######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.FalsafaIngliziyyaFiMiatCam01.Hindawi25747374 #META# Tags: philosophy #META# ID: 25747374 #META# Title: الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول) #META# AuthorID: 46481903 #META# Author: رودلف متس #META# EditorID: 64904748 #META# Editor: زكي نجيب محمود #META# TranslatorID: 90639697 #META# Translator: فؤاد زكريا #META# Related_books: 1363RudolfMetz.HundredYearsEnglishPhilosophy (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # مقدمة المؤلف (للطبعة الألمانية)‏ # الباب الأول: المدارس الفكرية المتقدمة‏ # 1 - المدرسة الاسكتلندية‏ # 2 - المدرسة النفعية التجريبية‏ # 3 - المدرسة التطورية الطبيعية‏ # تذييل للفصل الثالث‏ # 4 - الجماعات المهتمة بالفلسفة الدينية‏ # الباب الثاني: المدارس الفكرية المتأخرة‏ # 1 - الحركة المثالية الجديدة‏ # مقدمة المترجم‏ # مقدمة المؤلف (للطبعة الألمانية)‏ # الباب الأول: المدارس الفكرية المتقدمة‏ # 1 - المدرسة الاسكتلندية‏ # 2 - المدرسة النفعية التجريبية‏ # 3 - المدرسة التطورية الطبيعية‏ # تذييل للفصل الثالث‏ # 4 - الجماعات المهتمة بالفلسفة الدينية‏ # الباب الثاني: المدارس الفكرية المتأخرة‏ # 1 - الحركة المثالية الجديدة‏ # | الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول) # | الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول) # تأليف # رودلف متس # ترجمة # فؤاد زكريا # مراجعة # زكي نجيب محمود # | مقدمة المترجم # قد يبدو أن كتابا عن الفلسفة الإنجليزية، من تأليف كاتب ألماني، ~~ليس أفضل الكتب التي يمكن أن تترجم في هذا الموضوع، غير أن هذا ~~الازدواج ذاته من أهم ميزات هذا الكتاب؛ ذلك لأن مجرد كون مؤلف الكتاب ~~ينتمي إلى بلد غير ذلك الذي كتب عنه، يتيح له النظر إلى الأمور ~~بطريقة نقدية موضوعية يصعب أن تتوافر فيمن يكتب عن فلسفة بلاده هو؛ ~~وذلك لأسباب واضحة؛ فالمؤلف هنا محايد لا ينتمي إلى أي مذهب من المذاهب ~~التي يعرض لها، أو إلى أية مدرسة يؤرخ لها، فضلا عن أن السمات ~~العامة للتفكير الإنجليزي تظهر له بوضوح أكثر مما يمكن أن تظهر به ~~لواحد من ممثلي هذا التفكير ذاته، هذا من الناحية العامة، أما من ~~الناحية الخاصة فإن للمؤلف علما غزيرا بموضوع الفلسفة الإنجليزية على ~~التخصيص، بل إنا نستطيع أن نقول إنه كرس حياته كلها للتأريخ لها، ~~فله أيضا كتاب بالألمانية عن حياة باركلي ~~وتعاليمه # G-Berkeley, Leben Und Lehre ~~(شتوتجارت، مكتبة # Frommann # في سنة 1925) وآخر عن ~~ديفد هيوم، ~~حياته وفلسفته # D. Hume, Leben Und Philosophie ~~(بنفس المكتبة، سنة 1925) وله قائمة ~~بمراجع الفلسفة الإنجليزية بعنوان الفلسفة الإنجليزية ~~الحالية # Englische Philosophy der Gegenwart # في سلسلة أبحاث في ميدان ~~الفلسفة # Berichte aus dem Gebiele Der Philosophie # العدد 23، ومقال بالفرنسية بعنوان ~~أصدقاء هيوم ms001 الفرنسيون وحركة الأفكار # Les amitiés françaises de Humeetle Mouvement des Idèes # في ~~«مجلة الأدب ~~المقارن # Revue de Littérature comparée # 1929» ص644-713، ومقال بالإنجليزية عن ~~الاتجاهات ~~الأخيرة في التفكير الأخلاقي # Recent Trends in Ethical thought # في مجلة Philosophy # 1939، العدد 14، ~~ص299-312، ومن هذا الإنتاج الهام، المتخصص، يتضح لنا أن المؤلف أصلح من ~~يكتب في هذا الموضوع. # وفضلا عن ذلك فإن الكتاب - كما يقول المؤلف في مقدمته - يمثل محاولة ~~للتفاهم بين الألمان والإنجليز في وقت كان البلدان فيه أحوج ما ~~يكونان إليه، ومن المؤكد أن حدس المؤلف في هذا الصدد كان صادقا، ولكن ~~المحاولة - شأنها شأن محاولات أضخم بكثير في مجالات أخرى أهم - قد ~~أخفقت، ونشبت الحرب العالمية الثانية في العام التالي لنشر الترجمة ~~الإنجليزية لكتابه، وضيعت جزءا كبيرا من مجهوده؛ إذ إن إعادة التفاهم ~~الثقافي بين البلدين قد استغرق وقتا طويلا، وعندما بدأت مظاهر هذا ~~التفاهم تعود ثانية إلى الأفق كان الجو الفلسفي في إنجلترا قد تغير ~~إلى حد بعيد، بحيث لم يعد الكتاب يعبر عن آخر الاتجاهات المعاصرة في ~~التفكير الإنجليزي تعبيرا كاملا. # على أن محاولة المؤلف أن يكون موضوعيا تماما في بحثه للفلسفة ~~الإنجليزية لم تكن في رأينا ناجحة كل النجاح، وما أظن أن أي مؤلف غيره ~~كان قادرا على أن يحرز في هذا المضمار نجاحا أكبر مما أحرز؛ فرغم ~~حرصه الشديد على النزاهة والموضوعية، يستطيع القارئ المدقق أن يلمس ~~مظهرين للتحيز، يعبران دون شك عن ميول شخصية لا يستطيع أي كاتب ~~أن يخفيها تماما مهما بذل في ذلك من جهد؛ الأول هو حرصه على إظهار ~~أهمية تأثير الفلسفة الألمانية في الفكر الإنجليزي، والثاني هو ميله ~~إلى الطريقة التأملية الخالصة في التفكير الفلسفي، وإلى تشييد المذاهب ~~الفكرية الشاملة، في مقابل الطريقة الجزئية الواقعية في التفكير، ~~والتماس الحلول الجزئية المدققة مع تجنب الإفراط في التعميم. # أما المظهر الأول - وهو حرصه على إظهار أهمية المفكرين الألمان - ~~فيظهر أوضح ما يكون - بطبيعة الحال - في الفصل الخاص بالتفكير المثالي، ~~ففي هذا الفصل حرص على تفنيد ms002 قضية «مويرهيد» وغيره، القائلة: إن بذور ~~المثالية كانت موجودة في التفكير الإنجليزي على الدوام، واتجه همه ~~إلى إثبات أن الحركة المثالية الجديدة كانت مستوردة تماما من ألمانيا، ~~مع تكييفها بما يلائم الظروف المحلية بالطبع (انظر بوجه خاص صفحتي ~~530 و531 من الطبعة الإنجليزية). وقد يكون لرأيه هذا ما يبرره من ~~الوجهة التاريخية ، غير أن المرء عندما يلاحظ تمجيده لشخص مثل «سترلنج» ~~وتسميته إياه «رائدا» في الوقت الذي قضى فيه سترلنج الجزء الأكبر من ~~حياته يحاول فهم فيلسوف ألماني هو هيجل، فإنه لا يملك إلا أن يشعر ~~بتأثير اعتزاز المؤلف بفلسفته القومية الألمانية من جهة، وبوجود نوع ~~(قد يكون لا شعوريا) من الحط من شأن الفلسفة الإنجليزية، حين يصبح ~~أحد «روادها» مجرد شارح غير كامل لهيجل! # وأما الموضوع الثاني - وهو تمجيد الفكر التأملي على حساب الفكر ~~التحليلي - فهو واضح في كل أجزاء الكتاب؛ إذ إن تحمس المؤلف كله إنما ~~ينصب على من تميزوا «بالجرأة» من المفكرين الإنجليز، فتعالت شطحاتهم ~~على التجربة، وأصدروا على الكون كله أحكاما عامة قطعية، دون أن ~~يعبئوا على الإطلاق بتحقيق هذه الأحكام، ولقد قدم لنا المؤلف وصفا ~~رائعا لرأيه في الفلاسفة التحليليين، الذين يهتمون بمشاكل جزئية ~~ويدققون النظر فيها حتى تغيب عنهم الأمور الكلية تماما، في كلامه عن ~~الفيلسوف، «برود # G. D. Broad ~~» الذي ~~اتخذه ممثلا لهذا «النمط» التحليلي في التفكير؛ ففي ص663 و664 (من ~~الأصل الإنجليزي) وصف بديع، حافل بالسخرية الخفية، من هذا النمط من ~~المفكرين، الذي ينافس الآلات في موضوعيته ودقته و«بروده»، وهو وصف ~~يستحيل أن يصدر عن مفكر إنجليزي، بل يعبر بوضوح عن رأي العقلية ~~الألمانية الصوفية في النزعة التحليلية الأنجلوسكسونية ~~المعاصرة. # وعلى أساس هذا الميل الطبيعي لدى المؤلف، اتخذت نبوءاته عن مستقبل ~~الفلسفة الإنجليزية وجهة خاصة كانت في واقع الأمر تعبيرا عما يريده ~~هو أن يكون، ولكنها جاءت مخالفة تماما للواقع، فبعد مضي ربع قرن على ~~نشر الطبعة الإنجليزية لهذا الكتاب، نستطيع أن نقول إن نبوءته لم تتحقق ~~على الإطلاق، فهو يأمل - في ms003 هامش ص536 (من الطبعة الإنجليزية) - أن ~~يكون الاتجاه التحليلي الذي بدأ يظهر بقوة في ذلك الحين وعكة طارئة # a passing distemper ~~، ويرى في ~~المذاهب التأملية عند «مورجان» وألكسندر دليلا على أن الفلسفة ~~الإنجليزية بدأت تعود إلى مجال التحليق التأملي، وتتخلى عن اللاأدرية ~~وعن النزعة التحليلية المفرطة التي كانت تبدو شائعة في ذلك الحين (انظر ~~ص662 من الأصل الإنجليزي)، ومع ذلك فإن عكس هذه النبوءة هو الذي تحقق؛ ~~إذ إن المفكرين التأمليين من أصحاب المذاهب، مثل ألكسندر وهويتهد، ~~كانوا هم «الوعكة العارضة»، إذا تأملنا تاريخ الفلسفة الإنجليزية في ~~مجموعه، واشتدت النزعة التحليلية قوة حتى أصبحت تسيطر على الدراسات ~~الفلسفية في إنجلترا وأمريكا سيطرة شبه تامة، وأصبح كثير من الكتب ~~الفلسفية يبدو - على حد التعبير الساخط للمؤلف - أشبه بكتب مدرسية في ~~الرياضة، وهي كلها أمور كان المؤلف يتمنى في قرارة نفسه ألا ~~تحدث. # وأخيرا، ينبغي أن ننبه القارئ إلى بعض العيوب التي يبدو أنه لم ~~يكن من ظهورها في الكتاب بد، سواء في طبعته الإنجليزية وفي ترجمته ~~العربية، فالكتاب يتوقف عند سنة 1928 على الأكثر، ومعنى ذلك أنه لا ~~يقدم أي بيان عن اتجاهات هامة متعددة ظهرت بعد ذلك الحين، والأهم ~~من ذلك أنه يتوقف بالفلاسفة أنفسهم عند سنة 1938، بحيث تجاهل الإنتاج ~~اللاحق لأولئك الذين ظلوا منهم أحياء بعد ذلك، ولم يكن في وسعنا، ونحن ~~نقوم بالترجمة العربية، أن نكمل هذا النقص إلا إذا تصرفنا في الكتاب ~~على نحو يخل بطابعه الأصلي؛ لذلك تركنا كل شيء على ما هو عليه، فيما ~~عدا بعض الملاحظات الهامشية البسيطة، ولا سيما ذكر تواريخ وفاة ~~المؤلفين الذين توفوا فيما بين 1938 ووقتنا الحالي، حتى لا يظن القارئ ~~أنهم ما زالوا أحياء، كذلك أضفنا بعض الشروح الموجزة لبعض المسائل التي ~~افترض المؤلف في القارئ العلم بها مقدما، وقد لا تكون مألوفة لدى ~~القارئ باللغة العربية، فضلا عن بعض الترجمات الموجزة لشخصيات ليست ~~كبيرة حتى يعرفها كل قارئ في ميدان الفلسفة، ولم يرد لها شرح في النص ~~أو ms004 في السياق، ولكن لا يفوتني هنا أن أوجه انتقادا عابرا إلى ~~الناشرين الإنجليز الذين أعادوا طبع الكتاب سنة 1950؛ فصحيح أن من ~~المستحسن في بعض الأحيان نشر الكتب الهامة دون إدخال تعديل عليها حتى ~~رغم اقتضاء الظروف إدخال هذا التعديل، غير أن إضافة ملحق أو بعض ~~الهوامش - وذلك على الأقل لإيضاح من بقي حيا أو من توفي من ~~الفلاسفة الذين تناولهم الكتاب - لم يكن ليضيف الكثير إلى نفقات ~~الطباعة، ولكنه كان على الأقل كفيلا بتجنيب القارئ صورة مشوهة لأحوال ~~الفلسفة الإنجليزية سنة 1950، ومن المظاهر الغريبة أن هامش ص41 من ~~الأصل الإنجليزي تضمن إشارة إلى كتاب «سيظهر قريبا» عن الفلسفة ~~الاسكتلندية، ثم ظهر اسم الكتاب في ص779 على أنه صدر فعلا (سنة 1938)، ~~ويزداد العجب إذا أدركنا أن هذا الكتاب الذي تحدث عنه الهامشان من ~~تأليف أحد المترجمين الإنجليز الثلاثة للكتاب الأصلي، أي إن هذا ~~المترجم كان يستطيع على الأقل التنبيه إلى هذا التضارب في الإشارة ~~إلى كتابه، أو ينبه الناشر إلى تصحيحها في الطبعة التالية على ~~الأقل. # ويشعر المرء بحاجة الكتاب إلى الاكتمال في حالة المفكرين المعاصرين، ~~بوجه خاص (ومن هنا كان الأحكم دائما - في رأيي - ألا تؤلف كتب ~~التواريخ الجامعة هذه إلا بعد وفاة الشخصيات التي تتحدث عنها، وبعدها ~~بوقت كاف أيضا، حتى تكون كل المؤلفات المخلفة ذاتها قد نشرت)، ~~ولنأخذ على سبيل المثال شخصية برتراند رسل. فمن المعروف أن كتابات رسل ~~قد تضاعفت منذ سنة 1938، وصحيح أنه يكرر نفسه كثيرا، ولكن له ~~أبحاثا هامة تظهر من حين لآخر، ولست أظن أن المرء يستطيع أن ينصف رسل ~~إذا توقف في الحديث عنه عند سنة 1938، ويكفي أن يتصفح المرء قائمة ~~مؤلفاته في سلسلة ~~الفلاسفة الأحياء # Library of Living Philosophers # التي يشرف على نشرها «شيلب # A. Schilpp ~~»، (وهى القائمة التي تجاوزها ~~رسل بدورها) ليدرك مدى غزارة إنتاجه بعد هذا التاريخ. والأهم من ذلك أن ~~وقائع حياته ذاتها قد طرأ عليها تغير حاسم، فموقف رسل الأخير من مشكلة ~~نزع السلاح، وتكوينه «لجنة المائة»، وحرصه ms005 الدائم على محاربة أي نوع من ~~الظلم يقع في أي طرف من أطراف الأرض، وسعيه الإيجابي في سبيل تحقيق هذا ~~الهدف، كل هذا كفيل بأن يضيف إلى حياة رسل صفحة جديدة كل الجدة، ~~تشرف الإنسانية بوجه عام، وتشرف الفلسفة على الأخص، وتحقق لها ~~أملا كانت تحلم به منذ قرون عديدة؛ أمل الاشتراك إيجابيا في حل ~~المشكلات السياسية والاجتماعية للإنسان، ففي رأيي أن كفاح رسل من أجل ~~السلام ونزع السلاح، وكفاح «سارتر » من أجل نفس هذه الأهداف - فضلا عن ~~قضية استقلال الجزائر - يمثل محاولة جدية لتحقيق حلم أعرب عنه ~~أفلاطون منذ ما يقرب من خمسة وعشرين قرنا، وحاول أن يحققه حينئذ ولكن ~~بطريقة ساذجة أدت إلى عكس النتائج المقصودة منه، وما هذا إلا مثل ~~واحد - ولكنه مثل يستحق إشارة خاصة في هذه المقدمة - لحالة فيلسوف ~~يستحيل إصدار حكم عليه من خلال ما أنجزه في أواسط حياته فقط. # وأخيرا، فقد بقيت كلمة موجزة عن المنهج الذي اتبعته في الترجمة ~~العربية؛ ففي هذه الترجمة حاولت أن أوفق بقدر الإمكان بين مطلبين ~~أساسيين: تسلسل لغة الترجمة، والاقتراب من النص (وتلك في الواقع هي ~~المشكلة الكبرى في كل ترجمة!) وقد اقتضى الأمر إضافة ترجمات لمصطلحات ~~متعددة ليست موجودة على صورة ثابتة في اللغة العربية، أو تغيير ~~ترجمات شائعة أعتقد أنها غير سليمة، أو ترك بعض المصطلحات مع كتابتها ~~بالحروف العربية في الحالات التي وجدت فيها ذلك أمرا لا مفر منه، ~~وسيجد القارئ خلال النص ذاته ما يقدم لهذه التصرفات مبررات ~~كافية. # فؤاد زكريا # القاهرة في سبتمبر 1963 # | مقدمة المؤلف (للطبعة الألمانية) # يهدف هذا الكتاب إلى تقديم عرض لتطور الفلسفة الإنجليزية منذ حوالي ~~منتصف القرن الماضي حتى اليوم، ومع ذلك فقد كان لزاما علي - لكي أضع ~~أساسا للعرض الذي قدمته للفلسفة البريطانية المعاصرة بالمعنى الدقيق ~~لهذه الكلمة - أن أضمن كتابي أفكارا أقدم عهدا، وأن أبين ~~جميع أوجه الارتباط التي تصل الحاضر بالماضي، لتكون منهما كلا ~~متكاملا متماسكا إلى حد ما، وفي سبيل هذا الهدف الأخير كتبت ms006 الباب ~~الأول من هذا الكتاب، وبذلك يكون هذا العرض للفلسفة الإنجليزية الحديثة ~~قد جمعها في وحدة تاريخية كاملة الأطراف. # غير أن الموضوع الرئيسي الذي ينصب عليه الاهتمام في كتابي هذا يبدأ ~~منذ الباب الثاني، ومن أجل هذا الموضوع بذل هذا الجهد الشاق؛ ذلك ~~لأنه على حين أن المدارس الفكرية الأقدم عهدا قد حظيت بقسط كاف من ~~الدراسة، وأصبحت سماتها الرئيسية معروفة للجميع، فإن الفترة المتأخرة ~~لم تبحث قط بحثا شاملا، وكانت المؤلفات القليلة التي تناولتها إما ~~مجرد جمع لمواد، أو بحوثا تقتصر على نواح جزئية منها، ولا تعدو أن ~~تكون موجزات وتلخيصات غير دقيقة، وهكذا كان من الواجب - في هذا الميدان ~~- بذل كل الجهد اللازم للإلمام الدقيق بالموضوع، وكانت مهمتي في هذا ~~الصدد هي أن أستكشف أرضا جديدة في تاريخ الفلسفة، ولم تكن تقتصر على ~~إبراز النسيج المعقد للفلسفة الإنجليزية في سياقها الخارجي، وإنما ~~توخيت أيضا إيضاحها من باطنها، وتقديمها في صورة تتسم بالعمق مثلما ~~تتسم بالاتساع؛ لذلك كان علي أن ألجأ مباشرة إلى المصادر الأصلية؛ ~~فمنها وحدها كنت أستطيع استخلاص الملامح الصادقة للمفكرين ولموقعهم من ~~المدارس الفكرية، ولهذه المدارس الفكرية ذاتها. # ومن الطبيعي أنني عندما أتحدث في هذا الكتاب عن «مدارس فكرية» فإني ~~أعتمد على قدرتي في استبصار العلاقات بين الأفكار، غير أن الامتلاء ~~الحي المتعدد الألوان، الذي يتبدى عليه التفكير الفلسفي لعصر من ~~العصور وأمة من الأمم، لا يندرج بسهولة دائما في إطارات تاريخ ~~الفلسفة، وكثيرا ما يتعارض مع هذا التقسيم الحاد إلى شيع ومذاهب محددة ~~المعالم، وهو التقسيم الذي كان أثيرا لدى الباحثين وقتا ما، ولكنه ~~أصبح اليوم مكروها إلى حد بعيد، ومع ذلك فإنه لا يسعنا - إذا شئنا ~~ألا يضيع مؤلف كهذا الذي نقدمه وسط زحام الظواهر المتغيرة - أن نستغني ~~تماما عن هذه التقسيمات؛ إذ إن اعتبارات النظام والاتساق تحتم وجودها، ~~ولكن ينبغي ألا تكون هذه التقسيمات أكثر من علامات للإرشاد في أرض يبدو ~~لأول وهلة أنها لا تنطوي على أي طريق محدد المعالم، ومحال أن ms007 تكون ~~بديلا نستعيض به عن الوقائع الفعلية؛ فهي إشارات تحدد الاتجاه أمام ~~السائح، وبهذه الصفة تكون معقولة وضرورية، ومن ثم فإني لا أعدها ~~الموضوع الرئيسي الذي أهتم به في كتابي هذا، وإنما أراها مجرد عامل ~~مساعد لا غناء عنه في البحث، ومن الجائز أن مفكرا أو آخر قد أدرج في ~~فئة لا تنطبق عليه، بحيث يبدو ناشزا - جزئيا أو كليا - في المكان ~~الذي وضع فيه، ولكن الواجب ألا يبالغ المرء في تقدير قيمة هذا النوع ~~من الاعتراضات، إذا كنت قد نجحت في تقديم عرض صحيح للمفكر ومذهبه، وفي ~~فهمه فهما سليما، ولهذا السبب كان اهتمامي بالمفكرين الأفراد أعظم من ~~اهتمامي بالمدارس الفكرية، وكان اهتمامي بمشاكل الفكر أعظم من اهتمامي ~~بالتقسيمات التي نعرف بها كنه هذه المشاكل، بل إن هدفي الأكبر كان ~~تقديم عرض لمختلف الفلاسفة حسب الطابع الفردي الذي يتسم به كل ~~منهم، وإبراز شخصياتهم، من حيث هم مفكرون، على أوضح نحو ممكن؛ ولهذا ~~فسوف يعالج كل مفكر في موضع واحد فحسب، على حين أنني لو كنت قد ~~استهدفت ترتيب بحثي على أساس الاتجاهات الفكرية لكان لزاما علي أن ~~أتحدث عن المفكر الواحد في أكثر من موضع واحد، وقد يؤدي ذلك إلى ~~تشويهات كثيرة، ولكن هذه نتيجة لا مفر منها إذا لم يفضل المذهب على ~~الشخصية، والاتجاه الفكري على المفكر، والفئة على العرض الحي. # وربما بدا أن هناك شيئا من الخطورة في تتبع اتجاه الفكر الإنجليزي ~~حتى يومنا هذا؛ إذ إن مثل هذا العمل لا يمارس من خلال ذلك المنظور ~~البعيد الذي ينبغي توافره من أجل دراسة حركة لم تنته بعد أو مفكرين ما ~~زالوا نشيطين في ميدان الإنتاج، ومن أجل تمييز الغث من السمين، والدائم ~~من العابر، وأنا أدرك ذلك بكل وضوح، ولست أدعي لنفسي - حيثما كان علي ~~أن أعالج مسائل معاصرة - تلك الدقة في الحكم التي نشترطها في المؤرخ ~~عندما يكون بصدد مسائل طويت صفحتها، فهنا يظل الكثير في مرحلة ~~التنظيم المؤقت والتقريب المحض لأمور سوف تبت فيها ms008 الأبحاث المقبلة ~~بمزيد من الدقة، ولهذا السبب لم يكن في وسعي أن أضمن كتابي جميع ~~الحركات التي نستطيع أن نلمح بوادرها الأولى في الفكر الإنجليزي، أو أي ~~شيء لم يتخذ حتى الآن صورة محدودة المعالم، وفضلا عن ذلك فلم يكن ~~هدفي هو الوصول إلى سجل جامع مانع؛ فهذا هدف يستحيل تنفيذه عمليا، ~~بل إنه باطل نظريا؛ إذ تتمثل في عالم الأفكار عملية الانتقاء الطبيعي ~~نفسها التي كشفت عبقرية دارون عن أهميتها الهائلة في عالم الطبيعة، ~~فليس من واجب المؤرخ أن يحيي ما أخفق في الصمود في صراع الأفكار، فطواه ~~الموت والنسيان، لمجرد كونه قد وجد ذات مرة، أما ما صمد في معركة ~~البقاء، فلا يكاد المرء يجد فيه ما يستطيع الإغضاء عنه، وهنا أيضا ~~طبق مبدأ الانتقاء، إذ عرضت الشخصيات الكبرى في الفلسفة بإسهاب ~~يزيد كثيرا على ذلك الذي عرضت به الشخصيات الثانوية، وإلى هذا الحد ~~يمكن أن يعد اتساع نطاق العرض أو ضيقه - بمعنى ما - علامة على ~~القيمة الباطنة للمفكر، ولكن لا يجوز تفسيره على أنه يحدد بشكل مباشر ~~مكانة المفكر في سلم القيم. # وقد يتساءل المرء: ما معنى وما جدوى الاضطلاع بمثل هذه المهمة في وقت ~~يتزايد فيه على الدوام إصرار الأمم على إغلاق أبوابها على أنفسها في ~~وجه الأخريات، ويتزايد فيه التفاهم المتبادل صعوبة على الدوام؟ وما ~~قيمة الفلسفة الإنجليزية لنا معشر الألمان اليوم؟ وما الذي نستطيع ~~تعلمه منها؟ ولأي الأغراض المفيدة ينبغي أن نهتم بها؟ إن من المحتم ~~علينا اليوم أن نواجه هذا السؤال ذا الطابع العملي المفرط، الذي كان ~~جيل آبائنا خليقا بأن يعده غير متسق مع معنى البحث الأصيل وهدفه، ~~فهذا السؤال متعلق بالسياسة أو بالسياسة والثقافة، ومن ثم فليس في ~~وسعنا في الحالة الحاضرة أن نطرحه جانبا على أساس أنه مقتصر على مجرد ~~التمتع بصورة الفكر الإنجليزي كما تعرض ها هنا، أو بزيادة أو إكمال ~~معرفتنا بالموضوعات التي يفكر فيها أولئك الذين يفصلهم عنا القنال ~~الإنجليزي (بحر المانش)، فهناك أولا حقيقة هامة هي ms009 أن الأحوال ~~الحاضرة لا يمكن أن تظل قائمة على الدوام، وفضلا عن ذلك «يبدو من ~~الضروري» - نظرا إلى الأحوال السياسية الحاضرة - أن تقام بيننا من ~~الناحية الروحية تلك الجسور التي تعذر علينا إقامتها من الناحية ~~السياسية، فنحن في هذه الأيام أحوج ما نكون إلى الاهتمام بكل ما ~~يقرب بين الأمم ويساعدها على التفاهم المتبادل، ولا سيما إذا كان ~~الأمر متعلقا بأمتين متقاربتين عرقيا كالإنجليز والألمان، فمن ~~الواجب أن يكون هدفنا هو تقوية أواصر التفاهم وزيادته حيثما بدا ذلك ~~ممكنا، وقد اضطلعت بمهمتي هذه وفي ذهني هدف صريح هو أن أقرب بين ~~أذهان الأمتين وأشجع على تفاهمهما المتبادل؛ لذلك فإني أتوجه ~~بندائي إلى الفلاسفة المحترفين، لا في ألمانيا فحسب، بل في إنجلترا ~~وأمريكا أيضا، سائلا إياهم أن يتعاونوا من أجل تحقيق الأهداف ~~الثقافية والسياسية التي ألف من أجلها هذا الكتاب، ورغم أن شعوري ~~بأن ضيق نطاق دائرة قرائي - وهو أمر تحتمه طبيعة الموضوع - لا ~~يمكنني إلا من المساهمة بنصيب محدود في سبيل تحقيق هذا الهدف، فإني مع ~~ذلك أرى أن إمكان تحقيق هدفي هذا هو المشجع لي على الاضطلاع بهذه ~~المهمة، والمبرر لقيامي بها. # وأخيرا، ينبغي أن أذكر أنه كان من حسن حظي أن أكون علاقات شخصية ~~مع عدد كبير من الفلاسفة الإنجليز، ومنهم بوجه خاص كثير من الذين ~~تناولهم هذا الكتاب، وقد أتيحت لي فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف في ~~مؤتمر الفلسفة الدولي السابع، الذي انعقد في أكسفورد في سبتمبر 1930، ~~وخلال تلك الفترة الطويلة التي أقمتها في إنجلترا بمناسبة هذا المؤتمر، ~~والواقع أن ما اكتسبته بالاتصال الشخصي والتبادل المباشر للأفكار كان ~~أكبر قيمة في كثير من الأحيان من دراسة طويلة للكتب؛ فإلى جميع أولئك ~~الذين عاونوني على هذا النحو، أود الآن أن أقدم آيات العرفان، ~~وأخص منهم بالذكر صديقي ر. أ. آرون أستاذ الفلسفة في كلية ويلز ~~الجامعية في آبريستويث والأستاذ «ت. أ. جيسوب» بكلية «هل» الجامعية، ~~والمرحوم الدكتور «ف. ك. س. شيلر» بكلية «كوربوس كريستي» في أكسفورد؛ ~~فقد ساهموا ms010 بالكثير في هذا الكتاب بما قدموه من معونة لم يكونوا ~~يضنون بها علي في أي وقت، وبنصائحهم القيمة وتشجيعهم الدائم. ~~وأخيرا - ولكن ليس آخرا - أود أن أشكر زوجتي على عطفها الحنون ~~وتشجيعها الدائم وتعاونها الفعال خلال السنوات التي قضيتها في إعداد ~~هذا الكتاب. وينبغي في الختام أن أذكر أن «جمعية مساعدة العلوم ~~الألمانية» قد قدمت الأساس المادي لظهور هذا الكتاب بتبرع سخي من أجل ~~سداد تكاليف الطباعة؛ فإليها يزجي المؤلف والناشر كل ما هي جديرة به ~~من الشكر. # رودلف متس # هيدلبرج # نوفمبر 1934 # الباب الأول # | المدارس الفكرية المتقدمة # القرن التاسع عشر # الفصل الأول # | المدرسة الاسكتلندية # سميت المدرسة الفكرية التي أسسها «توماس ريد # Thomas Reid ~~» (1710-1796)، في ~~النصف الثاني من القرن الثامن عشر، باسم المدرسة الاسكتلندية، ~~تبعا للموقع الجغرافي للمنطقة التي ظهرت فيها، وموطن ممثليها ~~البارزين، أما بالنسبة إلى محتوى تعاليمها، فيطلق عليها عادة ~~اسم «فلسفة الموقف ~~الطبيعي Phil. of Common Sense ~~» # 1 # وهي تكون اتجاها متفرعا عن المذهب التجريبي ~~الإنجليزي، وإن كانت قد نشأت عن المعارضة الواعية لمدرسة الفكر ~~التجريبي التي يمثلها باركلي وهيوم، وقد استمدت هذه الفلسفة مادتها ~~الفكرية من الموضوعات الرئيسية والمشاكل التي عالجتها المدرسة ~~التجريبية، وهي المدرسة التي أخذت على عاتقها محاربتها وتفنيدها، ~~غير أنها لم تتمكن من القضاء على هذه الموضوعات الرئيسية والمشاكل ~~من الداخل، ولا من إضافة مادة فكرية جديدة إليها من الخارج، ~~وإنما اكتفت باستعراض وتشويه المشكلات التقليدية وحلولها، وإن لم ~~تتجاوز قط نطاق النتائج التي بلغتها الفلسفة الإنجليزية في عصرها ~~الكلاسيكي، فهذه المدرسة لم تتخل عن الاتجاه الفكري السابق، ~~وإنما انحرفت عنه ودفعته إلى طريق جانبي، وتعد أهميتها المذهبية ~~أقل كثيرا من الأعمال الكلاسيكية الكبرى في الفلسفة الإنجليزية، ~~وهي الأعمال التي ترتبط بها ارتباطا وثيقا، ولا يمكن فهمها ~~بدونها، وهي في عودتها إلى الفهم البشري السليم تنطوي على تراخ في ~~الحماسة الفلسفية، وتدهور في تلك القوة التأملية النظرية التي نبعت ~~منها تلك الصدمة الهائلة التي حفزت هيوم إلى التفكير، فلم تكن تلك ~~المدرسة ms011 كفؤا لعظمة الموقف التاريخي الذي وجدت نفسها فيه، وإنما ~~كانت عاجزة عن التصرف بكفاءة في التركة التي خلفها لها هيوم. ~~وهكذا لم يسفر الصراع الباسل الذي قام به ريد ضد هيوم عن انتصار ~~فعلي له على خصمه، ولم يكن الرد الذي أتى به على التحدي الشكاك من ~~جانب هيوم معينا للتفكير الفلسفي، وإنما انتهى به إلى طريق مسدود؛ ~~فقد استيقظ ريد - مثل كانت - من سباته القطعي بفضل هيوم، غير أن ~~المفكر الألماني هو وحده الذي تمكن من أن يحول التأثير الهائل ~~الذي أحس به الاثنان إلى نتيجة مثمرة، ويتجه به إلى حركة ~~فكرية جديدة ضخمة، أما ريد وزملاؤه فلم يدخلوا على الفكر ~~تجديدا خلاقا، وظلوا خلفاء مغمورين لمفكرين عظماء، ولم يسهموا ~~في الفكر بنصيب ملحوظ. # ومع ذلك فإن التأثير التاريخي للمدرسة الاسكتلندية وانتشارها لم ~~يكن بالأمر القليل الأهمية، فقد توطدت دعائم مذهب ريد في الجامعة ~~الاسكتلندية، واستقر فيها كأنه نوع من المذهب المدرسي، وظل على ~~الدوام يجتذب أتباعا جددا إلى دائرة نفوذه، كما عبر البحر إلى ~~فرنسا، حيث كان هو القوة الملهمة لكثير من المفكرين الذين خلفوا ~~«مين دي ~~بيران # Maine de Biran ~~» (مثل روايية ~~كولار # Royer-Collard ~~، وكوزان # Cousin ~~، وجوفروا # Jouffroy ~~، وجارنييه # Garnier ~~، وداميرون # Damiron # ودي ~~ريموزا # De Rémusat ~~، وغيرهم)، # 2 # وفي أمريكا استمر تراثها حيا بفضل ج. مكوش # J. M’ Coch ~~(انظر فيما بعد ~~[الباب الأول: المدارس الفكرية المتقدمة - الفصل الثاني: المدرسة ~~النفعية التجريبية]) ونوح ~~بورتر # Noah Porter # وغيرهما، فهذه المدرسة تمثل أول حالة تصادف ~~فيها مدرسة حقيقية للتعليم الفلسفي في تاريخ الفكر الإنجليزي ~~باستثناء المدرسة المسماة بمدرسة كيمبردج، والتي تبلور فيها بعث ~~التعاليم الأفلاطونية في القرن الثامن عشر، ولأول مرة نرى مذهبا ~~فكريا موحدا وقد أدمج في المناهج الأكاديمية، وظل طوال ~~عشرات طويلة من السنين يمثل ويعلم ويوسع بفضل تعاون مجموعة غير ~~قليلة من الأتباع، وكان للمدرسة التي أسسها ريد في اسكتلندا ~~مقابلها في إنجلترا، حيث ظهرت مدرسة هامة تركزت حول بنتام # Bantham ~~، وظل الاثنان يتنافسان ~~طويلا، وتركزت ms012 حولهما معظم الطاقات الفلسفية الموجودة في ذلك ~~الحين. # ولا يدخل التاريخ المبكر ~~للفلسفة الاسكتلندية في نطاق هذا الكتاب، ومن ثم فليس في وسعنا ~~هنا إلا أن نقدم مجملا سريعا لمراحلها الرئيسية، فقد انتقلت ~~زعامة المدرسة - حتى قبل وفاة ريد - إلى دوجالد ستيوارت # Dugald Stewart ~~(1753-1828)، وهو أقدر تلاميذه الأولين، وكان ستيوارت معلما ~~أكاديميا لامعا، كان لمحاضراته البليغة الأسلوب تأثير تعليمي ~~عظيم في الجيل الاسكتلندي الناشئ عندئذ، وقد شغل منذ 1785 حتى ~~1810 كرسي الفلسفة الأخلاقية في جامعة إدنبرة، التي كانت هي المركز ~~الروحي للفلسفة الاسكتلندية طوال أجيال عديدة، وتتلمذ على يديه ~~شبان كثيرون قدر لهم فيما بعد أن يبلغوا أوج الشهرة في ميادين ~~عظيمة التباين في الحياة السياسية والعقلية، فكان منهم شخصيات ~~ضخمة مثل السير وولتر ~~سكوت # Sir Walter Scott ~~، ورئيسا وزراء مقبلان هما بالمرستون Palmerston # ورسل # Russell ~~، وقد اقتفى - في النقاط ~~الرئيسية لمذهبه - أثر ريد، ولم يختلف معه إلا في بعض المسائل ~~الجزئية، وانحصرت مساهمته الوحيدة في الميدان النظري في محاولته ~~وضع تعاليم أستاذه في صورة مذهبية أدق، وتطبيقها على نطاق أوسع، ~~وكان رجلا ذا ثقافة عقلية رفيعة، عرف كيف يضع أفكار ريد الجافة ~~المصوغة بعبارات جامدة في قالب أدبي زاه مصقول، ولكن من ~~الأمور الجديرة بالملاحظة أن ستيوارت - الذي كان في ذلك الحين أقوى ~~شخصية قادرة على إذاعة الثقافة الفلسفية في بريطانيا - لم يكن ~~متنبها على الإطلاق إلى التقدم العظيم الذي طرأ على الفلسفة ~~الألمانية أثناء حياته، وعلى أية حال فقد كان ستيوارت من بعد ريد ~~هو الممثل الأكاديمي الرئيسي للمذهب الاسكتلندي، وقد حمل لواء ~~تراثه حتى القرن التاسع عشر، وكان ممثلا له من القوة والتأثير ما ~~جعل هذا المذهب يظل صامدا حتى انعقد لبنتام لواء الزعامة في ميدان ~~الفلسفة. # ويرتبط توماس ~~براون # Thomas Brown ~~(1778-1820) - تلميذ ستيوارت وخليفته في ~~إدنبرة - بالمدرسة الاسكتلندية ارتباطا وثيقا، وإن لم يكن قد قبل ~~جميع أفكارها، ويمثل موقفه الفلسفي نوعا من التوفيق بين الاتجاهات ~~الترابطية في المذهب التجريبي الأقدم عهدا، وبين الآراء ms013 الحدسية ~~عند ريد، وهو بذلك يمثل معبرا بين فلسفة الموقف الطبيعي (الإدراك ~~المشترك) وبين المذهب التجريبي المتأخر، وبالتالي المذاهب النفسية ~~لدى جون وجيمس مل، وبين # Bain # وسبنسر، وكانت أهم مساهماته في ميدان الفلسفة جهوده في مشكلتي ~~الإدراك الحسي والعلية، وهي جهود أدت أحيانا إلى اتخاذه موقفا ~~معارضا بعنف لموقف ريد؛ فعلى الرغم من أنه التزم الافتراض القائل ~~بوجود مبادئ اعتقادية حدسية معينة، فإنه ازداد اقترابا من ~~آراء المذهب الحسي فيما يتعلق بمشكلة الإدراك الحسي، ومن آراء هيوم ~~فيما يتعلق بالعلية، مع رفضه النتائج الشكاكة التي انتهى إليها ~~هيوم. وقد تناول المشكلة الأخيرة في مؤلف شامل خاض فيه مناقشة ~~نقدية مع هيوم، وقد ظهرت الطبعة الأولى لهذا المؤلف عام 1805، ~~وظهرت طبعته الثالثة، التي زيدت زيادة كبيرة في 1817، بعنوان: ~~«بحث ~~في العلاقة بين العلة والمعلول # An Inquiry Into the Relation of Cause and Effect ~~. # وكان براون مفكرا أقوى بكثير من ستيوارت، وكانت لديه ملكات ~~نقدية سليمة، وقد أبدى - منذ ذلك الوقت المبكر - اهتماما ب ~~«كانت» وكتب عن فلسفته أول الأبحاث التي ظهرت بالإنجليزية (وقد ~~نشر في المجلد الأول من «مجلة إدنبرة # Edinburgh Review ~~»، في 1802، وكان - مثل ستيوارت - ~~معلما فلسفيا مبجلا ناجحا، وإلى هذه الصفة يرجع - في المحل ~~الأول - ذلك النجاح الأدبي غير العادي الذي أحرزته محاضراته في ~~إدنبرة، وقد نشرت هذه المحاضرات بعد وقت قليل من وفاته السابقة ~~للأوان بعنوان: محاضرات في ~~فلسفة الذهن البشري # Lectures on the Phil of the Human Mind ~~(1820)، وطبعت، في مدى ثلاثين ~~عاما، ما لا يقل عن تسع عشرة طبعة. # أما السير جيمس ~~ماكنتوش # Sir James Mackintosh ~~(1765-1832) فكانت علاقته بأفكار المدرسة ~~الاسكتلندية أقل وثوقا، ولقد أحرز - بوصفه سياسيا ومؤرخا - ~~شهرة تفوق شهرته بوصفه فيلسوفا. والمؤلف الوحيد الذي يستحق من ~~أجله أن يذكر هنا هو: «بحث في تقدم الفلسفة الأخلاقية، ولا سيما ~~في القرنين 17، 18 # Dissertation on the Progress of ~~Ethical Philosophy Chiefly during the XVII and XVII ~~Centuries # وقد نشر لأول مرة في 1830، بوصفه ~~مقدمة للطبعة ms014 الرابعة من «دائرة المعارف البريطانية»، وسرعان ما ~~انتشر على نطاق واسع (فطبعت منه عشر طبعات حتى 1870)، وقد ~~اجتذب عند ظهوره اهتماما عظيما، وحفز جيمس مل # James Mill # على أن يقدم ردا ~~قاسيا عليه «كلمة عن ~~ماكنتوش # A Fragment on Mackintosh ~~» (1835). # في هذا البحث، الذي قدم فيه ماكنتوش رأيا جامعا شاملا عن ~~المذاهب الأخلاقية في القرنين السابقين، حاول القيام بنوع من ~~التوفيق بين مذهب المنفعة والمذهب الحدسي في الأخلاق، ولم يرفض فيه ~~مبدأ المنفعة، ولكنه أزاحه عن مركز الصدارة، وجعل السلوك الأخلاقي ~~يرتكز على الضمير والتعاطف أكثر مما يرتكز على الطابع المفيد لهذا ~~السلوك. # كل هؤلاء المفكرين ومجموعة أخرى غيرهم ممن استحقت أسماؤهم أن ~~تطوى منذ وقت طويل في زوايا النسيان # 3 # قد طغت عليهم جميعا شخصية مفكر أهم وأعمق بكثير، هو ~~السير وليام ~~هاملتن # Sir William Hamilton ~~(1788-1856)، فقد أكسب هاملتن الفلسفة ~~الاسكتلندية قوة دافعة جديدة، وإليه يرجع الفضل الأول في عودة ~~مكانها إلى العلو مرة ثانية، وتفوقها على جميع المدارس الفلسفية ~~الأخرى، وقد دام لها هذا الامتياز من حوالي سنة 1830 إلى حوالي سنة ~~1860. وقد شغل هاملتن منذ 1836 حتى وفاته كرسي المنطق ~~والميتافيزيقا بجامعة إدنبرة، وكان اسمه وشهرته قد ذاعا في ~~الفلسفة، حتى قبل تعيينه، بفضل مساهماته العديدة في «مجلة إدنبرة»، ~~وامتدت شهرته خارج حدود اسكتلندا، بل لقد وصلت إلى داخل القارة ~~الأوروبية ذاتها، وهناك ثلاثة من مؤلفاته كانت لها أهمية خاصة؛ إذ ~~إنها تحوي أهم أفكاره، واجتذبت أعظم الاهتمام من معاصريه، وهي: ~~كتابات كوزان وفلسفته في المطلق اللامشروط # Cousin’s Writings & Philosophy of The Unconditional ~~» ~~(1829)، وكتابات براون وفلسفته في الإدراك الحسي # Brown’s Writings & Philosophy of Perception ~~(1830). ~~والمنطق # Logic ~~(1833)، وقد ~~عرض في البحث الأول المبادئ الرئيسية للميتافيزيقا، وفي الثاني ~~المبادئ الرئيسية لنظرية المعرفة، وفي الثالث المنطق، ثم أعيد طبع ~~هذه الأبحاث في كتابه: «مناقشات في الفلسفة والأدب والتعليم والإصلاح ~~الجامعي # Discussions on Phil. and Literature, Eduction & University Reform ~~» (1852). وكان من المعالم البارزة في ~~تاريخ المدرسة الاسكتلندية، طبعته لمؤلفات ريد ms015 (التي بدأت في 1846، ~~وتمت 1863)، مع شروح دقيقة واستطرادات وملاحظات عديدة تجلى ~~فيها علم هاملتن الغزير، ثم ظهرت بعد ذلك طبعة لمؤلفات دوجالد ~~ستيوارت (في أحد عشر مجلدا، 1854-1858)، وقد استنفد هذا الجهد ~~الجزء الأكبر من نشاط هاملتن التأليفي، بالإضافة إلى كتابه: ~~«محاضرات في الميتافيزيقا والمنطق # Lectures on Metaphysics & Logic ~~» وهو كتاب لم ~~يتمكن هو ذاته من إعداده للطبع، ونشره بعد وفاته تلميذاه ~~مانسل # Mansel # وفيتش # Veitch ~~(في أربعة مجلدات، ~~1858-1860). # وعلى يد هاملتن، دخلت الفلسفة الاسكتلندية المرحلة الأخيرة من ~~تطورها؛ إذ بدأت معه عملية الانحلال الباطن والانتقال إلى وجهات ~~فكرية أخرى، غير أن أينع ثمار هذه الفلسفة لم تقطف إلا قبل ~~النهاية مباشرة، عندما بلغت شهرتها أقصى مداها، وعبرت عن نفسها أدق ~~تعبير أكاديمي، وحققت أعظم أعمالها في ميدان النقد والتأمل ~~النظري، ولكنها لم تبلغ هذا المدى بفضل مواردها الخاصة، وإنما عن ~~طريق توسيع نطاق مشاكلها وإدخال أفكار جديدة. ويرجع الفضل في هذه ~~الإضافة إلى علم هاملتن الغزير، فقد كانت قراءاته في الفلسفة ~~وغيرها من الفروع تفوق بكثير قراءات جميع المفكرين الإنجليز ~~السابقين عليه، وكانت مستمدة من مصادر متنوعة، أهمها ~~الفلسفة الألمانية التي كان الإنجليز قد اكتشفوها حديثا في ذلك ~~الحين. وسنوضح فيما بعد كيف تأثر هاملتن إيجابيا بفلسفة كانت، ~~وسلبيا بالفلسفة التالية لكانت، وحسبنا الآن أن نقول: إن فتح ~~آفاق جديدة - عن طريق الأخذ بأفكار كانتية في المحل الأول - كان ~~يعني زعزعة الكيان الأصلي للمدرسة الاسكتلندية، أي إن قيام هاملتن ~~بتوسيع نطاق المذهب الاسكتلندي وتعميقه، قد تحقق على حساب بقاء هذا ~~المذهب نقيا. # ولنضرب مثلا يوضح ذلك بإيجاز، فقد ظهرت فلسفة ريد من خلال ~~معارضته للنظرية الظاهرية Phenomenalist # للمعرفة في المذهب التجريبي الأقدم ~~عهدا، ولا سيما النتائج الشكاكة التي استخلصها هيوم منها، فعندما ~~نعرف العالم الخارجي، يكشف لنا التحليل عن الفعل الذهني من جهة، ~~وعن الموضوع الحقيقي من جهة أخرى، ويكون الموضوع - بما هو خارجي - ~~حاضرا مباشرة في الإدراك الحسي، ولا يحتاج إلى صورة أو تمثلات ~~معترضة تتوسط بيننا ms016 وبين حقيقة الأشياء الخارجية، وعلى ذلك فإن ريد ~~يرفض ما يسمى بالنظرية التمثيلية # Representative # في الإدراك الحسي أو المعرفة، ويرفض ~~جهاز التمثلات بأسره (من أفكار وانطباعات)؛ ذلك لأن معرفتنا ~~للأشياء الخارجية على نحو مباشر في الإدراك الحسي، هي أحد المبادئ ~~الأساسية للفهم البشري السليم، وهو مبدأ نوقن به حدسيا، ولا مجال ~~لدينا للشك في حقيقته، وبالمثل يبدأ هاملتن بقبول «الواقعية الطبيعية # Natural realism ~~» التي ~~تضمنتها نظرية المعرفة عند ريد، غير أن مذهبه يتضمن منذ البداية ~~تقدما هاما بالنسبة إلى ريد؛ إذ هو لا يحاول بلوغ هذه النتيجة ~~بالإهابة بالفهم السليم لذهن الإنسان العادي فحسب، وإنما عن طريق ~~التحليل النقدي لعملية المعرفة أيضا، وهو في رفضه الصريح لهذه ~~الإهابة يعود ثانية إلى أرض البحث الفلسفي الحقيقي. وهكذا أحل ~~النقدية الكانتية محل قطعية ريد، غير أن هذا ينطوي على تغيير في ~~وضع المشكلة، فمشكلة المعرفة لا تحل بمجرد تأكيدنا أننا نشعر ~~«مباشرة» بالواقع المادي على أنه شيء مختلف عنا أو عن أحوالنا ~~الذهنية، والقول بأن الموضوع بما هو كذلك ماثل في الوعي، هذا القول ~~إذا ما نظر إليه على أنه يعني أن وجود الموضوع ينبغي أن يكون في ~~هوية مع الصفة أو الكيفية المجربة، لكان من الواضح أن هذا الشرط لا ~~يتوافر في حالات كثيرة؛ ولذلك كنا في حاجة إلى اختبار نقدي دقيق ~~لمفهوم الحضور المباشر # Immediacy ~~، ~~ومثل هذا الاختبار كفيل بأن ينبئنا مثلا بأن كل معرفة عن طريق ~~التذكر لا يمكن أن تكون مباشرة على نفس النحو الذي تكون عليه ~~المعرفة الآتية من الإدراك الحسي مباشرة؛ إذ إن الموضوع الذي مضى ~~لا يعود ماثلا، والذي يكون ماثلا مباشرة في هذه الحالة إنما هو ~~صورة متذكرة نستخلص منها استدلالات عن الشيء الذي كان ماثلا من ~~قبل، وعلى ذلك فالمعرفة المباشرة لا تكون ممكنة إلا في حالة ~~الإدراك الحسي، ولكن حتى في هذه الحالة يكشف لنا تحليل هاملتن ~~النقدي عن استحالة الإبقاء على فكرة «المباشرة» في صورتها الساذجة ~~في كثير من الأحيان؛ لذلك ms017 رأى نفسه مضطرا إلى التحول عن نظرية ~~الموقف الطبيعي # Common-Sense # الأصلية بمقدار لا يقل عن مقدار تحوله عن النظريات الظاهرية Phenomenalist # التي وجهت ضدها ~~نظرية الموقف الطبيعي، والنتيجة النهائية هي أن كل ما يمكننا أن ~~نعرفه عن العالم الخارجي ليس إلا محتويات للوعي، وأن الوعي بالتالي ~~هو الدليل الوحيد الموثوق به، على وجود الأشياء الخارجية، وبهذا لا ~~يبقى من واقعية ريد الطبيعية سوى مجرد معرفتنا أن الوعي لا يكشف عن ~~الأنا وأفعاله النفسية فحسب، بل يكشف أيضا عن اللاأنا وعلاقاته ~~بالأنا، ولكن هذا يعني أن نظرية الموقف الطبيعي التي وضعها ريد ~~لتكون حائلا دون النزعة الذاتية والنزعة الشكية، قد تغيرت على ~~يد هاملتن إلى حد أنها عادت إلى الرأي القائل بأن معرفتنا الحقة ~~لا يمكنها أن تمتد إلى ما وراء الظواهر العابرة للوعي، وهكذا عادت ~~الواقعية الطبيعية القهقرى إلى نفس المذهب الظاهري الذي لم تظهر ~~أصلا إلا لتفنيده. # ومن الواضح أن هذه الحجج قد استمدت من كانت أكثر مما استمدت من ~~باركلي أو هيوم، ومن ثم فإنها لا تمثل مجرد رجوع إلى النظريات التي ~~حاربها ريد، وإنما تمثل تقدما عليها، وانتقالا إلى النظرية ~~النقدية للمعرفة كما قال بها ذلك المفكر الألماني، ويتضح ذلك إذا ~~أدركنا أن مبدأ النسبية يرتبط عند هاملتن بنظرية الإدراك الحسي، ~~وأن هذا المبدأ هو ذاته محور ارتكاز فلسفته بأسرها. ويتلخص موقفه ~~العام في نظرية الإدراك الحسي في القول بأننا ندرك مباشرة في ~~وعينا الكيفيات الأولى للأشياء على الأقل، وأن لنا الحق في القول ~~إنها توجد على نحو ما ندركها حسيا، وإلى هذا الحد تكون معرفتنا ~~للأشياء الخارجية مباشرة حاضرة، لا توسط فيها ولا إنابة، غير أن ~~المبدأ الأساسي القائل بنسبية المعرفة ينطوي على القول بأننا لا ~~نعرف شيئا كما هو في ذاته، وأننا بالتالي نقتصر على معرفة ~~الظواهر، وأن الأشياء في ذاتها مختفية عنا، وواضح أن بين الاثنين ~~تناقضا لا يرفع، ومع ذلك، فإن النظر في الأمر يبين أن نظرية ~~الإدراك الحسي هي التي ينبغي أن ms018 تفسر في ضوء مبدأ النسبية، لا ~~العكس؛ ذلك لأنه يتضح آخر الأمر أن الكيفيات الأولى التي نعرفها ~~مباشرة، والتي تشهد بوجود عالم مستقل عن الوعي، لا تعدو أن تكون ~~ظواهر، وهذا معناه أنها نسبية متوقفة على قدراتنا في المعرفة، وأن ~~هذه تعدلها على نطاق واسع، وبالتالي فإن هذه الكيفيات عاجزة عن ~~إظهار الواقع في ذاته. وهكذا ينتهي مذهب هاملتن آخر الأمر إلى ~~الموقف القائل بأن العالم الخارجي، من حيث هو عالم قابل للمعرفة، ~~لا يوجد مستقلا عن الذات العارفة. # ولهذه النظرية نتائج تؤدي إلى اللاأدرية، التي تقترب في نواح ~~عديدة من المذهب الكانتي، أو على الأصح من التفسير السائد لتعاليم ~~كانت، وهو التفسير الذي يهتم أكثر مما ينبغي بالعناصر الظاهرية Phenomenalist # في نقد كانت ~~للمعرفة، ويتجاهل النتائج الميتافيزيقية التي ينطوي عليها، كما ~~تؤدي هذه النظرية إلى رفض كل ميتافيزيقا، وإلى التخلي عن أي نوع من ~~المعرفة النظرية للمطلق، أو على حد تعبير هاملتن في بحثه المشهور ~~الصادر في 1829، إلى رفض كل «فلسفة اللامشروط»، غير أن هذا لا ~~يرتبط عند هاملتن بعدم المبالاة بالمعتقدات الدينية أو العداء لها، ~~كما هي الحال عند سبنسر وهكسلي وغيرهما، بل إنه ينطوي لديه على ~~تأكيد أقوى لهذه المعتقدات، وهكذا فإن العقائد التي تعجز أمامها ~~معرفتنا، والتي هي عند هاملتن نهاية كل فلسفة، هي أيضا بداية ~~اللاهوت، وعندما يهيب هاملتن بالذهن أن يلتزم حدوده، فإنه يحاول ~~إعطاء الإيمان حقوقه الصحيحة، وهو إيمان يعتقد أن موضوعه الصحيح هو ~~ذلك الذي يكون بطبيعته غير قابل للفهم، وهكذا فطالما كانت الفلسفة ~~تلتزم حدودها وترفض الادعاءات الغريرة للعقل بأن لديه معرفة ~~مطلقة، فإنها تعد في رأيه المبرر الحقيقي للدين. # على أن مذهب هاملتن - الذي لا نستطيع هنا أن نمضي فيه أبعد من ~~ذلك - يعاني من انعدام الاتساق الناجم عن محاولة إيجاد حل مشترك ~~بين نظريتين بينهما من الاختلاف بقدر ما بين نظريتي ريد وكانت، ~~ونتيجة ذلك أنه - من جهة - يزيف إلى حد بعيد النوايا الأصلية ~~لريد، ويفسر معاني كانت - من ms019 جهة أخرى - تفسيرا متحيزا إلى ~~أبعد حد. وهكذا كانت فلسفته في مجموعها محاولة للتوفيق لا تنصف ~~أيا من الطرفين، وبالتالي فهي تكشف عن ضعفها الباطن، ومع ذلك ~~فليس لهذا تأثير في الأهمية التاريخية لفلسفة هاملتن وفي الأثر ~~الذي أحدثته؛ فقد كان له - مع كل هذا - الفضل الأكبر في أنه كان ~~أول فيلسوف أكاديمي مرموق يفتح ذهنه لتأثير الأفكار الألمانية، ~~وبالتالي يخطو خطوة حاسمة نحو إنهاء عزلة الفكر الإنجليزي. وتزداد ~~أهمية هذه الخطوة إذا أدركنا أنها تمت على يد رجل كانت له خلال ~~العقدين اللذين قضاهما في التدريس في إدنبرة مكانة في ميدان ~~الفلسفة تفوق مكانة أي من معاصريه، فقد كان هاملتن - بوصفه ~~زعيما للمدرسة الاسكتلندية - أشبه بديكتاتور فلسفي لا تقف سلطته ~~عند حدود دائرته الخاصة، ويتبعه تلاميذه اتباعا أعمى، ويتمتع ~~باحترام عظيم في أوساط تبعد كثيرا عن حدود مدرسته، وقد ظل طوال ~~حياته محتفظا بشهرته على ما هي عليه تقريبا، ولم يظهر أي منافس ~~حقيقي له على النفوذ والسيطرة، ولم يكن أحد يجرؤ على مهاجمته، إلى ~~أن بدأ الهجوم على مذهبه من جهتين، بعد تسع سنوات من وفاته، وقد ~~أتى أشهر هذين الهجومين من جانب جون ستيوارت مل، باسم المذهب ~~التجريبي، ولقد أدى نقد مل لهاملتن، المتضمن في كتابه «اختبار لفلسفة السير وليام هاملتن # An Examination of William Hamilton’s Philosophy ~~» (1865) وهو ~~نقد كان شاملا، ولكنه كان من نواح عديدة جائرا ومبنيا على سوء ~~فهم، أدى هذا النقد إلى النيل من مهابة الفلسفة الاسكتلندية، ~~وإلى الإضرار بسمعتها إلى حد أن حيويتها قد ظلت هابطة منذ ذلك ~~الحين، وأصبحت مهددة بالزوال. أما الهجوم الثاني، الذي أسهم في ~~تحقيق هذه النتيجة، فقد حدث في نفس العام، ومن مصدر مختلف تماما؛ ~~ذلك لأن السير جون ~~هتشسون سترلنج # John Hutchison Stirling ~~، الذي يمكن أن يقال عنه إنه أتى ~~بالهيجلية إلى إنجلترا، قد هاجم هاملتن، معلنا احتجاجه على موقفه ~~السلبي من المذاهب الكبرى التالية لكانت، وذلك في كتاب له تأثير ~~هائل، هو: «سر ~~هيجل # the Secret ms020 of Hegel ~~»، وفي كتاب مستقل هو: «السير وليام هاملتن، أو فلسفة الإدراك الحسي # Sir William Hamilton, Being the Philosophy of Perception ~~» ~~(ظهر الكتابان سنة 1865)، وهكذا فإن الحركة المثالية، التي سرعان ~~ما أصبحت قوية، قد ناصبت هاملتن العداء منذ البداية، وأدت فيما ~~بعد إلى تجاهل شبه تام لفلسفته، ولم يعد في الإمكان قبول تفسير ~~هاملتن لمذهب كانت؛ إذ لم يكن من الممكن التوفيق بينه وبين اتجاهات ~~هؤلاء المفكرين، التي كانت هيجلية في أساسها، بل إن هؤلاء المفكرين ~~لم يعترفوا اعترافا كافيا بفضله التاريخي حين أدخل أفكار كانت ~~وغيره من الألمان، وهكذا ففي عام 1865 كاد أن يتوقف الاتجاه الفكري ~~الذي بدأه هاملتن والمدرسة الاسكتلندية، إن لم يكن قد انتهى ~~بالفعل. # ولقد كان أعظم تلاميذ هاملتن شهرة هو المفكر اللاهوتي ~~هنري ل مانسل # Henry L. Monsel ~~(1820-1871)، وقد رسم مانسل كاهنا، ثم عين محاضرا في ~~اللاهوت في كلية «مودلن» وبعد ذلك عين أستاذا للتاريخ الكنسي ~~في أكسفورد، وأخيرا عين أسقفا لكاتدرائية «سانت بول» (القديس ~~بولس). وقد عمل مانسل على إدخال فلسفة هاملتن في إنجلترا، ودرسها ~~ونشرها بحماسة ونجاح في جامعة أكسفورد. وقد ألف في البداية ~~كتابين في المنطق، ثم كتب في الميتافيزيقا، محاولا صياغة الأفكار ~~الرئيسية في مذهب هاملتن في صورة أدق وأكثر تنظيما مما كانت عليه ~~لدى أستاذه (وذلك في بحث عنوانه «الميتافيزيقا أو فلسفة الوعي # Metaphysics or the Phil. of Consciousness ~~» وظهر أولا في عام ~~1857 في الطبعة الثامنة لدائرة المعارف البريطانية، ثم ظهر بعد ذلك ~~في صورة كتاب عام 1860، ثم ألف بعد ذلك «فلسفة ~~المشروط Philosophy of the Conditioned ~~» في 1866، وفيه حاول الدفاع عن هاملتن ~~وعن نفسه ضد هجوم مل) غير أن أقوى كتاباته تأثيرا كان ~~«حدود ~~الفكر الديني # The Limits of Religious Thought ~~» (1858)، وهو في الأصل محاضرات ~~بامتون # Bampton # التي ألقاها ~~مانسل، وقد استلفت الكتاب الأنظار بقوة، وأثار جدلا عنيفا، وأذاع ~~شهرته على نطاق واسع. وترجع الأهمية الكبرى لهذه المحاضرات إلى ~~أنها أوضحت بجلاء موقف المدرسة من المسائل ms021 الدينية التي تركها ~~هاملتن غامضة رغم كثرة تلميحاته إليها، فاستخلص مانسل في هذه ~~المحاضرات لأول مرة - وبوضوح تام - النتائج اللاهوتية التي كانت ~~مختفية في مذهب هاملتن المرتكز على الظاهرية واللاأدرية، وحاول - ~~مستندا إلى مبدأ نسبية المعرفة - أن يبين أن جميع الجهود التي ~~نبذلها لنكتشف بواسطة الفكر أي شيء عن الطبيعة الإلهية المطلقة ~~مآلها حتما إلى الفشل، فالمطلق واللامتناهي بعيدان تماما عن ~~متناول الذهن البشري المتناهي، وكل محاولة للتفكير في المطلق أو ~~فهمه بأية وسيلة عقلية تؤدي إلى حشد من التناقض والتضارب لا قبل ~~للعقل بحله؛ فالفكر عاجز تماما في موضوعات الإيمان، وينبغي في ~~النهاية أن يعترف بإفلاسه؛ لذلك يعلن مانسل أن جميع الحجج النظرية ~~ضد عقائد الدين غير صحيحة، وبذلك يخلص نفسه بأسرع وأبسط طريقة من ~~جميع أعداء الإيمان ومهاجميه؛ فليس من مهمة العقل أن يتدخل في ~~الأمور المقدسة، وليس هناك ما يدعونا إلى الأسف على ذلك، بل إن من ~~واجبنا لصالح الدين أن نرحب كل الترحيب بعزوف العقل هذا. وهكذا ~~يبني مانسل كل معرفة لما فوق المحسوس على الوحي الإلهي، وتكون ~~المهمة الوحيدة التي يتعين على العقل النقدي القيام بها عندما ~~يقرر قبول التعاليم الدينية أو رفضها غير متعلقة بمحتوى هذه ~~التعاليم، وإنما بالأدلة التي يمكن الإتيان بها للبرهنة على أن لها ~~أصلا إلهيا فحسب. وهو في هذا الصدد يعزو إلى الحجة الأخلاقية ~~أهمية ثانوية إلى حد ما، وعلى الرغم من أن هذه الحجة عاجزة عن ~~البت في أمر حقيقة موحى بها، فإن في وسعنا أن نحصل، من معايير ~~القيمة الأخلاقية لدينا، على شواهد مفيدة نستعين بها في الحكم على ~~الأفكار الدينية. # وهكذا كان الاتجاه الذي حول إليه مانسل نظرية المعرفة ~~الكانتية، أوغل في باب اللاأدرية الشكاكة من الاتجاه الذي ~~حولها إليه هاملتن، كما أن الأول أخضع هذه النظرية لأغراض الدين ~~الموحى به، وتم على يديه أقوى انفصال - منذ أيام بيكن - بين ~~الإيمان والمعرفة، وبين الدين والفلسفة، وعادت الفكرة القديمة ~~القائلة: «أومن لأن موضوع إيماني ممتنع عقلا # Credo ~~quis ms022 absurdum ~~» إلى مكانتها الأولى، وقد اكتسب ~~المذهب اللاأدري عند سبنسر تأييدا حاسما من هذه التعاليم، وظهر ~~هذا المذهب على أنه مجرد صبغ لهذه التعاليم بصبغة دنيوية تامة، ~~فالشقة كانت قريبة ما بين لاهوت الوحي عند مانسل، وبين عدم ~~اكتراث سبنسر بالدين، على أن الطريقة التي استمد بها أشد المذاهب ~~تمسكا بحرفية الدين أسلحة لنفسه من مدرسة هي من أشد مدارس الفكر ~~تقدما، ثم عاد فحمل بها على الفكر ذاته حملة شعواء؛ هذه الطريقة ~~كانت من الغرابة بحيث هوجمت بنقد قوي من جهات متباينة كل ~~التباين. وقد أثار الجدل الذي احتدم نتيجة لمحاضرات مانسل المسماة ~~بمحاضرات «بامتون # Bampton ~~»، والذي ~~اشترك فيه بنفس القوة فلاسفة ولاهوتيون؛ # 4 # أثار عاصفة شديدة، وعلى الرغم من أن النتائج التي أسفر ~~عنها لم تكن ذات أهمية كبيرة، فقد ازداد - إلى حد بعيد - اهتمام ~~الجمهور بالمسائل التي كانت موضوع المناقشة، وأصبح الجو ممهدا ~~لتلك النهضة الملحوظة التي بلغتها الدراسات الفلسفية بعد ذلك بوقت ~~قصير. # وبعد هاملتن ومانسل، انحدرت الفلسفة الاسكتلندية انحدارا ~~شديدا، ولا يوجد ضمن أولئك الذين خرجوا من المدرسة أو انتموا ~~إليها سوى أسماء قليلة هامة تمثل المذهب في صورته الخالصة؛ إذ ~~يظهر - حتى لدى جون د. ~~مورل # John D. Morell ~~(1816-1891) - ذلك الميل إلى التباعد عن ~~التعاليم الأصلية للمدرسة، وهو الميل الذي ازداد قوة بالتدريج في ~~المستقبل. صحيح أن «مورل» كانت له جذور عميقة في تراث المدرسة ~~الاسكتلندية، التي تلقى فيها تعليمه الفلسفي الأول، غير أنه تعرض ~~لمؤثرات عديدة من مدارس فكرية أخرى، وتأثر - بوجه خاص - ~~بالمذاهب الألمانية التي عرفها لأول مرة خلال رحلة قام بها في ~~ألمانيا وهو طالب. وقد كتب مورل - الذي كان مثل هاملتن قراءة ذا ~~ذهن متفتح - بعض المؤلفات في تاريخ الفلسفة، منها كتابه: ~~«نظرة تاريخية ونقدية إلى الفلسفة التأملية في أوروبا في القرن ~~التاسع عشر # Historical and Critical View of the Speculative Phil. of Europe in the XIX Century ~~» (1846) وقد اكتسب هذا الكتاب - عن حق ~~- اهتماما كبيرا، وأسهم في توسيع ms023 أفق الإنجليز الفلسفي، كما ~~ألف كتابا في الأخلاق عن فشته (1848)، غير أن مؤلفه الرئيسي ~~هو «فلسفة ~~الدين Phil. of Religion ~~» (1818) الذي نستطيع أن نلمح فيه تأثير ~~شليرماخر # Schleiermacher # و. ~~ر. روته # R. Rothe # وله كتاب ~~آخر هو «مدخل إلى الفلسفة الذهنية باستخدام المنهج ~~الاستقرائي # Introduction to Mental Phil. on the Inductive ~~Method ~~» نشر عام 1862. # وهناك مفكر آخر في مدرسة هاملتن، هو جيمس ماكوش # J. M’cosh ~~(1811-1894) الذي ~~كان غزير التأليف في الفلسفة، وسافر إلى أمريكا عام 1868، فنقل ~~إليها فلسفة الموقف الطبيعي (الإدراك المشترك) ونجح في تحقيق شيء ~~من الاعتراف بها. وقد ألف ماكوش كتبا منهجية، فضلا عن كتابته ~~لتاريخ كامل للفلسفة الاسكتلندية الفلسفة ~~الاسكتلندية من هتشسون إلى هاملتن # Scottish Phil. from Hutcheson to Hamilton ~~(1875). # 5 # أما هنري ~~كالدروود # Henry Calderwood ~~(1830-1897) الذي كان في البداية قسيسا ~~اسكتلنديا، ثم أصبح منذ عام 1868 أستاذا للفلسفة الأخلاقية في ~~إدنبرة، فقد بدأ تلميذا لهاملتن، ولكنه حتى في كتابه الأول ~~(فلسفة ~~اللامتناهي Phil. of The Infinite # 1854، والطبعة الثانية 1861) الذي ~~نشره وهو ما زال طالبا، قد أظهر استقلالا يدعو إلى الدهشة عن ~~أستاذه الذي كان لا يزال حيا، فقد قدم في هذا الكتاب نقدا ~~عميقا لمذهب هاملتن، وكشف عن نقاط ضعفه بلا رحمة، وكان يرمي إلى ~~إعادة مذهب الموقف الطبيعي إلى مكانته الأولى بفصله عن تلك العناصر ~~اللاأدرية التي أقحمها فيه هاملتن ومانسل، وكان هدفه الأساسي هو ~~تفنيد حجة هاملتن القائلة: إن الذهن البشري لما كان متناهيا، فإنه ~~يعجز عن معرفة اللامتناهي، فقد بدا له أن الدين الذي يشيد مذابح ~~لإله مجهول لا يمكن أن يعرف، ويستبعد التفكير العقلي من مجاله؛ ~~لا يعدو أن يكون خرافة، ولا ينطوي على تبجيل حقيقي للطبيعة ~~الإلهية. وفي مقابل النسبية اللاأدرية، التي كانت كامنة لدى ~~هاملتن، ولكنها أصبحت مبدأ فلسفيا أساسيا لأول مرة على يد ~~مانسل وسبنسر، عاد كالدروود إلى المذهب الحدسي الأصيل الذي قال به ~~المذهب الاسكتلندي الأقدم عهدا؛ فلدينا بالله وعي مباشر بوصفه ~~موجودا شامل الحكمة والقوة ms024 والخير، وهذه المعرفة مستقلة عن جميع ~~الاعتبارات العقلية، وهي شفيفة مؤكدة، ومن ثم فهي حدسية، كذلك قال ~~كالدروود بمذهب حدسي مماثل في الأخلاق، عرضه في كتاب ناجح هو ~~«الموجز في ~~الفلسفة الأخلاقية # Handbook of Moral Phil. # 1872، الطبعة الرابعة عشرة في ~~1888)، ومع مهاجمته للنزعة الطبيعية ومذهب اللذة، فقد أكد الحاجة ~~إلى قانون مطلق السلوك وهدف مطلق له، وهذا الهدف لم يكن في رأيه ~~السعادة ولا اللذة، وإنما الاستخدام الكامل المنسجم لجميع القوى ~~والمواهب حتى يمكن الوفاء بأغراضها الطبيعية. # وأخيرا ينبغي أن نلاحظ هذه الحقيقة، فالمذهب الاسكتلندي الذي ~~كان مركز الحياة الفلسفية في إنجلترا في أواسط القرن التاسع عشر، ~~قد وجد نفسه في العقود التالية في مركز متدهور بالتدريج، كما وقع ~~تحت ضغط خصمين، هما الداروينية والمثالية، اللتان كان يتعين عليه ~~الدفاع عن نفسه ضدهما، وعلى حين أن فيتش # Veitch ~~(انظر أدناه) قد أخذ على عاتقه الدفاع عنه ~~ضد المثالية، فقد تولى كالدروود مهمة الدفاع ضد الداروينية، ففي ~~كتابه المنهجي الأخير «الداروينية ومركز الإنسان في الطبيعة # Darwinism and Man’s Place In ~~Nature ~~» 1893، وقد ~~أعيدت كتابته بشكل كامل في 1896، دخل في الجدل الذي احتدم حول ~~المذاهب الداروينية التطورية، ومع اعترافه بالقيمة الكبرى لنتائج ~~الأبحاث البيولوجية الأخيرة، فقد أدرك نقطة الضعف في تطبيقها على ~~المشاكل العامة للفلسفة، وانتهى إلى أن كون الإنسان منحدرا من ~~الحيوان هو أمر لا يمكن أن يفسر العناصر العقلية والأخلاقية في ~~طبيعته، فافترض وجود عقل عال هو العلة المشتركة للتطور الأخلاقي ~~والكوني معا، وعلى هذا النحو حاول الدفاع عن الفلسفة الاسكتلندية ~~التي قامت دائما على الدين ضد هجمات النزعات المعادية للدين داخل ~~المذهب الدارويني. # ونستطيع أن نقول أخيرا: إن «جون ~~فيتش # John Veitch ~~» (1829-1894) كان آخر ممثل للمدرسة ~~الاسكتلندية، بمعنى أنه كان آخر من التزم تعاليمها بإخلاص، وكان ~~فيتش أستاذا للمنطق والبلاغة بجامعة جلاسجو، ومن المقربين كثيرا ~~إلى هاملتن، وقد تتلمذ عليه بإخلاص، ثم أصبح مساعدا له، واشترك ~~بعد وفاته في نشر محاضراته، وألف ثلاثة كتب على الأقل في تخليد ms025 ~~ذكراه وشرح تعاليمه ونشرها «ذكريات عن هاملتن # Memoirs of H. ~~»، و«هاملتن» في سلسلة بلاكوود ~~للكلاسيكيات الفلسفية، 1879، وهاملتن، شخصيته وفلسفته # H. the Man and His Philosophy # 1884)، ويكفينا هنا أن ~~نذكر من مؤلفاته المستقلة بحثه في «المعرفة ~~والوجود # Knowledge & Being ~~» (1889) وتوجد قائمة كاملة لمؤلفاته في كتاب ~~نشر بعد وفاته، ونشره «ونلي # R. M. Wenley ~~» وعنوانه «الثنائية ~~والواحدية # Dualism & Monism ~~»، 1895، انظر [مقدمة المترجم لهذا ~~الكتاب وما يليها]، وقد عرض فيتش في هذا الكتاب مذهبه الخاص، ~~واشتبك في خصومة دائمة مع النظريات المثالية لمدرسة كانت وهيجل، ~~وحاول فيه الدفاع عن المواقع الأخيرة للتراث الاسكتلندي ضد هجوم ~~الحركة الفكرية الجديدة، غير أن فيتش كان يحارب في جبهات خاسرة، ~~وفي سبيل قضية خاسرة، ولا شيء يكشف الانهيار التام لهذه الجبهة ~~التي كانت قوية وقتا ما، بمثل الوضوح الذي تكشفه به هذه المقاومة ~~التي كانت تبديها قوات المؤخرة، كما تتبدى لدى هذا الممثل الأخير ~~لتراث عظيم، فهنا يهيب المفكر ببساطة الموقف الطبيعي وسطحيته ضد ~~الأفكار العميقة لكانت وهيجل، ويحاول فيتش بنظريته الواقعية الفجة ~~في المعرفة أن ينال من أعمال نقد العقل الخالص والتأمل النظري ~~المثالي. وتنطوي واقعيته الساذجة على عود إلى ريد، بل وإلى ما قبل ~~ذلك. وعلى الرغم من أنه قد تتلمذ في مدرسة هاملتن، فإنه يفتقر ~~تماما إلى حذر هاملتن النقدي، كما أنه يفتقر إلى الفهم المتعاطف ~~للمعنى الحقيقي للمشاكل الجديدة ولمقتضيات حلها، وهو فهم نصادفه ~~لدى هاملتن، على الرغم من مظاهر سوء الفهم العديدة لديه، وقد وجه ~~فيتش انتقاداته - في المحل الأول - إلى نظرية العلاقات عند جرين، ~~وإلى مذهبه في الوعي الذاتي الأزلي، فقال - ضد الأولى - بواقعيته ~~البسيطة الخشنة النسيج (كقوله: إن الواقع الذي ندركه حسيا أو ~~نعرفه يوجد خارج وعينا، وهو مستقل عنه، سواء عرفنا هذا الواقع أم ~~لم نعرفه، وهذه حقيقة ينبغي قبولها على أنها معطاة فحسب)، وقال ضد ~~المذهب الأخير بالأنا الفردي الواقعي وبالتحليل السيكولوجي ~~لمحتواه، وقد ظل طوال ذلك يحارب بوسائل غير كافية، ويقيس بميزان ~~معيب، وفي كل ذلك كان ms026 يكشف بمزيد من الوضوح عن الانهيار الكامل ~~للفلسفة الاسكتلندية. # وعلى الرغم من أن آخر ممثلي المدرسة الاسكتلندية (وهم ~~مورل # Morell # وماكوش # M’ coch ~~، وتوماس سبنسر بينز # T. S. Baynes ~~، وفيتش ~~وكالدروود) كانوا لا يزالون أحياء في الأعوام العشرين الأخيرة من ~~القرن الماضي، فلا يمكن القول: إن التراث الاسكتلندي قد ظل محفوظا ~~بانتظام بعد السنوات الأولى من العقد الثامن من ذلك القرن؛ إذ إن ~~الفكر الاسكتلندي قد انحل بعد ذلك أو اندمج في مدارس أقوى وأقرب ~~إلى الطابع العصري، وهو ما زال يمارس تأثيره هنا وهناك، ولكنه لم ~~يعد يستطيع الوقوف على قدميه مستقلا، وقد بدأ هذا الميل إلى ~~التباعد عن الخط الأصلي للمدرسة حتى لدى مفكرين يمكن أن يعدوا ~~أعضاء في المدرسة، وانفصل غيرهم عنها في وقت مبكر، وساروا إما في ~~طريقهم الخاص، أو انضموا إلى معسكرات أخرى، وهكذا اعترف ~~«فرييه # Ferrier ~~» مثلا بأنه ~~قد تعلم من هاملتن أكثر مما تعلم من كل الفلاسفة الآخرين ~~مجتمعين، غير أن تفكيره التالي قد سار في اتجاه بعيد عنه، وغرق في ~~خضم من التأملات النظرية العميقة، ضمنها صراع حاد ضد كانت وهيجل ~~(انظر فيما بعد القسم الأول من الفصل الأول من الباب الثاني)، ~~وسار لوري # Laurie # بعد ذلك بمدة ~~طويلة في طريق مماثل؛ إذ تباعد بدوره كثيرا عن أصله الاسكتلندي، ~~وكون لنفسه اتجاها ميتافيزيقيا لا يكاد يشترك في شيء مع نقطة ~~بدايته الفلسفية [انظر فيما بعد القسم الثامن من الفصل الأول من ~~الباب الثاني.] وعلى يد فريزر # Fraser ~~، تلميذ هاملتن وخليفته في إدنبرة، انحرف ~~الاتجاه الاسكتلندي الأصلي في اتجاه فلسفة باركلي (انظر فيما بعد ~~الصفحات الأخيرة من الباب الأول)، غير أن بعض مبادئ الفلسفة ~~الاسكتلندية قد انتقل إلى مذاهب فكرية لم تكن في الأصل مرتبطة ~~بها، مثال ذلك أن النزعة الحدسية تتمثل في الأخلاق والفلسفة ~~الدينية عند مارتينو # Martineau # ولدى فلاسفة «حركة أكسفورد» ج. ه. نيومان # Newman # وو. ج. وورد # Ward ~~»، على حين ظهرت اللاأدرية من جديد، كما هو ~~معروف، في المذهب التطوري ms027 عند سبنسر، وإن كان هناك فارق بين ~~الحالتين، وهناك أيضا ارتباطات بين مذهب «مانسل» وبين مذهب ~~الألوهية # Theism # عند ~~بلفور # Balfour ~~، وهكذا تسللت ~~الأفكار الاسكتلندية - في هذه الحالات وغيرها - إلى الفلسفة ~~البريطانية في القرن التاسع عشر، وكانت أقل المذاهب تأثرا بها هي ~~الاتجاهات الأشد محافظة في المذهب التجريبي، نظرا إلى الفارق ~~الشاسع بين الأفكار التي ينطوي عليها كل من الاتجاهين، ولكنا ~~نستطيع أن نلمح - حتى في هذه الحالة - عناصر مشتركة تظهر من آن ~~لآخر. ومن الجدير بالملاحظة أن جيمس مل قد تأثر في شبابه تأثرا ~~قويا «بدوجالد ستيوارت»، واستمد من محاضراته أول معلوماته في ~~ميدان الفلسفة وعلم النفس. # ولقد كان من نتيجة التوسع الذي أحدثه هاملتن في الفلسفة ~~الاسكتلندية القومية - إن جاز استخدام هذا الاسم - أن فتح الطريق ~~الذي كان مقدرا له أن يؤدي بها إلى عبور حدود بلادها الأصلية ~~والانضمام إلى التيار الضخم للفكر الأوروبي، وفي الوقت الذي كانت ~~الفلسفة الاسكتلندية تسير فيه نحو نهايتها، تمثل هذا التيار في ~~بريطانيا في الحركة المثالية، ورغم أنه لم يحدث انتقال تاريخي ~~فعلي من الأولى إلى الثانية، فمن الممكن القول: إن المثالية قد ~~استوعبت وامتصت الفكر الاسكتلندي بعد أن أدى رسالته، وليس من قبيل ~~المصادفة أن إحياء مذهبي كانت وهيجل في العقدين السابع والثامن ~~قد لقي من التشجيع في اسكتلندا أولا ثم في الجامعات الاسكتلندية ~~ما لم يلقه في أي مكان آخر ما عدا أكسفورد، وحسبنا أن نشير إلى ~~المؤلفات الهيجلية للاسكتلندي سترلنج، وتدريس «كيرد # Caird ~~»، وهو اسكتلندي بدوره، في ~~جامعة جلاسجو. وإذا كان من قبيل المصادفة أن كتاب سترلنج الذي أحدث ~~دويا هائلا (في 1865) وتدريس «كيرد» الدقيق الواسع الانتشار في ~~جلاسجو (ابتداء من 1866) - وكلاهما كان من أجل خدمة هيجل والحركة ~~الجديدة - قد حدثا في نفس الوقت الذي بدأ فيه نجم هاملتن في الأفول ~~(إذ كان هجوم مل الحاسم عليه في عام 1865)، فإن لهذه المصادفة ~~دلالة عميقة في تاريخ الفكر. وهكذا توطدت دعائم المذهب الهيجلي في ~~أواسط العقد السابع في اسكتلندا، وتزايد ms028 ضغطهما على الدوام من ~~جلاسجو، حيث اكتسبت مركزا منيعا، على التراث الفلسفي الأصلي في ~~البلاد، ولم تستطع المدرسة القديمة أن تحتفظ بمواقعها مدة أطول ~~كثيرا إلا في قلعة مذهب هاملتن، أي في جامعة إدنبرة، وهناك تأخر ~~الانحلال حتى العقد الأخير من القرن الماضي، ولما لم يكن هناك ~~خلفاء منتمون إلى المدرسة الاسكتلندية، فقد انتقل كرسي الأستاذية ~~إلى أيدي الكنتيين المحدثين، فانتقل كرسي هاملتن - الذي ظل فريزر ~~يشغله حتى عام 1891 - إلى «أندرو ~~سث # Andrew Seth ~~» «برنجل ~~باستون Pringle-Pattison ~~» في ذلك العام نفسه، كما انتقل كرسي ~~دوجالد ستيوارت - الذي كان كالدروود آخر من شغله - إلى شقيق أندرو ~~سث، وهو جيمس سث. وهكذا جلت الفلسفة الاسكتلندية عن آخر معاقلها ~~الأكاديمية، متخلية عنها للمدرسة الجديدة، ومحيت آثارها تماما، ~~أما الأفكار القليلة التي ساهمت بها في القرن الجديد فلا ترتبط بها ~~على الدوام، وإنما هي عود غير منتظم تارة إلى هذا المبدأ من ~~مبادئها وتارة إلى ذاك، مع إيثار ريد على هاملتن في هذه الحالة، ~~فآثار تعاليم المدرسة الاسكتلندية ومؤسسها تظهر بوضوح حيثما يهاب ~~بالذهن البشري السليم بما فيه من يقينيات واعتقادات حدسية، ويعترف ~~بأنه المعيار الحاسم للحقيقة، وحيثما تسعى المعرفة إلى تحرير نفسها ~~من تدقيقات الأذهان الشكاكة المفرطة في نقديتها، وتلجأ إلى الوسائل ~~المباشرة للواقعية الطبيعية. ولما كانت هذه الآراء تتمثل لدى ~~مفكرين من المدرسة الواقعية الجديدة أكثر مما تتمثل لدى أية مدرسة ~~أخرى، وهي تتضح بأوضح صورها لدى ويلسون # J. C. Wilson # وستوت # G. F. Stout # ومور # G. E. Moore # وليرد # J. Laird # وجود # C. E. M. Jood # فإن معنى ذلك أن من واجبنا البحث عن الآثار ~~القليلة الباقية من المدرسة الاسكتلندية في الواقعية الجديدة قبل ~~كل شيء. # الفصل الثاني # | المدرسة النفعية التجريبية # سار الخط الرئيسي للفلسفة ~~الإنجليزية في طريق متصل منطو على ذاته نسبيا، منذ عصر النهضة ~~حتى يومنا هذا، ويسمى هذا الخط الفكري الرئيسي عادة باسم المذهب ~~التجريبي # empiricism # أو ~~فلسفة ~~التجربة Phil. of experience ~~، ولهذا المذهب من الحق أكثر ms029 مما لأي ~~مذهب آخر في إرجاع أصله إلى تراث طويل، وهو لم يتغلغل في أي بلد ~~بنفس العمق والتأصل الذي تغلغل به في الجزر البريطانية، وعلى ذلك ~~ففي وسعنا أن نسمي هذه المدرسة بالمدرسة الوطنية أو القومية، وعلى ~~الرغم من أننا لو وحدنا بينها وبين الفكر الإنجليزي لكان في ذلك ~~سوء تفسير واضح للحقائق، فهناك مبررات للقول بأنها أكثر المدارس ~~تمثيلا لهذا الفكر. وعلى أية حال فنحن هنا لسنا إزاء مدرسة ~~اخترعها مؤرخو الفلسفة، بل إن ما نحن إزاءه هنا هو الوجود الفعلي ~~لفكرة رئيسية واحدة وموقف فكري واحد، تتمثل لنا رغم تنوع ~~أطرافها الهائل، ورغم المشاكل الجانبية والاتجاهات الفرعية في كل ~~له في أساسه طابع موحد، فالخط الفلسفي الذي يمتد من بيكن وهبز إلى ~~لوك وباركلي وهيوم، ثم إلى بنتام ومل وسبنسر، هذا الخط يتضمن ~~مجموعة كبيرة من المبادئ المتماسكة المنسجمة التي تتخذ مظهرا ~~مختلفا تبعا لوجهة النظر التي نتأملها منها، ولكنها تقف دائما ~~على علاقة بنفس المجموع الكلي، فإذا أردنا أن نهتدي إلى ألفاظ ~~مناسبة لهذا المجموع في أوجهه الرئيسية، فينبغي أن نختار اسم ~~المذهب التجريبي أو الوضعي لنبين اتجاهه الفلسفي الرئيسي، واسم ~~المذهب الحسي أو الظاهري فيما يتعلق بنظريته في المعرفة، ومذهب ~~التداعي للدلالة على اتجاهه في علم النفس، ومذهب اللذة # hedonism # أو السعادة # eudaemonism # أو المنفعة # utilitarianism # للتعبير عن اتجاهه ~~الأخلاقي، ومذهب الشك أو اللاأدرية للدلالة على موقفه ~~الميتافيزيقي، ومذهب الإلهية الطبيعية # deism # أو الحيادية # indifferentism ~~(وأحيانا الإلحادية أيضا) في الدين، ~~ومذهب الحريين «الليبرالية # Liberalism ~~» في السياسة. # وقد بلغ المذهب التجريبي الكلاسيكي في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر الذي نميزه من خليفته الطبيعي، المذهب التجريبي الحديث ~~في القرن التاسع عشر، بلغ هذا المذهب أوجه في فلسفة هيوم، وتوقف ~~مؤقتا عندها، وكان التوقف مؤقتا؛ لأن هيوم لم يخلف وراءه أي تراث ~~من التعاليم الواضحة المنظمة التي كان تلاميذه وخلفاؤه يستطيعون ~~الأخذ بها لتوسيعها، بل إن ما خلفه هو زعزعة كاملة للمبادئ ~~الفلسفية وهدم تام لها، نجم عنه ms030 القضاء على كل إمكانية للتعليم ~~المتقيد به، وحال دون أي استمرار مباشر لمذهبه أو أي تدريس ~~فلسفي قريب منه، وهنا يكمن المعنى الحقيقي لما يسمى - من باب ~~التركيز - باسم مذهب الشك عند هيوم، فخط المذهب التجريبي الإنجليزي ~~يسير في عمومه في اتجاه مستقيم إلى الأمام وعلى نحو متصل، حتى ~~يبلغ أعلى مستوى له عند هيوم، وعندئذ ينحرف وينقطع، ولا يتحرك ~~إلى الأمام ثانية حتى يتلقى دفعة جديدة من الأفكار، ويحدث انقطاع ~~الاتصال في نفس الموضع الذي ينفصل فيه المذهب التجريبي الكلاسيكي ~~عن نظيره الحديث ويتجدد ولكن على صورة مختلفة، ويتحدد الانقطاع ~~تاريخيا بالهجوم المضاد الذي شنه ريد والفلسفة الاسكتلندية على ~~هيوم، أما الأفكار الواردة الجديدة فتتمثل في فلسفة بنتام. # ومن المهم أن يكشف المرء بوضوح عن هذه الارتباطات التاريخية، ~~فالمدرسة المتأخرة لا ترتبط مباشرة بالمتقدمة، بل إن بينهما ~~انفصالا وفراغا تملؤه المدرسة الاسكتلندية؛ ذلك لأن هجوم ريد، ~~والحركة الاسكتلندية التي أسفر عنها، قد أدى إلى إصابة التجريبية ~~التقليدية بضربة قاصمة، كان لا بد من مضي وقت طويل قبل أن تفيق ~~منها، وقد انقضت العشرات الأولى من القرن التاسع عشر في صراع بين ~~هذه المذاهب المتنافسة، ظل محتدما حتى أنهاه الهجوم المشهور الذي ~~شنه جون ستيوارت مل على هاملتن عام 1865، وفي هذا النزال الحاسم ~~خرج المذهب التجريبي منتصرا. وإن المعركة الفكرية بين مل وهاملتن ~~لتناظر بكل دقة، من الوجهة التاريخية، المعركة بين ريد وهيوم، غير ~~أن التفوق في الأسلحة كان في هذه المرة من نصيب المذهب التجريبي، ~~الذي كان قد اكتسب قوة جديدة، وطرد خصمه الاسكتلندي نهائيا من ~~الميدان هذه المرة، وقد أثبت المذهب التجريبي، بإعادته لتراثه إلى ~~مكانته القديمة، ومساهمته بأفكار ومبادئ فكرية جديدة، أنه هو ~~الاتجاه الفلسفي الأقوى والأقدر على البقاء، وهكذا كان التنافس بين ~~المدرستين، وصراعهما على السيطرة، هو العنصر الهام المتصل في ~~الفكر الإنجليزي منذ أواسط القرن الثامن عشر حتى أواسط القرن ~~التاسع عشر. ومن الجدير بالملاحظة أن الفترة التي استغرقها هذا ~~الصراع كانت قرنا بالضبط، منذ ms031 هجوم ريد الأول على هيوم في سنة ~~1764 حتى هجوم مل الأخير على هاملتن في 1865؛ فهاتان السنتان ~~تمثلان إذن نقطتي الذروة في الصراع، على حين أن الفترة الواقعة ~~بينهما تتميز بمنازلات ومناوشات أقل أهمية، وبفترات هدنة وإيقاف ~~للقتال أيضا، وإن كان ذلك يقترن أيضا بتوتر ظاهر أو خفي. # وعلى قدر ما كان من أهمية تاريخية للمذهب التجريبي الحديث - كما ~~يتمثل في المؤلفات الرئيسية التي كتبت منذ عهد بنتام حتى مل ~~الأصغر - فقد أثبت أيضا أنه حركة عقلية لها مكانتها الرفيعة ~~وتأثيرها الهائل؛ فهو لم يقتصر على أن يكون المحور الذي يدور حوله ~~التقدم الخاص في الفلسفة، بل لقد امتد تأثيره - أكثر من أية ~~حركة أخرى في ذلك العصر - إلى ميادين الأدب والثقافة والسياسة ~~والقانون والإصلاح الاجتماعي والتعليم، وسيطر على هذه المجالات ~~وشكلها بصورته وطبعها بطابعه الخاص، ولم يكن مصدر نموه هو مدرجات ~~الطلاب أو قاعات الدرس بقدر ما كان هو ضرورات الحياة الملحة ~~والصراع اليومي المتقلب في سبيل العيش، ولم يكن الاهتمام به ~~مقتصرا على العلماء أو الإخصائيين، ولا كانت حدوده تنحصر في ~~الدوائر الأكاديمية والعلمية، كما هي الحال في الفلسفة الاسكتلندية ~~وغيرها من المدارس في ذلك القرن، ويتضح ذلك - خارجيا - إذا ~~أدركنا أن ممثليه الرئيسيين لم يكونوا من أصحاب كراسي الأستاذية أو ~~غيرها من المناصب الأكاديمية، بل كان معظمهم من أصحاب المهن ~~العملية، فقد نما منذ البداية بين مختلف مهام الحياة وظروفها ~~العملية، وكان هذا الطابع العملي الواضح الذي تميز به كفيلا بأن ~~يضمن له تأثيرا أوسع وأعمق مما تكتسبه الأفكار والحركات الفلسفية ~~عادة، وهكذا استوعب في داخله تراث أسلافه الكلاسيكيين، مع توسيع ~~نطاقه والنهوض به والتعمق في أغوار أبعد في مختلف مجالات الحياة، ~~فهو ليس فقط المرآة التي تجمع وتعكس أشعة الفكر والشعور القومي ~~الإنجليزي، بل إنه - مع الأدب والشعر - القالب الرئيسي الذي تتشكل ~~به الروح الإنجليزية. والأمر الذي لا نكاد نجد له نظيرا إلا في ~~هذه الحالة هو أن يفتح للفلسفة طريقا تؤثر به في السياسة والقانون ms032 ~~والبرلمان والتشريع والتعليم، وهو يسهم إسهاما إيجابيا في حل ~~المشكلات الملحة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والجنائية ~~وغيرها من الميادين العملية، وهو في كل ذلك خليفة مخلص لعصر ~~التنوير، ينفر تماما من اتخاذ التأمل الخالص مثلا أعلى، ويضع ~~نفسه تماما في خدمة الميدان العملي، حتى عندما يتخذ نشاطه طابعا ~~نظريا، فهو برجماتي في كل شيء على الرغم من أنه لم يكتشف الصيغة ~~الفلسفية المعبرة عن طابعه الأساسي. # ونستطيع أن نتأمل المذهب التجريبي في ضوء آخر إذا ما تساءلنا عن ~~قيمته الفلسفية الكامنة، ونقارنه - على هذا الأساس - بالمذهب ~~التجريبي الكلاسيكي السابق عليه، وهنا نجد أن المقارنة - كما هو ~~متوقع - ليست في صالحه، على الرغم من أن الدراسة المنزهة عن ~~التحامل كفيلة بأن تجعلنا نصدر عليه حكما أفضل مما يعزى إليه ~~عادة؛ إذ ليس ثمت شك في أن الفلسفة التجريبية قد بلغت قمة نموها ~~النظري لدى الثلاثي المؤلف من لوك وباركلي وهيوم، بحيث سار ~~التطور التالي - في هذا الصدد - في اتجاه نزولي، ولم يقتصر المذهب ~~التجريبي - في فترته الكلاسيكية - على إرساء دعائمه الأساسية، بل ~~إنه قد استنفد إمكانياته التأملية في جميع المجالات الرئيسية، ولم ~~يكن في استطاعة القرن التاسع عشر أن يحرز أي تقدم هام يغير به ~~إطار المذهب التقليدي. وإلى هذا الحد يكون المذهب التجريبي المتأخر ~~بالفعل من عمل مفكرين من مستوى أدنى بكثير من أسلافهم، ويفتقر إلى ~~كل ما يتميز به الفكر الخلاق من قوة وأصالة حقيقية، غير أن رجال ~~ذلك الجيل الفلسفي - وإن كانوا أقل مرتبة من أسلافهم - لم يكونوا ~~مجرد شراح أو مقلدين، ولم يكونوا طفيليات تعيش على ثروة موروثة ~~وتستهلكها، وإنما كرسوا أنفسهم لتدبير شئون ميراثهم بدقة ونجاح، ~~واستطاعوا إضافة أرباح إلى رأسمالهم الموروث. وهكذا فعلى الرغم من ~~أنه لم تتحقق نتائج نظرية هامة، فقد خلقت قيم إيجابية ~~جديدة هامة، وتتمثل هذه - قبل كل شيء - في إحراز تقدم في تمييز ~~المشكلات وتفريعها، وفي تحسين مناهج البحث، وأخيرا، في إحداث ~~توسيع وإثراء ضخم في المادة التجريبية، وفتح ميادين جديدة ms033 للبحث، ~~وقد أصبحت هذه المرحلة المتأخرة للحركة التجريبية - للمرة الأولى - ~~متعطشة إلى التجربة بالمعنى الصحيح للكلمة؛ فجمعت بحماسة مجموعات ~~ضخمة من المواد الجديدة، ورتبتها وصنفتها وبوبتها ونظمتها، أي ~~إنها حاولت بالاختصار أن تفهمها وتعالجها فلسفيا، ولكن الفلسفة ~~عندما تسلم قيادها للتجربة إلى هذا الحد، تتعرض لخطر الخضوع لسيطرة ~~التجربة بدلا من إخضاعها لسيطرتها، وهكذا تزداد ابتعادا عن ~~المشكلات المركزية، وينحرف اهتمامها الرئيسي إلى مسائل هامشية، ~~ويتمثل ذلك في فتور الدافع الصحيح إلى التأمل، وفي التخلي عن فكرة ~~المذهب البناء، وفي اتخاذ موقف سلبي من مشكلات الميتافيزيقا، ~~وتحويل نظرية المعرفة إلى علم النفس، والمنطق إلى مناهج البحث، وفي ~~إعطاء الأولوية للفعل. وهكذا تعد التجريبية المحدثة حركة تهتم ~~بالكم أكثر من الكيف، وبالاتساع أكثر من العمق، وعلى الرغم من أن ~~هذه في مجموعها عيوب، فإنها ميزة بمعنى من المعاني؛ إذ إنها أدت ~~خدمة ضخمة في استيعاب المعلومات الجديدة والسيطرة على مجالات ~~البحث الجديدة، كما أننا ندين للقرن التاسع عشر بظهور نظام محكم ~~للمنطق التجريبي، على حين أن الفترة الكلاسيكية لم تنتج إلا ~~اقتراحات قليلة، تقترن بنظرية عامة في العلم ومبحث منهجي في ~~المعرفة كاد أن يتجاهل تماما حتى ذلك الحين، كذلك تحقق في ~~الأخلاق بدورها - لأول مرة في ذلك الحين - تنظيم دقيق للمادة التي ~~كان المذهب الأخلاقي الأسبق قد توصل إليها من قبل، ولكنه لم يضعها ~~قط في قالب ثابت متماسك، وهذا يصدق أيضا - بدرجة أقل - على علم ~~النفس، بينما يدل النشاط الذي بذل في ميدان نظرية المعرفة على ~~تأخر مؤكد بالنسبة إلى ما كانت عليه الحال من قبل، ومن جهة أخرى ~~اكتشفت أرض جديدة في مجالات القانون والسياسة والحياة الاجتماعية ~~والتعليم وغيرها من المجالات المنتمية إلى الميدان العملي. # وإذا طرحنا جانبا المدرسة ~~التطورية - التي سنتحدث عنها في الفصل المقبل - فإن الشخصيات ~~الرئيسية في المذهب التجريبي الحديث هي بنتام وجيمس مل وجون ~~ستيوارت مل، وقد حمل هؤلاء المفكرون الثلاثة العبء الرئيسي في ~~الحركة، وفيهم يتمثل المظهر الحديث للتراث التجريبي الإنجليزي في ~~أفضل ms034 وأعمق صوره، وعلى الرغم من أن جريمي بنتام # Jeremy Bentham ~~(1748-1832) ~~مرتبط ارتباطا وثيقا بالقرن الثامن عشر، سواء من حيث تعليمه ~~العقلي ونشاطه الإنتاجي، فإنه - فيما يتعلق بتأثيره الفلسفي - ~~ينتمي إلى القرن التاسع عشر، ويمكننا أن نرى فيه الممثل الأول لما ~~نسميه بالمذهب التجريبي المحدث، وينحصر نشاطه - في المحل الأول - ~~في ميدان الفلسفة العملية، وذلك أولا في الأخلاق، ثم في جميع ~~مجالات الدراسة المبنية على الأخلاق، كالسياسة والإصلاح الاجتماعي ~~والتشريع والفقه القانوني (ولا سيما القانون الجنائي) والقانون ~~الدولي والتعليم، وفي جميع هذه المجالات كان مجددا ثوريا، وقد ~~اكتسب منه الفكر الإنجليزي في القرن التاسع عشر من الخصوبة والعمق ~~أكثر مما اكتسب من أي مفكر آخر، وتأثر به بقوة تفوق تأثره بأي شخص ~~غيره، وهو هنا يواصل ويحيي تلك الآراء الديمقراطية المتحررة ~~والنفعية التي بدأها لوك، والتي سيطرت على ذلك القرن، ولم يكن ~~لمذهب أي فيلسوف آخر مثل ما كان لمذهبه من اتساع نطاق التأثير، أو ~~من النتائج العملية الهامة، وكان بلا شك أشد الأرواح في عصره وبلده ~~تحررا، ولم يلن أمام أية سلطة أو أي تراث؛ فحرر نفسه من جميع قيود ~~الدولة والكنيسة والدستور والقانون التقليدي، ومن الأخطاء المتأصلة ~~والعادات الراسخة، وكان أعظم متشكك في ثبات النظام السائد للأشياء، ~~سواء في المذاهب والنظم الاجتماعية، وأجرأ ثائر على القيم ~~التقليدية، وأقسى ناقد للتقاليد السائدة، وبالاختصار، فقد كان هو ~~الفيلسوف المجدد # Radical ~~، أو ~~المجدد الفلسفي كما أسماه معاصروه، وهو مؤسس مذهبية (أيديولوجية) ~~سياسية واجتماعية جديدة، تقترب في نواح عدة من تلك التي ابتدعها ~~كارل ماركس فيما بعد، ويمكن أن يقال إنها استبقتها، وإن كانت قد ~~بنيت على افتراضات منطقية مختلفة تماما، كما أنها تفوقها ~~كثيرا في اتساع نطاق الروح الشعبية التي ارتكزت عليها. وعلى الرغم ~~من أن أفكاره قد نظمت في مذهب محدد دقيق، فإنها لم تكن ترمي ~~أبدا إلى مجرد التعليم، وإنما إلى هدف عملي هو تغيير النظام ~~القائم للأشياء وتحسينه، وإذ وجدت هذه الأفكار لها أرضا خصبة ~~واسعة، فقد تعلق ms035 بها معاصروه بترحيب وحماسة، والواقع أن تعاليم ~~بنتام كانت أشبه بالمغناطيس القوي في جذبها لكل ما هو شائع بين ~~المفكرين الأحرار التقدميين في إنجلترا في ذلك الوقت، وهكذا ظهرت ~~لأول مرة على الأرض البريطانية مدرسة طموحة للتعليم الفلسفي، كان ~~الفضل في إنشائها يرجع إلى اجتهاد التلاميذ أكثر مما يرجع إلى أي ~~اهتمام خاص للأستاذ، وكانت الحالتان الوحيدتان اللتان تشبهانها ~~هما: تلك الجهود الأضعف كثيرا، التي بذلها في اتجاه مماثل مفكرو ~~القرن السابع عشر الذين كونوا «مدرسة كيمبردج»، ثم تلك الجهود ~~التي بذلها المفكرون الذين التفوا حول ريد فيما بعد، ففي مدرسة ~~بنتام اقتبس عدد من التلاميذ المجتهدين المخلصين آراء الأستاذ ~~وعلقوا عليها وأذاعوها في اتجاهات عديدة مختلفة، وأخيرا وضع ~~من هذه الآراء برنامج سياسي، وأنشئ حزب سياسي (عرف باسم ~~حزب «المجددين الفلسفيين»)، لتنفيذ هذه الآراء، مع إنشاء صحيفة ~~أدبية لنشر هذه الآراء، وبذلك تحول المذهب إلى دعوة، بل لقد دخل ~~البرلمان - وهو المكان الملائم لتحويل الأفكار - إلى حقائق واقعة، ~~أما بنتام ذاته فلم يظهر أمام الجمهور، وإنما عاش في عزلة هادئة ~~عاكفا على تحسين مذهبه، وترك لتلاميذه كل ما عدا ذلك من الأمور، ~~وليس من السهل أن نحدد بدقة كم من أفكاره تحقق على هذا النحو بفضل ~~الإصلاحات التشريعية الضخمة التي تمت في العقد الرابع من القرن ~~التاسع عشر، غير أن من الأمور التي يشيع الاعتراف بها اليوم أن روح ~~أفكاره قد تغلغلت فيها، وأسهمت في تحقيقها بنصيب كبير. # ويظهر بنتام في تاريخ ~~الفلسفة على أنه واضع ومؤسس مذهب المنفعة في الأخلاق، غير أنه ~~قطعا ليس أول القائلين بالمنفعة بوصفها مبدأ أخلاقيا؛ فهذا ~~المبدأ متغلغل في التعاليم الأخلاقية الإنجليزية والفرنسية في عصر ~~التنوير، وهو يتخذ فيها أحيانا صبغة واضحة ويطبق من آن لآخر، ~~أما بنتام فقد تلقى فجأة ما يشبه الوحي الجديد الذي أضاء تفكيره ~~كبرق خاطف عندما قرأ المجلد الثالث من كتاب هيوم «بحث في الطبيعة ~~البشرية # Treatise of Human Nature ~~»، وكما يقول بنتام ذاته، فقد ارتفعت ~~الغشاوة عن ms036 عينيه عندما تكشفت له لأول مرة الأهمية الكبرى لفكرة ~~المنفعة في السلوك البشري، وفي هذه اللحظة الخلاقة تم تشييد ~~الجسر الذي يصل بين التراث الكلاسيكي وبين فترة إحيائه الحديثة، ~~ولقد كانت أعظم خدمة تاريخية أداها بنتام هي أنه آمن بهذه الفكرة ~~إيمانا راسخا، واتخذ منها مبدأ أساسيا لتفكيره ودعامة رئيسية ~~لمذهبه، وشيد هذا المذهب بجد ومثابرة هائلين، وأمده بثروة ~~ضخمة من المادة التجريبية، ولا يكاد المرء يجد مثلا لأي مذهب ~~فكري آخر قام واضعه بتنظيم مبدأ واحد فيه ودعمه بهذا الحشد ~~الهائل من التجارب كما يجد لدى بنتام؛ ذلك لأن الكمية الضخمة من ~~المادة التجريبية، التي أدرجها تحت مبدئه النظري الرئيسي، لم تكن ~~هي وحدها التي اكتسبت من التجربة، بل لقد كان المبدأ ذاته مكتسبا ~~من التجربة، وهنا نستطيع أن ندرك التضاد الواضح بين هذا المذهب ~~وبين آراء المدرسة الاسكتلندية التي كانت خصما تاريخيا لها، ~~فهناك من جهة مبادئ أولية فطرية في الطبيعة البشرية، وهي مبادئ ~~تؤكد المعرفة الحدسية وضوحها المباشر، وعليها ترتكز أحكامنا في ~~القيم، وهناك من جهة أخرى تلك الفكرة البسيطة التي تؤكدها تجارب ~~لا حصر لها، ويمكن تحقيقها في أية لحظة، وهي القائلة بأن كل سلوك ~~بشري يحدده ويملؤه السعي إلى اكتساب اللذة وتجنب الألم، وليس ~~في وسعنا في هذا المجال أن نتحدث بالتفصيل عن الطريقة التي انتقل ~~بها بنتام من هذا المبدأ البسيط حتى وصل إلى التطبيق الشامل لمبدأ ~~المنفعة، ومنه إلى صيغته الأخلاقية المشهورة القائلة: «بأكبر قدر ~~من السعادة لأكبر عدد من الناس» وكيف انتقل إلى وصف الحياة ~~الأخلاقية بأسرها، ومنه إلى إقامة توازن بين اللذة والألم في ~~السلوك البشري، أو إلى ما يسمى بحساب اللذات # Hedonistic Calculus ~~، وكيف ~~طبق هذه الأفكار على أشد مجالات الحياة العملية تباينا، ولا سيما ~~السياسة والإصلاح الاجتماعي، وحسبنا أن نذكر أنه حاول رد مجال ~~السلوك البشري بأسره (الفردي منه والاجتماعي) إلى مبدأ سائد ~~واحد شامل لكل شيء، يطبق باتساق صارم وتجاهل قاس للحجج ~~المضادة، وعلى هذا النحو حاول جمع ms037 الكثرة المحيرة للظواهر ~~الأخلاقية في نظرة عقلية واحدة، وإخضاعها لمذهب محكم البناء، ~~وهكذا ارتفعت الأخلاق عنده لأول مرة (ومعها المجالات العملية ~~الأخرى للدراسة) إلى مرتبة العلم الدقيق، وأضيفت كالعلم الطبيعي ~~إلى مجال البحث الدقيق. وتتوقف عظمة هذه النظرة، والقدرة على ~~تنفيذها عمليا على العزل الجريء لوجه محدود منفصل، مع تجاهل ~~مترفع لكل الأوجه الباقية. وهكذا اقتطع بنتام - من مجال معقد ~~عديد الأبعاد - سطحا واحدا، وقدمه إلينا بكل مظاهر البحث ~~العلمي الدقيق، وتحقق ذلك بجعل مبدأ المنفعة أهم العوامل وإخضاع ~~الحياة الأخلاقية بأسرها لعنصر الكم تماما، وهكذا أزيلت عن ~~الأخلاق كل العناصر الكيفية، وكذلك جميع الشروط الميتافيزيقية ~~والدينية وغيرها، بل لقد سعى بنتام إلى الاستغناء عن الأساس النفسي ~~الذي كان باحثو الأخلاق الإنجليز من قبله ومن بعده يرونه ضرورة لا ~~غناء عنها. # ولقد تأثر التطور التالي ~~للفكر الإنجليزي - سواء خلال حياة بنتام أو بعدها - تأثرا تاما ~~بمذهب المنفعة في قوته وإحكامه وبنائه المنطقي السليم، ولكن كان من ~~المحتم أن ينحدر هذا المذهب - الذي ادعى أنه نهائي - إلى مرتبة ~~القطعية الجازمة، وأن يكبل كل الأذهان التي تقع تحت تأثيره بدلا ~~من أن يحررها، وإذا استثنينا أتباع المدرسة الاسكتلندية وعددا ~~قليلا من المفكرين الثانويين وأصحاب الآراء الشاذة، فقد ظل مذهب ~~المنفعة وقتا طويلا يفخر بولاء إجماعي له من الفلاسفة ~~والمشتغلين بالفلسفة من الإنجليز، وبدا هنا أن المشكلات الكبرى في ~~الحياة والفكر قد حلت أخيرا، ولم يعد هناك مجال للتطور الحر ~~للقدرات الفلسفية، إلا إذا كان ذلك من أجل التوسع في المبدأ ~~الأساسي بمزيد من الدقة والتفصيل، وتطبيقه على مجالات أوسع، وفي ~~مجال الفلسفة الأخلاقية بدا أن بنتام قد قال الكلمة الأخيرة، ولما ~~كان قد تخلى نهائيا عن المشاكل الميتافيزيقية والدينية، فقد ~~بدا أن أجنحة التأمل النظري قد أصبحت مهيضة، وهكذا أصبح التمسك ~~الصارم بالمبدأ، وهو التمسك السائد في مدرسة بنتام، هو أقوى ~~العقبات في وجه التقدم الفلسفي. # وينبغي أن نذكر - من بين معاصري بنتام الذين أسهموا بأدوار ~~مستقلة، وساروا في طريق الفكر النفعي ms038 دون أن يلتزموا مباشرة ~~باقتفاء أثره - أسماء جودون # Godwin # ومالتوس # Malthus # وريكاردو # Ricardo ~~، وهؤلاء الثلاثة معا لا ينتمون إلى ~~الحركة الفلسفية بالمعنى الصحيح بقدر ما ينتمون إلى البيئة الروحية ~~التي تستمد غذاءها من الفلسفة؛ وبالتالي تزيد الفلسفة ثراء، أما ~~وليام جودون (1756-1836)، الذي سنذكر هنا كتابا رئيسيا من كتبه ~~كانت له شهرة وأهمية فائقة، هو «بحث في العدالة السياسية # An Enquiry Concerning Political Justice ~~» (1793)، فقد كان أعنف ~~وأقوى هجوما على النظام الاجتماعي القائم من بنتام ذاته، وقد تأثر ~~مباشرة بموجة الثورة الفرنسية، وهو أول مفكر إنجليزي ذي مذهب ~~ثوري، وهو بدوره يرى في اللذة والسعادة دوافع السلوك البشري، ويدعو ~~مثل بنتام إلى تحصيل أكبر قدر منها للوصول إلى الحالة المثلى التي ~~ينشدها للمجتمع، وهو يرى أن العقل - الذي يضفي عليه أسمى الحقوق - ~~هو المرشد الوحيد للإنسان ومحرره من الاضطهاد السياسي والاستعباد ~~الديني، ولقد استمد من التراث الروحي لعصر التنوير والثورة ~~الفرنسية عناصر كثيرة، منها إيمانه المتعصب بالتقدم وفوضويته ~~وحماسته ضد الكهنوت وكل من يموهون على الناس، وحلمه الإنساني ~~العالمي بالسعادة البشرية، وتأليهه للعقل، وهجومه على النظم ~~الاجتماعية والأفكار الأخلاقية الشائعة، وقد استطاع التوفيق بين ~~مبادئ عصر التنوير ومبادئ الثورة الفرنسية في مذهب فكري واحد، ~~ولما كان قد عرض هذه الأفكار بحماسة دافقة، فقد هز عقول الناس ~~بقوة هائلة، ولا سيما عقول الشعراء الرومانتيكيين، وهكذا وقع في ~~حبائل إغراء مذهب جودون شعراء مثل كولردج ووردزورث وسذي # Southey # وشلي وكثير غيرهم، ووجدوا ~~لزاما عليهم أن يحددوا موقفهم منه، فانتهى بعضهم إلى التحرر منه، ~~وانتهى البعض الآخر إلى الإغراق فيه. # ولقد أخذ توماس ر. ~~مالتوس # Thomas R. Malthus ~~(1766-1834) على عاتقه مهمة مهاجمة آراء ~~جودون بما فيها من أمنيات مبالغ فيها عن مستقبل البشرية، وذلك في ~~كتاب مالتوس المشهور والمفرط في غرابته: «بحث في نظرية ~~السكان # Essay on the Principle of Populations ~~» (وقد نشر لأول مرة عام 1798)، فأعاد ~~الأمور في هذا الكتاب إلى نطاق الواقع المرير، فقد كانت نظريته في ~~السكان، التي أثارت ms039 بمجرد ظهورها عاصفة من الاستنكار وسيلا من ~~الردود، موجهة أولا ضد وهم التقدم والاعتقاد بازدياد كمال ~~الإنسان والمجتمع على الدوام، وهو الاعتقاد المميز لعصر التنوير، ~~وكانت ترمي إلى إثبات أن مشكلة السكان تكشف لنا عن قانون صارم ~~يهدم أحلام السعادة هذه، هو القانون القائل: إن السكان يتزايدون ~~بمعدل يفوق كثيرا معدل نمو وسائل العيش، وعلى ذلك فليس لنا أن ~~نتوقع زيادة مطردة للسعادة، بل ينبغي على العكس من ذلك أن نتوقع ~~زيادة في البؤس الفردي والاجتماعي نتيجة لهذه الظروف، وسرعان ما ~~أصبحت تعاليم مالتوس - التي تتمشى نتائجها مع اتجاه بنتام الفكري - ~~جزءا أساسيا من مذهب المنفعة، وكان لها في التفكير الاقتصادي ~~الإنجليزي تأثير قوي، وإن يكن مثبطا، تجلت آثاره في التشريع ~~العملي، وظل هذا المذهب قوة حية حتى ما بعد منتصف القرن التاسع ~~عشر على الأقل، وقد كان تأثر مالتوس ببنتام - من الوجهة التاريخية ~~- أقل من تأثره بمفكرين مثل أ. ~~تكر # A. Tucker ~~، # 1 # وبالي # W. Paley ~~، # 2 # ناهيك بتأثره بهيوم، الذي اعترف مالتوس ذاته بأنه كان ~~يدين بالكثير لآرائه في السكان، وفيما بعد استعار دارون من مذهب ~~مالتوس تلك الفكرة الحافلة بالنتائج؛ فكرة الصراع من أجل الوجود ~~(والتعبير ذاته موجود لدى مالتوس) وبذلك اكتسب وجهة النظر التي ~~سادت أبحاثه البيولوجية. # أما ديفد ريكاردو # D. Ricardo ~~(1772-1822) فقد وضع مذهبا نفعيا في الاقتصاد في كتابه ~~«مبادئ الاقتصاد السياسي والسياسة الضريبية Principles of Political Economy & Taxation ~~» ~~1817، التزم فيه مبادئ مذهب المنفعة بدقة، مع تطبيقه على نطاق ~~أوسع من تطبيق مالتوس له، ولا شك أن أمر تقدير الأهمية الفائقة ~~لهذا الكتاب، الذي يعد فتحا في تاريخ الاقتصاد السياسي ~~الإنجليزي، أو اختبار الآراء التي يتضمنها، إنما يقع خارج نطاق ~~كتابنا هذا، والواقع أن هذا الكتاب لم يفقه أهمية إلا كتاب آدم ~~سمث الكلاسيكي، الذي يرتبط به ارتباطا وثيقا؛ إذ نقل رسالته ~~الفكرية إلى القرن التاسع عشر في صورة مستقلة. ولقد ظل ريكاردو ~~أقرب من مالتوس إلى آراء بنتام، وذلك بتوسط جيمس مل في ms040 المحل ~~الأول، وإن يكن قد اتفق مع مالتوس في آرائه الاجتماعية والسياسية ~~الأساسية. وإن التفكير الاقتصادي للقرن التاسع عشر - ولا سيما ~~تفكير ماركس - ليدين لريكاردو بأفكاره الأساسية، وقد احتلت ~~آراؤه فيما بعد بالتدريج مركز البديهيات في الدراسة النظرية ~~للقوانين والوقائع الاقتصادية. # ويستمر التيار الرئيسي للتفكير النفعي - بعد بنتام - عند جيمس مل ~~(1773-1836) مباشرة، وكان جيمس مل تلميذا شابا وصديقا وحليفا ~~لبنتام، اقتبس تعاليمه وواصلها كأنها عقيدة موروثة، وهو يمثل ~~معبرا بين بنتام - الذي أعاد بناء المذهب التجريبي من جديد - وبين ~~ابنه جون ستيوارت مل، الذي بلغ بهذا المذهب تمامه، وهكذا كان يحتل ~~أساسا موقع الوسيط، وكانت مهمته هي حفظ التراث حتى يسلمه نقيا ~~صافيا إلى ابنه وخليفته العظيم. ولقد كان جيمس مل أشد المتحمسين ~~للدعوة إلى أفكار بنتام، وأجهر الناس بالإعجاب به، وقد التفت ~~حوله تلك الفئة المسماة «بالمجددين الفلسفيين» الذين عملوا على ~~تجديد الحياة السياسية الإنجليزية مستوحين روح بنتام. وكان نشاطه ~~التأليفي موجها في المحل الأول إلى الفلسفة الأخلاقية والدراسات ~~العملية المرتبطة بها، وكذلك إلى التاريخ والفقه ونظرية الدولة ~~والسياسة والاقتصاد السياسي، وفي هذه الدراسة الأخيرة اعترف بأنه ~~تابع لريكاردو مباشرة. وقد ارتكز في كل هذه المجالات على أفكار ~~المدرسة التي تغلغلت في دمائه، ولم يجد ما يدعو إلى مناقشتها، ~~والتزم بحماسة التلميذ المكتمل وإخلاصه، تلك الصيغة المشهورة في ~~مذهب المنفعة، تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من ~~الناس. # ومع ذلك، فقد أدى في ناحية ~~معينة خدمة هامة ضرورية لمدرسته؛ ذلك لأن بنتام لم يكد يعبأ ~~بإيجاد أساس نظري لتعاليمه، وهكذا كانت هناك ثغرة في مذهبه تحتاج ~~إلى أن تملأ، لا سيما وقد أنتجت المدرسة الاسكتلندية المضادة له ~~مؤلفات قيمة، لم يكن من الممكن التصدي لها وإبطال أثرها إلا ~~بمؤلفات متساوية القيمة من الجانب الآخر، وقد أخذ مل على عاتقه ~~هذه المهمة في أهم كتبه، وعنوانه: «تحليل ~~ظواهر الذهن البشري # Analysis of the Phenomena of the Human Mind ~~» (1829 طبعة جديدة بإشراف جون ~~ستيوارت مل، 1869)، وفي هذا الكتاب ms041 وضع الأساس النفسي لمذهب ~~المنفعة. ولقد كانت لآراء مل في علم النفس أهمية تاريخية خاصة، ~~بالإضافة إلى وظيفتها بوصفها أساسا؛ فقد كان لزاما عليه، لكي يضع ~~هذا الأساس، أن يلجأ إلى الأفكار التجريبية القديمة، وعلى ذلك كان ~~على مل أن يلتقط خيط التطور، أو يصل بين طرفيه، عند النقطة التي ~~قطعه فيها المفكرون الاسكتلنديون قبل ذلك بنصف قرن من الزمان، أي ~~عند علم النفس الترابطي كما قالت به المدرسة الكلاسيكية الأقدم ~~عهدا، وهكذا اكتسب علم النفس عند مل قوامه عن طريق العودة إلى ~~تعاليم هيوم وهارتلي # Hartley ~~، # 3 # ومن ثم فقد كانت معارضته صريحة للمذهب الحدسي في ~~المدرسة الاسكتلندية، ولقد عاد ثانية إلى تأكيد أهمية الفاعلية ~~الآلية للذهن، وأدخل مرة أخرى منهج التشريح النفسي، ومعه الكيمياء ~~النفسية، وتشبث بفكرة تحليل الظواهر الذهنية إلى أبسط أجزائها ~~(الذرات النفسية )، وأحيا من جديد قانون التداعي أو الترابط بوصفه ~~القانون الأساسي للحياة النفسية، وكذلك النظرة الظاهرية Phenomenalist # في نظرية ~~المعرفة، وهكذا أعاد من جديد إلى الحياة كل مجموعة الأفكار ~~المنتمية إلى النظرية الفلسفية الكلاسيكية، ولقد اقتربت آراؤه من ~~هارتلي أكثر مما اقتربت من لوك وهيوم، ولكنه امتنع عن جميع ~~التفسيرات الفسيولوجية، واقتصر على مجرد استطلاع مجال الشعور أو ~~الوعي النفسي، وكانت لديه قدرة فائقة على التحليل، كما تشبث ~~بإصرار بمبدئه الأساسي في التداعي، وحسن منهجه، ودعم مذهبه، وأتى ~~بمواد تجريبية جديدة، ولكنه لم يتخل أبدا، في أية نقطة ~~هامة، عن الأسس التي حفظها وأكدها التراث، وهنا أيضا لعب مل دوره ~~المميز، أعني دور الوسيط؛ وذلك بأن أدى في مجال الدراسات النظرية ~~نفس الخدمة التي أداها مل في المجال العملي، أعني تجديد الفكر بروح ~~الفلسفة الإنجليزية الكلاسيكية، وأن أهميته التاريخية لترجع إلى ~~أنه دفع علم النفس ونظرية المعرفة دفعة قوية إلى الأمام، ولدت ~~سلسلة طويلة من النتائج الأخرى، وظلت على قوتها حتى قرب نهاية ~~القرن الماضي على الأقل. # ولقد كانت فلسفة جون ~~ستيوارت مل، وهو أعظم مفكر تجريبي في القرن التاسع عشر، تمثل ~~نموا عضويا ms042 من الوضع الفلسفي الذي أوجده بنتام وجيمس مل، وقبل أن ~~ننتقل إلى الحديث عنه، ينبغي أن نذكر أسماء بعض الشخصيات التي يقع ~~مولدها بين مل الأكبر ومل الأصغر، والتي ترتبط بهما ارتباطا ~~وثيقا. ولقد كان المشرع جون ~~أوستن # J. Austin ~~(1790-1859)، والمؤرخ جورج جروت # G. Grote ~~، شقيق الفيلسوف جون ~~جروت، الذي سيأتي ذكره فيما بعد؛ كان هذان من بين الأصدقاء ~~المقربين إلى مل الأب ومل الابن، وكانا في البداية صديقين ~~حميمين للأب، ثم نمت بينهما وبين الابن صداقة أبوية متينة. ولقد ~~قام أوستن، الذي ظل بضع سنوات أستاذا للقانون في جامعة لندن، ~~بدراسة منظمة دقيقة لمجال القانون من وجهة نظر مذهب المنفعة، ~~ووضع في كتابه المشهور، تحديد مجال الدراسة التشريعية # The Province of Jurisprudence ~~Determined ~~(1832)، أسس فلسفة للقانون، # 4 # ولكن علاقته بأوساط مذهب المنفعة قد تعقدت بفعل ~~مؤثرات أتت إليه من المدرسة التاريخية في القانون ومن ~~الرومانتيكيين الألمان؛ إذ إنه عاش خلال النصف الثاني من العقد ~~الثالث من عمره فترة طويلة طالبا في هيدلبرج وبون، حيث تعرف إلى ~~شخصيات مثل سافيني # Savigny ~~، # 5 # و«أ. ف. ~~شليجل # Schlegel ~~» # 6 # وبراندس # Brandis ~~، # 7 # وغيرهم، وعلى هذا النحو اكتسب تفسيره أفقا أوسع من ~~حدود التقيد الصارم بمذهب بنتام، وتبدي ذلك على أنحاء عدة، من ~~أهمها أنه لم يبن أخلاق المنفعة على فكرة المنفعة ذاتها، وإنما ~~حاول أن يدعمها بالجزاءات الدينية. أما «جروت»، الذي اشتهر بوصفه ~~مؤرخ اليونان القديمة، فقد كان منذ البداية أميل من أوستن إلى مل ~~الأب، وقد انضم بحماسة إلى مل في جهوده لإصلاح المذهب التجديدي الفلسفي # philosophic radicalism ~~، ~~الذي كان يمثله في البرلمان، غير أن مذهبه الفكري قد تلقى مؤثرات ~~من مصادر أخرى، أهمها الفلسفة اليونانية، التي كان له بها إلمام ~~واسع (كما تشهد بذلك مؤلفاته عن أفلاطون وأرسطو) وقد حاول في كتابه ~~الذي نشر بعد موته «شذرات في الموضوعات ~~الأخلاقية # Fragments on Ethical Subjects ~~» (1876)، وهو مؤلفه المنهجي الوحيد، أن ~~يثبت الطابع الاجتماعي للأخلاق على نحو أفضل مما فعله أصحاب ms043 مذهب ~~المنفعة بموقفهم الذي تسوده النظرة الفردية، مؤكدا أولوية المجتمع ~~على الفرد، وواجب الفرد في الخضوع للإرادة الجماعية ~~للمجتمع. # ونستطيع أن نذكر هنا، إلى ~~جانب أوستن وجروت، اسم السير جون ~~هرشل # J. Hershel ~~(1792-1871) ووليام هيوول # W. Whewell ~~(1794-1866)، وعلى الرغم من ابتعاد ~~هذين عن دائرة بنتام، فقد قاما بنصيب هام في الإعداد للأبحاث ~~المنطقية التي أجراها مل الابن؛ ذلك لأن مل قد وجد في كتاب الفلكي ~~العظيم هرشل، وعنوانه «بحث منظم ~~حول دراسة الفلسفة الطبيعية # Discourse on the Study of Natural Philosophy ~~» (1830)، مادة زاخرة ~~مستمدة من العلوم الطبيعية استعان بها في وصف عمليات الاستقراء، بل ~~لقد وجد في هذا الكتاب أيضا منهجه التجريبي الخاص مطبقا عمليا، ~~وإن لم يعبر عنه بصورة صريحة. ولقد وجد مل قيمة أعظم في الأبحاث ~~الشاملة التي أجراها هيوول، والمبنية على معرفة دقيقة بنظرية ~~العلوم الاستقرائية وتاريخها، وهي الأبحاث التي عرضها هيوول في ~~كتابيه العظيمين: تاريخ العلوم ~~الاستقرائية # History of the Inductive Sciences ~~(1837، الترجمة الألمانية 1839-1842) ~~و«فلسفة العلوم الاستقرائية Philosophy of the Inductive Sciences ~~» (1840). ولقد كان ~~هيوول يمتاز بمعرفة هائلة للماضي، وفاق في نطاق معلوماته ~~الموسوعية ودقتها هاملتن ذاته، الذي اشتهر بأنه كان أوسع رجال عصره ~~علما، ولقد استعان مل في إعداد الباب الثالث من كتاب المنطق (وهو ~~الباب الخاص بالاستقراء) بالمواد التي جمعها هيوول استعانة كاملة، ~~وأقر شاكرا بأنه لولا هذا العمل التمهيدي لما تمكن من إنجاز ~~مهمته، ولكنه في الوقت ذاته أحس بغريزة صائبة بالتضاد المنهجي ~~القاطع بينه وبين هيوول؛ فقد رأى فيه ممثلا لما يسميه بالنظرة ~~الألمانية أو «الأولية # a priori ~~» ~~إلى المعرفة البشرية وقدراتها. والواقع أن هيوول قد تأثر بكانت ~~تأثرا قويا، ورفض المنطق ونظرية المعرفة التجريبيين، ولقد اعترف ~~مثل مل بالأهمية الأساسية للاستقراء، بوصفه عملية استخلاص الحقائق ~~والمبادئ العامة من الوقائع الجزئية في كل بحث وكشف علمي؛ ولذا ~~أطلق اسم «العلوم الاستقرائية» على تلك العلوم التي تسمى عادة باسم ~~«الطبيعة»، ولكنه لم يجعل الأهمية الأولى فيها لملاحظة الوقائع، ~~وإنما رأى ms044 أن الأفكار التي يلعب الذهن الدور الرئيسي فيها هي عامل ~~لا يقل عن الملاحظة أهمية، وأنه لما يتفق تماما مع رأي كانت ~~القائل بأن الإدراكات الحسية فارغة، أن يقول هيوول في مقدمة كتاب ~~«تاريخ العلوم الاستقرائية» المذكور من قبل، أن الشرط الأساسي لكل ~~تقدم علمي هو اتحاد الأفكار الواضحة بالوقائع المحددة. ويطلق ~~هيوول اسم التضاد الأساسي في الفلسفة، على رأيه القائل: إن الفكرة ~~ينبغي ألا تستقل أبدا عن الواقعة الملاحظة، ومع ذلك ينبغي أن تجذب ~~الواقعة دائما نحو الفكرة، وقد عبر عن ذلك تعبيرا موجزا بليغا ~~في قوله: «إن التقابل بين الحس والأفكار هو أساس فلسفة العلم، فلا ~~قيام لمعرفة دون توحيد هذين العنصرين، ولا قيام لفلسفة دون الفصل ~~بينهما» («فلسفة العلوم الاستقرائية»، طبعة جديدة، 1847، المجلد ~~الثاني، ص443). ولقد كان هدف هيوول في كتابيه العظيمين هو إحياء ~~«الأورجانون ~~الجديد # Novum Organun ~~» لبيكن، ورفع هذا الكتاب إلى المستوى ~~المتقدم الذي بلغه العلم الحديث. وهكذا فقد بدأت دراسة الأسس ~~المنهجية للعلم على يد هيوول، وواصلها مباشرة مل في كتابه ~~«المنطق»، وثبت أن للخلاف الذي نشأ بينهما فيما بعد فائدته الجمة؛ ~~إذ أثار الاهتمام بهذه المسائل في الأوساط الفلسفية والعلمية ~~معا . # والآن نصل إلى جون ستيوارت مل # John Stuart Mill ~~(1806-1873)، الذي بلغ عنده المذهب التجريبي الحديث منتهاه، مثلما ~~بلغت التجريبية الكلاسيكية منتهاها عند هيوم قبل ذلك بقرن من ~~الزمان. ويعتقد كثيرون أن مل هو أعظم مفكر إنجليزي في القرن ~~التاسع عشر، ولكن أيا كان الأمر، فمن المؤكد أنه كان أعظم الكتاب ~~الفلسفيين في عصره، ومن الملاحظ أنه، مثل بيكن وهبز وشافنسبري وباركلي # 8 # وهيوم وبنتام وجيمس مل، ثم سبنسر فيما بعد، لم يشغل ~~أي منصب تعليمي رسمي، ومارس الفلسفة، لا على أنها مجرد بحث ~~علمي أو ثقافي، أو لصالح حلقة صغيرة من التلاميذ والمتخصصين، بل ~~بوصفها رسالة روحية ينبغي أداؤها استجابة لنداء باطن، والجهر بها ~~على الملأ أجمعين، ولقد كان أعظم ناطق بلسان الفلسفة في عصره، كما ~~أصبح واحدا في سلسلة القوى ms045 الأدبية الخلاقة الهائلة التي مارست ~~تأثيرها مثله على الوجه الروحي للحياة في إنجلترا في القرن التاسع ~~عشر، وإلى مل يرجع الفضل، أكثر مما يرجع إلى أي من السابقين عليه ~~مباشرة، في تجاوز الفلسفة لنطاقها الضيق السابق، واتساع نطاقها ~~بحيث أصبحت تنتمي إلى مجال الأدب العام؛ وبذلك أصبح قراؤها هم كل ~~الصفوة المثقفة في الأمة، وبفضله أصبح للفلسفة منبر واسع عريض ~~تعلن به عن نفسها، وتبعث فيه قواها، كما اكتسبت بدورها قوة بفضل ~~تأثيرات الحياة الثقافية التي أصبحت الفلسفة محاطة بها. # ويمثل مل - في تطور الفلسفة الإنجليزية - آخر مركب ضخم عرض ~~به المذهب التجريبي؛ فجميع الأفكار الرئيسية في المذهب التجريبي ~~تتجمع لديه في وحدة متسقة إلى أبعد حد، ويحدث ذلك، لا على شكل ~~مذهب متناسق منظم بدقة، كما هي الحال عند سبنسر فيما بعد، وإنما ~~بذلك الأسلوب المتحرر الذي يحتل أكبر عدد من مجالات التجربة، لكي ~~يتغلغل فيها بالتفكير الفلسفي، لا لكي يدرجها في وحدة شاملة أو ~~ليحشرها قسرا في مذهب مشيد هندسيا. والواقع أن الطريقة الأولى ~~لا الثانية هي الأسلوب الصحيح للتفلسف التجريبي، الذي لا يمكنه - ~~بحكم إخلاصه للتجربة في كل إمكانياتها المتعددة - أن يستسلم ~~مباشرة لفكرة بسيطة، أو يقنع بالتنظيم الصارم في مذهب؛ فالتفكير ~~المذهبي - من ذلك النوع الذي احتل فيما بعد مكانة كبيرة لدى ~~سبنسر - عنصر غريب يصعب التوفيق بينه وبين مبادئ المذهب التجريبي، ~~ولما كان مل قد اعتنق هذه المبادئ خالصة، ففي وسعنا أن ننظر إليه، ~~لا إلى سبنسر، على أنه آخر ممثل أصيل للتراث الإنجليزي ~~العظيم. # ولقد تغلغل هذا التراث في دمائه منذ نعومة أظفاره؛ فقد خضع ~~تعليمه لأفكار أبيه ولإشراف هذا الأب وحده، دون مدرسة أو جامعة، ~~وذلك وفقا لروح فلسفة بنتام وطبقا لمبادئه تماما، وقد وصف هو ~~ذاته هذه التجربة غير العادية وصفا حيا في ترجمته الذاتية لحياته # Autobiography ~~(1873)، ~~ويكاد يكون في حكم المعجزات أن هذه التجربة لم تدمره، وهكذا قبل ~~عن طيب خاطر وبإيمان كامل تلك التعاليم التي لقن إياها ~~بإكراه خارجي. وعندما ms046 بلغ الخامسة عشرة من عمره، كان قد أصبح ~~مؤمنا بمذهب المنفعة إيمانا كاملا مصقولا، كما كان متشربا ~~تماما بجميع تعاليم المدرسة، وملما بكل ما يمكن تصوره من ~~أنواع المعارف، ولقد بلغ من استحواذ المذهب عليه أنه أنشأ مع ~~مجموعة من أصحاب الاتجاه نفسه - وهو لم يزل في السادسة عشرة من ~~عمره - جمعية فلسفية أسماها «جمعية مذهب المنفعة»، وكان هذا ~~التعبير - وليس تطبيقاته القديمة المتفرقة - هو الذي أشاع هذا ~~اللفظ على الألسن بالتدريج، وهكذا أصبحت كلمة صاحب المذهب المنفعي ~~أو «النفعي» التي نقشها مل بطريقة صبيانية على رايته، تعني ~~بالنسبة إليه رمزا لكل ما اكتسبه من الفلسفة عن أبيه، أي أفكار ~~بنتام ومدرسته. # وعندما بلغ مل العشرين من عمره، انتابته أزمة روحية عنيفة، ~~ينبغي أن نلم بها هاهنا؛ إذ إنها قد تحكمت في حياته التالية ~~بأسرها، وأطلقت لأول مرة ما كان حتى ذلك الحين حبيسا بفعل تعليمه ~~المصطنع، أعني طبيعته الباطنة ذاتها، فلم تكن هذه الأزمة - ولا ~~سيما فيما جلبته بعد ذلك من نتائج مثمرة - إلا رد فعل على ضيق ~~الأفق والجمود الذي كانت تتسم به الآراء التي حبسه تعليمه بين ~~جدرانها، ولقد سبق له أن أظهر نوعا من الثورة على نظرية السعادة ~~في الأخلاق ، وعلى الأخلاق الحتمية وطغيان العقل، فأصبح يدرك - لأول ~~مرة - الأهمية القصوى للفن والشعر بوصفهما مؤثرين ثقافيين، ~~واعترف لأول مرة بالحاجة إلى تنمية العواطف والخيال في التعليم، ~~بالإضافة إلى ملكة الفهم النظرية الخالصة، وبقيمة التهذيب الباطن ~~للنفس الفردية إلى جانب التنظيم المجرد للظروف الخارجية، ولقد تكشف ~~له العالم الجديد، الذي أصبح الآن محيطا به من كل جانب، والذي ~~مكنه من اجتياز صدمته الروحية العميقة؛ تكشف له هذا العالم لأول ~~مرة بفضل استغراقه في شعر وردزورث # Wordsworth ~~. # ثم أتته فيما بعد معونات ~~عديدة من مصادر أخرى، أولها اهتمامه الكبير بعبقرية جوته # Goethe ~~، ثم تعرفه إلى الشاعر والمفكر ~~الرومانتيكي العظيم كولريدج # Coleridge ~~، الذي اتصل به عن طريق قراءاته الخاصة ~~من جهة، ومن جهة أخرى عن طريق صداقته الشخصية لأصدقاء ms047 شبان ~~لكولريدج، مثل فردريك د. ~~موريس # Frederick D. Maurice # وجون ~~سترلنج # John Sterling ~~، صديق كارليل # Carlyle # الذي مات صغيرا، وأخيرا من كارليل ~~ذاته، الذي بدأ في ذلك الحين يكشف عن العالم الروحي الألماني ~~لمواطنيه. ولقد كان كارليل في نظر مل شخصية جذابة من ناحية ~~ومنفرة من ناحية أخرى، وعلى الرغم من مقاومته لتأثيره، فإنه لم ~~يستطع أن ينأى بنفسه تماما عن هذا التأثير، الذي لا يعزى إليه ~~الاتجاه الذي أصبح تفكيره يتخذه في ذلك الحين فحسب، بل تعزى إليه ~~أيضا تلك الحدود التي ظل ذلك التفكير محصورا فيها. وعلى أية حال ~~فإن الأمر الذي كان مل على ثقة منه عندئذ، هو أنه قد انشق إلى غير ~~رجعة على طريقة أبيه في التفكير. # كل هذا ظهر بوضوح في بحثين نشرهما مل في عامي 1838 و1840 في ~~«مجلة ~~وستمنستر # Westminster Review ~~»، أولهما كان عن بنتام، والثاني عن ~~كولردج (وقد أعيد نشرهما فيما بعد في المجلد الأول من كتابه: ~~«أبحاث ~~ومناقشات # Dissertations and Discussions ~~» (1859)، ويستحق هذان البحثان اهتماما ~~خاصا؛ إذ إن مل كان فيهما من أوائل من عرضوا التقابل الحاسم الذي ~~انقسمت به الحياة الروحية لعصره إلى معسكرين بينهما خصومة عنيفة ~~والشخصية التي يتجسد فيها أحد طرفي هذا التضاد، والتي ترمز له ~~بوضوح، هي شخصية بنتام، الذي واصل تراث القرن السابع عشر، أما ~~الشخصية التي تمثل الطرف الآخر، فهي شخصية كولردج، الذي تركزت فيه ~~تلك القوى الروحية الجديدة التي ظهرت في القرن التاسع عشر، وعبرت ~~عن نفسها من خلاله. ولقد أحس مل، الذي كان بحكم الأصل والبيئة ~~والتعليم ملتزما بالانضمام إلى معسكر بنتام، ثم تأثر فيما بعد ~~تأثرا عميقا بعالم كولردج؛ أحس بالتوتر الذي جعل من هاتين ~~الشخصيتين، ومن القوى الديالكتيكية التي عبرت عن نفسها من ~~خلالهما، قطبين يتنافر كل منها مع الآخر بشدة، وقد أدرك بنظره ~~الثاقب التقابل المطلق بين أفكارهما وآرائهما في الحياة «إن كل ~~إنجليزي اليوم هو ضمنيا إما مشايع لبنتام أو لكولردج.» وقدم ~~لهما وصفا كان في عمومه صحيحا، ms048 فقال: إن مذهب كولردج أنتولوجي، ~~محافظ، ديني، عيني، تاريخي، شعري، أما مذهب بنتام ~~فتجريبي، تجديدي، غير مؤمن، مجرد، واقعي، وعملي في أساسه. ولقد ~~نظر إلى هذا التقابل - بمعنى أوسع - على أنه يمثل التقابل بين ~~القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أو بين عصر التنوير والعصر ~~الرومانتيكي، أو بين الروح الإنجليزية والروح الألمانية، وفي الوقت ~~ذاته أحس بضرورة التوفيق بين هذين الضدين وتخفيف توتراتهما، ~~وبنداء باطن يدعوه إلى إيجاد مركب بينهما، واثقا من أن «كل من ~~تسنى له استيعاب مقدماتهما والجمع بين منجيهما ملك ناصية الفلسفة ~~الإنجليزية في هذا العصر بأسرها.» # ولقد أدت الصدمة التي تلقاها من كولردج - ذلك المفكر الذي عده مل ~~بحق ناطقا إنجليزيا بلسان المثالية الألمانية - إلى إبعاده ~~مؤقتا على الأقل عن التقيد الحرفي بمدرسة بنتام، وقد ناقش في ~~مقاله عن بنتام مذهب هذا الأخير، وأوضح الأخطاء والنواقص في ~~تعاليمه، ثم تبرأ كما قال فيما بعد «على نحو قاطع من المذهب ~~البنتامي الضيق الأفق الذي تبدى في كتاباته الأولى.» وقد رأى بوضوح ~~أن فلسفة بنتام لم تمس إلا السطح الخارجي للأمور، وأن الأوجه ~~الأعمق والأدق للحياة قد خفيت عليها، أما كولردج فقد ألقى الضوء ~~على هذه الأوجه؛ ولذا فإن مل قد التمس لديه المشورة في تلك المسائل ~~الحاسمة التي تخلى فيها - كما كان يعتقد - عن الطريقة التقليدية في ~~التفكير ، فإذا ما تأملنا الآن تفكير مل كما يتمثل في مؤلفاته ~~الرئيسية، التي تنتمي كلها إلى فترة تالية لهذين المقالين، كان ~~لنا أن نتساءل عن مدى الفائدة التي عاد بها عليه تأثير كولردج، ~~ومقدار تغير وجهة نظره نتيجة لهذا التأثير، وإن الإجابة الصحيحة عن ~~هذا السؤال لكفيلة أيضا بأن تحدد بدقة موقع مل التاريخي. # وينبغي أن يقال أولا: إن تأثره بكولردج، وهو اللفظ المختصر الذي ~~نستخدمه للدلالة على تفتح ذهن مل لتيارات الفكر المنبثقة عن ~~المثالية والرومانتيكية، قد بلغ أوجه بتأليف هذين المقالين، ~~وأن هذا التأثر لم يزد قوة في تفكيره المتأخر، وإنما طرأ عليه ~~الضعف، وقد أدرك مل نفسه ذلك ms049 عندما عاد بذاكرته في أواخر حياته إلى ~~تلك المرحلة من تطوره في ترجمته الذاتية لحياته، ولاحظ أنه قد أكد ~~أكثر مما ينبغي، في تلك الفترة، الجانب الملائم لأحد تيارين ~~فكريين (كولردج) والجانب غير الملائم للتيار الآخر، وكثيرا ما ~~أكد فيما بعد مناصرته لأفكار القرن الثامن عشر التي كان يعارضها ~~إلى حد ما في تلك الفترة، وإن لم يكن قد تخلى عنها أبدا. ومن ~~الظواهر الغريبة أن مل، وإن كان قد اطلع على معالم الفكر الألماني ~~بفضل كولردج وكارليل وغيرهما، فإنه لم يرهق نفسه أبدا من أجل ~~استيعاب المذاهب الفلسفية الألمانية بدقة، وقد كان مستواه في هذه ~~الناحية أدنى كثيرا من مستوى هاملتن، معاصره الأكبر سنا، صحيح ~~أنه قد تعرف سطحيا إلى شعر جيته، وإلى النظريات التربوية ~~لبستولاتسي Pestolzzi ~~، # 9 # ثم اتصل فيما بعد بفلهلم فون همبولت # Wilhelm Von Humboldt ~~، # 10 # غير أن ما كان يعرفه عن الحركة الفلسفية الألمانية من ~~كانت إلى هيجل كان كله تقريبا مستمدا من السماع، ولم يتجاوز بعض ~~الأفكار الغامضة المختلطة، فهنا ظل مل محتفظا بتلك العزلة التي ~~تميز كثيرا من المفكرين الإنجليز، مع أن روحه المتحررة كانت ~~في نواح أخرى متفتحة كل التفتح للمؤثرات الخارجية، وحيثما كان ~~يشتم من بعد وجود مؤثرات ألمانية، كان يقف ضدها ويقلل من قدرها، ~~مفضلا عليها تراثه القومي، فالفلسفة الألمانية كانت في نظره ~~كتابا ذا أختام سبعة، لم يشعر بأدنى رغبة في استجلاء ~~أسراره. # ومع ذلك فإن القوة المستمدة من كولردج لم تتركه دون أن تخلف ~~فيه أثرا، فهو لم يتخل أبدا على نحو نهائي عن ارتباطاته ~~القديمة، ولم يصل إلى توفيق صحيح بين الأفكار القديمة والجديدة، ~~وبفضله أصبحت حركة مذهب المنفعة مرنة سيالة مرة أخرى، ففاضت ~~جوانبها من حدودها الضيقة، وكسرت قيدها القطعي، وعلى الرغم من أنها ~~لم تكسب أرضا جديدة واسعة، فقد أصبحت واعية بحدودها الخاصة، وظهر ~~فيها استباق لأفكار جديدة وحياة فلسفية متجددة، ولا يستطيع ~~المرء أن يقول إن التعاليم التقليدية قد حدث فيها تجديد أساسي، ~~ولكن ms050 حدث فيها تغير هام، وهو تغيير لم ترفض فيه التعاليم القديمة ~~في أية نقطة هامة، وإنما هز أركانها في نقاط عديدة، وأدخل عليها ~~من آن لآخر تعديلات بلغت حدا لم تعد معه قابلة للدخول في الإطار ~~القديم، وكما قال بول ~~هنسل Paul Hensel ~~(انظر «كتابات وأحاديث ~~قصيرة # Kleine Schriften and Vorträge ~~» 1930، ص139 والصفحات التالية) فإن مل قد ~~استخلص من داخل القوالب الثابتة للمذهب التقليدي أفكارا عديدة قام ~~بإحيائها حتى تجاوزت إلى حد بعيد ما يمكن أن تستوعبه تلك ~~القوالب، «فحياته بأسرها كانت صراعا باسلا من أجل طبع شخصيته ~~الفردية الزاخرة على تلك القشرة الجامدة التي غلف بها مذهب ~~محدود الأفق»، (نفس المرجع والموضع). # وقد أثبت مل امتيازه على جميع معاصريه بإبدائه استعداده للتعلم ~~من أي شخص لديه أي شيء يقوله له (باستثناء الفلاسفة الألمان)، ~~ويكاد تفكيره يشف دائما عن تلك الروح التوفيقية التي هي دائما ~~على استعداد للتوسط بين المدارس الفكرية المتعارضة، ولترك الحجج ~~المتناقضة تتفاعل بعضها مع بعض. # ولقد انبثقت فلسفة مل، كما رأينا من قبل، من تربة التراث ~~الإنجليزي، ومن ثم فقد بدأ باستغلال ما آل إليه من ذلك التراث ~~بحكم الأمر الواقع، فاتبع مذهب المنفعة في الأخلاق، وتعاليم أبيه ~~في علم النفس ونظرية المعرفة، ونظريات مالتوس وريكاردو في الاقتصاد ~~السياسي، كما اقتبس، في الميتافيزيقا والدين، تلك اللاأدرية التي ~~كانت حظا مشتركا بينهم جميعا، ثم أتاه من الخارج مذهب الأفكار ~~الجديد الذي تجسد في كولردج وكارليل، ولكن على الرغم من أن هذا ~~المذهب قد هز فلسفته من أعماقها، فإن مل لم يستطع أبدا أن ~~يستوعبه استيعابا كاملا. وهناك مدرسة اتصلت بها فلسفة مل في عهد ~~متأخر نسبيا (حوالي 1840)، هي الوضعية الفرنسية عند سان سيمون ~~وتلميذه العظيم كونت، ولما كانت هذه المدرسة أقرب من السابقة عليها ~~إلى طريقة تفكير مل، فإنه سرعان ما تفهمها واستوعبها، وأدت علاقاته ~~بكونت، التي اتخذت شكلا شخصيا عن طريق تبادل الرسائل، إلى وحدة ~~وثيقة للمذهبين، ومن هذه الوحدة نشأ ارتباط فلسفي مبني على ~~تشابه ms051 الهدف والتقارب الباطن بين الآراء، وهكذا انسابت التجريبية ~~الإنجليزية والوضعية الفرنسية، عند مل، في مجرى متسع واحد، ومع ~~ذلك فإن مل قد انصرف مستاء عن المرحلة الأخيرة لتفكير كونت؛ إذ ~~شعر بأن حرية البحث الفلسفي مهددة بالخطر من جمودها شبه الديني، ~~ورأى لزاما عليه أن يرفضها، أما المدرستان الألمانية والاسكتلندية ~~فقد ظل يعارضهما طوال حياته الفكرية. # ولم ينتبه مل إلا قليلا ~~للاختلافات العميقة بين هاتين المدرستين، وكل ما رآه منهما هو ~~معارضتهما المشتركة لمناهجه الخاصة، وهكذا ظهرت كل فلسفة عصره أمام ~~عينيه في صورة واحدة، هي صورة التوتر بين الطرف الألماني - ~~الاسكتلندي وبين الطرف الإنجليزي، أو بين الفلسفة الترتسندنتالية ~~عند كانت، ونظرية الموقف الطبيعي (أو الإدراك المشترك # Common-Sense ~~) عند ريد، ~~ومذهب هاملتن الذي انبثق عن الجمع بينهما، كل هذا من جهة، وبين ~~المذهب التجريبي من جهة أخرى، وهكذا وجد نفسه في شقاق دائم مع كل ~~ما لا ينبثق عن التجربة، أو ما لا يمكن أن يحقق بالتجربة، ومع ~~الأفكار الفطرية والحقائق الأولية # a priori # واليقينيات الحدسية، سواء في المعرفة ~~وفي الأخلاق وفي أي ميدان آخر، وهو يدرج ضمن هذه الفئة كل ما ~~يفترض أنه ملك مضمون للذهن البشري السليم، وبالتالي كل هذه العناصر ~~الأساسية ومبادئ الطبيعة البشرية التي ألقى تحليل ريد الضوء عليها، ~~فالأولية # apriorism # بجميع ~~مظاهرها ليست في نظره إلا ملاذا للجهل، يحمله مل مسئولية فساد كل ~~علم صحيح وكل بحث فلسفي أمين. ولقد كان مذهب هاملتن في عصره، ~~هو الذي يمثل أقوى قلعة لهذه الفلسفة الحدسية؛ ولذا أعد نفسه ~~لصراع نهائي معه ومع مؤثراته القوية، ومن هنا كان كتاب مل الخلافي ~~ضد هاملتن (1865) هو المرحلة الأخيرة في هذا الصراع الطويل بين ~~مدارس متعارضة في إنجلترا، وبعده دفن هذا الخلاف، الذي انتهى إلى ~~التغلب تماما على الخصم وتأكيد التجريبية الظافرة. # وليس في وسعنا أن نتناول هنا مساهمة مل في مختلف مجالات الفلسفة ~~إلا بإيجاز شديد، وأول ما ينبغي أن نتحدث عنه هو مساهمته في مجال ~~المنطق، لا لأنها هي ms052 الأولى بالترتيب الزمني فحسب، بل لأن لها ~~الأهمية الأولى، فإليه - لا إلى أي شخص غيره - يدين المذهب ~~التجريبي بقيام نظريته المنطقية ونموها، أما السابقون عليه فلا ~~تكاد تكون لهم في هذا الميدان جهود تذكر، # 11 # صحيح أن هبز ولوك وهيوم هم الذين وضعوا الأسس، ولكن مل ~~كان أول من رفع البناء، فأخضع هذا المجال بجميع أطرافه لتنظيم ~~دقيق، وكان - باستثناء بيكن - أول من جعل من الأسس المنطقية للعلوم ~~الدقيقة موضوعا للبحث، ولقد أحدث فتحا جديدا في تاريخ المنطق، ~~ليس فقط بفضل الأساس المنهجي الجديد لهذه الدراسة، بل أيضا بفضل ~~الاتساع الهائل الذي أدخله على مجالها؛ ومن هنا كانت كل الاتجاهات ~~المنطقية التالية، بالقدر الذي تخلت به عن تراث أرسطو أو لم تسر به ~~في الطريق المثالي الميتافيزيقي أو الطريق الرياضي، مدينة له ~~بفضل ما، بل إنه قد دفع بالمذاهب التقليدية والمثالية إلى التفكير ~~من جديد في أساس منهجها، وبفضل مل أصبحت للاتجاه النفساني في ~~المنطق المكانة العليا طوال سنوات عديدة، ولم تنته سيطرته