######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.FaylusufWaFannMusiqa.Hindawi83516135 #META# Tags: philosophy :: arts #META# ID: 83516135 #META# Title: الفيلسوف وفن الموسيقى #META# AuthorID: 97917158 #META# Author: جوليوس بورتنوي #META# EditorID: 86302574 #META# Editor: حسين فوزي #META# TranslatorID: 90639697 #META# Translator: فؤاد زكريا #META# Related_books: 1450JuliusPortnoy.PhilosopherAndMusic (TRANSL) #META#Header#End# # تصدير المترجم‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - اليونانيون‏ # 2 - الموسيقى في العصور الوسطى‏ # 3 - الفيلسوف والموسيقى في العصر القوطي وعصر النهضة‏ # 4 - الموسيقى البروتستانتية‏ # 5 - الفلسفة الجمالية للموسيقى في عصر ~~الباروك‏ # 6 - المذهب العقلي، والتنوير، والعصر الكلاسيكي في الموسيقى‏ # 7 - الفلسفة التالية ل «كانت» والرومانتيكية ~~في الموسيقى‏ # 8 - الفلسفات الموسيقية في عصرنا الحاضر‏ # 9 - معايير لفلسفة جمالية في الموسيقى‏ # تصدير المترجم‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - اليونانيون‏ # 2 - الموسيقى في العصور الوسطى‏ # 3 - الفيلسوف والموسيقى في العصر القوطي وعصر النهضة‏ # 4 - الموسيقى البروتستانتية‏ # 5 - الفلسفة الجمالية للموسيقى في عصر ~~الباروك‏ # 6 - المذهب العقلي، والتنوير، والعصر الكلاسيكي في الموسيقى‏ # 7 - الفلسفة التالية ل «كانت» والرومانتيكية ~~في الموسيقى‏ # 8 - الفلسفات الموسيقية في عصرنا الحاضر‏ # 9 - معايير لفلسفة جمالية في الموسيقى‏ # | الفيلسوف وفن الموسيقى # | الفيلسوف وفن الموسيقى # تأليف # جوليوس بورتنوي # ترجمة # فؤاد زكريا # مراجعة # حسين فوزي # | تصدير المترجم # في هذا الكتاب محاولة لدراسة ميدان لم يطرق من قبل على نطاق ~~واسع، وهو العلاقة بين آراء الفلاسفة وتطور الموسيقى على مر العصور؛ ~~ذلك لأن من المألوف أن نجد دراسات تكتب عن فلسفة الموسيقى، أو عن ~~آراء فلاسفة معينين أو مدارس فلسفية خاصة في الموسيقى، أما تأثير ~~الفلسفة ذاتها في مجرى الموسيقى، فهو موضوع لم يكتب فيه الكثير من ~~قبل. ولعل السبب الأكبر في ندرة ما كتب عن هذا الموضوع هو الاعتقاد ~~الذي يسود معظم الأذهان، بأن تطور الموسيقى سار مستقلا عن أفكار ~~الفلاسفة، ولم يتأثر بها على الإطلاق، وإن كانت هناك نقاط التقاء ~~معينة بين المجالين تتمثل في تلك الكتابات التي كان الفلاسفة ~~يسجلون فيها أفكارهم عن الموسيقى من آن لآخر، أو في تلك التأملات ~~شبه الفلسفية التي قد يعبر بها الموسيقار عن تجاربه في الحياة ~~والفن. ومع ذلك فمن المؤكد أن القارئ يخرج بعد قراءة هذا الكتاب ~~بانطباع مخالف تماما، هو أن تأثير الفلسفة في الموسيقى كان أقوى مما ~~نتصوره للوهلة الأولى، وأن هناك مصيرا مشتركا يجمع بين هذين ~~المجالين للنشاط الروحي في الإنسان، وأن اللقاء بين ms001 الفيلسوف ~~والموسيقى قد استمر طوال التاريخ، وما زال قائما إلى ~~اليوم. # والقضية التي يدافع عنها المؤلف هي أن آراء الفلاسفة في الموسيقى ~~لم تكن إلا تعقيبات متنوعة على أفكار رئيسية قال بها فيلسوف ~~يوناني كبير هو أفلاطون في محاوراته، ولا سيما «الجمهورية» ~~و«القوانين»، منذ أكثر من ألفي عام. وأهم هذه الآراء أربعة: ~~(أ) # التأثير الأخلاقي للموسيقى، من حيث إن لها القدرة على دعم ~~العنصر الفاضل في الشخصية أو زيادة ميلها إلى الرذائل، تبعا ~~لنوع الألحان والإيقاعات والمقامات المستخدمة فيها. ~~(ب) # التأثير النفسي للموسيقى، من حيث قدرتها على رفع معنويات ~~الإنسان أو الهبوط بها، وشفاء أمراض معينة، أو بعث الاضطراب ~~والاختلال في النفس. ~~(ج) # ضرورة قيام علاقة سليمة بين الأنغام والكلمات، والربط بين ~~الموسيقى والشعر برباط وثيق، وإيثار الموسيقى المصاحبة للغناء ~~على الموسيقى الخالصة في معظم الأحيان. ~~(د) # الشك في قيمة التجديدات الموسيقية، والنظر إليها بعين ~~الحذر، على أساس أن التجديد في هذا المجال قد يؤدي إلى ~~اضطراب في النفوس، وبالتالي إلى اختلال في نظم ~~الدولة. # هذه المبادئ الأربعة على الرغم مما تتضمنه من مواقف سلبية من ~~الموسيقى، تنطوي ضمنا على اعتقاد راسخ بقوة تأثير هذا الفن في ~~الإنسان، وبأن الموسيقى قوة هائلة يستطيع الإنسان أن يستغلها في الخير ~~والشر على السواء، ويمتد نفعها أو ضررها حتى يشمل المجتمع بأسره، ~~وما يسوده من نظم اجتماعية وسياسية؛ لذلك كان الفلاسفة والمفكرون ~~منذ عهد أفلاطون ينظرون بعين الحذر إلى هذه القوة السحرية الجبارة، ~~ويحاولون وضع الضمانات التي تكفل استخدامها لأغراض تلائم القيم التي ~~يدعون إليها. # ويرى المؤلف أن هذه المبادئ هي التي تحكمت في موقف الفلاسفة من ~~الموسيقى طوال عصور الحضارة الغربية؛ فهي قد انتقلت بعد العصر ~~اليوناني إلى المسيحية في العصور الوسطى، وكانت هي المحور الذي دار ~~حوله تفكير آباء الكنيسة الكاثوليكية في الموسيقى، وكذلك آراء المصلحين ~~البروتستانت في عصر النهضة. واستمر الفلاسفة يدعون إلى هذه الآراء في ~~عصر «الباروك» والعصرين الكلاسيكي والرومانسي، وما زال تأثيرها ~~واضحا في النقد الجمالي الموسيقي حتى ms002 اليوم. وبعبارة أخرى فقد امتد ~~تأثير أفلاطون في هذا المجال بدوره حتى عصرنا الحاضر. # على أن آراء أفلاطون في الموسيقى لم تكن وليدة موقف جمالي أصيل ~~بقدر ما كانت نتاجا لذهن نظري يحدد مجموعة من الغايات الاجتماعية ~~والسياسية والأخلاقية لمدينة فاضلة، ويعمل على تسخير كل شيء في سبيل ~~تحقيق هذه الغايات؛ فذلك الفيلسوف الذي كان في كتاباته أقرب الجميع ~~إلى الفنان الأصيل، قد وقف من الفن الصحيح موقفا متزمتا لم يكن ~~يتورع فيه عن القضاء على حرية الفنان من أجل ضمان قيام ما يعتقد ~~أنه الدولة المثلى. وإذا كان أفلاطون بآرائه هذه هو الذي تحكم في ~~تفكير الفلاسفة في الموسيقى حتى اليوم، فلا عجب إذن أن تكون أفكار ~~الفلاسفة عاملا معوقا لتطور الفن الموسيقي، وأن يكون الطابع ~~الغالب على هذه الأفكار هو الطابع المحافظ الذي يدافع عن القيم ~~الماضية أو الحاضرة، ولا يثق في أي تطور يبشر به المستقبل. # ولكن هل يرجع موقف الفلاسفة هذا إلى مجرد قصور عقلي، وافتقار إلى ~~ممارسة التجربة الجمالية الصحيحة في مجال الموسيقى فحسب؟ الحق أن هذا ~~التعليل، وإن كان يصح في حالات معينة، فليس في رأينا بالتعليل ~~الشامل لكل جوانب هذه الظاهرة. وإنما التعليل الذي نراه صحيحا هو أن ~~الفيلسوف النظري كان يدافع عن الأوضاع القائمة ويبررها، ويعجز عن ~~كشف الأوضاع المقبلة أو استباق الأوضاع الجديدة؛ فكل ما يستطيع ~~الفيلسوف النظري عمله، في هذا المجال أو غيره، هو أن «يفلسف» ما هو ~~موجود بالفعل، ويستخرج الأساس النظري له، أما التطور الفعلي فلا يمكن ~~أن يتم على يد الفيلسوف. # وهذا يصدق على مجال الموسيقى مثلما يصدق على مجالات أخرى كثيرة؛ ~~ففي حالة العلم يستطيع الفيلسوف أن يتقن الكشوف الموجودة والأساليب ~~المعمول بها، ولكنه لا يستطيع أن يوجه إلى كشف جديد أو منهج لم ~~يعرف من قبل. وفي مجال التفكير الاجتماعي قد يتمكن الفيلسوف من ~~وضع أساس فكري للتطور الماضي أو الحاضر، ولكن المستقبل يثبت دائما ~~أنه أرحب وأوسع من الصيغة التي يضعها له الفيلسوف، والتغير ms003 الثوري ~~الذي يتم فيه لا يحدث على يد الفيلسوف النظري، وإنما على يد الثائر ~~العملي. وفي مجال الفن عامة، والموسيقى خاصة، لا يزيد الفيلسوف عن أن ~~يكون مرآة تعكس الأوضاع القائمة بالفعل، وقد يركزها بطريقة منظمة ~~لا يستطيع الذهن العادي أن يصل إليها من الوهلة الأولى، ولكنه لا ~~يستطيع أن يخلق أوضاعا جديدة، أو يتكهن، بقوة الفكر النظري وحده ~~باتجاه المستقبل، بل إن الذي يقدر على ذلك هو الفنان المبدع ~~وحده. # ولنضرب لذلك مثلا بسيطا؛ ففي هذا الكتاب نجد الفلاسفة حتى أوائل ~~القرن التاسع عشر، يؤكدون ضرورة الربط بين الموسيقى والشعر، ويجعلون ~~للموسيقى الخالصة؛ أي موسيقى الآلات وحدها، مكانة ثانوية بالقياس إلى ~~الموسيقى المصاحبة للغناء، ثم يظهر شوبنهور ونيتشه في القرن التاسع عشر ~~ليدافعا عن الموسيقى الخالصة، ويؤكدا قدرتها التعبيرية الكاملة، ومن ~~بعدهما قل أن نجد من الفلاسفة من يجعل للموسيقى الخالصة مكانة ~~ثانوية، فهل يعد تغير موقف الفلاسفة على هذا النحو مجرد تحول ~~ذاتي للفكر، تمكن فيه من تصحيح خطأ سابق ظل يقع فيه لمدة ألفي ~~عام، واستدركه في القرنين الأخيرين؟ الواقع أن تصور المسألة على ~~هذا النحو ينطوي على قدر غير قليل من السذاجة، والأصح أن نعلل هذا ~~التحول بأنه راجع إلى حدوث تطورات في الفن الموسيقي نفسه، في القرن ~~التاسع عشر بوجه خاص، أتاحت لهذا الفن أن يعلن استقلاله الذاتي، ويثبت ~~قدرته على الوقوف على قدميه دون الاستعانة بأي فن آخر. وعندما ~~وصلت الموسيقى إلى سن الرشد هذا، ظهر من المفكرين من «يفلسفون» هذا ~~الموقف الجديد، ويدافعون عن استقلال موسيقى الآلات، أما قبل ذلك فلم ~~يكن في وسع الفلسفة النظرية - بحكم طبيعتها وفي حدودها الخاصة وحدها - ~~أن تمجد موسيقى الآلات، أو تعلي من قيمة اللحن بلا كلمات، ما دام ~~الموسيقار لم يكن قد طور بعد أداته التعبيرية إلى الحد الذي يتيح ~~للفيلسوف أن يعبر نظريا عن هذا التجديد. # وأبلغ شاهد على ما نقول آراء الفيلسوف «كانت» في الموسيقى، كما ~~عرضت في الفصل السادس من هذا الكتاب؛ ففي ms004 الوقت الذي أعرب فيه ~~«كانت» عن هذه الآراء، كان هناك عالم موسيقي جديد يوشك على ~~الظهور، وكان باخ وهيندل وهايدن وموتسارت قد أحدثوا انقلابا هائلا في ~~مكانة هذا الفن وقدرته التعبيرية. ومع ذلك ظل «كانت» الذي يعد من ~~أضخم العقول في ميدان الفلسفة النظرية يدافع عن أولوية الشعر، ويهاجم ~~الموسيقى الخالصة، ويضع الفن الموسيقي في أدنى درجات سلم الفنون. ~~وهكذا عجز «كانت» عن إدراك اتجاه المستقبل، الذي كانت بوادره قد ~~ظهرت في عصره بكل وضوح، وظل في ميدان الموسيقى - كما كان في ميدان ~~العلم - مجرد ذهن يفلسف ما هو حاضر، ويعجز عن إدراك بذور ~~المستقبل، فليس لنا إذن أن ندهش حين نجد الفيلسوف يدافع عن القيم ~~الراهنة والأوضاع القائمة؛ إذ إن كل بضاعته عقل نظري يفلسف هذه ~~القيم، وكل عتاده ذهن خالص يقنن هذه الأوضاع، أما التطور الفعلي ~~فيتم على أرض العلم أو الفن، لا على أرض الفلسفة. ~~••• # وأستطيع أن أقول إن أهم النتائج التي انتهى إليها المؤلف من بحثه ~~الطريف لتأثير الفلسفة في تطور الموسيقى نتيجتان؛ الأولى أن الفيلسوف ~~ومعه الكاهن كانا في معظم الأحيان حائلا يقف في وجه تطور التيارات ~~الفنية على مر القرون، وأثبت الزمان أنهما نبيان زائفان، على حين ~~أن الفنان الذي نددا به ب «حكمتهما» لم تقتصر مقدرته على التبصر ~~بحقيقة عصره، بل لقد استطاع أن يستبق حاجات المستقبل ويتكهن بها. ولا ~~حاجة بنا إلى الوقوف طويلا عند هذه النتيجة؛ لأن ما أوردناه في هذا ~~الجزء السابق من التصدير يعد تعليقا كافيا عليها. # وأما النتيجة الهامة الثانية، فهي مترتبة على النتيجة السابقة، فإذا ~~كان استقراء تاريخ الموسيقى يثبت أن الفيلسوف لم يكن على حق في ~~تنديده بالتجديدات والتطويرات الموسيقية، وإذا كان هذا التجديد قد فرض ~~نفسه على الرغم من معارضة المفكر الفلسفي أو رجل الدين، فمن الواجب ~~أن نتوقع أن يفرض التجديد في الموسيقى المعاصرة نفسه على النحو ذاته، ~~رغم المعارضة التي يلقاها من كثير من الفلاسفة والمفكرين والنقاد ~~الفنيين. وهكذا يدافع مؤلف الكتاب بحرارة ms005 عن القيم الجديدة في ~~الموسيقى المعاصرة، وعن الاتجاهات التجريدية الشكلية التي يعتقد أنها ~~تمثل حركة التطور في الفن الموسيقي في المستقبل، ويتخذ دفاعه هذا ~~شكل تنديد غير مباشر بالطريقة السوفييتية في تقدير الموسيقى؛ إذ يرى ~~فيها أصداء واضحة للفلسفة الأفلاطونية التي كانت تسخر اتجاهات ~~الفن لها لخدمة أغراض الدولة. وإذا كان من الجائز أن هذا النقد حين ~~يصدر عن كاتب ينتمي إلى العالم الغربي، لا يكون خالصا من بعض ~~الشوائب أو الدوافع السياسية، فليس في وسع المرء أن ينكر أنه من ~~الوجهة الموضوعية الخالصة صحيح، ولا سيما بالنسبة إلى الفترة ~~الاستالينية التي سبقت تأليف الكتاب. # ومع ذلك فإني لا أجد نفسي مقتنعا كل الاقتناع بالوجه الإيجابي لهذه ~~الحجة، وهو الدفاع عن الموسيقى الشكلية المعاصرة بحجة أنها إذا ~~لم تكن مقبولة في الوقت الحالي، فستصبح مقبولة في المستقبل؛ فأصحاب ~~هذه الحجة يشبهون نقاد الاتجاهات المعاصرة المفرطة في غرابتها ~~بالنقاد الرجعيين الذين عابوا على موسيقى عصر الباروك، في وقتها، ~~أنها صاخبة أكثر مما ينبغي، على حين أننا نجدها الآن مثالا للهدوء ~~والصفاء. والواقع أن كتب الموسيقى تحفل بأمثلة لهذه الحجة، ~~فنراها تفيض في تعداد أمثلة هجوم النقاد على أعمال بيتهوفن الأولى ~~مثلا، ووصفهم إياها بالإغراب والتعقيد المتعمد، وتأكيدهم استحالة ~~فهمها، وتستدل من ذلك على أن كل تجديد أصيل يقابل في بداية الأمر ~~بالاستنكار، ثم تعتاده الأذن بالتدريج، ولكن قياس التجديد الموسيقى ~~المعاصر بهذه الحالات السابقة في التاريخ الماضي للموسيقى هو في رأيي ~~قياس مع الفارق الكبير. # ذلك لأنه قد مضى الآن أكثر من سبعين عاما على بداية ظهور هذه ~~التجديدات، وهي فترة كانت تكفي وزيادة لتثبيت قيمتها في النفوس لو ~~كانت لها قيمة كبرى بحق. ومع ذلك فإن الكثيرين ما زالوا يجدونها ~~منفرة حتى اليوم، بل إن من بين أولئك الذين لا يعترفون بها موسيقيين ~~كبارا؛ مثل برونو فاتلر وبابلو كازالس. وفي كل يوم يغرق الموسيقيون ~~في العالم الغربي في تجاربهم الصوتية التي يتصورون أن الأذهان سوف ~~تستسيغها في المستقبل، كما استساغت ms006 من قبل موسيقى بيتهوفن بعد عداوة ~~شديدة في البداية، ولكن كم من الوقت احتاج إليه العالم ليعترف بعظمة ~~بيتهوفن، وليهضم تجديداته ويدمجها في تراثه الفني؟ إن ذلك لم يستغرق ~~أكثر من سنوات قلائل؛ ففي خلال حياة بيتهوفن ذاتها، اعترف الجميع ~~بعظمته، واستوعبت تجديداته الجريئة، ولم يعد بين النقاد أو بين ~~جمهرة المستمعين خلاف حول أصالة هذا الفنان. أما في عصرنا الحالي، فما ~~زال الخلاف على أشده حول التجديدات المعاصرة بعد أكثر من سبعين عاما، ~~وما زال الجزء الأكبر من هذه التجديدات المفرطة في شكلياتها لا ~~يحرك أحاسيس حقيقية أو يقابل بإعجاب صادق من معظم الناس، وإن ~~كان الكثيرون يخشون الاعتراف بهذه الحقيقة، حتى لا يتهموا بالجهل أو ~~الرجعية. وهذا القول لا ينسحب بطبيعة الحال على كل الموسيقى المعاصرة، ~~وإنما على اتجاهاتها الشديدة التطرف فحسب. # ومما يزيد من صعوبة تشبيه هذا الموقف المعاصر بالمواقف الماضية، أن ~~قدرة الناس على استيعاب الجديد أيام بيتهوفن مثلا كانت أقل بكثير من ~~قدرتهم الحالية على ذلك؛ إذ إن عدم وجود وسائل لتسجيل الموسيقى في ~~القرن التاسع عشر كان يعني أن الآذان لم تكن تعتاد الأساليب الجديدة ~~إلا من خلال الحفلات القليلة التي تستمع فيها إلى هذه الموسيقى مباشرة، ~~ولم يكن للموسيقى خارج هذه الحفلات أي كيان (إلا في أوساط الموسيقيين ~~المحترفين القادرين على عزفها على آلة كالبيانو مثلا). أما في وقتنا ~~الحالي، فإن فرص الاستماع وتدريب الأذن على الاتجاهات الجديدة أصبحت ~~فرصا لا حدود لها، بفضل التسجيلات والإذاعات. وبعبارة أخرى فإن ~~التجديد الذي كان استيعابه يقتضي أجيالا كاملة في الماضي لم يعد ~~يحتاج اليوم إلا إلى سنوات قلائل. # ومع كل هذه الفوارق التي تخدم قضية التجديد، وتجعل استيعاب الأذهان ~~له أيسر بكثير، فما زال معظم الناس، ومنهم الخبراء المدربون، عاجزين عن ~~استيعاب الكثير من الاتجاهات المغرقة في الشكلية في الموسيقى ~~المعاصرة، وما زال موسيقار مثل «فيبرن # Webern ~~» عاجزا عن أن ينتزع من الإعجاب ~~ما كان يلقاه الموسيقار المجدد في القرن التاسع عشر بعد سنوات قليلة ms007 ~~من ظهور إنتاجه. # والخلاصة أن الحجة التي ترتكز، في تبريرها للاتجاهات المتطرفة ~~في الموسيقى المعاصرة، على السوابق التاريخية ، قد أصبحت حجة بالية ~~من فرط ما استهلكها المفكرون الجماليون، واستنفدت أغراضها، وبدأ ~~بطلانها ينكشف في ضوء التطورات التكنولوجية المعاصرة. ~~••• # بقيت كلمة أخيرة عن طريقة تأليف هذا الكتاب؛ فالمؤلف هو أستاذ ~~مساعد للفلسفة في كلية بروكلين بنيويورك، هو في الوقت ذاته موسيقي ~~مكتمل التكوين. هناك احتمال كبير في أن يكون الكتاب كله، أو أجزاء ~~منه، قد صيغ أصلا على هيئة محاضرات، بدليل ما نجده في بعض الفصول من ~~تلخيص للفصول السابقة على طريقة الدروس الملقاة في المحاضرات. ومن ~~جهة أخرى فإن المؤلف نظرا إلى كونه يرجع إلى أصل غير أمريكي، كان ~~في بعض الأحيان يرتكب هفوات لغوية شكلية استبحت لنفسي أن أصححها، ~~وأقوم بالترجمة على أساس التصحيح، دون خروج أساسي عن الأصل أو تحريف ~~له، وأنا أعد نفسي مسئولا عن هذه التعديلات القليلة مسئولية ~~كاملة. # فؤاد زكريا # | مقدمة المؤلف # كان لكتابات الفلاسفة تأثير كبير في التطور التاريخي للموسيقى في ~~الحضارة الغربية. وسوف يتضح لنا في الصفحات القادمة من هذا الكتاب أن ~~الفلاسفة، وإن كانوا في عمومهم كتابا نظريين ليس لديهم من الخبرة ~~الفنية ما يتيح لهم تقويم التركيب الفعلي للموسيقى، كانت لديهم مع ذلك ~~آراء كثيرة في الموسيقى، وفي تأثير الفن الموسيقي في سلوك الإنسان. ~~والواقع أن الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية للإنسان الغربي تشهد ~~بوضوح بمدى تأثير نظريات الفلاسفة في مجرى الموسيقى في الحضارة ~~الغربية. # ولقد كان الفيلسوف القديم يرى في الموسيقى أكثر من مجرد تعبير عن ~~المشاعر، فلم يكن يقنع بالنظر إليها على أنها وسيلة من وسائل الاتصال ~~الفني ينقل بها الموسيقار الشاعر في العالم القديم أفكاره وأحواله ~~الانفعالية إلى الآخرين. وإنما حاول الفيلسوف اليوناني أن يعرف إن كان ~~أصل الموسيقى يرجع إلى «مصدر علوي» معين يعلو على أفهام البشر. وكان ~~يؤمن بأنه توصل إلى معان أخلاقية في الألحان، وإلى دلالات أخلاقية ~~في الإيقاعات. وعندما لاحظ تأثير الموسيقى في سلوك الإنسان، ms008 وصل إلى أن ~~الموسيقى قد تهذب الطبع، وقد تزيده انحطاطا. ولما لم يكن لديه من ~~العتاد الذهني ما يتيح له فهم الموسيقى الفعلية ذاتها، فقد نسب إلى ~~أصل الموسيقى وقواها خصائص صوفية. ونظرا إلى انعدام ثقته في ~~الانفعالات، وإلى تمجيده للعقل، فقد كان يخشى من تلك الآثار التي يمكن ~~أن تجلبها الإيقاعات المتوثبة والأنغام المفرطة في حسيتها على ~~الجسم والذهن. وقد استنتج أن الإيقاع واللحن إنما هما محاكاة لحركات ~~الأجرام السماوية التي تصدر عنها خلال حركتها في السموات موسيقى إلهية ~~لا تدركها آذان البشر. وعلى أساس هذا الافتراض، انتهى إلى أن فن ~~الموسيقى مقلد لقوانين الطبيعة، ولما كان النظام الأخلاقي ساريا على ~~الكون، فإن للموسيقى قيمة أخلاقية. # ولقد عمل المسيحيون في كتاباتهم على تجميل وتزويق تلك الصورة ~~الخيالية الجامحة، وتلك المضمونات الأخلاقية التي نسبها الفلاسفة ~~القدماء إلى الموسيقى. واستعاض آباء الكنيسة، ومن بعدهم قادة حركة ~~الإصلاح الديني، عن تلك النظرية الشيقة القائلة إن انسجام الأفلاك هو ~~الأصل الإلهي للموسيقى، بالاعتقاد القائل إن الموسيقى قد وهبت ~~للإنسان بفضل موجود خير، من أجل إعلاء كلمة الله. أما في أيامنا ~~هذه، فقد عدلت أقوال الفلاسفة القدماء، وطبقت تطبيقا عمليا ~~أوسع نطاقا، وأجريت تحليلات أيديولوجية للنظرية الأخلاقية ~~اليونانية، كما تحول استخدام الأثينيين للموسيقى وسيلة للتعليم ~~إلى نوع من الإرشاد السياسي. # على أن هذا الكتاب لا يزعم لنفسه أنه تاريخ للموسيقى، أو أنه عرض ~~عام للفلسفة، وهو قبل هذا كله لا يدعي على الإطلاق أنه دراسة فنية ~~لعلم الموسيقى. وإنما الغرض من هذا الكتاب هو تقديم عرض تاريخي لأصول ~~التفكير الجمالي في الموسيقى، وتطوره في الحضارة الغربية. ومن رأي ~~المؤلف أن جذور التفكير الجمالي في الموسيقى الغربية ترجع إلى أفلاطون، ~~وأن كتابات هذا الفيلسوف اليوناني ما زال لها تأثيرها الواضح في ~~الموسيقى حتى يومنا هذا. # وربما قيل ردا على ذلك، أنه لا جدوى من إيضاح أوجه الشبه بين ~~المفاهيم الموسيقية لدى القدماء والمحدثين لسبب بسيط هو أن موسيقى ~~القدماء لها صدى انفعالي يختلف عن الموسيقى ms009 الشديدة التعقيد عند ~~المحدثين، ولكن الواقع أنه ليس أبعد عن الصواب من الاعتقاد بأن ~~الموسيقى البسيطة التي كان الشاعر اليوناني يجمل بها شعره بالغناء، ~~لم يكن لها في نفوس سامعيه نفس التأثير الانفعالي الذي تحدثه فينا ~~موسيقانا الحديثة الشديدة التعقيد. # إن المبادئ الجمالية التي نقدر على أساسها موسيقانا مبنية على ~~كتابات الفلاسفة اليونانيين. ومهما قيل عن هؤلاء الفلاسفة القدماء من ~~أنهم أعاقوا تطور الموسيقى بتأملاتهم الجامحة، فإنهم مع ذلك قدموا ~~إلينا معاييرا للقيم نستطيع بها أن نصوغ حكما عن الموسيقى، والأهم ~~من ذلك أن الفيلسوف اليوناني كان مهتما بمشكلات تتعلق بموسيقى عصره، ~~تماثل تماما تلك المشكلات التي نهتم بها في حضارتنا الحالية. وهكذا ~~فإن تشابه المفاهيم الموسيقية في التفكير الجمالي القديم والوسيط ~~والحديث إنما يرجع إلى أنها كلها تنويعات للحن الأصلي الذي اتخذه ~~أفلاطون شرطا ضروريا لإيجاد مجتمع مثالي، ولخلق الإنسان ~~المثالي. # ولقد ظل الفيلسوف حتى القرن الثامن عشر يقوم الموسيقى من خلال ~~المعاني الميتافيزيقية والأخلاقية والرياضية، وكان في كل مناسبة يكتب ~~القدرة الخلاقة للموسيقى بدفاعه عن القيم التقليدية، وحرصه على إبقاء ~~الأمور على ما هي عليه. وكان الفيلسوف يسارع إلى التشكيك في أي تغير ~~يطرأ على الموسيقى، ويأخذ على عاتقه تقويم الموسيقى الجديدة التي قد ~~تهدد استقرار الطقوس السائدة أو الوضع السياسي القائم. أما الأصوات ~~الفلسفية القليلة التي ارتفعت بالاحتجاج على مثل هذه الآراء الجمالية ~~السائدة عن الموسيقى، فكانت تؤكد أن الموسيقى لا تعني شيئا عدا ~~ذاتها، وأنها ليست موضوعا للميتافيزيقا، ولا مسألة أخلاقية، ولا ~~وسيلة لتنظيم التعليم، ولا أداة سياسية. # ولقد وقف الموسيقي صامدا في وجه السلطة على مر عصور التاريخ، وإن ~~اضطر في الماضي - وما زال مضطرا في الحاضر - إلى الرجوع عن موقفه ~~الجمالي إلى حد ما، حتى يضمن سلامته إزاء الأوامر الغاشمة لسلطة ~~دينية، أو نزوات سيد يرعاه، أو قرارات لجنة سياسية. وهكذا كان ~~الموسيقار عبدا للأخلاق والدين، وصنيعة لسيد غني، وأداة لنشر ~~أيديولوجية سياسية، ولكنه خلال هذا كله لم يكن في أي وقت أداة ~~طيعة ms010 تماما في يد أي واحد من هؤلاء، وإنما كانت طبيعته ذاتها ~~تجعله منصرفا تماما إلى إشباع حاجته الشديدة إلى التعبير عن ذاته، ~~ومستغرقا كل الاستغراق في الرغبة في إطلاق مشاعره من عقالها. ولقد ظل ~~هذا الصراع بين الفكر والشعور، بين العقل والحكم الجمالي، بين ~~الفيلسوف والموسيقار، صراعا دائما طوال التاريخ. # وإنه لمن الممكن وضع نظام من القيم لفلسفة جمالية للموسيقى، لا تكون ~~مرتكزة على تعاليم القدماء، وإنما على قيم إنسانية النزعة. مثل هذا ~~النظام أو النسق من القيم الموسيقية يمكن تحقيقه باستبعاد الأساطير ~~البالية التي طغت على الخلق والتذوق الموسيقي، وبالاسترشاد بالمبدأ ~~القائل إن الموسيقى هي في أساسها تعبير عن المشاعر في شكل فني، قوام ~~أسلوبه هو الإيقاع والنغم؛ فالموسيقى تنبعث من المشاعر، وتأثيرها إنما ~~ينصب على المشاعر، وهي ناشئة من العاطفة لكي تحرك العواطف. وجذور ~~الموسيقى متغلغلة في تربة الواقع الفعلي؛ فهي نتاج للتجربة البشرية، ~~حتى حين تعلو على التجربة؛ إذ تبلور المشاعر في أنغام حسية، ~~وإيقاعات متحركة تنقلنا إلى قمم شفافة من النشوة الوقتية. وللموسيقى ~~القدرة على تخليصنا من القلق والهموم، وهي وسيلة للاتصال تفوق في ~~فعاليتها وقدرتها على الإثارة الانفعالية كل صور التعبير الأخرى التي ~~استحدثها الإنسان لكي ينقل بها مشاعره وأفكاره إلى الآخرين. والموسيقى ~~تجسد آمالنا وأحلامنا، وحزننا ويأسنا. وليس في وسعنا أن نستخلص من ~~الموسيقى إلا ما أضفيناه عليها بالحساسية والفهم. ومهما كان الفلاسفة ~~قد كتبوا عن الموسيقى، فقد كان ما قالوه عنها أقل مما قالوه عن أي ~~فن من الفنون الأخرى؛ لسبب بسيط هو أن الانفعال الذي تثيره ~~الموسيقى فينا لا يخضع للمنطق بنفس السهولة التي تخضع بها له الفنون ~~المرتكزة على مدركات عقلية، كالشعر أو الدراما. # على أن الفيلسوف قد جعل للموسيقى درجة منخفضة في سلم الفنون لهذا ~~السبب ذاته، وأعني به أن الموسيقى تتعلق قبل كل شيء بالمشاعر لا ~~بالعقل، وبالانفعال لا بالفهم، وبالخيال لا بالتصورات الذهنية. ولقد ~~دأب الفلاسفة طوال العصور - باستثناء القليل منهم - على الاعتقاد بأن ~~الموسيقى بلا كلمات أقل ms011 قيمة من الموسيقى بالكلمات؛ فموسيقى الآلات ~~الخالصة غامضة تفتقر إلى التحدد، وهي تجسيد للانفعال في نغم وإيقاع ~~يثير فينا مشاعر أحس بها الموسيقي إلى حد ما عندما ألف ~~موسيقاه. غير أن الفيلسوف لا يوقن بأن المشاعر يمكن أن تكون أهلا ~~للثقة، وإنما يؤكد أن الكلمات التي تضاف إلى الموسيقى تضفي على ~~المشاعر طابعا يمكن إدراكه ذهنيا، وتجعل اللامتحدد محددا واضح ~~المعالم، وتنقل فن الموسيقى من المستوى الأدنى للانفعال إلى المستوى ~~الرفيع للعقل. # الفصل الأول # | اليونانيون # القسم الأول: السابقون على سقراط # ليس لدينا من المعلومات الفعلية عن الموسيقى سوى القليل في تلك ~~الفترة من التاريخ القديم، التي تناظر العصر المعروف بالعصر ~~السابق على سقراط في الفلسفة. وكل ما نعرفه معلومات متفرقة يمكن ~~استنتاجها من كتابات الفلاسفة والشعراء، ما دامت الموسيقى ذاتها قد ~~اندثرت. تبدأ دراسة الفلسفة السابقة على سقراط بالفيلسوف طاليس ~~في القرن السابع ق.م. وفي القرن التالي أسس فيثاغورس مدرسة ~~فلسفية منظمة، وكان اهتمام هذه الفلسفة بالقيمة الأخلاقية ~~للموسيقى، وبالتركيب التجريبي للأنغام الموسيقية لا يقل عن ~~اهتمامها بإثبات أن العدد هو الحقيقة بالمعنى الصحيح. أما الشعراء ~~الذي يرجعون إلى عهد أقدم هو عهد هوميروس في القرن التاسع ق.م. ~~فقد خلفوا لنا شذرات هزيلة، ولكنها قيمة عن موسيقى القدماء، ~~وهي تتميز بأنها أقرب إلى الخيال الشعري منها إلى الحقيقة، ولا ~~مفر لكتاب في الفلسفة الجمالية للموسيقى من أن يبدأ بعرض هذه ~~الشذرات الباقية كما تستخلص من الكتابات القديمة، وتبويبها في ~~ترتيبها التاريخي الصحيح. # إن أقدم معرفة لدينا بالموسيقى في الحضارة الغربية ترجع إلى ~~كتابات الفلاسفة اليونانيين. والواقع أن ما قالوه عن الموسيقى لم ~~يكن يتسم بالأصالة التامة؛ إذ إن الكهنة المصريين القدماء كانت ~~لديهم آراء مشابهة، كما ظهرت مثل هذه الآراء لدى حكماء الشرق ~~قبل العصر الذهبي لليونان بوقت طويل. غير أن فضل الفلاسفة ~~اليونانيين إنما يرجع إلى تنظيمهم للنظريات الموسيقية الموروثة عن ~~أسلافهم، وبذلك خلفوا لنا تراثا من الفلسفات الموسيقية القديمة، ~~ولكن عندما تدخل خيال الشاعر اليوناني المنشد من أجل ms012 تغير تلك ~~القيم الموسيقية التقليدية السائدة في العالم القديم على النحو ~~الذي يكفل ملاءمتها للحضارة الهلينية ، أخذ الفيلسوف على عاتقه ~~القيام بمهمة الدفاع عن الماضي، فقوم الموسيقى الجديدة على أسس ~~أخلاقية وميتافيزيقية، وأصدر أحكاما مدوية ما زال صداها ~~يتردد في موسيقى عصرنا الذي نعيش فيه. # ومن الواجب أن نذكر، عندما نتحدث عن الموسيقى اليونانية، أن ~~الشاعر المنشد اليوناني كان موسيقيا في الوقت ذاته، ولم يكن يفصل ~~الموسيقى عن الشعر؛ فقصائد هوميروس وأناشيد بندرا لم تكن تنشد ~~إلا مع الموسيقى. وكان الشاعر والموسيقار في اليونان شخصا واحدا، ~~وبلغ من اعتماد موسيقاه على النص الكلامي أن كل نغمة مفردة كانت ~~ترتبط بكل مقطع في الكلام الملفوظ. # ويرجع أصل كلمة الموسيقى ذاتها إلى اليونانية، وكان ينظر إليها ~~في الأصل بطريقة شبه أسطورية، على أنها فن أوحت به مباشرة، ~~وخلفته ربة الفن (موزي # muse ~~). ~~ولقد كان لليونانيين القدامى في البداية ثلاث ربات؛ ربة ~~الدراسة (العلم)، وربة الذاكرة، وربة الغناء، ولكن كل فن ~~أصبح له بمرور الوقت ربة راعية. وتروي الأساطير السابقة على ~~عهد هوميروس أن «أورفيوس» خادم أبولو الذي كان مطربا ساحرا، ~~ومنشدا للشعر، كان هو ذاته ابنا لإحدى الربات، وكانت لصوته ~~خصائص سحرية تشفي المرضى، وتبعث التقوى في النفوس عند أدائها ~~للطقوس الدينية. ولقد أشار أفلاطون في حديثه عن السفسطائي «بروتا ~~جوراس» إلى التأثير الخلاب الذي تحدثه بلاغة بروتا جوراس، وكذلك ~~أغاني أورفيوس في نفوس سامعيها. # 1 # وقد وصف أرستوفان «موزياوس # Museaus ~~» تلميذ أورفيوس بأنه طبيب ~~للنفوس، نستطيع أن نفترض أنه توصل إلى علاج مرضاه بسحر الأناشيد ~~التي تنسبها الأساطير إليه. وقد عزا إليه أرسطو القول بأن ~~«الموسيقى أعذب ما يتمتع به جنس البشر»، # 2 # ثم أضاف، مشيرا إلى موزايوس، أن الموسيقى يمكن ~~استخدامها وسيلة تسري عن الإنسان العناء. # وقد وصف هوميروس الشعراء المغنين في «الأوديسية» بأنهم أقرب ~~البشر إلى قلوب الآلهة؛ فقد وهبتهم الربة فن الغناء، لا لكي ~~يطربوا نفوس الناس فحسب، وإنما لكي يسهروا على رعاية أخلاق ~~البشر أيضا. # 3 # فهؤلاء ms013 الشعراء هم الرسل الذين يعيشون على الأرض، ~~وينقلون الرغبات الإلهية إلى الإنسان. وبالموسيقى يستطيع الإنسان ~~بدوره أن يبتهل إلى الآلهة لتخلصه من المرض والوباء. وقد وصف ~~هوميروس كما روى «بلوتارك» بعده بقرون عديدة # 4 # كيف أوقف الإغريق نقمة أحد الأوبئة بقوة الموسيقى، ~~وسحرها الذي بدد غضب الآلهة «بالأناشيد والأغاني المقدسة هدأت ~~الآلهة راضية.» # ولقد ظلت علاقة الشاعر المنشد بربته، وهي العلاقة التي ~~رأيناها من قبل عند هوميروس قائمة عند هزيود، الذي عاش في حوالي ~~القرن الثامن ق.م. فقد أنبأنا بأن الربات ظهرت له بينما كان ~~يطعم قطعان أبيه، وعهدن إليه بأن يكون رسولهن وشاعرهن، ~~وأعطينه «عصا الشاعر؛ لتكون آية على رسالته كمنشد»، وقبل أن ~~يفارقنه قلن له: «إننا نعرف كيف نقول كثيرا من الأكاذيب التي ~~تقع من الآذان موقع الحقيقة، ولكننا نعرف أيضا كيف نصرح ~~بالحقيقة عندما نشاء.» فلا عجب إذن أن حمل طاليس في القرن التالي ~~على الأسطورة الهومرية؛ لأنها تشويه للواقع يحرص على الابتعاد عن ~~الحقيقة. وقد اتهم هوميروس بأنه لا يقصر على خلق آلهة أسطورية، ~~وربات ملهمات، بل يضفي على هؤلاء أيضا صفات إلهية. والأدهى ~~من ذلك في نظر طاليس أن هوميروس كان يؤمن بأن البشر جميعا خاضعون ~~لأهواء الآلهة ونزواتهم، واستغل مواهبه الفنية لينصح الإنسان بأن ~~يسلم مصيره إلى أيدي الآلهة. أما هزيود فقد اتخذ موقفا أكثر ~~إنسانية من مؤلهي البشر، ولكن ليس إلى الحد الذي يكفي لإرضاء ~~طاليس، الذي أطلق عليه أرسطو اسم «أبي الفلسفة القديمة». لقد كان ~~ما يريده طاليس من الشاعر المنشد اليوناني، هو أن يركز مواهبه ~~لتلبية حاجات الإنسان فحسب، بدلا من أن يخلق أناشيد لآلهة غير ~~موجودة. # وفي القرن ذاته حمل أكسنوفان (حوالي سنة 570ق.م.) الذي ينتمي إلى ~~المدرسة الإيلية في الفلسفة، على آلهة هوميروس وهزيود، كما فعل ~~طاليس، ولقد استغل أكسنوفان سلاح التهكم ببراعة، فألف شعرا كان ~~لاذعا وثوريا فيما ينطوي عليه من مطالبة بالإصلاح الاجتماعي. ~~وقد أنحى باللائمة على هوميروس وهزيود في كل ما يلحق البشر من ~~الشرور؛ إذ ms014 إنهما «قد نسبا إلى الآلهة كل الأمور التي تعد عارا ~~بين البشر، كالسرقة والزنا وخداع بعضهم البعض.» ومرد ذلك كله ~~إلى أن الشعراء الأولين كانوا يصورون الآلهة بصورة بشرية ~~«فالناس يصنعون الآلهة على شاكلتهم، ولو كان للخيل أو الثيران أو ~~الأسود أياد تمكنهم من خلق أعمال فنية، لجعلوا الآلهة على ~~شاكلتهم أيضا.» لذلك رأى أكسنوفان أن من الضروري القضاء على هذه ~~الأوهام الشعرية «إن شئنا إصلاح الحياة الاجتماعية». وقد ألف ~~السياسي «سولون» (638-588ق.م.) مقطوعات شعرية يتحسر فيها على ~~انعدام المساواة بين الإنسان وآلهته. وقد طبق فلسفته الإنسانية ~~على الموسيقى الأثينية بدورها، فرأى أن من الممكن تقوية الروح ~~الأخلاقية والوطنية عن طريق الموسيقى، التي تؤدي بدورها إلى تقوية ~~الدولة، وتقلل من اعتماد الناس على الآلهة المتقلبة. كذلك عبر ~~ألكيوس # Alcaeus ~~(600ق.م.) عن روح ~~عصره في الأناشيد والأشعار السياسية التي ألفها، وحمل فيها على ~~الطغاة وعلى أعدائه السياسيين. وقد كتب مع معاصرته المشهورة ~~«سافو # Sappho ~~» # 5 ~~(حوالي 600ق.م.) أغنيات حب وخمريات لبلاط لسبوس # Lesbos # الفخم. كذلك شهد القرن ~~السابع ظهور شخصية موسيقية فذة، هي شخصية «أرخيلوخوس # Archilochos ~~» الذي كان من أقوى ~~دعاة التغيير، والذي كان يستخدم الأنغام المتنافرة من آن لآخر، ~~كما أضاف أوزانا إيقاعية جديدة إلى الشعر. # ويرجع إلى أرخيلوخوس الفضل في الإسهام بثلاثة تجديدات في ~~الموسيقى اليونانية، كانت لها قيمة جمالية كبرى؛ فقد استخدم ~~الإيقاع السريع، واستحدث نماذج إيقاعية جديدة، أضفى بها على ~~موسيقى عصره حيوية كانت تفتقر إليها من قبل على الأرجح. وقد أرجع ~~إليه الكتاب المتأخرون فضل استحداث أوزان حية ثنائية المقاطع ~~( # iambic ~~)، وإيقاعات متغيرة ~~معقدة، وإدماج أجزاء شبه كلامية بين فقرات اللحن. كما ينسب ~~التاريخ إلى أرخيلوخوس فضل النهوض بالأغنية الموسيقية التي كانت ~~تغنى بمصاحبة «الليرا # Lyre ~~». ~~وأغلب الظن أن انتشار الفن الشعبي في عصره أتاح له أن يستوحي في ~~كثير من ألحانه الفولكلور والأغاني التي يتداولها الناس. كذلك كان ~~أرخيلوخوس يستخدم التنافر الموسيقي من آن لآخر؛ إذ يجعل الآلة ~~المصاحبة تعزف نغمات مخالفة للحن الغنائي. وقد ms015 حمل أنصار التقاليد ~~الموروثة على هذا النوع البدائي من تعدد النغم (البوليفونية)، ~~ووصفوه بأنه تخليط نغمي. # على أن الشاعر بندار (حوالي 522-443ق.م.) قد فند في القرن ~~التالي الآراء المخالفة للدين عند الفلاسفة في أنشوداته ~~الغنائية؛ إذ إنه استخدم خياله في الرد عليهم قائلا: إن الأم ~~التي رعت الآلهة والناس واحدة، غير أن الأولين هم الأفراد ~~المميزون في الأسرة الأرضية، الذين لا يعرفون الموت ولا الشقاء ~~البشري. ولذا ارتفع صوت بندار محذرا من أن محاكاة الآلهة تجديف، ~~وعلى ذلك «فلا تحاول أن تصبح مثل زيوس؛ لأن الفانين لا تصلح لهم ~~إلا الأشياء الفانية.» ولما كان بندار على إلمام واسع بالموسيقى ~~بفضل تتلمذه على أبولودورس # Apollodorus # والموسيقار الشهير ~~لاسوس الهرميوني # Lasus of ~~Hermione ~~، فقد أهله إيمانه الديني ومقدرته ~~الموسيقية لمدح الآلهة بالأغاني والأشعار. وقد أنبأنا بأنه «قرب ~~فناء بيته كانت مجموعات من الفتيات ترقص وتغني ليلا في مدح أم ~~الآلهة»، وعندئذ سأل الفيلسوف الشاعر الموسيقار # 6 # من هي أم الآلهة؟ أهي العنصر الأول؛ أي الواحد الذي ~~يسبق كل شيء، والذي يتولد عنه كل شيء؟ يبدو أن الفيلسوف في بحثه ~~في أصل الكون وطبيعته، كان يحدث بالفعل تغيرا في مصطلح ~~هوميروس وهزيود، ويسمي الآلهة بالعناصر الأولية. # ولقد أحرز فيثاغورس (حوالي القرن السادس ق.م.) شهرة يحسد ~~عليها؛ إذ عرف بأنه منشئ العلم الموسيقي عند اليونان، ومؤسس ~~مدرسة فلسفية ذات تعاليم سرية. ولقد شاع في العالم القديم ~~اعتقاد بأنه لم يترك وراءه كتابات، حتى لا يفشي أسرار طائفته، ~~وأغلب الظن أن فيثاغورس كان متبحرا في الرياضيات والعلم، وأنه ~~أسس مدرسته بوصفها مجمعا دينيا تدرس فيه الأخلاق والسياسة ~~إلى جانب الفلسفة وعلم الصوت والحركة. وقد وضع فيثاغورس، في ~~محاولته كشف أسرار الكون، أسس الاعتقاد الميتافيزيقي بأن الأعداد ~~هي الحقاق الأصلية، ثم ازداد تلاميذه غلوا في التصوف، وأضافوا ~~إلى ذلك أن الأعداد هي الماهيات الحقيقية التي تكون قوام الطبيعة ~~كلها وتحكمها. ولما كان الإنسان جزءا من الطبيعة، فإنه تجسيد ~~لمجموعة من الأعداد، وهو يرتبط عدديا بالطبيعة ارتباط ms016 الجزء ~~بالكل، والذي يجعل الإنسان على ما هو عليه مكوناته العددية. أما ~~في الطبيعة، كما في الفنون التي يخلقها الإنسان للوفاء بحاجاته، ~~فإن التناسب والتماثل والانسجام والتنافر ينشأ عن علاقات ~~رياضية، وعلى ذلك فالموسيقى وحدة تتألف من علاقات عددية. ولما ~~كانت الأعداد تتصف بصفات أخلاقية كامنة فيها؛ لأن الطبيعة ~~خيرة في أساسها، فمن الواجب تقويم الموسيقى على أسس أخلاقية؛ أي ~~إن حجة الفيثاغوريين هي أنه إذ كانت العناصر المكونة للموسيقى ~~لها خصائص أخلاقية، فلا بد أن للموسيقى ذاتها قيمة أخلاقية. ولقد ~~أدت هذه النظرة الأخلاقية إلى الموسيقى إلى صبغ الكتابات ~~اليونانية في الفلسفة الجمالية للموسيقى بصبغة أخلاقية اكتمل ~~نموها وتطبيقها النظري عند أفلاطون. ولنستمع إلى ما يقوله أرسطو ~~عن الفيثاغوريين: «لقد رأوا أن من الممكن التعبير بالعدد عن ~~تغيرات السلالم الموسيقية ونسبها.» ولما كانت كل الأشياء ~~الأخرى تبدو في طبيعتها الكاملة مصوغة في قالب الأعداد، ولما ~~كانت الأعداد تبدو أول الأشياء في الطبيعة بأسرها، فقد اعتقدوا ~~أن عناصر الأعداد هي عناصر الأشياء جميعا، وأن السموات كلها ~~سلم موسيقي وعدد. # 7 # وهناك أدلة قوية تبعث على الاعتقاد بأن فيثاغورس قد سافر إلى ~~مصر، ودرس علوم الفراعنة وفلسفتها الموسيقية، مثلما فعل المؤرخ ~~هيرودوت في القرن الخامس. والأرجح أن فيثاغورس قد عاد إلى اليونان ~~ومعه بعض النظريات البسيطة في علم الصوت، فضلا عن معتقدات ~~أخلاقية محددة المعالم عن الموسيقى، اكتسبها من الكهنة ~~المصريين. وهكذا بدأ يقول لتلاميذه إن الموسيقى البشرية الفانية ما ~~هي إلا أنموذج أرضي للانسجام العلوي للأفلاك. أما الفيثاغوريون ~~المتأخرون، فقد اعتقدوا أن السموات تنبعث عنها موسيقى بالفعل؛ ~~فخلال حركة هذه الأجرام السماوية في السماء، تؤدي السرعة التي ~~تتحرك بها إلى بعث أصوات منسجمة كأنها مجموعة غنائية تنشد في ~~السماء، وترتبط سلسلة الأصوات التي تصدرها هذه الأجرام السماوية ~~بعضها ببعض كما ترتبط أنغام السلم الموسيقي. أما السبب الذي لا ~~نسمعها من أجله، فهو أننا اعتدناها على الدوام. # 8 # وتروي الأخبار المتواترة أن فيثاغورس قد اكتشف قرار السلم ~~وجوابه، ثم استنبط المسافات ms017 الواقعة بينهما عن طريق سلسلة فريدة ~~من التجارب طبق فيها المعرفة التي كان قد جمعها في أسفاره، على ~~أفكار خصبة ابتدعها هو ذاته. وقد وجد فيثاغورس أنه: (1) إذ شد ~~وترا مثبتا فوق قطعة من الخشب، (2) ووضع إصبعه في منتصف هذا ~~الوتر الوحيد بالضبط، (3) وضرب على ذلك الوتر، فإن كل نصف فيه ~~يتذبذب بضعف سرعة الوتر، وبذلك تنتج نغمة تماثل في صوتها النغمة ~~الأصلية المنبعثة عن الوتر الكامل، ولكن كل مستوى أعلى من حيث ~~حدة الصوت، ثم طبق هذه الطريقة على أوتار لها كثافة ودرجة ~~توتر واحدة، ووجد أن أطوال الأوتار هي التي تتحكم في النغمة، ~~ولكن الخواص الفيزيائية للأوكتاف (المسافة بين القرار والجواب) ~~يمكن تفسيرها عن طريق تقسيم الوتر إلى قسمين متساويين، أيا كان ~~طوله أو سمكه، ولكن كيف نملأ الفراغ الذي تكونه الأصوات العليا ~~والدنيا في الأوكتاف؟ لقد وجد فيثاغورس أنه إذا قسم الوتر عند ~~نقطة تمثل نسبة 3: 4، فإنه يحصل على مسافات الصوت الموسيقي الرابع، ~~وإذا كانت النسبة 2: 3 حصل على مسافات الصوت الخامس. وكان ينظر إلى ~~الصوت الثامن والرابع والخامس على أنها أصوات متوافقة، على حين أن ~~الثالث والسادس أصوات متنافرة؛ أي غير متوافقة. # وقد عرف عن أرخوطاس التارنتي # Archytas of ~~Tarentum ~~، الذي عاش في النصف الأول من القرن ~~الرابع معاصرا أفلاطون، أنه اهتم بدراسة الجوانب الفيزيائية ~~للموسيقى أكثر مما فعل أي فيثاغوري آخر، وكانت له في الموسيقى ~~كتابات كثيرة متنوعة، لم تتضمن فقط كشوفه وحساباته الخاصة، بل ~~تضمنت أيضا كشوف وحسابات غيره من الفيثاغوريين الذين كانوا ~~يجرون تجارب على أسس حسابية عن النسب العددية المناظرة للصوت ~~الثامن والرابع والخامس، وقد لاحظ أرخوطاس أولا أن الصوت لا ينتج ~~إلا باصطدام شيء بشيء آخر أو احتكاكه به، ورأى ثانيا: أن «هناك ~~أصواتا متعددة تخرج عن نطاق إدراكنا الطبيعي، نظرا إلى ضعف ~~الاصطدام المؤدي إلى حدوثها، أو إلى بعد المسافة بين الذات وبين ~~مصدر الصوت، أو حتى لأن الصوت قد يكون أعلى مما ينبغي»، واستنتج ~~أرخوطاس ثالثا «أن الفرق في ms018 حدة الصوت راجع إلى نسبة الحركة ~~التي تنقلها الضربة إلى الهواء». وقد ضرب أمثلة متعددة تأييدا ~~لنظرياته هذه في علم الصوت، هي: «الصوت البشري، ونغمة المزمار ~~والناي، وصوت الطلبة المستخدمة في الطقوس الدينية». وعلى الرغم من ~~أن أرخوطاس كان عميق التأثر بالعجائب العديدة التي يجلبها العدد، ~~فإن كتاباته لا تتضمن أية إشارة إلى أي تفسير ديني أو سحري ~~للعلاقات العددية، كما كانت الحال بين زملائه الفيثاغوريين. وقد ~~توصل في علم الصوت إلى تحديد النسب العددية المناظرة ~~للمسافات التي تفصل بين أنغام السلم الرباعي القديم بالنسبة إلى ~~ثلاثة أنواع مختلفة من السلالم؛ الربع الصوتي الإنهارموني # enharmonic # والكروماتي # chromatic # والدياتوني # diatonic ~~. أما من الجهة الجمالية، ~~فكان يرى أن «الخصائص العقلية للعدد والتوافق رائعة في ذاتها بما ~~فيه الكفاية»، ومن هذا انتهى - على خلاف الرأي الشائع في أيامه - ~~إلى أن من الواجب في التعليم إخضاع الأدب للموسيقى. # 9 # فإذا انتقلنا إلى بركليس، مؤسس الإمبراطورية الأثينية، لوجدنا ~~أنه جمع حوله أبرز شخصيات عصره في ميادين الفلسفة والأدب والفن؛ ~~إذ كان فيدياس # phidias # المثال، ~~وهيرودوت وثوكوديدس المؤرخان، وسوفوكليس وأوريبيدس المؤلفان ~~المسرحيان، اللذان دافعا عن قضية الموسيقى المجددين، كان هؤلاء ~~جميعا يزينون حياة أثينا بشخصياتهم الرفيعة. وفي هذا الجو أبدى ~~الفيلسوف «أنكساجوراس» احتقارا عميقا للديانة الرسمية، أعرب عنه ~~تحت رعاية صديقه وحاميه المستنير بركليس. وكان من الشخصيات الأخرى ~~في الحياة الثقافية وفي مجالس بركليس، دامون # Damon ~~، الذي أشار إليه أفلاطون في ~~محاورة «الجمهورية» على أنه حجة في الموسيقى وفنان يمارسها ~~بالفعل. ولما كان دامون معلما لبركليس وصديقا حميما له، فقد ~~أتاحت له صفته هذه أن يجعل للموسيقى مكانة هامة في تربية الشخصية ~~وتكوين المواطن الصالح. وكان دامون يعتقد أن التأثير العميق ~~للموسيقى «لا يؤدي فقط إلى إثارة الانفعالات المختلفة وتهدئتها، بل ~~يؤدي أيضا إلى بث جميع الفضائل، كالشجاعة وضبط النفس، والعدالة ~~ذاتها.» والواقع أن نوع المصنف الموسيقي يطبع النفس بطابعه الخاص، ~~سواء أكان ذلك الطابع خيرا أم شرا، وذلك بالنسبة إلى القائم ~~بأداء الموسيقى وإلى سامعها ms019 معا؛ فمن الممكن باستخدام التوافقات ~~المناسبة خلق صفات جديدة أو إبراز صفات كامنة، لا في الصغار فقط، ~~بل في الكبار أيضا. # 10 # وكان دامون يرى أن الموسيقى ضرورية لا للتعليم ~~الثقافي فحسب، بل من أجل تكوين دولة قوية سليمة، ولكن الغريب أنه ~~خالف الروح الديمقراطية السائدة في عصر بركليس، وذهب إلى أن ~~التجديد في الأساليب والإيقاعات الموسيقية يعد نذيرا بتغير ~~اجتماعي أو حتى بثورة. وكان يرى أنه لو غير الشاعر المنشد ~~اليوناني أو نوع الأساليب الفنية أو الألوان الموسيقية، بحيث ~~يغير أو ينوع الأنماط التقليدية للتعبير الموسيقى، فإن التأثير ~~الانفعالي لهذه التجديدات يؤدي بدوره إلى تغير حضاري واجتماعي. ~~وهكذا انتهى دامون، متفقا في ذلك مع الفيثاغوريين، إلى أن ~~الموسيقى قيمة أخلاقية ينبغي استغلالها من أجل بلوغ هدف الروح ~~الأخلاقية السليمة. # أما ديمقريطس (المولود حوالي عام 460ق.م.) فكان يرى أن الشاعر ~~الموسيقار يحمل قبسا من الروح الإلهية. وقد امتدح هوميروس فوصفه ~~بأنه شاعر ملهم من الآلهة، تعبر أعماله عن جمال منبعث من ~~روح نشوانة، وقد وصف ديمقريطس الموسيقى بأنها أحدث الفنون ~~عهدا، وبأنها لم تنشأ عن «الضرورة وإنما عن الفيض والوفرة». وكان ~~يرى في الموسيقى، كما رأى فيها السياسي «سولون # Solon ~~»، قوة تعليمية واجتماعية ~~تتيح للإنسان أن يحفظ التوازن بين الرياضة البدنية والآداب. وكان ~~ديمقريطس يؤمن، مع الفيثاغوريين، بأن الفنان يحتل موقعا وسطا بين ~~الآلهة والإنسان، وأن الرسالة الإلهية للفنان الملهم تحتم عليه ~~أن يساعد الإنسان على بعث التوافق بين نفسه وبين النفس الكلية عن ~~طريق إيقاع الموسيقى ورشاقتها. # 11 # ولننتقل إلى سقراط (469-399ق.م.) الذي كان في الأصل نحاتا ~~وابن نحات، ثم تحول إلى الفلسفة حتى يكرس حياته لتعليم شباب ~~أثينا. ولقد صوره أفلاطون في «الجمهورية» على أنه متفق تماما ~~مع دامون في آرائه الخاصة بالقيمة الأخلاقية والسياسية والتعليمية ~~للموسيقى. وكان سقراط يرى أن الفلسفة التي تجعل الحياة العادية ~~ذات معنى وهدف هي أرفع الفلسفات جميعا. وللموسيقى القدرة على ~~تشكيل نفوس الصغار، وإعدادهم لحياة كهذه. وكما أن من الممكن تشكيل ~~المجتمع ms020 تبعا ل «أنموذج في السماء»؛ فقد كان يعتقد بأن الموسيقى ~~تستطيع ضبط النفس، بحيث تنسجم مع نفس الأنموذج المتغلغل في سلوك ~~الأجرام السماوية وفاعليتها. # وعلى الرغم من أن سقراط كان معارضا لبلاغة السفسطائيين، فإنه ~~اتفق مع بروتاجوراس على أن الميتافيزيقا لا يمكن أن تؤدي بالمرء ~~إلا إلى الشك، وأن الرياضة ما هي إلا تأملات عميقة. ومن هنا فقد ~~كرس بقية حياته لدراسة الأخلاق والتربية. وكان سقراط يؤمن بأن ~~خلاص البشر إنما يكون في إقامة حياة ثقافية مستنيرة تحرر ~~الإنسان من الأوهام، ومن الاستدلال الفاسد والتحامل. غير أن مثل ~~هذه الإباحة، ومثل هذه الحرية الفكرية لم تكن معروفة حتى لأثينا ~~الحرة الديمقراطية. وسرعان ما انقلبت عليه العناصر الأثينية ~~المحافظة، ونظر إليه أرستوفان الذي كرس جزءا كبيرا من حياته ~~لحماية التراث التقليدي، على أنه رمز آخر لما كان يراه حضارة ~~منحلة بدأت تضرب أطنابها في أثينا. وكما سخر أرستوفان من ~~التجديدات الموسيقية في شعره، فكذلك سخر من فلسفة سقراط في ~~مسرحيته الساخرة «السحب»، ونظرا إلى أن سقراط كان يتشكك في قدرة ~~الآلهة، ويجادل في فضائل الديمقراطية الأثينية، فقد اتهم بإفساد ~~شباب أثينا، وحكم عليه بالموت. # وقد روى سقراط في الساعات الأخيرة من حياته حلما طاف به وهو ~~نائم في زنزانة سجنه، وسجل تلميذه أفلاطون هذا الحلم في محاورة «فيدون»: # 12 ~~«طالما أتاني الوحي في الأحلام خلال حياتي بأن أؤلف ~~موسيقى، وكان نفس الحلم يأتيني تارة بصورة وتارة بصورة أخرى، ~~ولكنه كان دائما يقول لي نفس الكلمات أو ما يماثلها: ارع ~~الموسيقى وألفها. وكنت أتصور حتى الآن أن كل ما هو مقصود بهذا ~~هو حثي وتشجيعي على دراسة الفلسفة، التي كانت هدف حياتي، والتي ~~هي أسمى أنواع الموسيقى وأفضلها.» وهنا يعرب سقراط عن شكه في ~~اعتقاد أصبح يتخذ مبدأ تعليميا بين أتباع دامون، وهو أن ~~دراسة الموسيقى لا ينبغي أن ينتفع منها إلا بوصفها مبحثا رياضيا ~~يعد المرء لدراسة أرفع هي الفلسفة. كذلك قال فريدرش نيتشه في ~~كتابه «ميلاد المأساة من روح الموسيقى ms021 اليونانية». إن هذا الحلم ~~ينطوي ضمنا على اعتراف هو أن سقراط قد أيقن، وهو يواجه شبح ~~الموت، بأن للديالكتيك والمنطق والعقل، حدودها التي لا تتعداها ~~في اكتساب المعرفة، والسعي إلى تحقيق الحياة الطيبة؛ فللموسيقى ~~قدرة تفوق قدرة العلم على تقريبنا من الحقيقة النهائية؛ إذ إن ~~الموسيقى تتيح لنا الوصول إلى وحدة متوافقة مع الطبيعة. # القسم الثاني: أفلاطون # هناك أوجه شبه بين كتابات الفلاسفة اليونانيين في الموسيقى وبين ~~الآراء الموسيقية للمصريين القدماء والصينيين والعبرانيين. ومعنى ~~ذلك أن الفلسفات الموسيقية التي قد تكون راجعة إلى حضارات أسبق ~~من ميلاد المسيح بحوالي 1500 سنة قد وجدت طريقها إلى الفكر ~~اليوناني. # ولقد كان أفلاطون (427-347ق.م.) أشهر فيلسوف غربي يرى أن ~~الموسيقى بمعناها الكلاسيكي والحديث، ينبغي أن تستخدم من أجل ~~تحقيق الأخلاق الصالحة، ولم تكن آراء أفلاطون عن مكانة الموسيقى في ~~المجتمع المنظم أصيلة تماما، كما أنه لم يكن أول من بحث في ~~التأثيرات الأخلاقية للموسيقى على الشخصية والسلوك الإنساني. ومع ~~كل ذلك، فسيظل أفلاطون شخصية تاريخية فذة ينبغي أن نتخذها نقطة ~~بداية في كل بحث للفلسفة الجمالية للموسيقى في الحضارة الغربية. ~~ولم تكن كتاباته تتضمن مركبا جامعا بين النظريات الشرقية ~~والغربية القديمة فضلا عن نظريات عصره فحسب، بل إن هذه الكتابات ~~كانت تضم في داخلها التقاليد الموسيقية المتبعة لدى الجيل ~~الأثيني السابق لجيله هو. # 13 # ولسنا نعلم إن كان أفلاطون قد عرف بالفعل فلسفة كونفوشيوس التي ~~أذاع تعاليمها في الشرق؛ فقد تكون أوجه الشبه بين فلسفتيهما في ~~الموسيقى مجرد مصادفة، ولكن هناك فقرات متعددة ظهرت أصلا لدى ~~كونفوشيوس، ويكاد أفلاطون يردها حرفيا؛ ففي فقرة تتصل بالأخلاق ~~والدين كتب كونفوشيوس يقول: «إن موسيقى «تشنج # Cheng ~~» منحلة شهوانية، وموسيقى ~~«سونج # Sung ~~» ناعمة تبعث في النفس ~~الطراوة والميوعة، وموسيقى «واي # Wei ~~» سهلة متكررة، وموسيقى «تشي # Chi ~~» خشنة تبعث في النفس روح ~~التكبر. هذه الأنواع الأربعة من الموسيقى كلها حسية تفسد ~~أخلاق الشعب؛ ولذا فليس من اللائق استخدامها في القرابين ~~والتضحيات.» وفي الكتاب الثالث من الجمهورية أكد أفلاطون ms022 ~~التأثيرات الأخلاقية للموسيقى بطريقة مشابهة إلى حد يدعو إلى الدهشة، # 14 # فدعا إلى استبعاد المقامين الإيوني # Ionian # والليدي # Lydian # من الدولة؛ لأن فيهما ~~ميوعة وتخنثا يبعث الانحلال في الأخلاق. أما المقامان الدور # Dorian # والفريجي Phrygian ~~، اللذان يتميزان بروح ~~عسكرية، فمن الواجب استبقاؤهما. وهكذا بدأ أفلاطون تشييد مذهبه في ~~الفلسفة الجمالية للموسيقى بأن عزا إلى المقامات الموسيقية ~~( # modes ~~) اليونانية صفات أخلاقية . ~~وانتهى في محاورة «القوانين» إلى نتيجة مشابهة لتلك التي رأيناها ~~عند كونفوشيوس، فقال: إن «الإيقاعات والموسيقى بوجه عام هي ~~محاكاة للخلال الطيبة والسيئة في الناس.» # 15 # ولقد تمسك أفلاطون بالرأي القائل إن الموسيقى ينبغي أن تكون ~~وسيلة من وسائل دعم الفضيلة والأخلاق. وكان يرى أن الموسيقى أرفع ~~من الفنون الأخرى، على أساس أن تأثير الإيقاع واللحن في الروح ~~الباطنة للإنسان وفي حياته الانفعالية أقوى من تأثير العمارة أو ~~التصوير أو النحت. وهكذا فإن الطفل الذي يستمع إلى المقامات ~~الموسيقية المناسبة تنمو لديه، دون أن يشعر، عادات وقدرات مرهفة ~~تتيح له تميزا للخير من الشر. وبعد أن تشكل الموسيقى شخصية ~~الطفل، وتجعله مستقرا في انفعالاته، تكشف له دراسة الفلسفة، عن ~~وعي كامل، أسمى أنواع المعرفة. # ولقد كان للموسيقى والرياضة البدنية دور حيوي في خطة التعليم ~~عند أفلاطون. وكان في رأيه أن الموسيقى ينبغي ألا تتبع الرياضة ~~البدنية، بل إن الواجب - على عكس ذلك - هو أن تسبق الموسيقى ~~الرياضة البدنية وتتحكم فيها؛ لأن الجسم لا يهذب الروح، وإنما ~~الروح هي التي تشكل الجسم. وفضلا عن ذلك فإن الرياضة البدنية قد ~~تصبح خشنة وتؤدي إلى غلظة الطبع، ومن هنا كان من الواجب تخفيفها ~~وتهدئتها بالموسيقى. ومن جهة أخرى فإن الموسيقى دون الرياضة ~~البدنية قد تبعث التخنث في نفس متذوق الفن؛ لذلك فإن المزج ~~بين الموسيقى والرياضة البدنية باعتدال يؤدي إلى تكوين شاب ~~أثيني متزن متناسق الطباع. # ولقد حدثت خلال حياة أفلاطون تجديدات موسيقية متعددة لم يهضمها ~~أفلاطون ولم يحتملها، وإنما كان يتقبل فقط تلك الطريقة التقليدية، ~~التي يكتب فيها شعر غنائي يتلى أو ms023 يغنى بمصاحبة الموسيقى. ~~والواقع أن الشعر والموسيقى «ذلك الزوج الإلهي من الأصوات الساحرة» ~~أخوان لا ينفصلان في الحياة الثقافية اليونانية، وكان لفظ ~~«الموسيقى» يدل على الشعر واللحن معا. ولقد كان أفلاطون يرى ~~أحدهما أهم من الآخر، فذهب إلى أنه لما كانت اللغة هي التعبير ~~المباشر عن العقل، فلا بد أن يكون للكلمة أو البيت الشعري مكانة ~~أرفع من اللحن؛ ذلك لأن النص الشعري نتاج العقل، أما اللحن فيؤدي ~~إلى لذة الحواس فحسب، ومن هنا كانت له مكانة أدنى. # ولم يكن لدى اليونانيين نظام توافقي «هارموني» كما نعرفه اليوم، ~~وإنما كان اللحن متوقفا تماما على النص وتابعا له. وكانت ~~الموسيقى اليونانية مبنية بحيث توضع نغمة لكل مقطع، وكان من ~~الشائع تقسيم المقاطع إلى «طويل» و«قصير» بحيث يساوي المقطع الطويل ~~مقطعين قصيرين. وفي الوقت الذي بدأ فيه أفلاطون الكتابة، كان ~~هناك اتجاه متزايد القوة إلى استخدام الشعر مجرد نص للموسيقى، ~~وتشويه الكلمات بحيث تلائم الموسيقى، وكان هذا الاتجاه يثير ~~الاحتجاج بالفعل. # 16 # وكان صوت أفلاطون هو أعلى الأصوات احتجاجا، ولكنه لم ~~يكن منفردا في رأيه هذا. # وقد احتفظ أفلاطون بالرأي اليوناني التقليدي القائل بعدم وجوب ~~الفصل بين الكلمات واللحن. ومن الطبيعي أن ينظر الشاعر المغني ~~اليوناني الذي يلتزم التراث الكلاسيكي بدقة، إلى أي تميز كهذا ~~على أنه تميز أكاديمي بحت؛ إذ إن الشاعر والموسيقي كانا واحدا، ~~يؤلف أنشودته ويعزفها بوصفها أسطورة أو رواية شعرية ذات إيقاع ~~موسيقي. ولما كان أفلاطون قد أكد أن النص الكلامي أرفع مرتبة؛ ~~لأنه أخضع القالب الموسيقي للشعر، فإنه كان أكثر من غيره استياء ~~من أولئك الموسيقيين الثوريين الذين كانوا في أيامه يؤلفون ~~موسيقى دون كلمات لغرض سماع أصوات تبعث اللذة في الأذن فحسب؛ ولذا ~~كتب يقول: عندما لا تكون هناك كلمات، فمن الصعب جدا إدراك معنى ~~الانسجام والإيقاع، أو معرفة ما إذا كانا يحاكيان أي شيء ذي قيمة. # 17 # ولقد انتقد أفلاطون التحديد الموسيقى نقدا لاذعا، وعلى الرغم ~~من أنه كان هو ذاته فنانا خلاقا، فقد ظل ms024 على الدوام متعصبا ~~في إبداء سخطه على الفنان الضال الذي تتبدى سوراته القلقة ~~على الدوام في صورة أشكال فنية متغيرة. وكان أفلاطون يخشى من أن ~~يؤدي التحرر المفرط في الفن إلى انتشار فوضى في الدولة، وعلى ~~أساس اعتقاده هذا قال في الكتاب الرابع من «الجمهورية»: ينبغي أن ~~يحرص حكامنا على أن تظل الموسيقى والرياضة البدنية على صورتها ~~الأصلية، دون إدخال تجديدات عليها ، وعلى هؤلاء الحكام أن يبذلوا ~~كل ما في وسعهم للاحتفاظ بهما سليمين، فإذا ما قال الشاعر إن ~~البشر متعقلون إلى أبعد حد ب «أحدث ما لدى المغنين من أغان»، ~~فإن هؤلاء الحكام يخشون من أن مدحه قد لا يكون موجها إلى ~~أغان جديدة، وإنما إلى نوع جديد من الغناء، وهذا ما لا ينبغي ~~امتداحه، أو تفسيره على أنه المعنى الذي قصده الشاعر؛ إذ إن أي ~~تجديد في الموسيقى يجلب أخطارا شديدة على الدولة كلها وينبغي ~~نظره، هذا ما قال به دامون # Damon ~~، ~~وما أومن به بدوري، من أن المرء في الأصل لا يستطيع تغيير أساليب ~~الموسيقى دون أن يقلب معها الموازين الأساسية للدولة رأسا على عقب. # 18 # ولقد كانت محاربة التجديد، على أسس فلسفية ودينية، شائعة في ~~الشرق بقدر ما كانت شائعة في الغرب؛ فقد روى فيثاغورس أن كبار ~~كهنة فرعون كانوا يحتجون بشدة على تجديدات أساطين العزف، وكان من ~~رأيهم أن التغيير الفني مصطنع، وأنه بالتالي خطر على الحياة ~~الروحية والمادية للأمة. # كذلك روى هيرودوت أن المصريين كانوا يعتقدون أن لألحانهم الدينية ~~أصلا مقدسا؛ ولهذا السبب لم يكونوا يسمحون بأية تجديدات أو ~~يقبلون أنغاما أجنبية في طقوسهم الدينية. وقد توسع أفلاطون في هذه ~~الفكرة في محاورة «القوانين»، # 19 # فأضاف أن المصريين قد نسبوا ألحانهم المقدسة إلى ~~الربة إيزيس، ثم انتقل إلى امتداح قدرة المصريين على خلق ألحان ~~يمكنها قهر الانفعالات الغريزية في الإنسان وتنقية الروح. والمعنى ~~الكامن في أقواله هذه هو أن الألحان الوحيدة الجديرة بالتقدير هي ~~المقامات والأنغام الموسيقية المحددة بدقة، على نحو من شأنه أن ms025 ~~يجعل لها تأثيرا عاطفيا بفضل بساطتها المباشرة. # وكان من رأى أفلاطون أن البساطة الموسيقية لا تتعارض مع القانون ~~الطبيعي؛ فإشاراته المتعددة إلى الموسيقى تتضمن الاعتقاد بأن في ~~وسع الموسيقى أن تتيح للمرء بعث التوافق بين نفسه المتناهية، ~~والنفس اللامتناهية، وذلك عن طريق المزج الرقيق بين أفكاره وأفعاله ~~وبين الأجرام السماوية التي يتم بينها انسجام الأفلاك. أما التخليط ~~الصوتي الصخب فلم يكن، في رأي أفلاطون، غريبا عن الثقافة ~~اليونانية فحسب، # 20 # بل هو يؤدي إلى التضارب بين النفس البشرية وبين النظام ~~المثالي للأشياء. # ولقد كان أفلاطون يعتقد بأن القوى التي تمارسها الموسيقى على ~~الانفعالات البشرية قوى غير مأمونة، شبهها بقوة السحر. وكان ~~ينظر إلى المزامير الموسيقية (التي تسمى عادة بالناي # flutes # في الترجمات الإنجليزية) ~~على أنها ذات قدرة خاصة على الغواية، وكتب يقول إن الآلات ~~المتعددة الأوتار التي أصبحت من البدع المنتشرة حينئذ تبعث ~~الاضطراب في نفوس السامعين، وكان يعتقد أن الليرا ~~( # Lyre ~~) التقليدي والصنج # harp # ومزمار الرعاة هي الآلات ~~المأمونة أخلاقيا، ولا سيما في تعليم الصغار. # ومن الواجب في نظر أفلاطون أن تكون المعزوفات والمؤلفات ~~الموسيقية معا ذات طبيعة بسيطة؛ ذلك لأنه كان يخشى أن تؤدي ~~الاتجاهات الناعمة في الموسيقى إلى تخدير أعصاب المواطنين ~~العاديين، مما يترك أثينا تحت رحمة أعدائها. كذلك خالف الموسيقيين ~~في استخدامهم للإيقاعات المعقدة والقوالب الموسيقية المختلطة. ~~وإذا كان تيموثيوس # Timotheus ~~(حوالي 446-357ق.م.) وهو واحد من مشاهير المجددين في عصر ~~أفلاطون، قد زاد أوتار الليرا إلى أحد عشر أو اثني عشر، فإن هذه ~~الزيادة في ذاتها كانت تشكل خطرا ممكنا على الدولة القائمة. ~~ومن جهة أخرى فقد كان أفلاطون معجبا بفلسفة الموسيقى السائدة في ~~إسبرطة، وهي الفلسفة التي كانت تحظر أي خروج عن القواعد القديمة للموسيقى. # 21 # فيما يلي بعض أمثلة الحظر التي رواها بلوتارك عن ~~إسبرطة: «ولقد كانوا يحترمون موسيقاهم القديمة، في جديتها ~~وبساطتها، إلى حد أنهم لم يسمحوا بأي انحراف من القواعد السائدة ~~ومقاييسها، حتى إن مجلس القضاء الأعلى # Ephori # أوقع، بناء على شكاوى ms026 ~~تلقاها، عقوبة شديدة على ترباندر # Terpander ~~(وهو موسيقار ذائع ~~الشهرة والصيت، عرف بمهارته الفائقة، وبراعته في العزف على ~~الصنج، كان يبدي للتراث القديم أعظم التبجيل، بحيث شهدت مدائحه ~~بما كان يحمله من احترام للأفعال البطولية الفاضلة) فحرمه من ~~صنجه، وزاد من قسوة العقوبة بأن عرض الصنج على الجماهير لتصب ~~عليها غضبها، فعلقها بمسمار أمامهم، كل ذلك لأنه أضاف إلى الآلة ~~الموسيقية وترا واحدا يزيد على العدد المعتاد المقرر، مع أنه ~~لم يكن له نفع أو غرض في ذلك إلا تنويع الصوت، وجعله أنفع وأمتع. ~~ولقد كانت أفضل الموسيقى عندهم هي أكثرها جدية وبساطة، وأقربها إلى ~~الطبيعة. ومن أجل هذا السبب ذاته استل أحد هؤلاء القضاة سكينا ~~قطع به أوتار صنج تيوثيوس؛ لأنه تجاوز عدد السبعة بها، أثناء دخوله ~~في مسابقة في «الأعياد الكرنية # Carnean ~~» التي كان يحتفل بها ~~تمجيدا لأبولو. وهكذا بلغ من شدة تشبثهم بعاداتهم وأساليبهم ~~القديمة أنهم لم يكونوا يتحملون أبسط تجديد، حتى ولو كان ذلك في ~~أمور تافهة أو ضئيلة الأهمية؛ خشية أن يؤدي الإسراف في شيء ~~إلى الإسراف في شيء آخر، حتى ينتهي الأمر بعد تغيرات متدرجة ~~غير ملموسة، إلى تجاهل مجموع تشريعاتهم واحتقارها، مما يضعف ~~الدعامة الرئيسية التي يرتكز عليها بناء حكومتهم، ويؤدي إلى تقويضها.» # 22 # ولقد تمثلت في تيموثيوس الرغبة الملحة القلقة للفنان ~~الخالق في التغير. وعمل الشعراء الموسيقيون على التعبير عن ~~مشاعرهم بأساليب ووسائط جديدة، تحدوا بها القوالب التقليدية. ~~وقد روى تيموثيوس أنه قال: «لست أتغنى بالماضي.» ثم أعقب ~~ذلك قوله: «في التجديد القوة ... ~~إلى الجحيم يا ربة الفن العجوز.» ومضى التمرد في الفنون ~~حثيثا، ولكن أرستوفان تصدى للتحدي الموجه إلى أنصار التقاليد، ~~وقاد حملة ضد الاتجاه الجديد في الموسيقى، ثم سار في أعقابه ~~معاصره فركراتيس Pherekrates ~~(القرن الخامس ق.