وجد تقديرا لدى ~~كثير من المثاليين والمفكرين الدينيين المحدثين، فتراهم ينظرون إلى العملية ~~التطورية بأسرها على أنها هي «الاستراتيجية الكبرى» التي حقق بها الذهن ~~الشامل ذاته في العالم المادي. ~~(4) # ويعترف القائل بالتطور بجهله بالأصول (كما رأينا من قبل)، ويرفض الاعتراف ~~بأن لفرضه أية صلة بموضوع غاية الحياة أو هدفها، أو أية مسئولية عنه. غير ~~أنه يعتقد أن رأيه يجعل من الحياة والتاريخ البشري مغامرة مليئة بالتحدي، ~~وهو ما لا يؤدي إليه القول بوجود مصير مقدر مقدما. # التطور ومشكلة الشر ~~: توجد لدى المدافع عن نظرية ~~التطور حجة أخلاقية كبرى خاصة به، بالإضافة إلى هذه الردود. هذه الحجة تتعلق بمشكلة ~~الشر، وهي مشكلة ستطل برأسها في كثير من الفصول التي سترد فيما بعد. وقد قدم «دوترر» ~~عرضا موجزا واضحا للموقف كما يراه أنصار ms143 التطور (وقد استخدم دوترر للتعبير عن ~~التطورية لفظ «التحولية # Transformism ~~»، فقال: # على أن أخطر اعتراض يوجه إلى الفرض القائل بالخلق الخاص، هو ذلك الذي ينجم عن ~~التفكير في وجود الشر في العالم. فأي تعليل يستطيع فرض الخلق أن يقدمه لأصل ~~جراثيم الأمراض بوجه خاص؟ أنستطيع حقا أن نفترض أن الله قد تعمد خلق الكائنات ~~العضوية الجرثومية التي تسبب الالتهاب الرئوي وشلل الأطفال، والطاعون الدملي، ~~والتهاب السحايا المخية الشوكية، وسائر الأمراض اللعينة المخيفة التي تفتك ~~بزهرة الجنس البشري؟ # فإذا ما قلنا، محاولين تجنب الصعوبة الناجمة عن وجود هذه الأنواع الكثيرة من ~~البكتريا المسببة للأمراض، أن هذه البكتيريا لم تكن في الأصل مسببة للمرض، لكان ~~ذلك اعترافا منا بقابلية الأنواع للتعديل على نحو جذري، ولكنا بذلك نقبل من ~~حيث المبدأ وجهة النظر التحولية؛ ذلك لأننا إذا كنا نعترف بأن الأنواع المؤذية ~~قد ظهرت من أصل طبيعي، فكيف نستطيع أن ننكر أن الأنواع الأخرى ربما كانت قد ~~ظهرت على نفس النحو؟ # 13 # ولا بد أن يكون القارئ قد أدرك أن الخلاف بين القائل بنظرية الخلق والقائل بنظرية ~~التطور يرتد إلى صراع بين النزعة الطبيعية والنزعة فوق الطبيعية. فالفيلسوف المؤمن ~~بالمذهب الطبيعي ينظر إلى الفرض الدارويني - عن حق تماما - على أنه واحد من أقوى ~~أسلحته؛ إذ إن هذه النظرية هي التي أسهمت بالدور الأكبر في إتاحة امتداد التفكير ~~الطبيعي إلى الميادين البيولوجية والنفسية والاجتماعية. أما القائل بنظرية الخلق فلا بد ~~أن يكون من المؤمنين بالنزعة فوق الطبيعية؛ إذ إن نفس مفهوم الخلق الخاص يقتضي فاعلا ~~أو قدرة خارجية (أي فوق الطبيعية) من نوع ما. ولو نظرنا إلى المسألة من خلال النزاع بين ~~مختلف المدارس الفلسفية، لوجدنا أن التأثير العام للمذهب التطوري كان دعم المذهب ~~الطبيعي إلى حد بعيد. وعلى العكس من ذلك، فربما كان المذهب التطوري هو أقوى عامل ~~منفرد أرغم النزعة فوق الطبيعية على الوقوف موقف الدفاع، بل إن المثالي نفسه قد وجد ~~لزاما عليه، في كثير من الأحيان، أن يعدل تفكيره على ms144 نحو يتسع معه للنظرية الجديدة ~~ونتائجها الضمنية. ~~(10) صراع بين المذهب الآلي والمذهب الحيوي # بعد أن أسفرت الحرب بين مذهب الخلق ومذهب التطور عن انتصار الأخير إلى حد بعيد في ~~وقتنا الحالي، وذلك من وجهة النظر العلمية على الأقل، فإن الجدال بين أنصار المذهب ~~الآلي وأنصار المذهب الحيوي قد أصبح أشد ميادين الخلاف حيوية في ذلك المجال الغامض ~~المسمى «بفلسفة العلوم البيولوجية». ويبدو أن كل جيل يتعين عليه أن يقاتل في ميدان ~~جديد؛ ففي الوقت الحالي أصبح الميدان الرئيسي للمعركة هو ذلك الفرع من الميدان ~~البيولوجي، المسمى «بعلم النفس». ومع ذلك فالأفضل أن نبدأ بدراسة الجدال بين المذهبين ~~الآلي والحيوي في علاقته بميدان البيولوجيا بوجه عام. # عرض موجز للموقفين ~~: يدل لفظ المذهب الآلي في ~~البيولوجيا على ما يعنيه هذا اللفظ بالضبط؛ فهو محاولة للامتداد بالنظرة الآلية إلى ~~الكون بحيث تشمل الكائنات الحية. ويرى هذا المذهب باختصار أن من الممكن تقديم تفسير ~~كامل للكائن العضوي على أساس المبادئ الآلية؛ أي عن طريق القوانين التي تسري على المادة ~~في حركتها. ولو شئنا استخدام تعبير أدق وأقرب إلى الروح العلمية، لقلنا إن المذهب الآلي ~~البيولوجي يرى أن الكائن العضوي نظام فيزيائي كيموي، يمكن تحليل سلوكه إلى تلك الأنواع ~~من التفاعلات التي تدرس في معامل الفيزياء والكيمياء. وهكذا فإن القائل بالمذهب الآلي ~~لا يعترف بوجود فارق هام بين العالمين العضوي وغير العضوي: فالسلوك على المستوى العضوي ~~لا يمثل إلا صورة أشد تعقيدا بكثير، من تلك التفاعلات التي تميز سلوك المادة غير ~~العضوية. وينكر المذهب الآلي أن يكون أي عامل أو مبدأ غير فيزيائي قد ظهر في الطبيعة ~~مقترنا بظهور الحياة. وهكذا تصبح البيولوجيا مجرد امتداد للفيزياء والكيمياء في مجال ~~يتضمن ظواهر أعقد من تلك التي يدرسها العلمان الآخران عادة. ومع ذلك، فلما كان ميدان ~~البيولوجيا متصلا بميداني هذين العلمين الأقدم منه عهدا، فإنه لا يحتاج إلى مبادئ ~~جديدة أو مفاهيم أساسية جديدة كل الجدة. # أما المذهب الحيوي # فيعتقد أن الظواهر العضوية لا ~~يمكن تعليلها تعليلا ms145 كافيا على أساس معرفتنا الحالية للفيزياء والكيمياء، ولا على ~~أساس أية معرفة مقبلة شاملة لقوانينهما. فصاحب هذا المذهب يرى أن ظهور الحياة في الكون ~~قد أدى إلى إدخال عامل أو مبدأ جديد أصيل في الطبيعة. وهو يرى، فضلا عن ذلك أن هذا ~~المبدأ «حيوي» غير آلي وغير مادي وغير كيموي. وهكذا فإن المذهب الحيوي هو في أساسه ~~المذهب القائل إن ظواهر الحياة فريدة في نوعها - إنها فئة لا نظير لها - ومن ثم فهي ~~تختلف أساسا عن الظواهر الفيزيائية الكيموية. فصاحب هذا المذهب يجد في الكائنات ~~العضوية الحية شيئا جديدا ومختلفا كل الاختلاف عما يمكن كشفه في أي مجال آخر من ~~مجالات النظام الطبيعي؛ أعني شيئا لا يمكن تعليله على أساس مجرد زيادة تعقد أو تعدد ~~العوامل الموجودة من قبل. هذه الإضافة الجديدة المفترضة إلى الطبيعة تكاد تكون مما ~~يستحيل تعريفه، ما دامت (كما قلنا الآن) فريدة في نوعها، والشيء الذي يكون منفردا ~~تماما يستحيل تعريفه؛ إذ إن كل تعريف ينبغي أن يكون بالنسبة إلى شيء آخر داخلا في ~~نطاق تجربتنا. وقد أطلق مختلف أنصار المذهب الحيوي على هذا العامل غير القابل للتعريف ~~أسماء متباينة، «كالقوة الحيوية» أو «قوة الحياة» أو «الكمال # Entelechy ~~» أو «الدفعة ~~الحيوية # Élan Vital ~~» أو «العالم شبه النفسي Psychoid ~~»، وغيرها. وحاول آخرون وصف طبيعته ~~المفترضة على أساس الاختلافات التي تفرق بين النشاط العضوي والنشاط غير العضوي، غير أن ~~هذا العامل قد ظهر آخر الأمر غامضا غير قابل للوصف. ~~(11) حجج كل من الجانبين # لكل من جانبي النزاع حججه القوية. وسوف نستمع إلى صاحب المذهب الآلي في البداية؛ ~~إذ إن المذهب الحيوي إنما هو إلى حد بعيد نقد لما ينطوي عليه الموقف الآلي من تبسيطات ~~أو نواقص (حقيقة مزعومة). ~~(1) # حجج المذهب الآلي ~~: (أ) يشير صاحب ~~المذهب الآلي أولا إلى أن وجهة النظر العامة للعلم، وكذلك منهجه العام، ~~تتسم بأنها آلية. ومما له دلالته الخاصة أن أشد العلوم دقة؛ أعني أقرب ~~العلوم إلى المثل الأعلى لكل نشاط علمي، هي الفيزياء ms146 والكيمياء. وهذان ~~العلمان يقومان على أساس من العلية الآلة. وفضلا عن ذلك فإن العلم كلما ~~ازداد دقة، ازداد اقترابا من الطابع الآلي. وهكذا يكون لنا الحق في أن ~~نفترض أن العلوم البيولوجية كلما ازدادت دقة، أصبحت تفسيراتنا أقرب إلى ~~الطابع الآلي. ~~(ب) وهناك علاقات عامة معينة بين البيولوجيا وبين العلوم الأخرى تشير إلى ~~ضرورة تفسير العمليات الحيوية تفسيرا آليا. ومثال ذلك أن كل الكائنات ~~العضوية تخضع لقوانين المادة ومبدأ «بقاء الطاقة». وربما كان الأهم من ذلك ~~أن كثيرا من التركيبات والعمليات الحيوية الخاصة يمكن إرجاعها إلى تركيبات ~~وعمليات آلية أو كيموية. ولعل أفضل مثال لذلك، التحليل الكيموي للخلايا، ~~الذي يرجعها إلى أجزاء مكونة لها كالبروتينات والببتونات وما شابهها، وهذه ~~بدورها ترد إلى تجمعات شديدة التعقيد من الهيدروجين والنيتروجين والكربون ~~وغيره. ~~(ج) وهناك حقيقة تدعم موقف صاحب المذهب الآلي بقوة، هي أنه كان هناك ~~اتساع مطرد، من الوجهة التاريخية، في تطبيق التفسير الآلي على العمليات ~~البيولوجية، وضمنها تلك التي كان يعتقد من قبل أنها بمنأى عن مثل هذا ~~التفسير، كالاستجابة للمنبهات مثلا. وعلى الرغم من وجوب الاعتراف بأن هناك ~~عمليات عضوية متعددة لم تخضع بعد للتفسير الآلي، فإن هناك احتمالا (بل ~~ترجيحا في نظر البعض) في أن تخضع هذه بمضي الوقت لتلك الطريقة في التفسير. ~~وكما أحسن بعضهم التعبير عن هذه الفكرة، فإن صاحب المذهب الآلي هو إنسان ~~لديه إيمان معين؛ أعني إيمانا بالمناهج الآلية. فهل يستطيع أحد أن ينكر ~~عليه حقه في هذا الإيمان، بعد ما توصل إلى تحقيقه الآن من إنجازات؟ ~~(د) ويستفيد القائل بالمذهب الآلي كثيرا من الكشوف التي تم التوصل ~~إليها، في ميدان إنتاج تركيبات صناعية تحاكي الكائنات العضوية بنجاح. وهناك ~~أمثلة أقوى من هذه تأثيرا في أذهان معظم الطلاب، وهي حالات الإخصاب ~~الصناعي التي ذكرت في هذا الفصل من قبل، والتي أمكن فيها الاستغناء عن ~~الحيوانات المنوية للذكر بطرق آلية أو كيموية. والواقع أن كثيرا من ~~الأذهان ترى في هذه المحاكاة للأشكال أو العمليات الحية، حتى ms147 مع كونها ~~قليلة العدد، أقوى حجة ممكنة تؤيد المذهب الآلي فتراهم يتساءلون: إذا كنا ~~قد استطعنا أن نفعل كل هذا الآن عن طريق محاكاة العمليات الحيوية، فما الذي ~~يمكن أن يحمله المستقبل في طياته من الاحتمالات؟ ~~(2) # حجج المذهب الحيوي ~~: غير أن لصاحب ~~المذهب الحيوي بدوره حججه القوية التي تؤدي واحدة أو اثنتان منها إلى هدم ~~بعض النقاط التي يقول بها صاحب المذهب الآلي أو إضعافها، على الأقل، إلى حد ~~خطير. (أ) فالمذهب الحيوي يرى أولا أن المفاهيم الفيزيائية والكيموية لا ~~تكفي بذاتها لتفسير ظواهر معقدة كالكائنات العضوية الحية. فهناك ثغرة هائلة ~~تفصل بين السلوك الآلي (كسلوك جسم يهوي مثلا) وبين السلوك البشري (كإجراء ~~عملية جراحية دقيقة مثلا) - وهذه الهوة تبلغ من الاتساع حدا يستحيل معه ~~إرجاعها إلى مجرد فروق في الكم. ويواصل نصير المذهب الحيوي كلامه قائلا إن ~~من المستحيل أن تكون أية إضافة لعوامل أو أي تعديد للتجمعات الممكنة، ~~كافيا للجمع بين مجموعتي السلوك هاتين، بل إنه حتى إذا أمكن إرجاع الفرق ~~إلى ازدياد في التعقيد فإن التعليل الآلي يظل مع ذلك غير كاف. فلا بد أن ~~يبلغ تنظيم المادة (أي التركيبات) الذي يحتاج ليه المذهب المادي في تفسيره، ~~حدا من التعقيد يجعله شيئا خياليا مبالغا فيه - بل شيئا لا يمكن ~~تصوره. ~~(ب) ويلاحظ ثانيا أن ظاهرة «الحياة» تنطوي على عدة عمليات، كالتنفس ~~والتعويض الذاتي، وهي عمليات لا يمكن تفسيرها إلا غائيا؛ أي على أساس هدف ~~أو غاية من نوع ما. ومن الواضح أن الآلية والغائية مفهومان متعارضان: ~~فالفرض الآلي يفسر كل شيء على أساس العلل الفاعلية (أي الحوادث السابقة)، ~~على حين أن الغائية تفترض علة غائية؛ أي هدفا أو نتيجة مرسومة. وفيما ~~يتعلق بالتركيبات العضوية، يبدو هذا الهدف «معيارا» أو شكلا نموذجيا ~~يتميز به كل نوع، ويسعى كل فرد في النوع إلى تحقيقه، وهذا يصدق أيضا على ~~العمليات الحيوية أو الوظائف الجسمية: فلكل جزء من الكائن العضوي، بل ~~للكائن العضوي في مجموعه «معيار» وظيفي يتجه سلوكه إلى تحقيقه. ms148 ~~(ج) وربما كانت أشمل حجج المذهب الحيوي هي في الوقت ذاته نفس الحجة التي ~~يجد صاحب المذهب الآلي أكبر قدر من الصعوبة في الرد عليها بطريقة مرضية. ~~تلك هي الحقيقة القائلة إن الكائن العضوي هو كل منظم يسلك بطرق لا تسلك ~~بها أية آلة أو نظام آلي. فكل سلوك عضوي يمثل عملية تكيف يحاول بها ~~الكائن العضوي الوصول إلى التلاؤم أو الاحتفاظ بالتلاؤم مع البيئة المحيطة ~~به. ويقدم «كننجهام» وصفا دقيقا لهذه العلاقة حين يقول: «إن حركة الأميبا ~~نحو الطعام أو بعيدة عن أية مادة ضارة، مثلا، هي حركة تخدم الحياة الفردية ~~في مجموعها، ونشاطها له بعض الصلة بمصلحة الأميبا في المستقبل.» # 14 # هذا النشاط الغرضي المنظم هو الذي يفرق على أفضل نحو بين سلوك الكائن ~~الحي وسلوك الكائن غير الحي، ويرى صاحب المذهب الحيوي أن أي تفسير آلي، حتى ~~لو كان تفسيرا لذهن محيط بكل شيء، لا يمكن أن يكفي لتعليل العمليات ~~الحيوية. ومن هنا فإن افتراض «قوة للحياة» أو «فاعلية حيوية» من نوع معين ~~هو أمر لا مفر منه. ~~(12) أسس المفاضلة بين المذهبين # إذا حاولنا أن نفاضل بين المذهب الآلي والمذهب الحيوي، فلا بد لنا من أن نضع في ~~اعتبارنا أمورا معينة. فيبدو من الواضح أولا أن أية مسألة لها مثل هذا الطابع العلمي ~~الأساسي ينبغي أن يبت فيها على أساس الأدلة العلمية بقدر الإمكان. ولقد رأينا أن الأدلة ~~حتى الآن غير قاطعة: فبعض الثقات يرون أن لدينا، على الأرجح، من المعطيات المتوافرة ما ~~يكفي لتثبيت دعائم المذهب الآلي على نحو قاطع، ولكن غيرهم يتخذ موقفا أشد حذرا. ولما ~~كنا نفتقر إلى الدليل الحاسم. فلن يكون أمامنا إلا أن نكتفي بالحل الذي يلي ذلك في ~~ترتيب الأفضلية: وأعني به أن نتخذ لأنفسنا فرضا عمليا من الموقف الذي نعتقد أن ~~الشواهد المؤدية له هي الأقوى. ومع ذلك فلما كان الافتقار إلى دليل علمي حاسم يؤيد ~~أيا من جانبي الخلاف بجعل المسألة فلسفية قبل كل شيء، فلا بد لنا أن ms149 نسعى إلى بناء ~~قرارنا على أسس عقلية، لا على تفضيلات عاطفية. ولن يستطيع القائل بالمذهب الآلي أن ~~يقاوم الإشارة إلى أن المذهب الحيوي يتمتع دون شك بتأييد من مدارس فلسفية معينة، أقوى ~~من التأييد الذي يجده من العلماء. وعلى الرغم من أننا نجد من علماء البيولوجيا من هم من ~~أنصار المذهب الحيوي، فإن أصحاب المذهب الثنائي في الفلسفة، والمثاليين على الأخص، هم ~~الذين أيدوا الموقف الحيوي بقوة؛ إذ إن من المتوقع أن يكون المذهب الآلي مذهبا غير ~~مقبول على الإطلاق في نظر الفلسفات التي تتصور «الروح» على أنها «الحقيقة النهائية»، أو ~~على أنها (في حالة المذهب الثنائي) واحدا من عنصرين نهائيين لا يردان إلى غيرهما. ~~فالصلة بين التفسير الآلي وبين المذهبين الطبيعي والمادي تبدو أقوى من أن تجعل هذا ~~التفسير مقبولا لدى أصحاب العقليات المثالية. # الأدلة العلمية في مقابل الإعجاب الانفعالي ~~: إذا ~~وقفنا خارج مجال هذا النزاع، محاولين استعراض المسألة كلها بطريقة موضوعية، فسوف نجد أن ~~الواجب يقضي علينا بأن ننصح الطلاب المعجبين بالمذهب الحيوي، بأن يختبروا دوافعهم لكي ~~يتأكدوا من أن الاعتبارات الدينية أو العاطفية ليست هي التي تحضهم على هذا الاختيار. ~~ولا شك أنه لا توجد قاعدة تنهى عن اتخاذ قراراتنا على أسس عاطفية، ولكن المثل الأعلى في ~~الفلسفة، كما في العلم، ينبغي أن يكون بناء أحكامنا على أسس عقلية. وأنه لمن الممكن ~~تماما أن يكون المرء من أنصار المذهب الحيوي بناء على اعتبارات عقلية، كما يثبت ذلك ~~وجود أقلية عنيدة من علماء البيولوجيا الذين يتمسكون بهذا الموقف. ومع ذلك، فلما كان ~~الأسهل من ذلك أن يناصر المرء المذهب الحيوي على أسس عاطفية، فإن على الطالب الذي يدين ~~للروح الفلسفية بأي قدر من الولاء أن يختبر دوافعه قبل اتخاذ قراره. # والأمر الثاني الذي ينبغي أن نضعه في اعتبارنا ونحن نقدر قيمة الموقفين هو الاتجاه ~~التاريخي الذي ينطوي عليه كل منهما. فمن الواجب أن نذكر أن المذهب الحيوي ظل هو الرأي ~~السائد أو «الرسمي» طوال قرون عديدة، على حين ms150 أن المذهب الآلي، مستجد نسبيا في الفكر ~~الحديث. ونظرا إلى الحداثة النسبية لموقف المذهب الآلي، فإن النتائج التي حققها يمكن ~~أن تعد كبيرة بحق. فهو قد غزا ببطء، ولكن باطراد، أرضا بدت في أول الأمر محصنة لا ~~تقتحم. وأجبر المذهب الآلي على التخلي عن جزء من أرضه هنا، وعن موقف هام هناك. ومن ~~المعترف به على نطاق واسع في الأوساط الثقافية حاليا أن المذهب الحيوي أصبح الآن يتخذ ~~موقف الدفاع. ومع ذلك فمن الخطأ تماما أن نتصور أن هذا يعني أن المذهب الحيوي ضعيف، ~~ناهيك بكونه يحتضر. فعلى الرغم من كل منجزات المنهج الآلي. فإن أمام المدافعين عن ~~الآلية شوطا طويلا ينبغي أن يقطعوه قبل أن يكون في وسعهم ادعاء النصر التام. وكما قال ~~الكثيرون من قبل، فمع أن المذهب الحيوي أصبح يتخذ موقف الدفاع، ويتخلى عن أرض واسعة، ~~فما زال هذا المذهب قويا لأن الأراضي التي ينبغي عليه التخلي عنها شاسعة. # الاتجاه إلى التوحيد في العلم ~~: وأخيرا، ينبغي أن ~~يلاحظ أن الاتجاه إلى الآلية في البيولوجيا هو جزء من معركة عامة نحو التوحيد في ~~العلوم، ولو عدنا بأنظارنا إلى تاريخ العلم، لأحسسنا بأن هذه الحركة التوحيدية كانت ~~موجودة بصورة ضمنية منذ اللحظة التي أصبح فيها العلم الحديث شاعرا بذاته في شخص فرانسس ~~بيكون وجاليليو. ومع ذلك لا يكاد يكون في وسع أحد أن يدعي أن هذين الرائدين الأولين ~~كانا شاعرين بأي اتجاه كهذا؛ إذ إن هذا الاتجاه لم يصبح هدفا صريحا بين المفكرين ~~العلميين إلا في القرن الماضي. ومع ذلك فسواء أكانت حركة التوحيد مقصودة أم غير مقصودة، ~~فإنها قد ظلت تتقدم باطراد. # ولما كانت الفيزياء والكيمياء هما أول علمين يبلغان سن الرشد؛ ومن ثم كانا أول علمين ~~يصلان إلى الدقة عن طريق الانتفاع الكامل من المناهج الكمية، فقد كان من المحتم أن ~~يصبحا معيارا أو مثلا أعلى تسعى إلى بلوغه كل العلوم الأخرى. وقد أصبحت الفيزياء بوجه ~~خاص هي العلم المثالي، وسرعان ما أصبحت طريقتها الدقيقة المحكمة في ms151 صياغة مبادئ ~~الميكانيكا هي الحلم الذي ييأس من تحقيقه المشتغلون في ميادين أخرى أحدث وأقل تنظيما. ~~وكان من الطبيعي أن تعمد العلوم الأخرى في محاولتها الوصول إلى قدر مناظر من الدقة ~~والوضوح، إلى محاكاة مناهج الفيزياء، فنقلت وجهة نظرها الحتمية وأساليبها الآلية برمتها ~~إلى مجالات الطبيعة الأحدث عهدا، والتي لم تذلل بعد. وعلى الرغم من أنه قد اتضح قبل ~~مضي وقت طويل أن كثيرا من هذه المناهج يتعين تعديله قبل أن يغدو ملائما للميادين ~~الجديدة، فإن الأسلوب الآلي العام ظل هو المثل الأعلى للمنهج العلمي. # والواقع أن وجهة النظر الآلية العامة ما زالت أساسية في العلم، على الرغم من التغيرات ~~العديدة التي حدثت داخل علم الفيزياء، وضمنها التحسينات الهائلة التي أدخلت على مناهجه، ~~وهكذا فإن القائل بالمذهب الآلي في البيولوجيا هو باحث في علوم الحياة يحاول أن يمتد ~~بهذا المنهج العام إلى ميدانه الخاص، لكي يحقق مزيدا من الدقة في تحليل الظواهر ~~البيولوجية، وكذلك لكي يزيد من وثوق الصلة بين ميدانه وبين المجموع العام للعلم. وإذن ~~فالطريقة الآلية في معالجة البيولوجيا ممتازة بوصفها مثلا أعلى علميا. صحيح أن ~~اللاهوتيين والمثاليين والثنائيين قد يعترضون عليها لأسباب أخلاقية، غير أن اعتراضاتهم ~~هذه، في نظر العالم خارجة عن الموضوع. والمسألة الوحيدة الصحيحة من وجهة نظر العالم أو ~~القائل بالمذهب الطبيعي في الفلسفة هي: هل المذهب الآلي كاف بوصفه تفسيرا للسلوك ~~العضوي؟ لقد عرضنا من قبل إجابتنا - أو على الأصح إجاباتنا. فهو بالنسبة إلى القائل ~~بالمذهب الآلي تعليل كاف، أو هو على الأقل يبشر بأن يكون كافيا في المستقبل غير ~~البعيد، وهو بالنسبة إلى القائل بالمذهب الحيوي غير كاف الآن، ولا يمكن أن يصبح كافيا ~~في المستقبل. وباختصار، فصاحب المذهب الحيوي يرى أنه مهما كانت كفاية المنهج الآلي في ~~الفيزياء أو الكيمياء أو الفلك أو الجيولوجيا، فإنه ينهار حالما نحاول الانتقال به إلى ~~ميدان الظواهر البيولوجية. ولنقل مرة أخرى إن صاحب المذهب الحيوي يرى أن ظهور الحياة في ~~الكون ينطوي على إدخال عامل جديد ms152 تماما، متميز كيفيا، ولا بد لتفسير هذا العامل ~~الحيوي من استخدام مفاهيم جديدة كل الجدة. # 15 ~~(13) المذهب المثالي في مقابل المذهب الطبيعي في علم البيولوجيا # إذا ألقينا نظرة عامة على هذا الفصل، لوجدنا فيه اتجاها واضحا نحو ذلك التقابل ~~الأساسي بين المثالية والمذهب الطبيعي، وهو التقابل الذي عرضناه في الفصلين السابقين. ~~ومن الواضح أن هناك، فيما يتعلق بأصل الحياة وتطورها، مدرستين فكريتين بينهما تضاد ~~شديد. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع التوحيد بين مذهب الخلق وبين المذهب المثالي (إذ إن ~~المثالي ينبغي أن يصل إلى تفاهم مع العلم الحديث، كما ينبغي أن يفعل الفلاسفة في كل ~~مدرسة) فإن المثالي، حتى حينما يقبل الفرض التطوري، يجد في عملية التحول والنمو خطة أو ~~غرضا أو «استراتيجية» من نوع ما. وهكذا فإنه، في نظر المدافع عن المذهب الطبيعي لا ~~يقبل ارتباطا بالمذهب فوق الطبيعي عن مذهب الخلق. والواقع أن المثالي، والقائل بالمذهب ~~فوق الطبيعي، يفترضان قوة أو فاعلا خارجا عن نطاق العمليات العادية للطبيعة. فالقائل ~~بالخلق مثلا يجعل من هذه القوة شيئا لا يرسم خطة أو يضع هدفا فحسب، بل يتدخل في ~~النظام الطبيعي لكي يحقق هذه الخطط. وهناك تشابه بين القائل بالمذهب فوق الطبيعي في ~~العصر الحديث. وبين المثالي في هذه المسألة - بل إن الصلة بين المدرستين في هذه المسألة ~~تبلغ من الوثوق حدا يستحيل معه التمييز بينهما. فكلتاهما تقبل الموقف التطوري العام، ~~ولكن كلا منهما تبدي اهتماما هائلا بالعملية التطورية من حيث هي أداة, فالمدرستان ~~تنظران إلى التطور (وضمنه التغير الفلكي والجيولوجي، فضلا عن النمو البيولوجي المتدرج) ~~على أنه لا يعدو أن يكون الوسيلة أو العملية الخلاقة التي أنتج بها الذهن الشامل ذهنا ~~بشريا، والروح الشاملة روحا بشرية؛ أي إنه أداة كبرى استخدمها الذهن الإلهي أو ~~المطلق في تكوين أذهان بشرية؛ وبالتالي في إيجاد القيم أو الخير بطريق غير ~~مباشر. # والواقع أن من المنطقي، وربما من المحتم، أن ينظر المثالي إلى التطور في هذا الضوء. ~~فلما كان قد التزم الاعتقاد بأن ms153 أساس الكون روحي، واتجاهه خاضع لتحكم القيم، فمن ~~الطبيعي أن يذهب إلى أن كل العمليات الكونية لها آخر الأمر طابع منتج للقيم. وهذا ~~الاعتقاد العميق المتأصل هو الذي أتاح للمثاليين قبول التطور، على حين أن كثيرا من ~~معاصريهم القائلين بمذهب الألوهية، ولكن من وجهة نظر ضيقة، قد وجدوا فيه عقبة خطيرة في ~~وجه الإيمان الديني. # وبطبيعة الحال فإن القائل بالمذهب الطبيعي يقبل وجهة النظر التطورية قبولا تاما، ~~ولا يحتاج إلى الاهتداء إلى غرض أو خطة في العملية التطورية لكي تصبح مقبولة لديه. ففي ~~استطاعة المذهب الطبيعي أن يواجه النظرية القائلة إن العضوي قد انبثق من غير العضوي، ~~وأن الحياة قد تدرجت من أشكال دنيا إلى تلك المجموعة الهائلة من الأنواع الموجودة ~~حاليا، دون أن يفترض قوة أو غاية أو شخصا أعلى يقف من وراء هذه العملية. ومن الواضح ~~أن هذا يعود بنا إلى المصادرة الثالثة من مصادرات المذهب الطبيعي التي عرضناها في الفصل ~~السابق. هذه المصادرة تقول إن سلوك الكون، سواء في مجموعه وفي كل تفاصيله، لا يتحدد إلا ~~بطابع الكون ذاته، الذي يعمل بوصفه نظاما واحدا مكتفيا بذاته ومعتمدا على ذاته. ومن ~~هنا فإن صاحب المذهب الطبيعي ينظر إلى التطور في مجموعه على أنه عملية طبيعية خالصة، ~~ليس فقط في ألياتها المحددة، بل أيضا في بدايتها الأولى. وواضح أن ذلك يؤدي إلى ~~استبعاد أي فاعل متدخل يبدأ حركة التطور، وأي هدف يفترض أن العملية تتجه إلى ~~تحقيقه. # وبالاختصار فإن التطور غائي في نظر المثالية (وفي نظر مذاهب الألوهية التي استطاعت ~~التفاهم مع النظرية التطورية). أي إنه يسير نحو تحقيق هدف أو غاية. وهكذا فإن القوة ~~الأساسية فيه هي قوة جاذبة من الأمام؛ أعني أن هناك حالة مقبلة، أو هدفا، يدفعان عملية ~~النمو المتدرج وينشطانها. أما المذهب التطوري فيرى، على العكس من ذلك، أن القوة الدافعة ~~هي قوة من الخلف # Vis a Tergo ~~(أي إن كل شيء يحدث نتيجة ~~لحوادث ماضية). وفي هذا المجال يكون المذهب الطبيعي ذا اتجاه حتمي ms154 تماما، إذ ينظر إلى ~~التغيرات التطورية على أنها نتيجة لعلل طبيعية بالمعنى الدقيق؛ أعني حوادث سابقة تنجت ~~هي ذاتها بفعل قوى يشتمل عليها الكون الذي يسير ذاته بذاته. # ولا شك أن موقف كل من المذهب الطبيعي والمذهب المثالي من الصراع بين النظرتين ~~الآلية والحيوية واضح. فعلى الرغم من أن من الممكن أن يقول المفكر بالمذهب الحيوي ~~وبالمذهب الطبيعي في آن واحد، فإن هذا، إذا حدث، يكون جمعا نادرا. وفي استطاعة من ~~يتخذ موقف الجمع بين هذين المذهبين أن يقول مثلا إن «قوة الحياة» أو «الكمال» الغامض، ~~مهما يكن من استحالة إرجاعها إلى عوامل فيزيائية وكيموية، تظل طبيعية بمعنى أنها لا ~~تمثل عنصرا مقحما من خارج نظام الطبيعة الفيزيائية. غير أن هذا الموقف الممكن نظريا ~~يبدو أنه لا يجذب إلا مفكرين قلائل: فالقائلون بالمذهب الحيوي في البيولوجيا هم على وجه ~~العموم مثاليون. وهذه الحقيقة توحي بسؤال محير: فأيهما جاء قبل الآخر: أهو مذهبهم ~~الحيوي الذي أدى إلى نظرة شاملة إلى الحياة، أم مثاليتهم، التي لم تكن تستطيع أن تقبل ~~إلا نظرية حيوية؟ # وأغلب الظن أننا سنجد مفكرين أقل حتى من الفئة التي تحدثنا عنها من قبل، يجمعون بين ~~الآلية في المجال البيولوجي وبين المثالية في المجال الفلسفي. ولنقل مرة أخرى إن الجمع ~~بين وجهتي النظر هاتين ممكن نظريا؛ ففي استطاعة المرء أن يقول بأنه، لو أن أساس ~~الوجود كله ذهني أو روحي، فإن العملية الحيوية لا يمكن تعليلها بالتحليل الفيزيائي ~~تعليلا كاملا. ولكن لما كان أقوى الدوافع التي تؤدي بالفكر إلى اتخاذ موقف مثالي في ~~الميتافيزيقا هو عادة الحاجة إلى صياغة مذهب في العالم يجعل لذهن الإنسان وروحه ~~المكانة الأولى، فإنه يكون من الغريب حقا أن يبدأ شخص إلى تفسير أسبقية الروح في ~~الكون، بأن يفترض أساسا فيزيائيا أو آليا للحياة ذاتها. وبعبارة أخرى، فلما كان ~~«الذهن» و«الروح» معتمدين على عمليات حيوية تتم في الكائنات العضوية، فإن من المنطق ~~الغريب أن يؤكد المرء أن هذه العمليات ذاتها ذات طابع فيزيائي فحسب؛ ms155 إذ إن هذا يعني ~~الاعتراف بأن أساس الوجود مادي، وهو بالطبع مضاد للمسلمة المثالية الأساسية المتعلقة ~~بطبيعة الواقع. وأيا ما كانت نتيجة الخلاف بين المذهب الآلي والحيوي، فيبدو أن من ~~المؤكد أن المثالي سيظل يؤيد النظرية الحيوية ما دام من الممكن عقليا أن يفعل ~~ذلك. # أما الآن، فلا بد لنا من أن نواصل سيرنا، ونتعرف بقية أفراد أسرة المشكلات ~~الفلسفية. # الفصل السادس # | الذهن: لغز أم أسطورة أم نظام آلي؟ # ربما كانت مسألة التعريف أكثر المشكلات الفلسفية دواما وإثارة للمتاعب. صحيح أن كل ميدان ~~للنشاط العقلي يتعين عليه أن يصارع مع مشكلة تقديم تعريف واف لمصطلحاته، غير أن الفلسفة ~~تواجه مع هذه المشكلة وقتا عصيبا بوجه خاص. ومن الأسباب التي يرجع إليها ذلك أن الفيلسوف ~~- كما قلنا من قبل - هو عادة شخص ذو نزعة فردية متطرفة؛ إذ إن من المستحيل أن يجعل أي ~~شخص من الكون كله، ومن التجربة البشرية بأسرها، مشكلة عقلية، لو لم يكن ذا نزعة فردية ~~صارمة. ومع ذلك فإن هذا الخلط يرجع في الأغلب إلى طبيعة الموضوع. فالفيلسوف لا يتعامل إلا ~~مع تصورات معظمها شديد التجريد. ومن ثم فإنه يشتغل في جو عقلي أثيري، يبلغ الهواء فيه من ~~الرقة حدا لا يكاد يحتمل معه نشاطا. # فإذا ما انتقلنا إلى تحليل الذهن، لصادفتنا مشكلة التعريف هذه بكل ضخامتها. وهذا أمر يدعو ~~إلى الأسف الشديد؛ إذ إن «الذهن» من أهم المقولات في الفلسفة. فهو يشكل واحدة من أهم نقاط ~~الارتكاز في هذا الميدان، بل إن من العسير أن نجد نقاط ارتكاز أشمل منه، يمكنه أن يرتبط بها ~~بدورها، وأن يعرف من خلالها. وهكذا نكون إزاء مقولة أو فئة رئيسية للتجربة، تبلغ من التفرد ~~حدا يجعلها توجد فيما يشبه الفراغ الميتافيزيقي. فالذهن، كما يقول عالم المنطق، هو شيء ~~فريد في نوعه، يؤلف فئة قائمة بذاتها. ولكن لما كان مفهوم الذهن أساسيا في مجال المصطلحات ~~الفلسفية، فلا بد لنا من الوصول إلى نوع من الفهم لمعناه. # التمييز بين الذهن والمخ ~~: يلاحظ ms156 أولا أن الطلاب يخلطون ~~على الدوام تقريبا في تحديد العلاقة بين «الذهن» و«المخ» بدقة. ومن حسن الحظ أنه ليس ~~من العسير على أذهاننا فهم هذا التمييز، من حيث ما ~~يتضمنه من مصطلحات. ولنضرب لذلك مثلا: فالجملة السابقة قد تضمنت لفظ «أذهاننا»، ومن غير ~~المحتمل أن يجد القارئ أية صعوبة في فهم عبارة «ليس من العسير على أذهاننا فهم هذا ~~التمييز». ولو كانت هذه الجملة قد تضمنت لفظ «مخنا» لكان من المؤكد أن يشعر القارئ بشيء من ~~الدهشة؛ ذلك لأن المخ عضو مادي، وهو موجود في الزمان، وله وزن يقدر بحوالي خمسين أوقية ~~(في الذكر البالغ)، كما أن له علاقة وظيفية محددة ببقية التركيب المادي للكائن العضوي. ولقد ~~رأى معظمنا أمخاخا، محفوظة في زجاجات على رفوف المعامل، أو في مكانها الطبيعي من تجويف ~~جمجمة ضفدعة أو قطة يجري تشريحها في درس البيولوجيا. وبالاختصار فالمخ شيء مادي، يتميز بأنه ~~ملموس و«موضعي» شأنه شأن الكرسي أو الحجر. وهو بهذا الوصف خاضع لكل القوانين التي تؤثر في ~~الأشياء المادية (كالجاذبية)، فضلا عن تلك التي تسري على المادة العضوية (كالتحلل). وهكذا ~~تكون الجملة السابقة قد تضمنت معنى هزيلا جدا لو كانت قد تحدثت عن ضرورة «فهم مخنا لهذا ~~التمييز»؛ ذلك لأننا لا نفهم التمييزات بواسطة أشياء مادية، ولكن نوضح التمييزات المتعلقة ~~بالأشياء المادية. أما إذا كانت الجملة قد ذكرت شيئا عن «ثقب في المخ»، فإن الجملة عندئذ ~~يكون لها معنى. # فما هو «الذهن» إذن؟ إن لفظ «الذهن» من أكثر الألفاظ استخداما في المناقشات العقلية، وقد ~~أوردنا وصفا لنظرة إلى العالم (هي المثالية) ترتكز على الذهن بوصفه الحقيقة النهائية. فإن ~~لم يكن الذهن يشمل مكانا، أو له ثقل، ولم يكن يتأثر بالقوانين الآلية أو الفيزيائية، ولا ~~يمكن تحديد موقعه في بقعة مكانية محددة، فما هو إذن؟ وأين هو؟ وما علاقاته بعالم الأشياء ~~المادية، وضمنها الجسم والعالم الطبيعي بأسره؟ # هذه المسائل، ومعها عدة مسائل ثانوية، هي موضوع الفصل الحالي. فسوف نبدأ أولا ببحث ~~الآراء الرئيسية في طبيعة ms157 الذهن ذاته. ثم ننتقل إلى مشكلة العلاقات بين الذهن والجسم، ولا ~~سيما ذلك الجزء من الجسم، الذي يعرف بالجهاز العصبي المركزي، والذي يشمل المخ. وبعد ذلك ~~ينبغي علينا أن نستكشف منطقة الحدود الواقعة بين مشكلة الذهن ومشكلة المعرفة، وهي المنطقة ~~التي تعد أهم مشكلاتها هي العلاقة بين الذهن وبين العالم الخارجي الذي يمر بتجربة الذهن. ~~وأخيرا ينبغي أن نكون ميتافيزيقيين لفترة وجيزة، ونتأمل نظريا في العلاقة بين الذهن وبين ~~الواقع بوجه عام. وكما هو واضح، فإن أمامنا فصلا بأكمله لمعالجة هذا الموضوع. ~~(1) النظرة الجوهرية إلى الذهن # كانت هناك آراء متعددة حول طبيعة الذهن، ما زالت كلها تقريبا تجد لها أنصارا بين ~~جماعات كبيرة أو صغيرة من المفكرين. ومن حسن الحظ - فيما يتعلق بالتحليل الذي نقدمه - ~~أن هذه الآراء المتعددة يمكن أن ترد بشيء من السهولة إلى أربعة مواقف أو خمسة، وحسبنا ~~في مدخل إلى الفلسفة كهذا أن نكون فكرة واضحة عن هذه الآراء، أو هذه الآراء، وأهمها ~~من الوجهة التاريخية، هو النظرة الجوهرية. # 1 # وكما توحي هذه التسمية، فهي تنظر إلى الذهن على أنه جوهر؛ أي شيء أو كيان. ~~على أن المفهوم العام للجوهر لا يتضمن الوجود المادي وإنما الوجود المستقل، كما رأينا ~~في الفصل السابق، فالجوهر هو ما يوجد في ذاته وبذاته، لا بوصفه حالا لشيء آخر. فهو ما ~~يتلقى التعديلات ولكنه لا يعتمد على هذه التعديلات (أو على أي نوع من العلاقات) لكي ~~يستمد منها وجوده. وإذن، فمهما تكن علاقات الذهن بالجسم أو بالعالم الخارجي. فإنه ~~(تبعا لهذا الرأي الجوهري) لا يعتمد على هذه العلاقات في وجوده. فهو، بوصفه جوهرا ~~روحيا، مكتف بذاته وموجود في ذاته. # هذه النظرة إلى الذهن كان لها من التأثير في الفكر الغربي ما يسمح لنا بالتنبؤ بأن ~~تسعة على الأقل من كل عشرة طلاب يكونون مؤمنين بها عند بدء دراستهم للفلسفة أو علم ~~النفس. فهي تمثل الموقف التقليدي للمسيحية، وهي تنسجم مع ذلك الموقف الذي سنرى بعد قليل ~~أنه أكثر المواقف الميتافيزيقية شيوعا، ms158 وهو «ثنائية الموقف الطبيعي # Common-Sense Dualism ~~» (الفصل العاشر)، بل إننا نكون منطقيين تماما ~~لو أطلقنا على هذا الرأي اسم «المذهب الجوهري للموقف الطبيعي»: إذ إننا بطبيعتنا ننظر ~~إلى ذهننا على أنه كيان لا مادي يوحد بين تجاربنا التي تحدث من لحظة لأخرى. فنحن ننظر ~~إلى الذهن على أنه ما تكون لديه هذه التجارب المتعددة؛ أي ما يدركها أو يفكر فيها أو ~~يريدها. ونحن نتصوره كيانا يكمن من وراء كل الحوادث الذهنية، وفاعلا تحدث بواسطته ~~وتنتمي إليه. والذهن، في لغة الحديث اليومي، هو «ما يمر بالتجارب». فمما يتفق مع الموقف ~~الطبيعي أن نعتقد أن هناك لبا ثالثا لا يتغير أساسا، تكمن فيه هذه التجارب وتتوحد ~~بواسطته. ويستخدم دعاة الجوهرية عادة لفظ «النفس»، بدلا من لفظ «الذهن» الأحدث عهدا، ~~غير أن المفهوم ذاته متشابه إلى حد بعيد، سواء أكان من يستخدمه هو أفلاطون أم المثالي ~~الحديث. وهكذا فإن الألفاظ الرئيسية التي يشيع استخدامها في هذه المدرسة هي ألفاظ ~~المفارقة للجسم، والوحدة، والجوهرية، ويضاف إلى هذه الألفاظ الثلاثة عادة لفظ رابع ~~مستمد منها منطقيا، هو الخلود. # نقد هيوم لفكرة الجوهرية ~~: على الرغم من أن ~~الاعتراضات قد أثيرت على هذه النظرية الجوهرية حتى قبل أن ينتهي أفلاطون من تعريفه له ~~فإن هذه الهجمات لم تبلغ حد العنف الكفيل بجعل أنصار الجوهرية يلتزمون موقف الدفاع إلا ~~في القرن الثامن عشر. فقد كان هيوم، الشكاك الاسكتلندي الكبير، من حدة الذهن بحيث أدرك ~~أن الإيمان بجوهر روحي، مهما يكن منطقيا أو مرضيا من الوجهة الدينية، لا يستند إلى ~~أي أساس من تجربتنا الفعلية. ولقد كان المفكرون السابقون مباشرة على هيوم، ولا سيما ~~ديكارت وباركلي، قد ذهبوا إلى معرفتنا لذهننا أو ذاتنا هي أكثر المعارف التي يمكننا ~~اكتسابها يقينية. فديكارت، الذي بدأ استدلاله بالعبارة المشهورة «أنا أفكر ... إذن أنا ~~موجود»، قد جعل من الوضوح الذاتي المزعوم للذهن الجوهري أساسا لمذهبه كله. وهكذا فإن ~~هؤلاء المفكرين السابقين على هيوم قد جعلوا من الاستبطان أو المعرفة الذاتية نقطة بداية ~~لكل ms159 بحث عقلي. وقد وافق هيوم على هذا المعيار الاستبطاني على مضض، ثم شرع يطبقه نقديا ~~على الموضوع المفضل لدى القائل بفكرة الجوهرية؛ أعني الذهن ذاته، فكانت النتائج سليبة ~~تماما؛ إذ لم يستطع أن يهتدي إلى كيان جوهري من أي نوع. والحق أن الحجة التي دلل بها ~~هيوم على وجهة نظره هي مثال للاستدلال النقدي يبلغ من الروعة حدا جعله واحدة من أكثر ~~الفقرات التي يشيع اقتباسها بين المؤلفات الفلسفية كلها: ~~«من الفلاسفة من يتصورون أننا في كل لحظة واعون داخليا بما نسميه ذاتنا، ~~وأننا نشعر بوجودها واستمرارها في الوجود، وأنننا واثقون من هويتها وبساطتها ~~الكاملة إلى حد لا نحتاج معه إلى دليل ... أما أنا، فإني عندما أتوغل بكل عمق ~~فيما أسميه ذاتي، أعثر دائما على إدراك أو إحساس محدد معين، بالحرارة أو ~~البرودة، والضوء أو الظل، والحب أو الكراهية، والألم أو اللذة، ولا أستطيع ~~أبدا أن أقتنص ذاتي في أي وقت دون إدراك، أو أن ألاحظ أي شيء ما عدا الإدراك. ~~وعندما تتوقف إدراكاتي خلال أية فترة، كما في حالة النوم العميق، فإني أظل طول ~~ذلك الوقت غير شاعر بذاتي، ويمكن القول حقا إنني لا أوجد ... فما الذات إلا ~~حزمة أو مجموعة من الإدراكات المختلفة، التي تتعاقب بسرعة لا يمكن تصورها، وتظل ~~في صيرورة وحركة دائمة ... إن الذهن نوع من المسرح، تظهر فيه عدة إدراكات ~~متعاقبة، فتمر، وتمر من جديد، وتتباعد، وتمتزج على أنحاء لا حصر لها من المواقف ~~والأوضاع. غير أن من الواجب ألا ندع التشبيه بالمسرح يضللنا. فالإدراكات ~~المتعاقبة وحدها هي التي تؤلف الذهن ...» # وهكذا فإن هيوم بعد أن أفرغ من النظرة الجوهرية إلى الذهن كل ما فيها من حشو، صاغ ~~رأيا يمكن تسميته بالنظرة الفعلية # Actualist # إلى ~~الذهن. هذه النظرية تنمو منطقيا من الاستدلال الذي اقتبسناه منذ قليل: فما الذهن إلا ~~مجموعة كومة من التجارب. و«حزمة الإدراكات»، تربطها معا قوانين معينة للتداعي. # وليس ثمة لب باطن أو أساس روحي يستخدم في توحيد مختلف الحوادث الذهنية. ولا توجد ms160 ~~إلا الحوادث ذاتها، التي ترتبط عشوائيا وفقا لما يطلق عليه هيوم اسم «العادات». ~~وبغض النظر عما في افتراض وجود فاعل يقوم بالتوحيد أو كيان في قلب تجربتنا، من إرضاء ~~لتفكيرنا المنطقي أو حاستنا الجمالية، فإن هيوم يتشبث بموقفه: فلا الاستبطان، ولا أية ~~طريقة أخرى في المعرفة، تكشف لنا عن شيء كهذا. والأمر المشاهد بالفعل هو أن أذهاننا ~~ليست إلا تلك التجارب الدائمة التغير. التي ترتبط فيما بينها ارتباطا غير وثيق عن طريق ~~التداعي. # رأي «كانت» في الذهن ~~: على الرغم من أن «إمانويل ~~كانت» قد استيقظ بفضل تحليل هيوم من الإيمان القطعي بوجهة النظر الجوهرية، فإنه لم ~~يستطع أن يظل قانعا بتلك النتائج التي هي أقرب إلى الفوضوية، والتي انتهى إليها هيوم؛ ~~لذلك انتقل إلى إدخال تعديل على هيوم كان له تأثيره الهائل. ففي رأي كانت أن عيب الموقف ~~الجوهري التقليدي ليس تعارضه مع التجربة، بقدر ما هو تناقضه الذاتي المنطقي؛ ذلك لأن ~~المذهب الجوهري يرى أننا نستطيع معرفة ذهننا أو ذاتنا بوصفها موضوعا للمعرفة بنفس ~~الطريقة التي نعرف بها أي شيء في العالم الخارجي. غير أن من المستحيل في رأي كانت، أن ~~تكون الذات في آن واحد موضوعا وذاتا في علاقة المعرفة. فأنا لا أستطيع أبدا أن أعرف ~~نفسي بوصفي ذاتا، ولكني أعرف نفسي فقط بوصفي موضوعا. ونحن لا نستطيع أن نعرف أنفسنا ~~إلا بوصفنا «مفعولا به» لا بوصفنا «فاعلا». وعندما ننظر إلى هذا المفعول به القابل ~~للمعرفة، نكتشف ما سبق أن اكتشفه هيوم بالضبط: أعني تعاقبا متصلا للحالات الذهنية أو ~~«التجارب». # ولقد كان الأمر الذي أخذه كانت على تحليل هيوم هو إخفاقه في تأكيد وحدة الذهن بما فيه ~~الكفاية. فليست قوانين التداعي وحدها؛ أعني التلاصق # Contiguity # والتعاقب والتشابه - بكافية لتحويل حزمة متجمعة من الإحساسات ~~إلى كل من أي نوع. فالتداعي مثلا يفترض الذاكرة، والذاكرة بدورها تفترض شيئا يقوم ~~بالتذكر. وعلى الرغم من أن كانت قد أطلق على هذا العامل الموحد اسما شديد التعقيد هو ~~«الوحدة ~~التركيبية للوعي الذاتي # The ms161 Synthetic Apperception of ~~Unity ~~»، فيكفي - بالنسبة إلى غرضنا الحالي - أن ~~نفهمه على أنه عامل ليس جوهرا ولا كيانا، وإنما هو مبدأ منظم أو موحد يقوم بمهام أكثر ~~كثيرا من مجرد «الربط» بين مجموعة الإحساسات والحوادث الذهنية. وفضلا عن ذلك فإن هذا ~~المبدأ أو الفاعلية إيجابي نشط؛ ومن ثم فهو مختلف تماما عن ذلك الكيان السلبي السكوني ~~الذي تصوره أفلاطون ومعظم القائلين بالجوهرية منذ عهد أفلاطون. وعلى حين أنه قد استخدمت ~~أسماء كثيرة للتعبير عن هذه النظرة الكانتية إلى الذهن، فإن اسمي «الترنسندنتالي» ~~و«العضوي» هما الأفضل. وسوف نستخدم اللفظ الأخير، على سبيل التيسير، ما دام يفيد في ~~تأكيد الطابع الموحد والعضوي للذهن. # وأخيرا، فمن الواجب أن نلاحظ أن رأي كانت يمثل موقفا توفيقيا. فهو يحاول وضع ~~نظرية في الذهن تتمشى مع ملاحظتنا الفعلية للذهن عن طريق الاستبطان، وتعمل أيضا حسابا ~~للوحدة الخاصة التي يبدو أنها تميز أذهاننا كما تعرف بالنسبة إلى ملاحظ آخر. وهكذا تصور ~~كانت أنه، بافتراضه فاعلا موحدا، قد تمكن من تلبية كل من المطلبين - حتى لو كان ~~ذلك يحتم إخفاء جهلنا بطبيعة هذا الفاعل وراء اسم مهول. أما المنطقي التجريبي الحديث ~~(كما سنرى في الفصل الحادي عشر) فيرى أن مثل هذه الموجودات غير القابلة للتحقيق ليس لها ~~في الفلسفة مكان أكثر مما لها في العلم. ولكن «كانت» كان يتفلسف على أساس التراث ~~السائد في عصره عندما قال بهذا الفاعل الموحد الفرضي. ~~(2) النظرة المادية إلى الذهن # وفي الطرف المقابل للنظرة الجوهرية التي يقول بها المثالي، نجد ما يمكننا أن نسميه ~~بنظرة الهوية # Identification Theory # التي يقول بها ~~المادي المتطرف ومعظم السلوكيين المعاصرين. والقضية الرئيسية لهذه المدرسة بسيطة؛ ~~«فالذهن» وكل أوجه نشاطه يتألف من حركات شديدة التعقيد في المخ، الجهاز العصبي المركزي، ~~وأعضاء جسمية أخرى (أحيانا). وبعبارة أخرى، فالظواهر النفسية في هوية مع الظواهر ~~المادية، وما الحوادث الذهنية إلا تغيرات جسمية معينة، ولا سيما تلك التي تتعلق بالجهاز ~~العصبي المركزي. وهكذا ينتهون إلى رأي يتمشى مع الموقف المادي العام، ويقول ms162 إنه ليس ثمة ~~شيء اسمه «العالم النفسي»، فلا وجود للذهن بما هو كذلك ولا مبرر للفظ «الذهن» أو ~~«الذهني» إلا بوصفه تصنيفا مريحا لأنواع معينة من الأحداث المادية. # النتائج الواحدية للمادية ~~: هذا العرض الموجز للفرض ~~المادي هو ذاته كاف لكي يبين لنا أننا لسنا إزاء مذهب متطرف فحسب، بل مذهب ينتمي إلى ~~فئة مختلف تماما عن تلك التي تنتمي إليها الآراء الثلاثة التي نوقشت من قبل. فنحن هنا، ~~في الواقع، إزاء رأي مختلف من الوجهة الميتافيزيقية، كما سنوضح بالتفصيل في فصل تال ~~(الفصل التاسع)؛ ذلك لأن الآراء الثلاثة الأولى، مهما يكن اختلافها فيما بينها، تنطوي ~~كلها على نظرة ثنائية إلى الواقع. وهي كلها تفترض تمييزا كيفيا بين الذهن والجسم: ~~فأيا كانت طبيعة الذهن، فهو شيء منفصل عن التركيب المادي للجسم، بل إن الموقف المتطرف ~~الذي اتخذه هيوم ينطوي ضمنا على تمييز كيفي بين الإحساسات أو الإدراكات، التي تكون ~~الذهن بتجميعها سويا، وبين المخ المادي أو الجهاز العصبي الذي تحل فيه هذه التجمعات. ~~كذلك فإن «الوحدة التركيبية للوعي الذاتي» كانت هي قطعا ذات طابع نفسي أو روحي، أيا ~~كانت طبيعتها الأخرى. ولما كانت النظرة الجوهرية تعرف بأنها الرأي القائل إن الذهن كيان ~~أو جوهر روحي، فإن النتائج الضمنية الثنائية لهذا الموقف بادية للعيان. # وفي مقابل هذه الآراء الثلاثة، تقول المادية بنظرية واحدية صارمة: فالذهن هو ذاته ~~التغيرات المعقدة الدقيقة التي تحدث في الجهاز العصبي وجهاز الغدد، ولا شيء غير ذلك. ~~وليس ثمة فارق كيفي هنا، ما دام العالم المادي أو الجسمي هو كل ما يوجد. والنشاط (الذي ~~يعني نوعا من الحركة) في أجزاء معينة من العالم المادي هو ما نطلق عليه، على سبيل ~~التيسير، اسم «الذهن». وبالاختصار «فالذهن» اسم سهل لخرافة منهجية مريحة، ولكنه لا يدل ~~على كيان أو فاعل منفصل. # مغالطة الرد ~~: لقد وصفنا الموقف المادي بأنه ~~«متطرف». غير أن خصومه المستائين (ولا سيما المثاليين) يطلقون عليه أوصافا أعنف من هذه ~~بكثير، بل إن صاحب المذهب الطبيعي ذاته، الذي قد ms163 ينتظر منه أن يكون أكثر الناس تعاطفا، ~~يشعر عادة بأن المادية تقع هنا في ذلك الخطأ المسمى بمغالطة الرد # The Reductive Fallacy ~~- وهو الخطأ الفكري الذي ~~تتعرض له بوجه خاص المذاهب المتطرفة، الروحية منها والمادية، والمغالطة في الحالة ~~الراهنة تتعلق بالادعاء بأن الذهن «ليس إلا» مادة. فعلى حين أن كل علماء النفس ~~المعاصرين، على الأرجح، قد يعترفون بأن الظواهر الذهنية لا يمكن أن توجد إلا بوجود ~~أحوال جسمية سابقة، فإن السلوكيين المتطرفين هم وحدهم الذين يستدلون من ذلك على أن ~~الذهني «ليس إلا» الجسمي، ولكن باسم آخر؛ ذلك لأن أية هوية كهذه بين فئتي الوجود ~~هاتين، كما سنرى فيما بعد عندما نتعمق في مشكلة الميتافيزيقا، تتنافى مع تجربتنا ومع ~~لغتنا معا. فمهما يكن مقدار اعتماد الظواهر الذهنية في وجودها على الظواهر المادية، ~~فإن فئتي التجربة هاتين ليستا فئة واحدة، ولا يمكن أن يفيد أي تبسيط ردي # Reductive # كذلك الذي تحاول المادية القيام به، في ~~الوصول إلى التوحيد بين كل منهما. وحتى لو سلمنا بأن الذهني لا يمكن أن يظهر بدون ~~المادي (وهو موقف يقول به المذهب الطبيعي وينكره المذهب المثالي)، فإن الذهني ما إن يصل ~~بالفعل إلى هذا الوجود المعتمد، حتى يصبح منتميا إلى نمط مختلف تماما من أنماط ~~الوجود. فقد لا تكون للذهن أولية ميتافيزيقية (حسب قول المثالي)، غير أن لديه قطعا ~~وجودا متميزا من الناحية الكيفية. # 2 ~~(3) النظرة الوظيفية إلى الذهن # اقترح البعض النظرية الوظيفية # Functional ~~، في محاولة ~~لصياغة رأي عن الذهن يعمل حسابا لتجربتنا، ويتمشى تماما في الوقت ذاته مع العلم ~~الحديث، ولكن من سوء الحظ بالنسبة إلى أغراضنا الراهنة، أن هذا الرأي الوظيفي هو عادة ~~رأي يصعب على الطلاب فهمه ما لم يكن لديهم، قبل الشروع في دراسة الفلسفة، إلمام واسع ~~بعلم النفس. ومع ذلك فإن دراستنا الموجزة للمذهب الوظيفي في الفصل السابق كفيلة بأن ~~تجعل هذا المفهوم مألوفا إلى حد ما. # يبدأ صاحب النظرة الوظيفية بنقد مغالطة الرد في المذهب المادي، وهي المغالطة التي ~~عرضناها ms164 منذ قليل. وإذ يرفض المذهب الوظيفي كل الآراء الثنائية (ولا سيما الرأي ~~الجوهري)، فضلا عن الواحدية المتطرفة للمذهب المادي، فإنه يعترف بأن من المحال وجود ~~تفكير بلا مخ، ولكنه يرفض أن يوحد بين الاثنين على أساس هذه الحقيقة. فالاعتراف باعتماد ~~س على ص ليس معناه إرجاع س إلى ص، ولا هو ضمان لاستنتاج أن س هي بالتالي غير حقيقية. ~~فصاحب النظرية الوظيفية يرى أن «الذهن» هو مجموعة أو فئة من الوظائف، وليس مجرد مخ ~~مادي، أو جوهرا روحيا بسيطا. ذلك لأن القول بأن الذهن كيان أو جوهر روحي لا يعني ~~شيئا؛ إذ إن علاقة هذا المفهوم بتجربتنا تبلغ من الضآلة حدا يجعل اللفظ لا يعني ~~شيئا. ومن جهة أخرى فالقول بأن الذهن هو المخ ليس إلا كلاما فارغا - أو على الأصح ~~كلام لا معنى له: فمثل هذا الحكم لا يقع خارج نطاق التجربة (كما هي الحال في المذهب ~~الجوهري) وإنما الأصح أنه يناقض تجربتنا، التي هي - كما هو واضح - تجربة فيها نمطان أو ~~عالمان للوجود. # الذهن هو ما يفعله الذهن ~~: وباختصار فالمذهب الوظيفي ~~يرى أن الذهن هو ما يفعله الذهن. وأفضل تشبيه هنا هو التشبيه بمجال الفيزياء. ~~فالفيزيائي يرى أن الكهرباء لا يمكن أن تعرف إلا على أساس نشاطها. فليس في وسع أي عالم ~~أن ينبئنا بما تكونه الكهرباء «في ذاتها»، وإنما هو لا يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال ~~إلا بتعداد لما تستطيع الكهرباء أن تفعله. فالكهرباء في نظر علم الفيزياء هي ما تفعله، ~~وهي لا تعرف إلا على أساس وظيفتها. ومن ثم فإن أي تعريف علمي لها ينبغي أن يكون ~~وظيفيا بالمعنى الدقيق. وكذلك الحال في كثير من المفاهيم الأساسية الأخرى للعلم. ~~«فالطاقة» مثلا تعرف بأنها القدرة على القيام بالعمل، و«طبيعتها» هي هذه القدرة أو ~~وظيفة أداء العمل هذه، وهذا هو كل ما تعرفه الفيزياء، أو تحتاج إلى أن تعرفه، عنها. أما ~~الكهرباء أو الطاقة كما هما في ذاتهما؛ أي بمعزل عن وظائفهما - فالعلم لا يعرف عنهما ~~شيئا، ms165 بل إن نفس تصور تعريف غير وظيفي لأي منهما هو شيء لا معنى له في نظر العلم. ~~والواقع أن معظم العلماء يتفقون مع التجريبيين المنطقيين المحدثين الذين يذكرون أن مجرد ~~الكلام عن طبيعة الكهرباء «في ذاتها» هو لغو لفظي، ما دامت أية نظريات تتعلق بهذه ~~الطبيعة المزعومة غير قابلة للتحقيق. # والواقع أن النظرة الوظيفية إلى الذهن تتوسع في هذا الرأي بحيث تمده إلى المجالين ~~النفسي والفلسفي. فهي تذهب إلى أن قوام الذهن هو أوجه نشاط وقدرات معينة للكائن العضوي. ~~فالذهن هو، إلى حد بعيد، ما يفعله الكائن العضوي. وهناك، إلى جانب أوجه نشاطنا ~~الجسمي، أوجه نشاط ذهنية، كالتفكير والشعور والتذكر. والذهن هو مجموع أوجه النشاط هذه؛ ~~ومن هنا فهو وجه من أوجه النشاط الكلي للكائن العضوي، أو سلوكه. ومع ذلك ينبغي أن يلاحظ ~~أن هذا الرأي الوظيفي لا ينظر إلى الذهن على أنه «شيء» يقوم بأوجه النشاط الخاصة أو غير ~~الجسمية هذه. فليس ثمة لب مركزي أو فاعل موحد أو «شخصية» تقف من وراء أوجه النشاط هذه، ~~كما لو كانت مشجبا تعلق أوجه النشاط هذه عليه. ذلك لأن الشخصية ليست بأقل وظيفة من ~~الذهن، بل إننا نستطيع تعريف الشخصية بأنها الأوجه الاجتماعية للذهن؛ فهي مجموع أوجه ~~الذهن القاهرة «للشخصيات» الأخرى. وفي الفرد السوي، تتكامل هذه الأوجه المتباينة أو ~~تتوحد، غير أن «الشخص» أو «الذات» لا ينبغي النظر إليه على أنه فاعل مستقل له هذه ~~الأوجه أو يقوم بهذا النشاط. فهو وهي شيء واحد. ومرة أخرى، فلنقل إن الذهن هو ما ~~يفعله. ~~(4) مشكلة الذهن والجسم # من المنطقي أن ننتقل من هذه المشكلة الشائكة، مشكلة طبيعة الذهن، إلى بحث العلاقة بين ~~الذهن والجسم. وعلى الرغم من أن علم النفس قد أخذ على عاتقه، جزئيا، بحث هذا الميدان ~~الخاص، فإن الفلسفة ما زالت تهتم بهذه المسألة اهتماما كبيرا. كذلك فإن التطورات التي ~~طرأت على علم النفس لم تفلح في حل المشكلة؛ ولذا فلا يزال هناك مجال للفيلسوف ليدلي ~~بدلوه، ويتقدم بنظرياته وتأملاته، في ms166 هذا الميدان. # والقسمان الواضحان اللذان تتشعب إليهما الآراء المتعددة حول هذه العلاقة هما النمط ~~الواحدي والنمط الثنائي. ولقد كانت الآراء الثنائية هي الأقوى تأثيرا بكثير، من الوجهة ~~التاريخية، من بين هاتين الفئتين. وهذا أمر غير مستغرب؛ إذ إن الثنائية، كما أوضحنا من ~~قبل، تعبر عن وجهة نظر الموقف الطبيعي. وفضلا عن ذلك فإن المسيحية تستتبع القول بنزعة ~~ثنائية واضحة، ومن المعروف، بالنسبة إلى الفلسفة الغربية، أن أكثر الآراء عن الذهن ~~تمشيا مع تعاليم المسيحية هي التي كانت تتفوق على غيرها عادة. وبالنسبة إلى الموقف ~~الطبيعي، فإنه يبدو لنا من الواضح تماما أننا مكونون من جسم وذهن مجتمعين، بحيث إن ~~إرجاع أحدهما إلى الآخر (على النحو الذي يقتضيه أي مذهب واحد) يبدو أمرا لا يتصور. ~~لذلك فإننا سنبدأ بعرض النظريات الثنائية، محاولين بذلك الانتفاع من وجهة نظر الموقف ~~الطبيعي، ومن تجربة الطالب في آن واحد. # نظرية التأثير المتبادل ~~: تعد نظرية التأثير ~~المتبادل # Interactionism # أشمل النظريات الثنائية في ~~العلاقة بين الجسم والذهن وأوسعها تأثيرا. وهذه النظرية تذهب بالاختصار إلى أن الذهن ~~والجسم يمثلان نظامين مستقلين للوجود لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر، غير أن في ~~استطاعة كل منهما أن يمارس فاعليته على الآخر أو يؤثر فيه. ولهذه النظرية ميزة كبرى، ~~هي أنها تبدو متفقة مع تجربتنا اليومية؛ ذلك لأننا نستطيع أن نقرر أن نرفع ذراعا (أي ~~أن تكون لنا تجربة «ذهنية» خالصة بشأن موضوع مادي) فنجد الذراع قد ارتفع بالفعل. وعلى ~~العكس من ذلك، فكلنا قد جربنا تأثير التعب أو المرض أو العقاقير المخدرة في عملياتنا ~~الذهنية، فعندما يضطرب الجسم على أي نحو، يكون التفكير عادة مضطربا أو مشوها. ~~والواقع أن هذه التجارب تبلغ من الشيوع حدا يصعب معه على الطلاب أن يدركوا إمكان وجود ~~أي رأي آخر غير نظرية التأثير المتبادل. غير أن هناك، لسوء الحظ، اعتراضات خطيرة جدا ~~توجه إلى الموقف القائل بالتأثير المتبادل. ولقد أدت نقاط الضعف هذه، التي يرى كثير من ~~المفكرين أن منها واحدة أو اثنتين تقضيان ms167 على النظرية تماما، إلى ظهور النظريات ~~المنافسة. ويمكن القول إن كل هذه الآراء البديلة تقريبا قد وضعت من أجل تجنب العناصر ~~المعترض عليها في نظرية التأثير المتبادل؛ ومن هنا فإن من الضروري لنا أن نكون صورة ~~واضحة عن هذا المذهب وعن الاعتراضات الأساسية التي أثيرت ضده. # الحجج المضادة لنظرية التأثير المتبادل ~~: أولى نقاط ~~الضعف في نظرية التأثير المتبادل هي أننا نجهل تماما كيف يحدث هذا التأثير المتبادل ~~المزعوم. فإذا سلمنا بأنه يبدو من الممكن في نظري أن أرغب في رفع ذراعي ثم أنفذ هذه ~~الرغبة، فإن علم النفس الحديث ذاته لا يستطيع أن ينبئنا إلا بالقليل جدا عن الطريقة ~~التي يؤثر بها الفكر في العضلات والمفاصل اللازمة لرفع الذراع بالفعل؛ وهكذا فإن جهلنا ~~بهذه المسألة لا يكاد يقل عما كان عليه عندما قدم ديكارت، في أوائل القرن السابع عشر، ~~عرضه الكلاسيكي للمذهب الثنائي. فقد كان ديكارت يقول بنظرية تبدو لنا اليوم ممتنعة، ~~مؤداها أن الغدة الصنوبرية (التي توجد في منتصف المخ) هي نقطة الالتقاء أو «البوابة» ~~التي تتحول بها الأفكار غير الممتدة وغير الجسمية إلى تنبيه يحرك الجسم المادي الممتد ~~(الذي يشغل مكانا). وعلى العكس من ذلك فإن هذه الغدة الصنوبرية كانت هي الوسيلة التي ~~يتحول بها حادث جسمي (كوخزة الدبوس مثلا) إلى إحساس أو إلى «فكرة». # والاعتراض الرئيسي الثاني على نظرية التأثير المتبادل هو استحالة تصوره؛ ذلك لأن ~~الكثير من خصوم هذه النظرية يرون أن فكرة ديكارت ليست أكثر امتناعا من الفكرة القائلة ~~أن شيئين بينهما هذا القدر من التنافر الذي يوجد بين الذهن والجسم يمكن أن يكون بينهما ~~تأثير متبادل من نوع ما. فالفرق الكيفي بينهما أعظم بكثير من أن يسمح لنا حتى بتصور ~~إمكان حدوث تأثير سببي متبادل. ذلك لأنه لا يوجد سر واضح في الطريقة التي يستطيع بها ~~شيئان ماديان أن يؤثر كل منهما في الآخر (كما في حالة الاصطدام مثلا)، كما أن تأثير ~~حادث ذهني في الآخر هو قطعا ظاهرة مألوفة أخرى - كما يحدث عندما ms168 تؤدي رائحة (وهي ~~إحساس) إلى استعادة ذكرى (وهي صورة). أما تصور قيام حادث ذهني بإحداث تغيير في موضوع ~~مادي أو العكس، فهو أمر واضح الامتناع. # رد القائل بنظرية التأثير المتبادل ~~: توجد لدى ~~القائل بنظرية التأثير المتبادل ردود عاجلة على هذين الاعتراضين الأولين الموجهين إلى ~~نظريته. فهو يتناول هذين الاعتراضين بالترتيب العكسي، فيشير إلى أن حجة «استحالة ~~التصور» ليست حجة على الإطلاق؛ ذلك لأن تاريخ العلم حافل بأمثلة تحول فيها شيء يعد ~~تصوره مستحيلا إلى حقيقة واقعة. فبالنسبة إلى الذهن الذي كان يعيش في العصر الوسيط، ~~كان من المستحيل تصور إمكان أن يعيش الناس على الجانب السفلي للعالم؛ إذ إن من الواضح ~~أن هذا يؤدي إلى سقوطهم - وفضلا عن ذلك فمن ذا الذي يستطيع أن يعيش معلقا إلى الأرض ~~بقدميه، مثلما تتعلق الذبابة بالسقف؟ وفيما بعد كان من «غير المتصور» أن يستطيع الإنسان ~~الطيران؛ إذ كيف يتسنى لوسيط رقيق كالهواء «عقلا»، أن يحمل شيئا ثقيلا كجسم الإنسان؟ ~~وهكذا يشير القائل بالتأثير المتبادل إلى أن المسألة بالاختصار هي أن الدليل الوحيد على ~~الواقعية هو الواقع ذاته. ففي استطاعتنا أن نقدم حججا منطقية على أن هذا الشيء أو ذاك ~~لا يمكن عقلا أن يحدث أو يوجد، ولكن إذا كانت تجربتنا الحسية تبين لنا أنه قد حدث أو ~~وجد بالفعل، فلن يؤدي افتقاره إلى المنطق أو استحالة تصوره إلى تغيير هذه ~~الحقيقة. # وفضلا عن ذلك فإن «الغموض» المزعوم، المتعلق بطريقة إمكان حدوث تأثير متبادل بين ~~المادي والذهني ليس حجة على الإطلاق. ففي النظام الطبيعي حوادث متعددة تعد «غامضة» ~~بالمعنى الصحيح. فمن الجائز أنه لا يوجد قانون علمي توطدت دعائمه بقدر ما توطدت دعائم ~~صيغة نيوتن العامة للجاذبية، ومع ذلك فلا نيوتن ولا نحن نعرف كيف يتسنى لأشياء مادية ~~تفصل بينها مئات الملايين من الأميال أن يؤثر بعضها في بعض. وعلى حين أن أينشتين قد قدم ~~إلينا بضعة اقتراحات رائعة عن سبب حدوث ظاهرة - «التأثير عن بعد» هذه، فإن الطريقة ~~الأساسية التي يحدث بها هذا ms169 التأثير ما زالت سرا غامضا. وإنه لمن «غير المتصور» أن ~~يكون في استطاعة الأشياء التأثير بعضها في بعض دون أن يحدث بينها اتصال ميكانيكي مباشر، ~~أو دون أن تبعث حركات في وسيط معلوم معين، قادر على نقلها، مثلما يستطيع الهواء أو ~~الماء نقل الموجات. ومع ذلك فلا يمكن أن يكون ثمة شك في حقيقة الجاذبية، مهما يكن من ~~غموض هذا التأثير. وينتهي صاحب نظرية التأثير المتبادل إلى أن الأمر قد يكون كذلك في ~~حالة التأثير النفسي المتبادل: فسواء أكنا قادرين على «تصوره»، أم على تقديم تفسير ~~مرض له، أم لم نكن، فإنه، بوصفه واقعة خالصة، يبدو أمرا لا يمكن إنكاره. ومن ثم فعلى ~~المنطق وعلم النفس أن يتهادنا مع هذه الواقعة، سواء أكانا بهذه المهادنة سعيدين أم لم ~~يكونا. ~~(5) المذهب الآلي ومبدأ بقاء الطاقة # هناك اعتراض أخطر بكثير على نظرية التأثير المتبادل، وذلك من وجهة نظر ذوي العقليات ~~العلمية على الأقل، ألا وهو ما يبدو أن هذه النظرية تستتبعه من خروج على مبدأ بقاء ~~الطاقة. هذا المبدأ هو واحد من أشمل المبادئ التي صاغها العلم وأكثرها أساسية. ومفاده ~~باختصار أن كمية الطاقة في أي نظام فيزيائي تظل ثابتة. فمن الممكن تحويل هذه الطاقة، أو ~~حتى تبديدها في جميع أرجاء النظام الكامل بحيث تظل داخليا في سكون، غير أن المجموع ~~الكلي للطاقة لا يمكن أن يزيد أو ينقص. على أن نظرية التأثير المتبادل بين الذهن والجسم ~~تبدو متعارضة مع هذا المبدأ. ولنوضح ما نقول بذلك المثال الذي سبق لنا استخدامه: فإذا ~~قررت أن أرفع ذراعي ثم نفذت هذا القرار، فإن الحادث الذي بدأ في أول الأمر نفسيا ~~بحتا، ينتهي حادثا ماديا. وفي هذه الحالة يبدو أنه قد أضيفت كمية معينة من الطاقة ~~إلى النظام المادي للجسم من لا شيء. وبالعكس فلو أن تغيرا معينا في العالم المادي، ~~مثل دق جرس، قد انتهى إلى إحساس أو إدراك للصوت في وعيي، لبدا أن الطاقة الجسمية أو ~~المادية قد تلاشت في «الذهن» الذي هو ms170 عدم من النواحي المادية. وفي كلتا الحالتين يبدو ~~أن مبدأ بقاء الطاقة قد خولف. # وهنا أيضا نجد لدى القائل بنظرية التأثير المتبادل إجابات سريعة، وإن لم تكن تبدو ~~مقنعة بقدر ما كانت تبدو إجاباته على الاعتراضات السابقة. فهو يرد أولا بأن العلاقة ~~السببية لا تنطوي بالضرورة على تحويل الطاقة. # 3 # فكل ما يلزم لإقامة علاقة سببية بين شيئين أو حادثين هو نوع من الاعتماد ~~الضروري لأحدهما على الآخر. وهذا الاعتماد قد ينطوي أو لا ينطوي على تحويل للطاقة. ~~وثانيا فإن تعبير أصحاب نظرية التأثير المتبادل عن العلاقة بين الذهن والجسم لا يحول ~~دون إمكان حدوث تحويل فعلي للطاقة. فمن الجائز أن الطاقة النفسية تتحول إلى طاقة جسمية، ~~والعكس بالعكس، بحيث لا يكون في الأمر خلق للطاقة أو تبديد لها. وبعبارة أخرى فإن فرض ~~التأثير المتبادل لا يستلزم افتراض نظامين مغلقين، فمن الممكن النظر إلى الكائن العضوي ~~على أنه نظام كامل، لا يكون الجسم والذهن إلا أجزاء منه. ~~(6) نظرية التوازي # ليس في وسع أحد أن ينكر أن فرض التأثير المتبادل، مهما يكن حكمنا النهائي عليه، يستند ~~بقوة على تجربة الإنسان في موقفه الطبيعي. أما النظرية التي سنعرضها بعد ذلك، عن ~~العلاقة بين الجسم والذهن، فإنها تدير ظهرها للموقف الطبيعي. وتحاول بهذه الطريقة ~~الجذرية أن تستبعد بعض الاعتراضات الموجهة إلى الآراء الأخرى. هذه هي نظرية التوازي Parallelism # ويكاد هذا اللفظ يشرح نفسه بنفسه: ~~فالذهن والجسم يمثلان سلسلتين من الحوادث تتميزان بأنهما منفصلتان، ومستقلتان، ولا توجد ~~بينهما رابطة سببية، بل توجدان جنبا إلى جنب في تواز كامل. ويعترف أنصار هذا الرأي ~~بأن لكل تغير ذهني تغيرا جسميا مناظرا له، وأن هذين التغيرين يصاحب كل منهما ~~الآخر دائما وبالضرورة في ارتباط وثيق. غير أن ما تتميز به هذه النظرية عن كل ما عداها ~~هو أنها تنكر أية علاقة سببية بين الاثنين. فمهما يكن من حتمية الارتباط بينهما، فإنه ~~ليس ارتباط تأثير، فالذهن والجسم دائرتان مقفلتان، لا تؤثر إحداهما في الأخرى. وهما، ~~كما اقترح البعض، ms171 أشبه بشريكين في رقصة أشباح دائمة لا تنتهي بعناق أبدا. # الاعتراضات على نظرية التوازي # وجه خصوم نظرية التوازي - كما يمكننا أن نتوقع - انتقادات شديدة إليها. ولعل أكثر ~~الألفاظ تداولا في وصف هذه النظرية هو صفة «الاستحالة» أو «الامتناع». ومع ذلك فقد ~~دعا إليها اثنان من أعظم الشخصيات في الفلسفة الحديثة، هما اسبينوزا وليبنتس، وكان ~~لها مؤيدون قديرون حتى اليوم. ويبدو أن أقوى الاعتراضات الموجهة إليها هي: أنها ~~أولا تخالف مبدأ التطور البيولوجي، الذي يقول إن الكائنات التي تظل باقية في ~~الصراع من أجل الوجود هي تلك التي تكون لها قيمة وظيفية أو قيمة تمكنها من البقاء؛ ~~أي تساعد الكائن العضوي على تحقيق تكيف أفضل مع بيئته. وهكذا فإن فرض التوازي يجعل ~~الذهن غير قابل للتفسير على الإطلاق، ما دام لا يؤثر في الجسم أو في بيئته المادية. ~~فكيف إذن أتيح للذهن أن يستمر في الوجود، وأن يزيد مقدرته وأهميته طوال مجرى ~~التطور؟ # ويعترض ثانيا على نظرية التوازي بأن نتائجها ممتنعة. فلا يمكن أن تكون نتيجتها ~~المنطقية إلا نوعا من مذهب شمول النفس Panpsychism ~~؛ أعني المذهب القائل إن هناك «ذهنا» ~~في كل الأشياء وفي كل مكان من النظام الطبيعي؛ ذلك لأنه إذا صح ما تقول به النظرية ~~من وجود نوع من الارتباط الحتمي المتبادل بين الحوادث الجسمية والذهنية، فإن كل ~~حادث ذهني لا يناظره حادث جسمي فحسب، بل إن كل حادث جسمي لا بد أيضا أن يكون له ~~نظير نفسي من نوع ما. وهكذا فلن يكون هناك فقط نظير واع لكل التغيرات الجسمية ~~(كالحركة اللولبية للأمعاء أو نمو الخلايا مثلا)، بل إن الحوادث المادية البحتة في ~~الطبيعة، كتحلل الصخور، لا بد أن يكون لها بدورها نظير نفسي من نوع ما. ولقد اعترف ~~بعض القائلين بنظرية التوازي صراحة بهذه النتائج التي تؤدي إلى القول بشمول النفس - ~~ومنهم ليبنتس مثلا - ولكن غيرهم ينفر من هذه النتائج المنطقية التي تبدو لا مفر ~~منها في نظر معظم خصوم هذه النظرية. # موقف ليبنتس # ربما كان أكثر ms172 دعاة نظرية التوازي اتساقا بين كبار الفلاسفة هو ليبنتس نفسه، وهو ~~عالم رياضي وميتافيزيقي ألماني في القرن السابع عشر. # 4 # والواقع أن المأزق العقلي الذي أدت به النظرية إليه، فضلا عن الوسيلة ~~اليائسة التي اضطر إلى اتباعها للتخلص من هذه النتيجة، تكشف عن تهافت وجهة النظر ~~هذه. فقد واجه ليبنتس، شأنه شأن كل المدافعين عن هذه النظرية، مشكلة تفسير طريقة ~~حدوث هذا التوازي، وكذلك (إن أمكن) سبب وجود هذا الارتباط الدائم والعقيم بين ~~الطرفين. ولعل الحل الذي أتى هو الحل الوحيد الذي يمكن اقتراحه في هذا الصدد: فالله ~~قد خلق مملكتين توأمتين، هما مملكتا الذهن والمادة، ثم ربط بينهما ربطا دائما عن ~~طريق نوع من «الانسجام ~~المقدر Pre-established Harmony ~~» وقد استخدم ليبنتس، لإيضاح رأيه هذا، تشبيه الساعتين ~~المشهور. فمن الممكن أن نتصور صانع ساعات خبيرا يمكنه صنع ساعتين بلغتا من دقة ~~التركيب وكمال الصنعة حدا يجعلهما، بمجرد بدئهما معا، يظلان يدلان دائما على ~~نفس الوقت في انضباط تام. في هذه الحالة لن يكون هناك تأثير من الواحدة في الأخرى، ~~ولا علاقة مع الأخرى، ويظلان يعملان جنبا إلى جنب في موازاة مطلقة. وهكذا الحال في ~~سببية - من أي نوع - إذ لا حاجة إلى هذا أو ذاك؛ ومع ذلك فإن حركاتهما تظل متوازية ~~على الدوام، بحيث تطابق كل دقة دقة، وتتفق كل ساعة تماما مع الأخرى، ويظلان يعملان ~~جنبا إلى جنب في موازاة مطلقة. وهكذا الحال في عالمي الجسم والذهن التوأمين. ~~فالله قد وفق بين سلسلتيهما المستقلتين من الحوادث، بحيث يتلاءمان على أكمل نحو، ~~والانسجام المقدر لا يخفق أبدا، بل إن ظواهر العالمين تنسجم في تواز مطلق طوال ~~وجودها. ~~(7) مذهب الظاهرة الثانوية # أدى عدم الاكتفاء بنظرية التأثير المتبادل وبنظرية التوازي معا إلى وضع مجموعة من ~~الآراء التي يمكن أن تعد كلها احتجاجات على هاتين النظريتين. ويتصف أحد هذه المواقف ~~المحتجة بأنه ثنائي بدوره، غير أن معظم الآراء المعارضة تحاول الوصول إلى حل واحدي ~~لمشكلة الذهن والجسم. # أما الحل الثنائي البديل فهو مذهب ms173 الظاهرة الثانوية # Epiphenomenalism # هذه النظرية، رغم ما يبدو على ~~اسمها من تعقيد، بسيطة نسبيا، وهي تحظى بقبول غير قليل في الوقت الحالي. ولقد صيغت في ~~الأصل على أنها رأي مادي في الذهن، وكانت لها على هذا الأساس شعبية كبيرة بين أنصار ~~المادية في القرن التاسع عشر، بل إن دعاتها اليوم لا يأتون إلا من معسكر المذهب الطبيعي ~~الآلي، وذلك لأسباب ستتضح بمجرد أن نشرح النظرية. وتقول هذه النظرية، بالاختصار، إن ~~العلاقة بين الذهن والجسم علاقة سببية غير أن هذه ليست سببية متبادلة، كما هي الحال في ~~مذهب التأثير المتبادل. فالتأثير يسير في اتجاه واحد فحسب؛ إذ إن التغيرات الجسمية تؤدي ~~إلى حدوث تغيرات ذهنية، لا العكس. فليس النشاط النفسي إلا نتاجا ثانويا، والعملية ~~الأساسية ذات طابع فيزيائي بحت. وهكذا يصبح الذهن مجرد ظاهرة مصاحبة أو ظل للنشاط ~~الجسمي، لا تأثير لها فيه. وكما يعبر برجسون عن هذا الرأي، فإن الذهن يغدو تبعا له ~~مجرد هالة تتراقص فوق عمليات المخ. وهناك تشبيه أشهر من ذلك، هو التشبيه بظل تلقيه عجرة ~~دائرة. فليس للظل تأثير على العجلة أو على حركتها، ولكنه هو ذاته معتمد تماما عليها في ~~وجوده وفي طابعه. وهكذا يصف سانتيانا الذهن في عبارة رائعة بأنه «صيحة غنائية في زحمة ~~العمل». فالشيء الأساسي والهام بحق هو النشاط الجسمي. أما الوعي المصاحب له فلا يمثل ~~إلا زخرفا غير وظيفي لهذا النشاط. ويضيف صاحب هذا المذهب قائلا إننا، مثلما نتأثر في ~~كثير من الأحيان بالمظهر الخلاب أو الزخرف أكثر مما نتأثر بالشيء الأساسي، فإننا هنا ~~أيضا نتجه إلى أن نجد في هذه «الصيحة الغنائية» شيئا أهم بكثير مما يسمح لنا به الحكم ~~الموضوعي الرزين على الأمور. # مذهب الظاهرة الثانوية والعلم ~~: كانت أقوى مزايا هذه ~~النظرية شبه الثنائية؛ أعني نظرية الظاهرة الثانوية، هي تأثيرها المثمر في علم النفس ~~وعلم وظائف الأعضاء معا. فهي قد شجعت دعاتها على البحث عن تفسيرات جسمية خالصة للظواهر ~~الذهنية، وقد أمكن القيام بكثير من الأعمال التجريبية المفيدة على ms174 قياس هذا الفرض. بل ~~فرض الظاهرة المصاحبة هذا كانت له من النتائج المثمرة بوصفه منهجا، مما يجعل المرء ~~مترددا في مهاجمته، وإن كان من الواجب أن نتذكر أن نجاحه بوصفه فرضا منهجيا لا يثبت ~~كفايته من حيث هو موقف ميتافيزيقي شامل. فمن الملاحظ مثلا أن الحجة التطورية التي ~~سقناها ضد مذهب التوازي، يمكن أن تساق بنفس القوة ضد النظرية الحالية. فإذا كان ما ~~يساعد الكائن العضوي في الكفاح للحصول على وسائل العيش وفي استمرار النوع هو وحده الذي ~~يقدر له البقاء في الصراع من أجل الوجود، وإذا كان الذهن أو الوعي مجرد «صيحة غنائية» ~~وسط هذا الصراع، فكيف أتيح له إذن أن يستمر في الوجود ويزداد أهمية في حياة الإنسان؟ ~~وهكذا نستطيع أن نختتم كلامنا عن مذهب الظاهرة الثانوية بتقديم حكم موجز عليها، فنقول ~~إن نتائجها قد أثبتت قيمتها بوصفها فرضا عمليا ينطوي على منهج للبحث العلمي، أما من ~~حيث هي نظرة شاملة إلى الذهن، فإن قيمتها تقل عن ذلك إلى حد ما. ~~(8) آراء اسبينوزا وليبنتس # تمثل نظرية الظاهرة الثانوية التي عرضناها الآن مذهبا ثنائيا يتحول بالنسبة إلى ~~جميع الأغراض العملية، إلى واحدية منهجية. أما النظرية التي يتعين علينا بحثها بعد ذلك، ~~فتمثل واحدا من الموقفين اللذين يقولان بالواحدية. ولقد كان الهدف من اتخاذ كل من ~~هذين الموقفين هو محاولة تجنب الصعوبات التي تبدو حتمية لا مفر منها في أي حل ثنائي ~~لمشكلة الذهن والجسم. ومع ذلك، فإن الحل الذي تقدمه إحدى هاتين النظريتين يبدو مصطنعا، ~~شأنه شأن الحل الذي تأتي به نظرية التوازي. هذه النظرية هي نظرية الوجهين # Double-Aspect Theory ~~، التي ارتبطت بوجه خاص ~~باسم اسبينوزا، وهي تذهب باختصار إلى أن الذهن والجسم ليسا إلا وجهين متقابلين لحقيقة ~~نهائية واحدة تكمن من ورائهما. فهما أشبه بجانبي الورقة، أو إذا شئنا تشبيها أفضل ~~لقلنا إنهما أشبه بالوجهين المقعر والمحدب لعدسة زجاجية. وبعبارة أخرى فإن تسميتنا ~~للحادث بأنه «جسمي» أو «ذهني» تتوقف على الوجه الذي نلاحظه منه؛ أي على العلاقات التي ms175 ~~ننظر إليه من خلالها - مثلما أن حكمنا بأن العدسة ينبغي أن توصف بأنها مقعرة أو محدبة ~~يتوقف على العلاقات التي ننظر إليها من خلالها. # الاعتراضات على نظرية الوجهين ~~: على الرغم من أن ~~المدافع عن هذا الفرض القائل إن الذهن والجسم ليسا إلا صفتين توأمين لجوهر نهائي واحد ~~يستطيع أن يتجنب الانتقادات الموجهة إلى مذهب التوازي، فإنه يقع في صعوبات خاصة به. ~~فلما كان يرى الذهن والمادة حقيقة واحدة، فإنه لا يحتاج إلى الإتيان بتفسير مسرف في ~~الخيال كذلك الذي التجأ إليه لبينتس. ومع ذلك يتعين عليه أن يحاول إقناع الموقف ~~الطبيعي، الذي ينظر إلى المسألة عادة على النحو الآتي: أن تشبيه القوسين المحدب ~~والمقعر تشبيه دقيق جدا. ولكنه لا يكاد يكون تفسيرا للحقيقة القائلة إن تجربتنا ~~بأسرها تشتمل على مجالين مختلفين تماما من مجالات الوجود. ففي استطاعتنا أن نسميها ~~شيئا واحدا، ولكن من الواضح أننا لا نستطيع أن نثبت أنهما شيء واحد. وفضلا عن ذلك، ~~فمن الممكن الاعتراض بأن هذا التوحيد بين المجالين لا يكاد يكون تفسيرا على الإطلاق. ~~فهو يحاول أن يتخطى مشكلة الذهن والجسم بأسرها عن طريق إنكار وجودها: ولو كان الاثنان ~~في أساسهما شيئا واحدا فحسب، لما كانت هناك أية صعوبة في موضوع الصلة بينهما. # وكثيرا ما تشعر الأذهان المعاصرة بأن نظرية الوجهين هذه تقف موقفا يائسا، بطريقتها ~~الواحدية، مثلما أن نظرية التوازي تقف موقفا يائسا بطريقة ثنائية؛ ففي كلتا الحالتين ~~يثور العقل في موقفه الطبيعي، ويجد الطلاب المبتدئون عادة أن المذهبين متساويان في ~~عمقهما. ومن المؤكد أن كلا من هاتين النظريتين لا تقدم أي تفسير يستطيع العلم أن يتخذ ~~منه فرضا مثمرا، وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة وحدها لا تكفي لاستبعادهما من مجال ~~البحث الفلسفي. فإنها تحملهما عبء البيئة الأثقل. أما أنهما قادرتان أو غير قادرتين ~~على حمل هذا العبء، فذلك أمر ينبغي تركه للقارئ. # مذهب شمول النفس ~~: أما المحاولة الأخرى للوصول إلى ~~حل واحد لمشكلة الذهن والجسم فهي تلك التي أشرنا إليها من قبل ms176 باسم مذهب شمول النفس Panpsychism # وأساس هذا المذهب هو الامتداد بالوعي، ~~أو بنوع من النشاط النفسي على الأقل بحيث يشمل جميع أرجاء الكون. وليس هذا مجرد افتراض ~~لذهن شامل من نوع ما، كما تفعل كثير من أنواع المذهب المثالي، وإنما هو نسبة عمليات ~~ذهنية إلى كل جزء من النظام الطبيعي. وهكذا ينظر القائل بهذا المذهب عادة إلى الطبيعة ~~بأسرها على أنها مؤلفة من مراكز نفسية، كل منها مشابه للذهن البشري، فتكون النتيجة ~~نظرة يمكن تسميتها بالمذهب الذري ~~الروحي # Spiritual Atomism ~~. وبذلك يصبح الواقع، كما كان في المذهب المادي القديم والمذهب ~~الفيزيائي الحديث، مجموعة مؤلفة من عدد لا متناه من الذرات. غير أن مذهب شمول النفس ~~يرى، على خلاف هذه الأنواع المألوفة للمذهب الذري، أن الوحدات النهائية ذات طابع ذهني ~~أو نفسي أساسا. وهنا أيضا نجد أن ليبنتس هو المثل الكلاسيكي لهذا الرأي: ففي مذهبه، ~~يتألف الكون من عدد لا متناه من «الذرات الروحية # Mondas ~~» أو مراكز الإدراك. وتتفاوت درجة الإدراك أو ~~مستواه في هذه المراكز من العلم الشامل في الله، الذي هو «موناد المونادات»، حتى ~~«الذرات الروحية الناعسة» التي تتألف منها المادة الفيزيائية. فليست لهذه الذرات ~~الروحية الأخيرة إلا «إدراكات ~~بسيطة Petites Perceptions ~~» أو حالات ذهنية لا واعية، غير أن ماهيتها مع ذلك تظل نفسية ~~أساسا. وهكذا فإن الفكرة الأساسية في مذهب ليبنتس هذا، كما في كل مذهب يقول بشمول ~~النفس، هي أن «الذهن حاضر في الأشياء جميعا» - أو بالاختصار أن «الذهن في كل ~~مكان». # في هذه الحالة بدورها ندرك بوضوح أن هذا الحل لمشكلة الجسم والذهن لا يتفق مع وجهة ~~نظر الموقف الطبيعي إلا اتفاقا ضئيلا. كذلك فإن وجهة النظر الجديدة هذه، شأنها شأن ~~نظرية التوازي ونظرية الوجهين، عقيمة عمليا، بل إن نظرية شمول النفس لا تكاد تكون ~~نظرية قابلة للإثبات بالمعنى المألوف لهذا اللفظ، فلو كنت أكدت أن هذه الصخرة حية ~~وحاسة، فلا يكاد يكون في وسعي مناقشتك، وكل ما أستطيع أن أرد به عليك هو أنك لا ms177 تستخدم ~~الألفاظ بمعناها المعتاد، وأنك تدير ظهرك لتجربتنا المألوفة في الموقف الطبيعي، وهي ~~التجربة التي نجد فيها فارقا بين الصخور وبين الأشياء ذات القدرة الواضحة على ~~الحساسية، التي نطلق عليها اسم الحيوانات. ومن المعترف به أنك، كالقائل بنظرية الوجهين، ~~قد «حللت» مشكلتك بإلغائها. أما كون الثمن العقلي لهذا الحل أبهظ مما ينبغي. فهذا أمر ~~ينبغي أن يترك البت فيه للقارئ. وعلى الرغم من أننا لا نود التأثير في الحكم الذي ~~سينتهي إليه القارئ، فمن الواجب أن نشير إلى أن الرأي منعقد على أن الثمن مبالغ فيه إلى ~~حد بعيد. ~~(9) الذهن بوصفه منبثقا # ما زال أمامنا أن نبحث رأيا أخيرا في علاقة الذهن بالجسم. وقد أرجأنا هذا الرأي إلى ~~النهاية لسببين: أولهما أنه ربما كان أفضل نظرية موجودة حاليا في هذا الميدان المزدحم ~~بالنظريات، وثانيا لأنه رأي يلقى استجابة من الذهن العلمي، ويتفق أيضا مع الموقف ~~الطبيعي الذي تأثر به الطالب المبتدئ. وبذلك يشعر القارئ بتخفيف لحدة الضجر الذي قد يحس ~~به إزاء بعض النظريات اليائسة المتطرفة الأخرى، ونستطيع أن نأمل أن نختتم هذا الفصل دون ~~أن نترك الطالب ثائرا أو مرتبكا إلى حد قد يأبى معه الانتقال إلى بحث مشكلات أخرى ~~في الفلسفة. # هذه النظرية الأخيرة في الذهن تتصف بأنها ليست رأيا في العلاقات بين الظواهر الجسمية ~~والذهنية فحسب، وإنما هي على الأصح رأي في مركز الذهن في النظام الطبيعي بوجه عام. وهي ~~تبنى مباشرة على نظرية الانبثاق التي عرضناها في الفصل الأخير، بل إن الارتباط بين ~~المذهبيين يبلغ من الوثوق حدا يجعل النظرية التي سنعرضها تسمى في كثير من الأحيان ~~باسم النظرية الانبثاقية # Emergence Theory # في الذهن. ~~هذه النظرية تتوسع في الفرض القائل إن الحياة ظهرت أو «انبثقت» عندما تكون نمط جديد ~~أشد تعقيدا، من المواد غير العضوية؛ أي عندما ظهر مستوى جديد من التنظيم بظهور أنواع ~~جديدة من الاستجابة، فنقول إن الذهن هو بدوره نتيجة لتنظيم أعقد للتركيب الجسمي (أو على ~~الأخص، العصبي). وبعبارة أخرى، فبازدياد تعقد تركيب ms178 العمليات الآلية العصبية، وظهور ~~جهاز عصبي مركزي يربط بين كل أجزاء الكائن العضوي، «انبثق» من هذا المستوى التكاملي ~~الجديد نوع جديد من الاستجابة. وظهر الوعي - أو الذهن بمعنى أعم - بوصفه نتيجة مباشرة ~~لهذا التنظيم الناتج؛ ومن ثم فإنه يعتمد على هذا التركيب العصبي في استمرار ~~وجوده. # النتائج الضمنية للنظرية الانبثاقية ~~: من المفيد أن ~~نناقش بعض نتائج النظرية الانبثاقية وتشعباتها. أولى هذه النتائج هي أنه لا يوجد على ~~الأرجح واحد من المدافعين عن هذه النظرية، يقول إن هذا المستوى الجديد للتنظيم العصبي ~~قد ظهر بقصد إتاحة ظهور الذهن في الكون. فالكون يعد نتيجة للتنظيم، لا سببا له. ومن ~~الواضح أن هذا يؤدي إلى الربط بين نظرية الانبثاق وبين النظرية الطبيعية # Naturalistic # إلى العالم، بل إن هذه النظرية هي ~~الأثيرة لدى القائل بالمذهب الطبيعي، ما دامت تذهب إلى أنها تقدم تفسيرا طبيعيا ~~بحتا لتلك المشكلة التي يعدها أصحاب المذاهب الآلية والمادية والطبيعية مشكلة حساسة ~~بحق - وأعني بها: كيف دخل الذهن إلى المجال الكوني؟ وهناك نتيجة ثانية، لنظرية ~~الانبثاق، هي أنها توحي بميل إلى نظرية «الظاهرة الثانوية»، وقد يصبح هذا الميل من آن ~~لآخر أكثر من مجرد الإيحاء. فكثير من أنصار هذه النظرية يعترفون بأنه إذا كان الذهن قد ~~ظهر متأخرا في التاريخ التطوري، ولم يكن ظهوره إلا نتيجة لازدياد التعقد والتخصص ~~الوظيفي في الجهاز العصبي، فإن من الواضح نتيجة لذلك أن أهميته السببية ليست كبيرة ~~جدا. ومثل هذا الاعتراف يعود بنا مرة أخرى إلى نظرية «الظاهرة الثانوية»، ويظل علينا ~~أن نواجه الاعتراضات التي أثيرت في وجه هذه النظرية. ومع ذلك فإن أولئك المفكرين الذين ~~يؤيدون نظرية الانبثاق يكونون عادة ميالين إلى نوع من مذهب التأثير المتبادل. فمهما ~~يكن من اعتماد الذهن في وجوده على مستوى جديد من التكامل العصبي، فسيظل من الممكن أن ~~ينظر إليه على أنه يؤثر في الجسم؛ ذلك لأن اعتماد أصله على غيره ليس دليلا على عجزه من ~~ناحية السببية. ومن جهة أخرى فهناك أنصار لنظرية الانبثاق يفضلون الفرض ms179 المادي، ويذهبون ~~إلى أن نتيجة النمو التطوري للجهاز العصبي لا يمكن، على أحسن الفروض، أن تكون إلا ~~مجموعة جديدة من ردود الأفعال والوظائف الجسمية الأخرى. # وهكذا يتضح لنا أن نظرية الانبثاق ليست وجهة نظر في طبيعة الذهن بقدر ما هي تفسير ~~لأصله. وعلى هذا الأساس، فمن الممكن أن ينطبق عليها الوصف الذي قيل عن فلسفة حديثة ~~مشهورة؛ فهي أشبه بممر تطل على جانبيه أبواب متعددة؛ إذ إن في استطاعة الأفراد الذين ~~ينتمون إلى مدارس فرعية متباينة داخل إطار المذهب الطبيعي أن ينتقلوا إلى حجراتهم ~~الخاصة، عبر هذا الممر الواحد. ومع ذلك فهناك شيء ينبغي أن نكون على يقين منه، فليس من ~~المحتمل أن نجد مثاليا واحدا يتجول خلال ممر الانبثاق هذا. ذلك لأنه، وإن يكن من ~~الممكن منطقيا أن نقول بأن أذهاننا البشرية الفردية؛ أعني الذهن المتناهي دون أي ~~تفخيم - قد انبثقت بالطريقة التي وصفناها الآن، فإن المثالي يضطر إلى القول بأن ~~الانبثاق لم يكن إلا الوسيلة التي تدخل بها «الذهن» الكوني الشامل في العالم الجسمي. ~~ذلك لأن المثالية لا تستطيع أن تؤمن بأن هذا الظهور المتأخر للذهن في العملة التطورية ~~هو أول ظهور «للذهن» الشامل في الكون. وحتى لو أثبت البحث البيولوجي يوما ما إن فرض ~~الانبثاق قد أصبح بمنأى عن الشك، فإن المثالي يستطيع مع ذلك أن يظل يعتقد (ويكاد يكون ~~من المؤكد أنه سيظل يعتقد) بأن الانبثاق لم يكن إلا الأداة أو الاستراتيجية التي حقق ~~بها «الذهن» الشامل ذاته في العالم العضوي. فهو سيقول، تمشيا مع نظرته العامة إلى ~~العالم ، إن الانبثاق ليس إلا مفهوما منهجيا، وليس مفهوما كونيا (كسمولوجيا)، فقد ~~يكون في استطاعة النظرية أن تنبئنا بالطريقة التي ظهر بها الذهن، ولكنها لا يمكن أن ~~تنبئنا بسبب حدوث ذلك ولا بالعلاقة بين الذهن وبين الواقع. # تلخيص ~~: قد يكون من المستحسن أن نتريث ونلقي نظرة ~~إلى الوراء على الأرض التي استكشفناها في هذا الفصل؛ إذ إن من المعترف به أن مشكلات ~~الذهن من أصعب المشكلات في الفلسفة. ms180 # فقد بدأنا بإيضاح الخلط الشائع بين «المخ» و«الذهن»، وبينا أن الأول جزء من ~~العالم المادي وله كل الخصائص التي يتصف بها أي موضوع مادي، على أن الذهن يبدو محتاجا ~~إلى مقومات خاصة تنطبق عليه وحده، وبعد ذلك عرضنا الرأي التقليدي أو الجوهري في الذهن، ~~وهو الرأي الذي يعد جوهرا روحيا فريدا له وجود مستقل ولا يتوقف وجوده بأية حال على ~~علاقاته (بالجسم أو بالعالم الخارجي). وقد لاحظنا كيف أن هذه النظرة إلى الذهن تؤدي ~~بسهولة إلى الثنائية أو المثالية، فضلا عن الاعتقاد بأولوية العالم الروحي وخلود ~~النفس. # ثم أشرنا بعد ذلك إلى نقد هيوم لهذه النظرية الجوهرية، وهو نقد مبني على نظرة تجريبية ~~خالصة إلى المشكلة، ولا يجد أساسا تجريبيا للاعتقاد بوجود جوهر روحي مستقل. وجاء بعد ~~ذلك رد فعل كانت على هجوم هيوم الثوري هذا على الرأي التقليدي، ولاحظنا كيف صاغ المفكر ~~الألماني العظيم مذهبا وسطا يترك مجالا كاملا للعنصر الذهني القبلي أو الأولي # A Priori # وللعنصر الذهني المستمد من الحواس. # وقد حللنا بعد ذلك الرأي المادي، الذي يناقض تماما النظرة إلى الذهن على أنه روحي. ~~وفي هذا الصدد أكدنا بوجه خاص النقص الواضح للموقف، المتطرف لدى الماديين الأوائل، على ~~الأقل، وهم المفكرون الذين اتهمهم الكثيرون «بمغالطة الرد»؛ أعني إرجاع الذهن إلى ~~«مجرد» مادة ولكن بشكل آخر. ومن ذلك انتقلنا إلى وجهة نظر إلى الذهن، محببة جدا إلى ~~قلوب علماء النفس، تؤكد التعريف الإجرائي # Operational # أو الوظيفي للذهن. هذه النظرية تقول إن الذهن لا ينبغي أن يوصف إلا من خلال ما يفعله - ~~أي كيف يؤدي عمله - وتذهب إلى أن أية محاولة للنفاذ من وراء العمليات الذهنية إلى كشف ~~طبيعة «الذهن في ذاته» ينبغي التخلي عنها على أنها عقيمة غير ضرورية. # وقد حللنا في النصف الأخير من الفصل مختلف حلول مشكلة الذهن والجسم. فعرضنا أولا رأي ~~الموقف الطبيعي، وهو فكرة التأثير المتبادل، التي تبشرنا بالكثير، ولكنها تثير أمامنا ~~بالفعل مشكلات جديدة تبلغ من الكثرة حدا جعل الكثير من المفكرين يرفضونها. ms181 وأوضحنا ~~الجهد اليائس الذي يبذله «مذهب التوازي» لتجنب المشكلات المتصلة بأية نظرية في التأثير ~~المتبادل، كما بينا الأسباب القوية التي دعت إلى انتشار رفض هذا المذهب. وبحثنا بعد ~~ذلك نظرية «الظاهرة الثانوية» (التي كانت مفضلة لدى علماء القرن التاسع عشر وفلاسفته ~~الماديين)، وهي النظرية التي تضفي على الذهن وجودا حقيقيا، ولكنه وجود ثانوي فحسب، ~~على حين أنها تنكر عليه الفاعلية السببية أو الدلالة الكونية. # وتلا ذلك عرض سريع لمحاولتي نظرية «الوجهين» ونظرية «شمول النفس» في حل هذه المشكلة، ~~إذ إن النواقص الواضحة لهاتين النظريتين جعلت من غير الضروري تخصيص وقت طويل لهما. ~~وأخيرا انتقلنا إلى النظرية الانبثاقية في الذهن، وهي النظرية التي تبدو اليوم أفضل ~~إجابة ممكنة على مشكلة الذهن والجسم القديمة العهد. وقد أشرنا إلى تفضيل العلماء ~~المعاصرين لها في الوقت الراهن. ولكنا لاحظنا أيضا أنها لا ترضي أفرادا كثيرين في ~~مجال الفلسفة؛ إذ إنها لا تنبئنا إلا بطريقة ظهور الذهن، ولا تقول إلا القليل عن طبيعته ~~أو عن مكانته في النظام العام للأشياء. # وأغلب الظن أن كثيرا من القراء سيخيب أملهم لنتائج العرض الذي قدمناه للذهن، ما دام ~~من الواضح أنه لا توجد وجهة نظر واضحة المعالم، أو رأي للأغلبية، يستطيع الطالب أن يأخذ ~~به بأكمله على أنه رأيه الخاص. بدلا من ذلك نصادف في هذه الحالة، كما في حالة جميع ~~المشكلات الفلسفية الكبرى، مواقف متباينة، يتناقض الكثير منها بعضه مع بعض، ولا يبدو ~~أحدها كافيا تماما. على أن هذه نتيجة لا مفر منها، ولا سيما في كتاب من هذا النوع، ~~يهدف إلى أن يقدم للقارئ أنواع الفلسفة ومشكلاتها، لا إلى أن يفرض عليه أي نمط معين أو ~~أية مجموعة جاهزة من الإجابات. فما يهمنا قبل كل شيء هو أن نزود الطلاب حديثي العهد ~~بالفلسفة بالمواد الخام التي يبنون منها نظرتهم الخاصة إلى العالم؛ إذ إن أي موقف فلسفي ~~إذا حكمنا عليه حكما نهائيا فلن تكون له قيمة إلا بقدر ما يكون موقفا خاصا ~~بنا. # الفصل السابع # | الحقيقة: ms182 مشكلة بيلاطس - ومشكلتنا # من أكثر اللحظات درامية - ومن أقربها قطعا إلى الفلسفة - في قصة المسيح في العهد الجديد، ~~تلك التي اقتيد فيها المسيح أمام بيلاطس، الحاكم الروماني لجوديا، لكي يحقق معه. ففي خلال ~~المحادثة التي دارت بين المحقق وبين المتهم، يقول بيلاطس: «أملك أنت إذن؟» فيكون الرد هو ~~تلك العبارة المشهورة: «إنما كانت الغاية التي من أجلها ولدت، والغرض الذي من أجله أتيت إلى ~~العالم، هو أن أكون على الحقيقة شاهدا. وإن كل من كان من أهل الحقيقة ليصغي إلى ما ~~أقول». أما رد بيلاطس فكان أشهر حتى من ذلك. فقد تساءل: «ما الحقيقة»، وبذلك كشف عن موقف ~~فلسفي معين ما زال إلى اليوم قائما كما كان منذ عشرين قرنا - بل ربما كان اليوم أكثر ~~شيوعا مما كان من قبل. # على أن هذا ليس معناه أن المحقق الروماني قد أدرك كل النتائج الضمنية التي ينطوي عليها ~~سؤاله الشامل. كما أن من غير المحتمل أن يكون قد تنبأ بأنه سيحقق لنفسه خلودا مريبا في ~~تاريخ الفكر البشري بتساؤله هذا السؤال. ومع ذلك فقد كشف عن نوع من نزعة الشك العنيدة، التي ~~حظيت باحترام الفلاسفة المحدثين. وإذا كان من الصعب على من تشبعوا بالتعاليم المسيحية أن ~~ينظروا إلى بيلاطس دون تحامل. فمن الواجب أن نتذكر أن عصره كان عصر غليان اجتماعي. فقد كان ~~في فلسطين في ذلك الوقت كثير من المصلحين والتقدميين والأنبياء، كلهم ينادون «بالحقيقة». ~~فليس من المستغرب إذن أنه قد سئم تكرار اللفظ بكل هذه السهولة وعدم الاكتراث؛ إذ إنه قد شعر ~~بأنه ليس كل شاهد على الحقيقة يستطيع أن يروي نفس القصة، وكان من الطبيعي أن يتساءل عما ~~تكونه الحقيقة بالضبط. وقد يشعر المسيحيون بأنه كان أعمى إذ لم يستطع أن يرى الحقيقة عندما ~~ظهرت له في شخص المسيح، غير أن موقفه الساخر كان هو الموقف الطبيعي لرجل في مثل ~~مركزه. # كذلك فإن هذا هو الموقف الطبيعي لأي شخص في مركز الفيلسوف المحترف؛ إذ إنه بدوره قد صادف ~~أنصارا ms183 عديدين لمذاهب متعددة، كلهم يدعون أن لديهم «الحقيقة»، وكلهم تقريبا يدهشون حين ~~يجدون أي شخص يتحدى ادعاءهم بسؤال بيلاطس الملح. ذلك لأن قرارات الفيلسوف قد أوصلته إلى فهم ~~كثير من المذاهب، التي تدعي كلها أنها مبنية على «الحقيقة»، بل إن القليل منها هو الذي ~~يتواضع فيعترف بأنه قد لا تكون هناك إلا حقيقة جزئية فحسب. فالفيلسوف إذن قد وصل إلى نقطة ~~يكون له فيها كل الحق في أن يتساءل: «ما الحقيقة؟» ولكن من المؤسف أن موقف بيلاطس وموقف ~~الفيلسوف ينبغي أن يفترقا عند هذه النقطة: فليس في وسع الفيلسوف أن يستبعد المشكلة بهزة من ~~كتفه، أو بتسليم من هم شهود على الحقيقة إلى أعدائهم ليعدموهم، وإنما ينبغي له مواجهة ~~السؤال الملح، وبذل كل جهد لحله. # تعقد المشكلة ~~: تعد مشكلة الحقيقة من أعقد المشكلات التي ~~يتعين على الفلسفة بحثها. ذلك لأنه ليست هناك كثرة من «الحقائق» فحسب، بل إن الناس نادرا ~~ما يعنون نفس الشيء عندما يصفون عبارة بأنها «حقيقة». وإن تحليلا بسيطا لكفيل بأن يبين ~~لنا أن كثيرا من تلك الحجج التي تنتهي بصياح أحد الفريقين أو كليهما: «كذاب!» إنما تصل إلى ~~هذه النهاية المؤسفة، لا بسبب تزييف متعمد أو حتى خطأ غير مقصود، بل لأن الخلاف الأساسي ~~يكمن في أن أحد الفريقين يستخدم نظرية أو معيارا معينا للحقيقة، في حين يرتكز الآخر على ~~مفهوم مختلف كل الاختلاف. فلا غرو إذن ألا يشاهد كل من المتنازعين خصمه وجها لوجه، بل ~~إنهما لا يتكلمان لغة واحدة، حتى وإن كانا يستخدمان نفس الألفاظ. ذلك لأن المعاني، لا ~~الأصوات، هي التي تكون ماهية اللغة - وهو أمر لا نكاد نكون بحاجة إلى التنبيه إليه. فإذا ~~قلت «حقيقي» وكان في ذهني معنى معين، وقلت أنت نفس اللفظ وكان في ذهنك معنى آخر، لكان في ~~مواصلة الحديث مضيعة للوقت - ما لم نتمكن بالطبع من التوقف وتحليل خلافاتنا من أجل كشف أساس ~~معقول للتفاهم يتيح مواصلة الحديث. # ولكي يفعل المرء ذلك فلا بد له من القيام بدور ms184 الفيلسوف. فمن المؤكد أننا عندما نتساءل ~~جديا: «ما الحقيقة؟» نكون قد وضعنا أقدامنا في قطار الفكر النظري التأملي. وفي وسعنا أن ~~نضيف إلى ذلك أننا إذا كنا جادين في هذا السؤال بحق، فلا بد أن نكون قد قضينا وقتا معينا ~~في هذا القطار. ولكي نصل إلى نقطة نهاية تكون فيها محطة مريحة، فلن نجد الأمر نزهة ممتعة في ~~عصر يوم من أيام الإجازة، أو سياحة عقلية مريحة هادئة، بل إننا سنجد الرحلة طويلة ~~وشاقة. ~~(1) النظرية الأولى: الحقيقة بوصفها تطابقا # رأينا في الفصل الأول الخاص بالمشكلات الرئيسية في الفلسفة أن هناك ثلاثة مفاهيم ~~أساسية للحقيقة، تعرف عادة باسم «نظريات الحقيقة»: أول هذه المفاهيم هو ذلك الذي يقول ~~به كل شخص، بلسانه على الأقل، وهو يمثل ما نعتقد عادة أننا نعنيه عندما نصف عبارة ~~بأنها «حقيقة». تلك هي نظرية «التطابق # Correspondence ~~» ~~ومفادها أن العبارة (أو «القضية» أو «الحكم» حسب المصطلحات الفنية التي يفضلها ~~الفلاسفة) تكون حقيقة إذا كانت تطابق واقعا موضوعيا. فإذا قلت: «إن الكتاب على ~~المنضدة الموجودة في الحجرة المجاورة، كانت هذه العبارة حقيقة إذا كان الكتاب بالفعل ~~موجودا في ذلك الموضع. وبعبارة أخرى، فإن الموضع الفعلي للكتاب واقعة، وإذا كانت ~~عبارتي تطابق النظام الموضوعي للوجود، الذي تكون فيه للكتاب والمنضدة والحجرة المجاورة ~~علاقات محددة بعضها ببعض، فعندئذ تكون العبارة صحيحة، فهي تصف موقفا واقعيا، ومن ~~هنا كانت منطوية على حقيقة. # كل ذلك يبدو غاية في البساطة والوضوح، على الرغم من بعض المصطلحات الفنية المبعثرة ~~هنا وهناك. إذ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك أي مأخذ على القول بأن كلماتي تكون ~~«حقيقة» إذا كانت تصف الأشياء بدقة كما هي بالفعل، فكيف يمكن أن يكون هناك أي جدال حول ~~موضوع كهذا؟ بل ما الذي يمكننا أن نعنيه «بالحقيقة» غير هذا؟ أليس المثل الأعلى لكل ~~جملة إخبارية أن تصف الأشياء كما هي بالفعل، وبأدق الطرق الممكنة وأقربها إلى الواقع؟ ~~أما الفيلسوف فيرد بقوله: إن هذا دون شك هو المثل الأعلى لكل عبارة ms185 صادقة. ولكن لا بد ~~هنا من بحث نقطة صغيرة: فكيف نعرف أن عبارتنا الإخبارية المثالية قد فعلت ما يتعين ~~عليها أن تفعله؟ وما وسيلة اختيار العبارات للتأكد من أنها تؤدي وظيفتها المفروضة؟ لو ~~قلت إن عبارتي تعبر عن واقعة موضوعية وقلت أنت إنها لا تفعل ذلك، لعدنا معا من حيث ~~بدأنا؛ إذ يكون كل منها عندئذ معرضا لأن يطلق عليه الآخر مرة أخرى اسم «الكذاب». ~~وبعبارة أخرى، فما هي محكمة النقض والإبرام التي تبت في واقعية أية قضية؟ # النطاق المحدود الذي تنطبق عليه النظرية ~~: هناك ~~صعوبة أخرى تواجهها نظرية التطابق هذه، التي تبدو بسيطة ظاهريا. فماذا تكون فائدتها ~~في ميدان ليست فيه «وقائع»، بمعنى أشياء موجودة يمكن التحقق منها على نطاق شامل؟ مثال ~~ذلك أن الشخص المؤمن يرى أن المعجزات المنسوبة إلى قديس أو نبي هي «واقعة»، على حين أن ~~الشكاك يرى فيها أسطورة خرافية. أما الفيلسوف فيضطر هنا إلى الوقوف إلى جانب الشكاك، ~~وإنكار واقعية المعجزات التي تواترت أنباؤها من العصور الماضية، وليس ذلك بالضرورة ~~لأنها تبدو مناقضة للعلم الحديث، بل لأنه يشعر أن الأفضل الاحتفاظ بلفظ الواقع للأمور ~~التي يمكن التحقق منها على نحو يقره الجميع. ولنتأمل مثالا آخر لعدم كفاية نظرية ~~التطابق، مستمدا من ميدان الرياضيات. فمن الممكن تشييد نسق كامل للتفكير الرياضي ليست ~~له علاقة وثيقة «بالموقف الطبيعي»، بل يمكن أن يكون متنافيا معه. وفي هذه الحالة لا ~~يمكن أن يكون للفظ «الواقع» إلا معنى ضئيل. فتأكيد وجوب مطابقة القضايا الرياضية ~~للأشياء كما هي، هو تأكيد ممتع، ما دامت الأشياء كما هي ، في ذاتها قد تعني في الرياضيات ~~علاقات لا توجد إلا في ذهن الشخص الذي يصوغ النسق. # فأين يؤدي بنا هذا كله إذن؟ من الواضح أن نظرية ~~التطابق، بدلا من أن تكون بمنأى عن الشك كما يعتقد معظم الناس، لا يمكن الاعتماد عليها ~~إلا عندما تستخدم بدقة في مجالات معينة، بل إنه حتى في الحالات التي تنطبق فيها بالفعل ~~على موقف ما، فلا بد أن ms186 تكون هناك وسيلة مكملة لإثبات أن عبارتنا القائلة «الكتاب على ~~المنضدة الموجودة في الحجرة المجاورة» تمثل بالفعل واقعة أو تنطوي عليها. وبعبارة أخرى، ~~فإن مشكلتنا الأولى هي إيجاد معايير إيجابية لتحديد الواقعية. وإلى أن نفعل ذلك، فسيظل ~~الادعاء بأن هذا الشيء أو ذاك «واقعة» خلوا من المعنى. شأنه شأن الادعاء بأن هذا الشيء ~~أو ذاك «حقيقة». والواقع أن كل من يعلن أنه يقدم إليك «الوقائع» لا يفعل ذلك ~~بالضرورة. بل إن من المحتمل جدا ألا تكون لمحدثك هذا إلا فكرة شديدة الغموض عما تكونه ~~الواقعة. وإنا لنسمع أحيانا عبارات «الوقائع الصلبة» أو «الوقائع الثابتة» أو «الوقائع ~~الإيجابية» أو حتى «الوقائع المطلقة». والنتيجة الضمنية التي تنطوي عليها هذه الأوصاف ~~صحيحة: ففي كثير جدا من الأحيان لا تكون الوقائع صلبة ولا ثابتة ولا إيجابية ولا ~~مطلقة. وقد لا تكون هذه الوقائع في نظر الذهن التحليلي وقائع على الإطلاق، وإنما مجرد ~~مسلمات أو مصادرات أو فروض أو نظريات أو ادعاءات من أنواع شتى، تعاني حالة شديدة من ~~حالات التفكير المغرض. ~~(2) التحقيق الحسي بوصفه معيارا للحقيقة # إن أهم وسيلة لإثبات العلاقة الواقعية بين ~~العبارات وبين النظام الموضوعي للأشياء هي التحقيق الحسي. فإذا أمكن الاستعانة بحاسة أو ~~أكثر لإثبات أن الأشياء على النحو الذي نقول إنها عليه، لأدى ذلك إلى أن تبدو صحة ~~القضية في نظر معظمنا ثابتة بلا أي جدال. فلنفرض أنني قلت مرة أخرى إن «الكتاب» على ~~المنضدة الموجودة في الحجرة المجاورة»، ثم دخلنا هذه الحجرة ورأينا أنه في المكان ~~المحدد. عندئذ لا يمكن أن يكون هناك أي شك فيما إذا كانت هذه القضية صحيحة أم غير ~~صحيحة. غير أن للفيلسوف مطالب أخرى ينبغي تحقيقها قبل أن نوافق جميعا على أن لدينا هنا ~~مثلا لا شك فيه «للحقيقة». فما الذي نفعله مثلا عندما لا تتفق حاستان أو أكثر من ~~حواسنا فيما يبلغاننا به، كما يحدث عندما تبدو العصا للعين ملتوية في الماء ولكنا نجدها ~~عند اللمس مستقيمة، أو عندما تبدو المادة صلبة على ms187 حين أنها لا تكون كذلك، إننا قد ~~جربنا جميعا تلك الخدع التي يمكن أن توقعنا فيها حواسنا، والواقع أن مختلف أنواع ~~الأوهام أكثر شيوعا من أن تسمح لأي شخص بأن يؤكد أن التحقيق الحسي يكفي وحده في كل ~~الأحوال لإثبات الواقعية الموضوعية. # الهلوسة ~~: والأهم من ذلك من الوجهة الفلسفية تلك ~~الظواهر التي يدركها عالم النفس تحت فئة «الهلوسة». ولفظ الهلوسة لفظ واسع، يشتمل على ~~أنواع متعددة من «الرؤى» وحالات الوجد الديني، وحالات الغيبوبة. ففي حالة «الخداع # Illusion ~~» تكون لدينا استجابة حسية فعلية لمؤثر خارجي ~~أخطأته الحواس (أي أخطأت تفسيره) - أو بعبارة أخرى، تكون لدينا تجربة لها أساس في ~~النظام الموضوعي الخارج عنا. أما في حالة الهلوسة فلا يوجد مصدر خارجي يسبب التجربة، ~~وإنما تنشأ التجربة من أحوال في كياننا العضوي ذاته، كالإفراط في شرب الخمر، الذي ~~يجعلنا نرى «أفيالا وردية» أو كالجوع الشديد الذي يسبب أنواعا من الرؤى ومن حالات ~~الغيبوبة. وبينما الأفيال الوردية والثعابين القرمزية ليست لها أهمية ميتافيزيقية، فقد ~~تكون لتجارب أخرى في الهلوسة مثل هذه الأهمية. مثال ذلك أن أشخاصا كثيرين يجدون قدرا ~~كبيرا من «الحقيقة» في حالات النشوة الدينية عند مختلف القديسين أو حتى في تجاربهم ~~الصوفية الخاصة، وهم يجدون في رؤى جان دارك والقديسة تريزا دليلا على وجود نظام خارق للطبيعة. # 1 # فإذا كان لدى شخص معين نوع من التجارب الصوفية الخاصة به، فمن المستحيل ~~عادة زعزعة إيمانه بوجود عالم فوق الطبيعي أو موجود فوق الطبيعي. فهو يقول - بطريقة ~~طبيعية تماما - أن الرؤية كانت بالنسبة إليه حقيقية شأنها شأن أية تجربة حسية. وهو ~~يعلم أن الله موجود، أو أن الحقيقة النهائية «واحدة»، بنفس اليقين الذي يعلم به أنك ~~أنت، الذي توجه إليه سؤالك موجود، ولنفس السبب بالضبط؛ فهو قد رأى كلا منكما، وأحس ~~بحضوركما وربما سمع كلاما منكما. وهو لم يعد يستطيع الشك في الوجود الموضوعي والحقيقة ~~الفعلية لما مر به في تجربته، أكثر مما يستطيع الشك في أية «واقعة» أخرى كشفتها له ~~حواسه. فهو ms188 يعرف لأنه قد أدرك حسيا. # هنا يجد الفيلسوف نفسه في موقف حرج إلى أبعد حد. فالشك في الحقيقة الموضوعية ~~«للوقائع» الصوفية يعني إلقاء ظل من الارتياب على قدر كبير من مضمون الإيمان الديني. ~~ومن جهة أخرى فإن إعطاء هذه «الوقائع» نفس المكانة المعرفية التي نعطيها لموضوعات ~~التجربة اليومية الشاملة يبدو أمرا مستحيلا. ذلك لأننا إذا فتحنا الباب على مصراعيه ~~وسمحنا بدخول الرؤى الدينية إلى مجال الحقيقة الواقعة، لكان هناك دائما خطر اتساع هذا ~~الباب لكل تجربة ذاتية، بحيث يكون لخيالات المجنون ذاتها نفس الحق في ادعاء الواقعية. ~~وعلى العكس من ذلك، فإننا إذا استبعدنا من فئة الأمور الواقعية أية تجربة لا تصمد ~~لاختيار العمومية (أعني أية تجربة لا يمكن أن يشارك فيها كل شخص) فعندئذ نكون قد ~~أغلقنا الباب في وجه مجموعة من أروع تبصرات الجنس البشري. فمن الجائز أن جان دارك كانت ~~مصابة بالرؤيا الذهنية، ومع ذلك يظل من الصحيح أن القديس ميخائيل كان بالنسبة إليها ~~حقيقيا مثلما كانت أغنامها التي ترعاها، وأنها قد تخلت عن رعي الأغنام بناء على ~~تعليماته ومضت لتنقذ فرنسا. # وهنا نعود مرة أخرى إلى سؤالنا: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على التحقيق الحسي بوصفه ~~دليلا على صدق أية عبارة؟ # الإحساس في مقابل الموقف الطبيعي ~~: هناك سبب آخر ~~يدعونا إلى الامتناع عن وضع ثقة لا حد لها في التحقيق الحسي بوصفه دليلا على التطابق ~~بين أفكارنا وبين الواقع. وهذا السبب هو الخلط الذي يحدث كثيرا بين التحقيق الحسي ~~بمعناه الصحيح وبين مقابلة المزيف، المسمى «بالموقف الطبيعي». ويقدم العلم الحديث إلينا ~~مثلا جيدا لهذا الخلط. «فالموقف الطبيعي» مثلا ينبئنا بأن قرص المنضدة المصنوعة من ~~خشب البلوط صلب؛ لأن من المؤكد أنه يقاوم حاسة اللمس لدينا مقاومة كبيرة. ومع ذلك فإن ~~الفيزياء الحديثة تصف قرص المنضدة هذا نفسه بأنه أبعد ما يكون عن الصلابة. فهو بدلا من ~~ذلك كتلة من الذرات، تتألف بدورها من نواة مركزية من الطاقة الكهربية تحيط به شحنة ~~سلبية واحدة أو أكثر تسمى ms189 بالإلكترونات، التي تتحرك في مداراتها بسرعة هائلة. فلا ~~البروتون المركزي ولا الإلكترونات المحيطة به تعد «صلبة» بأي معنى يقول به الموقف ~~الطبيعي، على حين أن المكان الذي يفصل بين النواة وبين الشحنات المحيطة به قد يكون ~~مشابها نسبيا للمكان الذي يفصل الكواكب من الشمس في مجموعتنا الشمسية. # وعلى الرغم من أن قدرا كبيرا من هذا النظام الذي يظل تأليفا نظريا، فإن هناك من ~~«الأدلة التجريبية» ما يكفي لإثبات أنه على الأرجح أكثر من مجرد نظرية. ومع ذلك فإن ~~«الأدلة التجريبية» تعني التحقيق الحسي، وبذلك تكون لدينا مفارقة واضحة من وجهة النظر ~~الإبستمولوجية (المعرفية) ذلك لأن لدينا هنا شهادة حسية أو أولية (هي شهادة «الموقف ~~الطبيعي») على أن قرص المنضدة صلب، ولدينا أيضا شهادة حسية تجريبية أو غير مباشرة على ~~أن قرص المنضدة غير صلب، فما هو إذن مدى إمكان اعتمادنا على التحقيق الحسي بوصفه دليلا ~~على «الحقيقة»؟ # ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال في عبارة واحدة نعمل فيها حسابا لآراء كل مدرسة ~~فلسفية؛ ذلك لأن إجابتنا تتوقف هنا، كما تتوقف في حالة الكثير من المشكلات الفلسفية، ~~على المدرسة الفكرية التي ننتمي إليها. ومع ذلك فإننا نستطيع أن نقول بوجه عام إن ~~لشهادة الحواس أهمية كبرى بوصفها واحدا من معايير الحقيقة، ولكن من المستحيل الاعتماد ~~عليها بوصفها المعيار الأوحد. وقد أبدت بعض المدارس اهتماما كبيرا بشهادة الحواس، ~~مؤكدة أنها، على الرغم من نواقصها المعترف بها، تظل أفضل وسيلة منفردة لتحديد صحة ~~عباراتنا أو بطلانها. ومن جهة أخرى فإن صاحب المذهب العقلي لا يقدر التجربة الحسية إلا ~~بوصفها معيارا ثانويا للحقيقة، ولا يبدي بها ثقة كبيرة بوصفها دليلا مستقلا، ~~مكتفيا بذاته، على الحقيقة، وقد لا يثق بها في هذا الصدد على الإطلاق. ومع ذلك فإن ~~المدارس كلها تتفق في النظر إليها على أنها واحد من معايير الحقيقة، ولكن التحديد ~~الدقيق لمكانتها بوصفها معيارا كهذا هو مسألة غير هينة. ~~(3) ردود الأفعال المتعارضة للمذهبين الطبيعي والمثالي # يتخذ المذهبان المثالي والطبيعي - كما قد يتوقع المرء ms190 - موقفين متعارضين من هذه ~~المسألة. فالمثالية، بتأكيدها للذهن وأوجه نشاطه العقلية، قد أبدت دائما اهتماما ~~بأوجه الفكر والتجربة التي تنطوي على استدلال عقلي وتصور ذهني. ونتيجة ذلك، فقد اتجهت ~~هذه المدرسة إلى عدم الثقة بالحواس بوصفها مصادر للمعرفة ووسائل لكشف الحقيقة. ذلك لأن ~~كل ما تنقله إلينا الحواس هو مظهر الأشياء، أو الظواهر؛ ومن هنا لم تكن لإحساساتنا ~~علاقة ضرورية بالواقع الكامن من ورائها، بل إنها كثيرا ما تكون حائلا دون الاتصال ~~بالواقع؛ لأن ما تنقله إلينا قد يكون «مثيرا» إلى حد أنه يصرف أنظارنا عن الواقع ~~الحقيقي، أو مشوها إلى حد أنه يضللنا كل التضليل. وكما قال أفلاطون، فنحن سجناء أجسامنا ~~وأجهزتها الحسية. ولما كنا معتمدين تماما على هذا الجهاز في معرفتنا للعالم الخارجي، ~~فإنا لا نعرف إلا بقدر ما يستطيع الذهن أن يقدم إلينا؛ أي إننا لا نعرف إلا الظواهر أو ~~المظاهر. فالمثالي يرى أنه لولا عقلنا، الذي يتمكن من اختراق حاجز الإحساس المضطرب ~~المختلط والنفاذ إلى الواقع الكامن من ورائه، لظللنا منعزلين أبديا عن أية معرفة أو ~~حقيقة نهائية. فوظيفة الذهن الرئيسية عند المثالي هي تنظيم إحساساتنا، «وغربلتها» من ~~أجل استخلاص ما فيها من «قمح» أنطولوجي، والانتقال من عملية التجريد هذه، عن طريق ~~التعميم ووضع التصورات، إلى صياغة صورة «حقيقية» للواقع. # ومن هنا لم يكن من المستغرب أن تتجه المثالية ~~إلى النظر إلى «الحقيقة» على أنها نتيجة صراع دائم بين الإحساس والعقل - ينتصر فيه ~~العقل دائما قبل أن تظهر «الحقيقة». هذه الثنائية التي يوضع فيها العقل في مقابل الحس ~~(والأهم من ذلك: الذهني في مقابل المادي) موجودة ضمنا في كل مثالية ميتافيزيقية. وهي ~~تظل أحيانا ضمنية فحسب، ولكن الأكثر شيوعا أن يظهر التقابل الأساسي بوضوح تام، كما هي ~~الحال في المذهب الأفلاطوني، الذي يغدو فيه هذا التقابل أساسا لمذهب ميتافيزيقي معرفي ~~أخلاقي جمالي ضخم، يبدو فيه الفيلسوف وكأنه قد أصبح بالفعل «شاهدا على كل زمان وكل ~~وجود». # المذهب الطبيعي ~~: يرى المذهب أن عكس هذا هو الصحيح: ~~فالتجربة ms191 الحسية على الرغم من نواقصها المعترف بها، هي وسيلة للاتصال بالواقع أفضل ~~بكثير من عمليات الذهن التجريدية التصورية، التي يبدي المثالي كل هذا الإعجاب بها. ومع ~~ذلك فإن السذاجة لا تبلغ بأي واحد من أنصار المذهب الطبيعي حد القول بأن الإحساس البحت ~~يستطيع بذاته أن يعطينا قدرا كبيرا من المعرفة أو «الحقيقة». فهو يعترف بأن الذهن ~~ينبغي أن ينظم معطياته الحسية قبل أن يتسنى لها أن تصبح قابلة للفهم، وهو يوافق على ~~عبارة كانت المشهورة، القائلة إن «الإدراكات (أي الإحساسات) بلا تصورات عمياء». ومع ذلك ~~فإن القائل بالمذهب الطبيعي يظل في صميمه ذا نزعة تجريبية؛ بحيث يجعل من التجربة سلطة ~~نهائية - والمقصود بالتجربة بالطبع، التجربة الحسية. فهو يرى أن الأفكار والمفاهيم وكل ~~نواتج النشاط الفعلي ينبغي أن يحكم عليها في النهاية بمعيار التجربة الصارم. وهكذا يشك ~~صاحب المذهب الطبيعي دائما في المذاهب المثالية والعقلية، بما فيها من اتجاه إلى ~~التركيز على العقل على حساب التجربة الحسية. وهو يشعر بأن الدليل التجريبي هو الرقيب ~~الأوحد على قدرة الإنسان الهائلة في التخيل والحكم والتبرير. ولو ارتكبنا، في سعينا إلى ~~الحقيقة أو الواقع، خطأ وضع الأدلة التجريبية في مكانة ثانوية، فما الذي يمكن أن يحول ~~عندئذ بين العقل، بما لديه من قدرة على أن يجعل الأشياء تبدو على نحو ما نريد لها، ~~وبين تقديم صورة مزيفة ولدتها الأحلام للواقع؟ إن المعطيات الحسية ينبغي أن تكون هي ~~محكمة النقض والإبرام. فإذا لم تكن هذه المعطيات متفقة مع «نظرتنا العقلية إلى الأمور»، ~~فعندئذ يكون من واجبنا تغيير هذه النظرة، لا استبعاد هذه المعطيات على أنها ~~«مظاهر». ~~(4) النظرية الثانية: الحقيقة بوصفها ترابطا # وهكذا يتضح لنا أن نظرية التطابق أكثر تلاؤما مع نظرة المذهب الطبيعي إلى العالم مما ~~هي مع النظرة المثالية. أما النظرية الرئيسية الثانية فتلائم الموقف المثالي تماما. ~~تلك هي نظرية الترابط # Coherence ~~، ومفادها باختصار أن ~~العبارة أو القضية تكون صحيحة إذا كانت تنسجم مع حقائق أخرى مقررة أو مع معرفتنا ككل. ~~وأفضل مثل لذلك ms192 هو ميدان الرياضيات. ففي هندسة إقليدس مثلا نجد نسقا مستمدا ~~بالاستنباط، خطوة فخطوة، من البديهيات والمصادرات الأصلية. وما إن تؤخذ هذه البديهيات ~~والمسلمات على أنها صحيحة، حتى يلزم عنها بقية النسق منطقيا، وعلى نحو يكاد يكون ~~محتوما. فنحن في هذه الحالة ننتقل في سلسلة لا تنقطع، قوامها استدلال غاية في الدقة، ~~من البديهيات الأصلية إلى عبارة «وهو المطلوب إثباته» التي يختم بها البرهان على ~~النظرية الهندسية. وبالوصول إلى النتيجة تكون لدينا سلسلة تامة التكامل من التفكير ~~المنطقي، تترابط بدورها مع نسق كامل من الاستدلال. # في مثل هذه الأنواع من التفكير الاستنباطي، يكون من الواضح أن الحقيقة والبطلان ~~يتحددان تبعا لكون القضية المطلوب بحثها تنسجم مع النسق الذي يفترض أنها تكون جزءا ~~منه. وهنا يصبح الترابط هو المعيار الوحيد للحقيقة: فالعبارة لا تكون باطلة إلا إذا لم ~~تتكامل مع مجموع معرفتنا أو اعتقادنا. # وفي حالة هذه النظرية بدورها نجد أن أول رد فعل ~~لنا على مثل هذا المعيار هو - كما كان في حالة نظرية التطابق - رد فعل ملائم على ~~الأرجح؛ إذ لا يبدو هناك اعتراض واضح على النظرية. وفضلا عن ذلك فإن الإحكام المنطقي، ~~بوصفه مثلا أعلى. يمتدح أمامنا إلى حد يجعلنا نبدي أشد الإعجاب بهذا الهدف. أعني هدف ~~النسق الفكري التام الإحكام، ولا سيما إذا كان هذا الهدف طموحا إلى حد يشمل معه كل ~~معرفتنا وتجربتنا، كما في حالة الميتافيزيقا. غير أن الفيلسوف (عندما يكون تجريبيا) ~~يسارع عادة إلى القول بأن جنة نظرية المعرفة هذه تربط فيها حية رقطاء. هذه الحية هي أن ~~نظرية الترابط، وكذلك كل النسق والاستنباطية المبينة عليها، لا تنطوي على «حقيقة» على ~~الإطلاق، إذا شئنا الدقة. فكل ما لدينا في هذه الحالة هو اتساق منطقي # Logical Consistency # الذي يستحسن أن يسمى بالصواب # Validity ~~، والذي لا تربطه علاقة ضرورية بالواقع، أو ~~بالعالم الموضوعي أو بالنظام الخارجي للطبيعة. فكل ما لدينا هنا نوع من النظام والترابط ~~المنطقي، قادر تماما على أن يقوم في فراغ بالنسبة إلى الواقع الموضوعي. ms193 # الفرق بين «الحقيقة» و«الصواب»: # لا شك أن الطلاب ~~الذين درسوا مقررا دراسيا في المنطق، يذكرون بعض النتائج الغريبة التي انتهت إليها ~~أقيستهم، والتي كانت مع ذلك صائبة تماما بالنسبة إلى قواعد التفكير المنطقي. ففي ~~محاضرات المنطق وحدها يميز المرء عادة تمييزا دقيقا بين «الصواب» و«الحقيقة المطابقة ~~للواقع». فلنتأمل مثلا مستمدا من منطقة الحدود الواقعة بين الفلسفة واللاهوت. ~~فالمؤمن بمذهب الألوهية يشيد مذهبه على مسلمات معينة، كوجود الله وعلمه المحيط ~~ومقدرته الشاملة، وخلود النفس، وحرية الإرادة، إلخ ... هذه المسلمات هي المقدمات التي ~~يبدأ منها استدلاله. فهو يبدأ بهذه المسلمات، ويصوغ منها بالاستنباط بناء فكريا ~~ضخما، يحوي في داخله كل التجربة البشرية، ومصير الفرد والجنس البشري معا. أي إن هذا ~~المذهب الألوهي يؤدي إلى نتائج معينة، يبدو أنها تلزم منطقيا وحتميا من المسلمات ~~أو المقدمات التي بدأت بها السلسلة الاستدلالية. غير أن هذه النتائج لا تلزم منطقيا ~~إلا من هذه المسلمات الأصلية بعينها. فلو بدأنا من مجموعة أخرى من المسلمات (مثل ~~عدم وجود الله، وفناء النفس، والحتمية الكونية، إلخ) فإننا سنصل بنفس الضرورة المنطقية ~~المحتومة إلى مجموعة مختلفة تماما من النتائج. وفي هذه الحالة تغدو كل من المجموعتين ~~صائبة، ومرتبطة بالمقدمات التي بدأنا بها (بل لازمة عنها). ولكن أيهما هي «الحقيقة» - ~~إن كانت إحداهما تتصف بهذه الصفة، وماذا يكون المقصود «بالحقيقي» في هذه الحالة؟ إذا ~~كنا نفكر على أساس نظرية التطابق، فمن الواضح عندئذ أن مجموعة النتائج التي تعبر عن ~~وقائع الوجود الموضوعي على أفضل نحو هي الأكثر حقيقة. ولكن عندما تكون هذه النتائج ~~متعلقة بقضايا مثل «الله خير»، و«الكون روح شاملة»، و«الكون آلة ضخمة لا روح فيها»، وما ~~شابه ذلك، فأية قيمة يمكن أن تكون لنظرية التطابق في هذه الحالة؟ وبالاختصار، كيف ~~نستطيع أن نثبت، على أي نحو، التطابق بين أمثال هذه العبارات وبين الواقع الموضوعي؟ أو ~~بعبارة أخرى - وهذا هو السؤال الأهم - ما قوام «الواقع» في هذا المجال؟ وإذا اتبعنا ~~الاقتراح الذي قلنا به من قبل، واقتصرنا على استخدام لفظ ms194 «الواقع» للدلالة على تلك ~~التجارب التي يمكن تحقيقها على نطاق شامل؛ أعني تلك التي يمكن أن تدخل في تجربة كل ~~الملاحظين - فهل يكون من الممكن أن نتحدث عن «وقائع» في صدد الفلسفة أو الدين على ~~الإطلاق؟ ~~(5) حدود الصواب المنطقي # إن أفضل وسيلة لإيضاح العلاقة بين «الصواب» و«الحقيقة» هي شرحها بضرب أمثلة من ~~الاستدلال المنطقي والرياضي. فمثلا، إذا كانت لدينا معادلة مثل س = ص، تليها معادلة ص ~~= ع، فعندئذ يكون من الصواب أن نستنتج من ذلك أن س = ع. غير أننا نصل إلى هذه النتيجة ~~دون أية معرفة لمعنى الرموز أو قيمتها؛ لذلك لا تكون لدينا معرفة متعلقة «بالحقيقة ~~المطابقة للواقع» في نتيجتنا هذه؛ لأننا لا نعرف أي معنى واقعي للمعادلة س = ع. # 2 # وكل ما نستطيع أن نتحقق منه هو أنه إذا كانت لدينا المقدمتان س = ص وص = ع. ~~فإننا، نستطيع أن نستخلص منهما نتيجة صائبة هي أن س = ع. ولنتأمل مثلا آخر مستمدا من ~~مجال المنطق الاستنباطي أو الصوري، هو القياس الآتي: # كل أشجار البلوط لها لحاء خشن # هذه الشجرة شجرة بلوط # إذن هذه الشجرة لها لحاء خشن # من الواضح أن هذه النتيجة صائبة، ولكنها لا تكون حقيقة مطابقة للواقع إلا إذا كانت ~~المقدمتان بدورهما مطابقتين للواقع. فإذا استطاع شخص أن يثبت أنه ليس لكل أشجار البلوط ~~لحاء خشن، أو إذا استطعنا أن ننجح في تحدي «الواقعة» القائلة إن نفس هذه الشجرة التي ~~نبحثها هي شجرة بلوط، عندئذ لا يمكن أن تكون نتائج القياس صحيحة؛ أي مطابقة للواقع أو ~~للنظام الموضوعي للطبيعي، مهما تكن سلامة القياس وصوابه ، من حيث هو سلسلة استدلالية. ~~ومن جهة أخرى، فلنقم بتغيير طفيف في هذا القياس بحيث يكون نصفه: # كل أشجار البلوط لها لحاء خشن # هذه الشجرة لها لحاء خشن # إذن هذه شجرة بلوط # مثل هذا القياس يتضح لنا للوهلة الأولى أنه غير صائب؛ إذ لا يوجد في المقدمات ما يؤكد ~~أن أشجار البلوط وحدها هي التي لها لحاء خشن. فالاستدلال غير قاطع؛ إذ ms195 إن كل ما نستطيع ~~استنتاجه من هاتين المقدمتين هو: «إذن هذه الشجرة قد تكون شجرة بلوط». ولكن لا سبيل لنا ~~إلى أن نستخلص منها تأكيدا قاطعا هو: «إذن هذه شجرة بلوط». وستظل النتيجة على صورتها ~~هذه غير صائبة، حتى ولو تصادف أن كانت مطابقة للواقع. وبعبارة أخرى، فلو تصادف أن كانت ~~الشجرة بالفعل شجرة بلوط، فإنها تكون كذلك بالمصادفة، لا بسبب أية ضرورة منطقية منبعثة ~~عن المقدمات الموجودة. # هذا هو الفارق بين «الحقيقة المطابقة للواقع» وبين «الصواب» وكما قلنا من قبل، فإن ~~النظرية التي تجعل من الحقيقة ترابطا تمتاز بالبساطة، من حيث إنها لا تهتم إلا بالصواب ~~والاتساق. فإذا ما ترابط نسق فكري منطقيا لم نكن نحتاج إلى شيء آخر من أجل قبوله، ~~تبعا لهذه النظرية. وإنها لميزة غير قليلة أن يكون لدينا مثل هذا المعيار البسيط، لا ~~سيما وأن من الممكن عادة (كما أوضحنا من قبل) أن نصل إلى اتفاق حول ما هو متسق وما هو ~~غير متسق مع أي نسق في مجموعه. ولكن من سوء الحظ أن نقاط الضعف الواضحة في هذه النظرية ~~تفوق مزاياها بكثير. ومن ثم فهي تستخدم معيارا أوحد للحقيقة في ميادين قليلة جدا، ~~ولا سيما في الرياضيات. # نقاط الضعف الرئيسية في نظرية الترابط ~~: أوضحنا في ~~الفقرات السابقة، بطريقة ضمنية، أبرز نقاط الضعف في هذه النظرية؛ ذلك لأنه لو لم يكن ~~لدينا هذا الشرط المقيد، وهو أن تتفق نتائجنا مع الواقع الموضوعي على نحو قابل للإثبات، ~~لغدا من الممكن عندئذ تشييد أروع وأعقد البناءات الفكرية على مقدمات لا يزكيها شيء سوى ~~كونها تتفق مع مصالحنا الأنانية (كما في مذاهب الأيديولوجية السياسية أو الاقتصادية)، ~~أو كونها تتفق مع تطلعنا إلى نظرة إلى العالم تعطينا ثقة وأملا. والخطر الأساسي هو ~~أن الذهن غير النقدي قد يعجب بالبناء في صورته النهائية، وبنتائجه (ولا سيما إذا كانت ~~ترضي رغبته في الاطمئنان العاطفي أو التبرير الأخلاقي) إلى حد يؤدي به إلى إغفال ملاحظة ~~الأسس التي شيد عليها البناء بأكمله. وكثرا ms196 ما يحدث، عندما يقوم مفكر تحليلي بكشف هذه ~~الأسس، أن يتغير موقف الذهن الذي كان قبل ذلك يقبل النسق بأكمله، فيتحول إلى رفض الكل ~~لأنه لم يعد يقبل المقدمات الأصلية. ولكن الأكثر من ذلك حدوثا أن ينقب هذا الذهن من ~~حوله ويحاول أن يضع أسسا خاصة به تتألف من مقدمات مقبولة أكثر من الأولى، ثم ينقل ~~البناء الفكري بأكمله سليما فوق الأساس الجديد. وقد يحدث أحيانا أن يدرك ذهن أن ~~المقدمات الأصلية مسلمات غير مقبولة، ويعترف بأنها غير مرضية، وربما ممتنعة، ولكنه ~~يظل يؤكد في عناد أن أي نسق يبلغ هذا الحد من الروعة، ويصل إلى مثل هذه النتائج البديعة ~~التي تطرب لها النفس، لا بد أن يكون صحيحا بغض النظر عن اسمه. ومن الأوضح أنه عندما ~~يكون لأي شخص «إرادة اعتقاد» كهذه، فأغلب الظن أننا نكون مضيعين لوقتنا لو قمنا حتى ~~بمناقشة مشكلة الحقيقة معه. وعندما يكون البناء الفكري الذي يصر على الاحتماء في داخله، ~~قد ظل صامدا قرونا طويلة، فعندئذ يكون من الأكثر عقما أن نحاول إقناع المؤمن غير ~~النقدي بأن هذا البناء ليس مشيدا على أسس واقعية موضوعية يمكنها أن تصمد للاختبار الذي ~~يتخذ من التطابق معيارا للحقيقة. ~~(6) النظرية الثالثة: النظرية الحقيقية عند البرجماتيين # لن يكون من الإنصاف أن نحكم على من يختار نظرية الترابط، بدلا من نظرية التطابق، ~~بأنه يسلك اعتباطا، أو يفكر على النحو الذي يرضي رغباته فحسب. فهناك احتمال في أن يكون ~~قد استعان، عن وعي أو دون وعي، بثالث النظريات الكبرى عن الحقيقة في الاختيار بين ~~النظريتين اللتين ناقشناهما من قبل . هذه النظرية الثالثة هي المفهوم «البرجماتي» للحقيقة # 3 # وأهم ما تقول به هذه النظرية هو أن معيار الحقيقة الوحيد الذي له دلالة هو ~~معيار النجاح العملي # Workability # أي الثمار التي تحملها ~~والنتائج التي تؤدي إليها. وهكذا تكون العبارة صحيحة في نظر البرجماتي إذا كانت تعبر عن ~~واقع أو تصف موقفا نستطيع أن نسلك على أساسه ونحقق النتائج المتوقعة. فقضيتنا القديمة ~~«الكتاب على ms197 المنضدة الموجودة في الحجرة المجاورة» ليست في حقيقة الأمر إلا خطة للسلوك ~~الممكن، فهي تعني أنني إذا ذهبت إلى الحجرة المجاورة ونظرت إلى المنضدة، فسوف أجد ~~الكتاب. ولو تصرفت على أساس هذه الخطة، ووجدت الكتاب بالفعل في المكان المذكور، فعندئذ ~~تصبح العبارة صحيحة - أو بتعبير أدق، تكتسب الصحة أو الحقيقة. # على أن النظرة المثالية العامة إلى الحقيقة هي ~~شيء مختلف كل الاختلاف - فبينما المدارس الفرعية داخل المذهب المثالي تتباين أفكارها ~~إلى حد ما، فإن هذه المدارس كمجموعة تنظر إلى الحقيقة على أنها شيء ينبغي أن يكون ~~شاملا من الوجهة المنطقية. فهي ترتبط مباشرة بالواقع النهائي؛ ذلك لأن من النظريات ~~المميزة للمثالية، كما رأينا من قبل، أنها تدمج «الخير والجمال والحق» لتكون الواقع من ~~الكل. ومن ثم فإن «للحقيقة» وجودا مستقلا، وتجربتنا معها تتخذ دائما طابع الكشف. ~~فالحقيقة موجودة، ونحن نكتشفها؛ ومن هنا تؤلف «مطلقا» من نوع ما. أما البرجماتي فلا ~~يرى أن هناك شيئا اسمه الحقيقة المطلقة بوصفها كيانا له وجود مستقل مكتف بذاته. ~~وإنما هي على الأصح شيء نصنعه. فنحن نصوغ أحكاما من أنواع شتى لأننا نحتاج إلى عوامل ~~ذهنية تساعدنا على التعامل مع تجربتنا. ولا تصبح هذه الأحكام حقائق إلا عندما نسلك على ~~أساسها. وهكذا فإن أية عبارة هي بالنسبة إلى البرجماتية فرض ينبغي تحقيقه بالسلوك على ~~أساسه وملاحظة النتائج. # البرجماتية والعلم ~~: المصدر الرئيسي للبرجماتية هو ~~مناهج البحث العلمي. ذلك لأن العلم، من حيث نظرته إلى «الحقيقة» هو برجماتي بطبعه. فبعد ~~أن يصوغ العالم فرضه لتفسير الوقائع المراد بحثها، يكون المعيار المألوف الذي يتخذه ~~للتحقق من ذلك الفرض هو تصميم تجربة نقدية تؤدي إلى نتيجة قاطعة تنتهي «بنعم أو لا». ~~وفي استطاعة الباحث أن يتنبأ بالنتائج التي يتوقع من التجربة أن تسفر عنها (إذا كان ~~الفرض صحيحا) على أساس معرفته بهذا الميدان العلمي ومبادئه المقررة. وهكذا فعندما تجري ~~التجربة، «ويوجه الأسئلة إلى الطبيعة ويرغمها على الإجابة»، تكون حقيقة الفرض متوقفة ~~تماما على كونه مؤديا إلى النتائج المتوقعة أو ms198 غير مؤد إليها. وإذن فالبناء الكامل ~~للعلم يبنى على القدرة على النجاح العملي: فالفرض الذي ينجح أو يسفر عن نتائج هو الذي ~~يقبل بوصفه حقيقة. # 4 # والواقع أن البرجماتي، شأنه شأن أي شخص آخر، يتأثر كل التأثر بمنجزات العلم الحديث. ~~ولما كانت هذه المنجزات قد تحققت بفضل استخدام هذه النظرية عن الحقيقة، التي تتصف بأنها ~~عملية، غير مثالية، وثيقة الصلة بالحياة اليومية، فمن الطبيعي أن تقترح مدرسة فلسفية ~~ما، التوسع في هذه النظرية بحيث تنتظم التجربة بأسرها. إذ يبدو من المنطقي أن نفترض أن ~~أية نظرية تثبت أنها مثمرة إلى هذا الحد في مجال معين، ستثبت قيمتها في المجالات الأخرى ~~بدورها. غير أن الهجمات الرئيسية على هذا التوسع البرجماتي للنظرية قد أتى من جانب ~~أنصار المثالية المطلقة، وتركز على ادعائها أن النجاح العملي وحده هو معيار الحقيقة. ~~ومن الجائز أن بعض البرجماتيين الأوائل قد ارتكبوا خطأ تبسيط مشكلة الحقيقة إلى حد ~~الإفراط، وحاولوا - في حماسة الرواد - أن يقيموا نظرية يكون فيها معيار النجاح العملي ~~الأوحد هذا هو الذي يتحكم بذاته في تحديد ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي. غير أن ~~البرجماتية الناضجة في أيامنا هذه قد انتفعت من هذه الانتقادات، وهذبت نظريتها بحيث ~~تحذف منها أية زوائد كهذه. # العوامل المساعدة التي تلجأ إليها البرجماتية في تحديد ~~الحقيقة ~~: يدرك معظم البرجماتيين أنه، بينما النجاح العملي قد يكون أهم ~~معيار للحقيقة، فمن الممكن الاستعانة بمعونة إضافية من مصادر أخرى. أول هذه العوامل ~~المساعدة هو «الترابط» الذي عرفناه من قبل: فليس في وسعنا أن نحتفظ بحقائقنا ومعتقداتنا ~~منعزلة وكأنها ذرات تنفصل كل منها عن الأخرى، بل لا بد أن تنسجم في كل. (ولو سألنا في ~~ذلك برجماتيا من الطراز القديم لقال على الأرجح إنه يفضل هذا الاتساق المنسجم على ~~أساس أن حقائقنا ستحرز «نجاحا عمليا أكبر» إذا كونت نسقا مترابطا). والعامل ~~المساعد الثاني الذي تستعين به البرجماتية من آن لآخر هو عامل مميز لهذه المدرسة # 5 # فعندما نعجز عن الاختيار بين عبارتين ms199 على أساس الأدلة التجريبية، أو ~~الترابط، أو «القيمة النقدية # Cash Value ~~» للنتائج ~~المباشرة، فعندئذ يكون لنا الحق في تحديد أي القضيتين «صحيحة» على أساس مقدار ما يمكن ~~أن تسهم به كل منهما من «القيم العليا» أو «قيم الحياة». فمعتقداتنا، ولا سيما تلك ~~التي تتعلق بتجربتنا ككل، تستطيع التأثير في موقفنا من الحياة والعالم الذي نعيش فيه. ~~وهي تستطيع أن تجعل العالم يبدو عقيما أو يبدو جديرا بأن نعيش فيه، وفي إمكانها أن ~~تكسبنا استقرارا عاطفيا «وطمأنينة النفس»، أو أن تؤدي إلى عكس ذلك. وعلى هذا، فعندما ~~يكون علينا أن نقرر ما هي العبارة «الصحيحة» من بين عبارتين متناقضتين - مثل: «النفس ~~خالدة» و«النفس فانية» - فمن الواضح أننا لن نجد عونا كبيرا من معيار النجاح العملي ~~أو الترابط، ولن نجد عونا على الإطلاق من معيار التحقيق الحسي. وإذن فمن الواجب أن ~~نختار بين العبارتين على أساس آخر. وفي مثل هذه الحالات، نجد أن المعيار الذي نحدد على ~~أساسه أي القضيتين تؤدي إلى تحقيق «القيم العليا للحياة» على أفضل نحو هو معيار لا يصلح ~~للتطبيق فحسب، بل ربما كان معيارا لا مفر منه. # 6 # وينبغي أن يلاحظ أن البرجماتية لا تلجأ أبدا إلى تبرير اختيار عبارة معينة على أنها ~~صحيحة بالنسبة إلى قضية أخرى على أساس «القيم العليا» وحدها. ذلك لأنه لا يحق لنا في ~~نظرها أن نلجأ إلى هذا المعيار الأخير بوصفه محكمة نقض وإبرام إلا عندما تخفق المعايير ~~الأخرى في تحديد «حقيقتها». فإذا استطاعت النتائج التجريبية، أو «القيمة النقدية»، أو ~~الترابط، أن تقوم بالاختيار لنا، فإن أي التجاء إلى «القيم العليا» يبدو أمرا مريبا، ~~وكأنه نوع من التزييف العقلي. وإذن فلا يحق لنا أن نسمح لسعادتنا الروحية وحاجاتنا ~~العاطفية بأن تتحكم في اختيارنا للحقيقة إلا عندما يستحيل تطبيق المعايير الأخرى، أو ~~عندما تنتهي إلى حالة من التوقف نعجز فيها عن اتخاذ أي قرار. ~~(7) المعايير المختلفة للحقيقة # لا بد أن القارئ يشعر الآن بأنه أكثر تعاطفا مع بيلاطس عندما سأل سؤاله الخالد ms200 عن ~~طبيعة الحقيقة. ومع ذلك فإن بحثنا لم ينته بعد. فقد ناقشنا حتى الآن ثلاث نظريات عن ~~الحقيقة، بالإضافة إلى أحد معايير الحقيقة وهو التحقيق الحسي. ولكن هناك عدة معايير ~~أخرى كهذه يتعين علينا بحثها، كلها لا تقل عن معيار التحقيق التجريبي شيوعا، وربما ~~أهمية. ويفضل أشخاص كثيرون أن يطلقوا على هذه اسم «مصادر» الحقيقة لا «معاييرها»، ولكن ~~اللفظ لا أهمية له ما دمنا نفهم علاقة هذه المعايير بالمشكلة الرئيسية. # السلطة ~~: ربما كان معيار الحقيقة الأكثر تداولا، ~~بعد معيار التحقيق الحسي، هو السلطة. فاعتمادنا على السلطة يبلغ من القوة حدا يجعلنا ~~لا نكاد نشعر بذلك عن وعي، ولما كان من الصحيح أن السلطات الأخلاقية والكنسية القديمة ~~قد انهارت إلى حد بعيد، فإن سلطات جديدة من نوع مخالف قد حلت محلها. مثال ذلك أننا ~~نعتمد الآن، في اكتساب «حقائقنا» على سلطة العلم أكثر بكثير مما نعتمد على سلطة ~~الكنيسة. ومن حسن حظنا أننا لسنا مضطرين هنا إلى البت في مسألة كون هذه السلطة الجديدة ~~أكثر فاعلية من حيث هي مرشد لنا في الحياة أم لا. فالمسألة الهامة هي أننا على الأرجح ~~قد أصبحنا معتمدين في اكتساب حقائقنا على مصادر خارجنا أكثر مما كنا في أي وقت مضى. فقد ~~نكون على ثقة من أن العلم سلطة يعتمد عليها أكثر من غيرها. ومع ذلك يظل من الصحيح أنه ~~بدوره مصدر خارجي بالنسبة إلى معظم الأشخاص. وقد نشير إلى النتائج البرجماتية للعلم ~~بوصفها دليلا على إمكان الارتكان إليه، أو قد نؤكد اعتماده المطلق على التحقيق ~~التجريبي بوصفه ضمانا لقبول ما يدعيه من سلطة. كما أن من الجائز أن نكون قد اشتغلنا ~~نحن أنفسنا في المعامل إلى الحد الذي يكفي لتأييد حقائق واحدة من العلوم. ومع ذلك فحتى ~~الباحث المعملي المحترف لا يكون لديه من التدريب ومن الوقت ما يكفي للقيام بعمليات ~~التحقيق هذه في أي ميدان ما عدا ميدانه الخاص. وقد نقول إننا بعد أن نكون قد اختبرنا ~~بعض قضايا العلم عن طريق تجاربنا ms201 الخاصة، يكون لنا الحق في افتراض أن الوقائع العلمية ~~الأخرى «صحيحة» بدورها. ومع ذلك، فإن هذا يعني أننا نأخذ بهذه الوقائع الأخرى على أساس ~~السلطة، مهما كان درجة ثقتنا بها. # دور السلطة في التعليم ~~: لا تتاح لمعظمنا من فرص ~~التحقق من السلطات التي يخضع لها ما يتاح حتى للعالم الهاوي ذاته. ومثل هذا يصدق على كل ~~ميادين النشاط البشري. وأغلب الظن أن كمية المعرفة التي نكتسبها بالخبرة المباشرة تمثل، ~~عند الشخص المتعلم، الجانب الأقل بالنسبة إلى مجموع معرفته. وكلما ازددنا تعلما ~~واتسع الأساس الذي نبني عليه ثقافتنا، اتسع حتما نطاق السلطات التي نعتمد عليها؛ إذ إن ~~ارتفاع مستوى التعليم يعني ازدياد كمية المعرفة النظرية والتعلم غير المباشر. فالتلميذ ~~في روضة الأطفال يتعلم إلى حد بعيد بالعمل، وبأداء أوجه نشاط شتى، أما طالب الكلية ~~المتقدم فإن المصدر الأهم لتعليمه هو قراءة موجزات وتلخيصات لأعمال أناس آخرين. ولكن ~~هذه الطريقة المتقدمة، مهما يكن من فعاليتها بوصفها طريقة للتعلم، فإنها تؤكد أهمية ~~السلطة إلى حد الإفراط. وما يصدق على التعليم الرسمي يصدق على كل الميادين. ففي مدنية ~~تبلغ من التعقد والتشعب الهائل ما بلغته مدنيتنا، يكاد كل شيء نقوم به يكون منطويا على ~~تجربة غير مباشرة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك، مصادر أنبائنا، كما أننا في ميادين كالطب ~~والاقتصاد وما إلى ذلك نكاد نقف عاجزين إزاء موكب السلطات التي تتفاوت أنواعها ودرجة ~~إمكان الاعتماد عليها. # وهكذا تصبح المشكلة هي مشكلة التمييز بين مختلف أنواع السلطة ودرجاتها، وفي بعض ~~الأحيان بين الآراء المتعارضة للخبراء في الميدان الواحد. ومع ذلك، فلما كان لكل ميدان ~~معاييره الخاصة، فلا يمكن أن يكون في هذا الكتاب مجال لمحاولة القيام بتقييم مفصل ~~لأنواع السلطة. وحسبنا أن يكون القارئ قد أصبح أكثر إدراكا لحتمية الالتجاء إلى السلطة ~~في تحديد ما ينبغي وما لا ينبغي أن نعده «حقيقة». والواقع أن الفيلسوف كثيرا ما يتملكه ~~اليأس من أن يتمكن من التمييز بين «الحقيقة» وبين «الظن»، وذلك من فرط خضوع الأذهان غير ~~النقدية ms202 «للسلطة» (التي تكون عادة آخر سلطة سمعتها أو قرأت لها) وسهولة انخداعها بحيث ~~تصدق أن المعرفة التي اكتسبتها على هذا النحو هي معرفتها الخاصة. ولقد كافح كل من ~~سقراط وأفلاطون من أجل تحقيق هذا التمييز بين الحقيقة والظن، ثم خلفاءه للفلسفة بوصفه ~~ميراثا دائما. وفيما يتعلق «بالحقيقة» اليومية العملية، تحتل السلطة، من حيث الأهمية، ~~مكانا يلي التحقيق الحسي والنجاح العلمي مباشرة. «ما الحقيقة؟» إنها - كما يبدو أن ~~بيلاطس قد أدرك بوضوح - هي إلى حد بعيد ما تحدده السلطة السائدة. وهو ذاته قد اعترف ~~بهذه الحقيقة، إذ قبل أن يحكم في القضية المعروضة عليه، على الأساس الذي أوصى به أولئك ~~الذين كانوا، وفقا للقانون العبري، هم «السلطات» المختصة. ~~(8) معيار الاتفاق الاجتماعي أو اليقين الباطن # هناك معيار آخر يرتبط ارتباطا وثيقا بمعيار السلطة، وقد يكون في ظروف معينة أكثر ~~إقناعا حتى مما كانت الكنيسة ذاتها في وقت ما، أو من العلم في وقتنا الحالي. ذلك هو ~~معيار الاتفاق الاجتماعي. «فالحقيقة» هي، إلى حد بعيد، ما يقول الجميع إنه حقيقة. ~~والشخص الذي يتعين علينا أن نقول له إن «كل شخص يعلم أن هذا صحيح!» لا بد إما أن يكون ~~شخصا ناقص المعلومات وإما أقل من العادي في الذكاء، أو كليهما معا. وعلى حين أن ~~الاتفاق الاجتماعي يمارس تأثيرا قويا على أحكامنا عن «الحقيقة» في جميع الميادين، ~~فإنه أقوى ما يكون في ميادين العرف والعادات الاجتماعية والأخلاق. فقبول عادة أو معيار ~~أخلاقي معين على نطاق واسع جدا، هو في نظر معظم الناس سبب كاف للنظر إليه على أنه ~~«حقيقة»، بل إن كثيرا من الناس يصدمون إذ يرون شخصا يتشكك في حقيقة وجهة نظر أخلاقية ~~يشيع قبولها على نطاق واسع. فقبول الجميع - أو حتى الأغلبية - لرأي معين، هو بالنسبة ~~إلى هذه الأذهان ضمان كاف لحقيقة هذا الرأي. # أما الفيلسوف فقد تخصص منذ وقت طويل في تحدي قوة الاتفاق الاجتماعي. فقد يجد لذة خاصة ~~في أن ينبه الأذهان إلى ما في هذا الاتفاق من تقلب وتهافت، ms203 حتى عندما يكون الاتفاق ~~عاما. وفي الواقع إن عدم دوام العادات والسنن الاجتماعية المألوفة هو أمر أوضح من أن ~~يحتاج إلى تعليق فلسفي. ومع ذلك، فإن الفلسفة تشعر بوجود خطر شديد عندما يسيطر الاتفاق ~~الاجتماعي وحده على المعايير الأخلاقية. ذلك لأن القدر الأكبر من التقدم الأخلاقي قد ~~أتى من جانب أقلية ضئيلة من الأشخاص الذين لم يرهبوا القوة الطاغية للاتفاق الاجتماعي - ~~وهم الشهداء والمصلحون وأعداء التفرقة العنصرية، الذين لا يجدون علاقة بين الحقيقة وبين ~~رأي الأغلبية. «فالحقيقة» في نظر هؤلاء الرواد الأخلاقيين هي شيء مكتف بذاته، مستقل عن ~~قبول الجموع الكبيرة له. # هذه النفوس المنعزلة الشجاعة كانت دائما تختبر «حقيقتها» بمعيار غير الاتفاق ~~الاجتماعي. ففي بعض الأحيان كان هذا المعيار هو السلطة؛ أعني سلطة الإنجيل، أو سلطة نبي ~~أو زعيم ما. وفي حالات أخرى كان أساس حججهم هو نظرية الترابط؛ إذ إنهم قد رأوا أن هناك ~~عادات أو معايير معينة لا تتسق مع المثل العليا الأخلاقية الشاملة السائدة في المجتمع ~~الذي يعيشون فيه، وربما قد لا تتسق مع تعاليم المسيح. وفي أحيان أخرى كانوا يستعينون ~~بالنظرية البرجماتية إذ اتضح لهم أن النتائج الفعلية للعادة الاجتماعية كانت شرا، ~~بغض النظر عن التبريرات الأخلاقية التفصيلية التي تقدم لها. والمثل الكلاسيكي لعادة ~~اجتماعية هوجمت في البداية لأسباب برجماتية في المحل الأول هو الرق. # المعيار الصوفي أو الحدسي ~~: ومع ذلك فهناك معيار آخر ~~لم نكد نذكر عنه شيئا، يلتجئ إليه الرائد الأخلاقي أكثر مما يلتجئ إلى أي معيار آخر من ~~المعايير السابقة؛ هذا هو المعيار الصوفي أو الحدسي - وهو «نور باطن» أو اعتقاد عميق ~~راسخ يبدو أكثر إقناعا ، ويحمل من اليقين المعصوم قدرا أعظم، من كل المعايير الأخرى ~~للحقيقة مجتمعة. ولا حاجة بنا إلى القول إن هذا المعيار بالنسبة إلى الفلسفة، هو معيار ~~شخصي وذاتي إلى حد لا يسمح بكثير من التحليل. فالفيلسوف يجد لزاما عليه أن يعترف ~~بحقيقة هذه التجارب وتأثيرها في الفرد، ولكنه لا يستطيع أن يقول الكثير بعد ذلك، بل إن ms204 ~~عالم النفس ذاته لا يستطيع تقديم الكثير، إلا أن يشير إلى مسألتين ينبغي أن تؤخذا بعين ~~الاعتبار عند الحكم على صحة هذه التجارب. أولى هاتين المسألتين سلبية، فالشعور باليقين ~~الباطن هو في ذاته شعور لا يعول عليه مطلقا، كما يدل على ذلك كون المجانين، على ~~الأرجح، أكثر «يقينا» بحقيقة معتقداتهم من أية مجموعة أخرى من البشر. أما من الناحية ~~الإيجابية، فينبغي أن نسارع إلى الإشارة إلى أن هذا الإحساس الباطن باليقين موجود في ~~نهاية الأمر، في كل تجربة للحقيقة، أيا ما كانت النظرية أو معيار الحقيقة الذي ~~نستخدمه عن وعي. وحتى لو تأملنا حالة التحقيق الحسي (الذي يبدو أصح المعايير وأكثرها ~~شمولا) فما الذي نعتمد عليه آخر الأمر لكي نثبت أننا «نرى» أو «نشم» أو «نسمع» ما نظن ~~أننا نراه أو نشمه أو نسمعه؟ أهو شيء آخر غير هذا الشعور الباطن ذاته باليقين؟ ولنعد ~~إلى المثل الذي ضربناه عن جان دارك: ألا يحتمل أنها كانت موقنة بأنها «رأت» القديس ~~ميخائيل «واستمعت» إليه وهو يأمرها بأن تذهب لإنقاذ فرنسا، بقدر ما كانت موقنة بأنها ~~رأت الغنم ترعى حولها واستمعت إلى أصواتها؟ أليس الدليل على أي شيء نحكم عليه في ~~تجربتنا بأنه «حقيقي» مرتكزا على نفس معيار اليقين الباطن هذا؟ وهل يمكن القول إن يقين ~~القارئ بأنه يرى الكتاب الذي يقرؤه الآن هو في أساسه أعظم بأي قدر من يقيم جان دارك ~~عندما رأت القديس ميخائيل، أو أعظم من يقين المصاب بالبارانويا الذي يعاني من جنون ~~الاضطهاد، بأنه يرى أعداء متربصين به في كل ظل؟ صحيح أن الكتاب يستطيع أن يفي بما ~~تشترطه معايير أخرى لا يستطيع أن يفي بشروطها القديس ميخائيل أو «أعداء» المصاب ~~بالبارانويا - وأهم هذه المعايير الأخرى هو اتفاق الجميع عليه. غير أن هذه المسألة لا ~~تدخل في صميم الموضوع. ذلك لأن عرض الكتاب على مئات من الملاحظين الآخرين لكي يؤكدوا ~~وجوده الموضوعي لا يؤدي إلا إلى مائة يقين آخر مساوية ليقين القارئ ويقين جان دارك ~~ويقين المصاب بالبارانويا. ms205 # وهكذا فإن الشعور باليقين الباطن هو في الوقت ذاته أهم معيار ذاتي للحقيقة، وهو أقل ~~المعايير من حيث إمكان الاعتماد عليه. ويبدو أن أفضل حل لهذا الموقف المحير هو الآتي: ~~من المعترف به أنه لا يمكن أن تكون لدينا تجربة بحقيقة ما لم يكن هذا الشعور الحدسي ~~باليقين موجودا، ولكن هذا الشعور في ذاته غير موثوق منه. فوجوده ضروري، ولكن من الواجب ~~أن يكون مصحوبا بعدة معايير أخرى. إنه وسيلة التصديق على المعايير الأخرى الأكثر ~~موضوعية، وهو أداة لتحقيق المعايير الأخرى للحقيقة، ولكنه ليس معيارا صحيحا عندما ~~يكون قائما بذاته. ~~(9) حكم نهائي على نظريات الحقيقة # بعد القيام بتحليل لفكرة الحقيقة على النحو الذي قمنا به، يكون من الطبيعي أن يثار في ~~ذهن القارئ هذا السؤال: «أهناك أية حقيقة؛ أعني أية حقيقة بالمعنى الذي يفهم به معظم ~~الناس هذا اللفظ، وبالمعنى الذي كنت أفهمها به قبل قراءة هذا الفصل؟» هذا سؤال ينبغي ~~على كل قارئ أن يجيب عنه بنفسه، وسوف يكون من العوامل التي تتوقف عليها إجابته عنه، ما ~~يعتقد أنه هو المقصود من هذا اللفظ بوجه عام. فإذا عدت الحقيقة شيئا سكونيا مطلقا، ~~فالأرجح أن معظم القراء هم الآن على استعداد للشك في وجود شيء كهذا. أما إذا كنا نعني ~~باللفظ شيئا نسبيا وديناميا، فمن المؤكد عندئذ أن معظمنا سيوافق على أنها موجودة. ~~بل إن معظم القراء قد يشعرون أنه على الرغم من الانتقادات التي وجهناها إلى كل معيار ~~ونظرية عندما استعرضناها، فإن واحدة منها على الأقل قد اجتازت المحنة ونجحت في ذلك إلى ~~حد يجعل منها معيارا معتمدا عليه للحقيقة. # المعيار المركب ~~: ومع ذلك فأغلب الظن أن معظم الطلاب ~~سيوافقون على أن الدليل الوحيد الكافي على الحقيقة ينبغي أن يكون مركبا من كل النظريات ~~والمعايير المتعددة. ومعنى ذلك أننا نستطيع أن نقول، دون خوف من الخطأ على الأرجح، إننا ~~نكون قد قلنا الحقيقة: ~~(1) # إذا أمكن عن طريق التحقيق الحسي بيان أن القضية تطابق الواقع ~~الموضوعي. ~~(2) # وإذا كانت تترابط مع ms206 كل معارفنا «وحقائقنا» الأخرى. ~~(3) # وإذا استطعنا بسلوكنا على أساسها أن نحقق النتائج المتوقعة. ~~(4) # وإذا كان هناك قدر كبير من الاتفاق الاجتماعي حول هذه الأمور الثلاثة ~~الأولى. ~~(5) # وإذا اتفقت عليها كل السلطات ذات العلاقة بالموضوع. ~~(6) # وأخيرا، وإذا كان هناك، من وراء ذلك كله ومن خلاله، يقين باطن واقتناع ~~طبيعي بشأن تلك التجربة. ومع ذلك فقد لا تكون هذه الحقيقة ذاتها هي النوع ~~الذي ينبغي أن نصفه بأنه «حقيقة» بالمعنى الكامل، ولكنها تقدم إلينا على ~~الأقل شيئا يمكننا أن نعتمد عليه ونبني حياتنا حوله. # ولكن هناك تعبيرا شعبيا ساخرا يلخص الموقف على أفضل وجه، هو أن «هذا شيء رائع، ~~إذا أمكنك القيام به». فمعظمنا على أتم استعداد لبناء حياتنا على حقائق وطيدة الأركان ~~كهذه. غير أن أمثال هذه الحقائق قليلة ومتباعدة. وفضلا عن ذلك، فإن حالات الحقيقة التي ~~تبلغ هذا القدر من التوطد هي عادة أبسط من أن تحل مشكلاتنا الأكثر إلحاحا. مثال ذلك، ~~أن قضيتنا القديمة: «الكتاب على المنضدة الموجودة في الغرفة المجاورة» قد تكون قادرة ~~على مواجهة كل هذه الاختبارات، مثلما تقدر على ذلك معظم العبارات البسيطة المعبرة عن ~~أمر واقع، والخاصة بالعلاقات الزمنية والمكانية للأشياء المادية، بل إن التصنيف الأساسي ~~لأمثال هذه الموضوعات قلما ينطوي على مشكلات خطيرة متعلقة بالحقيقة. فإذا قلت: «هذا ~~الكتاب أخضر»، كان من الممكن إثبات حقيقة هذه العبارة أو بطلانها على نحو قاطع - على ~~شرط ألا أكون متحدثا، بالطبع، عن كتاب مشكوك فيه أو لون باهت، وإلا اشترط اتفاق ~~الأشخاص المصابين بعمى الألوان، أو ألا أكون أنا ذاتي مصابا بعمى الألوان. # حدود المعيار المركب ~~: ولكن من سوء الحظ أن جزءا ~~فقط من القضايا التي يتعين علينا الحكم عليها بأنها «حقيقة» أو «بطلان» هو وحده الذي ~~يستطيع الصمود لكل هذه المعايير. فلنأخذ حكما مثل: «الانتحار لا مبرر له أبدا». فكيف ~~نستطيع أن نقرر إن كان هذا الحكم حقيقة أم؟ من الواضح أن من المحال الالتجاء إلى أي ~~تحقيق حسي، أو إلى أية نظرية للتطابق. كذلك فإن ms207 المعيار البرجماتي لا قيمة له، ما لم ~~يكن ذهننا من النوع الذي يتأثر بالحكم العام، الذي لا تربطه بموضوعنا صلة وثيقة، ~~والقائل: «تصور أن الجميع قد انتحروا!» أما معيار السلطة فلا يكون مقيدا إلا لأولئك ~~الذين يقبلون السلطة الخاصة التي ترد في حديثنا: فالنهي الصارم للكنيسة الكاثوليكية عن ~~الانتحار، مثلا، ليس ملزما إلا للكاثوليكيين. وقد تكون نظرية الترابط مفيدة، ولكن ذلك ~~يتوقف على الأساس الكامل لمعرفتنا وتجربتنا. ففي استطاعتنا أن نشترط أن تتفق القضية ~~القائلة إن: «الانتحار لا مبرر له أبدا» مع كل الحقائق والمبادئ. ولكن لما كانت لكل ~~شخص مجموعة مختلفة من الحقائق والمبادئ، فإن ذلك يؤدي إلى جعل حكمنا عليها بالحقيقة أو ~~البطلان حكما ذاتيا بحتا. ومع ذلك فلما كان المعيار الوحيد الباقي، وهو الاتفاق ~~الاجتماعي، معيارا لا قيمة له؛ إذ إننا كلنا نعرف مدى اختلاف الآراء حول الانتحار، ~~فربما أدى بنا ذلك إلى القول بأن نظرية الترابط هي على أية حال تلك التي يمكن الاعتماد ~~عليها أكثر من غيرها. ولكن ما حدث لنظريتنا المركبة الرائعة عن الحقيقة بعد هذا كله؟ من ~~الواضح أننا لا نستطيع أن نأمل في الحصول على موافقة مختلف نظريات الحقيقة وجميع ~~معاييرها، وفي استخلاص التأييد القاطع منها، إلا في ميدان التجربة الحسية. ويبدو أن ~~معنى لك هو أن ميدان التجربة الحسية هو وحده الذي نستطيع أن نحصل فيه على أية حقيقة ~~مطلقة أو حقيقة لا ترد. أما بالنسبة إلى بقية جوانب التجربة البشرية، فيبدو أننا مضطرون ~~إلى الاقتصار فيها على معيار الحقيقة، أو مجموعة معاييرها، التي تثبت التجربة أنها هي ~~الأفضل في ذلك الميدان بعينه. # بل إن هناك احتمالا يدعو إلى المزيد من القلق، تؤدي إليه هذه المناقشة، ألسنا نجدها ~~توحي أيضا بأن كل حقيقة قد تكون شخصية خالصة أي بأن كل شخص يصنع حقيقته الخاصة، ويعيش ~~في عالم خاص من «حقائقه» الخاصة، وهو عالم قد يتداخل مع عالم الحقيقة الخاص بشخص غيره، ~~ولكنه لا يمكن أن يكون في هوية تامة معه؟ وبالاختصار ms208 يمكن أن تكون هناك أية حقيقة عامة، ~~أو شاملة، ولا نقول أية حقيقة مطلقة؟ # الكلمة الأخيرة للبرجماتي ~~: ربما كانت للبرجماتي ~~الكلمة الأخيرة في هذا المجال. فنحن لا نرى شيئا يدعو إلى الفزع في وجود أنساق فردية ~~للحقيقة ذلك لأن كل شخص سيصوغ في هذه الحالة، عن وعي أو بلا وعي، نسقا للحقائق يفي على ~~نحو معقول بشروط الحقيقة الثلاثة، التي يضعها البرجماتي. أول هذه الشروط هو أن يكون ~~نسقه محكما إلى حد معقول، وفيه من الاتساق ما يكفي لإرضاء ما قد يكون لديه من حاسة ~~الاتساق المنطقي، وثانيها أن يكون مطابقا للعالم الخارجي إلى حد يكفي لتحقيق النجاح ~~العملي له، وأهم هذه الشروط جميعا أن يكون مرضيا وقابلا للتطبيق العملي في مجموعه. ~~فيجب أن يؤدي هذا النسق إلى نتائج، ويحافظ على سعادته أو يزيدها، ويرضي اهتمامه ~~ورغباته، ويتيح له، على وجه العموم، أن يشق طريقه في الحياة. ومن الجائز أنه لو وجد ~~نسق أمثل - أعني أكثر تطابقا، وأكثر نجاحا عمليا - لأدى إلى نتائج أفضل، ولكان ~~بالتالي «أكثر حقيقة». ولكن، مثلما أن المفروض أن تحصل كل أمة على نوع الحكومة التي ~~تستحقها، فكذلك يحصل كل شخص على نسق الحقيقة الذي يستحقه: وهو نسق ينجح بالنسبة إليه، ~~ويرضي مطالبه من الحياة والعالم المحيط به. وإذن فالبرجماتي ينتهي إلى موقف يمكننا ~~تلخيصه في عبارة نستخدم فيها بيتا مشهورا للشاعر كيتس في غير موضعه، ونحور نصه ~~قليلا، وهي: ~~«هذه كل الحقيقة التي تعرفها في الأرض، أو تحتاج إلى معرفتها». # الفصل الثامن # | نظرية المعرفة: ماذا يمكننا أن نعرف؟ # يكاد يكون من المؤكد أن كثيرين من القراء لن ترضيهم نتائج تحليلنا لمشكلة الحقيقة في ~~الفصل السابق. فقد تبدو هذه النتائج نسبية غير قاطعة، أو قد تبدو المسألة بأسرها مؤدية إلى ~~مذهب ضمني في الشك. وقد يشعر المرء كما يشعر كثير من الطلاب بعد مناقشة المشكلة، بأن هناك ~~ما يغريه على التساؤل: «ولكني أريد أن أعرف! فما قيمة الفلسفة إن لم يكن في استطاعتها ~~الإجابة عن أسئلتي؟ ms209 ألم يستقر الفلاسفة على رأي قاطع حول مسألة ما إذا كانت هناك أية حقيقة ~~أصيلة، ما إذا كنا نستطيع معرفتها أم لا؟» # لا شك أن مما يوضح الموقف أن نكون صرحاء في هذه المسألة، ونكتسب ثقة الطالب. فمشكلة ~~الحقيقة، مع تعقيدها وصعوبتها، ليست إلا جزءا واحدا من مسألة أشمل وأوسع منها بكثير. تلك ~~هي المشكلة الإبستمولوجية أو المعرفية: ماذا يمكننا أن نعرف، أو ما حدود المعرفة؟ ومن ~~الطبيعي أن أية مسألة أساسية إلى هذا الحد تنطوي على مسائل فرعية متعلقة بمصادر المعرفة، ~~وأنماط المعرفة أو أساليبها، ومناهج البحث العلمي، وما إلى ذلك. غير أن المشكلة الجوهرية هي ~~في الواقع مشكلة صادفناها من قبل في المقدمة التي عرضناها في الفصل الأول لمشكلات الفلسفة، ~~فماذا يمكننا أن نعرف، وكيف نعرف ذلك؟ إن هناك تعبيرا دارجا كثر استخدامه في التحية في ~~الآونة الأخيرة، وهو يشيع كثيرا في جماعات اجتماعية معينة، وهو: «ما الذي تعرفه عن يقين؟» # 1 ~~⋆ # وإنه لمن العسير أن ~~نجد صيغة تعبر عن بحثنا في المعرفة تعبيرا أكثر دقة وإيجازا، وكل ما في الأمر أن ~~الفيلسوف يهتم بقدرات الذهن البشري بوجه عام، لا بمضمون أي ذهن فردي. وهكذا تكون الصيغة ~~الحقيقية للسؤال في نظر الفيلسوف هي: «ما الذي يمكننا، بوصفنا جنسا بشريا، أن نعرفه عن ~~يقين؟» # إننا نجد في صدد هذه المشكلة، كما نجد في صدد كل مشكلات الفلسفة، عديدا من المدارس ~~الفكرية. ولكن كل ما يمكننا أن نحاول عمله في مدخل كهذا الذي نقدمه في هذا الكتاب، هو أن ~~نعرض أهم وجهات النظر هذه، ثم ندع القارئ يتخذ قراره الخاص فيما يتعلق بحل مشكلة المعرفة ~~الذي يبدو له مرضيا أكثر من غيره. وقد يختار القارئ إجابة واحدة، أو قد يحاول الجمع بين ~~إجابات عدة في حل واحد أكثر شمولا. وقد نتخذ قرارا على أساس ما تعلمناه منذ الطفولة، أو ~~على أساس تفضيل مزاجي من نوع ما - وربما على أساس رد فعل مضاد لما تعلمناه منذ الطفولة. ~~وعلى أية حال، فسوف ms210 يكون القرار شخصيا تماما، بغض النظر عن المعيار الذي يحكم به المرء ~~على مختلف نظريات المعرفة ويختار على أساسه من بينها. # الطابع الشخصي للمعرفة ~~: هناك دائما عقول معينة يدهشها ~~كل الدهشة أن يقال لها أنها تصنع معرفتها الخاصة. أما الفيلسوف فتبدو له هذه النتيجة محتومة ~~لا مفر منها. والواقع أن كلا منا يعتنق نظرية خاصة في المعرفة، سواء أكان ذلك عن وعي أم ~~بلا وعي. فكل منا يقرر ما هي مصادر المعرفة التي سيعطيها الأولوية: أهي التجربة الحسية، ~~أم السلطة، أم العقل، أم الحدس ... إلخ. ومن الجائز أن القارئ قد نشأ على عقيدة تولي السلطة ~~اهتماما كبيرا. فإن كان الأمر كذلك بالفعل، فأغلب الظن أنه سيظل يقبل سلطة من نوع ما، ~~بوصفها المصدر الأساسي للمعرفة - ما لم يكن قد ثار على تنشئته الأولى بالطبع، والأرجح أنه ~~سيرتكز في هذه الحالة على التجربة الحسية والعقل بوصفهما مصدرين نهائيين. وبعبارة أخرى، ~~يبدو أن من المستحيل تجنب النتيجة القائلة إننا، مثلما يصنع كل منا «فلسفته في الحياة»، ~~أو «نظرته إلى العالم»، فنحن نخلق أيضا - إلى حد بعيد - مضمون عالمنا الفردي في المعرفة. ~~وهذا ما ينبغي أن يكون إذا أخذ لفظ الفلسفة بأوسع معانيه. ذلك لأن فلسفتنا ليست إلا مجموع ~~آرائنا المتعددة عن الحياة والتجربة البشرية، ولا شك أن لأفكارنا الخاصة عن قيود المعرفة ~~وحدود اليقين أعظم قدر من الأهمية بين هذه الآراء. # العلاقة بين مشكلة المعرفة ونظريات الحقيقة ~~: توحي مصادر ~~المعرفة التي عددناها منذ قليل - وهي الإحساس، والسلطة، والعقل، والحدس - بأن مشكلة المعرفة ~~مرتبطة ارتباطا وثيقا بمشكلة الحقيقة. وعلى الرغم من أن الأمر كذلك بالفعل، فإن المشكلتين ~~ليستا متماثلتين تماما. فمشكلة المعرفة أشمل من مشكلة الحقيقة وأعمق أسسا. ومن ثم فقد ~~يتساءل المرء عن السبب الذي دفعنا إلى عدم البدء بمناقشتها أولا. والواقع أن هذا السبب ~~تربوي إلى حد بعيد: فإثارة الاهتمام بمشكلات الحقيقة أيسر من إثارة الاهتمام بمشكلة ~~المعرفة، بل إنه من السهل دائما أن نقنع المبتدئ في دراسة الفلسفة بأن هناك ms211 أية مشكلة ~~للمعرفة. فهو قد استمع إلى حجج متعلقة «بالحقيقة» والبطلان قبل أن يسمع عن الفلسفة بوقت ~~طويل، غير أن في الحياة العادية مواقف قليلة جدا تؤدي إلى مناقشة مشكلة «المعرفة» وعدم ~~المعرفة. فقد نتهم شخصا ما «بعدم معرفة» ما يتكلم عنه، ولكن لا بد لك من قدر كبير من ~~التعمق العقلي لكي تفكر أن تسأل خصمك عن مصادر المعرفة الصحيحة لديه، وعما إذا كان يستخدم ~~المصادر الصحيحة وحدها، وكيف يعرف أنه يعرف أي شيء على وجه اليقين. # كل ذلك لا يعني إلا أننا نأخذ معرفتنا قضية مسلمة إلى حد بعيد. فموقف معظم الأشخاص ~~هو ذلك الذي يطلق عليه الفيلسوف اسم الموقف «غير النقدي» أو «الساذج من الوجهة المعرفية»، ~~ذلك لأننا نسلم على نحو طبيعي تماما بأن أذهاننا قادرة على معالجة التجربة (أو موضوعات ~~التجربة إذا شئنا الدقة). وعلى حين أننا قد اعتدنا أن يتحدى البعض، من آن لآخر، الطريقة ~~التي نصف بها هذا الشيء أو ذاك بأنه حقيقة، فإنا ندهش إلى حد يقرب من الذهول إذا ما سألنا ~~شخص: كيف نعرف أي شيء؟ فتأثير هذا السؤال في الشخص الذي يوجهه لنفسه جديا للمرة الأولى هو ~~عادة تأثير لا يقل في إثارته للحيرة إلا بمقدار طفيف عما يحدث له عندما يسأل جديا للمرة ~~الأولى: كيف يعرف أنه موجود؟ ذلك لأن كلا من السؤالين ينطوي على تحد لمسلمات تبلغ ~~ضرورتها بالنسبة إلى الفكر، ويبلغ ارتكازها على موقف الإنسان الطبيعي، حدا يجعل مجرد ~~السؤال عنها يبدوا أمرا سخيفا. ومع ذلك فإن المفكر المحترف يوجه كلا من السؤالين بنية ~~طيبة تماما، وربما كان أكثر المهام إلحاحا بالنسبة إلى الفلسفة الحديثة، هي الاهتداء إلى ~~إجابة مرضية لمشكلة المعرفة. ~~(1) نظرية المعرفة والفلسفة الحديثة # جرت العادة على تحديد تاريخ بداية التفكير الحديث في مشكلة المعرفة بالسنة التي طبع ~~فيها كتاب لوك: «دراسة في ~~الذهن البشري # Essay Concerning Human Understanding ~~»، وهي سنة 1690م. ويمثل هذا الكتاب الذي افتتح عهدا ~~جديدا في تاريخ التفكير في مشكلة المعرفة، ثمار ms212 نظر فلسفي دام وقتا طويلا منذ شباب ~~المؤلف. ويصف لوك في مقدمة «الدراسة» كيف أن مجموعة من أصدقائه كانت لديها عادة ~~التلاقي من أجل مناقشة المسائل الفلسفية. ويبدو أن النتائج التي أسفرت عنها هذه الجلسات ~~لم تكن مرضية تماما؛ إذ إنه، كما قال لوك: «... قد طرأ بذهني أننا قد سلكنا مسلكا ~~باطلا، وأنه كان من الضروري، قبل أن نشرع في القيام ببحوث من هذا النوع، أن ندرس ~~قدراتنا الخاصة، ونرى أي الموضوعات تستطيع أذهاننا أن تعالج وأيها لا تستطيع.» وبهذه ~~الطريقة المتواضعة بدأ بحث قدر له أن يؤثر في كل التاريخ اللاحق للفلسفة. فقد بدأ ~~لوك، بناء على تشجيع نفس هؤلاء الأصدقاء، يهتم بهذه المشكلة جديا، وبعد وقت معين، نشر ~~أول بحث حديث في نظرية المعرفة. # وكما يوحي النص المقتبس، فإن لوك قد أدرك أن مشكلة قدرات الذهن هذه هي مشكلة سابقة ~~على أي نظر ميتافيزيقي. وقد اتفق معظم المفكرين المحدثين مع لوك في هذا الموضوع، مؤكدين ~~أن أي بحث في الفلسفة ليس له أن يأمل في أن يكون مثمرا، ما لم نكن قد حددنا في البداية ~~مقدار فعالية أدواتنا التي نستخدمها في هذا البحث. أما اليوم، فيبدو الفلاسفة أحيانا ~~مهتمين بمشكلة المعرفة أكثر مما ينبغي؛ ذلك لأن الفلاسفة التأمليين المحدثين لما كانوا ~~يعتقدون أن من الواجب الاستقرار على نوع معين من نظرية المعرفة قبل أن نستطيع أن نتحول ~~بطريقة مثمرة إلى بحث المشكلات الخاصة في مجال المنطق والأخلاق والميتافيزيقا وعلم ~~الجمال، فقد وضعوا ما يعرف باسم «الفلسفة النقدية»، التي تركز كل النشاط الفلسفي حول ~~مشكلة المعرفة. # بعض النتائج المؤسفة للبحث في المعرفة ~~: لا شك أن ~~الاهتمام بإجراء هذا التحليل الأولي يمثل، نظريا، موقفا معقولا، ولكن ينبغي أن ~~نعترف بأن بعض نتائج هذا الحذر كانت مؤسفة جدا. فتأثيره العام في الفلسفة الحديثة هو ~~أنه جعلها مريضة عقليا. ذلك لأن المفكرين قد أصبحوا منهمكين في المشكلات المتخصصة ~~الدقيقة في ميدان المعرفة إلى حد أنهم أخذوا يفقدون بالتدريج اتصالهم بالمسائل ذات ~~النطاق ms213 الأوسع، التي كانت الفلسفة تهتم بها تقليديا. وهكذا أصبحت الفلسفة أشبه بالشخص ~~المصاب بالوسواس، الذي يهتم بنفسه إلى حد أن أبسط التقلبات في حالته الصحية تتضخم ~~أهميتها وتحتل في ذهنه مكانة تزيد على مكانة الحوادث الحقيقية الهامة في العالم ~~الخارجي. وكذلك يصبح الذهن الفلسفي شاعرا بذاته أكثر مما ينبغي. فبدلا من أن تسعى ~~الفلسفة إلى إصدار أحكام لها دلالتها بشأن طبيعة الواقع، أو معنى التجربة البشرية، ~~نراها تكرس جهودها لإصدار أحكامها الخاصة. وبدلا من أن ينظر المفكرون المحدثون إلى ~~العالم تلك النظرة الصريحة الانبساطية التي كان ينظر بها اليوناني إليه، نراهم ~~انطوائيين من الوجهة الانبساطية التي كان ينظر بها اليوناني إليه، نراهم انطوائيين من ~~الوجهة العقلية، وبينما الفلسفة الكلاسيكية كانت في أساسها موضوعية، فقد أصبحت الفلسفة ~~في عصرنا هذا ذاتية قبل كل شيء. # وهناك نتيجة أخرى مؤسفة لهذا الاهتمام المفرط بعملية المعرفة، هو إبعاد الجمهور العام ~~عن الفلسفة؛ ذلك لأن مشكلات المعرفة فنية متخصصة إلى حد بعيد وتحتاج إلى مصطلح خاص ~~وأساس معين من المعارف. ومن ثم فإن الجزء الأكبر من الكتب المعاصرة المتعلقة بالفلسفة ~~يظل غير مفهوم حتى بالنسبة إلى القراء المثقفين من ذوي الاهتمامات العامة. فالفيلسوف ~~المحترف هو وحده الذي يستطيع أن يدخل إلى أعماق هذه المؤلفات، أو هو وحده الذي يستطيع، ~~بعد دخوله، أن يخرج من الطرف الآخر دون أن تبدو عليه أية آثار من العناء الذي ألم به. ~~وهكذا ندور في حلقة مفرغة: فلم كانت الكتابة الفلسفية قد أصبحت أبعد على نحو متزايد عن ~~فهم القارئ العام، فإن قراءته لها تتناقص؛ ومن ثم فإن معظم الكتاب في هذا المجال لم ~~يعودوا يعملون في كتابتهم حسابا للقارئ غير المحترف. وهذا بدوره قد جعل الفيلسوف أقل ~~حرصا على محاولة الوصول إلى استبصار عميق بالمشكلات العامة للتجربة البشرية. وسواء ~~أكان من الإنصاف اتهام الفيلسوف بأنه يعيش في برج عاجي أم لم يكن، فليس من شك في أنه ~~يقضي اليوم معظم وقته في «الورشة» الفلسفية. فهو قد أصبح، كالعالم، باحثا ms214 قبل كل شيء، ~~يهتم بمشكلات فنية ومتخصصة إلى أبعد حد. # هل هناك ضرورة للبحث في المعرفة؟ # يشعر المبتدئ في ~~ميدان الفلسفة أحيانا بالرغبة في تجاهل مشكلة المعرفة وإغفالها، وذلك كرد فعل منه على ~~الطابع الفني والذاتي المفرط، الذي تتميز به الفلسفة المعاصرة. وهو على الأرجح يبرز ذلك ~~على أساس أن كل ما نحتاج إلى افتراضه هو (1) وجود العالم الخارجي، (2) ووجود أذهاننا ~~الخاصة، (3) وإمكان وجود نوع من العلاقة المعرفية بين الاثنين. وهو قد يشعر أن لنا الحق ~~في افتراض فاعلية هذه العلاقة بين عالم المعرفة الباطن، وعالم الأشياء الخارجي، ما دام ~~من المحال، على أساس فرض التطور، أن نكون قد تمكنا من البقاء بوصفنا نوعا، ما لم يتحقق ~~لنا، بفضل عملياتنا المعرفية، اتصال مرض بالعالم الذي نعيش فيه. فلو لم تكن أذهاننا ~~قادرة على التعامل مع الواقع، ولو كانت حواسنا تعطينا صورة مشوهة تشويها خطيرا ~~«للأشياء كما هي في ذاتها»، لما استطاع الجنس البشري أن يبقى طوال المدة التي عاشها ~~بالفعل. ولما كان هذا الجنس قد استطاع البقاء، وتكاثر عدديا، فإن هذا يبدو دليلا على ~~فعالية عملية المعرفة لدينا. وإذن فأي سبب يمكن أن يبرر لنا الشك في رأي الموقف الطبيعي ~~في المعرفة؟ أليس للشخص البريء فلسفيا كل الحق في ادعاء أن حواسه وعقله يشتركان في ~~إعطائه صورة موثوقا منها للعالم الخارجي؟ # هذا التبسيط في مجال معرفة هو أمر يغري كل مستجد في ميدان الفلسفة على الدوام. ومن ~~المؤكد أنه كفيل بإزالة كثير من الخلافات التي تعاني منها الفلسفة اليوم. ولو تحقق له ~~القبول، لنقص عدد المشكلات الفكرية نقصا ملموسا، ولأصبحت المشكلات المتبقية أبسط ~~بكثير. ولكن من المؤسف أن مثل هذا المخرج البسيط غير متاح لنا. فليس في وسعنا أن نصل ~~إلى أية نتيجة في الفلسفة بدون أن تطل علينا مشكلة المعرفة برأسها، وعندما نحاول أن ~~نصيب الأفعى بتلك الصيغة الصغيرة البسيطة التي يضعها المبتدئ، فإن الأفعى لا تتأثر ~~بشيء. ومن هنا فإن أبسط مدخل إلى الفلسفة ينبغي أن يشتمل على ms215 عرض لبعض الحلول الهامة ~~التي اقترحت لمشكلة المعرفة. ~~(2) مصادر المعرفة: مذهب السلطة # هناك أولا بعض الطرق الأساسية للمعرفة، ومن الممكن تصنيف المدارس المختلفة في نظرية ~~المعرفة على أساس مدى تأكيد كل منها واحدة من هذه الطرق. أولى وسائل المعرفة هي: مذهب ~~السلطة # Authoritarianism ~~. # 2 # والفكرة الأساسية في هذا المذهب هي أن المصدر النهائي للمعرفة هو سلطة من ~~نوع ما: كالكنيسة، أو الدولة، أو التراث، أو الخبير. ولا شك أن المشكلة التي نبحثها ها ~~هنا متداخلة مع مشكلة السلطة في صلتها بالحقيقة، وهي المشكلة التي ناقشناها في الفصل ~~السابق، غير أن الباحث في نظرية المعرفة يمضي في التحليل شوطا أبعد بكثير. # لماذا لم تكن السلطة كافية ~~: إن أفضل سبيل إلى البدء ~~في تحليلنا للسلطة بوصفها المصدر النهائي للمعرفة هو أن نعلن مقدما النتائج التي سوف ~~يسفر عنها التحليل. فالسلطة، في نظر الفلسفة، لا قيمة لها بوصفها حلا لمشكلة المعرفة. ~~وتبدأ أسباب هذا الاستنتاج في الظهور حالما نتساءل عن قوام السلطة. وعن المعيار الذي ~~ينبغي أن نفضل به سلطة على أخرى. وتلك أسئلة لا يستطيع القائل بفكرة السلطة أن يتجنبها؛ ~~لأن السؤال «أية سلطة؟» هو سؤال عملي تماما، وهو يثار في أحيان كثيرة. فعندما نجد ~~أنفسنا إزاء اثنين أو أكثر يطالب كل منهما بالعرش، فلا بد من أن يكون هناك معيار معين ~~للاختيار بين المتنافسين. وهذا المعيار، كما سنرى فيما بعد، ينبغي أن يكون مقياسا ~~معينا خارجا عن نطاق السلطات المتنافسة ذاتها. وبالاختصار، فعلى حين أن السلطة قد ~~تكون هي المصدر النهائي للمعرفة، فإن هذا يبدو أمرا بعيد الاحتمال تماما، ما دامت لا ~~تنطوي في ذاتها أبدا على ما يشهد بوجوب التوقف عندها؛ ذلك لأن نفس عبارتها القائلة: ~~«أنا السلطة» ليست كافية، ولا بد أن يكون هناك شيء مستقل عن كل سلطة - حقيقية أو مزعومة ~~- يساعدنا على تمييز الغث من السمين. ومن ثم فإن تحليلنا لمذهب السلطة يصبح دراسة ~~للمعايير الخارجة عن نطاق السلطة التي يلتجئ إليها دعاة المذهب لدعم موقفهم. فلنختبر ms216 ~~هذه المعايير إذن، وندرك لماذا كانت الفلسفة تجد معظمها غير صحيح. # معايير السلطة ~~(1) # القدم ~~: من المعايير الأكثر شيوعا، ~~المستخدمة في الاختلاف بين السلطات المتنافسة: معيار القدم # Antiquity ~~. فأقدم مصادر المعرفة هو ~~أكثرها يقينا، وينبغي الحكم على كل من يطالبون بدور السلطة المطلقة على ~~أساس السن. وهكذا فإن أقدم نظم الحكم، وأقدم الكنائس، وأقدم العادات، هي ~~على الأرجح تلك التي تمثل الحقيقة والصواب، «فأقدم الطرق أفضلها» و«الذي ~~تعرفه خير مما لا تعرفه» - أو هو على الأقل أحق بأن يكون على صواب. # هذا المعيار مبني على مسلمتين: إحداهما صحيحة والأخرى واضحة البطلان. ~~فالمسلمة المقبولة هي أن المذهب أو النظام كلما كان أقدم، كان قد اجتاز ~~اختبار الزمن أكثر من غيره، وكان عمره ذاته دليلا على أنه قد اجتاز هذا ~~الاختبار بنجاح. فلما كانت أجيال متعاقبة من الناس قد وجدته صحيحا، فإن ~~احتمال أن يكون صحيحا بالفعل أقوى من احتمال صحة ما لم يمر إلا بفترة ~~اختبار قصيرة. ومن الممكن أن تعد هذه القاعدة فرعا من قاعدة «بقاء ~~الأصلح»، وقد اتفق جميع المفكرين على أنه، إذا تساوت كل الظروف الأخرى، فمن ~~الممكن أن يكون اختبارا صحيحا للمعرفة. وبعبارة أخرى فإن المذهب أو ~~النظام الذي استطاع البقاء وقتا طويلا، لا يستطيع أن يطالب لنفسه بنسبة ~~أكبر في احتمال أن يكون سلطة مشروعة إلا إذا كانت المنافسة بين الخصوم حرة، ~~بحيث يكون من كتب له البقاء هو الأصلح بحق. أما إذا كانت السلطة تتمتع ~~باحتكار، وكان سبب قدرتها على الاحتفاظ بمركزها هو أنها قد قضت على كل ~~منافسة، فعندئذ لا يكون القدم ضمانا بأن أية سلطة هي مصدر صحيح للمعرفة. ~~ويضيف الفيلسوف إلى هذا أن الأمر كان كذلك طوال الجزء الأكبر من تاريخ ~~البشر: ذلك لأن شتى أنواع السلطات كانت تستخدم مركزها، على نحو يكاد يكون ~~محتوما، من أجل القضاء على المعارضة؛ وبالتالي من أجل الاحتفاظ لنفسها ~~بمركز مميز. ومن هنا فلا يمكن السماح للسلطة أن تدعي بأنها مشروعة على أساس ~~القدم وحده إلا في ms217 حالات قليلة جدا، وربما لم يكن من الممكن السماح لها ~~بذلك على الإطلاق. # أما المسلمة الأخرى التي ترتكز عليها حجة القدم فسرعان ما يتضح لنا ~~بطلانها بمجرد أن نركز انتباهنا عليها، بل إننا لنعجب لكون الناس قد ~~انخدعوا بهذا الخطأ الواضح في أي وقت. فكثيرا ما يقول أنصار مذهب السلطة ~~إنه «لما كانت السن الكبيرة أحكم من الشباب، فمن الواجب أن نبجل آراء ~~أجدادنا». وكما قال و. ب. مونتاجيو، فإن هذه مغالطة تتعرض لها الأذهان ~~المحافظة بوجه خاص. ولنقتبس هنا جزءا من تحليله لهذا الخطأ: ~~«لو كان أجدادنا أحياء الآن لكانوا مسنين جدا، ولكانت آراؤهم، بوصفها ~~نتيجة أجيال من الخبرة، جديرة بالتبجيل حقا. ولكن في الوقت الذي صرح فيه ~~أجدادنا بالآراء التي أصبحت الآن موغلة في القدم، والتي يطلب إلينا ~~تبجيلها، كانوا صغارا في السن مثلنا، وكان العالم الذي يعيشون فيه أصغر ~~بكثير من حيث خبرة النوع. فمهما يكن قدم آرائهم، فإنها تعبر عن طفولة ~~الجنس البشري، لا عن نضجه. ومن هنا فإن قدم الرأي أو الاعتقاد هو في واقع ~~الأمر قرينة تنقص من حقيقته ولا تزيدها». # 3 ~~(2) # العدد ~~: والمعيار الثاني، الخارج عن ~~نطاق السلطة، للمفاضلة بين الادعاءات المتعارضة هو معيار العدد. وصيغة هذا ~~المعيار بسيطة، فالمذهب أو السلطة التي يقبلها أكبر عدد من الأشخاص هي ~~الصحيحة. ولهذه الحجة ذاتها صيغة أخرى يمكن أن تسمى بعبارة العمومية، تذهب ~~إلى أن أي اعتقاد يحظى بقبول عام يكاد يكون من المحقق أنه صحيح. ولنعبر عن ~~هذا الرأي ذاته من خلال مشكلتنا الحالية فنقول إن السلطة التي يعترف بها في ~~كل مكان هي التي يعتمد عليها أكثر من غيرها بوصفها مصدرا للمعرفة. # ويلاحظ أن المسلمة التي يبنى عليها هذا المعيار هي في أساسها نفس ~~مسلمة القدم، فكلما ازداد عدد الأذهان التي تقبل مذهبا ما كان عدد ~~الاختبارات التي يواجهها أكبر؛ وبالتالي كان احتمال صحته أكبر. ويبدو هذا ~~المعيار في ظاهره أمرا يمكن الاعتماد عليه، ولكن إعمال الفكر فيه سرعان ما ~~يكشف نقاط ضعفه. ms218 فمجرد العدد لا يمكن أن تكون له أهمية بوصفه عاملا في ~~تحديد الحقيقة إلا إذا كانت الأذهان قد توصلت إلى أحكامها المختلفة كل ~~على نحو مستقل عن الآخر. ففي المحكمة مثلا لا تكون هناك أهمية لعدد الشهود ~~الذين يدلون بنفس الشهادة إلا إذا كنا على ثقة بأنهم قد توصلوا إلى آرائهم ~~بحيث إن كل واحد منهم مستقل عن الآخر. ومثل هذا يصدق على شتى أنواع آراء ~~الخبراء: فعدد الخبراء الذين يمكن الإهابة بهم تأييدا لموقف معين لا يمكن ~~أن يزيد من دعم هذا الموقف إلا إذا كانوا قد توصلوا إلى هذه الآراء ~~مستقلين. # بل إننا، حتى في أيامنا هذه - حيث يستطيع رأي الأغلبية أحيانا، في ~~الدولة الديمقراطية، أن يكون ذا سلطات شاملة - نكون عادة حذرين في تأكيد ~~أية علاقة ضرورية بين الأعداء وبين الحقيقة. وهذا ما علمنا إياه التاريخ، ~~الذي يحفل بأمثلة آراء للأغلبية ثبت بطلانها، بل بحالات لمعتقدات شاملة ~~اتضح خطؤها. وأوضح مثل على ذلك هو «حقيقة» أن الأرض مسطحة، وهي حقيقة كانت ~~في وقت من الأوقات اعتقادا يقول به الجميع ولا يتشكك فيه أحد. وفضلا عن ~~ذلك، فإن أشد أنصار مذهب السلطة تعصبا يكون هو ذاته شاعرا في العادة بأنه ~~قد يكون متمسكا بنظرية معينة تمثل وجهة نظر الأقلية، ولا يكون بطبيعته ~~راغبا في أن تقدر هذه النظرية المعينة على أساس إحصاء الرءوس فحسب. وهكذا ~~فإن معظمنا يدرك اليوم أن استخدام المعيار العددي لإقرار السلطة ما هو إلا ~~وسيلة اصطلحت عليها الحكومة الديمقراطية فحسب. ~~(3) # النفوذ ~~: والمعيار الثالث لتحديد السلطة ~~هو معيار النفوذ Prestige # هذا المعيار ~~ينطوي على مشكلة ضمنية هي رأي الخبراء، ما دام الخبير في أي ميدان هو ذلك ~~الذي اكتسب ، بوسيلة ما، من النفوذ ما يكفي للنظر إليه على أنه سلطة أو حجة. ~~ولعل هذا المعيار الثالث هو أقوى المعايير كلها تأثيرا؛ لأن كل ذهن يتأثر ~~بالنفوذ أو الهيبة، مهام يكن محصنا ضد معياري القدم والعدد. والمشكلة ~~العملية التي تواجهنا ليست هي كيفية إزالة تأثير النفوذ ms219 من تفكيرنا، ما دام ~~ذلك يكاد يكون مستحيلا، وإنما هي كيفية استخدامنا له بطريقة ذكية ~~مشروعة. # إن الخطر الأكبر في هذا الصدد هو الميل الطبيعي إلى تحويل النفوذ من ~~ميدان إلى آخر. وعلى حين أنه لا يوجد ميدان من ميادين الشئون البشرية يظل ~~بمنأى عن هذه الإعارة الفاسدة، فإن أوضح الحالات في أيامنا هذه تظهر عادة ~~بالنسبة إلى العلوم. فسلطة الخبير العلمي. بين زملائه من العلماء وبين عامة ~~الجمهور، تبلغ من الضخامة حدا يجعلنا كلنا نتأثر على الأرجح بأي رأي ~~يبديه في أي موضوع. وحتى لو كان ذلك الرأي في موضوع ليست للعالم معرفة خاصة ~~به، فإن من العسير علينا ألا ننقل الشهرة التي اكتسبها في ميدانه الخاص إلى ~~مجال آخر معين. ولسنا في حاجة إلى القول إن أية سلطة مشروعة يمكن أن ~~يكتسبها هذا الرأي، تتوقف على مدى وثوق الصلة بين الميدانين موضوع البحث. ~~فإذا أصدر حجة في الفيزياء تصريحات في موضوع الكيمياء، فالأرجح أن تكون هذه ~~التصريحات جديرة بأن يصغى إليها في احترام، وإذا ما أعرب عن رأي في العلوم ~~البيولوجية، كانت الصلة أقل وثوقا؛ ومن ثم كانت «السلطة» أقل أهمية على ~~الأرجح. أما إذا كان له رأي في العلوم الاجتماعية، فأغلب الظن أن يكون ذلك ~~مجرد رأي، لا ينطوي في ذاته على أهمية بوصفه صادرا عن سلطة أو حجة، بل إنه ~~كثيرا ما يحدث أن يكون تعليم المرء وخبرته في ميدان معين عائقا فعليا ~~في وجه قدرته على إصدار أحكام خبيرة في ميدان معين آخر. فالتعليم العلمي ~~مثلا قد يحول بين المرء وبين إصدار أحكام في الميدانين الفني والأدبي. ~~وهناك مثل آخر أكثر شيوعا، هو أن قدرة المرء على كسب المال في النظام ~~الاقتصادي الأمريكي تحول بين المرء دون شك وبين إصدار أحكام تقديرية يعتمد ~~عليها في الفنون والآداب والعلوم والتربية، بل في النظرية السياسية أيضا. ~~ومع ذلك فقد كان من أخص مميزات الثقافة الأمريكية حتى عهد قريب جدا، أن ~~الأشخاص الأثرياء يتخذون حجة على نطاق واسع ms220 جدا، في أي ميدان وفي كل ~~ميدان من ميادين الفكر. # 4 ~~⋆ # وكان الأكثر من ذلك انتشارا، هو ذلك الاستغلال للنفوذ، المسمى بالإعلان ~~عن طريق الشهادة # Testimonial Advertising # حيث يقوم نجوم الشاشة والإذاعة، وأبطال الرياضة، ومعبودو الجماهير في مختلف ~~الميادين، بالإعراب عن إعجابهم بأنواع من السجاير والصابون وعلب البقول، ~~إلخ؛ ففي كل الأحوال تقريبا لا تكون لهذا الحكم أية قيمة مشروعة؛ لأن ~~العلاقة بين من يصدر الحكم وبين السلعة هي ذاتها العلاقة بين المستهلك ~~العادي وبين هذه السلعة ذاتها. فعندما تعلن ممثلة السينما الآنسة س أنها ~~تدخن سيجارة من نوع ص وحده، فإنها لا تعبر دون شك إلا عن تفضيل شخصي، قد لا ~~يكون أعمق في نقده أو تحليله من رأي المدخن العادي. والنتيجة الضمنية التي ~~يود المعلن أن يحملها إلى أذهان الجمهور هي أن ذوقها في السجاير على مستوى ~~يتناسب مع شهرتها من حيث هي شخصية من شخصيات الشاشة. أما مسألة كون المعلن ~~ينجح في ذلك أم لا، فينبغي أن تترك للمسئولين عن ميزانيات الإعلان. ولكنا ~~إذا حكمنا على الأمر على أساس مقدار الأموال التي تنفق على هذا النوع من ~~الإعلان، فلا بد أن يكون أصحاب الإعلانات مقتنعين بأن الإهابة بسلطة النفوذ ~~هي وسيلة مربحة. # التأثير الشامل للنفوذ ~~: ليس هناك شخص محصن ~~تماما من تأثير النفوذ، كما قلنا من قبل. فكلنا تقريبا لنا معبود أو بطل أو مفكر ~~معين يؤثر في تفكيرنا وحياتنا، ونميل إلى الاقتداء به، حتى في الأمور التافهة، أو ~~في القرارات التي لا يكون «للبطل» فيها مؤهلات خاصة قد تقدم إلينا توجيها نافعا. ~~وقد يتركز هذا النفوذ أحيانا حول كتاب أو نظام أو عبادة. بحيث إن الإنجيل أو ~~الكنيسة أو النادي أو الحزب السياسي يصبح هو السلطة التي تتحكم في تحديد التفاصيل ~~الصغيرة للحياة اليومية. والمشكلة هنا ليست في كيفية التخلص من تأثير كل سلطة، وهو ~~محال، وإنما في طريقة اختيار السلطة التي يوثق فيها أكثر من غيرها، والتي تعد ~~مصدرا صالحا للمعرفة. فإن لم يكن لنا ms221 مفر من اتباع سلطة معينة، شئنا ذلك أم ~~أبينا، فكيف نحدد السلطة التي ينبغي اتباعها؟ # عند هذه النقطة يأتي الفيلسوف ليقول ما يبدو أنه الكلمة الأخيرة في العلاقة بين ~~السلطة وبين مشكلة المعرفة في عمومها. فهو يشير إلى أنه مهما تكن قيمة السلطة في ~~الدين أو في الحكومة، فمن الواجب، بالنسبة إلى أغراض بحثنا عن المصدر النهائي ~~للمعرفة، أن نرفض كل مذهب للسلطة. ذلك لأن كل سلطة، كما رأينا من قبل، ينبغي لها، ~~عاجلا أم أجلا أن تواجه السؤال: «لماذا كانت كلمتنا أكثر حسما من كلمة المدعي ~~المنافس لنا؟» فيكون من الضروري أن يأتي الجواب على أساس خارج عن نطاق السلطة. فلا ~~بد للمرء أن يهيب عندئذ بشيء يقع خارج نطاق السلطة الأصلية. وحتى لو اقتبس كلمات ~~سلطة أخرى معينة، فلن يكون في ذلك إلا إرجاء للمشكلة. ولما كانت هذه مسألة يستحيل ~~التسلسل فيها إلى ما لا نهاية، فإن سلسلة السلطات تعود بناء بعد وقت معين، إلى مصدر ~~خارجي معين. ففي نهاية السلسلة نكشف على الدوام فردا استمد معرفته من تجربة عادية، ~~أو من وحي صوفي أو خارق للطبيعة من نوع معين. أما التجربة العادية - من بين النوعين ~~السابقين - فمن الممكن أن تكون: (1) إدراكا حسيا، (2) أو استدلالا من هذه ~~التجربة الحسية، (3) أو استدلالا من حقائق أولية أو واضحة بذاتها، من نوع ما. هذه ~~هي مصادر المعرفة التي ينبغي أن تعتمد عليها كل سلطة آخر الأمر؛ ومن هنا فإن بحثنا ~~في المعرفة ينبغي أن ينتقل إليها الآن. ~~(3) مصادر المعرفة: التصوف # إن المصدر الخارجي للمعرفة، الذي يرجح أن القائل بالسلطة الدينية يرجع إليه، هو تجربة ~~صوفية أو خارقة للطبيعة من نوع ما. مثل هذه التجارب تسمى في العادة وحيا ، وعليها تبنى ~~معظم مذاهب التفكير الديني. وليس من الضرورة أن تكون هذه التجارب هي تجارب المؤمن ~~بالسلطة ذاته، بل إن الأرجح في معظم الحالات أن تكون قد حدثت لنبي أو مؤسس عقيدة، بل من ~~مشاهدة ملهم يقبل المتدين المؤمن سلطته. # والمعنى الذي ينطوي ms222 عليه قبول هذا الوحي بوصفه أساسا سليما للمعرفة أن للإنسان ~~مصدرين متميزين للمعرفة: (1) المعرفة العادية أو الطبيعية، وهي عادة إدراك حسي ~~واستدلال مبني على هذا الإدراك. (2) والمعرفة غير العادية أو الخارقة للطبيعة. وينقسم ~~النوع العادي إلى عدة أنواع، ولكنها كلها تندرج عادة تحت اسم عام هو «التجارب ~~الصوفية». # ويمكن تعريف التصوف بأنه الاعتقاد بأن أفضل مصدر للمعرفة أو الحقيقة هو ملكة فوق الحس ~~وفوق العقل. هذه الملكة تحدد أحيانا بأنها «الحدس # Intuition ~~»، ولكن كان هذا اللفظ يستخدم في الحديث العادي بمعنى فضفاض ~~جدا، فإن معظم الصوفية المعاصرين يفضلون النظر إلى مصدر المعرفة الذي يعتدون عليه على ~~أنه شيء مستقل عن الحدث. فهم يرونه أداة متميزة فريدة لفهم الواقع. وفضلا عن ذلك فإن ~~كل الصوفية متفقون على أن أهم نشاط للإنسان هو تنمية هذه التجربة الباطنة الفريدة. وهم ~~يتفقون أيضا على أن للوحي الصادر عنها أسبقية على جميع مصادر المعرفة الأخرى. فهذه ~~التجربة، من وجهة نظر المعرفة، مطلقة. # طبيعة التجربة الصوفية ~~: ما هي هذه «التجربة ~~الباطنة» التي هي أساسية في نمط الحياة التي يحياها المتصوف، والتي يكتسب منها أهم ~~معرفة له؟ على الرغم من أن كثيرا من الصوفية قد حاولوا وصف هذه التجربة، فمن سوء الحظ ~~أنهم يؤكدون أنها في أساسها تجل عن الوصف. ويبدو أن إخفاق الجهود التي يبذلونها في ~~هذا الوصف هو دليل على رأيهم هذا. ومن أسباب ذلك أن التجربة مختلفة عن كل التجارب ~~الأخرى إلى حد بعيد، كما أن من أسبابه أنها تستحوذ تماما على المرء عندما تحدث. وعلى ~~ذلك، فعلى الرغم من كثرة الكتابات الصوفية، فإنا لا نعرف بالفعل إلا القليل جدا عن ~~التجربة الرئيسية التي كانت مصدرا لهذه الكتابات. ومع ذلك فإن معظمنا كانت له لحظات من ~~الحدس، أو من «النور الباطن»، أو من الاقتناع الذي لا يفسر، وهي لحظات يبلغ التشابه ~~بينها وبين تجربة الصوفي حدا يتيح تقريب تجربته إلى الأذهان. والأمر الذي يحول بين ~~معظمنا وبين الانتماء إلى فئة «الصوفية» ليس افتقارنا التام ms223 إلى هذا النوع من التجارب، ~~وإنما هو كوننا «بحكم مزاجنا أو تعليمنا» لا نأخذ هذه التجارب مأخذ الجد، وبالأخرى فنحن ~~لا نجعل لها مكانة أساسية في حياتنا. # على أن معظم الصوفية، لو عرض عليهم هذا الموضوع، لأكدوا أن هذه التجارب شبه الصوفية ~~التي يمر بها معظمنا أحيانا، ليست هي التجارب الأصلية. فهم يرون أنها لو كانت كذلك، ~~لكان لها من القوة والأهمية ما يجعلها تطغى على جميع الحوادث الأخرى، السابقة منها ~~واللاحقة. وهذا بعينه ما يحدث في حالة المتصوف الحقيقي. # ومع ذلك فإن هذه التجربة، في أكثر صورها شيوعا، تشبه إلى حد واضح لحظات معينة تمر ~~بنا كلنا تقريبا في مناسبات نادرة. تلك هي اللحظات التي يبدو فيها كل شيء وقد احتل ~~مكانه الصحيح؛ إذ يبدو فجأة أن الفوضى والاضطراب المألوفين في حياتنا قد وصلا إلى حالة ~~من السكينة أو السمو، وأن كل الأجزاء المشتتة في لغز القطع المبعثرة الذي نسميه ~~«بالحياة» قد تداخلت فجأة وكونت نموذجا له معناه، أو أنه، إذا لم يكن إلا نموذجا ~~(الذي ترسمه هذه القطعة) واضحا كل الوضوح، وظلت بعض الأسئلة معلقة، فإن الحوادث تبدو ~~وقد عادت بنا، على الأقل، إلى لحظة فيها نشاطنا. عندئذ نتريث، وقد تملكنا الاقتناع بأن ~~هناك بالفعل إجابات عن أسئلتنا وحلولا لكل المشكلات؛ أعني اقتناعا بأن لحياتنا معنى ~~معينا ونظاما من نوع ما؟ # ولعل أغلب الأوقات التي تتملكنا فيها هذه الحالة هي تلك التي نواجه فيها الطبيعة ~~مباشرة، ولا سيما عندما نقف إزاء الجمال الطبيعي الخلاب. وقد كتب كثير من الشعراء قصائد ~~عن هذه اللحظات، ولكن أحدا منهم لم يتفوق على وليام ووردذورث، الذي كان هو ذاته ~~متصوفا مؤمنا بشمول الألوهية فهو ينبئنا كيف أنه وسط الجمال الطبيعي : ~~... أحسست # بحضرة تجعلني أضطرب بالفرح # بأفكار رفيعة، إنه إحساس علوي # بشيء أعمق تغلغلا بكثير # مستقره نور الشموس الغاربة، # والمحيط الدائر والهواء الحي، # والسماء الزرقاء، وذهن الإنسان، # إنها حركة وروح، تدفع # كل الأشياء المفكرة، # وكل موضوع لكل فكر، # وتسري خلال الأشياء جميعا ... # ويمر ms224 بعض الناس بتجارب مشابهة عندما يكونون إزاء أعمال فنية عظيمة، أو ~~عندما يستمعون إلى موسيقى معينة. وقد تحدث هذه التجارب لغيرهم على أثر تجربة انفعالية ~~معينة تتعلق بأشخاص آخرين، كرؤية طفل أو محبوب نائم. وأهم ما يميز هذه التجربة أنها ~~مركب # Synthesis ~~؛ أعني أنها تكامل وانضمام لمجالات ~~واسعة للحياة وللمعنى. ولو أردنا التعبير لفظيا عن هذه التجربة عند حدوثها، لكانت ~~كلماتنا في العادة شيئا من هذا القبيل: «هذا ما تعنيه الحياة» وربما «هذه غاية ~~الحياة». # وهكذا الحال في التصوف. غير أن تجربة المتصوف تختلف، على الأرجح، عن ذلك النوع الذي ~~أوضحناه الآن في العمق والشمول. كما أنها قد تختلف أيضا في كونها تظهر في أوقات وأماكن ~~لا تتصل بالتجربة ذاتها مباشرة ... بدلا من أن تكون نتيجة لموقف انفعالي أو جمالي معين. ~~وهي تختلف بطبيعة الحال في تأثيرها في حياة الفرد؛ إذ إن المتصوف، على الأرجح، يؤرخ كل ~~أحدث تاريخ حياته، منذ هذه اللحظة، على أساس وقوعها قبل حدوث هذه التجربة أو ~~بعده. # ومن الواضح أن قبولنا أو عدم قبولنا للتصوف ~~بوصفه أفضل طريقة للمعرفة، هو أمر يتوقف على اعترافنا أو عدم اعترافنا بأصالة التجربة ~~الصوفية ذاتها. وعلى الرغم من أن هذه التجربة قد تتخذ أشكالا متعددة، فإن معظم ~~المتصوفين البارزين في التاريخ قد ذكروا عنها أنها في أساسها شعور لا يوصف، ولكنه شعور ~~طاغ، بواحدية الأشياء جميعا أو وحدتها. وكثيرا ما تكون التجربة، على هذا الأساس، ~~مرتبة بمذهب شمول الألوهية Pantheism # ما دامت تبدو ~~وكأنها تجعل الله والكون شيئا واحدا. ولقد كانت التجربة الصوفية في بعض الأحيان ~~اتصالا مباشرا بالله، يبلغ من الوثوق حدا يجعله يؤلف اتحادا أو هوية مؤقتة. ~~والواقع أن كتابات الصوفية زاخرة بالإشارات إلى «الواحد»، وقد يكون معنى اللفظ في هذه ~~الحالة هو الله أن الوجود الكلي الذي يندمج فيه الله والكون على نحو ما. # الطابع المباشر لمعرفة المتصوف ~~: إن أوضح ما تتصف به ~~التجربة الصوفية وتتميز به طريقة المعرفة هذه من جميع المصادر العادية للمعرفة هو ms225 ~~طابعها المباشر. ذلك لأن أي مصدر آخر - سواء أكان إدراكا حسيا أم استدلالا عقليا ~~أم سلطة - لا يمكنه أن يعطينا إلا معرفة غير مباشرة، أو معرفة توسطية. فهناك في كل حالة ~~شيء يقف بيننا وبين الواقع الحقيقي. هذا الحاجز قد يكون هو الجهاز الحسي، أو الخطوات ~~المتعاقبة في سلسلة الاستدلال، أو الأذهان والمخطوطات التي نقلت بها السلطة إلينا؛ ففي ~~كل حالة نكون بعيدين مرحلة واحدة على الأقل عن الواقع الحقيقي. أما المعرفة المباشرة ~~فلا نكتسبها إلا بالحدث والتجربة الصوفية. فهي وحدها التي تستطيع استبعاد كل توسط من ~~عملية المعرفة، وجلب الذات أمام الموضوع وجها لوجه بطريقة لا نظير لها، بل إن الذات ~~والموضوع يصبحان في بعض التجارب الصوفية شيئا واحدا، وهنا يبلغ الطابع المباشر أعلى ~~درجاته. # تفسيران متعارضان للتجربة الصوفية ~~: ينبغي أن نلاحظ ~~أن الصوفية، كما وصفناها حتى الآن، تنطوي على القول بأن الحس والعقل غير قادرين على ~~إعطائنا معرفة حقة. كما أنها تتضمن القول بأن لغة الكلام تعجز عن وصف طبيعة تلك المعرفة ~~بعد أن نكون قد تلقيناها. وبالاختصار، فالواقع الحقيقي لا يفهم إلا بطريق فردي مباشر، ~~وهو في أساسه تجربة خاصة، لا توصف ولا تقبل المشاركة. # وهناك مدرستان فكريتان تقدمان تفسيرين متعارضين لمصدر هذه التجربة. فتفسير المذهب ~~الطبيعي يرجع أصل تجاربنا الحدسية إلى ذاك العالم الذهني الخفي الغامض الواسع، الذي ~~تتضافر فيه الغريزة مع الذاكرة مع اللاشعور، والذي لم يتغلغل علم النفس فيه حتى الآن ~~إلا قليلا. فأصحاب المذهب الطبيعي يبدون إعجابهم، مثلا بالدراسات النفسية للإدراكات ~~الحسية دون العتبية. # 5 ~~⋆ # فقد ~~أثبتت هذه الدراسات بطريقة قاطعة أن ما يعده كثير من الأشخاص «حدسا» إنما هو ناتج عن ~~إدراكات حسية أضعف من أن تدخل في نطاق الوعي، ولكنها قادرة مع ذلك على توجيه السلوك. ~~وعلى ذلك فعندما يصبح شخص معين «شاعرا عن طريق الحدس» بأن الحجرة التي كان يظنها شاغرة ~~تضم الآن شخصا آخر غيره، على الرغم من أنه لم يسمع أو ير الشخص الآخر، وهو يدخل من ~~وراء ms226 ظهره، يكون ما حدث بالفعل هو أن الشخص الآخر الذي دخل الغرفة «في صمت» قد أصدر ~~بالفعل أصواتا أضعف من أن يستمع إليها الشخص الأول عن وعي، ولكنها مع ذلك أدركت الهواء ~~بدرجة تكفي لكي يستجيب جلد الشخص الأول لحركة الهواء دون أن يتأثر وعيه بطريق مباشر ~~أيضا. والواقع أن أمثال هذه التفسيرات العلمية تؤثر في أنصار المذهب الطبيعي تأثيرا ~~قويا، وتجعلهم يؤمنون بأن كل ما يسمى بالتجارب الصوفية قد تفسر، ذات يوم، تفسيرات ~~طبيعية. # ولا حاجة بنا إلى القول بأن من يؤمنون بالتجربة الصوفية بوصفها المصدر النهائي ~~للمعرفة يرفضون أي تفسير كهذا، وإنما هم يؤمنون بدلا من ذلك بأن لهذه الحدوس أصلا ~~خارقا للطبيعة. فهم ينسبون هذه التجربة إلى مصدر أقل دينونة وذاتية؛ أعني إلى الله أو ~~إلى نوع من «العقل» الكوني؛ ومن هنا كان من المنطقي بالنسبة إلى أي شخص يقبل مثل هذا ~~التفسير الخارق للطبيعة أن يؤمن إيمانا قويا بهذه التجارب بوصفها مصدرا موثوقا منه ~~للمعرفة. أما تفسير المذهب الطبيعي فهو يضع المعرفة المكتسبة من هذا الطريق ضمن نفس فئة ~~السلوك المدفوع بالغريزة. وهو يرى أنه قد يكون من الممكن الاعتماد على الاثنين عندما ~~يخضعان لتحكم العقل ولاختبار التجربة، ولكنهما في ذاتهما غير كافيين بوصفهما طريقة ~~للمعرفة أو مرشدا للسلوك. وفي مقابل ذلك يعتقد معظم المتصوفة أن التجارب الصوفية لا ~~يمكن أن تقارن بأشياء طبيعية كالغرائز البيولوجية. فمثل هذا التفسير لا يؤدي فقط إلى ~~الحط من شأن التجربة الصوفية، بل إنه يقلل من أهميتها؛ ذلك لأن هذه التجربة تأتي من ~~مصدر أعلى، وهذا الأصل فوق الطبيعي هو (في نظر الصوفية) ضمان كاف لجعلها تجارب موثوقا ~~منها. ~~(4) مصادر المعرفة: المذهب العقلي # إن أولئك الذين يرفضون الحدس بوصفه حلا لمشكلة المعرفة، ينحازون عادة إلى صف العقل ~~أو التجربة بوصفهما مصدرين للمعرفة أفضل من المصدر السابق. ويعرف مؤيدو كل من هذين ~~المصدرين باسم العقليين والتجريبيين على التوالي. وعلى حين أن أفراد المدرستين كثيرا ~~ما يتنازعون فيما بينهم، فإنهم يتفوقون على ms227 أنه لا مجال للتصوف في مزاجهم. وليس في هذا ~~ما يدعو إلى الاستغراب؛ إذ إن الصوفي، كما رأينا من قبل، يتشكك في العقل والتجربة، ولا ~~يقبل بالطبع إلا التجربة الصوفية. # على حين أن المذهب العقلي، بمعناه الدقيق، يمثل حركة تاريخية بلغت قمتها في القرنين ~~السابع عشر والثامن عشر، ولا يمثل مدرسة معاصرة واضحة المعالم، فإنه يمثل في الوقت ذاته ~~اتجاها متكررا للذهن، وهو اتجاه يمكن أن نجد له أمثلة في تفكير أي عصر. ويرى المذهب ~~العقلي، بوجه عام، أن الصورة المثلى للمعرفة هي تلك التي يمثلها البرهان الرياضي، فمثل ~~هذه البراهين تبدأ ببديهيات، أو حقائق واضحة بذاتها، وتصل، عن طريق سلسلة من ~~الاستنباطات المتدرجة إلى نتائج منطقية، ضرورية، لا رجوع فيها، وتقدم إلينا الهندسة ~~الإقليدية المثل الكلاسيكي لتطبيق هذه المناهج العقلية. فهي تبدأ بمجموعة من البديهيات ~~التي تقبل على أنها واضحة بذاتها (مثل: «الأشياء المتساوية المضافة إلى أشياء متساوية ~~تعطينا أشياء متساوية» و«الخط المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين»، وغيرها)، ثم تثبت سلسلة ~~من النظريات عن طريق قضايا تستمد بالاستنباط من البديهات الأصلية والمصادرات المتصلة ~~بها. والعملية كلها عملية استدلال دقيق جدا، كما يتذكر كل طالب درس الهندسة في ~~المدارس الثانوية. # من أين تأتي الحقائق «الأولية»؟ # نستطيع أن ندرك على ~~الفور أن صحة هذا المنهج تتوقف على شيئين: صحة استدلالنا، وطبيعة بديهياتنا ومصادرتنا ~~الأصلية. فقد أثبتت التجارب أن الذهن البشري يستطيع، بشيء من التدريب، أن يصل إلى مستوى ~~رفيع من الدقة في استخدام الاستدلال الاستنباطي. ونتيجة لذلك فإن كل الهجمات الموجهة ~~إلى المذهب العقلي قد تركزت كلها تقريبا حول مشكلة الوصول إلى مقدمات تكون من الصلابة ~~بحيث تستطيع تحمل الثقل الهائل الذي سيرتكز عليها في سلسلة الاستنباطات. هذه البديهيات ~~الأصلية تستمد عادة في الرياضيات، كما قلنا من قبل، من «الموقف الطبيعي»، أو (في نظر ~~العقليين) من مبادئ أساسية واضحة متميزة ذات يقين حدسي. وهذه المبادئ بدورها ينظر إليها ~~على أنها صادرة عن «النور الطبيعي للعقل» أو تركيب الفكر ذاته، وهي لا ms228 تحتاج إلى ضمان ~~أكثر مما يقدمه وضوحها الذاتي. ويعد الاستقلال المزعوم لهذه المبادئ عن أي أصل تجريبي ~~صفة ذات أهمية عظمى بالنسبة إلى المذهب العقلي. فهي تعد أولية، أو سابقة على التجربة، ~~وهي في نظر العقل غير معتمدة على التجربة، بل إن التجربة هي التي تعتمد عليها؛ ذلك لأن ~~ما يصدق على المعرفة الرياضية يسري (في نظر صاحب المذهب العقلي) على كل معارفنا ~~النهائية التي قد تكون كذلك مستمدة بالاستنباط من مبادئ أولى ذات أصل عقلي محض. ومن هنا ~~فإن في استطاعة معرفتنا النهائية، إذا توافرت الشروط اللازمة، أن تبلغ درجة اليقين التي ~~نجدها في نظريات إقليدس. # ويكاد يكون من المؤكد أننا، عندما نفحص قائمة الحقائق الأولية التي شهدت عليها ~~المذاهب العقلية المتعددة في الفلسفة، سوف ندهش للافتقار إلى الاتفاق بينها. وقد يعيننا ~~ذلك على تذكر مسألة أشرنا إليها من قبل في فصل سابق: ألا وهي أن «الوضوح الذاتي» لفظ ~~يسهل استعماله، ولكنه واقعة يصعب إثباتها. فما هو واضح بذاته بالنسبة إليك قد لا يكون ~~كذلك بالنسبة إلي. وفضلا عن ذلك فإن الأولية # A Priorism # هي بدورها أمر يصعب إثباته: فالمبدأ الذي يراه العقل ~~سابقا على التجربة، كثيرا ما يكون في نظر التجريبي مستمدا من التجربة، وإن يكن ذلك ~~بطريق غير مباشر، وربما لا شعوري. ومع ذلك فهناك على الأقل عدد قليل من هذه المبادئ ~~العامة متفق عليه بين العقليين، وهذه المبادئ تعد شرطا أساسيا لكل تفكير ولكل وجود. ~~وفضلا عن ذلك فإن هذه المبادئ العامة لا تعد سابقة على التجربة فحسب، بل تعد أيضا ~~خارجة عن التجربة. وهي لا تفهم إلا بالحدس (وهنا يكون منهج المذهب العقلي موازيا لمنهج ~~الصوفية)؛ ومن هنا كانت تعطينا معرفة للواقع الحقيقي لا يعطينا إياها أي قدر من الإدراك ~~الحسي. وهكذا فإن المعرفة العقلية تختلف كيفيا عن المعرفة التجريبية. # مبدأ عدم التناقض ~~: لعل أهم هذه المبادئ العقلية ~~الأولية الشاملة هو «قانون عدم التناقض». وينص هذا القانون، باختصار، على أن القضيتين ~~المتناقضتين لا يمكن أن ms229 تكونا صادقتين معا، أو بلغة المنطق، فمن المحال أن يكون الشيء ~~ولا يكون في نفس الآن، أو أن يكون الشكل دائرة ومربعا معا. وقد نظر أرسطو، ومعه كل ~~المناطقة الصوريون منذ عهده، إلى مبدأ عدم التناقض هذا على أنه أهم قوانين الفكر ~~جميعا. غير أن المبتدئ في دراسة الفلسفة قلما يتأثر بهذا المبدأ إلى هذا الحد؛ فرد ~~الفعل المعهود لدى الطالب هو: «يا للحمق - إن هذا شيء واضح بذاته!» وهذا ما يرد عليه ~~صاحب المذهب العقلي بقوله: «بالضبط! وهو فضلا عن ذلك ليس مستمدا من التجربة بعملية ~~تعميم، فهو مبدأ أولي، تفهمه كل الأذهان السوية بالحدس. وهو يتيح لنا، على هذا الأساس، ~~معرفة أكثر يقينية مما يمكن أن يتيحه أي تعميم بحت من التجربة.» # أمثلة أخرى للمنهج العقلي ~~: هناك مثال آخر لتطبيق ~~المذهب العقلي، يتميز بأنه أقل تجريدا من المثال السابق، وهو الدليل الأنطولوجي ~~المشهور على وجود الله. ونظرا إلى أننا سنذكر المزيد عن هذا الدليل عندما نبحث في ~~مشكلة الله في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب، فلا داعي، في هذا الموضوع، إلا إلى تقديم ~~عرض مختصر لهذه الحجة. فتصور الله هو تصور كائن كامل - بل هو أكمل كائن نستطيع تصوره. ~~مثل هذا الكائن، إذا كان كاملا إلى هذا الحد، لا ينبغي أن يكون مفتقرا إلى صفة من ~~صفات الكمال. فهو إذا كان مثلا يفتقر إلى الوجود، فإن الكائنات الأخرى التي تتصف ~~بالوجود تكون أكمل منه. ومن هنا، فلما كانت قوانين الفكر تقضي بألا يكون هناك سوى كائن ~~واحد هو «الأكمل» فلا بد أن يكون الله موجودا. وهكذا يثبت وجود الله تصوريا؛ أي من ~~تعريف لفظ «الله» ذاته. وقد عرف أحد الكتاب المذهب العقلي بأنه: «النظرية القائلة إن ~~المعرفة تكتسب بمقارنة الأفكار بأفكار أخرى، أو بالاختصار، أننا نعرف ما أمعنا فيه الفكر». # 6 # والواقع أن الحجة الأنطولوجية التي عرضناها الآن تمثل هذه العملية أصدق ~~تمثيل: ففي رأي العقليين أن المعرفة الحقة تأتي من قدح فكرتين أو أكثر سويا - وهما في ms230 ~~هذه الحالة فكرتا «الكمال» و«الوجود». ~~(5) مصادر المعرفة: المذهب التجريبي # الخصم المألوف للمذهب العقلي في المعركة الدائرة بين النظريات المختلفة للمعرفة هو ~~المذهب التجريبي، الذي عرفناه بأنه المذهب القائل إن المصدر النهائي لكل معرفة هو ~~التجربة أو الإحساس. ولنقتبس مرة أخرى عبارة أخرى عرف بها الكاتب نفسه المذهب ~~التجريبي بأنه يرى «أننا نعرف ما اهتدينا إليه». # 7 # وينبغي أن نؤكد أن هذه المدرسة لا تنكر صحة أو أهمية عملياتنا الفعلية ~~بوصفها وسيلة لتوسيع نطاق معرفتنا المستمدة من الحواس، ولكنها تؤكد مرارا وتكرارا أن ~~الدليل النهائي على هذه الامتدادات التجريبية ينبغي أن يكون هو العودة إلى التجربة. وفي ~~مناهج البحث العلمي نجد أبرز مثال لدورة الابتعاد والعودة هذه. فالعلم يبدأ من المعطيات ~~الحسية، ويصوغ (بالعقل) فرضا تفسيريا. وبعد ذلك يستنبط، بالعقل أيضا، تلك النتائج ~~التي يمكن توقعها عندما يجري تجربة فاصلة (يستخدم في وضعها العقل والإدراك الحسي معا)، ~~وهذه التجربة هي التي تؤدي إلى تأييد فرضه أو تنفيذه على نحو قاطع. وبعد ذلك يقوم ~~بإجراء التجربة، وهذا معناه القيام بتحديد تجريبي لنتائج العمليات العقلية التي توسطت ~~بين الملاحظة الأصلية وبين التجربة. وهكذا يكون لدينا في العلم مزيج رائع من المنهجين ~~العقلي والتجريبي. فكل منهما يقوم بما هو أهل للقيام به، ويترك المنهج الآخر ما يكون ~~هذا الأخير أقدر عليه. ومع ذلك فإن التجريبي بوجه خاص هو الذي تكون له الغلبة، آخر ~~الأمر، في كل نشاط علمي. ذلك لأنه مهما يكن مدى الطابع العقلي الذي تتصف به بعض خطوات ~~المنهج العلمي (وهو طابع يكون عقليا خالصا في حالة استخدام الرياضيات مثلا) فإن هذا ~~المنهج عملية ينبغي أن تبدأ وتنتهي بالإحساس. أما إذا كنا نفتقر إلى المعطيات الحسية ~~عند بداية هذه العملية أو نهايتها. فلن يكون لدينا عندئذ علم. # نقد التجريبيين للمذهب العقلي ~~: ذكرنا من قبل أن ~~التجريبي يؤمن بأن المبادئ الأولية الواضحة بذاتها المزعومة (التي يرى صاحب المذهب ~~العقلي أنها تفهم بالحدس) مستمدة من التجربة الحسية. فلنتأمل الآن مثلا أثيرا لدى ~~صاحب المذهب ms231 العقلي، وهو مبدأ العلية. ففيلسوف المذهب العقلي يرى أننا لا نستطيع ~~أبدا أن نستمد هذا المبدأ الشامل بطريقة تجريبية، فلا يمكن أن تشتمل تجربتنا على كل ~~الحوادث الحاضرة - ناهيك بالماضية والمستقبلة - ومن هنا فلا بد أن يكون مصدر آخر ~~لاعتقادنا الأكيد بأن لكل حادث علة. ويعترف التجريبي بوجود هذا القصور لدى الذهن، ولكنه ~~يهاجم موقف المذهب العقلي بأن يتحدى القضية الأصلية القائلة إن العلية تمثل معرفة ~~مطلقة. والحجة التي يأتي بها التجريبي في هذا الصدد تسير، بالاختصار، على النحو الآتي: ~~فإيماننا بالعلية الشاملة لا يمثل إلا امتدادا لتجربتنا؛ ذلك لأن تحليلنا لكل حادث ~~لاحظناه يثبت أنه يتوقف على علة سابقة. ومن هنا فإنا نتوسع في هذه الوقائع التجريبية ~~فنجعلها شاملة، غير أن هذا الطابع الشامل لا يمثل يقينا، وإنما يمثل احتمالا فحسب. ~~فنحن لا نعرف أن كل الحوادث، الماضية منها والحاضرة والمستقبلة، لها علل، وإنما نفترض ~~أنها كذلك، على أساس التجربة التي مرت بنا حتى الآن بالنسبة إلى شتى أنواع الحوادث. ومع ~~ذلك فليس هذا إلا اعتقادا، لا واقعة من وقائع المعرفة المطلقة. وينتهي التجريبي من ذلك ~~إلى القول إن الأساس الوحيد الممكن للمناقشة بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي هو، ~~بالاختصار، ما إذا كان مبدأ العلية يمثل معرفة مطلقة أم لا. فإذا أصر المذهب العقلي ~~على أن يعده معرفة مطلقة، فعندئذ يكون من المسلم به أننا لا نستطيع استخلاص مثل هذه ~~المعارف المطلقة الشاملة من تجربتنا المحدودة. ومع ذلك فلا حاجة بنا إلى النظر إلى مبدأ ~~العلية على أنه أكثر من مجرد فرض ناجح عمليا، ينطوي على درجة عالية جدا من ~~الاحتمال. ففي استطاعة العلم أن يسير في طريقه على خير وجه باستخدام العلية على هذا ~~النحو، وليس هناك ما يدعو المذهب العقلي إلى ارتكاب مغامرة إبستمولوجية غير مأمونة ~~العواقب بأن ينظر إليها على أنها معرفة مطلقة. # المذهب العقلي مقابل المذهب التجريبي في الأخلاق ~~: ~~يعد الخلاف بين المذهبين العقلي والتجريبي في ميدان الأخلاق من أشد الخلافات احتداما ~~بين المذهبين. ذلك ms232 لأن صاحب المذهب العقلي يعتقد أنه يستطيع أن يكشف في ميدان الأخلاق ~~حقائق واضحة بذاتها، من نفس النوع الذي يكتشفه في المنطق والرياضيات والميتافيزيقا. ~~وهنا أيضا تكشف قائمة المبادئ الأخلاقية التي وضعها مختلف المفكرين العقليين عن تباين ~~كبير؛ فهذه المبادئ تتفاوت ما بين «كل كذب هو خطأ مطلق - حتى أكذوبة الطبيب من أجل ~~إنقاذ حياة مريضه»، وبين مبادئ رفيعة كالقاعدة الذهبية. # 8 ~~⋆ # أما ~~التجريبي فهو، كما يمكننا أن نتوقع، يتحدى كل ادعاء للأولية في الأخلاق. وهو يعتقد ~~بدلا من ذلك أن أسس القواعد الأخلاقية وأشملها هي ذاتها مستمدة من تجربتنا الفعلية ~~المتعلقة بالأمور التي تؤدي إلى تحقيق مصالح المجتمع أو الأضرار بها. ولما كان الفصل ~~الذي سنخصصه للأخلاق سيشتمل على مناقشة مفصلة لهذين الموقفين المتعارضين، فلا حاجة بنا ~~إلى مناقشتها أكثر من ذلك في هذا المجال. ~~(6) دور «كانت» في نظرية المعرفة # يمثل مذهب إمانويل كانت، الذي هو دون شك أقوى المفكرين تأثيرا في الفلسفة الحديثة، ~~محاولة للتوفيق بين المذهبين المتعارضين، العقلي والتجريبي، على أن أنصار الموقفين ~~المتطرفين لم يرضوا أبدا عن حل كانت للمشكلة، كما يحدث للحلول الوسطى في معظم الأحيان. ~~ولكن كثيرا من الفلاسفة المعاصرين يرون أن مذهبه يقوم بعمل رائع في التوفيق بين الآراء ~~المتعارضة لكلتا المدرستين؛ لذلك فإن الواجب يقضي علينا بحث نظرية المعرفة عند كانت ~~بإيجاز. # ولو نظرنا إلى الأمر من الناحية التاريخية، لوجدنا أن «كانت» كان يهدف إلى التوفيق ~~بين ذاتية باركلي، بنظريتها القائلة إنه لا يوجد شيء ما عدا الأذهان وإدراكاتها، وبين ~~تجريبية مفكرين مثل لوك. فقد كان لوك يرى أن هناك عالما كاملا من المادة يوجد ~~مستقلا عن أذهاننا المدركة، على الرغم من المادي الكامن من وراء الكيفيات الحسية. أما ~~كانت فيبدأ بالاعتراف بضرورة أنه قد اضطر إلى الاعتراف بأنه لا سبيل لنا إلى كشف طبيعة ~~هذا الأساس وجود علة لكل الانطباعات الحسية، وبأن هذه العلة ينبغي أن توجد خارج الذهن ~~ذاته. ومع ذلك فإن الاعتراف بوجودها الطبيعي لا يثبت أننا نعلم أي ms233 شيء عن طبيعتها. ففي ~~وسعنا أن نعلم أن هناك شيئا خارجيا معينا، ولكننا لا نستطيع أن نعلم ماذا يكون هذا ~~الشيء. فهو يظل، وسيظل دائما، «الشيء في ذاته» الذي لا يمكن أن يعرف. ذلك لأن أذهاننا ~~مهيأة بحيث لا تعرف إلا مظاهر الأشياء، أو الظواهر Phenomena # أما الأشياء في ذاتها # Noumena # المقابلة لها، أو الحقيقة الحقة، فلا ~~يمكننا إلا التخمين بها، بل إن العلم ذاته، بكل مناهجه وإنجازاته، لا يستطيع أن ينفذ ~~من وراء الظواهر ليكشف الواقع الحقيقي. # الحل الوسط الذي أتى به كانت ~~: وعلى ذلك فإن كانت ~~يرى أن أذهاننا تصنع «الطبيعة» أو «الواقع الفيزيائي»، ولكنها لا تصنعه من لا شيء. ~~فحواسنا تمدنا بالمادة الخام عن طريق ردود أفعالها إزاء «الشيء في ذاته». ومع ذلك فإن ~~هذا النصيب الذي تسهم به الحواس هو مادة خام بحق، فهو خليط ليس له أي قوام أو تنظيم. ~~وكل ما يكتسبه من تشكيل أو تنظيم إنما يفرض عليه من أذهاننا، التي تأتي بالإطار أو ~~القالب الذي ينبغي أن تصب فيه الكثرة من الإدراكات غير المهضومة قبيل أن تتصف بالمنطقية ~~أو المعقولية. فليس الذهن مجرد أداة سلبية لتلقي الانطباعات، كما كان يرى المفكرون ~~السابقون، وإنما هو أداة إيجابية لا تكف أبدا عن أداء العمل الذي تقوم به، وهو تحويل ~~الكثرة المتدفقة من الإحساسات إلى عناصر منظمة لها معناها. وأخيرا فإن التركيب أو ~~التكوين الخاص للذهن ذاته هو الذي يتكشف في الحصيلة النهائية لعملية المعرفة. «فالواقع» ~~كما نعرفه هو مصنوع أكثر منه معطى، وهو تركيب أكثر مما هو تلق. وكل ما يجعل العالم ~~مترابطا ذا معنى يأتي مما يسميه كانت «بالفهم»، بل إن الزمان والمكان، وهما الوسيلتان ~~الرئيسيتان اللتان نعرف من خلالهما عالمنا، هما صورتان ذهنيتان أوليان للفهم، كما هي ~~الحال أيضا في كل المقولات أو الشروط الأساسية للمعرفة، وهي الكم والكيف والعلية ... ~~إلخ. وبينما قد تكون المادة الخام آتية من الخارج فحسب، عن طريق الإحساس، فإننا نحن ~~الذين نصنع «عالمنا»؛ أعني ذلك الكون المنظم ms234 المعقول الذي نستطيع فيه أن نعيش ~~ونفكر. # وهكذا يولي «كانت» أهمية متساوية «لصور الفهم» العقلية، التي هي كامنة في التفكير ~~وضرورية لتجربة الفهم، وللمعطيات التجريبية. ذلك لأن هذه المعطيات الإدراكية تمد الذهن ~~بمضمونه الكامل، على حين أن «الصور» الذهنية تقوم بما يوحي به اسمها بالضبط؛ أعني أنها ~~تضفي على هذا المضمون شكلا وصورة. ويلخص «كانت» موقفه التوفيقي الشامل في عبارة مشهورة ~~أشرنا إليها من قبل، وهي «التصورات بدون الإدراكات فارغة، والإدراكات بدون التصورات ~~عمياء». ~~(7) النتائج الميتافيزيقية للمذهبين العقلي والتجريبي # لسنا بحاجة إلى أن نشير إلى الصلة الوثيقة التي تقوم بين المذهب العقلي والمذهب ~~التجريبي من جهة، وبين المذهبين اللذين سبق أن أشرنا إليهما مرارا من جهة أخرى، وهما ~~المذهب المثالي والمذهب الطبيعي. وإذا لم يكن من الممكن أن نوحد تماما بين المثالية ~~والمذهب العقلي، أو بين المذهب الطبيعي والتجريبية فإن العلاقات بين مجموعتي المذاهب ~~وثيقة إلى أبعد حد. فقد كان العقليون، باستثناء فيلسوف واحد كبير (هو اسبينوزا)، إما ~~مثاليين (مثل ليبنتس وولف)، وإما ثنائيين مع ميول مثالية واضحة (مثل ديكارت). أما ~~التجريبية فتسير جنبا إلى جنب مع النظرة الطبيعية إلى العالم. وأساس موقف المذهب ~~الطبيعي هو أن نظل قريبين بقدر الإمكان من التجربة في العالم الطبيعي الحالي الذي نعيش ~~فيه. أما المثالية فقد اتجهت، على خلاف هذا الرأي، إلى الإقلال من شأن العالم التجريبي ~~بتأكيد وجود حقيقة أعلى لنظام ترنسندنتالي (أي خارج التجربة) لا يمكن بلوغه إلا عن طريق ~~النشاط العقلي التصوري للذهن. # وهكذا يتضح أن التقابل الأساسي بين مدرستينا الميتافيزيقيتين الكبريين يمتد إلى ميدان ~~نظرية المعرفة. وهذا أمر لا يدعو إلى الاستغراب: فعندما يأخذ مفكر على عاتقه أن يصوغ ~~(أو يدافع عن) نظرية كلية شاملة إلى طبيعة الأشياء، فمن المنطقي أن ينحاز إلى أسلوب ~~التفكير أو طريقة المعرفة التي تؤيد موقفه إلى أقصى حد. ومع ذلك فمن الواجب أن نفهم أن ~~العامل الميتافيزيقي هو أهم الجميع، وأن وسائل المعرفة تختار من أجل دعم الموقف العام. ~~فالبحث في المعرفة ينمو ms235 من الميتافيزيقا، لا العكس. والنظرة إلى العالم أساسية، كما هي ~~على الدوام. # الفصل التاسع # | الميتافيزيقا: ما الواقع؟ # نستطيع أن نقول إن الفصول السابقة قد عالجت مشكلات الوجود، والمعرفة، والاتصال معالجة ~~دقيقة إلى حد ما. وإذا كان القارئ قد تملكه أي قدر من حب الاستطلاع الأصيل بشأن هذه ~~المشكلة النظرية، فيكاد يكون من المحقق أن حب الاستطلاع هذا قد أشبع الآن، بل أتخم، بفضل ~~تلك المجموعة الكبيرة من الإجابات الممكنة التي قدمناها. أما بالنسبة إلى كثير من الفلاسفة ~~المحترفين، فإن كل ما ذكرناه إلى الآن لا يعدو أن يكون تلميحا إلى المسألة الفلسفية ~~الحقيقية؛ لذا فقد آن الأوان لخوض تلك المشكلة التي ينظر إليها عادة عن أنها هي المشكلة ~~الرئيسية في الميدان النظري بأسره، وهي المشكلة التي تمكننا من أن ننظر إلى كل ما ناقشناه ~~حتى الآن على أنه مجرد مقدمة تمهد لها. فما هي طبيعة الواقع النهائي؟ وما العالم - أو ما ~~الذي يكمن من وراء كل شيء؟ وما هو الشيء الأساسي (أو المادة، أو الفكرة أو الجوهر أو المبدأ ~~الأساسي) في الكون؟ # هذا السؤال يوجد ضمنا من وراء كل الأسئلة الأقل منه أهمية، التي تساءلناها في الفصول ~~السابقة، كما أن كثيرا من الإجابات التي اقترحناها للأسئلة السابقة هي في الوقت ذاته ~~إجابات ضمنية على هذه المشكلة الكبرى بدورها. فالعرض الذي قدمناه للنظريتين المتعارضتين إلى ~~العالم، وهما المثالية والطبيعية، يشير بوضوح إلى رأيين متعارضين أيضا عن طبيعة الواقع. ~~غير أننا لم نواجه المشكلة بعد بطريقة مباشرة. ويحق لنا أن نتوقع أن يؤدي هذا التحليل إلى ~~الربط بين كل المناقشات والتحليلات التي عرضناها حتى الآن، بحيث يتمكن الطالب أخيرا من أن ~~يتأمل عالم الفلسفة في نظرة شاملة. أما أن النتيجة ستكون كلا متماسكا، فهذا أمر لا ~~نستطيع إلا أن نرجوه. وعلى أية حال، فسوف نصبح عندئذ أقدر على معالجة المشكلات المتبقية في ~~الميدان النظري، وهي المشكلات المتعلقة بطبيعة «الحياة ~~الخيرة»، ومسألة الواجب، وحرية الإرادة، والمشكلة الجمالية، ووجود الله، والخلود. وتلك هي ~~المشكلات ms236 الأقرب إلى الطابع العلمي في الفلسفة، التي يستحسن أن ننتهي من تحليلنا ~~الميتافيزيقي قبل الانتقال إليها، ذلك لأن الإجابات التي نأتي بها لهذه المشكلات العملية ~~ستتوقف حتما، كما أوضحنا من قبل مرارا، على حلنا ~~للمشكلة الميتافيزيقية. # تعقد المشكلة ~~: تبدو المشكلة الميتافيزيقية لأول وهلة ~~مسألة بسيطة متعلقة «بعدد» الكيانات التي ينطوي عليها الواقع؛ أعني، هل الواقع النهائي مفرد ~~أم مثنى أم جمع. والواقع أن المسألة في أساسها بسيطة على هذا النحو، غير أن هذه البساطة ~~الأصلية سرعان ما تتعقد كثيرا لوجود مشكلات كيفية أخرى متضمنة بدورها في الموضوع. فمثلا، ~~إذا كان الواقع مفردا، فما طبيعة هذه المادة أو هذا المبدأ أو الكيان الواحد؟ وإذا كان ~~ثنائيا، فما طبيعتا الكيانين أو الماهيتين اللتين ينطوي عليهما، وما علاقات كل منهما ~~بالأخرى؟ وفضلا عن ذلك، فهل هذان الاثنان نهائيان بحق، أم إنهما قد يكونان أشبه بتلك ~~النجوم المزدوجة المعروفة في الفلك، والتي تبدو دائرة حول مركز مشترك غير منظور قد يكون ~~أكبر وأهم من كل منهما؟ وبعبارة أخرى، ألا يمكن أن يكون هذان التوأمان الميتافيزيقيان ~~(اللذان يطلق عليهما عادة اسم «الذهن والمادة» أو «الروح والجسد») مجرد وجهين متعارضين ~~لحقيقة واقعة واحدة تكمن من ورائهما، بحيث ينتهي الأمر بالثنائية الظاهرة لنا إلى واحدية ~~فعلية؟ وإذا انتهينا إلى أن الكون تعددي، فما هي تلك الكيانات التي يرتد إليها الكل الظاهر؟ ~~وكم عددها، وما صفاتها، وما علاقاتها المتبادلة؟ # لم كان الإجابات كثيرة؟ # وهكذا يتضح لنا أن هناك عوامل ~~معقدة في مشكلتنا التي كانت في الأصل مشكلة كمية بسيطة - وأعني بها مشكلة معرفة ما إذا كان ~~الكون وحدة أم ثنائية أم تعددا، ولا بد أن تفيد هذه الحقيقة في جعل القارئ يتعاطف مع ~~الفيلسوف في محاولاته الوصول إلى جواب، ويقدر أيضا أسباب إخفاقه حتى الآن في الوصول إلى حل ~~يقبله الجميع. وإنه لمن الخير أن نواجه هذه الحقيقة، وأعني بها أنه لا يوجد حول هذه المسألة ~~من الإجماع أكثر مما وجدناه في حالة المشكلات الأخرى للفلسفة، بل إن ms237 الاتفاق على هذه ~~المسألة أقل. فهناك، إلى جانب التقابل المعتاد بين المذهبين المثالي والطبيعي، خلافات بين ~~المدارس الكمية الثلاث، بحيث نجد مذهبا تعدديا هو في أساسه مثالي، يتصارع مع مذهب تعددي ~~ذي نزعة طبيعية، أو مثالية ذات نزعة واحدية قاطعة تعارض مثالية ثنائية في أساسها. وقد ~~يتساءل الناس أحيانا «هل ينبغي أن يختلف الفلاسفة؟» ولكن ينبغي أن يلاحظ أن هذا السؤال ~~قلما يوجهه أولئك الذين يعرفون الكثير عن الفلسفة ومشكلاتها. ومن المؤكد أنه لا يصدر أبدا ~~عن أي شخص ملم إلماما كافيا بتعقد البحث الميتافيزيقي عن الواقع النهائي. أما الشخص ~~الذي تمرس طويلا في هذا الميدان، فإن الأمر الذي يدعو إلى العجب في نظره هو أن الفلاسفة ~~قد وصلوا إلى هذا القدر من الاتفاق. وسوف يكون الهدف الذي نضعه نصب أعيننا، ونحن نبدأ هذا ~~الفصل، هو أن نقلل عدد وجهات النظر الميتافيزيقية المتعارضة بقدر الإمكان. ~~(1) الآراء الأساسية للمذهب الواحدي # يدور بين مؤرخي الفلسفة أحيانا جدال حول مسألة ما إذا كانت الواحدية أو الثنائية هي ~~التي ينبغي أن تعد وجهة النظر البشرية «الطبيعية»، والنتيجة التي يسفر عنها مثل هذا ~~الجدل عادة هي أن الاختيار لا بد أن يتوقف على وجهة النظر التي نقصدها، وهل هي وجهة ~~النظر الساذجة، غير النقدية، عند من يسمى «بالإنسان العادي»، أم هي الموقف العقلي ~~المعقد للفلسفة واللاهوت المنهجي. ففي نظر الذهن غير النقدي تبدو الثنائية مذهبا يكاد ~~يكون غير قابل للنقد. ذلك لأن الشخص الساذج فلسفيا، متمدينا كان أم بدائيا، يعتاد ~~بطبيعته النظر إلى عالم تجربته على أنه مؤلف من مجالين منفصلين: عالم مادي فيزيائي، ~~يوجد فوقه أو من ورائه عالم مستقل ذهني أو روحي. ويمكن أن يسمى هذا المذهب ب «ثنائية ~~الموقف الطبيعي»، وهو منتشر إلى حد أنه يكون دون شك أكثر الآراء الميتافيزيقية شيوعا، ~~وذلك طوال التاريخ وفي أيامنا هذه أيضا. أما الفيلسوف فيبدو مهيأ منذ البداية، بنفس ~~المقدار، للانجذاب إلى موقف واحدي. ويبلغ هذا الميل من القوة ما يسوغ لنا القول بأن ~~الثنائية ms238 والتعددية معا يمثلان أفضل اختيار ثان بالنسبة إلى الفلسفة. ذلك لأن البحث ~~الميتافيزيقي هو عادة، في نظر من ينصرفون إليه جديا، بحث عن عنصر واحد نهائي من نوع ~~ما. وعندما تسفر النتيجة عن توأمين أو أكثر، فإن ذلك يكون راجعا إما إلى سبب منهجي، # 1 # وإما لأن هناك اعترافا ضمنيا بأن ~~الباحث قد أخفق في إرجاع الكون إلى مادة أو مبدأ كامن. ولما كان هذا الكتاب مدخلا إلى ~~الفلسفة المنهجية لا إلى التفكير الشعبي، فسوف نبدأ تحليلنا ببحث الموقف ~~الواحدي. # العنصر المشترك بين كل المذاهب الواحدية ~~: على الرغم ~~من أن الواحدية الميتافيزيقية تتخذ صورا شتى، فإن لهذه الصور كلها رأيا مركزيا ~~مشتركا: وهو أن أساس العالم واحد، وأن كل وجود يرجع إلى «مادة» واحدة أو مبدأ واحد. ~~وعلى ذلك فإن الواحدية هي تلك النظرة إلى العالم، التي تبحث عن الوحدة في الواقع وتهتدي ~~إليها. وبذلك تجعل من التنوع الزاخر للتجربة البشرية مجرد جوانب متعددة لنعصر نهائي ~~واحد. وقد يتحقق هذا التوحيد على أساس مادة واحدة، أو على أساس روح أو ذات واحدة، أو ~~قانون أو مبدأ واحد، وربما على أساس نشاط واحد أو عملية واحدة. ولقد وجدت المذاهب ~~المتعددة التي تنتمي إلى المذهب الواحدي، مصدر الوحدة الذي تقول به في مواضع متباينة. ~~ونتيجة لذلك فإن المذاهب الفكرية الكاملة كانت من التباين بحيث إن «الفردانية # Singleness ~~» هي القاسم المشترك الوحيد بينها. وعندما ~~يبلغ التقابل بين بعض هذه المذاهب وبعضها الآخر ما يبلغه التقابل بين بعض الأشكال ~~المتطرفة للواحدية المثالية وللواحدية المادية، فإنه يصبح من الواضح أن المواقف ~~الميتافيزيقية الأخرى في داخل المذهب الثنائي أو المذهب التعددي قد يكون بعضها أحيانا ~~أقرب إلى البعض الآخر من بعض المدارس الواحدية. # عبء البرهان يقع على عاتق المذهب الواحدي ~~: ليست ~~الواحدية، كما أوضحنا من قبل، هي وجهة نظر «الموقف الطبيعي» أو رأي رجل الشارع في ~~الأمور، بل إن قدرا كبيرا من تجاربنا اليومية يسير في طريق مضاد تماما للمصادرة ~~الأساسية للمذهب الواحدي. ولكي نجد سببا ms239 كافيا للشك في آراء أي نوع من المذهب ~~الواحدي، فإن كل ما علينا هو أن ننظر إلى إنسان آخر - أو إلى أنفسنا في المرآة. ذلك ~~لأنه يبدو لنا بوضوح أننا مزيج من جسم وشيء واع نسميه عادة «بالذهن» أو «النفس» أو ~~«الوعي». كذلك لا يستطيع الإنسان في موقفه الطبيعي أن يتصور كيف يمكن رد أي من هذين ~~العنصرين إلى الآخر، فكل منهما يبدو نهائيا. ولو تحولنا من أنفسنا إلى العالم ~~الخارجي، لما كان من الضروري أن يكون المرء صوفيا أو شاعرا لكي يحس وجود ~~«حضرة Presence ~~» أو «روح» تكمن في الطبيعة، بل إن ~~الإنسان في موقفه الطبيعة ذاته كثيرا ما يكون لديه شعور بشيء في الطبيعة غير المادة ~~التي تتخذ شكلا عضويا. وهكذا فإن تجربتينا الداخلية والخارجية معا تؤديان طبيعيا ~~إلى إثارة السؤال عن الطريقة التي يستطيع بها القائل بالمذهب الواحدي أن يثبت موقفه - ~~والأهم من ذلك، الطريقة التي يستطيع بها أن يحافظ عليه. # والواقع أن الواحدي ذاته، بغض النظر عن نوع الوحدة الذي يدعو إليه، هو أول من يعترف ~~بأن موقفه لا يسهل الدفاع عنه. ذلك لأن الهجوم موجه إليه من كل النواحي. وكثيرا ما ~~يتنافس «الموقف الطبيعي» والمذهب الثنائي، والتعددي، فيما بينهم، لكي يروا أيهم يستطيع ~~أن يدس أكبر القنابل تحت بنائه الواحدي المحكم. على أن للهجوم الموجه من الموقف ~~الطبيعي تأثيرا خاصا، ولو شاء الفيلسوف أن يحتفظ بأي اتصال بعالم التجربة البشرية ~~اليومية، لكان عليه أن يصل إلى نوع من التفاهم مع الموقف الطبيعي في اعتراضاته هذه. ~~ولما كان يبدو بوضوح أن تجربتنا تثبت على نحو قاطع وجود عالمين منفصلين، فإن عبء ~~البرهان (أو البينة) ينبغي أن يقع على عاتق أي شخص يزعم أن هذه الثنائية ليست إلا ~~مظهرا. # الواحدية والموقف الطبيعي ~~: لا شك في أن عبء البرهان ~~هذا أثقل على الواحدي منه على القائل بالمذهب الميتافيزيقي المضاد؛ أي التعددي؛ ذلك لأن ~~من الممكن إقناع معظم الناس بأن العالم أعقد مما كانوا يظنون، وأن مكوناته الأساسية قد ms240 ~~تكون مكونات لا حصر لها. ولكن الأصعب من ذلك بكثير أن نقنعهم بأن تباينه وتعقده الظاهر ~~ليس إلا مظهرا فحسب، وأن كل الأشياء وكل التجارب - التي تشمل هذين العالمين المتعارضين ~~ذاتهما، عالم «المادة» وعالم «الذهن» ترتد أساسا إلى وحدة نهائية واحدة. على أن من حسن ~~حظ الواحدي أن هذا لم يعد اليوم يقتضي من الإسراف في الخيال ما كان يقتضيه من قبل، أو ~~أننا أصبحنا اليوم على الأقل معتادين على مثل هذا الإسراف؛ ذلك لأن المثقفين مهيئون ~~ذهنيا في الوقت الحالي لقبول رأي العالم الفيزيائي، القائل إن المادة تخرج إلى حد ~~بعيد عن نطاق الموقف الطبيعي. وقد أصبح في استطاعتنا أن نقبل القضية العلمية القائلة إن ~~قرص المنضدة ليس هو ذلك الشيء الصلب الساكن الذي تدركه حواسنا، كما أننا تكيفنا مع ~~الفكرة القائلة إنها كتلة دينامية مؤلفة من ملايين البروتونات والإلكترونات الدائرة. ~~وإذن فدهشتنا، على الأرجح، تكون أقل من دهشة أجدادنا عندما يعلن فيلسوف معين بكل جدية ~~أن التباين الظاهري للعالم ليس إلا قناعا يخفي ما هو في أساسه واحد، أو أن كل الأشياء ~~في نطاق تجربتنا ليست إلا مظاهر لمادة واحدة أو روح واحدة. وليس معنى ذلك أن في استطاعة ~~الواحدي، باستخدام تشبيهات ضعيفة أو استدلالات متهافتة، أن يدعم موقفه الآن بسهولة أكبر ~~مما كان يستطيع به ذلك في الماضي، بل إن كل ما يعنيه هو أن احتمال مواجهتنا لمثل هذه ~~الاقتراحات بالهتاف «غير معقول» قد أصبح أقل. فنحن قد أصبحنا أكثر استعدادا للاستماع ~~إلى وجهة نظر الواحدي، سواء أكنا متفقين معه أم لم نكن. ~~(2) مدارس الواحدية: المادية # هناك وجهان لنظرية الوحدة الميتافيزيقية ينبغي التفرقة بينهما. هذان الوجهان ينشآن من ~~كون مشكلة الواقع النهائي مسألة ذات طابع مزدوج في أساسها. فأولا: ما طبيعة الوجود؟ ~~وثانيا: ما عدده؟ وعلى حين أن قليلا من الفلاسفة هم الذين يحتفظون فعلا بالتفرقة بين ~~المشكلتين الكمية والكيفية، فمن المهم أن ندرك أن المشكلتين متميزتان من الوجهة ~~المنطقية. ولو لم نقم بهذا التمييز لشعرنا بالحيرة ms241 والارتباك عندما نصادف مفكرا يقول ~~بأن هناك نوعا واحدا فقط من الوجود (أي مادة أو جوهرا أو مبدأ واحدا)، ولكن يؤكد ~~بنفس القوة أن عدد الموجودات الفعلية غير محدودة. # 2 # إن من الصعب أن نحدد لأول وهلة أي نوع من الأنواع المتعددة للمذهب الواحدي هو الأكثر ~~إقناعا من غيره؛ ذلك لأن الاختيار محدود في نظر معظمنا، ممن نشئوا على نوع من ~~الثنائية. ويرى الفلاسفة أنفسهم عادة أن المادية هي النوع الأكثر إقناعا عندما يصادفه ~~المرء لأول وهلة، ولكنهم لا يقصدون من ذلك أن مجرد كونه يبدو أكثر إقناعا هو دليل ~~ضروري على حقيقته. وهناك مدرسة مادية متطرفة تذهب إلى أن المادة في مختلف صورها هي التي ~~تؤلف الوجود كله. فلا شيء يوجد ما عدا المادة، على الرغم من كل المظاهر التي تبدو ~~مخالفة لذلك، ولكن النوع الأكثر شيوعا بكثير في أيامنا هذه، هو ذلك النوع المعتدل من ~~المادية، الذي يرى أن المادة، وإن تكن هي الحقيقة الأساسية، فإن الذهن يمكن أن تعزى ~~إليه حقيقة ثانوية أو نصف حقيقة، تستمد من المادة أو تتوقف عليها. وتبعا لهذا الرأي ~~المعتدل يعد الذهن تطورا للمادة، أو تنظيما عضويا لها، أو ثمرة لها «مثلما تزدهر ~~النورة على الشجرة». # بعض مشكلات التعريف ~~: نستطيع أن ندرك على الفور أن ~~أي توحيد كهذا بين المادة وبين الواقع لا يمكن أن يكون له معنى إلا إذا عرف اللفظ ~~تعريفا مرضيا. ولكن من سوء الحظ أن المادي ذاته كان في كثير من الأحيان غير دقيق في ~~استخدامه لمصطلحاته الرئيسية. فقد كان، على وجه العموم، يكتفي بأن يستخدم لفظ «المادة» ~~بنفس المعنى الذي يستخدمها به العالم. وهكذا نصل إلى نظرة إلى الواقع تجعله في هوية مع ~~العالم الفيزيائي، الممتد مكانيا، والذي يسير وفقا لقوانين الحركة، بل إن المذاهب ~~المادية القديمة كانت في العادة تعرف «المادة» و«الحركة» بأنهما هما الحقيقتان ~~النهائيتان، ثم تحاول وضع مذاهب يرتد كل شيء فيها إلى هذين. أما اليوم فإن الفيلسوف ~~المادي يعرف الواقع عادة بأنه مرادف ms242 لعالم الحوادث الفيزيائية الكيميائية. وعلى ذلك ~~فالعالم الفيزيائي له الأولوية في نظر المذهب المادي؛ وبالتالي فإن المجالات الذهنية ~~والروحية الأخلاقية ينبغي أن تخضع لهذا العالم الفيزيائي، وتقنع بأن تعد أنفسها أوجها ~~له. # وكثيرا ما تثار أمام المادي مسألة كون مفهوم المادة يمر بتغير مستمر على يدي العلم، ~~ويكون المقصود من هذه الإشارة هو أن تشييد نظرة إلى العالم على أساس مفهوم غير مستقر ~~كهذا هو إجراء ميتافيزيقي مشكوك فيه. والواقع أن المادية تعترف بهذا التغير، ولكن ~~دعاتها لا يخشون هذه الحقيقة. فهي بوصفها فلسفة، على استعداد تام لتشييد بنائها على ~~العلم. وهي تفخر بصلتها الوثيقة بالعلوم، وتنظر إلى وصفها بأنها «فلسفة للعلم» وهو ~~الوصف الذي يوجه إليها أحيانا بازدراء، على أنه مديح يدعو إلى الفخر. وفضلا عن ذلك، ~~فإنها ترد على هذه التهمة القائلة إنها مبنية على مفهوم متغير، بالإشارة إلى أن المذهب ~~الذهني، والمذهب الروحي، والمذهب المثالي، وجميع المذاهب الميتافيزيقية التي تبنى على ~~الذهن أو الفكر بوصفه هو العنصر النهائي، تقف بدورها نفس الموقف. ذلك لأن مفهوم الذهن ~~بدوره يمر بتغير مستمر، بل إن «الذهن» قد مر في نصف القرن الأخير بتغير أكبر مما مرت به ~~«المادة». فقد أدى نمو علم النفس الحديث إلى تغيير عميق في مفاهيمنا عن أصل الذهن ~~وطبيعته ووظيفته. ومن الجائز أن فرويد وحده، بنظريته في اللاشعور، قد أحدث في أفكارنا ~~عن طبيعة الذهن تغييرا أعظم من كل ما أحدثه علماء الفيزياء في الأعوام الخمسين الأخيرة ~~من تغييرات في آرائنا عن طبيعة المادة. # المادية الكلاسيكية في مقابل المادية الحديثة ~~: كان ~~المذهب الذي يمكن تسميته بالمادية الأقدم عهدا، أو الكلاسيكية، ينظر إلى المادة على ~~أنها مؤلفة من جزئيات صلبة دقيقة يؤثر بعضها في بعض بطريقة آلية محضة؛ أي بالتصادم ~~بعضها مع بعض ككرات البلياردو. وكانت المادة تعد جامدة أو «ميتة»، وكل التغيرات أو ~~الحوادث تعد نتيجة لتعديل هذه الجزئيات لمواقعها. غير أن تقدم الفيزياء الحديثة قد أدى ~~إلى القضاء على هذه النظرية القديمة، التي تعرف عموما ms243 باسم المذهب الذري الآلي. فلم ~~تعد المادة تعد «ميتة»، أو حتى صلبة. والشيء الوحيد الذي ظل دون تغير هو تركيبها ~~الانفصالي، أو طابعها الذري العام. وبدلا من الجزئيات الصلبة الجامدة، أصبحت المادة ~~تعد الآن «طاقة منظمة مرتبة في نماذج أو أنماط» # 3 ~~، بحيث إن العالم المادي يعد اليوم متصفا بكثير من الخصائص الدينامية التي ~~كانت من قبل ترتبط بعالم الذهن أو الروح وحده. ولم تعد المادية اليوم تتحدث عن «المادة» ~~وكأنها حد نهائي، وإنما أصبحت تقتدي بالعلم وتتحدث عن «الطاقة». وكثيرا ما أصبح يعترض ~~اليوم بأن لفظ «المادية» لم تعد له أية صلة بالمذهب الذي يفترض أنه يصفه، وقد اقترح لفظ ~~«مذهب الطاقة # Energism ~~» بديلا عنه. ومع ذلك فإن ~~المفكرين الذين يرون أن العالم الفيزيائي الكيموي هو النهائي، يفضلون في عمومهم ~~الاحتفاظ باللفظ التقليدي - ولكن على أن يكون مفهوما أن «المادة» لا تعني تفسير الواقع ~~على أساس ذرات متحركة، وإنما تشير إلى إرجاع التجربة والوجود معا إلى أية وحدات أساسية ~~تقول بها العلوم الفيزيائية. # 4 ~~. # وسواء أقمنا بتغيير في المصطلح أم لم نقم، فمن الضروري أن نفهم الفارق بين المذاهب ~~المادية القديمة والمعاصرة. ولو لم نفهم هذا الفارق لما كانت انتقاداتنا لهذا النوع ~~الأول الكبير من المذهب الواحدي إلا من قبيل ذلك النشاط العقلي العقيم المعروف باسم ~~«مهاجمة رجل من القش». والواقع أن كثيرا من الهجمات الموجهة إلى المادية، والتي تسمع ~~اليوم في الأوساط المثالية، إنما تستهدف آراء لم يعد أي ممثل للمدرسة المادية يقول بها. ~~ومما لا شك فيه أن الهجوم على الأشكال المعاصرة للواحدية المادية هو عمل يمكن أن يشغل ~~المثالي بما فيه الكفاية، دون أن يضطر إلى أن ينفض الغبار عن آراء تاريخية لكي يسدد ~~حربة إلى أجسادها التي تسهل إصابتها بالجروح. # نظرة أوسع إلى المثالية ~~: سوف تتكون لدينا صورة أوضح ~~للمادية، الماضية منها والحاضرة، إذا نظرنا إليها على أنها المذهب الذي يرى أن الواقع ~~في هوية مع العالم الفيزيائي، بدلا من أن ننظر إليها على أنها ms244 مذهب مبني على المادة. ~~والواقع أن هناك مزايا واضحة للأخذ بهذا التفسير للمادية. فهو أولا يوفر علينا أي جدل ~~فني متخصص حول طبيعة المادة. وهو ثانيا رأي يمكن أن يظل صامدا لكل التغيرات التي تطرأ ~~على الفهم العلمي «المادة». وهو ثالثا يؤدي بنا إلى وضع التأكيد في الموضع الذي يضعه ~~فيه المادي ذاته؛ أعني في العالم الطبيعي في مقابل أي نوع من العالم فوق الطبيعي. فإذا ~~نظرنا إلى المادية على هذا الأساس، لاتضح لنا أنها هي اللب الأنطولوجي لنظرة إلى العالم ~~أوسع منها بكثير، هي المذهب الطبيعي. وعلى هذا النحو تتضح لنا علاقة الواحدية المادية ~~بميدان الفلسفة بأسره، ونعود مرة أخرى إلى مواجهة القطبين الميتافيزيقيين اللذين طالما ~~واجهناهما من قبل، وأعني بهما المذهبين المثالي، والطبيعي. # الآراء المادية في الذهن ~~: من الواضح أنه، أيا كان ~~المذهب الذي نختاره من بين المذاهب الواحدية الكبرى، فلا بد لنا أن نواجه على الفور ~~مشكلة كبرى: هي كيفية تفسير الوجه المضاد في تجربتنا من خلال المذهب الذي اخترناه. ~~وهكذا فإن المادية تواجه أشق اختبار لها عندما تحاول تفسير الذهن أو الوعي من خلال ~~العالم الفيزيائي، على حين أن النقطة التي يرجح أن الواحدية الروحية تنهار عندها هي تلك ~~التي تحاول فيها استخلاص العالم الفيزيائي من الذهن أو الروح. وعلى ذلك فإن المهمة التي ~~تواجهنا الآن هي أن نبين كيف تفسر المادية وجود الذهن في الكون. # إن هناك طرقا ثلاثا لتحديد العلاقة بين الذهن والمادة في إطار المذهب المادي، ولهذه ~~الطرق أهمية تاريخية؛ ففي استطاعتنا أولا أن ننظر إلى الذهن على أنه مجرد صفة # Attribute # للعالم المادي، تربطه به العلاقة المعتادة التي ~~تربط بين الصفة وجوهرها. ونستطيع ثانيا أن ننظر إلى الذهن على أنه نتيجة (أو معلول) ~~للمادة، بحيث إن اللفظ المستخدم للتعبير عن هذا الرأي، وهو «المادية العلية »، يوضح ~~العلاقة بين عالمي الذهن والمادية. وأخيرا توجد «مادية توحيدية # Equative Materialism ~~» ترى أن النشاط الذهني في ~~حقيقته ذو طبيعة مادية. # 5 # ومن الواضح أن هذا الأخير ms245 هو أكثر المواقف الواحدية تشددا من بين المواقف ~~الثلاثة الممكنة؛ لأنه يحاول تأكيد أن الذهني إنما هو ذاته المادي. أما «المادية ~~الصفاتية # Attributive ~~» فتكاد تكون أغمض من أن تلقي ~~ضوءا على الموضوع؛ لأن العلاقة بين الجوهر وصفاته علاقة يصعب تعريفها. وأما الموقف ~~الثاني أو العلي، فهو الموقف الذي يفضله علم النفس الحديث على غيره. وهذا ما ينبغي ~~أن نتوقعه؛ لأن علم النفس، شأنه شأن أي علم آخر، يحرص أساسا على تنظيم ظواهر داخل إطار ~~من القوانين العلية. # الموقف المعاصر ~~: يمكننا أن نصف العلاقة بين العامل ~~الفيزيائي والعامل الذهني، في ضوء موقف المادية المعاصرة، على النحو الآتي: فالذهن أو ~~الوعي يعتمد على حركة المادة؛ أي على العنصر المادي المؤلف من المخ والجهاز العصبي ~~المركزي، أو بعبارة أدق، فهو يعتمد على الحركة في داخل المادة؛ إذ إن العمليات الذهنية ~~تعد نوعا من الطاقة العصبية، يرتبط بتغيرات الطاقة داخل الجهاز العصبي كله. ويحاول ~~البعض أحيانا التوحيد تماما بين العمليات الذهنية والعصبية، كما رأينا من قبل في ~~الفصل المتعلق بالذهن. وهذه «المادية التوحيدية» ترى أن العملية الذهنية أو الحادث ~~الذهني في الوعي ليس إلا تغيرا عصبيا - وهو موقف يختلف عن الموقف الأقل تطرفا ~~للمادية العلية التي نحن بصدد وصفها والتي ترى أن العنصر الذهني نتيجة لتغيرات ~~الطاقة في الجهاز العصبي أو معتمد عليها. والواقع أن وجهة النظر التوحيدية المتطرفة ~~سرعان ما تصادف صعوبات، وذلك في نظر معظم الفلاسفة على الأقل؛ ذلك لأنه، رغم أن من ~~الأمور التي لا يكاد يتطرق إليها شك أن الوعي يستقر في المخ، ويرتبط بالتغيرات العصبية ~~التي تحدث فيه، فإن أي توحيد بين الاثنين هو أمر يتنافى مع الفكر واللغة. فالقول إن ~~الوعي هو ذاته «الحركة» أو «الطاقة» هو إما استخدام لهذين اللفظين في غير معناهما ~~المقبولين، وإما قول لا يعني شيئا على الإطلاق. # والاعتراض في هذه الحالة هو أن مثل هذا الرأي ينطوي على القول بأن العمليات الذهنية ~~ليست إلا مظهرا خداعا لخصائص معينة للمادة، على حين أن تجربتنا ms246 في الموقف الطبيعي ~~تمنع من إرجاع الوعي إلى المادة على هذا النحو، بل إن أصحاب هذا الاعتراض يرون أننا لا ~~نستطيع حتى أن نتصور كيف يمكن أن يكون الإحساس نتيجة لحركة من نوع ما، ميكانيكية كانت ~~أم عصبية. ومع ذلك فإن المادي التوحيدي يرد، كما رأينا في فصل سابق، بأن «استحالة ~~التصور» ليست دليلا على الإطلاق، كما اتضح مرارا خلال تاريخ الفلسفة. وهو يواصل رده ~~قائلا إنه لما كانت الحركة تبدو هي الظاهرة الشاملة المصاحبة لكل الحوادث في الكون، ~~فهلا يكون من المنطقي أن نفترض أنها موجودة أيضا في كل حادث ذهني؟ # مشكلة المصطلح ~~: من الواضح أن المناقشة في هذا الصدد ~~سرعان ما ترتد إلى مسألة تعريفات ومصطلح. فيبدو أن المسألة الرئيسية هي ما إذا كانت ~~الحركة الفيزيائية سببا وعنصرا مصاحبا # Accompaniment # أم هي المعادل الفعلي للعملية الذهنية. والواقع أن أغلب الماديين المحدثين يلجئون إلى ~~الشكل العلي للمذهب، فيرون أن كل تغير ذهني ناتج عن تغير فيزيائي من نوع ما - وكما ~~يعبر عالم النفس عن هذه الفكرة، «فليس ثمة حادث نفسي بدون حادث عصبي». أما التحديد ~~الدقيق للطريقة التي يستطيع بها التغير العصبي أن يؤدي إلى إحداث تغير ذهني، فهو مشكلة ~~تترك لعالم الأعصاب وعالم النفس. وللعلماء في هذين الميدانين نظريات متعددة، بعضها ~~منطقي ومقنع، ومع ذلك فإن الطريقة التي تسبب بها الحوادث العصبية حوادث نفسية تظل، آخر ~~الأمر، نوعا من اللغز الغامض، ويعترف المادي بأننا لا نعرف حتى الآن إلا القليل جدا ~~عن هذه المسألة الحاسمة، ولكن ثقته الكبيرة بالعلم من حيث هو أسلوب لحل «الألغاز»، ~~تجعله لا يشعر بالهزيمة من جراء حالة الجهل هذه، وإنما هو يؤمن بأن افتراض وجود أساس ~~مادي من نوع ما للذهن، هو افتراض أكثر منطقية (وأكثر اتساقا بالتأكيد مع بقية معارفنا ~~العلمية) من الاقتداء ببعض المذاهب المثالية وافتراض وجود «ذهن» لا صلة له بالأصول ~~الفيزيائية، ومستقل عن التغيرات الفيزيائية. # ولعلنا نذكر مما قلناه في الفصل الذي قدمناه عن «الذهن» (الفصل السادس) من أن ms247 مثل هذا ~~الاعتماد السببي للذهن على الجسم لا يؤدي بالضرورة إلى واحدية فيزيائية تامة. ففي وسع ~~المرء أن يقول، مع أنصار نظرية الانبثاق بأن الذهن قد ظهر نتيجة لمستوى جديد من التنظيم ~~العصبي، ولكنه يستطيع في الوقت ذاته أن يقول إنه، بمجرد انبثاقه، قد أصبح يكون حقيقة ~~مستقلة في الكون، تتميز كيفيا عن العالم المادي. وعلى حين أن مثل هذا الموقف ليس ~~مستبعدا منطقيا، فإن معظم دعاة الانبثاق كانوا من الماديين السببيين، من ذلك النوع ~~الذي نصفه الآن؛ لأن أي اعتماد سببي يبدو أنه يحيلنا إلى ميتافيزيقا واحدية. ومن الواضح ~~أنه لما كان الرأي الحالي يجعل الذهن متوقفا على الجسم والعمليات الجسمية في وجوده ~~ذاته، فإن الحصيلة النهائية لا بد أن تكون نظرة مادية إلى العالم. وفي مثل هذه النظرة ~~يكون الواقع النهائي فيزيائيا أو ماديا، ومع ذلك يكون للعالم الذهني نوع مشتق أو ~~غير مستقل من الحقيقة. ~~(3) مدارس الواحدية: المذهب الروحي # ينبغي أن يلاحظ أن الواحدية التي وصفناها الآن هي واحدية حقيقية، وليس فردانية. ~~فالواحدية فيها ترجع جذورها إلى «مادة» واحدة نهائية، لا إلى موجود واحد من نوع ما. ~~وبينما الواحدي المادي قد يذهب إلى أن كل ما هو موجود متضمن في الكون الفيزيائي، فإنه ~~يؤكد تفرد «المادة» التي صنع منها الكون، لا كليتها الشاملة الجامعة. أما إذا انتقلنا ~~إلى المذاهب الواحدية الروحية، فهناك احتمال أقوى بكثير في أننا سنجد أنفسنا إزاء مذهب ~~فرداني # Singularism # وقد وصفنا هذا المذهب من قبل بأنه ~~يقول إن الأشياء كلها ليست إلا أجزاء أو فتاتا من الكل أو المجموع الشامل، وتحدثنا عن ~~المثالية المطلقة بوصفها المثل الكلاسيكي لهذا المذهب. ولقد كان هناك دعاة للمذهب ~~الروحي التعددي (مثل ليبنتس وباركلي مثلا)، يرون أن الأذهان الفردية أو «الأرواح» ~~مستقلة بعضها عن البعض بدرجات متفاوتة، ولكن المذهب الفرداني والواحدية الروحية قد ~~أصبحا في الفلسفة القريبة العهد شبه مترادفين. # الحجج الرئيسية للواحدية المثالية ~~: هناك عدة حجج ~~تساق لتأييد الواحدية المثالية أو الروحية، غير أن من الممكن إرجاع ms248 هذه الحجج إلى حجتين ~~أساسيتين: # الأولى: هي حجة باركلي التي أصبحت الآن مألوفة، والتي هي أساس نظرية المعرفة المثالية ~~الحديثة: فكل وجود كما نعرفه متوقف على التجربة، ومن ثم فكل وجود متوقف على القائم بهذه ~~التجربة، الذي هو الذهن أو الروح أو الوعي. وعلى ذلك فإن الأذهان أو الأرواح وأفكارها ~~هي كل ما يوجد؛ وبالتالي فإن الذهن أو الروح هو الحقيقة النهائية. والحجة الثانية تشير ~~إلى واقعة لا يمكن إنكارها، هي أننا نحس بأنفسنا أو «ندرك» أنفسنا على أننا موجودات لا ~~مادية أو روحية، لا يمكن التوحيد بين وجودها وبين وجود الأجسام المادية. وقد قبل كثير ~~من المفكرين المثاليين هذا الشعور الحدسي دون مناقشة، وهو في نظرهم يمثل حجة قوية في صف ~~الواحدية الروحية. وقد يعترض على ذلك بأن شعورنا بأنفسنا بوصفنا موجودات روحية، حتى ~~لو كان حدسا صائبا لا يثبت أن الكون في مجموعه ذو طبيعة نهائية روحية. غير أن لهذا ~~الحدث أهمية عظمى في البحوث الميتافيزيقية بالنسبة إلى المثاليين من جميع المدارس، ~~الذين يرون أن طبيعة الإنسان تكشف خصائص الطبيعة الكونية. «فتركيب الواقع مماثل لتركيب ~~أذهاننا». ولما كنا نعرف أننا موجودات روحية، فإن لنا الحق في القول إن العالم ذو طابع ~~روحي. # التفسير الروحي للمادة ~~: من الواضح أنه، مثلما أن ~~أكثر الصعوبات التي تواجهها الواحدية المادية هي تفسير مصدر الذهن وطبيعته، فإن المذهب ~~المضاد لها، وهو الواحدية المثالية، ينبغي أن يواجه صراعا عاتيا مع المشكلة المضادة. ~~فلم توجد المادة - أو إذا شئنا أن نرد السؤال إلى أقرب أمثلته إلى البشر، فلنقل: لم ~~كان للذهن جسم؟ إن الموقف الطبيعي يرى أن كثيرا من الردود التي تقدمها المثالية إنما ~~هي أمثلة بارزة لمغالطة وضع العربة قبل الحصان. غير أن بعض هذه الردود منطقية صائبة، ~~وهي تغدو مقنعة تماما إذا ما قبلنا المسلمة الأصلية لكل تفكير مثالي. ولعل أقوى هذه ~~الحجج اثنتان؛ الأولى: هي أن الذهن يحتاج إلى الجسم بوصفه أداة للعمل الفعال؛ إذ إن ~~الأفكار لا تغدو فعالة إلا إذا ms249 تم السلوك بمقتضاها، وهذا السلوك يحتاج إلى كائن عضوي ~~مادي. والثانية: هي أن الذهن يحتاج إلى الجسم بوصفه أداة للاتصال. فنحن، بوصفنا كائنات ~~عضوية، أشبه «بعوالم من الجزر»، منعزلون عن غيرنا من الكائنات الروحية، ولا يمكننا أن ~~نتصل بعضنا ببعض إلا من خلال حواسنا - «فالنفس تخاطب النفس من خلال البدن» - والجهاز ~~الحسي فيزيائي أو مادي بالضرورة. ومن هنا كانت حاجة الذهن إلى الجسم. # على أن لدى الواحدي المادي - كما قد نتوقع - ردودا على كل من هاتين الحجتين، أو ~~لديه على الأصح ردا واحدا يسري عليهما معا. فهو يرى أن الحجتين معا تفترضان نفس ~~الشيء الذي نسعى إلى إثباته؛ أعني ضرورة وجود عالم فيزيائي أو مادي. «فالجسم» لا يكون ~~لازما للعمل الفعال إلا في عالم فيزيائي موجود من قبل. وبعبارة أخرى فنحن لا نحتاج إلى ~~الأجسام لكي نخرج الأفكار إلى حيز التنفيذ. إلا لأننا نحيا في عالم من الأشياء المادية، ~~وضمنه الأجسام الأخرى. ولو كان الكون بأسره روحيا أو ذهنيا، لما احتجنا إلى الأجسام ~~المادية لكي تكون أدوات للفعل أو وسائل للاتصال. ففي وسعنا أن نتصور قطعا، في عالم من ~~الوجود اللامادي، أن تتمكن الأذهان من الاتصال بالأذهان الأخرى والتأثير فيها مباشرة، ~~دون أن تضطر إلى استخدام الأداة القاصرة التي تتيحها آليات الإحساس. # معركة المذاهب الواحدية ~~: في معركة المذاهب ~~الواحدية، يشعر كل جانب بأن موقفه يحتاج إلى مسلمات أصلية أقل، ولا يترك من النهايات ~~غير القابلة للتفسير إلا عددا أبسط، فكل من الطرفين يعترف بأنه يلاقي صعوبة في تفسير ~~وجود العالم المضاد، ولكن كلا منهما يشعر أيضا بأنه يستطيع القيام بهذا التفسير على ~~نحو أفضل مما يقوم به خصمه. مثال ذلك أن المثالي يعترف بأن الأجسام وأجهزتها الحسية ~~تبدو وسائل غير كافية للاتصال، أو أدوات غير كافية للعمل. ولكنه يرى أن القول بأن ~~الوسائل المادية عاجزة عن تحقيق الأغراض الذهنية هو أمر أقرب إلى المعقول من القول بأن ~~المصدر الذهنية كافية لتفسير وجود الذهن. وبعبارة أخرى، فإذا سلمنا بأن لكل موقف ms250 نقاط ~~ضعفه، فإن المثالي يرى أن الأجزاء الواهنة عنده أقل ضعفا من تلك الموجودة في المذهب ~~المادي. وينظر المادي من جانبه إلى مسألة بطريقة مماثلة؛ فهو يسلم بأن من الصعب تفسير ~~الذهن على أساس الفرض المادي، غير أنه يذهب إلى أن هذه الصعوبة ليست إلا لهو أطفال إذا ~~ما قورنت بالمشكلات التي تواجهها المثالية عندما تبدأ مقدماتها الذهنية. وينتهي المادي ~~من ذلك إلى القول بأن من أكبر المشكلات التي تواجه المثالي كيفية إرضاء الموقف الطبيعي. ~~ذلك لأن الاعتقاد بأن الذهن قد تطور أو انبثق من المادة، هو قطعا أقرب إلى المعقول من ~~الاعتقاد بأن «الذهن» الشامل كان عليه أن يولد العالم المادي لكي يجعل منه مسرحا يمارس ~~عليه فاعليته. ولا يبدو هذا الرأي الأخير، في نظر صاحب المذهب المادي، أقل إقناعا من ~~نظرية «فشته» القائلة إن «الذهن» (أو الأنا، في مصطلحه الخاص) يخلق لذاته عالما ~~خارجيا ماديا لأن الإنسان في أساسه موجود أخلاقي يحتاج إلى عالم مادي صلب يقاومه - ~~فالأنا في نظر «فشته» يعتمد أن يضع أمام ذاته حدا من أجل أن يتغلب على هذا الحد، ~~والإرادة تخلق المادة بوصفها عقبة لذاتها، حتى تمارس طبيعتها الأخلاقية في ذلك السعي ~~المستمر. والواقع أن الواحدي المادي يرى أن موقف فشته هذا، رغم ما يتصف به من امتناع، ~~إنما هو النتيجة المنطقية لذلك الانقلاب الذي يعكس به المثالي وضع العربة والحصان ~~الميتافيزيقيين. فهو يحذرنا قائلا: إذا بدأت بالمقدمة المثالية الروحية، فسوف ينتهي بك ~~الأمر، بطريقة منطقية خالصة، إلى حماقة فشته. ~~(4) الواحدية المحايدة # لا بد أننا قد أدركنا الآن أن كلا من هذين المذهبين الواحديين يمثل تبسيطا مفرطا ~~للمسألة الأساسية. فكلاهما يبدو وقد وقع أحيانا في مغالطة الرد # Reductive Fallacy ~~، وكلاهما يبدو مصابا بعمى ~~جزئي فطري بالنسبة إلى إدراكه لأهمية جوانب معينة في التجربة البشرية. ومع ذلك فإن ~~الجدل الذي احتدم بين المدرستين قرونا طويلة قد أفاد الفلسفة في نواح متعددة. فقد كشف ~~هذا الجدل عن الطابع الأساسي للمسألة موضوع البحث، وبين عقم الحلول ms251 المبسطة لمشكلة ~~الواقع، كما أنه أرغم كلا من الجانبين على أن يزداد تعمقا، فكشف بذلك عن متضمنات ~~كثيرة جديدة للتجربة أصبحت جزءا من تراثنا العقلي الدائم. وأخيرا فإن هذا الجدل حين ~~كشف عن عدم كفاية الموقفين المتطرفين (أعني حين كشف ذلك للجميع فيما عدا أولئك الذين ~~يقولون بوجهة النظر نفسها) قد دفع المفكرين إلى البحث عن حلول أشمل وأكثرا إقناعا. ~~وهكذا فإن ذلك الخلاف، الذي كان في بعض الأحيان مريرا، كان نافعا بقدر ما كان ~~محتوما. فقد تعلمنا منه الكثير، حتى وإن يكن عدد أولئك الذين وجدوا فيه إجابات مرضية ~~تماما قليلا بحق. # ولقد اقترح اسبينوزا، في أوائل عهد الفلسفة الحديثة، حلا يعد واحدا من الحلول ~~الشاملة لهذه المشكلة الميتافيزيقية. هذا الحل هو النظير الأنطولوجي لنظرية «الوجهين» ~~التي قال بها اسبينوزا بشأن العلاقة بين الذهن والجسم، وهي النظرية التي عرضناها في ~~الفصل السادس. ويعرف موقف اسبينوزا أحيانا «بالواحدية المحايدة # Neutral Monism ~~»، كما يشار إلى مذهبه بالقول إن الواقع النهائي ~~ليس ذهنيا ولا ماديا، وإنما هو جوهر محايد، يكون الذهن والمادة مجرد صفات له. هذا ~~الرأي، كم قلنا من قبل، ينظر إلى ذهن الإنسان وجسمه على أنهما مجرد وجهين لنفس الجوهر ~~الواحد الكامن من ورائهما. وهكذا فإن تسميتنا للحادث «ماديا» أو «ذهنيا» تتوقف على ~~الطريقة التي ننظر بها إليه. فإذا ما نظرنا إليه من خلال وجه معين (أي علاقات معينة) ~~لبدا لنا حادثا ذهنيا، وإذا نظرنا إليه من خلال الوجه المادي، لبدا لنا بالطبع ~~حادثا جسميا، ولكن الواقع أنه هو نفس الحادث، لا يمثل إلا تعديلا لنفس الجوهر ~~الواحد. # مذهب اسبينوزا ~~: على الرغم من أن الواحدية المحايدة ~~لا ينبغي أن تعد هي ومذهب اسبينوزا شيئا واحدا، فإن تفكير اسبينوزا هو الممثل ~~الكلاسيكي لوجهة النظر هذه؛ لذلك فإن خير ما يمكننا عمله هو أن ندرس بعض تفاصيل هذا ~~المذهب. فاسبينوزا يرى أولا أن هذا الجوهر الشامل هو الموجود الحقيقي الوحيد، وليست كل ~~الأشياء الأخرى، المادية منها والذهنية على السواء، إلا صفات أو ms252 أحوالا له. وهو يعرف ~~هذا الجوهر صراحة بأنه «ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته»، وفضلا عن ذلك فالجوهر هو ذاته ~~الله. فكل ما يوجد هو الله أيضا، ولما كان الجوهر أو الله واحدا أزليا لا متناهيا، ~~فإن الواقع بدوره واحد أزلي لا متناه. ويمتد هذا التوحيد بين الله والجوهر والواقع، في ~~مذهب اسبينوزا، بحيث يشمل الطبيعة. ويقتصر اسبينوزا عادة، في مصطلحه الخاص، على استخدام ~~اللفظين الأخيرين من هذه السلسلة الشاملة، ويتحدث في العادة عن «الله أو الطبيعة # Deus Sive Natura ~~». # وسوف تتاح لنا في فصولنا الأخيرة فرصة الكلام بمزيد من التوسع عن هذا التوحيد بين ~~الله والطبيعة، الذي يعرف في المصطلح الفلسفي باسم «مذهب شمول الألوهية Pantheism ~~»: على أن التفاوت في ردود الفعل على مذهب ~~اسبينوزا، سواء في حياته وفيما بعد، يوضح مدى صعوبة تقدير هذا المذهب بطريقة مرضية. فقد ~~لقي أثناء حياته اضطهادا من الكاثوليك والبروتستانت واليهود معا (وكان هو ذاته ~~يهوديا)، وكان يطلق عليه اسم ذلك «الملحد اللعين»، وبعد قرن من الزمان وصف بأنه «رجل ~~منتش بالله»، ومنذ ذلك الحين رفع إلى مرتبة هي أقرب المراتب التي عرفتها الفلسفة ~~الحديثة إلى القديسين. وحقيقة الأمر هي، على ما يبدو، أن إرجاع الذهن والمادة إلى جوهر ~~واحد مشترك لا يستتبع بالضرورة أية نظرية بعينها في وجود الله، ومع ذلك فإننا لو بدأنا ~~بمصادرة الواحدية المحايدة، فإن أية ألوهية تبدو في مذهبنا ينبغي بالضرورة أن تكون ذات ~~طابع شمولي أو حلولي. # تقدير نهائي ~~: إن حكمنا العام على الموقف الحيادي لا ~~بد أن يكون إلى حد بعيد تكرارا لحكمنا على نظرية «الوجهين» في طبيعة الذهن. ولا بد ~~لنا أن نؤكد مرة أخرى أن الإنسان في موقفه الطبيعي لا يجد في طريقة وصف الواقع على هذا ~~النحو معنى كبيرا. كما ينبغي أن نشير إلى أن أي رأي كهذا إنما يوجد في فراغ، من حيث ~~قابليته للتحقيق؛ إذ لا توجد أية وسيلة يمكن تصورها، نستطيع بها أن نثبته أو نفنده. ~~وحتى لو تسنى لعالم ms253 النفس في يوم ما إن يحقق نظرية «الوجهين» في علاقة الذهن بالجسم، ~~فإن هذا لا يثبت أن من الممكن التوسع في النظرية بحيث تصبح نظرة شاملة إلى العالم. ~~وهكذا فإن مذهبا كمذهب اسبينوزا لا بد أن يظل، بالنسبة إلى جميع الأغراض العملية، ~~عقيما من الناحية العلمية، مهما تكن أهميته الأخلاقية. # ولكن لا بد لنا، لكي نكون منصفين لهذا النوع من الواحدية، أن نعترف بأن جميع المذاهب ~~الميتافيزيقية توجد بدورها، في نهاية الأمر، في فراغ كهذا من حيث قابليتها للتحقيق. ~~فكلها تمثل تركيبات منطقية، لا بناءات فكرية مستمدة من التجربة. والواقع أن المذاهب ~~الميتافيزيقية ليست امتدادا منطقيا هائلا لتجربة الإنسان فحسب، بل إنها تعترف صراحة ~~بتجاوزها للتجربة؛ أي بأنها بعيدة عن منال التجربة. وهذا الطابع البعيد عن التجربة ~~للمذهب الميتافيزيقي يظهر بوجه خاص في حالة الواحدية المحايدة؛ إذ إننا لا نستطيع حتى ~~أن نتصور ما يمكن أن يكون طابع ذلك الجوهر الثالث الذي لا يكون الذهن والمادة إلا وجهين ~~له. فهو لا يتجاوز تجربتنا وحدها، بل يتجاوز خيالنا أيضا. وحتى لو أمكننا أن نتصور هذا ~~الكيان المحايد - وهو أمر مشكوك فيه - فإننا لا نستطيع قطعا أن نتخيل أو نتصور على أي ~~نحو يمكن أن تكون طبيعته. ولن يعيننا في فهمنا على الإطلاق أن نطلق اسم «الله»، ما دامت ~~الأفكار الغامضة الموجودة في أذهان معظمنا عن الله، لا تتفق هي ذاتها مع هذه الألوهية ~~الاسبينوزية. # وبالاختصار، فعلى حين أن الواحدية المحايدة تتجنب المواقف المتطرفة، والتبسيطات ~~المفرطة الممكنة لدى كل من منافسيها الواحديين، فإنها تبدو أقل منهما ذاتهما تقديرا ~~لثراء التجربة البشرية وتعقدها. صحيح أن هذا المذهب يدمج هذه التجربة في كل موحد، على ~~حين أن المذهبين الواحديين الآخرين يشطرانها فيما بينهما إلى حد يؤدي إلى اليأس من ~~استعادة وحدتها. ومع ذلك فإن كلا من الحلين المتطرفين اللذين يأتي بهما كل مذهب، يبدو ~~أقرب إلى الصواب بوصفه تفسيرا للواقع أو لتجربتنا في الكون المحيط بنا. # ولكن لنتأمل الآن ما تستطيع المواقف الميتافيزيقية الممكنة ms254 الأخرى أن تقدمه ~~إلينا. # الفصل العاشر # | الميتافيزيقا: الثنائية والتعددية # درسنا في الفصل السابق ثلاثة أنواع من الواحدية، ووجدنا أن الأنواع الثلاثة جميعا تواجه ~~صعوبات - قد يكون بعضها صعوبات تقضي على المذهب بأسره. ولقد كان إخفاق الواحدية - الحقيقية ~~أو المزعومة - يؤدي إلى القول بنوع من الثنائية. وأهم ما تقول به الثنائية. بإيجاز، هو أن ~~الواقع يتألف من كيانين أو جوهرين أو مبدأين نهائيين لا يردان إلى غيرهما. ويختلف المفكرون ~~في طريقة تصورهم للتقابل بين هذين العنصرين النهائيين، وإن كانوا في معظم الأحيان يسمونهما ~~«بالذهن» و«المادة» أو «الروح» و«المادة»، وفيما يتعلق بالطبيعة البشرية، يؤكد المذهب ~~الثنائي التضاد بين «الجسم» و«النفس» أو «البدن» و«الروح». وقد يتحدث الفيلسوف الثنائي ~~أحيانا عن «وجود مادي» في مقابل «الوجود الذهني»، فأفلاطون مثلا قد وضع تقابلا بين ~~العالم المحسوس (ويعني به العالم المدرك حسيا) وبين العالم المعقول (أي الذهني أو ~~التصوري). أما الثنائيون اليوم فيفضلون الكلام عن العالم المادي في مقابل العالم الروحي. ~~ولكن أيا كانت طبيعة هذا التقابل، وسواء أكانت تعبر عنه أسماء أم صفات، فإن وجهة النظر ~~العامة تظل واحدة؛ فهناك نوعان من الوجود، ينفصل كل منهما تماما عن الآخر. والواقع أن ~~لفظ «الثنائية» يشرح نفسه بنفسه، على شرط أن ننظر إليه في مفهومه الميتافيزيقي على أنه يدل ~~على انقسام أساسي في داخل الوجود. # ومن الضروري بالنسبة إلى أي مذهب ثنائي أصيل أن يكون المبدآن النهائيان اللذان يتحدث ~~عنهما غير قابلين للرد؛ أعني ألا يكون من الممكن إرجاع أحدهما إلى الآخر، وألا يكون من ~~الممكن إرجاع أحدهما أو كليهما إلى مبدأ ثالث له الأولوية عليهما معا. وبعبارة أخرى، فإن ~~الثنائية الأصلية لا تنظر إلى مبدأيهما الأخيرين - أيا كان اسمهما - على أنهما مجرد ~~مظهرين مختلفين لشيء أهم منهما. وفضلا عن ذلك فإن الثنائية تعتقد أن هذا الانقسام في داخل ~~الوجود دائم، لا مجرد حالة عارضة تزول بمضي الوقت بفضل ازدياد اصطباغ الواقع بالصبغة ~~الروحية أو المادية. وهكذا يفترض أن الانقسام كامن في طبيعة الوجود ذاته - وليس مجرد ms255 وجه ~~سطحي للأشياء. # وتفترض الثنائية عادة أن عالمي الوجود هذين ~~مستقلان تماما، بحيث تكون لكل منهما قوانينه الخاصة وعملياته الخاصة. وفضلا عن ذلك ~~فإنهما يعدان عادة متقابلين. ويتمثل ذلك بوضوح في تلك الثنائية الكلاسيكية التي عرفها ~~الكثيرون منا طوال حياتهم عن طريق المسيحية، وهي عقيدة ثنائية في آرائها التي تنتمي إلى ~~مجال الميتافيزيقا والأخلاق وعلم النفس. ولقد كان هناك، في العهود القديمة والوسطى المسيحية ~~بوجه خاص، اتجاه إلى النظر إلى الحياة البشرية على أنها حرب لا تنقطع بين «البدن» و«الروح»، ~~وكان المفروض أن نتيجة هذه الحرب التي تدوم طوال الحياة هي التي تحدد مصير النفس الفردية ~~بعد الموت في الجنة أو النار. فإذا تركنا «البدن» ينتصر في هذه الحرب، فستكون النار مقرا ~~أبديا لنا، أما إذا كسبت «الروح» الصراع، كان مصيرنا إلى الجنة. وكثيرا ما كان المسيحيون ~~الأوائل ينقلون الحرب إلى منطقة الجسم ذاتها، بأن يأبوا عليه الغذاء والنوم اللازم، أو حتى ~~الكساء الكافي لتدفئة الجسم. وعلى هذا النحو تضخم الصراع بين الجسم والنفس واتخذ طابعا ~~دراميا. غير أن هذه الأساليب الزاهدة ليست إلا مظهرا مبالغا فيه للتقابل الثنائي بين ~~مستوى الواقع النهائي، وهو التقابل الذي تفترضه المسيحية من حيث المبدأ. ~~(1) الثنائية في المجال الأخلاقي # على أن المسيحية لا تحتكر وحدها هذا النوع من الثنائية، كما يتضح من هذه الحقيقة، وهي ~~أن هناك كثيرا من الفلسفات الدينية الشرقية كانت تبدي اهتماما متساويا، وربما ~~اهتماما أعظم، بوجود ثنائية أساسية في مجال الأخلاق. وفضلا عن ذلك فإن الثنائية ~~الأخلاقية مذهب يعتنقه كثير من الغربيين الذين يعتقدون أنهم تركوا المسيحية ومؤثراتها ~~خلف ظهورهم، مما يوحي بأن هذا رأي يستطيع الوقوف على قدميه دون ارتكاز على ~~اللاهوت. # وتفترض الثنائية الأخلاقية عادة قوتين متعارضتين في الكون، تسميان في العادة باسم ~~«الخير» و«الشر» - أو «الصواب» و«الخطأ»، بتعبير أقل دقة. وهكذا فإن التجربة البشرية ~~تنطوي على صراع ، أو على الأقل اختيار بين هاتين القوتين المتعارضتين. إنه صراع يشترك ~~فيه كل فرد بالضرورة، بأن يختار الجانب الذي سيحارب ms256 من أجله. # الثنائية في مقابل النسبية ~~: بينما الثنائي الأخلاقي ~~لا يزعم أن أي اختيار نصل إليه، أو أي فعل نقوم به، هو ضربة في صف الخير أو الشر، فيكاد ~~يكون من المؤكد أنه يؤمن بوجود مبادئ مطلقة في الأخلاق. وبعبارة أخرى، فعلى الرغم من ~~أنه لا ينظر إلى كل فعل على أنه «خير» أو «شر» بالضرورة، فإنه يؤكد أن الأفعال التي ~~تنتمي إلى المجال الأخلاقي لا بد أن تكون خيرة أو شريرة على نحو واضح، قاطع، مطلق. ومن ~~هنا كان هذا النوع من الثنائية متعارضا بشدة مع النسبية الأخلاقية. فالقائل بالنسبية ~~يرى أن الأشياء نادرا ما تكون سوداء أو بيضاء فحسب، وإنما هي رمادية بدرجات متفاوتة. ~~وواضح أن وجهة النظر النسبية هذه لا تتمشى مع الثنائية، ما دام لب أية وجهة نظر ثنائية ~~هو التقابل الأساسي بين كيانين لا يردان (هما عادة كيانان مطلقان) من نوع ما. # ولقد ظهرت طوال التاريخ نظرات إلى العالم مبنية على الثنائية الأخلاقية، وكان معظم ~~هذه المذاهب يقول إن العمليات الكونية؛ أي نفس عمليات الطبيعة ذاتها، إنما هي مظاهر ~~لصراع جبار بين قوى الشر وقوى الخير. غير أن هذه الثنائيات الأخلاقية قد أصبحت في ~~أيامنا هذه أقل اهتماما بصياغة نظرة شاملة إلى العالم. وإنما هي تكتفي بوضع مذهب ~~أخلاقي شامل. وكثيرا ما نسمع اليوم عن مفكر يوصف بأنه ثنائي أخلاقي لأنه يدعو إلى (أو ~~يمارس) حياة مبنية على أحكام أخلاقية واضحة المعالم - وإن تكن الألفاظ في هذه الحالة ~~غير مستخدمة بدقة كاملة، بل إن من الشائع اليوم إطلاق اسم الثنائي الأخلاقي على ذلك ~~الذي يصدر تقديراته وأحكامه الكبرى من خلال قيمتي الصواب والخطأ، ولا سيما إذا كان هذا ~~الشخص صارما لا يلين في أحكامه، وإذا كان يعدها أحكاما مطلقة. وعلى أساس هذا المعنى ~~الفضفاض للفظ - والذي هو مع ذلك معنى شائع - فمن الممكن أن يندرج ملايين الأمريكيين، ~~وربما أغلبهم، ضمن فئة الثنائيين الأخلاقيين. ومن المؤكد أن أية شيعة مسيحية تهتم ~~بالخطيئة والتكفير، تنطوي على ثنائية ms257 من هذا النوع، ذلك لأن من العسير بناء عقيدة تؤكد ~~أهمية الخطيئة وعواقبها، دون أن يكون هناك تميز قاطع يفرق بين الأفعال الآثمة أو ~~الخاطئة والأفعال التي ليست كذلك. # والواقع أن ما يعرف عند الأمريكيين باسم «التطهرية Puritanism ~~» إنما هو مثال مشهور للثنائية الأخلاقية. صحيح أن تطهرية ~~القرن السابع عشر (وهي التطهرية الأصلية) كانت ذات مضمون أوسع بكثير من هذا المذهب ~~الحديث، غير أن ما يسمى «بالاتجاه التطهري»، الذي لا يزال ذائعا على نطاق واسع في ~~أيامنا هذه، هو بلا شك ثنائية من هذا النوع. فهو ينطوي على إحساس جامد راسخ بالخير ~~والشر، اللذين يعدان مطلقين ثابتين. والتطهري، في اللغة الشائعة، هو الشخص المتزمت غير ~~المتسامح، الذي يعارض معظم أشكال اللذة، حتى تلك التي يعدها معظمنا لذات بريئة. هؤلاء ~~الأشخاص يبنون موقفهم الصارم هذا على فلسفة من نوع ما، وهذه الفلسفة هي ثنائية أخلاقية. ~~وهذه الثنائية الأخلاقية بدورها تستمد عادة من ثنائية ميتافيزيقية، تنظر إلى الجسم ~~ورغباته على أنها شر بطبيعتها لمجرد كونها جزءا من النصف المادي للواقع. ~~(2) الثنائية الكلاسيكية: ديكارت # كان أدق المذاهب الميتافيزيقية الثنائية التي ظهرت في الفلسفة، ذلك المذهب الذي عبر ~~عنه المفكر الفرنسي ديكارت تعبيرا كلاسيكيا في القرن السابع عشر. فالمبدآن النهائيان ~~في المصطلح الديكارتي - وهما «الذهن» و«المادة» - يوصفان على أساس أهم صفاتهما وأكثرها ~~تفردا؛ ولذا يسميهما «بالفكر» «والامتداد» - أو بتعبير أدق، «الجوهر المفكر» «والجوهر ~~الممتد» (أي الذي يشغل مكانا). ولقد كان انقسام الواقع، في نظر ديكارت وأتباعه، ~~مطلقا: فكل من الجسم والذهن قائم بذاته، وخصائص كل منهما أو صفاته مختلفة كل ~~الاختلاف. بل إن كلا منهما يستبعد الآخر: فأي شيء يكون صفة للذهن لا يمكن أن يكون صفة ~~للمادة، والعكس بالعكس. # ومن المؤكد أن ديكارت لم يكن أول من اخترع ~~الثنائية، غير أن صياغته للموقف الثنائي لها أهميتها ودلالتها؛ لأنها استخدمت الحتمية ~~الآلية الدقيقة في التعبير عن كل الحوادث التي تقع في العالم المادي، على حين أنها رفضت ~~الحتمية في المجال الذهني الروحي. وهكذا لم ms258 يفترض ديكارت نوعين من الوجود فحسب، بل إنه ~~افترض أيضا نوعين من العلية. # العالم المادي حتمي، والعالم الروحي لا حتمي: كان ديكارت يرى، فيما يتعلق بالعالم ~~المادي، أنه على حين أن الله هو العلة الأولى أو المحرك الأول الذي بدأ كل حركة، ومنذ ~~هذه الدفعة الأولى، كانت كل الحركات آلية بحتة؛ وبالتالي فهي خاضعة للعلية الحتمية. ~~وعلى ذلك فإن العالم الفيزيائي ليس حقيقيا ومستقلا عن الناس فحسب (وهي فكرة يظهر ~~بوضوح مدى اختلاف ديكارت فيها عن المثاليين من أمثال باركلي)، بل إن سلوكه يخضع أيضا ~~لتلك القوى الآلية التي طالما أكدها الآليون والحتميون. ولقد كان ديكارت يرى أن مهمة ~~العلم هي كشف تلك القوانين التي تسري على العالم المادي. ويبدو أنه كان ينظر إلى هذه ~~القوانين على أنها مطلقة وحتمية. # ولكن ديكارت عندما انتقل إلى بحث عالم الوجود الذهني أو الروحي، ولا سيما في علاقته ~~بمظهره الرئيسي، وهو النفس البشرية، عكس موقفه تماما. فقد دافع في هذا المجال عن حرية ~~الإرادة، بل إنه ذهب إلى حد القول بأن في وسع الإنسان أن يختار بحرية بين شيئين، بحيث ~~يقع اختياره على ذلك الذي تكون رغبة عقله فيه أقل. (وهذا رأي مخالف لموقف إحدى المدارس ~~القائلة بحرية الإرادة، وهي المدرسة التي تذهب إلى أننا نستطيع أن نختار ما نريد، غير ~~أن هذا الاختيار يقع دائما على الطرف الذي يكون مرغوبا فيه أكثر من الآخر - وواضح أن ~~هذا الرأي يقيد نطاق حرية الاختيار إلى حد بعيد). وعلى ذلك فإن ديكارت يرى أنه، مهما ~~يكن مدى خضوع جسم الإنسان، بوصفه جزءا من العالم المادي للمؤثرات الحتمية، فإن ذهنه أو ~~روحه يظل بلا تأثر بكل اختيار سابق أو بكل قوى خارجية. # ولقد كان الفاصل الذي وضعه ديكارت بين العالمين المادي والذهني فاصلا قاطعا، وكانت ~~حتميته في الأول تامة، مثلما كانت لا حتميته في الثاني كاملة . ونتيجة لهذه الثنائية، ~~اضطر إلى القول ببعض النظريات الغريبة؛ فكان يرى مثلا أن الإنسان وحده، من بين ~~الكائنات الحية، هو ms259 وحده الذي يملك حرية الإرادة. أما الحيوانات فكان يعدها أجساما ~~آلية منعدمة الحرية، بل منعدمة الإحساس أيضا؛ فقد كان يعتقد أن الكلب مثلا ليس إلا ~~جهازا آليا يسلك على نحو مفتقر إلى التفكير وإلى الإحساس، شأنه شأن الآلة. ولم يكن ~~نباح الكلب أو هزه لذيله، في نظره، سوى أفعال منعكسة، لا يصاحبها انفعال. والإنسان وحده ~~هو الذي يتصف بالوعي وحرية السلوك. أي إن الإنسان هو في نظره وحدة أو نقطة التقاء القوى ~~المادية والروحية. والكائنات البشرية وحدها، ومن بين كل الأشياء الموجودة في الكون، هي ~~التي تشارك في كل من «الجوهر الممتد» و«الجوهر المفكر»؛ ولذا كان البشر وحدهم هم ~~الذين يمكن أن تكون لديهم إرادة حرة. # الثنائية المتطرفة: الفرصية ~~: بعد أن فرق ديكارت بين ~~عالمي الذهن والمادة أتم تفرقة ممكنة، شرع في القيام بدور العالم والبحث عن القوانين ~~العلية الآلية التي تسري على النصف المادي للواقع. ولكن من سوء الحظ أنه بعد أن أفلح ~~في شطر الوجود إلى هذا الحد، ترك لخلفائه العبء الأكبر في مشكلة إرجاع كل من هذين ~~النصفين إلى الآخر، من أجل تعليل تلك العلاقة العملية التي يتضح لنا جميعا أنها موجودة ~~بينهما. غير أن الثنائيين يكونون عادة أكثر نجاحا في فتق الواقع منهم في إعادة رتقه، ~~ولم يكن خلفاء ديكارت المباشرون استثناء من هذا الحكم العام. ولقد تقدم بعض أفراد هذه ~~المدرسة بحل يائس يسمى بالمذهب الفرصي # Occasionalism ~~، ~~وهو المذهب القائل إن الله يقوم بمعجزة في كل لحظة يقع فيها حادث جسمي يكون له نظير ~~ذهني (كما هي الحال عندما أجلس على مسمار وأشعر بألم)، أو كلما أدى حادث ذهني إلى نتيجة ~~مادية (كما يحدث عندما أقرر تحريك قدمي فأراها تتحرك بالفعل). والواقع أنه لا بد من ~~تفسير متطرف مسرف في الخيال كهذا، من أجل تعليل العلاقة المتبادلة الواضحة بين الذهن ~~والجسم، في عالم تام الثنائية كالعالم الذي صوره لنا ديكارت. ومن هنا فليس لنا أن ندهش ~~كثيرا إذ نجد أصحاب المذهب الفرصي، بمجرد قبولهم للفرض ms260 الثنائي، قد طلعوا علينا ~~بتفسيرهم هذا. # الصعوبات التي تواجهها الثنائية ~~: يشعر كل خصوم ~~الثنائية بأن أي تقارب مع هذا الفرض القائل بوجود حقيقتين منفصلتين، يؤدي بالضرورة إلى ~~مشكلات عقلية لا تحل. مثال ذلك أنه إذا كان الذهن والمادة (أو الذهن والجسم) على هذا ~~القدر الذي يقول به الثنائيون من الاختلاف، فكيف يكون أي تأثير متبادل بينهما ممكنا؟ ~~بل كيف نتصور أن يكون كل منهما قادرا على التأثير في الآخر؟ وفضلا عن ذلك، فإذا كان ~~عالما الوجود يسلكان وفقا لنظامين مختلفين للعلة والمعلول - أحدهما حتمي والآخر لا ~~حتمي - فكيف أمكن أن يتكاملا معا؟ ولنضرب لذلك مثلا ذكرناه من قبل، وهو الجلوس على ~~مسمار. فالثنائية تعترف بأن قوانين الطبيعة تؤدي إلى أن يكون لتلك التجربة تأثير مادي - ~~أي إن سن المسمار ستخترق الجلد إلى عمق معين. غير أن الثنائية لا تفسر لماذا نضطر إلى ~~أن نشعر بالألم إذا كانت أذهاننا حرة تماما، وإراداتنا تستطيع التصرف بحرية، ما دام ~~الإدراك منتميا إلى المجال الذهني تماما. (ولو عرضت هذه المشكلة على واحد من أتباع ~~مذهب «العالم المسيحي # Christian Scientist ~~» # 1 ~~⋆ # لما ~~اعترف بأننا مضطرون إلى الشعور بالألم، ما دام هذا مجرد «خطأ وقع فيه ذهن فان». غير أن ~~هذا موقف لا يرغب في الدفاع عنه كثير من الثنائيين). # ولو خضنا مشكلة التأثير المتبادل من زاوية الوجه المادي للوجود، فعلينا أن نتساءل: ~~لماذا يطيع جسمنا رغباتنا عادة؟ لنفرض مع الثنائي أن إرادتنا وأذهاننا حرة، على الرغم ~~من أن أذهاننا مقيدة بالحتمية الآلية. ففي أية نقطة، إذن، من موقف العلة والمعلول (أعني ~~من الذي أريد فيه تحريك رجلي فتتحرك فعلا) تصبح الفكرة «اللامتحددة» (أي التي لا سبب ~~لها) سببا «محددا» للحركة المادية أو متحكما فيها؟ وإذا أبى الجسم، نتيجة للتعب أو ~~المرض، أن يطيع ذهني، فكيف نفسر هذا الإخفاق؟ وعند أية نقطة في السلسلة العلية لم ~~يعد الجسم يطيع علة متحكمة، واكتسب بدلا من ذلك إرادة خاصة به؟ إن الإجابات التي يرد ~~بها المذهب الثنائي على ms261 هذه المشكلات عادة هي إجابات يائسة من نوع إجابات المذهب ~~الفرصي، وذلك في نظر خصوم الثنائية على الأقل. # والواقع أن معظم الفلاسفة يرون أن أظهر نقاط الضعف في المذهب الثنائي هو إخفاقه في ~~الربط بين حقيقتيه الأساسيتين في أي تفسير مقنع. وإنا لنجد هؤلاء النقاد على استعداد ~~للاعتراف بوجود مبدأين نهائيين مختلفين في الكون، بشرط أن يتمكن أولئك المفكرون الذين ~~يفترضون هذا الانقسام الأساسي، من تقديم صورة مقنعة للطريقة التي يرتبط بها هذان ~~العنصران الثنائيان في داخل الواقع معا. ومع ذلك فقد ظلت هذه مهمة مستحيلة بالنسبة إلى ~~الثنائيين طوال تاريخ الفلسفة الغربية، ويبدو أن الإجابات التي تقدم لا ترضي إلا ~~الثنائيين الآخرين وحدهم على الأقل. ~~(3) الثنائية في الفنون # كانت الثنائية على الدوام فلسفة ولها جاذبية خاصة بالنسبة إلى الفنانين والشعراء ~~ورجال الأدب عامة. وليس من العسير أن نكتشف سبب هذه الجاذبية؛ ذلك لأن الثنائية كانت، ~~من بين جميع نظريات العالم التي وجدت لها أنصارا كثيرين في العالم الغربي، أكثرها ~~تلونا وتنوعا ودرامية. ومن ثم فقد كان من السهل إخضاعها للغايات الفنية، بحيث إن ~~قدرا كبيرا من الفن والأدب الغربيين يعبر عن نظام ثنائي للعالم (أو يتضمنه على ~~الأقل). # وكما نعلم جميعا، فإن الصراع هو محور الدراما، ولا يمكننا أن نجد موقفا ذا طابع ~~درامي أوضح من ذلك تتقابل فيه قوى جبارة وجها لوجه. ولما كانت ماهية النظرة الثنائية ~~إلى العالم تفترض هذا الصراع الجبار بعينه، فإن القيم الدرامية في هذه الفلسفة واضحة. ~~ومما يضاعف من تأثير الصراع الدرامي في هذه الحالة، أن القوى المتعارضة التي ينطوي ~~عليها هذا الصراع هي القوى النهائية في الكون. ومن المؤكد أن هذه الحرب ليست اشتباكا ~~محليا تافها، وليست حملة صيفية، وإنما هي الصراع الأساسي بين عالمين: العالم الروحي ~~في مقابل العالم المادي، والعالم الأعلى في مقابل الأدنى. وفضلا عن ذلك فإنها صراع ~~يفترض أن كل إنسان مشتبك فيه، ما دامت الطبيعة البشرية هي البؤرة التي تتلاقى فيها هذه ~~القوى المتعارضة. وهكذا يبدو أن ms262 الإنسان، بما يمثله من مزيج عجيب بين البدن والروح، ~~يرتبط في وجوده الكامل ارتباطا لا ينفصم بالصراع الأبدي بين عالمي الوجود ~~هذين. # الإنسان المنقسم ~~: هذه الطبيعة الثنائية للإنسان، ~~بما تقتضيه من ولاء موزع بين مجموعتين مختلفتين، بل متناقضتين، من القوانين، تجعله ذلك ~~المخلوق الذي نعرفه؛ أعني ذلك المخلوق البطولي، الذي تكون المأساة ماهيته. ولقد وصف ~~كثير من الشعراء هذا الولاء الموزع الأليم، الذي يمزق كل إنسان. ولكن أحدا لم يصفه ~~خيرا من «فولك جريفيل»، وهو شاعر معاصر لشكسبير، في «الكورس» المشهور في قصيدته ~~«مصطفى»: # ما أصعبه لك الموقف الذي تعيش فيه البشرية! # إذ تولد وفقا لقانون، وتلتزم بآخر، # وتولد عبثا، ومع ذلك تنهى عن الغرور، # وتخلق عليلة، وتؤمر بأن تكون سليمة. # ما الذي تقصده الطبيعة إذن بهذه القوانين المتباينة؟ # إن الأفعال والعقل يولدان انقساما ذاتيا ... # فهل هي علامة عظمة أو قوة. # أن تصنع خطايا يمكنها غفرانها؟ # إن الطبيعة نفسها تأمر نفسها. # بأن تبغض تلك الأخطاء التي ترتكبها هي ذاتها. # إذ كيف يفكر الإنسان فيما لا يجوز له فعله، # أولم تكن الطبيعة تخفق وتعاقب أيضا؟ # إنها لطاغية على الآخرين، ظالمة لنفسها، # لا تأمر إلا بالصعب والشاق من الأمور، # وتنهانا عن كل ما تعلم أننا نشتاق إليه، # تيسر الآلام، أما المثوبة فتجعلها مستحيلة. # إن الطبيعة، لو لم تكن تجد في الدم لذة، # لجعلت طريق الخير أيسر. # أما نحن، الذين أخذنا على أنفسنا العهود والمواثيق، # وألزمتنا طقوس الضحايا والشعائر المقدسة، # بالدعوة إلى الإيمان بالله، والحض على التقوى، # والدعوة إلى معجزات السماء ومسراتها، # أما نحن، فعندما ينظر كل منا في قرارة نفسه، # فإنه يجد الله فيها مختلفا تماما عما يجده في كتبه. # وبهذه الطريقة الشاعرية ينقل إلينا «جريفيل» بعض النتائج التي تنطوي ~~عليها الثنائية الأصلية. ومن المؤكد أن المأزق الأساسي الذي يضعه لم يحل بعد انقضاء ~~ثلاثة قرون ونصف قرن على نشر قصيدته (1609م). غير أن هناك فارقا بارزا بين جريفيل ~~وبين معظم الفلاسفة الثنائيين، سواء منهم من كانوا في أيامه ومن يعيشون في ms263 عصرنا، فمن ~~الواضح أنه لم يكن سعيدا بفلسفته الثنائية. فقد كان يجدها مفروضة عليه، إن جاز هذا ~~التعبير، ولكنه يحتج بقوة. غير أن معظم الثنائيين الصرحاء يبدون أكثر منه اطمئنانا إلى ~~هذه النظرة إلى العالم، بل إن الكثيرين منهم يبدون سعداء بها، ويجدون تفسير جريفيل ذا ~~نزعة مرضية مبالغ فيها. وعلى الرغم من أنني لا أعتقد أن الكثيرين منهم لا يودون تغيير ~~البيت الأول من قصيدته بحيث يصبح: # ما أروعه ذلك الموقف الذي تعيش فيه البشرية! # فإن من الواضح أن معظم الثنائيين يجدون الموقف الإنساني أقل إيلاما ~~مما وجده ذلك الشاعر الذي عاش في عصر إليزابيث. # كان كثير من المفكرين، وما زالوا، مقتنعين بأن الواحدية والثنائية معا ينبغي أن تعد ~~مذاهب ميتافيزيقية تفتقر إلى النجاح. ومن ثم فإن هؤلاء المفكرين، ما لم يكونوا راغبين ~~في التخلي عن البحث الميتافيزيقي كلية، قد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الانتقال إلى المذهب ~~الثالث من المذاهب الكبرى عن العالم. والواقع أن التعددية Pluralism # بمعناها الدقيق، هي أية نظرة إلى العالم ترى أنه لا يوجد ~~مبدأ أو كيان نهائي واحد أو اثنان، وإنما توجد كثرة منها. ولنقل، بمزيد من الدقة، إنها ~~أية نظرة تحدد عدد العناصر الميتافيزيقية التي لا ترد إلى غيرها بأنه أكثر من اثنين. ~~وهكذا فإن رأيا مثل رأي الفيلسوف اليوناني أنبادقليس، بما فيه من جواهر أولية أربعة ~~(هي: التراب، والهواء، والنار، والماء) لن يكون أقل تعددية من أي مذهب يفترض عددا لا ~~متناهيا من الجواهر. # وليس من الضروري، لكي يكون لدينا مذهب تعددي، أن تكون الكيانات النهائية الكثيرة ~~منفصلة كيفيا. فالمذهب الذري الروحي، ومن ذلك النوع الذي قال به ليبنتس، والذي يكون ~~فيه الوعي الإدراكي هو العنصر المشترك بين ذرات لا نهاية لها في العدد، يمكن أن يعد ~~مذهبا تعدديا كميا؛ إذ إن كل الكيانات متشابهة في طبيعتها، وإن تكن متميزة بعضها ~~عن بعض، ولا نهائية في العدد . أما مذهب أنبادقليس، بما فيه من عناصر أربعة تكون ~~باتحادها موضوعات تجربتنا التي لا حصر ms264 لها، فإنه يمثل مذهبا تعدديا كميا وكيفيا ~~في آن واحد. وهناك فيلسوف يوناني آخر، هو أنكساجوراس، كان يعتقد أن هناك من العناصر ~~بقدر ما تستطيع حواسنا التمييز بينها، كالحمرة، والبرودة، والخشونة ... إلخ. وباختصار فإن ~~لفظ التعددية يتضمن القول بكثرة من الكيانات النهائية، التي قد تكون متعددة كيفا وقد ~~لا تكون. # إن من الصعب تعريف الطلاب المبتدئين بالمذهب ~~التعددي، وذلك لسببين، أولهما أن هناك أنواعا كثيرة من التعددية، وثانيهما أن هذه ~~الأنواع الكثيرة لم يكن بينها في بعض الأحيان أي عنصر مشترك سوى رفضها للواحدية ~~والثنائية؛ لهذا السبب كان أفضل ما يمكن عمله هو اختيار عدد قليل من المذاهب التي تتمثل ~~فيها خصائص التعددية أوضح ما تكون، والتي كانت أقواها تأثيرا، وبحث هذه المذاهب ~~بإيجاز. وسوف نجد عند دراستنا لهذه المذاهب أن لدينا (على حد تعبير مصدر موثوق به)، ~~«نظريات متعددة تجد ضالتها الفلسفية المنشودة في الكثرة والتنوع، لا في أي وحدة قابلة ~~للمعرفة أو غير قابلة للمعرفة». # 2 # ولقد بدأنا هذا الفصل بأن وصفنا الثنائية بأنها هي المذهب الذي يعبر عن رأي الموقف ~~الطبيعي، والواحدية بأنها نوع من المثل الأعلى لدى الفيلسوف. فقد كان الفلاسفة في ~~عمومهم عاشقين للوحدة أو الواحدية؛ ومن ثم فإن الكثيرين منهم قد نظروا إلى أي شيء غير ~~الواحدية على أنه إما أسلوب قصد منهم التيسير منهجيا (كما هي الحال عند ديكارت)، وأما ~~أفضل موقف لأولئك الذين لا يمكنهم الوصول إلى الأفضل، وهو تحقيق نوع من الواحدية. ~~وبطبيعة الحال لم يكن كل الثنائيين على استعداد لقبول هذا الموقف المتسلط للواحديين ~~تجاه المذاهب الثنائية، بل إن أغلب الظن أن معظمهم كانوا على استعداد للاعتراف بأن ~~الواحدية هدف مرغوب فيه عقليا إذا كان من الممكن تحقيقها. وهكذا يمكن النظر إلى ~~الواحدية على أنها هي المعيار الأنطولوجي، وإلى كل من الثنائية والتعددية على أنها هي ~~المعيار. ومن المؤكد أن التعددية كانت تعد في العادة انحرافا عن هذا المعيار أكبر من ~~انحراف الثنائية؛ إذ إن الواحديين والثنائيين مهما اختلفوا فيما ms265 يبنهم، كانوا يتمكنون ~~دائما من تكوين جبهة واحدة ضد التعددية، بل إن كليهما قد أعلن في كثير من الأحيان شكه ~~في إمكان النظر إلى التعددية على أنها موقف ميتافيزيقي مشروع. وقد رأى البعض أحيانا أن ~~التعددية تشكل خيانة للفلسفة، أو هي على الأقل تخل عن البحث الميتافيزيقي. فإذا كانت ~~الثنائية هي أفضل موقف يلي الموقف الأصلي المفضل، فإن التعددية هي (في نظر كل خصومها) ~~مذهب اليأس والاستسلام؛ ذلك لأنها تبدو لخصومها مذهبا لا يبذل أي جهد لتحقيق التكامل ~~في تجربتنا، أو للنفاذ من وراء المظهر التعددي المعترف به للأشياء، من أجل الاهتداء إلى ~~الوحدة الكامنة فيها - أو على الأقل الثنائية الكامنة فيها. ولكن لتستمع إلى ما يقوله ~~التعددي ذاته. # التعددية اليونانية القديمة ~~: كان أول مذهب تعددي في ~~الفلسفة الغربية هو مذهب أنبادقليس (القرن الخامس ق.م.) الذي أشرنا إليه من قبل. أما ~~قبل هذا المذهب فكانت الفلسفة اليونانية واحدية؛ إذ حاول كل مفكر أن يفسر العالم من ~~خلال «مادة» واحدة كامنة وراء التغيرات الظاهرية، كالرطوبة، أو الهواء، أو النار ... إلخ. ~~ولكن أنبادقليس اتخذ الخطوة التعددية الحاسمة، فتخلى عن الواحدية بوصفها مثلا أعلى، ~~وافترض ذلك الرباع الذي اشتهر في علم العصور الوسطى: التراب، والهواء، والنار، والماء. ~~هذه العناصر الأربعة، التي تتحكم في تنشيطها قوتا الحرب والكراهية (اللتان يمكننا ~~تقديم ترجمة حديثة أفضل لهما، هي «الجذب» و«التنافر»)، هي مكونات كل ما يوجد، وضمنه ~~العقل البشري أو النفس. وعلى ذلك فليس الكون والفساد إلا تغيرا في التركيب: «لا يمكن ~~أن يفنى شيء ظهر إلى الوجود، أو ينتهي في غياهب الموت، بل كل ما هناك امتزاج، وانفصال ~~لما امتزج». وهكذا فإن هذا المذهب التعددي الأول، مع كونه بسيطا، كان كاملا، وكان في ~~إطاره الساذج، وحدوده الضيقة جدا، نظرة تعددية إلى العالم بحق. # وهناك مفكر يوناني آخر ذكرناه من قبل، كان قريب العهد من أنبادقليس، هو أنكساجوراس. ~~هذا المفكر كان يرى أن مثل هذا الرباع البسيط من العناصر لا يكفي لتفسير التنوع الهائل ~~من الانطباعات الحسية. ms266 وهناك عبارة تصف عمل هذين الفيلسوفين بدقة، تقول إنه بينما ~~أنبادقليس قد مزق العالم الواحدي الذي صوره المفكرون الأوائل، فإن أنكساجوراس قد سحقه. ~~فقد افترض أنكساجوراس عددا من الجواهر أو العناصر النهائية يماثل ما يوجد من كيفيات ~~حسية، كالحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف والصلابة والليونة. وفضلا عن ذلك، فقد نظر ~~إلى هذه العناصر على أنها كلها موجودة في الأشياء جميعا، ولكن بدرجات متفاوتة. فهي ~~منتشرة في كل مكان، بحيث لا يكون هناك جزئ من المادية ذو طابع بسيط أو نقي. ومع ذلك ~~فلكل ماهيته، أو صفته الغالبة التي تفيد في تمييزه. ومن هذه الصفة نستمد طبيعة المادة ~~واسمها - كما يحدث مثلا عندما نصف الثلج بأنه «أبيض»، مع أنه ليس في الواقع بياضا ~~خالصا. ~~(4) التعددية الحديثة # قدمنا من قبل عرضا عاما للمذهبين التعدديين عند ليبنتس وباركلي؛ ولذا فلن يكون من ~~الضروري تقديم مزيد من الوصف لهذين المذهبين. ومع ذلك ينبغي أن يكون مفهوما أن كلا ~~منهما كانت له أهمية عظمى في تاريخ الفكر التعددي. فقد كانت ليبنتس يمثل أعلى قمة ~~بلغتها المدرسة التعددية في الفلسفة الحديثة قبل ظهور التعدديين في القرن العشرين. وبعد ~~موت باركلي في أواسط القرن الثامن عشر، اضطرت التعددية إلى التواري عن الأنظار نتيجة ~~لظهور ذلك التيار الواحدي الجارف الذي اشتهرت به المثالية الألمانية. أما إحياء ~~التعددية من جديد في الآونة الأخيرة فيرجع الفضل الأكبر فيه إلى الفيلسوف البرجماتي ~~الأمريكي المشهور، وليام جيمس. # كان الخصم الفلسفي لوليام جيمس هو المثالية المطلقة لدى الهيجليين، بنظرتها الكلية أو ~~الفردانية إلى الكون. قد رأى جيمس أن أي مذهب يحاول تحقيق هذه الوحدة الفردانية لا ~~يمكنه أن يقدر ثراء الحياة البشرية وتنوعها حق قدره. أي إنه كان، بالاختصار، يرتكز في ~~استدلاله على أساس من تجربتنا المباشرة، في مقابل نزعة التجديد المنطقي التي تتبدى في ~~فكرة «المطلق» عند هيجل. وكان جيمس يعتقد أن درجة التجريد اللازمة للوصول إلى هذا ~~المركب المطلق، والتي تنطوي على خطوات منطقية متعددة تتوسط بين التجربة العينية و«الذهن ~~المطلق»، لا ms267 يمكن أن تؤدي إلى نظرة فارغة تماما إلى الواقع؛ أي إلى «ليل تكون فيه كل ~~الأبقار سوداء». # 3 # ولقد كان جيمس يحب الحياة، بكل ما فيها من كثرة وتعقد وإمكانيات تتحدى ~~الإنسان، حبا يندر أن نجد له بين الفلاسفة نظيرا. ومن ثم فقد رأى أن أية نتيجة ~~فردانية للبحث الميتافيزيقي كذلك التي اقترحها هيجل إنما هي تجديف في حق الحياة. # والواقع أن تفكير جيمس يمثل التعددية الحديثة أصدق تمثيل، من حيث إن اهتمامه بالجوهر ~~(أو الجواهر) الذي يكون الواقع، أقل من اهتمامه بتركيبه. فالتعددي المعاصر لا يسأل - ~~على الأرجح - هذا السؤال: «ما مادة العالم أو موارده؟» وإنما هو يسأل: «كيف ينظم الوجود ~~النهائي؟» ويعتبر أدق، فإن التعددين المحدثين يهتمون أساسا بالعلاقات بين مختلف أجزاء ~~تجربتنا، بدلا من أن يبحثوا عما يفترض أنه كامن من وراء تلك التجربة. # ما العلاقات؟ # إن لفظ «العلاقة»، كما يستخدم في ~~الفلسفة، لفظ يصعب على الطلاب فهمه عادة. ولما كانت التعددية الحديثة نظرية في ~~العلاقات إلى حد بعيد، فمن المنطقي أن نقوم بإيضاح هذا اللفظ الهام قبل أن نمضي في ~~طريقنا أبعد من ذلك. فلنتأمل موقفا بسيطا مألوفا في كل فصل دراسي، لا يتضمن إلا ~~شيئين: كتابا، ودرجا. ولنبحث في كل العلاقات التي يمكن أن توجد بين الاثنين، بادئين ~~بالعلاقات المكانية الخالصة. فمن الممكن أن يكون الكتاب على الدرج، وفي الدرج، وتحت ~~الدرج، وفوق الدرج، وإلى جانب الدرج، ووراء الدرج ... إلخ. فإذا توسعنا قليلا في مفهوم ~~العلاقة، مع بقائنا في مجال المكان، وجدنا أن الكتاب يمكن أن يكون أصغر من الدرج، وأخف ~~من الدرج، إلخ. وإذا أضفنا العلاقات الزمانية، فقد يكون الكتاب أقدم من الدرج أو أحدث ~~منه. وإذا مضينا أبعد من ذلك في ميدان القيم (الاقتصادية وغيرها)، وجدنا أن الكتاب قد ~~يكون أرخص من الدرج، أو أندر من الدرج، بل أهم من الدرج. # كل هذه الجمل تعبر عن علاقات ، كما هي الحال في كل قضية في اللغة. وقد يكون مما يعيننا ~~على الفهم أن نتذكر ms268 أن لفظ «العلاقة # Relation ~~» ولفظ ~~«نسبي # Relative ~~» مشتقان في اللغة الإنجليزية من ~~أصل واحد. فكما قارنا بين شيئين أو أكثر، أو حددنا موقع شيء (من حيث المكان أو الزمان ~~أو القيمة) بالنسبة إلى شيء آخر أو أشياء أخرى، كنا نشير بذلك إلى علاقات. وواضح أن ~~كثيرا من أهم أحكامنا هي من هذا النوع العلائقي، وأن الاتصال بين البشر لا يمكن أن ~~تكون له إلا أهمية ضئيلة بدون حروف الجر. ومما قد يفيد القارئ، في الفقرات التالية التي ~~سندرس فيها موضوع العلاقات بوصفه موضوعا يهتم به المذهب التعددي - وهو جزء معترف ~~بصعوبته في الفلسفة الحديثة - أن يحتفظ بقائمة من حروف الجر المألوفة في متناول يده لكي ~~يتذكر معنى «العلاقات»: في، على، تحت، من، إلى جانب، إلى، وهلم جرا ... # نظرية العلاقات الداخلية ~~: ينظر المثالي المطلق إلى ~~الكون وإلى الواقع النهائي، كما رأينا من قبل، على أنه كل عضوي، يكون كل شيء فيه ~~جزءا من كل شيء آخر، وجزءا لا يتجزأ من الكل، وسوف يزداد فهمنا لهذا النوع من ~~المثالية وضوحا إذا أكدنا فكرة «العضوية» أكثر مما نؤكد فكرة «الكلية». والواقع أن ~~الطابع الموحد، المتكامل، المترابط للكون هو الذي يكون أهم مميزاته، لا أي طابع فرداني ~~يتسم به. # ومن الواضح أن العلاقات، في مذهب كذلك الذي يقترحه المثالي المطلق، لن تكون فقط ~~علاقات متبادلة، بل هي أيضا علاقات داخلية. والواقع أن نظرية العلاقات الداخلية هذه، ~~وهي النظرية الأساسية لكل مثالية فردانية، هي التي تميزها على نحو قاطع من التعددية، ~~ما دام التعددي يرى كل العلاقات خارجية بالنسبة إلى الأشياء التي تربط بينهما هذه ~~العلاقات. فالعلاقة، بالنسبة إلى المذهب الفرداني، ينبغي أن تكون علاقة بين جزء والكل ~~الذي ينتمي إليه، أو بين الأجزاء الداخلية في كل - على شرط أن ينظر إلى هذه الأجزاء على ~~أنها منتمية إلى الكل، لا على أنها تقف بمعزل عنه. وهكذا فإن نفس مفهوم العلاقة ينطوي ، ~~في مذهب فرداني كمذهب هيجل، على فكرة الكل العضوي؛ أي إن «الارتباط في علاقة، ms269 أو ~~الانتساب # Wholeness ~~» يفترض «الكلية # Relatedness ~~»، ولا بد أن تكون جذور العلاقات كامنة ~~في طبيعة الأطراف التي تجمع بينها العلاقة. # غير أن هذه كلها أمور ذات طابع تجريدي ونظري مفرط؛ ولذا فلنرجع إلى مثالنا السابق عن ~~الدرج والكتاب. فليس يكفي، بالنسبة إلى الفرداني، أن نعرف أن الكتاب على الدرج. فما هذه ~~إلا بداية: ذلك لأنهما معا في حجرة، وداخل مبنى، هو بدوره في موقع جغرافي معين. كما ~~أنه على الأرض وفي داخل المجموعة الشمسية، التي هي في حجرة معينة داخل الكون في مجموعة، ~~ويعتقد الفرداني أننا لا نستطيع تكوين معرفة أصيلة عن الكتاب والدرج إلا إذا أدركناهما ~~في هذا السياق الكلي، فالأشياء لا يكون لها معنى ولا دلالة - بل لا يكون لها وجود في ~~نظر بعض الفردانيين - إلا بوصفها أجزاء من هذا الكل العضوي. أما إذا تأملنا الكتاب في ~~علاقته بالدرج فحسب، فإننا حتى لو وصلنا إلى معرفة كلية بجميع العلاقات الفعلية ~~والممكنة بين الكتاب والدرج، فلن تكون لدينا إلا معرفة جزئية تماما. # ومن الواضح أن مثل هذه النظرية في المعرفة تؤدي بالضرورة إلى جعل كل العلاقات باطنة ~~أو داخلية. فلما كان كل شيء جزءا من كل عضوي، فإن كل العلاقات بين الأشياء ليست إلا ~~علاقات بين أجزاء من هذا الكل. ولما كانت الأجزاء داخل الكل، فإن العلاقات بين هذه ~~الأجزاء الداخلية هي أيضا علاقات داخلية في داخل الكل العضوي. # وعلى الرغم من أننا قد استخلصنا المثال السابق من مجال العلاقات المكانية، فمن الواجب ~~أن ندرك أن الفردانية تتجاوز في نظريتها في العلاقات نطاق العالم المكاني بكثير. وفضلا ~~عن ذلك فهي تشتمل على أكثر من مجرد العلاقات المكانية والزمانية (مثل «قبل» و«بعد» ~~و«سابق» و«لاحق» إلخ)، مجتمعة. فكل أنواع العلاقات تخضع للنظرة الشاملة لأي مذهب فرداني ~~كالمثالية المطلقة، ولكنها كلها تظل داخلية، ما دامت كلها أجزاء من «المطلق». # نظرية المذهب التعددي في العلاقات الخارجية ~~: أما ~~المذهب التعددي فيرى أن العلاقات خارجية في أساسها. فهي مستقلة عن الأشياء التي تربط ~~بينها العلاقات، ms270 والتي يمكن أن تدخل في العلاقات أو تخرج منها دون أن يلزم عن ذلك أن ~~تكون منتمية إلى كل شامل من أي نوع، بل إنه حتى حين تكون الأشياء أجزاء من كل، يظل من ~~الممكن أن ترتبط هذه الأجزاء بعضها ببعض ارتباطا مستقلا، دون نظر إلى أية صلة قد ~~تكون لها بالكل. مثال ذلك أن موقع الكتاب بالنسبة إلى الدرج - من حيث هو فوقه أو تحته ~~أو فيه، إلخ - يظل قائما بغض النظر عن موقع الدرج بالنسبة إلى أي شيء آخر. ويؤكد ~~التعددي أنه، سواء أكان الدرج في الفصل أم في عربة نقل متحركة، أم في مخزن، أم في قطار، ~~أم في محل تجاري، فمن الممكن أن تظل هناك علاقات منفصلة بينه وبين الكتاب. ~~(5) الواقعية الحديثة # تعد نظرية العلاقات الخارجية هذه من أهم الأسس التي تقوم عليها بعض من أهم المدارس ~~الحديثة في نظرية المعرفة، وهي التي تصنف على أنها مختلفة من الواقعية. وعلى الرغم من ~~أن الآراء المتعددة لهذه المدارس صعبة ومتخصصة إلى حد بعيد، فقد يساعد تقديم موجز ~~مبسط لها على زيادة فهمنا للتعددية المعاصرة. # ويمكن القول بوجه عام إن الواقعية الحديثة ثورة على المثالية، الذاتية منها ~~والموضوعية. وهي بوجه خاص ثورة على النظرية المثالية الرئيسية القائلة إن الذهن يقوم ~~بدور أساسي في بعث موضوعات المعرفة إلى الوجود. وهكذا تعيد الواقعية تأكيد تلك الحقيقة ~~التي لم يشك فيها الإنسان في موقفه الطبيعي أبدا: وهي أن عالم الطبيعة أو الموضوعات ~~الفيزيائية يوجد على نحو مستقل قل أن يمر بتجربتنا. ومع ذلك فإن الواقعية الحديثة أعمق ~~من تلك الواقعية الساذجة التي يقول بها الموقف الطبيعي، ما دامت تعترف بأن الموضوعات ~~تنتسب إلى الوعي، وإن كانت تنكر (على خلاف المثالية) أنها تعتمد على الوعي. وتعترف ~~نظرية الاستقلال الواقعية هذه بأنه عندما تحدث المعرفة يكون هناك، كما هو واضح، عارف ~~يتعامل مع موضوعات، ولكنها لا تعترف بأن هذه العلاقة المعرفية مسئولة عن طابع الموضوعات ~~كما نعرفها. فكون الشيء معروفا (أي كونه يصبح ms271 موضوعا للتجربة) هو أمر يحدث لشيء موجود ~~من قبل. وخصائص هذا الشيء الموجود من قبل هي التي تحدد ما يحدث عندما يعرف هذا الشيء. ~~وهذا يؤدي إلى عكس وجهة النظر المثالية، التي ترى أن فعل المعرفة لا يؤثر فقط في طابع ~~الموضوع، بل إنه مسئول إلى حد ما عن وجوده ذاته. # الموضوعات لا تتأثر بكونها معروفة ~~: تحرص الواقعية على ~~أن تؤكد بوجه خاص أن الأشياء لا تتغير على أي نحو حين تصبح معروفة. فالشيء يظل كما هو ~~قبل دخوله الوعي، وفي أثناء الوعي به، وبعد أن يختفي وعينا به. وعلى حد تعبير واحد من ~~الواقعيين البارزين، فإن «الموضوع لا يدين بصفاته كما تعرف، ولا بوجوده، للذهن الذي يعرفه». # 4 # ومعنى ذلك، بعبارة أقل تخصصا، أن الأشياء تدخل أذهاننا بحرية (وتتركها ~~فيما بعد عندما نحول انتباهنا إلى شيء آخر) دون أن تتأثر هي ذاتها. فالأشياء في بيئتنا ~~أشبه بذرة من التراب في الهواء، تمر بشعاع من ضوء الشمس، ثم تنقل بعيدا عن الضوء دون ~~أن يتغير طابعها الترابي بهذه الإضاءة القصيرة: إذ إن طبيعتها الخاصة لا تتأثر بتلك ~~اللحظات المتناثرة من المجد المعرفي، وهي اللحظات التي نصبح فيها على وعي بها، وإنما هي ~~سابقة ولاحقة في وجودها بالنسبة إلى أذهاننا، ومرورها عبر شعاع الوعي هو حادث لا يغير ~~من وجودها المستقل في شيء. ومن هنا كان إطلاق اسم «الواقعية» على هذه النظرية القائلة ~~إن للموضوعات وجودا واقعيا (أي فعليا لا ذهنيا) مستقلا تماما عنا وعن كل نشاط ~~معرفي لنا. ومن الواضح أن هذا يؤدي إلى جعل علاقة المعرفة علاقة خارجية، ما دامت ~~الموضوعات المسماة بموضوعات المعرفة تدخل في هذه العلاقة وتخرج منها بسهولة دون أن يؤدي ~~ذلك إلى حدوث تغيير فيها. وهنا أيضا نجد أن هذه النظرية تنطوي على تعددية واضحة، ما ~~دام الواقع النهائي يتألف من عدد هائل من الأشياء ذات الوجود المستقل. # وفي مقابل هذا الموقف الواقعي التعددي، يرى صاحب المذهب الفرداني أنه ليس ثمة شيء ~~يوجد بذاته، ولا ms272 واقعة تكون تامة في ذاتها. وفضلا عن ذلك فإن أية عبارة لا تكون تامة ~~الصحة إذا ما نظر إليها في ذاتها؛ ذلك لأن كل واقعة تؤدي آخر الأمر إلى كل واقعة أخرى، ~~بحيث تكون كل وقائع الكون، في النهاية، متضمنة في أية عبارة أو قضية واحدة. ولو عدنا ~~بالذاكرة لحظة إلى تحليلنا لمشكلة «الحقيقة» في الفصل السابع، لاتضح لنا على الفور أن ~~هذه النظرية الفردانية في العلاقات الداخلية ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظرية التي تجعل ~~الحقيقة ترابطا. وقد عرفنا أن القضية تكون صحيحة في هذه النظرية إذا كانت تترابط أو ~~تنسق مع بقية معرفتنا أو نسق اعتقاداتنا. كما رأينا أن الرياضيات تتيح لنا أفضل مثال ~~لتطبيق نظرية الحقيقة هذه، ولاحظنا مدى تفضيل المثالي لنظرية الترابط هذه. # رفض المذهب التعددي لفكرة الترابط ~~: أما المذهب ~~التعددي فيرفض نظرية الترابط بوصفها معيارا نهائيا للحقيقة، ويفضل نظرية التطابق، ~~التي هي أقرب إلى الطابق التجريبي، أو المعيار البرجماتي، الذي هو أقرب إلى الطابع ~~العلمي. فالقضايا قد تكون مكملة بعضها لبعض في نظر التعددي، ولكن هذا الإكمال لا ينطوي ~~بالضرورة على تعديل. # 5 # وهكذا يرى التعددي أن الوقائع يمكن أن تكون مستقلة بعضها عن بعض، وأن مختلف ~~أجزاء تجربتنا لا يتعين أن تكون لها علاقة بعضها ببعض، وأن الكون قد يكون مجرد مجموع ~~متراكم؛ أعني «عالما للمقال # A Universe of Discourse ~~»، ~~بدلا من أن يكون كيانا أو موجودا عضويا من نوع ما. وهذا يؤدي إلى جعل بيئتنا أكثر ~~إثارة إلى حد لا متناه، من حيث إمكانيات ظهور مواقف جديدة كل الجدة فيها. فالتعددية ~~تصور الكون على الطريقة التي صوره بها العالم الدنمركي «تيخو براهي # Tycho Brahé ~~»؛ أعني أنه كون قد تكون آلياته غير منضبطة تماما، بحيث ~~تسمح بكثير من الخروج عن النظام الدقيق، وقد تكون المصادفة فيه عاملا حقيقيا هاما ~~إلى أبعد حد. فالتعددي يؤكد ما أطلق عليه اسم «الشكل ~~الفردي # Each-Form ~~» للواقع، لا «الشكل ~~الكلي # All-Form ~~» كما يتمثل في المذهب الفرداني ، وهو ينظر إلى الواقع من ms273 خلال ~~«الكثير» لا من خلال «الواحد». ~~(6) المذهب التعددي والحضارة الأمريكية # ليس من المستغرب أن نجد المذهب التعددي المعاصر يزدهر إلى أقصى حد في الولايات ~~المتحدة الأمريكية؛ ذلك لأن التعددية فلسفة تجعل من التغير وعدم القابلية للتنبؤ ~~والمغامرة فضيلة. وبدلا من أن يجد المفكرون في عناصر التجربة البشرية هذه شيئا ينبغي ~~استبعاده أو إخفاؤه تحت البساط الميتافيزيقي، فإنهم يجدونها أساسية في العالم الواقعي، ~~بل يجدونها مثيرة فيما تتيحه من تحديات وفرص. والواقع أن صياغة المذاهب التعددية قد ~~ارتبطت بالنمو السريع للحضارة الأمريكية خلال ثلاثة أرباع القرن الأخيرة، وأنه لمن ~~الصعب تصديق أن هذا الارتباط حدث «بمحض المصادفة». وحتى لو كان الأمريكيون قد بدأوا ~~الآن يزدادون اهتماما بالأمان ومسايرة التيار السائد مما هم بالمغامرة والفرص التي ~~تقتضي خوض مخاطر، كما يعتقد كثير من الملاحظين الاجتماعيين اليوم، فإنه يبدو من المؤكد ~~أن التعددية ستظل تجتذب كثيرا من الأمريكيين. فالمدينة الأمريكية بأسرها تعددية إلى حد ~~لا يكاد يكون له نظير في غيرها من المدنيات. # ومن الأسباب التي ترجع إليها هذه الظاهرة، الحجم المادي المجرد للولايات المتحدة. ~~كذلك فإن تنوع الأصول العنصرية والحضارات القديمة التي انصهرت في البوتقة الأمريكية كان ~~من الأسباب التي شجعت على انتشار التعددية. وقد أسهم في ذلك أيضا نظام الحكم الذي ~~يفتقر نسبيا إلى التركيز؛ فهناك حكومة فدرالية، وحكومات للولايات ومجالس للمقاطعات ~~والبلديات، كلها تتنافس على ولاء الأمريكيين وعلى أموال ضرائبهم. مما يزيد في تعدد ~~الولاء وتعدد الضرائب الذي يجد الأمريكيون أنفسهم موزعين بينه. كذلك فإن أمريكا ما زالت ~~تتصف بقدر كبير من الحركة الاجتماعية، وهذا يعني أن في استطاعة معظم الأمريكيين، في أي ~~وقت يشاءون تقريبا، أن ينتقلوا إلى سكنى أماكن جديدة والاشتغال بأعمال جديدة، وتكوين ~~مجموعة جديدة من الأصدقاء. وهذا يشجع بالطبع على تغير الاهتمامات وتحول الولاء. وما ~~زالت الفوارق الإقليمية بين الأمريكيين قوية التأثير إلى أبعد حد، على الرغم من أن ~~أهميتها أصبحت أقل مما كانت عليه منذ جيل مضى. فمعايير إقليم معين تختلف عن معايير ~~إقليم آخر. ms274 وبينما أن الأشخاص الذين عاشوا طيلة حياتهم في نفس الإقليم قد يرون أن ~~معايير هذا الإقليم واتجاهاته هي المعايير الوحيدة الصحيحة، فإن هناك من التنقلات ~~السكانية ما يكفي للحيلولة دون أن تصبح هذه المعايير مطلقة. # وأخيرا، فإن المدنية الأمريكية، شأنها شأن مدنية أية أمة صناعية حديثة، تبلغ من ~~التعقد والثراء حدا لا تستطيع معه تجربة أي شخص أن تستوعب إلا قدرا ضئيلا من هذا ~~التعقد والثراء. فالتخصص المهني، بالإضافة إلى قصر الحياة البشرية وضيق نطاق الطاقة ~~الإنسانية، يعني أن أعظم الأشخاص موهبة ونشاطا ينبغي أن يقصروا جهودهم على جزء محدود ~~من المجال الممكن. وهذا يعني بالضرورة أن الناس من مختلف المستويات الثقافية والمهنية ~~والاجتماعية، أو من مختلف أجزاء البلاد، لا يتحدثون لغة واحدة إلا بمعنى حرفي هو أنهم ~~جميعا يتكلمون الإنجليزية. غير أن ما يتحدثون عنه، أو ما يعنونه بالكلمات التي ~~يقولونها ويسمعونها، قد يبلغ من الاختلاف حدا يجعل استخدام لغة مشتركة أمرا لا يعني ~~إلا القليل. ففي جميع أرجاء المجتمع الأمريكي، ابتداء من وزارات الحكومة الفدرالية فما ~~دونها، يحدث في كثير جدا من الأحيان ألا تعلم اليد اليمنى ما تفعله اليد اليسرى. فلدى ~~الأمريكيين تعددية في الحكومة، وتعددية في الطبقات الاجتماعية، وتعددية في المعايير ~~الأخلاقية، وتعددية في التخصصات المهنية، وتعددية في الفنون (أي مدارس مختلفة في الرسم ~~والموسيقى والدراما وغيرها)، وتعددية في الفلسفات - أو المدارس الفكرية، كما يسميها ~~الأمريكيون عادة. وهكذا تبدو التعددية الميتافيزيقية هي المذهب الذي يعد اعتناق ~~الأمريكيين له أقرب إلى المنطق - وذلك بالنسبة إلى التعدديين أنفسهم على الأقل. ~~(7) حكم نهائي على المذهب التعددي # ينبغي أن يترك لكل قارئ على حدة الحكم النهائي على المذهب التعددي من حيث هو موقف ~~ميتافيزيقي، كما اعتدنا أن نفعل في هذا الكتاب الدراسي. ولو قارنا هذه النظرة إلى ~~العالم بالواحدية أو الثنائية، لوجدنا أنها تقدم إلينا صورة للواقع تجعله مثيرا، ~~ديناميا، دائم التغير. فالكون في نظر التعددية يتصف أساسا بالتغير، ولو وصفنا الكون ~~بأنه أزلي لما كان معنى ذلك أنه سكوني، ms275 أو «مقفل على ذاته»، كما يقول مذهب الفردانية. ~~بل إن من الممكن أن يكون التغير والتنوع أزليين كالنبات فليس الكون في حاجة إلى أن يكون ~~كلا عضويا، متجمدا على صورة «مطلق»، لكي يكون الواقع، بل إن التغير أهم في تجربتنا ~~من الثبات، والأشياء التي لا حصر لها، والتي تتألف منها تجربتنا - أعني «الكثرة» - أهم ~~بكثير مما يمكن أن يكون أي «واحد» متخيل. # وقد يعتقد القارئ، كما يفعل كثير من المفكرين، أن الرأي التعددي مهما كان مثيرا، ~~فإنه لا يرضينا عقليا. وقد يكون الانطباع الذي نكونه عن صورة الواقع كما يقدمها إلينا ~~هذا المذهب هو أنها أكثر «تخلخلا» وربما «اختلالا»، من أن تكون نظرة إلى الأشياء كما ~~هي في أساسها، يمكن قبولها على نحو دائم. وقد نتفق مع أولئك الفلاسفة الذين يرون أن أية ~~نظرة إلى العالم لا تستطيع أن تفرض على تجربتنا نظاما ووحدة أكثر من تلك التي يفرضها ~~عليها المذهب التعددي، ليست مذهبا ميتافيزيقيا أصيلا. وبالاختصار فإن النظرة ~~التعددية تبدو لأذهان كثيرة «تركيبية» (بالمعنى الشائع لهذا اللفظ) أكثر منها «جامعة»، ~~على النحو الذي يفترض أن تكون عليه المذاهب الفلسفية. وهكذا يقال، اعتراضا عليها، إن ~~الذهن البشري ينشد، ويستحق، شيئا أفضل من هذه النظرة التكدسية إلى الأمور. # ولكن التعددي هو الذي له الكلمة الأخيرة. ولما كان التعددي عادة، في أيامنا هذه، من ~~أنصار المذهب الطبيعي، فإن التعددي وصاحب المذهب الطبيعي سيشتركان في الرد. وهكذا ~~يقولون إن من المعترف به أن أذهانا كثيرة تنشد نظرة إلى الواقع أكثر تكاملا من تلك ~~التي تقدمها إلينا التعددية. وإذا كان كل من جد يستحق أن يجد، فإن هذه الأذهان ~~تستحق حلا للمشكلة الأنطولوجية أفضل من أي حل يستطيع المذهب التعددي أن يأتي به. ولكن ~~السعي والنشدان، أو حتى الاستحقاق، شيء، والوقائع الصلبة الغاشمة الفعلية شيء آخر. ذلك ~~لأن من الممكن أن نتصور قطعا أن يكون للكون نفس ذلك الطابع التكديسي الذي يصفه ~~التعددي. وفي هذه الحالة، ماذا يمكن أن يفيدنا «السعي» أو «الاستحقاق» في ms276 الموضوع؟ ألن ~~يؤديا، على الأرجح، إلى إعطائنا صورة مشوهة للواقع، تكون «مرضية» دون شك، ولكنها مع ذلك ~~غير صحيحة؟ وفضلا عن ذلك، فإن الكلام عن «استحقاق» نوع معين من الإجابة على مسعانا ~~الميتافيزيقي إنما هو خيانة لروح الفلسفة ذاتها. ففي السعي وراء الحقيقة العامة، لا ~~«يستحق» الذهن أن يجد إلا ما هو موجود بالفعل. وأي شيء غير ذلك لا يستحق اسم الحقيقة. ~~وأي شيء غير ذلك لن يكون جديرا بالفيلسوف ومسعاه. ~~(8) تلخيص للميتافيزيقا: الواحدية # خير لنا أن نختم هذا العرض للمشكلة الميتافيزيقية بملخص لكل مدرسة تحدثنا عنها في ~~هذين الفصلين الأخيرين. وسوف نركز كلامنا على نتائج كل رأي، ولا سيما في علاقتها ~~بالتجربة البشرية العامة. ولقد أوردنا كثيرا من هذه النتائج، أو استخلصناها، عندما ~~عرضنا وجهة النظر المتعلقة بها، غير أن تقديم موجز نهائي يتيح للطالب فهما أفضل ~~للمشكلة الميتافيزيقية في مجموعها، وللإمكانات التي ينطوي عليها كل من الحلول ~~المتعددة المقترحة. وسوف نتبع في تلخيصنا نفس الترتيب الذي اتبعناه في العرض ~~الأصلي. # من الملاحظ أولا أن كل المذاهب الواحدية (متميزة عن الفردانية # Singularism ~~) تتميز بصفتين تبدون ضروريتين في مثل هذه المذاهب. فلما ~~كان مظهر الأشياء - كما تبدو «للموقف الطبيعي» يوحي بثنائية ميتافيزيقية أساسية، تكون ~~«المادة»، و«الذهن» فيها هما المبدآن النهائيان اللذان لا يردان إلى غيرهما - وهو أمر ~~يشيع الاعتراف به - فإنه يكاد يكون من المحتم أن تصطدم أية صيغة توحيدية بالموقف ~~الطبيعي، وأن ترتكز خطأ التبسيط المفرط في نقطة أو نقاط معينة داخل المذهب. ومن الواجب ~~أن يعد كل من هذين الاتجاهين نقطة ضعف أو عيبا في المذهب الواحدي بوصفه موقفا ~~ميتافيزيقيا، بغض النظر عن نوع «المادة» أو «العنصر» النهائي الذي يفترض. ~~(1) # الواحدية المادية ~~: تتحدى الواحدية ~~المادية الموقف الطبيعي عن طريق إنكار واقعية الذهن أو الروح - أو ~~فاعليتهما - في نظام الأشياء. # 6 # ولما كانت تجربتنا اليومية بأسرها تبدو شاهدا على وجود ~~مقولتين للوجود: مقولة مادية، وأخرى ذهنية، فإن البينة الكاملة إنما تكون ~~على المادي، عندما يحاول صياغة موقف واحدي ينكر ms277 واقعية هذه الثنائية ~~البادية. أما التبسيط المفرد فيظهر في المادية عندما يحاول أنصارها إرجاع ~~كل الحوادث الذهنية إلى مجرد ظواهر ثانوية مصاحبة للحوادث المادية. والواقع ~~أن النظر إلى هذه الحوادث الذهنية (سواء أكانت إحساسات، أم إدراكات، أم ~~أفكارا، أم تصورات) على أنها «ليست إلا» حوادث في العالم المادي، إنما ~~يعني الوقوع في «مغالطة الرد»، كما أوضحنا في الفصول السابقة. ~~(2) # الواحدية المثالية ~~: تواجه الواحدية ~~الروحية أو المثالية نفس الصعوبتين. فهنا أيضا نجد أنه، لما كان الموقف ~~الطبيعي يشير إلى واقع مزدوج، فإن إنكار العالم المادي أو إعطاءه مركزا ~~ثانويا تماما، لصالح حقيقة روحية شاملة (أو مسيطرة بقوة على الأقل)، ~~يبدو متعارضا مع تجربتنا اليومية. وإذا لم يكن هذا النوع من الواحدية ~~واقعا في «مغالطة الرد» بنفس القوة التي تقع بها المادية فيها، فإن إفراطه ~~في التبسيط ليس أقل ظهورا - وذلك على الأقل في نظر كل الفلاسفة الذين ~~ليسوا واحديين مثاليين. ولو تأملنا مثالا بارزا أوردناه في فصل سابق، ~~لوجدنا أن تفسير الواحدية المثالية لسبب وجود جسم للذهن، أو سبب وجود ~~العالم المادي في كون تتصف الحقيقة النهائية فيه بأنها ذهنية، يبدو مفرطا ~~في التبسيط إلى حد يبدو معه ممتنعا في نظر كثير من المفكرين. ~~(3) # الواحدية المحايدة ~~: تواجه الواحدية ~~المحايدة موقفا أصعب حتى من هذا عندما تتعرض لاختبار الموقف الطبيعي. فحين ~~ترجع وجهة النظر هذه كل وجود إلى «جوهر» محايد لا علاقة له بالتجربة ~~المباشرة، فإنها تنفصل تماما عن الموقف الطبيعي. أما المذهبان الواحديان ~~الآخران، فعلى حين أنهما يواجهان صعوبات خطيرة في محاولتهما إرجاع ثنائية ~~التجربة إلى وحدة ميتافيزيقية، فإن لهما على الأقل بعض الصلة بتجربتنا من ~~حيث إن المبدأ النهائي الذي يختارانه له شيء من المعنى في نظر الفكر ~~والحديث العاديين. أما الواحدية المحايدة، بما فيها من جوهر واحد تكون ~~المادة والذهن مجرد «صفتين» له (من بين صفات عديدة ممكنة) فإنها لا تتيح ~~لنا نقطة اتصال بالتجربة يمكننا عن طريقها أن نفهم طبيعة هذا الواقع ~~النهائي. فلا بأس على الإطلاق، من ms278 وجهة النظر العقلية، من تعريف «الجوهر» ~~بأنه «ما تطرأ عليه الأحوال ولكنه ليس هو ذاته حالة» (كما يقول القاموس)، ~~أو بأنه «ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته» (كما يقول اسبينوزا، أشهر ~~المدافعين عن الواحدية المحايدة). ولكن هذه الأقوال لا تنبئنا، بالنسبة إلى ~~حياتنا اليومية وتفكيرنا المعتاد، إلا بالقليل جدا عن الواقع النهائي أو ~~طبيعة الكون الذي يتعين علينا أن نعيش فيه. ومن الواضح أن هذا النوع الثالث ~~من الواحدية، وهو الواحدية المحايدة، ينطوي أيضا على تبسيطات للتجربة أشد ~~إفراطا من تلك التي تنطوي عليها المذاهب المتنافسة معه، وإن يكن الأدق أن ~~نطلق على هذه التبسيطات المفرطة اسم التجريدات المفرطة. فكل الصفات ~~والكيفيات والأحوال تنزع حتى لا يتبقى في النهاية إلا الوجود أو الكينونة ~~البحتة التي لا يوجد ما هو أكثر تجريدا منها. ومن الواضح أن إرجاع ذلك ~~التنوع والتعقد اللانهائي للوجود، الذي تكشفه لنا حواسنا، إلى شبح تصوري ~~هزيل «كالجوهر»، يقتضي تبسيطات متطرفة إلى أبعد حد. # مزايا الواحدية ~~: لا حاجة بنا إلى القول إن ~~للواحدية، بوصفها موقفا ميتافيزيقيا، مزايا تزكيها بقوة لو أمكن تحقيقها بطريقة ~~مشروعة، والاحتفاظ بها بطريقة منسقة. ومن المفارقات العجيبة أن الفضائل الكبرى للواحدية ~~تتصل اتصالا وثيقا بالأخطاء التي عددناها الآن؛ ذلك لأن المذهب الواحدي، أولا، يتميز ~~عادة بقدر من البساطة والوحدة لا تستطيع الثنائية ولا التعددية أن تجاريه. وقد يحتاج ~~تحقيق هذه الوحدة إلى بعض التجريدات والتبسيطات المشكوك فيها، ولكن النتيجة، حالما ~~تبلغ، تكون لها في العادة بساطة تدعو إلى الإعجاب. هذه البساطة الموحدة، التي يرد فيها ~~كل تنوع وتعقد في التجربة إلى مبدأ نهائي واحد من نوع ما، تفسر على الأرجح الدور الهام ~~الذي قامت به الواحدية في تاريخ الفكر. ذلك لأنه مهما أوحى لنا موقفنا الطبيعي بأن ~~الواقع ثنائي في طبيعته، فإن الذهن البشري قد ظل يسعى بإلحاح إلى الوحدة الكامنة من ~~وراء مظهر الأشياء. هذا النزوع الأصلي إلى نشدان تفسير أو سبب أو مبدأ أو مصدر أو قانون ~~أو مادة أو صيغة أو ms279 نسق لتنظيم تجربتنا، يمثل استجابة من أكثر استجابات الذهن لبيئته ~~شيوعا. ومن هنا فعلى حين أن الواحدية قد تسير في طريق مضاد للموقف الطبيعي، فإن لها ~~حليفا قويا في ذلك الميل الذي يبدو فطريا في الذهن ذاته. أما الاكتفاء بتفسير ~~«متعدد العوامل» لأي شيء، فيقتضي قدرا كبيرا من التعمق والتقدم العقلي. # هذا عن مزايا الواحدية بوجه عام. ولو ألقينا نظرة شديدة الإيجاز على أنواع الواحدية ~~الثلاثة، لوجدنا أن لكل منها مزايا معينة ينفرد بها. ~~(1) # فالمادية، ولا سيما في صورتها المعاصرة الأكثر اعتدالا، تتصف بميزة ~~كبرى، هي صلتها الوثيقة بالعلم، مما يتيح للذهن حرية الحركة من الفلسفة إلى ~~العلم وبالعكس، دون أن يشعر بأنه قد تحول عن موقفه، أو انتقل إلى لغة ~~جديدة، أو دخل عالما مختلفا. والنتيجة هي توحيد للمعرفة (في مقابل وحدة ~~المذهب) لا يمكن أن نجد له نظيرا في أي موقف ميتافيزيقي آخر. ~~(2) # أما الواحدية المثالية فلها ميزة انفعالية فريدة، مشابهة للميزة العقلية ~~التي اعترفنا بها الآن للمادية؛ ذلك لأن النظرة إلى العالم، التي تكون ~~الحقيقة النهائية فيها «ذهنا» أو «روحا»، تصور لنا البيئة بأنها في ~~أساسها متمشية مع الإنسان ومع أحلامه وأمانيه وقيمه. ~~(3) # أما الواحدية المحايدة فلا يمكن أن تتمثل فيها مزايا عملية كتلك التي ~~تتمثل في المذهبين الآخرين، بل إن أفضل وصف لأية فضيلة تتميز بها هو أنها ~~مذهبية. فمع اعترافنا بتبسيطاتها المفرطة للتجربة، وتجريدها الشديد لكل ~~الكيفيات الداخلة في نطاق التجربة، من مجال «الجوهر»، فإن هذه الواحدية ~~تصل، على يد عملاق عقلي مثل اسبينوزا، إلى صيغة تدعو إلى الإعجاب من وجهة ~~النظر المذهبية. ~~(9) الفردانية # للفردانية # Singularism ~~، ولا سيما كما تتمثل في ~~المثالية المطلقة، خصائص ونتائج تختلف إلى حد ما عن تلك التي نجدها في الواحدية. ذلك ~~لأن هذه النظرة إلى العالم؛ إذ تؤكد الوحدة العضوية الوثيقة في تركيب الواقع، بحيث ~~تترابط كل الأجزاء (أي كل الموضوعات والأشخاص والحوادث الفردية) في «كل» يضيف عليها ~~معناها وقيمتها، بل ووجودها، تجعل كل ما يحدث مجرد تكشف تدريجي لهذا ms280 الكل أو المطلق ~~الشامل. وبينما هذا المذهب لا ينكر التغير (بل إن هيجل مثلا قد أكد التاريخ بوصفه تكشف ~~المطلق في الزمان)، فإنه يقضي على إمكانية انبثاق تجديد أصيل من مجرى الحوادث. وهكذا ~~فإن هذه «النظرة الكلية» إلى الكون تبعث في معظم المفكرين شعورا بالسكونية: إذ يبدو ~~المستقبل «مصمتا» أو «محددا ومجففا» قبل أن يحدث. فهي تفتقر إلى المغامرة المثيرة ~~التي ينطوي عليها القول بمرونة المستقبل، وهو القول الذي يتمثل في النظرات الأكثر ~~دينامية إلى الكون. # وإلى جانب هذا الاتجاه السكوني، فهناك نقاط ضعف أخرى في أية نظرة فردانية إلى العالم. ~~فكثير من المفكرين يوجهون إليها اعتراضا آخر، هو الطابع المطلق العام الذي تتسم به هذه ~~المذاهب؛ ذلك لأنها لا تصور الواقع على أنه مطلق فحسب، بل إن المنطلق والطابع العام ~~للتفكير «الذي تنم عنه» يكشف أيضا عن نزعة مطلقة (أي نزعة مضادة للنسبية) متطرفة. ~~فالانطباع العام للمثالية المطلقة، مثلا، في الأشخاص الذين لا ينتمون إلى هذه المدرسة، ~~هو انطباع الثقة المبالغ فيها، والتأكيد القطعي المتكرر. ولقد قبل بحق عن هيجل أنه أكثر ~~الفلاسفة الذين عاشوا وثوقا بنفسه، # 7 # كما أن خلفاءه وأتباعه خلال الأعوام المائة الأخيرة قد ظهر لديهم، عموما، ~~نفس هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أن فلسفة هيجل لا تمثل الفردانية كلها، فإن هذا الحكم ~~يصدق بوجه عام على هذه المدرسة وأفرادها. # مزايا الفردانية ~~: هناك مزايا عديدة لهذه النظرة إلى ~~العالم، كما يتضح من كثرة عدد أتباع المثالية المطلقة خلال الجزء الأكبر من القرن ~~التاسع عشر. وهناك ميزتان أظهر من غيرهما في هذا الصدد. الأولى ميزة عقلية بالمعنى ~~الخاص الدقيق: فلا بد لأية ميتافيزيقيا فردانية من أن تكون محكمة التركيب، عضوية البناء ~~إلى حد يستحيل على معظم المذاهب الأخرى تحقيقه. # 8 # فالترابط المنطقي هو أساس المثالية المطلقة، شأنها شأن أي نوع آخر من ~~الفردانية. ومن المؤكد أن - «النظرة ~~المصمتة # Block-View ~~» إلى الكون، التي يكون لمفهوم «الكل» فيها الأهمية الأولى، هي ~~بطبيعتها نظرة مترابطة؛ ولذا لم يكن من المستغرب ms281 أن يكون القائلون بمذهب المطلق هم أبرز ~~مؤيدي نظرية الترابط بوصفها نظرية للحقيقة؛ لذلك فإن بعض الأذهان، التي يصل فيها ~~الاتجاه إلى الاتساق المنطقي، والإحكام المذهبي، والتماسك الهندسي، إلى حد الميل ~~الطاغي، تجد الفردانية مذهبا لا يقاوم. وتتضاعف جاذبية الفردانية إذا كانت تلك أذهانا ~~تجد الكل الموحد، مهما تكن درجة تجريده، أقوى دلالة من الجزء العيني، مهما يكن ثراؤه أو ~~واقعيته. # وإلى جانب هذا الإرضاء العقلي، تتمثل في الفردانية بعض المزايا الانفعالية، وهي مزايا ~~تشاركها في معظمها كل المذاهب المثالية، كما رأينا في الفصل الثالث. والواقع أن الإرضاء ~~الذي تتيحه نظرة إلى العالم لا تترك أطرافا معلقة دون ربطها بإحكام، هي مزايا تفوق ~~المجال العقلي وحده. ومن المؤكد أن هناك جاذبية جمالية في مثل هذا البناء المعماري ~~العقلي المتناسق، ولكن الأوضح من ذلك هو تلك الثقة الانفعالية التي يبعثها مذهب تجمع ~~فيه الأجزاء المتباينة في وحدة كونية. إذ إن كل ما يحدث في التجربة البشرية يغدو عندئذ ~~جزءا من النظام الشامل، للأشياء، وهو النظام الذي يكون له فيه معنى وغرض. وهكذا لا ~~تضيع الحياة سدى، ولا يكون الحب الفاشل حبا ضائعا فحسب، ولا يكون هناك ألم بلا ~~حكمة، أو تجربة بشرية بلا دلالة. وعلى حين أن كثيرا من المفكرين يعتقدون أن أمثال هذه ~~المزايا الرائعة لا يمكن أن تشترى في السوق الفلسفية إلا بثمن عقلي باهظ إلى أبعد حد، ~~فإن تاريخ الفكر يثبت لنا أن هناك أشخاصا كثيرين كانوا على استعداد لدفع هذا ~~الثمن. ~~(10) موجز الميتافيزيقا: الثنائية والتعددية # من الممكن أن يكون الموجز الذي نقدمه للثنائية والتعددية أقصر إلى حد ما من موجز ~~الواحدية؛ إذ إن العرض الذي قدمناه لهذين الموقفين في هذا الفصل يجعلها أقرب إلى ذهن ~~القارئ. وفضلا عن ذلك فليس لهذين المذهبين إلا صور قليلة متباينة تقتضي معالجة ~~مستقلة. # الثنائية ~~: إن الصعوبة الكبرى التي تواجهها الثنائية ~~هي صعوبة عقلية. فهذه النظرة إلى العالم؛ إذ تقبل دون مناقشة رأي الموقف الطبيعي إلى ~~الواقع، بما فيه من ازدواج أساسي ms282 بين مقولتين لا تردان إلى غيرهما، هما «الذهن» ~~و«المادة»، تلقى عادة إعجابا من المبتدئ في الفلسفة، بوصفها نظرة تبشر بالخير الكثير. ~~غير أن هناك حواجز هائلة بين ما تبشر به وبين ما تحققه فعلا، وهي حواجز لم تتمكن معظم ~~المذاهب الثنائية من اجتيازها. ولما كنا قد ناقشنا هذه الصعوبات منذ وقت قريب، فإنا لا ~~نجد ما يدعو إلى تكرارها، وكل ما نود أن نقوله باختصار هو أن هذه المشكلات يمكن أن تصنف ~~على النحو الآتي: (1) مسألة التحديد الدقيق لطبيعة هاتين المقولتين الأساسيتين، مع بيان ~~حدود كل منهما. (2) العلاقات بين هاتين المقولتين. (3) طريقة أو كيفية حدوث هذه ~~العلاقات. والواقع أن معظم المذاهب الثنائية قادرة تماما على معالجة المشكلة الأولى من ~~هذه المشاكل، ولكن معالجتها للمشكلة الثانية أقل إرضاء، أما تفسيرها لطريقة حدوث ~~العلاقات بين العالمين اللذين يفترض أنهما مستقلان وغير قابلين للرد، فهو عادة تفسير ~~غاية في الضعف. ويبدو على وجه العموم أن الثنائية تعدنا بأكثر مما تستطيع تقديمه إلينا، ~~وإذا ما أقبلنا عليها بآمال عريضة، فأغلب الظن أن خيبة أملنا لن تكون أقل من هذا الأمل ~~العريض. # وإلى جانب هذه الميزة الهائلة للثنائية، وهي ميزة ارتكازها مباشرة على الموقف ~~الطبيعي، (وبالتالي تجنبها للهوة التي تفصل بين التجربة اليومية والتأمل الميتافيزيقي، ~~وهي الهوة التي كانت شائعة جدا طوال تاريخ الفلسفة)، فإنها تمتاز بأنها تكشف بوضوح عن ~~مشكلة المقومات الأساسية والوجود النهائي على نحو لا يقوم به أي مذهب آخر. ومن ثم فإنها ~~هي المذهب الذي يفضله المبتدئ على ما عداه؛ إذ إننا ما إن نمعن الفكر في نتائج ~~الثنائية، ونزن ما لها وما عليها من الحجج في أذهاننا بوضوح، فإننا نصبح عندئذ على ~~استعداد للاضطلاع بالمهام الأصعب، وهي فهم الواحدية والفردانية والتعددية. # التعددية ~~: إن التعددية، بما فيها من تأكيد للطابع ~~«الفردي» للأشياء، بدلا من الطابع «الكلي» (كما تفعل الواحدية)، وبدلا من التقابل ~~«إما ... وإما» الذي تؤكده الثنائية، ترتكز كذلك على موقف وثيق الصلة بالتجربة. غير أن ~~هذا الاتصال الوثيق بالمجال التجريبي ms283 يختلف عن ذلك الذي نجده في الثنائية. ذلك لأن ~~التعددية، بدلا من أن تتخذ نقطة بدايتها من المقولات التي يبدو أن موضوعات التجربة ~~وحوادثها تندرج تحتها، تتخذ من الموضوعات والحوادث ذاتها أسسا. ذلك لأن هذه المدرسة ~~ليست فقط أقل اهتماما بالمبادئ والكليات والتجريدات من النظرتين الأخريين إلى العالم - ~~إذ إن التعددي يرى أن هذه أقل أهمية قطعا من الشيء أو الحادث الفردي العيني - بل إن ~~المبادئ والمقولات لا تكون لها أهمية في نظر التعددي إلا بوصفها وسيلة لتفسير الأشياء ~~والحوادث الفردية أو للربط بينها. # ولعل أوضح دليل على اهتمام التعددية بواقعية الشيء الفردي العيني وأهميته، هو نظريتها ~~في العلاقات الخارجية، التي عرضت من قبل بإيجاز في هذا الفصل. ففي نظر صاحب المذهب ~~الفرداني، الذي يؤكد أهمية الكل أو المطلق، تكون للعلاقات بين أجزاء الكل أكبر الأهمية: ~~فهي التي تجعل الجزء، سواء أكان موضوعا أم حادثا، على ما هو عليه. أما التعددية ~~الحديثة فتنظر إلى واقعية العلاقات ودلالتها على أنها ثانوية تماما بالقياس إلى ~~الواقعية الأساسية للموضوعات العينية والحوادث في ذاتها، التي يمكن (في رأي التعددي) أن ~~تدخل في العلاقات وتخرج منها دون أن يطرأ عليها تغير، ودون أن تفقد استقلالها ~~الأساسي. # وهكذا فإن الجاذبية الكبرى للتعددية تكمن في اعترافها الكامل بواقعية التجربة الفعلية ~~وامتلائها وثرائها. والواقع أن أي مذهب فكري لا يباري التعددية الحديثة (كما تتمثل في ~~وليام جيمس مثلا) في هذا الصدد. وكما أن الفردانية تجتذب نوعا معينا من الأذهان ~~المنطقية الصارمة، التي تكون للوحدة والترابط أهمية عظمى في نظرها، فكذلك تجتذب ~~التعددية تلك الأذهان التي يعجبها ثراء التجربة البشرية العينية وتعقدها، والتي تجد ~~تحديا هائلا في الإمكانات العديدة التي تتيحها هذه النظرة الدينامية إلى ~~العالم. # أما نقاط ضعف المذهب التعددي فهي الوجه المقابل ~~لمزاياه. ذلك لأننا لا نستطيع أن نتوقع من نظرة إلى العالم تولى مثل هذه الاهتمام ~~لواقعية الأشياء الفردية وأهميتها، أن تكون متصفة بمنطق محكم أو تماسك عضوي. والواقع أن ~~تعدديين قلائل جدا منذ أيام ليبنتس ms284 وباركلي (وينبغي أن نلاحظ أن كليهما مثالي) هم ~~الذين حاولوا صياغة مذهب كامل في الميتافيزيقا، بل إنهم في عمومهم قد اكتفوا، مثل جيمس ~~وغيره من التعددين البرجماتيين الآخرين، ببحث مشكلات خاصة في نطاق الفلسفة، كمشكلة ~~مناهج البحث العالمي ونظرية الحقيقة. ومما يثبت إمكان قيام مذهب ميتافيزيقي تعددي، ما ~~قام به الفيلسوفان اللذان أشرنا إليهما منذ قليل، اللذان كانا من الأفراد الأسبق عهدا ~~في هذه المدرسة، ولكن لم تظهر حتى الآن صياغة حديثة كاملة لوجهة النظر هذه في عالم ~~الفلسفة. # الفصل الحادي عشر # | التجريبية المنطقية # لا شك أن العرض الذي قدمناه للنظريات الميتافيزيقية الرئيسية في الفصلين السابقين قد ترك ~~في نفوس القراء تأثيرا متباينا. ومع ذلك فمن المؤكد أن مجموعة من القراء كان لها رد فعل ~~ذو دلالة خاصة؛ إذ إن رد الفعل هذا يقترب من الموقف الذي تتخذه مدرسة فلسفية معاصرة قوية ~~إزاء كل تأمل ميتافيزيقي. هذه المدرسة، التي تعرف باسم «الوضعية المنطقية» أو التجريبية ~~المنطقية، ربما كانت أكثر المذاهب التي ظهرت في الفلسفة تجديدا وعدوانية من الناحية العقلية. # 1 # ولقد كان تأثيرها في المذاهب التقليدية هداما، وأدى الصراع بينها ويبن المدارس ~~الكلاسيكية إلى جدل أقوى مما حدث في أي صدام سابق في الفلسفة. وقد امتد تأثير هذه الحركة ~~التجريبية حتى تغلغل بعمق في الميتافيزيقا ونظرية المعرفة والمنطق والأخلاق. وكانت النتيجة ~~تحليلا ذاتيا ونقدا باطنا في الفلسفة يمكن القول بأن أفضل نظير له كان ذلك الانقلاب ~~الذي أحدثته النظرية النسبية والنظرية الذرية الحديثة في الفيزياء. وقد حدث هذا الانقلاب ~~الفلسفي في عهد بلغ من القرب حدا لم يهدأ معه غبار المعركة بعد، غير أن الصورة الآن أوضح ~~مما كانت عندما هددت أولى الهجمات الوضعية التجريبية في العشرينيات والثلاثينيات بقلب ~~الفلسفة التقليدية بأسرها رأسا على عقب. ولما كانت هذه الحركة قد أحدثت تغيرات ثورية في ~~أساليب الفلسفة وادعاءاتها معا، فمن الضروري أن يفهم الطالب المبتدئ ذاته شيئا عن ~~نظرياتها. # على أن تقديم عرض موجز مبسط للفكر التجريبي المنطقي ليس بالأمر الهين ms285 . وترجع هذه الصعوبة ~~إلى تعقد المشكلات التي يتعين عرضها، كما ترجع إلى وجود خلافات وانقسامات فرعية داخل ~~الحركة. فهناك مثلا فوارق هامة بين الوضعيين داخل القارة الأوروبية (الذين كانوا يتركزون ~~في فينا، ولكن معظمهم انتشر في أماكن متعددة، وذهب كثير منهم إلى الولايات المتحدة) وبين ~~المدرسة الإنجليزية، ولا سيما الجماعة المعروفة باسم مدرسة كيمبردج التحليلية. وسوف نضطر ~~إلى الاقتصار في هذا العرض على بعض المفاهيم التي تبدو أساسية في كل تفكير منطقي تجريبي. ~~وسيؤدي ذلك بالطبع إلى إعطاء القارئ صورة أقل من الكاملة عن تفكير هذه المدرسة، ولكنه سيتيح ~~له أن يتذوق شيئا من مذاقها اللاذع، ويفهم السبب الذي جعل للحركة كلها مثل هذا التأثير في ~~الفلسفة المعاصرة. # الاتجاه العقلي الأساسي ~~: لنبدأ أولا بأن نتساءل: ما هو ~~هذا الاتجاه الذهني، الذي يمكننا الاهتداء إليه لدى بعض الطلاب المبتدئين، فضلا عن بعض ~~الفلاسفة المحترفين، والذي يدفع المرء إلى اتخاذ الموقف التجريبي المنطقي المتطرف؟ ولماذا ~~كان السبب الرئيسي في ظهور هذا الاتجاه هو استعراض النظريات الميتافيزيقية؟ ربما كان أفضل ~~وصف لهذا الاتجاه هو «الصرامة الذهنية»، غير أنها صرامة ذهنية تختلف عن ذلك النوع الذي ~~رأيناه أساسيا في المذهب الطبيعي. فبينما نوع الصرامة الذهنية الذي يتميز به المذهب ~~الطبيعي ينطوي على نظرة كاملة إلى العالم أو موقف كامل من الكون وما ينتظر الإنسان فيه، فإن ~~صرامة التجريبي المنطقي أضيق نطاقا. فهي في أساسها معرفية لا ميتافيزيقية. وهذا يؤدي إلى ~~جعل التجريبية المنطقية أقرب إلى نزعة الشك منها إلى المذهب الطبيعي، ما دام الشكاك، كما ~~رأينا في فصول سابقة، يضع نظرية للمعرفة، لا نظرة شاملة إلى العالم. # ويظهر الاتجاه العقلي العام للتجريبية المنطقية أوضح ما يكون في نظريتها في المعنى. هذه ~~النظرية، التي تعرف في المصطلح الفني باسم «نظرية القابلية للتحقيق في المعنى» ترى أن تحديد ~~المعنى وتوصيله إلى الآخرين أساسي تماما، ليس فقط في الحديث الفلسفي، بل في كل حديث أيا ~~كان - وليس في الحديث أو التخاطب فقط، بل وفي اكتساب المعرفة. ويؤكد ms286 التجريبي أنه لا يمكن ~~أن تكون هناك معرفة، بخلاف التجربة الحسية المباشرة، إلا بعد أن نتأكد من معنى كل الجمل ~~التي تصاغ في صورة جمل واقعية؛ أي جمل إخبارية. ومن المؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك اتصال ~~في المعرفة حتى يحلل المعنى ويوضح. ومن هنا كان التحليل اللغوي والمنطقي يحتل مكانة مركزية ~~في التجريبية المنطقية. والواقع أن من الممكن أن يطلق على هذه الحركة، بنفس الدقة، اسم ~~«التحليلي المنطقي» أو «التجريبية التحليلية» - بل يكاد من الممكن القول إن أية طريقة للجمع ~~بين الصفات الثلاث: «المنطقي» و«التحليلي» و«التجريبي»، تصلح للدلالة على هدف هذه المدرسة ~~ومنهجها. # لماذا كانت المشكلات الميتافيزيقية غير قابلة للحل؟ # يشعر التجريبيون المنطقيون، شأنهم شأن كثير من المفكرين الآخرين داخل نطاق الفلسفة وخارجها، ~~بالاستياء والكدر لما يبدو من عدم قابلية المشكلات الفلسفية التقليدية للحل. ولقد اشتهر ~~المجال الميتافيزيقي خاصة بأنه ميدان مشكلات دائمة وخلافات تدوم قرونا طويلة، ولا تقل ~~حدتها اليوم عما كانت عليه في أي وقت مضى. ولقد كان هناك خلال التاريخ الطويل للفلسفة ~~شكاكون يرتابون في إمكان حل هذه المشكلات بأي معنى حقيقي أو نهائي، ولكن من المعترف به ~~عادة أن الفضل يرجع إلى «ديفد هيوم»، الذي ألف كتبه في أواسط القرن الثامن عشر، في إرساء ~~نزعة الشك هذه على أساس عقلي دقيق بحق. وهكذا أصبح هيوم واحدا من المؤسسين الحقيقيين ~~للتجريبية المنطقية الحالية، التي يمكن أن تعد امتدادا وتهذيبا وتطبيقا لمنهج ~~هيوم. # ولقد كان هيوم يشترط أن تحقق كل الأفكار أو المفاهيم العامة عن طريق إرجاعها إلى ~~«الانطباعات» (أي الإدراكات) التي تأتي منها. فإذا لم يمكن اكتشاف «انطباع»؛ أي إذا لم ~~تتوافر تجارب إدراكية لدعم المفهوم أو تفنيده - فإنه لا يقبل ذلك التصور أبدا. والنصيحة ~~التي يفضل توجيهها بشأن أية فكرة مجردة تفتقر إلى أساس إدراكي هي «ألق بها إلى النار!» ~~وبالفعل نجده في خلال حياته التحليلية قد ألقى بعدد كبير من المفاهيم الفلسفية واللاهوتية ~~الشائعة عندئذ في لهيب الشك. فلنبحث الآن كيف أخذت التجريبية ms287 المنطقية معيار المعنى كما ~~وضعه هيوم، وتوسعت فيه كثيرا، ولا سيما في اتجاه التحليل اللغوي. ~~(1) مشكلة المعنى # معنى «المعنى» ~~: المشكلة الرئيسية في التجريبية ~~المنطقية هي: ما الذي يجعل العبارة المعرفية (أي الجملة الإخبارية) ذات معنى؟ وكيف نحدد ~~معناها، أو كيف نتحقق من ادعائها كونها واقعية؟ إن أية جملة إخبارية تبدو تعبيرا عن ~~واقع (وتدعي عادة أنه كذلك)، غير أن نظرة واحدة إلى عدة جمل من هذا النوع تدل على أن ~~هناك درجات أو أنواعا من الواقعية: ~~(1) # الكتاب على المنضدة. ~~(2) # أنا أشعر بألم ممض. ~~(3) # العالم من خلق عقل علوي. ~~(4) # مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة. ~~(5) # حبي أشبه بوردة حمراء. ~~(6) # اليورانيوم أثقل العناصر. # 2 ~~⋆ ~~(7) # لا بد لنا من حب جيراننا. ~~(8) # الانتهازي خائن لبلاده. # ترى التجريبية المنطقية أن كل العبارات المعرفية التي تكون وظيفتها الإخبار بمعلومات ~~معينة، تنتمي إلى فئتين. فالقضايا يمكن تصنيفها حسب كون معناها (أ) صوريا ومنطقيا ~~بحتا، أو (ب) واقعيا؛ أي تجريبيا بالمعنى الدقيق. ولا بد لنا من أن نفهم هذا ~~التصنيف فهما كاملا، إذا شئنا أن نستوعب آراء التجريبية المنطقية؛ إذ إن الحركة ~~بأسرها تبدو من غير هذا التصنيف ثرثرة طويلة لا تفهم. ~~(أ) # المعنى الصوري ~~: العبارة ذات المعنى ~~الصوري هي تلك التي يتحدد صوابها أو خطؤها على أساس صورتها فحسب؛ أي على ~~أساس (1) علاقاتها بتركيب منطقي أو نظمي لغوي من نوع ما، أو (2) العلاقات ~~الداخلية للمنطق في داخل الجملة ذاتها. ونظرا إلى أن هذا النوع الثاني من ~~المعنى الصوري قد يكون هو الأسهل فهما، فسوف نبدأ بالكلام عنه. فهذا النوع ~~من الجمل، الذي يعرف باسم «تحصيل الحاصل # Tautology ~~»، يكون للجملة فيه محمول لا ~~يعدو أن يكون تكرارا لما جاء في الموضوع. ومثل هذا التكرار يكون مقبولا ~~عند وضع التعريفات. فمعظم التعريفات القاموسية من هذا النوع، كالجملة رقم ~~(6) التي أوردناها من قبل: «اليورانيوم أثقل العناصر». هنا يكون من الواضح ~~أن المحمول لا يقول أكثر مما هو متضمن في الموضوع، على الرغم من أن العبارة ~~قد تكون مع ذلك عظيمة ms288 الفائدة لأي شخص يحتاج إلى أن يعرف معنى ~~«اليورانيوم». وليس من الصعب على الشخص المثقف أن يكتشف العبارات التي ~~تنطوي على تحصيل الحاصل (مثل «مسموع للأذن» أو «المآتم الجنائزية») ولكن من ~~الممكن أن تندس قضية كاملة تنطوي على تحصيل حاصل دون أن تكتشف. وفي هذه ~~الحالة قد نظن أن المتحدث أو الكاتب يقول شيئا له معناه، على حين أن ~~التحليل المنطقي يوضح أنه لا يفعل شيئا سوى أن يصرح بما كان ضمنيا في ~~لفظ الموضوع. # أما الفئة الأولى (1) من العبارات الصورية فهي تلك التي لا تستمد حقيقتها ~~أو معناها إلا من اتساق الجملة الخاصة مع نسق منطقي من نوع ما. ونستطيع أن ~~نجد المثل الكلاسيكي لهذه الفئة في أي نسق رياضي، يضع مصادرات أو بديهيات ~~محددة ثم يستخلص بقية البناء الرياضي المنطقي منها. وعندئذ تصبح «الحقيقة» ~~و«الصواب» مسألة اتساق داخلي في النسق الواحد فحسب. وقد تحدثنا بإيجاز عن ~~الحقيقة الصورية في الفصل السابع في معرض الكلام عن نظرية من نظريات ~~الحقيقة، هي نظرية الترابط. وينبغي أن نذكر أننا أشرنا عندئذ إلى أن من ~~الممكن تشييد بناءات عقلية متسقة في داخلها تماما، على مصادرات لا ترتكز ~~على أساس من التجربة. وتلك إمكانية لها أهميتها القصوى بالنسبة إلى ~~التجريبية المنطقية، كما سنرى بعد قليل. ~~(ب) # المعنى الواقعي ~~: يرى التجريبي المنطقي ~~أن المعنى الواقعي هو ذاته المعنى التجريبي: فالعبارات التي يمكن تحقيقها ~~بالملاحظة هي وحدها التي يمكن أن تعد واقعية، كما أنه لا توجد «وقائع» لا ~~تتحدد تجريبيا. هذه الفكرة الرئيسية في التجريبية المنطقية هي أساس ~~نظريتها المشهورة في المعنى من حيث هو القابلية للتحقق. فالتجريبي يشترط في ~~أية عبارة معرفية، لكي يكون لها معنى (أي لا تكون لغوا - ومن الواجب أن ~~نلاحظ أن لفظ «اللغو # Nonsense ~~» يعني في ~~الأصل «ما ليس له معنى») أن تكون إما معبرة عن حقيقة صورية على النحو الذي ~~حددناه من قبل، وإما أن تقول شيئا يمكن للملاحظة تأكيده أو تفنيده. # وعند هذه النقطة نجد مسألة غامضة غموضا ms289 حقيقيا ، أدت إلى إشارة قدر ~~كبير من الجدل والتحليل بين صفوف التجريبيين المنطقيين، وقد كبير من سوء ~~الفهم من جانب نقادهم. فعندما يقول التجريبي إن العبارات الواقعية الوحيدة ~~هي تلك التي يمكن تحقيقها بالملاحظة، فإنه قد يعني بذلك واحدا أو أكثر من ~~ثلاثة أمور مختلفة: (1) فقد يعني أن العبارات الواقعية الوحيدة هي تلك التي ~~أيدتها الملاحظة من قبل، (2) أو قد يدرج ضمنها تلك التي لم تتحقق بعد، ولكن ~~من الممكن تحقيقها إذا شئنا كلما كان التأكيد ضروريا لأي غرض، (3) أو تلك ~~التي تقبل التحقيق من حيث المبدأ، على أساس أننا نعرف ما يلزم لتحقيقها. ~~هذه الفئة الثالثة تشمل عبارات نفتقر في الوقت الحالي إلى وسيلة تحقيقها، ~~ولكنا نستطيع أن نتصور إمكان تحقيقها في المستقبل، كالعبارات المتعلقة ~~بالمسمات الجغرافية للوجه الآخر للقمر، أو بالحياة في الكواكب ~~الأخرى. # ولقد حاول بعض التجريبيين المنطقيين الأوائل، خلال فترة شباب هذه الحركة، ~~حين كانت أقل تعمقا وأقرب إلى الطابع الوضعي، أن يقصروا فئة العبارات ~~«الواقعية» على تلك التي تحققت بالفعل (رقم 1 في التقسيم السابق). ومع ذلك ~~فقد كان هناك، حتى في هذه المرحلة المبكرة، أفراد أكثر اعتدالا في هذه ~~المدرسة، دعوا إلى التوسع في معنى القضايا «الواقعية» بحيث تشمل تلك ~~القضايا التي تتوافر إجراءات تحقيقها، بغض النظر عن كون هذه الإجراءات قد ~~استخدمت فعلا أم لا. وبازدياد نضج الحركة وتعمقها في التحليل، أصبح من ~~الواضح أن هذا القيد ذاته أكثر صرامة مما ينبغي. وقد بدا أمرا مبالغا فيه ~~بوجه خاص لأنه شاع تفسيره على أنه محاولة مغرورة، لا مبرر لها، للتشريع ~~للعلم عن طريق وضع تمييز قاطع بين النظريات العلمية المحققة تحقيقا ~~تاما، وتلك التي لا تؤكد إلا جزئيا - مما يؤدي، على ما يبدو، إلى حرمان ~~الألم من المرونة والحرية التي تلزمه لكي يستخلص نتائج مؤقتة لا غنى عنها ~~في تقدمه العلمي. # أما في الحالة الراهنة الناضجة للمذهب الوضعي التجريبي، فإن هذا المذهب ~~يضيف الشرط رقم 3 بوصفه وسيلة صحيحة لتحديد ما هو «واقعي». ms290 وحتى لو كانت ~~الصعوبات العملية التي تحول دون تحقيق عبارة ما، تبدو صعوبات سيظل من ~~المستحيل دائما التغلب عليها، فمن الممكن أن يظل لها الحق في أن تعد عبارة ~~ذات معنى، وذلك إذا عرفنا على الأقل أساس تحقيقها. فإذا وجد موقف تجريبي ~~يمكن تصوره، حتى لو ظل من المستحيل كشفه بوصفه موقفا فعليا، فعندئذ لا ~~تكون العبارة لغوا. أما إذا كانت ذات طابع من شأنه ألا تكون لأية ملاحظة ~~ممكنة علاقة بصدقها أو بطلانها، فعندئذ تكون لغوا - مهما يكن من وقعها في ~~نفوسنا بوصفها عبارة بلاغية أو ميتافيزيقية أو لاهوتية. # وينبغي أن نؤكد أن التجريبي يقيد الشرط رقم 3 ببعض الضوابط الصريحة ~~جدا، خشية أن يتسرب ثانية من خلال نافذة الميتافيزيقا كثير مما ألقى به ~~خارج باب نظرية المعرفة. ذلك لأن اشتراط أن تكون العبارة ذات المعنى «قابلة ~~للإثبات من حيث المبدأ» أو «قابلة للتحقيق نظريا» أو «مما يمكن تصوره»، ~~يبدو أنه يتضمن تقريبا كل جملة إخبارية ليست لغوا واضحا حسب قواعد النظم ~~والتركيب اللغوي (كما هي الحال في قضية «الصلب مجموع الأحمر».) ولكن لو لم ~~تكن التجريبية المنطقية قد فرضت ضوابط صارمة، لفقدت بسرعة شهرتها بالصرامة ~~العقلية في ميدان نظرية المعرفة. والواقع أن الضمانات التي وضعتها ~~التجريبية المنطقية من أجل التحكم في موضوع القابلية النظرية للتحقيق، من ~~شأنها أن تجعل هذا المذهب يبدو في أواسط القرن العشرين محتفظا بنفس النزعة ~~الشكاكة الهدامة للادعاءات الميتافيزيقية واللاهوتية، التي كان يتسم بها في ~~عهده الأول، وإن يكن بالطبع قد أصبح أقل سذاجة. ~~(2) أنواع القابلية للتحقيق # القيود المفروضة على القابلية للتحقيق ~~: ليس من ~~الصعب فهم الضمانات التي تحمي المعيار التجريبي للقابلية للتحقيق: سواء أكنا نراها ~~ضمانات مشروعة أم لا نراها كذلك. فعندما نقول أولا إن الجملة ينبغي أن تكون «قابلة ~~للتحقيق من حيث المبدأ»، فإن ما نعنيه حقيقة (إذا كنا تجريبيين منطقيين) هو أن من ~~الواجب أن نعرف الظروف التي يمكن تحقيقها فيها ... فلا بد أن تتوافر لدينا وسيلة للرد أو ~~التحويل، تتيح ms291 لنا ترجمة الألفاظ إلى أفعال، والمفاهيم إلى مواقف عينية، وبذلك تسمح لنا ~~بأن نحدد بدقة أساس البرهنة على أية عبارة أو تفنيدها. فإذا لم تكن العبارة تفي ~~بالشرطين 1 أو 2 (أي إذا لم تكن قد حققت بالفعل أو يمكن تحقيقها كلما دعت الحاجة)، ~~فعندئذ لا بد، لكي يكون لها معنى، من أن يكون من الممكن تصور عملية اختيار معينة، حتى ~~لو لم يكن في وسعنا الآن إيجاد الموقف الاختباري الفعلي. وبالاختصار، فمن الواجب أن ~~يكون للعبارة طابع من شأنه أن يكون من الممكن كشف فوارق يمكن التحقق منها، بين حالة ~~كونها صحيحة وحالة كونها باطلة. # وهنا يستعين التجريبي المنطقي بمبدأ صاغه في ~~عام 1878م المنطقي الرياضي الأمريكي ش. س. ~~بيرس # C. S. Peirce ~~. فقد كان بحث بيرس العظيم الأهمية بعنوان «كيف نجعل أفكارنا ~~واضحة» هو نقطة بداية البرجماتية، ومن الدعامات التي ارتكزت عليها التجريبية المنطقية ~~ومذهب آخر من أبناء عمومتها في مجال نظرية المعرفة، هو المذهب الإجرائي # Operationalism # وقد أكد بيرس أن من الضروري لكي ~~يكون للعبارة معنى من أن تنطوي على فارق؛ أي إن من الضروري أن تؤكد شيئا يحدث فارقا. ~~فإذا كان من شأن العبارة أن ينطوي تأكيدها أو إنكارها على فارق ضمني يمكن إثباته ~~بالملاحظة، فعندئذ، وعندئذ فقط، تكون عبارة لها معنى. أما إذا لم يترتب على العبارة ~~فارق يمكن ملاحظته، سواء أكانت صحيحة أم باطلة، فإن هذه العبارة مهما تكن طبيعتها ~~الأخرى (شعرا أو وحيا أو دعاء، إلخ)، لا يكون لها معنى واقعي؛ وبالتالي تكون لغوا من ~~وجهة النظر المعرفية. # ويقدم أ. ج. رامسبرجر مثلا رائعا لمعيار «الفارق يجب أن يحدث فارقا» هذا، مطبقا ~~على نوع من العبارات الميتافيزيقية، فيقول: # إذا قال لنا فيلسوف مثل هيجل إن «الفكرة الأزلية، في الازدهار التام ~~لماهيتها، تدفع نفسها أزليا إلى العمل، وتولد ذاتها وتستمتع بها بوصفها ذهنا ~~مطلقا»، فإنه يبدو ظاهريا وكأنه يؤكد حقيقة واقعة. فلا بد له إذن أن يكون ~~قادرا على أن يقول ما معنى هذا، ms292 عن طريق ترجمته إلى عبارات تشير إلى حالة يمكن ~~ملاحظتها، وتكون دليلا على صحتها. وقد يدعي من يدافع عن هيجل أن من الممكن ~~تفسير هذه العبارة على نحو يفي بهذا الشرط، ولكن الأرجح أنه سيدافع عن موقفه ~~بالقول إن هناك موجودات ميتافيزيقية لا تعرف بأية وسيلة تجريبية. والرد الوحيد ~~على ذلك هو أن نسأله: ما الذي يعنيه بالقول إن قضاياه الميتافيزيقية صادقة ~~وليست كاذبة؟ # 3 # إن أول سؤال يتبادر إلى ذهن التجريبي المنطقي فيما يتعلق بأية عبارة، قبل أن يبحث ~~فيما إذا كانت صحيحة أم باطلة، هو «ما الذي تعنيه؟» فحسب. وهو يطلب على هذا السؤال ~~ردا يبين كيف يمكن تحديد صحة العبارة أو بطلانها. والواقع أن التجريبية المنطقية ~~فريدة بين المدارس الفلسفية من حيث إن أفرادها لا يقضون حياتهم في محاولة أن يبينوا ~~لأفراد المدارس الأخرى المنافسة لمدرستهم أنهم على خطأ، وإنما هم يكتفون في معظم ~~الأحيان بأن يبينوا فمنافسيهم أن عباراتهم لا معنى لها، وأنها غير قابلة للاختبار ~~بواسطة أية طريقة يمكن تصورها من طرق الملاحظة أو التجريب. ولقد أدت هذه المطالبة ~~الدائمة بأن تكون للقضايا الميتافيزيقية معان قابلة للتحقيق، إلى فقدان التجريبيين ~~المنطقيين شعبيتهم بين أقرانهم من الفلاسفة. ذلك لأنه إذا قال لك خصمك في الفلسفة إن ~~عباراتك باطلة لكان في ذلك ما يثير أعصابك، أما إذا قال لك إنها عبارات لا معنى لها، ~~وإنها في حقيقتها لغو، لكان ذلك أسوأ من مجرد إثارة الأعصاب! # الدليل المباشر وغير المباشر ~~: عند هذه النقطة يجوز ~~أن يكون الطالب المفكر قد أثار سؤالا له دلالته؛ فهل تفي المعرفة العلمية كلها بهذا ~~الشرط الصارم؛ أعني الشرط القائل بأن من الضروري أن تكون كل عبارات ذات معنى، وهو الشرط ~~الذي يحاول التجريبي أن يضعه؟ أم أن هذا مثل أعلى في المعرفة يستحيل تحقيقه، وهو مثل ~~أعلى صعب المنال حتى بالنسبة إلى مطالب العلم الصارمة؟ وماذا نقول عن عمليات الاختبار ~~البعيدة تماما عن الطابع المباشر. والتي يلجأ إليها العلم لتحقيق فروضه التفسيرية؟ ~~فمثلا، ms293 ما الذي تستطيع الملاحظة، بالمعنى العادي لهذا اللفظ، أن تنبئنا به فيما يتعلق ~~بالتركيب الذري؟ ألم تصبح المعرفة العلمية أعقد، وأساليب العلم في البحث أدق، من أن ~~يقال إنها مبنية على أسس تجريبية بالمعنى الدقيق؟ وماذا نقول عن الاستخدام المتزايد ~~للرياضيات في العلم: ألا تصاغ معظم البراهين العلمية الآن في صورة معادلات، كثيرا ما ~~تكون شديدة التعقيد، تتضمن مئات الخطوات من الاستدلال المنطقي الرياضي؟ # إن المذهب التجريبي المنطقي يدرك تماما أن قدرا كبيرا من البحث العلمي ولا سيما في ~~العلوم الفيزيائية، يتم على مكتب أو سبورة، لا وسط صفوف الأجهزة التي نجدها في المعمل. ~~كذلك يدرك التجريبي أن النسبة المئوية للأعمال الورقية في التجربة العلمية (والمقصود ~~بالأعمال الورقية في هذه الحالة، الحساب الرياضي في أغلب الأحيان) تزداد ارتفاعا على ~~ما يبدو كلما ازداد العلم تقدما وازدادت إجراءاته دقة. غير أن التجريبي يعلم أن كل بحث ~~وتجريب علمي، مهما يكن الدور الذي تلعبه العمليات الرياضية فيه. ومهما يكن الطابع ~~الملتوي غير المباشر لأساليبه التجريبية، ينبغي أن يبدأ وينتهي بالملاحظة. فالباحث، ~~الذي يبدأ بالوقائع الملاحظة، قد يظل شهورا، وربما أعواما، يهيم في بيداء من الصيغ ~~وسلاسل الاستدلال الرياضي. ولكن مهما طالت رحلته العقلية غير القائمة على الملاحظات ~~ودارت، فلا بد أن يعود به المطاف آخر الأمر إلى عالم الطبيعة من حيث هي قابلة للملاحظة. ~~في مقابل الطبيعة من حيث هي موضوع للاستدلال. وما لم تتم رحلة الإياب هذه التي يعود ~~فيها الباحث إلى قواعده الأصلية، وهي الملاحظة (التي تتخذ في كثير من الأحيان صورة ~~تجربة فاصلة # Crucial ~~)، فلن يكون لدينا علم. # وتشير التجريبية المنطقية إلى التضاد الصارخ، ~~في هذا الصدد. بين العلم من جهة وبين الميتافيزيقا واللاهوت من جهة أخرى. فالميتافيزيقي ~~واللاهوتي على السواء يبدآن نشاطهما العقلي بالملاحظة. وهذه بطبيعة الحال ملاحظة أوسع ~~تعميما من تلك التي يستخدمها العلم، ما دام أساس هذا السعي وراء الفروض الكونية ~~التفسيرية الشاملة هو عادة الكون بأكمله، وتجربة الإنسان بأسرها في الكون. غير أن هذين ~~الباحثين ms294 العقليين الآخرين عن التفسير، على خلاف العالم، لا يستطيعان القيام برحلة إياب ~~ناجحة يعودان فيها إلى عالم المعطيات التجريبية. وبالاختصار، فإن الميتافيزيقي أو ~~اللاهوتي لا يستطيع تصميم تجارب يختبر بها فرضه التفسيري المتعلق بطابع الواقع، والمصير ~~الإنساني، والطبيعة ... إلخ. ومن الممكن أن يكون فرضه (الذي قد يكون تعدديا) مناقضا ~~لفرض أحد خصومه (الذي قد يكون واحديا). ومن هنا فلا يمكن أن يكون الاثنان صحيحين: فمن ~~الواضح أن ها هنا فارقا من ذلك النوع الذي كان في ذهن «بيرس». ولكن كيف يؤدي - بل كيف ~~يمكن أن يؤدي - هذا الفارق البادي إلى إحداث فارق حقيقي، وما الذي سيتغير في تجربتنا إن ~~كان أحد الرأيين صحيحا والآخر باطلا؟ وما الذي سيحدث على نحو مخالف، أو ما الذي ~~سيتغير؟ صحيح أن مشاعرنا قد تتغير إذا قبلنا هذا الرأي أو ذاك، ولكن ما الذي سيتأثر على ~~أي نحو في العالم الموضوعي المشترك الذي نتقاسمه جميعا؟ هل ستسير الأمور على أي نحو ~~مختلف إذا ثبت أن الكون تعددي. عنها إذا تحققنا من أنه واحدي؟ وهل يتغير الكون والتاريخ ~~البشري إذا استطعنا أن نثبت أخيرا على نحو ينأى عن الشك مذهب الألوهية أو مذهب ~~الإلحاد؟ ومن الواضح أن شيئا من هذا لا يتغير، وهو ما يتضح من أن هذه الآراء ~~الميتافيزيقية اللاهوتية المتباينة قد ظهرت في ظل نفس المجموعة من الظواهر التاريخية ~~ونفس المجموعة من المعرفة البشرية التراكمية. فإذا كان من الممكن أن تكون لدينا مذاهب ~~عقلية متناقضة تفسر نفس الوقائع الملاحظة، فمن الواضح عندئذ (تبعا لاستدلال التجريبية ~~المنطقية) أن هذه التفسيرات لا معنى لها. ذلك لأنها لما كان لا تحدث فارقا، فإن أي ~~فارق ظاهري بينها إنما هو فارق لفظي أو وهمي بحت. # التجربة الفاصلة ودلالتها ~~: تصمم التجارب الفاصلة في ~~العلم لغرض صريح هو إثبات فرض وتفنيد الفرض أو الفروض المنافسة له. ومن الممكن بلوغ هذا ~~الموقف المحدد المعالم عن طريق خطوة استنباطية - في السلسلة الكاملة للاستدلال العلمي. ~~في هذه الخطوة نحدد النتائج المتوقعة مقدما، بحيث ms295 تكون النتائج هي تلك التي لا تحدث ~~إلا إذا كان الفرض موضوع البحث صحيحا، والفرض المضاد باطلا. وهكذا فإن العالم يقول ~~لنفسه (ضمنيا على الأقل)، وهو يضع تجاربه، شيئا يقرب من هذا: «إن معرفتنا التراكمية ~~عن هذا الميدان تجعلنا موقنين بأن خصائص الظواهر موضوع البحث من شأنها ألا يحدث إلا شيء ~~واحد عندما نتخذ خطوتنا الأخيرة، إذا كان فرضنا صحيحا. وقد استبعدنا نحن (أو العلماء ~~السابقون علينا) كل الإمكانيات الباقية، فلا بد أن تسفر خطوتنا التجريبية الأخيرة عن ~~فارق معين في هذا الاتجاه أو ذاك؛ وبالتالي تقدم إلينا إجابة قاطعة بنعم أو لا.» # ويشير التجريبي المنطقي إلى هذه المواقف ~~التجريبية بوصفها أمثلة رائعة لتحقيق الشرط الذي وضعه بيرس، والقائل إن الفارق لا بد أن ~~يحدث فارقا، وهو فضلا عن ذلك يشير إلى هذه التجارب بوصفها أفضل أمثلة توضح ما الذي ~~يجعل العبارة صحيحة أو باطلة؛ إذ إن الاختبار الفاصل لا يترك مجالا للشك. ولا بد أن ~~يؤدي إلى الاستغناء عن أحد الفرضين المتنافسين. غير أن من المستحيل، في الميتافيزيقا ~~واللاهوت، أن نكشف أي الآراء المتعددة صحيح وأيها باطل؛ لأنه لا يوجد واحد منها يحدث أي ~~فارق حقيقي. فكل منها يشعر مؤيديه بالرضا الانفعالي، وطمأنينة النفس، والثقة ~~والاتزان العقلي، غير أن هذا الفارق الذاتي لا يجعل الرأي صحيحا أو ذا دلالة بأي معنى ~~موضوعي أو شامل. ونظرا إلى هذا الافتقار إلى حدوث فارق في النتائج الفعلية القابلة ~~للملاحظة، فإن التجريبي المنطقي يتساءل عما نعنيه عندما نصف إحدى العبارات اللاهوتية ~~الميتافيزيقية بالصحة والأخرى بالبطلان. ذلك لأنه لما كانت الاثنتان غير قابلتين ~~للإثبات بنفس المقدار، فإن أية قضية تستخلص منهما هي كذلك غير قابلة للتحقيق؛ وبالتالي ~~فهي آخر الأمر قضية لا معنى لها. # هذه إذن هي حصيلة تحليل التجريبي المنطقي ~~لادعاءات الصحة في القضايا الميتافيزيقية. وهو إذ يبدأ بنظريته في القابلية للتحقيق من ~~حيث هي معيار للمعنى، يضطر منطقيا إلى رفض الميتافيزيقا واللاهوت معا بوصفهما ~~ميدانين خاليين من المعنى. ذلك لأنه إذا كانت ms296 العبارات المعرفية الوحيدة التي لها دلالة ~~هي تلك التي تتصف إما بأنها صحيحة شكليا وإما بأنا واقعية، فإن قضايا الميتافيزيقي ~~واللاهوتي هي قضايا تفتقر إلى الدلالة. ولنلخص وجهة النظر هذه باقتباس موجز من واحد من ~~أشهر التجريبيين الإنجليز: # وعلى ذلك ففي وسعنا أن نعرف الجملة الميتافيزيقية بأنها جملة تزعم أنها تعبر ~~عن قضية بالمعنى الصحيح، ولكنها لا تعبر في الواقع عن تحصيل حاصل ولا عن فرض ~~تجريبي. ولما كانت قضايا تحصيل الحاصل وقضايا الفروض التجريبية تؤلف فئة ~~القضايا ذات المعنى بأسرها، فإن لنا الحق في أن ننتهي من ذلك إلى أن جميع ~~القضايا الميتافيزيقية لا معنى لها. # 4 ~~(3) نتائج التجريبية المنطقية # هل يعني رفض التجريبيين المنطقيين هذا للميتافيزيقا - وهو رفض أصبح مشهورا - أنهم ~~يدعون إلى التخلي عن كل نشاط فلسفي، ووضع كل المذاهب الفلسفية الموجودة في المتاحف ~~بوصفها عجائب تاريخية؟ وهل يعني ذلك أنهم يدعون إلى إغلاق المدارس الفلسفية مثلما أمر ~~الإمبراطور جيستينيان بإغلاق المدارس الفلسفية اليونانية القديمة في عام 529 الميلادي، ~~وإلى تحويل الفلاسفة إلى القيام بمهام أقرب إلى الطابع العملي؛ وبالتالي يفترض أنها ~~أكثر فائدة؟ وماذا يكون مستقبل الفلسفة لو قيض لها دكتاتور تجريبي منطقي؟ # مستقبل الفلسفة ~~: يفرق التجريبي المنطقي، في ~~البرنامج الذي يرسمه لمستقبل الفلسفة، بين ما يعده وظائف صحيحة ووظائف غير صحيحة لها. ~~فهو يعتقد بالطبع أن من الواجب استمرار الأولى، ولكنه يحذف كل ما عداها بكل صرامة. وهذه ~~الوظائف التي يعدها غير صحيحة هي الوظائف الاستنباطية والتركيبية الجامعة. فالوظائف ~~الاستنباطية تمثل محاولة لاستنباط مذهب عن «الواقع» من «مبادئ أولى» أو «مصادرات أولية» ~~على نحو ما قام به الميتافيزيقيون العقليون (كديكارت وهيجل مثلا). والوظائف ~~الاستقرائية تنطوي على محاولة تكوين نظرة شاملة إلى العالم عن طريق التأليف بين عناصر ~~التجربة البشرية على طريقة لعبة القطع الخشبية التي تحدثنا عنها مرارا في الفصول ~~السابقة. وبطبيعة الحال فإن التجريبي يتعاطف مع هذه المحاولات الاستقرائية (لأنها على ~~الأقل تبدأ بمعطيات تجريبية) أكثر مما يتعاطف مع المحاولات العقلية الاستنباطية عند ~~مفكرين ms297 مثل هيجل. ولكن لما كانت هذه النظرة الاستقرائية إلى العالم ذاتها تقتضي منا ~~بالضرورة أن نتجاوز حدود التجربة ونصوغ تعميمات لا يمكن اختبارها بالملاحظة، فإن ~~القضايا الميتافيزيقية التي نصل إليها بالاستقراء ليست آخر الأمر بأقل افتقارا إلى ~~المعنى القابل للتحقيق من قضايا العقليين. وباختصار، فإن التجريبية المنطقية تود تطهير ~~الفلسفة من كل نشاط ميتافيزيقي أيا كان، سواء أكان استنباطيا أم ~~استقرائيا. # ومعنى ذلك أن الفلسفة، كما يعرفها ويدافع عنها التجريبية المنطقي، لها طابع منطقي لا ~~تخرج عنه. فهي ليست نظرية أو مذهبا، وإنما هي نشاط؛ أعني توضيحا للفكر. هذا الإيضاح ~~يتم عن طريق التحليل المنطقي للقضايا وتحليل معانيها وتراكيبها، وصياغة قواعد لتحويل ~~(أي الترجمة) العبارات ذات المعنى إلى عبارات أخرى ذات معنى. ولما كان هذا يقتضي من ~~الوجهة النظرية إيجاد لغة مثلى، فإن التجريبين المنطقيين قد بذلوا جهودا كبيرة في وضع ~~المذاهب المنطقية الحديثة التي تستهدف هذا المثل الأعلى. # ولكن ما الذي نعنيه عندما نتحدث عن «تحليل القضايا نم حيث تركيبها اللغوي» و«صياغة ~~قواعد للتحويل»؟ إن أفضل طريقة لتفسير هذه التعبيرات هي أن نفحص رأي التجريبي بشأن ~~العلاقة الصحيحة التي ينبغي أن تقوم بين الفلسفة والعلم، فلننتقل إذن إلى هذا الموضوع. ~~إن الفلسفة في رأي التجريبية المنطقية، ينبغي أن تكون هي نظرية العلم أو منطق العلم - ~~أي إنها هي التحليل المنطقي لمفاهيم العلم وقضاياه وبراهينه ونظرياته. فالمهمة الأساسية ~~للعالم هي صياغة الفروض وتحقيقها، أما المهمة التكميلية، والتي لا تقل عن ذلك فائدة ~~للفلسفة، فهي كشف العلاقات المنطقية بين بعض هذه الفروض وبعضها الآخر، وتعريف الرموز ~~المستخدمة فيها. وهذا يعيد إلى ذاكرتنا المناقشة التي أوردناها في الفصل الثاني، حين ~~وصفنا الدور الأكبر الذي تسهم به الفلسفة في العلم بأنه تحليل لمفاهيمه ~~ومصطلحاته. # ومن شأن طبيعة هذا النشاط التكميلي الذي تقوم به الفلسفة، أنها تجعل من المستحيل على ~~الفيلسوف (في الحدود المصرح له بها في التجريبية المنطقية)، أن ينافس العالم، ناهيك بأن ~~يناقضه. ذلك لأن العلم يختص ببحث سلوك الأشياء، وعباراته المتعلقة ms298 بهذا السلوك هي ~~عبارات تجريبية تشير بطريق مباشر أو غير مباشر إلى ملاحظات في العالم الفيزيائي. أما ~~عبارات الفلسفة فليست تجريبية، وإنما هي لغوية ومنطقية. ويلخص أ. ج. آير الفارق بينهما ~~على هذا النحو: # وبعبارة أخرى، فقضايا الفلسفة ليست واقعية، وإنما هي ذات طابع لغوي؛ أي إنها ~~لا تصف سلوك الموضوعات الفيزيائية، أو حتى الذهنية، وإنما هي تعبر عن تعريفات ~~أو عن النتائج الشكلية للتعريفات. ذلك لأننا سنرى فيما بعد أن الصفة المميزة ~~للبحث المنطقي البحت هي أنه يختص بالنتائج الشكلية لتعريفاتنا، لا «بمسائل ~~الواقع التجريبي». # 5 # هل تلزم المادية عن التجريبية المنطقية؟ # هناك نتيجة ~~رئيسية ثانية للتجريبية المنطقية ينبغي بحثها، على الرغم من أن أفراد المدرسة ونقادهم ~~ليسوا متفقين بشأنها. هذه النتيجة، بالاختصار، هي: إذا كان التجريبي يشترط أن تكون كل ~~القضايا ذات المعنى قابلة للتحقيق عن طريق الملاحظة، أليس معنى ذلك أنه، على الرغم من ~~كل تبرئة من المذاهب الميتافيزيقية، يقول ضمنا بنظرية ميتافيزيقية، هي المادية؟ لا ~~يمكن أن يكون هناك شك في أن شرط التحقيق التجريبي الذي يدعو إليه، يعني بالتأكيد ~~المستمد من الحواس. وإن كان نادرا ما يقول ذلك. ولما كانت حواسنا لا تستجيب إلا ~~للظواهر الفيزيائية، فهلا يعني ذلك بالضرورة أن معيار الواقعية (أو «الدلالة» أو ~~«المعنى») في المذهب التجريبي، هو معيار ذو طابع مادي؟ وبالاختصار، ألا تفترض التجريبية ~~المنطقية ضمنا نظرة إلى العالم تتميز بأنها، مهما كانت دقتها وقدراتها على التحليل ~~وتعمقها الإبستمولوجي، هي في أساسها نفس المذهب المادي الذي كان يجد قبولا واسعا بين ~~العلماء والفلاسفة المجددين خلال القرن التاسع عشر؟ # وعلى الرغم من أنه يكاد يكون من المستحيل أن نضبط التجريبي وهو في غفلة إلى حد يكفي ~~لكي يعترف بأن نظريته في المعنى بوصفها القابلية للتحقيق تنطوي على نتائج ميتافيزيقية، ~~فإن بعض الأفراد البارزين في هذه المدرسة، كانوا على استعداد للأخذ بوجهة نظر يسمونها ~~بالفيزيائية Physicalism # ومع ذلك فإنهم يفضلون كثيرا ~~أن يعرضوا هذه النظرية على أنها نظرية في اللغة والاتصال، مما ms299 يجعلها تبدو معرفية أكثر ~~منها ميتافيزيقية. ولكن من سوء الحظ أن مفهوم الفيزيائية يرتبط ارتباطا وثيقا بالهدف ~~الأكبر للتجريبية المنطقية، وهو وحدة العلم؛ ومن هنا كان لزاما علينا أن نزيد العرض ~~الذي نقدمه تعقيدا ببحث المسألتين معا في آن واحد. # المذهب الفيزيائي ووحدة العلم ~~: أعلن التجريبيون ~~المنطقيون منذ وقت مبكر أن هدفهم الرئيسي هو ضمان أساس عقلي راسخ للعلم. وفضلا عن ذلك ~~فقد توقعوا أن يؤدي هذا الأساس المتين (الذي يتحقق بالتحليل المنطقي لكل القضايا ~~والمفاهيم، سواء تلك المستخدمة في العلوم وفي اللغة اليومية) إلى إيجاد إطار لعلم موحد. ~~ويعني التجريبي بالعلم الموحد، نسقا شاملا من المفاهيم والألفاظ المشتركة بين كل ~~العلوم المختلفة، دون أن ينفرد بها علم واحد أو اثنان فقط. مثل هذه اللغة تكون في واقع ~~الأمر لغة عالمية للعلم، تتيح لنا الجمع بين عبارات تنتمي إلى ميادين متباينة في قضايا ~~ذات معنى. ويقدم إلينا أوتو نويرات # Otto Neurath ~~، وهو ~~أحد مؤسسي التجريبية المعاصرة، مثلا للحاجة التي يراها شديدة إلى وجود نسق كهذا، وهو ~~النسق الذي يتيح لنا التنقل بحرية في جميع أرجاء عالم المعرفة العلمية: ~~«إن اللغة العالمية للعلم تصبح مطلبا واضحا بذاته إذا ما تساءلنا: كيف يمكن ~~استخلاص تنبؤات فردية معينة، مثل «حريق الغابة سيخمد سريعا». فلكي نفعل ذلك ~~نحتاج إلى جمل تنتمي إلى مجال علم الأرصاد الجوية وعلم النبات، فضلا عن جمل ~~تتضمن ألفاظ «الإنسان» و«السلوك البشري». فمن الواجب أن نتحدث عن طريقة رد فعل ~~الناس إزاء النار، وأي النظم الاجتماعية هي التي ستستخدم في هذه الحالة. وهكذا ~~فإننا نحتاج إلى جمل من مجالي علم النفس وعلم الاجتماع. ولا بد أن يكون من ~~الممكن الجمع بين هذه الجمل وغيرها في استنباط تكون نهايته هي الجملة: «وإذن، ~~فحريق الغابة سوف يخمد سريعا». # 6 # وهذا يعني أن التجريبية المنطقية تحاول صياغة طريقة للاتصال تؤدي بالفعل إلى تحويل ما ~~نسميه الآن «علوما» فحسب إلى «علم» واحد. صحيح أنه يشيع بيننا الآن استخدام لفظ ~~«العلم» وكأن لدينا بالفعل نسقا ms300 موحدا للفكر والمعرفة. ومع ذلك فإن كل عالم (أي كل ~~مشتغل في ميدان علمي محدد) يعلم جيدا أنه لا يوجد حتى الآن بناء متكامل كهذا. ويرى ~~التجريبي المعاصر أنه لا يمكن وجود علم شامل ما لم يتم إيجاد وسيلة فعالة للاتصال ~~المتبادل بين الميادين الخاصة للعلم. فلا بد من أن تكون هناك لغة مشتركة؛ أي منطق مشترك ~~ومجموعة من الرموز المشتركة - تتيح لنا أن نربط، كلما دعت الحاجة، بين مختلف أنواع ~~القوانين بعضها ببعض بوصفها عناصر في نسق واحد. # ولكن ماذا يكون طابع مثل هذه اللغة الشاملة الخاصة بالعلم الموحد؟ إن المنطقي ~~التجريبي يعتقد أنها لا يمكن أن تكون رياضية خالصة، بغض النظر عن مدى قيمة الرياضيات ~~بوصفها أداة علمية. وإنما هو يعتقد بدلا من ذلك أنها ينبغي أن تكون تطويرا وتهذيبا ~~للغتنا التي نستخدمها بالفعل في المواقف اليومية. تلك هي «لغة الأشياء» التي نستخدمها ~~في الفيزياء والهندسة والحياة اليومية كلما تحدثنا عن أمور مادية. فإذا بدأنا بهذه ~~اللغة الجاهزة - والتي يفتقر استخدامها مع ذلك إلى الدقة - كانت مهمتنا بعد ذلك هي أن ~~نضع قواعد تكوين هذه اللغة وتحويلها حتى يصبح من الممكن التعبير عن جميع القضايا ~~والمفاهيم فيها. والغاية هنا، كما هي في جميع حالات توحيد العلم، هي إنقاص عدد النسق ~~الاستنباطية إلى الحد الأدنى - والمثل الأعلى لذلك هو إنقاصها إلى نسق واحد. ولنستمع ~~إلى ما يقوله في هذا الموضوع، رودلف ~~كارناب # Rudolph Carnap ~~»، الذي ربما كان أشهر ممثلي هذه الحركة: # في مناقشاتنا ... وصلنا إلى الرأي القائل إن هذه اللغة الفيزيائية هي اللغة ~~الأساسية في كل علم، وإنها اللغة العالمية التي تشتمل في داخلها على مضمونات كل ~~اللغات العلمية الأخرى. وبعبارة أخرى، فكل جملة في أي فرع من فروع اللغة ~~العلمية لها نظير في جملة معينة في اللغة الفيزيائية؛ ومن ثم فإن من الممكن ~~ترجمتها إلى اللغة الفيزيائية دون تغيير مضمونها. # 7 # وترى التجريبية المنطقية أن لهذه اللغة الشيئية ~~ثلاث خصائص، كل منها لازمة لكي تكون للعلم الموحد وسيلة ms301 اتصال فعالة. ولا بد لنا من ~~الاقتصار على عرض موجز لهذه الخصائص، ولكننا حتى لو اقتصرنا على تعريفها وحده، لظهر هدف ~~التجريبي واضحا. كذلك سيتيح لنا هذا أن نفهم لماذا كانت اللغة الفيزيائية هي وحدها ~~التي تفي بهذه الشروط. # إن لغة العلم الموحد كما تصوغها التجريبية ~~المنطقية تتصف بأنها (أ) مشتركة بين الحواس # Intersensual ~~، (ب) ومشتركة بين الذوات # Intersubjective ~~، (ج) وعالمية # Universal ~~. والمقصود بكلمة «مشتركة بين الحواس» هو ~~أن من الممكن اختبار عبارات هذه اللغة عن طريق أكثر من حاسة واحدة من حواسنا. ولهذه ~~الصفة أهميتها؛ لأننا نجد من الضروري في العلم أن نحدث تآزرا بين كيفيات تنتمي إلى ~~مجالات حسية مختلفة. ولعل الأغلب هو أن نحتاج إلى تحقيق التآزر بين معطيات بصرية ~~ولمسية، على الرغم من أن الجمع بين المعطيات البصرية والسمعية لا يكاد يقل أهمية عن ذلك ~~في اكتساب المعرفة. ومن هنا فلا بد أن تكون اللغة العلمية المثالية قادرة على التعبير ~~عن هذا التآزر بترجمة إحدى الكيفيات الحسية إلى الأخرى بنفس الطريقة التي تحول بها ~~«مرسمة التذبذبات # Oscilloscope ~~» الموجات الصوتية إلى ~~صورة على شاشة. فعندما نستخدم مرسمة التذبذبات، نحاول (من خلال لغة مشتركة بين الحواس) ~~أن نحقق تآزرا بين عبارة «صوت من طبقة وجرس وارتفاع كذا» وبين عبارة في اللغة ~~الفيزيائية، هي «تذبذب مادي له تردد أساسي مقداره كذا وترددات توافقية مقدارها كذا ~~واتساعات مقدارها كذا» # 8 # وبعد ذلك نحقق هذا التآزر اللغوي تجريبيا بتحويل الصوت إلى صور عن طريق ~~مرسمة التذبذبات. # والمقصود بلفظ «مشترك بين الذوات»، في لغة التجريبية المنطقية، هو الموضوعية؛ أي إن ~~في استطاعة عدة ذوات (أو أشخاص) أن يختبروا العبارة المراد بحثها. وهذا الشرط يبلغ من ~~الأهمية في العلم حدا لا يكاد يحتاج معه إلى تعليق، بل إن من المتفق عليه عادة أن ~~الموضوعية هي لب المعرفة العلمية. فما لم تكن المعطيات والنتائج المستخلصة من هذه ~~المعطيات قابلة للمشاركة، وما لم يكن من الممكن تكرار التجربة بواسطة كل المختصين في ~~الميدان بحيث تأتي ms302 بنفس النتائج، لما كان لدينا علم. ومن هنا فإن من الواضح أن أية لغة ~~لا تتيح اتصالا كاملا مشتركا بين الذوات لا يمكن أن تكون لغة علمية لها ~~قيمتها. # أما صفة «العالمية» فالمقصود منها أن يكون من الممكن أن تترجم إليها كل عبارة واقعية ~~(أي كل عبارة قابلة للتحقيق تجريبيا). ويشمل ذلك القضايا العلمية والعبارات الواقعية ~~المنتمية إلى التجربة اليومية، فضلا عن أي تجمع من الاثنين معا. وهنا أيضا ترى ~~التجريبية المنطقية أن اللغة الشيئية في العالم الفيزيائي هي وحدها التي يمكن أن تعد ~~عالمية بحق. # السلوكية المنطقية ~~: من الواضح أنه لا بد من قدر ~~كبير من البراعة من أجل ترجمة جميع مفاهيم علم النفس والعلوم الاجتماعية إلى هذه اللغة ~~الفيزيائية، وبالنسبة إلى شتى أنواع الظواهر الذهنية، نجد أن من حسن حظ التجريبي أن علم ~~النفس السلوكي قد مهد له هذا الطريق من قبل. والسلوكية مدرسة في علم النفس تحاول تخطي ~~الوعي وغيره من الظواهر الذهنية الخالصة عن طريق دراسة سلوك الأشخاص بدلا من تفكيرهم ~~أو شعورهم أو أحلامهم أو تذكرهم. وبعبارة أدق، فإن السلوكية ترى أن الوسيلة الوحيدة ~~التي يصبح بها علم النفس علميا هي أن يقتصر موضوعه على ما يمكن ملاحظته بطريقة مشتركة ~~بين الذوات. وهذا يعني السلوك أو الفعل الظاهر. وضمنه الكلام وغيره من أوجه النشاط التي ~~تستخدم الرموز. ومن ثم فإن السلوكي يدرس موضوعاته البشرية بنفس المنهج الذي يدرس به ~~عالم النفس الحيواني موضوعاته الحيوانية؛ أي بوضعهم في مواقف سلوكية يمكن ملاحظتها، ~~وتسجيل استجاباتهم. # ويرى التجريبي المنطقي (شأنه شأن السلوكي) أن الشيء الوحيد الهام فيما يتعلق بأي ~~موضوع، بشريا كان أم حيوانيا، هو في آخر الأمر سلوكه الفعلي. أما التفكير والشعور ~~وما شاكلهما فلا يكون لهما معنى إلا من حيث إنهما يؤديان إلى فعل من نوع ما. ولما كان ~~هذا الفعل هو كل ما يمكن ملاحظته؛ وبالتالي كل ما يمكن التعامل معه علميا، فلا بد لنا ~~من التخلي عن محاولة سبر غور النفس أو دراسة «الذهن» ms303 بوصفه كيانا مستقلا عن الجسم ~~وعن استجاباته. # ويدعو المذهب التجريبي إلى التوسع في هذا المنهج السلوكي بحيث يطبق على كل العلوم ~~المسماة بالعلوم «غير الفيزيائية». وهم يقترحون لهذا الامتداد اسما هو «السلوكية المنطقية # Logical ~~Behaviorism ~~»، ~~ويرون أنه سيكون عاملا هاما في توحيد العلم، بل إن من الصعب أن نرى كيف يمكن تحقيق ~~تكامل بين العلم الفيزيائية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية إلا بالامتداد المتوسع ~~للمنهج السلوكي. # ولا يحاول التجريبي المنطقي أن يعلل نفسه بالأمل في أن هذا التوحيد سيتحقق بسهولة أو ~~في وقت قريب، ولكنه يثق بأنه سيكون من الممكن الإقلال من العدد الكلي للمفاهيم المنفصلة ~~التي تلزم الآن للعلوم المختلفة. ولقد حدث تقدم في هذا الاتجاه، ولا سيما في ميدان تلك ~~العلوم التي يطلق عليها اسم العلوم المشتركة (أو المزدوجة) # Hyphenated ~~Sciences # كالفيزياء النفسية، والكيمياء الحيوية، والفيزياء ~~الحيوية، وعلم النفس الاجتماعي، وما شاكلها. ويرى التجريبي أنه على حين أن العالم يبحث ~~عن المعطيات التي تضفي على هذا التكامل دلالة، فإنه يقوم خلال ذلك بعملية تمهيدية لها ~~أهميتها، هي وضع لعة موحدة ومنطق مشترك يكونان هما الأداة الضرورية لأي علم شامل موحد ~~بالمعنى الصحيح. ~~(4) الميتافيزيقا في مقابل التجريبية: هل هناك حال ممكن؟ # إذا لم يكن الطالب شاعرا بشيء من الحيرة بعد انتهائنا من هذه الفصول الثلاثة ~~المتعلقة بمسائل ميتافيزيقية، لكان ذلك شيئا يدعو إلى العجب؛ ذلك لأن العرض الذي ~~قدمناه للخلافات التي تفرق بين الواحديين والثنائيين التعدديين كانت دون شك محيرة بما ~~فيه الكفاية، أما أن يقال للطالب في هذا الفصل إن كل هذه الخلافات، فضلا عن المفاهيم ~~التي تتركز هذه الخلافات حولها، كلها أمور لا معنى لها، فلا شك في أنه أمر يزيد الطين ~~بلة! وربما تمنى الطالب أن نكون قد عرضنا التجريبية المنطقية أولا، ما دام ذلك كان، ~~على الأرجح، كفيلا بأن يجعل الفصول الأخرى الخاصة بالميتافيزيقا غير ضرورية. # وقد يبدو لأول وهلة أننا نواجه هنا اختيارا بين أحد أمرين: إما أن نوافق على آراء ~~التجريبي ونرفض الميتافيزيقا، وإما أن ms304 نرفض التجريبية المنطقية. وهناك مفكرون ضمن ~~التجريبيين وخصومهم، يؤكدون أن التضاد بين الحلين السابقين بسيط قاطع. وبالفعل كان ~~الكثيرون من المعسكرين معا على استعداد لاتخاذ إحدى الخطوتين، مؤكدين أنه لا سيبل إلى ~~التوفيق بين الأمرين. # غير أن مؤلف هذا الكتاب لا يعتقد أن هذين الأمرين متنافران ويؤدي كل منهما إلى ~~استبعاد الآخر على النحو الذي صورا به؛ ومن ثم فإنه لا يرى ضرورة للاختيار بينهما على ~~أساس «كل شيء أو لا شيء»؛ ذلك لأنه، على حين أن من الصحيح أن أي شخص يحترم عقله لا ~~يستطيع أن يتجاهل التجريبية المنطقية وكل الحركة الوضعية التي يلخصها هذا المذهب، فإن ~~هذا لا يحتم علينا الانتقال إلى الطرف المضاد الآخر والذهاب مع التجريبي إلى حد رفض ~~الميتافيزيقا كلية. # ففي الوقت الذي بدأت فيه التجريبية المنطقية، لأول مرة، توطد مركزها بوصفها حركة ~~فلسفية في العشرينيات من هذا القرن، كان من الممكن استبعادها على أنها بدعة زائلة في ~~مجال الفلسفة، وربما على أنها ناتج عرضي لنزعة الشك وخيبة الأمل التي أعقبت الحرب ~~العالمية الأولى، أو تعبير عن زهو مبالغ فيه بإنجازات العلم الحديث. غير أن هذا ~~الاستبعاد الفوري لم يعد الآن ممكنا؛ إذ إن الحركة الآن في جيلها الثاني، ولها مكانة ~~هائلة في نفوس المفكرين الشبان في أوروبا وأمريكا معا. ولو قمنا بتعداد للتجريبيين من ~~بين الفلاسفة العاملين الآن، أو الذين توفوا منذ عهد قريب، لوجدنا أنهم يمثلون حوالي ~~ثلث الفلاسفة المعاصرين من ذوي الأهمية، على حين أننا لو توسعنا في التعداد بحيث نرجع ~~به إلى الوراء لكان يشتمل على عمالقة مثل هيوم، ومثل «كانت» (في بعض نواحي تفكيره). ~~وعلى الرغم من أنه كانت هناك في الماضي مدارس تقوم على نزعة الشك وعلى التحليل الدقيق، ~~كانت تبدو هدامة للفلسفات القائمة، فإن وضع التجريبية المنطقية يختلف تماما عن وضع ~~الحركات السابقة التي يمكن مقارنتها بها. فالحركة المعاصرة لها دعائم عقلية أقوى بكثير ~~من الحركات السابقة عليها، وارتباطاتها بالعلم أوثق بكثير. كذلك فإن تطور علم المعاني، ~~والاتجاهات ms305 الحديثة في المنطق، والتغيرات في العلوم الرياضية، كل ذلك قد زودها بأدوات ~~تحليلية أدق بكثير مما كان متوافرا من قبل في أي وقت. # والواقع أن من العوامل التي ساعدت على زيادة قوة التجريبية المنطقية، براعتها في ~~تصحيح ذاتها. فقد أتاح لها ذلك تجنب الفخ القاتل الذي تقع فيه كثير من الحركات ~~المتطرفة: وهو الاتجاه إلى التطرف المتزايد؛ أي الزحف مسافات أطول وأطول على رجل صناعية ~~عقلية، إن جاز هذا التعبير - إلى أن يجيء وقت لا يظل فيه يتمسك بالحركة إلا المتعصبون ~~والمتحيزون المتطرفون. أما التجريبية المعاصرة فقد سارت في الاتجاه المضاد، وتخلصت من ~~الانحياز المتطرف والتعصب الذي كان يلازمها في البداية، وعملت باستمرار على توسيع ~~قاعدتها. وقد أتاح لها ذلك أن تزيد من عدد المنتمين إليها، وأن تقوي نفوذها، مما جعل من ~~الضروري على نحو متزايد أن تعمل لها المدارس الأخرى حسابا. وهكذا فإن هذه التجريبية ~~الوضعية المعاصرة، بوصفها اتجاها أكثر منها بناء فكريا متكاملا، تبدو اليوم عضوا ~~جديدا أضيف بصفة دائمة إلى أسرة الفلسفة، يتعين على الأعضاء الآخرين أن يعيشوا معه، ~~راضين كانوا أم كارهين. # هل ينبغي استبعاد الميتافيزيقا؟ # وماذا نقول عن ~~البديل الآخر، الذي ينطوي على استبعاد كل تأمل ميتافيزيقي بوصفه شيئا لا معنى له؟ إننا ~~كثيرا ما نجد أناسا يدافعون عن النشاط الميتافيزيقي على أساس أن له تراثا طويلا؛ أي ~~على أساس أنه كان على الدوام جزءا لا يتجزأ من الفكر الفلسفي. ومن ذلك يستدل عادة على ~~أننا إذا ما شئنا تحريم الميتافيزيقا تحريما تاما، فأن الأكثر من ذلك أمانة، من ~~الوجهة العقلية، أن نتخلى عن لفظ «الفلسفة» بأكمله. # غير أن الحجة المرتكزة على التراث لا تلقى في العادة قبولا لدى الأمريكيين، ولا سيما ~~الشبان منهم، الذين يقول أغلبهم - على الأرجح - إنه إذا اتضح أن علما وقورا كالفلسفة، ~~ونشاطا تقليديا موروثا كالتأمل الميتافيزيقي، قد فقدا قيمتهما، فمن الواجب الإلقاء ~~بهما في سلة المهملات. ولكننا حتى لو وافقنا على هذا الاتجاه الأمريكي المألوف، الذي ~~يقول بوجوب استبعاد أي ms306 شيء يفقد قيمته (وهو اتجاه لا يعارضه مؤلف هذا الكتاب)، فإن هذا ~~لا يكاد يكون حلا للمشكلة. ففي اعتقادي أن الميتافيزيقي قد وجدت لتبقى، على الرغم من ~~كل ذكاء الهجوم التجريبي، وذلك للسبب الأرسططالي الذي أشرنا إليه مرارا في فصول سابقة، ~~وهو أننا - سواء أردنا ممارسة النشاط الميتافيزيقي أم لم نرد، (وهو تعديل طفيف لصيغة ~~أرسطو الأصلية) - لا مفر لنا جميعا من أن نكون ميتافيزيقيين من نوع ما. إننا قد نتمكن ~~من تجنب بعض التعقيدات والعقد التي وقع فيها التفكير الميتافيزيقي التقليدي، ولكننا لا ~~نستطيع أن نتجنب أن يكون لنا رأي في طبيعة العالم الذي نعيش فيه. وقد نتمكن من تجنب ~~استخدام لفظ «الحقيقة أو الواقع»، (بالمعنى الشامل أو بدونه)، ونرفض إضاعة وقتنا سدى في ~~مناقشة طابعه النظري، ولكنا لا نستطيع أن نتجنب السلوك وكأن هناك أمورا معينة - أي ~~جوانب معينة لعالمنا - هي أكثر حقيقة بالنسبة إلينا (وهي قطعا أكثر دلالة) من غيرها. ~~غير أن هذا يعني اتخاذ موقف ميتافيزيقي ضمني من نوع ما، «سواء شئنا أم لم نشأ». فأكثر ~~التجريبيين المنطقيين اتساقا لم يفلح في إقناع أي شخص، ما عدا زملاءه من التجريبيين ~~على ما يبدو، بأنه ينجح تماما في تجنب اتخاذ وجهة نظر ميتافيزيقية. # حل ممكن ~~: يبدو أن حل هذه المشكلة هو الاعتراف ~~بحتمية النشاط الميتافيزيقي، ولكن مع تضييق نطاق الميتافيزيقا المنهجية، إن جاز هذا ~~التعبير، وهذا أمر يمكن تحقيقه إذا أبينا الاعتراف بأي زعم قد يدعيه أي مفكر ميتافيزيقي ~~مغرور بأنه قادر على إثبات الحقيقة أو تأكيد الوقائع بالمعنى الذي يفعل به العلم ذلك. ~~كذلك ينبغي أن نرفض بشدة أي ادعاء قد تزهو به الميتافيزيقا بشأن يقينية قضاياها. وكذلك ~~أية مطالبة لها بأن نحكم على قضايا بمنطق «أعلى» يتجاوز التجربة، ويختلف عن المنطق الذي ~~نستخدمه في المجالات الأخرى للغة. وبالاختصار، فمن الواجب أن نقنع المفكر الذي تكون ~~اهتماماته جامعة أو تركيبية، لا تحليلية، بأن يعترف بأن لنظرته إلى العالم نفس المركز ~~الإبستمولوجي الذي نعزوه إلى نظرة الشاعر ms307 أو الروائي أو الفنان إلى الواقع. فلنا الحق ~~في أن ننظر إلى المذهب الميتافيزيقي على أنه في أساسه عمل فني - هو بالطبع أقرب إلى ~~الطابع العقلي من معظم نواتج الخلق الفني، وهو قطعا أكثر اعتمادا على المنطق ~~والاستدلال الدقيق، ولكنه يظل في أساسه تفسيرا شخصيا لتجربة بشرية لا تقل ذاتية عن ~~تجربة الفنان. وقد تكون لمثل هذا المذهب، شأنه شأن أي عمل فني كبير، دلالة عالمية ~~شاملة، وقد يكون مقنعا إلى أبعد حد. وهكذا ففي وسعنا أن نمجد الميتافيزيقي لقدرته على ~~الاستبصار وقوته الخلاقة، وبراعته من حيث هو مهندس عقلي. ولكننا لسنا مضطرين إلى قبول ~~ما يدعيه لآرائه من حقيقة، على نفس النحو الذي تقبل به ادعاءات العالم (بل يبدو لي أن ~~دراسة التجريبية المنطقية تثبت لنا أننا لا نستطيع قبول ادعاءات الميتافيزيقي ~~هذه). # فهل يؤدي ذلك إلى جعل العبارات الميتافيزيقية عبارات لا معنى لها؟ من الواضح أنه يؤدي ~~إلى ذلك إذا قصرنا فكرة المعنى على ما يمكن تحقيقه تجريبيا. ولكن هذا يؤدي أيضا إلى ~~وضع الميتافيزيقي في صحبة رفاق من مستوى رفيع إلى حد ما، ما دامت كتابات الأدباء ~~الفنانين والمفكرين الدينيين هي كذلك كتابات لا معنى لها. ومع ذلك، فلما كان معظم الناس ~~يظلون على اعتقادهم بأن هذه العبارات غير القابلة للتحقيق لها معنى كامل، فإن التجريبي ~~المنطقي يبدو في مركز ذلك الذي يريد شرب البحر جافا. فهو بلا شك يظل ملتزما حدوده ~~المشروعة عندما يختار تعريف المعنى على أساس التحقيق التجريبي وحده، ولكنه قطعا ينتمي ~~في هذا الصدد إلى الأقلية. # ولنقل أخيرا إننا ينبغي أن نشكر التجريبي المنطقي؛ لأنه زودنا بسلاح فعال نتحرر به ~~من الادعاءات المفرطة التي يزعم بها الميتافيزيقيون واللاهوتيون بلوغ الحقيقة. كذلك ~~أعتقد أننا ينبغي أن نشكر له تذكيره إيانا بأن المعرفة العلمية هي أكثر المعارف التي ~~نستطيع بلوغها وثوقا - بل إنها تكون فئة قائمة بذاتها من حيث الادعاءات المشروعة ~~للمعرفة. ولكن لما كان التأمل الميتافيزيقي هو على ما يبدو صفة دائمة من صفات ms308 الطبيعة ~~البشرية، فيبدو أن الأحكم هو الاعتراف بهذا الميل والاحتفاظ به في حدود النظام. عن طريق ~~النقد والتحليل (ولا سيما التحليل اللغوي، الذي يبرع فيه التجريبي المنطقي إلى أبعد ~~حد )، بدلا من أن نحاول استئصال ما لا يمكن استئصاله. وأنا شخصيا لا أرى أن ~~الميتافيزيقا أحق من الشعر والفن بأن تستبعد من مجتمع الناس الطيبين. ولكني أيضا لا ~~أرى ما يدعونا إلى السماح لواضعي المذاهب الميتافيزيقية واللاهوتية بأن يدعوا بأنهم، ~~لما كانوا يتعاملون مع عموميات، ويصدرون عبارات إخبارية تماثل من الناحية اللغوية ~~عبارات العلم، فمن الواجب أن ننسب إليهم، من الوجهة المعرفية، نفس الفضل الذي ننسبه إلى ~~العالم. فالتجريبي قد علمنا كيف نتحرر من هذا الوهم، ومن الروح القطعية التي ترتبت عليه ~~في كثير من الأحيان، وليس هذا بالفضل البين. # الفصل الثاني عشر # | الأخلاق: ماذا ينبغي أن نفعل # من الممكن النظر إلى الفلسفة بإحدى طريقتين ~~: فإما أن ~~تعد نشاطا عقليا منعزلا وإما أن تعد مرشدا في الحياة. أما الطريقة الأولى فلها مزايا ~~متعددة؛ إذ إننا لو نظرنا إلى الموضوع على هذا النحو لكنا أقل تعرضا لأخذ بحثنا أو ~~إجاباتنا أو أنفسنا مأخذ الجد الزائد عن حده، بل إننا نستطيع عندئذ أن نكون أكثر موضوعية ~~وتنزها في تحليلاتنا العقلية، وتكون نظرتنا إليها أقرب إلى نظرة العالم إلى مشكلاته في ~~المعمل. ولو مضينا في بحثنا بهذه الطريقة الأكثر موضوعية، لكان احتمال وصولنا إلى نتائج ~~تتفق مع الطبيعة الفعلية للأشياء أقوى مما لو جعلنا الفلسفة بديلا للعقيدة واتخذناها ~~مرشدا في الحياة. فلو أقبلنا على الفلسفة من وجهة النظر الثانية هذه، لكان هناك على الدوام ~~احتمال في أن تتلون الصورة التي نكونها عن الواقع بلون مستمد من آمالنا ومخاوفنا. ففي هذه ~~الحالة قد تتدخل قلوبنا في عمل عقولنا، وعندما ننتهي من تكوين نظرتنا إلى العالم فقد لا ~~تكون النتيجة إلا إسقاطا لطبيعتنا البشرية، بما تتميز به من عناصر قوة وضعف، على شاشة ~~الكون. # وعلى الرغم من أننا لن نحاول الحكم على هاتين الطريقتين في ms309 النظر إلى الفلسفة، فمن الواجب ~~أن نشير إلى أن تعارض الموقفين اللذين تؤديان إليهما يدفع كلا منهما إلى تركيز اهتمامها ~~على فرع مختلف من فروع الفلسفة، تتخذ منه محورا لنشاطها العقلي. فإذا نظرنا إلى الفلسفة ~~على أنها نشاط نظري قبل كل شيء لكان الأرجح أن نولي تفكيرنا شطر المشكلة الإبستمولوجية ~~الميتافيزيقية. أما المدرسة التي تتخذ من الفلسفة مرشدا في الحياة فتركز تفكيرها، إلى حد ~~بعيد، في المشكلة الأخلاقية، وهي: ما الحياة الخيرة؟ فهذه المدرسة لا ترى للبحث ~~الميتافيزيقي قيمة كبيرة ما لم يسفر عن «فلسفة في الحياة»؛ أي عن نوع من المذهب الأخلاقي ~~المحدد المعالم. وفي مقابل ذلك، نجد أن أولئك الذين يمارسون النشاط العقلي بدافع الرضا الذي ~~يبعثه فيهم هذا النشاط في ذاته، ينظرون إلى الأخلاق على أنها خاضعة للإبستمولوجيا (نظرية ~~المعرفة) والميتافيزيقا. وهكذا فإنهم أقرب إلى القول بأن أهمية أي مذهب أخلاقي ودلالته ~~تتوقف على صحة الموقف الميتافيزيقي الكامن من ورائه. # ولقد قدمنا في الفصول السابقة من عناصر الميتافيزيقا ونظرية المعرفة ما يكفي لإعطاء ~~الطالب الذي يفضل النظر إلى الفلسفة على أنها وسيلة عقلية لقضاء الوقت، مادة غزيرة لنشاطه ~~النظري. ولذا فإننا سننحاز في هذا الفصل وفي الفصلين التاليين إلى المجموعة ذات الاتجاه ~~الأخلاقي، ونذهب معها إلى أن الهدف الرئيسي للفلسفة هو إنارة طريقنا ونحن بسبيل البحث عن ~~الحياة الخيرة. ~~(1) مشكلة الخير # ينطوي ميدان الأخلاق على تعقيدات ملحوظة ~~: إذ إن ~~المشكلة لا تقتصر على وجود وجهات نظر متعارضة عديدة، بل إننا نجد أيضا فئات كثيرة ~~مختلفة، وخطوط تقسيم متقاطعة، ونقاط ارتكاز تبدو منعدمة الصلة بعضها ببعض. وهكذا يكون ~~من العسير في كثير من الأحيان تصنيف المواقف المختلفة، أو مقارنتها بعضها ببعض. وقد ~~نصادف آراء ليست لها علاقة واضحة بعضها ببعض، من حيث إن كلا منها ليس مضادا للآخر ~~ولا مكملا له، بل إن نقطتي الارتكاز اللتين اعتمدنا عليهما منذ البداية، وهما المذهب ~~الطبيعي والمذهب المثالي، لا ترشداننا في هذا الميدان بالقدر الذي كنا نتوقعه ~~منهما. # ومن الأسباب التي ms310 يرجع إليها هذا الخلط، وجود تقسيم في ميدان الأخلاق يتصف بأنه أساسي ~~من جهة، ولكن يصعب وصفه أو الاحتفاظ به من جهة أخرى. فمن الممكن، من جهة، النظر إلى ~~الأخلاق على أنها فرع للدراسة المنظمة للقيمة. وفي هذه الحالة تكون مشكلتنا الأساسية ~~هي، ما طبيعة «الخير»؟ ومن الممكن، من جهة أخرى، أن ننظر إلى الأخلاق على أنها دراسة ~~الإلزام، وفي هذه الحالة تكون مشكلتنا الأساسية هي طبيعة «الواجب» ومصدره. وسوف نقدم في ~~الفصلين اللذين نبدؤهما الآن تحليلا لهاتين المسألتين، مع تقديم الإجابات الرئيسية ~~عنهما. وسيكون من الضروري لنا، توطئة للقيام بهذا التحليل، أن ندرك النتائج الرئيسية ~~التي تترتب على كل من هاتين المسألتين. # المشكلتان الرئيسيتان في ميدان الأخلاق ~~: يبدو من ~~الواضح أن الطريقة الأولى - من بين الطريقتين السابقتين في النظر إلى الأخلاق، وهي التي ~~تبدأ بفكرة القيمة، ستكون معنية بكشف ما ينبغي السعي إليه؛ أي ما هو خير، أو ما له ~~قيمة. فهي ستدرس أهداف السلوك أو غاياته المثلى. أما طريقة النظر إلى الأخلاق من خلال ~~نظرية الإلزام فستكون معنية بمشكلة ما ينبغي عمله؛ أي بالطريقة التي ينبغي أن نعمل بها ~~على تحقيق هذا «الخير» أو هذه «القيمة». وعلى الرغم من أن هذه المشكلة الثانية تبدو ~~أقرب إلى الطابع العملي المباشر من الأولى؛ وبالتالي تعد أهم بكثير في نظر الشخص غير ~~المتخصص عادة، فإن الفيلسوف كثيرا ما يشعر بميل أقوى إلى المشكلة الأولى، وهي البحث عن ~~«الخير». وهو يدلل على ذلك بقوله: كيف نستطيع أن نعرف ما ينبغي عمله، ما لم نكن قد ~~حددنا ما نحن بسبيل البحث عنه؟ أليست الغايات أهم من الوسائل؟ ولما كانت الغايات موضع ~~البحث، في الأخلاق، هي الأهداف النهائية للحياة البشرية، فأي مشكلة يمكن أن تكون أهم من ~~الوجهة العملية من تلك المتعلقة بنظرية القيم؟ وعلى أية حال، فإن المفكر الأخلاقي ~~يتساءل، آخر الأمر، سؤالين: ما الذي نحيا من أجله؟ وكيف ينبغي أن نحيا؟ والسؤالان ~~متداخلان بالطبع، ولكن كلما كان الخط الفاصل بينهما أقوى، كان ms311 تحليلنا لهما ~~أوضح. # إننا عندما نصدر أحكاما تقويمية # Value Judgments # إنما نقوم بنشاط من أهم أوجه النشاط العقلي عند الإنسان وأكثرها شيوعا. وعلى الرغم من ~~أننا قد لا نكون منحازين عن وعي لأية نظرية من النظريات المتعددة في القيمة، التي سنعرض ~~لها بعد قليل، فلا تكاد توجد لحظة واحدة من لحظات حياتنا اليقظة. لا نجد فيها أنفسنا ~~قائمين بإصدار حكم كهذا، أو بعمل شيء نحقق به حكما سبق لنا إصداره. والواقع أن معظم ~~القرارات التي نتخذها في حياتنا، حتى القرارات التافهة، تمثل أحكاما تقويمية صريحة أو ~~ضمنية، فمعظم القرارات مبنية على أحكامنا على أشياء معينة بأنها طيبة أو رديئة، مرغوب ~~فيها أو غير مرغوب فيها. وحتى عندما نستخدم اللفظ الأساسي في التقويم، وهو اللفظ «خير»، ~~على أنحاء متباينة، كما في قولنا «العدالة خير» و«حفلة الأمس خير من حفلة اليوم»، فإن ~~مضموناته المعيارية أو التقويمية تظل موجودة. ومن هنا لم يكن من المستغرب أن نجد ~~الفيلسوف يبدي كل هذا الاهتمام بمشكلة الخير. # رأيان في طبيعة الإلزام ~~: وصفنا من قبل مشكلة ~~الإلزام بأنها تبدو أقرب إلى الطابع العملي المباشر من مشكلة «الخير»، غير أن مفهوم ~~الإلزام بأسره أصعب مما يتوقعه المبتدئ في دراسة الفلسفة. والواقع أننا لو كنا نعني ~~«بالإلزام» أو الوجوب # Ought ~~، حالة مشروطة فحسب، لما ~~انطوى الأمر على صعوبة خاصة. ذلك لأنه لو كان كل ما نعنيه هو أنك إذا أردت تحقيق غايات ~~معينة، فعندئذ يجب عليك أن تفعل كذا وكذا، لكانت المشكلة التي أمامنا مشكلة بسيطة ~~تتعلق بالوسائل والغايات. ولكن الذي يحدث في كثير من الأحيان هو أننا نستخدم معنى ~~«الوجوب» بمعنى غير مشروط، فنقول «ينبغي لك أن تؤدي واجبك!» - لا لأنك تسعى إلى إرضاء ~~المجتمع، أو إرضاء ضميرك، أو زيادة في مرتبك، بل لمجرد كون المسألة متعلقة بالتزام ~~أخلاقي. فضلا عن ذلك، فينبغي عليك أداء الواجب بغض النظر عن أية منافع أو أضرار ~~شخصية قد تنجم عنه. # فعندما تستخدم كلمة الإلزام بهذا المعنى المطلق غير المشروط، نجد أنفسنا ms312 على الفور ~~إزاء مشكلة من أعقد مشكلات الفلسفة. ذلك لأن في وسع الشكاك دائما أن يتساءل: «لماذا ~~كان ينبغي علي أن أقوم بواجبي، وبخاصة عندما لا تكون في ذلك راحتي؟» أما بالنسبة إلى ~~الفيلسوف، فلا يكفي أن نرد عليه بقولنا «هذا ما ينبغي لك عمله، لا أكثر ولا أقل». فلا ~~بد للشخص المفكر أن يواجه، عاجلا أو آجلا، تلك المشكلة التي هي أصعب المشكلات ~~الأخلاقية جميعا، وأعني بها: من أين تأتي قوة الإلزام الخلقي؟ أو كما يصوغها البعض: من ~~أين تأتي «وجوبية» الواجب؟ إن أي إلزام يتضمن ضرورة قيام شخص ما بعمل شيء ما. فما مصدر ~~هذه الضرورة؟ # في هذا الفصل، والفصل التالي، سوف نبحث في هذه الأوجه المتعددة للمشكلة الأخلاقية. ~~ومن واجبنا أن نتذكر، ونحن ماضون في بحثنا، أنه، مهما يكن مقدار تعقد المشكلات، أو مدى ~~الطابع النظري الذي ستتخذه المناقشة، فإن محاولتنا ستنصب على الإجابة عن أهم المشكلات ~~العملية للإنسان وأعمقها وأشملها، وأعني بها: ما «الحياة الخيرة»؟ ومن سوء الحظ أنه ليس ~~من الممكن الإتيان بإجابة لهذا السؤال تبلغ من البساطة حدا يعادل ما له من أهمية. ~~ولكن لما كان الأمر هنا متعلقا بتلك المشكلة الأساسية؛ أعني مشكلة ما ينبغي أن نصنعه ~~بحياتنا، فليس لنا أن نتوقع أن نهتدي إلى إجابة واحدة بسيطة عليها. ~~(2) ما مركز «الخير» في الكون؟ # إن أول خلاف رئيسي يثار حول مشكلة «الخير» أو «القيمة» هو الخلاف المتعلق بمركز ~~الخير؛ فهل للخير وجود موضوعي مطلق؟ وهل هناك «خير» بالمعنى العام، أم هو دائما نسبي ~~تبعا لرضا فرد معين أو تفضيله؟ وهل هناك أحكام تقويمية شاملة، تسري على كل الناس في كل ~~مكان؟ وهل هناك شيء ينعقد إجماع الناس كلهم، بغض النظر عن زمانهم أو مكانهم أو جنسهم ~~أو حضارتهم، على وصفه «بالخير»؟ أم أن لكل شخص، في نهاية الأمر، نظرا فرديا، وربما ~~مزيدا، من القيم؟ إن كل شخص يبدو أنه يحدد، عن وعي أو دون وعي، ما يعده ذا قيمة في ~~العالم، وما يود ms313 أن يقضي حياته محاولا بلوغه. فهل هناك أية معايير موضوعية نستطيع أن ~~نحكم بها على نظام القيم هذا الذي تنطوي عليه أفعاله؟ أم أن عبارته المجردة «إنني أجد س ~~خيرا» هي الكلمة الأخيرة التي يمكن أن تقال في الموضوع؟ # الرأي التقليدي ~~: كان الاعتقاد بأن القيم الموضوعية، ~~توجد خارج أذهاننا بوصفها جزءا من الكون، هو الرأي السائد في الفكر الغربي؛ ولذا فسوف ~~نبدأ ببحثه. ويبدأ أنصار هذا الرأي برهانهم على موقفهم بأن يشيروا إلى أن بعض القيم ~~تبدو موجودة بالنسبة إلى جميع الأشخاص، ومهما تفاوتت هذه القيم في البداية، فإن زيادة ~~التعود والتفكير النقدي تؤدي إلى تقريبها رويدا رويدا نحو معيار مشترك. فالأشخاص ~~الذين لهم مستوى ثقافي أو حضاري متقارب، يتفقون فيما بينهم اتفاقا أساسيا حول ~~الأفعال التي تعد خيرة والأشياء التي تعد قيمة، حتى ولو كانت تفصل بينهم أوسع المسافات ~~أو أطول العهود الزمنية. وثانيا، يلاحظ أن هناك في كثير من الأحيان اتفاقا ضمنيا من ~~وراء الفروق الظاهرية يفوق ما يتصوره الكثيرون. ولنضرب لذلك مثلا: # 1 # فقناصة الرءوس في بورنيو يبدون خاضعين لنظام أخلاقي متناقض تماما مع ~~النظام الذي يخضع له أحد أفراد مذهب «الكويكرز» (المرتعدين) المسيحي. ولكن لو فكر ~~الهمجي في السبب الذي يجعل قتل عدوه «خيرا» لكان من الأمور شبه المحتومة أن يصل إلى أن ~~قيمة هذا الفعل ترتكز على كونه يساعد على تقوية أواصر الوحدة القبلية، التي تقتضيها ~~ظروف الحياة القبلية عادة. وهكذا يكون هذا الفعل إسهاما في الخير المشترك للجماعة، ما ~~دام يؤدي إلى تحقيق مبدأ أخلاقي مثل «مراعاة مصلحة القبيلة خير». أما الشخص المنتمي إلى ~~جماعة «الكويكرز» فإنه يحكم على نفس الفعل الخاص بأنه شر، غير أن أساس حكمه أو مبدئه ~~واحد - وأعني به مراعاة مصلحة الجماعة. ولا شك أن الفارق بينهما يكمن في مدى مفهوم ~~«الجماعة» أو نطاقه. فهو بالنسبة إلى الهمجي يعني قبيلة صغيرة، على حين أنه بالنسبة إلى ~~«الكويكرز» أو من يؤمن بالمجتمع الدولي، قد يكون هو الجنس البشري كله. وهكذا ينطوي ms314 ~~الحكمان معا على أساس أخلاقي واحد مشترك، مهما يكن اختلاف الأساس السوسيولوجي (المتعلق ~~بعلم الاجتماع). فكلاهما يجعل القيمة في مصلحة المجموع، وكلاهما يسعى إلى ~~تحقيقها. # ويعتقد المؤمن بالنظرية الموضوعية في القيمة أن التحليل الكافي يمكن أن يكشف عن هوية ~~مماثلة للمبادئ الأخلاقية، تكمن من وراء كل اختلافات السلوك. وهكذا نجد «جوشيا رويس # Josiah ~~Royce ~~»، الذي ربما كان أبرز ~~مثالي ظهر في أمريكا، يدعو إلى «فلسفة للولاء Philosophy of ~~Loyalty ~~» تعزى ~~فيها قيمة عليا لكل مظهر من مظاهر الولاء، بغض النظر عن موضوع هذا الإخلاص. فالأمر ~~الأخلاقي الأسمى عند رويس هو «ليكن ولاؤك للولاء». ومن الواضح أن هذا الرأي يمثل محاولة ~~للكشف عن المعيار الشامل أو الموضوعي للتقويم. # ويرى أنصار النظرية الموضوعية في القيمة أن ~~«الخير» كامن في موضوعات أو مواقف معينة، وأننا نقدر هذه المواقف أو نرغب فيها نظرا ~~إلى ما فيها من جاذبية لنا # 2 # ففي مثل هذا المذهب تكون كل أحكام القيمة، قبل كل شيء، وصفا لما نكشفه في ~~الموضوعات أو الحوادث، وتصبح القيمة ذاتها صفة تجتذب تفضيلنا أو تطالب بتقديرنا. وهكذا ~~يكون الحكم التقويمي في أساسه وصفا لطبيعة الأشياء؛ أي للواقع ذاته. وعلى هذا النحو ~~تقيم النظرية الموضوعية صلة وثيقة بين الأخلاق (وعلم الجمال) وبين الميتافيزيقا؛ إذ إن ~~الخير يرتبط ارتباطا وثيقا بالواقع، بل إن الخير والواقع قد يصبحان في مثل هذا المذهب ~~شيئا واحدا. # الرأي الذاتي ~~: أما الرأي الذاتي في القيمة، الذي ~~يرتبط بمبدأ النسبية ارتباطا وثيقا، فيذهب إلى أن الاختلافات في الأحكام التقويمية من ~~شخص لآخر، ومن عصر لآخر، هي اختلافات عميقة لها دلالتها الكبرى. ذلك لأن كل قيمة تبدو ~~صادرة، من وجهة النظر النفسية، عن الشعور بالرضا أو الإشباع # Satisfaction # فنحن نصف أي شيء يرضي أو يشبع حاجة من ~~حاجاتنا، أو يساعد على تحقيق مصلحة لنا، بأنه «خير» أو «قيم» أو «مرغوب فيه». وأعلى ~~الأشياء قيمة هي تلك التي تشبع حاجاتنا على أفضل نحو، أو ترضي حاجة من أقوى حاجاتنا. ~~ويترتب على ذلك أنه ms315 كلما فقد الشيء أو الموقف قدرته على إرضائنا، انعدمت قيمته أيضا. ~~والواقع أن تجربتنا اليومية تثبت على الدوام وجود هذا التحول في «القيمة» من شيء إلى ~~آخر، ومن حب قديم إلى حب جديد. وفي هذا الصدد يتحدث وليام جيمس عن «القدرة الطاردة ~~للهوى الجديد»، كما أن واحدا من أول الشعراء الأمريكيين وأهمهم، وهو فيليب فرينو Philip Freneau ~~(1752-1832م) قد وصف التجربة ~~البشرية الشاملة على هذا النحو: # بأعين ملهوفة نثبت أنظارنا. # على ما يسر له خيالنا: # ولكنا عندما نمتلكه، # يقضي امتلاكنا على الشيء وعلى لهفتنا معا. # إن القبعة التي كانت تخفي شعر «بليندا»، # كانت في وقت ما قرة عينها، # أما الآن فقد رمتها، في مكان لا تعرفه، # وتخلت عنها، لسبب لا تعلمه. # كل هذه أمور يتخذ منها صاحب النظرة الذاتية شواهد على أن القيمة لا ~~توجد إلا في أذهاننا، فالحكم التقويمي ليس إيضاحا الصفات كامنة في هذه الأشياء، تجعلها ~~خيرة أو مرغوبا فيها لذاتها (وهو قطعا ليس وصفا للوقع الموضوعي)، وإنما هو مجرد ~~تعبير عن تفضيل. وهذا التفضيل في نهاية الأمر هو دائما تفضيل شخصي. فهو إعلان عما أحبه ~~أنا ذاتي وأجده خيرا، وعما يرضي رغبتي أو مصلحتي الخاصة، بل إن أحكامنا تتغير دائما ~~حتى في مجال التفضيل الشخصي هذا. فلا حاجة بالمرء إلى أن يكون متشائما ساخرا لكي يقول ~~إن كل أحكامنا التقويمية لا تعبر فقط عن تفضيل شخصي، وإنما تمثل تفضيلا مرهونا ~~باللحظة وحدها، ومعرضا للتغير دون سابق إنذار. وإن أي «خير» إنما هو بالضرورة تجربة ~~لفرد ما، وعندما تتفق مجموعة من الأشخاص على قيمة أية تجربة، فلن تكون لدينا مع ذلك إلا ~~مجموعة من التجارب الفردية التي يحكم عليها بأنها خير. وهكذا فإن صاحب النظرة الذاتية ~~لا يعرف القيمة بأنها كامنة في الأشياء أو المواقف، وإنما يعرفها بأنها كل ما يشبع رغبة ~~أو حاجة أو مصلحة. ~~(3) هل يوجد خير مطلق؟ # هناك خلاف آخر وثيق الصلة بهذه المناقشة التي تدور بين النظريتين الموضوعية والذاتية ~~في القيمة، هو الخلاف بين ms316 المعيارين المطلق والنسبي للخير. هذا الخلاف الثاني كان من ~~الوجهة التاريخية أهم من الأول؛ لأنه يتصل اتصالا وثيقا بالنظرية القانونية ~~والسياسية، فضلا عن التفكير الديني. ولما كانت النظرة المطلقة هي الرأي «الرسمي» ~~للحضارة الغربية طوال الجزء الأكبر من تاريخها، ولما كان من الواضح أن الاتجاه النسبي ~~المتزايد في أيامنا هذه إنما هو تمرد على هذه النظرة التقليدية، فسوف نبدأ ببحثه أولا. ~~وعلى الرغم من أن المعركة بين النظرتين المطلقة والنسبية تمتد إلى جميع أنواع الأحكام ~~التقويمية، فسوف نقتصر هنا على مناقشتها في المجال الأخلاقي وحده. # وجهة نظر المذهب المطلق ~~: يمكن التعبير عن موقف صاحب ~~المذهب المطلق، باختصار، بأنه يرى أنه لا يوجد إلا معيار واحد (أو في حالة الأخلاق، ~~«قانون # Code ~~» واحد)، هو الصحيح منذ الأزل، وهو ~~الذي يسري على البشر أجمعين. هذا المعيار لا يسري على نحو عالمي شامل فحسب، بل إنه ~~أيضا مستقل عن العصر، وعن الموقع الجغرافي، والتقاليد الاجتماعية المألوفة، والعرف ~~القانوني، وكل شيء آخر. والأمر الذي يشكل التزاما لي في هذا المكان والزمان، هو بالمثل ~~التزام للصيني أو الإسباني أو البولنيزي. وهو فضلا عن ذلك قد كان التزاما بالنسبة إلى ~~اليوناني القديم، والأوروبي في العصور الوسطى، سواء أكان يعلم ذلك أم لم يكن. وهو سيكون ~~التزاما بالنسبة إلى جميع الأجناس والمدنيات التي ستعقب مدنيتنا، سواء أدركت ذلك أم لم ~~تدركه. فما هو خير الآن كان خيرا عندئذ، وسيكون خيرا في المستقبل البعيد، وما كان ~~شرا في الماضي ما زال شرا، وسيظل كذلك أبد الدهر. وليس هناك قانون أخلاقي للماضي ~~وآخر للحاضر، ولا معيار للشرقي وآخر للغربي. وإنما «الخير» أو «الحق» شامل، مطلق، يسري ~~على كل مكان وزمان. # وبطبيعة الحال فإن القائل بالمذهب المطلق يدرك أن المعايير الأخلاقية تبدو متفاوتة ~~إلى حد هائل من عصر إلى آخر ومن مكان إلى مكان. فهو لم يكن بحاجة إلى انتظار ~~الأنثروبولوجيا الحديثة لكي يعلم ذلك، أما أن هيرودوت، وهو أقدم مؤرخي اليونان، كان يجد ~~لذة كبيرة في وصف مختلف المعايير ms317 السائدة في عصره. وكل ما فعلته الدراسة العلمية ~~للإنسان هو أنها أكدت ما كان المثقفون يعلمونه على الدوام - ألا وهو أنه لا يكاد يوجد ~~فعل نعده مذموما إلا وكان في وقت معين ومكان معين يعد فاضلا، بل مقدسا. غير أن نصير ~~المذهب المطلق لا يجد في هذه المجموعة الكبيرة من الوقائع الأنثروبولوجية المتوافرة ~~الآن أي دليل على بطلان رأيه؛ إذ هو يعتقد أن كل ما تثبته هذه التغيرات في المعايير ~~والعادات الأخلاقية هو أن الناس كثيرا ما يجهلون المعيار الواحد الحقيقي الصحيح. فكل ~~ما يثبته رضاء آكل لحوم البشر عن عاداته الغذائية هو أنه شخص غير مستنير - وهذا لا يجعل ~~سلوكه صحيحا بأية حال، حتى بالنسبة إلى ذاته. فسلوكه يظل على الرغم من براءة الجهل ~~الذي يعيش فيه، مضادا لقانونه الأخلاقي الصحيح، مثلما أن كل الأعداء مضاد لقانوننا. ~~ذلك لأن هذا القانون الصحيح مطلق ثابت، مستقل عن المعرفة أو الجهل، مثلما هو مستقل عن ~~الزمان والمكان. # ولا ينطوي المذهب المطلق على الاعتقاد بأننا اليوم أقرب بالضرورة، على أي نحو، إلى ~~تحقيق أو ممارسة المعيار الصحيح من آكل لحوم البشر، أو مما كان عليه أجدادنا. فصاحب ~~المذهب المطلق متسق مع ذاته؛ لأنه يعترف بأننا نحن بدورنا قد نكون جاهلين، أو قد تكون ~~أخلاقيتنا غير كافية. وفضلا عن ذلك فإن المعيار المطلق مستقل عن كل العادات الأخلاقية ~~الفعلية، وضمنها عاداتنا، كما أن أحفادنا لن يكونوا بالضرورة أقرب إلى هذا المعيار ~~المطلق منا. وبالاختصار، فهذا المذهب يرى أن مفهوم التطور أو «التقدم» الأخلاقي غير ~~صحيح: فلا قدم العادة الأخلاقية ولا جدتها تعني أي شيء. وإنما المعيار الوحيد لتقدير ~~المفاهيم والعادات الأخلاقية هو علاقتها بهذا المطلق اللازماني الثابت (أي الذي لا ~~يتقدم). ومع ذلك فإن هذا الرأي لا تلزم عنه بالضرورة نزعة محافظة في الأخلاق. فمن ~~الممكن جدا أن نكون سائرين باطراد نحو تحقيق هذا المعيار الصحيح الوحيد، ومن الممكن، ~~بمنطق متساو، أن يكون القائل بالمذهب المطلق داعية إلى التجديد أو إلى الروح المحافظة ms318 ~~في الأخلاق. وبالاختصار فإن موقفه لا يقتضي منه أن يمدح أي فعل أخلاقي محدد أو يذمه، ~~وإنما هو يلزمه فقط بالاعتقاد بأن كل ما هو خير أو شر يصدق على الناس جميعا، في كل ~~مكان وزمان. # العلاقة الوثيقة بين مذهب المطلق والنزعة ~~الموضوعية ~~: من المنطقي أن يكون صاحب المذهب المطلق ذا نزعة موضوعية - بل ~~نزعة موضوعية متطرفة. فهو عادة ينظر إلى القانون الأخلاقي، لا على أنه مطلق فحسب، بل ~~على أنه أيضا أساسي في تركيب العالم. وهو شامل بمعنى مزدوج؛ فهو لا يقتصر على الامتداد ~~في كل مكان والانطباق على جميع الكائنات العاقلة، وإنما هو يكون جزءا لا يتجزأ من ~~الواقع. ومن الواضح أن هذا يؤدي إلى استبعاده من المجال الذاتي. والواقع أن صاحب المذهب ~~المطلق ذاته يميل إلى تشبيه القانون الأخلاقي بقانون الجاذبية؛ فهو يرى أن الاثنين معا ~~ملزمان بنفس المقدار، ومتساويان في شمولهما ودوام تأثيرهما، وكما أن من الحمق أن نعتقد ~~أن قوة الجاذبية ليست لها إلا قيمة ذهنية أو ذاتية، فإن من الحمق بنفس المقدار أن كل ~~فرد يخلق «خيره» أو «حقه» الخاص بناء على تفضيلاته، بل إننا نستطيع أن نمضي في التشبيه ~~أبعد من ذلك: فكما أن الجاذبية كانت توجد قبل أن يكتشف نيوتن قوانينها، وكما أنه ستظل ~~هناك جاذبية متبادلة بين كل الأشياء في الكون لو اختفى الجنس البشري من العالم، فكذلك ~~كان القانون الأخلاقي موجودا قبل أن نعرفه، وهو ما زال مستقلا عن معرفتنا، بل إن ~~كثيرا من أنصار المذهب المطلق يرون أن من الممكن أن تختفي البشرية، أو ألا تكون قد ~~وجدت على الإطلاق، دون أن يؤثر ذلك في مركز «الخير» على أي نحو. ~~(4) مصادر النزعة الأخلاقية المطلقة ~~(1) # المصدر التاريخي ~~: ليس من الصعب أن نهتدي ~~إلى المصدر الرئيسي للنزعة الأخلاقية المطلقة # 3 # ذلك لأن أصل الحضارة الغربية وأساسها مسيحي، وحين نقول «المسيحي» ~~فإننا نعني (بالنسبة إلى الفلسفة) «التوحيدي». فالإيمان بإله واحد، يحكم الكون ~~الذي خلقه، أساس للتفكير الديني للغرب. وفضلا عن ذلك فإن ms319 هذا الإله عاقل، تظل ~~أفكاره وأوامره متسقة مع ذاتها على الدوام # 4 # وهذه الأوامر شاملة، تنطبق على النحو جميعا في كل مكان. ولما كان ~~القانون الأخلاقي صادرا عن هذا الإله العاقل المتسق مع ذاته، فمن المنطقي أن ~~يكون قانونا شاملا ثابتا. ذلك لأن الإله المطلق لا يمكن أن يضع إلا قانونا ~~أخلاقيا مطلقا. وعلى ذلك فإن تباين المعايير الأخلاقية التي نلاحظها من مكان ~~إلى مكان ومن عصر إلى عصر، لا يمكن أن يكون راجعا إلا إلى الجهل بإرادة الله. ~~ولو كان الناس جميعا يعرفون الإرادة الإلهية، لكان لهم جميعا قانون أخلاقي ~~واحد، ولوصف الجميع نفس الأشياء بأنها «خيرة» ونفس الأفعال بأنها ~~«صالحة». # ومما له دلالته أنه، مثلما أن الناس في الحضارة الغربية قد ظلوا حتى عهد قريب ~~يأخذون وجود إله واحد قضية مسلمة، فإنهم أيضا كانوا ينظرون إلى وجود معيار ~~أخلاقي مطلق على أنه أمر واضح بذاته. والواقع أن كل الحجج الفلسفية التقليدية ~~الخاصة بالمعايير الأخلاقية، حتى تلك التي أتى بها مفكر عميق مثل إمانويل كانت، ~~كانت تبدأ بالتسليم بوجود معيار مطلق كهذا. فما دام التوحيد المسيحي قد ظل هو ~~العقيدة السائدة بلا منازع، فقد كان من المحتم أن يكون التفكير الأخلاقي ذا ~~نزعة مطلقة. ~~(2) # المصدر المنطقي ~~: لا يتميز الأساس المنطقي ~~للنزعة المطلقة بنفس الوضوح الذي يتميز به أساسها التاريخي، غير أن للأول أهمية ~~أعظم بكثير بالنسبة إلى الفكر المعاصر؛ ذلك لأن أنصار المذهب المطلق في الأخلاق ~~قد ظلوا طوال أكثر من قرن من الزمان يحاولون تقديم دعامة عقلية، ومنطقية، تحل ~~محل الأساس الذي كانت عقيدة التوحيد تقدمه من قبل. وربما كان «كانت» أشهر هؤلاء ~~العقليين في ميدان الأخلاق. وقد كان يعتقد أن التحليل يستطيع على الدوام أن ~~يثبت أن خرق القانون الأخلاقي هو أيضا خرق لقوانين المنطق، فاللاأخلاقية تنطوي ~~دائما على تناقض منطقي. ولنقتبس أشهر الأمثلة التي ضربها «كانت» في هذا الصدد، ~~فعندما نعطي وعدا دون أن يكون في نيتنا الوفاء به، فإن سلوكنا يكون شرا ~~لأننا نتصرف على ms320 أساس مبدأين متناقضين في آن واحد. أول هذين المبدأين هو أن ~~الناس ينبغي أن يؤمنوا بالوعود. ولكني إذا أخلفت وعدي، فمعنى ذلك أن لكل شخص ~~الحق في أن يخلف وعوده، ما دام القانون الأخلاقي ينبغي أن يكون شاملا. ولو ~~أخلف كل شخص وعوده، لما عاد أحد يؤمن بالوعود، ولكان لدينا مبدأ آخر - هو أن من ~~الصحيح أن أحدا لا ينبغي أن يؤمن بالوعد - وهو مبدأ يتناقض مع الأول. ولقد كان ~~«كانت» يعتقد أن جميع أمثلة الشر يمكن أن ترد بدورها إلى أمثلة لانعدام الاتساق ~~المنطقي. وهكذا يصبح قانون عدم التناقض هو المبدأ الأساسي للأخلاق، كما كان ~~دائما بالنسبة إلى المنطق. ~~(3) # المصدر الكيفي ~~: من أحدث المحاولات التي ~~بذلت لإيجاد أساس عقلي للنزعة المطلقة، نظرية سبق لنا الإشارة إليها: «فالخير» ~~كيفية لا تعرف، ولا ترد إلى غيرها، تتصف بها أشياء أو أفعال أو مواقف معينة، ~~وهي كيفية شبيهة بالكيفيات اللونية، كالأصفر مثلا. وعلى الرغم من أن العالم ~~الفيزيائي يستطيع تعريف الأصفر على أساس كمي (فيقول إنه كذا من الذبذبات في ~~الثانية في أثير مفترض)، فإن أي لون يشكل، بالنسبة إلى تجربتنا المباشرة، معطى ~~حسي لا يرد إلى غيره، ولا يمكن أن يعرف إلا بالتجربة. وكذلك فإن القيمة، (وهي ~~في هذه الحالة، القيمة الأخلاقية) كيفية لا تعرف ولا ترد إلى غيرها، تتصف بها ~~أشياء أو مواقف معينة، مثلما تتصف الليمونة بالاصفرار. # الحجج المضادة للنظرة الكيفية ~~: على ~~الرغم من أن هدفنا ليس نقد النزعة المطلقة، وإنما عرضها بوصفها الموقف الذي ثارت عليه ~~النزعة النسبية، فإن من المفيد مع ذلك أن نشير إلى حجة أو اثنتين وجهتنا ضد هذه النظرية ~~الكيفية في «الخير». فمن الممكن أولا أن يشير المرء إلى أن التشبيه باللون فاسد ~~تماما. ذلك لأننا حتى لو سلمنا بأن اللون موضوعي كامن في الشيء (وهو أمر لا يقره إل ~~القليل جدا من علماء النفس)، فلن يكاد يكون هناك وجه للمقارنة بين كيفيتي «الخير» ~~و«الأصفر». ذلك لأن المفروض أن كل شخص ذي إبصار سوي ms321 ستكون لديه نفس التجربة عندما ينظر ~~إلى شيء أصفر. وبعبارة أخرى، فللأصفر، من حيث هو تجربة، مركز شامل يسري على الجميع. فهل ~~يستطيع «الخير» أن يدعي أي مركز كهذا؟ على الرغم من أنه قد تكون هناك تجارب أو أشياء ~~قليلة تعد «خيرا» في نظر الجميع ، وعلى نحو شامل، فإن عددها ضئيل جدا بالقياس إلى تلك ~~الأشياء التي لا حصر لها، والتي لا يوجد حولها أدنى اتفاق. ومن هنا كان التشبيه باللون ~~غير صحيح. # وهناك اعتراض ثان، ربما كان أخطر، على هذا الرأي القائل إن الخيرية كيفية أو صفة ~~كامنة؛ ذلك لأننا حتى لو سلمنا بأن الخيرية كامنة في أشياء ومواقف معينة، فإن هذا ~~التسليم لن يكون أساسا كافيا للإلزام الخلقي. ولنقتبس في هذا الصدد تلك الحجة المقنعة ~~التي وردت في كتاب «ستيس # Stace ~~»: # إن كون الشيء يتصف بكيفية أو صفة، يفرض ~~علي إلزاما عقليا أو نظريا محضا بأن أعترف أن لديه هذه الكيفية. ولكن ~~كيف يفرض على ذلك أي التزام بأن أسلك؟ ولم كان يتعين على أن أفعل شيئا حياله؟ ~~لو قيل لي أن زهرة معينة صفراء، ورأيت هذا بعيني، فعندئذ أستطيع أن أفهم أن ~~أكون مضطرا إلى الاعتراف بحقيقة القضية القائلة إن هذه الزهرة الصفراء، بل ~~إنني لا أستطيع أن أفعل غير ذلك ... فأنا مضطر إلى قبولها. ولكن هذا لا يمكنه أن ~~يرغمني على أي نوع من الفعل. فهو لا يرغمني مثلا على التقاط الزهرة. ولن أفعل ~~ذلك إلا إذا كنت أحب الأزهار الصفراء، أو لدي أي ميل آخر يدفعني إلى التقاطها. ~~وكذلك، فإذا قيل لي إن شيئا أو فعلا يتصف بصفة الخير، وإذا أدركت أنا ذاتي ~~ذلك فإني أستطيع أن أفهم هذا سيرغمني على الاعتراف بحقيقة القضية القائلة إن ~~«هذا خير»، ولكنه لا يمكن أي يفرض علي إلزاما عمليا أيا كان. وسأظل لا ~~أفعل أي شيء، ما لم يحدث أن أكون ممن يحبون هذه الأشياء الخيرة. وفي هذه الحالة ~~يكون ميلي هو الذي يدفعني، لا الحقيقة النظرية التي ms322 أوضحت لي. # 5 ~~(5) الثورة على النزعة المطلقة # إن الموقف النسبي، كما أوضحنا من قبل، هو في أساسه ثورة على النزعة المطلقة. وهو ~~أيضا جزء لا يتجزأ من المزاج العقلي العام لعصرنا، فالنسبية في كل الميادين تبدو في ~~نظر معظمنا «واضحة بذاتها»، مثلما كانت النزعة المطلقة بالنسبة إلى الأذهان في العصور ~~الوسطى. والواقع أن المزاج النسبي يسود الفكر الحديث إلى حد أصبحت معه كل أشكال النزعة ~~المطلقة - سواء منها العلمية أم السياسية أم الأخلاقية أم الدينية - تتخذ موقف الدفاع # 6 # ولما كنا قد كرسنا كل هذا الوقت لعرض وجهة نظر النزعة المطلقة، فسوف تبدو ~~النسيبة، لحسن الحظ، مذهبا يسهل وصفه. # ويمكن وصف النسبية، باختصار، بأنها مذهب يقف على طرفي نقيض مع كل ما هو أساسي في ~~النزعة المطلقة. فبينما النزعة المطلقة واحدية، فإن النسبية تميل بشدة إلى التعددية. ~~وبدلا من قانون أخلاقي واحد شامل ثابت، تقول النسبية بعدد كبير من هذه القوانين. ~~وبدلا من «خير» واحد، نجد هنا عددا لا حصر له من حالات «الخير» فحسب. وبدلا من ~~«القيمة» بمعناها الشامل، نجد «قيما» فقط. وبالاختصار، فهذه المدرسة ترى أن كل خير ~~نسبي، إما تبعا لما تقول الجماعة إنه صواب، وإما تبعا لما يشعر الفرد أنه صواب. وكل ~~قيمة نسبية تبعا للزمان والمكان والمدينة، وهي تتوقف على طبيعة النوع البشري وحاجات ~~الكائن العضوي الفردي في داخل هذا النوع. أما الكلام عن «الخير» بوصفه شيئا مستقلا ~~عن هذه فلا معنى له. ويرى النسبي أن من المستحيل بوجه خاص، تجاهل طبيعة النوع الإنساني ~~والاهتمامات الفريدة المميزة للبشرية. ولذا فإن كل ما يقوله أنصار المطلق عن «الخير ~~الكوني» الذي يفترض أنه يسري على أي نوع يمكن تصوره من المخلوقات العاقلة، وضمنها أهل ~~المريخ أو الملائكة، إنما هو محض هراء. # الأسس التاريخية للنسبية ~~: لعل أفضل وسيلة لتكوين ~~صورة واضحة عن النسبية هي بحث جذورها التاريخية وحججها الحالية. فبينما هذه النزعة كانت ~~لها أسسها الوطيدة في اليونان القديمة - إذ إن السفسطائيين ربما كانوا أكمل مفكرين ~~نسبيين عرفتهم ms323 الفلسفة حتى الآن - فإن تطورها الحديث قد بدأ مع عصر النهضة. وقد وصف عصر ~~النهضة أحيانا بأنه ثورة في جميع الميادين على النزعة المطلقة السائدة في العصور ~~الوسطى. وعلى الرغم من أن في هذا الوصف تبسيطا مفرطا، فإنه ينطوي مع ذلك على قدر غير ~~قليل من الصواب. ولكن من الغريب مع ذلك أنه، على الرغم من أهمية الحركات النسيبة في ~~الميدانين السياسي والديني خلال فترة عصر النهضة، فلم يحدث تطور كبير للنسبية الأخلاقية ~~حتى بعد أن توطدت فترة النسبية في سائر الميادين. فكما رأينا من قبل، ظل «كانت» حتى ~~أواخر القرن الثامن عشر يسلم بأن هناك قانونا أخلاقيا ملزما على نحو مطلق. كذلك فقد ~~أوضحنا السبب الذي ظهرت من أجله النسبية الأخلاقية الحقة متأخرة إلى هذا الحد: ذلك لأن ~~الانقسام الذي طرأ على المسيحية منذ عهد لوثر لم يكن يعني أي تراجع عن عقيدة التوحيد، ~~وما دام هناك إله مطلق ذو إرادة مطلقة يفترض دون مناقشة، فسيكون من المحتم الإيمان ~~بمعيار أخلاقي مطلق، يسود الكون بأسره. # ومع ذلك فقد حدثت خلال الأعوام المائة والخمسين الأخيرة عدة أمور جعلت امتداد النسبية ~~إلى ميدان الأخلاق أمرا لا يقل عن ذلك النمو الهائل في العلم. ولقد كانت النتيجة ~~النهائية لهذا النمو هي جعل الإيمان بألوهية واحدية، أو بنظام مطلق من القيم، أصعب مما ~~كان في أيام «كانت». والعامل الثاني الذي أدى إلى ظهور النسبية الأخلاقية هو بداية عهد ~~علم اجتماعي وتطور علم آخر: فقد ظهرت تلك الدراسة العلمية التي نطلق عليها اسم ~~الأنثروبولوجيا، كما أن التاريخ أصبح يرتكز على أساس متين من البحث والدراسة. وقد أدى ~~هذان المبحثان إلى تكديس مجموعة رائعة من المعلومات حول موضوع تغير العادات البشرية ~~والمعايير الأخلاقية، بحيث لا يجد المرء مفرا من أن يستشف نزعة من هذه الأدلة ~~التراكمية. وثالثا فإن لنظرية التطور نتائج نسبية؛ إذ إنها توحي بأن المعايير ~~الأخلاقية قد تطورت مع المجتمع والنظم البشرية. ومثل هذا التطور الأخلاقي ينطوي بدوره ~~على القول بأن التغير أساسي ms324 للأخلاق مثلما أنه أساسي للبيولوجيا، والتغير يؤدي منطقيا ~~إلى إنكار أي معيار مطلق. # الحجج المنطقية ~~: وهناك، بالإضافة إلى هذه الحجج ~~العلمية والتاريخية المؤيدة للنسبية، حجج أخرى متعددة ذات طابع منطقي بحت. فهناك أولا ~~تلك الحقيقة القائلة إن كل أخلاقية تبدو مبنية على استجابة انفعالية - أو بعبارة أدق، ~~على تفضيل انفعالي. وتشكل وجهة النظر هذه هجوما حادا على النزعة العقلية المطلقة عند ~~مفكرين مثل «كانت». وعلى الرغم من أن هذا الرأي المبني على فكرة الانفعال ليس مقبولا ~~لدى جميع النسبيين، فإنه قام بدور هام في جعل النزعة المطلقة تقف موقف الدفاع؛ ومن هنا ~~يستحق عرضا موجزا. هذا الرأي يقول باختصار أن كل ما ينظر إليه الناس بعين الموافقة، ~~أو كل ما يثير استجابة انفعالية سارة، يسمى «خيرا». وكل ما يثير البغضاء أو الغيرة أو ~~الاشمئزاز يرفض بوصفه «خطأ» أو «شرا». ومع ذلك، فلما كانت الانفعالات متغيرة، سواء من ~~فرد إلى فرد، أو من لحظة إلى لحظة في الفرد الواحد، فإنه يترتب على ~~ذلك أن تكون التقويمات الأخلاقية بدورها متغيرة ~~وشخصية. فالشيء الذي يبعث التقزز في شخص معين، قد لا يؤثر في شخص آخر؛ ومن هنا فإن ما ~~يراه الأول لا أخلاقيا أو «شريرا» لن يراه الثاني أمرا أخلاقيا على الإطلاق. وقد ~~يحدث بالمصادفة أن يراه المشاهد الثاني أمرا طريفا، لا أمرا يدعو إلى التقزز، ~~وعندئذ يؤدي إلى حدوث استجابة «طيبة»، أو «خيرة»، ما دام الشعور بطرافة شيء ما هو ~~قطعا تجربة سارة. # أما الحجة المنطقية الثانية للنسبي فربما كان جميع أنصار هذا المذهب يقبلونها. هذه ~~الحجة تشير إلى أن أي قانون أخلاقي مطلق ينطوي على التزام مطلق بأن من الواجب إطاعة ~~القانون. فهناك دائما أمر موجود ضمنا في أية صورة من صور النزعة المطلقة في الأخلاق. ~~كما رأينا من قبل، فليس في المذهب المطلق أي عنصر شرطي؛ فهو لا يقول «ينبغي لك أن تؤدي ~~واجبك إذا أردت أن تعيش سعيدا»، وإنما هو أمر مطلق يقول «ينبغي لك أن تؤدي واجبك». ~~ولهذه ms325 الصيغة نفس تأثير الأمر «أد واجبك!» غير أن كل الأوامر تنطوي على مصدر للسلطة، ~~وكل إلزام يقتضي شخصا يلزم. # 7 # وهكذا فسرعان ما نجد أنفسنا غارقين في المشكلة الصعبة المتعلقة بمصدر ~~الإلزام الخلقي أو أساسه. وحسبنا الآن أن نشير إلى أن النسبي ينكر وجود أية سلطة أو أي ~~أمر كهذا. فهو لا يمل أبدا من الإشارة إلى أن أحدا لم يتمكن، تاريخيا، من أن يكتشف ~~أساسا موضوعيا للإلزام الأخلاقي. ومن المؤكد أن صاحب المذهب المطلق أصبح، منذ انهيار ~~سلطة العقيدة الدينية، يجد من الصعب محاولة إثبات مصدر للأمر المطلق. ذلك لأنه لم يكن ~~من الصعب تحديد الفاعل الآمر، ما دام الناس جميعا يقبلون سلطة الكنيسة ويؤمنون بإله ~~قادر على كل شيء، ذي إرادة مطلقة. ولكن، أمن الممكن إيجاد أساس دنيوي مماثل، يحل محل ~~هذا الأساس الديني؟ هذا هو السؤال الذي يحاول نصير فكرة المطلق أن يجيب عنه بالإيجاب، ~~وإن يكن النسبي يؤكد أنه لا يجاب عليه إلا بالنفي. ~~(6) نتائج النسبية # من المرجح أن كل ما قلناه عن النسبية حتى الآن يجد قبولا لدى معظم القراء. ومع ذلك ~~فإننا لم نكشف حتى الآن إلا عن الجانب الإيجابي لوجهة النظر هذه. ومن سوء الحظ أن ~~للموقف النسبي نتائج معينة تحول بين معظم المفكرين وبين قبوله حتى بعد أن يكونوا غير ~~راضين عن النزعة المطلقة. # 8 # ولا بد من فهم بعض هذه النتائج قبل أن نحاول الاختيار بين الموقفين، أو قبل ~~أن نشرع في وضع صيغة معينة توفق بينهما. # إن الجميع يعلمون أن الممارسة الأخلاقية نسبية، والكثيرون يتوسعون في هذه الحقيقة ~~وينظرون إلى كل المعايير الأخلاقية على أنها نسبية. ومع ذلك فإن القائل بالنزعة المطلقة ~~يكون واثقا أن أي شخص عاقل لا بد أن يقبل النتائج المنطقية لمثل هذا التوسع. فهو أولا ~~يعني (في رأي المذهب المطلق) أنه لا يمكن أن يكون هناك معيار للحكم على قانون أخلاقي ~~معين بأنه أفضل أو أسوأ من الآخر، أو أعلى منه أو أدنى. فلن تكون هناك ms326 عندئذ أسس سليمة ~~لتقويم السلوك، فيما عدا اتفاقه مع العرف المحلي أو القومي. ولنتأمل النتائج الكاملة ~~لهذا الموقف: فإذا كان كل «خير» أو «صواب» نسبيا تبعا للزمان والمكان والظروف، وإذا ~~كان سلوك الرجل الشرقي «صوابا» ما دام يتفق مع المعايير الشرقية، وسلوك الرجل الغربي ~~صوابا إذا كان يرضي أمزجة الغربيين ، فعندئذ يمكن القول إن الالتجاء إلى التعذيب في ~~عدالة العصور الوسطى كان صوابا، وأن المحاولات التي بذلت لإبطال عادة الهنود في دفن ~~الأرامل بعد موت أزواجهن كانت محاولات خاطئة. ويواصل أنصار المطلق كلامهم فيقولون إن ~~هناك نتيجة ثانية للنسبية، هي أن من المستحيل وجود تقدم أخلاقي في ظل معيار نسبي. فكيف ~~نقول إن إلغاء الرق كان «خيرا» أو أن إنهاء الحروب سيكون «خيرا»، أو أن الأخلاق التي ~~دعا إليها المسيح «أرفع» من تلك التي جاءت في العهد القديم؟ وثالثا فلماذا يحاول أي ~~شخص أن يحيا حياة أخلاقية «أفضل»؟ «أفضل» من أي شيء؟ إننا نستطيع أن نقول إن السلوك ~~الأخلاقي لشخص معين قد ازداد اقترابا من معايير عصره أو مجتمعه، أو نقول إنه يسلك الآن ~~بطريقة تزيد من سعادته أو من رضا المجتمع عنه. ولكن ما لم يكن هناك معيار مشترك، شامل ~~(أعني غير نسبي) يغدو أي حديث عن «الأفضل» أو «الأسوأ»، وعن «الأعلى» أو «الأدنى» يغدو ~~لغوا، بل إن لنا أن نتساءل: ما الذي يمكن أن تعنيه ~~ألفاظ مثل «الصواب» و«الخطأ» في مذهب يلتزم النسبية بدقة؟ من المؤكد أنها لا يمكن أن ~~تكون ذات معنى له أدنى صلة بما كانت هذه الألفاظ تعنيه في الماضي. # هل هناك أي بديل غير المذهب المطلق؟ # هناك بعض ~~المفكرين الأخلاقيين اللذين يبدون استعدادهم لقبول هذه النتائج الفوضوية التي تترتب على ~~النسبية الأخلاقية الكاملة. ومع ذلك فإن أشد دعاة هذا الرأي تحمسا كانوا هم في العادة ~~علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، الذين تقتصر مهمتهم على ملاحظة أنماط السلوك وتصنيفها. ~~ولقد حاول مفكرون آخرون أن يهتدوا إلى طريق وسط بين الطرفين النسبي والمطلق. وقد تحقق ~~لهم ذلك أحيانا ms327 عن طريق إنكار وجود أي أساس كوني «للخير». وفي هذه الحالة تفصل الأخلاق ~~عن الميتافيزيقا، ويكون علينا أن نقتصر على نوع إنساني بحت من النظرية الأخلاقية. وهناك ~~طريقة ثانية لحل هذه المشكلة، وهي طريقة قد تكون أفضل من الأولى، هي الفصل بين المذهب ~~المطلق وبين الشمول. ويتم ذلك عن طريق إيجاد أساس نفسي أو بيولوجي للأخلاق: فنحاول وضع ~~قانون يكون شاملا للناس جميعا، على أساس أن لهم، بحكم انتمائهم إلى نوع واحد، طبيعة ~~بيولوجية مشتركة (وكذلك طبيعة نفسية مشتركة إلى حد بعيد). ولا بد لوجهة النظر هذه أن ~~تذهب إلى أن أوجه الشبه بين الناس أهم بكثير من أوجه الاختلاف بينهم. وبذلك تكون هناك ~~بين الأفريقي غير المتمدين وبين الأوروبي أو الأمريكي الحديث، عناصر مشتركة من الرغبات ~~والميول ودوافع الإرضاء الممكنة تسمح لنا بوصف حياة «خيرة» تسري على البشر أجمعين. وما ~~إن نحدد هذه الحاجات المشتركة وهذا الصالح العام، حتى يمكن - بل يجب - أن تندرج في هذا ~~الإطار كل تقويمات «الخير» أو «الشر»، بحيث يكون الشيء أو الموقف «خيرا» إذا كان يشبع ~~حاجة من تلك الحاجات البشرية الشاملة، ويكون السلوك «صوابا» إذا كان يحقق الصالح ~~المشترك الذي يسري على الناس جميعا بحكم اشتراكهم في صفة الإنسانية. ~~(7) تصنيف القيم # بذلت محاولات متعددة، مستقلة بدرجات متفاوتة عن هذه المشكلة الأساسية المتعلقة بمكانة ~~الخير، لتصنيف القيم بالنسبة إلى معايير أو نقاط ارتكاز متباينة. وكانت هذه التصنيفات ~~عادة تتخذ شكل سلسلة من الأزواج المتقابلة، كالقيم الكامنة # Intrinsic # في مقابل الوسيلية # Instrumental # والقيم العليا في مقابل الدنيا، ~~والثابتة في مقابل المتغيرة ... إلخ. ومع ذلك فليست لكل هذه الأزواج من القيم أهمية ~~متساوية؛ ولذا سنقتصر على الكلام عن تلك التي يشيع النظر إليها على أنها أساسية. ~~(1) # القيم الكامنة والقيم الوسيلية ~~: ينعقد ~~الإجماع على أن التقابل الأساسي في أي تصنيف للقيم هو التقابل بين القيم ~~الكامنة والقيم الوسيلية. وقد أتيحت لنا من قبل فرصة الإشارة إلى هذا ~~التقسيم في فصول سابقة. ويمكن القول باختصار أن القيمة الكامنة ms328 هي تلك التي ~~لا تخدم غاية معينة؛ أي تلك التي لا تستمد دلالتها من كونها وسيلة لغاية ~~معينة أخرى. فهي خير في ذاتها وبذاتها ولذاتها، دون إشارة إلى قيمة أخرى ~~أشمل منها. وربما كان أفضل مثل للخير الكامن هو «السعادة». فمن الواضح أننا ~~لا ننشد السعادة من أجل أي شيء غير السعادة؛ أي إننا لا نطلب السعادة من ~~أجل الحصول على شيء غيرها. فهي ليست وسيلة لأي شيء خارج عنها، وإنما تكون ~~لها قيمتها دون إشارة إلى أي شيء غيرها. # وفي مقابل هذه القيمة الكامنة توجد معظم الأمور التي نسميها عادة ~~«خيرا». وأن التحليل ليبين أن معظم الأشياء التي ننشدها، أو المواقف التي ~~نسعى إلى تحقيقها، لا تكون لها قيمة عندنا إلا من حيث هي وسيلة لبلوغ شيء ~~له قيمة كامنة أو باطنة. وأوضح مثل لهذا الخير «الوسيلي» هو المال. فمن ~~الواضح أن المال لا تكون له قيمة إلا من حيث هو وسيلة لكثير من الأمور ~~المرغوب فيها في الحياة. ولا يمكن أن يعده أحد، فيما عدا البخيل، خيرا في ~~ذاته، أو شيئا يكتسب ويكدس دون نظر إلى الحاجة التي يلبيها أو الرضا الذي ~~يمكنه أن يجلبه. # مشكلة القيم الكامنة ~~: يستطيع المفكر ~~الأخلاقي أن يدرك بسرعة أن هناك ثلاثة أمور تنطوي عليها أية علاقة بين ~~القيم الكامنة والوسيلية. الأول هو أن القيم التي هي كامنة بحق قليلة ~~جدا. وقد انتهى بعض الثقات إلى أنه قد لا تكون هناك إلا قيمة كامنة واحدة ~~فحسب، بل لقد أنكروا أن تكون هناك أية قيمة يمكن تصنيفها على أنها كامنة ~~بالمعنى المطلق. وثانيا، فمن الضروري تعويد أنفسنا على التمييز الدقيق بين ~~فئتي القيم هاتين إذا شئنا أن ننظم حياتنا وأوجه نشاطنا الأخلاقي بحكمة. ~~وأخيرا فإن الفيلسوف، شأنه شأن أي شخص مفكر، يدرك بألم صعوبة احتفاظ معظم ~~الأشخاص، ومنهم هو ذاته، بهذا التمييز في أذهانهم. ذلك لأن الناس جميعا ~~يميلون إلى الخلط بين فئتي الخير، وكثيرا ما نسلك وكأن هدفنا المباشر ~~(الذي يكاد في كل ms329 الأحوال يكون قيمة وسيلية فحسب) يتميز بالأهمية القصوى ~~التي تتصف بها القيمة الكامنة الحقيقية. فمن السهل أن ننسى أن معظم الأشياء ~~التي نفعلها لا يكون لها معنى إلا لأنها تخدم غاية أوسع منها، «كالسعادة» ~~أو «الرضا» أو «راحة الضمير». # ولقد رأى بعض المفكرين أن التمييز بين الخير الكامن والخير الوسيلي هو ~~التمييز الرئيسي في الأخلاق. ومن المؤكد أنه لا يكاد يكون هناك تمييز أهم ~~منه بالنسبة إلى البحث النفسي في الإرضاء أو الإشباع. وعلى هذا الأساس تكون ~~«الحياة الخيرة» هي التي تؤدي إلى أقصى حد من الخير الكامن، وفي الوقت ذاته ~~تنظم القيم الوسيلية على أساس أنها تخدم القيم الكامنة. والمشكلة الرئيسية ~~في كل حياة نود أن نعيشها بحكمة، هي أن نقرر ما له قيمة كامنة، ثم ننظم ~~حياتنا على أساس تحقيق هذا الشيء وحده ونرفض أن نخضع لإغراء تبديد وقتنا ~~وطاقتنا سعيا وراء الوسائل المجردة وكأنها غايات الحياة أو ~~أهدافها. ~~(2) # القيم العليا والدنيا ~~: أما التصنيفات ~~الأخرى الممكنة في مجال الأخلاق، فتبدو أقل أهمية بالقياس إلى تقسيم القيم ~~إلى كامنة ووسيلية. والواقع أن مجرد الاكتفاء بالإشارة الموجزة إليها كاف ~~لتحقيق غرضنا، الذي هو إعطاء القارئ فكرة عامة عن ميدان الأخلاق بدلا من ~~أن نعرض عليه تفاصيل هذا اليدان، وهناك كاتب مشهور في ميدان الأخلاق، هو ~~و. م. إيربان # W. M. Urban ~~، يصنف القيم ~~على أنها عضوية (أي جسمية واقتصادية وترويحية)، وفوق العضوية (أي الشخصية ~~والعقلية والجمالية والدينية). # 9 # وهناك تقسيم آخر مماثل، ولكنه أشهر إلى حد ما، هو تقسيم القيم ~~على أساس الأعلى والأدنى. ولكن من سوء الحظ أنه لا يوجد دائما اتفاق حول ~~تحديد موضع التقسيم بدقة، كما أنه ليس من الممكن التعبير على نحو مرض عن ~~الأساس الدقيق لهذه القسمة الثنائية. ومع ذلك فمن المتفق عليه عامة أن ~~القيم العليا أرق، وأدق، وأرهف، وأنفس، وأنها تفترض القيم الدنيا التي لا ~~يمكن أن تظهر العليا بدونها. # 10 # أما الدنيا فلا تعتمد على العليا. مثال ذلك أن القيم العقلية ~~تفترض ms330 القيم الجسمية، بل والاقتصادية، غير أن الصحة والدخل الكافي لا ~~يتوقفان على حب المعرفة أو عشق الحقيقة. # وعلى الرغم من أن هذا التمييز بين القيم العليا والدنيا كان أمرا ~~مألوفا شائعا في المناقشات الأخلاقية في القرن التاسع عشر، فإن هذين ~~اللفظين لم يعودا اليوم يحوزان رضا المفكرين الأخلاقيين. وقد يكون من ~~الممكن تعريف فئتي القيم هاتين على نحو يجعلهما تحوزان قبولا أوسع في ~~الوقت الحالي، ولكن حتى لو اقتصرنا على الاستخدام الدقيق لهما فسوف ينطويان ~~حتما على ثنائية أخلاقية. وهذه الثنائية تبلغ في بعض الأحيان حدا من ~~التطرف يؤدي إلى ظهور النزعة التطهرية Puritanism # والنزعة الزاهدة نتيجة لها. ~~فمن السهل التوحيد بين القيم الدنيا وبين الإشباع المادي بكل أنواعه، على ~~حين أن القيم العليا تصبح تلك التي لا تشوبها أية شائبة مادية. هذه التفرقة ~~تنطوي ضمنا على القول إن أي إرضاء مادي لا يمكن إلا أن يكون «أدنى»، على ~~حين أن كل القيم المرتبطة بأعمال الإنسان في المجال الذهني والروحي تضمن ~~لنفسها مكانة «عالية». # وربما كان الاعتراض الرئيسي الذي يوجه إلى هذا التصنيف راجعا إلى ~~الألفاظ المستخدمة ذاتها. «فالأعلى» و«الأدنى» هما بالطبع محايدان غير ~~تقويميين، عندما يستخدمان في معناهما الأصلي للدلالة على العلاقات ~~المكانية. ولكن لفظ «الأدنى» عندما يستخدم في الأخلاق يعبر دائما عن نوع ~~من التحقير؛ إذ إنه يوحي بقيمة أقل جدارة أو نبلا أو نقاء مما نفترض أن ~~القيم «العليا» تكون عليه. ولو لم يكن اللفظان مرتبطين بالجسم من جهة ~~والروح من جهة أخرى، لما أثيرت ضدهما اعتراضات ذات بال. أما بالطريقة التي ~~يستخدمان بها عادة، فإنهما يدلان على تقابل ثنائي - بل على صراع - بين ~~البدن والروح، وهو تقابل لم يعد الفكر المعاصر يسلم به. ~~(3) # القيم الاشتمالية والاستبعادية ~~: هناك ~~تمييز آخر أوضح وأقل إثارة للخلاف، هو التمييز بين القيم الاشتمالية # Inclusive # والاستبعادية # Exclusive ~~. مثال ذلك أن القيم ~~الاقتصادية تكون عادة استبعادية؛ إذ إن امتلاكي يحول بينك وبين كل شخص من ~~أن يمتلك نفس هذه الأشياء. وفي مقابل ذلك ms331 نجد أن قيمة مثل الدعابة ليست ~~قيمة يمكن أن يشترك فيها الناس فحسب، بل إنها قد تزيد إذا أمكن أن يشترك ~~شخص آخر أو أشخاص آخرون في موقف الدعابة. ففي صالة العرض السينمائي أو ~~المسرحي مثلا نجد في كثير من الأحيان أن الأشخاص الذين لا يعرف بعضهم ~~بعضا ينظرون بعضهم إلى بعض عندما يضحكون على شيء على خشبة المسرح أو على ~~الشاشة، والسبب الواضح لذلك هو أنهم يجدون أن رغبتهم في الضحك تزيد عندما ~~تقع عيونهم على عين جارهم. وهناك مثال آخر للقيمة الاشتمالية، هو الاستمتاع ~~بالجمال. فمعظمنا يجد هذه اللذة أعظم بكثير عندما يكون في استطاعتنا مشاركة ~~غيرنا في التجربة الجمالية. ولا بد أن يكون الشخص أو الأشخاص الذين يؤدي ~~وجودهم إلى تقوية شعورنا بالجمال - لسبب ما غريب - أشخاصا لا نحبهم، وذلك ~~على العكس مما يحدث في حالة الدعابة أو الضحك، الذي قد يؤدي وجود غرباء ~~عارضين فيه إلى زيادته كثيرا (كما ذكرنا منذ قليل). وفضلا عن ذلك فيبدو ~~أن قيمة الجمال تتناسب طرديا مع درجة ميلنا إلى زملائنا في التجربة ~~المشتركة: وكلنا نلاحظ التأثير الهائل للجمال في المحبين. وكلنا نعلم بنفس ~~المقدار مدى الكآبة التي تلقي ظلها على الموقف الجمالي نتيجة لوجود أشخاص ~~نكرههم. ~~(4) # القيم الدائمة والقيم العابرة ~~: هناك ~~تصنيف آخر للقيم يميز بين القيم الدائمة والعابرة. وعلى عكس ما قد نتوقع، ~~فليس صحيحا أن القيم الدائمة ينبغي تفضيلها دائما على القيم العابرة. ففي ~~حالة اللذة الجسمية مثلا، نجد أن الشدة مصحوبة بقصر الأمد قد تكون مفضلة ~~على الاعتدال المقترن بالامتداد الزمني. فلا شك أن جرعة ماء بالنسبة إلى ~~شخص يموت من العطش تفوق وقت شربها كل القيم الدائمة للفن والدين مجتمعين. ~~وبعبارة أخرى فنحن لا نكون حكماء بحيث نفضل قيمة دائمة على قيمة عابرة إلا ~~إذا كانت القيمتان متساويتين في كل النواحي الأخرى. فمن الواضح أن تفضيل ~~القيمة الدائمة واجب إذا كانت الأمور الأخرى متساوية. ولكن من سوء الحظ أن ~~من الصعب في كثير من الأحيان إيجاد ms332 موقف تتساوى فيه كل الأمور الأخرى، لا ~~سيما فيما يتعلق برغباتنا. ففي أغلب الأحيان يكون العصفور الموجود في اليد ~~خيرا من عشرة على الشجرة، ولا بد من حكمة أخلاقية كاملة لتفضيل القيمة ~~الدائمة في المستقبل على الخير المعترف بأنه عابر، والذي يوجد أمامنا ~~مباشرة، وينتظرنا لنستمتع به في اللحظة الراهنة. ~~(8) السلم المتدرج للقيم: «الخير الأسمى» # يوحي هذا التحليل لمختلف أنواع القيم بأنه قد يكون من الممكن والمفيد ترتيب ما لدينا ~~من أشياء خيرة في سلم متدرج. وفي هذه الحالة يرجح أننا سنضع الأكثر اشتمالا في مكانة ~~تعلو على الأقل اشتمالا، ونغلب على الأعلى على الأدنى، والدائم على العابر. والأهم من ~~ذلك كله أننا سنضع الكامن قبل الوسيلي. وكما لاحظنا من قبل، فالقيم الكامنة بحق قليلة ~~جدا، وبدلا من ذلك، يتضح لنا أن معظم الأشياء التي نسميها «خيرا» لا تكون لها قيمة ~~إلا من حيث هي وسيلة لخير آخر أشمل منها، وهذا بدوره يتبين أنه ليس إلا وسيلة لخير آخر ~~أبعد مدى. وهكذا يكون لدينا حتما سلم متدرج من القيم. ولا بد لأي سلم كهذا من أن تكون ~~هناك قيمة من نوع ما، وهكذا نصل إلى مفهوم القيمة العليا أو الخير الأسمى، الذي يشتهر ~~عادة باسمه اللاتيني # Summum Bonum ~~. وإذن فمشكلة ~~«الخير» (متميزة عن مشكلة الإلزام) تؤدي آخر الأمر إلى البحث عن الخير الأسمى، وتحقيق ~~الحياة الخيرة يغدو إلى حد بعيد تنظيما لكل القيم الأخرى في صلتها بهذا الحد ~~الأخلاقي الأقصى. # شروط «الخير الأسمى» بمعناه الصحيح ~~: ماذا ينبغي أن ~~تكون عليه خصائص الخير الأسمى إن شاء أن يكون أقصى خير وأرفع هدف للحياة؟ أول شرط مؤكد، ~~هو أنه ينبغي أن يكون خيرا كامنا لا شك فيه. فلا بد أن يكون من شأنه أن يظل في ~~إمكاننا أن نقول بصدده، بعد أدق تحليل ممكن، «هذا خير، لا بالنسبة إلى س أو بوصفه وسيلة ~~ل... ص، بل في ذاته فحسب». وهناك صفة ثانية ينبغي أن يتصف بها أي خير أسمى ممكن، هو أن ms333 ~~يكون نطاقه شاملا لكل شيء - أي أن يبلغ من الشمول ما يكفي لكي تندرج تحته كل أوجه ~~نشاطنا بوصفها وسائل لتحقيقه. وأهمية هذا الشرط واضحة: فلو كانت هناك أوجه نشاط تستهدف ~~تحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها به - أعني أهدافا لا تصبح بدورها وسائل لخيرنا الأسمى ~~المفترض - فمن الواضح أننا لا نكون عندئذ إزاء خير أسمى شامل، بل نكون إزاء خير وسيلي ~~من نوع ما. # 11 # وهناك صفة ثالثة ينبغي أن يتميز بها كل خير أسمى، هي إمكان تحقيقه جزئيا على الأقل، ~~ذلك لأن المثل الأعلى للقيم، الذي يبلغ من الرفعة حدا يجعل من المستحيل تحقيقه ولو ~~بصورة جزئية، لن تكون له إلا صلة عملية واهية بالحياة البشرية. ولكن ينبغي أن يلاحظ أن ~~الخير الأسمى لا يشترط فيه أن يكون من الممكن بلوغه كاملا. فيكفي أن يشعر الناس بإمكان ~~تحقيقه بما يكفي لتبرير تكريس الحياة من أجل بلوغ هذا الهدف. كذلك فإن الاعتبارات ~~العملية توحي بأن أية قيمة نرشحها لتكون خيرا أسمى، ينبغي أن يكون من الممكن بناء خطة ~~للحياة حولها. فإذا كان المثل الأعلى أكثر غموضا أو تجريدا مما ينبغي، وإذا كان يقتضي ~~التضحية بتلك اللذات اليومية القليلة التي تبدو لازمة لكي نحس بأننا نحيا حياة طيبة، أو ~~إذا كان يبلغ من طول المدى حدا لا نرى معه لجهودنا نتائج مباشرة، فعندئذ يصبح لا ~~قيمة له كمثل أخلاقي أعلى. وهذا هو النقد الذي وجه في كثير من الأحيان إلى بعض المثل ~~العليا التي اقترحها الفلاسفة واللاهوتيون. فقد يكون في استطاعة الخير الشامل (أو ~~السماء في حالة اللاهوت) أن ينتظر، ولكن لا بد للإنسان خلال ذلك أن يستمتع بشيء من ~~الرضا والإشباع. # والآن وقد حددنا شروط الخير الأسمى، وأوضحنا بإيجاز العلاقة العامة بين أي حد نهائي ~~أخلاقي كهذا وبين تجربتنا الكاملة، فلنعد إلى بحثنا لمختلف القيم المرشحة لنيل هذا ~~الشرف الرفيع. # الفصل الثالث عشر # | الأخلاق: ما الخير الأسمى؟ # الآن، وبعد أن اتضحت لنا أهمية «الخير الأسمى» في ~~التفكير الأخلاقي، وكذلك ms334 بعض الصفات التي ينبغي أن تتوافر في أية قيمة تود أن تحتل هذا ~~المركز بطريقة مشروعة، ننتقل إلى بحث القيم الممكنة التي تتنافس على هذا الشرف، لعل أولى ~~هذه القيم هي أقدم قيمة مرشحة في هذه الانتخابات الأخلاقية، وهي قطعا أشهرها - وأعني بها اللذة. # 1 # وتعرف المدرسة التي تعد اللذة خيرا أسمى وأساسا لكل قيمة باسم «مذهب اللذة # Hedonism ~~» واللفظ الإنجليزي من كلمة # Hedone # اليونانية، ومعناها اللذة. وتشكل وجهة نظر هذه ~~المدرسة قطبا من الأخلاق يمكن مقارنته، من حيث الأهمية، بالمذهب الطبيعي أو المذهب المثالي ~~في الميتافيزيقا. وكما أن قدرا كبيرا من النشاط الفلسفي يمكن أن يفهم على أفضل نحو بوصفه ~~صراعا بين هذين القطبين، فكذلك يكشف قدر كبير من التفكير الأخلاقي عن صراع دائم بين مذهب ~~اللذة وبين مذهب مختلف المدارس المضادة للذة. # جوهر مذهب اللذة ~~: يبدو موقف مذهب اللذة، في جوهره، ~~بسيطا للغاية. «فالخير» يعد في هوية مع «اللاذ»، و«الشر» مع «غير اللاذ». فاللذة وحدها هي ~~التي لها قيمة عليا في نظر صاحب هذا المذهب. والواقع أن من أوضح أسباب جاذبية وجهة النظر ~~هذه، بساطتها الظاهرة. ومع ذلك فإن أي مذهب أعقد مما يبدو لأول وهلة؛ إذ إنه ربما كان يشتمل ~~على ما يقرب من ستة أفكار منفصلة. فأولا، تعد اللذة والألم مشاعر؛ أي مشاعر غير قابلة ~~للتحليل، ولا يمكن ردها إلى أصول نفسية أبعد منها. وهما غير قابلين للتعريف أو الوصف. ومن ~~حسن الحظ أن طابع عدم القابلية للتعريف هذا لا يقضي على النظرية تماما؛ إذ إننا نعرف ~~جميعا بالتجربة المباشرة ما هي اللذة وما هو الألم. وثانيا ينظر مذهب اللذة إلى كل شعور ~~باللذة على أنه خير، وكل شعور بالألم على أنه شر، بالنسبة إلى الفرد الذي يمارسه، # 2 # فهذه تجارب مطلقة تكون خيريتها أو شريتها مستقلة عن كل شيء آخر. وثالثا تعد كل ~~اللذات، في مذهب اللذة الخاصة، من نوع واحد. فللذة لذة، والألم ألم، بغض النظر عن المصدر. ~~وهذا يؤدي بالضرورة إلى إرجاع الفارق ms335 بين أية لذتين على أساس كمي. فالأرجح أن يكون الفارق ~~بين أية تجربتين في اللذة فارقا في الشدة والمدة، وقد تكون إحداهما أنقى من الأخرى (أي أقل ~~امتزاجا بالألم)، ولكنهما فيما عدا هذه الفوارق الكمية متماثلتان. مثل هذا الرد للكيف إلى ~~الكم يعني أن التقدير النهائي لأية تجربة يتحدد حسب كمية اللذة والألم تسفر عنها، وهذه ~~الكمية يمكن الاهتداء إليها عن طريق ضرب شدة الشعور في مدته. وهذا بدوره يوحي بما يسمى ~~بحساب اللذات # Hedonic Calculus ~~، الذي نقارن فيه اللذات ~~بعضها ببعض على أساس عائدها من اللذة أو الألم، ثم نقوم الموضوع أو الموقف تبعا لهذه ~~النتيجة الرياضية. فإذا كانت نتيجة الجمع الجبري زيادة إيجابية في اللذة، كان الموقف أو ~~الموضوع الذي نبحثه «خيرا»، وإذا انتهينا إلى إجابة سلبية؛ أي إلى ألم يفوق اللذة - كان «شرا». # 3 ~~(1) نوعان من مذهب اللذة # النوع النفسي # ينبغي، قبل أن نمضي إلى أبعد من ذلك، أن نضع تفرقة أساسية بين مذهب اللذة النفسي ~~ومذهب اللذة الأخلاقي، فالأول، كما يوحي به اسمه، أقرب إلى النظرية النفسية منه إلى ~~المذهب الفلسفي. وبدلا من أن يكون مذهب اللذة النفسية هذا متعلقا بمسألة ما يبغي ~~أن يفعله الناس (أي ما ينبغي أن يرغب فيه) - وهو ما يتوقع من أية نظرية أخلاقية - ~~فإنه يقتصر على بحث سلوك الناس الفعلي (أي ما يرغب فيه فعلا). وتنكر المدرسة ~~النفسية أن للإلزام أية صلة بالموضوع. فكل الحيوانات، وضمنها الإنسان، لها تركيب من ~~شأنه أن يجعلها تبحث آليا عن اللذة وتتجنب الألم. هذا هو قانون الطبيعة الشامل ~~الذي لا يحتمل استثناء. فاللذة هي الشيء الوحيد المرغوب فيه بوصفه غاية في ذاته، ~~والسعي إليها هو الدافع الأول لأوجه النشاط الحيوية. ولما كنا لا نستطيع أن نرغب في ~~أي شيء غيرها، فمن الواضح أن التساؤل عما إذا كان ينبغي أن تكون لنا أهداف أخرى أم ~~لا، ليس إلا مضيعة للوقت، بل إن الاهتمام الوحيد المشروع للأخلاق، ومن وجهة نظر ~~صاحب مذهب اللذة النفسي، هو مسألة ms336 الطريقة التي يمكننا بها تحقيق أكبر قدر من ~~اللذة، أو النجاح إلى أقصى حد في تجنب الألم. # الحجج المضادة لمذهب اللذة النفسي: (1) اللذة ناتج ~~ثانوي ~~: كان لمذهب اللذة النفسي على الدوام أنصار كثيرون، وذلك نظرا ~~إلى شدة وضوح هذا المذهب وبساطة التفسير الذي يقدمه للسلوك الإنساني. ومع ذلك فإن ~~أنصار هذا المذهب لم يجيئوا عادة من بين صفوف الفلاسفة، بل من بين صفوف عامة ~~الناس. فقد أدرك المفكر الأخلاقي منذ وقت طويل أن هذا الوضوح الظاهر يخفي وراءه ~~اعتراضات كثيرة. أهم هذه الاعتراضات هو تلك الملاحظة التي أبداها أرسطو منذ وقت ~~طويل، وأيدتها شواهد كثيرة منذ ذلك الحين، وهي أن الناس قلما ينشدون اللذة مباشرة. ~~كذلك فإنهم قلما ينشدونها عن وعي، بل إننا نرغب بدلا من ذلك في موضوعات محددة أو ~~مواقف عينية، بحيث لا تكون اللذة أو الإشباع إلا ناتجا ثانويا لسعينا إليها أو ~~بلوغنا إياها. فعندما نكون جياعا نبحث عن الطعام، لا عن لذة الأكل (التي هي ~~عارضة)، وعندما نكون في حالة حب نبحث عن موضوع حبنا، لا عن لذة الحب. فاللذة، كما ~~أشار أرسطو، هي حالة شعورية تنشأ عندما يقوم الكائن العضوي بأي عمل من الأعمال ~~المتعددة التي يصلح لها دون أن يعترض طريقه شيء. غير أن اللذة عارضة بالنسبة إلى ~~النشاط أو العمل ذاته. فنحن لا نقوم بالعمل من أجل اللذة الناتجة، وإنما من أجل ~~الوصول إلى أشياء معينة أو تحقيق مواقف خاصة. «إن الشخص الذي يرغب في الطعام يرغب ~~في الطعام، والشخص الذي يرغب في لعب البلياردو يرغب في لعب البلياردو، والشخص الذي ~~يرغب في تنصير الكافر يرغب في تنصير الكافر - لا في اللذة، بل إن فكرة اللذة قد لا ~~تطرأ على ذهنه مطلقا». # 4 # ويشعر القائل بمذهب اللذة بأن من السهل عليه الرد على هذه الحجة. فهو يعترف بأن ~~فكرة اللذة قد لا تكون موجودة بوصفها غاية واعية، ولكنه يؤكد أن الهدف النهائي مع ~~ذلك هو نوع من اللذة أو الإشباع. أما كوننا غير ms337 واعين بهدفنا، أو لم نصرح به، فليس ~~دليلا على أننا سنؤدي الفعل، سواء أجلب لنا لذة أو لم يجلب. # على أن مثل هذا الخلاف عقيم، ما دام من الواضح أن طبيعته ذاتها تجعل من المستحيل ~~الوصول إلى تسوية له. فخصم مذهب اللذة على حق عندما يشير إلى أننا لا نستهدف اللذة ~~في العادة عندما نسلك. ولكننا من جهة أخرى لا نستطيع أن نثبت أن القائل بمذهب اللذة ~~على خطأ عندما يقول إن توقع اللذة هو الدافع النهائي لكل سلوك - حتى لو كان دافعا ~~غير واع. ذلك لأن مذهب اللذة يبدو مرتكزا على أرض ثابتة عندما يذكر أن كثيرا من ~~الأفعال لن تتكرر لو لم تجلب لذة أو تزل ألما. وهكذا يبدو أن المشكلة الحقيقية ~~هي ما إذا كانت هذه الحقيقة تثبت أن مبدأ اللذة والألم هو أساس كل الدوافع. ولكن ~~لما كان كل جواب على هذه المسألة مستحيلا، فإن لكل جانب الحرية في تكوين فرضه ~~النظري الخاص. ~~(2) مفارقة مذهب اللذة ~~: والاعتراض الثاني على ~~مذهب اللذة النفسي ينطوي على ما يسمى بمفارقة مذهب اللذة، التي تشير إلى أن استهداف ~~اللذة مباشرة يؤدي عادة إلى أن تفوتنا اللذة. والدليل الذي يساق في هذا الصدد هو ~~التعاسة الملحوظة التي يشعر بها محترف السعي إلى اللذة. وهكذا يقال إننا لو رأينا ~~شخصا يقضي وقتا طيبا فلن نجده من بين الساعين إلى اللذة، وإنما سنكتشف أنه شخص ~~يشيد بيتا، أو يصنع رداء، أو يكافح في مهنته، أو يربي أسرة، أو يقرأ كتابا. فهذا ~~الشخص السعيد سيكون دائما مشغولا في عمل يستهدف تحقيق مهمة محددة. وبالاختصار، ~~فلا بد لنا - كما يقول المفكرون الأخلاقيون، وكذلك علماء النفس في الآونة الأخيرة - ~~إذا شئنا الوصول إلى السعادة القصوى، من أن ننسى أننا نسعى إليها، ونمحو أنفسنا في ~~نشاط ما، أو نكرس أنفسنا لقضية معينة، أو ندخل في علاقة شخصية نستغرق فيها، ويكون ~~فيها منفذ لطاقاتنا ونقطة ارتكاز لأحلامنا. # النوع الأخلاقي # عندما تحول نظرية القيمة المرتكزة على فكرة اللذة إلى ms338 المجال الأخلاقي، نكون إزاء ~~مذهب اللذة الأخلاقي. ووجهة النظر هذه لا تتعلق فقط بما هو كائن (كما هي الحال في ~~مذهب اللذة النفسي)، وإنما هي أكثر تعلقا بما ينبغي أن يكون. والواقع أن مذهب ~~اللذة الأخلاقي أهم بكثير بالنسبة إلى الفلسفة في مجموعها من نظيره النفسي؛ إذ إن ~~الأخلاق تهتم أساسا بوضع معايير للسلوك. # مذهب اللذة الأناني في مقابل الاجتماعي ~~: يمكن ~~تقسيم المدارس المختلفة المنتمية إلى مذهب اللذة الأخلاقي إلى فئتين، هما: مذهب ~~اللذة «الأناني»، ومذهب اللذة «العامة» أو مذهب المنفعة. ونستطيع أن نقول بوجه عام ~~إن المذهب الأناني مميز للتفكير القديم، على حين أن مذهب المنفعة يمثل وجهة النظر ~~الحديثة. وترى النظرة الأنانية أن كل تقويم للسلوك على أنه خير أو شر، صواب أو خطأ، ~~ينبغي أن يتم بالقياس إلى الفاعل؛ أي على أساس مقدار ما يجلبه الفعل من لذة أو ألم ~~للفاعل شخصيا. أما المدرسة القائلة باللذة العامة فإن معيارها أقل أنانية. فهي ~~ترى أن أي سلوك ينبغي أن ينظر إليه على أساس قيمته لجميع الأشخاص الذين يتأثرون ~~به؛ أي على أساس مقدار اللذة والألم الذي يجلبه لكل فرد في الجماعة الكاملة التي ~~يتعلق بها الفعل. ومن الممكن بطبيعة الحال أن يقال إن مصلحة الفرد متفقة في نهاية ~~الأمر مع مصلحة الجماعة، وبالفعل نجد أن أصحاب مذهب اللذة المحدثين قد بذلوا جهودا ~~كبيرة في محاولة إثبات هوية المصالح هذه. ومع ذلك فإن التمييز بين وجهتي النظر ~~الشخصية والاجتماعية كانت له أهميته من الناحية التاريخية. وسوف يزداد ذلك وضوحا ~~إذا حللنا آراء أربعة مفكرين، اثنين منهم كانا من أنصار «الأنانية» والاثنين ~~الآخرين كانا من أنصار «العمومية». # رأى أرستيبوس المتطرف ~~: كان أول القائلين بمذهب ~~اللذة، وربما أكثرهم تطرفا، هو أرستيبوس # Aristippus # الذي عاش في «قورينة # Cyrene ~~» (عاصمة برقة) على الساحل الأفريقي للبحر المتوسط، في ~~القرن الخامس ق.م. كذلك أقام أرستيبوس فترة معينة في أثينا، أصبح فيها تلميذا ~~لسقراط. ومن الواضح أن سماحة أستاذه هي التي أثرت فيه؛ إذ إنه عندما ms339 عاد إلى ~~«قورينة» وبدأ مدرسته الفلسفية الخاصة، اتخذ من بعض جوانب التعاليم السقراطية ~~أساسا لوجهة نظر كانت تلائم طبيعته المحبة للذة كل الملاءمة. ويتلخص رأي أرستيبوس ~~في أن اللذة، أو على الأصح، لذة اللحظة، هي التي تتحكم في كل خير، فليس ثمة لذة ~~«عليا» أو «دنيا»، كما أن من الممكن تجاهل عنصر المدة. وإنما الشدة والطابع المباشر ~~هما المعياران الوحيدان لتقويم اللذات، وبذلك تكون الحياة الخيرة هي تلك التي تنطوي ~~على أكبر قدر من أقوى إحساس ممكن باللذة. # موقف أبيقور المعتدل ~~: لسنا بحاجة إلى التوقف ~~للبحث في أسباب إخفاق مذهب اللذة المتطرف هذا عند أرستيبوس، ما دامت المواقف ~~الثلاثة الأخرى التي سنبحثها تستهدف كلها القضاء على عيوبه التي ستتكشف كلما مضينا ~~في بحثنا قدما. ولقد كان أول تعديل هام لهذا المذهب الشديد البساطة هو مذهب ~~أبيقور، الذي كان يعلم في أثينا بعد قرن من حياة أرستيبوس فيها - بوصفه تلميذا ~~لسقراط. وقد أكد مؤسس المذهب الأبيقوري أنه، على الرغم من أن «اللذة هي اللذة»، فإن ~~بعض أشكالها يدوم أطول كثيرا من البعض الآخر، وبعضها يشتري بثمن أعلى بكثير من حيث ~~الجهد أو العناء. كذلك أدخل أبيقور تعديلا آخر على مذهب أرستيبوس المتطرف، وذلك ~~بأن جعل معيار اللذة سلبيا لا إيجابيا: فأعظم خير هو انعدام الألم، وأفضل حياة ~~هي تلك التي يتحرر فيها المرء إلى أقصى حد من الحاجة، والشقاء، واضطراب الانفعال ~~الطاغي. ولقد كانت هذه النقطة الأخيرة، وأعني بها، تجنب الانفعالات القوية، من ~~النقاط المميزة بوجه خاص للمذهب الأبيقوري. فبينما القورينائيون كانوا ينشدون ~~اللذات العنيفة، فإن الأبيقوريين كانوا يتجنبونها بوصفها لذات مكدرة قصيرة الأمد، ~~ثمنها باهظ من حيث ما تستتبعه من رد فعل أليم. وكان أنصار أبيقور يعلمون كيف ينمون ~~متعة الفلسفة والصداقة، وهي متعة أكثر اعتدالا، ولكنها أطول مدى، وأقل تكديرا بلا ~~شك. والهدف الحقيقي عندهم هو السكينة أو الطمأنينة # Ataraxia # فمن الواجب تجنب أي شيء يعكر صفو هذه ~~السكينة، بغض النظر عن مدى شدة اللذة المباشرة التي تجلبها. # مذهب ms340 اللذة الاجتماعي: «مذهب المنفعة» عند ~~بنتام ~~: من الواضح أن التفكير الأخلاقي قد قطع شوطا بعيدا خلال ~~القرن الذي كان يفصل بين أرستيبوس وبين أبيقور. ولم تتخذ خطوة أخرى يمكن مقارنتها ~~بهذه، خلال تطور مذهب اللذة، إلى أن بدأ جريمي ~~بنتام # Jeremy Bentham # تفكيره في أواخر القرن الثامن عشر. فلقد كان هذا المفكر ~~الإنجليزي، المؤمن بالموقف الطبيعي ~~(Common-Sense) # هو العامل الأكبر على التحول من مذهب اللذة الأنانية إلى مذهب اللذة العامة. وكان ~~يهتم اهتماما كبيرا بالإصلاح الاجتماعي والإصلاحي التشريعي؛ ومن هنا فلم يكن من ~~المستغرب أن يكون تفكيره الأخلاقي اجتماعيا وعمليا إلى حد غير مألوف. وفضلا عن ~~ذلك فقد سعى إلى الجمع بين مذهب اللذة النفسي ومذهب اللذة الأخلاقي، كما يتضح من ~~تلك الفقرة التي اقتبسها الكثيرون، والمأخوذة من كتابه «مبادئ الأخلاق ~~والتشريع» Principles of Morals and ~~Legislation ~~: ~~«لقد وضعت الطبيعة الإنسان تحت سيطرة سيدين مطلقين، هما الألم واللذة ... ~~فهما يتحكمان في كل ما نفعل، وكل ما نقول، وكل ما نفكر فيه، ولا يمكن أن ~~يؤدي أي جهد نبذله للتحرر من الخضوع لهما إلا إثبات هذا الخضوع وتأكيده ... ~~ويعترف مبدأ المنفعة بهذا الخضوع، ويفترضه أساسا لهذا المذهب الذي يهدف ~~إلى تكوين نسيج السعادة بأيدي العقل والقانون. أما المذاهب التي تحاول الشك ~~فيه فهي إنما تتعامل مع أصوات لا معان، ومع الهوى لا العقل، ومع الظلام لا ~~النور.» # وينتقل بنتام إلى تعريف مبدئه في المنفعة بأنه «ذلك المبدأ الذي يتوقف فيه ~~استحسان أي فعل أو استهجانه على ما يبدو لهذا الفعل من اتجاه إلى زيادة أو نقص ~~سعادة الطرف الذي يكون الفعل متعلقا بمصلحته». ولقد كان مقتنعا بأن هذا المبدأ هو ~~الوسيلة التي يختار الناس على أساسها، والتي ينبغي أيضا أن يتم على أساسها هذا ~~الاختيار، والأمر الذي كان يسعى إليه هو أن يجعل من هذا المبدأ المعيار المعترف به ~~للأخلاق والتشريع، حتى يخضع المجتمع لحكمه بدلا من أن يخضع لحكم معيار تجريدي معين ~~للواجب، لا صلة له بسعادة الإنسان. # 5 # ذلك ms341 لأنه رأى أن أي مبدأ تجريدي، غير نفعي، إنما هو «أداة من أفضل ~~أدوات الطغيان وأشدها فعالية. فهو يفيد في إقناع الضحايا بأن إطاعتهم للمستبدين بهم ~~ليست ضرورية فحسب، بل هي واجبة بحق». # 6 # حساب اللذات ~~: كان بنتام مقتنعا بأن أقوى حصن ~~يحمي من الظلم الاجتماعي هو الاعتراف الصريح بأن كل فرد معني أساسا بمصلحته ~~الخاصة، غير أن ذلك قد تركه إزاء مشكلة تجنب الفوضى الاجتماعية. وبعبارة أخرى فكيف ~~نستطيع أن نجعل الفرد يدرك أن مصلحته الخاصة متفقة مع المصلحة المشتركة؟ إن الخطوة ~~الأولى التي اتخذها بنتام لإثبات اتفاق الصالح الخاص والعام، هي التعبير على أصرح ~~نحو ممكن عن مبدأ حساب اللذات. فقد رأى بنتام أن قيمة أي فعل ينبغي أن يحكم عليها ~~على أساس «الشروط» السبعة الآتية: (1) شدة اللذة أو الألم الناتج منها، (2) مدة أي ~~منهما، (3) يقينيتهما أو عدم يقينيتهما؛ أي مقدار احتمال حدوثهما على النحو ~~المتوقع، (4) سرعة حدوثهما، (5) خصبهما، أو احتمال ترتب إحساسات من نفس النوع ~~عليهما، (6) نقاؤهما، أو تحررهما من أية إحساسات حاضرة أو مستقبلة من نفس النوع، ~~(7) وأخيرا نطاقهما، أو عدد الأشخاص الذين يمكن أن يتأثروا بهذه الإحساسات. وقد ~~لخص بنتام نفسه هذه النقاط في أبيات شعرية طالما اقتبسها الكتاب: # شديدة، وطويلة، ومؤكدة، وسريعة، ومثمرة، ونقية. # هذه الصفات هي التي تدوم في اللذة والألم. # أما إذا كانت عامة، فلتنشرها على أوسع نطاق. # ولتتجنب هذه الآلام أيا كانت آراؤك. # فإن لم يكن من الآلام بد، فليكن نطاقها محدودا فحسب. # وباستخدام هذا الحساب اعتقد بنتام أننا نستطيع أن نحدد بسهولة إن ~~كان الفعل خيرا أو شرا. # ولا شك أن أية نظرة إلى شروط بنتام السبعة، حتى لو كانت نظرة عاجلة، كفية بأن ~~تبين لنا أن الشرط الأخير قد أدخل على تفكير مذهب اللذة عنصرا جديدا كل الجدة. ~~ذلك لأن من الممكن النظر إلى الشروط الستة الأولى على أنها مجرد تحسين لحساب اللذات ~~في مقابل الآلام عند أبيقور. ولو كان بنتام قد توقف عند حد هذه الشروط فحسب، لماك ms342 ~~كان مذهبه أقل أنانية من مذهب أبيقور. ولكننا ما إن نبدأ في تقويم الأفعال على أساس ~~عدد الأشخاص، حتى ندخل مجالا أخلاقيا مختلفا. ولم يكن بنتام يعتقد أن إضافة هذا ~~العامل الاجتماعي يحتاج إلى إدخال أي مفهوم جديد من الوجهة الكيفية، بل سيظل من ~~الممكن نظريا الاكتفاء بإيجاد مجموع اللذة الناتجة، بعد بحث كل الاشخاص الذين ~~يتعلق بهم الأمر، وموازنة هذا بمجموع الألم. ومع ذلك فحتى لو كان ذلك حسابا كميا ~~بالمعنى الدقيق، لأدت إضافة الاعتبارات الاجتماعية إلى تعقيد المشكلة إلى حد تؤدي ~~معه إلى أحداث تغيير أساسي في تاريخ مذهب اللذة. # تجديف مل ~~: لو كان أرستيبوس وأبيقور قد اطلعا ~~على مذهب المنفعة عند بنتام، لبدا ذلك المذهب ممتنعا في نظر الأول، ومشكوكا فيه ~~في نظر الثاني. أما عندما نأتي إلى جون ستيورات مل، الذي ولد بعد بنتام بجبلين، ~~فإننا نجد لديه مذهبا في اللذة مختلفا في طابعه إلى حد يحق لنا معه أن نشك في أن ~~بنتام كان يمكن أن يعترف بسلامة هذا الموقف، لو عرفه. وقد وصف كاتب قريب العهد # 7 # التعديلات التي أدخلها مل بعبارة «تجديف مل # Mill’s Heresy ~~» وهو وصف لا نرى فيه مبالغة. فعندما ظهر كتاب ~~«مذهب المنفعة # Utilitarianism ~~» في عام 1863م ~~كان من الواضح أن قدرا كبيرا من مذهب اللذة في صورته القديمة قد اختفى، ربما إلى ~~الأبد. # ذلك لأنه، على الرغم مما بين أرستيبوس وأبيقور وبنتام من فوارق، فقد اتفقوا ~~جميعا على فكرة أساسية: هي أن اللذة هي اللذة، أيا كان مصدرها، أو شدتها، أو ~~مدتها. وربما اختلف هؤلاء المفكرون فيما بينهم فيما إذا كانت بعض اللذات تستحق ما ~~ندفعه فيها من ثمن، أو فيما إذا كان من الواجب عمل حساب أي شخص آخر غير الفاعل ذاته ~~عند تحديد قيمة أي فعل من حيث اللذة، ولكن لا جدال في أنهم كانوا متفقين اتفاقا ~~تاما فيما بينهم حول التشابه «الكيفي» لكل اللذات. أما «تجديف» مل فيتمثل في أنه ~~قد أدخل مفهوما جديدا، يؤدي من ms343 الوجهة المنطقية إلى نتائج هدامة، في تقويم اللذة ~~والألم. ذلك لأن من أقدم الانتقادات التي وجهت إلى مذهب اللذة وأكثرها دوما، رفضه ~~الاعتراف بفوارق كيفية بين اللذات. وقد كان بنتام بوجه خاص صريحا في إنكاره أي ~~فارق داخل هذه الفئة. وفي عصر مل، كان كثير من المفكرين، مثل كارلايل # Carlyle ~~، قد رددوا التهمة القديمة القائلة بأن ~~مذهب اللذة «فلسفة خنازير»، فالحياة التي تكرس كلها للسعي وراء اللذة لا تليق ~~بالإنسان، وإنما تليق بالخنازير وحدهم. # وقد رد مل على هذه التهمة بنفس الطريقة التي رد بها أبيقور عليها قبل ذلك بألفي ~~عام. فليس القائلون بمذهب اللذة هم الذين يقولون بنظرة وضيعة منحطة إلى الطبيعة ~~البشرية، وإنما خصومهم؛ ذلك لأن القول بأن الحياة التي تقدر على أساس اللذة والألم ~~وحدهما لا تليق إلا بالحيوانات، يعني أن الإنسان لا يسعى إلا إلى اللذات الحيوانية ~~وحدها. وقد نصح أبيقور أتباعه صراحة بأن يبحثوا عن لذات الفلسفة والاتصال الاجتماعي ~~وهي نقطة كان خصوم الأبيقورية وخصوم مذهب المنفعة يغفلونها على الدوام. كذلك فإن مل ~~يذهب إلى حد الاعتراف بوجود فارق كيفي بين اللذات، ويؤكد أن من الضروري التفرقة بين ~~اللذات «العليا» و«الدنيا». وهو يقول في فقرة مشهورة: «خير للمرء أن يكون إنسانا ~~غير راض من أن يكون خنزيرا راضيا، وخير له أن يكون سقراطا غير راض من أن يكون ~~أحمق راضيا». فهناك عامل له أهمية خاصة في تحديد اللذات المرضية بحق، والجدير ~~حقا بالإنسان، هو ذلك الشعور بالكرامة الإنسانية، الذي كان مل يعتقد أنه تمثل، ~~بدرجة ما، في الناس جميعا. ~~(2) حيوية مذهب اللذة # لعل أي موقف في الفلسفة لم يهاجم بمثل الإصرار الذي هوجم به مذهب اللذة، ولا أية وجهة ~~نظر قد صمدت للهجوم مثل وجهة النظر هذه. فعلى الرغم من أن تعاليم مذهب اللذة قد عدلت ~~وهذبت كثيرا خلال التاريخ الطويل لهذه المدرسة، فإن التأكد الأساسي القائل إن أصل ~~القيمة يرجع إلى «الشعور # Feeling ~~» قد ظل دون تغير. ~~ويؤكد أصحاب مذهب اللذة المعاصرون أن من ms344 الواجب أن تركز كل المبادئ الأخلاقية على نتائج ~~الفعل التي تقاس تبعا لتحقيقها مصلحة الإنسان، وهذه الأخيرة بدورها تعني اللذة أو ~~السعادة. وما زال القائل بمذهب اللذة في وقتنا الحالي يرى، مثل بنتام، أن أي معيار ~~أخلاقي يكون فاسدا تماما إذا كان يتجاهل نتائج الفعل بأن يحاول الحكم على السلوك ~~البشري على أساس اتفاقه مع مثل أعلى مجرد للواجب أو الإلزام. # الاعتراضات الرئيسية على مذهب اللذة ~~: تتركز ~~الاعتراضات المختلفة على مذهب اللذة الأخلاقي في عدم جدارة هذا المذهب بأن يكون مثلا ~~أعلى بشريا، أو في عدم كفايته بوصفه مذهبا أخلاقيا شاملا. ولسنا بحاجة إلى التريث ~~طويلا لمواجهة تهمة عدم الجدارة، بعد أن استمعنا إلى رد مل على هذه التهمة. كما ينبغي ~~أن نلاحظ أن هذا الاعتراض ينطوي على معيار محدد مقدما لما هو جدير بالإنسانية وما هو ~~غير جدير بها؛ أي إنه يبدأ تحليله «للخير» بفكرة مسبقة عما ينبغي أن يكون عليه «الخير». ~~وهكذا يطلب إلينا أن نرفع أنفسنا بأربطة حذائنا الأخلاقية الخاصة، # 8 ~~⋆ # محاولين أن نحدد ما هو «خير» عن طريق ما نعتقد من قبل أنه كذلك، ولسنا بحاجة إلى القول ~~إن هذه ليست بالطريقة السليمة في التفكير؛ ولذا فإن الحجج التي توجه ضد مذهب اللذة ~~وتكون مصوغة بهذه الطريقة لا ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد. غير أن تهمة عدم الكفاية أخطر ~~بكثير، وينبغي لنا أن نبحثها بحثا كاملا. # فلنذكر، في البداية، أن مذهب اللذة الأخلاقي يستطيع الوقوف على أرجله، مستقلا ~~تماما عن صواب أو خطأ النوع النفسي من مذهب اللذة. فلسنا بحاجة إلى الاعتقاد بأن ~~الدافع الوحيد لكل سلوك بشري هو مبدأ اللذة والألم، لكي ننتهي من ذلك إلى أن التقويمات ~~الأخلاقية ينبغي أن تكون على أساس سعادة البشر وما فيه مصلحتهم. وهكذا فعندما يتهم مذهب ~~اللذة بأنه غير كاف من حيث هو تفسير لسلوكنا، أو يقال إن علم النفس الحديث يؤدي إلى ~~استبعاد هذا المذهب، فينبغي أن نتأكد هل الناقد يدرج النوع الأخلاقي من المذهب ضمن ~~اتهامه ms345 هذا؟ ذلك لأنه إذا كان لأحد أن يتهم مذهب اللذة الأخلاقي بأنه نظرية غير كافية، ~~فينبغي أن يكون هذا الاتهام ناتجا عن الضعف الكامن في المذهب ذاته، لا عن أي بطلان ~~ممكن في الوجه النفسي لهذا المذهب. وربما ازدادت نقاط الضعف العقلية في مذهب اللذة ~~ظهورا في أثناء دراستنا للمذاهب الأخرى البديلة عنه. ولما كان أقوى صراع في هذا ~~الميدان هو الصراع بين المذهب الشكلي ومذهب اللذة، فسوف نبدأ أولا ببحث هذا المذهب ~~الأشد عداء لمذهب اللذة. ~~(3) المذهب الشكلي: أقوى ناقد لمذهب اللذة # للمذهب الشكلي في الأخلاق صلات وثيقة بالنظرة المطلقة التي تحدثنا عنها في الفصل ~~السابق. وأهم ما يقول به هذا المذهب هو أن خيرية الفعل أو شريته صفة كامنة فيه، مستقلة ~~عن كل شيء - عن الزمان والمكان والظروف وما إلى ذلك. وفضلا عن ذلك فإن هذه الصفة ~~الكامنة أو المطلقة للفعل مستقلة عن أية نتائج مترتبة عليه. فليست لنتائج الفعل صلة ~~بخيريته أو أخلاقيته، وعلى حين أن القائل بمذهب اللذة يرى أن كل معايير الصواب والخطأ ~~ينبغي أن ترتكز آخر الأمر على نتائج كل فعل، فإن القائل بالمذهب الشكلي يعتقد أن ~~للمعايير الأخلاقية سلطة واحدة فحسب: هي طبيعتها الباطنة الخاصة بها، التي لا تربطها ~~صلة بنتائج أي فعل. # وينبغي، إنصافا منا للقائل بالمذهب الشكلي، أن نشير إلى أنه لا يدعي أن نتائج الفعل ~~ليست لها أهمية عملية أو علاقة بالسعادة البشرية. فهو لا يقل عن القائل بمذهب اللذة ~~شعورا بأن للجزء الأكبر من سلوكنا نتائج مستقلة من السعادة أو الشقاء بالنسبة إلى ~~أنفسنا أو إلى الآخرين، ولكنه ينكر وجود أية علاقة بين هذه النتائج العملية وبين ما ~~يتصف به الفعل من صواب أو خطأ. وإذن فالمذهب الشكلي ينظر إلى السلوك البشري على أنه ~~يتم، من حيث النتائج العملية، في فراغ أخلاقي. وقد يكون مما له أهمية عظمى في نظري أن ~~يسرق أحد سيارتي، غير أن هذا أمر لا صلة له بتحديد ما إذا كانت السرقة صوابا أم خطأ. ms346 ~~وإنما يقول صاحب المذهب الشكلي أنها تصبح خطأ نظرا إلى صفة كامنة في أفعال السرقة لا ~~يمكن لأي ظرف - حتى ما قد تعده المحكمة «ظرفا مخففا» - أن يغيرها. ويعتقد الفيلسوف ~~الشكلي أن الأفعال الصالحة تنجم عنها، على وجه العموم، نتائج خيرة، والأفعال الخاطئة ~~تنجم عنها نتائج شريرة. ولكن على الرغم من هذا التأكيد، فليس هناك ارتباط ضروري بين ~~الاثنين، فالأفعال «الصالحة» تظل صالحة حتى لو كانت الفضيحة تؤدي دائما إلى تعاسة ~~صاحبها وألم كل المحيطين به. وعلى العكس من ذلك، فحتى لو أدى الفعل «الخاطئ» إلى زيادة ~~سعادة كل من يهمه الأمر، فسيظل مع ذلك خاطئا. # ويعد «إمانويل كانت» زعيم الشكليين الأخلاقيين. ومن سوء الحظ أن تفكيره لا يسهل فهمه، ~~وأن استنتاجاته الصارمة الدقيقة لا تلقى استجابة لدى معظم الطلاب اليوم. ومع ذلك فإن ~~الموقع الهام الذي يحتله في تاريخ الأخلاق يحتم علينا أن نفهم أفكاره الأساسية. ولما ~~كان مذهب كانت الأخلاقي يبلغ قمته في نظرية هي أشهر نظريات «الواجب» (وهو نوع النظرية ~~الذي تصل إليه المذاهب الشكلية في عمومها) فإن تقديم عرض موجز لتاريخ مفهوم «الواجب» ~~يمكن أن يفيد القارئ بوصفه مدخلا إلى تفكير كانت. ~~(4) تاريخ فكرة «الواجب» # على الرغم من أن اليونانيين القدماء كانوا «عصريين» إلى حد بعيد في كثير من ~~أفكارهم، فإن إحساسهم بمعنى الواجب كما نفهمه اليوم كان ضعيفا. فالحياة الأخلاقية ~~والحياة الخيرة كانت عند اليوناني شيئا واحدا؛ أي إن الحياة الخيرة كانت عندهم تلك ~~الحياة التي كان من الضروري فيها توافر فضائل أو ميزات معينة لأن هذه هي الطريقة ~~الوحيدة التي تتيح للإنسان الوصول إلى السعادة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك فضيلة ~~«الاعتدال»، التي امتدحها اليونانيون أكثر مما امتدحوا أية فضيلة غيرها. ففي نظر ~~اليوناني لم يكن الاعتدال واجبا عليه - إذ إن الاعتدال ليس إلزاما يفرض بقانون أو ~~سلطة ما - وإنما كان مسألة علة ومعلول فحسب؛ ذلك لأن عدم الاعتدال يؤدي إلى الشقاء؛ ومن ~~هنا كان ينبغي لنا أن نكون معتدلين. غير أن كلمة «ينبغي» ms347 لا تعبر هنا إلا عن إلزام ~~مشروط: فإذا أردنا أن نكون سعداء فينبغي لنا (أي إن من الضروري لنا) أن نكون معتدلين في ~~عاداتنا. ولكي نحيا حياة سعيدة يتعين علينا أن نكون معتدلين وشجعانا وعادلين وحكماء. ~~غير أن هذه مسألة علة ومعلول مفهومة للذهن المعتاد، وليست إلزاما مطلقا أو مجردا ~~كالإلزام المتضمن عادة في الأوامر الخلقية. # نظرية الواجب عند الرواقيين ~~: أدخلت فكرة جديدة في ~~التفكير الأخلاقي اليوناني قرب نهاية العصر اليوناني، عند ظهور المذهب الرواقي، وقد أدت ~~هذه الفكرة إلى تحويل الأخلاق من مبحث يتركز حول الخير إلى مبحث يتركز حول الواجب. ومن ~~هنا فقد مهدت الطريق للأخلاق المسيحية وللمذهب التطهري (البيوريتاني) فيما بعد. تلك هي ~~الفكرة التي تعد فيها «الفضيلة» أو «الحياة الصالحة» إطاعة لقانون، لا مجرد مراعاة ~~لقواعد العلة والمعلول. فالرواقي كان يرى أن الحياة الخيرة، التي ينبغي لكل حكيم أن ~~يسعى إلى أن يحياها، هي تلك التي يتحدد بها واجب الإنسان على أساس قانون الطبيعة أو ~~النظام العقلي للكون - أو العقل الكلي، حسب الاصطلاح الرواقي. هذا القانون الكوني للعقل ~~الكلي يحدد لكل فرد مكانه في نظام الأشياء، ويقرر الواجب والالتزامات التي تتمشى مع هذا ~~المركز المحدد. ولقد كان قوام الحكمة عند الرواقيين هو اعتراف المرء بهذه المكانة ~~المحددة له، وبما يرتبط بها من الواجبات؛ وبالتالي العيش في انسجام واع مع الطبيعة - ~~أي مع العقل الكلي. وفضلا عن ذلك فقد كان الرواقيون يرون أن كل ما يحدث في الكون يحدث ~~وفقا لضرورة منطقية. ومن هنا فإن قبول ما تأتينا به الحياة هو أمر لا مفر لنا منه، وهو ~~في الوقت ذاته مظهر من مظاهر الحكمة. # ومن السهل أن ندرك أن هذه النظرية الرواقية تمثل تحولا حقيقيا عن التفكير الأخلاقي ~~اليوناني السابق، على الرغم من أنه كان لا يزال عليها أن تقطع شوطا بعيدا حتى تصل إلى ~~المفهوم المسيحي «للواجب». فمن المؤكد أن الرواقيين، حين جعلوا من الأخلاق أو «الحياة ~~القويمة» مسألة إطاعة لقانون، قد أكدوا بالضرورة فكرة الواجب ms348 على نحو أقوى مما أكدت به ~~من قبل، وذلك في العالم الغربي على الأقل. ولكنهم أرادوا بتوحيدهم بين قانون الطبيعة ~~وقانون العقل، ثم بتوحيدهم بين هذا العقل الكلي وبين العقل المتناهي الموجود لدى كل ~~إنسان، أن يحولوا دون أن تتخذ الالتزامات التي يفرضها الواجب طابعا تعسفيا أو ~~تسلطيا محضا. فعقلنا الفردي يتيح لنا أن ندرك عدالة العقل الكلي وحكمته وأوامره ~~الضرورية. ومن هنا كان كل إنسان حكيم فاضل يقبل بحرية تلك الواجبات التي يفرضها علينا ~~العقل الكلي لأنها تتفق مع ما يقضي به عقلنا الخاص ذاته. وهكذا يتفق الحكم الخاص مع ~~الحكم الكوني، ولا يكون هناك شعور بالإكراه الخارجي، أو بالأمر التعسفي. # المسيحية والواجب ~~: أدخلت المسيحية تغييرا آخر ~~هاما في المفهوم الأساسي للأخلاق، كما أنها قد استحدثت الفكرة التي بنيت عليها ~~الأخلاق الغربية الرسمية خلال القرون السبعة عشر الأخيرة. هذه الفكرة هي المذهب القائل ~~إن قوام الحياة الأخلاقية هو طاعة القانون، وإن يكن ذلك قانونا يختلف كل الاختلاف عن ~~ذلك الذي اعترفت به الرواقية. هذا القانون الجديد ليس قانونا يكتشفه العقل البشري، ~~وليس بالتالي قانونا يبدو لنا (معقولا)، وإنما هو قانون أتانا من الوحي الإلهي الذي ~~لا يكون أمامنا إلا أن نطيعه، سواء أكان يبدو معقولا أم غير معقول، منطقيا أم ~~تعسفيا، عادلا أم ظالما. فمن الواجب إطاعته لمجرد كونه تعبيرا عن الإرادة الإلهية، ~~لا لأننا نرى يه وسيلة لتحقيق سعادتنا المباشرة. وبطبيعة الحال فنحن نفترض أنه لما كانت ~~القوة التي تسهر على تنفيذ هذا القانون الإلهي هي ألوهية خيرة، فسوف يكون ذلك قانونا ~~خيرا يعبر عن حكمة عليا. ولكن لما كان خلاصنا يتوقف مباشرة على إطاعتنا لهذا القانون، ~~فمن الواضح أن المطلوب منا هو أداء أية واجبات يحددها، بغض النظر عن رأينا البشري في ~~هذه الأوامر. كما ينبغي أن يلاحظ أن هذا الارتباط (بين طاعة الإنسان للقانون الإلهي ~~وبين خلاصه) هو في المسيحية ارتباط تحدده المشيئة الإلهية، لا العقل البشري، وهذا يؤدي ~~إلى زيادة ضعف العلاقة التي كان يقول ms349 بها الرواقيون بين العقل الكلي وبين عقلنا الفردي ~~المتناهي. ولقد ظل أداء المسيحي لواجبه يعد، حتى يومنا هذا، مسألة طاعة لا مسألة تبصر. ~~وقد أحسن بعضهم التعبير عن هذه الفكرة إذ قال إن سبب كون هذه الطاعة خيرا، أو حتى سبب ~~كونها لازمة، هو أمر لا شأن لنا به. وكل ما يهمنا بحق هو أنها لازمة. # 9 # مذهب الألوهية الطبيعية والواجب ~~: كان من النتائج ~~الجانبية للنزاع بين أصحاب مذهب الألوهية المفارقة # Theists # وأصحاب مذهب الألوهية الطبيعية # Deists ~~، في القرن الثامن عشر، أن حاول بعض ~~اللاهوتيين الأكثر تعمقا أن يعدلوا هذا الطابع الاعتباطي للأمر الإلهي، بأن يكشفوا عن ~~الصلة الوثيقة بين الواجب الأخلاقي كما يحدده الوحي وبين الواجب الأخلاقي كما ينادي به ~~ضميرنا الفردي. فقد ذهبوا إلى أن الله لا يقتصر على وضع القانون الأخلاقي في الكون، ~~وإنما هو قد بث في كل نفس قبسا أو صدى لهذا القانون الأخلاقي نفسه. وهكذا فإن إصغاءنا ~~لصوت ضميرنا، أو الالتجاء إلى «النور الواضح للعقل الطبيعي» (وهي عبارة أثيرة لدى مفكري ~~القرن الثامن عشر) يؤدي بنا إلى كشف نفس الأوامر التي وردت إلينا من الكتاب المقدس ومن ~~كتابات آباء الكنيسة. وعلى ذلك فإن الوحي يدعم الضمير، والضمير من جانبه يثبت سلطة ~~الوحي. ومن هنا فإننا نستطيع أن نستدل على واجبنا من مصادر أخرى غير سلطة الكتاب المقدس ~~أو القانون الكنسي وحده. ففي استطاعتنا أن نستدل عليه بالبصيرة الباطنة، وإن كانت هذه ~~البصيرة في حقيقتها لا تعدو أن تكون «تعرفا». فنحن نستمع إلى ما هو واجب علينا من ~~الخارج، عن طريق منبر الكنيسة وغيره من المصادر المألوفة للسلطة الأخلاقية، كما نستطيع ~~أن نستمع إليه من الداخل، عن طريق الصوت الخافت للضمير. وبذلك يمثل هذا المذهب عودا ~~جزئيا إلى الرأي الرواقي في الواجب ومصادره. # الآراء الشعبية في الواجب ~~: طرأ على الأخلاق في ~~القرن الثامن عشر تطور آخر كان له دون شك تأثير شعبي أقوى من ذلك الذي أوضحناه الآن. ~~وكان هذا التطور سهل الفهم، كما هي ms350 الحال عادة في الأفكار التي تلقى استجابة شعبية. ~~كذلك فإنه كان يتميز بجاذبية انفعالية تفتقر إليها النظريات اللاهوتية والفلسفية ~~العقلية السائدة في تلك الأيام. هذا الرأي الشعبي كان يقول إن من الممكن معرفة واجباتنا ~~بنور العقل الطبيعي، وأن جزاءها (أي السلطة أو القوة التي تلزم الناس بإطاعتها) ليس إلا ~~المكافآت والعقوبات التي تترتب على إطاعتها أو عصيانها. هذه المكافآت أو العقوبات قد ~~تحدث في هذا العالم أو في العالم الآخر، غير أن ما يحدث منها في العالم الآخر خير ~~وأبقى. وهكذا فإن «الجنة» و«النار» يصبحان في هذا المذهب حافزين لهما أهمية قصوى في ~~السلوك الأخلاقي. وهناك حجة مشهورة على وجود الله، تقول: «لو لم يكن الله موجودا لكان ~~من الضروري ابتداعه» - ونستطيع أن نتصور أنصار هذا الرأي وقد أعادوا صياغة هذه الحجة ~~بحيث تصبح: «لو لم تكن الجنة والنار موجودتين لكان من الضروري ابتداعهما» - وذلك لضمان ~~إقبال الناس على أداء واجباتهم المسيحية. # هذا المذهب يبدو أنه ينطوي ضمنا على الرأي القائل إن الأخلاق هي في أساسها مسألة ~~«انتهازية» (أو «شطارة»)، وأن الأخلاقية ليست إلا «سياسة حكيمة». فلو أردنا اكتساب ~~البركة الإلهية، أو البقاء بمنأى عن المتاعب في هذا العالم وفي العالم الآخر معا، ~~فعيلنا إطاعة أوامر الأخلاق، ولا سيما الأخلاق المسيحية. ومع ذلك فإن هذا الموقف لا ~~يقتصر على المسيحية الشعبية، بل إنه، على العكس من ذلك، قد انتشر على نطاق واسع منذ ~~كانت للناس آلهة يطيعونها أو يسترضونها أو يبتهلون إليها. فقد كانت الأذهان الساذجة ~~تميل دائما إلى أن تجعل من العبادة الدينية نظاما للمقايضة، يعد فيه العبد بعمل شيء ~~للرب؛ أي بطاعته أو التضحية له أو مجرد الاعتراف به - ويتوقع في مقابل ذلك نعما معينة ~~من الرب. وتكشف العقيدة الشعبية اليونانية عن مظاهر متعددة لروح المقايضة هذه، كما أن ~~هناك دلائل كثيرة على أنها كانت جزءا هاما من العبادة الدينية الساذجة منذ العصور ~~السحيقة في القدم. ومن هنا فليس من المستغرب أن يعجز القرن الثامن عشر، بكل ما ms351 عرف عنه ~~من معقولية و«تنوير»، عن القضاء على هذا الميل القديم العهد إلى النظر إلى الدين على ~~أنه مساومة بين طرفين. ومن الواضح أن «واجبنا» يغدو في هذه الحالة مجرد أداء الجزء ~~الخاص بنا من الصفقة. وهكذا يعدو الواجب تعاقديا، بدلا من أن يكون اعتباطيا أو ~~عقليا أو حدسيا. ~~(5) فلسفة الواجب عند «كانت» # لا جدال في أن أشهر وأقوى المدافعين عن المذهب الأخلاقي المتركز حول الواجب هو ~~«إمانويل كانت». فلقد كان قدر كبير من تفكيره الأخلاقي ثورة على المذاهب الأخلاقية ~~الانتهازية، ومذاهب «السياسة الحكيمة» التي كان يدعو إليها المفكرون الأخلاقيون في ~~عصره. ومن المؤكد أن جزءا من الصرامة الواضحة التي يتسم بها تفكيره لا بد أن يخفف لو ~~كان المجال يسمح لنا ببيان مدى انحطاط المستوى الذي وصلت إليه بعض هذه المذاهب ~~الانتهازية الخالصة. ومع ذلك فلا بد لنا من الخوض مباشرة في مذهب كانت الأخلاقي؛ إذ إن ~~هذا المذهب هو مصدر الكثير من الأفكار التي ظهرت عن الواجب في القرن التاسع عشر. # لا علاقة بين الميل الطبيعي والأخلاقية ~~: رأى «كانت» ~~أنه لا توجد علاقة بين الميل الطبيعي وبين الأخلاقية. أي إن رغبتنا أو عدم رغبتنا في ~~القيام بعمل معين، لا صلة لها بخيرية هذا الفعل أو أخلاقيته؛ ذلك لأن ما أميل إلى فعله ~~اليوم، قد لا أميل إلى فعله غدا. وفضلا عن ذلك، فالميل دائما مسألة شخصية، وذاتية ~~بحتة. ولكن أساس الأخلاق، في رأي كانت، ينبغي أن يكون موضوعيا شاملا بالمعنى الصحيح. ~~ولا بد أن يتحرر، لا من الغرض أو الهوى الشخصي فحسب، بل من عوارض الزمان والمكان ~~والبيئة الثقافية. فلا بد أن تكون الأخلاق الحقة واحدة في كل ثقافة وكل عصر تاريخي، ولا ~~بد أن تسري بغض النظر عن «الجنس أو المذهب أو العقيدة». ذلك لأنه ما لم يكن «الحق» هو ~~الحق، سواء شئنا أم أبينا - وهنا نصل إلى لب مذهب كانت - وما لم يظل هذا «الحق» ~~موضوعيا ملزما بغض النظر عن أي ميل شخصي، فإن مفهوم الواجب ms352 يفقد معناه. # ولقد كان «كانت» صريحا في هذه المسألة كل الصراحة. فهو لا يقتصر على القول إن الميل ~~الطبيعي لا صلة له بالأخلاق أو «الاستقامة»، بل إنه يرى أن الأفعال الوحيدة التي هي ~~أخلاقية بحق هي تلك التي تؤدى عن إحساس بالواجب. على أن من المعترف به أن هذا حكم ~~قاس. ومن المؤكد أن هذه العبارة الواحدة هي أقوى العوامل التي أدت إلى اشتهار كانت ~~بالصرامة الأخلاقية. فهو لا يعني فقط أن الأفعال ينبغي أن تؤدى وفقا لمقتضيات الواجب، ~~بل ينبغي أيضا القيام بها من أجل أداء الواجب ، لا لأي سبب آخر وذلك إذا ما شئنا أن ~~تكون هذه الأفعال أخلاقية بالمعنى الصحيح. ولنقتبس فقرة موجزة من «كانت» توضح رأيه هذا: # إن مساعدة الآخرين حين يستطيع المرء واجب، وهناك إلى جانب ذلك نفوس كثيرة ~~لديها من النزوع إلى التعاطف ما يجعلها، دون أي دافع آخر من الغرور، تجد لذة ~~باطنة في نشر السعادة من حولها، وتغتبط لرضا الآخرين مثلما تغتبط لرضائها ~~الخاص. ومع ذلك فإني أذهب إلى أن أي فعل من هذا النوع، مهما كان قويما محببا ~~إلى النفوس، ليست له مع ذلك قيمة أخلاقية أصيلة. فهو يقف على قدم المساواة مع ~~الميول الأخرى - كالميل إلى التكريم مثلا، وهو الميل الذي لو أتيح له من حسن ~~الحظ ما يجعله يصيب شيئا نافعا قوميا؛ وبالتالي شريفا، لكان يستحق الإطراء ~~والتشجيع، ولكنه لا يستحق الاحترام أو التبجيل؛ إذ إن القاعدة التي يسير عليها ~~تفتقر إلى المضمون الأخلاقي، ألا وهو أداء مثل هذه الأفعال، لا عن ميل، وإنما ~~بحكم الواجب. # 10 # وبعبارة أخرى، فنحن لا نحصل على امتياز في السماء، أو في أي كتاب يسجل استحقاقاتنا ~~الأخلاقية، جزاء على تلك الأفعال الصالحة التي نقوم بها نظرا إلى كونها نافعة، أو لأن ~~دوافع الشفقة أو التعاطف أو الحب تحضنا على أدائها. أما إذا أديت نفس هذه الأفعال، ~~وربما أفعال أقل منها نفعا وجلبا للسعادة، بدافع الواجب المحض، فعندئذ تصبح على التو ~~أفعالا أخلاقية تستحق ms353 كل احترام ممكن. # وكما يمكننا أن نتوقع: فقد ظل مذهب كانت الأخلاقي ينتقد ويتعرض للسخرية طوال ما يزيد ~~على قرن ونصف قرن. ومن المؤكد أنه يشجع لأول وهلة على السخرية. ولكنه يعد نتيجة منطقية ~~بالنسبة إلى الإطار العام لتفكير كانت، بل إن خصوم كانت أنفسهم قد اضطروا إلى الاعتراف ~~بأنه قد صرح بأمانة بحقيقة صلبة حاول عدد كبير من المفكرين الأخلاقيين تجنبها أو ~~تخفيفها على نحو ما - ألا وهي أنه إذا كان للواجب أي معنى، فهذا المعنى ليس هو «الميل» ~~أو «اللذة». وبعبارة أخرى، فالواجب لا يعرض علينا مساومة ، وإنما هو يأمر، وليس أمامنا ~~إلا أن نطيعه أو نعصاه، ولكن لا جدوى من البحث عن حلول وسطى أو هروب من الإلزام الكامل ~~في منتصف الطريق. # نقد آراء كانت ~~: على أن من الأسهل بكثير أن ننتقد ~~كانت على هذا الأساس الواضح، وهو أنه قد تجاهل العوامل الاجتماعية التي تكون المضمون ~~الفعلي للواجب، وتعمل على انتشاره. فهو، بالاختصار، كان مهتما أكثر مما ينبغي بإثبات ~~أن أوامر الواجب مطلقة. ولكنه لم يدرك (أو على الأقل لم يعترف) بأن أوامر الواجب مهما ~~تكن مطلقة، فإن المجتمع هو الذي يحدد المضمون الفعلي لهذه الأوامر ويعمل على نشر هذا ~~المضمون. فقد يولد الأطفال ولديهم «ضمير» بمعنى القدرة الكامنة على إصدار أحكام ~~أخلاقية، ولكن لا يمكن أن يعترف أي عالم نفسي أو عالم اجتماعي في أيامنا هذه بأن لهذه ~~القدرة أية صفة أخرى غير كونها كامنة. فالضمير صفحة بيضاء، إن جاز هذا التعبير، يعمل ~~المجتمع (ممثلا إلى حد بعيد في شخص الوالدين) على أن يسطر عليها الأوامر الأخلاقية ~~منذ ساعة ميلادنا. # كذلك يمكن اتهام كانت بأنه قد أفرط في تأكيد القيمة العليا للإرادة الخيرة. مثال ذلك ~~أنه قد أصدر هذه العبارة المشهورة: «لا شيء في هذا العالم أو خارجه يتصف بالخير دون قيد ~~أو شرط ما عدا الإرادة الخيرة». ويبدو أنه كان غافلا عن حقيقة واضحة، هي أن الأحمق ذا ~~النية الطيبة يستطيع في كثير من الأحيان ms354 أن يرتكب من الشر بقدر ما يرتكبه الشرير ~~المتعمد. والواقع أن تأكيد «كانت» هذا كان جزءا ضروريا من مذهبه الكامل، القائل إن ~~الأخلاق لا صلة لها بنتائج أفعالنا. وهو لا ينكر أن نتائج أفعالنا هامة لسعادة البشر، ~~ولكنه ينكر على وجه التحديد أن تكون لهذه النتائج، سواء أكانت سعيدة أم لم تكن صلة ~~بخيرية أفعالنا أو شريتها. ومن الواضح أن هذا يؤدي إلى وضع كانت، من الوجهة الأخلاقية، ~~في الطرف الآخر المقابل لكل القائلين بمذهب اللذة، الذين يحكمون بالطبع على الأفعال على ~~أساس تأثيرها في السعادة أو اللذة فحسب . ولكن لما كان «كانت» قد هاجم مذهب اللذة عن ~~وعي، فقد كان على استعداد تام للوقوف في الطرف المضاد لها. # ولنلخص الآن بإيجاز مذهب كانت الأخلاقي حتى هذه النقطة. فالمعيار الوحيد للأخلاقية ~~عنده هو دافع الفاعل. فإذا ما أدى الفعل بنية طيبة وعن إحساس بالواجب، كان فعلا ~~أخلاقيا على الفور. أما الأفعال التي نؤديها بأي دافع آخر، فهي إما أخلاقية وإما غير ~~أخلاقية. وينبغي أن نلاحظ أن كانت لا يقول إن كل الأفعال البشرية ينبغي أن تؤدى بدافع ~~الواجب. ذلك لأنه قد أدرك، حتى على الرغم من كل صرامته الأخلاقية، أننا نفعل أشياء ~~كثيرة لا صلة لها بالأخلاق، كأن نقرر أية «فردة» حذاء نلبسها أولا، أو ما إذا كنا ~~سنروي الحديقة قبل الظهر أو بعده. ولكنه يؤكد على نحو قاطع أن الأفعال التي نقوم بها ~~عن طاعة لأوامر الواجب هي وحدها الأفعال الأخلاقية. ~~(6) من الذي يصدر أوامر الواجب؟ # عند هذه النقطة نصل إلى مسألة أخرى تتضمنها كل فلسفات الواجب - وأعني بها، من الذي ~~يصدر ما يسمى «بأوامر الواجب»؟ ألا يفترض الأمر دائما أمرا من نوع ما؟ ألا ينطوي ~~مفهوم الواجب بأسره على القول بوجود مصدر ذي سلطة يحدد ما هو واجب وما ليس ~~بواجب؟ # رد مذهب الألوهية المفارقة ~~: إن كل من يعترفون ~~«بالواجب» بوصفه العنصر الرئيسي في الحياة الخيرة، يعترفون أيضا بالنتيجة الضمنية ~~السابقة. ولكنهم، كما هو متوقع، لا يتفقون على ms355 مصدر هذه الأوامر. ومن حسن الحظ أن ~~الكثيرين ممن تسيطر على أذهانهم فكرة الواجب هم في الوقت ذاته من المؤمنين بوجود إله ~~مفارق؛ إذ إن هذا الإيمان يحل المشكلة حلا تاما. فالله، في نظر مثل هذا المؤمن، هو ~~الآمر، وأداء المرء لواجبه يعني الامتثال للإرادة الإلهية. ونحن ملزمون بأداء الواجب ~~على هذا النحو بحكم نفس طبيعة علاقتنا بالله؛ إذ إننا مخلوقاته وعبيده، ومن البديهي أن ~~تطيع المخلوقات خالقها، وأن يطيع العبيد ربهم. # وبطبيعة الحال فإن للمذاهب الدينية المتباينة أراءها الخاصة في طريقة إبلاغ الله ~~أوامره إلى البشر. فمن بين المسيحيين مثلا نجد أن البروتستانت يعترفون بالكتاب المقدس ~~أو الضمير الشخصي (أو مزيج منهما معا)، على حين أن الكاثوليك يقبلون سلطة الكنيسة (أي ~~الإكليروس وبقية رجال الكنيسة). ولكن أي مؤمن بالألوهية المفارقة يرى أن الوسيلة التي ~~يتصل بنا الله عن طريقها أقل أهمية بكثير من حقيقة كونه يتصل بالفعل. ولذا فإن أصحاب ~~هذا المذهب، ممن تتسلط فكرة الواجب على أذهانهم، قلما يهتمون بالآراء المتعددة التي تصل ~~إلى حد التناقض، والمتعلقة بالوسائل التي تصلنا عن طريقها الأوامر الإلهية. # ولكن من الذي يصدر الأوامر لغير المؤمنين بالألوهية المفارقة؟ هذا الإيمان بالله ~~بوصفه مصدرا لأوامر الواجب قد ينفع تماما مع المؤمنين بالألوهية المفارقة. ولكن كيف ~~يمكن أن تؤدي عبارة «إطاعة الأوامر الإلهية» إلى حل المشكلة بالنسبة إلى شخص ذي ضمير ~~حي، مستعد لأداء أي شيء يتطلبه الواجب، ولكنه لا يؤمن بإله - أو لا يؤمن على الأقل بإله ~~يصدر أوامر أخلاقية؟ إن أمثال هؤلاء الأشخاص موجودون في الحضارة الغربية، ويبدو أن ~~عددهم في ازدياد، بل إن كانت ذاته، الذي كان مؤمنا بالله، قد أدرك هذه المشكلة. وقد ~~حاول الإتيان بنظرية في الواجب تكون مستقلة عن الإيمان بالألوهية المفارقة، ومتحررة من ~~جزاء المكافآت والعقوبات فوق الطبيعية. وهكذا كان المقصود من نظريته الأخلاقية أن تكون ~~دنيوية ومسيحية في آن واحد - أو أن تكون، كما كان هو ذاته يفضل أن يصفها، عالمية ~~شاملة. # وقد وصل كانت إلى هذه ms356 النتيجة عن طريق إرساء الأخلاق على أساس عقلي بحت؛ أي إنه يحاول ~~أن يجعل الإلزام الخلقي مرتكزا تماما على المنطق. وهو يحاول، بطريقة يتميز بها كل ~~مذهب عقلي، أن يثبت أننا كلما خرقنا قانونا أخلاقيا، أو لم نؤد واجبا، كنا في ~~الوقت ذاته متناقضين منطقيا. فنحن نخرق قوانين المنطق والأخلاق معا بفعل واحد، وبذلك ~~نعرض أنفسنا لنوع من الخطر المزدوج. ومن الواضح أن كانت يرى أنه إذا استطاع أن يثبت هذه ~~العلاقة الضرورية بين اللاأخلاقية وبين التناقض العقلي، فإنه يكون قد أوجد أمتن أساس ~~ممكن للإلزام. ولما كان أي فيلسوف من أصحاب المذهب العقلي يرى في التناقض المنطقي شرا ~~قد لا يقل عن اللاأخلاقية، فمن الطبيعي أن يعتقد كانت أن المذهب الذي يقضي على كلا هذين ~~الشرين في آن واحد يستحق أن نكافح من أجل الوصول إليه. # العنصر الشكلي في مذهب كانت ~~: فلنتأمل الآن كيف يحقق ~~«كانت» هذا الهدف المزدوج، وذلك بالطريقة التي ترضيه هو ورفاقه من العقليين على الأقل. ~~والواقع أن رأيه هو أفضل مثال للشكلية الأخلاقية، التي لا تقوم الأفعال إلا على أساس ~~اتساقها (أي اتفاقها الشكلي) مع بديهيات أو مصادرات معينة. فإذا اتفق الفعل مع واحد من ~~هذه المبادئ العامة أو أمكن أن يستمد منه، فعندئذ يكون أخلاقيا، بغض النظر عن ~~نتائجه. وبعبارة أخرى، فإن الاتساق الشكلي الذي يعلي أفراد هذه المدرسة من قدره إلى هذا ~~الحد، يتم عن طريق كشف أو افتراض مبادئ أخلاقية عامة أولا، ثم استخلاص مذهب أو نسق ~~أخلاقي من هذه. وما أشبه ذلك بنسق رياضي مثل هندسة إقليدس، التي تبدأ بحفنة من ~~البديهيات (مثل «الخط المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين» و«الكل مساو لمجموع أجزائه»)، ~~ثم تستخلص من هذه المصادرات الأولية نظريات متعددة. # ولقد كانت أهم بديهيات «كانت» بل هي في الواقع البديهية الوحيدة التي تتصل بهدفنا في ~~هذا البحث) هي: افعل دائما بحيث تود أن يصبح فعلك قانونا شاملا للبشر. ولاشك أن لهذه ~~بعض الصلة «بالقاعدة الذهبية» التي تأمرك بأن تفعل للآخرين ms357 ما تود أن يفعلوه لك (أو تحب ~~لأخيك ما تحب لنفسك). غير أن تأكيد كانت لمعنى الشمول يضفي على بديهيته مذاقا خاصا. ~~«فهل أود أن يفعل كل شخص كما أفعل؟» إذا أمكننا بإخلاص أن نجيب «بنعم» على هذا السؤال، ~~كان لنا أن نعد الفعل أخلاقيا، وإلا كان لا أخلاقيا. # مثال للتناقض ~~: الكذب، مثلا، لا أخلاقي لأن الكاذب ~~يفرض نفسه على المجتمع عن طريق جعل نفسه استثناء. فهو يتوقع من الآخرين أن يقولوا ~~الصدق، وإلا فكيف يمكن تصديق أكذوبته؟ وبعبارة أخرى، فما لم يكن القول الصدق عاما، ~~بحيث نأخذ عادة أقوال الناس على أنها صادقة دون أن نشترط عليها دليلا، فكيف يتسنى ~~للكاذب أن ينتفع من أكذوبته؟ إن موقفه مشابه لموقف مزيف النقود، الذي يستطيع أن يروج ~~تجارته ويجعل نقوده المزيفة المتداولة لأن الجزء الأكبر من النقود صحيحة غير مزيفة، ~~تتداول بحرية دون أن يشك فيها أحد. غير أن قليلا من التزييف يكفي وحده للقضاء على نظام ~~كامل للعملة، ما دامت النقود الزائفة تؤدي إلى طرد الصحيحة. وعلى ذلك فلا يمكن أن يوجد ~~مزيف نقود يود أن تمارس حرفته الخاصة على نطاق واسع. والواقع أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث ~~له، باستثناء القبض عليه، هو أن يبدأ أناس آخرون في سك نقود زائفة بكميات تكفي لإلقاء ~~سحابة من الشك حول العملة المقبولة. فلا بد أن تكون العملة صحيحة من أجل أن ينجح ~~التزييف ولو مؤقتا، وكذلك الحال في الكذب: فلو أصبح عاما، لما صدقت أية عبارة يقولها ~~أي شخص، ولما أمكن للكاذب أن ينجح على أساس تصديق الناس لأكاذيبه. # ولكن لا شك في أن هذا ينطوي على تناقض؛ إذ إن الكاذب يريد أن يصبح الصدق عاما، ~~وموثوقا منه، ولكنه يريد أن يكون استثناء لهذه القاعدة العامة. وبالاختصار، فإنه لا ~~يود أن يعمم سلوكه الخاص؛ لأنه لو أصبح هو «القانون العام للبشر» لساء مصيره. وعلى ذلك ~~فهو يدعو أساسا إلى معيار معين لنفسه، وإلى معيار آخر لكل شخص عداه. وهكذا فإن من ms358 يكذب ~~يقع في تناقض. فصاحبنا الكاذب هذا يقع في تناقض أساسي؛ إذ يجعل من نفسه استثناء - عن ~~خرق القاعدة القائلة إن كل شخص، في جميع المواقف الاجتماعية، ينبغي أن يحسب فردا فحسب، ~~وأن كل فرد ينبغي أن تكون قيمته مساوية لقيمة كل فرد، آخر أو، كما نقول عادة عن هؤلاء ~~الأفراد، فهم يعترفون بالمعايير بألسنتهم، ولكنهم لا يطبقونها في أفعالهم. # لا بد في كل فعل غير أخلاقي من شيء من التناقض ~~: ~~يعتقد كانت أن كل سلوك غير أخلاقي ينطوي على هذا التناقض ذاته، ما دام ينطوي دائما على ~~سلوك لا نود أن يصبح شاملا للجميع. ومن هنا فإن السلوك غير الأخلاقي هو في أساسه سلوك ~~لامنطقي ولا معقول؛ لأنه يؤدي بالضرورة إلى إيقاع من يمارسونه في تناقضات منطقية. وهكذا ~~يوجد أساس عقلي أو منطقي للأخلاق، مستقل عن الأمر الإلهي، وعن فروض الكنيسة أو العرف ~~الاجتماعي، بل إن هذا الأساس مستقل عن كل سلطة، سواء منها البشرية أو الإلهية. فهو ~~مستقل ذاتيا بالمعنى الدقيق. وربما كان الأوضح أن نصفه بأنه مكتف بذاته، فهو ليس في ~~حاجة إلى دعامة من أي مصدر أو جهة خارجية. وكل ما يحتاج إليه من تبريرات يأتيه من ~~القوانين الأولية للاستدلال السليم. وهكذا يكون هناك أساس للحكم الأخلاقي حتى لدى ~~الشكاك والملحدين، على حين أن المؤمن بالألوهية المفارقة يكتسب أساسا إضافيا يدعم ~~مذهبه الأخلاقي المستمد من الله. # على أن في استطاعة القارئ الناقد أن يكتشف أخطاء في موقف كانت، وذلك من حيث ادعاء ~~كانت أن هذا الموقف يصلح أساسا لأخلاق شاملة ملزمة. فلنفرض مثلا أن شخصا يسلك سلوكا ~~غير أخلاقي، لا يعبأ إن كان متناقضا أم لا ... فإذا اتهمنا هذا الشخص بأن سلوكه غير ~~منطقي، ومتناقض، واكتفى هو بأن يهز كتفيه ويقول: «وماذا في ذلك؟» فما الذي نفعله ~~عندئذ؟ وعلى أي أساس نستطيع أن نحرك مشاعره؟ وإذا لم يكن صاحبنا هذا من أنصار المذهب ~~العقلي، ولم يكن يعبأ بالاتساق العقلي، فماذا نفعل معه؟ من الواضح أن كانت، ms359 حين وضع كل ~~أسهمه في هذه الجعبة العقلية الواحدة، قد خاطر مخاطرة كبرى. فهناك دائما احتمال في أن ~~يقوم شخص لا أخلاقي، لا يعبأ بالاتساق المنطقي، بسرقة الأسهم والجعبة معا. # الفضل الدائم «لكانت» ~~: ولكن أيا كانت الأخطاء ~~التي تكتشف في مذهب كانت الأخلاقي، فإنها ليست أخطاء منطقية. ومن المؤكد أنه طبق مثله ~~الأعلى في الاتساق بكل اتساق. ومن المؤكد أيضا أن مذهبه ما زال أدق وأكمل محاولة بذلها ~~فيلسوف من أجل إرساء الإلزام الخلقي على أساس عقلي بحت، مستقل عن الدعامة فوق الطبيعية ~~التي تتمثل في الإرادة الإلهية . وبناء على هذه المزايا وحدها فهو يستحق الاحترام، حتى ~~لو لم نكن نشعر بالميل الصادق إليه. فمن الجائز أن كانت لم ينجح في أن يجعل الحياة التي ~~نحياها من أجل الواجب تبدو في أعيننا جذابة، ولكنه قطعا جعلها مثيرة منطوية على ~~التحدي. وقد وضع أساسا لفلسفة في الواجب كان لها تأثيرها في أشخاص عديدين خلال أجيال ~~متعاقبة. وقد يكون الشرط الذي حدده، وهو أن نفعل بعض الأمور لمجرد كونها واجبا علينا، ~~لا لأي سبب آخر - قد يكون هذا الشرط فلسفة صارمة، ومع ذلك فقد كان هناك أشخاص ارتفعوا ~~إلى مستوى تحدي هذه الصرامة الرفيعة، وكان عدد هؤلاء الأشخاص كبيرا إلى حد يدعو إلى ~~الاستغراب. ~~(7) «تحقيق الذات» بوصفه الخير الأسمى # من المرجح أن يكون أولئك القراء الذين كانوا يأملون أن يجدوا في المذهب الشكلي ~~ترياقا فعالا لمذهب اللذة قد شعروا بخيبة الأمل. فبغض النظر عن مدى كراهية المرء ~~للنظرية الأخلاقية التي لا تعترف بالتزام نحو أي شيء فيما عدا السعادة البشرية، فإن ~~معظم الأذهان الحديثة تجد فكرة الأخلاق التي تتجاهل هذه السعادة تماما فكرة أكثر استحالة. # 11 # وهكذا نجد أنفسنا مدفوعين بالطبع إلى البحث عن رأي يقف موقفا وسطا بين ~~طرفي مذهب اللذة والمذهب الشكلي هذين. وتعرف وجهة النظر العامة التي تحاول اتخاذ هذا ~~الموقف الوسط بأسماء متعددة، من أكثرها شيوعا: تحقيق الذات # Self-Realization ~~، ومذهب الكمال # Eudaemonism ~~، ومذهب الفاعلية # Energism ~~، ومذهب السعادة # Endaemonism ms360 ~~، والنزعة الإنسانية # Humanism # ويبدو أن هناك ميلا متزايدا إلى الأخذ ~~باسم مذهب تحقيق الذات بوصفه أفضل لفظ؛ ولذا فسوف نأخذ بهذا الاستعمال الشائع. # إن مذهب تحقيق الذات يرى أن أسمى خير هو تحقيق الشخصية أو الذات. وهذا يعني التحقيق ~~الكامل لكل إمكانات الفرد وقدراته (أو نقلها إلى حين الفعل # Energizing # ومن هنا كان اسم «مذهب الفاعلية # Energism ~~»). وفضلا عن ذلك فهو يعني أن كل هذه ~~القدرات ينبغي أن تنمى بحيث تصبح كلا واحدا متكاملا: فالهدف هو الكلية مثلما أنه ~~هو الاكتمال. والواقع أن تأكيد هذين الهدفين المتساويين هو الذي يميز مذهب تحقيق الذات ~~من المذهب الشكلي من جهة ومذهب اللذة من جهة أخرى. فالمذهب الشكلي يؤكد طبيعة الإنسان ~~العاقلة، ولكنه يضحي بمشاعره وأحاسيسه وحياته العاطفية بوجه عام. ومذهب اللذة يتطرف في ~~الاتجاه المضاد، فينظر إلى الإنسان على أنه كائن ذو شعور وإحساس فحسب. وهكذا فإن هدفي ~~المدرستين المنافستين لمذهب التحقيق الذاتي يبدوان ناقصين بالقياس إلى هدفها. فهي ~~وحدها (في رأي صاحب مذهب تحقيق الذات) التي تسعى إلى إدراج جميع طاقات الإنسان وقدراته ~~داخل كل متكامل. ولا بد أن يكون الخير الأسمى الصحيح الوحيد هو التطور المنسجم لجميع ~~جوانب الطبيعة البشرية. # وحسبنا هذا الإيضاح البسيط لمذهب تحقيق الذات. ومع ذلك قلما كانت نتائج هذا الموقف هي ~~التي جعلته قوة فعالة إلى حد بعيد في التفكير الأخلاقي المعاصر، فلزام علينا أن نقدم ~~تحليلا أكمل لهذه النتائج. # تحقيق الذات و«القيم العليا» ~~: يتحدث أنصار تحقيق ~~الذات كثيرا عن «القيم فوق العضوية»، ويبدون اهتمامهم الأول ببلوغ هذه القيم. والمقصود ~~من لفظ «القيم فوق العضوية» هو بوجه عام كل الخيرات أو القيم المغايرة لتلك التي تشبع ~~الحاجات المادية أو البيولوجية البحتة للكائن العضوي. فبينما الإنسان يشارك الحيوانات ~~جميع قيمه العضوية تقريبا، فإنه هو المخلوق الوحيد القادر على تحقيق تلك القيم فوق ~~العضوية؛ أي تلك التي تعلو على الكائن العضوي بوصفه موجودا ماديا؛ ذلك لأن للإنسان ~~حاجات وقدرات تتجاوز بكثير نطاق أعلى الحيوانات ذاتها. وهذه القدرات هي ms361 التي تهتم بها ~~هذه المدرسة الأخلاقية بوجه خاص. فأنصار تحقيق الذات يشيرون إلى أن الإشباع العضوي لا ~~يمكن أن يشكل إلا جزءا من «الحياة الخيرة»؛ لأن هذا الإشباع ليس إلا وسيلة فحسب، فهو ~~الأساس المادي للحياة البشرية المتحققة على الوجه الأكمل. صحيح أن من الضروري إطعام ~~الجسم وإيواءه وإرضاءه جنسيا، غير أن هذه ليست إلا المقدمات الضرورية للغاية الرئيسية ~~للإنسان. والواقع أن تحقيق القيم العليا هو تحقيق الذات بمعناه الصحيح، وهذه القيم هي ~~التي يضعها أفراد هذه المدرسة في أذهانهم عندما يقدمون الحجج تأييدا لموقفهم. # وهناك مدارس فرعية متعددة منتمية إلى حركة تحقيق الذات، تمضي في تأكيد هذه القيم ~~العليا إلى حد أنها تقول ضمنا بمذهب ثنائي من نوع ما. فهي تهتم بالإرضاء فوق العضوي ~~إلى حد أنها قد تميل إلى الإقلال من أهمية سعادة الإنسان المادية إلى أدنى حد ممكن. ~~ويستخدم اسم «مذهب الكمال ~~المثالي # Idealistic Perfectionism ~~» عادة للتعبير عن موقف هذا الجناح الروحي. وفي الطرف الآخر ~~نجد أنصار تحقيق الذات الذين ينظرون إلى قدرات الإنسان بمعنى مادي إلى حد بعيد. فهنا ~~يصب الاهتمام على التكيف مع البيئة، أو التكيف البيولوجي. ويعبر لفظ «مذهب الكمال الطبيعي # Naturalistic Perfectionism ~~» عن الطابع ~~العام لهذا الجناح اليساري داخل نطاق مدرسة تحقيق الذات. # موقف جامع ~~: تتألف أغلبية مدرسة تحقيق الذات من ~~جامعة معتدلة تقف بين هذين الجناحين. وتقوم وجهة النظر المتوسطة هذه بجهد حقيقي لسد ~~الثغرة التي تفصل بين الموقفين المتطرفين. فهي تحرص على ألا تؤكد أيا من القيم فوق ~~العضوية على حساب الأخرى، وبدلا من ذلك تجعل هدفها هو التحقيق الكامل لكل القدرات ~~البشرية، دون أن تركز اهتمامها الخاص على قدرة واحدة أو نوع واحد من القدرات. فهدفها ~~الرئيسي هو الشمول، وهي لا تضع سلما من القيم يجعل المادي خاضعا للروح أو العكس. ~~وقد يبدو ذلك لأول وهلة موقفا وسطا ناجحا، ومن يجد استجابة قوية لدى أشخاص كثيرين، ~~يرون فيه أفضل هدف أخلاقي. ولكن من سوء الحظ أن هذا الحل، شأنه شأن ms362 كل حل وسط آخر، ~~سرعان ما يظهر إخفاقه حالما نضعه موضع التطبيق؛ ذلك لأن الحياة ليست إلا سلسلة متصلة من ~~أفعال الاختيار التي يتعين القيام بها. فلا بد لنا من أن نختار أي القدرات سنحققها، ~~وأيها سنقرر على كره منا أنها ينبغي أن تظل في حيز الإمكان فحسب. ولعله لا يوجد شخص ~~واحد يستطيع خلال حياته الخاصة وحدها أن ينمي كل القدرات الكامنة فيه. ولما كان ~~الاختيار ينطوي دائما على معيار معين نختار على أساسه، فسرعان ما نجد أننا قد عدنا من ~~حيث بدأنا دون أن تحل مشكلتنا الأصلية. فأي القيم سنحقق، وأي القدرات سننمي، وأي معيار ~~للكمال سنقبل ؟ # اعتراضات أخرى على مذهب تحقيق الذات ~~: كانت توجه من ~~آن لآخر اعتراضات أخرى على مذهب تحقيق الذات بوصفه مثلا أخلاقيا أعلى. وعلى الرغم ~~من أن أحدا من هذه الاعتراضات لا يبدو مؤديا إلى القضاء على المذهب، فلا بد أن ~~الإشارة إليها باختصار على الأقل. ولعل أكثر الانتقادات ترددا هو ذلك الذي يقول إن هدف ~~تحقيق الذات هو في أساسه هدف أناني؛ ذلك لأن تركيز الاهتمام على الذات بهذه الطريقة ~~يؤدي - على ما يقال - إلى التعرض لخطر تقوية أسوأ مشاعر الأنانية والتركيز حول الذات. ~~ونحن لا ننمي ذاتنا إلى الحد الأقصى إلا عندما نمحو أنفسنا في سبيل قضية ما، أو في خدمة ~~من نحب. وكثيرا ما تقتبس في هذا الوضع كلمة من أعمق كلمات المسيح، بوصفها حجة ضد دعوة ~~تحقيق الذات «من كسب حياته خسرها، ولكن من خسر حياته كسبها.» # وهناك اعتراض ثان على هذا المذهب، هو القول إن الناس قد «يحققون» أنفسهم بطرق مضادة ~~للمجتمع. مثلما يحققونها بطرق يقرها المجتمع. فكلنا لدينا إمكانيات للشر تكون جزءا ~~حقيقيا من «قدراتنا الكامنة» تماما كغيرها من القدرات المرغوب فيها بحق. ولكن الدعوة ~~إلى تنمية كل القدرات الكامنة فينا لا توضح أي هذه القدرات ينبغي أن تكون له الأولوية، ~~أو أيها ينبغي أن ننحاز إليه إذا اتضح أن كلا منها يتعارض مع الآخرين. وهنا أيضا ms363 نجد ~~لمشكلة الاختيار أهمية قصوى، ولا يمكن أن يكون لمذهب التحقيق الكامل للذات قيمة بوصفه ~~موجها لنا في القيام بمثل هذا الاختيار. # رد أنصار تحقيق الذات ~~: لا يجد أنصار تحقيق الذات ~~صعوبة في الرد على هذه الاعتراضات. فهم يردون على تهمة الأنانية بقولهم إن الإنسان كائن ~~اجتماعي لا يستطيع تحقيق أكبر قدر من إمكاناته إلا في علاقاته الاجتماعية. ولما كان من ~~المستحيل حدوث نمو حقيقي للشخصية في فراغ اجتماعي، فإن تحقيق القيم الاجتماعية ينطوي ~~بالضرورة أيضا على تنمية الشخصيات أو الذوات الأخرى كذلك. أما إذا كان المرء أنانيا ~~فإنه يعوق بذلك نمو الذات الكلية. وعلى ذلك، فرغم أن سوء فهم المذهب - أو التصور الزائف ~~للذات، على الأرجح - يمكن أن يؤدي إلى الأنانية، فإن هذا لو حدث لكان تشويها لوجهة نظر ~~مذهب تحقيق الذات، لا نتيجة منطقية له. صحيح أن الاندماج الكامل في قضية أو في عمل ~~يمليه الحب قد يكون أفضل طريقة لتحقيق أكبر قدر من النمو للذات، ولكن هذا إنما يثبت أن ~~الذات نتاج اجتماعي قبل كل شيء. # ويلجأ صاحب مذهب تحقيق الذات إلى هذه الإجابة ذاتها للرد على التهمة القائلة إن الفرد ~~قد يحقق ذاته بطرق لا يرضى عنها المجتمع؛ ذلك لأنه إذا كان الإنسان كائنا اجتماعيا، ~~فمن العسير عليه أن يحقق أعلى نمو لشخصيته بطرق تتعارض مع تقدم المجتمع ونموه. ويضيف ~~صاحب مذهب الكمال المثالي إلى ذلك حجة أخرى؛ إذ إنه يؤكد أهمية تنمية كل ما هو أعلى في ~~الإنسان. ففي استطاعة من يؤمن بهذا المذهب، عن طريق تأكيده لهذا السلم المتدرج للقيم، ~~أن يقول إن الواجب يحتم علينا وضع بعض قدراتنا الكامنة في مركز ثانوي إذا شئنا تحقيق ~~ذات أو شخصية متكاملة، ولما كان الإنسان كائنا اجتماعيا، فلا بد أن تكون القدرات ~~المضادة للمجتمع هي التي توضع في مركز ثانوي. # ومن الواضح أننا لا نستطيع السير في المناقشة أبعد من ذلك كثيرا دون أن نضطر إلى خوض ~~ذلك المجال الذي ربما كان أعوص مجالات الفلسفة؛ وأعني ms364 به مشكلة «الذات». ومع ذلك فقد ~~يكون في استطاعتنا، إذا سرنا بحذر، أن نكتفي بالمرور عند طرف هذه المشكلة، ونختم ~~مناقشتنا لتحقيق الذات بعرض موجز لآراء عظم أنصارها، وهو أرسطو. ~~(8) الأخلاق عند أرسطو # الحق أن العودة إلى التفكير الأخلاقي لأرسطو هي على الدوام تجربة تريح الذهن وتجدد ~~نشاطه. فعلى الرغم من أن آراءه لم تكن بمنأى عن الهجوم، كما أن انتشار الديمقراطية أدى ~~إلى ظهور بعضها بمظهر الترفع الكاذب، فإن تفكيره الأخلاقي يتسم بوضوح واتزان وجاذبية ~~للعقل العادي (والأخيرة أهم هذه الصفات جميعا) تجعل هذا التفكير متعة في ذاته، مهما ~~يكن عدد المرات التي نرجع فيها إليه. فكتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس ليس فقط واحدا من ~~أعظم المصادر في هذا الميدان، بل إنه أيضا واحد من المنابع التي لا تنضب لتجديد الفكر ~~الفلسفي. # ولقد كان أرسطو يرى، على خلاف سلفه المباشر، أفلاطون، وأغلب المفكرين الأخلاقيين ~~الذين ساروا في خطاه، أن المجال الواقعي الوحيد هو العالم الطبيعي المنظور. فالواقع ~~والمثل الأعلى، والطبيعي والروحي، هما حقيقة واحدة لا تنفصم. مثل هذا الرفض للثنائية ~~يعني أن الحياة الخيرة ينبغي أن توصف على أساس عالمنا هذا، دون أية إشارة إلى المجال ~~العلوي أو المجال فوق الطبيعي. وقد عبر كاتب عن هذه الفكرة في الآونة الأخيرة بقوله إن ~~الفكرة الأخلاقية، عند أرسطو «توجد في تركيب الطبيعة البشرية ذاتها» # 12 # وعلى ذلك فلا بد لكشف طبيعة الحياة الخيرة أو صورة الخير الأسمى من دراسة ~~طبيعة الإنسان. فلكي نهتدي إلى «الخير» ينبغي أن نهتدي إلى إجابة عن سؤال أولي عظيم ~~الأهمية، هو: بم يكون الإنسان إنسانا؟ # بم يكون الإنسان إنسانا؟ # يجيب أرسطو عن هذا ~~السؤال بقوله إن الإنسان يكون إنسانا بأدائه لوظائف معينة. بعض هذه الوظائف نشترك في ~~أدائه مع كل الكائنات الحية، وبعضها نشترك فيه مع الحيوانات وحدها، وبعضها الأخير ينفرد ~~به نوعنا. وهكذا فإننا نشارك كل الأشياء الحية الوظائف «الغذائية» البحتة، كالتمثيل ~~الغذائي، ونشارك الحيوانات عمليات الإحساس والحركة. غير أن قدرتنا على التفكير العقلي ~~فريدة، وممارسة ms365 هذه الوظيفة هي التي تحدد بوضوح كامل معنى كون الإنسان إنسانا. # على أن هذه القدرة العقلية التي يختص بها الإنسان تمارس لدى مختلف الأفراد على أنحاء ~~شتى؛ ذلك لأن الناس ينشدون أمورا متعددة، ولا شيء يتميز به نوعنا أكثر من تعدد ~~الاهتمامات التي يتجه إليها الناس وتنوع الغابات التي يستهدفونها. وعند هذه النقطة يقدم ~~أرسطو بعضا من أمثلته الشهيرة التي يقبلها العقل العادي بسهولة: فصانع اللجام يسعى إلى ~~أن يصنع لجامات جيدة، والجندي يسعى إلى النصر أو إلى المهارة في التدريبات العسكرية، ~~والمشتغلون بالأعمال الطبية ينشدون الصحة، وهكذا دواليك. ولكن كل أنواع النشاط هذه ليست ~~في آخر الأمر إلا وسائل لغايات، وهكذا نعود مرة أخرى إلى النظر إلى ضروب النشاط البشري ~~على أنها تكون سلسلة متدرجة من مظاهر «الخير» أو «القيم» وهذا ينطوي ضمنا على القول ~~بغاية نهائية تكون متأصلة بحق، هي الخير الأسمى، أو كما يعبر عنها أرسطو «الخير الذي ~~تستهدفه الأشياء جميعا». وهذا الخير الأسمى هو ما يطلق عليه أرسطو اسم # Eudaemonia # وهو لفظ يترجم عادة بكلمة «السعادة # Well-Being ~~» أو «السعادة الحيوية». # السعادة بوصفها الخير الأسمى ~~: من الطبيعي أن تكون ~~سعادة كل نوع من الأنواع الحية مختلفة. ومع ذلك فإن قوامها في كل حالة هو النمو الكامل ~~لتلك الوظائف التي يتميز بها هذا النوع بعينه. ويرى أرسطو أن هذه تكون عادة وظيفة ~~واحدة، ما دام يرى أن لكل شكل من أشكال الحياة نشاطه النوعي المميز. وهكذا تكون ~~مشكلتنا هي كشف الوظيفة التي يؤديها الإنسان على أفضل نحو، والتي ينفرد بها عن غيره ~~ما دامت سعادة الإنسان إنما تنحصر في تنمية هذه الوظيفة أو هذا النشاط إلى أقصى حد. ~~ولقد رأينا أن هذه الوظيفة لا يمكن أن تكون هي عمليات التمثيل الغذائي التي يقوم بها ~~الإنسان، ما دامت كل الكائنات الحية تقوم بنفس هذه الوظيفة. كما أنها لا يمكن أن تكون ~~طبيعته الحاسة أو المتحركة. ما دامت الحيوانات تشارك الإنسان هذه الطبيعة. وعلى ذلك فلا ~~بد أن نجد الخير ms366 الأسمى للبشر في أوجه النشاط العقلية التي ينفرد بها الإنسان. # وهكذا يظهر في مذهب أرسطو الأخلاقي عرض منظم للفكرة القائلة إن تحقيق القيم فوق ~~العضوية هو الخير الأقصى. ولو شئنا أن نعرض رأي أرسطو بطريقة أدق لقلنا إن الخير الأسمى ~~للإنسان إنما يكون في رعاية وتنمية جميع وظائفه، مع الاهتمام بوجه خاص بتلك التي تجعل ~~منه مخلوقا عاقلا وكائنا اجتماعيا. وكما أن فضيلة عازف الناي إنما تكون في براعته ~~في العزف على الناي وفضيلة المثال إنما تكون في مهارته في ممارسة فنه، فإن فضيلة ~~الإنسان إنما تكمن في المهارة التي يمارس بها الفن الذي يكون به إنسانا. وهذا الفن، ~~كما رأينا، هو أن نعيش على أساس طبيعتنا العاقلة بقدر الإمكان. فحياتنا الخيرة إنما هي ~~تعبير عن العقل. # الوظيفة المزدوجة للعقل ~~: من الممكن ممارسة طبيعة ~~الإنسان العقلية في اتجاهين. فهي تستخدم، لدى السواد الأعظم من البشر، في التحكم في ~~العنصر الحسي والنزوعي لدينا؛ أي التحكم في طبيعتنا اللاعاقلة. ولقد أكد أرسطو أهمية ~~الاعتدال أو «الوسط العدل» بوصفه أفضل مرشد يعيننا على تنظيم حياتنا وفقا للفضيلة. ~~فالسلوك يكون فاضلا بحق إذا كان يسير في طريق وسط بين طرفي الإفراط أو التفريط، كما ~~هي الحال عندما نكون «شجعانا» بدلا من أن نكون «متهورين» من جهة، أو «جبناء» من جهة ~~أخرى. وفضلا عن ذلك فإن الحياة الفاضلة هي حياة أصبح فيها السلوك الفاضل عادة - أي ~~أصبح فيها العقل - يجدد آليا الوسط الموجود بين طرفين، وأصبح هو الحكم الموثوق منه ~~فيما يصلح الزمان والمكان والظروف الخاصة. وحين نحقق كل قدراتنا عن طريق تكاملها ~~والتحكم فيها بطريقة متوازنة، فلن يكون في ذلك أفضل تحقيق لذاتنا فحسب، بل سيكون فيه ~~سعادتنا أيضا؛ ذلك لأن السعادة، كما يقول أرسطو آخر الأمر، هي في أساسها مصاحبة للأداء ~~الصحيح للوظيفة. فهي ناتج ثانوي، إذا شئنا استخدام هذا اللفظ الذي استعملناه من قبل، ~~فالسعادة تتوج الأداء الصحيح للوظيفة مثلما أن «نضرة الشباب تتوج من هم في زهرة ~~العمر». # ومع ذلك فإن ms367 أرفع معيار للخير البشري ليس هو اللذة ولا الفضيلة التي تكتسب عن طريق ~~التحكم العقلي في طبائعنا اللاعاقلة. وإنما هو يكمن في ممارسة التأمل النظري # Theoria ~~. فأرفع سعادة يستطيع الإنسان الوصول إليها ~~هي التمتع بالعقل بوصفه غاية في ذاتها؛ أي التفكير من أجل التفكير. هذا النشاط يمثل ~~أكمل نمو لوظيفة الإنسان الفريدة. وفضلا عن ذلك فإن تنزه هذا النشاط يجعل الرضاء الذي ~~ينجم عنه رضاء مضمونا، حتى لو كانت طبيعته تجعله مستقلا إلى حد بعيد عن الظروف. ~~والواقع أن أرسطو يتفق تماما مع أبيقور في حماسته للذات الفلسفية. وهو يصف هذه بأنها ~~أنقى اللذات؛ إذ إنها لا تشوبها شائبة من الألم الذي تقترن به اللذة الباهظة الثمن أو ~~التي يترتب عليها شعور مقبض بالألم. وحين يمجد أرسطو التأمل النظري، نراه يتخلى عن ~~طريقته المألوفة في العرض، وهي عادة طريقة علمية هادئة، ويحلق في آفاق شاعرية. فهو يصف ~~السعادة القصوى لحياة التفكير التأملي بقوله: # غير أن حياة كهذه تكون أرفع مما ينبغي بالنسبة إلى الإنسان (أي إذا عاشها ~~المرء طوال عمره)؛ ذلك لأنه لا يحياها بما هو إنسان، بل بما يوجد فيه من عنصر ~~إلهي. وبقدر ما يسمو هذا العنصر على طبيعتنا المركبة، يكون نشاطه أرفع من ذلك ~~الذي نمارس فيه النوع الآخر من الفضيلة. فإذا كان العقل إلهيا بالقياس إلى ~~الإنسان، فإن الحياة وفقا له تكون إلهية بالقياس إلى الحياة البشرية. # 13 # انتقادات ~~: أخذ النقاد على أرسطو تعلقه الشديد بحياة ~~التأمل لسببين؛ أحدهما كان نتيجة سوء فهم، أما الآخر فصحته مشكوك فيها. فأحيانا يساء ~~فهم أرسطو فيقال: إنه يقصد أن أسمى حياة هي حياة من يحرك نسيجا تأصليا من النظريات ~~الميتافيزيقية الفارغة - وهو التصوير الساخر الذي يشيع وصف الفيلسوف به. غير أن القراءة ~~المتمعنة لكتاب «الأخلاق» تبين أن أرسطو لم يكن في ذهنه أي نشاط كهذا يتم في برج عاجي، ~~إذ يبدو أن العالم أقرب إلى مثله الأعلى من الفيلسوف التقليدي، على الرغم من أن هذا ~~المثل الأعلى يمكن أن ms368 ينطبق على الفيلسوف إذا كان تفكيره نابعا من الحياة ويمثل تأملا ~~في التجربة البشرية بمعناها العام. ويمكن القول إن العالم الرياضي أقرب إلى مثل أرسطو ~~الأعلى، في بعض النواحي، من كل من الفيلسوف والعالم؛ إذ إنه لو كان هناك مفكر يبدو ~~مستمتعا بالتفكير لذاته، فذلك المفكر هو الرياضي. ومع ذلك فإن للفيلسوف ميزة يتفوق بها ~~على كل المشتغلين بالتأمل: هي اتساع نطاق معرفته وتجربته التي نسميها «بالحكمة». ذلك ~~لأن الفيلسوف، كما يقول أرسطو، «يستطيع تأمل الحقيقة ... وكلما تعمق في تأمله لها كانت ~~حكمته أعظم». # أما الاعتراض الثاني الذي يثار أحيانا ضد حياة التأمل؛ ففيه يتهم أرسطو بأنه يدافع ~~عن معيار أرستقراطي مترفع، لا يمكن أن يصل إليه إلا الشخص المثقف الذي يتمتع بموارد ~~اقتصادية وفيرة. وهذه التهمة تتصف بشيء من الصحة؛ إذ إن من المؤكد أن أرسطو يعترف بأن ~~الشخص الذي تتوافر لديه قدرة معينة على ممارسة التفكير المجرد المنزه هو وحده الذي يصل ~~إلى حالة السعادة هذه. وهو يذكر صراحة أن «الحياة وفقا للعقل» هي بالنسبة إلى معظم ~~الناس تلك الحياة التي يستخدم فيها العقل أساسا لكبح الجانب الشهواني من طبيعتنا. وهو ~~بعبارة أخرى يعترف بأنه يهتم بأرفع ما في الإنسان من حيث هو نوع، لا بما هو أرفع في كل ~~إنسان فردي. فإن كانت هذه أرستقراطية، فتلك هي أرستقراطية العقل وحده. # إمكان تحقيق المثل الأعلى عند أرسطو ~~: كان من الممكن ~~أن تكون التهمة القائلة إن تحقيق هذه الطريقة في الحياة يحتاج إلى دخل مستقل، صحيحة إلى ~~حد بعيد في أيام أرسطو. ولكنه مع ذلك ينكر صراحة أنه لا بد من أي شيء أكثر من دخل محدود ~~- أعني دخلا يكفي فقط لإتاحة وقت معقول من الفراغ لنا. أما في أيامنا هذه، فقد أتاحت ~~التكنولوجيا هذا الفراغ لجزء كبير من الناس، وتدل الدلائل على أنها ستتخذ في المستقبل ~~للناس جميعا. وإذن فعلى الرغم من أن المثل الأعلى للسعادة البشرية عند أرسطو ربما كان ~~ينطوي على «إحساس طبقي» في الوقت الذي ms369 صيغ فيه، فإن هذه الصفة المعيبة تختفي بسرعة. وقد ~~يشهد الأشخاص الذين هم أحياء في وقتنا هذا، ذلك اليوم الذي يتمكن فيه الناس جميعا، ~~بقدر ما تسمح لهم مقدرتهم واتجاهاتهم، من تحقيق نمط «الحياة الخيرة» هذا. # تلخيص ~~: يحسن بنا تلخيص هذا الفصل بإيجاز؛ إذ إن ما ~~ذكرناه فيه من أسماء ووجهات نظر عديدة يجعل الخلط بينها يسيرا، بل مرجحا. # لقد بدأنا بالتمييز بين نوعين من مذهب اللذة، النوع النفسي والنوع الأخلاقي. وبعد عرض ~~الحجج المؤيدة للموقف النفسي والمعارضة له، انتهينا إلى أن المذهب ربما كان أبسط من أن ~~يكون مقنعا، وهذا هو علة رفض علم النفس الحديث له. أما مذهب اللذة الأخلاقي فقد رأيناه ~~حيا إلى حد بعيد، وما زال أنصاره العديدون يكونون مدرسة من المدارس الرئيسية في ~~الفكر الأخلاقي. وقد ناقشنا أربعة أمثلة لمذهب اللذة، اثنين من الفلسفة القديمة واثنين ~~من الحديثة. فمذهبا أريستيبوس وأبيقور يمثلان معا مذهب اللذة الفردي أو «الأناني». ~~وكلاهما ينظر إلى اللذة على أنها الخير الأوحد، ولكن بينما أريستيبوس يؤمن بنظرية ساذجة ~~لا تقدر إلا شدة اللذة، فإن أبيقور يرتقي بهذا المذهب فيؤكد عنصري الدوام والثمن (من ~~حيث الطاقة المبذولة والألم أو رد الفعل السيئ الناجم عنها). وهذا يؤدي إلى امتداح ~~اللذات الاجتماعية والعقلية أكثر من اللذات البدنية، كما أنه يشيد بوجه خاص بالمتع التي ~~تجلبها الصداقة والفلسفة. كما لاحظنا أنه بينما أريستيبوس يتخذ موقفا إيجابيا واضحا ~~من اللذة، فإن مذهب أبيقور هو في أساسه سلبي من حيث إنه ينظر إلى الخير الأسمى أنه ~~التحرر من الألم أو الحزن. # ويمثل مذهب المنفعة عند بنتام تغيرا رئيسيا في داخل مذهب اللذة؛ إذ إنه يتعلق ~~بالسعادة الاجتماعية أو الخير العام، لا باللذة الشخصية وحدها. ومع ذلك فإن هذا التغير ~~لا يمثل إلا إضافة إلى المذهب السابق، الذي يحاول بنتام أن يجعله أدق عن طريق وضع صيغة ~~حساب للذات، نزن فيه العناصر الإيجابية (كالشدة والمدة واليقين والانتشار الجماعي إلخ) ~~في مقابل العناصر السلبية، لكي نحدد قيمة أي فعل ms370 أو موقف. ومع ذلك فلعل أعظم فضل يرجع ~~إلى بنتام كان تأكيده أن من الواجب تقويم الأشياء على أساس السعادة البشرية، لا على ~~أساس اتفاقها مع مثل أعلى نظري أو علوي أو ديني معين. # أما مل فقد أدخل على مذهب اللذة عاملا جديدا كل الجدة، بل ربما كان عاملا فيه ~~«هرطقة» (من وجهة نظر المذهب)، وذلك إذ جعل من نوع اللذة (أو كيفها) عنصرا في تحديد ~~قيمتها، على حين أن جميع المفكرين السابقين المنتمين إلى هذه المدرسة قد تمسكوا بمعيار ~~كمي خالص في تقويم اللذات البشرية. # وفي النصف الثاني من هذا الفصل تناولنا مختلف الانتقادات الموجهة إلى مذهب اللذة ~~(وردود الأفعال على هذا المذهب ). فبحثنا أولا الاعتراضات الأساسية التي توجه إلى ~~المذهب في صورته العامة. وكان هناك اعتراضان بارزان على نحو خاص، هما القائلان إن ~~النظرية (أ) غير جديرة بأسمى طبيعة للإنسان (ب) وغير كافية بوصفها معيارا أخلاقيا. ~~أما أول هذين الاعتراضين فكان الرد عليه سهلا؛ إذ إنه يبدأ بحثه عن «الخير» بفكرة ~~سابقة عما ينبغي أن يكون عليه الخير. أما تهمة عدم الكفاية فأخطر بكثير، وقد ناقشناها ~~بطريق غير مباشر عندما قدمنا تحليلا كاملا للفلسفتين الرئيسيتين المضادتين لمذهب ~~اللذة، وهما: المذهب الشكلي، ومذهب الكمال (أو تحقيق الذات). # وقد عرض المذهب الشكلي، أساسا، من خلال دراسة الأخلاق الكانتية؛ إذ إن «كانت» دون شك ~~أبرز ممثل لهذه المدرسة. ولاحظنا أن صاحب المذهب الشكلي يبحث عن سلطة أخلاقية معينة تحل ~~محل الإيمان المسيحي بإرادة عليا لإله واحد تعد مصدرا لهذه السلطة، وهو الإيمان الذي ~~بدأت تتداعى قوته. كما لاحظنا القواعد الأولية (القبلية) والأمر المطلق، وكلها مبادئ ~~وضعها كانت لتحل محل السلطة الدينية الملزمة، وبحثنا في عناصر القوة في أي مذهب أخلاقي ~~مبني على هذه الأسس الشكلية، وكذلك في الحدود التي لا يتعداها مثل هذا المذهب. # أما مذهب الكمال أو «تحقيق الذات» بوصفه الخير الأسمى فيتخذ لنفسه مثلا أعلى من ~~اكتمال الشخصية. ويتم ذلك عن طريق تحقيق كل الممكنات أو القدرات الموجودة لدى ms371 كل فرد ~~إلى أقصى درجة ممكنة. ومع ذلك فلما لم يكن من الممكن أن يكون ذلك مثلا أعلى نظريا ~~(نظرا إلى قصر عمر الإنسان)، فإن المدارس المختلفة لمذهب الكمال تختار فئات أو مستويات ~~معينة من المقدرة البشرية بوصفها الأكثر دلالة، وتجعل لما يتبقى مكانة ثانوية. وهكذا ~~فإن أقوى هذه المذاهب الفرعية تأثيرا، وهو مذهب «الكمال المثالي» يؤكد القيم فوق ~~العضوية، ويصل في ذلك أحيانا إلى حد الاستهانة بتحقيق الممكنات الجسمية. أما «مذهب ~~الكمال الطبيعي» فيؤكد، على عكس ذلك، أن الهدف هو التكيف مع البيئة أو التكيف ~~البيولوجي. # ويعد تفكير أرسطو الأخلاقي مثلا قديما لنظرية تحقيق الذات، ولكنه مثل ما زال له ~~تأثيره. فهنا يكون الخير الأسمى في الممارسة الحرة لذلك النشاط الذي هو المميز بحق لأي ~~نوع بعينه وهو في حالة الإنسان، النشاط العقلي، ما دامت حياتنا الفعلية هي التي تميز ~~البشرية من بقية النظام الحيواني أوضح تمييز. وعلى الرغم من أن من الممكن ممارسة هذا ~~التفكير العقلي على أنحاء شتى، فإن أرسطو يرى أنه يحقق على ممكناته في النشاط التأملي ~~الفكري الذي يتمثل بأوضح صورة في الفلسفة. # الفصل الرابع عشر # | الحتمية في مقابل اللاحتمية # ما مدى حرية الإنسان؟ # رأينا أن تحليل مفهوم الإلزام يؤلف قدرا كبيرا من التفكير النظري الأخلاقي. فمن أين ~~تأتي «وجوبية» الوجوب؟ وما واجبنا؟ ولم كان واجبا علينا؟ ولم كان ينبغي علي أن أؤدي واجبي؟ ~~هذه الأسئلة، مضافة إلى تلك التي تتركز في مشكلتي الخير الأسمى والحياة الخيرة، تدل على أن ~~الأخلاق دراسة معيارية # Normative # تختص بتعريف معايير أو ~~مقاييس معينة. # ومن بين المسلمات الأساسية التي يتعين على أية دراسة معيارية أن تأخذ بها، ما يطلق عليه ~~اسم «مصادرة الإمكان Postulate of Possibility ~~». هذه ~~المصادرة ترى أن المعايير التي نضعها لأي ميدان ينبغي أن تكون قابلة للتحقيق إلى حد ما. وقد ~~ظللنا حتى الآن نأخذ بهذه المسلمة خلال مناقشتنا للمشكلة الأخلاقية؛ إذ إننا قد سلمنا بأن ~~الإنسان يستطيع تحديد طبيعة السلوك المثالي، ثم تحقيق هذا المثل ms372 الأعلى - جزئيا على ~~الأقل. ولكن الوقت قد حان الآن لكي نعترف بأن هذه مسلمة جريئة جدا. أعني مسلمة قد لا ~~يكون لها أساس من الواقع. ونحن إذ ندلي بهذا الاعتراف إنما نقر بأننا قد سلمنا أيضا بشيء ~~له في الأخلاق مكانة أساسية تفوق مكانة المسلمة السابقة ذاتها. فنحن قد افترضنا طوال ~~الفصلين السابقين أن الإنسان فاعل حر؛ أي إنه سيد إرادته، والمتحكم الوحيد في أفعاله، وصانع ~~مصيره الأخلاقي الخاص. وبالاختصار، فنحن قد سلمنا بحرية الإرادة، متجاهلين إمكان أن تكون ~~أفعال الإنسان محددة بدقة عن طريق قوانين العلة ~~والمعلول، شأنها شأن حركات الصخرة حين تهوي. فقد ظللنا طوال الوقت نتجنب مشكلة من أكبر ~~المشاكل الشائكة في الفلسفة، وأعني بها مشكلة الحتمية في مقابل اللاحتمية؛ لذلك فسوف نخصص ~~الجزء الأكبر من هذا الفصل لتلافي هذا النقص. ~~(1) تاريخ النزاع حول حرية الإرادة # تتبعنا، في مناقشتنا المبدئية لمشكلات الفلسفة (الفصل الأول) الأصول التاريخية للنزاع ~~حول الحتمية. وبينا كيف أن مبدأ العلية قد أخذ يمتد تدريجيا ليشمل ميدانا تلو ~~الآخر، فقد أخذ نطاق مبدأ العلية يتسع، منذ صياغته الأولى في أبسط قوانين ~~الميكانيكا، حتى أصبحت تدخل في إطاره آخر الأمر ميكانيكا الوراثة ذاتها. ذلك لأن ~~استتباب النظام والقانون العلمي قد أدى في البداية إلى التحكم في سلوك الأشياء المادية، ~~ثم إلى التحكم بعد ذلك في سلوك أشياء تعلو على هذه الأرض، كالنجوم والكواكب. وعندما ~~تبين أخيرا أن سلوك الحيوانات يمكن التنبؤ به على الأقل، وكشفت نظرية دارون عن تلك ~~العملية المنتظمة الهائلة التي تتحكم في أشكال الحياة ذاتها، بدا كأن الزحف المطرد ~~للحتمية قد بلغ أقصى مداه. فقد تبين عندئذ أن كل الحوادث في المجال الطبيعي هي نتائج ~~مباشرة لحوادث سابقة، وأن الظواهر الواقعة في نطاق تجربتنا تكاد كلها تكون قابلة ~~للتفسير (أو يلوح أنها ستكون قابلة للتفسير) على أساس قوانين العلة والمعلول الصارمة. ~~وظهر بوضوح متزايد أن العمل الرئيسي للعلم إنما هو صياغة هذه القوانين العلية. ~~واقتنع العلماء أنفسهم بأن في استطاعتهم تلبية كل ms373 ما يطلبه الذهن من تفسيرات، وذلك إذا ~~أمكنهم إعلان الاندماج التام بين مختلف أوجه تجربتنا في نسق واحد هائل من علاقات العلة ~~والمعلول. وفي هذه الأثناء، ازداد الفلاسفة اهتماما بمشكلة العلية، وأصبحوا بدورهم ~~يشعرون بأن مفهوم «العلة» مفهوم رئيسي في التجربة البشرية. وهكذا أصبح نطاق الحتمية، ~~عند نهاية القرن التاسع عشر، يكاد يكون شاملا. # ومع ذلك فقد ظلت هناك قطعة أخيرة صغيرة من الأرض التي لم يتم غزوها، فقد ظل الإنسان ~~ذاته خارج نطاق القانون العلي. وكانت «الطبيعة البشرية» لا تزال شيئا منعزلا عن ~~«الطبيعة»؛ إذ إنها كان تعد مستقلة عن مبدأ الحتمية. وبالاختصار، فقد كان ينظر إلى ~~الإنسان على أنه استثناء. ومهما يكن من أحكام السلاسل العلية التي تربط بقية الكون، ~~فإن أفعال الإنسان ودوافعه كانت تعد حرة إلى حد ما: ذلك لأن في استطاعته في أي وقت أن ~~يتخذ قرارا أو يؤدي عملا لا صلة له بقراراته أو أعماله السابقة. صحيح أن سلوك الحيوان ~~يبدو مجرد استجابة للقوى المادية (التي تسمى بالمنبهات)؛ وبالتالي فإن كل فعل تقوم به ~~هو فعل علي. غير أن الإنسان يستطيع على ما يبدو أن يسبب أفعاله الخاصة، أما بكسر ~~سلسلة علية مستمرة بالفعل، وإما ببدء سلسلة جديدة من أول الأمر. # أنصار فكرة التحدد في العصور السابقة ~~: ظهرت، قبل ~~نهاية القرن التاسع عشر بفترة طويلة، احتجاجات قوية على هذه النظرة إلى الإنسان بوصفه ~~استثناء من المبدأ العلي الشامل، غير أن أصحاب هذه الاحتجاجات كانوا أقلية ضئيلة. ~~ففي العصر اليوناني القديم قال مفكرون ماديون مثل ديمقريطس بشمول هذا المبدأ. وكان أول ~~مذهب حديث في الحتمية الفلسفية هو مذهب الفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز»، الذي صيغ في ~~أواسط القرن السابع عشر. غير أن أعظم الحتميين المحدثين كانوا اسبينوزا، الذي توفي عام ~~1677م. # وقد وصفنا من قبل هذا الفيلسوف اليهودي العظيم بأنه كان منبوذا من أبناء طائفته ومن ~~المسيحيين المتمسكين معا، وينبغي أن نشير الآن إلى أن مذهبه الحتمي ربما كان هو الذي ~~أدى إلى طرده من الديانة ms374 اليهودية أكثر من إلحاده المزعوم ذاته. وعلى الرغم من أن هيوم ~~وغيره قد انتقدوا فيما بعد مفهوم العلية عند اسبينوزا، فإن موقفه الحتمي العام، ولا ~~سيما في تطبيقه على الإنسان ما زال في الأذهان وقع حديث إلى حد يدعو إلى الدهشة. ولن ~~نكون مبالغين إذا وصفنا هذا الجانب من تفكيره بأنه كان سابقا لزمانه بقرنين ~~كاملين. # الاتجاه المزدوج في موقف ديكارت ~~: سوف نقدم بعد قليل ~~وصفا أكثر تفصيلا لموقف اسبينوزا، ولكن ينبغي أن نعرف أولا على أي شيء كان رد فعله. ~~ذلك لأن ديكارت، الذي ولد قبله بجيل واحد، كان قد وضع مذهبا جريئا، وإن كان مع ذلك قد ~~ظل في حدود ما هو معترف به. فمن مظاهر ثنائيته المشهورة أنه وضع حاجزا أساسيا بين ~~«الطبيعة» وبين «الطبيعة البشرية». وقد تصور كل شيء ما عدا الإنسان بأنه مقيد تماما ~~بقوانين حتمية. وحتى الحيوانات كانت في نظره مجرد أجسام آلية، تستجيب للمنبهات بطريقة ~~ميكانيكية بحتة، بل إن مذهب ديكارت صل إلى حد إنكار وجود وعي لدى الحيوانات، فهي مادة ~~عضوية فحسب، تنتمي بأكمله إلى عالم «الامتداد»، ولا تحركها إلا قوانين الميكانيكا. أما ~~الإنسان فهو وحده الذي وجد فيه عالم أو يؤثر فيه. وإذا كانت أجسام البشر مجرد أجزاء من ~~عالم المادة الممتدة، لها نفس مكانة الأجسام الحيوانية، فإن للإنسان فضلا عن ذلك وعيا ~~ونفسا خالدة. هذا الوعي وهذه النفس ينتميان، كما هو واضح، إلى عالم آخر هو عالم ~~«الفكر»، بحيث يمثل وحدة تجمع بين «الجوهر المفكر» و«الجوهر الممتد». # ولقد قال البعض أن ديكارت قد اضطر إلى اتخاذ موقف الحذر بعد اضطهاد محاكم التفتيش ~~لجاليليو وغيره من المفكرين التقدميين، وأنه بالتالي قد صاغ هذا المذهب الثنائي لكيلا ~~يقع تحت طائلة الكنيسة التي كان سلطانها ما زال طاغيا. على أن من المؤكد أن نتيجة هذا ~~التشعب المزدوج للواقع كانت تحرير العالم الطبيعي، الفيزيائي منه والحيواني، من تلك ~~المفاهيم العقيمة علميا، من أمثال «العلة الغائية» و«القصد النهائي». وترتب على ذلك ~~أن العلم تمكن من ms375 أن يبدأ سيره على أساس حتمي بحت. ومنذ ذلك الحين كانت للعلم الحرية في ~~أن يسير في طريقه الخاص، ما دام مبتعدا عن مجال اللاهوت؛ أي عن موضوعات مثل أصل ~~الإنسان وطبيعته ومصيره ... ومن الجائز أن ديكارت كان مخلصا في إيمانه بالثنائية، غير أن ~~نتيجة هذا التقسيم الثنائي قد حققت كل ما كان يمكن أن يرغب فيه كان قد حاول عن عمد أن ~~يفصل العلم الفيزيائي عن اللاهوت. ولكن من سوء الحظ أنه حين حرر العلم الفيزيائي من ~~سيطرة الكنيسة على هذا النحو، قد كبل علم النفس، دون أن يدري، في أغلال عقلية؛ إذ إن ~~نفس هذا العلم، الذي يتخذ من الذهن أو الوعي موضوعا، بدأ داخلا في المجال اللاهوتي. ~~وترتب على ذلك أن استبقيت في هذا الميدان على التخصيص تلك المفاهيم القديمة في الغائية ~~والغرضية، التي استبعدت من كل العلوم الأخرى. # ولقد كانت إعادة تأكيد خضوع البحث في الإنسان للاهوت على هذا النحو هي التي دفعت ~~اسبينوزا إلى الثورة؛ إذ إنه كان يعتقد أن أفعال الإنسان خاضعة للحتمية الدقيقة، شأنها ~~شأن أي شيء في الطبيعة. فمع اعتراف اسبينوزا بقدرة الإنسان على تصور أي هدف والسلوك في ~~اتجاه ذلك الهدف، فإنه مع ذلك قد وضع للسلوك الإنساني قانونا عليا يربطنا ببقية ~~العالم الطبيعي ربطا مباشرا. أما شعورنا بالحرية فما هو، باختصار، إلا وهم. وعلى أية ~~حال فسوف نقول المزيد عن تفكير اسبينوزا بعد قليل. ~~(2) الوضع الحالي للنزاع # لم تتوصل الفلسفة إلى النتائج الكاملة للمذهب الحتمي عند اسبينوزا إلا بعد ما يقرب من ~~مائتي عام. وخلال هذه الفترة تطور العلم من حالة عدم الثقة بالنفس، التي كانت تميز عهد ~~مراهقته، حتى اقترب من عهد نضجه الحالي، وكان هذا التطور دائما في اتجاه الحتمية ~~الأكثر شمولا. فكل كشف يتم في معمل، وكل فرض يحقق، يعني أن جزءا آخر من العالم ~~الطبيعي قد خضع لقوانين العلة والمعلول. وهكذا أخذت حدود الحتمية تتسع باطراد، وفي ~~الوقت ذاته ازدادت باطراد أيضا ضرورة تحدي العلم لمركز ms376 الإنسان الفريد خارج حدود ~~العلية. وأخيرا، استهل عهد هذا التحدي في نصف القرن الماضي، وعند مطلع القرن ~~العشرين كان هذا التحدي قد بلغ من القوة حدا جعل الرأي المحافظ يقف موقف ~~الدفاع. # ولكن من سوء الحظ أن محاولات توسيع نطاق الحتمية بحيث تمتد إلى المجال البشري قد أدت ~~إلى زيادة في التوتر ونقصان في الموضوعية؛ ذلك لأن الناس يستطيعون مناقشة المسائلة ~~المتعلقة بالنجوم بقدر كبير من التنزه، ولكنهم يجدون تحليل أفعالهم أمرا مختلفا كل ~~الاختلاف. وقد كانت هناك صعوبة أخرى هي أن توسيع نطاق المفاهيم العلية الدقيقة بحيث ~~تشمل الأمور البشرية، كان يتطلب تعديلا عميقا ودقيقا في المصطلح المستخدم في هذا ~~الموضوع. وفي كثير من الحالات لم تكن هذه التعديلات تدرك عن وعي، فأدى ذلك أحيانا إلى ~~التوسع في استخدام المفاهيم الآلية إلى حد الإفراط الشديد. ولذلك كان من الواجب علينا ~~أن نعرف ألفاظنا الرئيسية ونستخدمها بأكبر قدر ممكن من الدقة والحذر. # الخلط بين الحتمية والقدرية ~~: كان من العوامل الأخرى ~~التي أدت إلى زيادة تعقيد النزاع الناشب حول الحتمية، عدم القدر على التمييز بين هذا ~~الرأي وبين القدرية # Fatalism # منذ البداية. فخصوم ~~الحتمية قلما كانوا يستطيعون أن يدركوا (أو أن يعترفوا على الأقل) أن هناك فارقا بين ~~الموقفين، على حين أن الحتمي ذاته كان يشعر بأن الفارق بين الاثنين عميق. ولو شئنا ~~الدقة لقلنا إن القدرية هي مذهب الحتمية المقدرة Predeterminism # كما أن المصطلح الشائع «الجبرية Perdestination ~~» يصلح بدوره مرادفا، بشرط ألا تكون في ~~أذهاننا فكرة معينة من أفكار المذهب اللاهوتي عند «كالفان». فالقدري يرى أن كل حادث في ~~الكون مكتوب أو مقدر منذ البداية، وذلك من حيث وقت حدوثه وطريقة حدوثه معا. وليس ثمة ~~وسيلة لتغيير هذا الاتجاه المقدر للحوادث، فعندما يأتي الوقت «سيحدث ما ينبغي أن يحدث». ~~ويعبر أحيانا عن هذا القانون الصارم للقدر تعبيرا شعريا بالقول إن مصير المرء ~~مكتوب في النجوم. # وترتبط القدرية تقليديا باتجاه أقرب إلى أن يكون شرقيا منه إلى أن يكون غربيا. ~~ففي ms377 الفكر الإسلامي يعبر لفظ «القسمة» عن مذهب مشابه، وكثيرا ما يترجم ~~اللفظ (ولكن بطريقة غير كاملة الدقة) بلفظ يعني ~~«المكتوب». وقد عبر عمر الخيام عن هذا الاتجاه تعبيرا كلاسيكيا إذ قال: # لن يرجع المقدار فيما حكم # وحملك الهم يزيد الألم # ولو حزنت العمر لن ينمحي # ما خطه في اللوح مر القلم # 1 ~~⋆ # وينبغي أن نؤكد أن القدرية تنظر إلى المصير أو «العلة» على أنه شيء ~~خارج تماما عن الكائن العضوي. فالكون، أو بمعنى أدق، القوى الهائلة للكون - هو الذي ~~يحكم حياتنا. وطوال أعمارنا نتحرك ونحن في قبضة قوى لا سلطان لنا عليها. والموقف الوحيد ~~الذي يمكننا اتخاذه إزاء ذلك هو موقف الاستسلام الشرقي التقليدي (وربما جاز لنا أن ~~نستعين على ذلك بكأس عمر الخيام)، أو موقف عدم الانفعال وعدم الاكتراث الباطن الذي دعا ~~إليه الرواقيون. أما القوى الكونية والنجوم التي تكتب فيها كل المصائر، فإن أي شيء ~~يستطيع الإنسان أن يبعثه من داخله لا يقدر حيالها شيئا. # المذهب الآلي في الحتمية المقدرة ~~: نشأ في العصور ~~الحديثة، مع نهضة العلم في القرن التاسع عشر، اتجاه يمكن تسميته بالحتمية المقدرة ~~العلمية أو الآلية. وكان عدد العلماء الذين دعوا صراحة إلى مثل هذا المذهب قليلا، حتى ~~من بين دعاة الآلية المتطرفين، ولكن الكتاب الشعبيين كثيرا ما كانوا يرون أن التطورات ~~التي تتم في المعمل تستتبعه حتما. فهم يزعمون أن هناك وقائع كثيرة تشير إلى هذا ~~الاتجاه التشاؤمي، وقد توسع البعض في استخلاص تأثيرها المتراكم حتى كونوا منه نظرة ~~كاملة إلى العالم. وهناك عوامل متعددة تزعم هذه القدرية العلمية أنها مرتكزة عليها، ~~منها ما هو واقعي ومنا ما هو دخيل، أهمها: # 2 ~~(1) مبدأ بقاء الطاقة، الذي يبدو منطويا على ~~القول إن الطاقة الذهنية ليست إلا جزءا من الطاقة الفيزيائية. ومن ثم فهي خاضعة لنفس ~~قوانين العلة والمعلول التي تحكم العالم الفيزيائي. (2) المفاهيم الآلية وشبه الآلية في ~~الكيمياء والبيولوجيا، التي ترد المادة الحية إلى تجمع معقد من العناصر الفيزيائية ~~الكيموية الخاضعة لقوانين الفيزياء والكيمياء خضوعا ms378 تاما، وهذه العناصر ذاتها تجعل ~~سلوك الحيوان بأسره لا يزيد إلا قليلا أن يكون تفاعلا بين قوى فيزيائية تظل آلية ~~عمياء، حتى عندما تنظم في أنماط بشرية معقدة من السلوك الأخلاقي. (3) معرفتنا المتزايدة ~~بمختلف الانتحاءات # Tropism ~~؛ أي بالميول الفطرية إلى ~~الاستجابة على نحو محدد لمنبهات، كما هي الحال مثلا في حركة نباتات وحشرات وحيوانات ~~معينة استجابة لمنبهات كالضوء أو العناصر الكيموية. (4) قوانين الوراثة، التي تجعل من ~~أي كائن عضوي نتاجا لعوامل متوارثة لا شأن له باختيارها، ولكنها مع ذلك تؤثر طوال ~~حياته تأثيرا دائما في تحديد اتجاه قراراته وتشكيل أنماط سلوكه. (5) إدراكنا المتزايد ~~لأهمية العوامل الجغرافية والمناخية، في الحياة البشرية، وهذا يعني أن البيئة المادية ~~التي يولد فيها المرء أو ينتقل إليها قد تؤثر في سلوكه (وبالتالي في شخصيته) على أنحاء ~~لا مهرب منها. (6) الشواهد الهائلة العدد، التي يقدمها علم النفس الحديث، لا سيما مدارس ~~التحليل النفسي، على أن قدرا كبيرا من السلوك البشري يخضع لدوافع لا شعورية، وأن معظم ~~هذه الدوافع ذو طابع لا عقلي، بل لامنطقي. فجميع أنواع الأفعال الاضطرارية، كتلك التي ~~تحدثها المخاوف المرضية وحالات الجنون والحصر، قد تكون أوضح أمثلة وجود دوافع لا شعورية ~~تتحكم في مواقف سلوكية معينة. (7) وأخيرا، هناك شواهد من العلوم الاجتماعية، حيث نجد ~~نظرية هائلة التأثير، هي نظرية الحتمية الاقتصادية، التي يعد فيها التاريخ صراعا ~~تتنافس فيه الجماعات أو «الطبقات» الاجتماعية على المزايا الاقتصادية. هذه النظرية ترى ~~أن كل المعايير الثقافية - من قيم دينية ومقاييس أخلاقية، وأمان معنوية، بل ومثل عليا ~~جمالية - إنما هي تعبير عن هذا الصراع الطبقي ودليل يشير إلى الجانب (أي الطبقة) التي ~~يكافح من أجلها الشخص الذي ينادي بهذه المعايير. وتضاف إلى هذا كله معلوماتنا الفلكية ~~والجيولوجية، التي يكون الإنسان تبعا لها مخلوقا ضئيلا إلى حد لا متناه، في عالم ~~ضخم إلى حد متناه، ولا يكون التاريخ البشري كله إلا حلقة قصيرة إلى أقصى حد يمر بها ~~كوكب سحيق في القدم. كل هذه المجموعة من الوقائع والنتائج تجعل ms379 كثيرا من الأفراد في ~~الوقت الحالي لا يختلفون في نظرتهم القدرية إلى الحياة عن أي شرقي يقول ~~«بالقسمة». ~~(3) الحتمية في مقابل اللاحتمية # هناك وجهتا نظر ممكنتان تقف كل منهما في مقابل القدرية الأخلاقية للتفكير الشرقي ~~وفي مقابل الموقف شبه العلمي الذي وصفناه الآن. ففي الطرف القصي ~~المعتاد للقدرية نجد اللاحتمية # Indeterminism # أو الاختيارية # Libertarianism ~~، وفيما بين الموقفين المتطرفين، نجد الحتمية # Dererminism # وقد دار الخلاف الرئيسي، بالنسبة إلى ~~الفلسفة بوجه عام، والأخلاق بوجه خاص، بين وجهتي النظر الأخيرتين هاتين. فعلى الرغم من ~~أهمية القدرية في التفكير الشرقي، وفي الكتابات المتحمسة التي كانت تظهر في الغرب من ~~آن لآخر تعبيرا عن وجهة نظرها، فإن هذا المذهب لم تكن له أهمية كبيرة في المذاهب ~~الفلسفية الغربية؛ لذلك سنقتصر في بقية مناقشتنا على الحديث عن التقابل بين الحتمية ~~واللاحتمية. # اللاحتمية ~~: اللاحتمية، كما أوضحنا منذ قليل، هي ~~النقيض المباشر للقدرية. فاللاحتمي يرى أنه، مهما يكن من خضوع الأشياء المادية، وربما ~~الكائنات العضوية الحيوانية، لقوانين العلة والمعلول، فإن الإنسان يظل متحررا من هذه ~~القوانين في إرادته أو في قدرته على اتخاذ القرارات. إن أجسامنا - شأنها شأن كل موضوعات ~~عالم الزمان والمكان - تخضع بالضرورة لقوانين آلية كقانون الجاذبية والقصور الذاتي ~~والمقاومة ... إلخ. وفضلا عن ذلك فإن طبيعة وظائفنا الجسمية فيزيائية كيموية إلى حد ~~بعيد، وهي خاضعة لكل قوانين الفيزياء والكيمياء. ولكن القائل باللاحتمية يؤكد أن ~~القوانين الميكانيكية أو الفيزيائية الكيموية لا تسري على طبيعة الإنسان الأخلاقية ~~والإرادية ولا تفسرها. فهذه الطبيعة الأخلاقية والإرادية لا تخضع للحتمية، وهي حرة ~~بالمعنى الصحيح، ذلك لأنه حتى لو كانت لدينا معرفة شاملة بماضي الفرد وشخصيته وجميع ~~العوامل المتعلقة بموقفه الراهن (كمعرفة المنبهات التي يستجيب لها مثلا) فسيظل من ~~المستحيل التنبؤ بالاختيار الذي سيقوم به في أي موقف معين. وبعبارة أخرى، فليس جهلنا ~~وحده هو الذي يجعلنا نصف سلوك الشخص بأنه «لا يمكن التنبؤ به». بل إن السلوك يظل أصلا ~~بمنأى عن أي تكهن، لسبب بسيط هو أن الحوادث التي يمكن التنبؤ ms380 بها هي تلك التي يكون لها ~~أساس علي فحسب، فإذا كنا جاهلين بالأساليب، أو لم تكن هناك أسباب بالمعنى المألوف ~~لهذا اللفظ (كما في هذه الحالة)، فمن الواضح عندئذ أن التنبؤ يكون مضيعة للوقت لا طائل ~~وراءها. ويرى مذهب اللاحتمية أن الفرد لا يستطيع فقط أن يختار بلا سبب؛ أي أن يتخذ ~~قرارات لا صلة لها بقراراته السابقة أو بأي عامل في تجربته الماضية - بل إنه يستطيع ~~أيضا أن يستهل اتجاهات سلوكية تمثل تجديدا أصيلا في نمط حياته. وهكذا ينطوي الموقف ~~اللاحتمي على فكرتين رئيسيتين: عدم القابلية للتنبؤ، والجدة الأصيلة. # الحتمية ~~: يمكن القول إن الموقف اللاحتمي مرادف لما ~~وصفناه من قبل بأنه رأي الأغلبية في الحضارة الغريبة. والواقع أن فكرة «حرية الإرادة» ~~هذه، التي قبلها معظم الفلاسفة وجميع اللاهوتيين تقريبا، هي التي أدت إلى ثورة رواد ~~مذهب الحتمية من أمثال هوبز واسبينوزا. أما في أيامنا، فإن الخصم الفلسفي للاحتمية هو ~~موقف أكثر اعتدالا إلى حد ما من آراء المكافحين الأوائل في القرن السابع عشر. هذا ~~الشكل الحديث للحتمية يمثل محاولة لإدماج نظرتنا إلى الإنسان في النظام العملي للطبيعة، ~~ولكنه يسعى إلى تحقيق ذلك دون إنكار للوقائع الواضحة لتجربتنا الباطنة. هذا الموقف ~~الوسط الذي سنطلق عليه من الآن فصاعدا اسم «الحتمية فحسب» يرى أن القدرية على حق عندما ~~تؤكد أن كل سلوك يرجع إلى منبهات، والتالي فإن له «علة» مباشرة. ولكنه يتفق من جهة أخرى ~~مع اللاحتمية حين تؤكد أن الذات أكثر من أن تكون مجرد مركب من المنبهات والاستجابات، بل ~~إن الحتمية لتعترف بأن الذات قد تمثل مركبا جديدا خلاقا، تتحدد أفعاله تبعا لطبيعته ~~الخاصة، لا تبعا لقوى خارجية. هذه المدرسة التي تسير في هذا الطريق الوسط تتحدث كثيرا ~~عن «الحتمية الذاتية»، وتعني بهذا اللفظ أن أفعالنا هي نتيجة شخصيتنا وعاداتنا، التي هي ~~بدورها حصيلة كل قراراتنا وتجاربنا السابقة. والإنسان في نظر هؤلاء الحتميين المعتدلين، ~~له حرية أخلاقية؛ ومن ثم فلديه مسئولية أخلاقية. وقراراته تنتمي إليه بالفعل؛ إذ إنها ~~نابعة ms381 عن ذاته الكاملة. وبالاختصار، فقراراتنا تأتي من الداخل، غير أن ردود الأفعال ~~السابقة للذات الباطنة إزاء العالم الخارجي، وقراراتها الماضية بشأنه، تعمل على تعديل ~~هذه الذات الباطنة وتشكيلها إلى حد بعيد. # ونستطيع التعبير عن هذا الموقف الحتمي بطريقة أخرى، فنقول إن صاحب مذهب الحتمية في ~~العصر الحديث يقبل تلك «القوى الخارجية» التي كانت مثبطة للقائل بمذهب القدرية، ويرى أن ~~لها تأثيرا حقيقيا في تكوين الذات أو الشخصية. ومع ذلك، فإن هذه القوى، بمجرد ~~ممارستها لهذا التأثير، تندمج في مركب جديد دائم التغيير، أو «شخصية»، تقوم منذ هذه ~~اللحظة بالاستجابة بطريقة فريدة لمنبهات أو قوى خارجية أخرى. وهكذا فإن أفعالنا تكون ~~صادرة عنا بمعنى خاص؛ إذ إن أية ذات أخرى لا تستجيب بنفس الطريقة؛ لأن أية ذات لم تمر ~~بكل التجارب السابقة نفسها، ولم تتخذ كل القرارات السابقة ذاتها. وقد عبر تنيسون # Tennyson # عن ذلك بقوله. «أنا جزء من كل ما صادفت». ~~فالذات هي مجموع كل الاستجابات والقرارات السابقة، المتعلقة «بكل ما صادفت». وهكذا، ~~فعلى حين أن أفعالنا محددة ومحتومة، فإن هذه الحتمية إنما تجيء من طبيعة الذات أو ~~شخصيتها، لا من القوى الخارجية. وفي هذه الحتمية الذاتية تنحصر حريتنا المعنوية ~~والأخلاقية. ~~(4) حجج كل من الجانبين # اقتصرنا حتى الآن على عرض موقف كل من الحتمية واللاحتمية بطريقة قطعية إلى حد ما. ~~وعلينا الآن أن نبحث في الحجج الرئيسية التي يرتكز عليها كل فريق؛ لأن من الواضح أننا ~~لا نستطيع الاختيار بطريقة واعية بين وجهتي النظر هاتين إلا عن طريق تقدير الأدلة التي ~~يستند إليها كل منهما. ولما كانت اللاحتمية قد ظلت هي الرأي «الرسمي» للفكر الغربي، ~~فسوف نبدأ بعرض حججها. وسيتضح لنا فيما بعد أن معظم الحجج الحتمية هي في حقيقتها ردود ~~على حجج المذهب اللاحتمي؛ ولذا كان الأفضل هو الاستماع إلى الأصل أولا. # حجج اللاحتمية ~~: للقائل باللاحتمية أربع حجج رئيسية، ~~قد تكون كلها متساوية الأهمية. ~~(1) # إن من أوضح حقائق حياتنا النزوعية، شعورنا بالحرية. فأيا كان القرار ~~الذي نحاول اتخاذه، ومهما ms382 تكن صعوبة بلوغه، فإننا عندما نتخذ قرارنا أخيرا ~~يكون لدينا شعور بأن الاختيار لم يتحكم فيه شيء سوى إرادتنا الخاصة. وقد ~~تؤدي القوى الخارجية، أو العجز الشخصي، إلى قصر اختيارنا على بديلين فقط، ~~كلاهما غير مرغوب فيه، ولكنا نشعر بأن القرار النهائي هو دائما عمل ~~اختياري إرادي صادر عنا نحن. فنحن نوقن في هذه الحالة بأنه كان في ~~استطاعتنا اختيار البديل الآخر بنفس السهولة وبنفس «الحرية». ويترتب على ~~هذا الإحساس بالاختيار غير المحتوم، الشعور الحتمي «بالإلزام»، بل إن هذا ~~الشعور بالإلزام هو في نظر كثير من اللاحتميين مثل «كانت»، دليل على الحرية ~~أكثر إقناعا حتى من الحدس الذي نشعر فيه بأننا قد اتخذنا قرارا غير مسبب؛ ~~إذ إن هذا الشعور بالإلزام، في رأيهم، لا يكون له أي معنى لو لم يكن ~~الاختيار الأصيل ممكنا. فعبارة: «ينبغي لي» لا بد لها من شرط مفروض ~~مقدما، هو: «أنا أستطيع». ~~(2) # والحجة الثانية المؤيدة للاحتمية تتعلق بهذا الشعور بالإلزام. ذلك لأن ~~حرية الإرادة شرط ضروري لكي يكون هناك معنى لأي تصور نكونه عن المسئولية ~~الأخلاقية (أو حتى القانونية). وإنه لمن غير المنطقي أن نعد الشخص مسئولا ~~عن فعل معين ما لم يكن هذا الفعل صادرا عنه؛ أي ما لم تكن لديه قدرة أصيلة ~~على الاختيار بين أمور بديلة واتخاذ قرارات أخلاقية. فجميع الأحكام التي ~~نصدرها عادة بشأن «صواب» السلوك أو «خطئه»، لا تفترض مقدما إرادة غير ~~محكومة فسب، بل إنها تغدو ظالمة متجنية في أية ظروف أخرى غير تلك التي ~~يفترضها اللاحتمي. ~~(3) # والحجة التالية تترتب بدورها على السابقة. فاللاحتمية هي الرأي الوحيد ~~المعقول - ليس فقط لأن تقويماتنا الخاصة بالاستحسان والاستهجان تعدو بلا ~~معنى في ظل الموقف الحتمي، بل أيضا لأن كل القيم، وضمنها التفكير ذاته، ~~تصبح بدورها بلا جدوى. ذلك لأنه لو كان كل ما يحدث نتيجة ضرورية لما حدث من ~~قبل، بل لطبيعة الأشياء ذاتها، التي يمكن أن تكون على خلاف ما هي عليه. ~~فعندئذ يكون من التعقيم أن نتحدث عن «أفكار» أو ms383 «مثل عليا» أو «مقاصد»، ~~بل إنه يستحيل عندئذ تفسير العقل ذاته، ما دامت وظيفته الرئيسية هي ~~التقويم والتمييز، فإذا كانت «كل الأشياء تحدث بالضرورة»، كما قال اسبينوزا ~~وغيره من الحتميين، فعندئذ يكون النشاط العقلي عقيما، بل غير ~~مفهوم. ~~(4) # وأخيرا يرى اللاحتمي أنه لا يوجد وسط الحرية التامة والقدرية. فمحاولة ~~التوفيق التي تقوم بها الحتمية مستحيلة لأنها غير مستقرة؛ إذ إنها ترتد آخر ~~الأمر إلى الحل القدري، على الرغم من كل الجهود التي تبذلها لكي تتجنب هذه ~~النتيجة. ذلك لأننا إذا استخلصنا من الموقف الحتمي كل نتائجه المنطقية، ~~لوجدناه ينكر تلك الحرية التي يزعم أنه يجعلها ممكنة. إذ لو كانت الذات قبل ~~كل شيء حصيلة لتجاربها؛ أي للقوى الخارجية التي تؤثر فيها - لكان من الواضح ~~أن الاختيار في لحظة القرار الفعلي، سيكون نتيجة لهذه القوى، لا لإرادة غير ~~محتومة كتلك التي يقتضيها فرض الحرية. وفضلا عن ذلك، فإذا كان الحتمي على ~~حق، ألن يكون السؤال عن القوى التي تكون شخصيتنا متوقفة جزئيا على طبيعة ~~الكائن العضوي التي نتوارثها؟ وهكذا يكون اختيارنا محدودا وخاضعا للتأثير ~~بمعنى مزدوج: إذ نكون، من جانب، ما صنعته منا بيئتنا، ونكون من جانب آخر، ~~ما أتينا به إلى العالم من مادة خام. فإذا أكد أي شخص بعد هذه الحقائق كلها ~~أننا أحرار، فإنه بكل بساطة، لا يستخدم اللغة بطريقة استخدامها العادية؛ ~~ذلك لأنه ما لم تكن الذات عالية، بمعنى كونها قادرة على الارتفاع فوق مستوى ~~علاقة العلة والمعلول التي تقيد بقية الكون، لما كانت حرة. وما لم تكن ~~إرادتنا مستقلة عن المنبهات، والوراثة، والتجارب السابقة؛ أي ما لم تكن ~~قادرة في كل لحظة على القيام باختيار كان من الممكن دائما أن يأتي بصورة ~~مخالفة - لكانت الحرية البشرية وهما ... # حجج مذهب الحتمية ~~: يرى القائل بالمذهب الحتمي إنه ~~يستطيع الرد على كل هذه الحجج وتقديم بعض الحجج المقنعة التي تؤيد موقفه الخاص. ~~(1) # فالفرض الحتمي أولا يتفق مع مسلمة من أهم مسلمات العلم. هذه ~~المسلمة ضرورية بصفة مطلقة بالنسبة إلى ms384 كل العلوم، بل إنه ليقال عادة إن ~~البناء الكامل للعلم الحديث مرتكز على مفهوم العلية. ويذهب القائل ~~بالمذهب الحتمي إلى أن أي مبدأ له مثل هذه الأهمية، وينتشر تطبيقه على مثل ~~هذا النطاق الواسع، يمكن افتراض أنه يسري على جميع الظواهر - ليس فقط على ~~تلك التي يدرسها العلم، وإنما على كل حوادث الكون. وباختصار، فالحتمية لا ~~يمكنها قبول الرأي القائل إن الإرادة البشرية تقوم في فراغ خال من العلل، ~~بل إن مبدأ العلية ذو نطاق شامل، ولا يمكن أن يعد الإنسان استثناء له. ~~والواقع أن الكشف العلمي لا يكون ممكنا إلا لأن في استطاعة العالم أن ~~يفترض عالما منظما عاقلا، يوجد فيه كل حادث بوصفه طرفا في علاقة علية. # 3 ~~(2) # وفضلا عن ذلك فإن علم النفس - وهو أقوى العلوم ارتباطا بمشكلات السلوك ~~البشري - قد حقق كل ما أحرزه من تقدم بالارتكاز على مصادرة العلية. ~~والأمر الأكثر من ذلك إقناعا هو أن علم النفس قد تمكن من تحليل فعل ~~الاختيار، وكشف هذا التحليل عن أن الاختيار أو القرار يحدث دائما نتيجة ~~لشروط معينة. فعندما تتوافر هذه الشروط، يحدث اختيار، وعندما تغيب، لا يكون ~~هناك اختيار. وبالاختصار فإن كل القرارات إنما هي نتيجة لدوافع، والدافع ~~الأقوى هو الذي تكون له الغلبة دائما. # 4 # وينتهي صاحب المذهب الحتمي من ذلك إلى قوله إنه لما كان ~~التحليل النفساني عاجزا عن كشف أي مثال لاختيار لا دافع له (أي غير مسبب)، ~~فلنا أن نقول إنه لا يوجد اختيار كهذا. ~~(3) # كذلك يعتقد صاحب المذهب الحتمي أن موقفه هو أساس كل سلوك معقول. فكلما ~~ازدادت معرفتنا لأي شخص وثوقا، استطعنا أن ندرك على نطاق أوسع أن من ~~الممكن الوثوق بسلوكه والتنبؤ به في آن واحد. وفضلا عن ذلك فإن من الممكن، ~~بوجه عام، الوثوق من سلوك الناس إلى حد معقول، كما يتضح من أن كل مجتمع ~~مبني على الثقة المتبادلة بين أعضائه بعضهم وبعض. فنحن نتوقع من الناس أن ~~يسلكوا بطرق معينة؛ لأننا اكتشفنا أن منبهات (أو ms385 عللا) معينة تؤدي إلى ~~استجابات (أو معلولات) محددة. وعندما يخيب الناس أملنا يكون ذلك دائما ~~استثناء من الطابع العام لسلوكهم. ولولا هذه النسبة الغالبة من القابلية ~~المأمونة للتنبؤ، لما كان الاتصال الاجتماعي العادي عشوائيا تماما فحسب، ~~بل لما وجدت علوم كعلم الاجتماع وعلم النفس. ~~(4) # وأخيرا، فإن اللاحتمي على خطأ عندما يقول إن المسئولية الأخلاقية تفترض ~~حرية كاملة للإرادة؛ إذ كيف يكون لنا الحق في أن نعد الشخص مسئولا عن ~~أفعاله إذا كانت ناتجة عن قرار اعتباطي اتخذ في لحظة الاختيار؛ أعني قرارا ~~لا صلة له بشخصيته أو عاداته أو تجاربه السابقة؟ إنه لا يمكن أن يمتدح ~~عليها أو يلام، ويثاب أو يعاقب، إلا بقدر ما تكون قراراته صادرة عنه هو، ~~ومرتبطة بذاته الكاملة ارتباطا لا ينفصم. وهكذا فإن الأخلاقية والتشريع ~~الاجتماعي معا يفترضان الحتمية، من وجهة النظر العملية. فالتشريع ~~الاجتماعي مثلا مبني على افتراض إمكان التحكم في السلوك البشري بالوسائل ~~الصحيحة، إلا فلم كنا نسن القوانين لو لم نكن نفترض أنها ستؤثر في سلوك ~~الناس؟ ولنضرب مثلا آخر: فما هو التعليم الرسمي، إن لم يكن عملية طويلة ~~باهظة لتدريب الفرد (أو «تكييفه»، إذا شئنا استخدام هذا اللفظ الأثير لدى ~~عالم النفس)، بحيث يستجيب بطرق مرغوب فيها لكثير من المنبهات التي لا بد أن ~~تأتي إليه من التجربة اليومية، ولم نكرس للتعليم كل هذا الوقت والجهد إن لم ~~نكن واثقين - بدرجة معقولة - من أن عملية ~~التكيف هذه ستنجح؛ أي ما لم نكن متأكدين من أن في استطاعتنا إيجاد نمط ~~سلوكي يكون له ثبات نسبي، ويكون من الممكن الاعتماد عليه؟ ولو كان في ~~استطاعة الفرد، بعد سنوات من التحاقه بالمدارس، أن يدير ظهره للنمط الذي ~~استحدث ويسلك بطريقة اعتباطية، وعلى نحو مستقل تماما عن الاستجابات التي ~~تعلمها، فأي مبرر يكون للتعليم عندئذ؟ # مشكلة المسئولية القانونية ~~: هناك نقطة أخرى للخلاف ~~بين الحتمية واللاحتمية، مترتبة على الحجج المتعددة التي قدمناها الآن. تلك هي مسألة ~~المسئولية القانونية والعقوبة القانونية. فحجة اللاحتمية في هذا تسير دائما ms386 على نحو ~~يقرب من هذا: إذا كان الإرادة محتومة فعندئذ لا يكون هناك مبرر للعقوبة القانونية؛ إذ ~~إن المجرم، الذي تتحكم فيه قوى خارجية لا سلطان له عليها، أو عوامل وراثية تحددت قبل ~~ميلاده، لا يستطيع أن يفعل غير ما فعل. ومن ثم، فأية عدالة يمكن أن تكون للعقوبة تبعا ~~للرأي الحتمي؟ # على أن أنصار مذهب الحتمية لا يجدون صعوبة في الرد على هذه الحجة. فهم يشيرون أولا ~~إلى أن هذه الحجة اللاحتمية ترتكز على فهم عتيق عفى عليه الزمان لمعنى العقوبة ~~القانونية؛ إذ هي تفترض أن الغرامة، والسجن، إلخ، لها مقصد انتقامي؛ أي إن المجتمع يلجأ ~~إليها لكي يثأر من المجرم. على أن هذه الفكرة الهمجية لا مكان لها في فلسفة العقوبة ~~الحديثة المستنيرة، التي تجعل للعقوبات مقصدين : (1) حماية المجتمع عن طريق الحد من ~~خطورة مرتكب الجرم، لا سيما إذا كان من معتادي الإجرام، وهذا يعني عادة نوعا من ~~الحبس. (2) إصلاح مرتكب الجرم عن طريق إعطائه مجموعة جديدة من الدوافع، قد تكون مثلا ~~عليا اجتماعية أعلى قيمة، أو (إذا اتضح أنه غير قابل للتأثر بهذه المثل) عن طريق الخوف ~~الناتج عن تجربته الراهنة مع القانون. وهذا الهدف الثاني للعقاب؛ أعني هدف «إعادة ~~التكييف»، هو الذي يحتل أهمية متزايدة في فلسفة العقوبة الحديثة. ومن الواضح أن مثل هذا ~~الهدف يفترض التسليم بالحتمية؛ إذ إن السلوك البشري يرجع إلى عوامل معينة هي دوافعه، ~~والقانون يتدخل لتغيير دوافع المجرم. ولو كان هذا كله وقتا ضائعا أي لو كان اللاحتمي ~~على حق، وكان في استطاعة المجرم أن يسلك بطريقة اعتباطية دون نظر إلى العوامل المتحكمة ~~- فكيف نفسر عندئذ ارتفاع نسبة المجرمين السابقين الذين ينصلحون وتستقيم ~~أحوالهم؟ ~~(5) الاختيار بين الموقفين # لا بد للقارئ، كما هي الحال على الدوام، أن يزن حجج طرفي هذا النزاع الكبير ثم يتخذ ~~قراره الخاص حول ادعاءاتهما. والواقع أنه لا مفر من الاختيار بين الطرفين، ما لم نكن ~~راغبين في السير في طريق التطرف إلى حد القول بمذهب القدرية. على ms387 أن الأرجح أن هذه ~~الطريقة في التخلص من الصعوبة لا تلقى قبولا لدى الكثيرين؛ ولذا فسوف ننظر إلى المشكلة ~~الحقيقية على أنها مشكلة التقابل بين الحتمية واللاحتمية. # ونستطيع أن نختتم عرضنا للمشكلة الكاملة باقتراح نقاط متعددة يكشف عنها أي بحث محايد ~~للموقف. وسوف تبدو بعض هذه الاعتبارات مؤيدة لأحد الطرفين، وبعضها الآخر مؤيدا للطرف ~~الآخر. على أننا لا نهدف من عرض هذه النقاط إلى التأثير في القارئ بحيث ينحاز إلى هذا ~~الجانب أو ذاك، وإنما نهدف إلى زيادة احتمال اختياره بين الطرفين على أساس ~~معقول. ~~(1) هل العلية شاملة بالضرورة؟ # تبدو هذه المسألة ~~الأولى مؤيدة للاحتمية. فالحجة الحتمية القائلة إن كل علم يرتكز على مبدأ العلية لا ~~يمكن أن تكون حجة قاطعة، وذلك لأسباب متعددة. فمن الممكن جدا أن يكون الإنسان نوعا ~~فريدا في العالم العضوي، وأن يؤدي عقله وقدرته على الاختيار العاقل إلى جعله استثناء ~~في الطبيعة بالفعل. ولما كان من المعترف به أن الإنسان فريد في أمور متعددة، فليس لنا ~~أن نستبعد مقدما إمكان أن يكون الإنسان قادرا على البدء في سلاسل جديدة من الأفعال عن ~~طريق اتخاذ قرارات هي بالفعل غير خاضعة للحتمية. وثانيا فإن نجاح المبدأ الحتمي في ~~العلوم لا يعني أن من الممكن امتداده على جميع الظواهر، ومن المؤكد أن هذه الحقيقة لا ~~تضمن بأي حال إمكان امتداد المبدأ على هذا النحو. وفضلا عن ذلك فإن حياة الإنسان ~~الإرادية، ولا سيما ما يتعلق منها بالاختيار الأخلاقي، قد تكون فئة مستقلة من الظواهر ~~التي لا تحتاج لتفسيرها إلى مفاهيم أخرى غير العلية. وثالثا، فقد يكون المثالي على ~~حق حين يؤكد أن قانون العلية من صنع العقل - لا بالمعنى الظاهر الذي يكون فيه صياغة ~~ذهنية، بل بالمعنى الميتافيزيقي الذي تكون فيه العلية مطلبا يفرضه الكون على العقل. ~~هذا الرأي، كما عرضه «كانت» مثلا، يقول بأن العلية هي إحدى صور الفكر أو مقوماته، ~~فهي أحد القوالب أو الأطر التي ينبغي أن تصب فيها الظواهر الحسية إذا شاءت أن تكون ms388 ~~«عالما» معقولا. وهكذا تصبح «العلة» ذاتية لا موضوعية. ~~وإذا كانت العلة من صنع العقل، فمن الممكن عندئذ أن ~~تكون عملياتنا الذهنية والإرادية خارجة عن قوانينها، ويكون في استطاعة العقل أن يفرض ~~العلية على كل شيء آخر دون أن يفرضها على نفسه بالضرورة. ولذا كانت النتيجة التي ~~ينبغي أن ننتهي إليها هي أنه، مهما تكن ضرورة مبدأ العلية للعالم في جهوده التي ~~يبذلها لفهم العالم الطبيعي، فإن قابلية هذا المبدأ للانطباق على العالم الذهني ~~والأخلاقي تظل مفتقرة إلى الدليل. ~~(2) ما مدى صحة الشعور بالحرية؟ # أما المسألة ~~الثانية التي ينبغي أن نلاحظها قبل اتخاذ أي قرار بين الحتمية واللاحتمية. فتؤيد فرض ~~الحتمية؛ ذلك لأن اللاحتمي يستغل شعورنا الذي لا ينكر بالحرية استغلالا زائدا عن ~~الحد، ومن المؤكد أننا نكون عادة واثقين ، في لحظة الاختيار الفعلي، بأننا نستطيع لو ~~شئنا أن نختار الحل الآخر بدلا من الحل الذي اخترناه. ومع ذلك فإن القائل بالحتمية ~~يعتقد أن هذا الشعور الحدسي بوجود أطراف يمكننا الاختيار بينها بحرية هو شعور واهم. وهو ~~على الأقل لا يثبت أن لدينا بالفعل إرادة غير مسببة. وأغلب الظن أن كل ما يدل عليه هذا ~~الشعور بالحرية هو جهلنا بالأسباب المتحكمة في الاختيار بالفعل. # ولقد كان اسبينوزا هو الذي عبر عن مغالطة الحرية هذه تعبيرا كلاسيكيا؛ إذ قال: ~~«إن الناس يولدون جاهلين بأسباب الأشياء، ولكن لديهم رغبة في البحث عن نفعهم ~~الخاص، وهي رغبة يشعرون بها عن وعي. ويترتب على ذلك، أولا، أنهم يظنون أنفسهم ~~أحرارا؛ لأنهم واعون برغباتهم وشهواتهم، ولكنهم، نظرا إلى جهلهم، لا يحملون ~~بالتفكير في الأسباب التي أدت بهم إلى هذه الرغبات ... وهكذا يعتقد الطفل الرضيع ~~أنه يبحث عن الثدي بإرادته الحرة، ويعتقد الصبي الغاضب أنه يرغب في الانتقام ~~بإرادته الحرة، ويظن الجبان أنه يسعى إلى الهرب، ويتوهم السكير أنه يتحدث، بأمر ~~حر صادر عن ذهنه، عن تلك الأمور التي كان يود في صحوه ألا يقول عنها شيئا. ~~وعلى هذا النحو يظن المجنون، والثرثار، والصبي، ومن على شاكلتهم، ms389 أنهم يتحدثون ~~بأمر حر صادر عن أذهانهم، مع أنهم في واقع الأمر لا يملكون القدرة التي يقفون ~~بها في وجه النزوع الذي يدفعهم إلى الكلام، بحيث إن التجربة ذاتها، لا العقل ~~وحده، تدلنا بوضوح على أن الناس يظنون أنفسهم أحرارا لمجرد كونهم واعين ~~بسلوكهم الخاص، دون أن يعلموا شيئا عن الأسباب المتحكمة فيهم. كما أنها تدلنا ~~على أن أوامر العقل ليست إلا الشهوات ذاتها، التي تختلف بالتالي باختلاف الحالة ~~المزاجية للجسم.» # 5 # وفي موضع آخر يلجأ اسبينوزا إلى تشيبه الحجر الطائر في الهواء، الذي لو كان لديه وعي، ~~لغدا على الثقة من أنه يتحرك بإرادته الحرة، نظرا إلى جهله بالقوى التي حركته. # وعلى الرغم من أن المرء لا يكاد يجد ما هو أفضل من كلمات اسبينوزا السابقة؛ ففي ~~استطاعتنا أن نزيدها تأكيدا بالإشارة إلى كثرة الأدلة التي أثبت بها علم النفس الحديث ~~هذه النقطة. فقد كانت نظرية اللاشعور موردا لا ينضب للأدلة المؤيدة للحتمية. والواقع ~~أن التحليل النفسي هو، إلى حد بعيد، أسلوب لكشف الأسباب الخفية والدوافع المكبوتة ~~التي تمارس تأثيرا فعالا في سلوك الفرد حتى حينما لا يكون شاعرا بها على الإطلاق. ~~كذلك فإن علم النفس جعل الشخص العادي ذاته يدرك في الوقت الحالي مدى التأثير الخفي ~~الملتوي الذي يمكن أن تمارسه الرغبة في التبرير على تفكيرنا وسلوكنا. ويعرف التبرير ~~أحيانا بأنه البحث عن أسباب جيدة لأفعال رديئة - هي عادة أفعال أنانية نخجل منها بحق. ~~ففي هذه العملية الذهنية التي نبرر بها تصرفاتنا، نحاول أن نجعل سلوكنا مقبولا لنا ~~بالاهتداء إلى أسباب دفاعية لهذا السلوك، نستطيع أن نقنع عقولنا بأنها هي الأسباب ~~الحقيقية. وقد نكون بالفعل جاهلين بدوافعنا، أو قد نكون خادعين لأنفسنا فحسب، غير أن ~~علم النفس قد تمكن من كشف السبب الحقيقي لسلوكنا في حالات تبلغ من الكثرة حدا يجعل ~~عبارة اسبينوزا، التي كانت تبدو في عصره مذهلة، تبدو اليوم أشبه ببديهية من بديهيات علم ~~النفس. فنظرا إلى عدم رغبتنا في أن نكون أمناء مع أنفسنا فيما ms390 يتعلق بالأمور القبيحة، ~~فإننا نسمي أفعالنا التي هي في أساسها أنانية أفعالا «قابلة للتبرير». ونظرا إلى ~~جهلنا بالسبب الذي يجعلنا نسلك كما نسلك، فإنا نسمي أنفسنا «أحرارا». # تغير مفهوم «الإرادة» ~~: هناك مسألة أخيرة تؤدي بطريق ~~غير مباشر إلى دعم الموقف الحتمي، على الرغم من أنها حقيقة تاريخية، لا حجة فلسفية. تلك ~~هي الحقيقة القائلة إن هناك معنيين مختلفين للفظ «الإرادة»، فهناك أولا المعنى ~~التقليدي، المبني على النظرة إلى الذهن على أنه مجموعة من «الملكات». ونظرا إلى أن علم ~~النفس الحديث لم يعد ينظر إلى الذهن على أنه مجموعة من الوسائط أو «الملكات» المستقلة، ~~كالعقل، والإرادة، والخيال، إلخ، فمن الواجب استبعاد هذا المعنى القديم للفظ «الإرادة» ~~إذا شئنا أن تكون مناقشاتنا حوله دقيقة. # أما المعنى الحالي للفظ فيعبر عن النظرية الوظيفية للذهن، التي يقول بها علم النفس ~~المعاصر، فلم تعد الإرادة تعد كيانا أو واسطة مستقلة، بل إن عالم النفس بفضل الكلام عن ~~«الفعل الإرادي» الذي يراه وظيفة ترتبط بالكائن العضوي الكامل. ففي استطاعة الفرد، عن ~~طريق عملية استبصار وتدبر، أن يبعث التآزر في رغباته والتكاسل في دوافعه، فتكون نتيجة ~~هذا التآزر - بعد التوفيق بين الرغبات المتعارضة - فعلا، أو على الأقل قرارا يتحقق في ~~فعل. هذا الفعل يمكن أن يسمى «فعلا إراديا»، ولكن من الواجب أن نضع نصب أعيننا تلك ~~النظرة الوظيفية العضوية إلى الذهن عندما نصف فعلا كهذا بأنه ذو طابع إرادي. # ومن الواضح أن للنظرة العتيقة إلى الذهن من خلال مفهوم «الملكة» صلة وثيقة بالموقف ~~اللاحتمي. فمن السهل القول بأن «الملكة» المستقلة أو «الوسيط» المستقل متحرر من ~~القوانين العلية، ولكن من الصعب الادعاء بأن الكائن العضوي الكامل يؤدي وظائفه في ~~فراغ من اللاتحدد، بل إن نفس تعريف الإرادة، في ظل الرأي القديم، بأنها «كيان مستقل»، ~~ينطوي على حكم مسبق على الموضوع قبل أن تبدأ المناقشة. ولما لم يكن هناك تخصيص للطريقة ~~التي تكون بها الإرادة مستقلة، فلا يكاد يكون من حقنا أن نلوم اللاحتمي على تفسيره لهذا ~~الاستقلال بأنه ms391 استقلال «علي». أما اليوم فقد انقلبت الآية: فلما كان النشاط الإرادي ~~يعد الآن جزءا لا يتجزأ من استجابتنا الكاملة للبيئة، فإنا لا نستطيع أن نلوم الحتمي ~~على استخدامه هذه الحقيقة في دعم مركزه هو. وهكذا يقدم إلينا التاريخ الكامل للنزاع حول ~~حرية الإرادة مثلا رائعا للعلاقات المتبادلة بين الفلسفة وبين المفاهيم العلمية ~~الشائعة في أي عصر. ويبدو أن للعلم اليوم من التأثير في الفلسفة ما يفوق تأثيره فيها في ~~أي وقت مضى، غير أن هذا ليس إلا انعكاسا للتأثير الهائل للعلم في جميع ميادين الفكر ~~البشري. والواقع أن الفلسفة كانت دائما تستجيب للأفكار الجديدة والأيديولوجيات ~~المتداولة حولها، وحتى في الحالات التي بدا فيها الفيلسوف منعزلا غاية ما يكون ~~الانعزال في برجه العاجي، فإن «رياح الفكر» التي تهب عليه من الخارج كانت تؤثر حتما في ~~تفكيره. والحق أننا لا نكاد نجد لذلك مثلا أفضل من النزاع الذي نحن بصدد ~~مناقشته. ~~(6) الدور الدائم الذي أسهم به كل رأي # المهام اللاحتمية ~~: أيا كان الجانب الذي ننحاز ~~إليه آخر الأمر في الجدال الدائر بين الحتمية واللاحتمية، فينبغي أن نعلم أن كل رأي قد ~~قام بدور هام في تاريخ الفكر، وذلك إذ حافظ على تداول أفكار هامة معينة. فلا شك مثلا ~~في أن أعظم دور قام به مذهب اللاحتمية هو اعتقاده الراسخ بأننا نحن الذين نصنع مصيرنا ~~بأيدينا، جزئيا على الأقل؛ أي كما قال الشاعر: # أنا سيد مصيري # وربان سفينة نفسي # وقد يصف القدري هذا القول بأنه وهم بحت، كما أن من المؤكد أن أنصار ~~مذهب الحتمية يصفونه بأنه نصف حقيقة فحسب. ومع ذلك فإنه اعتقاد أنقذ أشخاصا لا حصر لهم ~~من اليأس، وربما من الانتحار. فإذا استطعت أن أومن، بوصفي لا حتميا، بأن السيادة ~~الكاملة لقوانين العلة والمعلول تتوقف فجأة عندما تصل إلى مجال الحكم الشخصي والقرار ~~الأخلاقي، فإني أكون عندئذ محصنا ضد بعض من أسوأ ضربات الحياة. ففي استطاعة هذا ~~الاعتقاد أن يزودني بدرع داخلية يمكن أن تظل فيها نفسي أو شخصيتي المتكاملة ms392 (أي «الأنا ~~الباطن»، كما تسميه إحدى مدارس الفكر الملهم) في سلام وهدوء مهما يحدث. وهكذا يتيح لي ~~الإيمان اللاحتمي الاحتفاظ بيقين راسخ بأنني حتى لو لم أستطع التحكم في الظروف ~~الخارجية، فسيظل في استطاعتي ألا أدع هذه الظروف تسيطر علي سيطرة كاملة. ذلك لأنني ~~أستطيع أن أقاوم تحكمها في، وحتى عندما تبلغ الأمور أسوأ مداها، فسيظل في إمكاني وضع ~~إرادتي في مقابل كل قوتها الهدامة، متحديا إياها أن تفعل أقصى ما تستطيع. # ولما كان قليل من اللاحتميين هم الذين يعترفون بأن هذا الإيمان الأساسي بقدرة الفرد ~~على الانتصار داخليا على الظروف الخارجية هو كل ما تستطيع هذه المدرسة أن تقدمه، ~~فأغلب الظن أنهم يتفقون جميعا على أن هذا هو أعظم نصيب تسهم به اللاحتمية. فمن الواضح ~~أنها تتيح ملجأ يعصمنا من الهجوم، نستطيع أن نحتمي به دائما عندما تبدو الحياة ثقيلة ~~الوطأة علينا، ويمكننا أن نستجمع فيه قوانا لمواجهة الحياة ثانية. وعلى ذلك فإن ~~اللاحتمية تقدم إلينا الكثير، وذلك إذا نظرنا إلى الأمور بمنظار برجماتي. فإذا ما كنا ~~نقدر وجهات النظر الأخلاقية المختلفة على أساس ما يمكنها الإسهام به في السعادة ~~البشرية، فمن المؤكد أن اللاحتمية تحتل عندئذ مكانة رفيعة في القائمة. فهي مصدر إلهام ~~دائم لأولئك الذين يمكنهم الإيمان بهذا الاعتقاد، بل إن أولئك الذين يخالفون هذا ~~الإيمان مضطرون إلى الاعتراف بأن مذاهب قليلة أخرى هي التي تستطيع أن تفعل أكثر مما ~~تفعله اللاحتمية لرفع الروح المعنوية للإنسان. # وعد الحتمية ~~: أسهم الحتمي من جانبه بدور له قيمته ~~الكبرى، وهو يعدنا بمزايا أعظم في المستقبل عندما تتحقق النتائج الكاملة للموقف الحتمي. ~~فهو أولا قد فعل الكثير من أجل ربط الطبيعة البشرية ببقية العالم الطبيعي، وقد ساعد ~~ذلك على تحقيق حلم طالما طاف بمخيلة الفيلسوف والعالم، وهو الوصول إلى معرفة موحدة ~~تماما، تشمل تجربة الإنسان بأسرها وتفسرها. وقد أسهم الحتمي بنصيب آخر، هو تكوين صور ~~أكثر علمية وواقعية للإنسان. ولقد كانت هذه الصورة، جزئيا، مخففة لغلواء الإنسان، بل ~~كانت مخيبة لآماله؛ ms393 إذ إنها أثبتت أن الإنسان معتمد على بيئته في حياته العقلية، لا في ~~حياته المادية وحدها. ولكن هذه الصورة كانت مثيرة وملهمة إلى حد أكبر؛ إذ إنها توحي ~~بإمكانات هائلة للسعادة البشرية إذا أمكننا أن نعرف كيف نسيطر على بيئتنا سيطرة أفضل. ~~وهنا يكمن أعظم وعد تقدمه إلينا الحتمية. فإذا كانت ذاتنا أو شخصيتنا، كما يرى الفرض ~~الحتمي، حصيلة كل ما صادفناه، وكان له تأثير في الكائن العضوي المادي الذي ولدنا به، ~~فإنه يترتب على ذلك أن يكون في وسعنا (عن طريق التعليم وتحسين السلالات) أن ننتج كائنات ~~بشرية قريبة من أعلى المستويات. ذلك لأننا إذا استطعنا تكييف الفرد بحيث يستجيب لأمور ~~معينة ويتخذ قرارات خاصة، فمن الواضح أننا نستطيع عندئذ أن نحقق سيطرة وفعالية ~~اجتماعية أعظم - وبالتالي سعادة بشرية تفوق كل ما كنا نحلم به حتى اليوم. # من وجهة أخرى فلو كان اللاحتمي على حق، وكان في استطاعة الإنسان أن يتخذ قرارات غير ~~مسببة على الإطلاق، فعندئذ يكون التعليم والجهد الذي يبذل للتحكم في البيئة ~~الاجتماعية، كما رأينا من قبل، مضيعة للوقت إلى حد بعيد. ولهذا السبب كان القائل ~~بالحتمية يتهم خصمه بأنه أكثر قدرية من القدري الصريح. ذلك لأنه إذا كان في استطاعتنا ~~في أية لحظة أن ننكر تاريخنا الفردي بأسره، ونسلك اعتباطا وكأننا قد ولدنا فجأة من ~~جديد في عالم لا علية فيه. فمن الواضح عندئذ أننا لا نملك أية سيطرة على السلوك ~~البشري. وإن مجتمعا يتألف من إرادات غير متحددة أصلا بأي شيء لا يكون إلا فوضى ~~أخلاقية، بل إن العالم كما تصوره القدرية لينطوي على نظام يفوق ذلك الذي تصوره النظرة ~~اللاحتمية إلى الأمور. ~~(7) المشكلة في صلتها بالمثالية والطبيعية # اللاحتمية والمثالية ~~: تبدو العلاقات بين الخلاف حول ~~حرية الإرادة وبين التقابل الأوسع بين المذهبين المثالي والطبيعي أوضح من أن تحتاج إلى ~~تحديد؛ ذلك لأن المثالية واللاحتمية كانتا مرتبطتين طوال تاريخ الفلسفة الغربية ~~ارتباطا بلغ من الوثوق حدا أصبح معه الحديث عن أحدهما ينطوي ضمنا على الحديث ms394 عن ~~الآخر. فمعظم المثاليين ينظرون إلى الحتمية على أنها فكرة لا يمكن تصورها حتى لو كانت ~~حتمية معتدلة كتلك التي يقدمها المذهب في صورته المعاصرة. فإما أن يكون الإنسان حرا ~~في حياته الذهنية والإرادية، وإما أن يكون عبدا تقيده أغلال القدرية بالمسار الآلي ~~لعالم متخبط. وفي رأي الذهن المثالي أن الاختيار بين هذين الطرفين أمر لا مفر منه، فإما ~~أن يكون الإنسان حرا بحق وإما أن يكون عبدا بالمعنى الكامل. أما صاحب المذهب الطبيعي ~~فيرى، على العكس من ذلك، أنه لما كانت الطبيعة حدا أبعد وأقصى من الذهن، ولما كانت ~~الطبيعة البشرية جزءا لا يتجزأ من النظام الطبيعي، فيترتب على ذلك منطقيا أن قوانين ~~النظام الطبيعي تسري بالضرورة على الإنسان. ولا يوجد، من بين القوانين والمبادئ التي ~~تحكم الطبيعة، ما هو أهم وأشد ضرورة من مبدأ العيلة. # والواقع أن الموقفين المتعارضين للمدرستين الميتافيزيقيتين الكبريين إزاء الحتمية ~~يلزم منطقيا من مسلماتهما ومصادرتهما الخاصة. فبالنسبة إلى المثالية، التي تؤمن بأن ~~الواقع روحي، يكون من المنطقي الاعتقاد بأن أوجه نشاطنا الذهني والإرادي قد تكون عالية ~~على القوانين التي تحكم العالم غير الذهني أو خارجة عنها. وفضلا عن ذلك فإذا نظر إلى ~~الواقع على أنه قوة خلاقة من نوع ما، فعندئذ يمكن أن ينظر إلى مثل هذه القوانين (أي ~~قوانين العلة والمعلول مثلا) على أنها مخلوقة لكي تسري على العالم المادي على التخصيص. ~~ومعنى ذلك أن تلك القوانين لا يقصد منها أن تسري على الذهن وأوجه نشاطه. وهذا موقف أشبه ~~ما يكون بموقف المشرع الذي يضع قوانين لا تنطبق عليه هو نفسه. # الحتمية والمذهب الطبيعي ~~: يوجه صاحب المذهب الطبيعي ~~إلى المثالي، كعادته، تهمة ارتكاب جريمتين عقليتين: وضع العربة قبل الحصان، والإغراق في ~~التفكير القائم على التمني. ففي رأي صاحب المذهب الطبيعي أن الأقرب إلى المنطق بالتأكيد ~~هو الاعتقاد بأن الذهني قد انبثق من المادي، وبأن القوانين العامة التي تحكم الأصل تحكم ~~الفرع أيضا. فهنا يكشف المثالي عن ميله المعتاد إلى جعل العالم مأمونا بالنسبة ms395 إلى ~~القيم بأي ثمن، حتى لو كان معنى ذلك إغماض عينيه عن الوقائع وتجاهل النتائج الرئيسية ~~للعلم. ويواصل صاحب المذهب الطبيعي كلامه قائلا إن من الواضح أن المذهب اللاحتمي، ~~الأثير لدى المثالي، لا يهتم أساسا بالوقائع، وإنما يهمه تصوير العالم على أنه مشتل ~~مصمم أحسن تصميم، تستطيع فيه أعز قيم الإنسان أن تنمو وتضمن ازدهارها الكامل. فينبغي أن ~~يلاحظ مثلا أن الواقعة الفعلية الوحيدة التي يقدمها اللاحتمي تأييدا لموقفه هي الشعور ~~بالحرية الذي نحس به عندما نتخذ قرارا. فإذا ما قارنا هذا الحدس الواحد بوقائع العلم ~~التي لا حصر لها، ولا سيما كشوف علم النفس، لبدت هذه «الواقعة» اللاحتمية الوحيدة ~~منعزلة ضعيفة التأثير إلى حد بعيد. وينتهي صاحب المذهب الطبيعي من ذلك التساؤل: أيحق ~~لنا أن نستغرب إذن حين نجد اللاحتمي يؤيد موقفه قبل كل شيء، على أساس ما ينبغي أن يكون ~~عليه الموقف في عالم أخلاقي مرتكز حول القيم؛ أي على أساس ما يكون خيرا ~~للإنسان؟ # كلمة تلخيص ~~: وهكذا يتحتم على مشكلة الحرية البشرية ~~أن تنتهي كما تنتهي كل مشكلات الفلسفة: فلدينا إجابتان ممكنتان، كل منهما منطقية ~~مقنعة، وكل منهما لها مزاياها العديدة، وعلينا أن نختار بينهما. ولا مفر لنا عند ~~القيام بهذا الاختيار من أن نتأثر بنظرتنا العامة إلى العالم. ولكن ما الذي يتحكم في ~~نظرتنا هذه إلى العالم؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن ندور في حلقة مفرغة: فاللاحتمي ~~يقول إن اختيارنا لنظرتنا إلى العالم اعتباطي؛ إذ إن من الممكن القيام به على أسس ~~أخلاقية وعقلية في فراغ لا سببية فيه. أما الحتمي فيقول إن اختيارنا لنظرتنا إلى الحياة ~~هو أمر محدد لنا. وفي استطاعته أن يذكر عوامل متعددة تسهم في هذا التحديد الأساسي: منها ~~عوامل ذهنية (كالتعليم والبيئة العقلية العامة، إلخ)، وعوامل مادية (كالصحة وتوازن ~~الغدد)، وعوامل اجتماعية أو اقتصادية (كالجماعة الاقتصادية التي نولد فيها، ومقدار ~~الشعور بالاستقرار الذي يمكننا الوصول إليه، إلخ). فنظرتنا إلى العالم، في رأي الحتمي، ~~خاضعة لتحكم هذه العوامل الداخلية والخارجية مجتمعة، ms396 مثلما أن مسار الشهاب يتحدد تبعا ~~للقوى المؤثرة فيه. # وسوف نعود في الفصل الأخير من هذا الكتاب إلى بحث هذا الموضوع العلمي الشائق، موضوع ~~أصل تلك المواقف المتباينة من العالم والتجربة البشرية، كالمثالية والطبيعية. ومع ذلك ~~فلا بد لنا، قبل محاولة القيام بتحليل نهائي، أن نواجه عدة مشكلات فلسفية رئيسية أخرى، ~~بعضها يرتبط بعلم الأخلاق المعاصر ارتباطا وثيقا. # الفصل الخامس عشر # | الأخلاق المعاصرة ومشكلاتها # كان المحور الرئيسي لتفكيرنا، في الفصول الثلاثة الخاصة بالأخلاق، والتي ختمناها منذ ~~قليل، هو الأخلاق التقليدية أو الكلاسيكية. فالمصطلحات والمفاهيم والحجج قد توطدت كلها ~~نتيجة لكثرة الاستعمال - فتلك هي الأدوات أو المقاييس التي ظل المفكرون الأخلاقيون ~~يستخدمونها أجيالا عديدة، بل إن كثيرا من المفاهيم والخلافات ترجع إلى وقت سقراط وأفلاطون ~~وأرسطو. والواقع أنه كان من المستحيل ، في مدخل عام إلى الفلسفة كهذا، أن نتجنب هذه النزعة ~~التقليدية في التفكير الأخلاقي. ولقد كان من الممكن حتى عهد قريب القول بأنه لا يوجد فرع في ~~الفلسفة تم استطلاعه وكشف معالمه كالأخلاق، ومن المؤكد أنه كان أقل الفروع تبشيرا بحدوث ~~تطورات في المستقبل. وهكذا كان يبدو وكأن مختلف المدارس في ميدان الأخلاق قد حاربت بعضها ~~بعضا حتى وصلت إلى مرحلة توقف - أو على الأقل نفدت ذخيرتها - دون أن يلوح في الأفق أي مصدر ~~جديد لإمدادها بالمزيد منها. وعلى الرغم من أن مبحث القيم أو نظريتها العامة قد تطور تطورا ~~ملحوظا خلال العصور الحديثة، مما أتاح أساسا نظريا أمتن للتأمل النظري الأخلاقي، فإن ~~الأمور في ميدان الأخلاق ذاته بدت مستقرة تماما. وكل ما كان يمكن أن يقال في صف كل وجهة ~~نظر كان قد قيل مرات متعددة على ألسنة الأجيال المتعاقبة من أنصار وجهة النظر هذه. وهكذا ~~كان الملاحظ الذي يقوم باستعراض للأخلاق في مجموعها خلال العقد الأول أو العقدين الأولين من ~~هذا القرن، خليقا بأن يكون في ذهنه انطباعا بأن هذا ميدان فكري ساكن نسبيا. # ومع ذلك ففي خلال ربع القرن الأخير أو نحو ذلك. تجددت حيوية الأخلاق على ms397 نحو ملحوظ. فقد ~~توقف إلى حد بعيد ذلك التسكع القديم الهادئ في الدروب المطروقة للتفكير الأخلاقي، وعاد ~~هذا الفرع من الفلسفة في الوقت الحالي إلى النشاط على نحو لا يقل عن نشاط أي فرع آخر في هذا ~~الميدان. ولسنا نستطيع أن نحدد بدقة سبب يقظة الأخلاق من حالة الركود هذه، ومن الجائز أن ~~عوامل متعددة قد تضافرت لتحقيق ذلك. وحين يستعرض المرء المؤلفات التي نشرت في هذا الموضوع ~~خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، يبدو له أن هناك عاملين كان لهما تأثير خاص: ~~أحدهما كان تأثيره تراكميا بطيئا، على حين أن الآخر كان انقلابيا مفاجئا. وبين هذين ~~العاملين أتيح للمفكرين المعنيين بالنظرية الأخلاقية أن يقضوا في الآونة الأخيرة وقتا ~~مليئا بالحيوية، وتفجرت خلافات جديدة في أرض الأخلاق بكثرة مثيرة. # هذان العاملان الرئيسيان اللذان أثرا في الأخلاق المعاصرة هما: (1) نمو العلوم ~~الاجتماعية، ولا سيما علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا (2) والتجريبية المنطقية. ~~ولو رجعنا بأنظارنا عدة عشرات من السنين، لوجدنا أن العامل الأول من هذين كان هو الأهم، أما ~~بالنسبة إلى السنوات القلائل الأخيرة فقد كانت التجريبية المنطقية هي الأهم. وعلى أية حال ~~فقد كان تأثير هذين العاملين معا من الأهمية بحيث أدى إلى تغيير كبير في ميدان الأخلاق ~~بأسره. ومن سوء الحظ أن الخلاف الذي أثارته التجريبية المنطقية يحتدم الآن بشدة، وما زال ~~الغبار كثيفا إلى حد لا نستطيع معه أن نذكر إلى أين تتجه المعركة. ومن ثم فإن أي عرض نحاول ~~تقديمه قد يغدو بعد سنوات قلائل متخلفا عن ركب الزمان، ويقدم إلى الطلاب صورة مزيفة عن حدث ~~هام في تاريخ الأخلاق؛ ولذا يبدو أن من الأفضل التركيز على التأثير الأوضح بكثير الذي ~~مارسته العلوم الاجتماعية على الأخلاق المعاصرة. وعلى حين أن كثيرا من المشكلات التي ~~أثارتها العلوم الاجتماعية لم يبت فيها بعد، من وجهة النظر الأخلاقية، فإن هذه المشكلات قد ~~أصبحت الآن مبوبة ومعروضة بقدر من الدقة يتيح تقديم عرض متوازن لها؛ لذلك فسوف نكرس ما ~~لدينا من حيز ms398 محدود لهذه المشكلات. ~~(1) الأخلاق والعلوم الاجتماعية # كان من المحتم، بمجرد أن وصلت العلوم الاجتماعية إلى مكانتها العقلية الراهنة، أن ~~يكون لها تأثير في التفكير الأخلاقي. فعلى عكس الفكرة السائدة بين الناس، والقائلة إن ~~الفلاسفة (وضمنهم فلاسفة الأخلاق)، يسكنون أبراجا عاجية لا تربطها بالعالم الخارجي ~~للحياة اليومية البشرية أدنى صلة، نجد أن التفلسف النظري في الأخلاق كان دائما وثيق ~~الارتباط بالتفكير النظري والممارسة العملية المتعلقين بالميدان الاجتماعي المحيط به. ~~بل لقد كان هذا التفلسف عادة مرتبطا ارتباطا وثيقا بالإطار الاجتماعي المباشر الذي ~~يوجد فيه، ولو كان في التفكير النظري الأخلاقي ضعف عام واحد، فما ذلك إلا اتجاهه إلى أن ~~يكون مجرد تبرير غير ظاهر أو «بطانة» عقلية صنعت بحيث يمكن أن تبنى عليها العادات ~~الأخلاقية الرسمية أو المعترف بها في مجتمع معين وعصر معين. وبالاختصار فقد كانت ~~الأخلاق، على وجه العموم، محلية أو إقليمية. ولم تكن معظم المذاهب الأخلاقية «شاملة» أو ~~«أزلية» أو «مطلقة» أو «مثالية» كما تزعم عادة، وإنما كانت نسبية تبعا للحضارة والعصر ~~التاريخي اللذين ظهرت فيهما. وفضلا عن ذلك كان الكثير منها ينتسب بوضوح إلى الطبقة ~~الاجتماعية التي ينتمي إليها الفيلسوف، أو التي ارتبط بها دون وعي. # ولو كان علينا أن نلخص التأثير العام للعلوم الاجتماعية في الأخلاق، لكان من الإنصاف ~~أن نصفه بأنه زيادة في اتجاه الدقة والعمق، ونقص في الاتجاه المضاد، وهو اتجاه ~~الإقليمية أو المحلية. هذه الدقة والعمق هي في الواقع مزيد من الوعي الذاتي والموضوعية؛ ~~أي الإدراك المتزايد بأن الأخلاق تتعرض دائما للخطر الذي وصفناه من قبل، وهو أن تغدو ~~مجرد أساس نظري للقواعد الأخلاقية المعمول بها في العصر الراهن. ومعنى ذلك أن المفكرين ~~الأخلاقيين يبذلون جهدا مطردا لعبور مجالات المناخ الحضاري وتجاوز حدود القواعد ~~الأخلاقية السائدة محليا، من أجل الوصول إلى الأسس الحقيقية للحكم الأخلاقي. وقد ~~أصبحنا الآن أقوى شعورا مما كنا في أي وقت مضى بضرورة (وصعوبة) تحديد أساس نظام أخلاقي ~~شامل بحق، بدلا من ذلك الذي ينطبق على المدنية الغربية وحدها، ms399 ويلائم المسيحيين دون ~~غيرهم. # الأنثروبولوجيا الاجتماعية والأخلاق ~~: من الجائز أن ~~الأنثروبولوجيا الاجتماعية هي التي كان لها أكبر الأثر في هذا الصدد. ولقد أشرنا في فصل ~~سابق إلى أن العالم الأنثروبولوجي لم يكن أول من اهتدى إلى أن العادات البشرية ~~والمعايير الأخلاقية تتنوع إلى حد بعيد في شتى أرجاء العالم. ومع ذلك فقد كان أول من ~~أماط اللثام عن كثير من الأسس الأيديولوجية التي تبرر هذه التنوعات. فقد كشفت لنا ~~الأنثروبولوجيا عن مدى الاختلاف الجذري الذي يوجد بين بعض هذه الأيديولوجيات، بحيث لا ~~يكون من المبالغة أن نقول إن أفراد جماعة حضارية معينة لا يعيشون في نفس العالم الذي ~~يعيش فيه أفراد جماعة أخرى. فإذا قارنا مثلا بين فكرة حيوية الطبيعة، وهي الفكرة التي ~~تضفي على الأشياء والقوى المادية عقلا وإرادة ، وبين النظرة العلمية التي تحرص على ~~استبعاد هذه الأرواح من العالم المادي، لتبين لنا أن القائل بحيوية الطبيعة والعالم لا ~~يتكلمان لغة واحدة بأي معنى حقيقي لهذا اللفظ. ويستنتج علماء الأنثروبولوجيا من ذلك أن ~~من العبث لذلك أن نتوقع من الطرفين أن يتكلما لغة أخلاقية واحدة؛ ذلك لأن من حقنا أن ~~نتساءل: أليس من الممكن، بل من المرجح، أن يكون عالما القيم اللذان يعيش فيهما القائل ~~بحيوية الطبيعة والعالم متباينين بقدر ما تتباين نظرتاهما إلى العالم الطبيعي؟ # ولقد أخذت تتزايد على الدوام، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر صعوبة مسايرة ~~الأخلاق التقليدية - التي كانت تلتزم عادة بالبحث عن مذهب واحد، ثابت على مر الزمان، ~~للقيم - للنتائج النسبية الواضحة التي ترتبت على الكشوف الأنثروبولوجية. فكلما ازدادت ~~الوقائع الأنثروبولوجية تراكما، أصبحت مهمة تفسير ذلك التنوع الهائل للمعايير ~~الأخلاقية على أساس مفهوم واحد للخير أصعب إلى حد يبعث على اليأس. حتى ظهر بوضوح في ~~أوائل هذا القرن أن من الضروري النظر إلى المشكلة بأسرها من زاوية جديدة. وكان السؤال ~~الذي يتعين البحث عن إجابة له هو في أساسه: هل يمكن أن تبنى الأخلاق، أو أية نظرية في ~~القيمة، على العلم - ولا سيما ms400 العلم الطبيعي. أم أن عالم القيم مجال لا يستطيع المنهج ~~العلمي أن يغزوه أو أن يسهم فيه بأي نصيب مفيد؟ وبالاختصار، فهل تكون تقويمات الإنسان ~~وأحكامه المعيارية عالما متميزا تماما، لا صلة له ببقية تجربته؟ # والواقع أن الموقف الذي أصبح يواجهه المفكرون الأخلاقيون كان شبيها بذلك الذي واجهه ~~الدين منذ ظهور العلم، ولا سيما منذ فترة النمو الهائل للمعرفة العلمية خلال الأعوام ~~المائة الأخيرة. فقد اضطر المفكرون الدينيون - وبخاصة أولئك الذين كانوا مسئولين عن ~~اتخاذ القرارات العقيدية - إلى الاختيار بين أمرين؛ فهل ينبغي عليهم أن يظلوا يتقبلون ~~هذه المعرفة الجديدة بمجرد الإعلان عنها، والتوفيق بينها وبين العقيدة الدينية على نحو ~~ما، حتى ولو كان ذلك مقابل تخفيف هذه العقيدة إلى حد تصبح معه أوجه الشبه بينها وبين ~~المذهب المسيحي كما عرفته الأجيال السابقة ضئيلة للغاية؟ أم أن من واجبهم، على العكس من ~~ذلك، أن يتمسكوا بموقف الدين ويتجاهلوا الكشف العلمي، بل يفندوه؟ الواقع أن هذا ~~الاختيار كان عسيرا بحق. وفي أمريكا سلكت الجماعات البروتستانتية المتحررة الطريق ~~الأول، والجماعات المتمسكة بالعقيدة الأساسية # Fundamentalists # الطريق الثاني، غير أن ثمن كل ~~اختيار كان باهظا إلى حد يصعب معه أحيانا على من يتأمل الأمور من الخارج أن يقرر ~~أيهما كان يؤدي إلى خسارة في الهيبة والنزاهة العقلية أكبر مما يؤدي إليه الآخر. # وهكذا الحال في التفكير الأخلاقي في القرن الحالي؛ فهل يجب على الأخلاق ونظرية القيم ~~أن تبذل جهدا مستمرا للانتفاع من المعرفة العملية، ولا سيما الأنثروبولوجيا وعلم ~~النفس؟ أم أن عليها أن تتجاهل العلم على أساس أنه لا صلة له بمشكلتي «الخير» و«الحق»؟ ~~إن أهم انقسام رئيسي في الأخلاق المعاصرة هو ذلك الذي يترتب على الإجابات المتعارضة عن ~~هذا السؤال العظيم الأهمية. وعلى حين أن في علم الأخلاق المعاصر بالطبع مدارس متعددة، ~~كما كانت الحال في الماضي، فإن هذه المدارس في عمومها تتبلور حول هذين القطبين ~~الرئيسيين للتفكير الأخلاقي. ولو استطعنا أن نكون صورة واضحة عن هذا الاستقطاب الأساسي، ~~لأمكننا تبديد كثير من ms401 الغموض والنزاع الناشب في هذا ~~الميدان. ~~(2) «مغالطة المذهب الطبيعي» # يمكن القول بأن ج. أ. مور، الفيلسوف الإنجليزي الذي أسهم بالكثير في فروع متعددة من ~~الفلسفة المعاصرة، هو المفكر الذي يرجع إليه الفضل أكثر من غيره في إيضاح معالم هذا ~~الخلاف. ففي كتابه «مبادئ علم ~~الأخلاق Principa Ethica ~~»، الذي هو دون شك الكتاب الذي أثار أكبر قدر من المناقشات في علم ~~الأخلاق الحديث، يعرض الرأي القائل إن القيم الكامنة أو الباطنة تتميز بأنها (1) فريدة ~~على نحو مطلق، (2) وغير قابلة للتعريف، (3) وتدرك بالحدس. ثم اتهم المفكرين الذين لا ~~يقبلون هذه القيم على أنها فريدة غير قابلة للتعريف ومعروفة بالحدس «بمغالطة المذهب الطبيعي # Naturalistic Fallacy ~~» ولقد ظل تأكيد ~~هذه «المغالطة» ونفيها، طوال عشرات متعددة من السنين في الآونة الأخيرة هو المحور الذي ~~تدور حوله الخلافات في علم الأخلاق، بحيث إن فهم هذه المغالطة يعد مدخلا معقولا إلى ~~فهم الأخلاق المعاصرة. # طبيعة القيمة الكامنة ~~: استخدمنا في عدة مواضع من ~~الفصول السابقة اللفظ المنطقي «فريدا في نوعه» للتعبير عن شيء يكون فئة قائمة بذاتها، ~~أعني شيئا لا يندرج تحت هذه الفئة أو تلك، ولا يمكن بأي حال تصنيفه تحت باب آخر. ويرى ~~الموقف الأخلاقي الذي نبحثه الآن - الذي يمثله «مور»، أن أوضح مثال لما هو «فريد في ~~نوعه» يوجد في عالم القيم. فهذه النظرية، في صميمها، تقول إن «القيمة» أو «الخيرية» ~~فريدة بمعنى الكلمة، فهي ليست اسما آخر لشيء غيرها، «كاللذة» أو «السعادة». و«الخير» ~~(حتى لو لم يؤخذ بمعنى شامل) متميز تماما عن كل ما يمكننا معرفته عداه. ونحن لا نسمي ~~الأشياء «خيرة» لأنها تتصف بصفات معينة يمكن أن توجد أيضا في أشياء مفتقرة إلى ~~الخيرية؛ أي إن الخيرية ليست مجموع صفات طبيعية أو وصفية، وليس ثمة وسيلة لاستخلاص ~~الخيرية من صفات طبيعية بالتجريد أو التخليص. وهكذا نصل إلى أول تعبير محدد المعالم عن ~~مغالطة المذهب الطبيعي التي سنعرفها بألفاظ مور ذاتها: «مغالطة المذهب الطبيعي هي القول ~~بأن الخير لا يعني إلا فكرة بسيطة أو ms402 معقدة يمكن تعريفها على أساس صفات طبيعية». # 1 # ولقد كانت فكرة مغالطة المذهب الطبيعي ترتبط عادة بالاعتقاد بأن هناك انقساما ~~ثنائيا دائما بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؛ أي بين الواقع والقيمة، والمعياري والوصفي. # 2 # ويرى مور وأتباعه من خصوم المذهب الطبيعي أن هذه المغالطة تنشأ كلما حاولنا ~~عبور الهوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبخاصة إذا حاولنا أن نستخلص الأخير من ~~الأول. والمثل المألوف لهذه المحاولة هو القول بأن اللذة خير لأن كل الناس يسعون إليها، ~~وبذلك نستمد القيمة من الواقع في هذه الحالة. أما خصم المذهب الطبيعي، أو الحدسي، ~~فيتساءل دائما، كلما سمع استدلالا كهذا: «ما شأن هذا بالموضوع؟ هل يصبح خيرا لمجرد ~~كون الناس يرغبون فيه - وفي هذه الحالة، كم يجب أن يكون عدد هؤلاء الناس؟ وما هي النسبة ~~المئوية من الجنس البشري التي ينبغي أن تتفق في رغباتها قبل أن تصبح هذه الرغبات خيرا ~~- أم أن من الممكن أن تعد رغبة شخص واحد، مهما تكن مضادة للمجتمع، خيرا؟» # لقد اقتبسنا من قبل سؤال اسبينوزا المشهور في هذه النقطة: هل نرغب في الأشياء لأنها ~~خير في ذاتها، أم أننا نقتصر على تمجيد رغباتنا وتبريرها إذ نسمي موضوعها «خيرا»؟ لقد ~~انحاز اسبينوزا إلى الرأي الثاني، كما فعل معاصره الإنجليزي «توماس هوبز»، الذي كتب ~~يقول: «إن الإنسان يسمي «خيرا» كل ما هو موضوع لشهوته أو لرغبته». وقد اتفقت معظم ~~أشكال المذهب الطبيعي في الأخلاق مع مفكري القرن السابع عشر هذين. غير أن الحدسيين من ~~أمثال مور يختارون الرأي الأول على نحو قاطع. فالخيرية كامنة في بعض الموضوعات ~~والمواقف، مثلما أن اللون الأصفر كامن في أشياء معينة. وفي استطاعتنا أن نمضي في ~~التشبيه أبعد من ذلك: فكما أن اللون، من حيث هو تجربة، يستحيل تعريفه، ولا يمكن أن يعرف ~~إلا بالمواجهة المباشرة لأشياء ملونة، فكذلك لا تعرف القيمة أو الخيرية إلا بالحدس، عن ~~طريق كشفها في الموضوعات والمواقف. فمن المستحيل الاستدلال عليها أو المناقشة حولها. ms403 ~~فالخيرية كامنة، وإذا كان هناك فرد معين يعجز عن إدراكها فلا بد أن نفترض أن هناك عمى ~~أخلاقيا مثلما أن هناك عمى للألوان. # ولعل «دافيد هيوم» كان أول من أدرك أن المفكرين الأخلاقيين كثيرا ما يتحولون من ~~الواقع إلى القيمة؛ أي مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون - في مرحلة معينة من مناقشتهم، ~~وأن معظم أنصارهم كانوا يقبلون هذا التحول بسهولة دون نقد. والواقع أن تعليق هيوم على ~~هذا الموضوع جدير بأن يقتبس بأكمله: ~~«لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أضيف إلى هذه الاستدلالات ملاحظة ربما تبين أن ~~لها بعض الأهمية. ففي كل مذهب أخلاقي صادفته من قبل، لاحظت دائما أن الكاتب ~~يمضي بعض الوقت في الطريق المألوف للاستدلال، ويثبت وجود الله، أو يقوم ~~بملاحظات عن أمور البشر، ولكني أندهش إذ أجد فجأة ، بدلا من الروابط المعتادة ~~للقضايا، وهي «يكون» أو «لا يكون»، أن كل القضايا ترتبط بألفاظ «ينبغي» أو «لا ~~ينبغي». هذا التغير لا يمكن إدراكه، ولكن له مع ذلك أهمية كبرى. ذلك لأنه لما ~~كان لفظ «ينبغي» و«لا ينبغي» هذا يعبر عن علاقة جديدة أو تأكيد جديد معين، فمن ~~الضروري أن يلاحظ ويفسر، وفي الوقت ذاته فمن الضروري تقديم سبب لما يبدو أمرا ~~لا يتصور على الإطلاق، وهو كيفية استنباط هذه العلاقة من غيرها من العلاقات ~~التي تختلف عنها كل الاختلاف. ولكن لما كان الكتاب لا يحتاطون على هذا النحو ~~عادة، فسوف أوصي القراء بذلك وأنا على ثقة أن قدرا بسيطا من التنبه إلى هذا ~~الأمر كفيل بهدم جميع المذاهب الفجة في الأخلاق، وجعلنا ندرك أن تمييز الرذيلة ~~من الفضيلة لا يبنى فقط على علاقات الأشياء، ولا يدرك بالعقل». # 3 # وبعبارة أكثر إيجازا، فإن هيوم يقول إننا لا نستطيع استخلاص نتائج أخلاقية من مقدمات ~~غير أخلاقية. ويمضي الحدسيون أبعد من ذلك بكثير، فيؤكدون أننا لا نستطيع تعريف المفاهيم ~~الأخلاقية على أساس مفاهيم غير أخلاقية؛ ذلك لأن عالم الأخلاق أو القيمة منفصل تماما ~~عن العالم غير الأخلاقي ms404 ولا يمكن أن يرد إليه، ما دامت الكيفيات الأخلاقية مختلفة في ~~النوع كل الاختلاف عن الكيفيات غير الأخلاقية. # وهناك قائمة طويلة للأشياء التي ينكر الحدسيون أن القيمة يمكن أن ترد إليها على ~~التخصيص، ولكن من المفيد أن نذكر بعضها؛ إذ إن من المحتمل أن يكون القارئ نفسه قد قام ~~بعملية رد كهذه؛ ولذا يحسن به أن يتنبه إلى ما فعل. ولا شك أن إيراد قائمة «الرد» هذه ~~سوف يقتضي الكلام عن كثير من المدارس المتنافسة في التفكير الأخلاقي، ولكن لما كنا قد ~~ناقشنا من قبل عدة مدارس من هذه، فسوف يكون عرضنا لهذه المدارس موجزا. # القيمة ليست عملية طبيعية ~~: ينكر المذهب الحدسي، كما ~~هو واضح، إمكان إرجاع القيمة إلى عملية طبيعية أو ما يترتب عليها. ومن ثم فهو يرفض ~~الأخلاق التطورية، التي ترى أن القيمة هي آخر الأمر كل ما يعين على البقاء أو يحقق ~~مصلحة النوع. # بل إن الحدسيين يأبون أن يدرجوا صفات بشرية رفيعة، كالتعاون والتعاطف (التي يعتقد بعض ~~التطوريين، ومنهم دارون، أنها نواتج للانتقاء الطبيعي)، ضمن القيم التي يعترفون بها إذا ~~كان أساس قبولها هو أنها تساعد البشر. وليس معنى ذلك أن مفكرا مثل مور ينكر أن التعاطف ~~والتعاون من ضمن القيم، وإنما هو ينكر أن تكون هاتان خيرا لأن لهما قيمة تفيد في حفظ ~~النوع، أو لأنهما تخففان من مصاعب الحياة البشرية، أو لأنهما تستتبعان نتائج طيبة. ~~ولنقل مرة أخرى إن هذه الصفات كامنة؛ أي إنها خير لأنها خير، لا لأي سبب يعد وسيلة لشيء ~~آخر. # كذلك يرفض الموقف الحدسي بشدة الرأي القائل إن العمليات الاجتماعية، المتميزة عن ~~عملية بيولوجية كالتطور، تتحكم على أي نحو في تحديد القيم. وهو يهاجم بوجه خاص ~~النظريتين الأكثر شيوعا من بين النظريات القائلة بالعملية الاجتماعية، وهما الماركسية ~~والبرجماتية، فالمذهب الماركسي مثلا يرى أن القيم الرئيسية في أي مجتمع هي إلى حد ~~بعيد تعبير عن مصالح الطبقة ذات السيطرة الاجتماعية والاقتصادية على هذا المجتمع. ولذا ~~لم تكن هناك قيم شاملة، ولا ms405 سيما في ميدان الأخلاق. ولا يمكن أن يكون هناك إلا «أخلاق ~~بورجوازية» (وهو تعبير أثير لدى الماركسيين)، أو «أخلاق رأسمالية»، أو «قيم جماعية ~~عمالية». وهذا يؤدي إلى جعل القيم نسبية تماما، وتصبح النظرية الحدسية القائلة بقيم ~~كامنة تدركها كل الأذهان ممتنعة تماما. فأقصى ما يمكن أن تكونه الأخلاق هو أن تكون ~~مشتركة بين كل أفراد الطبقة الواحدة فحسب، وهم الذين يشتركون أيضا في نفس المصالح ~~الاقتصادية والسياسية. # القيمة لا تتوقف على الموافقة ~~: ويعارض الموقف ~~الحدسي بنفس القوة نظريات القيمة المتعددة التي تحاول التوحيد بين التقويم وبين ~~الموافقة أو الاستحسان. هذه الآراء المرفوضة تتفق مع موقف اسبينوزا وهوبز في القول بأن ~~تسمية هذه الشيء «خيرا» لا تعني إلا أننا (بوصفنا أفرادا أو مجتمعا) نوافق على هذا ~~الشيء، ونجده «باعثا للذة» أو «مرغوبا» فيه أو «مرضيا» أو ما شاكل ذلك. ويرى الحدسي ~~أن هذه الآراء المبنية على فكرة الموافقة أو الإقرار تكشف عن ماهية «مغالطة المذهب ~~الطبيعي» ذاتها، ما دام من الواضح أنها تجعل ما هو كائن؛ أي ما يرغب فيه، مساويا لما ~~ينبغي أن يكون؛ أي لما يطلب إلينا أي مذهب أخلاقي أن نسعى إليه. # ولعل أعنف نقد يوجهه الحدسي إلى النظريات التي تبني القيمة على الموافقة، هو أن هذه ~~النظريات، آخر الأمر، تجعل القيمة ذاتية وشخصية تماما، وبذلك تسمح بحالة تقترب من ~~الفوضى الأخلاقية؛ ذلك لأن من الواضح أن هذه النظريات تسمح لي بالموافقة على شيء ترفضه ~~أنت. ولكن إذا لم يكن «الخير» يعني إلا الموافقة، فلا بد أنك ستصادف مواقف يوصف فيها ~~الشيء الواحد بأنه «خير» و«شر» - مما يجعل هذين اللفظين خلوا من المعنى في نظر أي مذهب ~~شامل للقيم. ويرى الحدسي أن ما نحتاج إليه هو معيار عام أو شامل للقيمة، ولكن الاختلاف ~~الواضح بين الناس حول ما ينبغي الموافقة عليه يجعل نظريات الموافقة مستحيلة. وحتى لو ~~اشترطنا موافقة المجتمع أو الجماعة فسيظل هناك الاختلافات بين الجماعات الاجتماعية، ~~وبذا لا نقترب من المعيار العام أكثر كثيرا مما كنا ms406 عندما اتخذنا من موافقة الفرد ~~مقياسا لنا. # القيمة لا تتوقف على الله أو الحقيقة الشاملة ~~: لا بد ~~أن يكون القارئ قد أدرك الآن أن المذهب الحدسي الأخلاقي يرتبط ارتباطا وثيقا بمذهب ~~كانت في الأخلاق المطلقة، وكذلك بالمذاهب المثالية عامة (وربما بمذهب الألوهية ~~المفارقة)؛ لذا قد يكون مما يدعو إلى الدهشة أن يعلم القارئ أن الحدسي، إلى جانب رفضه ~~أية محاولة لبناء القيم على الطبيعة المادية أو الطبيعة البشرية، يحمل أيضا على الجهود ~~التي تبذل لبناء القيمة على أي نوع من النظام الميتافيزيقي (كما تفعل المثالية) أو حتى ~~وضعها في إطار لاهوتي (كما يفعل رجل الدين). وهو يحمل بوجه خاص على الرأي المميز لمذهب ~~الألوهية، والقائل إن «الخير» أو «الحق» يتحددان بإرادة الله أو مشيئته. وعلى الرغم من ~~أن الحدسي عادة لا يتوسع كثيرا في هذه المسألة، فإن تعاليم معظم أفراد هذه المدرسة ~~تنطوي على القول بأن الله يقر أشياء معينة لأنها خير في ذاتها، مستقلة عن الطبيعة ~~الإلهية. فخيريتها سابقة للألوهية، والله يمجد القيم ويسعى إلى تحقيقها لنفس السبب الذي ~~نفعل نحن من أجله ذلك: أي لأنها كامنة ولا ترد إلى أي شيء أكثر أساسية منها. وليس الله ~~هو الذي يصنع هذه القيم الكامنة، وإنما هو يستجيب لها استجابة الرضا فحسب، مثلما أفعل ~~أنا وأنت، ولا يمكن أن يؤدي أي فعل للإرادة الإلهية إلى تغيير خيريتها. # والأمر كذلك بالنسبة إلى العلاقة بين «الخير» وبين «الواقع # Real ~~» كما يتصور على أساس ميتافيزيقي. فالقيم لا تكون في نظر ~~الحدسي «خيرا» لأنها تندمج في العقل المطلق أو الكلي، وإنما هي مستقلة واقعية في ~~ذاتها. وإذا لم يكن هناك بد من بيان العلاقة بينهما، فلنقل إنها تساعد على تحديد طابع ~~«الواقع الشامل»، لا العكس كما يعتقد معظم الميتافيزيقيين. # كيف تعرف القيم؟ # هذا التأكيد المستمر لاستحالة ~~إرجاع القيم الكامنة إلى أي شيء، طبيعيا كان أم فوق الطبيعي، فيما عدا الطابع الفريد ~~لهذه القيم ذاتها، يؤدي بنا إلى هذه المشكلة الإبستمولوجية: كيف يمكن معرفة هذه القيم؟ ms407 ~~أو بعبارة أعم، كيف يمكن معرفة أي شيء يكون فريدا تماما في نوعه، بحيث لا تنطبق عليه ~~الألفاظ المنسوبة إلى بقية تجربتنا؟ ولو كانت القيم فريدة بحيث لا تلائمها الألفاظ ~~الوصفية التي تستخدم عادة في تصنيف تجاربنا، فما الذي يمكننا أن نقوله عن هذه القيم، ~~دون أن يكون من قبيل الخزعبلات الصوفية؟ وكيف نستطيع تبادل المعلومات المتعلقة بها، ~~وكيف نربطها ببقية عناصر تجربتنا الشخصية؟ أو نتساءل، من وجهة النظر الإبستمولوجية: ~~أليس أي رأي مثل رأي مور هذا موازيا للتجربة الصوفية لله، وهي التجربة التي لا توصف ~~ولا تعبر عنها الألفاظ؟ # الواقع أن المفكرين الذين يتخذون هذا الموقف لا يصفونه بأنه مذهب صوفي، ولكنهم في ~~الوقت ذاته لا يتهربون من الوقائع الإبستمولوجية. فهم يعترفون بأن ما هو فريد لا يمكن ~~أن يعرف إلا بالإدراك الحدسي المباشر . فهذه المعرفة مباشرة بالضرورة، لا مقالية أو ~~لغوية # Discursive ~~. وقد استخدمنا من قبل التشبيه الأثير ~~لدى مور، وهي تجربة إدراك اللون: «فالأصفر» ليس شيئا يمكن وصفه أو معرفة بعملية ~~استدلالية، وإنما هو يعرف مباشرة بالمواجهة، أو لا يعرف على الإطلاق. وهكذا الحال في ~~«الخيرية» فإذا لم نعرفها مباشرة كلما واجهنا مواقف وموضوعات معينة، فلن نعرفها على ~~الإطلاق. وليس في وسع أحد أن يقنعنا أو يجادلنا لكي يجعلنا نعترف بالخيرية؛ إذ إننا لو ~~كنا ندركها فلن نحتاج إلى استدلال، أما لو لم نكن ندركها فلن يكون للاستدلال جدوى. # 4 ~~(3) المذهب الحدسي والإلزام # يذكر القارئ أن هناك مشكلتين كبريين تحتلان في البحث النظري للأخلاق مكانة رئيسية، ~~وتتساويان في أهميتهما وتعقيدهما. هاتان المشكلتان تتعلقان بطبيعة الخير ومصدر الإلزام. ~~وأغلب الظن أنه لم يكن هناك مفر، بعد أن شاع الاعتراف بالنظرية الحدسية في الخير، من أن ~~تظهر نظرية موازية لها في الإلزام. ولقد كان أشهر المدافعين عن هذه النظرية مفكر ~~إنجليزي آخر، ه. أ. برتشارد # H. A. Prichard ~~. فقد نشر ~~من سنوات طوال، في عام 1912م، مقالا من أكثر مقالات الأخلاق الحديثة إثارة للجدل تحت ~~عنوان مشوق هو «هل ms408 ترتكز الفلسفة الأخلاقية على خطأ؟» # 5 # ويبدأ برتشارد بالاعتراف بفردانية الخير، بنفس لهجة «مور» القاطعة، ولكنه ~~بعد ذلك ينكر أن يكون الخير هو العامل الوحيد في الأخلاق، أو أن يكون من الممكن استخلاص ~~الواجب أو الإلزام من الخير. فكما ينكر الحدسيون إمكان استخلاص «ما هو خير» «مما هو ~~موجود»، فكذلك ينكر برتشارد بدوره إمكان استخلاص الواجب من الخير. وكذلك لا يمكن ~~استخلاص الإلزام من أي شيء آخر؛ فهو بدوره غير قابل للرد، مستقل بذاته، فريد في ~~نوعه. # والواقع أننا نبدأ في إدراك مدى التغيير الجذري الذي يمثله موقف برتشارد عندما نتريث ~~لحظة ونتأمل كيف أننا نبث بانتظام في نفوس الصغار من أفراد مجتمعنا الفكرة القائلة إنه ~~ينبغي أو لا ينبغي لهم أن يفعلوا أشياء معينة؛ لأن هذه الأفعال (1) تساعد الآخرين أو ~~تضرهم (2) تجعل الآخرين سعداء أو تعساء، (3) تجعلهم هم أنفسهم سعداء أو تعساء (4) تؤدي ~~إلى استحسان المجتمع أو استهجانه، (5) تنطوي على إطاعة أو عصيان لأوامر الله، بل إن ~~الأمر المطلق ذاته عند (كانت)، وإن يكن قريب الشبه ما نحن بصدده إلى حد بعيد. يبدو ~~أقل تطرفا لأن «كانت» قد أوضح بعد ذلك أن خرق الأمر «افعل واجبك لأنه واجبك» ينطوي على ~~تناقض منطقي، كما رأينا في الفصل الثالث عشر، بل إن برتشارد يخالف التراث على نحو أكثر ~~تطرفا عندما ينكر أن الالتزام بأداء فعل يتوقف على خيرية شيء متضمن في الفعل - كإطاعة ~~القانون مثلا. فالفعل يكون خيرا لأنه يؤدى بوصفه واجبا؛ أي إن سبب أداء الفعل هو ~~الذي يمكن أن يجعله خيرا، لا نتائجه. # كذلك تعتمد نظرية الإلزام هذه على إحساس بالإلزام يتصف بأنه مباشر، غير متوقف على ~~العقل، هو الذي يكشف لنا عن واجبنا. فإذا كنا واعين لكل الوقائع في موقف معين، فعندئذ ~~ندرك الإلزام إدراكا كاملا مباشرا. ويشبه برتشارد هذا الفهم بفهم العلاقات الرياضية، ~~ويرى أن الموقفين يتضامنان إدراكا لحقائق واضحة بذاتها. وكما يقول هو ذاته في المثل ~~الذي يضربه، فإذا لم نكن واثقين أننا أتينا بالحل الصحيح ms409 لمسألة رياضية، فكل ما نستطيع ~~أن نفعله هو أن نحلها مرة أخرى. فليس في استطاعتنا أن نلجأ إلى مصدر خارج عن الرياضيات ~~لكي نتأكد منه. وهكذا الحال في المواقف الأخلاقية المتعلقة بالواجب: فإذا لم نكن واثقين ~~من أن هناك واجبا، فكل ما نستطيع أن نفعله هو أن نعيد حل المسألة الأخلاقية - أرى أن ~~نعيد النظر في الوقائع الأخلاقية. # ولا يستطيع برتشارد أن ينكر أن هناك أشخاصا يجدون صعوبة في إدراك الالتزامات، مثلما ~~أن هناك أشخاصا يجدون أن من العسير عليهم فهم العلاقات الرياضية. ولكن، مثلما أننا ~~عندما ندرك العلاقة آخر الأمر في الرياضيات، نعجب كيف غابت عنا من قبل، فإننا عندما ~~ندرك الإلزام في النهاية قد نعجب كيف فاتنا من قبل - وكيف لا يزال يوجد من يعجزون عن ~~رؤيته. وفي كلتا الحالتين تصبح الحقيقة مطلقة واضحة بذاتها، كما تصبح مكتفية بذاتها من ~~حيث إن أي شيء من خارج الموقف لا يلزم لجعلها صحيحة. # المذهب الحدسي والعلوم الاجتماعية ~~: من الواضح أن ~~هذه المواقف الحدسية تمثل رد فعل على العلم الاجتماعي، وذلك على الأقل بالنسبة إلى ما ~~قد يكون لهذا العلم من تأثير في مجال الأخلاق. ومن الواضح أيضا أنها تشكل رد ~~فعل مماثل لرد فعل المتمسكين بأساسيات الدين ~~( # Religious Fundamentalist ~~) على العلم الجيولوجي ~~والبيولوجي؛ أعني أن رد فعلها هو الدحض والتفنيد. فالمذهب الحدسي في الأخلاق هو في ~~أساسه رفض للتعامل مع العلوم الاجتماعية، بإنكار إمكان وجود أية صلة لعلم النفس وعلم ~~الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد والعلوم السياسية والتاريخ بالأخلاق. وهكذا فإن ~~الحدسي؛ إذ يرفض أن يدع الأخلاق «تتلوث» بمثل هذه المؤثرات، يحفظ «للخير» و«الواجب» ~~نقاءهما. أما كونه يجعلهما عقيمين نتيجة لموقفه هذا أم لا، فتلك مسألة ما زالت موضوع ~~مناقشة في الأوساط الأخلاقية. فمن الواضح إذن أن الموقف الحدسي مضاد للنسبية، وعلى ~~الرغم من أن أنصاره يتجنبون عادة إدراج أنفسهم ضمن القائلين بمذهب المطلق، فإن خصومهم ~~يجدون من اليسير أن يصفوهم بهذا الوصف. # خصوم المذهب الحدسي ~~: على الرغم من أن المذهب الحدسي ms410 ~~قد انتقد من مصادر متعددة، فلا جدال في أن أعنف معارضة له جاءت من تلك المدارس التي ~~تحاول بالفعل أن تتلاقى مع العلوم الاجتماعية الدائمة التوسع، عن طريق استيعاب كشوفها ~~ومواجهة نتائجها. ومن الواضح أن مثل هذه المدارس تعمل في جو عقلي مختلف تماما عن ذلك ~~الذي يتنفس فيه الحدسيون. ويمكن القول باختصار أن هذه الفئة التي تعارض المذهب الحدسي ~~تجمع بينها حقيقة واحدة. فكلها تنكر أن تكون «مغالطة المذهب الطبيعي» المزعومة مغالطة ~~بالفعل، وتؤكد بدلا من ذلك أن القضايا الأخلاقية لا يمكن فقط أن تستمد من العالم ~~الواقعي للطبيعة المادية والطبيعة البشرية، بل ينبغي أن تستمد من هذا العالم إذا شئنا ~~أن يكون للأخلاق أي معنى أو أي مجال. وبالاختصار، فهي تنكر إمكان القيام بالتفكير ~~الأخلاقي في فراع ثم تحويله إلى عالم الأمور البشرية. وهذا يعني أن هذه المدارس المؤمنة ~~بالمذهب الطبيعي تفند صراحة الفكرة الأساسية في المذهب الحدسي، وهي فكرة الاستقلال ~~الذاتي للقيم، وفردانيتها، واستحالة ردها إلى غيرها. # ولكن من سوء الحظ أن هذه المدارس، بعد أن اتحدت في معارضتها للمذهب الحدسي، قد سلكت ~~طرقا متشعبة إلى حد بعيد. وهذا يزيد من صعوبة تقديمها إلى القارئ، بل يجعله مستحيلا ~~في حدود كتاب كهذا. فلا بد من صفحات كثيرة لتقديم عرض معقول للمدارس الرئيسية التي تؤمن ~~بالمذهب الطبيعي في الأخلاق، أما إذا شئنا تقديم عرض شامل لها، فسوف نحتاج إلى فصول ~~كاملة. ذلك لأن كل مدرسة تبذل جهودها الخاصة لاستخلاص القيمة من الواقع، و«الخير» من ~~«الموجود». وكثير من هذه المحاولات بارعة، بل إن بعضها رائع - وكلها تقريبا معقدة ~~عسيرة، ولا بد من الاعتراف بأن أيا منها (أو حتى كلها مجتمعة) لم تفلح في تحويل ~~الكثير من خصوم المذهب الطبيعي في الأخلاق إلى هذا المذهب. # والأجدر بنا، بدلا من أن نبعث الاضطراب في ذهن القارئ بتقديم موجزات لا بد أن تكون ~~سريعة غير وافية لمدارس المذهب الطبيعي هذه، أن نلخص بعض الصعوبات التي تعترض أي مفكر ~~لديه إحساس بالمسئولية، يحاول ms411 إدماج الأخلاق في العلوم الطبيعية. هذه الصعوبات هي نفسها ~~بالطبع التي تقنع معظم الحدسيين بأن الأخلاق لا يمكن أن تستمد من العلم أو حتى أن ترتبط ~~به، وتدفعهم إلى اتخاذ موقفهم المتطرف. وهذه كذلك هي المشكلات التي تؤدي إلى ظهور رد ~~فعل ثالث ممكن، يتخذ على طريقته الخاصة موقفا لا يقل تطرفا من موقف المذهب الحدسي - ~~هذا الاتجاه الثالث هو مذهب الشك الأخلاقي الذي ينكر إمكان قيام أية نظرية صحيحة في ~~القيمة، أو إمكان الاهتداء إلى أي أساس منطقي للإلزام. ويرى الشكاك أن القيم كلها بلا ~~استثناء، ليست نسبية فحسب، بل هي فردية وشخصية بالمعنى الدقيق، وهي أيضا اعتباطية في ~~نهاية الأمر؛ إذ إنها ترتد إلى حكم أو اختيار لا عقلي، وقد يكون لا شعوريا. # المواقف الثلاثة الممكنة ~~: وهكذا فإننا عندما ندرس ~~الأخلاق المعاصرة والعلوم الاجتماعية في مجموعها، نجد أن هناك ثلاثة مواقف رئيسية ممكنة ~~إزاء هذه العلوم ومعرفتها المتراكمة. ففي الطرفين القصيين نجد المذهب الحدسي ومذهب ~~الشك، كليهما ينكر أننا نستطيع استخلاص القيمة والإلزام من الواقع الاجتماعي أو ~~الأنثربولوجي أو النفسي، ولكن بينما أحدهما يعود إلى الإدراك الحدسي للحقائق الأخلاقية ~~الفريدة الواضحة بذاتها، فإن الآخر يظل يؤكد أن هذا مذهب يائس، صوفي، غيبي في أساسه، ~~وأن المبررات التي يرتكز عليها أضعف حتى من تلك التي يبرر بها المذهب الطبيعي جهوده ~~للتخلص من النزعة الذاتية والاعتباطية عن طريق استخلاص «القيمة» من «الواقع» و«الإلزام» ~~من «العادات الاجتماعية». وهكذا فإن الشكاك ينظر إلى المذهب الطبيعي والمذهب الحدسي ~~معا على أنهما غير صحيحين، وينكر إمكان كشف أية معرفة أخلاقية. أما صاحب المذهب ~~الطبيعي، فهو إذ يرفض ما يرى أنه نزعة يأس في أحد الموقفين، واتجاه انهزامي في الموقف ~~الآخر، يواصل مهمته العسيرة التي كثيرا ما تكون مثبطة للهمم - مهمة استخلاص القيم من ~~عالم الطبيعة المادية والطبيعة البشرية، واثقا أنه سيتمكن بمضي الوقت من بناء مذاهب في ~~القيمة على أسس من العلم مشابهة لمذهب المعرفة التي نستطيع الآن بناءها على هذه ~~الأسس. ~~(4) الصعوبات التي ms412 تواجه الأخلاق المعاصرة # فلننتقل الآن إلى الصعوبات التي لا مفر للعلم الاجتماعي من أن يثقل بها كاهل الأخلاق ~~المعاصرة، وهي صعوبات تؤدي بأحد الأطراف إلى التراجع الصوفي، وبالآخر إلى الانهزام ~~الشكي، وبالثالث إلى الإصرار العنيد. ولقد تكررت إشارتنا من قبل إلى النتائج النسبية ~~التي يبدو أنها تتولد حتما عن التراكم الهائل للبيانات والوقائع الأنثروبولوجية التي ~~أصبحت الآن في متناول أيدينا، بحيث لا نحتاج الآن إلى أن نضيف الكثير إلى ما قلناه في ~~هذا الموضوع؛ ذلك لأن التنوعات في المعايير البشرية ونظم القيم تبدو في نظر علماء ~~الأنثروبولوجيا لا نهائية العدد، ولا جدال في أنه يندر أن نجد مشتغلا في هذا الميدان ~~يؤمن بوجود عناصر مطلقة في الأخلاق والقيم، مستقلة عن إطارها الحضاري. ويرى علماء ~~الأنثروبولوجيا عادة أن أقصى ما يمكننا أن نفعله هو أن نكتشف قيما مشتركة محدودة ~~مصدرها وجود عنصر أساسي مشترك لا يرد إلى غيره في الطبيعة البشرية، وهو عنصر لا يمكن أن ~~تقضي عليه الاختلافات الحضارية؛ ومن ثم فإن هؤلاء العلماء الاجتماعيين يبدون أحيانا ~~استعدادهم للاعتراف على حذر بإمكان وجود مشاعر اجتماعية مشتركة بين الناس جميعا، تسمح ~~بوضع إطار أخلاقي عام غير محدد المعالم، ومع ذلك ينبغي أن يلاحظ أن علماء ~~الأنثروبولوجيا ينظرون إلى هذا الإطار على أنه شيء لو أمكن أن يتحقق، لما كان مستمدا ~~إلا من الطبيعة البشرية. وهكذا فإنهم يقدمون بذلك عونا لأصحاب المذهب الطبيعي في ~~الأخلاق، لا للحدسيين؛ إذ إن إمكان استخلاص الأخلاق من الطبيعة البشرية على هذا النحو ~~ينطوي، كما هو واضح. على «مغالطة» المذهب الطبيعي ... # على أن أهم الصعوبات المؤدية إلى الشك تأتي اليوم من جانب علم الاجتماع وعلم النفس، ~~لا من جانب الأنثروبولوجيا. فهذا الأخير قد خلق إشكالات للمفكرين الأخلاقيين في القرن ~~التاسع عشر، أما في هذا القرن فإن علم النفس وعلم الاجتماع هما اللذان يسببان إشكالات ~~أصعب للمفكرين النظريين في ميدان الأخلاق. والواقع أن هذين العلمين الاجتماعيين بعينهما ~~يتضافران أساسا على إيجاد عقبة كأداء أمام الأخلاق المنهجية والبحث العقلي ms413 في النظم ~~الأخلاقية. هذه العقبة هي اقتناع كل علماء النفس، ومعظم علماء الاجتماع - وهو اقتناع ~~تؤيده أدلة دائمة التزايد - بأن الإنسان حيوان لا عقلي يفتقر سلوكه، حتى في الحالات ~~التي يبدو فيها أخلاقيا ومراعيا للقيم تماما، إلى أي منطق أو تعقل. ويضيف عالم ~~الاجتماع إلى هذا الاقتناع أدلته على أن الإنسان هو إلى حد بعيد نتاج للتكيف ~~الاجتماعي، الذي يكون في كثير من الأحيان فعالا إلى درجة تؤدي إلى تشويه الأحكام ~~الأخلاقية إلى حد يغدو فيه أي ادعاء بأن هذه الأحكام موضوعية أو صحيحة ادعاء يثير السخرية. # 6 # ومع ذلك فلنستمع إلى ما يقوله ثلاثة من رواد العلوم الاجتماعية، كان ~~لتأثيرهم معا دور كبير في إعطاء علمهم طابعه المعاصر. # علم الاجتماع ونزعة الشك في الأخلاق ~~: هناك اثنان من ~~علماء الاجتماع اشتهرا بوجه خاص بوصفهما متحدثين باسم نزعة الشك الأخلاقية، وعلى حين أن ~~بعض زملائهما يعدون وجهة نظرهما متطرفة، فليس ثمة شك في أنها كانت قوية التأثير. ففي ~~أوائل هذا القرن، وضع العالم الأمريكي وليام جراهام سمنر نظريته في العادات الشعبية # Folkawys ~~، التي أرجعت الأحكام الأخلاقية إلى مظاهر ~~لا عقلية في أساسها، لقوى اجتماعية هي ذاتها غير عقلية. ويعني «سمنر» بتعبير # Folkways # العادات الشائعة في أية جماعة اجتماعية ~~وهذه قد تتفاوت ما بين وضع أزرار لا فائدة منها في أكمام سترة الرجال، إلى الحظر ~~القانوني لزواج المحارم. هذه العادات مستقلة عن أفكارنا عنها، ولا تسير حسب قواعد ~~معقولة، وهي لا تتفق إلا مع المزاج أو الموقف العام لزمانها ومكانها الخاص # 7 # ولها ما يمكن أن يعد حياة خاصة بها: ذلك لأن «سمنر» يرى أنها تولد، ويتقدم ~~بها العمر، وتموت ولا يمكن أن تؤثر فيها بوضوح إلا قوى قليلة (منها التعليم). # وعندما يعتقد أفراد مجتمع معين أن هذه العادات تسهم في تقدم المجتمع، فقد يسمونها ~~«سننا # Meres ~~» (وهو اللفظ الذي اشتقت منه كلمة ~~الأخلاق في اللغات الأوروبية)، غير أن هذه السنن ذاتها ليست أخلاقية بمعنى كونها عقلية ~~وموضوعية. ذلك لأنها لا تتولد ms414 عن مثل عليا، وإنما عن قوى اجتماعية خارجية. وليس ما ~~تعده تقويمات أخلاقية سوى تعبيرات عن عادات اجتماعية بالغة الأثر، أو تبريرات لها، وهي ~~عادات نألفها إلى حد أنها تبدو لنا أكثر من مجرد عادات، وتصبح لها بسهولة مكانة ~~القوانين الأخلاقية المطلقة، والأوامر الإلهية، وما شابه ذلك. ويسدد «سمنر» ضربة أخيرة ~~إلى ادعاءات المعقولية والموضوعية والشمول من جانب المذاهب الأخلاقية، فيؤكد أن الفلسفة ~~والأخلاق النظرية تستمدان معا من العادات الشعبية. فليس في وسعهما أن تفلتا من الحدود ~~التي يفرضها عليهما أصلهما، أكثر مما يستطيع الإنسان أن يحمل نفسه من أربطة حذائه. بل ~~إن العالم الاجتماعي ذاته ليس أكثر تحررا من هذا القيد، فهو بدوره خاضع لتلك الحدود ~~التي تفرضها العادات الشعبية لعصره وحضارته. # وبالاختصار، فإن المفكر الأخلاقي، حتى عندما يحاول بناء مذهبه على أسس من العلم، فهو ~~لا يعبر إلا عن رغبة عندما يصوغ نظرية إيجابية في القيمة (وهذا الحكم يصبح أكثر ~~انطباقا عليه عندما يتجاهل هذا الأساس العلمي كما يفعل المذهب الحدسي). والأرجح من ذلك ~~بكثير أنه إنما يبرر الأخلاق السائدة أو المعترف بها في عصره. ولما كانت هذه الأخلاق ~~مهما كان من سموها، لا تعدو أن تكون تعبيرا عن السنن الاجتماعية أو العادات الشعبية ~~ذات الوجهة الاجتماعية فإن أرفع المذاهب الأخلاقية الشاملة وأكثرها معقولية إنما هو في ~~أساسه خدعة وقور، من حيث إنه يدعي لنفسه ما لا يمكن على الإطلاق أن يكونه أي مذهب عقلي ~~بحكم طبيعة الوقائع الاجتماعية ذاتها. # وهناك عالم أشهر في أوساط علم الاجتماع الدولية، هو العالم الإيطالي المعاصر «فلفريدو ~~باريتو»، الذي ربما كان كتابه المؤلف من أربعة مجلدات: «الذهن والمجتمع» أقوى المؤلفات ~~تأثيرا من بين كل ما نشر في هذا الميدان في القرن الحالي. وهناك حقيقة تهم الفلاسفة ~~والمناطقة بوجه خاص، هي أن باريتو قد تأثر بقوة بالتجريبية المنطقية - ولعل كتابه أفضل ~~مثال لتفكير عالم اجتماعي يدور في إطار ذلك الموقف الإبستمولوجي الذي عرضناه في الفصل ~~الحادي عشر، فهو يشترط أن تكون جميع النظريات ms415 والعبارات قابلة للتحقيق في التجربة. ~~وكثيرا ما يقول عندما يناقش النظريات الأخلاقية الكلاسيكية: «من المستحيل تصور الطريقة ~~التي يمكن بها تحقيق قضية من هذا النوع في التجربة». وهكذا فإن قدرا كبيرا من شكه في ~~الأخلاق والبحث النظري الاجتماعي يتسم بطابع التجريبية المنطقية، لا بطابع علم الاجتماع ~~كما هي الحال عند «سمنر». # ومن الممكن التعبير عن بعض أفكار باريتو الرئيسية تعبيرا مركزا في فقرة أو اثنتين. ~~فهو يرى أن تركيب المجتمع ينطوي على عنصرين رئيسيين، كلاهما لامنطقي ولا عقلي. فهناك ~~أولا البواقي # Residues # الأكثر أساسية: وتلك هي ~~المقاصد التي تكمن من وراء جميع أفعالنا، والتي يعد الكثير منها غريزيا. هذه المقاصد ~~تظل ثابتة نسبيا في الفرد، وإن كان من الممكن أن يطرأ عليها تغير تدريجي خلال فترة من ~~الزمن. وهناك عناصر أخرى أقل أساسية، ولكنها أكثر وعيا من الأولى، هي المشتقات # Derivations # وتعد هذه تعبيرا صريحا عن البواقي، ~~ويتألف معظمها من الحجج التي نستخدمها في الدفاع عن هذه البواقي الكامنة أو في تبريرها. ~~وليس للمشتقات، شأنها شأن جميع التبريرات، أو الأسباب التي نأتي بها لتبرير ما نريد ~~القيام به (أو ما قمنا به فعلا)، إلا قيمة منطقية ضئيلة، أو ليست لها قيمة على ~~الإطلاق. ويصف باريتو معظمها بأنها براهين لفظية، إن لم تكن سفسطات فارغة. # وتعد معظم أحكامنا الأخلاقية (من أمثال: «هذا خير» و«ذاك شر») مشتقات؛ أي تبريرات ~~للرغبات، تتفاوت درجة إحكامها. وهي بوصفها مشتقات، ليس لها تأثير كبير في البواقي التي ~~تزينها أو تبررها، فليس للمثل العليا الأخلاقية إلا تأثير ضئيل في المجتمع أو الفرد، ~~وإن كانت قد ترغمه على بذلك جهد كبير لكي يضفي على سلوكه مظهر الاتفاق مع الأخلاق ~~المعترف بها. ولا يتردد باريتو في وصف معظم النظريات والأحكام الأخلاقية بأنها ضرب من ~~النفاق، على الرغم من أنه لا يدعي أن هذا يكون في العادة نفاقا شعوريا. # وأخيرا يبدو باريتو قريبا كل القرب من كارل ماركس عندما يصف الطريقة التي يسهل بها ~~على النظريات الأخلاقية أن تخدم مصالح ms416 الطبقة الحاكمة التي تسعى إلى الاحتفاظ بالسلطة ~~واستغلالها. فهو يرى أن نسبة كبيرة من النظريات الأخلاقية تعبيرا عن رغباتنا ومصالحنا ~~الأساسية، فليس من المستغرب أن تكشف هذه الأحكام في كثير من الأحيان عن العاطفة أكثر من ~~المنطق، وعن التبرير أكثر من العقل. كذلك فإنه لما كانت المعايير الأخلاقية لجماعة أو ~~طبقة تعبر كذلك عن مصالح الجماعة ورغباتها، فمن المحتم أن تكون هذه المعايير كذلك بعيدة ~~كل البعد عن الطابع المنطقي أو الموضوعي، مهما تكن الصورة المنطقية المزعومة التي ~~تتخذها. # لذلك فليس لنا أن ندهش إذ نجد باريتو يمتدح ماكيافيلي، الذي كان يسعى على الدوام ~~إلى وصف أفعال الشر على ما هي عليه بالفعل، لا كما ادعوا أو ظنوا أنها عليه. وليس لنا ~~أن ندهش من أن باريتو يبدو لبعض الناس ساخرا بالقيم، ولا سيما إذا كان هؤلاء الناس ~~أنفسهم يتصفون بأي قدر من الحساسية العقلية. ولكن سواء أكان عالم الاجتماع الإيطالي هذا ~~ساخرا بالقيم، أم كان شخصا واقعيا فحسب، فمن المؤكد أنه كان مصدرا هاما من مصادر ~~نزعة الشك الأخلاقية المعاصرة. # علم النفس ونزعة الشك الأخلاقية ~~: هناك علماء نفس ~~كثيرون، ومدارس كثيرة في علم النفس، أسهموا جميعا في بث روح الشك الفعلي في إمكان قيام ~~أي مذهب أخلاقي صحيح، ولكن من المؤكد أن فرويد وحركة التحليل النفسي التي كان هو مؤسسها ~~كان لهما الدور الأكبر في هذا الصدد، بل إنه ليس من المبالغة أن نقول إنه حتى لو لم تكن ~~توجد مصادر أخرى في ميدان علم النفس عملت على تغذية هذا الشك، فإن تأثير فرويد كان في ~~ذاته كافيا لإحداث هذه النتيجة ذاتها تقريبا، ولجعل أكثر المفكرين النظريين ~~الأخلاقيين ثقة يتساءل عما إذا كان يضيع وقته سدى عندما يحاول بناء الأخلاق على أساس ~~عقلي. # ولقد أصبحت نظرية فرويد في حياة الإنسان العقلية معروفة الآن إلى حد يكفينا معه أن ~~نقدم موجزا بسيطا لها فحسب. فهو يرى أن ما نسميه بالوعي أو الشعور؛ أي العقل الواعي، ~~ليس إلا جزءا من الحياة ms417 النفسية الكاملة لدى كل فرد. فهناك الذهن اللاشعوري، الذي هو ~~أكبر بكثير في مضمونه، وأقوى أثرا بكثير في تحديد سلوكنا. هذا الطابق السفلي، المليء ~~بالأوحال، الذي يقوم عليه بنياننا الذهني، هو مقر الغرائز وشتى أنواع الرغبات، ~~والذكريات التي كبتت على نحو أشد من أن يسمح لها بدخول مجال الوعي. ويحتوي هذا اللاشعور ~~على ثلاثة عناصر أو قوى لا يفعل الذهن الواعي شيئا سوى تلبية أوامرها، بل إن الوعي ليس ~~إلا جهازا آليا بلا إرادة خاصة به، فهو مجرد واجهة أو متحدث بلسان «الثلاثة الكبار» ~~الذين يعملون من وراء الستار. # 8 # هؤلاء القادرون على كل شيء هم ال: هي # Id ~~، ~~والأنا # Ego ~~، والأنا ~~الأعلى # Superego ~~. «فالهي» لها مطالب لا تشبع، وهي أنانية ولا أخلاقية تماما، ~~والكلمة الوحيدة التي تعرفها هي «أريد»، وهي تجسد كل الرغبات العمياء والشهوات المحرمة. ~~وفي مقابل هذه نجد الأنا الأعلى، الذي نسمي مظهره الواعي باسم «الضمير» وينظر فرويد إلى ~~الأنا الأعلى على أنه صوت المجتمع في صيغته العامة، وبخاصة كما يتمثل في العصور التي ~~نذكرها عن الآباء والمعلمين الذين بلوا جهودا كبيرة لكي يهذبونا في سنوات عمرنا ~~الأولى. هذا الأنا الأعلى مستبد، ومتمسك بما يجب أن يكون، وهو يفرض علينا، بطريقته ~~الخاصة، مطالب لا تقل عن تلك التي تفرضها «الهي». فهو يعارض آليا مطالب «الهي»، وخاصة ~~أقوى مطالبها وأكثرها إلحاحا، كتلك المتعلقة بالإشباع الجنسي الذي لا تقيده حدود. أما ~~الأنا فهو الوسيط الأعظم. فهو يسعى إلى اتخاذ موقف وسط بين القوتين الطاغيتين، الرغبة ~~والضمير. ولو قلنا إن هذه المهمة عسيرة، لكان في هذا تخفيف كبير لحقيقة الموقف. ففي بعض ~~الأحيان يصل إلى الوعي من هذه الحرب الدائرة ومن محاولة التوفيق الاضطرارية قدر يكفينا ~~لندرك مدى شدتها، ولكن الذي يحدث في معظم الأحيان هو أن المعركة تدور من وراء أبواب تظل ~~موصدة بإحكام بتأثير ما يسميه فرويد «بالرقيب» وهو عنصر رابع في حياتنا النفسية ~~المضطربة. فالرقيب لا يسمح بدخول الوعي إلا لتلك الرغبات (وللقوى المضادة التي تكبتها) ~~التي ms418 لا تستثير سخط معاييرنا الأخلاقية. غير أن هذه مجموعة منسقة مختارة من الرغبات، ~~أما الجزء الأكبر من الرغبات فهو أكثر إباحية، ولا أخلاقية، وأنانية، وقسوة، من أن يسمح ~~له الرقيب بالمرور، ولكن تأثيرها مع ذلك يظل قائما. # وأهم نقطة أتى بها فرويد فيما يتعلق بنزعة الشك الأخلاقية هي أن سلوكنا الواعي، ~~العقلي، الأخلاقي، يتحكم فيه اللاشعور و«الثلاثة الكبار» المتصارعون فيه. ولما كانت هذه ~~القوى كلها لا عقلية ولا أخلاقية تماما، فكيف يمكن ألا يكون سلوكنا لا عقليا، غير ~~متأثر بالأحكام الأخلاقية؟ ذلك لأن الأنا الأعلى ذاته، الذي يبدو أخلاقيا، لا يقل ~~عماء عن «الهي»؛ لأنه لا بد أن يعبر عن مضمونه المتراكم من التحريمات والتهديدات ~~والعقوبات الأبوية، ومظاهر الاستهجان والنواهي الاجتماعية، والتحذيرات الدينية، وما ~~شابهها - وكلها أمور لا عقلية وتعسفية. وفضلا عن ذلك فمن الممكن أن يكون الأنا الأعلى ~~قاسيا جبارا إلى حد لا يتصور، فيعذب الشخص الذي عصى أوامره عن طريق «عقدة ذنب»، أو ~~«عصاب قلق» أو غيرها من العقوبات التي تدوم إلى الأبد، والتي أحكم وضعها بحيث تجعل ~~السعادة مستحيلة. # يرى علماء النفس أن أفكارنا «العقلية» المؤدية إلى حكم أخلاقي «موضوعي»، أو إلى وضع ~~مذهب أخلاقي، ليست إلا واجهة تخفي القوى الحقيقة التي تحركنا؛ أعني الرغبات اللاشعورية، ~~وأجهزة الدفاع وأساليب التوفيق والحلول الوسطى. فنحن نخدع لأن الأنا يبدو عقليا، غير ~~أن هذا راجع إلى أن الرقيب الدائم اليقظة لا يسمح إلا للجوانب الأفضل للحياة النفسية ~~بأن تظهر على عتبة الوعي. والواقع أن أكثر الناس معقولية وأخلاقية يظلون في أساسهم مجرد ~~دمى تحركها قوى عمياء بدأنا بالجهد نعترف بوجودها. # وعلى حين أن التحليل النفسي، بوصفه ضربا من ضروب العلاج، قد حقق أعظم نتائجه في ~~الحالات التي تعمل فيها قوى لا عقلية واضحة - كحالات الحصر والمخاوف (الفوبيا) والمرض ~~العقلي - فإن المحللين يؤكدون أن الأفراد الأسوياء المتكيفين تكيفا سليما، تحركهم نفس ~~الدوافع اللاشعورية التي تحرك الأشخاص العصابيين. وكل ما في الأمر أن ذلك الشخص الذي ~~نسميه سويا هو شخص كان من ms419 حسن حظه أن مداولات «الثلاثة الكبار» فيه أقرب إلى المتوسط ~~أو إلى ما يقره المجتمع أو إلى النمط الفعال للسلوك من الشخص العصابي. غير أن هذه مجرد ~~مصادفة سعيدة، وليست دليلا على مزيد من المعقولية أو الأخلاقية من جانبه. # وينتهي فرويد، فيما يتعلق بأحكامنا التقويمية الصريحة، إلى نتائج مشابهة لتلك التي ~~انتهى إليها «باريتو»: فليست الأحكام إلا تعبيرات عن ضميرنا، الذي لا يمكن الاعتماد ~~عليه بوصفه مرشدا للسعادة البشرية أكثر مما يمكن الاعتماد على الرغبة، لسبب بسيط هو أن ~~جذور الضمير لا تقل انفعالية ولامعقولية عن رغباتنا ذاتها. ومن هنا فإن أحكام الناس ~~التقويمية هي على أحسن الفروض، مجرد «محاولات يدعم بها الناس أوهامهم بالحجج والمناقشات» # 9 # حسب تعبير فرويد ذاته. وهو يعترف بأن الأخلاق إنما هي دفاع المدنية ضد ~~العدوان، ولكنه يؤكد أن الأخلاق «يمكن أن تسبب من الشقاء قدر ما يسببه العدوان نفسه» # 10 # وبالاختصار فإن الأخلاق، من حيث إنها مصدر للسعادة البشرية، «ليس لديها ما ~~تقدمه هنا فيما عدا الرضا النرجسي الذي يرجع إلى اعتقاد المرء بأنه أفضل من الآخرين». # 11 # أي إن اعتقاد الإنسان بأن من الممكن توجيه السلوك البشري والتحكم فيه ~~بالأخلاق العقلية ليس إلا واحدا من أوهامه الكبرى. # أين نحن إذن؟ يمكن القول إننا حتى لو أقللنا من قدر أفكار «سمنر» و«باريتو» و«فرويد» ~~على أساس أنها أنصاف حقائق مبالغ فيها، فإن النصف الباقي يظل يشكل كتلة هائلة تعترض ~~مباشرة طريق التفكير الأخلاقي المعاصر. وهكذا نستطيع أن ندرك الآن السبب الذي جعل بعض ~~المفكرين يتراجعون إلى اتخاذ الموقف الحدسي، وهم يهتفون: «مغالطة المذهب الطبيعي! ...» ~~وكأنها سبة. كذلك نستطيع أن ندرك السبب الذي جعل غيرهم ينسحبون إلى نزعة الشك وهم ~~يصيحون: «لا أمل! لا أمل!» ... ولكن قد يكون من العسير أن ندرك ما الذي يدعو صاحب المذهب ~~الطبيعي في الأخلاق إلى أن يغرق في خضم تلك المجموعة الهائلة من المعطيات الاجتماعية ~~النفسية محاولا إيجاد أساس سليم لأحكام القيم. # ولو سألنا أصحاب المذهب الطبيعي الأخلاقي هؤلاء، الذين ms420 هم حقا أناس يتصفون بقوة ~~العزيمة، عن هذا الموضوع، لكان ردهم: «أين هو الشيء الآخر الذي نستطيع أن نجد فيه ~~أساسا متينا لنظريتنا في القيم؟ وأن نستطيع أن نأمل في إيجاد مكان لها، بعد رفض ~~المذهب فوق الطبيعي القائل بأن للقيم أساسا سماويا، والرأي الحدسي القائل إنها فريدة ~~في نوعها، واضحة بذاتها، لا ترتبط بالطبيعة أو بالتجربة البشرية بأسرها؟ من الواضح أن ~~الطبيعة (وضمنها الإنسان ذاته) هي المصدر الوحيد الباقي. ولما كانت معرفتنا بالطبيعة ~~تأتي من العلم، وأفضل معرفة لنا بالطبيعة البشرية تأتي من العلم الاجتماعي، فلا بد لنا ~~من التحالف مع هذين المصدرين.» # وكم كان يسرنا أن نترك لدى الطالب إحساسا يقينيا بأن أصحاب المذهب الطبيعي في ~~الأخلاق يسيرون بخطوات جبارة في المهمة التي أخذوها على عاتقهم وهي تشييد بناء للقيم ~~على أساس من الواقع. ولكن من سوء الحظ أن أي انطباع مرض كهذا لا بد أن يكون مضللا. ~~بل إن المتشبثين من أصحاب المذهب الطبيعي في الأخلاق يعلنون أن تقدما قد حدث في هذا ~~الاتجاه، فقد مهدت الأرض على الأقل، وقيست أبعاد المشكلة. فإذا تذكرنا أن المفكرين ~~الرواد من أمثال سمنر وباريتو وفرويد لم يكشفوا عن ضخامة المشكلة إلا منذ عهد قريب، ~~لوجب علينا أن نعترف عندئذ بأن تمهيد الأرض من حولها ليس بالأمر اليسير. # فهل يعني ذلك كله أن التفكير الأخلاقي المنهجي في أيامنا هذه مضطرب منقسم على نفسه؟ ~~من الواضح أنه يعني هذا بالفعل. وهل يعني أيضا أن المستقبل في علم الأخلاق غير مشجع، ~~بل ميئوس منه؟ إننا عندما نرجع بأنظارنا إلى التاريخ الطويل للتفكير النظري الأخلاقي، ~~لكي نرى كم من الأزمات استطاع هذا التفكير أن يجتازها، لن نعود نصف الموقف الراهن بأنه ~~ميئوس منه، والأفضل أن نصفه بأنه يدعو إلى التروي، وينطوي على تحد، ولكنه ليس مثبطا ~~للهمم. وخلال ذلك، فحتى يجيء الوقت الذي يتسنى فيه للمفكرين الأخلاقيين أن يلموا الشتات ~~ويبدءوا عملهم مرة أخرى على أساس جديد، فقد تكون مهمتنا، بوصفنا أبناء وبنات للقرن ms421 ~~العشرين العاصف المضطرب، أن نتعلم كيف نعيش في ظل اللايقين، ونبني حياتنا على ~~الاحتمالات بدلا من القيم المطلقة التي كان يدعيها أجدادنا. ولا يبدو أن لنا، من وجهة ~~نظر الأخلاق؛ أي مخرج آخر، إلا أن نقبل المذهب الحدسي أو المذهب فوق الطبيعي. # الفصل السادس عشر # | علم الجمال: ربيب الفلسفة # قد يجد الدارسون الجدد للفلسفة صعوبة في تصور الطريقة التي يمكن أن يندمج بها علم الجمال ~~وفلسفة الفن داخل الإطار العام للفلسفة. ومن أسباب هذه الصعوبة أن معظم الطلاب أقل اهتماما ~~بمشكلات الفن والجمال، وربما أقل معرفة بها، مما هم ببعض المشكلات الأخرى في الفلسفة، ~~كالمشكلات المتعلقة بعلم الأخلاق وبالأخلاق العملية. وينبغي لنا أن نعترف بأن هذا الفرع ~~الذي سندرسه الآن، يحتاج إلى تجربة متخصصة تفوق ما يتسنى لبعض القراء اكتسابه. ولقد أشرنا ~~من قبل إلى أن للمشكلات الأخلاقية طابعا لا يمكن التخلص منه؛ إذ إن من الضروري أن يمارس ~~البشر جميعا ، في كل ساعة من ساعات يومهم تقريبا، ملكة الاختيار لديهم بطريقة تنطوي على ~~نتائج أخلاقية. أما ميدان علم الجمال، فعلى حين أنه مجال متعلق بالقيم، شأنه شأن الأخلاق، ~~وفيه فرص ممكنة للاختيار لا تقل عما توجد في الأخلاق، فإن أناسا قليلين هم الذين نظموا ~~حياتهم بحيث يجدون ممارسة هذا الاختيار الجمالي أمرا لا مفر منه. ففي استطاعة المرء أن ~~يعيش حياة كاملة دون أن يصدر أكثر من حفنة من الأحكام الجمالية، ومن المؤكد أن هناك أناسا ~~كثيرين يعيشون راضين تماما فيما يمكن أن يعد فراغا جماليا. # ومع ذلك فمن المستحيل، كما ذكرنا في فصل سابق، أن يفكر المرء تفكيرا عميقا في أي ميدان ~~دون أن يواجه أولا مشكلات عقلية عامة. ثم يصادف بعد ذلك مسائل لها قطعا طابع فلسفي. وليس ~~ميدان الفن والجمال استثناء من هذا الحكم العام. فعلى الرغم من أن البقاء خارج هذا الميدان ~~أسهل من تجنب مجال الأخلاق، فإننا مجرد أن تطأ أقدامنا الميدان الفني أو الجمالي، نتعرض في ~~أية لحظة للتعثر في حقل ألغام فلسفي ms422 شديد الانفجار. # على أن هذا الميدان ربما كان هو الذي شهد أكثر المحاولات إلحاحا لتجنب المشكلات الفلسفية ~~النهائية (وقد يكون ذلك موقفا دفاعيا بالنسبة إلى أي شخص ما عدا المفكر الميتافيزيقي)، ~~بل لتجنب أشد المشكلات الجمالية وضوحا. وقد كانت محاولات التهرب هذه متفاوتة أشد التفاوت، ~~ما بين موقف عقيم يقول فيه المرء: «لست أعرف أي شيء عن الفن، ولكني أعرف ما أفضله». وموقف ~~جمالي فوضوي صريح، يصف فيه ناقد تأثر # Impressionistic # مثل ~~«أناتول فرانس» نشاطه النقدي الخاص وصفا دقيقا بأنه «يروي قصة مغامرات روحه مع الأعمال ~~الفنية الكبرى». على أن هذا الرأي الأخير في النقد لا يعبر عن نفس القدر من السذاجة العقلية ~~الذي يعبر عنه موقف: «إنني أعرف ما أفضله»؛ ذلك لأن الناقد، بإشارته إلى «الأعمال الفنية ~~الكبرى»، قد اعترف ضمنا بمعيار للتقويم خارج نطاق تفضيله الشخصي الخاص. صحيح أن مغامراته ~~شخصية دون شك، ولكنه لا يزعم أن الحكم على العمل الفني بأنه «عمل كبير» هو تقويم شخصي كذلك. ~~فهو إذن يفترض ضمنا نوعا من المعيار النقدي، وهذا يستتبع منطقيا مجال التأمل الجمالي ~~بأسره. وهكذا، فبينما معظم الناس لا يشعرون بضرورة عملية تحتم عليهم بحث مشكلات الفن وعلم ~~الجمال، فإن أولئك الذين يودون التبصر في حياة الذهن وعالم النشاط العقلي يجدون أن بحث هذا ~~الميدان ملزم لهم منطقيا على نحو لا يقل عن سائر فروع الفلسفة. ~~(1) حداثة عهد علم الجمال # علم الجمال هو أصغر أبناء الفلسفة؛ إذ إنه احتفل منذ عهد قريب جدا بعيد ميلاده ~~المائتين بوصفه فردا معترفا به في الأسرة الفلسفية. فقبل أواسط القرن الثامن عشر، كان ~~كثير من المفكرين يشيرون إلى مشكلة الفن وطبيعة الجمال، ولكن القليلين جدا منهم هم ~~الذين تعمقوا بالفعل في المسائل الأساسية. وكان أفلاطون قد أثار أسئلة حول طبيعة الفن ~~وعلاقته بالأخلاق، كما تضمن كتاب الشعر لأرسطو نظرية من أوسع النظريات تأثيرا في الفن ~~التراجيدي. ومع ذلك فإن الوعي الجمالي، كما نفهمه اليوم، لم يكن له وجود تقريبا في ذلك ~~الوقت، كما ms423 يشهد بذلك كل لفظ في نظرية أفلاطون. # 1 # بل إن قدرا كبيرا من التفكير الحديث في هذا الموضوع، في أوائل عهد هذا ~~التفكير عند الفلاسفة مثل «باومجارتنر # Baumgartner ~~» ~~(الذي أعطى علم الجمال اسمه) كان محدودا مبدئيا إلى حد بعيد. ومن هنا فإن علم ~~الجمال، في معناه الجديد الزاخر، ما زال دراسة حديثة العهد جدا. # ونظرا إلى حداثة عهد علم الجمال، فليس من المستغرب أن نجد هذا الميدان أقل تنظيما ~~وترتيبا من الفروع الأخرى للفلسفة. كذلك ينبغي ألا ندهش إذ نجد اختلافا في استخدام ~~المصطلحات ونصادف من آن لآخر خلطا في المسائل الأساسية. والواقع أن قدرا من هذا ~~الخلط يرجع إلى أسباب غير حداثة عهد الموضوع؛ ذلك لأن أي مذهب فلسفي تام، مجهز تجهيزا ~~كاملا، كان يشتمل تقليديا على بحث في الفن والجمال. ولقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى ~~نتائج سيئة؛ إذ نجم عنه بعض البحث النظري غير المدقق، وبعض الكتابات التي تتسم بالغموض ~~والتخبط غير العادي. وفي بعض الأحيان لم يكن لدى الفيلسوف إلا اهتمام حقيقي ضئيل بعلم ~~الجمال، وكان تقديره للفن أقل حتى من هذا القدر. كذلك نجم عن هذا السعي وراء الاكتمال ~~ضرر آخر؛ إذ كان يعني في بعض الأحيان أن الأفكار الجمالية لا تجد ما ترتكز عليه بذاتها، ~~وإنما يتعين عليها أن تدخل في إطار مذاهب ميتافيزيقية صيغت من قبل. وهكذا كان علم ~~الجمال في كثير من الأحيان ربيبا للفلسفة، وكان أحيانا يدرج ضمن أفراد الأسرة لمجرد ~~الشعور بالواجب، لا بدافع أي إحساس حقيقي بالحب الأبوي. # بعض الدلائل على النضج المتزايد ~~: من حسن الحظ أنه ~~قد ظهرت خلال نصف القرن الأخير دلائل على تزايد الحكمة في هذا الموضوع. ويبدو أن هذا ~~التحسن في مركز علم الجمال يرجع إلى أمرين، أولهما سلبي، فمعظم الفلاسفة اليوم أقل ~~طموحا في تكوين مذهب فكري شامل مما كان أسلافهم، وهم على استعداد لإغفال تلك الأجزاء ~~من الفلسفة، التي لا يهتم بها المفكر اهتماما أصيلا، أو التي لا يشعر بأنه على ~~استعداد ms424 كاف لبحثها. وهناك سبب آخر أوضح ظهورا، لتزايد أهمية البحث النظري الجمالي في ~~الوقت الراهن، هو التغير الذي طرأ على المزاج الفلسفي في الآونة الأخيرة. فحتى عهد ~~قريب، كالجزء الأخير من القرن التاسع عشر مثلا، كان الطابع الغالب على الفلسفة هو ~~الطابع العقلي. فقد كانت الفلسفة مبنية على المنطق إلى حد بعيد - لا بمعنى أنها كانت ~~تستخدم المنطق أداة عقلية، بل بمعنى أنها كانت تنبعث مباشرة عن العمليات المنطقية وتتخذ ~~طابع هذا النشاط العقلي الصرف. «فالعقل # Reason ~~»، كان ~~هو الأداة الرئيسية للنشاط الفلسفي. وباستثناء شوبنهور وقليل من المفكرين أصحاب المذهب ~~الإرادي، الأقل منه شأنا، فإن الفلاسفة لم يجعلوا للمشاعر أو الانفعالات مكانة كبيرة ~~في مذاهبهم، بل إن معظم المفكرين منذ عهد أفلاطون فصاعدا كانوا يتجهون إلى الحط من شأن ~~المشاعر والإقلال من قيمتها بوصفها وسائل للكشف عن طبيعة الواقع. ذلك لأن الحواس ~~والمشاعر والانفعالات (وهي ألفاظ كانت تستخدم في معظم الكتابات الفلسفية بمعنى مترادف ~~تقريبا ) كانت تعد إما عاجزة عن كشف الواقع، وإما عقبات إيجابية في وجه هذا الكشف. وقد ~~بدا أن الكثير من المثاليين، ولا سيما أولئك الذين كانوا أساسا من أصحاب الاتجاهات ~~العقلية، يأبون أن يعترفوا للحواس والانفعالات بأية أهمية، حتى فيما يتعلق بإدراك ~~الجمال. # غير أن ظهور الفلسفات ذات النزعة الإرادية، ولا سيما البرجماتية، مقترنا بالمزاج ~~التجريبي العام للفكر المعاصر، قد أرغم المفكرين على إعادة النظر في دور الانفعال في ~~عملياتنا المعرفية. وهذا بدوره قد شجع على صياغة نظريات فلسفية تعترف بالأهمية الفائقة ~~لمشاعر الإنسان ورغباته، حتى بالنسبة إلى عملياتنا المنطقية وأعمالنا العقلية. وهكذا ~~استعيض عن التفكير الجمالي ذي الاتجاه العقلي الجاف، الذي كان في كثير من الأحيان ~~مبنيا على أسس فنية هزيلة، والذي عرف في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع ~~عشر (مع استثناء واضح هو شوبنهور مرة أخرى)، بتأملات جمالية تكشف في كثير من الأحيان عن ~~إلمام واسع جدا بالفنون، بالإضافة إلى تجربة جمالية شخصية غنية متعمقة إلى حد يفوق كل ~~ما كان يتصوره ms425 مفكر مثل كانت. # 2 # وقد يكون من العسير أن نقنع الطلاب الذين ليس لديهم إلا إلمام محدود بالفنون، أو لا ~~يستجيبون للجمال في أية صورة إلا استجابة محدودة، بأن للتفكير الجمالي من الأهمية ما ~~يبرر الكلام عنه في مدخل عام إلى الفلسفة (كهذا الكتاب). ومع ذلك فإن أي قارئ توصل إلى ~~إدراك وجود التجربة الجمالية وإمكاناتها الهائلة، سيجد في الصفحات التالية على الأقل ~~بعض المفاهيم والتفرقات التي قد تلقي ضوءا على هذه التجربة، من حيث ما تكونه في ذاتها، ~~ومن حيث علاقاتها ببقية أوجه النشاط العقلية والروحية للإنسان. ~~(2) مشكلات علم الجمال # لعل عدم إيضاح المفاهيم المستخدمة في علم الجمال هو أهم أسباب الخلط الذي يشيع في ~~التفكير الجمالي على نطاق واسع. فلا توجد في هذا الميدان إلا مصطلحات أساسية قليلة ~~العدد، ومع ذلك يبدو أن هذه الحقيقة ذاتها قد شجعت على استخدام هذه المصطلحات بطريقة ~~فيها خلط وغموض. فالمصطلحات التقليدية الرئيسية في علم الجمال كانت ثلاثة ، أضيف إليها ~~مصطلح رابع في الآونة الأخيرة. أما المصطلحات التقليدية فكانت بسيطة مألوفة إلى حد ~~الإملال، وهي: الجمال، والفن، والطبيعة. ومع ذلك فإن الجزء الأكبر من الجدل الدائر في ~~ميدان علم الجمال قد تركز حول طبيعة هذه المعاني الثلاثة ومكانتها، سواء في ذاتها أو في ~~علاقة كل منها بالأخرى. وقد أدى إدخال مصطلح التعبير في العصر الحديث إلى إثراء ~~المشكلة إلى حد بعيد، وتعقيدها كثيرا في نفس الوقت، بحيث أصبح هذا المفهوم الجديد ~~محور الجدل في الوقت الراهن. وعلى الرغم من أن مجال علم الجمال بأسره يمر في الوقت ~~الحالي بحالة من السيولة، فقد بدأت تظهر وسط هذا التدفق الشامل جزر ممكنة معينة، وهناك ~~من الأسباب ما يبرر الاعتقاد بأن هذا الموضوع قد يحقق في وقت قريب مزيدا من الوضوح، ~~وتصبح له مكانة أعظم في عالم العقل. # ما الجمال؟ إذا قفزنا بجرأة في قلب الدوامة الصاخبة، لبدا لنا أن أعظم قدر من الخلط ~~كان يتركز دائما حول لفظي «الفن» و«الجمال». ولهذا الخلط أسباب متعددة. ms426 فإذا ما نظرنا ~~إلى الجمال في ذاته، بغض النظر عن كونه يتبدى في الطبيعة أم في الفن، لواجهتنا أولا ~~مشكلة تقديم تعريف مرض لهذا اللفظ. وترتبط مشكلة مكانة الجمال ارتباطا وثيقا ~~بالمشكلة السابقة المتعلقة بطبيعته. فهل الجمال ذاتي أو موضوعي؟ وهل هو يكمن في ~~الموضوع، أم أنه لا يوجد إلا في ذهن المشاهد؟ وإذا اتخذنا موقفا وسطا وقلنا إن الجمال ~~ينشأ من نوع من الجمع بين العاملين الموضوعي والذاتي، ففي أي نوع من الجمع يظهر؟ وإذ ~~قررنا أن الجمال موضوعي، فما علاقته بالواقع ككل؟ وما مكانة الجمال في الكون؟ ومن جهة ~~أخرى فإذا نظرنا إلى الجمال على أنه ذاتي، فهل هو يكشف أي شيء عن طبيعة الواقع الخارجي، ~~أم أنه لا أهمية له إلا من حيث هو يكشف عن الطبيعة البشرية؟ # وعندما نبحث، بصورة أخص، في الجمال من حيث علاقته بالطبيعة والفن كل على حدة، نجد ~~أنفسنا إزاء مشكلات أشد من هذه تعقيدا. فهل الجمال الذي يخلقه الفنان من نفس نوع ~~الجمال الموجود في الطبيعة - وهل يؤدي عنصر الغرضية؛ أعني كون الجمال الفني يخطط ويبعث ~~إلى الوجود عن قصد وعمد، إلى إيجاد فارق يؤدي إلى إدراج نوعي الجمال ضمن فئتين ~~مستقلتين؟ إن جميع النقاد والفنانين والباحثين الجماليين تقريبا متفقون على أن الجمال ~~الفني معبر إلى حد يستحيل أن يبلغه الجمال الطبيعي، وليس من شك على الإطلاق في أن ~~الجمال الفني أشد تعقيدا. وما هو بالضبط دور الجمال في الفن؟ لقد كان من المسلم به ~~دون أي شك تقريبا، حتى عهد قريب، أن أي عمل فني ينبغي قبل كل شيء أن يكون جميلا وكان ~~معظم المفكرين الجماليين في الماضي يرون أن خلق الجمال هو الهدف الأول للفنان. وما زالت ~~عامة الناس تؤمن بذلك، كما يتضح أن أكثر الانتقادات التي يوجهها الأشخاص العاديون إلى ~~الفن المعاصر شيوعا هو أن الأعمال التي يبدعها ليست جميلة بالقياس إلى أعمال «أساطين ~~الفن القدماء» - وهي عبارة تعني في هذه الحالة عادة أي فنان أنتج قبل عام ms427 ~~1890م. ~~(3) مشكلات الفن # إذا نظرنا إلى الفن بأعين المفكر الجمالي التحليلية، لوجدنا أنفسنا على التو إزاء ~~مشكلات مثل: ما هدف الفن؟ هل ينبغي أن يحاكي الطبيعة؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي أوجه ~~الطبيعة لاتي ينبغي أن يحاكيها - ما دامت أية محاكاة كاملة تكاد تكون مستحيلة؟ وهل يجب ~~على الفن أن يضفي على الطبيعة صبغة مثالية، أو أن يقتصر في تصويره على الأقل على الأوجه ~~الأكثر مثالية للعالم الطبيعي؟ أم أن من الواجب أن نتخلى عن نظرية المحاكاة برمتها، ~~ونقول إن الفن تعبير عن استجاباتنا للطبيعة؟ وإن كان الأمر كذلك، فأية استجابات نعني؟ ~~أهي استجابات الفنان الشديد الحساسة، أم تلك التي يمارسها الناس جميعا، بغض النظر عن ~~تعليمهم أو خبرتهم أو ذكائهم أو حساسيتهم؟ # وماذا نقول عن العلاقة بين الفن والأخلاق؟ # لقد ~~تفاوتت وجهات النظر في هذه المشكلة إلى حد بعيد، بل إننا حتى في الوقت الحالي، حين ~~أصبحت الأخلاق أكثر تحررا في عمومها مما كانت عليه طوال أجيال عديدة، ما زلنا نجد ~~اتجاهات تتباعد إلى حد يوحي باستحالة الوصول إلى اتفاق في الرأي. فهل ينبغي الحكم على ~~موضوع أي عمل فني بنفس المعايير الأخلاقية التي نستخدمها في الحكم على هذا الفعل أو ~~الموقف (الذي يمثله هذا الموضوع) لو حدث في الحياة الواقعية؟ أم أن للفنان الحرية في ~~معالجة أي موضوع بالطريقة التي يراها مناسبة؟ وهل يقف العمل الفني في فراغ أخلاقي، أم ~~أن هناك نوعا من «الأخلاقية العليا»، توصف بأنها أكثر تحررا، وربما تعمقا، من أية ~~أخلاق اجتماعية مألوفة، يتعين على الفن الخلاق أن يراعيها؟ # الفن والتعليم ~~: هناك مشكلة أخرى تقف إلى جوار هذا ~~الخلاف الحاد: هي مشكلة العلاقة بين الفن والتعليم. هذه المشكلة الجديدة، حين تكون ~~متعلقة بالتعليم الأخلاقي، تعود بنا إلى المشكلة السابقة، غير أنها تمتد عادة بحيث ~~تشمل علاقات الفن بكل نوع من أنواع التعليم. وقد سبق لأفلاطون، وهو أول مفكر جمالي هام، ~~أن ناقش هذا الموضوع مناقشة تفصيلية، وما زالت النتائج التي انتهى إليها تجد ms428 قبولا لدى ~~كثير من ذوي النزعات المحافظة أو الاتجاهات المثالية. فهل يكون من المأمون أن نعرض ~~الأذهان الفتية، السهلة التأثر، لتلك الحوادث التي تتصف بالعاطفة المشبوبة، ~~وباللاأخلاقية أحيانا، والتي تصورها كثير من الأعمال الفنية، وبخاصة في الوقت الذي ~~تكون فيه تلك الأذهان مفتقرة إلى النضج الكفيل بأن يجعلها تشعر بالفارق بين هذه الأفعال ~~حين تحدث في الحياة الواقعية وبين التصوير الفني لها؟ هذا السؤال يؤدي بنا إلى مشكلة ~~الرقابة في الفن - وهي مشكلة ربما كانت ملحة في وقتنا الحالي أكثر مما كان في أي وقت ~~مضى، بعد ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية كالإذاعة والتليفزيون والسينما. # ما مدى أهمية الموضوع في الفن ~~: وماذا نقول عن ~~استخدام الفن لأغراض الدعاية، أو حتى ما يسمى بالدعاية ذات القصد النبيل، كما نجد في ~~حالة الدين أو في الأعمال التي ترمي إلى تحريك مشاعر التعاطف مع المضطهدين اجتماعيا ~~أو المظلومين اقتصاديا؟ وإذا قدر لهذا النوع من الفن أن يبلغ حد العظمة (ويكاد إجماع ~~النقاد ينعقد على أنه كثيرا ما يبلغ هذا الحد) فهل تتحقق هذه العظمة بسبب مضمونه ~~الدعائي، أم على الرغم منه، أم على نحو مستقل عن هذا المضمون؟ وإذ قررنا أن هذا المضمون ~~الفكري لا تربطه بروعة العمل الفني أو ضآلة قيمته إلا صلة واهية، أو لا تربطه بهما صلة ~~على الإطلاق، فإن هذا يؤدي بنا منطقيا إلى مشكلة يتميز بها الفكر الجمالي المعاصر على ~~التخصيص، وهي: ما أهمية موضوع أي عمل فني في تقديرنا له بوصفه تجربة جمالية؟ وهل ينبغي ~~أن يكون الهدف الأول للفنان هو أن يروي لنا قصة، أو يعيد بعث ارتباطاتنا النفسية، أو ~~ينبهنا إلى موعظة، أو يحرك فينا دوافع الشفقة أو السلوك الاجتماعي؟ أم أن هدفه الأول - ~~إذا انتقلنا إلى الطرف الآخر المضاد - ينبغي أن يكون خلق الجمال لذاته؟ أعني هل هو ~~يقتصر على أن يحاول خلق تنظيم معقد من التراكيب السطحية والعلاقات الشكلية الكاملة ~~التحقق، التي لا يكون لها «معنى»، ولا تعبر إلا عن زخرف جمالي وعن قيم ms429 شكلية ~~غنية؟ # مشكلات أخرى في هذا الميدان ~~: على أن هذه المشكلات ~~الصعبة، على الرغم من تعددها ومن كل ما تثيره من الجدل، لا تشكل المجال الكامل لعلم ~~الجمال. فنحن لم نذكر شيئا عن المشكلات التكنيكية التي يثيرها كل فن من الفنون على ~~حدة، ولم نشر إلى التمييز (الفعلي أو المفترض) بين الفنون «الجميلة» والفنون ~~«التطبيقية». كذلك فإن إية قائمة كاملة للمشكلات الكبرى عي علم الجمال ينبغي أن تشتمل ~~على التقابل بين الفنون المكانية (وهي التصوير والنحت والعمارة، إلخ) وبين الفنون التي ~~ينطوي عرضها على عنصر الزمان (كالموسيقى والشعر والدراما والرقص). وربما كان أهم ما ~~أغفلناه هو تلك المشكلات التي يحاول علم النفس حلها عن طريق التحليل العلمي للتجربة ~~الجمالية وملاحظة الأذهان الخلاقة وهي تمارس عملها. ومع ذلك، فلما كانت هذه الدراسة لا ~~تعدو أن تكون فصلا واحدا ضمن مدخل عام إلى الفلسفة، فينبغي أن نكتفي بتخصيص بقية ~~المكان المخصص لنا لعرض بعض الأفكار المتعلقة بمشكلتين من المشكلات التي أثرناها من ~~قبل. ولعل كل ما نأمل في تحقيقه في مثل هذه المقدمة الموجزة هو إيضاح المصطلحات ~~الرئيسية والحديث عن بعض التفرقات الأساسية في الميدان الجمالي. ~~(4) مكانة القيم الجمالية # فلنبدأ ببحث مشكلة الموضوعية الجمالية - أو بعبارة أدق، المكانة الوجودية للقيم ~~الجمالية. فحتى عهد قريب نسبيا كان من المسلم به عموما، ودون جدل كثير، أن اللذات ~~التي يجلبها الموضوع الجمالي شاملة. فكان يفترض أن جميع المشاهدين يجدون نفس الكمية ~~ونفس النوع من اللذة تقريبا عند تأمل العمل الفني أو الشيء الطبيعي الجميل. ولكن هذا ~~الافتراض قد أصبح يواجه تحديا مستمرا في الآونة الأخيرة، بعد زيادة القدرة النقدية ~~وقوة الاتجاه النسبي في الفكر الحديث، حتى إن المفكر الذي يؤمن بأن القيم الجمالية وجود ~~موضوعي أصبح يتخذ اليوم موقف الدفاع. # 3 # ولكن في استطاعة القائل بموضوعية القيم أن يقدم حججا قوية تؤيد رأيه ~~القائل إن بعض أنواع التجربة الجمالية على الأقل مشتركة بين الناس جميعا، وإن اللذات ~~التي تنشأ عن هذه التجارب تمثل بالتالي قيما ms430 موضوعية. # أنواع ثلاثة من القيمة الجمالية ~~: يبني القائل ~~بموضوعية القيم موقفه عادة على تمييزات معينة يعتقد أن المدرسة الذاتية في القيم ~~تتجاهلها أو تقلل من قيمتها. هذه التمييزات تؤدي إلى تقسيم ميدان القيمة الجمالية إلى ~~ثلاثة أنواع، وهذه الأنواع مستقلة بعضها عن بعض، وكل منها يؤدي إلى استجابة من نوع ~~خاص لدى المشاهد. ويمكن تقسيم القيم الناتجة عن هذه الاستجابات المختلفة إلى حسية، ~~وشكلية، وترابطية. ~~(1) # القيم الحسية ~~: القيم الحسية هي تلك ~~التي تنشأ عن إدراك ألوان أو أشكال أو أصوات معينة، على نحو مستقل عن ~~التنظيم الشكلي الذي تتجسد فيه هذه العناصر، وعن الفكرة أو «المعنى» الذي ~~يفترض أن العمل الفني يعبر عنه. مثال ذلك أن السطح المصقول للرخام ~~والجرانيت وبعض أنواع الخشب وكثيرا من المعادن، يجتذب مباشرة حاستي ~~الإبصار واللمس لدينا. وكثير من الألوان تبعث لذة حتى لو كانت تبدو بقعا ~~منفصلة. ويؤدي اللون النغمي لآلات موسيقية معينة، وكذلك عدد من الأصوات ~~التي تسمع في الطبيعة ، إلى إعطائنا لذة سمعية مستقلة تماما عن اللحن، أو ~~الهارموني، أو الإيقاع الذي تتجسد فيه هذه الأصوات. ~~(2) # القيم الشكلية ~~: القيم الشكلية عادة ~~أقل وضوحا من نظائرها الحسية، ويكاد يكون من المؤكد أنها أعقد منها. وهي ~~تنشأ من اللذة التي يجدها الذهن في إدراك جميع أنواع العلاقات. وقد تكون ~~هذه علاقات هوية، أو تشابه، أو مماثلة، أو تضاد ... إلخ. وقد تقع هذه ~~العلاقات بين العمل الكامل وبين أجزائه، أو بين بعض الأجزاء وبعض، أو بين ~~كليات ~~(Wholes) # فنية مختلفة من أنواع شتى. ~~وهكذا نجد في العمارة أن واجهة المبنى تمثل علاقات شكلية متعددة، كنسبة ~~ارتفاع المبنى إلى عرضه، والحجم النسبي للأبواب والنوافذ وشكلها، والتضاد ~~بين المساحات التي تنار بقوة، وتلك التي توجد في الظل. وفي التصوير، توجد ~~تلك العلاقات الواضحة في التشابه والتضاد والاستجابة التجاوبية بين الأقواس ~~أو المنحنيات وبين الزوايا، أو بين مختلف الأشكال الهندسية في التكوين ~~الكامل. وفضلا عن ذلك نجد كل إمكانيات العلاقات الكامنة في اللون، وهذه لا ~~تشتمل فقط على ms431 التقابل بين الأصباغ والدرجات اللونية، بل تشتمل أيضا على ~~التعارض بين الألوان الباردة المنكمشة (الأزرق والأخضر مثلا) وبين الألوان ~~الحارة العدوانية (الأحمر والأرجواني مثلا). وفي الموسيقى يمكننا أن نستغل ~~علاقات السلم، والمقام، واللون الصوتي، والارتفاع والانخفاض، والإيقاع ~~والحجم الصوتي، فضلا عن التقابل الأوسع مدى بين الموضوع والموضوع المقابل ~~في «الفوجة» # Fugue # أو بين الموضوعين ~~(Themes) # الرئيسيين في قالب السوناتا. ~~ولكل من الفنون الأخرى إمكانيات غنية أخرى في العلاقات، ونخص منها بالذكر ~~إمكانيات الشعر. فالقيم الشكلية تنشأ كلما أدرك الذهن هذه العلاقات، حتى لو ~~كان إدراكه هذا مبهما، ووجد فيها لذة أو دلالة. ~~(3) # القيم الارتباطية ~~: القيم الارتباطية ~~(وتسمى أيضا بالقيم اللفظية، أو التصويرية، أو الأدبية، أو الرمزية، أو ~~قيم المضمون) هي تلك التي تضفي على الموضوعات الجمالية معنى يمكن التعبير ~~عنه بالكلمات، وتصبح مرتبطة بالموضوعات لأنها تذكر المشاهد أو السامع ~~بأشياء أو أفكار أو حوادث توجد (أو كانت توجد) خارج المجال الجمالي. وهكذا ~~فإن صورة رجل يضحك، تعبر عن المرح أو الطرب؛ لأن هذا هو المعنى المرتبط ~~بالضحك في الحياة اليومية، على حين أن قطعة موسيقية معينة قد تطربنا لأن ~~لها ارتباطا وثيقا بمناسبة سعيدة معينة في الماضي. # وينبغي أن نشير إلى تمييز آخر داخل فئة القيم الارتباطية، تنقسم فيه هذه القيم إلى ~~أولية وثانوية. # 4 # فالارتباطات الأولية هي تلك التي يفترض أنها تسري على الناس جميعا، ~~كالعلاقة التي أشرنا إليها منذ قليل بين الضحك والمرح. أما الارتباطات الثانوية فهي ~~فردية وشخصية بالمعنى الدقيق، كالذكريات السعيدة المرتبطة بمصنف موسيقي معين. # ما مدى موضوعية هذه الأنواع الثلاثة من القيم؟ # تختف ~~هذه الأنواع المتباينة من القيم الجمالية اختلافا كبيرا في موضوعيتها، فاللذات الحسية ~~تبدو ذات جاذبية تعم النوع بأكمله قطعا، على افتراض أن الفرد ليس فيه عيب عقلي أو حسي ~~(كأن يكون مصابا بعمى الألوان أو الصمم). وهكذا فإن القيم الجمالية التي تنشأ من ~~استغلال المادة ذاتها ينبغي أن يعترف لها بمكانة موضوعية. أما بالنسبة إلى القيم ~~الشكلية فإن الموقف أعقد. فمن المعترف ms432 به أن كثيرا من القيم الشكلية تبلغ من الخفاء ~~والدقة حدا قد يقتضي معه إدراكها خبرة، بل تدريبا منظما. ومع ذلك فلما كان ~~الملاحظون الأسوياء يستطيعون الوصول إلى إدراكها بالمرانة، فمن العسير أن نرى كيف يمكن ~~أن تعد أقل شمولا (وبالتالي أقل موضوعية) من تلك التي تنشأ عن اللذة الحسية. # 5 # أما عندما نصل إلى فئة القيم الارتباطية فإن الموقف يتغير، فعلى حين أن هناك ارتباطات ~~معينة هي دون شك مشتركة بين النوع بأسره، فإن عددها أقل مما يفترضه معظم الناس. وربما ~~كان أقل من أن تكون له أهمية في علم الجمال. فكثير من الاستجابات التي كانت من قبل تعد ~~«غريزية» أو «طبيعية»، قد ثبت أنها مكتسبة، وكثير من الاستجابات التي كانت تعد من قبل ~~عامة شاملة، قد اتضح أنها مجرد «أنماط حضارية»، منتشرة على نطاق واسع داخل جماعة حضارية ~~معينة، ولكنها ليست عامة شاملة على الإطلاق. وحسبنا أن نضرب مثلين لارتباطات شاملة ~~مزعومة، يبينان مدى خطر التأكيد القطعي بشأن شمول أية استجابة كهذه. فنحن ننظر مثلا ~~إلى المقام الصغير ~~(Minor) # في الموسيقى على أنه يعبر ~~بطبيعته عن أحوال نفسية جادة أو كئيبة أو استبطانية، ولا سيما بالنسبة إلى المقام ~~الكبير # Major ~~. ومع ذلك فقد كان لليونانيين القدامى رأي ~~عكسي تماما: فالمقام الكبير هو الذي كان حزينا، كئيبا، بل مخنثا عندهم، على حين أن ~~المقام المماثل لمقامنا الرئيسي الصغير كان في نظرهم رجوليا عدوانيا مرحا واثقا ~~بنفسه. وإذا شئنا مثلا آخر، فلنتساءل: ماذا نقول عن تلك الحقيقة المعروفة من أن الحداد ~~يرمز له في أرجاء شاسعة من الشرق باللون الأبيض؟ # وعلى ذلك ينبغي أن نستنتج أن الترابطات الأولية ذاتها كثيرا ما تكون مصادر غير موثوق ~~منها للقيمة الأخلاقية، على الرغم من أن هناك رموزا معينة قد يصبح لها في جماعات ~~حضارية أو «مدنيات» خاصة تأثير ارتباطي يكاد يكون شاملا، فالصليب، في حدود المسيحية، ~~هو مثال واضح، والمطرقة والمنجل # 6 ~~⋆ # قد ~~يكونان في أيامنا هذه رمزا عاما كذلك. أما بالنسبة إلى ms433 الارتباطات الثانوية، فلا ~~نكاد نكون بحاجة إلى القول إنها في عمومها شخصية؛ وبالتالي ذاتية تماما. # العنصر الشخصي ~~: تمثل أية تجربة جمالية فردية لأي ~~شخص مزيجا من ثلاثة أنواع من اللذة أو الإشباع. فالمشاهد العادي غير الخبير يبدي أكبر ~~قدر من الاهتمام، كما رأينا من قبل، بالمضمون الارتباطي، وقدر أقل منه بالحسي، وأقل قدر ~~من الجميع بالقيمة الشكلية. أما الفنان فيكاد يكون من المؤكد أنه إذا تأمل نفس العمل ~~الفني فسوف يعكس هذا الترتيب، كما يفعل معظم النقاد الفنيين، فسوف ينظر إلى العناصر ~~الحسية أو الشكلية على أنها أهم بكثير من العنصر الارتباطي، وقد تكون القيمة الكاملة ~~للعمل الفني - في عالم الفن المعاصر على الأقل - منحصرة في الجمع بين هذين العنصرين. ~~ومع ذلك فإن النقطة الرئيسية في مناقشتنا ليست هي السؤال عن «أفضل» الأنواع الثلاثة من ~~القيم الجمالية أو «أكثرها مشروعية»، وإنما نحن نبحث في هذه الحقيقة البسيطة، ألا وهي ~~أن الجزء الأكبر من التجربة الفنية يمثل مزيجا كهذا. ولما كانت نسب كل نوع من القيم ~~تتفاوت تبعا لكل مشاهد - من لحظة إلى أخرى في المشاهد الواحد - فإن القيمة الكاملة لكل ~~تجربة ينبغي أن تكون متباينة، شخصية؛ وبالتالي ذاتية. # ومن الممكن أن يكون الأفراد متسقين مع أنفسهم إلى حد معقول فيما يعزونه إلى أنواع ~~القيم الثلاثة من أهمية نسبية، وقد يتعلمون أن يعملوا حسابا للأحوال النفسية المتغيرة، ~~وللأهواء الشخصية العابرة، كما ينبغي أن يفعل الناقد - كما أن من الممكن أيضا أن يصل ~~شخصان أو أكثر، عن طريق الجمع بين مرانة مماثلة، وخبرة مماثلة، ومزاج مماثل، إلى اتخاذ ~~مزيج شبه متماثل من هذه القيم معيارا شخصيا للدلالة الجمالية أو الامتياز الفني في ~~نظرهم. ومع ذلك فإن الأهمية النسبية لكل نوع من القيم تمثل في آخر الأمر اختيارا ليس ~~شخصيا فحسب، بل هو فريد في نوعه؛ لذلك يبدو من المنطقي أن ننتهي من مناقشتنا هذه إلى ~~أن عالم التجربة الجمالية ليس أصلح مكان للبحث عن القيمة الموضوعية. # 7 # وبطبيعة الحال فإن هناك أمورا ms434 كثيرة أخرى تقال عن الخلاف بين الذاتية والموضوعية، ~~ولكن ليس هذا موضع الكلام عنها. ويكفي، بالنسبة إلى غرضنا الحالي، أن تكون التمييزات ~~التي أشرنا إليها الآن قد أعطت القارئ فكرة معينة عن تعقد المشكلات الجمالية والمناهج ~~التحليلية التي تستخدم في معالجتها. ~~(5) مقارنة بين القيم الجمالية في الفن والطبيعة # في وسعنا أن نفيد من نفس هذه التمييزات التي تفرق بين مختلف أنواع التجربة الجمالية، ~~في بحثنا للمشكلة الكبرى الأخرى في هذا الميدان، وهي المشكلة الخاصة بالصلة بين «الفن» ~~و«الطبيعة». ولقد كانت الصيغة التي عبر بها التفكير الجمالي الأقدم عهدا عن هذه ~~المشكلة هي صيغة التقابل بين «الجمال في الطبيعة» وبين «الجمال في الفن»، ولكن الاتجاه ~~الحديث إلى توسيع نطاق الفن والاستطيقا معا بحيث يتجاوزان كثيرا نطاق مفهوم «الجمال» ~~التقليدي، يدفعنا إلى بحث العلاقة بين الجمال والطبيعة في أعم صورها. # الفن بوصفه محاكاة للطبيعة ~~: لعل أوسع الآراء عن ~~وظيفة الفن وغايته انتشارا، وأكثرها دواما، هو النظرية المسماة بنظرية «المحاكاة». ~~ولهذه النظرية صورتان؛ الأولى: تمثل التفكير الجمالي الكلاسيكي والوسيط، وكانت ترى في ~~الفن مجرد نسخة من الطبيعة، ولا أكثر ولا أقل. ومن أشهر أمثلة هذه النظرية، آراء ~~أفلاطون، وإن كانت هذه الآراء القديمة في الموضوع، لم تقل إلا القليل عن أوجه الطبيعة ~~التي ينبغي محاكاتها. على أن التفكير النظري الجمالي في عصر النهضة والعصر الكلاسيكي ~~المحدث في القرن السابع عشر، قد هذب هذا الموقف الساذج إلى حد ما، وأدى هذا التهذيب إلى ~~ظهور النوع الثاني من نظرية المحاكاة، الذي لا يزال يؤيده كثير من الأشخاص غير ~~المتخصصين، ومن المفكرين ذوي النزعات المثالية في الوقت الراهن. ويذهب هذا الرأي المعدل ~~بدوره إلى أن وظيفة الفن هي محاكاة العالم الطبيعي، ولكن هذه المحاكاة ينبغي أن تنصب ~~على أوجه معينة منه؛ أعني الأوجه الأكثر مثالية. وتحفل النظريات الفنية في القرنين ~~السادس عشر والسابع عشر بنصائح إلى الفنان عن محاكاة الطبيعة والفنانين القدامى معا. ~~وبطبيعة الحال فقد كان المفهوم ضمنا في كل الأحوال هو أن هذين الاثنين ms435 كانا متشابهين ~~(بالنسبة إلى كل الأغراض العملية) إلى حد أنهما كانا تقريبا في هوية تامة. ولكن رجال ~~عصر النهضة أدركوا أن الجزء الأكبر من الفن الكلاسيكي كان مثاليا بصورة واضحة. ولذا ~~كان من الضروري، لكي يحققوا الاتساق لمعيارهم المزدوج الخاص «بالطبيعة» و«الفن القديم»، ~~أن يقولوا بوجوب الاقتصار على محاكاة الأوجه الجميلة، النبيلة، البطولية، المثالية ~~للطبيعة. ولقد كانت وجهة نظر عصر النهضة هذه هي التي ورثناها، وما زال عامة الجمهور، ~~وكذلك الناقد المحافظ، يرون أن الغرض الأساسي للفن هو خلق صور محاكية جميلة للطبيعة ~~الجميلة. # الجمال في مقابل التعبير ~~: على أن التفكير الجمالي ~~قد أصبح، منذ القرن الثامن عشر، أقوى شعورا بالعنصر التعبيري في الفن. # 8 # وكان من أسباب هذا التغير في الاتجاه، اتساع نطاق معرفة الأعمال اليونانية ~~الأصيلة، التي هي في عمومها أكثر «تعبيرية» (وهي قطعا أقل تجردا «وجمالا» باردا) من ~~نسخها الرومانية. وقد أثار هذا الوعي المتزايد بالتعبير عدة مشكلات عقلية جديدة، أهمها ~~كيفية التوفيق بين شرط الجمال بوصفه القيمة العليا، وبين مطلب القدرة التعبيرية الجديد. ~~والواقع أن الحلول النظرية لهذه المشكلة تؤلف جزءا كبيرا من الكتابات التي ظهرت في ~~علم الجمال خلال الفترة الواقعة بين عام 1760م و1830م، وخاصة في ألمانيا. بل إننا ما ~~زلنا حتى اليوم نستمع في بعض الأوساط الجمالية إلى جدل يدور حول أولوية الجمال أو ~~التعبير. ولقد كانت النتيجة العقلية الشكلية للمعارك الأولى التي دارت حول هذه المسألة ~~هي وضع «المقولات» الجمالية: كالجميل، والجليل # Sublime # والتراجيدي (أو الأسيان # Comic ~~) والكوميدي (أو الهزلي # Tragic ~~)، والمميز # Characteristic ~~، والعجيب. وكان سبب وضع هذه ~~المقولات هو محاولة تقديم وصف أدق لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين الجمال والعناصر ~~الأكثر تعبيرية في الفن. ومن هنا كان من المسلم به عادة أن المقولات الخمس الأخيرة ~~المذكورة من قبل تقف في مقابل الأولى، وإن كان من الممكن تآلفها مع «الجميل» بدرجات ~~متفاوتة - فالجليل مثلا يتحد مع الجميل نحو أكثر طبيعية مما يتحد مع الهزلي. # وما دامت نظرية المحاكاة العامة كانت ms436 هي التي تسود الإنتاج الفني والتفكير الجمالي ~~معا، فإن المسألة الوحيدة الحقيقية المتعلقة بالصلة بين الفن والطبيعة كانت: أي أوجه ~~الطبيعة ينبغي محاكاته؟ غير أن زيادة الاهتمام بالتعبير - حتى لو كان يعني التضحية ~~بالجمال - قد استوجبت قيام الحاجة إلى صيغة جديدة تعبر عن هذه العلاقة، وقد كرس جزء ~~كبير من الفكر الجمالي في الآونة الأخيرة لمحاولة وضع هذه الصيغة. # القيمة الجمالية في الطبيعة ~~: من الجائز أن نتائج ~~هذا الاهتمام المتزايد بالتعبير أكثر ثورية مما أدركه أي مفكر في القرنين الثامن عشر أو ~~التاسع عشر. ذلك لأن التغير كان ينطوي، بصورة ضمنية على الأقل، على سؤال عميق عظيم ~~الأهمية، هو: هل الطبيعة معبرة بحق؟ وإذا كانت كذلك، فما الذي تعبر عنه؟ فإذا ما أعدنا ~~صياغة هذا السؤال على أساس تقسيمنا الثلاثي السابق لأنواع اللذة أو الإرضاء الفني، ~~لأصبح كما يلي: ما هي القيم الجمالية التي توجد في الطبيعة، وما علاقتها بنظائرها في ~~الفن؟ ~~(1) # القيم الحسية ~~: لا جدال في أن الطبيعة ~~زاخرة بأمثلة اللذة أو الإرضاء على المستوى الأول، وهو المستوى الحسي، ~~المستمد من إدراك التركيبات المادية والألوان والأصوات. إلخ. فتركيب ورقة ~~زهرة، أو شاطئ مغطى بالطحالب، أو قطعة من الجرانيت المصقول كالزجاج، ولون ~~الأشياء التي لا حصر لها في الطبيعة، وخصائص أصوات بعض الطيور وغيرها من ~~الأصوات الطبيعية، كهزيم الريح خلال أشجار الصنوبر - كل هذه الأمثلة تقف ~~أندادا لنظائرها الفنية من حيث القيم الحسية. ومن المعترف به أن تنوع ~~اللذات الحسية التي تقدمها الطبيعة أضيق نطاقا مما يقدمه الفن (مثال ذلك ~~أن الفن يستخدم أنواعا متعددة من السطوح المصقولة، على حين أنه لا يوجد في ~~الحالة الطبيعية إلا القليل منها) غير أن تلك الأمثلة التي توجد في العالم ~~الطبيعي قد تكون مصادر للذة الجمالية لا تقل تأثيرا عن نظائرها في الفن ~~على الإطلاق. ~~(2) # القيم الشكلية ~~: أما على مستوى القيم ~~الشكلية، وهي التي وصفناها بأنها هي القيم الناشئة عن إدراك شتى أنواع ~~العلاقات، فأنا نجد نطاق الطبيعة محدودا بالقياس إلى الفن. ولكن ms437 هناك مع ~~ذلك أمثلة طبيعية أصيلة كثيرة، ولا سيما في المجال البصري: فالزخارف التي ~~تصنعها نتف الجليد والبلورات، والأزهار، والقواقع، والخطوط المتعرجة التي ~~تحدثها الرياح والمياه في الرمال، والتركيب التماثلي لبعض الأشجار ولكل ~~أشكال الحياة الحيوانية تقريبا - كل هذه تقدم أمثلة واضحة للقيم الشكلية. ~~ومع ذلك فإن قليلا من التحليل كفيل بأن يبين لنا مدى بساطة هذه العلاقة ~~الشكلية الطبيعية وتكرارها بالقياس إلى ما نجده في الفن. مثال ذلك أن ~~التماثل الذي يظهر في الطبيعة على نطاق واسع يكاد يقتصر في كل الأحوال على ~~التماثل الكامل، الذي يكون فيه نصفا الشيء متناظرين بكل دقة. فليس في وسع ~~الطبيعة أن تقدم إلينا إلا القليل جدا من أنواع التوازن التي يقدمها ~~الفن، والتي تتصف بالتعمق، والامتلاء، والإرضاء المتكرر. فالتوازن في ~~الأشكال الطبيعية يعني في كل الأحوال تقريبا التماثل البسيط وحده، وهو ~~التماثل الذي ندركه على الفور، ونمله بسرعة، على حين أن التوازن الذي ~~يتمثل في كل من الفنون يمكن أن يكون مصدرا لسرور دائم ولكشف لا يكاد ينضب ~~معينه. وأقصى ما يمكن أن تصل إليه القيم الشكلية الموجودة في الطبيعة هو أن ~~ترتفع إلى مستوى لا يتجاوز أبدا مستوى «الأرابيسك» والزخارف التجريدية ~~البسيطة، كتلك التي توجد في ورق الحائط والقوالب المعمارية، على حين أن ~~معظم الأشكال أو الصورة الطبيعية أدنى مستوى بكثير من تلك الأشكال الفنية ~~البسيطة ذاتها. ولا جدال في أن الطبيعة عاجزة عن أن تقدم شيئا يعادل في ~~تعقده تلك التكاملات الشكلية التي تتحقق في التصوير، والشعر، والعمارة، ~~والموسيقى. # هذا القصور الشكلي للطبيعة كثيرا ما يلخص بالقول إن الطبيعة تفتقر، من ~~وجهة النظر الجمالية، إلى التنظيم والوحدة. فالجمال الطبيعي قلما يكون له ~~«بداية، وسط، ونهاية»، على حين أن ما نسميه «بالذروة» لا يكاد يكون معروفا ~~في العالم الطبيعي. وأية مركزية قد نصادفها إنما هي عادة مؤقتة، كما يحدث ~~عندما يتعين علينا أن نتأمل منظرا طبيعيا من موضع معين بالذات لكي يبدو ~~بديعا. وتبدو الطبيعة فقيرة بوجه خاص في القيم الجمالية ms438 عندما نقارنها ~~بالفنون الزمنية. فلا توجد إلا ظواهر طبيعية نادرة، كالعواصف، توحي على أي ~~نحو بالتعاقب الذي نجده في سيمفونية أو دراما، والذي يبدأ بالتمهيد، ويليه ~~العرض الموسع، والذروة والخاتمة. ونستطيع أن نجد تشابها غامضا بين تفتح ~~الزهرة وذبولها، شأنه شأن أية عملية عضوية ذات طابع متدرج، وبين تقديم ~~العمل الفني في الزمان، أما أقرب حالات الطبيعة شبها، وهي تدرج الحياة ~~البشرية ونموها، فإنها، رغم احتمال كونها أعقد من أي شيء في الفن، هي قطعا ~~أقل توحدا وتنظيما وتكاملا من الأعمال الخلاقة الكبرى. ~~(3) # القيم الارتباطية ~~: وأخيرا، ماذا نقول ~~عن القيم الارتباطية في الطبيعة؟ إلى أي شيء ترمز الطبيعة - وما الذي ~~«تعنيه» الطبيعة؟ عند هذه النقطة نقترب من لب مشكلة التعبير في الطبيعة، ~~ويكون لزاما علينا أن نبحث في الأهمية النسبية للجمال الطبيعي ~~والفني. # إننا لا نحتاج إلى تفكير كثير لكي نكشف أن ما نقرره بشأن «معنى» الطبيعة أو ما ترمز ~~إليه، لا بد أن يتوقف آخر الأمر على نظرتنا الشاملة إلى العالم. فالمثالي والمتدين ~~معا، على سبيل المثال، يجدان الطبيعة معبرة عن «الذهن الشامل» أو «المطلق» أو «الله»، ~~بحيث إننا لو نظرنا إلى الأمر في ضوء مشكلتنا الجمالية لقلنا إن الطبيعة تمثل في هذه ~~الحالة الإنتاج الخلاق للفنان الإلهي. فالنظام الطبيعي بأكمله يمثل مظهرا «للفكرة» في ~~قالب مادي. ولقد كان المفكرون المثاليون يميلون بوجه خاص إلى وصف الطبيعة بأنها عرض ~~«للفكرة» في صورة حسية على حين أن أنواع التفكير الديني الأقل تمسكا بالنزعة العقلية ~~كانت تكتفي بأن تسمى الطبيعة الجميلة «صنعة اليد الإلهية» أو «فن الله»، وهو الفن الذي ~~يفترض أن الله خلقه ليكون منه متعة وآية لمن يرضى عنهم من عباده. # أما صاحب النزعة الطبيعية في الفلسفة، فلا يمكن في نظره أن يكون للجمال الطبيعي مثل ~~هذا المضمون الرمزي؛ إذ يكاد يكون من المؤكد أن علم الجمال، عند المذهب الطبيعي، يرى أن ~~كل ما نجده في الطبيعة من معنى وقدرة تعبيرية؛ أي من القيم الارتباطية، إنما هو أمثلة ~~للمغالطة ms439 الوجدانية؛ أعني الميل العام لدى الناس إلى صبغ العالم الطبيعي بصفة حية أو ~~بشرية عن طريق إسقاط مشاعرهم على موضوعها وحوادثها، كما هي الحال عندما نتحدث عن أسماء ~~«غاضبة» أو بحر «يتوعدنا» أو نسيم «يداعبنا». فمن السهل أن تؤدي ألفة الناس الطويلة مع ~~الطبيعة إلى الوقوع في هذه التشبيهات المتخلقة من الاتجاه البدائي إلى القول بحيوية ~~الطبيعة، وهو الاتجاه الذي كان يضفي فيما مضى على كل صخرة وتل وشجرة روحا وإرادة خاصة ~~بها. وإنه لمن العسير على المرء أحيانا أن يدرك أنه لو كانت نظرة المذهب الطبيعي إلى ~~العالم صحيحة، لما كان أي معنى تعبيري يوجد في الطبيعة - حتى الطبيعة الفائقة الجمال - ~~إلا ما «قرأناه» نحن أنفسنا في بيئتنا. # وهناك بالطبع بعض الارتباطات الرمزية الموجودة في الطبيعة، والتي تتصف بأنها عامة ~~شاملة، بغض النظر عن اتجاهنا الميتافيزيقي. ففي تجربة الناس جميعا في كل مكان، نجد ~~أن الشمس تدفئ، والظل ينعش، والمطر يبلل، والنار تحرق. مثل هذه الاستجابات البشرية ~~الأساسية لبيئتنا الطبيعية تمثل ارتباطات حقيقية، ويكاد يكون من المؤكد أن لها قدرا من ~~الموضوعية يفوق ما لأية محاكاة لها في الفن. ومن هنا ينبغي أن نستنتج أن الطبيعة تنطوي ~~بالفعل على بعض القيم الارتباطية الموضوعية ذات الطابع الجمالي، على الرغم من أن هذه ~~نفسها تعدل، على الأرجح، تعديلا غير ظاهر نتيجة لتفضيلاتنا الفردية والميتافيزيقية. # 9 # وبطبيعة الحال فإن هذه الارتباطات أولية، ومن الواضح أن أية ارتباطات ~~ثانوية نكونها مع الأشياء الطبيعية (كرائحة نوع معين من الزهر أو تغريد طائر معين) لا ~~تختلف في طابعها الشخصي الذاتي عن نظائرها في مجال الفن. # هل العنصر الشخصي هام في الطبيعة بدورها؟ # ما زال ~~أمامنا سؤال أخير ينبغي أن نجيب عليه في هذه المقارنة بين الإمكانيات الجمالية للفن ~~والطبيعة. فهل يقوم من يلاحظ الجمال الطبيعي بنفس عملية المزج الشخصي بين ثلاثة أنواع ~~من القيمة، التي أشرنا إليها في حالة من يلاحظ الفن؟ من الواضح أنه يفعل ذلك حقا، ولا ~~يقل عن ذلك وضوحا أن هذا ms440 المزيج يتفاوت حسب تجربة الشخص ومرانه ومزاجه، فضلا عن ~~حالاته النفسية المتغيرة. ومع ذلك فهناك، في حالة الطبيعة، احتمال آخر قد يكون هاما، ~~ولا سيما بالنسبة إلى الفترات الزمنية الطويلة؛ ذلك لأن الفرد قد يتغير أثناء نضجه، كأن ~~ينتقل من المذهب المثالي إلى المذهب الطبيعي، أو بالعكس. ويكاد يكون من المؤكد أن هذا ~~التحول في الاستقطاب الميتافيزيقي يترتب عليه تغير في «المعنى» الذي يجده في الطبيعة، ~~وبخاصة الطبيعة الجميلة (وهي التي تهمنا الآن). وبإضافة هذا العامل المتغير الجديد إلى ~~العناصر التي تكون مزيجنا الشخصي من القيم الجمالية، نجد أن الصورة النهائية الناتجة عن ~~هذا الاندماج أكثر ذاتية على نحو قاطع، في حالة الجمال الطبيعي، مما هي في حالة ~~الفن. # ولنلخص مقارنتنا بين ميداني التجربة الجمالية، فنقول إن الطبيعة والفن يقدمان إلى ~~المشاهد، كما رأينا، نفس الأنواع الثلاثة من القيمة الجمالية. وفضلا عن ذلك فقد لاحظنا ~~أن اثنين من هذه الأنواع، وهما الحسي والشكلي، يبدوان موضوعيين في كلا المجالين، على ~~حين أن القيم الارتباطية هي مزج من الذاتية والموضوعية، أو ذات مكانة وجودية مشكوك ~~فيها. ومن هنا فإن الفارق الرئيسي بين الميدانين، من حيث قيمتهما الجمالية، إنما يكمن ~~في أن القيم الموجودة في الفن أشد تنوعا وتعقدا وامتلاء بكثير، وخاصة في علاقاتها ~~الشكلية وقدرتها التعبيرية. # فارق أخير ~~: وهناك اختلاف أخير بين الفن والطبيعة ~~بوصفها مصدرا للقيمة الجمالية، يتعلق بمسألة القصد التعبيري؛ ذلك لأن كل فن، كما رأينا ~~من قبل، ينتج بقصد أن يكون تعبيريا، حتى لو لم يكن يعبر إلا عن قيم حسية وشكلية، كما ~~هي الحال في كثير من الأعمال الفنية المعاصرة. والواقع أن معظم الملاحظين والمستمعين ~~غير المدققين خليقون بأن يخطئوا فهم المقصد الحقيقي للفنان؛ إذ إنهم يفترضون عادة أنه ~~يهتم أساسا بتوصيل القيم الارتباطية والمعاني اللفظية، ولكننا لا نكون على خطأ إذا ~~قلنا إن مقصده ينطوي على قدر من الدلالة التعبيرية. وعلى الرغم من أننا قد نخطئ معرفة ~~طابع هذا المقصد، فإن حقيقة وجود مقصد يمكن أن تفترض ms441 دائما في حالة العمل الفني. أما ~~في الموضوعات أو المناظر الطبيعية فإننا لا نستطيع أن نأخذ المقصد قضية مسلمة. فقد ~~يؤدي بنا ولاؤنا الفلسفي أو اللاهوتي إلى افتراض وجود قدر كبير من المضمون التعبيري في ~~الجمال الطبيعي، وحتى لو تجنبنا ذلك، فهناك دائما خطر وقوعنا في المغالطة الوجدانية ~~عندما نكون إزاء الطبيعة. وهكذا يبدو من المعقول أن نستنتج أن في استطاعة الفنون لا أن ~~تقدم إلينا قيما جمالية أغنى وأعمق مما تقدمه الطبيعة فحسب، بل أن تقدم أيضا عالما ~~يقل فيه احتمال وقوف التحيزات الميتافيزيقية والمغالطات الإبستمولوجية حائلا بيننا ~~وبين الواقع الجمالي. # ونحن لا نستطيع أن ننكر أن هناك أشخاصا كثيرين يجدون في الطبيعة لذة جمالية أعظم مما ~~يجدونه في الفن، وذلك نتيجة لمزاجهم الخاص أو افتقارهم إلى التجربة الفنية. كذلك لا ~~يمكننا أن نقول إن موضوعا فنيا من الدرجة الثالثة ينطوي على قيمة جمالية تزيد على ما ~~يتضمنه مثل من الدرجة الأولى للجمال الطبيعي، لا سيما إذا كان العمل الفني الضعيف ~~المستوى محاكاة لمثال رائع من أمثلة الجمال في الطبيعة. ومع ذلك فإن مما له دلالته أن ~~الأشخاص الذين كانت لهم تجربة واسعة في ميدان الظواهر الجمالية معا، والذين كرسوا ~~للنقد وللتقويم وقتا طويلا وتفكيرا كثيرا، يرون عادة أن مجال الفن يتيح لذات لا ~~يمكن أن توجد في الطبيعة، مهما يكن من جمال الطبيعة أو جلالها في بعض الأحيان. وهكذا ~~فإن الخلط الشائع بين «علم الجمال» وبين «فلسفة الفن»، وإن يكن أمرا مؤسفا من الناحية ~~العقلية، له بعض المبرر؛ لأن الفن هو المقر الرئيسي للقيمة الجمالية. ~~(6) فلسفات أخرى في الفن # في هذه المقارنة الموجزة بين القيم الجمالية التي يخلقها الفن وتلك التي تكتشف في ~~الطبيعة، بدا أننا نفكر على أساس نظرية المحاكاة في الفن، التي أشرنا إليها في هذا ~~الفصل من قبل. ولقد كان ذلك أمرا لا مفر منه؛ إذ يبدو أن أية مقارنة بين الطبيعة والفن ~~تنطوي ضمنا على القول بأن الأخير يحاكي الأولى على نحو ما. وإنه ms442 لمن العسير على معظم ~~الأشخاص غير المتخصصين أن يتصوروا الفن، ولا سيما في وسائط التصوير والنحت، إلا على أنه ~~تصويري أو مقلد. وهذه الصعوبة تفسر إلى حد بعيد الثغرة الواسعة التي تفصل بين النقد ~~الفني المحترف وبين التقويمات الشعبية للفن. فالفنانون والنقاد يأخذون عادة فلسفة ~~للفن؛ أي بنظرية تتعلق بهدف الفن أو وظيفته - تختلف عن نظرية المحاكاة التي يفضلها ~~الشخص العادي. ومن ثم فإن المحترف يقبل على العمل الفني وفي ذهنه توقعات وشروط مختلفة ~~بشأن ما ينبغي أن يفعله الفنان بما لديه من مواد. # فلنلق نظرة، في ختام هذا المدخل الموجز إلى عالم الجمال، على الفلسفات الرئيسية التي ~~لا تقول بالمحاكاة في الفن؛ إذ يكاد يكون من المؤكد أن الناقد يستعين بواحدة أو أكثر من ~~هذه الفلسفات ويتخذ منها نقطة ارتكاز عندما يقوم بمهمته في التقويم. والأرجح أنه، بوصفه ~~قاضيا محترفا في الفن، سيختلف عن الشخص العادي اختلافا ملحوظا في ناحية أخرى: فسوف ~~يدرك أن هناك نظريات فنية عديدة، ويكاد يكون من المؤكد أنه سيعرف تلك التي يأخذ بها ~~ويحكم على أساسها ، أما الشخص العادي يكون على الأرجح غير شاعر بوجود فلسفات فنية عديدة، ~~ومن الأمور شبه المؤكدة أنه لا يدرك أنه يأخذ بنظرية معينة من هذه النظريات. # وأغلب الظن أن الناقد يقدر، والفنان يخلق، في أيامنا هذه، في إطار نظرية شكلية تؤكد ~~القيم الجمالية الشكلية التي أشرنا إليها من قبل. ولا بد أن يتم هذا التأكيد على حساب ~~القيم الارتباطية، ولا سيما القيم ذات النوع الأدبي أو الحاكي # Story-telling ~~. # 10 # والواقع أن معظم النقاد المعاصرين يصدرون أحكامهم على أساس القيم الشكلية ~~وحدها، على حين أن الشخص العادي، الذي يغفل القيم الشكلية عادة، ولا يتأثر بالأوجه ~~الحسية لأي فن إلا تأثرا وقتيا، يستجيب على أساس وظائف الفن المحاكية أو الحاكية. ~~ولما كان الشخص المحترف والشخص العادي يبحثان عن أشياء مختلفة في الفنون، فليس من ~~المستغرب أن نجدهما يكتشفان فيها أشياء مختلفة. # الفن بوصفه تعبيرا انفعاليا ~~: هناك مدرسة كبرى ~~ثالثة من ms443 المدارس الفنية (بعد مدرسة المحاكاة والمدرسة الشكلية) تلقى بين الأشخاص ~~العاديين إقبالا أشد مما تلقاه بين المحترفين المعاصرين، على الرغم من أن الفنانين ~~والنقاد بدورهم كانوا يفضلونها منذ قرن من الزمان. والواقع أن المفكرين النظريين في ~~الفن، في القرن التاسع عشر، قد نجحوا في إقناع أنفسهم والجمهور بأن الفن ينبغي أن يكون ~~قبل كل شيء تعبيرا عن انفعال (لا نسخة واضحة للطبيعة أو تجسيدا لقيم شكلية) إلى حد أن ~~جزءا كبيرا من الجمهور العام ما زال يميل إلى النظر إلى مختلف الفنون على أنها وسائط ~~لتوصيل الانفعالات. ويشيع النظر إلى الموسيقى بوجه خاص على هذا النحو، كما أن فلسفة ~~الفن التي يأخذ بها الشخص العادي فيما يتعلق بالفنون البصرية هي عادة مزيج غير محدد ~~المعالم من نظريتي المحاكاة والتعبير الانفعالي - مع الاتجاه دائما إلى تجاهل القيم ~~الشكلية بنفس القدر الذي يؤكدها به الشخص المحترف. # الفن بوصفه مؤثرا اجتماعيا ~~: أما آخر الفلسفات ~~الكبرى في الفن فهي فلسفة يصعب وصفها وإدراجها تحت اسم معين؛ إذ إنها تشمل آراء متباينة ~~يوجد بينها تشابه، ولكن لا توجد بينها هوية. ومن الممكن تسميتها بنظرية التأثير ~~الاجتماعي، أو النظرية التعليمية، أو نظرية الدعاية، وربما النظرية الأخلاقية. ولقد سبق ~~لنا أن أشرنا إلى هذا الرأي في هذا الفصل، عندما تحدثنا عن الفن والتعليم، وذكرنا أن ~~المتحدث الرئيسي باسم هذه النظرية هو أفلاطون. وفي استطاعتنا، دون أن نحاول تقديم تعريف ~~محدد لهذه الفلسفة، أن نكون على ثقة أن الأشخاص الذين يؤمنون بها ينادون بأي مبدأ من ~~المبادئ الآتية أو يمارسونه: (1) الرقابة على الفن، (2) استبعاد ضروب معينة من الفن على ~~أساس أنها «ذات تأثير على المجتمع» أو «منحلة» - كما هي الحال مثلا في حملة التطهير ~~التي شنها هتلر على الفن «المنحل» والفنانين المنحلين وطردهم فيها من الدول النازية، ~~(3) تقويم الفنون على أساس مضمونها الديني أو أيديولوجيتها السياسية، (4) استخدام الفن ~~في بث معايير أخلاقية وتعاليم اجتماعية معينة في نفوس النشء، بدلا من تنمية قدرتها على ~~تذوق الفن أو حساسيتهم الجمالية ms444 العامة. # هذه الفلسفة التي تتخذ من الفن وسيلة للمنفعة الاجتماعية تستعين بنظرية المحاكاة ~~والنظرية التعبيرية كشريكين غير متفرغين لها. وأسباب ذلك واضحة: فإذا كنت تستخدم الفن ~~في التحكم أو التأثير، فلا بد عندئذ من استغلال إمكانياته في المحاكاة استغلالا ~~كاملا. ولا بد لك من تصوير أفراح أولئك الذين وصلوا إلى الخلاص أو التحرر الاجتماعي، ~~أو تصوير أطماع من يعارضونهم وجشعهم. وبالاختصار، فلا بد لك من تصوير مواقف إنسانية ~~معينة (حقيقية أو متخيلة) بطريقة تبلغ من الواقعية أو القدرة على التعبير حدا يكفي ~~للحض على العمل الاجتماعي. ومن الواضح كذلك أنه سيتعين عليك عندئذ أن تنتفع من ~~إمكانيات الفن الهائلة في توصيل الانفعالات؛ إذ إنه ليس أقدر من الانفعال الثائر على ~~دفع الإنسان إلى العمل، وقليل من الأشياء هي التي يمكنها إثارة الانفعال في الجماهير ~~العريضة بنفس السهولة التي يثيرها بها كتاب أو مسرحية أو فيلم سينمائي أو أغنية أو صورة ~~تستهدف هذا الغرض ذاته. والواقع أن النظرية الشكلية في الفن هي وحدها التي تأبى أن تجند ~~لمساعدة فلسفة التأثير الاجتماعي. ذلك لأنه إذا كان هدفك الرئيسي هو التأثير الاجتماعي، ~~فإن القيم الناشئة عن إدراك العلاقات الشكلية لن يكاد يكون لها قيمة، بل إنها قد تكون ~~عقبة من واقع الأمر، ما دامت قد تصرف نظر المشاهد أو السامع عن الهدف التأثيري الرئيسي ~~للعمل الفني. # لذلك لم يكن من المستغرب أن يكون أنصار فكرة التأثير الاجتماعي وأنصار الشكلية ~~خصوما، بل أعداء صريحين في بعض الأحيان # 11 ~~. أما النظريتان الرئيسيتان الأخريان فلا تستبعد كل منهما الأخرى على هذا ~~النحو، وإن كان من السهل أن تصبحا كذلك في حالات معينة. فأنصار التصوير غير الموضوعي ~~(أي التجريدي) مثلا، إذا ما مضوا في رأيهم إلى حد التطرف، فأكدوا أن مثل هذا الفن هو ~~وحده الذي يمكن أن يكون له معنى في نظر الأذهان الحديثة، فإنهم يتمسكون، كما هو واضح، ~~بالموقف الشكلي إلى حد استبعاد كل المواقف الأخرى. على أن هذا النوع من استبعاد كل ~~المواقف الأخرى ms445 نادر؛ إذ إن معظم النقاد، وكذلك أغلبية المبدعين في الفنون، يخففون من ~~غلواء شكليتهم عن طريق نوع من الاعتراف بوجود قيم لمحاكاة الطبيعة وللتعبير عن ~~الانفعالات معا. وما دامت القيم الشكلية هي التي تظل لها المكانة الأولى، فإنهم على ~~استعداد لإثراء هذه القيم عن طريق تكملتها بالنوعين الآخرين من القيم الجمالية بطريقة ~~حكيمة، على أن تكون لهذه القيم الأخيرة مكانة ثانوية. # 12 # كلمة تحذير ~~: يحسن بنا، ونحن نختم هذه الدراسة ~~الموجزة لعلم الجمال، أن نحذر القارئ من الاعتقاد بأن الاطلاع على هذا الفصل الواحد قد ~~أعطاه فكرة عن «كل ما يتناوله علم الجمال». ففي كتاب كهذا، نحاول تقديم مدخل أول إلى ~~الفلسفة في مجموعها ينبغي أن يقتصر عرض أي فرع من فروع الفلسفة على فصل واحد أو فصلين. ~~ولا بد أن يترتب على ضيق الحيز إلى هذا الحد الشديد، معالجة كل فرع بطريقة غاية في ~~الإيجاز. ومع ذلك فلما كانت الميتافيزيقا ونظرية المعرفة والمنطق والأخلاق قد اندرجت ~~ضمن الفلسفة بوصفها وحدات منظمة طوال فترة أطول كثيرا من علم الجمال، فقد أتيح لنا أن ~~نعرض تلك الفروع الأخرى بطريقة أوفى بكثير. والواقع أن حداثة عهد علم الجمال، وعدم ~~استقرار وضعه الراهن، يحول دون الاتفاق على كنه المشكلات الرئيسية في هذا الميدان. ومن ~~ثم يكاد يكون من المحتم أن يشعر كثير من المفكرين بأن المشكلتين اللتين اخترناهما على ~~أنهما هما الأهم - وأعني بهما موضوعية القيم والإمكانيات الجمالية النسبية لكل من ~~الفن والطبيعة - أقل أهمية من مشكلات معينة أخرى. ومع ذلك فيكفي لتحقيق غرضنا، كما قلنا ~~في هذا الفصل من قبل، أن يكون القارئ قد اكتسب مزيدا من التبصر في طبيعة علم الجمال ~~والمناهج التي تعالج بها مشكلات هذا الميدان. فإذا ما أضيف إلى ذلك كسب آخر، هو أن ~~القراء الذين بدءوا قراءة هذا الفصل وهم يشكون في قيمة التفكير النظري الجمالي أو ~~صحته، قد أصبحوا بعد قراءته أقل تشككا، فإن كتابة هذا الفصل وقراءته تكونان قد حققتا ~~هدفهما بما فيه الكفاية. # الفصل ms446 السابع عشر # | الخلود: في أي شيء آمل؟ # الحق أن مشكلة الخلود تتغلغل في حياتنا الشخصية وفي معتقداتنا الباطنة إلى حد عميق. فمن ~~الجائز أن هذه، من بين جميع المسائل التي تعالجها الفلسفة، هي المشكلة التي ننتظر الإجابة ~~عنها باهتمام يفوق اهتمامنا بكل ما عداها. ذلك لأن أي مذهب فلسفي، في نظر الكثيرين، لا بد ~~أن يتوقف نجاحه أو إخفاقه على الإجابة التي يقدمها بشأن هذا الموضوع الذي تنعقد عليه آمال ~~البشر ... على أن هذا الموقف ينطوي على خلط مضلل بين الفلسفة والدين. وعلى أية حال، فسواء ~~أكان توقع تحقيق هذا المطلب من الفيلسوف أمرا مشروعا أم لم يكن، فإن هذا التوقع أمر لا ~~مفر منه. ومن هنا فلا مفر أيضا من أن تحاول مختلف المذاهب الفلسفية تقديم إجابات ~~عنه. # وهنا أيضا ينبغي أن نبدأ بتحليل المسائل المتضمنة في هذا السؤال الذي يبدو بسيطا: «هل ~~تبقى الشخصية الإنسانية بعد الموت؟» ذلك لأن من الواجب أن ندرك أن لفظ «الخلود» وحده كانت ~~له في تاريخ الفكر البشري عدة معان متباينة، ومن الواضح أن أية إجابة عن السؤال: «أهناك ~~خلود؟» ستكون متوقفة على المعنى الذي نستخدم به اللفظ. كذلك ينبغي أن ندرك أن التفكير في ~~هذا الموضوع على أساس أمانينا ورغباتنا لا يمكن أن تسفر عنه أية إجابة فلسفية عن هذا ~~السؤال. قد تكون الإجابة المتأثرة بمثل هذا التفكير مشروعة في أوساط معينة، ولكنها لا تكاد ~~تجد لها مكانا في أي بحث ميتافيزيقي جاد. فإذا انتهينا، بوصفنا فلاسفة، إلى أن الخلود ~~البشري حقيقة، أو على الأقل أمر مرجح، فينبغي أن تكون النتيجة مبنية على أساس أمتن من مجرد ~~كونها أمرا مرغوبا فيه. # لذلك سنبدأ تحليلنا ببحث مختلف معاني لفظ «الخلود»؛ إذ إن موضوع الخلود من أكثر الموضوعات ~~التي تشيع مناقشتها تعرضا للاختلاف في فهم مصطلحاته الرئيسية باختلاف الأطراف المشتركة في ~~مناقشته. وقد يكون من الإسراف أن نأمل في الوصول إلى تعريف نهائي للفظ الخلود، يرضي جميع ~~القراء، ولكن من الممكن، ومن الضروري، الالتجاء ms447 إلى تعريفات مؤقتة نستعين بها في المناقشة. ~~وأقل ما يمكننا أن نفعله هو أن نختصر عدد المعاني الممكنة للفظ، بحيث لا نستبقي منها إلا ما ~~يمكن تبريره على أسس عقلية. ومن شأن هذا الاختصار أن يلقي بعض الضوء على تلك المشكلة التي ~~هي على أحسن الفروض، مشكلة يشيع فيها الخلط. ~~(1) أنواع الخلود المختلفة ~~(1) # الخلود البيولوجي ~~: توجد على الأقل ~~ثلاثة أنواع مختلفة من التجربة تندرج تحت هذا اللفظ الواحد، لفظ «الخلود». ~~فهناك أولا الخلود البيولوجي الذي يبلغ من الوضوح حدا لا يكاد يكون معه ~~موضوعا للخلاف. وكل ما يعنيه هذا النوع هو أننا نبقى بعد موتنا في أشخاص ~~أبنائنا وأبناء أحفادنا، خلال الأجيال المختلفة. ولا ينطوي هذا القول ~~باستمرار النوع عادة على أي نوع من البقاء الشخصي؛ ولذا فقد يكون الأجدر ~~أن يطلق عليه اسم «الاستمرار» بدلا من «البقاء». والواقع أن أولئك الذين ~~يؤكدون هذا الاستمرار لا يدعون للبشرية أي شيء لا يسري على كل أشكال الحياة ~~بدورها. فالإنسان ليس أكثر أو أقل خلودا من سائر أفراد المملكة الحيوانية، ~~إذ إن الجميع، إذ يسلمون مشعل الحياة، إنما يسلمون شيئا من أنفسهم. ومع ~~ذلك فإن أحدا منهم لا يسلم هذه الفردانية التي تجعل هذا الكلب هو «فيدو» ~~بالذات، أو هذا الشخص بعينه هو «علي». ولما كان هذا الرأي في الخلود يقتصر ~~على استخدام المفاهيم البيولوجية، فإنه يؤكد أن كل كائن عضو حي ليس إلا ~~مستودعا مؤقتا لبذور الحياة، وما حياة الفرد إلا وديعة. تسلم عند وفاته ~~لأبنائه وبناته. ~~(2) # الخلود الاجتماعي ~~: وهناك نوع ثان من ~~الخلود، لا يكاد يختلف في وضوحه واستحالة الشك فيه عن بقاء النوع، وهو ~~البقاء الاجتماعي. ففي هذه الحالة يكون البقاء هو استمرار وجودنا بعد الموت ~~في ذكريات أسرتنا وأصدقائنا. هذا الرأي يؤكد أن الأفراد الذين يقدمون ~~للمجتمع أكبر الخدمات، هم الذين يقدر لهم بقاء اجتماعي أطول. وهكذا ينطوي ~~هذا الموقف على نوع من العدالة البسيطة: فبقاؤنا يتوقف على مقدار جدارتنا، ~~أي على كوننا قد أسهمنا في المجتمع بنصيب ms448 يستحق أن تخلد ذكراه بعد موتنا. ~~وفي كل حالة من الحالات يظل كل ما فعلناه من خير ورحمة باقيا بعد حياتنا، ~~وسوف يعمل من انتفعوا من إرادتنا الخيرة على حفظ ذكرانا عطرة، والإشادة ~~ببركاتنا. فأولئك الذين عاشوا حياة عظيمة مفيدة يصبحون آليا أفرادا فيما ~~أسماه جورج إليوت «جماعة الإنشاء الخفية»: # بنفسي أن ألحق بجماعة الإنشاء الخفية # لأولئك الموتى الخالدين الذين يعيشون ثانية # في نفوس أصبحت أفضل بفضل وجودهم ... # لكي أنشد أنغاما لا يغيب صوتها عن العالم. ~~(3) # الخلود الأخلاقي ~~: هناك نوع فرعي من هذا ~~الخلود الاجتماعي، يجتذب بقوة الشخصيات المتدينة المتحررة في العصر الحديث، ~~وهي الشخصيات التي تجد أن من المستحيل الإيمان بجنة فيها ما تشتهيه الأنفس، ~~ولكنها تجد أن من الأصعب الاعتقاد بأن الحياة التي تنقضي في كفاح من أجل ~~الأخلاق، وفي سعي إلى تحقيق الخير الاجتماعي، لا يمكن أن تكون نهايتها ~~الوحيدة سوى القبر. هذا الرأي يمكن تسميته بالخلود الأخلاقي. وهو ينطوي ~~عادة على ثنائية أخلاقية، تعد فيها الحياة صراعا لا ينقطع بين قوى الخير ~~وقوى الشر. في هذه المعركة القديمة العهد يكون الفرد أشبه بجندي قد لا ~~يستطيع كسب الحرب بجهوده الخاصة وحدها، ولكنه يستطيع أن يقاتل بشجاعة، ~~وربما استولى على قطعة صغيرة من الأرض بعد أن يهزم بعض الأعداء، وهناك ~~تشبيه آخر، أثير لدى المدافعين عن وجهة النظر هذه، هو تشبيه الوجود ~~الإنساني بالبحر الذي ينحت الشاطئ بلا انقطاع. فكل موجة جديدة، تتكون في ~~لحظة من المحيط الشاسع، تقوم بالهجوم، وتنحت قطعة صغيرة من الأرض، أو تزعزع ~~حجرا صغيرا من موضعه، ثم يعود البحر الذي أتت منه إلى ابتلاعها. وبالمثل ~~يظهر الكائن البشري بوصفه فردا في بحر الإنسانية الواسع، ويقوم في شجاعة ~~بهجومه القصير على كتلة الشر التي تتداعى ببطء، ثم يغوص ثانية في الجنس ~~الذي أتى منه. وفي هذه العودة يتخلى عن فرديته وهويته الشخصية، ولكن قطعة ~~الشر الصغيرة التي أزالها تظل نصبا تذكاريا دائما يخلد ذكراه ويشيد - ~~بجهوده. وهكذا فإنه، على الرغم من ضياع شخصيته، ms449 لم يعش حياته عبثا، فحياته ~~قد اكتسبت، بفضل هذا النصيب الذي أسهمت به، مكانة وغاية تنأى بها عن العقم ~~وترتفع بها إلى مستوى إنساني بالمعنى الصحيح، له مغزاه ودلالته ~~الباقية. ~~(2) الموقف التقليدي # لسنا بحاجة إلى القول بأن القلائل فقط هم الذين تكون في أذهانهم أمثال هذه المفاهيم ~~السابقة عندما يستخدمون لفظ «الخلود». فالكلمة تعني عادة، في استعمالها العادي، بقاء ~~شخصيا بعد الموت على نحو ما، وحالة يستمر فيها وجودنا الفردي بوصفنا شخصية فريدة. ~~فالإيمان بالخلود يعني في نظر معظم الناس إيمانا بأنهم سوف يستمرون في الحياة بعد ~~الموت بوصفهم أفرادا متميزين، ستكون لهم آمال وأفعال كريمة مشابهة إلى حد بعيد لما ~~كان لهم وهم أحياء في هذه الدنيا. وأولئك الذين يؤمنون على هذا النحو يرون أن ذلك الشكل ~~الهزيل من أشكال الخلود، كالخلود البيولوجي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، لا يكاد يستحق ~~التفكير فيه. وما لم يكن وجودنا بعد الموت وجودا تظل فيه الفردية والشخصية باقية، ~~وينطوي على استمرار في الغاية والمسعى، فإن هذا الوجود لن يكون بقاء بأي معنى معقول. أي ~~إن الفكرتين الرئيسيتين في هذا الصدد هما الهوية والاستمرار. وما لم يتم الاحتفاظ بهما ~~معا، فإن معظم الأشخاص يشعرون بأنه لا يوجد خلود حقيقي. ومن المؤكد أن لفظ الخلود كما ~~ظل الناس يستخدمونه عادة، كان ينطوي ضمنا على الهوية والاستمرار، وعندما عبر الشعراء ~~وأصحاب الرؤى الصوفية في كل العصور عن هذا الحلم الأزلي للبشرية، فقد كان حديثهم على ~~الدوام منصبا على البقاء الشخصي. # ونظرا إلى أن المعنى التاريخي والشعبي للفظ «الخلود» كان ينطوي على فكرة البقاء ~~الشخصي، فإن الفيلسوف يقصر تحليله عادة على هذا الرأي. فهو يتساءل مع سائر البشر: هل ~~الناس يبقون بعد الموت؟ وفي أي الظروف يكون بقاؤهم لو كانوا يبقون بالفعل؟ فمثلا، ما ~~العلاقة بين البقاء وبين سلوك الفرد قبل الموت؟ وهل يتوقف البقاء دائما على كون الفرد ~~قد عاش في هذه الدنيا حياة أخلاقية، أم أن أخلاقية حياتنا الدنيوية لا تتحكم إلا في نوع ~~البقاء ms450 الذي سيكون لنا؟ أم أن من الممكن أن تكون الحياة بعد الموت مستقلة عن الاعتبارات ~~الأخلاقية، بحيث يظل الخير والشرير معا باقيين في حالة واحدة؟ # العلاقة بين البقاء وبين الأخلاق ~~: كانت هناك - كما ~~هو متوقع - إجابات لا حصر لها عن هذه الأسئلة العويصة. والواقع أن المذاهب كانت من ~~الكثرة ومن التنوع بحيث إن أي تصنيف يغدو مستحيلا. ومع ذلك ففي استطاعتنا أن نصدر بعض ~~الأحكام العامة الصحيحة فيما يتعلق بالفكر الغربي. فقد كان هناك أولا، منذ الفترة ~~اليونانية المتأخرة، اتجاه إلى النظر إلى أفعال معينة، أو معتقدات معينة، أو أنماط ~~معينة للسلوك، على أنها شرط ضروري لبقاء الشخص بعد الموت. وبعبارة أخرى فقد كان يعتقد ~~أن الحالة التي يظل فيها الفرد باقيا، وربا مجرد البقاء على إطلاقه، تتوقف إما على ما ~~يؤمن به الشخص، وإما على نوع الحياة التي يعيشها، أو كليهما معا. ولا جدال في أن ~~التأثير القوي للمسيحية واضح في هذه الحالة. ذلك لأن الكنيسة كانت ترى على الدوام أن ~~قبول تعاليم لاهوتية معينة، بالإضافة إلى السلوك في الحياة وفقا للوصايا العشر، هو شرط ~~لا بد منه للخلاص. ولا شك أن مفكرين قلائل في العالم الغربي هم الذين تمكنوا من أن ~~يضعوا مذهبا إيجابيا في الخلود لا يظهر فيه تأثير هذا التراث، بل إنه ما زال في حكم ~~المستحيل حتى اليوم، بعد أن فقد الإيمان اللاهوتي كثيرا من سيطرته على أذهان الناس، أن ~~نجد مذهبا معاصرا في الخلود يقول ببقاء الناس جميعا في حالة واحدة، بغض النظر عن ~~مكانتهم الأخلاقية. وهكذا فإن الغرب قد تشكل بالتفكير المسيحي إلى حد أن الخلود الذي لا ~~يرتبط بالأخلاق يكاد يكون أمرا يستحيل تصوره. فإذا لم يكن العالم الآخر مكانا يثاب ~~فيه الأبرار ويعاقب الأشرار، أو تؤتي فيه الحياة الأخلاقية أكلها، فإنه يغدو بالنسبة ~~إلى معظمنا في حكم العدم. # الاتجاه اليوناني ~~: كثيرا ما يشعر الدارس المبتدئ ~~للفلسفة بأنه قد صدم إذ يعلم أن اليونانيين القدماء لم تكن لديهم فكرة واضحة عن الحياة ms451 ~~الأخرى بوصفها شيئا نستحقه بعد كفاح أخلاقي. فمعظم الطلاب اليوم يستطيعون أن يفهموا أن ~~مفهوم البقاء عند اليونانيين لم تكن له صلة بإيمان الفرد، ولكن من الصعب عليهم أن ~~يفهموا أن الوجود بعد الموت لم تكن له بدوره علاقة وثيقة بسلوك المرء. وحتى لو لم تكن ~~فكرة «الجنة» و«النار» قد أصبحت هي محور نظرتنا إلى هذه الأمور، فإنه تصور حياة أخرى ~~تكون للناس فيها مكانة نسبية مماثلة للمكانة التي كانوا عليها قبل الموت تبدو لنا فكرة ~~غير منطقية. ولكن الاعتراض الوحيد على ذلك هو اعتراض تاريخي: فقد كانت هذه الفكرة تبدو ~~في نظر اليونانيين منطقية تماما. على أن هذا الموقف، سواء أكان منطقيا أم لم يكن، ~~يبدو في نظر معظمنا غير أخلاقي. فمثل هذا الرأي يثير مشاعرنا الخلقية؛ إذ إننا نفضل أن ~~نجرب حظنا في عالم يتوقف البقاء فيه - على نحو ما - على جدارتنا بالبقاء. ونحن نشعر ~~بأننا إذا شئنا أن يكون للخلد أي معنى على الإطلاق، فلا بد أولا أن يكون له معنى ~~أخلاقي. # والأرجح أنه لو قدر لمفكر يوناني قديم أن يعرف اتجاهنا الحديث هذا، لوصفه بأنه اتجاه ~~غير ناضج أخلاقيا - وهو ما ينتهي إليه الشكاك المحدثون بدورهم؛ ذلك لأن هذا الموقف ~~ينطوي ضمنا على السؤال الآتي: «لم نكون فضلاء إذا كان الخلود من نصيب الأخيار ~~والأشرار معا؟» وهو سؤال يوحي بدوره بأن كل سلوك فاضل ينبغي أن يكون الدافع إليه هو ~~الأمل في ثواب أو مكافأة. على أن الشخص الناضج أخلاقيا - على ما يقولون - إنما يفعل ~~ما يفعل لأنه حق، لا بوصفه قسطا يدفعه مقدما لدخول الجنة، أو رشوة لتجنب الفناء. ومع ~~ذلك فإن معظم الناس يرون أن الحياة الأخرى، أيا كانت صورتها، ينبغي أن تكون وجودا ~~يبرر الحياة الأرضية ويكملها. وينبغي أن تكون حالة تتحقق فيها الأماني الأخلاقية. فلا ~~بد أن يكون ذلك عالما يتوج فيه السعي وراء الخير بالنجاح، ويكتمل فيه تحقيق حياة ~~الإنسان الأخلاقية. فالخلود لا ينبغي أن يقتصر على كونه استمرارا لحياتنا، وإنما ms452 ينبغي ~~أيضا أن يكون اكتمالا لها وبلوغا بها إلى غايتها. ~~(3) التضاد بين الموقفين المثالي والطبيعي # من الواضح أن الشروط التي يفترض أنها تتوافر في الخلود، والتي تعبر عنها كلمة «ينبغي» ~~أو «لا بد»، في العبارات السابقة، لا تكون واجبة إلا إذا كان الكون تجسدا لقيم أخلاقية ~~أو حريصا عليها؛ أي بالاختصار، إذا كان يفي بشروط المفكر المثالي فيما ينبغي أن يكون ~~عليه الكون لكي يكون «خيرا». فمن الجلي أنه إذا كان نظام العالم أخلاقيا، فلا بد من ~~نوع من الحياة الأخرى من أجل مواصلة تحقيق القيم الخلقية وحفظها بصورة دائمة؛ ذلك لأن ~~من الأمور التي نلمسها جميعا أن أمانينا الأخلاقية نادرا ما تتحقق هنا، في هذه ~~الحياة؛ ففي كثير من الأحيان «يموت الطيبون صغارا»، وحتى عندما لا يموتون، نجد أن ~~كثيرا من الأخيار يحيون حياة شاقة عسيرة على حين أن الأشرار يفلحون في حياتهم غالبا، ~~وحتى عندما لا يفلحون، فيبدو في كثير من الأحيان أنهم يستمتعون بحياتهم أكثر مما يستمتع ~~بها كثير من القديسين، وهناك لحظات لا حصر لها في حياة أي شخص، تبدو فيها الظروف مخيبة ~~لأنبل مقاصدنا، ويتحول الفعل الذي بدأ بنية طيبة، أمام أعيننا ذاتها، إلى فعل من معدن ~~أخس. فلا يمكن منطقيا أن نتصور الكون نظاما أخلاقيا إلا إذا افترضنا عهدا للعدالة ~~النهائية، تجنى فيه آخر الثمار التي كان من المفروض أن تجنى من نوايانا الطيبة. # ومن الطريف أن نلاحظ، عند هذه النقطة، أن أشخاصا كثيرين ممن لا يؤمنون ببقاء الشخصية ~~بعد الموت، يرون مع ذلك أن الكون حريص على تحقيق القيم وحفظها؛ أي إنه يعمل في اتجاه ~~الخير. هذا الرأي يمثل امتدادا للرأي الاجتماعي في الخلود، الذي ناقشناه من قبل. وعلى ~~الرغم من أن القائلين بهذا الرأي لا يحددون بدقة كيف يمكن متابعة النصيب الذي يسهم به ~~كل منا في الخير، والاحتفاظ به على المستوى الكوني، فإنهم جميعا متفقون على أن القيم ~~هي أنفس ما في الكون، وعلى أن الكون منظم بحيث يضمن تحقيقها واستمرارها، ms453 بغض النظر ~~عما يحدث لنا بوصفنا أفرادا. # وينبغي أن يلاحظ أن فكرة بقاء القيم هذه تنطوي على أكثر من مجرد احتفاظ المجتمع ~~بالنصيب الذي يسهم به كل فرد. ففي استطاعتنا أن نتصور المجتمع وقد أدار ظهره للقيم التي ~~أضنى الجنس البشري نفسه في تحقيقها، كما حدث في العهود المظلمة في أوائل العصر الأوروبي ~~الوسيط، غير أن المذهب الذي نحدد بصدده يرى أن جوانب الخير هذه لا يقضى عليها في هذه ~~الحالة، وإنما ترجأ فحسب، إما لكي تعود إلى الظهور في تاريخ تال (كما حدث بعد العصور ~~المظلمة)، وإما لكي يحتفظ بها بوصفها إسهاما دائما في مجموع الخير الموجود في ~~الكون. # هذا الرأي، وكذلك الرأي السابق القائل إن الخلود ازدهار للقيم الخلقية، يعدان تعبيرين ~~مميزين عن الميتافيزيقا المثالية. فكلا الرأيين يفترض ضمنا حقيقة نهائية، إما أن تكونه ~~هي ذاتها الخير، وإما تفترض الخير بوصفه العنصر الرئيسي المكون لها، وكلاهما يفترض ~~نظاما للعالم هو قطعا أخلاقي، لا آلي. وينطوي كل من المذهبين ضمنا على القول بعالم ~~ملائم للإنسان ولكل ما هو رفيع في طبيعته البشرية، وكلاهما يضمن تحقق هذا العنصر الرفيع ~~وحفظه على الدوام. # ولا نكاد نجد أنفسنا بحاجة إلى القول بأن أية ميتافيزيقا تؤمن بالمذهب الطبيعي لا بد ~~أن تقضي على مثل هذه الآراء من أساسها. فصاحب المذهب الطبيعي لا يحتاج إلى افتراض ~~الخلود من أجل إكمال مذهبه منطقيا أو أخلاقيا. فلما كان يؤمن بأن الكون غير مكترث ~~بالقيم البشرية، وبأنه لا توجد علاقة ضرورية بين الواقع والخير؛ أي بين ما يوجد وما نود ~~أن يوجد - فإنه لا يستطيع الالتزام بتلك الشروط التي يقول المثالي إن الخلود يفي بها ~~منطقيا. ولما كان الذهن البشري هو الشيء الوحيد الذي يعبأ بتحقيق القيم في العالم ~~الذي يقول به المذهب الطبيعي، فكيف يمكن أن يقال إن النضال الأخلاقي لا تكون له قيمته ~~إلا بالنسبة إلى البقاء بعد الموت؟ وبعبارة أخرى، فالمثالي يرى أنه إن لم يكن هناك وجود ~~بعد الموت لإتمام المسعى الأخلاقي، فلن ms454 يمكن أن تكون للقيم الأخلاقية دلالة كونية. وهذا ~~ما يرد عليه صاحب المذهب الطبيعي بقوله: «بالضبط! فكل هذا الحديث الطنان عن القيم ~~الكونية إنما هو محاولة من الإنسان لإضفاء أهمية على رغباته وأمانيه الخاصة. إن أحدا ~~لا يستطيع أن ينكر أن الاعتقاد بأن الكون يرى الأشياء كما نراها، ويحلم كما نحلم، ~~ويستهدف غايات كغاياتنا، ومثلا عليا هي مثلنا، وهو أمر يبعث الراحة في نفوسنا، بل يرضي ~~غرورنا. ومن المؤكد أن الأمور لو كانت كذلك، لكان هذا شيئا رائعا بحق». غير أن صاحب ~~المذهب الطبيعي يذكرنا، كما يفعل دائما بأن كون هذا الموقف أمرا مرغوبا فيه هو أمر ~~لا صلة له على الإطلاق بحقيقته، وبأن منطقيته لا علاقة لها بواقعيته، وبالاختصار، فإن ~~هذه المحاولة المثالية لإلحاق الأماني البشرية بقطار الكون ليست إلا تشبيها بالإنسان، ~~ولكن بصورة مهذبة. # موقف المذهب الطبيعي ~~: هل يعني ذلك كله أن المذهب ~~الطبيعي لا يؤمن بالخلود؟ إننا إذا كنا نعني بهذا اللفظ أي شيء أكثر من استمرار النوع ~~أو البقاء في المجتمع، فإنه يلزم منطقيا عن وقف المذهب الطبيعي استحالة أن يكون هناك ~~خلود كهذا. أي إنه، مثلما أن منطق المذهب المثالي يرغم صاحبه على الاعتراف بأن هناك على ~~الأرجح بقاء للشخص بعد الموت، فإن المنطق الذي ينطوي عليه موقف المذهب الطبيعي يدفعه ~~إلى الشك في أي احتمال كهذا، وربما إلى إنكاره تماما. صحيح أن صاحب المذهب الطبيعي لا ~~يملك ما يجزم به في هذه المسألة على نحو قاطع، وهو عادة يتخذ موقفا لاأدريا أكثر ~~منه قطعيا توكيديا. ولكن من الواضح مع ذلك أنه، وإن لم يكن يستطيع إنكار البقاء بعد ~~الموت بأي قدر من اليقين، فإن منطق مذهبه بأسره من شأنه أن يجعل الإيمان بالخلود غير ~~ضروري وغير منطقي. والأمر هنا مماثل لما كنا عليه عند بحثنا في مشكلة وجود الله. ففي ~~كلتا المسألتين لا يوجد دليل تجريبي أو برهان عقلي، بل إن الأساس الوحيد للإيمان هو نوع ~~من المنطق الأخلاقي، كما اعترف «كانت» وكثير غيره ms455 من الفلاسفة المحدثين صراحة. فقد بدا ~~لهم أن إنكار وجود الله وخلود النفس يؤدي إلى إنكار وجود نظام أخلاقي موضوعي أو مطلق في ~~الكون. هذه النتيجة، التي اعترفت بها المدرستان الكبريان المتنافستان من مدارس الفكر ~~الفلسفي، تلقى قبولا فوريا عند صاحب المذهب الطبيعي، وتدمج في نظرته إلى العالم. أما ~~المثالي فلا يتصور هذه الفكرة. والواقع أن من العسير أن نرى كيف يستطيع المثالي أن ~~يقبلها دون أن يعرض بناء الفكر المثالي بأسره للخطر. ~~(4) الأمل الأكبر للمثالية # لما كان المثالي هو الذي يأخذ على عاتقه مهمة ~~إثبات بقاء الشخصية بعد الموت، فإن من العدل أن نختم مناقشتنا للخلود بتلخيص لاستدلاله ~~ينطوي على تعاطف معه. ولسنا بحاجة إلى ترديد الحجة الأخلاقية؛ إذ إننا انتهينا لتونا ~~من عرضنا لها. ولكن ما نود أن نوجه إليه اهتمامنا هنا هو الحجة الميتافيزيقية ~~الأنطولوجية؛ إذ يبدو أن كثيرا من المثاليين ينظرون إلى هذه الحجة، على أنها أقوى حتى ~~من الدليل الأخلاقي. ولنذكر أن الفكرة الأساسية العامة للميتافيزيقا المثالية هي ~~الاعتقاد بأن الواقع النهائي ذو طبيعة ذهنية أو روحية، وأن النظام الموضوعي للوجود ~~المادي؛ أي العالم الطبيعي - له حقيقة ثانوية أو مشتقة. ولنعد مرة أخرى إلى اقتباس ~~عبارة من هوكنج، هي التي يقول فيها إن المثالية ترى أن الاكتفاء الذاتي البادي للطبيعة ~~إنما هو وهم، فالطبيعة تعتمد في وجودها على شيء أبعد منها، أو وراءها، أو فوقها. هذا ~~الشيء هو «الذهن» بمعناه الشامل. وكما رأينا في الفصل الثالث، فإن المثالية الذاتية ~~(عند باركلي) والمثالية الموضوعية (عند هيجل) لا تتفقان تماما في طريقتيهما في إرجاع ~~الوجود إلى الذهن. غير أن جميع أنواع التفكير المثالي تتفق، على الأرجح، على أن المادة، ~~وعالم الموضوعات الفيزيائية بأسره، يستمد معناه ووجوده آخر الأمر، من عالم فوق الحسي، ~~هو عالم الذهن أو الأفكار (المثل) ومن ثم فإن جميع مدارس المثالية تنكر أولوية المادة، ~~وإنما تعطي كل الأولوية؛ أعني الأولوية المنطقية والأنطولوجية والزمنية - لنظام مادي في ~~الوجود. # والنتائج التي تترتب على هذا الرأي بالنسبة ms456 إلى موضوع الخلود واضحة. فإذا كانت ~~الأولوية «للذهن»، أو «الفكر»، أو «الروح»، أو «العقل»، وإذا كان العالم يستمد معناه ~~(ووجوده آخر الأمر) من هذا المصدر غير الفيزيائي، فمن الواضح أننا، بوصفنا أذهانا أو ~~أرواحا أو شخصيات، يمكن أن نوجد بمعزل عن أجسامنا العضوية. ذلك لأن الذهن (في ~~الأنطولوجيا المثالية) يمكن منطقيا أن يوجد بمعزل عن الجسم، ما دام ينتمي إلى نظام ~~للوجود أكثر أولية وأكثر «حقيقة». أما العكس فليس ممكنا، فقد يستمر وجود الجسم مؤقتا ~~بمعزل عن الذهن أو النفس التي كان الجسم يئويها حتى عهد قريب، ولكنه لا يمكن أن يوجد، ~~ولو بصفة مؤقتة، مستقلا عن كل ذهن؛ أي مستقلا عن «الذهن الإلهي» أو «المطلق». وهكذا ~~يرى المثالي أن بقاء الشخصية بعد الموت أو بعد زوال الجسم المادي ليس ممكنا فحسب، بل ~~هو مرجح. والحق أن منطق المثالية يجعل هذا البقاء أمرا يكاد يكون مؤكدا. فإذا كان ~~أساس وجود الأجسام، كما رأينا في الفصل الثالث، هو أن تكون جسرا تتصل بواسطته الأذهان ~~فيما بينها، فمن الممكن أن نتصور أن توجد هذه الأذهان ذاتها مستقلة عن أي كائن عضوي ~~مادي. أي إننا ما إن نفترض أولوية الذهن أو الروح فلن يعود هناك شيء يحول دون الخلود. ~~فلو سلمنا بهذه المصادرة الأساسية للمثالية، فإن بقاء الشخصية الإنسانية بعد الموت يكون ~~أكثر من مجرد فكرة معقولة؛ إذ يغدو احتمالا مرجحا رائعا. ~~(5) مشكلة الإيمان النهائي # بأي شيء يمكننا أن نؤمن إذن؟ # إن المسألة تبدو الآن ~~واضحة: ففي إمكاننا أن نؤمن بأي شيء لا يوجد دليل تجريبي يؤدي إلى استبعاده، ويكون في ~~الوقت ذاته متمشيا مع موقفنا الفلسفي الأساسي. ومن هنا فإنه لا توجد مشكلة أخرى من ~~المشكلات التي تتناولها الفلسفة، يظهر فيها الشقاق بين المذهبين الطبيعي والمثالي بنفس ~~القدر من الوضوح الذي يظهر به في موضوعي الله والخلود. ذلك لأننا لما كنا في حالة هذين ~~الموضوعين نعالج مشكلات لا توجد بشأنها إلا أدلة تجريبية ضئيلة، أو لا توجد أدلة على ~~الإطلاق، فليس هناك ms457 اعتقاد ينبغي استبعاده بصفة قاطعة لأسباب تجريبية. وبالطبع لا يوجد ~~اعتقاد يقبل بوضوح بناء على هذه الأسباب؛ لذلك فإن نظرتنا الفلسفية العامة إلى العالم ~~هي التي ستتحكم بالضرورة، آخر الأمر، فيما نؤمن به، ما لم نكن بالطبع غير متسقين في ~~تفكيرنا بحيث نتمسك بمعتقدات متناقضة. أما إذا افترضنا أن معتقداتنا متسقة، فإن آرائنا ~~في تلك المشكلات القصوى، كمشكلة وجود الله وبقاء الشخص بعد الموت، ستكون هي الآراء التي ~~تنسجم مع مذهبنا الفلسفي في مجموعه. فنحن سنؤمن عندئذ بما يمكننا أن نؤمن به في إطار ~~هذا المذهب. أو بعبارة أدق، فنحن سنأخذ بأية معتقدات تلزم لإتمام مذهبنا وجعله كله ~~مذهبا تسوده وحدة جامعة. وهنا نجد المثالي والطبيعي يفترقان أشد ما يكون الافتراق - ~~أعني افتراقا لا رجعة فيه. إذ يتعين على كل منهما، لكي يجعل نظرته إلى العالم متسقة ~~وكاملة، أن يتابع نتائج مصادراته الأساسية حتى نهايتها المنطقية، بحيث إن كل خطوة ~~يخطوها تزيده ابتعادا عن خصمه الفلسفي. ~~(1) # بالنسبة إلى المثالي ~~: يرى المثالي، ~~الذي يعطي الأولوية للجانب الفكري من الوجود، ويجعل عالم الروح هو الأساس ~~النهائي، أنه «لا شيء مستحيل التحقيق من أماني الإنسان العليا». # 1 # وعلى حين أنه قد لا يكون هناك، على الأرجح، أفراد كثيرون في ~~هذه المدرسة يؤمنون «ببعث الجسم ودوام الحياة أبدا» بالمعنى اللاهوتي ~~التقليدي، فإن أغلبية منهم تقبل فكرة وجود نوع معين من البقاء بعد الموت، ~~ولا سيما إذا كان ذلك بقاء للعناصر الأكثر معقولية وأخلاقية في طبيعة ~~الإنسان. وهنا نجد، كما نجد في مسائل كثيرة أخرى، أن الموقف والاتجاه العام ~~للمثالي متعاطف بقوة مع موقف الدين واتجاهه. وعلى الرغم من أن عقل المثالي ~~قد يكون أقوى في نزعته النقدية من عقول معظم رجال الدين (وهو قطعا أقوى في ~~نزعته التحليلية) فإنه يقبل لنفسه راضيا أن يقوم بدور التابع لهم. وكل ما ~~في الأمر أن المثالي يتحدث عادة عن «المطلق» بدلا من «الله»، وعن «حفظ ~~القيم» بدلا من «الجنة أو النعيم»، فيكون الفارق الرئيسي بين الفيلسوف ~~المثالي ms458 وبين رجل الدين هو في تأكيد الأول للأوجه النظرية لهذه المشكلات ~~القصوى، في مقابل تأكيد الثاني لأوجهها العملية. ~~(2) # بالنسبة إلى فيلسوف المذهب الطبيعي ~~: ~~فما هو موقف فيلسوف المذهب الطبيعي إذن؟ لما كانت الإجابات التي يقدمها هذا ~~الفيلسوف عن هذه المشكلات تتعارض بصورة مباشرة مع آمال الإنسان وأمانيه، ~~فمن العسير عرض الردود التي يأتي بها بطريقة تروق لكثير من القراء. والحق ~~أنه، أيا ما كان المصدر الذي تقع على عاتقه مهمة الإتيان ببراهين (أو ~~بينات) منطقية أو تجريبي، فإن البينة الانفعالية تقع قطعا على صاحب المذهب ~~الطبيعي؛ إذ يبدو رده في نظر معظم الناس أقسى وأصلب وأكثر «واقعية» من ~~اللازم. ذلك لأن الموقف السائد بين الناس هو تقريبا الموقف الآتي: لما كنا ~~لا نستطيع إثبات إجاباتنا على أي نحو، ولما كان لنا بالتالي الحق في ~~الإيمان بأية وجهة نظر، فمن المؤكد أن الأفضل هو الأخذ بالرأي الذي يتيح ~~لنا مزيدا من الطمأنينة ويجعل الحياة أجدر أن تعاش - ومن الواضح أن هذا هو ~~الرأي المثالي. # وسوف نقول المزيد عن هذا الموقف بعد قليل، ولكن يحسن بنا أولا أن نقدم عرضا موجزا ~~لموقف المذهب الطبيعي؛ إذ إننا لن نستطيع أن نحكم بمدى إمكان الأخذ بهذا الموقف إلا بعد ~~أن نفهمه فهما دقيقا. # وينبغي أن نذكر أنه، على الرغم من استعداد فيلسوف المذهب الطبيعي للانتظار حتى يبت ~~العلم في مشكلة «المادة # Stuff ~~» النهائية التي يصنع ~~منها الكون، فإنه واثق أن الطبيعة العامة لنظام العالم هي طبيعة فيزيائية. وهو لا يعني ~~بذلك ضرورة أن الكون «ليس إلا آلة هائلة»، وإنما يعني أن عملياته هي عمليات فيزيائية، ~~وقواه قوى فيزيائية، وقوانينه قوانين فيزيائية. والنتيجة التي تترتب على ذلك هي أنه لا ~~يمكن أن يوجد إلا نظام أو نمط واحد للوجود - أو بعبارة أخرى أن كل ما يوجد أو يؤدي ~~وظيفته إنما هو جزء من نظام الطبيعة. وهذا يؤدي صراحة إلى استبعاد أي شيء فوق الطبيعة، ~~أو أي شيء عال، من فئة الوجود الموضوعي، فالنظام الفيزيائي أو ms459 الطبيعي يضم في داخله كل ~~ما هو موجود. # إنجازات العلم ~~: يرى فيلسوف المذهب الطبيعي، شأنه ~~شأن العالم الذي يستمد منه الجزء الأكبر من معلوماته والاتجاه العام لتفكيره، أن ~~العمليات الفيزيائية والقوانين التي تسري عليها كافية لتعليل جميع الظواهر. أما الحالات ~~التي تكون المبادئ المتضمنة فيها غير معروفة بعد، فإن فيلسوف المذهب الطبيعي يفترض أنها ~~عندما تكتشف سيتضح أنها فيزيائية و«طبيعية»، مثلها مثل تلك المبادئ التي أثبتها العلم ~~من قبل. ونظرا إلى التوسع المطرد للتفسيرات الطبيعية في ميدان تلو الآخر من ميادين ~~التجربة البشرية، فلا بد أن يكون المرء على قدر كبير من العناد لكي يستطيع تحدي هذا ~~الافتراض، وهكذا فإن كثيرا من الظواهر التي كانت تعد من قبل غامضة، بل خارقة للطبيعة، ~~أصبحت تخضع للتحليل العلمي، بحيث إن الشخص الذي ينادي بأن بعض الظواهر الخاصة لا يمكن ~~أن تخضع للتفسير العلمي على أسس فيزيائية لا بد أن يقع على عاتقه عبء ثقيل من الإتيان ~~بالبينة على ما يقول. فلما كان فيلسوف المذهب الطبيعي يسلم بأن لكل الظواهر مكانا في ~~الطبيعة، فإنه لا يستطيع - منطقيا - أن يعترف باستثناءات من هذا النظام الشامل ~~للأشياء وللعمليات جميعا. # ومن بين هذه العمليات الطبيعية، نجد للعمليات التي تدرسها مختلف العلوم البيولوجية ~~(وضمنها علم النفس) مكانة هامة في أي بحث عقلي في موضوع الخلود. ذلك لأن عالم ~~البيولوجيا بدوره قد فرض سيطرة القوانين الفيزيائية الكيموية والتفسيرات الطبيعية على ~~ميدان البيولوجيا بأسره تقريبا. وفي عهد أقرب قام علم النفس بتوسيع هذه السيطرة بحيث ~~تمتد إلى ذلك الميدان الذي ظل طويلا يعد قلعة يتحصن فيها كل ما هو عال وخارق للطبيعة، ~~وأعني به ميدان الشخصية الإنسانية أو «النفس». ولم يكتشف علم البيولوجيا أو علم النفس، ~~كما تنبأ العالم وفيلسوف المذهب الطبيعي بجرأة منذ عهد بعيد، أية ظواهر تتناقض مع ~~مصادرات المذهب الطبيعي، وإنما أيدت الكشوف، واحدا تلو الآخر، النظرية العلمية ~~الأساسية القائلة بوجود علاقات علية يمكن التعبير عنها كميا، حتى أصبح من الممكن ~~أن نأمل أن يجيء اليوم ms460 الذي يتمكن فيه علم النفس من تقديم تفسيرات لكل سلوك بشري تكون ~~مبنية على أساس المذهب الطبيعي. # ومن أهم التعميمات التي صاغها عالم البيولوجيا، التعميم الآتي: لا توجد حياة بمعزل عن ~~كائن عضوي، ولا يوجد ذهن، أو فكر، أو وعي بمعزل عن بناء فيزيائي عصبي من نوع ما. ~~وبعبارة أبسط، فإن علم البيولوجيا يقول إنه لا يستطيع الاهتداء إلى مثال لحياة غير ~~عضوية، أو لذهن بلا جسم. ويعبر علم النفس عن هذه الفكرة ذاتها بقوله إن كل تغير نفسي، ~~وكل حادث ذهني هو، بقدر ما يستطيع هذا العلم أن يكتشف، إما مسبوق وإما مصحوب بتغيرات ~~عصبية (أي فيزيائية)، وهذه الأخيرة تفترض بالطبع وجود بناء أو تركيب عصبي. ولما كان ~~عالم النفس عاجزا عن الاهتداء إلى أي استثناء لهذا الأساس العصبي للنشاط الذهني، فقد ~~كان من المنطقي أن يتوسع في هذا الحكم بحيث يجعل منه إحدى مصادرات علمه. هذه المصادرة ~~يمكن التعبير عنها كما يلي: كل حادث نفساني يفترض مقدما حادثا عصبيا في صورة تغيرات ~~في الطاقة داخل مجموعات الخلايا العصبية، ويعتمد على هذا الحادث العصبي على الأرجح. ~~وعلى الرغم من أن عالم النفس يشعر بالحرج عندما يحاول الخارجون عن ميدانه أن يطلقوا ~~عليه اسم «المادي»، فليس من الصعب أن نفهم أن مصادرته الأساسية هذه يمكن أن تفسر ~~تفسيرا ماديا، كما يمكننا أن نفهم السبب الذي يجعل المدارس الفلسفية ذات الاتجاه ~~الواقعي الصلب تهيب في كثير من الأحيان بعالم النفس بوصفه شاهدا خبيرا، لكي يؤيد على ~~كره منه موقفها المعادي للمثالية والروحية. # النظرة الوظيفية ~~: ينبغي أن نلاحظ أن تعميمات العلوم ~~البيولوجية هذه تتمشى مع الأسلوب المتبع لدى معظم العلماء، الذين يأخذون بالنظرة ~~الوظيفية إلى الظواهر كلما كان ذلك ممكنا. ومعنى ذلك، فيما يتعلق بالحياة والذهن، ~~النظر إلى الظواهر البيولوجية بطريقة غير جوهرية. وبعبارة أبسط، فهو يعني أن الحياة ~~والذهن معا يعدان «وظائف للكائنات العضوية»، لا كيانات في ذاتها. فليست «الحياة»، ~~بالنسبة إلى عالم البيولوجيا، إلا لفظا مريحا للتعبير عن جموع عمليات ms461 معينة في ~~التمثيل الغذائي والتكيف والتكاثر، لا جوهرا أو مادة تدخل الكائن العضوي عند مولده ~~وتخرج منه عند مماته. وقد يفيد في تقريب هذه الفكرة إلى الأذهان أن نضرب لها مثلا من ~~ميدان الميكانيكا. فالفيزيائي يعرف الحركة بأنها وظيفة للأجسام، تمثل بذلا للطاقة، وهي ~~ليست كيانا أو جوهرا في ذاته. ولو كانت الحركة مجرد بذل للطاقة فإن هذه الطاقة عندما ~~تتبدد كلها بالاحتكاك، لا يعود الشيء يؤدي وظيفته بوصفه شيئا متحركا؛ أي إنه يتوقف. ~~فأين ذهبت الحركة؟ إذا كنا نعني «بالحركة» بذلا للطاقة، فإنها قد تبددت في صورة طاقة. ~~أما إذا كنا نعني بالحركة مادة أو جوهرا كان حاضرا في الشيء، «فإنها» لم تذهب إلى أي ~~مكان، «لأنها» لم تكن موجودة أبدا. ولنضرب لذلك مثلا أبسط، هو ذلك اللغز القديم الذي ~~يتسلى به الأطفال: أين يذهب «حجرك» عندما تقف؟ والجواب بالطبع هو أنه لا يذهب إلى أي ~~مكان؛ لأن «الحجر» ليس كيانا أو جزءا من جسمك له وجود مستقل، كأنفك مثلا، وإنما هو ~~علاقة بين أجزاء معينة من جسمك عندما تكون في مواقع محددة، بالنسبة إلى بعضها وإلى ~~المستويين الرأسي والأفقي. # النظرة الوظيفية في مقابل النظرة الجوهرية ~~: عندما ~~يحدث، أثناء قيادة المرء سيارته بسرعة، أن تصطدم إحدى الحشرات فجأة بزجاج السيارة ~~الأمامي وتتحطم الحشرة على الزجاج، فمن الطبيعي أن نتساءل: أين ذهبت هذه الحياة ~~الضئيلة؟ ذلك لأن التحول من كائن عضوي كامل يقوم بوظائفه كلها، إلى مجرد بقعة من ~~المادة، يبلغ من الضخامة حدا يصعب معه على المرء ألا يقول بأن «شيئا» معينا، أو ~~«مادة»، أو (جوهرا) قد اختفى. وعندما يقتل أمامنا إنسان بطريقة عنيفة وفورية مشابهة، ~~يكون هذا الاعتقاد أقوى حتى مما سبق. ومع ذلك فإننا حين نعود بأذهاننا إلى النظرة ~~الوظيفية التي يقول بها عالم البيولوجيا، نتذكر أن «الحياة» ليست إلا القدرة على القيام ~~بعمليات معينة، أو مجموعة هذه العمليات - وأعني بها عمليات التكاثر والتعويض الذاتي ~~والتكيف مع البيئة. فعندما يدمر البناء العضوي لأسباب طبيعية (كتقدم السن مثلا) ms462 أو ~~نتيجة للإصابة في حادث، فمن الواضح أنه لا يعود يؤدي وظيفته عندئذ؛ أي إنه لا يعود ~~«حيا». فأين ذهبت «الحياة»؟ إننا إذا استخدمنا اللفظ بالمعنى الوظيفي الذي يستخدمه به ~~العلم، لقلنا إن «الحياة» لم «تذهب» إلى أين مكان. فالقدرة الوظيفية لم تعد موجودة، ~~ولكن ذلك لا يعني أنها «ذهبت» إلى أي مكان، مثلما أن اختفاء «حجرك» عندما تقف لا يعني ~~أنه ذهب إلى أي مكان. وبعبارة أخرى، فإننا بمجرد أن نحرر تفكيرنا من النظرة الجوهرية ~~إلى الحياة، فإن قدرا كبيرا من السر والعلو الذي ينسب عادة إلى ظاهرة الموت يختفي ~~فورا. # مثل هذا يصدق على «الذهن» أو «الوعي» أو «الشخصية». فإذا كانت لدينا نظرة جوهرية إلى ~~الشخصية، كان من الطبيعي أن نشعر بأن من الضروري تعليل اختفائها عند الموت، وكان من ~~المنطقي تماما أن نتساءل عما حدث لها، ونضطر إلى افتراض سماء، أو عالم آخر من نوع ما ~~بوصفه مقرا لحياتها الأخرى المفترضة. أما إذا أخذنا بالرأي الوظيفي في الذهن، كما ~~يقول به علم النفس المعاصر، فإن مثل هذا الافتراض لا يغدو غير ضروري فحسب ، بل يصبح غير ~~منطقي. ذلك لأننا إذا نظرنا إلى «الذهن» على أنه مجرد اسم مريح لمجموع قدرات الفرد ~~وخبراته - أو بعبارة أدق، لردود أفعاله العصبية الحالية الممكنة - فلن يكون في اختفاء ~~هذا «الذهن» عند الموت أية مشكلة بالنسبة إلينا؛ إذ إن القدرة على رد الفعل، التي تتألف ~~من طاقة عصبية كامنة، قد طرأ عليها تغير لا يزيد في غموضه على أي تغير للطاقة في ~~الطبيعة. وماذا نقول عن ردود الأفعال العصبية المتراكمة، التي نسميها «أنماطا للعادات» ~~و«ذكريات»؟ إنها لما كانت تمثل تغيرا دائما أو شبه دائم في التركيب العصبي، فلا بد أن ~~تختفي هذه التغيرات بدورها بتحلل هذا الجهاز العصبي المعين، أو حدوث تغير في تركيبه ~~الجزئي. وبعبارة أخرى فإن السؤال: «أين ذهب الذهن أو الشخصية؟» يغدو مشابها للسؤال: ~~«أين يذهب شكل النبات أو تركيبه عندما يذوي ويتحلل؟» ذلك لأن «شكل» النبات و«تركيب» ~~الذهن ms463 إنما هما تنظيم، وتنظيم فحسب. وهكذا يعود علم النفس الحديث إلى رأي أرسطو في هذا ~~الصدد: فالذهن هو صورة الكائن العضوي (أو وظيفته، كما نفضل نحن أن نسميه)، وهو بوجه خاص ~~وظيفة المخ والجهاز العصبي المركزي. فإذا تعرضت هذه الوظيفة، نتيجة للتحلل أو لحادث أو ~~صدمة، إلى خلل مدمر، أو توقفت تماما، كانت هذه نهاية «الذهن» أو «الشخصية». # التعارض الأساسي بين الرأيين ~~: من الواضح أن رأي ~~المذهب الطبيعي، بما ينطوي عليه من تأكيد لفناء الجسم والذهن في وقت واحد، يبنى على ~~مصادرة مضادة للمثالية، هي أن النظام الفيزيائي له الأولوية. والأهم من ذلك بالنسبة إلى ~~المشكلة التي نحن بصددها، هو أن فيلسوف المذهب الطبيعي يرى الذهن معتمدا تماما على ~~التركيب الفيزيائي (والتركيب العصيب على الأخص) للجسم. وبعبارة أخرى، فليس الجسم مجرد ~~مقر «لنفس» مستقلة، أو أداة لها، وإنما الأمر على عكس ذلك: فالذهن لا يعتمد على الكائن ~~العضوي الفيزيائي في وجوده فحسب، بل إنه هو ذاته لا يعدو أن يكون أداء هذا الكائن ~~العضوي لوظائفه، ولا سيما حين يكون هذا الأداء مصحوبا بالوعي. أما المثالية فقد رأينا ~~أنها تؤمن بأن للذهن مكانة وقيمة وأهمية أعظم بكثير مما يمكن أن يكون للجسم. كما رأينا ~~أن المثالي يرى في الجسم خادما أو أداة للذهن الذي يسكنه مؤقتا. وهكذا يتضح التعارض ~~الأساسي بين وجهتي النظر؛ ذلك لأن كلا منهما؛ إذ تبدأ بمصادراتها الخاصة، لا يمكنها ~~إلا أن تصل إلى نتائج يقينية. فإذا كانت للذهن الأولوية في نظام العالم، وكان الوعي ~~والطابع الفردي والشخصية هي أهم عناصر هذا النظام، فمن المنطقي أن نقول إن الذهن يمكن، ~~بل يجب أن يبقى بعد الموت. أما إذا كانت الأولوية للعالم الفيزيائي أو المادي، وكان ~~الذهن تطورا للمادة معتمدا عليها في وجوده كل الاعتماد، فمن المنطقي، بنفس المقدار، ~~أن نقول عندئذ أن وعينا الفردي لا يمكن أن يظل باقيا بعد موت الكائن العضوي ~~الفيزيائي. ~~(6) أسس الإيمان # بماذا نستطيع أن نؤمن؟ # من الواضح، فيما يتعلق ~~بالله، والخلود، وغير ذلك ms464 من الأسئلة القصوى التي تحير الإنسان، أن موقفنا في هذه ~~الحالة هو نفس الموقف الذي يتكرر دائما كلما كنا بصدد الإيمان؛ إذ إن ما يمكننا أن ~~نؤمن به، سواء أكان متعلقا بالله أم بالطبيعة النهائية لأي شيء في التجربة البشرية، لا ~~بد أن يتوقف على نوع الكون الذي نؤمن به. فإذا قبلنا الكون كما تصوره الميتافيزيقا ~~المثالية، فعندئذ نستطيع أن نؤمن بأمور عديدة يستحيل علينا بالضرورة أن نؤمن بها لو ~~كنا نرفض هذه النظرة إلى العالم. فقبول المذهب المثالي يؤثر حتما في منظورنا؛ إذ إننا ~~حين ننظر إلى الكون بأعين المثالي، نرى لكل شيء دلالة وقيمة أخلاقية، ونرى «الغاية» ~~كامنة في كل شيء، و«العقل» مسيطرا على كل شيء وكأنه يشرف على إخراج هذا المنظر الهائل. ~~أما بالنسبة إلى فيلسوف المذهب الطبيعي، فإن الأمور تبدو مختلفة كل الاختلاف: فليس ثمة ~~«معنى» أو «غاية» كامنة، وكل ما تكتسبه الأشياء والحوادث من معنى تضيفه عليها ردود ~~أفعالنا تجاهها، ومواقفنا منها. # لم لا نؤمن؟ # عند هذه النقطة من أية مناقشة بشأن ~~الإيمان يثار عادة سؤال آخر. لما كانت النظرة المثالية تجعل العالم يبدو مكانا للعيش ~~أحب إلى نفوسنا، وتضفي على المصير الإنساني مغزى كونيا، فلم لا يأخذ كل إنسان (حتى ~~صاحب المذهب الطبيعي ذاته) بهذا الرأي؟ لسنا بحاجة إلى القول بأن المثالي أو رجل الدين ~~هو الذي يثير هذا السؤال عادة، ولكن هذا لا يستطيع بالضرورة بطلان التساؤل ذاته. فإذا ~~سلمنا بأن موجه السؤال لا يقتصر على أن يسألنا بسذاجة «لم لا يؤمن كل شخص كما أفعل» فإن ~~التساؤل يكون أمرا طبيعيا؛ ففيه يعترف بأن المثالية أقدر من المذهب الطبيعي على ~~مواجهة مطالب الرأس والقلب معا. ذلك لأن المثالي لديه من الطمأنينة والراحة ما لا يمكن ~~أن يعرفه من يؤمن بالمذهب الطبيعي. وهكذا يكاد يبدو أن من العناد والمكابرة أن يرفض أحد ~~هذه الطمأنينة التي تبعث السكينة في النفس. # وكما قال الكثيرون، فإن الإيمان لا يكلف شيئا، فلم لا نؤمن؟ # وهنا أيضا نجد أن ms465 وليم جيمس قد يكون هو الذي عبر عن هذا الاتجاه أوضح وأشهر تعبير. ~~ذلك لأن مقاله المشهور «إرادة الاعتقاد» إنما هو عرض برجماتي طويل موسع لهذا السؤال ~~ذاته: إذا كان الأكثر إرضاء أن نؤمن بالله والخلود، فلم لا نؤمن؟ وقد وضع الفيلسوف ~~الفرنسي «بليز باسكال # Blaise Pascal ~~» الذي عاش في ~~القرن السابع عشر، ما أصبح يعرف باسم «رهان باسكال»، ويعترف جيمس بأنه إنما يقتصر على ~~التوسع فيه. فلنبدأ بكلمات باسكال ذاتها: # نستطيع أن نقول: «إما أن يكون الله موجودا وإما ألا يكون». ولكن إلى أي جانب ~~ننحاز؟ إن العقل لا يستطيع أن يعيننا. فهناك هوة لا قرار لها بين المخلوق ~~والخالق. فعلى أيهما تراهن؟ إن الأمر أشبه بقطعة نقود قد تظهر فيها صورة أو ~~كتابة. فليس ثمة سبب لتأكيد أحد الاحتمالين على حساب الآخر. ولن تستطيع أن تقدم ~~حججا تؤيد هذا دون ذاك. # وقد يقال إننا إذا لم نكن نعرف هذا ولا ذاك، فإن المسلك الصحيح هو ألا نراهن ~~على الإطلاق. غير أن المراهنة أمر لا مفر منه، فهي شيء لا يتوقف على إرادتك. ~~إنها عملية أصبحت مندمجا فيها بالفعل. فماذا ستختار؟ # فلننظر في الأمر: إنك لما كنت مضطرا ~~إلى الاختيار، فإن عقلك لن يشعر بإهانة إذا اختار أحد الأمرين أو الآخر. فتلك ~~نقطة واضحة. ولكن ماذا نقول عن سعادتك؟ لنقارن الكسب والخسارة في حالة المراهنة ~~على أن الله موجود بالفعل. إنك إذا راهنت على أنه موجود، وكان موجودا فأنت ~~الرابح. ولو راهنت على أنه موجود ولم يكن موجودا فلن تخسر شيئا. فإذا كسبت، ~~ربحت كل شيء، وإذا خسرت لم تخسر شيئا. فلتراهن إذن بلا تردد على أنه موجود بالفعل. # 2 # ويتفق جيمس مع باسكال على أن العقل لا يستطيع الوصول إلى رأي قاطع في مسألة الله ~~والخلود. ولكنه لا يكتفي بأن يستدل على وجود الله من حاجتنا إليه، كما فعل باسكال قبل ~~أن يقترح «رهانه» بوصفه حجة إضافية لأولئك الذين كانت حاجتهم إلى الله أقل إلحاحا من ~~حاجته هو. ms466 وبدلا من ذلك يقول جيمس بفكرة أخرى اشتهرت بفضل بسكال: «إن للقلب أسبابه ~~التي لا يعرفها العقل». # ويدافع جيمس عن حق ما يسميه «بطبيعتنا الوجدانية» وعن مطالبها، التي تعادل تقريبا ما ~~يسميه علم النفس المعاصر بحاجتنا العاطفية. غير أن جيمس لا يكتفي بالقول بأن للناس ~~جميعا مطالب عاطفية فضلا عن العقلية. فهو يقول إن كل القرارات والأحكام الحيوية، حتى ~~عندما تبدو عقلية إلى أبعد حد، وقائمة على أساس منطقي، هي في الواقع ضروب من الاختيار ~~العاطفي الذي تقوم به «طبيعتنا الوجدانية». فلنضرب لذلك مثلا بذلك الاعتقاد المشهور ~~لدى العالم أو الفيلسوف، وأعني به الاعتقاد بأن الحقيقة هي القيمة العليا، وبأن النتائج ~~التي يصل إليها العقل أو الذكاء مفضلة دائما على ما تتجه إليه رغباتنا. ولكن جيمس ~~يتساءل: «ماذا نقول عن تلك المواقف التي يكون لبعضها أهمية كبرى بالنسبة إلى السعادة ~~البشرية، والتي لا يستطيع العقل فيها أن يكتشف أية حقيقة»؟ لنتأمل مشكلتنا الراهنة، وهي ~~وجود الله والخلود. فلا العلم ولا المنطق بقادرين على أن يقدما إلينا إجابات قاطعة، ~~وإذا لم يكن لدينا مفر من الاعتماد عليها فسوف نكون - وسنظل دائما - في ظلام. # فماذا نفعل إذن؟ إن الشكاك، أو اللاأدري، يقول: «توقف عن الحكم ولا تختر شيئا، ولا ~~تثبت أو تنف»، بل إن ذوي الأذهان الأكثر صلابة قد يذهبون إلى حد تأكيد أن من الواجب ~~ألا نؤمن بأي شيء يمكن أن نشك فيه. فهم قد يطلبون إلينا ألا نؤمن أبدا على أساس أدلة ~~غير كافية، بل ويذهبون إلى أن من اللاأخلاقية أن نفعل ذلك. وقد اقتبس جيمس نصا من ~~كليفورد # Clifford ~~، الذي كان في أيامه شكاكا ~~معروفا، يقول فيه حول هذا الموضوع: # إن الإيمان يفقد قداسته إذا ما تعلق بعبارات لا دليل عليها ولم توضع موضع ~~التساؤل، لمجرد رائحة المؤمن ولذته الشخصية ... فلو قبل الإيمان على أساس أدلة ~~غير كافية، فإن اللذة تكون لذة مختلسة، حتى لو كان الإيمان صحيحا. وهي خاطئة ~~لأنها مختلسة تتحدى واجبنا تجاه البشر. فهذا الواجب يقضي ms467 علينا بأن نحذر هذه ~~الاعتقادات كما نحذر الوباء الذي قد يسيطر في وقت قريب على جسمنا ثم ينتشر منه ~~إلى بقية المدينة. وإنه لمن الخطأ دائما، وفي كل مكان، ولكل شخص، أن يؤمن بأي ~~شيء على أساس أدلة غير كافية. # 3 # غير أن جيمس يتساءل بذكاء: أليست وجهة النظر هذه عند شكاك كبير مثل كليفورد، موقفا ~~وجدانيا إلى أبعد حد، مبنيا على اختيار عاطفي؟ إن ما يقوله الشخص الذي يتخذ هذا ~~الموقف حقيقة هو أنه يفضل أن يخاطر بفقدان شيء طيب؛ إذ يرفض الإيمان بما قد يكون ~~صحيحا، على أن يخاطر بالإيمان بشيء قد لا يكون صحيحا. # ويعتقد جيمس أن الشكاك اللاأدري يخاف من أن يخدعه الأمل إلى حد أنه يسرع إلى الطرف ~~المقابل فيخدعه الخوف. وهذا في رأي جيمس أمر ممتنع: فإذا كان علينا أن نختار بين ~~المخاطرتين، فإنه يتساءل: على أي أساس يختار المرء المخاطرة التي لا نكسب فيها شيئا، ~~ونخسر كل شيء، بدلا من تلك التي لا نخسر منها شيئا وقد نجني كسبا كبيرا؟ وهذا يعود ~~بنا مرة أخرى إلى رهان بسكال، أو بلغة جيمس المميزة: # إن كان ها هنا خداع وهناك خداع، فما الذي يثبت أن الخداع عن طريق الأمل أسوأ ~~إلى هذا الحد من الخداع عن طريق الخوف؟ إنني واحد من الناس الذين لا يجدون ~~دليلا على ذلك، وأنا أرفض ببساطة أن أساير الشكاك في اختياره في الحالة التي ~~يكون فيها الأمر الذي أراهن من أجله هاما في نظري إلى الحد الذي يجعل لي الحق ~~في اختيار نوع المخاطرة الذي أفضله. # 4 # وهكذا فإن الدائرة التي سرنا فيها تكتمل ~~: فهناك ~~مخاطرة كلما قمنا باختيار على أساس أدلة غير كافية. ولكنا قد نضطر في كثير من الأحيان، ~~أثناء حياتنا، إلى خوض هذه المخاطر، ومن المؤكد أن اتخاذ قرار بشأن الله والخلود، هو ~~أكبر أمثلة هذا الاختيار الذي لا مفر منه. وليس هناك آخر الأمر سوى مزاجنا أو حاجتنا ~~الشخصية لكي نقرر أي نوع من الخداع - خداع ms468 الأمل أم خداع الخوف - نفضل أن نخاطر به. ~~وهكذا ينتهى المثالي أو المؤمن بالألوهية إلى التساؤل: لم لا نؤمن، ما دام الإيمان لن ~~يكلف شيئا، وقد يجلب لنا منافع جمة من حيث طمأنينة النفس في هذه الحياة والسعادة بعد ~~موتنا؟ # دفاع المذهب الطبيعي ~~: يبدو رد فيلسوف المذهب ~~الطبيعي عادة، في نظر المثالي، مماثلا لموقفه الأصلي في بعده عن الفهم. فهو يجيب ~~بقوله: «إنني لا أقبل الإيمان لأني لا أستطيع. فأنت على خطأ تماما عندما تقول إن مثل ~~هذه الطمأنينة لا تكلف شيئا فهي قد تكلفني أعز ما أملك، وهو نزاهتي العقلية». وينبغي ~~أن يلاحظ على الفور أن هذا الرد لا يقصد به أبدا أن يكون تلميحا متعلقا بأمانة ~~المثالي العقلية، وإنما هو مجرد تعبير عن أن صاحب المذهب الطبيعي ذاته لا يستطيع أن ~~يأخذ بهذا الاعتقاد إلا بثمن باهظ كهذا. # وقد يقال إن النظرتين إلى العالم قد تكونان معا - كما اتفقنا من قبل - متساويتين ~~فيما يتعلق بمنطقهما. فإن كان هذا صحيحا، فكيف يكون الأخذ بالمذهب المثالي محتاجا إلى ~~صرامة ذهنية أقل بأي مقدار؟ ويفسر صاحب المذهب الطبيعي موقفه بقوله : «إنني لا أشير إلى ~~منطق خصمي عندما أتحدث عن النزاهة العقلية، وإنما أشير فقط إلى المصادرات التي يشيد ~~عليها بناؤها المنطقي. فهذه المسلمات الأساسية هي التي لا يمكنني أن أقبلها؛ إذ لا ~~يوجد لها مبرر في تجربتي ولا فيما أعتقد أنه إجماع الشواهد التجريبية في عمومها. أما ~~إذا كان المثالي يرغب في قبول هذه المسلمات، أو يتعين عليه قبولها لكي يجد في العالم ~~بيئة مريحة للحياة البشرية، فهذا شأنه. ولعله قد مر بتجارب شخصية أدت به إلى الاعتقاد ~~بأن الحقيقة النهائية روحية، أو تبرر اتخاذه من هذا الاعتقاد مصادرة كبرى في مذهبه. فإن ~~استطاع أن يفعل ذلك، فهنيئا له ما يفعل، أما أنا شخصيا فلا أستطيع.» # من أين تأتي هذه الفوارق؟ # من الواضح أننا إذا سرنا ~~في هذه المناقشة أية خطوة أبعد من ذلك، فسيؤدي بنا ذلك حتما إلى خوض غمار ms469 دراسة مفصلة ~~في سيكولوجية الإيمان أو الاعتقاد. ومع ذلك فليس في وسعنا أن نختم هذه المناقشة دون أن ~~نقول كلمة أخيرة. فهذه النقطة بالذات ترتبط بمشكلة من أكثر المشكلات المحيرة في التجربة ~~البشرية، وأعني بها: كيف يمر شخصان بنفس التجربة وتكون لهما استجابتان متعارضتان عليها؟ ~~لقد سبق أن أثرنا هذا السؤال عند نهاية الفصل الرابع، وها نحن أولاء نعود إليه. والرد ~~المعتاد لهذا السؤال هو: «إن ذلك يرجع إلى الاختلاف في التكوين الذي ترتكز عليه التجربة ~~المشتركة عند كل منهما». ولكننا لاحظنا وجود اختلافات شديدة التباين في استجابات ~~أشخاص من نفس العمر، ولهم نفس التكوين العام، كما هي الحال مثلا في أفراد أسرة واحدة ~~متماسكة أو بين «أصدقاء العمر». وهذا يؤدي بنا إلى الشعور بأن تلك الإجابة كانت مبسطة ~~أكثر مما ينبغي. فعندما يلاحظ المرء مسلك شقيقين تكون له صلة وثيقة بهما، مثلا، ويرى ~~إلى أي حد يجد أحدهما مضامين مثالية في كل ما يحدث، على حين أن استجابة الآخر تسير بنفس ~~الضرورة المحتومة في اتجاه المذهب الطبيعي - فعندئذ يجد المرء نفسه مضطرا إلى البحث ~~عن أغوار أعمق للمشكلة . # والرد الوحيد الذي يمكن أن يواجه أي اختبار علمي هو القائل إن هذا التباين يرجع ~~جزئيا إلى فارق فردي في الوراثة والاستعداد؛ أعني فوارق في تركيب الأعصاب وحساسية ~~الحواس ووظائف الغدد، بل والهضم ذاته. وتسمى الحصيلة النفسية لوظائفنا العصبية والغددية ~~الأساسية عادة باسم «المزاج»، وهو لفظ يشيع استخدامه في وصف الاستعداد أو الميل الأصلي ~~للفرد من الناحية النفسية والجسمية. ومن ثم ففي إمكاننا أن نعيد صياغة سؤالنا السابق من ~~جديد، بحيث يصبح: إلى أي مدى تؤدي الفوارق المزاجية إلى اختلافات في وجهة النظر ~~الفلسفية؟ وهل المعركة بين أنصار المذهبين المثالي والطبيعي «مسألة غدد فقط» كما يقول ~~التعبير الشائع؟ # مشكلة المزاج ~~: ربما كان ويليم جيمس هو المسئول عن ~~المحاولة الحديثة للربط بين المزاج والميتافيزيقا. ولقد سبق لنا أن أشرنا إلى التقابل ~~المشهور الذي وضعه بين المثالي «الرقيق الذهن» وبين الطبيعي الصارم الذهن. ms470 # 5 # وقد أعرب الشاعر الإنجليزي «كولردج» منذ حوالي قرن ونصف، عن فكرة مشابهة ~~لهذه إلى حد بعيد حين وصف الناس جميعا بأنهم إما أفلاطونيون وإما أرسططاليون. وفي ~~أيامنا هذه أدى ظهور النظرية الغددية في الشخصية، إلى اتساع نطاق الرأي القائل إن نظرة ~~المرء إلى العالم ترتبط بوظائفه العضوية ارتباطا وثيقا. ولما كان المذهب الطبيعي يؤكد ~~أولوية العالم الفيزيائي، فإنه لا يجد في هذه النظرية - كما هو متوقع؛ أي شيء غير منطقي ~~(وهو قطعا لا يجد فيها أي شيء يصدمه). فهو لا يشعر بأي حرج عندما يقول شخص عنه أنه ~~يؤمن بمذهبه، وبالمصادرات الأصلية التي بنى عليها المذهب بوجه خاص، نتيجة لاتزان معين ~~في الغدد - أو على الأرجح، لعدم اتزان فيها، بل إن القائل بالمذهب الطبيعي يرى أن أفضل ~~تفسير لتحيزنا الأصلي لمصادرات معينة هو وجود تفضيل مزاجي متأصل فينا. وقد يذهب به ~~الأمر إلى حد القول بأن هذا هو التفسير الوحيد الممكن. # أما المثالي فأمر مختلف؛ ذلك لأن أية نظرية فيزيائية في الشخصية تثيره بما فيه ~~الكفاية، أما تطبيق هذا الرأي على الفلسفة فهو في نظره أمر لا يحتمل. والواقع أن قليلا ~~من النظريات هو الذي يستثير المثالي إلى النضال بقدر ما تستثيره هذه النظرية. ومن ~~المعروف أن صاحب المذهب الطبيعي يتهم المثالي أحيانا بأنه ينظر إلى كل الآراء باستثناء ~~آرائه هو، على أنها ليست باطلة فحسب، بل شريرة. وهذه مبالغة دون شك. ولكنها تقترب من ~~الحقيقة في حالة النظرية الراهنة المتعلقة بالمصادر التي يستمد منها المزاج الفلسفي. ~~ذلك لأنه لو أمكن إثبات هذه النظرية تجريبيا، لتعرض معها بناء الميتافيزيقا المثالية ~~بأسره لخطر ماحق. فلو ثبت أن أشخاصا لديهم اتزان غددي معين يميلون إلى الانجذاب نحو ~~قطب رئيسي معين من قطبي التفكير دون الآخر. فماذا يصبح مصير المصادرة الأساسية القائلة ~~بأولوية «الذهن» أو «الفكر» في الكون؟ وإذا كان ما نفكر فيه يتحدد على أساس ما نأكله أو ~~على أساس طريقة عمل الغدة النخامية، فمن الواضح عندئذ أن الأولوية «للمادة» أو ms471 العالم ~~الفيزيائي. ومهما تكن المثالية منطقية أو عميقة المغزى أو ملهمة، فإن تحقيق نظرية ~~المزاج هذه يترك الفلسفة المثالية معلقة في الهواء بلا دعامة دون أن يبرر وجودها شيء ~~إلا نوع من الجاذبية الجمالية. # وهكذا نكون قد أتممنا دورة كاملة: فما نؤمن به عن الله والخلود يبدو متوقفا على ما ~~يمكننا أن نؤمن به عن طبيعة العالم بوجه عام - وهذا بدوره يبدو متوقفا على ما يمكننا ~~أن نؤمن به بشأن مصادر الإيمان ذاته أو العوامل المتحكمة فيه. # ولا بد أن يؤدي الدور الواضح في هذه النتيجة إلى القول بأنها ليست مرضية على الوجه ~~الأكمل. ولكن من الصعب أن نصل إلى أي استنتاج آخر يمكن أن يكون ممكنا في إطار معرفتنا ~~الراهنة. فنحن آخر الأمر، نؤمن بما نستطيع أن نؤمن به، غير أن هذا بدوره يتوقف على ~~عوامل تبلغ من الكثرة ومن التباين من فرد إلى فرد حدا يجعل لكل ذهن إمكانات الإيمان ~~خاصة به وحده. # الفصل الثامن عشر # | النزعة الإنسانية والوجودية # توجد فلسفتان، من بين الفلسفات الشائعة في أيامنا هذه، تحتلان مركزا خاصا، وتقف كل ~~منها على الحد الفاصل بين المذاهب الفلسفية بمعناها الفني وبين «فلسفة الحياة» الشعبية، وكل ~~منهما وجدت من الكتاب و«المثقفين» اهتماما يفوق ما وجدته من الفلاسفة المحترفين. ولكل من ~~الفلسفتين نظريات ميتافيزيقية مجردة، وذلك على الأقل بصورة ضمنية، ولكن كلا منهما لا تكاد ~~تعرف إلا على أساس أحكامها الأخلاقية وآرائها العينية في الموقف الإنساني فحسب. وتبدو كلتا ~~الفلسفتين حديثة إلى حد يلفت الأنظار بحق (رغم أن لكل منهما جذورها التي تمتد إلى قرن ~~وربما أكثر من قرن فيما مضى). ذلك لأن كلا منهما تعبر عن أحوال واتجاهات لا يمكن أن تسمى ~~إلا «معاصرة». # ويكاد يكون من المؤكد أن كل طالب قد سمع عن هاتين الفلسفتين. فإذا كانت أية مصطلحات ~~فلسفية قد ترامت إلى سمعه قبل أن يبدأ دراسته المنظمة لهذا الميدان، فالأرجح أن «الإنسانية» ~~و«الوجودية» من أول المصطلحات التي اكتسبها. ومن الجائز أن الشعبية التي نالتها ms472 هاتان ~~المدرستان ترجع إلى إعجاب الكتاب، ولا سيما كتاب القصة والمسرح، بهما، أكثر مما ترجع إلى ~~أية أهمية خاصة لهما في المجال العقلي. ولكن، بغض النظر عما إذا كان التاريخ سيحكم على ~~هاتين الفلسفتين بأنهما عميقتان، أم سيكتفي بتأكيد أنهما فلسفتان روجتهما الدعاية الذكية ~~فحسب، فإن تأثيرهما خلال الثلث الأوسط من القرن العشرين سيظل قويا إلى حد بعيد. ولن ~~يكون من الممكن تحديد العلاقة بين الإنسانية والوجودية بدقة إلا بعد بحث كل منهما على ~~حدة. وسوف نبدأ بأقدمهما، وهي النزعة الإنسانية. # النزعة الإنسانية في عصر النهضة ~~: كان للفظ «النزعة ~~الإنسانية # Humanism ~~» تاريخ طويل، تغيرت خلاله معانيه ~~كثيرا، شأنه شأن معظم الألفاظ التي تظل تستخدم طويلا. ولقد برزت بوجه خاص أهمية ثلاثة من ~~هذه المعاني: أقدمها معنى أدبي ثقافي، نشأ في ظل حركة النقد الأدبي والدراسة الثقافية ~~للأدب، التي ارتبطت بعصر النهضة الأوربية. وهنا كان معنى اللفظ هو الأفكار والكتابات التي ~~ظهرت في القرن السادس عشر على الأخص، والتي كان موضوعها الأول هو الإنسان؛ أي اهتمامات ~~الإنسان وأوجه نشاطه في هذا العالم، ولا سيما أوجه نشاطه العقلية والجمالية. ولقد كان ~~الإنسان المثالي، في نظر هؤلاء الكتاب الأوائل، هو الفرد المكتمل التكوين، الذي تحققت كل ~~قدرته إلى أقصى حد. أي إن فلسفة تحقيق الذات كانت هي السائدة حينئذ. # ولقد كان قدر كبير من طريقة الحياة والتفكير في عصر النهضة، كما هو معروف، رد فعل واعيا ~~على المثل العليا الزاهدة في العصور الوسطى. فلم يعد إنسان عصر النهضة على استعداد للتضحية ~~بقدر كبير من إنسانيته في سبيل ثواب العالم الآخر، وأصبح الرهبان والراهبات (الذين كان ~~يفترض من قبل أنهم يقومون بتضحيات كبيرة في هذا الصدد)، موضوعا للسخرية والازدراء بين كثير ~~من كتاب ذلك العصر ومفكريه. ولقد أدت عودة ظهور الاهتمام بكثير من مواد الحضارة الكلاسيكية، ~~واكتشافها من جديد، إلى شعور رجال القرنين الخامس عشر والسادس عشر شعورا قويا بما يمكن ~~أن تكون عليه الإنسانية في أحسن أحوالها. وكان العقل في عصر النهضة ينظر ms473 إلى الحياة ~~اليونانية والرومانية على أنها النتاج المثالي لتطور النزعة الإنسانية، ويشعر باليأس من ~~إمكان بلوغ هذه القمم مرة أخرى. غير أن إدراك رجال عصر النهضة لتعلق الإنسان الكلاسيكي ~~الشديد بهذا العالم الحاضر، وعزوفه عن العالم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، شجعهم على ~~محاولة السعي إلى تحقيق القدرات البشرية على نحو أكمل مما كان يحدث في العصور ~~الوسطى. # فالمعنى الأول والأقدم للفظ «النزعة الإنسانية» هو ذلك الذي يعبر عن تلك المحاولة التي ~~بذلت في ميدان الأدب والنقد الأدبي. كذلك فإن هذه الحركة التي ظهرت في عصر النهضة قد وضعت ~~على الأساس الاشتقاقي للفظ؛ أعني التركيز الدائم على الإنسان، وحياته في هذه الدنيا، ~~والإمكانات الرائعة لهذه الحياة. وينبغي أن يلاحظ أن هذه النزعة الإنسانية الأصلية لم تكن ~~ترفض الدين بوصفه أحد العناصر المكونة للحياة الخيرة، وإنما هي قد نبذت على وجه التحديد، ~~الرهبنة والتعصب وكل محاولات إعطاء القيم الدينية المكانة العليا، لا سيما إذا كانت المكانة ~~العليا تعني التضحية بأي جزء من الماهية الأساسية للإنسان. ~~(1) المعاني الحديثة «النزعة الإنسانية» # أما المعاني الرئيسية الأخرى «للنزعة الإنسانية» فلها أصل أحدث عهدا ، إذ إنها وضعت، ~~إلى حد بعيد، خلال القرن الحالي. ويعد كل من هذه المعاني تأكيدا لجانب معين من ~~المعنى الشامل للفظ. فهناك مثلا نوع من الفلسفة البرجماتية وضعه أكبر البرجماتيين ~~الإنجليز، وهو ف. ك. س. شيلر أطلق عليه اسم «النزعة الإنسانية» على وجه التحديد. ويتلخص ~~موقف شيلر الأساسي في تلك الجملة المشهورة التي اقتبسها من بروتاجوراس، المفكر المعاصر ~~لسقراط وأفلاطون: «الإنسان مقياس الأشياء جميعا». ومع ذلك فلما كان اهتمام شيلر ~~الرئيسي منصبا على مجال المنطق ونظرية المعرفة، لا على مجال الأخلاق، فقد كان من ~~الطبيعي أن يؤكد المعايير البرجماتية والإنسانية «للحقيقة» و«الصواب»، أكثر مما يؤكد ~~معايير «الخير». وكان يعتقد، بوجه عام، أن أي حديث عن الحقائق المطلقة أو العالية أو ~~الأولية هو حديث عقيم. فنحن نعرف ما نعرف نتيجة لتجربتنا الإنسانية البحتة، نظرا إلى ~~أن هذه التجربة تتغير من جيل إلى ms474 جيل، فلا بد أن نتوقع تغير معرفتنا وحقائقنا ~~بدورها. # وعلى الرغم من أن شيلر قد وضع مذهبه في الأعوام الأولى من القرن العشرين، قبل أن تصل ~~التجريبية المنطقية الحديثة إلى مرحلة نموها الحالية، فمن السهل أن ندرك وجود علاقات ~~معينة بين هذه النزعة الإنسانية الإنجليزية وبين التفكير الوضعي الحديث الذي ناقشناه في ~~الفصل الحادي عشر. مثال ذلك أن المدرستين تتفقان على أنه لا توجد وسيلة يستطيع بها ~~الإنسان تجاوز تجربته من أجل اكتساب معرفة عن حقيقة مزعومة تعلو على التجربة. ومن هنا ~~فإن أي حديث عن «حقائق أزلية» أو «مطلقة» لا يعدو أن يكون لغوا ... صحيح أن في استطاعتنا ~~أن نحلم بهذه الماهيات غير القابلة للمعرفة، وقد نود لو كان في إمكاننا إثبات وجودها. ~~ولكن لما كان من المستحيل إثبات هذا الوجود - لأن إثباته لا يكون إلا عن طريق التجربة، ~~وليس ثمة وسيلة ممكنة للخروج عن التجربة من أجل الاهتداء إلى ما يوجد «خارج التجربة - ~~فإن أية عبارة تزعم أنها تعبر عن حقيقة فوق التجريبية، أو غير بشرية، هي عبارة لا معنى ~~لها. ذلك لأن الإنسان - كما لا يمل شيلر تذكيرنا - هو «مقياس الأشياء جميعا»: مقياس ما ~~هو موجود، على أنه موجود، وما هو غير موجود على أنه غير موجود». فالتجربة الإنسانية هي ~~وحدها التي تستطيع أن تنبئنا بما هو موجود وما هو غير موجود، ولا يمكن أن نستمد من أي ~~مصدر غيرها معرفة بشأن حقيقة التجربة الفعلية أو طبيعتها. وهكذا فإن الوضعية الحديثة، ~~وكذلك المذهب الذي يمكن تسميته «بالنزعة الإنسانية الإبستمولوجية»، تتخذ من المبدأ ~~السابق أول حقيقة أساسية بسيطة لحياتنا الذهنية، وهما معا متفقان في الحملة على ذلك ~~العدد الهائل من المدارس الفلسفية، واللاهوتية التي تنكر هذه الحقيقة البسيطة. ~~(2) النزعة الإنسانية الدينية # هناك نوع آخر من النزعة الإنسانية أشهر بكثير من النوع السابق، كما أنه أثار حوله ~~قطعا مزيدا من الجدل، هو ذلك الذي يعرف عادة باسم «النزعة الإنسانية الدينية». ومن ~~سوء الحظ أن هذا اللفظ بدوره ينطوي على ms475 خلط غير قليل؛ إذ إن نفس الأشخاص الذين يسمون ~~أنفسهم بالإنسانيين الدينيين ليسوا متفقين حول ما يعنيه هذا الاصطلاح. وكل ما يتفق عليه ~~هؤلاء جميعا هو معارضتهم للمذاهب المسيحية ذات الاتجاه السلفي التقليدي الكلفيني الأشد ~~تمسكا. فالإنسانيون يعارضون بوجه خاص الاهتمام الذي تبديه هذه الطوائف بالخطيئة ~~الأولى، وانحطاط الإنسان وعجزه بدون المعونة الإلهية. ولكن الإنسانيين الدينيين، بعد ~~تفنيدهم لهذه المذاهب المتطرفة التي تؤكد الكمال المطلق لله والنقص المطلق للإنسان، ~~قلما يتفقون على مضمون العقيدة التي يدعون إليها. # وأخطر الصعوبات التي تواجه هؤلاء المفكرين تنشأ من تعريف لفظي «الدين» و«الله»، بل ~~من مفهومي هذين اللفظين. فلقد حاول جميع هؤلاء الإنسانيين الدينيين تقريبا تخفيف ~~العنصر الخارق للطبيعة في الدين، بل إن بعضهم حذف تماما كل ما هو خارق للطبيعة. وكان ~~معنى ذلك بطبيعة الحال إعادة تعريف لفظ «الدين» إذ إن الدين، والقول بما هو خارق ~~للطبيعة، لا ينفصلان بالنسبة إلى العالم الغربي. وفي بعض الحالات اقترن حذف هذا العنصر ~~الخارق للطبيعة، أو الإقلال من أهميته، إلى استغناء مناظر عن فكرة الله، ولكنه أدى ~~في حالات أخرى إلى إعادة تعريف هذا اللفظ. ومع ذلك فمن الواجب أن نعترف بأن إعادة ~~التعريف هذه بلغت في كثير من الأحيان حدا جذريا أدى إلى الاستغناء عن فكرة الله ~~بطريقة مستترة غير مباشرة، بدلا من أن يكون ذلك بطريقة صريحة مباشرة. # تعريف «الله» ~~: يميل الإنسانيون الدينيون إلى تعريف ~~الله من خلال المثل العليا الإنسانية والمبادئ الاجتماعية وحدها. وقد جمع «كورليس ~~لامونت» وهو مؤلف أمريكي مشهور بكتاباته عن النزعة ~~الإنسانية نماذج لتعريفات الألوهية ذات الاتجاه الاجتماعي هذه، وفي اعتقادي أن خير ما ~~يمكنني عمله هو اقتباس بعض التعريفات من هذا المصدر. # 1 # مثال ذلك أن ديورانت دريك يقول: «إن الله هو الذات الشاملة في كل منا، ~~وهو إرادتنا الخيرة ومثاليتنا والعقل الذي يجمعنا معا ويدفعنا إلى الأمام بقوة داخلية ~~قاهرة نحو تلك الحياة المثلى التي نصبو إليها حين نكون في أحسن أحوالنا». ويصف جيسي ه. ~~هولمز الله بأنه ms476 العنصر الداخلي الموحد، الذي يدفعنا نحو الوحدة في عالم من الإخاء. ~~ويقول هنري نلسون ويمان، الذي اشتهر خاصة بمحاولاته تعريف الله على أسس إنسانية: «إن ~~الله هو التفاعل المتبادل بين الأفراد، والجماعات، والعصور، وهو التفاعل الذي يولد أعظم ~~قدر ممكن من الخير المتبادل ويساعد على تحقيقه.» # ولسنا بحاجة إلى القول إنه، مهما يكن سمو هذه المفاهيم الخاصة بالله، فإنها قطعا لا ~~تكاد تشترك في شيء مع التعريفات التقليدية للألوهية. مثال ذلك أنه لا توجد صلة بينها ~~وبين المفاهيم المختلفة لله، التي نوقشت في الفصل الذي عرضنا فيه من قبل مذهب الألوهية ~~المفارقة، بل إن من العسير في الواقع أن نتصور كيف يتسنى للقائل بالنزعة الإنسانية، ~~مهما يكن حسن نيتهما، أن يتجنبها الغموض والخلط إذا ما حاولا أن يتفاهما عقليا حول ~~موضوع الألوهية في عمومه. وليس معنى ذلك أن أصحاب مذهب الألوهية المفارقة «على صواب» ~~وأن الإنسانيين «على خطأ» في مفاهيمهم، بل إن قصدنا الوحيد هو أن نذكر الإنسانيين بأن ~~عبء البينة اللغوية إنما يقع عليهم إذا ما اختاروا الاحتفاظ بلفظ ظل طوال قرون عديدة ~~يحمل معنى عاما واحدا ، مع تأكيدهم ضرورة استخدام هذا اللفظ بحيث يؤدي معنى ~~مختلفا. إن لكل متحدث أو كاتب الحق في تعريف ألفاظه كما يشاء، غير أن الإنسانيين ~~الدينيين كثيرا ما يتهمون بأنهم يطلبون من قرائهم أو سامعيهم أكثر مما ينبغي عندما ~~يستخدمون معنى تقليديا بمعنى غير تقليدي على الإطلاق، ثم يتوقعون من القارئ أن يقوم ~~بالتعديل اللغوي المناسب في كل مرة يظهر فيها اللفظ. # تعريف «الدين» ~~: ينطوي مفهوم «الدين» عند النزعة ~~الإنسانية على كثير من المشكلات المماثلة، المتعلقة بالمعنى اللغوي. ذلك لأن بعض ~~الإنسانيين حين أكدوا أن الدين مسألة اتجاه أو موقف، لا مسألة مضمون، قد أدرجوا ظواهر ~~كالشيوعية، بل كالإلحاد ذاته، ضمن «الأديان». وقد أحسن «لامونت» التعبير عن هذه ~~المسألة؛ إذ قال: «إن بعض هذه التعريفات المعادة تنسب ضمنا اسم الدين إلى أية دعوة ~~منظمة تنظيما اجتماعيا، تنجح في كسب ولاء الناس وعواطفهم. وعلى ms477 هذا الأساس تصبح كرة ~~القدم، ونقابات العمال، والأحزاب السياسية، والجيوش، بل وجمعيات الشعر أيضا - تصبح هذه ~~ضروبا من النشاط الديني». # 2 # وبالاختصار، فإن الإنسانيين الدينيين قد سعوا إلى الاحتفاظ بمفهوم «الدين» لكي يدل ~~على كل نشاط ينطوي على مبادئ رفيعة، وله اتجاه اجتماعي، بغض النظر عن وجود أي عنصر ~~عال أو خارق للطبيعة فيه أو عدم وجوده. ولهذا التعديل ميزة واضحة، هي أنهم يستطيعون ~~بفضله النظر إلى أوجه نشاطهم في ميدان النزعة الإنسانية ذاتها على أنها «دينية»، ~~ويمكنهم أن يؤكدوا للعالم أن للإنسانيين، كما لمعظم الناس دينا. ولكن فيه عيبا واضحا ~~هو أنه يولد الخلط والاضطراب، ما دامت النزعة العلوية - في شكل من أشكالها - كانت على ~~الدوام أساسية للدين، في العالم الغربي على الأقل. # ولعل أشهر وثيقة صورت عن النزعة الإنسانية الأمريكية هي «البيان الإنساني # Humanist ~~Manifesto ~~» المشهور ~~الذي وضع عام 1933م، ووقعه كثير من المثقفين والزعماء الدينيين ذوي الاتجاه المتحرر. ~~وقد حاولت هذه الوثيقة الرائعة الصغيرة، من خلال ما ورد فيها من أقوال، أن تدرج أنواعا ~~فرعية متعددة من النزعة الإنسانية تحت فئة عامة واحدة، ولذا فقد أدرجت فيها النزعة ~~الإنسانية الدينية بطبيعة الحال. ولكن لما كانت مجموعة الموقعين قد اشتملت على عدد من ~~اللاأدريين المعروفين، فلم يكن هناك مفر من اتخاذ موقف وسط. وكانت النتيجة تعريفا ~~للدين لن تكون دهشة المتدينين إزاءه - على الأرجح - أقل من دهشة غير المتدينين في وقت ~~نشره. فالتعريف يقول: «إن قوام الدين هو تلك الأفعال والغايات والتجارب ذات الدلالة ~~الإنسانية». # والواقع، كما أشار نقاد النزعة الإنسانية الدينية، أن من الصعب أن نرى شيئا لا يدخل ~~ضمن نطاق هذا التعريف، ما دامت لمعظم أوجه النشاط الإنسانية دلالة إنسانية. ومن المؤكد ~~أن هذا التعريف يشمل الفن، والتعليم، والخدمة الاجتماعية، والسياسية، والنشاط النقابي، ~~والتشريع، والعلم، وما شابهها. غير أن كل من يسعى إلى أن يكون تفاهمه العقلي مع ~~الآخرين دقيقا، قد اكتشف أن أي تعريف يشتمل على كل شيء لا يكون له معنى. وعلى ذلك فإن ms478 ~~معظم الناس لا يفهمون من التعريف، في هذه الحالة بعينها، إلا القليل. # وينبغي أن نعترف بأن النزعة الإنسانية الدينية قد أخذت على عاتقها مهمة تكاد تكون ~~مستحيلة؛ ولذا ينبغي أن نتعاطف معها عندما يبدو أنها تواجه صعوبات. فهي تحاول الإتيان ~~برأي في الحياة البشرية ومصير الإنسان يسير في اتجاه مضاد لمذهب الألوهية المفارقة ~~المسيحي في كل نقطة تقريبا. ولكن لما كان ذهب الألوهية المسيحي هذا هو ذاته ما يعنيه ~~معظم الناس في أوروبا وأمريكا «بالدين»؛ فإن من المستحيل على معظمنا أن نغير طريقة ~~فهمنا للمعاني في كل مرة نستمع فيها إلى كلمة «الدين». على أن هذا هو بعينه ما تطلب ~~إلينا النزعة الإنسانية الدينية القيام به. فهي تستخدم لفظ «الدين» و«الديني» بتوسع ~~كبير، تماما كما تفعل مع لفظ «الله»، و«الإلهي». ومع ذلك فهي تتوقع منا أن نقوم بعملية ~~تحويل ذهنية في كل مرة يظهر فيها اللفظ، وهو قطعا عمل أشق من أن يؤديه معظمنا بسهولة ~~وهم يقرءون أو يسمعون. # وبالاختصار، فإن الإنساني الديني يحاول تشييد دين يظل الجزء الأكبر من مضمون الدين ~~التقليدي خارج عنه. وهو يؤمن بالله - ويعني بذلك مجموع كل الأماني الاجتماعية للجنس ~~البشري، والقوى الفكرية التي تعمل في التاريخ. وهو يؤمن بالخلود - بمعنى حفظ المجتمع ~~للدور الذي أسهم به كل فرد في التقدم الإنساني. والأهم من ذلك كله أنه يؤمن بالإنسان، ~~ولا سيما غايات الإنسان وإنجازاته المثالية. فكل ما يسهم في تحقيق سعادة البشر إلهي، ~~وكل أوجه النشاط التي تعمل على بلوغ البشرية أعلى درجات التقدم والتطور هي أوجه نشاط ~~دينية. هذه هي الدعوة المقدسة كما تراها النزعة الإنسانية الدينية المعاصرة. ~~(3) النزعة الإنسانية الطبيعية # أما الفرع الرئيسي الأخير الذي سنعرض له بالبحث، من بين فروع النزعة الإنسانية، فلعل ~~أفضل تسمية له هي النزعة الإنسانية الطبيعية وإن كان لفظ النزعة الإنسانية العلمية أوسع ~~انتشارا. وكما توحي كلتا التسميتين، فإن لهذه الفلسفة صلة وثيقة بالمذهب الطبيعي ~~الفلسفي، الذي درسناه دراسة مفصلة في الفصل الرابع، وبالنظرة العلمية إلى العالم في ms479 ~~عمومها. بل إن من الدقة أن ننظر إلى هذا النوع من النزعة الإنسانية على أنه هو النظرية ~~الأخلاقية، أو فلسفة القيم، التي تستخلص من المذهب الطبيعي بأكبر قدر من الإحكام ~~المنطقي. ولو أطلقنا عليها اسم المذهب «الطبيعي التطبيقي»، لما كان في ذلك خروج على ~~النزعة الإنسانية ولا على المذهب الطبيعي. # ولا جدال في أن أبرز تعاليم النزعة الإنسانية الطبيعية هو تفنيدها القاطع لكل أشكال ~~العلو على الطبيعة. وترى هذه الفلسفة، بدلا من ذلك، أنه لا يوجد إلا نظام واحد للوجود ~~- هو العالم الطبيعي - وأن الإنسان كائن طبيعي فحسب، ليس لسعادته ورخائه من مصدر سوى ~~جهوده الخاصة التي لا يعتمد فيها على شيء. وكما سبق لنا أن رأينا في الفصل الخاص ~~بالمذهب الطبيعي، فإن هذا المذهب ينظر إلى الكون على أنه سوى أو غير مكترث بالبشر، ~~وكذلك بالحياة بجميع أشكالها. فالطبيعة لا تمدنا إلا بما يمكننا أن نسميه بالمواد الخام ~~التي نستطيع أن نشيد على أساسها حياة مرضية لنا وربما لذريتنا. غير أن الطبيعة لا تضمن ~~لنا شيئا. فنحن مستقلون، معتمدون على أنفسنا، في بيئة لا تضع خططا، ولا تعرف تفضيلات ~~أخلاقية، ولا تعد أحدا بشيء. # كذلك يرفض الإنسان الطبيعي، بنفس اللهجة القاطعة، ما يسميه «بأوهام الخلود». فهو ~~يعتقد أن «هذه الحياة هي كل شيء، وهي كافية». وهو لا ينكر أن معظم الناس يتوقون إلى ~~البقاء؛ ومن هنا فلا بد أن يعد شعورهم هذا أمرا طبيعيا. ولكن هذا أمر لا علاقة له ~~بإمكان البقاء؛ أي إننا لا نستطيع أن نستدل من وجود هذا الحنين لدى الناس، على أن من ~~الضروري إرضاء شعورهم هذا. ومع ذلك فإن الاهتمام الحقيقي للقائل بهذا النوع النزعة ~~الإنسانية، لا ينصب على النتائج السلبية لهذه الفكرة الرئيسية، وإنما على إثبات أن ~~هذه الحياة ذاتها يمكن أن تكون مرضية إلى حد يكفي لجعل توقع الموت أمرا مقبولا من ~~الوجهة النفسية. أما كونه ينجح في مهمته هذه أم لا، فذلك بالطبع قرار يتوقف على مقدار ~~صلابة ذهن قارئه - أو ms480 سامعه - أو رقته. فالطبيعيون والماديون وأمثالهم لا يجدون صعوبة ~~في قبول حجج صاحب النزعة الإنسانية في هذه المسألة، غير أن هناك بالطبع مدارس أخرى ~~تخالفه بكل قوة. ويرى صاحب النزعة الإنسانية الطبيعية أن كل الجهود العديدة التي تبذل ~~لإثبات وجود الله أو الخلود تنطوي على تفكير مبني على التمني، ويرى في هذا كله دليلا ~~على افتقار كل من يبذل هذه الجهود إلى النضج الانفعالي والعقلي. # وهكذا نستطيع أن ندرك، حتى من هذا العرض الموجز للنزعة الإنسانية الطبيعية، أن مهمتها ~~الرئيسية هي أن تستخلص صراحة بعض النتائج الضمنية الموجودة في النظرة العامة للمذهب ~~الطبيعي إلى العالم، كما عرضناها من قبل. ومع ذلك فإن النزعة الإنسانية تعرض بتوسع بعض ~~النتائج الضمنية الأقل وضوحا (وربما الأقل سلبية) للمذهب الطبيعي. ولما كانت هذه ~~النتائج هي التي تضفي على النزعة الإنسانية طابعها المعاصر المميز، فلا بد لنا من بحثها ~~بشيء من التفصيل. ~~(4) المجتمع المثالي عند النزعة الإنسانية # يحسن بنا في هذا الموضع أن نستمع مرة أخرى إلى «لامونت» وهو يقدم عرضا موجزا للنزعة ~~الإنسانية الطبيعية: # إن النزعة الإنسانية هي وجهة النظر القائلة بأن الإنسان لا يحيا إلا حياة ~~واحدة، وأن عليه أن يستغلها بقدر استطاعته في العمل الخلاق وتحصيل السعادة، وأن ~~السعادة البشرية تبرر نفسها بنفسها، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر ~~عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة، الذي يتصور عادة في شكل آلهة ~~سماوية أو جنات مقيمة، ليس موجودا على أية حال، وأن البشر يستطيعون، باستخدام ~~عقولهم الخاصة والتضافر معا بحرية، أن يشيدوا صرحا من السلام والجمال على هذه ~~الأرض. # وصحيح أن أي شعب لم يقترب بعد من بناء المجتمع المثالي. ومع ذلك فإن النزعة ~~الإنسانية تؤكد أن عقل الإنسان وجهوده الخاصة هما أفضل أمل لديه، بل هما أمله ~~الوحيد، وأن رفض الإنسان الاعتراف بهذا الأمر من الأسباب الرئيسية لإخفاقه طوال ~~التاريخ. والواقع أن الناس يشعرون، في عصور الاضطراب والانحلال، كعصرنا الحالي، ~~بأن هناك ما يغريهم على الهرب إلى عالم تعويضي ms481 من صنع خيالهم، أو التماس العزاء ~~فيما يعلو على الطبيعة. غير النزعة الإنسانية تقف بكل حزم ضد هذا الاتجاه، الذي ~~يعبر عن الانهزامية ويشجع عليها في الوقت ذاته. ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى ~~على الدوام إلى تذكير الناس بأن مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا. فلا جدوى ~~من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات؛ إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده. ولا ~~بد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش ~~فيه، وإلا فلن نجدهما على الإطلاق. # 3 # النزعة الإنسانية والضوابط الاجتماعية ~~: وثانيا، ~~فإن المجتمع الذي يحيا بالنزعة الإنسانية الطبيعية لا بد أن يضع لأخلاقه أسسا أخرى غير ~~تلك الأسس التي ظلت الأخلاق ترتكز عليها طوال قرون عديدة - وأعني بها «إرادة الله» ~~و«الأوامر الإلهية». ولا جدال في أن هذا سيكون تحولا جذريا؛ لأن هناك اعتقادا ~~شائعا على أوسع نطاق، حتى بين اللاأدريين والملحدين، بأن الإيمان بالله ضروري لمعظم ~~الناس حتى يظلوا أخلاقيين شاعرين بالمسئولية الاجتماعية. هذا الإيمان تعبر عنه الكلمة ~~المشهورة التي اقتبسناها من قبل: «لو لم يكن الله موجودا لكان من الضروري اختراعه»، ~~كما تعبر عنه الملاحظة التي أبداها إيرل «شافتسبري # Shaftesbury ~~»، والتي اكتسبت شهرة بعد استعمال دزرائيلي وغيره لها: «لكل ~~العقلاء من الناس نفس العقيدة (أي الشك أو الإلحاد)، غير أن العقلاء لا يصرحون بذلك ~~أبدا». ونتائج هذه العبارات واضحة كل الوضوح: «فلا بأس من أن أعيش أنا وغيري من ~~المثقفين بدون معتقدات دينية؛ لأننا أناس أذكياء لدينا إرادة خيرة، لا نحتاج إلى وعد ~~بالجنة أو وعيد بالنار لكي نكون فضلاء. غير أن رجل الشارع أشبه بالدابة الساذجة التي ~~ينبغي توجيهها لخيرها الخاص، عن طريق تقديم مثل هذه الإغراءات لها أو تهديدها بهذا ~~العذاب. إننا نحن الصفوة نستطيع أن نعيش دون جزاءات خارقة للطبيعة، ولكن الفطنة تحتم ~~علينا الاحتفاظ بها كيما نستطيع أن نضمن حسن سلوك أغلبية البشر.» # على أن المجتمع المبني على أساس النزعة الإنسانية يرفض هذا المعيار العقلي المزدوج، ~~ويشجع بدلا ms482 من ذلك جميع أفراده على أن يعيشوا بمعيار واحد، هو معيار تقدم الإنسان في ~~هذا العالم الراهن. فأخلاق النزعة الإنسانية تبني قيمها بأسرها على طبيعة الإنسان ومنطق ~~العلاقات الإنسانية. والجزاءات الوحيدة فيها اجتماعية وقانونية؛ أي إن المقاطعة ~~الاجتماعية والعقوبات القانونية هي الأدوات الوحيدة التي تستخدم لحفظ النظام. غير أن ~~الإنسانيين يعتقدون أن من الممكن تحقيق التعاون الودي بين كل أفراد المجتمع بتعليمهم ~~كيف أن مصلحتهم الشخصية ترتبط ارتباطا لا ينفصم بتطبيق هذه القوانين الاجتماعية ~~والتشريعية. # ولقد تبين لي، في تجربتي الخاصة، أن الإنسانيين - حتى أكثرهم تفاؤلا وتحمسا - ~~قلما يستهينون بمثل هذا البرنامج التعليمي. كذلك فإنهم يدركون ضخامة الصعوبات التي ~~ينطوي عليها التحول من مذهبنا الأخلاقي الحالي، المبني على فكرة العلو على الطبيعة، إلى ~~مذهب يتخلص من أية دعامات علوية. ولكن الإنساني يؤمن بأن هذا أمر يمكن تحقيقه، ويرى أن ~~من الواجب تحقيقه إذا ما أراد الناس أن يحيوا بوصفهم أفرادا أحرارا ناضجين. فوضع أسس ~~مثل هذه الثقافة الأخلاقية هدف رئيسي لكل «الثورات» الإنسانية المقترحة، وهذا أمر لا ~~يصعب علينا أن ندرك سببه. فنظرا إلى أن مذهب الألوهية المفارقة المسيحي، في صوره ~~المتعددة، كان أوضح الدعامات الاجتماعية في المجتمع الغربي، فمن المعترف به أن اقتراح ~~نزع هذه الدعامة والاستعاضة عنها بمادة بناء جديدة بدون ملاط، هو تغيير جذري. ويعتقد ~~صاحب النزعة الإنسانية أن لديه مثل هذه المادة الجديدة، التي يطلق عليها أسماء متباينة ~~مثل «التعليم» و«الثقافة الأخلاقية» و«التكييف الاجتماعي» وما إلى ذلك. أما خصوم النزعة ~~الإنسانية فأقل ما يقال عنهم هو أنهم يشكون في هذا الادعاء، وهم يفضلون أن يولوا ثقتهم ~~للدعامة القديمة؛ أعني فكرة العلو على الطبيعة. # النزعة الإنسانية والعلم ~~: والنتيجة الهامة الثالثة ~~التي تنطوي عليها الفلسفة الإنسانية ضمنا أقرب إلى الطابع العقلي منها إلى الطابع ~~الأخلاقي. فإذا كانت في هذا العالم هي كل ما نملك، فإن أهم معارفنا هي معرفة هذا العالم ~~والطريقة التي يسير عليها. ولما كان أفضل المصادر الموثوق بها لهذه المعرفة هو البحث ~~العلمي، فإنه يترتب ms483 على ذلك أن العلم يمدنا بأهم المعارف من وجهة النظر الإنسانية. ومن ~~هنا لم يكن من المستغرب أن نجد أصحاب النزعة الإنسانية يبدون للعلم أعظم الاحترام، أو ~~أن نجدهم يدعون إلى التوسع في المنهج العلمي بحيث يمتد إلى كل مجال ممكن من مجالات ~~التجربة. ولعلوم الإنسان (أي العلوم الاجتماعية) أهمية خاصة بالنسبة إلى النزعة ~~الإنسانية, ويؤكد أصحاب هذه النزعة أن من الواجب إنهاض هذه العلوم على أسرع نحو ~~ممكن. # وينبغي أن نذكر أن المذهب الطبيعي في الفلسفة يبدي مثل هذا الاهتمام بالعلم. ولا شك ~~أن هذا الاهتمام المشترك يكشف عن الصلة الوثيقة بين النزعة الإنسانية والمذهب الطبيعي. ~~بل إن هذه النقطة بعينها هي التي تندمج فيها المدرستان: «فالمنهج العلمي» (وعبادة هذا ~~المنهج) هو المدخل المفتوح على مصراعيه دائما، الذي يستطيع الطبيعيون والإنسانيون من ~~خلاله أن يتبادلوا الاتصال، بل أن ينتقلوا بسهولة من مدرسة إلى أخرى. والواقع أن سهولة ~~الانتقال بين الموقفين في هذا الاتجاه وذاك، دون اشتراط جوازات سفر، تسهم بدور كبير في ~~دعم الفكرة الشائعة، القائلة إن النزعة الإنسانية ما هي إلا «مذهب طبيعي ~~تطبيقي». # على أن أنصار المذهب الطبيعي يفضلون أن يحكم على نظرتهم العقلية إلى العالم بمعزل عن ~~أية تطبيقات لها صلة بالنزعة الإنسانية، لا سيما وأن أصحاب النزعة الإنسانية لا يقومون ~~جميعا بهذه التطبيقات بطريقة واحدة، بل إننا نجد عادة أن حرص الإنسانيين على ادعاء ~~الارتباط بالمذهب الطبيعي أعظم من حرص الطبيعيين على الارتباط بالنزعة الإنسانية؛ ذلك ~~لأن الطبيعيين يجدون الإنسانيين في بعض الأحيان سذجا أو حالمين. كما أن الطبيعيين قد ~~أبدوا في بعض الأحيان سخطهم على ادعاءات الإنسانيين بأن المذهب الطبيعي ينطوي ضمنا على ~~برنامج اجتماعي معين، أو يؤيد حزبا سياسيا معينا، أو يستتبع إصلاحات اقتصادية ~~محددة. ولكن الذي حدث على وجه الموم هو أن المدرستين قد تفاهمتا إلى حد يدعو إلى ~~الدهشة، رغم أن الاهتمامات الأساسية عند كل منهما متباينة. فاهتمام المذهب الطبيعي ~~يظل نظريا أو عقليا، على حين أن النزعة الإنسانية تركز اهتمامها ms484 على الميدان ~~الأخلاقي إلى حد بعيد؛ وبالتالي فهي أساسا عملية لا نظرية. # النزعة الإنسانية، والمذهب الطبيعي، والمثالية ~~: هذه ~~النتائج المتعددة التي تنطوي عليها النزعة الإنسانية توضح الفارق بين نظرة الذهن الصارم ~~ونظرة الذهن الرقيق إلى العالم، بل إنها تؤكد هذا التضاد أكثر مما تؤكده الفوارق ~~المناظرة بين المذهب الطبيعي والمثالية، وهي الفوارق التي أبدينا اهتماما بها في ~~الفصول السابقة. فالمذهب الطبيعي، مثلا، يتوقف عند نظرة شاملة إلى العالم تتميز بأنها ~~مضادة لفكرة العلو على الطبيعة، وهو لا ينتقل بعد ذلك إلى بحث السؤال الشائع بين الناس: ~~«هل يمكننا أن نجعل هذه النظرة إلى العالم مرضية على أي نحو؟» ذلك لأنه يرى هذا السؤال ~~عادة بعيد الصلة عن الموضوع. والأرجح أن يكون رد فعله على نحو يقرب من الآتي: «إن ~~المسألة ليست هي كون وجهة نظري مرضية أم لا، وإنما كونها صحيحة أم لا. فإن كانت صحيحة، ~~فإن على الناس أن يتعلموا كيف يعيشون بها، بغض النظر عن كونها ترضيهم أو تسرهم أو ~~تتملق مشاعرهم.» أما المدارس المعارضة لها، كالمثالية، فهي تأخذ مسألة «الإرضاء» عادة ~~مأخذ الجد الشديد، وحتى حين لا تذكر صراحة أن مطلب الإرضاء هو مطلب من حقنا أن نشترطه ~~في أية نظرة إلى العالم، فإن انتقاداتها لموقف المذهب الطبيعي تدل على أن «الإرضاء» هدف ~~أساسي لموقفهما الخاص. ذلك لأن اعتراضاتها على المادية، والمذهب الطبيعي، واللاأدرية، ~~تتركز عادة فيما تعتقده من أن هذه الآراء «لا تحتمل» أو «منفرة»، أو «كئيبة»، أو ~~«مقبضة»، لا في أي ضعف منطقي قد تكون هذه المذاهب منطوية عليه. # ومع ذلك فإن النزعة الإنسانية تختلف عن الموقف المثالي، وكذلك عن المذهب الطبيعي في ~~عدم اكتراثه يكون وجهة نظره مرضية أم غير مرضية. ذلك لأن صاحب النزعة الإنسانية يرى أن ~~الحياة في عالم غير مكترث ليست فقط كل ما يمكن أن يتاح للإنسان وهو ما تتفق فيه مع ~~المذهب الطبيعي، بل ينتقل إلى القول إن هذه الحياة كافية. «فمن الممكن أن تكون الحياة ~~جميلة - بلا أصل ms485 أو دعامة أو مصير ينتمي إلى عالم ما فوق الطبيعة». هذه هي الفكرة ~~الأساسية في النزعة الإنسانية الطبيعية. غير أن صاحب هذه النزعة يدرك أن الحياة لا يمكن ~~أن تكون جميلة إلا إذا حدثت أولا إعادة توجيه أساسية في اتجاهات مجتمعنا بأسره وفي ~~الأسس الأخلاقية التي يرتكز عليها. ومن ثم فإن معظم جهوده العملية تستهدف تحقيق إعادة ~~التوجيه هذه. ~~(5) الوجودية # ينظر الكثيرون إلى الوجودية، وهي من أكثر الحركات إثارة للفكر في السنوات الأخيرة، ~~على أنها مذهب تربطه أواصر قرابة متينة بالنزعة الإنسانية الطبيعية، وإن لم يكن ~~الإنسانيون كلهم، ولا الوجوديون كلهم، سعداء بأواصر القرابة التي تنسب إليهما. ومن ~~المؤكد أن بين الحركتين عناصر مشتركة كثيرة، ولا سيما في نظر نقادهما. ولعله لن يكون من ~~المغالاة أن نصف الوجودية بأنها نزعة إنسانية متطرفة، أو نزعة إنسانية نسير فيها حتى ~~أبعد نتائجها. ومع ذلك فإن تغيرات عميقة تطرأ على طابع الفلسفة في عملية السير هذه؛ ذلك ~~لأن النزعة الإنسانية في أساسها متفائلة في نظرتها إلى الموقف الإنساني ومصير الإنسان، ~~على حين أن الوجودية متشائمة أساسا، لا يسمح فيها إلا لشعاع خافت من الأمل أن يضيء وسط ~~الظلام الذي يغلب عليها. # 4 # إن الوجودي يتساءل هذا السؤال الأساسي ~~: «بما أن ~~الله غير موجود، فما الذي يترتب على ذلك؟ وما هي نتائجه الكاملة؟» غير أن الأساس الذي ~~ترتكز عليه الوجودية أكثر من مجرد إنكار وجود الله؛ إذ يضاف إلى ذلك إنكار لكل غاية ~~ومنطق وخطة ومعنى في الكون. كما يرى الوجودي أن الحياة البشرية بلا غاية أو معنى. ولنقل ~~- مستخدمين الأوصاف الأثيرة لدى الوجودي - إن الوجودي عارض، لا معقول وكل الكائنات ~~البشرية لا ضرورة لها ولا حكمة من وجودها - ناهيك بأن من الممكن الاستغناء والاستعاضة ~~عنها. غير أن هذه ألفاظ عامة غامضة إلى حد ما، فلنتأمل المعنى الذي ينسبه إليها ~~الوجوديون، وكيف يؤدي إلى الربط بينه وبين النزعة الإنسانية. # عندما يقول صاحب النزعة الإنسانية الطبيعية ~~: ~~«الإنسان مقياس الأشياء جميعا»، فإنه يتحدث عن الإنسان بوصفه ms486 نوعا، لا عن الناس ~~بوصفهم أفرادا. وعندما يقول: «إننا وجدنا في عالم غير مكترث»، فإنه يعني أيضا الجنس ~~البشري في عمومه، وهو يضيف إلى ذلك على الفور الفكرة الإيجابية المتفائلة القائلة إن ~~الناس من حيث هم أفراد ليسوا وحدهم، وإنما هم بطبيعتهم كائنات اجتماعية قادرة على ~~المشاركة مع أقرانهم من البشر والتعاون معهم من أجل تحقيق مصالحهم الفردية ومصالح الجنس ~~البشري بأكمله. فصاحب النزعة الإنسانية يرى في وحدة الجنس البشري المنعزلة قوة دينامية ~~يمكن استغلالها في نشر مزيد من الوعي الاجتماعي وروح المساعدة المتبادلة بين الأفراد. ~~وهو على هذا النحو يحول ما يرى معظم الناس أنه جانب مؤسف من جوانب الموقف الإنساني، ~~أعني عزلة الإنسان في الكون، إلى مصدر ممكن للخير البشري. # غير أن الوجودي يرى أن عبارة «الإنسان مقياس الأشياء» (التي هي في نظره عبارة فيها ~~طنطنة وتفاهة) لا تعني قطعا الجنس البشري بأكمله. فمن المبادئ الرئيسية في الوجودية، ~~القول إن الفرد وحده هو مقياس الأشياء جميعا، ولا سيما كل القيم. فالحياة عملية متصلة ~~من اتخاذ القرارات، وكل قرار هو في آخر الأمر شخصي وفردي. وإن كلا منا ليختار حياته، ~~إن جاز هذا التعبير، بتلك السلسلة التي لا تنقطع من القرارات التي يتخذها يوما بعد ~~يوم، وساعة بعد ساعة، بل دقيقة بعد دقيقة. فكل يختار ما يود أن يركز انتباهه عليه، ~~وأن ينفق دخله فيه، وأن يكرس له وقته وجهوده. وما حياة الإنسان إلا مشروع، وكل منا ~~مهندس ذاته وبناؤها. # المسئولية تقع على عاتقنا وحدنا ~~: تؤكد الوجودية أنه ~~لا مهرب من المسئولية الفردية الكاملة. فقد نخدع أنفسنا بالاعتقاد أننا نستطيع تجنب هذه ~~المسئولية التامة عن طريق محاولة إلقاء عبء الاختيار على أكتاف شخص آخر أو نظام آخر؛ إذ ~~أننا قد ننضم إلى كنيسة متسلطة أو حركة سياسية تقتضي إطاعة تامة لأوامرها، ولكن هذا لا ~~يعفينا من المسئولية. فنحن نختار الكنيسة أو الحزب، أو الزعيم أو البطل الذي نتبعه، وهو ~~اختيار مستمر، يقوم في كل لحظة. ففي استطاعتنا دائما أن ms487 نترك الكنيسة أو الحزب، أو أن ~~نختار إطاعة سلطة جديدة من نوع ما. وحتى لو كنا قد ولدنا مؤمنين بدين معين، أو في مجتمع ~~معين يشترط الانصياع التام لأوامره، فسوف تظل مسألة البقاء على ولائنا لهذه العقيدة أو ~~المجتمع اختيارا خاصا بنا، يتجدد في كل لحظة. فليس لنا مهرب من المسئولية: ذلك لأن ~~الاختيار هو اختيارنا، وهو اختيارنا وحدنا. # وهكذا يتضح لنا على الفور أن الوجودية تناقض المذهب الحتمي في صيغته المألوفة. كذلك ~~فإنها تناقض القدرية، والاعتقاد بالمصير المكتوب، وكل ما شابه ذلك من المذاهب التي تجعل ~~القوى الخارجية التي ترغم الإنسان مسئولة عن كل ما يتخذه من قرارات. كذلك فإن الوجودية ~~لا تتفق إلا إلى حد ضئيل جدا مع نظريات التحيل النفسي التي تصور الإنسان بأنه مجموعة ~~من العقد والأفعال المنعكسة المكيفة (الشرطية # Conditioned ~~Reflexes ~~)، التي تتكون خلال سنوات نشأة الفرد، والتي تتحكم في ~~دوافعه إلى حد بعيد. وبالاختصار، فإن الوجودية تؤمن بأن للإنسان حرية - حرية كاملة، ~~بل «حرية مخيفة». وترى هذه المدرسة أن الإنسان لا يكون أصيلا؛ أي إنسانا حقيقيا - ~~إلا إذا كان شاعرا بهذه المسئولية الكاملة، وبكل ما تنطوي عليه من نتائج. # الوجود يسبق الماهية ~~: يتضمن لفظ «الوجودية» تأكيدا ~~لهذه الفكرة ذاتها. فهو مستمد من تضاد ضمني مع النظرة الغربية إلى الطبيعة البشرية، وهي ~~النظرة التي ظهرت في القرن الثامن عشر، # 5 ~~⋆ # ونقلها ~~إلى العصر الحاضر عدد لا حصر له من الفلاسفة والشعراء واللاهوتيين والروائيين وكتاب ~~المسرح. هذه النظرة التقليدية ترى أن هناك طبيعة بشرية أساسية، تتمثل في كل فرد، وتقرر ~~الحد الأقصى لما يمكنه أن يحققه، والحد الأدنى لما يمكنه أن ينحدر إيله. وهكذا كان ~~المفروض أن «ماهية» الإنسان شيء لا تستطيع البيئة أو الاختيار الفردي أن يغيره إلا ~~قليلا. ولما كانت هذه الماهية تعد فطرية، فقد كانت موجودة بالقوة عند الميلاد، وتتحقق ~~كاملة خلال حياته البالغة. # وتعتقد الوجودية أن الإنسان ليست له «ماهية» بهذا المعنى الذي تكون فيه شيئا يسبق ~~الوجود الفردي. فليس ثمة شيء ms488 اسمه «الإنسان بوجه عام» أو «الجنس البشري» بالمعنى ~~التجريدي. وبالاختصار، فليس ثمة إنسان أفلاطوني، وإنما هناك فقط «أناس»؛ أعني أفرادا ~~يوجدون في زمن محدد وموقع معين من التاريخ، يأتون إلى العالم دون أن يحملوا أية ~~«ماهية»، واقعية أو ممكنة. فأهم الأفكار الأساسية في الفلسفة الوجودية بأسرها هي ببساطة ~~الفكرة الآتية: الوجود يسبق الماهية، لا العكس، كما هي الحال في النظرية التقليدية في ~~الإنسان، كما عرضناها منذ قليل. فنحن نصنع ماهيتنا الخاصة - كل منا بطريقة فردية، ~~ودون أن يشترك مع غيره في شيء - ونحن نصنعها في كل لحظة من لحظات حياتنا. وهذا يفسر ~~العبارة الوجودية القائلة إننا لا نكسب «ماهية» حتى لحظة موتنا، عندما لا يكون علينا ~~القيام بمزيد من الاختيار، ويكون «المشروع» قد تم. وعلى ذلك فإن عمرا كاملا من الوجود ~~يسبق اكتساب «ماهية». وحتى عندما نكون قد أتممنا المشروع بالموت، واكتسبنا هذه الماهية، ~~فإن هذه الماهية تظل مع ذلك فردية، بل متفردة لا نظير لها. فالطابع الذي حققناه، ~~والشخصية التي نميناها، والتاريخ الفردي الذي صنعناه عن طريق المرور بأحداث معينة خلال ~~حياتنا - كل هذه أمور شخصية وفردية تماما. ومن المحال أن تصبح جزءا من «ماهية الجنس ~~البشري»، حتى بعد الموت. # ويعترف الوجودي بأن التحقيق الكامل لهذه الحرية، والشعور بمسئوليتنا الكاملة عن كل ~~اختيار نقوم به، يبعث في نفوس معظم الناس ضيقا وقلقا شديدا. غير أن الشخص الأصيل لا ~~يستطيع الهروب من هذا «القلق الأخلاقي» ولو كان هناك علاج نفسي تدعو إليه الوجودية، ~~لكان هذا العلاج معينا للفرد على أن يعيش مع القلق، لا على البحث عن وسائل للقضاء ~~عليه؛ ذلك لأن القلق يغدو أمرا لا مهرب منه، حالما ندرك نتائج اختيارنا إدراكا ~~تاما. على أن هذا «القلق الأخلاقي» ليس هو الهم أو الانشغال المعتاد الذي يخشى فيه ~~الأشخاص المخلصون أو ذوو الضمائر الحية من أن يرتكبوا «خطأ»، وإنما هو شيء أعمق وأبعث ~~على الخوف بكثير؛ فهو الشعور الدائم بأن كل اختيار له دلالته وأهميته، وبأن ذلك لا ~~يقتصر على ms489 الاختيار الأخلاقي المألوف فحسب. ذلك لأن كل اختيار يحمل في طياته مسئوليتنا ~~الشخصية الكاملة، وبذلك يصبح كل اختيار جزءا من تاريخنا «وماهيتنا» الدائمة. # وتزيد الوجودية من حدة هذا التوتر، ومن «القلق الأخلاقي»، حين تصور الكون بأنه عرضي ~~تماما، وذلك بالنسبة إلى تجاربنا المنعزلة. ويترتب على ذلك أن تكون الحياة لا معقولة ~~بالضرورة، ويكون وجود كل فرد أمرا لا تحكمه أية ضرورة. وهذا يعود بنا مرة أخرى إلى ~~ألفاظنا الضخمة الغامضة، ولكنا أصبحنا الآن أكثر استعدادا لتحليلها بطريقة مفهومة. ~~وسوف نكرس بقية مناقشتنا في موضوع الوجودية لهذا التحليل. # الوجود عارض ~~: يتعين على كل فرد، أو أسرة، أو منظمة، ~~تنفق على أساس ميزانية محددة مقدما لعدة شهور، أن تخصص نسبة مئوية من دخلها المتوقع ~~«لاعتمادات الطوارئ». وهذا اعترافات بأن أدق تخطيط لا يمكنه التنبؤ بحاجات المستقبل ~~تنبؤا دقيقا. فلا بد أن يكون هناك احتياطي مخصص للمواقف غير المتوقعة أو غير المنتظرة ~~أو الطارئة، التي تنشأ حتما في حياة الكائنات العضوية والمنظمات. هذه المواقف هي ~~«الظروف العارضة». # وعندما يقول الوجودي إن «كل وجود عارض»، فإنه لا ينكر إمكان الاعتماد على قوانين ~~الطبيعة، أو إمكان التنبؤ والتحكم العلمي. فقد تكون الطبيعة مماثلة في حتميتها ~~وانتظامها للصورة التي صورها بها العلم في القرن التاسع عشر، أو قد يكون اللاتحدد ~~كامنا في ماهيتها، كما يبدو أن الفيزياء المعاصرة تقول. غير أن هذا أمر لا شأن للوجودي ~~به. وإنما المهم بالنسبة إلى الناس - وكذلك بالنسبة إلى كل الكائنات الحية - هو هذه ~~الحقيقة الأساسية، وأعني أنه بالنسبة إلى تاريخ حياتهم الفردية، يكون العالم عارضا ~~تماما. فمن الممكن أن يحدث أي شيء لأي شخص. وبغض النظر عن مدى ما قد تصير إليه ~~القدرة التنبؤية في المستقبل، فإن هذا الموقف الأساسي لن يتغير. إن من الممكن أن يكون ~~العلم دقيقا كل الدقة بالنسبة إلى الاحتمالات العامة (الطبيعية والاجتماعية معا). فهو ~~يستطيع أن يقول مثلا إن الشخص الذي يقود سيارته بسرعة ثمانين ميلا في الساعة، والذي ~~يرتكب حادثا، يكون احتمال موته ms490 في الحادث أكبر من مرات احتمال موته لو كان يقود سيارته ~~بسرعة ثلاثين ميلا في الساعة، أو يستطيع أن يقول إن السائق الذي يتجاوز على الدوام ~~السرعة المصرح بها بنسبة خمسين في المائة يكون احتمال ارتكابه حادثا أقوى من احتمال ~~ارتكاب غير المسرعين له. ولكن العلم لا يستطيع أن ينبئنا بشيء عن احتمال ارتكاب السائق ~~الفرد؛ أي الإنسان الفعلي، لا «السائق المسرع» بالمعنى العام - للحوادث، أو عن العمر ~~المتوقع له. فالسائقون المتمهلون يرتكبون بدورهم حوادث، بل يلقون مصرعهم فيها. صحيح أن ~~الاحتمال في الحالة الأخيرة أقل، غير أن الإمكان قائم. ومن الممكن أن يحدث أي شيء لأي ~~شخص، بل إن الشخص الذي لا يقود سيارة يمكن أن يقتل في أول مرة يركب فيها سيارة. # فتاريخ الحياة في نظر الوجودي ليس إلا سلسلة من الأحداث العارضة؛ ذلك لأن الناس الذي ~~نقابلهم، ونصادفهم، ونحبهم أو نحاربهم، كل هؤلاء نلتقي بهم مصادفة. وكثيرا ما يحاول ~~المحبون إقناع أنفسهم بأن القدر هو الذي دبر التقاءهم - «فالزيجات تصنع في السماء» - ~~غير أن هذا وهم. فالناس قد ينتقلون إلى بيت معين في حين معين ويجدون فيه السعادة أو ~~الشقاء ، ولو كانت المصادفة قد جلبتهم إلى الشارع المجاور، وأحاطتهم بجيران آخرين وأشخاص ~~آخرين يمكن أن يكونوا أصدقاء أو أحباء لهم، لكان من الجوائز أن تتحول سعادتهم أو شقاؤهم ~~إلى عكسها. # وتمضي الوجودية في هذه الفكرة حتى نهايتها المريرة؛ ففي منظر في إحدى روايات سارتر، ~~يجلس البطل في حديقة، وفجأة يدرك الطابع العرضي الكامل للموقف: أعني وجوده في الحديقة ~~في هذه اللحظة بعينها، وشكل جذر الشجرة البارز من حفرة في الأرض بالقرب منه، بل كونه ~~حيا في هذا العصر بالذات. فقد كان من الممكن بنفس السهولة أن تكون الأحداث قد وضعته ~~في مكان آخر في تلك اللحظة، وأن يكون للجذر شكل آخر أو يكون قد نما بحيث لا يظهر في ~~الأرض عند حفرها. أما كون البطل حيا في هذه اللحظة، بدلا من أن يكون حيا في قرن ~~ماض ms491 أو مقبل، فهو أكثر الحوادث عرضية، بل إن كونه قد ولد - وكون هذا الحيوان المنوي ~~الخاص قد أخصب هذه البويضة المعينة - إنما هو حادث وقع بالمصادفة المطلقة. ولماذا ولد ~~في بلد معين، مع أن أبويه كان من الممكن أن يعيشا في أي مكان آخر؟ ولماذا نجا من كل ~~أخطار الحياة لكي يصل إلى سن النضج، ونجا من كل أخطار الحرب التي مات فيها عدد كبير من ~~معاصريه؟ # إن في استطاعة أشخاص كثيرين أن يقنعوا أنفسهم بأن كل هذا الطابع العرضي في تاريخ حياة ~~الفرد ليس إلا أمرا ظاهريا فحسب؛ فهم يعتقدون أن هناك غاية أو منطقا أو تدبيرا ~~خفيا يحول بين الأشياء وبين أن تصبح «مجرد حوادث عارضة». غير أن الوجودية ترفض تماما ~~كل هذه «الأوهام»، وتستخدم أقسى النعوت في وصف أولئك الذين يؤمنون بهذه «القصص ~~الخرافية» أو ينادون بها. وأقصى ما يمكننا أن نقوله (أو يقوله ملاحظ خارجي) هو أن هذا ~~الشيء أو ذاك حدث لنا لأننا قررنا أن نفعل هذا أو ذاك. ولكن ما الذي جعلنا نقرر أن نفعل ~~هذا أو ذاك، في الوقت الذي كان هناك فيه إمكان متساو لتقريرنا أن نفعل شيئا آخر كان ~~من الممكن ألا يترتب عليه هذا الحادث أو ذاك؟ إن صاحب مذهب الألوهية المفارقة قد يقول ~~إن تلك هي «المشيئة الإلهية»، وقد يقول القدري «إنه كان مكتوبا» أو «كان في اللوح»، أو ~~«في النجوم». بل إن صاحب المذهب الحتمي، رغم كل معارضته لمذهب الألوهية في أمور شتى، ~~يستطيع أن يقول إن الحادث كان جزءا من سلسلة غير منقطعة (أو غير قابلة للانقطاع) من ~~علاقة العلة والمعلول التي تتسلسل في الزمان تسلسلا راجعا لا نهائيا. غير أن ~~الوجودي يرفض كل هذه بوصفها تفسيرات مزيفة. فهو، وإن لم يكن يؤله «المصادفة» أو ~~«الاتفاق»، يرى أنها هي الصفة الأساسية المميزة لكل وجود. # الحياة لا معقولة ~~: لعل العبارة الوجودية القائلة إن ~~«الحياة لا معقولة» (أو من قبيل العبث # Absurd ~~) هي ~~المبدأ الوجودي العام الذي يقابل بالنفور ms492 من أكبر عدد من الناس. ومع ذلك فإننا إذا ~~قبلنا الفكرة السابقة القائلة إن كل وجود عارض، فإن من الصعب أن ندرك كيف يمكننا تجنب ~~الاعتراف بلامعقولية الحياة. ولكن ينبغي أن نذكر مع ذلك أن المعنى الدقيق للفظ «العبث ~~أو اللامعقول # Absurdity ~~» هو «غير متسق مع الحقيقة»، أو ~~«لامنطقي»، أو «ممتنع». فصفة اللامعقولية في الأصل حكم منطقي، وليست لفظا مطاطا يدل ~~على ما هو «أحمق»، أو «متوحش»، أو «مكروه اجتماعيا»، أو «معوج أخلاقيا»، وإن كان ~~اللفظ في استخدامه الدارج ينطوي في كثير من الأحيان على بعض هذه المعاني الأخيرة أو ~~كلها، أو يعني «ما لا أحبه أو أوافق عليه» فحسب. أما الوجودي فيستخدم هذا اللفظ أساسا ~~فيم معناه المنطقي الأصلي. فإذا سلمنا بأن الكون عارض تماما بمعنى أن أي شيء يمكن أن ~~يحدث فيه للشخص، فعندئذ يكون من العبث أو اللامعقول (أي من التناقض أو اللامنطقي) أن ~~نستمر في الاعتقاد والسلوك كما لو كانت للحياة أية غاية أو خطة أو نظام عام. ففي عالم ~~تظل فيه الحوادث، بقدر ما تؤثر في حياتنا الفردية، عشوائية لا يمكن التنبؤ بها، نعيش ~~بالضرورة دائما على حافة هاوية من اللايقين. ومن ثم فليس هناك شعور بالأمان إذا ~~اعتمدنا على الطبيعة، أو الكون، لكي ترتب الحوادث في نظام يزيد من سعادتنا أو يشكل ~~نمطا منطقيا. # وهنا أيضا نجد أن التقابل بين الوجودية وبين مذهب الألوهية المفارقة. يلقي ضوءا على ~~الموضوع. ذلك لأن الألوهيين (ومعظم المثاليين) يرون أن هناك غاية أو خطة شاملة، تضم ~~حياتنا الفردية والحوادث التي تؤثر فيها. وهذه المدارس نادرا ما تدعي أن تلك الخطة ~~معروفة لنا، ولا سيما في تفاصيلها اليومية، ولكنها تؤكد أن هناك بالفعل خطة. وهناك حجج ~~متعددة تساق لإثبات وجود مثل هذا التدبير الكوني، غير أن أهم هذه الحجج وأهمها هي أنه ~~لا بد أن تكون هناك خطة، وإلا لكان الكون بلا معنى ولكانت حياة الفرد عبئا. ويرد ~~الوجودي على ذلك بقوله: «يسرني أننا متفقان، فما لم تكن هناك ms493 خطة وغاية، لكان الكون بلا ~~معنى ولكانت حياتنا عبثا. ولكن نظرا إلى عدم وجود أدلة تثبت أن هذه الخطة «الضرورية» ~~موجودة، فلا بد لي من أن أستنتج أن الحياة عبث. وكل من يصل إلى النتيجة المخالفة إنما ~~يسلك على أساس إيمان أعمى لا دافع له سوى التفكير المبني على التمني.» # مخرج الوجودية: الالتزام ~~: أشرنا من قبل إلى أن ~~الوجودية ليست تشاؤمية أو انهزامية تماما، وسوف نختم كلامنا عنها بعرض موجز لطريق ~~الخلاص كما تتصوره هذه المدرسة. فالوجودية أولا لا تهاجم إلا المذهب الذي يفترض في ~~الكون والحياة البشرية تدبيرا كليا أو شاملا أو موضوعيا. وهي لا تنكر بحال إمكان ~~وضع الأفراد، رجالا ونساء، لأهداف فردية واهتدائهم إلى غايات ذاتية في الحياة. والكلمة ~~التي يدور حولها محور التفكير هنا هي كلمة «ذاتية». فمذهبا الألوهية المفارقة، ~~والمثالية، يريان أن هناك خطة موضوعية، حتى لو لم يكن في استطاعتنا كشفها؛ أي إن ~~التدبير موجود بنفس المعنى الذي يكون فيه العالم الفيزياء موجودا. أما الوجودية فترى ~~أن القيم كلها ليست شخصية وفردية خالصة فحسب (كما رأينا من قبل) بل إن كل الخطط ~~والغايات تتصف بدورها بهذه الصفة. على ذلك فلا يمكننا أن نجعل للحياة معنى إلا إذا ~~أمكننا أن نجد، بأنفسنا وفي أنفسنا، معنى ورضا في أعمال أو أهداف معينة. وهذا يعني ~~الالتزام بأمور معينة، وهذا الالتزام هو الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش. # إن الالتزام هو أي اهتمام أو مشروع نكرس له أنفسنا بكل ما لدينا. واللفظ الذي يستخدمه ~~الوجوديون الفرنسيون للدلالة على الشخص الملتزم هو: # Un Home ~~Engagée ~~، وهو لفظ تكون له دلالته إذا ترجم حرفيا. ففي هذه ~~الترجمة الحرفية يكون معناه «الشخص الذي أعلن خطبته»؛ أي الذي قام بأكبر التزام، وهو ~~التعهد بالزواج لامرأة. ويعتقد الوجوديون أن الحياة ينبغي أن تشتمل على التزامات كثيرة ~~تكون مصحوبة بانفعال وحماسة لا تقل عما يقترن به هذا الالتزام عادة. ومع ذلك فإن هذه ~~الالتزامات الأخرى، على خلاف الالتزام المثالي بالزواج، لا يتعين أن تكون ms494 ثابتة طويلة ~~المدى. فمن الممكن أن تتغير، هي بالفعل تتغير خلال حياة معظم الناس. ذلك لأن الأمور ~~التي نكرس لها أنفسنا، ونبدي بها أشد الاهتمام في موسم معين أو فترة معينة في حياتنا، ~~تحل محلها غيرها، غير أن الثبات ليس العامل الرئيسي الذي يتحكم في أهميتها في حياتنا ~~الشخصية، بل إن شدتها ونطاقها في حياتنا في الوقت الذي تكون فيه باقية، هي التي تؤدي ~~إلى إضفاء معنى على حياتنا التي قد تكون - لولا ذلك - بلا معنى. ولكن، فلنقل مرة أخرى ~~إن هذا الشعور بوجود معنى هو شعور ذاتي محض. فمن أفدح الأوهام أن نتصور أن الكون معني ~~بالتزاماتنا وبما تجلبه لنا من الرضا. كما أن هناك وهما قد لا يقل عن ذلك فداحة، هو ~~الاعتقاد بأن «المجتمع» أو «الناس» معنيون بهذه الأمور بدورهم. فالوجودية ترى أننا في ~~هذه المسألة، كما في سائر المسائل الأخرى، يقف كل منا وحيدا. قد يكون هناك أفراد ~~آخرون يشاطروننا نفس المشروع ويعملون لنفس الأهداف، ولكن إذا توقف نشاطنا (أو حتى توقفت ~~حياتنا) لضم الباقون صفوفهم، واستمرت الحياة في طريقها. وبهذا المعنى يكون كل منا غير ~~ضروري، ومن الممكن الاستغناء عنه. وكما تشير الشخصيات في كتابات سارتر في أحيان كثيرة، ~~فإن الفرد عندما يموت، تظل قطارات «المترو» مزدحمة، والمطاعم مليئة، والرءوس تكاد تنفجر ~~من فرط اهتمامها بالمشكلة التافهة. بل إن الحرب الواسعة النطاق، التي تقتل الملايين، ~~تترك العالم ولما يتغير إلا قليلا: فسرعان ما يتكاثر السكان بحيث يعوضون النقص وزيادة، ~~وتظل الحياة مستمرة في طريقها «لا إلى مكان»؛ أي بمعنى أنها لا تتجه إلى هدف محدد. # 6 # الموقف الإنساني ~~: من الواضح أن الوجودي ليست لديه ~~أية فكرة مغرورة عن الأهمية الكونية للجنس البشري، بل إنه ربما كانت لديه أدنى فكرة ~~صاغها أي مذهب فلسفي عن أهمية الإنسان هذه. ولكن هناك أمرا له أهميته الكبرى في هذا ~~الصدد، وهو أن هذا الحط من مركز الإنسان في الكون لا يقلل بحال من الأهمية الذاتية ~~لقرارات كل فرد والتزاماته ms495 والمشاعر التي ترضيه. وفي وسعنا أن نلخص القضية الرئيسية ~~للوجودية المعاصرة بشأن الموقف الإنساني بنفس العبارات التي استخدمت في تلخيص وجهة نظر ~~واحد من مؤسسي الوجودية المسيحية، وهو باسكال: «ما أنا؟ أنا في نظر الكون، لا شيء، وفي ~~نظر نفسي، كل شيء!» فما يصنعه الفرد بحياته، بعد أن يدرك هذه الحقيقة العظيمة الأهمية، ~~الخاصة بوجوده الخاص، هو الأمر الحاسم. فإن كان وجوديا إلحاديا، فإنه لن يضيع وقته ~~في محاولة إثبات أن الكون يهتم به فعلا، بل سيقوم بالتزاماته ويبدأ مشروعاته وهو يدرك ~~كل الإدراك أن حوله عالما لا متناهيا في الزمان والمكان، غير مكترث بوجوده أو ~~بسعادته. أي إنه، بالاختصار، سيسير وحيدا في طريقه. # إن القائل بمذهب الألوهية المفارقة، حين يتأمل موقف الإنسان في الكون الواسع، ينتهي ~~إلى: «أننا وحدنا، لولا الله»، والمثالي يقول: «إننا وحدنا، لولا أننا أذهان متناهية ~~تشارك في أفكار العقل اللامتناهي». ويقول صاحب النزعة الإنسانية: «إننا وحدنا، لولا ~~صحبة الطبيعة ورفاقنا من الناس». أما الوجودي فيؤكد: «إننا وحدنا وكفى». وفيما يتعلق ~~بمصدر القيم، يقول صاحب مذهب الألوهية المفارقة «إن «الخير» هو ما ينسجم مع إرادة ~~الله». وترى المثالية أن «الخير» هو ما يتسق مع تفكير العقل المطلق. وتعتقد النزعة ~~الإنسانية أن «الخير» يعني أي شيء يحقق السعادة البشرية. أما الوجودية فترى أن «الخير» ~~هو كل ما يجده الفرد خيرا، أو يجعله خيرا، بفضل اهتمامه به أو ولائه له. وقد اقتبسنا ~~من قبل نصا «لهوبز»، كتب في القرن السابع عشر حول هذا الموضوع، قال فيه: «إن كل ما ~~يكون موضوعا لشهوة أي شخص أو رغبته. يسميه ذلك الشخص من جانبه خيرا.» ومع ذلك فإن ~~النظرية الوجودية في القيمة تمضي أبعد حتى من هذا، فتذهب إلى أن ما يسميه الإنسان ~~«خيرا»، وما هو خير، هما شيء واحد. فكل تقويم إنما هو أمر شخصي؛ لأنه نتيجة تاريخ فردي ~~لا نظير له، وتعبير عن مشروع حياة فردية. # ومن الواضح أن الوجودية المعاصرة، من حيث هي نظرية في القيمة، ثورية مجددة. ms496 فعلى نفس ~~النحو الذي تعمل فيه التجريبية المنطقية، باتجاهها المعادي للميتافيزيقا، على هدم الجزء ~~الأكبر من الفلسفة التقليدية، نجد أن الوجودية تهدم معظم المذاهب الأخلاقية التقليدية. ~~وبينما الأخلاق التقليدية كانت تنشد معايير شاملة للقيمة والسلوك، فإن الوجودية تنكر ~~صراحة وجود أية معايير كهذه. وبينما الأخلاق التقليدية قد أيدت إلى حد بعيد. عن قصد ~~أو دون قصد، معايير السلوك المتعارف عليها، والسلوك الاجتماعي المقبول فإن الوجودية قد ~~تعمدت مهاجمة معظم هذه المعايير ذاتها. وعلى حين أن التقليديين كانوا في صف الملائكة، ~~إن جاز هذا التعبير، وأن الإنسانيين كانوا في صف الإنسان في حالاته المثلى، فإن ~~الوجودية كانت في صف الناس - بكل ما فيهم من نواحي ضعف وقوة فردية، ومن حكمة وغباء، ~~وأفعال خيرة وأفعال شريرة. أما أن الوجودية، حين نبذت الفكرة المعتادة التي تقول بطبيعة ~~بشرية مثلى، ومعايير مثلى للسلوك، قد حطت من قدر الإنسان أم أنها استحدثت أول نظام نزيه ~~للقيم بالمعنى الصحيح، فتلك مسألة ينبغي أن نترك البت فيها لكل قارئ ولحكم ~~التاريخ. ~~(6) كلمة الختام # يشعر كاتب الفلسفة أو معلمها دائما بوطأة المسئولية عندما يصل بقرائه أو طلابه إلى ~~النقطة التي يريدها ثم يتركهم فجأة في ليل الفلسفة مودعا إياهم بقوله: «حسنا، من الآن ~~فصاعدا أصبحتم مستقلين. وداعا، وحظا سعيدا!» ومع ذلك يبدو أنه لا مفر من هذا ~~الافتراق؛ إذ إن على كل إنسان، آخر الأمر، أن يقرر، بنفسه ولنفسه فقط، ما الذي يمكنه أن ~~يؤمن به - بل ما الذي ينبغي أن يؤمن به إن شاء أن يشعر في حياته بأي نوع من الرضا. فليس ~~ثمة بديل فلسفي لاتخاذ هذا القرار الذي هو أهم القرارات جميعا. قد نرجئ اتخاذ هذا ~~القرار إلى حين، بل قد نسعى إلى تجنبه تماما عن طريق اتباع سلطة معينة، ولكننا سواء ~~سلكنا هذا الطريق أم ذاك، فلن نستطيع، كما رأينا عند مناقشتنا لنظرية المعرفة، أن نتجنب ~~المشكلة تجنبا دائما. حتى لو لم نعرب عن إيماننا بكل هذه الألفاظ، فلا بد أن نسلك كما ~~لو ms497 كنا نقول بصحة أشياء معينة، ولا بد أن تنطوي أفعالنا على اعتقاد معين، سواء أكنا ~~نصرح به أم لم نكن. ولو سعينا إلى التهرب من مسئولية تفكيرنا الميتافيزيقي باتباع سلطة ~~معينة، لألقيت على عاتقنا مسئولية جديدة هي أن نقرر أي السلطات نتبع، وإلى أي مدى ~~نتبعها. على أن شتى أنواع التهرب هذه لا جدوى منها، فتحديدنا للمعتقدات النهائية التي ~~نأخذ بها ينطوي على نتائج فلسفية ضمنية واضحة: ذلك لأن كلا منا - سواء أدرك ذلك أم لم ~~يدركه - يتخذ قراراته الخاصة بشأن طبيعة الحقيقة النهائية ونوع العالم الذي نؤمن بأننا ~~نعيش فيه. ولذا فإن رأس الحكمة إنما هو أن نتخذ هذه القرارات بأعقل صورة ممكنة، حتى ~~تكون نظرتنا الفردية إلى العالم أصح وأنجح وأبقى ما يمكن أن تكون. ذلك لأننا، كما قال ~~أرسطو منذ وقت بعيد، وكما أكدنا نحن عندما بدأنا رحلتنا الفلسفية هذه معا، سواء أردنا ~~أن نتفلسف أم لم نرد، فلا بد لنا من التفلسف. وإن مجرد انتمائنا إلى الجنس البشري ليلقي ~~على أكتافنا هذا العبء، والمسألة الوحيدة هي مدى إنجاحنا أو إخفاقنا في تحمله. # | قائمة المصطلحات # كانت المصادر الرئيسية التي استعنا بها عند إعداد هذه القائمة هي «قاموس الفلسفة وعلم ~~النفس» لبولدوين: # Baldwin’s “Dictionary of Philosophy and Psychology” ~~، وقاموس الفلسفة لرونز # Runes “Dictionary of Philosopy” ~~، ومعجم لالاند ~~الفلسفي # Lalande’s “Vocabularie do la Philosopie” # وليس المقصود من قائمة المصطلحات أن تكون شاملة. فالألفاظ المعرفة ~~هي في الغالب تلك التي تظهر في متن الكتاب، ولكنا أضفنا عددا من المصطلحات الأخرى إكمالا ~~للقائمة، وحتى يكون في ذلك ما يعين الطالب الذي يقف حائرا إزاء المصطلح الفني المستخدم في ~~الكتب التي يكمل بها قراءاته. # Absolute # المطلق: # ما هو غير نسبي. ويستخدم هذا اللفظ في الفلسفة ليدل على ما هو كامل وتام ~~ومستقل تماما، وما هو نهائي غير مشروط على الإطلاق. وهو يدل، في معناه الأكثر ~~شيوعا، على ما هو بلا تحفظ، أو بلا قيد أو شرط («كالحقيقة المطلقة» مثلا). ~~وقد يعني المطلق ms498 المبدأ أو التفسير النهائي، وأساس العالم أو العلة الأولى، أو ~~الذات الشاملة التي يمر كل شيء بتجربتها، وتدرك الكون بوصفه موضوعها ~~الكلي. # Actualism # الفعلية: # الرأي الذي يرتبط باسم هيوم، والقائل إن الذهن ليس كيانا موحدا مستقلا، ~~وإنما هو مجرد تعاقب لتجارب أو حالات واعية. فليس ثمة رابطة روحية من الوحدة ~~تجمع هذه التجارب أو الحالات معا وإنما هي ترتبط اتفاقا حسب قوانين التداعي، ~~ولكن النتيجة ذات جوهرية. وهذا المذهب يقال في مقابل النظرة الجوهرية إلى ~~الذهن، وهي أقدم منه وأوسع انتشارا بكثير. # Agnosticism # اللاأدرية: # المذهب القائل إنه ليس من الممكن بلوغ معرفة عن موضوع، هو الله عادة. ويشيع ~~الخلط بينه وبين مذهب الشك # Skepticism ~~(في ~~نظرية المعرفة) والإلحاد # Atheism ~~(في ~~اللاهوت). وقد نحت «توماس هكسلي» هذا المصطلح ليدل على جهل متواضع وحالة من ~~إرجاء الحكم فيما يتعلق بالمشكلات النهائية أو القصوى. # A Posteriori # البعدي أو اللاحقي: # المعرفة أو الاستدلال المستمد من التجربة أو المبني عليها. والاستدلال البعدي ~~في المنطق مرادف للاستقراء # Induction ~~. والكلمة ~~تقال في مقابل القبلي أو الأولي # A Priori ~~. # Appearance # المظهر: # معناه الدقيق هو أي شيء يعرض لذات مدركة أو يلاحظ بواسطتها. وهو يستخدم عادة ~~في الفلسفة للدلالة على الوجه الحسي للأشياء، في مقابل ما عليه بالفعل. وهذا ~~يجعل المظهر مرادفا للظاهرة Phenomenon ~~، التي ~~تقابل الشيء في ذاته # Noumenon ~~. وفي بعض المذاهب ~~المثالية يعد المظهر درجة من درجات الحقيقة أو الواقع، أو جزءا أو وجها غير ~~كامل له. # A Priori # القبلي أو الأولي: # المعرفة التي لها أسبقية منطقية على التجربة أو الاستدلال المبني على مثل هذه ~~المعرفة. وبالتالي، المعرفة الفطرية (والتي يترتب على ذلك أن تكون شاملة) في ~~مقابل تلك التي تستمد من الحواس. والاستدلال القبلي أو الأولي مرادف - بشيء من ~~التجاوز - للاستنباط # Deduction ~~. ويقال هذا ~~المصطلح في مقابل البعدي أو اللاحقي # A Posteriori ~~. # Archetype # النمط النموذجي: # النمط أو النموذج الأصلي، الذي تعد فئة معينة للأشياء نسخا منه ولهذا ~~المصطلح أهمية رئيسية في المذهب الأفلاطوني حيث تكون الصور ms499 نماذج مثلى ~~للموضوعات الأرضية. # Atheism # الإلحاد: # يستخدم للدلالة إما على إنكار وجود أي إله وإما على إنكار وجود إله مشخص (أو ~~مفارق). والمعنى الأول أكثر شيوعا بكثير في التفكير الشعبي. وكثيرا ما يخلط ~~بين هذا اللفظ وبين «اللاأدرية»، أو حتى «مذهب الشك». # Atomism # المذهب الذري: # هو الرأي القائل إن الواقع يتألف من جزئيات أو كيانات منفصلة لا تنقسم. وقد ~~تكون هذه مادية أو روحية، على الرغم من أن الرأي الأول كان أكثر شيوعا من ~~الوجهة التاريخية بكثير. عندما تكون هذه الجزئيات مادية، تعد عادة دقيقة إلى ~~أبعد حد، لا متناهية في العدد. # Authoritarianism # مذهب السلطة: # الرأي القائل إن المصدر النهائي، والأفضل، للمعرفة، هو سلطة من نوع ما. وقد ~~تكون هذه السلطة نظاما (كالكنيسة)، أو نصا (كالكتاب المقدس)، أو قانونا ~~أخلاقيا أو مدنيا، أو شخصا. # Axiology # مبحث القيم: # الدراسة المنهجية للقيمة، أي النظرية المتعلقة بما هو خير أو مرغوب فيه. وفي ~~الفلسفة، تفترض معظم المناقشات في الأخلاق وعلم الجمال نظرية معينة في القيم. ~~وتوجد في هذا الصدد مسائل ذات أهمية خاصة، هي المتعلقة بمعايير القيمة ~~وطبيعتها، على الرغم من أن المفكر الميتافيزيقي يبدي عادة اهتماما أكبر ~~بتحديد مركز القيمة في الكون. # Behaviorism # المذهب السلوكي: # المذهب القائل إن علم النفس ينبغي أن يبنى على الملاحظة الموضوعية للسلوك، لا ~~على الدراسة الذاتية «للحالات الشعورية» (كما هي الحال في علم النفس ~~الاستبطاني). وتعرف هذه المدرسة لفظ «السلوك» تعريفا متسعا بحيث يشتمل على كل ~~الأفعال التي يمكن ملاحظتها، والتي تتفاوت ما بين النشاط الجسمي العنيف واللغة ~~الشديدة التجريد. # Being # الوجود: # كل ما هو موجود أو يمكن أن يوجد أو كل ما يتصف بالواقعية. وهو يعني في المنطق ~~أعم الفئات، التي تشمل كل ما عداها. # Cartesian # الديكارتي: # نسبة إلى رينيه ديكارت (1596-1650م) وأتباعه. والمقصود بالمذهب الديكارتي ~~عادة، ثنائيته الميتافيزيقية، بما فيها من تقسيم للعالم إلى مجالين هما: ~~«الفكرة»، و«الامتداد» (أو المادة). # Categorical Imperative # الأمر المطلق: # المصطلح الأساسي في تفكير كانت الأخلاقي ويدل على القانون الأخلاقي الأعلى. ms500 ~~وهو غير مشروط، لا يقبل استثناءات، ومطلق؛ لأنه لا يكون بأية حال نسبيا تبعا ~~لغاية أخرى غيره. # Category # مقولة: # تعني، في المصطلح الفلسفي الخاص، إحدى الأحوال النهائية للوجود (أو فئاته أو ~~شروطه). وتعني عند «كانت» إحدى الصور الأساسية للفهم. وهي تدل، بمعنى أعم، على ~~فئة من أكبر الفئات الأساسية أو الشاملة التي يمكن أن ترد إليها الموضوعات أو ~~التجارب. كما تدل على تصنيف أساسي داخل المعرفة. # Causality # العلية أو السببية: # علاقة العلة والمعلول (السبب والنتيجة) ومبدأ العلية (أو المبدأ العلي) ~~هو المسلمة الأساسية القائلة إن أي شيء لا يمكن أن يحدث دون علة، أو أن أي ~~حادث في الكون تحكمه علاقة العلة والمعلول. # Cognition # المعرفة: # فعل المعرفة أو الإدراك. والصفة # Cognitive ~~(أي المعرفي) تستخدم في الفلسفة على نطاق واسع لعدم وجود صيغة الصفة في الكلمة ~~الإنجليزية التي تعبر عن المعرفة ( # Knowledge ~~) - ~~فعندما يدخل موضوع في علاقة «معرفية» يصبح معروفا أو مدركا. # Coherence # الترابط (أو نظرية الحقيقة بوصفها ~~ترابطا): # الرأي القائل إن حقيقة أية عبارة (أو قضية أو حكم) تتحدد بترابطه مع بقية ~~أحكامنا. وهكذا فإن «الحقيقة» تكون نسقا تام التكامل، وينبغي أن تختبر العبارة ~~على أساس اتساقها مع هذا النظام الشامل. والنظرية الرئيسية التي تنافسها هي ~~نظرية التطابق # Correspondence ~~. # Common Sense # الموقف الطبيعي: # هو مجموعة الحقائق والآراء التي يفترض أنها تنتمي إلى الناس جميعا نتيجة ~~لتجربة إنسانية شاملة - فالنار تحرق، والماء يبلل، والأشياء التي لا ترتكز على ~~غيرها تقع، وما إلى ذلك وهذه المعرفة تقال في مقابل المعرفة المنهجية للعلم، ~~وتعاليم مدارس فكرية معينة. # Concept # مفهوم أو تصور: # فكرة عامة عن أية فئة من الموضوعات. واللفظ مرادف للمعنى الكلي # Universal ~~، ويرتبط ارتباطا وثيقا بعملية ~~التعميم # Generalization ~~. وهو يقال في ~~مقابل المدرك الحسي Percept # ويدل أي اسم مشترك ~~على تصور أو مفهوم. # Cosmological Argument # الحجة الكسمولوجية: # هي محاولة إثبات وجود الله عن طريق مبدأ العلية. فكل العلل تفترض عللا ~~سابقة، ولكن السلسلة ينبغي أن تتوقف عند حد. ولا بد أن يكون ms501 ذلك شيئا ليس له ~~في ذاته علة؛ وبالتالي أزليا؛ أي الله. وهي بالاختصار الحجة القائلة إن الكون ~~يحتاج إلى علة. # Cosmology # الكسمولوجيا: # فرع الفلسفة الذي يدرس أصل الكون في مجموعه وتركيبه. وهي تقابل الأنطولوجيا # Ontology # التي تهدف إلى كشف طبيعة الوجود ~~بما هو كذلك. وكثيرا ما يخلط بينها وبين «البحث في منشأ الكون # Cosmogony ~~»، وهو رأي (تصويري عادة) في خلق ~~الكون أو العالم. # Cynicism # المذهب الكلبي: # موقف سلبي من كل القيم أو معظمها. وافتقار إلى الإيمان بوجود دوافع نزيهة، ~~وشك تام في صحة المثل العليا الإنسانية أو في فعاليتها. يقال في مقابل ~~«المثالية ~~الأخلاقية # Ethical Idealism ~~». # Deduction # الاستنباط: # عملية الاستدلال التي تستخلص فيها النتائج من مقدمات نسلم بها. وتكون ~~المقدمات عادة أعم من النتيجة؛ ولذا يشيع تعريف الاستنباط بأنه الاستدلال الذي ~~ينتقل من الكل إلى الجزء، أو من العام إلى الخاص. ويتسم الاستدلال الرياضي ~~وعمليات المنطق الصوري (أو الأرسططالي) بالطابع الاستنباطي. والاستنباط ضد ~~الاستقراء # Induction ~~. # Deism # مذهب الألوهية الطبيعية: # المذهب القائل إن الله خالق الكون والمشرع له، ولكنه ليس أكثر من ذلك. فهو ~~ليس مصدر الخير، ولا يمكن أن يوصف بأنه موجود أخلاقي. وفضلا عن ذلك فليست له ~~صلة مباشرة بالعالم، وإنما هو أساسا أشبه «بمالك الأرض المتغيب». ولذا فلا ~~يمكن أن يكون هناك اتصال بين الإنسان والله، بحيث لا يكون هناك جدوى من الصلاة ~~والعبادة. ويدل هذا اللفظ، تاريخيا، على مذهب كان شائعا في إنجلترا وفرنسا ~~في القرن الثامن عشر، حين حاول أنصار هذا المذهب إقامة عقيدة على أساس طبيعي، ~~بالاستغناء عن الوحي والتعاليم المنزلية. # Determinism # الحتمية: # الرأي القائل إن كل حادث في الكون يتوقف تماما على علته أو علله، ويحدد بها؛ ~~أي بأن مبدأ العلية شامل. وهو بمعنى أكثر تحديدا، المذهب القائل إن السلوك ~~الإنساني (وضمنه كل الأحكام والقرارات التي نتخذها) يتحدد عن طريق سوابق ~~فيزيائية أو نفسانية هي علله. ويقال هذا المذهب في مقابل اللاحتمية # Indeterminism ~~(أي الاعتقاد بالحرية الكاملة ~~للإرادة) وينبغي تمييزه من القدرية # Fatalism ~~(وهي ms502 الاعتقاد بأن كل الحوادث مقدرة أو مكتوبة مقدما؛ وبالتالي فهي محتومة ~~بغض النظر عما نبذله من جهود للحيلولة دون وقوعها). # Dialectic # الديالكتيك (الجدل): # في الاستعمال المعاصر: الاختبار النقدي للمبادئ والمفاهيم من أجل تحديد ~~معناها والفروض التي ترتكز عليها ونتائجها الضمنية. ومن سوء الحظ أن لهذا اللفظ ~~عدة معان متخصصة لا تكاد تربطها صلة، ولا سيما كما يستخدمه أفلاطون وكانت ~~وهيجل وماركس. «والديالكتيك» في الاستعمال الشائع هو الاستدلال وعرض الحجج أو ~~المجادلة. # Dichotomy # القسمة الثنائية: # في المنطق، تقسيم أية فئة إلى فئتين فرعيتين متناقضتين (أي تستبعد كل منهما ~~الأخرى)، كتقسيم الكائنات إلى حية وغير حية. وللفظ معنى فضفاض، يدل على أي ~~تقسيم أساسي، يفهم منه ضمنا، في العادة، أن التفرقة تمثل وجها هاما من أوجه ~~طبيعة الأشياء. # Double-Aspect Theory # نظرية الوجهين: # المذهب (الذي يرتبط تقليديا باسبينوزا) القائل إن المادي والذهني (أو ~~بعبارة أخص، الجسم والذهن) ليسا إلا وجهين متقابلين «لجوهر» نهائي واحد. ويعرف ~~هذا المذهب في علم النفس باسم «مذهب التوازي النفسي ~~الفيزيائي Psychophysical Parallelism ~~»، على حين أنه في الميتافيزيقا يعرف في كثير من ~~الأحيان باسم «الواحدية ~~المحايدة # Neutral Monism ~~» في مقابل الواحدية الروحية عند المذهب الروحي # Spiritualism # والواحدية المادية في المذهب ~~المادي # Materialism ~~. # Dualism # الثنائية: # أية وجهة نظر أو مذهب يرجع ميدانه إلى مبدأين نهائيين مستقلين، لا يمكن رد ~~أحدهما إلى الآخر. ومن الضروري التمييز بين الثنائية الميتافيزيقية أو ~~الأنطولوجية، التي تقسم الواقع إلى «ذهن» و«مادة» (أو فكر وامتداد) وبين ~~الثنائية الإبستمولوجية (المعرفية) التي يكون التقسيم الثنائي الأساسي فيها بين ~~الموضوع الواقعي وبين الصورة الماثلة للذهن (أي المعطى الحسي أو «فكرة» ~~الموضوع). # Egocentric Predicament # مأزق التمركز حول ~~الذات: # تعبير استخدمه ر. ب. بيري # R. B. Perry # ليعبر ~~به عن المأزق الإبستمولوجي للذهن، الذي يجد أن من المستحيل عليه الخروج عن ~~دائرة إحساساته وأفكاره الخاصة لكي يعرف العالم الخارجي مباشرة. ويرى المثاليون ~~الذاتيون، مثل باركلي، أن هذا الموقف يدل على طبيعة العالم الواقعي؛ ولذا يرون ~~أن «وجود الشيء هو كونه ~~مدركا ms503 # Esse est Percipi ~~». أما الواقعي فينظر إلى هذا الموقف على أنه مجرد مأزق ~~عقلي يدعو إلى الأسف، وهو مأزق له خطورته من الوجهة الإبستمولوجية، ولكن ليست ~~له نتائج أنطولوجية. # Elan Vital # الدفعة أو السورة الحيوية: # تعبير استخدامه برجسون ليدل على مصدر التطور في المجال البيولوجي. وهو يدل، ~~بمعنى واسع، على الحافز البيولوجي الذي يتبدى في كل نشاط عضوي. # Emegence # الانبثاق: # تدل، بمعنى واسع، على المذهب القائل إن «الحياة» و«الذهن» قد صدرا معا عن ~~المادة غير العضوية. وتدل نظرية التطور ~~الانبثاقي # Emergent Evolution # أن الحياة تمثل صفة جديدة انبثقت من غير الحي نتيجة ~~لوصول هذا الأخير إلى مستوى معين من التنظيم العضوي. ويقول مذهب «انبثاق الذهن # Emergent Mentalism ~~» بنفس الرأي فيما ~~يتعلق بالذهن: فعندما يبلغ المبدأ غير الذهني مستوى جديدا من التعقيد (أي حين ~~يصبح له مخ وجهاز عصبي راقيان)، يظهر الذهن أو الوعي. ويعرف مذهب الانبثاق ~~العام أيضا باسم «نظرية ~~المستويات # Theory of Levels ~~». # Empiricism # التجريبية: # هي المذهب الإبستمولوجي القائل إن المصدر الصحيح الوحيد للمعرفة هو التجربة. ~~وتؤكد التجريبية الرأي القائل بأن المعرفة لا يمكن أن تتجاوز التجربة؛ ولذا ~~كانت تقابل المذهب القبلي أو الأولي # A Priorism # بكل صوره، ولا سيما ادعاءات المذهب العقلي # Rationalism # بأن الذهن يستطيع أن يكشف ~~حقائق «فطرية» أو تعلو على التجربة بطريقة ما. # Entelechy # الكمال: # يعني عند أرسطو واقعية الشيء الفعلية، في مقابل وجوده بالقوة؛ أي بما فيه من ~~ماهية كامنة، أو في بعض السياقات، بما له من وظيفة أساسية. فالنفس هي «كمال» ~~الجسم، مثلما أن الإبصار «كمال» العين (أرسطو). ويستخدم بعض أنصار المذهب ~~الحيوي، في العصر الحديث، هذا اللفظ للدلالة على ذلك الشيء الحيوي اللامادي ~~(الذي يسمى أيضا بالعنصر شبه النفسي Psychoid ~~) ~~الذي يميز العمليات الحية من العمليات غير العضوية. # Epicureanism # الأبيقورية: # نوع معتدل ومتعمق من مذهب اللذة # Hedonism # كان يدعو إليه أبيقور (342-270ق.م.) وهو يدعو إلى السعي وراء لذات الصداقة ~~والذهن، لا لذات الجسم؛ إذ إن الأخيرة أعنف، وبالتالي أصعب قيادا. والخير ~~الأسمى ms504 عند الأبيقوري هو «طمأنينة النفس» # Ataraxia # لا اللذة الإيجابية. ومن هنا فإن ~~من الممكن وصف هذا المذهب بأنه في أساسه «مذهب لذة سلبي» ~~( # Negative Hedonism ~~). # Epiphenomenalism # مذهب الظاهرة الثانوية: # مذهب في العلاقة بين الذهن والجسم، يعد فيه الذهن نتاجا ثانويا أو نتيجة ~~عارضة لعمليات المخ. وهذا ينطوي على القول بأن كل نشاط ذهني هو في أساسه تغير ~~فيزيائي، وبأن الوعي ليس له تأثير سببي في العالم الفيزيائي. # Epistemology # نظرية المعرفة ~~(الإبستمولوجيا): # فرع من الفلسفة يدرس طبيعة المعرفة ومصادرها وإمكاناتها وحدودها. # Essence # الماهية: # الطبيعة الضرورية للشيء، في مقابل صفاته غير الضرورية أو أعراضه، منظورا ~~إليها على نحو مستقل عن «وجوده» الفعلي. وهي في معناها الشائع تدل على ما يجعل ~~الشيء على ما هو عليه. # Esthetics # علم الجمال: # معناه التقليدي، دراسة الجمال في الفن والطبيعة. والاستعمال الحديث ينطوي على ~~أكثر من ذلك بكثير، كطبيعة التجربة الجمالية، وأنماط التعبير الفني، ~~و«سيكولوجية الفن» (وتعني عملية الإبداع أو التذوق أو كليهما معا)، وما شابه ~~ذلك من الموضوعات. # Ethics # علم الأخلاق: # فرع من الفلسفة يدرس طبيعة الخير والحق والإلزام والمثل الأعلى للسلوك ~~البشري. وهو بهذا الوصف يعد أيضا فرعا «للأكسيولوجيا»؛ أي الدراسة النظرية ~~للقيمة. # Eudaemonism # مذهب السعادة: # استخدم أرسطو لفظ # Eudaemonia ~~(الذي يترجم ~~عادة بالسعادة) للتعبير عن أسمى خير للإنسان، الذي كان في رأي أرسطو ينحصر في ~~الممارسة الإيجابية للقدرات البشرية وفقا للعقل. وقد اتجه التفكير الأخلاقي ~~بعد أرسطو إلى جعل «مذهب السعادة» مرادفا عمليا «لمذهب اللذة»، وإن كان في ~~ذلك خروج واضح عن تعاليم أرسطو. # Evil # الشر (مشكلة الشر): # هي مشكلة كيفية تفسير وجود الشر في عالم يفترض أن ما خلقه أو ما يحكمه عقل أو ~~ذهن أو غاية أو قوة أخرى (بالمعنى الشامل)، (وهذه المشكلة ثقيلة الوطأة على كل ~~المذاهب المثالية). وتكون هذه المشكلة أكثر حدة في معظم أشكال مذهب الألوهية ~~المفارقة؛ إذ إن الألوهية تعد عادة لا نهائية في القدرة والحكمة الخيرية - ~~وكلها صفات تبدو متناقضة مع استمرار وجود الشر في العالم. # Existentialism ms505 # الوجودية: # فلسفة معاصرة (أخلاقية في المحل الأول) ترى أنه لا توجد ماهية أساسية للطبيعة ~~البشرية يشترك فيها الناس جميعا، بل إن كل فرد يخلق ماهيته الخاصة أو شخصيته ~~طوال حياته، عن طريق اختياره لاهتماماته وأفعاله. وهكذا فإن «الوجود» يسبق ~~«الماهية»؛ إذ إن الأخيرة لا تكتمل إلا بعد انتهاء الحياة وسلسلة الاختيار ~~اللامتناهية فيها بالموت. # Experience # التجربة: # من أهم وأغمض المصطلحات الفلسفية. وهي تعني، في استعمالها العام؛ أي شيء ~~يمارس أو يمر بنا، ولا سيما إذا كانت العملية تتضمن وعيا. كذلك يدل هذا اللفظ ~~على أعلى أو أشمل فئة، وهي الفئة التي ينبغي أن ينتمي إليها كل شيء قبل أن ~~تتسنى الإشارة إليه على أي نحو. أما أي تعريف آخر أدق، فلا بد أن ينطوي على ~~نظرة ميتافيزيقية أو موقف نظري، فالواقعي مثلا يعرف «التجربة» على أساس لا ~~يقبله المثالي، والعكس بالعكس. # Fatalism # القدرية: # رأي يشيع في التفكير الشرقي أكثر مما يشيع في التفكير الغربي، يقول إن ~~الحوادث محددة أو مكتوبة مقدما من حيث وقت حدوثها ومكانها وطريقة وقوعها. ~~ويطبق هذا الرأي بوجه خاص على الأمور البشرية، ولا سيما وقت موت ~~الإنسان. # Formalism # المذهب الشكلي: # اسم يستعمل للدلالة على مذهبين أخلاقيين مختلفين ولكن بينهما علاقة: (أ) ~~الرأي القائل إن المبدأ الأساسي لتحديد الواجب شكلي بحت - ويتمثل هذا الرأي عند ~~كانت، (ب) والرأي القائل إن صواب أي فعل أو خطأه يمكن أن يتحدد بحدس مباشر، دون ~~نظر إلى النتائج، ودون مساعدة من العقل النظري - والأدق أن يطلق عليه اسم ~~المذهب الحدسي # Intuitionism ~~. وينطوي هذا المذهب ~~على القول بوجود «ملكة» أو عضو يعطينا هذه البصيرة المباشرة، ويعرف عادة بأنه ~~الضمير. # Free-Will # حرية الإرادة: # والأدق أن يسمى هذا المصطلح في الإنجليزية # Freedom of the ~~Will ~~- وهو المذهب القائل إن إرادة الإنسان أو قدرته على ~~الاختيار مستقلة عن كل الظروف السابقة أيا كانت؛ أي إن إرادة الإنسان تتحرر ~~من مبدأ العلية الذي يسري على بقية الكون. وهذا اللفظ مرادف للاحتمية # Indeterminism ~~، ويقابل كلا من الحتمية ms506 # Determinism # والقدرية # Fatalism # وتتركز حرية الإرادة حول صحة الموقف ~~اللاحتمي. # God # الله: # في الفلسفة، الموجود الأعلى أو النهائي، وربما كان الفارق الأساسي بين ~~الرأيين الميتافيزيقي واللاهوتي في الألوهية راجعا إلى أن الفلاسفة لا يمكنهم ~~أن يسلموا بالوجود الإلهي على أساس سلطة أو وحي. وعلى حين أن كثيرا من المذاهب ~~الميتافيزيقية تبلغ قمتها في الله (أو تشتمل عليه على الأقل) فإنها تبرهن على ~~وجوده بالعقل، ولا تجعله عقيدة من عقائد الإيمان. # Good # الخير: # ما له قيمة أو جدارة من أي نوع. ويبنى مفهوم الخير، في مبحث القيم، على ~~التمييز بين ما له قيمة في ذاته (أي الخير الكامن # Intrinsic ~~) وما لا تكون له قيمة إلا بوصفه ~~وسيلة لهدف أو غاية (أي الخير الظاهر # Extrinsic # أو الوسيلي # Instrumental ~~). # Hedonic Calculus # حساب اللذات: # رأى جيريمي بنتام، القائل إننا نستطيع تحديد أهداف السلوك عن طريق الموازنة ~~بين اللذة الناتجة عنه وبين الألم المترتب عليه. فإذا غلبت اللذة كان الفعل ~~خيرا، وإذا رجحت كفة الألم كان شرا. # Hedonism # مذهب اللذة: # المذهب القائل إن الخير الأقصى (وبالتالي معيار كل قيمة) هو اللذة: ومن ~~الشائع التمييز بين مذهب اللذة الأخلاقي، الذي يرى أن اللذة وحدها هي التي لها ~~قيمة نهائية إيجابية، وبين مذهب اللذة النفسي؛ أي الاعتقاد بأن دافع كل سلوك ~~(إنساني وحيواني) هو السعي وراء اللذة أو تجنب الألم. # Humanism # النزعة الإنسانية: # لهذا اللفظ معان تبلغ من التعدد حدا يجعل من المستحيل إيجاد تعريف واحد ~~له. غير أن هناك عنصرا مشتركا بين كل هذه المعاني، هو الاهتمام بما فيه صالح ~~الإنسان والتركيز عليه، ولا سيما من حيث الحياة في هذه الدنيا. وفي المصطلح ~~الفلسفي الفني، استخدم ف. ك. س. ~~شيلر # F. C. S. Schiller # هذا اللفظ لوصف النوع الخاص به من البرجماتية. # Hylozoism # مذهب حيوية المادة: # المذهب القائل إن الطبيعة حية أو أن للمادة خصائص روحية. وقد انتشر هذا الرأي ~~في الفكر اليوناني القديم، ولكنه لا يدل على مذهب إيجابي بقدر ما يدل على عدم ~~القدرة ms507 على إدراك ذلك التقسيم الذي نعده من أهم التقسيمات الثنائية في التجربة، ~~هو تقسيم الطبيعة إلى حية وغير حية. # Idealism # المثالية: # يدل هذا اللفظ، فنيا، على أي مذهب يرد الوجود كله إلى الذهن أو الفكر. وقد ~~يكون ذلك ذهنا أو تفكيرا فرديا أو مطلقا («كالمطلق» عند هيجل) أو كثرة من ~~الأذهان (كالمثالية التعددية عند باركلي). ويدل هذا اللفظ، بمعنى أوسع، على أي ~~مذهب أو وجهة نظر تصاغ على أساس المثل الأعلى، وتؤكد الجوانب الذهنية أو ~~الروحية للتجربة. وهو يقال مقابل الواقعية # Realism ~~، أو معنى أوسع، المذهب الطبيعي # Naturalism ~~. # Ideology # الأيديولوجية: # أية مجموعة من الأفكار العامة، ولا سيما في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي ~~السياسي. ويدل اللفظ عادة في استعماله الراهن على نظرة متماسكة إلى العالم، ~~يأخذ به المرء لا شعوريا، مثلما يتحدث الماركسي عن «الأيديولوجية ~~البورجوازية». ويستخدم هذا اللفظ أحيانا بمعنى مجموعة من المثل العليا أو ~~المعايير غير المجدية، التي تقابل الأسباب ذات التأثير الفعلي (وهي عادة أسباب ~~اقتصادية). # Immanence # الحلول: # الرأي الميتافيزيقي واللاهوتي القائل إن الله موجود حال لا يوجد بمعزل عن ~~الكون (أو خارجه). وهكذا تكون بين الله والعالم هوية، ويشتركان في الأزلية على ~~الأرجح. وهذا اللفظ مرادف لمصطلح شمول الألوهية Pantheism ~~، ولمذهب العلو # Transcendence ~~. # Indeterminism # اللاحتمية: # مرادفة لحرية الإرادة. # 1 ~~⋆ # وهي المذهب القائل إن أرادة الإنسان أو قدرته على الاختيار مستقلة عن أي نوع من ~~التحديد؛ وبالتالي فهي تمارس في فراغ غير علي. وهي تقابل الحتمية. # Induction # الاستقراء: # العملية الاستدلالية التي تتكون فيها التعميمات أو القوانين أو المبادئ على ~~أساس ملاحظة حالات جزئية. ويشيع إطلاق هذا اللفظ على الاستدلال الذي ينتقل من ~~الجزء إلى الكل، أو من الخاص إلى العام. وعلى ذلك الجزء الأكبر من المعرفة ~~البشرية ذو طابع استقرائي أو تجريبي، ما دام يتألف من تعميمات نجريها على ~~تجربتنا الحسية. واللفظ يقال في مقابل الاستنباط # Deduction ~~. # Instrumentalism # الوسيلية: # فرع للبرجماتية يرتبط باسم جون ديوي. وأفضل طريقة لفهم اللفظ هي أن ننظر إليه ~~على أنه مذهب إجرائي # Operationalism ms508 # في نظرية ~~المعرفة، تعد فيه الألفاظ والتصورات والأفكار «أدوات» أو «وسائل» لتحويل موقف ~~غير محدد إلى موقف محدد. وهكذا فإن الحقيقة لا توجد إلا عندما تكون قابلة ~~للاستعمال بوصفها وسيلة تفيد آخر الأمر في زيادة سعادة الفرد أو ~~المجتمع. # Interactionism # مذهب التأثير المتبادل: # رأي واسع الانتشار في العلاقة بين الذهن والسجم، صاغه ديكارت، وما زال يقول ~~به كثير من المفكرين. ويغلب على هذا الرأي الطابع الثنائي، وهو يفترض تأثيرا ~~عليا متبادلا فيما بين الجسمي والذهني. # Intuition # الحدس: # الإدراك أو الفهم المباشر أو الفوري. والمذهب الحدسي # Intuitionism # في نظرية المعرفة هو القائل ~~إن الشعور المباشر (أي الذي يتم بلا توسط، ودون تفكير نظري أو تعبير لغوي) هو ~~أفضل مصدر للمعرفة. ويرتبط هذا المذهب عادة بالنظرية القائلة إن لدى الإنسان ~~«ملكة مستقلة»، ليست ذات طابع حسي ولا عقلي، لديها القدرة على فهم «الحقيقة» أو ~~«الواقع» مباشرة. وبالمثل يرتكز «المذهب الحدسي الأخلاقي» على النظرية القائلة ~~إن للإنسان ملكة خاصة (تحدد عادة بأنها الضمير) تستطيع إصدار أحكام أخلاقية ~~مطلقة. والمذهب الحدسي يكون عادة عنصرا أساسيا من النزعة المطلقة # Absolutism # والنزعة الشكلية # Formalism # في الأخلاق. # Logic # المنطق: # يعني، اصطلاحا، ذلك الفرع من الفلسفة الذي يدرس قوانين الاستدلال الصحيح. ~~ومعناه الشائع هو «فن» الاستدلال. وينقسم المنطق تقليدا إلى (1) منطق صوري أو ~~أرسططالي، (2) ومنطق استقرائي أو مناهج البحث العلمي. والمعنى الأول هو الذي ~~يكون مقصودا في العادة عندما يستخدم اللفظ في اللغة الفلسفية العامة. # Logical Empiricism # التجريبية المنطقية: # مذهب في نظرية المعرفة، له تأثير عظيم الأهمية، يذهب إلى أن تحديد المعنى هو ~~المشكلة الأساسية في كل لغة فلسفية. ولا تعترف هذه المدرسة إلا بنوعين من ~~المعنى، النوع الواقعي والنوع الصوري، فالأول يتقرر بالتحقيق الحسي، والثاني ~~بقواعد المنطق والنظم اللغوي. أما العبارات التي لا يمكن تحقيقها بإحدى هاتين ~~الطريقتين فهي عبارات لا معنى لها أو «لغو # Nonsense ~~». وتشمل هذه العبارات كل القضايا الميتافيزيقية؛ أعني ~~أية عبارة تتعلق بطابع الواقع بوجه عام، أو من حيث هو كل - ولذا كانت ms509 ~~الانتقادات التي وجهتها حركة التجريبية المنطقية لقدر كبير من الفلسفة ~~التقليدية انتقادات شديدة. وهي ترتبط بالوضعية، وتسمى أحيانا بالوضعية المنطقية # Logical Positivism ~~. # Macrocosm (and Microcosm) # العالم الأكبر ~~(والعالم الأصغر): # الكون بأكمله، أو «العالم الكبير»، في مقابل جزء من الكل يعد ~~معبرا عن الكل أو رمزا له. هذا الأخير ، وهو العالم المصغر، هو عادة الإنسان، ~~الذي يفترض أن تعقده الداخلي مشابه للنظام الخارج للطبيعة. واللفظان دائما ~~متضايفان. # Materialism # المادية: # الرأي القائل إن كل شيء في الكون، وضمنه الحياة والذهن، يمكن أن يرد إلى ~~المادة والحركة ويفسر من خلالهما. وهكذا فإن المادة والحركة هما وحدهما اللتان ~~لهما وجود أو حقيقة نهائية. وهذا يعني أن كل العمليات والخواص الذهنية لها أصل ~~فيزيائي، ووجودها يتوقف تماما على المادة. وعلى ذلك فإن الحوادث الواعية، ~~شأنها شأن جميع الظواهر الأخرى، ترد إلى تحولات في ذرات مادة أو تغيير ترتيبها ~~في المكان. وعلى الرغم من وجود تداخل بين المصطلحات الثلاثة: المادية، ~~والآلية # Mechanism ~~، ومذهب الظواهر الثانوية # Epiphenomenalism ~~، فمن الواجب تمييز ~~المادية عن كل من الأخيرين. # Matter # المادة: # المادة، بوصفها مقولة من أهم مقولات التجربة وأكثرها أساسية، هي مصطلح يصعب ~~تعريفه. وأهم خصائصها «الامتداد» وعدم القابلية للاختراق، وإن كانت «الكتلة»، ~~و«الوزن» و«الدوام»، وبعض الصفات الأخرى، لا تكاد تقل أهمية بالنسبة إلى مفهوم ~~فكرة المادة عن الصفتين السابقتين. وينظر إلى المادة أيضا على أنها هي العلة ~~الخارجة عن الذهن للتجربة الحسية. غير أن موقفنا الفلسفي العام هو الذي يحدد ما ~~إذا كنا سننسب إلى المادة مكانة المظهر، أو سننظر إليها على أنها الحقيقة ~~الوحيدة. # Mechanism # الآلية: # هي بالمعنى الواسع، الرأي القائل إن جميع الظواهر يمكن تعليلها بمبادئ ~~ميكانيكية؛ أي بقوانين المادة والحركة. وهي، بمعنى أضيق، المذهب القائل إن ~~العمليات العضوية امتداد لغير العضوية؛ ومن هنا فإن من الممكن تفسير السلوك ~~الحي بطريقة آلية، بحيث يكون علم البيولوجيا امتداد للفيزياء والكيمياء. وهذا ~~يؤدي إلى وضع المذهب الآلي في البيولوجيا في مقابل المذهب الحيوي # Vitalism ~~. # Meliorism # مذهب التحسن: # لفظ وضعه جورج ms510 إليوت للتعبير عن رأي وسط بين التفاؤل والتشاؤم. فالعالم، ~~وفقا لهذا الرأي، ليس خيرا ولا شرا، وإنما هو قابل للتغير في أي من ~~الاتجاهين. وهكذا فإن من الممكن زيادة الخير، وذلك عن طريق جهود البشر أساسا. ~~وينطوي اللفظ، كما يستخدم عادة، على القول بأن مثل هذا التحسن المستمر جزء ~~أساسي من العملية التطورية . # Metaphysics # الميتافيزيقية (ما بعد ~~الطبيعة): # تدل، بمعناها الواسع، على البحث أو الدراسة المتعلقة بالوجود بما هو كذلك، في ~~مقابل دراسة الوجود في صورة معينة من صوره (كالعلم الفيزيائي مثلا). ويستخدم ~~اللفظ أحيانا بمعنى ضيق مرادفا للأنطولوجيا، غير أن الأكثر شيوعا هو ~~استخدامه بحيث يشتمل على الأنطولوجيا وعلى الكسمولوجيا معا. ويستخدم اللفظ ~~بمعنى أقل تخصصا، ليدل على دراسة الحقيقة النهائية، ومن هنا كانت تمثل المبحث ~~الأساسي للفلسفة التقليدية. # Methodolgy # مناهج البحث العلمي: # معناها المتخصص هو ذلك الفرع من المنطق، الذي يقوم بتحليل منظم للمبادئ ~~والعمليات التي ينبغي أن توجه البحث في ميدان معين. ويدل اللفظ، في معنى أكثر ~~اتساعا، على الوسيلة التي ننظم بها نشاطنا أو نواصله في أي ميدان معين، على ~~الرغم من أنه قد لا يكون من الصحيح استخدام اللفظ بهذا المعنى الواسع إلا في ~~مجالات البحث العقلي فحسب. # Mind # الذهن: # من المقولات النهائية للتجربة، ويستخدم عموما في مقابل المادة. وقد يدل ~~اللفظ على: (1) الذات الفردية أو الوعي الفردي، (2) مجموع التجربة النفسية، (3) ~~العنصر الواعي في الكون، (4) المعاني الثلاثة السابقة معا. ويستخدم اللفظ في ~~المثالية الواحدية بمعناه الشامل، بحيث يدل على الحقيقة النهائية. # Monad # الموناد (الذرة الروحية): # يستمد هذا اللفظ من الرأي القائل إن الكون مؤلف من وحدات أولية من نوع ما. ~~ومع ذلك فهذه الوحدات ليست مادية (كما هي الحال في المذهب الذري المعتاد) وإنما ~~هي ميتافيزيقية، أو جسمية وروحية معا (كما في بعض المذاهب). وقد أصبح اللفظ ~~يرتبط خاصة بتفكير ليبنتس، الذي يقول في كتابه (المونادولوجيا # Monadology ~~) بوجود عدد لا متناه من الموجودات التي تسير ~~في طريق تطورها الخاص وفقا لقانون باطن، بحيث تكون كل ms511 منها مستقلة تماما عن ~~الأخرى، ولكن يكون بينها انسجام مقدر. وفي رأي ليبنتس أن الذرات ليس لها ~~امتداد، ولا شكل، ولا تقبل الانقسام أو الاختراق. # Monism # الواحدية: # موقف ميتافيزيقي يرى أن الواقع مظهر لمبدأ أو جوهر واحد. وقد يكون هذا المبدأ ~~الواحد نفسيا وروحيا (كما في المثالية) أو ماديا (كما في المادية)، أو ~~محايدا (كالواحدية المحايدة عند اسبينوزا). والواحدية الإبستمولوجية هي المذهب ~~القائل إن الموضوع وفكرته شيء واحد. وهي تقال في مقابل مذهب آخر أكثر منها ~~شيوعا بكثير، هو الثنائية الإبستمولوجية، التي ترى أن الموضوع وفكرته كيانان ~~منفصلان عدديا، ومختلفان عادة في الكيف. # Mysticism # التصوف: # المذهب القائل إن الحقيقة النهائية تبلغ عن طريق الحدس لا عن طريق العقل أو ~~التجربة الحسية المعتادة. وينظر الصوفي عادة إلى الحدس على أنه أداة أو وسيلة ~~مستقلة للاتصال تمدنا بمعرفة مباشرة، في مقابل المعرفة التي يتوسط فيها الحس أو ~~العقل. وعلى الرغم من التفاوت الكبير في سياق التجارب الصوفية، فإنها تنطوي ~~عادة على شعور طاغ بحضور الله أو الاتصال المباشر به، وإن كان الموجود الذي ~~يتم الاتصال به قد يكون هو «الواحد» الذي يجل عن التعبير، لا الإله المشخص الذي ~~تقول به معظم مذاهب الألوهية. # Naturalism # المذهب الطبيعي: # الرأي الميتافيزيقي القائل إن الكون مكتف بذاته، دون علة خارجة عن الطبيعة ~~أو إشراف من الخارج، وأن من الممكن تفسير الكون بطريقة طبيعية خالصة. وأكثر ~~مظاهر هذا المذهب تطرفا هو اعتقاده بأن الحياة والذهن ليسا استثناءين من ~~النظام الطبيعي، وإنما هما جزء لا يتجزأ منه. وهذا يعني أن قيم الإنسان وأفكاره ~~هي حصيلة التطور؛ وبالتالي فهي مجرد تعبير عن حاجات النوع الإنساني في هذا ~~العالم الذي نعيش فيه. # Nominalism # المذهب الاسمي: # هو الرأي (الذي يرجع أصله إلى العصور الوسطى) القائل إن الأشياء الفردية ~~وحدها هي التي لها حقيقة موضوعية، وأن التصورات والكليات ليست إلا «أسماء» ~~(Nomina) # وعلى ذلك فليس للتصورات وجود خارج ~~الذهن. وهذا المذهب يقابل الواقعية الأفلاطونية أو واقعية العصور الوسطى، التي ~~تنظر إلى الكليات ms512 أو الألفاظ المعبرة عن فئات على أن لها وجودا ~~موضوعيا. ~~(ملحوظة: # ينبغي عدم الخلط بين واقعية العصور الوسطى وبين الواقعية الحديثة، التي تقف ~~في نواح متعددة موقفا مضادا لها تماما). # Normative # معياري: # ما يكون معيارا أو مثلا أعلى تنظيميا (أو يرتبط به). وهكذا فإن الحكم ~~المعياري يعبر عن تفضيل أو تقويم، في مقابل الحكم المعرفي أو المعبر عن أمر ~~واقع. وعلى ذلك فإن «الكتاب على المنضدة» ليس حكما معياريا، على حين أن «هذا ~~كتاب جيد» هو حكم من هذا النوع. # Noumenon # الشيء في ذاته: # لفظ استخدمه كانت، ولكنه يستخدم الآن بوجه عام في الفلسفة، للتعبير عن «الشيء ~~في ذاته» في مقابل «الظاهرية Phenomenon ~~» أو ~~المظهر الذي يبدو عليه الشيء للحواس. وقد رأى كانت أن الأشياء في ذاتها لا يمكن ~~أن تعرف، ما دامت المعطيات الحسية لا تنقل إلينا إلا مظهر الأشياء. # Objective # موضوعي: # ما يوجد خارج الذهن، مستقلا عن الإدراك الحسي، ومستقلا (عادة) عن وجود ~~ذات واعية. ويدل اللفظ بمعنى أعم على ما يوجد في عالم التجربة المعتادة، ويمكن ~~بالتالي لكل الملاحظين إدراكه. وهو يقابل «الذاتي # Subjective ~~». # Occasionalism # المذهب الفرصي: # شكل متطرف من أشكال «مذهب التوازي Parallelism ~~»، له ~~طابع لاهوتي أكثر منه فلسفي، ويرى أن الذهن والجسم لا يؤثر أحدهما في الآخر ~~تأثيرا مباشرا، ولكن كل حادث في المجال الذهني أو الجسمي هو «فرصة» أو ~~«مناسبة» لكي يتدخل الله في إحداث تغير مناظر في المجال الآخر. # Ontological Argument # الحجة الأنطولوجية: # أكثر البراهين معقولية من بين تلك البراهين المسماة «بالأدلة الفعلية» على ~~وجود الله. وتقول هذه الحجة إن وجود الله يلزم حتما من تصور الألوهية ذاته. ~~ففكرة الله هي أكمل موجود، ولو لم يوجد هذا الموجود، لكانت هناك أشياء أخرى ~~أكمل منه (لأنها موجودة). وللحجة صيغ متباينة، تشيع منها الصيغة الخاصة ~~«بالموجود الأكثر حقيقة # Ens Realissimum ~~»، الذي ~~ينبغي أن يوجد لكي يكون هو الأكثر حقيقة. وكان أول من صاغها هو أنسلم # Anselm ~~(حوالي 1100) ثم استخدمها كثير من ~~اللاهوتيين والفلاسفة، ولا سيما ms513 دنس ~~سكوت # Duns Scotus # وديكارت، وليبنتس، في صورة معدلة. وكان الهجوم الذي شنه ~~«كانت» عليها هو أقوى هجوم وجه إليها. # Ontology # الأنطولوجية: # لفظ يستخدم أحيانا بمعنى مرادف للميتافيزيقا، ولكنه يدل في صورة أدق على ذلك ~~الفرع من الميتافيزيقا الذي يدرس «الوجود» في أكثر صورة تجريدا. فما طبيعة ~~الوجود بما هو وجود؟ وما معنى أن يكون الشيء موجودا؟ Panpsychism # مذهب شمول النفس: # الرأي القائل إن الطبيعة كلها، وضمنها المادة، ذات طابع نفسي، أو خصائص ~~نفسية. وأشهر صور هذا الرأي هو مذهب المونادولوجيا (الذرات الروحية) عند ~~ليبنتس، الذي يقول إن الطبيعة تتألف من مراكز للإدراك مشابهة للذهن البشري. ~~ويمثل هذا المذهب إحياء حديثا لمذهب حيوية المادة القديم، وهو شكل من أشكال ~~المثالية. Pantheism # مذهب شمول الألوهية (وحدة ~~الوجود): # هو المذهب القائل إن الله والكون لا يتميزان. فهو إذن مرادف لمذهب ~~الحلول # Immanence ~~، ويقابل مذهب ~~العلو # Transcendence # في طبيعة الألوهية. ~~وكانت الكنيسة تنظر دائما إلى مذهب شمول الألوهية على أنه تجديف، وقد أحرق ~~أشهر القائلين بهذا المذهب، وهو جوردانو ~~برونو # Giordano Bruno # بسبب رأيه هذا (1600). Parallelism (Psychophysical) # مذهب التوازي ~~(بين النفس والجسم): ~~: نظرية في العلاقة بين الذهن والجسم، ترى أن هناك تناظرا ~~بين كل واحد من الحوادث النفسية وكل واحد من التغيرات الجسمية؛ أي إن كل حادث ~~في أحد المجالين يقترن بتغير يحدث في نفس الوقت في المجال الآخر. وتنكر هذه ~~النظرية عادة أي ارتباط سببي بين السلسلتين المتوازيتين، وإن كانت تعترف ~~بالعلية في داخل كل من السلسلتين. ويرتبط هذا المذهب ارتباطا وثيقا ~~بمذهب الواحدية المحايدة ونظرية الوجهين (كما عند اسبينوزا مثلا). Parsimony (Law of) # قانون الاقتصاد في ~~الفكر: # مصادرة أساسية في التفكير العلمي، مؤداها أن من الواجب عدم تعديد العناصر ~~التفسيرية أكثر مما تقضي به الضرورة؛ أي إن أبسط تفسير كاف هو الذي يعد ~~صحيحا. وهكذا فإن العلم لا يسمح إلا باتخاذ العدد الذي لا يمكن الاستغناء عنه ~~من المسلمات في تفسير أية ظاهرة، ويفضل دائما في حالة تساوي فرضين في كل ms514 ~~شيء، الفرض الأبسط فيهما. وينطوي القانون ضمنا على القول بأن في الطبيعة مبدأ ~~البساطة - «الطبيعة دائما تستخدم أبسط الوسائل الممكنة». ويسمى هذا المبدأ ~~أيضا «مقص (أو سكين) أوكام # Occam’s Razor ~~»، ~~تبعا لاسم وليام الأوكامي # William of Occam # الذي صاغ هذا المبدأ لأول مرة في القرن الرابع عشر. Perfectionism # مذهب الكمال: # مذهب أخلاقي، يطلق عليه في كثير من الأحيان اسم «مذهب الكمال المثالي»، يرى ~~أن أسمى خير ينحصر في بلوغ الكمال. ويحدد هذا الكمال أحيانا بأنه هو الكمال ~~الأخلاقي أو الفضيلة الكاملة ولكن معناه الأكثر شيوعا هو الوصول إلى أعلى ~~تحقيق ممكن لقدراتنا وإمكاناتنا، أو على الأقل لأعلى هذه القدرات وأقربها إلى ~~طبيعة الإنسان. ويفضل كثير من المفكرين الأخلاقيين في الوقت الحاضر استخدام اسم ~~«تحقيق الذات # Self-Realization ~~» للتعبير ~~عن هذا المذهب. Phenomenon # الظاهرة: # ما يبدو للوعي أو يمكن أن يدرك، وهو مظهر الشيء، في مقابل «الشيء في ذاته # Nounmenon ~~». وعلى ذلك فإن الظواهر، كما ~~يدرسها العلم، هي الأشياء كما هي بالنسبة إلى الإنسان، لا كما هي في ~~ذاتها. Pluralism # المذهب التعددي: # الرأي القائل إن الواقع مؤلف من كثرة من الجواهر أو الكيانات المتميزة ~~المستقلة النهائية. وهو يدل، في معناه المتخصص، على أية نظرة إلى العالم تفترض ~~أكثر من مبدأين نهائيين. ومع ذلك فقد كانت المذاهب التعددية تقول عادة بكثرة ~~من المبادئ الحقيقية، وهي عادة مبادئ لا متناهية في العدد. وقد تكون هذه ~~المبادئ مادية (كما هي الحال عند الذريين)، أو روحية (كما هي الحال عند ليبنتس) ~~أو محايدة (كما هي الحال عند هربارت # Herbart ~~). Positivism # الوضعية: # الرأي الذي عبر عنه كونت # Comte # لأول مرة ~~تعبيرا منظما حوالي 1840، والقائل إن المعرفة اليقينية هي معرفة الظواهر، ولا ~~سيما تلك التي يتيحها العلم. وينطوي المذهب عادة على إنكار إمكان جود معرفة ~~نهائية؛ أي معرفة تتجاوز التجربة - ولا سيما فيما يتعلق بالعلل النهائية. وتدل ~~الوضعية، في معناها الواسع، على تأكيد الوقائع العلمية، في مقابل التأملات ~~النظرية الميتافيزيقية. Postulate # مصادرة: # عبارة غير قابلة لأن يبرهن عليها، ms515 تتخذ أساسا لاستدلال استنباطي. وللفعل ~~«يصادر» معنى أوسع إلى حد ما، في كثير من الأحيان؛ فهو يعبر عن القول بشيء ~~ينبغي افتراضه أو التسليم به من أجل إثبات شيء آخر. واللفظ يعد في بعض الأحيان ~~مرادفا للبديهية # Axiom # وإن كان أفضل استخدام ~~له هو ذلك الذي يكون فيه أضيق في نطاقه وأقل وضوحا ذاتيا من هذه ~~الأخيرة. Pragmatism # البرجماتية: # حركة فلسفية قريبة العهد ترتبط خاصة بأسماء وليم جيمس، وجون ديوي، وف. ك. س. ~~شيلر. وعلى الرغم من أن الأفراد المختلفين لهذه المدرسة قد أكدوا مشكلات ~~مختلفة، فإنهم جميعا يتفقون في معارضة أي نوع من مذهب المطلق، ولا سيما ~~المثالية المطلقة. وترتكز البرجماتية، عموما على النقاط الآتية: (1) أن معاني ~~الأفكار كلها إنما تكون في نتائجنا العملية، (2) أن وظيفة الفكر هي أن يكون ~~أداة للتكيف ومرشدا للسلوك «ديوي»، (3) أن المعيار الأول للحقيقة هو النتائج ~~العملية لاعتقادنا. ولقد كان العنصر الذي ترجع إليه الأهمية الكبرى البرجماتية ~~هو نشاطها النقدي التحليلي، لا صيغها الميتافيزيقية. Pre-established Harmony # الانسجام المقدر: # لفظ استخدمه ليبنتس لتفسير العلاقة بين الذهن والجسم، أو بمعنى أدق، بين ~~الذرات الروحية التي يقول بها مذهبه. وترتبط هذه الذرات بواسطة انسجام أو تزامن ~~قدرة الله منذ الأزل، بحيث إن التغيرات في أحد المجالين توازيها تغيرات في ~~المجال الآخر، دون أية علاقة سببية. # Rationalism # المذهب العقلي: # مذهب إبستمولوجي في المحل الأول، يقول إن المعرفة والحقيقة ينبغي أن تختبرا ~~آخر الأمر بالوسائل العقلية والاستنباطية، لا بالوسائل الحسية. وينظر العقليون ~~إلى «العقل» عادة على أنه مصدر مستقل للمعرفة، لا يعتمد على التجربة في شيء. ~~ويقال هذا اللفظ في مقابل «المذهب التجريبي # Empiricism ~~». # Realism # الواقعية: # لهذا اللفظ عدة معان منفصلة. فالواقعية الإبستمولوجية هي الرأي القائل (1) ~~إن للتصورات أو الكليات وجودا موضوعيا أو خارجا عن الذهن (وهي تسمى عادة ~~بالواقعية «الأفلاطونية» أو واقعية «العصور الوسطى»)، أو (2) أن في استطاعتنا ~~أن تكون لنا معرفة مباشرة أو صحيحة بالعالم الخارجي عن طريق التجربة الحسية. ~~أما الواقعية الميتافيزيقية فهي الرأي الذي ينكر ms516 إمكان إرجاع الكون إلى «الذهن» ~~أو «الفكر». وهذا يعني أن للكون وجودا مستقلا أو «واقعيا»، لا يتوقف على ~~الإدراك أو الوعي. ويقال هذا اللفظ في مقابل «المثالية». # Relativism # النسبية: # الرأي القائل إنه لا توجد حقيقة موضوعية أو مطلقة أو نهائية، وأن الحقيقة ~~دائما نسبية تبعا للمكان أو الزمان أو الجماعة أو الفرد والأكثر من ذلك ~~شيوعا بكثير مذهب النسبية الأخلاقية، الذي يرى أن «الخيرية» أو «الفضيلة» ~~تختلف من عصر إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى ... إلخ. ويقال هذا اللفظ في مقابل ~~المذهب المطلق # Absolutism ~~. # Self # الذات: # تدل، في معناها العام، على الأنا الذي يمر بالتجارب ونظرا إلى تطور علم ~~النفس، فقد أصبح هناك اتجاه متزايد إلى استخدام اللفظ مرادفا للشخصية كما ~~يراها الملاحظون الآخرون. ولقد كان للفظ الذات، من الوجهة التاريخية، معنى ~~ميتافيزيقي في كثير من الأحيان؛ فهي مبدأ الوحدة الكامن من وراء التجربة ~~الذاتية؛ وبالتالي فهي في كثير من المذاهب المثالية أهم ما في الكون. # Self-Determinism # الحتمية الذاتية (التحدد ~~الذاتي): # موقف وسط بين الحتمية # Determinism # واللاحتمية # Indeterminism ~~. ويرى أنصار ~~الحتمية الذاتية أن أفعالنا تتحدد بالفعل، ولكن ليس عن طريق قوى أو ظروف خارجية ~~من أي نوع، بل إن طبيعة الذات (التي يقصد منها عادة عناصرها النفسية وحدها) هي ~~التي تتحكم في عمليات الاختيار التي تقوم بها، وتعد «سببية الذات الروحية ~~الدائمة» هذه ضمانا لحريتنا الأخلاقية الأساسية. # Self-Evidence # الوضوح الذاتي: # صفة كون الشيء واضحا للذهن دون حاجة إلى إثبات أو برهان. وهي تقال على أية ~~عبارة تتضح صحتها فورا بمجرد النظر فيها. # Self Realization ~~(مذهب) تحقيق الذات: # المذهب الأخلاقي القائل إن أسمى خير للإنسان يكمن في تحقيق قدراته وإمكاناته ~~إلى أقصى حد. ويتخذ هذا المذهب أحيانا اسم «مذهب الكمال Perfectionism ~~» فيؤكد الملكات البشرية ~~العليا، على حين أن هناك مفكرين آخرين (ولا سيما أرسطو) قد أكدوا أهمية تنمية ~~ما هو فريد في الإنسان، وبخاصة قدرته على تنظيم أوجه نشاطه وفقا للعقل. ويسمى ~~هذا المذهب أحيانا باسم مذهب السعادة # Eudaimonism # ومذهب التحقق ms517 # Energism ~~. # 2 ~~⋆ # Skepticism # مذهب الشك: # موقف إبستمولوجي يعتقد فيه أن الذهن البشري لا يستطيع بلوغ معرفة يقينية أو ~~مطلقة، أو أنه لا يتمكن، حتى لو استطاع بلوغها، من الاعتراف بيقينيتها. وقد لا ~~ينطبق إنكار المعرفة المطلقة هذا إلا على ميادين أو موضوعات معينة فحسب (كالله ~~أو الخلود أو طبيعة الذات أو الحقيقة النهائية، إلخ)، وقد يتسع بحيث يشمل كل ~~الموضوعات. وينبغي التمييز بدقة بين هذا اللفظ وبين المذهب الكلبي # Cynicism # وهناك تردف فضفاض بين مذهب الشك ~~وبين اللاأدرية # Agnosticism # فيما عدا أن ~~الثاني أقرب إلى أن يكون اعترافا بالجهل، لا شكا في إمكان المعرفة. وفضلا ~~عن ذلك فإن اللاأدرية تستخدم في كثير من الأحيان بالنسبة إلى معرفة الله ~~فحسب. # Solipsism # مذهب الذات الوحيدة: # هو أكثر صور المثالية الذاتية تطرفا. وهو يرى أن الذهن لا يستطيع أن يعرف ~~إلا تجاربه الخاصة؛ وبالتالي لا يستطيع إثبات الوجود الموضوعي لأي شيء خارج عن ~~الذهن. وعندما يطبق هذا المذهب على الميتافيزيقا، يقول إنه لا توجد إلا ذاتي ~~وحدها (أي ذهني وحده) وإدراكاتها وحالاتها الواعية. فكل الأشياء المادية، فضلا ~~عن كل الأشخاص الآخرين، يتوقف وجودها على وعيي. # Spiritualism # المذهب الروحي: # يعني، في الفلسفة، لمذهب الميتافيزيقي القائل إن الواقع النهائي روح، أو ذهن، ~~أو عقل، واحد أو كثير. ويستخدم هذا اللفظ مرادفا فضفاضا للمثالية، ولكن الأدق ~~أن يستخدم للتعبير عن تلك الصورة المتطرفة للتفكير المثالي، التي تذهب إلى أنه ~~لا وجود إلا للروح. ويقال هذا اللفظ في مقابل المذهب المادي # Materialism ~~. # Stoicism # الرواقية: # من أعظم المذاهب الأخلاقية في العالم القديم (ولا سيما العالم الروماني). ~~وأهم تعاليمها (1) سعي المرء إلى السعادة داخل ذاته عن طريق المران على عدم ~~الانفعال أو الاستقلال عن العالم الخارجي. (2) العيش «وفقا للطبيعة»، وهو يعني ~~اتباع العقل (بوصفه المبدأ الأعلى في الطبيعة البشرية) وإطاعة قانون «اللوجوس» ~~أو العقل الكوني الشامل لكل شيء. وهكذا تصبح الحياة وفقا لهذين المبدأين أسمى ~~واجب للإنسان. # Subjective # الذاتي: # ما يتعلق بالعمليات الذهنية للفرد، أو ينشأ عنها، في مقابل ms518 ما يوجد في البيئة ~~الخارجية. وهو يقابل الموضوعي # Objective ~~، كما ~~أنه مرادف فضفاض للشخصي («في المشاعر والقيم» إلخ) والاستبطاني (في المناهج ~~والدراسات، إلخ). # Subsistence # الدوام: # يدل هذا اللفظ، كما يستخدم في الفلسفة الحديثة، على نوع الوجود الذي يتسم ~~بأنه ليس ذهنيا ولا ماديا، والذي يفترض أنه صفة للماهيات والكليات والقضايا ~~المنطقية، وكذلك القدم (بالنسبة إلى بعض المفكرين). هذا الدوام يقابل الوجود ~~الفعلي # Existence # الذي تتصف به الأشياء ~~العينية. # Substance # الجوهر: # الطبيعة أو الحقيقة الأساسية التي تكمن من وراء خصائص أي شيء ويستخدم اللفظ ~~عادة بالمعنى الشامل، ليدل على ما نتصوره موجودا في ذاته وبذاته؛ أي العلة ~~الدائمة التي توجد من وراء الظواهر. وعلى ذلك فإن الجوهر هو ما تحل عليه ~~التغيرات، وإن لم يكن هو ذاته تغيرا أو تعديدا لأي شيء آخر. # Summum Bonum # الخير الأسمى: # هو الهدف النظري النهائي للسلوك البشري، وله في ذاته أعلى قيمة كامنة، كما ~~أنه يعد غاية كل القرارات والأفعال أو سببها. وهناك عدة صفات رشحت لشغل مكانة ~~هذا المثل الأخلاقي الأعلى، منها السعادة واللذة والفضيلة وأداء الواجب وتحقيق ~~الذات والقوة وغيرها. # Supernaturalism # المذهب فوق الطبيعي: # في الفلسفة، المذهب القائل إن الكون من خلق مصدر خارجي أو قوة تحكمه. وهذه ~~القوة هي عادة الله، الذي يعلو على خلقه، والذي هو صانع كل وجود، ومصدر كل ~~قيمة. وهذا المذهب يقابل المذهب الطبيعي # Naturalism ~~، ولا سيما في موقفه الذي يقول ~~فيه إن من الممكن تفسير وجود الكون وعملياته بالقوى الطبيعية وحدها. # Syllogism # القياس: # صورة من صور الاستدلال الاستنباطي، تتضمن قضيتين (يطلق عليهما اسم ~~«المقدمتين») ترتبطان معا بحيث تلزم عنهما قضية ثالثة (النتيجة). والمثل ~~التقليدي له. # كل إنسان فان # سقراط إنسان # إذن سقراط فان # Synoptic # جامع: # ما يقدم نظرة عامة إلى الكل، وجميع أجزائه، بحيث نتأمل الكل في مجموعه ~~والأجزاء في علاقاتها الضرورية بعضها ببعض، وبالكل. # Teleological Argument # الحجة الغائية: # من «الأدلة» العقلية على وجود الله. وهي تعرف أيضا باسم حجة القصد والتدبير # Argument from Design # وتذهب إلى ms519 أن الكون ~~في مجموعه يكشف عن مظاهر للخضوع لغايات، مما يدل بدوره على وجود قصد واع، أو ~~عقل خلاق. هذه الحجة التي كانت أثيرة لدى اللاهوتيين في القرنين الثامن عشر ~~والتاسع عشر، قد اختفت من مجال الفلسفة تقريبا، نتيجة لفكرة الانتقاء الطبيعي ~~في نظرية التطور عند داروين. # Teleology # الغائية: # مذهب العلل الغائية، الذي يرى أن الكون تنظمه غايات ومقاصد. وعلى ذلك فمن ~~الواجب تفسير الحوادث، لا على أساس سوابقها (أي «العلل الفاعلية») وإنما على ~~أساس نتائجها (أي «العلل الغائية»). ويدل هذا اللفظ، في استعماله الأكثر ~~شيوعا، على الرأي القائل إن لكل شيء يوجد أو يحدث غاية؛ وبالتالي أن من الواجب ~~تفسيره في صلته بالمستقبل، لا بالماضي. هذا المذهب يقابل مباشرة «المذهب ~~الآلي». الذي يسعى إلى تفسير كل الظواهر على أساس الحوادث السابقة فحسب. # Theism # مذهب الألوهية (المفارقة): # هو، بأوسع معانيه، الاعتقاد بوجود إله أو آلهة؛ ومن هنا كان هو النقيض ~~المنطقي للإلحاد # Atheism # الذي ينكر هذا الوجود. ~~وهو بمعنى أدق، المذهب القائل إن الله واحد، مشخص، لا متناه، يجمع بين العلو ~~(في ماهيته) والحلول (في حضوره وفاعليته). وينطوي مفهوم هذا المذهب عادة على ~~القول بالأزلية، والقدرة الشاملة، والعلم المحيط، والخير الأسمى، والحضور في كل ~~مكان. كذلك كان هذا المفهوم يتضمن عادة فكرة الله بوصفه خالق الكون ومركزه ~~الأخلاقي. فإذا أضفنا إلى هذه الخصائص، القدرة على سماع الدعاء والصلاة ~~وإجابتهما، كان مفهوم الألوهية هذا مفردا للمعنى التقليدي لله في المسيحية. ~~والمفهوم بمعناه هذا، مضاد لمذهب الألوهية الطبيعية # Deism # ومذهب الألوهية الشاملة Pantheism ~~. # Theology # اللاهوت: # الدراسة المنظمة لله: من حيث وجوده وطبيعته وقدراته وقوانينه وعلاقاته، وخاصة ~~بالإنسان والعالم. وتشتمل هذه الدراسة في كثير من الأحيان على تحليل لأسس ~~معرفتنا بالله وحدودها، وفي هذه الحالة قد يكون التفكير النظري فيها أقرب إلى ~~الطابع الفلسفي منه إلى الطابع اللاهوتي بالمعنى الدقيق. وقد تكون هذه الدراسة ~~نظرية بحتة، لا تربطها صلة ضرورية بالدين، ولكن هذا أمر غير مألوف. # Transcendent # العالي: # ما يوجد وراء التجربة؛ وبالتالي ms520 فلا يمكن معرفته. وقد استخدم هذا اللفظ عند ~~«كانت» بوجه خاص. وينطبق اللفظ عامة على جميع المذاهب الفكرية التي ترى أن هناك ~~صورا ومبادئ أولية تنظم التجربة. # 3 ~~⋆ # ويستخدم اللفظ، في معنى أكثر تداولا بين الناس، ليدل على نفس ما يدل عليه ~~المتعالي # Transcendental ~~؛ أي ما هو «خارج ~~عن هذا العالم». وهو في اللاهوت يدل على المذهب القائل إن الله خارج عن ~~الطبيعة؛ ومن ثم فهو يقابل لفظ «الحال» # Immanent ~~. # Tychism # مذهب الاتفاق: # هو المذهب القائل إن المصادفة أو الاتفاق له وجود موضوعي، ويقوم بدور فعال في ~~العملية الكونية، وبذلك لا تكون «المصادفة» مجرد اسم يعبر عن جهلنا بالأسباب، ~~وإنما تكون وجودا واقعيا. # Utilitarianism # مذهب المنفعة: # هو المذهب القائل إن الغاية المثلى للسلوك البشري ينبغي أن يكون أعظم قدر من ~~الخير لأكبر عدد من الناس ... مع تعريف «الخير» على أساس اللذة أو السعادة. وتعد ~~وجهة النظر هذه، التي كان أشهر من عبر عنها جيريمي بنتام وجيمس مل وابنه جون ~~ستيورات مل، مذهبا في اللذة يتصف أساسا بأنه ذو طابع اجتماعي (في مقابل مذهب ~~اللذة الأناني). وهذا المذهب يقابل المذهب الحدسي # Intuitionism # أو الشكلي # Formalism ~~. # Validity # الصحة والصواب: # صفة لما يمكن استخلاصه بطريقة مشروعة من المقدمات بالاستدلال المنطقي. وعلى ~~ذلك فالنتيجة الصحيحة أو الصائبة هي تلك التي يستدل عليها من مقدمات سابقة. ومن ~~الواجب التمييز بين الصحة أو الصواب وبين الحقيقة (أو بتعبير أدق، الحقيقة ~~المطابقة للواقع). # Value # القيمة: # هي بمعنى واسع ما يجعل أي شيء جديرا بأن يمتلك أو يتحقق. وقد ثارت خلافات ~~عديدة حول مصدر القيمة ومكانتها، وكذلك علاقتها بالسلوك البشري، مما جعل هذا ~~اللفظ من أشد ألفاظ الفلسفة غموضا. ومع ذلك يبدو أن جميع المدارس تتفق على أن ~~من الممكن تقسيم القيم إلى «كامنة» و«وسيلية»، وعلى أن أحكام القيم ينبغي أن ~~تتميز عن أحكام الواقع (مثلما يتميز الحكم «هذا الكتاب جيد» عن الحكم «هذا ~~الكتاب فوق المنضدة»). ولعل أعظم الخلافات هو ذلك الذي يتركز حول مسألة ما إذا ms521 ~~كانت القيم موضوعية أو ذاتية، مطلقة أو نسبية. # Vitalism # المذهب الحيوي: # هو المذهب البيولوجي القائل إن العمليات العضوية لا تقبل التفسير على أساس ~~الفيزياء والكيمياء، بل لا يمكن تفسيرها إلا بافتراض كيان أو جوهر غير قابل ~~للمعرفة، ولا مادي، يسمى بالجوهر شبه النفسي Psychoid ~~، أو الكمال # Entelechy # أو الدفعة الحيوية # Élan Vital # أو «المبدأ الحيوي # Vital Principle ~~» واللفظ يقابل المذهب ~~الآلي # Mechanism ~~. # Weltanschaung (Weltansicht) # النظرة إلى ~~العالم: # رأي أو نظرة شاملة إلى العالم. وهو لفظ ألماني شاعري إلى حد ما، يدل إما على ~~مذهب محدد في الفلسفة، وإما على موقف لا شعوري إلى حد ما، من الحياة والعالم - ~~«كالنظرة الأفلاطونية إلى العالم»، أو «نظرة العصر الوسيط إلى العالم» ~~مثلا. # World # العالم: # في الفلسفة، مجال للوجود أو للتجربة. وينطوي اللفظ عادة على القول بوجود ~~كل موحد نسبيا، يشتمل على ذاته، كقولنا مثلا: «عالم الطبيعة» أو «عالم ~~الموسيقى» أو «عالم الأحلام» ... إلخ. وينبغي عدم الخلط بين اللفظ وبين الدنيا أو ~~الأرض - وهي الكوكب الذي نعيش فيه. وكثيرا ما يدل لفظ «العالم» على مجموع ~~بيئتنا، أو حتى على الكون كله منظورا إليه على أنه موضوع للتجربة. ويتمثل هذا ~~المعنى الأخير في عبارة: «الإنسان يسعى إلى فهم عالمه». ms522