إلا ~~بعد أبحاث هوسرل الحاسمة قرب نهاية القرن التاسع عشر. فكل الأبحاث ~~في الأوجه النظرية والمنهجية للعلم تتخذ نقطة بدايتها من مل قبل ~~غيره، ومهما افترقت عنه فيما بعد، فإنها مدينة له ببدايتها ~~الأولى، فقد كشف مل أرضا جديدة أضافها بأكملها إلى إطار العلم ~~المنطقي، وذلك في فكرته الخاصة بمنهج تكوين التصورات العلمية ومنهج ~~البحث الدقيق عامة، ولقد كان بحثه في منطق العلوم الطبيعية، الذي ~~عرضه في الفصول الأساسية المتعلقة بالاستقراء، هو أفضل بحث منهجي ~~في هذا الميدان، إذا ما قورن بجميع المحاولات السابقة من نوعه، هذا ~~فضلا عن تلك المحاولة الأولى لتكوين منطق للعلوم الذهنية، وهي ~~المحاولة التي أضافها إلى ما سبق، صحيح أنه لم يتمكن - حتى ذلك ~~الحين - من إدراك الفروق الرئيسية بين منهجي العلوم الطبيعية ~~والعلوم الذهنية، وأنه أيد بحماسة زائدة ادعاء العلوم الطبيعية ~~أنها هي التي تحتل المكانة العليا، غير أنه أدرك أن ثمة مشكلة ~~منطقية هامة ها هنا، وكان من أوائل من ms053 أدرجوا في مجال المنطق ~~مجموعة من العلوم التي كاد المناطقة الآخرون يتجاهلونها تماما. ~~هذه حقائق ينبغي ألا ينساها المناطقة المتأخرون والكتاب في ~~مناهج العلوم الذهنية؛ إذ إن الكثيرين منهم لا يعترفون اليوم إلا ~~نادرا بقيمة جهود مل، وقد حاول مل أن يحل هذه المشكلة بالنظر ~~إلى طريقة العلم الذهني على أنها موازية بدقة لطريقة العلم ~~الطبيعي، وبهذه الموازاة وحدها أعتقد أن من الممكن جعل الدراسات ~~الذهنية علمية بالمعنى الدقيق، ويمكن القول بوجه عام: إن كتاب مل ~~في «المنطق» (الذي ظهر أولا في مجلدين، في سنة 1843، بعنوان ~~«مذهب ~~في المنطق، النظري والاستقرائي» # A system of Logic, Ratiocinative and Inductive # هو أدق وأشمل ~~تطبيق لمبادئ المذهب التجريبي في بريطانيا، وفيه طرد مل ~~«الأولية # apriorism ~~» من آخر ~~وأقوى معاقلها، ولم يتوان عن استخلاص أجرأ النتائج. وهكذا سار ~~شوطا أبعد بكثير من كل السابقين عليه، حتى في هيوم ذاته، إذ لم ~~يجرؤ هؤلاء على مهاجمة المنطق في هذا الموضع أو ذاك، وكانوا يخشون ~~التدخل في مجالات معينة ثبت أركانها تراث دام قرونا عديدة، ~~أما مل فقد اكتسح كل شيء، وأوضح أن البديهيات المنطقية والقضايا ~~الرياضية ذاتها ليست إلا استقراءات من التجربة، «فنحن لا نرى ما ~~يدعو إلى الاعتقاد بإمكان وجود أي موضوع لمعرفتنا، سواء أكان ~~تجربتنا أو ما يمكن أن يستخلص من تجربتنا بالتمثيل، أو بوجود أية ~~فكرة أو شعور أو قوة في الذهن البشري، تحتاج لتبريرها ولظهورها إلى ~~أن ترد إلى أي شيء عدا تجربتنا.» هذه النغمة الرئيسية تتردد وكأنها ~~إيقاع أساسي من بداية كتاب «المنطق» إلى نهايته. # كذلك يحاول مل - في ميدان نظرية المعرفة - أن يعرض وجهة النظر ~~التجريبية النفسية في طابعها المنطقي الخالص، وأهم مؤلفاته التي ~~قدم فيها هذا العرض بطريقة شاملة هو كتابه الفلسفي الثاني ~~«اختبار لفلسفة السير وليام هاملتن # Examination of Sir William ~~Hamilton’s Philosophy ~~» (1865). ~~ويعد هذا الكتاب المؤلف الرئيسي للتجريبية الحديثة في نظرية ~~المعرفة، مثلما كان كتاب «التحليل» لجيمس مل مؤلفها الرئيسي في علم ~~النفس، وهنا تصل قدرة ms054 مل على العرض الواضح الطليق، والمجادلة ~~العملية النقدية إلى أقصى درجات تطورها، غير أن مذهبه في المعرفة ~~أقل في أهميته الفلسفية بكثير من مذهبه في المنطق؛ فهو لم يكتشف ~~هنا أرضا جديدة، وإنما حقلا زرعه من جديد، وسبق أن استغله ~~استغلالا كاملا ممثلو التجريبية الكلاسيكيون، الذين انتفع مل ~~نفسه من أبحاثهم، وهكذا فإن الطابع الغالب عليه في هذا الميدان هو ~~العودة إلى الأفكار القديمة لباركلي وهيوم، وعلى الرغم من أنه توصل ~~إلى بعض الصيغ الجديدة، فإنه لم يضف إلى المعرفة إضافة حقيقية، ~~وتتلخص وجهة نظره في القول بصيغة محددة بدقة للمذهب الظاهري Phenomenalism ~~، الذي كانت أهم ~~تعاليمه هي تلك المتعلقة بطبيعة المادة والذهن، وهو يتوصل إلى حل ~~لمشكلة العالم الخارجي (أو المادة) خلال محاولته تجنب المذهب ~~الحسي ~~الساذج # crude sensationalism ~~، وذلك في صيغته المشهورة: «الإمكانات ~~الدائمة للإحساس»، فمفتاح المشكلة لا يبدو لديه في الإحساسات التي ~~هي ماثلة مباشرة للوعي، والتي هي في تغير دائم وتفتقر إلى كل دوام ~~وثبات، وإنما في توقعنا، في ظروف معينة، إمكان ظهور إحساسات ~~معينة، وفي كون هذه الإحساسات الممكنة تتصف بالثبات والدوام، غير ~~أنه لم يدرك أن تصوري «الإمكان» و«الدوام» يفترضان مقدما تنظيما ~~موضوعيا للأشياء، وأنه بذلك يتخلى عن المذهب الحسي بمعناه ~~الدقيق؛ إذ إن هذا المذهب الأخير يرد كل وجود حقيقي إلى الأحاسيس ~~وارتباطاتها، وهو يعالج مشكلة الذهن أو الأنا على نفس النحو، فهو ~~يتفق تماما مع نظرية ~~«الحزمة» # bundle-theory # عند هيوم؛ إذ يعرف الذهن بأنه سلسلة ~~أحاسيسنا كما تتبدى فعلا في الوعي، والزيادة الوحيدة التي يدخلها ~~على هذه النظرية هي إضافته إلى الأحاسيس الماثلة مباشرة تلك ~~الإمكانات اللامتناهية للإحساس والانفعال، التي يكفي توافر شروط ~~معينة لكي تظهر مباشرة، وهذه الشروط قائمة دائما بوصفها ~~إمكانات، سواء أحدثت بالفعل أم لم تحدث، ومع ذلك فإنه يدرك تلك ~~الحقيقة الفريدة، وهي أن حزمة الأحاسيس هذه واعية بذاتها من حيث هي ~~ماض أو مستقبل، بحيث يكون علينا إما أن ننظر إلى الأنا على أنه ~~شيء يختلف من ms055 حيث المبدأ عن سلسلة الأحاسيس أو إمكانات الإحساس، أو ~~أن نقبل الموقف الغريب الذي يوجد فيه شيء هو، حسب تعريفه، مجرد ~~سلسلة من الأحاسيس، ويكون في الوقت ذاته واعيا بذاته بوصفه سلسلة. ~~ولم يستطع مل أن يتخلص من هذا المأزق، ولا أن يقرر مراجعة «نظرية ~~الحزمة» بحيث يجعلها أقرب إلى أن تكون مذهبا للأنا بوصفه مبدأ ~~روحيا للوحدة، فهو يكتفي بملاحظة هذه الحقيقة الغامضة، ويرفض ~~القيام بأية محاولة لتفسيرها. وعلى أية حال فإن توقفه الفجائي إزاء ~~هذه المشكلة وغيرها يدل على أنه قد اضطر في أحوال كثيرة إلى أن ~~يغمض عينيه بقسوة عن الضوء الوضاح لبصيرته النفاذة؛ حتى يظل ~~مخلصا للمذهب التقليدي لمدرسته. وعلى الرغم من أن ثقته بهذا ~~المذهب قد قلت بالتدريج، فإنه لم يجهر صراحة بخروجه على هذا ~~التراث لا في هذه المسألة ولا في غيرها من المسائل. # فهو لم يفعل ذلك في ميدان «الأخلاق» التي عرضها بوجه خاص في ~~كتابه: «مذهب المنفعة # Utilitarianism ~~»، سنة 1863، والتي يتعين علينا أن نعرض ~~لها هنا بإيجاز، فهنا يبدأ مل من المذهب النفعي الصريح عند بنتام ~~وأبيه جيمس مل، ولكنه، على الرغم من عدم تخليه نهائيا عن مبدأ ~~المنفعة، قد وصل خلال تطوره إلى نظرية أخلاقية تفوق النظرية ~~التقليدية صقلا وجاذبية بكثير، حتى ليجوز للمرء أن يقول: إن مل قد ~~حول الأنغام الخشنة المزعجة إلى سلم موسيقي أرق وأعذب، ~~فحساسيته الأخلاقية الرفيعة المصحوبة بشعور مرهف في تقديره للقيم، ~~لم تستطع أن تقنعه بمذهب يرد كل فعل بشرى إلى السعي إلى اللذة ~~والسعادة، ويعبر عن جميع مشاعر اللذة والسعادة بطريقة كمية محضة. ~~وصحيح أن مل يفاضل بين مشاعر اللذة وعدم اللذة، وأنه كان في ذلك ~~نفعيا بحق، غير أنه يدرج في حسابه فروقا كيفية أيضا؛ إذ لا ~~يقتصر في تقديره لمشاعر اللذة على كميتها، بل يقدرها أيضا تبعا ~~لمدى علو قيمتها. وهكذا فإن القيمة الأرفع مرتبة يمكن أن ترجح ~~كفتها على قيمة من مرتبة أدنى، ويمكن أن يعد المرء شخصية أخلاقية ~~أرفع إذا ms056 كانت الأنواع العليا من القيم أوضح ظهورا لديه من ~~الأنواع الدنيا. وهكذا فإن مل حين يؤثر الحديث عن صالح البشر على ~~تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وحين يتحدث في ~~فلسفته الأخلاقية عن الواجب والشخصية أكثر مما يتحدث عن السعادة ~~والمنفعة، وحين يجعل القيمة الأخلاقية للإنسان مرتبة أعلى من مجرد ~~السعي إلى تحصيل اللذة، وحين يجعل المثل الأعلى للأخلاق مرتكزا، ~~آخر الأمر، على النمو المتكامل المتناسق الشخصية، في كل ذلك كان مل ~~يستحضر نتائج ذلك التصويب الهام الذي أدخله على الصيغة الأساسية ~~لمذهب المنفعة. وبالمثل خفف مل من حدة النزعة الفردية للمدرسة ~~بالتوفيق بينها وبين نوع معتدل من الاشتراكية، ومن السهل أن يرى ~~المرء في ذلك مجرد نبيذ جديد يصب في زجاجات قديمة، والواقع ~~أن الأسس المنهجية عند مل تماثل نظائرها لدى أسلافه، غير أن ~~المحتوى قد طرأ عليه تغير غير قليل، فمل يقف على مشارف نظرة جديدة ~~إلى الحياة، كان لديه عنها إحساس تنبئي واضح، وإن لم يكن ~~التزامه قيود التراث قد حال دون تمكنه من إدراكها على نحو ~~قاطع. # وسوف أضع اللمسات الأخيرة في الصورة التي أحاول رسمها لتفكير مل ~~بلمحة عن موقفه من المسائل الميتافيزيقية والدينية، ففي ترجمته ~~الذاتية لحياته نجد الفقرة المعبرة الآتية: «إنني في هذه البلاد ~~واحد من الحالات القليلة جدا التي تمثل شخصا لم يتخل عن ~~إيمانه الديني، وإنما لم يكن لديه مثل هذا الإيمان قط، فقد نشأت في ~~حالة سلبية بالنسبة إليه.» وبعد مرور وقت كبير كتب مل ~~«ثلاثة أبحاث في ~~الدين # Three Essays on Religion ~~» وهي أبحاث أثارت دهشة عامة عندما نشرت ~~بعد وفاته، ففيها لم يعد يتمسك بموقف الشك غير المكترث من المسائل ~~النهائية، وإنما يناقشها بطريقة تحفل بالنظر الفلسفي الدقيق، وإن ~~يكن يتحسس طريقه بحذر نحو آراء إيجابية عن النظام الكوني، وعن ~~معنى الألم في العالم، وطبيعة الله، ومسائل ميتافيزيقية أخرى. وهو ~~يبدي في اختباره الدقيق للطريق الذي ينبغي أن يؤدي به من الأسس ~~التجريبية لتفكيره إلى ms057 محاولة الإجابة عن المشكلات المتعالية؛ يبدي ~~ميلا واضحا إلى فكرة وجود مبدأ إلهي للعالم، وهو يرى في هذا ~~المبدأ كائنا له أعلى درجات الكمال الأخلاقي، ولكن ليست له قدرة ~~لا متناهية، وهكذا يرى أن فكرة الإله المتناهي، الذي يسير بالكون، ~~في صراعه الدائم ضد المبادئ السلبية للعالم، نحو تطور يزداد على ~~الدوام ارتقاء، والذي يحتاج لذلك إلى التعاون الإيجابي من جانب ~~الإنسان، يرى أن هذه الفكرة تنسجم على أفضل نحو مع التجربة ~~الأخلاقية والدينية، وهي فكرة ثبت في كثير من الأحيان أن لها ~~فائدتها في العصور التالية، وعلى الرغم من استحالة التوفيق بين هذه ~~المرحلة الأخيرة في تفكير مل، وبين الآراء التي ورثها حول هذه ~~المسائل، فإن هذه المرحلة لا تتناقض مع تطوره الفلسفي الخاص، وهي ~~تكشف بوضوح عن أفكار كانت كامنة خلال المجرى العام لتفكيره، ولم ~~تتكشف تماما لسبب واحد، هو أن المذنب الذي ورثه قد أدى إلى ~~كبتها. # ولقد كان «ألكسندر ~~بين # Alexander Bain ~~» (1818-1903) أنبغ تلاميذ مل، كما كان من ~~أصدقائه المقربين، وكان يدين له بالفضل فيما أحرزه من تقدم، وكان ~~ينحدر - مثل مل وأبيه - من أصل اسكتلندي، كما شغل فيما بين عامي ~~1860 و1880 كرسي الأستاذية في المنطق بجامعة أبردين. ويرجع الفضل ~~إليه وإلى نجاحه بوصفه أستاذا في احتلال المدرسة التجريبية ~~الجديدة لأول مرة المكانة التي تستحقها في الأوساط الأكاديمية، وفي ~~امتدادها إلى شمال المملكة؛ حيث كانت المدرسة الاسكتلندية تسيطر ~~على الميدان حتى ذلك الحين، وحيث توطدت أيضا - منذ عهد قريب - ~~دعائم المثالية، وهكذا فإن «بين» وفريزر الذي يمكننا أن نعده ~~الحارس الذي كان يحمي مؤخرة المدرسة الاسكتلندية في تقهقرها، وكذلك ~~أ. كيرد # Caird ~~، هؤلاء الثلاثة ~~ظلوا في وقت واحد، وطوال سنوات عديدة، يمثلون في الجامعات ~~الاسكتلندية المدارس الفلسفية الرئيسية الثلاث للفلسفة الإنجليزية ~~في القرن التاسع عشر، وفي ذلك الوقت كانت المدرسة الاسكتلندية في ~~تدهور، والتجريبية في أعلى قممها، والمثالية في طريقها إلى ~~الصعود. # ولقد كان «بين» يتميز إلى جانب عمله في التدريس، بالنشاط وغزارة ~~التأليف ms058 في ميدان علم النفس والمنطق والأخلاق والتربية والنحو ~~والبلاغة، ولكن أهم ما اشتهر به هو إنتاجه في علم النفس، وأهم ~~مؤلفاته كتابان عظيمان كان لهما تأثير واسع، هما «الحواس والعقل # The ~~Senses and the Intellect ~~» (1855) و«الانفعالات والإرادة # The Emotions & the ~~Will ~~» (1859)، وفيهما عالج ميدان ~~الحياة الذهنية بأسره بصورة أدق وأشمل من أية محاولة سابقة، ~~واستمر سائرا في الطريق المباشر لعلم النفس الإنجليزي عن طريق ربط ~~آرائه بمل الأب أكثر من الابن، الذي لم يتعهد هذا الميدان من ~~ميادين الدراسة بنظام، وإن لم يكن قد تجاهله تماما، ولقد استعان ~~مل ذاته بتلميذه «بين» في إعداد كتابه «المنطق»، وتعاون معه هذا ~~الأخير فيما بعد تعاونا مثمرا وتلقى منه مساعدة هامة؛ ولذلك ~~نظر إليه على أنه خليفته الصحيح في عمله. # وعلى الرغم من أن علم ~~النفس عند «بين» قد نشأ من تراث المدرسة الإنجليزية، التي التزمها ~~التزاما تاما، سواء في مناهجها في البحث وفي مسلماتها الفلسفية، ~~فإنه ينكشف في نواح عديدة عن تقدم يتجاوز الوضع القديم، وتظهر فيه ~~دلائل تبشر بالفترة المقبلة للمذهبين التطوري ~~والإرادي ~~(evolutionism & voluntarism) # ويتمثل تعلقه الشديد بالتراث في ~~تقديره الواضح للوقائع، واحترامه للعلوم الدقيقة وجمعه واستغلاله ~~لكميات هائلة من مواد البحث، كما يتمثل أيضا في منهجه الوصفي ~~التحليلي، واحتفاظه بمبدأ الترابط (أو التداعي)، ويتمثل أخيرا في ~~رفضه للميتافيزيقا النظرية الخاصة حول جوهر النفس، وقد تميز عن مل ~~وأبيه، اللذين اقتصرا على علم النفس المتعلق بالوعي، بأنه وسع ~~آفاق علم النفس في اتجاه علم وظائف الأعضاء، مثلما فعل «هارتلي» من ~~قبله، وإن لم يكن قد اتبع في ذلك أسلوب هارتلي الغامض، الذي جمع ~~بين الصيغة الدقيقة والصيغة الميتافيزيقية، وإنما انتفع إلى أقصى ~~حد بالنتائج الفسيولوجية التي كانت متوافرة في ذلك العصر، ولا سيما ~~تلك التي قدمها «يوهانس ~~مولر # Johannes Muller ~~»، # 12 # وبذلك وضع علم وظائف الأعضاء بكل عتاده في خدمة علم ~~النفس، وقد بحث في العلاقات بين الظواهر النفسانية وبين نظائرها في ~~المخ والجهاز العصبي، ورد العمليات النفسانية العليا إلى ms059 أسسها ~~الغريزية وشروطها العضوية، كل ذلك دون وجود أي دافع من النظر ~~الفلسفي المحض، بل مع التزام حدود العلم الدقيق. ولكن على الرغم من ~~أن «بين» لا يستخلص أية نتائج مادية، بل إنه يرفضها صراحة، فإنه ~~يذهب في رده الحياة الذهنية بأسرها ومجال الوعي كله إلى عمليات ~~مادية إلى حد يصبح معه مهددا على الدوام بالوقوع في هوة المادية، ~~ولا يعصمه عنها إلا تحويله علم النفس إلى علم طبيعي دقيق، ~~وتجنبه كل قرار فلسفي نهائي. وكما أن محاولة هارتلي الأولى ~~لبناء الحياة الذهنية على عمليات علم وظائف الأعضاء لم تفلت من ~~الوقوع في المادية إلا بفضل إيمانه الديني القوي، فإن هذه المحاولة ~~الثانية التي قام بها «بين» لم تفلت من مصير مماثل إلا بفضل ~~اهتمامه بالمنهج العلمي الدقيق. # وقد عمل «بين» على توسيع ~~نطاق علم النفس المبني على الترابط (التداعي) وتحسينه في نواح ~~هامة، وأدخل أفكارا جديدة متعددة في إطاره الجامد، ولم يقتصر - ~~كما اقتصرت هذه المدرسة في علم النفس - على الاهتمام بالعقل وحده، ~~وإنما اعترف اعترافا كاملا بالعوامل العاطفية والدوافع الأولية ~~والغرائز والانفعالات ... إلخ، كما اعترف بالأهمية الحاسمة لمجال ~~الإرادة بأسره في تكوين العمليات النفسانية وتوجيهها. وهكذا كان هو ~~أول عضو في مدرسته يحاول الخروج على آلية الترابط السلبية، ~~والاعتراف بإيجابية الحياة الذهنية وتلقائيتها، كذلك حاول التخلص ~~من فكرة تفتيت النفس بالنظر إليها على أنها عملية سيالة أو متصلة، ~~أكثر منها مجموعة من العناصر المترابطة، وكان في ذلك كله يعمل ~~حسابا لعنصر الإرادة وما يناظره في المجال الفسيولوجي. وعلى الرغم ~~من أنه كان بعيدا عن الآراء التطورية (إذ إن أول كتابيه الهامين ~~قد ظهر في نفس الوقت الذي ظهر فيه كتاب «مبادئ علم النفس» لسبنسر، ~~وثانيهما قد ظهر في نفس العام الذي ظهر فيه «أصل الأنواع» لدارون)، ~~فإنه استشهد في تفسيراته على عوامل فسيولوجية وبيولوجية، واستعان ~~أكثر ممن كانوا قبله بالمنهج ~~التكويني # genetic ~~، ومن الجوانب الأخرى الهامة في أعماله، ~~فنظريته في الانتباه، التي أكد فيها أهمية عنصر الإيجابية، وإحياء ms060 ~~نظرية هيوم في الاعتقاد # belief ~~، ~~ومناقشته لمشكلة العالم الخارجي في صدد نظرية المعرفة، فالشيء ~~الخارجي ليس في رأي «بين» مجرد ناتج لسلاسل من الحاضرات الذهنية ~~المرتبطة ارتباطا وثيقا، والتي تتلقاها سلبيا، وإنما هو عامل ~~مفترض ضمنا في سلوكنا العملي، يطلق فينا طاقات توترية، ويضع ~~نفسه، من ناحيته الخاصة، في مقابلنا. ويرى «بين» أن أصل اعتقادنا ~~بحقيقة خارجية أو منفصلة إنما يكمن في الشعور الذاتي بمثل هذا ~~التقابل، وهنا أيضا تحل وجهة النظر العاطفية والإرادية # voluntarist # محل الحسية # sensationalism # والعقلية. # وتوجد في كتابات «بين» تفصيلات عديدة كهذه توحي بالتطور التالي ~~لعلم النفس كما تمثل لدى سبنسر «وفنت # Wundt ~~» # 13 # و«وورد # Ward ~~» ~~و«ستوت # Stout ~~» وغيرهم، ومع ~~ذلك فإن مذهب «بين» يظل على إجماله ترابطيا، أو هو على الأقل ~~يعود دائما إلى النظرية الترابطية، وفي كتاباته يتضح، كما اتضح في ~~كتابات مل، أن أغلال المدرسة أقوى من الكشف الجديد. صحيح أنه قد هز ~~هذه الأغلال، ولكنه لم يستطع تحطيمها؛ إذ على الرغم من أنه جعل ~~لتلقائية الحياة الذهنية مكانة أبرز كثيرا مما جعله لها أي مفكر ~~سابق عليه، فإنه يتضح آخر الأمر أن مصدر هذه التلقائية لا ينبغي أن ~~يلتمس في النفس ذاتها بقدر ما يلتمس في عوامل فسيولوجية وعضوية ~~كالإحساسات العضلية والحركات المنعكسة وتخفيف التوتر إلخ، وهي ~~عناصر يبني عليها كل الظواهر النفسانية، وهو لا يعترف أبدا ~~اعترافا صريحا بالطابع الإيجابي للعمليات النفسانية بما هي كذلك، ~~أو للطاقة الذهنية على التخصيص. # وإذن ففضل «بين» إنما ينحصر أساسا في توجيهه علم النفس التجريبي ~~وجهة أقرب إلى الطابع التقدمي الحديث، أما لو قارنا بقية أعماله ~~بهذا العمل، لوجدنا أهميتها التاريخية أقل كثيرا، مهما بدت في ~~أيامه مفيدة. ويعد «بين» آخر ممثل هام لمدرسة مل تظهر لدية آثار ~~من روحه ، وإليه يرجع الفضل، أكثر مما يرجع إلى أي شخص آخر، في حفظ ~~تراث مل طوال جيل كامل بعد وفاته؛ ذلك لأن نشاطه التأليفي الجم قد ~~امتد حتى نهاية القرن التاسع عشر، بينما طالت حياته حتى ms061 القرن ~~العشرين. # ونستطيع أن نذكر من بين معاصري «بين» الأحدث عهدا الذين واصلوا ~~حفظ تراث المدرسة: أسماء «فولر» و«كروم روبرتسن» و«سلي»، وقد دار ~~الجزء الأكبر من النشاط الفلسفي لهؤلاء المفكرين الذين أتوا في ~~أعقاب فلاسفة عظام، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وتناول ~~مجالات المنطق ونظرية المعرفة والأخلاق، والأهم من ذلك كله علم ~~النفس. ف «توماس ~~فولر # Thomas Fowler ~~»، (1832-1904) الذي كان عميدا لكلية ~~«كوربس ~~كريستي # Corpus Christi ~~» وأستاذا للمنطق في أكسفورد من 1873 إلى ~~1889، قد حول «منطق» مل إلى مؤلف مدرسي ميسر وشائع الاستعمال ~~(هو «أركان المنطق، الاستنباطي والاستقرائي # The Elements of Logic, ~~Deductive & Inductive ~~» في ~~مجلدين، عام 1869)، وكتب عن المذهب التجريبي الكلاسيكي (فألف ~~كتبا عن بيكن ولوك وشافنسبري وهتشسون) وعالج المشاكل الأخلاقية في ~~كتاب شائع (الأخلاق ~~التقدمية Progressive Morality ~~، 1884) وفي كتاب آخر أقرب إلى الطابع ~~العلمي الدقيق «مبادئ ~~الأخلاق Principles of Morals ~~»، الجزء الأول في 1886، والجزء الثاني في ~~1887، وقد عاد في الكتاب الأخير إلى أفكار الفلاسفة الأخلاقيين ~~الإنجليز في القرن الثامن عشر، محاولا التمييز بوضوح بين الجزء ~~الذي يفرضه الشعور الأخلاقي وبين ذلك الذي يفرضه القانون والمجتمع ~~والدين، وبذلك أراد أن يثبت الاستقلال الذاتي للمجال الأخلاقي، ~~معرفا ذلك الجزء بأنه شعور الرضا أو السخط الذي نحس به عندما ~~نكتفي بالتفكير في أفعالنا الخاصة، دون أي رجوع إلى سلطة خارجية. ~~وقد أكد الطابع التقدمي للأخلاق، وعزاه إلى الزيادة التدريجية في ~~دقة الحساسية الأخلاقية وتهذيبها، كما عزاه إلى العناصر العقلية في ~~الفعل الأخلاقي أكثر مما عزاه إلى العناصر العاطفية فيه، وكان - ~~مثل مل - يمثل مذهبا نفعيا معتدلا، واعترف بالفروق الكيفية بين ~~مشاعر اللذة وانعدامها، وأدرك عدم تطابق الدوافع الأخلاقية العليا ~~والدنيا، وقد استبدل بمبدأ المنفعة في صورته الخشنة الساذجة فكرة ~~الرفاه # Welfare or well-being # التي ~~فهمها تماما بمعنى «السعادة # eudaimonia ~~» عند أرسطو. # أما المفكر الاسكتلندي جورج كروم روبرتسون # G. Croom Robertson ~~(1842-1892) فكان أقوى من ~~السابق كثيرا وأقل خضوعا للتراث، وكان تلميذا وزميلا «لبين»، ~~ودرس في برلين (على ترندلنبرج ms062 # Trendelenburg # 14 # وديبوا ~~ريمون # Du Bois-Reymond # 15 # وفي جيتنجن «على لوتسه # Lotze ~~»، # 16 # كما درس في باريس، وشغل منذ عام 1867 حتى وفاته ~~أستاذية الفلسفة في الكلية الجامعية (يونيفرستي كوليدج) بلندن، ~~وكان هو أول من شغل هذا المنصب، وقد قام روبرتسون بدور مفيد في ~~دعم الدراسات الفلسفية وتشجيعها في الجامعات، وكان من أقوى ~~الشخصيات الفلسفية في أيامه، وهي صفة اكتسبها بتأسيسه لمجلة ~~«مايند # Mind ~~» الفلسفية التي ~~ظل عدة سنوات رئيسا لتحريرها، وهذه المجلة تعد أهم نشرة فلسفية ~~في البلاد الناطقة بالإنجليزية، وكانت فكرة تأسيسها، في عام 1876 ~~ترجع إلى «بين» ويمكن القول أنها لا زالت حتى اليوم متأثرة بروح ~~رئيس تحريرها الأول، ولقد كانت المجلة عندئذ ملتقى لأكثر المدارس ~~الفكرية تنوعا، وقد كرس روبرتسون، بعد أن تتلمذ على «بين»، معظم ~~جهوده لعلم النفس، ولم يكن يميل إلى تأليف الكتب، # 17 # ولكن جهوده انصرفت إلى التوسع في دراسة مشكلات منفصلة ~~من علم النفس، بدلا من أن تتجه إلى معالجة ميدان الظواهر ~~النفسانية كله بالتفصيل (كما فعل «بين»)، وكان مما أعانه على ذلك ~~ذهنه التحليلي المدقق، وقدرته النقدية الفائقة؛ مما أتاح له القيام ~~بأبحاث رائعة في التحليل النفسي، كأبحاثه في الإدراك الحسي ~~والذاكرة والعمليات الفكرية والنزوع الإرادي، وهي أبحاث كان منها ~~ما فاق مستوى أستاذه بكثير. وعلى الرغم من أنه كان، على وجه ~~العموم، من أنصار المذهب التجريبي، فإنه لم يسمح لنفسه بالتقيد ~~بأغلال التعاليم الصارمة للمدرسة، وإنما كان الدوام تواقا إلى ~~توسيع أفقه الذهني وتعميق معلوماته الفلسفية، وكانت لديه معرفة ~~شاملة دقيقة بمجال تاريخ الفلسفة بأسره، كما كان ملما إلماما ~~واسعا بمؤلفات كبار الفلاسفة الألمان ولا سيما كانت، وكان ~~مقتنعا اقتناعا عميقا بحاجة الفلسفة التجريبية الإنجليزية إلى ~~أن تكتسب قوة جديدة بعد أن تضاف إليها الأفكار العميقة التي ينطوي ~~عليها كتاب «نقد العقل الخالص» لكانت. # وكان هذا هو الاتجاه الغالب على مؤلفاته، ولا سيما في ميدان ~~نظرية المعرفة، ولم يكن ينفر من الميتافيزيقا، وقد بذل قرب نهاية ~~حياته محاولة طريفة ، اتخذ ms063 فيها نقطة بدايته على أساس المذهب ~~التجريبي، محاولا الوصول إلى مذهب في الكونيات قريب من مذهب ~~الذرات الروحية عند ليبنتس، وإن يكن قد اختلف عنه في نواح ~~كثيرة. # على أن الخليفة الحقيقي لمل و«بين» في ميدان علم النفس لم يكن ~~روبرتسن، وإنما «جيمس ~~سلي # James Sully ~~» (1842-1923) خليفة روبرتسون في الكلية ~~الجامعية (يونيفرستي كوليدج) بلندن (من 1892 إلى 1903). ولم يكن ~~سلي فيلسوفا بقدر ما كان باحثا وملاحظا تجريبيا علميا ~~مثابرا، وكان مثل «بين» - الذي كان يشبهه كثيرا - منغمسا بكل ~~قواه في مجال التجربة، وكان يجمع كميات ضخمة جديدة من المواد أو ~~يعيد اختبار المواد القديمة في ضوء آخر، وبذلك كان يوسع الأساس ~~القديم ويمده دون أن يتجاوزه أو يزوده بأساس فلسفي أفضل. ولقد كان ~~دائما يتخذ موقف عالم النفس التجريبي، مهما كانت المجالات أو ~~الموضوعات التي يعالجها؛ وهكذا فإنه ناقش مثلا مشكلة الضحك التي ~~كرس لها كتابا كبيرا (هو: «بحث في الضحك # An Essay on Laughter ~~» 1902) ~~لا بأسلوب فلسفي أو ميتافيزيقي كما فعل برجسون، بل تناول الموضوع ~~من خلال جميع مظاهر تطوره، من نفسية وفسيولوجية وأنثروبولوجية ~~وإثنولوجية وبيولوجية واجتماعية، ولكنه لم يتمكن من الإتيان ~~«بالنظرية الفلسفية الحقيقية» التي رأى أنها هي القمة التي ينبغي ~~أن تنتهي إليها جميع هذه النواحي المنفصلة، وكان قد بحث قبل ذلك ~~بوقت طويل في مشكلة الوهم # Illusion # بأسلوب مماثل وفي تلك الحالة أيضا اكتفى ~~«بدراسة نفسية»، تاركا مجال معالجة الموضوع بمزيد من التوسع ~~للفلاسفة، الذين هم القادرون على الإتيان بالحل الصحيح للمشكلة ~~«الأوهام، دراسة نفسية # Illusions, a Psychological Study ~~» 1891، الطبعة الألمانية ~~سنة 1884)، وقد عالج علم النفس وفقا لمبادئ «بين»، أي بطريقة ~~فسيولوجية ووفقا لمنهج الترابط، فتناول هذا العلم أولا بصورة ~~مجملة (في كتاب «المجمل ~~في علم النفس # Outlines of Psychology ~~»، سنة 1884)، ثم عرضه عرضا شاملا ~~جامعا بوصفه علم الذهن البشري «الذهن البشري # The Human Mind ~~» في مجلدين، 1892)، وقد عده ~~أساس كل المعرفة التي ترمي إلى توجيه وتحديد مجرى الفكر والشعور ~~والعمل. وهكذا قلد «بين» في ms064 مد علم النفس إلى مجال نظرية ~~التربية، (وذلك في «المجمل» الذي كتبه مع إشارة خاصة إلى مجال ~~نظرية التربية، ثم بعد ذلك بوقت قصير في: «الموجز في علم النفس ~~للمعلمين # Teachers Hand-Book of Psychology ~~»، 1886، الذي ظهرت له ترجمة ألمانية في ~~1898)، كذلك عالج ميدان علم نفس الطفل (في كتابه «دراسات في الطفولة # Studies of Childhood ~~»، ~~1895) ومضى في هذا الصدد أبعد من «بين» بكثير، كما اقتدى بالاتجاه ~~السائد في عصره إذ عالج أيضا علم النفس التجريبي، الذي كان ~~مقتنعا بفائدته، ولا سيما في التعليم. وأخيرا، فإن شغفه بالتجربة ~~قد جعله يوجه اهتمامه إلى علم الجمال؛ وبذلك فتح للمذهب التجريبي ~~مجالا كان جديدا، أو على الأقل مجالا طال تجاهله منذ القرن ~~الثامن عشر، ولكنه أيضا اقتصر على بحث سيكولوجية الظواهر ~~الجمالية، واكتفى بالتصنيف والتحليل والوصف، بحيث أخفق في المضي ~~بالدراسة إلى مجال جديد أو في السير بها في طريق فلسفي، وإنما ~~اقتصر على تطبيق المنهج القديم على مادة من نوع جديد (وذلك في ~~مقاله عن «علم الجمال» الذي كتبه ل «دائرة المعارف البريطانية» في ~~طبعتها التاسعة، عام 1875، وفي بعض الأبحاث التي نشرها في مجلات ~~دورية). # ولقد كان الأصل الذي ظهرت من خلاله الحركة التجريبية لدى ~~الكتاب الذين ذكرناهم منذ قليل هو الأبحاث النفسية قبل كل شيء، ~~غير أن اتجاها آخر قد تفرع منها، وكرس أبحاثه لفلسفة التاريخ، ولا ~~بأس من أن نلم هنا بشيء عنه بإيجاز، فقد أثار مل، ومعه كونت في ~~نفس الوقت، الاهتمام بالعلوم الذهنية وبمناهجها وطابعها المنطقي، ~~وقد اعتقد هذان المفكران أنهما إذا نقلا منهجي القانون الطبيعي ~~والعلية الدقيقين إلى عالم التاريخ السياسي والاجتماعي الذي ~~تمثله هذه العلوم، ففي إمكانهما أن يفسرا معناها وغايتها، وحاولا ~~أن يختبرا هذه الفكرة، ويبرراها بقدر الإمكان، من خلال البحث في ~~التاريخ المعاصر لهما، وكان من نتيجة ذلك أن أدخل عنصر فلسفي في ~~فهم التاريخ، وبالتالي حدث تقارب مع الأبحاث التاريخية لعصر ~~التنوير، وهي الأبحاث التي كانت زاخرة بالأفكار الفلسفية، ولا سيما ~~لدى فولتير وهيوم. ms065 وهكذا ألف جورج ~~جروت # G. Grote # تلميذ بنتام وصديق مل (انظر من قبل [الباب ~~الأول: المدارس الفكرية المتقدمة - الفصل الثاني: المدرسة النفعية ~~التجريبية]) كتابه «تاريخ اليونان » (في ستة مجلدات 1845-1856) ~~بروح فلسفية، وإن لم يبلغ في ذلك حد الإفراط، وكانت أروع وأهم ~~المحاولات التي بذلت في إنجلترا في هذا الصدد، هي محاولة ~~«توماس هنري ~~بكل # T. H. Buckle ~~» (1821-1862) مؤلف الكتاب المشهور «تاريخ المدنية في ~~إنجلترا # History of Civilization in England ~~» (وكان المفروض أن يشتمل المؤلف بأكمله ~~على أربعة عشر مجلدا، ولكن لم يظهر منه إلا الاثنان الأولان ~~بوصفهما مقدمة، في عام 1857 و1861، وقد طبعهما # Ritter # طبعة ألمانية غير ~~محددة التاريخ)، وعلى الرغم من أن بكل لم يكن تلميذا لأي أستاذ ~~معين، فقد تأثر بقوة بالأفكار الوضعية، وكان الأساس الفلسفي ~~لتفسيره للتاريخ مكونا من أفكار مل وكونت على السواء، فضلا عن ~~مفكري عصر التنوير الإنجليز والفرنسيين من قبلهم، ولهذا الأساس ~~الفلسفي صلة وثيقة جدا بالنظرة المادية؛ إذ إن الفكرة الرئيسية ~~فيه هي أن الحياة الروحية وكل التقدم الحضاري تتوقف على الأحوال ~~المادية للبيئة، أي على عوامل المناخ والتربة والتغذية، وهذا ~~يستتبع بطبيعة الحال نقل مناهج العلم الطبيعي إلى علوم التاريخ ~~والحضارة. وقد استخلص بكل النتائج الجريئة التي تتلو من هذا الرأي، ~~فعالم التاريخ يخضع لنفس القوانين العلية الدقيقة التي يخضع لها ~~عالم الطبيعة، وفي الطبيعة البشرية اطراد يناظر الاطراد في مجرى ~~الطبيعة المادية، بحيث لا يحدث أي شيء في أحد المجالين إلا وفقا ~~لتعاقب ضروري، ويحتل الإحصاء في التاريخ نفس المكانة التي تحتلها ~~الرياضة في العلوم الطبيعية، فهذان العلمان يقومان بحساب دقيق ~~لجميع العوامل التي تنتج وتحدد حادثا تاريخيا أو وضعا ~~اجتماعيا معينا، ولقد كان «بكل» مؤمنا إلى حد التعصب بمقدرة ~~الإحصاء، واستخلص بالاستناد إليه نتائج جريئة معروفة، ولم يكن ~~اهتمامه موجها إلى الشخصيات الفردية وأفعالها الإرادية الحرة ~~الظاهرة، بقدر ما كان موجها إلى العوامل المطردة العامة التي تعبر ~~عنها الحركات الجماهيرية الكبيرة، فالأخيرة، لا الأولى، هي التي ~~تشكل ms066 تلك الحياة التي تتجسد في التاريخ والحضارة، ولسنا نستطيع أن ~~نتخيل تقابلا أوضح من ذلك الذي قام بين طريقة «بكل» الجماعية ~~الواقعية في كتابة التاريخ، وبين طريقة معاصره كارليل الفردية ~~المثالية البطولية. ولقد كانت أفكار «بكل» مستمدة، بوجه عام ، من ~~القرن الثامن عشر، ومن هنا لم يكن خصومه على خطأ حين سخروا منه ~~قائلين: إنه ابن لعصر التنوير تأخر ظهوره قرنا من الزمان. ولقد ~~حارب الدين والكنيسة بوصفها قوى تمثل الجهالة في التاريخ، وكان ~~لديه إيمان متعصب بالتقدم، لم يكن مبنيا لديه على أي أمل في ~~التقدم الأخلاقي للجنس البشري، وإنما بني على التوسع المتزايد ~~في المعرفة والتنوير بفضل العقل. وعلى الرغم من أنه ربط الروح ~~بالطبيعة، فقد كان يؤمن بقدرة الروح على إخضاع الطبيعة والسيطرة ~~عليها، وذلك بين الشعوب التي تتحقق فيها شروط النمو والتقدم عن ~~طريق تزايد انطباع حياتها بالطابع العقلي بفضل العلوم الدقيقة ~~والنقد الفلسفي (الذي عزا إليه وظيفة حضارية ذات أهمية ~~خاصة). # ولقد أثار تفسير «بكل» للحضارة، بما اتصف به من طموح وتحيز وروح ~~نقدية دقيقة، عاصفة كبرى في الحياة العقلية بإنجلترا بعد منتصف ~~القرن التاسع عشر، وكان من أقوى العناصر التي دخلت في تكوين الحركة ~~التطورية، وهي الحركة التي بدأ ظهورها حوالي ذلك الوقت، وإن كان ~~تأثر «بكل» نفسه بها لا يكاد يذكر، ولقد ظهرت بعده محاولات أخرى ~~لإيجاد تفسير فلسفي للعصور الماضية، مثل محاولة «لكي # W. E. H. Lecky ~~» (1838-1903) في كتابه ~~«تاريخ ظهور روح المذهب العقلي في أوروبا ~~وتأثيرها # History of the Rise and Influence of the Spirit of Rationalism in Europe ~~» (ظهر في مجلدين، عام 1865، ونشره ~~«سولوفيتش» بالألمانية، وظهرت الطبعة الثانية لهذه النشرة في 1873) ~~وفي كتاب «تاريخ الأخلاق الأوروبية من أوغسطس إلى شارلمان # History of European Morals From Augustus To Charlemagne ~~» ~~(في مجلدين، 1869) وكتاب «تاريخ إنجلترا ~~في القرن الثامن عشر # History of England in the 18th Century ~~» (في ثمانية مجلدات، ~~1878-1890) وهي كتب استوحى مؤلفها فيها كلها روح «بكل»، كما ظهر ~~أيضا ms067 كتاب «تاريخ التطور العقلي لأوروبا # History of the ~~Intellectual Development of Europe ~~» (1862) للعالم ~~جون و. دريبر # John W. Draper ~~، ~~الذي هاجر إلى أمريكا، وكذلك الكتاب الرائع «تاريخ ~~الفكر الإنجليزي في القرن الثامن عشر # History of English Thought in the 18th Century ~~» (في ~~مجلدين، 1876-1881) من تأليف لزلي ستيفن # Leslie Stephen ~~(1832-1904)، وهو كتاب تسوده أفكار ~~«بكل»، وإن يكن قد تأثر أيضا بفكرة التطور. # ونستطيع أن نشير أيضا إلى مفكرين آخرين تربطهما بمدرسة مل صلة ~~غير وثيقة، وينتمي الجزء الأكبر من تعاليمهما إلى المدرسة النفعية ~~أو التجريبية، وإن يكونا قد تأثرا أيضا بأفكار أخرى، وهما المفكر ~~الأخلاقي هنري ~~سدجويك # Henry Sidgwick # والمفكر المنطقي والميتافيزيقي ~~كارفث ~~ريد # Carveth Read ~~. # أما هنري سدجويك (1838-1900) # 18 # فقد ذاع صيته بظهور كتابه «مناهج الأخلاق # Methods of Ethics ~~»، وهو ~~أول مؤلفاته (باستثناء كتيب صغير) وأبعدها تأثيرا، وقد ظهر الكتاب ~~عام 1874، بعد وفاة مل بعام واحد، وكان ذلك العام هو الذي شهد أول ~~إنتاج للحركة المثالية في أكسفورد، وهو «مقدمات» جرين لهيوم، وكتاب ~~«منطق هيجل # Logic of Hegel ~~» ~~لولاس، وقد أدى كتاب سدجويك، الذي اكتسب شهرة غير قليلة، بالإضافة ~~إلى شخصيته الخاصة وتدريسه، إلى إنهاض وتقوية الاهتمام بالفلسفة في ~~كيمبردج على نحو يناظر النهضة التي أحدثها تلاميذ كانت وهيجل في ~~أكسفورد، وأصبح سدجويك على رأس حركة لم تكن حقا جديدة تماما، ~~ولكنها كانت تمثل تجمعا جديدا لقوى تؤيد تنمية التراث القومي في ~~الفلسفة، وصحيح أن القوة الدافعة التي بعثها، والتي دعمها ~~«وورد # Ward ~~» من بعده، لم ~~تؤد إلى ظهور مذهب قوي متحدد المعالم نسبيا، كما حدث في ~~أكسفورد، غير أنها قطعا مهدت الطريق للانطلاق الفكري الذي حدث في ~~أوائل القرن العشرين، والذي يرتبط بفلاسفة كيمبردج قبل غيرهم. ومن ~~الممكن القول إنه قام في الأخلاق بنفس الدور الذي قام به وورد في ~~علم النفس، مع فارق واحد هو أن وورد قد فتح صفحة جديدة، على حين ~~أن سدجويك قد اختتم وطوى صفحة قديمة. # ولقد كانت الشهرة الهائلة التي ms068 أحرزها سدجويك في الفلسفة طوال ~~الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بل وبعد ذلك أيضا، ترجع كلها ~~إلى كتابه الأول، الذي لا يمكن أن تقارن به في الأهمية جميع ~~مؤلفاته الأخرى مأخوذة معا. # 19 # ويحتل هذا الكتاب مكانة عليا ضمن أشهر المؤلفات الأخلاقية التي ~~ظهرت في إنجلترا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بل لقد أصبح ~~بالفعل كتابا كلاسيكيا، ومع ذلك فإن أهميته قد بولغ فيها، ~~فالقول إنه كتاب غير مجرى البحث في علم الأخلاق إنما ينطوي على ~~استخدام لتعبير بال عتيق، وإذا سمح بهذا الوصف فينبغي أن يكون ذلك ~~للدلالة على معنى أقل بكثير من ذلك الذي يقصد عندما يطبق - في ~~الفترة ذاتها - على مل وسبنسر من جهة، وعلى جرين وبرادلي من جهة ~~أخرى؛ ذلك لأن سدجويك لم يضع منهجا جديدا ولم ينشئ مذهبا ~~جديدا، وإنما ينحصر فضله في أنه صنف ورتب وراجع وقوم مجموعة ~~موجودة من قبل من الأفكار، وحاول أن يربط على نحو مثمر بينها ~~وبين أفكار أخرى جديدة. # وعلى الرغم من أن بعض كتاباته تتناول أعم المسائل الفلسفية، فقد ~~كاد اهتمامه يكون منحصرا كله في المشاكل الأقرب إلى الطابع ~~العملي، وفي وقائع الحياة الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية ~~والسياسية، وفي المناهج والمقولات التي يمكن دراستها بواسطتها، ~~وكان هدفه الأساسي هو أن يجعل من الأخلاق مبحثا فلسفيا مكتفيا ~~بذاته، متحررا من كل تحزب ميتافيزيقي ونفساني وديني، ومتحررا من ~~البلاغة ومن الاتجاه إلى الوعظ والإرشاد؛ ذلك لأن الأخلاق عنده ~~ليست قواعد للسلوك وإنما هي نظرية، ومن الواجب ألا يعد نصيرا ~~لقيم قديمة أو داعية لقيم جديدة، بقدر ما يجب أن يعد مشاهدا ~~هادئا يتأمل الوقائع بروح تبلغ من الموضوعية بقدر ما تسمح طبيعة ~~هذه الوقائع وطبيعته هو الخاصة. ولقد كانت عبقريته الفلسفية نقدية ~~وتحليلية قبل كل شيء، ولا يكاد يكون لسدجويك، بين معاصريه، نظير في ~~تلك المقدرة والمثابرة اللازمة للنظر إلى المشكلة الواحدة من أكثر ~~الزوايا تباينا، وتتبعها بالقيام بتحليلات أدق وتعقب الاعتراضات ~~والردود على الاعتراضات حتى آخر تفرعاتها. ms069 على أن هذا الميل إلى ~~النظر إلى الأشياء بطريقة ميكروسكوبية قد حال بينه وبين تأمل ~~المشكلة الواحدة أو مجموعة المشاكل في كليتها، فطالما كان يضل ~~طريقه في متاهة من التفاصيل، ويعجز عن إدراك معالم الطريق الموصل ~~إلى أية نتيجة واضحة، وقد أدى به حرصه على تجنب الانحياز إلى ~~إعطاء شيء من الحق لجميع الأطراف، بحيث كانت النتائج التي وصل ~~إليها بالفعل أقرب إلى الحلول الوسطى منها إلى الحلول الأصيلة ~~للمشكلات، وترتب على ذلك أن اصطبغت كتاباته كلها، ولا سيما كتابه ~~الرئيسي، بطابع رتيب ممل، فهي في ترددها أعجز من أن توصل القارئ ~~إلى تكوين فكرة محددة تسيطر على ذهنه، وكان منهجه مقاربا لمنهج ~~العلوم الخاصة، وهو عكس الطريقة التركيبية التأملية التي كان ~~يتبعها مفكرو أكسفورد، وليس في وسع أحد أن ينكر أن منهجه هذا قد ~~أثر في فلاسفة كيمبردج اللاحقين؛ فالتقارب بينه وبين منهج مفكرين ~~مثل «مور # Moore ~~» و«ماكتجرت # Mctaggart ~~» و«برود # Broad ~~» أوثق من أن يسمح لنا بافتراض ~~أن هذا التقارب، في بيئة واحدة، لم يحدث إلا مصادفة، وعلى ذلك فمن ~~الواجب تقدير منهجه على أساس تأثيره في المستقبل، على عكس محتوى ~~مذهبه الذي كان، كما لاحظنا، يمثل نهاية فترة أكثر مما يمثل بداية ~~فترة أخرى. # وهو يعرف الأخلاق بأنها تحديد الفرد بطريقة عقلية الفعل ~~الصحيح، فهي علم معياري، وليست مجرد علم وضعي، ومجالها هو مجال ~~ما ينبغي أن يكون، متميزا عما هو كائن، وهو يشمل الغايات أو ~~الأوامر التي يحددها لنا العقل العملي، ويرى سدجويك أن هناك ~~محاولتين فقط من المحاولات التي بذلت للوصول إلى صيغة للمثل ~~الأخلاقي الأعلى، هما وحدهما اللتان يمكن أن تعدا معقولتين، ~~إحداهما هي تلك التي ترى ذلك المثل الأعلى في السعادة، والأخرى تلك ~~التي تجده في الكمال، وللأولى صورتان متميزتان، إحداهما ترى أن ~~السعادة التي ينبغي أن تطلب هي سعادة الشخص ذاته، والأخرى ترى أنها ~~هي سعادة الآخرين، وعلى ذلك فمن الممكن تقسيم المذاهب الأخلاقية ~~إلى ثلاثة أنماط رئيسية (كان لكل منها ممثلوه في ms070 التاريخ)، هي ~~الأنانية أو مذهب اللذة ~~الأناني # egoistic hedonism ~~، والمنفعة أو مذهب اللذة الشاملة # universalistic hedonism ~~، ~~والمذهب الحدسي # intuitionism ~~. # أما المذهب الحدسي فهو مبني على الاعتقاد بوجود بديهيات ~~أخلاقية، أي مبادئ لها صحة واضحة بذاتها، ومن أمثلتها أنه لا ~~ينبغي لي أن أفضل خيرا حاضرا على خير أعظم منه في المستقبل، أو ~~خيرا لذاتي على خير أعظم منه لغيري. أما القضايا المماثلة للقضية ~~القائلة إن من واجبي قول الصدق والوفاء بالوعد، فليست بداهتها ~~مباشرة كالسابقة، غير أن المبادئ المعترف بها اعترافا عاما، ~~كالحيطة والعدالة والإحسان، تشمل على أية حال عناصر يدركها الذهن ~~مباشرة، ويرى سدجويك أن المذهب الحدسي يتمثل على أوضح نحو لدى ~~«كلارك» و«كانت»، ونستطيع أن نضيف إليهما «مارتينو # Martineau ~~»، الذي لم تكن نظريته ~~قد نشرت في صورتها الناضجة عندما ظهر كتاب سدجويك لأول مرة. أما ~~بالنسبة إلى مذهب اللذة # hedonism ~~، ~~فإن سدجويك قد أسدى خدمة هامة إذ ميز تمييزا قاطعا بين نوعين ~~منه، فمذهب اللذة الأناني، الذي يمثله أبيقور، يتخذ من لذة المرء ~~نفسه وألمه معيارا للسلوك، ويدعم هذا الرأي بالنظرية النفسية ~~القائلة إن هدف كل فعل لنا إنما هو تحصيل اللذة أو تجنب الألم، ~~ويضيف إلى ذلك الرأي القائل إن اللذة والألم قابلان للقياس ~~وللمقارنة فيما بينهما، بحيث يكون من الممكن مواجهتهما الواحد ~~بالآخر والبحث عن توازن ملائم بينهما. وأما مذهب المنفعة، كما ~~يتمثل لدى بنتام وجون ستيوارت مل، فيتخذ معيارا للسلوك، لا من ~~سعادة كل فرد، بل من سعادة الجميع، ففي كل فعل لي يتعين علي ~~مراعاة مصالح جميع الأشخاص الآخرين الذين قد يتأثرون به، وهكذا ~~كانت الصيغة التي تلخص رأي بنتام هي «أكبر قدر من السعادة لأكبر ~~عدد من الناس.» ولم يكن في وسع سدجويك أن يهتدي في أي من هذه ~~المذاهب إلى ذلك الذي يمكنه أن يقول إنه يمثل مذهبه الخاص، ولقد ~~كان الذي يسعى إليه هو مركب يجمع أكبر قدر ممكن مما يبدو له ~~صحيحا في كل من هذه المذاهب، على الرغم من ms071 أن ما توصل إليه لم يكن ~~إلا حلا وسطا غير مرض. ولقد كان أبغض المذاهب إليه هو ~~الأنانية، في صورتيها الأخلاقية والنفسانية، وقد رفضها في النهاية ~~رفضا قاطعا، بوصفها منافية للتجربة والعقل معا. أما مذهب اللذة ~~الشاملة، فقد سار معه سدجويك شوطا بعيدا، ولكنه عدله تعديلا ~~أساسيا، متجاوزا مل بتنكره لمذهب اللذة النفسي الذي ارتكز ~~عليه المذهب كله عند مل، وملتمسا له أساسا مخالفا تماما. وكان ~~مطلبه يسير في اتجاه المذهب الحدسي، الذي وجد أن الغاية الأخلاقية ~~لا تكون في الاستقراء التجريبي، وإنما تكون في التبصر العقلي ~~المباشر، وقد اختلفت الآراء كثيرا حول المصدر الذي تأثر به في هذا ~~الصدد، وهل هو الأخلاقيون الإنجليز القدامى مثل كلارك وبطلر، أم هو ~~كانت و«لوتسه # Lotze ~~»؟ والأرجح أنه ~~تأثر بالجميع، ولكن من الواجب استبعاد أي اقتباس عميق منه للأخلاق ~~المثالية الألمانية؛ إذ إنه كان متمسكا بأركان أساسية في المذهب ~~النفعي، واكتفى بتصحيحه وتعديله وتوسيعه، ولم يحاول أبدا أن ~~ينشق عنه. أما العناصر التي اقتبسها فعلا فلم تكن مرتبطة ~~بتفكيره إلا ارتباطا خارجيا، لا متمثلة فيه عضويا، ونستطيع أن ~~نشير - للدلالة على ذلك - إلى الموقف العدائي الذي سرعان ما اتخذه ~~نحو سدجويك الأخلاقيون الإنجليز الأحدث عهدا، الذين تأثروا ~~بالمثالية الألمانية، وهو موقف نجد تعبيرا واضحا عنه في كتاب ~~برادلي «دراسات ~~أخلاقية # Etbical Studies ~~» (1876) وفي كتيبه الخاص «مذهب ~~اللذة عند ~~سدجويك # Mr. Sidgwick’s Hedonism ~~» (1877)، فضلا عن كتاب جرين «مدخل إلى الأخلاق Prolegomena of Ethics ~~» ~~(1883) الذي اتخذ من سدجويك هدفا مستمرا للهجوم، ولقد كان ~~سدجويك ذاته شاعرا بهذه العداوة، ويتضح عجزه عن إنصاف مدرسة ~~أكسفورد كما تتمثل في «جرين» بجلاء في كتابه الذي صدر بعد وفاته ~~بعنوان «محاضرات في المذهب الأخلاقي عند جرين وسبنسر ~~ومارتينو # Lectures on the Ethics of Green, Spencer and Martineau ~~». # وعلى ذلك فإن موقف سدجويك الخاص، بقدر ما يمكن القول إن له ~~موقفا خاصا، هو أقرب إلى الجمع بين عناصر مستمدة من المذهب ~~الحدسي والمذهب النفعي، والتوفيق بين الأخلاق العقلية والأخلاق ~~التجريبية، ms072 وهما التياران الرئيسيان في الفلسفة الأخلاقية ~~الإنجليزية، اللذان كانا من قبله في صراع، أو على الأقل كان كل ~~منهما متباعدا عن الآخر. ولقد أطلق هو ذاته على مذهبه اسم مذهب ~~المنفعة، وأحيانا كان يطلق عليه اسما أوضح، هو مذهب المنفعة ~~المبني على أساس حدسي، وبذلك لفت الأنظار إلى الوجه الذي أراد أن ~~يؤكده أكثر من غيره، ولا تكاد تظهر في مذهبه أية علامات للمذهب ~~التطوري عند سبنسر وهكسلي وستيفن وألكسندر، وغيرهم، وهم الذين ~~عملوا جميعا على تطبيق مبادئ دارون على الأخلاق بعد ظهور كتاب ~~سدجويك، وعلى الرغم من أنه حاول في الطبعات التالية لكتابه أن يعرض ~~لهذا المذهب، فمن الواجب أن يوصف موقفه، حتى في النهاية، بأنه سابق ~~على مذهب التطور، وربما مضاد له، كما أنه رفض في الطبعات التالية ~~المذهب الحدسي الخالص عند مارتينو، ومعه مثالية جرين، وأصبح هذان ~~المفكران، ومعهما سبنسر ، هدفا لهجوم خاص وجهه إليهم في ~~المحاضرات التي نشرت بعد وفاته، والتي أشرنا إليها من قبل. # ولقد أدى إبعاد سدجويك لمذهب المنفعة عن مذهب اللذة الفردي الذي ~~كان يرتبط به، إلى ترك الطريق مفتوحا لوضع أساس عقلي حدسي لهذا ~~المذهب، فقد رأى أن من الخطأ في ملاحظة ما يحدث في الواقع أن يقال ~~إن الغاية الوحيدة للنزوع الإرادي هي تحصيل اللذة وتجنب الألم، ~~وذهب إلى أنه حتى لو صح هذا لكان من المستحيل الانتقال - بنوع من ~~الاستقراء - من هذه الأنانية إلى المبدأ النفعي القائل بالسعادة ~~الشاملة؛ ذلك لأن من المستحيل جعل الوقائع الذهنية محددة ~~للمعايير الأخلاقية، أي جعل ما هو كائن محددا لما ينبغي أن ~~يكون، فليس لأصل أفكارنا الأخلاقية أي شأن بصحة هذه الأفكار، وبهذا ~~التأكيد لفكرة الوجوب خطا سدجويك خطوة حاسمة تجاوز بها كل أخلاق ~~تجريبية، وإن يكن قد ظل كعادته في موقف وسط، بالقول إن موضوع ~~الالتزام - أي المثل الأخلاقي الأعلى - هو السعادة لا الواجب، ~~فهناك مثل أعلى يدركه الحدس ويضمنه، وله من الوضوح واليقين بقدر ~~ما لأية بديهية رياضية، هو المثل الأعلى القائل: ms073 إن من واجبي، ~~بوصفي كائنا عاقلا، أن أعامل الآخرين كما أود أن أعامل في ~~الظروف المماثلة، وهذا هو مبدأ العدالة، أما مبدأ الحيطة # prudence # القائل: إن من واجبي أن ~~أفضل خيرا مقبلا على خير حاضر أقل منه، وكذلك مبدأ ~~الإحسان # benevolence # القائل: ~~إن علي ألا أسعى إلى ما هو خير لي إلا في إطار الخير العام؛ فهما ~~بدورهما بديهيتان أخلاقيتان، وليسا موضوعين للاستقراء، وإنما ~~للحدس العقلي. ومن الواضح أن الأمر المميز لمذهب المنفعة، وهو ~~السعي وراء تحقيق السعادة للجميع، لا للذات فحسب، إنما يرتكز على ~~أول هذه المبادئ الثلاثة وآخرها، أي إن مذهب المنفعة يرتكز على ~~المذهب الحدسي، وبالعكس يؤدي المذهب الحدسي إلى مذهب المنفعة؛ ~~فالاثنان يرتبطان سويا ارتباطا وثيقا. # غير أن لمذهب المنفعة دعامة أخرى يستمدها من الموقف الطبيعي ~~(الإدراك المشترك)، أي من المشاعر الأخلاقية الساذجة للإنسان ~~العادي، ومن الصفات المميزة لسدجويك أنه - على الرغم من رفضه لأي ~~تحديد تجريبي للمثل الأخلاقي الأعلى - قد حرص كل الحرص على التوفيق ~~بين آرائه النظرية وبين التجربة العملية، وعلى تجنب أي تصادم مع ~~النظام المقرر للعرف الأخلاقي السائد، فمع اعتقاده بأن من واجب ~~الفلسفة أن تعلو في نواح معينة على الرأي الشائع، بل وتختلف عنه، ~~كان مقتنعا بأن عليها ألا تقف بمعزل تماما عنه، أو أن تناقضه؛ ~~لذلك حاول أن يبين أن مذهب المنفعة والموقف الطبيعي (أي الإدراك ~~المشترك) يتمشى كل منهما مع الآخر، بل أن يبين أن الأول لا ~~يعدو أن يكون صياغة منهجية دقيقة للثاني، وهو المثل الأعلى الذي ~~ظلت الحياة الأخلاقية للبشر تسير نحو تحقيقه طوال تاريخها؛ فنحن، ~~من الوجهة العملية، مؤمنون دون أن نشعر بمبدأ المنفعة، وهكذا ترتكز ~~الأخلاق الفلسفية على جذور في الواقع التجريبي للنظام الأخلاقي ~~السائد، ولا تكون بها حاجة إلى الخروج عن هذا الواقع سعيا وراء ~~معاييرها ومثلها العليا؛ ومن ثم فقد أطلق سدجويك على القوانين ~~الأخلاقية المعمول بها اسم «النتاج الرائع للطبيعة» الذي هو «ثمرة ~~نمو دام قرونا طويلة»، ولم يكن أبغض إليه من ms074 «تلك الروح الثورية» ~~التي تنشق على أخلاق العرف والنظم السائدة في المجتمع، وتحاول ~~هدمها. وهكذا كان سدجويك محافظا بطبيعته، وكان أبعد الناس عن ~~تحقيق مطلب نيتشه في «إعادة تقويم جميع القيم»، ولقد كان سدجويك في ~~تعلقه بالنواتج الطبيعية لنمونا التاريخي، وفي اعتماده عليها ~~بوصفها عناصر هامة في تحديد أي موقف أخلاقي معقول، يعكس الطابع ~~العام وطريقة التفكير العامة المميزة لأمته، ويحتل مكانة في ذلك ~~الصف الطويل من الفلاسفة الأخلاقيين الإنجليز الذين تبلورت طريقة ~~التفكير هذه في مذاهبهم مرارا وتكرارا. # أما كارفث ريد # Carveth Read ~~(1848-1931) # 20 # فهو مفكر آخر ظل تفكيره يدور في الأغلب في إطار ~~المذهب التجريبي التقليدي، وإن يكن قد تجاوزه ليكون لنفسه ~~ميتافيزيقا خاصة به، نظرا إلى كونه - على غير المألوف بين ~~الفلاسفة التجريبيين - صاحب ذهن ينزع إلى النظر والتأمل، ولقد ~~اعترف هو ذاته بأنه كان في كتابيه الأولين، اللذين عالجا سويا ~~مجال المنطق؛ متفقا إلى حد بعيد مع النظريات التجريبية عند مل ~~وبين وسبنسر و«فن # Venn ~~». فموضوع ~~المنطق ليس في رأيه مجرد التصورات أو الألفاظ، وإنما هو دائما ~~الوقائع وما بينها من علاقات، فهو العلم العام للوقائع، أو هو - ~~كما يعرفه ثاني هذين الكتابين - علم الشروط التي ينبغي توافرها ~~إذا شئنا البرهنة على أي حكم قابل للبرهنة، ويطلق ريد على عملية ~~بناء المبدأ المنطقي على الواقع هذه اسم المنطق المادي، تمييزا له ~~من النزعة الاسمية عند «ويتلي # Whately ~~» والنزعة التصورية # Conceptualism # عند فيلسوف مثل ~~هاملتن. # ولقد كان موقف ريد تجريبيا في علم النفس بدوره، وذلك على الأقل ~~بمعنى أنه يبدأ من التجربة ويعود إليها، وهو موقف «ظاهري Phenomenalist ~~» على طريقة هيوم ومل؛ ~~وذلك لأنه عد عالم التجربة مؤلفا بأسره من معطيات الوعي، بحيث ~~يشتمل الوعي عليه ويوحده في الآن نفسه، والوعي هو الحقيقة الواقعة ~~بالمعنى الصحيح، ولما كان شرطا للوجود المادي، فإنه لا يمكن أن ~~يستمد من هذا الوجود أو يفسر من خلاله، وهو يقدم تفسيرا لطريقة ~~وجود الأشياء قبل أن يكون هناك ذهن عارف يدركها، ms075 على نحو ما توجد ~~الظواهر لو لم يكن هناك كائن عضوي واع يدركها، وفي هذا التفسير ~~يقتفي أثر مل في تصوره الكيانات التي لا تدرك على أنها إمكانات ~~دائمة للإحساس، وعند هذه النقطة تبدأ ميتافيزيقاه، # 21 # ويطلق ريد على حالة العالم عندما لم تكن هناك ظواهر، ~~إذ لم تكن هناك بعد أية كائنات عضوية لديها وعي اسم «الوجود # Being ~~» أو الواقع المطلق، ولكن على ~~الرغم من أن هذه الحالة ليست داخلة في نطاق الوعي، فلا يمكن ~~التفكير فيها بدون وعي، أي إن الواقع بوجه عام - وليس مجرد الواقع ~~التجريبي غير العضوي والعضوي - هو واقع واع، وبعبارة أدق ~~فالوعي مصاحب للوجود، والوقائع المدركة هي مظاهر للموجود الأصلي. ~~وهكذا يؤدي المذهب الظاهري في المعرفة إلى ظهور نوع من مذهب ~~شمول النفس # panpsychism # الميتافيزيقي. # ولا يمكن القول: إن المكونات المختلفة لهذه النظرية إلى العالم، ~~وعلاقاتها بعضها ببعض، تفي بمقتضيات النظرية الفلسفية؛ فالواقع هنا ~~ينظر إليه على أنه مؤلف من ثلاثة عناصر: الوجود الظاهري Phenomenal # والواعي والعالي أو ~~الخالص، أول هذه العناصر هو عالم الأشياء في الزمان والمكان، عالم ~~التجربة اليومية والعلوم، ومع ذلك فإن شرط أي شيء ظاهري - أي ~~الوعي - يوصف بأنه شيء يبدأ وجوده في وقت متأخر نسبيا، أعني ~~شيئا مرتبطا ارتباطا لا ينفصم بالعنصر الظاهري، أي المادة. ~~والنتيجة ثنائية قاطعة للنفس والجسم، فالأخير جوهر تجريبي، والأول ~~نشاط «للوجود المطلق»، ولا يمكن أن يكون بينهما أي تأثير متبادل. ~~فلا يمكن أن تكون الإرادة هي علة الحركة؛ إذ إن هذين الاثنين قد ~~جعلا بحيث ينتميان إلى مجالات مختلفة للوجود. والأمر الذي تسببه ~~الإرادة هو تغير في الوجود، ولدينا بهذا التغير وعي مباشر، كما أن ~~نفس التغير يتضح لنا، بطريق غير مباشر، في الحركة التجريبية التي ~~ندركها، وعلى ذلك فإن الوعي يصبح مرتبطا، لا بالجسم الذي يحل فيه ~~بالضبط، وإنما بالوجود العالي بقدر ما يتبدى في الجسم. أما الطبيعة ~~الجوهرية لهذا الوجود الضروري ولمظاهر فاعليته فأمر يدق علينا ~~فهمه. ولو حاولنا أن نحدده بطريقة ms076 أدق لما كان ذلك إلا بأن ~~ننسب إليه بعض خصائص الوعي، الذي هو المتضايف معه. وينسب ريد إليه، ~~على سبيل الترجيح، الزمان (أو التعاقب على الأقل) والتغير ~~والتواجد # Co-Existence ~~(وربما ~~لم يكن ذلك بوصفه علاقة مكانية)، والترتيب أو اطراد التغير. وهكذا ~~يقدم إلينا أخيرا نظرة تجريبية إلى الكون، تخيم عليها ميتافيزيقا ~~نظرية تأملية، وهي نظرة لها عيوب واضحة، منها مثلا: غموض ذلك ~~الوعي الذي هو من جهة إدراك واع أصيل، ومن جهة أخرى شيء غير ~~محدد، يرتبط بكل وجود أيا كان، ومن عيوبه أيضا رد العالم المادي ~~إلى وجود ظاهري في الوعي العارف، وما يقابل ذلك من توسيع لنطاق ~~هذا العالم نفسه إلى ما وراء الوعي في عالم من الوجود المطلق. ~~وأخيرا تلك العلاقة الغامضة التي يتركها قائمة بين العالم الظاهري ~~والعالم الحقيقي، وهي علاقة توجد - إن جاز هذا التعبير - من وراء ~~ظهر الوعي. # وهو ينقل هذه الأفكار الميتافيزيقية في كتابه الأخلاق ~~الطبيعية ~~والاجتماعية # Natural & Social Morals ~~(1909) إلى مجال الأخلاق ، فمبدأ ~~الوحدة في هذا المجال هو الوحدة الأصيلة بين الناس عن طريق الإخاء ~~والتعاون، والإشباع الكامل لكل رغباتهم، والاعتراف بغاية عليا ~~لكل مساعيهم، وهذا الخير الأسمى هو الفلسفة بمعنى متسع، أي ~~الثقافة # Culture ~~، فالفلسفة هي ~~التحقيق الصحيح للطبيعة البشرية، وعن طريقها يصل العالم إلى معرفة ~~بذاته، وبفضل معرفة الإنسان لذاته وحدها، يستطيع هذا الإنسان - ~~بوصفه أعلى مظاهر الحياة الواعية والوجود التجريبي بوجه عام - أن ~~يسمو إلى مراتب أعلى من الحرية والسمو والسعادة والحكمة. وهكذا ~~فإن ريد كان أشبه بداعية متعصب لعصر التنوير حين توقع أن يتحرر ~~الإنسان باطنيا، ويصل إلى سعادته الحقة وخلاصه، بفضل تلك ~~الاستنارة المتزايدة التي يبعثها فيه العلم والفلسفة، وبفضل ~~التعاون الفعال، وتطبيق مبادئ علم تحسين السلالات # eugenics ~~. ولقد كان ريد واحدا ~~من البريطانيين القلائل الذين آمنوا بحماسة بقدرة تدابير علم تحسين ~~السلالات على القضاء على الانحلال المعنوي والمادي للأمم، وتحويله ~~إلى عكسه، ويتضح هذا الاهتمام بالبيولوجيا في آخر كتاباته ~~«أصل ~~الإنسان وخرافاته # The Origin of Man ms077 and of his Superstitions ~~» (1920، الطبعة الثانية، في ~~مجلدين، 1925) وهو كتاب يلتزم حدود علم الأنثروبولوجيا. # ويمكن القول إن ريد هو آخر أتباع التراث التجريبي القديم؛ إذ إن ~~صلته به - وإن كانت واهية في بعض النواحي - كانت صلة حيوية ~~أصيلة، ولكن الواقع أن هذا التراث الذي استعرضناه حتى الآن كان في ~~تدهور حتى في بداية العصر الذي بدأ فيه نشاطه الفلسفي؛ ذلك لأن ~~جميع قوى الحركة التجريبية وطاقاتها المتعددة كانت قد تجمعت في جون ~~ستيوارت مل، وعلى ذلك فقد كان موته نقطة تحول هامة وبداية انحلال ~~بطيء ولكنه مستمر لتلك النظرة إلى الحياة والعالم، التي كان هو آخر ~~ممثل ضخم لها، وبدأت قوى جديدة تطرق باب الفلسفة الإنجليزية، ففي ~~أثناء حياة مل كان سترلنج قد جهر بصوته مدافعا عن كانت وهيجل، ولم ~~تكد عينا مل تغمضان حتى أصدرت الحركة المثالية في أكسفورد أول ~~كتاباتها الجديدة العظيمة. وهكذا افتتح عصر جديد للفكر، لنشق ~~بطريقة واعية على الصور القديمة المتأصلة في الأرض البريطانية، ~~وكان مصرا على طلب الحقيقة بطريقته الخاصة، وبدأ مذهب مثالي، من ~~أصل ألماني، يتخذ مواقعه ضد التراث الإنجليزي، وأخذ ينتزع منه، ~~ولا سيما في الأوساط الأكاديمية، الموقع تلو الآخر، ولكن حتى قبل ~~استهلال هذه القوة الفلسفية الجديدة، وحين كان نجم مل ما يزال ~~لامعا ظهرت قوى أخرى بدأت تمارس تأثيرها في صف المذهب التجريبي؛ ~~فغيرت مظهره، وأعطته قوة دافعة جديدة، وحركته في اتجاه جديد، ~~وقد أتت هذه القوى من علم خاص هو علم الحياة، وتكونت منها ~~الحركة الهائلة التي أطلقها سبنسر ودارون في العقدين السادس ~~والسابع من القرن التاسع عشر، وهي حركة كانت على الرغم من ~~تجريبيتها تختلف اختلافا بينا عن المذهب التجريبي كما يمثله ~~بنتام ومل؛ ومن ثم فقد وجب بحثها على حدة. # الفصل الثالث # | المدرسة التطورية الطبيعية # رأينا من قبل أن الطابع السائد في الفلسفة الإنجليزية في النصف ~~الأول من القرن التاسع عشر، وخلال بعض الوقت بعد ذلك، كان هو ~~التعارض بين الفلسفة الاسكتلندية والتجريبيين التقليديين، وأن ~~الأخيرين أخذوا ms078 يكسبون المواقع باطراد، ولكن حتى قبل أن ينتهي هذا ~~الصراع، الذي كان هاملتن ومل آخر من خاضوه لصالح المذهب الأخير، ~~ظهرت قوة جديدة كان ينتظر لها مستقبل باهر، وأعني بها مذهبي ~~سبنسر ودارون. فقد بدأت فكرة التطور تظهر في الفلسفة، وكذلك في ~~العلوم الخاصة، في العقد السادس، وهو العقد الذي شهد وفاة هاملتن ~~وبلوغ مل أوج شهرته، وكانت الحركة التي بدأها سبنسر ودارون ترتبط ~~ارتباطا وثيقا بالاتجاه التقليدي للفكر الإنجليزي كما حددنا ~~معالمه. وعلى الرغم من أنها كانت نبتة جديدة رائعة، فإنها ظهرت ~~من نفس فصيلة التجريبية القديمة وامتدت جذورها في نفس تربتها، فليس ~~من الممكن رسم خط فاصل قاطع بينها وبين الحركة التي قادها بنتام ~~ومل، وإنما تلتقي طريقتا التفكير في نواح تبلغ من الكثرة حدا لا ~~تعود معه نسبة أي مفكر إلى المدرسة التطورية راجعة إلا إلى سيطرة ~~الميل الدافع الجديد على فلسفته. غير أن هذا الميل الدافع الجديد ~~سرعان ما أصبح من القوة بحيث إن قليلا جدا من المفكرين هم الذين ~~استطاعوا، ابتداء من العقد السابع، أن يتجنبوا تأثيره ~~عليهم. # ولقد كان وجود فكرة التطور في الجو في أواسط القرن التاسع عشر هو ~~الذي جعلها تظهر في آن واحد من عدة مصادر مستقلة، وتهب ~~كالعاصفة على الحياة العقلية المعاصرة لها بأكملها، مكتسحة معها كل ~~شيء، ففي ميدان الفلسفة أتى بها سبنسر، وفي ميدان العلوم الخاصة ~~أتى بها دارون ووالاس، وكان سبنسر هو الأسبق في ترتيب النشر. غير ~~أن ظهور المبدأ الجديد من جهات متباعدة إلى حد كبير في وقت ~~واحد - وهو علة ما أحرزه من نجاح سريع لا نظير له - يجعل مشكلة ~~الأسبقية غير هامة نسبيا. والأمر الذي له أهميته العامة هو أن ~~التحالف الذي دخلته الفلسفة في ذلك الحين مع علم الحياة قد أثبت أن ~~له من الفائدة ما كان للتحالف بين الفلسفة وبين الرياضيات ~~والفيزياء أيام ديكارت ونيوتن. وهكذا أصبح الفلاسفة يستوعبون ~~ويستغلون نتائج العلوم الخاصة، وأصبح العلماء يتجاوزون نطاق ~~أبحاثهم الخاصة إلى نتائجها الفلسفية ms079 العامة؛ وبهذا كانت قوى ~~التطور تزحف في جبهتين، إن جاز هذا التعبير، وكانت الجبهتان ~~متفرقتين أولا، ثم اتحدتا فيما بعد. # وعلى الرغم من أن سبنسر كان أول من عرض فكرة التطور علنا، فقد ~~كان تشارلس دارون # Charles Darwin ~~(1809-1882) هو الذي جعل لها تأثيرها الهائل، عن طريق كتابه ~~«أصل ~~الأنواع # The Origin of Species ~~» (1859)، ولقد كان هذا الكتاب، الذي كان ~~نقطة تحول في ميدانه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، من إنتاج ~~عبقرية علمية ضخمة، تتميز بقدرتها على الجمع، على نحو فريد، بين ~~دقة الملاحظة والصبر فيها، وبين الولاء المطلق للواقع والقدرة على ~~التركيب الذهني الإبداعي. ولقد فاق هذا الكتاب أي كشف علمي آخر ~~في القرن التاسع عشر في مدى الضجة التي أحدثها، وفي مقدار ثوريته، ~~ومدى تداخله في الصراع بين الفئات والفرق المختلفة؛ ومن هنا فإن ~~تقدير مدى تأثيره مستحيل. # ولقد تجاوز العلم بعض تفاصيله، وما زال بعضها الآخر موضوعا ~~للنزاع، غير أنه في عمومه قد اندمج في تراث العلم الطبيعي وأصبح ~~جزءا لا يتجزأ منه، بل لقد طغى وفاض في مسارات عديدة تغلغل بها ~~في حياتنا العقلية العامة، حتى أبعد أطرافها، بحيث أصبح يكون، ~~بصورة مختلفة مشوهة، ما يشبه الرأي الفلسفي عن الحياة والعالم ~~للكتل الجماهيرية في جميع البلدان. أما دارون ذاته فلم يتخذ أبدا ~~رداء الفيلسوف، وإنما كان شاعرا بالأثر الانقلابي الذي كان لا بد ~~أن تحدثه نظريته في مناقشة المسائل الفلسفية، وكان هو ذاته يقوم من ~~آن لآخر في كتاباته المتأخرة (ولا سيما في «الأصل السلالي ~~للإنسان # The Descent ~~of Man ~~» 1871) باستخلاص بعض النتائج الفلسفية ~~لأفكاره، عن طريق تطبيقها على مشكلات نفسية وأخلاقية، ولكن ذلك لم ~~يكن إلا بطريقة عارضة. أما الاستغلال الفلسفي الدقيق لنظرية ~~التطور فلم يكن يعبأ به أبدا. فدارون لم يكن دارونيا، وإنما ظل ~~إلى النهاية كما كان دائما، باحثا متواضعا لظواهر الحياة ~~النباتية والحيوانية، محبا للعزلة، مخلصا أمينا. وإنه لمن ~~المناظر المؤثرة بحق أن نراه يترك الأمواج العاتية للمذهب ~~الدارويني تتكسر ms080 على صخرة عمله، بينما هو لا يعبأ بشيء، ويواصل ~~السير في طريق دراساته المرسوم دون أن يحيد عنه قيد شعرة. # وطالما حدث من قبله أن استبقت الأبحاث العلمية والتأملات النظرية ~~عناصر مذهبه الرئيسية، وهي قابلية الأنواع للتغير، والانتقاء ~~الطبيعي، والصراع من أجل الوجود، وبقاء الأصلح، والتكيف مع البيئة، ~~ووراثة الصفات الملائمة، والأصل الحيواني للإنسان ... إلخ. غير أن ~~جمع هذه العناصر سويا في صورة رائعة واحدة عن أصل الكائنات ~~الحية وتطورها كان عملا انفرد به دارون، وإليه وحده يرجع الفضل ~~فيه. ومن المهم بالنسبة إلى أغراضنا أن نلاحظ أن هذه الصورة لم ~~تبن على أسس بيولوجية خالصة، بل ساهمت فيها نظرية مالتوس في ~~السكان بدور حاسم، # 1 # فقد كانت هذه النظرية هي التي ألهمت دارون فكرته ~~المشهورة في الصراع من أجل الوجود، وكانت هذه الفكرة هي التي أتاحت ~~له جمع ملاحظاته واستدلالاته البيولوجية في نسق موحد. ونستطيع أن ~~نعبر عن الخدمة التي أسداها دارون إلى العلم بقولنا: إنه تكهن ~~بالدلالة البيولوجية لقانون مالتوس القائل إن هناك علاقة عكسية في ~~المجتمعات البشرية بين عدد السكان وكمية الطعام المتوافرة (بحيث ~~يزيد الأول بمعدل أسرع من الثاني)، وأتى بأدلة تجريبية متعددة ~~تثبت أن هذا القانون يسري على الحياة في المستويات دون البشرية؛ ~~وبذلك أخضع مجال الحياة بأسره لمبدأ مشترك. غير أن دارون لم يهتم ~~إلا قليلا بالأثر العام لنظريته في النواحي غير البيولوجية ~~للإنسان، ولم يمس هذا الموضوع إلا لماما، مثلما فعل، مثلا، ~~بالنسبة إلى الأفكار الأخلاقية التي أرجع أصلها (كما فعل نيتشه ~~فيما بعد بتأثير دارون) إلى الغرضية الواضحة الغريزة الحيوانية، ~~غير أن مذهب دارون البيولوجي قد مهد الطريق دون شك لعملية تطبيق ~~المبدأ الذي سبق إثباته بالتفصيل بالنسبة إلى عالم الحياة فيما دون ~~الإنسان، على الإنسان ذاته، وتطويره بحيث تتكون منه نظرية عامة عن ~~حياة الإنسان الاجتماعية وتاريخه، وقد تولى هذه المهمة سبنسر ~~و«كيد # Kidd ~~» وغيرهما، ونفذوها ~~في الإطار العام لأفكار دارون، وبفضل هذين المفكرين طبق المذهب ~~الدارويني تطبيقا مثمرا في مجالات ms081 الأخلاق، والتاريخ، (ولا سيما ~~تاريخ الشعوب البدائية) وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد، ~~أي في العلوم المعنية بالإنسان على وجه التخصيص. # وما إن ثبتت الداروينية أقدامها في المجال البيولوجي وأصبحت ~~مثارا للجدل في جميع أرجاء العالم، حتى لم يعد من الممكن الحيلولة ~~دون ذيوع النظرة العامة المتضمنة فيها بشأن الحياة والكون، وأصبح ~~زحفها الظافر أمرا مؤكدا؛ فهي - من حيث هي فلسفة - قد جعلت ما هو ~~دون الإنساني مقياسا أو معيارا للإنساني، ولم تعد تنظر إلى ~~الإنسان على أن له قيمة في ذاته، وإنما نظرت إليه على أنه لا يعدو ~~أن يكون الفرع الأخير في شجرة نسب ترجع في أصلها إلى العالم ~~الحيواني والنباتي، وبتعبير أعم، فهي قد فسرت كل شيء لا بالصور ~~العليا للطبيعة، وإنما بصورها الدنيا، وكانت تمثل «مذهبا طبيعيا # naturalism ~~» من حيث إنها ~~جعلت العوامل دون الإنسانية أهم من العوامل الحضارية، ومذهبا بيولوجيا # Biologism # من حيث إنها ~~عبرت عن المسائل الفلسفية من خلال المقولات والنظريات البيولوجية، ~~وكانت مذهبا ~~تطوريا # evolutionism # من حيث إنها نظرت إلى الأشياء كلها على ~~أنها جزء من عملية من التطور الصاعد، ومذهبا آليا # Mechanism # لأنها فسرت ~~الظواهر الغائبة من خلال العلل الآلية وقوانينها. وهكذا فإن هذه ~~النظرة إلى الكون، التي احتفظت بخطوطها العريضة على الرغم من ~~الاختلاف في النقاط التفصيلية، قد انقضت كالسيل الجارف، في ~~العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، على جميع مجالات الحياة ~~العقلية، وأصبحت هي الفلسفة الشعبية للمثقفين وأنصاف المثقفين وغير ~~المثقفين على السواء، وقد أثارت الاهتمام بالمشكلات الفلسفية، ~~وانتقلت بالمناقشات الخاصة بها بعيدا عن الأوساط الاحترافية ~~المحضة، وأثارت الصراع بين الفرق المتباينة، واستفزت بوجه خاص ~~أولئك الذين لم يروا فيها إلا قوة معادية للدين والأخلاق وكل ~~القيم التي كان معترفا بها من قبل. وإذا كانت لم تتحول في ~~إنجلترا إلى مذهب مادي ساذج إلا نادرا، وكان تأثيرها العام ~~فيها أقل خطورة مما كان في بقية البلاد، فإن ذلك لم يكن راجعا فقط ~~إلى الطابع المحافظ للإنجليز، بل كان راجعا أيضا، وقبل كل ms082 شيء، ~~إلى أن قوة التراث الديني وعمقه ربما كان هناك أعظم مما كان في أي ~~بلد آخر. ولقد اعترضت الكنيسة بقوة على المذهب الجديد، ودام صراعها ~~معه عشرات عدة من السنين، كما أن الأوساط الأكاديمية في الفلسفة ~~لم ترحب به إلا قليلا، وعاملته على أنه مذهب دخيل، وإن يكن ~~مذهبا يستحق التحدي عن جدارة، غير أن أقوى سد ضد طوفان الداروينية ~~هو ذلك الذي شيدته المدرسة المثالية الجديدة، التي ظهرت في نفس ~~الوقت الذي أتى فيه ذلك الطوفان، وأخذت بالتدريج تحتل مكان الصدارة ~~في الجامعات. وقد كانت الحركة المثالية في مرحلتها الأولى ترى أن ~~مهمتها الأساسية هي قهر الداروينية، بل إنه ليبدو في كثير من ~~الأحيان أنها لم تكن تهيب بكانت وهيجل إلا ليؤيدا وجهة نظر الدين ~~في صراعه ضد هذه الزندقة الجديدة. # ولقد تمثل المذهب ~~التطوري الطبيعي # Naturalistic evolutionism # في المجال الفلسفي على التخصيص، ~~في مذهب هربرت ~~سبنسر # Herbert Spencer ~~(1820-1903)، وهو المذهب الذي وصلت به تلك ~~الفلسفة التي ظلت على ولائها للتراث القومي الإنجليزي إلى القمة، ~~وبلغ بها القرن التاسع عشر خاتمة مطافه ونقطة اكتماله. ولقد سيطر ~~سبنسر على الميدان الفلسفي في إنجلترا في الأعوام الثلاثين الأخيرة ~~من القرن التاسع عشر، على نفس النحو الذي سيطر به مل وهاملتن ~~وبنتام وريد وهيوم على هذا الميدان في أيامهم، وهو واحد من ~~الفلاسفة الإنجليز القلائل الذين ذاعت شهرتهم خارج إنجلترا أثناء ~~حياتهم، بل لقد اكتسب شهرة عالمية؛ فذاع اسمه في روسيا والصين ~~واليابان مثلا، فضلا عن أوروبا وأمريكا، وترجمت مؤلفاته إلى ~~كل لغات الشعوب المتمدينة تقريبا. ولم يكن السبب في هذا النجاح ~~الفريد هو القيمة الكامنة لكتاباته، بقدر ما كان تمكنه من الجمع ~~بين خيوط فكرية متعددة بعثتها النظرية الداروينية، ومن نسج هذه ~~الخيوط كلها في مذهب فلسفي متماسك، ففلسفته كانت تعبيرا ظهر في ~~أوانه عن الأفكار السائدة في أيامه. # ولم يكن التعليم الذي تلقاه يقل لفتا للنظر عن الشهرة التي ~~واتته قرب نهاية حياته، فبعد تعليم بسيط رفض على ms083 أثره منحة للتعليم ~~الجامعي، أصبح لمدة قصيرة معلما بمدرسة ابتدائية، ثم مهندسا ~~بالسكك الحديدية بضع سنوات ثم صحفيا، وبعد ذلك انتقل إلى احتراف ~~الكتابة. ولما كانت كل جهوده السابقة للحصول على منصب ثابت قد ~~ذهبت هباء، فقد ظل كاتبا مستقلا حتى نهاية حياته، واستنفد في ~~تأليف كتبه تلك الطاقة الضئيلة التي خلفتها له صحته المعتلة، ~~فحياته كلها قد استنفدت في صراع بطولي من أجل صياغة أفكاره ~~الفلسفية، ولم يتمكن من التغلب على كل الصعاب والوصول بعمله إلى ~~تمامه إلا بفضل قوة تحمله الهائلة وإيمانه الراسخ برسالته، وتشمل ~~كتاباته مجموعة رائعة من المجلدات الضخمة، وعددا من الرسائل ~~الأصغر حجما، ومجموعة كبيرة من الأبحاث والمقالات، ومؤلفه ~~الرئيسي هو «مذهب في ~~الفلسفة # System of Philosophy ~~» وهو عمل ضخم يبلغ حجمه عشرة مجلدات، ~~وقد أعلن عن اعتزامه تأليفه في سنة 1860، وتم بعد ستة وثلاثين ~~عاما بعد جهد لا يكل. ويمثل هذا العمل جهدا لا يكاد يكون له ~~مثيل في تاريخ الفلسفة في شموله، واتساق خطته، وضخامة العقبات التي ~~كان يتعين عليه مواجهتها. # 2 # ولقد كان سبنسر رجلا علم نفسه بنفسه بأدق معاني هذه الكلمة، ~~ولما لم يكن له أستاذ، فإنه لم يكن في حاجة إلى أن يقدس تعاليم ~~أي أستاذ، ولما لم يكن هناك، من بين المفكرين البارزين، من كان ~~أقل منه احتفالا بأفكار الفلاسفة السابقين عليه والمعاصرين له، ~~فبلغ به الاستغراق في أفكاره الخاصة حدا جعله منعزلا، في ~~ترفع، عن البيئة الفلسفية التي كان يعيش فيها، ومما ساعد على هذا ~~الانعزال ذلك التقطع الذي كان يتسم به تعليمه، وعلى الأخص ضآلة ~~معرفته باللغات الأجنبية، وهو نقص لم يحاول تلافيه قط. ولقد ظل حتى ~~النهاية رجلا ثقف نفسه بنفسه، غير محمل بأثقال التاريخ السابق ~~عليه، مفتقرا إلى الثقافة ذات الطابع الأعمق، ومنحصرا في نطاق ~~مشاكله وأفكاره الخاصة. ولم يكن يعرف عن فلسفة اليونان والألمان ~~أكثر مما استطاع أن يلتقطه من الأصدقاء ومن الكتب المدرسية الهزيلة ~~الشائعة في ذلك الحين. وإنه لغريب حقا أن ذلك ms084 الرجل الذي عده ~~الكثيرون أهم مفكر فلسفي في القرن التاسع عشر، لم يكد يتأثر على ~~الإطلاق بإيمانول كانت أعظم مفكري العصر الحديث. وقد روي عنه أن ~~محاولته الوحيدة لاستجلاء غوامض نقد العقل الخالص، قد توقفت ولما ~~يقرأ في الكتاب إلا الصفحات القلائل الأولى. ومن جهة أخرى فقد كان ~~لديه إحساس مرهف، يتلاءم مع عصره، ونظرا إلى أنه أدمج في مذهبه ~~أفكارا كثيرة كانت هي الأفكار الرائدة في عصره، وإن لم تزل عندئذ ~~مخيمة في الجو - إن جاز هذا التعبير - فقد أصبح المتحدث الرسمي ~~باسم الفلسفة في عصره؛ ولهذا السبب فإن مذهب هذا الفيلسوف الذي كان ~~أكثر تحررا من القيود التاريخية من كل من عداه، قد اندمج في ~~السياق التاريخي للفلسفة على نحو أكمل من أي مذهب فلسفي آخر، ~~وذلك بفضل ما قد يبدو لأول وهلة خدعة من التاريخ. وتحولت عزلته ~~الذاتية إلى عكسها، أي إلى اندماج طبيعي آلي حتمي في المجرى ~~الموضوعي للتاريخ الفلسفي. وفي ضوء هذه الاعتبارات نستطيع أن ندرك ~~بوضوح لماذا كان مذهب سبنسر صالحا بالنسبة إلى وقته فحسب، ولماذا ~~كان نصيبه من الأصالة قليلا، فهو لم يتوسع في التجريبية والوضعية ~~اللتين ورثهما من الماضي ولم يعمقهما. أما المحتوى الباقي لذلك ~~المذهب، وهو المحتوى المستمد من الأبحاث العلمية السائدة عندئذ، ~~فقد جعل ذلك المذهب تعبيرا عن موقف تاريخي فريد محدد المعالم، ~~بحيث إنه عندما تغير ذلك الموقف فقد المذهب بالضرورة الجزء الأكبر ~~من قيمته. ولما كان التغير قد بدأ أثناء حياة سبنسر، واتخذ صورة ~~رجحان لكفة العلوم الرياضية الفيزيائية على العلوم البيولوجية ~~والاجتماعية، فإن مذهب سبنسر لم يكد يبقى فيه الآن رمق من الحياة، ~~بعد جيل واحد على اكتماله. وهكذا فإن هذه الحلقة الأخيرة في ~~سلسلة فكرية يرجع امتدادها إلى بيكن، قد أصبح يتراكم عليها الآن ~~من التراب ما يزيد على ما يعلو أية حلقة من الحلقات الأخرى الكبرى ~~في هذه السلسلة. # وعلى الرغم من ذلك فإن سبنسر قد أعاد إلى الفلسفة الإنجليزية ~~الاتجاه إلى تكوين مذهب متكامل، ms085 وليس ثمة تناقض واضح بين مثل هذا ~~الاتجاه وبين النزعة التجريبية في الفكر، غير أن الذي حدث في واقع ~~الأمر هو أن هذه النزعة الأخيرة لم تكن تقر الاتجاه الأول. ومن ~~المؤكد أن ما تتصف به الفلسفة الإنجليزية من افتقار غريب إلى ~~المذاهب، لا بمعنى الافتقار إلى التأمل النظري فحسب، بل إلى البناء ~~المتكامل المتناسق أيضا، يبدو بالفعل راجعا آخر الأمر إلى التعلق ~~التام المطلق بالتجربة، التي يكون الانتقال منها إلى ما هو مركب ~~أصعب من الانتقال إليه من الفكر المحض. ولقد كان الفيلسوفان ~~الكبيران الوحيدان اللذان شيدا مذاهب في الفترة المتقدمة هما بيكن ~~وهبز، ثم حدث انقطاع طويل الأمد، وكان سبنسر أول فيلسوف بعد هبز ~~يخوض مغامرة تشييد مذهب، وكان المذهب الذي توصل إليه أوسع نطاقا ~~وأشد إحكاما من مذهب أي من السابقين عليه؛ فهو يحتل، على طريقته ~~الخاصة، موقعا فريدا في الفكر الإنجليزي. ومن المشكوك فيه أن ~~يكون قد تأثر بهيجل وكونت، وهما الفيلسوفان الآخران الوحيدان ~~القريبان منه زمنيا، واللذان خاضا غمار مهمة مشابهة. ومن ~~المرجح أن كونت هو الذي كان خليقا بأن يؤثر فيه، ولكن الأرجح من ~~ذلك بكثير أن فكرة تنظيم المعرفة التجريبية في مذهب دقيق قد نشأت ~~من تصور سبنسر الخاص لما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة؛ ذلك لأنه ميز ~~بين ثلاث درجات للمعرفة؛ المعرفة اليومية، والعلمية، والفلسفية، ~~وذلك في ترتيب تصاعدي في العمومية والوحدة، بحيث تكون مهمة ~~الفلسفة هي السعي إلى إيجاد مركب أعلى يتألف من المركبات الجزئية ~~التي تصطنعها العلوم الخاصة، ومن المعارف الأخرى التي لم تنظم على ~~الإطلاق، ومثل هذه النظرة تشبه نظرة كونت، ومن بعده «فنت # Wundt ~~» «وريل # Riehl ~~» # 3 # في أنها وضعية، تتصور غاية الفلسفة ومنهجها على مثال ~~غايات العلوم الطبيعية ومناهجها، وهي تعبر عن عقلية عصر وضع ثقته ~~في العلم واستقر عزمه على تحقيق التقدم العلمي بكل حماسة، ولقد ~~نشأت هذه النظرة عن الحاجة إلى بعث النظام والوحدة في تلك المعرفة ~~المتراكمة التي كانت تنمو بسرعة، وكاد أن يفلت ms086 زمامها، ولم تحاول ~~هذه النظرة قط أن تدير ظهرها لهذه المعرفة، وإنما أرادت أن ترتقي ~~بها إلى أعلى مستويات التجريد الفلسفي، وكانت تؤمن بفلسفة ~~تجريبية متقدمة حتى أعلى درجاتها. وقد حقق سبنسر هذا المثل ~~الأعلى؛ فكان تجريبيا أصيلا في تعطشه الدائم إلى الوقائع وإلى ~~تنظيمها، غير أن رغبته في تشييد مذهب وقدرته العجيبة على ذلك، كانت ~~هي المسيطرة على كل شيء؛ فقد كان يبذل جهدا لا ينقطع في التجريد ~~والتصنيف والتعميم والاستنباط، ويتحرك إلى الأمام نحو توحيد أكثر ~~تجريدا لها، حتى وصل إلى النقطة التي استطاع فيها أن يلخص الكون ~~كله في صيغة واحدة، وكانت النتيجة مذهبا كان فيه مكان لكل شيء؛ ~~مذهبا بلغ تخطيطه من الجرأة، وتنظيمه من البراعة والدقة، حدا لا ~~يملك المرء معه إلا أن يشعر نحوه بالإعجاب، مهما كان موقفه النهائي ~~منه. وهكذا ينبغي أن يعد سبنسر واحدا من أعظم منظمي الفكر ~~الفلسفي الذين عرفهم التاريخ. # ولقد كانت الفكرة الرئيسية ~~في جميع أطراف مذهبه هي فكرة التطور، فسبنسر هو أول من طبق هذه ~~الفكرة تطبيقا شاملا بالمعنى الصحيح، وشكلها في القالب الذي ~~اكتسحت به العالم، ولم يوقف تقدمها الظافر إلا كارثة الحرب ~~العالمية الأولى، ولقد سبقه آخرون، أولهم هرقليطس، في بناء فلسفتهم ~~على فكرة التطور. ومن الأمثلة الواضحة لذلك هيجل، الذي كانت فلسفته ~~مقابلا مثاليا لمذهب سبنسر الطبيعي، مثلما كان ماركس مقابلا ~~ماديا لهيجل، ولكن من العقيم أن يحاول المرء تعقب هذه التطورات ~~السابقة؛ إذ إن فكرة التطور قد اتخذت عند سبنسر صورة جديدة كل ~~الجدة، لم تصبح ممكنة إلا بفضل حالة العلم في عصره. وليس معنى ذلك ~~أنه كان معتمدا على دارون؛ إذ إنه، قبل ظهور كتاب «أصل الأنواع» ~~بسنوات عدة، كان قد توصل إلى مجموعة من أهم عناصر مذهبه التالي، ~~وقلب فكرة التطور من زوايا متعددة، كما يتضح من المقالات التي بعث ~~بها إلى مجلات دورية في العقد السادس من القرن التاسع عشر، وأن ~~هذه المقالات، وكذلك كون الخطة الأولى لمذهبه (وهي الخطة التي ms087 كان ~~قد عمم فيها التطور بالفعل ليصبح مبدأ كونيا) قد رسمت في يناير ~~سنة 1858. كل هذا يثبت بوضوح خطأ الزعم الشائع، القائل إنه لولا ~~دارون لما ظهرت «فلسفة سبنسر التركيبة» على الإطلاق، ولكن عندما ~~ظهر كتاب دارون، رأى سبنسر فيه تأييدا لأفكاره التي كانت عندئذ ~~ما تزال تتسم بطابع المحاولة المترددة (على الرغم من أنه كان قد ~~توسع فيها إلى حد بعيد حتى في ذلك الحين)، كما رأى فيها تأكيدا ~~للقيمة الهائلة لما استخلصه من نتائج، وذلك في ميدان البحث لم تكن ~~تربطه به إلا صلة طفيفة حتى ذلك الحين، وعلى الرغم من أنه هو ذاته ~~قد استبق بطريقة تقريبية نظرية دارون في أصل الأنواع وتغيرها عن ~~طريق الانتقاء الطبيعي، (وذلك في مقالين ظهر أحدهما سنة 1852 ~~والآخر سنة 1857)، فإن نظرية دارون قد أتاحت ملء ثغرات معينة في ~~تفكيره الخاص، وخلقت لديه ذلك الاهتمام بعلم الحياة، الذي ظهر بكل ~~بوضوح في كتابه «مبادئ علم الحياة» (1864-1867). كما ينبغي التسليم ~~بأن مذهب سبنسر لم يكن ليلقى ما لقيه من نجاح هائل لو لم تكن موجة ~~الداروينية قد دفعته إلى الأمام. # وليس في هذا الكتاب مجال لإجراء مناقشة كاملة لأصل النظرية ~~التطورية، ولكنا نستطيع أن نشير إلى رابطة طريفة تجمع بينها وبين ~~الفلسفة الطبيعية في المذهب المثالي الألماني. فعندما بدأ سبنسر ~~يتجه بفكره إلى المسائل الفلسفية، لفت نظره رأي لشلنج، اطلع عليه ~~عن طريق كولريدج، يقول فيه: إن مسار مملكة الحياة العضوية قوامه ~~حركة متزايدة من التنويع والتنظيم والفردانية، وتأيد هذا الرأي ~~النظري عمليا فيما بعد بفضل أبحاث علم الأجنة التي قام بها ~~فون بير # K. E. Von Baer ~~، وهو ~~عالم تأثر بالفلسفة الطبيعية عند شلنج وأوكن # Oken ~~، وسرعان ما وصل هذا التأييد إلى علم سبنسر، ~~فقد رأى سبنسر أن هناك دلالة تمتد إلى ما وراء علم الحياة بكثير في ~~قانون «بير» القائل إن التغيرات التركيبية التي تطرأ خلال نمو ~~جنين ما، تكشف عن تقدم تدريجي من صور غير متحددة إلى صور ms088 ~~متحددة، ومن صور متجانسة إلى صور لا متجانسة. ولم تكن صياغته ~~لفكرة التطور، في كتاب «المبادئ الأولى» (1862) على أنها هي المبدأ ~~الأساسي للأشياء، سوى تعميم متطرف لهذا القانون. غير أن اهتمام ~~سبنسر بالفلسفة الطبيعية عند شلنج قد توقف عند حد قانون «بير»، ولم ~~تأت كل العناصر الباقية في بناء نظريته التطورية من الفلسفة، ~~وإنما جاءت من العلوم الطبيعية بمعناها الدقيق، أي من الفرض ~~السديمي عند كانت ولابلاس، # 4 # ومبدأ بقاء الطاقة، وأبحاث «ليل # Lyell ~~» الجيولوجية، # 5 # وأبحاث لا مارك ودارون في علم الحياة. # غير أن هذا الوصف لكل عملية في الكون بأنها تنويع تدريجي ينتقل ~~به ما هو بسيط نسبيا إلى ما هو مركب نسبيا، كان في نظر سبنسر ~~ناقصا، معبرا عن وجه واحد من أوجه المشكلة، فقد رأى لزاما عليه ~~أن ينظر إلى هذه الحركة التي تسير في اتجاه واحد على أنها تعوض ~~بميل مساو لها يسير في الاتجاه المضاد. فالتنويع (أو التفاضل) ~~يعوضه التكامل، والتفرق تعوضه الوحدة، والتقدم يعوضه التأخر أو ~~الانحلال، بحيث تكون مهمة الاتجاه الثاني هي إفساد عمل الاتجاه ~~الأول، ويكون فعلهما معا متبادلا، بحيث يكمل كل منهما الآخر ~~ويعمقه. وليست العملية الأولى، والأهم، هي عملية التخصص، وإنما هي ~~عملية التكامل ورفع الفوارق إلى وحدات أو كلات أعلى، ومع ذلك ~~فلكل اتجاه في التقدم حد أعلى، وحالة توازن، هي نقطة بداية القوى ~~المضادة التي تؤدي إلى حدوث الانحلال، وعلى ذلك فإن أعم قانون ~~للتطور، في صورته الكاملة، إنما هو هذا الإيقاع الأزلي للتقدم ~~والانحلال، وهو عملية توحيدية متصلة ذات وجهين متعارضين ~~ومتقابلين. # ولقد كانت الصيغة الكونية عند سبنسر، كما عرضناها حتى الآن، ~~متحررة من أية مسلمات ميتافيزيقية، ولا تبدأ هذه المسلمات في ~~الظهور إلا في التعميم النهائي القائل إن إيقاع الكون والفساد إنما ~~ينحصر هو ذاته في توزيع المادة والحركة وإعادة توزيعهما، وهنا يكون ~~التطور - من وجهة النظر النهائية هذه - تكاملا للمادة مصحوبا ~~بتنوع وانتشار للحركة من جهة، وامتصاصا أو استهلاكا للحركة ~~مصحوبا بتحلل للمادة من ms089 جهة أخرى. ولما كان المجموع الكلي للمادة ~~والحركة ثابتا، فإن كل هذا التغير، وكل تغير على الإطلاق، لا يمكن ~~أن يكون سوى تجميع وتقسيم، وإعادة تجميع وإعادة تقسيم، بدرجات ~~متفاوتة، للمادة والحركة في المكان، يحدث وفقا لقوانين آلية ~~بحتة. وعلى ذلك فإن الكون عند سبنسر، سواء بوصفه كلا ومن حيث ~~أجزائه، إنما هو آلة هائلة يتحكم قانون العلية في كل عملياتها، ~~وتسري قوانين المادة والقوة والحركة على كل الظواهر، أي إنها تسري ~~على الحياة الاجتماعية والعقلية للإنسان مثلما تسري على العالم غير ~~العضوي، ولم تكن مهمة سبنسر في «فلسفته التركيبية» سوى إثبات ~~ذلك. # وقد خلص سبنسر هذا ~~المذهب الآلي من المادية الصريحة بإدخال فكرته المشهورة، فكرة ~~«اللامعروف # Unknowable ~~» # 6 # التي تتيح منفذا، وصماما - إن جاز هذا التعبير - في ~~مذهبه الذي لولاهما لكان مقفلا تماما. ونظرا إلى أنه قد عرضها ~~في بداية مذهبه، أي في كتاب «المبادئ الأولى»، فقد عدت في كثير ~~من الأحيان أساسا لمذهبه، ولكنها ليست في الواقع إلا تزيينا ~~للواجهة، قصد منه إعطاء البناء مظهرا يقلل من نفور العقول ~~المتدينة منه. وفضلا عن ذلك فقد كانت تلك الفكرة مقتبسة، ولم ~~تكن أصيلة لديه، وهي ترتكز على الحجج الإبستمولوجية المشهورة ~~المتعلقة بحدود قدراتنا في المعرفة، فنحن لا نستطيع أن نعرف إلا ~~النسبي والمشروط والظاهري، ولكن نفس معرفتنا بذلك تلزمنا - بحكم ~~ضرورة عقلية - بأن نفترض «مطلقا» متضايفا، وحتى لو كنا نعجز عن ~~التغلغل فيه أبعد من ذلك، فلسنا نملك أن نتجنب افتراض وجوده. ~~ويضع سبنسر هذه ال «س» الهائلة في اعتباره فيسميها باللامعروف، ~~ولكنه ينتقل، على نحو يفتقر إلى الاتساق، إلى طريقة في التفكير ~~أقرب إلى الميتافيزيقيا منها إلى نظرية المعرفة، يجعل فيها الكم ~~المجهول وصفا محددا إلى حد بعيد، فيذهب إلى أن علينا أن ننظر ~~إلى العالم الذي تصل إليه تجربتنا وكل ما يحدث فيه من تغيرات على ~~أنه تكشف لقوة تظل ثابتة وسط التغيرات، وتكون لا متناهية في ~~المكان والزمان. وبهذه الحجة، التي هي قطعا أكثر اتساقا مع ms090 أسس ~~مذهب سبنسر من الحجة الإبستمولوجية السابقة، يفقد «اللامعروف» - ~~دون شك - قدرا كبيرا من عدم قابليته لأن يعرف. وهكذا فإن الفكرة ~~التي اعتقد الكثيرون أنها هي الفكرة الرئيسية في فلسفة سبنسر تنطوي ~~في ذاتها على تناقض داخلي، وهي فكرة يفتقر بناؤها تماما إلى ~~الإحكام. # ومن الواضح أن مصدر فكرة اللامعروف هو كانت، غير أن سبنسر لم ~~يقتبسها منه مباشرة، وإنما بتوسط هاملتن ومانسل، اللذين أدخلا ~~عليها تعديلا عميقا، وكان كل ما فعله هو أنه ترجمها إلى لغته ~~وطريقته الخاصة في التعبير. غير أن النزعة الظاهرية Phenomenalism # التي كانت ~~كامنة من وراء مذهبه، والتي لم يقل بها سبنسر صراحة وإنما افترضها ~~ضمنا، كانت عنصرا مشتركا في طريقة التفكير التجريبية من باركلي ~~إلى مل، أي إنها كانت جزءا لا يتجزأ من ذلك التراث الذي نمت فيه ~~حياته العقلية. وأخيرا فإن من الواضح أن وصفه للمطلق بأنه قوة ~~ثابتة من خلال جميع تغيرات الحوادث الظاهرية هو نقل لقانون بقاء ~~الطاقة إلى مجال الميتافيزيقا. # ولقد ذكرنا من قبل أن اللاأدرية عند سبنسر - وهي ليست لا أدرية ~~مطلقة بل لسببية؛ إذ إنه «يؤكد» وجود عالم من وراء التجربة - لم ~~تظهر نتيجة لمقتضيات مذهبه، وإنما نتيجة لنظرة جانبية إلى الدين، ~~وقد أتاحت له أن يحدد العلاقة بين الدين من جهة وبين العلم أو ~~الفلسفة (وهما في أساسهما شيء واحد عند سبنسر) من جهة أخرى، وكان ~~من رأيه أن فكرة عدم قابلية المطلق لأن يعرف لها قيمة إيجابية، هي ~~أنها تبين الطريقة التي يمكن بها وضع حد للخلاف القديم العهد بين ~~قوى العلم أو الفلسفة والدين. فذلك الذي يعترف به العلم أو ~~الفلسفة، ويحترمه، بوصفه لا معروفا، هو نفسه الذي يتجه نحوه الوعي ~~الديني، فهو في الحالتين موضوع واحد ينظر إليه من وجهات نظر ~~مختلفة، فمجال الفلسفة هو مجال ما يمكن أن يعرف، ومجال الدين هو ~~اللامعروف، ولا محل للخلاف بينهما طالما أن كلا منهما يلتزم ~~حدوده الخاصة. # وليس هنا مجال الدخول في تفصيلات مذهب سبنسر، والانتقال ms091 من طابق ~~إلى طابق، ومن حجرة إلى حجرة، خلال هذا البناء الهائل، وحسبنا أن ~~نشير إليه بضع إشارات موجزة، وقد أرسى سبنسر أسس هذا المذهب في ~~كتابه «المبادئ الأولى»، فوضع خطا فاصلا بين ما يمكن أن يعرف ~~وما لا يمكن أن يعرف، وعرف الوظيفة العامة للفلسفة، وصاغ المبدأ ~~العام للتطور وهو لا يمضي أبعد من ذلك في مناقشة المسائل المنطقية ~~والمنهجية والمعرفية، وإنما ينتقل مباشرة إلى اختبار المبدأ ~~الأساسي في المجالات الواسعة للتجربة؛ ذلك لأنه لم يكن يعبأ كثيرا ~~بمشكلات الفكر الخالص. حقا لقد كانت لديه موهبة فذة على التفكير ~~المجرد، غير أنه لم يكن يمارسها إلا عندما يكون لديه حشد ضخم من ~~المواد التجريبية التي يريد بحثها، وهو لم يفكر قط في كتابة بحث ~~خاص في المنطق؛ إذ إن دراسة هذا الفرع من وجهة النظر التطورية كانت ~~كفيلة بأن توصف منذ البداية بأنها عقيمة لا جدوى منها، غير أنه حدد ~~موقفه من الحرب التي كانت ناشبة في أيامه بين هاملتن ومل حول تغليب ~~الأولية # apriorism # أو ~~التجريبية، وحول مسألة ما إذا كانت كل معرفة لنا ترتكز على التجربة ~~الفردية، أم أن هناك أية مبادئ أساسية تتكشف بالضرورة العقلية أو ~~بالوضوح الذاتي على أنها مستقلة عن كل تجربة فردية. فسبنسر يمضي مع ~~أنصار الأولية إلى حد التسليم بوجود مثل هذه المبادئ التي هي ~~ضرورية بمعنى أنه من المحال تصور ما يناقضها، وأنه من الواجب ~~بالتالي أن ينظر إليها على سمات فطرية للذهن الفردي، غير أنه ~~يستحيل عليها أن تكون مستقلة عن كل تجربة بوجه عام، فالذهن الفردي ~~يرث منذ البداية تلك التجربة (أو الخبرة) المتراكمة من الخط الطويل ~~من أسلافه، ويحاول سبنسر أن يثبت على أسس منتمية إلى مجال ~~علم الأعصاب # Neurological # أن ~~هذه التجربة العنصرية تكون المعرفة الأصلية لذلك الذهن. فما يسمى ~~بالحقائق الأولية قد تطور خلال تجربة الجنس البشري، ولم يعد بذلك ~~«أوليا» إلا بالنسبة إلى الفرد. ومن الواضح أن سبنسر يزيف في هذا ~~العدد المعنى الصحيح للأولية؛ ms092 فهو لم يوفق بين العقلية والتجريبية، ~~وإنما اكتفى بتصحيح الصورة المتطرفة التجريبية كما تتمثل لدى مل ~~على الأرجح. غير أن الميل إلى التوفيق ظل مميزا له، ولقد لاحظنا ~~هذا الميل من قبل في محاولته التوفيق بين الدين والعلم، كما أنه ~~يتمثل في سياقات أخرى غير هذه، ومع ذلك فهذا الميل لا يسفر في ~~معظم الأحوال عن حلول حاسمة، وإنما يسفر عن حلول وسطى. وكان ~~سلوكه هذا السبيل هو الذي أدى إلى تلك التجريدات الغامضة الهزيلة، ~~وتلك التعميمات الجافة الجامدة، وتلك الإطارات العقيمة، التي ~~نصادفها في كل خطوة من كتاباته، والتي تشعرنا مرارا وتكرارا بأن ~~فلسفة سبنسر ليست من عمل إنسان حي وإنما من عمل آلة ~~مفكرة. # ولما كان اهتمامه الأساسي قد انصب على الميادين العملية ~~للمعرفة، فقد اختار مجالات علم الحياة وعلم النفس وعلم الاجتماع ~~وعلم الأخلاق لكي ينظمها في مذهب واحد بواسطة مبدأ التطور، وحذف ~~العالم غير العضوي (وإن تكن خطته العامة بطبيعة الحال تتضمن إدراجه ~~ضمن موضوعات بحثه)، ولم يتعرض لمشاكله إلا لماما، كما فعل مثلا ~~في رسالة كتبها عام 1858 عن الفرض السديمي. وهكذا فإن مذهبه، على ~~ضخامته، يظل بدون مبادئ الفيزياء والكيمياء أشبه بجسد بلا رأس، وقد ~~وضعت أسسه على نطاق أوسع من أن يقدر على الاضطلاع به رجل ~~واحد. # ولقد كرس سبنسر أعظم اهتمامه وأقصى جهوده لعلم الاجتماع، ويشمل ~~المؤلف الذي عالجه فيه ثلاثة مجلدات كبيرة، ومع ذلك فهو عمل لم ~~يتم، إذا حكمنا عليه في ضوء البرنامج الذي وضعه لنفسه، وكان هدفه ~~هو إثبات أن النمو الاجتماعي ليس إلا مرحلة للعملية التطورية ~~الكونية، وهي مرحلة تشبه المرحلة العضوية إلى أقصى حد، فالمجتمع، ~~مثله مثل الفرد، هو ناتج عن نمو عضوي، وإن يكن سبنسر يسمى هذا ~~النمو «فوق العضوي» لأنه من مرتبة أعلى. ويتوقف تقدم الحياة ~~الاجتماعية، مثلما يتوقف تقدم الحياة العضوية، على تزايد قدرة ~~المجتمع على التكيف مع الظروف الطبيعية والبيئة الاجتماعية، ويتم ~~هذا التكيف إيجابيا عن طريق التقاليد والوراثة، وسلبيا عن طريق ~~زوال ms093 المجتمعات التي لم تتكيف كما ينبغي، وهنا يؤكد سبنسر أهمية ~~مبدأ الانتقاء الدارويني، كما فعل في المواضع الأخرى من مذهبه. ~~وبهذه المناسبة، فقد كان سبنسر هو الذي قابل الشعار المعروف: ~~«الصراع من أجل البقاء»، بشعار آخر لا يقل عنه شهرة، وهو «البقاء ~~للأصلح». وهكذا أعاد سبنسر قانون دارون المتعلق بالحياة الحيوانية ~~إلى مجال الحياة البشرية، وهو المجال الذي كان قد أوحى لمالتوس ~~بهذا القانون في البداية، وقد تأيد في هذا المجال عامل التوزع أو ~~التفاضل # differentiation ~~، فقد ~~رأى فيه المعيار الصحيح لقياس درجة النمو أو التحضر التي يبلغها أي ~~كائن اجتماعي معين، فكلما كان التنوع أقوى في مجتمع ما، كان ذلك ~~المجتمع أرقى في سلم التطور، أي كان أقوى مركزا من المجتمعات ~~المنافسة له في الصراع من أجل البقاء. ويسير التخطيط الذي رسمه ~~سبنسر لمجرى التطور التاريخي في نفس الطريق، فهو يضع، مثل كونت، ~~قانونا ذا مراحل ثلاث؛ حالة بدائية تختلط فيها عدة أنماط اجتماعية ~~دون تمييز، ثم نمط عسكري من المجتمع يرتكز على القوة، وأخيرا ~~يظهر ببطء من هذا المجتمع، عن طريق عدة مراحل وسطى (أو ~~«تفرعات # Varieties ~~» بالمعنى ~~البيولوجي)، النمط الأكثر تحررا من المجتمع، وهو الذي يتمثل في ~~الدولة الصناعية والتجارية الحديثة. وهكذا فإن عصر سبنسر ~~الخاص - عصر مذهب المسلك الحر (الحريين) والصناعة، والتكنولوجيا، ~~والعلم والتجارة العالمية، والتنافس السلمي بين الدول - كان ~~بالنسبة إليه قمة تقدم البشرية، وقد كان يدافع في كل مجال عن ترك ~~القوى تتبارى بحرية، وعن مبدأ «دعه يعمل # Laissez-Faire ~~» في السياسة والتجارة والتعليم، وينفر ~~من كل استخدام للقوة في الدولة، ومن كل طغيان ونزعة عسكرية، ومن كل ~~سيطرة في الأذهان وقمع للرأي الحر، ومن التعصب الكنسي، وكل ما ~~يماثل ذلك. ولقد كان في ذلك كله يعكس بدقة المثل العليا للقرن ~~الماضي، بنزعته التحررية والفردية، وتقدمه المذهل، وحريته الوهمية، ~~وإيمانه الذي لا يقدر بالعلم، وعدم اكتراثه بالدين؛ وهي كلها صفات ~~تحمل بوضوح طابع عصر التنوير الذي يرجع أصلها إليه. # وقد وجه سبنسر مذهبه بفلسفة أخلاقية ms094 استهدف فيها جمع كل ~~الخيوط الفكرية السابقة سويا، وكان على مبادئه أن تكشف عن ~~حقيقتها في معالجة سلوك الإنسان والأفكار الأخلاقية لمختلف الشعوب ~~والأزمنة، وقبل ذلك كله، في تحديد ما ينبغي أن تكون عليه غايات ~~الفعل الأخلاقي وقوانينه، كما كان ينبغي على المجال الأخلاقي أن ~~يثبت أنه يكشف عن انتظام قانون التطور. # ولقد كان هذا هو الأساس الذي بنيت عليه كل النظريات الأخلاقية ~~التطورية المتعددة التي ظهرت بعد نظرية سبنسر. ولكن على الرغم من ~~مبدئه الجديد هذا، فلا يمكن القول إنه أحدث أي تغير حقيقي في مجال ~~النظريات الأخلاقية؛ فقد كان من الطبيعي أن يتمشى مذهبه الأخلاقي ~~الخاص مع المذاهب التجريبية الإنجليزية السابقة عليه. وقد قبل ~~المبادئ الأساسية لمذهب اللذة النفعي، ونسج داخل إطارها نظريته ~~التطورية الخاصة، مثال ذلك قوله إن السلوك المؤدي إلى أعظم قدر من ~~السعادة هو ذلك الذي ينطوي على أعظم قدر من التقدم والنهوض ~~بالحياة، وهو الأصلح لتحقيق غايتها، والذي يؤدي على مستوى تطوري ~~أعلى. ولقد أوحت فكرة وجود مستويات متعددة للنمو إلى سبنسر ~~بالتمييز بين الأخلاق النسبية والأخلاق المطلقة، فلا يمكن أن ~~تحقق المثل الأخلاقية العليا تحققا كاملا إلا في أعلى ~~المستويات، وهو يتصور هذا المستوى الأعلى على أنه حالة لا تحدث إلا ~~في مدينة فاضلة خيالية، يختفي فيها كل تعارض بين المصالح ~~الفردية، ويحل محله انسجام يبلغ من الكمال حدا لا يوجد معه مجال ~~حتى للاختيار بين الخير والشر، ففيها يرفع التضاد بين الأنانية ~~والغيرية. # ولا يمكن أن تحدث هذه الحالة إلا بتكيف الفرد تكيفا كاملا مع ~~بيئته، ولنلاحظ أخيرا أن سبنسر قد لعب في الأخلاق، كما لعب في ~~نظرية المعرفة، دوره التقليدي في التوفيق بين أطراف النزاع، فحاول ~~أن يزيل الخلاف بين الأخلاق الحدسية والأخلاق التجريبية بأن قال ~~بوجود قوانين أخلاقية تعد أولية بالنسبة إلى الفرد، ولكنها ~~اكتسبت خلال النضال الطويل الأمد، الجنس البشري، وهو هنا يزيف - ~~كما فعل من قبل - المعنى الباطن «للأولية»، ويظل ملتزما حدود ~~الموقف التجريبي. # ولكن على الرغم من ms095 أن مذهب سبنسر الأخلاقي قد قصد منه أن يقدم ~~الدليل النهائي على صحة مبدأ التطور، فقد ختم سبنسر هذا الجزء من ~~مذهبه باعتراف قال فيه إنه لم يجد مبدأه العام مثمرا إلى الحد ~~الذي كان يتوقعه من قبل. وكان ذلك هو الموضع الوحيد الذي لمح فيه ~~إلى الشك في قابلية هذا المبدأ للتطبيق الشامل، وباستثناء هذه ~~الحالة الوحيدة، لم يطرأ على مذهبه أبدا «ذلك الوهن الذي يبعث ~~قناعا شاحبا» من الشك فقد كتب وهو مقتنع - عن ثقة تامة - بأنه ~~يحمل معه مفتاح جميع المشاكل الفلسفية، وكل ألغاز الكون. ولكن ~~الواقع أنه كان في حاجة إلى كل ذرة من هذا اليقين المتعصب لكي ~~يقرر أن يأخذ على عاتقه وينفذ مثل هذه المهمة الضخمة، أعني ~~فلسفته التركيبية، التي لا يملك من يشكون فيها، أو حتى من يرونها ~~باطلة من أساسها، إلا أن يبدوا الإعجاب بها. # وليس من مهمتنا في هذا المجال تتبع مجرى المذهب التطوري بعد ~~دارون وسبنسر في جميع مراحله وتنوعاته، بل إن كل ما نستطيع القيام ~~به هو إيضاح لقوته ومجاله، كما يظهران لدى بعض من أشهر ممثليه، فقد ~~كان معظم من ناصروا الفكرة الجديدة وتوسعوا فيها من العلماء، أما ~~الفلاسفة المحترفون - ولا سيما أصحاب الكراسي الجامعية - فقد ظل ~~معظمهم بمعزل عنها، وساروا في طرق أخرى، وربما كانت أهم شخصية في ~~الفئة الأولى، وأشد أنصار النظرة الجديدة إلى الكون تحمسا، هو ~~توماس هنري ~~هكسلي # T. H. Huxley ~~(1825-1895) كان هكسلي عالما بارزا في ~~علم الحيوان، كما كان من أبرز الشخصيات في الحياة العقلية بالعصر ~~الفكتوري. وبفضل التقدير الذي اكتسبه بقوة شخصيته، وشدة إصراره، ~~وقوة أسلوبه وتحمسه، وطريقته الموفقة في صياغة التعبيرات والصيغ، ~~نجح هكسلي في تحويل أفكار دارون إلى عملة جارية تتداول في كل ركن ~~من أركان المجتمع. ولكن ذهنه كان أكثر استقلالا من أن يقتفي أثر ~~دارون أو سبنسر أو أي شخص غيرهما دون تمييز؛ إذ كان يطبع شخصيته ~~الخاصة على كل ما يقتبسه، فهو حقا قد أقر رأي ms096 دارون في الصراع ~~من أجل البقاء، غير أنه كان متشككا في قانون التكيف مع البيئة، ~~وبالتالي في فكرة الانتقاء الطبيعي. أما في ميدان الفلسفة - الذي ~~كان كثيرا ما يطرقه، # 7 # فقد ربط ربطا وثيقا بين المذهب التطوري والتراث ~~القديم بالرجوع إلى هيوم «أمير اللاأدريين» كما أسماه، وهو ~~الفيلسوف الذي كان يتفق معه في موقفه العام، وفي بعض التفاصيل، ولا ~~سيما في فكرة هيوم الرئيسية القائلة إن كل معرفة حقيقية تقتصر على ~~عالم التجربة، ومن هنا كان عداؤه للميتافيزيقا وكانت «لا أدريته # agnosticism ~~»، وهو لفظ نحته ~~هكسلي وسرعان ما انتشر انتشارا واسعا. كذلك كان مثل هيوم، يتصف ~~بقدر غير قليل من التشكك بطبيعته وهي صفة ترتبط بمثل هذا الذهن ~~المرن الذي ارتفع فوق النزعة القطعية الصارمة عند سبنسر. # ومع ذلك فقد افترق هكسلي في نواح متعددة عن هيوم؛ ذلك لأنه حين ~~حمل تفكير هذا الأخير من الدقة أكثر مما يحتمل، قد ارتد إلى النزعة ~~القطعية أو اقترب منها إلى حد الخطورة، وكانت إثارته لذلك السؤال ~~الذي يتعارض مع تفكير هيوم تعارضا أساسيا، وأعني به السؤال عن ~~أصل الانطباعات الحسية، مؤدية إلى إعطاء المذهب الظاهري أساسا ~~فسيولوجيا، وبالتالي ماديا، فأعلن أن كل الحالات أو الحوادث ~~الذهنية إنما هي نتائج لعلل بدنية، بحيث يمكننا أن نفهم أصلها ~~وطريقة عملها بدراسة تغيرات الجهاز العصبي، ولم يكن يجد غضاضة في ~~استخدام تعبيرات مادية صريحة، حتى كان يتحدث أحيانا بلغة ~~«كابانس # Cabanis ~~» وغيره من ~~الفلاسفة الماديين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان هو ~~أول من وصف الذهن بأنه «ظاهرة ~~ثانوية # epiphenomenon ~~»، أي ناتجا ظاهريا للمخ. # ونتيجة لمثل هذه التعبيرات وغيرها من التعبيرات الصريحة، وصف ~~تفكير هكسلي بالفعل بأنه مادي، غير أنه هو ذاته كان يحتج على أية ~~تسمية كهذه، وحاول أن يبين وجهة النظر التي تشير إليها مثل هذه ~~التعبيرات ليست نهائية، وينبغي ألا تعد ملزمة من الوجهة ~~الميتافيزيقية، بل يجب أن ينظر إليها على أنها نقطة انطلاق ~~البحث العلمي في الطبيعة، التي تكون وجهة ms097 النظر هذه أساسية لها، ~~بوصفها فرضا عمليا. وقد ذهب إلى أن وجهة النظر هذه لا تحوي ما ~~يتناقض مع أكثر المذاهب المثالية تطرفا، بل رأى أنه كلما زاد ~~استعدادنا لقبول الموقف المادي، كان من الأسهل الدفاع عن ضرورة ~~المثالية. وهكذا دفع هكسلي بنفسه إلى مأزق لم يكن في وسع طريقته في ~~التفكير أن تخلصه منه؛ فحاول نتيجة لذلك أن يجد لنفسه ملاذا في ~~اللاأدرية، وقال إن المادية لا تقبل البرهنة عليها، وكذلك الحال في ~~المثالية لنفس الأسباب. والمذهبان معا إنما هما القطبان المتضادان ~~للموقف الممتنع الذي يفترض فيه إمكان معرفة شيء عن الطبيعة ~~الأساسية لشيء ما، سواء أكان هذا الشيء مادة أم ذهنا، فلا مفر ~~للعلم الطبيعي من التسليم بوجود العالم المادي، وما يتبع ذلك من ~~تأكيد الأولوية الواقع المحسوس، أما في الفلسفة فينبغي أن يكون ذلك ~~العالم احتماليا دائما؛ إذ إن الحقيقة الأولى فيها هي الوعي، ~~بحيث لا يمكنها أن تتصور المادة لا ظاهريا، بوصفها شيئا معطى ~~للوعي في الوعي ذاته. ولقد كان هكسلي في هذا الصدد في شقاق مع ~~نفسه، فعندما كانت تغلب عليه صفة الفيلسوف، كان يتحدث كما لو كان ~~باركلي هو الذي يتحدث، وعندما كانت صفة العالم هي التي ترجح كفتها، ~~كان يتحدث كأنه مادي. ولكي يتخلص من هذا المأزق، اتخذ لنفسه رداء ~~الشك، وكان يستمتع بهذه الصفة أو الحالة الذهنية أكثر مما يستمتع ~~بغيرها، بحيث أخضع لاختباره كل الفلسفات دون أن يلتزم بواحدة منها، ~~مستخدما إحداها تارة والأخرى تارة أخرى، حسبما يلائم موقفه. ~~وكانت اللاأدرية عنده، على خلاف ما كانت عند سبنسر، قريبة بالفعل ~~من نزعة الشك، ولم تكن تعني حكما سلبيا، بل كانت تعني الامتناع ~~عن الحكم أصلا في الأمور النهائية. وعلى الرغم من كل هذا، فقد كان ~~في هكسلي أكثر من هذه اللاأدرية؛ إذ إن طبيعته التي كانت إيجابية ~~في أساسها، كانت تثور، إن عاجلا أو آجلا، على هذا الانطلاق ~~الفكري بين المواقف المختلفة، وتدفعه إلى إصدار تأكيدات فلسفية ~~محددة. # ولقد أسهم هكسلي ms098 بإضافة ~~قيمة إلى النظرية الأخلاقية التطورية، وذلك في محاضرة «رومانس # Romanes ~~» المشهورة التي ألقاها عام ~~1893 بعنوان «التطور والأخلاق»، وهنا أيضا سار في طريقه الخاص، ~~وافترق في بضع نواح عن الآراء التطورية الشائعة، فعلى حين أنه ~~وافق على أن قانون التطور يسري على مجال الفعل الأخلاقي كما يسري ~~على كل المجالات الأخرى، فقد ذهب إلى أنه يتحقق في المجال الأخلاقي ~~على نحو مختلف تماما، فعالم الطبيعة يحكمه صراع رهيب من أجل ~~البقاء، يحارب فيه الكل ضد الكل ويغلب فيه حب الذات على التعاون، ~~وينتصر القمع القاسي على التعاطف والشفقة. أما الحياة الاجتماعية ~~للإنسان فيظهر فيها - على الرغم من كونها ذات أصل طبيعي، ورغم ضغط ~~القوى الطبيعية - عالم فريد في نوعه، عالم فيه قوانينه المطردة ~~ومعاييره الخاصة. وهكذا فإن حياة الإنسان الأخلاقية إنما هي تفنيد ~~صريح للمبدأ الطبيعي؛ مبدأ الصراع الذي لا يرحم في سبيل المنافسة، ~~وهي أبعد الأمور عن أن تكون تعبيرا آخر عنه. وبهذا التأكيد ~~للاستقلال الذاتي الفريد للنظام الأخلاقي الذي يظهر مع المجتمع، ~~حرر هكسلي الأخلاق التطورية من قيود المذهب الطبيعي، ومهد الطريق ~~لمثالية أخلاقية، وهي مثالية وجدت أجمل تعبير عنها في دفاع هكسلي ~~نفسه عن كرامة الإنسان الأخلاقية، وفي اللغة الرفيعة التي تحدث ~~وكتب بها عنها، وفي الطابع النبيل الذي ساد نظرته إلى الحياة ~~البشرية. # أما «جون تندول # John Tyndall ~~» ~~(1820-1893) فكانت تجمعه بهكسلي صلة الصداقة الشخصية، فضلا عن ~~الأهداف العلمية المشتركة، وكان اهتمامه بالفلسفة أقل وضوحا من ~~اهتمام هكسلي بها، ولكنه بدوره كرس جزءا كبيرا من محاضراته ~~وكتاباته لينشر ويذيع الأفكار العلمية الجديدة، ولا سيما فكرة ~~التطور، وله محاضرة مشهورة # 8 # اعترف فيها بأنه مادي، وأثارت ضجة كبرى، وجعلته فترة ~~ما مركزا للاهتمام الفلسفي، غير أن رأيه في طبيعة المادة يختلف ~~تماما عن الرأي الشائع، بل يختلف عن الرأي العلمي الأدق من هذا ~~الأخير. صحيح أنه اعترف بأن المادة كما تعرفها الفيزياء لا يمكن أن ~~تكون قد ولدت الكون كما نعرفه، غير أنه كان يؤمن بأن ms099 كل تركيب ~~ونشاط في العالم، سواء أكان ذهنيا أم ماديا، حتى نشاطنا في ~~الأخلاق والفن والعلم، هو في الحقيقة كامن، وكأنه في بذرة في النار ~~الأولية للشمس. # أما بالنسبة إلى العلوم غير ~~العضوية، التي كانت هي مجال تخصص «تندول»، فإن فكرة التطور لم تكن ~~تنفع كثيرا؛ فعلينا أن نعود إلى المجال البشري إذا شئنا أن نقدر ~~قيمة الاتجاه الفكري الجديد تقديرا صحيحا، ولقد أجرى السير فرانسس جولتن # Sir Francis Galton # 9 ~~(1822-1911) أبحاثه الهامة وهو متأثر مباشرة بدارون، ~~الذي كانت تربطه به صلة قرابة وثيقة، وأهم ما اشتهر به جولتن هو ~~أنه مؤسس علم تحسين السلالات # Eugenics # وهو العلم الذي يرى أن ذلك الانتقاء ~~الصالح والقضاء على غير الصالح، وهو الانتقاء الذي يحدث آليا في ~~الطبيعة، ينبغي أن يتم بطريقة متعمدة منظمة في المجتمع البشري. ~~ولقد كانت أعمال جولتن المتنوعة، وهي تشمل أبحاثا في الإثنولوجيا ~~والأنثروبولوجيا، ودراسات في الوراثة البشرية، وفي عمى الألوان، ~~وفي الصور العامة وبصمات الأصابع، وتطبيقه للمناهج الإحصائية على ~~دراسة الإنسان؛ كل هذه كانت تستهدف معالجة المشكلات العملية ~~المتعلقة بتحسين الجنس عن طريق التحكم الواعي في المعاشرة ~~والتناسل، وأن حركة تحسين النسل، التي ثبتت أقدامها في بلدان ~~متعددة، إنما تدين له بمثلها العليا وبكثير من مناهجها، ولقد كان ~~تلميذه الأكبر في إنجلترا، والمكمل لرسالته (ومؤرخ حياته أيضا)، ~~هو كارل بيرسن # Karl Pearson # الذي ~~ينبغي أن نتحدث عنه بمزيد من التفصيل، نظرا إلى أنه قد انتقل من ~~العلم إلى الفلسفة. # فقد كان كارل بيرسن (1857-1936) # 10 # هو أكثر الناس تحمسا للتوسع في النظرة العلمية بحيث ~~تمتد إلى المسائل الفلسفية، وأشد ممثلي هذا الاتجاه تعصبا، ولقد ~~كان عالما مرموقا في ميادين متعددة متصلة، فقدم مساهمات رائدة ~~في تطبيق الرياضيات على علم الحياة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. ~~وترجع أهميته الكبرى من وجهة نظرنا إلى كتابه المشهور ذي التأثير ~~البالغ وهو كتاب «قواعد ~~العلم # The Grammar of Science ~~» (1892، الطبعة الثالثة 1911، طبعة جديدة ~~رخيصة 1937) الذي صاغ فيه المثل العلمي الأعلى للمعرفة، كما كان ms100 ~~سائدا في أيامه، صياغة كلاسيكية، ومجد الروح الكامنة من ورائه، ~~والأعمال التي جعلته ممكنا، وأعرب بوضوح عن اقتناعه بأن العلم قد ~~كتب له أن يخدم ثقافة المستقبل ويشكلها. # والهدف من هذا الكتاب هو دراسة المفاهيم الأساسية للعلم الحديث. ~~وهكذا يتخذ بيرسن من المباحث الرياضية الفيزيائية أنموذجا للعلم، ~~وأكد بناء على ذلك أن الطبيعة الأساسية للعلم لا تكون في التفسير ~~وإنما في الوصف، ولا تكون في الإجابة عن السؤال «لماذا تكون ~~الأشياء؟» وإنما في الإجابة عن السؤال «كيف تكون الأشياء؟» وفضلا ~~عن ذلك فإن غاية العلم هي القيام بهذا العمل بالنسبة إلى كل شيء، ~~فلا شيء يقع خارج نطاقه، ولكن لما كان من المستحيل فهم الأشياء في ~~كليتها الشاملة، فإن العلم يضطر إلى الالتجاء إلى نوع من الاختزال ~~التصوري # Conceptual ~~، ويصطنع ~~رموزا وصيغا وقوانين، ويتمكن بفضل هذه من فهم الواقع ووصفه ~~بطريقة مختصرة. وبعبارة أخرى فالإلكترون مثلا ينبغي ألا يعد ~~حقيقيا من الوجهة التجريبية وإنما هو مجرد رمز أو تعبير اختزالي ~~يبتدعه خيال العالم، ويمكن بالتالي طرحه جانبا كلما ثبت عدم ~~كفايته لوصف الوقائع المتعلقة به. وفضلا عن ذلك فالعلم لا يضع ~~النظريات حبا في النظريات، وإنما هو عملي في أساسه، وهو من أهم ~~ما في متناول أيدينا من الوسائل لتكييف أنفسنا مع بيئتنا والنجاح ~~في صراعنا من أجل البقاء. واستهدافه هذه الغاية العملية هو ذاته ~~الذي يجعله يسعى إلى تحصيل أكبر قدر من المعرفة بأبسط الوسائل، ~~طبقا لقانون الحد الأدنى من المقاومة. ولهذا السبب بعينه يرفض ~~العلم كل المسلمات الباطلة المتعصبة، بحيث إن من مهامه الرئيسية ~~تحرير الفكر من الأوهام التي كدستها عليه الخرافة والجهالة على ~~مر القرون. وهكذا فإنه يحمل على اللاهوت والميتافيزيقا من أساسهما ~~وبكل ما فيهما. أما الفلسفة، فبقدر ما يكون لها أي حق في المطالبة ~~بمجرد الوجود، فإنها تنحل إلى العلم حسب تعريفه المذكور من قبل، ~~ولا يمكن أن يصبح لها مجال خاص بها إلا بقدر ما ينظر إليها ~~تاريخيا على أنها مرحلة من مراحل النمو ms101 العقلي للإنسان. # غير أن على العلم بدوره أن يقوم - في مجاله الخاص - بعملية تطهير ~~فعليه أن يستبعد من مجاله كل ما لا يتمشى مع طبيعته من حيث هو وصف ~~وتنظيم وتصنيف، وهذا يعني أن عليه أن يتخلص من أفكار العلية ~~والقوة المادية، التي لا تعدو أن تكون أصناما مختبئة في زوايا ~~العلم حتى في أحدث صورة. فمقولة العلية ليست لها صورة فكرية، ولا ~~تدعمها التجربة، وإنما هي مجرد حد تصوري ابتدع لإرضاء حاجتنا إلى ~~الاقتصاد في التعبير. والقوة هي نوع من الحركة، وليست تفسيرا لها. ~~أما المادة فليست شيئا، أو ليست على أية حال شيئا معروفا، بحيث ~~لا تحتاج الفيزياء إلى فكرتها. ولقد شغل مكان كل هذه التصورات ~~بفكرة الحركة، التي يضعها العلم ولكنه لا يستطيع تفسيرها. وحسب ~~العلم أن تعطيه الحركة والدقائق الجسمية والمكان، وهي كلها أمور ~~يمكن قياسها بدقة، لكي يستطيع أن يقدم وصفا لكل ما يقع في نطاق ~~التجربة. # وهكذا كان موقف بيرسن تمجيدا متطرفا لقدرة العلم الشاملة، وهو ~~يسير في نفس الطريق الموروث مباشرة عن تجريبية هيوم ووضعية كونت، ~~وله مقابل دقيق في الجانب الفلسفي من تفكير «أرلست ماخ». ومما يدل ~~على إدراك ماخ لهذه القرابة الوثيقة بينهما، أنه أهدى كتابه ~~«تحليل الانطباعات ~~الحسية # Analyse der Empfindugen ~~» إلى بيرسن، تعبيرا عن شعور الزمالة ~~والتقدير. كذلك كانا يتفقان في الأساس المعرفي (الإبستمولوجي) ~~لنظريتهما في العلم. وهذا الأساس كغيره يرتد إلى هيوم، فالوقائع ~~التي يعالجها العلم ليست أشياء في ذاتها ذات طبيعة غامضة، بل هي ~~مجرد ظواهر الوعي، أي هي الإحساسات ومشتقاتها، التي لا توجد سواها ~~أية حقيقة أخرى. صحيح أننا نسقط جزءا من محتوى الوعي على مكان ~~خارجي، ونتحدث عنه بوصفه وقائع مادية، غير أن هذا الإسقاط لا ~~ينقلنا في الواقع إلى ما وراء الوعي، فما يسمى بالشيء الخارجي ليس ~~إلا تركيبا ذهنيا نتج عن ربط الانطباعات الحاضرة بالماضية. صحيح ~~أنه يجوز العلم أن يتجاوز الإحساسات الحاضرة، وأنه يفعل ذلك حقا ~~عن طريق تكوين فروض ووضع قوانين ms102 واستخلاص استدلالات وما إلى ذلك، ~~غير أن الإحساسات هي التي تتحكم في كل هذه التركيبات التصورية ~~الاصطناعية، وهي التي تضفي عليها أي معنى ممكن لها. فالذهن عند ~~بيرسن، كما هو عند ماخ، يشبه المحطة المركزية للهاتف (التليفون)؛ ~~إذ يتلقى الانطباعات الخارجية ويرتبها ويعيد توجيهها. ولكن ينبغي ~~علينا ألا نتطلع في الاستيطان، كما في الإدراك الحسي، إلى ما وراء ~~الإحساسات والصور والمفاهيم المستمدة منها؛ فليس ثمة نفس أو أي شيء ~~يشبهها متميز عن المحتويات التي يكون لدينا بها وعي، وما الذهن إلا ~~مجموع انطباعاته وأفكاره. وهكذا يظهر بوضوح أن نظرية المعرفة عند ~~بيرسن مماثلة تماما لنظرية هيوم ومل وماخ. # ولقد مضى بيرسن في امتداحه للروح العلمية إلى حد التمجيد المفرط، ~~فرسالة العلم الحديث ذاتها هي احترام ذلك الإله الذي لدينا به وحده ~~يقين مؤكد، أعني الروح البشرية، وما الدين إلا خدمة قضية العلم، ~~وما التقديس إلا تأمل ما أنجزه العقل البشري، وأن مكتشفي الحقيقة ~~لهم القديسون والصالحون بحق، ولن يقول أحد في المستقبل إنني مؤمن ~~لأن موضوع إيماني ممتنع، بل سيقال «أومن لأنني أفهم.» وهكذا فإن ~~بيرسن، مثل كونت، يؤله العلم، وموقفه هو موقف عصر التنوير، وكل ~~ما في الأمر أنه ظهر في غير الأوان، أي متأخرا عن وقته بمائة ~~عام. # ومثل هذا يمكن أن يقال عن ~~تفكيره الأخلاقي # 11 # الذي يجعل من التقدم في المعرفة العلمية سمة رئيسية ~~لكل محاولة للاقتراب من المثل الأخلاقي الأعلى. وكما أنه حمل على ~~الدين (كما يشيع فهمه) بوصفه ناتجا عن الخرافة، فهو كذلك قد وصم ~~الأخلاق المسيحية هنا بأنها نتيجة لشعور أعمى، فالأخلاق الحقة لا ~~صلة لها في نظره بالشعور، وإنما بالمعرفة وطلبها فحسب، وهو يؤيد ~~رأي سقراط القائل إن العارف وحده هو الذي يمكن أن يكون فاضلا. وهو ~~يضيف الاشتراكية إلى «أخلاق الفكر الحر» بوصفها تكملة سياسية لها، ~~وهو لا يعني بالاشتراكية ذلك النوع الثوري المرتبط بماركس، بل لا ~~يعني بها أساسا أي تغيير للنظام السياسي القائم على الإطلاق، ~~وإنما يعني بها ذلك ms103 التقدم المطرد البطيء للشخصية الأخلاقية، على ~~النحو الكفيل بأن يؤدي بكل فرد إلى إخضاع سلوكه لصالح المجتمع من ~~حيث هو كل. مثل هذه الاشتراكية تقتضي تحسين الجنس عن طريق أساليب ~~علم تحسين السلالات، وتحرير المرأة، وإلغاء المحرمات الجنسية (أي ~~«إباحة الحب»)، وحرية اختيار العمل، وحرية الفكر. ولقد كان في هذه ~~الأفكار يستبق، على نحو يدعو إلى الإعجاب، وهو لم يزل في العقد ~~التاسع من القرن الماضي؛ أفكارا ظهرت من بعده، وكان لا بد للقيام ~~بذلك من شخصية مثل بيرسن، تتصف بالقوة والجرأة، وتمتلئ ثقة بقدرة ~~العلم على كل شيء، وتؤمن إيمانا راسخا بحرية البحث، وتزدري ~~الحلول الوسطى، وتستخلص النتائج بجرأة حتى لو كان من شأنها أن تغضب معاصريه. # 12 # ولقد حدث تطبيق وتأييد آخر واسع المدى لمبدأ التطور في ميدان ~~خارج عن الفلسفة، ولكنه قريب من مجالها إلى الحد الذي يبرر ذكره في ~~هذا المجال، فمثلا قام السير ~~هنري مين # Sir H. Maine ~~(1822-1888)، الذي يمكن أن يعد ~~خليفة أوستن، # 13 # بإعطاء أساس جديد كل الجدة للتشريع التاريخي ~~والمقارن، وذلك في عدة مؤلفات كان لها تأثيرها الهائل، رتب فيها ~~وقائع التنظيم البدائي الاجتماعي والسياسي بوساطة هذا المبدأ، # 14 # وفي ميدان الاقتصاد والتاريخ الدستوري والعلوم ~~السياسية، وقام ولتر ~~بادجت # Walter Bagehot ~~(1826-1877) # 15 # بمجهود مماثل، ولما لم يكن دارسا منعزلا، بل كان من ~~رجال الأعمال والبنوك، فإن أفكاره كانت ذات وجهة علمية، وكان لها ~~بعض التأثير في هذا المجال. وهو يصف دينه لدارون ويعترف به في ~~العنوان الفرعي لكتابه «الفيزياء والسياسة»، وهو «أفكار عن تطبيق ~~مبدأي الانتقاء الطبيعي والوراثة على المجتمع السياسي»، وقد أثارت ~~مؤلفاته اهتمام دارون ذاته. # ولكن الميدان الذي اكتسبت فيه نظرية التطور أكبر قوة لها، خارج ~~نطاق علم الحياة والفلسفة، كان ميدان الأنثروبولوجيا، مثال ذلك أن ~~السير جون ~~لبوك # Sir John Lubbeck ~~(اللورد أيفبري # Avebury ~~، 1834-1913) كان داروينيا متحمسا، ~~ورأى أن الإنسان البدائي لم يكن يعرف الآلهة، وأن الدين تطور من ~~أشكال الوثنية المختلفة، كعبادة المسحورات، «الفتيش # fetishism ms104 ~~» ومنها إلى عبادة أصنام ~~الجدود «الطوطمية # Totemism ~~» ثم ~~عبادة الأوثان بوجه عام # idolatry ~~، ~~وغيرها من صور تعدد الآلهة، ومن هذه كلها إلى مرحلته التوحيدية ~~الراهنة. وحاول السير ~~إدوارد بيرنت تيلور # Sir Edward Burnett Tylor ~~(1832-1917) وهو أول أستاذ ~~للأنثروبولوجيا في أكسفورد، وأعظم حجة إنجليزي في هذا الفرع من ~~العلم خلال القرن التاسع عشر، أن يثبت أن الصور العليا للدين، ~~وكذلك الفلسفة، قد ظهرت من مذهب حيوية الطبيعة # Animism ~~، وكان خليفة تيلور هو السير جيمس فريزر # Sir James G. Frazer ~~(ولد سنة 1854)، وهو عميد علماء الأنثروبولوجيا الإنجليز الأحياء، # 16 # وقد ذاعت شهرته دوليا منذ وقت بعيد، وهو يرى أن ~~حياة الإنسان البدائي كان يحكمها السحر أكثر مما تحكمها المعتقدات ~~الخاصة بحيوية الطبيعة، ولما كان السحر يرمي إلى السيطرة على القوة ~~الطبيعية، فإنه أقرب إلى العلم منه إلى الدين، أما هذا الأخير فلم ~~يظهر إلا بعد وقت متأخر جدا، حين أهاب الناس بقوى أعلى بعد أن ~~بلغت قوى مداها، وحين حل الخوف والأمل والتفاؤل والتشاؤم محل ~~الرغبة في السيطرة. ويظهر استمرار تأثير سبنسر ودارون بوجه خاص في ~~عمل عالم أنثروبولوجي حي آخر، # 17 # وهو إدوارد ~~وسترمارك # Edward Westermarck ~~(ولد سنة 1862)، وهو فنلندي استقر ~~منذ وقت طويل في إنجلترا وأصبح أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة لندن ~~من سنة 1907 إلى سنة 1930، ومن كتبه المشهورة، «تاريخ الزواج ~~البشري # Hist. of Human Marriage ~~» (1891، الطبعة الخامسة في ثلاثة مجلدات ~~سنة 1921) وقد عالج مشكلات الأخلاق في كتابين، «أصل ~~الأفكار الأخلاقية وتطورها # The Origin and Development of the Moral Ideas ~~» (في مجلدين، ~~1906-1908، الطبعة الثانية 1912-1917) و«النسبية الأخلاقية # Ethical Relativity ~~» ~~(1932)، وتظهر في الكتابين نزعته التطورية بكل وضوح؛ إذ إن ~~معالجته للظواهر الأخلاقية من حيث نشأتها وتطورها تؤدي حتما إلى ~~النسبية الأخلاقية. وهو يرى أن كل المحاولات التي ترمي إلى ~~الاهتداء إلى أساس لصحة موضوعية مزعومة للأحكام الأخلاقية، ~~كمحاولتي المذهب العقلي والحدسي، تتعارض حتما مع حقائق التطور ~~الأخلاقي. وهو يرى مثل هيوم أن الانفعال، لا العقل، هو أصل الحكم ~~الأخلاقي ms105 والمتحكم فيه، والانفعال ذاتي قطعا. وقد حاول أن يتعقب ~~أصل الظروف الانفعالية لأحكامنا الأخلاقية التلقائية، بل والنظريات ~~الأخلاقية الأولية ذاتها كنظرية كانت. فالانفعالات الأخلاقية - ~~التي تتميز عن غير الأخلاقية بتنزهها وشمولها - تستمد كلها من ~~الاستحسان والاستهجان، بحيث يكون الأول هو أصل الانفعالات ~~الإيجابية، والثاني أصل الانفعالات السلبية (التي يدرج ضمنها ~~الشعور بالإلزام الخلقي). فالانفعالات دائما أسباب الأحكام ~~الأخلاقية لا نتائجها، وما المبادئ الأخلاقية إلا تعميمات لمثل هذه ~~الأحكام المشتقة، وفضلا عن ذلك فالانفعالات الأخلاقية ليست آخر ~~الأمر فردية، وإنما هي اجتماعية في طابعها وأصلها، وقد كان وستر ~~مارك يؤكد دائما ارتباط الأخلاق بعلم الاجتماع. # ولنعد من هذه التفرعات ~~للمذهب التطوري، وهي تفرعات خارجية إلى حد ما، إلى مظاهره ذات ~~الطابع الفلسفي الأوضح، فننتقل إلى جورج هنري لويس # George H. Lewes ~~(1817-1878)، الذي كان أهم ممثلي المذهب التطوري في المجال الفلسفي ~~بعد سبنسر، وكان ينتمي، بفضل ذهنه الرحب، إلى مجال الأدب بقدر ما ~~ينتمي إلى مجال الفلسفة، وهو معروف لدى جمهرة القراء بصلته ~~الرومانتيكية بجورج إليوت، وترجمته لحياة جيته (وهي ترجمة انتشرت ~~في ألمانيا على نطاق واسع) أكثر مما هو معروف بمؤلفاته الفلسفية، # 18 # ولقد كان في الفترة الأولى من حياته على الأخص واحدا ~~من أشد تلاميذ كونت الإنجليز تحمسا، ووجد في هذه الناحية، كما وجد ~~في غيرها من النواحي، تآلفا روحيا كاملا مع جورج إليوت، ولقد ~~كانت وجهة النظر الوضعية هي السائدة تماما في كتابه «تاريخ ~~الفلسفة»، وهو كتاب ليست له قيمة كبيرة بمعاييرنا الحالية، ولكن ~~إتقان كتابته أدى إلى ذيوع انتشاره إلى حد غير مألوف، بحيث كان هو ~~الذي أمد كثيرا من القراء الإنجليز بمعلوماتهم الوحيدة عن تاريخ ~~الفلسفة. وبهذه المناسبة، فقد كان هذا الكتاب من أوائل الكتب ~~العامة في تاريخ الفكر النظري باللغة الإنجليزية، وكان الهدف منه ~~كشف غرور كل تأمل ميتافيزيقي، فهو قد فرض حظرا على الجزء الأكبر ~~من المحاولات الفلسفية، وانتهى من ذلك إلى تحبيذ مذهب كونت بوصفه ~~قمة التفكير البشري، وقد تزايد تباعده فيما بعد ms106 عن مذهب كونت، ~~تأثر وقتا ما بسبنسر، ثم سار آخر الأمر في طريقه الخاص، ولكنه لم ~~يترك معسكر الوضعية فقط بصفة نهائية. # ولقد كانت فلسفة لويس - كما عرض الجزء الأكبر منها في كتابه ~~الأخير - تعبيرا أمينا عن ذهنه المرن المتفتح، ومعارفه التي كانت ~~واسعة إلى حد غير عادي، والتي اشتملت على مسائل بيولوجية ~~ونفسانية، فضلا عن المسائل الفلسفية، وهي تزخر بالأفكار، التي ~~يعد الكثير منها هاما، ولكنها في عمومها تفتقر إلى الاتساق ~~والإحكام، فمن الصعب أن يهتدي المرء إلى مبدأ جامع أو إطار مسيطر ~~عليها، وإنما يحس المرء بعد قراءته بأن لديه تفكيرا حيا خصيبا، ~~ولكنه يفتقر إلى الوضوح والنضج. ويؤكد لويس، كأي وضعي مخلص، أن ~~الفلسفة ينبغي أن تكون علمية، ولا يعني بذلك فقط أن عليها اتباع ~~مناهج العلوم الطبيعية، بل يعني أيضا أن عليها أن تقتصر على ما هو ~~تجريبي بوصفه هو وحده القابل لأن يعرف. ولقد كان هو الذي نحت لفظ ~~«ما بعد التجريبي # metempirical ~~» ~~ليدل به على ما هو موجود، أو يفترض أنه موجود، من وراء التجربة، ~~وكما بين شادورث ~~هدجسن # Shadworth Hodgson ~~، # 19 # فإن لويس لا يوضح إن كان ينكر وجود ما بعد التجربة، أم ~~ينكر فقط قابليته للمعرفة أم كليهما معا، ويبدو على وجه الإجمال ~~أنه يعترف بوجوده فحسب. ومهما انكشف للحدس وللإيمان من هذا المجال، ~~فإنه لا يمكن أن يكون - بالنسبة إلى المعرفة في معناها الوضعي - ~~إلا تصورا سلبيا حديا. وقد ترك لويس آخر الأمر مجالا ~~للمشكلات الميتافيزيقية في الفلسفة، ولكنه اشترط أن تعالج وتحل ~~بروح علمية دقيقة؛ فالفلسفة في نظره، كما هي في نظر سبنسر، هي ~~العلم الذي ينتقل إلى أعلى التجريدات وأوسع التعميمات. # وفيما عدا ذلك، فقد كانت معظم أبحاث لويس ذات طابع فسيولوجي ~~ونفساني، وهذه بدورها حافلة بالأفكار المثيرة، التي ترتفع في أحيان ~~غير قليلة إلى مستوى التبصر العبقري، ولكنها ظلت كلها عقيمة لأنها ~~اختبأت وسط حشد من الأفكار المختلطة التي تفتقر إلى الاتزان ~~والوضوح. ومن أفكاره الجديدة ، التمييز بين ms107 نوع الظاهرة الذي يتبدى ~~بوصفه تجديدا خالصا بالنسبة إلى سوابقه، وبين النوع الذي لا يمكن ~~فهمه تماما من خلال خصائص أجزائه المكونة، وكان لويس أول من ~~أطلق على الفئة الأولى اسم الظواهر الطافرة # emergent ~~، بينما أسمى الفئة الثانية ~~ب«الناتجة # resultant ~~»، وهو ~~هنا قد استبق «فلسفة ~~الطفرة # emergent Phil. ~~» عند لويد مورجان وألكسندر، وإن لم يكن من ~~المؤكد إن كانت ثمة أي استمرار منه إليها، أي تأثير مباشر أو غير ~~مباشر له فيهما. # ولقد كان تفكير لويس ينتمي في أساسه إلى عصر كونت ومل، ولم يتأثر ~~بأفكار دارون وسبنسر إلا قليلا. أما الجيل التالي من المفكرين ~~الذين ولدوا في العقدين الرابع والخامس من القرن التاسع عشر، ~~فقد طغت عليهم موجة المذهب الجديد، في السن التي كانوا فيها أشد ~~تعرضا للتأثر بآراء الغير، ولكنه لم يؤثر إلا في القليلين بمثل ~~العمق الذي أثر به في وليام كنجدن كليفورد # William Kingdon Cilfford ~~(1845-1879)، الذي شغل منذ ~~عام 1871 حتى موته المبكر منصب أستاذ الرياضيات في الكلية الجامعية ~~(يونيفرستي كوليدج) بلندن. # كان كليفورد شخصية فريدة ذات موهبة عقلية لامعة، وكان سابقا ~~لسنه ضليعا في ميادين عديدة، تشع العبقرية منه، وكانت له ~~القدرة على التحمس وإثارته لدى الغير، كما كان له على الناس سحر ~~غريب، ولكن ذلك اقترن لديه بجرأة لا ضابط لها، وبنوع من الإفراط ~~والإغراب؛ فإذا بالنتيجة شخصية حافلة بالمتناقضات كانت تسير نحو ~~استهلاك ذاتها، ولقد كان فيه عرق بروميتي، وكان يتصف بالكثير مما ~~يذكرنا بمعاصره الألماني نيتشه. والحق أنه ما من شيء يؤكد مدى خروج ~~شخصية كليفورد عن المألوف في الفكر الإنجليزي بقدر قرابته العقلية ~~مع هذا المفكر الألماني الذي كان دائما وما يزال غريبا كل ~~الغرابة بالنسبة إلى الإنجليز، غير أن حياة كليفورد كانت أقصر ~~بعشرة أعوام كاملة من حياة نيتشه العقلية، ولم يتسن له أن يتم ~~إلا أقل مما أتمه نيتشه بكثير. ولربما خطر ببال المرء أن يتساءل: ~~أهناك شيء كان سيعجز عن تحقيقه لو كان قد وهب حياة أطول؟ ms108 غير ~~أن هذا سؤال عقيم؛ إذ ربما كان القدر قد شاء له أن يقدم في سيل ~~جارف كل ما كان لديه خلال العمر القصير الذي أتيح له، بحيث إنه كان ~~قد استنفد موارده العقلية بالفعل عندما خانته قواه الجسمية. وهكذا ~~كان عمل كليفورد الذي وزعه بطريقته الموهوبة بين ميادين علمية ~~متعددة، قد ظل تمثالا رائعا لجذع بغير أطراف، وكان هو ذاته ~~باحثا أكثر منه كاشفا، وحافزا للغير أكثر منه موجها لهم، ~~ومرشدا إلى أهداف لم يعش هو ذاته لتحقيقها. # ولقد شملت الأعمال التي أنجزها كليفورد، إلى جانب جهوده الهامة ~~في الرياضيات ومعرفته الدقيقة بالعلم الطبيعي، أبحاثا في نظرية ~~المعرفة، ونظرية العلم، وكذلك في الميتافيزيقا والأخلاق وفلسفة الدين، # 20 # وهو يتخذ نقطة بدايته في نظرية المعرفة من فكرة قريبة ~~من المذهب الظاهري الحسي عند باركلي وهيوم، فموضوعات العالم ~~الخارجي تعطى لي بوصفها انطباعات، وهي تمثل سلسلة من التغيرات في ~~وعيي، وليس لها عدا ذلك وجود، غير أن انطباعات الذوات الأخرى لا ~~تعطى على نفس النحو؛ إذ إنها لا يمكن أن تكون موضوعا لوعيي، وإنما ~~يمكن الاستدلال عليها من وعيي، عن طريق إسقاط ذاتي خارج وعيي على ~~الذات «الأخرى». ويطلق كليفورد على هذه الانطباعات التي أسقطها ~~خارج ذاتي على هذا النحو وأدركها على أنها توجد خارج «ذاتي» اسم ~~«الانبثاقات # ejects ~~»، وهكذا ~~فبينما تكون الموضوعات # objects # هي ~~المعطيات التي تبدو بوصفها ظواهر في وعيي الخاص وتنتمي إلي وحدي، ~~فإن «الانبثاقات» هي محتويات عمليات المعرفة، منقولة من وعيي ~~الذاتي ومحولة إلى الوعي الخارجي الذي تنتمي إليه. ومما يزيد هذا ~~التفسير لعملية المعرفة تعقيدا أن كليفورد يضيف إليه أفكارا ~~منتمية إلى المجال التاريخي التطوري، فالإيمان بوجود وعي غير وعيي ~~مضمون بالفعل، على نحو مستقل عن كل حجة نظرية؛ نظرا إلى أن ~~الإنسان لم يكن منذ البداية فردا منعزلا، وإنما تربطه بأقرانه ~~علاقات اجتماعية. وهكذا يتضح، من وجهة نظر التطور التاريخي، أن ~~الإيمان (بالمنبثق (خارج الذات) # The ~~eject ~~) هو نوع من إعادة كشف وعي مشابه لوعي ms109 ~~في وجود أقراني من الناس، أو من التعرف على هذا الوعي الآخر، غير ~~أن «الموضوع» المعطى لوعيي قد يتمثل أيضا منذ البداية، حتى لو كان ~~ذلك بطريقة غريزية فحسب، بوصفه موضوعا يمكن أن يحس به وعي آخر ~~بالإضافة إلى وعيي. ويطلق كليفورد على الموضوع الذي يقترن به هذا ~~الاعتقاد اسم «الموضوع الاجتماعي»، ولا يعني الإحساس بالخارجية، ~~الذي تثيره مثل هذه الموضوعات، أي شيء سوى هذه العلاقة الفعلية أو ~~الممكنة مع وعي «آخر». ومن الواضح أن مثل هذه الطريقة في البرهنة ~~على هذه المسألة تنطوي على جمع عشوائي بين أفكار شديدة التنوع، ~~ومن الممكن أن يطلق عليها اسم البرهان الاجتماعي على حقيقة ~~العالم الخارجي. # ولا تمتزج في هذه النظرية اتجاهات فكرية تجمع بين المذهبين ~~الحسي والتطوري فحسب، بل تمتزج فيها أيضا اتجاهات فكرية ~~إبستمولوجية وميتافيزيقية، وليس في وسعنا أن نعرض هنا الارتباطات ~~الباطنة بين هذه الاتجاهات المتباينة، وهي الارتباطات التي لا تظهر ~~بوضوح كامل في طريقة كليفورد المتقلبة في التفكير، غير أن كل ~~حجة تؤدي في النهاية إلى عنصر واحد في فلسفته أصبحت له شهرة ~~واسعة، هو نظرية «المادة ~~الذهنية # mind-stuff ~~». وفي هذه النظرية يشير أولا إلى أن ~~الانطباع أو الإحساس لا يلزم أن يكون في وعي يحويه، وإنما يكون ~~أيضا أن يوجد بطريقة مستقلة «خارج» الوعي، أي إنه «شيء في ذاته»، ~~ومطلق يكون وجوده «لذاته»، لا منسوبا إلى أي شيء آخر، وكل ما ~~يمكن أن يقال عنه هو أنه يحس # sentiur ~~، فالعناصر التي يتألف منها كل إحساس هي التي ~~أسماها كليفورد «بالمادة الذهنية»، ولقد كان من السذاجة بحيث اعتقد ~~أنه توصل بذلك أخيرا إلى حل المشكلة «الشيء في ذاته» عند كانت، ~~وهو يصل إلى هذا الهدف ذاته عن طريق سلسلة أخرى من الحجج، فيحاول ~~أن يبين أن مشكلة العلاقة بين المجال المادي والمجال النفسي ينبغي ~~ألا تحل برد أحدهما إلى الآخر بوصفه مصدرا له، وإنما يسود ~~المجالين تبادل وتناظر تام، يماثل في اكتماله ذلك التبادل ~~والتناظر الموجود من جهة بين ms110 حروف الجملة عندما تقرأ أو تنطق، ~~وبينها من جهة أخرى عندما تكتب أو تطبع. وذلك يعني في نظره ~~أننا لسنا هنا إزاء شيئين مختلفين أساسا ومن حيث المبدأ، وإنما ~~إزاء نفس الجوهر، الذي يبدو ماديا من وجهة معينة ونفسيا من ~~الوجهة الأخرى. وهو يستخدم تعبير «المادة الذهنية» ليدل به أيضا ~~على ذلك الجوهر الموحد الكامن وراء كل الوجود. وهنا أيضا يكون ~~من الواضح أن المادة الذهنية ينبغي ألا تعد مستقلة عن كل وعي ~~فحسب، بل يجب أن تعد سابقة عليه في الزمان أيضا؛ إذ ينبغي أولا ~~أن تركز المادة الأولى المنتشرة في الكون في أثناء حالته المختلطة، ~~وتدمج في تركيبات متكاملة، ومن المحال أن يصبح الوعي ممكنا قبل ~~ذلك بحيث يتوقف المستوى الذي يبلغه الوعي على المستوى الذي يصل ~~إليه تطور العناصر المادية. وينبغي أن ينظر إلى ما يبدو لنا «مادة» ~~على أنه مؤلف بالمثل من مادة ذهنية، فكل ذرة وجسيمة فيها، ~~بالإضافة إلى ماديتها، عنصر نفساني. ومن الواضح أن مذهب سبنسر في ~~الكونيات يلعب دورا في تأملات كليفورد هذه، كما أن من الواضح أن ~~فكرة «شمول النفس # panpsychism ~~» ~~هذه ليست إلا مذهبا ماديا لا يحجبه إلا قناع دقيق؛ إذ إن ~~«المادة الذهنية» التي قال بها كليفورد، على الرغم من كونها تبدو ~~فكرة جريئة إلى حد بعيد، هي بالفعل فكرة ميتافيزيقية معقدة ~~التركيب، يتضح من الفحص الدقيق أنها لا تختلف اختلافا أساسيا عن ~~«المادة» المألوفة. # ولدى كليفورد آراء في المنطق ومناهج العلوم الدقيقة لها قيمة ~~فلسفية أعظم، وإن تكن شهرتها أقل كثيرا، وتتفق هذه الآراء في ~~الأساس مع آراء ماخ، كما تتفق بوجه خاص مع آراء بيرسن، الذي كان ~~يقف عن كثب منها، وشيد عليها مذهبا، والمبدأ الأساسي هو مبدأ ~~«الاقتصاد في التفكير» الذي يؤدي هنا، كما يؤدي لدى المفكرين ~~الآخرين، إلى استباق أفكار ظهرت فيما بعد في النظرية البرجماتية ~~في المعرفة. # ويظهر التأثير المقلق لأفكار دارون وسبنسر أوضح ما يكون في آراء ~~كليفورد الأخلاقية، التي اهتم بها اهتماما خاصا. ms111 ولقد كان ~~كليفورد يعتقد، كما رأينا من قبل، أن إيماننا بالعالم الخارجي ~~يرتكز على نوع من الغريزة الاجتماعية، ولا يمكن أن يضمنه التفكير ~~النظري البحت، ومثل هذا يقال في الأخلاق، فهنا أيضا تكون الحقيقة ~~الرئيسية هي أن الفرد ليس شيئا في ذاته ولذاته، بل إن وجوده كله ~~إنما ينحصر في كونه عضوا في كل اجتماعي يدعم الفرد ويحيط به، ~~وهنا يدخل كليفورد فكرة رئيسية هي فكرة «الذات القبلية # Tribal Self ~~» وهي فكرة ~~استحدثها هو، وأصبحت بفضله مشهورة. والمقصود عنده بهذا اللفظ ذلك ~~الإحساس الذي هو موروث ومكتسب في آن واحد، والذي يؤدي إلى إدراك ~~ما يخدم مصالح القبيلة أو الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها ~~الفرد. والذي يحدث أولا هو أن الذوات المنفصلة التي تنشأ منها ~~«الذات القبلية» بالتدريج، تكون في البداية مدفوعة بالسعي وراء ~~اللذة، والميل إلى إشباع حاجاتها الفردية. غير أن الذات الفردية ~~تمتد إلى الذات القبلية بقدر ما تترك جانبا مصالحها الأنانية ~~وتدافع عن مصالح القبيلة وكأنها مصالحها الخاصة، ويكون نمو الفرد ~~هذا عملية تطور اجتماعي في نفس الوقت. غير أن الذات الخاصة والذات ~~الاجتماعية تكونان في الحياة البشرية في صراع دائم، وحيث تكون ~~الذات الاجتماعية نامية، فإنها تعارض الدوافع الأنانية للذات ~~الخاصة، وهي الدوافع التي تتعارض مع مصالح المجتمع، وتجعل المرء ~~يستاء من مسلكه الخاص. وفي هذه الإدانة للذات الفردية بوساطة الذات ~~الجماعية يرى كليفورد أن ظاهرة الضمير تعبر عن نفسها، بوصفها صوت ~~«الذات القبلية» وقد نما وتهذب عن طريق الانتقاء الطبيعي؛ وعلى ذلك ~~فالخير (أو الشر) الأخلاقي، بالنسبة إلى أخلاق كليفورد القبلية أو ~~الاجتماعية، هو ما ينفع القبيلة (أو يضرها)، أو بتعبير أقرب إلى ~~الروح الداروينية، هو ما يزيد (أو ينقص) من كفاءتها أو قدرتها على ~~البقاء. وهدف الأخلاق هو تدريب الفرد على أن يصبح أكمل عضو ممكن في ~~المجتمع، أي أن يصبح شخصا يسكت صوت مصالحه الخاصة ولا يعترف إلا ~~بمصالح القبيلة، أو أن يكون - حسب تعبير كليفورد - مواطنا صالحا. ~~فإذا ما جردنا هذه الأفكار ms112 من ردائها التطوري، كان من الواضح أنها ~~تنطوي على مساهمة قيمة في الأخلاق الاجتماعية المثالية، فكليفورد ~~ينبذ صراحة الأخلاق المبنية على مذهب اللذة، ومبدأ «أعظم قدر من ~~السعادة لأكبر عدد من الناس»، وعلى الرغم من أنه هو ذاته لم يتحرر ~~تماما من نوع من مذهب المنفعة المتسامي، وظل أسير القيود ~~الداروينية، فإن مذهبه، كما هو واضح، يمثل حلا للمشكلة الأخلاقية ~~أفضل بكثير من ذلك الذي استطاعت الفلسفة الأخلاقية الإنجليزية أن ~~تقدمه. ومما زاد في نجاح أفكاره في هذا الميدان، وأكسبه احترام ~~المفكرين، حتى من لم يكن منهم يستطيع الموافقة على آرائه في ~~الميادين الأخرى، أنه لم ينشرها على أنها مذهب جاف، وإنما بث ~~فيها قوة شخصيتها وحماستها الدافقة. # كذلك اتسم موقف كليفورد من الدين بنفس هذه الغرابة المتحمسة؛ فهو ~~هنا كان يعارض كل حل وسط، وينفر من أي نوع من الإذعان للسلطات ~~الكنسية، على النحو الذي كان من الشائع أن يدعو إليه في إنجلترا ~~حتى أولئك المفكرون الذين لا يكترثون بالدين. وهكذا وقف يدافع ~~بتعصب حقيقي عن عدم الإيمان، ولم يجد غضاضة، في إنكاره لله، أن ~~يعامل الديانات الوضعية بقسوة شديدة، ويصب جام غضبه على الكنيسة ~~والعقيدة والكهنوت وكأنه واحد من رسل عصر التنوير ينفس عن كراهيته ~~المكبوتة، فهو قد أسمى المسيحية «وباء فظيعا دمر حضارتين». ~~وأعرب عن سخطه الأخلاقي الشديد على التأثير الضار للقساوسة، الذي ~~رأى أنهم الأعداء الحقيقيون للإنسانية، وأنهم خطر دائم على الدولة ~~والمجتمع والأخلاق الحقة. ولكن حتى هذا العدو المرير لكل ما هو ~~ديني لم يستغن عن نوع من البديل للإيمان الديني، فقد وجد ملجأ في ~~عبادة الكون، ووقف في خشوع وتقديس أمام نظامه واطراده الرائع، ~~وأطلق على الشعور الذي كان ينتابه في هذا الصدد «العاطفة الكونية # cosmic emotion ~~»، وأقر ~~بأنها توجد - كما قال كانت في كلمته المشهورة - كلما تأمل المرء ~~السماء المرصعة بالنجوم فوقه والقانون الأخلاقي في داخله. غير ~~أنه وضع الإنسان موضع الله، وكان كل إيمان حي موجها في نظره ~~إلى تمجيد للإنسان والإشادة ms113 به. وقد دافع مثل كونت عن «عقيدة ~~الإنسانية» وكتب بشيء من المبالغة عن الإنسان الأب الذي ينظر إلينا ~~من فجر التاريخ ومن الأعماق الخفية لكل روح بنار الشباب الأزلي ~~ويقول: «قبل أن توجد الآلهة كنت هناك.» كما كتب في موجة حماسة، عند ~~ختام بحثه في «العاطفة الكونية» يقول «إن من يستطيعون قراءة علامات ~~الزمان سيقرءون فيها أنه قد آن أوان مملكة الإنسان.» غير أن معبد ~~هذه العقيدة كان بالنسبة إلى كليفورد بناء العلم الشامخ، وكان أمله ~~معقودا على العلم في تحقيق أي تقدم مقبل لروح الإنسان. # على أن الإجابة عن السؤال عن إمكان التوفيق بين الداروينية ~~والدين لم تكن دائما النفي القاطع، كما في حالة كليفورد، وإنما ~~ظلت المشكلة بالنسبة إلى تلميذ آخر لدارون، هو جورج جون رومانس # Geroge J. Romanes ~~(1848-1894) مشكلة مفتوحة حيرته طوال حياته. ولقد كان رومانس، ~~الذي تتلمذ على دارون وأصبح صديقا مقربا إليه، عالما بيولوجيا ~~في المحل الأول، واكتسب بفضل أبحاثه المستقلة شهرة ضخمة، بوصفه ~~واحدا من أنبغ المساهمين في «نظرية الأصل السلالي # Theory of descent ~~»، ~~ولكنه لما كان ميالا بطبيعته إلى الدين، وتربى في بيئة متمسكة ~~بالدين، فقد كان يندفع دائما إلى ما وراء حدود البحث التجريبي ~~الخالص، لكي يخوض المسائل الفلسفية المتعلقة بالتفسير العام ~~للتجربة، وهي المسائل التي كانت تنتظر قرار المذاهب العلمية ~~الجديدة بشأنها بإلحاح شديد. ولقد كان الصراع بين إيمانه وعلمه ~~خفيا أحيانا، وصريحا أحيانا أخرى، وبفضل هذا الصراع تحول إلى ~~فيلسوف. # وإنه لمن الطريف أن نتتبع المراحل المتعددة التي مر بها هذا ~~الصراع حتى انتهى إلى صورته الأخيرة، ففي أول مؤلفاته، ~~(«اختبار صريح لمذهب الألوهية # A Candid Examination of ~~Theism ~~» 1878) نجده متمسكا ~~بالطرق المادية في التفكير إلى حد أن الأساس المتين لعقيدته في ~~الشباب سرعان ما أصبح سرابا، ولكن لم يكن معنى ذلك رفضا صريحا ~~للدين - كما في حالة كليفورد - وإنما كانت تلك فترة اختبار باطن ~~عميق، يقف فيه موقف الحكم على نفسه، لكي يقدر قيمة القوى ~~المتصارعة فيه. ورغم ms114 أن العلم هو الذي يثبت أنه الأقوى، ويقضي على ~~كل الحجج المؤيدة لمذهب الألوهية، فإنا نشعر بأن الإيمان، رغم كونه ~~مضطرا إلى التواري في الصفوف الخلفية لم يلغ تماما بأية حال؛ ~~إذ يصبح من الواضح أنه حتى إذا لم يتسن إنقاذ شيء من الحطام، من ~~وجهة نظر العلم، فإن هناك طريقا آخر لمعالجة المسألة بترك الباب ~~مفتوحا لإمكان وجود الله، هذا الطريق يؤدي إلى نوع من ~~الميتافيزيقا الغائية، التي يبدو أن من الممكن أن ينفذ المرء منها ~~إلى مجال يتجاوز مجال العلم، ولكن من الضروري هنا افتراض وجود روح ~~عليا، تكون هي العلة النهائية لكل الأشياء. غير أن رومانس لا يتابع ~~هذه الحجة بأي اقتناع جدي، بل إنها في الواقع تؤدي به دائما إلى ~~صراع مع ضميره العلمي، الذي لا يمكن تبرير أية تأملات نظرية كهذه ~~أمام محكمته. وهكذا يقع في تأرجح غريب بين نظرة إلى العالم فيها ~~مكان للألوهية، ونظرة أخرى لا مكان فيها للألوهية. ولم يكن من ~~الممكن أن ينقذه من هذا التأرجح إلا اتباع الطريق النقدي بصراحة ~~وجرأة، ولكنه يلجأ بدلا من ذلك إلى موقف اللاأدرية لكي يخفف من ~~صراع الضمير المحتدم داخله، دون أن يحل هذا الصراع ~~نهائيا. # على أن وجهة نظره قد تغيرت قبل مضي سنوات قلائل، ففي محاضرة ~~ألقاها سنة 1885، وإن لم تكن قد نشرت إلا بعد وفاته سنة (1895)، ~~بعنوان «الذهن ~~والحركة والمذهب الواحدي # Mind, ~~Motion and Monism ~~» يبدي رومانس ميلا إلى ~~مذهب وحدة الوجود على طريقة «جوردانو برونو»، كما يبدي وجهة نظر ~~واحدية مماثلة في مقال قصير ظهر بعد ذلك بوقت قليل في مجلة # Contemporary Review ~~(1886) ~~بعنوان «العالم بوصفه ~~انبثاقا # The World as Eject ~~» (وقد نشر المقال أيضا في كتابه، ~~«الذهن والحركة والمذهب الواحدي»). ورغم أن هدفه من هذه الواحدية ~~كان عبور الهوة بين المادية والروحية، فإن ميله إلى الروحية كان ~~واضحا. وقد وصل إلى هذا الموقف بأن وفق بين نظرية «الانبثاقات» ~~عند كليفورد وبين آرائه الخاصة، فضلا عن قيامه باختبار نقدي ~~لفكرة ms115 كليفورد في «المادة الذهنية» التي أكسبها طابعا مضادا ~~تماما لطابعها الأصلي، وذلك إذا أرجع كل شيء إلى المجال النفسي ~~بدلا من المجال المادي، وهو في كل هذه الآراء لا يمس المسألة ~~الدينية الخاصة على التحديد بعد، وإنما يتخذ موقفا محايدا ~~إزاءها، وهو على الأخص لا يزال ينظر هنا إلى «المنبثق الشامل # World-Eject ~~» (وهو الاسم ~~الذي يطلقه رومانس على «المطلق») على أنه مبدأ لا شخصي مجرد ~~ميتافيزيقي محض، ولكن نظرته تغيرت مرة أخرى في السنوات الأخيرة من ~~حياته، فقد خلف ملاحظات عن كتاب كان يزمع تأليفه ولكنه لم يقم ~~بذلك فعلا، كان المفروض أنه سيختبر فيه مشكلة الدين من جديد، # 21 # وفي هذه الملاحظات يظهر رومانس على أنه قد تقبل ~~الإيمان الديني نهائيا، وقد ظهرت وصيته الأخيرة هذه في الكتاب ~~الذي أشرف على نشره تشارلس ~~جور # Charles Gore # بعنوان «أفكار عن الدين # Thoughts on Religion ~~»، ~~(1896) فقد اهتدى رومانس إلى طريق العودة إلى الديانة الوضعية، ~~وأصبح يمثل الآن مذهبا ألوهيا شخصيا بالمعنى الموجود في ~~المسيحية، وعرف كيف ينظم في اعتقاداته العلمية على النحو الملائم ~~للدين. وقد احتفظت الداروينية ومذهب التطور لديه بصحتها كاملة، ~~ولكن في اتفاق، لا اختلاف، مع النظرة إلى العالم في ظل الألوهية، ~~وبهذا تغلب على الثنائية القائمة بين المعرفة العلمية والإيمان، ~~وحقق تلاؤما منسجما بينهما. # ومع ذلك فإن هذا التلاؤم، ~~إذا شئنا الدقة، لا يمكن تحقيقه، فالداروينية - إن شاءت أن تكون ~~أمينة - لا يمكن أن تتفق مع الدين فوق الطبيعي، ومن ثم فقد كانت ~~هذه الفكرة هي السائدة، وهي التي يعبر عنها معظم الفلاسفة الذين ~~ساروا في طريق سبنسر ودارون وهكسلي في بحثهم للمشكلة الدينية، ~~ونستطيع أن نذكر من بين ممثليهم المعبرين عنهم اسمي: شارلس جرانت ألن # Charles Grant Allen ~~(1848-1899) ووليام ونوود ~~ريد # William Winwood Read ~~(1838-1875)، فقد قطع ريد، الذي كان كاتبا ~~غزير الإنتاج في العلم والآداب معا، كل صلة له بالدين، ودعا إلى ~~رأي في الحياة يكون مبنيا تماما على المذهب الطبيعي الفردي ~~القائم على فكرة ms116 اللذة دون أي لبس أو غموض. ولقد كان واحدا من ~~القلائل الذين اهتموا بالمشكلات الجمالية، وحاولوا إيجاد تفسير ~~تطوري لها، # 22 # وقد اشتهر ريد بكتابه «استشهاد الإنسان # The Martyrdom of Man ~~» ~~(1872، وظهرت له عدة طبعات تالية) وهو عمل مؤثر يحرك المشاعر، كان ~~له نجاح أدبي ضخم، وقد كانت القوة الدافعة إليه، كما يدل على ~~ذلك عنوانه، هي نظرة مكتئبة متشائمة إلى الحياة، تنطوي على رفض ~~تام لكل القيم العالية على الطبيعة ولكل إيمان ديني، وتستبدل به ~~الإيمان بقدرة العلم على كل شيء، والاعتقاد الصارم بأن العلم - ~~والعلم وحده - هو الذي قدر له أن يخلص الإنسان من بؤسه الماضي ~~والحاضر إلى مستقبل أفضل. وهكذا يتسامى ريد بالإنسان، مثل ~~كليفورد، ليجعل منه كائنا من نوع أعلى، وهو بالطبع لا يعني بذلك ~~الإنسان من حيث هو فرد، بل يعني الإنسانية جمعاء، لكي يستخلص من ~~قابلية الإنسان للكمال تلك العقيدة الجديدة التي يهيب بها لتحل محل ~~القديمة. # ولقد خاض المعركة مع المذهب الجديد مفكرون أقرب إلى الروح ~~الدينية، كل بطريقته الخاصة، ونتجت عن ذلك تفرعات عديدة جدا، ~~وبغض النظر عن رومانس، نستطيع أن نختار للبحث - من بين هؤلاء ~~الكثيرين - الأسماء الآتية: جيمس ألنسن بكتن # James Allanson Picton ~~(1832-1910) وجيمس كرول # J. Croll ~~(1821-1890)، وهنري ~~درموند # H. Drummond ~~، والسير جون روبرت سيلي # Sir J. R. Seeley ~~(1834-1895). # كان بكتن شديد التعلق ~~بسبنسر، وكان يؤمن بكل التعاليم الميتافيزيقية التي يتضمنها كتاب ~~«المبادئ الأولى»، ولكنه مضى خطوة أبعد من ذلك؛ إذ وحد بين ~~«اللامعروف» والإلهي، وبذلك سعى إلى تحويل القمة الميتافيزيقية ~~التي بلغها مذهب سبنسر في اتجاه الفلسفة الدينية، وقد تعمد أن يبين ~~أن المذهب التطوري لا يفضي حتما إلى اللاأدرية أو النزعة ~~الطبيعية # Naturalism # ناهيك ~~بالمادية، بل إن من الممكن جدا الجمع بينه وبين العاطفة الدينية ~~الصادقة. رغم أن هذه قد تكون بعيدة تماما عن أي إيمان وضعي من ~~النوع العقيدي؛ لذلك عكف بكتن على إقامة دين على أساس تطوري، ومن ~~الواضح أن مثل هذا الدين ms117 ينبغي أن يؤدي إلى مذهب شمول الألوهية Pantheism ~~، # 23 # وهكذا يدافع هنا عن توحيد اسبينوزا بين الله والطبيعة، ~~ويعلن بحماسة عاطفية أنه هو حل جميع المسائل المختلف عليها في ~~الفلسفة، ولكن رغم أن بكتن يرفض صراحة فكرة إله خالق، ويؤكد أن ~~الكون قد نشأ من ذاته ويكتفي بذاته، فإنه يعلق مع ذلك أهمية كبرى ~~على محاولته إثبات أن عقيدته العالمية تتفق مع الجوهر الحقيقي ~~للديانات التاريخية وضمنها المسيحية، وهكذا يسمى مذهبه «بالمذهب ~~المسيحي في شمول الألوهية # Christian Pantheism ~~»، ولا يشعر بأي حرج من التناقض ~~الملموس الذي ينطوي عليه الجمع بين مذهبين على هذا القدر من التنافر. # 24 # وعلى حين أن التركيب الديني العلوي عند بكتن كان أقرب إلى أن ~~يكون إضافة قصد بها تنميق المذهب وتزويقه أكثر مما كان تعبيرا عن ~~التخلي الفعلي عن المذهب الطبيعي، فإن «كرول» وهو عالم جيولوجي ~~اسكتلندي، يغامر بالمعنى خطوة حاسمة بعد هذه الحدود، فهو بدوره ~~يترك المذهب التطوري في مجموعه دون نقاش، ويأخذ بأهم العناصر في ~~نظريته، ولكنه في الوقت ذاته يحاول أن يهزه من أعماقه ويزعزع نفس ~~الأساس الذي بني عليه. فقانون التطور نفسه ينص على أن المادة ~~والقوة والحركة هي العوامل التي تحدد وتفسر كل عملية كونية وكل ~~تغير يحدث فيها، ومع ذلك فإن أحدا لا يتساءل عما وراء هذه ~~العوامل، وإنما تظل قائمة بوصفها العناصر النهائية لكل وجود وكل ~~صيرورة، ولا تكون هي ذاتها في حاجة إلى تفسير. أما بالنسبة إلى ~~كرول فإن هذا البحث عن مصدر تلك العناصر وأصلها يبدو أمرا له ~~أهمية عظمى، فكون القوة والمادة موجودتين، هو أمر أقل أهمية من ~~مسألة تحديدهما. والمشكلة الأساسية في الفلسفة هي مشكلة تحديد ~~العوامل الأصلية للوجود وتفسيرها، فإذا كانت كل حالة حاضرة للكون ~~تتحدد مقدما بالحالة السابقة عليها، وهذه بدورها تتحدد بما ~~يسبقها، فإنا نواجه عندئذ تسلسلا ممتنعا إلى ما لا نهاية، ولا ~~بد أن تكون هذه السلسلة قد بدأت في وقت ما، ولا بد أن يكون هناك ~~تحديد أول، ومن ms118 الواضح في الوقت ذاته أن القوة لا يمكن أن ترد ~~آخر الأمر إلى القوة بوصفها العلة المحددة لها، ولا الحركة إلى ~~الحركة. وهكذا فلا بد أن نستنتج من كون شيء موجودا في اللحظة ~~الحالية أن «شيئا» لا بد قد وجد منذ الأزل. غير أن الاعتقاد ~~بأن «الكون» هو الأزلي محال؛ إذ إنه ينطوي على القول الممتنع بوجود ~~تعاقب لا نهائي للأحداث، وبذلك لا يتبقى إلا افتراض إله أزلي لا ~~متناه، بوصفه المحدد الأول للسلسلة الكونية، أو الروح الخالقة ~~التي هي العلة النهائية لكل الوجود، وبالتالي حافظ العملية ~~التطورية بأسرها. وهكذا فإن التطورية - مع احتفاظها بصحتها الكاملة ~~- لا تعود نظرية مكتفية بنفسها أو قائمة بذاتها، وإنما هي تنتقل ~~في النهاية إلى مذهب للألوهية، وهذا دليل آخر على أنها قد سئمت ~~سفينة المذهب الطبيعي التي تهيم فيها، وأخذت تبحث عن شاطئ تستقر فيه. # 25 # أما «درموند» فقد قام ~~بمحاولة مستقلة لإيجاد مكان للدين داخل مذهب العلم الطبيعي، وقد ~~أحرز درموند، الذي كان قسيسا ولاهوتيا وباحثا علميا، شهرة ~~مفاجئة بعد النجاح الهائل غير المتوقع، لكتابه «القانون الطبيعي في العالم الروحي # Natural Law in The ~~Spiritual World ~~» وهو الكتاب ~~الذي نشر في 1883، وبيعت منه قبل نهاية القرن 125000 نسخة، ~~وكانت أهم أسباب هذا النجاح، بالإضافة إلى الأسلوب الشعبي في ~~الكتابة، وسهولة فهم محتوياته، هي أنه تضمن بحثا في العلم الجديد ~~قام به شخص لا يشك أحد في تدينه، ولكنه لم يحمل على هذا العلم - ~~كما يفعل غيره من المتدينين عادة - على أنه معاد للدين، وإنما ~~يعرضه على أنه متفق تماما مع تعاليم العقيدة المسيحية. وبفضل هذا ~~الكتاب تم التوفيق، لأول مرة، بين مذهب التطور الجديد وبين الجمهرة ~~الكبيرة من الناس، الذين كانوا يهتمون بالمذهب، ولكن عقيدتهم ~~الدينية تباعد بينهم وبينه. وقد كانت فكرة درموند الأساسية - وهي ~~فكرة غاية في البساطة، ولكنها في بساطتها بناءة إلى حد بعيد - هي ~~أن يمد إلى العالم الروحي تلك القوانين التي تسري على العالم ~~الطبيعي، مثلما مدها سبنسر إلى ms119 العالم التاريخي الاجتماعي. وهو ~~يعني بعبارة «العالم الروحي» عالم الدين قبل كل شيء؛ فهذا العالم، ~~في رأيه، يخضع بدقة لنفس مبدأ القانون الذي يخضع له العالم ~~الطبيعي، والمبدآن معا متماثلان من جميع النواحي. وهكذا فإن ~~القانون الأساسي للوجود كله هو قانون الاتصال، وكل درجة وكل مستوى ~~للوجود يخضع لنفس القوانين التي تربط الجميع في وحدة شاملة، ومهمة ~~العلم هي أن يثبت طبيعة ما هو عال على الطبيعة، كما أن مهمة الدين ~~هي أن يثبت أن ما هو طبيعي عال على الطبيعة، ويصبح الروحي ~~طبيعيا بنفس المقدار الذي تصبح به الطبيعة روحية. وعيب هذه ~~الفلسفة هو ذلك الخطأ الأساسي، وأعني به تجاهل الفارق الحاسم بين ~~هذين العالمين، ففيها خلط لا يكاد يحتمل بين مجالي الوجود ~~اللامتجانسين، وإزالة كاملة لكل الحدود بين الطبيعة والروح، ~~فالدين إذ يتنكر في زي العلم يسيء استغلال العلم لأغراضه الخاصة. ~~ويمضي درموند في هذا الخلط إلى حد يكون للمرء معه أن يشك فيما إذا ~~كنا هنا نواجه انحطاطا للعقل إلى مرتبة الطبيعة، أم ارتقاء ~~للطبيعة إلى مرتبة الروح. غير أن الدوافع الباطنة للمذهب تظهر ~~واضحة عندما نجد أن نتيجته النهائية هي القول إن للروح الأولوية ~~على الطبيعة، وإنه ليس للمادة حقيقة في ذاتها، وإنما هي مجرد تجسد ~~للروح، وإن الروح وحدها هي التي تكشف عن ماهية العالم ~~الحقيقي. # وقد أثمرت فلسفة درموند الشعبية كتابا آخر هو «ارتقاء الإنسان # The Ascent of Man ~~»، # 26 # وفيه تحل فكرة الصراع من أجل وجود الآخر محل فكرة ~~صراع الكائن من أجل وجوده هو ذاته، بحيث يحاول أن يبين أن الظواهر ~~الأخلاقية لا تظهر في المجال البشري وحده، بل في مجال أدنى منه ~~بكثير في المملكة الحيوانية، وأنها ترتبط أيضا بالعمليات البسيطة ~~للحياة، فالسلوك الغيري يسود الطبيعة بأسرها، وله من القوة ما ~~للأنانية، كما أن قانون الحب أو الصراع من أجل وجود الآخر - وهو ~~القانون الذي يضعه درموند مقابل المبدأ الدارويني - يسري خلال ~~الحياة الكونية بأسرها. وهنا أيضا يظهر نفس الميل الذي ms120 اتضح في ~~الكتاب السابق، وهو الميل إلى وضع مختلف مجالات الوجود على قدم ~~المساواة، والجمع بينها في ظل مبدأ القانون الواحد الذي يربط بينها ~~ويكمن من ورائها جميعا. # أما «سبلي» المؤرخ المعروف، فقد عالج المشكلة الدينية في ~~مؤلفين نشرا غفلا من اسمه، هما: «هذا هو الرجل # Ecce Homo ~~» (1865، وهو عرض ~~لتعاليم المسيح، أثار ظهوره ضجة عنيفة) و«الدين الطبيعي # Natural Religion ~~» (1882)، ~~غير أن موقفه يقل عن موقف درموند وضوحا، فافتقار أفكاره إلى ~~التحديد القاطع، والطريقة المختلطة التي تعرض بها، كل ذلك يترك ~~القارئ متشككا فيما إذا كان يمثل عقيدة طبيعية مبنية على فكرة ~~«شمول الألوهية» وحدها، أم أنه قد أبقى مكانا في نظريته للحجج ~~المؤيدة لمذهب الألوهية والإيمان بما فوق الطبيعة. وعلى أية حال ~~فتفكيره يميل في الأغلب إلى الاتجاه الأول، فقد كان بدوره، مثل ~~درموند، حريصا على التوفيق بين نظرته إلى الدين وبين العلم ~~الحديث، وعلى إظهار قوانين الطبيعة على أنها قوانين الله في الوقت ~~ذاته، وكان مقتنعا بأن التوحيد بين الله والطبيعة، وتقديس حقيقة ~~أعلى «في» الطبيعة، يكفل لصاحب الذهن العلمي منفذا لعاطفة دينية ~~مشابهة لتلك التي يبعثها في ذهن الشخص النقي الإيمان بألوهية علوية ~~مشخصة. غير أن سيلي كان أقل من درموند بكثير في درجة التزامه ~~بالإيمان الديني، وفضلا عن ذلك فإن العوامل الجمالية تلعب دورا ~~هاما في تفسيره للدين، فقد كان يرى أن الظواهر المميزة للمجال ~~الديني تتمثل في كل ما يثير الحماسة ويبعث العجب، وفي كل ما يستحق ~~التبجيل، وكل ما يبعث في الإنسان الدهشة أو يكتسب إعجابه. وعلى ذلك ~~فقد رأى أن الحياة الدينية لا تتجسد وعبادة كائن علوي لا يدرك، ~~بقدر ما تتمثل في التفاني المخلص في سبيل الحقيقة والمعرفة ~~العلمية، وفي حب الجمال، وفي نقاء الضمير وحيويته، أي إنها ~~بالاختصار تكون في كل سعي وراء الحق والخير والجمال. وهكذا فإن ~~تعاليم سيلي، التي يضفي فيها على القيم الثقافية للإنسان نوعا من ~~السمو الديني، ترتد في النهاية إلى عبادة الثقافة أكثر مما ترتد ~~إلى ms121 عبادة الطبيعة، فهي تعبر عن شخصية واسعة الثقافة تستجيب لحياة ~~الذهن في جميع أوجه نشاطها، أكثر مما هي بديل هزيل لعقيدة العالم ~~أو إيمان روح يعد الدين بالنسبة إليها تجربة هامة بحق. # فإذا انتقلنا إلى الأخلاق التطورية، وجدناها تسير عموما في ~~مسار أضيق وأوضح معالم من مسار الفلسفة الدينية التطورية، وإن يكن ~~يوجد هنا أيضا عدد من الاختلافات والفوارق التي ينبغي ملاحظتها. ~~ولقد أشرنا من قبل إلى سماتها الرئيسية، وإلى بعض صورها المميزة ~~عند بحثنا لسبنسر وهكسلي ووستر مارك وكليفورد. وما زال أمامنا عدد ~~من المفكرين الذين يحسن جمعهم سويا؛ لأنهم قد أولوا مشكلة ~~الأخلاق أهمية كبرى، وأهم هؤلاء جميعا هو السير لزلي ستيفن # Sir Leslie Stephen ~~(1832-1904)، الذي تضمن كتابه المنهجي الرئيسي «علم الأخلاق # The Science of Ethics ~~» ~~(1882) ما يمكن أن يعد أنضج وأكمل محاولة لبناء الأخلاق على أساس ~~فلسفة تطورية. ولقد كان ستيفن كاتبا موهوبا متعدد الجوانب إلى ~~حد بعيد، امتزجت كتاباته بالحياة العقلية للعصر الفكتوري على ~~أنحاء شتى، وكانت لها ثمرات في ميدان الصحافة، وفي ميدان كتابة ~~السير، وفي التاريخ الفلسفي والأدبي، وفي الفلسفة المنهجية إلخ، ~~ومنذ سنة 1882 حتى 1891 كان على رأس مشروع من أهم المشروعات ~~الأدبية الإنجليزية، وهو القاموس الهائل المعروف باسم «قاموس السير القومية # Dictionary of ~~National Biography ~~» والذي أسهم فيه ستيفن نفسه ~~بكتابات متعددة. وأهم أعماله الأخرى «تاريخ الفكر الإنجليزي في القرن الثامن عشر # Hist. of English thought in The XVIII ~~century ~~» (في ~~مجلدين، 1876، انظر من قبل ص [83]) وهو وصف رائع لعصر التنوير في ~~إنجلترا، أعقبه بعد ذلك كتاب أشبه بتكملة الكتاب السابق، يتعلق ~~بالقرن التاسع عشر، (هو «أصحاب مذهب المنفعة من الإنجليز # The English Utilitarians ~~» في ~~ثلاثة مجلدات، 1900) وتشمل كتاباته الأخرى التي يغلب على محتواها ~~الطابع الفلسفي «مقالات في ~~التفكير الحر والحديث الصريح # Essays on Free Thinking and Plain Speaking ~~» (1873) ~~و«دفاع عن ~~اللاأدرية # An Agnostics Apology ~~» (1893) و«الحقوق والواجبات ~~الاجتماعية # Social Rights and Duties ~~» (في مجلدين، 1896). # ولقد كان ستيفن ينتمي أصلا إلى ms122 أوساط متمسكة بالدين، حتى إنه ~~رسم قسيسا في شبابه، ثم عكف فيما بعد على الفلسفة، وأدى به ~~تأثره المتزايد بمل أولا، ثم بدارون، وأخيرا بسبنسر؛ إلى ~~الانسحاب تدريجيا من الكنيسة، حتى تخلى أخيرا عن مركزه الديني ~~في عام 1875، ومنذ ذلك الحين أصبح يصف نظرته إلى العالم بأنها نظرة ~~مفكر حر يقول باللاأدرية. وكان في الشئون الدينية ممثلا كاملا، ~~ولكنه متأخر، لعصر «التنوير» تقترب آراؤه كثيرا من آراء هيوم ~~فيلسوفه المفضل، كذلك كان يدين بموقفه الفلسفي من المسائل الأخرى ~~التجريبية الإنجليزية الكلاسيكية ولعصر التنوير بقدر ما يدين ~~للمفكرين المحدثين، واقترب من لوك وهيوم وأخلاقيي القرن الثامن ~~بقدر ما اقترب في البداية من مذهب المنفعة عند بنتام ومل الأب ~~والابن، وبقدر ما اقترب فيما بعد من تطورية سبنسر ودارون. # وهكذا استوعب ذهنه وتشرب كل أفكار التراث الإنجليزي، الذي كانت ~~لديه به معرفة تاريخية أعمق من معرفة معاصريه به، ففي تفكيره تظهر ~~دواما تلك الخصائص المشتركة لهذا التراث، أعني العداء ~~للميتافيزيقا، واللامبالاة إزاء الدين (وهي تزيد في حالته بحيث ~~تبلغ حد الازدراء، والإنكار الصريح، إن لم يكن الإلحاد المعترف به ~~علنا)، والإهابة المتكررة بالتجربة بوصفها المصدر الوحيد لمعرفتنا ~~(وهو يرى أن الحقيقة الأساسية للاأدرية إنما تكمن في هذه الإهابة، ~~لا في مذهب ميتافيزيقي كما ذهب سبنسر وغيره)، وتمجيد العلم ~~الدقيق، الذي يرى أنه الأنموذج الوحيد السليم للفلسفة بدورها، ~~والذي يبنى عليه كل تقدم بشري، ورفض كل الحقائق الأولية، وكل ~~استنباط وتركيب من العقل الخالص، وخصائص كثيرة غيرها. غير أن ~~أهميته الفلسفية لا تنحصر فيما هو مشترك بينه وبين السابقين عليه ~~ومعاصريه، بل في محاولته الوصول إلى صيغة وحل خاص به للمشكلات ~~التي ورثها، على أنه لم يصل في هذه المحاولة إلى أية نتيجة إلا في ~~ميدان الأخلاق. # فإذا كان سبنسر هو الذي وضع أسس الأخلاق التطورية، فإن ستيفن هو ~~الذي ارتفع بالبناء إلى أعلى نقطة بلغها. وهكذا فإن كتاب ستيفن ~~«علم الأخلاق» ليس مجرد تكملة لرسالة كتاب سبنسر «معطيات الأخلاق»، ~~وإنما هو يمثل ms123 تقدما حقيقيا عليه، وفيه يعمق المحتوى الفلسفي ~~لكتاب سبنسر ويعلي من قيمته. وفي وسعنا أن ندرك بوضوح نوايا المؤلف ~~من عنوان الكتاب ذاته، فالأخلاق يمكن أن تبحث علميا، وينبغي أن ~~تطبق عليها المناهج العلمية، ومن ثم فمن الواجب أن تتحرر ~~الأخلاق من كل تأمل ميتافيزيقي وجزاء ديني، وتقتصر على التزام ~~حدود التجربة. وفضلا عن ذلك فلا شأن لعلم الأخلاق بالميادين ~~الأخلاقية التي يفترض أن لها يقينا حدسيا أو أنها مستمدة من ~~اعتبارات منطقية بحتة، بل إن وظيفتها هي وصف الوقائع الأخلاقية ~~وتحليلها كما تعطى في التجربة وتعرض للملاحظة، حتى تستمد منها ~~السمات العامة للسلوك الإنساني والطبيعة البشرية، وعليها أن تبحث ~~في منشأ هذه الوقائع والدور الذي تلعبه في العملية التطورية ~~الكونية الشاملة. وإذن فالبحث في الأخلاق يتشابك في معظم الأحيان ~~مع الأبحاث في علم البيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، ومن هذه ~~العلوم تستمد الأخلاق كل تبصر أصيل تكشف عنه. # ولهذا الاندماج بين الحياة الأخلاقية وبين الوقائع الاجتماعية ~~أهمية خاصة؛ ذلك لأن ستيفن يحاول - متجاوزا في ذلك المذهب النفعي ~~وسبنسر بمراحل - أن يحرر الأخلاق من كل الحدود والشروط أو الظروف ~~الفردية، وأن يدمجها في النسيج الاجتماعي تماما. وإذن فأول ما ~~ينبغي عمله هو تحديد علاقة الفرد بالجماعة، والنتيجة هي ألا نتصور ~~الفرد على أنه وحدة لا تتجزأ، قائمة بذاتها، أو المجتمع على أنه ~~مجرد مجموع لمثل هذه الوحدات، وإنما تكون المحصلة النهائية علاقة ~~عضوية يكون فيها المجتمع، بوصفه كائنا اجتماعيا، مشتملا على ~~الكائن المنفرد المنعزل بوصف هذا الأخير جزءا من كيانه، ولكن ~~يستحيل تصور هذا الأخير بمعزل عن هذه العلاقة على الإطلاق، وفي هذا ~~الصدد يستخدم ستيفن تعبيرا حيا موفقا ليدل على الفرد، هو ~~«النسيج ~~الاجتماعي # Social tissue ~~» ويستخدم هذا اللفظ أيضا للدلالة على ~~الكل الاجتماعي، بحيث يتمثل الفرد الواحد كما كان مغزولا في هذا ~~النسيج الكامل بكل خيط في وجوده، ونتيجة لذلك بالنسبة إلى سلوك ~~الإنسان هي أنه مهما بدا للإنسان أن يستهدف غايات وأغراضا خاصة ~~به، فإنه مع ذلك ms124 واقع تحت ضغط المجتمع إلى درجة واضحة، وهو يعبر ~~عن مصالح المجتمع حتى لو بدا أن الدوافع الأنانية هي مصدر سلوكه، ~~فحتى تلك الأفعال التي تستهدف صالح الفاعل وحده، أي إشباع رغبة ~~فردية في اللذة أو النفع الشخصي، ترجع في أصلها إلى شخصية الفرد ~~التي هي أساسها، وهذه الشخصية من نتاج النسيج الاجتماعي إلى حد ~~بعيد جدا، وتكاد كلها تتحدد وتشكل بعوامل حياة الجماعة. # أما المعيار الأخلاقي الذي يستتبعه هذا الموقف فليس سعي الفرد ~~الشخصي إلى السعادة، ولا هو البحث عن أكبر قدر من السعادة لأكبر ~~عدد من الناس؛ إذ إن كل النظريات المبنية على فكرة اللذة والسعادة ~~تنطوي آخر الأمر على افتراض أن الفرد ذرة منعزلة مستقلة داخل ~~الجماعة، وإنما المعيار الصحيح هو صحة الكائن العضوي الاجتماعي ~~وكفاءته. فالفعل يكون خيرا من الوجهة الأخلاقية إذا كان يؤدي إلى ~~تقدم ونهوض حقيقي في حياة الجماعة ، والجماعة تكون أقدر على حفظ ~~ذاتها في الصراع من أجل البقاء إذا كانت المعايير الأخلاقية ~~المتحكمة في أفرادها تقوم على استهداف سلامة المجتمع من حيث هو ~~كل، والهدف الأخير لكل أخلاق إنما هو سلامة النسيج الاجتماعي ~~وقوته وكفاءته وحيويته، ولا يكون السلوك متمشيا مع القانون ~~الأخلاقي إلا بقدر ما يتجه إلى تحقيق هذه الغاية، وتزداد حيوية ~~النظام الاجتماعي بقدر ما يصل إلى حالة توازن ويحتفظ بها. وعلى ذلك ~~فإن للأخلاق هدفا آخر هو الوصول إلى حالة التوازن الاجتماعي ~~والاحتفاظ بها، فإذا ما شئنا أن نعبر عن هذه الفكرة من وجهة نظر ~~التطور الاجتماعي، لقلنا إن المبادئ الأخلاقية تقبل بعد عملية ~~انتقاء طبيعي، وإن النمط الأخلاقي الذي يغلب على الباقين هو ~~الأكثر فعالية، وهو الأقدر على الحياة، وهو الذي يكشف عن أكبر قدر ~~من التوازن. # وعلى حين أن ستيفن يرفض النظريات السابقة عليه، والمبنية على ~~فكرتي اللذة والسعادة، فإنه يسعى مع ذلك إلى إنصاف مبدأ المنفعة ~~وإيجاد مكان له في مذهبه الأخلاقي، وبذا يبدو مذهبه هذا على أنه ~~مركب من مبادئ نفعية ومبادئ تطورية، مع رجحان ms125 كفة الأخيرة ~~بالطبع. وهكذا فإن من الممكن التوفيق بين العرض الذي قدمناه من ~~قبل لمذهبه وبين قاعدة المنفعة، إذا فسرنا الأخيرة بأنها ليست ~~مجرد مبدأ إيجاد اللذة والسعادة، وإنما هي أيضا مبدأ النهوض ~~بالصحة وحفظ الحياة، فاللذة والصحة، وإن لم تكونا متفقتين على ~~الإطلاق، تتبديان في أفعال تسير على الأقل في اتجاه متقارب؛ إذ إن ~~حدوث تعارض بينهما يؤدي إلى إخلال التوازن الاجتماعي، وعلى ذلك فإن ~~تقاربهما - إن لم يكن هويتهما - هو أمر يضمنه التطور حتما، غير أن ~~المنفعة، بمعنى حفظ الحياة، تثبت في كل حالة أنها أهم بكثير من ~~المنفعة بمعنى مجرد تحصيل اللذة وطلب السعادة. # وأخيرا فالتطور ينطوي على نتيجة أخرى، فإذا كانت بعض طرق ~~السلوك تكتسب قيمة أخلاقية أعظم من غيرها بفعل الانتقاء الطبيعي، ~~وتصبح بذلك مفضلة، أي تقرها الجماعة البشرية، فمن الواضح أن المهم ~~في الأمر ليس الفعل الوحيد المنفرد، وإنما الشخصية التي ينبثق عنها ~~هذا الفعل. وإذن فالتطور لا يولد ولا يرعى طرقا معينة للسلوك ~~فحسب، وإنما يولد ويرعى أنماطا محددة من الشخصية أيضا، فتكوين ~~شخصية متينة يمثل مستوى أعلى في التقدم الأخلاقي من التدريب على ~~طريقة السلوك هذه أو تلك، وهذا هو التقدم الذي يتحقق في الانتقال ~~من أخلاقية السلوك الخارجي إلى أخلاقية التعود الباطن، وكلما ازداد ~~الشخص الأخلاقي النموذجي تنظيما، أصبح لشخصيته طابع أكثر ثباتا ~~وتحددا، وعلى ذلك فإن أعلى قانون أخلاقي ليس هو ذلك الذي يعبر ~~عنه بالأمر «افعل هذا»، وإنما بالأمر «كن هكذا». # وينبغي أن يلاحظ أخيرا أن مذهب ستيفن الأخلاقي قد وجد امتدادا ~~له، بعد سنوات قلائل، في أول كتب صمويل ألكسندر # Samuel Alexander # وهو، ~~«النظام الأخلاقي ~~والتقدم # Moral Order and Progress ~~» (1889)، وهو كتاب سنتحدث عنه في موضع ~~آخر [انظر الفصل الرابع من الباب الثاني.] فهذا الكتاب قد تشبع ~~تماما بروح مذهب ستيفن الأخلاقي، وهو يشبهه في نواح متعددة، وإن ~~يكن قد كشف عن سمات مستقلة. # أما المذهب الأخلاقي عند «إيدث ~~سمككس # Edith Simcox ~~» (1844-1901)، الذي سبق مذهب ستيفن ~~بسنوات ms126 قلائل، والذي عرضته في كتابها «القانون الطبيعي، بحث في الأخلاق # Natural Law, an ~~Essay in Ethics ~~» (1877)، فهو ~~فرع آخر للمذهب التطوري الطبيعي، ومن الممكن تسميته «بمذهب ~~الكمال Perfectionism ~~»؛ إذ ~~إنه يرى أن الهدف المثالي للحياة الأخلاقية والسلوك الأخلاقي هو في ~~الممارسة الكاملة لجميع الملكات البشرية، ويتسم هذا المذهب بأن ~~الطابع التربوي والجمالي يغلب فيه على طابع العمل العلمي - وربما ~~كان ذلك تعبيرا عن طبيعة نسائية مألوفة، فالآنسة سمككس تربط بين ~~المجال الأخلاقي والسياسي وكل مظاهر الحياة الرفيعة للروح، وبين ~~القوى الطبيعية التي تنمى في الإنسان، وهي ترد المبدأ القانوني ~~المتحكم في هذه الحياة إلى مبدأ القانون الطبيعي. فالمعيار ~~الأخلاقي الذي يستخلص من التطور الطبيعي ويتأيد به، هو ذلك الذي ~~يتمشى أكثر من غيره مع الطبيعة المميزة للإنسان، أي هو الأكثر ~~تلاؤما مع الإنسانية، على حين أن أي انحراف عنه ينظر إليه على أنه ~~نقص وإقلال للقيم الأخلاقية. وإذن فالخير في السلوك إنما يكون في ~~رعاية وتنشئة نمط إنساني مثالي، عن طريق المضي في كل قدرة ~~طبيعية إلى أعلى وأكمل ما يمكن أن تصل إليه من درجات التحقق، وما ~~الكمال الأخلاقي إلا تحقيق القانون الطبيعي الذي يخضع له الوجود ~~البشري بدوره. وهكذا يطلب إلى الفرد، بوصفه فاعلا، أن يتعاون ~~تعاونا فعالا مع القوى السائدة في الكون، على حين أنه، من حيث هو ~~كائن مفكر، ينحني أمامها في خشوع لأوامرها بروح من الاستسلام ~~الديني. # أما ألفرد بارات # Alfred Barrett ~~(1844-1881)، فقد كان شغوفا بالفلسفة رغم كونه قد احترف مهنة ~~المحاماة، ونشر وهو لم يزل في الرابعة والعشرين من عمره كتابا ~~أخلاقيا (هو «الأخلاق ~~الفيزيائية Physical Ethics ~~»، 1869)، يتفق مع الأخلاق التطورية في ~~النظر إلى الوجود الأخلاقي للإنسان على أنه ناتج عن تنمية وجوده ~~الطبيعي، وبذلك يكون حصيلة للعوامل والظروف الفيزيائية والبيولوجية ~~والفسيولوجية التي تجعله على ما هو عليه. وتتمثل لدى بارات بدوره ~~بوضوح نزعة المذهب التطوري إلى الخلط بين حدود مختلف مستويات ~~الوجود، وهذا يؤدي به إلى أن يجعل لمستوى «الطبيعة» مكانا بارزا ms127 ~~مميزا عن كل ما عداها، ويناظر ذلك في مجال المعرفة تمييز ورفع ~~لمكانة العلوم الطبيعية فوق كل العلوم الأخرى، وعند هذه النقطة ~~يدعو - باسم وحدة المعرفة كلها - إلى ضرورة إدراج الأخلاق بدورها ~~تحت التفكير العلمي، في ظل المثل الأعلى للمعرفة، وهذا هو ما تعبر ~~عنه عبارة «الأخلاق ~~الفيزيائية Physical Ethics ~~»، أي إن أساس العلم هو الطاعة العاقلة ~~لقوانين الطبيعة. وفي هذا الكتاب المبكر تظهر علامات واضحة على ~~مواهب بارات العقلية الفائقة، وهو ينطوي على سمات أصيلة عديدة، رغم ~~أنه لا يزيد في عمومه عن أن يكون مجرد إنتاج متوسط. وقد استمد ~~الكتاب قوة دافعة كبيرة من سبنسر، الذي يسميه بارات أعظم فلاسفة ~~عصره، غير أنه يمضي قدما بهذه القوة الدافعة بحيث تكتسب شكلا ~~مستقلا، غير أن موت بارات المبكر لم يتح له جني ثمار حماسته ~~الفكرية في مؤلف أعظم. ولقد كانت تلح عليه قرب نهاية حياته ~~مشروعات شاملة لمذهب ميتافيزيقي كوني شامل، ونشر ما تم حتى ~~وفاته في كتاب بعنوان «التفسير الفيزيائي لما بعد التجربة Physical metempirie ~~» (1883). ~~وتشهد الأفكار التي يعرضها في هذا الكتاب، بالمثل، على قوة تفكير ~~بارات، الذي كان يسير في اتجاه فلسفة للذرات الروحية، يتردد فيها ~~صدى ليبنتس؛ وبذلك كان يتباعد عن مذهبه الطبيعي الذي قال به في ~~البداية. # ولقد كان آخر تعبير عن الأخلاق التطورية في القرن التاسع عشر هو ~~«أصل ~~الغريزة الأخلاقية ونموها # The Origin and Growth of the Moral Instinct ~~» (1898)، من تأليف ~~ألكسندر ~~سذرلاند # Alexander Sutherland ~~(1852-1902)، وهو صحفي وكاتب كان يعيش في ~~أستراليا، ولم يخض ميدان الفلسفة إلا هذه المرة وحدها، وهو يهتم في ~~كتابه هذا - كما فعل وستر مارك في كتابه - بالبرهنة تجريبيا على ~~وجود حاسة أخلاقية من أدنى مستوى حتى أعلى أنماط الحضارة البشرية، ~~كما يهتم بمسألة مرتبطة بها، هي التقدم الأخلاقي للبشرية. ويرى ~~«سذر لاند» أن الغريزة الأخلاقية الأولى والأصلية هي التعاطف، الذي ~~يرجع جذوره إلى حب الأم، ويلعب التعاطف، حتى في حياة الشعوب ~~البدائية، دورا ضابطا حاسما، ويتمثل موضوعيا ms128 في معايير ~~وقواعد متعددة، ومنه تنشأ فكرة الواجب في مرحلة تطورية أعلى، ~~وهذه بدورها تصطبغ بصبغة باطنة، وتتحول إلى الشعور بالاحترام ~~الذاتي. وبعبارة أخرى فأداء الواجب هو نتيجة الاحترام الذاتي ~~الباطن، وليس مجرد فعل يقصد منه المنفعة الخارجية، ويرتد الواجب ~~إلى ضمير باطن، وبذلك تصل الحياة الأخلاقية إلى أنبل تجسد وأعلى ~~تحقق لها. # ولقد كان أهم مذهب للأخلاق التطورية ظهر عند مطلع القرن العشرين ~~هو مذهب ل. ت. ~~هبهوس # L. T. Hobhouse ~~، وذلك في كتابه «الأخلاق في تطورها # Morals in Evolution ~~» ~~(في مجلدين، 1906) وسوف نتحدث فيما بعد عن هذا الكتاب، الذي كان ~~آخر أمثلة المدرسة التي نحن بصددها عندما نناقش آراء هذا المفكر في ~~مجموعها [انظر الجزء الأخير من هذا الفصل]. # بقي علينا أن نبحث ميدانا قريبا من الأخلاق، اكتسب بفضل العلم ~~الجديد والفلسفة الجديدة إمكانيات خصبة للتطبيق، وأعني به علم ~~الاجتماع، وهنا أيضا حدد سبنسر معالم الطريق الذين تعين على ~~الباحثين الآخرين المضي فيه أبعد منه، ولكن لما كانت معظم أعمالهم ~~تنتمي إلى مجال العلم المتخصص، ففي وسعي أن أحذفهم من هذه الدراسة. ~~ومع ذلك، فإلى جانب تلك الأعمال ذات الأهمية العامة، والتي ذكرت ~~من قبل أو ستذكر فيما بعد في سياق آخر، ينبغي أن نلفت النظر ~~إلى عمل لقي في أيامه تقديرا كبيرا، وحاول أن يستخلص ما في ~~الداروينية من قيمة لعلم الاجتماع، ويجعلها بحثا مثمرا، ذلك هو ~~كتاب «بنجامين كيد # Benjamin Kidd ~~» ~~(1858-1916) «التطور ~~الاجتماعي # Social Evolution ~~» (1894). ولقد صادف هذا الكتاب من ~~النجاح بقدر ما صادف كتاب دراموند، «القانون الطبيعي في العالم الروحي» # 27 # وكانت عوامل النجاح متشابهة في الحالتين إلى حد ~~بعيد، فقد ساهم في هذا النجاح شعبية الأسلوب وتأثيره في النفس، ~~والوضوح الشفاف لتفكيره، غير أن السبب الرئيسي لهذا النجاح هو أن ~~الدين قد تلقى نجدة من مذهب من ألد أعداء الدين، وهو ~~الداروينية، وكان هذا كافيا لجعل الجمهور يستقبل الكتاب بحماسة ~~شديدة، بينما وقفت الأوساط العلمية منه موقفا أشد تحفظا ~~بكثير. # ويمكن القول: إن ms129 علم الاجتماع عند «كيد» قد اقتبس الأفكار ~~الرئيسية في نظرية الأصل ~~السلالي # theory of descent # بحذافيرها؛ أعني فكرة الصراع من أجل ~~البقاء، والانتقاء الطبيعي، وبقاء الأصلح، ووراثة الصفات إلخ. وقد ~~اقتبس هذه الفكرة الأخيرة بالمعنى الذي أضفاه عليها فيزمان # Weismann # 28 ~~(الذي تأثر به كيد كثيرا) أكثر مما اقتبسها بالمعنى ~~الدارويني. فالقانون الحيوي للحياة البشرية، الفردية والاجتماعية، ~~وكذلك للعلاقات المتبادلة بين الفرد والمجتمع، هو نفس القانون الذي ~~يسري على الحياة الحيوانية، أي الصراع والنضال الذي لا ينقطع ولا ~~يرحم، والانتقاء والرفض، والتقدم والنمو، ولا يحدث التعارض بين ~~مصالح الأفراد فحسب، بل بين مصالح الكائنات الاجتماعية أيضا، ~~وأخيرا بين مصالح مجتمعات بأكملها في علاقاتها المتبادلة. ويرجع ~~ظهور جميع أشكال المجتمع إلى الصراع من أجل الوجود عن طريق عمليات ~~طبيعية كانتقاء السلالات، كما أن هذه الأشكال تظل خاضعة لقوانين ~~هذه العمليات. وهنا نستطيع أن نقول إن النظرية حتى الآن هي نظرية ~~بيولوجية خالصة في المجتمع، بالغت في حد التطرف في تأكيد المبدأ ~~الدارويني حتى تطبقه على الحياة الاجتماعية، غير أن «كيد» يخلط عند ~~هذه النقطة بهذا النسيج الاجتماعي سلسلة من الأفكار الرئيسية التي ~~تضفي على نظريته طابعها المميز، والتي يرجع إليها قبل غيرها، ~~الطابع الجذاب في هذه النظرية. فهو أولا يبالغ دون تحفظ في ~~تقدير أهمية العوامل العاطفية في الإنسان، وفيما يستتبعه ذلك من ~~إقلال من أهمية العوامل العقلية والذهنية، وذلك لصالح رأي في علم ~~الاجتماع يغدو، لهذا السبب، مبنيا على أساس عاطفي قبل كل شيء. ~~وهكذا يرى «كيد» أن الصفات العاطفية لا العقلية هي أول الصفات التي ~~تولدها وترعاها عملية الانتقاء الطبيعي، وهي التي تشجع على النهوض ~~البشري. # وهو يعزو إلى الصفات الأولى فعالية اجتماعية أقوى بكثير مما ~~يعزوه إلى الثانية، بل إنه يذهب إلى حد القول: إن كل ما يرتبط ~~بالعقل والفهم والتعقل والعلم - أي بالاختصار بمعقولية الإنسان - ~~هو عامل معاد صراحة للتطور، وعقبة في وجه التقدم، ومن ثم فلا ~~يوجد في نظره ارتباط علي بين ارتفاع مستوى النمو الاجتماعي ms130 ~~والذهني، وهو يرى أن الاختلاف الذي يميز تلاميذ المدارس في ~~المستويات الحضارية العليا عنهم في المستويات الدنيا، ليس اختلافا ~~في التقدم العقلي، بل في مدى نمو القوى العاطفية. وهكذا أدخل ~~عاملا جديدا على المذهب التطوري، لم يسبق لأحد التنبيه إليه، أو ~~على الأقل لم ينبه إليه بمثل هذه الصراحة وهذا التحمس؛ إذ إن ~~التطورية، كما عرضها كل ممثليها البارزين، كانت تشيد بالمعرفة ~~والعلم (وبالتالي بالإنسان من حيث هو عاقل) بوصفها مثلا عليا، ~~وجعلت كل نهوض فردي واجتماعي متوقفا عليها. أما عند «كيد» فإن ~~الإحساس يقوم بالدور الذي كان يقوم به العلم، فيصبح العامل الأول ~~في التطور الاجتماعي، أي العامل الذي يكون المجتمع بحق، فهو نقيض ~~العقل، وهو على عكسه يبدي فعالية اجتماعية كبيرة، ويتضح أنه هو ~~القوة الدافعة بالتطور إلى أعلى. # غير أن عرضه ينطوي على نقطة أخرى، تماثل السابقة في أنها بدورها ~~لم تقترن من قبل أبدا بمبدأ التطور، فكيد يوحد، بطريقة عامة ~~خشنة سريعة مميزة له، بين عالم الشعور ومجال الدين (وكذلك بينه ~~وبين مجال الأخلاق، ولكن بمعنى ثانوي). ويستتبع هذا الرأي بضعة ~~نتائج غريبة جدا بالنسبة إلى التطور والتاريخ. وينبغي أن يلاحظ ~~أولا أن المفهوم الذي يربطه كيد بالدين يشابه كل مفاهيمه وصيغه ~~الأخرى في افتقاره إلى التحدد والوضوح. وعلى أية حال فإنه يعني ~~بالدين ظاهرة اجتماعية في المحل الأول، ولا يمل من تأكيد طابعه ~~العاطفي فضلا عما فيه من جزاء خارج عن العقل. وهو يستبعد عنه كل ~~العناصر المعقولة بوصفها متناقضة معه تناقضا أساسيا، ويعلي من ~~قيمة طابعه الأخلاقي فوق طابعه الديني الصرف. وهكذا يصل بنا، عندما ~~يتأمل الأمر من وجهة نظر التطور الاجتماعية، إلى النتيجة القائلة ~~إن الدين يمثل مبدأ الانتقاء الحقيقي في الصراع من أجل البقاء. ~~فالعملية التطورية تعلي أولا وقبل كل شيء الطابع الأخلاقي الديني؛ ~~إذ ترى أن هذا العامل هو الذي يثبت فعالية اجتماعية تفوق فعالية ~~كل عامل آخر، ولا سيما النظري، فليس ثمة قوى تشجع على التقدم ~~الاجتماعي بقدر القوى الأخلاقية ms131 والدينية، وكل الشعوب المتدينة لا ~~بد أن تتغلب في الصراع من أجل الحياة على الشعوب غير المتدينة ~~وتثبت أنها أصلح للبقاء. والدين هو أعظم قوة اجتماعية موجودة، ~~وقيمته تتضح في أنه يثبت أنه أقوى سلاح في صراع الأجناس والشعوب ~~المتنافسة. وأهم الأسباب المؤدية به إلى اكتساب هذه الأهمية ~~البارزة أنه يثير المشاعر الغيرية في الإنسان ويرعاها، ويعلمه ~~إنكار الذات في سبيل الجماعة، وكل هذه أمور يعجز عنها العقل، الذي ~~هو وظيفة هدامة أكثر منها بناءة. وأعلى صور التركيب الاجتماعي ~~هي تلك التي تبنى على أكبر قدر من الإيمان الديني والإرادة ~~الأخلاقية، وأعلى صور الإيمان الديني هي المسيحية، التي يرى «كيد» ~~أنها هي عصب الحضارة الغربية بأسرها، والدعامة الأساسية التي يرتكز ~~عليها البناء بأكمله. ويقترن بهذه الفكرة تفاؤل واضح التعصب في ~~التقدم، يضلله الإعجاب الأعمى بالتقدم الرائع الذي تحقق في عصره، ~~حتى لينسى ما يحمله هذا العصر ذاته في ثناياه من عيوب ~~وأخطاء. # وتقترن بهذا أيضا مناقشات متعلقة بفلسفة التاريخ، ومعنى ~~المدنية الغربية ودلالتها، كما يعرضها كيد في مؤلف تال هو، ~~«مبادئ المدنية الغربية # The Principles of Western ~~Civilization ~~» (1902)، غير أن هذا لا ~~يعدو أن يكون تكرارا مطولا لحججه السابقة، ولا يكاد يحوي أية ~~أفكار جديدة. ومثل هذا يصح على كتابه الأخير، «علم القوة # The Science of Power ~~» (الذي ~~نشر بعد وفاته سنة 1918)، وهو بدوره كتاب أحرز نجاحا عظيما، ~~وكتب تحت تأثير الحرب العالمية الأولى. ويتضح مقدار عناد «كيد» ~~في تشبثه بمبادئه إذا أدركنا أن كارثة مدمرة كالحرب العالمية ~~الأولى قد عجزت هي ذاتها عن شفائه من وهم التقدم المسيطر ~~عليه. # وينبغي أن يتسع المقام هنا للكلام عن كاتب آخر احتل مركزا ~~مستقلا، بل مركزا منعزلا في نواح عدة، داخل الحركة التطورية، ~~إذ إنه قد خرج عن إطار النظرية التطورية أكثر مما التزم حدود هذا ~~الإطار؛ ذلك هو صمويل ~~بطلر # Samuel Butler ~~(1835-1902). وهو من أطرف شخصيات العصر ~~الفكتوري؛ إذ كان رساما موسيقيا وفيلسوفا وأديبا كاتبا ~~وناقدا ومترجما ومتبحرا في شعر ms132 هوميروس وشكسبير، ومؤرخ سير ~~وروائيا ومربي أغنام. وقد تمكن، رغم تعدد أوجه نشاطه، من أن يضيف ~~عناصر أصيلة خلاقة إلى كل الميادين التي اهتم بها على وجه ~~التقريب، ولكنه لم يكن متخصصا أو خبيرا محترفا في واحد من هذه ~~الميادين، وإنما كان فيها كلها هاويا عبقريا، وموقظا ومثيرا ~~للاهتمام لدى الآخرين، بعثر أفكاره وخيالاته الرائعة بسخاء كاد يصل ~~إلى حد الإسراف المفرط. ولقد كان يتخذ موقف المعارضة من كل الآراء ~~والقوى السائدة في عصره تقريبا، وكان على خلاف مع المعايير والقيم ~~السائدة في كل المجالات تقريبا، ووقف يعارض كل ما كان مقدسا ~~وصحيحا، في أعين معاصريه، في مجالات الأخلاق والدين والكنيسة ~~والعلم والفلسفة والتعليم. وهكذا كان يسبح ضد تيار عصره، ويهز ~~العالم من سباته، وكانت شخصيته منعزلة غير محددة المعالم، ولكنها ~~كانت رغم ما تعرضت له من نقد وإنكار، خلاقة زاخرة بالمعاني ~~بالنسبة إلى المستقبل. # ومن الصعب أن يحدد المرء الموضوع الأساسي لاهتمام شخصية لها تلك ~~الأوجه والنواحي المتعددة التي كانت لبطلر، ولكنا نستطيع أن نفترض ~~أنه كان ينتمي إلى مجال الفكر؛ فقد كان له على أية حال ذهن فلسفي ~~من الطراز الأول، وإن يكن قد افتقر إلى التعليم والمنهج الذي يتميز ~~به المتخصص والدارس المتبحر. وكان تفكيره يشع في معظم أوجه نشاطه ~~الأخرى، ومن السهل التعرف عليه فيها (ولا سيما في الروايات) مثلما ~~يمكن التعرف عليه في مناقشاته الأقرب إلى الروح المنهجية. ولقد كان ~~تحرر ذهن بطلر - الذي كان له عقل من أذكى وأرق وأجرأ العقول في ~~عصره - أقرب إلى طابع التحرر من الأوهام ومن قيود التراث وأغلاله، ~~منه إلى طابع «المفكر ~~الحر # freethinker ~~» بالمعنى المألوف لهذه الكلمة، ورغم أنه كان ~~هداما إلى حد غير قليل في نقده الشكي وتهكمه، فإن تفكيره كان ~~إيجابيا بناء، ومعبرا عن قوة خلاقة متأصلة فيه. # والفكرة الرئيسية في فلسفة بطلر هي فكرة التطور أو النمو، ورغم ~~أنه أدخل على هذه الفكرة تعديلات كبيرة، ووسعها إلى حد بعيد، ~~فقد ظلت إلى النهاية مستحوذة عليه. ms133 ولقد كان واحدا من تلاميذ ~~دارون، ورحب بأفكار أستاذه بحماسة بمجرد ظهورها، وكانت تعني ~~بالنسبة إليه تجربة تحكمت في توجيه تفكيره التالي. ولكنه لم يكن ~~الرجل الذي يكتفي بقبول أفكار تنقل إليه، أو يدين بها لمجرد كونها ~~هي المسيطرة على الأذهان في عصره، بل إنه - على العكس من ذلك - ~~سرعان ما وجد نفسه معارضا لها في النقاط الرئيسية، ونظرا إلى أنه ~~كان في الأصل واحدا من أوائل أنصارها، فقد أصبح الآن واحدا من ~~أوائل نقادها. ومن المؤكد أن اختبار بطلر النقدي لنظرية الأصل السلالي # theory of descent # هو ~~أرق وأعمق نقد ظهر في إنجلترا حتى نهاية القرن السابق. وهذا يرجع ~~أساسا إلى أن هذا النقد لم يتعرض للمبدأ الجديد من الخارج، أو ~~تطبيق معيار معد مقدما يحكم به عليه، وإنما تعرض له بمعيار ~~يرجع في أصله إلى باطن النظرية ذاتها؛ ومن ثم فقد هدمها وقلبها ~~رأسا على عقب في عقر دارها. ويمكن القول إن بطلر قد استبق بطريقة ~~ضمنية على الأقل - إن لم يكن بطريقة صحيحة - تلك التعديلات ~~والتجديدات التي لم تدخل على الداروينية إلا بعد وقت طويل، وذلك ~~في كتابات نيتشه وبرجسون، والمذهب الحيوي الجديد # Neo Vitalism # والبرجماتزم وفلسفة الطفرة # Emergence ~~، فهنا كان بطلر، كما كان ~~في نواح أخرى سابقا عصره بمراحل، ورغم أن حياته تنتمي إلى القرن ~~التاسع عشر، فإن ذهنه ينتمي إلى القرن العشرين . # وليس في وسعنا أن نشير إلى تلك الأفكار النيرة الأصيلة التي ندين ~~بها لبطلر، والتي كانت في عصره جديدة غير مألوفة وأصبحت في وقتنا ~~الحالي شائعة، إلا بطريقة موجزة وبعبارات عامة. ولنبدأ بأبرز ~~النقاط أولا، فقد أدرك بطلر منذ وقت مبكر ببصيرة نفاذة أن مذهب ~~التطور معرض لخطر التيه في بيداء فلسفة مادية آلية قاحلة؛ ومن ~~ثم فقد اتجهت كل جهوده إلى إعادة المذهب إلى طريق التفسير المثالي ~~والغائي للحياة. ولقد اهتدى إلى حليف في شخص الفيلسوف الألماني ~~إدوارد فون ~~هارتمن # E. Von Hartmann ~~، الذي اتفق معه في أساسيات نقده ~~للداروينية، وإن يكن ms134 قد رفض أنظاره الميتافيزيقية فوضع فكرة وجود ~~طاقة خلاقة للحياة مقابل آلية الانتقاء والوراثة، وافترض وجود نوع ~~من القوة الأولية أو الإرادة الأولية التي تسود كل جزء من الكون، ~~وتجمع الكل سويا في كائن عضوي كوني واحد. وهكذا أصبحت ~~الفكرة التي تحتل مكانة الصدارة لديه هي فكرة الحياة بوصفها مبدأ ~~خلاقا، لا تلك الحياة البيولوجية البحتة غير المكترثة بالقيم، ~~وإنما الحياة التي كان لها من القيمة والجدارة المؤكدة ما نسبته ~~النظريات الحيوية المتأخرة إليها. وتتضح أهمية تفسير بطلر للحياة ~~بوجه خاص في بحثه في الذاكرة، وهو الذي كان يشبه بحثا آخر سبق أن ~~قام به أ. هيرنج # E. Hering ~~، # 29 # وإن لم يكن بطلر قد عرفه، وازداد شيوعا فيما بعد ~~بفضل مذهب «سيمون # R. Semon ~~» # 30 # في «التذكر # mneme ~~». ~~وتبعا لهذا المذهب ينبغي أن ينظر إلى «الحياة» على أنها صفة في ~~المادة العضوية تتمكن بفضلها تلك المادة من التذكر، وتكون المادة ~~«حية # animate ~~» بقدر ما تكون ~~لها هذه القدرة، وتتمثل هذه الصفة حتى في أصغر خلية، وإن تكن فيها ~~غير واعية، وإليها يعزو بطلر العمليات النفسانية الغرضية الواعية، ~~بل يعزو أيضا كل نوع من التحقق اللاشعوري، من تكرار وتعود ~~ووراثة، وأخيرا عملية التطور ذاتها. ويكفي هذا لإيضاح أن الذاكرة ~~ليست مجرد ظاهرة فردية، وإنما هي صفة يمتلكها الجنس بأكمله، وأن ~~هناك نوعا من «الذاكرة ~~القبلية # tribal memory ~~» تبدأ عملها عند مولد الفرد، ولا تنقطع ~~بموته، الذي لا يعدو أن يكون تغييرا للذاكرات. وهكذا يمكن توريث ~~الذاكرة من حيث هي وظيفة، وبقدر ما هي موروثة فإنها تسمى بالغريزة، ~~وتصبح العادة غريزة عندما تمارسها الأجيال المتعاقبة بدرجة كافية ~~من التكرار والانتظام. ولا اختلاف بين الغريزة والعقل # intellect # من حيث المبدأ، وإنما ~~يختلفان في الدرجة؛ إذ إن الأفعال التي يكون أصلها عقليا قد ~~تنحدر إلى مرتبة الغرائز إذا ما تكررت بقدر كاف. وهذا يصدق أيضا ~~على الفرق بين العضوي واللاعضوي، فبطلر يرى أنه لا توجد أية هوة ~~فاصلة بينهما، وإنما تعبر الحدود على ms135 الدوام في كلا الاتجاهين. ~~فحتى المادة غير الحية ذاتها قادرة على «التذكر»، وبقدر ما هي كذلك ~~يمكن أن تعد حية، وكل الكائنات الحية مكونة أساسا من نفس المادة، ~~وكان يمكن أن تكون متماثلة من جميع الأوجه لولا تباين «ذاكراتها»، ~~واختلاف قدرتها على التذكر، والذكريات الفعلية المختزنة ~~فيها. # ومع ذلك فمن الواجب ألا تفهم فكرة بطلر عن الذاكرة بمعنى آلي؛ ~~فهي فكرة غائية تماما، مثلها مثل الحياة التي يكون قوامها الفعلي ~~هو هذه الذاكرة، فالحياة غرض ومقصد وإرادة وتطلع إلى الأمام بكل ~~معاني هذه الكلمات، أي هي بالاختصار غاية خلاقة، وليست مجرد ~~عملية آلية أو تفاعل متخبط بين قوى طبيعية. وينساب مجرى الحياة ~~في جميع مراحل التطور العضوي (بل في جميع مراحل التطور غير العضوي ~~أيضا، وذلك بمعنى أوسع في الكم وأضيق في الكيف)، فيوحد بين كل ~~كائن حي وبين السلسلة اللامتناهية لأسلافه، ويكتسب كل كائن طابعه ~~الفردي المستقل بفضل تلك الفعالية الدائمة المستمدة من تلك ~~السلسلة، والتي تؤدي وظيفتها دون وعي كما تختزن في الذاكرة. غير أن ~~القوة الدافعة الأولى التي تتحرك في كل حياة عضوية وتنشطها هي ~~الإرادة، ويرتبط بها الإيمان الذي يعطي الإرادة القدرة على أن تصبح ~~ما تختاره. وفي رأي بطلر أن قدرة الإرادة هائلة إلى حد أنه لو ~~أرادت الحمامة بعزم وتصميم أن تصبح طاووسا، لما حال بينها وبين ~~ذلك أي انتقاء طبيعي. # وإن المرء ليلمس هنا مقدار التحول الذي طرأ على مقولات دارون، ~~ومدى الطابع الجديد المختلف تماما الذي انطبعت به النظرية ~~التطورية، فالطريق الذي سلكه بطلر هو بالتأكيد ذلك الذي يؤدي من ~~الآلية إلى الغائية، ومن الحتمية إلى حرية الإرادة، ومن «النزعة ~~البيولوجية» إلى النزعة الحيوية، ومن الطبيعية إلى المثالية، ومن ~~الانتقاء الطبيعي كما قال به دارون إلى «الدفعة الحيوية # élanvital ~~» الخلاقة كما ~~قال بها برجسون، وفكرة «الطفرة # emergence ~~» عند ألكسندر، بل وإلى التحليل النفسي ~~كما قال به فرويد آخر الأمر، ولم يكن ذلك كله إلا تعبيرا عن ~~شخصيته المتألقة حيوية وذكاء. # 31 # ولقد ms136 كانت فلسفة بطلر ~~إشارة إلى نقطة التحول في المذهب التطوري الطبيعي، وعلامة على حلول ~~ساعة تقرير مصيره، ومع ذلك فإن أفكاره الرائعة، التي توصل إليها ~~بلمحات حدسية أكثر مما استخلصها علميا، لم تثر الاستجابة التي ~~كانت جديرة بها خلال حياته، ولم يكن لها إلا دور ضئيل في العملية ~~الطويلة التي أعيدت بها صياغة فلسفة التطور ووضعت في قالب جديد ~~ابتداء من مطلع القرن العشرين، وقد تضافرت في تحقيق هذه النتيجة ~~قوى متعددة ومتنوعة، تنتمي إلى مدارس وجماعات متباينة، ولكن ~~أقواها وأنجحها وأبعدها أثرا كانت تلك التي ترجع في أصلها إلى ~~فلسفة برجسون، فقد كان كتابه «التطور الخلاق # L’Evolution Créatrice ~~» هو ~~الذي أحدث التحول الحاسم في اتجاه التفكير التطوري؛ إذ إنه رغم ~~بقاء شكل فكرة التطور على ما هو عليه في ذلك الكتاب، فإن مضمونها ~~ومحتواها قد تغير تماما. وأوضح مظهر للهوة الشاسعة التي تفصل بين ~~النظرية القديمة والنظرية الجديدة هو اختبار برجسون النقدي الموجز ~~لسبنسر، وهو الاختبار الذي ختم به كتابه الرئيسي (انظر التطور ~~الخلاق، ص292-299، الترجمة الإنجليزية ص384-391)، فهو هنا يشرح كيف ~~أن المعنى الحقيقي للتطور، بوصفه نموا متقدما # development # قد فات سبنسر تماما. ~~ولقد كان من نتيجة عمل برجسون أن أصبح من المستحيل بعد ذلك قيام ~~فلسفة تطورية بالأسلوب القديم، صحيح أن الأشكال القديمة ما زالت ~~موجودة، ولكنها أشكال لا حياة فيها، ورغم أننا ما زلنا نصادف حتى ~~يومنا هذا متعصبين للمذهب القديم، فإن كل مفكر لديه أي شيء حقيقي ~~يقوله في هذه المشكلات أصبح منذ ذلك الحين يقف - وينبغي أن يقف - ~~في دائرة نفوذ تفكير برجسون. # وهذا يصدق أولا وقبل كل شيء على فلسفة «الطفرة # Emergence ~~» التي أصبحت اليوم جزءا ~~من تراث المذهب التطوري، وهي تكون تيارا ضخما في الفكر ~~الأنجلوسكسوني المعاصر، وترتبط على أنحاء شتى بالمذهب القديم، غير ~~أن ما تتميز به هو أن البرجسونية متغلغلة فيها تماما، ولا يمكن ~~تصورها بدونها. وعلى ذلك فلن نتحدث في هذا المقام عن هذه المرحلة ~~القريبة العهد في النظرية ms137 التطورية، وإنما سنعود إلى ممثليها ~~المتعددين في سياقات أخرى، وإذا استثنينا الفكرة الواحدة التي ~~ساهم بها ليويس (انظر: [الباب الأول: المدارس الفكرية المتقدمة - ~~الفصل الثالث: المدرسة التطورية الطبيعية])، فإن أهم ممثليها - ~~أعني مؤسس النظرية - هما ألكسندر ولويد مورجان # Lloyd Morgan ~~، ومن الممكن تتبع تأثيرها، بدرجات ~~تتباين عمقا، في كتابات هبهوس، وشيلر # Schiller # ومكدوجال # McDougall # وولدن ~~كار # Wildon Carr # وسمطس # Smuts ~~، ومن الأمريكيين ديوي # Dewey # وسيلرز # Sellars # وبريتمان # Brightman # وسبولدنج # Spaulding ~~، أي لدى مفكرين ينتمون إلى مدارس ~~فكرية متباينة كل التباين، وما قيل على نظرية «الطفرة» يصدق أيضا ~~على البرجماتية؛ إذ إن هذه، وإن لم تكن تعد منتمية إلى التطورية ~~بحق، فإن لها صلات ببعض فروعها في أفكار رئيسية عديدة لها. # ولكن من المهم أن نلاحظ أن أهم ممثلي البرجماتية من الإنجليزية، ~~وهو «شيلر # F. C. S. Schiller ~~»، قد ~~ظهر تفكيره من الداروينية مباشرة، وأن مذهبه الناضج لا ينطوي ~~بدوره على أي شيء يتعارض مع هذا الأصل، فأول مرحلة سابقة على ~~البرجماتية في تفكيره، وهي التي تتمثل كتابة «ألغاز أبو ~~الهول # The Riddles of the Sphinx ~~» (1891)، مبنية كلها على أساس تطوري. بل ~~إن هذا الكتاب قد عبر بطريقة مستقلة عن نظريات دارون وسبنسر ذاتها، ~~وإن يكن يدين لها بالكثير بطبيعة الحال (انظر فيما بعد الفصل ~~الثاني من الباب الثاني)، ولكن البرجماتية بدورها لم تكن بمنأى عن ~~التأثر بذلك التحول الذي أدخل على مبدأ التطور، إنما استوعبته ~~ضمن تعاليمها. # على أن الاتجاه الفكري ~~البرجسوني لم يقتصر في تأثيره على هذا، وإنما تغلغل - وما زال ~~بالفعل يتغلغل - في الفلسفة الحديثة في أنحاء شتى، غير أنه قد ~~انقسم إلى عدد من التيارات والنزعات بلغ في ضخامته حدا يجعل من ~~المستحيل الآن النظر إليه على أنه تركيب موحد، والدليل على ذلك ~~أنه منذ بداية تأثير البرجسونية أصبح كل مفكر إنجليزي ينتمي، في ~~نواح معينة، إلى المعسكر التطوري، أو يشيد بالتطورية في هذه ~~النقطة أو تلك على الأقل. # وسوف نختتم هذا القسم ببحث أكثر تفصيلا لفلسفة ms138 هبهوس، # 32 # الذي يمكن بالفعل أن تعد تعاليمه أكمل مظهر للفكر ~~التطوري الحديث، على أن عرضنا له سيبين أن هذا الفكر الخصب ~~الغزير الإنتاج لا يمكن أن يحصر في الإطار الضيق لمبدأ واحد ~~بعينه، أو ينسب إلى مدرسة خاصة أو اتجاه فكري معين، وإنما هو ~~يتجاوزه هذه الحدود بمراحل، ويحتاج إلى أن يقدر بمعايير خاصة ~~به؛ لذلك ينبغي أن نؤكد بكل وضوح أننا لا نعني ببحثنا لمؤلفاته في ~~هذا السياق، أن نصدر مقدما أي حكم حول طابعها أو اتجاهها. # ولا تتميز أعمال هبهوس في مجال الفلسفة بعمقها وأصالتها بقدر ما ~~تتميز برحابة نظرتها وشمول نطاقها وتشعب مجالات اهتمامها. فقد ~~كان ذهن هبهوس، بعد ذهن سبنسر، هو أكبر ذهن موسوعي بين الفلاسفة ~~الإنجليز. كما كان باحثا ذا مركز رفيع مستقل في مجالات مختلفة ~~للعلم، بل لقد تحدى روح التخصص الشائعة اليوم، عن طريق التحكم في ~~ذخيرة تدعو إلى الدهشة من المعارف العامة والخاصة، والجمع بينها ~~سويا في إطار تفسير فلسفي موحد، وفضلا عن ذلك، فلكي يكون ~~المرء مجرد فكرة عن نشاطه الذي لا ينفد، ومدى تشعب مجهوداته، ينبغي ~~أن يذكر أن نشاطه بوصفه عالما وفيلسوفا لا يمثل إلا شطرا واحدا ~~من مجموع أعماله، وأن حياته قد استغرقت إلى جانب ذلك، في عمل ~~متواصل في الصحافة والسياسة والخدمة الاجتماعية والتنظيم والتدريس ~~وما شابه ذلك. # ويتضح الطابع العام للإطار الفلسفي الذهني لهبهوس في نفوره ~~العميق من كل تأمل مجرد يتم في فراغ، فقد كان تفكيره مبنيا على ~~الدوام على أساس متين من البحث الدقيق في مجال معين من الحقائق ~~التجريبية، وكان ينهل على الدوام من معين التجربة ليجدد بها هذا ~~التفكير، ولكنه مع ذلك لم يتوقف أبدا عند حدود الوقائع المجردة، ~~وإنما رأى نفسه مضطرا على الدوام إلى إحراز المزيد من التقدم نحو ~~تكوين مركب ومنظور فلسفي عام. وإذا شئنا أن نعبر عن الأمر ~~تعبيرا مجازيا، لقلنا إنه كان يحرث الحقل التجريبي ويبذر فيه ~~البذور الفلسفية، لكي يجني ثمارا فلسفية. وتتمشى مع ذلك ms139 تلك ~~القرابة الوثيقة التي قال بها بين الفلسفة والعلم، فليس بين ~~الاثنين في نظره فارق أساسي. وعلى حين أن العلوم تسعى إلى إخضاع ~~جزء من عالم الواقع في وجه محدد من أوجهه، للتفسير العقلي، فإن ~~الفلسفة تسعى إلى الوصول إلى معرفة لعالم الواقع بأسره وإخضاعه ~~لنظرية شاملة؛ لذلك ينبغي على الفلسفة أن تطأ طريق العلوم الخاصة. ~~ولما كان هذا طريق تقدم مستمر لا نهاية له، فإن الفلسفة - التي هي ~~بدورها سعي دائم - ينبغي أن تتجنب كل استنتاجات نهائية، وإن ~~تتبع المشكلات لذاتها أو من أجل محتواها الواقعي لأهم من إتمام ~~بناء الفكر الفلسفي المتعدد الحجرات في مذهب متناسق الخطوط، وليس ~~ثمة مبرر للمجهود الذي يبذل في بناء المذهب، وهو المجهود الذي ~~يعترف به هبهوس صراحة، والذي كان واضحا كل الوضوح في تفكيره، إلا ~~إذا حدث ذلك في مذهب مفتوح يحتفظ بالمشكلات المتعددة في صورتها ~~الخاصة ويستبقيها، ويكون من الممكن فيه دائما تدفق مادة واقعية ~~جديدة مستمدة من مجهودات العلوم الخاصة. وهكذا فإن الهدف الأول ~~للفلسفة هو صنع مركب من العلوم، أو بعبارة أدق: مركب يكون منسجما ~~مع نتائج البحث المتخصص، ويتخذ منها أساسا يبنى عليه، ومع ذلك فهي ~~لا تبلغ من ضيق الأفق حدا يجعلها تقف عند حد إضفاء صحة مطلقة ~~على الوجه العلمي للأشياء، وإنما تشمل كل مجال للتجربة يقبل البحث ~~النظري، وضمنه عالم القيم الذي تنتمي إليه المجالات الدينية ~~والجمالية والأخلاقية. وهكذا فإنها - بأشمل معنى للكلمة - مركب، ~~ليس فقط للوجود كما يعرف عليها، وإنما للوجود في كل مجالاته ~~وتدرجاته. # ولقد أدى الأساس التجريبي الواسع الذي بني عليه كل ما توصل ~~إليه هبهوس من نتائج فلسفية، واستعداده الدائم لاستخلاص نتائج ~~تفيد الفلسفة من كل إضافة جديدة تنتمي إلى مجال الواقع المجرب، ~~أدى ذلك إلى إضفاء طابع مرن ذي نسيج رخو على تفكيره، كان هو ~~المميز له حتى بالنسبة إلى أقوى المذاهب الفلسفية تأثيرا فيه. ~~وكما أنه استعان بكل ما كان يبدو له ذا دلالة في العلم والحياة لكي ~~يزيد ms140 تفكيره خصوبة، فكذلك كان ذهنه على الدوام متفتحا بالنسبة إلى ~~المذاهب الفلسفية للسابقين عليه ولمعاصريه. وهو لم يكن يبالي، عند ~~استيعابه وتمثله لتفكير شخص غيره، باسم المدرسة التي ينتمي إليها ~~أو الاتجاه الذي يتبعه، وإنما كان يهتم فقط بالقيمة الحقيقية لذلك ~~التفكير ومدى إمكان انطباعه على مذهبه في إطاره الخاص. وهكذا كان ~~معاديا لكل تحيز فلسفي، ولم يكن يدين بالولاء المطلق لأي أستاذ ~~بعينه، وإنما أصبح، بفضل إصغائه لأصوات الكثيرين، وسيطا ومعبرا ~~بين حركات مختلفة يدب الخلاف فيما بينها. ويتمثل هذا الاتجاه إلى ~~التوفيق حتى في أول كتبه، الذي يهدف خاصة إلى التوفيق بين ~~المعسكرين المتضاربين في التجريبية التقليدية، وبين المثالية ~~العائدة إلى الظهور. وهكذا مهد الطريق، منذ أواخر القرن الماضي، ~~لذلك التلاقي بين الأضداد، الذي لم تظهر أوسع وأكمل آثاره إلا بعد ~~مضي وقت طويل. غير أن هذه الصفة في عمل هبهوس قد تعلل لنا عدم ~~بلوغ هذا العمل ما يستحقه من النجاح، رغم كل ما اتصف به من امتلاء ~~وثراء، فلقد كان الاعتراف الذي لقيه من الفلاسفة المحترفين أقل ~~كثيرا مما أنجزه بالفعل؛ إذ لم تستطع واحدة من المدارس والجماعات ~~المتعددة أن تحسبه ضمن من ينتمون إليها، أو أن تدرج عمله، بكل مداه ~~ونطاقه، في مجالها الخاص. # وهكذا فليس من الصحيح أن يسمى هبهوس أفضل ممثل للمدرسة ~~الإنجليزية التقليدية، # 33 # ولا من الصحيح مقارنة وجهة نظره بوجهة نظر بوزانكيت، # 34 # وإنما الأصح أنه يعلو عليهما معا، عن طريق اتخاذ أو ~~رفض عناصر مكونة لكل منهما، وبذلك يصل إلى مركب يحمل بأكمله طابعه ~~الذهني الخاص. وإنا لنجد في هذا الصدد كلمة لها دلالتها في تصدير ~~هبهوس لأول كتاب فلسفي ألفه، وهو «نظرية المعرفة»، وهي كلمة ~~تلقي ضوءا واضحا على الموقف، وتظل منطبقة على مؤلفاته التالية ~~مثلما تنطبق على مؤلفاته الأولى، فهو يقول: «وهكذا يبدو أن الوقت ~~قد حان للقيام بمحاولة نزيهة لمزج ما هو صحيح وقيم في التراث ~~الإنجليزي مع المذاهب الجديدة التي توطنت الآن بيننا، ومن واجبنا ~~حين ms141 نقتبس من لوتسه # Lotze # وهيجل، ~~ألا ننسى أننا قد تعلمنا أيضا من مل وسبنسر.» ويبدو أنه كان ~~يقصد بهذه الكلمات «جرين # Green ~~» ~~على التخصيص؛ إذ إن هذا الأخير قد حاول قبل حوالي عشرين عاما أن ~~يصرف أنظار الجيل الجديد عن مذاهب مل وسبنسر المتأخرة، ويشجعها على ~~دراسة كانت وهيجل (انظر طبعة جرين لكتاب هيوم «بحث في الفهم ~~البشري، # Treatise ~~» المجلد الثاني، ~~ص71). # ولقد كان مذهب سبنسر التطوري هو الذي تحكم أولا في الطابع ~~الذي اتخذته أفكار هبهوس، فقد كان في شبابه يرى أن مذهب سبنسر هو ~~الكلمة الأخيرة في العلم، ولكنه سرعان ما أخضع هذا المذهب بعد ذلك ~~لتعديل شامل، وازداد تباعدا عنه بتقدم حياته. ولقد أخذ عن سبنسر ~~الطابع الموسوعي الشامل للتفكير الفلسفي، وتفسير النزعة الفلسفية ~~إلى بناء المذاهب بأنها جمع تركيبي لنتائج البحث العلمي، وكانت ~~تجمعه بمل نزعته التجريبية في مجال نظرية المعرفة والمنطق من جهة، ~~واتجاهه الليبرالي في السياسة، ونظريته الفردية في الدولة من جهة ~~أخرى، ولكن هبهوس كان يدين للتجريبين القدامى بأكثر مما يدين به ~~للتجريبيين المتأخرين، وإنه ليذكرنا ببيكن، لا في موقفه الذهني ~~العام فحسب، بل في منهجه العلمي الدقيق ونظرته إلى الفلسفة على ~~أنها «علم ~~العلوم # scientia scientiarum ~~»، كما يذكرنا بلوك في نظرته الواقعية ~~إلى المعرفة وفي طريقته العامة في معالجة مشكلة المعرفة، أما ~~النقاط التي اتفق فيها مع هيوم فهي كثيرة إلى حد أنها تتغلغل في ~~نظريات هبهوس من بداياتها إلى نهايتها، كذلك لم يخل الأمر من تأثر ~~لتفكيره بوضعية كونت؛ فقد استمد من كونت اتجاهه نحو علم الاجتماع ~~بوصفه العلم الذي يبحث في المجتمع، كما استمد منه (أو من تلميذه ~~وداعيته الإنجليزي «بريدجز # Bridges ~~») فكرة الإنسانية، وإن لم يكن قد اتخذ ~~لنفسه الموقف الوضعي المضاد للميتافيزيقا. ومن جهة أخرى فإن ~~الأواصر التي تربط بينه وبين الحركة المثالية قوية جدا، فآراء ~~جرين في الفلسفة الاجتماعية والسياسية تتفق جزئيا مع آراء هبهوس، ~~كما أن الأخير يدين، في مجال المنطق، لبرادلي وبوزانكيت بقدر ما ~~يدين ms142 لمل، بل إن بوزانكيت بوجه خاص قد أصبح، كما اعترف هو ذاته، ~~مرشده العقلي في نواح عديدة، على الرغم من عدائه المطلق لنظرية ~~بوزانكيت الهيجلية في الدولة، وأخيرا فقد تأثر خلال تكوينه ~~لنظريته في المعرفة بمفكرين مثل ت. ~~كيس # T. Case # وج. كوك ~~ولسن # J. Cook Wilson # وهم من المفكرين الأوائل الذين استبقوا ~~الحركة الواقعية، وقد استمتع بتبادل الأفكار معهم في ~~أكسفورد. # ويستدل من مجرى تطور فلسفة هبهوس على أنه بينما كان ذهنه في ~~شبابه عاجزا، شأنه شأن معظم معاصريه، عن التخلص من تأثير الهجوم ~~القوي الذي شنته مذاهب دارون وسبنسر وهكسلي، فسرعان ما تكون ~~لديه رد فعل قوي على نظرياتهم التطورية ذات النزعة الطبيعية، وهو ~~رد فعل ساعد على دعمه الجو العقلي في أكسفورد التي كانت في ذلك ~~الحين معقل المثالية. فهناك شعر شعورا كاملا بما أحدثته الحركة ~~الجديدة من ضغط ومن تأثير في النفوس، فانساق في تيارها وقتا ما، ~~ولكنه من جهة أخرى قد أحس بنفور من تأملات الهيجليين المفرطة في ~~الخيال والتجريد، ولم يجد تعطشه إلى الوقائع وإلى القبض بشدة على ~~ناصية العالم الفعلي ما يرضيه في فلسفة عقلية خالصة لا تصل إلى ~~الاكتمال إلا بالتحليق في الفراغ. وهكذا وجد نفسه مضطرا على ~~الدوام إلى العودة إلى الاستطلاع التجريبي والأبحاث الدقيقة في ~~الميادين العلمية الخاصة، أو إلى أوجه نشاط ذات طابع عملي واضح. ~~ولقد كان أول كتبه، الذي ينتمي إلى سنوات إقامته في أكسفورد، والذي ~~يتعلق بالحركة العمالية (1893)، شاهدا على اهتمامه، منذ هذا الوقت ~~المبكر، بالمسائل الاجتماعية والسياسية، بل إنه كان قبل ذلك، في ~~عام 1888، يقضي عدة ساعات يوميا في معمل عالم البيولوجيا ~~ج. س. هولدين # J. S. Holdane ~~، ~~منهمكا في تجارب في علم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية على ~~الحيوانات، وكانت هذه التجارب إعدادا لأبحاثه الرائدة في ميدان ~~علم النفس الحيواني، وقد عاد فيما بعد إلى المجال النظري البحت في ~~دراسته للمسائل المنطقية والمعرفية والميتافيزيقية. وكانت أولى ~~ثمرات جهوده الفلسفية كتاب «نظرية المعرفة» (1896)، الذي قدم فيه ~~عرضا ms143 شاملا لمجال الفلسفة النظرية بأسرها، يكشف عن نضوج غريب ~~وسعة إطلاع عجيبة، ويكون أساس جميع مؤلفاته التالية. وبعد هذه ~~المحاولة الأولى، التي لم تلق بالتأكيد إلا اهتماما أقل بكثير ~~مما يجب، وإن كانت قد أعلنت ظهور مفكر له ذهن قوي متين رحب، ~~ولم يكن لها إلا نظائر قليلة بين الكتب الأولى للفلاسفة، قطع هبهوس ~~فجأة مجرى أعماله العلمية، وبدأ يخوض حياة صحفي عامل، ولم يعد ~~إلى العمل الجامعي إلا فيما بعد، عندما أصبح إنتاجه يشمل مجلدين ~~كبيرين في التطور التاريخي للذهن والأخلاق، مبنيين على أبحاث ~~متخصصة دقيقة. وقد كونت هذه الكتب أساس الدراسة المترابطة لجميع ~~المسائل الفلسفية المتشابكة، وقد أودع هبهوس خلاصة أبحاثه ودراساته ~~في كتاب رائع هو «النمو والغرض # Development and Purpose ~~» وهو عرض منهجي نشر لأول مرة سنة ~~1913، ولكن أعيد طبعه قرب نهاية حياته (1927) بعد مراجعة دقيقة. ~~وفي هذا الكتاب تخلى هبهوس عن طريقة الاستطلاع الحذر التي كان ~~يعالج بها المسائل الميتافيزيقية من قبل، واتخذ من المشكلات ~~النهائية موقفا يؤدي إلى استخلاص نظرية تضفي على فلسفته اكتمالا ~~ووحدة متسقة. وقد شغل في العقد الأخير من حياته ببحث شامل في علم ~~الاجتماع، عرضه في أربعة كتب، وجمع هذه الكتب (بطريقة خارجية أكثر ~~منها داخلية) تحت عنوان «مبادئ علم الاجتماع»، وفي هذا المؤلف ~~أيضا ظل هبهوس مخلصا لمبدئه الرئيسي في الارتقاء من الوقائع إلى ~~النظرية، وفي اختبار نتائج النظرية وتبريرها مرارا وتكرارا ~~بالرجوع إلى الوقائع. # ومن الطبيعي أننا لا نستطيع أن نبحث هنا مختلف أوجه النشاط ~~المتشعبة التي قام بها هبهوس بوصفه باحثا، وهي أوجه تمتد إلى ~~ميادين متباينة إلى حد بعيد، كعلم النفس الحيواني، وعلم النفس ~~المقارن والاجتماعي والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع بوصفه علما ~~خاصا، والمنطق، ونظرية المعرفة، والميتافيزيقا، والأخلاق، وعلم ~~الاجتماع الفلسفي، ونظرية الدولة. وعلينا أن نكتفي بتقديم موجز ~~مختصر للسمات الأساسية لأفكاره الفلسفية بأضيق معاني هذه الكلمة، ~~فنظرية المعرفة عند هبهوس، وهي النظرية التي سنطلق عليها اسم ~~الواقعية ~~النقدية # Critical realism ~~، تبدأ بالوعي أو الإدراك المباشر # apprehension ~~- ومعنى ms144 هذا ~~اللفظ عنده يقترب كثيرا من معنى «الإحساس» # sensation # عند لوك، أو «الإدراك الحسي # perception ~~» عند باركلي أو ~~«الانطباع # impression ~~» عند ~~هيوم - أي إنها تبدأ بمعرفة ما هو حاضر أو موجود مباشرة في الوعي ~~- فكل معرفة تبدأ بالإدراك المباشر وتعود إليه في النهاية. وكون ~~الشيء مدركا يعني بالضبط كون الشيء ضمن محتوى الوعي، والإدراك هو ~~الفعل المعرفي الذي يوجه إلى ذلك المحتوى الحاضر مباشرة على ~~الدوام، وهو يشترك مع جميع الأفعال المعرفية الأخرى في صفة ~~التأكيد # assertion ~~، أي تأكيد ~~أن الحاضر «موجود». وإمكانية الخطأ مستبعدة تماما فيما يتعلق بهذا ~~المعطى الأول للمعرفة، فما نكون على وعي مباشر به، أي الواقعة ~~الحاضرة المعطاة، تظل واقعة حقيقية حتى لو اتضح عندما ينظر إليها ~~من مستوى معرفي أعلى أنها وهم. فالإدراك لا يبت بشيء فيما ~~يتعلق بمركز الواقعة الموجودة، وإنما يؤكد أنها حاضرة في الوعي ~~فحسب. غير أن هذا المعطى الأولي، الذي هو من حيث المبدأ بمنأى عن ~~الخطأ، لديه منذ البداية قيمة معرفية خاصة، من حيث إنه هو الأساس ~~الذي تفترضه مقدما جميع المعطيات الأخرى، والمعيار الذي تقاس ~~عليه، فالإدراك هو محكمة النقض والإبرام في المسائل المتعلقة بصحة ~~حقيقة جميع الأنواع الأخرى للمعرفة. # ومن الواضح أن الإدراك، من حيث صفة كونه مغيارا للحقيقة، يناظر ~~تماما «الانطباع» عند هيوم، الذي تنحصر وظيفته في تبرير وإثبات ~~صحة الأفكار بوصفها محتويات للوعي ليست هي ذاتها «حاضرة». وهكذا ~~فإن مبدأ هيوم الأساسي، القائل إن الأفكار تثبت صحتها انطباعات ~~مناظرة لها هو نفسه الكامن من وراء نظرية المعرفة عند هبهوس، بل ~~ومن وراء فلسفته بأكملها بمعنى آخر، بقدر ما يكون من سماتها ~~الأساسية اشتراط تحقيق كل حدس فلسفي بواسطة الوقائع التجريبية ~~الكامنة من ورائها، وتلك هي الصفة المميزة لتجريبية هبهوس، وهي ~~تجريبية تفترق أساسا عن المذاهب التجريبية الإنجليزية الكلاسيكية، ~~في أن لها أساسا أوسع بكثير في التجربة، يتمشى مع التقدم الذي ~~حققته العلوم ومع تراكم المواد المعرفية. # وسرعان ما تتحول التجريبية عند هبهوس، كما تحولت عند لوك، ms145 إلى ~~اتجاه واقعي، وبذلك وجدت نفسها معارضة لكانت وجميع النظريات ~~المثالية، فمحتويات المعرفة تعطى على أنها منتمية إلى العالم ~~الواقعي، وكل ما يتعين على الفكر أن يفعله هو أن يعترف بهذه ~~المحتويات، أي أن يكشفها أو يميط اللثام عنها، لا أن يبنيها، ومعنى ~~ذلك أنه ليس ثمة معرفة «أولية # apriori ~~» وإنما المعرفة «بعدية # aposteriori ~~» فحسب؛ ولذلك لا يمكن ~~أن تكون مادة المعرفة هي تلك الكثرة المختلطة التي قال بها كانت، ~~والتي يتعين تطبيق المقولات الذهنية وصور التركيب عليها، ولا هي ~~الفكرة البسيطة عند لوك، التي هي محتوى كيفي صرف، بل إن كل ~~معطى - حتى ما يبدو منه بسيطا - مركب من البداية، أي إنه يضم، ~~إلى جانب الكيف، مجموعة من العلاقات والترتيبات، كالامتداد ~~والمقدار والشكل والوضع بل والاتجاه. وفي هذه النقطة يفترق هبهوس ~~عن أساتذته التجريبيين، فالأفكار البسيطة عند لوك أو الانطباعات ~~غير المترابطة عند هيوم لا يمكن أن تكون في رأيه محتويات للمعرفة، ~~وإنما هذه الإحساسات المفككة لا تعدو أن تكون تجريدات فكرية، لا ~~يناظرها شيء حقيقي، ففي أبسط إدراك مباشر، يدرك الذهن كلا ~~معقدا أو واقعة عينية، تنطوي على ترتيب زماني ومكاني، وعلى ~~علاقات أخرى متعددة بالإضافة إلى الكيف وحده. ولا شك أن تخلي ~~هبهوس على هذا النحو عن مذهب الانطباعات المفككة عند هيوم، عن طريق ~~القول بأن المعطى كل مركب، يربط بينه وبين مفكرين مختلفين عنه، ~~ومختلفين فيما بينهم كل الاختلاف مثل «جرين» وهدجسون # Hodgson ~~، ويخلي الطريق لتدفق ~~عناصر مثالية معينة في نسق التفكير التجريبي والواقعي. # ويستطيع الذهن إلى جانب تلقيه للمحتوى الحالي للمعرفة عن طريق ~~الإدراك المباشر، أن يمارس عددا من الوظائف الأخرى على المعطيات، ~~كالحفظ # Retention ~~(بواسطة ~~الذاكرة) والتحليل والتأليف والاستدلال والتعميم إلخ. وهناك أهمية ~~خاصة لعملية الحكم، التي يحللها هبهوس تحليلا دقيقا، فما الفارق ~~بينها وبين الإدراك المباشر الخالص؟ إن الحكم «هذا أزرق.» يتألف من ~~ثلاثة عناصر : المعطى الحاضر («هذا»)، ومضمون كلي («أزرق»)، والرابطة # 35 # التي تحدث علاقة بين الاثنين الآخرين. وهكذا يندرج ~~الموضوع في ms146 الحكم تحت مضمون كلي أو فكري، وهذا الاندراج أو التضمن ~~يعني تشابه المعطى مع كل حالة أخرى يمكن أن يتحقق فيها المضمون ~~الفكري. وإذن فهذا المضمون الفكري هو الذي يتميز به الحكم، وهو ~~حاضر دائما في قلب عالم الوقائع، ويؤدي إلى إقامة علاقات ذات ~~طابع عام بين مختلف معطيات الوعي. وهكذا يعطى أحد عناصر المضمون ~~الكلي للحكم لا بطريقة واقعية وإنما بطريقة فكرية أو مثالية، ~~ويكون الحكم متعلقا بواقع يوجد خارج فعل الحكم أو مشيرا إلى هذا ~~الواقع. بل إن تعريف هبهوس للحكم يتفق لفظيا مع تعريف برادلي ~~وبوزانكيت له، فهو الفعل الذي يربط بين مضمون فكري أو مثالي وبين ~~واقع خارج عن فعل الحكم. وهذه العلاقة القائمة بين عناصر الحكم ~~تتخذ شكل قبول أو تصديق في الحكم الموجب، وشكل رفض أو استبعاد في ~~الحكم السالب. وإذن فعملية الحكم تتوقف على مركب بين عناصر فكرية ~~أو مثالية وعناصر واقعية. ولسنا في حاجة إلى أن نشير بالتفصيل إلى ~~مدى تأثر هذه النظرية في الحكم بالمنطق الهيجلي المحدث عند برادلي ~~وبوزانكيت، أو أن نوضح بعد ذلك مقدار ما تدين به للمناطقة الألمان ~~من أمثال زيجفرت # Sigwart # وبرنتانو # Brentano ~~. # ويعالج هبهوس موضوع الحكم، مثلما تناول موضوع الإدراك المباشر، ~~ضمن معطيات المعرفة، ما دام لا ينتج مضمونات جديدة، بل يقتصر على ~~ربط العناصر المعطاة بعضها ببعض، ويؤكد هذه العلاقة أو ينفيها. أما ~~القسم الثاني في المنطق فيبدأ عند النقطة التي يأتي فيها الذهن ~~بشيء جديد يتجاوز المعطى، ولا يكون من الأصل متضمنا في الوقائع، ~~وهو يطلق على هذا المجال في المنطق اسما عاما هو الاستدلال، ~~ويتم الانتقال من الحكم إلى الاستدلال عن طريق الخيال، الذي يظهر ~~بفضله مضمون جديد لم يكن حاضرا من قبل، ويشيد بناء جديدا، وإن ~~يكن من الواجب ملاحظة أن أحجار البناء مستمدة من مادة المعطى، أو ~~كما يقول هبهوس: إن الخيال يبنى بأحجار تشكلت من قبل، كذلك ~~تنحصر ماهية الاستدلال في الحصول على واقعة جديدة، بوصفها نتيجة، ~~من محتوى معطى ms147 بوصفه أساسا (هو المقدمات) أي على حقيقة ليست ~~متضمنة في المقدمات. ولكن على حين أن العنصر الجديد يوحى به فحسب ~~في حالة نواتج الخيال، فإنه في حالة الاستدلال يقترن بإحساس قوي ~~بالاعتقاد أو التصديق، نؤكد على أساسه أن المستوى الجديد صحيح ~~ومطابق، وإذن فمن الواجب تمييز الاستدلال من الخيال مثلما يتميز ~~التقرير الموثوق به من مجرد الإيحاء. ويستطيع المرء أن يلمح في ~~عامل الاعتقاد أو التصديق الذي أدخل هنا، والذي يلعب أيضا دورا ~~في نظرية الحكم وفي الاستقراء والاحتمال، ذلك العامل الذاتي ~~المتضمن في نظرية هيوم، والذي هو في نظرية هبهوس من الأسس الهامة ~~لهذه الأشكال المنطقية، وإن لم يكن له دور حاسم في تأكيد صحتها ~~الموضوعية، فمهمة الفكر في الاستدلال هي الربط بين المعطى على ~~النحو الكفيل بمد معرفتنا به إلى حقيقة أخرى غير معطاة. ~~والمصادر الوحيدة التي ينبغي أن يسلم بها الفكر هنا هي أن الواقع ~~هو بالفعل نسق ترتبط أجزاؤه فيما بينها بالضرورة، وهكذا فإن نشاط ~~العقل إنما يكون في الجمع والتنظيم. ولقد كانت مناقشة هبهوس حتى ~~الآن تفترض صحة الفكر، وهكذا فإنه يتناول في القسم الأخير من بحثه ~~المنطقي مسألة تبرير ادعاء الصحة هذا في الفكر. # وفي هذا القسم يصل ابتعاد هبهوس عن الأساس التجريبي لمذهبه إلى ~~أقصى مداه، ويغترف بكلتا يديه من نبع الفكر المثالي، الذي نقله ~~أتباع كانت وهيجل إلى إنجلترا، وإن هذه الحقيقة لتشهد على قوة ~~الحركة المثالية وخصبها شهادة أقوى مما يشهد بها ذلك العدد من ~~مريديها وتلاميذها الطيعين الذين اتخذوا وجهة النظر المثالية ~~لأنهم وجدوها مهدئة لنفوسهم، أو حافزة على استخدام عبارات فخمة ~~رنانة، أو دعامة لإيمانهم المزعزع، أكثر مما اتخذوها لأنها قوة ~~دافعة خلاقة لإحياء الفلسفة. # فهنا يتضح لهبهوس أن المذهب الحسي القائل بالانفصال المطلق ينتهي ~~إلى اللاواقع والوهم، ويتخلى على نحو قاطع عن كل نزعة شكاكة ~~يائسة وكل لاأدرية مستسلمة، وهما النزعتان اللتان طالما افتخر بهما ~~المفكرون الذين تخرجوا في معسكر العلم الطبيعي. ويرسم أخيرا حدا ~~فاصلا يستبعد منه ms148 المذهب الحدسي، الذي يكون الوضوح الذاتي لقضية ~~واحدة كافيا في نظره لضمان حقيقتها بل إنه - على العكس من ذلك - ~~يرى أن صحة الحكم لا يمكن أن تنحصر في كونه معطى بوصفه واضحا ~~بذاته مباشرة، فلا يمكن أن يدعي الحكم المنعزل، المنفصل عن ~~مضمون الفكر، لنفسه أية صحة نهائية، وإنما تكون هذه الصحة مؤقتة، ~~يثبتها السياق فحسب. وكما أن الواقعة المنعزلة لا تكون لها قيمة ~~معرفية، فكذلك يقف الحكم المنعزل في الجانب الآخر من الحدود التي ~~تقع من ورائها الحقيقة واللاحقيقة معا، وعليه أن ينتظر تأكيد ~~الأحكام الأخرى له، ولا يجد حقيقته الكاملة إلا في نسق المعرفة ~~الكاملة. والحد الأدنى اللازم لإثبات الصحة هو ذلك الذي يؤلفه ~~حكمان يؤيد كل منهما الآخر ويؤكده، غير أن الإثبات النهائي لصحة ~~الحكم إنما يكون في الارتباط المنهجي المتبادل بين جميع أجزاء الكل ~~فيما بينها، ومع الكل الذي تشير هذه الأجزاء إليه، والذي تجد ~~دعامتها فيه، فحقيقة الحكم هي الكل، وهي تشبه ديمقراطية لا فضل ~~فيها لأحد على غيره، وإنما ترتبط قيمة كل فرد واحد وحقيقته ~~ارتباطا لا ينفصم بصالح المجموع، الذي يتوقف بدوره على مدى صلاحية ~~كل فرد على حدة. ويستخدم هبهوس لفظ «التلاؤم # Consilience ~~» ليدل به على ~~الاعتماد والارتباط والتأييد المتبادل للأجزاء الفردية في الكل ~~المعرفي، وعلاقتها الضرورية بالنسق الكلي، وهذا في نظره هو المعيار ~~الحقيقي لكل حقيقة وصحة. وهدف المعرفة الذي يتحكم في غاية العلوم ~~والفلسفة معا، والذي تقترب منه هذه دون أن تبلغه أبدا على نحو ~~كامل، هو بلوغ ذلك الطابع الكلي الذي يكتمل بفضل التلاؤم التام ~~لجميع أجزائها وأفرادها، والنسق التام التنظيم لجميع الأحكام التي ~~يؤيد بعضها بعضا ويؤكده ويحققه. ولكن إذا لم يتحقق هذا، فمن ~~الواجب دائما أن تكون فكرة «التلاؤم» معيارا لضبط كل معرفة ~~منفصلة، وكل بحث في ميدان خاص. فمن الواجب أن يضع المرء دائما ~~نصب عينيه أن يرفع كل عنصر فردي مستقل إلى مستويات من التعميم ~~أعلى دواما عن طريق إقامة علاقات متبادلة بين هذه العناصر ms149 بحيث ~~تزداد جذورها تأصلا في الكل المنظم للمعرفة. وإن ماهية كل تفكير ~~وبحث بشري - سواء في العلوم الخاصة وفي النظرة الفلسفية الجامعة - ~~لا تكون في الانعزال والاكتمال، وإنما هي دائما نمو عن طريق ~~المزيد من التلاؤم والترابط. ومهمة العقل - أو على حد تعبير هبهوس ~~الدافع العقلي في الإنسان - إنما تكون في ربط المعارف المفردة ~~والتجارب المنعزلة في تركيب فكري منظم شامل، بحيث يكون الهدف ~~هو ذلك الانسجام العقلي الذي يجد فيه سعي الذهن البشري غايته ~~وطمأنينته. كذلك لا يستطيع الخطأ أن يرغم هذا الدافع العقلي على ~~الانحراف عن طريقه؛ إذ إن الخطأ بدوره ليس، من حيث المبدأ، بمنأى ~~عن عالم العقل، وإنما هو حقيقة جزئية، أي مرحلة ضرورية في ~~التنظيم المنهجي للمعرفة، وإن نفس هذا النقص والقصور الذي يشوبه، ~~إنما هو الذي يحفز الإنسان على تجديد أبحاثه على الدوام، وإعادة ~~النظر فيما سبق أن قبله من النتائج. ولا شك أن فلسفة هبهوس - ~~باتخاذها هذه المواقف - قد وسعت الهوة الفاصلة بينها وبين نقطة ~~بدايتها التجريبية إلى أقصى حد ممكن، وبدا أنها تزداد بالتدريج ~~اقترابا من نظرية الحقيقة عند الفلاسفة الهيجليين الإنجليز، كما ~~قال بها على الأخص برادلي وتلميذه جويكم. # ومع ذلك فهناك في الوقت ذاته فارق مميز واضح بين هبهوس ~~والهيجليين، فقد كان في غنى عن «المطلق» عند برادلي، الذي هو مبدأ ~~معتزل متوج بسمو وقور فوق الكثرة المتنوعة للعالم الظاهري بما ~~فيه من أوهام ومتناقضات. وهكذا قضى على صرامة مبدأ برادلي وثباته، ~~وأذابه في الحركة الحية لعملية رأى أنها تقدم أصيل نحو تأليف ~~وتركيب منظم يزداد علوا على الدوام (وإن لم يكن ذلك على نسق ~~الديالكتيك الهيجلي)، هدفها هو بلوغ الحقيقة الكلية، بحيث كان ~~هبهوس التجريبي في هذه المسألة أقرب إلى مقصد هيجل الحقيقي من ~~برادلي الهيجلي. ولقد توصل إلى هذه النتيجة بإدماج فكرة التطور مع ~~فكرة التلاؤم - وهنا نصل إلى ملتقى طرق هام في فلسفته - وبذلك ~~وحد بين المبدأين الأساسيين لتفكيره، فصحة معرفتنا تزداد كلما ~~ازدادت تكشفا داخل العلم ms150 الكامل، وهي تقترب من الحقيقة المنهجية ~~الكاملة بالقدر الذي تزداد فيه - أثناء تقدمها - علوا بفضل ~~التلاؤم. وبهذا تصبح الحقيقة حاضرة في المعرفة المتقدمة خلال ~~التطور، الذي هو الواسطة في نموها حتى الاكتمال. وهكذا تتخذ فلسفة ~~هبهوس مظهر اندماج مطبق بطريقة واقعية، بين عناصر من المذهب ~~المطلق وعناصر من مذهب التطور، مع اتخاذ التجريبية نقطة بداية ~~لها. # فإذا انتقلنا من نظرية المعرفة إلى الميتافيزيقا عند هبهوس، ~~للاحظنا هنا أيضا كيف تحكمت المثالية في الأساس التجريبي ~~والواقعي وعدلته في نقاط أساسية، ويتضح ذلك بوجه خاص في تخفيف ~~المثالية لحدة النزعة الطبيعية المادية في تفكير هبهوس، مما جعل له ~~أساسا يختلف تماما عن أسس مذاهب القرن التاسع عشر ذات الطابع ~~العلمي وهي المذاهب التي ظهر مذهب هبهوس في ظلها في البداية؛ ذلك ~~لأن دراسات هبهوس الواسعة في النمو التاريخي للذهن، كما عرضها في ~~كتابه «الذهن في تطوره»، قد أقنعته عند وقت مبكر، بناء على ~~أبحاث تجريبية دقيقة، بأن الذهن ليس مجرد ظاهرة ثانوية أو مصاحبة ~~لحوادث مادية، وإنما هو عنصر له أكبر قدر من الدلالة والأهمية في ~~مجموع العالم الواقعي. وبعد أن دعمت أسس دراساته الخاصة بفضل ~~تعاليم المثاليين، أصبح يعترف بالمبدأ الروحي في العالم، بوصفه ~~عالما مستقلا قائما بذاته، لا مجرد عامل مستمد من المادة، ~~كما اعترف من جهة أخرى بأن «الحقيقة # Reality ~~» بما هي كذلك ليست «روحية»، وإنما هناك ~~في مقابل عنصر «الروح أو الذهنية # Mentality ~~»، عنصر غير روحي يسميه بالمبدأ الآلي. ~~وهكذا فالذهن ليس سيد الأشياء جميعا، كما أنه ليس من جهة أخرى ~~ناتجا عرضيا لقوى آلية، وليس مطلقا ولا ثانويا، وإنما هو ~~قوة دافعة عضوية تضفي النظام على العناصر المختلطة المتنافرة، ~~وتبعث في العملية الكونية وحدة وانسجاما. والمعيار الرئيسي لكل ~~نشاط روحي أو ذهني إنما يكون في الغرضية العاقلة، فالمبدأ الغائي ~~يأخذ مكانه إلى جانب المبدأ الآلي، بحيث يشمل كل منهما الآخر ~~ويفترضه مقدما، ويكشف كل منهما عن الحقيقة في وجه خاص من ~~أوجهها. وهكذا فإن الفكرة الرئيسية في ms151 ميتافيزيقا هبهوس إنما تكون ~~في هذا التفسير للحقيقة على أنها ليست آلية فحسب ولا غائية فقط، ~~وإنما هي الاثنان معا، أي على أنها عملية نمو تقوم فيها بين ~~المبدأين علاقة تبادلية وثيقة، ويكونان متداخلين # interwoven ~~، إن جاز هذا التعبير. # 36 # على أن التجربة تدلنا على أنه يوجد - إلى جانب المبدأين الآلي ~~والغائي - مبدأ ثالث يساهم في تفسير الظواهر، هو المبدأ العضوي، ~~والمقصود بالكائن العضوي وحدة تتحكم أجزاؤها أو أعضاؤها بعضها في ~~البعض، ويكون الكل والأجزاء فيها متضايفين بدقة. وقد تبين لنا من ~~قبل أن نسق المعرفة إنما هو تركيب عضوي كهذا، كما تكشف لنا ~~الميتافيزيقا الآن أن نسق الواقع هو أيضا كذلك، فتكون النتيجة ~~انسجاما أو تطابقا تاما بين النسقين. فالواقع إذا ما تأملته ~~في مجموعه كان نسقا عضويا لا يقضى فيه على استقلال العناصر ~~ووظيفتها المحدودة داخل الكل، على الرغم من الاعتماد المتبادل ~~لأجزائه بعضها على البعض، والعلاقة المتبادلة بين الأجزاء وبين ~~الكل، وإنما يحفظ هذا الاستقلال بفضل الوحدة التي تتجاوز هذه ~~العناصر وتشتمل عليها، فلا يمكن أن يكون في الواقع جزء منفصل ~~تماما عن بقية الأجزاء؛ وهذا يعني بتعبير آخر أنه لا يمكن أن ~~يوجد عنصر غير معقول تماما. ومن الواضح أن مذهب هبهوس يتبدى - من ~~وجهة النظر هذه - مثلما يتبدى في نواح أخرى عديدة، على أنه ~~مذهب متمسك بالمعقولية، بل هو واحد من أورع مظاهر هذا الأسلوب في ~~التفكير في الفترة الأخيرة؛ فهو في كل خطوة يوطد مكانة المبدأ ~~العاقل في التفكير وفي الوجود، في مقابل الميول اللامعقولة ~~المتعددة في عصره، ويدافع عن نفسه ضد الأمراض الفلسفية التي شاعت ~~عندئذ، والتي تطعن في العقل وتضع محله بديلا لا عقليا كالغريزة ~~أو الحدس. # ولنلاحظ أن المقولتين الآلية والغائية، وهما المقولتان الأوليان ~~من بين المقولات الأساسية الثلاث التي تفسر بواسطتها الحقيقة، هما ~~قوتان ميتافيزيقتان تتقابلان وتتعارضان بشدة، فالآلية، التي هي ~~المسيطرة في الأصل، هي القوة التي لا تعرف تنوعا ، والتي تكون ~~مختلطة ومضطربة، تتداخل فيها الطاقات ويقضي بعضها على ms152 البعض؛ لأن ~~عدم وجود صلة بينها يجعل من المستحيل أن يقدم بعضها إلى البعض ~~الآخر معونة متبادلة. غير أن هناك منذ البداية عنصرا ذهنيا ~~تنطوي عليه كل ذرة من المادة، يزداد تأثيره كلما ازداد النظام ~~والارتباط والانسجام في القوى الآلية، وعندما يبلغ النمو مرحلة ~~أعلى، يزداد توحد هذه القوى في ترتيبات وتجمعات تبعا لقوانين ~~وغايات عقلية، ويتم التطور بتقهقر العوامل الآلية دواما إلى ~~الوراء، كلما امتد باستمرار زحف العناصر الغرضية المؤدية إلى إقرار ~~النظام، وهدفه هو ذلك النسق المنسجم الذي تكون المهمة الغائية ~~للذهن إيجاده بمضي الزمن. وهكذا فالذهن (أو الروح) المنتشر في ~~الكون يعمل دواما على بعث الانسجام في العناصر المتعارضة، مهما ~~كان بطء وتدرج المراحل التي يعمل بها. # أما المقولة الأساسية الثالثة، أي العضوية، فقد عرفها هبهوس على ~~نحو أقل دقة بكثير من المقولتين الأخريين، وهو يرى على أية ~~حال أنها أقرب إلى مقولة الغرضية منها إلى مقولة الآلية، وإن كانت ~~تقبل الانطباق على كليهما معا، غير أنها لا تنطبق على الكون في ~~مجموعه؛ إذ إن الكون لا يمكن أن يفسر إلا غائيا. وتبلغ ~~ميتافيزيقا هبهوس قمتها في نظرته إلى الكون على أنه غائية مشروطة، ~~من حيث إن مبدأ الغرضية لا يمكن أن يبلغ غايته أبدا، وإنما يقف ~~دائما في تضاد مع العناصر المتنافرة للمادة الآلية، ولم يستطع ~~هبهوس أبدا أن يصل إلى إيضاح نهائي للعلاقة بين العضوي والغائي. ~~ولنلاحظ مدى تحول التجريبية إلى الإفراط في النظر العقلي الخالص في ~~فلسفة هبهوس، ومدى ابتعاد هذه التأملات الرفيعة التحليق عن الأساس ~~التجريبي الواسع الذي هو أصلها، وهذا مثل آخر للتأثير الهام الذي ~~مارسته المثالية ذات الطابع الهيجلي، التي أضفت على الفكر ~~الإنجليزي طابعا يتسم باتساع النطاق وعمومية النظرة على نحو ازداد ~~جرأة وسموا عما كان موجودا من قبل بكثير. # أما الأخلاق عند هبهوس، التي عرض وجهها الأقرب إلى الطابع ~~التجريبي في كتابه «الأخلاق في تطورها» ووجهها الأقرب إلى الطابع ~~الفلسفي في «الخير المعقول»، فتتفق في جميع النقاط الأساسية مع ms153 ~~المبدأ الأساسي لفلسفته، فهو هنا أيضا يبدأ بتقديم بيان عن التطور ~~التاريخي لوقائع الأخلاق مبني على استقصاء تجريبي واسع النطاق، ~~أعني نوعا من تعقب «نسب الأخلاق»، ثم ينتقل إلى تفسيره الفلسفي ~~الخاص لهذه المادة التجريبية، وهنا أيضا تكون النتيجة النهائية ~~أخلاقا عقلية لا تجريبية، مهمتها إيضاح وظيفة العقل في مجال ~~السلوك العلمي، وهو هنا أيضا يرد على الحملة على المعقولية، ويقف ~~في وجه تيارات اللامعقولية التي ترى أن الدوافع الوحيدة لسلوكنا ~~إنما تكون في الاندفاع الغريزي وفي الشعور وفي العاطفة. وهو يبين ~~أن العناصر العقلية - كالغرض والتفكير المتدبر - تلعب دورا لا يقل ~~عن دور الشعور الغريزي الأعمى، إن لم يفقه بالفعل، فالتفكير ~~الواضح لا يقل ضرورة في السلوك عن الشعور الصحيح، «وأقل البشر ~~حساسية لا يتجه إلى الفعل بحكم الاندفاع الغريزي وحده فحسب.» ~~وفضلا عن ذلك فإنه لا يميل إلى وضع تضاد شديد بين عالم الشعور ~~وعالم الفكر، فأصل الاثنين واحد، وهو الطبيعة البشرية، ومن المحال ~~فصلهما إلا بتجريد مصطنع. وهو يرى بوادر المعقولية الأخلاقية حتى ~~في ذلك السلوك الواعي الهادف الذي يتمثل في أدنى مراحل الحياة ~~الأخلاقية مثلما يتمثل في أعلاها، ووظيفة العقل العملي تسير في ~~طريق مواز تماما لطريق العقل النظري؛ إذ إنه على حين يهتم الأخير ~~بربط الوقائع والإدراكات المنفصلة عن طريق التلاؤم الكامل لنسق ~~منسجم، فإن مهمة الأول هي توحيد دوافع ونوازع واتجاهات منفردة في ~~الكل المنسجم للشعور. وهنا أيضا يستحيل أن يظل العنصر الواحد - أي ~~النزوع الواحد في هذه الحالة - منعزلا، وإنما يشير إلى خارج ذاتها ~~متجها إلى إدماج ذاته في الكل الأعلى الذي هو جزء منه، وهكذا تكون ~~مهمة الإرادة هي القيام بتأليف بين الاتجاهات الإرادية المنفردة، ~~مثلما تكون مهمة هذه الاتجاهات هي توحيد النوازع المنفردة، وفي كل ~~هذه المراحل يوجد عنصر عقلي يلعب دوره، ويتمثل آخر الأمر بوصفه ~~«الخير». وكما أن الإيمان بانتصار الحقيقة وسيادة العقل قد أدى إلى ~~النزعة العقلية في المجال النظري، فكذلك يؤدي الاعتقاد بالقدرة ~~الشاملة للخير إلى التفاؤل في ms154 المجال العملي، وفي كلا المجالين ~~تمدنا فكرة الخير بالقوة الدافعة التي تحقق بها المعقولية ذاتها ~~على مستويات تتزايد علوا، وتساعد على انتصار الحقيقة في ميدان ~~المعرفة والخير في ميدان السلوك. أما التحقق الكامل للخير فليس ~~أكثر إمكانا من التحقق الكامل للحق، غير أن السعي وراءه يظل ~~مستمرا على الدوام، شأنه شأن التقدم الموازي الذي لا ينقطع ~~للمعرفة، وهكذا فإن مبدأ المعقولية يطبق في الأخلاق، مثلما يطبق ~~في العلم، بوصفه النزوع الدائم التجدد نحو انسجام مكتمل، لا بوصفه ~~البلوغ النهائي لهذا الهدف. # وقد أمد هبهوس أخلاق الانسجام هذه بعناصر من النظريتين ~~التجريبية والمثالية، مثلما فعل في نظرية المعرفة والميتافيزيقا. ~~وقد أشار هو ذاته إلى أن موقفه هذا مرتبط ارتباطا وثيقا بمبادئ ~~مذهب المنفعة عند مل من جهة، وبالمثالية الأخلاقية عند جرين من جهة ~~أخرى؛ ففكرة الانسجام تتفق مع مذهب المنفعة بقدر ما تكون السعادة ~~العامة عنصرا أساسيا متضمنا فيها. ومن جهة أخرى يقر هبهوس نقد ~~جرين لمذهب اللذة في تحليله النفساني لمنابع السلوك، وينزع عن مذهب ~~المنفعة طابع التركز حول اللذة، ويتحول مبدأ تحقيق أكبر قدر من ~~السعادة لأكبر عدد من الناس إلى مصادرة الكل الاجتماعي المنسجم. ~~وليس من واجبنا أن نخوض هنا تفاصيل نقط التقاء هبهوس بالأخلاق ~~المثالية، غير أن النقطة التي انحرفت فيها الأخلاق عند هبهوس ~~انحرافا واضحا عن الأخلاق عند جرين أو كانت، هي القول بأنه ليس ~~من الواجب النظر إلى العقل العملي على أنه يحلق بعيدا فوق حياة ~~الشعور والنزوع، ولا من الواجب النظر إلى هذين الأخيرين على أنهما ~~كم مهمل، بل ينبغي إدراجهما أو ضمهما على نحو ما في مركب ~~الخير العقلي. # أما النظرية السياسية عند هبهوس فهي خارجة عن مذهبه إلى حد ما، ~~بقدر ما كان في هذا الميدان يحصن نفسه عن وعي وقصد من هجوم الأفكار ~~المثالية، بحيث إنه يلتزم هنا حدود التراث القومي تماما، أي إنه ~~يمثل بكل وضوح الفكرة الليبرالية الديمقراطية الفردية عن الدولة ~~كما نجدها في المذهب الذي يمتد في تيار ms155 واحد متصل من لوك إلى مل، ~~ولكن من رأيي أن أفكاره في هذا الموضوع ينبغي ألا تعزى إليها ~~نفس المكانة التي تعزى إلى الأجزاء الأخرى من تعاليمه؛ إذ إن ~~نظرية هبهوس السياسية كما عرضها في كتابه الذي كان جدليا في ~~أساسه «النظرية الميتافيزيقية للدولة» لا تنبع من الدراسة العلمية ~~الموضوعية التي تميز بقية أعماله، وإنما من جو الحرب العالمية ~~المسموم المفعم بالكراهية، وهو الجو الذي فرض تأثيره حتى على مفكر ~~له من الحكم المتزن الموضوعي ما كان لهبهوس، فهو لم ير في نظرية ~~الدولة عند هيجل، وفي النظرية التي أحياها جرين في أعماله على ~~التربة الإنجليزية، ولكن بحماسة فاترة، وأحياها بوزانكيت على نحو ~~أدق وأشد تحمسا؛ سوى أنها أدت إلى تكوين تلك العقلية الرجعية التي ~~أدت (في رأيه)، من خلال سياسة القوة التي اتبعها بسمارك، إلى ~~النزعة العسكرية الألمانية وإلى الحرب العالمية. فالدولة المطلقة ~~عند هيجل لا تعني، في نظر هبهوس، خرق حرية الفرد واستقلاله فحسب، ~~وإنما تعني إخضاع الأخلاق للسياسة؛ مما يؤدي إلى إلغاء الروابط ~~الأخلاقية بين الشعوب وإحلال القوة السافرة محل الحق، وعلى العكس ~~من ذلك يقول هبهوس بأن الفردية قيمة مطلقة عليا، لا ينبغي أن ~~تستنفدها الدولة دون باق، فلا يمكن أن يكون تنظيم الدولة غاية في ~~ذاته، وإنما ينبغي أن يكون دائما وسيلة، أي صورة واحدة من بين ~~الصور العديدة الممكنة التي يتجمع بها البشر بحرية لكي يتمكنوا من ~~تنمية إمكانياتهم وتحقيق التزاماتهم الأخلاقية، والفرد وحده هو ~~الذي ينبغي أن يعد غاية في ذاته، أما جميع صور المجتمع - ولا ~~سيما الدولة - فيجب أن تستهدف رخاء الأفراد ومصالحهم، والدولة ~~مسئولة أخلاقيا أمام الدول الأخرى، مثلما يكون الفرد مسئولا ~~إزاء الآخرين. وليس في وسع أية نظرية أن تعفيها من هذه المسئولية، ~~وهنا نرى نوعا واضحا من الليبرالية البورجوازية، التي تدافع عن ~~نفسها ضد اكتمال سلطة الدولة؛ لأنها تشعر بأن الأخيرة تهدد حريتها، ~~وهو يتخلى في هجومه على الهيجلية عن كل إنصاف وموضوعية. وهكذا فإنه ~~بدلا من أن يتعمق ms156 مفهوم الدولة عند هيجل، يزركش صفحاته بعبارات ~~وحجج مقتطعة من سياقها، ومتولدة عن حرارة اللحظة وانفعالها فحسب، ~~والأكثر من ذلك مدعاة للأسف أنه اتخذ مثل هذه الحجج وسيلة لإثبات ~~نظريته الخاصة في الدولة، مع أن جزءا غير قليل من مصادر قوته إنما ~~يرجع إلى نفس تلك المثالية التي ناصبها هذا العداء المرير. # وهناك أخيرا ميدان علم الاجتماع، الذي كانت دراسات هبهوس ~~الشاملة فيه أخصب وأكثر إيجابية في نتيجتها، وهو هنا أيضا يجمع ~~بين دقة المتخصص وبصيرة الفيلسوف، ويستمد وجهات النظر التي يصوغ ~~منها مبادئه العامة من دراسة واسعة للوقائع. ولقد كان حريصا على ~~أن يجعل فكرة التطور، وهي الفكرة التي تنساب كمجرى في جوف الأرض ~~في جميع أجزاء فلسفته، تأتي ثمارها في ميدان علم الاجتماع أيضا، ~~ولكن لم تكن المسألة بالنسبة إلى هبهوس مجرد اقتباس أفكار كتلك ~~التي تستمد من نظرية دارون البيولوجية في الصراع من أجل البقاء، ~~وإنما أدرك قبل كثير غيره أن المناهج ووجهات النظر البيولوجية لا ~~يمكن أن تنقل بنجاح إلى مجال العلاقات الاجتماعية دون اختبار نقدي ~~لها، وإنما لا بد أن تدخل على مبدأ التطور تعديلات عديدة دقيقة، ~~تبعا للميدان الذي يطبق فيه، فما يصح على حياة النباتات ~~والحيوانات لا يصح دون تحفظ على المجتمع البشري، فما الذي يعنيه ~~التطور في الحياة الاجتماعية؟ إنه قطعا لا يعني مجرد الصراع من ~~أجل البقاء، ولا يعني بقاء الأقوى اجتماعيا على حساب الأضعف ~~اجتماعيا، وإنما تحل الغرضية العاقلة، على مستوى الكائنات التي ~~وهبت عقلا، محل الاتفاق اللامعقول الذي يسود الطبيعة. وهذا ~~يبين لنا أن التطور الأعلى للبشرية لا يتحقق بصراع الكل ضد الكل، ~~وإنما - على العكس من ذلك - يتحقق بتنظيم المساعدة المتبادلة، ~~وبالتحالف الفعال بين الأفراد. وأعلى أنواع المجتمع هي تلك التي ~~يحل فيها محل حرب الكل ضد الكل، تعاون إيجابي بين الجميع في ~~الحرب ضد القوى المعادية، والمعنى الرئيسي للتقدم هو التحقق ~~المتزايد لمثل هذا التعاون. ويستطيع المرء أن يلمح في فكرة التعاون ~~هذه، التي تصبح «لحنا مميزا» ms157 لعلم الاجتماع عند هبهوس، ذلك ~~التلاؤم الذي يجعل أفراد أي كل - سواء أكان ذلك الكل فرعا ~~علميا أم مذهبا فلسفيا أم طائفة اجتماعية - يعملون على ~~مساعدة بعضهم البعض والرجوع إلى بعضهم البعض، ولا يحققون وجودهم ~~الصحيح إلا في مثل هذا الارتباط المتبادل. وهكذا فإن الفروع ~~المنفردة في مذهب هبهوس ترتبط فيما بينها، تبعا لمفهومها الأساسي ~~الموحد، في مذهب فلسفي مكتمل، ولا أقول مكتملا بمعنى أنه يوصد ~~أبوابه في وجه الوقائع، وإنما هو متفتح للضغط الدائم للمواد ~~التجريبية التي تنتظر العمل الفلسفي ليضعها في مكانها اللائق في ~~نسق المعرفة. وترتبط فكرة التلاؤم ارتباطا وثيقا بفكرة التطور، ~~بوصفها اللحن الأساسي الثاني في مذهب هبهوس. ورغم أن المرء لا ~~يستطيع أن يفرط في إزجاء المديح له نظرا إلى ما اتصف به ~~الفلاسفة ذوو الاتجاه الدارويني من انحرافات وأخطاء في ميدان ~~البيولوجيا (وكان سبنسر أبرزهم في ذلك بالتأكيد) فلا بد أن نعترف ~~له هنا بفضل إضفاء معنى مستقل على فكرة التطور، يختلف تبعا ~~للمجال الذي تطبق فيه، وبذلك خلصها من عقم وعشوائية التفكير من ~~خلال إطارات خاوية ويدعى أنها تقدم منهجا لتفسير كل ما في ~~العالم، ورفعها إلى مرتبة مبدأ منهجي أصيل للبحث. # | تذييل للفصل الثالث # عن الوضعية الإنجليزية التواريخ والكتابات ~~الرئيسية # 1843: # كتاب جون ستيوارت مل، «مذهب في ~~المنطق # System of Logic ~~». # 1845-6: # كتاب ج. ه. ليويس، تاريخ ~~الفلسفة من خلال سير ~~الفلاسفة # Biographical Hist of Philosophy ~~. # 1849: # زيارة كونجريف # Congreve # الأولى لكونت في ~~باريس. # 1853: # كتاب ليويس، «فلسفة العلوم الوضعية عند ~~كونت». # 1853: # هاريت مارتينو، «الفلسفة الوضعية عند أوجست ~~كونت، ترجمة فيها تصرف وتركيز» (الطبعة الثالثة، ~~في ثلاثة مجلدات، 1896). # 1854: # زيارة كونجريف الثانية لكونت. # 1855: # زيارة هاريسون لكونت. # 1858: # كتاب كونجريف، «ترجمة صلوات الديانة الوضعية ~~وأدعيتها». # 1864: # مقال سبنسر، «أسباب الخلاف مع فلسفة أ. ~~كونت # Reasons for dissenting from the Phil. of A. Comte ~~»، (في كتاب مقالات علمية ~~وسياسية وتأملية نظرية، المجلد الثاني). # Essays, Scientific, Political ~~and Speculative ~~. # 1865: # كتاب بريدجز، «نظرة كونت العامة إلى ~~الوضعية # Comte’s General View of Positivism ms158 ~~». # 1865: # كتاب جون استورات مل، أوجست ~~كونت والوضعية # A. Comte & Positivism ~~. # 1866: # كتاب بريدجز، «وحدة حياة كونت ومذهبه، رد على جون استورات ~~مل # The Unity of Comte’s Life and Doctrine, a Reply To J. S. Mill ~~». # 1867: # قيام كونجريف بإنشاء الجمعية الوضعية بلندن ~~(مكان الانعقاد ابتداء من 1870 هو «شارع ~~تشابل # Chapel St ~~».). # 1869: # مقال توماس هكسلي، «الأوجه العلمية للمذهب الوضعي في ~~مجلة # The Scientific Aspects of Positivism Fortnightly Review ~~». # 1870-1900: # كونجريف، «مقالات سياسية واجتماعية ~~ودينية # Essays, Political, Social & Religions ~~» (في ثلاثة مجلدات). # 1875-1879: ~~«مذهب الفلسفة الوضعية لأوجست كونت» ترجمة ~~بريدجز وهاريسون وبيسلي وكونجريف. # 1878: # انشقاق الحركة إلى جماعتي كونجريف (شارع ~~«تشابل») وهاريسون (قاعة نيوتن فيما بعد). # 1881: # افتتاح لافيت # Laffite # لقاعة ~~نيوتن # Newton Hall ~~. # 1882: # كتاب بريدجز «خمسة مقالات في الدين ~~الوضعي # Five Discourses on Positive Religion ~~». # 1885: # كتاب أ. ~~كيرد # Caird ~~، «فلسفة كونت الاجتماعية ~~وعقيدته # The Social Phil. & Religion of Comte ~~». # 1887: # ج. كوتر ~~موريسون # J. Cotter Morison ~~، «صلاة ~~الإنسان # The Service of Man ~~». # 1892: ~~«التقويم ~~الجديد للعظماء # The New Calendar of Great Men ~~». نشرة ~~هاريسون. # 1893 و1925: ~~«المجلة الوضعية # The Positivist Review ~~»، رئيس التحرير ~~بيسلي # Besely ~~، ثم س. ه. سويني # Swinny ~~، ~~وأخيرا ف. ج. ~~جولد # F. J. Gold ~~. # 1899: # وفاة كونجريف. # 1906: # وفاة بريدجز. # 1907: # كتاب بريدجز، «مقالات ~~وخطب # Essays and Addresses ~~». # 1915: # وفاة بيسلي. # 1916: # عودة اتحاد الجماعتين (المكان: شارع ~~تشابل). # 1923: # وفاة هاريسون. # إذا ما تركنا جانبا ذلك ~~المؤثر الأجنبي الذي كانت له أكبر النتائج على الفكر الإنجليزي في ~~القرن التاسع عشر، وهو المثالية الألمانية، فمن المؤكد أنه ليس ثمة ~~مذهب آخر كان له ذلك التأثير الباقي الذي كان للمذهب الوضعي عند ~~أوجست كونت، ولكن هناك مع ذلك فارقا هاما بين مجالي تأثير ~~هاتين الحركتين الأجنبيتين؛ فمجال تأثير المثالية كان هو الأوساط ~~الأكاديمية؛ إذ كان أول الناس وأقواهم تأثرا بها هم الفلاسفة ~~المحترفون، الذين اتخذ تفكيرهم بفضلها اتجاهات جديدة، أما الوضعية ~~فقد انتشرت بوجه خاص في الأوساط الثقافية العامة في ذلك العصر، ~~ولم يكن الفلاسفة المحترفون يحملون لها احتراما كبيرا. وفضلا ms159 عن ~~ذلك فإن الوضعية تدين بالاتساع النسبي لنطاق تأثيرها إلى وجود ~~تنظيمات دقيقة لها، تمشيا مع روح كونت، وبذلت مراكزها التنظيمية ~~جهدا كبيرا في نشرها. ورغم ذلك فإن الحركة الوضعية الإنجليزية لا ~~تنتمي إلى مجال الفلسفة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فمذهب كونت لم ~~يعط التفكير الإنجليزي من القوة الدافعة ما أعطاه إياه مذهبا ~~كانت وهيجل، على النحو الذي كان كفيلا بإدخال تطور هذا التفكير ~~في مرحلة جديدة، وإنما ظلت الوضعية - حيثما وجدت قبولا - مقيدة ~~بنفس الصورة التوكيدية الصارمة التي خلفها عليها مؤسسها. وقد أدى ~~تحجرها في عقيدة مدونة على يد تلاميذ هذا الأستاذ - أو على الأصح ~~مريديه - إلى ابتعادها كل البعد عما يقتضيه المذهب الفلسفي الأصيل ~~من حيوية وقوة متدفقة. ومن هنا لم يكن من المستغرب ألا يكون هناك، ~~ضمن صفوف دعاة كونت في إنجلترا، أي ذهن فلسفي من الطراز الأول، ~~وإنما كان هؤلاء قبل كل شيء متخصصين في العلوم، ورجال أدب، ~~وأشخاصا من ذوى النوايا الطيبة الذين رأوا في فلسفة كونت عقيدة ~~جديدة أحسوا أن من واجبهم نشرها في زمنهم. وهكذا فإن الحركة ~~الفلسفية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (وهي الفترة التي ~~بلغ فيها نمو الوضعية وازدهارها مداه)، لم تستفد إلا قليلا، إن ~~كانت قد استفادت شيئا على الإطلاق، على الرغم من الحماسة الحقيقية ~~والدعوة الصادقة لأنصارها (وربما بسبب هذه الحماسة وتلك الدعوة ~~ذاتها)، فقد اقتبست تعاليم كونت على أنها عقيدة ثابتة، وحفظت على ~~هذا الأساس، ولم يتجاوز الوضعيون أبدا نطاق التسبيح بحمد أستاذهم ~~وترديد كلماته المقدسة. # وإذن فالوضعية الإنجليزية ليست مذهبا جديدا، بل وليست تفريعا ~~أو تكملة أو توسيعا جديدا لمذهب قديم، وإنما هي مجرد نقل لجذور ~~فلسفة كونت، أو على الأصح عقيدته، وإعادة زرعها في تربة غريبة. ~~ومن هنا فسوف نكتفي فيما يلي بافتراض أن محتوى المذهب معروف؛ لأنه ~~هو بعينه مذهب كونت، ونقتصر على إيراد أهم تواريخ هذه الحركة ~~ومراحلها. فمنذ العقد الخامس من القرن الماضي، عندما بلغت مكانة ~~كونت قمتها، ارتفعت بعض الأصوات ms160 الكبيرة تشير إلى الدلالة الفائقة ~~الأهمية لهذا الفيلسوف، وطبيعي أن هذه الأصوات قد صدرت عن تلك ~~المدرسة الفكرية التي كانت أقرب إلى مذهب كونت بفضل اشتراكها معه ~~في الأصل، أعني المدرسة التجريبية؛ فالوضعية والتجريبية معا ~~يرجعان في أصلهما إلى هيوم، بوصفه الأب الروحي لهما، وقد قال كونت ~~نفسه عن المفكر الاسكتلندي الكبير إنه الممهد الحقيقي لفلسفته. ~~وهكذا فإن جون ستيوارت مل، الذي كانت له مراسلات أدبية متصلة ~~بكونت منذ عام 1841، # 1 # قد تحدث في كتابه «المنطق» (1843) عن الفيلسوف الفرنسي ~~بوصفه واحدا من أول المفكرين الأوروبيين، كذلك أشار ج. ه. ليويس # G. H. Lewes # إلى مكانة كونت ~~في حركة الفلسفة الحديثة، عندما أطلق عليه، في كتابه «تاريخ الفلسفة من خلال سير الفلاسفة # Biographical ~~Hist. of Philosophy ~~» (وهو كتاب ~~كان واسع الانتشار، ونشر لأول مرة في 1845-1846) لقب أعظم المفكرين ~~المحدثين، وأسمى مذهبه تاج كل التطور الفلسفي الذي سبقه. وبعد بضع ~~سنوات ألف ليويس، الذي كان معجبا متحمسا بكونت، كتابا خاصا ~~عن «فلسفة العلوم الوضعية عند كونت»، ودافع عن وجهة نظر كونت ~~بوسائل أخرى، وعن طريقه اطلعت (جورج إليوت)، التي أصبحت زوجته ~~فيما بعد، على تعاليم كونت، وقد كشفت رواياتها بوضوح عن تأثير ~~كونت، كما لاحظ الكثيرون. وفي نفس العام الذي ظهر فيه كتاب ليويس ~~عن كونت، نشرت «هاريت ~~مارتينو # Harriet ~~Martineau ~~» (1802-1871)، شقيقه جيمس مارتينو، ~~الفيلسوف الديني، ترجمة، أو على الأصح سردا وتلخيصا، لكتاب ~~«دروس في الفلسفة ~~الوضعية # Cours de Phil. Positive ~~»، وهو تلخيص يعطي عن هذا الكتاب فكرة ~~عامة لا بأس بها، بفضل حسن اختياره للأجزاء التي عرضها، وقد قدم ~~هذا الكتاب مؤلف كونت الأكبر إلى جمهرة القراء الإنجليز في ~~صورة موجزة شاملة، بعد تنقيته من كل المبالغات الزائفة. وكانت ~~الجهود المخلصة التي بذلتها الآنسة مارتينو هي التي قدمت كونت ~~فعلا إلى الإنجليز، ولفتت إليه أنظار جمهور أوسع. وقد سر كونت ~~ذاته كثيرا بهذا العرض المحكم لمذهبه. وقد أعيدت ترجمة الكتاب إلى ~~الفرنسية، وكان له دوي كبير في فرنسا ذاتها، ms161 حتى إنه ظل وقتا ما ~~ينافس الكتاب الأصلي في شعبيته. # على أن هناك عاملا آخر كان له تأثير أهم في نشر أفكار كونت في ~~إنجلترا، هو الإعجاب الصادق الذي كان مل يشعر به نحو هذه الأفكار. ~~ولم يكن من قبيل المصادفة أن دعا ستيرلنج إلى فلسفة هيجل بين ~~الإنجليز وكأنه يدعو إلى إنجيل جديد، ونبه مل في نفس العام، بنفس ~~القدر من التمجيد، إلى شخصية كونت. كما حدث في هذا العام نفسه (أي ~~1865) أن نشر مل بين الجمهور نتيجة خلافه النقدي الكبير مع هاملتن ~~الذي كان أكبر ممثلي المدرسة الاسكتلندية، فقد كان مل يتابع منذ ~~البداية التطور الفكري للفيلسوف الفرنسي باهتمام عظيم، وقد اتصل ~~به مباشرة في مراسلات مستفيضة، بل لقد قدم إليه معونة مالية ~~سخية في ظروف كان يمر فيها بضائقة مالية شديدة، وقد عرض موقفه من ~~كونت بجميع تفاصيله في كتابه «أوجست كونت والوضعية» (1865)، الذي ~~أعلن فيه اتفاقه مع فلسفة كونت في سماتها الرئيسية، وقبوله لمبدأ ~~«الإنسانية» في عقيدة كونت، ولكنه اتخذ موقف الرفض النقدي من ~~الشعائر الغريبة في العقيدة الدينية الجديدة التي صيغ فيها هذا ~~المبدأ في نوع من الإيمان الوضعي، وكذلك من الاستسلام الساذج ~~للسلطة والمبالغة في تأكيد الغيرية، مما كان يهدد بالقضاء على ~~وحدانية الفرد وحرية الفكر؛ لذلك رأى الوضعيون المتمسكون في كتاب ~~مل هجوما على المعنى الحقيقي لتعاليم كونت، ودخل «بريدجز # Bridges ~~» المعركة بكتاب ألفه ~~ردا على مل، حاول فيه الدفاع عن وحدة مذهب كونت وحياته. # وبعد أن اكتسب اسم كونت قدرا معينا من الشهرة في إنجلترا ازداد ~~ظهور الانتقادات الموجهة إلى مذهبه، مثال ذلك أن مفكرا مثل ~~سبنسر - الذي كان باعترافه هو ذاته يدين بالكثير لكونت - قد اتخذ ~~في سلسلة من المقالات موقف الرفض تجاه أجزاء هامة من تعاليمه ~~(انظر بوجه خاص «أسباب الخلاف مع فلسفة كونت # Reasons for dissenting from the Phil. of ~~Comte ~~» (1864)، وقد ورد ~~هذا المقال في المجلد الثاني من كتاب «مقالات علمية وسياسية ~~وتأملية»)، كذلك أصدر «هكسلي» بعض التصريحات ms162 التي كانت ذات لهجة ~~نقدية أشد، فأعلن أن الفلسفة النقدية عند كونت ليست خلوا من ~~المعنى بالنسبة إلى العلم فحسب، بل هي معادية للعلم، ووضعها في هذا ~~الصدد مع الكنيسة الكاثوليكية على مستوى واحد، وقد وصف مذهب كونت ~~في عبارة موفقة ذاعت شهرتها إلى حد بعيد، فقال إنها «كاثوليكية ~~مطروحا منها المسيحية.» وكان في ذلك يرد على صيغة «كونجريف»، التي ~~وصف فيها الوضعية بأنها ليست إلا «كاثوليكية مضافا إليها ~~العلم.» # وقد اشترك في الخلاف الناشب حول كونت مفكر آخر هو «جون رسكين # John Ruskin ~~» # 2 # فقد أعلن على صفحات كتابه « # Fors ~~Clavigera ~~» (الرسالة رقم 67، 14 مايو، 1876)، ~~معارضته لهاريسون، واحتج باسم الفن والجمال على عقيدة الآلات ~~البخارية والمصانع، وعلى الاتجاه إلى التصنيع والإيمان المتعصب ~~بالتقدم، وغير ذلك من الأفكار التي كان الوضعيون في رأيه هم ~~دعاتها. وقد دافع هاريسون عن نفسه دفاعا رائعا ضد مثل هذا الفهم ~~السيئ، الناشئ عن الجهل بكتابات كونت، وذلك في مجلة ~~« # Fortnightly Review ~~» عام ~~1876، وكذلك على صفحات « # Fors ~~Clavigera ~~»، التي وضعها رسكين نفسه تحت تصرف ~~ناقده (انظر «ماكجي # McGee ~~» ~~حملة صليبية من أجل ~~الإنسانية # A Crusade for Humanity ~~، 1931، ص96 وما يليها). كذلك ظهر ~~اختباران نقديان آخران لكونت، من جانب آخر، ظهرا معا سنة 1885، ~~كان أحدهما من تأليف «جيمس مارتينو» الفيلسوف الديني، الذي كرس ~~فصلا لبحث نقدي مفصل لكونت في المجلد الأول من كتاب ~~«أنماط للنظرية ~~الأخلاقية # Types of Ethical Theory ~~»، وفي هذا الفصل اعترف بإعجابه ~~بالفيلسوف الفرنسي في الأمور التفصيلية، ولكنه رفض الوضعية منظورا ~~إليها في جملتها، إذ لم يستطع التوفيق بينها وبين وجهة نظره ~~المؤمنة بالألوهية. أما الاختبار الثاني فقام به «إدوارد كيرد # E. Caird ~~» المفكر الهيجلي ~~الذي نقد كونت من وجهة النظر المثالية في كتابه العميق ~~«الفلسفة الاجتماعية والدين عند كونت # The Social Phil. ~~& Religion of Comte ~~» وبعد ذلك ~~في كتاب «تطور ~~الدين # The Evolution of Religion ~~»، (المجلد الأول، الفصل 12، 1893). ورغم أن ~~هذه الأصوات قد تبدو سلبية، فإنها تشهد مع ذلك بالاهتمام الجدي ~~الذي ms163 قوبلت به فلسفة كونت في إنجلترا في العقد السابع والثامن ~~والتاسع من القرن الماضي. # ولقد كان مؤسس الحركة الوضعية في إنجلترا، والقوة الدافعة لها، ~~هو ريتشارد ~~كونجريف # Richard Gongreve ~~(1818-1899)، ففي أثناء عمله زميلا في ~~كلية وادم # Wadham # بأكسفورد، سافر ~~إلى باريس عام 1849، وتعرف إلى كونت شخصيا، ثم زاره مرة ثانية ~~عام 1854. ولقد بلغ من تأثر كونجريف بهذا التعارف أنه قرر التخلي ~~عن عمله في التدريس في أكسفورد؛ لكي يكرس حياته بأسرها «لعقيدة ~~الإنسانية» التي قال بها كونت، وفي عام 1855 نزح إلى لندن، وافتتح ~~بهذه الخطوة الهامة الحركة الجديدة، وفي سنة 1858 نشر ترجمة لكتاب: ~~«شعائر العقيدة ~~الوضعية # Catéchism Positiviste ~~»، وهو العمل الذي حول فيه كونت تعاليمه ~~الفلسفية إلى عقيدة وضعية، وكان كونجريف قد جمع من حوله في بداية ~~عام 1850 - وهو لا يزال زميلا ومدرسا بكلية وادم - مجموعة من ~~الشبان الموهوبين في هذه الكلية، وأذاع بينهم روح فلسفة كونت. ~~وشملت جماعة وادم هذه فردريك هاريسون، وجون هنري بريدجز، وإدورد ~~سبنسر بيسلي، وأصبحت هذه الجماعة، ومعها معلمها كونجريف، نواة ~~الحركة التالية. وبعد أن ترك الشبان الجامعة تشعبت طرقهم وقتا ~~ما في البداية، ولكنهم وجدوا أنفسهم بعد عدة سنوات منهمكين سويا ~~في الدفاع عن قضية واحدة. # ولقد كان فريدريك ~~هاريسون # Frederic Harrison ~~(1831-1923) من أروع شخصيات العصر ~~الفكتوري، فقد كان شخصا له اهتمامات وقدرات متعددة إلى حد ~~غريب، وكان خبيرا في ميادين عديدة، ترتبط على أنحاء شتى متفرقة ~~بحياة عصره الأدبية والاجتماعية والسياسية، وكانت له علاقات شخصية ~~بجميع العقول الكبيرة في عصره تقريبا، وقد عمل في كل هذه المجالات ~~على الإقلال من الخلافات وتخفيف حدة كل ما هو مفرط في الشدة أو ~~التدقيق. وكان له ذهن صاف، تمرس في النقد، لماحا يلتقط ~~الأفكار الجديدة بسرعة. كما كانت له مقدرة غريبة على التعبير ~~الأدبي، تمكن بفضلها من المساهمة فورا في كل المسائل الهامة في ~~عصره، بحيث كان إدلاؤه بحكمه الصائب وخوضه المعمعة بشخصيته المتينة ~~الصادقة، كلما عرضت مسألة لها خطرها؛ كفيلا ms164 بإحداث تأثير كبير في ~~المشكلة موضوع الخلاف. أما إنتاجه التأليفي فلا يكاد يكون له حدود، ~~وهو يشمل موضوعات واسعة النطاق إلى حد هائل. وكان كل نوع من ~~التعلم والتفقه المتخصص غريبا عنه، بحيث كان إنتاجه الأدبي ~~والعلمي كله برجماتيا بأدق معاني الكلمة؛ إذ إنه ظل دائما متفتح ~~الذهن للمشاكل والمسائل موضوع البحث بكل ما فيها من ثراء وامتلاء. ~~وكان هدفه دائما هو العمل على نصرة القضية الجديرة بالانتصار، ~~وتقويم ما هو معوج، وإيضاح ما هو غامض، وتخفيف حدة الخلافات، فهو ~~الكاتب «العالمي» بالمعنى الصحيح، والمثقف الأصيل ~~( # Homme de Letters ~~) بالمعنى ~~الذي حدده فولتير لهذه الكلمة. والحق أن تركيب ذهنه يبدو مشابها ~~لتركيب ذهن فولتير في نواح عدة، ولكن على مقياس أصغر بطبيعة ~~الحال، وعلى مستوى أقل، وإن يكن يكشف في هذا المستوى المنخفض عن ~~شمول في ثقافته يشبه شمول الثقافة عند فولتير، وبراعة في التعبير ~~اللفظي، واتساع نطاق نشاطه الفعال وشدته. وربما كانت الناحية ~~الوحيدة التي أظهر فيها هذا الرجل، رغم مواهبه الرفيعة التي كانت ~~تؤهله للزعامة العقلية، نوعا من ضيق الأفق، هي إيمانه المتحمس ~~بمذهب كونت الذي أصبح بالنسبة إليه معيارا ومرشدا في الفكر ~~والسلوك معا. ولكن حتى في هذه الناحية ينبغي التمييز بينه وبين ~~بقية الوضعيين؛ إذ إن ذهنه كان من الامتلاء والاتساع بحيث رفض أن ~~يقبل قضايا كونت على أنها تركيب عقيدي جامد متحجر، بل نظر ~~إليها على أنها أداة قياس واختبار، فيها حركة وحياة. وهكذا فإنه ~~أقل تلاميذ كونت من الإنجليز تعصبا، وهو الوحيد الذي تمكن، من ~~بينهم، من جعل مذهب كونت يشع حياة كاملة الامتلاء دون تعصب أو ~~تحديد، ولم يبتعد حكمه عن السداد أحيانا إلا في المسائل السياسية، ~~نتيجة لشدة تعلقه بأستاذه الفرنسي وإعجابه بكل ما هو فرنسي، بحيث ~~أدى به ذلك إلى إجحاف مصالح شعوب أخرى. وكما أنه دأب على رفع صوته ~~محذرا من سياسة القوة والتوسع الاستعماري التي اتبعها الإنجليز، ~~فكذلك احتج على انتهاك بروسيا الواضح لحرمة فرنسا في حرب ~~1870-1871 مطالبا ms165 كما فعل غيره من الوضعيين، بتدخل إنجلترا ~~إيجابيا لصالح فرنسا، وكذلك رأى، بالنسبة إلى الحرب العالمية ~~الأولى، أن قضية الحق والإنسانية كلها ممثلة في جانب الحلفاء، ~~ووافق على القضاء على الشعب الألماني واستعباده، مع أن هذا الشعب ~~كان يحارب من أجل بقائه بشجاعة فائقة، وبالقدر الذي يحتمه جشع ~~الفرنسيين وكراهيتهم العمياء. # أما جون هنري ~~بريدجز # John H. Bridges ~~(1832-1906)، الذي ظهرت حماسته لتفكير ~~كونت منذ كان طالبا في «وادم» تحت تأثير كونجريف الطاغي، فقد درس ~~الطب بعد ذلك في لندن، ثم هاجر إلى أستراليا، حيث مارس مهنة الطب ~~زمنا، وواصل ممارسة هذه المهنة أيضا بعد عودته إلى بلاده. ورغم ~~ما كان يبذله من مجهود مخلص دائب في ميدان الصحة العامة، فقد ~~كانت مؤلفاته تمتد على نطاق عظيم الاتساع، فشملت موضوعات تاريخية ~~وفلسفية وأدبية، (مثال ذلك أنه كرس سنوات عدة لنشر كتاب روجر بيكن ~~«المؤلف الأعظم # Opus Majus ~~» ~~في ثلاثة مجلدات)، ولكن الأهم من ذلك كله أنه تحمس للدفاع، بالكلمة ~~المقروءة والمكتوبة معا، عن الوضعية، ولنشر تعاليم كونت، فمنذ عام ~~1865 أعد طبعة لجزء كبير من المجلد الأول من «مذهب في السياسة ~~الوضعية # Système de Politique Positive ~~»، وهو الكتاب الرئيسي الثاني لكونت في ~~ترجمة إنجليزية # 3 # تمت في الأعوام 1875-1879 بفضل الجهود المتعاونة التي ~~بذلها هو نفسه كما بذلها هاريسون وبيسلي وكونجريف، وكان قبل ذلك قد ~~دافع عن «وحدة حياة كونت ومذهبه» (1866) ضد هجوم مل، ثم نشر بعد ~~ذلك «خمس مقالات في الدين الوضعي» (1882)، وساهم بنصيب كبير في ~~«التقويم الجديد ~~لعظماء الرجال # New Calendar of Great Man ~~» الذي نشره هاريسون في 1892، ففي ~~هذا المؤلف الأخير وحده، الذي كان نظيرا إنجليزيا لكتاب كونت ~~«التقويم ~~الوضعي # Calenderier Positiviste ~~»، أسهم بكتابة 164 سيرة، وبعد وفاته جمعت ~~له «مقالات وخطب» ونشرت في عام 1907. وكانت مواهب بريدجز، من ~~حيث هو مفكر، تفوق مواهب هاريسون، غير أنه كان ميالا إلى الدرس ~~التأملي المتعمق، مع سعة اطلاع كبيرة، وكان يفتقر إلى الحماسة ~~الإصلاحية والنشاط العملي الذي كان لدى ms166 هاريسون منه نصيب ~~كبير. # أما إدوارد سبنسر ~~بيسلي # E. S. Beesly ~~(1831-1915) وهو العضو الثالث في الحلف، ~~فقد عمل، بعد تخرجه في الجامعة، في التدريس فترة ما، وعين عام ~~1860 أستاذا للتاريخ في الكلية الجامعية «يونيفرستي كوليدج # University College ~~» ~~بلندن، وقد وجه نشاطه الأكبر لمكافحة الظلم الواقع على الطبقات ~~الاجتماعية الضعيفة، فقد كان يمثل لصالحهم قضية الحق العام ~~والعدالة الاجتماعية بحماسة المصلح الصادق، وذلك في محاضراته ~~وكتيباته ومقالاته في المجلات، كذلك نشر بعض الأعمال الأدبية، وقام ~~بنصيب في نشر الطبعة الإنجليزية لكتابي «السياسة الوضعية» ~~و«التقويم الوضعي». # وهكذا فإن الحركة الوضعية نمت في إنجلترا من البذرة التي بذرت ~~في «وادم كوليدج»، وكان مركز هذه الحركة هو «الجمعية الوضعية ~~بلندن» التي أسست عام 1767، على نمط الجمعية الوضعية التي ~~أسسها كونت عام 1848، وفي عام 1870 حصلت الجمعية على مبنى في شارع ~~«تشابل» (وهو شارع «كوندويت # Condwit ~~» عند «لام # Lamb ~~»)، وما زال هذا المبنى منتميا إليها، ~~وسرعان ما تحول إلى معبد وضعي على الطريقة التي حددها كونت، ~~فوضعت فيه تماثيل نصفية لعظماء الشخصيات وقديسي الإنسانية، ~~تمثل الشهور الثلاثة عشر، ووضعت أمام المبنى لوحة نقشت عليها ~~الصيغة المقدسة للوضعية: # باسم الإنسانية، # الحب هو المبدأ، # والنظام هو الأساس، # والتقدم هو الغاية، # عش من أجل الغير، عش متفتحا. # وكانت تعقد هناك صلوات منتظمة لها صيغ محددة، كما كانت ~~تلقى أناشيد وخطب وضعية، وكانت تقام حفلات رسمية خاصة في ~~أيام أعياد الوضعية، أي في ذكرى مولد كونت ووفاته، لا تختلف كثيرا ~~عن الاحتفالات الفرنسية الأصلية التي كانت هذه تقام على ~~نمطها. # على أن تنظيم العبادة الدينية لم يكن يكون إلا جانبا واحدا ~~من أوجه النشاط المتنوعة التي كان يقوم بها الوضعيون، فإلى جانب ~~نشاطهم الأدبي الذي أشرنا إليه من قبل، كان لهم أيضا تأثير في ~~الحركات التعليمية والاجتماعية والسياسية، فتكونت جماعات ~~للشبيبة، ونظمت دروس مسائية، وكانت تبذل أحيانا محاولات ~~لإنشاء نوع وضعي من التعليم المدرسي. وفي الميدان السياسي حاولوا ~~اكتساب تأثير دائم بالاحتجاجات العلنية والخطابات المفتوحة إلى ~~الحكومة ms167 والكتيبات إلخ، وكانوا ينشرون هذه الكتابات عندما كان ~~الأمر يستدعي اتخاذ قرارات حاسمة في الداخل وفي الشئون الخارجية ~~على الأخص. وقد ارتبط نشاطهم بوجه خاص، في الناحية السياسية، بقضية ~~الحركة النقابية، التي ساعدوا على إقرار الاعتراف القانوني بها. ~~ومن الحركات الاجتماعية والسياسية الأخرى التي لعبوا فيها أدوارا ~~كان لها نصيب متفاوت النجاح، حركة تحرير المرأة، والكفاح من أجل ~~حرية أيرلندا، ومعارضة سياسة القوة الاستعمارية، وإلزامية التعليم، ~~والإصلاح النيابي. # ولقد اندمجت الجمعية الوضعية بلندن، التي أنشئت في شارع ~~«تشابل»، اندمجت منذ البداية في الكيان الكامل للتنظيم الوضعي ~~العالمي، وهو التنظيم الذي بدأ عمله بعد وفاة كونت بوقت قصير، ~~متخذا من فرنسا مركزا له. وكان أول «كاهن أعظم للإنسانية» هو ~~الفرنسي «بيير ~~لافيت Pierre Laffitte ~~»، صديق كونت الحميم، الذي تولى رئاسة ~~الحركة بأسرها بعد وفاة مؤسسها، والذي أصبح كونجريف وزملاؤه، ~~بالتالي، مرءوسين له، على أن الارتباط بالكنيسة الأم لم يكن ~~ارتباطا وثيقا، بل كان قوامه دفع الاشتراكات للصندوق المركزي، ~~والتشابه في اللوائح وأوجه النشاط. وقد بدأت بعض الاختلافات في ~~وجهات النظر تظهر داخل الجماعة الإنجليزية، لا سيما في مسألة إيجاد ~~تنظيم مركز من نوع كنسي دقيق؛ ذلك لأن فكرة تحويل الحركة كلها ~~إلى كنيسة كانت متسلطة على ذهن مؤسس الحركة الإنجليزية وهو ~~كونجريف، الذي كان شخصية ذات طاقة هائلة وقوة فردية عظيمة، أما ~~أنصار الحركة من الشبان فقد أرادوا الاكتفاء بصيغ وطقوس أقل دقة، ~~ولهذا السبب ذاته نشب خلاف بين «لافيت» وكونجريف، أدى في النهاية ~~إلى شقاق علني، وبالتالي إلى انفصال الجماعة الإنجليزية عن المركز ~~العام في فرنسا. ولكن هذه الخطوة كانت لها نتيجة لا مفر منها، هي ~~حدوث انقسام في صفوف الحركة الإنجليزية؛ إذ رفض الأعضاء الأصغر ~~سنا مسايرة القائد؛ نظرا إلى انشقاقه عن لافيت، واحتفظوا ~~باتصالهم مع المنظمة الفرنسية ودعموه، ومن ثم فقد أنشأوا جماعة ~~مستقلة تحت قيادة «لافيت». ورغم ذلك كله، فقد تمسك كونجريف بموقفه، ~~واستطاع أن يكسب تأييد جزء من الطائفة الوضعية، وواصل إقامة ~~الصلوات والمراسيم الدينية في ms168 شارع «تشابل»، أما جماعة «لافيت» فقد ~~انضم إليها بريدجز وهاريسون وبيسلي، وأصبح بريدجز أول رئيس لل ~~«هيئة الوضعية ~~بلندن # London Positivist Committee ~~» التي أنشئت حديثا، وحدث ذلك الانقسام ~~عام 1878. وفي عام 1880، اعتزل بريدجز الرئاسة، وحل محله هاريسون ~~بشخصيته الذكية، وظل يقود الجماعة حتى سنة 1904، وسرعان ما اتخذت ~~الجماعة لنفسها دارا خاصة بها في لندن، أطلق عليها اسم ~~«قاعة نيوتن # Newten Hall ~~» ~~وافتتحها «لافيت» بنفسه في أول مايو سنة 1881. # وهكذا فمنذ سنة 1878 كانت هناك جماعتان وضعيتان مستقلتان في ~~إنجلترا، تستهدفان أساسا نفس الغايات وتقومان بنفس أنواع النشاط، ~~أصبحت إحداهما مكتفية بذاتها تماما، بينما احتفظت الأخرى بعلاقات ~~رسمية مع مركز الحركة في باريس، وقدمت إليه معونات مالية. وسنطلق ~~على أولى هاتين الجماعتين اسم جماعة كونجريف، وعلى الثانية جماعة ~~هاريسون، وذلك تبعا لاسم رئيس كل منها. وتشترك الجماعتان في ~~أنهما أظهرتا أعظم قوة وأكبر قدر من النمو في العقدين التاسع ~~والأخير من القرن الماضي، وبحلول القرن الجديد طرأت عليهما عملية ~~انحلال سريع لم يكن من الممكن إيقافها، وأصاب الحركة كلها هزال، ~~وأخذت تضمحل رويدا رويدا. وأحرزت كلتا الجماعتين بعض النجاح في ~~الأقاليم، وإن يكن في معظم الأحيان نجاحا عابرا، فقد تكونت ~~«خلايا» للوضعيين في ليفربول ومانشستر ونيو كاسل وبعض المدن ~~الأخرى، غير أن الحركة ظلت أساسا مقتصرة على العاصمة. وقد فقدت ~~جماعة كونجريف، قوتها الدافعة بوفاة كونجريف عام 1899، وأدى فقدان ~~زعيمها إلى انحلالها، فخلفه هنري ~~كرومتون # Henry ~~Crompton ~~، ومن بعده الفرد هاجارد # Alferd Haggard ~~، ~~وهنري دوسانز # Henri Dussanze # وفيليب توماس Philip Thomas ~~، ~~ولكن لم يكن لواحد من هؤلاء تلك الصفات الممتازة التي كان يتصف بها ~~المؤسس الإنجليزي الأول للوضعية. وأما جماعة هاريسون فقد أظهرت ~~مزيدا من الحيوية، وكان الفضل يرجع إليها في جمع ونشر «التقويم ~~الجديد للعظماء» الذي أشرنا إليه من قبل، وفضلا عن ذلك فقد أسست ~~الجماعة مجلة خاصة بها، هي «المجلة الوضعية # The Positivist Review ~~» ~~التي أنشئت سنة 1893، وكان يشرف على نشرها أولا بيتسلي، ثم ~~س. ه. سويني # S. H. ms169 Swinay ~~، ~~وأخيرا ف. ج. جولد # F. J. Gould ~~. ~~وقد تخلى هاريسون عن رئاسة الجماعة عام 1904، ولكنه ظل بعد ذلك ~~يقدم تأييده إلى الجماعة بالمشورة والفعل وبالكلمة المكتوبة ~~والمنطوقة، ولقد ظل حتى بعد تجاوزه الثمانين، بل حتى بلغ التسعين ~~من عمره، يحارب في سبيل أفكاره بحرارة وحماسة تكاد تعادل ما كان ~~يبديه في شبابه، وكان دائما يتقدم الصفوف كلما اعتقد أن حقا قد ~~هضم، أو أن انحرافا يحتاج إلى تقويم. وقد توفي المحارب المتحمس ~~وهو في الحادية والتسعين، وبوفاته راح آخر ممثل لحركة كرس لها ~~أفضل ما في حياته، وستظل دائما مرتبطة باسمه قبل غيره. وقد جمع ~~ذلك العدد الهائل من المقالات والخطب والمناقشات والمحاضرات التي ~~ألقاها هاريسون أو كتبها في المجلدات الآتية، التي هي، بالإضافة ~~إلى «المجلة الوضعية» أفضل مرجع لدراسة الحركة، «عقيدة رجل غير ~~متخصص في الدين (علماني) # Creed of a ~~Layman ~~» (1907)، و«فلسفة الموقف الطبيعي (أو ~~فلسفة الإدراك المشترك) # The Phil. of Common ~~Sense ~~» (1907)، و«المشاكل القومية والاجتماعية # National ~~and Social Problems ~~» (1908)، ~~و«الحقائق والمثل ~~العليا # Realities and Ideals ~~» (1908)، و«التطور الوضعي ~~للدين # The Positive Evolution of Religion ~~» (1913)، وينبغي أن نضيف إلى هذه كتابه، ~~«مذكرات من حياتي ~~الشخصية # Autobiographic Memoirs ~~» (1911) وقد صدر في مجلدين، ويروي فيه ~~قصة حياته الزاخرة المليئة بأسلوبه الحي المشوق، وقد قدم ~~ماكجي # J. E. McGee # عرضا ~~دقيقا شاملا لكتاباته في كتابه «حملة صليبية من أجل ~~الإنسانية # A Crusade For Humanity ~~» (1913، ص241-245)، وفيه عرض تاريخ ~~المذهب الوضعي الإنجليزي المنظم لأول مرة في صورة جامعة، وإلى هذا ~~الكتاب المفيد غاية الفائدة ندين بالجزء الأكبر من الحقائق الواردة ~~في هذا القسم. # وكان رئيس الجمعية الوضعية الذي عين خلفا لهاريسون هو ~~«س. ه. ~~سويني # S. H. ~~Swinny ~~» (1905) الذي ظل وقتا طويلا يشرف على ~~تحرير صحيفة الجمعية، وبعد عام واحد من تعيينه، توفي بريدجز، ~~وأعقبه بيسلي بعد تسع سنوات، وأخيرا تم الصلح بين المعسكرين ~~المتعارضين، وأعيد توحيدهما وسط الحرب العالمية الأولى (1916)، ~~بعد إخفاق عدة محاولات سابقة. غير أن هذه التقوية الخارجية لجسم ~~الوضعية ms170 العليل قد أتت بعد فوات الأوان، فلم تستطع الحيلولة دون ~~الانحلال التام للحركة التي غدت ضعيفة بحكم السن، فمنذ ذلك الحين ~~عادت اجتماعاتهم تعقد في شارع تشابل؛ إذ كانت الحركة قد فقدت «قاعة ~~نيوتن» قبل ذلك بوقت طويل (1902)، وكان أتباع هاريسون قد اضطروا ~~إلى البحث عن أمكنة أخرى لعقد اجتماعاتهم، وتم انهيار الحركة في ~~السنوات التي أعقبت الحرب، ففي 1920، تولى «لاسبل # T. S. ~~Lascelles ~~» الرئاسة بعد اعتزال ب. توماس، وفي 1923 ~~توفي هاريسون وسويني، وفي 1925 توقفت المجلة الدورية التي كان يرأس ~~تحريرها منذ سنتين جولد بعنوان «الإنسانية # Humanity ~~» عن الظهور، وهكذا يمكن القول إن ~~الحركة قد انتهت من الوجهة العلمية، حتى رغم أنه ما زالت هناك، حتى ~~وقت ظهور هذا الكتاب (أي عام 1937) «هيئة وضعية بلندن»، تملك غرفة ~~في شارع «تشابل». # 4 # الفصل الرابع # | الجماعات المهتمة بالفلسفة الدينية # سوف يقتصر العرض الذي سنقدمه في هذا الفصل للفلسفة الدينية في ~~الجزء الأول من الفترة التي هي موضوع بحثنا، على المفكرين الذين ~~كانت لهم أهمية مستقلة خارج التيارات الفلسفية التي عالجناها حتى ~~الآن، فليست مهمتنا هنا، كما كانت في الفصول السابقة، هي تتبع تطور ~~حركة فكرة منفردة موحدة مكتفية بذاتها نسبيا، وإنما هي ضم وجمع ~~كل ما يبدو هاما في ميدان النظريات الفلسفة الدينية، أي في ~~التفكير المتجه إلى المسائل الدينية أينما وجد في سياق واحد ~~شامل. ولكن أبعد الأمور عن غرضنا هو أن نقدم ما يمكن أن يعد ~~عرضا شاملا للحياة الدينية في إنجلترا في القرن التاسع عشر، حتى ~~ما يتخذ منها صبغة نظرية؛ ذلك لأن دور الجهود التي تبذل في ميدان ~~اللاهوت كان بطبيعته أكبر من دور الجهود الفلسفية في تكوين مثل هذه ~~النظرية، ورغم أن الحدود بين هذين الميدانين تتداخل على الدوام، ~~فمن واجبنا مع ذلك أن نقصر حديثنا على الميدان الأخير بقدر ~~الإمكان، وهكذا فإن عرضنا الموجز سيقتصر على ما له صلة حقيقية ~~بالفلسفة، وحتى في هذه الحالة لا نستطيع أن نقدم من ذلك إلا حالات ~~مختارة. ms171 # وما دامت هذه هي وجهة نظرنا، فلزام علينا أن نتناول أولا تلك ~~الحركة التي كان تأثيرها في الحياة الدينية بإنجلترا في القرن ~~التاسع عشر يفوق تأثير أية حركة أخرى. وأعني بها «حركة أكسفورد» ~~التي ظهرت في العقدين الرابع والخامس من ذلك القرن، والتي أدت ~~إلى إعادة تشكيل وتحويل قدر كبير من الديانة المعاصرة لها. وقد ~~كان معنى هذه الحركة، بالنسبة إلى الفلسفة وإلى الحياة العقلية ~~العامة لذلك العصر، رد فعل على معظم الاتجاهات التي كانت سائدة ~~عندئذ: أي على المذهب العقلي بمختلف صوره، وعلى الثقة بالمعرفة ~~والزهو بالعقل، وعلى أخلاق السعادة ووهم التقدم، والفكر الحر ~~والليبرالية، ورد الوجود إلى الوقائع الخارجية، والقيم الدنيوية، ~~وصبغ الدين بصبغة سطحية ضحلة، وجعل حياة الكنيسة راكدة، أي ~~بالاختصار على روح التنوير كما خلصت من الانهيار الذي طرأ عليها ~~في القرن الثامن عشر، وتركزت على عرشها المتين في القرن التاسع ~~عشر. ولقد بدأت هذه الحركة في جامعة أكسفورد، شأنها شأن الحركة ~~المثالية الجديدة التي ظهرت في الجيل التالي لها، وقام بها رجال ~~مثل «ج. ه. نيومان» و«ج. وكيبل» و«أ.ب. بوس» و«و. ج. وورد» و«ر. ه. ~~فرود»، وكان هدفها المؤكد، قبل كل شيء، هو تجديد الحياة الدينية ~~وتعميقها، ولكنها اشتملت في ذاتها أيضا على قوى فلسفية هامة ~~كانت هي التي أطلقتها من عقالها، وكان الرجل الذي أضفى عليها روحها ~~بوصفها حركة دينية، هو ذاته الذي كان أكبر ذهن فلسفي فيها، وهو ~~تلك الشخصية الفذة الرفيعة الكردينال نيومان. # ومن المؤكد أن جون هنري ~~نيومان # J. H. Newman ~~(1801-1890) ينتمي إلى طليعة القادة ~~والرواد العقليين الإنجليز في القرن التاسع عشر، ولا ترجع مكانته ~~السامية إلى قوة شخصيته وطبيعته الفريدة وسمو ذهنه فحسب، بل ترجع ~~أيضا إلى رحابة أفقه العقلي، واتساع نطاق علمه، وعمق تفكيره، ~~والأهم من ذلك، إلى إيمانه القوي العميق التأصل الذي أسهم فيه، ~~بنصيب متكافئ، شعوره الإنساني الرفيع ومواهبه العقلية الضخمة. ~~ولقد تركزت فيه الطاقات الروحية للحركة الإنجليزية الكاثوليكية، ~~التي أصبح هو ذاته، بمضي الوقت، أقوى ms172 داعية لها، وإن لم يكن هو ~~الذي أسسها. غير أن نطاق تأثيره قد امتد أبعد من هذه الحركة ~~كثيرا، بحيث شمل مجالات في الفكر وفي الحياة الدينية لا تشترك مع ~~هذه الحركة في شيء، فنيومان هو أكبر داعية لمذهب الروم الكاثوليك ~~عرفته إنجلترا منذ الانقسام بين الكنائس، ولقد بذل جهدا يفوق ما ~~بذله أي شخص قبله في الكشف للعالم الإنجليزي عن أمجاد هذه الكنيسة ~~وعظمتها، وعن إيمانها وتراثها، وعقائدها ونظمها، وحياتها الباطنة ~~فضلا عن الظاهرة؛ بحيث استطاع أن يشعر الناس بروحها وهي تنبض ~~بالحياة. كل ذلك راجع إلى أن إيمانه لم يكن مجرد تعاليم تلقن، ~~وإنما كان حياة تحيا، ولأنه هو ذاته كان تجسدا منظورا، يراه ~~القاصي والداني، لتلك الرسالة التي دفعه إحساسه الباطن بالواجب ~~الملقى على عاتقه إلى أن ينقلها إلى عصره. ولقد كانت الشخصية ~~الوحيدة التي تناظره، والتي ظهرت في عصر متأخر، هي شخصية ~~ف. فون هوجل # F. Von Hügel ~~، ~~الذي كانت له رسالة مماثلة يؤديها في إنجلترا في القرن الماضي، ~~وإن لم تكن له سلطة سلفه العظيم واتساع نطاق نفوذه. # ورغم أن فلسفة نيومان - بقدر ما يمكن استخلاصها من بقية أعماله - ~~هي قبل كل شيء تلخيص لإيمانه الديني وتبرير له، فإنها لا تقتصر على ~~ذلك، وإنما هي أيضا مظهر نزوع أصيل إلى المعرفة، وحضور ذهن رائع، ~~كانا من المميزات الأساسية لطبيعته. فهو لم يكتف بإعلان الإيمان ~~الذي كان يتملكه من البداية إلى النهاية، وإنما كان يهمه بنفس ~~القدر أن يثبت هذا الإيمان ويدعمه نظريا. وهو لم يعمل، من أجل ~~تحقيق هذه الغاية، على الرجوع إلى الفلسفة المدرسية وتجديدها كما ~~قد يتوقع المرء، بل لقد كان تركيبه الذهني بأسره بعيدا كل البعد ~~عن المدرسية، التي كانت نقط التقائه معها تقل بكثير عن نقط ~~اختلافه معها، بحيث إن من الخطأ تماما الربط بين مذهبه وبين ~~الحركة المدرسية الجديدة، أو الإشارة إليه - كما فعل الكثيرون - ~~وكأنه سلف لهذه الحركة؛ فمذهبه إنما هو تركيب لا يحمل أي طابع ~~نيومان نفسه، وهو ms173 طابع ترجع جذور محتواه الديني إلى تعاليم آباء ~~الكنيسة أكثر مما ترجع إلى مذهب توما الأكويني، كما ترجع جذور ~~نظريته إلى التراث الإنجليزي (الذي هو أيضا التراث ~~التقليدي). # ولا تؤلف كتابات نيومان الفلسفية إلا جزءا صغيرا نسبيا من ~~إنتاجه الأدبي الضخم، # 1 # وأهم هذه الكتابات هي، «بحث ~~في تطور المذهب المسيحي # An Essay on The Development of Christian Doctriue ~~» (1845) و«بحث للوصول إلى قواعد التصديق # An Essay in ~~Aid of a grammar of Assent ~~» (1870)، ويمكننا ~~أن نضيف إلى هذين كتاب «فكرة ~~الجامعة # The ~~Idea of a University ~~» (1852)، وإن لم يكن لهذا الكتاب، الذي ~~يعرض فيه نيومان برنامجه في التعليم الجامعي، غرض فلسفي على ~~التخصيص، ولنضف إلى ذلك بعض مواعظه الدينية في الجامعة، ومؤلفه ~~المشهور «دفاع عن حياتي ~~الذاتية # Apologia pro Vita Sua ~~» (1864). # والفكرة الرئيسية في فلسفة نيومان النظرية تتمثل في فعل ~~«التصديق # Assent ~~» العقلي، ~~وفعل «الإدراك ~~الواعي # Apprehension ~~» السابق عليه، ويظهر مبدؤها الموجه في ~~التمييز الأساسي بين الإدراك الواعي الحقيقي (أو الشيء) # real # والإدراك التصوري # Conceptual ~~(وبين التصديق الحقيقي ~~والتصوري)، وهو الذي يكون أساس كل مساهمة أصيلة لنيومان، سواء في ~~ميدان نظرية المعرفة، أو في فلسفة الدين واللاهوت فيما بعد. ~~ونستطيع أن نسمي هذه أيضا الحقيقة المجربة الأولى في فلسفته؛ إذ ~~إن كل أفكاره تقريبا تنبع منها. # فما الذي يمكننا أن نفهمه من التقابل بين الإدراك «الحقيقي» ~~والإدراك «التصوري»؟ إن الإدراك، بمعنى الموقف النفساني من أية ~~واقعة معينة أو الاستجابة النفسانية لها، يحدث بدرجات مختلفة من ~~القوة والشدة، تبعا لطبيعة المعطى الذي ندركه أو يدركنا، وتتوقف ~~قوة الإدراك على القوة الكامنة في الموضوع والمنبثقة منه إلينا، ~~على أن من الحقائق المقررة بالنسبة إلى الطبيعة البشرية أن الأشياء ~~العينية تؤثر فينا بقوة تزيد كثيرا على تأثير الأفكار المجردة ~~فينا، وأن ما هو موجود بالمعنى الأصيل، أي بمعنى أن له وجودا ~~عينيا حقيقيا، ينطبع على ذهننا بعمق يزيد على عمق انطباع ما هو ~~مستمد من الواقع، أعني كل ما هو مجرد أو تصوري. ms174 وهكذا فإن ~~الإدراك الحقيقي أكثر فعالية من الإدراك التصوري، من حيث إن ~~موضوعاته تنطبع علينا وتؤثر فينا بقوة تزيد كثرا على تأثير الصور ~~التي هي موضوع الإدراك التصوري، وهناك تمييز مناظر لهذا بين ~~«التصديق» الذي نقوم به بالنسبة إلى ما هو عيني حقيقي من جهة، ~~وبالنسبة إلى ما هو تصوري من جهة أخرى. # وهناك تقابل آخر يدعم التقابل بين الإدراك الحقيقي والإدراك ~~التصوري، هو التقابل بين المعرفة المباشرة والمعرفة غير المباشرة، ~~فالأولى تحدث حدسيا في الخيال، وهو ملكة هامة للمعرفة يعزو ~~نيومان إليها دورا في إدراك الحقائق لا يقل عن أهمية الدور الذي ~~يعزوه إليها هيوم، وهي تحدث بصورة أكمل في الإدراك الحسي، سواء ~~أكان خارجيا أم داخليا. # ففي الإدراك الحسي يعطى لنا الشيء ذاته، أو جزء أو وجه منه ~~على الأقل، بصورة جسمية ملموسة، ويصبح الشيء مواجها لنا مباشرة ~~بوصفه فردا عينيا، ويدعونا إلى أن نكمل تحققنا منه في تجربة ~~حية، ولا يمكن أن يكون الإدراك الحسي والخيالي منفصلين تماما عن ~~الواقع، ورغم ما بينهما من بون شاسع، فلا يمكن أن يكون الواقع ~~بمنأى عنهما، وإنما يدخل الواقع مجال الإدراك الحسي بتوسط الصورة، ~~فوظيفة الإدراك الحسي تخيلية # imaginative # مثلما هي تمثلية # representative ~~(أو محاكية # imitative ~~)، وهي ليست تخيلية بمعنى ~~الإغراق في الخيال والبعد عن الواقع، وإنما بمعنى تكوين صورة في ~~المخيلة تكون جزءا لا يتجزأ من الواقع، فالإدراك الحقيقي هو إدراك ~~عن طريق صورة عينية. ومهما كانت كثرة صور الموضوع أو أوجهه في ~~الوظيفة الإدراكية، فإنها تقوم بدور الوسيط في نقر الموضوع التي هي ~~صورة له، بما يتصف به من واقعية (وبالتالي من حقيقة أساسية). ففي ~~الصورة، سواء أكانت كافية أم غير كافية، وسواء أكانت تعبيرا ~~أمينا أم غير أمين عن الموضوع، ينقل الواقع دائما، مهما كان ~~الأمر، ويمكن أن يصل فيها إلى حد الاكتمال. وحتى في الحالات التي ~~يبدو فيها الإدراك بعيدا كل البعد عن الواقع، بل ومنفصلا تماما ~~عنه (كما في تخيل الشاعر أو ابتداع القصاص) نستطيع ms175 أن نلمح مع ذلك ~~بوضوح طابع الواقع، ويكون هناك دائما شيء واقعي (وذلك دائما ~~بمعنى أنه شيء فردي عيني يمكن إدراكه حدسيا إلخ) هو الأساس ~~الكامن من وراء الخيال، ولكن المعرفة لا تقبض على ناصية الواقع، ~~لكي تصل منه إلى الحقيقة، إلا عن طريق الصور دائما. وبفضل وجهة ~~النظر هذه ينكشف المعنى العميق للكلمات المنقوشة على مقبرة نيومان ~~في «ردنال # Rednal ~~»، بالقرب من ~~مدينة برمنجهام، وهي «من الظلال والصور ~~إلى الحقيقة # Ex Umbris of Imaginibus in Veritatem ~~». # وأخيرا ينبغي أن نضيف إلى الإدراك الحسي والخيال أداة ثالثة ~~للإدراك الحقيقي هي الذاكرة، فهنا أيضا تكون إزاء نوع من المعرفة ~~العينية الشبيهة بالتصويرية، نتصل عن طريقها بالوجود الواقعي، بحيث ~~يكون الحادث المتذكر مشابها تماما للموضوع المدرك حسيا ~~والمتخير، مع فارق واحد هو أنه يحدث في صيغة الفعل الماضي. # أما الإدراك التصوري فيختلف اختلافا تاما عن كل إدراك حقيقي، ~~فهو لا يتخذ من «الصورة» وسيطا لفاعليته، بل إن وسيطه الرمز ~~والعلامة، وهو لا يتصل بالطبيعة الحقيقية، وإنما يشيد فوقها عالما ~~خاصا به هو عالم العقل الذي يتكون من تصورات وتحديدات، ومن ~~استدلالات واستنباطات منطقية، أي بالاختصار من رموز غير واقعية. ~~هذا النوع من الإدراك هو الأداة المستخدمة في كل معرفة علمية، وهو ~~مشروع تماما، بل لا بد منه في مجال العلم، ولا يمكن أن ترفض ~~ادعاءاته إلا عندما تتعدى على المجالات الأخرى، كما يحدث في تلك ~~العصور التي تتجه نحو النزعة ~~العقلية # intellecetualism ~~. ومن الواضح أن نيومان يقصر قدرة العقل ~~على حدود ضيقة، ويبخس التصور حقه، وهو يكشف دائما عن تفضيل لما ~~هو عيني وفردي، وما هو موضوع لإدراك حسي واضح، وللواقع غير ~~العقلي المجرب مباشرة، وهو يبالغ في تفضيله على حساب المعقول ~~والكلي والمجرد، أي ما يتم يتوسط العمليات المنطقية أو بالاستدلال ~~منها. # وإن ما يصح على فعل الإدراك ليصح بنفس القدر على فعل ~~التصديق # assent ~~، فهنا أيضا ~~نجد نفس التقابل بين التصديق الحقيقي والتصديق التصوري، أو بين ~~التصديق المطلق والاستدلال، ولسنا ms176 في حاجة إلى تتبع تفاصيل هذا ~~الموضوع؛ إذ إن مناقشته كلها تسير في خط مواز لمناقشة الموضوع ~~السابق. ويعني نيومان بالتصديق فعلا ذهنيا لا يمارس فيه العنصر ~~العقلي من طبيعتنا فحسب، وإنما تتضمن فيه شخصيتنا الكاملة، بما ~~فيها من عوامل عاطفية وإرادية، على نحو أقوى بكثير مما يحدث في ~~العنصر العقلي. فالتصديق نوع من الاستجابة الكاملة لموقف فعلي ~~معين أو ظرف خاص، وقد تلعب العلميات المنطقية دورا فيه، غير أن ~~هذا يكون دائما دورا ثانويا، فالتصديق فعل عيني مباشر، وهو فعل ~~شخصي تماما، وليس قابلا للتحليل أبعد من ذلك، وهو في أساسه واحد ~~غير منقسم، ولا يقبل درجات أو فروقا في القوة. وهو مطلق في كل ~~لحظة، وحتى حيث يكون مشكوكا فيه، يكون عنصر الشك متضمنا في ~~القضية أو الواقعة التي يوجه إليها فعل التصديق، لا في فعل ~~التصديق ذاته. والأمر على خلاف ذلك تماما في الاستدلال، الذي هو ~~دائما مشروط وغير مباشر، والذي يمر بدرجات مختلفة من التأكيد، ~~ولكنه لا يتجاوز أبدا اليقين النسبي للاحتمال ليصل إلى اليقين ~~المطلق للتصديق. غير أن هذا الانتقال من الاحتمال إلى التصديق ~~ينبغي أن يتم إذا أردنا أن يكون لنا من الحقيقة نصيب، ولن تساعدنا ~~على تحقيقه أية تجريدات تصورية أو سلاسل منطقية من البرهان ~~والاستدلال. وإنما الذي يلزمنا نوع من الشعور العيني أو النزوع إلى ~~الحقيقة، الذي ينبغي بالتالي أن يرد بأكمله إلى اليقين الذاتي ~~الباطن للروح الفردية، وإلى القرار الشخصي للذهن الذي يدرك ويحكم. ~~مثل هذا القرار ليس ناتجا عن عمليات منطقية مطولة معقدة، وإنما ~~هو يقوم على نوع من الإدراك الحدسي الذي يرتكز، لا على ملكة ~~التفكير في الإنسان فحسب أو على فهمه، وإنما على شخصيته الكاملة؛ ~~ذلك لأن «ما هو برهان بالنسبة إلى ذهن ما، ليس كذلك بالنسبة إلى ~~ذهن آخر، وإن يقين قضية ما ليرتد في الواقع إلى يقين الذهن الذي ~~ينظر فيها.» # ويطلق نيومان على هذه القدرة الذاتية على إدراك الحقيقة، وهي ~~القدرة التي تنطوي على ما ms177 يزيد كثيرا على ملكاتنا العقلية بأسرها، ~~اسم «الحس ~~الاستدلالي # illative sense ~~»، وهو يعني بهذا اللفظ المنهج الأصيل ~~للاستدلال، الذي لا يقتصر على استخدام التجريدات المنطقية ~~والعمليات التصورية، والذي نستطيع بفضله، رغم ذلك، أن ندرك الحقيقة ~~ذاتها في كل تراثها وحيويتها، وفي طابعها العيني الفردي. ولكنا هنا ~~إزاء موهبة شخصية، تقتضي تدخل الإنسان بأكمله، لا مجرد ملكة ~~منفصلة بطريقة سطحية، لا تكون بنفسها قادرة أبدا على التعرف على ~~الواقع أو بلوغ الحقيقة، «فليس ثمة معيار نهائي للحقيقة، بمعزل عن ~~الشاهد الذي يواجه به الذهن ذاته الحقيقة.» ولما كان المعيار ~~الوحيد للحقيقة هو اليقين الذاتي للذهن الفردي، كانت موضوعية ~~الحقيقة مبنية على هذه الذاتية، أي على الصواب المطلق لهذا الحس ~~الاستدلالي الذي تفهم به الحقيقة. # هذا العرض السريع للأفكار الرئيسية في نظرية المعرفة عند نيومان ~~يكشف بوضوح عن مدى خطأ أية محاولة تبذل لإيجاد أي ارتباط بين ~~مذهبه وبين النظرية المدرسية، والأصح من ذلك أن يقال: إن جذور ~~مذهبه إنما تكون في المذاهب الكلاسيكية للتجريبية الإنجليزية، وإنه ~~على حين يستمد كثيرا من لوك وباركلي وبطلر، يعمل في الوقت ذاته ~~على إعادة صياغة ما أخذه من هذه المصادر بطريقة حرة، ولا يتخذ ~~موقف الاعتماد الكامل لتنفيذ مخلص (وهذه نقطة لا يتعين علينا ~~مناقشتها بالتفصيل). فكل شيء في مذهبه يتخذ طابعه الذهني الخاص ~~ويمتلئ به، وهو لا يستمد من التراث الذي يتصل به غذاء يتمثله، ~~وإنما يستمد منه جوا ذهنيا يستنشقه. وإلى هذا الحد يمكن ~~القول: إن التراث التجريبي قد طرأ عليه هنا تجديد، ولكن على يد ~~مفكر ليس وثيق الارتباط به، وإنما كان في قرارة نفسه مبتعدا عنه ~~ابتعادا أساسيا. # كذلك يمكن تحديد نقط التقاء بينه وبين أنواع النظريات التالية ~~له، فضلا عن السابقة عليه، مع تحفظات معينة في كل حالة. ومن ~~أمثلة هذه النظريات، «فلسفة الحياة» عند برجسون، والبرجماتزم عند ~~جيمس، غير أن تعاليم نيومان لم تجد في هذه النظريات إلا صدى غير ~~دائم، وفضلا عن ذلك فإن تحليلات نيومان الوصفية الدقيقة ms178 والعميقة ~~لظواهر الإدراك والتصديق والاحتمال واليقين تشير مقدما - كما لاحظ ~~«تيودور هيكر # Theodor Hacker ~~» # 2 ~~- إلى أوصاف هوسرل الفينومينولوجية، وإن لم يكن من ~~الممكن إثبات أي ارتباط تاريخي بين هذين المفكرين. ومن هذا كله ~~نستنتج أن فلسفة نيومان النظرية كانت تنطوي في ذاتها على عدد غير ~~قليل من الأفكار ذات الدلالة البالغة بالنسبة إلى المستقبل، وهي ~~أفكار لم تظهر بالفعل إلا بعده بوقت طويل، كما نستنتج أنه رغم كل ~~الامتداد العميق لجذورها في الماضي، فقد قامت بدور ملحوظ في ~~التمهيد للتطور التالي للفكر. # ولكنا لو نظرنا إلى نقد نيومان للمعرفة على أن له غرضا نظريا ~~بحتا لكنا بذلك نسيء فهمه؛ فهدفه منذ البداية عملي، أعني إثبات ~~الإيمان الديني، ومن ثم فهو يحتل مكانته في سياق أوسع لا يكتسب ~~معناه الكامل إلا فيه. «فنظرية المعرفة» هي الأساس والمرحلة الأولى ~~بالنسبة إلى «نظرية الدين» التي تنتقل إليها آخر الأمر، ولكن حتى ~~في هذه الحالة بدورها، أي في هذه المشكلة الجديدة التي تواجه ~~نيومان الآن، ينصب اهتمامه الأول والأكبر على الجانب الذاتي للدين، ~~أي على إدراك العنصر الإلهي في الوعي البشري. ومع ذلك ينبغي أن ~~نؤكد أن هذا لا يعني صبغ الدين بالصبغة الذاتية أو نزع الصفة ~~الموضوعية عنه، وإنما يعني فقط أن الاهتمام الأكبر لهذا المفكر ~~ينصب على الجانب الذاتي، فهو في كل الأحوال يسلم بالدين من حيث هو ~~حقيقة موضوعية، ولما كان يؤلف الأساس الثابت لكل إيمان، فإنه لا ~~يقتضي أي دعم نظري مستقل. وإذن فالمشكلة الفلسفية التي تواجه ~~نيومان تؤدي إلى السؤال التالي: على أي نحو يشارك الذهن البشري في ~~الحقيقة الإلهية؟ وبأي الوسائل المعرفية يتمكن من إدراك هذه ~~الحقيقة؟ # وعندما يلاحظ نيومان في ~~أحد المواضع أن هناك بالنسبة إلى كل منا حقيقتين نهائيتين فحسب، ~~هما ذاتنا والله، فإنه يقول بالحقيقتين الأوليين اللتين يهتم ~~بهما التفكير الديني، أعني نفس الإنسان والوجود الإلهي. هاتان ~~الحقيقتان ينبغي أن تتميزا عن أي كيان آخر فيما يتعلق بالطابع ~~الخاص لحقيقتهما؛ إذ لا يتصف أي ms179 شيء آخر بهذا القدر الرفيع من ~~الشخصية والعينية والفردية والحيوية؛ ذلك لأن نيومان لا يعني بلفظ ~~«الحقيقي» أي موجود بما هو كذلك، وإنما هو يستخدم اللفظ دائما ~~بالمعنى القطعي الذي تدل عليه تلك الصفات الأربع التي عددناها ~~الآن. ومن الواضح، من وجهة النظر هذه، أن حقيقة الله هي أرفع ما ~~يتسنى لتجربتنا الوصول إليه؛ إذ إنها هي العينية وقد رفعت إلى ~~أعلى درجات القوة. # وهكذا نستدل بكل وضوح، من وجهة النظر التي اتخذها نيومان في ~~نظريته هذه، على أنه يرى أن إدراكنا لهذه الحقيقة (وتصديقنا عليها) ~~إنما يتم على نفس النحو الذي يتم عليه إدراكنا للحقيقة العينية ~~بوجه عام، أعني إدراكنا لذاتنا وللذوات الأخرى وللعالم الخارجي. ~~ولكن هذا يعني أن العقل والوظائف العقلية المرتبطة به، لا تقوم ~~وحدها في هذا الصدد بأي دور، أو لا تقوم بأي دور ضئيل، وإننا ~~نحتاج ثانية إلى تدخل الشخصية الكاملة، والجانب العملي فيها على ~~التخصيص، إذا ما شاءت النفس الوصول إلى الحقيقة الإلهية. وفي هذا ~~الصدد يكتب نيومان قائلا: «من المحال أن يكون للبرهان المنطقي دور ~~في الموقف العيني الذي يتعين علي مواجهته.» # فوجود الله لا يمكن الاستيقان منه بعملية استدلال، ولا يمكن أن ~~يتكشف بوصفه الحلقة الأخيرة في سلسلة قياسات منطقية، وإنما هو ~~يقتضي ذلك النوع من «الإدراك الحقيقي» المباشر تماما، وذلك «الحس ~~الاستدلالي» الحدسي، الذي تتفاعل فيه كل قوانا وتطلق فيه كل ~~مقدراتنا الذهنية. ولسنا هنا إزاء ملكة ذهنية على التخصيص، بل ولا ~~أي نوع من الملكة «الخاصة» التي تكون لها حرية العمل مستقلة عن ~~الشخصية في مجموعها، وإنما هذا نشاط يتم فيه تنسيق الأجزاء ~~المتعددة في هذا الكل على نحو يصل فيه وجود الإنسان بأكمله إلى ~~أعلى قدرة ممكنة على الإدراك، ولا شك أن العوامل العقلية تشارك في ~~هذا النشاط، وإن تكن القيمة التي تعزى إليها ضئيلة، كما يشارك فيه ~~الشعور، وإن يكن نيومان ينظر بعين الارتياب الشديد إلى الشعور، ~~عندما يتخذ أساسا للإيمان الديني «فالدين، من حيث هو مجرد شعور، ms180 ~~هو بالنسبة إلي وهم ومهزلة .» # وهكذا فإن نيومان لا يعطي المكانة الأولى في مذهبه للذهن ولا ~~الشعور وإنما للضمير، وعلى ذلك فمن الواضح أن البواعث الأخلاقية هي ~~الأقوى تحكما في نظريته الدينية، ولقد كان يحرص بقوة على استقلال ~~الحياة الأخلاقية، ولم يسمح بحاجته العميقة إلى الإيمان الديني ~~بتعريض هذا الاستقلال للخطر، بل إنه - رغم نجاحه في التوفيق بين ~~الأخلاق والدين - كان يركز جهده في ربط الأخير بالأولى لا العكس، ~~وهذه هي أفضل وسيلة لتفسير الاتجاه التشاؤمي في طبيعة نيومان، فقد ~~عانى، على نحو أعمق من معظم المفكرين الدينيين في عصره، من التقابل ~~المستقطب الذي يميز الحقائق الأساسية للحياة الأخلاقية، والتعارض ~~الصارخ بين الخير والشر والصواب والخطأ، وهو لم يشأ أن يعبر الهوة ~~الفاصلة بين طرفي هذا التقابل بطريقة سطحية، وذلك بالالتجاء إلى ~~الحب الإلهي والخيرية الإلهية، وإنما أحس بسطوة الشر والألم كاملة ~~في العالم، وعانى من أجل ذلك كل ما يمكن أن تستشعره نفس شديدة ~~الحساسية من ألم، ولقد كان يؤثر دائما رسم صورته للعالم بألوان ~~قاتمة. غير أن تشاؤمه لم يكن منبعثا عن احتقار العالم بقدر ما كان ~~مصدره العزوف عنه، وكان هروبه الزاهد من العالم تعبيرا عن التعاطف ~~والاستسلام المعذب، أكثر مما كان تعبيرا عن التحقير ~~والازدراء. # وهكذا فإن الأولوية المنسوبة إلى الضمير هي التي تكشف عن الاتجاه ~~الأخلاقي في تعاليم نيومان الدينية، فالضمير هو - أولا وقبل وكل ~~شيء - تلك الأداة التي تصل بها النفس الفردية إلى معرفة الطبيعة ~~الإلهية وإدراكها، وهو المدخل الذي يوصل ما هو إلهي إلى الطبيعة ~~البشرية، فذلك «الإله الذي هو في الضمير» هو بالنسبة إلى نيومان ~~حقيقة لا تقل أهمية عن إله الوحي وإله الكنيسة. وللتجربة الدينية ~~أهمية تعادل أهمية الدين الموضوعي، بل تزيد عليه، وعلينا أن نبحث ~~عن الله في ذلك الطريق الذي يبدأ صعودا من النفس البشرية، وهنا ~~أيضا تكون نقطة بداية نيومان - كما هي دائما - هي الفردي والشخصي ~~والعيني. وهذا الطريق واحد من وجهة نظر الأخلاق، فالإلزام الخلقي ~~لا يكون ms181 حقيقيا لأن هناك إلها، بل إن الأمر على العكس من ذلك، ~~فنحن نعترف بوجود الله لأننا نشعر بوجود الإلزام الخلقي، فالضمير ~~هو وسيط المبدأ الإلهي وجزاؤه؛ ولذا فإن نيومان يبدي اهتماما ~~خاصا بتحليل وقائع الضمير بأكبر قدر من الدقة الفلسفية حتى يبرز ~~طابعه الحقيقي المقابل لأوجه النشاط الأخرى للنفس البشرية. والضمير ~~أداة موثوق منها تماما للمعرفة، ولها من الأهمية في الكشف عن ~~الألوهية العالية ما للإدراك الحسي في معرفة العالم الخارجي، وهو ~~إدراك يعادل الإدراك الحسي في حقيقته، غير أنه إدراك لموضوع آخر، ~~أي لأعلى الحقائق وأكثرها عينية، وهي الحياة الإلهية؛ ولذا كانت ~~جذوره متأصلة، لا في ظلام الشعور الدامس، أو في الأحوال الانفعالية ~~المتقلبة، وإنما في ضوء الفكر الناصع. وكل ما في الأمر أن هذا ~~التفكير ليس هو التفكير المجرد غير المباشر الذي هو غريب عن ~~«الحقيقة العليا»، وإنما هو تفكير عيني حدسي وثيق الارتباط ~~بالحياة، ويبلغ تحققه في «الحقيقة العليا». # وهكذا ينبغي أن نؤكد على الدوام هذه الحقيقة، وهي أن الإيمان ~~الديني هو في نظر نيومان أمر شخصي وذاتي محض قبل كل شيء، تختص ~~به كل نفس على حدة، وتتمكن بفضله من الوصول إلى الله بذاتها ~~مباشرة، ومن أن يكون لها نصيب في نوع من المعرفة الطبيعية ~~للألوهية. ولقد كان من الواجب أن تؤدي نقطة البداية هذه إلى ~~البروتستانية المتطرفة، أو حتى إلى الصوفية، ولكنه في الواقع قد ~~سار في الاتجاه المضاد الذي أدى به إلى الإيمان الكامل بالكنيسة ~~الكاثوليكية. وربما بدا هذا غريبا للوهلة الأولى، وقد يؤدي بنا ~~إلى الشك في وجود انفصام أساسي في تعاليم نيومان. غير أن ذلك ~~التنافر المنطقي الذي يمكن كشفه في تفكير نيومان، وأعني به اقتران ~~أشد أنواع الإيمان الديني شخصية بأقوى تمسك بالسلطة الخارجية، لا ~~تكاد تكون له أهمية من وجهة نظره الخاصة. فالواقع هو أن نيومان قد ~~تمكن من تحقيق الانتقال من الداخل إلى الخارج، ومن الاستقلال ~~الذاتي الفردي إلى السلطة الخارجية، ومن التجربة الشخصية إلى ~~الكنيسة والعقيدة، دون أن ms182 يرتكب أية تضحية بالعقل أو يبخس أيا من ~~الجانبين المتعارضين حقوقه. وهكذا اعترف بضرورة وجود مصدرين ~~للإيمان الديني: إله الوحي فضلا عن «الإله الذي في الضمير»، وسلطة ~~الكنيسة وتنظيمها فضلا عن تجربة النفس، والتمسك الموضوعي الملزم ~~بالعقيدة فضلا عن الاقتناع الذاتي. وهكذا فإن الصفة الخاصة التي ~~تتميز بها فلسفة نيومان الدينية هي أنها تعطي حقا متساويا لكلا ~~العاملين، وتجمع بين الاثنين في مركب متآلف. # ففي كتاب «قواعد التصديق» يقتصر اهتمام نيومان على الجانب الذاتي ~~للدين، بينما انصب هذا الاهتمام، في كتابه الأسبق من هذا بكثير، ~~الخاص بتطور التعاليم المسيحية، على الجانب الموضوعي في المحل ~~الأول، والفكرة الأساسية التي تبرز إلى الأمام ها هنا هي أن حقيقة ~~الدين لا يمكن أن تفصل عن تاريخه. وهكذا تغدو فكرة التطور # development ~~( # evolution ~~) هي اللحن المميز ~~لهذه المناقشة لماهية الدين منظورا إليها من الوجهة الموضوعية، ~~وهنا ينبغي أن نؤكد منذ البداية أن مفهوم التطور # development # عند نيومان ينتمي من ~~الوجهة الزمنية إلى عصر سابق على نظرية التطور الداروينية، بل إن ~~نقط التلاقي بينه وبين مبدأ التطور عند دارون وسبنسر تبلغ من القلة ~~حدا يجعله يصل إلى التناقض مع هذا الأخير في المسألة ذات الأهمية ~~الحاسمة. ومن واجبنا، إذا شئنا أن نربط مفهوم التطور ~~(dev.) # عند نيومان بمفاهيم موازية ~~له تاريخيا، أن نتأمل الصورة التي اتخذها هذا المفهوم في مذاهب ~~أرسطو وليبنتسر وهيجل. غير أننا سنصرف النظر هنا عن العلاقات ~~التاريخية للفكرة، وأطرفها في هذا الصدد هو البحث في مسألة التأثير ~~الممكن (والذي ليس مع ذلك أمرا قريب الاحتمال) لنظرية هيجل؛ ذلك ~~لأن أفكار نيومان هي كشوف أصيلة تنتمي إليه قبل غيره، ولا يحتاج ~~إلى راع يتحدث مؤيدا لها. # وهو يعرض الأساس الفلسفي لتطور التعاليم المسيحية في حجة تتعلق ~~قبل كل شيء بتطور الأفكار بوجه عام. وبهذا تنقل المشكلة منذ ~~البداية إلى الميدان الذهني، وفي هذه الواقعة نفسها نجد فارقا ~~أساسيا بين نظرة نيومان وبين نظرات المذاهب الطبيعية ~~(naturalistic) # التالية، فالأمر ~~في حالة التركيبات الذهنية ms183 أو الأفكار مماثل له في حالة الأشياء ~~الجسمية المدركة حسيا ، فالشيء لا يكشف في البداية إلا عن هذا ~~الوجه أو ذاك من جوهره، تبعا للاتجاه الذي ينظر إليه منه، ويتمثل ~~لنا في هياكل وتخطيطات متعددة تتزايد تجمعا لتكون «وجها ~~كليا» للشيء، تبعا لمقدار دقة الملاحظة وطولها. وكذلك الحال في ~~الفكرة، فهي تقاس تبعا للكل الذي تكونه أوجهها الممكنة، وهي ~~الأوجه التي قد تتباين كثيرا تبعا للأفراد الذين يدركونها، ~~وترتبط قوة الفكرة وعمقها ارتباطا محددا بكثرة الأوجه التي تتمثل ~~عليها وتنوعها، وليس ثمة وجه يبلغ من العمق حدا يجعله يستوعب كل ~~محتوى فكرة عينية، كما لا يوجد أي تعبير لغوي قادر على تعريفها ~~بأكمل معانيها. غير أن كل هذه الأوجه المتباينة يمكن أن ترتبط ~~بالفكرة بوصفها نقطة تلاقيها المشتركة، وأن تندمج فيها، ومهما بدا ~~من تباينها وتنوعها في الوهلة الأولى، فإننا كلما أمعنا النظر ~~فيها وأطلنا تأملها، وجدناها تزيد من تأكيد حقيقة الفكرة التي ~~تنتمي إليها، ومن تكاملها وأصالتها وقوتها. ويطلق نيومان اسم ~~التطور الذهني للفكرة على هذه العملية التي يحدث خلالها - سواء ~~طالت أم قصرت - تبلور داخلي للخطوط العامة للفكرة، بحيث تقترب من ~~معناها الأساسي، ولكنا نستطيع أن نشبه هذه العملية بالمجرى الذي ~~يكون أصفى ما يكون قرب منبعه. ولكن الفكرة، على العكس من ذلك، ~~تزداد نقاء وخصبا كلما ازداد حوض المجرى الذي استمدت منه ~~امتلاء وعمقا. وهذه الاستعارة توحي بأن البدايات التاريخية لأية ~~فكرة لا يمكن أن تتخذ مقياسا لقيمتها وأهميتها، بل إنها تزداد ~~اكتمالا كلما حققت نفسها خلال الزمان بمزيد من العمق، ورغم أنها ~~تظل بمعنى معين نفس الفكرة خلال تحولاتها، فإنها في دورتها ~~النهائية تكون أقرب إلى الاكتمال مما هي في مظهرها الأول أو في أية ~~مرحلة وسطى. # وهكذا فإن مركز الثقل في هذا العرض للتطور التاريخي يقع، على ~~النقيض تماما من وجهة النظر الطبيعية # naturalistic ~~، في المراحل المتأخرة للعملية لا في ~~مراحلها الأولى، وفي نهايتها لا في بدايتها، فمعنى أية فكرة (وهو ~~ما يقصد به دائما ms184 تركيب عيني أو قوة حية للذهن تكون لها رسالة ~~تاريخية تحققها ) لا يعبر عنه - عند بداية ظهور الفكرة على المسرح - ~~بنفس القوة والفعالية التي يعبر بها عنه في عصور الحضارة الأرقى ~~والأكثر نضوجا. ولا يرجع ذلك إلى الفكرة ذاتها بقدر ما يرجع إلى ~~طبيعة إدراك الذهن البشري لها - وهو إدراك يكون دائما ناقصا غير ~~مطابق للحقيقة الكاملة للفكرة - ولا يمكن الكشف عن جميع الأوجه ~~المتضمنة فيها، بكل ما فيها من ثراء إلا بعملية نمو وتقدم تدريجية؛ ~~ولذا فإن الزمان عامل ضروري في نمو الفكرة، أو لتمكن من يتلقونها ~~من فهمها والتيقن منها، والأمران سيان. ولا تتحقق عملية ~~الاستيضاح هذه إلا خلال تاريخها، وهي تتحقق بدرجات متزايدة بقدر ~~ما يزداد نضوج وعمق الطريقة التي يفهمها بها أولئك الذين تمر بهم ~~هذه الفكرة. وعلى ذلك فمن الواجب التمييز بين فهم الذهن العارف ~~للفكرة أو تحقيقه لها، وبين الفكرة ذاتها، فالأول يمر بعدة تحولات ~~ويخضع للتطور، أما الثاني فيكون على ما هو عليه من البداية، وطوال ~~هذه المراحل كلها. وإذا كانت حقيقتها تزداد بالتدريج تكشفا خلال ~~تاريخها، فما ذلك إلا لأنها كانت منذ البداية متضمنة في داخلها، ~~فتاريخها وماهيتها ينتميان أساسا كل منهما إلى الآخر، وما ~~الأوجه المختلفة التي تتكشف فيها، والتي يؤلف مركبها صورتها ~~النهائية، ما هي إلا مجرد «لحظات» أو انبثاقات لما هو منتم إليها ~~في الأساس، وهي لا تضاف إليها من الخارج، وإنما تنمو من داخلها ~~نموا عضويا. وبعبارة أخرى، فالفكرة تظل محتفظة بطبيعتها ~~الأساسية مع تغير أوجهها المختلفة، ومهما تغير تمثلها الخارجي أو ~~تطور، فإنها هي ذاتها تظل دون تغير، وهكذا يتضح أن التطور # development # بالمعنى الذي ~~استخدمه نيومان يختلف من حيث المبدأ عن المعنى «التطوري # evolutionary ~~» الذي تنطوي عليه ~~الكلمة في المذهب الطبيعي # Naturalism ~~، فلا شأن له بعمليات التغير الآلية ~~العلية في عالم المادة، ولا بالنمو البيولوجي وتكوين الكائنات ~~العضوية عن طريق سلسلة دائما الارتفاع من المستويات التي تزداد على ~~الدوام تفاضلا ~~(differentiation) ~~، وإنما هو يعني بالفعل شيئا ms185 ذهنيا أو ~~روحيا خالصا، ويعني تحقيق ماهية الأفكار خلال مجرى تاريخها، ~~وتكشف هذه الماهية في الفهم المتزايد للذهن المدرك، كلما برز تارة ~~هذا الوجه، وتارة أخرى ذاك الوجه من أوجه المعنى الكامن ~~الواحد. # ومن السهل الآن أن نقوم بتطبيق هذه الأفكار على تاريخ الديانة ~~المسيحية والكنيسة المسيحية، وهو الأمر الذي كان الموضوع الأول ~~لاهتمام نيومان؛ فالمذهب المسيحي إنما هو فكرة كهذه، مرت عبر ~~القرون بتعديلات متعددة، كانت فيها تكشف عن ماهيتها على نحو يزداد ~~على الدوام ثراء وعمقا وامتلاء، وهذه التعديلات ليست مجرد ~~تغييرات عشوائية مفككة متعاقبة طرأت على المذهب كما أوحي به ~~في الأصل، بل إن تاريخ العقيدة يدل، على العكس من ذلك، على أن كل ~~شيء قد سار ها هنا بأكبر قدر من الانتظام، وفي اتجاه واحد تحدده ~~الفكرة ذاتها مقدما. فالفكرة المسيحية قد نمت عضويا، وهي قد مرت ~~بعملية أصيلة من التطور ( # dev. ~~)، ~~من بدايتها حتى يومنا هذا، دون أن يتأثر بذلك معناها الأساسي. وقد ~~ظلت على الدوام تكشف عن صور وجوانب جديدة من وجودها لفهم البشرية ~~النامي والمتزايد عمقا، بحيث لم يزدها ذلك هزالا وضعفا، وإنما ~~زادها نضوجا واكتمالا وفعالية. ولقد استطاعت أن تجاري التقدم ~~العام للمدنية حتى أعلى مستويات العقل والثقافة، واكتسبت مزيدا من ~~الرسوخ والامتلاء ومن القوة والوضوح على قدر ما كانت تصل إليه ~~المدنية من سمو؛ ذلك لأن من أوضح مظاهر ثراء المسيحية الذي لا ~~ينفد، أن محتوى فكرتها لا يمكن أن يدرك كله دفعة واحدة أو ~~على نحو نهائي، وإنما ينبغي أن يكون الزمان (بمعنى «المدة # durée ~~» عند برجسون) خلاقا فيها؛ ~~ليتيح لكل ما تنطوي عليه أن ينمو فيها عضويا، وأن يكشف عن ذاته ~~بالتدريج. وكلما كانت الفكرة التاريخية أعقد وأكثر عينية، كانت ~~أقدر على الامتداد خلال فترة زمنية أطول. ولا يشك نيومان، من ~~جانبه، في أن الفكرة المسيحية تفوق بكثير كل الأفكار الأخرى تعقدا ~~وعينية، وبالتالي خصبا في تطورها التاريخي، وقد أثبت هذا الموقف ~~الأساسي فعاليته بوجه خاص في موضوع تاريخ ms186 العقيدة، الذي طبقه ~~نيومان عليه بطريقة مثمرة إلى أقصى حد، وإليه قبل غيره يرجع الفضل ~~في تحول مفهوم «العقيدة # Dogma ~~» ~~الجامد إلى وجهة نظر عضوية أكثر حيوية، لم تجرؤ حقا على زعزعة ~~سلطة العقيدة وطابعها الإلزامي، وادعائها امتلاك حقيقة تسمو على ~~الزمان، ولكنها لقيت قبولا واسعا نظرا إلى نسبتها التاريخية، ~~وبالتالي ارتباطها الحيوي بتطور الذهن. # ولقد اكتملت نظرية نيومان في تطور الأفكار عامة، وتطور المذهب ~~المسيحي خاصة، على نحو يحفظها من جمود التعصب ومن النزعة المذهبية ~~الفارغة، والعنصر الآخر في نظريته هو التمييز الهام الذي يقول به ~~بين التطور ( # dev. ~~) الأصيل أو ~~السليم، والتطور الزائف أو الباطل، ويطلق نيومان على النوع الأخير ~~اسم: فساد الفكرة، وهو يخصص الباب الثاني والأكبر من كتابه ~~لمناقشة مفصلة زاخرة بالأسانيد للعلاقة بين التطورات الأصيلة لأي ~~مذهب، والتطورات المفسدة له. وهو هنا يهتم بمسألة المعايير التي ~~يمكننا أن نميز بها التطور الأصيل من الزائف، وظاهرة التقدم ~~الحقيقي من ظاهرة التأخر، وهو يضع نظرية لهذه المعايير بشيء من ~~التفصيل، فهناك بوجه خاص سبع صفات تدل على أن الفكرة تنمو ~~عضويا، ولم يدب فيها الفساد بعد. فالفكرة تكون كذلك إذا ~~كانت: ~~(1) تحتفظ بشكل نموذجي واحد، (2) وتكشف عن مبادئ محفوظة على ~~الدوام، (3) وتظل لها القدرة على الاستيعاب أو التمثل # assimilation ~~، (4) وتستبق بداياتها ~~الأولى مراحلها التالية، (5) وتكون أوجهها المتأخرة قادرة على ~~تبرير أوجهها المتقدمة ودعمها، (6) وعندما تتمكن من الاحتفاظ ~~بمضمونها الأصلي، وبالتالي بعث حياة جديدة فيه على الدوام، (7) ~~وأخيرا، عندما تكون لها حيوية باقية طوال مراحلها. وإن توافر هذه ~~الشروط في المسيحية (ولا سيما تلك الفكرة التي تدعو إليها كنيسة ~~الروم الكاثوليك عن المسيحية) بدرجة أعلى مما تتوافر في أية حركة ~~أخرى في التاريخ، وكونها قد استطاعت حتى الآن أن تتغلب على جميع ~~الاتجاهات التي هدفت إلى القضاء عليها، وتغلبت ظافرة على كل ~~المؤثرات المفسدة؛ لهو في نظر نيومان الدليل الكافي على أن ~~المسيحية ستحتفظ في المستقبل أيضا بقدرتها على الحياة، بل وسوف ~~تتمثل أيضا على أنها قوة حية ms187 في الذهن، تشهد رسالتها التاريخية ~~في الماضي بعظمتها أبلغ شهادة وأعمقها. ~~••• # وإذا استثنينا نيومان، الذي كان المفكر الوحيد المنتمي إلى الصف ~~الأول من بين رجال «حركة أكسفورد» فلن نجد إلا شخصية واحدة في هذه ~~الحركة كانت لها ميول فلسفية قوية وقدرة على التفلسف، تلك هي ~~شخصية «وليام جورج ~~وورد # William George Ward ~~»، (1812-1882)، ولقد ساهم وورد، الذي كان ~~ينتمي إلى الجناح الأكثر تطرفا في الحركة، بدور كبير في فصل ~~الحركة عن الكنيسة الإنجليكانية، وتم تحوله نهائيا إلى ~~الكاثوليكية حتى قبل نيومان ذاته (في سبتمبر 1845)، وقد حاول وورد ~~أن يعبر تعبيرا رسميا دقيقا ومنهجيا عن تلك العناصر التي ~~كانت بالنسبة إلى نيومان كشفا فلسفيا ارتفع من أعماق روحه إلى ~~مستوى التفكير الواضح. ولم يكن وورد أكثر ميلا من نيومان إلى ~~العودة إلى المدرسية لاستمداد الوحي منها، ولكنه كان أوثق ارتباطا ~~بالاتجاهات الفكرية المعاصرة له، والتي كانت صلته بها متينة، سواء ~~عندما كان يعارض أفكارا سائدة في عصره أو عندما كان ينتفع ~~بمعونتها. وقد عرض برنامجه الديني في كتابه: «المثل الأعلى لكنيسة مسيحية # The Ideal of a ~~Christian Church ~~» (1884)، وهو ~~مؤلف يوازي «تطور المذهب المسيحي» عند نيومان. وقد تضمن هذا ~~الكتاب أقوى، وربما أول، تعبير عن اتجاهات الكثلكة في حركة ~~أكسفورد؛ ومن ثم فقد كان يمثل نقطة تحول في تاريخها. وقد مهد ~~بطريقة قاطعة للانفصال الذي حدث بعده بعام واحد. ولقد كان العامل ~~الذي دفع وورد، وكل من جاروه في معارضته المتزايدة للبروتستانتية، ~~هو المثل الأعلى للتقوى الزاهدة، وفكرة الحياة المسيحية وقد تحولت ~~إلى الباطن وأصبحت لها قداسة، وهي فكرة استحوذت عليهم تماما. فكان ~~من الطبيعي أن تؤدي بهم هذه المعارضة آخر الأمر إلى تحولهم الصريح ~~إلى هذا النوع من الإيمان، وإلى الكنيسة التي رأوا مثلهم العليا ~~هذه تتحقق فيها على أفضل نحو، وأهم المؤلفات التي عرضت فيها ~~آراء وورد الفلسفية، مؤلفان تاليان: أحدهما هو رسالته «في الطبيعة ~~واللطف الإلهي # On ~~Nature and Grace ~~» (1860)، والآخر سلسلة طويلة من ~~الأبحاث ظهرت في مجلة ms188 «دبلن ~~ريفيو # Dublin Review ~~» (التي كان هو ذاته مشرفا على تحريرها)، ~~فيما بين عامي 1867 و1893، ونشرت بعد وفاته في مجلدين ~~عنوانهما «بحوث في فلسفة مذهب الألوهية # Essays on the Phil. of Theism ~~» (1884)، وأشرف على ~~طبعهما ابنه «ولفرد وورد». وتعرض هذه البحوث لذلك الخلاف الضخم ~~الذي نشب بين حركة أكسفورد والمذهب التجريبي عند جون ستيوارت مل ~~وأفراد مدرسته، بوصفهم أقوى مفكري ذلك العصر تمثيلا للفلسفة ~~الدنيوية، وهذه البحوث أشبه بطرف مقابل لكتاب مل: «اختبار ~~لهاملتن»، وهي تؤلف في الوقت ذاته ردا على هجوم مل، بقدر ما كان ~~تفكير وورد قريب الشبه، في نقاط معينة، من تعاليم المفكر ~~الاسكتلندي هاملتن. # وقد وجه نقد وورد إلى القضية الرئيسية في الفلسفة التجريبية، ~~القائلة إن كل معرفة لنا مستمدة من التجربة، وإن هذه هي المصدر ~~الوحيد المشروع لليقين والحقيقة. فما علينا، في رأيه، إلا أن نخطو ~~خطوة واحدة نتجاوز بها المعطيات المباشرة للوعي، أعني أن نتأمل ~~مثلا، بدلا من هذه المعطيات، الأفكار المستعادة التي تمدنا بها ~~التجربة بطريق غير مباشر؛ لندرك مدى استحالة وجهة النظر المقتصرة ~~على التجربة، أو وجهة النظر «الظاهرية» الخالصة ~~( Pure Phenomenism ~~) كما يسميها ~~وورد في معظم الأحيان كلما كان بصدد الكلام عن موقف مل. ذلك لأننا ~~في حالة التذكر لا نهتم بالانطباع الحاضر الذي يكون لدينا بحادث ~~ماض، وإنما نهتم بالوجود الفعلي لهذا الحادث في الماضي. وإن مجرد ~~كوننا نتذكر، لدليل كاف على أن المعارف ~~(Cognitions) # التي توصلها إلينا الذاكرة ليس لها ضمان ~~في التجربة المباشرة، بل إن علينا - لكي نفسر الذاكرة - أن نفترض ~~معارف ( # cognitions ~~) لا يتم ~~اكتسابها بالطريقة التي يقول بها المذهب التجريبي. ومثل هذه ~~النتيجة تصدق على كل معرفة يود المذهب التجريبي أن يردها إلى ~~التجربة الخالصة والاستقراء، فعملية المعرفة # Cognition # لا تبنى فقط على ما يجري بالفعل، ~~وإنما تبنى أيضا - وبصفة دائمة - على نوع من المعرفة # Knowledge # لا صلة له بالتجربة، لا ~~بطريق مباشر ولا بطريق غير مباشر، بل هو بالفعل مختلف عنها ~~اختلافا أساسيا. ذلك ms189 هو «الحدس»، وليست الموضوعات التي تعرف ~~بواسطته هي المعطيات الظاهرية ~~(Phenomenal) # للوعي أو مشتقاتها، وإنما هي حقائق ~~أولية ضرورية ذات صحة شاملة، تكون لنا بها بصيرة مباشرة تضفي على ~~هذه الموضوعات وضوحا ذاتيا. وهكذا تؤدي فكرة وورد الأساسية هذه ~~إلى تأكيده أن كل معرفة بشرية لا تبدأ بالتجربة، وإنما تبدأ ~~بحقائق معينة واضحة بذاتها. ومن ثم فهي حقائق موثوق فيها على ~~نحو مطلق، يمكن إدراكها مباشرة، ويكون يقينها كامنا فيها هي ~~ذاتها، وليس مستمدا من أي شيء غيرها. فكل ما تعلن ملكات المعرفة ~~البشرية أنه يقيني على نحو لا يتطرق إليه الشك، يعرف لذلك منذ ~~البداية على أنه ذو صحة مطلقة، واليقين الذاتي هو المعيار الذي ~~نقيس به الحقيقة الموضوعية. ومهما كانت الطرق الأخرى التي نتمكن ~~بها من بلوغ المعرفة، سواء أكانت هذه الطرق تجربة أم ملاحظة أم ~~استنباطات منطقية أم أية طريقة غيرها، فإن المعرفة الحدسية تكون ~~على الدوام مفترضة مقدما، وهي تمثل تمهيدا لا غناء عنه. وبهذه ~~الحقائق التي تعرف على هذا القدر من الوضوح كان وورد يشيد حصنا ~~ضد هجمات التجريبية السائدة عندئذ، لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي ~~شيده فلاسفة المدرسة الاسكتلندية، بل إن مذهبه قد احتل بالفعل ~~مكانته في التيار الفكري الحدسي القوي الذي أخذت تتجمع وتتلاقى فيه ~~القوى المعارضة للمذهب التجريبي، دون أن تكون مع ذلك جبهة واحدة ~~مشتركة، وذلك قبل ظهور الحركة المثالية (بل وبعد ظهورها في بعض ~~الحالات). وعلى أية حال فإنا نجد، في هذا الصدد، تقاربا باطنا ~~بين مفكرين من المدرسة الاسكتلندية (مثل هاملتن ومانسل وماكوش) ~~وبين مفكري حركة أكسفورد (مثل نيومان وورد)، وتلك الجماعات الأخرى ~~التي كانت أهمها جماعة مارتينو. # على أن المعارض بين المذهبين التجريبي والحدسي أكثر من مجرد ~~نزاع على نظرية المعرفة. فلو تأملناه من منظور أوسع؛ لوجدناه ~~قائما على التقابل الفلسفي البعيد الأثر بين مذهب الألوهية # Theism # والاتجاه المضاد لمذهب الألوهية # Anti-Theism ~~؛ ذلك ~~لأن إقامة مذهب الألوهية، الذي كان هو موضوع الاهتمام الرئيسي ~~لوورد، والذي لم يكن ms190 يقصد من نظريته الحدسية في المعرفة إلا أن ~~تكون تمهيدا له، كان يعني بالمثل خصومة عنيفة ضد الاتجاه إلى عدم ~~الاكتراث بالدين لدى الشكاك واللاأدريين، الذين كان معظمهم ~~يرجعون في الأصل إلى المعسكر التجريبي. وهكذا وقف يناضل ضد صبغ ~~الفلسفة بصبغة دنيوية، وهو الاتجاه الذي رأى أن المذهب التجريبي ~~مسئول عنه أساسا، ورأى في مقابل ذلك أن المهمة الحقيقية والأهم ~~الملقاة على عاتق الفلسفة، هي إثبات الدين وإقراره. وهكذا فلم يكن ~~لجميع الجهود التي بذلها في الميدان النظري من هدف في رأيه إلا ~~تبرير إيمانه الديني آخر الأمر. وأهم ركن في هذا الإيمان هو ~~الإيمان بإله مشخص على النحو الذي قالت به التعاليم المسيحية (أي ~~العقيدة الكاثوليكية). وقد كانت براهين وورد الفلسفية على وجود ~~الله متفقة أساسا مع براهين غيره من المفكرين الكاثوليك مثل ~~نيومان، ول. أولى-لابرين # L. Ollé-Laprune ~~، وي. كلويتجن # J. Kleutgen # الذين تأثر بهم ~~تأثرا دائما. ولقد أكد مثلهم بوجه خاص الحجة الأخلاقية وجعلها ~~الأساس الرئيسي لدفاعه عن الدين، غير أنه لم يتمكن - من الوجهة ~~النظرية البحتة - من إيجاد مكان لوجود الله في فلسفته، من غير أن ~~يخالف سائر مبادئ تفكيره، إلا بقدر ما رأى في حقيقة وجود الله ~~واحدة من تلك الحقائق الأولية التي تنطوي في ذاتها على يقين مطلق؛ ~~نظرا إلى وضوحها الذاتي، فوجود الله لا تضمنه حقائق التجربة ولا ~~البراهين المنطقية، وإنما تضمنه البصيرة المباشرة فحسب. # وأخيرا فإن مبدأ الحدس يظل بدوره محفوظا عندما يطبق على ~~الأخلاق. والواقع أن آراء وورد في هذا الموضوع، وإن كانت هي ~~النتيجة الطبيعية لمقدماته الخاصة في نظرية المعرفة، لم تجد ~~التعبير الواضح عنها إلا قرب نهاية حياته، عندما عرف آراء ~~«أولى-لابرين»، أبي الحركة «التجديدية # Modernist ~~» الذي تأثر وورد تأثرا عميقا ببحثه ~~«في اليقين ~~الأخلاقي # De la Certitude morale ~~» (1880)، واستمد منه الكثير مما أعانه ~~على بلورة آرائه الخاصة في هذا الموضوع. ولقد كانت لمشكلة اليقين ~~الأخلاقي في نظر وورد، كما كانت في نظر أولى-لابرين، مكانة ~~رئيسية، وكما أن هناك حقائق ms191 نظرية وميتافيزيقية ضرورية، فهناك ~~أيضا استبصارات أخلاقية، لها يقين مطلق نظرا إلى وضوحها الذاتي ~~الملزم. فأفكار الخير والشر والصواب والخطأ والفضيلة والرذيلة هي ~~أفكار بسيطة تماما، ولا تقبل مزيدا من الترشيح أو التحليل. فكون ~~خيانة صديقي شرا ينبغي استهجانه لذاته، هو بالنسبة إلي أمر له ~~يقين حدسي محض، ولا يحتاج إلى مزيد من البحث، فهنا أعترف ~~بحقيقة أخلاقية واضحة بذاتها، وبالتالي ضرورية. غير أن الوضوح ~~الذاتي لمثل هذه اليقينيات الأخلاقية يلزمنا بالاعتراف بوضوح ~~ذاتي ثان متضمن في الأول، وأعني به كون هذه اليقينيات ترجع في ~~أساسها إلى وجود الله؛ ذلك لأن كون مصدر البديهيات الأخلاقية - أي ~~استحسان الخير واستهجان الشر - هو كائن من نوع أعلى، هو بدوره ~~مسألة بصيرة مباشرة، فجذور الأخلاقية ترجع إلى الله بوصفه ~~المشرع الأعظم للمعايير الأخلاقية، وهي في الوقت ذاته أفضل ~~برهان على ضرورته ووجوده. # وأخيرا، فإن هذا الموقف يلقي ضوءا ساطعا على مشكلة الحرية؛ ~~ذلك لأن وورد، شأنه شأن معظم ممثلي الأخلاق الحدسية، يجهر بأنه من ~~خصوم الحتمية، وهكذا يجد نفسه في هذه المسألة بدورها متخذا ~~بطبيعته موقف المعارضة من المذهب التجريبي بنظرته الآلية والحتمية. ~~ولقد كان الخصم الأكبر الذي اشتبك معه، في هذه الحالة أيضا، هو ~~مل. ويرى وورد أن مشكلة حرية الإرادة تتوقف أساسا على مسألة كون ~~الإنسان قادرا أو غير قادر على مقاومة نزعاته الإرادية الطبيعية. ~~ويعتمد وورد، في الإجابة على هذا السؤال، على حقائق التجربة، وذلك ~~على خلاف ما جرت عليه عادته. فهذه الحقائق تثبت أن الكائن الذي ~~وهب عقلا يملك هذه القدرة بالفعل بدرجة كبيرة - أي إنه يستطيع ~~أن يكبح جماح نفسه ويقاوم النزوع التلقائي لإرادته - وإنه بقدر ما ~~تكون له هذه القدرة، تكون أفعاله حرة بحق، بغض النظر تماما عن ~~كونه يمارس هذه القدرة في أية حالة خاصة أم لا. وهكذا يبدو أن في ~~هذا الالتجاء البسيط إلى التجربة، الذي يصل مباشرة إلى لب ~~المشكلة، برهانا كافيا على اللاحتمية. غير أن للمشكلة وجها آخر: ~~فهي لا تنطوي فقط على ms192 الرأي السلبي القائل إن الإرادة «ليست» خاضعة ~~للحتمية في كل أمر، وإنما تنطوي أيضا على الرأي الإيجابي القائل ~~إن الإنسان ذاته مصدر أصيل للنزوع الإرادي أو علة للفعل الإرادي ~~لها استقلالها الذاتي. وعند هذه النقطة تتشابك الخيوط التي تربط ~~بين الأخلاق والدين، فليس هناك سوى منبعين أصيلين من هذا النوع، ~~لتلك العلية التي لا تخضع لحتمية خارجية، هما الإرادة الإلهية ~~والإرادة البشرية؛ إذ بينما يكون الله - بوصفه العلة القصوى ~~والعليا - هو أصل كل حادث، وبالتالي أصل الإرادة البشرية بدورها، ~~فإن النزوع الإرادي للإنسان لا يخضع مباشرة لحتمية الإرادة ~~الإلهية. بل لقد جعلت قوة الله الخالقة من الإنسان مركزا للنزوع ~~الإرادي قائما بذاته، وقد أضفى الله - بمحض اختيار - على مخلوقه ~~تلك الحرية التي ينفرد بها وحده، فمنحه القدرة على إحداث الحوادث؛ ~~وبذا يتسنى له أن يتحرر، في حدود معينة، من الارتباط بالله، ويسلك ~~مستقلا عن الإرادة الإلهية. وهكذا فقد تخلى الله إلى درجة ~~محدودة عن السيطرة على الإرادة والسلوك البشري، وإلى هذا الحد يكون ~~الإنسان حرا، بمعنى أن لديه حرية الاختيار بين الصواب والخطأ، ~~وبين الخير والشر. وهكذا نهتدي إلى حل طبيعي للنقيضة القائمة بين ~~الأخلاق والدين، والتي تثيرها مشكلة الحرية، وهو حل يعترف اعترافا ~~كاملا بالاستقلال الذاتي للعالم الأخلاقي، ولكنه في الوقت ذاته ~~يربط بينه وبين القانون الإلهي. # ويجدر بنا في هذا الصدد أن نشير إلى فرانسيس وليام ~~نيومان # Francis William Newman ~~(1805-1897)، وهو الشقيق الأصغر ~~للكردينال، الذي قال بآراء لا تختلف كثيرا عن آراء أخيه الشهير، ~~وإن لم يكن قد انضم إلى حركة أكسفورد. ولقد كان فرانسيس نيومان ~~كاتبا خصبا غزير التأليف، غير أن مزاجه كان مزاج الباحث الهادئ ~~أكثر منه مزاج المناضل أو الزعيم في صراع ديني. وكان ضحية شتى ~~أنواع الهواجس، فنسج حول نفسه عالما فكريا خاصا به، دون أن ~~يشعر بالحاجة إلى أية زمالة فكرية مع الآخرين، ودون أن يكون ~~متصفا بما كان يلهم أخاه من انفعال رفيع واقتناع عميق بإيمانه. ~~ولقد كان فرانسيس أقل مكانة ms193 من أخيه، سواء في شخصيته ومن حيث عمق ~~التفكير ووضوحه وصدق العزيمة وقوة الإيمان، وإنه لمن عدم التوفيق ~~من جميع النواحي أن يوضع قبل شخصية الكردينال العظيمة، أو حتى أن ~~يوضع إلى جانب «شيلر ~~ماخر # Schleiermacher ~~» # 3 ~~(كما فعل فليدرر Pfleiderer ~~). وقد عرضت أهم آرائه الدينية ~~والفلسفية في ثلاثة مؤلفات: في «النفس # The Soul ~~» (1849)، وهو كتاب يتسم بالصدق والحساسية، ~~ويفيض بالحماسة الصوفية في كل صفحاته، ثم «مراحل الإيمان Phases of Faith ~~» وهو ~~ترجمة ذاتية لحياته وصف فيها تلك الرحلة الروحية التي انتقل فيها ~~من تعاليم المسيحية إلى مذهب ألوهي ~~(theism) # منفصل عن جميع الارتباطات الكنسية ~~الإيجابية، وهو مؤلف يوازي كتاب أخيه «دفاع عن حياتي»، وهناك ~~أخيرا كتابه «الألوهية» مذهبيا وعمليا و # Theism, doctrinal and Practical ~~(1858)، وهو كتاب يتضمن عرضا أكثر ~~منهجية لوجهة نظره اللاهوتية. # ولقد كانت وجهة نظره هذه، مثل وجهة نظر أخيه، فردية وضد العقلية، ~~غير أن فرديته تتركز، على نحو أشد وأكثر تحيزا حتى من أخيه، في ~~العلاقات ذات الطابع الشخصي الكامل، التي تربط بين النفس والله، ~~فالمصدر الوحيد لمعرفة حياة الله هو نفس المرء ذاتها، وهو تلك ~~الحاسة الباطنة التي تكشف لنا الماهية الإلهية، والعضو الذي نتمكن ~~بفضله من الاقتراب من الموجود الإلهي والاتحاد به. وهنا نستطيع أن ~~نلمج تيارا صوفيا قويا، يقترن به رفض كل الوسائط الخارجية ~~للطف الإلهي، وكل سلطة ملزمة أيا كانت، سواء أكانت الكنيسة ~~والعقيدة أو سلطة الإنجيل أو حتى وساطة المسيح. # والركن الوحيد الباقي من الإيمان هو الألوهية الصوفية كما تتكشف ~~وتدرك في التجربة الحية للنفس. ولكن على الرغم من كل العمق ~~والإخلاص الذي اتسمت به تلك التجربة التي نبعت منها هذه المحاولة، ~~فإن هذه المحاولة للوصول إلى مذهب ألوهي منقى من جميع الشوائب ~~تعني في الواقع أن الجوهر الأصيل للدين قد خفف أو فرغ ~~تماما، وأن اتجاه فرانسيس نيومان ليوحي - على عكس حماسة شقيقه ~~وحيويته المقترنة بإيمان راسخ بالحياة التنظيمية الفعلية للكنيسة ~~- بأن لصاحبه روحا منعزلة تطرب لعواطفها الخاصة، حتى ليشعر ms194 المرء ~~بأن التفكير الديني قد تراجع أمام الأنا الذي يقنع بتأمل نفسه ~~منعكسا في مرآة ذاتية، وأمام التجربة ذات النوع الذاتي الشخصي ~~المحض. # ولقد رأينا أن للفلسفة الدينية لحركة أكسفورد، كما تتمثل لدى ج. ~~ه. نيومان وو. ج. وورد، سمة بارزة يمكن تسميتها ب«النزعة الأخلاقية # moralism ~~» وفي هذه ~~النزعة يتمثل الوعي الأخلاقي، بكل تأكيد ممكن، على أنه أساس ~~الدين، بل على أنه معيار حقيقته، فتعاليم حركة أكسفورد تفترض ~~مقدما أن نقطة بداية الدين هي الأخلاق، وأن كل تطور أصيل للوعي ~~الديني ينطوي في ذاته على السعي إلى الكمال الأخلاقي، وهذا الاتجاه ~~في الوقت ذاته دليل على مدى تغلغل جذور التراث الإنجليزي فيها. ~~ولقد ظهر نفس هذا الاتجاه، على نحو أوضح وأبرز في مذهب آخر هو ~~المثالية الأخلاقية عند مارتينو # James Martineau ~~. # ولقد كان هذا المذهب الأخير بالتأكيد مستقلا عن حركة أكسفورد، ~~غير أن الأهداف التي اتجه إليها والميول التي كشف عنها لها بعض ~~الشبه بهذه الحركة، فضلا عن أن تعاليمه الفلسفية بوجه خاص تقترب ~~منها اقترابا وثيقا في نقاط متعددة. ولقد كان مارتينو - بعد ~~نيومان - هو بالتأكيد أقوى مجدد وباعث لحياة الروح في مجالي ~~الأخلاق والدين من أبناء الشعب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، وهو ~~ينتمي مثل نيومان، إلى الصف الأول من كبار العقول في العصر ~~الفكتوري. # وتعد فلسفة مارتينو # 4 # تعبيرا عن اعترافات شخصية عظيمة أكثر مما تعد ~~نظرية مذهبية بالمعنى الضيق. فهي لم تكن نتاجا لأية مدرسة أو ~~اتجاه فلسفي خاص، بقدر ما كانت ثمرة للقوى والحركات العقلية ~~العامة التي أضفت على العصر الفكتوري طابعه وميزاته الخاصة. وبفضل ~~الاتصالات الشخصية والأدبية التي أقامها مارتينو، كان أكثر تغلغلا ~~في هذه الحركة من معظم المفكرين الآخرين في عصره. ولعل من أهم ~~أسباب ذلك طول حياته، التي بدأت من السنة التالية لوفاة كانت، ولم ~~تنته إلا بعد بداية القرن الجديد، واشتمل عمره على حوالي ثلاثة ~~أجيال، وبذلك شهد ظهور وانقضاء عدة تيارات وحركات فكرية مختلفة. ~~ولذا كان تطوره الذهني يرجع إلى ms195 فترة أسبق كثيرا من الفترة التي ~~نعرضها ها هنا؛ إذ يبدأ من العقد الثالث في القرن الثالث الماضي، ~~ثم يمتد طوال جزء غير قليل من مجرى هذه الفترة، ليصل إلى قمته ~~الحقيقية في فترة النضج الكامل الوضاء خلال عمر متقدم كانت له فيه ~~مواهب نادرة، والواقع أن الكتب التي جلبت لمارتينو أكبر قدره من ~~الشهرة الفلسفية تكاد كلها تكون منتمية إلى فترة كهولته المتأخرة جدا، # 5 # ولا توجد قطعا أية حالة أخرى لمفكر وصل إلى أعلى ~~درجات الإنتاجية الخلاقة فيما بين سن الثمانين والتسعين من عمره. ~~وإلى هذا الحد تكون أعمال مارتينو وتأثيره منتمية أساسا إلى ~~الفترة موضوع البحث في هذا الجزء من كتابنا، وإن يكن إنتاجه الفكري ~~قد بدأ في فترة أسبق بكثير. # وترجع الأهمية الخاصة لتطور مارتينو، من حيث هو فيلسوف، إلى أن ~~هذا التطور يعكس السمات المميزة لثقافة عصره في مجموعها، وقد عرض ~~هذا التطور في مقدمته لكتاب «أنماط من النظرية الأخلاقية»، فقد ~~تأثر بعمق، في شبابه ورجولته المبكرة، بطريقة التفكير التجريبية ~~والحتمية التي كانت سائدة في البيئة الوثيقة الصلة به، وأصبح على ~~التوالي من الأتباع المخلصين لتعاليم كل من لوك وهارتلي وكولينز ~~وإدواردز وبريستلي وبنتام وجيمس مل. ولكن حتى في ذلك الوقت كانت ~~تطرأ على ذهنه من آن لآخر شكوك حول صحة هذه المذاهب، وإن تكن ~~صداقته الوثيقة لمل الابن قد خففت من شكوكه مؤقتا. ولكن بدأ يحدث ~~داخله تحول عميق، انتهى بصورة مؤقتة عام 1840، وأدى إلى انشقاقه ~~صراحة عن نمط التفكير الذي كان يقبله من قبل، وكان من الواضح أن ~~هذا التغيير قد حدث نتيجة لنمو باطن أكثر مما حدث نتيجة لمؤثرات ~~خارجية. فقد كشف له تأمله العميق في مشكلات التجربة الباطنة عن ~~عامل لم يكن قد لاحظه حتى ذلك الحين، وهو وظيفة الذهن المستقلة ~~بذاتها في الإرادة والمعرفة، والتي تنطوي على شيء مختلف ومستقل عن ~~مجرد تغير الظواهر والنوازع وتعاملها، وتظل خلال هذا التغيير ~~محتفظة بهوية ثابتة. وكانت مشكلات الوعي الأخلاقي هي التي تشغله ms196 ~~أكثر من غيرها، فقد بدأ يدرك المعنى العميق لأفكار مثل المسئولية ~~والذنب والجدارة والواجب، وأصبح وجها لوجه إزاء مسألة احتمال وجود ~~عالم مثالي لما ينبغي أن يكون من فوق كل موجود تجريبي، واحتمال ~~كون هذا العالم المثالي هو الذي يستطيع أن يمده بوجهة النظر التي ~~يمكن من خلالها فهم المعنى الحقيقي للإرادة البشرية وللسلوك ~~البشري. فالمذهب ~~الطبيعي # Naturalism # لم يمكنه من تقديم إجابة على هذه الأسئلة ~~المحيرة؛ ولذلك تخلى عن تلك النظرة إلى العالم، التي تؤكد أن كل ~~حادث باطن - لا كل حدث ظاهر فحسب - يخضع لقانون علي دقيق، ثم ~~أدى به الاختبار النقدي لمشكلة العلية إلى مراجعة دقيقة للمذهب ~~الذي سبق له قبوله، ومهد الطريق للكشف الذي أصبح فيما بعد من ~~السمات الرئيسية لتفكير مارتينو. # وهكذا كان مارتينو قد تمكن، عندما بلغ سن الأربعين، من التغلب ~~على المذهب الطبيعي في نقاط أساسية معينة، غير أن تحوله التام ~~إلى المثالية كان نتيجة اطلاعه المباشر على الفلسفة الألمانية ~~وإعجابه بها أثناء فترة الدراسة في برلين في شتاء 1848-1849. ولقد ~~رأى هو نفسه، عندما بلغ الشيخوخة، أن هذه التجربة كانت لها أهمية ~~عظمى في تطوره الذهني، فتحدث عن «ما يمكن أن يقال عنه إنه تعليم ~~ثان تلقيته في ألمانيا» سار فيه «بإرشاد سديد من المرحوم الأستاذ ~~ترندلنبرج # Trendelenburg # قبل ~~غيره»، ووصف تأثير هذه التجربة بأنه «ميلاد روحي جديد»، على أن ~~هذا الاتصال بترندلنبرج، شارح أرسطو المشهور، الذي حضر مارتينو ~~محاضراته في المنطق وتاريخ الفلسفة، لم يمده بأي مذهب فلسفي تام ~~الإعداد كان يستطيع أن يتخذه لنفسه بأكمله، ولم تكن ميتافيزيقا ~~ترندلنبرج بأسرها مقبولة لديه. وإنما كانت نتيجة هذا اللقاء هي ~~أنها أمدته لأول مرة بفهم عميق للتطور الكامل للتفكير الفلسفي منذ ~~العصر اليوناني القديم حتى الفلاسفة الألمان المحدثين؛ فتمكن بذلك ~~من أن يلمح الارتباطات الباطنة والقوى الروحية الفعالة في جميع ~~المذاهب الماضية العميقة، ومن أن يجمعها كلها سويا. وعلى هذا ~~النحو حصل ما لم يكن لديه من قبل، أي على ذلك العتاد ms197 العقلي الذي ~~تمكن بفضله من أن يجمع في وحدة فلسفية واحدة بين مختلف الأفكار ~~النظرية والأخلاقية والدينية التي كانت تدور في رأسه وتكافح من أجل ~~التعبير عن نفسها تعبيرا واضحا. وكتب هو ذاته من برلين (في 25 ~~فبراير سنة 1849)، يقول: «إن محاضرات ترندلنبرج في تاريخ الفلسفة ~~قد لبت حاجاتي تماما، فلم تعرض علي مذهبا، وإنما أمدتني ~~بمرشد أمين لمصادر المذاهب اليونانية القديمة والألمانية الحديثة، ~~وأتاحت لي على أفضل وجه فرصة لإعادة النظر في آرائي الخاصة ~~وتصويبها» (حياة جيمس مارتينو # Life ~~& Letters of James Martineau # من تأليفه ج. درموند # J. Drummond ~~، وك . ب. أبتن # C. B. Uptos ~~، المجلد الثاني، ~~ص331). وهكذا لم يكن ذلك حافزا له على إعادة دراسة كتابات أفلاطون ~~وأرسطو فحسب، بل أيضا على التعمق في الأفكار الزاخرة للمثاليين ~~الألمان، ولا سيما كانت وهيجل، اللذين بدأ الغموض ينقشع عن ~~كتاباتهما لأول مرة، كما صرح هو ذاته. ولقد كان هذا التوضيح ~~المتبادل للمذاهب الفكرية الألمانية عن طريق المذاهب اليونانية، ~~ولليونانية عن طريق الألمانية، هو الذي أدى إلى ظهور الكشوف ~~الفكرية الجديدة التي تجمعت لتكون فلسفة مارتينو الخاصة، والتي لم ~~تعرض مع ذلك عرضا ناضجا إلا بعد جيل أو أكثر. ومن ثم فإن هذه ~~الفلسفة لا تنتمي إلى أية مدرسة فكرية بعينها، وإنما هي تجمع في ~~ذاتها العناصر الرئيسية للفكر المثالي في كل الأوقات وبين جميع ~~الشعوب، على نحو ما يتمثل في المذاهب الدينية (ولا سيما المسيحية) ~~وفي المذاهب الفلسفية. فالواقع أن التعاليم الدينية والمسيحية كان ~~لها، في تشكيل تفكير مارتينو، دور لا يقل عن دور النظريات ~~الفلسفية، وكانت مصدرا لقوة متجددة على الدوام في صياغة نظرته ~~العامة إلى العالم. # وهكذا فإن مارتينو قد أعاد بناء طريقته الخاصة في التفكير من ~~أساسها بعد اتصاله المباشر بالفلسفة الألمانية قبل فترة من بدء ~~الحركة المثالية الجديدة في العقد الثامن من القرن الماضي، وقد ~~أفاده المفكرون اليونانيون في عملية التجديد هذه مثلما أفادوا ~~تلاميذ كانت وهيجل في أكسفورد فيما بعد. وهكذا استبق، بشخصه، تطور ms198 ~~الفلسفة الإنجليزية بحوالي عشرين عاما، ولكنه ظل في البداية ~~شخصية منعزلة؛ فكان عاجزا عن أن يبدأ من ذاته حركة فكرية ~~جديدة، أو أن يهتدي إلى حركة ينضم إلى صفوفها. وكان سبب هذا ~~الافتقار النسبي إلى التأثير مزدوجا؛ ذلك لأنه لم يكن قد صاغ ~~التعاليم التي اتخذت قواما محددا في ذهنه على شكل منهجي في ~~مؤلف رئيسي، وإن يكن قد عبر عنها في كتابات صغيرة كانت تظهر من ~~آن لآخر، ولم تكن هناك بيئة لديها الاستعداد العقلي لتلقي آرائه ~~وتقبلها، على نحو ما أصبحت جامعة أكسفورد فيما بعد. وعندما بدأت ~~حركة إحياء كانت وهيجل في أكسفورد فيما بعد، وسارت في طريقها ~~الظافر، استقبل مارتينو وتلاميذه في البداية الحركة بأعظم الترحيب؛ ~~إذ شعروا بأنها قريبة كل القرب من نظرتهم الخاصة، وحاز جرين بوجه ~~خاص إعجاب مارتينو، وجمعت بين الرجلين صداقة أفاد منها كلاهما. ~~ولقد وجدوا أساسا مشتركا لجهودهما الفلسفية، ليس فقط في نقط ~~الالتقاء المتعددة التي تميزت بها نظريتاهما، بل أيضا في ذلك ~~الاهتمام بالدين، الذي كان يتميز به الأنصار الأولون لمذهب أكسفورد ~~المثالي، مثلما كان يتميز به مارتينو. وفضلا عن ذلك فإن اشتراكهما ~~في محاربة نفس الأعداء - أعني الاتجاهات المادية واللاأدرية ~~والمذاهب ~~الطبيعية # naturalistic # السائدة في ذلك العصر، قد جمع بينهما في ~~تحالف واحد. ولكن العلاقات الطيبة التي تميزت بها السنوات الأولى ~~اهتزت فيما بعد على نحو ملحوظ، ووجد مارتينو ومن يماثلونه في ~~التفكير أنهم يقفون موقف المعارضة الشديدة من المثاليين، ولا سيما ~~الهيجليين الأوائل، وكان قوام الاختلافات بينهما هو، من جهة، ذلك ~~الفارق الأساسي بينهما في طريقة معالجة مشكلتي الحرية والشخصية ~~(وهما أهم المصادرات في مذهب مارتينو)، ومن جهة أخرى ذلك الاتجاه ~~المتزايد إلى صبغ التفكير بصبغة دنيوية لدى المذاهب المطلقة عند ~~الهيجليين المتأخرين، وفي مقابل ذلك التقت تعاليم مارتينو في نقاط ~~متعددة مع أولئك المثاليين المحدثين الذين كانوا يمثلون مذهبا ~~«تشخيصيا # personalist ~~» ~~والذين كانت وجهة نظرهم أقرب إلى لوتسه # Lotze # منها إلى هيجل. ومن أمثلة هؤلاء المثاليين ~~المحدثين، برنجل ms199 ~~باتيسون Pringle-Pattison ~~، راشدل # Rashdall ~~، وسورلي # Sorley ~~. والواقع أن فلسفة مارتينو في مجموعها ~~قريبة في نواح عدة من فلسفة لوسته، وكانت لها في انجلترا رسالة ~~مماثلة لرسالة لوتسه في ألمانيا. # وعندما نشرت على الملأ، في العقدين التاسع والأخير من القرن ~~التاسع عشر، مؤلفات مارتينو المذهبية الكبيرة (وهي «أنماط من ~~النظرية الأخلاقية» و«دراسة للدين» و«محور السلطة في الدين») أثارت ~~اهتماما كبيرا، ولقيت ترحيبا حارا، ولا سيما من خارج أوساط ~~الفلاسفة المحترفين. ولكنها جاءت أكثر تأخرا من أن تكون مفرق طرق ~~في تاريخ الفكر الإنجليزي؛ ذلك لأن الحركة المثالية المحدثة كانت ~~قد اكتسبت منها قصب السبق، ولم تعد لهذه الكتابات الأهمية التي ~~تمكنها من أن تكون قوة تدفع الفكر إلى الأمام، وإنما استطاعت فقط ~~أن تعيد تثبيت ودعم مواقف تم التعبير عنها بكل دقة قبل ذلك ~~بسنوات عدة، ولم يكن تأثيرها راجعا إلى المضمون الفعلي لما نشرته ~~من تعاليم، بقدر ما كان راجعا إلى كونها وصية أدبية لزعيم مشهور ~~اكتسب احتراما عميقا، وشاهدا على شخصية أخلاقية رفيعة عاشت ~~بقوة الذهن وعلمت الناس كيف يعيشون بها. # ولقد كانت أهم الميادين التي امتدت إليها قدرة مارتينو واهتمامه ~~الفلسفي هي الأخلاق وفلسفة الدين، ولم تكن معالجة المشاكل النظرية ~~الخالصة في نظره غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة تمهد لفلسفته ~~الأخلاقية والدينية وتدعمها؛ لذلك ألحق مناقشة هذه المشاكل ببحثه ~~في طبيعة الدين (في المجلد الأول من «دراسة في الدين»)، ولم يكرس ~~لها كتابات خاصة. وكانت المشكلتان اللتان أبدى بهما اهتماما ~~خاصا هما مشكلتا المعرفة والعلية. ولن نناقش هنا أولى هاتين ~~المشكلتين؛ إذ لم يكن في معالجة مارتينو لها من جديد، أما نظرية ~~العلية فتمهد الطريق مباشرة للمشاكل الميتافيزيقية الكبرى. # فالعلية تعني أولا العلاقة بين عاملين، العلة والمعلول. ~~وتبعا للنظرية السائدة، التي تمثلها المذاهب الطبيعية # naturalistic # التي تسود التفكير ~~العلمي تماما، فإن العملية العلية تحدث في عالم الظواهر. فالعلة ~~والمعلول معا ظاهرتان تربطهما سويا علاقة تسلسل وارتباط ضروري، ~~بحيث تسبق العلة المعلول في الزمان وكأنها هي التي تبعثها، ms200 ~~والعاملان معا متجانسان تماما، ولهما نفس الطابع الوجودي. وهكذا ~~فإن العلة هي التعاقب الزمني للظواهر المرتبطة تبعا لقانون ما، ~~ونتيجة ذلك هي نظرية الحتمية، أي كون كل حادث داخلي أو خارجي ~~متحددا تماما تبعا لقانون علي، تخضع له الإرادة البشرية ~~بدورها خضوعا تاما. # وفي مقابل هذا التفسير للعلية، يؤكد مارتينو أن العلة تتسم ~~بطابع الشيء في ذاته، فهي ليست ظاهرة ضمن سائر الظواهر، وإنما هي ~~قوة إنتاجية أصيلة، والمعلول لا يتلو منها بمجرد التعاقب العلي ~~فحسب، بل إن العلة تنتجه وتولده. وهكذا يصبح معنى العلية هو ~~التوليد أو الإنتاج، أي إن العلة تصبح لا متجانسة مع المعلول، ~~وأساس كل المظاهر ذاتها لا يكون في العالم الظاهري، وإنما في عالم ~~لا ظاهري للعلل المنتجة. وينتقل مارتينو بعد ذلك إلى محاولة إثبات ~~أن العلة الحقيقية الوحيدة التي نعرفها هي فاعلية الإرادة، وأن ~~ماهية العلية هي إذن هوية مع الإرادة، غير أن الإرادة تتمثل أولا، ~~وقبل كل شيء، في ذات المرء نفسه أو في الشخصية الإنسانية، ففي ~~تأكيدي لإرادتي أكون على وعي تام بذاتي بوصفها قوة قادرة على ~~إحداث ظواهر، وعلة أصيلة قادرة على تغيير عالم الظواهر. ولكن، على ~~حين أن القوة الناتجة عن فعل الإرادة هي شر ضروري لمثل هذا ~~الاختيار، فليس فيها هي وحدها ما يوضح سبب تغيير معين دون غيره، ~~ومن ثم فإن ماهية فعل الإرادة إنما تنحصر، لا في مجرد فيض القوة، ~~وإنما في قدرة الإرادة على اختيار طريقة معينة للسلوك من بين ~~طريقتين أو أكثر من طرق السلوك المتاحة لها، وفي أن تستقر على هذه ~~الطريقة وتوجه إليها تلك القوة التي تطلقها والتي تحدث التغيير، ~~وبهذا المعنى لا تكون العلية إلا تعبيرا عن إرادة. ولكن من الواضح ~~أن إرادة الإنسان لا يمكن أن تكون هي العلة الوحيدة في العالم ~~بأكمله، فهناك من فوقها الإرادة الموضوعية أو الكونية، وهي ليست ~~إلا إرادة الروح الإلهية التي خلقت العالم وتحدث فيه كل تغير فيما ~~عدا ما يقع في النطاق الضيق المخصص ms201 للنشاط البشري. وهكذا فإن ~~الحقيقة الأساسية للعالم هي الإرادة بمعنى الممارسة الحرة للعلية، ~~ويغدو العالم أو الطبيعة مظهرا للإرادة العليا للروح ~~الإلهية. # وهكذا فإن المصادرتين الكبيرتين اللتين تبنى عليهما نظرية ~~مارتينو في العلية، والدعامتين الهائلتين اللتين يرتكز عليهما ~~بناؤه الميتافيزيقي، هما مصادرة حرية الإرادة البشرية والإيمان ~~بسلطة الله، فالأولى هي محو نظريته الأخلاقية، والثانية لب فلسفته ~~في الدين. وترتبط بالإيمان بألوهية المبدأ الأعلى فكرة تجسده في ~~عالم الطبيعة، وفي النفس البشرية معا، كما ترتبط بمصادرة الحرية ~~فكرة وحدانية النفس البشرية وفرديتها الأصيلة وقيمتها اللامتناهية، ~~وتضاف إلى هاتين أخيرا مصادرة ثالثة هي الإيمان بعدم فناء الروح ~~البشرية وببقائها في حياة مقبلة دائما. # وهكذا يتوقف مذهب مارتينو تماما على فكرته عن الحرية الأخلاقية ~~ومعها فكرة الشخصية المستقلة الشاعرة بالمسئولية والموهوبة عقلا؛ ~~فالشخصية الأخلاقية حرة، لا بالنسبة إلى عالم الحوادث الطبيعية ~~فحسب، بل بالنسبة إلى إرادة الله أيضا. إذ على الرغم من أنها ~~تشارك في الروح الأزلية التي خلفتها والتي تكون حية فيها، فإن هذا ~~لا يستتبع فقدانها لاستقلالها ولاكتفائها الذاتي الأساسي، ومع ذلك ~~فليست حريتها ملكا أصليا لها، وإنما تضفيها عليها الإرادة ~~الإلهية. وهبة الحرية هذه هي التي تمكن الشخصية الإنسانية من ~~الاختيار بين السبل الممكنة للسلوك، وبالتالي من الاضطلاع ~~بالمسئولية الكاملة عما تفعل. وعلى هذا النحو لا يكون ثمة قيد على ~~الإرادة الإلهية ولا على البشرية، فالله قد خلق العالم البشري ~~بحريته ووهبه حرية، حتى يتمتع الإنسان، بقدر ما هو شخصية أخلاقية، ~~بحرية تجعله مستقلا عن الإرادة الإلهية. وهكذا يتميز المجالان ~~البشري والإلهي، تميزا واضحا، وبفضل هذا الانفصال بين الإنسان ~~وبين الله ينسجم استقلال المتناهي مع الطابع المطلق للموجود ~~اللامتناهي، ويتم التوفيق بين مذهب الألوهية # Theism # وبين مذهب اللاحتمية # Indeterminism ~~. والثمن الذي ~~يدفع مقابل ذلك هو بطبيعة الحال قبول الثنائية التي تسود المذهب ~~بأسره، ولا تقتصر على الثنائية الأصلية بين الإنسان والله، وإنما ~~تميز تفكير مارتينو في مجموعه، بما فيه من تفضيل للمتقابلات ~~المطلقة، وللخطوط الفاصلة القاطعة، والتقسيمات الفرعية ~~المتميزة. # ولعله ms202 قد اتضح الآن أن هذا المذهب مضاد تماما لمذاهب الهيجليين ~~المطلقة ~~(absolutist) ~~، ومن ~~هنا ندرك سبب ذلك العنف الذي حارب به مارتينو وأتباعه نمو المثالية ~~الفلسفية، ففي رأي مارتينو أن المذهب الهيجلي، على الرغم من ~~استخدامه الدائم للفظ الحرية، لم يكن في مجموعه إلا حتمية ~~مقنعة، تنطوي على اختفاء «الشخصية» التي ادعى هذا المذهب أنه ~~يقدرها، في «غياهب المطلق»، ولم يكن في وسعه أن يرى هذا «المطلق» ~~إلا إطارا ميتافيزيقيا مجردا معقدا، توضع في مقابله الشخصية ~~الحية العينية للمطلق الإلهي، وفي الوقت ذاته أحس بنفور من ~~ميتافيزيقا برادلي؛ لأنها قد فتحت الباب، في رأيه، لمذهب شمول ~~الألوهية والصوفية، وبذلك أزالت كل الحدود التي رأى ذهنه الهادئ ~~الصريح ضرورة رسمها. # أما مذهب مارتينو الأخلاقي، كما عرضه في «أنماط من النظرية ~~الأخلاقية»، فهو ثمرة دراسة شاملة لمختلف النظريات التي يكشف عنها ~~تاريخ الفلسفة الأخلاقية. وإن هذه المحاولة الطريفة لوضع مذهب ~~للأنماط الأخلاقية لتشبه من بعض الأوجه المنهج الذي سار عليه ~~سدجويك، وإن كانت قد أدت إلى نتائج مخالفة تماما. فهو يقسم ~~المذاهب الأخلاقية أولا إلى فئتين رئيسيتين: مذاهب نفسانية ~~ومذاهب غير نفسانية، وأساس التقسيم هو كون المسلمات الأخلاقية ~~الأساسية يتوصل إليها، من جهة، من الداخل - عن طريق المعرفة ~~الذاتية - ومن هناك تمتد لتأتي بتفسير للعالم الموضوعي، أو كونها ~~تسير في الطريق المضاد، وفي هذه الحالة الأخيرة تكون هناك مجموعتان ~~فرعيتان، في إحداهما يكون أساس المشكلة الأخلاقية البشرية في ~~افتراض كيانات ميتافيزيقية، وفي الأخرى يكون في مجرد الظواهر ~~وقوانينها. وتسمى الفئة الأولى من هاتين الفئتين الفرعيتين باسم ~~النظريات الميتافيزيقية (التي تتشعب إلى المتعالية # transcendental # عند أفلاطون ~~والباطنة أو الكامنة # immanent # عند ~~ديكارت ومالبرانش واسبينوزا)، أما الفئة الثانية فهي الفيزيائية، ~~التي يعد كونت أهم ممثليها. كما تقسم الأنماط النفسانية من ~~النظريات إلى نفسانية ~~ذاتية # idiopsychological # ونفسانية غيرية # heteropsychological ~~، فالأولى تقوم على حدس الوعي ~~الأخلاقي الفردي، والثانية على ملكة نفسية غير هذه. وهذا النمط ~~النفساني الغيري قد يتخذ بدوره ثلاثة اتجاهات، يستمد فيها ماهية ~~الحقيقة ms203 الأخلاقية من الحس أو من العقل أو من التجربة الجمالية، ~~وتنتمي إلى الفرع الأول من هؤلاء كل أخلاق للذة (ويمثلها على الأخص ~~أبيقور وبنتام)، سواء أكانت نفعية أم تطورية. ويمثل النوع الثاني، ~~الذي يسمى «الأخلاق الذهنية # dianoetic ~~»، كل من كدوورث # Cudworth # وكلارك # Clarke # وبرايس Price ~~، أما النوع الثالث، أي الجمالي، فيتمثل في ~~شافنسبري وهتشسون. أما نظرية مارتينو الخاصة، فهي تلك التي تتخذ ~~المنهج «النفساني الذاتي». # وليس من الممكن تحديد الأصول التاريخية لهذه النظرية بدقة، وقد ~~أشار مارتينو ذاته إلى صلتها الوثيقة ببطلر من جهة، وبكانت من ~~جهة أخرى، وليس ثمة شك في أنه يدين لهذين المفكرين بأكثر مما ~~يدين به لأي مفكر غيرهما، فاتفاقه مع بطلر ينصب أساسا على ~~منهجه، أما اتفاقه مع كانت فيتعلق أساسا بمضمون تفكيره. وهناك ~~مؤثرات أخرى أقل أهمية، هي صلاته بالمدرسة الاسكتلندية كما يمثلها ~~ريد وهاملتن (بل والمفكرون الأخلاقيون الاسكتلنديون الأقدم عهدا ~~أيضا)، وهي مؤثرات أولاها النقاد الأهمية الأولى، وإن لم يكن في ~~وسعنا أن ننكر أن العامل الحدسي، وفكرة الوضوح الذاتي لأحكام القيم ~~الأخلاقية، وهي عناصر تلعب دورا كبيرا في نظرية مارتينو، تشير ~~إلى مؤثرات اسكتلندية، وأخيرا ينبغي ألا ننسى أن المصدر الذي كان ~~مارتينو يستمد منه على الدوام بصيرة متجددة هو الأخلاق المسيحية ~~كما عرضت في «موعظة ~~الجبل # Sermon of the Mount ~~». # ولقد اتخذ مارتينو نقطة بدايته من الوعي الفردي أو التجربة ~~الباطنة التي تكون لنا على أساسها بصيرة مباشرة بالحقائق والصفات ~~الأخلاقية. وهكذا فإنه يفترض مقدما حاسة أخلاقية أو ملكة ~~أخلاقية خاصة تختلف أساسا عن كل ملكة أخرى (كملكة العقل أو الحس ~~الجمالي). # وهو في هذه المسلمة الرئيسية يتفق أساسا مع بطلر وفكرته في ~~الحاسة الأخلاقية، ونحن نطلق على هذا الموقف الأخلاقي اسم المذهب ~~الحدسي، الذي يمكن أن يعد مارتينو واحدا من أهم ممثليه المحدثين. ~~وإذن فالحقيقة الأخلاقية الأساسية إنما تكون في أن لدينا، بوصفنا ~~بشرا، نزوعا لا يقاوم إلى استحسان أشياء معينة واستهجان أخرى، ~~وإصدار أحكام مطابقة عليها. # وإنه لواضح على ms204 التو أن موضوعات تقديراتنا واستنكاراتنا ~~الأخلاقية هي أشخاص لا أشياء، وهذا يؤدي إلى الحدس، الكامن من وراء ~~كل فكرة أخرى، والقائل إن كل تقويماتنا الأخلاقية موجهة دائما ~~إلى البواعث الباطنة للفعل لا إلى نتائجه الخارجية. والواقع أن ~~مارتينو يركز اهتمامه كله على الباعث الباطن، بينما النتيجة ~~الخارجية، مهما كان من خيريتها، لا تكون لها أبدا صلة بأخلاقية ~~الفعل، وإنما ينبغي أن ينظر إليها فقط من حيث إنها علامة أو شاهد ~~على البواعث الباطنة للفعل. فإذا كنا نعترف بالقيمة الأخلاقية ~~للباعث على الفعل فقط، فمن الواضح أنه لا بد أن ينشأ كل حكم ~~أخلاقي من ملاحظة بواعثنا الباطنة، وأن تكون جذوره متغلغلة في ~~التجربة الباطنة أو الوعي الذاتي. وهذه هي نقطة البداية الوحيدة ~~التي يمكننا منها أن نصل إلى أحكام تقويمية على سلوك الآخرين، إذ ~~نطبق على هذا السلوك، بالتمثيل، نفس الإجراء الذي طبقناه من قبل ~~على أنفسنا. وهكذا لا تتكشف الحياة الأخلاقية إلا في مجال الإرادة، ~~وليس ثمة أفعال لها أي معنى بالنسبة إلى الأخلاق سوى الأفعال ~~المنبعثة عن الإرادة. # ولكي يزيد مارتينو فكرته هذه إيضاحا، يميز بين «التلقائيات # spontaneities ~~» و«الإرادات # volitions ~~»، ففي السلوك التلقائي ~~لا نكون عادة مدفوعين إلا بدافع واحد، أما السلوك الإرادي فينطوي ~~على دافعين على الأقل، فوجود كثرة من البواعث الملزمة هو الشرط ~~الأساسي للحكم الأخلاقي، ولا بد أيضا أن تظهر هذه البواعث في آن ~~واحد، لا متعاقبة. غير أن الذات لا يمكن أن تقتصر على أن تكون ~~الساحة التي تقتحمها البواعث وتتقاتل فيها على السيطرة، بل إن هذه ~~البواعث إنما هي مجرد إمكانيات متاحة للذات، التي يكون لها وحدها ~~البت فيما سيؤخذ به من بينها. فالذات لا بد أن تكون هي المسيطرة ~~على البواعث الملزمة، لا خاضعة لها. والحكم الأخلاقي يتوقف قيامه ~~أو سقوطه على وجود قدرة انتقائية لدى الذات، تمكنها من البت بين ~~إمكانيتين أو أكثر، ومن هنا كان لا بد أن تتوافر الحرية للذات في ~~اختيارها بين البواعث، «فإما أن تكون الإرادة الحرة ms205 حقيقة، وإما أن ~~يكون الحكم الأخلاقي وهما.» # وتكون فكرة البحث في البواعث الأساس النفسي لمصادرة حرية ~~الإرادة، فإذا كان للإرادة الحرية في الأخذ بهذا الباعث ورفض غيره، ~~وإذا كانت لدى المرء، بالتالي، القدرة على التصرف في ظرف معين ~~على نحو مخالف لذلك الذي تصرف عليه فعلا، فلا بد أن تواجهنا ~~مسألة البحث فيما إذا كان ثمة نظام معين يمكن أن ترتب به ~~البواعث، على نحو يبرر الأخذ بهذا الباعث أو ذاك في كل حالة ~~خاصة. ويرى مارتينو أن مثل هذا النظام موجود، ففي وسعنا أن نتأمل ~~بواعث الفعل من وجهتي نظر مختلفتين، تبعا لما في كل منهما من ~~قوة كامنة من جهة، ومن سمو أو جدارة من جهة أخرى. وعندئذ نقول ~~إن من يستسلم لأقوى الدوافع يسلك سلوك الحريص # prudent ~~، على حين أن من يطيع أسمى هذه الدوافع ~~يسلك بدافع الواجب؛ إذ إن التقدير الأخلاقي يتوقف على قيمة الباعث، ~~بينما يتوقف التقدير الحريص على قوته؛ لأن الأول في أساسه شامل ~~ثابت ملزم للجميع، بينما الثاني فردي متغير تبعا للأشخاص ~~والظروف. # ويعرض مارتينو بعد ذلك ~~بالتفصيل نظرية في بواعث السلوك، فيصنفها ويعددها بدقة، تبعا ~~لمبادئ في التقسيم مطبقة بطريقة منهجية. وهو يقوم بمحاولة رائعة ~~لتفسير ميدان البحث هذا بأكمله وبكل نواحيه، ولبعث النظام والتناسق ~~فيه. وهنا يصادف المرء كثيرا من الملاحظات النفسية العميقة، غير ~~أن المناقشة تكشف أيضا عن نزوع واضح لصاحبها إلى التقسيمات ~~والتصنيفات الشكلية؛ مما يؤدي في حالات كثيرة إلى التعسف في إدخال ~~الظواهر في الإطار المنطقي. وهو يحتم هذا البحث بوضع سلم أخلاقي ~~للقيم، نستطيع أن ندرك منه على الفور مكانة الباعث الذي يدفع إلى ~~هذه القيم. وهو يشمل ثلاثة عشر مستوى، في أدناها توجد الانفعالات ~~المسماة بالثانوية، كحب الانتقام # vindictiveness # والميل إلى اللوم # censoriousness # والريبة # suspiciousness ~~، وفي أعلاها عاطفة ~~أساسية هي العطف # compassion ~~، ~~وشعور أساسي هو التبجيل # reverence ~~. وهكذا كان مارتينو، مثل جيته، يرى في ~~هذا الأخير تاجا للشخصية الإنسانية وكمالا لها. # ويعد هذا الجزء أهم أجزاء ms206 النظرية الأخلاقية عند مارتينو ~~وأكثرها أصالة. وفيه، كما في غيره، يظهر طابعها الحدسي بوضوح، إذ ~~إن الترتيب الموضوعي لمكانة القيم الأخلاقية يرجع في أصله إلى ~~الوعي الأخلاقي الخاص أو إلى الحاسة الخلقية، التي نستطيع عن ~~طريقها أن ندرك بوضوح ذاتي مباشر، ويقين حدسي كامل تدرج قيم ~~البواعث من الأعلى إلى الأدنى، والمواضع المختلفة للبواعث الخاصة ~~في سلم القيم. ولا يظهر هنا أي دور للاعتبارات النظرية وعوامل ~~الاستدلال العقلية، والمقارنة ... إلخ، وإنما يقتصر ذلك على وعينا ~~الباطن بالقيمة الأخلاقية، وهو وعي يقدم إلينا كلما ازداد دقة ~~ورفاهة، معيارا أدق وأوثق، يطبق على قراراتها الخاصة، وكذلك في ~~الحكم على سلوك الآخرين. ومن الطبيعي أن مارتينو كان مضطرا إلى ~~الاعتراف بأن العملية الحدسية لا تكون صحيحة تماما إلا بالنسبة ~~إلى الحالات التي تكون فيها البواعث بسيطة غير معقدة، أما حين يكون ~~الموقف أكثر تعقيدا، فقد يحتاج الأمر إلى تصحيح لاستبصارنا الأصلي ~~بالقيمة، عن طريق عملية تفكير انعكاسي. وهو يتحدث في هذا الصدد عن ~~وعي «شبه حدسي» أي وعي يتم بالتأمل العقلي، ولكنه يؤكد بشدة، على ~~أية حال، أن هناك سلما متدرجا لمبادئ الفعل، يتيح تحليلا ~~مقارنا للبواعث والقيم الأخلاقية، كما يؤكد أننا نحمل في ذاتنا ~~هذا السلم، ونستطيع أن نقرأ درجاته مباشرة. ويستتبع هذا أن يكون ~~كل حكم أخلاقي ذا طابع مقارن فليس في وسعنا أن نكتفي بالقول إن ~~هذا السلوك أو ذاك صواب أو خطأ، خير أو شر، بل إن كل ما يمكننا أن ~~نقوله هو أنه أفضل أو أسوأ نسبيا من سلوك آخر كان للإرادة نفس ~~القدرة على اتباعه، وعلى ذلك فمن الواجب تقدير الفعل بأنه خير ~~عندما يكون ناتجا عن باعث أعلى، في الوقت الذي يوجد فيه أيضا ~~باعث أدنى. ولكن لما كنا نحمل في ذاتنا وعيا بالدرجة النسبية ~~لقيمة باعثين يتعين علينا الاختيار بينهما، فإن فينا من الأصل ~~التزاما باختيار الباعث الأعلى. ويطلق مارتينو على هذا الاسم ~~«القانون الأخلاقي للمبادئ أو الالتزام # Canon of Principles or Obligation ~~» وهو ~~يميزه ms207 من القانون ~~الأخلاقي للنتائج # Canon of Consequences # فالأول يقدم إلينا «المعيار ~~الأخلاقي الحقيقي لتحديد ما هو صحيح في الحالة التي نكون إزاءها»، ~~والثاني يقدم إلينا «المعيار العقلي لتحديد حكمة السلوك». «والأول ~~كاف لتقدير الشخصية، أما إذا شئنا تقدير السلوك فمن الواجب تكملته ~~بالثاني.» غير أن للأول في كل الأحوال مكانة تعلو على الثاني؛ إذ ~~إن الاكتفاء بمراعاة نتائج الفعل من أجل الصالح العام لا ينطوي في ~~ذاته على التزام أخلاقي - وهي نقطة يؤكدها مارتينو ويعترض بها على ~~سدجويك - لأن الالتزام إنما ينشأ من وجود صراع بين البواعث تتضح ~~فيه القيمة العليا للغيرية منها، وهكذا يتعين علينا دائما أن ~~نرجع إلى بواعث الفعل قبل الانتقال إلى تقدير نتائجه. # وهذا يؤدي إلى وضع حد فاصل قاطع بين مذهب مارتينو الأخلاقي ~~وكل نوع من مذهب اللذة أو السعادة أو المنفعة، فالأخلاق عند ~~مارتينو - كما هي عند كانت - أخلاق ضمير وواجب، ومسئولية وقانون ~~أخلاقي ملزم. ولم يكن واحد من معاصريه الإنجليز يدانيه في قوة ~~الاقتناع التي أعلن بها جدارة الإنسان الأخلاقية، وسمو الشخصية ~~ونزاهتها، وحرية الإرادة، وسيادة القانون الأخلاقي. ولقد كان مذهبه ~~من أقوى القلاع التي قاومت الاتجاهات الطبيعية # naturalistic # والمادية في عصره، ~~وناضلت ضد طوفان المذاهب الداروينية والتطورية، وضد الاكتفاء ~~بالوجه الدنيوي للحياة، وكثير من الاتجاهات الأخرى. ومما زاد في ~~فعاليته أنه كان يجد دعما من شخصيته العظيمة الرفيعة وأن تلك ~~الحياة الروحية الرفيعة التي جعل منها رسالة له، قد تحققت في شخصه ~~على أكمل نحو. # ولقد كانت نفس الأهداف المثالية التي وضعها لمذهبه الأخلاقي، هي ~~التي تكون أساس فلسفته الدينية، فعلى الرغم من أنه - حين جعل ~~السلوك الأخلاقي أمرا باطنا تماما - قد حرره من الروابط ~~الاجتماعية فضلا عن قيود الوجود الطبيعي، فإنه لم يفترض أن من ~~الممكن تحديد هذا السلوك بطريقة مستقلة تماما، وإنما سعى إلى ~~إيجاد أساس له في ذلك المبدأ الأعلى الذي يكون الدين مجاله. ولقد ~~رأينا من قبل أن نقطة البداية في مذهب مارتينو هي الوعي الذاتي، ~~ولكن هناك ms208 مع ذلك طريقتين تستطيع بهما الذات تجاوز حدودها الخاصة؛ ~~هما فعل الإدراك، الذي تدرك به عالم الطبيعة الخارجي، وحقيقة ~~الضمير الذي نشارك به في الموجود الإلهي. وهي في الحالتين تشعر ~~بذاتها في «آخر»، وتشعر بهذا «الآخر» في ذاتها، وهي في الحالة ~~الأخيرة تتجاوز ذاتها لتنتقل إلى ذات أعلى. وتزداد ضرورة الانتقال ~~من المجال الديني في فكرة السلطة، فما هو أصل تلك السلطة التي ~~تجعلنا نفضل الباعث الأعلى على الأدنى، ونرى أن هذا التفضيل هو ~~الفعل الأخلاقي الصحيح؟ هل نحن نستمدها، على نحو ما، من وعينا ~~الخاص الذي تبدت فيه لأول مرة؟ لو كان هذا صحيحا، ألن يكون صراع ~~البواعث في هذه الحالة مجرد صراع بين حاجاتنا الشخصية؟ من المحال ~~أن يكون هذا هو لب تجربة الإلزام، وإنما الأصح أن هذه التجربة تعني ~~أننا نشعر بشيء أعلى منا، لا يمكن أن يكون جزءا من ذاتنا؛ لأنه ~~يفرض علينا مطالب معينة. وهكذا فإن تجربة السلطة هذه، إذا ما ~~فسرت على النحو الصحيح، تدفعنا إلى تجاوز حدودنا الخاصة لنعترف ~~بكائن من مرتبة أعلى، يتجاوز ذاتنا، ولكنا لما كنا أشخاصا، ولما ~~كانت الشخصية تنطوي على نوع من الوجود أعلى من مجرد الشيئية، فلا ~~بد أن يكون هذا الكائن، الذي هو من مرتبة أعلى من مرتبتها ذاتها، ~~مختلفا عنا، يتجاوزنا ويعلو علينا، أي ينبغي أن يكون هو الشخصية ~~اللامتناهية أو الإلهية. وهكذا فالوعي الأخلاقي أكثر من مجرد جزء ~~من ذاتنا، ففيه نعترف بسلطة موضوعية أو قانون موضوعي عال علينا، ~~لا نصنعه بأنفسنا، وعن طريقه ندخل في اتصال مباشر مع الحياة ~~الإلهية. # وعلى ذلك فمن الواجب تحديد العلاقة بين الأخلاق والدين على النحو ~~الآتي: فالأولى سابقة على الثانية، وتقتضي بحثا سابقا؛ إذ إن ~~القواعد الأخلاقية تكون في البداية مستقلة عن أي إيمان ديني، وهي ~~تتحكم فيه من البداية ولا تفترضه مقدما، فكل دين علوي ترجع ~~جذوره إلى الوعي الأخلاقي، وإلى المجال الأخلاقي يرجع أصل أعظم ~~النتائج التي يحققها. ومن جهة أخرى فليس من الممكن إبقاء الأخلاق ms209 ~~في حدود المجال البشري وحده، وإنما هي تشير إلى ما يتجاوز هذا ~~المجال، وتتطلب اكتمالا في اتجاه الدين، وإلا عادت فانحدرت إلى ~~مستوى مذهب اللذة. # وتزداد قوة الاتجاه الأخلاقي للدين ظهورا عند مارتينو عندما ~~يبدأ في بحث براهين وجود الله، فهو يحرص قبل كل شيء على عرض ~~حجتين: الأولى وهي الحجة الميتافيزيقية، التي عرضنا لها من قبل، ~~تتلو نظرية العلية، فلما كانت العلية، كما رأينا، في هوية مع ~~الإرادة، ولما كانت الإرادة البشرية ضيقة المجال بدرجات متفاوتة، ~~ولما لم يكن من الممكن، فضلا عن ذلك، أن توجد في عالم الظواهر أية ~~علة أصيلة بمعنى العلة القادرة على التوليد؛ فإنا نستدل من الإرادة ~~البشرية على وجود الإرادة الإلهية، بوصفها الدعامة الأصلية لعالم ~~الطبيعة بأسره. وهكذا تؤدي الحجة الميتافيزيقية مباشرة إلى الله، ~~بوصفه العلة الأولى أو الإرادة العاقلة العليا. والأهم من ذلك، ~~البرهان الأخلاقي على وجود الله، أو على الأصح، محاولة إظهار الله ~~في مجال الأخلاق. فهنا تكون الأداة الوسيطة هي الضمير، الذي يتكشف ~~به الموجود الإلهي بنفس اليقين الذي يتكشف به العالم الخارجي ~~للإدراك الحسي. ففي الضمير ندرك كذلك العلة الأولى، بوصفها القانون ~~الأسمى في الوقت ذاته، وندرك الله على أنه المشرع ذو الخير ~~الكامل ومصدر كل القيم الأخلاقية، وأصل سلطة الالتزام التي لا ~~نستطيع أن نستمدها من ذاتنا، وأخيرا بوصفه واهب إرادتنا الحرة ~~ذاتها، والشرط الذي لا بد منه لكل سلوك أخلاقي. فالله، بوصفه ~~دعامة قانون أخلاقي مطلق، لا يكون مجرد «مطلق» ميتافيزيقي، ~~وإنما هو الشخصية الأخلاقية العليا، التي هي حية عنيفة، والتي ~~يمكننا، بوصفنا أشخاصا، أن ندخل معها في اتصال مباشر. # غير أن هذا الاتصال بين الإنسان والله يمتد أبعد كثيرا من مجال ~~الأخلاق، فعلى حين أننا في الوعي الأخلاقي نصل إلى تأكيد للوجود ~~الإلهي، ونصبح على وعي مباشر بالله، ولا سيما في واقعة الضمير، ~~فإن الألوهية تواجهنا أولا بوصفها قوة عالية مطلقة ترتفع ~~«فوقنا» إلى أبعد حد، وندين لها بالطاعة والخضوع. غير أن هذا لا ~~يستنفد جميع أطراف ms210 العلاقة بين المتناهي واللامتناهي، وهي علاقة ~~تفوق ما يمكن أن يعرف في الوعي الأخلاقي بكثير من حيث طابعها ~~الوثيق الشخصي المباشر. وهكذا يتضح أن من الضروري اقتراض حاسة أو ~~ملكة دينية على التخصيص، تكون مختلفة لا عن الملكة العقلية أو ~~الجمالية فحسب، بل مختلفة بوجه خاص عن الحاسة الأخلاقية. ويعترف ~~مارتينو بوجود هذه الحاسة أولا في الشعور الأولي بالتبجيل، وهو ~~الشعور الذي عزا إليه أرفع مكانة في سلمه الأخلاقي للقيم. فالتبجيل ~~هو الذي يجذبنا إلى المجال الأرفع، ويتيح لنا أن نتطلع إلى أعلى، ~~وأن نعير الحدود التي تفصل بين الحقيقة الظاهرية والحقيقة الحقة، ~~وأن نصل إلى ما هو مثالي. وهكذا فإن ما كان خضوعا وطاعة للأمر ~~الإلهي، في المستوى الأخلاقي، يغدو الآن شعورا واعيا بالتصديق ~~العميق والحب المؤكد. ففي الشعور بالتبجيل نتخلص من تلك المعركة ~~التي لا تتوقف بين البواعث المتصارعة وتصل إلى «المشاركة في الحياة ~~والحب الإلهيين»، ويجد الأخلاقي تحققه واكتماله النهائي في المقدس، ~~وتدخل النفس المتناهية في الوجود اللامتناهي وتستوعب فيه. وهكذا ~~تتلاشى فلسفة الدين عند مارتينو في تيار فكري، إن لم يكن تيارا ~~صوفيا خالصا، فهو على الأقل يقترب من ذلك اقترابا وثيقا، وهنا ~~نجد أن ما كان يكون اللب الجوهري للأخلاق عنده - أي فكرته عن ~~النفس الفردية المصونة المستقلة - قد أصبح مهددا بخطر عظيم في ~~فلسفته الدينية، ولا يتم الوصول إلى الاتفاق التام بين المجالين، ~~بل لا يمكن الوصول إليه، في ذلك المذهب الذي كان تبعا لغرضه ~~الأصلي قائما على التوتر المستقطب للتقابل بين الإنسان والله، ~~والذي لم يحاول أن يقضي على هذا التوتر ويقرب ما بين القطبين إلا ~~فيما بعد. # وهناك مفكر كان يرتبط بمارتينو ارتباطا وثيقا، وإن كان قد أدخل ~~تعديلات هامة على مذهبه، في اتجاه فلسفة لوتسه، ذلك هو ~~تشارلس ~~أبتن # Charles Barnes Upton ~~(1831-1910)، وكان يشغل منذ 1875 منصب أستاذ ~~الفلسفة في كلية مانشستر، وقد وضع «أبتن» مذهبا ألوهيا ~~أخلاقيا ربط فيه بين الأخلاق والدين ربطا متبادلا وثيقا، ~~فمعنى الأخلاق عنده لا ms211 ينحصر في تحقيق قانون أخلاقي مستقل ~~بذاته، بقدر ما يكون في توجيه الإنسان قدما نحو الإيمان الديني؛ ~~لذلك حارب أبتن «ذوى النزعة ~~الأخلاقية # ethicists ~~» الذين كانوا يهدفون إلى حرمان الأخلاق ~~من كل ارتباطاتها «الأعلى» وإلى بنائها على الإرضاء الشخصي للحاجات ~~والرغبات الفردية فحسب. ولقد كانت أفكاره في الميتافيزيقا وفلسفة ~~الدين مستمدة كلها تقريبا من تعاليم مارتينو ولوتسه. وقد استمد من ~~ثانيهما النظرية العامة في الكون كما عرضها في كتابه «العالم الأصغر # Microcosmos ~~». بل لقد نظر ~~إلى لوتسه على أنه هو الفيلسوف الذي بلغ بالمثالية الألمانية حد ~~الاكتمال، ووجد فيه أقوى حليف له ضد القوى المعادية للدين، التي ~~أطلقتها العلوم الطبيعية من عقالها. ولقد تلقى أبتن ذاته تعليما ~~في العلوم الدقيقة، فاتجهت جهوده إلى التوفيق بين النظرة الآلية ~~إلى العالم وبين حرية الإرادة. وقد عمل، مثل مارتينو، على إحلال ~~فكرة الوعي المباشر بالله محل ذلك الأساس الذي توجده النزعة ~~العقلية للدين، فنحن نشعر بوجود الله مباشرة، لأن هذا الوعي يتكشف ~~في الشعور، وفي أفعال الإدراك الحدسية، أما معرفتنا بالله عن طريق ~~البرهان العقلي والاستدلال النظري فلا تكون لها أبدا، بالنسبة إلى ~~هذا الشعور، إلا قيمة ثانوية، مهما كانت لها مع ذلك من أهمية. ~~والفارق الرئيسي بين فكرة أبتن هنا وبين فكرة مارتينو، التي تشبهها ~~في الأساس، هو ازدياد قوة العنصر الصوفي عند الأول. # وأخيرا فقد كان أبتن من أوائل من أدركوا الخطر الذي يهدد ~~المثالية الأخلاقية من جانب المثالية الهيجلية المطلقة: أعني خطر ~~القضاء على الحرية الأخلاقية والمسئولية الفردية، وهدم حرية ~~الاختيار الأصيلة بين الممكنات المختلفة، والحط من الحقائق ~~الأساسية كالشر والخطيئة إلى مرتبة المظاهر الخالصة، واستبعاد ~~التأثير المباشر للألوهية على النفس البشرية، إلخ. ولما كانت ~~الحركة الهيجلية الإنجليزية، التي قامت في مرحلتها الأولى تدافع عن ~~الدين وعن الكنيسة، قد أخذت تزداد تحولا إلى مذهب غير مكترث ~~بالدين على أحسن التقديرات، فقد طالب أبتن المدرسة الهيجلية بأن ~~تغير مجراها وتتحول إلى فلسفة لوتسه، بوصفها الفلسفة الوحيدة التي ~~يمكن فيها التوفيق بين ms212 التجربتين الأخلاقية والدينية على النحو ~~الصحيح. وعلى عاتق مثل هذه الفلسفة الدينية تقع مهمة مزدوجة، هي ~~إعطاء الشخصية والحرية الإنسانية حقها الكامل، مع إثبات كمون الله ~~في الطبيعة وفي النفس البشرية في الوقت ذاته. # 6 # وللمفكرين التالين بدورهم ارتباط وثيق بمدرسة مارتينو الفكرية: # رتشارد ~~دهولت هتن # Richard Hold Hutton ~~(1826-1897)، وهو صحفي ~~ولاهوتي، اطلع على الفلسفة واللاهوت الألمانيين في ~~وقت لا يعد متأخرا بالنسبة إلى وقت اطلاع مارتينو ~~عليهما. وقد درس على مارتينو في مانشستر، ثم درس معه ~~في برلين (وقبل ذلك في هيدلبرج)، وجمعت بين الرجلين ~~صداقة متينة. ثم حاز بعد ذلك شهرة كبيرة بوصفه ~~مشرفا على تحرير عدة مجلات دورية أو مساهما في ~~تحريرها. وقد اقتفى أثر مارتينو، إذ وجد أن تعاليمه قد ~~ساهمت بأهم دور عرفه القرن التاسع عشر في سبيل تبرير ~~النظرة إلى العالم وفلسفة الحياة الكامنتين في ~~المسيحية وصياغتهما في صورة منهجية. وفيما يتعلق ~~بنظرته إلى اللاهوت فقد بدأ، مثل مارتينو، تابعا ~~للكنيسة التوحيدية # Unitarian ~~، ولكنه انتقل فيما بعد ~~(بتأثير ف. د. ~~موريس # F. D. Maurice # على الأخص) إلى الكنيسة ~~القائمة # Established Church ~~، وتتفق آراؤه اللاهوتية في ~~أساسها مع أفكار «موريس». # 7 # وليام ~~بنجامين كاربنتر # W. Benjamin Carpenter ~~(1813-1885) وهو ~~عالم فسيولوجي مشهور، كان بدوره تابعا لكنيسة ~~التوحيديين، وقد حاول أن يقيم فكرة العلية والإرادة ~~الحرة عند مارتينو على أسس أبتن بحجج مستمدة من ~~الفسيولوجيا، وأن يدعمها بأبحاث فسيولوجية ~~دقيقة. # وكان الأساس الفلسفي لبحثه الخاص قريبا من المواقف ~~الرئيسية لمارتينو. # 8 # جوزيف ~~إستلين كاربنتر # J. Estlin Carpenter ~~(1844-1927)، وهو ابن ~~المفكر السابق، وكان لاهوتيا توحيديا، واشتغل من ~~1875 إلى 1915 محاضرا وأستاذا لعلم الأديان المقارن ~~في «مانشستر نيو كوليدج» بلندن، التي أصبحت فيما بعد ~~«كلية مانشستر» بأكسفورد، وهو بدوره يتخذ موقفا ~~قريبا من مذهب الألوهية الأخلاقي عند مارتينو، وذلك ~~في وجهيه اللاهوتي والفلسفي على السواء. # 9 # فإذا شئنا أن نختار ممثلا أخيرا لوجهة النظر ~~التوحيدية # Unitarian ~~، فلنذكر نصيرة حقوق ~~المرأة المشهورة، والمؤلفة التي بلغ إنتاجها ms213 الغزير ~~حوالي ثلاثين كتابا، وهي «فرانسس باور ~~كوب # Frances Power Cobbe ~~» (1832-1904)، وقد تأثرت ~~بثيودور ~~باركر # Theoder Parker # رئيس مذهب التوحيديين في ~~أمريكا، أكثر مما تأثرت بمارتينو ذاته، كما تأثرت ~~بفرنسيس ~~نيومان # F. W. Newman # وبمذهب كانت الأخلاقي. ولقد ~~كان نشاطها التأليفي المتعدد الجوانب منصبا قبل كل ~~شيء على مناقشة المسائل اللاهوتية والأخلاقية والاجتماعية. # 10 # وهكذا فإن أعظم القوى النظرية في ميدان فلسفة الدين في القرن ~~التاسع عشر قد تجمعت حول هذين المركزين، حركة أكسفورد والمذهب ~~التوحيدي عند مارتينو، غير أن الاهتمام بالمشكلة الدينية ظل حيا ~~على الدوام، حتى داخل الحركات ~~الفكرية ذات الاتجاه الفلسفي المحدد، ولا سيما بين مفكري المدرسة ~~الاسكتلندية كما رأينا، وفي الأوساط التطورية بدرجة أقل، وإن يكن ~~اهتمام هذه الأخيرة قد اتجه إلى النقد والرفض أكثر مما اتجه إلى ~~البناء الإيجابي. # غير أن مشكلات الدين كانت موضوعا للاهتمام في الحركة المثالية ~~بدورها، ولو أن هذا الاهتمام كان أعظم في بدايتها في العقدين ~~الثامن والتاسع منه في مراحلها المتأخرة. فليرجع القارئ إلى ~~الأجزاء المتعلقة بهذه الاتجاهات في الكتاب للاطلاع على مزيد من ~~المعلومات عن هذه المساهمات. ولكنا لن نذكر شيئا عن التفكير ~~الديني الذي نما في الكنائس والطوائف الدينية، والذي كانت أهميته ~~لاهوتية أكثر منها فلسفية، على أساس أن مثل هذا التفكير خارج عن ~~نطاق بحثنا. ولنكتف في هذا الصدد بالكلام عن أعمال كانت لها ~~أهمية خاصة، هي أعمال «فردريك دنيسون ~~موريس # Frederic Denison Maurice ~~» (انظر أيضا بداية الفصل التالي)، وهو من ~~أعظم وأشهر الزعماء الدينيين في عصره، وقد اشتهر بنشاطه في حركة ~~الإصلاح المعروفة باسم «الاشتراكية المسيحية». ولنضف إليه شخصية ~~أخرى مشهورة هي شخصية الأسقف «تشارلس جور # Charles Gore ~~» (1853-1932) والكتاب الذي نشره ~~بعنوان «نور العالم # Lux Mundi ~~» ~~(1889) والذي يضم مقالات لكتاب مختلفين. ولقد كان جور، مثل ~~موريس، اشتراكيا مسيحيا وداعية إصلاح، تعلم في كلية ~~ب«اليول # Balliol ~~» منبع ~~المثالية الإنجليزية. # ومن الواجب الإشارة إليه في هذا العدد بوجه خاص نظرا إلى ~~محاولته توجيه الاتجاه «البوسي Puseyist ms214 ~~» المحافظ داخل حركة أكسفورد وجهة حديثة، ~~وبث روح النقد المتحرر فيها، فعلى حين أن نقطة بدايته، في ناحية ~~العقيدة والسلطة الكنيسية، كانت هي ذاتها نقطة بداية «بوسي Pusey ~~»، فقد اضطلع بمهمة التوفيق بين ~~مبدأ السلطة الدينية وبين المبادئ العلمية والفلسفية عن طريق وضع ~~حد فاصل بين نطاقي نفوذهما، وقد أراد أن يبني العقيدة المسيحية ~~على أساس العلم والنقد الحديث، وأن يربطها في علاقة حية بالمشكلات ~~الأخلاقية والاجتماعية الحديثة. # 11 # وينبغي أن يذكر هنا ~~اسم آخر، هو اسم «ماكس ~~مولر # Max Müller ~~» (1823-1900)، وهو من الباحثين الرواد في ~~ميدان الدراسة العلمية والتاريخية للأديان، وواحد من أعظم العلماء ~~المدققين في عصره، وقد كان ألمانيا بحكم المولد، إذ إنه نجل ~~الشاعر «فيلهلم ~~مولر # Wilhelm Muller ~~»، ولكنه وفد إلى إنجلترا في 1846، وشغل ~~الكرسيين الآتيين في أكسفورد، كرسي اللغات الحديثة من 1850 إلى ~~1868، وكرسي فقه اللغة المقارن من 1868 حتى تقاعده السابق لأوانه ~~عام 1875. وله دراسات تشغل عددا كبيرا من المؤلفات، وتمتد إلى ~~ميادين واسعة ومتنوعة كالأديان المقارنة والفلسفة والتراجم وعلم ~~الأساطير المقارن وفقه اللغة والدراسات الشرقية واللغويات إلخ. وقد ~~جلبت له هذه الدراسات شهرة عالمية، لا سيما في الهند واليابان ~~والصين، وأكسبته تكريمات متعددة، وكان له دور بارز في فتح آفاق ~~الحضارات والأديان الشرقية، ولا سيما الهندية، أمام الدارسين ~~الغربيين، وقد طبق المنهج المقارن بطريقة مثمرة على دراسة الدين ~~والحضارة والأسطورة. # وكان يرى أن الدين واللغة يسيران جنبا إلى جنب على المستوى ~~البدائي على الأقل، وأن من الممكن استخدام كل منهما في إلقاء ضوء ~~على الآخر، ومن ثم فقد جعل من البحث في اللغة أداة تساعد على ~~البحث العلمي للدين، غير أنه كان باحثا أكثر منه مفكرا، وكان ~~لغويا أكثر منه فيلسوفا، وحال تعدد أوجه نشاطه دون وصوله إلى ~~مذهب فلسفي موحد. # وكان مولر يعني بالدين، الشعور عن وعي باللامتناهي، بقدر ما ~~يمكن لتأثيره أن يتحكم في الطابع الأخلاقي للإنسان. وقد ميز بين ~~ثلاث مراحل في تطور الحياة الدينية: هي المادية # physical # والأنثروبولوجية ~~والنفسانية، ms215 وكان يرى في المسيحية خلاصة لكل دين، كما بدا له تاريخ ~~الدين بأسره تطورا لا شعوريا نحو هذا الهدف الأسمى، وإليه ندين ~~أيضا بترجمة كاملة لكتاب «نقد العقل ~~الخالص # Critique of Pure Reason ~~» لكانت (1881)، وهي مهمة كان شوبنهور ينوي ~~الاضطلاع بها قبل نصف قرن من الزمان، ولكنه لم ينفذها. ولقد سبقت ~~ترجمة مولر ترجمة أخرى تولاها مايكلجون # Meikeljohn ~~(1855)، كما حلت محلها الآن ترجمة ~~أخرى لنورمان كمب ~~سمث # Norman Kemp Smith ~~(1929) تفوق السابقتين بمراحل في الدقة ~~والتبصر الفلسفي على السواء. # 12 # ونستطيع أن نضيف هنا كاتبين في الفلسفة لا يمكن أن يعدا ~~منتميين إلى معسكر بعينه، وكانت تشغلهما مشكلات من نوع آخر ~~بالإضافة إلى مشكلة الدين، هما الاسكتلنديان: فريزر وفلنت. # كان «ألكسندر كامبل فريزر # A. Campbell Fraser ~~» ~~(1819-1914) خليفة لهاملتن، من 1856 إلى 1891، في كرسي المنطق ~~والميتافيزيقا في إدنبرة. ولا ترجع أهميته الفلسفية إلى أي تفكير ~~منهجي بقدر ما ترجع إلى نشاطه الطويل الناجح في التعليم، ومزاياه ~~بوصفه ناشرا لمؤلفات لوك وباركلي، اكتسبت تعاليمهما بفضله شهرة ~~واسعة، وبعثت فيها حياة جديدة، جعلت أقوالهما تسري على ألسنة ~~النقاد وعامة الناس. ولقد ظل شباب اسكتلندا، طوال أكثر من جيل ~~كامل، يتلقون العلم على يديه، ويكتسبون انطباعات وإيحاءات لا تزول ~~من محاضراته التي لم تكن ترمي إلى فرض أي مذهب محدد على السامع، ~~بقدر ما كانت تهدف إلى بث روح التفلسف فيه بفضل ما تبعثه من شعور ~~بالحرية والحماسة؛ وبذلك تحفزه على التفكير الإيجابي المستقل. «فلم ~~ينشر فريزر مذهبا ولا أسس مدرسة، وإنما أثار الأفكار وحفزها دون ~~أن يدفعها إلى السير في اتجاهه» (سورلي). # ولقد تلقى فريزر الجزء الأكبر من ثقافته الفلسفية على يد السير ~~وليام هاملتن، أستاذه وصديقه فيما بعد، وبفضله شب في البداية ~~متشبعا تماما بالتراث الفلسفي الاسكتلندي، ولكنه وقع بعد وقت ~~غير طويل تحت تأثير «توماس براون» ونظريته في العلية، ثم اجتذبه ~~مذهب الشك عند هيوم، بكل ما فيه من إغراء خطر، هزه من أعماقه، ~~وبعد أزمة عنيفة، اهتدى أخيرا، في ms216 فلسفة باركلي، إلى الخلاص من ~~الشك والقلق، ووجد فيها، في الوقت نفسه، ذاته الحقيقية، كما روى في ~~ترجمته الذاتية لحياته «سيرة فلسفية # Biographica Philosophica ~~» ~~(1904). ومنذ ذلك الحين أصبح تطور تفكيره الفلسفي الخاص متأثرا في ~~أساسه بمذهب باركلي، وإن لم يكن قد تخلى على نحو قاطع عن أصله ~~الاسكتلندي (ريدو هاملتن)، وهو لم يقتصر على تجديد فلسفة باركلي في ~~تفكيره الخاص، بل يمكن القول إنه أعاد كشفها لمعاصريه. ولا شك أن ~~حرصه على التوفيق العلمي الصارم لم يسفر عنه ما يمكن تسميته ~~«بالباركلية الجديدة»، ولكنه أسفر فعلا عن اهتمام عام بشخصية ~~الأسقف الأيرلندي وتعاليمه، وكان لهذا الاهتمام قيمته، من حيث إنه ~~كان حافزا على التفكير أحيانا، بل اتخذ صورة منظمة في كثير من ~~الأحيان، وكان يحقق نوعا من التوازن مع الطموح المتزايد للمدرسة ~~الهيجلية. ومن أهم أعمال فريزر، النشرة الأساسية لمؤلفات باركلي ~~(1871، الطبعة الثانية 1901) وكذلك ترجمته لحياة باركلي، التي ~~لا تزال تعد مرجعا أساسيا حياة باركلي ~~ورسائله # Life & Letters of Barkeley ~~(1871) وكذلك نشرة ممتازة لكتاب لوك ~~الرئيسي «بحث في الفهم البشري» (في مجلدين، 1894). # ولقد كان فريزر في الأصل قسيسا، ولم يستطع أن يتخلى في كتاباته ~~الفلسفية عن أصله الديني على نحو تام، وهكذا كان أهم ما جذبه إلى ~~باركلي إثباته الفلسفي وتبريره للديانة المسيحية من حيث هي مذهب ~~ألوهي يحتل فيه الله مكانة مركزية بوصفه الخالق، بينما لا يكون ~~للعالم من مبرر إلا بوصفه من خلق الله. ولم تكن القوة الدافعة له ~~إلى تقديم عرض منهجي لهذه الفكرة بادرة ذاتية صادرة عنه، وإنما ~~كانت حافزا خارجيا هو تعيينه لإلقاء محاضرات «جيفورد»، التي ~~اضطر فيها، رغم عدم وجود أي ميل لديه إلى التأمل الفلسفي المنهجي ~~وإلى وضع ما يكاد يكون مذهبا خاصا به (في كتاب «فلسفة المذهب ~~الألوهي # The Phil. of Theism ~~»، في مجلدين، 1895-1896، الطبعة الثانية في ~~مجلد واحد، 1899)، وفي هذا الكتاب يأخذ بفكرة باركلي الطريفة التي ~~تنظر إلى الطبيعة على أنها هي اللغة الإلهية، ويتوسع فيها على نحو ~~مثمر ليجعل ms217 منها مذهبا رمزيا كونيا. ولما كان ينفر بطبيعته من ~~كل موقف متطرف، فقد اعتقد أنه، إذ وضع مذهبا ألوهيا مبنيا ~~على الإيمان الديني، فقد اهتدى إلى حل وسط يوفق من جهة بين ~~الإلحاد ومذهب شمول الألوهية Pantheism ~~، ومن جهة أخرى بين مذهب الشك اليائس ~~وبين الثقة المفرطة في المعرفة. ولقد أدرك وجود مثل هذا اليأس في ~~اللاأدرية الشكاكة عند هيوم، الذي رأى بحق أنه هو - وليس كانت كما ~~كان يشيع القول عندئذ - الأب الحقيقي للاأدرية المحدثة عند هكسلي ~~وسبنسر وغيرهما، كما أدرك من جهة أخرى وجود الموقف الآخر المضاد، ~~وهو التفاؤل المفرط، في المذهب العقلي الذي يقول بإمكان معرفة كل ~~شيء عند هيجل والهيجليين المحدثين. وهكذا استعاض «بالإيمان» عن ~~«الاعتقاد» النظري عند هيوم، وحاول السير في طريق وسط بين ~~الطرفين، بحيث لا يبخس المعرفة البشرية، في نطاقها الضيق، حقها، ~~مع حمايتها من المبالغات في كلا الاتجاهين. وبالمثل كان ينفر من ~~كل تفسير يرفع الأنماط الأصلية المعطاة للوجود - وهي الإنسان ~~والعالم والله - إلى مرتبة المطلق (وقد كان، مثل مارتينو، يرى أن ~~هذه هي فعلا أنماط معطاة للوجود). وهناك ثلاثة أنواع من المذهب ~~الواحدي # Monism # تنتج عن إضفاء ~~صفة المطلق على هذه المعطيات، هي: شمول الأنا Panegoism ~~(أو مذهب الذات الوحيدة # Solipsism ~~) وشمول ~~المادة Pan-Materialism # وشمول الألوهية Pantheism ~~. ويرى فريزر أن هذه تمثل أنظارا ~~فلسفية لا صلة لها بالألوهية، وقد أخضعها للنقد والتفنيد من وجهة ~~نظره المؤمنة بمذهب الألوهية. # ولقد حاول، في مذهبه الخاص، أن يوفق بين هذه الكيانات الثلاثة ~~المعطاة، فتخلى للعلوم الخاصة عن «العالم» بمعنى الطبيعة، وبذلك ~~حط من مكانتها الفلسفية بل تجاهلها، ووحد بين المجال البشري ~~والأخلاق، وبين المجال الإلهي والدين، لكنه نظر إلى «الله» من ~~الجانب الأخلاقي قبل كل شيء، بوصفه تشخيصا للخيرية اللامتناهية، ~~كما نظر إلى الإنسان على أنه الكائن الأخلاقي على التخصيص، أي على ~~أنه «شخص» أخلاقي، أما الأشياء فقد نظر إليها على أنها توجد من أجل ~~الأشخاص فحسب. وهكذا كان مذهب الألوهية عند فريزر مبنيا ms218 على ~~الأخلاق، كما هي الحال عند نيومان ومارتينو، وكانت مثاليته روحية ~~وتشخيصية كمثالية باركلي، وبذلك كانت حصنا ضد الاتجاهات ~~الطبيعية # naturalistic # السائدة في عصره. ومن الطريف أن نلاحظ في هذا العدد أن الفلسفة ~~الألمانية لم تؤثر في تفكيره إلا على نحو ضئيل وبدرجة ثانوية ~~تماما. ولكنه رغم تمسكه التام بالتراث الإنجليزي القومي، قد ~~تغلب على بعض الأخطاء التي كانت شائعة في مدرسة هاملتن (ولا سيما ~~فيما يتعلق بكانت)، بل لقد حاول أن يفسر هيجل (في اتجاه يميل إلى ~~«اليمين» الهيجلي) وأن يستوعب تعاليمه. فإذا تذكرنا أن جذور فريزر ~~الفلسفية ترجع إلى عهد أسبق كثيرا من عهد إحياء المذاهب المثالية ~~الألمانية في إنجلترا، فلن يعود من المستغرب أن تراه، بعد هذا ~~الإحياء، عاجزا عن إعادة توجيه فكره من أساسه، رغم أنه كان يعطف ~~كثيرا على الحركة الجديدة. # أما روبرت فلنت # Robert Flint ~~(1830-1910) فكان من البداية قسيسا بالكنيسة الاسكتلندية، ثم أصبح ~~منذ عام 1864 أستاذا للفلسفة الأخلاقية في «سانت أندروز # St. Andrews ~~» ثم أستاذا ~~للاهوت في إدنبرة (من 1876 إلى 1903). ولقد كان عمله الإيجابي ~~بوصفه مفكرا يسير في اتجاهين، اتجاه فلسفة التاريخ، واتجاه فلسفة ~~الدين، وقد أخرج في كلا الميدانين سلسلة من المؤلفات كانت تتميز ~~باتساع نطاقها ودقة البحث واتساع المعلومات فيها. # وينبغي أن تعزى إلى أعمال فلنت في الميدان الأول أهمية خاصة؛ إذ ~~إن فلسفة التاريخ (ومن بعدها علم الجمال) كانت أقل المباحث ~~الفلسفية نصيبا من اهتمام المفكرين الإنجليز، وهي لم تثر أي ~~اهتمام جدي إلا في حالات استثنائية، بل إنه ليمكن القول: إن ~~التاريخ لم يصبح أبدا مشكلة فلسفية بالنسبة إلى الإنجليز، ولهذا ~~السبب لم يكد إحياء الموقف الفلسفي من التاريخ في القارة ~~الأوروبية، أي في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، يجد أي صدى في ~~إنجلترا، بل إنه لا يمكن أن يكون هناك، بين صفوف الهيجليين ~~الإنجليز، أي اعتراف بمشكلة التاريخ أو أية تفسيرات شاملة لمجرى ~~التاريخ على النحو الذي عرضه هيجل ذاته. وهكذا يتميز فلنت بأنه أحد ~~المفكرين الإنجليز القلائل ms219 الذين رأوا أن التاريخ ليس مجرد موضوع ~~يبحث تجريبيا، بل إن من الممكن أيضا تفسيره فلسفيا. فمن ~~الواجب أن يتحول التاريخ إلى فلسفة التاريخ إن شاء أن يفهم ذاته ~~على النحو الصحيح. وكلما تقدم التفكير التاريخي ازداد اصطباغا ~~بالطابع الفلسفي؛ إذ إن وقائع التاريخ تنطوي في أساسها على معنى ~~فلسفي. والحوادث التاريخية لا تتعاقب اتفاقا أو خبط عشواء، وهي ~~ليست متروكة للفوضى والاضطراب، بل إن في وسعنا أن نهتدي فيها إلى ~~نظام وقانون، تترابط فيه فيما بينها، وينمو الحادث فيه من الآخر، ~~ومع ذلك فمن الواجب ألا ينظر إلى هذا الترتيب المنظم في مجرى ~~التاريخ على مثال العلية العلمية، وإنما هو يتمثل في نوع من ~~الاتفاق مع القانون خاص بالعملية التاريخية وحياة الروح. وهذا يعني ~~أن فلسفة التاريخ، بوصفها التفسير العقلي للطابع الصحيح للوقائع ~~التاريخية والعلاقات الحقيقية بينها، هي جزء من التاريخ ذاته، بل ~~هي التاريخ على مستوى أعلى من مستويات المعرفة، فالتاريخ بوصفه ~~علما، والتاريخ بوصفه فلسفة، ليسا مبحثين منفصلين ينتقل كل ~~منهما عن الآخر، وإنما هما فرعان من جذع رئيسي واحد. # وبهذه الروح ألف فلنت كتابه العظيم عن فلسفة التاريخ في ~~أوروبا، وهو عمل كان يستهدف غاية عظيمة الطموح، ويكشف عن اطلاع ~~واسع عميق، بل إن هذه الغاية قد فاقت قدرة هذا العالم على البحث، ~~على ضخامتها، إلى حد أنها تركت ناقصة بعد محاولتين لإتمامها، # 13 # وتشمل الأجزاء المكتملة النظريات الفلسفية للفرنسيين ~~والألمان من عهد بودان # Bodin # 14 # وليبنتس، كما أن الطبعة اللاحقة في 1893 قد تضمنت ~~عرضا شديد العمق، لم يفقه أي عرض آخر حتى الآن، لنظريات ~~المفكرين الفرنسيين والبلجيكيين والسويسريين. أما الطبعة الأولى ~~(1874) فلها أهمية خاصة من حيث إنها لفتت أنظار القراء الإنجليز ~~لأول مرة إلى الحركة المثالية الألمانية من كانت إلى هيجل، ~~وكونت منها مركبا جامعا يكشف عن درجة عالية نسبيا من الفهم، ~~بل إن هيجل نفسه يعالج هنا بطريقة نقدية تماما: فمع رفض فلنت ~~لمعظم تعاليمه، نراه يكتب عنه بإعجاب يدعو إلى الدهشة، «مهما ms220 كان ~~بعد المرء عن أن يكون تلميذا لهيجل، فمحال عليه أن ينكر أنه ~~لا يكاد يوجد كنز للأفكار الفلسفية أغنى من ذلك الذي تكونه ~~مجلداته الثمانية عشر.» # ولكن تفسيرات فلنت تتفق بوجه عام مع الفرنسيين أكثر مما تتفق مع ~~الألمان - ومن هنا كان النجاح الرائع الذي أحرزه كتابه في فرنسا - ~~وقد أكد أن مذهب رينوفييه # Renouvier # 15 # هو الذي يمثل موقفه الخاص من فلسفة التاريخ، وهو ~~الموقف الذي لم يقدم أي عرض تفصيلي. وهكذا يرفض تلك النظريات التي ~~تعالج التاريخ على أنه إنتاج آلي أو صراع من أجل الوجود بين ~~الأفراد والمجتمعات، أو على أنه مجرد نمو عضوي أو حركة ~~ديالكتيكية، ويرى في التاريخ - بدلا من ذلك - عملية خلاقة هي في ~~أساسها أخلاقية، عملية تربية للفرد الفاعل بحريته ليبلغ مستوى ~~الإنسانية الأصيل، الذي يصل فيه القانون الأخلاقي إلى صورته ~~الصحيحة وتحققه الكامل. # أما الوجه الآخر من إنتاج فلنت العقلي فيتمثل في الدور القوي ~~الذي لعبه في الصراع بين الاتجاهات الطبيعية اللاأدرية وبين ~~اللاهوت المسيحي، وهو الصراع الذي كان يحتدم في الثلث الأخير من ~~القرن التاسع عشر، وقد ألف في هذا الموضوع الكتب الآتية، «مذهب ~~الألوهية # Theism ~~» (1877، ~~الطبعة الثالثة عشرة 1929) و«النظريات المضادة لمذهب ~~الألوهية # Anti-Theistic Theories ~~» (1879، الطبعة التاسعة 1929)، ~~و«اللاأدرية # Agnosticism ~~» ~~(1903)، وهي كتب لقيت إقبالا شديدا، ودافعت عن قضية الإيمان ~~الديني ضد عدم الإيمان بأسلحة الثقافة الواسعة العميقة. ولما كان ~~فلنت يدرك أن موقف الأوساط الدينية من العلم الحديث كان حتى ذلك ~~الحين يقترب من الرفض التام، فقد رأى أن رسالته، بوصفه مدافعا عن ~~الإيمان، هي على العكس من ذلك رسالة توفيق بينهما، وتخفيف التوتر ~~بين اللاهوت المحافظ من جهة وبين الفلسفة الطبقية # naturalistic # والبحث العلمي ~~للطبيعة من جهة أخرى، ولقد حاول أن يجنب الإيمان المسيحي ذلك ~~الخطر الذي تنطوي عليه تعاليم دارون وسبنسر وهكسلي وأتباعهم، وذلك ~~بالتخفيف من حدة حججهم المضادة لفكرة الألوهية، وبتكييف نتائج ~~أبحاثهم بأوسع قدر ممكن على النحو الكفيل بإثبات نظرته المؤمنة ~~بالألوهية إلى العالم. ولكي يبرهن على ms221 وجود الله، التجأ إلى الحجج ~~الأنتولوجية والكسمولوجية والأخلاقية القديمة، التي كانت في ذلك ~~الحين قد فقدت قيمتها لدى الجميع، وأشار بوجه خاص إلى ضرورة وجود ~~أساس عقلي للدين، الذي هو في رأيه أمر يتعلق بالعقل، أكثر مما ~~يتعلق بالشعور أو الإرادة. بل إنه مما يميز وجهة نظر فلنت التي ~~كانت عقلية في أساسها، أنه كان يتجاهل عنصر الإيمان في الدين، ~~ويبالغ في تأكيد الوجه العقلي فيه، كما تظهر نفس هذه الروح بوضوح ~~في أمور أخرى، وكان من نتيجتها أنها قللت من فعالية كتاباته في ~~الدفاع عن العقيدة المسيحية بدلا من أن تزيدها. # كذلك عرض فلنت في هذا الميدان برنامجا يتصف بنفس الدقة المميزة ~~له، غير أن إنجازه كان يتجاوز نطاق قدرته كثيرا؛ إذ لم يكن يرمي ~~إلى أقل من عرض مذهب تفصيلي في اللاهوت الطبيعي بكل أطرافه، وكان ~~المفروض أن يعالج هذا المذهب أربع مشكلات بوجه خاص: (1) إيضاح ~~الأدلة التي لدينا للإيمان بوجود الله، (2) تفنيد النظريات المضادة ~~للألوهية، من إلحاد ومادية ووضعية وتشاؤمية وشمول للألوهية ~~ولاأدرية، (3) تحديد معالم وجود الله كما يتكشف في الطبيعة ~~والتاريخ، (4) تعقب أصل فكرة الله وتطورها في تاريخ التأمل النظري ~~الألوهي. ولكن لم يتح له أن ينفذ هذا البرنامج إلا جزئيا؛ إذ إنه ~~لم يضطلع على الوجه الأكمل، كما رأينا، إلا بالمهمة الثانية. ~~والخلاصة أن فلنت كان باحثا مدققا من الطراز الأول، مهتما ~~بنواح أخرى أهمها التاريخ واللاهوت (لقد سمي بأعلم أهل عصره في ~~اسكتلندا). وكانت لديه قدرة كبيرة على التعميم، وذهن موضوعي ~~نافد أصيل، غير أن مكانته، بوصفه مفكرا مستقلا له موقفه الخاص، ~~كانت أقل من ذلك بكثير. أما من حيث هو مؤرخ لفلسفة التاريخ، ومناضل ~~ضد المذهب الطبيعي في الربع الأخير من القرن الماضي، فما زال اسمه ~~يذكر حتى اليوم باحترام، وكان آخر مؤلفاته: الفلسفة بوصفها علم العلوم وتاريخ تصنيفات ~~العلوم Philosophy as the Scientia Scientiarum and a History of Classifications of the Sciences ~~(1904). # الباب الثاني # | المدارس الفكرية المتأخرة # نهاية القرن التاسع عشر وبداية ms222 القرن العشرين # الفصل الأول # | الحركة المثالية الجديدة # (1) القسم الأول: أصلها واتجاهها العام # نعني بالحركة المثالية الجديدة تغلغل المثالية الفلسفية ~~الألمانية في الفكر الإنجليزي. ولم يصبح هذا التغلغل ملحوظا ~~إلا في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، أي بعد جيل ~~كامل من وفاة هيجل. وإذا كانت الصفة المميزة للفلسفة ~~الإنجليزية حتى بداية هذه الحركة هي التزامها بدقة حدود تراثها ~~القومي المنعزل نسبيا، ونفورها من أي عنصر خارجي يقتحم ~~أرضها عنوة، بقدر نفورها من الانقلابات الداخلية، فإن أهمية ~~الحركة الحديثة إنما تنحصر في أنها أحدثت تغيرا تاما، ~~واستحدثت وثبتت أشكالا ومضمونات فكرية جديدة كل الجدة، ~~وأضافت إلى حصيلة الفكر الإنجليزي ذخيرة من الأفكار الأجنبية ~~التي لم تكن تعرف أبدا من قبل. وعلى ذلك فإن المثالية ~~الجديدة، التي كان دخولها إلى إنجلترا يمثل تحولا هاما، لم ~~تكن فقط توسيعا وإثراء وتعميقا هائلا للمحتوى المذهبي ~~للتفكير الإنجليزي، بل كانت تمثل أيضا، وقبل كل شيء، تراجعا ~~تاما عن الأساليب القديمة، وتحويلا لدفة الفلسفة في اتجاه ~~جديد كل الجدة. # على أن هذا الرأي، ~~القائل إن تغلغل المثالية الألمانية في إنجلترا قد أدى إلى ~~الخروج على التراث الفلسفي القومي، يتناقض مع رأي يظهر بين ~~الحين والحين (ولا سيما من جانب الإنجليز)، يقول إن المسألة ~~كلها لا تعدو أن تكون إيقاظا لقوى كانت غارقة في سبات عميق، ~~ولكنها كانت موجودة في الفكر الإنجليزي منذ البداية، وقد ورد ~~أروع تعبير عن هذا الرأي الأخير في كتاب ألفه ج. ه. مويرهيد # J. H. Muirhead # 1 ~~(وهو كتاب له قيمة عظيمة، وفائدة توجيهية كبيرة ~~بالنسبة إلى بحثنا هذا)، وحاول فيه أن يكشف عن وجود تيار متصل ~~من التفكير المثالي يمر عبر تاريخ الفكر الفلسفي الإنجليزي ~~بأسره، وأن يثبت أن الحركة المثالية لم تكن إلا امتدادا ~~موسعا عميقا لهذا التيار. على أن الوقائع التاريخية لا تؤيد ~~هذا الرأي، فأيا ما كانت المذاهب والأفكار المثالية الرئيسية ~~التي ظهرت في القرون السابقة، فإن الحركة التي بدأت في النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر لم ms223 تكن مرتبطة بهذه المذاهب ~~والأفكار لا على نحو مباشر ولا على نحو غير مباشر؛ ذلك لأن ~~هذه الحركة كانت صريحة الارتباط بالفلسفة الألمانية الممتدة من ~~كانت إلى هيجل، ولم تعد أبدا إلى أي تراث إنجليزي سابق. ~~ومما يثبت استحالة كونها قد نبعت من التراث القومي مباشرة، ~~عدم وجود أي تيار مثالي متصل في تطور الفلسفة الإنجليزية، ~~وذلك على الأقل في القرن الذي سبق هذه الحركة مباشرة، أي منذ ~~وفاة باركلي (سنة 1753) حتى ظهور كتاب ستيرلنج عن هيجل (1865). ~~فهذه الفترة على التخصيص هي أبعد الفترات عن أن يقال بوجود ~~اتجاه مثالي إنجليزي فيها، كما لا يمكن الزعم بأن حركة لها ~~من القوة ما لتلك التي نحن بصددها، كان يمكن أن تشتعل جذوتها، ~~وتصبح لها مثل هذه القوة الهائلة بفضل تأثير محاولات قليلة ~~هزيلة متفرقة. # وإذن فعلينا أن نظل على اعتقادنا بأن النهضة الفلسفية في ~~إنجلترا بعد أواسط القرن الماضي كانت ثمرة متأخرة للمثالية ~~الألمانية، وأنها تغذت من مصادر ألمانية، وتغلغلت فيها ~~الروح الألمانية، أو أنها - إذا ما عبرنا عن الأمر بلغة عملية ~~- كانت في أساسها سلعة ألمانية. # وليس المقصود من هذا الإقرار الواقع، لا الحكم، مدحا أو ~~قدحا. فليس هذا موضع الكلام عن التغيرات التي طرأت على السلعة ~~الأجنبية عندما استقرت في الأرض الإنجليزية، ولا عن مدى ~~ارتباطها بالاتجاهات الفكرية القومية، أو بالصور الجديدة التي ~~نمت منها، بل إن من واجبنا بالفعل أن نؤكد أن تغلغل التيار ~~الفكري الألماني لم يحدث بطريقة خارجية محضة، أي عن طريق ~~اهتمامات مدرسية، أو بالقسر والإرغام، وإنما حدث ذلك عندما ~~أصبح ضرورة باطنة؛ ذلك لأنه ليس ثمة شك في أن الظروف المؤدية ~~إلى قبول البذرة الجديدة كانت، في الوقت ذاته، مواتية إلى حد ~~بعيد، وأن العوامل الحاسمة في هذا القبول كانت متعددة ~~ومتنوعة. # فمن الملاحظ أولا، أن الشعر والأدب بوجه عام قد هيأ الجو ~~الذهني لتلقي نظرة مثالية إلى العالم. وكان من أهم العوامل ~~التي ساعدت على البدء في الحركة الفلسفية على التخصيص، ذلك ~~العمل ms224 التمهيدي الذي قام به، في النصف الأول من القرن التاسع ~~عشر، شعراء مشهورون وكتاب آخرون كان موقعهم خارج الأوساط ~~الفلسفية المحترفة، وكان معظمهم على خلاف مع هذه الأوساط. فقد ~~كان شعر الرومانتيكيين هو السبب في ظهور تلك النظرة الجديدة ~~إلى العالم، والموقف الجديد من الحياة، الذي حل محل صور ~~التفكير العتيقة الموروثة من عصر التنوير. وتظهر أولى بوادر ~~المضمون الروحي الجديد، الذي شق طريقه بعد ذلك بوقت طويل ~~إلى الفلسفة بدورها، في أشعار شيلي وكيتس، وورد سورث وكولردج. ~~غير أن صمويل تيلر كولردج (1772-1834) هو الذي كانت له أهمية ~~خاصة من بين هؤلاء جميعا، فهو لم يكن شاعرا ملهما فحسب، بل ~~كانت له أيضا مواهب فلسفية أصيلة، وكان يسعى دائما إلى ~~التعبير عن نظرته الشعرية إلى العالم تعبيرا نظريا إلى جانب ~~التعبير الفني، وفي خلال ذلك مر ذهنه، الذي كان يتصف بقدر ~~هائل من التفتح والمرونة، بتغيرات عدة، فتعرض مرة تلو المرة ~~لتأثير هارتلي وباركلي واسبينوزا وأفلاطون وأفلوطين وكانت ~~وشلنج وغيرهم. وبعد اضطرابات وسورات متعددة، وصل أخيرا إلى ~~نوع من الميتافيزيقا الروحانية التي يمكن التعبير عنها بالحكم ~~الرائعة والأقوال الموجزة أفضل مما يعبر عنها بالطريقة ~~المنهجية الدقيقة. وقد وقف في هذه الآراء موقف المعارضة ~~الشديدة للآراء الفلسفية السائدة في عصره وبلده، ولا سيما مذهب ~~المنفعة التجريبي عند بنتام، الذي كان هو المذهب العصري ~~المنتشر عندئذ. ومن الملاحظ أن الأوساط الفلسفية المتخصصة ~~ذاتها كانت تعترف أحيانا بأن كولردج قد أدخل إلى الفلسفة ~~الإنجليزية روحا جديدة لم تشترك في شيء مع الآراء الراسخة ~~السائدة، كما جاء مثلا في المقالات التي كتبها جون ستيوارت مل ~~في عامي 1838 و1840 عن بنتام وكولردج، والتي أعيد طبعها، ~~«أبحاث ومناقشات»، المجلد الأول، ورغم ذلك لم يظهر أي أثر ~~لتدخل هذه الروح الجديدة في الأوساط الأكاديمية خلال حياة ~~الشاعر، بل ولا بعد وفاته بجيل كامل، وهذا أوضح دليل على أن ~~الأوان لم يكن قد آن لحدوث تجديد مثالي شامل في الفكر ~~الإنجليزي. # ولقد كانت لفلسفة كولردج أهمية، ms225 بالنسبة إلى بحثنا هذا، من ~~زاوية أخرى، فمع هذه الفلسفة تدفق إلى إنجلترا لأول مرة مجرى ~~واسع من المثالية الألمانية. ومن الصعب أن يقرر المرء إن كانت ~~الأفكار الرئيسية في نظرته إلى العالم قد تشكلت في ذهنه قبل ~~تعرفه على المذاهب الألمانية، # 2 # أو أن أول ظهور لها كان على إثر اطلاعه على هذه ~~المذاهب، غير أن كل ما يهم تاريخ الفكر هو أنه قد حدث اتصال ~~بينه وبينها، وأنه كان اتصالا وثيقا إلى حد بعيد، وبفضله ~~دخلت الفلسفة الألمانية لأول مرة في الإطار الذهني للإنجليز. # 3 # ونحن نعلم أن كولردج قد درس مذهب كانت بالتفصيل، وأن هذه ~~الدراسة تركت آثارا واضحة في تفكيره الخاص. غير أن تأثير شلنج ~~كان أعمق؛ إذ إن تعاليمه في الكونيات والجماليات قد اجتذبته ~~وهزته من أعماقه، بل وكادت تستحوذ عليه تماما في بعض ~~الأحيان، وقد أثبتت الأبحاث الأخيرة أنه درس كتابات متعددة ~~لفشته وهيجل أيضا، ودون بعض التعليقات الهامشية عليها، رغم ~~أن تأثير هذين المفكرين أقل وضوحا في مؤلفاته المنشورة (انظر ~~كتاب «كولردج فيلسوفا» 1931، ص271، للهامش)، كذلك كان لكل من ~~لسنج وهردر وجوته وشيلر تأثير حاسم في تفكيره، وعلى ذلك فإن ~~كولردج يمثل غزوا مبكرا وفريدا من نوعه للحياة الروحية ~~الإنجليزية بواسطة الفكر المثالي الألماني، كما يمثل رد فعل ~~عنيف على الموقف الذهني للقرن الثامن عشر، وعلى امتداد هذا ~~الموقف في العشرات الأولى من القرن التاسع عشر في الفلسفة ~~الإنجليزية القومية. وقد تمكن التيار التجريبي لمذهب المنفعة، ~~الذي وجد في جون ستيوارت مل بطلا جديدا له، من السيطرة على ~~الميدان إلى ما بعد منتصف القرن الماضي، فكان من نتيجة ذلك أن ~~ظلت أنظار كولردج العميقة مبعثرة، عاجزة عن أن تجد في أي مكان ~~تربة صالحة تضرب بجذورها فيها، ولم تثمر البذرة التي بذرها ~~إلا لدى تلميذ واحد، كان هو الجراح «جوزيف هنري جرين # Joseph Henry Green ~~» ~~(1791-1863)، الصديق الحميم للشاعر طوال سنوات عديدة، ثم منفذ ~~وصيته الأدبية فيما بعد، ولقد كان من مهمته - بهذا ms226 الوصف ~~الأخير - أن يفحص مخلفات كولردج الفلسفية ويضعها في صورة ~~منهجية، وهي مهمة كرس لها، في إنكار واضح للذات، الجزء ~~الأكبر من سنواته الأخيرة، دون أن يتمكن من إنجازها. على أنه ~~قد شيد نوعا من المذهب الفلسفي من كتابات الشاعر ومذكراته ~~وملاحظاته الهامشية ومحادثاته، ونشرت هذه بعد وفاته بعنوان ~~«الفلسفة الروحية»، المبنية على تعاليم المرحوم س. ت. ~~كولردج # Spiritual Phil. founded on the teaching of the Late S. T. Coleridge ~~. (1865، في مجلدين). ورغم التغير ~~الذي طرأ منذ وفاة كولردج، فقد ظهر هذا الكتاب وظل دون أن ~~ينتبه إليه أحد؛ إذ طغى عليه كتاب سترلنج عن هيجل، الذي ظهر في ~~العام نفسه، وبعد ذلك اتجه القراء مباشرة إلى المصادر ~~الألمانية دون أن يعبئوا بكولردج وتلميذه، ولم تبق أفكار ~~كولردج حية إلا لدى قلة منهم، إلى جانب جرين، مثل ف. د. موريس # F. D. Maurice # وس. ه. ~~هدجسن # S. H. Hodgson ~~، وقد أهدى الأخير كتابه «فلسفة التفكير Phil of Reflection ~~» ~~(1878) إلى كولردج بوصفه «أبا فلسفيا» للمؤلف، ولم تبحث ~~فلسفة ذلك الشاعر الرومانتيكي العظيم بحثا تاريخيا إلا في ~~وقت قريب، بفضل كتابي، أليس د. سنيدر # Alice D. Snyder ~~«آراء كولردج في المنطق والتعليم # Coleridge ~~on Logic & Learning ~~»، 1929 ~~ومويرهيد # J. H. Muirhead ~~«كولردج فيلسوفا # C. as Philosopher ~~» 1930. # ومن معاصري كولردج ومعارفه في ميدان الأدب، توماس دي كوينسي # Thomas de Quincey ~~(1785-1859) الذي اجتذبته الفلسفة الألمانية، وقد درس بحماسة ~~كتابات كانت وفشته وشلنج، وحاول أن يثير الاهتمام بأفكارهم ~~وأن يقربها إلى أذهان أكبر عدد من الناس، ولكنه، رغم ما كان ~~يبديه من آن لآخر من استبصار عميق إلى حد يدعو إلى الدهشة، ~~كان يفتقر إلى الفهم الذي لا بد منه لمهمة كهذه، وزاد الأمور ~~غموضا أكثر مما زادها وضوحا. ولا يمكن أن يقال إنه كان ~~عاملا هاما في فتح آفاق الفكر الألماني، ومع ذلك فقد كان ~~واحدا من الإنجليز القلائل الذين لهم أية معرفة بهذا الفكر في ~~العقدين الثالث والرابع من القرن الماضي. # 4 ms227 # على أن أحدا لم يدع إلى رسالة المثالية بمثل العمق ~~والتأثير الذي دعا به إليها توماس كارليل (1795-1881)، فإليه، ~~أكثر من أي شخص غيره، يرجع الفضل في إحداث التغيير الذهني ~~الكامل الذي وقع في أيامه، وتهيئة الأرض للبذرة الجديدة. ورغم ~~أن مواهب كارليل ومعلوماته الفلسفية كانت أقل من مثيلاتها عند ~~كولردج، فقد كان أقوى منه اقتناعا، وأشد إصرارا وجرأة، وهكذا ~~استوعب القيم الروحية للأدب والفكر الألماني، ثم عرضهما ثانية ~~بكل ما كان يتصف به أسلوبه التنبئي من تأثير بالغ. ولقد كان ~~إيمانه الكامل برسالته هو الذي أضفى على أقواله قوتها ~~الإقناعية، وجعل لكلماته أصداءها القوية، وكان هو أول زعماء رد ~~الفعل الحاسم على تراث القرن الثامن عشر، وعلى كل بقاياه في ~~القرن التاسع عشر - أي على عصر التنوير - الذي كان رائده ~~العقلي في نظره هو هيوم، وعلى الاكتفاء المتكاسل بالشكل ~~والإنكار، وعلى الموقف الطبيعي وأخلاق المنفعة، وعلى تجاهل ~~الروح النقدية وسيطرة العقل الغاشمة. ووسط كل أعراض الإفلاس ~~الروحي هذه، التي كانت متفشية في بلاده، حاول أن يغرس القيم ~~الجديدة التي ولدتها الفلسفة الكلاسيكية والأدب الكلاسيكي عند ~~الألمان. وعلى هذا النحو أصبح جسرا حيا بين الثقافتين ~~الألمانية والإنجليزية، وسفيرا أو ممثلا للروح الألمانية في ~~بلاده، وأدى هذه المهمة على نحو أفضل مما أداها عليه كولردج ~~في أي وقت. ولكن، رغم هذا كله، لم يكن لديه أي اهتمام فلسفي ~~على التخصيص، ولم يكن للفلسفة بالنسبة إليه أي معنى إذا ما ~~فهمت على أنها تعمق في التحصيل أو تأمل خالص. ولقد اعتنق من ~~المثالية وجهها العملي والديني أكثر مما اعتنق وجهها النظري، ~~وآمن بها بوصفها قوة حية وموقفا ذهنيا أكثر مما آمن بها ~~بوصفها نظرية أو فرعا للمعرفة. وبدلا من أن يتخذ من الفلسفة ~~موضوعا للتفكير، اكتفى بأن يحياها كيما يدعو إلى قيمتها ~~الروحية ويطبقها على الحياة، منظورا إليها من الوجهة ~~الدينامية، ويدمجها فيها. وبمثل هذا الموقف تعلم من كانت ~~وفشته أكثر كثيرا مما تعلم من شلنج وهيجل، وهذا ينطبق بوجه ~~أخص على ms228 فشته، الذي كان يدين له بالجزء الأكبر من الوجه ~~الفلسفي لتفكيره، ولم يكن يمل أبدا من إحالة معاصريه إلى هردر ~~ونوفالس وجان بول وشيلر، وإلى جوته العظيم، بوصفهم دعاة ~~وخالقين لقيم عملية جديدة ولكنها أزلية. # وفي أمريكا كانت لإمرسون # Emerson # رسالة شبيهة برسالة كارليل، وإن لم ~~يكن تأثره بالألمان السابقين عليه قد بلغ مثل هذا العمق. ولما ~~كانت كتاباته قد أثرت في إنجلترا بدورها تأثيرا بالغا، فقد ~~لزم التنويه بأهميته. # من هذه الاتجاهات، لا من أوساط فلسفية خالصة تلقت الحركة ~~الجديدة أكبر قوة دافعة لها. صحيح أن البعض، في هذه الأوساط، ~~كانوا يستبقون الحركة الجديدة من آن لآخر، غير أن معظم هؤلاء ~~لم يتجاوزوا نطاق الإلمام بتعاليم الفلاسفة الألمان والاهتمام ~~بهم، ونادرا ما أظهروا فهما حقيقيا لهم، وكلهم على السواء ~~كانوا منعزلين بدرجات متفاوتة، فلم يجتمعوا أبدا بالقدر الذي ~~يكفي لتكوين حركة واحدة، وفضلا عن ذلك فلم يتوافر لأحد منهم ~~فهم كامل للمثالية في مجموعها. وهكذا فإن دورهم، في التعجيل ~~بظهور الحركة المثالية، كان إما ضئيلا جدا وإما متعمدا. ~~ومع ذلك فمن واجبنا أن ننوه بعمل السير وليام هاملتن ~~ومدرسته، التي سيطرت على الميدان الفلسفي، ولا سيما في ~~اسكتلندا، في أواسط القرن الماضي؛ فقد كان هاملتن أول فيلسوف ~~محترف في إنجلترا اكتسب معرفة عميقة واسعة بالمؤلفات ~~الفلسفية الألمانية وانتفع من هذه المعرفة، وكان يفوق كل ~~معاصريه في فهمه إلى القراءة وعمق معلوماته، ومن المألوف أن ~~يصادف المرء في كتاباته أسماء كبار المفكرين الألمان، بل إن من ~~الممكن وصف مذهبه الخاص بأنه محاولة للتوفيق بين الفكر ~~الاسكتلندي وتفكير كانت أو لإيجاد مركب منهما، أو إذا شئنا ~~تعبيرا أدق، لتطعيم فلسفة الموقف الطبيعي عند ريد ببذرة ~~كانتية. غير أن أهم ما أخذه هاملتن عن كانت هو النزعة ~~الظاهرية ~~اللاأدرية # Agnostic Phenomenalism # في نظرية المعرفة النقدية، والفكرة ~~القائلة إن المعرفة البشرية تقتصر على المظاهر وعلى ما هو ~~متناه مشروط نسبي. ولقد أدى اقتصاره على إبراز الجزء النظري ~~من مذهب كانت، بل والوجه السلبي ms229 منه فحسب؛ أدى ذلك إلى جعل هذا ~~الجزء يبدو وكأنه كل ما في الفلسفة الترنسندنتالية أو على ~~الأقل أهم ما فيها، فكان من نتيجة هذه الصورة الجزئية المضللة ~~إلى أبعد حد أن حيل بينه، وكذلك بين مواطنيه، وبين الوصول إلى ~~نظرة شاملة إلى تفكير كانت، وفهم أصيل له، كما قطع الطريق ~~على المذاهب التالية لكانت. صحيح أنه كانت لديه معرفة وثيقة ~~بهذه المذاهب، ولكنه كان عاجزا تماما عن اكتساب أي شيء منها، ~~وبدد جهوده في خلاف عقيم زائف مع «فلسفة اللامشروط ~~(المطلق)». فقد أفتى بعدم مشروعية المذاهب الميتافيزيقية ~~الكبرى التي ظهرت نتيجة لنقد العقل عند كانت، وأصبح هذا ~~الحكم، بفضل سلطته العظيمة، هو الرأي السائد وقتا طويلا. ومن ~~هنا كان من أولى المهام التي تعين على سترلنج القيام بها عند ~~وضع أسس بنائه الجديد، إعلان احتجاجه بشدة على تشويهات هاملتن ~~ونظراته السطحية، وإنكار أصالة نظراته إلى الفلسفة الألمانية؛ ~~ذلك لأنه كان واثقا من أن عدم إنصاف هاملتن لهذه الفلسفة قد ~~عاق تقدم الفكر الإنجليزي جيلا كاملا. ومع ذلك فلا مفر لنا ~~من أن نعترف لهاملتن بفضل إنقاذ الفلسفة الإنجليزية، بعلمه ~~الغزير، من الطريق المسدود الذي كانت قد انتهت إليه؛ إذ أتاح ~~دخول مصادر جديدة وجلب إليها روافد من الفكر الأجنبي المعاصر ~~له، فلم يكن لأي فيلسوف آخر، قبل سترلنج، مثلما كان لهاملتن ~~من الأثر في القضاء على عزلة الفلسفة في بلاده. # وبعد وفاة هاملتن، ~~أصبح جون ستيوارت مل هو أبرز الشخصيات في ميدان الفلسفة في ~~إنجلترا، بل أصبح هو الممثل الوحيد للفلسفة في إنجلترا، وأكثر ~~المفكرين قراء، في الفترة التي تلت منتصف القرن الماضي ~~مباشرة، وفيه التقت جميع تيارات الفكر الفلسفي التي كانت حية ~~عندئذ. ولقد بلغت سيطرته من الاكتمال حدا أصبح من المستحيل ~~معه أن يجد أي شخص يتحدث ضده آذانا صاغية. ونستطيع أن نذكر ~~أولا، ضمن أولئك الذين غامروا بالسياحة ضد التيار التجريبي، ~~اسم جون جروت # J. Grote ~~(1813-1866)، الذي كان أستاذا للفلسفة الأخلاقية في كيمبردج، ~~فقد دار ms230 تفكيره، الذي كان منعزلا وشبه مستقل، في إطار ~~المثالية، ولكنها لم تكن مثالية هاملتن ، بما فيها من نسبية لا ~~أدرية، فقد رفض تعاليم هذا الأخير صراحة، وحبذ بدلا منها ~~مذهبا تكون المعرفة فيه هي «تعاطف العقل مع العقل، من خلال ~~الوجود المشروط الجزئي»، # 5 # فمن الممكن بلوغ الواقع الحقيقي والشيء في ذاته في ~~المعرفة، وذلك راجع إلى أن طبيعته هي نفس طبيعة الذهن الذي ~~يعرفه. وقد جمع جروت، إلى هذه الفكرة، نقدا عميقا للمذهب ~~الظاهري أو الوضعي، وإن يكن قد اقتصر على توجيه نقده إلى ادعاء ~~هذا المذهب أنه هو الكلمة الأخيرة في الفلسفة، أو هو الفلسفة ~~كلها. فمعرفة الظواهر هي شكل مفيد من أشكال المعرفة، وهي تمثل ~~نوعا حقيقيا من التجريد في مجالها الخاص؛ مجال العلوم ~~الطبيعية، ولكنها مع ذلك لا تعدو أن تكون تجريدا مستمدا من ~~سياق أوسع منها كثيرا؛ فهي إذن معرفة مبدئية تمهد للمعرفة ~~الفلسفية بمعناها الدقيق. ومن هنا كان من الواجب تكملة وجهة ~~النظر الظاهرية وإتمامها بوجهة النظر المثالية، بل إن تفكيرنا ~~لا يكون فلسفيا حقيقة إلا إذا فكرنا بالطريقة المثالية؛ إذ ~~إن جروت لم يكن يعني بالفلسفة الاهتمام بموضوع المعرفة، وإنما ~~الاهتمام بواقعة المعرفة أو عملية المعرفة ذاتها. ومن ذلك فإنه ~~لم يصل إلى أي إيضاح كامل لموقفه، وكل ما فعله هو الاعتراف ~~بعدم كفاية النظريات السائدة في أيامه، وتلمس طرق جديدة ~~للتفكير على غير هدى. ولقد كان في ذهنه نوع من المثالية ~~الموضوعية أو الميتافيزيقية، ولكن وجوده في بيئة لها اتجاه ~~مختلف كل الاختلاف، جعله أكثر انعزالا من أن يتمكن من تشييد ~~مذهب له قوامه الصحيح. ومن هنا فإنه لم يكد يلقى أية استجابة ~~مباشرة، ولم تجد الأفكار الخصبة القليلة التي غرس بذرتها ~~تربة مناسبة هنا أو هناك إلا بعد مضي وقت طويل. وقد ظهر ~~الكتاب الفلسفي الوحيد الذي نشره هو ذاته، وهو «بحث استطلاعي ~~فلسفي، المجلد الأول»، سنة (1865) في نفس السنة التي ظهر فيها ~~كتاب سترلنج عن هيجل. أما بقية مؤلفاته # 6 ms231 # فقد نشرت بعد وفاته ولم تلق إلا اهتماما ~~ضئيلا. # أما جيمس فريير # James F. Ferrier ~~(1808-1864، الذي كان أستاذا بكلية سانت أندروز)، فكان مثل ~~جروت، من القلائل الذين رفضوا، في أواسط القرن التاسع عشر، ~~الخضوع لسلطة هاملتن (الذي كان يعجب كثيرا بمواهبه العقلية ~~وبشخصيته القوية) أو سلطة مل، وإنما سار في طريقه الخاص، وقال ~~بمذهب مثالي كانت معالمه أوضح كثيرا من تلك الخيوط المفككة ~~التي قال بها جروت، واحتوى مذهبه على عناصر كثيرة من الحركة ~~التي سرعان ما ظهرت بعد ذلك. وقد وحد في مؤلفه الرئيسي، ~~«مبادئ ~~الميتافيزيقا # Institutes of Metaphysic ~~»، (1854)، بين الفلسفة وبين ~~العلم النظري ( # speculative ~~)، ~~وكشف عن خصائص هذا العلم بطريقة منهجية، في صورة نظريات ~~تستنبط كل منها من السابقة عليها، على نحو يقرب كثيرا مما ~~فعله اسيبنوزا في كتاب «الأخلاق». وينقسم الكتاب إلى ثلاثة ~~أجزاء: (أ) الإبستمولوجيا أو نظرية المعرفة، (ب) الأجنيولوجيا # Agnoiology # أو نظرية ~~الجهل، (ج) الأنتولوجيا أو نظرية الوجود. وقد صاغ في قضيته أو ~~نظريته الأولى، التي يبنى عليها بالتالي مذهبه بأكمله، ~~القانون الأساسي لكل معرفة، وهو: «مع أي شيء يعلمه أي عقل، ~~ينبغي أن يعرف هذا العقل ذاته، بوصف هذه المعرفة أساسا أو ~~شرطا لعلمه» (الطبعة الثالثة، ص79)، وهنا نرى، منذ البداية، ~~اتفاقا واضحا مع كانت. والحق أن فريير هو على الأرجح أول ~~مفكر إنجليزي تفهم الفلسفة الألمانية وتعاطف معها، وانتفع ~~منها على نحو إيجابي لصالح مذهبه الخاص. ولقد أحس بتأثير هذه ~~الفلسفة في زيارة مبكرة قام بها لألمانيا، وظل فيما بعد على ~~صلة وثيقة بها، وربما كان مقالاه عن شلنج وهيجل في ~~«القاموس الإمبراطوري للسير العالمية # Imperial Dict. ~~of Universal Biography ~~» (1857-1863) # 7 # أولى الكتابات التي تجلى فيها فهم حقيقي لهذين ~~المفكرين باللغة الإنجليزية. وكان لموقفه من هيجل طرافة ~~خاصة، فقد كان دائما ينفي الاعتقاد بأنه كان هيجليا، وأيا ~~ما كان الأمر، فلدينا اعترافه الخاص بأنه كان يكافح بقوة، ولكن ~~دون نجاح في معظم الأحيان، لكي يفهم هيجل، فهيجل كان بالنسبة ~~إليه، كما ms232 كان بالنسبة إلى سترلنج، - السر الأعظم، المحاط ~~بهالة من الهيبة السحرية، وهو شخصية ليست لديه فكرة عقلية عن ~~عظمته، وإنما مجرد إحساس وشعور غامض بها. وإنا لنصادف لدى ~~فريير، كما نصادف لدى سترلنج (مبادئ الميتافيزيقا، ص91 وما ~~يليها) تعبيرات تلمح إلى أن العملاق الذي لم يقهر سينقض ~~كالقدر على كل ما هو مقدس في تراث الفلسفة الإنجليزية. # ويرتكز مذهب فريير - وهو مذهب مطلق يقوم على أساس نظري ~~بحت - على نظرية مثالية في المعرفة، وعلى نظرية أصيلة تماما ~~في الجهل. وكان هذا المذهب تجريديا نظريا بناء إلى ~~درجة رفيعة، في وقت انحدر فيه التأمل النظري عند الإنجليز إلى ~~أدنى درجاته. ويظهر التأثير الألماني بوضوح في هذا الانطلاق ~~للقوى التأملية، وكذلك في تركيب المذهب عامة، وفي اتجاهاته ~~الفكرية الخاصة، غير أن فريير قد نهل أيضا من منبع الفلسفة ~~القومية، فعاد إلى باركلي واستمد من فلسفته عناصر هامة ~~أدمجها في مذهبه الخاص، # 8 # ولما كان باركلي في ذلك الحين يكاد يكون منسيا ~~في إنجلترا، فعلينا أن ننسب إلى فريير فضلا آخر هو فضل إعادة ~~اكتشافه من جديد، # 9 # وإعطائه القوة الدافعة الأولى لبعث مذهب باركلي، ~~الذي تحقق على يد فريزر، وكولينز سيمون # Collyns Simon ~~، وراشدال # Rashdall # وغيرهم. وأخيرا ينبغي أن نلاحظ أنه ~~ربما كان أول اسكتلندي يثور على تراث المدرسة الاسكتلندية. # 10 # فالموقف الطبيعي في ~~رأيه لا يمكن أن يكون معيار الحقيقة الفلسفية؛ لأن التفكير ~~اليومي، الذي هو أبعد ما يكون عن التفكير العقلي، مضطر إلى ~~الخضوع تماما لقرارات هذا التفكير العقلي، وهنا أيضا كان ~~فريير مبشرا ومتنبئا بتطورات ستحدث فيما بعد. غير أن ~~اهتمامنا الرئيسي ينصب هنا على الحديث عنه بوصفه واحدا من ~~رواد الحركة المثالية، التي ساهمت كتاباته، بما أحرزته من ~~شهرة غير قليلة في وقتها، في إعطائها قوة دافعة ~~ومضمونا. # وآخر من سنذكرهم من أولئك الذين أحسوا بوضوح بتأثير الفلسفة ~~الألمانية قبل بداية الحركة بمعناها الصحيح، هو اللاهوتي ~~فريدريك دنيسون ~~موريس # F. Denison Maurice ~~(1805-1872). ولقد كان موريس أستاذا ~~للتاريخ ms233 والأدب الإنجليزي (1840) وكذلك للاهوت (1846) في «كنجز ~~كوليدج» بلندن، حتى عام 1853 حين أعفي من منصبه بسبب آرائه ~~المفرطة في تحررها، ومنذ عام 1866 حتى وفاته شغل كرسي الفلسفة ~~الأخلاقية بجامعة كيمبردج. ولقد تشبع بعمق بروح كولردج؛ إذ كان ~~واحدا من تلامذته القلائل، ولكنه لم يفلح أبدا في التعمق في ~~مجاهل وغوامض التصوف عند هذا الشاعر الفيلسوف، والارتقاء به ~~إلى مستوى التفكير الواضح. وفضلا عن ذلك فقد رجع، بفضل ~~كولردج، إلى الدراسة المباشرة للفلاسفة واللاهوتيين الألمان، ~~واستمد منهم أفكارا ملهمة عديدة، غير أن نشاطه الرئيسي كان ~~خارج نطاق الفلسفة التي لم يكرس لها إلا اهتماما عارضا. # 11 # وهكذا فإن إحياء المثالية في إنجلترا قد مهدت له تيارات ~~أدبية، وبشرت به قلة من الفلاسفة المنعزلين، غير أن هناك ~~عاملين آخرين ساعدا على إحداث هذا الإحياء والتعجيل به، ~~أولهما اهتمام الأوساط الدينية واللاهوتية، وثانيهما العناية ~~بالدراسات الكلاسيكية في الجامعات القديمة. # ففي النصف الأول من ~~القرن التاسع عشر، لم يكن التوتر التقليدي بين الفلسفة والدين، ~~أو بين المعرفة والإيمان، قد تحول إلى صراع علني، وإنما كان ~~أنصار كل من المعسكرين يتسامحون مع أنصار الآخر، ويقفون منه ~~موقف الحياد العطوف، وذلك باستثناء اصطدامات قليلة كانت تقع ~~هنا وهناك. فالفلسفة كانت على وجه العموم أقل اكتراثا بالدين ~~من أن تجعل منه مشكلة حقيقية، وإنما اهتمت بمسائل أخرى، ~~وتركت اللاهوت وشأنه. غير أن تحولا أساسيا حاسما قد طرأ ~~على هذا الوضع بعد منتصف القرن الماضي، فقد أدى ظهور ~~الداروينية إلى اتخاذ الفلسفة موقفا عدائيا من الدين، ونما ~~المذهب الطبيعي والمادي بقوة بين أتباع دارون، وكان تغلغله في ~~أذهان العامة أعمق من تغلغله في أذهان المثقفين، فكان لذلك ~~أثره الهدام؛ فقد تعرض الدين - نتيجة لذلك - لخطر داهم. وهكذا ~~دخل اللاهوت المعركة، بوصفه الجهة المختصة بالدفاع عن الدين، ~~غير أن الأسلحة اللاهوتية وحدها لم تكن كافية للمضي في ~~المعركة ضد المادية، وإنما كان لا بد من صرع العدو بسلاحه ~~الخاص، أي بالفلسفة. على أن الفلسفة القومية كانت عاجزة عن ms234 ذلك ~~تماما، فلم يكن من المستطاع استخلاص أي سلاح جديد منها، بل ~~إن جانبا منها قد هرب رافعا أعلامه البيضاء إلى معسكر العدو. ~~وهكذا أدت خطورة الموقف إلى الإصغاء إلى تلك الأصوات الفلسفية ~~التي كانت تتحدث منذ وقت غير قليل من ألمانيا، وأدركت الدوائر ~~الدينية المحافظة، بوجه خاص، الأهمية العظمى لعقد تحالف مع ~~المثالية الفلسفية في الصراع المقبل. وهكذا لم تكن الاعتبارات ~~الفلسفية الخالصة هي التي أدت إلى فتح الباب للغز الألماني، ~~وذلك في المراحل الأولى على الأخص، وإنما أدت إلى الرغبة في ~~دعم اللاهوت المحافظ وتجديد قوة الإيمان المهدد، ضد هجوم ~~اللاأدرية والطبيعية وعدم الاكتراث الديني والإنكار الصريح. ~~وكان أول وأهم المذاهب التي استغلت هو الميتافيزيقا البناءة ~~(أو التركيبية) عند هيجل لا الكانتية؛ إذ كانت هناك شكوك تحوم ~~حول كانت ذاته، وتتهمه باللاأدرية، وذلك نتيجة للتفسير المغرض ~~الذي فرضته عليه مدرسة هاملتن. ويظهر هذا الاتجاه بكل وضوح عند ~~رواد الحركة، أي عند سترلنج وجرين وولاس والأخوين «ليرد»؛ ~~فالمثالية الفلسفية كانت عند هؤلاء جميعا، وعند الكثيرين ~~غيرهم، تعني تأييد الدين والدفاع عنه، مهما كانت لها من دلالة ~~أخرى لديهم. ولقد اعترف سترلنج بذلك، كما سنرى فيما بعد، ~~بصراحة محمودة، وحتى في الحالات التي لم يعترف فيها بهذا ~~الباعث بمثل هذه الصراحة، كان رغم ذلك موجودا وله أثره. وليس ~~من شأننا هنا أن نتحدث عن التفسيرات الباطلة المجحفة التي نشأت ~~عن هذا الباعث، وحسبنا أن نؤكد أن الحركة كانت، في مراحلها ~~الأولى، تدين لهذا الباعث بأكبر قوة دافعة لهذا. غير أن هذا ~~الباعث قد ضعف بنمو الحركة، وبدأت سطوته تخف حتى منذ أيام ~~«نتلشيب # Nettleship ~~» وكاد ~~أن يختفي تماما عند أنصار المذهب المتأخرين (مثل برادلي ~~وبوزانكيت) أو يتحول إلى ضده (كما هي الحال عند ماكتجارت). ~~وهكذا فإن المتدينين المحافظين، الذين هللوا بحماسة للحركة في ~~مرحلتها الأولى، أصبحوا ينظرون إلى مراحلها المتأخرة بعين ~~القلق وخيبة الأمل. # أما العامل الثاني فكان ~~ينتمي إلى مجال مختلف كل الاختلاف، فقد كانت جامعتا أكسفورد ~~وكيمبردج تعتزان ms235 دائما بالروح الإنسانية واللغات الكلاسيكية ~~(القديمة) وكانتا بهذا الوصف حاميتي التراث الفلسفي لليونان؛ ~~ذلك لأن الفلسفة اليونانية، ولا سيما فلسفة أفلاطون وأرسطو، ~~كانت منذ وقت طويل من أهم الوسائل التعليمية لنقل الثقافة ~~الكلاسيكية، وعن طريقها انتقلت الروح اليونانية إلى كل جوانب ~~الحياة العقلية، وكان لها تأثيرها النافع في الفلسفة كما في ~~بقية هذه الجوانب. وهذا هو المعنى الذي يمكننا أن نفهم به ~~العبارة القائلة بوجود «تراث أفلاطوني في الفلسفة ~~الأنجلوسكسونية» ظل مستمرا على الدوام (وهذا هو رأي ~~مويرهيد)، لا معنى استمرار شكل معين من أشكال الأفلاطونية ظل ~~يعمل على نحو فعال طوال تاريخ الفكر الإنجليزي (فأفلاطوني ~~وكيمبردج كانوا ظاهرة منعزلة، ولم تحدث منذ ذلك الحين حركة ~~مشابهة). وبعد منتصف القرن التاسع عشر حدثت نهضة جديدة هامة ~~في دراسة الفلسفة اليونانية بأكسفورد ارتبطت أساسا باسم ~~«بنجامين ~~جويت # Benjamin Jowett ~~» (1817-1893)، ورغم أن جويت كان ~~لاهوتيا قبل كل شيء، فقد كان رجلا واسع الثقافة ذا نشاط ~~متعدد الجوانب، وكان من قادة حزب «الكنيسة الرحبة # Borad Church ~~»، # 12 # كما كان القوة الدافعة من وراء حركة إصلاح ~~الجامعات، وما زال الأحياء من الجيل القديم يذكرون عنه أنه كان ~~أبرز أساتذة الجامعات وأقواهم تأثيرا في عصره، وقد قضى حياته ~~في التدريس في أكسفورد وحدها، ففي عام 1838 أصبح زميلا في ~~كلية «باليول»، ثم مدرسا بها بعد أربع سنوات، وأصبح في عام ~~1870 أستاذا # Master ~~، إلى ~~جانب شغله كرسي اللغة اليونانية من 1855 إلى 1893. ويعزى ~~القدر الأكبر من شهرته إلى تجديده للدراسات الكلاسيكية بروح ~~الفلسفة اليونانية ومن خلالها، وذلك خلال عمله في التدريس ~~والكتابة، الذي امتد أكثر من نصف قرن، ولازمه النجاح الباهر ~~طواله. ومن المعترف به أن ترجمته لمحاورات أفلاطون، التي ~~صدرها بمقدمات رائعة، هي إلى اليوم أفضل الترجمات، ومن ~~الممكن وصفها بأنها كلاسيكية، بمعنى أن أفلاطون أصبح بفضلها ~~لأول مرة، قوة تعليمية حية بحق، وأصبح من المقتنيات المضمونة ~~للأمة. فدورها بالنسبة إلى إنجلترا يساوي دور ترجمة «شلير ~~ماخر» بالنسبة إلى ألمانيا، ولجويت ترجمات أخرى ms236 لثوكوديدس # Thucydides ~~(1881) ولكتاب ~~«السياسة» لأرسطو (1588)، غير أنها أقل أهمية؛ إذ إنه كان فيها ~~أضعف تحمسا للمؤلفات الأصلية وأقل تعاطفا معها. # ويمكن القول إن هذا الاهتمام المتجدد والمتعمق، في أكسفورد، ~~بفلسفة العصور الكلاسيكية القديمة، قد أتى في الوقت المناسب؛ ~~نظرا إلى الاتجاه الذي أخذ الفكر الإنجليزي يتحول إليه في ذلك ~~الحين. فقد كانت القرابة بين المثالية اليونانية والألمانية ~~واضحة، وشعر الجيل الناشئ في أكسفورد أكثر من أي مكان آخر، ~~بالحاجة الملحة إلى تخليص الفكر الإنجليزي من ضيق أفقه ~~وخضوعه الذليل لتراثه، وإلى العودة به إلى المجرى العظيم ~~للفلسفة الأوروبية. وهكذا كان بعث الدراسات الأفلاطونية الذي ~~استهله جويت، هو نقطة تجمع للمؤثرات الفلسفية الآتية من ~~ألمانيا، وفضلا عن ذلك، فإن هاتين القوتين المتقاربتين: ~~اليونانية والألمانية، اللتين تقابلتا سويا في أكسفورد في ~~اتصال متبادل مثمر، قد توحدتا في جويت نفسه، وسارتا في ~~اتجاه مشترك. # فلقد اتصل جويت بالمثالية الألمانية اتصالا مباشرا في وقت ~~مبكر، أي في عام 1844 و1845، خلال إجازتين صيفيتين قضاهما في ~~ألمانيا، فزار شلنج الكهل في برلين، ولكنه لم يعجب به على ~~الإطلاق (ووصفه في رسالة كتبها في ذلك الوقت بأنه «ثرثار ~~عجوز») كذلك قابل ي. أ. إردمان # 13 # وناقش معه «أفضل طريقة لاستيعاب فلسفة هيجل». وبعد ~~عودته إلى إنجلترا ازداد عكوفا على دراسة هيجل، بل إنه بدأ في ~~ترجمة كتاب «المنطق» لهيجل، ولكنه لم يكمل هذا العمل. وكانت ~~حماسته ومثابرته في الكفاح من أجل فهم معاني هيجل مشابهة ~~لكفاح سترلنج بعد ذلك بحوالي عشر سنوات أو خمس عشرة سنة. وهكذا ~~كتب يقول في رسالة له عام 1845: «أما عن هيجل، فليست لدي إلا ~~فكرة غامضة عن معناه، ولكني أشعر بأني لن أرتاح حتى أزداد ~~تعمقا فيه.» وقال أيضا: «إما أن ينجح المرء في هذه المحاولة ~~وإما أن يضيع، أي أن يتخلى تماما عن الميتافيزيقا؛ فمن المحال ~~أن يقنع المرء بأي مذهب آخر بعد أن يكون قد بدأ في هذا.» غير ~~أنه على خلاف سترلنج، لم يتأثر بهيجل تأثرا كاملا؛ فقد ms237 كانت ~~طبيعته أكثر مرونة من أن يستحوذ عليها تماما هيجل أو غيره. ~~وظل محتفظا، حتى في هذه السنوات المبكرة، باستقلاله الذهني ~~المميز له، وازداد احتفاظا به في السنوات التالية. # وأهم ما يعنينا هنا هو أنه حث مجموعة من صفوة تلاميذه على ~~دراسة كتابات هيجل، وبذلك أصبح أول وسيط للفكر الألماني في ~~الجامعة التي أصبحت فيما بعد مقرا للمثالية الإنجليزية. فإلى ~~جويت، أكثر من أي شخص غيره، يرجع الفضل في دراسة الهيجلية ~~ومناقشتها بحماسة في أكسفورد حتى منذ أواسط القرن الماضي، وفي ~~تحولها إلى قوة عقلية متزايدة الأهمية. ولقد كانت للبذور ~~التي غرسها في عقول تلاميذه ثمار فلسفية يافعة. ولا ينقص من ~~فضله في هذا الصدد، أن موقفه من هيجل قد مر بتقلبات متعددة، ~~وأنه لا يمكن أن يعد في أي وقت هيجليا كاملا صادقا؛ ذلك ~~لأنه كان كلما ازداد غوصا في تفكير اليونانيين، ازداد تباعدا ~~عن أستاذه الفلسفي الأول. ومع ذلك فإنه في كهولته الناضجة قد ~~رجع بنظره في إعجاب وتبجيل إلى ما كان هيجل يعنيه بالنسبة إليه ~~يوما ما، فكتب يقول: «لقد مضى أكثر من أربعين عاما على ~~ابتدائي في قراءة كتابات هيجل، وأعتقد أن ذهني قد تلقى منه ~~في ذلك الوقت من القوة الدافعة أكثر مما تلقاه من أي مفكر ~~سواه، ورغم أنني أدرك الآن أن مثل هذا النوع من الفلسفة لن ~~يكتب له البقاء الدائم، فما زلت أكن لمعلمي وأستاذي القديم ~~أعظم التبجيل.» # 14 # ولقد مر كثير من رواد ~~المثالية الإنجليزية، بل أهمهم، على يديه، ونخص منهم بالذكر ~~جرين وإدوارد كيرد ونتلشيب الذين كانوا هم المقربين إلى ~~مؤلفاته وشخصيته نظرا إلى اشتغالهم في كلية باليول. ولقد ظهر ~~تأثير الفلسفة الألمانية في كتاباته أوضح ما يكون في مقدماته ~~لترجمته لمحاورات أفلاطون (الطبعة الأولى، 1871). ولنقل ~~أخيرا إن أهمية جويت ترجع إلى أنه هو الذي أدخل تلك الروح ~~الفلسفية التي تولدت عنها الحركة المثالية الجديدة في إنجلترا، ~~ورعاها سنوات طويلة، وحفز على الاهتمام بها، ولقنها ~~لتلاميذه. # على أن اليقظة الحقيقية ms238 للمثالية الإنجليزية لم تأت من جانب ~~الأوساط الأكاديمية في أكسفورد، حيث لم تظهر مؤلفات تعبر عن ~~الأفكار الجديدة إلا بعد فترة طويلة من الإعداد والكمون، ~~وإنما ظهرت بفضل بادرة جريئة حاسمة لرجل اسكتلندي غير ~~متخصص، كان حتى ذلك الحين مجهولا، هو ج. ه. سترلنج، الذي نشر ~~في عام 1865 مؤلفا من مجلدين عن هيجل. وفي العقد التالي ~~كانت الحركة قد بلغت أوج نشاطها بظهور كتاب «مقدمات إلى هيوم» ~~لجرين (1874) وكتاب «منطق هيجل» لولاس (1874 أيضا) «ودراسات ~~أخلاقية» لبرادلي (1876)، وأول كتاب لكيرد عن كانت (1877). ~~كذلك أدى هذا الإحياء إلى ظهور مجلة فلسفية هامة، هي مجلة ~~مايند # Mind ~~، (1876، وما ~~زالت هي أهم المجلات)، ورغم أن هذه المجلة كانت ترحب بجميع ~~الاتجاهات الفكرية، فقد كانت واسطة للتعبير عن الحركة الجديدة. ~~وفي العقد التاسع من القرن الماضي دعمت الحركة موقفها، وأنتجت ~~سلسلة أخرى من الكتب الهامة؛ هي «فلسفة الدين» لجون كيرد ~~(1880)، و«هيجل» لإدوارد كيرد، و«مقدمة للأخلاق» لجرين، ~~و«المنطق» لبرادلي، و«مقالات في النقد الفلسفي» (كلها عام ~~1883)، و«المذهب الهيجلي والشخصية» لأندروسث (1887)، و«المنطق» ~~لبوزانكيت (1888)، وكتاب كيرد الأكبر عن كانت (1889). ولقد ~~اتخذ الاتجاه المثالي لأول مرة، في كتاب «مقالات في النقد ~~الفلسفي» صورة البيان المشترك، وساهم في تأليفه مجموعة من أصغر ~~ممثلي هذا الاتجاه سنا، اشتهر بعضهم فيما بعد (مثل أ. سث. ~~وهولدين وبوزانكيت وسورلي وهنري جونس ورتيشي). وقد أهدي ~~الكتاب إلى جرين، الذي كان قد توفي في العام السابق. وأعرب ~~إدوارد كيرد في التصدير عن المقصد العام للجماعة بقوله: «يتفق ~~مؤلفو هذا الكتاب في الاعتقاد بأن طريق البحث الذي ينبغي أن ~~تسلكه الفلسفة، أو الذي نستطيع أن نتوقع لها أن تساهم فيه بأهم ~~نصيب في الحياة العقلية للإنسان، هو ذلك الطريق الذي شقه ~~كانت، والذي كان هيجل أعظم من ساهم في متابعته بنجاح. وأضاف ~~إلى ذلك أن رغبتهم كانت متجهة إلى أن يضفوا على مؤلفات كانت ~~وهيجل تعبيرا وتطبيقا جديدين.» وقد اعترفوا بأن قبول آراء ~~هذين المفكرين حرفيا في بلد آخر وجيل مختلف «ليس بالأمر ~~الممكن لو ms239 كان مطلوبا، ولا بالأمر المطلوب لو كان ممكنا.» ~~وكان هدفهم هو أن يبينوا «كيف يمكن تطبيق مبادئ الفلسفة ~~المثالية على مختلف مشكلات العلم والأخلاق والدين.» وهكذا ~~تناولت المقالات مشكلات المنطق ونظرية المعرفة ومناهج البحث ~~وفلسفة التاريخ وعلم الجمال والفلسفة الاجتماعية والفلسفة ~~الدينية، وبذلك تضمنت كل مجال البحث الفلسفي كما وسعت نطاقه ~~المثالية الألمانية. # ولقد ظهر الجزء الأكبر مما أنجزته هذه المدرسة (إذ إن من ~~الممكن الكلام عن مدرسة في هذه المرحلة) في أكسفورد، التي كانت ~~المعقل الحقيقي للحركة، وظلت كذلك حتى بعد أن أدت وفاة جرين ~~السابقة لأوانها إلى إحداث أول شقاق جدي في صفوف الرواد. ومن ~~أكسفورد انتقل الطلاب الذين تشبعوا بروح كانت وهيجل إلى سائر ~~أرجاء البلاد، وأخذوا يشغلون بالتدريج كراسي الأستاذية وغيرها ~~من مناصب التدريس في بقية الجامعات. وكانت جامعة جلاسجو مركزا ~~هاما آخر؛ فهناك استقرت التعاليم الجديدة فيها منذ وقت مبكر ~~جدا، بفضل الجهود الرائعة التي بذلها إدوارد كيرد وشقيقه ~~جون، وحلت محل مذهب هاملتن الذي كان سائدا حتى ذلك الحين. ~~واكتسحت موجة المثالية الظافرة كل ما صادفها في كل مكان، ~~وسرعان ما تركت طابعها في الجزء الأكبر من التعاليم الفلسفية ~~التي كانت تلقن وتدرس في الجامعات. وهكذا حدث تغيير ~~وتوجيه جديد لا نظير لهما في تاريخ الفكر الإنجليزي بأسره. ~~وفضلا عن ذلك فإن حركة إحياء المثالية لم تبلغ في أي بلد آخر ~~ذلك الحد من الروعة، ولم يبلغ التأثير الروحي للمثالية ذلك ~~الحد من القوة، الذي بلغه في إنجلترا في الثلث الأخير من القرن ~~التاسع عشر. وإنه لغريب حقا أن ألمانيا ذاتها لم تكد تشعر في ~~أي وقت بهذا التحول العميق الذي طرأ على الفلسفة الإنجليزية ~~بفضل تعاليم كانت وهيجل، وأنها لم تتلق منها ثانية أي رد ~~فعل أو تأثير مرتد. # ولقد سار تقدم الحركة على مراحل متعددة؛ كانت أولاها مرحلة ~~استيعاب محتوى الأفكار الواردة بغية نشرها عن طريق الترجمات ~~والشروح إلخ، وإدماجها في المادة المألوفة للتدريس الأكاديمي ~~واستغلالها في مكافحة التعاليم القديمة التي كانت ms240 لا تزال ~~سائدة عندئذ. كان ذلك هو العمل الرئيسي الذي تم في العقد ~~البادئ بسنة 1870، وهو عمل تولاه من أسميهم بالرواد، وهم ~~سترلنج وجرين وإدوار كيرد وولاس وغيرهم. ورغم أن هذا العمل كان ~~تفسيريا في أساسه، فقد كان أداؤه يتميز باستقلال ذهني ~~ملحوظ، وتم فيه التوصل إلى بعض المبادئ الأساسية في التفكير، ~~ظهرت فيها بوادر معالم فكرية هامة تميز بها التطور التالي. ~~وهكذا حورت الأفكار المستوردة، أو وسعت على الأقل في ~~أثناء نقلها. ثم جاءت مرحلة تالية ظهر فيها النقد الخلاق ~~والبناء المستقل، وذلك لتحصين الأرض التي غزاها الرواد وتوسيع ~~رقعتها. وما إن أطلقت الروح النقدية التأملية من عقالها، حتى ~~أمكن تحطيم الأشكال القديمة، واستطاع الفكر أن يبدأ التحليق في ~~مسارات جديدة. وهكذا أفضت الحركة الهيجلية إلى ظهور عدد من ~~المحاولات المستقلة الأصلية لإيجاد حلول جديدة للمشكلات ~~الكونية القديمة. ومهما كانت درجة ابتعاد هذه المحاولات عن ~~نقطة بدايتها، أو اختلفت طرق التفكير الأخرى التي انتهت إلى ~~التحالف معها، فإن القوة الدافعة الأولى التي تلقتها إنما كانت ~~عن الحركة المثالية الجديدة. ولا شك أن أقوى ذهنين تأمليين ~~ظهرا من بين صفوف هذه المدرسة كانا برادلي وماكتجارت، غير أن ~~بوزانكيت وبرنجل باتيسون وورد وسورلي وهولدين وغيرهم قد ساهموا ~~بدورهم في العمل البناء وتوصلوا إلى نتائج لها شيء من ~~الأهمية. # فإذا تساءلنا عن أقوى المثاليين الألمان الكبار أثرا في ~~الفكر الإنجليزي كان الجواب دون شك هو أنه هيجل؛ بحيث يحق أن ~~يطلق على الحركة كما أطلق عليها بالفعل، اسم الهيجلية الجديدة ~~أو الهيجلية الإنجليزية، # 15 # ولكن ينبغي ألا يغرب عن بالنا أن «كانت» بدوره كان ~~له تأثير قوي عميق؛ لأنه هو الذي أطلق القوة النقدية من ~~عقالها، مثلما أطلق هيجل القوة التأملية النظرية. غير أن جميع ~~المذاهب المثالية الألمانية، كانت تعد عادة كلا واحدا، ~~يكشف عن تطور عضوي ضروري من كانت إلى هيجل، حتى رغم ما كان ~~يحدث من آن لآخر من محاولات لاستغلال أحدهما ضد الآخر. كذلك ~~ساهمت قوى فشته وشلنج في ms241 تكوين هذه الحركة، ولم يكونا مجرد ~~موضوعين للاهتمام والبحث. وهذا أيضا يصدق، ولكن بدرجة أقل ~~كثيرا، على هربارت # Herbart # 16 # وشوبنهور وأ. فون هارتمان، # 17 # غير أن لوتسه كان هو الفيلسوف الذي درس بأكبر ~~قدر من الحماسة، وحظي بأعمق الاحترام، وشاع استغلال أفكاره، من ~~بين الفلاسفة الألمان التالين للفترة الكلاسيكية المثالية؛ فقد ~~كان له تأثير هائل، لم يفقه سوى تأثير كانت وهيجل. وقد ظهر ~~كتابه «مذهب في الفلسفة» (المنطق والميتافيزيقا) مترجما عام ~~1884، وأعقبته في العام التالي ترجمة لكتابه «العالم الأصغر # Microcosmos ~~». ولما ~~كانت المثالية قد بلغت في ذلك الحين أوجها، فإن كلا الكتابين ~~قد أثار اهتماما ضخما مباشرا، # 18 # بل إن كثيرا من الإنجليز قد جمعتهم بلوتسه صلات ~~شخصية، حتى كاد أن يصبح من «البدع» الشائعة وقتا أن يقضي ~~المرء فترة الدراسة بجامعة جوتنجن، حتى يتلقى الحكمة الفلسفية ~~من فم المعلم نفسه. ولقد كان نجاحه الساحق في إنجلترا راجعا ~~إلى أن قراءة كتاباته وهضمها كانتا أسهل كثيرا إذا ما قورنتا ~~بغموض هيجل المستغلق أو جلافة كانت. وفضلا عن ذلك فقد كان ~~يعد آخر ممثل حي لذلك العصر الفكري العظيم الذي طويت ~~صفحته بوفاة هيجل، ومن ثم فقد اعتقد أنه يقدم أفضل سبيل إلى ~~فهم عالم هيجل الغامض، وهو سبيل يعد طرقه أسهل كثيرا من ~~الانتقال إليه من خلال كانت. كما أن كثيرا ممن أحسوا بنفور من ~~واحدية هيجل المتزمتة قد راقهم مذهب لوتسه الأشد مرونة. فكل ~~أولئك الذين شعروا، خلال الصراع بين المثالية المطلقة ~~والمثالية الشخصية، أن المذهب الأخير أقرب إلى عقولهم؛ قد ~~انصرفوا عن هيجل وانضووا تحت راية لوتسه. وهكذا أصبح هذا ~~الأخير نقطة تجمع عدد من المفكرين الذين انشقوا على المدرسة ~~الهيجلية بما فيها من صرامة شديدة، ووصلوا إلى تعبير أكثر ~~تحررا عن نظرتهم المثالية إلى العالم. ومن هنا كان تأثيره ~~خارج الهيجلية أعظم من تأثيره داخلها، بل إن البرجماتيين ~~أنفسهم قد ربطوا أنفسهم به، ونظروا إليه على أنه أحد أسلافهم. ~~وأخيرا فإن رودلف ~~أويكن # Rudolf Eucken # 19 ms242 # قد وجد بدوره طريقه إلى الفكر الإنجليزي، بعد ~~لوتسه بوقت طويل؛ فترجم الكثير من مؤلفاته وانتشرت قراءتها ~~على نطاق واسع، وأحرز نجاحا شعبيا عظيما، ولا سيما في ~~العقد السابق للحرب العالمية الأولى، أما الدوائر الفلسفية ~~المحترفة فلم تكد تلحظه. # وبلغت الحركة المثالية ~~الجديدة قمتها قرب نهاية القرن التاسع عشر، وكانت حتى ذلك ~~الحين تحتل ميدان الفلسفة دون منافسة تقريبا؛ فلم يظهر أي ~~منافس جدي بعد اختفاء الأعداء القدامى، كالمذهب الترابطي، ~~ومذهب الموقف الطبيعي، ومذهب المنفعة، والمذهب الحسي، ~~واللاأدرية، والمذهب الطبيعي، والداروينية إلخ. وهي المذاهب ~~التي ازدادت المثالية قوة خلال صراعها معها، والتي كانت ~~هزيمتها واحدا من أعمالها الرائعة. صحيح أن الحركة كلما ~~ابتعدت عن نقطة بدايتها كانت تفقد ذلك التركيز الشديد وتلك ~~الوحدة الصارمة في المذهب، التي كانت تميز مرحلتها الأولى، غير ~~أنها كانت تزداد تنوعا وتعقدا، وتوسع آفاقها بخلق إمكانيات ~~جديدة لا حد لها، ولم يبدأ رد الفعل عليها إلا ببطء وعلى ~~استحياء، وكان ظهوره في معظم الأحيان من بين صفوفها، كما هي ~~الحال في انتقال آدمسون # Adamson # التدريجي إلى الواقعية والطبيعية # Naturalism ~~، وتحول ~~كوك ولسون # Cook Wilson # بحذر إلى الواقعية. ولهذا التحول الأخير شيء من الأهمية؛ إذ إن ~~كوك ولسون كان ينتمي إلى أكسفورد معقل المثالية، كما أنه جمع ~~حوله عددا محدودا من الشبان، على أن القوى التي شنت فيما ~~بعد هجوما مضادا قويا، وناجحا في نواح عديدة على ~~المثالية، لم تظهر إلا في مطلع القرن الجديد. فبظهور الواقعية ~~الجديدة والبرجماتية، أصبحت المثالية تواجه حربا في جبهتين، ~~اضطرت خلالها إلى أن تتحول على نحو متزايد إلى اتخاذ الموقف ~~الدفاعي، وأخذت تفقد بالتدريج مكان الصدارة. ولا شك أن ~~البرجماتية كانت هي الأضعف من بين هذين الخصمين، ولم يكن ~~الصراع معها - وخاصة مع ممثلها الوحيد المشهور في إنجلترا، ف. ~~ك. س. شيلر - صراعا جديا، ولم يكن بالأحرى يمثل خطرا ~~حقيقيا؛ إذ إنه ارتد إلى مبارزة متحمسة طريفة، بين برادلي ~~وشيلر، ظلت طوال ما يقرب من عشرين عاما تثير قراء الفلسفة ms243 ~~وتسليهم. غير أن الهجوم الآتي من جانب الواقعية الجديدة كان ~~أخطر بكثير؛ إذ إن هذا المذهب لم يقتصر، كما كانت الحال في ~~البرجماتية، على الخلاف المباشر، وإنما انتقل إلى مسائل ~~جديدة، ووجد تبريرا له، واكتسب أرضا جديدة، بفضل ما حققه من ~~نتائج إيجابية خاصة به. وحسبنا أن نذكر سببا واحدا من ~~أسباب تفوق الواقعية الجديدة، وهو وثوق الصلة بينها وبين ~~العلوم الطبيعية، وبالتالي تلبيتها لحاجة ملحة في ذلك الوقت، ~~ظلت المثالية تتجاهلها زمنا طويلا. # وبعد فترة تدهور طويلة، بلغت المثالية نقطة تقرب من النهاية ~~خلال السنوات العشر الأخيرة تقريبا، وإذا بدا عليها الوهن ~~بوضوح، ولم يعد بها مدخر من الطاقة الخلاقة الجديدة، فقد ~~أصبحت أكثر ميلا إلى تجنب مواجهة خصومها، والتخلي عن البناء ~~على أسسها الخاصة، والبحث عن دعامة لها في طرق أخرى للتفكير، ~~واتفق هذا الوهن الباطن مع سلسلة سريعة من الخسائر بوفاة أقدر ~~قادتها: بوزانكيت في سنة 1923، وبرادلي في 1924، وماكتجارت ~~وورد في 1925، وهولدين في 1928، وبرنجل باتيسون في 1931، ~~وسورلي في 1935، وماكنزي في 1936، ولم يبق حيا ممن شهدوا ~~أيام مجدها إلا القليلون، وأصبحت الحركة اليوم تكاد تدخل ~~تماما في ذمة التاريخ. على أن المستقبل لن يكتفي بوضع أكاليل ~~الغار عليها، وإنما سيرتد بنظره إليها في احترام واعتزاز؛ إذ ~~إنها تمثل عصرا اقترن فيه الذهن الإنجليزي بذهن كانت وهيجل، ~~فأنتج ثورة عاتية وتجديدا جبارا للفكر، ما زال حيا إلى ~~اليوم، بوصفه قوة دافعة مثمرة في تلك الفلسفة التي تختلف ~~عنها اختلافا تاما، والتي تسود إنجلترا اليوم. ~~(2) القسم الثاني: الرواد # قلنا من قبل إن الإنجليز تنبهوا بطرق متعددة إلى ~~المثالية الألمانية منذ وقت مبكر، أي منذ النصف الأول من ~~القرن التاسع عشر، ولكن ذلك كان دائما بطريقة تفتقر إلى ~~الانتظام والشمول؛ فكانت النتيجة أن عجزت المثالية عن ~~إشعال جذوة حركة عقلية كبرى، وعن توطين مثل هذه النظرية ~~الأجنبية إلى العالم، في الدوائر الفلسفية على التخصيص. ~~وينبغي أن يعزى الفضل في تحقيق هذا الهدف إلى كتاب ~~فريد واحد لمؤلف واحد، هو كتاب «سر ms244 هيجل» لسترلنج. فبهذا ~~الكتاب الرائع أيقظ سترلنج الفلسفة الإنجليزية بالفعل من ~~سباتها القطعي، وأعطاها قوة دافعة جديدة، ووجهها ~~وجهة جديدة. ولا شك في أن هذا الكتاب كان أحق المؤلفات ~~الفلسفية التي ظهرت في القرن الماضي بأن يعد منشأ ثورة ~~وفاتحة عصر جديد. فلكتاب سترلنج أهمية تاريخية لا تقدر؛ ~~إذ إنه غرس الفلسفة الألمانية في التربة الإنجليزية لأول مرة. # 20 # ولم يكن هذا الكتاب عملا لعالم مثابر غزير المعرفة ~~(وإن يكن يحوي بالفعل كمية غير قليلة من المعلومات ~~العلمية)، بل كان عمل رجل تملكه انفعال طاغ، يشعر بأن ~~لديه رسالة يحققها، ويحس بكل ما تنطوي عليه رسالته. فهو ~~اعتراف ذاتي ينبض بالشعور الفياض، وهو نتاج تجربة شخصية ~~عميقة تهفو بإلحاح إلى التعبير عن ذاتها، وهو يخفق بروح ~~المغامرة الجريئة التي يتسم بها المستكشف. وهو عمل صاغه ~~المجهود الشاق لرائد لم يسبقه أحد، وإن كل صفحة منه لتحمل ~~آثارا لنضال جبار قلق مع الموضوع الذي كتبت فيه. ولولا ~~هذا كله لما استطاع ذلك الكتاب أن يبلغ ما كان لا بد له أن ~~يبلغه من نفاذ البصيرة وعمقها، حتى يجرف الناس أمامه من ~~فرط الحماسة، ويستهل حركة فكرية جديدة. # ولقد كان الطريق الشاق الذي سلكه سترلنج لفهم هيجل - وقد ~~صرح هو نفسه بأنه شق طريقه بحد السيف - مقترنا بتلك ~~المهابة السحرية التي يحس بها المرء وهو في حضرة شيء ~~غامض طاغ، والتي لا يدرك مقدارها ودلالتها إلا في إحساس ~~غامض يحتاج إلى وقت وجهد لكي يتحول إلى مفهوم واضح. وإن ~~كتابه ليزخر بالعجب من ضخامة هيجل الغريبة، وهو عجب ~~يتبدى - تبعا لحالته النفسية - تارة في صورة يأس عميق ~~أو شك مرتاب، وتارة أخرى في صورة ثقة راضية أو حتى ~~سورات من النشوة الخالصة. وليس لنا أن نفسر التعبيرات ~~والأحكام الناشزة فيه إلا بأنها تسجيل لحالته النفسية، ~~كلما مني نضاله بالفشل حينا، وتوج بالنجاح حينا آخر. ~~ويمكن القول إن موقف الثقة والتأكيد الإيجابي والحماسة ~~المتدفقة هو الأغلب على وجه الإجمال، وهو الذي يؤدي به ms245 ~~في النهاية إلى بلوغ هدفه المنشود ظافرا؛ أعني إلى كشف سر ~~هيجل. # وسنورد فيما يلي بضعة اقتباسات توضح مدى تبجيله لهيجل، ~~فهو يقول: «بقدر ما يتعلق الأمر بالتفكير المجرد، وبقدر ما ~~يستطيع المرء أن يرى في هذه اللحظة، يبدو أن هيجل قد ختم ~~عصرا، وحدد الكل الشامل للأشياء بتعبيرات فكرية ستظل، ~~على الأرجح، على ما هي عليه في الأساس خلال ألف السنة ~~القادمة؛ فجميع الشواهد الخارجية تدل على أن هيجل، بالنسبة ~~إلى أوروبا الحديثة ، يماثل على الأقل أرسطو بالنسبة إلى ~~اليونان القديمة.» # 21 ~~«إن فلسفة هيجل إنما هي بلورة الكون، وهي ~~الكون مفكرا فيه، أو تفكير الكون.» # 22 ~~«إن هيجل قد مارس على جميع المسائل التي تهم ~~الإنسانية تفكيرا يتحدى، في عمقه وشموله ودقته أعظم ما ~~سبق إعماله في هذه المسائل من تفكير.» # 23 ~~«أسيكون في وسعي أن أرشدكم خلال هذا البناء ~~الرحب العملاق - هذا التركيب الضخم - هذا المركب الهائل - ~~هذه الكتلة العظيمة - التي لا يشبهها شيء مما ظهر حتى الآن ~~في فرنسا أو في إنجلترا أو في العالم؟ إنه واحد من تلك ~~القصور الشرقية الهائلة التي لا يراها المرء إلا في الحلم، ~~لا نهاية لضخامته، إيوان فوق إيوان، وقاعة على قاعة، وشرفة ~~تعلوها شرفة، لبناته من الشرق والغرب والشمال والجنوب؛ ~~رخام وذهب وزمرد وياقوت ومرجان، ينام فيه أنبياء قدامى ~~أختامهم في أصابعهم، وتحرسهم مردة مجنحة وغير مجنحة، منها ~~ما له أقدام ومنها ما ليس له أقدام. فهناك في الصحراء ~~الخالية، التي تفصلها عن عالم الإنسان أيام وليال لا ~~نهاية لها، وقفار تتكرر وتتردد بلا نهاية، هناك توجد أرض ~~أحلام عملاقة، منعزلة غامضة تستغلق على الأفهام، ولكن ~~فيها مع ذلك وحشة واضطرابا وعمقا.» # 24 # ومع ذلك، ففي وسط هذه الأوصاف الفخمة الرنانة، ~~يثور لديه الشك والارتياب فيما إذا كان هذا العملاق مجرد ~~دجال وأفاق منطقي «ومغامر جريء يوهم الناس بأنه فيلسوف.» # 25 # وثرثار يغرر بنا بألفاظه «فالواقع أن الأمر ~~كله هذيان، ولكن مع أجرأ اغتصاب للكلمات ذات السلطة ~~الرنانة، حول ms246 الأسرار التي ينبغي أن تظل أسرارا.» # 26 # بل إن سترلنج يصرح بكلمة قاسية فيقول: «هناك ~~شيء ساذج في هذا الرجل، فهو ما يزال جلفا ريفيا.» # 27 # غير أنه سرعان ما يسحب هذه الكلمات العاتية ~~فهي ليست أحكاما، وإنما هي أنات رجل يستكشف «هذه ~~المتاهة الغامضة المحيرة»، ويظل هيجل مع ذلك كله «أعظم ~~مفكر تجريدي في العصر المسيحي، وهو يختم العالم الحديث ~~مثلما ختم أرسطو العالم القديم.» # 28 # وهو يزيد من إيضاح مركز هيجل، عن طريق البحث في علاقته ~~بالسابقين عليه من الألمان ، ولا سيما كانت؛ ذلك لأن هيجل ~~لا يفهم بذاته، ولا بد لاستجلاء غوامضه من الرجوع إلى ~~كانت، الذي يحمل مفاتيح هذه الأسرار. وفي وسع المرء أن ~~يسقط من حسابه المفكرين اللذين أتيا بينهما، وهما فشته ~~وشلنج. ومهما كانت أهميتهما، فقد كان كانت هو الذي وضع أسس ~~المثالية الحديثة، ولا بد لفهم أية خطوة تجاوزته من فهمه ~~هو أولا؛ ذلك لأن كانت «تلك الروح الخيرة الأمينة المخلصة ~~المعتدلة المتواضعة» (المجلد الأول، ص115، ص77 في طبعة ~~1898) هو الذي جعل مبدأ المثالية معقولا، وعلى أساس هذا ~~المبدأ، موضحا على هذا النحو، بنى هيجل عالمه وشيد مذهبه. ~~ولقد أعاد هيجل تسمية وتصنيف وتنظيم كل شيء، ولكن كانت كان ~~قد مهد لهذا كله من قبل، بحيث ينبغي أن تبدأ به دراسة ~~الميتافيزيقا، التي يتعين أن تجري في إنجلترا على أساس ~~جديد. ويصور سترلنج «كانت» على أنه أصدق الفيلسوفين ~~وأكثرهما أصالة وعمقا، وإن يكن هو الأبسط والأكثر ~~تواضعا، أما هيجل فهو الأجرأ والألمع، ولكنه غير موثوق ~~منه مثل كانت، كما أنه مفرط في الإغراب، وهو الذي تمكن من ~~تشييد بناء جبار من المواد الغنية التي ورثها من الآخرين. ~~ويعبر سترلنج عن فكرته هذه تعبيرا موفقا فيقول إن ~~كانت هو «المنجم الذي استمد منه [هيجل] ثروته بأسرها» ~~(م1، ص115، ص77 في طبعة 1889). # ولقد كان سترلنج يوجه دائما اللوم إلى هيجل؛ لأنه ~~تعمد إزالة كل آثار دينه الكبير الذي كان يدين به لكانت، ~~وذلك بمهاجمته على ms247 الدوام؛ وبذلك ترك انطباعا زائفا بأنه ~~كان معارضا له على طول الخط، مع أنه كان في الواقع تابعا ~~ومكملا له من جميع الأوجه. وعند هذه النقطة ينفجر شك ~~سترلنج، مرارا وتكرارا، في أصالة الواجهة البراقة التي ~~اتخذها مذهب هيجل، ولكن هذا الشك كان دائما يتلاشى أمام ~~رؤية جانب جديد من جوانب تفكير هيجل بكنوزه ~~الزاخرة. # وهكذا فإن خط التطور الفلسفي يسير من كانت، عبر قليل من ~~الحلقات الوسطى، إلى هيجل، غير أن هذا الخط قد أتى إلى ~~كانت من هيوم، فهيوم كان، في رأي سترلنج، أكبر دعاة عصر ~~التنوير، ومفكره العظيم الوحيد، وكان واحدا من تلك ~~الأوعية التي يصب فيها الفكر الفلسفي وهو ينساب عبر ~~العصور، ويتخذ فيها شكلا محددا. ولكن يوم هيوم قد انقضى، ~~وانتهت رسالته، بمجرد أن عمل كانت، الذي استولى على ~~ميراثه، على تصفية أعمال عصر التنوير بأسره. وهكذا فإن ~~وعاء هيوم، الذي أصبح عندئذ فارغا، وقد نضب معينه، ~~وتحول التفكير المتطور بعيدا عنه، ليستقر في وعاء ~~جديد أفضل، فهيوم يمثل اكتمال عصر التنوير ونقطة تجاوزه ~~في الوقت ذاته. وهكذا لا يوجد، في رأي سترلنج، خط مستقيم ~~يمر بهيوم، ولا يوجد استمرار لعصر التنوير بما هو كذلك، ~~حيث إن الطريق الذي سلكه الفكر الإنجليزي في القرن التاسع ~~عشر لم يكن إلا طريقا مسدودا، فالفلسفة الإنجليزية قد ~~تخلفت عن الركب، وكانت تتغذى من وعاء خال، وكما قال ~~سترلنج فإن «هيوم هو سياستنا، وهيوم هو تجارتنا، وهيوم هو ~~فلسفتنا، وهيوم هو ديننا، ولا يلزم إلا القليل لكي يصبح ~~هيوم هو ذوقنا أيضا» (المجلد الأول، ص73 من المقدمة، ص62 ~~من المقدمة في طبعة 1898). وهكذا كانت دعوة سترلنج إلى ~~الرسالة الفلسفية للألمان، هي في نفس الوقت حملة على ~~التدهور الرتيب الذي طرأ على تفكير مواطنيه، وعلى ~~«المعقولية» الضحلة البالية، التي أساءوا بها فهم عصر كان ~~في أيامه عظيما، فأحالوه إلى حطام. وهكذا انتهز سترلنج كل ~~فرصة ليعبر، بكل ما أوتيت طبيعته من الحماسة، عن احتقاره لشتراوس # 29 # وإرنست رينان # 30 # وفويرباخ ms248 # 31 # وبكل # 32 # ومن شاكلهم، ولم يمل أبدا من تسميتهم ~~بمفسدي الروح الفلسفية. وقد نظر إلى «بكل» بوجه خاص على ~~أنه أوضح ممثل في إنجلترا لهؤلاء الانحلاليين، وعلى يديه ~~انقلب «التنوير» إلى «إظلام»، على حد تعبير شلنج. بل إنه ~~أحس باحتقار أعظم نحو آخر ممثلي هذه «الرجعية المرتدة»، ~~وهم الداروينيون والتطوريون، الذين أسموا أنفسهم بالمفكرين ~~التقدميين، ومع ذلك لم يتركوا لنا شيئا سوى حيوانيتنا. ~~وقد عاد سترلنج إلى الكلام عن الداروينية في كتابه «حول ~~البروتوبلازم» (1869)، الذي كان موجها ضد هكسلي، ثم عاد ~~إليها بعد فترة طويلة في كتاب «مذهب أتباع دارون # Darwinianism ~~» (1894) ~~حيث وجه إليها نقدا مدمرا. # ولقد طبق سترلنج حكمة القائل إن التفكير الأصيل لم ~~يستمر ولم يفهم في إنجلترا منذ هيوم، طبقه حتى على ~~أولئك المفكرين الإنجليز القلائل الذين «زعموا» أنهم فهموا ~~الفلسفة الألمانية واستوعبوها، أي على السير وليام هاملتن ~~ومدرسته، فكشف عن تفاهة هذا الزعم، بأن بين أنهم لم ~~يفهموا حتى أبسط التعبيرات المميزة لكانت وهيجل، وأنهم - ~~بدلا من أن يجيدوا فهم الفكر الألماني - قد شوهوه ~~ودمروه، أو لم يتركوا منه، على أية حال، إلا ما هو سطحي. ~~وهكذا طرح هاملتن بدوره جانبا، وقد هاجمه مرات عدة في ~~كتابه «سر هيجل»، ثم دخل معه في معركة صريحة في مؤلف ~~خاص ظهر في العام نفسه. # وهكذا لم يستطع سترلنج أن يجد، بين الفلاسفة الإنجليز في ~~أيامه، حليفا واحدا في صراعه ضد عصر التنوير، غير أنه ~~رأى، خارج نطاق الفلسفة، قوى روحية يتجه عملها نحو الغاية ~~ذاتها، كالشعر الرومانتيكي عند وورد سورث وكولردج وشيلي، ~~ومعظم أوجه النشاط الأدبي عند إمرسون وكارليل، اللذين كانا ~~يدينان لعوامل ألمانية بتفتح أعينهما على النظرة ~~المثالية إلى العالم، بل إن كارليل كان له تأثير مباشر في ~~سترلنج ذاته، كما يتضح من كل صفحة تقريبا في كتابات هذا ~~الأخير؛ ذلك لأن سترلنج قد جرفته الحماسة تماما لكتاب ~~«سارتور ~~ريزارتوس # Sartur Resartus ~~» # 33 # لكارليل، واستحوذت عليه فورا أصالة هذا ~~المفكر التنبئي وقوته اللغوية؛ حتى كان هو ms249 ذاته ينساق ~~أحيانا في تلك البلاغة الانفعالية العنيفة التي كانت سمة ~~طبيعية لأسلوب كارليل في أشد أحواله اصطناعا وتركيزا ~~وإفراطا في المجاز. كما أخذ عن كارليل اتجاهه التنبئي، ~~وحماسته المتدفقة، وثورته المتشائمة، وتقديسه للبطولة، وهي ~~صفة أدت به إلى محاولة رد اعتبار بعض العباقرة المفترى ~~عليهم (ومنهم أرسطو، الذي ألف عنه أنشودة يونانية في ~~مؤلف متأخر) وكان له نفس استعداد كارليل للحماسة، ونفس ~~الأسلوب المتضخم، ونفس السخرية اللاذعة، والاحتقار المرير، ~~ونفس الشخصية القوية الحادة الصلبة، وربما كان ذلك راجعا ~~إلى نشأتهما معا على نفس التربة الاسكتلندية. ونستطيع أن ~~نقول إن رسالتهما كانت متشابهة؛ فقد أخذ أحدهما على عاتقه ~~أن يقوم في ميدان الفكر المجرد بما حاول الآخر القيام به ~~في ميدان الأدب. # ولنعد إلى «سر ~~هيجل»، فما الذي كان يعنيه سترلنج بهذا العنوان الذي كان ~~أقرب إلى الإثارة، وكيف استقر عزمه على القيام بمهمة كشف ~~هذا السر؟ ربما كان هناك بعض الصدق في الدعابة القائلة إنه ~~لو كان سترلنج قد عرف سر هيجل لعرف كيف يحتفظ به لنفسه. ~~وفي اعتقادي، على أية حال، أن فضل سترلنج لا يرجع إلى ~~إماطته اللثام عن سر حقيقي، بقدر ما يرجع إلى أنه قد لفت ~~الأنظار بكل قوة، ولأول مرة، إلى العبقري المجهول، الذي ~~كان اسمه يزداد ذيوعا في إنجلترا، وإن لم يتمكن أحد من أن ~~يكون عنه فكرة تقرب من الوضوح والتحدد. ولا شك أن ~~الضوء الذي ألقاه سترلنج على هيجل قد خبا إلى حد ما ~~نتيجة للطريقة الشاقة التي توصل بها إلى فهمه، بحيث ترك من ~~القناع الغامض الذي سعى إلى إزالته جزءا يكفي لإثارة حب ~~الاستطلاع والتشجيع على إبداء مزيد من الاهتمام بموضوع ~~البحث. والأمر الذي لا جدال فيه أن هذا الكتاب لو كان ~~علميا محضا لما أحدث هذا التأثير. وعلى ذلك فإن فضل ~~سترلنج لا يرجع إلى مساهمته في فهم محتوى مذهب هيجل، بقدر ~~ما يرجع إلى مساعدته على إظهار الصفات العقلية والطابع ~~العام لهذا المذهب. فإذا أخذنا في اعتبارنا ms250 حالة الفلسفة ~~الإنجليزية في ذلك الوقت لوجدنا أن هذه كانت هي الخدمة ~~الأجل،؛ فقد خلق أسطورة هيجلية، لم تتحول إلى الصبغة ~~الواقعية المنتمية إلى العالم الفعلي، ولم تنق من ~~شوائبها، إلا بعد عشرات طويلة من سنوات البحث الجاد ~~النزيه الدقيق. # على أن سترلنج ذاته كان يعتقد أنه قد نزع، بصبغة ~~نهائية، القناع الذي كان يخفي سر هيجل. فقد عبر، بطريقة ~~مركزة، عن رأيه في هذا السر، في مستهل كتابه الكبير، ~~فقال: «مثلما أن أرسطو قد قام - بمساعدة كبيرة من أفلاطون ~~- بالتعبير بطريقة صريحة عن الكلي المجرد الذي كان ~~موجودا بطريقة ضمنية لدى سقراط، فكذلك قام هيجل - ولكن ~~بمساعدة أقل من جانب نشته وشلنج - بالتعبير بطريقة صريحة ~~عن الكلي العيني الذي كان موجودا بطريقة ضمنية لدى كانت.» # 34 # وقد عبر عن هذه المسألة تعبيرا أشد غموضا ~~فقال: «إن سر هيجل هو التبادل القائم على تحصيل الحاصل، ~~للفكرة المنطقية، التي هي في ذاتها شيء عيني.» # 35 # على أنه أشار إلى ماهية مذهب هيجل على نحو ~~أوضح إلى حد ما، فوصفه بأنه التصور العيني الذي ينحصر ~~الديالكتيك في حدوده، بمعنى أنه عندما يفكر الكلي # Universal # في ذاته، فإنه ~~يضع ضده، وهو الجزئي، ثم يعود بعد ذلك إلى ذاته بوصفه ~~الفردي. هذا هو الطريق الذي يسلكه الفكر، كما أن من الممكن ~~أيضا التعبير عنه بوصفه حركة من التصور إلى القياس بتوسط ~~الحكم، أو من المنطق إلى الروح بتوسط الطبيعة. وهكذا فإن ~~مفتاح فلسفة هيجل إنما يكون في التصور العيني؛ إذ أن ~~الأخير يشتمل على الحركة الديالكتيكية للعناصر، وفي الوقت ~~ذاته على علاقتها بالمعرفة في كليتها. ويؤكد سترلنج مرارا ~~وتكرارا عينية تفكير كانت وهيجل، وصعوبة التخلص من ~~تجريدات الذهن والانتقال منها إلى هذا التفكير العيني ~~للعقل، الذي يبلغ فيه التصور حقيقته عن طريق تأمل ~~العاملين المضادين له في آن واحد. وهذا هو بعينه موضع ~~القوة عند كانت وهيجل، فتفكيرهما لم يتحرك أبدا في ~~تجريدات خيالية فارغة، وإنما ارتكز بكلتا قدميه دائما ~~على الأرض العينية الصلبة. ms251 # وإن الصورة التي رسمها سترلنج لهيجل لتبدو لي صحيحة على ~~وجه الإجمال، فإذا تذكرنا أنه كان يطرق أرضا جديدة كل ~~الجدة، فسوف تتملكنا الدهشة من عمق بصيرته في إدراك ما هو ~~أساس في هذا التفكير، وهي بصيرة لم تكن ممكنة إلا في ذهن ~~اتسم بمثل هذا الخيال المتعاطف، وإن طريقته في العرض، التي ~~كانت تحفل بالصور الواضحة الملوسة، وتحفل أيضا بالغموض ~~والتعقيد، وتحفل كذلك بالتأمل النظري والإغراب؛ إنما تلقي ~~على المشكلات ضوءا أشبه بضوء مجموعة مختلطة متداخلة من ~~الكشافات. على أنه ينجح في بث الأفكار في ذهن القارئ، بحيث ~~لا يملك القارئ إلا أن يفهمها. ولقد كان مصطلح هيجل مصدرا ~~لصعوبة هائلة في طريقة العرض؛ فقد تعين نحت ألفاظ ~~فلسفية جديدة من أجل الوصول إلى مرادفات إنجليزية، وكانت ~~محاولة سترلنج البطولية لتحقيق ذلك مساهمة قيمة فيما ~~تحقق بعده، بل حققت هي ذاتها نتائج تدعو إلى الإعجاب، ~~حتى لو لم يكن قد نجح تماما، رغم صوره ونحوته الجريئة، ~~في إعادة تجسيد معاني هيجل. # على أن هناك ناحية واحدة كانت فيها الصورة التي رسمها ~~لهيجل مخطئة قطعا؛ ذلك لأن ميوله الألوهية قد سيطرت على ~~عرضه أكثر مما ينبغي، وأدت به إلى أن يقرأ في هيجل أكثر ~~مما فيه من العناصر اللاهوتية المحافظة. فقد كان سترلنج، ~~من حيث هو فيلسوف، لاهوتيا متنكرا، لا مكان عنده ~~لفلسفة لا تتخذ من رعاية المصالح الدينية غاية كبرى لها؛ ~~ومن ثم فقد توجه إلى كانت وهيجل ذاتهما، يسألهما إن كان ~~مذهباهما كفيلين بزيادتنا اقتناعا بسيادة الله ومشاركتنا ~~فيها. ولم يكن هذان الفيلسوفان جديرين في نظره بالدراسة ~~العميقة التي كرسها لهما إلا لاعتقاده بأن في وسعه ~~الإجابة عن السؤال السابق بالإيجاب. ومن هنا فإنه لم يمل ~~أبدا من الإشادة بهيجل بوصفه الفيلسوف حامي المسيحية؛ ~~«فمذهب هيجل يؤيد هذا الدين ويدعم كل قضاياه.» وآراء هيجل ~~«تتفق على نحو يدعو إلى الإعجاب مع الوحي الذي يكشف عنه ~~العهد الجديد.» # 36 # فهيجل، مثل كانت، يوجه كل خطوة من مذهبه ~~إلى إثبات ms252 خلود النفس وحرية الإرادة ووجود الله. # ولقد كان لهذا المزج بين الفلسفة والدين أهمية عظمى في ~~تقبل الإنجليز لهيجل، فلم تجتذبهم فلسفة هيجل إلا لأن من ~~الممكن تسخيرها لخدمة اللاهوت، واستخدامها أداة لمحاربة ~~المذاهب الطبيعية والمادية والداروينية، وانعقد الأمل ~~عليها في إعادة منكري الدين، ولا سيما من ينتمون منهم إلى ~~أوساط المتعلمين، إلى حظيرة الإيمان. ولقد كان النجاح ~~الساحق الذي أحرزه كتاب سترلنج عن هيجل راجعا إلى أنه قد ~~أخذ هذا الموقف في اعتباره، وكان طبيعيا أن يبلغ هذا ~~النجاح ذروته بين الدوائر المتمسكة بالدين، ولكنه اكتسب ~~أيضا تأييدا متحمسا من آخرين لم تكن تربطهم بالدين إلا ~~صلات أقل قوة، مثل إمرسون وكارليل وجويت وجرين وإدوارد ~~كيرد، بل أثار إعجاب هيجليين ألمان مثل ي. أ. إرمان، ~~وروزنكر انتس، وأرنولد ~~روجه # Arnold Ruge ~~. # وتتوقف كل أهمية سترلنج في الحركة المثالية على حكم ~~المرء على مؤلفه الأول «سر هيجل»، فرغم أن عمله في ~~الكتابة الفلسفية، قد استمر حتى القرن الجديد، فإن واحدا ~~من مؤلفاته الأخرى العديدة لم يكن يداني مؤلفه الأول في ~~أهميته التاريخية وفي قوته وتعبيره الشخصي المباشر، سواء ~~في ذلك مناوشاته النقدية مع هاملتن وهكسلي ودارون، وكتابه ~~المدرسي الرائع عن كانت (وهو مواز لكتابه عن هيجل)، ~~ومحاضراته في فلسفة القانون، ومحاضرات «جيفورد» التي ~~ألقاها بأسلوب بلاغي مبالغ فيه، فقد ظل إلى النهاية ~~هيجليا مخلصا. وهكذا استمر، حتى في كتابيه الأخيرين ~~اللذين نشرا بعد أن تعدى الثمانين من عمره، يعرض فلسفة ~~هيجل ويسعى إلى كسب أنصار لها. # كان ت. ه. جرين هو أنشط وأنجح من واصلوا بناء المثالية ~~على الأسس التي وضعها سترلنج، فعلى حين أن الأخير - الذي ~~لم يشغل أي منصب أكاديمي - لم يستطع أن يدعو إلى عالم ~~الأفكار المكتشف حديثا إلا من خلال كتابات منشورة، فإن ~~الأول قد تمكن من أن يضيف إلى ذلك وسائل أخرى لتحقيق ~~نفس الهدف، هي التدريس والقدوة الشخصية، وسرعان ما كوفئ ~~باستجابة حماسية، ليس فقط في أكسفورد، التي كان الاستعداد ~~الذهني متوافرا فيها، بل ms253 في أماكن أخرى أيضا. فبفضل ~~جرين، وليس قبله، بدأت المثالية الألمانية بحق رسالتها في ~~الأرض الأنجلوسكسونية، وبفضله كسبت لنفسها وطنا ثانيا ~~باقيا في بلد كانت فلسفته من قبل تغلق أبوابها بكل شدة ~~في وجه المؤثرات الأجنبية، وتسير بإخلاص تام في أعقاب ~~تراثها القومي الطويل. ولقد كان هو الذي فتح تلك الجبهة ~~الفلسفية التي كانت الحراسة عليها قوية مشددة، ومنذ ذلك ~~الحين لم يعد هناك حاجز يحول دون دخول الأفكار الجديدة ~~بحرية. # وعندما بدأ جرين عمله العلمي في أكسفورد، بعد أواسط ~~القرن الماضي بقليل، لم تكن تلك الجامعة المحترمة تضم ~~أستاذا واحدا له شأن في الفلسفة. وكانت أكسفورد تقتفي في ~~ميدان الفلسفة أثر جون ستيوارت مل، الذي كان الطلاب يقرءون ~~مؤلفاته بحماسة، ولا سيما كتاب «المنطق». وكانت هذه ~~المؤلفات - بالإضافة إلى مؤلفات أفلاطون وأرسطو المقررة ~~دائما بطبيعة الحال - تكاد تكون هي وحدها المتحكمة في ~~اتجاه أفكارهم، وكان أقوى ممثلي اللاهوت التقليدي في أيام ~~تلمذة جرين هو مانسل # H. L. Mansel ~~(الذي أصبح فيما بعد أسقفا ~~لكاتدرائية سانت بول). وقد حاضر مانسل في الفلسفة في كلية ~~«ماجدالين» كما حاضر فيما بعد بوصفه أستاذ كرسي ~~وينفليت # Waynflete ~~، ~~وأثار كتابه المبكر «حدود التفكير ~~الديني # The Limits of Religions Thought ~~» جدلا كثيرا. ولما كان من ~~الأنصار المتحمسين لأفكار هاملتن، الذي كان قد توفي ~~أخيرا، فقد أذاع آراء «كانت» في أكسفورد، ولكن ما أذاعه ~~كان في الواقع الوجه السلبي لأفكار كانت، بوصفه لا أدريا ~~في نظرية المعرفة. وهكذا لم يجد جرين في شبابه حافزا له ~~في هذه المحاضرات (باستثناء الحافز الناجم عن المعارضة على ~~الأرجح) ولم يجد فيها ما يعينه على تحقيق رسالته الفلسفية ~~المقبلة، وإنما أتى الحافز من تلك الشخصية القوية التي ظلت ~~تسيطر على الحياة العقلية في أكسفورد قرابة جيلين، وهي ~~شخصية بنجامين جويت، الذي عين أستاذا للكرسي الملكي # Reguis Professor # لليونانية في نفس العام الذي عين فيه جرين في باليول ~~(1855). وقد اتصل جرين بهذا المعلم العظيم وهو لم يزل ~~طالبا، بل كان يتخذ ms254 منه رائدا له. وليس من شك في أن جويت ~~هو الذي حول تفكير جرين في الاتجاه الذي أضفى به هذا ~~الأخير على الفلسفة الإنجليزية، بعد ذلك بقليل، قوة ~~«دافعة جديدة»، وأعني به اتجاه كانت وهيجل. # ولكي نوضح مكانة جرين الفريدة في تطور الفكر الإنجليزي ~~في القرن التاسع عشر، ينبغي علينا، أولا وقبل كل شيء، أن ~~نحدد علاقته بكبار المفكرين الألمان. فمهما كان من عمق ~~انغماس تفكيره، بجميع مظاهره، في جو المثالية الألمانية - ~~ويمكن القول إن كل سطر فيه، بل كل كلمة تقريبا، تشهد بذلك ~~- فقد كان يدرك أن الموقف التاريخي الذي ولد فيه يقضي ~~على أية إمكانية لقبول المذاهب الألمانية أو إعادة ظهورها، ~~وكثيرا ما رأيناه يؤكد ضرورية قيام كل جيل بإيضاح ~~المشكلات الفلسفية من جديد بطريقته الخاصة «فمن الواجب ~~البدء من جديد في هذا الموضوع بأسره.» # 37 # وعلى ذلك فإن ما نجده لدى جرين ليس مجرد ~~اقتباس لأفكار أجنبية أو إعادة صياغتها من أجل إظهار علمه ~~أو لأي غرض آخر، وإنما نجد له بداية جديدة أصيلة، وتجربة ~~خلاقة لذهن عميق أخصبته وغذته حركة فكرية خارجية ~~كانت تلائم تفكيره الخاص. وهكذا فإن ما أخذه عن هذه الحركة ~~قد تشكل وتحول بفضل تجربته الشخصية من جهة، وبفضل الموقع ~~التاريخي الذي وجد نفسه فيه. # ولكن إلى أي مدى كان من الممكن المضي في عملية البناء ~~فوق الأسس التي وضعها سترلنج، طالما أن التراث القومي ~~المتأصل الذي يرجع إلى قرون طويلة، قد ظل مسيطرا بلا ~~منازع؟ لقد أدرك جرين منذ البداية أن التراث كان العقبة ~~التي يتعين إزاحتها، وأنه لا يكفي أن يوضع الجديد محل ~~القديم، وإنما ينبغي أولا زعزعة القديم وتقويض أركانه. ~~وهكذا كان من الضروري خوض صراع حياة أو موت بين الفلسفات ~~القائمة على المذهب الطبيعي أو مذهب المنفعة عند بنتام ومل ~~وليويس وبكل وسبنسر ودارون وهكسلي، وبين سدجويك من جهة، ~~وبين مثالية كانت وفشته وشلنج من جهة أخرى. وهكذا يصادف ~~المرء في كل شيء كتبه تقريبا، في المحاضرات التي تركها ms255 ~~ضمن مخلفاته، وفيما نشره هو نفسه أو أعده للنشر، نضالا ~~مستمرا عنيفا ضد الفئة القائلة بالمذهب الطبيعي، بل إن ~~أول أعماله، أعني مقدماته المشهورة اليوم، تحمل هذا الطابع ~~المميز، ألا وهو الارتباط الوثيق بين المناداة بالجديد، ~~وبين إعلان الحرب على القديم. وهكذا كان لجرين دائما عدو ~~يواجهه، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي كان يستطيع أن يفكر ~~بها. وعلى ذلك ففي تلك المرحلة المبكرة التي يمثلها، من ~~مراحل التأثير الألماني، لم يكن العمل الجديد البناء قد ~~بدأ بعد، رغم أهمية مساهماته التمهيدية، أي إن رسالة جرين ~~في تاريخ الفلسفة كانت قبل كل شيء إزاحة المذاهب القديمة ~~من الميدان وتمهيد الأرض لمركب جديد من نوع مثالي، ولم ~~تبدأ الثمار الكاملة لجهوده في الظهور إلا عندما ظهرت ~~مذاهب برادلي وبوزانكيت وماكتجارت والباقين. # ولم يقتصر اهتمام جرين، في عملية تطهير الأرض، على ~~المذهب الطبيعي عند معاصريه، بل إنه تجاوزهم، وركز جهوده ~~أساسا في استئصال الجذور التاريخية القديمة العهد لطريقة ~~التفكير هذه. وهي المذاهب التجريبية الكبرى بالقرنين ~~السابع عشر والثامن عشر، ولهذا الغرض كتب مقدمتيه لبحث ~~هيوم في الطبيعة البشرية، وهما تمثلان نقدا أساسيا ~~للتعاليم النظرية والعملية للحركة التجريبية من لوك إلى ~~هيوم. ولكن من الغريب حقا أن تلحق هاتان المقدمتان بطبعة ~~لمؤلفات الممثل الكلاسيكي لهذه الحركة. ولقد كان جرين ~~يسترشد بالفكرة الهيجلية القائلة: إن الفلسفة تتقدم ~~بطريقة ديالكتيكية، مستهدفة إيجاد نظرة متزايدة ~~المعقولية إلى الأشياء، بحيث تكون المذاهب الماضية هي ~~الخطوات المتعددة في عملية التقدم هذه. ولا جدال في أن ~~المذهب التجريبي كان إحدى هذه الخطوات الهامة، وكانت دلالة ~~مذهب هيوم بالنسبة إلى تاريخ الفلسفة في نظره، هي أنها ~~تمثل نهاية هذه الخطوة، التي ارتفعت بعدها الحركة ~~الديالكتيكية الفكرية إلى مرحلة جديدة أعلى عند كانت. ~~فإذا ما نظرنا إلى المذاهب التجريبية الممتدة من لوك إلى ~~هيوم من هذا المنظور الأعلى، لوجدنا أنها تبدو بالفعل ~~أخطاء، غير أنها، بقدر ما أعانت على استخلاص حقيقة جديدة ~~لدى كانت، قد ساهمت بدور حاسم في تقدم الفكر، فبحث ms256 هيوم ~~في الطبيعة البشرية يمثل معبرا يوصل إلى «النقد» الأول ~~عند كانت، [أي نقد العقل الخالص]. # وهو في الوقت ذاته ~~أهم نقطة تحول في تاريخ الفلسفة الحديثة. وهكذا يربط جرين ~~بين هيوم وكانت ربطا وثيقا؛ إذ إن أحدهما قد سأل سؤالا، ~~والآخر قد أجابه. فنزعة الشك عند هيوم قد هزت الفكر، من ~~أعماقه، بفضل اتخاذها من التساؤل موقفا أساسيا، وبذلك ~~مهدت الطريق لإجابة من نوع جديد، قدمها كانت في «نقد ~~العقل الخالص»؛ لذلك فإن كانت يعد الخليفة الحقيقي ~~لهيوم. وهكذا فإن تطور الفلسفة بعد هيوم لا يتمثل في ذلك ~~الخط المستقيم المؤدي إلى أتباعه في القرن التاسع عشر، ~~وإنما في التحول الديالكتيكي الذي عجل بظهور الحركة ~~المثالية الكبيرة لدى الألمان، فلم يكن في إنجلترا خلفاء ~~أصيلون لهيوم؛ إذ إن أسئلته الفاحصة، التي نفذت إلى أعمق ~~جذور المعرفة، لم تجد هناك من يجيب عنها، بل إنها لم تعد ~~مفهومة؛ فذلك النوع من الفلسفة، الذي كان موجودا عندئذ، ~~كان منحلا لا حياة فيه، وما هو إلا فكر يسير في فراغ، ~~دون أي حافز خلاق، وبالتالي دون أية إمكانية للتقدم. ولقد ~~كان انتقال الروح الفلسفية التي ظلت حية في المذاهب ~~الإنجليزية الكلاسيكية إلى ألمانيا، هو الذي دعا جرين إلى ~~أن يقول مرارا وتكرارا للجيل الجديد من مواطنيه: «دعوكم ~~من مواطنيكم مل وسبنسر، وتحولوا إلى كانت وهيجل.» وبهذا ~~الرأي المضاد الذي قال به جرين، بدأ فصل جديد في تاريخ ~~الفلسفة الإنجليزية. # وعلى ذلك فإن مذهب جرين يحمل في مضمونه، وكذلك في ~~التعبير عنه، ذلك الطابع واللون المميز للمثالية، الذي ظل ~~مستمرا دون أي انقطاع حقيقي منذ اليونانيين حتى ~~المحدثين، وهو يعد جزءا أساسيا من تلك الحركة. ولقد ~~استمد جرين، في تكوين أفكاره، عناصر من المذاهب المثالية ~~لأفلاطون وأرسطو، ومن الأخلاق المسيحية، ومن ميتافيزيقا ~~باركلي المرتكزة حول فكرة الله (وهي ليست تجريبية إلا في ~~ثوبها الظاهري فحسب)، وأهم من ذلك كله، من المثالية ~~النقدية عند كانت والمثالية المطلقة عند هيجل، كما استمد ~~بعض العناصر من ms257 فشته وهربارت وف. ك. باور # 38 # ولوتسه، ولا شك أن أهم علاقة له كانت تلك التي ~~تربطه بكانت وهيجل، كما أن من المسائل الهامة التي طالما ~~نوقشت: البحث فيما إذا كان «كانت» أم هيجل أعظم تأثيرا ~~فيه، فإذا نظرنا إلى الأمر من الوجهة الخارجية، لبدا لنا ~~جرين كانتيا في المحل الأول، ولقد كان يدين لكانت ~~بالكثير فعلا في نظرية المعرفة والأخلاق إذ نجده يتابع ~~أفكار كانت الرئيسية وحججه خلال أجزاء طويلة من مؤلفاته. ~~وكثيرا ما كان تفكيره يبدأ من وجهة النظر الكانتية، ويبني ~~على مسلمات كانتية، كما أن نتائجه كثيرا ما كانت تتفق مع ~~نتائج «كانت» أو تقترب منها كثيرا على الأقل. وكثيرا ما ~~يصادفنا اسم كانت في جميع كتاباته، بينما لا نصادف اسم ~~هيجل إلا نادرا، وفي بعض مؤلفاته لا كلها (أي في «المقدمة ~~إلى الأخلاق» مثلا). ومع ذلك فإن تأثير هيجل كان هائلا ~~في التمهيد لتفكير جرين، وهو واضح إلى حد لا تخطئه ~~العين، وإن يكن من العسير أن يحدد المرء موقعه بدقة. ~~ويتبدى هذا التأثير بكل وضوح في تفسير جرين لكانت، وهو ~~تفسير مضاد تماما لتفسير هاملتن ومدرسته، يحول به كانت ~~في اتجاه المثالية المطلقة عند هيجل، وقد يصادف المرء من ~~آن لآخر تعبيرا يوحي بوجود عداء من جانب جرين لهيجل، كما ~~في قوله: «لقد تدبرت أمر هيجل بالأمس ووجدته لا يزيد عن ~~ثرثرة كلامية غريبة.» # 39 # غير أن مثل هذه التعبيرات لا تغير من الحقيقة ~~الواقعة، وهي أن هيجل كان من العوامل المتحكمة في تفكير ~~جرين، وبالاختصار فقد كان جرين كانتيا في المحل الأول، ~~ولكنه قرأ كانت بمنظار هيجلي. # ورغم نقص عدد المؤلفات التي عبر بها جرين عن تفكيره، فإن ~~هذا التفكير يكون كلا منظما، يندرج تحت ثلاثة أبواب: ~~الميتافيزيقا، والأخلاق، والفلسفة السياسية. ولقد كان ~~الباب الأخلاقي هو الرئيسي من بينها، كما يحق للمرء أن ~~يتوقع من ذهن كان اتجاهه أخلاقيا في أساسه؛ فالأخلاق هي ~~مركز الثقل في المذهب، تسبقها وتمهد لها الميتافيزيقا ~~(التي هي بدورها ms258 مسبوقة بنظرية المعرفة). وتسفر عن مذهب في ~~الدولة، وفي الشروط الأخلاقية للحياة الاجتماعية ~~والسياسية، وبتعبير آخر فإن المذهب يبحث على التوالي في ~~المسائل الآتية، التي تفضي الإجابة عن كل منها إلى ~~الإجابة عن الأخرى: ما هو الحقيقي؟ ما هي الطبيعة الحقيقية ~~للإنسان؟ وما مكانه في عالم الواقع؟ وما الذي يتعين عليه ~~أن يفعله إذا شاء أن يؤدي رسالته؟ وماذا ستكون مهام ~~المجتمع إذا شئنا أن يؤدي الإنسان في هذا المجتمع وبفضله ~~رسالته الأخلاقية؟ وأخيرا فهناك السؤال الذي لم يناقشه ~~جرين صراحة، وهو السؤال المتعلق بالحقيقة العليا أو الله، ~~بوصفه أساس كل وجود مخلوق. وهكذا فإن مذهب جرين يتعلق ~~بطبيعة الحقيقة، وبالإنسان بوصفه شخصا أو موجودا ~~أخلاقيا، وبالمجتمع أو الدولة بوصفها كثرة من هذه ~~الموجودات، وبالله بوصفه الموجود الذي تستمد منه كل ~~الموجودات الأخرى معناها. # وتقوم نظرية المعرفة عند جرين، أو على حد تعبيره، ~~ميتافيزيقا المعرفة، وهي لها دلالتها، على أساس معارضة ~~المذهب الحسي القائل بالانفصال المطلق ~~( # sensationalistic ~~atomism ~~) عند التجريبيين، ولا سيما ~~عند هيوم، ومعارضة الواقعية والمذهب المادي القائل ~~بالانفصال المطلق في العلم الحديث. ففي كلا هذين المذهبين ~~يكون موضوع المعرفة مجموعة من الجزئيات غير المترابطة، أي ~~من الإحساسات والكيانات المادية المستقلة عن الوعي، أو من ~~الذرات، حسبما يقتضيه الحال، وفي جميع هذه الحالات يسقط ~~العنصر الذاتي في المعرفة من الحساب تماما، وتنعدم الصلة، ~~ليس فقط بين الذات والموضوع، بل بين الموضوعات ذاتها ~~أيضا، بل إن هيوم، الذي كان يهوى دائما استخلاص أشد ~~النتائج تطرفا، قد حلل الذات نفسها إلى معطيات متتابعة، ~~أو «حزمة من الانطباعات»، وبذلك رد كل حقيقة، أيا كانت، ~~إلى الانطباعات، غير أن من المحال أن نتصور كيف تستطيع ~~الإحساسات المفككة أن تؤثر بعضها في البعض، أو تدخل في ~~أي نوع آخر من أنواع الارتباط، والأكثر من ذلك استحالة أن ~~نتصور كيف يمكنها التجمع سويا في ذلك الكل المنظم الذي ~~يتبدى عليه العالم لنا في المعرفة. فمثل هذا الكلام إنما ~~هو نهاية لأية نظرية عن الحقيقة، وهو ms259 دفع للفكر في طريق ~~مسدود، لا يخلصه منه إلا تغيير حاسم، فالإحساس كما قال به ~~هيوم لا يناظر شيئا حقيقيا، وإنما هو شيء مختلق ~~وتجريد محض. # وقد تمكن جرين من تجاوز مذهب الانفصال المطلق هذا عن ~~طريق نظريته المشهورة، التي أثارت كثيرا من الجدل في ~~العلاقات، وهي النظرية التي تكون لب ميتافيزيقا ~~المعرفة عنده، فعلى حين أن هيوم قد ذهب إلى أن أفكارا مثل ~~الجوهر والعلية والخارجية والهوية إنما هي مجرد اختلاق ~~من الذهن؛ لأنها ليست معطاة في أي انطباع، فإن جرين قد ~~بين أن هذه العلاقات «غير الحقيقية» هي التي تتيح إمكان ~~أية معرفة على إطلاقها، فكون أي شيء حقيقيا أو غير ~~حقيقي، هو أمر لا يتوقف على أية واقعة أو معطى في ذاته، ~~أو على إمكان أو عدم إمكان استخلاص أفكار من هذه الواقعة ~~أو تلك، وإنما يتوقف تماما على العلاقات القائمة بين ~~الوقائع، أو التي يمكن أن تدخل فيها الوقائع، «ففكرة مائة ~~القرش، من حيث هي مجرد فكرة، هي بلا شك مختلفة عن امتلاكنا ~~لها، لا لأنها غير حقيقية، وإنما لأن العلاقات التي تكون ~~الطبيعة الحقيقية للفكرة تختلف عن تلك التي تكون الطبيعة ~~الحقيقية للامتلاك.» # 40 # فالأشياء ليست مقفلة على ذاتها، تامة على نحو ~~نهائي، مستقلة بعضها عن البعض، وإنما هي لا تصبح حقيقية ~~إلا بقدر ما تخرج عن عزلتها وتشير إلى شيء غيرها. أي إن ~~الأشياء ترتبط بعضها ببعض بعلاقات كثيرة، وتتحكم أو تؤثر ~~في بعضها البعض على نحو متبادل، وتتشابه أو تتباين، ~~وتتضارب فيما بينها، وترتبط في المكان أو الزمان، وما إلى ~~ذلك. وليس معنى ذلك أن الأشياء توجد أولا في حالة تكون ~~فيها معطاة على نحو محض، وفي عزلة كاملة، ثم تدخل فيما ~~بعد في علاقات بعضها مع البعض، بل إن من المحال أن تتصور ~~أو يكون لها أي معنى أو أهمية بالنسبة إلينا دون هذه ~~العلاقات، فإذا نزعت عن الأشياء علاقاتها فلن يكاد يبقى ~~بعد ذلك شيء، ومن هنا كانت نظرية جرين القائلة: ms260 إن حقيقة ~~الأشياء لا قوام لها إلا ما يربط بينها من العلاقات. وبعد ~~ذلك يتحول هذا الرأي، الذي توصل إليه عن طريق اعتبارات ~~إبستمولوجية، إلى مبدأ ميتافيزيقي، دون أي برهان آخر ~~خاص بهذا المجال الأخير على حدة. # كذلك تتميز أبحاثه التي تلي ذلك بهذه الصفة ذاتها، وهي ~~الاكتفاء بنقل مبدأ إبستمولوجي إلى مجال الميتافيزيقا، ~~فالصيغة المبالغ فيها، القائلة: إن العلاقات هي قوام ~~الحقيقة، لا تكتسب معنى معقولا، في رأي جرين، إلا إذا ~~أضفنا إليها أن العلاقات لا تعطى في الأشياء ومعها، ~~وإنما هي تقرر أو تحدد عن طريق مبدأ معين للتوحيد، ~~هذا المبدأ لا يمكن إلا أن يكون فاعلية الذهن، فالأشياء ~~تتألف من علاقات، والعلاقات تفترض مقدما وظيفة الذهن ~~الرابطة، على أن ما يقرر العلاقات يختلف أساسا عن ذلك ~~الذي تربط بينه العلاقات، فهو ليس شيئا ضمن الأشياء، أو ~~معطى ضمن المعطيات، وإنما هو نفس شروط إمكان المعطيات على ~~إطلاقها، وشرط إمكان أي وجود؛ إذ إننا بدون الوظيفة ~~التوحيدية التشكيلية للذهن لا نستطيع أبدا أن نعلو على ~~المادة المختلطة التي يأتي بها الإحساس. ومن السهل أن يلمح ~~المرء هنا الأفكار الأساسية لكانت، فالعملية الرابطة للذهن ~~هي بعينها الوحدة ~~التركيبية للإدراك الذاتي # synthetic unity of apperception # عند كانت، كما ~~أن رأي جرين القائل إن هذا الفعل الرابط هو الذي يكون ~~الحقيقة، هذا الرأي إنما هو تعبير آخر عن قول كانت إن ~~الذهن هو الذي يفرض على الطبيعة قوانينها. # وسرعان ما يظهر بعد ذلك، بطبيعة الحال، اتجاه إلى تجاوز ~~موقف كانت الإبستمولوجي واستخلاص نتائج ميتافيزيقية ~~تسير في اتجاه الفلاسفة التالين لكانت ولا سيما هيجل. وقد ~~اتجه المجهود الأكبر لجرين إلى التغلب على الثنائية التي ~~وضعها كانت بين المظهر والشيء في ذاته، وطبيعي أنه كان من ~~المحال، في ضوء مذهبه القائل بأن العلاقات تسري على كل شيء ~~وتكون كل شيء، أن يقنع بعالمين لا تربطهما أية علاقة. ~~وهكذا أوضح، في مقابل هذه الثنائية، أن فكرة الشيء في ذاته ~~تنطوي على تناقض مشابه لذلك ms261 الذي تنطوي عليه فكرة ~~الانطباعات عند هيوم، إذ كيف يمكن أن يدخل ما هو - حسب ~~تعريفه - غير قابل للمعرفة، في أية علاقة مع ذهن عارف؟ لو ~~كان الشيء في ذاته علة المظاهر؛ لوجب أن يكون هو ذاته ~~مظهرا، على حين أن تعريفه ذاته ينص على أنه ليس كذلك، ولو ~~كان هو المادة الخام - غير المشكلة على الإطلاق - ~~للتجربة، لوجب أن يكون خلوا من أي تحدد عقلي. فالمادة ~~المحسوسة المستقلة تماما عن التحديد الفكري لا تعدو أن ~~تكون «س» غير مرتبطة بشيء، وبهذا الوصف لا يمكن أن تكون ~~موضوعا للمعرفة ولا واقعة حقيقية، «فالإحساس المحض» ~~تعبير لا يناظر شيئا في الواقع، وإنما هو ناتج عن تجريد ~~مصطنع. وهكذا يقف جرين موقف المعارضة الشديدة للمذهب ~~الحسي، ويلمح أثرا باقيا من هذا المذهب حتى في فكرة ~~الشيء في ذاته عند كانت، وهو يذهب إلى أننا ملزمون بأن ~~ننسب إلى الإحساس شيئا من التحدد، أعني التعاقب والشدة، ~~وهذا يستتبع أن الفكر هو الشرط الضروري لوجود هذه الوقائع ~~المحددة، وأن الإحساس المحض لا يمكن أن يكون عنصرا ~~مكونا للعالم الفعلي. # وإذن فما هو هذا المبدأ الذاتي الذي هو أساس كل وجود ~~موضوعي وشرطه؟ هنا أيضا يسارع جرين إلى ترك نظرية ~~المعرفة، أي المذهب الكانتي بمعناه الضيق، وينتقل إلى ~~تطبيق تأملي نظري يبدأ فيه ظهور أفكار منتمية إلى هيجل ~~وباركلي، فمقابل الطبيعة - أي الطبيعة بوصفها نسقا من ~~الأشياء المرتبطة فيما بينها - هو الروح، ولكن ليس المقصود ~~بالروح هو الذات الفردية منظورا إليها نفسيا، ولا الوعي ~~في عمومه منظورا إليه معرفيا، وإنما المقصود مبدأ ~~ميتافيزيقي كلي، أو وعي أزلي، كما يفضل جرين أن يسميه. ~~فالكون، بوصفه نسقا، كل عنصر فيه يرتبط بكل عنصر آخر ~~ويفترضه مقدما ويفترض فيه، يقتضي وعيا كليا شاملا لكل ~~شيء، يكون شرطا لوجوده، ذلك هو وحدة الكثرة، والهوية في ~~كل تغير للمظهر، وعلاقة محتويات الإدراك العابرة بنسق ~~الفكر، وكذلك علاقة الأشياء والوقائع الجزئية بنسق العالم ~~في كليته. فهذا هو المبدأ المنظم الذي يبعث ms262 الوحدة وكل ~~نوع من النظام، وهو الكل الذي يجد فيه كل جزء مكانه ~~المنطقي، والكلي الذي يصبو إليه كل جزئي، والذي يحتاج إليه ~~ليكمل ذاته، ولا يكون بدونه شيئا، وهو للوحدة الإلهية ~~التي تحمل كل شيء وتحفظه، والتي يعيش فيها كل شيء ويتحرك ~~ويجد وجوده، فهو العنصر الروحي المطلق، الذي يعلو ويتجاوز ~~ويسبق كل ما هو طبيعي، والذي لا يوجد في مكان ولا في زمان، ~~واللامادي اللامتحرك، الواحد أزلا مع ذاته. وواضح من ذلك ~~أن للمبدأ الأول عند جرين أوجها متعددة؛ فهو تارة العقل ~~الكانتي، وتارة أخرى الروح الهيجلية، وتارة ثالثة إله ~~باركلي. ونظرا إلى قوة الاتجاه إلى الألوهية عند جرين، ~~فإن الأخير من هؤلاء - أعني إله باركلي - يظهر لديه ~~كثيرا، لا سيما في فكرته عن حضور كل الأشياء (أو كل ~~الأفكار، كما كان باركلي خليقا بأن يقول) وتساميها في ~~الله، ولهذا السبب كان في تعاليمه سلاح رحب اللاهوت ~~المحافظ في كفاحه ضد المذهب الطبيعي والمادي المنبثق عن ~~العلم الطبيعي. ولقد لاحظ الكثيرون أن تجدد المثالية في ~~إنجلترا قد نشأ نتيجة المصالح الدينية والكنسية، التي ~~اتخذت من المثالية وسيلة للدفاع ضد تأثير الداروينية ~~والتطورية الهادم للإيمان. # ومع ذلك ينبغي ألا تنسينا هذه الصفة التي تميزت بها ~~الحركة المثالية في بدايتها، أن تجدد الفكر الإنجليزي، ~~مهما كان قد استغل في خدمة أغراض لها طابع غير نظري؛ ~~يدين بظهوره، بنفس المقدار، لحافز فلسفي أصيل، ولا شك ~~أن هذا الحافز ظاهر عند جرين، رغم أنه لم يكتسب عنده ~~أساسا نظريا محضا، وكان قبل كل شيء تعبيرا عن ~~اهتمامه، الذي كان أخلاقيا واجتماعيا في أساسه، والذي ~~ربما كانت البواعث الدينية بدورها قد لعبت فيها ~~دورا. # وتفضي ميتافيزيقا المعرفة وميتافيزيقا الوجود، اللتان ~~يتأملهما جرين من وجهة نظر واحدة إلى الأخلاق بمجرد أن ~~ينتقل إلى بحث الوعي المتناهي. وعلى الرغم من النقد الذي ~~وجه إليه أحيانا (مثل نقد أ. تيلور # A. E. Taylor # في كتابه ~~«مشكلة ~~السلوك # The Problem of Content ~~» ص59 وما يليها)، من أنه ms263 لا توجد ~~إلا هوة بين الميتافيزيقا وبين الأخلاق عند جرين، فإن ~~الأخلاق عنده تكون بالفعل جزءا عضويا من مذهبه، فما هو ~~كل بالنسبة إلى الوعي الأزلي، يكون في البداية شيئا ~~منقسما بالنسبة إلى الوعي المتناهي، ولا يدرك إلا من خلال ~~التعاقب الزمني. ولكن بقدر ما يكون الوعي المتناهي مدركا ~~للكل، مهما كان إدراكه هذا ناقصا، فإنه يشارك، بهذا ~~القدر، في الوعي الإلهي. وعلى ذلك فالإنسان هو نقطة التقاء ~~مركزين للوعي، الزمني والأزلي، المتغير واللامتغير بصفة ~~مطلقة. وتؤلف العلاقة بين هذين مشكلة من أعقد مشكلات فلسفة ~~جرين، ولا يمكن الزعم أنه وصل إلى أي حل مرض لها؛ فهو ~~يقول عن الوعي الفردي إنه الواسطة أو الإرادة بالنسبة إلى ~~الوعي الكلي، وإنه يشارك في هذا الأخير على نحو ما، ولكنه ~~لا ينبئنا بشيء عن طريق هذه المشاركة سوى قوله إن الوعي ~~الأزلي ينقل إلينا في الحدود التي تفرضها علينا أبداننا. ~~ولقد حاول جرين، الذي كان دائما واحدي النزعة عن اقتناع، ~~أن يتخلص من الثنائية الظاهرة هنا، عن طريق افتراض أن ~~الوعي الذي يبدو مزدوجا في الظاهر، لا وجود له في الواقع، ~~وأن ما يبدو لنا منه ناشئ كله عن عجز الذهن المتناهي عن ~~فهم الوعي الواحد اللامنقسم في تمثل واحد، ولكن من الواضح ~~أن هذا الافتراض يتهرب من الثنائية بدلا من أن يتغلب ~~عليها. # ويتكرر مثل هذا الموقف في الأخلاق بمعناها الصحيح عند ~~جرين، بل إن مظاهر الثنائية هنا أوضح منها في أي جزء آخر ~~من مذهبه، وذلك راجع إلى أنه كان في مذهبه الأخلاقي أشد ~~تأثرا بكانت مما كان في ميتافيزيقاه، وهو يتخذ نقطة ~~بدايته من تلك الحاجات الخالصة كالدوافع والغرائز، التي هي ~~في مجال الأخلاق مناظرة للإحساسات الخالصة في المعرفة، ~~وهو يرى أنها بدورها تحتاج لكي تكتمل أو تتحقق إلى مبدأ ~~يعلو عليها. والواقع أننا لا تكون لنا في المجال البشري ~~حاجات خالصة أبدا، بل يضاف إليها دائما وعي بها ~~وبالأشياء المرتبطة بها. وهكذا يتضح لنا هنا أيضا، كما ~~اتضح ms264 لنا في مجال المعرفة، أن ما يوصف بأنه موضوعي خالص، ~~ينطوي منذ البداية على إشارة إلى شيء ذاتي، وأن الانتقال ~~من الحاجة الخالصة إلى الوعي بالشيء الذي نحتاج إليه، ~~يفترض مقدما أن الحاجة تتمثل لذات تتميز عنها أساسا ~~بأنها تظل ثابتة طوال تعاقب الحاجات المتغيرة. وهنا أيضا ~~نجد، كما وجدنا من قبل، أن الذات تختلف عن العملية أو ~~التعاقد، المماثل أمامها، وليست هي ذاتها مرحلة أو سلسلة ~~من المراحل داخل هذا التعاقب، وإنما هي شيء باق ثابت من ~~وراء كل ذلك، شيء تستقر فيه المراحل الجزئية ~~المتعاقبة. # وإذن فالحاجة الخالصة ليست بذاتها شيئا، وإنما هي تشير ~~دائما إلى شيء أعلى، أي إلى الفعل الأخلاقي، وإلى ما ~~نعزوه دائما إلى أنفسنا، وما نشعر بأننا مسئولون عنه. ~~ويميز جرين تمييزا قاطعا بين الفعل الأخلاقي وبين الفعل ~~الغريزي البحت، ويسمى الأخير نفيا للأول. وهو يبين أنه ~~على حين أن شروط أفعالنا قد تنشأ من المجال الطبيعي، فإن ~~بواعثنا لا يمكن أن تنشأ من هذا المجال؛ فالباعث لنا على ~~الفعل هو دائما عمل من أعمال الوعي الذاتي، وهذا لا ينتمي ~~إلى المجال الطبيعي وإنما إلى المجال الأخلاقي، فالمسئولية ~~التي نضطلع بها عن الفعل هي التي تجعله أخلاقيا، حتى لو ~~كان الحافز إلى الفعل أو إلى التعجيل به مجرد حاجة ~~حيوانية. ونحن ننسب الفعل إلى شخصيتنا، والشخصية هي وحدة ~~حاجاتنا المتعاقبة زمنيا، أي إن هناك في جميع أفعالنا ~~وعي يظل على ما هو عليه، يمارس فاعليته على حاجات أصلها ~~حيواني، ويرتفع بها إلى مستوى المجال الأخلاقي. والهدف من ~~كل هذه الأفكار، التي لا نستطيع هنا أن نتابعها في ~~تفاصيلها، هو التفرقة القاطعة بين العالم الأخلاقي وبين ~~الظروف الطبيعية التي ينشأ منها، والتي يظل مغلفا ~~بها. # والإنسان هو موضوع ~~الفعل الأخلاقي. وإنه لمما يهم الأخلاق أكثر مما يهم ~~الميتافيزيقا ذاتها أن يكون الإنسان منتميا إلى عالمين، ~~فيكون ابنا للطبيعة وفي الوقت ذاته مخلوقا لله. وفكرة ~~وجود جوانب تجريبية وجوانب عقلية في الإنسان هي سمة أخرى ~~من ms265 السمات الكانتية المنبثة في مذهب جرين الأخلاقي. فنظرا ~~إلى وجود مبدأ إلهي فعال في الإنسان، لا يستطيع الإنسان ~~أن يقنع بالوجه الطبيعي لحياته فحسب، وإنما يصبو على نحو ~~متزايد إلى الحياة الأعلى الموجودة فيه، وتدفعه القوى ~~اللامتناهية الكامنة فيه إلى أن يحقق ذاته الأصيلة ~~ويبلغ غايته الأخلاقية عن طريق كفاح مستمر. وعلى ذلك ~~فالفرض الذي تبنى عليه كل حياة أخلاقية هو المبدأ الإلهي ~~الذي لا يحقق ذاته إلا في شخصيات إنسانية. وماهية الشخصية ~~المتناهية إنما هي كونها علة حرة، شأنها شأن الوعي ~~الأزلي، فكل حادث طبيعي منحصر في نسق أعلى، وهو نتيجة ~~حادث سابق وعلة حادث لاحق. وما لم نبلغ مستوى المعرفة، ~~فإننا لا نستطيع أن نصل إلى تجربة العلية الحرة، أي لعلة ~~يمكنها إحداث معلولات دون أن تكون هي ذاتها نتيجة لعلة ~~سابقة. ورغم اندماج الإنسان، في جانبه الحيواني، بالشروط ~~الطبيعية ، فإنه يستطيع، بوصفه كائنا عارفا، أن يرتفع ~~بنفسه فوق الطبيعة ويتحكم في ذاته، ويكون الإنسان فاعلا ~~حرا بقدر ما تكون لديه، على خلاف الحيوانات العجماوات، ~~معرفة، ومعرفة بذاته (أي يكون عارفا بذاته بوصفه عارفا). ~~ومن الواضح هنا أيضا أن جرين لم يحل مشكلة علاقة الحرية ~~البشرية بالحرية الإلهية، وإنما اكتفى بتأكيد الحرية ~~البشرية عن طريق تشبيهها بالحرية الإلهية، وهكذا قال في ~~استسلام «علينا أن نقنع بالقول إن الأمر كذلك، مهما بدا ~~فيه من غرابة.» # 41 # وعندما يصل جرين إلى المهام والغايات العينية للحياة ~~الأخلاقية، يلتزم الطريق الذي حدد معالمه كانت وفشته. ~~فالقيمة المطلقة للشخصية الإنسانية هي مبدؤه الأول، الذي ~~يتلو منه شرط المساواة والإخاء بين جميع الناس. فليس لأحد ~~أن يسعى وراء أي خير، سواء لنفسه أو لأي شخص غيره، بوسائل ~~قد تنال من خير الآخرين، وليس لأحد أن يحكم على الناس ~~المختلفين بمعايير مختلفة. ولما كان لكل شخص إنساني قيمة ~~مطلقة، فمن الواجب أن تعامل الإنسانية في كل فرد على أنها ~~غاية على الدوام، لا على أنها وسيلة. ولا يمكن تحقيق الخير ~~بمعناه الصحيح إلا إذا كان ms266 لكل شخص كيانه الذي يلتزم كل ~~شخص آخر بالاعتراف به واحترامه. وقوام التقدم الأخلاقي ~~إنما يكون في إدراكنا المتزايد للحقيقة القائلة إن الغاية ~~الحقيقية للإنسان لا تكون في المظاهر الخارجية للخير، ~~وبالتالي لا تكون في الفضائل التي نكتسب بها هذا الخير ~~الخارجي، وإنما تكون كلها في الفاعلية الفاضلة منظورا ~~إليها بوصفها غاية في ذاتها. فالموضوع الوحيدة الذي هو ~~أساسي وله قيمة مطلقة، بالنسبة إلى الإنسان، هو كمال ~~الشخصية الأخلاقية منظورا إليه على أنه تحقيق للذات ~~الأصيلة. ولقد أدرك جرين أن الفكرة الأساسية في هذا المثل ~~الأخلاقي الأعلى، الذي وجد أعلى تعبير عنه، في العصور ~~الحديثة، في المثالية الألمانية، كانت موجودة ولها أثرها ~~في كل من أفلاطون وأرسطو (اللذين أشار إليهما صراحة)، ~~ولكن على الرغم مما عزاه إلى الفلسفة اليونانية من قيمة ~~رفيعة، فقد رأى أن المسيحية، عندما أدخلت مصادرات المساواة ~~والإخاء بين البشر (وهي فكرتها الاجتماعية المميزة)، قد ~~وسعت المجال الأخلاقي إلى حد بعيد، وإن لم تكن قد ~~غيرت المثل اليوناني الأعلى؛ ومن ثم فقد أعطى مكان ~~الصدارة للمثل المسيحي الأعلى، ورأى أنه يمثل خطوة عظيمة ~~الأهمية إلى الأمام. # وإن مذهب جرين الأخلاقي ليمثل، في تطور الفلسفة في ~~إنجلترا، انشقاقا أشد، وتغييرا أعمق من أي شيء حققه في ~~المجال النظري بمعناه الضيق، فهو في الأخلاق قد ضرب على ~~وتر لم يسمع من قبل في إنجلترا أبدا. ففي مذهبه ~~الأخلاقي، كما في نظرية المعرفة عنده، نراه يهاجم المذهب ~~التجريبي، ويرى أن رسالته في الحياة، والخدمة التي سيقدمها ~~إلى عصره، إنما هي الحملة على أخلاق اللذة، إلى جانب ما ~~عرضه من أفكاره الخاصة. فكيف يمكن تحقيق الغايات الرفيعة ~~للمثل الأخلاقي الأعلى إذا لم يكن لسلوك الإنسان من مصدر ~~سوى طلب اللذة وتجنب الألم؟ إن اللذة، بما هي كذلك، لا ~~ارتباط لها بالأخلاق، مثلما لا ترتبط بها الحاجة بما هي ~~كذلك. وهي لا تكتسب دلالة أخلاقية إلا عندما تدخل في ~~علاقة مع وعي يعرفها بوصفها لذة، وعندئذ لا تعود لذة ~~مجردة، وإنما تتحول ms267 وترتفع إلى مستوى أعلى، وتغدو عنصرا ~~في الحياة الأخلاقية. وبالمثل فإن مجرد إضافة اللذة إلى ~~اللذة، وموازنة مقدار منها بمقدار آخر، هو عمل لا معنى ~~له، بل هو عمل مستحيل؛ إذ إن اللذة بما هي كذلك، مجردة من ~~الموضوع الذي تتعلق به، والشروط التي تظهر فيها، تكون غير ~~محددة على الإطلاق؛ وبالتالي لا يمكن إدراكها بوصفها حسا ~~محضا. ومن الجائز بالفعل أن يقترن بلوغ الهدف المرغوب فيه ~~باللذة، ولكنها لا يمكن أن تكون هي ذاتها موضوعا للرغبة، ~~وإن طابع اللذة في الخير الذي نصل إليه ليتوقف على خيرية ~~هذا الخير، وليست هذه الخيرية هي التي تتوقف على ما تجلبه ~~من لذة. وهكذا يرفض جرين مذهب اللذة بأكمله بوصفه غير مقنع ~~من الوجهة النظرية، وله نتائج خطرة من الوجهة ~~العملية. # وبعد هذا الرفض القاطع لمذهب اللذة، يكون مما يدعو إلى ~~الاستغراب حقا أن نرى جرين يعترف بالفضل العملي الرفيع ~~الذي أسداه مذهب المنفعة إلى الأخلاق، فهو، مع إنكاره قضية ~~مذهب المنفعة القائلة إن الخير الأسمى هو أكبر كمية ممكنة ~~من اللذة، قد اتفق رغم ذلك مع بنتام في مصادرته القائلة ~~بأكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، واعتقد أن مذهب ~~المنفعة قد تمكن، بفضل هذا التمييز، من القضاء على الفوارق ~~الطبقية، ومن تنمية الحاسة الاجتماعية، والمساهمة في حل ~~مشكلات الإصلاح الاجتماعي والسياسي، بل إنه تخيل صيغة ~~للنظرية النفعية مطهرة من أساسها القائم على فكرة اللذة. ~~هذا التحول الملحوظ من الأخلاق الكانتية، التي تقصر ~~اهتمامها على النزوع أو الاستعداد، إلى التقدير النفعي على ~~أساس النتائج، يحدث في الباب الرابع من كتابه «مقدمة ~~للأخلاق»، دون أن يكون قد ظهر في الأبواب السابقة أي أثر ~~ملحوظ له، وربما كان للمؤثرات الخارجية دور في إحداث هذا ~~التغيير. وعلى أية حال فإن مذهب المنفعة قد وجد في شخص جون ~~ستيوارت مل وفي مؤلفاته المعاصرة، تجسدا رفيعا ونبيلا ~~في آن واحد، وبالتالي مقبولا تماما لمفكر له ذهن ~~مثالي، لا سيما إذا كانت له ميوله الاجتماعية والإنسانية ms268 ~~مثل جرين. وهكذا فإن مثالية جرين الأخلاقية، على الرغم من ~~معارضتها الشديدة لمذهب السعادة النفعي على أسس ~~إبستمولوجية وميتافيزيقية، قد اتفقت مع هذا الأخير عندما ~~وصلت إلى مرحلة البحث في المطالب الأخلاقية بصورة عينية، ~~وتغلغلت في المذهبين معا روح إنسانية واجتماعية أصيلة. # 42 # ومع ذلك لا يسع المرء إلا أن يشعر بأن تلك ~~النقاط التي تسامح فيها جرين مع مذهب المنفعة، مهما كان من ~~نبل الباعث إليها، قد أدخلت عنصرا غريبا غير منسجم في ~~التركيب العام لفلسفته، وأن الرجل الذي كانت نقطة بدايته ~~هي إدراك عدم كفاية فلسفته القومية، وأخذ على عاتقه أن ~~يعلن لمواطنيه حقيقة جديدة تماما بالنسبة إليهم، أحس بها ~~إحساسا عميقا، لم يتمكن بعد هذا كله من التخلص تماما من ~~الماضي في تفكيره الخاص، وظل نفس العدو الذي تصدى ~~لمحاربته، والذي هاجمه بنجاح باهر؛ ظل في صدره غير مهزوم ~~تماما. ولم يكن جرين أول من وضع تمييزا قاطعا بين ~~الأخلاق المثالية عند الألمان وبين مذهب المنفعة القومي، ~~وإنما كان أول من فعل ذلك هو برادلي في كتابه «دراسات أخلاقية # Ethical Studies ~~» ~~(1876)، ولكن هذا الكتاب لم يلق انتباها كبيرا في ذلك ~~الوقت. # أما فلسفة جرين السياسية، فإنها، على خلاف فلسفته ~~الأخلاقية التي عرضها في كتاب انتوى نشره وأعد معظمه ~~بالفعل للنشر، قد وصلت إلينا في صورة محاضرات أشرف على ~~نشرها شخص آخر من بين مخلفاته، ومن ثم فإن أهميتها ~~الفلسفية أقل. فمذهبه في المجتمع وفي الدولة هو مجرد ~~امتداد لمبادئه الأساسية للأخلاق في مجال الحياة ~~الاجتماعية، فالفرد والدولة يفترض كل منهما الآخر ويتحكم ~~فيه، ولا يمكن تحقيق الشخصية الأخلاقية إلا في المجتمع ومن ~~خلاله. ولكن رغم أن جرين أكد العامل الاجتماعي بقوة، ~~واعترف بما فيه الكفاية بأهمية الدولة، فإنه هنا أيضا ~~يتوقف كعادته في منتصف الطريق؛ ذلك لأن فكرة الشخصية ~~الأخلاقية التي أخذها عن كانت وفشته، والتي عمقت إلى حد ~~بعيد، لم تمنعه من العودة إلى الفردية المأثورة عن ~~الإنجليز؛ فظل يضع الفرد، منظورا إليه على أنه مستقل ms269 وحر، ~~قبل الأفراد المنتمين إلى مرتبة أعلى كالمجتمع والدولة ~~والأمة. وهكذا فإن عدم تحرره تماما من قيود التراث ~~القومي، قد حال بينه وبين استخلاص تلك النتائج الجريئة ~~التي استخلصها هيجل. وليس من الممكن تفسير ضآلة تأثير هيجل ~~في فلسفته الأخلاقية إلى هذا الحد الذي يدعو إلى الدهشة، ~~إلا في ضوء الحالة السياسية في إنجلترا. ولا بد لنا - لكي ~~نصادف اعترافا غير متحفظ بالنظرية الهيجلية في الدولة - ~~من أن ننتظر حتى يظهر بوزانكيت وغيره من الأفراد الذين هم ~~أحدث عهدا في هذه المدرسة. # ورغم ذلك فإن جرين قد تجاوز الأفكار الإنجليزية الشائعة ~~عن الدولة بكثير؛ فقد أكد بوجه خاص أن الدولة لا ترتكز ~~على القوة، وإنما على الإرادة الحرة لأفرادها، صحيح أن ~~القوة يكون لها تأثيرها في تكوين الدول، ولكن ذلك يكون ~~دائما على أساس حقوق موجودة من قبل ومعترف بها من قبل. ~~والفكرتان لا انفصال بينهما ، فالقوة تنبثق من الحقوق وتؤدي ~~إلى مزيد من الحقوق، وهي بالتالي ليست إلا وسيلة لخلق ~~الحقوق وحفظها. وفضلا عن ذلك فإن غاية الدولة هي حماية ~~الحياة الأخلاقية لأفرادها وضمان هذه الحياة لهم، عن طريق ~~تهيئة الظروف التي تستطيع فيها الشخصية الأخلاقية أن تزدهر ~~وتحقق ذاتها، ومن هنا فإن القوانين هي الشروط الضرورية ~~لهذا التحقيق للإنسان بوصفه كائنا أخلاقيا عاقلا. وإذن ~~فليس لنا أن ندهش إذ نجد لدى جرين اتجاها إلى النزعة ~~السلمية والعالمية. أما كون الدول لا زالت تتخذ من الحرب ~~أداة في سياستها، فإن ذلك لم يكن في نظره دليلا على ضرورة ~~الحرب، بل على انحطاط مستوى الحياة الأخلاقية فحسب. أما عن ~~النزعة العالمية، فإنها لا تسعى إلى تحطيم الدولة، وإنما ~~تشمل القومية في داخلها، وكلما اقتربت الأمة من المثل ~~الأخلاقي الأعلى للدولة، قلت حاجتها إلى خوض غمار حروب ~~مع أمم أخرى؛ لأن نفس القوانين الأخلاقية التي تتحكم في ~~حياة الأفراد في المجتمع تسري بالمثل على العلاقات ~~السياسية المتبادلة بين الأمم. # ولقد كانت مكانة جرين البارزة في أولى مراحل الحركة ~~المثالية، والتأثير القوي ms270 الذي أحدثه، راجعا إلى الإعجاب ~~بشخصيته العظيمة، وإلى نجاحه الباهر بوصفه معلما ~~جامعيا، فهو قد أحيا الحركة بطاقته العقلية، وأحيا ~~تعاليمها بنبله وقوته الأخلاقية، وبذلك رفع ما كان يمكن ~~أن يظل مجرد نظرية، إلى مرتبة القوة الروحية الحية. على أن ~~وفاته المبكرة قد قطعت الطريق بقسوة على كل ما كان يمكن أن ~~تحدثه شخصيته مباشرة من تأثير. ولما كان هو ذاته لم ينشر ~~أي مؤلف طويل فيما عدا مقدمتيه إلى هيوم، فقد بدا من ~~المرغوب فيه جمع مخلفاته الأدبية ونشرها، وقد اضطلع بهذه ~~المهمة أقرب تلاميذه إليه، وهو رتشارد ليويس ~~نتلشيب # Richard Lewis Nattleship ~~(1846-1892) الذي أضاف إلى طبعته ~~عرضا عاما لحياة جرين وأعماله. ولقد كان نتلشيب من ~~المتحمسين في تعليم المثالية الجديدة؛ إذ إنه وضعها منذ ~~نعومة أظفاره، إن جاز هذا التعبير. فقد التحق بكلية «جويت» ~~و«جرين» بوصفه باحثا، وظل فيها زميلا حتى وفاته، وكان ~~يشاطر جويت تبجيله لأفلاطون، وتعلقه بروح الفلسفة ~~الأفلاطونية، وهو تعلق أدى به إلى استطلاع معالمها، لا ~~لغرض أكاديمي بحت، بل من أجل تنشيط مستمعيه وقرائه ~~عقليا؛ فأفلاطون كان بالنسبة إليه من الرجال المثاليين، ~~وكان مرشدا إلى الاستقامة والنبل وحكمة الحياة، ومبشرا ~~بنظرة إلى العالم ما زالت صحيحة، وستظل إلى الأبد كذلك، ~~وهي نظرة ينبغي على كل جيل، إذا شاء أن يمتلكها، أن ~~يتدبرها من جديد. وكان موقفه، في مذهبه الفلسفي، مشابها ~~لموقف جرين، ليس فقط في اتجاهه العام، بل في التفاصيل ~~أيضا إلى حد بعيد. وقد تجسدت فيه القوى الأخلاقية ~~والعقلية التي أشعت من جويت وجرين بأصالة وقوة تفوق تجسدها ~~في أي شخص غيره. وكان أفضل أعماله، مثلهما، هو تدريسه ~~الشفوي، وما كان يتجلى فيه من حرارة القول وتعمقه وحدة ~~الذهن، وكان تأثيره أعمق وأبقى بكثير مما قد يستدل المرء ~~عليه من كتاباته القليلة. ولقد نشر هو ذاته، إلى جانب ~~طبعته لمؤلفات جرين، بحثا واحدا هو «نظرية التعليم (التربية) في جمهورية ~~أفلاطون # The Theory of Education in Plato’s Republic ~~» (في مجلة # Hellenica ~~، 1880)، أما ~~كتاباته ms271 الأخرى فقد نشرت كلها من مخلفاته بعد وفاته ~~المبكرة الأليمة في نفس السن الذي توفي فيه أستاذه جرين، ~~وقد نشر هذه المؤلفات أ. ك. برادلي، مع تقديم عرض عام ~~لحياته، في 1897. # 43 ~~(3) القسم الثالث: الهيجليون # كان الرائد التالي العظيم للمثالية في إنجلترا بعد جرين ~~هو إدوارد كيرد، ولقد كان سنه مقاربا لسن جرين، وأصبح ~~صديقا لجرين وهو لم يزل تلميذا في أكسفورد، وبدأ عمله في ~~التدريس بعد سنوات قلائل من بداية عمل جرين في التدريس ~~أيضا، ومن هنا فقد كان تعيينه في جلاسجو في 1866 أمرا له ~~أهميته العظمى في نشر الحركة المثالية؛ إذ جعل لها مركزين ~~قويين؛ فقد جعل كيرد من جلاسجو معقلا للمثالية في ~~اسكتلندا. وهكذا بدأ ما يمكن أن يسمى بحركة تطويق للفلسفات ~~السائدة، فتولت أكسفورد أساسا مهاجمة التفكير التجريبي ~~والتطوري عند مل وبين وسبنسر ودارون وهكسلي، ووجهت جلاسجو ~~هجومها، في المحل الأول، إلى مذهب هاملتن الذي كان يسيطر ~~عندئذ على الجامعات الاسكتلندية. وفي هذا الصدد أحدث كيرد ~~انقلابا، فعندما ترك جلاسجو ليخلف جويت عميدا لباليول، ~~بعد سبعة وعشرين عاما من الكتابة والتدريس، كان قد أنشأ ~~جيلا كاملا من الهيجليين الشبان، الذين خلفوه في السيطرة ~~على الأرض التي غزاها، ووسعوها. وبعودته إلى أكسفورد ملأ ~~أخيرا تلك الثغرة التي خلفتها وفاة جرين المبكرة، وأعاد ~~الحركة المثالية إلى الكلية التي بدأت فيها، ودعمها هناك ~~بشخصيته القوية وشهرته اللامعة. # ولقد كانت المهمة الملقاة على عاتق كيرد في توطين الفكر ~~الألماني بإنجلترا مهمة فريدة في نوعها؛ فقد كان سترلنج ~~قد أتم العمل الرائد الأول، غير أن الجهد المضني الذي بذله ~~في كفاحه من أجل استخلاص معنى تفكير هيجل والاهتداء إلى ~~مرادفات إنجليزية لمصطلحاته، قد ترك القناع الذي يحيط ~~بتفكير هيجل هذا على ما هو عليه، إلا بالنسبة إلى فئة ~~قليلة من الأذهان اللماحة، أما جرين فكان تفكيره أكثر ~~استقلالا من أن يتيح له تقديم عرض واضح أمين لتعاليم ~~كانت وهيجل. صحيح أن هذه التعاليم قد دخلت في إطار مذهبه، ~~غير أن ms272 من الصعب أن يميزهما المرء، داخل هذا الإطار، ~~الواحد عن الآخر، أو أن يفرق بينهما وبين الأفكار التي ~~استمدها جرين من مصادر أخرى، أو بينها وبين تفكيره الخاص، ~~كما أن أسلوبه الغامض المركز جعل قراءته أمرا عسيرا على ~~أية حال. أما الممثلون المتأخرون للحركة، مثل برادلي ~~وبوزانكيت وماكتجارت، فقد وسعوا الفكر الألماني وحوروه ~~إلى حد يستحيل معه القول إن مهمتهم كانت تقتصر على توصيل ~~مضمون هذا الفكر إلى الإنجليز بأي قدر من النقاء. وهكذا ~~فإن كيرد، الذي كان يقل عن هؤلاء إلى حد بعيد في تقيده ~~بأفكاره المذهبية الخاصة، كان هو الوسيط أو الموصل الحقيقي ~~لتفكير كانت وهيجل، ولكنه لم يضطلع بهذا العمل بروح ~~الموضوعية الجافة التي يتصف بها المؤرخ المحض، وإنما أقبل ~~عليه بحماسة وشغف المريد والداعية المخلص، فتصرف بطريقة ~~فذة في ذلك الكنز الذي آل إليه، وسك منه عملة متداولة ~~يسهل على كل شخص استعمالها بعد ذلك، بل إن كيرد وحده هو ~~الذي يرجع إليه الفضل، لأول مرة في إشاعة استخدام جميع ~~الصيغ والتعبيرات المثالية بين جميع أفراد جيل الكانتيين ~~والهيجليين الإنجليز، وإشاعة السخرية منها بين خصومهم. ~~ولقد كانت لديه قدرة فذة على التعبير عن أمور عسيرة ~~غامضة بلغة واضحة سلسلة بديعة، وأدى تحويله لالتواءات ~~كانت وألغاز هيجل إلى أسلوبه المشرق الوضاء، إلى زيادة ~~قدرة اللغة الإنجليزية على التعبير الفلسفي، فضرب بذلك ~~مثلا لمواطنيه في كيفية الكلام عن مثل هذه الأمور ~~والكتابة فيها. # وقد توج كيرد هذا كله بشخصية رائعة لها مواهبها ~~الفريدة، غنية بالخصال التي تجذب أذهان الشباب وتأسرها؛ من ~~حماسة وانفعال وإخلاص شديد لقضية عظيمة، وسلاسة التعبير ~~وحرارته، فضلا عن القدرة الأدبية الرائعة التي أشرنا ~~إليها منذ قليل، فهو في إنجلترا يمثل أنقى وأفضل نمط تجسدت ~~فيه روح الهيجلية، وربما نصها إلى حد ما. ولقد تجنب كيرد ~~القيام بأية محاولة من شأنها إضفاء ثبات قطعي على مذهب ~~هيجل، أو فرضه على الناس قسرا، أو تشويهه وتبديده، وإنما ~~استهدف أن ينشر بين الناس، وينقل إلى الآخرين، روح ms273 مذهب ~~هيجل وماهيته، اللذين امتلك كيرد ناصيتهما واستوعبهما أكثر ~~من كل من عداه تقريبا، دون أن يكون له من هدف سوى خدمة ~~الحقيقة وبعث حياة جديدة في الفلسفة. لقد بلغ ذهنه من ~~الحيوية ومن الامتلاء بالثقافة القومية والأجنبية حدا ~~جعله لا يرضي بأن يقسم يمين الولاء للتعاليم الحرفية لأي ~~أستاذ بعينه. فلم يكن هيجل بالنسبة إليه إلا آخر وأنضج ~~تعبير عن نظرة مثالية إلى الأمور ظلت حية منذ أيام ~~اليونان، لا بين كبار الفلاسفة فحسب، بل عند الأدباء ~~المبدعين أيضا. وإن كتابه «مقالات في الأدب والفلسفة» ~~ومحاضرات جيفورد التي ألقاها في موضوع الإلهيات عن فلاسفة ~~اليونان، لتشهد باتساع أفق نظرته إلى المثالية بوصفها ~~روحا باقية يعترف فيها بكل ما هو رفيع ونبيل وجميل في ~~الإنسان، ويتحقق فيها على أكمل وجه، وهي روح كانت حية في ~~العصر الوثني القديم، مثلما كانت حية في المسيحية، وفي ~~دانتي وجوته، وفي روسو وورد سورث وكارليل. ولقد كانت ~~مثالية هيجل شيئا عاشه الفيلسوف مثلما علمه، ولم تكن ~~نصا جامدا أو نسقا من الأفكار المجردة، وإنما قوة من ~~قوى الحياة، تجدد الإنسان من الباطن. ولم يبدأ الاكتساح ~~الظافر للحركة المثالية الإنجليزية إلا عندما أضفى عليها ~~كيرد، زعيمها المعترف به بعد وفاة جرين، روحا منشطة ~~استمدها من ذهنه الرفيع، وأذاعها على القاصي والداني ~~بكلماته القريبة إلى الأفهام، وجمع حوله حلقة من التلاميذ ~~الذين تشربوا نفس الروح، وضمنوا استمرار عمله. والحق أن أي ~~معلم للفلسفة لم يغرس في ذلك الوقت مثل ما غرسه إدوارد ~~كيرد من البذور المثمرة، ولم يثر ما أثاره من الحماسة، ~~ولم يلق ما لقيه من الإعجاب والاحترام. # فإذا تأملنا كتاباته، لكان أول ما يلفت أنظارنا فيها هو ~~أن حوالي 2000 صفحة قد كرست لكانت، على حين لا يوجد عن ~~هيجل إلا كتاب صغير شعبي إلى حد ما، وعلة هذه الحقيقة ~~الغريبة هي اقتناعه بأن أهم ما في هيجل يمكن أن يفهم ~~أولا، بمزيد من الوضوح، عند كانت، وإن كلمة «فندلبنت # Windelband ~~» المشهورة ~~التي قال ms274 فيها إن في فهم كانت تجاوزا له، لتصلح تعبيرا ~~عن اقتناع كيرد هذا، إذا ما أضفنا إليها أن هذا التجاوز ~~ينبغي أن يسير في اتجاه هيجل؛ فقد كان يقيس مذهب كانت، في ~~كل نقطة، بالمعيار الهيجلي، ويتعسف في تطبيق المقولات ~~الهيجلية عليه، ويبين المواضع التي كان لا يزال ينوء فيها ~~بالاتجاهات الفكرية القديمة؛ تلك التي كان يحمل فيها ~~البذور الخفية للمثالية المطلقة. ولقد كان نقده لكانت ~~موجها أساسا ضد مظاهر الثنائية التي يحفل بها مذهب كانت، ~~وضد التمييز والفصل الذي طالما تكرر لدى كانت، بين عناصر ~~التجربة والفكر، وتلك التجريدات والتحديدات التي هي ~~مميزاته السطحية. ومن جهة أخرى فقد رأى أن ما كان يسعى ~~إليه كانت حقا لم يكن تلك العناصر المفككة والمتقابلات ~~والنقائض التي لا ترفع، وإنما هو التوفيق بينها وتجاوزها ~~في وحدة فكرية أعلى، رغم أن كانت ذاته كان كلما أوغل في ~~السعي إلى هذا الهدف الأخير، ازداد ابتعادا عنه. وهكذا ~~رأى كيرد أن مأساة المذهب الكانتي إنما تكون في هذا الصراع ~~الدائم بين هدف كانت الحقيقي وما أنجزه منه بالفعل، بين ~~هذا السعي إلى الوحدة وذاك التعلق بالثنائية، ولم يتحقق ~~التحرر من هذا الصراع إلا في مذهب هيجل الرائع. # وهكذا ننتقل من المثالية النقدية إلى المثالية المطلقة، ~~فتلك الوحدة التي سعى إليها كانت، والتي لم يبلغها إلا ~~نادرا (كما في الجزء الخاص بالإدراك الذاتي الترنسندنتالي # transcendental ~~apperception ~~)، ليست هي الوحدة ~~المجردة التي توجد من وراء كل الفروق، وإنما هي وحدة لا ~~تعبر عن نفسها إلا في هذه الفروق ومن خلالها. وبدون تلك ~~الفكرة الرائعة، فكرة الهوية مع الاختلاف، لا يستطيع الفكر ~~أن يتقدم خطوة واحدة نحو الحقيقة الفلسفية، فإذا ما وضعنا ~~الوجود واللاوجود، أو أي متضايفين آخرين، كلا مقابل ~~الآخر، فلن نستطيع أن نقول إنهما مختلفان أو إنهما في ~~هوية. ولا تكمن حقيقتهما في اختلافهما ولا في هويتهما، ~~وإنما في هويتهما مع اختلافهما؛ فالاختلاف لا يقل أهمية عن ~~الوحدة؛ إذ إن الوحدة المطلوبة في الفلسفة هي وحدة ms275 فردية ~~تظل محتفظة بنفسها، ليس فقط على الرغم مما يكمن فيها من ~~اختلاف، بل في هذا الاختلاف ذاته ومن خلاله، ولا تتجاوز ~~الأضداد والخلافات إلا تنحل ثانية إلى أضداد وخلافات أعلى، ~~ثم تسترجع ذاتها مرة أخرى على مستوى أعلى من هذا. تلك هي ~~الوحدة العضوية التي يتعين علينا أن نراها معبرة عن ~~الكون، وهي المبدأ الروحي الكامن في كل الأشياء، أي هي ~~«المطلق». # على أنها ليست هي المطلق منظورا إليه على أنه شيء ~~ثابت مكتمل تماما، مقفل على ذاته غير قابل لأي تطور، ~~وإنما على أنه عملية حية أو دينامية تكشف عن نفسها ~~بطريقة ديالكتيكية. ونظرا إلى أن كيرد قد أخذ عن هيجل ~~ديالكتيكه ونظر إليه على أنه النبض الحي لكل وجود وكل فكر، ~~فقد اتخذ موقفا مضادا تماما لموقف جماعة الهيجليين ~~الأحدث منه عهدا بقيادة برادلي، الذين وجدوا أن ~~الديالكتيك هو ذلك الجزء من مذهب هيجل الذي لم يكن في ~~وسعهم الانتفاع بشيء منه، والذين نظروا إلى المطلق، ~~بالتالي، على أنه سكوني # static ~~، ففكرة «الكون الثابت # Clock universe ~~» عند ~~برادلي لم تكن مقبولة لدى المثالية كما فهمها كيرد، مثلما ~~أنها لم تكن مقبولة لدى البرجماتية التي ذاعت وشاعت قرب ~~نهاية حياته. ولقد كانت فكرة التجدد الخلاق المستمر للكون ~~مشتركة بينه وبين البرجماتيين، وكانت هذه هي نفس الفكرة ~~التي نشرها برجسون بطريقته الجذابة قبل وفاة كيرد بقليل. ~~وهكذا يتضح لنا السبب الذي تزايدت من أجله أهمية فكرة ~~النمو أو التطور في فلسفة كيرد، حتى أصبحت هي الفكرة ~~الرئيسية في كتابيه الأخيرين. ولهذا السبب ذاته لم يسعه ~~إلا أن يبدي شيئا من العطف على فلسفة التطور الواسعة ~~الآفاق عند معاصره سبنسر، مهما كان من معارضته للجزء ~~الأكبر منها ولكل الاتجاه التجريبي الإنجليزي الذي كان ~~سبنسر آخر ممثل هام له. ذلك لأنه شعر بوجود تقارب وثيق ~~بين التصاعد الديالكتيكي للمقولات الهيجلية وبين فكرة ~~سبنسر في التفاضل (أو التنوع) والتكامل، وفي إعادة التجميع ~~وإعادة التنظيم المستمر لعناصر الأشياء. وفي وسعنا أن نلمح ~~بسهولة، ms276 في تعريفه للنمو # development ~~، ذلك ~~المركب الذي سعى إلى إيجاده بين هيجل وسبنسر، أو على ~~الأصح، صبغه لسبنسر بصبغة هيجلية، «فالنمو عملية تفاضل (أو ~~تنوع) وتكامل في آن واحد، أي إنها عملية يزداد فيها ~~الاختلاف دواما، لا على حساب الوحدة، ولكن على نحو من ~~شأنه تعميق الوحدة أيضا.» # 44 # وكذلك قوله: «إن النمو عملية يصعب وصفها بلغة ~~متسقة منطقيا، ففيها يتغلغل الاختلاف والوحدة كل ~~منهما في الآخر على نحو وثيق تماما، غير قابل لأي انفصام.» # 45 # كذلك كان موقفه من كونت والوضعية الذي عرضه في ~~بحث منفصل، كما عرضه في فصل خاص من كتابه «تطور الدين»، ~~يتصف بنوع من العطف والإشفاق، فرغم أنه لم يستطع أن يقبل ~~الوضعية بوصفها نظرة نهائية إلى الأشياء، فقد سلم بأنها ~~خطوة نحو تكوين مثل هذه النظرة، أو جزء من الأساس اللازم ~~لها. أما التجريبية الجديدة منها والقديمة، وفلسفة الموقف ~~الطبيعي عند ريد وهاملتن، فلم يقبل منها شيئا. # ويستطيع المرء أن يجد لدى كيرد عنصرا هيجليا آخر، إلى ~~جانب الديالكتيك وكثرة استخدام تنظيمه الثلاثي للأفكار، هو ~~تفاؤل هيجل الظافر فيما يتعلق بقدرتنا على المعرفة، ~~والجرأة المعرفية للتفكير الذي لا يمكن أن يوضع له حد، ~~والذي يجرؤ حتى على انتزاع قناع الغموض عن «المطلق» ذاته. ~~ففي كل تفلسف له تلمس دائما ثقته المطلقة في قدرات العقل، ~~وهذه الثقة هي التي ألقت عليه نضارة وحيوية أدت به إلى ~~احتقار روح العجز التي يتصف بها مذهب الشك، وروح الاستسلام ~~التي تتصف بها اللاأدرية، كذلك كانت الصوفية، التي تختصر ~~الطريق الموصل إلى المطلق، منفرة في نظره، فحيث يضيء ~~نور العقل كل شيء، تتبدد سحب الصوفية المعتمة. # وتتناول كتابات كيرد، فيما عدا استثناءات قليلة، تاريخ ~~الفلسفة فمنها كتابه الجبار عن كانت (وهو أدق وأشمل ~~وأعمق ما كتب عنه في الإنجليزية)، وبحثه الصغير القيم عن ~~هيجل، ونقده البارع لكونت، وكتاب كبير إلى حد ما عن تطور ~~فكرة الله بين الفلاسفة اليونانيين، وبضعة مقالات قصيرة عن ~~دانتي وجوته وروسو وورد سورث، جمعت ms277 كلها، بالإضافة إلى ~~مقال عن المذهب الديكارتي، # 46 # في «المقالات» (1892)، ولم يكن أي مقال من ~~هؤلاء مجرد تمرين في كتابة الأبحاث العلمية، وإنما كان ~~الموضوع يقارن في كل الأحوال بمذهب هيجل، وكانت كتابته في ~~هذه الموضوعات تحفل بالروح الهيجلية، أما مؤلفاته الأقرب ~~إلى الصبغة المذهبية فلا تشمل إلا بحثا في الميتافيزيقا، # 47 # ومحاضرات جيفورد التي ألقاها في موضوع تطور ~~الدين، وتعبر هذه الأخيرة عن فلسفته الدينية، التي ينبغي ~~علينا إيضاح أفكارها الأساسية. # كان كيرد يهدف، كمعظم الهيجليين الأوائل، وكأخيه «جون» ~~بوجه خاص، إلى صبغ الميتافيزيقا الهيجلية بصبغة مذهب ~~الألوهية، واستخدامها في خدمة الإيمان الديني. ولقد كان ~~بطبيعته عميق التدين، على خلاف الهيجليين المتأخرين مثل ~~برادلي وبوزانكيت وماكتجارت، وكان يؤمن بأن المسيحية هي ~~أعلى تحقق للوعي الديني. ومع ذلك فقد أبقى نفسه بمعزل عن ~~الاتجاهات المحافظة المتعصبة الضيقة الأفق، واحتفظ، حتى في ~~الأمور الدينية ذاتها، بحرية التفكير الجديرة بالفيلسوف ~~الحق. ورغم أن فلسفته الدينية مبنية على الأفكار الهيجلية ~~وتعبر عن نفسها من خلالها، فإن فكرة التطور عند سبنسر تلعب ~~فيها دورا كبيرا ، بعد صبغها بصبغة هيجلية، وهو يعرف ~~الدين بأنه وعي متفاوت الدرجات، بتلك الوحدة اللامتناهية ~~التي تكمن من وراء كل انقسام للمتناهي، لا سيما انقسامه ~~إلى ذات وموضوع. وهكذا يعرف الله بأنه مبدأ الوحدة في ~~كل الأشياء، وبأنه كائن واع بذاته متحكم في ذاته، فهو ~~«المطلق» واللامتناهي، ولكنه مع ذلك ليس علوا لا يعرف ~~(وهنا يرفض كيرد فكرة «اللامتناهي» عند ماكس مولر، كما ~~يرفض فكرة «اللامعروف» عند سبنسر في نفس الوقت)، وإنما هو ~~يوجد تماما في حدود عالم المعرفة المعقولة؛ ذلك لأن ~~اللامتناهي الذي هو خير ليس مجرد سلب للمتناهي، ولا يتحدد ~~سلبيا فحسب، بوصفه ما يعلو على المتناهي، وإنما هو الشرط ~~الإيجابي للمتناهي، وهو تحققه واكتماله، ومن هنا وجب أن ~~يكون الفكر قادرا على الوصول إليه. ففي الموجود الإلهي ~~وحده تصل الأشياء المتناهية إلى حقيقتها الحقة وتكتسب ~~دلالتها بوصفها عناصر يتكشف بها المبدأ الأعلى ويحقق ذاته ~~فيها. فالدين كالعلم ms278 والفلسفة، إنما هو سعي إلى الكلي ~~الكامن من وراء الجزئي، أو الواحد من وراء الكثرة، غير أن ~~الدين إنما يكون كذلك على مستوى أعلى، والعلم والفلسفة ~~على مستوى أدنى. وعلى ذلك فإن الإنسان، بوصفه كائنا ~~عاقلا، إنما هو كائن ديني. وفي كل وعي عاقل تكون فكرة ~~الله، بوصفه الوحدة النهائية للوجود والمعرفة، ماثلة ~~وفعالة، وللإنسان - إلى جانب قدرته على التأمل خارجه في ~~الإدراك الحسي للعالم المحيط به، وداخله في معرفته بذاته - ~~قدرة أخرى على النظر إلى أعلى، إلى الموجود الإلهي الذي ~~يوحد العالمين الخارجي والباطن وينبئنا بوجوده في ~~كليهما، وما الدين في أساسه إلا المعقول، وذلك في أعلى ~~صوره على الأقل؛ إذ إن الدين الذي ينبثق عن الشعور أو عن ~~الإيمان الأعمى فحسب، لا يكون قد حقق فكرته الكاملة، التي ~~لا تكون ممكنة إلا على مستوى العقل. وما ذلك العقل إلا ~~العقل الهيجلي، الذي يسود هذا المجال مثلما يسود غيره. ~~فالدين عنده إذن هو بهذا الوصف مذهب في شمول الألوهية # pantheism ~~، مهما كان من ~~رغبته في تجنيب هذه النتيجة، أي إن العالم هو الله، والله ~~هو العالم، وليس الله هو القوة العالية التي قالت بها ~~الأديان الوضعية، وليس كائنا خارجا عن العالم أو مغايرا ~~له، ندركه بالإيمان، وإنما هو نقطة القمة في تأمل نظري ~~للكون، وأعلى التصورات في الفلسفة النظرية التأملية. وإن ~~المرء ليفتقد، في هذا الدين العقلي المحض، الشعور بالعلو ~~وما يلازمه من خشوع، وهو العلو الذي لم يستطع كيرد أن ~~يضفيه على فكرته عن الله، رغم إيمانه الصادق. وهكذا كانت ~~هيجليته أقوى من تجربته ذاتها. # ولقد تحكمت ~~الهيجلية أيضا في نظريته في تطور الدين، فالصور المتنوعة ~~للحياة الدينية، كما تتكشف في التاريخ، إنما هي خطوات في ~~تطور «الفكرة» الدينية، وهي مراحل تمر بها الفكرة في عملية ~~الصيرورة التي تطرأ عليها عبر الأزمان، وبين الشعوب. وهو ~~يميز بين ثلاث مراحل للوعي الديني: الموضوعية والذاتية ~~والمطلقة. وهي تناظر المراحل الثلاث في تطور الإنسان، وهو ~~التطور الذي تتحكم في الإنسان خلاله ms279 فكرة الموضوع أولا، ~~ثم فكرة الذات، ثم فكرة الله بوصفه المبدأ الموحد لهذين. ~~وتتمثل هذه المراحل الثلاث منظورا إليها من الوجهة ~~التاريخية، في مذاهب تعدد ~~الآلهة # polytheism ~~، وشمول الألوهية # pantheism # والمسيحية على التوالي. ~~فعقيدة المسيح هي التحقق الأعلى للفكرة الدينية، وهي الطور ~~الذي يكتمل فيه الوعي الديني، والمرحلة التي تشتمل في ~~ذاتها على كل المراحل الأخرى وتستوعبها وتتسامى بها. ومن ~~الواضح أن كيرد كان هنا، كما كان في غير ذلك من المواضع، ~~يقتفي أثر أستاذه الألماني العظيم، الذي اتخذ من الدعوة ~~إليه غاية وهدفا لحياته. # كان جون كيرد، ~~شقيق إدوارد كيرد الذي كان يكبره بكثير، والذي كان ~~لاهوتيا بارزا وواعظا مرموقا، ذا ميول هيجلية واضحة ~~ظهرت في كتابه «مدخل إلى الفلسفة الدينية»، وهو أهم ~~كتاباته الفلسفية. بل إنه قد دعا إلى الهيجلية من فوق منبر ~~الكنيسة، وكان له دون شك نصيب كبير في تغلغلها في الدوائر ~~اللاهوتية باسكتلندا. ولقد كان كأخيه خطيبا وكاتبا ~~لامعا، وكانت له مقدرة تفوق مقدرة أخيه ذاتها في تحرير ~~أفكار هيجل من الأغلال التي قيدها بها هيجل، وإضفاء ~~تعبيرات شعبية غير متخصصة عليها. كذلك كان الشقيقان ~~متشابهين في مذهبهما، فقد التزمت الفلسفة الدينية عند جون ~~حدود الهيجلية بدقة. وكانت فلسفته هذه تؤثر المخاطرة ~~الفكرية التأملية على عزوف مذهب اللاأدرية عن الحكم عند ~~هاملتن ومانسل وسبنسر. كما أعلن في فلسفته معارضته ~~للمحاولة التي قام بها التجريبيون لتعريف الدين من خلال ~~أولى مراحله وأدناها، فأكد أن قيمة أي دين لا تقاس إلا ~~بأعلى فكرة تحقق فيها، وهذه «الفكرة» سابقة على جميع الصور ~~التي تبدت فيها الحياة الدينية، وهي تكون أساسا لها ~~كلها، بحيث لا يمكن فهم تاريخ الدين إلا في ضوئها. أما تلك ~~العناصر الذاتية اللاعقلية - من خوف وأمل وعاطفة وخرافة - ~~التي رأى التجريبيون أنها هي العناصر الأساسية للدين، فإن ~~قيمتها أقل بكثير من العنصر العقلي، مهما كان لها من ~~أهمية تاريخية أو غيرها. فالقوة الدينية على التخصيص إنما ~~هي العقل، ومن الواجب أن يتحدد طابع الدين وماهيته، ms280 لا ~~بعمق الشعور، وإنما بالمعرفة والبصيرة النفاذة، وهنا ~~تتخذ المعقولية عند جون كيرد طابعا أصرح مما كان لها عند ~~أخيه. # وهو يرفض فكرة الإله الخارج عن العالم، أو الإله الذي ~~خلق العالم وما زال يحكمه من خارجه، وإنما الله هو أعمق ~~ماهية للعالم، تلك الماهية التي تشتمل على جميع الأشياء ~~المتناهية وتتغلغل فيها بوصفها روحها المطلقة. فالإنسان هو ~~كائن متناه ومشارك في حياة الله في آن واحد، ومن ثم فهو ~~مواطن في عالمين، الروحي والطبيعي. من هنا كانت طبيعته ~~تتسم بذلك القلق والشقاق الدائم الذي لا نجد له في عالم ~~الحيوان نظيرا. هذا الانفصام الذي تتصف به الطبيعة ~~البشرية قد يجد له دواء مؤقتا في الحياة الأخلاقية، غير ~~أن هذا ليس دواء نهائيا، إذ إننا لا نصل في الحياة ~~الأخلاقية إلى بداية ذلك الزوال للذات الفردية، وذلك ~~التوحيد بين حياتنا وبين ذلك المجال الدائم الاتساع، مجال ~~الحياة الروحية التي تتجاوزها. وهما أمران لا يتحققان ~~بأكمل صورة إلا في الدين، فالدين هو المجال الذي يختفي فيه ~~نهائيا التعارض بين الطبيعي والروحي، بين الفعلي ~~والمثالي، والذي لا يعود فيه المثل الأعلى اللامتناهي غاية ~~لا تتحقق، وإنما يصبح شيئا متحققا بالفعل. وهكذا فإن كل ~~تفكير ديني عند كيرد إنما يهدف إلى التوفيق والتوحيد بين ~~الإيمان والمعرفة، بين الدين والفلسفة، وأهم من ذلك كله، ~~إلى زيادة كمال عقيدة المسيح بالهيجلية، أما الفروق ~~العميقة بين هذين، فهو يدعها جانبا دون أن يعيرها ~~انتباها. # أما جون ~~واطسون # John Watson ~~(ولد في 1847) # 48 # أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعة «كوينز»، ~~بولاية كنجستن (في كندا)، فقد كان تلميذا للأخوين كيرد، ~~وكان اسكتلنديا مثلهما، وقد اقتصرت معظم كتاباته - وهي ~~عديدة، نشرت كلها في جلاسجو - على عرض الموقف المثالي ~~والتوسع فيه، والتعريف بأبرز ممثليه الألمان، أما مؤلفاته ~~المذهبية (وهي «المسيحية والمثالية # Christianity ~~& Idealism ~~» 1896، ~~و«الأساس ~~الفلسفي للدين # The Philosophic Basis of Religion ~~»، 1907، و«تفسير التجربة الدينية # The Interpretation of Religions Experience ~~»، 1912، في ~~مجلدين، وهذا الأخير نشر لمحاضرات جيفورد)، فتتعلق في ~~المحل الأول بفلسفة ms281 الدين، التي يقف فيها - كما في سائر ~~المجالات - موقفا أقرب إلى الأخوين كيرد منه إلى أي مصدر ~~آخر. # كان ولاس، وهو اسكتلندي بدوره، ينتمي إلى الجيل الأول من ~~تلاميذ هيجل الذين تجمعوا في العقد السابع من القرن الماضي ~~حول جويت وجرين وإدوارد كيرد. وقد تحكم هؤلاء الأساتذة إلى ~~حد بعيد في تعليمه الفلسفي، وساعدوا على تحديد اتجاه ~~تفكيره المتأخر ومحتواه. ولقد كان ولاس من أول وأقدر ~~مترجمي هيجل ومفسريه، وساهم في محاضراته وكتاباته معا ~~بدور بارز في تفسير المثالية الألمانية. ولقد بدأت عملية ~~إتاحة مؤلفات هيجل الرئيسية للطلاب الإنجليز في ترجمات ~~موثوق بها، وهي العملية التي لم تبدأ إلا أخيرا بترجمة ~~لكتاب «المنطق الأكبر»، # 49 # بدأت هذه العملية بترجمة لكتاب «المنطق» ~~الأصغر، وأعقبه، بعد فترة طويلة، كتاب «فلسفة العقل» ~~(الجزآن الأول والثالث من «دائرة المعارف» لهيجل). ولقد ~~لقي كتاباه عن كانت وشوبنهور إقبالا واسعا، ونقل أفكار ~~هذين المفكرين إلى عدد كبير من القراء. وكان ولاس يتمتع ~~بقدرة نادرة على تخليص الحجج الفلسفية من اللغة المحيرة ~~المغرورة التي يعبر بها المتخصصون عنها، وعلى إعادة ~~التعبير عنها بأسلوب أدبي سلس مشرق. ورغم أنه كان من ~~أخلص تلاميذ هيجل، فإنه لم يكن يحجم أبدا عن تغيير نصه ~~ليزيد المعنى وضوحا. ومن الجائز أن أحدا لم يقم بمثل ~~المجهود الذي قام به ولاس في تذليل صعوبة دراسة هيجل في ~~إنجلترا؛ فقد خلع على هيجل ثوبا جديدا، جعله أقرب إلى ~~النفوس والعقول في بلد يكره اللغة الثقيلة الغامضة ~~التجريدية ولا يثق بها. # ولكن رغم أنه كان على وجه العموم يسير في أعقاب هيجل، ~~فقد كان أكثر استقلالا من أن يرتاح إلى مذهب محكم ~~الإغلاق، ولقد كان يفتقر إلى ذلك الحافز التأملي الذي ~~اكتسبه كثير من الهيجليين الإنجليز من هيجل ذاته. وكان ~~يؤثر دراسة فكرة واحدة وإيضاحها بالنظر إليها من زوايا ~~عديدة، على جمع عدد من الأفكار في مذهب واحد. ويظهر ذلك ~~بوضوح في تفسيره لهيجل، الذي يتخذ شكل أبحاث لمشكلات ~~خاصة، تقلب وتختبر من جميع ms282 أوجهها، وهي أبحاث تتصف ~~بالحيوية والدقة الشديدة، ولكن الكثير منها كان جزئيا ~~غير مترابط، فيؤدي ذلك إلى عدم إظهار وحدة تفكير هيجل ~~وإحكامه بما فيه الكفاية. ولكن، على الرغم من استقلال ولاس ~~وعزوفه عن وضع تعاليم ثابتة، واعترافه بإمكان وجود طرق ~~متعددة توصل إلى المثالية، فإن إيمانه بحقيقة النظرة ~~المثالية كان راسخا عميقا، وكان يرى أن ضيق الفلسفة ~~الإنجليزية المنطوية على ذاتها لا يمكن التغلب عليه ~~«بالأيديولوجيات» الفرنسية، أو بأفكار عصر التنوير ~~السطحية، وإنما بذلك الدواء الأقوى الذي تقدمه المثالية في ~~الصورة التي بلغتها في ألمانيا. «فالمثل الذي ضربه لنا ~~الألمان قد نجح في توسيع أفكارنا عن الفلسفة وتعميقها، أي ~~في جعلنا ننظر بمزيد من التقدير إلى وظيفتها، وندرك أنها ~~في أساسها علم، وأنها علم الحقيقة العليا.» # 50 # ولا يتصف أي كتاب مما نشره هو ذاته بالصفة المذهبية، ~~وهكذا لا نستطيع أن نعرف ما كان يقول به هو ذاته من ~~التعاليم إلا من خلال محاضراته ومقالاته التي نشرت بعد ~~وفاته، والتي تتناول الفلسفة الأخلاقية والسياسية والدينية ~~قبل كل شيء، ولقد كانت فكرته الرئيسية، في المجال الأول من ~~هذه المجالات الثلاثة، هي التعاون الاجتماعي، أما في ~~المجال الثاني فكان يفضل ديمقراطية حرة، مع ميول ~~اشتراكية واضحة، وكانت الدولة في نظره هي التنظيم الأعلى ~~الذي يوحد كل الأشكال الأدنى للتجمع الاجتماعي ويشتمل ~~عليها. أما في فلسفة الدين فقد كان قريبا كل القرب من ~~الأخوين كيرد، ولا سيما من تفسير جون كيرد النظري التأملي ~~للمسيحية. فقد كان التجسد الذي لم يعد واقعة تاريخية ~~منفردة وإنما رآه حقيقة أزلية، يعني بالنسبة إليه التجلي ~~المنظور لكمون الله في الإنسان، وللروحي في المادي، ~~والأزلي في الزماني. فالإنسان ليس مجرد ناتج للطبيعة، كما ~~يقول الماديون، ولا مجرد ابن للسماء، كما يقول ~~الأفلاطونيون، وإنما هو نتاج مشترك لعوامل طبيعية ~~وروحية، غير أن الطبيعة والروح هما حقيقة واحدة منظورا ~~إليها تارة من الظاهر وتارة من الباطن. فالألوهية التي ~~توجد في الإنسان بالقوة وتحيا فيه، ترفعه فوق مستوى النظام ~~الطبيعي ms283 الذي هو جزء منه، وتكسبه سيطرة عليه وتحررا منه. ~~وهكذا تسفر المثالية عند والاس، كما هي الحال عند معظم ~~الهيجليين الأوائل، عن مذهب في الألوهية، وتبدو دعامة ~~للدين وأداة له. # كان ريتشي من أولئك الذين كان يدينون بتحولهم للمثالية ~~إلى اتصالهم الشخصي بجرين. ولقد تلقى أول تعليم فلسفي ~~له على يد فريزر وكالدروود في إدنبرة، غير أن تفكيره لم ~~يتخذ وجهته النهائية حتى دخل جو الحياة العقلية في أكسفورد ~~في أواسط القرن الثامن. في ذلك الوقت كان أرنولد توينبي ~~(1852-1883)، الاقتصادي والمصلح يعمل بنشاط هناك، وكان ~~إيمانه المتحمس بالاشتراكية، الذي لم يعبر عنه في قاعة ~~المحاضرات فحسب، بل في خدمات متفانية قدمها خارج ~~الجامعة. كان هذا الإيمان يقدم للجيل الجديد من طلاب ~~الجامعة والدراسات العليا مثلا رائعا للشعور بالمسئولية ~~الاجتماعية. وهكذا فإن ريتشي، الذي كان في اتجاهه العام ~~ومثله العليا قريبا من ذهن توينبي وجرين قد نضج في ~~صحبتهما، وبفضلهما قبل غيرهما، واتخذ في نضجه وجهة سارت به ~~في اتجاه البحث العملي، كالفلسفة الأخلاقية والاجتماعية ~~والسياسية، التي كرس لها كل كتاباته تقريبا. لقد كان هدفه ~~الأول هو إيضاح هذه الميادين وتنظيمها عن طريق مقولات ~~المثالية الجديدة ومبادئها. وليس معنى ذلك أنه تجاهل مشكلة ~~إيجاد أساس نظري لها؛ فقد كان في هذا الصدد أشد تمسكا ~~بالهيجلية من جرين؛ ذلك لأنه تلقى من هذا الأخير الحافز ~~الذي دفعه في اتجاه المثالية بوجه عام. أما فيما يتعلق ~~بالمضمون الخاص لمثاليته، فقد كان يرجع في معظم الأحيان ~~إلى هيجل نفسه مباشرة، وهذا واضح حتى في أول مؤلفاته، ~~الذي تناول فيه مشكلة «معقولية التاريخ»، أو إمكان قيام ~~فلسفة للتاريخ - وهي مشكلة نادرا ما خاضها الإنجليز - ~~وناقش جميع أطرافها من وجهة نظر هيجلية، هذا على الرغم من ~~أنه لم يتوسع في هذا البحث إطلاقا فيما بعد. كذلك حرص ~~على أن يوضح - بطريقة فلسفية - العلاقة بين الأصل ~~والقيمة، وبين المنهجين التاريخي والمنطقي، وأوضح مرارا ~~أن مسائل الواقع ينبغي أن تظل دائما منفصلة عن مسائل ~~القيمة؛ إذ إن ms284 تفسير واقعة على أساس أصلها هو أمر لا صلة ~~له بقيمتها. وكان يرى أن لهذا المبدأ أهمية عظمى في كل ~~تفكير عن الأخلاق والدين والمجتمع والدولة، ولكنه طبقه ~~بوجه خاص في نقده للمذهب التطوري، فالتطوريون، الذين ~~يقصرون اهتمامهم على بحث أصل الشيء، والتتابع الزمني ~~لأحواله، عاجزون تقريبا عن إدراك مغزاه. # أما في آرائه في المنطق ونظرية المعرفة والأنتولوجيا فقد ~~كان أقرب إلى المذهب المطلق منه إلى مذهب الكثرة الذي تتصف ~~به المثالية الشخصية، واتفق إلى حد بعيد مع آراء برادلي ~~في الواحد والكثير، والفردي والكلي، والمظهر والواقع، ~~ودرجات الواقع، وما إلى ذلك. وفي نظريته في الدولة، عارض ~~المذهب الفردي الشائع في المدرسة الإنجليزية القومية؛ ~~فالدولة في نظره كل عضوي، له حق العلو على المجتمع ~~والأفراد، والتدخل على نطاق واسع في شئون الآخرين. وعلى ~~الرغم من أنه كان يؤيد قيام شكل ديمقراطي للحكومة، فإنه ~~لم يكن غافلا عن نقط الضعف في المذهب البرلماني ~~الليبرالي، ومبدأ الاقتراع العام، وطالب باختيار السياسيين ~~المسئولين عن طريق معيار أرستقراطي هو النزاهة والمقدرة. ~~أما في بقية التفاصيل فقد كان يشارك جرين ميله الواضح إلى ~~الاشتراكية، وإن لم يكن قد بناها بالطبع على أية أخلاق ~~للمنفعة، وإنما على مبدأ قيمة الإنسان الأخلاقية، واستمدها ~~من المبدأ المثالي القائل بالذات الاجتماعية، ومسئولية هذه ~~الذات تجاه الجماعة. ولم تكن رسالته هي الرفاهة والسعادة، ~~وإنما التوازن الاجتماعي والفاعلية الاجتماعية. # ولما كان تفكير ~~ريتشي يتحرك كله تقريبا، كما هو واضح، في نطاق المشكلات ~~والحلول المعروفة المميزة للهيجلية الإنجليزية، فربما كان ~~العرض السريع السابق كافيا. غير أن هناك مسألة أخرى ~~ينبغي ملاحظتها، إذ إنها تدل على خروجه على النمط المألوف؛ ~~ذلك لأن المدرسة المثالية قد هاجمت الداروينية والمذاهب ~~المبنية عليها، بقوة منذ البداية، وقد أعطى كتاب سترلنج عن ~~هيجل إشارة الهجوم، وكان كثير ممن تبعوه يعدون قهر ~~الداروينية واجبهم الخاص إزاء عصرهم وبلدهم، أما بحث ريتشي ~~عن «دارون وهيجل»، # 51 # الذي جمع فيه بين هذين الخصمين معا، فقد ~~أحدث ضجة هائلة في الأوساط ms285 الفلسفية. ومن الطبيعي أن ~~المحاولة الجريئة التي بذلها لإظهار وجود علاقة باطنة بين ~~فكرة التطور البيولوجية وفكرة التطور الهيجلية، وبالتالي ~~لإدماج الداروينية في المذهب المثالي؛ هذه المحاولة كان ~~مقضيا عليها بالإخفاق منذ البداية. أما المشكلة الخاصة ~~التي تعرض لها ريتشي فكانت مشكلة الانتقاء الطبيعي، التي ~~حاول أن يربطها بنظرية معقولية الواقع عند هيجل، فبقاء ~~الأصلح يعني أن ما له قيمة معينة؛ أي قدر معين من ~~المعقولية هو وحده الفعلي أو الحقيقي، وزوال الأضعف يناظر ~~العلو على العامل السلبي في الديالكتيك الهيجلي. ولا جدال ~~في أن محاولة ريتشي بعث الانسجام بين أكبر قوتين عقليتين ~~في القرن الماضي قد انحرفت كثيرا عن الطريق السديد، غير ~~أن اهتمامه بدارون قد جعل له مع ذلك بصيرة صادقة في نقطة ~~واحدة، فقد رأى أن تطبيق المقولات البيولوجية على الحياة ~~الاجتماعية للإنسان لا يمكن أن يتحقق دون بحث نقدي في ~~العلاقات المحددة التي تسري على المجال الجديد. فمهما كان ~~من فائدة أو أهمية تطبيق مبدأ الانتقاء، فإن من واجبنا أن ~~نتذكر أن المجتمع البشري لا ينطوي على مجرد صراع من أجل ~~الوجود، كذلك الذي نراه في عالم الحيوان، وإنما على صراع ~~مخالف تماما، له ظروف أكثر تعقيدا بكثير. فنظير المبدأ ~~البيولوجي في المجال البشري هو المنافسة الصناعية ~~والتجارية، والتنظيم التكنولوجي لأحوال المعيشة، والظروف ~~الاجتماعية والتعليم وما إلى ذلك، والتطور الاجتماعي يرتكز ~~على التعاون، لا على سحق الأقوى للأضعف. وبانتهاج ريتشي ~~لهذه الفكرة في التفكير، ارتفع فوق مستوى مذهب التطور ~~الطبيعي إلى ما أسماه بمذهب التطور المثالي. وبهذا الاتجاه ~~العام ساهم في التفكير اللاحق بدور أنجح كثيرا من الدور ~~الذي ساهمت به محاولته الخاصة لتوسيع نطاق المثالية عن ~~طريق إيجاد تلك الرابطة غير الطبيعية بين الأفكار الهيجلية ~~والداروينية. # كانت فلسفة جونس، بقدر ما كان لها من مضمون محدد، ~~مثالية هيجلية بالصورة التي أضفاها عليها كيرد، فمنذ ~~اللحظة التي طلب فيها العلم على أستاذه العظيم، وهو طالب ~~شاب وافد إلى جلاسجو من ويلز، اعتنق مذهب الحركة الجديدة ~~وكرس ms286 نفسه لها بكل ما في طبيعته المتحمسة من قوة. وظل ~~طيلة حياته تلميذا مخلصا لكيرد، الذي كان يدين له بكل ~~شيء تقريبا. ولقد كان يدرك أنه ليس مفكرا أصيلا؛ لذلك ~~عد نفسه واعيا وحارسا لكنز ثمين، هو النظرة المثالية ~~إلى كل الأشياء، التي أخذ على عاتقه أن يذيعها بين أكبر ~~عدد ممكن من الأذهان ويبثها فيهم. فالمثالية كانت هي ~~اليقين الفلسفي الوحيد، الذي يتعين حفظه مصونا، على الرغم ~~من أن أسسها يمكن أن توسع ومضمونها يمكن أن يطبق بنجاح ~~في ميادين متزايدة للنشاط الإنساني. وكان تحقيق هذا ~~التوسيع والتطبيق هو المهمة التي كرس لها جونس جهده، وهي ~~مهمة حققها على أفضل وجه في الفلسفة الدينية والاجتماعية ~~والسياسية. # وربما لم يدع أحد إلى المثالية بمثل هذا التفاني ~~والإخلاص الجريء، والحماسة الأصيلة التي دعا بها إليها ~~جونس؛ فقد كان أقل اهتماما بالبرهان منه بالدفاع البليغ ~~والإقناع الحي؛ إذ إن كل فلسفة هي في نظره موقف عن الحياة ~~وقوة روحية أكثر منها مذهبا من التعاليم النظرية. وهكذا ~~فإن جونس قد استوعب - بحرارة التجربة الشخصية المباشرة - ~~ما شيده كيرد وكسبه عن طريق التفكير المضني الدقيق، ~~فحوله من بحث إلى إيمان، ومن مذهب إلى شعور، بل حوله ~~في أحيان غير قليلة إلى حماسة خيالية أو نوع من الوجد ~~الصوفي. فالمثالية كانت في نظره جزءا من حياة عملية، ~~واعتناقا لإيمان وعقيدة، وشيئا عاشه وآمن به وأعلن أنه ~~هو الأمر الوحيد اللازم. وبالاختصار فقد أصبحت الهيجلية ~~عاطفية عند جونس، وهو نبيها وحواريها، وقد حملها كأنه رسول ~~إلى أقصى حدود الإمبراطورية عندما دعي في 1908 إلى إلقاء ~~محاضرات في جامعة سيدني عن «المثالية بوصفها عقيدة ~~عملية»، وهي مناسبة فيها بعض الشبه من محاضرة هيجل ~~الافتتاحية المشهورة في هيدلبرج سنة 1816. # وإذن فلم يكن من المستغرب أن يبحث جونس عن المحتوى ~~المميز للفلسفة المثالية خارج المؤلفات الفلسفية المتخصصة، ~~وأن يجده في ذلك الطابع الأخلاقي الذي تتسم به أوجه النشاط ~~العملية للإنسان، وفي اعتناق عقيدة (ولا سيما العقيدة ~~المسيحية)، وقبل ذلك ms287 كله، في عامل دائم خلاق هو ~~الأعمال الأدبية العظيمة. فالشعراء يعبرون بصورة جميلة ~~عما يصوغه للفلاسفة بلغة التصورات المجردة. ومن ثم فإن ~~جونس قد اقتبس من كبار فناني الأدب كثيرا من العناصر التي ~~تؤيد مذهبه وتدعمه؛ فعنده أن لسنج وجوته وورد سوث وبروننج، ~~قد أعلنوا على طريقتهم الخاصة تلك النظرة إلى العالم التي ~~عبرت عنها فلسفة كانت وفشته وهيجل وأتباعهم من الإنجليز ~~بطريقة التصورات. ولقد رأى في شعر بروننج بوجه خاص ~~تعبيرا رفيعا عن الشعور والمقصد المثالي، ووصفه، في ~~كتاب رائع خصصه كله له، بأنه «معلم فلسفي وديني ~~أصيل». ولهذه الأسباب ذاتها أحس بتقارب وثيق مع كارليل، ~~الذي وجدت طبيعته التنبئية وبلاغته الدافقة تجسدا جديدا ~~لها في شخص جونس. # ولسنا هنا بحاجة إلى الدخول في تفاصيل مضمون تعاليمه ~~الفلسفية؛ إذ إنها لم تكد تتجاوز تعاليم الهيجليين الأوائل ~~الذين عرضنا لهم من قبل، فنحن نصادف لديه مرة أخرى جميع ~~العناصر المألوفة في المذهب، بعد إعادة صياغتها بطريقة ~~بارعة؛ كتضايف الفكر والوجود، والمثالي والواقعي، والروحي ~~والطبيعي، والجمع بين الأضداد في وحدة «الكل» العليا ~~الشاملة لكل شيء، والتركيب الروحي للكون، والحملة على كل ~~أنواع الثنائية بوصفها تجريدات باطلة، واستبعاد العرضي ~~واللامعقول، وفكرة النسق المترابط، والمطلق بكل صفاته ~~ووظائفه المألوفة، وكمون الله في الطبيعة والإنسان، ~~والتوحيد بينه وبين المطلق، وتشخيص الله، وتحقق الأخلاق في ~~الدين، والتفاؤل الميتافيزيقي الساذج، وما إلى ذلك. # ولم يبق علينا إلا ~~أن نلاحظ أن الفارق بين الاتجاهات المتقدمة والاتجاهات ~~المتأخرة في المدرسة الهيجلية ازداد وضوحا وشدة عند جونس؛ ~~فقد أحس مرارا وتكرارا بأنه مضطر إلى نقد تشويهات ~~برادلي وبوزانكيت وتزييفهم للهيجلية في صورتها الأصلية. ~~وقد حرص مرارا على إيجاد تمييز قاطع بين موقفه وبين موقف ~~بوزانكيت بوجه خاص. وكانت نقطة الخلاف الرئيسية هي ~~التقابل بين الواحدية والثنائية، صحيح أن الموقف الذي ~~اتخذه برادلي وبوزانكيت يمكن قطعا أن يوصف بأنه واحدي ~~بمعنى ما، ولكنه بدا موقفا ثنائيا واضحا من وجهة نظر ~~أولئك الذين يمضون، مثل كيرد وجونس، في اتجاه الوحدة إلى ms288 ~~حد استخلاص أبعد نتائجها؛ لذلك عكف جونس على تصيد مظاهر ~~الثنائية عند برادلي، وعند بوزانكيت على نحو أوضح، وهي ~~ثنائية المظهر والحقيقة، والمتناهي واللامتناهي، والنسبي ~~والمطلق، والأهم من ذلك كله تلك الثنائية التي تفصم ~~الطبيعة البشرية إلى شقين متغايرين. فجونس كان يرى أن ~~الإنسان ليس بحاجة إلى الخروج عن ذاته ليبلغ المثل الأعلى، ~~ولا يتعين عليه أن يغير ذاته بالاندماج في المطلق؛ إذ إن ~~ذاته ستضيع تماما عندئذ، وإنما الواجب عليه بالأحرى أن ~~يصبح ذاته، ويحقق الإمكانيات الكامنة فيه، وعندئذ يكون قد ~~وصل إلى اللامتناهي بحق، بل يغدو «هو» المتناهي في عملية ~~صيرورته. # وهكذا استعاض جونس عن العلو على الذات عند بوزانكيت ~~بتحقيق الذات وبعث الكمال فيها، كذلك كان يرى أن المطلق ~~ليس حالة تسكن فيها كل حركة، وتستقر في ذاتها مباركة إلى ~~الأبد، وإنما هو عملية دينامية أزلية التقدم، يكون ~~الزمان فيها عاملا حقيقيا، لا مجرد مظهر، وهنا نلمس ~~التضاد بين نزوع جونس إلى الفاعلية والبرجماتية، وهو نزوع ~~يذكرنا كثيرا بنظيره عند فشته، وبين الموقف الأقرب إلى ~~التأمل والسكينة عند القائلين بالمثالية المطلقة. # وهناك نقطة اختلاف أخرى، فجونس قد اعتقد أنه قد اكتشف ~~أعراض مرض خطير في نظرية المعرفة التي قال بها برادلي ~~وآخرون؛ إذ إن في هذه النظرية نزعة ذاتية تكاد تقرب من ~~مذهب «الذات الوحيدة»، وهي تستتبع النظر إلى الواقع على ~~أنه هزيل أو متلاش تماما، وهكذا آلى على نفسه أن ~~يحاربها. ولما كان يرى أن لوتسه، الذي كان تأثيره في الفكر ~~الإنجليزي هائلا، مسئول عن ظهور هذا المرض، فقد كرس ~~لنقد نظرية لوتسه مؤلفا خاصا، هو واحد من أفضل ~~كتاباته، فهو يرى أن المشكلة الرئيسية في نظرية المعرفة لا ~~تجد حلا مرضيا في الذاتية ولا في الموضوعية، فالذهن ليس ~~مستقلا عن الموضوعات، ولا الموضوعات مستقلة عن الذهن، ~~وما نصادفه في المعرفة إنما هو حركة عالم موضوعي حقيقي ~~في وسيط هو الفكر، وبدلا من أن نتصور المعرفة على أنها ~~محاولة لاقتناص الواقع في شبكة من التمثلات والتصورات، ms289 ~~علينا أن نتصور الواقع على أنه مبدأ فعال يكشف عن ~~ذاته لنا في عملية التفكير. فليس ثمة حاجة إلى جلب الذات ~~والموضوع والفكر والواقع سويا، وإنما هما مقترنان منذ ~~البداية، بوصفهما القطبين اللذين يقع بينهما ما نسميه ~~بعالمنا. فالمثالي والواقعي ليسا عالمين منفصلين، وإنما ~~هما عنصران لا ينفصلان داخل كون واحد، وهكذا يسود مفهوم ~~الواحدية تفكير جونس. # ترجع الأصول الفلسفية لمويرهيد إلى جيل الهيجليين الأقدم ~~عهدا، وقد تلقى تعليمه في مركزي الحركة، وهما جلاسجو ~~وكلية باليول بأكسفورد. ودرس على كيرد وجرين على التوالي، ~~فطبع هذان تفكيره بالطابع الخاص المميز له، وحددا ~~الاتجاه الذي سار فيه فيما بعد. ولقد أخذ عن كيرد ~~الهيجلية في الصورة التي اصطبغت بها تحت تأثير الهيجليين ~~الإنجليز الأصليين في العقد الثامن، أما جرين فإليه يرجع ~~اهتمامه بتطبيقها على مشكلة الحياة العادية. وتتناول معظم ~~مؤلفاته المذهبية مشكلات الأخلاق والحياة الاجتماعية ~~والسياسية، بينما لم يعالج الفروع النظرية البحتة للفلسفة ~~إلا لماما، وحتى في هذه الحالة كان بحثه متجها إلى ~~علاقتها بالفروع العلمية أكثر مما كان مبعثه أي اهتمام بها ~~لذاتها. وفيما يتعلق بالأسس النظرية لتفكيره، فقد كان على ~~اتفاق يكاد يكون كاملا مع فلسفة أستاذه كيرد، التي حاول ~~بالفعل أن يوسعها لا أن يغيرها. # ولكن على الرغم من أن مويرهيد لم يحاول أن يدخل أي عنصر ~~جديد بحق على المثالية الإنجليزية، فإنه يحتل بين أولئك ~~الذين قاموا بدور الأوصياء على تراث كيرد وجرين مكانة ~~بارزة؛ فقد احتفظ حتى يومنا هذا بحيوية ونضارة القوة ~~الدافعة التي ولدت الحركة ذاتها، وسار بها في جو متغير ~~عبر زمن تتحرك فيه الفلسفة بمؤثرات آتية من جهات مختلفة ~~كل الاختلاف. وغيرت فيه المثالية ذاتها معالمها الأصلية ~~تغييرا عميقا متعدد الأوجه، بعد أن كادت جذوتها تخبو، ~~وإن لم تكن قد خبت تماما، فهو لا يزال واحدا من القلة ~~القليلة الباقية من تلك الأيام الزاهرة التي دخل فيها ~~الفكر الإنجليزي مرحلة جديدة من تطوره. # على أنه لم يحفظ ~~المثالية بوصفها تراثا ميتا، أضفى عليه ثباتا ms290 قطعيا، ~~وإنما تظهر مزاياه الخاصة والخدمة التي أداها في حرصه ~~الدائم على أن يحتفظ بصفاتها الحيوية المثمرة عن طريق ~~تكييفها مع الظروف الزمنية المتغيرة. وهكذا أعمل فكره في ~~المشكلات والمواقف حديثة العهد، وحاول أن يوسع نطاق ~~الأشكال والمذاهب القديمة بقدر الإمكان، ليجعلها قادرة على ~~تقبل كل ما هو صحيح في الأفكار الجديدة. ويتمثل هذا ~~النزوع في الموقف الوسط الذي اتخذه من الخلافات السائدة في ~~مجال علم الأخلاق في عصره، ففي مذهب اللذة تكون غاية الفعل ~~الأخلاقي ومعياره هي اللذة. ولكن مذهب السعادة # Eudaemonism # يأتي بتصحيح ~~هام؛ إذ يعلن أن الخير الأسمى ليس هو اللذة وإنما السعادة، ~~وليس مجرد مجموع من المشاعر التي يعد كل منها ~~مستقلا عن الباقين، وإنما هو تلك المشاعر التي تهدف إلى ~~خدمة كل ويعلو على أية ذات بعينها. وليس معنى ذلك أن في ~~وسع مذهب السعادة أن يقدم حلا مرضيا للمشكلة ~~الأخلاقية، وإنما فيه، كما يقول مويرهيد، مقابل مفيد لتلك ~~النظرية الأخرى، أخلاق الواجب، التي تركز اهتمامها بنفس ~~القوة على عنصر واحد فقط، هو العنصر المعقول في الطبيعة ~~البشرية، فأخلاق الواجب من أجل الواجب تخضع الحياة ~~الأخلاقية لقانون شكلي مجرد فحسب، وبذلك تسلبها كل ما ~~هو نفيس غال بالنسبة إلينا، فالواجب لا يكون أبدا ~~واجبا بالمعنى التجريدي أو مطلقا محضا، وإنما هو يشير ~~دائما إلى موضوع محدد لاهتمام البشر، وهو يشعر بنفس ~~القدر من النفور من المثل الأعلى لعالم يوجد فيه كل فعل ~~عمدا ضد رغباتنا ومصالحنا، والمثل الأعلى لعالم لا يوجد ~~فيه إحساس بالواجب على الإطلاق. وهكذا يعرف مويرهيد ~~الأخلاقية بأنها إطاعة قانون يفرضه الإنسان، بوصفه وحدة ~~واعية بذاتها، على العناصر الكثيرة المؤتمرة # subordinate # في ~~طبيعته. وفضلا عن ذلك فقد حاول مويرهيد أن يجعل فكرة ~~التطور، كفكرة السعادة، مثمرة في الأخلاق، وإن يكن قد عارض ~~بالطبع النظريات الأخلاقية للفلاسفة التطوريين، فكون ~~المعايير الأخلاقية تتغير بتغير الزمان والمكان لا يعني ~~عدم وجود معيار شامل للأفعال الأخلاقية، والأمر الذي يكشف ~~عنه التطور فعلا هو أن الفروق الواقعية ms291 في الأحكام ~~الأخلاقية تفترض مقدما مبدأ واحدا للتقويم تستمد منه ~~اتجاهها المعياري، وأن المعايير المختلفة ينبغي أن تعد ~~مراحل في تطور مثل أعلى أخلاقي واحد وفي تحقيقه لذاته. ~~وهكذا يكون من الممكن - من وجهة النظر هذه - ترتيب ~~المعايير المختلفة في الماضي والحاضر ترتيبا تصاعديا ~~حسب قيمتها، وبالرجوع إلى هذا الترتيب نستطيع أن نحدد ~~درجة التقدم الأخلاقي. # ولقد أتاح الطابع ~~المرن الواسع الأفق لمثالية مويرهيد، أتاح له أن يخفف ~~حدة التعارض بين التعبيرات المتقدمة والمتأخرة عن الحركة ~~المثالية، وأن يجمع قوى المثالية في اتجاه واحد، وبذلك ~~أضاف إلى الذخيرة المشتركة للمدرسة أفكارا قيمة مستمدة ~~من مختلف المذاهب المطلقة والشخصية التي تولدت عن ~~المدرسة. كذلك أتاح له «مذهبه المفتوح» أن يساير، وأن ~~يستوعب إلى حد ما، التيارات المضادة للمثالية، وهي ~~البرجماتية والواقعية، التي ظهرت قرب أواخر القرن الماضي. ~~ولقد أقر بصحة النقد البرجماتي القائل: إن الهيجلية، ولا ~~سيما في صورتها المطلقة، قد تجاهلت أكثر مما ينبغي ذلك ~~العنصر النزوعي الغرضي في التجربة، ووضعت «فكرة» جامدة ~~فوق مثل أعلى مرن حي. وهكذا قال إن المثالية تستطيع أن ~~تقبل هذا النقد، وعندما تفعل ذلك لا يكون قد بقي تعارض ~~بينها وبين البرجماتية العقلية. أما بالنسبة إلى حركات مثل ~~الواقعية الجديدة، التي أوحى بها العلم الطبيعي، والتي ~~أعملت الفكر الفلسفي في نتائج هذا العلم، فقد اعترف بأن ~~على المثالية أن تلائم بينها وبين التفكير العلمي؛ فلم يعد ~~من الممكن ترك تلك النظرة المثالية إلى العالم، التي فعلت ~~الكثير من أجل الفلسفة، تتجاهل فلسفة الطبيعة أو تعزف ~~عنها، ومن ثم فمن الواجب إيجاد أساس أوسع للثقافة العقلية ~~للمثاليين، إذ إن هذه وحدها هي الطريقة التي تتيح للمثالية ~~- من حيث هي فلسفة - أن تظل حية وسط المسائل الملحة في ~~العصر الحديث، وأن تدخل بوصفها شريكا متساوي الحقوق في ~~الاتفاق الذي يجري إعداده بين الفيزياء وبين الميتافيزيقا، ~~والذي قد يحدد مصير الفكر. وهكذا دعا مويرهيد الفلاسفة إلى ~~تناسي الخلافات التي تفرق بين المدارس والمذاهب، وأضفى على ~~دعوته هذه ms292 صورة عملية في سلسلة «مكتبة ~~الفلسفة # Liber. ~~of Phil. ~~». التي يشرف على نشرها، وهي ~~سلسلة من المؤلفات لمفكرين معاصرين، أجانب وإنجليز، ينتمون ~~إلى اتجاهات مختلفة كل الاختلاف، وكذلك في كتاب «الفلسفة ~~الإنجليزية المعاصرة» (الذي يناظر كتب «العرض الذاتي ~~للمذاهب # Selbstdarstellungen ~~» الألمانية ...) والذي اجتمع فيه ~~لأول مرة مختلف ممثلي الفلسفة المعاصرة في إنجلترا لتقديم ~~موجزات شخصية لآرائهم. # وأخيرا فقد ساهم مويرهيد بنصيب ملحوظ في تاريخ الحركة ~~المثالية، فقد وضع الحركة في إطار عقلي أوسع، وحاول على ~~هذا الأساس أن يفهم أصلها وتطورها، فضلا عن مغزاها العام، ~~وقد تتبع ما أسماه «بالتراث الأفلاطوني في الفلسفة ~~الأنجلوسكسونية» حتى بداياته الأولى، وكشف - على خلاف ~~الطريقة المألوفة في العرض - عن تيار موحد مستمر ~~للتفكير المثالي، يسري طوال تاريخ الفلسفة الإنجليزية ~~بأسره، وإن كان يتخذ أحيانا صورة تيار غير ظاهر. وقد أوضح ~~كيف أن الأرض في إنجلترا كانت ممهدة للتجديد الذي حدث في ~~القرن التاسع عشر بتأثير ألمانيا، قبل ظهوره المفاجئ بوقت ~~طويل، وذلك أولا عن طريق الشعر الرومانتيكي لشلي وكيتس ~~ووردسورث وكولردج (وقد كتب مويرهيد عن هذا الأخير بحثا ~~كان غاية في العمق)، ثم عن طريق أدب الكتاب في العصر ~~الفكتوري، مثل كارليل وإمرسون وتينسون وبروننج وأرنولد، ~~وأخيرا عن طريق ذلك التغير العام في الأفكار والنظم، الذي ~~تميز به النصف الثاني من القرن الماضي. ولما كان مويرهيد ~~شاهد عيان على ظهور الحركة المفاجئ في العقد الثامن من ~~ذلك القرن، ومساهما فيها بنشاط منذ ذلك الحين، فقد كان ~~أصلح الجميع للعودة بنظره إليها في فترة الكهولة من حياته ~~الطويلة، وتأملها في مجموعها، والكشف للجيل الجديد، عن قصة ~~تطورها والكنوز التي تحويها تعاليمها. # كان ماكنزي، مثل جونس ومويرهيد، من أولئك الذين يدينون ~~لإدوارد كيرد باهتمامهم المبكر بالفلسفة. ولقد ظل إلى ~~النهاية على ولائه لأستاذه العظيم، واعترف في آخر مؤلفاته ~~بأنه «مجرد سائر متواضع في طريق التأمل المثالي الذي أعتقد ~~أن أستاذي الأول، إدوارد كيرد، كان خير مرشد فيه.» # 53 # وقد تناول أول كتبه موضوع الفلسفة الاجتماعية ~~وثانيها ms293 الأخلاق، أما في سنواته الأخيرة فقد اهتم أساسا ~~بالمشكلات الكبرى للميتافيزيقا، ومشكلة القيم المرتبطة ~~بها. وكان، مثل معظم الهيجليين، قليل الاهتمام بنظرية ~~المعرفة وعلم النفس، كما أهمل المنطق. # وهو يعرف ~~الميتافيزيقا بأنها «الدراسة المنهجية التي تسعى إلى إيجاد ~~نظرة شاملة إلى التجربة، بغية فهمها في كل منهجي.» # 54 # وهو يعني بالتجربة هنا الكون بما هو كذلك، أو ~~الواقع في مجموعه، الذي يسميه بالكون المنظم # Cosmos ~~، والذي يكون العالم ~~الزماني المكاني وجها جزئيا واحدا له. وكما يدل اسم ~~«الكوزموس»، فإنه يجعل فكرة النظام أساسية في تصوره للكون، ~~أما العالم المحيط بنا فبعيد كل البعد عن ذلك النظام ~~الكامل الذي يتصف به الكون (الكوزموس)، ومن جهة أخرى فلا ~~يمكن أن يعد هذا العالم مجرد فوضى؛ لأنه ينطوي على قدر ~~غير قليل من النظام، ولأن العوامل المؤدية إلى النظام فيه ~~تغلب، عموما، على تلك المؤدية إلى الاضطراب. ولما كان ~~الأمر كذلك، فإن لنا الحق في أن نفترض أن عالمنا ليس إلا ~~جزءا من كل أكبر يتصف بالنظام الكامل، هو «الكوزموس». ~~ومن أمثلة العوامل المؤدية إلى الاضطراب، كل ما هو عرضي ~~متغير، والأهم من ذلك: التعاسة والشقاء والألم والشر، ~~فوجود الشر في عالمنا هو العقبة الكبرى في وجه الإيمان ~~بالانسجام الكامل في الكون، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن ~~هناك «شيئا له طبيعة الشر»، يظل موجودا بالضرورة، من ~~وجهة نظرنا المحدودة، غير أن هذا لا يتناقض مع الافتراض ~~القائل إنه قد يكون هناك انسجام كامل من وجهة النظر ~~الشاملة. ويعرض ماكنزي هذه الآراء بدقة كاملة في الفقرة ~~الآتية: «إن العرضية والتغير والشر الظاهري، التي نجدها في ~~العالم كما نعرفه، يمكن أن تعد كلها متمشية مع حقيقة ~~نظام كامل، إذا ما استطعنا أن نفترض أن الكل روحي في ~~أساسه، وأنه يحقق ذاته عن طريق عملية تغير، تتضمن في ~~مراحلها الأولية نوعا من الافتقار إلى النظام وما يتبعه ~~من ظهور العرضية والشر، ولكنها تسير متدرجة نحو الوحدة ~~الكاملة، التي يحتفظ فيها بالعملية بطريقة أزلية واعية.» # 55 ms294 # ويستتبع التمييز بين الكون المنظم وبين العالم الزماني ~~المكاني أن يكون الأول لا متناهيا والثاني متناهيا، وقد ~~وجد ماكنزي في الفيزياء حديثة العهد تأييدا لثاني هذين ~~الرأيين، وهو يتوسع في هذه الآراء الشديدة العمومية، ~~«التي هي بالضرورة ذات طابع نظري تأملي إلى أبعد حد.» # 56 # ويؤيدها بعرض مفصل لهذين المجالين وعلاقة ~~كل منهما بالآخر، أعني المجال المكاني الزماني الكيفي ~~العلي، ومجال الوعي والقيمة والمنطق والأخلاق وهكذا. ~~ويناظر هذا الجزء من نظريته، بشكل عام، مبحث ~~المقولات. # ولقد تزايد إلى حد بعيد تأكيد ماكنزي، في تأملاته ~~الميتافيزيقية الأخيرة، للطابع الإيجابي لما هو عرضي ~~مفتقر إلى الضرورة، بالنسبة إلى تأملاته القديمة العهد، ~~فقد وقع تحت تأثير بعض أفكار ف. ك. س. شيلر، ود. فوست # D. Fawcett ~~، # 57 # وأصبح في هذه الفترة المتأخرة يقول إن الأساس ~~الأخير للأشياء عقل خلاق، لا يتصور على أنه فرد مشخص، ~~وإنما على أنه عقل كوني، يكشف عن ذاته ويعبر عن نفسه في ~~أذهان متناهية، وواضح أن هذا هو «المطلق» عند الهيجليين، ~~ولكنه ليس المطلق السكوني المفارق الثابت عند برادلي، ~~وإنما هو مطلق يحركه خلال مجرى العالم نزوع خلاق، كما ~~هي الحال في المطلق عند فوست. ولقد حدث تغير يناظر هذا في ~~وجهة نظره، أدى به إلى وضع الخيال في موضع مواز للعقل، ~~وإلى ربطه به بوصفه ملكة فلسفية هامة. ومن الواضح أن ~~ماكنزي هنا يصطنع تحالفا زائفا؛ إذ ليس ثمة عنصر مشترك ~~بين الهيجلية وبين خيالات «فوست» الفلسفية، وإنا لنجده ~~أيضا في مواضع أخرى يفتت كيان الهيجلية الذي كان ~~متسقا من قبل، عن طريق إدماج أفكار غريبة فيه، مستمدة ~~من أحدث تيارات الفكر الإنجليزي. # ويظهر مثل هذا الميل في مذهب ماكنزي في الأخلاق، الذي ~~عرضه بدقة وبالتفصيل في كتاب موجز رائع، فهذا المذهب، في ~~صورته الأصلية، يرفض النزعة الشكلية الصارمة عند كانت، ~~ويدعو إلى المثل الأخلاقي الأعلى بوصفه تحقيق الذات ~~العاقلة، وينظر إلى فكرة الخير على أنها أعلى القيم كلها. ~~وتلك بطبيعة الحال هي الأفكار الأخلاقية الرئيسية في ms295 ~~المدرسة الهيجلية التي هي أقدم عهدا، غير أن الأخلاق عند ~~ماكنزي قد طرأ عليها فيما بعد، بتأثير ج. أ. مور # G. E. Moore # وآخرين، ~~تغيير ملحوظ، ابتعد بها عن نقطة بدايتها، فلم يعد الخير ~~في نظره هو القيمة العليا، وإنما أصبح مجرد قيمة واحدة ~~ضمن قيم أخرى، شأنه شأن الحق والجمال، بل لقد أصبح ماكنزي ~~ميالا إلى إعطاء المكانة العليا للجمال، وذلك نتيجة لميله ~~المتزايد إلى تحقيق الاكتمال في مذهبه، ولرغبة جمالية في ~~صياغة جميع المشكلات الفلسفية في نظام كامل. # ولقد كرس ماكنزي كتابين كاملين للفلسفة الاجتماعية، ~~وكانت فكرته الرئيسية هي التعاون الخلاق بوصفه أهم أساس ~~للحياة الاجتماعية في كل صورها، وقهر النوازع الحيوانية في ~~تركيبنا، وتنمية طبيعتنا العقلية والروحية، وتناظر ذلك ~~ثلاثة أوجه أو وظائف للدولة، هي الاقتصادية، والسياسية أو ~~التشريعية، والتعليمية أو الروحية. ولقد كان ماكنزي ~~متأثرا في هذا بفكرة شتينر # Steiner # عن الكائن العضوي ذي الأعضاء الثلاثة، # 58 # وقد رفض الاعتراف بأن فكرة الدولة القومية هي ~~الشكل الوحيد، أو الأفضل، للتنظيم الاجتماعي، ودعا بدلا ~~منها إلى نظام للإخاء واحد بين جميع الدول، وهناك ارتباط ~~واضح بين نزعته العالمية هذه ~~( # Cosmopolitanism ~~) ~~وبين قوله بالعالم ~~المنظم # Cosmism # في الميتافيزيقا. # وكما أوضحنا من قبل، فإن الصفة المميزة لماكنزي هي ~~تفتيته للأرض الصلبة للمدرسة الهيجلية القديمة، وتفتحه ~~المتزايد للأفكار الجديدة، بل لأحدث الأفكار عهدا . وقد ~~أدى تفتحه الذهني الواسع الأفق هذا، وطريقته المرنة ~~المتسامحة في التفلسف، وطبيعته الحذرة التي جعلته يمتنع عن ~~ادعاء الإتيان بأية حلول نهائية؛ أدى ذلك كله إلى جعله ~~يصلح وسيطا بين مختلف تيارات الفكر، ويرمز إلى مدى تحرر ~~الهيجلية حتى من ذلك القدر الضئيل من التزمت وثبات ~~العقيدة الذي كانت قد اكتسبته من قبل. فهو أوضح مثال لما ~~أسماه بوزانكيت «بتقابل الأضداد في الفلسفة المعاصرة». ~~ولقد كان الشعار الذي اتخذه لنفسه، والقائل: إن كل عقيدة ~~ثابتة، في مجال الفلسفة، تجديف؛ كان هذا الشعار خير تلخيص ~~لموقفه، فهو قد أخذ أفكارا جديدة من جميع الجهات، ووزنها ~~واختبرها، واستبقى ms296 أفضلها، غير أنه لم ينجح على أي نحو في ~~إدماج الجديد في القديم. وكيف كان يتسنى له ذلك وقد ~~اشتمل الجديد على أمور متنافرة مثل خيالات «فوست» الغريبة ~~المسرفة، وتحليل مور المفرط في التدقيق والتعمق، وفكرة ~~الفاعلية عند البرجماتيين، ومذهب التطور ~~الظافر # emergent Evolutionism # عند ألكسندر، وصوفية ماكتجارت ~~الجافة، والنتائج العلمية الدقيقة التي أتت بها الفيزياء ~~الحديثة؟ كل هذه اتجاهات لا يمكن جمعها تحت سقف واحد، ومن ~~هنا كان ذلك الانطباع العام الذي يعطينا إياه بوجود نزعة ~~تلفيقية لديه، ونوع من الإعياء الفكري، وعدم الاستقرار، ~~يوضح لنا السبب الذي لم يواجه من أجله ماكنزي مشكلاته ~~مواجهة حقيقية أبدا، وإنما تركها تدفعه وراءها دون أن ~~يتمكن هو ذاته من السيطرة عليها. ولقد كان ذلك كله راجعا ~~إلى حصيلته المفرطة من المعرفة، وتطرف النزعة إلى التوفيق ~~لديه؛ مما جعله يرغب في إنصاف كل اتجاه، واستيعاب كل ما ~~كان صحيحا وشريفا وذا سمعة طيبة. وهكذا كان ماكنزي ~~مفكرا مهذبا محببا إلى النفس أكثر مما كان مفكرا ~~قويا متمسكا بموقفه. # على الرغم من أن مؤلفات اللورد هولدين الفلسفية لا ~~تكون إلا جزءا صغيرا من أعماله الرائعة التي كانت ~~متعددة الأوجه إلى حد يبعث على الدهشة؛ إذ كان فقيها ~~مشرعا وبرلمانيا وسياسيا ومصلحا جامعيا وفيلسوفا ~~وكاتبا؛ فلزام علينا أن نعدها مركز حياته، الذي كانت ~~جميع أوجه نشاطه الأخرى مجرد إشعاعات له، وقد أنبأنا هو ~~ذاته في ترجمته الذاتية لحياته، أن مثاليته الفلسفية قد ~~صاحبته في جميع أوجه نشاطه العملية، وأنه قد عاشها فعلا، ~~وأدمجها في كل وجه من الأوجه المتعددة لحياته. ولقد كان ~~هولدين - من بين الهيجليين الإنجليز في جيله - أصرحهم في ~~إبداء إعجابه بالمفكر الألماني العظيم، وأخلصهم في التتلمذ ~~عليه، فأخذ بمذهبه كاملا تقريبا. وهكذا نجد في كتاباته ~~أقوى اعتراف بالهيجلية في اللغة الإنجليزية، باستثناء ما ~~نجده لدى سترلنج، فهو يقول: «إن كل ما في هذه المحاضرات قد ~~أخذته أو اقتبسته عن هيجل ... فليس في وسع أي مفكر آخر أن ~~يفيد الباحث عن الحقيقة ms297 بمثل ما يفيده به هيجل، فهيجل هو ~~«أعظم معلم» للمنهج النظري التأملي عرفه العالم منذ أيام أرسطو.» # 59 # ولا نكاد نجد واحدا غير هولدين، ممن كانوا ~~ينتمون إلى نفس هذه المدرسة، يجرؤ على أن يقول عن نفسه، ~~دون أي تحفظ: «إنني راض بالقول إنني هيجلي، وأود أن أسمى كذلك.» # 60 # وتميز هولدين، فضلا عن ذلك بفهم عميق للحياة ~~والحضارة الألمانية عامة، وتعاطف تام معها، وهو أمر لم ~~يفقه فيه واحد من معاصريه الإنجليز، كما لم يقترب منه، ~~في سعة نطاق معلوماته ورحابة ذهنه، إلا القلة القليلة. ~~ولقد انصب تبجيله الأعظم، إلى جانب هيجل، على حكمة ~~«جوته» العميقة والواضحة في نفس الآن، فكان هذان - أعني ~~الفيلسوف العظيم والشاعر العظيم - هما النجمين اللذين ~~استرشد بهما في حياته. ومما يدل على ذلك أنه طبع صورتهما ~~في كتابه «مسلك إلى الحقيقة». أما في الفلسفة على التخصيص ~~فكان دينه الأعظم لأرسطو، من بعد هيجل، وكان دائما ينظر ~~إلى تفكيره الخاص على أنه ينتمي إلى ذلك التراث المثالي ~~العظيم الممتد من اليونانيين الأوائل، مارا بأفلاطون ~~وأرسطو، إلى كانت وهيجل ولوتسه. ولقد قابل لوتسه وهو طالب ~~في جامعة جوتنجن، في السابعة عشرة من عمره؛ فضاعف هذا من ~~اهتمامه بالفلسفة، وأثرت شخصيته الرائعة في نفسه تأثيرا ~~عميقا ظل يلازمه طوال حياته، كما تعرف إلى سترلنج في ~~إدنبرة قبل ذلك بقليل، وعرف هناك أيضا كتابات جرين وكيرد ~~التي أدت، كما شهد هو نفسه، «إلى دفعي في اتجاه المثالية.» # 61 # ولقد استمد ~~هولدين، من أجل إثراء الفلسفة، عناصر من الحياة العملية ~~والفن والدين والشعر والعلم، وهو أمر لا يستغرب على شخص ~~كان له مثل هذا الذهن الواسع الأفق. وكانت تجمعه في ذلك ~~قرابة روحية بهيجل، بل إنه قد فاق هذا الأخير في اهتمامه ~~البالغ بالعلوم الطبيعية، وإدماجه نتائجها في مذهبه؛ إذ ~~كان هدفه هو تجديد الهيجلية بمساعدة ما توافر منذ عهد هيجل ~~من معارف جديدة أكثر دقة. ولقد أظهر هذا الرجل، الذي كانت ~~مشاغله عديدة هائلة، حماسة وتفهما يدعو إلى ms298 الدهشة، حتى ~~في الأعوام التي أصبح فيها متقدما في السن، في التعمق في ~~أسرار الفيزياء الحديثة، ولا سيما نظرية النسبية، وفي ربط ~~مبادئها بالمشكلات الفلسفية. ولقد كانت النسبية فكرة من ~~أفكاره المركزية، التي عرفها على أسس فلسفية محضة قبل ~~نشر نظرية أينشتين، في كتابه «مسلك إلى الحقيقة» ~~(1903-1904). ولما تبين له - فيما بعد - أن في نظرية ~~أينشتين ما يبدو أنه تأييد لها؛ توسع فيها، ولا سيما في ~~كتابه «عهد النسبية». فالحقيقة واحدة غير أن هذه الواحدية ~~أو الكلية ليست واضحة للذهن البشري للوهلة الأولى؛ إذ لا ~~يرى هذا الذهن إلا أوجها جزئية منها، ويتأمل هذه الأوجه ~~في تركيبها الخاص وفي طريقة وجودها الخاصة، من وجهة نظر ~~جزئية. على أن وجهة نظر عالم الفيزياء مختلفة عن وجهة نظر ~~عالم البيولوجيا، وهذه مختلفة عن وجهة نظر الفيلسوف؛ لذلك ~~كانت معرفة الفيزيائي جزئية شأنها شأن عالم الموضوعات التي ~~يدرسها، ولم يكن في وسع مقولاته أن تمتد إلى العالم ~~البيولوجي. والواقع أن كل وجهة نظر خاصة إنما هي نسبية ~~فحسب إذا ما نظر إليها في ضوء الحقيقة الكلية. هذا ~~بصورة مجملة هو المبدأ العام والفلسفي البحت للنسبية، ~~الذي لا يعد مبدأ أينشتين - في نظر هولدين - إلا ~~تطبيقا جزئيا له. ونستطيع أن نطلق على هذا الموقف اسم ~~«العلاقية # relationism ~~»، تمييزا له من الموقف الذي ~~شاع أن يطلق عليه اسم النسبية # relativism ~~، والذي لا يجمعه به أي عنصر ~~مشترك. # ويقتضي مبدأ النسبية ارتباطا وثيقا بين الفلسفة ~~والعلوم الخاصة، أي بين وجهة النظر الكلية ووجهات النظر ~~الجزئية. وقد عبر هولدين عن هذا المطلب صراحة في أول بحث ~~فلسفي كتبه (علاقة الفلسفة بالعلم)، وهو البحث الذي تكاد ~~تظهر فيه جميع الأفكار الهامة التي قال بها فيما بعد. ~~وليس قانون النسبية، في أساسه، إلا قول هيجل إن الحقيقة هي ~~الكل، صحيح أن وجهات النظر الخاصة في العلوم المختلفة تظل ~~محفوظة في المعرفة من حيث هي كل، ولكن ينبغي أن نضيف إلى ~~ذلك أمرا لا يقل عنه أهمية، هو أنها ms299 لا تجد لها مكانا، ~~ولا تدخل في علاقة بعضها مع البعض، إلا في هذا الكل. أما ~~النظر إلى أي وجه جزئي على أنه مطلق، وتجميد أي فرع ~~للمعرفة على صورة يصبح معها مستقلا عن الفروع الأخرى وعن ~~الكل، فأمر فيه تناقض مع مبدأ كلية الحقيقة ووحدة الواقع. ~~فالواقع، في ماهيته النهائية، هو روح، لا تدرك خلال ~~المراحل المتعددة للوجود والمعرفة إلا نفسها، ولا تكشف إلا ~~ذاتها، خلال مرورها بعملية الإدراك الذاتي الديالكتيكية، ~~فهي الكل العيني، وهي وحدة المعرفة والوجود، والحقيقة ~~والواقع. # كل هذا ينطوي على فكرة الكل العيني، وهي الفكرة التي ~~تلعب لدى هولدين دورا يماثل في أهميته دورها لدى بقية ~~الهيجليين. وهي تدل على ماهية الفكر، وتنطوي على العناصر ~~المميزة لعامليه، وهما الكلي المحض والجزئي المحض، اللذان ~~يكونان مجردين تماما، إذا ما أخذا على حدة، شأنهما شأن ~~الذاتي والموضوعي مأخوذين على حدة. فعينية الفكر تعني ~~إدماج أوجهه المنعزلة المجردة عمدا، بحيث يتم التغلب على ~~الانعزالية عن طريق فاعلية الفكر الدينامية أو ~~الديالكتيكية، التي تتقدم من وجه إلى وجه حتى تبلغ الحقيقة ~~في كل عيني يجمع بين هذه الأوجه كلها. # هكذا كانت أفكار هولدين الأساسية هيجلية كلها، ومن ~~الواضح أن رأيه القائل إن كل ما هو حقيقي محتشد بالمعنى ~~منذ البداية، وإن المعنى هو ماهية الحقيقة الواقعة، هذا ~~الرأي يعبر مرة أخرى عن قول هيجل بمعقولية الواقع، وهنا ~~يصبح الواقع، مرة أخرى، مقيدا بعلاقته بالفكر، ولا يكون ~~ممكنا إلا داخل المعرفة. وتلك، من الوجهة الإبستمولوجية، ~~هي فكرة هيجل القائلة إن الفكر هو الذي يصنع لنفسه حدوده، ~~وهو الذي يستطيع أن يتجاوزها. وأخيرا فإن هولدين - مثل ~~هيجل - يرى أن الفلسفة، بوصفها وصول الروح المطلقة إلى ~~الوعي الذاتي والتحقيق الذاتي، لا تكون ممكنة إلا من حيث ~~هي مذهب، وهو يضع أسس هذا المذهب في المجلد الثاني من ~~«المسلك إلى الحقيقة»، فيكشف عن الأوجه المتعددة للروح في ~~المراحل المتناهية والمطلقة من تطورها. # ويمكن وصف موقف هولدين، منظورا إليه على نحو شامل، ~~بأنه مزج ms300 بين الهيجلية وبين نظرية النسبية، أو بعبارة ~~أصح: بأنه إثراء للأولى بالثانية. وهكذا كشفت الفلسفية ~~الهيجلية عن خصبها الدائم في هذا التجديد المستقل لذاتها ~~في ميدان خاص للمعرفة غريب عنها تماما، كالفيزياء ~~النظرية الجديدة؛ إذ إن نظرية أينشتين لم تكن، في نظر ~~هولدين، إلا اعترافا بأن مبدأ هيجل الأساسي هو المبدأ ~~الصحيح لكل علم على الإطلاق، وبأن المعرفة التي كشف ~~النقاب عنها حديثا إنما هي مثل جديد يوضح الإطار المذهبي ~~الذي وضعه هيجل ويزيده ثراء. # تنتمي كتابات بيلي قبل الحرب العالمية الأولى إلى تراث ~~الهيجلية الإنجليزية، بل لقد قيل عنه إنه كان «من نواح ~~عديدة، أشد الهيجليين الحاليين تمسكا بأصول المذهب»، # 63 # غير أن كتاباته التالية، التي تأثرت بصدمة ~~الحرب تسير في اتجاه مخالف تماما؛ لذلك فإن أعماله ~~الفلسفية تنقسم قسمين متميزين، بل متعارضين إلى حد ~~ما. # ولقد ربط بيلي اسمه باسم هيجل، لا بوصفه شارحا ومترجما ~~له فحسب - وذلك في كتابين قيمين ساهم بهما بنصيب كبير ~~في تشجيع الدراسات الهيجلية بإنجلترا - بل أيضا في كتابه ~~المذهبي الأول «عرض عام للتركيب المثالي للتجربة». فهذا ~~الكتاب، وإن يكن مستقلا فيما عرضه من التفاصيل، لا يعدو ~~في أساسه أن يكون تلخيصا - بتصرف - للأفكار الرئيسية في ~~كتاب «ظاهريات الروح» لهيجل، وهو الكتاب الذي عده بيلي ~~«أعظم ما أنتجه الفكر المثالي في الفلسفة الحديثة». وهو ~~يعرض - معتمدا على كتاب هيجل اعتمادا كبيرا - الطريقة ~~التي ترتفع بها التجربة البشرية من مرحلة إلى أخرى، مكونة ~~تركيبات جديدة أخصب في كل مرحلة أعلى، حتى تصل - في ~~مستوى الوعي الذاتي - إلى وحدة الذات والموضوع، التي تعلو ~~فيها المستويات الدنيا، من إدراك وفهم، على ذاتها وتصل إلى ~~أعلى وحدة لها. وهنا يعطي بيلي للديالكتيك الهيجلي، الذي ~~كان المذهب الهيجلي الإنجليزي يتجاهله عادة، حقه كاملا، ~~وتظهر «الفكرة»، لا على أنها مبدأ متحجر ثابت، كما هي ~~عند جرين وبرادلي وبوزانكيت وغيرهم، بل على أنها عملية ~~حية تتقدم بطريقة ديالكتيكية. على أن هذا التجديد الذي ~~اكتفى فيها بمحاكاة تفكير هيجل قد تأخر ms301 عن أوانه جيلا، ~~بمعنى أنه أتى بعد أن كانت الحركة الهيجلية في إنجلترا قد ~~تجاوزت بكثير مرحلة التقيد الحرفي بهيجل، وأصبح لها ~~كيانها المستقل. # ولا يكاد يوجد أي ~~ارتباط فكري بين المثالية المطلقة التي ظهرت في كتابات ~~بيلي الأولى وبين الموقف المختلف تماما، الذي نصادفه في ~~كتاب له ظهر بعد الحرب الأولى، هو «دراسات في الطبيعة ~~البشرية». ولا شك أن السبب الرئيسي لهذا التغيير الملحوظ، ~~هو تلك التجربة التي أحس فيها إحساسا عميقا بمأساة الحرب ~~العالمية الأولى وعدم وجود داع لها، وهي المأساة التي ~~أدت، بما ولدته من اضطراب شامل ودمار هائل في العلاقات ~~البشرية، إلى زعزعة تامة لإيمانه بالعقل الهيجلي الذي ~~يحكم العالم، بحيث لم يعد يقبل بعد ذلك أي تبرير؛ لذلك ~~تحول بيلي إلى البحث في الطبيعة البشرية. ويمكننا أن نقول ~~إنه انتقل رجوعا من هيجل إلى هيوم؛ إذ أصبح يجعل من ~~الفردية العينية للإنسان موضوعا رئيسيا لاهتمامه ~~الفلسفي. ولقد ظهرت بالفعل نقاط اتصال بينه وبين هيوم، من ~~أمثلتها: الاهتمام البالغ بتأكيد العوامل غير العقلية في ~~التفكير والمعرفة، والنظر إلى جميع المشكلات الفلسفية ~~بطريقة كلها تركز حول الإنسان وتشبه به. ولم تعد ~~الفلسفة عند بيلي - حينئذ - طلبا للحقيقة الكلية أو وصول ~~العقل إلى الوعي بذاته، وإنما أصبحت مسألة شخصية محضة ~~لكل مفكر، تتجه أساسا إلى إرضاء حاجاته النظرية الفردية، ~~فهي السعي إلى بلوغ أقصى حد من الرضا يمكن أن يجلبه ~~التفكير للفرد. والغاية الوحيدة للحقيقة هي الوصول بالذهن ~~الإنساني إلى الانسجام والطمأنينة. مثل هذه التعاليم، التي ~~يظهر فيها، بالإضافة إلى ما سبق، تيار برجماتي واضح، ~~تستتبع صبغ الفكر بصبغة ذاتية فردية نفسانية، أي إنها ~~تقلب تماما اتجاه المثالية المطلقة الذي دافع عنه بيلي من ~~قبل عن اقتناع كامل. وبالمثل أصبح ينظر إلى العلم نظرة ~~تشبيهية بالإنسان، بوصفه اختراعا بشريا يعبر عن نشاط ~~بشري تدفعه حاجة ملحة. وهكذا فإن هذه المرحلة الأخيرة ~~من مراحل تعليمه، التي أحرق فيها كل جسور ماضيه الفلسفي ~~تقريبا، قد استقرت أخيرا في تراث الفكر ms302 القومي ~~الإنجليزي. وتلك هي الحالة الوحيدة لمثل هذا التطور، وهي ~~حالة لم تكن راجعة إلى اعتبارات باطنة، وإنما إلى ظروف ~~خارجية. # لا يسعنا، إذا شئنا أن يكتمل العرض الذي نقدمه، أن ~~نتجاهل ج. أ. سمث، الذي اختتم به فرع الهيجليين، ولقد تلقى ~~سمث تعليمه، شأنه شأن الكثيرين من السابقين عليه، في ~~أكسفورد، وفي الكلية التي ظهرت فيها الحركة، حيث اتصل ~~شخصيا، منذ وقت مبكر، بممثليها البارزين مثل جويت ~~وإدوارد كيرد ونتلشيب، الذي كان المشرف عليه في الكلية. ~~كذلك استمد رصيدا من الأفكار الهيجلية من برادلي ~~وبوزانكيت، وإن كان ذلك بصورة أقل تمسكا بالأصل، على أنه ~~عكف في الوقت ذاته، اقتداء منه بالتراث السائد في ~~أكسفورد، على دراسة الكتاب اليونانيين، فكرس أبحاثا ~~طويلة عميقة لأرسطو، وظل سنوات متعددة يعد واحدا من ~~أبرز الباحثين في أرسطو بإنجلترا، وشارك بهذه الصفة في نشر ~~ترجمة أكسفورد الهامة لأرسطو، التي ختمت في عام 1931 ~~بترجمته الخاصة لكتاب «النفس». ولقد كان إتمام هذا العمل، ~~وكذلك تأثيره العميق بوصفه معلما، هما أهم ما ساهم به في ~~ميدان البحث الفلسفي. # أما فلسفته الخاصة فليست لها أهمية كبيرة إذا ما قورنت ~~بمساهماته السابقة، كما أن قلة كتاباته تجعل من الصعب ~~تقديم صورة دقيقة لها. ولقد مرت هذه الفلسفة بتقلبات ~~وتغيرات كانت أكثر من أن تتيح لنا إدراجها تحت أية تسمية ~~واحدة، بل إن افتقارها إلى الثبات هو بالفعل أبرز سماتها، ~~وقد ألقى سمث ذاته ضوءا واضحا على هذه المسألة في عرضه ~~الشخصي لتطوره الفلسفي في كتاب «الفلسفة الإنجليزية ~~المعاصرة»، فهو هنا يقدم اعترافا غريبا، في صراحة تصل ~~إلى حد السذاجة، فيقول إنه لم يدرك بالضرورة التفكير في ~~وضع مذهب فلسفي إلا عندما عين لشغل كرسي الأستاذية في ~~الفلسفة، بل لشغل واحد من أهم كراسي الأستاذية في الجامعات ~~الإنجليزية، ولقد أعانته على هذا التفكير المذهبي صدفة ~~موفقة، هي عثوره على مؤلفات كروتشه # Croce # في أثناء إقامة له في نابولي، ~~ومنذ ذلك الحين شعر بأن واجبه يقضي عليه بالارتباط بمذهب ~~الهيجليين ms303 الإيطاليين (أي بمذهب جنتيلي # Gentile # فضلا عن كروتشه) ~~والعمل على كسب اعتراف الإنجليزية. وقد أسفرت جهوده، في ~~السنوات التي أعقبت الحرب الأولى مباشرة، عن موجة قوية ~~من الإعجاب بكروتشه، # 65 # ولا سيما في أكسفورد (حيث اشتد هذا الإعجاب ~~بفضل زيارة قام بها كروتشه ذاته). ولكن هذه الموجة تلاشت ~~بسرعة، وقد حدد موقفه، في كثير من كتاباته، بأنه ضرب من ~~مثالية كروتشه، مع أخذ أفكار معينة عن جنتيلي، وبذلك وجد ~~لنفسه - مؤقتا على الأقل - ما يمكن أن يقال إنه موقف خاص ~~به. # والفكرة الرئيسية ~~في هذه المثالية، التي عرضها أساسا في بحثه «الفلسفة ~~بوصفها نموا لفكرة الوعي الذاتي وحقيقته»، تتمثل في قوله ~~بالطابع التاريخي للواقع، فالواقع في ماهيته، تبعا لهذا ~~الرأي، ليس سكونيا ثابتا، وإنما هو حركي متغير؛ فله ~~طابع العملية، وهو حادث أصيل، وهو تاريخي في جميع أجزائه ~~وفي كل تعبير عنه. على أن تاريخيته لا زمانية، بمعنى أنها ~~هي التحقق الأعلى للزمان، أي الأزلية. وفضلا عن ذلك فهو ~~روحي تماما، ولا يوجد خارجه شيء روحي، وبالتالي لا يوجد ~~شيء حقيقي أو واقعي بالمعنى الكامل. أما ما نطلق عليه اسم ~~«المادة» أو «الطبيعة» فليس حقيقيا، ولو شئنا أن نعبر عن ~~الواقع بطريقة إيجابية، لقلنا إنه فاعلية خالقة لذاتها، ~~ولما كانت هذه الفاعلية روحية، فإنها تعبر عن نفسها على ~~أكمل وأفضل نحو في الوعي الذاتي. ومن هنا فإن النشاط ~~المميز للوعي الذاتي هو الفلسفة، مفهومة على أنها النمو ~~الذاتي للروح، والواقع كله يدخل في نطاقها، وهي - من حيث ~~المبدأ على الأقل - قادرة على التغلغل فيه. وهنا نجده مرة ~~أخرى ينتفع بفكرة هيجلية هي فكرة معقولية الواقع، ويوجهها ~~في هذه الحالة، في رد فعل عنيف، ضد المذهب المطلق عند ~~برادلي وضد كل مذهب ذاتي أو برجماتي (ولو أن إغراءات ~~البرجماتية، التي أسماها باللافلسفة # un-Philosophy ~~، # 66 # كانت أحيانا أقوى من أن يستطيع مقاومتها)، ~~ففلسفة سمث هي مثالية موضوعية ديالكتيكية بالمعنى ~~الهيجلي، تظهر فيها تلك التنوعات المميزة التي أدخلها ~~الهيجليون الإيطاليون المحدثون على مذهب ms304 هيجل. ~~(4) القسم الرابع: فلاسفة المثالية المطلقة # لا يفوق برادلي في أهمية النصيب الذي ساهم به في عرض ~~المذهب المثالي ونشره في إنجلترا، سوى جرين وكيرد، غير أنه ~~يعد المركز الرئيسي لمرحلة جديدة في هذه الحركة. فكل ~~ما تم حتى الآن يعد، بدرجات متفاوتة، مجرد جهد تمهيدي، ~~هو عرض لعالم الأفكار الجديد في صورة ترجمة وتفسير وعرض ~~ومحاكاة ونقد. وإذا استثنينا جرين، فإنا لا نصادف حالة ~~واحدة تستحق الاهتمام صيغت فيها المادة الجديدة وعرضت ~~بطريقة مستقلة. أما عند برادلي، فقد شب المذهب المثالي ~~الإنجليزي عن الطوق، وبدأ يسلك طريقا خاصا به. ولقد كان ~~برادلي أول من تناول هذا المذهب بطريقة خلاقة، وأول من ~~جرؤ على أن يضع بذور مذهب خاص به في الأرض التي فتحت ~~حديثا، بل لقد كان واحدا من القلائل من عظماء بناة ~~المذاهب، وواحدا من أجرأ المفكرين التأمليين الذين ~~أنجبتهم إنجلترا ومن أكثرهم أصالة. وهو يحتل في الفكر ~~الإنجليزي الحديث منزلة رفيعة، وربما أرفع منزلة، على ~~الرغم من أن أعماله الفلسفية ما زالت تثير نزاعا شديدا ~~حاميا، وربما ستظل تثيره طويلا، فلا يكاد يوجد مفكر آخر ~~ساهم بمثل ما ساهم به في إثارة الاهتمام الأصيل ~~بالفلسفة. # ولقد كان كل النجاح الهائل الذي أحرزته فلسفة برادلي ~~يرجع إلى جهوده من حيث هو كاتب فحسب؛ ذلك لأنه، على الرغم ~~من أنه ظل زميلا في كلية بأكسفورد لمدة تزيد على نصف قرن، ~~لم يتول التدريس أبدا، وإنما عاش في كليته أشبه ما يكون ~~بالناسك، لا يصل إليه إلا أصدقاء قلائل، عاكفا على ~~استخلاص أفكاره، وكان اعتلال صحته هو الذي فرض عليه هذه ~~العزلة. ولقد تجلى التقدير الرفيع الذي كان يتمتع به ~~خارج الأوساط الفلسفية وداخلها، تجلى ذلك التقدير على ~~الملأ في تلك المنحة الملكية التي نالها قبل وفاته بقليل، ~~وهي وسام ~~الاستحقاق # Order of Merit ~~، الذي كان برادلي أول فيلسوف ~~يناله. وقد كرمه إخوانه من الفلاسفة في ذلك الإهداء ~~الحافل بالمعاني الذي صدر به المجلد الثاني من كتاب ~~«الفلسفة الإنجليزية المعاصرة»، ms305 وهو: «إلى ف. ه. برادلي، ~~حامل وسام الاستحقاق، الذي دانت له الفلسفة الإنجليزية ~~بالقوة الدافعة التي أضفت عليها حياة متجددة في ~~عصرنا.» # ونستطيع أن نوضح مكانته في المثالية الإنجليزية إذا ~~لاحظنا أولا أنه ظل تقريبا غير متأثر بكانت على الإطلاق، ~~وإنما كان يدين لهيجل بكل ما أتاه من الخارج تقريبا، على ~~أن علاقته بهذا الأخير كانت دائما موضوع خلاف، وكثيرا ما ~~كان هو ذاته يرفض أن يسمى هيجليا، على أساس أنه لا يعرف ~~بأي شيء كان يدين لهيجل، وإلى أي مدى كان دينه هذا. ومن ~~الأمثلة الدالة على ذلك، هامش في أحد كتبه اعترف فيه ~~بدينه لهيجل، ثم أضاف: «ولكن ينبغي أن يذكر القارئ أنني ~~أنا وحدي المسئول عما أقول.» # 67 # وفي وسعنا، إذا تأملنا الأمر من وجهة نظر عامة ~~إلى أقصى حد، أن نقول إنه تلقى من هيجل القوة الدافعة ~~الأولى للتفكير المستقل، وإن التفكير الهيجلي يتغلغل بعمق ~~في فلسفته، في مجموعها وتفاصيلها، غير أن كل ما أخذه عن ~~هيجل أو غيره قد صهر في بوتقة ذهنه الخاص وأضيفت عليه ~~صورة مميزة. ومن المؤكد أن تأثير هيجل قد ضعف مع نمو مذهب ~~برادلي ونضوجه. # كذلك ذهب البعض إلى وجود بعض أفكار رئيسية اسبينوزية ~~لديه، ولهذا الرأي شيء من الصحة. وقد حبذ برادلي ذاته ~~فلسفة هربارت # Herbart # بوصفها ترياقا مفيدا ضد هيجل، وتدل بعض أجزاء مذهبه ~~الميتافيزيقي على أنه قد عمل بنصيحته الخاصة هذه. كذلك ~~كانت هناك بعض مظاهر التقارب بينه وبين شلنج ، كما كان يبدي ~~نوعا من الإيثار لشوبنهور، وإن لم يكن قد أخذ عنه إلا ~~قليلا جدا من الأفكار. وهناك فلاسفة ألمان آخرون أثروا ~~فيه في ميادين خاصة، مثل لوتسه وسيجارث في المنطق، ~~وفاتكه # Vatke # في ~~الأخلاق، وفولكمان # Volkmann # في علم النفس. # ولكن لم يكن لواحد من هؤلاء تأثير حاسم بأية حال. فلسنا ~~نملك إلا أن نؤكد أن برادلي هو الذي صاغ فلسفته الخاصة، ~~التي انبثقت عن أصالة فكرية حقيقية، ونمت ونضجت في جوها ~~الخاص. على الرغم من ms306 رفضه المتواضع لكل وصف له بالأصالة، ~~وهو رفض قد يراه المرء متكلفا في بعض الأحيان، فإنا لا ~~نملك إلا أن نعده مفكرا مستقلا إلى أبعد حد، بل ~~مفكرا هوائيا عنيدا. وهذا واضح في كل سطر كتبه، وفي ~~جمود أسلوبه وخشونته، وفي طريقته الجافة التي تكاد تكون ~~قاسية عنيفة، في التخلص من خصومه، وفي الطريقة التي ألف ~~بها كتبه، وهي الطريقة التي لا يحس معها المرء أن هذه ~~الكتب عرض هادئ موضوعي محكم، وإنما يشعر بأن الكاتب ~~يخاطب ذاته، أو يجري مع القارئ محادثة منطلقة بلا قيود، ~~تكون أحيانا بسيطة وصريحة إلى أقصى حد، وأحيانا أخرى ~~تتخللها دعابات جافة خفيفة الوقع أو لاذعة، واستطرادات ~~تهكمية ساخرة، واندفاعات ثائرة، وسخرية من خصومه أو من ~~نفسه. ولقد كان يحب المواقف الممتنعة، ويؤثر غير المألوف، ~~وينتقل بين الأضداد ويطرب للمتناقضات، ويحلق عاليا، ولكنه ~~نادرا ما كان يدع أقدامه تترك الأرض الصلبة. وكان ~~سفسطائيا شكاكا توكيديا صوفيا في آن واحد. ومن ~~هنا كانت فلسفته تتسم بكل ما في الحياة من تنوع وتلون، ~~وبما فيها من فردية لا تتكرر أيضا، إذ إن أي تقليد لها لا ~~يمكنه أن يحتفظ بقوامها ومذاقها المميز. وفضلا عن ذلك فقد ~~كان تفكيره مرنا إلى حد غير عادي، فكان يؤثر المواقف ~~الانتقالية على النتائج النهائية، ويعمل على الدوام على ~~صهر هذه المواقف وإعادة تشكيلها في ديالكتيك ذهنه غير ~~المستقر. ويتميز فكره كله بقدر غير قليل من نزعة الشك، ~~ولكنها ليست نزعة الشك المميزة لذهن هدام، بل لذهن حي ~~مصقول إلى حد بعيد، يعلو بإرادته على الأشياء ويتمتع ~~باللهو معها، بدلا من أن يقبض عليها ويكتفي بحقيقة واحدة ~~لا يمكن مع ذلك أن تكون نهائية. وإنه ليذكرنا كثيرا ~~بطريقة هيوم الاستخفافية، المفتقرة إلى الشعور بالمسئولية، ~~في معالجة مشكلاته. ولم يكن لبرادلي اهتمام كبير ~~بالديالكتيك الهيجلي منظورا إليه على أنه منهج فلسفي ~~دقيق، ولكنه يطبقه على نحو ضمني في طريقته المرنة في ~~الانتقال على الدوام من موقف إلى آخر. ويمكننا أن نسمي ~~طريقته ms307 ديالكتيكية، طالما أننا نعني بذلك ارتقاء ذهن أشد ~~قلقا من أن يقنع بنتائج يقينية مزعومة، إلى مستويات ~~للفكر تزداد علوا. فلذة البحث والكشف أعظم عند برادلي من ~~لذة الامتلاك، «فعلينا - في الفلسفة - ألا نسعى إلى الرضا ~~المطلق ... فالفلسفة ليست إلا ممارسة جانب واحد من طبيعتنا ~~والتمتع به.» # 68 # والنوع الوحيد المشروع من الشك هو التخلي عن ~~أمل الوصول في أي وقت إلى امتلاك نهائي للحقيقة. أما ذلك ~~الذي يطلق عليه عادة اسم نزعة الشك فإنه يسميه ~~بالقطعية ~~الانتحارية # Suicidal Dogmatism ~~. # غير أن برادلي كثيرا ما كان يعبر، بنفس المرونة ~~والحيوية التي أبرزنا أهميتها، عن موقف مخالف تماما، ~~فالحقيقة «هي ما يرضي العقل # Intellect ~~» و«الفلسفة ترمي إلى الرضاء ~~العقلي، أي بعبارة أخرى إلى الحقيقة النهائية.» # 69 # ذلك هو الموقف الذي استرشد به في تأملاته ~~الميتافيزيقية، أعني الحاجة إلى الأمان والنظام، والسعي ~~النظري إلى التغلب على كل ما هو مختلط متناقض، بغية ~~الوصول إلى نظرة منسجمة إلى العالم يجد الذهن فيها ~~طمأنينة. ويبدو لي أن هذا هو الأساس العاطفي لميتافيزيقا ~~برادلي الرفيعة في «المطلق»، فهو يحاول بحماسة صوفية ~~خالصة، أن يفهم المطلق ويتأمله بوصفه مستقر النفس، وذلك ~~بخشوع فيه تقديس، وباستسلام خائر إلى حد ما، يقف على ~~نقيض ذلك الشك الجريء المرن الذي بينا أنه يمثل الوجه ~~الآخر من طبيعته. # وفي ضوء ما سبق ينبغي لنا أن نتأمل العداء المرير الذي ~~حمل به البرجماتيون على مذهب برادلي وسخروا به منه ~~سخرية لاذعة، فأصل النزاع إنما هو الاختلاف الكامل في ~~المزاج والموقف الكامن من وراء كل من الفلسفتين، أعني ~~التقابل بين العقلية المغامرة المناضلة التي تحب أن تجوس ~~خلال العالم وتغيره، وبين العقلية الخائرة الحريصة على ~~الطمأنينة والهدوء، والتي تغلق نفسها في مذهب وتلتزم ~~الطريق الواسع المؤدي إلى الحقيقة المطلقة. ولا شك في أن ~~الاختلاف أساسي، وأن الخلاف الطويل المرير بين برادلي ~~وشيلر ينبغي أن يعد تعبيرا عن هذا الاختلاف. # وسوف نتناول أعمال برادلي الفلسفية حسب الترتيب الزمني ~~لتطورها، فنتحدث أولا عن مذهبه ms308 الأخلاقي ثم منطقه، ~~وأخيرا عن ميتافيزيقاه. ولقد كان كتابه في الأخلاق من ~~أوائل مؤلفات المدرسة المثالية، فظهر بعد وقت قصير من نشر ~~مقدمتي جرين إلى هيوم، وترجمة ولاس للمنطق الأصغر عند ~~هيجل، وقبل وقت قصير من ظهور الكتاب الأول لإدوارد كيرد ~~عن كانت. ولقد كان ذلك الكتاب الذي سبق «المقدمة Prolegomena ~~» لجرين بسبع ~~سنوات، أول مؤلف يقوم بمهمة الواسطة لنقل أخلاق المثالية ~~الألمانية إلى الإنجليز، وبذلك كان من المعالم الأساسية في ~~المجرى التاريخي للفلسفة الأخلاقية الإنجليزية. وفي هذا ~~كتب بوزانكيت، بعد سنوات متعددة، يقول: «لقد كان نشر ف. ~~ه. برادلي لكتابه «دراسات أخلاقية» - في نظر الكثيرين منا ~~- حادثا غير مجرى تاريخ ذلك العلم.» # 70 # ففي مذهب برادلي الأخلاقي تجد نزعته الهيجلية أوضح وأصدق ~~تعبير عنها، وتتجلى بأوضح صورة تلك التجربة الشخصية ~~العنيفة التي تعلق بها المذهب الهيجلي، وذلك على الرغم من ~~قلة استخدامه لمصطلح هيجل. وهنا أيضا يشير في فقرة ~~مأثورة إلى الفلسفة الألمانية على أنها الفلسفة الصحيحة، ~~والوحيدة القادرة على إنقاذ الفكر الإنجليزي من عزلته ~~الخطرة. وهنا كذلك نجد أول نقد هدام، بأسلحة هيجلية، ~~للفلسفات الأخلاقية التقليدية البالية التي قالت بها مذاهب ~~المنفعة واللذة والتجريبية بوجه عام. وأخيرا فعلى الرغم ~~من كل اعتماده على هيجل وغيره من الألمان في هذا الكتاب ~~المبكر في الأخلاق، فإنه يظهر فيه مفكرا مستقلا من ~~الطراز الأول، قدر له أن يطور تلك القوة الدافعة ~~الجديدة التي تلقاها من الآخرين ويسير بها إلى ~~الأمام. # ويرد برادلي أن الغاية الأخلاقية هي قبل كل شيء اكتمال ~~الذات وتحققها ، ولكن ما هي هذه الذات؟ إنها قطعا ليست هي ~~الذات البشرية، التي هي مجرد مجموعة أو سلسلة من العواطف ~~أو الإرادات أو الإحساسات الجزئية، وإنما هي تبتدئ منذ ~~البداية بوصفها كلا واحدا أو منهجيا، وحقيقة كلية ~~عينية، تعد أجزاؤها المتعددة أو المتلاحقة مجرد مراحل أو ~~عوامل بالنسبة إليها. فالذات التي تعرفها الأخلاق ذات ~~أعلى، ذات كلية تعلو على هذه الذات أو تلك، على ذاتي أو ~~ذاتك أو أية ذات ms309 أخرى؛ ومن هنا فإن القاعدة الأخلاقية: ~~«حقق ذاتك بوصفك كلا لا متناهيا» تعني «حقق ذاتك بوصفك ~~عضوا واعيا بنفسه في كل لا متناه، عن طريق تحقيق هذا ~~الكل في ذاتك.» # 71 # وباتخاذ هذا الموقف يبين برادلي كيف أن الغاية ~~الأخلاقية لمذهب اللذة وهي تحصيل اللذة لذاتها، تعجز عن ~~التعبير عن المعنى الحقيقي للأخلاقية، وأن موقفه ليمثل ~~تخلصا كلاسيكيا من كل الأخلاق الضحلة التي تعبر عنها ~~فكرة اللذة والسعادة والمنفعة، كما يمثلها مل وسبنسر ~~وستيفن وسدجويك (وقد هاجم برادلي هذا الأخير في كتيب خاص ~~نشر بعد عام من ظهور كتابه «دراسات أخلاقية») كذلك رفض ~~برادلي الغاية الأخلاقية المقابلة، وهي أداء الواجب لذاته، ~~على أساس أنها بدورها تنطوي على تحيز ضيق الأفق في الجانب ~~المضاد؛ إذ إنها تكتفي بأن تستعيض عن الجزئي المحض بالكلي ~~المحض، وتأتي بمبدأ مجرد شكلي تماما، لا يمكن أن يتخذ ~~مرشدا في السلوك، فلا جدوى من أن يقال للمرء: إن عليه أن ~~يفعل ما هو خير لأجل الخير، إذا لم يحدد له المضمون العيني ~~للخير. وواضح أن برادلي هنا يهاجم النزعة الشكلية الصارمة ~~في الأخلاق الكانتية، وإن يكن يعترف بأن النظرية التي ~~ينتقدها ليست نظرية قيل بها فعلا، بقدر ما هي نظرية ~~وضعت لغرض الجدل. ويكاد نقده لهذا المذهب الأخلاقي يماثل ~~تماما نقد هيجل له. # هاتان النظريتان اللتان تتحيز كل منهما إلى جانب ~~واحد، هو اللذة لذاتها أو الواجب لذاته، ينبغي تجاوزهما من ~~وجهة نظر أعلى يسميها برادلي بوجهة نظر «مركزي # my station # وواجباته». ~~ولوجهة النظر هذه، في أساسها، معنى يعادل معنى قاعدة ~~تحقيق الذات، إذ إن الإنسان، الذي لا يمكن أن يكون مجرد ~~فرد منعزل عن المجتمع ومستقل عنه، فمثل هذا الفرد تجريد ~~لا معنى له، وإنما هو كائن اجتماعي؛ هذا الإنسان لا ~~يستطيع أن يحقق ذاته الحقة، أو الإرادة الخيرة أو ~~الاجتماعية التي ينبغي تمييزها من ذاته الشخصية البحتة، ~~الباحثة عن لذاتها فحسب، إلا عندما يكون قد اهتدى إلى ~~مركزه وواجباته، أي وظيفته داخل كل اجتماعي. ms310 وهنا يحطم ~~برادلي أساس المذهب الفردي الأخلاقي الذي يلازم الفلسفة ~~الأخلاقية الإنجليزية من لوك إلى سبنسر، وهو يتخلص في ~~الوقت ذاته من الثنائية الكانتية التي تحفر هوة لا تعبر ~~بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. فالواجب الذي يفرضه على ~~مركزي لا يمكن أن يكون عملية لا تنتهي يقترن فيها ~~«الوجوب # Ought ~~» ~~الدائم بتكرار لا ينتهي لكلمة «ليس بعد»، وإنما ينبغي أن ~~يتحقق هنا والآن. فمن الواجب أن يكون المثل الأخلاقي ~~الأعلى قابلا للتحقق في المجال الزمني للوجود، وفي ذلك ~~الرضاء الناجم عن التحقق الفعلي للواجب، وبفضل هذا القضاء ~~على التوتر بين الوجوب وبين الوجود، يجعل برادلي للحياة ~~الأخلاقية جوا أرق وأرحم، يقترن فيه الحب بالواجب ~~ويعينه. # فما هي الغاية الأخلاقية إذن، إن لم تكن هي المثل الأعلى ~~القصي الذي لا يبلغ، الذي قالت به الأخلاق الكانتية؟ إن ~~برادلي، بقدر ما يهتدي إلى معيار السلوك الأخلاقي في ~~المجتمع الذي يعيش فيه المرء، وفي عرفه وقوانينه ونظمه، ~~ويرى أنه ليس من المرغوب فيه أن يسعى المرء إلى تجاوزه، ~~بهذا القدر يكون برادلي قد تمسك بتراث بلاده، الذي يستبعد ~~السيادة المطلقة للفرد، ويخضعه بشدة للمعايير الأخلاقية ~~للمجتمع، ولهذا السبب نفسه يرفض برادلي أخلاق الإنسان ~~الأرقى، ومعها أخلاق المجتمع ~~الفاضل # Utopian # بوصفها ابتداعات ذهنية لا يمكن ~~أن تكون لها سلطة على السلوك العملي في الحياة ~~اليومية. # على أن برادلي ينتقل، من بعد هذه الأخلاق الفعلية ~~الواقعية، إلى تشييد «أخلاق مثالية»، أي نظام أخلاقي من ~~مستوى أعلى، لا تعود فيه الذات حبيسة بيئتها الاجتماعية. ~~وهو في هذه المحاولة، التي يتخلى فيها جزئيا عن الموقف ~~الذي بلغه من قبل، يقدم إلينا لمحة لعالم القيم لا يكون ~~من الضروري فيه إقامة علاقة مباشرة مع البيئة الاجتماعية، ~~وإنما الواجب أن تطلب قيمة لذاتها، شأنها شأن سعينا إلى ~~الحق والجمال. وهكذا فإن برادلي يعترف هنا بمجال للكمال ~~غير الاجتماعي، ومع ذلك فلا يمكن أن يحلق هذا المستوى ~~الأعلى في الهواء فوق المستوى الأدنى، وإنما ينبغي أن تكون ms311 ~~جذوره متأصلة في هذا الأخير وأن ينمو منه، فالأخلاق ~~المثالية ترتكز على الأخلاق الاجتماعية. وهكذا ينسجم تفكير ~~برادلي مع حساسية الشعب الذي ينتمي إليه، فهو يجسد فكرة ~~«الجنتلمان» الإنجليزي، وهي فكرة لا تحتمل خروجا عن ~~الحواجز الاجتماعية والقومية، وهو في هذه النقطة أقرب إلى ~~هيوم بكثير منه إلى هيجل. # وإذا نظر برادلي إلى الغاية الأخلاقية على أنها شيء ~~ينبغي تحقيقه في الواقع الحالي، فقد تجاوز ثنائية كانت ~~بطريقة هيجلية، ولكن يتضح بعد ذلك أن هذا الموقف الرفيع ~~ذاته إنما هو موقف تمهيدي فحسب، يلقي به برادلي بدوره في ~~دوامة ديالكتيكة، الذي لا يتوقف عند حد؛ ذلك لأن الثنائية ~~القديمة، التي سبق حلها، بين الوجوب والوجود، تطل برأسها ~~من جديد عندما يتضح أن الفكرة الأخلاقية لا يمكن أبدا أن ~~تتحقق تحققا كاملا. ففكرة الوجوب أو الإلزام تنطوي على ~~تناقض؛ إذ إنه حيث لا يوجد نقص لا يوجد إلزام، وحيث لا ~~يوجد إلزام لا توجد أخلاقية، ولا يمكن أن يوجد حل مباشر ~~لهذه المشكلة القائلة بوجود تباين بين الأخلاقي، بوصفه ~~شيئا متحققا بالفعل أو قابلا للتحقق، وبينه من حيث هو ~~غاية مثالية مرغوب فيها. ومعنى ذلك أن من واجبنا، إذا ~~شئنا الخلاص من هذه المشكلة، أن نترك مجال الأخلاق ونفكر ~~قدما في مجال يعلو على الأخلاق، لا تعود فيه فكرة الإلزام ~~حاضرة. هذا المجال الأعلى هو الدين، الذي هو تحقق ~~الأخلاقية أو اكتمالها الرفيع، بمعنى أن الذات المثالية، ~~التي تظل دائما، بالنسبة إلى الأخلاق، شيئا ينبغي أن ~~تكونه، تتحقق بالفعل في الدين، هذه الأفكار تفضي إلى تلك ~~التأملات التي لم ينتقل برادلي إليها إلا عند صياغته ~~لمذهبه الميتافيزيقي بعد سنوات عدة. # وسوف نرى، عندما نعرض لهذا المذهب، أن الخير الذي يلحقه ~~تناقض ذاتي لا يحق له ادعاء الواقعية بالمعنى الدقيق، ~~وإنما ينتمي فقط إلى عالم الظواهر غير الواقعي، وعلى ذلك ~~فحتى حين يتجاوز هذا الخير ذاته في الدين، فإنه لا يجد في ~~ذلك إلا حلا أو تحققا تمهيديا. وفي «المطلق» وحده ~~بوصفه ms312 الواقع الحقيقي، يصل الخير - ومعه ضده أي الشر - إلى ~~مستقره النهائي، بعد أن يفقد طبيعته الخاصة في تحول كامل. ~~وهكذا فإن اكتمال الأخلاق عند برادلي إنما يكون في ~~ميتافيزيقا المطلق عنده. # ولقد أحدث برادلي، بكتابه «مبادئ المنطق» (1883)، ~~انقلابا في المنطق يوازي ذلك الذي أحدثه في الأخلاق ~~بكتابه «دراسات أخلاقية»؛ إذ إنه زعزع في هذا الميدان ~~بدوره، سيطرة التجريبيين التي كانت كاملة تقريبا، وفتح ~~باب فروع جديدة للبحث في إنجلترا. ولقد وصف وليم جيمس - ~~وهو خصم برادلي - كتابه الأخير هذا، مثلما وصف بوزانكيت ~~كتابه الأول، بأنه قد «غير مجرى تاريخ ذلك العلم.» وقال: ~~«لقد فرغت لتوي من قراءة «المنطق» لبرادلي، باهتمام ~~وحماسة لا حد لهما ... ومن المؤكد أنه من الكتب التي غيرت ~~مجرى تاريخ الفلسفة الإنجليزية، ولزام على التجريبيين وعلى ~~القائلين بالمعقولية الشاملة معا أن يسووا حساباتهم ~~معه، فهو يخرج عن كل الاتجاهات التقليدية.» # 72 # وعلى الرغم من أن ظل هيجل كان يختفي وراء منطق برادلي ~~بدوره - ولكن من مسافة أبعد وبوضوح أقل - فقد اعترف ~~برادلي بأنه كان مدينا للوتسه أولا، ومن بعده لزيجفارث ~~وغيره من المناطقة الألمان؛ فبفضلهم استطاع أن يرد بحجة ~~قوية مضادة على النزعة النفسية لدى المناطقة التجريبيين ~~الإنجليز. وكانت مهمته الأولى هي إعمال معول الهدم في أسس ~~هذه النزعة بكشف زيف الأساس النفسي للمنطق التجريبي، أعني ~~فكرة الترابط، التي تكون المعرفة بالنسبة إليها ربطا بين ~~عناصر عقلية لها طابع فردي مفكك. فهو هنا يتساءل: ~~كيف يتسنى لواقعة منعزلة لا تكاد تظهر حتى تختفي، أن ~~تكون هي مناسبة عودة ظهور شيء كان ماثلا ~~( # a presentation ~~)؟ وما ~~هو نوع العناصر التي تربط معا في الإدراك الحسي على نحو ~~يجعل عودة ظهور أحدها في الوعي مؤديا إلى الإتيان معه ~~بالباقين؟ إن ما يأتي من جديد في الوعي لا يمكن أن يكون هو ~~نفس ما كان فيه من قبل، وكل عنصر في الذهن يحمل في ذاته ~~نوعا من الجدة؛ إذ إنه يدخل في علاقات جديدة، وبذلك ~~يتغير طابعه، حتى لو كان ms313 المظهر الوحيد لذلك التغير هو تلك ~~النقطة الزمانية الجديدة التي عاد فيها إلى الظهور. أما ~~ارتباط محتويات العناصر الماثلة ~~( # presentations ~~) ~~فينبغي أن يرتكز على شيء مشترك أو متماثل في هذه ~~المحتويات، ولا يمكن أن يحدث بين جزئيات خالصة زائلة. ~~ومن هنا وضع برادلي قضيته القائلة إن كل ارتباط إنما يحدث ~~بين كليات، وقد اعترف برادلي بأنه كان يدين لهيجل بهذه ~~الفكرة الهامة، الكفيلة بهدم كل المذهب الترابطي ابتداء ~~من هارتلي وهيوم حتى مل «وبين»، كما اعترف بأنها هي التي ~~أخذت بيده من الظلمات إلى النور. والواقع أننا لا نكاد ~~نستطيع الآن، بعد أن تعودنا تماما على هذه الفكرة بفضل ~~جهود المفكرين الهيجليين خلال عشرات السنين، أن ندرك ~~دلالتها بالنسبة إلى المرحلة التي كان علم النفس والمنطق ~~الإنجليزيين قد بلغاها عندئذ. ويكفي أن برادلي، عندما نشر ~~الطبعة الثانية من «مبادئ المنطق» بعد فترة دامت حوالي ~~أربعين عاما، قد رأى أن أي نقد آخر لخصومه السابقين إنما ~~هو لغو لا داعي له، واكتفى، في إشارته إلى بعض المتشبثين ~~المتأخرين بالمعسكر التجريبي، بقوله: «دع الموتى يدفنون الموتى.» # 73 # وإن كتاب برادلي ليختلف، حتى من حيث المظهر الخارجي، عن ~~البحوث المألوفة في المنطق، فهو ليس منطقا صوريا ولا ~~رياضيا ولا تجريبيا، وإنما هو بحث أصيل إلى أبعد حد، ~~شخصي تماما، في قوانين الفكر والصور المنطقية. وهو موجه ~~أساسا وبعنف ضد منطق التجريبيين، ويرجع تأثيره التاريخي ~~إلى أنه قضى على التأثير القوي لمنطق مل، وأبعد تعاليمه عن ~~الميدان عشرات متعددة من السنين، إلى أن حدث، في وقت ~~قريب جدا، رد فعل بطيء لصالح مل إلى حد ما. وأفضل ما ~~يوصف به منطق برادلي هو أنه منطق ميتافيزيقي، بمعنى أن ~~للمسلمات الميتافيزيقية تأثيرها الفعال فيه، أو أنها على ~~الأقل تكون أساسه الخفي، ولكنه لا يناظر إلا على نحو عام ~~ذلك النوع من المنطق الذي يتجلى بأنقى صوره في هيجل، ~~والذي لا تربطه به إلا نقط التقاء متفرقة، والذي نادرا ما ~~استخدم ماهيته، وهي الديالكتيك، إذ تجنب ms314 تماما الارتقاء ~~الديالكتيكي من مقولة إلى أخرى، وفضلا عن ذلك فإن علاقاته ~~بالمذهب الأرسطي التقليدي في المنطق سطحية إلى حد ما، ~~وذلك على الرغم من أنه مبني جزئيا على نتائجه، فهو يتخلى ~~عمدا عن فكرة التصور، وينقد فكرة القياس بقسوة. # وفي مقابل التقسيم الثلاثي المألوف للبحث المنطقي إلى ~~تصور وحكم أو تصديق واستدلال، يقتصر برادلي على الأخيرين، ~~وهو يبدأ بالحكم لأنه يرى أن الحكم - لا التصور - هو ~~الصورة المنطقية الأولى أو الوحدة الأصيلة للفكر، وهو يعلن ~~منذ البداية أن الحكم لا يمكن أن يكون ربط فكرة بإحساس أو ~~بفكرة أخرى، على أساس أن العوامل النفسانية لا دخل لها في ~~هذا الأمر، وإنما الذي يهمنا في الحكم معناه، ومضمونه ~~الفكري الكلي، الذي يختلف اختلافا أساسيا عن أية حادثة ~~أو واقعة ذهنية. فالمعنى أو الفكرة المنطقية يظل على ما ~~هو عليه مهما تغيرت المعطيات، وهو ذلك الجزء من مضمون ~~الوعي، الذي أوقفه الذهن وأخرجه بالتالي من مجال الزمان. ~~وعلى حين أن الحادثة الذهنية جزئية فريدة موجودة ~~واقعيا، فإن المعنى لا ينتمي إلى مجال الوجود الفعلي على ~~الإطلاق، وإنما هو فكري كلي. وهكذا فإن نظرية برادلي ~~المنطقية إنما هي محاولة لإيجاد انفصال واضح بين ~~المجالين المنطقي والنفسي، بين العوامل الفكرية الأولية ~~من جهة، وبين الوقائع البحتة للتجربة المعرفية من جهة ~~أخرى، والفكرة الرئيسية فيه هي أن من المستحيل قيام حكم أو ~~أية صورة أخرى للمعرفة ما لم يوجد عامل يظل في هوية مع ~~ذاته طوال تغير الوقائع وصيرورتها. كل هذا يعبر عنه برادلي ~~في تعريفه المشهور للحكم، وهو التعريف الذي أثار جدلا ~~كثيرا، والقائل إن الحكم هو «الفعل الذي يحيل مضمونا ~~فكريا (يعترف به بما هو كذلك) إلى واقع متجاوز لذلك الفعل.» # 74 # فكل حكم ينطوي بالضرورة على مثل هذه الإحالة ~~أو الإضافة، وكل إضافة تفترض مقدما، إلى جانب الطرفين ~~المضافين، وحدة تجمعهما سويا. وهكذا يؤدي نقد فكرة ~~الترابط إلى مذهب خاص في الحكم. # ولكن على الرغم من كل انتقادات برادلي للنزعة النفسية، ms315 ~~فإنه هو ذاته لم يسلم منها؛ ذلك لأنه عرف الحكم تارة ~~بأنه فعل، أي بأنه شيء ذهني، وتارة أخرى بأنه ما يقصده ~~الفعل أو يعنيه، أي القضية المنطقية، ومثل هذا الإخفاق في ~~الفصل بما فيه الكفاية بين المنطق وعلم النفس، يحول دون ~~إدراجه ضمن ممثلي المنطق الخالص، ولقد كان تأرجحه بين ~~الموقفين هو النقطة التي تركزت عليها انتقادات خصومه، ~~وأولهم كوك ~~ولسن # Cook Wilson ~~، ثم ستوت # Stout # ورسل وغيرهما. # وعندما وصل برادلي إلى صياغه مذهبه في الميتافيزيقا، ~~اهتدى إلى وجهة نظر جديدة يعرف منها الحكم، فقد أدى به ~~تمييزه بين الواقعي والفكري على أساس أن أولهما هو ~~«هذا # That ~~» وثانيهما ~~هو «ماذا # What ~~»، أي هما ~~الاسم والصفة على التوالي؛ أدى به ذلك التمييز إلى النظر ~~إلى الحكم على أنه إيضاح ل«هذا» بوصفه موضوعا، عن طريق ~~«ماذا» بوصفه محمولا، أي إنه هو أن نطلق على الواقع صفة ~~لا تكون واقعة وإنما فكرة، أما الموضوع فهو وجود فعلي، ~~وتتوقف حقيقة الحكم على نوع الواقع الذي نصدر عنه التأكيد. ~~وبين برادلي في ميتافيزيقاه أن الوجود الفعلي جزئي ~~متناقض دائما، ولا يعبر إلا عن وجه جزئي من كل أكبر، ~~ومن ثم فإن أي حكم يشير إلى واقعة محددة، يتصف دائما ~~بالخطأ، وغاية ما يبلغه هو حقيقة جزئية أو نسبية فحسب. ~~والحكم الكامل هو الذي يكون موضوعه، على طول المدى، هو ~~الواقع كاملا أو المطلق. وهكذا يدمج برادلي منطقه في ~~ميتافيزيقاه كما فعل هيجل. # ويعاود برادلي - في مذهبه في الاستدلال - مهاجمة أخطاء ~~تقليدية متأصلة؛ ذلك لأن نفوره من كل قبول أعمى للسلطة ~~جعله يرفض نظرية القياس بأسرها، بوصفها محض خرافة؛ فالقياس ~~يزعم أنه أنموذج كل استدلال وبرهان منطقي، غير أن هناك ~~صورا متعددة للاستدلال والبرهان لا يمكن إدماجها فيه. ~~ويضرب برادلي - لتوضيح رأيه هذا - أمثلة يثبت بها أن ~~المقدمة الكبرى كثيرا ما تكون غير ضرورية، # 75 # فإليه يرجع الفضل في الإشارة إلى عدد من الصور ~~غير القياسية للاستدلال، وهي الصور التي لم يكد يلاحظها ~~المنطق ms316 التقليدي على الإطلاق. # والفرق بين الاستدلال والحكم هو أن الأخير أقرب كثيرا ~~إلى الإدراك المباشر، أي إلى المادة الحسية، فقبل إمكان ~~قيام أي استدلال، ينبغي أن يطرأ قدر معين من التنظيم ~~على المادة الخام للمعرفة، وهذه هي مهمة الحكم أساسا، ~~ويمكن القول: إن الحكم يبدأ، بصورة بسيطة أولية، في ~~التجربة الحسية، على حين أن الاستدلال يفترض مقدما أساسا ~~عقليا، وهذا لا يعني أن الاستدلال يبدأ حيث ينتهي الحكم؛ ~~إذ إن برادلي يؤكد أن الصور البدائية للاستدلال تظهر في ~~البدايات الأولى للحكم، وعلى أدنى مستويات الحياة ~~المعرفية. غير أن الحكم الصريح هو قطعا سابق منطقيا، إن ~~لم يكن نفسيا، على الاستدلال الصريح، وإن يكن الاثنان ~~معا وجهين لعملية واحدة. وهكذا فإن فكرة برادلي هذه ~~تستبق فكرة بوزانكيت (التي كانت وثيقة الصلة بها)؛ إذ تجعل ~~مهمة المنطق هي عرض نمو الذهن وتتبع العمليات المنطقية ~~طوال مراحل نموها المتعددة. # وعند تحليل الاستدلال، يمكننا أن نميز بين ثلاثة عناصر: ~~المعطيات، والفاعلية العقلية في الاستدلال من هذه ~~المعطيات، والنتيجة. ويتصف عنصر الفاعلية بأنه مركب، أي ~~إنه تركيب فكري، وفي الارتباط الزائد الذي يضاف عندئذ ~~إلى الاتصال الأصلي القائم بين المعطيات، تمر هذه ~~المعطيات بتغير وتنتقل إلى وحدة جديدة؛ ذلك لأنه حيث لا ~~يظهر شيء جديد لا يكون ثمة استدلال. على أن برادلي قد ~~ابتعد كثيرا عن رأيه هذا في الاستدلال في الطبعة الثانية ~~من كتاب «مبادئ المنطق»، وآثر أن ينظر إليه على أنه في ~~الأساس يمثل التطور أو النمو الذاتي # self-development # لمضمون موضوعي. # وهو في كل الأحوال يتمسك بتأكيده للفارق الأساسي بين ~~المجالات المادية والذهنية والمنطقية، ولا يمل أبدا من ~~مهاجمة الخلط الذي يتمثل لدى النزعة النفسية بين المجالين ~~الأخيرين، فللفكرة المنطقية طريقة في الوجود تختلف أساسا ~~عن طريقة وجود الشيء المادي والحادثة الذهنية، وهي لا توجد ~~( # exist ~~)، ولا يمكن أن ~~تحدث، إذا كنا نعني بهذه الألفاظ الدخول في مجال الظواهر، ~~وإنما هي مضمون فكري وماهية ومعنى كلي في مقابل الواقعة ~~أو الحادث؛ لذلك فإن ms317 المنطق لا يمكنه أن يدرك - ناهيك به ~~أن يفهم - ما تتصف به الجزئيات والفرديات التي تتمثل في ~~الواقع العيني من ثراء زاخر بالتنوع لا ينضب معينه، ~~فالتنوع المتعدد الألوان للحياة يقع خارج نطاق ~~المنطق. # ولقد أعاد برادلي طبع النص الأصلي «لمبادئ المنطق» في ~~طبعته الثانية التي يفصلها عن الأولى حوالي أربعين عاما، ~~مع إضافة حاشية في صورة ملاحظات في نهاية كل فصل، وسلسلة ~~من الأبحاث الختامية. وهذه المادة الجديدة تصحح النص ~~الأصلي وتتجاوزه في نقاط ليست كلها ثانوية، والجزء الأكبر ~~منها مستمد من بوزانكيت، الذي قام باختبار نقدي لكتاب ~~برادلي «مبادئ المنطق» في 1885 (في كتاب المعرفة والواقع # Knowledge ~~& Reality ~~)، والذي نشر بعد ذلك ~~بثلاث سنوات كتابا خاصا له في «المنطق» اتخذ من برادلي ~~نقطة بداية له، وقد اعترف برادلي بدينه صراحة ودون ~~تحفظ. # ولقد سبق أن نوهنا مرارا بالأهمية التاريخية الكبرى ~~لأعمال برادلي في ميادين الأخلاق وعلم النفس والمنطق. وقد ~~صادفت هذه الأعمال قبولا واسعا، وسرعان ما أصبحت جزءا ~~من تراث الفكر الإنجليزي. أما آراؤه الميتافيزيقية، كما ~~عرضها في كتابه الرئيسي «المظهر والواقع»، فإنها أثارت ~~جدلا أوسع بكثير، فقد كان هذا الكتاب مثارا للشقاق في ~~الفلسفة الإنجليزية الحديثة، وتفاوتت الآراء بشأنه كل ~~التفاوت، ما بين ثناء لا حد له، إلى عدم اكتراث أبله، إلى ~~سخرية مريرة واحتقار صريح، فقد وصفه إدوارد كيرد بأنه ~~أكبر حدث منذ «كانت»، كما قال مويرهيد إنه «لم يظهر أي شيء ~~مثله منذ «بحث» هيوم، فهذا الكتاب، شأنه شأن كتاب هيوم، قد ~~أيقظ المفكرين من جميع المدارس من سباتهم القطعي.» # 76 # أما خصومه، وعلى رأسهم البرجماتيون، فقد ~~انقضوا عليه بوحشية، وجعلوا منه مسخا مشوها، ورأى ~~غير هؤلاء فيه مزيجا عشوائيا من الجد والهزل، ولم ~~يستطيعوا أخذه مأخذ الجد، واقترح أحد الظرفاء تغيير ~~العنوان إلى «اختفاء مظهر ~~الواقع # The disappearance of Reality ~~»، # 77 # وعلى الرغم من ذلك فلا يوجد كتاب آخر هز ~~الفلسفة الإنجليزية الحالية من أعماقها، وأثار من التفكير، ~~ومارس من التأثير إيجابا وسلبا، مثل ms318 كتاب برادلي «المظهر ~~والواقع». # سارت ميتافيزيقا برادلي في طريق تشييد مذهب، ولكنها لم ~~تفعل ذلك بالتحليق الأهوج فوق التجربة، وإنما طبقت الشرط ~~الذي وضعه برادلي في تصدير كتابه «مبادئ المنطق» فقامت ~~ببحث نقدي (أو سمه بحثا شكاكا إذا شئت) في المبادئ ~~الأولى، وقد اشتهرت كلمته المأثورة التي قال فيها: «إن ~~الميتافيزيقا هي العثور على أسباب رديئة لما نؤمن به ~~بالغريزة، غير أن العثور على هذه الأسباب هو بدوره غريزة ~~بنفس المقدار.» # 78 # فهو يرى - مثل شوبنهور - أن الإنسان «حيوان ~~ميتافيزيقي»، والميتافيزيقا هي ترياقه الأفضل ضد الخرافة ~~القطعية للاهوت المتزمت، وضد سطحية المذهب المادي، فهي ~~سلاح ذهن نشيط متحرر عقليا، يسعى إلى الخلاص من قيود ~~المذهب الجامد، وهي موقف أكثر منها نظرية، وهي إثارة ~~للمشكلات وبحث عنها أكثر منها حلا لها. ومن هنا كان لنا ~~- إذا شئنا - أن نجعل منها ملهاة، وستظل تحتفظ ببعض قيمتها ~~حتى لو أسفرت عن الشك الكامل؛ ذلك لأن الاتجاه إلى الشك له ~~عند برادلي من الفعالية ما للاتجاه التأملي النظري. # وهو يعزو إلى الميتافيزيقا مهمتين: أولاهما طلب معرفة ~~للواقع متميزة عن مجرد المظهر، والثانية تصور العالم ~~عقليا، لا بطريقة مفككة، وإنما من حيث هو كل على نحو ~~ما. هاتان هما الفكرتان الرئيسيتان في نظريته، أما عن ~~الأولى، فواضح أن من المهم تعريف اللفظين اللذين تضمنهما ~~الفكرة، فما هو المظهر # appearance ~~؟ إنه ليس الظاهري # phenomenal # في البداية ~~على الأقل - سواء فهم هذا الأخير على أنه ما هو معطى ~~في الوعي أو ما هو مقابل الشيء في ذاته - كما أنه ليس أي ~~مجال محدد للوجود أو الفكر مميزا عن أي مجال آخر، وربما ~~كان هو كل هذه معا، ولكنه قبل كل شيء ما نكون إزاءه كلما ~~صادفنا تباينا بين ما هو موجود وما هو موضوع للفكر. وكلما ~~غاص الفكر في متناقضات أو اقتصرت قدرته على إدراك جزء ~~بدلا من الكل، وكثرة بدلا من الوحدة، وشيئا نسبيا ~~بدلا من شيء مطلق، فالمظهر هو ما هو علائقي # relational # مفكك، وما ms319 ~~تسري عليه الصيرورة والتغير، وهو سلب للمعنى والقيمة، إنه ~~يكون حيث يكون الخطأ والشر والخطيئة، وحيثما ننساق في سعي ~~قلق، وحيثما نكتفي، في بحثنا عما هو أسمى وأفضل، باستنفاد ~~أنفسنا واستهلاكها بدلا من أن نصل إلى ما يرضينا. # وهكذا يعرف المظهر في عبارات تكاد كلها تكون سلبية فحسب، ~~فما هو الواقع # reality # إذن؟ إنه ما يقابل المظهر من جميع النواحي، بحيث لا يكون ~~علينا، لكي نعبر عن طبيعته كما تصورها برادلي، إلا أن ~~نستعيض عن الصفات السالبة السابقة بمقابلاتها الإيجابية، ~~فلنرجئ مؤقتا الإتيان بوصف أكمل له، ولنعرف الواقع - ~~بصفة مبدئية - بأنه ما خلا من التناقض، وبأنه وحدة وكلية ~~واستقرار وانسجام، وبأنه شامل لكل شيء، وبأنه حقيقة ~~كاملة، أي بالاختصار: بأنه المطلق. # فما الذي يعزوه برادلي إلى مجال المظهر؟ إن لب ~~تعاليمه إنما يوجد في الفصل الخاص بالعلاقة (أو بالإضافة) ~~والكيف، ولعلنا نذكر أن جرين، والمدرسة القديمة عامة، ~~كانوا يعزون إلى مقولة الإضافة أهمية كبرى، فهو ذلك الذي ~~يضفي على الأشياء حقيقتها بالربط فيما بينها، أما برادلي ~~فيحاول أن يثبت العكس، فهو يقول إننا عندما نختبر بطريقة ~~نظرية ترتيبنا للوقائع تبعا لعلاقاتها وصفاتها نقع في ~~صعوبات ومتناقضات غير متوقعة؛ ذلك لأن العلاقة (أو ~~الإضافة) والصفة يفترض كل منهما الآخر، والصفات ليست ~~شيئا بدون العلاقات، ونحن نكون إزاء علاقات كلما ميزنا ~~أو حكمنا أو فكرنا على أي نحو، وكما قال برادلي في موضع ~~ما، فإن التفكير ينتحر إذا لم يعد علائقيا # relational ~~. وطبيعي ~~أننا عندما نتجاوز الفكر إلى الوحدة المتصلة بالشعور، نكون ~~قد انصرفنا عن العلاقات والصفات، ولكنا لا نستطيع التفكير ~~في صفات دون التفكير في سمات محددة متميزة بعضها عن ~~البعض، كما أننا لا نستطيع التفكير في هذه الأخيرة دون ~~التفكير في علاقات بينها. وهكذا فإن الصفات لا يكون لها ~~معنى بدون العلاقات، والاثنان لا يتميزان إلا بالفكر، ولا ~~ينفصلان واقعيا. وبالمثل لا يمكن أن توجد علاقة دون صفة؛ ~~إذ لا يوجد ما يربط إذا لم توجد صفات بوصفها حدودا. وعلى ms320 ~~ذلك فلا يمكن تصور أي حد مأخوذا على حدة، ولكنه من المؤسف ~~أنه حتى عندما تؤخذ الحدود مرتبطة فيما بينها، فسيظل من ~~المستحيل تصورها؛ إذ إننا عندما نحاول تصور العلاقة بين ~~العلاقة الأصلية وبين الصفة أو الحد، فإنا نبدأ في عملية ~~نسير فيها إلى ما لا نهاية، ما دامت كل علاقة جديدة بين ~~العلاقة الأصلية وبين الحد تحتاج بدورها إلى الارتباط في ~~علاقة مع هذا الحد. ومن هذا كله يستنتج برادلي أنه كلما ~~تحرك الفكر في علاقات أصبح - حسب معيار المعرفة - بديلا ~~أو حلا وسطا، عاجزا عن بلوغ الحقيقة أو الكشف عن واقع ~~الأشياء، فالتفكير العلائقي أو المقالي # discursive # يوقع نفسه ~~بالضرورة في متناقضات، وبالتالي لا يشير إلا إلى عالم ~~الظواهر. وكما قلنا من قبل، فإن القابلية للتناقض هي ~~المعيار الذي ندرك به كون الشيء أو التصور ينتمي إلى مجال ~~المظهر. # وبعد تخلص برادلي من تصور العلاقة، يرد كل التصورات ~~الأولية الأخرى للفكر إلى علاقات، هي بدورها عاجزة عن ~~الاتصال بحدودها إلا من خلال سلسلة لا متناهية - وبالتالي ~~مستحيلة - من العلاقات المتوسطة. وهكذا فإن عالم المظهر ~~عنده مزدحم بدرجة لم تعرف من قبل، وقد كرس الباب الأول ~~كله من كتابه لإثبات أن المقولات والتصورات الأخرى للفكر، ~~وكذلك محتوى التجربة، كل هذا يعاني مما تتضمنه العلاقة من ~~تناقض غير قابل للحل، وبالتالي ينتمي إلى عالم المظهر. وفي ~~هذه الفصول يترك برادلي السفسطائي الشكاك نفسه على سجيتها، ~~في دوامة من التمييزات الحادة والحجج الدقيقة التي تثير ~~سحابة هائلة من الغبار الديالكتيكي بحيث لا يكون لنا أن ~~ندهش حين نرى الأشياء تتهاوى بين يديه، ولا تترك في ~~النهاية إلا عالما من الأنقاض. ففي دوامته الديالكتيكية ~~يكتسح، الواحدة تلو الأخرى، كلا من: الكيفيات الأولى ~~والثانية، والشيء والصفة، الكيف والإضافة ، الزمان والمكان، ~~الحركة والتغير والتعاقب، العلية والفعل والانفعال، الجوهر ~~وهوية الأشياء، بل وهوية الذات، وكل علم طبيعي، والخطأ ~~والشر والخير، بل الدين والله. # ولا حاجة بنا إلى تتبع كل من هذه على حدة، وإنما ~~سننتقي ms321 حالة الذات لنضرب مثلا بها على الطريقة التي سار ~~عليها؛ إذ إنها تكشف على أكمل وجه عن مدى استعداد برادلي ~~للخروج عن مواقف المثاليين السابقين عليه، مثل جرين وولاس ~~كلما اقتضى مبدؤه ذلك. وتلك هي أوضح حالة تبين مدى تحكم ~~الإطار الجامد الذي وضعه برادلي في نتائجه مقدما، وإلى أي ~~حد أغمض عينيه عن حل كان قريبا من متناول يده، وفي ~~الوقت ذاته كانت تقتضيه المشكلة ذاتها. فدون أن يبذل حتى ~~مجرد محاولة لحل مشكلة الهوية الشخصية بتحليل مباشر ~~للوقائع المجردة، نراه يكتفي ببحث النظريات المتعلقة بها، ~~وهي نظريات بلغت من الكثرة والتنوع حدا يبعث على ~~الاضطراب، وانتهى إلى أن تصورا له من التباين والغموض ما ~~لتصور الذات لا يمكنه أن يفي بتلك الشروط التي ينبغي عليه، ~~أو على أي تصور آخر، أن يفي بها إذا ما شاء أن يعد ~~حقيقيا أو واقعيا؛ لذلك أدرجه ضمن المظاهر. غير أن ~~الذات تمثل حالة ينطبق عليها بكل وضوح معيار الواقعية الذي ~~رأى برادلي أن له أهمية عظمى، أعني معيار انسجام الواحد ~~والكثير، والكثرة في وحدة مركبة. فهو إذ أنكر وحدة الوعي ~~الذاتي قد جعل الذات مساوية لمجموع تجاربها بدلا من أن ~~يجعلها مساوية لوحدة هذه التجارب. وهكذا انتهى إلى الرأي ~~القائل إنها مجرد حزمة من الأحوال المتفرقة، فاقترب بذلك ~~كثيرا من نظرية هيوم التي كان قد أعلن صراحة عن عدم ~~رضائه بها. والأهم من ذلك أنه تخلى بهذا عن الرأي الذي كان ~~قد عرضه في مذهبه الأخلاقي من قبل. وفضلا عن ذلك فإن هذا ~~قد جعل من المستحيل عليه - كما سنرى فيما بعد - أن ينتفع ~~على أي نحو من مقولة الشخصية في تحديد المطلق. وهكذا فإن ~~نظريته في الذات، كما عرضها في كتابه عن الميتافيزيقا، ~~تمثل نكسة إلى التجريبية (التي كانت تربطه بها بالفعل ~~صلات قوية)، وهي تعد مثالا للطريقة التي أساء بها مفكر ~~لامع الذهن مثله إلى مشكلة في سبيل مبدأ. # وهكذا لا يتبقى لدينا، بعد هذا كله، إلا ثنائية وهوة ms322 ~~شاسعة بين المظهر والواقع، ولكن من الواضح أن المسألة لا ~~يمكن أن تقف عند هذا الحد. وهكذا يتصدى برادلي في الباب ~~الثاني من كتابه لمعالجة الجراح التي سببها في البداية؛ ~~فهو يبين عندئذ أن العالمين المفصولين ديالكتيكيا لا ~~يمكن أن يوجدا منعزلين، وأن كلا منهما يتضمن إشارة إلى ~~الآخر، فالمظهر هو - على أية حال - شيء ما وليس عدما؛ ~~ولذلك ينبغي أن ينتمي إلى الواقع على نحو ما. ومن جهة ~~أخرى فلو أخذ الواقع في ذاته وبذاته لكان عدما، فمن ~~الواجب إذن أن يشتمل على المظهر على نحو ما، إذ لا يمكن - ~~على أبسط الفروض - أن يكون أقل من هذا. وهكذا انتهى برادلي ~~إلى أن المظهر في حاجة إلى الواقع لتكملة ذاته، وأن الواقع ~~في حاجة إلى المظهر ليجعل لذاته مضمونا وواقعية، وهنا ~~ينبغي أن نتساءل عن الطريقة التي ينتمي بها المظهر إلى ~~الواقع، أو إلى المطلق كما يسميه برادلي عادة. وهو يقول ~~في نهاية الكتاب (مشيرا إلى هيجل، مع إبداء الموافقة على ~~رأيه) إن الواقع روحي. فإذا ما تأملنا هذا القول في ضوء ~~المجرى العام لاستدلاله، لبدا لنا أنه خاتمة بلاغية أكثر ~~من كونه ممثلا لرأيه الحقيقي؛ إذ إنه قد أعلن أن الفكر ~~العلائقي (الذي لا يعرف برادلي للفكر نوعا غيره) لا يمكن ~~بأية حال أن يعبر عن طبيعة المطلق، وأعلن بوجه خاص أن ~~المطلق لا يمكن تصوره على مثال الذات أو الشخصية، ما دام ~~الفكر والذات ينتميان سويا إلى عالم المظهر، أما رأيه ~~الحقيقي، الذي يدل مرة أخرى على استمرار عناصر تجريبية ~~في تفكيره، فهو أن المطلق تجربة حاسة، إنه حقا نسق ~~واحد منسجم شامل، ولكن محتواه يتألف من التجربة ~~الحاسة، وفي هذا المطلق تنحل كل الفوارق في وفاق أو ~~ترفع ( # aufgehoben ~~) على حد ~~تعبير هيجل. # والحق أنه لمما يبعث على الحيرة، بعد ذلك المستوى الرفيع ~~الذي رفع إليه برادلي المطلق، أن نراه يوحد بين المطلق ~~وبين التجربة الحاسة، ويرفع هذه الأخيرة بالتالي فوق ~~مستوى التجربة المنظمة أو التي ms323 نتوصل إليها بالفكر. فمن ~~الواضح أنه لا توجد تجربة نستطيع بها أن ندرك المطلق ~~إدراكا مباشرا. وربما كان برادلي قد شعر بهذه الصعوبة؛ ~~إذ إنه بحث عن تشبيه ليوضح معناه، وأحالنا في النهاية إلى ~~التجربة الباطنة التي نمارسها عندما نحس مباشرة بشعور ~~خالص متجانس تماما. فهو يرى في هذه الأخيرة أنموذجا أو ~~صورة دنيا لتجربة «المطلق»، نظرا إلى ما تتصف به من كلية ~~لا تتجزأ. والاثنتان متوازيتان، ولا تختلفان إلا من حيث ~~إن إحداهما تقع في الجانب الأقرب لعالم المظهر المتناقض، ~~نظرا إلى أنها لم تخضع بعد للنشاط المقالي ~~( # discursive ~~) للفكر، ~~بينما الأولى تتجاوزه، لا بالمعنى المكاني، وإنما بمعنى ~~أنها قد علت على الانقسامات والتقابلات التي يأتي بها ~~الفكر، واستعادت التجربة الأصلية المتصلة على مستوى أعلى. ~~هذا الطابع المطلق للشعور، الذي يبعث النشوة أحيانا في ~~نفس برادلي، يؤدي به إلى إصدار تأكيدات جريئة إلى حد ~~مفزع، من أمثلتها ما يلي: «لا شيء حقيقيا أو واقعيا في ~~النهاية إلا ما هو موضوع للشعور، وبالنسبة إلي لا يكون ~~هناك في النهاية شيء واقعي إلا ما أشعر به ... فالواقع - ~~لكي يكون واقعا - ينبغي أن يشعر به.» # 79 # وفي الشعور نحس بالكثرة على أنها وحدة، ~~وبالأجزاء على أنها كل، فهنا نكون على مستوى أدنى من ~~مستوى التقسيم إلى ذات وموضوع، والتقابل بين الصواب ~~والخطأ، هذه التجربة، التي هي أكثر تجاربنا أولية، تتصف ~~بتلك الوحدة في الكثرة، التي أنكرها برادلي على أعلى ~~التجارب مستوى، أعني تجربة الوعي الذاتي، غير أن الوحدة ~~هنا «تمارس» فحسب، وهي تختفي بمجرد إعمال الفكر فيها، بل ~~إننا لا نستطيع التعبير عنها بألفاظ، وإنما نستطيع فقط أن ~~نشعر بأنها انعكاس لتلك التجربة الأعلى التي نشارك بها في ~~المطلق. # وهكذا تتضح الآن الخطوط العامة لنظرة برادلي إلى العالم. ~~فهي ترسم صورة لثلاثة مستويات: أدناها عالم الشعور ~~المباشر، أي التجربة قبل العلائقية # pre-relational # التي نشعر فيها بكل لا ~~انقسام فيه ولا تنوع، ويلي ذلك المستوى الديالكتيكي، أي ~~عالم الفكر الذي توجد فيه علاقات ms324 تفكك الوحدة الأصلية ~~للشعور، وتكون فيه الأشياء مظاهر فحسب لا واقعا، والثالث ~~عالم الواقع والمطلق الذي تعود فيه، في مركب أعلى، تلك ~~الوحدة والكلية المفقودتان في المرحلة الثانية. ويمكن ~~التعبير عن معنى برادلي بدقة على نحو أكثر عينية ~~وإنسانية. فنحن إذ أكلنا من «شجرة المعرفة» قد فقدنا ~~وحدتنا النقية الأصلية، وأصبحنا في كل سعي لنا نهدف إلى ~~استردادها. غير أننا لا نستطيع أبدا أن نرجع إلى حالتنا ~~الأصلية، فأبواب الجنة الأرضية موصدة في وجوهنا إلى الأبد، ~~ولكنا ربما اهتدينا بعد أن نكون قد تحملنا حياتنا المضطربة ~~الممزقة هنا، إلى الوحدة ثانية في عالم أعلى وأسمى، وسواء ~~أمكننا إدراك ذلك أو لم يمكننا، فإن كل شوق لنا، في الوقت ~~الحالي إنما يتجه إليها، فالإنسان ينتقل من البراءة النقية ~~للشعور الساذج، إلى إثم المعرفة، ومنه إلى التوبة والخلاص ~~في المطلق. # وفي هذا الصدد يبدو المطلق عند برادلي على أنه ناتج عن ~~رغبة، وتحقيق متخيل لها. والواقع أن في كتابه فقرات نستطيع ~~أن ندرك فيها تلك العاطفة العميقة، التي ترقى أحيانا إلى ~~مرتبة الشوق الصوفي، والتي كان يسعى بها وراء المطلق ليصبح ~~وإياه واحدا؛ ذلك لأن المطلق، على أية حال، ليس رتابة ~~خاوية مملة، إذ أنه يضم كل ما في الفردي والجزئي من ثراء ~~وتنوع، ويحتفظ به في داخله، وهو على أسوأ الفروض لا يمكن ~~أن يكون أفقر من عالم المظهر الحسي، بل إنه ينبغي أن يكون ~~أثري إلى حد لا متناه من أي شيء تمدنا به تجربتنا ~~الحالية، فلا شيء يضيع فيه. «إن كل لهيب انفعالي، عفيف أو ~~شهواني، يظل يشتعل في المطلق دون أن يرتوي أو تخف حدته، ~~فهو نغمة يستوعبها التوافق المميز لسكينته وطمأنينته ~~الرفيعة.» ولكن كيف تدخل المظاهر في المطلق وتكون جزءا من ~~طبيعته؟ من المحال قطعا أن يكون ذلك بالصورة التي نعرفها ~~بها الآن، أي بما تتميز به في حالتها الراهنة من اضطراب ~~وحيرة، بل ينبغي أن تتغير هيئتها ويعاد تشكيلها لكي تلائم ~~الحياة العليا والكاملة، وليس في ms325 وسعنا أن نذكر كيف يحدث ~~ذلك في كل حالة، بل كل ما نملك أن نفعله هو الاكتفاء ~~بالتخمين والترجيح، فعناصر التجربة، من شعور وإرادة وفكر ~~أيضا، ستكون هناك، ولكنها لن تعود في حالة شقاق. فلا بد ~~من وجود إرادة حيث يغدو المثل الأعلى حقيقة واقعة. على أن ~~الفكر ينبغي أن يطرأ عليه تبدل عميق، فسيكون ماثلا بوصفه ~~حدسا أعلى، وبذلك يفقد طابعه المميز، ويلتهم ذاته عند ~~بلوغه مثله الأعلى، ويعلى عليه عند الاهتداء إلى ذلك ~~العلو الذي يكون البحث عنه ماهيته ذاتها. وواضح أن برادلي ~~يعني هنا بالفكر ذلك الفكر العلائقي المقالي، والنشاط ~~المتناهي للذهن، لا الفاعلية المطلقة للعقل، ولو كان فقط ~~قد توسع في هذا الفهم الضيق المحدود الفكر في اتجاه ~~«الفكرة المطلقة # Idea ~~» عند ~~هيجل، لوجد ما كان يبحث عنه دون جدوى. # ولا يستثنى الخطأ والشر من عملية التحول الكبرى التي ~~تدمج بها المقولات والمظاهر المتناهية في المطلق، ففيما ~~يتعلق بالخطأ، يكون معنى هذا الاندماج أنه لا يمكن وجود ~~تعارض أساسي بين الحقيقة والخطأ، وإنما الأمر كله أمر ~~درجات من هذا وذاك، فالخطأ في الواقع «هو» الحقيقة، أي هو ~~الحقيقة الجزئية الناقصة، التي نتأملها من وجهة نظر فهمنا ~~المحدود القاصر، أما في التجربة الكلية فإنه يصحح ذاته ~~ويختفي. ومن الواضح أن برادلي هنا لا يحل هذه المشكلة ~~الخطيرة غاية الخطورة، وإنما يكتفي بالزيغ والتهرب منها. ~~ولا جدال في أن الهجمات العنيفة التي وجهها خصوم برادلي، ~~ولا سيما البرجماتيون، إلى نظريته في الخطأ، قد مست ~~نقطة شديدة الضعف في مذهبه. # كذلك يتضح أن الألم والشر، شأنهما شأن الخطأ، متمشيان مع ~~الكمال المطلق، ولا ينكر برادلي أن لهما وجودا فعليا، ~~ولكن المسألة التي يهتم بها هي طريقة التحول الذي يمكن أن ~~يطرأ عليهما. وهو هنا يلجأ إلى تشييه، فمن التجارب ~~المألوفة أن الألم البسيط يمكن أن يستوعب في لذة أعظم، ~~فيختفي نتيجة لذلك، صحيح أن شدة هذه اللذة ستقل عندئذ، ~~غير أن الشعور في مجموعه يمكن أن يظل شعورا باللذة، ms326 فمن ~~الممكن إذن، إذا ما حسبنا مجموع الأمور حسابا شاملا، أن ~~تطغى اللذة على الألم وترجح كفتها عليه. ويبدو أن هذا ~~الإمكان المحض يزيح، بالنسبة إلى برادلي، آخر عقبة تقف في ~~وجه كمال المطلق، فهو حين ينتقل إلى مشكلة الشر، يذهب إلى ~~أن الشر لا يوجد إلا في التجربة الأخلاقية، وإلى أن ~~التجربة الأخلاقية في أساسها حافلة بالتناقض، وأن هناك ~~رغبة ديالكتيكية تدفعها إلى العلو على هذا التناقض في ~~مجال أعلى - أي فوق الأخلاقي - من مجالات الوجود. وهكذا ~~يدخل الشر في خدمة الخير، مستهدفا تحقيق هذا الأخير، وإن ~~يكن ذلك عن كره منه، وهنا أيضا، كما في حالة الخطأ، يختفي ~~التعارض إذا ما وسع مجال الإشارة بما فيه الكفاية «فكل ما ~~نحتاج إلى فهمه هنا هو أن «مقصد السماء»، إذا ما كان لنا ~~أن نتحدث على هذا النحو، يمكن أن يحقق ذاته بنفس الفعالية ~~في كاتيلينا # Catiline # 80 # وبورجيا # Borgia # 81 # مثلما يتحقق في صاحب الضمير الحي أو في البريء الساذج.» # 82 # وأن التفاؤل المفرط الذي يتخلص به برادلي من ~~هذه المشكلات الخطيرة، وتشويهه للحقائق في صورة أقرب إلى ~~رغبته الشخصية، ليشكك المرء فيما إذا كان من الممكن للمطلق ~~أن يبعث ذلك الرضاء «النظري» الذي ابتدعه من أجله. # وكما رأينا من قبل، فإن المجال فوق الأخلاقي الذي تهفو ~~إليه الحياة الأخلاقية هو الدين. ولم تكن لبرادلي صلة ~~وثيقة أو أساسية بالأمور الدينية، وإن المرء ليحس بأن ما ~~قاله عنها سطحي، وبأنه ليس ناتجا عن معاناة وتجربة، وإنما ~~عن تفكير نظري قام به وهو قابع في مقعده الوثير فحسب. وهو ~~في هذا يقول إنه رغم أن الدين مطلق بالنسبة إلى الأخلاقية، ~~فإنه بالنسبة إلى «المطلق» مجرد مظهر. وتؤدي التناقضات ~~الداخلية التي يهتدي إليها برادلي في الدين إلى دفعه إلى ~~تجاوز ذاته، ليصل إلى كمال الكل الميتافيزيقي الأعلى. فما ~~هي إذن العلاقة بين الله وبين المطلق؟ إن الله لا يكون ~~إلها إلا بقدر ما يكون هو الكل، ولكنه بهذا المعنى ليس هو ms327 ~~الله، كما تعرفه الأديان، الذي هو أقل من المطلق. وهكذا ~~فإن تصور الله ينجذب بدوره، بعد كل التصورات الأخرى، في ~~الدوامة الديالكتيكية، فهو ليس الكل وإنما هو وجه واحد، ~~وبالتالي مجرد مظهر، بحيث ينبغي أن يطرأ على الله، ومعه ~~الدين، ذلك التحول الذي يغوص به في «الواحد» الميتافيزيقي ~~النهائي، ولا شك أن هذا الحل - أو قل هذا الانحلال - ~~الغريب محتم بالنسبة إلى مذهب برادلي؛ ذلك لأنه بعد أن ~~نظر إلى الشخصية على أنها حزمة من المتناقضات، وبالتالي ~~على أنها حقيقة من مرتبة أدنى، لم يعد أمامه بد من أن ~~يعزو إلى المطلق طبيعة فوق الشخصية، وأن يصفه من خلال ~~فكرتي الاتساق والانسجام، أما الدين فكان بالنسبة إليه ~~مسألة عملية، ونظرا إلى أن صوره وتصوراته تتجه أساسا ~~إلى تحقيق غايات عملية، فلا يلزم أن تخلو من التناقضات ~~النظرية. أما كون معظم الأديان تصور الكائن الأعلى على أنه ~~شخص، فتلك مجرد نتيجة للحاجة البرجماتية التي تعبر عنها ~~هذه الأديان. وعلى أية حال فإن هذا التصوير، كما يقول ~~برادلي، لا يمكن أن يفي بمقتضيات المبدأ الميتافيزيقي الذي ~~يسميه المطلق؛ ومن ثم فهو يقصر دونه. # فالمطلق إذن هو ~~الغاية التي تسعى إليها كل الأشياء، والذي تؤثر كل ~~الأشياء، من أجله، أن تضحي بطبيعتها الخاصة على أن تظل على ~~حالتها القلقة الراهنة؛ وعلى ذلك فإنه هو المعيار الأسمى ~~لكل قيمة، وهو ما يجعل الصحيح صحيحا، والجميل جميلا، ~~والخير خيرا، «إن المطلق إنما وجد ليضمن أن يكون ~~للأعلى، في كل الأحوال، أكبر مكانة وأن يكون للأدنى أقلها.» # 83 # فهو الواقعي بمعنى مؤكد أو رفيع، وهو الواقعي ~~بوصفه قيمة، أما كل ما في عالم المظهر فهو مغترب عن طبيعته ~~الخاصة، وبالتالي فهو دائما في عملية انتقال من طابعه ~~المتناهي إلى كماله الحقيقي، فكل هذه الأشياء في صيرورة ~~وتغير دائمين، وهي لا تصل إلى الكمال في ذاتها، ولا تحمل ~~في ذاتها معنى وجودها الحقيقي. # ولكن ألا تعني هذه ~~الحركة الدائمة نحو الكمال وتحقيق المثل الأعلى، أننا نقلل ~~إلى ms328 حد بشع من القيمة الحقيقية الصحيحة للأشياء، ونلغي ~~تماما كل ما تكونه وما تفعله هنا، والآن؟ أليس مما يزيد ~~الأمر سوءا أن يترك المثل الأعلى دون أي تحديد أو تمييز، ~~بحيث لا يمكنه أن يقدم تعويضا كافيا عن هذه التضحية ~~الشديدة للأشياء التي لا تعود على ما هي عليه مطلقا؟ لقد ~~شعر برادلي ذاته بهذه الصعوبة، وحاول أن يخففها في فصل ~~(رأى الكثيرون أنه لا يرتبط بأفكاره الرئيسية ارتباطا ~~حقيقيا) عن «درجات الحقيقة والواقع»، وفي بعض الشروح ~~المكملة في كتابه «أبحاث في الحقيقة والواقع»، فهو في هذه ~~المواضع يقول إنه لا يلقي بكل الأشياء دون تمييز في حومة ~~المطلق، فمتى في عالم المظهر القائم الناقص، يوجد تمييز ~~بين درجات أو مستويات تحدد تبعا للقرب أو البعد عن ~~المثل الأعلى الذي يضعه المطلق، وبالمسافة التي تفصل بين ~~أي مظهر وبين المثل الأعلى - أي درجة واقعيته - وتقاس هذه ~~الدرجة بمقدار التغير اللازم لإدخال المظهر في نسق الواقع، ~~فجميع الأشياء - بالقياس إلى المطلق - نسبية، غير أن هناك ~~درجات النسبية، وبالتالي - بمعنى ما - درجات من الواقعية ~~أو من الطابع ~~المطلق # absoluteness ~~، وهذا هو الذي يتيح ترتيب درجات ~~الأشياء، فالبدن والذهن مثلا هما معا مجرد مظهرين، غير ~~أن الذهن أقرب إلى الواقع. وهكذا فإننا لو نظرنا إلى كل ~~شيء من مستواه الخاص، لرأينا له قيمة نسبية خاصة به، تقدر ~~تبعا لمدى اشتماله لطبيعة الكل العيني، الذي هو الواقع، ~~ومدى تعبيره عنها، ومثل هذا يقال عن الحقيقة، فالمستويات ~~الدنيا للمعرفة، إذا ما نظر إليها من المستويات العليا، ~~تبدو متناقضة مفتقرة إلى الترابط، ولكنها إذا ما نظر ~~إليها في ذاتها، وقيست تبعا لدرجة وضوحها الخاص، تغدو ~~متسقة صحيحة، وهنا يزداد برادلي اقترابا من المعنى ~~العميق لفكرة هيجل في المراحل الديالكتيكية، ويقدم عرضا ~~أفضل للمعنى الحقيقي للتمييز الأساسي بين المظهر والواقع، ~~لا بالنسبة إلى مذهبه الخاص فحسب، وإنما بالنسبة إلى جميع ~~المذاهب المثالية بوجه عام. # أبرز سمات فلسفة بوزانكيت قرابتها الوثيقة من فلسفة ~~برادلي، وكأن الرجلين يكونان شركة، ms329 يمثل فيها برادلي ~~الذهن المنشئ الذي جاء بالبادرة الأولى وأخصبها بعد ذلك، ~~ويمثل بوزانكيت - عموما - الذهن الأكثر تفتحا والأقدر ~~على العمل والتنفيذ. غير أن من الإسراف أن يقال - كما فعل ~~البعض في الآونة الأخيرة - إنه يكاد يكون من الممكن النظر ~~إلى الاثنين على أنهما شخصية فلسفية واحدة؛ ذلك لأنه، ~~على الرغم مما بينهما من اتفاق كبير في الموقف العام ~~فضلا عن التفصيلات، فليس من الصحيح أن تسمى فلسفة ~~بوزانكيت مجرد ترديد لفلسفة برادلي، فهي تمثل إعادة بناء ~~مستقلة وتوسيعا وتطبيقا لتعاليم برادلي، قام به مفكر ~~أصيل تصادف أنه متفق مع برادلي، وإن لم يكن يقل عنه ~~مقدرة، فليس أحدهما هو المعطي والآخر هو الآخذ فحسب، بل ~~لقد كان بين الاثنين تبادل مثمر للآراء، كان برادلي فيه ~~هو المستفيد في أحيان غير قليلة. # ولقد كان بين حياة كل من برادلي وبوزانكيت اختلاف هائل، ~~(على الرغم من أن بداية حياتهما ونهايتها كانتا متفقتين ~~في الزمان تقريبا). وقد انعكس ذلك الاختلاف أيضا في ~~عقليتهما وطريقتهما في التفلسف، فقد كانت طبيعة برادلي ~~منطوية منعزلة، ولم يشغل منصبا تعليميا، ولم تكن له ~~واجبات تستحق الذكر، وهو لم يكن تواقا إلى النشاط ~~العملي، وإنما ظل مغلقا على ذاته، منصرفا بكليته إلى ~~حياة التأمل، وقضى حياته كلها بين جدران كليته في منفى ~~اختياري عن العالم. أما بوزانكيت فكانت له، على العكس من ~~ذلك، طبيعة إيجابية عملية، وقدرة هائلة على العمل، ولم ~~يستطع أن يقنع بالحدود الضيقة لحياة المحاضر الجامعي إلا ~~فترة محدودة، فبعد عشر سنوات قضاها في هذه الحياة، وجد ~~مجالا أوسع وأبرز للعمل في لندن، حيث كان يقوم بالمساعدة ~~في تنظيم الخدمات الاجتماعية ويحاضر في الجمعيات الفلسفية ~~وفي فصول كانت قد بدأت تنشأ عندئذ بموجب حركة تعليم ~~البالغين الجديدة. وعلى حين أن برادلي لم ينشر إلا أربعة ~~كتب من جميع الأحجام، فإن بوزانكيت ، الذي كان من أخصب ~~كتاب الفلسفة في عصره وأوسعهم مجالا، نشر ما يقرب من ~~العشرين. # ولقد كانت عزلة برادلي عن الحياة متمشية مع ms330 تحفظه العقلي ~~الشديد، فقد كان تفكيره منطويا على ذاته، جافا خشنا لا ~~يعرف التسامح، ويكاد يكون محصنا ضد المؤثرات الجديدة. أما ~~ذهن بوزانكيت فكان سخيا ودودا متسامحا، متفتحا على ~~المعارف والتجارب الجديدة، قابلا للتشكل تبعا للمواقف ~~الجديدة، ولقد كان يفوق زميله في سعة الثقافة والتحصيل، ~~وفي تعدد جوانب اهتمامه، وإن كان يفتقر إلى تعمق زميله ~~وقدرته على النفاذ إلى بواطن الأمور ومقدرته الخلاقة الأصيلة، # 84 # وكان للاثنين معا تأثير لا حد له، على ~~الفلسفة الإنجليزية المعاصرة لهما، وما زال هذا التأثير ~~قويا إلى اليوم، في الوقت الذي أخذت فيه الحركة المثالية ~~تضمحل. ولقد نمت الحركات المعارضة لهما بفضل ما استمدته ~~منهما، وزادت من حدة أسلحتها بفضل خلافها معهما. أما في ~~القارة الأوروبية فإن تعاليمهما لم تلق إلا اهتماما ~~ضئيلا، ويكاد اسم بوزانكيت يكون مجهولا، ولم تترجم من ~~كتبهما إلا كتاب «المظهر والواقع» لبرادلي (ترجم إلى ~~الألمانية سنة 1928). # ولقد وجدت المثالية المطلقة في برادلي وبوزانكيت أفضل من ~~يمثلانها بين الإنجليز، فقد توسع فيها الأول في اتجاه ~~العمق، والثاني في اتجاه الامتداد. وإلى بوزانكيت على ~~التخصيص يرجع فضل بناء نظرة برادلي إلى العالم على أساس ~~أوسع كثيرا وتطبيقها وعرضها، بكل ما فيها من نواح مثمرة، ~~في جميع الفروع الفلسفية، أي في علم الجمال وفلسفة الدين ~~والقانون والدولة، فضلا عن علم النفس والمنطق ونظرية ~~المعرفة والأخلاق. وهو في هذه الخاصية الموسوعية يزداد ~~اقترابا إلى هيجل من برادلي، كما أنه على وجه العموم ~~تلميذ أشد تمسكا بتعاليم الأستاذ وإخلاصا لها. ونستطيع ~~أن نقول إنه أعاد مذهب برادلي إلى نقطة بدايته الهيجلية ~~الأولى، وإن السبب في ذلك ليس فقط كونه أقل قطعية من ~~برادلي، بل أيضا كونه أقل منه نزوعا إلى الشك. ولقد أشار ~~البعض، عن حق، إلى أنه قد عمل في كل الأحوال على تغيير ~~الاختيار القاطع عند برادلي، الذي يعبر عنه كلمة «إما كذا ~~وإما كذا»، إلى تعبير أخف وأقل حدة، هو «كلاهما معا»، ~~بحيث كان يسعى إلى تخفيف التعارض بين المدارس بدلا ms331 من أن ~~يؤكده ويزيده حدة. ولا أدل على اتجاهه هذا من البرنامج ~~الذي وضعه لواحد من كتبه المتأخرة، والذي يتضح في عنوانه، ~~هو «تقابل الأضداد في الفلسفة المعاصرة»، وهو كتاب بذل فيه ~~قصارى جهده ليهتدي إلى أساس مشترك تستطيع جميع المدارس أن ~~تبدأ منه محاولة تعاونية لمواجهة مشكلات الفلسفة. وهكذا ~~وجد ذهنه الرحب اللامع تعبيرا مميزا له في هذا الموقف، ~~وكذلك في موقف الشهامة الذي كان يعامل به خصومه إذا ما رأى ~~نفسه مضطرا إلى الاختلاف معهم، ومع ذلك فلزام علينا أن ~~نعترف بأن هذه الشهامة قد أدت به في كثير من الأحيان إلى ~~التنازل عن آرائه على نحو لا يتفق مع موقفه الخاص. # ونستطيع أن نقول إن ~~المثالية قد شعرت، عند بوزانكيت، بالحاجة إلى مزيد من ~~التجربة، وضمت إلى مجالها الخاص مجالات فكرية واسعة، ~~ولقد كانت الميادين الخاصة التي تغلغل فيها أكثر من أن ~~تتيح لنا تتبعه حيثما ذهب. ومن هنا كان يكفينا أن نستخلص، ~~من عدد قليل منها، الاتجاه العام لتفكيره. ونستطيع أن ~~نقسم نشاطه التأليفي، بوجه عام، إلى ثلاث فترات: في الأولى ~~كان يهتم قبل كل شيء بالأسس المنطقية لمذهبه، وفي الثانية ~~بمشكلات علم الجمال والأخلاق وفلسفة الدولة، وفي الأخيرة ~~أكمل أطراف نظرته إلى العالم بميتافيزيقا بناءة، وبتطبيق ~~هذه الميتافيزيقا على مجال الدين. # ففي مجال المنطق، نستطيع أن نقول إن بوزانكيت قد عمق ~~المنطق المثالي وأثراه إلى حد بعيد، ولقد تأثر في هذا ~~المجال ليس فقط بهيجل وبرادلي ولوتسه وزيجفارث # 85 # وإنما بمل وجيفونز أيضا، على الرغم من ~~معارضته لهما. ويقدم «منطق» بوزانكيت الخاص، الذي أكملته ~~فيما بعد دراسات لمشكلات خاصة، «موفولوجيا للمعرفة» - ~~كما يدل العنوان الفرعي لكتابه في المنطق - والمقصود بهذا ~~التعبير عرض لنمو الأشكال المنطقية وارتباطها الباطن. وكان ~~ذلك خروجا منه على طريقة الاكتفاء بالتعداد والتصنيف، ~~التي يتبعها علماء المنطق الصوري، فقد كان منذ البداية ~~مهتما بحركية الفكر المنطقي وعلاقته الأساسية بالنسق، ~~ولم يكن التفكير في نظره أفعالا ذاتية وإنما رأى أنه يدين ~~بطابعه المميز ms332 لإشارته إلى المجال الموضوعي للأشياء، وهو ~~المجال المستقل عن هذه الأفعال، فهو يدرك الواقع ويغدو هو ~~وإياه شيئا واحدا. وهكذا فإن للمنطق نفس مضمون ~~الميتافيزيقا، وإن كلمة هيجل القائلة: إن الحقيقة هي الكل، ~~لتصح على الأول مثلما تصح على الثانية، هذه الفكرة تنتشر ~~في جميع تعاليم بوزانكيت، فالحقيقة لا تكون إلا في نسق، ~~بحيث إن علامتها المميزة هي الترابط # coherence ~~، أي التوافق في ارتباط جميع ~~الأجزاء في كل منظم، لا في التطابق الخارجي بين الفكر ~~والواقع، كما تقول نظرية النسخة والأصل، # 86 ~~«والوقائع الخالصة» لا تكون لها واقعية ولا ~~حقيقة حتى ترتبط مع وقائع أخرى وتدرك في مكانها في ترتيب ~~الكل. # فالصورة المنطقية ~~الأولى والأساسية في بوزانكيت - كما هي في نظر برادلي - هي ~~الحكم لا التصور؛ إذ ليس للتصور مكان في التفكير الفعلي ~~إلا بوصفه جزءا عضويا من حكم، فالحكم معنى يكون كلا ~~عضويا، وبالتالي لا يمكن فهمه إلا في ضوء الوحدة ~~الوظيفية لأجزائه. أما إذا أخذنا نعدد هذه الأجزاء ~~ونحللها، كان في ذلك تمزيق لنسيجها الحي، وكل فعل للحكم ~~يشير إلى واقع خارج هذا الفعل ذاته، ومن الواجب أن يعد حكم ~~الإدراك الحسي المألوف تماما تعبيرا جزئيا عن الواقع، ~~أما الحكم الكامل فلن يكون أقل من تأكيد الواقع كله في ~~أعم صورة له؛ لذلك فإن الواقع - بما هو كذلك - هو في آخر ~~الأمر الموضوع المميز لكل حكم صحيح، وفي كل حكم تفترض ~~مقدما كلية الأشياء بطريقة أو بأخرى على الدوام، حتى ولو ~~كنا لا ندركها في عملية الحكم إلا بطريقة جزئية، وإذن ~~فلما كان الحكم هو الجهد الذي يبذله الفكر لتحديد الواقع، ~~فإنه لن يتباين فقط تبعا لاختلاف الأنواع الكيفية للواقع ~~الذي يحدده من آن لآخر، بل أيضا تبعا لدرجة النجاح الذي ~~يحققه في هذا التحديد، وسواء اتخذ الحكم شكل معادلة ~~رياضية أو تعريف منطقي أو حكم تقويمي، فإن أهم طابع ~~يميزه يتحدد بالكل الكامن الذي يدركه. # ويتضح نقص المنطق الصوري التقليدي والمنطق الاستقرائي ~~الذي قال به التجريبيون على ms333 السواء إذا ما قيسا بالفكرة ~~التي ترى المنطق متوقفا على النسق وعاملا يدخل في تركيب ~~الواقع. ويزداد ذلك وضوحا في فكرة الاستدلال عند ~~بوزانكيت، وهي الفكرة التي يعرضها في كتابه «المنطق»، كما ~~يقدم لها عرضا عميقا في بحثه الموجز «التضمن والاستدلال ~~التسلسلي»، فهو هنا يميز بين رأيين ممكنين في الاستقراء، ~~التسلسلي # Linear # والنسقي # systematic # فالقياس، الذي هو أصدق ممثل لكل أنواع الاستنباط، يسير ~~تبعا للرأي الأول، فهو يربط محمولا بموضوع، ويأخذ ~~النتيجة على أنها موضوع جديد، ويربط بها محمولا آخر، ~~وهكذا يسير على شكل متسلسل، ومعظم الاستدلالات المسماة ~~بالاستقرائية تسير على نفس النمط. وفي مقابل هذه الأنواع ~~يقول بوزانكيت برأي آخر في الاستدلال، يراه فيه ~~نسقيا # systematic ~~، ~~أي تضمنيا بدلا من التسلسلي، بحيث يكون التضمن هو تشابك ~~الأجزاء في كل نسق سابق عليها، يوجه العملية ~~الاستدلالية كلها ويتغلغل فيها نتيجة لصفة السبق هذه، فنحن ~~في كل استدلال حقيقي، سواء أكان ذلك في التفكير العلمي أم ~~في التفكير اليومي، نستعرض نسقا من الوقائع، ونتأمله في ~~علاقته بنسق أكبر للواقع، ونتبين المتضمنات بطريق مباشر ~~أو غير مباشر، وكلما كانت ارتباطات النسق في أي فرع ~~للمعرفة أكمل وأشمل، كانت تلك المعرفة أرفع. # ومن الطريف، في صدد هذا الرأي القائل إن جميع العمليات ~~المنطقية ترتكز على استدلال نسقي لا تسلسلي، أن نلاحظ ~~تأثير هوسرل؛ # 87 # ذلك لأن أعمال هوسرل في عمومها، ولا سيما ~~منهجه في حدس الماهيات بوجه خاص، قد أدى ببوزانكيت إلى ~~الفكرة القائلة إن التبدي المباشر للدالات أو التضمنات ~~الرابطة يلعب، في جميع العمليات المنطقية، دورا أهم بكثير ~~من الاستدلال على أساس التجربة السابقة، فهناك عامل حدسي ~~يؤدي دوره، ويمكننا من أن نتأمل ماهية الأشياء في أعمق ~~أعماقها - إن جاز هذا التعبير - وندرك على التو ارتباطاتها ~~داخل النسق. وهكذا لا يتردد بوزانكيت في أن يعلن أنه ليس ~~من الصحيح على الإطلاق أن يقال على هذا الحدس إنه لا ~~منطقي أو لا معقول، بل إنه يكون ماهية كل الأنواع العليا ~~من الاستدلال، كذلك ms334 ينبغي أن نلاحظ أن التضمن بهذا المعنى ~~يعني بالنسبة إليه نفس ما يعنيه الديالكتيك. ولما لم يكن ~~من المحتمل أنه قد عرف بوجود ارتباط تاريخي وثيق بين ~~ديالكتيك هيجل وحدس الماهيات عند هوسرل، فإن إدراكه ~~للعلاقة الوثيقة القائمة بينهما هو دون شك علامة على صدق ~~فطرته. # أما في ميدان الفلسفة السياسية، فإن بوزانكيت كان يسلك ~~نفس الطريق المثالي العظيم الذي سار فيه أفلاطون وأرسطو ~~وروسو وهيجل وجرين. وإذا استثنينا المحاولة التي بذلها ~~جرين على استحياء، فقد كان بوزانكيت أول مفكر في إنجلترا ~~يقوم بعملية إحياء حقيقية لفكرة الدولة كما تصورها هيجل، ~~في مقابل النظريات القومية الليبرالية عند بنتام ومل ~~وسبنسر. وعلى حين أن جرين قد توقف في منتصف الطريق، فإن ~~بوزانكيت قد سار الشوط كله مع هيجل، وكان أول من فعل ذلك، ~~ويمكن القول، دون تحفظ: إن وضعه لنظرية الدولة كان أكبر ~~وأهم محاولة في الحركة المثالية الإنجليزية. # والمشكلة الأساسية في هذا الصدد هي علاقة الفرد ~~بالمجتمع، وهي المشكلة التي سرعان ما تغدو جزءا من ~~المشكلة الميتافيزيقية العامة، مشكلة علاقة الجزء بالكل، ~~فالفرد المنعزل الذي اتخذت منه جميع النظريات السياسية ~~الإنجليزية تقريبا نقطة بداية لها (وقد أطلق بوزانكيت على ~~هذه النظريات اسما ملائما هو «نظريات الوهلة ~~الأولى # theories of the first look ~~»)، لا يمكن أن يكون هو الفرد الذي ~~نعرفه في المجتمع أو الدولة والذي نهتم به في هذا الفرع من ~~الفلسفة، كذلك لا بد أن يكون هنالك خطأ في الافتراض القائل ~~إن الناس بطبيعتهم أفراد من هذا النوع، ينعزل بعضهم عن ~~البعض، أو حتى يعارض بعضهم البعض، ولا يتجمعون سويا في ~~مجتمع إلا في مرحلة متأخرة، وبطريقة مصطنعة أو خارجية، ~~فلقد خطا روسو خطوة هائلة إلى الأمام، واستبق النظرية ~~المثالية في الدولة، بتمييزه بين «إرادة الجميع # Volonté de tous ~~» ~~وبين «الإرادة ~~العامة # Volonté générale ~~»، فالأولى لا تعدو أن تكون مجموع ~~الإرادات الخاصة، بينما الثانية تتضمن فكرة الوحدة ~~العضوية. ويوضح بوزانكيت هذا التمييز فيضرب له مثلا ~~دالا عليه، هو التفرقة ms335 بين الحشد الذي اجتمع كيفما اتفق، ~~والجيش المنظم؛ فليس بين أفراد النوع الأول ما يشتركون فيه ~~إلا تجمعهم سويا، أما أفراد النوع الثاني فيجمع بينهم ~~تنظيم يتحدد فيه الأفراد تبعا لكل منظم يتغلغل ويحيا ~~فيهم. وهكذا فإن الفرد، عندما تتغلغل فيه، على هذا النحو، ~~الإرادة العامة، يتخلص من عزلته، ولا يعود مفككا منفصلا ~~عن غيره، ويرتفع إلى مستوى أعلى، ويبلغ فرديته الأصيلة ~~التي تنتمي إلى ذات تربطها بالكل الجماعي رابطة عضوية. ~~وبهذه النظرة العميقة إلى الفردية حطم بوزانكيت أساس ~~النزعة الفردية في النظرية التجريبية في الدولة. # ولو نظرنا إلى الذات الجزئية من الوجهة الأخلاقية، لكانت ~~هي الذات الأنانية التي تحيا تماما بدوافعها الطبيعية، ~~على حين أن الذات العضوية هي الذات المعنوية أو العاقلة. ~~والآن يمكن تحديد ماهية الدولة وغايتها، فالدولة هي ~~الإرادة العامة أو العاقلة، وهي كائن مستمر في هوية مع ~~ذاته، يتغلغل في كثرة من الأفراد الذين لا يكون للدولة ~~وجود ومعنى إلا فيهم وبهم، والغاية العليا للدولة هي نفس ~~غاية الفرد، أي تحقيق أفضل حياة ممكنة، أو الارتفاع ~~بطبيعتنا إلى الوحدة الكاملة مع الكل الاجتماعي. والأمران ~~سيان، غير أن للدولة، في غايتها المباشرة، وظيفة أخرى أكثر ~~سلبية، هي إزاحة العقبات التي تقف في وجه تحقيق الغاية ~~الأخلاقية. ولما لم يكن من الممكن دائما إزاحة هذه ~~العقبات بالتأثير الأخلاقي البحت، فإنه يتعين في كثير من ~~الأحيان الالتجاء إلى الإرغام والقهر. وهكذا فإن القوة ~~جزء أصيل لا يتجزأ من طبيعة الدولة؛ إذ أن الأنانيين في ~~طبيعتهم الجامدة، وكذلك معظمنا في حالتنا الحيوانية، ~~يحتاجون إلى الإرغام من أجل تحقيق الذات الحقة. وهذه ~~فكرة تظهر فيها بوضوح تلك الثنائية التي وضعها كانت بين ~~الذات التجريبية والذات المعقولة، فعلى عاتق الدولة تقع ~~مهمة تحرير الذات العاقلة من أغلالها التجريبية، والارتقاء ~~بها، ولو بالقوة، إلى مرتبة الحرية؛ ذلك لأن الحرية هي ~~تحقيق الذات الحقة، وهي أن نحيا أفضل حياة ممكنة لنا، ~~ونكون نحن والكل واحدا. وما القسر الذي تفرضه علينا ~~الإرادة العامة، آخر الأمر، ms336 إلا المطلب الذي تفرضه ذاتنا ~~الحقة الفاضلة على ذاتنا الدنيا العنيدة. ومثل هذا القسر ~~أمر لا مفر منه طالما أنه ليس لدينا فكرة عن ضرورة هذا ~~المطلب، أو طالما كانت فكرتنا عنه ناقصة فحسب. وهذا هو ~~أساس حق الدولة في معاقبة المذنبين، فالعقاب تعويض عن ~~الظلم الذي يلحق المجتمع نتيجة للإخلال بنظامه القانوني، ~~وهو إلغاء للإرادة المضادة للمجتمع عند المذنب.والمذنب ~~ذاته عضو في الجماعة التي لحقها الظلم، وله على هذا الأساس ~~الحق في أن يعاقب بمعنى ما، لئلا يخدع في طبيعة الحياة ~~الاجتماعية. ويعد إلحاق العقوبة به ثمنا لإعادة اندماجه ~~في المجتمع الذي خرج على قانونه بما ارتكبه من إثم، وهنا ~~نجد بوزانكيت يساير نظرية هيجل التي تعرف العقوبة بأنها ~~قصاص. # وخير سبيل إلى تحقيق هذه المهام المتعددة، في رأي ~~بوزانكيت، هو الدولة ~~القومية # national State ~~، ولا شك أن فكرة الإنسانية ~~تتجاوز هذا المدى، غير أنها لما كانت غير قابلة للتحقق في ~~نظام أو كل منظم، فليست لها أهمية فيما يتعلق بالتدبير ~~العملي للمهام الاجتماعية، ومن الواجب ألا يحكم على ~~أخلاقية أفعال الدولة بالمقاييس التي تسري على أفعال ~~الأفراد؛ إذ إن الغايات الواجب تحقيقها أرفع، بحيث تجعل من ~~الدولة، بوصفها فردا من مرتبة أعلى، كيانا قائما بذاته ~~ولا نظير له، فقد يتعين في بعض الأحيان أن تستخدم القوة ~~الكامنة في طبيعتها، والتي تستخدمها في كثير من الأحيان ضد ~~أفرادها، ضد دول أخرى، عندما تهدد المصالح العليا للأمة. ~~ولقد لقيت هذه الآراء وغيرها من الآراء المشابهة، كما ~~لاحظنا من قبل عند الكلام عن هبهوس، معارضة شديدة خلال ~~الحرب العالمية الأولى، عندما رأت العقلية التي أعمتها ~~الحرب في نظرية الدولة عند هيجل - وهي النظرية التي شوهتها ~~هذه العقلية تماما - أصلا روحيا للكارثة. أما اليوم، ~~بعد أن أصبحت النفوس أهدأ، فقد اعترف من جديد بأن فيلسوفا ~~إنجليزيا لم يدرك طبيعة الدولة ويعرضها على نحو أعمق ~~مما أدركها وعرضها به بوزانكيت، وهو فيلسوف هيجلي. # أما الميتافيزيقا فإنها بداية تفكير بوزانكيت ونهايته، ~~وهي أيضا كل ms337 ما يقع بين هذه البداية والنهاية، ويتم ~~الانتقال إليها من فلسفته في الدولة عن طريق الاعتراف بأن ~~الروح الاجتماعية، التي تكون الدولة أعلى تجسد لها، ليست ~~هي الصورة النهائية للفردية، بل هي واحدة من صورها الأولية ~~فحسب، فهناك - من وراء أنظمة الحياة السياسية وأوجه نشاطها ~~- مجالات تساهم بنصيب أكبر كثيرا في تحقيق الذات التي ~~اكتفت الدولة بدعمها وكفالة الأمن لها، فالروح الإنسانية، ~~في إدراكها المتزايد للعالم، تعلو على الدولة إلى نسق ~~أعلى تزيدها اقترابا من الواقع المطلق، أعني نسق الفن ~~والدين والفلسفة. وبهذه الأخيرة تصل إلى الميتافيزيقا، أي ~~مذهب المطلق. # وعلى الرغم من أن أنظار بوزانكيت الميتافيزيقية، التي ~~تتبدى فيما ألقاه من محاضرات «جيفورد»، تفترق عن أنظار ~~برادلي وتتجاوزها من حيث المضمون والمصطلح معا، فإن ~~التغيرات لا تمس إلا الفوارق الدقيقة والاختلافات السطحية. ~~أما في جميع النقاط الأساسية فهو يسير في الاتجاه الذي ~~أشار إليه برادلي؛ لذلك لم تكن بنا حاجة إلا إلى أن نلفت ~~الأنظار إلى النواحي التي يبدو أنه تجاوز برادلي ~~فيها. # وتتركز أفكار بوزانكيت في مشكلة الفردية، فمهمته هي ~~إدراك طبيعة الفردية، لا في أي مجال خاص، كالمجال ~~الأخلاقي أو الاجتماعي، وإنما في دلالتها الميتافيزيقية ~~النهائية. هذه الدلالة، كما فهمها بوزانكيت، مضادة تماما ~~للرأي السائد عن الفرد بوصفه شيئا منعزلا، خاصا، ~~فريدا. ويتضح ذلك في موقفه من التاريخ، فهو، على خلاف بعض ~~الفلاسفة الألمان المحدثين، الذين كان التاريخ في نظرهم هو ~~المجال الخاص بالفرد، قد رأى أن التاريخ تجربة من نوع ~~مختلط، تتميز بالتعاقب العارض والزمني المحض للحوادث؛ ~~وبالتالي لم يعلق عليه أهمية. وهو بالفعل يرى بدوره أن ~~الفرد شيء خاص يتميز على نحو فريد تماما من الجزئيات ~~الأخرى، ولكن بمعنى أن هناك شيئا واحدا فقط هو الذي يعبر ~~بوضوح عن طبيعة الفردية، ألا وهو المطلق، فالوحدات في ~~الرياضة والعلوم الطبيعية، كالأعداد والذرات، تقف على ~~مسافة بعيدة كل البعد عن الفرد بالمعنى الزاخر الذي فهمه ~~به بوزانكيت، فالأولى وحدات مجردة، ومجرد تكرار ~~لمتشابهات ، بينما الفرد الحقيقي هوية ms338 عينية كلية داخل ~~كل منظم زاخر بالتنوع. # وهكذا فإن الفردية، بوصفها الكلية العينية، واللامتناهي ~~الحقيقي بالمعنى الهيجلي، تبلغ أسمى مراحلها في تجربة ~~«المطلق» اللامتناهية، أما في التجربة المتناهية فإنا نجد ~~استباقات لها، وأفرادا من نوع أدنى، تتمثل أكمل أنواعها ~~في العمل الفني وفي الشخصية الإنسانية وفي الطائفة ~~الاجتماعية مثلا. ومن الواجب ألا نخطئ فهم هذه الفكرة في ~~حالة الإنسان، ففي اللغة المعتادة يقال عن الإنسان إن لديه ~~فردية بقدر ما يكف عن أن يكون مجرد ممثل للنوع الذي ~~ينتمي إليه، وبقدر ما يغدو شخصية، أي بقدر ما يتميز بصفاته ~~وأعماله الخاصة، بل إن التفكير الفلسفي ذاته كثيرا ما نظر ~~إلى فكرتي الفردية والشخصية على أنهما فكرتان لا تنفصلان. ~~وقد كان «راشدال»، من بين الفلاسفة الإنجليز المتأخرين، ~~أوضح وأصدق ممثل لهذه النظرة التشخيصية، غير أن بوزانكيت ~~يخالف هذا الرأي؛ فهو لا يوافق على أن الشخصية عنصر ضروري ~~داخل في تكوين الفردية، ويؤكد مرارا أن الفردية البشرية ~~ليست هي التي تحقق مقتضيات الفردية الكاملة بمعناها ~~الصحيح، وإنما ينبغي التماس هذا التحقق فيما وراء المستوى ~~الشخصي والمتناهي، فما الفرد البشري إلا جزء من كل أكبر، ~~وهو بدون هذا الكل لا يكون شيئا، وإنما يحتاج إلى أن يكمل ~~فيه، فهو ناقص مفتقر إلى الكمال طالما ظل على تناهيه، وهو ~~لا يكون فردا بحق طالما ظل شخصا، وإنما هو في الأصل لا ~~يعدو أن يكون كثرة وتعددا، يهفو إلى أن يصبح كلا ~~واحدا، ومن هنا كان عليه أن يجد حلا وسطا أو توفيقا ~~بين ما يكونه وبين ما يود أو ينبغي أن يكونه، وعلى ذلك ~~فالصفة المميزة للمتناهي هي العلاء على الذات، وهذه فكرة ~~لها أهميتها الرئيسية في مذهب بوزانكيت. # وتحتل الفكرة مكان الصدارة في الجزء الثاني من «محاضرات ~~جيفورد» الذي حاول فيه تقديم عرض ميتافيزيقي «لقيمة الفرد ~~ومصيره»، وهو يرى أن هناك ثلاث مراحل ينبغي أن يعتبرها ~~المرء في سيره نحو مصيره، هي «تشكيل النفوس # moulding of souls ~~»، ~~«ومخاطرها ومشاقها # hazards & hardships ~~» و«استقرارها وطمأنينتها ms339 # stability & ~~security ~~»، فالمركز الذي ~~يتميز به الإنسان في الكون هو أنه يقف بين قطبي «الطبيعة» ~~و«المطلق»، المتناهي واللامتناهي، بحيث إن له طابعا ~~مزدوجا، وبحيث يكون متناهيا ولا متناهيا معا، فهو ينشأ ~~من الظروف الطبيعية للحياة، ويكون في مبدأ الأمر مقيدا ~~بهذه الظروف خاضعا لها في جزء من نسيج وجوده. غير أنه ~~بقدر ما يكون نتاجا خالصا للطبيعة، يعجز عن تحقيق المعنى ~~والهدف الصحيح لوجوده. على أن في الإنسان منذ البداية ~~حافزا يدعوه إلى بلوغ مزيد من الكمال الذي يتجاوز صفاته ~~الطبيعية الخالصة، هذا الحافز يولد اضطرابا في نفسه، ~~واختلالا في التوازن المحكم الذي تتحقق في ظله الغريزة ~~الحيوانية، بحيث ينغمس الإنسان في معترك الوجود الحي، في ~~النضال والحاجة، في الخطر والهم، ولا يجد له في أي مكان ~~مستقرا، غير أنه لا يستطيع أن يثابر على هذا التذبذب ~~الدائم بين المتناهي واللامتناهي، ويهفو على الدوام إلى ~~تلك الصورة العليا للوجود، التي يجد فيها وحدها ذاته الحقة ~~وكماله. وفي عملية التقدم هذه يتعين عليه أن يترك جانبا ~~فرديته المتناهية، بكل ما فيها من قلق وشقاق، وينبغي أن ~~يختفي كل ما كانه من قبل، في تحول أصيل. وهو لا يصل إلى ~~الخلاص مما تتصف به حياته الطبيعية من قصور ونقصان، ومن ~~ضغط وعذاب، ولا يرتفع إلى مستوى الاستقرار والطمأنينة في ~~الهدوء والكمال، إلا إذا تحقق هذا التحول. فعندئذ تنتقل ~~ذاته محورة إلى الاندماج في السلام الأزلي للمطلق. ولو كان ~~للاعتقاد بالخلود أي معنى، فهذا المعنى ليس هو أننا نحمل ~~ذاتنا الحالية إلى العالم المقبل، وإنما أننا يمكن أن نظل ~~باقين على نحو ما، في ذلك العالم في صورة متغيرة. # ومن الواجب أن نتجنب فهم هذه الأفكار بأي معنى ديني، ~~فقد كان بوزانكيت يماثل برادلي في بعده عن الدين بمعناه ~~الضيق، وكان مثله ينظر إلى الدين، مهما كانت قيمته وضرورته ~~في مجاله الخاص، على أنه لا يعدو آخر الأمر أن يكون مرحلة ~~مبدئية تمهد للميتافيزيقا، وكان ينظر إلى الله لا على أنه ~~الكائن الحقيقي ms340 الشامل لكل شيء، بل على أنه مظهر، أي على ~~أنه أعلى المظاهر، ولكنه ما زال أقل من المطلق، وإنما ~~الواجب أن يفهم التحول، الذي تحدثنا عنه من قبل بمعنى ~~ميتافيزيقي صرف، أي على أنه علو الفرد على ذاته، لا في ~~عالم يتجاوز هذا العالم، بل في حياته اليومية في المكان ~~والزمان الحاليين. ويعلن بوزانكيت أن إعادة تنظيم ~~تجربتنا عن طريق إدراجها في تجربة كلية أكمل، هو شيء ~~يمكننا أن نحققه في أي وقت، فالمطلق يدخل حياتنا المتناهية ~~ويتبدى في أي شيء نفكر فيه أو نفعله، «فأي تحليل دقيق ~~لحياة كائن بشري عادي في يوم واحد، كفيل بأن يأتي على ~~نحو قاطع بكل ما هو لازم من حيث المبدأ لتأكيد المطلق.» # 88 # وعلى ذلك فإن بوزانكيت، مثل برادلي، يرى أن المطلق، الذي ~~يضحى على مذبحه بفردية الإنسان الشخصية، إنما هو نتاج ~~للشوق والتلهف، فهو المثل الأعلى الذي نصبو إليه، وهو أعلى ~~قيمنا، وهو النجم الذي يهدينا في ارتقائنا بطبيعتنا. وعلى ~~ذلك فهو لا يوجد وراء أفق بعيد، وإنما هو بيننا، وكل ما ~~علينا هو أن نمد أيدينا لنصل إليه ونأتي به إلى وجودنا، ~~بل إن في وسعنا، دون أن نخرج عن معناه، أن نسميه ~~بالإنسان ~~الأرقى # Superman # بلغة نيتشه. وقد استخدم بوزانكيت ~~نفسه تعبير نيتشه «قلب كل القيم» ليصف علو المتناهي على ~~ذاته، ولقد أكد بعض الكتاب أن لنظرته إلى العالم طابعا ~~بطوليا. ومع ذلك فمن الخطأ المضي في هذا الاتجاه أبعد ~~مما ينبغي؛ إذ إن المثل الأعلى عند بوزانكيت أقرب بكثير ~~إلى طابع الملاذ الأمين والمقر المريح، وهو أكثر سلبية ~~وسكونا من أن يسمح بالتوفيق بينه وبين كفاح نيتشه البطولي ~~من أجل إعلاء طبيعتنا. كذلك الحال في تفاؤليته الساذجة ~~ونظرته إلى الحياة البشرية على أنها تنزلق بهدوء إلى ~~الاستقرار في الانسجام الوادع المطلق، فهو في هذه النواحي ~~يقتفي أثر برادلي. # وعلى الرغم من أن بوزانكيت، كما رأينا، قد جعل من مشكلة ~~الفردية محورا لتفكيره، فإن مذهبه في المطلق لم ينشأ ms341 ~~عنها، وهذا أمر واضح لديه كما هو لدى برادلي؛ ذلك لأنه ~~إذا كان السبيل إلى بلوغ المثل الأعلى هو التضحية بالذات ~~الإنسانية، فهلا يكون في ذلك تحطيم لشخصية الإنسان في أعمق ~~أغوارها؟ وإذا كان لا بد لهذه الشخصية أن تتبدل تماما لكي ~~تجد ذاتها الحقة، فما الذي يتبقى من قيمتها المميزة؟ ~~ألسنا نقدر قيمة الشخصية أولا وقبل كل شيء من أجل ما ~~هي عليه في المكان والزمان الراهنين، لا من أجل مثل أعلى ~~لها يقتضي تحقيقه القضاء على كل ما هو عزيز لدينا؟ أليست ~~فكرة إذابة فرد وإدراجه في فرد أعلى هي على أية حال فكرة ~~يصعب تصورها إلى حد بعيد؟ لا جدال في أن بوزانكيت، في ~~بحثه في الشخصية الفردية، يمضي في الحد من قيمتها إلى حد ~~يستحيل بعده البحث على أي نحو في مسألة إدراك طابعها ~~الأساسي، فمذهبه مضطر إلى الاختيار بين أحد أمرين: إما أن ~~يظل المثل الأعلى غير متحقق، وإما أن يقضي على الواقع ~~الحقيقي، وتلك هي نتيجة السير بالمثل الأعلى أبعد ما ينبغي ~~عن الواقع. # ولا يتسع المقام هنا لمعالجة ميتافيزيقا بوزانكيت ~~بطريقة شاملة على أي نحو، كما أن الحاجة لا تدعو إلى ذلك، ~~بل نستطيع أن نختم كلامنا بأن نلاحظ أن مشكلة القيم تحتل ~~فيه مكانة أبرز بكثير من مكانتها عند برادلي، وربما كان ~~ذلك راجعا إلى تأثير لوتسه والفلاسفة الألمان المتأخرين ~~الذين بحثوا مشكلة القيم. على أن تكرار استخدام التعبيرات ~~المستمدة من مجال القيم لم يتغير بالفعل أي عنصر أساسي في ~~الموضوع، بحيث لا يمكننا في هذه الحالة أيضا أن نقول إن ~~بوزانكيت قد أفلح في إحراز أي تقدم حقيقي على برادلي، ~~الذي كان التجاؤه إلى مصطلح القيم أقل منه بكثير. والواقع ~~أن استخدام برادلي المتحمس المترفع للفظ «الواقع» يدل على ~~أن هذا اللفظ كان في نظره تصورا ينتمي أساسا إلى مجال ~~القيمة. ولما كان الأمر كذلك فقد كان من السهل إعادة ~~التعبير عن أجزاء معينة من مذهبه بلغة القيم، وهذا ما فعله ms342 ~~بوزانكيت، فالمطلق في نظره ليس أعلى حقيقة وأسمى واقع ~~فحسب، بل هو أيضا أعلى القيم، وهو مقياس كل جدارة. كذلك ~~اعترف بوزانكيت بمستويات القيمة مثلما اعترف بمستويات ~~الفردية والواقع، فمقياس جدارة أية ظاهرة هو في حتميتها ~~المنطقية وخلوها من التناقض، أو في الارتباط العضوي ~~المتبادل والانسجام بين أجزائها، والأمران سيان. ومن ~~الواضح أن فكرته عن القيمة ونظرته إلى العالم بوجه عام، ~~قد تحددت أساسا بأفكاره الرئيسية المنطقية والجمالية، ~~فتأثير الأفكار المنطقية واضح في سعيه وراء الرضاء النظري ~~باستبعاد كل ما هو متناقض لا معقول، كما أن تأثير علم ~~الجمال واضح في ذلك التكامل المنسجم لمذهبه في سيمفونية ~~للمطلق يعود فيها كل ما هو نشاز إلى التوافق ~~والانسجام. # وليس في وسعنا إلا أن نتعرض بإيجاز للدور الذي ساهم به ~~بوزانكيت في علم الجمال، فقد كان من الفلاسفة الإنجليز ~~المتأخرين القلائل الذين شغلوا بهذا الميدان، وقد لفت ~~النظر، بذلك، إلى جزء من تراث هيجل كان من العجيب أن ~~المدرسة الهيجلية لم تكد تهتم به. ولقد كان يدين بالكثير ~~إلى رسكين # Ruskin # ووليام ~~موريس، بالإضافة إلى دينه لهيجل، وكان أهم مؤلفاته في هذا ~~الصدد كتابه الشامل «تاريخ علم الجمال» الذي يتعقب تطور ~~نظرية الفن وعلم الجمال منذ اليونانيين حتى القرن التاسع ~~عشر. ويعد هذا الكتاب، الذي تغلغلت فيه روح هيجل، بحثا ~~تاريخيا من الطراز الأول، جمع بين ارتفاع مستوى الثقافة ~~وبين سعة الاطلاع والفهم العميق للمشكلات الفنية ~~والجمالية، وقام فيه بدراسات واسعة عميقة لمواقف ~~وشخصيات روحية، فبحثه، مثلا، في الدلالة الجمالية للحركة ~~الألمانية منذ بداية القرن الثامن عشر، إلى المذهب ~~الكلاسيكي والرومانتيكي والمثالي، حتى المدارس بعد ~~الهيجلية؛ هذا البحث هو وحده شاهد على سعة نطاق قراءاته ~~إلى حد يدعو إلى الدهشة، وليس من المبالغة أن نقول إن ~~بوزانكيت كان، في عصره، هو الإنجليزي الوحيد الذي كان في ~~وسعه الارتفاع إلى هذا المستوى العالي الشامل في الملاحظة، ~~أما آراؤه الخاصة في علم الجمال، التي لم يعرضها إلا في ~~كتاب صغير جدا، فتندرج بطبيعة الحال ms343 ضمن الإطار العام ~~لمذهبه ، وإن لم يكن هذا الإطار يظهر إلا بطريقة عارضة، ~~ولا يحول على أي نحو دون التطور الحر لأفكاره. # ولقد كان يرى في الجمال نوعا أساسيا من الوحدة ~~العليا، وتوفيقا بين الخاص والعام، والطبيعي والروحي، ~~والضرورة والحرية، وكان تصوره للجمال من السعة بقدر تصوره ~~للخير والحق. وهكذا جعله يشتمل على القبح بوصفه أدنى ~~مستوى أو مظهرا له، وأن الكمال المنسجم الذي تتمتع به في ~~العمل الفني إنما هو أكمل بشير بتلك الوحدة النهائية التي ~~تتطلع إليها الميتافيزيقا بوصفها «المطلق». # أثارت نظرية الحقيقة عند جويكم، وهي النظرية التي وضعها ~~على أساس مذهب المطلق عند برادلي وبوزانكيت، اهتماما ~~كبيرا بمجرد ظهورها، كما حفزت على قيام مناقشات حية ~~اشترك فيها رسل ومور وشيلر ودوس هكس # Dawes Hicks # وغيرهم. ~~وكان سبب هذا الاهتمام الذي أبدي بكتاب صغير نسبيا هو ~~أن الكتاب، الذي ألفه ممثل لمدرسة المطلق، قد تضمن لأول ~~مرة اعترافا علنيا صريحا ببعض الصعوبات الكامنة في ~~مذهب المطلق، واستخلص منها نتائج معينة كان ممثلو المدرسة ~~يخفونها، ولكن كان خصومها قد كشفوها من قبل، وفضلا عن ~~ذلك فقد وضع جويكم في صورة منهجية أفكارا اكتفى برادلي ~~بالإشارة إليها، أو عرضها بطريقة عامة فحسب. # تقول هذه النظرية إن من الواجب النظر إلى الحقيقة على ~~أنها هي حقيقة النسق فحسب، أي هي الترابط داخل كل أكبر ~~للمعرفة والوجود، وداخل الكل الكامل لهما آخر الأمر. ~~ونستطيع أن نطلق على هذه النظرية اسم نظرية الترابط ~~الكامن # immanent coherence # ويميز جويكم بينها وبين ثلاث ~~نظريات أخرى كانت شائعة عندئذ، فالحقيقة أولا ليست هي ~~التطابق بين الفكر والواقع، وليست هي التصوير الفكري ~~لواقعة، وليست صورة صحيحة لأصل خارج عنها، وهي ثانيا ~~ليست صفحة لكيانات مستقلة عن الوعي، توجد في ذاتها ~~ولذاتها، وبالتالي لا ترتبط بالذهن العارف، وثالثا فهي لا ~~يمكن أن تكون إدراكا حدسيا مباشر الموضوعات، حتى لو ~~كانت تتخذ هذا الشكل في كثير من الأحيان، وعندما تتخذ ~~الحقيقة هذه الصورة لا تكون صحيحة بسبب هذا الطابع ms344 المعطى ~~المباشر، بل رغما منه، ومقابل هذه النظريات يرى جويكم أن ~~الحقيقة تتكشف في توسط عقلي داخل نسق. فكل حكم جزء من ~~تركيب عام للمعنى، بدونه لا يكون الحكم شيئا، وهو مرتبط ~~ارتباطا وثيقا بأساس يستمد منه معناه المحدد، هذا ~~الأساس، كما قلنا، هو كل المعرفة أو الوجود، وحتى لو ~~تأملنا قضية بسيطة، تبدو واضحة بذاتها، مثل 2 + 2 = 4، ~~لوجدناها لا تكتسب معنى، وبالتالي لا تكتسب حقيقة، إلا ~~إذا نظر إليها في ضوء النسق الكامل للأعداد، الذي هو ~~بدوره ليس قسما أو جزءا صغيرا من الواقع من حيث هو ~~كل، وكلما اتسع نطاق أساس المعنى الذي يرتكز عليه الحكم، ~~كان هذا الحكم أصح؛ إذ إن حقيقته تتوقف على درجة الترابط ~~التي تتحقق للنسق فيه، وبالمثل فإن كل تجربة جزئية تكمن ~~في التجربة المثالية الشاملة لكل شيء، ولكن ينبغي ألا ~~ينظر إلى هذه التجربة المثالية بطريقة سكونية، على أنها ~~تركيب جامد، وكل تام مرتكز في ذاته، وإنما ينبغي أن ~~تعد عملية حية تحقق ذاتها، وهنا يترك جويكم، مثل. برادلي، ~~مجالا لإمكان وجود درجات للحقيقة تتدرج بين طرفين هما ~~الحقيقة كاملة النسق، وبالتالي المطلقة، من جهة، والوقائع ~~المنعزلة تماما من جهة أخرى. وهو يتفق أيضا مع برادلي، ~~ومع اسبينوزا الذي درسه بعمق، في قوله إن الخطأ حقيقة ~~ناقصة، أو هو الظل الذي تلقيه الحقيقة، فهو العنصر السلبي ~~في قلب الأشياء، وهو نشاز قبيح سيختفي في توافق المطلق، ~~وهو مجرد مرحلة جزئية أو عامل جزئي في الديالكتيك ~~اللانهائي للحقيقة. ومعناه الميتافيزيقي النهائي هو سقوط ~~المتناهي عن اللامتناهي، وانفصال جزء عن الكل، يود أن يؤكد ~~استقلاله الخاص، هذا الانفصال الواحد من عوامل الحقيقة ~~ينتمي إلى الطبيعة الباطنة للحقيقة، فالجزء إنما هو سلب ~~للحقيقة، ووجه مغاير لها، ينبثق عن باطنها، ولكنه لا يفعل ~~ذلك إلا ليعود إليها؛ إذ إن الوحدة تستوعب المغايرة # otherness # وتعلو عليها. ~~وهنا نجد بكل وضوح عنصرا صوفيا اسبينوزيا، يتمثل كذلك ~~لدى برادلي، ولكنه لا يتمثل لدى بوزانكيت. # وبعد كل هذا العرض ms345 الذي يقدمه جويكم بدقة وإحكام ~~كبيرين، يعترف اعترافا طريفا، هو أن نظرية الترابط لا ~~يمكن أن تأتي بالحل المرضي لطبيعة الحقيقة، وأن مآلها إلى ~~الانهيار، فهو يرى أنها لا تنطبق إلا على حقيقة مثالية لا ~~يمكن أن تبلغها المعرفة البشرية أبدا. فمعرفتنا المتناهية ~~مقالية # discursive # دائما، وهي دائما معرفة «عن» شيء غيرها، وبالتالي فإن ~~أية نظرية نصوغها عن الحقيقة لا يمكن إلا أن تكون نظرية ~~«عن» حقيقة أسبق منها فحسب. لذلك فإن فكرة الترابط لا ~~يمكن أن ترتفع فوق مستوى معرفة مهما بلغت فلن تزيد على ما ~~تبلغه الحقيقة بوصفها تطابقا، بل إن هذا يستتبع أيضا أن ~~نظرية الترابط ذاتها لا يمكن أن تكون لها صحة كاملة؛ إذ ~~لا يمكننا أن نثبت أنها علامة للحقيقة المطلقة، بل إننا ~~نرجح ذلك فحسب. وهكذا اعترف جويكم بانهيار نظريته الخاصة، ~~حتى مع تأكيده أنها تغوص في قلوب المشكلة على نحو أعمق ~~مما تغوص فيها أية نظرية أخرى. مثل هذه النتيجة لا يمكن ~~أن تكون مرضية، وهي تدل على أن هناك خطأ ما في الأسس ~~الفلسفية التي نشأت منها النظرية، والمشكلة إنما تكون في ~~تلك الهوة السحيقة التي وضعها برادلي بين المظهر والواقع، ~~والتي استبقاها جويكم في صورة انفصال أكبر مما ينبغي بين ~~المعرفة البشرية والحقيقة المطلقة، فالمثل الأعلى مرفوع ~~فوق الواقع الفعلي إلى حد لا يتيح له أن يجد في هذا ~~تعبيرا عنه وتجسدا له. فالخصومة الشديدة بين مذهب المطلق ~~وبين المذهب البرجماتي مثلا ترتكز أساسا على التقابل بين ~~مذهب يتخذ من المثل الأعلى غاية له ومذهب لا يتركز إلا في ~~مجال التجربة البشرية. # لقد كان التأثير المباشر وغير المباشر لتعاليم برادلي من ~~القوة بحيث لم يكد يفلت منه أي مفكر هام، ويمتد هذا ~~التأثير في جميع أطراف الفلسفة الإنجليزية المعاصرة، فهو ~~ظاهر في أتباعه وخصومه والمحايدين على السواء، وهو لم يبدأ ~~في الاضمحلال إلا في السنوات الأخيرة. ونستطيع أن نذكر، من ~~بين أقرب الأتباع إليه، بالإضافة إلى بوزانكيت وجويكم، ~~أ. إ. ~~تيلور ms346 # A. E. Taylor ~~، الذي كان يدين لبرادلي بالكثير في ~~كتاباته الأولى. ولكن لما كان تيلور قد اتبع فيما بعد ~~طرقا فكرية أخرى، واهتدى إلى طرق خاصة به، تختلف كثيرا ~~عما لدى برادلي، فلزام علينا أن نعرض له في موضع ~~آخر. ~~(5) القسم الخامس: مذهب الكثرة عند ماكتجارت # كان ماكتجارت - بلا شك - أكثر المثاليين اكتمالا ~~واستقلالا بعد برادلي، ومن الواجب أن يدرج في الحركة ~~المثالية العامة، ضمن الفئة الهيجلية. صحيح أنه كان، في ~~نواح متعددة، أبعد بكثير عن الأصول الهيجلية من برادلي ~~وبوزانكيت، ولكنه كان أقرب إليها بكثير في ناحية هامة، هي ~~أن فكره نشأ عن دراسة فاحصة متعمقة لفلسفة هيجل، ظلت هي ~~الأساس الذي بني عليه مذهبه الخاص، مهما كانت درجة ~~ابتعاده عن هذه الفلسفة في اتجاهات خاصة به. وتتركز ~~مكانته المميزة في الحركة الهيجلية الإنجليزية في أنه خطا ~~الخطوة النهائية الحاسمة في فصم عرى الارتباط مع اللاهوت، ~~وهو الارتباط الذي تميزت به أولى مراحل المذهب، وذلك ~~بتشييده مذهبا إلحاديا على أسس هيجلية. وهكذا فإنه - ~~في داخل المذهب الهيجلي - ينتمي إلى أقصى اليسار، في الطرف ~~المضاد تماما لمفكرين مثل سترلنج وجرين كيرد، وهو يتميز ~~عن برادلي وبوزانكيت - اللذين يمكن أن ينسبا إلى اليسار ~~بدورهما، نظرا إلى اتخاذهما موقف الحياد، إلى حد ما، من ~~التحالف مع اللاهوت - باستقلاله وأصالته الكاملين، فأبرز ~~الاختلافات بينه وبين من بحثناهم حتى الآن هو ذلك التحول ~~إلى مذهب الكثرة، الذي أدخله على اتجاههم الذي سار بقوة في ~~طريق الواحدية. # وأيا ما كانت نتيجة الخلاف حول كون ماكتجارت هيجليا ~~أو غير هيجلي، فمما لا نزاع فيه أنه بذل جهدا لا يكاد ~~يكون له نظير في سبيل فهم هيجل، وأن فلسفة هيجل تحكمت في ~~تفكيره في نقاط متعددة، ولكنه لا يمكن أن يسمى هيجليا ~~إلا مع تحفظات هامة. والفكرة التي يخرج بها المرء عنه هي ~~أن طرق التفسير المتكلفة المتعمدة التي طبقها على هيجل ~~لو كانت قد طبقت على مفكرين آخرين - أو على أية حال على ~~أفلاطون وليبنتس واسبينوزا ms347 وباركلي - لأتت بنتيجة مماثلة ~~أو مشابهة، أعني بناء فلسفة خاصة به وهدم أية فلسفة ~~أخرى . فالانتقال من أي من هؤلاء المفكرين إلى مذهب ~~ماكتجارت ليس أصعب قطعا من الانتقال من هيجل إليه، ولقد ~~لوحظ أن تعاليمه، وإن كانت ترفع راية هيجل وتمخر عباب ~~المياه الهيجلية، إن جاز هذا التعبير، قد أسفرت مع ذلك، ~~بطريقة لا شعورية، عن نوع من المذهب الأفلاطوني، كما قيل ~~عنه إنه «اسبينوزا حديث». وكان لهذه التسمية ما يبررها، ~~كذلك أكد البعض تقاربه الوثيق مع مذهب الذرات الروحية عند ~~ليبنتس والمذهب الروحي عند باركلي، وهذا التقارب بالفعل ~~واضح. غير أن هذا كله، على صحته، لا يدل إلا على أن مذهبه ~~مذهب شخصي إلى حد بعيد، لم يتخذ من أفكار الآخرين مادة ~~له، وإنما استخدمها وسائل وأدوات فحسب. وأيا كان الرأي ~~في قيمة هذا المذهب أو أهميته، فهو قطعا من أجرأ وأروع ~~وأصدق المحاولات التي بذلت في إنجلترا للتفكير في العالم ~~في مجموعه، وهو يحتل ضمن بناة المذاهب الإنجليز المحدثين، ~~مكانة لا يشاركه إياها سوى برادلي وألكسندر وهويتهد. ولقد ~~أظهر، في صياغة مذهبه المقفل الجامد، قدرة على التفكير ~~الرائع الواضح، وعلى الدقة في التعبير، ومنطقا حتميا ~~صارما، وقوة بناءة، وعمقا تأمليا، وبصيرة ~~صوفية. # ونستطيع أن نبدأ بإيضاح الطريقة التي انعكس بها تفكير ~~هيجل على ماكتجارت، فهو ذاته يقول إن تفكير هيجل ظل هو ~~الموضوع الرئيسي لبحثه طوال ما يزيد على عشرين عاما، وقد ~~كرس لاختباره وعرضه النقدي ثلاثة كتب، وعند نهاية الكتاب ~~الثالث، أصدر حكمه المبني على تفكير وروية، فقال «إن هيجل ~~قد تعمق في الطبيعة الحقة للواقع أكثر مما تعمق فيها أي ~~مفكر آخر من قبله أو من بعده.» # 90 # ولكن ليس معنى تقديره الرفيع هذا لهيجل، أن ~~نتوقف حيث توقف هو، «فينبغي أن تكون المهمة التالية ~~للفلسفة هي القيام ببحث جديد لهذه الطبيعة بوساطة منهج ~~ديالكتيكي مشابه أساسا، ولكن ليس مشابها تماما، لمنهج هيجل.» # 91 # ولقد كان يؤمن بأنه على اتفاق مع هيجل في ~~الجزء الأكبر ms348 من مناقشاته، وكل ما أراده هو أن يستخلص هنا ~~وهناك نتيجة كامنة في تفكير هيجل ولكنها تركت بطريقة ~~ضمنية، ولم يستخدم تعبيرا نقديا أو مخالفا إلا لماما، ~~غير أن كل هذا الاتفاق الظاهري لم يتحقق، عند مفكر ~~مستقل عنيد مثله، إلا عن طريق التفسير المتكلف ~~والتشويه ووضع الأفكار في غير مواضعها. فهو قد كيف تفكير ~~هيجل مع تفكيره الخاص عن طريق قراءة أفكاره هو ذاته في ~~أفكار هيجل أو استخلاصها قسرا منها، بل إنه في الواقع قد ~~بث الألغام في مذهب هيجل ونسفه من الداخل، فلم يترك في ~~النهاية إلا أنقاضا لم يستخدمها إلا باقتصاد في تشييد ~~مذهبه الخاص الجديد. # ولقد كان ماكتجارت يرى أن قلب فلسفة هيجل، ومصدر قيمتها ~~الدائمة في تاريخ الفكر، هو منطقها والديالكتيك المتصل به، ~~غير أنه كان يرى أن التطبيقات العديدة للمنطق على الأجزاء ~~الجانبية من مذهبه، كالفن والدين والتاريخ والقانون ~~والدولة، كانت متوقفة على ظروف عصر هيجل الخاص، ولم تكن ~~لها أهمية كبيرة، وإن كان قد اعترف بتلك الثروة الكبيرة ~~من الأفكار وتلك القوة الدافعة الهائلة التي أتت منها. ~~وكان همه الأساسي في هذا الصدد هو الدفاع عن هيجل ضد ~~الفكرة الباطلة، التي كانت لا تزال شائعة على نطاق واسع، ~~والقائلة إن هيجل قد نسج العالم من الفكر المحض، ولم يتحرك ~~إلا وسط تجريدات وتركيبات شكلية خالصة، دون أي اعتبار ~~للمضمون العيني للتجربة، فهو قد أكد مرارا أن تفكير هيجل ~~عيني، وأن الديالكتيك لا يتناقض مع التجربة، وإنما يفترضها ~~مقدما في كل الأحوال. فالتجربة ترتكز بطبيعة الحال على ~~المعطيات المباشرة للحس، التي لا يمكن أن تنتج عن الفكر ~~الخالص، وإنما هي شروط وجوده. ولقد كان هيجل، في رأي ~~ماكتجارت، يدرك هذا كله تماما، وكان يعلم ويعني أن حركة ~~الفكر الديالكتيكية لا يمكن أن تتحقق إلا داخل الكل العيني ~~للتجربة الذي تكون فيه المعطيات الحسية عوامل مستقلة ~~متضايفة مع الفكر. # ولقد أدت دراسات ماكتجارت الخاصة للديالكتيك الهيجلي إلى ~~رأيه القائل إن تصاعد المقولات ليس عملية ms349 تجريد متزايد، ~~وإنما هو عملية اقتراب متزايد من الكل العيني، فقد بين أن ~~المركب الأخير، الذي يتم الوصول إليه في «الفكرة» المطلقة، ~~هو الشرط والأساس المنطقي لكل المقولات السابقة، وأن ~~الأزواج العديدة من الأضداد والأفكار العليا التي تستوعب ~~فيها هذه الأضداد وتتجاوز على التوالي، كل هذه تنتج ~~بالتجريد من تلك المقولة العليا، التي هي أغنى المقولات، ~~والتي تنتهي عندها الأخريات وتجد فيها اكتمالها. وهكذا فإن ~~الانتقال من مقولة إلى أخرى ومن مركب إلى آخر ليس تقدما ~~بمعنى وضع مضمون جديد لم يكن موجودا من قبل، وإنما هو ~~قلب لعملية التجريد، واستعادة للوحدة العينية التي استمدت ~~منها التجريدات. وبهذا المعنى يكون الديالكتيك هو المنهج ~~الوحيد الصحيح والمثمر في الفلسفة. صحيح أن بعض انتقالات ~~هيجل الجزئية ليست ضرورية منطقيا ولا مقنعة، غير أن هذا ~~لا ينطوي على أي حط من قيمتها؛ إذ إن الانتقال من مقولة ~~إلى أخرى لا يقتصر في الواقع على اتجاه واحد محتم ~~منطقيا، وإنما هو يترك مجالا لإمكانيات أخرى. ومن ~~الواضح أن ماكتجارت يتخذ في هذه الفكرة الأخيرة موقفا غير ~~هيجلي على الإطلاق، وفضلا عن ذلك فليس المنهج الديالكتيكي ~~جامدا، محددا على نحو نهائي، بل إنه هو ذاته معرض ~~للنمو، وهو نمو يمكن رده إلى قانون عام. وأخيرا فإن ~~ماكتجارت يذهب إلى أن مرحلة السلب تلعب دورا ضئيلا جدا ~~في العملية الديالكتيكية من حيث هي كل، فلها أهمية في ~~الأطوار المبدئية فقط، وهذه الأهمية تقل بالتدريج كلما ~~ازدادت الحركة صعودا. وهذه المرحلة عرضية، لا أساسية، ففي ~~التفكير، لا تنبثق كل مقولة من مقابلها السابق، وإنما تعبر ~~عن الدلالة الحقيقية للمقولة الأدنى، وتحقق هي ذاتها ~~طبيعتها الحقة في مقولة أعلى. وحيث لا يوجد تقابل لا يكون ~~ثمة حاجة إلى التوفيق، أو إلى مركب تنحل فيه المتناقضات، ~~وإنما تدعو الحاجة فقط إلى كشف وإظهار ما ترك ضمنيا، ~~فالديالكتيك مثل النمو العضوي، إذ تنمو فيه المراحل العليا ~~من الدنيا مثلما ينمو النبات من البذرة. فمرحلتا التقابل ~~والسلب توضحان ما هو ناقص ms350 باطل في العملية، ومرحلة النمو ~~الإيجابي هي التي تعبر عن الطبيعة الحقة للفكر. وعلى ذلك ~~فإن معنى المنهج الديالكتيكي أو غايته تتحقق بقدر ما يحل ~~العنصر الإيجابي محل العنصر السلبي. ولقد كان ماكتجارت يرى ~~أن هذا التفسير للديالكتيك يمكن أن يوجد لدى هيجل أو يستمد ~~منه، ولكنه كان هنا - كما كان في مواضع أخرى - واقعا في ~~خطأ لا شعوري، فقد انزلق - دون وعي تام منه - إلى مواقف ~~لم تكن دائمة قابلة للاندماج في مذهب هيجل، بل كانت ~~أحيانا مناقضة له على نحو مباشر. # ولو نظرنا إلى دراسات ماكتجارت لهيجل في ضوء عمله ~~الفلسفي العام، لبدت لنا هذه الدراسات مجرد استطراد ~~كان ينبغي له القيام به لكي يصل إلى ذاته. ومن الصعب تحديد ~~السبب الذي تعين عليه من أجله أن يقوم بهذا الاستطراد، ففي ~~خلال السنوات التي تكونت فيها شخصيته، كان هيجل قد بلغ ~~قمة الشهرة في إنجلترا، وكانت قراءته قد أصبحت موجة ~~سائدة. ولكن ربما كان السبب الرئيسي هو حاجة ماكتجارت إلى ~~تجربة قواه وممارستها على واحد من أعظم أعلام الفكر، ~~والتسلق على أكتافه. ومع ذلك فإن هذا الاستطراد لا يبدو ذا ~~ضرورة باطنة، إذ إن الميل إلى تكوين نظرة إلى العالم خاصة ~~به كان يتملكه منذ البداية، وكانت الخطوط الرئيسية للنظرة ~~التي عرضها فيما بعد، ظاهرة بوضوح في كتبه الأولى، فمن ~~الواضح أنه لم يكن يحتاج إلا إلى ما يجلبه للزمن من مزيد ~~من التفكير ومن النضوج، لكي يكون نظرته الخاصة إلى ~~العالم ويتمها، فتطوره الفلسفي سار فيما يمكن أن يقال ~~عنه إنه أنموذج ديالكتيكي؛ فقد كان مذهب هيجل يمثل مرحلة ~~التقابل التي تعين عليه مواجهتها لكي يرتفع إلى تفكيره ~~الخاص الصحيح، ويمثل المقولة الدنيا التي كان ينبغي فهمها ~~أولا، ثم تجاوزها بعد ذلك في مذهبه الخاص. # ولقد ظهر مذهبه هذا في مؤلف غريب رائع كان المفروض ~~أصلا أن يكون عنوانه: «ديالكتيك الوجود»، ولكنه أسماه ~~فيما بعد «طبيعة الوجود»، وهذا الكتاب هو الثمرة الناضجة ~~لتفكير استمر طوال حياته بلا ms351 كلل ودون انقطاع. وقد صيغ هذا ~~التفكير كله في قالب واحد، يحمل على الدوام طابع صانعه. ~~ولو نظرنا إليه في إطار الفلسفة الإنجليزية الحديثة لبدا ~~لنا غريبا أشبه بضوء منعزل يشع من جزيرة نائية قفرة، ~~ولبدا لنا ظهوره في مثل هذه البيئة أقرب إلى اللغز ~~المستعصي. فهو يخالف جميع طرق الفكر المألوفة المتداولة ~~الموثوق فيها، ونادرا ما يجد المرء مفكرا يضع لنفسه مثل ~~هذه الشروط القاسية الصارمة، ويتخذ لنفسه مثل هذا الهدف ~~الرفيع، فأفكاره تتقدم بحتمية منطقية حتى النهاية، دون أن ~~تظهر في أي موضع بادرة توحي بتهاون في هذه الصرامة أو ~~تراخ في تلك الطاقة. ويتضح الحرص الشديد الذي التزمه في ~~تفكيره وكتابته في أنه كان يخطط ما لا يقل عن خمس مسودات ~~كاملة قبل أن يبعث بأي شيء إلى المطبعة. فالتعبير والتفكير ~~كانا يتفقان تماما؛ إذ إن الأول، الذي كان ينحته بجهد ~~وعناية، كان يقدم هيكلا كاملا للثاني، ومع ذلك لا يلمح ~~المرء أي أثر للصراع الذي كان يبذله من أجل التعبير عن ~~نفسه تعبيرا كاملا، إذ إنه قد ترك كل ذلك الصراع جانبا ~~في عملية المراجعة الخماسية التي كان يقوم بها، والانطباع ~~العام الذي يتركه في نفوسنا هذا الكتاب هو أنه مذهب تصوري ~~وضع حتى النهاية بدقة ومجهود ووضوح واقتصاد وإحكام، ~~ولكنا نجد أيضا - إلى جانب ذلك - نزعة شكلية ولفظية ~~خاوية، ونجده كثيرا ما يهتدي في الألفاظ إلى معان سبق له ~~أن دسها فيها، ونجده يتلاعب بالأفكار، ويميز بين أمور ~~يقل الفرق بينها عن حد الشعرة، ويقدم تعريفات مفرطة في ~~التدقيق، ولا جدال في أن عبارة برادلي، التي طالما اقتبست، ~~والتي تتحدث عن «رقصة ليست من هذا العالم، تؤديها مقولات ~~لا حياة فيها»، تنطبق تماما على مذهب ماكتجارت ببرودته ~~وصلابته الرخامية. على أن هذا ليس إلا وجها واحدا - وإن ~~يكن هو الوجه الغالب - من أوجه تفكير ماكتجارت وطريقته في ~~التعبير، فمن وراء الواجهة الظاهرية التي بذل كل جهده لكي ~~يجعلها صحيحة لا تشوبها شائبة، يشعر المرء من ms352 آن لآخر ~~بذهن قلق، ونار خفية لتجربة عاشها بعمق، ونبض وحرارة ~~شخصية حية تنشق حياتها الخاصة في ذلك البناء الذي يتخذ ~~مظهرا رخاميا جامدا. ذلك هو الوجه الصوفي لماكتجارت، ~~وهو يخترق نسيج التصورات المجردة ويصبغها بألوان أشد حيوية ~~وبمضمون من نوع أكثر عينية. ولكن ليس لأحد أن يظن أن هذين ~~الجانبين من طبيعته كانا يقفان في تعارض محتوم الواحد ~~منهما قبالة الآخر، بحيث يحتفظان بالصراع محتدما بين ~~«التصوف والمنطق» (إذا شئنا أن نستعير هذا العنوان الموفق ~~لواحد من كتب رسل)، فقد كانت كل من هاتين النزعتين ~~وثيقة الصلة بالأخرى في مذهبه، وقد انبثقتا معا من جذر ~~واحد، بحيث إن التصوف قد أعطى المنطق النبض والدفء، وسيطر ~~المنطق على التصوف وأضفى عليه النظام الدقيق. وقد قدم ~~إلينا ماكتجارت ذاته مفتاحا لفهم هذا الطابع المزدوج ~~لتفكيره في الجملة التي ختم بها كتابه الأول: «إن كل فلسفة ~~حقة ينبغي أن تكون صوفية، ولكن ليس في مناهجها، وإنما في ~~استنتاجاتها النهائية.» # 92 # ويعبر عنوان مؤلفه الرئيسي عن المشكلة الرئيسية فيه، ~~فما الذي يمكن أن يقال عن العلامات المميزة لكل ما يوجد أو ~~للوجود في مجموعه؟ إن الوجود - من حيث هو تصور - هو أضيق ~~نطاقا من تصور الواقع # reality ~~، من حيث إن هناك واقعا لا يوجد ~~بالضرورة، بينما ليس ثمة موجود إلا وهو واقع بالضرورة. ~~وهو، على أية حال، يصف الواقعية والوجود بأنهما غير ~~قابلين للتعريف، فإذا نظرنا إلى التمييز بين الواقع ~~الموجود والواقع غير الموجود، وجدنا أن الأهمية الوحيدة ~~التي تلحق بالثاني إنما هي أهمية نظرية بحتة، أما الأول ~~- فنظرا إلى أن له أهمية عملية كبرى - فإن ماكتجارت يحدد ~~لنفسه مهمة أضيق نطاقا هي البحث فيه، فمشكلته هي طبيعة ~~«الوجود # existence ~~»، ~~ومنهجه استنباطي أولي، وهو يبرز أولا الطابع العام ~~للوجود، ثم يناقش المشكلات الخاصة للوجود التجريبي. ~~والجزآن يناظران مجلدي كتابه على التوالي، ففي الجزء ~~الأول، الذي هو من أروع أعمال التفكير المنهجي الدقيق، ~~والذي يمثل أعلى قمة بلغها ذهنه المنطقي الحاد، في هذا ~~الجزء ms353 يقف ماكتجارت وحده بين الفلاسفة الإنجليز في جميع ~~الفترات، صحيح أن الفلسفة الإنجليزية قد ساهمت بالكثير، ~~منذ الأجزاء الأولى في القرن التاسع عشر، في مجال المنطق ~~الصوري، وأن هذا المبحث، الذي هو أكثر المباحث تجريدا، قد ~~بلغ في «الحساب ~~المنطقي # Logical calculus ~~» أعلى ما بلغه من القمم، ولكن لم ~~يجرؤ أي مفكر قبل ماكتجارت على أن يطرح في الميتافيزيقا، ~~التجربة جانبا باحتقار، ويقدم تفسيرا أوليا محضا ~~للكون. ومن هنا لم يكن من المستغرب أن محاولته، وإن تكن قد ~~لقيت إعجابا من آن لآخر لما فيها من جدة وغرابة، قد ~~قوبلت منذ البداية بالارتياب، ولم تجد لها أنصارا، فهي لم ~~تلق ذلك الصدى الرنان الذي لقيته فلسفة برادلي مثلا، على ~~الرغم من أنها كانت في وضوحها، وإحكامها، وعمق فكرها، تفوق ~~هذه بكثير. # وهناك شيء من التشابه بين منهجه في البرهان المطلق، الذي ~~اتبعه في الجزء «الأولي» من ميتافيزيقاه، وبين ~~الديالكتيك الهيجلي، غير أن المقارنة بين المنهجين لا ~~تسفر إلا عن نتائج ضئيلة، نظرا إلى ما اتصف به منهج ~~ماكتجارت من فردية تامة، وإلى أنه قد وضع لكي يلائم ~~الغايات الخاصة لفلسفته فحسب. ولقد كان ماكتجارت نفسه ~~شاعرا بذلك، على الرغم من ميله إلى الانتساب إلى هيجل، ~~فاعترف بأن منهجه «ليس هيجليا بالمعنى الدقيق»، # 93 # وإن كان قد رأى أنه أقرب إلى منهج هيجل منه ~~إلى أي منهج آخر. والواقع أن لدى ماكتجارت سلسلة من ~~التحديدات المنطقية المتعاقبة، غير أنها لا تسير حسب النمط ~~الثلاثي لمقولات هيجل، كما أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى ~~ليس ضروريا من الوجهة المنطقية على الدوام (بل إنه يترك ~~المجال مفتوحا، في بعض الحالات، لإمكان ظهور تحديدات ~~أخرى)، وفضلا عن ذلك فهو لا ينظر إلى المقولات الدنيا على ~~أنها مشوبة بالخطأ بالضرورة، بل يؤكد حقيقتها النسبية أكثر ~~مما يؤكد افتقارها إلى الحقيقة المطلقة. # والفارق الأساسي بين تفكير هيجل وتفكير ماكتجارت هو أن ~~الأول عيني مشبع بالتجربة، بينما الثاني مجرد، بعيد عن ~~التجربة. فقد كان ماكتجارت على الدوام ms354 حريصا على أن يحتفظ ~~لتحديداته الصورية بنقائها الأولي الذي لا تشوبه أية ~~شائبة من المادة التجريبية، ومن الطبيعي أنه لم يستطع أن ~~يحقق هذا الهدف على طول الخط؛ إذ يبدو أن من الضروري ~~الالتجاء إلى التجربة على وجهين، من أجل دفع عجلة العملية ~~الاستنباطية، فمن الممكن في البداية تأكيد الوجود الخالص، ~~واستنباط صفاته بطريقة أولية، غير أن كون أي شيء موجودا ~~بالفعل في الواقع هو أمر لا يعرف إلا بالرجوع إلى التجربة، ~~فالقضية القائلة إن ثمة شيئا يوجد، ترتكز على الإدراك ~~الحسي، وهي المقدمة الأساسية لكل استنباط تال؛ لذلك فإن ~~بداهتها تجريبية، غير أن يقينها لا يقل عن يقين البداهة ~~الأولية. على أن القول بأن ثمة شيئا يوجد، يعني في رأي ~~ماكتجارت، أن ثمة جوهرا يوجد، وهنا تثار مسألة ما إذا ~~كانت توجد كثرة من الجواهر أو جوهر واحد، أو بعبارة ~~أخرى: ما إذا كان الجوهر متنوعا أم لا. هذه، في رأي ~~ماكتجارت، مسألة يمكن البت فيها بالاستنباط المحض؛ إذ إن ~~تنوع الجوهر يتلو من اليقين الأولي القائل إن الجوهر لا ~~يمكن أن يكون بسيطا، غير أنه يؤثر أن يلجأ إلى البرهان ~~التجريبي، ويبين أن إدراكا حسيا واحدا كفيل بإثبات أن ~~الجوهر متنوع، وإذن فالجوهر موجود، وهو ليس واحدا بل ~~كثير. # ولكن «ما هو» الجوهر؟ ينبغي، عند تعريفه، أن يضاف الكيف ~~إلى الوجود، فكل ما يوجد ينبغي أيضا أن يكون له كيف، غير ~~أن الكيف لا يعرف، وكل ما يمكننا أن نفعله هو أن نشير إلى ~~أمثلة خاصة له، كذلك ينبغي إضافة العلاقة، وهي بدورها لا ~~تعرف. فلما كان ثمة كثرة من الجواهر، فلا بد أن تقوم بينها ~~علاقات، وإذن فالعلاقات أساسية الوجود. وقد علق ماكتجارت ~~أهمية كبيرة على تصور العلاقة، وقام ببحث دقيق عميق ~~للعلاقات الخاصة. فالعلاقات تختلف عن الكيفيات أو الصفات ~~في أن الأخيرة تكمن في الأشياء، بينما الأولى تقوم بينها. ~~وهكذا فإن الجوهر يوصف (ولا نقول يعرف) بأنه ما له ~~كيفيات أو صفات، وما يدخل في علاقات، ms355 دون أن يكون هو ذاته ~~كيفا أو علاقة. وفضلا عن ذلك فكل جوهر مختلف عن كل ~~جوهر آخر، فلا يمكن انطباق وصفه على أي جوهر آخر، وتنظم ~~الجواهر في فئات يمكن أن تتكون من أية مجموعة من جواهر. ~~مثال ذلك (والأمثلة مستمدة من ماكتجارت نفسه) أن رؤساء ~~جمهورية الولايات المتحدة أو مواطنو إنجلترا، يؤلفون فئة، ~~وليس هذا فحسب، بل إن من الممكن تأليف فئة من أشياء لا ~~متجانسة تماما، كالمكتب الذي أجلس إليه، وأقدم أرنب في ~~أستراليا، وآخر دواء تناوله لويس الرابع عشر، هذه الأشياء ~~يمكن إدراكها في نوع من الوحدة، على الأقل وحدة كونها ~~ثلاثة، أو وحدة جمعي الاعتباطي بينها، وليس لنا أن نتساءل ~~فيما إذا كانت الفئة فئة بحق، وإنما يجب أن نكتفي بالسؤال ~~عما إذا كانت مناسبة أو لها أية قيمة، ولهذه النقطة - إلى ~~جانب كونها استنباطا شكليا - دلالة ميتافيزيقية، بمعنى ~~أن كل شيء في الكون يرتبط على نحو ما بكل شيء آخر، ويؤثر ~~في كل شيء آخر، مهما كان من ضآلة هذا التأثير. # والجوهر الذي يشتمل على كل الجواهر الأخرى بوصفها أجزاء ~~له هو الكون، ولتصور الكون ضرورته، بوصفه الوحدة التي ~~ينبغي أن ترد إليها كثرة الجواهر. ولما كان يشمل المضمون ~~الكامل لكل ما يوجد، فلا يمكن أن يكون هناك سوى كون واحد؛ ~~إذ إنه لو وجد جوهران كليان لكان لهما نفس المضمون ~~تماما، ولما أمكن بالتالي تصورهما. وهكذا فإن كل ما يوجد ~~داخل في وحدة نسق محدد تماما، وكل جوهر يرتبط بكل جوهر ~~آخر، بفضل علاقتهما المشتركة بالوحدة الشاملة للكون، ~~وعلاقة أجزاء الكون بعضها ببعض، وكذلك علاقتها بالكل، هي ~~علاقة تبادل أو تعاون، فالكون وحدة عضوية. # وهناك فكرة لها أهمية نظرية خاصة، هي فكرة قابلية ~~الجوهر للانقسام إلى ما لا نهاية، فعدم وجود شيء بسيط ~~بساطة مطلقة، هو أمر واضح حتى على مستوى الإدراك الحسي، ~~كما أن هذه القضية - من وجهة نظر الفكر المحض - واضحة ~~تماما وذات صحة نهائية، فإذا لم يكن هناك حد لقابلية ms356 ~~الانقسام في كل الجواهر وكل أجزائها وكل أجزاء أجزائها، ~~فمعنى ذلك أن لدينا تركيبا لا متناهيا في تعقيده ~~وتنوعه، له مراتب في تنظيمه ، وبه عدد غير متناه من ~~العلاقات بين الكل وأجزائه وبين الأجزاء ذاتها. والأداة ~~التي يستطيع بها الفكر أن يتحكم في هذا النسق الشديد ~~التعقيد للعلاقات المتناهية، هي تلك التي يطلق عليها ~~ماكتجارت اسم «التطابق المحدد # determining ~~correspondence ~~». ولقد رأى ماكتجارت أن ~~هذا التطابق، الذي هو علاقة علية (لا يسمح المجال هنا ~~بالخوض في تفاصيلها أكثر من ذلك) هو وحده الذي يتيح تجنب ~~التناقض الذي تنطوي عليه فكرة القابلية للانقسام إلى ما لا ~~نهاية، ويتيح تنظيم مضمون الكون بأسره بطريقة مرضية ~~منطقيا. وعند تنظيم هذا المضمون على هذا النحو، يظهر في ~~صورة نسق له مراتب، يحتل الجوهر الأصلي قمتها بوصفه الكل ~~الأولى، ثم ينقسم هذا إلى أجزاء مبدئية تتفرع إلى ~~أجزاء ثانوية من الدرجة الأولى، وهكذا إلى ما لا نهاية. ~~وتربط بين جميع هذه الكليات ذوات المراتب العليا والدنيا، ~~وكذلك بينها وبين أجزائها، علاقة تطابق متبادلة التحديد، ~~بحيث لا يكون وصف الجوهر كافيا إلا إذا أوضحت كل أجزائه ~~وعلاقتها بعضها ببعض وبالكل، ويسمي ماكتجارت هذا النسق من ~~الجواهر، المرتكز على التطابق المحدد، باسم النسق الأساسي ~~للكون. # ومن الممكن بصفة متساوية - من الناحية النظرية الخالصة ~~- أن يعد مذهب ماكتجارت مذهب وحدة أو مذهب كثرة، وذلك ~~تبعا لتركيز اهتمامنا على وحدة الجوهر أو على كثرة ~~أجزائه. ولا شك في أن ماكتجارت، حين نظر إلى هذه الأخيرة ~~على أنها هي الأهم، لم يكن يستطيع أن يبرر اختياره هذا ~~على أسس أولية، فقد تحكمت فيه اعتبارات تجريبية وعملية، ~~كما سنرى فيما بعد، ومن الواضح أن الأجزاء المبدئية ~~تعزى إليها، في داخل الكثرة، أهمية ميتافيزيقية تفوق ~~أهمية الأجزاء الثانوية لجميع الأنواع، وتفوق أهمية الكل ~~المبدئي نفسه. # أما أولئك الذين لا يرضيهم التعامل الشكلي مع التصورات ~~بقدر ما يرضيهم التبصر الميتافيزيقي الأصيل، فإنهم يجدون ~~في المجلد الثاني من مؤلفه الرئيسي (وفي كتاب «بعض ~~المعتقدات ms357 الدينية» الذي أحرز شهرة نسبية، والذي يستبق ~~هذا المجلد الثاني) أكثر مما يجدون في الأول. # ففي المجلد الثاني نزل ماكتجارت أخيرا من الجو الأثيري ~~للفكر الخالص إلى عالم تجربتنا الواقعي، وربط بين نتائجه ~~العامة وبين مشكلات تجريبية معينة، وطبقها نظريا ~~وعمليا. وهو يعرض الأفكار الميتافيزيقية الهامة التي ~~توصل إليها، والتي تؤلف معا نظرة كاملة إلى العالم، ~~على أنها النتائج الضرورية للأساس الأولي. وبإدخال ~~المشكلات الجديدة والمادة الجديدة، يكتسب الجهاز التصوري ~~مزيدا من النمو والتدعيم، بحيث يتعين علينا مرة أخرى أن ~~نجتاز قفارا شاسعة قبل أن نستطيع أن نجني ثمار شجرة ~~الحياة. ولما كانت بعض أفكار ماكتجارت الميتافيزيقية قد ~~ظهرت بوادرها في أول كتبه، كما أن كل أفكاره الأساسية قد ~~ظهرت في كتابه عن الدين، على نحو مستقل تماما عن الأساس ~~المنطقي الذي كنا نبحث فيه حتى الآن، فربما كان لنا الحق ~~في أن نستدل من ذلك على أن الجهاز التصوري قد صمم تصميما ~~لاحقا، وإذا كان الأمر كذلك، فليس في وسعنا أن نقر ~~ماكتجارت على رأيه القائل إن خطته الأولية هي التي تحكمت ~~في استنتاجاته المنطقية، وإنما ينبغي أن نقول، على العكس ~~من ذلك، إن استنتاجاته هي التي تحكمت في هذه الخطة، وإن ~~هذه الخطة قد رسمت فيما بعد لإيجاد أساس لاستنتاجه ~~ولدعمها. وبعبارة أخرى، فإن لمواقفه الميتافيزيقية ~~الرئيسية قيمة مستقلة عن الخطة المجردة، ولها أساسها في ~~ذاتها. # وليس في وسعنا أن ننتقي من المشكلات المتعددة التي عرض ~~لها في المجلد الثاني إلا عددا قليلا لكي نوضح الاتجاه ~~العام لتفكيره على الأقل. # وأشهر هذه المشكلات هي نظرية الزمان، فهو يميز أولا بين ~~نوعين من التعاقب الزمني، ينتقل أحدهما من الماضي إلى ~~المستقبل مارا بالحاضر، ويتألف الآخر من علاقتي «قبل» ~~و«بعد». ففي الأول، الذي يسميه بالسلسلة أ، تتغير الحدود ~~دواما، وينتقل بعضها إلى البعض. أما في الثاني، الذي ~~يسميه بالسلسلة ب، فإن هذه الحدود تكون ثابتة، وترتكز على ~~علاقات دائمة؛ إذ إنه عندما يقع حادث قبل حادث آخر وبعد ~~حادث ثالث، ms358 فإن الترتيب الزمني يكون نهائيا غير قابل ~~للتغيير؛ لذلك فإن السلسلة أ هي السلسلة الحقيقية للزمان، ~~ما دامت تشتمل على صفة التغير التي هي العلامة الأساسية ~~المميزة للزمان. ومع ذلك يبدو، بعد مناقشة طويلة مفرطة ~~في التعقيد، أن السلسلة أ تنطوي على تناقض، وأنها بالتالي ~~لا يمكن أن توجد من وجهة نظر الواقع الحقيقي، وإذن فلا شيء ~~واقعي هو ماض أو حاضر أو مستقبل، أو معرض لأي تغير. إننا ~~حقا ندرك الأشياء في الزمان، ولا نملك إلا ذلك، غير أن ~~كل ما يثبته هذا هو أن الإدراك الحسي لا يصل إلى الأشياء ~~في طبيعتها الحقة، فكل ما في الزمان هو بهذا الوصف مجرد ~~مظهر. # ويستخلص ماكتجارت من عتاده التصوري إضافة أخرى يعبر بها ~~عن هذه الفكرة المميزة للمثالية تعبيرا إيجابيا، فهو ~~يضيف سلسلة أخرى، هي السلسلة ج، إلى السلسلتين أ، ب. ~~وتمثل السلسلة ج العلاقات الحقيقية بين الأشياء، وهي تتضمن ~~الحقيقة التي كان يعبر عنها باطلا في العلاقات الزمنية ~~للسلسلتين الأخيرتين، وكذلك في كل وصف للعلاقات المكانية ~~أيضا، إذ إن المكان بدوره مجرد مظهر، هذه السلسلة تعبر عن ~~العلاقات بين الأشياء على أنها علاقات تضمن منطقي، فهي ~~سلسلة تضمنات لها اتجاه محدد أعم بشكل واضح من الاتجاه ~~المضاد، من حيث إنها انتقال مما له محتوى أكثر فراغا إلى ~~ما له محتوى أكثر امتلاء، ففي أحد الطرفين لا يكون ثمة ~~شيء، وفي الطرف الآخر يوجد الكل، وهنا يستعاض عن علاقة ~~«قبل» في السلسلة ب، بعلاقة «متضمن في»، وعن علاقة «بعد» ~~بعلاقة «متضمن ل»، ونظرا إلى أن الطرف الأخير في السلسلة ~~غير متضمن في أي شيء، فإنه متضمن لكل شيء، ولا يمكن أن ~~يضاف إليه شيء، وواضح أنه هو «الفكرة المطلقة» عند هيجل، ~~وواضح أيضا أن تزايد التضمن في السلسلة ج يناظر التقدم ~~الديالكتيكي للمقولات عند هيجل. # وهكذا فإن نظرية ماكتجارت في الزمان تؤدي إلى نفس ~~النتيجة التي تؤدي إليها فلسفة برادلي، وإن تكن ترتكز على ~~مقدمات مختلفة تماما، هذه النتيجة هي ms359 التمييز بين المظهر ~~والواقع، وفي هذه النقطة تكمن الأهمية الخاصة لنظرية ~~ماكتجارت. ومعيار التمييز بين المظهر والواقع هو الإطار ~~الأولي للتطابق المحدد، فكل ما لا يمكن إدخاله في هذا ~~الإطار، ينزل توا إلى مرتبة المظهر، بينما يعد واقعا ~~كل ما يمكن إدخاله فيه، وبهذا المعيار تنحط المادة، وكل ~~المعطيات الحسية، إلى مرتبة المظهر، فلو كانت المادة ~~موجودة، لكانت قابلة للانقسام إلى ما لا نهاية، ولكانت ~~أجزاؤها اللامتناهية في الصغر خاضعة لمبدأ التطابق المحدد. ~~ولكن يبدو أن مثل هذا التقسيم للمادة إلى ما لا نهاية أمر ~~لا يمكن القيام به، وعلى ذلك لا يمكن أن تكون المادة ~~موجودة. # أما بالنسبة إلى العلوم الطبيعية فسيان أن توجد المادة ~~أو لا توجد؛ إذ إن الأمرين معا فرضان ميتافيزيقيان لا ~~يمسان العلم ولا الحياة اليومية. وهكذا فإن ماكتجارت، مثل ~~برادلي الذي استعان كثيرا بحججه في هذا الموضوع، يرفض ~~التسليم بوجود المادة، لا لشيء إلا لأن في هذا استخداما ~~غير سليم للميتافيزيقا. # والآن نصل إلى لب ميتافيزيقا ماكتجارت، أعني المذهب ~~القائل إن الواقع روحي في أساسه، فكل ما يوجد روح ولا شيء ~~غير الروح، بالمعنى الميتافيزيقي الخالص الكامل للجوهر ~~الروحي كما فهمه باركلي مثلا. وعند هذه النقطة تتلو كل ~~التحديدات الأخرى للطبيعة الميتافيزيقية للعالم من ~~الاستنباطات الأولية للباب الأول من الكتاب، فمساواة ~~الجوهر المبدئي بالواقع في ذاته أو بالمطلق، تعني إيجاد ~~تناظر بين الأجزاء المبدئية وبين تلك الكائنات الروحية ~~التي نسميها أشخاصا أو ذوات. ولما كانت الذوات هي قبل كل ~~شيء مدركة للأجزاء الثانوية، فإن هذا التناظر يمتد إلى ~~إدراكات هذه الذوات. # وهكذا فإن للذوات منزلة ميتافيزيقية خاصة، صحيح أن من ~~الواجب تصورها على أنها متجمعة في وحدة الجوهر المطلق، ~~وعلى أنها هي التنوع الأولي له، ولكن الرد على ذلك هو أن ~~طبيعة الواقع تتكشف في التنوعات على نحو أعمق مما تتكشف ~~في الوحدة العليا. والمثل الذي يفضل ماكتجارت أن يضربه ~~لإيضاح العلاقة بين الكل وأجزائه هو تشبيهها بعلاقة مجمع ~~وأعضائه، فكلاهما كيان روحي، غير ms360 أن الأعضاء وحدهم هم ~~الأشخاص بأي معنى أصيل لهذه الكلمة، بينما المجمع ليس هو ~~ذاته شخصا، وإن يكن وحدة روحية لأشخاص. ففي آخر الأمر لا ~~يوجد بالفعل إلا الأشخاص، وهم وحدهم الذين يؤلفون مكونات ~~الكون، مفهومة بالمعنى الميتافيزيقي. وهكذا نجد أن الوجه ~~التعددي يعد هنا، كما يعد في الجزء الأول من الكتاب، ~~أهم من الوجه الواحدي، وإذن فالمطلق وحدة من أشخاص، ونسق ~~من الذوات، ترتبط بعضها ببعض كما ترتبط أجزاء الجوهر التي ~~أوضحها في الجزء الأول. # والواقع أن طبيعة الشخصية المتناهية وقيمتها لم تدرك ~~وتدعم، في أي مذهب معاصر آخر، بقدر ما أدركت ودعمت في ~~مذهب ماكتجارت. ومن الممكن أن توصف الفكرة القائلة إنه لا ~~شيء حقيقي بالفعل إلا الأشخاص المتناهون، بأنها هي ~~الاقتناع الفلسفي الأساسي عند ماكتجارت، فمذهبه كله يدور ~~حولها، واستنتاجاته الأخرى تتلو كلها منها، ومن هنا كان ~~ذلك الإحساس الذي يتملكنا بأن من وراء كل ذلك الدرع ~~السميك من الاستنباطات الأولية، يوجد ذهن يضطرم في باطنه ~~بالانفعال؛ مما يدل على وجود طبعة عميقة من التفكير غير ~~الشكليات والتجريدات التي تسود كتاباته، ومما يزيد هذا ~~الشعور قوة، تلك الصفات الأخرى التي ينسبها إلى الشخصية، ~~فالذات كيان مستقل، له خصائصه الفريدة، وهي جوهر روحي ~~يوجد لذاته تماما، ولها فردية كاملة، بحيث تختلف كل ذات ~~اختلافا أساسيا عن الأخرى، ومن هنا كان من اليقينيات ~~النهائية المطلقة أن الذات لا يمكن إدماجها في أية ذات ~~أخرى، أو في جزء من ذات أخرى، لا سيما في تلك الوحدة ~~العليا التي تسميها الفلسفة بالمطلق، ويسميها الدين بالله. ~~وترجع المكانة الميتافيزيقية العليا للذات إلى أنها في ~~أساسها لا تتعرض للتغير، ولما كانت توجد بهذا الوصف أزلا، ~~ولا بداية لها ولا نهاية في الزمان، فلا يمكن أن تكون قد ~~خلقت في وقت ما، ولا يمكن أن تفسد أبدا. فإذا سلمنا ~~بفكرة الذات، كانت فكرة الخالق مستحيلة، وإن كان ثمة إله، ~~فلا يمكن أن يكون قد خلق الذات؛ إذ إن هذه توجد بنفس ~~الأزلية التي يوجد ms361 الإله بها. وهكذا فإن الذات خالدة، ~~بمعنى أنها توجد في أزلية لا زمانية، فلا بد إذن أن يكون ~~وجودها قديما مثلما هو دائم؛ ذلك لأن هويتها لا تكون في ~~استمرار الوعي أو في الذاكرة، وإنما في ثبات جوهريتها ~~الروحية. والواقع أن الوعي ليس جزءا من الطبيعة الأساسية ~~للشخصية، ومن الممكن أن يختفي دون أن تتأثر هذه. كما أن ~~فقدان الذاكرة لا يؤثر في الخلود بحال؛ إذ إن حياتنا ~~الحاضرة تبدو لنا حينئذ ذات قيمة كاملة، على الرغم من ~~أننا لا نؤكد حياة سابقة وليست لدينا أدنى فكرة عن حياة ~~مقبلة. كما أن هذا القول لا تدحضه الحجة القائلة إن من ~~الممكن أن نكون قد مررنا في الماضي، وأن نمر في المستقبل، ~~بمراحل متعددة تناظر تلك التي تبدأ، في حياتنا الراهنة، ~~بالميلاد وتنتهي بالموت. ففكرة تعدد الحيوات، وتكرر الموت، ~~ليست خلوا من المعنى، بل هي مرجحة إلى حد بعيد. # وتؤدي فكرة الخلود عند ماكتجارت إلى اتخاذه موقفا ~~مميزا إلى حد بعيد، يبدو ممتنعا لأول وهلة، ولكنه يتلو ~~بالضرورة من مقدماته، وأعني به أن الإيمان بالخلود، على ~~الرغم من شيوع ارتباطه في الدين والفلسفة بالإيمان بالله، ~~يمكن أن يوجد ويظل قائما دون هذا الأخير، فليس بينهما ~~ارتباط منطقي. وبالمثل لا يوجد ارتباط كهذا بين المثالية ~~ومذهب الألوهية، فلا يمكن أن يكون للشخصية، كما رأينا، ~~مستوى أعلى من مستوى الذوات المتناهية، التي يمكن أن ~~تتضمن فيها، أما المطلق، فهو قطعا لا شخصي، مهما كانت ~~طبيعته الإيجابية، ومن المؤكد أن تسمية هذا المبدأ ~~اللاشخصي بالإله هي تسمية غير صحيحة، ولكن إذا لم نوحد بين ~~المطلق وبين الإله، فما هي الأفكار التي تتبقى لدينا لكي ~~نلحقها بهذا الأخير؟ إن من المحال تبرير صفات الخيرية ~~الكاملة والقدرة الشاملة للإله، نظرا إلى ما في العالم من ~~شر، وإلى أسباب أخرى. والسبيل الوحيد إلى المحافظة على ~~الطابع الأخلاقي للإله هو أن نفترض أن قدرته محدودة، ~~وستكون الفكرة الناجمة عن ذلك، أعني فكرة إله يصبو إلى ~~الخير ويصل إليه ms362 ظافرا، مرضية للذهن إلى حد يفوق بكثير ~~فكرة إله كامل الخير، وأقوى منها احتمالا. كذلك لا يمكن ~~أن يكون الإله هو الخالق؛ إذ إن الشخصيات المتناهية - كما ~~لاحظنا من قبل - أزلية. وهكذا فإن النظرة الوحيدة التي ~~يمكن تبريرها هي تلك التي لا يكون فيها الإله ذا قدرة ~~شاملة ولا خالقا، والسبب الوحيد الذي لا ينبغي من أجله أن ~~نؤمن بوجود مثل هذا الإله هو أنه لا يوجد أساس معقول يبرر ~~ذلك. وهذا أنموذج واضح لطريقة ماكتجارت في البرهان، ~~ونتيجته - كما هو واضح - أن فكرة وجود إله، وإن لم تكن ~~بالطبع متناقضة، هي مسلمة غير ضرورية على الإطلاق. وهكذا ~~استخلص ماكتجارت النتيجة الإلحادية لمذهبه، بكل ما تميز به ~~فكره من صلابة وجرأة، وما عرف عنه من إحجام عن أية ~~تضحية بالمعقولية وأي تراجع أمام الآراء السائدة. غير أن ~~إلحاده بطبيعة الحال مختلف تماما عن المذاهب التي تتباهى ~~عادة بهذا الاسم، فمن المستحيل مثلا أن يسمى إلحاده لا ~~دينيا، وإنما هو يتمشى مع بعض صور الدين، كالبوذية وبعض ~~المذاهب الشرقية الأخرى. ومما يثبت ذلك أن مقدماته الأولى ~~- وهي النظرة المثالية إلى الطبيعة الروحية للعالم، ~~والإيمان بخلود النفس البشرية - كانت ترتبط دائما بفهم ~~للعالم في ظل الألوهية. # والعنصر الأخير في ميتافيزيقا ماكتجارت هو دليل آخر على ~~أن إلحاده لم يكن لا دينيا، فقد نظرنا إلى الذات حتى ~~الآن في ذاتها وبذاتها، فماذا نقول عن علاقة الأشخاص بعضهم ~~ببعض؟ إن استقلال الذات، الذي رفعه مذهب ماكتجارت إلى أعلى ~~المراتب، لا يعني أن الأشخاص منعزلون، كل منطو على نفسه ~~في ذاتيته، وإنما هم - على العكس من ذلك - يرتبطون بعضهم ~~ببعض ارتباطا حيويا عميقا متبادلا، وأهم علاقة تربط ~~بينهم - وبالتالي تلك العلاقة التي تربط بين الأشياء ~~جميعا - هي الحب، أي العاطفة التي تحس بها ذات نحو ~~أخرى، هذه العاطفة تنبثق من شعور بأوثق الارتباط والتوحد ~~مع الذوات الأخرى. وهذا الارتباط ميتافيزيقي، كامن في ~~ماهية الشخصية، وليس شيئا يتعين إحداثه أو إيجاده. ومن ~~هنا فإن الحب، الذي ms363 ينشأ من الطبيعة النهائية الذاتية # selfhood ~~، لا يمكن أن ~~يكون شيئا سطحيا أو خارجيا، وإنما هو عميق باطن ~~أساسي؛ ولذا كان مشحونا بعمق وانفعال لا نظير له، وهو ~~أعظم خير يتسنى للبشر أن ينالوه، وأرفع قيمة ينطوي عليها ~~الكون، وهو يعبر عن الانسجام الكامل الذي توصل إليه العالم ~~في مرحلته الأخيرة، مرحلة الذاتية # selfhood ~~، وهو الضمان الوحيد على أن ~~ماهية العالم خير وليست شرا. # ومن الطبيعي أن ~~الحب لا يجد في حياتنا الراهنة أكمل صورة له، بل إن هذه ~~الصورة لا تتحقق إلا في ذلك الوجود الذي يتجه إليه كل سعي ~~لنا، والذي يسميه ماكتجارت - محتفظا بتخطيطه المجرد حتى ~~النهاية - بالحلقة الأخيرة في السلسلة ج، غير أن هذه ~~الصورة المنطقية لا تعود هنا إلا شبحا هزيلا خاويا، ~~عاجزا عن التعبير عن تلك النار والسورة الباطنة التي ~~يصور بها المفكر، بعد أن تحول الآن إلى متصوف، هذه الغاية ~~النهائية. فالمرحلة الأخيرة، التي لها بداية ولكن ليست لها ~~نهاية، هي مرحلة الحقيقة المطلقة، وقيمتها أعظم من قيمة ~~جميع المراحل السابقة مجتمعة، ففيها تنال الحقيقة نصرها ~~النهائي على الخطأ، والسرور على الألم، والخير على الشر. ~~صحيح أنها ليست خالية من الشر، غير أن هذا يتضاءل بحيث لا ~~يكاد يبدو إلا على أنه صدى، يتردد فيه الألم الذي كان ~~يجلبه الشر في المراحل السابقة. وهنا يعظم الحب إلى حد أنه ~~يتغلغل في كل شيء ويسيطر عليه، وتحيا فيه الأشياء كلها ~~وتتحرك وتكتسب وجودها، ففي الحقيقة المطلقة تحب كل ذات ~~أية ذات أخرى تدركها مباشرة، هذا الحب الكامل ليس هو حب ~~الحقيقة أو الخير أو الفضيلة، وهو ليس انفعالا جنسيا، ~~بل إنه ليس حب الإنسان لله، وإنما هو قوة دافقة غامرة، ~~وهو «مباشر ووثيق وقوي، إلى حد أن أعمق وجدان صوفي لا ~~يعطينا إلا أبسط لمحة عن كماله»، # 94 # وهو لا يخضع لأي تحديد خارجي، ولا يمكن تعيين ~~سبب له، وأفضل وصف هو أن نقول بكل بساطة، وبطريق مباشر: ~~إنه هو الذي يجعل كائنين ينتميان ms364 بعضهما إلى البعض ~~ويصبحان كائنا واحدا، إنه الحب الذي تغنى به الشعراء، ~~وتجلى بصورة خالصة تماما لدى تنيسون في ديوانه ~~«الذكرى # La Memorian ~~» ~~وفي ديواني «الحياة ~~الجديدة # Vita ~~Noova ~~»، و«الكوميديا ~~الإلهية # Divina Commedia ~~» لدانتي. ~~«الحب الذي يحرك الشمس وسائر النجوم.» # 95 ~~(6) القسم السادس: أصحاب مذهب المثالية الشخصية # ساهم برنجل باتيسون - وهو اسكتلندي كان نشاطه الفلسفي ~~معاصرا لبوزانكيت - بدور ملحوظ في استيعاب التراث ~~المثالي المستمد من ألمانيا، وفي نشره وتدعيمه، وكان من ~~أقدر مفكري الجيل الثاني من المثاليين الإنجليز، على أنه ~~لم يكن يتميز بأصالة ملحوظة، فقد كان يفتقر إلى المقدرة ~~العقلية العميقة التي كان يتميز بها برادلي، وإلى مزاج ~~ماكتجارت الجريء الصريح، وإلى إلمام وورد بالعلوم ~~الطبيعية، فكان مدينا إلى هؤلاء جميعا، غير أنه لم يرتبط ~~بواحد منهم ارتباطا كاملا، وإنما سلك طريقا خاصا به، ~~مر بهؤلاء جميعا عن طريق نقده لمذاهبهم وتوفيقه بينها. ~~وكانت النتيجة ما يمكن تسميته بمذهب مثالي عادي، جمع ~~بين الاتجاهات المختلفة، وتجنب من آرائهم ما ينطوي على ~~المزيد من الجرأة ويثير المزيد من الجدل. وبفضل هذا التكيف ~~مع عناصر المدرسة ذاتها، والمواجهة النقدية لخصومها، ~~والأبحاث الواسعة في تاريخ الفلسفة، وتوصل برنجل-باتيسون ~~إلى العالم، وكان ذلك راجعا إلى دافع خارجي، هو تعيينه ~~لإلقاء محاضرات جيفورد، ودافع باطن حفزه إليه ذهنه ~~النقدي، أكثر مما كان راجعا إلى رغبة عميقة في التأمل ~~وبناء مذهب خاص به. فنظرته إلى العالم تبعث على الاحترام، ~~غير أن تجنبها للواحدية والتعددية، ولمذهب المطلق والمذهب ~~الشخصي، وكل المذاهب الثابتة والأخرى، كل ذلك جعل منها ~~محاولة تلفيقية، لا خلقا أصيلا. # وهناك اثنان من كتبه الأولى، التي ترجع إلى العقد ~~التاسع من القرن الماضي، لهما أهمية تزيد على كونها أهمية ~~عابرة فحسب. فكتاب «مقالات في النقد الفلسفي»، الذي نشره ~~بالاشتراك مع صديقه هولدين، هو بيان أو إعلان مشترك لعدد ~~من الشبان، الذين كانوا في ذلك الوقت يفتقرون إلى الشهرة، ~~والذين انضموا إلى الحركة الجديدة، وكانوا يمثلون أول ~~تعبئة لقوى المثالية. وقد ساهم برنجل باتيسون بالبحث ms365 ~~الافتتاحي، فعرض الخطوط العامة لفلسفة هي في أساسها فلسفة ~~هيجل، ولكنها ليست مقيدة تماما به، وإنما تتحرك بحرية في ~~جميع الاتجاهات الفكرية التي امتدت من كانت إلى هيجل. وكان ~~قد بين في كتابه الأول، الذي ظهر قبل ذلك بعام واحد، ~~أن تطور هذه الفلسفة من الكانتية إلى الهيجلية قد سار ~~وفقا لضرورة منطقية كامنة. # ولما كان برنجل باتيسون قد ظهر، عندئذ، بمظهر حامل راية ~~المذهب الهيجلي، فقد أثار دهشة غير قليلة عندما نشر بعد ~~سنوات قلائل كتابا تعرضت فيه الهيجلية لنقد شديد، وأعلن ~~فيه أنها غير مرضية في نواح معينة، على أن هذا الكتاب - ~~وهو «المذهب الهيجلي والشخصية» - لم يكن موجها ضد الحركة ~~الهيجلية بقدر ما كان موجها ضد تطورات نظرية معينة ~~لها، تمت على يد جناحها المناصر لفكرة المطلق. ومع ذلك فقد ~~كان الكتاب يمثل نوعا من الثورة داخل قيادة المعسكر، وأدى ~~إلى قيام حركة معارضة انضم إليها - على مر الأيام - كل من ~~رفضوا تأييد المذهب المطلق عند برادلي وبوزانكيت، وكان هدف ~~هذه المعارضة هو تنقية المثالية من عناصر هيجلية معينة، ~~بالتطلع قدما إلى لوتسه، ورجوعا إلى كانت، وفي الوقت ~~ذاته كانت تعني إعادة إحياء مذهب الألوهية بوصفه جزءا لا ~~يتجزأ من المثالية. وبذلك كانت تعني العودة إلى المدرسة ~~الهيجلية القديمة وتحالفها مع الدين. ولا شك في أن ميول ~~برنجل باتيسون الدينية القوية كانت في هذه الحالة عاملا ~~حاسما، ولم يكن من المستغرب أن يجد كتابه صدى عميقا في ~~حلقة مارتينو. # وكان مركز هذا النقد لهيجل هو مشكلة الذات أو الشخصية، ~~فقد ذهب إلى أن من الواجب فهم فكرة الذات عند كانت ~~بمدلولها الإبستمولوجي (المعرفي) الأصلي، فالوحدة ~~الترنسندنتالية للوعي الذاتي ليست إلا الوحدة المنطقية ~~للتفكير، والعامل الصوري المحض في المعرفة. ولقد كان فشته ~~هو الذي بدأ عملية تحويل الإبستمولوجيا عند كانت إلى ~~ميتافيزيقا للمطلق، وواصل هيجل هذه العملية، كما واصلها ~~الكانتيون الإنجليز والهيجليون؛ إذ إن هذه الإبستمولوجيا ~~ليست أوضح ظهورا عند فشته منها في تحويل جرين للوحدة ~~التركيبية للوعي ms366 الذاتي إلى مبدأ روحي كلي أو وعي ~~إلهي، كما أن المنطق والميتافيزيقا ليسا منفصلين بوضوح ~~عند هيجل، فالتصور يجمد في ماهية واقعية، والمقولات تحدد ~~هويتها بصور لأشياء موجودة، والعالم يشيد منطقيا من ~~الفكر المحض. غير أن هذه المحاولة الطموحة لا تفلح أبدا ~~في الوصول إلى المعطيات الحقيقية للتجربة، أو إلى العيني ~~والفردي، ولا تتجاوز أبدا عالم التصورات الشكلية المجردة، ~~على أن الواقع لا يمكن أن ينتج بالفكر، وإنما هو يعطى ~~له، والفكر لا يمكنه أن يصف إلا ما يمكن الاهتداء إليه ~~نظرا إلى كونه موجودا بالفعل، وهذا الأخير يكون على ~~الدوام فرديا وفعليا، وبالتالي يكون لا منطقيا ولا ~~عقليا. وهكذا فإن إصرار هيجل على تجاهل ما هو فعلي قد ~~جعل عالمه ينكمش في حدود العملية المنطقية التي لم يعد ~~فيها الفرد العيني سوى مركز تجمع المقولات الصورية. # ويواصل برنجل باتيسون نقده قائلا: إن الشمول المنطقي ~~( # panlogism ~~) عند هيجل، ~~يظهر قصوره بوجه خاص في ذلك الشكل من الفردية الذي نسميه ~~بالشخصية، فهو لا يترك مجالا لحقيقة الأشخاص. ولقد كان ~~خطأ هيجل، الذي شاركه إياه جرين والمدرسة الهيجلية ~~الإنجليزية بوجه عام، وهو خطأ التوحيد بين الوعي البشري ~~والوعي الإلهي، ووضع الاثنين معا في ذات كلية واحدة؛ ~~كان هذا الخطأ نتيجة للاتجاه إلى الاستعاضة بصورة خالصة ~~عن كائن حقيقي. ففي الذات الشكلية الخالصة، أو في المطلق، ~~يتلاشى الاثنان، ويسلبان طبيعتهما المميزة بوصفهما ~~شخصيتين فرديتين. ومقابل هذا المذهب المطلق يؤكد برنجل ~~باتيسون الفردية الكمية والكيفية لكل شخص أصيل، واستبعاده ~~التام المطلق لكل الأشخاص الأخرى، وعدم قابليته للاختراق ~~أو النفاذ ~~( # impenetrability ~~)، ~~وهي صفة لا يعد عدم قابلية المادة للاختراق، بالنسبة ~~إليها، إلا شبيها هزيلا، فلا يمكن أن تتضمن ذات في ذات ~~أخرى أو تتغلغل فيها، ولا تكون الذات مبدأ للتركيب أو ~~للتوحيد إلا إذا عدت ذاتا عارفة. أما إذا نظر إليها من ~~الوجهة الميتافيزيقية، بوصفها موجودة، لكانت أولى علاماتها ~~المميزة هي الاستقلال والانعزال، بل إن الشخصية الإنسانية ~~مستقلة نسبيا حتى إزاء الله، ما دام لها ms367 مركزها الخاص. ~~ومن الواجب أن ينظر إلى الله ذاته، لا على أنه مقولة ~~مجردة مثل «المطلق» عند هيجل، بل على أنه شخصية واعية ~~بذاتها، لا تستطيع الشخصية المتناهية أن تتغلغل فيها أكثر ~~مما يستطيع الله أن يتغلغل في الشخصية المتناهية. وبهذا ~~الوصف تكون «الروح المطلقة» عند هيجل والوعي الكلي عند ~~جرين أشبه بالطريق المسدود، الذي لا يؤدي إلى شخصية ~~متناهية ولا إلى شخصية لا متناهية؛ فالهيجلية والشخصية لا ~~تجتمعان. # ولسنا بحاجة إلى أن نبحث في مدى صحة فقد برنجل باتيسون ~~لفلسفة هيجل، ولا سيما اتهامه إياها بأنها مجرد إطار ~~شكلي، ولقد رأينا من قبل أن ماكتجارت، الذي كانت له ~~معرفة أوثق بنصوص هيجل، قد اتخذ بعد عشر سنوات موقفا ~~مضادا تماما، وإن يكن من الطريف أن نلاحظ أنه قد وصل ~~على الرغم من ذلك، مع برنجل باتيسون، إلى نفس النتيجة في ~~تفكيرهما في مشكلة الشخصية. غير أن نقد برنجل - باتيسون له ~~أهمية تاريخية، هي أن ما يبرره لم يكن التطور السابق ~~للهيجلية الإنجليزية بقدر ما كان تطورها اللاحق، أي ذلك ~~العزوف التام الذي أسفر عنه مذهب برادلي وبوزانكيت المطلق ~~فيما يتعلق بالشخصية، فقد وضع إصبعه على جرح لم يبدأ في ~~الظهور إلا فيما بعد، ورأى مقدما خطرا مقبلا، فشيد ~~للدفاع عنه حصنا احتمى به كل أولئك الذين لم يقبلوا أن ~~ينتقص أحد من حق الشخصية المتناهية وقيمتها أو ينكره. ~~وهكذا قسم المعسكر الهيجلي إلى جماعتين متعارضتين، هما ~~جماعة المطلق وجماعة الشخصية، وهو تقسيم ظل قائما طوال ~~التاريخ، وبذلك كانت الخدمة الخاصة التي أداها برنجل ~~باتيسون في تطور المثالية الإنجليزية هي أنه كان أول مفكر ~~في هذه المدرسة أكد عن وعي وبإصرار قيمة الشخصية التي لا ~~يمكن أن تسلب، وبذلك بدأ اتجاها فكريا كانت له ثمار من ~~أنواع شتى فيما بعد. # ولقد كان كتاب «الهيجلية والشخصية» يمثل أبعد نقطة افترق ~~فيها برنجل-باتيسون عن هيجل، أما في كتاباته الأخرى فإنه، ~~مع احتفاظه بالموقف الذي اتخذه من مسألة الشخصية ووضعه ~~أساسا منهجيا له، ms368 قد أخذ يعود إلى نقطة بدايتها ~~الهيجلية الأصلية، وظهر هذا الاتجاه أول ما ظهر في اختبار ~~نقدي مفصل لكتاب برادلي «المظهر والواقع»، # 96 # عالج فيه «هذه النظرية الجديدة في المطلق» على ~~نحو أقل قسوة وسلبية مما قد يتوقعه المرء من موقفه ~~السابق، فقد وجد لدى برادلي اتجاهين متعارضين، أسمى ~~أولهما بالاتجاه الهيجلي، والثاني صدى لاسبينوزا وشلنج، ~~فقبل الأول ورفض الثاني. وبعبارة أخرى فقد رفض الرأي الذي ~~يجعل من المطلق وحدة خاوية لا تنوع فيها، ولا تتجاوز فيها ~~المتقابلات على نحو أصيل، وإنما تخف حدة التقابل بينها ~~فحسب. كما رفض الثنائية غير الهيجلية بين المظهر والواقع، ~~وقبل درجات الحقيقة والواقع، التي رأى أنها هي أساس ما في ~~فلسفة هيجل من قيمة باقية. وعلى الرغم من انتقاداته ~~الكثيرة لتفاصيل المذهب المطلق الجديد، فإن موقفه العام من ~~هذا المذهب، كما يتمثل لدى بوزانكيت، أكثر مما يتمثل لدى ~~برادلي، كان موقف التأييد. ويبدو أن بوزانكيت بوجه خاص قد ~~ساهم مساهمة كبرى في الصورة النهائية التي اتخذتها ~~ميتافيزيقاه. وعلى أية حال، ففي كتاب «فكرة الله»، كانت ~~وسيلته إلى إيضاح أفكاره الخاصة هي المناقشة المستمرة ~~لآراء بوزانكيت. ولما كانت مسألة اتفاق هذين المفكرين ~~واختلافهما مسألة داخلية بالنسبة إلى المدرسة، فلا حاجة ~~بنا إلى خوضها. # ولا تكتمل أطراف ~~مذهب برنجل باتيسون بحيث تتكون منه نظرة كاملة إلى ~~العالم، إلا عندما نصل إلى المجموعتين اللتين ألقاهما من ~~محاضرات جيفورد، وهما «فكرة الله» و«فكرة الخلود»، وهما ~~المجموعتان اللتان كانت أولاهما هي الأهم من جميع النواحي، ~~وهنا - كما في المواضع السابقة - يتركز اهتمامه في المسائل ~~الميتافيزيقية. فمهمة الفلسفة في نظر غيره من بناة المذاهب ~~من الهيجليين، هي التفكير في الواقع في كليته، وتتبع مركبه ~~المعقول بوصفه نسقا مقفلا مترابطا، وتفسير كل أجزائه ~~ومراحله في ضوء مبدأ واحد أساسي، بناء على افتراض لا ~~يمكن إثباته، ولكن لا مفر من تأكيده، هو أن الواقع معقول ~~تماما، وأن الأشياء تلتزم نظاما، وأن هذا النظام قابل ~~لأن يعرف من حيث المبدأ. ففكرة الارتباط العضوي ms369 للأجزاء ~~بعضها ببعض وبالكل، هي الفكرة الأساسية في مذهب ~~برنجل-باتيسون، وهي مظهر تأثره بهيجل. وفي ضوء هذه الفكرة ~~يناقش العلاقة بين الطبيعة والإنسان، والفرد والمجتمع، ~~والعالم والله، والمتناهي والوجود الإلهي وما شابهها من ~~الأفكار. # فالطبيعة أداة بالنسبة إلى الإنسان، والإنسان أداة ~~بالنسبة إلى الله، ولا وجود للطبيعة بوصفها حقيقة مستقلة ~~تامة في ذاتها، كتلك التي يقول بها العلم الميكانيكي، بل ~~إن كل حادث طبيعي هو، على العكس من ذلك، يوجه إلى الإنسان ~~بوصفه كائنا عاقلا. إن الإنسان حقا ابن الطبيعة وفلذة ~~كبدها، وإليها ترجع جذوره، ومنها ينمو عوده، غير أنه أداة ~~ذلك الشيء الذي نماه، وهو الوسيلة التي وصلت بها الطبيعة - ~~لأول مرة - إلى وعيها بذاتها وتمتعها بوجودها، فكل منهما ~~أداة للآخر. # فإذا ما تبين لنا ذلك، أمكن خوض مشكلة المعرفة وحلها. ~~فالإنسان بوصفه كائنا عارفا، هو مع ذلك فرد في الكون أو ~~عضو فيه؛ لذلك كان علينا أن نزيل الهوة التي أقامها ~~الفلاسفة بين العارف والمعروف، بين الذات والموضوع، وأن ~~ننظر إليهما معا في وحدتهما بوصفهما أعضاء في نسق واحد. ~~فالإنسان، من حيث هو ذات عارفة، داخل في العالم الذي ~~يعرفه، وهو يقف جنبا إلى جنب مع موضوعاته، ويستتبع ذلك ~~ألا يكون قوام حقيقة الشيء هو فعل المعرفة، بل إن ذلك ~~الفعل يفترضها مقدما، وهي بهذا المعنى مستقلة عنه؛ أعني ~~أنها مستقلة بالمعنى الميتافيزيقي، أي معنى أنها موجودة ~~بذاتها، خارج كل علاقة لها بالذهن، كما يزعم الكثيرون ~~بالنسبة إلى المادة، وكما يقال على تلك الخرافة الأخرى ~~التي لا يمكن تبريرها، أعني الشيء في ذاته. وإذن فمشكلة ~~المعرفة لا يمكن أن تحل بمذهب مثالي من نوع مذهب ~~باركلي، ولا بمذهب مادي من النوع المرتبط بالعلم الطبيعي؛ ~~إذ إن الأول يمحو الموضوع في الذات، والثاني يمحو الذات في ~~الموضوع. كما أنها لا تحل بثنائية الظاهرة والشيء في ~~ذاته عند كانت، ما دامت هذه تؤدي إلى اللاأدرية. والحل ~~الوحيد الذي يمكن إيجاده هو القول بمذهب واقعي يعطي كلا ~~من العاملين المتضايفين حقه. ms370 وما دام مثل هذا المذهب ~~الواقعي يتفق في جميع النقاط الأساسية مع الرأي الساذج، ~~فإن برنجل-باتيسون يطلق على مذهبه اسم الواقعية الطبيعية. ~~وهذا الموقف لا يتعارض أبدا - بطبيعة الحال - مع القضية ~~المثالية الأساسية القائلة إن طبيعة العالم روحية، ويمكن ~~أن يندمج عضويا في مذهب المثالية الميتافيزيقية. # ولقد كانت الميتافيزيقا التي قال بها برنجل - باتيسون ~~مثالية، لها مراكز أساسية ثلاثة هي الطبيعة والإنسان ~~والله. فالمثالية في هذا المذهب ليست عنصرا فيه بقدر ما ~~هي تكون الأساس العام للكل، وقوتها الدافعة إنما تكون في ~~الفكرة القائلة إن الطبيعة لا يمكن تصورها موجودة بذاتها، ~~وإنما هي لا تتصور إلا بوصفها عاملا في كل أكبر، تجد من ~~خلاله القيم الروحية تعبيرا عنها؛ فرفض أية صورة من ~~الفلسفة ~~الطبيعية # naturalistic # هو أمر تحتمه الاعتبارات ~~الأخلاقية، غير أن المثالية لا يمكن البرهنة عليها، فهي ~~ترتكز أساسا على اعتقاد مطلق، لا تبرره الحجج الإيجابية ~~بقدر ما تبرره استحالة الفرض الطبيعي المضاد له. ومن ثم ~~فهي ليست نظرية جامدة، وإنما هي قوة حية وإيمان، هو ~~الإيمان بأن الطبيعة ليست أصلا للروح أو نقطة بداية لها، ~~وإنما هي تتخذ من الروح غاية ونقطة نهاية لها. # وبهذا المعنى يكون مذهب برنجل - باتيسون متركزا حول ~~الإنسان، فهو يرتكز، لا على الأصل أو نقطة البداية، وإنما ~~على الغاية أو الهدف. وهذا الطابع الغائي يزداد وضوحا في ~~مذهبه في الإنسان أولا، ثم في مذهبه في الله، الذي بلغ ~~فيه هذا الاتجاه قمته. فهو يعمل على توسيع وتعميق تصوره ~~للإنسان كما عرضه في كتابه «الهيجلية والشخصية»، دون أن ~~يغير أيا من نقاطه الأساسية. وهنا تظهر مرة أخرى ~~معارضته للمذهب المطلق، ولكنها تظهر هذه المرة عن طريق ~~نقده، لا لهيجل ذاته أو للهيجليين الإنجليز الأوائل، وإنما ~~للهيجليين المتأخرين، ولا سيما برادلي وبوزانكيت. أما وجهة ~~نظر برنجل باتيسون فهي، على خلاف هؤلاء، أقرب إلى آراء ~~ماكتجارت وسورلي وراشدال. ويمكن تلخيصها على النحو الآتي: ~~فكل ذات متناهية هي فرد لا نظير له، ويقع مركزها في ~~داخلها، وتكون ms371 عالما لنفسها، وهي مركز للكون غير قابل ~~للتكرار. وليست الذات، كما قال برادلي، مجرد معبر يوصل إلى ~~حقيقة مطلقة تلتهمها وتبدلها، بل إن لها، على العكس من ~~ذلك وجودا وقيمة خاصة بها ، وطبيعتها هي ما تكون عليه في ~~الزمان والمكان الراهنين، لا ما يمكن أن تكون عليه في ~~المستقبل. ومن المحال إغراق الذات في كل أعلى، أو ~~تحقيقها لذاتها بالفناء في غيرها، فهي ليست نعتا للمطلق، ~~على حد تعبير برادلي، وإنما لها كيان الاسم القائم بذاته ~~(وإن لم يكن هذا الكيان جوهريا)، وهي مركز يكتسب فيه ~~مضمون متعدد الأوجه وحدة باطنة هي وحدة ذات فريدة. أما ~~من وجهة النظر الأخلاقية فإن الذات تعد إرادة متكونة، ~~مستقرة، محددة، ومصدرا لأفعالها الخاصة، التي تضطلع ~~تبعا لذلك بالمسئولية الكاملة عنها. وليست الذات نقطة ~~التقاء أو مفرق طرق بالنسبة إلى قوة غريبة عنها، بل إنها ~~هي التي تتحكم في مصيرها، وهي حرة خلاقة وتنتمي الحرية ~~إلى قلب طبيعتها؛ إذ إنها هي الشرط الأساسي لأية حياة ~~أخلاقية. فكوننا أحرارا هو حقيقة لا تفند، ولا تتأثر ~~بجميع الصعوبات التي تعترض طريقنا عندما نحاول إيضاح ~~الطريقة التي نكتفي بقبولها. فالفردية، ومعها الحرية التي ~~تكون مركزها، هي المبدأ الأساسي للعالم الحقيقي. # وتحتل فكرة ~~الشخصية الإنسانية هذه - باستقلالها وحريتها وعدم قابليتها ~~للفناء - موقعا مركزيا في مذهب برنجل-باتيسون؛ إذ إن كل ~~شيء آخر يرتبط بها ويتحدد بوساطتها، بل إن فكرة الله ~~ذاتها، مهما كان بحثها أساسيا بالنسبة إلى كل ~~ميتافيزيقا، مستمد من هذه الفكرة ضوءا وتكتسب مكانتها ~~بفضلها. فالله، كالطبيعة، ليس نقطة بداية بالنسبة إلى ~~الإنسان، وإنما هو يعرف بأنه نقطة النهاية بالنسبة ~~إليه، وذلك على خلاف معظم مذاهب الألوهية. وهكذا فإن ~~المبالغة في تأكيد الشخصية المتناهية، الذي أدى عند ~~ماكتجارت إلى الإلحاد، قد أدى عند برنجل - باتيسون، الذي ~~كان شعوره الديني أقوى بكثير، إلى تكييف فكرة الله مع فكرة ~~الإنسان. أما عن العلاقة بين العالم والله، فإنه يرى أن ~~كلا منهما وسيلة للآخر، فليس الله خالقا عاليا أوجد ~~العالم ms372 ثم تركه لمصيره، أي تركه ليسير في طريقه آليا، ~~وإنما هو كائن في العالم، وهو خالق بمعنى أنه يتكشف أزلا ~~فيه، ويضفي أزلا على تناهي العالم وعرضيته فيضا من ~~طبيعته اللامتناهية التي لا ينضب معينها. فالمتناهي ~~والإلهي لا يوجدان إلا وبينهما مبادلة، وتغلغل عضوي ~~متبادل. # وبالمثل، فليس الإنسان والله حقيقتين مستقلتين، وإنما ~~يستمد كل منهما معناه من الآخر. فالله يحتاج إلى الإنسان ~~بقدر ما يحتاج إليه الإنسان، ولا يكون لله معنى إذا ما ~~استبعدت عنه كل علاقة بحياتنا الشخصية، وبالمثل لا يكون ~~للإنسان معنى إذا ما عزل عن أساسه الخالق. ولا يمكن أن ~~يكون معنى الكون وقيمته منحصرا في تنازل الأفراد ~~المتناهين عن ذواتهم لكي يستوعبها اللامتناهي، الذي لن ~~يستمد من ذلك أي تعميق أو إثراء لطبيعته، بل إن وجود ~~مراكز فردية للتفكير والفعل هو ذاته إثراء وإعلاء للكل في ~~هذا العالم الحالي، وكلما ازداد لهيب الحياة الفردية ~~لمعانا ونقاء، كان ذلك الإثراء أعظم وأعمق، ولو دمرت ~~حياة فردية واحدة لكان في ذلك إقلال من قيمة الكون، ~~فالقيم العليا لا تتحقق إلا في حياة الأشخاص ومجموعات ~~الأشخاص، أي في اتصال الأفراد المتناهين بعضهم ببعض ~~وبالله. ولهذا السبب كان من المستحيل على المطلق أن يصبح ~~بنفسه ذاتا حقيقية. ولا يتحقق المطلق أو الله بمعناه ~~الكامل، ولا يغدو إلها حقا إلا عندما تترك للأفراد ~~سلامتهم الكاملة إلى جانبه، وعندما يدخلون في اتصال معه، ~~وبذلك يعلون من قيمته. # والنتيجة المنطقية لقدرة الشخصية الإنسانية على إعلاء ~~الألوهية، هي أولوية الإنسان بالنسبة إلى الله. ولقد علق ~~الدكتور تمبل # Temple # على ~~كتاب برنجل باتيسون قائلا: إن الله قد أصبح مجرد نعت ~~لاحق بالكون، # 97 # ولعل الأصح من ذلك أن يقال: إنه قد أصبح مجرد ~~نعت لاحق بالإنسان أو متوقف عليه. وقد ظهر معترض آخر من ~~الجانب الديني هو البارون فون هوجل # Von Hügel ~~، # 98 # فمذهب الألوهية عند برنجل - باتيسون، مهما كان ~~عمق الإيمان الذي انبثق عنه، ليس في أساسه سوى مذهب ~~ألوهي مزيف وحل وسط عاجز ms373 عن إرضاء العقل نظريا، وإن ~~تمجيده للشخصية الإنسانية ليؤدي منذ البداية إلى استبعاد ~~فكرة الله كما شاع فهمها. وعلينا، إذا شئنا عرضا أكثر ~~اتساقا لهذه الفكرة، أن نعود إلى برادلي ورأيه في المطلق ~~اللاشخصي، وإلى إلحادية ماكتجارت، أما موقف برنجل - ~~باتيسون فهو موقف وسط، لا يرتكز على أساس متين، ويخفق في ~~نفس النقطة التي جعل منها قمة نظريته للميتافيزيقا، أعني ~~تعريف طبيعة الله. # نشأ جيمس سث في نفس البيئة الفلسفية التي نشأ فيها شقيقه ~~أندرو، فكلاهما قد شب في العاصمة الاسكتلندية، التي كان ~~يهيمن على شئونها الفلسفية فريزر وكالدروود، أستاذا كرسيي ~~الفلسفة بالجامعة. وعلى الرغم من أن هذين لم يتأثرا ~~بالحركة المثالية الجديدة إلا قليلا، فقد هيآ الأرض ~~لاستقبال الأفكار الجديدة وتنميتها، وذلك حين أحيا فريزر ~~مثالية باركلي، ورفض كالدروود مذهب هاملتن، الذي كان قبوله ~~شائعا في اسكتلندا في ذلك الحين، كما أن الاثنين كانا من ~~أنصار فكرة الألوهية، وفي هذا كانا قريبين من المثاليين ~~الهيجليين. ولقد وفدت المثالية الجديدة إلى العاصمة ~~الاسكتلندية في حوالي بداية العقد التاسع من القرن ~~الماضي، آتية من جلاسجو، حيث كان إدوارد كيرد سفيرا واسع ~~النفوذ للمثالية، وفي الوقت نفسه تقريبا أنشئت جمعية ~~فلسفية جامعية في إدنبرة، كان من أعضائها شبان موهوبون ~~مثل آدامسون # Adamson # وسورلي # Sorley # وهولدين وريتشي، والأخوان سف. وبفضل المناقشات التي دارت ~~بينهم للأفكار الجديدة، تغلغلت جذور الحركة المثالية في ~~المدينة التي كان يعيش فيها عندئذ - بهذه المناسبة - ~~الرائد الأصلي للهيجلية الإنجليزية، أعني سترلنج. وعندما ~~حل العقد الأخير من القرن الماضي أصبح ممثلان للاتجاه ~~الجديد يشغلان الكرسيين الجامعيين بها؛ ذلك لأن ~~أندروسث قد خلف فريزر في 1891، كما أن جيمس سث قد خلف ~~كالدروود في 1898، وواصل الاثنان نشاطهما في التعليم بقوة ~~ونجاح غير عاديين، إلى ما بعد الحرب العالمية ~~الأولى. # ولقد كان الشقيقان يجمعان، إلى أواصر القربى ووحدة ~~المهنة، تشابها في المذهب، فقد كانا متفقين في جميع ~~النقاط الأساسية، ولكن بينما كان الاهتمام الأساسي لأندرو ~~منصبا على الميتافيزيقا، فقد اتجه اهتمام جيمس إلى ms374 ~~الأخلاق. وهكذا طبق أفكار شقيقه على نطاق واسع في هذا ~~الميدان، وصاغها في كثير من الأحيان صياغة أدق وأضبط، ففي ~~بحثه - الذي أحرز في وقته مكانة عالية - عن «الحرية ~~بوصفها مصادرة أخلاقية»، دافع عن استقلال الشخصية ~~الأخلاقية وسلامتها ضد الاتجاه الهدام لدى الهيجليين، ~~وبذلك ألف ما يمكن أن يعد ملحقا أخلاقيا لكتاب ~~أخيه «الهيجلية والشخصية». وإذا كان هناك جانبان يهددان ~~بالخطر استقلال الشخصية، الذي هو أساس كل حياة أخلاقية ~~ومقدمتها الأولى، أعني المذهب الطبيعي، الذي يذيبها في ~~الطبيعة، ومذهب المطلق، الذي يذيبها في الله، فإنه كان ~~يعد الجانب الثاني أخطر. غير أن كلا هذين قد تخلى عن ~~الحرية، التي ترتبط بفكرة الشخصية ارتباطا يبلغ من العمق ~~حدا يجعل الوجود المتميز للإنسان متوقفا تماما ~~عليها. # ومهمة الأخلاق هي تحديد مركز الإنسان الخاص بالنسبة إلى ~~الأحداث الطبيعية من جهة وإلى القوة الإلهية من جهة أخرى؛ ~~لذلك لا يمكن أن تكون الأخلاق علما وضعيا فحسب، أو ~~بحثا تجريبيا في الظواهر الأخلاقية وأصولها، مثلما يقول ~~أنصار المذهب الطبيعي والمذهب التطوري (الذي يعد «لسلي ~~ستيفن» ممثلا نموذجيا لهما)، وإنما ينبغي أن تمتد من ~~ناحية أخرى إلى الميتافيزيقا واللاهوت. وفي هذه الميادين ~~الأخرى كان مذهب جيمس مماثلا، على وجه العموم، لمذهب ~~أخيه، فالفلسفة هي المركب الأعلى للحقائق الميتافيزيقية ~~الثلاث: الطبيعة والإنسان والله. ولكن عليها أن تكشف، في ~~عملية التركيب، عن الفروق القائمة بينها، فضلا عن ~~علاقاتها الإيجابية. وعليها أن تحذر بوجه خاص طغيان إحدى ~~هذه الحقائق على الأخرى؛ فعليها أن تعطي كلا منها ما ~~تستحقه بالفعل من قيمة ومكانة. والمشكلة الميتافيزيقية ~~الحاسمة هي علاقة الإنسان - بوصفه شخصا أخلاقيا حرا - ~~بالله، غير أن حل هذه المشكلة، دون تهرب من أية صعوبة من ~~الصعوبات المتضمنة فيها، هو أمر يتجاوز نطاق قدرة الفكر، ~~فيبدو أن كلا من العاملين لا يتمشى مع الآخر، ومع ذلك ~~لا يمكن التخلي عن أحدهما لصالح الآخر، كما تفعل الصوفية، ~~مثلا، لصالح الدين، أو كما تفعل المثالية المطلقة لصالح ~~الفلسفة. فالإنسان لا يصل إلى فكرة ms375 كائن أعلى إلا عن طريق ~~اقتناعه بسموه على الطبيعة وبحريته واستقلاله ~~الأخلاقيين؛ لذلك كان النظر باحترام إلى الطبيعة البشرية ~~هو الضمان الصحيح الوحيد للنظر إلى الطبيعة الإلهية ~~باحترام، أي إن إفناء الشخصية الإلهية ليس إلا إفناء ~~لعظمة الله بدورها. ولهذه الأسباب لا يمكن النظر إلى ~~الإنسان على أنه مجرد أداة سلبية في يد الله، فالصفة ~~الأساسية المميزة لحياة الإنسان، من حيث هي تحكم حر في ~~مصيره، هي الفاعلية الإيجابية. وأرفع رأي يمكن أن يتخذه ~~الإنسان عن علاقته بالله هو القول بالتعاون الإيجابي، الذي ~~يتخذ فيه الإنسان لنفسه الغايات الإلهية، ويغدو هو ذاته ~~مساهما في تقدم العملية الكونية. ويرتبط بهذه الفكرة ~~الجذابة، الرأي القائل إن الشر قوة إيجابية حقيقية، ~~ينبغي أن نعترف بكل ما لها من خطورة أليمة، وهنا أيضا ~~يظهر سث، كما أظهر في مسألة الشخصية، معارضته للهيجليين، ~~الذين كان في تفاؤلهم السطحي تهرب من مشكلة الشر أكثر مما ~~كان فيه حل لها. # ومن الواضح أن هذه الآراء الأخلاقية، إذا ما نظر ~~إليها في سياق نتائجها الميتافيزيقية، تبدو أقرب إلى الروح ~~الكانتية منها إلى الروح الهيجلية، كما أنها قريبة الصلة ~~بمذهب مارتينو الأخلاقي. غير أن دين سث الأعظم، إلى جانب ~~دينه لأخيه، هو - باعترافه - دينه لكتاب «الأخلاق # Ethica ~~»، من تأليف مواطنه ~~لوري # Laurie ~~، الذي ~~كان يدرس في جامعة إدنبرة في نفس الوقت، والذي لم توجه ~~إليه الأوساط الفلسفية الاحترافية في ذلك الحين ولا فيما ~~بعد اهتماما كبيرا. # وقد عرض سث آراءه على شكل مذهب أخلاقي كامل، في كتاب ~~تال أحرز نجاحا كبيرا، هو «دراسة في المبادئ ~~الأخلاقية»، فقد وقف موقفا مضادا لأنصار المذهب ~~الطبيعي؛ إذ نظر إلى الأخلاق على أنها علم معياري، غايته ~~الرئيسية هي كشف المثل الأخلاقي الأعلى، والمعيار الأسمى ~~للقيمة الأخلاقية. ومن الممكن التمييز بين حلين ~~متعارضين من بين الحلول المتباينة لهذه المشكلة الأساسية، ~~هما مذهب اللذة عند الأبيقوريين وأصحاب مذهب المنفعة، ~~ومعياره هو الشعور، ومذهب القانون الصارم # Rigorism # عن الرواقيين ~~والحدسيين وكانت، ومعياره هو العقل. هذان الطرفان ms376 ~~المتقابلان في حاجة إلى نظرية تتوسط بينهما، تعطي كلا من ~~الشعور حقه، وتجمع بينهما في وحدة الطبيعة البشرية. ويطلق ~~سث على هذا الموقف الأشمل اسم مذهب السعادة # Eudaenonism # أو أخلاق ~~الشخصية. ولا يعني بذلك نظرية السعادة كما عرفها ~~الأخلاقيون التجريبيون الإنجليز في القرن الثامن عشر ~~والتاسع عشر، وإنما يعني الموقف المثالي الذي تجلى بأنقى ~~صوره عند أفلاطون وأرسطو وبطلر وهيجل، وفي رواية «فاوست» ~~لجوته، وفي شعر تنيسون وبرواننج وأرنولد. وعلى حين أن شعار ~~مذهب اللذة هو إرضاء الذات، وشعار مذهب القانون الصارم هو ~~التضحية بالذات، فإن شعار مذهب السعادة (بهذا المعنى) هو ~~تحقيق الذات. فالأمر الأخلاقي ليس موجها للشعور أو إلى ~~العقل، وإنما إلى الذات الكاملة، التي تجمع بين هذا وذاك، ~~وإلى شخصية حرة منظورا إليها في ضوء جميع أفعالها ~~وعلاقتها، وإلى ذات تنسجم جميع قدراتها، وتحيا حياة ~~أخلاقية ارتبط فيها الواقعي والمثالي ارتباطا عضويا. ~~فالذات الأخلاقية هي الوحدة التركيبية للوعي الذاتي، ~~منظورا إليها من وجهة النظر الأخلاقية. وهكذا فإن القانون ~~الأخلاقي يقضي بأن ننمي - من فرديتنا الطبيعية - ذاتنا ~~المثالية الشخصية الأصيلة. ولكي يكون الكائن شخصا ينبغي ~~أن يكون حرا، وعلى ذلك فإن قانون الكائنات العاقلة كلها ~~هو الاستقلال الذاتي. # وبعد تحديد سث للمثل الأخلاقي الأعلى على هذا النحو، ~~ينتقل إلى تطبيق مفصل له على الحياة الفردية ~~والاجتماعية، وهكذا ينتهي بميتافيزيقا للأخلاق يتحدث فيها ~~عن الحرية والله والخلود. وهو في هذه الموضوعات لا يتجاوز ~~- كما ذكرنا من قبل - البرنامج الذي وضعه في كتابه الأول، ~~ولا يفترق في أية نقطة أساسية عن آراء أخيه. # انضم سورلي إلى الحركة الجديدة في وقت مبكر؛ إذ نجد في ~~كتاب «مقالات في النقد الفلسفي» مناقشة أجراها للمنهج ~~التاريخي. وقد كان الموضوع الرئيسي لكتاباته التالية هو ~~المسائل الأخلاقية، التي نقدها ونظمها من وجهة النظر ~~المثالية، وقد بحث مشكلات فلسفة القيمة على نحو أدق ~~وأعمق، مما بحثها معظم أفراد المدرسة، وأحرز في مذهبه ~~نتائج أعظم. وكان بحثه مرتبطا بدراساته الأخلاقية ~~ارتباطا وثيقا، وكان تعلقه بكانت وهيجل، على ms377 وجه العموم، ~~أقل مما كان شائعا بين زملائه من المثاليين. غير أنه ~~استبق تمييز كانت للوجود إلى عالمين: عالم الطبيعة وعالم ~~الغايات، وكان يماثل هيجل في سعيه إلى بناء مذهب وتعلقه ~~الدائم بالكل، وبهذا كان يواجه كل أنواع الثنائية بمحاولة ~~تجاوزها في وحدة أعلى. # وقد تضمن كتاباه الأولان: «أخلاق المذهب الطبيعي» ~~«والاتجاهات الأخيرة في علم الأخلاق» نقدا عميقا لمختلف ~~صور الأخلاق الطبيعية، فبين أولا أن أصل الأفكار ~~والأحكام الأخلاقية لا يمكن أن يقرر شيئا بشأن مشكلة ~~قيمتها؛ إذ لا يوجد طريق يؤدي من الواقع إلى القيمة، ومما ~~هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، وهي فكرة استمدها من ~~لوتسه، كما بين ثانيا أن المراحل الدنيا، في العملية ~~التطورية، ينبغي أن تفهم في ضوء المراحل العليا وليس ~~العكس. وقد عرض فيما بعد مذهبه كاملا في كتابه الرئيسي ~~«القيم الأخلاقية وفكرة الله»، ولخصه في مقال «القيمة ~~والواقع». # فالوجود في كليته، الذي تكون مهمة الفلسفة هي الوصول ~~إليه، يشمل عالمين مختلفين كل الاختلاف، عالم ما هو ~~واقعي فحسب أو موجود، وعالم ما له قيمة. فالتقويمات شأنها ~~شأن الإدراكات الحسية، من بين المعطيات الأصلية للتجربة، ~~وصحيح أن فعل التقويم، وكذلك فعل الإدراك، هما فعلان ~~ذاتيان، غير أن الموضوعات التي يتجه إليها هذان الفعلان ~~ليست ذاتية، فبأي معنى إذن تكون القيم موضوعية؟ يرد سورلي ~~على هذا السؤال قائلا إنها تكون موضوعية بقدر ما تكون ~~علامة مميزة للشخصية، فالأشخاص ينتمون إلى النظام ~~الموضوعي للأشياء، وهم في نفس الوقت حملة القيم التي تظهر ~~في حياتهم وشخصياتهم. وهكذا فإنهم ينتمون إلى كلا ~~العالمين اللذين أشرنا إليهما. # هذه الأفكار، التي ترجع أصلا إلى كانت، قد اكتسبت ~~طابعا خاصا بفضل ارتباطها بلوتسه وفلسفة القيم ~~المستمدة منه، والتي وضعتها مدرسة بادن # Baden ~~، # 99 # واتفقت مع مذهب ريكرت # Rickert # 100 # اتفاقا يكاد يكون تاما، ولقد كان لهذا ~~الاتجاه الفكري ذاته، الذي لم يلق في إنجلترا اهتماما ~~كبيرا، تأثير قوي في أجزاء أخرى من مذهب سورلي، فعرضه ~~لمناهج العلوم، مثلا، مستمد من ريكرت، ms378 ولا سيما فكرته ~~عن العملية التعميمية في العلوم الطبيعية والعملية ~~التخصيصية في العلوم التاريخية، ونظرته إلى الأولى على ~~أنها تقوم بتجريد القيم، والثانية على أنها متوقفة على ~~القيم، ولما كان مقر القيم هو الأفراد، والأفراد يتميزون ~~بفردانية كيفية وعددية، فإن هذه الصفات تنتمي إلى ماهية ما ~~له قيمة. # وعندما أخذ سورلي يضع تفاصيل نظريته الخاصة في القيم، ~~ازداد اهتماما بالقيم الأخلاقية، وجعل لها آخر الأمر مكان ~~الصدارة بالنسبة إلى كل القيم الأخرى، بوصفها أنقاها ~~وأشملها، ومن حيث إنها ترتبط بالقيم الأخرى جميعا. وهو ~~يميز بين القيم من حيث هي أداة، والقيم من حيث هي كامنة، ~~فالأولى تنتمي حتى إلى الأشياء المادية، بقدر ما تدخل في ~~علاقات مع الأشخاص، أما الثانية - وهي القيم بمعناها ~~الصحيح - فلا تنتمي إلا إلى الأشخاص بوصفهم حملتها، ولا ~~تدخل هذه القيم الأخيرة في تركيب الكون عن طريق ارتباطها ~~بالأشخاص. # ولقد شيد سورلي على نظرية القيم هذه مذهبه الخاص في ~~الميتافيزيقا، الذي كانت مهمته الرئيسية، الرامية إلى ~~تحقيق غايته الرابطة الجامعة، هي تجاوز ثنائية نوعي ~~الوجود، أعني الوجود الفعلي أو الطبيعي، والوجود ذا القيمة ~~أو الأخلاقي. فعلى الميتافيزيقا أن تهتدي إلى المصدر ~~الموحد الذي نشأ عنه هذان العالمان، والذي قد يعودان إليه ~~ثانية. ولما كان العالمان يلتقيان في الإنسان، فلا بد من ~~تصور هذه الوحدة العليا، وهي المطلق أو الله، من خلال ~~مقولة الشخصية. فإذا شئنا أن نحقق النظرة المتكاملة التي ~~تعطي كلا من القيم والوقائع الطبيعية حقها الكامل، فإنا ~~لا نستطيع الاستغناء عن فكرة الله؛ فالله ضروري ليس فقط من ~~حيث إنه خالق الكون الموجود، بل أيضا من حيث إنه ماهية كل ~~قيمة ومصدرها. # وحسبنا هنا أن نشير من بعيد إلى النتائج الميتافيزيقية ~~لهذا الرأي، فقد وضع سورلي مصادرتين ميتافيزيقيتين، هي ~~الحرية الفردية للإنسان، والغرضية الكونية للطبيعة. أما ~~الأولى فتثير مشكلة خطيرة هي علاقة الإنسان بالله في علمه ~~الشامل وقدرته الكاملة. فوجود الشر وتلك الأحداث التي لا ~~يجوز أن تنسب إلى الإرادة الإلهية، وقدرة الإنسان على ms379 ~~أن يسلك على نحو مضاد للقانون الأخلاقي، هذه الحقائق ~~وغيرها لا يمكن تفسيرها إلا على أساس افتراض أن الله يضع ~~لقدرته الشاملة حدودا، وأن تحديد الله لذاته هو جزء ~~أساسي من طبيعته. ويفضل سورلي هذا الموقف على محاولة ~~الهيجلية الجديدة رد الأشياء والأشخاص إلى مجرد أحوال يظهر ~~عليها المطلق، الذي يفقدون فيه - من وجهة النظر النهائية - ~~كل ما يجعلهم يبدون على ما هم عليه. # ومن الممكن أن تسمى مثالية سورلي مثالية أخلاقية، ما ~~دامت ترتكز على مذهب للقيم تحتل القيم الأخلاقية مكان ~~الصدارة فيه، ولما كان يعزو إلى الأشخاص - بوصفهم حملة ~~القيم ووسطائها - مكانة ميتافيزيقية تعلو على مكانة ~~العالم الطبيعي، عالم الوقائع المادية الخالصة، فإن موقفه ~~أقرب إلى مثالية باركلي منه إلى مثالية أفلاطون، فهي ~~مثالية أشخاص فرديين يندرجون تحت روح إلهية تتصور بدورها ~~على أنها شخص، فهي مثالية ألوهية، أقرب إلى تفكير ~~«راشدال» منها إلى أي مذهب معاصر. وبالمثل يرجع مذهب ~~راشدال إلى باركلي، وإن يكن ارتباطه، داخل هذا المذهب، ~~بالجانب الروحي على وجه التخصيص من ميتافيزيقا باركلي، ~~أقوى بكثير من ارتباط سورلي به؛ فمثاليته موجهة ضد ~~المثالية المطلقة عند المفكرين الأقوى تمسكا بهيجل، وهي ~~تتأثر بكانت أكثر ما تتأثر بهيجل. ولما كان اهتمام سورلي ~~قد اتجه أساسا إلى الأخلاق والميتافيزيقا، فإنه لم يعرض ~~مذهبا خاصا به في نظرية المعرفة. # اتخذت المثالية طابعا فريدا عند راشدال، الذي كان من ~~أقوى الزعماء تأثيرا في المذهب الديني المحدث بإنجلترا. ~~وربما كانت أول قوة دافعة إلى تكوين نظرته المثالية إلى ~~العالم هي تلك التي أتته من جماعة أكسفورد (فقد استمع إلى ~~محاضرات جرين وهو طالب)، وإن يكن قد شعر منذ وقت مبكر ~~بنفور من المذهب عند برادلي وبوزانكيت، وازداد تحولا إلى ~~لوتسه، الذي رأى أنه هو الوحيد من المفكرين البارزين ~~المحدثين الذي كان تفكيره مسيحيا بعمق ودون قيد أو ~~شرط. غير أن ما اتصف به تفكيره من الوضوح والهدوء، وما ~~اقترن به من ميل قوي إلى الموقف الطبيعي، جعله لا يستفيد ~~كثيرا ms380 من الأعماق الغامضة للفلسفة الهيجلية؛ فاتجه ~~بتفكيره، بدلا من ذلك، إلى باركلي، الذي اجتذبته ~~ميتافيزيقاه الدينية بوصفه لاهوتيا وبوصفه فيلسوفا ذا ~~ميول مثالية. وبفضل استيعابه للأفكار الأساسية في ~~ميتافيزيقا باركلي ونظريته في المعرفة، أصبح هو الباعث ~~الحقيقي لمذهب الألوهية عند باركلي في القرن العشرين؛ أعني ~~الباعث الأصيل الوحيد لهذا المذهب؛ ذلك لأن المحاولات ~~الأخرى التي بذلها فرييه # Ferrier # وفريزر وكولينز وسيمون وغيرهم لم ~~تلق إلا اهتماما عابرا. # ولقد وضع راشدال، مقابل المثالية المطلقة، مثالية ~~شخصية، فقد انبثقت فلسفته عن اقتناع بالطابع الفردي ~~والفريد للشخص، سواء أكان ذلك الشخص إنسانيا أم إلهيا، ~~وظلت مرتبطة بهذا الاقتناع ارتباطا وثيقا. ولقد أدت ~~الحماسة التي دافع بها عن هذا الاعتقاد، والتي كادت تبلغ ~~حد التعصب، إلى جعله يغمض عينيه عن حقوق أو مزايا أية ~~نظرية تقول بكيان فوق الفردي، أو كلي، قد يهدد قداسة ~~الذاتية الشخصية وطابعها المطلق، وجعلته يستهل نشاطه ~~الفلسفي في صحبة جماعة من الكتاب كانت تشمل بعض ~~البرجماتيين، الذين لم يكن يجمع بينه وبينهم شيء إلا ~~معارضته للمذهب المطلق. ويعبر المقال الذي ساهم به في ~~مجموعة الأبحاث التي نشرها «هنري سترت» بعنوان «المثالية ~~الشخصية»، عن الخطوط الرئيسية لتفكيره، الذي طبقه فيما ~~بعد ووسعه في الميدانين اللاهوتي والأخلاقي، وإن لم يكن ~~قد تجاوزه في أية نقطة أساسية. # فهو قد أعلن - متفقا في ذلك مع باركلي اتفاقا وثيقا - ~~أنه لا يمكن وجود مادة بلا ذهن، ولا أشياء جسمية موجودة ~~في ذاتها، والذهن يوجد على صورة أشخاص عارفة مريدة، وكل ~~ما ليس بذهن - بهذا المعنى - لا وجود له إلا في علاقته ~~بذهن، فعالم الحقائق الأصيلة يتألف من أذهان متناهية، ومن ~~الذهن اللامتناهي الذي هو الله؛ إذ إن هذا الأخير ضروري ~~لإعطاء أساس موضوعي كامل للأشياء الخارجية التي تبدو ~~أولا (في ترتيب ~~المعرفة) في وعي الأذهان المتناهية، والذهن فردي على نحو ~~مطلق، وهو يتحقق دائما في وعي مستقل، دون أن يكون من ~~الممكن نفاذ أي وعي آخر فيه، أي إن الأشخاص يستبعد كل ~~منهم الآخر. ms381 وقد طبق راشدال هذه الفكرة التي هي الأساسية ~~في تفكيره، على علاقة الأشخاص المتناهين بالشخصية الإلهية، ~~وانتهى من ذلك إلى استحالة استيعاب الشخصية الإلهية ~~للأشخاص المتناهين. وهنا أعرب عن معارضته لأية صورة من ~~المعاناة الصوفية لله أو الإدراك الحدسي له، على أنها ~~تنطوي على قضاء على حدود الشخصية أو إذابة لها. والأمر ~~الذي كان يود أن يصل إليه، هو إقامة الدين على برهان ~~عقلي محض، ولم يتردد آخر الأمر في قبول النتائج المنطقية ~~لمبدئه القائل باستقلال الشخصية واستحالة نفاذ غيرها فيها؛ ~~وأعني بهذه النتائج، الفكرة القائلة إن الله متناه، فقدرة ~~الله تحد بوجود الأشخاص الإنسانيين، والحقيقة المطلقة ~~ليست هي الله، وإنما هي مجال مشترك للأرواح الشخصية التي ~~يكون الله واحدا منها، وإن يكن هو الروح الرئيسية. وهذا ~~الرأي مشابه لرأي ماكتجارت. # ولقد كان كتابه ~~«نظرية الخير والشر» من أدق وأشمل الأبحاث الإنجليزية ~~الحديثة في الأخلاق، وهو يصف موقفه، الذي كان أقرب إلى ~~سدجويك ومور منه إلى جرين وبرادلي، بأنه «مذهب منفعة ~~مثالي # ideal utilitarianism ~~»، وتبعا لهذا المذهب، تكون للحياة ~~المثلى ثلاث مقولات رئيسية، هي القيمة واللذة والسعادة ~~(ومن هنا فإن إدراجه للذة ضمن خير الإنسان الحق يزعزع صحة ~~تأكيده أن نظريته مضادة لمذهب اللذة). إن الأخلاق بطبيعة ~~الحال مجال قائم بذاته ولا نظير له، غير أنها مع ذلك ~~مرتبطة بالميتافيزيقا وتنطوي على مصادرات ميتافيزيقية، ~~ولا سيما هذه المصادرات الثلاث: (أ) كل الأفعال الأخلاقية ~~ينبغي أن تنسب إلى الذات الفردية. (ب) أساس موضوعية ~~الحكم الأخلاقي هو وجود الله. (ج) الخلود. وهكذا فإن ~~الأخلاق عند راشدال تبدأ بالأشخاص الفرديين وتنتهي بالله، ~~أما عن الشر فقد أكد أنه ليس مجرد مظهر، وإنما هو جزء من ~~طبيعة الأشياء له من الحقيقة ما للخير؛ فهو إذن يتجنب ~~التفاؤل الساذج الذي قال به أصحاب مذهب المطلق. ونظرا إلى ~~الطبيعة الإيجابية للشر، فإنه يتعين علينا مرة أخرى أن ~~نرفض فكرة شمول القدرة الإلهية. # وهكذا فإن فلسفته، ~~التي تشبه فلسفة سورلي أكثر مما تشبه أية فلسفة أخرى، ~~يمكن ms382 أن توصف في عمومها إيجابيا بأنها إحياء متأخر ~~لمذهب باركلي، مع اهتمام خاص بذلك الرأي في الشخصية، الذي ~~كان من الواضح أن باركلي يقول به، ولكنه تركه في صورة ~~ضمنية. كما يمكن أن توصف سلبيا بأنها رد فعل على المذهب ~~المطلق عند برادلي، الذي يهدد قداسة الشخصية بخطر كبير . ~~ولقد تأثرت الأخلاق عنده بالتراث الإنجليزي في نواح هامة، ~~واتجهت أساسا نحو مذهب المنفعة التجريبي عند مل وسدجويك ~~ومور. وهكذا فإن القوة الفلسفية الدافعة التي تلقاها ~~أصلا من هيجلي أكسفورد قد عادت القهقرى إلى تراثه الفكري ~~القومي، ولكن مع تأثره بالعناصر المثالية في هذا التراث ~~إلى جانب عناصره التجريبية. ~~(7) القسم السابع: أصحاب مذهب الألوهية وفلاسفة الدين # اتخذت المثالية عند وورد - وهو مفكر كان مشهورا ذا ~~مكانة رفيعة في انجلترا، ولكنه كان شبه مجهول خارجها - ~~صورة تختلف اختلافا أساسيا عن أي مذهب بحثناه حتى ~~الآن، وذلك بعد أن تخلصت من ارتباطاتها القديمة، فهي ~~مثالية أكثر تحررا ومرونة من هذه المذاهب. ولم تكن مرتبطة ~~لا بالمذهب الهيجلي كما عرضه القدامى المتمسكون بالأصل، ~~ولا كما عرضه المحدثون والمدرسة المتحررة، ولا بأية مدرسة ~~أو أي مذهب على الإطلاق. فقد كان لمثاليته هذه صدر رحب، ~~يستجيب لمؤثرات متعددة متنوعة، ولكنها، على الرغم مما ~~اكتسبته من هذه النزعة التلفيقية من عمق، قد فقدت الاتساق ~~المتين والوحدة الراسخة التي اتصفت بها المذاهب الأخرى. ~~وهكذا كان هذا المذهب من أوضح المذاهب تعبيرا عن تزايد ~~انفصال المثالية الإنجليزية عن مصدرها ووحيها الهيجلي ~~الأول. فنقطة البداية الأساسية في تفكير وورد لم تكن قوة ~~فلسفية دافعة أصيلة ملزمة، وإنما كانت أبحاثا علمية ~~متخصصة، وصراعا دينيا باطنا أحس به، واعترف بوجوده ~~منذ وقت مبكر، وكان هذان العاملان: العلم التجريبي ~~واللاهوت، خليقين بإحداث تأثير حاسم في النظرة التي ~~كونها في سنواته المتأخرة عن العالم. # وبعد صراع ذهني حاد، انشق وورد عن اللاهوت، واعتزل ~~منصبه الديني في كنيسة «الرافضة # Non Conformist ~~»، وكرس حياته للعمل العلمي، ~~واتخذت أولى دراساته الجديدة صورة بحث علمي متعمق في ~~مجالي ms383 علم الحياة وعلم النفس. وسرعان ما تركز اهتمامه ~~الأساسي في هذا الأخير، وأصبح واحدا من كبار علماء النفس ~~الإنجليز، إلى أن تحول في وقت متأخر نسبيا (في العقد ~~الأخير من القرن الماضي)، إلى بحث مسائل فلسفية متخصصة. ~~ولقد كان مستوى أعماله في علم النفس، التي يشيع الاعتراف ~~اليوم بأنها كانت أعمالا رائدة ذات أهمية عظمى في التطور ~~التالي لهذا العلم، أرفع كثيرا من مستوى أعماله في ~~الفلسفة؛ لذلك فمن واجبنا أن نكرس للأولى حيزا بسيطا، ~~وذلك على الأقل لما لها من أهمية فلسفية ولتأثيرها الكبير ~~في فلسفته الخاصة. هذه الأعمال متضمنة في مقاله المشهور ~~في «دائرة المعارف البريطانية» سنة 1886، وهو المقال الذي ~~عدل مرتين فيما بعد، ثم اتخذ صورته النهائية في ~~كتابه «مبادئ علم النفس» (1918) الذي أصبح في أهميته ~~كتابا كلاسيكيا. # ولقد كان علم النفس عنده - كما أشار هو ذاته - يدين ~~بأكبر الفضل للألمان: هربارت ولوتسه وفنت وبرنتانو. وعلى ~~الرغم من أن جذوره كانت متغلغلة في التراث القومي في نواح ~~كثيرة، فإنه قد بدأ السير في طريق جديد إذ انصرف عن ~~النزعة العقلية ~~( # intellectualism ~~) في ~~المدرسة الإنجليزية، وارتفع عن مستوى المذهب الترابطي ~~القديم، وعلم نفس الملكات، فقد أكد وورد - متفقا في ذلك ~~مع لوك وخلفائه - أن علم النفس هو علم التجربة «الفردية»، ~~على أساس أن لكل حادث ذهني مقره في الحياة الفردية، كما ~~أكد أن التجربة التي يتعين على علماء النفس دراستها ليست ~~تجربة المعرفة أو التلقي ~~( # reception ~~) فحسب، ~~وإنما هي تتحدد أساسا باهتمامات عملية تمارس عملها من ~~خلال الشعور والإرادة، والمهمة الوحيدة للتجارب البشرية هي ~~أن تخضع للإرادة وتخدم سلوكنا، والاعتراف بذلك هو مفتاح ~~فهم علم النفس. غير أن التجربة، وإن تكن في أساسها نزوعية ~~أكثر منها معرفية، لا يمكن أن تكون ذاتية تماما، فهي منذ ~~البداية تنطوي على عاملين: ذات حقيقية فعالة، ومقابل ~~لها هو عالم حقيقي، بحيث يرتبط الاثنان ارتباطا ~~متبادلا بوصفهما جزأين متشابكين متعاونين في كل ~~واحد، وبحيث لا يتميزان إلا بالفكر، لا في الواقع. # أما ms384 الوعي - الذي أطلق وورد على مكوناته وصفا عاما هو ~~«الماثلات # presentations ~~» فليس كثرة لا رابط بينها، بل ~~إن له وحدة، ووحدته تتخذ صورة مجرى متصل موضوعي، أي كل ~~موضوعي. ويتميز مجرى التجربة بالتنوع المتزايد لهذا المجرى ~~المتصل عن طريق تغيرات في الماثلات المكونة له، «فلدينا ~~في أية لحظة معينة كل معين من التمثلات ومجال ~~للوعي.» هو واحد ومتصل نفسيا، وفي اللحظة التالية لا ~~يكون لدينا مجال جديد تماما، وإنما تغير جزئي في داخل ~~المجال القديم، # 101 # فكل تجربة جديدة ليست عنصرا زائدا مضافا، ~~وإنما هي تعديل لكل موجود من قبل، تدخل عليه بعض ~~التعقيد الجديد، أي إنه ليس ثمة ماثلات منفصلة. لذلك فإن ~~الوعي ليس مجموعة من الوحدات المتميزة المستقلة، وإنما هو ~~عملية متصلة يطرأ فيها تنوع مستمر على مجال المثول أو ~~الحضور. وعلى هذا النحو تجاوز وورد الرأي الميكانيكي ~~للتجريبيين، وهو الرأي الذي لا يكون على عالم النفس فيه ~~إلا أن يحلل (كالمشرح أو الكيميائي)، محتوى التجربة إلى ~~عناصره، ثم يختبر كلا منها على حدة. أما تلك التمييزات ~~التي تصف فيها العملية بأنها تنوع واستيعاب واختزان فهي في ~~رأي وورد تعبر عن طابع «المرونة» الذي يتصف به الاتصال ~~المثولي. # كل هذا ينطوي على هدم لأسس النظريتين اللتين كانتا ~~شائعتين عندئذ، أعني النظرية الترابطية ونظرية الملكات ~~الذهنية، فالترابط ليس عملية سلبية شبه آلية تتداعى فيها ~~محتويات الوعي وتدخل في علاقات جديدة بعضها مع البعض ~~بطريقة آلية، وإنما تتحكم فيه من البداية إلى النهاية ~~ذات غرضية تنتقي وتختار هذه التجربة أو تلك نظرا إلى ~~ملاءمتها لغاياتها الخاصة. وقد أدى اهتمام وورد هذا ~~بالانتقاء الغرضي إلى قوله بأن الانتباه هو الوظيفة ~~الرئيسية للوعي، واتخاذه منه فكرة رئيسية في علم النفس. ~~ولقد ذهب وورد إلى حد بحث كل نشاط ذهني على حدة، ناظرا ~~إليه من خلال فكرة الانتباه، ووسع نطاق هذا اللفظ بحيث ~~يشمل كل ما كان يندرج قبل ذلك تحت مفهوم الوعي. فالوعي هو ~~دائما مقدار أعظم أو أقل من الانتباه إلى ms385 ما هو جديد في ~~الاتصال المثولي. وهو كما لاحظنا من قبل، ليس ذا طابع ~~معرفي بحت فحسب، وإنما هو إدراك وانتقاء مقصود للمعطيات ~~اللازمة للنشاط الغرضي للذات. وهكذا يحل الانتباه محل ~~الملكات القديمة، التي كانت متميزة ومنعزلة في معظم ~~الأحيان، ويغدو هو الوظيفة الأساسية الواحدة التي تتحكم ~~فيها، أما التمييز في داخل الانتباه فإنه تمييز في الدرجة، ~~وكل أوجه نشاطه إنما تهدف إلى خدمة اهتمامات. فإذا ما ~~عبرنا عن التصور النفساني الناتج عن هذا كله بصورة ~~عامة، كان تصورا لذات إيجابية منتبهة، بوصفها الرابطة ~~الضرورية التي تجمع بين مختلف أنواع التمثل. # لقد توسع وورد فيما بعد في نظرته هذه، إذ ربطها ~~بميتافيزيقاه وعرف التجربة، التي سبق أن وصفها من خلال ~~فكرة الاهتمام الانتقائي قبل كل شيء، بأنها عملية حفظ ~~للذات، وبذلك تكون ممتدة بقدر امتداد الحياة ذاتها. ~~فالنشاط المعرفي متشابك تشابكا تاما مع جميع ظروف حياة ~~الذات العارفة، ولا يمكن فهمه إلا في علاقاته بها، أما ~~تصور الذات على أنها نظرية خالصة، فما هو إلا تجريد محض. ~~ولقد قبل وورد رأي كانت في الوحدة التركيبية للإدراك ~~الذاتي، غير أنه رأى أن المركب لا يكون ممكنا دون اهتمام ~~عملي ما بالأشياء، ودون دافع إلى الفعل، فالتجربة وحدة ~~حية عينية تؤدي عملها بوصفها كلا، والجانب الأهم من ~~جوانبها التي يمكن التمييز بينها هو الجانب العملي لا ~~النظري، ونتيجة لهذا الرأي الأساسي، يمكن إدراج وورد ضمن ~~الممهدين الأوائل ل «فلسفة الحياة # Lebensphilosophie ~~» ~~التي أصبحت شائعة فيما بعد. كما أنه مهد الطريق - بوجه ~~خاص - للحركة البرجماتية، وكان له تأثير باق على بعض ~~قادة هذه الحركة، مثل جيمس وشيلر، وهو تأثير لا يقلل من ~~حقيقة كونه غير واضح في كل الأحوال؛ ذلك لأنه، عندما جاء ~~الوقت الذي ظهرت فيه البرجماتية، قرب نهاية القرن الماضي، ~~كانت أفكار وورد قد أصبحت مشاعا بين الجميع، كذلك استبق ~~وورد برجسون في نظريته في الزمان. # فقد ميز الزمان المجرد في الفيزياء، وهو زمان لا شدة ولا ~~كثافة له، من الزمان ms386 كما نجربه، وأطلق على هذا الأخير - ~~نظرا إلى كونه كمية كثافية - اسم «المدة». وعلى الرغم من ~~أن وورد قد عرض هذه النظرية في مقاله الذي صدر عام 1886، ~~وأن برجسون لم ينشر نظريته إلا في 1889 (في كتابه ~~«المعطيات المباشرة للوعي # Les donnéos immédiate ~~de La conscience ~~») فالأرجح أن ~~الاثنين كانا مستقلين. # ولقد أحدثت أفكار وورد الجديدة انقلابا في مجال علم ~~النفس كان له تأثيره الهائل، فلم يعد من الممكن - منذ ذلك ~~الحين - السير في طريق التجريبية المألوف، الذي كان ~~«بين # Bain ~~» آخر ممثل ~~هام له، وأصبح لزاما على عالم النفس، إذا ما شاء ألا ~~تتهم آراؤه بأنها بالية عتيقة، أن يتبع طريق وورد. وما ~~زال علم النفس الإنجليزي حتى اليوم ملتزما، في جميع ~~النقاط الأساسية، ذلك الطريق الذي حدد وورد معالمه، وأشهر ~~تلاميذه هو ستوت # G. F. Stout ~~، وفي أمريكا ظهرت في الوقت ذاته ~~حركة تسير في نفس الاتجاه، كان الفضل فيها يرجع إلى علم ~~النفس الإرادي # voluntaristic # عند وليم جيمس، وينبغي أن يضاف ~~إلى ذلك أن الانقلاب الذي أحدثه وورد لم يتخذ صورة انشقاق ~~حاسم عن المناهج التقليدية في البحث النفسي، وإنما اتخذ ~~صورة تصحيح هادئ لوجهة النظر العامة التي كان من الشائع ~~النظر بها إلى ظواهر الحياة الذهنية وتركيبها، فمناهجه ~~كانت قريبة الشبه من مناهج لوك وهيوم إلى حد بعيد، أي ~~إنها كانت استبطانية. وهو لم يترك في كتاباته مكانا لعلم ~~النفس التجريبي أو الفسيولوجي أو المرضي، ولم يلجأ إلى ~~المنهج المقارن إلا لماما وبحذر، وذلك بوصفه وسيلة لتوضيح ~~النتائج لا لكشفها، فهو - مثل برنتانو # 102 ~~- قد بدأ بالإدراك الباطن، ووصف المعطيات ~~المباشرة للوعي الفردي. # ولقد استمد مذهب وورد في الفلسفة من مصادر متعددة؛ ~~من ليبنتس وباركلي وكانت ولوتسه (الذي تأثر به تأثرا ~~قويا خلال السنوات التي قضاها طالبا في جوتنجن)، وكل ~~الاتجاهات الفلسفية المعاصرة في وطنه. # وقد تناول في أول كتاب ميتافيزيقي رئيسي له: عالم ~~الطبيعة، والمذهب الطبيعي واللاأدرية اللذين نشآ عن تأمل ~~هذا العالم. وكان موضوع ms387 كتابه الثاني هو عالم الغايات، ~~ومذهب الكثرة ومذهب الألوهية اللذان نشآ عن تأمل عالم ~~الغايات هذا. ومن الواضح أن هذا التقابل مستمد من ~~الثنائية المماثلة التي وضعها كانت، وأن تفكير وورد هو في ~~عمومه أقرب إلى كانت بكثير منه إلى هيجل. # وهكذا كان وورد يسعى، في المحل الأول، إلى الوصول إلى ~~فهم فلسفي للعالم الذي يتمثل لنا في العلوم الطبيعية، ~~فكانت النتيجة اختبارا من أعمق وأشمل الاختبارات التي ~~تعرض لها المذهب الطبيعي واللاأدرية في ذلك الوقت. ولقد ~~تتبع وورد هذين المذهبين في جميع اتجاهاتهما وتفرعاتهما ~~الممكنة والفعلية، وتعقبهما في أشد مخابئهما خفاء، وكشف ~~عن المصدر المشترك للمذهب الآلي، والمذهب التطوري، ومذهب ~~الموازاة بين المجال النفسي والمجال المادي، وأوضح أن مثل ~~هذه النظريات ليست كافية بالنسبة إلى أية فلسفة تتجاوز ~~جميع الأوجه الجزئية للكل. وهكذا صاح في خصومه قائلا: «إن ~~في السماء والأرض لأكثر مما حلمت به الفلسفة الطبيعية.» # 103 # وهذه الصيحة تمثل، بمعنى ما، النتيجة ~~النهائية لنقده الذي كان شديد العمق والتأثير. # أما الرأي الآلي في العالم الذي يكون في رأي وورد أساس ~~كل بحث علمي، فهو تجريد واحد ضخم، وهو نتيجة لنظرة ~~متحيزة أساسا إلى جانب واحد، تنتقي من الواقع وجها ~~جزئيا، وتنظمه وتتعقبه حتى آخر نتائجه. وهذا التركيز ~~الضيق هو سبب روعة هذه النظرية ونجاحها، وهو أيضا سبب ~~زيفها الكامل من حيث هي نظرة إلى العالم فهي تعبر عن كل ~~شيء من خلال الكم المقاس، وتعرض برموز رياضية. غير أن كل ~~ما هو فرد عيني، وكل ما يضفي على الحياة مضمونا ونبضا ~~ولونا، ينزلق من خلال المسام الواسعة لشبكة التصورات ~~المجردة هذه، فمن المحال أن تكون هذه «الحركة التي لا لون ~~لها الذرات»، وهذا «النسيج الطيفي للتجريدات غير ~~الملموسة»، وهذه «الرقصة التي ليست من هذا العالم، والتي ~~تؤديها مقولات لا حياة فيها.» # 104 # من المحال أن تكون هذه هي الواقع، وحتى لو ~~كانت تنطوي على إشارة خافتة إلى العالم العيني الذي ~~جردت منه، فلا يمكنها - عن طريق مضمونها ms388 وتركيبها ~~الخاص - أن تجيب عن السؤال عن ماهية الطبيعة الحقيقية ~~للعالم العيني، ففي ذلك الإطار التخطيطي الذي لا يتناول ~~سوى نقاط متجانسة للقوة لا ترتبط فيما بينها إلا آليا، ~~يكون من العبث أن يبحث المرء عن دلالة وقيم وغايات، ومن ~~المستحيل أن يجدها. # ومن الواضح أن وورد - في نقده القاسي هذا للمذهب الآلي - ~~قد أخفق في الاحتفاظ بتمييز العلم الطبيعي بما هو كذلك، ~~والنظرة الطبيعية إلى العالم، التي تقوم عليه عادة ، وبذلك ~~«أفرغ الطفل مع تفريغه مياه الحمام.» بل وحمل على التفكير ~~العملي بمعناه الدقيق على أساس أنه أدى بالفعل، في كثير من ~~الأحيان، إلى نتائج فلسفية مشكوك في صحتها إلى حد ~~بعيد، وهذا يبدو غريبا، إذا أدركنا أن وورد نفسه قد بدأ ~~حياته الأكاديمية عالما، واستخدم مناهج العلم بنجاح ~~كبير. غير أن لهذه الغرابة دلالتها الخاصة، فقد تعين عليه ~~أن يتخذ موقفا نقديا شديدا من وجهة النظر والمناهج ~~المميزة للعلم الطبيعي، حتى يتمكن من أن يدخل في مجال ~~الاهتمام الفلسفي ميدانا آخر للمعرفة كانت الفلسفة ~~الإنجليزية حتى ذلك الحين تتجاهله تجاهلا غاشما، وأعني ~~به التاريخ. ففي العلوم التاريخية، على عكس العلوم ~~الطبيعية، نصادف كائنات فردية عينية، ينطبق عليها ما ~~نعنيه بالحقائق، من حيث إنها تضع لنفسها غايات، وتحقق ~~قيما وتكون جزءا لا يتجزأ من عينية الحياة وواقعيتها، ~~ولقد كان وورد - مثل سورلي - مدينا بهذا الرأي للأبحاث ~~التي قام بها هينريش ريكرت في مناهج المعرفة، وهي الأبحاث ~~التي لا يبدو أن أي فيلسوف إنجليزي آخر قد أبدى بها أي ~~اهتمام. # فلدينا إذن، داخل الوجود من حيث هو كل، تقابل حاد بين ~~عالمين، فهناك من جهة الطبيعة، وعالم الحوادث الآلية، ~~الذي يسوده الاطراد والضرورة التجريبية، وهو عالم من ~~العموميات والتجريدات، ليس فيه مكان للأفراد العينيين أو ~~للتلقائية والابتكار والقيم والغايات، ولدينا من جهة أخرى ~~عالم القيم والغايات، عالم التاريخ، والعيني والفردي، الذي ~~لا يكون الفعل الأخلاقي ممكنا إلا فيه، والذي تحل فيه ~~الغرضية والحرية البشرية محل قيود العلية الآلية. غير ~~أن ms389 هذا التمييز القاطع ينبغي ألا يؤخذ على أنه يعني ~~انفصالهما التام؛ إذ يتضح من وجهة نظر أعلى أنهما منظوران ~~جزئيان إلى عالم واحد، وينبغي بالتالي أن يجمعهما الفكر ~~في وحدة، ومهمة الفلسفة هي كشف هذه الوحدة، وكذلك تحديد أي ~~وجهيها هو الأعمق والأشمل. # وكما هو المتوقع، ~~فإن وورد قد جعل العالم الطبيعي مشتقا من العالم الروحي. ~~ومن الأدلة على ذلك أن الطبيعة، عندما نواجهها بجهاز العلم ~~العقلي، تجيب عن الأسئلة التي نوجهها إليها، وفي ذلك تحقيق ~~لصحة الوسائل التي اصطنعها الإنسان للسيطرة عليها. وإذن ~~فهلا يكون لنا الحق أن نستدل من ذكاء الروح الباحثة على ~~ذكاء الطبيعة، أو على الأقل: على وجود مبدأ ذكي كامن ~~فيها؟ وفضلا عن ذلك، فإن آخر أبحاث العلم قد أثبتت أن ~~الحياة العضوية تمتد في العالم غير العضوي المزعوم أبعد ~~مما اعتقدنا حتى الآن، وليس هناك ما يمنع من أن نكتشف ~~للحياة حدودا أدنى من ذلك. مثل هذه الاعتبارات أدت بوورد ~~في النهاية إلى افتراض أن الطبيعة حية وفردانية في جميع ~~أرجائها. ويسمى وورد مذهب شمول النفس هذا باسم ~~«الواحدية الروحية # spiritualistic ~~Monism ~~»، لكي يوضح بذلك ~~تضادها المباشر مع الواحدية المادية عند اللاأدريين ~~والتطوريين وغيرهم من أصحاب المذهب الطبيعي، فالطبيعة ~~غائية في جميع أرجائها، وهي عالم من الغايات والطبيعة المطبوعة # nature naturals # هي في واقع الأمر الطبيعة الطابعة # nature naturals ~~. # غير أن الواحدية ~~الروحية ليست إلا موقفا عاما، وهي لا توضح شيئا عن ~~الطريقة التي تصنع بها الأشياء على وجه التخصيص، أو عن ~~مصدر هذه الأشياء وغايتها، أو عن قيمتها والغايات التي ~~تستهدفها، وما إلى ذلك. وعلينا لكي نجيب عن هذه الأسئلة، ~~أن نبدأ من جديد، ونسير، ونحن نفعل ذلك بطريقة ~~«تجريبية من الأساس # radically ~~empirical ~~» (وقد استخدم وورد - ~~مثل وليم جيمس - نفس هذا التعبير)، فإذا ما نظرنا إلى ~~الواقع من وجهة النظر الجديدة هذه، ظهر لنا مباشرة في ~~كثرة من المراكز المجربة التي تتصل فيما بينها اتصالا ~~متبادلا، ويطلق وورد على هذه الوحدات اسم ms390 الذرات ~~الروحية # monads ~~، أو ~~الكمالات # entelechies ~~، # 105 # كما يطلق على أدنى ما يمكننا تصوره منها اسم ~~الذرات الروحية أو البحتة، وأحيانا يسميها ب «أشباه النفوس # psyeehoids ~~». # وتنشأ هذه الأخيرة من أصل مشترك بين جميع الذرات ~~الروحية (ربما كان اتصالا لا تنوع فيه) يكون البيئة ~~التي تعيش فيها هذه الذرات، إن جاز هذا التعبير. ومن ~~الواجب النظر إلى جميع الذرات الروحية على أنها أفراد؛ إذ ~~ليس فيها واحدة تشبه الأخرى، ومع ذلك فهي لا تكون منعزلة ~~أبدا، وإنما تمارس دائما - بعضها على البعض - أفعالا ~~وردود أفعال، وتشكل نفسها في صورة جماعات اجتماعية، ولا ~~سيما في المستويات العليا للذات الروحية، ومن الواجب النظر ~~إليها أيضا على أنها تسعى أساسا نحو غايات، بحيث إن ~~غايتها العليا أو قانونها الأعلى هو حفظ الذات. # ولسنا بحاجة إلى تتبع مذهب الذرات الروحية هذا أبعد من ~~ذلك؛ ما دام يتفق مع مذهب ليبنتس في جميع النواحي الهامة ~~فيما عدا أنه يجعل للذرات الروحية نوافذ ويترك جانبا ~~فكرة ~~الانسجام المقدر # pre established harmony ~~، وكثيرا ما وصف وورد ~~مذهبه هذا بأنه مذهب ~~كثرة # pluralism ~~، وهو بالفعل يلتقي مع فلسفة الكثرة ~~عند جيمس في نقاط تزيد على نقاط التقائه مع أي مذهب حديث. ~~ويكون هذا المذهب ما يمكن تسميته بالطابق الأسفل في ~~بنائه الميتافيزيقي، فليس في وسعنا أن نبقى هنا مع هذه ~~الكثرة، فالكثرة - بقدر ما يمكن المضي فيها - هي موقف ~~متسق تماما مع ذاته، كفيل بإرضاء حاجاتنا العقلية وقتا ~~ما، غير أنه موقف ناقص، يحيلنا إلى موقف أعلى يتجاوزه، ~~سواء في حدوده الدنيا أو في حدوده العليا، فلا يمكن أن ~~توجد كثرة من الموجودات المتناهية ما لم توجد وحدة تكمن من ~~ورائها وتشتمل عليها. صحيح أننا لا نستطيع التحقق من هذه ~~الوحدة علميا، فهي تسير بنا إلى ما بعد عالم الوقائع، ~~ولهذا السبب ينكر التجريبي الأصيل حقيقتها، غير أن هذا لا ~~يدل إلا على أنه لم يرتفع بعد إلى مستوى وجهة النظر ~~الفلسفية الحقة، فليس للفلسفة بمعناها الصحيح تعامل ms391 مباشر ~~مع الوقائع، وحسبها أن تتجنب مناقضة التجربة. صحيح أن الكل ~~الذي تحاول الفلسفة فهمه يشمل الوقائع، غير أن أية نظرية ~~تكتشف وحدة الكثرة بأكملها، وتكشف عن معناها العام، لها ما ~~يبررها فلسفيا، حتى لو لم يمكن تحقيقها ~~تجريبيا. # والموقف المكمل لمذهب الكثرة هو مذهب الألوهية، وقد ~~بلغ وورد هذه النقطة المتوجة لمذهبه بقفزة تأملية ~~جريئة من الذرات الروحية المتناهية الكثيرة نسبيا، إلى ~~وحدة لا متناهية مطلقة، فوجود الكثرة يرتكز على الألوهية ~~ويستهدفها، أي إن الله مصدر الكثرة وتتويج له. # وهنا يكون موضع ~~معالجة وحل المسائل الميتافيزيقية النهائية كفكرة التطور ~~ومشكلة الحرية والخلود وطبيعة الله، وأهم من هذا كله: ~~مشكلة علاقة الموجودات المتناهية بالمطلق. ولسنا نستطيع أن ~~نقدم إلا لمحات عامة من أبحاث وورد المفصلة في هذه ~~المسائل، فالله روح لها عقل وإرادة، ومن ثم فهو شخصي، وهو ~~خالق العالم وحافظه ومدبره. غير أنه في خلقه للعالم قد فرض ~~حدا على ذاته، ولكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أنه جعل ~~لنفسه ماهية متناهية، فهو - بوصفه خالقا - يعلو على ~~العالم، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده أصحاب مذهب الألوهية ~~الطبيعية ( # deists ~~) والقائل ~~إنه يظل خارجا عن العالم، فلا يمكن فهم الخلق إلا على أنه ~~الحضور الدائم للمبدأ الخلاق في الخلق، بحيث يكون الله في ~~نفس الوقت باطنا، يحرك العالم من داخله. ولم يستطع وورد ~~أن يجد بين العلو والكمون رابطة تصورية، غير أنه تمسك ~~بالفكرتين معا؛ لأن عمق شعوره الديني حال بينه وبين ~~القول بمذهب «شمول ~~الألوهية # pantheism ~~» في صورته الخالصة من جهة، كما ~~حال بينه، من جهة أخرى، وبين القول بمذهب الألوهية ~~الطبيعية # deism ~~، وهو ~~المذهب الذي يرى أن الله ينسحب من العالم عندما يخلقه، ~~ويأخذ ما يمكن تسميته «بإجازة» بعد ما بذله من مجهود. ولقد ~~أدى به موقف التوسط هذا إلى أن ينسب القدرة الخالقة إلى ~~الإنسان بدوره، فالله حين جعل الناس أحرارا، قد خصهم ~~بأن يكونوا شركاءه في العمل على تحقيق غاياته. ولما كان ~~الإنسان شريكا لله في هذه ms392 المهمة على قدم المساواة، فإنه ~~يضطلع بمسئولة كاملة عن أعماله، وهو في الوقت ذاته قادر ~~على ارتكاب الشر، فالشر الأخلاقي هو العقدة الكبرى في أي ~~مذهب ألوهي. ولكن لما كان الله كامنا في العالم، فلا بد ~~أن تكون للخير الغلبة آخر الأمر على الشر، فالشر هو تعكير ~~صفو النظام الأخلاقي، وهو ليس مبدأ إيجابيا، له طبيعته ~~وحقيقته الخاصة به، إلى جانب الخير، بل إنه نسبي بالقياس ~~إلى الخير فحسب، ومن هنا فإنه سينهزم بالتدريج أمام الخير ~~ويتلاشى فيه. «ففي الأشياء الشريرة نوع من الروح الخيرة.» # 106 # وهكذا فإن الكون ~~عند وورد يختلف عنه عند برادلي وبوزانكيت في أنه ليس كونا ~~سكونيا، وإنما هو يصعد من مرحلة إلى أخرى حتى أعلى ذرة ~~روحية وهي الله. ولقد اجتذبته - مثل معظم معاصريه - فكرة ~~التطور، وأدمجها في مذهبه إدماجا وثيقا. غير أن المعنى ~~الذي تكتسبه هذه الفكرة في مذهب ألوهي يختلف تماما عن ~~معناها في مذهب طبيعي أو مذهب للكثرة؛ إذ لا يعود معناها ~~هو التكشف التدريجي لما كان موجودا منذ البداية، وإنما هي ~~تعني النشوء الجديد، والتركيب الخلاق، والظهور المستمر ~~لإمكانيات جديدة، وهي تدل على وجود انسجام عند نقطة ~~البداية فضلا عن نقطة الهدف، وليس فقط عند نهاية عملية ~~تسير قدما، وقد لا تكون لها نهاية على الإطلاق. # فإذا ما عدنا بنظرتنا إلى مذهب وورد في مجموعه أمكنا أن ~~نرى المثالية فيه وقد اتخذت صورة جديدة، استوعبت فيها - ~~على نحو يفوق بكثير ما سبق أن عرضناه من المذاهب - كثرة ~~زاخرة متنوعة من الأفكار، بعضها لا تربطه صلة وثيقة ~~بوجهة النظر المثالية. صحيح أنه ظل يحتفظ بالنزوع إلى ~~التأمل فيما وراء حدود التجربة، ويسعى إلى بلوغ وحدة ~~نهائية، غير أننا لا نشعر لديه بأن المركب منبثق عن اتساق ~~فكري أصيل، فالعناصر أكثر عددا وأشد تنوعا من أن ~~تكون وحدة حقيقية، وكثيرا ما تظل منضمة بعضها إلى بعض ~~على نحو خارجي فحسب. غير أن هذا ليس إلا دليلا آخر على ~~قوة الدافع التأملي الذي أحدثه ms393 ميتافيزيقي لدى شخص كانت ~~مواهبه أقرب إلى مجال متابعة الأبحاث العلمية واختبار ~~المشكلات الفلسفية في طابعها الجزئي. # أفضل ما يوصف به وب هو أنه ممثل فلسفة الدين داخل المذهب ~~المثالي المطلق، فهو ينتمي، بحكم ارتباطه الطويل بجامعة ~~أكسفورد خلال سنوات دراسته وتدريسه، إلى تراث أكسفورد الذي ~~يرجع إلى جرين. وقد أبدى، منذ كان طالبا، ميلا إلى ~~المشكلات الأخلاقية والدينية، كما أنه اعترف بالتأثير ~~القوي الذي أحدثه فيه كتاب جرين «المقدمة Prolegomena ~~»، والتأثير ~~الطاغي لكتاب كانت «أساس ميتافيزيقا الأخلاق». ولقد كان ~~تفكيره، على وجه العموم، أقرب إلى كانت وفشته منه إلى ~~هيجل، وهو يذكر باحترام بالغ، ضمن أساتذته في أكسفورد، ~~اسم ج. كوك ولسون، وإن يكن من المستبعد جدا أن يكون مثل ~~هذا المصدر الواقعي قد أحدث فيه أي تأثير ملموس. وهو يدين ~~بأكثر من ذلك بكثير لصداقته الشخصية مع الفيلسوف ~~الكاثوليكي «فريدرش فون هوجل»، كما تأثر فيما بعد بكتاب ~~رودلف ~~أوتو # Rudolf Otto ~~«المقدس # Das Heilige ~~» # 108 # وهو الكتاب الذي أثار اهتماما كبيرا في ~~الأوساط اللاهوتية الإنجليزية. # وهكذا فإن وب قد تناول مشكلة المثالية المطلقة من جانب ~~الدين أساسا، وكان هدفه الخاص هو تعديل ميتافيزيقا برادلي ~~وبوزانكيت من وجهة نظر التجربة الدينية واللاهوت المسيحي. # 109 # فقد أدت بهذين المفكرين الأخيرين تأملاتهما ~~النظرية البحتة، التي كانت غير مكترثة بالدين، إلى وصف ~~للعلاقة بين المطلق والله لم يكن بالطبع مما يقبله مفكر ~~يتخذ من الدين موقفا إيجابيا وثيقا؛ فالمطلق في نظره ~~ليس موضعا للتأمل الميتافيزيقي فحسب، بل هو أيضا موضوع ~~للتقديس الديني. وهو يذهب إلى أن فصل برادلي وبوزانكيت بين ~~المطلق والله، إذا ما مضينا فيه إلى أبعد نتائجه المنطقية، ~~يؤدي إلى سلب الدين على إطلاقه أي معنى له، ولا بد من ~~أجل التجربة الدينية من أن يكون كلاهما في هوية مع ~~الآخر. # وهناك مشكلة ثانية كرس لها وب اهتماما كبيرا، هي ~~مشكلة شخصية الله وعلاقتها بشخصية الإنسان المتناهية، وهو ~~هنا يبين أيضا أن الوعي الديني هو وحده الذي يكشف الطابع ~~الشخصي ms394 النهائي للحقيقة؛ إذ إن الإنسان في علاقة شخصية مع ~~المطلق إلا في التجربة الدينية؛ لذلك ينبغي أن تنسب ~~الشخصية إلى الله، ولكن بمعنى يختلف إلى حد ما عن معنى ~~شخصية الإنسان؛ إذ إن علاقة الإنسان بالإنسان في التجربة ~~الاجتماعية هي علاقة استبعاد متبادل، بينما علاقة الإنسان ~~بالله في التجربة الدينية هي علاقة تضمن متبادل. فلزام ~~علينا - من وجهة النظر الدينية - أن نقول إننا نستقر في ~~الله وإن الله يستقر فينا، وإن الله كامن - على نحو لا ~~نعرفه - في المؤمن، ولكن دون أي تهديد للشخصية المستقلة ~~للكائن المتناهي؛ ذلك لأن وب يدافع عن استقلال الشخصية ~~الإنسانية ضد إنكار حقيقتها وقيمتها في المذهب الطبيعي ~~والمذهب المطلق. ومن هنا فإنه لا ينظر إلى التجربة الدينية ~~على أنها صوفية، وعلى أنها هي فناء النفس المتناهية في ~~اللامتناهي، بل على أنها علاقة يظل الاثنان فيها متميزين، ~~ويستتبع ذلك أن يكون الله، مع كل كمونه في العالم، عاليا ~~عليه في الوقت ذاته. وهو يحاول أن يربط ويوفق بين الرأيين ~~المتضادين في كمون الله وعلوه، عن طريق إدخال فكرة ~~لاهوتية هي فكرة الوسيط والثالوث. وبذلك استخدم هاتين ~~الفكرتين استخداما فلسفيا، وربما كانت هذه المتقابلات ~~المتنافرة وأمثالها في مذهب وب راجعة إلى افتقار باطن إلى ~~التناظر أو الاتفاق بين المذهب المطلق والنتائج ~~الميتافيزيقية التي يستتبعها الدين المسيحي. # ولقد أبدى وب اهتماما خاصا بمشكلة معرفتنا للذوات ~~الأخرى ولعالم الأشياء الخارجية، وهو يرفض الحجة القائمة على ~~التمثيل # argument from analogy ~~، # 110 # فلدينا بالذوات الأخرى إدراك مباشر تماما، ~~مثل إدراكنا لله، فلا يمكن أن تكون معرفتنا بالذوات الأخرى ~~مستمدة من ذواتنا، أو من الأشياء الخارجية، أو من العلاقة ~~بين الاثنين، وإنما هي كامنة، على نحو ما، من وراء كل هذه ~~الأنواع من التجربة، فالذات الأخرى لا يمكن أن تكون ~~بالنسبة إلينا مجرد موضوع ضمن الموضوعات الأخرى، وإنما هي ~~تدرك دائما بوصفها شخصا واعيا بذاته، نستطيع أن ندخل ~~معه، لأن لنا شخصية، في علاقات شخصية مباشرة. # وهكذا فإن الشخصية هي الفكرة الرئيسية ms395 المسيطرة على ~~تفكير وب، ولا سيما بالصورة المنهجية التي أعطاها لتفكيره ~~هذا في كتابه الرئيسي، وهو مجموعتا محاضرات «جيفورد» ~~اللتان نشرتا بعنوان «الله والشخصية»، و«الشخصية ~~الإلهية والحياة البشرية». وهو في ثاني هاتين المجموعتين ~~يناقش التعبير عن الشخصية البشرية في مختلف مجالات نشاطها، ~~مبينا نواحي التميز والاختلاف في المجال الاقتصادي ~~والعلمي والفني والأخلاقي والسياسي والديني. وهو يتخذ على ~~وجه العموم موقفا وسطا بين راشدال، الداعية المتعصب إلى ~~الشخصية الفردية من جهة، وبين برادلي وبوزانكيت، اللذين ~~أذابا الشخصية وأفنياها في ظلام المطلق، من جهة أخرى. ~~ولكنه لا يرتفع إلى مستوى الأصالة العظيمة في التفكير، ~~التي تثير فينا الإعجاب ببرادلي، وكذلك ببوزانكيت ولكن ~~بدرجة أقل؛ ففلسفته لم تظهر بفضل قوة باطنة تدفعه إلى وضع ~~مذهب، بقدر ما ظهرت عن طريق عرض آراء المفكرين الآخرين ~~ونقدها. وربما اتضح آخر الأمر أن أكبر خدمة أداها هي أنه ~~خفف من حدة مبالغات خطيرة معينة في المذهب المطلق الذي ~~كان بطبيعته ميالا إليه. # تلقى تيلور تعليمه الفلسفي في الوقت الذي كانت فيه ~~أكسفورد في قبضة الحركة الهيجلية، وكان أقوى الشخصيات ~~تأثيرا فيه هو برادلي؛ فقد كان، بحكم عمله زميلا في نفس ~~الكلية التي كان يعمل بها برادلي، واحدا من الأشخاص ~~القليلين جدا الذين أسعدهم الحظ بالاتصال شخصيا بذلك ~~الناسك في محرابه، وتمكن بفضل اتصالات يومية تقريبا، من ~~مشاركة برادلي آراءه في الوقت الذي كان فيه برادلي يناضل ~~في سبيل صياغة ميتافيزيقاه. وهكذا انطبع تأثير آراء المفكر ~~الأكبر سنا بعمق على مؤلفاته الأولى، ولقد اعترف هو ~~ذاته، بعد ذلك بوقت طويل، عندما كان قد ابتعد كثيرا عن ~~موقفه الأول؛ اعترف بامتنان بأن تأثير برادلي «الذي مارسه ~~على أنحاء شتى، ينبغي أن يعد أقوى وأنفع تأثير تعرض له ~~تفكيري الخاص.» # 112 # وعلى الرغم من ذلك فمن المستحيل القول بأنه كان يتبع ~~بإخلاص تعاليم برادلي أو أي معلم آخر في الفترة المتأخرة، ~~فتيلور لم يكن فقط مفكرا مستقلا، وربما هوائيا إلى ~~حد ما، بل إن ذهنه مرن لا يستقر على ms396 حال. ولقد أدت سعة ~~اطلاعه إلى جعله يقيض بالعلم في أشد الميادين تباينا، ~~وكانت له قدرة مدهشة على استيعاب مجالات غريبة للمعرفة ~~والأفكار. وتشهد المجموعة الكبيرة من مؤلفاته في تاريخ ~~الفلسفة بالاتساع الهائل في نطاق معرفته التاريخية، ~~واستعداده العلمي العظيم. ولقد كان واحدا من أبرز الثقات ~~في فلسفة القدماء، ولا سيما سقراط وأفلاطون (فلكتابه الضخم ~~عن أفلاطون، وشرحه الذي يقع في سبعمائة صفحة لمحاورة ~~«طيماوس»، مكانة فريدة وسط ذلك السيل المتدفق من المؤلفات ~~التي تتناول أفلاطون، وذلك بفضل ما اشتملا عليه من ~~معلومات زاخرة، ودقة في التفسير، وعمق في الفهم الفلسفي). ~~وكان يتمتع بنفس القدر تقريبا من سعة الاطلاع في التفكير ~~الدنيوي والديني في العصور الوسطى، وفي الكتابات الحديثة ~~والمعاصرة في الأدب واللاهوت معا. # ولكن الذي يهمنا، ~~في هذا المقام، هو تيلور الفيلسوف، لا المؤرخ والشارح ~~والمترجم، ولقد كان السبب الوحيد لإشارتنا إلى هذه الناحية ~~في عمله هو أنها قد أثرت في تفكيره الفلسفي على أنحاء ~~شتى، فكل ما قدمه إلينا من أفكار خاصة به، يحمل دائما ~~آثار علمه المتشعب الأطراف، فمن الواضح في كل نقطة أن هذا ~~المفكر قد طرق أبوابا متعددة واستكشف ديارا كثيرة، ~~وانتفع من المعلومات الوفيرة التي توصل إليها على نحو ~~حي مثمر، بدلا من أن يكتفي بجرها وراءه وكأنها حمل لا ~~حياة فيه. وعلى ذلك فإن مهمة تتبع مضمون تفكيره إلى مصادره ~~هي جهد عقيم؛ إذ سيكون علينا عندئذ أن نبدأ باليونانيين ~~ولا ننتهي إلا بآخر بدعة قال بها معاصروه. غير أن من ~~الواجب أن نلاحظ أن المعرفة التاريخية الشاملة التي جمعها ~~تيلور في ذهنه المتفتح على الدوام، على الرغم مما كان لها ~~من فائدة في موقفه الخاص من المشكلات الفلسفية، كانت حملا ~~ثقيلا وعقبة في وجه النمو الطبيعي لتفكيره، فانحرفت به في ~~أكثر من مناسبة، من طريق إلى آخر، وأفقدته الاتصال ووحدة ~~الهدف، وهي السبب في تلك التغيرات، الرئيسية منها ~~والفرعية، التي تتصف بها رحلته الفلسفية، والتي لا يبدو ~~أنها بلغت نهايتها إلا أخيرا، ms397 ما لم يكن يخبئ لنا مفاجأة ~~جديدة، وإنه ليذكرنا - في تعطشه إلى المعرفة وقدرته على ~~استيعابها - بمعاصره الألماني المتقلب المتشعب، ~~شيلر # Scheler ~~. # 113 # وأهم الكتابات الفلسفية التي ألفها تيلور كتابان: ~~ينتمي أحدهما إلى بداية عهد نشاطه التأليفي والآخر إلى ~~نهايته، وكلاهما يبحث في الأخلاق. ومن الكتب الأخرى التي ~~ألفها بين هذا وذاك كتاب شامل في الميتافيزيقا، ينتمي ~~إلى الفترة المبكرة، وبضعة أبحاث هامة إلى حد ما، كان ~~معظمها مساهمات في حلقات دراسية أو في كتب مشتركة، ~~وتتناول هذه الأبحاث مشكلات في الأخلاق والميتافيزيقا ~~وفلسفة الدين، وتعبر عن موقفه في الفترة الأخيرة؛ إذ أنها ~~ألفت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة على وجه التقريب. ~~وسنبدأ أولا ببحث مذهبه الأخلاقي؛ لأنه أولا مركز الثقل ~~في فلسفته، ولأن بحثه له في فترتين يفصل بينهما زمان ~~طويل، يتيح لنا فرصة رائعة لإظهار سمة التغير التي اتصف ~~بها تطوره الفلسفي. # ويعد كتابه الأول «مشكلة السلوك»، الذي كان له عنوان ~~فرعي له دلالته، هو «دراسة في فينومينولوجيا الأخلاق»؛ ~~يعد هذا الكتاب - في نواح متعددة - أفضل عمل فلسفي له، ~~وكان هو الذي أذاع شهرته عن حق. وهو في هذا الكتاب المبكر ~~ذاته يتجلى بوصفه مفكرا شجاعا مستقلا لا يحجم عن ~~استخلاص النتائج الجريئة أو الممتنعة. صحيح أنه اقتبس بعض ~~أفكار برادلي ومضى بها - عن طريق التحليل الدقيق ~~والديالكتيك البارع - إلى أبعد نتائجها، غير أنه تأثر ~~بالجانب الشكاك في برادلي، على نحو ما يتبدى في كتابه ~~«المظهر والواقع» (ولا سيما الفصل 25 في «الخير»)، أكثر ~~مما تأثر بالمرحلة المثالية البناءة التي يمثلها كتاب ~~«دراسات أخلاقية». وهكذا فسرعان ما وجد نفسه يقف موقف ~~المعارضة الشديد للمدرسة الهيجلية، ولا سيما لجرين بوصفه ~~المتحدث الرئيسي باسمها في ميدان الأخلاق، ويظهر التعارض ~~أقوى ما يكون في فصله للأخلاق عن المذهب الفلسفي بوجه ~~عام، وفي معالجته لها من وجهة نظر تجريبية محضة، فهجومه ~~الأساسي موجه إلى الربط بين الأخلاق والميتافيزيقا كما ~~يتمثل أصدق تمثيل في كتاب جرين «المقدمة»: «إن الأخلاق ~~مستقلة، في مبادئها ومناهجها، ms398 عن النظر الميتافيزيقي، بقدر ~~ما يستقل عنه أي علم من العلوم المسماة «بالطبيعة»، فمن ~~الواجب التماس أساسها الحقيقي، لا في نظريات فلسفية حول ~~طبيعة المطلق أو التركيب النهائي للكون، وإنما في الوقائع ~~التجريبية للحياة البشرية كما تتكشف لنا في تجربتنا ~~اليومية العينية.» # 114 # أي إن الأخلاق علم وضعي وتجريبي محض، وليست ~~علما تأمليا نظريا، وهي مرتبطة ارتباطا ضروريا ~~وثيقا بعلم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وما شابه ~~ذلك من العلوم، ومهمتها هي وصف الظواهر الأخلاقية كما ~~نجدها في الماضي والحاضر، وبوصفها وقائع للتجربة موضوعة في ~~سياق عيني من المواقف والظروف. # وهكذا كان الجزء الأول من كتاب تيلور تحليلا نفسانيا ~~للشعور الأخلاقي بوصفه منبع السلوك وأساس الحكم الأخلاقي ، ~~وهو هنا ينضم صراحة إلى صف النظرية الإنجليزية في الشعور ~~الأخلاقي كما ظهرت في القرن الثامن عشر (على يد شافنسبري ~~وهتشسون وهيوم وآدم سمث)، ويرمي، بإبقائه الأخلاق على ~~مستوى ثابت هو مستوى الحقيقة اليومية، إلى تشييد حصن يحمي ~~الأخلاق من التركيبات والتجريدات اللاواقعية التي يبينها ~~الأخلاقيون المنتمون إلى المدرسة الهيجلية. وهكذا رأى أن ~~كل محاولة لبناء الأخلاق على الميتافيزيقا تنطوي على خطر ~~تفريغ الحياة الأخلاقية من واقعها العيني، وإثقال دراستها ~~منذ البداية بتركيب نظري بحت لا يمكن أن يكون فيه مكان ~~لجميع الظواهر المتصلة بالموضوع. مثال ذلك أن الأخلاق لا ~~شأن لها بالذات الأزلية اللازمانية التي قال بها جرين، ~~وإنما هي تعنى فقط بالذات التجريبية التي تتجسد في لحم ~~ودم، وبالظروف المادية والفسيولوجية والنفسية التي تتحكم ~~فيها. ولعلم الأخلاق مهمة أخرى، إلى جانب التحليل الوصفي ~~للظواهر الأخلاقية، هي تعقب الظواهر إلى بداياتها ~~البسيطة، والبحث في أصل الأفكار الأخلاقية وتطورها، وهو ما ~~أصبح يعرف في ألمانيا، منذ أيام نيتشه، بأصل نسب ~~الأخلاق. وفي هذا الميدان أسفرت تحليلات تيلور العميقة ~~المفيدة عن نتائج رائعة، فمناقشاته لأصل ودلالة تصورات ~~كالإلزام والضمير والمسئولية والخير والشر والشخصية ~~الأخلاقية، لها قيمة دائمة، ولا ينقص من قدرها على ~~الإطلاق عدم كفاية الأسس النظرية لهذا البحث في مجموعه. ~~ومع ذلك فعلى الرغم ms399 من قيمة أفكاره واستنتاجاته - مأخوذة ~~على حدة - فإن عودته إلى المذهب التجريبي في القرن الثامن ~~عشر كانت خطأ كبيرا، وخاصة بالنسبة إلى مفكر تربى في ~~مدرسة جرين وبرادلي وذاق ثمار كانت وهيجل. وعلى الرغم من ~~كل ما كان يدين به لبرادلي، فإنه أدار ظهره عمدا لكتابه ~~«دراسات أخلاقية»، الذي عرضت فيه الآراء الأخلاقية ~~للمثاليين الألمان لأول مرة، وبفهم عميق، في إنجلترا. ~~وهكذا فإن عودة تيلور الانتكاسية إلى المذهب النفسي ~~والنسبي، وكذلك إلى مذهب اللذة كما سنرى فيما بعد، كانت ~~تخلفا عن العصر الذي عاش فيه، لا يكفي لتبريره الاستدلال ~~الدقيق الكامن من ورائه ولا الأفكار القيمة الكثيرة التي ~~ظهرت مقترنة به (ولكنها لم تظهر منه). # ونظرا إلى رفض تيلور لكل مبدأ عقلي، وقصره الأخلاق على ~~وقائع التجربة، فقد أخذت أبحاثه تدفعه، على نحو متزايد، ~~إلى السير في طريق شكاك، وإلى الوقوع في صعوبات ~~ديالكتيكية، ويتجلى تأثير برادلي بوضوح لأول مرة في نقله ~~للديالكتيك التحليلي الذي اتسم به الجزء الأول من «المظهر ~~والواقع»، بطريقة بارعة إلى أبعد حد، إلى مجال ~~الأخلاق. # وكان من المحتم أن يؤدي الحط من عالم التجربة إلى منزلة ~~المظهر البحت، إلى نتائج هدامة بالنسبة إلى مذهب ~~أخلاقي تجريبي محض، وبالفعل نجد أن نظرية تيلور ~~التجريبية في الأخلاق، شأنها شأن نظرية هيوم التجريبية في ~~المعرفة، تنتهي إلى مذهب في الشك؛ ذلك لأنه ينتهي إلى أن ~~ميولنا الأخلاقية، بمجرد أن تتحرر من الشعور الأخلاقي ~~البدائي الذي هو أساسها المشترك، تتطور في اتجاهات ~~متباينة، بل إنها تبلغ من التباين، في نظره، في تلك ~~الثنائية القائمة في كل الأحوال بين الأنانية ~~والغيرية. # فكلا هذين الموقفين قد اكتسب موافقة أخلاقية وادعى ~~لنفسه قيمة مطلقة. وهكذا تواجهنا على الدوام فكرتان ~~متقابلتان إلى الأبد، إحداهما فكرة تنمية الذات، والأخرى ~~فكرة خدمة المجتمع، وتعجز النظرية الأخلاقية تماما عن ~~البت في أيهما الأفضل، فمن المحال على نحو قاطع إيجاد ~~مركب نهائي يجمع بين تحقيق الذات وبين التضحية ~~بالذات. # والنتيجة التي ينتهي إليها هذا الاستدلال الذي ينطوي ms400 على ~~دور منطقي واضح، هي أن الأخلاق ليست نسقا من ~~الاستنباطات العقلية من مبدأ ميتافيزيقي واحد، وإنما هي ~~مجموعة من التعميمات التجريبية التي لا يمكن جمعها تحت ~~نسق مترابط من الفروض، ومن هنا فإن الأخلاق، شأنها شأن ~~الفيزياء وكل العلوم الخاصة الأخرى، لها طابع مؤقت فحسب، ~~ولا يمكن أن ترتفع إلى مستوى القول بمعايير باقية لمبادئ ~~ذات صحة شاملة، فهي في أساسها لا عقلية. وما نسميه بالمثل ~~الأخلاقي الأعلى هو في واقع الأمر موقف وسط بين استقطاب ~~الميول الأنانية والغيرية، وهو الاستقطاب الذي يتمثل في ~~المجال الأخلاقي بأسره. أما فكرة التقدم الأخلاقي فهي ~~وهم باطل؛ إذ لا يوجد اتجاه واحد محدد للحركة، وكل ~~تقدم ظاهري يقابله تأخر. # وإذن فليس من المستغرب أن نرى تيلور يسير خطوة هامة في ~~اتجاه ما يسمى بمذهب اللذة الأخلاقي، وذلك مع رفضه مذهب ~~اللذة النفسي، كما فعل جرين وبرادلي وسدجويك وغيرهم. وكان ~~يعني بمذهب اللذة الأخلاقي ذلك المذهب القائل إن اللذة ~~طابع أساسي لما له قيمة أخلاقية، وإننا نستطيع - بالنسبة ~~إلى جميع الأغراض العملية - أن ننظر إلى وجود اللذة على ~~أنه علامة إعلاء طاقات الحياة، فإن اللاذ يكون خيرا ~~بقدر ما يؤدي هذه الوظيفة، غير أن مثل هذه الأفكار - التي ~~تخضع الأخلاق للمقولات البيولوجية - ليست لها إلا حقيقة ~~نسبية. # على أن الأرجوحة الديالكتيكية عند تيلور تنتقل بعد ذلك ~~إلى الجانب الآخر، لكي ننصف الفكرة المضادة، وهي فكرة ~~الواجب، صحيح أن أية أخلاق تجريبية تستبعد الأمر المطلق، ~~بالمعنى الذي قال به كانت، ما دام هذا الأخير يرتبط ~~بفلسفة ترتكز على مبادئ أولية مطلقة، ومع ذلك فهناك ~~أوامر، غير أنها دائما موجهة إلى أشخاص فرديين في مواقف ~~خاصة، وعلى الرغم من أنها يمكن أن تغدو ملزمة أو إجبارية ~~بالنسبة إلى جماعات معينة من الأفراد والطوائف، فلا يمكن ~~أن تكون لأي منها صحة أولية شاملة؛ ذلك لأن المقدمة ~~التي ترتكز عليها الأخلاق هي أن كل ما هو واقعي قابل للرد ~~في آخر الأمر إلى واقعة للتجربة العينية. # ويؤكد ms401 تيلور صراحة اتفاق هذا المبدأ مع المبدأ الأساسي ~~في نظرية المعرفة عند هيوم، وينبغي أن يقال إن تيلور قد ~~عمل في مجال الأخلاق ما عمله هيوم في مجال المعرفة، إذ وجه ~~كل جهوده إلى تطبيق مذهب تجريبي في الشك، أو مذهب شكاك ~~تجريبي، مماثل لمذهب هيوم، على هذا الميدان، ويمكن أن يقال ~~إنه تجاوز هيوم نفسه في هذا الميدان؛ إذ إن هذا الأخير، مع ~~بنائه الأخلاق على أساس تجريبي، قد منعه حسه السليم من ~~بعث الانحلال فيها عن طريق الشك. ومما يزيد الأمر غرابة ~~أن تيلور رأى - في كتاب متعلق بنظرية المعرفة ~~والميتافيزيقا نشره بعد ذلك بسنتين فقط، هو «أركان ~~الميتافيزيقا» - أن يبتعد تماما عن هيوم ، ويستبدل بالحجج ~~الشكاكة صيغ المذهب المطلق. # وهكذا فإن المرحلة الأولى في مذهب تيلور الأخلاقي تنتهي ~~إلى نزعة نفسية ونسبية وشكاكة، فليس فيها نتائج ~~إيجابية. # غير أن هذا الوصف وحده غير كاف؛ إذ إن دلالة هذه ~~المرحلة السلبية هي أن الفكر الأخلاقي قد ألقي به في ~~دوامة ديالكتيكية يضطر فيها إلى الابتعاد عن جميع ~~الارتباطات التوكيدية لكي يعود إلى الحياة العينية ذاتها، ~~ويعترف بتنوعها ومرونتها وتنافرها. والواقع أن تيلور قد ~~فاق جميع المفكرين الآخرين في إظهار المرونة الكامنة في ~~الحياة الأخلاقية، والنقائض والممتنعات التي تنشأ عن ~~دراستها، ففي بوتقة تيلور الديالكتيكية يذوب كل شيء. ولقد ~~كان فكره أكثر مرونة وليونة من أن يستقر على موقف واحد، ~~وإنما هو ينتقل بلا انقطاع إزاء الكثرة الزاخرة من المظاهر ~~المرتبطة بموضوعه من قضية إلى نقيضها دون أن يرضى بأيهما. ~~وإذن فنزعة الشك التي تنساب في جميع أرجاء هذا الكتاب ~~المبكر النابض بالحياة، الذي وضع بعد تفكير عميق، ليست ~~شكا هداما فحسب، وإنما هي زاخرة بالأفكار القيمة التي ~~لا تنتظر إلا عملية التشكيل. # فإذا كانت الحياة الأخلاقية حلا وسطا ووهما باطلا، ~~وإذا كان جزء من ماهيتها يتألف من قدر معين من الخداع ~~أو النفاق ( # Cant ~~) - ~~والكلمة ترجع إلى تيلور ذاته - فإن لنا أن نتساءل عما إذا ~~كان يجوز لنا ms402 أن نعدها صورة نهائية للتجربة البشرية. ~~ويحاول تيلور أن يجيب عن هذا السؤال الأخير في الفصل ~~الأخير من كتابه، وعنوانه: «وراء الخير والشر»، وهو فصل ~~يتضمن تلميحا للاتجاه الذي ستتحرك فيه أفكاره الأخلاقية ~~فيما بعد. وعلى الرغم مما يوحي به هذا العنوان، فإن ~~الإجابة ليست تلك التي قدمها نيتشه، صحيح أن تيلور كان أول ~~مفكر إنجليزي افتتن بعمق بتفكير نيتشه، ولكنا لا نستطيع ~~أن نتحول عن موضوعنا لنبحث في النواحي التي تأثر فيها به، ~~فهو في هذا الفصل يرى أن مآل الأخلاق إلى الدين. ففي ~~السلوك الأخلاقي البحت ننظر إلى التمييز بين الخير والشر، ~~والصواب والخطأ، والرفيع والمنحط، على أنه تمييز نهائي، ~~غير أن هذه الأضداد الخشنة لا تكفي على الإطلاق للتعبير عن ~~بعض التمييزات الأدق التي توجد تحت السطح الظاهر، والتي ~~تتغلغل في قلب الأشياء. وفضلا عن ذلك فالمشكلة لا تنحصر ~~فقط في أن الأخلاقي الأعلى لم يبلغ بعد، وإنما في أن ~~بلوغه مستحيل؛ إذ إن كل ما يبدو تحققا له يتضح فيما بعد ~~أنه وهم باطل؛ لذلك كان من الضروري تجاوز التجربة ~~الأخلاقية على مستوى يعلو على أضدادها المعرفة. وهذا ~~المستوى لا يوجد إلا في التجربة الدينية، فهذه التجربة هي ~~التعبير الأعلى والنهائي عن مسعانا العملي، وليس المثل ~~الأعلى فيها شيئا مفارقا لا يبلغ، أو حقيقة دائمة ~~متجاوزة لهذا العالم، وإنما هو شيء حقيقي ومتحقق بالفعل ~~لا بالمعنى المألوف، وإنما بأكمل وأيقن معنى، أي معنى ~~كونه هو الحقيقة العليا، والحقيقة الوحيدة التي يصدق عليها ~~هذا الاسم. فالموقف الأخلاقي المتطرف للدين يتخذ صورة ~~تعاطف شامل وتراحم مقصود هو حقا مبني، في كثير من ~~الأحيان، على الخير الأخلاقي، غير أنه لا يتقيد به ~~بالضرورة. # أما المرحلة المتأخرة من أبحاث تيلور الأخلاقية، وهي ~~المرحلة التي لا يتسع المقام هنا لمعالجتها على أي نحو ~~كامل، فيمثلها كتاب كان أشمل حتى من الكتاب السابق، ولكنه ~~أقل منه تركيزا، وهو كتاب ينبئنا عنوانه منذ البداية - ~~وهو «إيمان مفكر أخلاقي» - بأن الكاتب قد اهتدى إلى ms403 أرض ~~صلبة، هذا الكتاب - الذي يفصله عن كتابه الأخلاقي الأول ~~جيل كامل - يكشف عن تقدمه المستمر خلال هذه الفترة نحو ~~ميادين جديدة من الموضوعات ومجموعات جديدة من المشكلات، ~~وكان الميدان الرئيسي الذي أضافه إلى عتاده الذهني هو ~~اللاهوت، وذلك بفضل دراسته الموسعة لتفكير العصور الوسطى. ~~كما أضاف إلى تمكنه السابق من الفلسفة الكلاسيكية القديمة، ~~معرفة أوثق بالفلسفة القديمة في العصر التالي للعصر ~~الكلاسيكي، ولا سيما فلسفة الأفلاطونية المحدثة. أما بين ~~المحدثين فقد ازداد اقترابا من جاليليو وديكارت وهبز ~~وليبنتس وريد، وأجرى اتصالات مثمرة مع مفكرين معاصرين له ~~من أمثال ألكسندر وفاريسكو # Varisco # 115 # وورد ورويس وبرجسون وهويتهد. كما أصبح مدينا ~~في بعض النواحي الهامة لكتاب فون هوجل ووب في فلسفة الدين، ~~ولكتاب أ. ر. ~~بيفان # E. R. Bevan ~~، «الهلينية ~~والمسيحية # Hellenism & Christianity ~~». # وأفضل ما يوصف به موقفه الجديد هو أنه مذهب ألوهي ~~أخلاقي # ethical theism ~~، فالأخلاق تستمد أساسها النهائي من ~~الدين، والتفكير فيها يتم من خلال المقولات الدينية. وهكذا ~~فإن التلميحات المتفرقة التي انتهى بها الكتاب الأول، ~~تعرض هنا على نحو مذهبي، وتكون الموضوع الرئيسي للبحث ~~الجديد بأكمله. وهو هنا يخلص الأخلاق من نزعة الشك، ~~ويسير بها إلى بر الأمان بفضل طوق النجاة الذي يقدمه ~~اللاهوت. غير أن المرء يشعر بأن اهتمامه الرئيسي قد تحول ~~الآن من الأخلاق إلى مذهب الألوهية، وعلى أية حال فإن ~~الهدف الذي يوجه مناقشته المطولة إلى تحقيقه هو إيجاد ~~برهان أخلاقي جديد، مبني على أساس عريض، على وجود ~~الله. ويظهر التغير الذي طرأ على آراء تيلور في طبيعة ~~الأخلاق، يظهر أوضح ما يكون في تغيير موضوع هجومه، فقد ~~كانت معارضته في الكتاب الأول موجهة أساسا إلى جميع ~~محاولات صبغ الأخلاق بصبغة ميتافيزيقية، وربطها بأية ~~مبادئ أولية ذات طابع ميتافيزيقي. أما الآن فهو يتحول عن ~~طيب خاطر إلى معسكر الأعداء؛ إذ إن بناء الأخلاق على أساس ~~مذهب في الألوهية هو ربط لها بالميتافيزيقا، فموضوع هجومه ~~الآن - وهو الموضوع الذي لا يكف تيلور عن تأكيده - هو ~~النزعة ms404 ~~الدنيوية # secularism ~~، أي نفس عملية قصر الأخلاق على ~~المجال الإنساني المحض، وهي العملية التي لم يكن كتابه ~~الأول إلا محاولة لتنفيذها. # وهكذا فإن جميع حججه أصبحت تدور الآن حول محور الفكرة ~~القائلة: إن الحياة الأخلاقية، مهما كان من ارتباط مجراها ~~بالزمان، ومن تقيدها بظروف العالم الحالي، لا تكتسب معناها ~~الحقيقي إلا عندما تولي وجهها شطر الأزلية وتسترشد في كل ~~نقطة بالإيمان بالله، فهي مغامرة تبدأ بالعالم الطبيعي ~~وتنتهي بالعالم فوق الطبيعي. ولا شك في أن هذه الأخلاق - ~~بالنسبة إلى الدين - غير مستقلة، وإنما هي معتمدة عليه، ~~ولكن تيلور يؤكد استقلالها بالنسبة إلى الطبيعة. ونستطيع ~~أن نضرب لهذا مثلا إيضاحيا بمناقشته لفكرة الذنب، ~~فالشعور الذي نحس به عندما ندرك أن هناك شرا ارتكبناه، ~~يختلف عن أي شيء نجده في المجال دون الإنساني إلى حد أنه ~~يجوز لنا أن نعده شعورا لا نظير له، يختص به الإنسان ~~وحده. على أن هذا الشعور بالذنب يقترن به أساسا شعور آخر ~~بعدم إمكان محو الذنب، فلا يمكن أن يمحى الذنب بأي جهد أو ~~فعل، ولا يمكن «تعويضه» أو تغطيته بأي عقاب، غير أن ~~إحساسنا بعدم إمكان التكفير عن الذنب إنما هو دليل مباشر ~~على التشابك الكامن بين الزمان والأزلية، الذي هو العلامة ~~المميزة لكل سعي أخلاقي. # وترتبط بهذا تلك الفكرة التي أطلق عليها تيلور اسم ~~«الحافز المنبعث عن الأزلي # The initiative of the eternal ~~»، فكل أخلاق ~~أصيلة تشير إلى ما وراء حالتنا الراهنة؛ إذ تتطلب تجديدا ~~وتحويلا وبعثا مستمرا لشخصيتنا، على أننا لا نستطيع أن ~~نرتفع فوق مستوى عملنا الحالي بجهدنا الخاص وبمثل أعلى ~~خاص بنا فحسب، فالحافز الذي يدفع إلى التجديد لا يمكن أن ~~يأتي من جانب الشخصية المطلوب تجديدها، وإنما يمكن فقط أن ~~يأتي من الاستجابة لحركة تأتي من الخارج، وهذه الحركة لا ~~بد أن يكون مصدرها هو الله. وهكذا فإن الأخلاق تفترض ما ~~يعلو على الطبيعة مقدما، بوصفه بيئتها وقوتها المحركة، ~~وهذا لا يعني بأية حال الاستغناء عن الجهد الشخصي، وإنما ~~يعني ms405 فقط أن من واجبنا، في كل أوجه نشاطنا، ألا نظل ~~محصورين في حدود قدراتنا، وإنما أن نتطلع إلى ما ورائنا ~~لكي نقبل الحافز الإلهي الذي هو وحده القادر على الارتفاع ~~بنا إلى ما يعلو علينا، فللذرات الروحية عند تيلور نوافذ، ~~وهذه النوافذ تطل على اللامتناهي. # ويدخل تيلور فكرة الخلود في نطاق «برهانه الأخلاقي» ~~العام، فالخلود يعني تحول الذات الزمانية إلى ذات أزلية، ~~والعملية مستمرة، قوامها في المحل الأول تطهير الذات ~~تماما من حالة خضوعها لتحكم الظروف الزمنية، غير أن هذا ~~ليس تطهيرا يغمر الشخصية الفردية ويغنيها في مطلق لا شخصي ~~(وهنا يتجه تفكير تيلور إلى نظرية الفردية عند بوزانكيت)، ~~وإنما هو تطهير يتركها أغنى مما كانت، فالذات تظل باقية، ~~غير أنها تنتقل من مركزها الأصلي إلى مركز جديد، وكما ~~يقول تيلور، فبقدر ما نتخلى عن ذراتنا، نفنى في شخصيتنا ~~الحقة، ففي المطلق لا تفني الفردية على الإطلاق، بل تحقق ~~أكمل تعبير عنها. # ولكن أليست الأخلاق والحياة الأزلية متعارضتين تماما؟ ~~أيظل للجهد الأخلاقي أي معنى بعد أن نبلغ هدفنا؟ هنا ~~نواجه مرة أخرى تلك الصعوبة الأساسية التي تتمثل في أي ~~مذهب أخلاقي، أعني الازدواج بين ما هو كائن، أي ما هو ~~زائل متغير على الدوام، وما يجب أن يكون، أي ما لا يمكن ~~بلوغه أزلا، وإن يكن يبدو أنه هو ماهية الأخلاقية ذاتها. ~~غير أن الأخلاق لا تختفي عند بلوغ هدفها إلا إذا جعلنا ~~الأخلاق مساوية للصراع ضد الشر، على أن هذا أمر غير مشروع، ~~تماما كجعل العلم مساويا للصراع، ضد الجهل، فمن الممكن ~~أن نتصور مرحلة للحياة الذهنية تنتهي فيها عملية تكوين ~~الشخصية، ومع ذلك يستمر النشاط المنبعث عن الشخصية ~~المتكونة. وحتى «في السماء» يظل هناك مكان للحياة ~~العملية الفعالة، إلى جانب سعادة التأمل الخالص، صحيح أننا ~~لا نعود قادرين على التقدم «نحو» الخير، ولكن سيكون هناك ~~مجال واسع للتقدم «في داخله». ومن الطبيعي أن الحياة ~~الخيرة لن يمكنها عندئذ أن تظل تتخذ شكل صراع إيجابي ضد ~~الشر، وإنما ستستمر ms406 بوصفها تحقيقا «للخير» على صور تزداد ~~على الدوام كمالا وتنوعا. فانتهاء الصراع بين الخير ~~والشر وبلوغ الغاية لا يمنع من استمرار بقاء النشاط ~~الأخلاقي، وهذا هو حل التناقض العميق بين ما هو كائن وما ~~ينبغي أن يكون في الأخلاق. # وهكذا فإن تفكير تيلور الأخلاقي يمر بمرحلتين لا صلة ~~بينهما على الإطلاق: الأولى مرحلة واقعية تجريبية ~~ديالكتيكية شكاكة، تفتقر إلى النظام المذهبي، وتعادي أي ~~مذهب ميتافيزيقي، والثانية مرحلة مختلفة تماما، تبني ~~الأخلاق على مذهب ألوهي ميتافيزيقي، وتجعلها خاضعة له ~~تماما. وهذا القول يتضمن في الوقت ذاته وصفا صحيحا ~~لتفكيره الميتافيزيقي المتأخر بدوره، وهو التفكير الذي ~~عرضه أيضا في كتابه «إيمان مفكر أخلاقي». فهو يرمي إلى ~~كشف عدم كفاية كل لاهوت طبيعي صرف، وإلى تبرير الإيمان ~~بوحي فوق الطبيعي. والواقع أن إيمان تيلور الديني قد نما ~~بقدر ما نما تفكيره تماما، فقد كان في البداية واعظا غير ~~متخصص (علمانيا)، ينتمي إلى طائفة «الميثوديست»، ثم ~~انتقل إلى مرحلة عدم اكتراث بالدين، وبعد ذلك ازداد ~~بالتدريج تقاربا من المذهب الأنجليكاني، وها هو ذا أصبح ~~ينتمي إلى جناحه المتطرف المسمى بجناح «الكنيسة العليا # High Church ~~»، # 116 # بل إنه أصبح يصرح علنا بإعجابه بمذهب الروم ~~الكاثوليك، وعبر عن ذلك فلسفيا في رأيه القائل إن الحركة ~~المدرسية الجديدة هي تجديد أصيل لروح الفلسفة، وإن تفكير ~~توما الأكويني ما زال حيا، وسيظل له تأثير في مجرى ~~التفكير الفلسفي في المستقبل. # ولا مفر لنا من أن نعرض - ولو بإيجاز شديد - لتفكير ~~تيلور الميتافيزيقي الأول، كما عرضه في كتاب «أركان ~~الميتافيزيقا»، طبعة سنة 1903، فلا حاجة بقارئ هذا الكتاب ~~إلى أن يذهب بعيدا لكي يجد هنا أيضا انفصاما عميقا ~~يفقد المؤلف صفة الاستمرار والاتصال، فكل ما يمكن إيجاده ~~من روابط بين تفكيره الدنيوي في كتابه الأول، وبين تفكيره ~~الديني في فترة نضوجه، إنما هي بضعة روابط خارجية، لا وحدة ~~باطنة، وهنا أيضا تحول «شاءول # Saul ~~» إلى بولس Paul ~~، # 117 # ويزداد الانفصال وضوحا إذا ما عدنا بنظرنا ~~إلى الوراء؛ إذ توجد بين ms407 كتابه الأول وهذا الكتاب هوة ~~شاسعة في الروح وفي المضمون، بينما لا يفصلهما في الزمان ~~سوى عامين أو ثلاثة. ففي كلا الكتابين كان تأثير برادلي ~~سائدا، ولكن كان هناك - كما أكد تيلور نفسه بعد ذلك بوقت ~~طويل - شخصيتان لبرادلي: إحداهما شخصية الناقد الهدام، ~~والأخرى شخصية المفكر البناء العظيم، بحيث حطمت الأولى ~~ما شيدته الثانية تحطيما. ولا يملك المرء إلا أن يحس بأن ~~تيلور، في فترته الأولى، قد تأثر بهذين الوجهين لبرادلي ~~دون أن يحل ما بينهما من تعارض، بحيث كان الوجه الأول هو ~~السائد في مذهبه الأخلاقي، والثاني هو السائد في ~~ميتافيزيقاه. وإذن فمن الممكن أن نطلق على ميتافيزيقاه ~~الأولى، التي أطلق عليها اسم «المثالية المنهجية»، وصفا ~~موجزا هو أنها مذهب برادلي في المطلق، محذوفا منه نزعته ~~في الشك. # ولكن مذهب المطلق، الذي تركه برادلي في صورة مفككة إلى ~~حد بعيد، قد نظم هنا تنظيما دقيقا صارما، والأقسام ~~الرئيسية في المذهب هنا هي الأنتولوجيا أو التركيب العام ~~للعالم الواقع، والكسمولوجيا أو ميتافيزيقا الطبيعة، وعلم ~~النفس العقلي أو ميتافيزيقا الذهن والمجتمع البشري. # غير أن تنظيم أفكار برادلي لا يكون سوى الأساس والإطار ~~العام لمذهب تيلور الأول، فقد تمكن تيلور - بمرونته ~~وتفتحه وتقبله لما هو جديد - من أن يدمج في كثرة ~~زاخرة من المواد الجديدة، تشمل كل ما كان مدار البحث في ~~ذلك الحين، ويستغلها في أغراضه التأملية. وأوضح المؤثرات ~~ظهورا بعد برادلي: مثالية وورد ورويس، وإن يكن قد أخذ ~~عنها موقفها العام أكثر مما أخذ تفاصيل المذهب، كذلك تأثر ~~إلى حد غير قليل بالاتجاه الذي كان جديدا عندئذ في علم ~~النفس عند وورد وجيمس وستوت ومونستربرج # Munsterberg ~~، # 118 # مؤكدا أن للحياة الذهنية طابعا غرضيا ~~غائيا، واستخدم هذه الفكرة في محاربة النظريات الآلية، ~~فأعلن أن النظرة الآلية إلى العالم هي نظرة ذات قيمة أدنى ~~يتضح آخر الأمر بطلانها، ولا تصح دون قيد أو شرط حتى على ~~العالم غير العضوي، ما دام للذرة ذاتها قدر من الفردية، ~~مهما كانت ضآلته، وإلى هذا الحد ms408 لا يمكن استبعادها من ~~التركيب الغائي الذي يتغلغل في جميع أرجاء الوجود. على أن ~~هذه الآراء كادت ترغمه على أخذ بعض العناصر الهامة من ~~المذهب البرجماتي الذي كان عندئذ في بداية ظهوره، ومن ~~المؤكد أنه تنازل لهذا المذهب في نواح كثيرة. وللمرء الحق ~~في أن يشك جديا فيما إذا كان هذا الربط بين الميتافيزيقا ~~القائمة على فكرة المطلق، وبين الفلسفة البرجماتية في ~~الحياة، قد ساهم في تأكيد اتساق مذهبه ووحدته. ونستطيع أن ~~نقول إنه نظرا إلى التوتر الشديد الذي كان قائما عندئذ ~~بين ممثلي هذين الطرفين، كان على الأقل خطأ منه في ~~«التكتيك». على أن التنافر التام بين المذهبين سرعان ما ~~فرض نفسه عليه، فدخل في خلاف مع شيلر، ولما وجد نفسه ~~محاصرا ومحرجا تخلى عن قدر كبير من برجماتيته، وتجلى ~~ذلك في كلامه عن طبيعة العلوم الوضعية ومناهجها، وفي رأيه ~~في العلية وغيرها من المبادئ العامة التي رأى أنها ليست ~~بديهيات، وإنما مصادرات (وهنا كان متأثرا على نحو مباشر ~~بمقال لشيلر ظهر حديثا في ذلك الحين، أي في 1902، بعنوان ~~«البديهيات بوصفها مصادرات # Axions as Postulates ~~»، وكذلك في ~~تأكيده أن العنصر الإرادي الاختياري ماثل في كل تجربة، ~~ورفضه لفكرة السعي المنزه إلى الحقيقة. أما آراؤه في مناهج ~~المعرفة العلمية فتكاد تكون مماثلة تماما لآراء كارل ~~بيرسون في كتابه «قواعد العلم # Grammar of Science ~~»، وأخيرا نستطيع أن نلاحظ ~~من آن لآخر تشابها مع فلسفة التجربة الخالصة عند ~~أفناريوس # Avenarius ~~. # 119 # فإذا ما تأملنا تفكير تيلور الفلسفي في مجموعه، أمكننا ~~أن نقول إنه أغنى وأعقد من أن يفهم فهما جامعا مانعا، ~~أو يدرج تحت وصف واحد، فهو يلمع بألوان متعددة استمدها ~~من المصادر المختلفة التي أضاءته، وكثيرا ما عمل على حرق ~~سفنه من خلفه، والزحف قدما لاحتلال ممالك جديدة، غير أنه ~~يفتقر إلى التركيز، بحيث إنه لم يبعث وحدة باطنة في ~~الميادين المختلفة المتعددة التي استمد منها ثقافته ~~واتخذها موضوعا لبحثه، فتفكيره صورة أمينة لذلك الشقاق ~~العميق، الفلسفي وغير الفلسفي، الذي يتصف ms409 به عصرنا؛ هذا ~~العصر الذي اتخذ من الإيمان ملجأ، ولكنه لم يصبح بذلك ~~أقوى تفكيرا. وربما كان ذلك المذهب أوضح مظهر على مدى ~~إخفاق الفلسفة الإنجليزية، حتى في يومنا هذا، في الوصول ~~إلى أي هدف، واستمرارها في تلمس الطريق. # تلقى تمبل تعليمه الفلسفي في كلية باليول بأكسفورد على ~~إدوارد كيرد، وظل يذكر لهذا الأخير أنه أفضل مثل لشخص لا ~~يقتصر على تعليم الحياة الروحية، وإنما يحياها على أكمل ~~وجه أيضا. وعن طريق كيرد اتصل منذ وقت مبكر بعالم الفكر ~~المثالي، الذي التزمه على الدوام فيما بعد في سعيه إلى ~~الوضوح الفلسفي. وهو ينتمي إلى تلك الفئة من اللاهوتيين ~~المتفلسفين التي كان عددها في إنجلترا أكبر منه في أي بلد ~~آخر، والتي كان باركلي ممثلا متقدما وبارزا لها. ولم ~~تكن فلسفته إشباعا لحاجة نظرية، بقدر ما كانت تبريرا ~~لنظريته الدينية واللاهوتية، فمهمتها هي التوفيق بين ~~الإيمان والمعرفة، وإيجاد أساس نظري لمذهب ألوهي ثبت في ~~ذهنه من قبل. # ويعرف تمبل مذهب ~~الألوهية بأن الفرض القائل إن الأساس النهائي للكون إرادة، ~~وبأن هذه الإرادة تحقق غاية، وإن هذه الغاية تبدو لنا - ~~نحن الموجودات المتناهية - خيرة، هذا الفرض يستمد دعامته ~~من تجربتنا الأخلاقية والدينية، فالواقع إذن تعبير عن ~~الإرادة الإلهية، وله مستويات أو مراحل متعددة، تجمع ~~بينها عملية نمو واحدة. ولو نظرنا إلى سلسلة المراحل ~~زمنيا لوجدناها تتحرك من الأدنى إلى الأعلى، أما لو ~~تأملناها من حيث دلالتها العامة، لانعكس هذا الترتيب؛ ذلك ~~لأنه على الرغم من أن الأعلى يفترض الأدنى مقدما من ~~الوجهة الواقعية، فإن الأدنى لا يقدم أي تفسير لمعنى ~~الأعلى، فالتحديد والمعنى يصيران من أعلى إلى أدنى، بحيث ~~إن معنى الأدنى لا يتكشف إلا بظهور المرحلة الأعلى التالية ~~له. وعلى ذلك فإن الأعلى يكمن - بالإمكان أو بالقوة - في ~~الأدنى، ثم ينبثق عنه ليكون مرحلة جديدة، وهناك أربع ~~مراحل رئيسية للوجود، يتميز بعضها عن البعض تميزا ~~واضحا، هي المادة والحياة والعقل # intellect # والروح. فإذا طبقنا القانون ~~السابق على العلاقة بين هذه المراحل؛ ms410 لوجدنا أن المادة لا ~~تكشف عن طبيعتها الحقة إلا عندما تنتقل إلى الحياة، والعقل ~~لا يحقق وظيفته الصحيحة إلا عندما يخضع لتوجيه الروح، التي ~~هي أعلى مرحلة للحقيقة المعروفة لنا، وهنا يظهر بطبيعة ~~الحال تأثير الاهتمام المتجدد بالتطور، الذي تبدى فيما ~~بعد - على سبيل المثال - في النظريات القائلة بالطفرة عند ~~لويد مورجان وألكسندر، والتي تتفق معها نظرية تمبل في ~~خطوطها العامة اتفاقا شديدا. # وتثير فكرة المستويات الصاعدة مشكلة القيمة، ولا سيما ~~علاقتها بالواقع، فهل تستنفد ماهية الأشياء في وجودها ~~المحض، بحيث تكون القيم صفات لها فحسب؟ أم أن القيم هي ~~التي لها الأولوية؟ يحاول تمبل أن يبين أن الفرض الثاني هو ~~الصحيح، وسبيله إلى إثبات ذلك هو القول إن القيم وحدها هي ~~التي لها حقيقة جوهرية، وهي تحقق صورها المختلفة بالتجسد ~~في الأشياء، ويتلو من ذلك أن ما هو حقيقي لا يكون كذلك إلا ~~بقدر ما تشكله القيمة، أو بتعبير آخر: بقدر ما يكون ~~خيرا. على أن القيم أو الخير ليس إلا الطرف المتضايف ~~مع إرادة، وهذه الإرادة هي الإرادة الخلاقة للروح الإلهية، ~~التي هي وحدها الموجودة بذاتها، ومن ثم فإن العالم من خلق ~~إرادة الله، وهو التعبير عنها، فالقول بهوية الجوهر ~~والقيمة يؤدي حتما إلى مذهب الألوهية. # وقد عرض تمبل هذه الأفكار عرضا مذهبيا في كتابه ~~«الذهن الخلاق»، فهو هنا يبحث في سعي الروح إلى تكوين نظرة ~~ترضيها عن العالم، في ضوء الأشكال الثلاثة، العلم والفن ~~والأخلاق، هذه الأشكال الثلاثة معا تستهدف توحيد الكثرة ~~المختلطة للأشياء، ولكن ليس في وسع أحدها أن يحققها، وإنما ~~في الدين وحده يمكن بلوغ نظرة موحدة إلى العالم، بحيث إن ~~الدين هو اكتمال جميع الصور الأخرى للمعرفة، وهو حجر الرحى ~~في أي مذهب فلسفي. وهكذا أضاف تمبل إلى كتاب «الذهن ~~الخلاق» تكملة في كتاب «حقيقة المسيح»، الذي عرض فيه ما ~~أسماه بحق ميتافيزيقا متركزة حول المسيحية. # وفيما عدا ذلك، فمن الممكن أن يوصف موقف تمبل الفلسفي ~~بأنه مثالية مطلقة، فإذا ما جردنا هذه المثالية ms411 من قيودها ~~اللاهوتية وتعلقها الشديد بالأفلاطونية؛ لوجدناها مدينة ~~لبوزانكيت ولبرادلي من خلاله أكثر مما هي مدينة لأي شخص ~~آخر. وتتضح أولوية هذا التأثير في قوله: إن أمام الفلسفة ~~طريقين متشعبين يتعين على أية فلسفة أن تختار بينهما، إما ~~أن تفترض المعقولية الكامنة للكون (أو على الأقل إمكان ~~تحديده عقليا)، وإما أن ترتد إلى مذهب الشك الكامل. ~~فالمعقولية الميتافيزيقية للعالم تتضمن معها مصادرة ~~أخلاقية هي خيريته الكاملة، فيسفر ذلك عن نظرة متفائلة ~~إلى العالم. على أن من واجبنا أن نعترض على ذلك قائلين إن ~~هذا التفاؤل لا يتغلغل في قلب مشكلة الشخصية ولا مشكلة ~~الشر، فليس فيه مكان للفرد واللامعقول وكل ما يقاوم القيمة ~~والمعنى إلا بقدر ما يستطيع أن يجمعها كلها بوصفها عناصر ~~مرتبطة بأضدادها أو مظاهر لها. والذي يقدمه إلينا حقيقة ~~هو مطلق تختفي فيه كل هذه التمييزات والأضداد، دون أن تترك ~~أثرا للعذاب الذي يبعثه اضطراب عالمنا الفعلي، أو للمواقف ~~الأليمة التي تتعرض لها حياتنا، فالمذهب المطلق يدخل هنا ~~في مرفأ آمن هو اللاهوت الحرفي المحافظ. # وتتضمن محاضرات ~~جيفورد التي ألقاها تمبل بعنوان «الطبيعة والإنسان والله» ~~أدق وأشمل محاولاته لإيجاد أساس لرأيه في الكون ولعرض هذا ~~الرأي، غير أن ما يقدمه إلينا هنا أيضا هو محاولة إيجاد ~~تبرير نظري لعقائد إيمانية سابقة، أكثر منه برهانا ~~دقيقا مستقلا على وجهة نظره؛ فليس ثمة تغيير أساسي في ~~موقفه. وتغدو نقطة بدايته هنا واقعية، فهو يرفض جميع الصور ~~الذاتية الإبستمولوجية، التي يرى أن قضيته «أنا أفكر إذن ~~أنا موجود» عند ديكارت هي المسئولة عنها أولا، ففي ~~المعرفة لا يكون العقل معنيا بذاته - وبأحواله الخاصة ~~بوصفها موضوعات حاضرة - وإنما بعالم يقف في مقابله ~~بالفعل. وهو يصف هذه الواقعية أيضا بأنها «ديالكتيكية»، ~~ويؤدي تطويره لعمليتها الديالكتيكية، والمكان البارز الذي ~~يوليه للذهن، إلى إضفاء طابع هيجلي متزايد عليه، يعد ~~أوضح مظاهره الخارجية تأكيد تمبل الدائم لصلته الوثيقة ~~بأستاذه القديم إدوارد كيرد، الذي يهدي هذا المجلد إليه، ~~وكذلك إشاراته المتعددة إلى بوزانكيت، الذي يتفق مع ms412 ~~ميتافيزيقاه اتفاقا عاما، على الرغم مما بينهما من ~~اختلافات في التفاصيل. وتبلغ العملية الديالكتيكية قمتها ~~في مذهب ألوهي، وفي نظره إلى الكون على أن له «طابعا ~~مقدسا». والواقع أن المذهب الذي يعرضه تمبل هنا آخر الأمر ~~هو واحد من أروع ما أنتجه الفكر الإنجليزي الأخير من ~~التعبيرات عن مذهب الألوهية المسيحي، معروضا من وجهة نظر ~~مثالية قبل كل شيء. ~~(8) القسم الثامن: مفكرون قريبون من المثالية # انبثقت فلسفة المفكر الاسكتلندي لوري من ذهنه الخاص كلها ~~تقريبا، ومن ثم فلا يمكن أن يدرج تحت أية فئة عامة ~~مألوفة إلا بشيء من التجاوز، وقد أسماها هو ذاته «عودا ~~إلى الثنائية»، (وهو العنوان الفرعي لكتابه: ~~الميتافيزيقا). غير أن غموض تفكيره وعدم إمكان النفاذ ~~إليه، يجعل من العسير على المرء أن يقرر إن كان الاتجاه ~~التوحيدي أو الاتجاه الثنائي (وهناك اتجاه تعددي أيضا) ~~هو الأغلب لديه. كذلك أطلق على مذهبه اسم «الواقعية ~~الطبيعية»، وهي تسمية تصدق على نقطة بدايته الإبستمولوجية، ~~التي تقترب عن وعي من موقف ريد، غير أنها لا تنطبق بحال ~~على بقية تفكيره، أو على تفكيره منظورا إليه في كليته. ~~ومع ذلك ففي إمكاننا - دون إجحاف - أن ندرجه ضمن الحركة ~~المثالية الجديدة، حتى لو لم يكن من الممكن القول إن لوري ~~ذاته قد انجرف في هذا التيار، فهناك قطعا روابط تجمعه ~~بكانت وشلنج، وقبل هؤلاء جميعا بهيجل، الذي كانت له ~~بتفكيره معرفة مباشرة. # غير أن لوري يظل هو نفسه فحسب، ويتسم بصفة الاستقلال هذه ~~أكثر من أي مفكر إنجليزي آخر في عصره؛ لذلك كان من ~~الواجب فهم مذهبه في ضوئه الخاص. فهذا المذهب أشبه ~~بمناجاة ذاتية، ومحادثة بينه وبين نفسه، بحيث لا يصغي إلى ~~الآخرين ولا يسير بناء على أي اتصال سابق بالغير، ولهذا ~~السبب لم يكن له صدى بين شعبه، وإنما تبدد صوته في ~~الهواء. # ولقد حاول داعية وحيد متحمس له، هو ج. ريماكل، أن يذيع ~~آراءه في فرنسا وبلجيكا عن طريق ترجمة مؤلفاته وعرضها، ~~ولكنه لم يجد أية استجابة. وليس في ms413 هذا كله ما يدعو إلى ~~الدهشة، نظرا إلى صفات الغموض والهوائية والغرابة ~~والأصالة التي كان يتسم بها تفكيره وطريقة تعبيره معا، ~~فقد استحدث لنفسه مصطلحا خاصا به، نحت فيه الألفاظ ~~بجرأة، واستخدم الكلمات بصور غير مألوفة، لا تعين القارئ ~~على الفهم بأية حال، وهو يذكرنا بهيجل في ثقل وطأة ~~تركيباته وألفاظه معا. وهكذا كان تفكيره وعرا قاسيا ~~تماما كتضاريس بلاده اسكتلندا. غير أننا لا نكاد نجد ~~واحدا من معاصريه يفوقه أو حتى يدانيه في القوة أو الجرأة ~~التأملية فيما وراء حدود التجربة، وفي الميل إلى بناء ~~المذهب والقدرة عليه. وفي الوقت ذاته لا يصادف المرء إلا ~~في أحوال نادرة، مثل حالة فوست # Fawcett ~~(لكن على مستوى أدنى بكثير)، مثل ~~هذا الخيال الحالم والإغراب المصحوب بعمق صوفي. والواقع ~~أننا لو قسناه بالمعيار المألوف لدى الناس عن الفلاسفة ~~الإنجليز، لما وجدنا سمة واحدة تجمع بينه وبينهم، ~~ولأحسسنا بأنه مفكر ألماني هبط مصادفة في أرض ~~إنجليزية. # ونستطيع أن نقول إن الكتابين الأولين، من بين كتبه ~~الثلاثة التي عرض فيها نظرته إلى العالم، وهما ~~«الميتافيزيقا» و«الأخلاق»، هما مقدمتان لكتابه الثالث، ~~ففي هذا الكتاب الثالث، وهو «أفكار تركيبية»، الذي يتضمن ~~أفكاره الناضجة، تتجمع كل الأنغام المنفصلة في تفكيره ~~لتكون سيمفونية ميتافيزيقية قوية رنانة، ويفتتح ~~الكتاب بما يمكن أن يعد تاريخا للوعي أو «ظاهريات ~~للروح»، يصور فيها المراحل التي ترتفع فيها الروح ارتفاعا ~~متزايدا من أدنى مستوى «للوعي العضوي» المقيد بالنزوع ~~والإحساس، إلى تحقيق طبيعتها الحقة. فالمرحلة الأولى للوعي ~~هي إحساس خالص لا تنوع فيه، وهنا لا تكون الذات قد ~~تميزت بعد عن كتلة الموضوعات، وإنما ترقد كالجنين النائم ~~في أحشاء وجود له طابع عام غير محدد. ومع ذلك فهي ~~«موجودة» هناك في صورة بذرية. والمرحلة التالية هي ~~الإحساس الذي يتميز بأنه وعي بآخر، نحس به في التجربة ~~على أنه خارجي، فالذات هنا تتلقى منبهات خارجية وتدركها ~~في صورة غامضة، وهنا تظهر لأول مرة ثنائية الذات ~~والموضوع، وتغدو الذات الحاسة - بفضل عملية صبغ انطباعاتها ~~بصبغة خارجية ms414 - إيجابية لا سلبية فحسب، والمرحلة التي تلي ~~ذلك هي أعلى مراحل الإحساس. وينحت لوري لهذه المرحلة لفظ ~~«الإحساس ~~المميز # attution ~~»، فهي مرحلة تتوسط بين الإحساس ~~بمعناه السابق وبين الإدراك الحسي، فيها تدرك الذات الفروق ~~بين «الأشياء»، وتميز الواحد منها عن الآخر، دون أن تتمكن ~~بعد من تحرير نفسها من سيطرة المجال الموضوعي، فالإحساس ~~المميز، على حد تعبير لوري، هو الشعور «بكثرة في وحدة» وهو ~~«نظرية تركيبية إلى الموضوع»، وهو «إحساس بوجود شيء يوضع ~~بالتفكير أو رد الفعل، خارجا عند النقطة التي يرجع إليها أصله.» # 121 # وعندما تضاف الإرادة، التي هي إيجاب محض، إلى ~~الإحساس المميز، الذي هو «سلبي إيجابي» فحسب، نصل إلى ~~مرحلة الإدراك ~~الحسي # perception ~~، وهنا يدرك الموضوع، لا على أنه ~~مختلف عن الذات فحسب، بل على أنه مقابل لها أيضا، ويربط ~~بوحدة الوعي عن طريق فعل التأكيد أو الإقرار ~~( # assertion ~~). وهكذا ~~يتحقق الانفصال النهائي بين الذات والموضوع، وتبلغ بذلك ~~مرحلة العقل ، إذ يتغير ذكاء الإحساس المميز الحيواني، ~~والإدراك الحسي الإنساني، عن طريق ظهور النشاط الخالص ~~للإرادة، وهنا تعتبر حدود ما دون العقل، وتصبح الذات عاقلة ~~بصفة نهائية. غير أن أساس العقل وصورته وماهيته هو ~~الإرادة، فأعلى صورة للوعي هي حدس فوق العقلي، يستعاد فيه ~~الطابع الأصلي المباشر للشعور. # ويتصور لوري تقدم الوعي هذا بصورة ديالكتيكية؛ ولذلك ~~فإنه يعرضه على شكل برهان عقلي. أما في المجلد الثاني، ~~الذي ينتقل فيه إلى مذهبه في الله والإنسان، والذي تبلغ ~~فيه قوته التأملية أعلى مستوى لها، لا نعود إزاء برهان، ~~وإنما كشف عن أعمق تجارب نفس تبحث عن الله، فهو هنا يخوض ~~مشكلة طبيعة الله من جميع أوجه التجربة البشرية، ويسلط ~~عليها أنوارا كاشفة تتجمع فيها، منبعثة عن الإحساس ~~والإرادة والعقل. ومن هنا كان ذلك الفيض من الصفات التي ~~تتسابق على شفتي هذا الحالم الذي أسكرته رؤيته، فالله هو ~~الكل في الكل، والواحد في الكثير، والهوية في الاختلاف ~~والشامل اللامتناهي الأزلي، وهو منبع الأشياء ومقرها، وهو ~~العمق الأكبر، والحب الأعظم والجمال والخير ms415 والحق. غير أنه ~~- مع ما يتسم به وجوده من هذا الطابع غير المقيد بشرط - ~~ليس بعيدا عنا، فالإله العالي المحض الذي عرفه مذهب ~~الألوهية الطبيعية، لا معنى له بالنسبة إلى روح تتحرق ~~شوقا إلى الوحدة الصوفية، مثل روح لوري. فهو (على حد ~~التعبير المجازي القوي الذي استخدمه لوري) أقرب إلى أن ~~يكون إلها ذهب في سفرة أو غلبه النعاس، وإنما الله حياة ~~وفعل وقدرة خلاقة، فضلا عن كونه وجودا. ومن هنا وجب أن ~~يتخذ صبغة خارجية ويدخل في العالم الزمني ليستقر في ~~الأرواح المتناهية التي أوجدها، وهذا الخروج عن ذاته هو ~~وحي لمخلوقاته (ويستخدم لوري نفسه لفظي # outerance # و # utterance # للتعبير عن ~~معنى الخروج عن ذاته والوحي على التوالي)، كل ذلك ينبغي ~~ألا يفهم على أنه قول «بشمول الألوهية # pantheism ~~»، فالعملية ليست صدورا، ~~وإنما هي عملية ديالكتيكية، والمطلق يشمل السلب المحض، ~~بوصفه جزءا من ماهيته، وعن طريقه يتكون في مقابله ~~الوجود المغاير له - أي المتناهي والزمني والفردي - ومع ~~ذلك يظل الله متغلغلا في هذا الوجود المغاير ومشتملا ~~عليه، بحيث إن الشخص المتناهي يظل محتفظا بفرديته، حتى في ~~الوحدة الصوفية مع الله، التي يصفها لوري بلغة كلها وجد ~~وشوق. # أما آراء لوري في الإنسان فترجع إلى رأيه في المراحل ~~الثلاث للوعي، فليس في وسع الإنسان أن يظل في مرحلة ~~الإحساس المميز، التي يكون فيها الإنسان مجرد مركب حيواني ~~من رغبات ونزعات وإحساسات جزئية. فلما كان الإنسان قد ~~وهب عقلا، فإنه يهدف إلى تحوير هذه العناصر غير ~~المنظمة بحيث تدخل في الوحدة العاقلة لشخصية أخلاقية، ~~فالتجربة البشرية هي ديالكتيك للإرادة، ما دامت تنطوي ~~أساسا على شوق إلى المثل الأعلى والمطلق. ومن يخفق في ~~مسايرة هذا الديالكتيك الإرادي يهبط إلى مرتبة أدنى، أما ~~من يسايره ويحقق ذاته الحقة، فإنه يشارك - حتى في أثناء ~~خضوعه لقيود الزمان - في الحياة الأزلية لله، ويصطفيه الله ~~ليكون زميلا له في تحقيق غاياته الأزلية؛ ذلك لأن الله في ~~هذا العمل محتاج إلى الإنسان. # وعند هذه النقطة يجمع لوري ms416 خيوط خطته الطموحة ليصل بها ~~إلى قمة شامخة، فالعنصر السلبي للأشياء يعود إلى الظهور ~~ثانية في صورة الشر، والشر هو «إخفاق الإله الخلاق في ~~تحقيق المثل الأعلى للفرد والكل على مستوى الوجود الذي ~~يشغله الإنسان.» # 122 # ولا شك أن من المفزع الكلام عن إخفاق الله، ~~ولكنا عندما نفكر في الشر، وفي العنصر اللامعقول في ~~العالم، وفي «اللا ~~الدائمة # everlasting No ~~» (ويأخذ لوري هذا التعبير عن ~~كارليل)، نضطر إلى أن نطرح جانبا التعبيرات المريحة التي ~~ألفها العرف السائد. فلا يمكن أن يكون الألم والشقاء ~~والخطيئة عناصر تنتمي إلى خطة الخالق؛ لذلك نضطر إلى أن ~~نفترض أن المبدأ السلبي قد أثبت - على نحو ما - أنه أقوى ~~من أن يتغلب عليه الله. وإذن فالشر حقيقة في نظام الكون، ~~ولا بد، بهذا الوصف، أن يكون مصدره هو الله، ولكنه لا يمكن ~~أن يكون قد أتى عن طريقه. وهكذا يتقدم لوري إلينا - كما ~~فعل الكثيرون من معاصريه - بفكرة إله محدود، تقابله ~~صعوبات محيرة، ويعاني هو ذاته من خلقه، ويسعى إلى التغلب ~~على نواحي النقص فيه، ويحتاج من أجل نجاح مسعاه إلى مساعدة ~~الإنسان، وبهذا المعنى تكون الموجودات المتناهية شريكة لله ~~في الألم، وفي العمل والجهد، بل إنها - على الرغم من ~~تناهيها - ترتبط بالله إلى حد يتعين معه أن نفترض خلودها، ~~«فالإنسان الذي يصبو، في هذا المكان والزمان، إلى الوحدة ~~مع الله، يجعل من نفسه - لهذا السبب ذاته - خالدا، بقدر ~~ما يدمج روحه المتناهية في حياة الروح الأزلية ذاتها، ~~وينجرف في تيار ذلك الذي لا يموت.» # 123 # فالإنسان إلهي بقدر ما يكون إنسانا، أو بقدر ~~ما يكون كائنا عاقلا، وبالتالي لا مفر له من المشاركة في ~~الحياة الإلهية، وهذا هو ضمان الخلود الذي لا يمكن أن ~~يمدنا به البحث التجريبي بطبيعة الحال. # يقف تفكير فوست بمعزل عن الفلسفة المصطبغة بالمعقولية، ~~مثلما ظل هو نفسه بمعزل عن الحياة الأكاديمية، فهذا ~~التفكير يمثل نمطا في الفلسفة نادرا نسبيا في إنجلترا، ~~ولكنه شائع نسبيا في البلدان الأخرى، ونستطيع أن ms417 نطلق ~~عليه اسم «المثالية ~~الخيالية # Fanciful Idealism ~~»، مستخدمين نفس التسمية التي ~~استخدمها كانت، دون أن يكون لها مبرر كبير، للإشارة إلى ~~مذهب باركلي، فهو واحد من أولئك الذين «يشيدون قصورا ~~فكرية متعددة في الهواء» مستعيرين تعبيرا آخر لكانت، ~~ويحلقون فوق التجربة عاليا، وكما يدل عنوان كتابين من ~~كتبه المتأخرة، # 124 # فهو ينسب إلى الخيال دورا أساسيا، جاعلا ~~منه الملكة الفلسفية على التخصيص، بل أساس الحقيقة ذاتها، ~~فالخيال هو مبدؤه الميتافيزيقي الأول، والعالم ليس إرادة ~~أو حضورا لتمثلات أو عقلا، وإنما هو تخيل خلاق. وهو يدرك ~~- إذ يطلق على موقفه العام اسم «المذهب التخيلي» - أنه يقف ~~موقف المعارضة الشديدة لفكرة الشمول المنطقي عند هيجل. ~~ويمضي في كراهيته للعقل إلى حد أنه قال في أحد المواضع ~~بشيء من التباهي: «وهكذا تخلصنا من العقل.» # 125 # والحق أن فلسفته، وإن لم تكن قد تخلصت من ~~العقل تماما، هي نتاج لذلك الخيال الأدبي الذي اتخذت منه ~~مبدأ أول للأشياء جميعا. # وعلى الرغم من تفاخر فوست بجدة آرائه، فقد كان يدرك تمام ~~الإدراك أن هناك فلاسفة آخرين سبقوه في هذا المضمار، وكان ~~يشير إلى آرائهم على الدوام، فإلى جانب ما نجده عند كانت ~~من ميل ضئيل في هذا الاتجاه، نجد الخيال المنتج يظهر لأول ~~مرة بوصفه نشاطا لا متناهيا عند فشته، ثم يظهر بعد ذلك ~~في تفكير واحد من أنصار «التومية الجديدة # New Thomism ~~، هو فروهشامر # Frohschammer ~~»، # 126 # أما بالنسبة إلى المفكرين المتأخرين، فإن فوست ~~يشعر بأن أقربهم إليه هو برجسون، بفكرته في الحدس والتطور ~~الخلاق، كما تجمعه ارتباطات أقل وثوقا بهوايتهد وماكنزي ~~وشيلر. على أن تفكيره في تركيبه الباطن - أو على الأصح في ~~رؤياه - كان أقرب إلى موقف لوري، الذي كان يماثله في ~~شطحاته التأملية، منه إلى تفكير أي معاصر آخر له، ومع ذلك ~~فقد كان يفضل - كما هو متوقع - أن يتجه إلى الشعراء، ~~بوصفهم أناسا أقدر على الرؤية المتعمقة في الأشياء من ~~الفلاسفة. ففي نظره أن وليم ~~بليك # W. Blake # هو «شاعر المذهب التخيلي»، ms418 كما كانت ~~أشعار شيلي، المبنية على فكرة شمول الألوهية، مصدرا آخر ~~مألوفا لأفكاره. # ويسمي فوست - الذي كان على استعداد دائم لنحت ألفاظ ~~جديدة - ماهية الحقيقة باسم «المتخيلة # imaginal ~~»، للدلالة على نشاط واع يعد ~~الخيال أقرب نظير بشري له، وهو ينحت لها لفظا آخر، هو ~~لفظ # conspiring ~~، فهو نشاط ~~لا متناه، يجمع بين خلق كل ما في العالم وحفظه، وبين ~~إنتاجه وإكثاره. وما الطبيعة إلا مرحلة في عملية الخلق ~~الكلية، فهي مغامرة أو محاولة إلهية، إن جاز هذا التعبير، ~~والقوى الدافعة لها هي القوى الجديدة العرضية الدينامية ~~الخلاقة، لا التحديد العلي بما فيه من تماثل دائم. ~~وهكذا فإن عالم الفيزياء ليس عالما حقيقيا، وإنما هو ~~عالم تصوري فحسب، وهو طيف بلا قوام، إذا ما قارناه ~~بعينية العالم الواقعي وامتلائه وتنوعه ~~اللامتناهيين. # وهو ينظر إلى المرحلة الأصلية للوجود على أنها انسجام ~~سكوني محكم، وعلى أنها كل لا يتغير، لا يوجد فيه من كل ~~شيء إلا بذرته، ويسمي فوست هذه المرحلة باسم «المتخيل ~~العظيم # the great imaginal ~~»، ومنه يظهر بضربة واحدة النظام ~~الطبيعي، الذي تكتسب فيه الأشياء تنوعا ، ويقابل بعضها ~~بعضا، وتدخل في التعاقب الزمني. على أن هذه العملية تعكير ~~للانسجام الأصلي، وهي «سقوط ميتافيزيقي»، أو كما كان ~~شوبنهور خليقا بأن يسميها جريمة الفردانية. وهكذا يسعى ~~المبدأ الكوني إلى الهروب من هذا الرجوع إلى الزمان ~~واستعادة انسجامه. فالنظام الحالي للحوادث هو ساحة تتصارع ~~فيها القوى التي تعمل على الإخلال بالنظام، وتلك التي تعمل ~~على بعث الانسجام، ولا بد أن يكتب النصر للأخيرة؛ لأنها ~~هي التي تضفي على العملية الكونية معناها، أي تطورها ~~الخلاق، وصعودها إلى مستويات أعلى للوجود، وفي هذا الصعود ~~- الذي هو عودة الأشياء إلى قلب الوجود كله - يكون الخلاص ~~من كل نقص وتنافر وشر. إن العالم الذي نحيا فيه مليء حقا ~~بالألم والحاجة والخطيئة، غير أن لنا الحق في أن نفترض أنه ~~قادر على تحسين ذاته، وأنه سيعمل بالتدريج وبمضي الوقت، ~~على مساعدة الخير على الانتصار. # تتحقق في باكس دعوة جرين ms419 للجيل الجديد في العقد الثامن ~~من القرن الماضي إلى الانصراف نهائيا عن تعاليم مل ~~وسبنسر، والتحول إلى مؤلفات كانت وهيجل، ففي شبابه كان ~~يلتزم تماما نطاق المذهب التجريبي عند ليويس وبين ومل ~~وسبنسر، كما حضر اجتماعات الوضعيين، وبعد ذلك تعرف إلى ~~إدوارد فون هارتمان في رحلة إلى ألمانيا كان لها أثرها ~~الحاسم في حياته، فأسفر ذلك عن دراسة عميقة للمثالية ~~الألمانية في صورها المتعددة، أقنعته بأن طبيعة الفلسفة ~~الإنجليزية التقليدية سطحية لا أساس لها. هذا التحول ~~الأساسي، الذي نجم عن اتصاله المباشر بخالقي المثالية ~~نفسها، أكثر مما نجم عن اتصاله بأتباعها من الإنجليز، قد ~~حدث في بداية العقد التاسع، وقضى باكس بقية حياته ~~مثاليا، فمنذ ذلك الحين أصبحت ألمانيا بالنسبة إليه ~~وطنا روحيا، كما كانت من قبل بالنسبة إلى كارليل، وكما ~~كانت في نظر معاصره هولدين. # وكان باكس يرى أن القضية الأساسية في المثالية هي المبدأ ~~القائل: إنه لا يمكن أن توجد حقيقة خارج كل علاقة بالوعي، ~~والوعي مركب لا ينفصم، يتألف من عوامل ثلاثة هي، ~~«هذا # that ~~» الذي ~~يدرك، «وشيء ~~ما # some what ~~» هو الذي يدرك، وصورة الفكر، التي هي ~~علاقة متبادلة بين العاملين السابقين. وهكذا تتألف ~~التجربة العينية أو الحقيقة من عاملين على الأقل: أحدهما ~~مادي والآخر صوري، بحيث تكون وحدة الاثنين هي أساس موضوعية ~~الفكر. وإذا تأملنا الأمر من منظور أوسع، لقلنا إن ~~الثنائية الأولية للواقع تبدو على أنها هي التقابل بين ~~المعقول واللامعقول، أو كما يفضل باكس تسميتها، المنطقي ~~واللامنطقي. وليس معنى ذلك أن هذين يحدثان، أو يمكن أن ~~يحدثا، منفصلين في التجربة العينية، وإنما هما قابلان ~~للتمييز الواضح بالمعنى الحقيقي، أي بمعنى أن أحدهما يسود ~~في مراحل معينة للواقع، والآخر يسود في مراحل أخرى. ~~فإلى العنصر المنطقي ينتمي كل ما يقع في مجالي الفكر ~~والعقل، أما اللامنطقي فيوصف بأنه هو الإحساس الخالص، وهو ~~النزوع والقوة الدافعة في كل حركة وتغير، فالأول يمثل ~~الأوجه السكونية الكلية اللامتناهية للواقع، والثاني يمثل ~~النواحي الحركية والجزئية والمتناهية، الأول إمكان، ms420 ~~والثاني واقع، والأول قانون، والثاني اتفاق. # ونستطيع باستخدام لغة ريكرت # Rickert ~~، أن نصف تفكير باكس بأنه ~~«متغاير ~~الأسس # beterothetic ~~»، إذ يبدأ بتأكيد الواحد «والآخر»، ~~فالاثنان معا هما اللذان يؤلفان الواقع كله، والتخلي عن ~~أي منهما لا يدع شيئا سوى التجريد الخاوي، وفي رأي باكس ~~- وهو رأي غير صحيح - أن طرح العامل اللامنطقي جانبا هو ~~السمة والمغالطة المميزة لفلسفة هيجل؛ ذلك لأن معارضة باكس ~~لأي مذهب واحدي من هذا النوع، وهي المعارضة التي رأى أنها ~~هي مهمته الرئيسية؛ قد جعلته يميل إلى الانتقال إلى الطرف ~~المضاد الآخر، بحيث أضفى على العامل اللامعقول القيمة ~~الميتافيزيقية العليا، فهو يعرض العملية الكونية على أنها ~~صراع مستمر بين المبدأين، بحيث يسعى المنطقي على الدوام ~~إلى قهر اللامنطقي، ولكنه لا ينجح أبدا في ذلك نجاحا ~~كاملا، وهكذا يميل إلى أن ينسب إلى اللامنطقي مركزا ~~مطلقا، وينتهي - بعد التوحيد بينه وبين الإرادة - إلى ~~مذهب في شمول ~~الإرادة # panvoluntarism # يشترك في نقاط كثيرة مع مذهب ~~شوبنهور. وإلى هذا الحد نراه يحيي الصراع القديم الذي ~~احتدم داخل المثالية الألمانية بين مذهب هيجل ومذهب ~~شوبنهور. وفي الوقت ذاته أدى به النظر إلى المطلق على أنه ~~إرادة، إلى معارضة فكرة برادلي وبوزانكيت عن النسق التام ~~الاكتمال، الذي يظل محتفظا بانسجامه السكوني الهادئ من ~~فوق كل ما تتصف به الأشياء من عدم استقرار وتنافر، فالمطلق ~~عند باكس هو حركة دينامية وصيرورة مستمرة، وهو تطور ~~دائم التقدم، ولكنه غير متجانس، نحو تحقيق الوعي الذاتي ~~لنفسه، وتلك صورة تحمل طابع فكرة الإرادة عند شوبنهور ~~والمدة عند برجسون. # ويتبدى التقابل الأساسي داخل الواقع، في مجال الأخلاق، ~~في صورة التقابل بين الخير والشر، ولكن عندما انتقل باكس ~~إلى عرض تفاصيل هذا التطبيق لمبدئه الميتافيزيقي العام، ~~تناقض على نحو غريب مع مذهبه الميتافيزيقي؛ إذ يظهر لنا، ~~في هذا المجال، أن الخير، لا الشر، هو العامل الأقوى. صحيح ~~أن الشر لا يمكن أن يقضى عليه تماما، بل ينبغي أن يظل ~~إمكانه على الأقل قائما على الدوام، غير أن ms421 الشر العيني - ~~كما نعرفه - عابر، ولا بد أن يقهره الخير ويمحوه. وإذن ففي ~~العملية الكونية ميل أصلي نحو التحقيق الظافر للخير، وفي ~~التجربة ترجح كفة الخير على الشر دائما، فالهدف هو الخير، ~~بحيث لا يظل الشر قائما إلا من حيث هو إمكانية فارغة. ~~وهنا ينزلق باكس على الرغم منه إلى مياه التفاؤل الضحلة ~~عند هيجل وبرادلي، ملتفا بسفينته دون اهتمام بما يقع ~~فيها من تناقض حول صخور تشاؤم شوبنهور، وهي الصخور التي لو ~~كان قد استرشد ببوصلته الميتافيزيقية، لتحطمت سفينته عليها ~~تماما، ولنتحدث بلغة مجازية أخرى، فنقول: إنه عقد ~~زواجا غير موفق تماما بين اللامعقولية الميتافيزيقية ~~وبين التفاؤلية، أو بين مبدأ أساسي عند شوبنهور وبرجسون، ~~ومبدأ أساسي لا يقل عنه أهمية عند هيجل وبرادلي. # أما نظرية المعرفة عند باكس، التي لا يتسع المقام هنا ~~لعرضها، فتسير في عمومها في اتجاه كانت، كما أن فلسفته في ~~تحقيق الإنسان لنفسه روحيا، ترتكز على نظرية في القيم ~~يلمح إليها أكثر مما يعرضها صراحة، وهي تلتقي في نقاط ~~متعددة مع أفكار فندلبانت وريكرت. أما فلسفته في المجتمع ~~فهي ترتبط بالماركسية، كما يتوقع المرء من دفاعه الحار عن ~~الاشتراكية، وإن يكن يفسر الماركسية تفسيرا مثاليا، ~~ويرفض بذلك نظرية ماركس المادية في التاريخ. # والواقع أن الاستقبال الذي لقيته أفكار باكس لا يتمشى مع ~~قيمتها على الإطلاق، فلم يكن له تأثير يستحق الذكر، كما أن ~~الفلاسفة الأكاديميين كانوا يجهلونه تقريبا، ولما لم يكن ~~قد درس أو درس في جامعة، وإنما سار في طريقه الخاص، فقد ~~لقي نفس مصير الكثيرين غيره من الدخلاء، فقد نظرت إليه ~~الأوساط الجامعية المقفلة على نفسها باستياء؛ فأحس مثل ~~شوبنهور - الذي كان يشترك معه في نقاط كثيرة - بشيء من ~~السخط على «الفلسفة الاحترافية لأساتذة الفلسفة». # 127 # كان هورنلي - مثل مرتس # Merz ~~- ألمانيا في أصله وفي تعليمه ~~الأول، ولكنه كان مواطنا إنجليزيا، وكان أول معلم ~~فلسفي له، وهو طالب بكلية باليول بأكسفورد، هو إدوارد ~~كيرد؛ فاكتسب منه أول ميوله الفلسفية. ولقد عمل بضع سنوات ms422 ~~مساعدا لبوزانكيت في سانت أندروز، فبدأت بينهما صداقة ~~دامت حتى وفاة بوزانكيت. # وكان تأثير بوزانكيت في هورنلي أعظم من تأثير أي مفكر ~~آخر فيه: «فبقدر ما أستطيع أن أحكم، أجد نفسي مدينا له ~~بالإطار الأساسي لتفكيري الفلسفي الخاص، أكثر مما أدين به ~~لأي كاتب آخر على حدة»، # 128 # على أنه - باستثناء ذلك - لم يكن مقيدا بأية ~~مدرسة بعينها أو بأي اتجاه خاص، وإنما كان جهده موجها ~~إلى الانتفاع من أذهان متعددة في سبيل هدف مشترك، ~~محاولا أن يحقق ما أسماه بوزانكيت «بالتقاء الأضداد في ~~الفلسفة المعاصرة». وكان يسعى إلى ما أسماه - مقتديا ~~بمرتس # Merz ~~- بالنظرة ~~الجامعة أو الموقف الجامع، وهو الجمع في التفكير بين كل ~~الأوجه المختلفة للتجربة في كل منظم. وهو ينظر إلى الروح ~~الفلسفية على أنها - في أعلى تعبير عنها - روح الكل، بحيث ~~إن التفلسف ما هو إلا تلمس التفكير طريقه إلى موقف عقلي ~~من الكون في مجموعه، على أن ذلك يعني في نظره أن يضيف ~~المرء إلى المذاهب الموجودة مذهبا آخر، يحدد فيه لكل ~~شيء مكان ثابت؛ فليس جمود المذهب هو المطلوب، وإنما ~~المطلوب هو اتساق الموقف، دون تقيد بمدرسة أو تبعية ~~لعقيدة. # ويظل موقف هورنلي الجامع ساريا في معالجته للمشكلات ~~الخاصة، فلنتناول - على سبيل المثال - مشكلة الكليات أو ~~تصورات الفئة؛ فهو - كالهيجليين - يعدها عينية لا مجردة، ~~وهي لا تمثل فقط إدراك عدة أشياء على أنها متماثلة، بل ~~أيضا إدراك فروقها الفردية في سياق متماثل، بحيث يمكن ~~تطبيقها أيضا على المراحل المتعددة لسلسلة نامية # developmental ~~series # بل على صور القيمة ~~المثالية. وهكذا فإنها لا تمكن من قيام الأحكام الوصفية ~~والتصنيفية فحسب، بل تمكن من قيام الأحكام المعيارية ~~أيضا. # ولما كان مركز هورنلي قد أتاح له أن يوسع نطاق تفكيره ~~ويسير فيه بحرية، فقد أخذ عن التفكير المعاصر واستوعبه كما ~~وجده إلى حد بعيد، وكان موقفه العام مثاليا بمعنى أنه ~~تأملي موجه إلى الكل. أما تعاليمه فلا تتميز في جميع ~~أجزائها بالمثالية، وليست كذلك بالضرورة، وإنما تحوي ~~عناصر ms423 مستمدة من أشد المذاهب والاتجاهات تباينا، وخاصة ~~تلك التي كانت موجودة في العالم الأنجلوسكسوني في أيامه؛ ~~ففيها عناصر من برادلي وبوزانكيت وغيرهما من المثاليين، ~~ومن فلسفة الطبيعة عند هويتهد، ومن نقد «برود # Brood ~~» للآلية، ومن فلسفة ~~ج. س. ~~هولدين # J. S. Haldane # البيولوجية، ومن «النزعة الكلية # Holism ~~» عند ~~سمطس # Smuts ~~، ومن ~~الصورة الخاصة التي اتخذها المذهب السلوكي عند هولت # Holt ~~، ومن فلسفة الدين عند ~~وب، كما أن فيها عناصر من مينونج # Meinong # وهوسرل وبرجسون. فتفكيره ~~تلفيقي توفيقي، وهو، كأي مذهب تلفيقي، جذاب أكثر مما هو ~~محكم، ومتقبل سلبيا أكثر مما هو أصيل، ومركب صناعيا ~~أكثر مما هو خلاق. # لا تكاد مثالية «ولدن كار» ترتبط على أي نحو بالكانتيين ~~والهيجليين الإنجليز، فهي تستلهم مصادر أخرى وتستمد ~~محتواها منها. ولقد كان مجرى حياته ذاته غير مألوف إلى ~~حد بعيد، بل يمكن القول إنه كان مثيرا، فقد كان في ~~البداية كاتبا في البلدية، ثم في شركة للأسهم والسندات ~~وحضر في هذه الأثناء دراسات مسائية في «كنجز كوليدج» ~~بلندن، فتولد لديه اهتمام بالفلسفة (وكان الكتاب المحببون ~~إلى نفسه هم أفلاطون وباركلي وهيوم). وانضم إلى الجمعية ~~الأرسططالية في السنة الثانية من إنشائها، وسرعان ما أصبح ~~سكرتيرها وواحدا من أبرز أعضائها . وكان قد تجاوز الخمسين ~~من عمره عندما أدى ظرف عارض إلى تنبهه إلى كتاب برجسون ~~«التطور الخلاق» الذي كان قد ظهر حديثا، كما وجد أن ~~اهتمامه موزع بين مثالية كروتشه وجنتيلي من جهة، وفيزياء ~~أينشتين الجديدة من جهة أخرى، ومنذ ذلك الحين انفجر ~~نشاطه، وتبدى ذلك في سلسلة ضخمة من الكتابات الفلسفية ~~التي شملت ترجمات، ومؤلفات للعرض والشرح، ومحاولات مستقلة ~~لبناء مذهب بناء، وقد شغل أول منصب أكاديمي له وهو في ~~الحادية والستين من عمره، وهو كرسي الفلسفة بجامعة لندن، ~~ثم انتقل بعد سبع سنوات إلى كرسي مماثل في أمريكا، وكرس ~~له السنوات الست الباقية من حياته الغريبة الرائعة. # أما نظرته الفلسفية الخاصة، التي عرضها أولا في كتاباته ~~النقدية الشارحة، فقد بلغت صورتها النهائية في ms424 كتابه ~~«أفكار تأملية»، وهو كتاب موجز ولكنه مثقل بالمعاني. ~~ويتألف الكتاب من مركب من عدة اتجاهات فكرية كان قد ~~استوعبها استيعابا خارجيا. وقد احتلت ميتافيزيقا برجسون ~~مكان الصدارة بين هذه الاتجاهات؛ إذ إن تعرفه إليه لأول ~~مرة كان له فيه تأثير بلغ من العمق حدا جعله يسمي هذا ~~التأثير تحولا فلسفيا كاملا. ولقد كان هو أول من دعا ~~إلى البرجسونية في إنجلترا، وظل أكثر أنصارها تحمسا، وكان ~~يعد صاحبها آخر فيلسوف عظيم ظهر في العالم، ونبي مذهب ~~مثالي جديد في الفعل والخلق. أما المؤثر التالي فأتاه من ~~المثالية الإيطالية التي بذل جهده لكي ينشرها بدورها، وأتى ~~المؤثر الأخير من الفيزياء الجديدة، ففي النزاع الذي نشب ~~بوجه عام بعد الحرب، حول التفسير الفلسفي لنظرية النسبية، ~~انضم إلى صفوف أولئك الذين علقوا عليها أهمية كبيرة، ~~وحاولوا استخلاص نتائجها الفلسفية واستيعابها، وأصبح هدفه ~~الأساسي إيجاد «تحالف ودي» بين الفيزياء الحديثة ~~والميتافيزيقا الحديثة، وأكد مرارا - على وجه العموم - ~~ضرورة التعاطف والتعاون الوثيق بين الفلسفة والعلم. وكان ~~يعتقد أن نظرية أينشتين تمثل تجديدا وتحقيقا لمذهب ~~الذرات الروحية عند ليبنتس على يد مناهج العلم الحديث، وأن ~~النظرية الجديدة في الذرة، ولا سيما نظرية الكم، لها ~~أهمية عظمى بالنسبة إلى المثالية؛ لأنها هدمت أساس ~~المادية التوكيدية، التي ارتكزت على فيزياء عفى عليها ~~الزمان. ولقد كان تأثير ليبنتس عليه أقوى من تأثير أي ~~مفكر قديم آخر. وكان آخر تعبير عن فلسفته في كتابه ~~«أفكار تأملية» هو في الواقع نظرية في الذرات الروحية، ~~تابع فيها نظرية ليبنتس في نواح عديدة هامة. وله كتاب ~~سابق بعنوان «نظرية في الذرات الروحية» يحاول فيه إيجاد ~~مركب بين ميتافيزيقا ليبنتس وبين فيزياء أينشتين، أما في ~~نظرية المعرفة فإن موقفه يقترب كثيرا من موقف باركلي، مع ~~استخلاص نتائج تنتمي إلى مذهب «الذات الوحيدة» ~~( # Solipsism ~~)، وهي ~~نتائج لم يتردد في إعلانها صراحة. # ومن الواضح «أن هذه المثالية الجديدة» - على خلاف ~~القديمة - لم تكد تتأثر بالحركة الفكرية التي بدأت بكانت ~~وبلغت قمتها عند هيجل، فهي تشابه ms425 المثالية القديمة في ~~مهاجمتها للمادية والحتمية والتطورية وغير ذلك من صور ~~المذهب الطبيعي في القرن التاسع عشر، غير أن هجومها كان ~~قائما على القول بأن العلم الجديد في القرن العشرين قد ~~هدم النظريات العلمية التي ارتكزت عليها هذه المذاهب، وكان ~~هذا هو السبب الجديد الذي قدمه لاستبدال التطور الخلاق ~~بالتطور الآلي، والحرية والتلقائية بالضرورة، والصيرورة ~~بالوجود، والأفعال بالأشياء، والحياة بالمادة، والحدس ~~بالذهن المقالي. # وهكذا ينبغي إدراج مذهب كار ضمن «فلسفات الحياة» التي ~~يتميز بها وقتنا هذا، والتي أثبت برجسون أنه أروع وأقوى ~~ممثل لها. وتقترب هذه الفلسفة في نواح معينة من ~~البرجماتية، وإن لم يكن التقارب معترفا به. أما الصفات ~~التي ادعتها لنفسها فهي أنها مثالية (على غرار ليبنتس ~~وباركلي) في الميتافيزيقا، وإدارية في الأخلاق، ومجددة في ~~الدين، ونسبية في العلم. وعلى الرغم من كل ما بدا عليها من ~~وحدة، فقد تأثرت بعمق بكثرة مصادرها، التي بلغت من التنوع ~~حدا يحول دون إيجاد أي مركب أصيل بينها. وهكذا لم ~~يفلح كار في صهر كل ما وضعه في بوتقته؛ فكانت النتيجة ~~- على أحسن الفروض - خليطا مركبا. وعلى الرغم مما أداه ~~من خدمات هائلة، كانت تنطوي على إنكار للذات يصل إلى حد ~~التضحية، في سبيل إيقاظ الاهتمام الفلسفي ونشر الثقافة ~~الفلسفية، فمن الواجب النظر إليه على أنه مفكر تلفيقي ~~متمكن، أكثر منه مفكرا أصيلا، غير أنه كان أكثر الشخصيات ~~جاذبية وأحقها بالاهتمام من بين أولئك الذين خدموا ~~الفلسفة وهم هواة. # كان مرتس - مثل بلفورت باكس - «دخيلا»، فبعد فترة ~~قصيرة من التدريس الأكاديمي، دخل عالم الصناعة، غير أنه ظل ~~في ميدانه الجديد مخلصا للموضوع الرئيسي لاهتمامه العلمي، ~~فكان يقضي في دراسة الفلسفة أوقات الفراغ البسيطة التي ~~سمحت له بها مسئولياته الضخمة في أعماله الاقتصادية. ولقد ~~ذكر هو ذاته أن مؤلفه الرئيسي، تاريخ الفكر الأوروبي، ~~الذي يقع في أكثر من 2500 صفحة، قد كتب معظمه في ساعات ~~الصباح الباكر، ما بين الساعة الخامسة والثامنة، قبل أن ~~يبدأ العمل في أعبائه الثقيلة، ولكنه لم ينج ms426 من المصير ~~المألوف لأي مفكر دخيل؛ فلم يلق من الفلاسفة المحترفين ما ~~يستحقه من الاعتراف، بل إنهم لم ينتبهوا إليه إلا قليلا، ~~أو لم ينتبهوا إليه على الإطلاق. # ولقد أثبت مرتس في هذا الكتاب أنه مؤرخ ومشيد لمذهب في ~~آن واحد، فهو قد أثبت مقدرته من حيث هو مؤرخ؛ إذ إن ~~الكتاب إنتاج تظهر فيه المثابرة وسعة الاطلاع التيوتونية ~~بكل وضوح، ويجمع على نحو موفق بين دقة البحث وبين سعة ~~الأفق والتبصر التاريخي العميق، فهو عمل من الطراز الأول. ~~وكانت المهمة التي أخذها مرتس على عاتقه هي عرض الحياة ~~الروحية للقرن التاسع عشر، بكل مظاهرها المتعددة، في صورة ~~واحدة جامعة. وعلى الرغم من أنه لم يستطع أن ينجز مجلدين ~~كان يعتزم إصدارهما عن الأفكار الشعرية والدينية في ذلك ~~القرن، فإن المجلدات الأربعة المنشورة تكون عملا قويا ~~لم يكتمل، ودليلا بليغا على مقدرة مؤلفها الفريدة ونشاطه ~~الذي لا يكل. # كذلك وضع مرتس لنفسه، في ميدان الفلسفة، خططا طموحة، ~~مستهدفا تشييد مذهب قائم على أسس واسعة، وهنا أيضا لم ~~يستطع إنجاز خططه وإكمالها، غير أن من الممكن بسهولة إدراك ~~الاتجاه الذي كان يسير فيه تفكيره، من خلال تلك الأسس التي ~~وضعها بالفعل لمذهبه، فقد كان التأثير الحاسم على تفكيره ~~هو تأثير الفلاسفة الألمان، وهو لم يتأثر بكانت وهيجل بقدر ~~ما تأثر بليبنتس وشيلر ماخر ولوتسه، وأهمهم هذا الأخير، ~~الذي اتصل به شخصيا خلال الفترة القصيرة التي درس فيها ~~في جوتنجن. وبعد عودته إلى إنجلترا تأثر أيضا بالاتجاهات ~~الفكرية الإنجليزية المميزة، ولا سيما تلك التي ارتبطت ~~بباركلي وهيوم، والنوع الجديد من علم النفس الاستبطاني ~~الذي استحدثه وورد وجيمس، أما الحركة المثالية الجديدة في ~~إنجلترا فلم تكد تؤثر فيه على الإطلاق. # ولقد كان جهده الأساسي، الذي عبرت عنه كتاباته التاريخية ~~والفلسفية على السواء منصرفا إلى بلوغ ما أسماه بالنظرة ~~«الجامعة # Synoptic ~~» ~~إلى الواقع، بحيث ينظر إلى أي كل، لا في كثرة أجزائه ~~وعلاقاته فحسب، بل في كليته أيضا؛ فتلك في نظره هي المهمة ~~المميزة ms427 للفلسفة، التي ترتد لهذا السبب آخر الأمر إلى نوع ~~من الرؤية الفنية، على الرغم من كل ما في تفاصيلها من دقة ~~وما في براهينها من إحكام. ومن هنا كان حرصه على التوفيق ~~بين العلم والدين، اللذين كان انفصالهما وتنافرهما في رأيه ~~خطرا يهدد وحدة حياتنا الروحية. ولقد طبق على هذه المشكلة ~~العامة منهجه الجامع، كما طبقه على عدد من المشكلات ~~الخاصة، كمشكلة العلاقة بين العالم الباطن والعالم ~~الخارجي، وبين الذات والموضوع، وبين الواقع والقيمة، ~~وحاول، مستلهما روح لوتسه، أن يزيل الشقاق القديم بين ~~حاجات القلب ونتائج البحث العلمي، ولم يكن يحتقر العلم - ~~فقد كان له هو ذاته إلمام واسع بالفيزياء والكيمياء - ~~ولكنه رأى أن كل بحث علمي لا يتعلق بالتجربة أو الواقع من ~~حيث هو كل، وإنما بوجه محدود جدا له، متبعا في سيره ~~مناهج الانتقاء والتجريد والتحليل والتصنيف. ولا ينتقل إلى ~~مرحلة الإدراك التركيبي إلا في مرحلة متأخرة، وفضلا عن ~~ذلك فالعلم لا يدرس إلا الوقائع لا القيم. أما وجهة النظر ~~الدينية فهي - على العكس من ذلك - تدرك التجربة من حيث هي ~~كل، وتؤكد الارتباطات الإيجابية الهامة في داخلها، ~~وتتجاوز الوقائع إلى القيم، وتركز اهتمامها على الطابع ~~الشخصي للعالم الخاص الذي تكونه القيم، في مقابل العالم ~~اللاشخصي للعلم، والمنهج المتبع في حالة الدين جامع موجه ~~صراحة إلى كشف لغز الشخصية، الإنسانية منها والإلهية، وهي ~~المشكلة التي يعجز العلم الطبيعي عن حلها، وفي هذا التأكيد ~~لمشكلة الشخصية يقترب مرتس من لوتسه. # ولقد أدى تطبيق مرتس لهذه النظرة الجامعة على مشكلات علم ~~النفس ونظرية المعرفة إلى وقوفه موقف المعارضة الشديدة من ~~هيوم، الذي كان يحمل له مع ذلك احتراما شديدا ويدين له ~~بالكثير. فقد أوضح أن هيوم، عندما حل الوعي إلى حزمة من ~~الانطباعات تتصور على مثال الذرات المادية، قد أغفل حقيقة ~~واضحة هي أن الوعي سابق على تحليله، وينبغي أولا أن يوجد ~~لكي يمكن القيام بأي تحليل له. وهكذا كان مرتس متفقا ~~تماما مع علم النفس الجديد عند وورد في ms428 استعاضته عن ~~الفكرة القديمة القائلة بمجموعة متراكمة من المعطيات ~~المنفصلة المفككة، بفكرة المجرى المتصل للوعي، وفي ~~إدخاله للمعطيات الانفعالية والإرادية داخل هذا المجرى ~~المتصل إلى جانب الإحساسات. وقد أدى به التفكير في وحدة ~~الوعي إلى القول بأن التنوعات والتميزات التي تجلبها ~~التجربة - والتجربة وحدها - تفترض كلها نوعا من الوعي ~~«الأولي # primordial ~~»، ~~الذي يتصف هو ذاته بعدم التنوع وعدم الانقطاع، والذي يتخلص ~~بالتالي من أنواع الانفصال، كذلك الذي يوجد بين الذات ~~والموضوع، أو بين الذهن والجسم. وواضح أن هذا الرأي يشبه ~~إلى حد بعيد فكرة برادلي في التجربة التي لا تعرف ~~توسطا، والتي تتألف من إحساس محض. وليس من المؤكد إن كان ~~مرتس قد استمدها من برادلي أو توصل إليها مستقلا، غير أن ~~الواضح أن هذه الفكرة يمكن أن تندرج - بطريقة طبيعية ~~عضوية - في مذهب كذلك الذي يتطلبه مثله الأعلى في النظرة ~~الجامعة إلى الأمور. ms429