م.) غير أن المجددين في ذلك العصر ظلوا يغيرون ~~في الموسيقى والآلات، ملتمسين سبلا جديدة للتعبير. وقد أزعج هذا ~~الاتجاه أفلاطون، وهو يرى الألحان والأنماط الإيقاعية التقليدية ~~تلقى من الجمهور إعراضا متزايدا، بعد أن ms027 كانت هي المميزة للفن ~~الهليني. # وظهرت أساليب جديدة أكثر تزويقا أصبحت هي محط الأنظار في ~~عصره، ولو كان لنا أن نقبل شهادة بلوتارك لقلنا إن الموسيقى في عصر ~~أفلاطون كانت تجيش بالعواطف. # ولقد كان لفظ «الموسيقى» يدل عند اليونانيين على مفهوم مزدوج؛ ~~فهو من جهة يشمل جزءا من المناهج التعليمية كالقراءة والكتابة ~~والرياضيات والرسم والشعر. ومن جهة أخرى كان يستخدم بالطريقة ~~التي نستخدمه بها، فيدل على الموسيقى بمعناها الدقيق. ولقد كانت ~~الموسيقى بالمعنى الأخير وثيقة الارتباط بالقراءة والكتابة ~~والرياضيات والرسم والشعر، إلى حد أن أي تغيير في الموسيقى كان ~~يراقب بحذر شديد؛ إذ إنه سيؤثر بالتالي في البرنامج التعليمي ~~الكامل للشباب الأثيني. # وأهم ما في فلسفة أفلاطون في الموسيقى هو أن الموسيقى، من حيث هي ~~مبحث تعليمي وثقافي، ينبغي أن تستخدم في تحقيق أخلاق فاضلة. ~~وقد عرض أفلاطون في محاورة «طيماوس» مذهبا أنطولوجيا يتصور ~~العالم على أنه من خلق عناصر هندسية. وفي خلال عملية إرجاع ~~الطبيعة إلى أنموذج صوفي من العلاقات العددية، أعرب عن الرأي ~~القائل إن الموسيقى قد وهبت للإنسان؛ لكي تجعله يحيا حياة ~~منسجمة حكيمة، # 23 # وهكذا أصبحت للموسيقى وظيفة غائية تساعد على بلوغ ~~الأخلاق الفاضلة. # ويمكننا أن نعرف بدقة كنه هذه التأثيرات الأخلاقية إذا رجعنا ~~إلى مصادر كتلك الفقرات التي أعرب فيها أفلاطون، في محاورة ~~«الجمهورية»، عن اقتناعه بأن من الواجب إبعاد المقامين الأيوني ~~والليدي من الدولة؛ لأن لهما طابعا ناعما متراخيا، أما المقامان ~~الدوري والفريجي بما لهما من طابع عسكري، فيجب إبقاؤهما. وبعد أن ~~وضع أفلاطون أساسا أخلاقيا للمقامات اليونانية، انتقل إلى تحليل ~~خصائصها؛ أي الإيقاع واللحن، ثم تساءل في محاورة «القوانين» إن كان ~~الإيقاع واللحن في ذاتهما «يحاكيان الخلال الطيبة والسيئة في ~~الناس»، وبعد أن أصبحت آراؤه الموسيقية مرتبطة ارتباطا وثيقا ~~بالمبادئ الأخلاقية، طبقها بطريقة عملية دقيقة في جملتها على ~~نوع بدائي من «البوليفونية» كان قد بدأ يذيع في أيامه، فوصفه بأنه ~~تخليط نغمي، لا يمكن أن يسفر عنه إلا الاضطراب الذهني، ثم نصح ~~الشاعر ms028 المغني اليوناني بأن يؤلف أنشودته الموسيقية، بحيث يمكن ~~أداؤها «نغمة نغمة» لا بواسطة «مجموعة معقدة ومتنوعة من ~~الأنغام» كما يحدث «عندما تعطينا الأوتار صوتا والشاعر أو واضع ~~اللحن صوتا آخر». وهكذا قال أفلاطون محذرا: إن «التوافق ~~والانسجام الذي تتجمع فيه مسافات قصيرة وطويلة، وأنغام بطيئة ~~وسريعة، أو مرتفعة ومنخفضة»، وكذلك التنوعات المعقدة عندما ~~تكيف مع أنغام الليرا، تؤدي قطعا إلى إثارة صعوبات «إذ إن ~~المبادئ المتعارضة تبعث الاضطراب»، # 24 # والنتيجة التي تنبني على ذلك هي أن تنوع الإيقاع ~~واللحن وتعقيدها أمر ينبغي تجنبه؛ لأنه يبعث الانقباض والاضطراب ~~في الذهن مما قد يبعد الناس عن المجرى الطبيعي للأشياء، وينقلهم ~~إلى عالم اللامعقولية والخبل. # وهكذا رأى أفلاطون أن الأنماط والأنغام الموسيقية المحددة ~~بدقة، والتي تؤثر عاطفيا بفضل بساطتها المباشرة، هي وحدها ~~المفيدة، وفي وسع النوع الصحيح من الموسيقى أن يساعد الإنسان على ~~أن يوائم بين نفسه المتناهية وبين اللامتناهي. ~~«... فالإيقاع والانسجام يجدان طريقهما إلى الأغوار الباطنة للنفس؛ ~~حيث يستقران راسخين»، # 25 # أما التخليط الصوتي الصاخب فقد يجعل النفس البشرية ~~تتضارب مع النظام المثالي للأشياء. وعلى ذلك فمن الواجب نبذ ~~الشعراء المغنين الذين يضعون موسيقى غير ملائمة للنظام الطبيعي ~~من صفوف المجتمع؛ إذ إنهم يحطمون النفوس، ويعجلون بهلاك ~~المجتمع. # القسم الثالث: أرسطو # اقتبس أرسطو (384-322ق.م.) جزءا كبيرا من فلسفته من أفلاطون؛ ~~فقد اتفق مع أستاذه على أن الموسيقى فن مقلد، صيغ على أنموذج ~~الانسجام الكوني. كذلك نظر أرسطو إلى الموسيقى، كما نظر إليها ~~اليونانيون عامة، على أنها أكثر الفنون تقليدا للشخصية وتمثيلا ~~لها؛ إذ إنها صورة مباشرة للشخصية أو نسخة منها. «إن الإيقاع ~~واللحن يهيئان محاكاة للغضب والرقة، وكذلك الشجاعة والاعتدال، ~~وكل الصفات المضادة لهذه وغيرها من صفات الشخصية، وهذه المحاكاة ~~لا تكاد تفترق عن الانفعالات الأصلية إلا قليلا، كما نعلم من ~~تجربتنا الخاصة؛ إذ إن سماعنا لهذه يحدث في نفوسنا تغيرات. ~~وليست عادة الشعور باللذة أو الألم إزاء التمثلات المجردة ~~بمختلفة كثيرا عن نفس هذا الشعور إزاء الأشياء الواقعية.» # 26 # وإذن ففي ms029 الإيقاع واللحن نجد محاكاة شديدة الواقعية ~~للغضب والهدوء، فضلا عن الشجاعة والاعتدال وأضداد هذه الصفات؛ أي ~~إن المحاكاة الموسيقية لا تقتصر على الأحوال الشعورية فحسب، بل ~~تشمل الصفات الأخلاقية والاستعدادات الذهنية أيضا؛ فالموسيقى التي ~~يضعها شخص ما، تشكل شخصية المستمع في اتجاه الخير أو الشر. ~~والموسيقى انعكاس لصانعها، والأمر في ذلك لا يقتصر على كون شخصية ~~المرء تصور فيما يخلقه، بل إن من تصل موسيقاه إلى أسماعهم ~~يتأثرون إلى حد بعيد. # كذلك ربما كان أرسطو متأثرا بأفلاطون عندما وضع النظرية القائلة ~~إن المأساة «التراجيديا» ينبغي أن تتضمن أفعالا تثير الشفقة ~~والخوف، حتى تتم عملية «التطهير # Kathaarsis ~~» الانفعالي، # 27 # فلا شك أن أرسطو كان يعرف ذلك النص الذي لاحظ فيه ~~أفلاطون في محاورة «القوانين» أن الحركة مفيدة للنفس والجسم معا؛ ~~لأن الإيقاع يهدئ الخوف ويعيد التوازن النفسي؛ فقد قال ~~أفلاطون: «إن انفعال الراقصات في أعياد الخمر، كذلك الأطفال، هو ~~انفعال خوف، ينشأ عن عادة سيئة للنفس. وعندما يبعث أحد مثيرا ~~خارجيا في هذا النوع من الانفعالات، فإن الحركة الآتية من الخارج ~~تغلب على الحركة الداخلية الفظيعة العنيفة، وتحدث طمأنينة ~~وهدوءا في النفس وتهدئ النبضات المضطربة للقلب، وهو أمر ~~مرغوب فيه إلى حد بعيد؛ إذ يجعل النعاس يدب في أجفان الطفل، ~~ويجعل الراقصات، مع بقائهن أيقاظا، يرقصن على المزمار بمعونة ~~الآلهة التي يقدمن إليها قرابين مقبولة، ويبعث فيهن حالة ذهنية ~~متزنة تحل محل التشنجات.» # 28 # ولقد أنبأنا أرسطوكسينوس # Aristoxenus ~~، تلميذ أرسطو، أن ~~استخدام طريقة «التطهير» قد ظهر في الأصل لدى الفيثاغوريين، ولكن ~~الواقع أن عادة استخدام الموسيقى في علاج المختلين عقليا ليست ~~يونانية الأصل، وإنما اتبعت في الصين ومصر قبل أن يستخدمها ~~الكهنة اليونانيون. وأغلب الظن أن أرسطو قد وسع هذه النظرية بعد ~~أن لاحظ ما لبعض أنواع الموسيقى من تأثير في إحداث حالة نفسية أو ~~نشوة دينية أو «أحوال» كما كان يسميها اليونانيون «وهو أمر ~~نادرا ما يشاهد في هذا البلد، ولكن مقره الأصلي في الشرق». ~~ولقد كان أولئك الذين يمرون ms030 بنوبات من الاختلال العقلي يعدون ~~«مجذوبين» بالآلهة، فكان الكهنة يتولون معالجتهم. وكان الدواء من ~~نفس نوع الداء؛ بمعنى أن أساسه هو تقديم موسيقى متشنجة لعلاج ~~العقول المتشنجة؛ فالحركة الإيقاعية للنغم الموسيقي القلق ~~العنيف، يمكن أن تؤثر في سامعها المعتل على نحو يكفل إعادة ~~التوازن له. وفي الأدب اليوناني إشارات إلى حالات كان كهنة باخوس ~~يجمعون فيها النساء ذوات العقول المختلة المضطربة، ويقتادونهن ~~إلى المعبد للعلاج، وهناك يعزف الكهنة موسيقى المزامير الصاخبة ~~التي تدفع النساء إلى الرقص، وكلما ازدادت الموسيقى عنفا ازداد ~~الرقص تشنجا ، وعندما تخور قوى النساء يسقطن على الأرض في ~~غيبوبة، وعندما يستيقظن تكون حالات الاختلال العقلي قد زالت، ~~وتشفى النساء شفاء مؤقتا أو نهائيا. # 29 # كذلك ردد أرسطو آراء أفلاطون بشأن الطابع الأخلاقي للموسيقى؛ ~~فقد كتب في «السياسة» يقول: «إن الألحان الخالصة هي بدورها ~~محاكاة للخلق؛ ذلك لأن المقامات الموسيقية تختلف تماما الواحد عن ~~الآخر، كما أن تأثيرها في سامعيها يختلف؛ فبعضها يجعل الناس في ~~حزن وهم، كالمقام المسمى بالليدي المختلط، وبعضها الآخر يضعف ~~الذهن، كالمقامات الرقيقة الناعمة، وغيرها يحدث مزاجا معتدلا ~~مستقرا، وهو التأثير الذي يبدو أن المقام «الدوري» يتميز به، ~~أما الفريجي فيوحي بالحماسة ... ومثل هذه المبادئ تنطبق على ~~الإيقاعات؛ فبعضها له صفة السكون، وغيرها له صفة الحركة، ومن هذه ~~الأخيرة ما يبعث حركة سوقية، ومنها ما يبعث حركة نبيلة ... ~~فللموسيقى القدرة على تكوين الشخصية، ومن هنا كان من الواجب ~~إدخالها في تعليم الصغار ... ويبدو أن فينا نوعا من التعاطف مع ~~المقامات والإيقاعات الموسيقية، وهذا ما حدا ببعض الفلاسفة إلى ~~القول إن النفس توافق، وغيرهم إلى القول بأنها تتصف بالتوافق.» # 30 # غير أن أرسطو اختلف مع أفلاطون في استبعاد هذا الأخير للمزامير، ~~فكتب يقول: «إن سقراط «الجمهورية» مخطئ في اقتصاره على الاحتفاظ ~~بالمقام الفريجي مع الدوري، لا ~~سيما وهو يرفض استخدام الناي؛ ذلك لأن الفريجي بالنسبة إلى ~~المقامات الأخرى بمثابة الناي بالنسبة إلى الآلات الموسيقية الأخرى ~~كليهما عاطفي مثير. وهذا أمر يثبته الشعر؛ إذ إن الناي ms031 أقدر ~~الآلات على التعبير عن الثورة التي تتمثل في رقصات باخوس، وغيرها ~~من الانفعالات المماثلة، كما أن المقام الفريجي هو أصلح المقامات ~~الموسيقية للتعبير عنها. # 31 # وأضاف أرسطو مواصلا بحثه للمقامات الموسيقية: «إن الناس جميعا ~~متفقون على أن الموسيقى «الدورية» أكثر الأنواع جدية ورجولة. ~~ولما كنا نقول بوجوب تجنب التطرف واتباع الوسط، ولما كان ~~المقام الدوري وسطا بين المقامات الأخرى، فمن الواضح أن شبابنا ~~يجب أن يعلموا الموسيقى الدورية.» # 32 # وعلى هذا النحو صاغ أرسطو مذهبا أخلاقيا مبنيا ~~على فكرة الوسط العدل. # وقد وجدت النصيحة الحكيمة ~~التي وجهها أفلاطون إلى حراس الدولة بشأن التعليم الموسيقي في ~~«الجمهورية»؛ وجدت هذه النصيحة طريقها إلى كتاب «السياسة» لأرسطو، ~~ولكن بصورة معدلة إلى حد ما؛ فقد أكد أرسطو منذ البداية أن ~~أولئك الذين يحكمون على الموسيقى ينبغي أولا أن يكونوا عازفين أو ~~مغنين لهم حظ غير قليل من الدراية؛ فليس في وسع أحد أن يفهم ~~الموسيقى أولا، ثم يقدرها ثانيا لكي يصدر حكما معقولا على ~~قيمتها، إلا من توافرت لديه معرفة بمختلف الأساليب والإيقاعات ~~والألحان، وقدرة على التذوق الفني للموسيقى التي تعزف؛ وعلى ~~ذلك فلا بد من تثقيف الشاب الأثيني موسيقيا، إذ شاء أن يصبح ~~مواطنا مستنيرا، لكن ما مقدار التعليم الموسيقي الذي يتعين على ~~الشاب أن يتلقاه؟ في هذه الحالة أيضا حدد أرسطو المطلوب على ~~أساس فكرة الوسط العدل «إن دارسي الموسيقى يبلغون القدر المطلوب ~~إذا ما توقفوا في تعليمهم قبل المرحلة التي يمكنهم فيها إجادة ~~فنون العزف التي تمارس في مسابقات المحترفين، ولم يسعوا إلى ~~اكتساب تلك المهارات العجيبة في العزف، التي تشيع اليوم في هذه ~~المسابقات، ومنها انتقلت إلى ميدان التعليم.» # 33 # فعندما يكون الطالب قد اكتسب معرفة معقولة بالموسيقى، ~~وأصبح قادرا على عزف الآلات، ينبغي أن يقال له إن الإقبال ~~المفرط على الموسيقى لأجل الترويح عن النفس قد يؤدي إلى ~~الابتذال، ولكن من الممكن أن نفي بشروط الوسط العدل إذا «مارس ~~الشبان ذلك النوع الذي حددناه من الموسيقى، على ألا ms032 يتجاوزا ~~الحد الذي يمكنهم فيه أن يشعروا بالطرب للألحان والإيقاعات ~~الرفيعة، وليس فقط لذلك النوع الشائع من الموسيقى، الذي يطرب له كل ~~عبد أو طفل، وربما بعض الحيوانات.» # 34 # فما هي الآلات التي تستخدم في تعليم الشباب؟ «إن ~~الناي أو أية آلة أخرى تقتضي مهارة فائقة كالليرا ينبغي ألا ~~يسمح بها في التعليم ... وفضلا عن ذلك فليس الناي بالآلة التي ~~تعبر عن الصفات الأخلاقية، وإنما هو مثير أكثر مما ينبغي. ~~والوقت المناسب لاستخدامه هو ذلك الذي لا يكون العزف فيه هادفا ~~إلى التعليم، وإنما إلى التخفيف من الانفعالات. وثمة اعتراض ~~آخر هو أن حيلولة الناس دون استخدام الصوت البشري يقلل من قيمته التعليمية.» # 35 ~~«وهكذا فإننا نرفض آلات المحترفين والأسلوب الاحترافي ~~في تعليم الموسيقى (وأنا أعني بالاحترافي ما يتبع في ~~المسابقات)؛ إذ إن العازف لا يمارس فنه في هذه الحالة من أجل العلو ~~بنفسه، وإنما لكي يبعث في نفوس سامعيه لذة من نوع مبتذل؛ ولهذا ~~السبب لم يكن أداء هذه الموسيقى من مهام الأحرار، وإنما هو عمل ~~عازف أجير، والنتيجة هي أن يكون العازفون مبتذلين؛ إذ إن الغاية ~~التي يستهدفونها سيئة، كما أن ابتذال المتفرج يؤدي إلى هبوط ~~مستوى الموسيقى، وبالتالي مستوى العازفين؛ فهم يتطلعون إليه، وهو ~~يجعلهم على ما هم عليه، ويتحكم حتى في تشكيل أجسامهم بالحركات ~~التي يتوقع مهم القيام بها.» # 36 # وعندما وبخ فيليب ~~المقدوني ابنه الإسكندر قائلا: «ألا تخجل من براعتك هذه في اللعب ~~بالأوتار؟» كان في الواقع يعبر عن فلسفة الموسيقى التي حاول ~~أرسطو بوصفه أستاذا للإسكندر في صباه، أن يبثها في نفس تلميذه. ~~وقد روى بلوتارك هذه القصة مشيرا إلى أنتيسثينيس # 37 # Antisthenes # الكلبي ~~الذي قال: «عندما سمع أن إسمنياس # Ismenias # عازف بارع على المزمار، ~~قال: ولكنه إنسان حقير، وإلا لما كان عازفا بارعا إلى هذا ~~الحد.» وهكذا قال فيليب ذات مرة لابنه الذي كانت أنامله تعزف على ~~الأوتار عزفا ساحرا بارعا بعد أن تدور كئوس الخمر: «ألا تخجل من ~~براعتك هذه في اللعب ms033 بالأوتار؟» فحسب الملك بلا شك أن يكون لديه ~~من الفراغ ما يتيح له سماع الآخرين وهم يعزفون، وهو قطعا يبدي ~~تنازلا كبيرا لربات النغم لو كان مجرد متفرج على مثل هذه المسابقات. # 38 # كذلك كان قلق أرسطو على ~~حالة الموسيقى في عصره يرجع إلى أصل أفلاطوني؛ ففي محاورة ~~«بروتاجوراس» أشار أفلاطون إلى مرحلة في الموسيقى اليونانية بدأت ~~ملامحها تتحدد في القرن السابق له، وأخذت تكتسب شهرة واسعة بين ~~الجماهير في جيله؛ فقد كان الموسيقيون المحترفون الذين يعزفون في ~~المسابقات، في نظر أفلاطون، علامات على تدهور بطيء، ولكنه ~~مؤكد، للحضارة اليونانية، وقد اعترض أفلاطون على الاهتمام ~~بالتعبير الذاتي، والقوالب الحرة، والألحان المنمقة، والبدع ~~الإيقاعية، والألحان الكروماتية # Chromatic ~~، وقد ظهر الموسيقار ~~المحترف في اليونان خلال القرن الخامس، وذلك في أشخاص تيموثيوس # Timotheus # وإريبيدس # Euripides ~~(480-406ق.م.) وفرونيس Phrynis ~~(القرن الخامس ق.م.) وهو ~~مجدد ثالث مزج الهكساميتر # Hexameter # بالشعر الغنائي الحر، ~~وجعل صوت الليرا يشبه صوت البوق «كان ذلك عصرا يعير فيه ~~الموسيقيون الأساليب والآلات حسب أهوائهم، فيجربون إيقاعات ~~وأساليب جديدة في العزف لزيادة القدرة التعبيرية للموسيقى. كما ~~كان عهدا اتصف بالذاتية إلى حد دفع أفلاطون وأرسطو إلى التحسر ~~على التراث اليوناني الذي كان بسبيل الاندثار في المجال ~~الفني.» # وقد دعم بلوتارك آراء أفلاطون وأرسطو؛ إذ أشار إلى أنه قبل أيام ~~فرونيس Phrynis # والاتجاه الذاتي ~~«لم يكن يسمح للموسيقيين، ما يسمح لهم الآن بإدخال تعديلات على ~~اللحن أو الإيقاع كما يشاءون، وإنما كان عليهم أن يلتزموا، دون ~~تغيير، الأناشيد الشائعة بينهم، حسب الارتفاع الصوتي والوزن ~~الإيقاعي المناسب.» # 39 # كذلك قدم بلوتارك تأييدا آخر لرأيه القائل إن تجديدات ~~تيموثيوس وفرونيس عند نهاية القرن الخامس وأوائل القرن الرابع ق.م. ~~قضت على البساطة الوقور التي كانت تتميز بها الموسيقى القديمة، ~~فاقتبس من الروايات الهزلية لفركراتيس Pherekrates # وأرستوفان نصوصا؛ ~~منها فقرة لرواية هزلية لفركراتيس صورت فيها الموسيقى على ~~أنها شخصية نسائية مثخنة بالجراح، تشكو أمام العدالة من ~~أن: ~~«فرونيس قد شوه صورتي، # كما تفعل عاصفة عاتية ودوامة ثائرة، ms034 # واستخلص بحيلة شيطانية # اثني عشر توافقا صوتيا من أوتاري الخمسة ~~البسيطة، # ولكن يا سيدتي الغالية، أتودين أن تعرفي ~~الحقيقة، # عمن سبب لي أقسى الجرح، وألحق بي أفظع ~~الآلام؟ # إنه تيموثيوس الذي طردني من الأرض كلها. # لقد كان هو ألد أعدائي؛ # ففي وسعكم أن تروا آثار قسوته الوحشية # عالقة بي؛ إذ كنت أتجول ذات مرة وحيدة، # فقابلني في طريقي المنعزل، # وهاجمني بقسوة، فخارت قواي، وانهارت شجاعتي، # وقيدني بأوتاره الاثنى عشر، فظللت أسيره بلا حراك.» # 40 # ثم اقتبس بلوتارك نصا من أرستوفان، الذي هاجم ~~أوريبيدس، ومن ينادون بآراء مماثلة لآرائه، على أساس أنهم أصحاب ~~فلسفة منحلة في الفن، ترجع جذورها إلى الحرية الفوضوية السائدة ~~في عصر بركليس. وقد ورد ذكر فليوكسينوس عند أرستوفان، الشاعر ~~الهزلي الذي تعرف منه أنه كان أول من أدخل الأغاني في ~~المجموعات السيكلية # Cyclian ~~. وقد ~~صور الموسيقى على أنها تقدم شكواها على النحو الآتي: ~~«لقد دفعني، رغما عني، إلى أن أبدو # في صورة السكير وسيمائه، # وجعلني أنطق أصواتا غريبة فاجرة، # لا يعرفها السلم المتوافق، وإنما تتجاوز حدوده ~~بكثير، # وليس لها من هدف واحد مفيد، # بل تخالف جميع قواعد الانسجام. # وهكذا أخضعني لإرادته، # وهاجمني، وشوهني، وحملني كل الشرور، # أما أنا، فقد ضعفت مقاومتي، واضطررت إلى ~~الرضوخ، # كما يميل الغصن اللين في كل اتجاه.» # 41 # أما آراء أرسطو في الانسجام وعلم الصوت، فكان يدين ~~بها للفيثاغوريين؛ ذلك لأن الفيثاغوريين كانوا يرون أنه كلما ~~كانت النسبة بين الجزأين اللذين ينقسم إليهما وتر متذبذب أبسط، ~~كان توافق الصوتين أكمل. وقد علق أرسطو على ذلك قائلا: إن هذا ~~المبدأ يستخدمه الصناع بدورهم في صنعهم للمزامير «ففي المزمار ~~يحصلون على توافق بين القرار والجواب (الأوكتاف) عن طريق مضاعفة ~~الطول. وهذه هي الطريقة التي يلجأ إليها صناع الناي. وبالمثل ~~يحصلون على الصوت الخامس بواسطة طول نسبته 3 إلى 2 ... وعلى الصوت ~~الرابع بطول نسبته 3 إلى 4» # 42 # كذلك لاحظ أرسطو أن الصوت الأحد يسبب صدمات أكثر ~~في الهواء؛ لأن حركته أسرع، # 43 # ولما كان أرسطو ms035 يتفق مع الفيثاغوريين وأفلاطون على ~~أن التناسب انتظام، وأنه يؤدي بطبيعته إلى إمتاعنا، فقد استنتج ~~من ذلك «أننا نستمتع بمختلف أنواع الأغاني نظرا إلى ما فيها من ~~طابع أخلاقي، أما الإيقاع فنستمتع به لأن له ترتيبا عدديا ~~واضحا ومنظما، ولأننا ننساق معه بطريقة منظمة؛ ذلك لأن الحركة ~~المنظمة بطبيعتها أقرب إلينا من الحركة المفتقرة إلى النظام، ~~بحيث إن مثل هذا الإيقاع أكثر اتفاقا مع الطبيعة.» # 44 # ولقد كان أرسطو يعتقد، مثل أفلاطون، بأن الغاية القصوى للموسيقى ~~ينبغي أن تكون خير الإنسان والمجتمع، ولكن على حين أن أفلاطون كان ~~يعتقد بأن على الموسيقى أن تحاكي الطبيعة محاكاة أمينة، فإن ~~أرسطو قد استقل عن أستاذه في القول إن وظيفة الموسيقى ليست محاكاة ~~الطبيعة، وإنما إعادة خلق عالم الأصوات الطبيعية في أنغام موسيقية ~~ذات طابع مثالي. وكان أرسطو يرى أن مؤلف الموسيقى أقدر من أي ~~فنان خلاق آخر على التعبير عن انفعالات الإنسان وسلوكه؛ لأن ~~القدرة التعبيرية للأنغام أعظم منها لدى الألوان. والموسيقى فن ~~يسمو على الرسم بفضل طبيعتها الزمنية. # 45 # وهكذا انتهى أرسطو إلى القول بأن الموسيقى لا تقتصر ~~على تصوير المظهر الخارجي للشعور والسلوك الإنساني، وإنما تمثل ~~الدلالة الباطنة والحياة الانفعالية لأحوال الإنسان وأفعاله على ~~نحو يفوق تمثيل أي فن آخر لها. # القسم الرابع: أرسطوكسينوس والفيثاغوريون # كان أفلاطون يؤمن بأن للموسيقى القدرة على تشكيل الشخصية. وكان ~~يرى أن الموسيقى الرديئة يمكن أن تبعث في النفس أحوالا فاسدة ~~تساعد على تكوين شخصية شريرة؛ لذلك أكد ضرورة تعليم حراس ~~الدولة تعليما موسيقيا سليما، حتى يمكنهم أن يكشفوا ~~ويستبعدوا الموسيقى التي وضعت لنص غير ملائم لها، أو ~~الموسيقى التي تحاول محاكاة أصوات غريبة عن طبيعتها، وهو أمر ~~لا يمكن أن ينجم عنه إلا تقليد فج للظواهر الفعلية فحسب. وقد ~~حرص أفلاطون قبل كل شيء على تنبيه الكبار إلى أنهم ينبغي أن ~~يبدوا الاحتقار الكامل للموسيقى التي تهدف إلى إظهار البراعة ~~الفنية في العزف على الآلات فقط، وتكون في الوقت ذاته بعيدة عن ~~معنى الألفاظ. ms036 ولم يكن أفلاطون يثق كثيرا في قدرة المواطن العادي ~~على تمييز الموسيقى الجيدة من الرديئة، أو في إمكان الوثوق من ~~الجماهير في المسائل المتعلقة بالذوق الموسيقى؛ لذلك ينبغي أن ~~يتلقى حراس الدولة تعليما موسيقيا أفضل من تعليم عامة الناس لا ~~في العزف البارع على الآلات، وإنما في فهم طبيعة الموسيقى، ~~وتأثيرها في سلوك؛ إذ إن الكبار هم الذين تقع على عاتقهم تلك ~~المهمة الدقيقة، مهمة الاختيار بين الموسيقى الجيدة ~~والرديئة. # أما أرسطو فكان في معظم الأحوال مرددا لنظريات أفلاطون في ~~الموسيقى، وقد اهتم، مثل أفلاطون، بالجوانب العددية للأصوات ~~الموسيقية. وكانت الأفكار التي قدمها عن التركيب النغمي وعلم ~~الأصوات أكثر تقدما من أفكار أي يوناني آخر باستثناء تلميذه ~~أرسطوكسينوس # Aristoxenus ~~. # ولقد تجنب أرسطوكسينوس (الذي ولد في حوالي 354ق.م.) ~~المشكلات الأخلاقية والتفسيرات الرياضية الخالصة للموسيقى التي ~~تمسك بها كل من أفلاطون وأرسطو. وكان يعتقد أن الحس والعقل؛ ~~أي القدرة على السماع والقدرة على التمييز، لا بد أن تتيح للمرء أن ~~يحكم بنفسه على الموسيقى بأنها جيدة أو رديئة. صحيح أنه وافق ~~على أن لبعض الأساليب الموسيقية أوجه شبه مع حالات أخلاقية معينة، # 46 # ولكن هذا التشابه ينبغي ألا يفهم حرفيا أو يبالغ ~~فيه. # ولم يكن أرسطوكسينوس بدوره شديد الحماسة للتجديدات الموسيقية في ~~عصره؛ فقد شكا من أن كثيرا من الأعمال الموسيقية الجديدة قد فقدت ~~جديتها وبساطتها، وزادت الزخارف الصوتية حتى لم يعد من الممكن ~~تمييز اللحن الأصلي، وكانت المقامات تتغير بسرعة زائدة، وتفتقر ~~إلى الترابط والاتصال. أما الموسيقى المصاحبة فكانت تسير في طريقها ~~الخاص، وكثيرا ما كانت صاخبة مليئة بالضجيج. ومن هنا فإنه وصف ~~كثيرا من الأعمال الموسيقية الجديدة بالانحلال، كما فعل أفلاطون ~~وأرسطو من قبله. # ولقد ميز أفلاطون في الكتاب السابع من «الجمهورية» بين «النظرة ~~العملية» الخالصة إلى الموسيقى كما تتمثل لدى هؤلاء الأفاضل ~~الذين يداعبون الأوتار ويعذبونها ويشدونها إلى مفاتيحها، ~~والذين ينصب اهتمامهم على ضربات الريشة، وسورات الأوتار وهدوئها ~~وإقدامها، وبين النظرة العلمية لدى الفيثاغوريين الذين «بحثوا في ~~العلاقة القائمة ms037 بين هذه التوافقات المسموعة». وانتقد الأولين؛ ~~لأنهم «أخضعوا عقولهم لآذانهم»، ~~وبذلك جعلوا أنفسهم «مثارا للسخرية»، ولكنه انتقد الفيثاغوريين ~~بدورهم؛ لأنهم «اكتفوا بقياس الأنغام والتوافقات التي تميزها ~~الأذن واحدا مقابل الآخر، فأجهدوا بذلك أنفسهم دون جدوى»، وكان ~~الأجدر بهم، في رأيه، أن «يعكفوا على بحث المشكلات، بقصد معرفة ~~الأرقام المتوافقة والأرقام غير المتوافقة، وسبب هذا الاختلاف بينهما.» # 47 # كذلك انتقد أرسطوكسينوس آراء الفيثاغوريين، على أساس أن ~~الرياضيات وحدها لا يمكنها أن تفسر الطبيعة الحقيقية للخلق أو ~~التذوق الموسيقي. كما انتقد أبحاث العمليين أو التجريبيين الذين ~~كانوا يهتمون بالأنغام الموسيقية المفردة أكثر مما كانوا ~~يهتمون بالعلاقة اللحنية بين نغمة وأخرى. # 48 # وقد رفض أرسطوكسينوس الاعتماد على الأذن وحدها في ~~تحديد الطابع الجمالي للعمل الموسيقي. كما رفض الرأي القائل بأن ~~الأحكام الجمالية في الموسيقى هي أساسا عملية عقلية، فروى أن بعض ~~السابقين عليه «أقحموا الاستدلال العقلي الذي ينتمي إلى مجال غير ~~مجال الموسيقى، ورفضوا أن يعترفوا بالحواس؛ لأنها أدوات مصطنعة ~~تفتقر إلى الدقة العقلية، فأكدوا أن حدة الصوت وانخفاضه يرجع ~~إلى نسب معينة، واختلاف نسبي في مقدار التردد (الذبذبة)، ~~وهي نظرية خارجة تماما عن الموضوع، تتعارض كل التعارض مع ~~الظواهر، على حين أن غير هؤلاء، ممن استغنوا عن العقل والبرهان، ~~قد اقتصروا على عبارات قطعية منعزلة، فلم ينجحوا بدورهم في ~~تعداد الظواهر الخالصة. أما منهجنا فيرتكز آخر الأمر على ~~ملكتي السمع والتعقل معا؛ فبالأولى نحكم على مقدار ~~المسافات، وبالثانية نتأمل وظيفة الأنغام. وعلى ذلك فمن الواجب ~~أن نعود أنفسنا التمييز الدقيق بين الجزئيات؛ ذلك لأن إرهاف ~~الإدراك الحسي أساسي لدارس العلم الموسيقي، والمعرفة الموسيقية ~~تقتضي معرفة عنصر متغير وثابت في آن واحد، وهذا ينطبق دون قيد ~~أو شرط على كل فروع الموسيقى.» # 49 # وقد كتب «هنري س ماكران» في ~~مقدمته لكتاب «الهارمونيات لأرسطوكسينوس» يقول: «كانت حدود العلم ~~الموسيقي قد أسيء فهمها تماما طوال الوقت السابق على ظهور ~~أرسطوكسينوس في الميدان. صحيح أنه كانت توجد مدرسة مزدهرة للفن ~~الموسيقي، وكان هناك تفضيل واع لهذا ms038 الأسلوب في التأليف على ذاك، ~~ولهذه الطريقة في الأداء على تلك، ولهذا التركيب للآلات على ذاك، ~~وكانت العادات التي تكونت نتيجة لهذه التفضيلات تنقل بالتعليم. ~~وتيسيرا لهذا التعليم، ومساعدة على الحفظ، كان يلجأ إلى الرسوم ~~والتعميمات السطحية. أما المبادئ لذاتها فلم يكن الفنان، الذي كان ~~تجريبيا عمليا، يعبأ بها على الإطلاق. وفي مقابل هؤلاء ~~التجريبيين كانت هناك مدرسة من الرياضيين والطبيعيين، يزعمون أنهم ~~دارسون للموسيقى، ويعدون فيثاغورس أستاذا لهم، كانوا يشغلون ~~أنفسهم بإرجاع الأصوات إلى ذبذبات هوائية، وبمعرفة العلاقات ~~العددية التي تحل عند العقل الرياضي محل التمييزات الحسية بين ~~الصوت الحاد والمنخفض. هذه المدرسة كانت علمية بالمعنى الصحيح، ~~وقد أثبتت الكشوف الحديثة صحة فروضها ودقة حساباتها. ومع ذلك لم ~~يكن العلم الموسيقي ظهر لديها بعد؛ ذلك لأنه إذا كان الفنانون ~~موسيقيين بلا علم، فقد كان الطبيعيون والرياضيون علماء بلا موسيقى؛ ~~فتحت مجهر تحليلاتهم تتساوى كل التفضيلات الموسيقية، ويضحى ~~بكل قيمة موسيقية، وترتد الأصوات والألحان الرفيعة الجميلة، ~~شأنها شأن القبيحة المنحطة، إلى علاقات عددية وعلاقات بين ~~العلاقات، يكون لكل منها من القيمة الزائدة أو الناقصة ما لأية ~~واحدة أخرى. ولقد اهتم الفيثاغوريون بإيضاح السوابق الفيزيائية ~~والرياضة للأصوات بوجه عام، إلى حد أنهم لم يدركوا أن لب الأصوات ~~الموسيقية إنما يكون في علاقتها الدينامية بعضها ببعض. وهكذا لم ~~تتكون لديهم الفكرة الصورية الصحيحة عن الموسيقى، وهي الفكرة ~~التي كانت ماثلة دائما أمام ذهن أرسطوكسينوس، وأعني بها فكرة ~~نسق الأصوات أو الكل العضوي الذي تكونه، والذي يكون وجود كل جزء ~~فيه مرهونا تماما بما يفعله، ولا يمكن فيه للصوت أن يكون جزءا ~~منه لمجرد أن هناك مكانا له، وإنما لا بد أن تكون له وظيفة ~~يستطيع القيام بها.» # 50 # وربما كان أرسطوكسينوس أول المفكرين الموسيقيين الإنسانيين في ~~الحضارة الغربية؛ فقد اتخذت فلسفته الموسيقية من الإنسان حكما ~~وحيدا لما هو خير وما هو شر في الموسيقى. وكان يقدر تماما ~~الدور الذي قام به التجريبيون والفيثاغوريون في أبحاثهم للتركيب ~~الفيزيائي والرياضي للأنغام، ولكنه كان يرى ms039 أن الأنغام المفردة لا ~~تكون بذاتها موسيقى، وأن معرفة العناصر العددية لأنغام معينة لا ~~يؤدي بالضرورة إلى زيادة قيمة الموقف الجمالي الموسيقي؛ فمعرفة ~~«الهارمونيات» شرط ضروري للفهم، ولكن أرسطوكسينوس كان يعتقد أن ~~التقدير الصحيح للموسيقى يتجاوز نطاق فهم فيزياء الصوت ونظرياته ~~العلمية، ولا بد أن يبلغ أوجه في الشعور العاطفي. # وبالكلام عن أرسطوكسينوس نقترب تاريخيا من نهاية الحضارة ~~الأثينية والخلق الموسيقي اليوناني. وفي عصره ثبتت دعائم موسيقى ~~الآلات الخالصة، وصمدت بعد استحداثها أمام صيحات الفلاسفة، كما ~~طرأ تغيير هائل على دور المجموعة الغنائية (الكورس) في التراجيديا ~~اليونانية؛ فقد كانت التراجيديا اليونانية عملا موسيقيا ~~دراميا يستخدم الغناء والكلام معا. وكانت المجموعة تغني أو ~~تنشد طوال المسرحية، موضحة الأحداث الجارية، وكثيرا ما كانت ~~تثير حالة انفعالية تمهد لحدوث كارثة أو بلوغ ذروة. كذلك كانت ~~هناك أغان لأصوات منفردة مشتبكة في نسيج الرواية، وكانت هذه ~~الأغاني تضفي تنوعا على الاطراد النغمي للدراما. وفي حوالي عصر ~~أرسطوكسينوس، أخذ الغناء الإيقاعي السلبي للمجموعة يتضاءل؛ إذ إن ~~أفراد المجموعة كانوا يعطون أدوارا إيجابية في ~~التراجيديا. # إن معرفتنا بالموسيقى اليونانية التي كانت توجد فعلا في أيام ~~أفلاطون وأرسطو وأرسطوكسينوس هي معرفة شحيحة مبنية على التخمين. ~~وكثير من الكشوف الأثرية الموسيقية التي كان يظن أولا أنها ~~يونانية، تبين فيما بعد أن لها أصلا متأخرا. ومعظم الألحان ~~الأصلية التي نعرفها لا توجد منها إلا أجزاء فحسب. وأهم هذه ~~الألحان هي «أنشودتان دلفيتان لأبولو # Hymns to “Two ~~Delphic Apollo” ~~، وهما لحنان كشفا في ألواح ~~مرمرية في خرائط دار الخزانة الأثينية في دلفي. وأولاهما ترجع ~~إلى حوالي عام 138ق.م. وتعد ممثلة حقيقة للموسيقى اليونانية. ~~ولدينا أيضا فقرة من رواية «أورست # Orestes ~~» لأوريبيدس، يعتقد أنها ~~أقدم قطعة موسيقية يونانية نعرفها. غير أن مراجعنا الأصلية ~~للمعلومات التاريخية والنظرية هي كتابات الفلاسفة والمؤلفين ~~النظريين اليونانيين؛ فمن هذه الكتابات جاءتنا أفكار عن موسيقى ~~هذه الفترة تزيد على ما جاءنا من النماذج الباقية من هذه الموسيقى، ~~وهي نماذج قليلة ناقصة على أحسن الفروض. وأغلب الظن أن ms040 جزءا ~~كبيرا من هذه الموسيقى لم يسجل، على الرغم من أن اليونانيين ~~الأولين كان لديهم نظام للتدوين الموسيقي، ونظرا إلى أن جزءا ~~كبيرا من هذه الموسيقى كان يتداول شفويا، وكذلك لأن القصائد ~~والأغاني كانت تؤلف أحيانا لمناسبة خاصة، ثم تطرح جانبا، ~~فلنا أن نستدل من ذلك على أن الجزء الأكبر من الموسيقى اليونانية ~~قد ضاع بتدهور الحضارة اليونانية. # القسم الخامس: العصر اليوناني الروماني # كان أبيقور (342-270ق.م.) المعاصر لأرسطوكسينوس، يدعو إلى أسلوب ~~في الحياة مبني على الاعتدال والاتزان؛ فأرفع الفلسفات تلك التي ~~توجه الإنسان إلى موقف عملي من الحياة وفهم لها من شأنهما أن ~~يجعلا حياة الإنسان أهدأ وأسلم. وقد وافق أبيقور على التفسير ~~المادي للطبيعة، كما ظهر في الأصل لدى ديمقريطس، كذلك كان يرى أن ~~الآلهة في مقارها البعيدة لا تتأثر ببؤس البشر ولا يمكنها حتى ~~لو شاءت أن تؤثر على أي نحو في حياة الإنسان. والنفس البشرية ~~مادية، وهي تشارك الجسم مصيره. ولكن من الغريب أن أبيقور تابع ~~أرسطوكسينوس في اعتقاده الفيثاغوري بأن النفس «انسجام» للجسم. أما ~~«لوكريتيوس # Lucretius ~~» (95-52ق.م.) ~~وهو أفضل دعاة الأبيقورية، فقد سخر بعد قرنين من الزمان من فكرة ~~تطبيق مصطلحات موسيقية كالانسجام على تركيب الجسم الإنساني ~~ووظائفه، فكتب يقول: «لما كانت طبيعة الذهن وطبيعة النفس قد ثبت ~~أنها جزء من الإنسان، بمعنى ما، فلتطرحوا اسم الانسجام جانبا، ~~سواء أكان قد هبط للموسيقيين من قمم الهليكون # 51 # أم كانوا هم أنفسهم قد استمدوه من مجال آخر، ونقلوه ~~إلى ذلك المجال الذي عندئذ في حاجة إلى اسم مميز. وأيا ما كان ~~الأمر، فليحتفظ به الموسيقيون لأنفسهم.» # 52 # أما فيلوديموس Philodemus ~~، وهو ~~أبيقوري آخر كان معاصرا للوكريتيوس، فقد أضاف إلى ذلك قوله: «إن ~~الموسيقى لا معقولة، ولا يمكنها أن تؤثر في النفس ولا في ~~الانفعالات، وهي لا تفوق الطبخ من حيث هي فن تعبيري.» # 53 # وقد شن فيلوديموس حملة على الفلاسفة الذين جعلوا ~~للأساليب الموسيقية اليونانية دلالة أخلاقية، مثل أفلاطون وأرسطو، ~~ورفض أن يصدق أن الموسيقى تحاكي الظواهر ms041 الطبيعية أو تعبر عن ~~حالات ذهنية. وهكذا انتهى فيلوديموس إلى أن الفلاسفة والنقاد ~~الذين لا يمكنهم إجادة العزف أو الغناء هم وحدهم الذين يعزون ~~إلى الموسيقى دلالة أخلاقية، وبذلك «يقعون فريسة حالات من النشوة ~~ويشبهون الأنغام بالظواهر الطبيعية.» # والواقع أن كتاب لوكريتيوس «في طبيعة الأشياء»، ينطوي على خلاصة ~~الفكر الأبيقوري. وهو يتضمن أيضا نظرية في أصل الموسيقى ~~الغنائية وموسيقى الآلات؛ فقد تعلم الإنسان الغناء أولا بمحاكاة ~~الطيور، ثم اخترع آلات تصاحب غناءه ورقصه في أوقات فراغه «غير ~~أن تقليد الأصوات الواضحة للطيور بالفم كان شائعا قبل وقت طويل ~~من تمكن الإنسان من الغناء في أبيات شعرية منغمة منسابة، ومن ~~تشنيف الآذان بغنائه، كما أن صفير النسيم خلال ثقوب القصبات كان ~~أول ما علم أهل الريف نفخ المزامير المفرغة، ثم تعلموا بالتدريج ~~كيف يعزفون الأغاني العذبة الحزينة، التي تنبعت عن المزمار عندما ~~تضغطه أصابع العازفين، والتي تسمع خلال الأحراش الكثيفة والغابات ~~والمراعي، وعبر الديار المهجورة للرعاة والبيوت ذات الهدوء ~~السماوي. هذه الأنغام كفيلة بأن تهدئ نفوسهم، وتبعث فيها الرضا ~~عندما لا تكون بها حاجة إلى الطعام.» # 54 # وفي خلال حكم الأباطرة الرومان، ضم المذهب الأبيقوري بين صفوفه ~~جماعة مستنيرة كانت تعارض البقية الباقية من مذهب تعدد ~~الألوهية الوثني، بقدر ما كانت تعارض اللاهوت المسيحي. أما ~~المدرسة الرواقية في الفلسفة، التي أسسها زينون (حوالي ~~350-258ق.م.) فكانت تمثل جماعة عقلية ظهرت في العهد الروماني ~~المتقدم، وتسعى إلى إحياء بقايا العقيدة اليونانية، وقد رفض ~~الرواقيون نظرية المثل عند أفلاطون، كما رفضوا فكرته في المعرفة ~~الفطرية، وذهبوا إلى أن الحس هو المصدر المشترك لكل معرفة ~~بشرية. وكان الشعار الرفيع للفلسفة الرواقية هو الفضيلة من أجل ~~الفضيلة، وأسمى خير هو ذلك الذي يستمد من أداء المرء لواجبه ~~بدافع البحث فحسب. وكانوا يرون أن الحكيم وحده هو الحر؛ لأنه ~~تعلم كيف يقهر الميل إلى الكسب المادي وعبودية الشهوات؛ فالحكيم ~~يستسلم تماما لكل ما قضت به الطبيعة والقدر، والعقل يدفع الحكيم ~~إلى قبول هاتين القوتين، بوصفهما العاملين اللذين ms042 يتحكمان في ~~كل تفكير وسلوك. وعلى ذلك فالواجب على الناس جميعا أن يتبعوا ~~الطبيعة ويستسلموا تماما لها وللقدر الذي تخبيه لكل إنسان. ~~ولما كان انسجام الموسيقى يقتدي بأنموذج الانسجام الطبيعي، فمن ~~الممكن مساعدة الإنسان على أن يحيا وفقا للطبيعة إذا أسمعناه ~~الأساليب والإيقاعات الموسيقية الصحيحة. وفي هذه النقطة كان ~~الرواقيون متفقين مع أفلاطون. # وقد أنبأنا الرواقيان شيشرون (106-43ق.م.) وسنكا (4ق.م.-65م) ~~أن الموسيقى قد ازدهرت في جميع أرجاء العالم الروماني قرب نهاية ~~القرن الأول، وقد اهتم الرومان بالإيقاع اهتماما خاصا، وهناك من ~~الدلائل ما يشير إلى أنهم استخدموا نوعا بدائيا من ~~«البوليفونية» (تعدد الأصوات)، وكان هناك إقبال شديد على ~~اليونانيين الجوالين الذين كانوا يقومون بتمثيل أدوار حركية، ~~ويغنون ويعزفون على الآلات الموسيقية. وكانت الطبقات العليا من ~~الرومان تشجعهم، وعامة الناس تعجب بهم كثيرا. ولما كان ~~الرومان ينظرون إلى أنفسهم على أنهم دولة عسكرية عظمى، فقد ~~توسعوا في استخدام الآلات النحاسية، مما يذكرنا بأرسطوكسينوس ~~الذي رأى أن العمق الذي يتميز به النظام الموسيقي اليوناني يضيع ~~في حضارة يحل فيها الكوليزيوم محل المسرح، # 55 # وتشيع فيها أبواق الجند أكثر مما تشيع مزامير ~~الرعاة. # والمؤلف الشامل الوحيد الذي بقي لنا كاملا من العصر اليوناني ~~الروماني هو كتاب أريستيدس كونتليانوس # Aristides ~~Quintilianus ~~، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، ~~والذي كان كتابه «في الموسيقى # Concerning ~~Music ~~» تلخيصا وتأييدا للآراء الموسيقية التي ~~كانت تعلم في أكاديمية أفلاطون ولوقيوم (ليسيه) أرسطو. والواقع ~~أن ما نعرفه بالفعل عن العادات الموسيقية للرومان قليل. كما أن ~~موسيقاهم لم يبق منها شيء. غير أن هناك إشارات متعددة من الهجاء ~~الشعري الموجه إلى الموسيقى وما فيها من ابتذال وإملال؛ فقد شكا ~~«سيكا» من أن الفرق الموسيقية والمجموعات الغنائية قد تضخم ~~حجمها إلى حد أنه كثيرا ما توجد في المسرح من المغنين ~~والعازفين أكثر مما يوجد من المتفرجين، وأضاف شيشرون أن ~~الموسيقى لم تعد تتميز ب «العذوبة الصافية» التي كانت سائدة في ~~الموسيقى القديمة للمسرح الروماني، واستخلص من ذلك نتيجة فلسفية ~~إلى حد ما، ms043 وهي أن الموسيقى في حالتها الراهنة لا تبعث إلا لذة ~~صبيانية، وهي عديمة الجدوى من الناحية العملية؛ إذ إنها لا ~~تقربنا على أي نحو من السعادة الدائمة. # 56 # وهكذا قال الأخلاقي كلمته في روما، كما في اليونان، ~~فشكا من أن الألحان فيها نعومة وطراوة، ومن أن الموسيقى عامة قد ~~أصبحت فنا منحلا. # ولم يسهم الرومانيون بالكثير في تقدم الموسيقى؛ فقد اقتبسوا ~~النظريات والأساليب العملية اليونانية، وعدلوها تبعا لطريقتهم ~~الخاصة في استخدامها، وقد أورد «فتروفيوس # Vitruvius ~~» وهو مهندس معماري ~~وأديب روماني عاش في عصر يوليوس قيصر وأغسطس، أورد في كتابه عن ~~العمارة فصلا عن التوافق الموسيقي يتجلى فيه اعتماد الرومان ~~على الموسيقى اليونانية؛ ففي هذا الفصل يرتفع صوته بالشكوى ~~قائلا: «إن التوافق فرع صعب غامض من الآداب الموسيقية، ولا سيما ~~بالنسبة إلى الأشخاص غير العارفين باللغة اليونانية؛ فلو شئنا أن ~~نشرحه لتعين علينا استخدام ألفاظ يونانية بعضها لا يوجد له ~~مقابل في اللاتينية؛ لذلك فإنني سأترجم على قدر استطاعتي من ~~مؤلفات أرسطوكسينوس.» # 57 # على أن العصر الروماني وإن افتقر إلى الأصالة، كان حافلا ~~بالنشاط في ميدان الموسيقى؛ فقد كانت الأسر الراقية تدرج ~~الموسيقى ضمن برامج التعليم الثقافي، مع البلاغة والديالكتيك ~~والهندسة والرياضيات. وكان من مظاهر الروح العصرية أن تتعلم سيدات ~~الطبقة الراقية العزف على القيثار والليرا. وعندما شاعت هاتان ~~الآلتان بين الطبقات الدنيا، قررت سيدات الطبقة العليا التماس ~~أنواع أخرى من الترفيه الموسيقي حتى يتميزن عن عامة الناس، ~~فاستأجرن الموسيقيين اليونانيين المتجولين ليغنوا ويعزفوا ~~لهن، وتخلين تماما بمضي الوقت عن عادة تعلم العزف على الآلات ~~الموسيقية. وتطور المنشدون الجوالون إلى طبقة من أساطين العزف ~~الموسيقي؛ إذ كان كل منهم يحاول التفوق على الآخرين في استعراض ~~البراعة الفنية، وفي الأداء المثير للإعجاب، فاشتعلت بينهم ~~المنافسة الرخيصة، وكان الهتافون المحترفون يستأجرون، ~~والمحكمون يرتشون من أجل محاباة مغن على حساب آخر. وأخذت نساء ~~المجتمع الروماني على عواتقهن مهمة رعاية مصالح الفنانين العباقرة ~~الذين يعيشون تحت رعايتهن؛ إذ كان الأغنياء يأتون بالعبيد ~~الموهوبين في الموسيقى ms044 ليعيشوا في بيوتهم، حتى يرفهوا بالغناء ~~وبالعزف من الصباح إلى المساء. # ولقد كان المسرح يكون جانبا هاما من جوانب الحياة الثقافية ~~للرومان، كما كان عند اليونان. وكما حدث في أواخر عهد المسرح ~~اليوناني، فقد تضاءل دور المجموعة الغنائية في المسرح الروماني ~~بالتدريج، لتحل محلها الأصوات المنفردة، سواء أكانت متحدثة أم ~~مغنية، وكانت تصاحبها آلة تسمى بالمزمار # tibia ~~. وعلى حين أن الشاعر ~~والموسيقار كانا عند اليونان واحدا، فإن الشاعر الدرامي والهزلي ~~الروماني لم يكن يؤلف موسيقاه، وإنما كان يكلف موسيقيا ~~محترفا بالتلحين الإبداعي. وبينما كانت الموسيقى تلعب في المسرح ~~اليوناني دورا رئيسيا؛ إذ تحفظ وحدة الأحداث وتزيد من واقعية ~~الموضوع، فإن الممثل الروماني كان يستعرض فنه في مناظر متفرقة ~~كانت تفتقر إلى الاتصال والواقعية في كثير من الأحيان. وكان دور ~~الموسيقى في المسرح الروماني ثانويا، لا يزيد على ملء الفراغات ~~بين الممثلين، أو على أحسن الأحوال مساندة أحد الممثلين ، على ~~ألا يصل ذلك أبدا إلى حد التقليل من انتباه الناس إلى إلقائه ~~الفردي. # وقد اتفق كونتليان # Quintilian ~~(35م) مع معاصره سنكا في الإعراب عن قلق المثقف الروماني على ~~موسيقى عصره: «... فالموسيقى التي أود أن أراها تعلم ليست ~~موسيقانا الحديثة، التي أفسدتها الألحان الحسية التي تشيع في ~~مسرحنا المخنث، والتي قامت بدور غير قليل في القضاء على البقية ~~الباقية من خشونتنا وصلابتنا. كلا، وإنما أشير إلى موسيقى ~~القدماء، التي كانت تستخدم في الإشادة بذكر الشجعان، وكان ~~يغنيها الشجعان أنفسهم. إنني لا أقبل شيئا من آلاتكم الهوائية ~~أو الوترية التي لا تليق حتى بصبية وضيعة. وإنما أود أن ~~تعطوني معرفة مبادئ الموسيقى، التي لها القدرة على إثارة انفعالات البشر أو تهدئتها.» # 58 # ولعل عملا من الأعمال الأدبية القديمة لم يصور ~~تدهور الموسيقى اليونانية بمثل الوضوح الذي صورها به هوراس في ~~«فن الشعر # Ars Poetica ~~» فقد عاصر ~~في حياته فترة من أهم فترات التاريخ؛ إذ إنه عندما ولد (عام ~~65ق.م.) لم يكن الصراع بين بومبي وقيصر حول السيطرة على ~~الإمبراطورية الرومانية قد بدأ بعد، ms045 ولكنه عندما بلغ الحادية ~~والعشرين كان النظام القديم قد انهار وحل محله النظام الجديد، ~~وتحولت الجمهورية إلى ملكية، وبالفعل إن لم يكن بالاسم. وجر ~~هذا التغيير في السياسة تغيرات في الفنون. وفي الفقرة الآتية من ~~«فن الشعر» وصف دقيق لحالة الموسيقى في ظل حكم قيصر: # في يوم العيد الصاخب، # حين لم يجد الناس غضاضة. بدأ حفلهم وقت الظهيرة، # انطلقت الموسيقى من عقالها، # وتحرر الشعر من كل قيد، # فأي ذوق تنتظر من جمهور مختلط كهذا، # يجمع بين المهرج والمواطن الجاد، ويجلس فيه الأجلاف مع ~~الأشراف؟ # وسرعان ما أضاف عازف الناي، # سحر الحركات إلى قدرة الغناء، # وعبر عن إحساسه بالمحاكاة الرشيقة، # وجرجر عبر المسرح أذيال ردائه الطائر، # ثم جلجلت أصوات الليرا خشنة مرتعشة، # تصب أنغامها في آذان منتعشة، # وتعلمت ربة الصوت كيف تطير، # وتكسب جناحها الجرأة على التحليق في أماكن لم ~~تعهدها من قبل. # وعندما ألهبتها نار الوحي، طلبت إلى كل بيت من الشعر ~~أن يحاكي في العنف نشوة الرقص في معبد دلف. # أما ذلك الذي وقف وسط العرض الجاد وأجهد حنجرته ليكسب ~~الجائزة التافهة - عنزا كث الشعر - # فقد أتى على المسرح بعصابته من السوقة، # ونطق بالمزاح والتهريج أمام الجمهور، # ودون أن يتخلى عن النغمة الحزينة نهائيا، # أعمل أصابعه في أصوات مرحة عربيدة، # وحاول بأغان غريبة جديدة، # أن يجعل جمهورا مخمورا يتسمر في مجلسه، # مع إنهم لم يتحرروا من الطقوس الصاخبة إلا منذ ~~قليل، # وكانوا متأهبين للهو المنحل، وممتلئين بمرح ~~السكارى، # ومع ذلك نقلتهم الأنغام من الجد إلى الهزل، # وبلغ من قوة التأثير الدعابة اللاذعة، # أن كل إله وكل بطل، # كان قبل ذلك يخطر بأردية قرمزية ومهابة ملوكية، # تخلى عن كل وقاره في الكلام، # وتحول إلى لهجة السوقة ولغة العوام، # أو حلق إلى الأعالي في لهفة وتسرع، # فلم يمسك إلا سحبا خالية، ولم يبلغ إلا سماء ~~الألفاظ الخاوية، # بينما ربة المأساة قد كسا وجهها الخجل، # وازدرت لغة السوقة وتهليل التافهين ...» # 59 # وفي إشارات أفلوطين (204-269م) إلى الموسيقى ظهر ~~طابع الأفلاطونية المحدثة بوضوح ms046 «فلما كانت كل موسيقى تهتم أساسا ~~باللحن والإيقاع، فلا بد أن تكون انعكاسا أرضيا للموسيقى التي ~~تتمثل في إيقاع العالم المثالي. ويمكن القول عن الصنائع، كالبناء ~~والنجارة، التي تضفي على المادة صورا وأشكالا، إنها فيما تقتدي ~~به من نماذج تستمد مبادئها من ذلك العالم وما فيه من تفكير. أما في ~~هبوطها بهذه النماذج وربطها إياها بالعالم المحسوس، فإنها لا تكون ~~منتمية تماما إلى عالم المعقول، وإنما يرجع أصلها إلى الإنسان.» # 60 # وقد اتفق أفلوطين مع أفلاطون وأرسطو في الاهتمام بالقيمة ~~الأخلاقية للموسيقى، ولكنه اختلف عنهما في أنه لم يجعل هذه القيمة ~~مبنية على أساس سياسي، وإنما على أساس ديني؛ فبواسطة الجمال، ~~وعن طريقه، يطهر الإنسان روحه، فينتقل بذلك في مدارج الخير ~~واحدا بعد الآخر، فإذا كان الإيقاع في الموسيقى مظهرا أرضيا ~~للإيقاع في العالم المثالي، كانت الموسيقى أقدر الفنون على ~~الارتقاء بالإنسان إلى مراق أنقى وأصفى، ولكنه كان بدوره يخشى ~~مثل أفلاطون من أن يؤدي هذا النبض الإيقاعي ذاته، بالمثل، إلى بث ~~الشر في النفوس. ولقد بدأ أفلوطين حيث انتهى أفلاطون، ونسب الخلق ~~الفني إلى قدرة الإنسان على محاكاة المثل الأعلى؛ فالوحي يأتي من ~~أعلى، ولا بد أن يكون التكوين المزاجي للموسيقى معينا له على أداء ~~هذه الرسالة في الحياة، فلا بد له أن يكون «سريع الاستجابة للجمال ~~إلى أبعد حد»، منجذبا إليه إلى حد الافتتان به؛ بحيث تكون ~~استجابته لدوافعه هو ذاته بطيئة إلى حد ما، أما استجابته ~~للمثيرات الخارجية فتكون فورية مباشرة «وفضلا عن ذلك ينبغي أن ~~يكون الموسيقي حساسا للأنغام والألوان، نفورا من الأصوات ~~الخشنة غير الإيقاعية»؛ فالروح الموسيقية تهفو إلى «التناسق ~~والأنموذج الجميل الصورة». «هذا الميل الطبيعي ينبغي أن يكون نقطة ~~بداية مثل هذا الشخص؛ فلا بد أن يكون ممن يجتذبه النغم والإيقاع ~~وجمال الصورة في المحسوسات. ولا بد أن يعرف التمييز بين الصور ~~المادية وبين الوجود الحقيقي الذي هو مصدر كل هذا التطابق، ومصدر ~~كل التنظيم المعقول في العمل الفني. وينبغي أن يعلم أن ما ms047 كان ~~يسحره ليس إلا انسجام العالم المعقول، وما في ذلك المجال من جمال، ~~وليس صورة معينة للجمال، وإنما الجمال الشامل والجمال المطلق، ولا ~~بد أن تغرس فيه حقائق الفلسفة لكي تؤدي به إلى الإيمان بما يملكه ~~في ذاته، وإن لم يكن على علم به.» # 61 # وعندما يتم تأليف الموسيقى، يكون في وسع الخلق الفني ~~للملحن أن يسحر النفس البشرية إلى حد أن المستمع إلى الموسيقى ~~لا يكاد يشعر عن وعي بتأثيرها الخلاب فيه؛ ففي استطاعة الموسيقى ~~أن تثير في النفس أحوالا متعددة دون أن يملك السامع إلا ~~الاستسلام لها. # 62 # ولقد كانت الموسيقى في نظر أفلوطين أشبه بالصلاة؛ إذ ~~إنها تتيح للسامع أن يتحد بالملحن «فالصلاة تستجاب لمجرد أن ~~الطرفين يتوافقان مع نغمة واحدة، كوتر موسيقي يغمز من أحد ~~طرفيه فيتذبذب في الطرف الآخر بدوره. وكثيرا ما يؤدي عزف وتر ~~إلى إثارة ما يمكن أن يعد إدراكا في وتر آخر، نتيجة لانسجامها ~~وتناغمها في سلم موسيقي واحد، فإذا كانت ذبذبة «ليرا» تؤثر في ~~«ليرا» آخر بفضل ما بينهما من تعاطف، فلا بد أن يكون هناك نظام ~~لحني واحد في «الكل»، على الرغم من كونه مؤلفا من أضداد، هو ~~التشابه والتقارب.» # 63 # وهكذا فإن النظرية الأخلاقية في الموسيقى، التي علت ~~مكانتها عند أفلاطون، قد اكتسبت مزيدا من القوة الدافعة على يد ~~أفلوطين، ثم أصبحت هي السائدة طوال تاريخ الفن في العصور ~~الوسطى. # وبعد عامين من وفاة أفلوطين، ظهر قسطنطين إلى العالم ليجعل من ~~المسيحية عقيدة الدولة في عهده. وقد أسهم فرفوريوس (233-305م) ~~تلميذ أفلوطين، الذي ألف شرحا لكتاب «الهارمونيات # Harmonics ~~» لبطليموس؛ أسهم بطريق ~~غير مباشر في الموسيقى المسيحية؛ ذلك لأن أفلوطين لم يشر إلى ~~المسيحيين في كتاباته، وربما كان قد تباعد عنهم بوصفهم طائفة ذات ~~معتقدات غريبة تختلف عن معتقداته، أما فرفوريوس فقد كان مدافعا ~~متحمسا عن الوثنية، وخصما لدودا للمسيحية، ولكن من الغريب مع ~~ذلك أن دفاعه الحار عن الزهد قد أدى به إلى تأييد الموقف ~~المسيحي بمهاجمته للمتعة الحسية ms048 التي تقدمها إلينا الموسيقى، وقد ~~شبه تأثير المناظر الدرامية والرقصات، بما فيها من موسيقى، ~~بتأثير سباق الخيل. وقد رأى فرفوريوس، مثل أفلوطين، أن الخلق ~~الموسيقي يرجع أصله إلى مجال أعلى، ولا يصدر عن المسرح. ومن هنا ~~فإن تدنيس الموسيقى بالهبوط بها إلى مستوى حسي أو إثقالها ~~بأوزار الإثم إنما هو خطيئة في حق العالم المثالي. على حين أن ~~التهذيب الموسيقي الصحيح كفيل بتقريب الإنسان من هذا المثل ~~الأعلى. # على أن النظرية الأفلاطونية القائلة: إن النظام الموسيقي شبيه ~~بالنظام الأخلاقي السائد في الكون، وإن الموسيقى تستطيع أن تهذب ~~نفس الإنسان إذ اقتصر على سماع الموسيقى المعدة إعدادا سليما؛ ~~هذا الرأي قد تعرض في العصر اليوناني-الروماني لانتقادات بعض ~~الفلاسفة ذوي العقليات التجريبية، مثلما انتقده أرسطوكسينوس ~~وثيوفراسطس في العصر اليوناني؛ ذلك لأن سكستس إمبريكس # Sextus Empiricus # الفيلسوف ~~اليوناني الشكاك، الذي نشر تعاليمه حوالي عام 200 الميلادي، قد ~~طرح هذه التشبيهات الأفلاطونية جانبا، بوصفها أساطير فلاسفة ~~تأمليين، وكتب يقول: إن الموسيقى فن للأنغام والإيقاعات لا يدل ~~على شيء عدا ذاته، والمعيار الوحيد الذي ينبغي أن يحكم به على ~~الموسيقى هو المتعة الحسية التي تثيرها الأصوات الموسيقية ~~فحسب. # ولقد ظهرت في القرون التالية شخصيات أخرى أعربت عن شكها في ~~النظريات الأفلاطونية في الموسيقى، ولكن قليلا جدا من هؤلاء ~~كانوا من الفلاسفة المعروفين الذين تركوا مؤلفات تاريخية لها ~~قيمتها. ومن جهة أخرى فقد تولى أوغسطين وبويتيوس # Boethius ~~، وهما فيلسوفان بارزان في ~~العصور الوسطى، مهمة نقل فلسفة أفلاطون الجمالية في الموسيقى إلى ~~العالم الغربي بحماسة دينية وفلسفية. وكان الاختلاف مع آراء ~~أوغسطين أو الشك في أفكار بويتيوس في الموسيقى مساويا للمروق من ~~المسيحية وللجهل بالفلسفة. # الفصل الثاني # | الموسيقى في العصور الوسطى # القسم الأول: آباء الكنيسة # إن ما نعرفه عن موسيقى الحضارة الغربية في الاثني عشر قرنا ~~التي بدأت بميلاد المسيح، وامتدت حتى ظهور النزعة الإنسانية ~~المدرسية في القرن الثاني عشر ليزيد عما نعرفه عن الموسيقى ~~اليونانية في الاثني عشر قرنا التي بدأت بعصر هوميروس، وانتهت ~~بتدهور الحضارة ms049 اليونانية. غير أن معرفتنا بالموسيقى الفعلية في ~~القرون المسيحية الأولى أقرب إلى أن تكون ضربا من التخمين؛ إذ ليس ~~لدينا من الموسيقى الدينية أو الدنيوية الحقيقة في هذه الفترة إلا ~~القليل، إن كان لدنيا منها شيء على الإطلاق. غير أن حظنا أسعد إلى ~~حد ما بالنسبة إلى الموسيقى الدينية والدنيوية التي حفظت لنا ~~في صورة معدلة منذ النصف الأخير من العصر الوسيط. ولا جدال في ~~أن ما تراكم لدينا من مخطوطات العصور الوسطى أوفر مما لدينا من ~~سجلات الموسيقى اليونانية، التي لا نملك منها إلا شذرات قيمة ~~قليلة العدد. ومع ذلك فمن واجبنا أن نرجع إلى كتابات آباء الكنيسة ~~وفلاسفة العصور الوسطى في روما الوثنية، مثلما رجعنا إلى الفلاسفة ~~اليونانيين في دراستنا للموسيقى القديمة، وإن شئنا أن نلم بخصائص ~~الموسيقى في العصور الوسطى ودلالتها الجمالية. ولقد عرف عن ~~العلماء المتخصصين في موسيقى العصور الوسطى أنهم كانوا يكرسون ~~حياتهم كلها للبحث في بعض الفروع التي ستتناولها أقسام هذا الفصل. ~~ومن هنا لم يكن لنا أن نأمل، في هذا الفصل الذي سنحاول فيه أن ~~نتعرض بالترتيب الزمني لفترة من التفكير الموسيقى تقرب من ألف ~~ومائتي عام، في شيء يزيد على تأكيد التيارات التاريخية، وتقديم ~~عرض متواضع للآراء الموسيقية لأولئك اللاهوتيين والفلاسفة، الذين ~~كتبوا عن طبيعة الموسيقى ومعناها في تلك الفترة. # ولقد كانت الموسيقى المسيحية الأولى من أصل يوناني وعبراني؛ ذلك ~~لأنه لما كانت المسيحية قد نمت وتطورت عن اليهودية، فليس من ~~المستغرب أن يجد قدر كبير من موسيقى المعابد اليهودية طريقة إلى ~~الشعائر الدينية المسيحية. وقد روى القديس بولس أن الترنيمات ~~المسيحية الأولى كانت مستمدة من الطقوس اليهودية. ومن جهة أخرى ~~فقد اندمجت موسيقى اليونانيين والرومان في الموسيقى الدينية ~~للعقيدة المسيحية، وذلك بموافقة كبار رجال الكنيسة حينا، ودون ~~موافقتهم في معظم الأحيان. ولم يكن في الموسيقى المسيحية في ~~البداية من مظاهر الإبداع إلا القليل؛ إذ كانت مزيجا من الشرق ~~والغرب، ومن العبرية والوثنية. # كذلك احتفظ آباء الكنيسة الأوائل بنفس الموقف الفلسفي من ms050 ~~الموسيقى الذي وقفه رجال الدين اليهودي من موسيقاهم ومن الموسيقى ~~الوثنية اليونانية والرومانية، فلم ير هؤلاء الآباء في الموسيقى ~~الوثنية إلا نفاقا وشهوانية فحسب. وكانوا يدركون بوضوح أن ~~الموسيقى الوثنية الإباحية المحيطة بالمسيحيين تغري المؤمن ~~العادي إغراء شديدا بأن يتخلى عن ذلك الوعد غير المضمون بالسعادة ~~في المستقبل البعيد؛ لكي يعيش حاضرا يحفل بالمسرات. ولم يكن ~~مركز المسيحية مأمونا، سواء من حيث هي عقيدة، ومن حيث هي قوة ~~سياسية، حتى ذلك الحين. وفضلا عن ذلك، كان المسيحيون يتعرضون ~~للإهانات، وكثيرا ما كانوا يواجهون خصومات لا تحتمل؛ إذ كان ~~الرومان يزدرون هذه العقيدة الجديدة التي تؤكد خلاص الناس ~~أجمعين في الآخرة، ويسخرون منها. ولم تكن هذه وحدها هي الصعوبات ~~التي واجهها آباء الكنيسة، والتي كانت تهدد بإبعاد المسيحيين عن ~~عقيدتهم، بل لقد تعين عليهم أن يواجهوا ويقهروا التأثير الهدام ~~الذي يمكن أن يكون للألحان الفاسدة على الحياة الأخلاقية ~~للمسيحيين. # ولقد كانت الموسيقى الوثنية ممثلة لمعتقدات الوثنيين الحضارية ~~والاجتماعية والدينية. وهكذا فإن آباء الكنيسة عندما وصفوها بأنها ~~منحلة كانوا في الواقع يعدون مقارنة بين الفلسفات الشائعة ~~لدى الرومان والمسيحيين؛ فلا جدال في أن اهتمام العقيدة الرومانية ~~بالجانب الحسي قد انعكس بوضوح على موسيقاها الدينية والغرامية. ~~وفي مقابل ذلك كانت الموسيقى الرومانية تفتقر إلى تلك الأغاني ~~المخلصة الشاكية التي كان المسيحي يغنيها تقديسا لربه؛ فقد ~~اهتمت الموسيقى الرومانية بمشاعر غريبة عن المفاهيم اللاهوتية التي ~~يتضمنها الفكر المسيحي. ولما كانت الموسيقى تصف المجتمع الذي ~~يضمها، فإن أصل الداء هو أولا في الحضارة الرومانية الفاسدة، ~~وثانيا في الموسيقي الوثني الذي كان يصور مجتمعه بنوع من ~~الموسيقى يثير الانفعالات بعنف، وهي موسيقى يمكن أن يستجيب لسحرها ~~الوثني والمسيحي معا. وإذا كان آباء الكنيسة قد وقفوا مكتوفي ~~الأيدي أمام روما، فقد كان في وسعهم أن يحاولوا حماية أبناء ~~طائفتهم من المؤثرات الشريرة المترتبة على الموسيقى ~~الرومانية. # وكان آباء الكنيسة ينظرون بعين الاستياء إلى أي اتجاه إلى ~~النهوض بموسيقى الآلات أو بالآلات الموسيقية ذاتها. ومن الجائز أن ~~هؤلاء ms051 الآباء الذين عاشوا في القرون الأولى، وتحملوا عبء توجيه ~~المسيحية في الطريق الصحيح، كانوا ينفرون من الآلات الموسيقية لما ~~فيها من بقايا المظاهر الوثنية. وهناك احتمال آخر هو أن المسيحيين ~~الأوائل كانوا مضطرين إلى الاجتماع سرا، ولم يكن في وسعهم ~~استخدام الآلات في الصلوات الهامسة التي كانوا يقيمونها في تلك ~~الاجتماعات، خوفا من أن يستدل عليهم خصومهم. # 1 # وفي خلال القرنين الأولين من المسيحية، أبدى آباء الكنيسة نحو ~~الآلات الموسيقية أو نحو الموسيقى المصاحبة للطقوس الدينية نفس ~~الارتياب الذي سبق أن أبداه حاخامات اليهود نخوها؛ فقد أشار كليمنت ~~السكندري ( # Clement of Alexandria ~~) ~~حوالي (150-220م) إلى أن «الناي» إنما هو آلة يختص بها أولئك ~~المؤمنون بالخرافات، الميالون إلى عبادة الأصنام. وكان أفلاطون ~~قد نبه من قبل إلى أن لهذه الآلة (المزامير) طبيعة حسية ~~شهوانية، كما استخدمها اليونان والرومان معا في شعائرهم ~~الديونيزية المنتشية الصاخبة. ولم يكن هناك مفر من أن ينظر ~~كليمنت إلى هذه الآلة بمثل هذا التوجس؛ إذ إنها أصلح للتعبير عن ~~السورات الجسدية منها للتأمل الروحي، ولكن كانت هناك بعض الآلات ~~التي لم يربطها كليمنت بالطقوس الوثنية، أو يعدها مفسدة ~~للأخلاق؛ فقد اقتبس الإشارات الواردة في «العهد القديم» إلى عزف ~~الليرا ( # Lyre ~~)، وتأثيره المهدئ ~~في نفس الملك داود. كما أشار إلى تشبيه للفيلسوف اليهودي فيلون ~~(ولد حوالي 20ق.م.) هو تشبيه «لسان الإنسان بقيثار يسبح بحمد ~~الله». وكان فيلون قد نظر إلى الليرا على أنه آلة متحررة من كل ~~نزعة حسية، تهدئ المشاعر وتقضي على الصراع داخل الإنسان، واتفق ~~كليمنت معه في هذا الرأي. # ولقد كان كليمنت متأثرا بزميله السكندري فيلون، الذي كانت ~~فلسفته مزيجا من النظريات الهلنستية والعبرانية. قد حاول فيلون ~~أن يوفق بين الكتاب المقدس وبين آراء أفلاطون، وكان مثل ~~أفلاطون لا يعد الموسيقى غاية في ذاتها، بل يراها إعدادا ~~وتدريبا ذهنيا لدراسة الفلسفة. وبالمثل لم ينظر كليمنت إلى ~~الموسيقى على أنها غاية في ذاتها، وإنما رآها وسيلة وجدانية ~~منظمة لنشر العقيدة المسيحية. # وقد حفظ لنا التاريخ تعليقا ms052 للقديس يوحنا كريسوستوم («فم الذهب» ~~في كتب الأقباط) # St. John ~~Chrysostom # وصف فيه أحوال الموسيقى في أواخر ~~القرن الرابع، وربما في أوائل القرن الخامس. في هذا التعليق ردد ~~القديس يوحنا رأي الكنيسة القائل إن الموسيقى قدرة خاصة، لو ~~استخدمت بطريقة فاضلة لساعدت كثيرا على غرس الخير في النفوس. ~~ولكنه حذر آباء الكنيسة قائلا: إن عليهم أن يتنبهوا للقضاء ~~على خطر أي نوع من الموسيقى يتصف بخصائص وثنية، وقد يثير الغرائز ~~المنحطة في الإنسان. وقد أكد كريسوستوم أن أخلص حواريي ~~المسيح قد عرف قيمة الموسيقى في غرس التقوى في نفوس الشباب. غير أن ~~العصر قد تغير منذ أيام القديس بولس؛ ولذا هتف كريسوستوم شاكيا: ~~«إن أبناءكم سيغنون أغاني، ويرقصون رقصات شيطانية، كالطباخين ~~والندمان (الندل) والموسيقيين، ولم يعد أحد يعرف شيئا من مزامير ~~«داود»، بل تبدو هذه أمرا مخلا، وأضحوكة تبعث على السخرية، ذلك ~~هو مكمن الشر كله.» # 2 # وقد لاحظ كريسوستوم أن المربيات يهدهدن الأطفال ~~الصغار بالأغاني لكي يناموا، كما أن الفلاحين يغنون وهم يجمعون ~~الكروم ويعصرونها، وللنواتي أغانيهم البحرية، وللنساء أنشوداتهن ~~أثناء النسج. ومن المؤكد أن النفس تتحمل المشاق والصعاب ~~بمزيد من السهولة عندما تستمع إلى الأغاني والأناشيد. # ويواصل كريسوستوم كلامه قائلا: «لما كان هذا النوع من ~~الاستمتاع فطريا مغروزا في نفوسنا، ولكيلا يتمكن الشياطين ~~الذين يأتون بأغان شهوانية من إفساد كل شيء، وضع الرب المزامير ~~( # psalms ~~) لكي يكون الغناء متعة ~~معونة في آن واحد. إن الأغاني الغريبة تؤدي إلى الضرر والدمار ~~وإلى كثير من النتائج المؤسفة الأخرى؛ إذ إن العناصر الشهوانية ~~الشريرة في جميع الأغاني تستقر في أجزاء من النفس، فتجعلها أضعف ~~وأشد رخاوة. أما المزامير الروحية ففيها الكثير من العناصر ~~القيمة، المفيدة القدسية، وهي تشجع على الحكمة تشجيعا تاما؛ ~~إذ إن الكلمات تطهر النفس، ويهبط الروح القدس سريعا على نفس ~~المغني؛ ذلك لأن من يغنون عن فهم يستجلبون لطف الروح الإلهية.» # 3 # وقد كتب القديس هيرونيموس (جيروم) # St. ~~Jerome ~~(حوالي 340-420م)، الذي تعرف ترجمته ~~اللاتينية للكتاب المقدس باسم ms053 «الفولجاتا» # Vulgate # يقول: «غنوا لله، لا ~~باللسان، ولكن بالقلب. ولا تفعلوا كممثلي التراجيديا، حين ~~يلطخون حناجرهم بعقاقير حلوة المذاق، حتى تسمع الألحان ~~والأغاني المسرحية في الكنيسة، وإنما ليكن غناؤكم تقوى وعملا ~~ومعرفة بالكتب المقدسة. وعلى الرغم من أن المرء قد يكون ناشز ~~الصوت، كما يقول التعبير الشائع # Kakophonos ~~، فإنه يكون أمام الله ~~مغنيا عذب الصوت بأعماله الصالحة، وليغن خادم المسيح، بحيث ~~يكون في غنائه متعة، لا بالصوت، وإنما بما ينطقه من كلمات، حتى ~~تطرد الروح الشريرة التي كانت تتملك شاءول من أولئك الذين ~~يعانون نفس الاضطراب، وحتى لا تنبث في أولئك الذين يجعلون من ~~بيت الله مسرحا شعبيا.» # 4 # وهكذا كان جل اهتمام الآباء بالموسيقى أخلاقيا بحتا طوال فترة ~~نمو الكنيسة. وكانوا يعدون الموسيقى وسيلة لإثراء الصلوات، ~~فحاربوا الاتجاه الموسيقي إلى التعبير الحر، دون أي أساس فني ~~لقرارهم هذا. وترتب على ذلك أنه عندما ازدادت الكنيسة قوة ~~وأصبحت أقل تسامحا، صارت قواعدها الموسيقية أوامر مطلقة. وإن ~~جميع إشارات آباء الكنيسة إلى الموسيقى لتهدف، بلا استثناء، إلى ~~تحديد أفضل طريقة لاستخدامها من أجل تحويل الوثنيين إلى زمرة ~~المسيحيين أو لتقوية التهجد عند من يؤمون الصلوات، فإذا كانت ~~الألحان التي تغنى بها المزامير ~~( # psalms ~~) تجذب جماهير الناس، ~~فعندئذ تكون هذه الموسيقى قد أدت غرضا مفيدا بحق. وقد ذهب ~~القديس أوغسطين (354-430م) في الفترة الآتية المقتطفة من ~~«الاعترافات» إلى حد القول، بكل صراحة: «... في بعض الأحيان تتملكني ~~الرغبة في أن أطرح بعيدا عن أذني، وعن الكنيسة كلها أيضا، لحن ~~الموسيقى العذبة التي تغنى بها مزامير داود غالبا ... فأستعيد ~~بذهني الدموع التي ذرفتها عند سماع أغاني كنيستك، عند بداية فترة ~~استرجاعي لإيماني، وفي هذه اللحظة التي لا أكون فيها متأثرا ~~بالغناء، وإنما بالشيء الذي يتضمنه الغناء (عندما تنطلق الكلمات ~~بصوت واضح، وبالتلحين المناسب)؛ عندئذ لا يكون أمامي مفر من ~~الاعتراف بالخير العظيم الذي يجلبه هذا الفن. وهكذا أتأرجح بين ~~مخاطر اللذة، وبين عادة مفيدة أقرها العرف، وإن كنت أشد ميلا ~~إلى ترك طريقة الغناء ms054 القديمة التي جرى عليها العرف في الكنيسة على ~~ما هي عليه (على الرغم من أن الرأي الذي أقول به في هذا الصدد ليس ~~قطعيا)، وذلك يتيقظ في النفوس الضعيفة، بفضل المتعة التي ~~تنقلها إليها الأذن، الشعور بالتقوى والخشوع. ومع ذلك فكثيرا ما ~~كان يحدث لي أن أتأثر بالصوت أكثر مما أتأثر بالنشيد، وعندئذ ~~أعترف لنفسي بأنني ارتكبت إثما كبيرا، وأتمنى في هذه اللحظات ~~لو لم أكن قد سمعت الموسيقى قط.» # 5 # والواقع أن المزامير، التي افتتن بها الملك داود كل الافتتان، ~~هي أقدم موسيقى عرفها المسيحيون، وإن يكن كرسوستوم قد أعرب عن ~~قلقه؛ لأنها لا تلقى القبول الواجب من الناس، ولا تغنى كما ~~يريد. كذلك أشار القديس باسيليوس # St. ~~Basil ~~(330-379م) إلى شيوع استخدامها بين الناس في ~~جميع أرجاء العالم المسيحي، ودافع عن غناء المزامير، سواء منه ~~التبادلي # antiphonal # والتجاوبي # responsory # 6 # بوصفه أسلوبا جذابا يضيف ألوانا متقابلة شقية إلى ~~الشعائر الجدية. وقد تضمنت كتاباته فقرة تكشف بوضوح عن قيمة ~~غناء المزامير في الحياة المسيحية، وفيها يقول: «عندما رأى الروح ~~القدس أن البشر غير ميالين إلى الفضيلة، وأننا لا نتجه إلى حياة ~~التقوى نظرا إلى ميلنا إلى المتعة، فماذا فعل؟ مزج بين تعاليمه ~~وبين طرب الألحان، حتى نتلقى من خلال جمال الصوت وعذوبته، ما هو ~~مفيد في الكلام دون أن نشعر، وذلك كما يفعل حكماء الأطباء، عندما ~~يعطون الدواء المر للمريض في كوب يغطون حافته بالعسل؛ فألحان ~~المزامير المتآلفة قد صنعت لنا لغرض معين، هو أنه عندما ~~يغنيها الصبية أو الشبان، يغذون في واقع الأمر نفوسهم ~~بالتعاليم المفيدة، وإن كانوا في الظاهر ينشدون؛ ذلك لأننا لا ~~نجد أحدا من بينهم، ومن بين ذوي النفوس الخاملة، يحتفظ في ذاكرته ~~بأي من تعاليم الحواريين أو الرسل، أما نبوءات المزامير فهم ~~يغنونها في بيوتهم ويذيعونها على الملأ، فإذا ما وقع تحت تأثير ~~سحر المزامير شخص يمتلكه الغضب كأنه وحش مفترس، تراه بعد سماعها ~~ينصرف وقد هدأ اللحن سورة نفسه.» # 7 # وهكذا نظر كل ms055 من أوغسطين وباسيليوس وكريسوستوم إلى الموسيقى ~~على أنها وسيلة لنشر الإيمان، كما حثوا الشباب المسيحي على ألا ~~يتخلى عن المزامير في سبيل الموسيقى الوثنية، فالموسيقى في نظر ~~آباء الكنيسة هؤلاء، كما كانت في نظر الفلاسفة اليونانيين، يمكن أن ~~تؤدي إلى تأثيرين متعارضين؛ ففي وسعها أن تجعل النفس تنحط إلى ~~الدرك الأسفل، مثلما تجعلها تسمو إلى أعلى المراتب، إلى هذا الحد ~~وصلت القدرة التأثيرية للموسيقى في نظرهم. # ولقد كانت «مزامير داود» مصدرا زاخرا للشعر في الأدب الموسيقي؛ ~~فلم تكن المزامير شعرا فحسب، وإنما كانت في الأصل أغاني محددة ~~بمصاحبة آلات موسيقية. وحين أدمجت الكنيسة هذا الشعر التقليدي ~~المستمد من التوراة في كيانها اتخذت منه نصا شعريا لموسيقاها. ~~وكانت الطبيعة الشعرية للمزامير مقترنة بالعنصر الغنائي، ملائمة ~~للطقوس الدينية، إلى حد أن الصلوات في الفترة المبكرة من تاريخ ~~الكنيسة كانت تتألف أساسا من غناء المزامير. # ومن الأساليب التي كانت تغنى بها المزامير، الأسلوب المباشر؛ ~~أي الذي يغنى فيه المزمور كله مباشرة دون أية «إضافة أو تعديل ~~للنص». أما الأسلوب الثاني، وهو الأسلوب التجاوبي # responsory ~~، ففيه كانت طريقة ~~الإنشاد مماثلة لطريقة أدائها الأصلية في الكنيس اليهودي؛ حيث كان ~~العريف يغني المزمور، ثم تجيب المجموعة بكلمة «آمين». ولقد ~~كان العريف العبراني في غنائه للمزامير يفرط في استخدام الزخرف ~~الغنائي، ولكن المسيحيين عندما أدمجوا المزامير في شعائرهم الخاصة ~~حذفوا التطريب والغناء الزخرفي الذي كان المرتل اليهودي يؤديه، ~~وطبعوا إنشادهم بطابع من الاستكانة التي تناسب عقيدة جديدة ~~قوامها التبتل والخشوع. ومع ذلك فلم يمض وقت طويل، حتى بدأ ~~المغنون المسيحيون، فرادى وجماعات، يغنون بطريقة تطريبية كانت ~~تزداد تعقدا على مر السنين. أما الأسلوب الأخير من أساليب ~~الإنشاد الثلاثة فهو التبادلي # antiphonal ~~، وفيه يستخدم نصفا ~~مجموعة يتبادلان الغناء. وقد ترك لنا فيلون وصفا حيا جذابا ~~لهذا الأسلوب. # 8 # وهناك نقطة طريفة أخرى تتعلق بالتطريب الذي كانت تغنى به ~~«التهليلة # Alleluia ~~»، وهي العبارة ~~التي كانت ترد بها الطائفة على المغني المنفرد. والمعنى ~~الحرفي لكلمة «أليلويا» أو «هليلويا» هو سبحوا ms056 بحمد الله (أو ~~هللوا له). وكان غناؤها بطريقة التطريب، الذي اشتهر بأنه كان ~~يطول أحيانا حتى يبلغ ربع الساعة، مع تفاوت في درجاته في الكنيسة ~~البيزنطية. ويرجع استخدام التسبيحة # gubilus # إلى صورة الفرح التي كان ~~يعبر عنها المقطع الأخير من الأليلويا، والتي كان يستخدم فيها ~~التطريب أيضا. وقد عرف أوغسطين هذا الجزء (أي «التسبيحة» # Jubilus ~~) بأنه نوع من الحمد لله ~~يعبر عن مشاعر إنسانية لا يمكن نقلها بالكلمات أو الحروف ~~وحدها: «فمن يغني التسبيحة لا ينطق كلمات، وإنما هي أغنية فرح ~~دون ألفاظ، وهي صوت القلب المفعم بالسرور، الذي يحاول التعبير ~~عن شعوره على قدر استطاعته، حتى لو لم يكن يفهم المعنى، وعندما ~~يطرب المرء حتى يغني التسبيحة، فإنه ينتقل من أصوات لا تنتمي ~~إلى الكلام، وليس لها معنى خاص، إلى التسبيح دون ألفاظ؛ بحيث يبدو ~~بالفعل أنه مبتهج، غير أن فرحه أعظم من أن تعبر عنه الكلمات.» ~~وقد تساءل أوغسطين، مشيرا إلى المزمور الثاني والثلاثين: «ولمن ~~تصلح هذه الفرحة الكبرى ~~( # Jubilatio ~~) أكثر من الله الذي لا ~~يحده لفظ؟ إن الله يجل عن التعبير؛ لأن اللغة أفقر من أن ~~تصفه، فإن لم يكن الكلام يسعفك إزاء الله، وكنت في الوقت ذاته ~~لا تود السكوت، فما الذي يتبقى أمامك سوى أن تسبح حتى يطرب ~~قلبك دون كلمات تغنى، وحتى لا ينحصر فرحك الهائل في حدود ~~المقاطع اللفظية؟» وقد أعرب القديس هيرونيموس (جيروم) عن رأي ~~مماثل بصدد القيمة الجمالية والدينية لهذا الغناء التسبيحي ~~( # Jubilus ~~) فقال: «نعني بالتسبيحة ~~أن من المستحيل عن طريق الألفاظ أو المقاطع أو الحروف أو الكلام ~~التعبير عن المقدار الذي يتعين به على الإنسان أن يسبح بحمد ~~الله، ومن المستحيل فهمه.» # 9 # ربما كان آباء الكنيسة قد شعروا بأن من واجبهم أن ~~يبرروا استخدام هذه العادة الشرقية؛ ذلك لأن المؤلفات الأدبية ~~الشرقية حافلة بأمثلة الغناء التطريبي، وكذلك الحال عند ~~العبرانيين. أما كيف وأين نشأت هذه الطريقة في الغناء أصلا، ~~فهذا أمر ينبغي أن نترك التفكير فيه للمؤرخ. # وقد تحدث ms057 القديس أوغسطين في «الاعترافات» عن تعميده، وعن ~~التأثير الانفعالي الهائل الذي أحدثته فيه إحدى الصور الموسيقية، ~~وهي الأنشودة الدينية، فقال: «لكم بكيت، وأنا أسمع أناشيدك ~~وترانيمك هذه ... وتأثرت لتوي بأصوات ... حقيقتك الخالصة، وهي ~~تنساب برفق إلى قلبي، فتجعل أحاسيس تقواي تفيض، ودموعي تنهمر، ~~وإذا بي أجد نفسي مغمورا بالسعادة.» # 10 # ولقد ذكرت الأنشودة الدينية # hymn # لأول مرة في تاريخ الموسيقى ~~المسيحية، بعد القربان المقدس مباشرة، حين اشترك المسيح وحواريوه ~~في أغنية. أما في العصر اليوناني فكانت هذه الأنشودة تمجيدا أو ~~تقديسا لإله ما. وهذه بالضبط هي طبيعة أنشودتي أبولو اللتين ~~تحدثنا عنهما في الفصل السابق. ولقد كان اليوناني ينظر إلى كل ~~مدح أو شكر لآلهته على أنه أنشودة دينية، على شرط أن يتخذ صورة ~~الغناء. وعندما انتقلت هذه الأنشودة إلى المسيحية، احتفظت ~~بطبيعتها ذاتها، من حيث إنها أغنية تسبيح لله. وكانت نصوصها في ~~الأساس أشعارا ليست مستمدة من المزامير. # ولقد كان القديس أمبروز (حوالي 340-397م) من الرواد في تطوير ~~صورة الأنشودة الدينية. وليس في وسعنا أن نؤكد إن كان هو الذي ألف ~~كل الأناشيد المنسوبة إليه، أم أنه اهتم قبل كل شيء بنشرها على ~~نطاق شعبي، ولكن يكاد من المؤكد أن كثيرا من الأناشيد التي ~~ألفت في عصره قد نسبت إليه بوصفها أمثلة لتلك الفترة، لا ~~بوصفها من إبداعه هو ذاته. وقد أسهم آباء كثيرون للكنيسة، غير ~~أمبروز، في تطويرها وفي جعلها مقبولة من حيث هي نوع من الأنواع ~~الموسيقية، حتى أصبحت - في القرن الرابع ذاته - تعد أفضل من ~~المزامير. وليس في وسعنا أيضا أن نحدد إن كان نفس الشخص هو الذي ~~كان يكتب الموسيقى والنص الكلامي. وعلى أية حال، فإن بساطة ~~الأنشودة الدينية جعلتها ملائمة للغناء الديني الجماعي. وربما ~~كانت تكتب بأسلوب بسيط، حتى تستطيع المجموعة أداءها بسهولة. ولا ~~جدال في أن سهولة تعلم الأنشودة الدينية كانت من أسباب ذيوعها ~~إلى الحد الذي أصبحت فيه مقبولة ومستحبة في جميع أرجاء العالم ~~المسيحي. على أن بعض الأسقفيات لم تكن تقبل ms058 الأنشودة الدينية، على ~~أساس أنها لا ترضى بالتخلي عن نص المزامير حسبما جاء في «العهد ~~القديم» في سبيل تأليف شعر دنيوي، هذا فضلا عن أن هذه الأشعار ~~كانت تصاحبها ألحان بهيجة تعيد إلى الأذهان ذكرى الألحان ~~الوثنية. ولعل هذا هو السبب الوحيد في أن الأنشودة الدينية لم ~~تقبل ضمن الشعائر الدينية في روما إلا في القرن التاسع. # 11 # القسم الثاني: بويتيوس # Boethius # وصف أفلاطون خلق العالم في محاورة «طيماوس» بأنه بدا بأشكال ~~هندسية، هي المثلثات المتساوية الساقين والقائمة الزوايا، وفسر ~~حركات الأرض والنجوم تفسيرات رياضية معقدة. ولقد كانت هذه ~~المحاورة هي التي تغلغلت في التفكير العقلي للعصور الوسطي؛ فقد ~~كان للإحكام السحري للأعداد تأثير خلاب في نفس أوغسطين وغيره من ~~آباء الكنيسة الأولين، وعن طريق الأعداد أمكن تفسير الموسيقى ~~وملكة التذكر وخوالج النفس، بل إن الرب إنما خلق العالم بوضع ~~الأعداد المناسبة معا. ولما كانت الأعداد ترمز إلى كل ما يعرفه ~~الإنسان، فقد انتهى أوغسطين، كالفيثاغوريين وأفلاطون، إلى أن ~~الموسيقى مبنية على قانون رياضي وتنظيم سليم. وإن صفات النظام ~~والاتزان والجمال في العالم المادي لترجع جذورها إلى الأعداد، بل ~~إن تركيب الكون بأسره مبني على علاقة رياضية منسجمة. وقد ظهر ~~هذا التأثير الفيثاغوري والأفلاطوني في كتاب أوغسطين «في الموسيقى # De Musica ~~» الذي يبحث أساسا في ~~الوزن والشعر والنظريات المتعلقة بالأعداد؛ فالأبواب الخمسة الأولى ~~من هذا البحث تتناول الإيقاع والوزن، أما الباب السادس فقد ناقش ~~فيه أوغسطين النواحي الكونية واللاهوتية للموسيقى. # ولقد كان أوغسطين، كالفيثاغوريين، ينظر إلى الموسيقى على أنها ~~مظهر أرضي للإيقاع الكوني، وكان مثل أفلاطون يرى لهذه الظاهرة ~~دلالة أخلاقية. وقد حذر المسيحيين من الخلط بين رمز الإيقاع ~~الموسيقي وبين ما يدل عليه هذا الرمز؛ فالجمال والموسيقى كانا في ~~نظره محاكاة فنية لنظام أكمل أضفاه الفضل الإلهي على البشر. وقد ~~نصح المسيحيين بأن يقتدوا، في نظرتهم إلى الموسيقى، بداود ملك بني ~~إسرائيل؛ إذ إن داود كان «بارعا في الغناء، محبا للانسجام ~~الموسيقي كل الحب، لا من أجل المتعة العابرة، ms059 بل بقلب عامر ~~بالإيمان، وبالموسيقى عند ربه الإله الحق، بوصفها تمثيلا صوفيا ~~لشيء عظيم؛ ذلك لأن التوافق المعقول المنظم بين مختلف الأصوات في ~~التنوع المنسجم، يوحي بالوحدة المحكمة لمدينة إلهية يسودها النظام.» # 12 # كذلك كان لمحاورة «طيماوس» الأفلاطونية تأثير بالغ في الفيلسوف ~~الروماني بويتيوس (480-524م)؛ فقد شارك أفلاطون آراءه التي أعرب ~~عنها في هذه المحاورة؛ إذ كتب في مؤلفاته الخاصة يقول: إن نفس ~~العالم تتحد بفضل التوافق الموسيقي؛ ذلك لأننا حين نعرف ما في ~~الأصوات من وحدة منسجمة محكمة عن طريق ما نلمسه في أنفسنا من نظام ~~وإحكام، ندرك أننا نحن أنفسنا نتوحد بفضل هذا التشابه.» وكان يروي ~~أن هناك علاقة رياضية تربط بين النفس البشرية والنفس الكونية. ~~وعلى ذلك فإن الموسيقى، التي هي في أساسها رياضية، تتخذ طابعا ~~أخلاقيا؛ لأن في وسع النوع الملائم من الموسيقى غير المناسبة، ~~فتفسد هذه العلاقة الرياضية، وتحط من نفس الإنسان وتحطم بدنه. ~~وهكذا كان بويتيوس، في العالم الروماني، خير مدافع عن الرأي ~~اليوناني في فلسفة الجمال، كما بدأه الفيثاغوريون وطوره أفلاطون، ~~وهو الرأي القائل إن الموسيقى ترتبط بنا بحكم الطبيعة، وإن في ~~وسعها صلاح الخلق أو إفساده. # ولقد بدأ الفيلسوف الروماني بويتيوس نشاطه في ميدان الموسيقى ~~كواحد من أتباع المذهب الفيثاغوري والأفلاطوني، فاتفق مع هذين ~~المذهبين الفلسفيين على أن الموسيقى في أساسها ذات طابع رياضي، ~~وينبغي أن تستخدم وسيلة تمهد لدراسة الفلسفة. كذلك أيد ~~بويتيوس الرأي القائل إن للموسيقى قيمة أخلاقية تحض الناس على ~~التزود من العلم، وتساعد على تقريبهم من الحقيقة الحقة بتحريرهم ~~من هذا العالم الخداع، عالم التغير المحسوس. وكان بدوره يؤمن ~~بأن في مقدور الموسيقى أن تحط من معنويات الإنسان إذا كانت ~~متجهة إلى إثارة انفعالاته. وكان بويتيوس يرى أن الإنسان قد وهب ~~قدرات موسيقية فطرية، وأن في وسع المرء أن يتخلص من النواحي ~~الحسية في هذا الفن الذي يثير الرغبات الحسية في كثير من الأحيان، ~~بالانصراف إلى الدراسة النظرية للموسيقى بما تقتضيه من تفكير ~~عقلي؛ إذ إن العقل أسمى ms060 من الحواس. # ولقد كان هذا الفيلسوف المبكر النضج في سن العشرين عندما أهدى ~~كتابه في الموسيقى إلى من هم في مثل سنه، على أمل أن يثير فيهم حب ~~الفلسفة، وإن يكن ذلك أملا ميئوسا منه، ولكن بويتيوس لم يتم ~~كتاباته في الموسيقى، وكانت كل إشاراته إلى الموسيقى، خلال بقية ~~سني حياته، تؤكد أهمية الجانب التعليمي فيها بوصفها مبحثا ~~عقليا، وقيمتها في تحقيق حياة أخلاقية سليمة. # وقرب نهاية حياته، عندما كان قابعا في سجن ينتظر فيه موته ~~السابق لأوانه، كتب عن ربة الموسيقى «موزي»، فوصفها بأنها عروس ~~بحر «سيرينا»، تضلل كل من وقعوا تحت تأثير سحرها الخلاب، ~~وأطلق على ربة الشعر والغناء اسم «بغي المأساة» التي تقدم إلى ~~الإنسان «سما حلو المذاق»، بدلا من أن تعطيه بلسما فلسفيا ~~شافيا يخفف به عن نفسه أعباء الحياة. وهكذا فإن الفلسفة وحدها، ~~أم الربات «الموزي» جميعا، هي وحدها التي أقبلت على بويتيوس ~~تقدم إليه السلوى، وهو راقد على فراش الموت. # 13 # ولقد كان الهدف الذي اختطه بويتيوس لنفسه في الأصل هو «التوفيق ~~بقدر ما بين أفكار أرسطو وأفلاطون»، وكان تأثير فلسفته في موسيقى ~~العصور الوسطى عميقا باقيا «فقد أعلن بويتيوس أن من الضروري، لكي ~~يصل المرء إلى «قمة الكمال» التي لا نبلغها إلا بفضل الدراسة ~~الفلسفية وحدها، أن يكون للمرء إلمام كامل بميادين تمهيدية ~~للمعرفة ، هي العلوم الرياضية، أو الرباع # Quadrivium ~~، وهو لفظ يبدو أن ~~بويتيوس ذاته هو الذي أدخله في اللغة اللاتينية ... وكان بويتيوس ~~مقتنعا بأن كل من يهمل هذه الدراسات يظل إلى الأبد جاهلا ~~بالفلسفة في مجموعها، ولا أمل له فيها. وليس لمثل هذا الإهمال ~~دواء؛ إذ إنه يضيع إلى الأبد فرصة الفوز على الدارس الذي يتوق إلى ~~بلوغ قمة الكمال؛ فمن لم يمر بدراسة الموسيقى داخل نطاق ~~الرياضيات، فإن عالم الفلسفة يظل مغلقا في وجهه. وفي عبارة أخرى ~~فإن اكتساب معرفة الرياضيات ضرورة لا غناء عنها. وهدف الدراسة ~~وغاية التعليم هو الفلسفة في كل الأحوال، غير أن الطريق الوحيد ~~الموصل إليها ms061 يمر عبر الرياضيات.» # 14 # وهكذا فإن الموسيقى، بوصفها جزءا من الرياضيات، ~~تسهم في تدريب الذهن، وتعد مبحثا يمهد لدراسة ~~الفلسفة. # وكان بويتيوس يرى أنه نظرا إلى القيمة الأخلاقية الكامنة في ~~دراسة الموسيقى، فإن هذه الدراسة أقدر من أي مبحث آخر في «الرباع» ~~«الكوادر يفيوم» على تشكيل النفس والجسم. وقد ردد رأي أفلاطون ~~قائلا إن للموسيقى القدرة على أن «ترفع معنويات الإنسان أو تحط ~~منها»، وأشار إلى أن النفوس الشهوانية تستمتع بالألحان الشهوانية، ~~على حين أن النفوس الجادة تجد لذتها في أساليب أقوى تأثيرا؛ إذ ~~إن الناس يتعلقون بالأساليب المشابهة لطبائعهم، ولكنه انتهى إلى أن ~~الناس جميعا معرضون للفساد؛ إذ تصاب النفوس الضعيفة بالفساد ~~والرخاوة، وحتى النفوس القوية ذاتها قد تعجز أحيانا عن ~~المقاومة. واستطرد بويتيوس قائلا: إن أفلاطون كان على حق في ~~تحذيره من التحديدات الموسيقية؛ إذ إن من شأن الأساليب الموسيقية ~~المتغيرة ذات الطابع الأخلاقي المريب أن تحط قطعا من نفوس الناس. ~~وهكذا قال: «إن الموسيقى تظل عفيفة متواضعة ما دامت تعزف على ~~آلات بسيطة، ولكن نظرا إلى أنها قد أصبحت تعزف على أنحاء ~~متباينة، وبطرق مضطربة، فإنها فقدت صفات الجد والفضيلة، وكادت أن ~~تنحط إلى مرتبة الوضاعة دون أن يبقى لها من جمالها الغابر إلا ~~أثر ضئيل.» # والواقع أن بويتيوس لم يقتصر على نقل آراء القدماء إلى مفكري ~~العصور الوسطى، بل إنه كان هو ذاته مسئولا عن تشكيل الفلسفة ~~الجمالية الموسيقية للحضارة الغربية طوال قرون عديدة بعد وفاته؛ ~~فقد كان اللاهوتيون المسيحيون راضين كل الرضا عن رأيه القائل إنه ~~لما كانت الموسيقى في أساسها رياضية البناء وأخلاقية القيمة، فمن ~~الضروري أن يكون التأليف الموسيقى دقيقا دقة العلم، حتى لا يفسد ~~الطابع الأخلاقي للموسيقى، وكانت النتيجة النهائية لآرائه، كما ~~عدلها أتباعه ووسعوها، هي أن القيمة الأخلاقية للموسيقى متوقفة ~~على العلم، وانتهى الأمر بعلم الموسيقى إلى اتخاذ قوالب محددة ~~لا يخرج عنها. وهكذا رأى رجال الكنيسة أن أي خروج على القوالب ~~الموسيقية التقليدية، أو على الموسيقى الكنسية المسموح بها، هو ms062 ~~أمر خارج على العلم وعلى الدين معا، ولقد كان رجال الكنيسة ~~يعلمون حق العلم أن هذا الرأي موجود بصورة ضمنية عند أفلاطون، ومع ~~ذلك كان مما يدعم موقفهم أن يستطيعوا الإهابة بسلطة أي مفكر آخر، ~~حتى لو كان وثنيا رومانيا، يقول بآراء يمكنهم استخدامها ~~لصالحهم. ولقد كان دستور البابا يوحنا الثاني والعشرون (الذي شغل ~~منصبه من سنة 1316م إلى 1334م) وهو الدستور الذي كتب بعد ~~ثمانمائة عام من وفاة بويتيوس السابقة لأوانها، والذي كان يتضمن ~~هجوما على الموسيقى الجديدة في ذلك العصر، كان هذا الدستور ~~متأثرا بفلسفة بويتيوس الجمالية في الموسيقى، إلى حد أن كاتبي هذه ~~الوثيقة البابوية آثروا أن يقتبسوا من كتاباته في دفاعهم عن ~~الموسيقى الدينية في الكنيسة المسيحية؛ فقد اقتبس رجال الكنيسة من ~~بويتيوس نصا توجهوا به إلى دعاة الموسيقى الحديثة، سواء منهم ~~صانعوها ومتذوقوها، يقول فيه: «إن الشخص الذي هو بطبيعته ميال إلى ~~الحسيات، يستمتع بالاستماع إلى هذه الألحان الفاسقة. ولا بد لمن ~~يثابر على الاستماع إليها أن تضعف أخلاقه، وتفقد روحه ~~صلابتها.» # وهناك فيلسوف آخر معاصر لبويتيوس، شارك بدوره في تعريف مفكري ~~العصر الوسيط بالفلسفات الموسيقية لليونانيين، وهو كاسيودورس # Cassiodorus ~~(485-580م) الذي كان ~~في حياته أسعد حظا من بويتيوس. وقد نظر بدوره إلى الموسيقى على ~~أنها مبحث رياضي، وتأثر بالطابع الأفلاطوني في آرائه الأخلاقية ~~في الموسيقى، فكتب في رسالة إلى بويتيوس يقول : «إن المقام الدوري # Dorian # يؤثر في العفة ~~والحياء»، واتفق مع أفلاطون على أن المقام الفريجي «يستفز الرغبة ~~في النضال ويثير الغضب»، أما المقام الأيولي # Aeolian # فإنه «يهدئ عواصف النفس، ~~وينزل الكرى في أجفان النفس الهادئة»، أمام المقام الرابع من ~~أساليب القدماء وهو الإياستي # Iastic ~~، فإنه «يجعل البصيرة ~~الخاملة حادة، ويجعل الذهن الدنس يتطلع إلى الأمور السماوية». وأما ~~المقام الأخير وهو الليدي، فلم ينظر إليه كاسيودورس بطريقة ~~أفلاطونية خالصة، وإنما رأى فيه أسلوبا موسيقيا ذا قيمة ~~علاجية؛ إذ إن هذا المقام الليدي «يخفف من الأعباء الثقيلة على ~~النفس، ويزيل الضيق بالترويح الممتع عن النفس»، ms063 وللموسيقى في ~~فلسفته قيمة روحية هي تقريب الناس من الله، كما أن للموسيقى ~~القدرة على إثارة أحوال متفاوتة في النفس، وهي أيضا صورة ~~فعالة من صور التطهر # Katharsis ~~، تزيل في رأيه الضيق ~~وتهدئ الانفعالات. # القسم الثالث: الأناشيد الجريجوريانية # كانت الكنيسة المسيحية، منذ نشأتها الأولى، تشن حملات منتظمة ~~للقضاء على الوثنية. ولقد كان من الضروري للقضاء على عقيدة الوثني، ~~تحطيم معابده ومحو آثار فنونه. وترتب على ذلك حدوث تدمير واسع ~~النطاق للمعابد الوثنية التي كانت تضم أصنام الكفرة وتعاويذهم، ~~وكانت أذهان المسيحيين المتمسكين تجد لذلك المبرر الكامل في أن ~~هذه الأفعال إنما هي تنفيذ للإرادة الإلهية، ولكن هؤلاء ~~المتمسكين وجدوا أنفسهم عاجزين تماما عن القضاء على الموسيقى ~~الوثنية؛ إذ لم تكن هناك مخطوطات تحرق أو موسيقيون يعاقبون. ~~ولم تكن الموسيقى ذاتها تمثل شيئا ملموسا، وإنما كانت تمثل ~~أفكارا وتعبيرات فحسب، فأنى للمرء أن يقتل الأفكار ~~والتعبيرات؟ # ومنذ عهد مبكر، يرجع إلى وقت أوغسطين، كانت هذه العداوة الدينية ~~للفن قد رسخت بالفعل؛ فقد اجتاحت رجال الكنيسة في القرن الرابع ~~موجة عارمة من المعارضة حتى للفن المسيحي ذاته. وبحلول القرن ~~السادس كان جريجوريوس الأكبر الذي ولد عام 540م، وتولى منصب ~~البابوية من عام 590م إلى عام 604م، قد أمر، وهو لا يزال أسقفا ~~لمرسيليا، بنزع وتدمير كل الصور المقدسة داخل نطاق أسقفيته. ~~وكانت تصرفاته مبنية على الاعتقاد بأن هناك فارقا بين تقديس ~~الصورة ذاتها وبين النظر إليها على أنها رمز. وكان جريجوري يخشى أن ~~يبدأ الإنسان العادي في تقديس الرمز بدلا من الموضوع المرموز ~~إليه. وكانت نفس هذه المشكلة تتمثل في الموسيقى، فإذا كان الشخص ~~العادي الذي يؤم الكنيسة يفتتن بالطابع الحسي للموسيقى الدينية ~~إلى حد نسيان أن الموسيقى لا ترمي إلا إلى تجميل النص المقدس فحسب، ~~فلا بد عندئذ من تبسيط الموسيقى وتأكيد النص. # ومن الجائز جدا أن البابا جريجوري قد تذكر تحذير أوغسطين ~~الموجه إلى المسيحيين بألا يخلطوا بين رمز الإيقاع الموسيقي وبين ~~ما يمثله الرمز؛ إذ إن الجمال والموسيقى ليسا ms064 إلا محاكاة فنية ~~لنظام أعلى أضفاه فضل الله على البشر. ولا بد أن جريجوريوس قد تأثر ~~أبلغ التأثر بعبارة أوغسطين القائلة: «ويل لمن يحبون إشاراتك ~~بدلا منك، ويضلون طريقهم وسط آثارك»، وما كان من الممكن أن تجد ~~آراء أوغسطين عن الموسيقى في الحياة المسيحية نظيرا أكثر تحمسا ~~من البابا جريجوري. # وربما كان جريجوري الأكبر أشهر شخصية في تاريخ البابوية. وقد ~~صوره التاريخ تارة على أنه شغوف بالفن، وتارة أخرى على أنه ~~شخصية قوية تفتقر إلى كل إحساس أو خيال فني. وقد امتدحه كثير من ~~الكتاب في العصور الوسطى بوصفه رجلا عظيما فاضلا من رجال ~~الكنيسة، دون أن يعبئوا بالتفرقة بين عبقرية البابا جريجوري ~~الدينية في دعم الكنيسة، وبين احتقاره للعلوم والفنون، وعزا إليه ~~هؤلاء الكتاب نظريات متحررة كانت بعيدة كل البعد عن فلسفته، ولكن ~~من المفارقات العجيبة أن الأجيال التالية لم تعد تعرفه بفضل ~~مقدرته السياسية والتنظيمية الفذة، بل بفضل الموسيقى التي ارتبطت ~~باسمه. # ولكي يتأكد البابا جريجوري من أن المبادئ والتعاليم المسيحية لا ~~توضع موضع الشك، أو تتعرض لتفنيد المارقين، فقد حرم التعليم ~~الدنيوي، وأضفى على الدراسات اللاهوتية أهمية لم تكن لها من قبل ~~على الإطلاق، واستبعد العلم والفن من التعليم الديني، ولكن لما ~~كان العرف الشائع في العصور الوسطى قد جرى على النظر إلى الموسيقى ~~على أنها فرع من الرياضيات، فقد أدرجت ضمن الرباع التعليمي، الذي ~~يتألف من الحساب والهندسة والفلك والموسيقى . # ولما لم يكن جريجوري يعبأ كثيرا بالتعليم الدنيوي، فليس من ~~المستغرب أن نجده ينفر من الاتجاهات الموسيقية اللادينية، التي ~~كانت في حاجة إلى قمع مستمر. ولقد بلغ من صرامته في إدارة شئون ~~الدين أنه عاقب أصحاب المناصب في الكنيسة، بعد خمس سنوات من توليه ~~منصب البابوية؛ لأنهم استمعوا إلى نوازع الشر في نفوسهم، ودربوا ~~أصواتهم على أداء الجزء الموسيقي من الصلاة، وقضوا في ذلك وقتا ~~كان ينبغي أن يكرسوه لأغراض أشرف؛ ومن ثم فقد أمر جريجوري بأن ~~يقتصر القساوسة على غناء الإنجيل، ويغني مساعدوهم بقية الجزء ms065 ~~الموسيقي من الصلاة. وقد اتخذ الخطوات اللازمة لتوفير هؤلاء ~~المساعدين، بتشييد معاهد دينية إضافية، وإنشاء مدرسة للغناء ~~«سكولا كانتوروم» زودت فرق الإنشاد البابوية بالمغنين. # ولقد حذا جريجوري حذو أوغسطين، فرأى في الموسيقى مجرد عامل ~~مساعد في أداء الصلاة. كذلك التزم معتقدات أوغسطين المتأخرة، فحظر ~~كل ما له صبغة وثنية، ويمكن أن يكون له تأثير في المسيحيين. وهكذا ~~محي الفن والموسيقى من الوجود بوصفهما نشاطا حضاريا، واستعيض ~~عن العلم والبحث، مهما كان ضيق نطاقهما، بالنظام الصارم والعزوف ~~والتبتل. ومع ذلك فإن البابا جريجوري الأكبر هذا هو نفسه الذي ~~نسب إليه دور خلاق في تلحين جزء من القداس، هو الجزء ~~التبادلي، وتنظيم الطقوس الدينية، ولكن هناك من الأسباب ما يدعو ~~باحثي الموسيقى إلى الاعتقاد بأن هذه النسبة خيالية أكثر منها واقعية. # 15 # وللأناشيد الجريجورية أصول متعددة؛ فهي قد تطورت من الموسيقى ~~الشرقية والعبرية واليونانية، ومن صورة سابقة عليها وأبسط منها هي ~~الأناشيد الأمبروزية (نسبة إلى القديس أمبروز) ومن الأسباب التي ~~تساق لتعليل ظهور الأناشيد الجريجورية أنها نشأت نتيجة شكاو ~~متعددة تقدم بها رجال الإكليروس، من أن الموسيقى الكنسية ~~تؤدى بطريقة غير صحيحة، وبانفعال مفرط. ويقال إن جريجوري ~~قد جمع مختلف الأنواع التي تغنى في الكنائس، وصنفها وعدلها، ~~ووضع - على ما يقال - ألحانا جديدة، ثم أصدر أمرا حدد فيه ~~بدقة طريقة أداء كل جزء من الموسيقى وموقعها في شعائر الصلاة، ~~وبذلك استن سنة أدت إلى تثبيت الطقوس الدينية بدقة مع ~~تنويعها. # وتنقسم الأناشيد الجريجورية إلى ثلاث فئات من الألحان؛ ~~المقطعية # syllabic ~~، والتطويلية # neumatic ~~، والتطريبية # melismatic ~~؛ ففي المجموعة الأولى ~~كان كل مقطع من النص يطابق نغمة واحدة فحسب، وقد يحدث أحيانا أن ~~يطابق مقطع واحد نغمتين أو ثلاثا، ولكن الألحان كانت على الدوام ~~بسيطة في طابعها. أما في النوع التطويلي فكانت بعض المقاطع ~~تستخدم لنغمة واحدة، ولكن العادة المتبعة كانت استخدام مقطع ~~واحد لأداء مجموع من نغمتين أو ثلاث أنغام. وأما النوع الثالث ~~وهو التطريبي، فكان أسلوبا مزركشا، يغنى فيه مقطع وحيد ~~بطريقة زخرفية ms066 خالصة. # وكانت الألحان الجريجورية تبنى في البداية على نظام نغمي من ~~أربعة مقامات. وعلى الرغم من أن أصل هذه المقامات يرجع إلى ~~المقامات الشرقية والعبرانية، فقد سميت بالمقامات الكنسية ~~لارتباط طابعها اللحني الخاص بالغناء الديني. وكانت المقامات ~~الأربعة الأصلية تسمى بالمقامات الرئيسية، ولكن كان الأغلب ~~تسميتها بالمقامات الأصلية # authentic ~~. وعندما أضيفت إليها ~~أربعة أخريات كان يطلق عليها اسم المقامات البلاجالية # plagal ~~، وقد استخدمها الملحنون ~~لأصوت الرجال فحسب. # ولم يؤلف الموسيقيون ~~الجريجوريون الأوائل موسيقى مبتكرة، وإنما كرسوا جهودهم لاقتباس ~~الألحان القديمة أو أجزاء منها، ثم تعديلها بحيث تلائم جزءا ~~معينا من الشعائر المنوعة؛ أي إن الجهود الفنية لهؤلاء ~~الموسيقيين قد تركزت كلها في إعادة تعديل قالب الألحان القديمة ~~وصياغتها من جديد. وقد بلغوا في هذا التنظيم قدرا كبيرا من ~~البراعة، والدليل على ذلك تمكنهم من تنويع ذلك العدد المحدود من ~~الألحان الذي كانت تبنى عليه الموسيقى الكنسية في العصور الوسطى، ~~في قوالب عظيمة التباين. ولقد كان لدى الموسيقي الكنسي صبر لا ~~ينفد استمده من حياة الرهبنة في الأديرة، وأتاح له ذلك أن يوجه ~~أعظم عنايته لتحقيق توازن بين النص والموسيقى، بحيث لا يضحي ~~بالنص، ولا تصبح الموسيقى جوفاء. وعندما يتكرر استخدام نص ~~معين في أجزاء مختلفة من الشعائر، كان الملحن يمله بلحن ~~مقابل يلائم وظيفته الجديدة. ولقد بلغ هؤلاء الملحنون من ~~الإبداع في كتابة الألحان المنفردة ما جعل أعمالهم تظل مصدرا ~~للإلهام الفني لكل من يكتبون الموسيقى. # وفي خلال القرون التالية ظهرت مقادير غير قليلة من الأناشيد ~~التي تنتمي إلى النمط الجريجوري خارج روما، فبتوسع الكنيسة ~~توسعت أناشيدها أيضا، وانتقلت هذه الأناشيد إلى إنجلترا في ~~عهد مبكر جدا عن طريق المبعوثين البابويين «القاصدين ~~الرسوليين»، وعملت أديرة كثيرة في أيرلندا بجهد لا يكل في سبيل ~~تنمية هذا النوع من الموسيقى، وشجع شرلمان على قبولها في فرنسا ~~وألمانيا؛ ذلك لأنه كان حاكما ذا عقلية عملية، سعى إلى بعث ~~الوحدة بين جميع أرجاء مملكته، وكان حكيما في تشجيعه للأناشيد ~~الكنسية حتى يستغلها بوصفها رباطا ms067 قويا للوحدة. ويقال إن ~~الغاليين لم يستطيعوا تذوق الصفاء الجمالي لهذه الأناشيد؛ نظرا ~~إلى جلافتهم الطبيعية، وأصروا على أن يضيفوا إلى الموسيقى ~~الكنسية أجزاء من أغانيهم الخاصة التي لم تكن مستساغة. # وكانت الأناشيد الجريجورية تستخدم نظاما من العلامات «النومس» # neumes # كوسيلة للتدوين، وهذه ~~العلامات التي يمكن العثور عليها في المخطوطات الجريجورية التي ~~حفظت لنا منذ عهد بعيد يرجع إلى القرن التاسع، لم تكن تقدم ~~للمغني إلا تلميحا تقريبيا عن مجرى اللحن. أما الألحان ~~والقوالب ذاتها، فكانت تنقل من جيل إلى جيل بالسماع؛ إذ إن ~~العلامات لم تكن تصلح إلا للتذكرة فحسب. ومع ذلك امتد نظام ~~العلامات «النومس» هذا إلى التدوين الحديث مباشرة؛ لأنه كان يستطيع ~~أن يدل المغني على اتجاه الخط اللحني نحو الارتفاع أو نحو ~~الانخفاض. وقد حدث في وقت ما، من هذه القرون، أن توصل أحد ~~الرهبان إلى فكرة التدوين الموسيقي، واختار لسبب ما، خطا ~~أفقيا لتمييز ارتفاع صوت معين عن الآخر، وبعد ذلك بوقت قصير ~~أضيف خط ثان، حتى إذا ما جاء القرن الحادي عشر ظهرت في ~~المخطوطات أو الخطوط الموسيقية المعروفة، فكان الخط الأحمر يدل على ~~النغمة «فا # F ~~»، والخط الأصفر ~~(وأحيانا الأخضر) يدل على «دو # C ~~»، وأدى إلى ذلك تكوين مفتاحي ~~فا ودو ابتداء من القرن الثاني عشر، ثم أعقبها مفتاح صول # G ~~، وأدخل الراهب البندكتيني «جويدو ~~داريتسو # Guido dArezzo ~~» ~~(995-1050م) تحسينات على طريقة التدوين، ومن المعتقد أنه تقدم ~~بنظريات جديدة في التدوين إلى البابا يوحنا التاسع عشر في أوائل ~~القرن الحادي عشر. # القسم الرابع: فيلسوف العصر الوسيط والموسيقى # يرجع أصل كثير من القوالب الموسيقية الكنسية إلى نصوص دنيوية، ~~بل إباحية في أحيان غير قليلة، كانت لها ألحان سهلة الحفظ. كذلك ~~كان للموسيقى الكنسية بدورها تأثير مباشر في الموسيقى الدنيوية. ~~وطوال الفترة الأولى من تطور الكنسية كان المسئولون من رجال الدين ~~يرقبون عن كثب تلك الموسيقى الدنيوية، وما كانوا يعدونه دنسا ~~فيها. ومع ذلك فقد وجدت الأغنيات القومية المحلية طريقها إلى ~~المعابد المقدسة، واجتذبت الموسيقى ms068 الدنيوية في ذلك العصر جمهور ~~المتعبدين، والكهنة المشرفين على العبادة بدورهم. وترتب على ذلك ~~أن التحذيرات التي كانت تأتي من روما كانت موجهة إلى رجال الدين ~~ورعيتهم في آن واحد، وكانت الكنيسة تشعر بأن من واجبها ألا ~~تستسلم في أي ميدان، أو تتردد في تفسيراتها، إذا شاءت أن تحتفظ ~~بمواقعها، بل أن تظل قلعة ثابتة راسخة تقف في وجه الهرطقة ~~والمؤثرات الوثنية الكافرة. # ولقد رأينا من قبل أن المزامير التي ورثها العبرانيون ~~للمسيحيين، كانت في تطور القوالب الموسيقية، أقدم لون من ألوان ~~الموسيقى الكنسية، وكان المسيح يعرف شعائر المعابد اليهودية معرفة ~~كافية، بدليل أنه عندما ودع حوارييه حدد معالم الجو الديني ~~للعشاء الأخير بغناء المزامير. وفيما تلا ذلك من السنين، عرف ~~الوثنيون والمنتصرون الذين كانوا غيورين على ممارسة شعائر الكنيسة، ~~أو الذين أقبلوا عليها بحماسة، أناشيد المزامير، ولما كانت إحدى ~~الطوائف تفر من مضطهديها، كانت تحمل معها المزامير حيثما وجدت ~~ديارا جديدة. وهكذا انتشرت المزامير في الفترة التالية إلى حد ~~أنها كانت من جهة قيدا على حرية الطوائف المسيحية، وكانت من جهة ~~أخرى مصدرا زاخرا للموسيقى، يستمد منه المؤمنون من القوة والعزاء ~~الروحي ما يكفل لهم الصمود خلال أوقات المحن. # وقد أعلى القديس أمبروز وأتباعه قيمة الأنشودة الدينية # hymn # في الموسيقى الكنسية. وليس في ~~وسعنا أن نجزم إن كانت الألحان المستخدمة في هذه الأناشيد من أصل ~~شعبي فحسب، أم أن جزءا غير قليل منها كان من تأليف القساوسة ~~أنفسهم. وعلى أية حال فإن القالب اللحني للأنشودة القديمة كان ~~بسيطا، مما ساعد دون شك على قبولها في الكنيسة، وذيوعها بين ~~الناس. ولضمان أعظم قدر من البساطة كان كل مقطع في النص ~~الكلامي تخصص له نغمة واحدة من الموسيقى. # ولقد كان اللحن، في الأناشيد الجريجورية، خاضعا للنص الكلامي، ~~ولما كان الإنشاد يستخدم إطارا لحنيا لنص مقدس، فقد تعين ~~على اللحن ألا يكون معقدا، وأن يكتفي بالقيام بدور الأساس الخلفي ~~لذلك النص. وتضمنت الأناشيد كثيرا من الألحان العبرانية التي ~~أخفيت فيها ببراعة، كما ms069 حملت الأناشيد الجريجورية آثار النظام ~~الموسيقي اليوناني، أما أصل العلامات (النومس) # neumes # المستخدمة في الأناشيد، ~~فما زال سرا إلى حد ما، ونحن نعلم أن العبرانيين قد استخدموا ~~إشارات المقاطع المتحركة في غناء تراتيلهم، ولكنا لا نعلم إن كان ~~ذلك قد أثر في المسيحيين، أم أنهم وضعوا نظامهم الخاص في ~~العلامات (النومس)، أو كيف ومتى وضعوا هذا النظام. # وقد ذكر إيزيدور الإشبيلي # Isidore of ~~Seville ~~(570-636م) أن قدرا كبيرا من الموسيقى ~~المعروفة في عصره كان يحفظ عن ظهر قلب، وينقل بالتلقين إلى ~~أجيال أخرى، ولولا ذلك لضاع إلى الأبد. ولم يخترع التدوين إلا ~~بعد أربعة قرون، على يد جويدو داريتسو # Guido ~~dArezzo ~~، الذي قال: «إن أي نتيجة فيزيائية لا ~~تكون لها قيمة موسيقية ما لم تؤيدها الأذن.» والذي اخترع أيضا ~~أول أشكال السلم كما نعرفه اليوم. وقد اختلف المؤرخون حول تحديد ~~دوره بدقة، ولكن في وسعنا أن نفترض، دون أن نخشى الوقوع في ~~الخطأ، أن جزءا كبيرا من الأعمال المنسوبة إليه صحيح تاريخيا؛ ~~فقد وضع جويدو نظاما أدى إلى «السولفيج» الذي نستخدم فيه مقاطع ~~لفظية لقراءة المدونات، وقد أخذ أنشودة القديس يوحنا المعمدان، ~~واستمد المقطع الأول من كل بيت للدلالة على درجة مختلفة في ~~السلم والنص اللاتيني لهذه الأنشودة هو: # Ut queant laxus Resonare ~~Fibris # Miea gestorum Famuli ~~tuorum # Solve pollute Labii ~~reatum # Sancte Joannes # وهناك صوت كامل يفصل بين «أوت» وهي دو فيما بعد و«ري» و«مي»، ~~وبين «فا» و«صول» و«لا»، ونصف صوت بين «مي» و«فا»، وقد تغيرت ~~«الأوت» فيما بعد إلى «دو»، وجمع بين الحرفين الأولين في ~~كلمتي البيت الأخير، بعد عصر جويدو، ليكونا المقطع «سي» # 16 # حتى تكتمل دورة السلم. وكان جويدو قد وضع في الأصل ~~صوتا زائدا قبل «أوت» مستخدما الحرف اليوناني «جاما»، الذي يكون ~~بعد إضافته إلى «أوت» لفظ «جاموت # gamut ~~»، وقد أصبحت كلمة «جاموت» ~~تدل في السنوات التالية، على التركيب الكامل للسلم. # كذلك اهتم جويدو بحالة الموسيقى من الوجهة الأخلاقية في عصره، ~~فوجه إلى كثير من ms070 رجال الدين نفس التهمة التي كان البابا ~~جويجوري الأكبر قد وجهها إليهم قبل ذلك بأربعمائة عام، بناء ~~على موقفهم من الموسيقى «وأخطر الأمور جميعا، أن كثيرا من ~~القساوسة والرهبان يتجاهلون المزامير، والقراءات المقدسة، ~~والتراتيل الليلية ... على حين أنهم يعكفون بجهد أحمق لا يكل ولا ~~يمل على دراسة علم الغناء ...» # ومن المعتقد أن فن «الاسترسال» (السيكونسة # sequence ~~) أو وضع نص للمقطع الأخير ~~من «التهليلة # alleluia ~~» قد ظهر ~~أصلا في شمال فرنسا في القرن التاسع. وكان القديس أوغسطين والقديس ~~أمبروز قد امتدحا، قبل حوالي 500 عام، تطويل غناء التهليلة أو ~~التسبيحة # Jubilus ~~، بوصفه حمدا لله ~~دون كلمات. على أنه لم يكن من السهل حفظ التسبيحة، ومن هنا بدأت ~~تظهر فكرة إضافة نص كلامي لمساعدة المغنين على تذكر ~~الألحان الطويلة، وفي البداية كان يوضع لكل نغمة مقطع واحد، ولكن ~~السيكونسة (الاسترسال) أصبحت بمضي الوقت من التعقيد، واكتسبت ~~من الشعبية ما جعلها تشكل خطرا على الطابع الديني للشعائر. ~~وهكذا فإن الكنيسة لم تنظر بعين الرضا إلى هذا التطور لفن ~~«السيكونسة» (الاسترسال)، ولا لفن التروبة (الفواصل) ~~( # troping ~~) أيضا، والتروبة هي ما ~~يقحم بين الأجزاء التي تغنى من القداس. # ولقد كان فن «السيكونسة» (الاسترسال)، والتروبة (الفواصل) ~~مقتصرا في البداية على الأديرة، ولم ينتقل إلى النشاط الموسيقي ~~للأبرشية الدنيوية للكنيسة إلا فيما بعد، وعندئذ أدخل القساوسة ~~بالتدريج فواصل باللغات المحلية في الشعائر الدينية؛ لكي يشرحوا ~~لجمهور المصلين الأجزاء الغنائية من القداس اللاتيني التقليدي ~~للشعائر الدينية. ولما كان أقطاب الكنيسة لم يعترفوا قط بهما ~~بوصفهما جزأين رسميين من الشعائر الدينية، ونظرا إلى أن مجمع ~~ترنتينو # Trent ~~(1545-1563م) قد ~~اعترض على قيمتهما في الشعائر، وعلى ما فيهما من تحرر شعري، فقد ~~أصدر البابا بيوس الخامس أمرا يحظر فيه استخدام كل «السيكونسات» ~~ما عدا القليل منها، في الشعائر الرسمية للكنيسة، ويحرم تماما ~~استخدام طريقة «التروبة» في هذه الشعائر. أما «السيكونسات» القليلة ~~التي لم يتناولها قرار الحظر، فما زالت محتفظة بمكانتها في الشعائر ~~الدينية إلى اليوم. # ولقد كان لفلاسفة العصور ~~الوسطى ms071 تأثير كبير في مجرى الموسيقى، سواء أكان هذا التأثير ~~مباشرا أم غير مباشر؛ إذ كان القديس أوغسطين يؤمن بحرارة بأن من ~~الخير حظر الموسيقى الوثنية والأدب الوثني حظرا تاما، حتى لا ~~يؤديا إلى إغراء المسيحيين على قراءة الشعراء الرومان، أو حضور ~~المسارح الرومانية. كذلك كان هناك جانب صوفي في تقديره للموسيقى؛ ~~ذلك لأنه كان يؤمن بالمبادئ الفيثاغورية التي كانت ترد ظاهرة ~~الموسيقى إلى علاقات عددية خاصة، وتحاول تفسيرها من خلال هذه ~~العلاقات، وهكذا رأى أوغسطين أن الله قد خلق الكون بأن جمع كل ~~العناصر بالنسب الصحيحة بدقة، حتى يتم التوازن المنسجم، ~~والتوافق بين كل عنصر وبين جميع العناصر الباقية وفقا للمشيئة ~~الإلهية. ومن ذلك استنتج أنه إذا كان عنصر الإيقاع في الموسيقى ~~نسخة محاكية لأنموذج كوني، فلا بد أن الموسيقى تمثل الحركة ~~الكونية ذاتها على نطاق محدود. ولقد كانت هذه النظرة أفلاطونية، ~~رددها أفلوطين قبل أوغسطين. كذلك مضى بويتيوس بهذه الحجة خطوة ~~أخرى في طريق التأمل الفلسفي؛ إذ جعل من النظرية الأفلاطونية ~~أساسا لتقيم الموسيقى بوجه عام، ولكن مهما كان الفلاسفة نظريين ~~في تقديرهم للموسيقى، فلسنا بحاجة إلى تفكير طويل لكي ندرك مدى ~~تأثير نظرياتهم الميتافيزيقية والأخلاقية في مجرى التطور ~~الموسيقي. # ولم يكن الفلاسفة ~~الكاثوليكيون الذين عاشوا في القرون التالية للألف عام الأولى من ~~المسيحية يقلون عن الفلاسفة السابقين عليهم تزمتا في آرائهم ~~الأفلاطونية في الموسيقى. من الجائز أن مواقفهم الفلسفية كانت في ~~بعض الحالات أقرب إلى النزعة الإنسانية من مواقف السابقين عليهم، ~~غير أن نظرتهم إلى الموسيقى ظلت تماثل نظرة هؤلاء الأخيرين في ~~طابعها الصوفي. وهكذا فإن الاتجاه الإنساني الذي نجده كامنا في ~~فلسفة أبيلار # Abelard ~~، وفي إيمان ~~القديس فرنسيس # St. Francis ~~(الأسيزي) ولاهوت القديس توما الأكويني؛ هذا الاتجاه لا يمتد إلى ~~كتاباتهم في الموسيقى، وطرأ تغيير كبير على الآراء التي كان ~~أبيلار والقديس فرنسيس يقولان بها عن الموسيقى وهما بعد طالبان ~~للعلم، عندما انخرطا في السلك الرسمي للكنيسة؛ ذلك لأنهما عندما ~~أصبحا من رجال الكنيسة، صارا ينظران إلى ms072 المتعة الحسية التي كانت ~~الموسيقى تجلبها لهما في شبابهما على أنها ذات طابع لا ديني؛ إذ إن ~~موسيقى أيامهم الخوالي كانت توحي باللذة أكثر مما توحي بالتوبة، ~~وتهيب بالجسد لا بالروح. # وقد وجد القديس أوغسطين وبويتيوس تشابها بين النظام الموجود في ~~الموسيقى، وبين النظام الأخلاقي الذي يسود جميع أرجاء الكون. وذهب ~~هذان الفيلسوفان، اللذان كان أحدهما مسيحيا والآخر وثنيا، إلى ~~أن الموسيقى المتناسقة تحاكي نظام الكون، ورأى الاثنان معا أن ~~للموسيقى القدرة على رفع مستوى أخلاق الإنسان أو الحط منها. كذلك ~~أيد أوغسطين وبويتيوس النظرية الأفلاطونية القائلة إن الموسيقى ~~نوع من الرياضة يمكنه أن يساعد على تهذيب العقل، وإن الرياضيات ~~بالمثل تبعث نظاما متوافقا في الكون. وقد فسر أتباع بويتيوس ~~هذا الرأي الأفلاطوني بأنه يعني أن الموسيقى علم تسري عليه نفس ~~القوانين الرياضية التي تبعث النظام في الكون، والانسجام بين ~~الأفلاك، وعلى ذلك فمن الواجب ألا تقل صرامة علم الموسيقى عن ~~صرامة القوانين الرياضية التي يسير بمقتضاها الكون. وقد قدر ~~لرأي بويتيوس هذا أن يسيطر على التفكير الجمالي في الموسيقى ~~طوال قرون عديدة تالية. # ولقد عرف عن أبيلار (1079-1142م) في شبابه أنه موسيقي بلغ من ~~البراعة في التأليف والعزف على العود # lute # حدا اشتهر معه شهرة واسعة ~~بأنه الشاعر المغني # Minstrel ~~. ~~والواقع أننا لا نذكر عن أبيلار في العادة سوى أنه رجل كنيسة، ~~وصاحب نزعة إنسانية، وكاتب رومانتيكي في رسائله إلى إلويزا # Heloisa # ومؤلف لأغان باللغة ~~العامية كان طلاب باريس ينشدونها، ولكننا كثيرا ما ننسى أنه ~~لحن أو أعاد توزيع عدد من الأناشيد الدينية للكنيسة، # 17 # وأنه كان ينظر إلى الفلسفة على أنها وسيلة لجعل ~~التعاليم المسيحية معقولة ومفهومة. # كذلك ألف القديس فرنسيس في شبابه، كبقية الشبان المختالين في ~~أيامه، أغاني وأشعارا ، ولكنه عندما تقدم به العمر، وأحس بأن ~~أي عذاب لا يعادل ما عاناه المسيح في حياته، كتب «أنشودة للشمس # Hyman to the Sun ~~» وهو قابع ~~يترقب الموت في زنزانة تغشاها الفيران، ولو كان أي مسيحي أقل منه ~~شأنا ms073 هو الذي كتب أنشودة للشمس لعدت أغنية وثنية، غير أن نزعة ~~القديس فرنسيس في شمول الألوهية (أو وحدة الوجود)، التي تتسع لحب ~~كل مخلوقات الله، كانت في إيمانها وتقواها بمنأى عن كل شك. # ولقد كانت القرون الثمانية التي تفصل بين القديس توما (حوالي ~~1225-1274م) وبين القديس أوغسطين، تمثل البداية والنهاية ~~التقريبية لفلسفة العصور الوسطى. والواقع أن من المستحيل فصل ~~الفلسفة عن اللاهوت في العصور الوسطى؛ إذ إن المفكرين المدرسيين قد ~~استنفدوا طاقاتهم في تشييد مذاهب استدلالية منطقية تؤدي إلى ~~البرهنة بطريقة استنباطية واستقرائية على وجود الله وألوهيته. ~~ولقد اختلف الموقف الفلسفي لكل من أوغسطين وتوما، وهما العملاقان ~~العقليان لهذه الفترة، في المسائل النظرية. أما في الموسيقى فلم ~~يكن هناك اختلاف بين آرائهما. وقد شارك القديس توما رأي أوغسطين ~~القائل إن علم الموسيقى مبني على مبادئ تحددها الرياضيات ~~«وعلى ذلك فكما أن الموسيقى تقبل سلطة المبادئ التي يلقننا ~~إياها علم الحساب، فكذلك يقبل العلم المقدس المبادئ التي يوحي بها الله.» # 18 # وعلى الرغم من أن الفلاسفة الكاثوليك كانوا يعلمون أن «العهد ~~القديم» تضمن وصفا لموسيقى الآلات وللغناء، فقد اتجهوا إلى ~~الربط بين الآلات والطقوس الوثنية واللذات الجسدية، بل إن الفلاسفة ~~الكاثوليك والأشد تمسكا بعقيدتهم قد أضفوا على الآلات الموسيقية ~~دلالة رمزية؛ فقد نظر القديس أوغسطين إلى الطبلة والسنطور ~~( # psaltery ~~) على أنها تذكر المرء ~~بجسد المسيح مشدودا على الصليب «فالجلد يشد على الطبل، والوتر ~~يشد على السنطور، وفي كلتا الحالتين يصلب البدن». # 19 # وهكذا لم يكن في وسع القديس أوغسطين أن ينظر إلى ~~هاتين الآلتين بنفس الروح المرحة التي نظر بها إليهما ~~العبرانيون، والتي تدل عليها هذه الآية في «العهد القديم»: ~~«فليغنوا لله مزمورا بالطبل والسنطور.» # ولقد كان فلاسفة العصور الوسطى المسيحيون الذين تحدثنا عنهم ~~أعضاء في الكنيسة بصفة رسمية أو بأخرى . ولآرائهم في الموسيقى ~~أهمية عظمى بالنسبة إلينا اليوم؛ فآباء الكنيسة قد وضعوا بالفعل ~~معيارا للقيم بالنسبة إلى الموسيقى الدينية كان مبنيا على ~~الفلسفة اليونانية واللاهوت العبراني، وهما التياران اللذان ~~تبلورا ms074 في كتابات القديس أوغسطين. وقد أسهم الفلاسفة المسيحيون ~~في معرفتنا بالموسيقى، بما تركوه لنا من أوصاف وتقديرات لمعنى ~~الموسيقى وطبيعتها في عصرهم. أما فلاسفة الرومان فقد احتفظوا بآراء ~~اليونانيين في صورتها الأصلية، ولم يعدلوا الفلسفات اليونانية ~~في الموسيقى وفقا للحاجات الدينية، كما فعل آباء الكنيسة الأوائل. ~~وقد لخص أرستيدس كونتليانوس # Aristides ~~Quintilianus # الفلسفات الموسيقية التي كانت ~~تعلم في الأكاديمية الأفلاطونية واللوقيوم (الليسيه) الأرسطي، ~~وحاول بويتيوس أن يقوم ب «التوفيق بين آراء أرسطو وأفلاطون إلى ~~حد ما». وقد كان للفلاسفة المسيحيين والرومان معا تأثيرهم في ~~مجرى الفلسفة الجمالية للموسيقى؛ إذ إنهم لخصوا الفلسفات ~~الموسيقية للحضارة الهلينية السابقة عليهم، وقدروا هذه الموسيقى ~~وعدلوها وفقا لحاجات الإنسان الغربي. وسواء قبلنا تقديرهم ~~للموسيقى التي ورثوها من اليونان القديمة وطريقتهم في استخدامها أم ~~رفضناهما، فإن حقيقة الأمر هي أنهم أعطونا مجموعة من المبادئ ~~الجمالية لا تزال الكنيسة والدولة تتخذها أساسا ضروريا للحكم ~~على الموسيقى في أيامنا هذه. # القسم الخامس: الدراما الشعائرية # كانت الدراما الشعائرية مسرحية دينية تولدت عن الفن الموسيقي ~~في العصر الوسيط. وقد بدأت بوصفها وسيلة مبسطة لتفسير الكتب ~~المقدسة لأفراد الكنيسة الأميين، ولكنها تدهورت بمضي الزمن، حتى ~~أصبحت مسرحية ذات طابع ديني مشكوك فيه، وشوهت قداسة الكنيسة ~~التي كانت تعرض فيها. وهناك وجه شبه تاريخي غير واضح المعالم بين ~~أصل الدراما الشعائرية في العصور الوسطى وبين ذلك التفسير ~~الرومانتيكي الذي قدمه الفيلسوف «نيتشه» لنشأة الدراما اليونانية ~~في كتابه «ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى اليونانية»؛ فقد كان ~~نيتشه يرى أن الدراما اليونانية قد نشأت من روح الموسيقى ~~اليونانية، ثم تدهورت في المسرح الروماني إلى استعراضات سطحية ~~تافهة. وبالمثل نشأت الدراما الشعائرية من فن «التروبس» (الفواصل) ~~الموسيقي، ثم تدهورت فأصبحت عروضا تافهة للحياة في عصور ~~الكتاب المقدس وحكاياته. # ولقد كان آباء الكنيسة ينظرون إلى المسرح على أنه لون حسي مبتذل ~~من ألوان الفن. وقد شكا المتحدث الرئيسي باسمهم، وهو القديس ~~أوغسطين، من أن الشبان قد افتتنوا بخرافات هوميروس التي يعرضها ~~عليهم كتاب المسرح من الرومان، ms075 # 20 # وفي الكتاب الثاني من «الاعترافات» قال إن المسيحيين ~~يجدون لذة خاصة عندما يشعرون إزاء المحبين الآثمين والمجرمين ~~الكبار في المسرح بأسف يفوق ذلك الذي يشعرون به إزاء نفوسهم ~~المضطربة والتعساء الموجودين بينهم، # 21 # كذلك ورد ذكر المسرح الوثني والموسيقى الدينية في ~~كتابات ترتوليان # Tertullian ~~(حوالي ~~155 وحوالي 222م)، ذلك المتدين الشديد التمسك بعقيدته، الذي تخلى ~~عن كنيسته الأصلية لينضم إلى طائفة غريبة الأطوار وجدها أكثر ~~تمشيا مع المسيحية الزاهدة؛ فقد وصف ترتوليان المسرح الروماني ~~بأنه معبد وثني يأوي شيطاني الثمالة والشهوة، باخوس وفينوس، ~~وأرجع أصل المسرح إلى المعبد الوثني والمذبح الذي كان الوثنيون ~~يحرقون البخور فوقه، وسط أنغام المزمار والأبواق الصارخة، ~~ويقدمون القرابين إلى آلهتهم الحقارى. # 22 # وقال إن العروض المسرحية التي ترجع إلى أصل كهذا لا ~~يمكن أن تعد جديرة، من الوجهة الأخلاقية، بالموسيقى المسيحية ~~الصالحة التي كان المؤمنون يغنونها فيما بينهم؛ فالمزامير # psalms # والأناشيد الدينية تزيد ~~الإنسان قربا من الله. أما المسرح الوثني فيهبط بالإنسان إلى ~~الشيطان. # غير أن الكنيسة كانت تتميز بالقدرة الفائقة على قهر العقبات التي ~~تحول دون تقدمها الديني وطموحها السياسي. وكانت بارعة إلى أبعد ~~حد في رفع التناقضات الفلسفية حتى تبعث الانسجام في لاهوتها، ~~وأظهرت مقدرة مماثلة في الطرق التي اتبعتها من أجل ضم ~~الوثنيين إلى صفوفها؛ فهي قد اقتبست الموسيقى الوثنية في ~~البداية، كلما كان ذلك ضروريا ومفيدا، واستخدمت ألحانها ~~لأغراضها الخاصة. وبعد انقضاء عدة قرون بدأت الكنيسة تنظر بعين ~~الرضا على القيمة التعليمية للتصوير الرمزي. ولم يتبق من بين ~~الفنون الأصلية سوى المسرح الذي لم يكن قد انضم بعد إلى الثالوث ~~الفني، وقد تحقق ذلك بفضل الدراما الشعائرية. # ولقد كانت للدراما الشعائرية ثلاثة عناصر، هي الدين والموسيقى ~~والنص الكلامي؛ ففي البداية كانت هذه الدراما مجرد محاورة درامية ~~تطورت عن «التروبس» (الفواصل) التي أقحمت في الشعائر لشرح ~~الأجزاء التي تغنى في القداس لجمهور المصلين. وقد ظلت الشعائر ~~الدينية تؤدى باللغة التقليدية، وهي اللاتينية، على الرغم من ~~سيادة الجهل في ذلك العصر الذي ms076 كان يحول بين المسيحي العادي وبين ~~معرفة اللغة اللاتينية الكلاسيكية. وترتب على ذلك أن عددا ~~قليلا جدا من رواد الكنائس هم الذين كانوا يفهمون الشعائر. ~~وبظهور «التروبس» (الفواصل) استطاع هؤلاء على الأقل أن يتتبعوا ~~المعاني الأدبية الرئيسية للقداس. وقد حدث هذا التحول الثوري ~~بإدخال شروح تروي باللغة الشعبية مغزى الصلاة. وكان معنى ذلك أن ~~فهم القداس لم يعد مقتصرا على الأقلية المتعلمة، بل إن المسيحي ~~العادي يستطيع أن يستمتع بفهم «التروبس» (الفواصل) المشروحة من ~~الصلاة، وبلغ من شعبية هذه «التروبس» (الفواصل) أن مؤلفيها لم ~~يكتفوا بأن تكون مجرد محاورة، وإنما أضافوا العنصر الثالث، وهو ~~الإيقاع والنظم المقفى. # ولقد كانت «التروبس» (الفواصل) تؤدى في الأصل بصورة تجاوبية؛ ~~فكان أحد أعضاء الإكليروس يرتل، أو يقرأ فقرة من الإنجيل، أو من ~~إحدى الرسائل الدينية باللاتينية، فيرد عليه قسيسان أو ثلاثة ~~بغناء شرح أو تلخيص باللغة المحلية للفقرة التي قرئت. وبعد أن ~~أضيف الإيقاع والنظم إلى هذا الحوار، ظهر شكل جديد من أشكال ~~الدراما، كانت له إمكانات درامية أوسع كرواية القصص الديني المبني ~~على المعجزات وأسرار العقيدة المسيحية وحياة القديسين ومناقبهم. ~~وكانت الخطوة التالية في تطور الدراما الشعائرية هي إدخال ~~المناظر؛ لكي تبدو الأحداث أكثر واقعية. # وقد اتسع بالتدريج نطاق الأحداث في الدراما الشعائرية حتى ~~استنفد الإمكانات المحدودة لهيئة القساوسة، ولم يعد هناك مفر من ~~الاستعانة بجمهرة المتدينين والطلاب الجامعيين لكي يؤدوا أدوارا ~~محددة في هذه الدراما، وعندئذ بدأ استخدام اللاتينية في هذه ~~المسرحيات الدينية يتضاءل؛ لأن كثيرا من الممثلين الذين ينتمون ~~إلى الطبقة العلمانية (أي الخارجين عن نطاق رجال الدين الرسميين) ~~لم يكونوا يتكلمون هذه اللغة أو يفهمونها، وبالإضافة إلى هذه ~~الصعوبة، فإن الممثلين العلمانيين، وكذلك القساوسة ذاتهم وصبية ~~المجموعات الغنائية المشتركين في الدراما، بدءوا يرتجلون الأجزاء ~~الخاصة بهم، ويقحمون كلمات ونغمات «دارجة»، بحيث إن سلطات ~~كنسية متعددة أفتت بأن الممثلين العلمانيين مسئولون عن انحلال هذه ~~المسرحيات المقدسة، وينبغي منعهم من الاشتراك في الدراما ~~الشعائرية، التي بدأت في الأصل بوصفها تروبس (فواصل) في ms077 الأديرة، ~~ثم أصبحت عاملا يساعد على شرح الصلاة في كنيسة الأبروشية، قد ~~أصبحت الآن عاملا من عوامل تشجيع صبية الممثلين في هذه ~~المسرحيات على إدخال الموسيقى الدنيوية في بيت العبادة، وعزف هذه ~~الموسيقى البعيدة عن القداسة أمام المذبح ذاته. وهكذا فإن أقطاب ~~الكنيسة لو كانوا في حاجة إلى ما يذكرهم بألا يخففوا من وطأة ~~رقابتهم على الموسيقى والأخلاق، فإنهم كانوا يجدون المبرر الكافي ~~لسياستهم كلما شاهدوا الممثلين العلمانيين يقتحمون ميدان الدراما ~~الشعائرية. # ولقد ظهرت الدراما الشعائرية في حوالي القرن العاشر، عندما بدأ ~~القساوسة يمثلون لأهل أبروشياتهم في الكنائس مسرحيات مسيحية ~~جعلوها جزءا هاما من الطقوس الدينية، وكان التمثيل في البداية ~~باللغة اللاتينية، ثم أصبحت اللغات المحلية تستخدم بدورها في ~~القرن الحادي عشر، وبمضي الزمن تحولت هذه المسرحيات الدينية ~~إلى أعمال ضخمة معقدة، وتزايد عدد مشاهديها، واتسع نطاق هذه ~~المسرحيات، وازدادت شعبيتها، إلى حد أنها أصبحت تمثل خارج ~~الكنيسة فضلا عن داخلها، وأصبحت تؤدى ب ~~«اللغة الدارجة». # وبمضي الوقت أخذ النظارة يحضرون لمشاهدة هذه المسرحيات ~~الشعائرية بقصد التسلية، أكثر مما يحضرون بقصد التزود من ~~التعاليم المسيحية، وأصبحوا يتوقعون من الممثلين أن يقدموا ~~إليهم عرضا ترويجيا. وازداد العنصر الهزلي في الدراما ~~الشعائرية، كما ازدادت المسرحيات «دنيوية»، وبتدهور نص الدراما ~~الشعائرية تدهورت الموسيقى بدورها. وهكذا فإن ما كان يتخذ في ~~البداية مظهر أسلوب لتعليم العقيدة المسيحية باستخدام «تروبس» ~~(فواصل) موسيقية، قد انحط حتى أصبح مسرحية مصحوبة بالموسيقى، ~~تهتم بمبدأ أكثر مما تهتم بالإرشاد الديني. # القسم السادس: الموسيقي الجوال # تبددت في مطلع القرن الحادي عشر مخاوف كان مبعثها خرافة ~~سائدة في الأزمنة الوسيطة، هي أن نهاية العالم وشيكة الوقوع ~~تمهيدا لعودة المسيح في سنة ألف، فعندما لم تتحقق هذه الظاهرة، ~~بدأ الناس مرة أخرى يبنون ويبدعون ويضعون الخطط للمستقبل؛ إذ إن ~~العالم باق على أية حال، والله قد استجاب لصلوات المسيحيين ~~وتراتيلهم الدينية ، وشاءت رحمته أن يؤجل يوم الحساب. وعندئذ ~~أشارت الكنيسة إلى أن على الشباب أن يتمسكوا بإيمانهم، ~~وبالموسيقى المقدسة عند أسلافهم، حتى ms078 يرضى الرب الواسع الرحمات ~~الذي يرعى المسيحية عن أغانيهم، ويستجيب لصلواتهم، مثلما رضي عن ~~الموسيقى الدينية لآبائهم، واستجاب لدعواتهم. # ولم تكن فترة تقديم الشكر هذه على دوام حياة البشر قد انتهت ~~بعد، في مطلع القرن الحادي عشر، عندما بدأ الطلاب وصغار رجال ~~الدين يهاجرون من مدينة جامعية إلى أخرى. وظلوا يجوبون أرجاء ~~أوروبا حتى أوائل القرن الثالث عشر، وذلك على الأرجح بوصفهم ~~لاهوتيين ناشئين باحثين عن المعرفة والحقيقة، ولكنهم قبل انصرافهم ~~التام إلى الزهد، أو ارتدائهم ثياب الكهنوت، كانوا يشعرون بالرغبة ~~في الشرب من كأس المتع الدنيوية حتى الثمالة، مما كان يؤدي بالبعض ~~إلى التعجيل بالاعتراف الكامل بذنوبهم، وبالعض الآخر إلى التحول ~~عن الكنيسة تحولا نهائيا. وسرعان ما تدهور هؤلاء الطلاب ~~الرحل إلى طائفة من الجوالين أو الصعاليك، ويعرف هؤلاء عادة ~~باسم «المطربين # goliards ~~»، وقد ظهر ~~نشاطهم وتأثيرهم أوضح ما يكون في ألمانيا، وبدرجة أقل في فرنسا ~~وإنجلترا. وفي الأوقات التي لم يكن فيها هؤلاء مشغولين بالسكر أو ~~الاحتيال على الفلاحين السذج، كانوا يؤلفون عددا لا حصر له من ~~الأغاني الساخرة التي تقلد النصوص المقدسة، أو يستخدمون ألحانا ~~شعائرية مع نصوص بذيئة ترمي إلى السخرية من الدين والأخلاق، وفي ~~خلال تجوالهم في أرجاء كثيرة من أوروبا، متنقلين من جامعة إلى ~~أخرى، كان هؤلاء الطلاب الرحل والمتطلعون إلى سلك الكهنوت ~~يؤلفون الموسيقى ويعزفونها، والأهم من ذلك أنهم كانوا يتبادلون ~~الأفكار. وعندما كان معين الخلق عندهم ينضب، لم يكونوا يجدون ~~غضاضة في اقتباس الألحان الرئيسية من الأناشيد والتراتيل ~~والقداسات الدينية مباشرة. هكذا أصبحت الألحان والكلمات ~~المقدسة معرضة للسخرية، وللتفسيرات المستخفة، وأصبحت ~~الموسيقى الدينية بأسرها ضحية للمجون، ومحاكاة هؤلاء الطلاب لها ~~بطريقة خارجة عن الدين. وكلما ازداد هؤلاء الطلاب انحلالا من حيث ~~هم فئة، ازدادت كلمات أغانيهم المعدلة وضاعة، وازدادت ألحانهم ~~المؤلفة والمقتبسة سخرية. ولما كانت الكنيسة غاضبة على ~~سخريتهم ومرتابة في إخلاصهم الديني، فقد أبت عليهم الدخول في ~~مناطقها المحرمة. # ولقد قامت الفئة المسماة بالشعراء الجوالين الفرنسيين # 23 # French jongleurs # بدور أكبر ms079 من ذلك الذي قامت به الفئة السابقة ذاتها، في الإبقاء ~~على جذوة الفن الموسيقي مشتعلة في العصور الوسطى. وكان بعض هؤلاء ~~الشعراء الموسيقيين المتجولين صعاليك لم يتلقوا تعليما ~~منظما، يكسبون قوت يومهم بخفة اليد وزلاقة اللسان، فتراهم على ~~استعداد لإحياء عرس ريفي بموسيقاهم، أو أداء حركات بهلوانية ~~في مولد صاخب تماما، كما هم على استعداد لتمثيل الأدوار الرئيسية ~~في المسرحيات الدينية. وكانت رحلاتهم تحملهم من إقليم إلى آخر، ~~حيث كانوا يرفهون عن الناس بالدعابات والأحاديث والأغاني. ولقد ~~كان هذا المغني الجوال بالنسبة إلى عامة الشعب بمثابة الجريدة ~~اليومية والمسرح ومنشد الأغاني، # 24 # وكان الضحك يسير في ركابه حيثما حل، ولكنه كان أحيانا ~~يأتي معه بأنغام حزينة. وكان الناس يحبونه لبذاءته وخفة روحه ~~وموسيقاه، ولكنهم كانوا مع ذلك يخافون لسحره الطاغي، ولتلك «القوى ~~الخارقة للطبيعة» التي كان يستطيع أن يخلبهم بها. # ولقد كانت توجد من الشعراء الجوالين أيضا فئة مثقفة، كانوا ~~في بعض الأحيان من أسر عريقة، وهؤلاء كانوا يجدون لهم طريقا إلى ~~قصور الإقطاع وبلاط الأمراء بوصفهم مغنين وشعراء ورواة للأقاصيص ~~الكلاسيكية القديمة. وكان مثل هؤلاء الشعراء يظلون في القصور ~~كأفراد دائمين، أو يتنقلون بين باحات القصور منشدين أغانيهم ~~وراوين أشعارهم لجمهور من المستمعين يقدرهم على الدوام، وكان ~~أصحاب المناصب الدينية الكبيرة، والنبلاء، وكبار أعيان المدن، ~~يحتفلون بضيوفهم هؤلاء، ويقيمون الحفلات الباذخة للاستمتاع بموسيقى ~~وأشعار تلك الشخصية الفذة، شخصية الشاعر الجوال. # ولقد كان أصل هؤلاء الشعراء ~~الجوالين ( # jongleurs ~~) غامضا، ~~وإن يكونوا قد أثبتوا وجودهم بوضوح في القارة الأوروبية في القرن ~~التاسع. ومن الجائز أن يكون أصلهم راجعا إلى المهرج اللاتيني ~~( # Latin mime ~~) الذي كان بدوره ~~جوالا، وكثيرا ما كان يسير في أعقاب الجحافل الرومانية ~~ليرفه عن جنود قيصر وعن الشعوب المهزومة التي كانت ترغم على ~~الدخول في حومة الإمبراطورية. وقد سار الشاعر الجوال في العصور ~~الوسطى في أعقاب الصليبيين، لا لأنه كان متحمسا دينيا لطرد ~~المسلمين من الأراضي المقدسة، بل لأنه كان ينتفع، كالمهرج ~~اللاتيني، من أية حملة مغامرة تتيح ms080 له إيجاد متنفس لروحه غير ~~المستقرة، وفرصة لبيع بضاعته الموسيقية. ولقد كان الشاعر الجوال ~~كالمهرج شخصية هزلية متجولة تجنبها مؤرخو الأدب الكاثوليكي ~~وتجاهلوها. وكانت الكنيسة تعدهم أشخاصا مغضوبا عليهم بوجه ~~خاص؛ لأنهم أقرب الناس تمثيلا للحضارة الوثنية، ولأنه كان في ~~وسعهم أن ينفثوا «سحرهم المسموم» في الأخلاق المسيحية عن طريق ~~الغناء. # ولم يكن دور الشعراء ~~الجوالين في العصور المظلمة متسقا تماما أو واضحا؛ فقد كانوا ~~شعراء وموسيقيين أصليين إلى حد بعيد. وعلى الرغم من أن الكنيسة ~~كانت تنبذهم رسميا، فإنه لم يكن من المستغرب أن تجد مغنيا ~~بارزا منهم ضمن أفراد بيت واحد من أقطاب رجال الدين، بل إن ~~الأديرة ذاتها كانت تستضيف الشاعر الجوال أحيانا؛ ليحيي لها ~~حفلات خاصة. ومن الواضح أن رجال الكنيسة لم يكونوا في حياتهم ~~الخاصة يلتزمون دائما مختلف الأوامر والمراسم التي أصدرتها مجامع ~~دينية متعددة ضد الشعراء الجوالين. أما رجل الشارع، فكان من ~~جانبه يستمتع بدعابات هؤلاء الشعراء في الحفلات الدينية، ويعجب ~~لبراعتهم في إضفاء الحيوية على الاحتفالات التي تقام تكريما ~~لقديس ما. ومع ذلك يعتقد بسذاجة أن هذا الشاعر ذاته يحمل خميرة ~~الشيطان وإباحيته. # ولما كانت الكنيسة تدرج هؤلاء الشعراء المغنين ضمن فئة ~~السحرة والآثمين، فقد عدتهم خطرا على سلطة الدين، وكانت أحيانا ~~تأبى عليهم طقوس التناول والأسرار القدسية. ولقد كانت الكنيسة تنظر ~~إلى هؤلاء الشعراء، فيما بين القرن الحادي عشر والقرن الثالث عشر، ~~على نفس النحو الذي كان آباء الكنيسة الأوائل ينظرون به إلى ~~المهرجين اللاتينيين؛ أي بوصفهم خطرا داهما على الأخلاق ~~المسيحية. والمهم في الأمر أنه مثلما كان المهرجون هم حفظة ~~الموسيقى والشعر الدنيويين في أيامهم، فكذلك عمل الشاعر ~~الموسيقار المتجول على إبقاء جذوة الموسيقى والشعر، وربما الأدب ~~- في أنواعها شبه الدينية أو اللاتينية - مشتعلة خلال الجزء ~~المتأخر من العصور الوسطى. # ولكن كيف كان هؤلاء الموسيقيون يتعلمون فنهم؟ المفروض أنه كانت ~~هناك مدارس يتعلم فيها الناشئون منهم فنون العزف والغناء. وكان ~~هؤلاء الموسيقيون الشعراء يجتمعون بانتظام في موسم الصوم، وهو ~~الوقت الذي ms081 يمنعون فيه من ممارسة فنونهم أمام الجمهور. وكانت هذه ~~الاجتماعات تتيح لهم فرصة مناقشة المشاكل المشتركة، وتبادل ~~أشعارهم وأغانيهم بعضهم مع بعض. # ولقد كان معظم الفرسان النبلاء من فئة «التروبادور # troubadours ~~» يضمون واحدا من ~~الشعراء الجوالين إلى بطانتهم، # 25 # وكانت مهمة الشاعر الجوال هي تنظيم موسيقى الفارس ~~الذي يعمل في خدمته، وزيادة حصيلته من الأغاني بألحان أو أشعار ~~جديدة، بل تزويده بالموسيقى المعزوفة أيضا. ولم يكن الشاعر ~~الجوال في واقع الأمر يصاحب الفارس عند غنائه، وإنما كان على ~~الأرجح يعزف بقوسه على آلة وترية، ربما كانت الفييلا ~~( # vielle # وهي من أسلاف الفيولينة ~~الحالية) فيعزف مقدمات ولازمات # interludes # وختامات # postludes # 26 # كذلك كان يطلب إلى هؤلاء الموسيقيين الجوالين ~~إنشاد الأغاني الجديدة التي ألفها أسيادهم كلما استدعت الظروف ~~ذلك. وكان المطلوب من الموسيقي الشاعر أيضا أن يعوض نواحي النقص ~~في فن سيده؛ فالتروبادور الفارس الذي يؤلف أشعارا رقيقة، ولكنه ~~يضع ألحانا ضعيفة كان يستعين بخدمات موسيقى شاعر بارع في ~~التلحين، والعكس بالعكس. أما التروبادور الذي يستطيع تأليف الشعر ~~والموسيقى معا، والذي يستطيع الغناء والعزف في آن واحد، فإنه ~~يكون أقل اعتمادا على الشعراء المتجولين. ولقد كان هناك قانون ~~أخلاقي صارم ينزل بمقتضاه أرفع فرسان التروبادور إلى مرتبة الشاعر ~~المتجول إذا جعل فنه تجاريا أو اتخذه وسيلة لكسب العيش. ومن ~~جهة أخرى كان في وسع الشاعر المتجول، إذا كانت مواهبه خارقة ~~للمألوف، كما في حالة كولان موزيه # Colin ~~Muset # أن يرقى إلى مرتبة التروبادور. # ولقد أطلق البعض على هؤلاء الشعراء الجوالين اسم «البوهيميين ~~الأصالى» في عالم الفن بالعصور الوسطى. وبالفعل كانت هذه الفئة، ~~خلال الجزء الأكبر من تاريخها، تتألف من جماعة غير منظمة من ~~الأفراد ذوي المواهب المتنوعة. وكان هناك تمييز اجتماعي بين ~~الشاعر المتجول الأمي وبين زميله الأكثر ثقافة، الذي كان في ~~كثير من الأحيان يغشى أوساط البلاط، أو يعيش في قصر نبيل من ~~النبلاء؛ حيث يكون له في أحسن الأحوال مركز الخادم المميز. وكان ~~هندامه العجيب ، ومظهره «الكوسموبوليتاني» يتيح له الاندماج ms082 بأرقى ~~الأوساط الاجتماعية وأدناها. وبحلول أواخر القرن الثالث عشر أو ~~أوائل القرن الرابع عشر، أصبح لهؤلاء الشعراء الجوالين مركز ~~اجتماعي معترف به. وفي حوالي هذا الوقت أصبح الاسم الشائع الذي ~~يطلق على كل الشعراء الجوالين هو «منستريل # minstre ~~». # ولقد كان موطن التروبادور هو جنوب فرنسا، ولكن أشعاره وأغانيه ~~انتقلت في النصف الثاني من القرن الثاني عشر من المقاطعات ~~الجنوبية إلى الشمالية. وكان من أسباب ذلك الحملة الصليبية في عام ~~1147م، التي جمعت بين فئات من الحجاج ينتمون إلى شمال فرنسا ~~وجنوبها، كما كان من أسبابه الزيجات الملكية التي جمعت بين أسر ~~من المنطقتين معا. وقد اتخذ شاعر التروبادور في الشمال اسم ~~التروفير # trouvere # تمييزا له من ~~زميله في الجنوب. # وقد وضعت ألحان متعددة لبعض أشعار التروبادور و«التروفير» ~~المتعلقة بالحب والدين والسياسة، ولكنهم لم يكونوا يبيحون استخدام ~~اللحن الواحد لأي نصين مختلفين. ولقد كانوا يقبلون أي تغيير ~~طفيف يطرأ على اللحن الأصلي، فيعدونه شيئا جديدا، أما تكرار نفس ~~اللحن فإنه يشوه سمعة المغني والأغنية. ولقد كان صاحب أعظم ~~موهبة موسيقية بين أفراد «التروفير» المعروفين هو «آدم دلاهال # Adam de la Halle ~~»، والذي ألف ~~موسيقى «روبان وماريون # Robin et ~~Marion ~~»، وهي أقدم مسرحية نعرفها عن المجتمع ~~الفرنسي في العصور الوسطى، تتناول موضوعا دنيويا ~~ملحنا. # وكانت البساطة هي أساس النظرة الجمالية للتروبادور إلى الموسيقى؛ ~~فقد كانوا يبدون اهتماما متساويا بالنص الشعري واللحن الموسيقي. ~~وكان التروبادور ينظر إلى شعره وغنائه على أنهما شكل واحد من ~~أشكال الفن، ولم يكن يفرق في العادة بين أحدهما وبين الآخر، وقد ~~لخص دانتي فلسفتهم في «الكوميديا الإلهية» بتلك الحكمة الموجزة ~~التي قالها على لسان التروبادور «فولكير دي مارسي (من مدينة ~~مرسيليا) # Folquert de Marseilles ~~» ~~«شعر بلا موسيقى كطاحون بلا ماء.» # وبعد فترة ما من الغزو النورماندي عام 1066م حمل التروبادور ~~و«المنستريل» فنهم معهم عبر بحر المانش إلى إنجلترا. وكانت ~~إليانور أميرة أكويتانيا # Eleanor d’ ~~Aquitaine # قد أدخلت في البداية فن التروبادور إلى ~~شمال فرنسا عندما تزوجت من لويس ms083 السابع وقت أن كان أميرا. ~~ولقد كانت إليانور مشغوفة بالموسيقى ، حتى إن شعراء التروبادور في ~~أكويتانيا كانوا يعدونها ملهمتهم وراعية أغانيهم. وعندما نزلت ~~شمال فرنسا بعد زواجها أتت معها بالتروبادور المشهور «برنار دي ~~فنتادورن # Bernard de Ventadorn ~~»؛ ~~لكي يدخل موسيقى المقاطعات الجنوبية إلى الشمال. # 27 # وفي عام 1152م أبطل زواجها بلويس السابع، فتزوجت ~~من بعده ب «هنري دانجو # Henri d’ ~~Anjou ~~»، وهو أول فرد من أسرة الأنجفينيين يتولى ~~الحكم في إنجلترا. ويقال إنها ضمت إلى بلاطها «برناردي ~~فنتادورن» مرة أخرى؛ لكي يدخل فن التروبادور إلى إنجلترا. ولقد ~~بلغ من تأثير حياة البلاط النورماندي على الأنجليين # Anglicans # أن اللغة الفرنسية ~~أصبحت لغة الدولة الرسمية، وأصبح الأدب والموسيقى الفرنسيان موضع ~~إعجاب المثقفين والنبلاء. # وقد امتد تأثير الفن الفرنسي في اتجاه آخر، هو ألمانيا. وفي هذه ~~الحالة بدورها أدى شغف امرأة بالموسيقى إلى التأثير في الحياة ~~الثقافية لأمة بأسرها؛ فعندما تزوجت «بياتريس دي بورجونيا # Beatrice de Bourgogne ~~» من فردريك ~~بربروسا أحضرت معها «التروفير» «جويودي بروفان # Guiot de Provintes ~~» إلى ألمانيا. ~~وبفضل جهودهما المشتركة اصطبغ الفن والفكر الألمانيان بصبغة ~~الموسيقى والأدب الفرنسيين. وكان الجوالون الصعاليك # vagantes # قد طبعوا الشعب ~~الألماني بطابعهم الخاص في الموسيقى. وأدى إدخال الأفكار الفنية ~~الفرنسية، ممتزجة بشعر المغنين الجوالين وأغانيهم، إلى خلق ~~تراث موسيقي حافل مهد الطريق لظهور فئة أخرى من الشعراء ~~والموسيقيين الجوالين، هي «المينيزنجر # Minnesinger ~~»، وكانت موسيقى ~~«المينيزنجر» الألمان وشعرهم، شأنها شأن موسيقى «التروفير» ~~الفرنسيين وشعرهم، تدور حول الحب والدين والسياسة ~~والمغامرات. # ولقد أصبح «المينيزنجر»، بفضل أغانيه وأشعاره، نبي الألمان. ~~وكان الجو السياسي يموج بشيء فسره الخيال المرهف ل ~~«المينيزنجر» بأنه تغير وشيك الوقوع، ولا جدال في أنه كان يلقى ~~في ذلك تأييدا من أسرة «هوهنشتاوفن # Hohenstaufen ~~» المالكة؛ فقد تشكك ~~المينيزنجر في قداسة البابوية وفي سلطاتها الاجتماعية. وكان ذلك ~~كفيلا بإحداث صدع تام في بناء المسيحية في ألمانيا لولا أن ~~البابا «أنوتشنتي الثالث» رد للكنيسة السلطة التي كانت لها في ~~البداية، وأصبح مسيطرا على الموقف السياسي، غير أن ms084 الفنان كان قد ~~أشعل شرارة الخيال الثائر بين العناصر المفكرة في جميع أرجاء ~~ألمانيا والنمسا؛ ولذلك فعلى الرغم من أن سلطة البابا قد عادت إلى ~~السيطرة على الولايات الألمانية، فإن عجلة التغير لم تكد تتوقف ~~حتى ظهر فنان آخر، أشد تعصبا وتحمسا من أفلاطون، انشق نهائيا ~~على روما. # كان المينيزنجر «فالتر فون در فوجلفيده # Walther ~~von der Vogelweide ~~» من أسرة عريقة، بحيث إن ~~مركزه في بلاط «الهوهنشتاوفن» الحافل بالمؤامرات والدسائس، لم يكن ~~مهددا من الوجهة الاجتماعية، أو متوقفا على عبقريته من حيث هو ~~شاعر غنائي وموسيقار. وقد وصف بأنه شاعر موسيقار من طبقة ~~الفرسان، ومن المعتقد أنه كان يجوب أرجاء الولايات الألمانية ~~متنكرا في ثوب موسيقي جوال ~~( # minstrel ~~). وكان فالتر مفكرا ~~رومانسيا مثلما كان شاعرا وموسيقيا ساخرا، كرس فنه لخدمة ~~الحركة المعادية للبابا، التي كان فردريك الأول قد أعطاها الدفعة ~~الأولى. وقد أخذ الشعراء والموسيقيون الألمان على عاتقهم فصل ~~الإمبراطورية الألمانية عن روما، وأطلقوا على البابا اسم «المسيح ~~الدجال». وهكذا أجريت تفرقة نظرية بين المسيحية وبين حكم البابا ~~لأول مرة بعد ألف ومائتي عام. وأصبح فالتر هو النصير القوي ~~والمرشد الروحي للفنانين. غير أن فردريك مني بهزيمة عسكرية، ~~ولكي يستعيد ما يمكن استعادته من نفوذه، سار حافي القدمين على ~~الجليد، وركع خاضعا تائبا أمام البابا «ألكسندر الثالث»، وعادت ~~لروما السيطرة مرة أخرى. وقد شهد «فالتر فون در فوجلفيده» هذا ~~التحول المؤسف لمجرى الأحداث، وكان كل ما يستطيع أن يفعله هو ~~أن يقف عن بعد، ويرقب البابا التالي «أنوتشنتي الثالث»، وهو ~~يمهد الطريق لانهيار الإمبراطورية الألمانية. # لقد كان شعراء التروبادور يتخطون الحواجز الجغرافية، وينشرون ~~نوعا جديدا من الفن متحررا تماما من رقابة الكنيسة وسلطانها في ~~جميع البلدان المحيطة بفرنسا. ومع ذلك فإن شعر التروبادور ~~وموسيقاهم كان فنا أرستقراطيا لا يشارك فيه بالضرورة جميع ~~الفرنسيين أو أفراد الطبقات الدنيا في مختلف أرجاء أوروبا. وكانت ~~موسيقاهم تنطوي على نغمة أساسية متكررة، هي النزاع الاجتماعي ~~الذي يرجع إلى صراع مرير على السيطرة بين البابا ms085 والملك. وقد ~~استعان التروبادور بالألحان الشعبية، وعلى الرغم من أنهم عدلوها ~~بحيث تلائم أغراضهم، فإنهم ساعدوا على حفظها ونشرها. أما الكنيسة ~~فقد سلكت طوال القرون مسلكا مخالفا، فحرمت الألحان الشعبية ~~وتجاهلتها، فكانت النتيجة أن هذه الألحان لم تسجل، وليس هناك ~~من سبيل إلى معرفة عدد ما فقد منها. ولو كانت هذه الألحان قد ~~دونت بنفس العناية التي دونت بها الموسيقى الكنسية، لازدادت ~~معرفتنا بموسيقى العصور الوسطى ثراء إلى حد بعيد، ولكن الكنيسة ~~كانت تنظر إلى الموسيقى الشعبية على أنها سوقية لا تستحق ~~التسجيل. # والواقع أن ما تبقى لنا من الإنتاج الموسيقي لمختلف فئات ~~الشعراء الجوالين، وهم «التروبادور» و«المينيزنجر» و«الجونجلور» ~~(الأدباتية) # jonglieur # و«الجوليار ~~(المغزلكون) # goliards ~~» قليل ~~للغاية، وأغلب الظن أنهم لم يكونوا يتجشمون عناء تدوين موسيقاهم. ~~ولقد كانت ألحانهم متكررة، ولما كان حفظها سهلا، فالأرجح أن ~~منشدي العصور الوسطى لم يهتموا دائما بتدوينها، ومن الجائز أنهم ~~لم يعرفوا وسيلة التدوين. ولعل ذلك هو السبب في أن ما لدينا من ~~أشعارهم الفعلية أكثر مما لدينا من موسيقاهم ذاتها. وقد أعيدت ~~كتابة بعض الألحان الرئيسية لهؤلاء الموسيقيين الوسيطيين بطرق ~~التدوين الحديثة. وعلى الرغم من جسارة هذه المحاولة وجرأتها، ~~فإنها عاجزة عن أن توحي إيحاء تاما بالروح الأصلية التي كانت ~~هذه الموسيقى تؤدى بها. # الفصل الثالث # | الفيلسوف والموسيقى في العصر القوطي وعصر النهضة # القسم الأول: الفيلسوف والكنيسة والبوليفونية في العصر ~~الوسيط # كانت الفترة المتأخرة من العصور الوسطى فترة صراع فلسفي هائل ~~بين مختلف مذاهب الفكر في الكنيسة. ولقد رأينا من قبل أن الفترة ~~المتقدمة في العصور الوسطى قد عرفت أفلاطون بوصفه مؤلف محاورة ~~«طيماوس» التي وصف فيها بطريقة أسطورية أصل العالم بروح صوفية ~~مماثلة لروح الفيثاغوريين. كذلك عرفت هذه القرون المتقدمة ذاتها ~~أرسطو بوصفه عالم منطق؛ أي إن الباحثين الغربيين لم يكونوا ~~يعرفون من كتابات أفلاطون وأرسطو في ذلك الحين إلا أقل القليل؛ ومن ~~ثم كانت معرفتهم بهذين الفيلسوفين القديمين مقتصرة على حفنة من ~~الترجمات من اليونانية إلى اللاتينية، ولكن الغرب اللاتيني عرف، ~~في ms086 القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كتابات الفلاسفة العرب ~~واليهود الذين حافظوا على مؤلفات اليونانيين خلال القرون التي ~~كانت فيها المسيحية تكافح التجديف العقلي والفني للوثنيين. أما قبل ~~ذلك فلم يكن الباحثون المسيحيون يعرفون اليونانيين - أعني أفلاطون ~~وأرسطو - إلا كما فسرهم آباء الكنيسة، وهو تفسير كان دائما ~~متعاطفا مع العقيدة المسيحية. كذلك عرف الباحثون المسيحيون ~~الفلسفات الموسيقية القديمة كما فسرت وأدمجت في كتابات ~~أوغسطين وبويتيوس. # وقد ترجمت مؤلفات الفيلسوف العربي «الفارابي» (المتوفى ~~950م) إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر. وساعد العرض الذي ~~قدمه الفارابي لفلسفة أرسطو على تعريف العالم المسيحي بالمذهب ~~المشائي في التفكير، وهو المذهب الذي كان ينطوي ضمنا على ~~الفلسفة الجمالية للموسيقى اليونانية. كذلك دعا «أبيلار # Abelard ~~» في القرن الثاني عشر إلى ~~مزيد من الروح الإنسانية في المسيحية، ووازن بين الدور الذي ينبغي ~~أن يلعبه كل من الإيمان والعقل في الحياة الدينية. وفي القرن ~~الثالث عشر انحاز مفكر أقرب إلى النزعة التجريبية، هو روجر بيكن # Roger Bacon ~~، إلى جانب العلم ~~الأرسططالي ضد الأسطورة الأفلاطونية. وفي القرن نفسه تولت فلسفة ~~توما الأكويني # Thomas Aquinas # مهمة ~~الجمع بين أفلاطون وأرسطو، والإيمان والعقل، والأسطورة والعلم، ~~والتوفيق بين هؤلاء جميعا وبين المسيحية. # وكان أرسطو قد سخر من قبول أفلاطون لنظرية الفيثاغوريين في ~~انسجام الأفلاك، غير أن مفكري العصور الوسطى لم يكونوا على ~~استعداد للتخلي عن هذه العلاقة المثيرة للخيال، بين الموسيقى وبين ~~مجموعات الأفلاك الصداحة، وكذلك كان موقف خلفائهم طوال السبعمائة ~~عام التالية. ولقد كان الدور الذي أسهم به الفيلسوف في تاريخ ~~الموسيقى من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر هو دور المدافع ~~النظري عن اسمي أفلاطون وبويتيوس الموقرين. ومن الجائز أن ~~المثقفين المسيحيين قد انقسموا على أنفسهم، في مجال اللاهوت، بين ~~المثالية الأفلاطونية والنزعة الطبيعية الأرسططالية، ولكن لما كان ~~أرسطو قد أخذ بآراء أفلاطون في الموسيقى، ورددها مع تعديلات ~~طفيفة، فإن هذه الحقيقة قد أدت بأصحاب النزعة الإنسانية في ~~العصور الوسطى إلى إبداء المزيد من الثقة والإيمان بصحة التفكير ~~الجمالي اليوناني ms087 في ميدان القيم الموسيقية، بل إن مفكرا ~~إنسانيا صريحا مثل أبيلار الذي كان الطلاب في باريس يرددون ~~أغانيه الدنيوية التي ألفها في شبابه، قد وافق بوصفه رجل كنيسة، ~~على رأي أوغسطين القائل إن المسيحي الصالح ينبغي عليه ألا يقرأ ~~أشعار الوثنيين، أو يستمع إلى موسيقاهم، كذلك فإن فيلسوفا ~~أرسططاليا مخلصا مثل بيكون # 1 # الذي كانت آراؤه في دور الموسيقى في التعليم تقدمية ~~بلا جدال، وقد أصدر على التجديدات في الموسيقى الدينية أحكاما ~~تشوبها روح التحمس للأفلاطونية. # والواقع إنه لم يتبق لنا الآن إلا القليل من الموسيقى الفعلية ~~للعصور التي تسمى بالعصور المظلمة في العالم الغربي؛ ففي تلك ~~المرحلة من الحضارة المسيحية كما هي الحال بالنسبة إلى الحضارة ~~اليونانية، لا بد لنا من الاعتماد على الدراسات العلمية التي حفظها ~~لنا التاريخ حتى الآن. أما الفترة الممتدة من القرن الثاني عشر إلى ~~القرن الخامس عشر، فإن ما تبقى لنا من موسيقاهم أكثر إلى حد ~~ما، ولكن ما زال على الدارس الحديث للتاريخ أن يرجع في بحثه لأحوال ~~الموسيقى، إلى دراسات الفلاسفة واللاهوتيين في العصر الوسيط، الذين ~~كانوا في واقع الأمر فئة واحدة. # ومن المؤكد أنه لو لم يكن الباحثون الإسلاميون والعبرانيون قد ~~حافظوا على كتابات اليونانيين لتضاءلت معرفتنا بالفلسفة والموسيقى ~~القديمة إلى حد بعيد، ولقد كان المسيحي البيزنطي في الشرق الأدنى ~~أكثر إلماما بفلسفة اليونانيين من المسيحي الغربي، كما أنه كان ~~يعد نفسه شخصا أكثر ثقافة، وأرفع عقلا من نظيره في الغرب. غير ~~أن الفتاوى التي كانت الكنيسة تصدرها عن الموسيقى كان لها ~~تأثيرها في المسيحية بأسرها؛ فالكنيسة كانت تنظر إلى الموسيقى ~~على أنها نوع من الإرشاد الديني، وكما أن هناك عقيدة واحدة لا ~~تتزعزع، يتعين على المسيحية بأسرها أن تؤمن بها، فكذلك كان من ~~الواجب أن تكون موسيقى الكنيسة الكاثوليكية واحدة لا ~~تتغير. # ومن الجائز أن فلسفة اليونانيين لم تزدهر خلال قرون سيادة ~~المسيحية هذه، غير أن تطور الموسيقى كان أسعد حظا دون شك؛ فقد ~~أدخل فن توزيع الأدوار الغنائية المختلفة ms088 في الصلاة الدينية عن ~~طريق ارتجال لحن بسيط يغنى في مقابل إنشاد اللحن الجريجورياني ~~الجاد. ومن هذه البداية المتواضعة صوتين كل منهما في مقابل ~~الآخر نشأ فن البوليفونية، الذي كان بالنسبة إلى التطور التاريخي ~~للموسيقى خطوة لا تقل في أهميتها عن اختراع «جويدو داريتسو» ~~للتدوين الموسيقي. وإذن فالموسيقي في العصر الوسيط قد بدأ بإعطاء ~~الموسيقى نظاما خاصا من علامات الأصوات، كان يشير أساسا إلى ~~اتجاه اللحن. وكان العمل الثاني الذي أنجزه هو إدخال طريقة غناء ~~الأسطر اللحنية المختلفة في الوقت الواحد، ومن الجائز جدا أن هذه ~~الطريقة قد أخذت عن حضارات أخرى، ولكن الموسيقي الكنسي هو الذي ~~نماها، وإن لم يكن ذلك قد حدث في كل الأحوال بطريقة يرضى عنها ~~المدافعون عن العقيدة المتحمسون لها. # والبوليفونية هي موسيقى تكتب، بحيث تجمع بين لحنين أو أكثر ~~يؤديان في وقت واحد بالصوت البشري أو الآلات أو بهما معا. وليس ~~أصل الموسيقى البوليفونية معروفا، ومن هنا كان أقصى ما يستطيع ~~مؤرخونا الموسيقيون أن يفعلوه هو التخمين بالمكان والزمان اللذين ~~ظهرت فيهما هذه الموسيقى لأول مرة في العالم. ونحن نعلم أن ~~الموسيقى اليونانية كانت مونوفونية؛ أي إنها كانت تتألف من سطر ~~لحني واحد يعنى بمصاحبة الموسيقى. ومع ذلك فإن كتابات أفلاطون ~~تتضمن إشارة إلى نوع محدد من الموسيقى، يغني فيه المغني ~~نغمة، ويعزف بالآلة الموسيقية نغمة أخرى. ومن سوء الحظ أن أفلاطون ~~لم يتوسع كثيرا في شرح هذه الطريقة الموسيقية القديمة، كما أننا ~~لا نعرف مؤلفا آخر للفلاسفة اليونانيين تضمن إشارة إلى هذا ~~الغناء المزدوج الأدوار، الذي يوحي بوجود نوع بدائي من ~~البوليفونية. ولقد كان أفلاطون يشير إلى أنغام تعليم الليرا # lyre # عندما نصح المربين بتجنب ~~التعقيد في الأنغام والإيقاعات على النحو الذي كان يشوه الموسيقى ~~اليونانية في جمالها وبساطتها. وفي هذا الصدد قال: «وتبعا لهذا ~~الرأي، ينبغي على المعلم والدارس أن يستخدما أصوات الليرا؛ لأن ~~أنغامه صافية، بحيث يعزف المعلم وتلميذه نغمة مقابل نغمة في ~~اتفاق صوتي # unison ~~، أما التعقيد ~~وتنويع الأنغام، عندما ms089 تعزف الأوتار صوتا ويغني الشاعر أو الملحن ~~صوتا آخر، وكذلك عندما يحدثان توافقات يجمع فيها بين مسافات ~~صغيرة وكبيرة، وبين أنغام بطيئة وسريعة، أو مرتفعة ومنخفضة - أو ~~عندما ينوعون الإيقاعات بطريقة معتقدة، ويلائمون بينها وبين ~~أنغام الليرا - كل هذه أمور لا تلائم أولئك الذين يتعين عليهم أن ~~يكتسبوا معرفة سريعة مفيدة بالموسيقى في ثلاث سنوات؛ ذلك لأن ~~المبادئ المتضاربة تبعث على الحيرة، ويكون من الصعب تعلمها ...» # 2 # وتوجد في كتابات فلاسفة العصر الوسيط فقرة أسلوبها صوفي رفيع، ~~كتبها الفيلسوف الأيرلندي جون سكوتس إريجينا # John ~~Scotus Erigena ~~(800-877م) عن البوليفونية ~~البسيطة، وفيها شبه اللحن المؤلف من أسطر لحنية متعددة ~~بالعناصر المتباينة التي تؤلف عالما منسجما، ومضى في كتابه ~~«تقسيم الطبيعة # divisione naturae ~~» ~~يقول: «إن جمال الكون الكامل المؤلف من أشياء متشابهة وأشياء ~~متباينة، قد صيغ بانسجام رائع من أجناس متعددة، وصور متباينة ~~بتنظيمات مختلفة للجواهر والأغراض، جمعت سويا في وحدة لا ~~سبيل إلى التعبير عنها؛ ذلك لأن اللحن المنظم المؤلف من أصوات ~~تختلف كما وكيفا يدرك نغمة نغمة، بحيث تفصل بين كل منها ~~والأخرى نسب مختلفة من الارتفاع والانخفاض، ولكن هذه الأنغام ~~متوافقة فيما بينها تبعا للقواعد المعقولة المقررة في الفن ~~الموسيقي، بحيث تبعث عذوبة ورقة طبيعية.» # 3 # ولقد كان أقدم نوع من الموسيقى البوليفونية سجله التاريخ في ~~الغرب هو ذلك النوع المعروف في العصر الوسيط ب «الأورجانوم # organum ~~»، الذي مر بمراحل ~~متعددة في التطور، من تأليف موسيقي بسيط يتألف من سطرين لحنين ~~إلى تأليف معقد متعدد الأصوات، وذلك خلال الفترة الممتدة من ~~القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر. وكانت «الموتيت # motet ~~» هي أرقى أنواع الموسيقى ~~البوليفونية في أواخر العصر الوسيط وفي العصر القوطي، وعصر النهضة. ~~وفي القرن السادس عشر كانت البوليفونية هي مصدر عظمة «القداس» عند ~~بالسترينا، وبلغت البوليفونية المتأخرة أوج كمالها الفني في ~~«الفوجة # fugue ~~» عند باخ بعد مائتي ~~عام. # وهناك إشارات إلى ~~البوليفونية في الفترة الواقعة بين القرن التاسع والقرن الثالث ~~عشر، ولهذه الإشارات أهمية عملية لكل من ms090 يريد تتبع التطور ~~التاريخي للموسيقى البوليفونية في الحضارة الغربية. وقد خلف لنا ~~كاتب مجهول من القرن التاسع بحثا في البوليفونية بعنوان # Musica enchiriadis ~~، وصف فيه أنواع ~~الأورجانوم التي كانت مستخدمة في أيامه. وبعده بثلاثة قرون قال ~~كاتب إنجليزي اسمه «جون كوتن # John ~~Cotton ~~» إن الموسيقى البوليفونية تعزف في القرن ~~الثاني عشر على أنحاء متعددة. ثم قال : «ولكن أسهل الطرق فهما هي ~~تلك التي تكون فيها للحركة المضادة أهمية خاصة؛ أي عندما يهبط سطر ~~الأورجانوم على حين يصعد اللحن الثابت «كانتوس فيرموس # Cantus firmus ~~»، والعكس بالعكس.» # 4 # كذلك قدم إلينا جيرالدوس كامبرنسيس # Giraldus Cambrensis ~~(حوالي ~~1147-1220م) وصفا للغناء المتقن المؤلف من أسطر لحنية متعددة، ~~والذي وجد أهل ويلز يؤدونه بسهولة كبيرة، فقال: «إنهم في ~~حفلاتهم الموسيقية لا يغنون في اتفاق نغمي كما يفعل سكان البلاد ~~الأخرى، وإنما يوزعون الغناء على أسطر لحنية عديدة متباينة، ~~بحيث إنك تسمع في فرق المغنين، التي يصادف المرء الكثير منها ~~في ويلز، من عدد الأسطر اللحنية الموزعة والأصوات بقدر ما ~~يوجد من عدد المغنين، ثم يتحد هؤلاء جميعا آخر الأمر في صوت ~~واحد متناغم، تمثله الرقة الناعمة لنغمة «سي بيمول»، وفي المنطقة ~~الشمالية من إنجلترا، فيما وراء نهر الهمبر، وعلى حدود يوركشير، ~~يستخدم الأهالي نفس النوع من الأصوات المتوافقة المنسجمة، ولكن في ~~تنوع أقل؛ إذ يوزعون الغناء على سطرين لحنين أو صوتين فقط؛ ~~أحدهما يلغط في القرار، والآخر يرفع عقيرته بصوت حاد أو رفيع.» # 5 # على أن فن البوليفونية لم يكن أسعد حظا في الوثائق البابوية، ~~أو في كتابات اللاهوتيين من الموسيقى المقدسة في أواخر العصر ~~الوسيط، وفي عصر النهضة، فقد وجهت سلطات الكنيسة إلى ~~البوليفونية نفس النقد الذي وجهه أفلاطون في «القوانين» إلى ~~الموسيقى الموزعة على سطرين لحنين. صحيح أن اللاهوتيين قد ~~وجهوا هذا النقد لأسباب مختلفة، ولكن أسس هذه المعارضة كانت ~~متشابهة؛ ذلك لأن أفلاطون كان ساخطا على إدخال التجديدات ~~الموسيقية للشعراء المغنين اليونانيين في تعليم الشباب الأثيني. ~~وكان يعتقد أن عزف سطرين لحنين ms091 مختلفين في آن واحد أو بطريقة ~~شبه متقطعة ( # staccato-like ~~fashion ~~) يعبر عن وجود مبادئ متعارضة تبعث في ~~النفس الاضطراب، تؤدي آخر الأمر إلى الانحلال الأخلاقي؛ وعلى ذلك ~~فإن الشاب الذي يتلقى هذا النوع من التعليم الموسيقي يجد صعوبة في ~~استيعاب مبادئ الموسيقى، بل إنه يتعرض لخطر الاضطراب النفسي بفعل ~~هذا الفن المتنافر الذي يمكنه أن يتغلغل في أعمق أعماق النفس، ~~ويؤثر في الجسم بدوره. وعلى ذلك فمن الواجب على حراس الدولة أن ~~يراقبوا عن كثب تعليم الصغار، حتى يتأكدوا من أن الأساليب ~~والإيقاعات التقليدية هي وحدها التي تعلم؛ إذ إن ما تتسم به ~~طبيعتها من بساطة ووحدة كفيل بأن يبث النظام والطاعة في نفس ~~التلميذ. # أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد شعرت بالقلق تجاه الموسيقى ~~البوليفونية نظرا إلى الاعتقاد السائد بين كثير من القادة ~~المسيحيين بأن هذه الموسيقى تزعزع الإيمان، وتبعث الغموض في النص ~~الكلامي، وتولد الاضطراب بدلا من أن تبث في المؤمنين شعورا ~~بالسلام والطمأنينة أثناء أداء الشعائر الدينية. ولسنا نعلم على ~~وجه التحديد متى أدخلت البوليفونية لأول مرة في موسيقى الكنيسة، ~~ولكنا نعلم أن الكنيسة ظلت طوال القرون تعرب عن استيائها من ~~الموسيقى المعقدة التي وجدت طريقها إلى دور العبادة. ولقد ~~كانت الكنيسة تخشى من أن تحل هذه الموسيقى الدنيوية الجديدة محل ~~التراتيل التقليدية البسيطة الجادة التي تبعث بالتداعي حالة من ~~التقوى في نفس المتدين؛ فهذا الأسلوب الجديد من الموسيقى المعقد، ~~الذي لا توجد له ارتباطات دينية في ذهن المسيحي، لا يجلب إلا ~~الاضطراب للمصلين الذي يحاولون أن يتتبعوا البوليفونية ~~المعقدة، وهو فضلا عن ذلك يشوه طابع القداسة الذي تتسم به ~~الصلاة. وقد سبق أن أشار أفلاطون إلى أن ترك حبل التجديد على ~~الغارب في ميدان الموسيقى هو نذير شؤم بقرب حدوث تغير في قوانين ~~الدولة، وبالمثل رأت الكنيسة أن الموسيقى الدنيوية التي لا تتمشى ~~مع التراث إذا سمح لها بأن تعزف في الكنيسة، فقد تشجع على ~~إدخال بدع جديدة تؤدي آخر الأمر لا إلى تعريض الصلاة والتعاليم ~~المقدسة للخطر ms092 فحسب، بل إلى تهديد سلطة الكنيسة ذاتها. # ولم يقتصر تطبيق الفلسفة الكاثوليكية في الموسيقى على العدد ~~القليل من المتحمسين في الكنيسة، وإنما كان هناك رأي ذائع بين ~~المؤمنين المخلصين بأن البوليفونية تصرف أذهان المؤمنين عن التقوى ~~بما فيها من غناء موزع الأدوار، ومن خط لحني متقطع بدلا من الخط ~~اللحني المتصل. # وقد احتج الفيلسوف المدرسي وأسقف شارترجون أوف سالسبري # John of Salisbury ~~(حوالي ~~1115-1180م) قائلا: «إن الموسيقى تسيء إلى الصلاة؛ ذلك لأن صخب ~~الأصوات الفوضوية، وحرصها على استعراض قدراتها، وتصنعها المخنث في ~~تقطيع الأنغام والجمل، لا بد أن يفسد النفوس البسيطة الورعة ~~لجمهور المصلين وهم في حضرة الرب ذاته، وفي نفس الحرمات المقدسة ~~للمعبد»، «ولو قدر لك ذات مرة أن تستمع إلى هذا الأداء المثير ~~للأعصاب الذي تستخدم فيه كل أساليب الفن، لظننته فرقة من عرائس ~~البحر «السرينات» لا من البشر، واندهشت من عدم اكتراث المغني، ~~الذي لا يعادله عدم اكتراث البلبل أو الببغاء، أو أي كائن آخر ~~أوغل في هذا الباب منهما؛ ذلك لأن عدم الاكتراث هذا يتجلى في تطويل ~~الصعود والهبوط، وفي تقسيم الأنغام أو مضاعفتها، وفي تكرار الجمل، ~~وتصادم الأصوات، بينما النغمة العالية في السلم، أو حتى أعلى ~~أنغامه، تختلط خلال هذا كله بالنعمة الأدنى أو بأدنى النغمات، إلى ~~حد تكاد الأذن معه تفقد قدراتها على التمييز.» # 6 # ولم يكن لاهوتيو القرن الثالث عشر أقل سخطا على البوليفونية من ~~أسلافهم في القرن الثاني عشر، على أن درجة معارضة أقطاب الكنيسة ~~للبوليفونية كانت متفاوتة؛ فكثير منهم لم يعترضوا على استخدام فن ~~التوزيع الغنائي في الصلاة، ولكنهم وافقوا من الوجهة الرسمية على ~~أن من الأفضل تعديل البوليفونية بحيث تلائم المسيحية. وحتى ذوو ~~النزعة الإنسانية من أفراد السلك الكهنوتي كانوا يصرون على ~~ضرورة تقويم مفاسد معينة في البوليفونية، ولدينا على ذلك الدليل ~~في كتابات روجر بيكون (حوالي 1214-1294م) رجل الكنيسة والفيلسوف ~~والعالم؛ فقد كان لديه إدراك واقعي لقيمة الموسيقى في العبادة ~~والتعليم. وقد نصح رجال الكنيسة بأن يحصلوا معرفة بأساسيات ms093 ~~الموسيقى؛ حتى لا يجهلوا فائدة الموسيقى الكنسية وقيمتها. كذلك ~~أشار إلى القيمة التربوية للموسيقى في التعليم الدنيوي، وأوضح أن ~~«الأطفال يتعلمون الحقائق الرياضية بطريقة أفضل وأسرع، كما يتضح ~~في الغناء ...» # 7 # ولقد كان بيكون من أوسع رجال الدين في القرن الثالث ~~عشر ثقافة، ولا بد أن آراءه في القيمة النفسية للموسيقى في العبادة ~~والتعليم كانت في الوقت ذاته آراء من هم أعلى منه مرتبة في ~~الكنيسة. كذلك فإن رأي بيكون القائل إن التراث الجاد للصلوات يتعرض ~~للفساد بفعل التأثير الضار للموسيقى البوليفونية، لا بد أن يكون قد ~~حظي بموافقة أصحاب المراتب العالية في الكنيسة أيضا. # وفي عام 1247م أصدر مجمع ~~ليون عدة مراسيم لتقييد هذه الموسيقى الجديدة التي وصفها «جون أوف ~~سالبري» بكل هذه النعوت السيئة، ثم أصدر البابا يوحنا الثاني ~~والعشرون في عام 1324-1325م، أمرا من مدينة «أفينيون» ندد فيه ~~باستخدام القوالب والأساليب الموسيقية الجديدة التي كانت تحل محل ~~الأنغام والأساليب التقليدية. وقد رددت هذه الوثيقة ذلك القانون ~~الذي لم تتزحزح عنه الكنيسة، والقائل إن الموسيقى التي تستخدم في ~~الشعائر الدينية ينبغي لها أن تحافظ على سلامة النص باستعمال ~~ألحان بسيطة، ثم تقول هذه الوثيقة البابوية عن الموسيقى الدينية: ~~«غير أن بعض أنصار المدرسة الحديثة، ممن لا يفكرون إلا في قوانين ~~الإيقاع المحدد بدقة يؤلفون ألحانا جديدة من ابتكارهم، بنظام ~~جديد من الأنغام، ويفضلونها على الموسيقى التقليدية القديمة، ~~وهكذا يغنون ألحان الكنيسة مستخدمين «الروند» و«البلانش» # 8 # وزخارف الإيقاع. وكان البعض يجزئون الألحان ب ~~«التقطيعات # hochetis ~~» أو يسلبونها ~~رجولتها بالغناء من سطرين (ديسكانتوس) ~~( # discantus ~~) أو من ثلاثة أسطر # triplis # مع إدخال عنصر خطير ~~مبعثه غناء أجزاء من النص باللغات المحلية. كل هذه المفاسد أساءت ~~إلى سمعة الألحان الرئيسية لكتاب الصلوات اللاتيني الرئيسي والفرعي ~~(الأنتيفونال والجرادوال) ( # Antiphonal and ~~Gradual ~~)، والواقع إن هؤلاء الملحنين، الذين لا ~~يعلمون شيئا عن الأساس الحقيقي الذي ينبغي أن يبنوا عليه، ~~يجهلون المقامات، ويعجزون عن التمييز بينها، ويحدثون اضطرابا ~~عظيما. وإن عدد الأنغام وحده في هذه الألحان ms094 ليخفي عنا اللحن ~~الغنائي الواضح بما فيه من ارتفاعات وانخفاضات بسيطة منظمة يدل ~~على نوع المقام. أما هؤلاء الموسيقيون فيجرون بلا توقف، ويخلبون ~~الأذن دون أن يرضوها، ويضفون على النص حركات تمثيلية. وبدلا من ~~أن يدعموا الإيمان، يقضون عليه بإيجاد جو حسي يفتقر إلى الطهر والنقاء.» # 9 # وهكذا لم يكن اللاهوتيون ~~في الجزء الأخير من العصر الوسيط، وفي عصر النهضة، أقل خوفا من ~~الموسيقى الجديدة، التي كانت في رأيهم خطرا يهدد الكنيسة، من ~~آباء الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية، ومن الفلاسفة اليونانيين ~~القدماء، موقفهم من الموسيقى وعلاقتهم بالدولة. على أن المراسيم ~~المتعددة التي أصدرها رجال الكنيسة في القرن الثالث عشر للحد من ~~تأثير الموسيقى الجديدة، وكذلك الأمر البابوي الذي أصدره البابا ~~يوحنا في القرن الرابع عشر ضد الموسيقى الجديدة التي تخفي عنا ~~اللحن الغنائي الواضح بما فيه من ارتفاعات وانخفاضات بسيطة منظمة؛ ~~كل هذا لم يكن له تأثير دائم؛ إذ إن مجمع ترنتينو # Trent # قد عاد، مرة أخرى، في القرن ~~السادس عشر، إلى بحث مسألة البوليفونية. وكان من الواضح أن الإشراف ~~والرقابة على التعليم والبحث أيسر بالنسبة إلى السلطات الدينية من ~~توقيع جزاءات فعالة على التجديدات الموسيقية الدنيوية التي كانت ~~تقحم في الشعائر الدينية. # القسم الثاني: الموسيقى، والكنيسة، والبوليفونية في العصر ~~الوسيط # كانت توجد في العصور الوسطى أنواع متعددة من الآلات صنعت، ~~بحيث يتسنى لها إحداث أصوات في وقت واحد؛ فقد كان في وسع الأرغن ~~المائي ( # Organ hydraulic ~~) الذي سبق ~~أن عرفه الرومان والبيزنطيون، أن يحدث صوتين في وقت واحد. ~~وكذلك الحال في «القرب» ( # bagpipe ~~) ~~الاسكتلندية التي ترجع إلى تاريخ قديم، والتي يمكن تتبع أصلها - ~~مع اختلاف في أسمائها - إلى فترات موغلة في القدم من عصور ~~الموسيقى الغربية، وفي هذه القرب يؤدي خروج الهواء من القربة ~~وحدها إلى إحداث ذبذبات هوائية في القصبة التي تعزف صوت الاصطحاب ~~الطنيني ( # drone ~~) لصوت المزمار الذي ~~يؤدي نفخه إلى إحداث الأنغام المختلفة، بل إن الموسيقي المتجول ~~( # Jongleur ~~) ذاته، الذي كان يصاحب ~~أشعارا قصصية لتربادور ms095 والمينسترل بالفيلا ~~( # vielle ~~) كان يدعم لحنه بمجموعة ~~متعاقبة من التآلفات الهارمونية المبتسرة. # وإنا لندين بمعرفتنا للآلات الموسيقية في العصور الوسطى - إلى ~~حد بعيد - لأولئك الفنانين القوطيين الذي نقلوا إلينا أشكال آلات ~~عصرهم بالتصوير والنحت، ووصفوها نغما وشعرا؛ فالتصوير والنحت ~~القوطي قد تركا لنا صورة واضحة لهذه الآلات، كما حدد الشعر ~~طريقة استخدامها، وأهميتها بالنسبة إلى مجتمع العصور الوسطى ~~المتأخرة. كما إننا نعلم أن آلات العصور الوسطى هذه كانت تستخدم ~~مستقلة، كما كانت تستخدم بمصاحبة الغناء، ولكي تؤدي سطورا ~~لحنية في مخطوط موسيقي إذا ما طلب إليها ذلك. ولقد كان الأرغن ~~أرقى الآلات في العصور الوسطى وعصر النهضة، وكان يمتاز بأنه الآلة ~~الأولى والأساسية للكنيسة؛ ومن هنا فإن اللاهوتيين، الذين احتجوا ~~على ضياع هيبة الموسيقى الدينية، كانوا عادة يدرجون الاستعمالات ~~الجديدة للأرغن في شعائر الصلاة، ضمن المؤشرات السيئة التي ~~يكافحونها. # وقد مر توزيع الأصوات والتدوين الموسيقي بعدة مراحل في ~~تطوره؛ فالتدوين قد مر بثلاث مراحل متميزة؛ ففي نظم التدوين ~~المستخدمة في الموسيقى اليونانية والرومانية، وكذلك المسيحية ~~المتقدمة، لم تكن رموز الأنغام تدل على مدتها الزمنية؛ إذ إن ~~اللحن كان خاضعا للنص الكلامي، وكان الوزن الشعري هو الذي يحدد ~~طول النغمة وقصرها، وما على الخط الموسيقي إلا أن يتبع النص ~~ارتفاعا وانخفاضا، وفي مرحلة ثانية تالية كانت هناك إشارة غير ~~مباشرة إلى المدة الزمنية باستخدام نظام «النومس» # neumes ~~(العلامات) الذي نجده في ~~الأناشيد الجريجورية منذ القرن التاسع. وفي المرحلة الثالثة كانت ~~المدة الزمنية توضح برموز مناظرة لها. وهكذا فإن هذه المرحلة ~~الثالثة هي وحدها التي يمكن أن يقال إنه قد وجد فيها نظام ~~قياسي يحتوي على علامات تدل على مدد زمانية محددة ~~المعالم. # والواقع أن قياس الموسيقى كان أمرا ضروريا لكي يتقدم توزيع ~~الأصوات الموسيقية على سطور لحنية مختلفة تؤدى في وقت واحد؛ ~~ذلك لأن العزف أو الغناء المنفرد كثيرا ما كان يشجع على ~~إطلاق العنان لحرية الموسيقى. أما عندما تنضم عدة أصوات في ~~أغنية، كما هي الحال في البوليفونية، فعندئذ لا ms096 يكون هناك مفر ~~من تنظيم طريقة سير كل مغن، حتى يتسنى مزج صوته بالأصوات ~~الأخرى؛ وعلى ذلك فإن توزيع الأصوات الموسيقية كان يتقدم كلما ~~بعث الموسيقار مزيدا من النظام والضبط في مدوناته عن طريق ما ~~توافر لديه من مختلف القيم الرمزية. # وقد حفظت لنا دراسة قام بها باحث إنجليزي مجهول في فرنسا، ~~قرب بداية القرن الثالث عشر، أطلق عليه اسم «المجهول الرابع # Anonymous IV ~~»، وفي هذه الدراسة ~~سجل المؤلف تاريخ بعض مشاهير الموسيقيين، وتطور فن توزيع ~~الأصوات الموسيقية في مدرسة كاتدرائية نوتردام بباريس. ويروي لنا ~~«المجهول الرابع» أنه كان هناك موسيقيان شهيران أسهما بدور هام ~~في فن البوليفونية لمدرسة نوتردام، هما «ليونان # Leonin ~~» و«بيروتان Perotin ~~»، وكان ليونان - حسب رواية ~~هذا الباحث الإنجليزي - يعيش في القرن الثاني عشر، وقد ألف ~~مجموعة كاملة من مقطوعات الأرغن في مصنف يحمل عنوان «كتاب ~~الأرغن الكبير # Magnus Liber ~~Organi ~~»، وقد كان لموسيقى اليونان تأثير بالغ في ~~نفس هذا الباحث الإنجليزي، حتى إن هذا الأخير وصف ذلك الموسيقي ~~بأنه عريف المنشدين بكاتدرائية نوتردام، وبأنه «أعظم مؤلف ~~للأرغن»، أما بيروتان فلا نعرف عنه إلا القليل، ومما نعرفه أنه كان ~~رائد مدرسة نوتردام فيما بين عامي 1180م، 1236م. # وقد كتب «جاكوبوس لييج # Jacobus de ~~Liege ~~» مؤلف كتاب «مرآة الموسيقى # Speculum Musical ~~» قرب نهاية القرن ~~الثالث عشر يقول إن «المحدثين (من أبناء جيله) لا يستخدمون إلا ~~الموتيت # motet # والكانتلينا # cantilena ~~»، أما هذا الموتيت الذي ~~تحدث عنه جاكوبوس فهو أرقى أنواع الموسيقى البوليفونية، وبالتالي ~~أرقى أنواع الفن الموسيقي المتعدد الأصوات، ولكنه مع ذلك تعرض ~~لأعنف نقد من سلطات الكنيسة. ولقد كانت هناك أنواع أخرى من ~~الموسيقى البوليفونية في القرن الثالث عشر، كالنوع المسمى «كوندكتس # Conductus ~~»، # 10 # ولكن الموتيت، بما كان يتميز به من طابع شديد التعقيد، ~~كان مصدر إزعاج اللاهوتيين، على الرغم من أن «العصريين» في أواخر ~~العصر الوسيط كانوا يفتتنون بمزاياه الجمالية. وعلى أية حال فليس ~~قلق اللاهوتيين على مشكلات الموسيقى بالأمر الذي يدعو إلى ~~الاستغراب، وذلك إذا علمنا ms097 أن نوع «الموتيت» الذي لقي إقبالا ~~شديدا من الناس في ذلك الحين، كان هو ذلك الذي تغنى فيه ثلاثة ~~ألحان مختلفة، لكل منها نص كلامي خاص، في وقت واحد، ~~وبإيقاعات مختلفة مقابل لحن جريجوري، فمن المشكوك فيه أنه كان من ~~الممكن سماع الأنشودة الجريجورية فوق الموسيقى التي تحدثها ثلاثة ~~أصوات تغنى بلغات مختلفة. وقد أبدى «جون أوف سالسبري» والبابا ~~يوحنا الثاني والعشرون، بوجه خاص، استياءهما من تشويه هذا النوع ~~من الموسيقى للأنشودة الشعائرية، أو تقطيع أوصالها إلى حد يستحيل ~~معه التعرف عليها، مما يؤدي إلى القضاء على الطابع المقدس ~~للموسيقى الدينية. # ولقد كان النوع الفرنسي هو أطرف أنواع «الموتيت الدنيوي»؛ فقد ~~كان مؤلف هذا النوع البوليفوني يتحدث فيه عن المشكلات ~~الاجتماعية المعاصرة له، ويلوم رجال الدين وينتقد النبلاء؛ كل ذلك ~~في قالب «الموتيت»، وكانت هذه «الموتيت» في بعض الحالات تمجيدا ~~للحب، وفي حالات أخرى تغنيا بمتعة الشراب، على أنها كانت في ~~حالات أخرى تشيد بمناقب قديس أو ملك بطريقة عاطفية. # ومن الطريف أن نلاحظ أنه كما انتقد رجال الدين الموسيقى، فإن ~~الموسيقيين بدورهم قد انتقدوا رجال الدين من خلال مؤلفاتهم؛ ~~فقد كانت الكنيسة تعارض البدع البوليفونية التي ظهرت عند ~~موسيقيين مثل بيير دي لاكروا Pierre de la ~~Croix ~~(نهاية القرن الثالث عشر) الذي أضاف إلى ~~الموتيت صوتا ثالثا ثم رابعا، بحيث كان لكل صوت استقلاله ~~اللحني والإيقاعي ونصه الكلامي الخاص به. كذلك لم ينس رجال ~~الدين أن كثيرا من تلك الألحان التي كانت تغنى في مقابل ~~الأنشودة الدينية في «الموتيت» كان أصلها يرجع إلى الشعراء ~~الجوالين (التروفير)؛ ومن ثم فإن لها ارتباطا مباشرا بالنزوات ~~الغرامية. ومن جهة أخرى فقد غضب رجال الدين بوجه خاص من أنواع ~~«الموتيت» الدينية التي كان الموسيقيون والشعراء يسخرون فيها من ~~حياة أقطاب الكنيسة في العصر الوسيط وعصر النهضة، بما فيها من ~~إقطاعيات شاسعة ومعيشة باذخة. على أن الكنيسة لم تنجح في محاربة ~~هذه المظاهر الدنيوية للتمرد في ميدان الموسيقى، أكثر مما نجحت ~~في الوقوف في ms098 وجه الاتجاهات الموسيقية التي كانت تهدد قداسة ~~الشعائر الدينية. # ولقد كان «فليب دي فيتري Philippe de ~~Vitry ~~» (1291-1361م) باحثا وسياسيا يذكره ~~التاريخ بوصفه موسيقيا بوليفونيا موهوبا، وأسقفا قديرا، وقد ~~ظل متمسكا بالرأي القديم القائل إن الموسيقى فرع من الرياضيات. ~~وكان روجر بيكون قد أشار، في القرن السابق، إلى أن الحقائق ~~الرياضية تتكشف للصغار من خلال فن الموسيقى. وكذلك كان «فيتري» ~~يؤمن بالرأي الأفلاطوني القديم القائل إن الموسيقى انعكاس للنظام ~~المثالي الذي يتكشف للباحث من خلال دراسة الفلسفة. وقد اتفق مع ~~البابا يوحنا الثاني والعشرين على أن من الممكن القضاء على البدع ~~الموسيقية المنتشرة في القرن الرابع عشر لو أخضع المؤلف موسيقاه ~~لنظام محدد، بدلا من أن يؤلف متجاهلا التراث تجاهلا تاما؛ ~~لذلك ألف دي فيتري مقطوعات من نوع «الموتيت» كانت كل الأصوات ~~فيها مستقلة لحنيا، ولكنها كانت تتساوى طوال الوقت في القيم ~~النغمية وتتماثل في الوزن. # أما «جيوم دي ماشو # Guillaume de ~~Machaut ~~» (1300-1377م)، فكان أشهر الموسيقيين في ~~القرن الرابع عشر. وهناك وجه شبه بين حياته الشخصية وبين حياة ~~الشاعر الجوال (التروفير) من حيث إنه كان رجل دين تحول إلى ~~الدنيا، وكان صاحب نزعة إنسانية واضحة، وقد ألف مقطوعات من نوع ~~«الموتيت» بنفس الأسلوب الملتزم للنظام الذي استحدثه دي فيتري، ثم ~~انتقل إلى استخلاص الإمكانات البوليفونية للأقصوصة الغنائية ~~( # ballad ~~) عند الشعراء الجوالين، ~~وكان بعض هذه الأقاصيص الغنائية يتحدث عن انشغال الشاعر المتجول ~~بالحب، وبعضها الآخر كانت له رنة اجتماعية؛ إذ كان فيها إيحاء إلى ~~رجال الدين بأن يتنازلوا بشرف عن بعض أراضيهم، بدلا من أن تؤخذ ~~منهم قسرا، كذلك ألف ماشو قداسا بوليفيونيا يظن أنه أول ~~قداس ألفه موسيقي واحد. # ولقد كانت المؤلفات النظرية في الموسيقى خلال العصور الوسطى تحمل ~~عادة طابع التأثير ببويتيوس؛ ذلك لأن بويتيوس كان حلقة بين ~~الفلسفة اليونانية الموسيقية وبين عالم العصر الوسيط؛ إذ إنه شبه ~~الموسيقى بالرياضة، ثم أدرج الموسيقى ضمن «الرباع» (الكواد ريفيوم) ~~التعليمي بوصفها مبحثا عاليا، وتشهد كتابات روجر بيكون بمدى قوة ~~تأثير ms099 بويتيوس في الفلسفة التعليمية السائدة في عصره. # كذلك احتفظت العصور الوسطى في مرحلتها المتأخرة بالثنائية ~~الميتافيزيقية التي تجعل من الموسيقى فنا محاكيا للنظام الإلهي، # 11 # وقد أجرى الفيلسوف «إريجينا # Erigena ~~» هذا التشبيه بالنسبة إلى ~~البوليفونية، وردده الموسيقار «دي فيتري» بعد أربعة قرون، على ~~أنه كان هناك أيضا من الموسيقيين والباحثين النظريين من لم يعبئوا ~~كثيرا بالتعاليم القديمة أو بالصيحات المستمرة التي كانت الكنيسة ~~تشكو فيها من انحطاط الموسيقى لخروج الموسيقيين عن التراث القديم. ~~ولقد كان نمو فن البوليفونية، الذي بدأ على الأرجح في الموسيقى ~~الدينية بوصفه ارتجالا لكنترابنط بسيط على لحن ديني، أو نشيد ~~جريجورياني، وتحول هذا الفن إلى قالب عظيم التعقيد يبعث في ~~النفس متعة جمالية، كان هذا النمو دليلا على أن القدرة الخلاقة ~~لا تستسلم بسهولة لمذهب فلسفي أو أمر ديني صادم. صحيح أن ~~موسيقي العصور الوسطى كان يؤلف موسيقى للدعوة الدينية، غير أن ~~قدرا كبيرا من هذه الموسيقى كان من حيث الإيقاع واللحن يرجع إلى ~~أصل دنيوي، وأدخله إلى الكنيسة موسيقيون دينيون تأثروا بهذه ~~المصادر الدنيوية. # وإذا كان موسيقي العصور الوسطى قد تجاهل تعاليم بويتيوس، فإن ~~قلة نادرة من الباحثين هي التي تجرأت على تحدي سلطته. ومن ~~هؤلاء يوهانس دي جروكيو # Johannes de ~~Grocheo ~~(حوالي 1300م) الذي رفض نظرية العدد ~~الفيثاغورية، وكذلك فلسفة بويتيوس لأنه أبى أن يعترف بأن الإبداع ~~الموسيقي إنما هو ترديد عددي وإيقاعي للنظام الكوني. وقد شك ~~جروكيو في صحة رأي بويتيوس القائل إن الموسيقى علم رياضي. واختلف ~~مع بويتيوس وأتباعه الذين أكملوا عرض فلسفته الموسيقية في الفكرة ~~القائلة إن قوانين الموسيقى ينبغي أن يكون لها من الصرامة ما لنفس ~~القوانين التي أضفت على الطبيعة نظاما وتناسقا. وقد أكد جروكيو ~~في كتاباته قيمة الموسيقى من الوجهة الشعبية والحضارية، واستبق ~~كتابات مفكرين ظهروا بعده مثل مونتني وروسو وهيردر؛ إذ أشار إلى ~~أن الموسيقى تختلف باختلاف عادات الشعوب ولغاتها. # ولقد كانت هناك على الأقل ثلاثة شواهد على عداوة الكنيسة ~~للتجديدات الموسيقية خلال القرنين الثالث عشر والرابع ms100 عشر. ~~ولنذكر في هذا الصدد أولا أن الشاعر المغني اليوناني لم يكن ~~يستخدم نظاما من العلاقات الإيقاعية والزمنية؛ لأن موسيقاه كانت ~~مرتبطة بالشعر، فكان يؤدي أغنيته بأسلوب ألماني. وبالمثل كانت ~~الأغنية الدينية في العصور الوسطى معتمدة على النص الكلامي، مع ~~إيقاعات منسابة بهدوء، لا تقتضي إلا قليلا من التغيير في أزمنة ~~الأنغام. ومن هنا فإن البابا يوحنا الثالث والعشرين عندما أعلن ~~احتجاجه في مرسومه من أن «الموسيقى الكنسية تؤدى الآن بعلامات ~~«الروند» و«البلانش»، وتقطع بهذه الأنغام القصيرة» لم يكن في ~~واقع الأمر يعلن تحريمه للموسيقى ذات الإيقاعات المطابقة لنصوص ~~مختلفة، وإنما كان الوقت ذاته يحمل على تجزيء الأنغام الطويلة ~~المتصلة إلى أنغام ذات أزمنة أقصر، بل إلى نغمات تتعدى النبر ~~الإيقاعي ( # syncopated ~~)، كما في ~~حالة التقطيع # hocketting ~~، ومن ~~الملاحظ ثانيا أن الموسيقيين - في حقبة ما يعرف بالفن الجديد ~~« # ars nova ~~»، وهو القرن الرابع عشر ~~- كانوا يزدادون ميلا إلى تغيير الإيقاعات التقليدية على خلاف ~~موسيقى القرن الثالث عشر، التي كانت تسمى بالفن القديم # ars antiqua ~~، وكان الإيقاع الثنائي ~~أو الزمن المزدوج محرما أصلا في موسيقى الكنيسة لأسباب ~~أخلاقية هي أن للعدد «ثلاثة» علاقة «بالثالوث الديني». ومن هنا ~~كانت الكنيسة تبدي عدم رضائها على أية محاولة يبذلها موسيقي ~~القرن الرابع عشر لاستخدام إيقاع ثنائي بدلا من الثلاثي. ويلاحظ ~~أخيرا أن الموسيقى اليونانية ومن بعدها موسيقى العصور الوسطى، ~~كانت مبنية في الأصل على الجواب «الأوكتاوف» والدرجتين الرابعة ~~والخامسة. وفي القرن الثالث عشر بدأ الموسيقيون الفرنسيون يقتدون ~~بالإنجليز في استخدام هذه المسافة الثالثة. ومن الغريب أن ~~الإكليروس الفرنسي اعترض على استخدام المسافة الجديدة التي تطرب ~~الأذن، على الرغم من أنها مبنية على الرقم «ثلاثة» لا لشيء إلا ~~لأنها غيرت التقاليد الموسيقية الماضية. # القسم الثالث: أكاديمية فلورنسا # ظل المسيحيون اليونانيون البيزنطيون، شأنهم شأن العرب، يبدون ~~اهتماما كبيرا بالحضارة والآداب الكلاسيكية اليونانية ~~والرومانسية؛ فقد أدرج العلماء البيزنطيون أفلاطون وأرسطو ضمن ~~دراساتهم خلال تلك السنوات، التي لم تكن فيها اللغة اليونانية إلا ~~لغة ميتة في نظر المثقفين ms101 الغربيين. وقد أعجب بعض الصليبيين، ~~الذين اتصلوا مباشرة بالحضارة البيزنطية، بهذه اللغة إلى حد أنهم ~~جلبوا معهم إلى الغرب هذه الدراسات اليونانية. أما روما فلم تنظر ~~إلى هذا التطور بعين الرضا؛ إذ إن رجال الكنيسة لم يروا في هذه ~~الاتجاهات الكلاسيكية في التعليم والثقافة إلا تجديفا. وقررت ~~كنيسة روما أن من الضروري اتخاذ تدابير حاسمة لمواجهة تغلغل ~~الفكر اليوناني البيزنطي المجدف في لاهوتها، فأرسل البابا إلى ~~القسطنطينية الفيلسوف اللاهوتي نيكولاس دي كوزا # Nicholas de Cusa ~~(1401-1464م) لكي ~~يضع أساس وحدة ممكنة بين الكنيستين الشرقية والغربية، وناشد هذا ~~الكنيسة الشرقية، في سبيل مصلحة المسيحية، أن تزيل الخلافات ~~بينها وبين الكنيسة الكاثوليكية، بحيث تكونان كنيسة كاثوليكية ~~عالمية، غير أن الكنيسة اليونانية أبت أن تتنازل عن سلطتها إلى ~~الحد المطلوب منها، على الرغم من أنها كانت تتوقع غزوا تركيا ~~للقسطنطينية، وكانت تدرك أنه سيتعين عليها أن تستنجد بروما ~~لإيقاف زحف المسلمين. # ومع ذلك، فقد كان العلماء البيزنطيون يسافرون إلى الغرب، ولا ~~سيما فلورنسا، وأغلب الظن أن الكنيسة الشرقية بدورها قد أرسلت ~~عددا كبيرا منهم ليستطلعوا إمكان اتحاد الكنيستين على أسس ~~مشتركة. وعلى الرغم من أن هذا الاندماج بين الكنيسة اليونانية ~~وكنيسة الروم الكاثوليك لم يتحقق، فقد كان العلم الكلاسيكي الذي ~~يحمله العلماء والشعراء البيزنطيون معهم ينتشر بسرعة حيثما ~~حلوا. # وبعد أن فتح الأتراك القسطنطينية، وقضوا على الإمبراطورية ~~البيزنطية عام 1453م، فر بقية علمائها اليونانيين إلى إيطاليا ~~لاجئين إلى أكاديمية فلورنسا. وكانت هذه الأكاديمية قد تأسست، ~~تحت رعاية كوزيمو دي مديتشي # Cosimo de ~~Medici # على يد «جيمسطوس # Gemisthus Pletho ~~» وهو مبعوث يوناني بيزنطي كان قبل سقوط ~~القسطنطينية بثلاثة عشر عاما يعتبر سفيرا لدى المجلس الذي عقد ~~في فلورنسا لمحاولة توحيد الكنيستين اليونانية والرومانية، وهي ~~محاولة لم يقدر لها النجاح. وكان الهدف من هذه الأكاديمية ~~الحديثة العهد هو تعريف العالم الغربي بفلسفة أفلاطون، ومكافحة ~~الفلسفة الأرسططالية المزعومة التي أصبحت هي المسيطرة على عقيدة ~~الكاثوليك وتفكيرهم. وقد أصبح نيكولاس دي كوزا نفسه، بعد أن صار ~~كاردينالا ms102 من أشد المعجبين بتعاليم أفلاطون، حتى إنه طلب إلى ~~علماء روما أن يعيدوا النظر في علاقة أفلاطون بالمسيحية على ضوء ~~الكتابات الأصلية لمؤسس الأكاديمية «أفلاطون» حتى لا يضلل العالم ~~الغربي بالمعتقدات المعوجة التي خرجها رجال الكنيسة من فلسفته ~~تعسفا. # وقد لقي الكاردينال في موقفه هذا تأييدا من الفيلسوف مارسيليو ~~فيتشينو # Marsilio Ficino ~~(1433-1499م)، وهو من تلاميذ أكاديمية فلورنسا، فذهب إلى أن الفهم ~~الصحيح لأفلاطون هو وحده المؤدي إلى استعادة روح المسيحية التي ~~فقدتها الكنيسة منذ زمن بعيد، وقد لقيت آراء نيكولاس دي كوزا ~~وفيتشينو قبولا لدى الكثير من أقطاب الكنيسة، بل لقد كان لها ~~تأثير ملحوظ في الفكر والفن في عصر النهضة. # وقد احتفظت فلسفة الكاردينال كوزا الموسيقية بالتصرف ~~الفيثاغوري والأفلاطوني؛ إذ إنه شبه فن البوليفونية بانسجام ~~الأفلاك «ذلك لأن العقل الأزلي يخلق كما يفعل الموسيقي الذي ~~يرغب في التعبير عن صوره الباطنة وتمثيلها؛ فهو يتناول الأجزاء ~~الموسيقية المتنوعة، ويفرض عليها قواعد القياس الدقيق التي ~~تؤدي إلى التوافق، وهذا التوافق يفيض رقة وكمالا.» # 12 # وقد ردد الفكرة اليونانية القائلة إن الموسيقى ~~البشرية إنما هي أنموذج للموسيقى السماوية، ولكنه أضاف إلى ذلك أن ~~آباء الكنيسة قد اتخذوا من الموسيقى رمزا فحسب، لكي يشبهوا ~~موسيقى البشر بصنعة الإله، وفيما وراء الرمز ذاته يوجد نظام ~~علوي، أو بتعبير نيكولاس «إن نفس الأمور الروحية التي نعجز عن ~~فهمها مباشرة، تبحث من خلال واسطة هي الرمز ...» وعندما تستخدم ~~الرموز الموسيقية بوصفها تشبيهات تفسر أنغام الأفلاك السماوية ~~«فإن علامات الفرح هذه المستمدة من التوافق الموسيقي ... التي أتت ~~إلينا من كتابات آباء الكنيسة بوصفها رموزا معروفة لقياس السعادة ~~الأزلية، ليست إلا رموزا مادية بعيدة الصلة بالأصل، تختلف ~~اختلافا هائلا عن تلك الأفراح الروحية التي لا يرقى إليها خيالنا.» # 13 # ولقد كان هدف التفكير الجمالي في القرن الخامس عشر هو كشف الصيغ ~~السحرية لليونانيين؛ أي الصيغ الرياضية الدقيقة التي تؤدي إلى ~~كشف أشكال «فيدياس» من جديد؛ فقد كان هدف الحياة الفنية هو ~~الاستنباط الرياضي للتماثل والتناسق والمنظور. وكان ms103 نيكولاس ~~مسايرا لروح عصره عندما اتفق مع أفلاطون على أن الرياضة هي أساس ~~الموسيقى، وعلى أن الرياضة مبحث عقلي صرف. # ويقول نيكولاس إننا عندما نستمع إلى الموسيقى «ندرك الأجزاء ~~المتوافقة بحواسنا ونقيس المسافات والتوافقات بعقولنا، وبمساعدة ~~خبرتنا الموسيقية. وهذه الملكة (أي العقل والقدرة على الانتفاع من ~~التعليم) لا توجد في الحيوانات ... ولذا لم يكن في استطاعة ~~الحيوانات تعلم الموسيقى، وإن كانوا يدركون الأصوات ب «الحواس» ~~مثلنا، ويطربون للأصوات المتوافقة. وعلى هذا الأساس يحق لنا أن ~~نصف روحنا بأنها عاقلة؛ لأنها قادرة على القياس والعد وتدرك ~~ما يقتضي تمييزا دقيقا، وعندما تستمع آذاننا إلى توافقات ~~موسيقية جميلة تطرب لها. وهكذا فإن العقل حين وجد أن التوافق ~~مبني على العدد والتناسب، قد اخترع النظرية العقلية للتآلفات ~~الموسيقية المبنية على نظرية الأعداد.» # 14 # وقد عاد نيكولاس إلى نظرية المشاعر اليونانية، وأشار بوصفه رجل ~~كنيسة إلى أن الانفعالات «زائلة، والانطباعات الحسية لا تكون ~~جميلة، إلا بقدر ما تمس الأفكار الروحية أو الجمال الروحي» # 15 # كما تمثل المذهب الأخلاقي الأفلاطوني في كتابات ~~نيكولاس؛ لأنه اهتم ببحث تأثيرات الإيقاعات والمقامات الموسيقية في ~~النفس، ولكنه من حيث هو شخصية تنتمي إلى عصر النزعة الإنسانية قد ~~تخلى عن الاعتقاد القديم القائل إن المؤلف الموسيقي وسيط بين الله ~~وبين الإنسان، وإنه ينقل رسالة الإرادة الإلهية إلى الأرض؛ فقد ~~انتقد نيكولاس فكرة أفلاطون القائلة إن الفنان شخص يتلقى الوحي من ~~ربات الفن «الموزي»، وكثيرا ما يتصف بالهوس، ولا يخلق إلا ~~بإلهام يأتيه من أعلى، وأكد في مقابل ذلك الرأي السائد في عصر ~~النهضة بأن الفنان مبدع بقواه الخاصة. # وعلى حين أن نيكولاس دي كوزا أقل تعمقا في الموسيقى منه في ~~الفنون الأخرى، فإن اهتمام مرسيليو فيتشينو بالموسيقى كان أعمق من ~~اهتمامه بالفنون الأخرى. ويقال إنه كان يعزف إحدى الآلات ~~الموسيقية، ويقدم عروضا كثيرة أمام مجموعات كبيرة من أصدقائه. ~~كذلك فإنه تحدث بإقناع تام عن تأثيرات الموسيقى في النفس، وردد ~~آراء أفلاطون في اعتقاده بأن أساس جمال الأصوات هو التوافق الذي ms104 ~~ربطه بمفهوم التناسب. وفي رأيه أن هذه الموسيقى تصدر من أعمال ~~روح المؤلف الموسيقي، ومن هنا كان في وسعها أن تؤثر في نفس ~~السامع. وقد اتفق مع أفلاطون على أن الموسيقى تستطيع أن تغلغل في ~~الأغوار الباطنة للنفس البشرية، وتؤثر في مجرى السلوك الجسمي ~~«فلما كانت الأغنية والصوت يأتيان من التفكير الذهني، ومن تأثير ~~الخيال، ومن انفعال القلب، ولما كانت تقوم بمساعدة الهواء الذي ~~يتكون ويتذبذب نتيجة لها بتحريك الروح الشبيهة بالهواء لدى ~~السامع، والتي هي حلقة الاتصال بين النفس والجسم، فإن من السهل ~~عليها أن تحرك الخيال، وتؤثر في القلب، وتتغلغل في أبعد أغوار الذهن» # 16 ~~«إن الموسيقى الجادة تحفظ توافق أجزاء النفس ~~وتستعيده، كما يقول أفلاطون وأرسطو، وكما جربنا نحن أنفسنا مرارا.» # 17 # وقد ذكر فيتشينو أن للموسيقى تأثيرا علاجيا يزيل الكآبة ~~والكدر. كذلك تستطيع الموسيقى أن تبعث حالة تأملية تزيد المرء ~~قربا من الله «... كثيرا ما كنت أتحول إلى الألحان والأغاني ~~الجدية بعد دراسة اللاهوت أو الطب، حتى أنصرف عن اللذات الحسية ~~الأخرى، وأتخلص من متاعب النفس والجسم، وأسمو بالعقل إلى الأمور ~~العليا، وإلى الله على قدر استطاعتي.» # 18 ~~«ولقد كان فيتشينو يعود أحيانا إلى الفكرة الفيثاغورية في ~~انسجام الأفلاك رغبة منه في تأكيد المعنى والأصل الميتافيزيقي ~~للموسيقى؛ فالأفلاك السماوية التي تتناغم سويا تبعا لقواعد ~~التآلف # consonance # تحدث موسيقى ~~إلهية تستطيع سماعها، ولما كانت الموسيقى البشرية محاكاة أرضية ~~للأصوات السماوية، فإنها تحض النفس بتأثيرها الخلاب، على أن ~~ترقى بذاتها إلى عالم الانسجام السماوي، فعن طريق الأذن تدرك النفس ~~توافقات وإيقاعات عذبة معينة، وهذه الصور تحضها وتحثها على ~~النظر إلى الموسيقى الإلهية بحاسة عقلية أشد إرهافا وتحمسا.» # 19 # ولقد كان تقويم فيتشينو للشعر وثيق الصلة بالموسيقى؛ إذ إن ~~الشعر بدوره يخاطب الأذن، وكثيرا ما يتضمن لحنا، كما أن فيه ~~على الدوام إيقاعا، بالإضافة إلى ما يستخدمه من كلمات. غير أن ~~الشعر أرفع من الموسيقى؛ إذ إنه لا يقتصر على مخاطبة الأذن، بل ~~يخاطب الذهن بدوره مباشرة عن طريق ms105 الكلمات؛ وعلى ذلك فإن أصله لا ~~يرجع إلى انسجام الأفلاك، وإنما إلى موسيقى العقل الإلهي ذاته، وفي ~~إمكانه، بفضل ما له من تأثير، أن يوصل السامع إلى الذات العلية مباشرة. # 20 # ولقد كان فيتشينو يختلف عن نيكولاس دي كوزا، ويتفق مع ~~أفلاطون في القول إن الشاعر لا يستجيب للخاطر العفوي للفكر ~~البشري، وإنما هو يتلقى إلهاما إلهيا. وقد علل القدرة ~~الخالقة الملهمة للموسيقى في ضوء نظرية الجنون الإلهي التي عرضها ~~أفلاطون في محاورتي «أيون» و«فيدروس». # وإذن فقد كانت نظريات فيتشينو في الموسيقى تقليدية في أساسها، ~~تسير على نهج نظريات أفلاطون وأوغسطين. أما من حيث إنه موسيقي ~~يمارس هذا الفن عمليا، فقد نظر إلى مسافة «الثالثة» على أنها ~~صوت متآلف. وكان القدماء، فضلا عن الموسيقيين النظريين في عصره، ~~ينظرون إلى «الجواب» و«الخامسة» والرابعة على أنها هي وحدها ~~المسافات المتآلفة، أما هو فقد أكد أن الأفلاطونيين لم يفهموا ~~الموسيقى كما فهمها المحدثون؛ إذ إنهم لم يدركوا المتعة الناشئة ~~عن «الثالثاث» التي عدوها تنافرا ... مع أنها أكثر التآلفات ~~إمتاعا، وهي ضرورية إلى حد أن موسيقانا بدونها تكون مفتقرة إلى ~~أروع مظاهر جمالها، ويكون الكنترابنط ~~( # counterpoint ~~) لا طعم له، وسائرا ~~على وتيرة واحدة. # 21 # ولم تصبح إيطاليا مركز الحياة الموسيقية إلا بعد مضي قرن آخر ~~من عصر فيتشينو، ولكن كلامه عن «الثالثاث» بوصفها متآلفة يعني أن ~~استخدامها قد عرف في موسيقى عصر النهضة الإيطالية. أما إذ شئنا أن ~~نبحث عن المكان الذي تطورت فيه الموسيقى في القرن الخامس عشر، ~~فعلينا أن نلتمسه في الأراضي الواطئة لا في إيطاليا. ولنستمع في ~~هذا الصدد إلى ما قاله «ألبرخت دورر # Albrecht ~~Duerer ~~» في اليوميات التي سجل فيها أسفاره عن ~~رحلته إلى الأراضي الواطئة في تاريخ متأخر هو 5 من أغسطس عام ~~1520م: «إن كنيسة نوتردام في أنفرس من الضخامة، بحيث تغنى فيها ~~عدة قداسات في وقت واحد دون أن يختلط أحدها بالآخر. وتغدق على ~~الموسيقى هناك هبات سخية، بحيث يستخدمون أحسن من يمكن الحصول ~~عليهم من الموسيقيين.» ms106 ولا شك أن تقلبات الحروب تفسر لنا السبب ~~في تدهور باريس من الوجهة الفنية في القرن الخامس عشر، بعد أن كانت ~~أعظم مراكز الموسيقى خلال القرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع ~~عشر. # القسم الرابع: الفلسفة الجمالية لموسيقى عصر النهضة # أصبح لفن البوليفونية، الذي وضعته المدرسة الفرنسية، أهمية ~~جمالية كبرى في مدرسة «كامبري # Cambrai ~~». وفي هذه المدرسة، التي ~~تحكمت في الأذواق الموسيقية لأوروبا طوال قرن من الزمان، ~~ظهرت شخصيات لامعة مثل «بانشوا # Binchois ~~» و«دوفي # Dufay ~~»، وأصبحت بلدة «كامبري» في ~~بورجونيا، مركز الموسيقى في القرن الخامس عشر. وهناك في بلاط ~~بورجونيا، كان يعيش «شارل الجسور # Charles the ~~Bold ~~» في أروع وأفخم بلاط في أوروبا كلها. وكان ~~شارل راعيا سخيا للفنانين، كما كان هو ذاته موسيقيا ذا شأن. ~~وكانت مدرسة كاتدرائية كامبري هي المصدر الذي يجلب منه البابا ~~والملك الموسيقيين الموهوبين. # وكان جيوم دوفي (حوالي 1400-1474م) أبرز شخصيات المدرسة ~~البورجندية. وقد تلقى تدريبه مع المجموعة الغنائية (الشمامسة) ~~لكاتدرائية كمبري، ثم انضم إلى المجموعة البابوية. وبفضل أسفاره في ~~مراكز موسيقية هامة أخرى بأوروبا عرف مختلف الاتجاهات الموسيقية ~~لموسيقيين كثيرين ملتحقين بخدمة الملوك أو الكنيسة. وقد أثرت كل ~~هذه الاتجاهات في موسيقاه هو وفي النظرة الجمالية البورجندية بوجه ~~عام. وبفضل إرشاده تشربت المدرسة البورجندية بروح التحرر الذهني ~~والحساسية التشكيلية التي كانت تتميز بها الحياة الإيطالية في عصر ~~النهضة. كذلك فإن الموسيقي، في بورجونيا، كان يؤلف ألحانه في ~~جو يشجع على الانفصال القاطع بين موسيقى الكنيسة وبين الموسيقى ~~الدنيوية. # وكانت الموسيقى البورجندية تختلف في نواح كثيرة عن الموسيقى ~~القوطية. صحيح أن جذور المدرسة البورجندية ترجع إلى الموسيقى ~~القوطية التي سبقتها، غير أن الموسيقي البورجندي كان يكتب ~~موسيقاه على أسس وقواعد أدق وينفر من فكرة «الارتجال»، التي ~~كانت سائدة في التفكير الجمالي للقرن الرابع عشر. وهكذا كان ~~الموسيقي البورجندي يؤلف موسيقاه في قالب تقليدي يقتضي من ~~العازف التزاما دقيقا للمدونة الموسيقية. وكان لبحث عصر النهضة ~~عن القوالب الفنية اليونانية تأثير مباشر في الموسيقي، الذي أراد ~~بدوره أن ms107 يداري روح العصر. وهكذا أصبح احترام القالب والتصميم ~~الشكلي واضحا في الموسيقى بقدر ما كان واضحا في التصوير ~~والنحت. # وقد ابتعد الموسيقي البورجندي عن تلك الأنغام القوطية التي كان ~~يعدها أنغاما خشنة عتيقة، وكان الموسيقي القوطي قد استخدم الجواب ~~«الأوكتاوف» والرابعة والخامسة بالطريقة التقليدية حتى استهلكها. ~~وأما الموسيقي البورجندي فلجأ إلى الثالثة، بل وإلى السادسة، مما ~~أرسى موسيقاه على مقامية أكمل. ومن المظاهر الأخرى للتضاد بين ~~التفكير الموسيقي الجمالي للمدرستين القوطية والبورجندية، خشونة ~~موسيقى المدرسة الأولى وجمودها، وانسياب موسيقى المدرسة الثانية ~~وطابعها الغنائي العذب. وأتاح هذا الطابع الغنائي في الموسيقى ~~البورجندية للمؤلف أن يستغل الإمكانات الموسيقية للصوت ~~البشري. # وكانت الموسيقى التي يكتبها المؤلف البورجندي تزيد النص ~~الكلامي ثراء، على حين أن المؤلف القوطي كثيرا ما كان يتجاهل ~~العلاقة بين الموسيقى والنص. وكان المؤلف القوطي أميل إلى ~~إظهار اهتمامه بعرض براعته ومقدرته الفنية التكنية منه إلى تنمية ~~الحساسية بجمال التصميم والشكل على النحو الذي تميزت به أعمال ~~الموسيقيين البورجنديين. وكان الأسلوب الشائع في الموسيقى القوطية ~~- وهو وضع عدة ألحان متضادة لعدد من النصوص المتباينة - جريئا ~~من الوجهة الموسيقية بقدر ما كان استعراضيا. غير أن مظاهر ~~التقابل والاستعراض هذه كانت بعيدة كل البعد عن الأفكار الجمالية ~~الموسيقية في المدرسة البورجندية، ومع ذلك فإن الطبيعة الهادئة ~~للموسيقى البورجندية قد ضيقت نطاق إمكاناتها العاطفية؛ إذ كانت ~~بطبيعتها عاجزة عن التعبير عما فيه بطولة وفخامة وجلال، وانعكست ~~عليها فلسفة عصر النهضة؛ لأنها استسلمت للروح التأملية السائدة ~~في ذلك العصر. كان الموسيقي البورجندي أفلاطونيا دون أن يدري في ~~نظريته الجمالية إلى الموسيقى؛ إذ إنه إلى اهتمامه الزائد بالقالب ~~وبملاءمة الموسيقى للنص، كان يطبق بالبداهة رأي فيتشينو القائل ~~إن النشاط الفني شأنه شأن سائر مظاهر الحياة الروحية، مبني على ~~الاعتدال والتأمل. # وكان جان فان أوكيجيم # Jan Van ~~Ockeghem ~~(1430-1495م) موسيقيا بارزا سيطرت ~~شخصيته على النصف الثاني من القرن الخامس عشر. وقد درس على ~~«روفي»، وكان هو ذاته أستاذ أعظم موسيقيي عصر النهضة «جوسكن دي ~~بريه # Josquin des ms108 Pres ~~» ~~(1450-1521م)، الذي أشار إليه مارتن لوثر باحترام عميق، وتحدث ~~عن فنه على أنه ينطوي على كل ما هو رائع في الموسيقى. # وقد أسهمت إنجلترا أيضا بنصيبها في موسيقى عصر النهضة، فكان ~~الموسيقيون الإنجليز يجرون تجارب واسعة في المسافات والألحان ~~الموسيقية، بل إننا نجد في كتابات «دنستبل # Dunstable ~~» (المتوفى عام 1453م) ~~إدراكا غامضا للعلاقة الهارمونية بين تآلف هارموني وآخر، بدلا ~~من الطريقة التقليدية في استخدام كل تآلف هارموني دعامة للحن ~~فحسب. ولم يرتفع موسيقي آخر بين الإنجليز في عصر النهضة إلى ~~مكانة تعلو على مكانة دنستبل سوى بيرد # Byrd ~~(1542-/3-1623م). # وفي إيطاليا كان الأفلاطونيون لا يزالون صامدين في مواقعهم في ~~ميدان الفلسفة والفن، بعد أن أفادوا كل الفائدة من تلك الآفاق ~~الأدبية الجديدة التي فتحتها أمامهم دراسة اللغة اليونانية، بل ~~إن خصومهم الأسططاليين ذاتهم قد ثاروا واعترضوا على التفسير ~~المتحجر الذي كانت الكنيسة تفرضه على مؤسس اللوقيوم «أرسطو»، ~~وعندما حل القرن السادس عشر لم تطق الكنيسة صبرا على هؤلاء ~~الخوارج، وقدمت عددا منهم لمحاكم التفتيش، حتى يتراجعوا عن ~~معتقداتهم أو يواجهوا الموت. غير أن الكنيسة لم تستطع أن تقضي على ~~هذا الاتجاه إلى النزعة الإنسانية ، لا في المجال العقلي ولا في ~~المجال الفني. ولما كان الموسيقي قد تأثر بدوره بهذا الاتجاه ~~في تفسير الفلسفة الأفلاطونية، فقد بدأ يؤكد أهمية النص ويضحي ~~بالكنترابنط ( # counterpoint ~~) ~~واللحن، لا لأن الكنيسة كانت تحبذ مثل هذه الفلسفة الموسيقية، ~~بل لأن المثل الأعلى للنزعة الإنسانية، وهو محاكاة اليونانيين، كان ~~مبنيا على القاعدة القائلة إن على الموسيقى أن تضفي على النص ~~الشعري ثراء. والواقع أن موسيقي عصر النهضة قد أصبح أفلاطونيا ~~تماما، وأكد الفكرة القائلة إن وظيفة الموسيقى هي تجميل الكلمة ~~المكتوبة، واستخلاص كل إمكاناتها العاطفية في سياقها الأدبي؛ بحيث ~~يكون لكل بيت شعري أقوى تأثير ممكن في السامع، وفي هذا نجد ~~الأساس الجمالي لفن «الغناء آكابلا # a ~~cappella ~~» # 22 # في عصر النهضة. # وفي عام 1532م نشر أحد تلاميذ جوسكان، اسمه «أدريان بتي كوكليكوس # Adrian Petit Coclicus ms109 ~~» (حوالي ~~1500-1563م) مؤلفا أطلق عليه اسم «الموسيقى بالأسلوب الجديد # Musica Reservata ~~» ونسبه إلى ~~أستاذه الفلمنكي المشهور. وأساس هذا الكتاب مذهب جمالي يؤكد «فكرة ~~المشاعر» وزيادة الكلمة المكتوبة عمقا عن طريق الموسيقى. وترجع ~~جذور «فكرة المشاعر» هذه إلى كتابات أفلاطون وأرسطو. كما بحثت في ~~مؤلفات نكولاس دي كوزا في أوائل عصر النهضة. وقد ظلت هذه الفكرة ~~متغلغلة في الدراسات الفلسفية للقرون التالية، وإن لم يظل لفظ ~~«المشاعر # affections ~~» يستخدم ~~دائما بنفس المعنى الذي كان يستخدمه الفلاسفة القدماء في عصر ~~النهضة. # وقد أصبحت روما مركزا للموسيقى الدينية في القرن السادس عشر، ~~واجتذب مقر البابا أشهر المواهب الموسيقية في أوروبا، في نفس ~~الوقت الذي كان يحارب فيه الوثنية الدنيوية للنزعة المتحررة ~~في عصر النهضة وحركة الإصلاح الديني البروتستانتية. وقد تأثر ~~الموسيقي الهولندي أورلاندو دي لاسو # Orlando di ~~Lasso ~~(حوالي 1532-1594م) وزميله الإيطالي العميق ~~التدين بالسترينا # Oalestrina ~~(حوالي 1525-1594م) بحركة مقاومة البروتستانتية، وكانت تلك فترة ~~تطهير داخلي عام في الكنيسة الكاثوليكية، من الوجهتين الفلسفية ~~والفنية. وكما أن مجمع لاودقيا قد قام، في السنوات الأولى ~~للمسيحية، بدور عظيم الأهمية في تحديد طبيعة موسيقى الكنيسة ~~البيزنطية، بتحريمه استخدام الآلات، واشتراك مهرة المصلين في ~~غناء التراتيل، فكذلك تحكم مجمع «ترنتينو» (1545-1563م)، والمجلس ~~البابوي الخاص (1564م) في المجرى المقبل لموسيقى الكنيسة ~~الكاثوليكية في القرن السادس عشر؛ فقد اعترض رجال الكنيسة على ~~البوليفونية لتجاهلها للنص، وتأكيدها للجانب الدنيوي في الموسيقى، ~~ورددوا ما قيل في مجمع لاودقيا، وأضافوا إليه أن الكنيسة تستخدم ~~في الشعائر آلات تزيد عما ينبغي استخدامه، وكرروا شكوى رجال ~~الكنيسة السابقين من أن المغنين لا يبدون الاحترام اللازم ~~للكلمات، وإنما يضحون بالنطق الصحيح لها، حتى يمكنهم أن ~~يستعرضوا قدراتهم الصوتية. # ولسنا ندري تماما ما هي النتائج التي وصل إليها الكرادلة، ولكنا ~~نعلم أنهم ذهبوا إلى أن كل موسيقى لا تتفق مع جلال الصلاة ~~وتقاليدها ينبغي أن تحرم. وهكذا فإن الفواصل والاسترسالات ~~«التروبس» و«السكوينسات» # torpes and ~~sequences # قد حذفت من مجال الموسيقى الشعائرية، ~~باستثناء القليل من مقطوعاتها المحببة ms110 إلى النفوس. ولم تكن ~~البوليفونية في عمومها مرضيا عنها؛ إذ إنها كانت منذ بداياتها ~~الأولى عاملا من عوامل فقدان وقار موسيقى الكنيسة وبساطتها، ~~وصبغها بصبغة دنيوية. وقد بحث الكرادلة الفكرة القائلة إن مصلحة ~~العقيدة المسيحية تستدعي استبعاد كل موسيقى من شعائر الصلاة فيما ~~عدا التراتيل الدينية، ولكنهم لحسن الحظ لم يأخذوا بهذه ~~الفكرة. # وفي الوقت الذي كانت الكنيسة فيه تحارب المؤثرات الدنيوية ~~التي كان يعتقد أنها تؤدي إلى إفساد شعائر العبادة، كانت ~~الرغبة في التعبير العقلي والفني تزداد انتشارا، وتتجاوز الباحثين ~~النظريين والفنانين الممارسين إلى عامة الناس. وقد كتب الفيلسوف ~~«مونتني» (1533-1592م) عن أسفاره في إيطاليا يقول إنه دهش إذ رأى ~~الفلاحين في توسكانيا «يمسكون العود في أيديهم، وإلى جانبهم ~~الرعاة ينشدون أشعار أريوستو # Ariosto ~~، # 23 # التي يحفظونها عن ظهر قلب، وهذا أمر يمكن أن يراه ~~المرء في جميع أنحاء إيطاليا.» وقد ازدهرت فرق العازفين ~~والمغنين في كل أرجاء أوروبا في القرن السادس عشر. وأصبحت ~~الآلات الموسيقية من الكماليات البهيجة التي يحرص الناس العاديون ~~على اقتنائها في بيوتهم، وانتشرت الاجتماعات الموسيقية ~~الارتجالية، وكان ذلك عصرا ألم فيه العامة أنفسهم بأسرار ~~الموسيقى، وفي جو التنوير والثقافة الذي ساد عصر النهضة هذا، ظهر ~~فن «المدريجال # madrigal ~~»، وتطور ~~بوصفه شكلا متقدما من أشكال البوليفونية الغنائية. # ولم يكن الباحثون النظريون في عصر النهضة يعرفون الكثير عن ~~الموسيقى اليونانية ذاتها، ولقد أرادوا بعث الروح اليونانية ~~الكلاسيكية من جديد، ولكنهم لم يكن لديهم من الموسيقى اليونانية ~~الفعلية ما يسترشدون به؛ فقد بنوا نظرياتهم الجمالية على كتابات ~~الفلاسفة اليونانيين وفلاسفة العصر اليوناني الروماني. وقد أكدت ~~الأبحاث الفلسفية من العصور القديمة أهمية الجوانب الرياضية ~~والأخلاقية للموسيقى، ورددت المذهب الميتافيزيقي في انسجام ~~الأفلاك، وهو المذهب الذي ربط فيه الفيثاغوريون بين الموسيقى وبين ~~الانسجام الكوني. # وقد أراد الموسيقي في عصر النهضة أن يحاكي الشاعر والمغني ~~اليوناني، وكان أفلاطون قد ذكر أن هذا الشاعر المغني اليوناني ~~كان في العصر الذهبي لليونان يؤلف ألحانه على إيقاع النص الشعري ~~ووزنه. وهذا عين ما ms111 فعله موسيقي عصر النهضة في فورة تحمسه ~~لإيجاد توازن مثالي بين النص الكلامي وبين الموسيقى. وهكذا أعلن ~~«هيرمان فنك # Hermann Fink ~~» في ~~كتابه «ممارسة الموسيقى Practica ~~Musica ~~» (1556م) أنه «إذا كان الموسيقيون القدماء ~~قد برعوا في معالجة الأساليب القياسية المعقدة، فإن الموسيقيين ~~الأحدث عهدا قد فاقوهم في جمال اللحن # euphony ~~، وهم حريصون كل الحرص على ~~أن يوائموا بين الأنغام وألفاظ النص، حتى يعبروا عن معناها ~~وروحها بأكثر قدر من الوضوح.» # 24 # وقد ميز بيترو آرون Pietro ~~Aron ~~(حوالي 1490-1545م) تمييزا واضحا بين مفهوم ~~التأليف الموسيقي الخلاق في عصر النهضة، وبين الأساليب الحالية ~~للموسيقيين القوطين، فكتب (في عام 1523م) يقول: «إن موسيقى ~~المحدثين أفضل من موسيقى الأقدمين؛ لأنهم ينظرون إلى جميع الأسطر ~~اللحنية ككل، ولا يؤلفون لصوت بعد آخر.» # 25 # وقد ظهر في موسيقى «دنستبل» مجهود غير واع في اتجاه ~~التأليف بواسطة تآلفات هارمونية رأسية، ولكن كان لا بد من ~~الانتظار حتى الفترة المتأخرة من عصر النهضة، لكي ينصرف الموسيقي ~~بطريقة واعية عن الكتابة الأفقية لأسطر لحنية تؤدى في وقت ~~واحد (أي كنترابنطية) إلى الكتابة لتآلفات هارمونية رأسية؛ ففي ~~الأشكال القديمة للموسيقى كان الموسيقي يؤلف ألحانه بالأسلوب ~~الأفقي التقليدي الذي يقوم على كتابة أسطر لحنية لأصوات متعددة ~~تؤدى في وقت واحد؛ أي بالأسلوب الكنترابنطي. غير أن موسيقي ~~عصر النهضة قد بدأ يفكر في الموسيقى، ويستمع إليها، لا على أنها ~~أصوات مستقلة أو سطور لحنية ، بل على أنها مجموعات نغمية منظمة ~~في تآلفات هارمونية رأسية ترتبط توافقيا بما يسبقها وبما ~~يليها. # ولقد كرس أدباء عصر النهضة وكتابه فنهم ومواهبهم لتمجيد ~~الماضي، وحفزهم على ذلك اعتقادهم بأنهم لو تجاهلوا التراث ~~القديم المجيد لضاع هذا التراث في زوايا النسيان ألف سنة أخرى. ~~وهكذا نجد الباحث هنيريخ لوريس # Heinrich ~~Loris ~~(1488-1563م) أو جلاريا نوس # Glaseanus ~~، يمتدح «جوسكان دي بريه» ~~بوصفه تجسيدا لروح النزعة الإنسانية، ويحذر من أن أي تغيير في ~~أسلوبه يكون انحرافا عن الروح الحقيقية للمذهب الكلاسيكي. كذلك ~~فإن الموسيقي والباحث النظري جوزيفو زارلينو ms112 # Gisoseffo Zarlino ~~(1517-1590م) ~~الذي عاش في فينيسيا، يرسم صورة مثالية لموسيقى العالم القديم، ~~ويفخر بما صنعه عصره من أجل بعثها من جديد، ويرفض صراحة موسيقى ~~العصور الوسطى التي تبدو في نظره ضربا من السفسطة الفنية وهو ينظر ~~إلى الموسيقى على أنها محاكاة للطبيعة، ويحاول أن يستخلص ~~تعاليمه من القانون الطبيعي. ولقد كان هو أول من عالج الهارمونية ~~من خلال فكرة «الثلاث # triad ~~» (أي ~~التآلف الهارموني المكون من ثلاث نغمات) لا المسافة ~~( # niterval ~~)، وأول من أدرك أهمية ~~التضاد الأساسي بين الديوان الكبير ~~( # major ~~) والديوان الصغير # minor ~~، وأول من حاول تقديم ~~تفسير عقلي للقاعدة القديمة التي تمنع استخدام الخامات ~~والأوكتافات المتوازية، وبناء على اقتراحه شرع في إصدار أول طبعة ~~لكتاب «الهارمونيات لأرسطوكسينوس» (في ترجمته اللاتينية). # 26 # ولقد كان تلميذه «نكولا فيتشنتينو # Nicola ~~Vicentino ~~» (1511-1572م) أكثر تحمسا من أستاذه ~~ذاته في محاولة إقامة فلسفة جمالية للموسيقى تربط بين أساليب عصر ~~النهضة وبين الفلسفات الموسيقية لليونانيين. وقد ميز بين ~~الموسيقى الدينية والموسيقى الدنيوية؛ فالموسيقى الدينية في رأيه ~~ينبغي أن تكون مبنية على نص ديني، وأن تكون ألحانها ذاتها مشجعة ~~على التقوى والعبادة، فيجب أن تبدأ بداية وقورة تبث الخشوع في ~~النفس، ويجب أن يكون تركيبها بوليفونيا رنانا لكي يكون في صوتها ~~جلال وفخامة، ويكون لها من الهدوء ما يطمئن النفس الحائرة. وكان ~~تأثير أفلاطون وأوغسطين مسيطرا على تعاليمه الجمالية، فوجد لدى ~~القدماء حلا لمشكلة التزاوج الكامل بين الكلمات والألحان. ولقد ~~رأينا أن أفلاطون الوثني وأوغسطين المسيحي يعتقدان أن اللحن يجب أن ~~يكون معتمدا على النص، وأن الموسيقى ينبغي أن تكون أداة في يد ~~المؤلف يجمل بها بيتا شعريا أو نصا دينيا. وها هو ذا ~~فتشنتينو، ابن عصر النهضة، يقتدي بالقدماء في قوله إن الكلمة ~~والمفهوم الفكري ينبغي أن يسيطرا على اللحن؛ فمهمة الموسيقى هي ~~إثراء النص وبعث الحياة في الكلمة المكتوبة. # الفصل الرابع # | الموسيقى البروتستانتية # القسم الأول: لوثر # كان مارتن لوثر (1483-1546م) في الأصل رجل علم أصبح راهبا، ~~ثم تحول إلى مصلح عندما ثار ms113 على الأساليب الفاسدة التي يتبعها ~~كبار رجال الكنيسة الكاثوليكية. وقد قسم الديانة المسيحية للحضارة ~~الغربية إلى شعبتين في نفس اليوم الذي ثبت فيه قضاياه الخمس ~~والتسعين الشهيرة على باب كنيسة فتنبرج # Wittenberg # في 31 من أكتوبر عام ~~1517م؛ فبهذا العمل الذي تحدى به لوثر السلطة القائمة في روما ~~كشف مساوئ رجال الكنيسة الكاثوليكية لجمهور الناس في ألمانيا، ~~وبذلك أصبح مارتن لوثر أول وأعظم قائد لحركة الإصلاح ~~البروتستانتية، وذلك من الناحيتين اللاهوتية والنفسية معا. وقد ~~تركت رحلته الأصلية إلى روما، التي قام بها لأمور تتعلق بطائفته، ~~انطباعات لاهوتية وموسيقية عميقة في نفسه؛ ففي روما أدرك بوضوح ~~مدى التعارض بين انغماس البابوية في الأمور الدنيوية وبين مبادئ ~~الرهبنة التي كان يتمسك بها. وفي هذه المدينة البابوية أيضا ~~اتصل بمشاهير الموسيقيين الذين كان البابا قد دعاهم إلى روما. وعرف ~~موسيقى «جوسكان دي بريه» الذي قال عنه فيما بعد: إن جوسكان دليل ~~على أن الرب يدعو إلى الكتاب المقدس بالموسيقى؛ إذ إن ألحانه تنساب ~~في سهولة ويسر ورقة وتلقائية، وهي كشدو البلبل لا تتقيد بقاعدة ~~أو تلتزم بقانون. # وقد كتب لوثر في كتابه «مدح الموسيقى # Eulogy of ~~Music ~~» يقول: «إن الموسيقى لتثير كل انفعالات قلب ~~الإنسان؛ فلا شيء في العالم أقدر من الموسيقى على أن يجعل الحزين ~~فرحا، أو الفرح حزينا، وعلى أن يكسب اليائس شجاعة، ويجعل ~~المغرور متواضعا، ويخفف مشاعر الحسد والكراهية.» # 1 # وفي رسالة كتبها في موضع آخر يقول: «هناك دون شك، ~~بذور من الفضائل الرفيعة في قلوب أولئك الذين تحركهم الموسيقى، ~~على حين أن أولئك الذين لا يتأثرون بها ينبغي أن يوصفوا بأنهم ~~صخور وأحجار جامدة، وإنا لنعلم أن الشيطان يكره الموسيقى ~~ويخشاها، ولكني لا أتردد في القول إنه لا يوجد بعد اللاهوت فن ~~يمكن أن يعد نظيرا للموسيقى؛ فالموسيقى واللاهوت هما وحدهما ~~القادران على إسعاد النفوس القلقة وبث الطمأنينة فيها. وهذا يثبت ~~بوضوح أن الشيطان، الذي هو مصدر كل شقاء وهم يهرب من الموسيقى ~~مثلما يهرب من اللاهوت؛ ولهذا السبب ms114 مارس الأنبياء فن الموسيقى كما ~~لم يمارسوا أي فن آخر؛ فهم لم يربطوا بين لاهوتهم وبين الهندسة ~~أو الحساب أو الفلك، وإنما ربطوه بالموسيقى، وعن طريق الموسيقى ~~دعوا إلى الحقيقة بالترتيل والمزامير.» # 2 # وكان لوثر يرى أن القديس أوغسطين كان يحس بتأنيب ~~الضمير كلما اكتشف أنه قد وجد في الموسيقى لذة وسعادة؛ إذ كان ~~يعتقد أن في مثل هذه المتعة خطيئة وإثما. لقد كان تقيا بمعنى ~~الكلمة، ولكنه لو كان يعيش اليوم لاتفق معنا على أن ... # 3 # وكان لوثر يعزف على العود والناي ويستمتع بغناء الأناشيد ~~الجريجورية والقداسات «والموتيت» والأغاني الموزعة توزيعا ~~كنترابنطيا. وكان يعجب بفن البوليفونية أيما إعجاب، وفيه يقول: ~~ما أعجب وما أروع أن يغنى صوت نعمة بسيطة لا تعقيد فيها أو ~~نغمة التينور كما يسميها الموسيقيون! وفي نفس الوقت تغنى ~~ثلاثة أصوات أو أربعة أو خمسة أخرى؛ بحيث إن هذه الأصوات تدور حول ~~النغمة الأولى، وتلهو حولها في طرب ومرح وتزينها وتجملها ~~بفن متنوع وبصوت رنان، وتجمعها الأنشودة السماوية في لقاء ~~وعناق جميل؛ بحيث إن من لديه أبسط قدر من الفهم لا بد أن ~~يتأثر ويعجب أيما إعجاب، ويدرك أنه لا شيء أنفس في العالم من ~~أغنية يزينها مثل هذا العدد من الأصوات. أما من لا يستمتع بهذه ~~الأصوات، ولا يتحرك قلبه لهذه الروعة فلا بد أن يكون فظا غليظ ~~القلب، غير جدير بمثل هذه الموسيقى الخلابة، وخير لشخص كهذا أن ~~يستمع إلى نهيق الحمير في الكورال (الجريجوري)، أو إلى نباح الكلاب ~~والخنازير، لا إلى مثل هذه الموسيقى. # 4 # وكان لوثر، كأسلافه الكاثوليكيين، لا يعترض على تحويل الأغاني ~~الدنيوية إلى أغان دينية تلائم الحاجات البروتستانتية. كما أنه ~~عدل شعائر الصلاة الكاثوليكية، وأدخل تراتيل دينية بسيطة ~~باللغات القومية ينشدها جمهرة المصلين، حتى يتيح لكل فرد منهم ~~فرصة الاشتراك إيجابيا في هذه الشعائر. وهكذا كتب إلى جيورج ~~شبالاتين # George Spalatin # في عام ~~1524م يقول: لقد استقر عزمنا على أن نحذو حذو الأنبياء وآباء ~~الكنيسة، ونؤلف أغاني ألمانية للشعب الألماني، ms115 حتى تتردد ~~كلمة الرب في غناء الشعب، ونحن بسبيل البحث عن شعراء وموسيقيين من ~~كل مكان لتحقيق هذا الغرض، وإني لأسألك أن تتعاون معنا في هذا ~~الموضوع، وتحاول ترجمة بعض المزامير وإعدادها للغناء، وستجد مع ~~خطابي هذا نسخة من أنشودتي «في محنتي أستنجد بك # Aus tirfer Not Schrei ich zu ~~dir ~~». ومع ذلك فإني أرجوك أن تتجنب الألفاظ ~~الجديدة والمصطلحات المعقدة، حتى يفهما الناس بسهولة، فلتكن ~~الألفاظ بسيطة بقدر الإمكان، ولتكن في الوقت ذاته نقية ~~مناسبة، وعليك أن تراعي أن يكون المعنى واضحا وقريبا من ~~المزامير بقدر الإمكان؛ ولذلك فإني أترك لك حرية التصرف في هذا ~~الموضوع، وتحديد المعنى الأصلي ثم ترجمته بحرية. # 5 # وبعد عام من ذلك التاريخ، أضاف لوثر في كتابه «ضد الأنبياء ~~السماويين» قوله: «على الرغم من استعدادي للسماح بترجمة النصوص ~~اللاتينية للموسيقى الغنائية، وموسيقى المجموعة إلى اللغات القومية ~~مع الاحتفاظ بالأنغام الأصلية والإطار الموسيقي، فإني أعتقد أن ~~النتيجة لا تبدو مرضية أو ملائمة؛ فمن الواجب أن يكون النص، ~~والعلامات والنبرات والنغمة، وكذلك التعبير الخارجي بأكمله، ~~امتدادا أصيلا للنص الأصلي ولروحه، وإلا لكان كل شيء أشبه ~~بالتقليد الأعمى.» # 6 # ولم يقتصر لوثر على التعلق بموسيقى الكنيسة الأم، بل إنه كان ~~يقتبس كثيرا من الأغاني الكاثوليكية لكي يثري العقيدة ~~البروتستانتية فنيا. وقد اعترف صراحة، في تعليق له على مجموعة ~~من تراتيل الجنازات ظهرت عام 1542م: «لقد أردنا أن نضرب لغيرنا ~~مثلا طيبا، فاخترنا بعض قطع من الموسيقى والأناشيد الجميلة ~~المستخدمة في البابوية، في التسابيح وقداسات الموتى والجنازات، ~~ونشرنا بعضا منها في هذا المجلد ... ومع ذلك فقد غيرنا النصوص، ولم ~~نحتفظ بتلك التي تستخدم في البابوية ... والواقع أن الأغاني ~~والموسيقى جميلة حقا، وإنه ليكون أمرا يؤسف له لو اندثرت.» # 7 # وكثيرا ما كان لوثر ينضم عندما كان طالبا إلى رفاقه الشبان في ~~غناء الأناشيد المدرسية. وكان دائما ذا ذوق رفيع في حبه ~~للموسيقى، ومنذ أيام دراسته كان في كثير من الأحيان يغني ويعزف ~~مع أصدقائه ألحان كبار الموسيقيين الفلمنكيين ms116 والألمان، بصوته ~~«التينور» الجميل والآلة الموسيقية الأثيرة عنده، وهي العود # lute ~~، وكان يطرب للموسيقى ~~الدنيوية حتى وهو راهب، ولكن نظرته إلى الموسيقى كانت تتضمن من ~~فلسفة أوغسطين قدرا أعظم مما جرؤ على الاعتراف به، وذلك في ~~حملاته المتعددة على ما اعتبره أغنيات دنيوية حسية فاسدة في ~~أيامه. وقد تتبع، بوصفه رائد البروتستانتية، الدور التاريخي ~~الهام الذي قامت به الموسيقى في سبيل دعم المسيحية، ولخص المهمة ~~التي رأى أن على الموسيقى أن تضطلع بها من أجل نشر المذهب ~~البروتستانتي، فكتب يقول: «إن كل مسيحي يعلم أن عادة غناء ~~الأناشيد الروحية نافعة ترضي الله؛ إذ إن الجميع يتعلمون أن ~~الغناء لم يقتصر على أنبياء بني إسرائيل وملوكهم (الذين كانوا ~~يسبحون بحمد الله بموسيقى الصوت البشري والآلات، وبالأغاني ~~والعزف على الأوتار)، بل إن المسيحيين الأوائل، الذين كانوا ~~يغنون المزامير على الأخص، كانوا يستخدمون الموسيقى في المراحل ~~الأولى من تاريخ الكنيسة، بل إن القديس بولس قد شجع استخدام ~~الموسيقى (1-14) وأكد في رسالته إلى «القولوسيين» أن على المسيحيين ~~أن يقفوا أمام الرب بالمزامير والأغاني الروحية الصادرة عن القلب، ~~حتى يتسنى بفضل هذه الموسيقى تعليم كلمة الرب وتعاليم المسيحية ~~والدعوة إليها وممارستها. ولقد قمت، واضعا كل هذا نصب عيني، ~~بجمع عدد من الأغاني الروحية بالاشتراك مع عدة أفراد آخرين، حتى ~~يتسنى البدء في إعداد هذه المادة وجمعها، وحتى نشجع غيرنا، ممن ~~هم أقدر منا على هذا العمل، على القيام به. وقد وزعت الموسيقى ~~في أربع أسطر لحنية تؤديها الأصوات في وقت واحد. وهذا ما أريده ~~لصالح الشباب خاصة؛ إذ إن من الواجب أن يتلقى هؤلاء تعليما في ~~الموسيقى وفي غيرها من الفنون إذا شئنا أن نصرفهم عن الأغاني ~~الحسية الشهوانية ، ونجعلهم يتعلقون بما هو خير ونافع؛ فبهذه ~~الطريقة وحدها يتعلمون - كما ينبغي أن يفعلوا - أن يحبوا ~~ويتذوقوا ما هو خير في ذاته، وأنا لست من أصحاب الرأي القائل إن ~~الكتاب المقدس وحده يكفي، وإن من الواجب رفض كل الفنون واستبعادها ~~نهائيا، كما يقول أصحاب المذهب ms117 المخالف، وإنما أود أن تستخدم ~~الفنون كلها، ولا سيما الموسيقى، في خدمة الإله الذي وهبنا إياها وخلفها.» # 8 # وكان لوثر يدعو إلى أن يحصل كل طفل بروتستانتي على تعليم ~~موسيقي، فكتب يقول: «إنني، من جانبي، أقول إنه لو كان لدي أطفال، ~~وكان في مقدوري تنفيذ هذا الأمر، لأصررت على ألا يقتصر تعليمهم ~~على اللغات والتاريخ، بل يشتمل أيضا على الغناء، والموسيقى ~~والرياضيات جميعها. أليست هذه كلها ملائمة لسن الطفولة، وهي التي ~~كان اليونانيون يدربون عليها أطفالهم في سالف الأزمان، ثم يشب ~~هؤلاء الأطفال رجالا ونساء ذوي مقدرة هائلة، يصلحون لمواجهة كل ~~مقادير الحياة؟» # 9 # ولقد كانت الأهمية الأخلاقية التي نسبها لوثر إلى الموسيقى - ~~وهي أحد الفنون الحرة - متمشية بدورها مع النزعة الأخلاقية ~~اليونانية؛ فقد كان لوثر بدوره يعد الموسيقى مبحثا عقليا. ~~وظلت الموسيقى في نظر لوثر، كما كانت في نظر أوغسطين، وسيلة ~~لرياضة النفس وتهذيبها أخلاقيا، كفيلة في رأيه بأن تجعل الناس ~~«أرق وأهدأ، وأقوى ضميرا، وأرهف إحساسا». # 10 # وقد أوصى لوثر أولئك الذين يعدون أنفسهم لسلك ~~التدريس أو الوعاظ بقوله: «ينبغي أن يكون المدرس قادرا على ~~الغناء وإلا لما اعترفت به، كما ينبغي ألا يقبل الشبان في سلك ~~الوعاظ ما لم يكونوا قد مارسوا الموسيقى، وتعلموها في المدارس.» # 11 # كذلك أشار لوثر إلى فكرة يونانية أخرى هي وحدة ~~الأغنية والرقص والحركات، وهي الفكرة التي اقترحها الفرنسسكاني ~~«روجر بيكون» من أجل تدريب الأطفال الكاثوليك في برنامج التعليم ~~الحر، فكتب لوثر يقول: «عندما تنصرف الفتيات والشبان إلى الرقص ~~الشعبي مع الموسيقى والحركات المناسبة، فإن هذا يكون مظهرا ~~إنسانيا أطرب له أشد الطرب.» # 12 # وبالمثل فإن الرمزية الأخلاقية التي ينسبها لوثر إلى مختلف ~~المقامات الموسيقية تذكرنا بالأفكار الجمالية الموسيقية عند ~~أفلاطون وأوغسطين . وقد انتهى لوثر من بحثه للأناشيد الجريجورية ~~وطبيعة المقامات الثمانية إلى أنه «لما كان المسيح ربا رحيما، ~~ولما كانت كلماته رقيقة، فإنا نود أن نستخدم المقام السادس ~~للإنجيل، ولما كان بولس حواريا جادا، فإنا نود أن نستخدم ~~المقام الثامن لرسالته.» ms118 # 13 # وقد أضاف في موضع آخر يقول: «إن النغمة الرئيسية في ~~الموسيقى هي الإنجيل، والأنغام الأخرى هي القانون، ولما كان ~~الإنجيل يبعث الهدوء والرقة في القانون، فإن الإنجيل يسود الأنغام ~~الأخرى، وهو أعذب الأصوات.» # 14 # كذلك ترددت عند لوثر عادة أخرى ترجع إلى المسيحية الأولى، ~~وهي تفسير الآلات الموسيقية تفسيرا أسطوريا، ولكنه لم يربط بين ~~الآلات الموسيقية وبين جسد المسيح وعذابه، وإنما ربط بين مختلف ~~الآلات وبين غاية الحياة المسيحية. وقد شجع لوثر على استخدام ~~موسيقى الآلات في الشعائر الدينية، ولكنه أكد أن من الضروري أن ~~تكون بسيطة وملائمة من الوجهة الجمالية للشعائر ~~البروتستانتية. # القسم الثاني: كالفان # بدأ على يد المصلح السويسري «أولريخ تسفنجلي # Urich Zwingli ~~» (1484-1531م) رد ~~فعل محافظ على آراء لوثر الفنية في الموسيقى. ولقد كان تسفنجلي ~~شاعرا وموسيقيا لحن أغنيتين من تأليفه هو ووزعهما على ~~أربعة سطور لحنية لأربعة أصوات، بل لقد كان يعزف على الآلات كلها ~~تقريبا. ومع ذلك فإن طبيعته الشاعرية، وبراعته الموسيقية ~~الفائقة لم تمنع روحه الدينية الصارمة من أن تتعمد ترك الأرغن في ~~زوريخ يحطم، بينما وقف عازف الأرغن يشاهد المنظر وهو يبكي ~~عجزا. وقد ازداد كالفان تطرفا في هذا الموقف السلبي عن الموسيقى ~~حين أخذ على عاتقه تقويم نظريات لوثر في وظيفة الموسيقى في الكنيسة ~~والبيت، وكان تسفنجلي وكالفن معا يخشيان أن تؤدي الموسيقى إلى ~~تحول أنظار المؤمنين عن الهدف الحقيقي للدين. # وتتلخص فلسفة «جان كالفان # Jean ~~Calvin ~~» (1509-1564م) الموسيقية في قوله إن ~~الموسيقى «لو أديت على الوجه الصحيح لأتاحت للناس الترويح عن ~~نفوسهم، ولكنها يمكن أن تؤدي إلى إثارة الشهوات ... وعلينا أن ~~ننتبه جيدا، حتى لا تؤدي بنا الموسيقى إلى إطلاق العنان لروح ~~الانحلال، أو إلى بعث الطراوة والرخاوة في نفوسنا حين تغرق في ~~متع لا ضابط لها.» وعلى حين أن لوثر لم يستبعد تماما، في أي وقت ~~من الأوقات، الشعائر الموسيقية للكنيسة الرومانية، فإن أتباع ~~كالفان لم يسمحوا بأية موسيقى دينية في صلواتهم فيما عدا غناء ~~جمهرة المصلين. وكانت الأغاني ms119 الشعبية الفرنسية والإيطالية ~~والألمانية، التي كانت في معظم الأحيان ذات طبيعة حسية مثيرة ~~للغرائز، قد وجدت طريقها إلى قداسات الكنيسة الكاثوليكية، حتى ~~فترة متأخرة من القرن السابع عشر. ومن هنا فإن أتباع كالفان لم ~~يكتفوا بالقول إن مثل هذه الموسيقى، مهما عدلت وفقا ~~لمقتضيات الشعائر، لا تساعد أبدا على إثارة الأفكار والمشاعر ~~الدينية، بل لقد ذهبوا إلى أنها شريرة أصلا؛ إذ إنها تؤكد ~~العنصر الجسدي والدنيوي بدلا من العنصر الروحي المقدس. # وهكذا أخذ المتعصبون الدينيون وأعداء البابوية في سويسرا ~~يهاجمون الكنائس والأديرة لتطهيرها من آخر آثار «الكاثوليكية»، ~~فحطموا آلات الأرغن حتى يستحيل العزف عليها ثانية، ومحوا رسوم ~~المذابح والجدران، حتى لا يخلط المؤمن بين الرمز التصويري وبين ~~ما يمثله الرمز بالفعل، وحطموا التماثيل حتى لا يعبد المؤمنون ~~صورا منحوتة، بل لقد سجنوا الموسيقي «لويس بورجوا # Louis Bourgeois ~~»؛ لأنه غير ~~ألحان عدة مزامير دون إذن. # ولقد كانت ثورة لوثر على الكنيسة الكاثوليكية راجعة إلى فوارق ~~نظرية وعملية في المسائل اللاهوتية، ولكن لم يمض وقت طويل، حتى ~~أدى التعارض السياسي والاجتماعي بين الكاثوليك والبروتستانت إلى ~~تقسيم أشد حدة للمسيحية إلى جماعتين تعادي كل منهما ~~الأخرى، وقد طبق رجال الدين البروتستانت على الموسيقى نفس ~~المقاييس الصارمة حاولوا بها فرض القوانين الأخلاقية، وتنظيم ملابس ~~أفراد طائفتهم وعاداتهم. # وقد نمت لدى أتباع كالفان كراهية متزايدة للقداس والأرغن، ~~وامتد تأثير هذه الكراهية بمضي الوقت إلى اللوثريين. وكان ~~الكالفنيون يتسامحون مع الموسيقى على مضض، بل إنهم أصبحوا ينظرون ~~إليها بمضي الوقت، على أنها نكبة ولعنة بابوية. وبينما ظلت ~~الشعائر اللوثرية تسمح بغناء الألحان الدينية بنصوصها الدنيوية دون ~~أي قيد، فإن الكالفنيين رفضوا هذا النوع ذاته من الألحان، وبدءوا ~~يؤلفون أناشيدهم الدينية الخاصة على أساس المزامير وحدها. # وقد حبذ كالفان، في مقالاته لإصلاح الكنيسة عام 1537م، قيام ~~جمهور المصلين بغناء المزامير في الصلوات العامة. وبعد أن طرد من ~~جنيف في عام 1538م استوطن مدينة ستراسبورج؛ حيث حاول مجاراة لوثر ~~بجمع مجموعة من الأناشيد والمزامير الدينية لكي تستخدم في ms120 ~~كنيسته. وكان كالفان يرى أن شعائر الكنيسة الإصلاحية ينبغي أن ~~تتركز حول الموعظة، حتى يمكنه بالموعظة تعليم الكتاب المقدس ~~وتفسيره. ولما كانت المزامير جزءا من الكتاب المقدس، فقد وجد ~~كالفان لها مكانا في شعائر الصلاة؛ إذ كان يدرك أن الكتاب المقدس ~~يمكن أن يصبح عن طريق الإنشاد أكثر تشويقا للإنسان منه عن طريق ~~الموعظة. وقد حرص كالفان بشدة على أن يحمي الكنيسة الإصلاحية من أن ~~تقع ضحية الطقوس المسرحية للكنيسة الكاثوليكية، فأكد أن من ~~الواجب أن تخلو الصلاة من أي زخرف فني، وأن تقتصر، من الوجهة ~~الموسيقية، على غناء الموجات المنظومة للمزامير وغيرها من فقرات ~~الكتاب المقدس. وقد ظل كالفان متمسكا بالرأي القائل إن من الواجب ~~أداء الصلوات باللغات القومية، حتى يفهمها كل من أقبل ليصلي ~~ويتعلم. # وعلى الرغم من أن كالفان رفض أن يعترف بأي نوع من الموسيقى فيما ~~عدا الغناء البسيط لجمهور المصلين، فقد سمح ببعض التلحينات ~~البوليفونية للنصوص الدينية، وهذه لا يسمح بغنائها إلا في البيت، ~~ومع الأسرة والأصدقاء، لا لمجرد المتعة الفنية، بل لأغراض ~~الإرشاد والتسبيح بحمد الله. وقد دعا كالفان جميع الموسيقيين ~~البروتستانتيين إلى تكريس مواهبهم لإعلاء كلمة الله بتلحين ~~المزامير موسيقيا. غير أن الشروط الجمالية الدينية الصارمة التي ~~فرضها كالفان على الملحنين أدت في معظم الأحيان إلى قصر جهود ~~الموسيقيين الخلاقة على وضع تآلفات هارمونية بسيطة ~~للمزامير. # وقد أكد كالفان ضرورة غناء المزامير بصوت موحد، ودون ~~مصاحبة الآلات، كما ألغى المجموعة الغنائية المتخصصة (الشمامسة)، ~~حتى تكون الشعائر أكثر ديمقراطية، ويتسنى لجمهرة المصلين ~~بأكملهم أن يغنوا مسبحين لله بأفواههم. وعندما كتب الموسيقي ~~الهوجنوتي (أي البروتستانتي الفرنسي) «جوديمل # Goudimel ~~» (حوالي 1505-1572م) ~~الذي كان من أشهر موسيقيي عصره، تلحينا للمزامير موزعا على ~~أربعة أصوات مختلفة، لم ينظر كالفان إلى هذه المحاولة بعين ~~الرضا؛ فهي في رأيه «أعقد من أن تتمكن من غنائها جمهرة المصلين، ~~وإن نفس جو تركيبها التوافقي (الهارموني) لكفيل بأن يحول ~~الانتباه إليها»، وقد كتب كالفان بلهجة تذكرنا بأوغسطين يقول: ~~«من المؤكد أن الغناء إذا ms121 ما وجه إلى ذلك الجلال الذي يليق بحضور ~~الله والملائكة، فإنه يضفي على الأفعال المقدسة مهابة ورقة، ~~ويكون له تأثير فعال في بعث روح الإيمان الحق وحرارته في ~~النفوس. ومع ذلك فلا بد من توخي الحذر الشديد، حتى لا يكون ~~انتباه الأذن لمجرى الأنغام أعظم من انتباه الذهن للمدلول الروحي ~~للألفاظ ... إن أية موسيقى تلحن لكي تطرب الأذن وتسرها فحسب، ~~لا تليق بجلال الكنيسة، ولا يمكن أن تحظى برضاء الله على ~~الإطلاق.» # وكان كالفان يعتقد أن كل فن جدير بهذا الاسم إنما هو هبة من ~~الله للإنسان؛ فالفنون التي تحمل إرادة الله على الأرض فنون ~~صالحة، أما تلك التي لا تقدم إلا المتعة الحسية، ولا تساعد على ~~إعلاء دعوة المسيحية، فما هي إلا أساليب لقهر الإنسان. ولم يكن ~~كالفان يسمح بعزف الآلات الموسيقية في الشعائر الدينية، وقد حرم ~~استخدام الأرغن في الصلوات بالكنيسة لئلا تؤدي موسيقى الأرغن ~~إلى تحويل الأنظار عن معنى الأنشودة الدينية البسيطة. وقد يتجه ~~العازف المغرور للأرغن إلى استعراض براعته في العزف، ويزخرف ~~الموسيقى البسيطة، وهو ما يتنافى مع فكرة كالفان عن الموسيقى ~~الشعائرية؛ ذلك لأن كالفان قد أكد أن الكلمة المقدسة، لا اللحن ~~ولا التوزيع، هي أهم ما في الصلاة. وينبغي ألا تحول آية عقبة دون ~~انصراف جمهور المصلين بكليتهم إلى العبادة. # وقد أثرت فلسفة كالفان الموسيقية في المذهب البروتستانتي ~~بأسره، بحيث أخذ الموسيقيون يكتبون موسيقى لا تحول الانتباه ~~عن التقوى والإيمان؛ فمن حيث الأسلوب نقلت النغمة الغنائية من ~~الصلوات «التينور» التقليدي إلى أحد الأصوات؛ أي السوبرانو. كما ~~اهتموا باللغات القومية، وأكدوا عنصر البساطة، وحذف أي نوع من ~~الزخرف الفني. ومع ذلك فإن العناصر البوليفونية الغنية التي أضافها ~~«كلود لوجين # Claude Le Jeune ~~» ~~(حوالي 1528-1600م) إلى البروتستانتية كانت مناقضة بالفعل لروح ~~الزهد والبساطة الكاليفونية؛ ففي البروتستانتية كما في ~~الكاثوليكية، وكما سنرى في اليهودية بعد قليل، كان الموسيقيون، على ~~ندرتهم، يطلقون العنان لمشاعرهم، ويرفضون التقيد بتلك ~~التعاليم الجمالية التي وضعها أناس متدينون نصبوا أنفسهم ~~متحدثين باسم الإرادة ms122 الإلهية في مجال الموسيقى. ومع ذلك فإن آراء ~~كالفان اللاهوتية والموسيقية مارست ضغطا قويا على العالم ~~اللوثري، وأصبح لها بمضي الوقت تأثير متزمت في نظرة أنصار ~~لوثر أنفسهم إلى العبادة، وإلى الموسيقى. # وقد أدت روح كالفن النارية إلى التحكم في مجرى موسيقى الهوجنوت ~~في فرنسا، وكان لمجموعات الأغاني الدينية الهوجنوتية، التي كان ~~يوجد منها ما يربو على مائة طبعة فرنسية في القرن السادس عشر، ~~تأثير هائل في أوروبا البروتستانتية كلها، وفي المستعمرات ~~الأمريكية؛ ففي إنجلترا عارض كثير من أقطاب البروتستانتية، بنفس ~~القوة، إدخال الفنون في مجال العبادة، وقيدت حرية الأديرة، ~~ودمرت آلاتها الموسيقية بلا رحمة. وقد حاول هنري الثامن ~~(1491-1547م) بعد انشقاقه عن كنيسة روما أن يحتفظ بالطقوس ~~الكاثوليكية. غير أن رجال الدين المتحمسين الذين أيدوا انفصاله ~~عن الكنيسة الأم، لم يقبلوا أن يحول شيء دون إتمامهم لرسالتهم في ~~تخليص إنجلترا من النفوذ البابوي، فذهبوا إلى أن الموسيقى ~~الكاثوليكية تشجع على استعراض البراعة الفنية، ولا تؤكد كلمة ~~الله. ووصفوا الموسيقى الكاثوليكية بأنها معقدة تتحدث بلسان ~~أجنبي. وقد لخصت مطالبهم الفنية في رسالة بعث بها رئيس الأساقفة ~~كرانمر # Cranmer ~~(1489-1556م) إلى ~~هنري الثامن يقول فيها، مشيرا إلى موسيقى الكنيسة: «ينبغي ألا ~~يكون الإنشاد مليئا بالأنغام، بل إن من الواجب - بقدر الإمكان - ~~أن يكون لكل مقطع نغمة، حتى يمكن غناؤه بوضوح وخشوع.» وهكذا كان ~~أقطاب البروتستانتية، شأنهم شأن آباء الكنيسة الأوائل، متفقين على ~~نوع الموسيقى اللازمة للصلاة والعبادة. # وقد قام «المتطهرون» الإنجليز ~~( Puritans ~~) بتسريح المجموعات ~~الغنائية الكاثوليكية، ودمروا آلات الأرغن بالكنائس، وكذلك كتب ~~الغناء الجماعي حيثما وجدوها؛ وذلك تعبيرا منهم عن كراهيتهم ~~المتعصبة للأساليب الموسيقية البابوية، التي ظلت آثارها باقية ~~في شعائر الصلاة، وكانت أفعالهم هذه مبعث أسف شديد في نفس أوليفر ~~كرومويل # Oliver Cromwell ~~(1599-1658م) الذي أظهر مع كثير من أتباع إعجابه بالموسيقى علنا، ~~وكان يدرك بوضوح حاجة الإنسان في حياته إلى التعبير والتذوق ~~الفني. غير أن كرومويل ومساعديه كانوا متفقين تماما مع أتباعهم ~~الأشد تعصبا، على أن الموسيقى إن لم ms123 تستبعد من شعائر الصلاة، ~~فمن الواجب على الأقل ألا تؤكد على حساب تهذيب الروح بالكتب ~~المقدسة. وقد أغلق المتطهرون المسارح؛ لأن الموسيقى التي تعزف ~~فيها دنسة تحض على الخطيئة، واعترضوا على عزف الموسيقى وسماعها ~~يوم الأحد، وعلى استخدام الموسيقى المعقدة في شعائر الكنيسة. أما ~~الموسيقى التي تعزف في البيوت فلم يعترضوا عليها، بشرط ألا يكون ~~فيها ما يسيء إلى الفضيلة المسيحية. # وقد وصف إدوارد ونسلو # Edward ~~Winslow ~~(1595-1655م)، وهو أحد مؤسسي «نيو إنجلند»، # 15 # رحيل الحجاج (المهاجرين) من ليدن في عام 1620م، ~~قائلا: إن جمهرة الناس، في تأثرهم الشديد، أخذوا يغنون ~~المزامير «إذ كان الكثير من أبناء طائفتنا ذوي إلمام عظيم ~~بالموسيقى»، غير أن المطالب المعنوية والصعاب المادية كان لها ~~تأثيرها في الحياة الفنية للمستوطنين وأسرهم؛ فقد جلب الآباء ~~والمهاجرون معهم معرفتهم الموسيقية بالمزامير، وعندما وجد هؤلاء ~~المنشقون على الكنيسة الإنجليزية ملجأ دينيا لهم في عالم جديد، ~~بدأ رد الفعل لديهم على العناصر «البابوية» التي كانوا يعيبونها ~~على البروتستانتية الإنجليزية. وكان القادة الأشد تحمسا ~~للمستوطنين المتطهرين عازمين على استئصال أي أثر للروح ~~الكاثوليكية من كنيستهم، بل لقد كان الكثيرون منهم يعتقدون أن من ~~الواجب عدم غناء المزامير؛ لأنها لم تنزل بوحي إلهي، ورأوا أن ~~تحريمها عمل يرضي الله، ومن هنا حرم المتطهرون الأرغن، ~~واستبعدوا الموسيقى كلها تقريبا، سواء منها الدنيوية والدينية ~~والغنائية والمعزوفة. # والواقع أن مصاعب الحياة العصامية الرائدة، التي أرغمت ~~المستوطنين الأوائل على استغلال كل ذرة من طاقتهم في صراعهم من أجل ~~البقاء لم تترك لهم وقتا للترفيه الدنيوي، وإنما استنفد المتطهرون ~~كل طاقاتهم في اقتلاع الغابات وتمهيد الأرض، وحماية أنفسهم من ~~أعدائهم الهنود الحمر المتربصين بهم. وهكذا أصبح العمل والحذر هو ~~الشعار الذي ينبغي الالتزام به إذا ما شاءوا أن يشيدوا كنيسة في ~~العالم الجديد، بينما نظروا إلى الكسل واقتطاع الوقت من العمل ~~للتسلية على أنه خطيئة. ولقد كان المتطهرون يقرنون الموسيقى ~~بالفراغ، ويرون أن الوقت الضائع في اللهو أو الغناء يمكن الإفادة ~~منه على نحو أفضل في ms124 زيادة كفالة الأمن للمتطهرين حتى يعلوا ~~كلمة الرب في الأرض. # وعلى الرغم من أن المتطهرين الأشد تحمسا قد تبرءوا من ~~الموسيقى بكل أنواعها، فلا شك في أن الموسيقى ظلت تعزف وتغنى ~~في البيوت، بل إن العداء الذي كان بعض المتطهرين يبدونه نحو غناء ~~المزامير لم يمنع جماهير المصلين من استخدامها في أدائهم لشعائرهم. ~~وقد ظهرت في أواسط القرن السابع عشر طريقة مبسطة لغناء جماهير ~~المصلين للمزامير. # وفي السنوات التالية أصبحت الموسيقى جزءا لا يتجزأ من شعائر ~~العبادة في المذهب البروتستانتي بجميع طوائفه تقريبا، أما عداء ~~الكالفنيين للموسيقى فكان في الأصل جزءا من رد الفعل الفني على ~~التبهرج الديني للكنيسة الكاثوليكية، على حين أن لوثر كان أميل ~~إلى الطقوس والموسيقى الكاثوليكية من تسفنجلي أو كالفان، وكان ينظر ~~إلى الموسيقى على أنها نغمة سماوية يستطيع بها الإنسان أن يتوجه ~~بالصلاة والشكر لخالقه. ومع ذلك فإن الكالفنيين لم يتخلوا تماما ~~عن التراث الموسيقي الماضي، وإنما كانوا راضين عن موسيقى الفنان ~~الكاثوليكي أورلاندوا دي لاسو، يستخدمونها كلما استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا. ومن جهة أخرى فإن الجزويت (اليسوعيين) الذين قادوا حركة ~~الإصلاح المضادة في الكنيسة الكاثوليكية آثروا أن يتمشوا مع ~~الروح الديمقراطية للشعائر البروتستانتية، حتى لو كان ذلك مؤديا ~~إلى التنازل عن بعض تعاليم «لويولا # Loyola ~~» # 16 # التي أعرب فيها عن ازدرائه للموسيقى. وقد اعترف ~~أتباع لويولا بأن استخدام البروتستانتيين للغات القومية كانت له ~~قيمة نفسية هائلة؛ لذلك رأوا أن من المفيد للكاثوليكية بنفس ~~المقدار تقديم كتب للأغاني الدينية إلى أشياع طائفتهم. وعلى ذلك ~~فقد كانت الموسيقى وسيلة فعالة في أيدي الكاثوليك والبروتستانت ~~معا. # القسم الثالث: أوجه الشبه الجمالية في ~~الموسيقى البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية # 17 # هناك تشابه مؤكد في المفاهيم للموسيقى البروتستانتية ~~والكاثوليكية واليهودية؛ فالموسيقى البروتستانتية والكاثوليكية ~~ترجع جذورها الجمالية إلى الفلسفة الأفلاطونية واللاهوت العبراني. ~~وقد احتفظ البروتستانت بالمفاهيم الموسيقية الأساسية للكاثوليك. ~~كما أن الكاثوليك أنفسهم لم يتخلوا أبدا عن التراث الموسيقي ~~الذي آل إليهم من أسلافهم العبرانيين . ومن الواضح أن هناك روحا ~~أخلاقية وجمالية ms125 واحدة تجمع بين تحذيرات الحاخامات اليهود من ~~الأغاني اللاأخلاقية وبين النصائح التي وجهها أفلاطون إلى حراس ~~الدولة. # وهكذا فإن ما كان يبدو مجرد نظرية جمالية في محاورات أفلاطون قد ~~تحول إلى واقع فني فعلي في العصور الوسطى. وقد تم هذا الانتقال ~~من النظرية الجمالية اليونانية إلى التطبيق العملي في العصور ~~الوسطى عندما قام بعض آباء الكنيسة بإدخال أفلاطون في المسيحية ~~الأولى بوصفه حجة معصوما من الخطأ ينبغي أن تتخذ آراؤه في ~~الموسيقى معيارا للحكم في مجال الموسيقى الدينية، فضلا عن ~~الموسيقى الدنيوية. وقد أكد آباء الكنيسة سمات معينة في ~~الآراء الأفلاطونية، هي: ~~(1) # أن للموسيقى تأثيرات أخلاقية قوية. ~~(2) # أن الموسيقى وسيلة عظيمة الفعالية لبلوغ أية حالة ~~انفعالية منشودة. ~~(3) # العلاقة التقليدية بين النص والنغم. ~~(4) # الحملة على التجديد الموسيقي. # على أن هذه النظريات الجمالية الأربع في الموسيقى لم تظل وقفا ~~على الكاثوليك، بل إن التأثير الجمالي الذي مارس التعاليم ~~الأفلاطونية على أفلاطون في العصر اليوناني الروماني، ثم على ~~القديس أوغسطين، كان له صداه في النظريات الموسيقية الجمالية عند ~~لوثر وكالفان بدورهما. # ولقد كان الجانب الذي يهم أفلاطون من الموسيقى هو الجانب ~~الأخلاقي قبل كل شيء. والحق أن التأثير الذي خلفته فلسفته ~~الموسيقية في الأجيال اللاحقة كان هائلا. وإذا لم تكن هناك شواهد ~~على تأثير الموسيقى العبرانية به مباشرة، فإن موسيقى الشعائر ~~الكاثوليكية والبروتستانتية ما زالت تحمل الطابع الأفلاطوني على ~~صفحاتها. وهذا التأثير الأفلاطوني الدائم يمكن أن يؤدي إلى تلك ~~المفاهيم الموسيقية الأربعة التي ذكرناها من قبل، والتي دافع عنها ~~مؤسس الأكاديمية في كتاباته. # ولقد تغلغلت الموسيقى اليونانية في فلسطين، وأصبحت محببة ~~إلى نفوس المثقفين فيها، وهو أمر كان يستاء له قادتها الروحيون ~~كل الاستياء، ولا بد أنها قد أثرت في الحياة الثقافية لليهود في ~~فلسطين تأثيرا هائلا؛ إذ إن القادة الدينيين لجوديا (أرض ~~اليهودية) قد جهروا بالشكوى، قبل هدم «المعبد» من أن الاتجاهات ~~الدنيوية للوثنيين اليونانيين تمارس تأثيرا أخلاقيا فاسدا في ~~الشعب اليهودي. وقد أنذر الزعماء الروحيون لجوديا شعبهم، تحت تهديد ~~العقاب الإلهي ms126 ذاته، بالتخلي عن الأغاني اليونانية «اللاأخلاقية» ~~المثيرة للشهوات، والعودة إلى ألحانهم الدينية الخاصة حتى في ~~مناسبات الفرح والابتهاج. # 18 # كذلك لم يكن آباء الكنيسة، الذين راعوا المسيحية في فترة ~~طفولتها غير المستقرة، أقل حرصا واهتماما بالأوجه الأخلاقية ~~للموسيقى من العبرانيين؛ فقد كان القديس أوغسطين أفلاطونيا إلى ~~حد بعيد في دعوته المسيحيين الأوائل إلى أن يحذروا الأنغام ~~الإباحية المنبعثة عن المسرح الروماني، والتي قد تصرفهم عن الحياة ~~الأخلاقية النقية. وقد أصبح أوغسطين، بعد تحوله المتحمس إلى ~~المسيحية، يعتقد أن الألحان الجذابة التي تسمع في الشوارع ~~والمسارح إنما رجس من عمل الشيطان؛ ومن ثم فإن حكمها حكم ~~الخطايا. وكانت الموسيقى الصالحة الوحيدة في نظره هي الموسيقي ~~الدينية التي تقرب الإنسان من الله بفضل اجتماع الغناء والعبادة ~~في وحدة واحدة. وقد تجلت روح القديس أوغسطين بعد أكثر من ألف ~~سنة في الفلسفة الموسيقية لجان كالفان. # والمسألة الثانية هي الدور الذي قامت به الموسيقى بوصفها وسيلة ~~نفسية لبلوغ غاية انفعالية ودينية واجتماعية منشودة في الفلسفة ~~القديمة والوسيطة، وكان أفلاطون يرى أن الموسيقى ينبغي أن تكون ~~إحدى الوسائل التي ينبغي استخدامها في إقرار الفضيلة والروح ~~الأخلاقية. # ولقد كان أنبياء بني إسرائيل بدورهم ينظرون إلى الموسيقى على ~~أنها أداة لنقل الأفكار، فقالوا لأمتهم: «إن الأغاني المدنسة تدعو ~~إلى الحب والشهوة تكفي لدمار العالم، وإن أغاني بني إسرائيل ~~الدينية كفيلة بإنقاذه، وعلى ذلك فلو كان لديك صوت عذب، فلتسبح ~~للرب بتلك الهبة التي منحك إياها، ولتنشد الشيما # 19 # Shema ~~، وتؤم الناس في الصلاة.» # 20 # وكانوا يرون أن الموسيقى الدينية هي وحدها القادرة ~~على عبور الهوة بين الله والإنسان. وهناك نصوص كثيرة في العهد ~~القديم تتحدث عن الطبيعة الدنيوية للموسيقى، غير أن هذا النوع ~~يميز عادة عن الموسيقى الدينية. وعندما هزمت جوديا (أرض ~~اليهودية) في السنوات المتأخرة أصبحت الموسيقى الدينية والدنيوية ~~للإسرائيليين واحدة لا انفصال فيها، وصارت الموسيقى تقدم ~~للعبراني عزاء عاطفيا يعبر به عن أساه وحنينه؛ فلم تكن تلك ~~الموسيقى تعبيرا عن حالة شعب حر خلاق، وإنما ms127 كانت وسيلة ~~للابتهال إلى الرب «ياهوا» لكي يخلصهم من العبودية. # كذلك كان أكثر ما يهتم به أوغسطين، في مجال الموسيقى، هو قدرتها ~~على إدخال الوثني في حظيرة الدين، وإمكان استخدامها وسيلة نفسية ~~تساعد على تقوية الحماسة الدينية للمؤمن العادي، فإذا كانت ~~الموسيقى التي تغنى بها «مزامير داود» تجذب الناس إلى الكنيسة ~~فعندئذ تكون الموسيقى، في رأي القديس أوغسطين، قد أدت غرضا ~~نافعا. # وكان لوثر ينظر إلى الموسيقى على أنها لغة إيقاعية لها قدرة ~~تفوق قدرة النثر على تعليم الناس، وتقريب فكرة الله إلى أفهامهم. ~~وعلى الرغم من أن لوثر ذاته كان موسيقيا «أصيلا» فإن نظرياته ~~الجمالية كانت تحفل بآراء لاهوتية تذكرنا تماما بالقديس ~~أوغسطين. صحيح أن التفكير الموسيقي البروتستانتي، في مرحلته ~~المتقدمة، كانت له عقيدته الفنية، غير أن هذه العقيدة، كانت مبنية ~~على حاجات دينية وتنظيمية قريبة الشبه من أساليب الكنيسة ~~الكاثوليكية إلى حد كبير؛ فقد كان على قادة حركة الإصلاح، شأنهم ~~شأن أسلافهم الكاثوليك، أن يستغلوا كل وسيلة ممكنة للانتفاع ~~بالقوى الانفعالية والنفسية في الإنسان من أجل تحقيق أغراضهم، وكان ~~لوثر يرى في الصلات الكامنة للموسيقى وسيلة هامة لمساعدة الحركة ~~البروتستانتية على النجاح في ألمانيا. # أما المسألة الثالثة فهي علاقة اللحن بالنص الكلامي في موسيقى ~~القدماء والعصور الوسطى. وقد ظل أفلاطون متمسكا على الدوام بالرأي ~~اليوناني التقليدي القائل إن الشعر والنغم ينبغي ألا ينفصل أحدهما ~~عن الآخر، وأكد القيمة الأخلاقية للنص عن طريق إخضاع القالب ~~الموسيقي للشعر. # كذلك كان الفلاسفة في عمومهم يعدون اللحن خاضعا لمقتضيات النص؛ ~~ففي الموسيقى اليهودية كانت الأهمية الأولى للنص، وكان الاستخدام ~~الرئيسي لموسيقى الآلات هو مصاحبة الغناء وتجميله، بل إن الحاخامات ~~كانوا ينظرون إلى الآلات الموسيقية بعين الارتياب؛ لأن هذه الآلات ~~تتيح للمغنين والراقصين اليهود محاكاة أشكال العبادة الوثنية في ~~المعبد. كما رأى الحاخامات أن الكتب الدينية أهم في العبادة من ~~البدع اللحنية الزائفة والموسيقى المصاحبة لهذه النصوص. # وقد أكد القديس أوغسطين أنه يفضل الاقتصار على استخدام نصوص ~~التوراة والإنجيل في الموسيقى الدينية، وبرغم ms128 أنه لم يحرم ~~رسميا استخدام نصوص التوراة والإنجيل بعد تعديلها وفقا للألحان ~~الشعبية السائدة في أيامه، فقد كان يدرك بوضوح أن اللحن الذي يسهل ~~تداوله يمكن أن يرى بين الجماهير بسرعة. وعلى ذلك فالفضيلة ~~الوحيدة التي يمكن أن تشفع للألحان الشعبية أو الأغنيات المتداولة ~~في الطرقات هي ارتباطها جماليا بفقرة من النصوص الدينية على ~~نحو يتيح للمسيحي العادي أن يزداد معرفة بالنص الروحي أو الديني. ~~وإذن فقد كان آباء الكنيسة يرون أن للنص الأفضلية على اللحن، وقد ~~ظل المدرسون في القرون التالية متمسكين بهذا الرأي. # ولقد كانت التعاليم الموسيقية التي فرضها كالفان على ~~البروتستانتية الفرنسية بما فيها من تزمت وإنكار للذات، مثلا من ~~أبرز أمثلة التزييف في التاريخ الحضاري لفرنسا؛ فقد كانت فرنسا هي ~~أول بلد تطور فيه فن «الأورجانوم # Organum ~~» حتى أصبح نوعا من ~~الكتابة البوليفونية الراقية. وكان «الموتيت» على الأرجح هو أشهر ~~شكل من أشكال الأسلوب الكنترابنطي استحدثته مدرسة كاتدرائية ~~نوتردام بباريس في أواخر القرن الثاني عشر وفي القرن الثالث عشر. ~~ومع ذلك كله فبعد حوالي ثلاثمائة عام من اعتلاء فرنسا عرش الموسيقى ~~في أوروبا، نرى موسيقى الهوجنوت (البروتستانت الفرنسيين) تنحط ~~إلى مرتبة الدعابة التبشيرية التي تهدف إلى نشر العقيدة ~~البروتستانتية الجديدة؛ فقد طلب كالفان من الموسيقيين البروتستانت ~~أن يقصروا جهودهم الخلاقة على وضع تآلفات هارمونية للمزامير، ~~ولم يسمح إلا بأبسط أنواع الغناء لجمهور المصلين بقصد أداء ~~الشعائر فحسب. وقد أباح على مضض، بعض التوزيعات البوليفونية ~~للنصوص الدينية، وإن يكن قد اشترط أن يغنى هذا النوع المعقد ~~من الموسيقى داخل البيوت وبين الأصدقاء، وحتى في هذه الحالة ~~الأخيرة حذر كالفان الناس قائلا إن عليهم أن يتذكروا أنهم ~~إنما ينشدون الكلم الديني. # أما آخر المفاهيم الأربعة فيتعلق بعنصر التغير في موسيقى ~~العصور القديمة والوسطى. ولقد كانت حملة طاليس القديمة المشهورة ~~على أساطير هوميروس من حيث هي تشويه للحقيقة أقدم مثال نددت ~~فيه الفلسفة السابقة على سقراط بالتحرر والجديد الفني؛ فقد رأى ~~أبو الفلسفة القديمة أن الفيلسوف أقدر من الفنان ms129 على تمييز ~~الطبيعة الأصلية للحقيقة من البطلان، ولكن الذي حدث، على العكس من ~~ذلك، هو أن الفيلسوف والكاهن كانا في معظم الأحيان حائلا يقف في ~~وجه تطور التيارات الفنية على مر القرون. وأثبت الزمن أنهما ~~نبيان زائفان، على حين أن الفنان الذي نددا به ب «حكمتهما» لم ~~تقتصر مقدرته على التبصر بحقيقة عصره، بل لقد استطاع أن يستبق ~~حاجات المستقبل ويتكهن بها. # ولقد كان كبار رجال الدين اليهود يرتابون بالمثل في المؤثرات ~~المارقة التي يمكن أن تؤثر في الشريعة والطقوس اليهودية، وسرعان ~~ما فرضوا رقابتهم على الأفكار الجديدة في ميادين الفن والفلسفة ~~واللاهوت، ولكن القادة الروحيين لليهود لم ينجحوا تماما في وأد ~~الاتجاهات الجديدة، سواء في الفترة السابقة على المسيحية أم بعد أن ~~أجبر اليهود على أن يتشردوا في البلاد الأخرى. ولقد كان ~~للحضارات الأجنبية تأثيرها القوي في هؤلاء اليهود المشردين، كما ~~أثر اليهود بدورهم في البلاد التي آوتهم. ومع ذلك فقد ظل حاخامات ~~اليهود يحضون أبناء طائفتهم على ألا يحاكوا أساليب البلاد التي ~~وجدوا أنفسهم فيها، فانطلقت أصوات هؤلاء الحاخامات محذرة من ~~أن ابتعاد الموسيقى الغربية الأجنبية عن الحياة اليهودية ليس أقل ~~من ابتعاد اللاهوت المسيحي عن «العهد القديم» (التوراة). ولقد كان ~~أشد ما استاء منه الحاخامات، خلال سنوات التشرد الطويل هذه، هو ~~تلك الاتجاهات الدنيوية المتحررة التي كانت تتسلل من آن لآخر ~~إلى الشعائر اليهودية. وكان إدخال أناشيد جديدة إلى الكنيس يثير ~~في كل الأحوال موجة من السخط على التجديد وتحدي التقاليد، بل ~~إننا نجد الحاخامات في ألمانيا يشكون مر الشكوى، في عهد ~~متأخر هو القرن السادس عشر، من أولئك المنشدين الذين أخذوا ~~يتخلون عن الألحان الدينية القديمة الموروثة عن آبائهم. # وقد أعرب أوغسطين عن قلقه الشديد من أن تؤدي التغيرات ~~الشعبية في الموسيقى الشعائرية بمضي الوقت إلى التأثير في قداسة ~~الشعائر ذاتها. وكان يعتقد أنه لما كانت الأنغام والألحان ~~الشعبية والاتجاهات التجديدية في الموسيقى ترجع في أصلها إلى ~~مصادر وثنية، وإلى الجماهير الجاهلة، فلا بد أن يؤدي ms130 إدخال هذه ~~الألحان الدنيوية في الطقوس الدينية إلى رفع شأن الفن الوثني بدلا ~~من الفضيلة المسيحية. وهكذا انتهى أوغسطين إلى أن من واجب مؤلفي ~~الموسيقى الدينية أن يقصروا مواهبهم الخلاقة على القوالب ~~الكنسية الخالصة إذا شاءوا أن يخدموا أغراض المسيحية. وقد بلغ من ~~إعجاب البابا جريجوري الأول بهذه الحجة الأوغسطينية أنه استهل ~~حملة للمحافظة على الموسيقى الكنسية التقليدية بحمايتها من جميع ~~المؤثرات الخارجية التي قد تتسم بطابع جسدي أو لا ديني. # أما لوثر فلم يكن معارضا للتغيير في الموسيقى، ولكنه كان يؤكد ~~ضرورة تمشي هذا التغيير مع حاجات المذهب البروتستانتي. ولقد كانت ~~لديه فكرة واضحة عن نوع الموسيقى الذي تحتاج إليه الكنيسة ~~البروتستانتية لكي تتحرر تماما من المؤثرات البابوية، فإذا ~~شاء أن يلقى استجابة مباشرة من الشعب الألماني، فعندئذ لن تعود ~~اللغة اللاتينية ولا الأناشيد الجريجورية هي أفضل الوسائل للوصول ~~إلى قلب الإنسان العادي. ولتحقيق هذا الهدف أحل لوثر اللغة ~~الألمانية محل اللغة اللاتينية المستخدمة في الشعائر الكاثوليكية، ~~واختار بدلا من الأناشيد الجريجورية المعقدة موسيقى أبسط وأقل ~~تبهرجا وأقرب إلى الأغاني الشعبية الألمانية. # وهكذا نجد أن الأقطاب الإسرائيليين كانوا متفقين مع اليونانيين ~~في معارضتهم للمؤثرات الأجنبية؛ فقد كانت الدولة والعقيدة شيئا ~~واحدا في نظر اليونانيين واليهود، وأية بدعة دينية يمكن أن ~~تهدد الدولة بالخطر، فلا غرو إذن أنهم حافظوا على الموسيقى في ~~معابدهم بنفس الحرص الذي كان حراسهم يرقبون به كل دخيل ~~عليهم. # وقد دأب آباء الكنيسة على نصح رعيتهم بأن تعير أذنا صماء ~~للألحان الرومانية التي تحط قدر المسيحية الحقة. وعملت ~~الكنيسة، منذ أول عهدها حتى القرون المتأخرة، على محاربة كل اتجاه ~~من الجماهير إلى إدخال ألحان دنيوية في شعائر الصلاة، غير أن ~~الشعوب أصرت على إدخال الألحان الشعبية في دور العبادة، وتعلم ~~رجال الدين الكاثوليك كيف يحنون رءوسهم، ويقبلون التيارات ~~الموسيقية الجارفة. وإذا كانت الكنيسة أكدت ضرورة التمسك ~~بالتراث والبساطة، فإن موسيقييها المدنيين أنفسهم لم يملكوا إلا أن ~~يوجهوا بعض طاقاتهم الإبداعية لخلق قوالب جديدة. # ولقد كان القديس ms131 أوغسطين أقدر آباء الكنيسة جميعا في الدفاع عن ~~الاتجاه الأفلاطوني الذي تغلغل في موسيقى الكنيسة في عهدها المبكر. ~~وقد سبق أن لاحظنا أن أفلاطون كان فنانا مبدعا أصدر على الموسيقى ~~أحكاما كانت قاسية متزمتة في كثير من الأحيان. ومثل هذه ~~المفارقة التي يتسم بها الفيلسوف الميال بطبيعته إلى الفنون ~~تتمثل بصورة أعنف، ولكنها أكثر واقعية، عند أوغسطين؛ ذلك لأن ~~النظريات الفلسفية التي عرضها أفلاطون في الجمهورية و«القوانين» ~~وغيرها من المحاورات لم توضع موضع التنفيذ في عصره، أما عندما ~~نصل إلى القرون الأولى للمسيحية، فإنا نجد أوغسطين يدافع عن هذه ~~النصائح الأفلاطونية الصارمة إلى حد أنها أصبحت بفضله أنموذجا ~~للمبادئ الأخلاقية التي تميزت بها موسيقى العصور الوسطى، حتى ~~وقت ظهور النزعة الإنسانية في الحضارة الغربية بعد حوالي ثمانمائة ~~عام من ذلك. # ولقد كان أوغسطين في شبابه معلما للبلاغة، ثم أصبح من شراح ~~الشعر المشهورين. وقبل تعميده بوقت ما بدأ يكتب بحثا «في ~~الموسيقى» اتسم بلهجة صوفية رفيعة، وخصص قبل كل شيء لبحث الوزن ~~والنظم والنظريات المتعلقة بالأعداد. وقد حاول أوغسطين قرب نهاية ~~ذلك الكتاب الذي يتألف من ستة أبواب أن يحلل الموسيقى بطريقة ~~يمكننا في أيامنا هذه أن نسميها بالطريقة النفسانية. واللهجة ~~العامة للبحث تجمع بين الفيثاغورية في بحثه للعلاقات العددية، وبين ~~الأفلاطونية في تعاليمه الأخلاقية السطحية. وفي هذا البحث، وكذلك ~~في الملاحظات الأخلاقية المتعلقة بالموسيقى في كتاب ~~«الاعترافات»، تبلور الفكر الكاثوليكي الرسمي بشأن وظيفة ~~الموسيقى في الكنيسة والدولة. # ولقد انتهت الروح الإنسانية التي سادت العالم الغربي نتيجة لبعث ~~تعاليم أرسطو من جديد، انتهت نهاية مؤسفة من الوجهة الموسيقية ~~بانعقاد مجمع «ترنتينو # Trent ~~» ~~والمحفل البابوي في عام 1564م. وأغلب الظن أن أقطاب الكنيسة ~~الكاثوليكية أرادوا تطهير صفوفهم فنيا ولاهوتيا، وهذا يعني ~~العودة إلى الأساليب البسيطة المستخدمة في الماضي. هكذا رأى الجمع ~~أنه إذا كان أرسطو يخدم أغراض الكنيسة في شئون اللاهوت، فإن من ~~الواجب، في مجال الموسيقى، سماع صوت أفلاطون كما تردد صداه عند ~~القديس أوغسطين. وكانت النتيجة هي الإبقاء على ms132 الموسيقى ~~البوليفونية المستخدمة لأغراض العبادة، غير أنهم جعلوا استمرارها ~~في الشعائر مرهونا بتحفظات عقلية معينة. وهكذا لجأت الكنيسة ~~مرة أخرى إلى أسلوب الحلول الوسطى نحو تلك الاتجاهات الفنية التي ~~لم يكن يسعها إلا قبولها. وقد مرت البروتستانتية بنفس المراحل ~~من الأخطاء التي ترتكب في حق الموسيقى، وكررت هذه المغالطات ~~الجمالية المدرسية بدلا من أن تتخلص منها. # ولقد واجه لوثر موقفا محرجا في محاولته جمع قائمة من الألحان ~~الشعائرية والبروتستانتية؛ فعلى الرغم من أنه كان دون أدنى شك ~~متحمسا ثوريا في مجال الدين، فإنه لم يكف أبدا عن الإعجاب ~~بالموسيقى البوليفونية الفنية في المذهب الكاثوليكي؛ لذلك اقتبس ~~ألحانا من التراتيل الأمبروزية ومن «السكوينسات» ~~( # sequences ~~) الشائعة في العصور ~~الوسطى، ومن الأناشيد الجريجورية للكنيسة الكاثوليكية. وقد أعيد ~~تشكيل هذه الألحان، وبسطت وغيرت، بحيث تلائم أغانيه الكورالية ~~الفخمة. كذلك أخذ لوثر الألحان الشعبية الألمانية وأدمجها ~~بالموسيقى الروحية للعقيدة البروتستانتية. ولسنا نعلم عن يقين إن ~~كان لوثر وضع بنفسه هذه الموسيقى أم أشرف على توجيه ذلك النشاط ~~الموسيقي، ولكن لا بد أنه قد أظهر فهما وحبا عميقا للموسيقى، ~~وهو أمر تكشف عنه كتاباته بوضوح. # أما كالفان فكان يرتاب في نظريات لوثر المتحررة في الموسيقى. ~~وكما حذر آباء الكنيسة المسيحيين الأولين من الألحان الوثنية، ~~كذلك أخذ كالفان على عاتقه، بروح متعصبة، أن يمحو من الوجود كل ما ~~تبقى من آثار الموسيقى الكاثوليكية في المذهب البروتستانتي، وبذلك ~~ارتكب خطأ لا يغفر، هو خنق الملكات الإبداعية، وإرجاع موسيقى ~~الهوجنوت إلى أكثر القوالب بدائية. وهكذا فإن فلسفته الموسيقية، ~~التي كانت تستهدف العودة إلى روح البساطة المسيحية الأصلية وتخليص ~~البروتستانتية من الشعائر والطقوس المعقدة، قد بلغت من التزمت ~~ما بلغته من قبل فلسفتا أفلاطون والقديس أوغسطين. # الفصل الخامس # | الفلسفة الجمالية للموسيقى في عصر ~~الباروك # القسم الأول: الأوبرا والدراما اليونانية # في كل انتقال من عصر موسيقي إلى آخر يحدث دائما انقسام في ~~الرأي بين مبدعي الموسيقى وبين نقادها؛ ففي سنة 1600م ألف ناقد ~~وباحث موسيقي نظري وقسيس اسمه «جوفاني ماريا أرتوزي ms133 # Giovanni Maria Artusi ~~» كتابا ~~بعنوان «بحث في نقائص الموسيقى الحديثة»، وفي هذا الكتاب أعرب عن ~~أسفه لانقضاء عهد الموسيقى التقليدية. وبعد عامين وصف الموسيقي ~~والمغني جوليو كاتشيني # Giulio ~~Caccini ~~(المولود سنة 1550م) المجموعة التي ~~ألفها من «المادريجالات» و«الكانزونيتات # canzonets ~~» بأنها موسيقى حديثة # Nuove Musiche # وبعد ذلك بثلاث ~~سنوات كتب «كلاوديو مونتيفردي # Claudio ~~Monteverdi ~~» (1567-1643م) الذي ألف أول أوبرا ~~تستحق الاهتمام، والذي ربما كان أعظم من ألف «المادريجال» حتى ~~اليوم، يقول في كتابه الخامس من المادريجالات إنه لم يتبع تعاليم ~~المدرسة القديمة، وإنما استرشد بما أسماه بالاتجاه الثاني أو ~~المدرسة الجديدة. وكان مونتيفردي في ذلك يرد على حملة الناقد ~~«أرتوزي» على الفلسفة الموسيقية الجديدة؛ فقد أكد أرتوزي، في ~~دفاعه عن الموسيقى التقليدية، أن مونتيفردي اهتم أكثر مما ينبغي ~~بدور التنافر الهارموني ~~( # dissonance ~~) في موسيقاه. أما ~~مونتيفردي فرد بقوله: إن المعايير الجمالية للمدرسة الأولى أو ~~القديمة لا يمكن تطبيقها عند تقدير المدرسة الجديدة أو الثانية. # 1 # ومهما كان من أمر الخلاف ~~بين أنصار المدرسة القديمة؛ أي مدرسة عصر النهضة، وبين التقدميين ~~من أنصار الفلسفة الموسيقية الجديدة في عصر الباروك، حول موضوع ~~القواعد اللحنية، فقد بنى الفريقان معا أفكارهما الجمالية على ~~النظرية الأفلاطونية القائلة إن الفن محاكاة للطبيعة؛ أي إن ~~موسيقيي عصر النهضة وعصر الباروك قد اتبعوا هذا المذهب ~~القديم، وحاولوا خلق مجموعات موحدة من الأنغام الموسيقية تحاكي ~~الانفعالات البشرية والظواهر الطبيعية. وكان أرسطو في كتابه ~~«السياسة»، وكذلك نيكولاس دي كوزا في أوائل عصر النهضة، قد كتبا عن ~~مذهب المشاعر في صلته بالموسيقى، فاستخدم موسيقيو عصر النهضة هذا ~~المذهب بحذر، ببساطة واضحة، أما موسيقيو الباروك فقد ذهبوا إلى ~~حد التطرف في الطريقة التي عبروا بها عن المجموعة الكاملة ~~للمشاعر تطبيقا لهذا المذهب. كذلك ذهب موسيقار عصر الباروك في ~~تأكيده للكلمات الهامة في النص عن طريق التنافر النغمي والأنغام ~~الكروماتية إلى أبعد مما بلغه موسيقار عصر النهضة. كما أدت ~~البراعة المتزايدة في العزف وتطور الآلات الموسيقية، إلى إتاحة ~~وسائل أفضل يستطيع بها الموسيقي في ms134 عصر الباروك أن يجمل الكلمة ~~المكتوبة، ويؤكد معناها عن طريق زيادة المشاعر حدة. # وفي عام 1581م نشر فينشنزو جاليلي # Vincenzo ~~Galilei # أبو العالم الطبيعي المشهور (جاليلو ~~جاليلي) بحثا بعنوان «محاورات في الموسيقى القديمة والموسيقى ~~الحديثة # Dialogo della. Musica antica e della ~~moderna ~~» ولخص هذا البحث الفلسفة الموسيقية ~~لجماعة أدبية تسمى «الكاميراتا» # camerata # وهي جماعة كانت قد آلت ~~على نفسها أن تطبق المثل العليا الجمالية للفلسفة اليونانية ~~على الموسيقى الإيطالية، وقد تزعمها الكونت جوفاني باردي # Giovanni Bardi # والكونت جاكوبو ~~كورسي # Jacopo Corsi ~~، وكانت تضم من ~~بين أعضائها المشاهير الشاعر أوتافيو رينوتشيني # Ottavio Rinuccini # والموسيقارين ~~جاكوبو بيري # Jacopo Peri ~~(1561-1633م) وكاتشيني # Caccini ~~. ~~وقد ذهب جاليلي في بحثه إلى أن فن البوليفونية هو علة تدهور ~~الموسيقى، ولا بد من التخلص منه، كما كان يعتقد أن الموسيقى ~~الوصفية غير واقعية، وهي تحفل بالمحاكاة الزائفة. وقد عبر ~~جاليلي عن الفلسفة الموسيقية لجماعة الكاميراتا بقوله إن من ~~الضروري إيجاد أسلوب جديد موحد النغمات (مونودي) إذا شاءت ~~الموسيقى الإيطالية أن تتمشى مع المثل العليا الأفلاطونية ~~للموسيقى اليونانية. # ولم يكن جاليلي موسيقارا ~~واسع العلم، ولكنه كان رغم ذلك متعدد المواهب. ويبدو من حملته على ~~الاتجاهات الحديثة في الموسيقى، بما فيها من تأكيد للبوليفونية، ~~أنه كان أهم شخصيات هذه الحركة عند بداية ظهورها. وقد هاجمت جماعة ~~الكاميراتا الطريقة التي تعامل بها الكلمات في موسيقى عصر النهضة ~~بقولها إن الموسيقى الكنترابنطية تؤدي إلى «تقطيع أوصال» الشعر؛ ~~لأن الأصوات الفردية تغنى ألحانا مختلفة في آن واحد، وأكدت ~~هذه الجماعة أن من الواجب في الموسيقى محاكاة معنى فقرة كاملة لا ~~كلمة واحدة. وهكذا أنشئ أسلوب التلاوة «الريتشيتاتيفو» ~~( # recitative ~~)، والذي تترك فيه ~~الكتابة الكنترابنطية جانبا تماما، حتى تضع الموسيقى للكلمات، ~~وتتحكم الكلمات في الإيقاع الموسيقي، وفي القفلات ~~( # cadences ~~) كما هي الحال في ~~الأسلوب المثالي عند اليونانيين. # 2 # ولقد كان أعضاء جماعة الكاميراتا يعتقدون حقا أن اليونانيين ~~كانوا يغنون النص الكامل لمسرحياتهم. ولما كانوا هم ذاتهم ~~أنصارا لأفلاطون يمجدون الماضي، فقد سعوا إلى إحياء ms135 ما ~~اعتقدوا أنه فن مفقود من العصر اليوناني القديم؛ لذلك كرسوا ~~جهودهم الخلاقة لاستحداث نوع من أنواع الفن تعمل فيه الموسيقى ~~على تجميل الكلمة المنطوقة، وعلى دعم الحركات الدرامية للممثل، ~~بحيث يؤدي الزواج الروحي بين الموسيقى والدراما إلى بعث المثل ~~الأعلى اليوناني لفلسفة أفلاطون الجمالية. وقد وجد أعضاء هذه ~~الجماعة في كشف جاليلي لأنشودة «ميزميدس # Mesomedes ~~» أول دليل على أصالة ~~الموسيقى اليونانية، ولكن لما كان أعضاء هذه الجماعة الأدبية قد ~~عجزوا عن فك رموز التدوين اليوناني، فإنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ~~شيئا سوى التكهن بما عسى أن يكون مضمونها. وقد أصبح «رينوتشيني» ~~أول كاتب لنص أوبرا، وذلك حين لبى طلب جماعة «الكاميراتا» في ~~كتابة تراجيديا مبنية على المبادئ الجمالية اليونانية، فألف ~~قصيدة درامية عنوانها «دافني # Dafne ~~» وضع موسيقاها «بيري Peri ~~»، وعرضت في بيت الكونت ~~كورسي في فلورنسا حوالي عام 1594م. ولم يبق لنا من «دافني» ~~الأصلية سوى النص فحسب؛ إذ إن الموسيقى للأسف قد فقدت، ثم ألف ~~رينوتشيني وبيري، وقد شجعهما نجاح الأوبرا الأولى، عملا ثانيا ~~هو «أوريدتشي # Eurydice ~~» بالاستعانة ~~بتوزيعات موسيقية قام بها كاتشيني. وقد عرضت هذه الأوبرا ~~الأخيرة عام 1600م؛ احتفالا بزواج هنري الرابع (ملك فرنسا) من ~~ماريا دي مديتشي في فلورنسا. # وقد استحدثت جماعة الكاميراتا فن «التلاوة الريتشيتاتيفو # recitative ~~» على أساس الاعتقاد ~~القائل: «إن الموسيقى ينبغي أن تحاكي طريقة كلام الخطيب وأسلوبه ~~في تحريك مشاعر الجمهور.» وكان كاتشيني مخلصا لرأي أفلاطون القائل ~~إن الموسيقى كلام وإيقاع أولا ولحن أخيرا. # 3 # كذلك رأى بيري أن على الموسيقي أن يحاكي الشخص ~~المتكلم في الأغنية. وقد ذهب جاليلي وباردي إلى أن من واجب ~~الموسيقار أن يتعلم من الخطيب كيف يحرك المشاعر، وكتب بيري في ~~مقدمته ب «أوريديتشي» يقول إنه كان يحاول تعديل الموسيقى الغنائية ~~تبعا للكلام البشري. # وكان مارسيليو فيتشينو، الأفلاطوني الصميم في أكاديمية فلورنسا، ~~قد أعرب عن الرأي القائل إن الشاعر والخطيب يتخذان من الموسيقار ~~أنموذجا لهما. وفي هذه الحالة كان فيتشينو منتميا إلى عصر النهضة ~~أكثر مما كان ms136 أفلاطونيا متحمسا. كذلك دافع «زارلينو # Zarlino ~~» عن الفلسفة الجمالية لعصر ~~النهضة، ولكنه ذهب إلى أن فن الشعر والموسيقى طريقتان مستقلتان من ~~طرق التعبير. وقد وجدت آراء زارلينو في فن البوليفونية قبولا ~~لدى جماعة الكاميراتا؛ إذ إنه كتب يقول إن الموسيقى البسيطة لصوت ~~واحد تحرك القلب على نحو أعمق مما يحركه «الكنترابنط» ~~المعقد. غير أن زارلينو كان يختلف عن جماعة الكاميراتا الفلورنسية ~~في رأيه عن علاقة الموسيقى بالشعر؛ ذلك لأن موسيقار عصر النهضة كان ~~يرى أن «التلاوة» (الريتشيتاتيفو) هي في أساسها موسيقى غنائية ~~وضعت لنص كلامي، ولكن موسيقي عصر الباروك كان يرى أن التلاوة ~~هي قبل كل شيء نص كلامي تحمله الموسيقى. أما زارلينو فرأى أن ~~الموسيقى ينبغي أن تثير من المشاعر ما تثيره الكلمات، ولكنه أكد ~~وجود فارق أساسي بين أسلوب الشاعر وأسلوب الموسيقي. # 4 # وهكذا كانت الأفكار الجمالية لفيتشينو وزارلينو تمثل ~~الآراء التقليدية لعصر النهضة، وكانت آراء أعضاء جماعة الكاميراتا ~~تمثل الفلسفات الموسيقية في أوائل أيام عصر الباروك. # على أن الدراما الموسيقية الجديدة التي استحدثتها جماعة ~~الكاميراتا لم تكن نسخة مطابقة للتراجيديا الكلاسيكية أو بعثا ~~لها من جديد؛ فقد كانت الأوبرا الأولى بالفعل مسرحية ريفية وضعت ~~لها موسيقى. وكان أعضاء الكاميراتا يعتقدون بالفعل أنهم قد حرروا ~~الموسيقى من سيطرة البوليفونية. وقد يبدو عند إمعان التفكير في ~~الأمر أن أعضاء الكاميراتا انتقلوا من موقف متطرف إلى موقف متطرف ~~متضاد؛ إذ إنهم خلقوا فنا تسيطر عليه الكلمات، وتقتصر فيه مهمة ~~الموسيقى على دعم الكلمة المنطوقة، فكانت النتيجة أن أوبرات جماعة ~~الكاميراتا كانت كلها تقريبا تلاوات # recitatives # مطولة، حاولت أن ~~تلائم بين الكلمة المنطوقة وبين الموسيقى المصاحبة لها. # وقد ذهب أنصار الاتجاهات التقليدية إلى أن جماعة الكاميراتا ~~الفلورنسية كانت بالفعل تؤخر تطور الموسيقى؛ لأنها تعمدت ~~تجاهل فن بالسترينا والقواعد المعمول بها في البوليفونية. وقال ~~أصحاب هذا الرأي إن إغفال التأثيرات الفنية التي حققها ~~بالسترينا عن طريق البوليفونية التقليدية لا يمكن إلا أن يؤدي إلى ~~إرجاع الفن والأسلوب الموسيقي لجماعة فلورنسا، وكذلك قدرتهم ms137 ~~الخلاقة، إلى الوراء. وانتهى أنصار الاتجاهات التقليدية، الذين ~~كان أرتوزي هو المتحدث باسمهم، إلى أن من الواجب أن تكتب ~~الموسيقى، لا على أساس نظريات كتلك التي وضعتها هذه الجماعة، بل ~~على أساس قواعد مبنية على التوافقات والإيقاعات ~~التقليدية. # وقد حل موتيفردي الصراع بين أنصار الاتجاهات التقليدية ~~وأنصار الاتجاهات الحديثة عن طريق اتباعه للأسلوب المحافظ في ~~إبقائه على الموسيقى البوليفونية، وفي الوقت ذاته اتجه اتجاها ~~ثوريا لا شك فيه، في طريقة استخدامه لها «فهو مثل جماعة ~~الكاميراتا قد أكد مبدأ أسبقية الكلمات الهارمونيا، ولكن هذا ~~المبدأ أدى لديه إلى نتيجة مضادة تماما؛ لأنه طبقه على ~~البوليفونية لا ضدها كما فعلت جماعة فلورنسا.» # 5 # وهكذا كان كلاوديو مونتيفردي، لا جماعة الكاميراتا الفلورنسية، ~~هو الذي أحيا، فنيا، روح التراجيديا القديمة، وخلق دراما ~~موسيقية في الحضارة الغربية، وقد شغل مونتيفردي أولا وظيفة رئيس ~~أو عريف الشمامسة وقائد الفرقة الموسيقية في كاتدرائية سان مارك ~~بفينيسيا عام 1612م. ولم تكن الأوبرا قد دخلت فينسيا بعد في وقت ~~وصوله، بل إن افتتاح أول أوبرا للجمهور في فينسيا لم يتم إلا في ~~عام 1637م، وفي السنوات الواقعة بين وصول مونتيفردي إلى سان مارك ~~وبين بداية عهد الأوبرا في فينسيا اضطلع بمهامه في قيادة الفرقة ~~الموسيقية للكاتدرائية المشهورة، وتأليف موسيقى كنسية. وفي عام ~~1630م اجتاح جمهورية البندقية الواقعة على البحر الأدرياتي وباء ~~شديد، لم يترك مجالا كبيرا للاستمتاع بالفن أو إبداعه. وبعد ~~عامين، رسم مونتيفردي قسيسا بالكنيسة، غير أن اعتزاله العالم ~~في مجموعه لم يكن إلا اعتزالا مؤقتا؛ ذلك لأن دخول الأوبرا في ~~حياة فينسيا قد لقي من الإقبال والحماسة ما كان من المستحيل معه أن ~~تظل القوى الخلاقة في نفس مونتيفردي خاملة. # ولقد كان مونتيفردي يصور في موسيقاه آلام البشر وعجز الإنسان ~~عن السيطرة على انفعالاته. وكانت مؤلفاته الموسيقية تنصب على ~~عواطف الإنسان ومشاعره وآلامه، ولكي يحقق هذا الغرض استخدم من ~~الإيقاعات والتوافقات ما أثار حفيظة أنصار القديم، فهاجمه ~~«أرتوزي» على هذه التجديدات، ولا سيما على التجائه إلى ms138 استخدام ~~التنافر الهارموني # dissonance # دون ~~أن يتبعه بتآلف يعتبر حلا له. وأدت به آراءه الأفلاطونية ~~إلى أن يكتب عن موسيقى مونتيفردي قائلا إنها «بقدر ما أدخلت ~~قواعد جديدة ومقامات جديدة، وصياغات جديدة للعبارات الموسيقية، ~~كانت خشنة لا تسر الأذن، وما كان لها أن تكون غير ذلك؛ إذ إنها ~~بقدر ما تخرج عن القواعد السليمة - وهي القواعد المبنية من جهة ~~على التجربة، وهي أصل الأشياء جميعا، والتي تلاحظ من جهة أخرى ~~في الطبيعة، ويثبتها البرهان من جهة ثالثة - فمن الواجب أن نرى ~~فيها تشويها للطبيعة وللتوافق المنشود، بعيدا كل البعد عن غاية ~~الموسيقى ...» # 6 # على أن مونتيفردي بدوره قد وجد في كتابات أفلاطون ~~تبريرا فلسفيا لأفكاره الجمالية الجديدة، فقال: «لقد وجدت، بعد ~~إمعان الفكر، أن الانفعالات الرئيسية التي تنتاب نفوسنا ثلاثة؛ ~~الغضب، والاعتدال، والتواضع أو التوسل # supplication ~~. هذا ما أعلنه أفضل ~~الفلاسفة، وما تثبته طبيعة صوتنا ذاته بما فيها من طبقة مرتفعة ~~وطبقة خفيضة، وطبقة وسطى. كما يدل فن الموسيقى على ذلك بوضوح في ~~استخدامه للألفاظ ب «قلق # agitato ~~» ~~وب «عذوبة # dolce ~~» وب «اعتدال # moderato ~~». والحق أنني وجدت في كل ~~أعمال الموسيقيين السابقين أمثلة ل «العذب» و«المعتدل # moderato ~~»، ولكني لم أجد أبدا ~~أمثلة ل «القلق # agitato ~~»، مع أنه ~~وصفه أفلاطون في الكتاب الثالث من «الخطابة» # 7 # بقوله: «لتأخذ ذلك الانسجام الذي يصلح لمحاكاة أقوال ~~ولهجة رجل شجاع مشتبك في حرب.» ولما كنت أدرك أن الأضداد هي ~~أقدر الأشياء على تحريك نفوسنا، وأن هذا هو الهدف الذي ينبغي أن ~~تتجه إليه كل موسيقى جديدة - كما أكد بويتيوس حين قال: «إن ~~للموسيقى صلة وثيقة بنا، وهي إما أن تزيد شخصيتنا نبلا أو ~~فسادا.» - فقد أخذت على عاتقي، بجهد وعناء غير قليل، أن أكشف ~~هذا النوع من جديد.» # 8 # وقد توسع مونتيفردي في استخدام التآلفات (الهارمونيات) في ~~التعبير عن النصوص الشعرية. وكان يعتقد أن على الهارمونيا أن ~~تحاكي مفهوم النص، ولا سيما حين يكون الأمر متعلقا بانفعالات ~~بشرية. وقد استخدم التآلفات والاصطحاب الهارموني، لا ms139 من حيث هما ~~غاية في ذاتها، بل لتحقيق علاقة تعبيرية بين النغم والكلام. وعلى ~~حين أن موسيقى جماعة الكاميراتا الفلورنسية كانت تخدم النص، فإن ~~مونتيفردي قد استخدم الموسيقى لإظهار المعنى الكامن في النص على ~~نحو أكمل، وكان يعتقد أن الموسيقى ينبغي أن تتشكل وفقا لمعنى ~~الألفاظ. وكانت طريقة مونتيفردي في فهم وظيفة النص متمشية مع آراء ~~جميع موسيقيي عصر الباروك؛ إذ إنه وضع مجموعة من التعبيرات ~~الموسيقية لتصوير انفعالات وأفعال بشرية محددة. # ولقد أصبح «مذهب المشاعر # affections ~~» السائد في القرن ~~السادس عشر أوضح ظهورا في الأبحاث الخاصة بالفلسفة الجمالية ~~الموسيقية في الفترة المتأخرة من عصر الباروك. وعلى حين أن ~~الفلاسفة والباحثين النظريين بوجه عام قد اهتموا بالطبيعة العملية ~~والوظيفة الأخلاقية للموسيقى، فإن الموسيقيين أكدوا أن العنصر ~~الهام إنما هو صوت الموسيقى وطريقة استجابة السامع لها. # ولقد استخدم موسيقي عصر الباروك «مذهب المشاعر» في البداية ~~لتأكيد دلالات النص الكلامي، وزيادة فعالية اللحن الموضوع. غير أن ~~«مذهب المشاعر» ازداد بمضي الوقت ثباتا وتشابها، حتى أصبح ~~الموسيقيون يستخدمون تعبيرات موسيقية موحدة لإثارة انفعالات ~~معينة، وبعث صور متوهمة في النفوس. وقد أدت هذه الطريقة ~~العقلية في خلق فئة من المؤثرات الموسيقية لوصف الحب والشفقة ~~والكراهية، أو بعث حالة نفسية تتلاءم مع الأفعال المطلوب تصويرها، ~~أدت هذه الطريقة إلى تشويه التوازن الذي وضعه اليونانيون بين ~~النص واللحن. وكان تأكيد أعضاء جماعة الكاميراتا لوجوب إخضاع ~~الموسيقى للألفاظ في الأوبرا مظهرا من مظاهر هذا الافتقار إلى ~~التوازن بين النص واللحن. ولو كانت النظريات الجمالية لجماعة ~~الكاميراتا قد طبقت إلى آخر مداها، لكان من الجائز أن تصبح ~~الموسيقى الخالصة مجرد تابع للدراما. على أن مونتيفردي كان ~~يدرك هذا الخطر بوضوح؛ لذلك أخذ على عاتقه مرة أخرى - بوصفه ~~موسيقيا خلاقا - أن يدفع عن الموسيقى تلك الأضرار التي ~~جلبتها على الموسيقى آراء فلاسفة جماعة «الكاميراتا» ومفكريها ~~الجماليين. # القسم الثاني: الأسس الجمالية للأوبرا الإيطالية # أصبحت إيطاليا مركز العالم الموسيقي في عصر الباروك. ولقد كانت ~~الأهداف البسيطة لجماعة الكاميراتا، وهي تطهير الموسيقى ms140 الغربية من ~~البوليفونية المعقدة بالعودة إلى الأساليب الموسيقية للقدماء؛ ~~كانت هذه الأهداف فاشلة وناجحة في آن واحد؛ ذلك لأن الموسيقي ~~الإيطالي، من جهة، لم يشارك هذه الجماعة تحاملها على الشرور ~~الجمالية للبوليفونية، وفضلا عن ذلك فقد وجد أن من العسير عليه ~~تقييد نزوعه الخلاق في الموسيقى بحدود نص معين. ومن جهة ~~أخرى فقد نجحت جماعة الكاميراتا في إدخال نوع موسيقي جديد، بدأ ~~بوصفه مسرحية ريفية وضعت موسيقى بسيطة واحدية الصوت (مونوفونية # monophonic ~~) وتطور بمضي الوقت ~~إلى نوع جمع كل الفنون في وحدة واحدة هي الأوبرا. # والواقع أن أوبرات مونتيفردي ومؤلفاته من نوع «المادريجال» ~~والأنغام الزاخرة التي تتم بها الموسيقى الغنائية والمعروفة، ~~الدينية منها والدنيوية، عند جوفاني جابرييلي # Giovanni Gabrieli ~~(1557-1612م) ~~تتميز بفخامة نشعر إزاءها بالتبجيل، حتى في أيامنا هذه. وقد كانت ~~جودة الصنعة، التي تتمثل في مؤلفات هذين الموسيقيين وجرأة ~~أفكارهما، متناقضة مع نظريات جماعة الكاميراتا القائلة إن خلاص ~~الموسيقى في المستقبل مرهون بالالتجاء إلى الماضي. # ولقد كانت للموسيقي الإيطالي في عصر الباروك مبادئ جمالية ~~محددة قد تفوتنا اليوم ونحن نستمع إلى موسيقاه؛ فهو قد حاول تأكيد ~~الكلمات الهامة في النص بألحان تبرز أهميتها، وسعى إلى بلوغ ~~أكبر قدر من التأثير للنص. وقد انفصل انفصالا واعيا من عصر ~~النهضة باستخدامه للتنافر الهارموني # dissonance ~~، والتلوين الكروماتي. ~~كما أنه حاول إثراء تآليفه للآلات بتجمعات نغمية يحصل بواسطتها ~~على أصوات موسيقية لم يعرفها موسيقي عصر النهضة. وأهم من ذلك ~~كله أنه كان يقدر اللحن ذاته. وفي هذا الصدد نجد أن موسيقيين ~~كبيرين هما جاكومو كاريسيمي # Giacomo ~~Carissimi ~~(1604-1674) ولويجي روسي # Luigi Rossi ~~(1558-1653م) قد ~~استحدثا طريقة اسمها «التتابع اللحني» تقدم فيها جملة لحنية، ~~ثم تكرر بطبقة أعلى وأخرى أكثر انخفاضا منها مرات متعددة، ~~لتأكيد استقلال اللحن عن النص. # وقد تبدو موسيقى الباروك لعصرنا الحالي هادئة رزينة، ولكن الأمر ~~الذي عابه عليها أرتوزي هو أنها صاخبة مدوية مختلطة، جريئة أكثر ~~مما ينبغي في استخدام التنافر الهارموني والتلوين الكروماتي. ولم ~~تصدق نبوءة أرتوزي عندما توقع ms141 أن يكون فساد الموسيقى على أيدي ~~المحدثين من أمثال مونتيفردي. والحق أنا نذكر أرتوزي اليوم؛ ~~لأنه كان ناقدا هاجم موسيقارا عظيما، أكثر مما نذكره لأي سبب ~~آخر. # وقد افتتحت أول دار للأوبرا في فينسيا عام 1637م. وكان الأمراء ~~والأغنياء هم الذين يرعونها، ومنهم كان يتألف معظم جمهورها، ثم ~~أصبحت الدار تستقبل فيما بعد كل من كان يمتلك ثمن الدخول، ولكي ~~يجتذب المشرفون عليها أكبر عدد ممكن من المشاهدين، تعاقدوا مع ~~أحسن المطربين في أوروبا ليغنوا في فينسيا، وبفضل اجتذاب هذه ~~المواهب الموسيقية الفريدة إلى فينسيا ضمن هؤلاء المشرفون ربحا ~~ضخما لاستثماراتهم، كما أنهم في الوقت ذاته قد جعلوا من فينسيا ~~مركز النشاط الموسيقي في إيطاليا. # وقد خلف مونتيفردي في قيادة أوبرا فينسيا تلميذه الموهوب ~~فرانشسكو كافالي # Francesco ~~Cavalli ~~(1602-1676م) ومعه مارك أنطونيو تشيسي # Marc Antonio Cesti ~~(1620-1669م)، ~~وكان مونتيفردي قد تعمد حفظ التوازن بين الموسيقى وبين النص ~~الشعري لأوبراته. أما هذان المؤلفان الموسيقيان التاليان له، فقد ~~زادا من اهتمامهما بالموسيقى وقللا من اهتمامهما بنص الأوبرات. ~~وكان للتقدير الذي لقيه كافالي وتشيستي في الأوساط الموسيقية في ~~فينسيا تأثيره السريع في مركز الأوبرا ذاتها في تلك المدينة ~~الإيطالية؛ ذلك لأن تأكيدهما أهمية الموسيقى فوق النص الشعري ~~أدى إلى إضعافهما للعنصر الدرامي في أوبرات فينسيا، مما أخل ~~بالتوازن الذي بذل مونتيفردي جهدا كبيرا في حفظه بين الكلمات ~~واللحن، على عكس جماعة الكاميراتا التي أكدت النص على حساب ~~اللحن. # وقد استحدث تشيستي وكافالي ما بدا لهما أنه أوبرا قائمة على ~~استقلال اللحن، ولكن هذه قد تحولت بمضي الوقت إلى أسلوب من ~~الاستعراض الغنائي كاد أن يقضي على تكامل القالب الأوبراتي. ولا ~~بد أن تشيستي كان مغرما بالموسيقى الغنائية؛ إذ يقال عنه إنه ~~أول من أدخل أسلوب الغناء الزخرفي # bel ~~canto # بفقراته الطويلة المتصلة وأنغامه التي ~~تشنف الآذان، وذلك نتيجة للطريقة التي كان يؤلف بها الفواصل ~~الغنائية المطولة داخل الأوبرا. وقد امتد التأثير الذي مارسه ~~تشيستي وكافالي على الأوبرا في فينسيا، إلى جميع أرجاء ~~أوروبا. ms142 # ولقد أدت الروح الديمقراطية التي سادت دار الأوبرا في فينسيا إلى ~~نتائج تتجاوز مجرد دعوة من يملكون ثمن الدخول لحضور الأوبرا ~~بأسلوب كافالي وتشيستي؛ فليس المهم أن نعرف الأسباب الأساسية ~~التي دعت المشرفين على هذه الدار إلى فتح أبوابها للجمهور، وإنما ~~المهم حقا أن فتح الأبواب للجمهور كان يعني بداية انقضاء عهد ~~الأوبرا بوصفها عرضا مقتصرا على القصور وأهلها، واستهلال عهد ~~جديد أصبحت فيه الأوبرا أحب الفنون الموسيقية إلى قلوب الجماهير. # 9 # ولقد كانت أوبرا فينسيا تعني نهاية أليمة لآمال جماعة ~~الكاميراتا وأمانيهم في قيام أوبرا مبنية على الأفكار الجمالية ~~للمسرح اليوناني؛ فقد نبذت المثل العليا لهذه الجماعة، ~~وأصبحت الأوبرا في فينسيا نوعا من الحل الوسط من الوجهة الفنية، ~~فصارت تهتم أيضا بإرضاء نزعات الترف والرغبة في الترفيه. ولم يعد ~~النص يدور حول شخصيات، وإنما حول أنماط، وقد أطلق موسيقيو فينسيا ~~على دراماتهم الموسيقية اسم الأوبرا الجادة # Opera ~~Seria ~~، غير أن هذه تسمية غير منطبقة؛ إذ إن ~~الأوبرا نادرا ما كانت تنتهي نهاية محزنة، وإنما كان الجمهور ~~يطالب بنهاية سعيدة. كذلك ضربت أوبرا فينسيا عرض الحائط بالوحدات ~~الثلاث المعروفة في المسرح اليوناني؛ إذ إن كثيرا من هذه الأوبرات ~~كانت أقصر من أن يمكن الانتفاع منها عمليا؛ ولذلك عمد مديرو ~~المسرح إلى إقحام فواصل لإطالة مدة العرض. وكانت الألحان زخرفية ~~إلى حد بعيد، ولم يكن في وسع أحد سوى كبار المغنين من ~~«الخصيان # castrati ~~» أن يحكم أداء ~~السطور اللحنية التي قد ترهق العازف الموسيقي البارع. # ولقد كانت موسيقى فينسيا الدينية ثورية بقدر ما كانت الموسيقى ~~الدنيوية في المسرح؛ إذ إن الموسيقيين كانوا يتجهون إلى الكتابة ~~بأسلوب واحد في الموسيقى الدينية والدنيوية معا. ولم يكن من ~~النادر أن يجد المرء نصا شعائريا يؤدى في صلاة دينية بلحن ~~«آريا» من «آريات» الأوبرا. ولم يقبل رجال الكنيسة بارتياح إقحام ~~الألحان الغنائية الدنيوية في الصلوات الدينية، وإدخال موسيقى ~~معزوفة في الكنيسة. غير أن عدوى التجديد هذه قد انتقلت إلى روما بدورها. # 10 # فألف موسيقيوها قداسات ms143 تنعكس عليها فخامة عصر ~~الباروك. وكان جيرولامو فرسكوبالدي # Girolamo ~~Frescobaldi ~~(1583-1643م) عازف الأرغن الشهير ~~بكاتدرائية القديس بطرس في روما يستخدم الأرغن والمجموعة الغنائية ~~بالتبادل في البداية، ثم انضمت بعد ذلك مجموعات ضخمة من ~~المغنين يدعمهم «أوركسترا» يعزف مستقلا، أو مع الأصوات ~~الغنائية، لزيادة تأثير شعائر الصلاة. كذلك احتل موسيقيو روما ~~مكانة بارزة في عالم الأوبرا، غير أن روح القديس أوغسطين سرعان ما ~~تجلت في البابا أنوتشنتي الثاني عشر (الذي تولى البابوية من ~~1691م إلى 1700م)، وهو مصلح صارم عارض الطابع السوقي للمسرح، ~~وأمر بهدم دار الأوبرا في المدينة البابوية. # وقرب نهاية القرن السابع عشر ، بدأت نابولي تتجه إلى أن تصبح ~~مركز العالم الموسيقي. ولقد أصابت الموسيقى، خلال عهد سيادة ~~نابولي، أضرار ومنافع؛ فقد كان أهل نابولي يمجدون الصوت البشري، ~~وأصبح هدفهم هو الوصول إلى أكبر قدر من البراعة الغنائية، ~~وترتب على ذلك الإساءة إلى النص الشعري للأوبرا. وصارت كل ~~اتجاهات الأوبرا في عصر الباروك المتأخر تهتم بجودة الغناء وصفاء ~~أصوات المغنين. ولم يعد المغنون يعبئون كثيرا باللحن ~~الموسيقي المدون، بل كانوا يستعيضون عن «الآريات» الأصلية ~~بمؤلفات من عندهم، تظهر مقدرتهم الغنائية في أحسن أحوالها. ولقد ~~كان هذا الاهتمام البالغ بإظهار البراعة والمقدرة الفنية في الغناء ~~هو السبب الرئيسي في تدهور الأوبرا إلى نوع غريب من أنواع الفن؛ ~~فالمغني الذي كان يحب «آريا» معينة كان في كثير من الأحيان ~~يستخدم نفس لحنها لكلمات مختلفة، وأدى ذلك إلى طغيان شخصية المغني ~~على الملحن وقائد الفرقة الموسيقية؛ بحيث أصبح المؤلف الموسيقي ~~والمسئول عن الأداء تحت رحمة المغني، يستجيبان لنزواته، ويتقيدان ~~بطريقته الخاصة في الأداء. وكان في وسع المغني أن يعدل ~~الموسيقى المكتوبة كما يشاء، ويزخرفها حسب هواه. وفي هذا المجال ~~الاستعراضي الغنائي بلغت أصوات الخصيان # castrati # 11 # قمة مجدها، وكانت الطبقات الغنائية التي تبلغها ~~أصواتهم عالية إلى حد مذهل، حتى إن النساء اللاتي كن يغنين ~~بصوت «السوبرانو» (الرفيع) عادة كن يضطررن إلى الغناء بطبقات ~~منخفضة، حتى لا تجرح كبرياؤهن لعجزهن عن تجاوز أصوات ms144 الخصيان أو ~~مجاراة بهلوانياتها الغنائية، ولكن دور الخصيان في الأوبرا بدأ ~~يتضاءل منذ النصف الثاني من القرن ~~الثامن عشر. # وكانت نابولي هي موطن موسيقيين موهوبين هما «ألساندور ~~سكارلاتي # Alessandro Scarlatti ~~» ~~(1659-1725م) وهو أبو دومنكو سكارلاتي # Domenico ~~Scarlatti ~~(1685-1757م)، وقد ألف الأول أكثر من ~~مائة أوبرا حرص فيها كلها على إظهار جمال اللحن وفن الغناء. وكانت ~~الفلسفة الموسيقية لسكارلاتي الأب والابن مضادة تماما لفلسفة ~~جماعة الكاميراتا في فلورنسا، وهي الجماعة التي ابتدع أفرادها في ~~نهاية القرن السادس عشر دراما موسيقية كانوا يظنون أنها تقتدي ~~بالأسلوب اليوناني؛ إذ إنهم أخضعوا الموسيقى للنص الكلامي، حتى ~~تكون الكلمة المنطوقة واضحة دون لبس، وتجنبوا الأساليب ~~البوليفونية المعقدة الشائعة في أيامهم، حتى تكون أوبراتهم - على ~~ما يعتقدون - متمشية مع الروح اليونانية الحقيقية. وفي أوائل ~~القرن السابع عشر تخلى مونتيفردي عن الأفكار الجمالية المتزمتة ~~لدى جماعة الكاميراتا، بإعطائه للموسيقى دورا أهم، وزيادة قوة ~~الحركة الدرامية. أما ألساندرو سكارلاتي، فكان أكثر اهتماما ~~بالموسيقى منه بالنص الكلامي أو الحركة الدرامية. وكانت أوبراته، ~~التي تحولت في القرن التالي إلى «الأوبرا الجادة» # Opera Seria # تتألف من مؤامرات ~~أسطورية، ومن نصوص كلامية سطحية، وعدة فواصل غنائية غير مترابطة ~~يغنيها خصيان بارعون، وهي كلها أمور يطرب لها الإيطاليون. ويمكن ~~القول إن كل موسيقي أجنبي وفد إلى نابولي قد حمل معه عند ~~مغادرتها شيئا من تأثير سكارلاتي؛ بحيث إن أوبرات سكارلاتي كانت ~~أنموذجا للموسيقيين الأوروبيين في القرن الثامن عشر. # وقد حقق جوفاني برجوليزي # Giovanni Pergolesi ~~(1710-1736م) ل ~~«الأوبرا الهازلة» # Opera Buffa # نفس ما حققه سكارلاتي للأوبرا الجادة. وهكذا تطور هذان ~~النوعان من الأوبرا في وقت واحد. ولم يقف الطابع شبه الشعبي ~~والحوار المضحك للأوبرا الهزلية عند حد التسلية الخاصة، بل لقد ~~أصبح أداة فعالة للسخرية والهجاء عن طريق الموسيقى. # القسم الثالث: الموسيقى في فرنسا وإنجلترا وألمانيا # كانت الروح المسيطرة على الموسيقى الفرنسية في القرن السابع عشر ~~تشبه إلى حد بعيد روح جماعة الكاميراتا الفلورنسية في القرن ~~السابق؛ فقد كان الشعراء والموسيقيون يحاولون إحياء الدراما ms145 ~~اليونانية، وكانوا يتفلسفون حول التمييزات الدقيقة الكفيلة بتحقيق ~~توازن سليم بين الموسيقى والنص. وأدخلوا الرقص بوصفه العنصر ~~الثالث في المسرح، آملين بذلك أن يبعثوا من جديد الجو الحقيقي ~~للعصر اليوناني القديم. وقد شارك موليير (1622-1673م)، الذي سخر ~~من الحياة الاجتماعية في أيامه، في تلك الروح الجمالية السائدة في ~~عصره، فأدخل عنصرا موسيقيا جديدا في كوميدياته، وذلك بتوحيد ~~المسرحية الهزلية بالموسيقى، ثم إضافة الرقص إليها. # وكان جان بابتيست لولي # Jean Baptiste ~~Lully ~~(1632-1687م)، الذي تعاون مع موليير في ~~مسرحياته، من أنصار المبدأ الأفلاطوني القائل بضرورة خضوع الموسيقى ~~للشعر. وبلغ من تزمته في ألحانه الموسيقية التي وضعها لنصوص ~~مكتوبة أنه جعل الخط اللحني معتمدا على نبرات المقاطع وقافية النص ~~الشعري ووزنه. ومن الجائز أن هذا الالتزام الحرفي للنص قد زاد من ~~أهمية الكلمة المنطوقة، ولكنه أدى في الوقت ذاته إلى الحد من ~~قدرة اللحن. ولقد كان لولى صارما مع القائمين بأداء ألحانه ~~بقدر ما كان صارما مع نفسه، فكان يفرض على المغنين والعازفين ~~قواعد دقيقة، مثلما فرض نظاما صارما على نشاطه الخلاق وفقا ~~لآرائه الجمالية الخاصة. ولم يكن يمسح للمغنين أو العازفين ~~المنفردين بالتحرر في تحديد سرعة الأداء، أو بالإغراق في زخارف ~~أو «تقاسيم» من ابتداعهم لا لشيء إلا لكي يستعرضوا براعتهم الفنية. ~~وقد ساعد حرص لولى على التزام الموسيقى المكتوبة بدقة على إزالة ~~التأثير الذي تركه غرور المغنين الإيطاليين، وتحررهم في المسرح ~~الفرنسي. ومن الجائز أن شروطه الدقيقة في التزام النص الموسيقي قد ~~حالت دون تدهور المسرح الفرنسي إلى ذلك الطابع الشبيه ب «الفودفيل» ~~السطحي، الذي أصبحت تتسم به الأوبرا الإيطالية. # كذلك كان للنزعة العقلية ~~الفلسفية في فرنسا تأثيرها في الموسيقى؛ فقد أدى ذلك العنصر ~~الأفلاطوني الذي كان كامنا على الدوام في النزعة العقلية ~~الفرنسية، إلى تطبيق الفكرة اليونانية في محاكاة الطبيعة على الفن ~~عامة، والموسيقى خاصة. وكانت جماعة الكاميراتا قد أكدت أهمية ~~الدور الذي ينبغي أن تلعبه الموسيقى في إبراز معاني الكلمات، ~~وزيادة تأثير الدراما، وبالمثل أصبحت الفلسفة الجمالية للموسيقى ms146 ~~في فرنسا عقلية إلى حد بعيد. ولم يقتصر العقليون الفرنسيون على ~~جعل الموسيقى تابعة للنص، وإن كانوا بالفعل قد وضعوا الموسيقى ~~المعزوفة في مرتبة أدنى من مرتبة الموسيقى الغنائية، وإنما حكموا ~~على الموسيقى بطريقة اليونانيين، فاستنتجوا منطقيا أن الموسيقى ~~لما كانت تثير الانفعالات، فلا بد أن تكون لها قيمة فلسفية أقل ~~من قيمة الأفكار العقلية التي تعبر عنها الكلمات. # كذلك كان أصحاب النزعة ~~العقلية الفلسفية يعتقدون أن موسيقى الآلات أقل قيمة من ~~الموسيقى الغنائية؛ لأن الأولى لا تستطيع بذاتها أن تعبر عن ~~المشاعر تعبيرا دقيقا أو كاملا، ولكن العالم والموسيقار ~~الألماني يوهان ماتيسون # Johann ~~Mattheson ~~(1681-1764م) قد خالف هذا الرأي بأن ~~أدرج استخدام الآلات الموسيقية ضمن تطبيقه الخاص ل «مذهب الشاعر»؛ ~~ففي كتابه «الأوركسترا المستحدثة # Das neu-eroffnete ~~Orchestre ~~» (1713م) طرح جانبا الآراء الموسيقية ~~العتيقة بقوله إن اللحن ينبغي أن يكون تعبيرا عن عاطفة، لا ~~محاكاة لروح إلهية، وبجعله الإنسان نفسه حكما على ما هو خير وشر ~~في الموسيقى. وإن لهجته لتذكرنا بلهجة أرسطوكسينوس في أيامه، ~~حين دعا إلى الحكم على الموسيقى من خلال العقل والحس؛ أي حاسة ~~السمع. وقد كتب يقول: «إن الأعداد ليست المتحكمة في الموسيقى، ~~وإنما هي توجهها فحسب، وحاسة السمع هي الطريق الوحيد الذي ~~ينقل من خلاله تأثيرها إلى النفس الباطنة للسامع المنتبه ... ~~والهدف الوحيد للموسيقى ليس كونها تسر العين، أو ما يسمى ~~بالعقل على الإطلاق، وإنما كونها تسر الأذن فحسب.» # 12 # ولم يكن ماتيسون يعتد كثيرا بآراء أولئك الفلاسفة الذين اعتقدوا ~~في أيامه أن الطريقة الصحيحة للحكم على قيمة الموسيقى هي مقارنتها ~~نغميا وإيقاعيا بأنواع الأمثلة الموسيقية التي عرضها أفلاطون ~~وأرسطو فيما كتباه عن الموسيقى. كذلك لم يكن ماتيسون يحفل كثيرا ~~بآراء أصحاب العقليات الميالة إلى الصنعة في الموسيقى، الذين ~~يبدون بعلم الصوت اهتماما يفوق اهتمامهم بالموسيقى ذاتها، كما ~~فعل الفيثاغوريون في أيامهم. وقد تجلت بوضوح روح النزعة ~~الإنسانية في تفكير ماتيسون الموسيقي، وذلك في قوله إن المثقف ~~المستمع إلى الموسيقى يستطيع أن يصدر حكما سليما ms147 على ما يسمعه، ~~بناء على معرفة فنية بالموسيقى، مقترنة بالقدرة على التمييز بين ~~ما هو جميل وقبيح فيها من خلال ذوقه الخاص. وهكذا تنبأ ماتيسون ~~بعهد جديد للموسيقى يكون مبنيا على التنوير والتعليم. # ولقد أعلن فيلسوف إنجليزي معاصر لماتيسون، هو فرانسس هتشسون # Francis Hutcheson ~~(1694-1747م) أن ~~«للموسيقى غايتين؛ الأولى أن تطرب الحس، والثانية تحريك المشاعر ~~أو إثارة الانفعالات. والواقع أن الأوبرا الإنجليزية كانت بالفعل ~~تطرب الحواس، ولم تكن تثير الانفعالات إلا بطريقة غير مباشرة؛ ~~إذ إنها كانت في المحل الأول مسرحية رومانية ذات موسيقى ~~تصويرية.» # وبالمثل انتقد جوزيف أديسون # Joseph ~~Addison ~~(1672-1719م) الاتجاه إلى إصدار أحكام ~~جمالية مسبقة على الموسيقى، وذلك في كتاباته في مجلة «سبكتيتور # Spectator ~~» إذ قال: «ينبغي على ~~الموسيقى والعمارة والتصوير، فضلا عن الشعر والخطابة، أن تستمد ~~قوانينها وقواعدها من الحس المشترك والذوق العام للبشر، لا من ~~مبادئ تلك الفنون ذاتها، أو بعبارة أخرى، ينبغي ألا يتكيف الذوق ~~تبعا للفن، وإنما الواجب أن يتكيف الفن تبعا للذوق.» # وقد كتب جون درايدن # John Dryden ~~(1631-1700م) وهو أمير الشعراء الإنجليز # 13 ~~(1679م)، وزميل هنري بيرسل # Henry Purcell ~~(حوالي 1658-1695م) في مجموعة أعمال فنية؛ ~~كتب في مقدمته لألبيون وألبانيوس # Albion and ~~Albanius # يقول: «إن الأوبرا رواية شعرية تمثلها ~~الموسيقى الغنائية والمعزوفة، وتزينها مناظر وآلات مسرحية ~~ورقص. والشخصيات المزعومة في هذه الدراما الموسيقية هي عادة ~~شخصيات خارقة للطبيعة كالآلهة والإلهات والأبطال ...» # وقد أدخل بيرسل وأستاذه جون بلو # John ~~Blow ~~(1648 / 49-1708م) على الألحان الجادة ~~للكنيسة الإنجليزية بعض الخصائص المليئة بالحيوية، التي كانت تتسم ~~بها الموسيقى الإيطالية والفرنسية، ولكنهما وصفا بعدم احترام ~~الكنيسة نظرا إلى جهودهما هذه. وأدخل بيرسل بعض العناصر الإيطالية ~~والمؤثرات الجمالية الفرنسية في أوبرا «ديدو وأينياس # Dido and Aeneas ~~» التي قدم بها ~~إلى إنجلترا أولى أوبراتها وأروعها في تلك الفترة، ولكن كان يوجد ~~مقابل كل فيلسوف ذي ذهن عملي وكل موسيقي خلاق، عدد غير قليل ~~من أنصار التراث الأفلاطوني الذين ظلوا حتى القرن السابع عشر ~~والثامن عشر يدافعون عن ms148 موسيقى الماضي المجيد، وكان تبجيل الأقدمين ~~هو أعظم فضيلة يمكن أن يتصف بها الشخص الغيور على الموسيقى. # 14 # وقرب نهاية عصر الباروك، استقدمت الطبقة العليا الإنجليزية ~~جورج فريدرك هيندل # Handel ~~(1685-1759م) إلى إنجلترا لكي يؤلف لهم أوبرا على الطراز ~~الإيطالي. غير أن الأوبرا الإيطالية لم تحظ بنجاح في إنجلترا، على ~~الرغم من جهود وعبقرية شخصية مثل هيندل. وقد كتب أديسون في مجلة ~~«سبكتيتور» يقول: «لا جدال في أن أحفاد أحفادنا ستتملكهم الرغبة ~~الشديدة في معرفة السبب الذي كان يدفع أجدادهم القدماء إلى الجلوس ~~سويا، وكأنهم جمع من الغرباء في وطنهم ذاته، ليستمعوا إلى ~~مسرحيات كاملة تمثل أمامهم بلغة لا يفهمونها ... والحق أنه لا ~~شيء كان يروع نظارتنا الإنجليز أكثر من فواصل التلاوة ~~(الريسيتاتيف) الإيطالية عندما أديت على المسرح لأول مرة؛ فقد ~~دهش الناس كثيرا لسماعهم قوادا يصدرون أوامرهم العسكرية ~~بالنغم وسيدات يبلغن رسائل بالموسيقى. ولم يتمالك مواطنونا أنفسهم ~~من الضحك عندما سمعوا محبا ولهانا ينشد رسالة غرام، بل إن ~~عنوان الرسالة ذاته كان ملحنا ...» # 15 # ولقد كان أديسون يسلم بأن الأوبرا يمكن أن تكون ~~مليئة بالزخارف؛ لأن وظيفتها هي إرضاء الحواس، وجذب انتباه ~~المشاهدين، ولكنه لم يكن يقر التصنع المسرحي الإنجليزي إلى ما ~~يشبه «السرك» الروماني. # وفي عام 1728م أنتج «جون جي # John ~~Gay ~~» (1685-1732م) و«جون كرستوفر بيبوش # John Christopher Pepusch ~~» ~~(1667-1752م) «أوبرا الشحاذ # Beggar’s ~~Opera ~~» التي سخرا فيها من الأوبرا الإيطالية. ~~وقد كانت هذه عملا بديعا ساخرا كان إلى جانب سخريته من الأوبرا ~~الإيطالية، يتهكم على الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في عصره. وقد ~~بلغ من نجاح هذا العمل أنه عجل بسقوط الأوبرا الإيطالية في ~~إنجلترا. ولقد كانت «أوبرا الشحاذ» بأغانيها البسيطة، وأنغامها ~~الراقصة التي ترجع إلى أصل شعبي، وموسيقاها التي يتخللها حوار ~~يتدفق حيوية؛ كان هذا العمل مضادا تماما للأوبرا الجادة (أوبرا ~~سيريا) الإيطالية. ولقيت بساطة هذه الموسيقى والنص والغناء ~~وطابعها المألوف إقبالا ساحقا من الإنجليز. وقد تأثر هيندل ~~بهذا الشعور العدائي الذي أظهره الإنجليز نحو نوع من الفن ~~الموسيقي ms149 لم يكن غريبا تماما عن حضارتهم وأفهامهم، وبلغ من ~~تأثره أنه كف عن تأليف الأوبرات وتحول إلى ~~«الأوراتوريو». # وقد طبق هيندل الأسلوب الإيطالي للآريا الدرامية # 16 # على النص في الأوراتوريو. وعن طريق هذا النوع الموسيقي ~~روى هيندل التاريخ الديني والتقدم الإنساني للبشر، واستخدم ~~الكنيسة ذاتها مسرحا له. وقد أصبح الأوراتوريو، بفضل جهوده، يحتل ~~عند الإنجليز المكانة التي تحتلها الأوبرا عند الإيطاليين. # وفي ألمانيا كانت الأوبرا في عصر الباروك المتقدم تعتمد على ~~معونة الأمراء الحاكمين، الذين كانوا يجلبون الإيطاليين لعرض ~~أوبرات يستمتعون بها في بلاطهم. أما الشعب الألماني، الذي أنهكته ~~الحروب الدينية، وأشعرته بالمرارة، فقد وجد عزاءه في الموسيقى ~~الدينية. وقد يبدو لأول وهلة عندما أتيح للشعب الألماني أخيرا ~~أن يشاهد الأوبرا الإيطالية في ألمانيا الكاثوليكية (أي في الجنوب) ~~أن أذواق موسيقيي فينسيا ونابولي وروما كانت قادرة على الانتشار ~~بينهم، ولكن الذي حدث فعلا هو أن اللغة الإيطالية كانت عاجزة عن ~~نقل معنى النص إلى الألمان. وكانت الحرية اللحنية في الأوبرا ~~الإيطالية شيئا جديدا كل الجدة بالنسبة إليهم. كما بدا افتقار ~~الأوبرا الإيطالية إلى الواقعية، في نظر العقلية الألمانية، إساءة ~~إلى الثالوث المسرحي في الوحدة والعقدة والحدث. وهكذا بدا فن ~~الإيطاليين غريبا في نظر الألمان، كما بدا في نظر الإنجليز، ومن ~~هنا كان مآله إلى الإخفاق السريع. # ومن الجائز أن الآثار الجمالية لموسيقى الأوبرا الإيطالية قد ~~خيبت آمال الشعب الألماني، غير أن موسيقى الإيطاليين قد حازت ~~أعظم الإعجاب لدى الموسيقيين الألمان المنتمين إلى الشمال ~~البروتستانتي، مثلما أعجب بها الموسيقيون المنتمون إلى الجنوب ~~الكاثوليكي، وكان لها صداها في أفكارهم وأساليبهم الموسيقية. وقد ~~حاول هينريخ شوتس # Heinrich Schutz # أن يمزج الألحان الإيطالية بالموسيقى الدينية، كما امتزجت الروح ~~الإيطالية بالألمانية في موسيقى هانز ليو هاسلر # Hans Leo Hassler ~~(1564-1612م) ~~وميخائيل بريتوريوس # Michael Praetorius ~~(1571-1621م) ويوهان كونار # Johann Kuhnau ~~(1660-1722م) ~~وراينرت كايزر # Reinhard Keiser ~~(1673-1739م) وجيورج فيليب تليمان # Georg Philipp ~~Telemann ~~(1681-1767م). # وقد بدأت موسيقى الباروك الألمانية، تاريخيا، على يد هينريخ ~~شوتس (1585-1672م)، وانتهت بيوهان ms150 سباستيان باخ # Bash Johann Sebastian ~~(1685-1750م)، وقد نظر شوتس، بطريقة رومانسية، إلى الكلمة ~~المنطوقة على أنها موضوع ينبغي أن تغزوه روح الموسيقى. وكان شعار ~~فلسفته الفنية هو أن من الممكن زيادة تأكيد معنى الكلمة ~~بتوافقات موسيقية تتكرر على أنحاء شتى. وقد كرس حياته ~~الموسيقية لإيجاد مركب من الموسيقى الدينية والدنيوية، آملا أن ~~يتمكن، عن طريق إدخال العناصر الإيطالية في الموسيقى الألمانية ~~الدينية، من أن يخلق فنا موسيقيا أكثر توازنا من ذلك الذي نتج ~~عن رد الفعل البروتستانتي على الموسيقى الكاثوليكية. # وبالمثل كانت الرغبة تتملك باخ في إدخال عناصر دنيوية مستمدة ~~من الإيطاليين في الموسيقى الدينية لعصره. وقد كان يشارك شوتس ~~آراءه التي أعرب عنها منذ حوالي قرن من الزمان، وهي أن الموسيقى ~~البروتستانتية الألمانية تفتقر إلى الاتزان جماليا، وإذا كان لها ~~طابع يغلب عليها، فذلك هو طابع الرتابة والإملال. كما لقي باخ نفس ~~المصير الذي لقيه شوتس؛ فقد اشتبهت السلطات الدينية في دوافعه ~~الجمالية، وشكت في تصرفاته الموسيقية، وتجاهل أبناء باخ ~~موسيقاه بقدر ما تجاهلها معاصروه؛ لأن الجميع لم يفهموا آراءه ~~الجمالية في الموسيقى. وفي النهاية مات باخ كما مات شوتس من قبله، ~~وحيدا تملأ المرارة نفسه، حزينا على تجاهل الناس له. # ولقد كان باخ مسيحيا تقيا يؤمن بأن معرفة اللاهوت والإخلاص ~~في العقيدة الدينية شرطان ضروريان لمؤلف الموسيقى الدينية. وكان ~~يرى أن دراسة التأليف الموسيقي، والنظريات الموسيقية، ليست في ~~ذاتها كافية لإنشاء موسيقى دينية؛ فالتعليم الفني يصقل الذهن، ~~ويجعل المرء عارفا بأصول صنعة الفنان، ولكن الإيمان الديني ~~العميق، بالإضافة إلى معرفة أصول الصنعة الفنية، هو الذي يتيح ~~للموسيقي تأليف موسيقى بروتستانتية تزيد المسيحي قربا من خالقه. ~~وكان باخ ذاته يعتقد أنه في حاجة إلى مزيد من الإلمام بأسس ~~اللاهوت، حتى يعبر في موسيقاه عن أكبر قدر من الروحانية، ومع ~~ذلك فإن الجيل الذي عاصره، وعدة أجيال تالية له، قد وجدت موسيقاه ~~باردة فنيا، ومفرطة في معقوليتها، وذات طابع رياضي، ولم تعترف ~~لها أبدا بصفة الحرارة والحماسة الدينية. # وقد كرس ms151 باخ حياته لإصلاح الموسيقى البروتستانتية، فكتب يقول: ~~«إن هدفي النهائي هو أن أعيد تنظيم موسيقى الكنيسة.» كما كان يأمل ~~أن يتيح للإنسان، بفضل موسيقاه، أن يصبح مسيحيا أفضل، وكان أهم ~~آلات التعبير الموسيقي عنده هو الأرغن. والقالب الذي امتاز فيه هو ~~قالب «الفوجة # Fugue ~~»، وعن طريق ~~الغنائية «الكانتاتا # cantata ~~» # 17 # أساسا، وكذلك الكورال، أدخل على الشعائر ~~البروتستانتية أفكارا جمالية هي المبادئ التي بنى عليها ذلك ~~الإصلاح الذي طالما دعت الحاجة إليه، لموسيقى الكنيسة ~~البروتستانتية. # ولم تلق حماسة باخ لإصلاح الموسيقى البروتستانتية فنيا ~~استجابة كبيرة؛ إذ إن الكنيسة سجلت عليه أن طريقته في عزف ~~الأرغن، وكذلك موسيقاه «تبلبل خواطر جمهرة المصلين بأنغام ~~أجنبية غربية» وعندما أصبح عريفا ~~( # cantor ~~) في كنيسة القديس توما في ~~ليبزج عام 1722م، اشترط عليه في العقد الذي وقعه أن تكون ~~موسيقاه ملائمة للشعائر، وألا يكون عزفه طويلا إلى حد لا يتناسب ~~مع هذه الشعائر تناسبا معقولا، وألا يدخل موسيقى الأوبرات ~~الإيطالية في الشعائر، وأن يتذكر دائما أن وظيفة عازف الأرغن ~~بالكنيسة هي خدمة الصلاة عن طريق الموسيقى، وليست صرف الأنظار عن ~~العبادة بالاستعراض غير المجدي لمقدرته في العزف على الأرغن أثناء ~~أداء هذه الشعائر. وكانت عقود الموسيقيين في عصر الباروك تشترط ~~عليهم البقاء داخل المدينة، وعدم مغادرتها بدون إذن. وقد أدت هذه ~~القيود المفروضة على حرية باخ المادية، فضلا عن تلك المفروضة على ~~حريته الموسيقية، مقترنة بما لقيه من تجاهل، إلى جعل السنوات ~~الأخيرة من عمره أتعس سنوات حياته. # لقد بدأ عصر الباروك بإدخال الأفكار الجمالية اليونانية في ~~الموسيقى الإيطالية، وانتهى بموت باخ في ألمانيا. وفي تلك الفترة ~~التي تقل عن قرنين، والتي تفصل بين اجتماعات أفراد جماعة ~~الكاميراتا وبين موت الموسيقي الألماني الكبير، ظهرت واختفت ~~مذاهب متعددة في الفلسفة الجمالية للموسيقى؛ فقد خلق فن الأوبرا ~~في إيطاليا على أساس فهم خاطئ لطريقة اليونانيين في أداء الفن ~~الدرامي، وصحح مونتيفردي المفاهيم الخاطئة لجماعة الكاميراتا عن ~~طريق إيجاد علاقة أكثر توازنا بين النص والموسيقى، وزيادة أهمية ~~ودور الأوركسترا. ms152 وبعده بوقت ما، عمل فرانشسكو بروفنسالي # Francesco Provenzale ~~(المتوفى ~~سنة 1704م) وسكارلاتي الأب على جعل الأوبرا، بكل ما فيها من نقائص ~~جمالية، فنا للغناء واللحن. وقد كتب أركانجلو كوريلي # Arcangelo Corelli ~~(1653-1713م) ~~مقطوعات للفيولينة والهاربسيكورد بأسلوب واضح وقالب بسيط. أما ~~أنتونيو فيفالدي # Antonio Vivaldi ~~(1680-1743م) ذلك الموسيقي الفذ، فقد لون موسيقى الآلات في أواخر ~~عصر الباروك الإيطالي، وأضفى عليها رونقا ما زال محتفظا بتأثيره ~~الانفعالي حتى اليوم. وفي فرنسا أعاد لولى جزءا من التأثير ~~الأفلاطوني إلى الأوبرا، وحد في الوقت ذاته من الأساليب التي لا ~~طائل منها، والتي كان يلجأ إليها مغنو الأوبرا. وفي إنجلترا مزج ~~بيرسل الموسيقى الإيطالية بقالبه الخاص في الأوبرا، وكذلك ~~بالموسيقى الدينية. ثم انتقل لواء الإبداع الفني من إيطاليا إلى ~~ألمانيا، وإن يكن شوتس وباخ قد ظلا يعودان من آن لآخر إلى ~~الموسيقى الإيطالية التي كانت تعزف في جنوب ألمانيا، لكي يقتبسا ~~منها وحيا لحنيا يثريان به الموسيقى اللوثرية في شمال ~~ألمانيا. # ولقد كانت الأوبرا في عصر الباروك المتقدم معارضة من الوجهة ~~الفلسفية، ومن حيث الأسلوب للكنترابنط. ومن جهة أخرى كانت تهتم ~~بالكلمة المنطوقة اهتماما مبالغا فيه. وعلى حين أن الباحثين ~~النظريين مثل أرتوزي، كانوا يشكون من استخدام التنافر ~~الهارموني # dissonance # فإن ~~الموسيقيين الأصالى، مثل مونتيفردي، ظلوا يثرون الموسيقى الغربية ~~بتجمعات نغمية جديدة. ولم يكن النظام الهارموني، كما عرفناه ~~فيما بعد، قد تطور بعد، وإنما كان عليه أن ينتظر ظهور باخ ~~ورامو # Rameau ~~. وقد انتظمت ~~المقامات الغامضة التي كانت معروفة في الموسيقى الأقدم عهدا، في ~~تآلفات متتابعة أضفت على الموسيقى اتصالا هارمونيا، وأتاحت ~~ظهور قوالب موسيقية أطول مدى. وعلى حين أن جماعة الكاميراتا ~~كانت قد رفضت فن البوليفونية على أساس أنه مضاد للتعاليم ~~الأفلاطونية، فإن هذا الفن أصبح في مؤلفات يوهان سباستيان باخ هو ~~الدعامة الأساسية لموسيقى ذات تركيب هارموني محكم، وجمال لحني ~~رائع. # الفصل السادس # | المذهب العقلي، والتنوير، والعصر الكلاسيكي في الموسيقى # القسم الأول: من ديكارت إلى كانت # لا تعكس الفلسفة والموسيقى روح العصر في ms153 كل الأحوال؛ فالتجديدات ~~الموسيقية التي تهاجم بشدة في عصرها تصبح في كثير من ~~الأحيان الأساليب والنماذج المقبولة في عصور تالية. كذلك فإن ~~فلسفة الأمس قد أصبحت علم اليوم، وقد يصبح الكثير من تأملاتنا ~~الفلسفية الحالية علما في الغد. والواقع أن الفلاسفة والفنانين هم ~~أقدر الناس على التطلع إلى المستقبل. غير أن الفيلسوف والفنان ~~نادرا ما يشتركان في طريقة تعبيرهما عن روح العصر، وكثيرا ما ~~يتشكك أحدهما في آراء الآخر. # فقد كان أفلاطون أشهر فيلسوف انتقد الفنانين نقدا لا يعرف ~~هوادة، ومع ذلك فإن التفكير الجمالي للحضارة الغربية في الموسيقى، ~~إنما ترجع جذوره إلى كتابات أفلاطون. ولقد كان تقديره للموسيقى، ~~الذي أعرب عنه في محاورتي «الجمهورية» و«القوانين» أساسا، ~~تقديرا أخلاقيا قبل كل شيء. وقد تابع المدرسيون أفلاطون في معظم ~~نظرياته الموسيقية، وطبقوها تطبيقا عمليا دقيقا على طريقة ~~الحياة والعبادة المسيحية. وحذا قادة عصر الإصلاح الديني حذو ~~أسلافهم في العصور الوسطى؛ إذ أبدوا نفس القدر من التزمت، بل ~~زادوا عليه في كثير من الأحيان، وذلك باستخدامهم الصفات الانفعالية ~~للموسيقى من أجل دعم المذهب البروتستانتي. وطوال هذه القرون كان ~~للموسيقى دور متفاوت الأهمية في مذاهب الفلاسفة الغربيين الذين ~~كانوا يفتقرون - باستثناء عدد قليل جدا منهم - إلى الخبرة ~~الفنية أو المعرفة النظرية التي تتيح لهم تقدير قيمة الموسيقى ~~بوصفها وسيلة للتعبير الجمالي. وترتب على ذلك أنهم جعلوا لها ~~مركزا متواضعا بين الفنون الأخرى، حتى نهاية القرن الثامن عشر، ~~وحتى في ذلك العهد المتأخر، كان الفلاسفة ينظرون إلى الموسيقى ~~باستخفاف، ويقدرونها على طريقة القدماء؛ أي من خلال الاعتبارات ~~الميتافيزيقية أو الرياضية أو الأخلاقية، لا بوصفها فنا مستقلا ~~يبرر وجوده بذاته. # وحتى بعد بداية عصر الكشوف العلمية في أوروبا في القرن السابع ~~عشر ظل عالم مثل يوهان كبلر # Kepler ~~(1571-1630م) يربط بين ~~الأنغام والمسافات الموسيقية وبين حركات الكواكب بطريقة مشابهة ~~للطريقة التي استخدمها أفلاطون في وصف نظرية انسجام الأفلاك ~~الفيثاغورية، كما احتفظ رينيه ديكارت # Descartes ~~(1596-1650م) بالفكرة ~~الأفلاطونية القائلة إن الموسيقى رياضية في أساسها. وينبغي أن ms154 ~~تستخدم مبحثا يمهد لدراسة الفلسفة، وقد تحدث أيضا - شأنه شأن ~~مؤسس الأكاديمية واللوقيون - عن المشاعر الموسيقية، وجعل للإيقاعات ~~قيما أخلاقية؛ إذ إن لها تأثيرا مباشرا في النفس البشرية؛ لذلك ~~أعرب ديكارت عن إيثاره للإيقاعات التي لا تهيج المشاعر أو ~~تثيرها بعنف كالإيقاعات البسيطة، لا المعقدة، والإيقاعات ~~الهادئة المعتدلة. كما أكد ضرورة استخدام النسب البسيطة في ~~المسافات النغمية، وردد الشكوى التي سبق أن أعلنها أفلاطون، فحمل ~~على عدم تناسق المقامات الموسيقية التي كان يستخدمها الموسيقيون ~~المعاصرون له في أساليبهم الكنترابنطية. وكان ديكارت متمشيا مع ~~المذهب القديم في إخضاع المشاعر للعقل، حتى لا تؤدي حاسة السمع إلى ~~تضليل الروح، أو يفسد العقل بالشطحات الجامحة للخيال. # 1 # أما اهتمام بندكت دي اسبينوزا # Spinoza ~~(1632-1677م) بالموسيقى، ~~فقد بدأ وانتهى بملاحظته القائلة إن «الموسيقى تنفع المكتئب، وتضر ~~المحزون، أما الأصم فلا تنفعه ولا تضره.» # 2 # وبالمثل وصف جوتفريد فلهلم ليبنتس # Leibniz ~~(1646-1716م) الموسيقى ~~بأنها مظهر للإيقاع الكوني تتألف ماهيته الباطنة من عدد ونسبة، ~~فقال: «مثلما أنه لا شيء يسر حواس الإنسان أكثر من الانسجام في ~~الموسيقى، فكذلك لا يوجد شيء يسر (العقل) أكثر من الانسجام ~~الرائع للطبيعة، الذي لا تعد الموسيقى بالنسبة إليه سوى بادرة ~~ضئيلة ودليل بسيط.» # 3 # ويضيف ليبنتس على ذلك قوله إنه مهما كان من سحر ~~الموسيقى لنا «فإن جمالها لا يكون إلا في انسجام الأعداد». # 4 # وعلى ذلك فالموسيقى في مذهب ليبنتس هي حساب لا شعوري، ~~أو هي علاقة محسوسة بين أعداد مرتبة حسب مسافات وأنماط صوتية ~~تبعث المتعة في النفس. ولقد حرص ليبنتس بوجه خاص على أن يشير إلى ~~أن الموسيقى إنما هي مظهر للإيقاع الذي يسود الكون، وأن النفس ~~تستجيب لتأثيرها دون وعي منها؛ فالموسيقى تعكس نظام الكون ~~وتنوعه، وعن طريق إيقاعاتها النابضة وتوافقاتها السارة نشعر ~~عيانيا بأن الله خلق العالم وفقا لأفضل خطة ممكنة؛ أي إنه خلق ~~العالم، بحيث يجمع بين أعظم تنوع ممكن وأعظم نظام ممكن. مثل ~~هذا العالم، في رأي ليبنتس، هو الذي صوره كبار الموسيقيين ms155 بما في ~~موسيقاهم من تنافر وانسجام. # 5 # وقد أعلن أديسون # Addison # في ~~القرن الثامن عشر، مذهبا جماليا في الموسيقى ترجع جذوره إلى ~~الامتزاج الفيثاغوري بين الرياضة والصوت؛ # 6 # فهو يؤمن بأن المتعة التي نستمدها من الموسيقى، أو ~~السرور الذي تبعثه الأنغام الموسيقية بما تثيره من خيال، هما ~~بالفعل حسيان، ولكنه انتهى من ذلك إلى أننا عندما ندرك الجميل ~~بالحدس، فإن تلك هي إحدى الوسائل التي يتبعها الخالق لكي يكشف ~~لنا صنعته المحكمة، وإذن فالموسيقى ذاتها وسيط حسي للتعبير، ~~ينطوي على مضمونات أخلاقية تبعث على التأمل الديني. # ولقد كان فولتير # Voltaire ~~(1694-1778م) وأديسون متفقين في كراهيتهما للأوبرا الإيطالية ~~السائدة في أيامهما، فقد وصفها أديسون بأنها فن يفتقر إلى ~~الوحدة والتآلف. ورأى فولتير أن من المضحك أن يستمع المرء إلى ~~البطل، وهو يغني «آريا» طويلة في الوقت الذي تنهب فيه مدينة، ثم ~~كتب يقول: «وأي شيء أسخف من أن يختم كل منظر بواحدة من هذه ~~الآريات التي لا علاقة لها بما قبلها أو بعدها ... والتي تقضي على ~~اهتمامنا بالدراما، لكي تتيح الفرصة لحنجرة مخنثة، حتى ترفع ~~عقيرتها بالترعيش والتقطيع، على حساب الشعر والذوق السليم.» # 7 # ولعل فولتير كان يتجه بذهنه إلى مثل هذه المظاهر في ~~الأوبرا عندما ذكر أن كل ما يبلغ من السخف حدا يحول بينه وبين ~~التعبير عنه الكلام، كان نصيبه أن يغنى. غير أن أروع ما في ~~سخرياته البارعة هو تشبيهه للفيلسوف الميتافيزيقي براقصي ~~«المنويتو» الذين يقبلون وقد تحلوا بأبهى زيناتهم، وينحنون ~~بضعة مرات، ويخطرون برشاقة عبر القاعة كاشفين عن سحرهم ~~الطاغي، ويتحركون دون أن يتقدموا خطوة واحدة، بحيث ينتهي بهم ~~الأمر إلى نفس البقعة التي بدءوا منها. # 8 # وكان اللورد تشسترفيلد # Chesterfield ~~(1694-1773م) يعتقد ~~أنه على الرغم من أن الموسيقى تسمى فنا حرا، فهي أقل قيمة من ~~النحت والتصوير، أما علو مكانة الموسيقى في إيطاليا، فدليل على ~~انحطاط هذا البلد، فكتب يقول: «من الصحيح تماما أن يوصف النحت ~~والتصوير بأنهما من الفنون الحرة؛ لأن الشرط الأساسي للتفوق فيهما ms156 ~~هو خصب الخيال وقوته، بالإضافة إلى دقة الملاحظة، وهو أمر ~~أعتقد أنه لا يلزم في الموسيقى، وإن تكن تسمى فنا حرا ... ~~فالنحت والتصوير مرتبطان بالتاريخ والشعر، أما الموسيقى فلا ترتبط ~~فيما أعلم، بأي شيء سوى رفاق السوء.» # 9 # ولقد كان «دني ديدرو # Denis ~~Diderot ~~» (1713-1784م) يرى في الموسيقى محاكاة ~~للانسجام الكوني. وكما أن الطبيعة ذاتها لا تخطئ في تقديراتها ~~أبدا، فكذلك يتألف الجمال في الموسيقى من نسب صحيحة. وقد امتدح ~~فيثاغورس؛ لأنه وضع أسس علم الموسيقى بأن استخلص النسب والعلاقات ~~الرياضية الدقيقة من الطبيعة، وبذلك أنشأ أول مذهب في علم ~~الأصوات، ومع ذلك فقد اعترض على التفكير الجمالي الميتافيزيقي عند ~~«رامو»، الذي ذهب إلى أن «الهارمونيا» هي المبدأ البديهي، الذي ~~يستطيع الفيلسوف والموسيقي بواسطته أن يتوصلا إلى فهم للمبادئ ~~الأساسية للطبيعة والموسيقى. وحاول ديدرو أن يقنع رامو بأن ~~الموسيقى أكثر من مجرد علم للصوت مبني على حسابات هندسية؛ ~~فالجمال في الموسيقى لا يتألف من علاقات أو نسب صحيحة فحسب، ~~وإنما يستحيل في رأي ديدرو الفصل بين الموسيقى والشعر. ومن الواجب ~~أن تراعى مقتضيات النص عند وضع اللحن والهارمونيا. # أما «جان فيليب رامو # Jean Philippe ~~Rameau ~~» (1583-1674م) مؤسس نظامنا الهارموني ~~الحديث، فقد وضع مذهبا جماليا في الموسيقى مبنيا على فلسفة ~~ديكارت. ولقد كانت المشكلة الأساسية في نظر ديكارت هي تطبيق المنهج ~~الهندسي على الميتافيزيقا من أجل جعلها علما دقيقا. وقد اتفق ~~رامو مع ديكارت على أن الموسيقى مبنية أساسا على الرياضة، فقال في ~~كتابه «دراسة في الهارموني # Traite de ~~l’harmonie ~~»: «إن الموسيقى علم ينبغي أن تكون له ~~قواعد معينة، وهذه القواعد يجب أن تستمد من مبدأ واضح بذاته. ~~ومن المحال أن نعرف نحن هذا المبدأ إلا بمساعدة الرياضيات.» # 10 # وكان رامو يعتقد أن الفنون الجميلة تتميز بعلاقة يحكمها نفس ~~المبدأ، أعني مبدأ الانسجام، ولكن الطبيعة فضلت الموسيقى على ~~سائر الفنون؛ لأن الانسجام يتمثل في الموسيقى أوضح ما يكون. وهو ~~يذكرنا من بعيد بأرسطوكسينوس في الفقرة التي يقول فيها: «لا يجوز ~~لنا ms157 أن نحكم على الموسيقى إلا من خلال حاسة السمع، وليس للعقل من ~~سلطة فيها إلا بقدر ما يتفق مع حكم الأذن. وفي الوقت ذاته، فلا ~~يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر إقناعا لنا من اتفاق الأذن والعقل ~~في الأحكام التي نصدرها؛ ذلك لأن الأذن ترضي طبيعتنا، والعقل ~~يرضي روحنا، فعلينا إذن ألا نحكم على شيء إلا بهما معا متضامنين.» # 11 # كذلك احتفظ رامو ب «مذهب المشاعر»، فقال: «من المؤكد ~~أن في وسع الهارمونيا أن تثير فينا انفعالات تختلف باختلاف ~~التآلفات الهرمونية المستخدمة؛ فهناك تآلفات حزينة، وأخرى ناعمة ~~ورقيقة وسارة ومرحة، ومؤثرة، كما أن هناك تعاقبات معينة ~~للتآلفات الهارمونية تعبر عن هذه الانفعالات.» # 12 # وأضاف إلى ذلك «كارل فيليب إمانويل باخ» (1714-1788م) ~~ابن يوهان سباستيان باخ قوله: «... لما كان من المستحيل على ~~الموسيقي أن يحرك مشاعر الناس إلا إذا تحركت مشاعره هو ذاته، ~~فمن الضروري أن يكون في استطاعته أن يبعث في نفسه كل الانفعالات ~~التي يود أن يثيرها في نفوس سامعيه؛ فهو ينقل مشاعره، وبذلك يكون ~~من أيسر الأمور أن يثير فيهم مشاعر متعاطفة.» # 13 # ولقد اكتسبت نظرية المحاكاة # mimesis ~~، القائلة إن الفن تقليد ~~للطبيعة، أهمية كبيرة في الأبحاث الفلسفية في القرن الثامن عشر؛ ~~فقد كان ذلك عصرا انتشرت فيه دعوة العودة إلى الطبيعة والانصراف ~~عن حياة المدينة. وبالطبع لم يكن الموسيقي الخلاق يعبر عن هذه ~~الحركة في مؤلفاته تعبيرا كاملا؛ إذ إن الموسيقى ليست دائما ~~انعكاسا مباشرا لروج العصر. ومع ذلك ظل الفلاسفة يرددون الفكرة ~~اليونانية القائلة إنه لما كان الفن محاكاة للطبيعة، فيترتب ~~على ذلك منطقيا أن تكون الموسيقى انعكاسا للإيقاع الذي يسود ~~الكون، وعلى ذلك فإذا أمكن أن يستمع الإنسان إلى الإيقاعات ~~الموسيقية الصحيحة دون سواها، فعندئذ يستطيع أن يتعلم كيف يعيش ~~وفقا للقانون الطبيعي، ويتحد مع الطبيعة. # وقد اتفق جان جاك روسو (1712-1778م) مع ديدرو في رأيه القائل إن ~~الموسيقى محاكاة للطبيعة، ودفعته روحه النازعة إلى الإصلاح ~~إلى أن يحمل على استخدام اللغة الفرنسية في ms158 الموسيقى الغنائية، ~~وذلك بناء على نظريته غير المؤكدة القائلة إن اللغة الفرنسية لا ~~تصلح للنطق الغنائي كما تصلح اللغة الإيطالية، فكتب يقول: «إن ~~لهجة اللغات هي التي تحدد الألحان في كل أمة، واللهجة هي التي ~~تجعل الناس يتكلمون وهم يغنون ...» # 14 # وكان روسو يعتقد، على عكس أديسون وفولتير، أن الموسيقى ~~الإيطالية تعبر عن انفعالات الشعب الإيطالي ومشاعره. أما اللغة ~~الفرنسية فهي لغة فكرية جافة، مما يجعل الموسيقى الفرنسية تعاني ~~على الدوام صعوبات فنية ناتجة عن طبيعة الصعوبات اللغوية «فليس ~~في الموسيقى الفرنسية وزن ولا لحن؛ لأن اللغة تفتقر إليهما. وهناك ~~حقائق لا سبيل إلى الشك فيها، هي أن الغناء الفرنسي صراخ مستمر، ~~لا تطيقه الأذن المنصفة، وأن هارمونياتها خشنة خالية من التعبير، ~~ولا توحي إلا بموضوع إنشاء تافه لتلميذ صغير، وأن «الآريات» ~~الفرنسية ليست آريات والريسيتاتيف (التلاوة) الفرنسي ليس ~~ريسيتاتيف. ومن هذه الحقائق استنتج أنه ليس للفرنسيين ولا يمكن أن ~~تكون لهم موسيقى، أو أنه إذا أصبح لهم موسيقى يوما ما، فستكون هذه ~~أسوأ موسيقى يمكن تصورها.» # 15 # ولقد كان روسو بدوره، شأنه شأن معظم فلاسفة العصور القديمة ~~والعصور الوسطى وعهد الإصلاح الديني، يزدري الموسيقيين الذين ~~يكتبون موسيقى بلا كلمات؛ فموسيقى الآلات تحتل في مذهبه الجمالي ~~مكانة ثانوية؛ ولذلك قال: «إذا لم تكن الموسيقى قادرة على ~~التصوير إلا باللحن، ومنه تستمد كل قوتها، فإنه يترتب على ذلك ~~أن كل موسيقى غير غنائية مهما كان من توافقها ليست إلا موسيقى من ~~النوع المحاكي، ولا تستطيع بهارمونياتها الجميلة أن تؤثر في ~~النفس أو تصور شيئا، وسرعان ما تترك الأذن والقلب جامدا لا يتأثر .» # 16 # ثم يضيف روسو ساخرا وفي ذهنه إشارة صريحة إلى رامو: ~~إن الصوت البشري في موسيقى نصير الأوبرا الفرنسية الكبيرة (جراند ~~أوبرا)، لا يستخدم إلا بوصفه «مصاحبة للاصطحاب» كذلك حمل، ~~كالقدماء وكثير من المفكرين النظريين في العصور الوسطى، على ~~استخدام الكتابة الكنترابنطية. ولم ينكر روسو أن اللحنين ~~اللذين يؤديان متفقين أحيانا، ومتقابلين أحيانا أخرى يمكن ~~أن يتصفا بالجمال، غير ms159 أنه آثر البساطة على التعقيد؛ إذ إن ~~الطبيعة ذاتها من وجهة نظره الفلسفية بسيطة في أساسها. # ولقد قام روسو بدور مزدوج، هو دور فيلسوف عصر التنوير الذي ~~يدعو إلى العودة إلى الطبيعة بوصفها شفاء من كل الشرور ~~الاجتماعية، ودور الموسيقي الذي وضع مذهبا جماليا عقليا في ~~الموسيقى، مبنيا على مبادئ ميتافيزيقية. ولم يكن يجد غضاضة في ~~إصدار أحكام قطعية، سواء بوصفه فيلسوفا أم بوصفه موسيقيا، ~~ولكنه كتب في بحث بعنوان: «رسالة في الموسيقى الفرنسية # Lettre sur la musique francaise ~~» ~~(1753م) يقول: «... إنني أعترف بأني لا بد أن أزدري شعبا يولي ~~أهمية مفرطة لأغانيه، ويضع موسيقييه في مرتبة أرفع من فلاسفته، ~~ويضطر المرء إذا عاش بين ظهرانيه أن يتحدث عن الموسيقى بدقة ~~وحرص يفوق حديثه عن أخطر المسائل الأخلاقية.» # 17 # وهو يقول أيضا: «... إن مهمة الشاعر هي أن يكتب شعرا ~~ومهمة الموسيقي هي أن يؤلف موسيقى، ولكن الفيلسوف وحده هو القادر ~~على أن يبحث في هذا وذاك معا.» # 18 # ولقد أعجب روسو أيما إعجاب بفرقة إيطالية للأوبرا كانت تؤدي ~~أوبرا برجوليزي البهيجة «السيدة الخادم # La Serva Padrona ~~» في باريس عام 1752م، وقد قوبلت هذه ~~الفرقة بحماسة تناظر تلك التي قوبلت بها «أوبرا الشحاذ» في ~~إنجلترا. غير أن أنصار الأوبرا الجادة لم يروا في هذا العمل ~~المرح إلا تجديفا وجريا على عادة الفرنسيين في مثل هذه الأحوال؛ ~~فقد انقسم محبو الموسيقى في فرنسا إلى معسكرين حول هذه المسألة؛ ~~فهناك المعجبون ب «السيدة الخادم» وهؤلاء أطلق عليهم «أنصار ~~التهريج # buffonistes ~~» وأنصار ~~الأوبرا الجادة، وهؤلاء سموا بأعداء التهريجيين. وقد دافع ~~روسو عن وجهة نظر «التهريجيين» في كتاباته وفي نشاطه الموسيقي ~~الخاص. وعلى الرغم من أنه لم يتلق تعليما موسيقيا فنيا، فإن ~~هذا لم يحل دون تأليفه أوبرا هزيلة على نص فرنسي، هي «عراف ~~القرية # Le Devin du Village ~~» ~~(1752م)، وفيها حاول أن يطبق مبادئ الأوبرا الهزلية «البوفا» ~~الإيطالية. # وكان روسو يرى أن اللحن هو أهم ما في الموسيقى. وعلى حين أن رامو ~~كان يستمد ms160 ألحانه من التتابعات الهارمونية، فإن روسو قد أكد أن ~~الهارمونيا لا معنى له بدون اللحن. ولقد كان روسو فيلسوفا أكثر ~~منه موسيقيا في حملته على البوليفونية؛ إذ يقول: «إن أي ~~هارمونيا يمكن أن تبعثها عدة سطور، لكل منها لحنه الجميل؛ إذا ~~ما أديت سويا، تنتهي إلى إزالة أي تأثير لهذه الألحان ~~الجميلة بمجرد أن نسمع معا ولا يظل يسمع عندئذ سوى تعاقب ~~التآلفات الهارمونية، مما يوصف بأنه لا حياة فيه أبدا إذا لم ~~يبعثه اللحن حيا، فكلما زاد المرء من تكديس الألحان غير ~~المتلائمة بعضها فوق بعض، قلت المتعة وتضاءل الجمال اللحني ~~للموسيقى؛ فمن المستحيل أن تتابع الأذن عدة ألحان في آن واحد، ~~ولما كان أحدها يمحو تأثير الآخر، فلن يكون المجموع إلا جلبة ~~وضوضاء، ولكي تكون القطعة الموسيقية بديعة، ولكي تنقل إلى الروح ~~المشاعر التي يقصد منها أن تثيرها، فإن جميع الأسطر اللحنية ~~ينبغي أن تتضافر في تقوية تأثير الموضوع، فلا يكون للهارمونيا من ~~عمل سوى بعث النشاط في الموضوع الموسيقي، ولا يكون للآلات ~~المصاحبة من وظيفة سوى تجميله دون أن تطغى عليه أو تشوهه. وعلى ~~سطر القرار «الباص» ( # bass ~~) أن ~~يرشد المغني والسامع، في تتابع هارموني بسيط، دون أن يدركه ~~واحد منهما، وبالاختصار فمن الواجب أن تنقل المجموعة كلها، في ~~الوقت الواحد، لحنا واحدا إلى الأذن، وفكرة واحدة للذهن.» # 19 # ويضيف روسو في رسالته هذه عن الموسيقى الفرنسية، بعد ~~قليل، قوله: «إن جعل الفيولينات تعزف بذاتها من جانب، والفلوتات ~~( # Flutes ~~) من جانب آخر، والباصونات ~~(الفاجوتو # bassoons ~~) من جانب ~~ثالث، كل بلحنه الخاص، ودون أية علاقة متبادلة تذكر بينهم، ~~ثم إطلاق اسم الموسيقى على هذه الفوضى الصاخبة، إنما هو إهانة ~~للأذن ولذوق السامع.» # 20 # وبعد عشرين سنة من كتابة روسو ل «الرسالة في الموسيقى الفرنسية» ~~تراجع عن هجومه على الموسيقى الفرنسية. ومع ذلك فإن الصراع الفلسفي ~~والحملة الموسيقية التي شنها على موسيقى بلاده # 21 # قد مهدت الطريق، رغم ذلك، لظهور الفلسفة الهيجلية ~~ودراما فاجنر في ألمانيا؛ ذلك لأن روسو ms161 قد وضع أسس النزعة القومية ~~في نظريته الاجتماعية التي وجدت لها تبريرا فلسفيا في مثالية ~~هيجل. وكان يرى أن الأوبرا القومية لا تنفصل عن لغة الأمة، وهي نفس ~~الفكرة التي طبقها فاجنر فيما بعد عندما مجد في أوبراته ~~الأساطير الجرمانية من أجل إحياء حضارة الأمة الألمانية، غير أن ~~روسو قد اقتبس من الفلاسفة السابقين عليه مثلما أثر في اللاحقين ~~له، من أمثال هيردر اللاهوتي، وهيجل الفيلسوف، وفاجنر الموسيقي؛ ~~ذلك لأنه سلم بالرأي الأفلاطوني القائل إن الكلمات والموسيقى ~~ينبغي ألا تنفصلا، وقد وجد في أسلوب الغناء الإيطالي الزخرفي ال ~~«بل كانتو # Bel Canto ~~» مبررا ~~كافيا لتفضيل الصوت الغنائي الذي اعتقد أنه يؤثر في السامعين ~~أكثر مما تؤثر فيهم أجمل الآلات الموسيقية. وقد اختلف مع رامو؛ ~~لأن هذا الأخير كان يبالغ في تأكيد أهمية موسيقى الآلات؛ ذلك لأن ~~روسو كان يعتقد أن الآلات الخالصة لا تنتج عنها إلا مشاعر عامة ~~غامضة، وكان يرى - مع أفلاطون - أن وظيفة الآلات هي تعميق النص ~~الكلامي. وقد سخر من «الكنترابنط» كما فعل أفلاطون في أحكامه ~~التي أصدرها على الموسيقى اليونانية الموزعة على صوتين ~~متقابلين. # وقد وضع كريستوف فيليبالد فون جلوك # Christoff ~~Willibald von Gluck ~~(1714-1787م) نظرية جمالية ~~في الموسيقى كانت أقرب إلى أذهان فلاسفة عصر التنوير من نظرية ~~رامو؛ فقد كتب جلوك في تصديره لأوبرا «ألست # Alceste ~~» يقول: «عندما عزمت على ~~كتابة موسيقى «ألست»، قررت أن أخلصها تماما من تلك المساوئ، ~~التي جلبها على الأوبرا غرور المغنين الكاذب، أو تهاون ~~المؤلفين الموسيقيين المفرط، وهي المساوئ التي شوهت الأوبرا ~~الإيطالية منذ عهد بعيد، وأحالت أروع المناظر وأبدعها إلى ~~مناظر مضحكة مملة؛ لذلك اجتهدت في أن أقصر الموسيقى على أداء ~~مهمتها الدقيقة، وهي أن تخدم الشعر عن طريق التعبير ومسايرة مواقف ~~القصة، دون أن تقاطع الحوادث أو تشوهها عن طريق زخارف عميقة ~~جوفاء ... ولقد رأيت أن جهدي الأعظم ينبغي أن ينصرف إلى التماس ~~البساطة الجميلة، وتجنبت التظاهر بالتعقيد على حساب الوضوح.» # 22 # وأضاف جلوك في رسالة له يقول: ms162 «مهما كانت مواهب ~~الموسيقي، فلن يستطيع أن يضع إلا موسيقى هزيلة إن لم يثر الشاعر ~~فيه الحماسة التي بدونها تكون نواتج الفنون كلها ضعيفة تافهة؛ ~~فالجميع متفقون على أن الهدف المشترك لكافة الفنون هو محاكاة ~~الطبيعة، وهذا الهدف هو ما أسعى إلى بلوغه؛ لذلك فإن موسيقاي التي ~~سعيت بقدر طاقتي إلى جعلها طبيعة بسيطة، لا تتجه إلا إلى ~~التعبير عن معنى الشعر ودعمه إلى أقصى حد ممكن.» # 23 # وهكذا عرض جلوك أساس نظريته الجمالية، التي أرجع الفضل ~~فيها إلى مؤلف أشعار أوبراته، «رانييري دي كالزابيجي # Ranieri de Calzaigi ~~» (1714-1795م) ~~بقوله إن الشعر له الأولوية، وإن وظيفة الموسيقى هي تصوير البيت ~~الشعري وتأكيده. وقد تحدى جلوك تقاليد «الأوبرا الجادة» ~~الإيطالية، وخلق أسلوبا جديدا للأوبرا مبنيا على المزيد من ~~الواقعية الدرامية. # ولقد كان جلوك متشبعا بالروح الفلسفية لعصره. وأدت رغبته في ~~العودة إلى حالة الطبيعة إلى مسارعة روسو بتأييده والترحيب به ~~بوصفه واحدا من دعاة حركة «العود إلى الطبيعة». وكان جلوك حريصا ~~على إصلاح الأوبرا الفرنسية بتطهيرها من تفاهات الأوبرا الإيطالية ~~ونقائصها الفنية. غير أن أنصار الأوبرا الإيطالية قاوموا محاولته ~~هذه التي تهدف إلى القضاء على قوالبهم التقليدية في الأوبرا، مثلما ~~فعلوا عندما أعلنوا سخطهم على أوبرا «السيدة الخادم». وأقام أعداء ~~الإصلاح هؤلاء «نيكولا بيتشيني # Niccola Piccinni ~~» ووضعوه في مقابل جلوك وروسو؛ أي بيتشيني ~~كان يمثل الأوبرا الإيطالية التقليدية، وجلوك كان يمثل روح ~~الإصلاح التي بدأت في باريس بأوبرا برجوليزي وأوبرا «عراف ~~القرية» لروسو. # ولقد كان مفهوم المحاكاة اليوناني واضحا كل الوضوح في التفكير ~~الجمالي عند جلوك، الذي كان يعتقد أن الفن ينبغي أن يصور الطبيعة ~~والظواهر الطبيعية تصويرا واقعيا، وأن في وسع الموسيقى، كأي ~~فن آخر غيرها، أن تقوم بهذه المهمة. وفي هذا الصدد كان جلوك ~~متفقا مع الآراء الجمالية السائدة في عصره، والقائلة إن الفنون ~~يمكن أن يحل كل منها محل الآخر ، وأن ما يمكن أن يعبر عنه ~~أحد الفنون يمكن أن يعبر عنه الآخر. وقد انتهى جلوك على أساس ms163 ~~هذا المنطق، إلى أن في استطاعة الموسيقى أن تصور الواقع تصويرا ~~دقيقا عن طريق تجميل الكلمة المنطوقة حتى تعبر عن معناها بدقة. ~~وإذا كان روسو، في اهتمامه بالجانب النظري أكثر من الجانب العملي ~~في الموسيقى، قد أوضح الصعوبات الجمالية التي يتضمنها تحويل ~~اللغة إلى أغنية، والموسيقى إلى كلام، فإن جلوك الذي كان موسيقيا ~~أكثر منه باحثا نظريا، قد بنى حركته الإصلاحية على إخضاع ~~الموسيقى للنص. وكانت تلك طريقته الخاصة في تقويم عيوب الأوبرا ~~الإيطالية التي تركت للمغنين الخصيان حرية استخدام الكلمات ~~على هواهم، أو تغيير المقاطع من أجل زيادة التأثير النغمي. وكان ~~جلوك يعتقد أن الأداء الأمين للنص هو الذي يضمن للموسيقى أن تكون ~~طبيعية. على أنه عدل في عام 1777م موقفه الجمالي القائل إن الشعر ~~له الأولوية، وإن وظيفة الموسيقى هي تصوير البيت الشعري وتأكيد ~~معناه، فذهب إلى أن الموسيقى والشعر ينبغي أن يكونا في مركز ~~متساو، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. # وفي الوقت الذي أتم فيه إمانويل كانت # Immanuel ~~Kant ~~(1724-1804م) تأليف كتابه «نقد ملكة الحكم # Critique of Judgement ~~» (1790م) ~~كان باخ وهيندل وجلوك قد توفوا، وكان هايدن وموتسارت في قمة ~~نضجهم الموسيقي. وعلى الرغم من أن عالما موسيقيا جديدا كان قد ~~ظهر، فإن «إمانويل كانت» ظل يكتب بطريقة تليق بالأقدمين، فقال: ~~إنه على الرغم من أن الموسيقى «تتحدث بواسطة الإحساسات وحدها دون ~~تصورات، وبذلك لا تترك أي مجال للتفكير، كما يفعل الشعر، فإنها ~~مع ذلك تحرك الذهن على أنحاء أكثر اختلافا، وبطريقة أقوى ~~تأثيرا، وإن يكن ذلك على نحو عارض فحسب.» # 24 # ففي نظرية «كانت» الجمالي، يعد الشعر أقدر الفنون ~~على اجتذاب العقل؛ إذ الكلمات هي الوسيلة الطبيعية للتعبير عن ~~التصورات والأفكار؛ فالشعر في رأي «كانت» هو الذي يجمع على أفضل ~~نحو ممكن بين العقل والتعبير. ويلي الشعر في المرتبة، النحت ~~والتصوير، أما الموسيقى فهي في أدنى مراتب مذهبه الجمالي. ~~ومرد ذلك إلى أن الموسيقى، في رأيه ، متعة أكثر منها ثقافة ... ~~ولها في حكم العقل قيمة ms164 أقل من أي فن آخر من الفنون الجميلة. ومن ~~هنا فإنها، ككل متعة أخرى، تريد التغير المستمر ولا تحتمل ~~التكرار الكثير، وإلا جلبت السأم والملل. # وللموسيقى تأثير عضوي في السامع؛ إذ إنها - كالضحك واللهو - ~~ترضينا؛ لأنها تبعث فينا شعورا بالصحة. ولا تقتصر قدرة الموسيقى ~~على بعث الشعور بالحيوية والصحة في النفوس، ولما كانت تؤثر في ~~سامعها أقوى تأثير، فقد اتفق «كانت» مع أفلاطون على أن الموسيقى ~~تستطيع التغلغل في الأعماق الباطنة للنفس، بحيث يمكننا عن طريق ~~الموسيقى «أن نصل إلى الجسم من خلال النفس، ونستخدم النفس طبيبا ~~يشفي علل الجسم.» # ولقد سبق أن بحث أفلاطون وأرسطو في التأثيرات العضوية التي ~~يمكن أن تتحكم بها الموسيقى في السلوك وتكوين الشخصية، فكتب ~~أرسطو في «السياسة» يقول: «إن الإيقاع واللحن يحاكيان الثورة ~~والرقة، وكذلك الشجاعة والاعتدال، وكل الصفات المضادة لهذه، وغيرها ~~من صفات الشخصية. وهذه المحاكاة لا تكاد تختلف عن المشاعر الفعلية ~~كما نعرفها في تجاربنا؛ إذ إن نفوسنا تتغير بسماعها لهذه الألحان.» # 25 # وقد ظلت «نظرية المشاعر» اليونانية هذه باقية، مع ~~بعض التعديلات، في الفلسفات الموسيقية للرومان. ورددها الفلاسفة ~~المسيحيون في القرون التالية، كما طبق الموسيقيون الخلاقون في ~~العصر القوطي وعصر النهضة «مذهب المشاعر» بوصفه مجموعة من الصور ~~الموسيقية الموحدة التي توحي بانفعالات محددة في نفس السامع، ~~وكرر ديكارت هذه النغمة في القرن السابع عشر، وكذلك فعل ليبنتس ~~وديدرو وروسو في القرن الثامن عشر. ومن هنا فليس من المستغرب أن ~~نجد كانت يشير إلى «نظرية المشاعر» هذه في أحكامه الخاصة على ~~الموسيقى، فلما كان تغير اتجاه الأنغام أشبه ما يكون بلغة ~~عالمية للأحاسيس، يفهمها كل إنسان، فإن فن الصوت يستخدم بكل ما ~~فيه من قدرة؛ أي بوصفه لغة للمشاعر، وبذلك ينقل للجميع بلا ~~استثناء، عن طريق قوانين التداعي، تلك الأفكار الجمالية التي ~~ترتبط به بطبيعتها. # 26 # وتتضمن آراء «كانت» الجمالية في الموسيقى عنصرا آخر دأبت ~~الفلسفات السابقة على تأكيده، هو الإقلال من شأن الموسيقى الخالية ~~من الكلمات؛ فقد رأينا أفلاطون وأرسطو يعربان ms165 عن سخطهما على أي ~~تحديد يفصل الكلام عن الأنغام، كما رأينا القديس أوغسطين ولوثر ~~وكالفان يؤكدون أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الألحان السليمة ~~في تعريف المتدين العادي بالكتاب المقدس. وبالمثل نظر «كانت» إلى ~~الموسيقى على أنها «فن جميل (لا مجرد فن ممتع)، والسبب الوحيد ~~في ذلك هو أنها تستخدم أداة للشعر.» # 27 # وكان يرى أن الموسيقى التي لا يوجد لها موضوع ~~محدد، «بل كل موسيقى بغير كلمات في الواقع» هي محض خيالات. # 28 # فليس لموسيقى الآلات الخالصة من قيمة تذكر في نظر ~~«كانت»؛ لأنها متحررة خيالية، ولا تعبر عن تصور ~~محدد. # ولقد دعا معاصر «كانت» يوهان جوتفريد فون هيردر # Johann Gottfried Von Herder ~~(1744-1803م) إلى فلسفة إنسانية في الموسيقى، مضادة للآراء ~~الموسيقية المتزمتة التي دعا إليها حكيم كونجزبرج «كانت»، وتقول ~~نظرية هيردر إن الموسيقى والفنون الأخرى تتطور من صورة أدنى إلى ~~صورة أعلى، ولقد كان هذا الرأي معروفا من قبله عند ليبنتس، كما ~~توسع فيه هيجل من بعده. على أن هيردر قد بدأ نظريته الجمالية في ~~الموسيقى بفكرة قريبة من فكرة روسو القائلة إن الأغنيات الشعبية ~~لدى الأمم ذات اللغات المختلفة في العالم هي التي تكشف عن ~~«الأصوات. جمع الموسيقى الشعبية ل «الأمم المختلفة» البدائية منها ~~والمتحضرة. وانتهى بهم افتتانهم بالغناء الشعبي والشعر والموسيقى ~~إلى موقف رومانسي ينادي بوحدة الفنون، وهو موقف جمالي مضاد لما ~~دعا إليه «جوتهولد إفرايم لسنج # Gotthold Ephraim ~~Lessing ~~» (1729-1781م) حين ميز بين الفنون ~~تمييزا قاطعا في كتابه ال «لاوكون # Laocoon ~~»، # 29 # وإن يكن قد أصبح رغم ذلك حقيقة واقعة في عالم الفن ~~قرب نهاية القرن التاسع عشر، في أوبرات فاجنر. وقد اتفق هيردر مع ~~روسو على ضرورة إصلاح الأوبرا، ولكن على حين أن روسو كان يعتقد أنه ~~وجد في الموسيقى البوليفونية تحديا للنظام الطبيعي، فإن هيردر لم ~~يجد مثل هذا التعارض أو مثل هذا التوازي بين أغنيات الإنسان ~~والنظام الأزلي. وعلى الأرجح أنه اعتقد أن البوليفونية البدائية ~~قديمة قدم الأغنية ذاتها، وأن البوليفونية ms166 قد نمت، في تاريخ ~~الموسيقى، من صورة بدائية إلى صورة متطورة رفيعة في القرن ~~الثامن عشر. # القسم الثاني: هايدن وموتسارت وبيتهوفن # وقعت ألمانيا في القرن السابع عشر فريسة صراع ديني وحرب ~~مدمرة. وكان من الطبيعي أن تنعكس على الموسيقى صورة الظروف التي ~~نشأت في ظلها، ألا وهي جو الصراع والموت هذا؛ فأهم ما أنتجته ~~ألمانيا من الموسيقى في تلك الفترة كان ذا طابع ديني قبل كل شيء، ~~وكان مكتوبا عادة للآلة الموسيقية الخاصة بالكنيسة، وهي الأرغن. ~~وعلى حين أن الجزء الشمالي من ألمانيا قد اتخذ من لوثر مرشدا له ~~في الأمور الروحية والموسيقية، فإن الجزء الجنوبي منها، الذي ظل ~~كاثوليكيا كان يستورد الموسيقى والموسيقيين الإيطاليين ليستمتع ~~بفنهم. وكان الموسيقيان البروتستانتيان، شوتس وباخ، يحسدان ~~جيرانهم الجنوبيين في مجال الموسيقى، بل لقد حاولا إدخال الأفكار ~~الجمالية للإيطاليين الكاثوليك في مؤلفاتهم البروتستانتية. # ولقد أصبحت إيطاليا المركز الموسيقي لأوروبا باكتشاف المونودية # monody # 30 ~~، وهي لحن فردي بمصاحبة آلات موسيقية استخدمته ~~جماعة الكاميراتا كرد فعل على الغناء البوليفوني المعقد في ~~القرن السادس عشر. وقد أدى هذا الأسلوب المونودي في الغناء إلى جعل ~~الأوبرا فنا محببا إلى نفوس الإيطاليين، وأذاع هذا القالب ~~الموسيقي والأسلوب الغنائي الجديد في جميع أرجاء أوروبا. ويروي لنا ~~فولتير أن الكاردينال مازاران قد أمر في عامي 1646م و1654م بأداء ~~أوبرات إيطالية بواسطة مغنين استقدموا من إيطاليا خصوصا لهذا ~~الغرض. غير أن الفرنسيين لم يميلوا على الفور للأوبرا الإيطالية، ~~التي اخترعت في فلورنسا، لسبب بسيط - في رأي فولتير - هو أنه «ما ~~زالت في فرنسا بقية من البربرية القديمة التي تعارض إدخال هذه الفنون.» # 31 # ولكن إذا لم يكن الفرنسيون قد مالوا إلى الأوبرا ~~الإيطالية، فإنهم لم يعترضوا على الموسيقى التي يؤلفها موسيقي ~~إيطالي، إذا كانت تتمشى مع الذوق الفرنسي. وهذا بعينه ما فعله ~~موسيقي إيطالي، هو «لولى» الفلورنسي، الذي خلق للأوبرا ~~الفرنسية قالبا مضادا للقالب الإيطالي، وظل القالب يتخذ ~~أنموذجا يحتذيه الموسيقيون الفرنسيون طوال المائة عام ~~التالية. # وفي القرن الثامن عشر ربط روسو ms167 بين الفن الموسيقي وبين مذهبه ~~الفلسفي، فذهب إلى أن فكرة العود إلى الطبيعة، تحتم الأخذ بفكرة ~~الطبيعة في الموسيقى، وقال: «إذا كانت الأوبرا تستهدف جلب لغة ~~الحياة اليومية إلى المسرح، فمن الواضح أن هذه اللغة لا تتمثل في ~~ذلك الحديث الفصيح المتكلف المتصنع، الذي كان يقدمه إلينا ممثلو ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر.» وقد عبر روسو عن فلسفته في ~~الموسيقى، وعن روح الحماسة الفرنسية، في أوبرا «عراف القرية»، ~~وكانت فلسفته في الموسيقى مرشدا للموسيقي الكبير جلوك، كما كان ~~لها تأثيرها في عبقرية موتسارت المبكرة. # ولقد ظلت إيطاليا وفرنسا، حتى أوائل القرن الثامن عشر، متفوقتين ~~على سائر البلدان الأوروبية في مجال الموسيقى، ولكن بحلول منتصف ~~ذلك القرن، أصبحت ألمانيا أكثر بلدان العالم الغربي إبداعا؛ ~~فقرب منتصف القرن الثامن عشر، فترت القدرات الخلاقة للموسيقيين ~~الإيطاليين فتورا واضحا، وظلت الموسيقى المألوفة تتكرر دون ~~تغير، ولم يظهر إنتاج موسيقي جديد يعادل في مكانته أو مزاياه ~~الفنية موسيقى فترة الباروك الأولى، فقبل أواسط القرن الثامن عشر ~~كانت أوروبا كلها تغترف من مناهل الموسيقى الإيطالية، أما بعد ذلك ~~التاريخ، فقد بدا أن إيطاليا، وكذلك معظم بلدان أوروبا، قد أخذت ~~تمر بفترة عقم فني، ولم تعد مظاهر النشاط الفني تتمثل إلا ~~في بلد واحد هو ألمانيا؛ ففي الوقت الذي تراخت فيه إيطاليا ~~لتجتر ماضيها الموسيقي، بدأ عهد موسيقي جديد في ألمانيا على ~~أيدي هايدن وموتسارت وبيتهوفن، الذين تأثروا جميعا إلى حد ما ~~بالآراء الجمالية الموسيقية لدى ابني يوهان سباستيان باخ، وهما ~~كارل فيليب أمونويل ويوهان كريستيان (1735-1782م). # وفي عام 1745م عين أمير مانهايم عازفا بارعا على الفيولينة ~~اسمه يوهان أنطون شتامتس # Johann Anton ~~Stamitz ~~(1717-1757م)، الذي أصبح بعد تعيينه ~~بفترة وجيزة قائدا لأوركسترا البلاط. وبفضل توجيه هذا العازف ~~العبقري، أصبح أوركسترا مانهايم أعظم مجموعة من العازفين في ~~أوروبا، وعرض هؤلاء الموسيقيون تحت قيادته ألوانا وأساليب جديدة ~~للعزف، واستحدثوا تأثيرات إيقاعية ودينامية لم تعرفها الأذن ~~الأوروبية من قبل، فاستخدموا طريقة التصاعد (أي تقوية عنفوان ~~الصوت رويدا رويدا) # crescendo ms168 # والخفوت (أي الهبوط بعنفوان الصوت شيئا فشيئا) # decrescendo # بنجاح ساحق، على حين ~~أن موسيقي الباروك كان في البداية يضيف آلات أو أصواتا بشرية ~~جديدة إذا أراد رفع الأصوات إلى إحدى القمم، ويسكت بعض هذه ~~الآلات أو الأصوات إذا أراد صوتا خافتا. وهكذا استخدمت مدرسة ~~مانهايم الموسيقية مؤثرات لم يكن عازفو عصر الباروك عاجزين عنها ~~فحسب، بل لم يكونوا شاعرين بها أصلا. # ولم يقتصر تأثير مدرسة مانهايم على هذه النواحي الفنية فحسب، بل ~~إن الأفراد المحيطين ب «شتامتس» أصبحوا طلائع عصر «العاصفة ~~والاندفاع» في الآداب والفنون الألمانية؛ فقد عارض أفراد مدرسة ~~مانهايم الأساليب الفنية التقليدية، ولم يقبلوا أن يظل الفنان في ~~ذلك المركز الاجتماعي الذي كان يحتله في أيامهم، والذي كانت القرون ~~الماضية تقبله على أنه أمر مسلم به. وقد تجلت روح التمرد ~~هذه في الطابع المجدد لموسيقاهم وأساليبهم الفنية، كما أنهم ~~طالبوا علنا بمزيد من الاحترام لمركزهم الاجتماعي بوصفهم ~~موسيقيين. وبفضل موسيقاهم وآرائهم الاجتماعية مهدوا الطريق ~~للفترة المقبلة في الحضارة الغربية، وهي الفترة التي كانت تتميز ~~بعلاقة جديدة أكثر إنسانية بين الموسيقي الذي ينتمي إلى الطبقة ~~الوسطى وبين أفراد الطبقة العليا في المجتمع. # ولقد كان للآراء الاجتماعية والفنية التي نادت بها مدرسة مانهايم ~~تأثيرها في فرانز يوزف هايدن # Franz Joseph ~~Hayden ~~(1732-1809م)؛ فقد كان هايدن يعزف موسيقاهم ~~في بلاط الأمير الذي يعمل عنده، كما انضم إلى تمردهم بأن شكا على ~~استحياء من أن هذا الأمير كان مخطئا في معاملته على أنه مجرد ~~خادم أجير في البلاط، عليه أن يظل دائما تحت رحمة سيده، وطوع ~~بنانه؛ فلم يكن هايدن يعتقد أن من اللائق أن يظل في عزلة في البلاط ~~لا لشيء إلا لكي يجلب المتعة للأقلية الأرستقراطية، وإنما أراد أن ~~تنشر موسيقاه، بحيث تتجاوز نطاق حياة البلاط، حتى «يستمتع ~~المنهكون والمكدودون، أو أولئك الذين يرزحون تحت وطأة عملهم، ~~بلحظات قليلة من السعادة والرضا» وهم يستمعون إلى موسيقاه. # ولقد امتدت حياة هايدن طوال الفترة الكلاسيكية للموسيقى ~~بأكملها، واستهل هو ذاته عهد الأسلوب ms169 الكلاسيكي في الموسيقى عن ~~طريق الرباعية الوترية والسيمفونية؛ ففي الرباعية جعل لكل حركة ~~استقلالا خاصا بها، من حيث القالب، ومن حيث التباين بينها وبين ~~الأخريات. كما طور طريقة التفكير من خلال ألحان موسيقية رئيسية، ~~ووضع أسس التركيب المنطقي للتفكير الموسيقي المبني على تطوير ~~اللحن. وقد عبر عن هذه الأفكار الموسيقية في ألحان مميزة، وزاد ~~على موسيقى عصر الباروك في أنه وزع اللحن على أكثر من خط صوتي ~~واحد وحسب أهميته. وكان هايدن ينظر إلى اللحن على أنه تفكير ~~موسيقي. وقد ظل متمسكا بهذه النظرة في كل رباعياته، وبذلك أضفى ~~عليها استمرارا واتصالا، على عكس النوع الأقل انسيابا الذي كان ~~يتميز به عصر الباروك. وكان كل صوت يغني اللحن في دوره، وعن طريق ~~الكنترابنط وصل هايدن إلى توازن سليم في مؤلفاته بين الآلات ~~الأربع. # وقد أتاحت السيمفونية لهايدن أن يزيد نظريته الجمالية توسعا. ~~ومع ذلك فإنه قد حرص، طوال سنوات تطوره الموسيقي، على ألا يتعمد ~~فرض أسلوب يعتقد بصلاحيته لقالب موسيقي معين، على قالب آخر، ~~وإنما كان يعتقد أن لكل قالب موسيقي حياة خاصة به، وأن كل قطعة ~~ينبغي أن تعامل على أنها كيان قائم بذاته، وأن تكتب على هذا ~~الأساس. # ولقد ألف هايدن أيضا أوبرا للأمير الذي كان يعمل عنده، وظل ~~يكد سنوات عديدة لكي يكتب أوبرات تضارع رباعياته ~~وسيمفونياته، بل كان يعتقد بالفعل أنها أفضل من مؤلفاته ~~الموسيقية الصرف، ولكن أوبراته لم تصل أبدا إلى مستوى الأوبرات ~~السابقة في عصر الباروك، ولم تقترب فنيا من مستوى أعماله ~~الموسيقية الخالصة. ولم يكن الفيلسوف شيلر # Schiller # يعتقد بأن أوراتوريو ~~«الخلق # Creation ~~» لهايدن هو عمل ~~رفيع، وإنما انتقده على أساس أنه خليط مضطرب لا لون له، وصف ~~هايدن بأنه فنان ماهر يفتقر إلى الإلهام. # أما فولفجانج أماديوس موتسارت # Wolfgang Amadeus ~~Mozart ~~(1756-1791م) فكان أكثر توفيقا مع ~~الفلاسفة من معاصره الأكبر سنا، هايدن؛ فقد أثنى عليه كيركجورد # Kierkegaard ~~، المفكر الذي يعشق ~~الموسيقى، ووصفه بأنه خالد، كما امتدح أوبرا «دون جوفاني»، فقال ~~عنها إنها ms170 من خلق موسيقي ملهم. وإنا لنجد في الكتابات ~~الصوفية لهذا الفيلسوف الدنماركي تبجيلا دائما لشخصية موتسارت ~~التي أحبها إلى درجة العبادة. والواقع أن موتسارت استخدم، في ~~التعبير عن مشاعره وأفكاره ، كل القوالب الإيقاعية والنغمية ~~التقليدية، ولكنه زادها كلها عمقا. وقد ألف موتسارت وهو صبي في ~~الثانية عشرة من عمره مسرحية غنائية بعنوان «باستيان وباستيين # Bastien and Bastienne ~~» استخدم ~~فيها حوارا كلاميا بين الأجزاء الغنائية، على نمط مسرحية روسو ~~الغنائية التي أحرزت نجاحا كبيرا، «عراف القرية». وعندما أصبح ~~موسيقيا ناضجا ظهر في مؤلفاته تأثير «الرباعيات الروسية» ~~لهايدن، الذي كان له بمثابة الأب. وقد أهدى موتسارت بعض رباعياته ~~إلى هايدن لكي يعرف العالم مقدار ما يدين به لموسيقي فينا ~~الكبير. كذلك تأثر موتسارت بالإصلاحات التي أدخلها جلوك على ~~الأوبرا الفرنسية، ولكنه يرى أن من الواجب أن يظل الشعر ابنا ~~مطيعا للموسيقى لا العكس كما أراد جلوك في البداية. ولقد تعلم ~~موتسارت من جلوك أن تصوير الأحداث الدرامية بطريقة واقعية هو من ~~الضرورات الفنية، ولكنه افتتن أيضا بالألحان الإيطالية ~~المنسابة. # وفي أوبرا «زواج فيجارو» استغل موتسارت الموضوع الذي ألفه ~~«بومارشيه # Beaumarchais ~~» عن ~~الانحلال الخلقي للطبقة الأرستقراطية، وهو موضوع كان من العوامل ~~التي مهدت للثورة الفرنسية. ولقد كان في هذه الأوبرا الهزلية ~~(أوبرا بوفا) نغمة جادة كامنة، لا سيما في شخصية فيجارو، الذي ~~يرمز إلى كل الصراع الذي وجد موتسارت نفسه فيه، والذي كان على ~~الدوام ضحية له. وقد تبدو أوبرا «زواج فيجارو» ظاهريا عملا ~~عابثا، ولكن من وراء السطح الظاهري توجد نغمة سياسية جادة، ~~وسخرية حقيقة معبرة عن اعتقاد موتسارت بضرورة قيام نظام ~~اجتماعي جديد. # ومن الملاحظ أن موتسارت، رغم كونه كاثوليكيا مؤمنا، قد انضم ~~إلى الحركة الماسونية احتجاجا على المظالم الاجتماعية التي كانت ~~الدولة تسببها، والكنيسة تسمح بقيامها. وعلى حين أنه قد سر ~~عندما أعلن موت فولتير «الملحد»، فإنه عندما مات هو ذاته، لم يجد ~~قسيسا يقبل الإشراف على دفنه؛ لأنه كان ماسونيا. # ولقد كانت طريقة الموسيقى والنص في الدراما الموسيقية التي ms171 وضعها ~~موتسارت متوازنين بطريقة سليمة. وعمل موتسارت على زيادة عدد ~~المجموعات الغنائية في أوبراته بالنسبة إلى عددهم عند السابقين ~~عليه، على أساس أن المجموعة الغنائية تحدث على المسرح تأثيرا ~~دراميا يفوق تأثير المغني الواحد . كما أنه أظهر مقدرته ~~المسرحية بإعطائه للشخصيات الرئيسية في الأوبرا أسلوبا محدد ~~المعالم طوال العرض. وقد عمق هذه الشخصيات بوسائل لم تعرفها ~~التقاليد السائدة من قبل، وذلك بإيجاد جو هزلي له أساس خلقي ~~جاد، غير أن هذا التجديد الأوبراتي لم ينجح للأسف في إيطاليا؛ إذ ~~كان التراث الإيطالي قد تغلغل في ذلك الوقت في نفوس الإيطاليين إلى ~~حد أنهم أصبحوا ينفرون من أي مزج بين الأوبرا الجادة (سيريا) ~~والأوبرا الهازلة (بوفا)؛ فهم قد اعتادوا أوبرا ذات أسلوب واحد، ~~إما هازلة وإما جادة، وهذا هو ما كانوا ينتظرونه من ~~الأوبرا. # أما موسيقى لودفيج فان بيتهوفن # Ludwig van ~~Beethoven ~~(1770-1827م) فإنها، كما قال فكتور ~~هيجو، تصغي إلى انسجام الأفلاك الذي أكده الفيلسوف أفلاطون. كما ~~ردد برليوز هذا القول، فامتدح معبوده بيتهوفن بقوله إن موسيقاه ~~نسخة صادقة من الانسجام السماوي. وكتب فاجنر يقول: إن موسيقى ~~بيتهوفن تجسيد للإرادة الكلية، وتعبير عن فلسفة شوبنهور في ~~الموسيقى. تلك بعض المقارنات التي أجريت بين موسيقى بيتهوفن وبين ~~ميتافيزيقا بعض الفلاسفة الكبار. # ولقد أصبحت آراء بيتهوفن الجمالية في الموسيقى مقدسة في نظر ~~الرومانتيكيين، وكان نجاحه في إخضاع الأرستقراطية لإرادته تحقيقا ~~ظافرا للآراء الاجتماعية لمدرسة مانهايم. وقد أصبح بيتهوفن مثالا ~~للموسيقي الذي لا يخضع للقيود، والذي لا يكتب للكنيسة ولا لسيد ~~يرعاه، وإنما يكتب لنفسه. ولم يكن يؤلف موسيقاه انصياعا لأوامر ~~تملى عليه، وإنما كان يؤلفها لأنه يريد ذلك، ولأن روحه هي التي ~~تدفعه إلى التأليف. وكان بيتهوفن يمثل كل ما تطلع إليه ~~الموسيقي الكلاسيكي، وما كان يعود إليه الموسيقي الرومانتيكي ~~بأنظاره في إعجاب وخشوع. # وتتصف موسيقى هايدن وموتسارت وبيتهوفن بأن للحن الأهمية الأولى ~~فيها، وقد ظلت موسيقى بيتهوفن خالصة بلا غناء، فيما عدا ~~استثناءات قليلة لا ترقى إلى مستوى موسيقاه الخالصة؛ ذلك لأن ms172 ~~النطاق الصوتي الذي يفرضه على مغنيه كثيرا ما يكون مرهقا وغير ~~طبيعي. وهذه الظاهرة تصبح مفهومة إذا ما أخذنا بمأخذ الجد ملاحظته ~~القائلة: «إنني أسمع موسيقاي دائما على آلات، لا على أصوات ~~بشرية.» وحيثما يضيف بيتهوفن الصوت البشري ، كما في «السيمفونية ~~التاسعة» فإن ذلك لا يؤدي إلى زيادة الموسيقى ثراء. ومع ذلك ففي ~~أوبراه الوحيدة «فيدليو» تتسم الأجزاء الغنائية بميزات موسيقية ~~فريدة تكذب النظرية القائلة إنه لم يكن يستطيع أن يكتب للصوت ~~البشري بنفس الإجادة التي يكتب بها للآلات الموسيقية. # الفصل السابع # | الفلسفة التالية ل «كانت» والرومانتيكية ~~في الموسيقى # القسم الأول: الفلسفات الموسيقية عند هيجل وشوبنهور ~~ونيتشه # وصف جيورج فلهلم فريدريج ~~هيجل # G. W. F. Hegel ~~(1770-1831م) ~~الموسيقى بأنها فن الشعور والحالة النفسية اللذين يؤديان إلى ~~إثارة أنواع لا حصر لها من المشاعر والحالات النفسية. وكانت ~~الموسيقى في نظره «الفن الثاني الذي يحقق النمط الرومانتيكي، مع ~~التصوير وفي مقابله ...» # 1 # وهو ينبئنا، مثل أرسطو بأن الأنغام أقدر من الألوان ~~بكثير، وأن السمع أكثر مثالية من الإبصار، # 2 # إذ إنه «في الأنغام الموسيقية يتردد ويتجاوب النطاق ~~الكامل لمشاعرنا وانفعالاتنا التي لا يكون موضوعها قد تحدد بعد.» # 3 # وإنا لنجد للفنون التشكيلية والتصويرية وجودا ~~مستقلا في المكان، يتمثل في النحت أكثر مما يتمثل في التصوير؛ إذ ~~إننا نرى الأول على أنه شيء خارج عنا. أما الموسيقى فليست لها هذه ~~الموضوعية في المكان؛ إذ إن ماهيتها الباطنة تتألف من الإيقاع ذاته ~~«... ولما كانت هذه الموضوعية الخارجية تختفي في الموسيقى، فإن ~~انفصال العمل الفني عن متذوقه يختفي بدوره. وعلى ذلك، فإن العمل ~~الموسيقي يتغلغل في الأعماق الباطنة للنفس، ويندمج في ذاتيتها ~~اندماجا لا ينفصم.» # 4 # ويضيف هيجل، بطريقة أفلاطونية خالصة، أن لهذه الصفة ~~الإيقاعية في الموسيقى تأثيرا فريدا في النفس، حتى إن لها في ~~الانفعالات البشرية تأثيرا مباشرا يفوق تأثير أي فن من الفنون ~~الأخرى. وبعد ذلك تكون مهمة الشعر هي وضع كلمات للأصوات، وأفكار ~~للمشاعر، وتصورات للتأثرات النفسية، بحيث إن ما كان غامضا ms173 ~~غير محدد المعالم في الموسيقى يغدو أوضح وأعظم تحددا عن طريق ~~لغة الشاعر. # ولقد كان الثالوث الرومانتيكي للفنون، في مذهب هيجل، يتألف من ~~التصوير والموسيقى، وذلك النوع الأكثر مثالية، وهو الشعر. كذلك كان ~~هيجل مسايرا للتقاليد في تفضيله الموسيقى الغنائية على موسيقى ~~الآلات؛ إذ إن الأخيرة في رأيه غامضة تكتفي بالإيحاء فحسب. صحيح ~~أن اللحن الموسيقي بلا كلمات قد يثير فينا أفكارا، ولكن هذه لا ~~يمكن إلا أن تكون أفكارا قرأناها نحن أنفسنا فيها. وعلى ذلك ~~فالموسيقى الغنائية؛ أي التي ترتبط بنص كلامي، تعلو في نظر هيجل ~~على موسيقى الآلات التي «لا تعدو أن تكون تعاملا ذاتيا مع صور ~~مجردة». وعن طريق إضافة اللغة بوصفها تعبيرا عن العقل إلى الحركة ~~الشكلية أو الصورية التي يضفيها الإيقاع على اللحن، تصبح ~~الموسيقى حافلة بالمعنى بعد أن كانت خيالية، وتغدو محددة ~~المعالم بعد أن كانت غامضة، وعقلية بعد أن كانت انفعالية ~~خالصة. # وكان هيجل يعجب بالأوبرا الإيطالية، ولا سيما عند روسيني، إلى ~~حد لا يفوقه سوى إعجاب شوبنهور «الذي أعلن أنه أصبح يفهم القدرات ~~الأساسية الكامنة في الموسيقي»، بعد سماعه لأعمال هذا الموسيقي ~~الكبير. على أن هيجل عندما استمع إلى أداء المؤلف باخ «المسيح ~~حسب إنجيل متى # St. Matthews Passion ~~»، وأصبح من المتحمسين لحركة إحياء ~~موسيقاه. وقد نوه هيجل، في محاضراته في علم الجمال، التي استمع ~~إليها مندلسون ذاته، بعبقرية باخ التي تجاهلها الناس، «والتي لم ~~نبدأ في تقدير قيمتها الحقيقية إلا في الآونة الأخيرة.» # 5 # وقد اختلف يوهان فريدريخ هربارت # Johann Friedrich ~~Herbart ~~(1776-184م) مع هيجل في مثاليته الفلسفية، ~~ورومانتيكيته الموسيقية؛ فلم يكن يعتقد أن مهمة الفيلسوف هي تشييد ~~العالم بفكره، وإنما هي قبوله كما هو، وتفسيره تفسيرا واقعيا. ~~كذلك رفض أن ينظر إلى الموسيقى على أنها مظهر من مظاهر مذهب ~~ميتافيزيقي عام، فكتب يقول: «من المتوقع أن يكون للأعمال الفنية ~~معنى ... والفنانون يسرهم أن يبدعوا أعمالا ذات معنى، ولكن ~~الموسيقى «موسيقى»، وليس من الضروري لكي تكون جميلة أن تعني ~~شيئا ... على ms174 أننا ما زلنا نجد موسيقيين موهوبين يرددون الرأي ~~القائل إن الموسيقى ينبغي أن تعبر عن المشاعر، وكأن تلك المشاعر ~~التي تثيرها الموسيقى، والتي يجوز بالتالي استخدام الموسيقى في ~~التعبير عنها، هي أساس قواعد الكنترابنط البسيط، والمركب الذي ~~تكمن فيه الماهية الحقيقية للموسيقى، ولنتساءل: ما الذي كان ~~الموسيقيون الأقدمون الكبار ينوون «التعبير عنه» عندما وضعوا ~~القوالب الممكنة الفوجة # Fugue ~~؟ لا ~~شيء على الإطلاق؛ فأفكارهم لم تكن تخرج عن نطاق فنونهم، إنما كانت ~~تتغلغل بعمق في قلب هذه الفنون.» # 6 # وفي فلسفة أرتور شوبنهور # Arthur ~~Schopenhauer ~~(1788-1860م) كانت الموسيقى تعد ~~«تعبيرا موضوعيا مباشرا، وصورة للإرادة الكلية، شأنها شأن ~~العالم نفسه، بل كالمثل ذاتها، التي تكون مظاهرها المتعددة ~~عالم الأشياء الفردية»؛ فالموسيقى في رأي شوبنهور «ليست كالفنون ~~الأخرى» في كونها للمثل الأفلاطونية، «وإنما هي صورة لنفس ~~الإرادة التي تعد المثل مظهرا موضوعيا لها؛ لهذا كان تأثير ~~الموسيقى أقوى وأعمق بكثير من تأثير الفنون الأخرى؛ إذ إن هذه ~~الفنون الأخرى لا تتحدث إلا عن مظاهر، على حين أن الموسيقى تتحدث ~~عن الشيء في ذاته.» # 7 # ذلك لأن العمارة والنحت والتصوير تعبر عن مراحل ~~متدرجة تنكشف بها إرادة الإنسان وجهوده، أما الموسيقى فهي العمل ~~الذي يتوج هذه كلها؛ لأنها هي المجموع الكامل لكل تعبير فني، ~~وصوت الإرادة الكاملة للإنسان والطبيعة؛ فبالموسيقى تكشف الطبيعة ~~لنا عن أسرارها الباطنة ودوافعها وأمانيها بطريقة تجل على العقل، ~~ولكن يدركها الشعور. ولقد وجه شوبنهور لومه إلى ليبنتس؛ لأنه ~~رفض الموسيقى حين جعلها حسابا لا شعوريا لأعداد، وحور كلمة ~~ليبتس بالطريقة الملائمة لمعتقداته الخاصة - كما فعل سقراط في ~~مجاورة فيدون - فقال إن الموسيقى ليست حسابا لا شعوريا لأعداد، ~~وإنما هي ممارسة غير واعية للميتافيزيقا؛ أي إنها تفلسف لا شعوري. # 8 # وقد اتفق شوبنهور مع كانت وهيجل على أن الموسيقى فن يعبر ~~بطريقة غير محددة المعالم؛ فهو يقول إن الموسيقى «لا تعبر عن ~~هذا الفرح المعين أو ذاك، أو هذا الحزن أو الألم أو الرعب أو ~~السرور أو المرح أو الطمأنينة أو ms175 ذاك، وإنما هي تعبر عن الفرح ~~والحزن والألم والرعب والسرور والمرح والطمأنينة في ذاتها؛ أي ~~بطريقة مجردة إلى حد ما؛ فهي تعبر عن الطبيعة الكامنة لهذه ~~المشاعر، دون إضافات من الخارج، وبالتالي دون دوافعها الظاهرية. ~~ومع ذلك فنحن نفهمها، في هذه الخلاصة المستمدة منها، على أكمل نحو.» # 9 # والموسيقى في رأي شوبنهور صورة للإرادة، كما أن الأصوات ~~الموسيقية تناظر مراحل معينة في تطور الطبيعة؛ فأخفض ~~الأصوات الهارمونية، وهو «الباص» أشبه بالطبيعة الخام غير العضوية، ~~التي يرتكز عليها وينشأ ويتطور منها كل شيء آخر، والأصوات ~~الأربعة تناظر العالم المعدني والنباتي والحيواني، بحيث يكون ~~اللحن هو «أعلى مظهر موضوعي للإرادة، يناظر الحياة العقلية وفاعلية الإنسان.» # 10 # وكما أن اللحن ارتباط مقصود ذو دلالة من بدايته إلى ~~نهايته، فإن لنظيره في الإنسان مثل هذا الارتباط؛ إذ يعكس الماضي، ~~ويستبق المستقبل في حنينه العقلي إلى الكلية والاستمرار. # وبينما كانت النظريات المالية في القرن الثامن عشر تقلل من ~~قيمة موسيقى الآلات، فإن القرن التاسع عشر قد جعل قيمة موسيقى ~~الآلات الخالصة تسمو على قيمة الكلمة المنطوقة. وقد كتب إ. ت. أ. ~~هوفمان # E. T. A. Hoffmann ~~(1776-1823م) شاعر الرومانتيكية، يقول في نقده لسيمفونية بيتهوفن ~~الخامسة: «عندما يتحدث المرء عن الموسيقى بوصفها فنا مستقلا، ~~فعليه دائما أن يقتصر في تفكيره على موسيقى الآلات ...» # 11 # وقد أعرب فيلكس مندلسون # Felix ~~Mendelssohn ~~(1809-1847م) موسيقي الرومانتيكية، ~~على أن آراءه الجمالية في رسالة قال فيها: «إن الأفكار التي ~~تعبر عنها المؤلفات الموسيقية الجيدة ليست أغمض، وإنما هي ~~أوضح، من أن تعبر عنها الكلمات.» وكان يعتقد أن الموسيقى الجيدة ~~«لا تصبح أكثر دلالة أو معقولية عن طريق التفسيرات الشعرية، ~~وإنما تصبح أقبل دلالة ووضوحا.» # 12 # والواقع أن فلسفة شوبنهور تحمل طابع العصر الرومانتيكي في ~~الموسيقى بوضوح؛ فهو ينبئنا بأن «الموسيقى لو اتحدت بالكلمات ~~أكثر مما ينبغي، وحاولت أن تتشكل وفقا للحوادث، لكانت بذلك ~~تحاول أن تتكلم بلغة غير لغتها. والواقع أن أحدا لم يتحرر من ~~الخطأ بقدر ما تحرر منه روسيني، ms176 ومن هنا كانت موسيقاه تتكلم ~~لغتها الخاصة بوضوح وصفاء إلى حد لا تحتاج معه إلى كلمات، وهي ~~تحدث تأثيرها الكامل عندما تؤديها الآلات وحدها.» # 13 # وإذن فليست للكلمات إلا قيمة ثانوية، بل هي تكون ~~أحيانا دخيلة على اللحن المتصل أو فقرة الغناء المتموج الصادح # Coloratura ~~، ويضيف شوبنهور في فصل ~~له بعنوان «في ميتافيزيقا الموسيقى» قوله: «بقدر ما يكون من ~~المؤكد أن الموسيقى، بدلا من أن تكون مجرد تابع للشعر، هي ~~فن مستقل، بل هي أقوى الفنون جميعا؛ وبالتالي فهي تبلغ غاياتها ~~بوسائل خاصة بها تماما. بهذا القدر نفسه لا تكون الموسيقى في ~~حاجة إلى كلمات الأغنية أو حوادث الأوبرا ... فالكلمات هي، وستظل ~~دائما، إضافة غريبة بالنسبة إلى الموسيقى، لها قيمة ثانوية، وإن ~~تأثير اللحن أقوى وأصدق وأسرع إلى حد لا متناه من تأثير ~~الكلمات؛ لذلك فإذا أدمجت الكلمات بالموسيقى، فمن الواجب أن يكون ~~لها مركز ثانوي بحت، وأن تتكيف تماما تبعا لها.» # 14 # ومن ذلك انتهى شوبنهور إلى أن الموسيقى قادرة دون شك ~~بوسائلها الخاصة «على التعبير عن كل حركة للإرادة، وكل شعور، ~~ولكننا بإضافة الكلمات نتلقى، إلى جانب هذه، موضوعات هذه المشاعر ~~والدوافع التي أثارتها.» # 15 # وكما أن الكلي يمكن أن يتمثل في موضوع يجسده، ~~بلغة الفلسفة، فكذلك يمكن أن يندمج المضمون الغامض للموسيقى، في أي ~~لحن، بالمعنى العيني لكلمة مثل الشعور. # ولقد أعلن ريشارد فاجنر # Richard ~~Wagner ~~(1813-1883م) ولاءه ظاهريا لهذه الفلسفة ~~في الموسيقى، غير أن من السذاجة الاعتقاد بأن فاجنر، الذي حاول ~~إدماج الفنون بمزج النص باللحن، ثم وضع هذا كله في مقابل أوركسترا ~~هائل في ضخامته، كان يأخذ آراء أمير التشاؤم (شوبنهور) مأخذ الجد؛ ~~فأساس فلسفة شوبنهور الموسيقية هو الاعتقاد بأن اللحن له الحق في ~~أن يوجد بذاته، مستقلا عن النص والأحداث التي تدور على خشبة ~~المسرح. أما فاجنر فقد اعترض بشدة على هذه الفلسفة كما مارسها ~~الإيطاليون، ومن هنا كان غير متسق مع ذاته عندما قبلها عند ~~شوبنهور. # ولقد كان الفيلسوف الذي ~~أدرك بوضوح ما ms177 في موقف فاجنر هذا من التناقض هو فريدرش نيتشه # Friedrich Nietzsche ~~(1844-1900م) ~~غير أن نيتشه ذاته قد وقع في تناقض صارخ عندما حمل على ~~الرومانتيكية ووصفها بالانحلال، في الوقت الذي كانت فيه آراؤه ~~الجمالية في الموسيقى لا تقل تمشيا مع العصر الرومانتيكي في ~~الموسيقى عن آراء شوبنهور؛ فهو كذا الأخير يرفع قيمة اللحن فوق ~~الكلمة المنطوقة، ويقول في لهجة تذكرنا بهيردر إلى حد ما: ~~«علينا أن ننظر إلى الأغنية الشعبية على أنها المرآة الموسيقية ~~للعالم، وعلى أنها اللحن الأصلي، باحثا لنفسه عن ظاهرة حالمة ~~موازية، ومعبرا عنها في الشعر. وعلى ذلك فاللحن له الأولوية، وهو ~~كلي شامل؛ وبالتالي فهو يقبل تعبيرات موضوعية تختلف باختلاف ~~النصوص التي تضاف إليه.» # 16 # وهو يواصل كلامه قائلا: «إن مناقشتنا كلها تنصب على ~~تأكيد أن الشعر يعتمد على روح الموسيقى مثلما أن الموسيقى، في ~~سيادتها المطلقة، لا تحتاج إلى الصورة والمفهوم، وإنما «تقبلهما» ~~فقط، بوصفهما عنصرين مصاحبين لها؛ فليس في وسع قصائد الشاعر ~~الغنائي أن تعبر عن شيء لم يكن من قبل كامنا في ذلك الطابع ~~الكلي المطلق للموسيقى، الذي دفعه إلى التعبير المجازي. ومن ~~المستحيل أن تعبر اللغة تعبيرا كافيا عن الرمزية الكونية ~~للموسيقى؛ لأن الموسيقى ترتبط في علاقة رمزية بالتناقض الأصلي ~~والألم الأصلي في قلب الوحدة الأولى؛ وبالتالي فهي ترمز إلى مجال ~~يتجاوز كل الظواهر ويسبقها. والأصح أن نقول إن كل الظواهر، بالنسبة ~~إليها، هي مجرد رموز. ومن هنا فإن اللغة بوصفها أداة الظواهر ~~ورمزها، لا يمكنها بأية حال أن تعبر عن الأعماق الباطنة ~~للموسيقى. وكل ما تقدر عليه اللغة، عندما تحاول محاكاتها، هو أن ~~ترتبط بها ارتباطا سطحيا، على حين أنه لو اجتمع للشعر الغنائي ~~كل ما في الدنيا من فصاحة. فلن يقربها منا خطوة واحدة.» # 17 # وهناك تشابه ملحوظ بين مفهومي الديونيزية والأبولونية عند ~~نيتشه، وبين شوبنهور السابق بين الموسيقى والفنون التصويرية أو ~~التمثيلية، وفي «ميلاد التراجيديا» فقرة تشهد بهذا التشابه، وإن ~~يكن نيتشه قد اقتصر فيها على الإشارة إلى شوبنهور ms178 دون أن يذكر اسمه. # 18 # فقد كان نيتشه ينظر إلى الموسيقى على أنها وسيلة ~~يستطيع بها الإنسان أن يعيد تقويم قيمه، وأن يحول هذا ~~العالم الأصم إلى مجال أروع وأفضل يعيش فيه الإنسان، مؤقتا على ~~الأقل؛ ذلك لأن الموسيقى في رأيه هي قبل كل شيء فن الانفعال؛ أي ~~إنها ديونيزية بطبيعتها. والفنان ولا سيما الموسيقي، هو الذي ~~يستطيع في مجاله الخاص، أن يطهر المجتمع الفاسد؛ فالموسيقي يمكنه ~~أن ينقلنا إلى أجواء أنقى وأصفى بأن يزيد فنه كمالا عن طريق ~~تحقيق أمانينا ورغباتنا بالخيال في إطار شكلي، وبذلك يساعد على ~~إضفاء الانسجام والنظام على حياتنا المتخبطة في الفوضى. # ومن رأي نيتشه أن فاجنر قد وقع في خطأ آخر؛ إذ حاول أن يخلص ~~البشرية بشخصية لا طعم لها، هي شخصية «بارسيفال» الساذجة التي لم ~~تعرف الحب ولا الخطيئة. أما شخصية «كارمن» فهي على الأقل قد ~~أحبت وخسرت المعركة. وقد عاب نيتشه على فاجنر أنه لجأ إلى ~~الخيال الرومانتيكي وتمسك بالأيديولوجية المسيحية في الوقت الذي ~~كان من الواضح فيه أن آخر مسيحي قد مات على الصليب، وأن المسيحية ~~بوصفها أسلوبا في الحياة، مبنية على قيم زائفة. أما بيزيه # Bizet # فقد عرض الحياة بطريقة ~~واقعية على مشاهديه؛ فأحد الموسيقيين قد انتهى به الأمر إلى أن ~~يدير ظهره للحياة، أما الآخر فقد واجهها مباشرة. وهكذا أصبح ~~فاجنر هو الفنان الزائف الذي يتعامل مع الخداع والتظاهر، وذلك إذ ~~يمجد الإرادة في تريستان، ثم يقضي عليها في بارسيفال الزاهد. أما ~~بيزيه فهو الفنان الحقيقي الذي واجهت شخصياته الحياة وسعت إلى ~~تحقيق ذاتها في عالم مليء بالفوضى. # وفي النهاية، اتفق نيتشه مع أفلاطون في قوله: «ما أكذب ~~الشعراء!» واتهم كل الفنانين بأنهم يحتمون بالسلطان؛ إذ إنهم ~~«كانوا في كل العصور خدما مطيعين لمذهب أخلاقي أو فلسفة أو ~~عقيدة». وإذ وصل نيتشه إلى هذا الحد من المرارة، فقد رأى أن ~~الإنسان الأرقى وحده (السوبر مان) هو القادر على أن يعيد تقويم كل ~~القيم التي نحيا بها، وكان في ذلك ms179 تفنيد لرأيه الأصلي القائل إن ~~الفن هو في أساسه «تأكيد إيجابي للحياة، وتمجيد وتأليه لها». ~~وقد اتفق شوبنهور على أن الموسيقى تتيح لنا مهربا، وفترات من ~~الهدوء والسلام، ولكن على حين أن الموسيقى كانت في رأي شوبنهور ~~تتيح الانتقال من الإرادة إلى التخيل، ومن الرغبة إلى التأمل، ~~فإنها عند نيتشه تمكننا من أن نسمو فوق عالمنا الأصم المتخبط ~~إلى عالم وضاء، يعبر عن رغباتنا وآمالنا. # القسم الثاني: فاجنر وهانسليك # تأثر فاجنر، في المراحل الأولى من حياته الفنية، بالفيلسوف ~~لودفيج فويرباخ # Feuerbach ~~(1804-1872م). وكان فويرباخ قد هاجم اللاهوت المحافظ في أيامه ~~بالقول إن للمسيحية أصلا بشريا، وإن الفلسفة لا تزيد كثيرا على ~~لاهوت متنكر. ولقد كان هذا التفسير الطبيعي للمسيحية، الذي صور ~~الخالق بأنه مجرد مثل أعلى متغير خلقه الإنسان، واحتفظ به لكي ~~يلبي حاجة جمالية ودينية؛ كان متمشيا مع الثورة التي قامت في ~~ألمانيا في أواسط القرن التاسع عشر، ضد الأوضاع الاجتماعية ~~القائمة، والعقيدة التقليدية، والقوالب الفنية العتيقة. ولقد كان ~~فاجنر في كتابه «العمل الفني في المستقبل» (1850م) قد اقتبس ~~العنوان ذاته من كتاب فويرباخ «أصول فلسفة المستقبل» (1843م)، ~~وكانت تصدره في طبعته الأصلية التي نشر فيها بوصفه بحثا ~~مستقلا، رسالة كتبها فاجنر إلى فويرباخ، تبدأ بقوله: «لن أستطيع ~~أن أهدي بحثي هذا إلى أحد سواك يا سيدي العزيز؛ إذ إنني إنما ~~أعيد به إليك ما هو ملكك.» # 19 # وبعد ذلك بوقت قصير، نبه نيتشه فاجنر إلى أهمية فلسفة شوبنهور ~~الجمالية، وسرعان ما تحول فاجنر من ديالكتيك فويرباخ إلى فكرة ~~الإرادة عند شوبنهور، ولكن فاجنر بمضي الوقت، غير فلسفته الفنية ~~مرة أخرى؛ إذ تخلى عن الإرادة في سبيل الاستسلام المسيحي؛ فبينما ~~كانت «تريستان» تمثل الإرادة وتحقيقها، كانت «أفول الآلهة # Gotterdammerung ~~» وبارسيفال # 20 # تمثل القدرية والاستسلام اللذين ظهرا في المراحل ~~النهائية لفلسفة شوبنهور، واللذين صورهما فاجنر على أنها هزيمة ~~الشهوة والطمع وانتصار الأخلاق المسيحية عن طريق فضائل البراءة ~~والرحمة. أما نيتشه، الذي كان قبل ذلك قد حول فاجنر من فويرباخ ~~إلى ms180 شوبنهور، والذي كان هو ذاته من أنصار فلسفة الإرادة، فقد سأل ~~فاجنر بتهكم في كتابه «أصل نشأة الأخلاق # The ~~Genealogy of Morals ~~» إن كان بارسيفال «يمثل ~~ردة وعودا إلى المثل العليا المسيحية المريضة الجهولة»، ثم ~~تحول إلى فانجر، نصير الرومانتيكية، والرجعي في عقيدته الذي كان ~~في الأصل يقف في صف فويرباخ في موقفه من الأسطورة المسيحية، فقال: ~~«وأخيرا نرى تحولا إلى إلغاء الذات ومحوها من جانب فنان كان حتى ~~ذلك الحين يكرس كل ما في إرادته من عزم لعكس هذا؛ أعني لأعلى ~~تعبير فني ممكن عن الروح والبدن. ولم يقتصر على ذلك فنه، بل ~~طبقه في حياته أيضا. وما عليكم إلا أن تذكروا مدى حماسة فاجنر ~~في اقتفاء أثر فويرباخ؛ فقد رن شعار فويرباخ عن «التعلق الصحي ~~بالحسيات» في آذان فاجنر في ثلاثينيات هذا القرن وأربعينياته، كما ~~رن في آذان كثير من الألمان ... وكأن فيه الخلاص. أتراه إذن قد ~~غير رأيه في هذا الموضوع؟ إذ يبدو على أية حال أنه أراد بمضي ~~الوقت أن يغير تعاليمه في هذا الموضوع ... ولا يتجلى هذا فقط في ~~أبواق بارسيفال تدوي على المسرح، بل إن في تلك التخليطات ~~الكئيبة المتشنجة الحائرة التي أنتجها في سنواته المتأخرة مئات ~~المواضع التي تتجلى فيها مظاهر رغبة خفية وإرادة، إرادة منكسرة، ~~قلقة، مستترة، هدفها الدعوة إلى الرجوع القهقرى، وإلى تحويل ~~العقيدة، وإلى المسيحية، وروح العصور الوسطى، والقول لأنصاره: كل ~~شيء زائل غرير! فلتلتمسوا الخلاص في عالم آخر ... بل لقد ذهب إلى ~~حد الإشارة ذات مرة إلى «دم المخلص».» # 21 # أما إدوارد هانسليك # Eduard ~~Hanslick ~~(1825-1904م) فكان يعارض إدماج فاجنر ~~للفنون، والمفهوم الرومانتيكي في توحيد الموسيقى والشعر. وقد اتفق ~~مع هربارت على أن الموسيقى لا تنقل المعاني، وإنما هي تتألف من ~~نماذج نغمية تطور ألحانها الرئيسية بطريقة محددة، وعلى أنه ليس ~~من مهمة الموسيقى أن تكون وسيلة لتصوير شيء أو رواية قصة، أو ~~التعبير عن حالات انفعالية. والواقع أن الموسيقي الرومانتيكي كان ~~يحاول أن يصور النطاق الكامل للمشاعر الإنسانية ms181 في موسيقاه، ~~كرد فعل على النزعة الذهنية الجافة للمذهب العقلي في القرن ~~السابع عشر، غير أن المعاني الانفعالية في الموسيقى إثم وجريرة ~~في نظر أنصار الموسيقى الخاصة كالفيلسوف هربارت والناقد ~~هانسليك. # ولقد كتب هانسليك في كتابه «الجميل في الموسيقى # The Beautiful in Music ~~» يقول: ~~«إذا أردنا أن نقرر إن كانت الموسيقى تتصف بصفة التحدد، ونبحث ~~في طبيعتها وخصائصها، وفي حدودها واتجاهاتها، فمن الواجب ألا نأخذ ~~في اعتبارنا أي شيء سوى موسيقى الآلات؛ فما تعجز موسيقى الآلات عن ~~الوصول إليه، يتجاوز أيضا نطاق الموسيقى بمعناها الصحيح؛ إذ إن ~~موسيقى الآلات هي وحدها الموسيقى الخالصة المكتفية بذاتها ... ولفظ ~~«الموسيقى» بمعناه الصحيح ينبغي أن تستبعد منه المؤلفات التي ~~تلحن فيها الكلمات ... بل إن من الواجب أن تستبعد من مجال ~~الموسيقى المؤلفات التي يقدم لها بنصوص مكتوبة، أو ما يسمى ~~بالموسيقى ذات البرنامج؛ فاتحاد الموسيقى بالشعر، وإن كان يزيد من ~~قدرتها، لا يوسع حدودها.» # 22 # وبعد صفحات يضيف هانسليك: «إن السبب الأكبر في عجز ~~الناس عن كشف عناصر الجمال التي تحفل بها الموسيقى الخالصة هو أن ~~المذاهب الجمالية القديمة كانت تحط من قدر العنصر المحسوس، ~~وتخضع الموسيقى لاعتبارات الأخلاق والشعور، أو ل «الفكرة» في مذهب هيجل.» # 23 # وإذن فقد كان هانسليك يعد الموسيقى فنا مكتفيا بذاته، لا ~~يشير إلى أي شيء خارج نطاق النغم الخالص والإيقاع؛ فليس في مقدور ~~الموسيقى أن تصور شخصيات أو موضوعات مادية أو تفسر مذاهب ~~فلسفية، وإنما تقتصر الموسيقى على مجال الصوت. وكان يرى أنه إذا ~~كانت النماذج الصوتية المتحركة بعد تطويرها لحنيا هي التي ~~تؤلف مضمون الموسيقى، فإن الشكل والمضمون واحد في الموسيقى؛ إذ ~~ليس للموسيقى مضمون بخلاف نماذجها الصوتية الخالصة. وإذن فالأفكار ~~التي يصورها الموسيقي هي أفكار موسيقية خالصة. وعندما يخطر ~~اللحن بذهنه يكون لحنا خالصا، ولا يمثل شيئا سوى ذاته فحسب، ~~وليست الفكرة الموسيقية إلا فكرة نغمية، لا فكرة منطقية يتعين ~~ترجمتها في البدء إلى لغة الأنغام، وليس لفلسفة الفن الموسيقي ~~شأن بالحياة الشخصية للموسيقي، أو غرامياته، ms182 أو عداوته، وإنما هي ~~تتعلق بإنتاجه فحسب، من حيث ما تدلنا عليه الموسيقى ذاتها. # ولقد كان هانسليك من أنصار الموضوعية في فلسفته الجمالية، شأنه ~~شأن كل أصحاب النظرة الخالصة إلى الفن، فكان يرى أن العمل الموسيقي ~~يكون جيدا أو رديئا بناء على صفاته الكامنة؛ فالعمل الفني ~~مستقل بذاته، وينبغي ألا يترك للتقدير الذاتي للمستمع الذي ~~يحكم على الموسيقى وفقا لحالته النفسية. ولا بد للتجربة الجمالية ~~من نشاط عقلي؛ إذ إن هانسليك قد رفض الرأي الرومانتيكي القائل إن ~~الموسيقى هي قبل كل شيء تعبير عن الشعور، فلا يمكن تحديد القيمة ~~الفنية للموسيقى على أساس تأثيرها في المشاعر، وإنما الواجب أن ~~يصدر هذا الحكم بواسطة العنصر الروحي والعقلي في الإنسان، ولا ~~يمكن أن تكون الموسيقى تجربة جمالية لدى الشخص الذي يستخدمها ~~عاملا جانبيا مساعدا في أحلام يقظته، وإنما هي بالنسبة إليه ~~مخدر فحسب. ومن هنا فإن «فالسات» شتراوس لم تعد موسيقى بمجرد أن ~~رقص الناس على أنغامها. # ولقد كان جلوك يجعل للشعر الأسبقية على الموسيقى، على حين أن ~~موتسارت رأى أن من الواجب أن يكون الشعر ابنا مطيعا للموسيقى. ~~أما الموسيقيون الرومانتيكيون فقد تحدثوا عن «لغة للموسيقى» تجمع ~~بين الشعر والغناء. وأما فاجنر فقد اعتقد أنه حقق الاندماج بين ~~الفنون على أكمل نحو في الدراما الموسيقية. وعلى هؤلاء جميعا ~~رد هانسليك بقوله: إن الموسيقى فن مستقل قائم بذاته. # وقد كتب هانسليك يقول: «لقد تسبب روبرت شومان # Robert Schumann # في أضرار جسيمة ~~بقضيته القائلة إن المبادئ الجمالية لأحد الفنون هي مبادئ الفنون ~~الأخرى، ولكن المادة وحدها هي التي تختلف.» وفي مقابل ذلك يقول ~~جريلبارتسر # Grillparzer # 24 # برأي مخالف تماما، ويتخذ الموقف الصحيح إذ يقول: ~~«لعل أحدا لم يضر بالفنون كما أضر بها الكتاب الألمان عندما ~~أدرجوها كلها تحت اسم جامع هو الفن، ولا جدال في أن بين الفنون ~~أمورا كثيرة مشتركة، ولكنها مع ذلك تتباين تباينا شاسعا، لا في ~~الوسائل التي تستخدمها فحسب، بل في مبادئها الأساسية أيضا. ومن ~~الممكن إبراز الاختلاف الأساسي ms183 بين الموسيقى والشعر بوضوح بالقول ~~إن الموسيقى تؤثر في الحواس أولا، وبعد أن تثير الانفعالات، ~~تصل إلى العقل آخر الأمر. أما الشعر فإنه يبعث في البداية فكرة ~~تثير بدورها الانفعالات، ولكنه لا يؤثر في الحواس كنتيجة نهائية ~~لأعلى صورة أو أدناها. وإذن فالموسيقى والشعر يسيران في طريقين ~~متضادين تماما؛ إذ إن أحدهما يضفي على المادي صبغة روحية، ~~والثاني يضفي على الروحي صبغة مادية.» # 25 # ولم يغب عن ذهن الناقد هانسليك أبدا أن التجربة الجمالية هي ~~في أساسها تجربة انفعالية، ولكنه رفض بشدة الرأي القائل إن ~~«القيمة النهائية للجميل تتوقف دائما على شهادة المشاعر.» والواقع ~~أن السمات الأساسية لنظريات شوبنهور الجمالية تتمثل في هذا ~~الناقد الذي عاش في فينا أكثر مما تتمثل في منظم احتفالات ~~بايرويت (فاجنر). فقد اتفق هانسليك مع شوبنهور على أن موسيقى ~~الآلات أرفع من الموسيقى التي يضفي عليها النص صبغة عقلية ~~تصورية. كذلك كان يردد آراء لشوبنهور في قوله: إن الموسيقى لا ~~تستطيع بذاتها أن تمثل أو تعبر عن مشاعر محددة، أو تصور ~~الحب أو الأمل أو الغضب أو الكراهية أو الغيرة أو اليأس. وانتهى ~~مع شوبنهور إلى أن موسيقى الآلات تسير تبعا لقواعد موسيقية ~~محددة، وليست تعبيرا عن مشاعر الموسيقار أو انفعالاته، كما تصور ~~الرومانتيكيون. # وقد رفض هانسليك الفكرة الأفلاطونية القائلة إن الموسيقى محاكاة ~~للطبيعة. وكان ينظر إلى السلم الموسيقي الغربي الحديث على أنه من ~~صنع الإنسان، وأوضح أن الأصوات الطبيعية لا تطابق السلم ~~الدياتوني. وقد تساءل عن حق «من الذي سمع في الطبيعة مسافة ~~الثالثة أو تآلف السابعة مع الخامسة (وهي الدرجة المسيطرة في ~~السلم الدياتوني # dominant seventh ~~chord ~~)» كذلك ساير شوبنهور في قوله إن لموسيقى ~~ليست نسخة أو صورة للإرادة الشاملة، أو بتعبير أفلاطون، ليست ~~محاكاة للطبيعة الكونية، وإنما هي تعبير عن الإرادة ذاتها، بحيث ~~إن الكون يكشف عن روحه في الموسيقى ومن خلالها؛ فالموسيقى عند ~~هانسليك، كما كانت لها عند شوبنهور، حياة خاصة بها، وعالم خاص ~~بها، يبعث فيه النظام في الفوضى، ويكون ms184 اللحن فيه أشبه باكتمال ~~الحياة البشرية. # ولقد كان هانسليك من أنصار الفصل القاطع بين الفنون. وفي رأيه أن ~~الموسيقى ذات البرنامج؛ أي تلك التي تحاكى فيها الأصوات الطبيعية ~~بالموسيقى كما هي الحال في مصنف «الفصول» لهايدن أو السيمفونية ~~الريفية لبيتهوفن، يمكن أن تكون لها قيمة بوصفها محاكاة، أو ~~بوصفها مادة لحنية، ولكن لا يمكن أن تكون لها القيمتان معا؛ ~~فمحاكاة الظواهر الطبيعية تضيف إلى الموسيقى عنصرا تصويريا، ~~والموسيقى الخالصة لا تعود خالصة عندما تترك مجال عروض الأفكار ~~الموسيقية، وتبدأ في تصوير ظواهر طبيعية، أو تمثيل حالات شعورية ~~بكل ما يتيحه النظام النغمي من واقعية. # القسم الثالث: الموسيقى في العصر الرومانتيكي # كانت الفلسفة الجمالية للرومانتيكية تنظر إلى الجمال على أنه لا ~~يخضع أو يدين لشيء إلا لذاته. وقد سارع الشعراء والفلاسفة ~~والموسيقيون - فيما عدا القليل منهم - إلى اعتناق هذا المثل الأعلى ~~الرومانتيكي في الفن، بوصفه تمهيدا لعالم أفضل يساعد الفن على ~~تحققه. قد أعلن الشاعر نوفاليس # Novalis ~~(1773-1801م) أن «الرياضة ~~تبدو في الموسيقى ملهمة كالمثالية الخلاقة». وعرض «هوفمان» رأيا ~~أشبه بمذهب وحدة الوجود، يقول فيه: «إن روح الموسيقى تتغلغل في ~~الطبيعة كلها.» ثم طبق ميتافيزيقاه الشعرية على سمفونية بيتهوفن ~~الخامسة (من مقام دو الصغير) فأضاف أن الموسيقى هي أكثر الفنون ~~رومانتيكية إن لم تكن هي الفن الرومانتيكي الوحيد. ولم يكن ~~الفلاسفة بأقل نزوعا إلى الصوفية؛ فقد عزا شلنج # Friedrich Schelling ~~(1775-1854م) ~~إلى الموسيقى صفات روحية، وقال رودلف لوتس # Rudolf ~~Lotze ~~(1817-1881م) إنه يستطيع أن يرى في الموسيقى ~~حركات الكون، وإنها تميط اللثام عن أحداث الدراما الكونية. وكان ~~هيجل قد ميز العصر الكلاسيكي من العصر الرومانتيكي بطريقة ~~بسيطة، هي أن الموضوع في المذهب الكلاسيكي يسيطر على الشكل أو ~~القالب، على حين أن الشكل أو القالب في الرومانتيكية هو الذي ~~يستوعب الموضوع في داخله. # ولقد كان الموسيقي الرومانتيكي يعد نفسه ثوريا، ونبيا يدعو ~~إلى عصر جديد في الفن يستطيع فيه أن يصلح حياة الإنسان. وكان ~~يرى أن فلسفته الجمالية يمكن أن تحل محل ms185 الدين، وأن فنه قادر على ~~أن يكون بديلا للأخلاق التقليدية الذليلة. وفي هذه الظروف ارتفعت ~~الموسيقى، بين سائر الفنون، إلى مكانة لم تبلغها من قبل على ~~الإطلاق؛ فقد أصبح الفن الموسيقي، ذلك الفن الذي وصفه شوبنهور ~~بأنه تعبير عن الإرادة الكلية، لا مجرد صورة لها، يسود جميع ~~الفنون الأخرى، وحاول الشعراء والمصورون إدخال عناصر موسيقية ~~في الوسائط التي يستخدمها كل منهم. وقد لخص وولتر باتر # Walter Pater ~~(1839-1894م) أهم ~~خصائص الفلسفة الجمالية للعصر الرومانتيكي بقوله إن جميع الفنون ~~ينبغي أن تسعى إلى تحقيق الأوضاع السائدة في الموسيقى؛ حيث يستوعب ~~الشكل المضمون تماما. # ولقد كان المؤلف الموسيقي في القرن الثامن عشر، يعد صانعا ~~محترفا يعمل في خدمة الدين أو تحت إمرة سيده. أما في القرن التاسع ~~عشر فقد رفض الموسيقي مركز الصانع المحترف، وكان يكتب موسيقاه في ~~ظل حرية شخصية قل أن يتمتع بها الفنانون في أي عهد. وقد طور ~~الموسيقي فن السيمفونية، ووسع نطاق الأوبرا، بحيث أصبحت ~~عرضا رائعا عبر عن وحدته في أغان فنية (ليدر) وعاطفية عميقة. ~~وهدفنا في هذا القسم أن نوضح كيف عبر الموسيقيون الخلاقون في ~~العصر الرومانتيكي عن أنفسهم من خلال الموسيقى؛ لذلك سنقدمهم حسب ~~آرائهم الجمالية وقومياتهم. # بدأت الأوبرا الرومانتيكية في ألمانيا على يد كارل ماريا فون ~~فيبر # Carl Maria Von Weber ~~(1786-1826م) بالأوبرا الشعبية «در فرايشوتس # Der ~~Freischutz ~~» (1821م)، وقد ظهرت قبل «در ~~فرايشوتس» أوبرا «أوندينه # Undine ~~» ~~لهوفمان وأبرا «فاوست # Faust ~~» للويس ~~شبور # Louis Spohr ~~(1784-1859م)، ~~ولكن لا يمكن وصف أي منها بأنها رومانتيكية في موسيقاها بالمعنى ~~الصحيح. بعد عامين أخرج فيبر أوبرا «أويرانتي # Euranthe ~~» التي وصفها بأنها ~~«أوبرا بطولية رومانتيكية عظيمة في ثلاثة فصول». ولقد كان المثل ~~الجمالي الأعلى لفيبر هو جعل الأوبرا فنا تمتزج فيه الموسيقى ~~والشعر والتمثيل، وهو المثل الأعلى الذي بلغ أوج اكتماله في ~~الدراما الموسيقية عند ريشارد فاجنر. # ولقد كان فرانتس شوبرت # Franz ~~Schubert ~~(1797-1828م)، وهو أكثر الرومانتيكيين ~~رومانتيكية، ومنشئ الأغنية الفنية # Lied # الألمانية، كان يفوق بيتهوفن ~~ذاته في ms186 خلق ألحان جميلة، وأدت ألحانه الدافئة، الزاهية، ~~المنسابة إلى زيادة تأثير مجموعة كبيرة من أجمل المقطوعات الشعرية ~~الألمانية؛ فقد ألهمه تبجيله لجوته أن يصنع ألحانا لكثير من ~~أشعاره. غير أن جوته لم يكن يبادل شوبرت تقديره لعبقريته؛ ذلك ~~لأن شوبرت كان يرى أن للحن السيادة المطلقة على الكلمة المنطوقة، ~~على حين أن جوته كان يعتقد أن الموسيقى ينبغي أن تكون خاضعة للنص ~~في الأغنية الفنية (ليد). # ولقد كان الميل الكلاسيكي البسيط الكامن في الموسيقي فيلكس ~~مندلسون متعارضا تعارضا تاما مع ميول معاصريه؛ برليوز، وليست، ~~وفاجنر؛ فعلى حين أن هؤلاء الثلاثة كانوا يسعون إلى تحقيق ~~مؤثرات موسيقية جديدة، وعملوا على تضخيم الأوركسترا، فإن ~~مندلسون، الذي ظل طوال حياته تابعا مخلصا لموتسارت، قد استمر ~~يكتب بأسلوب كلاسيكي بسيط. والواقع أن عبادته للحن، وحاسة الإتقان ~~والكمال التي كان يتصف بها، قد أضفت على موسيقاه طابعا عذبا ~~منسابا يقترب أحيانا من سحر شوبرت. ولقد كان مندلسون، شوبرت، ~~ابنا للعصر الرومانتيكي قبل كل شيء، وعندما سئل عن كلمات ~~لمجموعته «أغنيات بلا كلمات» أجاب بأن الكلمات تعجز عن التعبير ~~عن موسيقاه، ومن هنا كان قوله: «إن اللفظ لا يعني للشخص المعين ~~ما يعنيه الآخر، وإنما القطعة الموسيقية وحدها هي التي تثير نفس ~~الحالة النفسية.» # وكان روبرت شومان # Robert ~~Schumann ~~(1810-1856م) هو خليفة شوبرت في إبداع ~~الأغنية الفنية الألمانية (ليد). وكان شومان يرى في الأصل أن ~~موسيقى الآلات قادرة على التعبير عما يستحيل التعبير عنه، وعلى ~~التوغل في أعمق البشر؛ ولذلك قال، بطريقة رومانتيكية واضحة، إن ~~الكلمات والنصوص تضفي على هذه المشاعر طابعا عقليا تصوريا؛ ~~فالكلمات هي الأغلال التي تكبل المشاعر. ومن هنا ظل شومان، طوال ~~الأعوام الثلاثين الأولى من حياته، يعمل على التعبير عن هذه ~~المشاعر الموسيقية في مؤلفاته، ثم تحول بعد ذلك إلى فن شوبرت ~~وشعر هينه # Heine ~~، وألف عددا ~~كبيرا من الأغنيات الفنية (ليدر) ذات الطابع الرومانتيكي ~~الصرف. # أما فرانتس ليست # Franz Liszt ~~(1811-1886م) فكان ذا نزعة إنسانية اجتماعية، كما كان موسيقيا ~~تقدميا، فضلا ms187 عن كونه رجل كنيسة. # 26 # ولقد أشار ليست إلى باخ على أنه القديس توما في مجال ~~الموسيقى؛ ذلك لأن القديس توما قد جمع بين الإيمان والعقل في مركب ~~واحد، وكذلك اعتقد ليست أن باخ قد سار بالشعور والعقل إلى وحدتهما ~~النهائية في فن الموسيقى. وقد أمضى ليست حياته وهو يحاول تحقيق ~~وحدة أوثق بين الموسيقى والشعر، وكان ينظر إلى الشعر على أنه ~~الحافز إلى الإبداع الموسيقي، ولكنه كان يعتقد أنه بعد تحقيق ~~الوحدة بين الكلمة واللحن، وبين العقل والشعور، فمن الواجب أن ~~تترك الموسيقى حرة؛ لكي تمجد هذه الوحدة، وتسمو بها إلى أعلى ~~قمم الوجد الرومانتيكي؛ ففي رأيه أن المؤلف الموسيقي يمزج في ~~موسيقاه بين أسرار الكون وبين منطق الفيلسوف، وهو قد تصور أن ~~معقولية المفكرين المنطقيين ووجد الصوفيين ينعكسان على الفن ~~الموسيقي الإلهي. # ولقد كان ليست يتميز بطبيعة مزدوجة؛ فالعزلة التي كان يتوق ~~إليها والتي اهتدى إليها أخيرا في كنف الكنيسة، تقف مع شخصيته ~~الخلاقة بوصفه مؤلفا موسيقيا على طرفي نقيض؛ ذلك لأن موسيقاه ~~نابضة بالحياة والحركة، وتحفل بالموضوعات الشعبية. وقد كان يؤدي ~~ألحانه أمام الجمهور بروح من التعاطف معهم، وكان في الوقت ذاته ~~يحرص على إظهار مقدرته الخارقة على العزف على البيانو، ويمضي في ~~ذلك إلى حد يقرب من الاستعراض المكشوف. وكان ليست يناصر كل ~~قضية لها صلة بالموسيقى ويؤيد الاتجاهات التحررية في الحكم، ~~وذلك بتقديمه معونات سخية إلى الموسيقيين المكافحين، وبذل جهوده ~~لتشجيع التقدم الاجتماعي. # ولقد كتب روبرت فرانتس # Robert ~~Franz ~~(1815-1892م) أغنيات فنية (ليدر) على طريقة ~~شوبرت وشومان، وإن كانت أغنياته أقل جرأة وأقرب إلى الطابع ~~الحالم. كما أنها كانت تتفاوت من ألحان شعبية إلى أغنيات فنية ~~كلماتها من تأليف الشاعر هينه. # ولقد وصف الكثيرون موسيقى أنطون بروكنر # Anton ~~Bruckner ~~(1824-1896م) بأنها تعبير عن إيمانه ~~الكاثوليكي المتحمس. ونظرا إلى أنه كان مشهورا بالتتلمذ على ~~فاجنر، فإن الناقد هانسليك لم يجده ندا لموسيقيه المفضل ~~برامز، ولكن الأمر الذي فات هانسليك هو أن موسيقى ذلك الفنان ~~العميق التدين ms188 قد تخلصت من العناصر الشاعرية والوصفية التي ~~شاعت لدى الرومانتيكيين، واستعاضت عنها بالتطوير الموضوعي لأفكار ~~موسيقية، هي دون شك ناشئة عن مشاعر دينية، ولكنها معروضة بوصفها ~~موسيقى خالصة. # أما يوهان شتراوس # Johann Strauss ~~(1825-1899م) فكان يقدم في مقطوعاته من نوع الفالس تصويرا ~~موسيقيا للروح المرحة المزعومة لفينا التي لم تكن سعيدة إلى ~~الحد الذي صورتها به موسيقاه في السنوات الأخيرة من القرن ~~التاسع عشر. # ولقد كان يوهانس برامز # Johannes ~~Brahms ~~(1833-1897م) يبحث عن الوحي في المؤلفات ~~البوليفونية لباخ، وفي سيمفونيات بيتهوفن، وأغنيات شوبرت وأفكار ~~شومان الجمالية. وقد ظل، بفضل استخدامه للقوالب التقليدية وتبجيله ~~للماضي، أقرب إلى فلسفة الكلاسيكيين منه إلى فلسفة الرومانتيكيين ~~الذين حاولوا أن ينشقوا تماما على الماضي. غير أن برامز كان ~~مسايرا للرومانتيكيين في التجائه الدائم إلى استخدام ألحان شعبية؛ ~~ذلك لأن الرومانتيكيين كانوا قوميين متحمسين. وفي هذا الصدد كان ~~برامز واحدا منهم؛ فقد مجد برامز قوميته الألمانية بتوزيعات ~~غنائية متعددة لألحان شعبية، ودعم الأسس اللحنية لسيمفونياته ~~وكونشرتاته بألحان من الحقول ومعارج المدينة. والواقع أنه كان ~~أبرع الناس جميعا في إدماج مثل هذه الألحان الموسيقية الحسية في ~~المؤلفات الأوركسترالية. ولعل القليلين فقط هم الذين يقفون ~~أندادا لرشاقته في الكتابة للصوت البشري. # وفي موسيقى المؤلف الرومانتيكي المتأخر، جوستاف مالر # Gustav Mahler ~~(1860-1911م) نجد ~~اتجاهات لحنية متأثرة بموتسارت وشوبرت، وكذلك مجاميع صوتية ~~عميقة الرنين، تثير شعورا دينيا يذكرنا ببروكنر. غير أنه لم ~~يكن يحفل كثيرا بالقالب الكلاسيكي إذا كان يعوق انسياب أفكاره ~~الموسيقية، وكان ميالا إلى الإفراط في الشجن أحيانا عندما يصب ~~انفعالاته في تقديم عرض موسيقي لأحداث حياته الخاصة. ولقد كانت ~~مؤلفاته مفرطة الطول، تعبر عن حالات نفسية تتفاوت من الكآبة ~~والانكسار إلى النشوة الخالصة. وكانت موضوعاته الرئيسية تتسم بنفس ~~القلق الذي تتسم به روحه؛ إذ إن هناك نزعة صوفية تأملية عميقة ~~تتغلغل في أعماله؛ فهو في موسيقاه يستطلع عجائب الطبيعة ويتساءل: ~~ما مصير الإنسان؟ # وعلى حين أن كثيرا من القصائد الشعرية التي لحنها فرانتس لا ~~تكاد تستحق البقاء ms189 في أغنيات، فإن القصائد التي لحنها هوجو فولف # Hugo Wolff ~~(1860-1903م) كانت ~~تتميز بذوق أدبي رفيع. وقد أثرى فلف نصوصه المختارة بمشاعره ~~الموسيقية العميقة بفضل براعته الفائقة في الكتابة للصوت البشري ~~والبيانو المصاحب له. وقد بدأ فلف حياته متحمسا لفاجنر، ولكنه ~~انقلب على الفلسفة الفنية للدراما الموسيقية «بما فيها من طيف ~~حزين لفيلسوف شوبنهوري واقف بالكواليس»، كما كتب في رسالة مؤرخة ~~في عام 1890م، وأشار إليها رومان رولان. ومع ذلك فقد كان فولف ~~ذاته، في نظر خصوم فاجنر، متهما باتباع بعض الأساليب الفاجنرية، ~~وقد أشاروا للتدليل على ذلك إلى هارمونياته المعقدة، وتلويناته ~~الكروماتية المجددة. أما في نظر فولف، فإن الهارمونيا والتلوينات ~~الكروماتية كانت مجرد وسيلة لتحقيق تأثير جديد، أو لون غير ~~مألوف، وإن يكن أنصار برامز لم يروا في أعماله إلا اضطرابا في ~~الهارمونيا، وتشتتا في اللحن، وافتقارا إلى الإيقاع. والواقع أن ~~كل ما فعله فولف هو أنه وصل بالرومانتيكية إلى أكمل مظاهر ~~تطورها بتوسيع قدرات الموسيقى على التعبير وتصوير المشاعر. وهكذا ~~أصبحت موسيقاه حلقة اتصال تربط بين موسيقى «تريستان» وبين ~~المدرسة اللانغمية ( # atonal ~~) في ~~فينا في القرن العشرين. # ولكي نتبع الاتجاهات الجمالية في موسيقى الجماعات القومية ~~المختلفة في العصر الرومانتيكي، فعلينا أن نرجع القهقرى، زمنيا، ~~أكثر من نصف قرن قبل ميلاد هوجو فولف، لنتحدث عن الموسيقيين في ~~جزء آخر من العالم؛ فقد رأينا أن مندلسون قد عرف الرومانتيكيين ~~بموسيقى باخ، والبوليفونية في عصر الباروك، غير أن الموسيقي ~~والناقد الفرنسي «هكتور برليوز # Hector ~~Berlioz ~~» (1803-1869م) كان ينظر إلى باخ وأسلوبه ~~المعقد في «الكنترابنط» على أنه بقية من بقايا ماض موسيقي متحذلق، ~~وكان أهم ما يشغل برليوز هو اللحن، أعني تلك الفقرات اللحنية ~~الطويلة الخالصة التي تحلق إلى قمم الفخامة وتثريها مجموعات ~~متنوعة من الآلات التي أضفت على الموسيقى لونا وبريقا لم يسمع ~~في الأوركسترا من قبل. ومن هنا كان قوله: «إنني أحرص دائما على ~~إغداق اللحن على مؤلفاتي عن سعة.» وكان للكلمة المنطوقة في نظرية ~~برليوز الجمالية مكانة ثانوية؛ فقد ms190 وجدت روحه الرومانتيكية في ~~الأوركسترا وسيطا تعبيريا قادرا على غناء أعذب المعاني ~~العلوية، وعلى أن ينقل إلى السامع مجموعات نغمية قوية موحية، ~~ويحرك مشاعره بعمق. # ولقد كان فردريك شوبان # Frederic ~~Chopin ~~(1810-1849م) شخصا معتل الجسم، يشعر ~~بشقاء دائم، ولكنه صاغ من حياته المضطربة صورا موسيقية ذات جمال ~~شفاف خارق. وكان شوبان هو الأستاذ الأعظم لتلك الآلة ~~الرومانتيكية، البيانو، وفي هذه الآلة صب مشاعره الجريحة في ~~موسيقى واضحة الأصالة، تتميز بالبلاغة والنفاذ إلى الأعماق، ~~وتجمع بين روعة المظهر وعمق المعنى. وقد وجدت أحواله النفسية التي ~~تراوحت بين الانقباض المظلم، والانبساط الوضاء، تعبيرا عنها في ~~هارمونيات لامعة، وفي تنافرات حادة وتقلبات لحنية مستمرة. ولم ~~تكن موسيقاه إلا صورة شاملة لمشاعره. ولقد كانت تجمعاته ~~النغمية، وإيقاعاته المركبة مشابهة لما نجده عند هوجر فولف من ~~حيث إنه كان رومانتيكيا مجددا مهد الطريق لموسيقى القرن ~~التالي دون أن يشعر. # ولقد كان الموسيقي البلجيكي سيزار فرانك # Cesar ~~Franck ~~(1822-1890م) ومعاصره النمسوي بروكنر أبرز ~~المؤلفين الموسيقيين الدينيين في العصر الرومانتيكي، ولكن إذا كان ~~بروكنر قد وجد في هانسليك ناقدا يحمل عليه، فإن فرانك لم يلق من ~~معاصريه إلا التجاهل المخجل؛ فقد وصف «جونو» سيمفونيته بأنها ~~«إثبات للعجز بولغ فيه إلى حد الإطالة المعاندة.» وقد مات فرانك، ~~كما عاش، موسيقيا منعزلا، على الرغم من أن الكثير مما قاله كان ~~يستحق التقدير، وإن تحتم على هذا التقدير أن ينتظر جيلا ~~جديدا. # وفي موسيقى «كامي سان صانس # Camille Saint ~~Seens ~~» (1835-1921م) الذي امتدت حياته حتى الربع ~~الأول من القرن العشرين، وجدت الرومانتيكية أنقى تعبير عنها في ~~سيمفونياته. أما قصائده السيمفونية التي نسجها حول أفكار أدبية، ~~فهي تقليدية القالب، وأما أوبراته فقد لحنها على نصوص من ~~«الكتاب المقدس» ومن الأدب الكلاسيكي. ولقد كان سان صانس شاعرا أو ~~باحثا أو موسيقيا ألف في جميع فروع الموسيقى على وجه التقريب. ~~وفي الوقت الذي كان فيه عالم موسيقي جديد قد ظهر بالفعل، ظل هذا ~~الموسيقي الباريسي يكتب في مطلع القرن العشرين بنفس أسلوب القرن ms191 ~~التاسع عشر. # ولقد كانت باريس هي المركز الثقافي للعالم، وإليها كان يفد ~~الموسيقيون من كل حدب وصوب، بعضهم جاء يستلهمها الوحي، وغيرهم ~~أتى لاجئا سياسيا، وغير هؤلاء وأولئك أقبل لتؤدى فيها ~~موسيقاه. ومن صالونات هذه المدينة العالمية وقاعاتها الموسيقية، ~~ودور الأوبرا فيها انبعثت موسيقى أثرت الحياة الثقافية للحضارة ~~الغربية؛ ففي باريس استحدث جاكومو مايربير # Giacomo ~~Meyerbeer ~~(1791-1864م) الأوبرا الكبيرة (جراند ~~أوبرا)، وجلب الأوبرا الرومانسية إلى فرنسا عندما عرض لأول مرة ~~أوبرا «روبير الشيطان # Robert le ~~Diable ~~» (1831م)، وقد أعجب شعب باريس بهذا ~~الألماني الذي كان يكتب «آريات» وثنائيات (دويتو) غنائية أجمل ~~وأقوى عاطفة من الإيطاليين أنفسهم. وتعجب الباريسيون من مقدرته ~~على فهم أذواق الفرنسيين وإدماجها في أوبراته، بل إنه زاد في عدد ~~أوركسترا الأوبرا، واستحدث وسائل إخراج مسرحية جديدة لتقوية ~~التأثير الدرامي. # وقد وفد إلى باريس موسيقي ~~آخر أقام بها، وأصبح معبودا لها، هو مؤلف الأوبريت الرومانتيكية، ~~جاك أوفنباخ # Jacques Offenbach ~~(1819-1880م)، وقد أخذ أوفنباخ على عاتقه مهمة إصلاح الأوبرا كوميك ~~الفرنسية ( # Opera-comique ~~) التي ~~أعلن أنها قد فقدت روح المرح الأصلية فيها، وسحرها القديم، حين ~~حاولت أن تقلد «الجراند أوبرا» الناجحة، فأعاد إلى الأوبريت ~~طبيعتها المرحة، واختصر مدتها، وبسط نصها المكتوب، وزاد ~~حوادثها نشاطا. وقد اعترض أوفنباخ على إفراط أوبرات مايربير في ~~تصنعها العاطفي ومجافاتها للواقع، كما انتقد بنفس القوة الدراما ~~الموسيقية عند فاجنر. وقد ألف أوفنباخ أوبريتات على موضوعات ~~كلاسيكية قلبها هزلا وسخرية، وتهكم في أوروباتاته على الحياة ~~السياسية والاجتماعية في عصره. ومع ذلك فقد امتدحه الفيلسوف ~~نيتشه، فوصفه بأنه كلاسيكي في عصر رومانتيكي، ومؤلف ألحان ~~ساحرة توائم النص الكلامي. # وكان جاسبارو سبونتيني # Gasparo Spontini ~~(1774-1851م) ~~وجاك فرانسو آليفي # Jacques Francois ~~Halévy ~~(1799-1862م) ومايربير يؤلفون أوبراتهم ~~حول شخصية بطولية على طريقة الإيطاليين. أما شارل فوانسو جونو # Charles F. Gounod ~~(1818-1893م) ~~وجورج بيزيه # Georges Bizet ~~(1838-1875م) فقد استعاضا عن الموضوع البطولي بموضوع أكثر ~~إنسانية، وكانا أكثر اهتماما بالنص من الإيطاليين. وتمتاز أوبرات ~~جول ماسنيه # Jules Massenet ~~(1842-1912م) وجوستاف شاربنتييه # Gustave ms192 ~~Charpentier ~~(1860م) # 27 # بعذوبة ألحانها، حتى حينما كان شاربنتييه يصور ~~انفعالات إنسانية متعارضة، ولكن كلود أشيل ديبوسي # Claude Achille Debussy ~~(1862-1918م) جعل الموسيقى خاضعة للنص في أوبرا «بلياس ومليزاند Pelleas et Melisande ~~» وعاد إلى ~~مبدأ جلوك، مؤكدا أهمية الجانب الدرامي والشعري من ~~الأوبرا. # وفي إنجلترا، أثبت الموسيقي الأيرلندي السير آرثر سليفان # Arthur Sullivan ~~(1842-1900م) أنه ~~خليفة أوفنباخ بفضل ما كان يتميز به من روح الإصلاح الاجتماعي، ~~وبفضل أسلوبه الموسيقي في كتابة الأوبريت. وكانت أعماله تتضمن ~~سخرية سياسية واجتماعية، وتقليدا ساخرا للأوبرا الكبيرة ~~(الجراند أوبرا)، وقد تضمنت المؤلفات التي اشترك فيها سليفان ~~مع جلبرت # Gilbert # وصفا جريئا ~~للفوارق العسكرية والطبقية التي كانت سائدة في إنجلترا في القرن ~~التاسع عشر، وسخرية صريحة منها. وكان سليفان يستخدم أسلوب التحويل ~~السريع الذي ينتقل به من تصوير المشاعر الرومانتيكية الشديدة الحزن ~~إلى تصوير المرح. وكان يؤلف ألحانه عادة بأسلوب بسيط، ولكنه ~~عندما كان يرغب في الكتابة بطريقة أكثر جدية وفخامة، كان كفئا ~~لهذا العمل بدوره. # وفي الوقت الذي كان فيه جلبرت وسليفان ينتجان أوبرتات مرحة ~~لإنجلترا التي كان نبع الإبداع الفني فيها شحيحا، كان الفيلسوف ~~هربرت سبنسر # Herbert Spencer ~~(1820-1902م) يقف في صف العصر الرومانتيكي في بلاده، وذلك في رده ~~على آراء موطنه تشارلس بيرني # Charles ~~Burney ~~(1776-1814م)؛ ذلك لأن بيرني هذا، الذي كان ~~كاتبا مرموقا ومؤرخا موسيقيا محترما، قد أصدر على الموسيقى ~~أحكاما غريبة، منها أنها فن حسي له قيمة جمالية منحطة؛ لذلك ~~فإن سبنسر، في دفاعه عن قيمة الموسيقى، جعلها أعلى الفنون الجميلة ~~مرتبة في فلسفته التركيبية، ووصفها بأنها «الفن الذي يرفه عن ~~البشر أكثر من أي فن آخر». # وفي إيطاليا كان جواكينو أنطونيو روسيني # Gioacchino Antonio Rossini ~~(1792-1868م) وفينتشنزو بليني # Vincenzo ~~Bellini ~~(1801-1835م) وجايتانو دونتيتستي # Gaetano Donizetti ~~(1797-1848م) ~~يؤلفون الأوبرا وفي أذهانهم جمال اللحن والغناء الزخرفي المطول. ~~ومن المؤكد أن النصوص الكلامية لهذه الأوبرات كانت تكيف بحيث ~~يتسنى إخراج مشاهد درامية تتيح للمغنين الرئيسيين في ~~الأوبرا إظهار مواهبهم الصوتية. وقد اقتفى جوزيبي ms193 فردي # Giuseppe Verdi ~~(1813-1901م) أثر ~~هؤلاء المؤلفين الموسيقيين، لكنه تجاوز السابقين عليه في أوبراته ~~المتأخرة؛ فقد ابتدع أوبرات ذات طبيعة أعمق وطابع فني أكثر ~~تماسكا. والواقع أن فردي قد رفع الأوبرا الإيطالية إلى مستوى من ~~القيمة الجمالية يكذب رأي فاجنر القائل إن الأوبرا الإيطالية ~~ليست عرضا مسرحيا جيدا. # ولقد كرس فردي فنه وحياته ذاتها لتحقيق الوحدة الإيطالية، ~~فأدمج في أعماله الفنية أغنيات الشعب وروح الثورة. وكانت الأوبرا ~~هي وسيلته للاتصال بالشعب الإيطالي. وقد اتخذ من الصوت البشري؛ أي ~~من الأنغام «الذهبية» لصوت التينور، والمطولات الرنانة لصوت ~~السوبرانو، والأنغام الدافئة للكونترالتو، والضخامة العميقة لصوت ~~الباص، أدوات لتشجيع الروح القومية، والوصول إلى قلوب مستمعيه ~~الإيطاليين. ولم يكن للأوركسترا عنده من دور سوى تكملة الأصوات ~~البشرية، بينما كان اللحن هو المسيطر على كل شيء. ومع ذلك فقد كان ~~فردي أكثر اهتماما بنصوص أوبراته من السابقين عليه، وكان شكسبير ~~هو الشاعر الملهم له، وبيتهوفن رائده الموسيقي، وكان هو نفسه ~~تجسيدا للأغنية الرومانتيكية ذاتها. # وعند نهاية القرن التاسع عشر استهل بيترو ماسكاني Pietro Mascagni ~~(1863م) # 28 # وروجيرو ليونكافالو # Ruggiero ~~Leoncavallo ~~(1858-1919م) المدرسة الواقعية في ~~الأوبرا، وهي المدرسة التي صورت المأساة البشرية في قالب ~~موسيقي درامي. وعلى العكس من ذلك صبغ جاكومو بوتشيني # Giacomo Puccini ~~(1858-1924م) عنصر ~~المأساة بصبغة رومانتيكية، وقد أضفت موهبته اللحنية وحاسته ~~المسرحية الغريزية على أوبراته توازنا بين الغناء والنص، وبين ~~المغني والأوركسترا، وهي كلها أمور طالما تاق إليها فاجنر، ولم ~~يستطع بلوغها أبدا في دراماته الموسيقية الضخمة. # وفي عام 1860م نالت بوهيميا استقلالها # 29 # الذي طالما سعت إليه من النمسا، فعبر بدريتش ~~سميتانا # Bedrich Smetana ~~(1824-1884م) الثوري البوهيمي النشيط عن روحه القومية المتحمسة ~~بمجموعة من القصائد السمفونية التي تمجد وطنه. كذلك احتفظ ~~سميتانا في أوبراته، التي كانت أشهرها «العروس المبدولة # The Bartered Bride ~~» بعادات أمته ~~وموسيقاها. وكانت أهم قوالب الآلات عنده هي القصيدة السيمفوني، ~~الذي كان أستاذه ليست قد استخدمه بنجاح كبير والرباعية الوترية. ~~ولقد أبدع سميتانا مثل بيتهوفن، أعظم مؤلفاته الموسيقية ms194 في السنوات ~~التي اقترب فيها من الصمم، فكتب يقول: لست أريد أن أكتب رباعية ~~بأسلوب تقليدي، وإنما أود أن أصور حياتي بالموسيقى. وكانت ~~أعمق مؤلفاته هي تلك التي أبدعها بدافع القلق والندم، أو بدافع ~~السرور وحبه لبلاده. وقد عبر عن هذه المشاعر في موسيقى للآلات ~~كانت، كما يقول الرومانتيكيون، أبلغ من الكلمات. # وثاني الموسيقيين التشيكيين العظام هو أنطونين دفوراك # Antonin Dvorak ~~(1841-1904م) الذي ~~كتب موسيقى لم تكن معتمدة على نصوص شعرية، فكانت موسيقاه تؤلف ~~بوصفها غاية في ذاتها، بحيث يستخدم خياله الخصب في تطوير الألحان، ~~وفي وضع إيقاعات متوثبة، ومجموعات نغمية رنانة. ومعظم موسيقاه ~~ذات طابع مطلق لا يدعي أنه اعتراف شخصي كما هي الحال عند ~~سميتانا، وإنما هي موسيقى بالمعنى الرومانتيكي التقليدي تعد ~~غاية في ذاتها. # وفي الشمال كان يعيش جمهوري متحمس، هو إدفارد جريج # Edvard Grieg ~~(1843-1907م) الذي ~~جعل حياته مثالا لمعتقداته، وموسيقاه وسيلة للتغني بما يؤمن به. ~~ولقد كانت هارمونياته رقيقة، وألحانه بسيطة، وكانت الحساسية ~~الانفعالية للشمال متغلغلة في موسيقاه. وقد حفزه جمال الريف وصراعه ~~إلى ألحان غنائية ذات جمال تأملي أخاذ. # ولقد كانت الموسيقى الإيطالية والموسيقيون الإيطاليون يسيطرون ~~على روسيا في القرن الثامن عشر، أما في القرن التاسع عشر، فإن ~~الصقالبة لم يصبحوا قوميين في موسيقاهم فحسب، بل لقد ظهر فيهم ~~مجموعة من الموسيقيين الوطنيين الذين أكسبوا الموسيقى مقامات ~~وتجديدات إيقاعية لم تعرفها أوروبا من قبل. ولقد كانت الفلسفة ~~السلافية في الموسيقى مبنية على الواقعية الجمالية، وبهذا المعنى ~~يمكن أن تعد رد فعل على رومانتيكية الموسيقيين الألمان ~~والإيطاليين. وكان ميخائيل إيفانوفتش جلنكا # Michael ~~Ivanovich Glinka ~~(1804-1857م) أول موسيقي ~~وطني يتخلص من سيطرة التراث الإيطالي عندما أنتج الأوبرا الوطنية ~~«حياة للقيصر # A Life for the Czar ~~» # 30 ~~(1836م)، والأوبرا الأسطورية «روسلان ولودميلا # Russlan and Ludmilla ~~» (1842م). ~~وقد أعطت هاتان الأوبرتان القوة الدافعة الأولى للروح القومية في ~~الموسيقى الروسية. وكان الطابع الغنائي للأسلوب الصوتي الإيطالي لا ~~يزال ماثلا في موسيقاه، غير أن هارمونياته وألحانه روسية صرفة، ~~كما أن ms195 تلوينه الأوركسترالي ثري مشرق إلى أبعد حد. # وقد أصبح ألكسندر سرجيفتش دارجوميجسكي # A. S. ~~Dargomijsky ~~(1813-1869م) حامل لواء القومية ~~الروسية في الموسيقى من بعد جلنكا، وكانت أوبراته مكتوبة بأسلوب ~~خطابي أو بطريقة الأغنية الكلامية (البارلاندوا) التي تستخدم ~~فيها الأنغام الموسيقية لتعميق تعبير الكلمة الروسية؛ إذ لم تعد ~~روسيا بحاجة إلى الاعتماد على اللغات الأجنبية أو الموسيقى الغربية ~~في حياتها الفنية. وكانت جماعة «الخمسة» المشهورة، التي كانت تجتمع ~~في بيت دارجوميجسكي، ابتداء من عام 1859م، متشبعة بروح القومية ~~الفنية هذه، فعملت من أجل رفع شأن المدرسة الموسيقية الروسية. ~~وكانت هذه الجماعة تتألف من بالاكيريف # Balakirev # وكوي # Cui # وبورودين # Borodin # وموسورجسكي # Moussorgsky # وريمسكي كورساكوف # Rimsky Korsakoff ~~. وقد عملت هذه ~~الجماعة إلى جانب رعايتها للموسيقى الروسية الجديدة، على مقاومة ~~المؤثرات الألمانية التي جلبها أنطون روبنشتين # Anton Rubinstein ~~(1829-1894م) إلى ~~روسيا عندما كون جمعيته الموسيقية ومعهده الموسيقي الذي أحضر ~~له أساتذة من الألمان. وكانت الموسيقى الألمانية عندئذ تعني ~~الموسيقى الفاجنرية، مهما حاولت هذه الجماعة القومية أن توصد ~~أبوابها في وجه المؤثرات الفاجنرية الضارة، فإن موسيقاها لم ~~تستطع أن تتخلص تماما من تأثير فاجنر. # على أن الروس الخمسة كانوا يختلفون مع فاجنر في دور الأوركسترا ~~وعلاقة الكلمة بالنص، فكانوا يرون مع جلنكا ودارجوميجسكي، أن ~~للكلمة الأسبقية على الموسيقى، فإذا أراد الروسي أن يعرف ما يدور ~~في الأوبرا، فعليه أن يعرف ما يقال فيها. ولما كان هذا الروسي ~~أميا من الوجهة الموسيقية، فقد كان من الضروري تأكيد وسيلة ~~الاتصال التي يشترك فيها الروس جميعا، وهي اللغة ذاتها. وإذن ~~فمهمة الأوركسترا هي تعميق الكلمة. # وكان القيصر ألكسندر الثاني (1818-1881م) قد حرر العبيد الروس، ~~ومنح الفنون كلها نوعا من الحرية النسبية، فأصبح التعبير عامة ~~أكثر تحررا، وبدأ الشاعر والموسيقي في الكتابة والغناء تمجيدا ~~لوطنهم، لا لبلاد أخرى بعيدة عنه. وقد عمل ميلي ألكسيفتش ~~بالاكيريف (1837-1910) وهو من تلاميذ جلنكا، والموسيقي المحترف ~~الوحيد من الخمسة، عمل بجد في سبيل إنشاء مدرسة موسيقية روسية ~~إلى أن انطوى على نفسه في ms196 عزلة دينية صوفية. كذلك فإن سيزار ~~أنطونوفتش كوي (1835-1918م) قد شجع الثورة الفنية، بوصفه عضوا ~~في الخمسة، من خلال الموسيقى والأدب، ولم يكن يطيق صبرا على تلك ~~الشخصيات الموسيقية أو الأدبية التي تقدس التقاليد الموروثة في ~~الفن تقديسا مبالغا فيه. أما ألكسندر بورفيريفتش بورودين ~~(1834-1887م) فإن شهرته تقوم على تلك الأوبرا التي عرضت بعد ~~وفاته، وهي «الأمير إيجور Prince ~~Igor ~~»، ولقد كان «مودست موسورجسكي» (1839-1881م) ~~أكثر الموسيقيين الخمسة أصالة، وأقواهم أثرا - بعد جلنكا - في ~~خلق مدرسة روسية للموسيقى القومية. وقد كانت إيقاعاته الجريئة، ~~وهارمونياته المتغيرة، وتنافراته الحادة تصور العالم الروسي ~~المحيط به، أما أسلوبه فكان شخصيا، وكان يعني بالنسبة إليه ~~وسيلة منظمة لتصوير طبيعة الشعب الروسي وحياته بطريقة واقعية، ~~وعندما كان يجد القوالب أو المقامات الموسيقية التقليدية تعجز عن ~~التعبير عما يراه ويحس به، فإنه كان يتخلى عن التقاليد الشائعة، ~~ويستعيض عنها بوسيلة للاتصال الموسيقي تتيح له التعبير المناسب. ~~وكان شعاره الفني هو أن الموسيقى وسيلة للاتصال لا غاية في ~~ذاتها. # وينبئنا نيكولاي أندريفتش ريمسكي-كورساكوف (1844-1908م) في ~~ترجمته الذاتية لحياته أن «الخمسة» كانوا ينظرون إلى أساطين ~~الموسيقى القدامى على أنهم سذج عفا عليهم الزمان «فقد كانوا ~~ينظرون إلى يوهان سباستيان باخ على أنه متحجر، بل على أنه مجرد ~~طبيعة موسيقية رياضية لا مشاعر فيها ولا حياة، يؤلف موسيقاه، ~~كآلة صماء.» ومع ذلك فقد وجد كورساكوف من الضروري، وهو في ~~الثلاثينيات من عمره، أن يبذل مزيدا من الجهد في دراسة فن ~~الأساطين القدماء، حتى يستطيع استخدام التأليف الموسيقي أداة أكثر ~~فعالية في التعبير عن مشاعره بمزيد من العمق. وقد أفضت به رغبته ~~الحارة في تحقيق ذاته بوصفه مؤلفا موسيقيا إلى أن يصبح أستاذا ~~في التوزيع الأوركسترالي والتلوين النغمي الذي يتميز بالفخامة ~~المثيرة الشائقة. بفضل تمكن كورساكوف من فن التأليف الموسيقي على ~~هذا النحو، أمكنه أن يصل بالآراء الجمالية لجماعة الخمسة إلى ~~اكتمالها التام، الذي كانت فيه مدرسة قومية موسيقية تتغلغل جذورها ~~في الألحان الشعبية للناس والأرض، وتتغنى بتمجيد بلادها والتطلع ~~إلى ms197 مستقبل أفضل لها. # ولقد كان بيتر إليتش تشايكوفسكي Peter Ilich ~~Tchaikovsky ~~(1840-1893م) شأنه شأن «الخمسة» ~~وطنيا متحمسا يتغنى بحب بلاده. وعلى الرغم من أنه كان يزدري ~~«الخمسة» لأنه كان تلميذا لروبنشتين، فقد شارك «الخمسة» تحديهم ~~للأقطاب القدماء، ولا سيما باخ؛ فباخ قد روض انفعالاته، أما ~~تشايكوفسكي فكان يعيش تحت رحمة هذه الانفعالات، وقد حول باخ ~~حياته المضطربة # 31 # إلى موسيقى منظمة، أما تشايكوفسكي فكان يطلق العنان ~~لمشاعره في موسيقى غنائية باكية، كما أن باخ قد تحكم في القوالب ~~التي طوت مشاعره في داخلها وقمعتها، أما تشايكوفسكي فلم يكن ~~دائما يرعى القوالب التقليدية عندما كانت مشاعره تبحث عن مخرج ~~للتعبير عنها. ومما له دلالته النفسية أن أخصب فتراته الخلاقة ~~كانت تلك التي اعتلت فيها صحته أو تمالكته فيها الكآبة والحزن. ~~ومن المؤكد أن تشايكوفسكي ينتمي إلى الموسيقيين الرومانتيكيين ~~المتأخرين، بفضل أسلوبه الغنائي الحزين، وإيقاعاته المندفعة، ~~والتلوين الأوركسترالي لموسيقاه. وخلاصة نظرته الجمالية إلى ~~الموسيقى هي أن يبث الموسيقي مشاعره، ويجعلها معبرة عن أحاسيسه ~~إلى حد يقرب من الإغراق المفرط في الانفعال. # وقد أصبح ألكسندر سكريابين # A. ~~Scriabin ~~(1872-1915م) عضوا في جماعة دينية ~~وفلسفية غامضة بدأت في روسيا بوصفها حركة تجديدية في مستهل هذا ~~القرن. وكان مثله الجمالي الأعلى هو توحيد الفنون في إطار ديني ~~يعبر فيه الجمال عن الحقيقة الأزلية. ولقد كشفت الموسيقى التي ~~ألفها في الجزء الأخير من حياته، عندما كان عضوا في هذه الجماعة ~~الغيبية، عن سعيه إلى التعبير عن أفكاره اللاهوتية الصوفية ~~هذه. # أما سرجي رخمانينوف # Sergei ~~Rachmaninoff ~~(1873-1943م)، فقد وفد إلى أمريكا ~~بعد الثورة الروسية. وقد كتب موسيقاه في قالب الكلاسيكيين، وسادتها ~~النزعة الذاتية الغنائية عند الرومانتيكيين. وعلى الرغم من أن ~~حياته اقتربت من أواسط القرن العشرين، فإنه لم يبد رغبة متحمسة ~~في الأخذ بالتجديدات الموسيقية أو المذاهب المالية الحديثة؛ إذ إن ~~ما أراد التعبير عنه لم يكن يتصف بالأصالة التي تكفي لحفزه إلى ~~التماس وسائل جديدة في التعبير. # وأخيرا، فإن الموسيقي الروسي، وكذلك الموسيقي في مختلف البلدان ms198 ~~التي تحدثنا عنها في هذا القسم، كان على وجه العموم يخلق موسيقاه ~~في جو من الحرية الفنية التي كان أسلافه خليقين بأن يحسدوه ~~عليها. وفي الوقت الذي ظل فيه الفلاسفة يعرفون طبيعة الموسيقى ~~ومعناها بمذاهبهم العقلية المنظمة، نجد الموسيقي في العصر ~~الرومانتيكي قد ظل سائرا في طريقه الحر الطليق يكتب من الموسيقى ~~ما يلائم حاجاته وأحواله النفسية. # الفصل الثامن # | الفلسفات الموسيقية في عصرنا الحاضر # القسم الأول: الأصداء الأفلاطونية في العالم الحديث # قال الفيلسوف ألفرد نورث هوايتهد # A. N. ~~Whitehead ~~(1861-1947م): إن تطور الفلسفة ~~الغربية كان إلى حد بعيد مسألة إضافة هوامش وحواش إلى ~~أفلاطون. وبالمثل كان التفكير الجمالي في الموسيقى في الحضارة ~~الغربية تنويعا على النغمة الأفلاطونية الأصلية، مع زخارف ~~أرسططالية؛ ذلك لأن الآراء الموسيقية التي أبداها أفلاطون في ~~محاورتي «الجمهورية» و«القوانين» قد ظلت على الدوام هي المعتقدات ~~الجمالية التي كانت الكنيسة والدولة تقدران على أساسها فلسفاتها ~~الموسيقية طوال العصور في العالم الغربي. ومن المؤكد أن هناك ~~تشابها قاطعا في المفاهيم الموسيقية بين الفلسفات القديمة ~~والوسيطة والحديثة للمذاهب الدينية ونظم الحكم السياسية المتسلطة، ~~وكذلك نظم الحكم الديمقراطية، ولكن إلى حد أقل؛ ففي الكنيسة ~~الكاثوليكية لا تزال فلسفة أفلاطون الجمالية في الموسيقى سائدة ~~حتى يومنا هذا، وخير شاهد على ذلك فتوى البابا بيوس العاشر عن ~~الموسيقى الدينية (1903م). # 1 # ففي هذه الوثيقة المشهورة، المتعلقة بالوظيفة الصحيحة للموسيقى ~~من حيث هي جزء مكمل للطقوس الدينية الرسمية لمذهب الكنيسة إلى أن ~~الوظيفة الرئيسية للموسيقى الدينية هي تجميل النص، وتأكيد الكلم ~~المقدس؛ فالمهمة الكبرى للموسيقى الدينية «هي أن تكسو النص ~~الشعائري الذي يراد للمؤمن أن يفهمه برداء لحني مناسب، وهدفها ~~الصحيح هو زيادة فعالية النص حتى يتسنى له أن يحرك في نفس ~~المؤمن مشاعر التقوى بمزيد من اليسر ...» # 2 # فمن الواجب أن تتصف الموسيقى الدينية «بالقداسة والطهر». وينبغي ~~أن تكون خصائصها ملائمة لشعائر الصلاة، وأن يستبعد منها كل ~~«دنس» سواء أكان ذا طابع لحني أم كان متعلقا بطريقة أدائها. كذلك ~~ينبغي أن تكون الموسيقى ms199 الدينية «سليمة القالب» إذا شاءت «أن ~~تمارس في أذهان مستمعيها تلك الفعالية التي تهدف الكنيسة إلى ~~بلوغها، بسماحها بفن الأصوات الموسيقية في مجال الشعائر الدينية.» # 3 # ومن الواجب أن تتصف الموسيقى الدينية ب «الشمول»؛ فعلى ~~حين أنه يصرح لكل أمة بأن تدخل موسيقاها القومية في الكنيسة، ~~فمن الواجب أن تخضع هذه الموسيقى للمقتضيات الأساسية للموسيقى ~~الدينية، المتعلقة بالشعائر الكاثوليكية، حتى يمكن أن تقبل موسيقى ~~البلد الواحد بوصفها موسيقى دينية في البلد الآخر. # وأضاف واضعو هذه الفتوى أن تلك الصفات الثلاث تتمثل على أكمل ~~نحو في الأناشيد الجريجوريانية التي ظلت تعد دائما أرفع ~~أنموذج للموسيقى الدينية «فكلما اقترب العمل الموسيقي المخصص ~~للكنيسة في حركته ووحيه ومذاقه من القالب الجريجوري ازداد بذلك ~~اقترابا من الصبغة الدينية والشعائرية، وكلما تنافر مع هذا ~~الأنموذج الأرفع، كان أقل جدارة بأن يؤدى في المعبد.» # 4 # وإذن فالكنيسة الكاثوليكية تريد أن تستخدم الأناشيد ~~الجريجورية، وهي النوع الوحيد من الأناشيد الذي ورثته من آباء ~~الكنيسة الأولين، مرة أخرى على نطاق واسع لممارسة الشعائر ~~الجماهيرية للعبادة. وتقول هذه الفتوى إن الدراسات الأخيرة أعادت ~~للأناشيد الجريجورية تكاملها ونقاءها الأصليين، # 5 # وإن من الواجب في الوقت الحالي بذل جهود خاصة لتشجيع ~~استخدام الناس لهذه الأناشيد التقليدية «حتى يقوم المؤمن مرة أخرى ~~بدور إيجابي في المهام الكنسية، كما كانت الحال في العهود القديمة.» # 6 # وتذكر هذه الوثيقة أن البوليفونية الكلاسيكية، ولا سيما في ~~مدرسة روما التي بلغت أوج كمالها خلال القرن السادس عشر في ~~مؤلفات بالسترينا، تتصف بكل الخصائص الموسيقية التي توجد في ~~الإنشاد الديني؛ ف «البوليفونية الكلاسيكية تتفق اتفاقا رائعا مع ~~الأناشيد الجريجورية ... ومن هنا تبين أنها تستحق مكانا إلى جانب ~~هذه الأناشيد، في أداء المهام الرسمية للكنيسة ...» # 7 # وعلى ذلك فمن الواجب استرجاع الموسيقى البوليفونية لكي ~~تؤدي مهام كنسية هي زيادة روعة الاحتفالات والطقوس ~~الدينية. # وتقرر الوثيقة أن كنيسة روما كانت تؤيد تقدم الفنون على ~~الدوام، وقد سمحت بإدخال الموسيقى الجديدة في شعائر العبادة «مع ~~إبداء الاحترام اللازم للقوانين الشعائرية»، ms200 كذلك ترحب الكنيسة ~~بالموسيقى الحديثة في شعائرها إذا كانت تتماشى مع حاجات العبادة، ~~وتفي بمقتضيات الشعائر «ومع ذلك فلما كانت الموسيقى الحديثة قد ~~ظهرت لكي تخدم أساسا أغراضا غير دينية، فمن الواجب مراعاة ~~الحرص الشديد إزاءها، حتى لا تنطوي المؤلفات الموسيقية ذات ~~الأسلوب الحديث، التي يسمح بها في الكنيسة، على أي عنصر ديني، ~~وحتى تتحرر من آثار العناصر التي اتبعت في المسرح ولا تتشكل ~~حتى في صورها الخارجية بأسلوب المؤلفات العلمانية.» # 8 # وتحظر الوثيقة تماما أي غناء باللغة القومية عند أداء المهام ~~الشعائرية. كما تؤكد الكنيسة ضرورة غناء النص الشعائري بالطريقة ~~التي تحددها السلطات الكنسية «دون تغيير للكلمات أو قلب لها، ~~ودون تكليف لا داعي له، ودون تجزيء للمقاطع، وإنما يجب أن يكون ~~الإنشاد دائما مفهوما للمصلين السامعين.» # 9 # وينبغي ألا تكون السيادة للغناء المنفرد إلى الحد الذي يؤدي ~~إلى فقدان الجزء الأكبر من الترتيل الشعائري لطابع الغناء الجماعي. ~~وللمنشدين في الكنيسة وظيفة شعائرية، ولما لم يكن في وسع النساء ~~الاضطلاع بهذه الوظيفة، فلا يمكن السماح لهن بالاشتراك في المجموعة ~~الغنائية، ولا ينبغي أن يسمح إلا لذوي التقوى والخلق الفاضل من ~~الرجال بالاشتراك في هذه المجموعة. وحتى لا تؤدي رؤية المصلين ~~لأفراد المجموعة إلى صرف أنظارهم عن الطقوس التي تؤدى بالمذبح، ~~فمن الواجب إخفاء المجموعة الغنائية عن أنظار جمهور ~~المصلين. # ثم تنتقل الوثيقة على الكلام عن استخدام الآلات في الكنيسة، ~~فتقول: «على الرغم من أن الموسيقى اللائقة بالكنيسة هي الموسيقى ~~الغنائية الخالصة، فإن الموسيقى المصحوبة بالأرغن مصرح بها ~~أيضا. ويجوز أيضا السماح، في بعض الحالات الخاصة، وفي الحدود ~~اللائقة، ومع اتخاذ الاحتياطات اللازمة، ببعض الآلات الأخرى، على ~~ألا يكون ذلك إلا بإذن خاص من راعي الكنيسة ... ولما كان من ~~الواجب أن تكون للغناء المكانة الرئيسية دائما، فإن على الأرغن أو ~~أية آلة أخرى أن تقتصر على دعم الغناء، ولا يجوز أبدا أن تطغى ~~عليه. ولا يصرح بمقدمات موسيقية طويلة تسبق الترتيل، أو بفواصل ~~موسيقية قاطعة. ومن الواجب أن يكون صوت ms201 الأرغن، بوصفه آلة ~~مصاحبة للغناء في المقدمات، وفي الفواصل الموسيقية وما شابهها، ~~خاضعا لخصائص هذه الآلة، بل إنه يجب أن يتصف بكل الصفات الخاصة ~~بالموسيقى الدينية، كما أوضحت من قبل. ويحظر استخدام البيانو في ~~الكنيسة، كما يحظر استخدام الآلات التي تحدث ضجيجا أو تبعث في ~~النفوس شعورا بالاستخفاف كالطبول والصنوج # Cymbals # والأجراس وما شابها، ولا ~~يسمح على الإطلاق للفرق النحاسية بالعزف في الكنيسة، وإن كان من ~~الممكن في حالات خاصة بإذن من راعي الكنيسة، السماح بآلات نحاسية ~~محدودة العدد، وتستخدم استخداما لائقا، وتكون متناسبة مع حجم ~~المكان، بشرط أن تكون القطعة المؤلفة، والموسيقى المصاحبة، ~~مكتوبة بأسلوب جاد ملائم، وأن تكون متفقة في كل النواحي مع ~~الأسلوب الخاص بالأرغن. أما في المواكب التي تسير خارج الكنيسة ~~فيجوز أن يصرح راعي الكنيسة لفرقة نحاسية بالعزف، على شرط ألا ~~تعزف مقطوعات غير دينية.» # 10 # وتصرح الوثيقة على نحو قاطع بأن من الخطأ الفادح أن تخضع ~~الشعائر للاعتبارات الموسيقية في أداء المهام الكنسية؛ إذ إن ~~الموسيقى ليست إلا تابعة متواضعة للشعائر الدينية. كما تنصح ~~الوثيقة الأساقفة بأن يؤلفوا في أسقفياتهم لجنة مكونة من ~~أشخاص لهم دراية واسعة بالموسيقى الدينية، يقومون بالإشراف على ~~هذه الموسيقى في كنائسهم «ولا يقتصر عملهم على التأكيد من أن ~~الموسيقى صالحة في ذاتها، وإنما ينبغي أن يتأكدوا من أنها ~~متناسبة مع قدرات المغنين، وأنها ستؤدى دائما بطريقة سليمة.» # 11 # وتطالب هذه الوثيقة المشهورة الخاصة بالموسيقى الدينية، ببذل ~~الجهود في سبيل نشر معرفة الأناشيد الجريجورية عن طريق مدارس ~~الإكليروس وبواسطة المؤسسات الكنسية، كما تطالب بإنشاء مدرسة ~~للغناء الديني # Shola Cantorum # بين ~~القساوسة لتعليم البوليفونية الدينية والموسيقى الشعائرية. ومن ~~الواجب تعليم طلاب اللاهوت مبادئ الموسيقى الدينية وقوانينها، ~~وتعريفهم بالنواحي الجمالية للفن الكاثوليكي الديني. # وينبغي إعادة المدارس الغنائية القديمة لتعليم الأطفال والكبار ~~الموسيقى الدينية، كما ينبغي بذل الجهود لإعانة وتشجيع المدارس ~~العليا للموسيقى الدينية؛ إذ إن «مما له أهمية قصوى أن تقوم ~~الكنيسة ذاتها بالاتفاق على تعليم المشرفين على مجموعاتها ~~الغنائية، وعازفي الأرغن ms202 والمغنين فيها، وفقا للمبادئ الصحيحة ~~للفن الديني.» # 12 # وقد أكد البابا الحالي بيوس الثاني عشر # 13 # في وثيقته البابوية الرسول الإلهي # Mediator Dei ~~(1947م) أكد من ~~جديد الآراء الموسيقية للبابا بيوس العاشر، مع الدعوة إلى نوع من ~~الموسيقى الدينية يكون تقيا حافلا بالمعاني حتى يجمع الناس ~~سويا ويقربهم من الرب. ولم يسمح البابا بيوس الثاني عشر إلا ~~ببضع إضافات على الطقوس الدينية، كترتيل الأناشيد الحديثة، وعزف ~~الموسيقى المعاصرة، ولكنه يحث على مراعاة الحذر في اختيار ~~الموسيقى الجديدة واستخدامها في الشعائر الدينية، ولكي يضمن ~~البابا بيوس الثاني عشر أن الموسيقى الحديثة التي تدخل الكنيسة ~~تتمشى مع الأهداف الروحية للعقيدة الكاثوليكية، فإنه يؤكد ~~ضرورة توقيع السلطات الكنسية جزاءات على أي انحراف عن الأساليب ~~الموسيقية التقليدية. # القسم الثاني: الموسيقى والكنيسة والدولة # 14 # أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، في ~~فبراير عام 1948م، قرارا تحتج فيه على بعض الموسيقيين السوفييت ~~الذين كانت أعمالهم الفنية تنحرف عن التعاليم الجمالية للفلسفة ~~السوفييتية وأيديولوجيتها. وقد صدر هذا القرار في صورة تنديد ~~بأوبرا «الصداقة العظيمة # Friendship ~~Great ~~» (الموسيقى من وضع نوراديلي # V. Nuradeli # والنص من وضع مديفاني # Mdivani ~~)، وهي الأوبرا التي عرضت ~~بمسرح البولشوي في الاتحاد السوفييتي أثناء الاحتفال بمرور ثلاثين ~~عاما على ثورة أكتوبر. # 15 # وقد بدأ النقد بالتنديد بهذه الأوبرا على أساس أنها ~~غير سليمة في موسيقاها وموضوعها، وأنها على وجه الإجمال عمل غير ~~فني. غير أن بضعة الأسطر التالية لم تترك مجالا للشك في أن اللجنة ~~المركزية قد اغتنمت فرصة الحكم على هذه الأوبرا الخاصة لكي ~~توجه حديثها إلى كل الموسيقيين والنقاد السوفييت. # على أن العقيدة الحالية التي وضعها السوفييت ليست بالجديدة، ~~وإنما هي فلسفة في الفن كانت تظهر في أعقاب عدد من الثورات ~~الدينية والاجتماعية في تاريخ العالم الغربي؛ فلو تتبعنا هذه ~~التعاليم الجمالية إلى أصلها، لوجدنا أن هذه النظريات ذاتها إنما ~~هي جزء من أنموذج متكرر يعود بنا إلى الوراء من الشيوعية الحديثة ~~إلى عهد الإصلاح الديني الأوروبي، إلى الكنيسة في ms203 العصور الوسطى، ~~وأخيرا إلى أفلاطون ذاته. # وأهم عنصر في فلسفة أفلاطون في الموسيقى - وهو أيضا من النقاط ~~الرئيسية التي كانت تدعو إليها الكنيسة والدولة - هو أن الموسيقى، ~~بوصفها مبحثا تعليميا ثقافيا، ينبغي أن تستغل لتحقيق روح ~~أخلاقية سليمة. ولقد كان أفلاطون ينظر إلى الموسيقى على أنها أرفع ~~من الفنون الأخرى. وعلى أساس أن للإيقاع واللحن تأثيرا أقوى في ~~أعماق النفس البشرية، وفي حياة الإنسان الانفعالية. وقد انتهى ~~أفلاطون من ذلك إلى أن تعود الإنسان الاستماع إلى الأساليب ~~الموسيقية الصحيحة يساعده دون وعي منه على تنمية العادات السليمة ~~التي تتيح له تمييز الخير من الشر. # وقد أعرب أفلاطون في محاورة «الجمهورية» عن اعتقاده بأن ~~المقامين الأيوني والليدي ينبغي أن يستبعدا من الدولة؛ لأن لهما ~~طابعا مخنثا ناعما رخوا. أما المقامان الدوري والفريجي، ~~اللذان يتسمان بالروح العسكرية، فمن الواجب استبقاؤهما. # 16 # وبعد أن ربط أفلاطون بين تعاليمه الموسيقية وبين ~~المبادئ الأخلاقية برباط وثيق، طبق هذه التعاليم بطريقة عملية ~~صارمة، لكي يحمل بشدة على الشعراء المغنين الذين كانوا ينشرون ~~نوعا بدائيا من البوليفونية كان يلقى رواجا في أيامه، فوصف هذه ~~البوليفونية بأنها نشاز لا ينجم عنه إلا اضطراب الذهن، ودعا ~~الشاعر اليوناني إلى تأليف أنشودته الموسيقية على نحو من شأنه أن ~~يتيح غناءها «نغمة نغمة»، لا عن طريق «أنغام معقدة متنوعة» كما ~~يحدث «عندما تصدر الأوتار صوتا، ويغني الشاعر أو مؤلف اللحن ~~صوتا آخر». ويوجه أفلاطون تحذيره قائلا: «إن التوافقات ~~والهارمونيات التي تجمع بين مسافات أكبر وأقل، وبين أنغام بطيئة ~~وسريعة، أو عالية ومنخفضة» وكذلك التنويعات المعقدة عندما ~~تكيف تبعا لأنغام الليرا # Lyre ~~، ~~تؤدي قطعا إلى إثارة صعوبات «إذ إن المبادئ المتعارضة تولد الاضطراب.» # 17 # والنتيجة التي يتوصل إليها من ذلك هي أن التنوع ~~والتعقد في الإيقاع واللحن أمر ينبغي تجنبه؛ إذ إنه خليق بأن ~~يبعث كآبة وحيرة ذهنية قد تبتعد بالناس عن النظام الطبيعي ~~للأشياء إلى عالم الخيال واللامعقول. # وهناك مفكر آخر قريب العهد بنا، هو تولستوي (1828-1910م) ~~الذي نادى بمذهب أخلاقي ms204 في الفن، يرتكز على إدانة المجتمع وفنونه ~~من جهة النظر الاجتماعية والدينية. وقد أدرجت روسيا السوفييتية ~~ضمن تعاليمها الموسيقية كثيرا من آرائه الأفلاطونية، حتى إن ~~الكثير مما كان مجرد نظرية جمالية في كتابات تولستوي، قد أصبح ~~واقعا سياسيا في نقطة الاعتراض الأولى التي ذكرت فيها اللجنة ~~المركزية أن الأوبرا «مضطربة غير متوافقة، تتألف كلها من تنافرات ~~ومن مجموعات صوتية تمجها الأذن»، كذلك تذكرنا اللجنة ~~المركزية بأفلاطون إلى حد بعيد عندما تواصل كلامها في نفس هذا ~~الاتجاه، فتقول: «فيما بين السطور والمناظر الفردية التي تتخذ ~~ظاهريا شكل ألحان تنفذ على حين غرة أصوات متنافرة غريبة تماما ~~عن الأذن البشرية، تبعث في نفس السامع إحساسا بالضيق.» # 18 # ولا شك أن التشابه في وجهة النظر بين هذه الفقرة وبين ~~الفقرات التي اقتبست من قبل ملفت للأنظار بحق. # وهناك وجه شبه آخر يشد على وجود أصداء أفلاطونية في الموسيقى ~~السوفييتية؛ فقد كان أفلاطون يرى أن الشعر الغنائي والنغم لا ~~ينفصلان، ولكنه أكد أن القيمة الأخلاقية للنص بإخضاع القالب ~~الموسيقي للشعر. وقد عارض بشدة أولئك الموسيقيين الثوريين الذين ~~ظهروا في أيامه، والذين حاولوا بالفعل تأليف موسيقى بلا كلمات؛ إذ ~~إنه «عندما لا تكون هناك كلمات، يكون من العسير إلى أبعد حد ~~إدراك معنى الانسجام والإيقاع، أو معرفة ما إذا كانا يحاكيان أي ~~موضوع ذي قيمة.» # 19 # وبالمثل كتب كالفان بلهجة تذكرنا إلى حد بعيد بالفقرة ~~المشهورة في «اعترافات» القديس أوغسطين، فقال: إن «من الضروري ~~مراعاة الحذر الشديد، حتى لا يكون انتباه الأذن إلى تحولات ~~الأنغام أقوى من انتباه الذهن إلى المعنى الروحي للكلمات.» # والواقع أن هذا البحث في موضوع النص والموسيقى كان يتخذ من آن ~~لآخر صبغة مشكلة جمالية، ومن هنا فليس من المستغرب أن يهتم به ~~السوفييت في ضوء حاجاتهم المباشرة؛ فقد جاء في بيان اللجنة ~~المركزية: «إن الاتجاه الشكلي في الموسيقى السوفييتية أدى إلى ظهور ~~ميل متحيز إلى القوالب المعقدة لموسيقى الآلات، والسيمفونيات، ~~والموسيقى بغير نص كلامي، بين المؤلفين الموسيقيين السوفييت ... ~~وهذا كله ms205 يؤدي حتما إلى ضياع أسس الثقافة الغنائية، والتمكن من ~~فن الدراما، وإلى أن ينسى المؤلفون الموسيقيون كيف يكتبون للشعب.» # 20 # أما الموضوع الثالث لبحثنا فهو مسألة التجديد في الموسيقى؛ فقد ~~شن أفلاطون حملة شديدة العنف على التجديد الفني. وعلى أساس اعتقاد ~~أفلاطون بأن التغير الفني يؤدي بعض الوقت إلى الفوضى في الدولة، ~~كتب في «الجمهورية» يقول: إن أي تجديد فني ينذر بأشد الأخطار ~~على الدولة، وينبغي حظره. ويقول: إن تغير أساليب الموسيقى يؤدي ~~إلى تغير مصاحب لها في قوانين الدولة ذاتها. # 21 # ولم تكن الاعتبارات الجمالية هي التي دفعت القديس أوغسطين إلى ~~إيثار مزامير داود البسيطة على الموسيقى ذات الانزلاقات الكروماتية ~~التي كانت قد بدأت تجد طريقها إلى شعائر الكنيسة في أيامه، وإنما ~~كان يخشى أن يؤدي إدخال الموسيقى الجديدة البعيدة عن حاجات ~~الكنيسة إلى إلحاق أشد الأضرار بمصالح الكنيسة، وتهديد استقرار ~~الشعائر الكنسية باستحداث تغيرات مستمرة مضطربة. # كذلك أراد كالفان أن تكون موسيقاه الدينية بسيطة معبرة عن ~~تواضع النفس. وكانت حجته في ذلك هي أن الإصلاح الديني ما هو إلا ~~إنكار للتبهرج والطقوس المعقدة التي تتميز بها الكنيسة ~~الكاثوليكية. وإذن فمن الواجب حماية الموسيقى البروتستانتية من ~~إنتاج أولئك المغرورين الذين لا يؤلفون الموسيقى لتمجيد الرب، ~~وإنما لكسب الشهرة لأنفسهم فحسب؛ فالموسيقى جزء لا يتجزأ من ~~العقيدة الجديدة، ولا يمكن أن تظل بمعزل عنها. وليس لمؤلف ~~الموسيقى الشعائرية الحق في تبديد طاقته في أي نوع من الإبداع ~~الموسيقي، فيما عدا ذلك الذي يضمن تحقيق البروتستانتية ~~وتقدمها. # وقد سار السوفييت في ذلك الطريق أبعد من ذلك؛ إذ رأوا أن ~~التغيير الفني لغرض التجديد وحده إنما هو تبديد لا طائل تحته. ~~إنما الواجب أن يكون ذلك التغيير موجها نحو غاية اجتماعية ~~بناءة؛ فاللجنة المركزية تقول: «إن الكثير من الموسيقيين ~~السوفييت، في سعيهم وراء التجديد الذي أساءوا فهمه، قد فقدوا في ~~موسيقاهم الصلة بحاجات الشعب السوفييتي وذوقه الفني، وأغلقوا على ~~أنفسهم الأبواب إلا من فئة محددة من المتخصصين ومحترفي التذوق ~~الموسيقي، وقللوا من ms206 أهمية الدور الاجتماعي الأساسي للموسيقى، ~~وضيقوا معناها، فقصروه على إرضاء الأمزجة المنحرفة لأصحاب ~~النزعات الفردية في الفن ...» «وقد بلغت الأمور حدا كبيرا من ~~السوء في ميدان تأليف السيمفونيات والأوبرات. وحين نقول ذلك، فنحن ~~إنما نتحدث عن أولئك المؤلفين الموسيقيين الذين يقتصرون على ~~الاتجاه الشكلي المضاد للروح الشعبية. ويتبدى هذا الاتجاه بأجلى ~~مظاهره في أعمال مؤلفين موسيقيين كالرفاق ديمتري شوستا كوفتش ~~وسرجي بروكوفيف، وآرام خاتشاتوريان، وف. شيبالين، وج. بوبوف، ون. ~~مياسكوفسكي وغيرهم ... مثل هذه الموسيقى تتميز بإنكار المبادئ ~~الأساسية للموسيقى الكلاسيكية، والدعوة إلى اللامقامية والنشاز ~~والتنافر الهارموني، وكأن هذه هي علامات «التقدم» و«التجديد» في ~~نمو القوالب الموسيقية، كما تتميز برفض مبادئ أساسية في ~~التأليف الموسيقي كاللحن # melody ~~، ~~والميل إلى التجمعات الصوتية المضطربة المريضة، التي تحيل ~~الموسيقى إلى تخليط في الأصوات، وإلى تكديس فوضوي لها.» # 22 # والخلاصة إذن أن أفلاطون كان قد ذهب إلى أن المقامات والأنغام ~~الموسيقية المضبوطة بدقة، والتي تؤثر في الانفعالات تأثيرا ~~فعالا نظرا إلى بساطتها المباشرة هي وحدها المفيدة. ولو استمع ~~الإنسان إلى النوع الصحيح من الموسيقى لساعده ذلك على أن يبعث ~~التوافق الإيقاعي بين نفسه المتناهية وبين اللامتناهي. أما التخليط ~~الصاخب فيجعل النفس تصطدم بالنظام المثالي للأشياء، فمن الواجب إذن ~~أن يطرد من المجتمع أولئك الشعراء المغنون الذين يؤلفون ~~موسيقى تتعارض مع النظام الطبيعي؛ إذ إنهم محطمون للنفس، ونذر ~~سوء بانهيار المجتمع. # وقد اتخذت هذه الآراء الفلسفية دلالة دينية في أعمال أولئك ~~الموسيقيين الدينيين الأوائل الذين تشبعوا بروح الرهبة، ~~فدفعتهم إلى تأليف موسيقى لتمجيد الرب والكنيسة، وأخذ هؤلاء على ~~عاتقهم أن يطرحوا مشاعرهم الشخصية وميولهم الموسيقية جانبا لكي ~~يلبوا حاجات الكنيسة. # وكان لوثر، شأنه شأن السابقين عليه، يعتقد أن من الضروري ~~الالتجاء إلى كل وسيلة ممكنة لتعبئة القوى الانفعالية والنفسية ~~للإنسان. وقد وضع لوثر، بوصفه هو ذاته مؤلفا موسيقيا، وكذلك ~~بوصفه زعيما لحركة الإصلاح الديني، مذهبا جماليا في الموسيقى، ~~كان بطبيعة الحال أوغسطينيا في ملامحه العامة، ولكنه كان ~~واقعيا إلى حد أنه جعل من الفن مجرد أداة ms207 لخدمة الدين، ولكي ~~يعمل لوثر على تحقيق هذا الهدف، أحل اللغة الألمانية محل اللاتينية ~~التي كانت مستخدمة في الشعائر الكاثوليكية، واستعاض عن الأناشيد ~~الجريجورية المعقدة بموسيقى أبسط وأقل غرورا، كانت أقرب إلى ~~الأغاني الشعبية الألمانية. # 23 # أما كالفان فنظر إلى آراء لوثر على أنها متحررة أكثر مما ينبغي، ~~وكما سبق لأوغسطين أن حذر المسيحيين الأوائل طالبا إليهم أن ~~يصموا آذانهم عن الألحان الوثنية المنبعثة عن المسرح الروماني، ~~فكذلك حاول كالفان أن يحتفظ بنقاء البروتستانتية بمحو أية آثار ~~باقية احتفظ بها لوثر من الموسيقى الكاثوليكية الشديدة التنوع ~~والتعقيد. على أنه قد اتفق مع لوثر على أن شعائر الصلاة ينبغي أن ~~تكون مفهومة للجميع؛ ولذلك كانت الشعائر عنده تقام باللغات ~~المحلية. # وبعد حوالي ثلاثمائة عام ~~من ذلك التاريخ، حاول تولستوي في روسيا القيصرية أن يحقق ~~إصلاحات اجتماعية ودينية مبنية على المبادئ المسيحية؛ ففي كتابه ~~«ما الفن؟» نجد فقرة تجمع داخلها الآراء الجمالية الموسيقية ~~لأفلاطون وأوغسطين ولوثر وكالفان. وكما كانت هذه الفقرة تلخيصا ~~للآراء الجمالية ذات الطابع الأخلاقي عند السابقين عليه، فقد كانت ~~أيضا تنبؤا بالآراء الجمالية الموسيقية السائدة في روسيا اليوم. ~~في هذه الفقرة يقول تولستوي: «وإذن ففي المستقبل سيكون مختلفا كل ~~الاختلاف، في شكله وموضوعه، عما يسمى الآن بالفن؛ فالموضوع ~~الوحيد لفن المستقبل سيكون مشاعر تدعو الناس إلى التآلف، أو مشاعر ~~من النوع الذي كان يؤلف بينهم بالفعل. وأما أشكال الفن أو ~~قوالبه، فسيكون من شأنها أن تكون في متناول يد الجميع. وعلى ذلك ~~فإن معيار الامتياز في المستقبل لن يكون ضيق نطاق المشاعر ~~واقتصارها على البعض وحده، بل سيكون على عكس ذلك، عمومية هذه ~~المشاعر وشمولها. ولن يكون هذا المعيار هو ثقل القالب وغموضه ~~وتعقده، كما يظن الآن، وإنما سيكون إيجاز التعبير ووضوحه ~~وبساطته. وعندما يصل الفن إلى هذه المرحلة، فعندئذ فقط لن يعود ~~عاملا على تلهية الإنسان أو الحط من شأنه، كما هو الآن ...» وفي ~~موضع آخر يضيف تولتسوي قوله: «إن ألحان المؤلفين المحدثين ~~خاوية تافهة إلى حد يبعث ms208 على الدهشة، ولكي يعمل الموسيقيون ~~المحدثون على زيادة التأثر الذي تتركه هذه الألحان الخاوية، تراهم ~~يكدسون تحولات سليمة معقدة على كل لحن تافه، لا على النحو ~~المعروف في بلادهم فحسب، بل أيضا بالطريقة المميزة لدائرتهم ~~المقفلة ومدرستهم الموسيقية الخاصة. إن اللحن (الميلودي) - كل لحن ~~- حر، ويمكن أن يفهمه الناس جميعا، ولكنه ما إن يرتبط بتوافق ~~هارموني خاص، حتى يغدو فهمه مقصورا على الناس المدربين على ~~مثل هذا التوافق، ويصبح غريبا، لا على الناس العاديين من قومية ~~أخرى فحسب، بل أيضا على كل من لا ينتمي إلى الدائرة الخاصة التي ~~عود أفرادها أنفسهم على أنواع معينة من التنظيم الهارموني. ~~وعلى هذا النحو تدور الموسيقى كالشعر، في حلقة مفرغة؛ فالألحان ~~التافهة التي تقتصر على دائرة ضيقة تثقل بتعقيدات هارمونية ~~وإيقاعية وأوركسترالية لكي تزداد جاذبيتها، ولكن هذا لا يزيد ~~نطاقها إلا ضيقا، وبدلا من أن تصبح مفهومة للجميع على نطاق ~~العالم بأسره تعجز عن أن تكون مفهومة حتى على المستوى القومي ~~ذاته؛ أي لا يفهمها الشعب كله، بل بعض الناس فحسب.» # 24 # وتتفق اللجنة المركزية مع تولستوي في هذه المبادئ الجمالية ~~اتفاقا تاما؛ فهي بدورها تؤكد أن الموسيقى ينبغي أن تكون ~~واقعية لا مجردة أو منعزلة عن الشعب وعن حاجات الحياة ~~السوفييتية. وتقول اللجنة المركزية: إن هذه الوظيفة للموسيقى قد ~~ضاعت؛ لأن المؤلف الموسيقي لأوبرا «الصداقة العظيمة» لم يستغل ~~كنز الألحان والأغاني والأنغام الشعبية، وكذلك الألحان الشعبية ~~الراقصة، التي يزخر بها الفن الخلاق لشعوب الاتحاد السوفييتي. ~~غير أن محور الحجة التي تستند إليها اللجنة المركزية هي أن ~~«ابتعاد بعض الموسيقيين السوفييت عن الشعب قد وصل إلى حد ~~انتشرت فيه بينهم «نظرية» فاسدة مؤداها أن عجز الشعب عن فهم ~~موسيقى كثير من المؤلفين السوفييت المعاصرين يرجع إلى أن الشعب، ~~على ما يقولون، لم «ينضج» بعد إلى الحد الذي يتيح له فهم موسيقاهم ~~المعقدة، وأنه سيفهمها بعد مائة عام، وأنه لا داعي للقلق أو ~~الانزعاج إن كانت بعض المؤلفات الموسيقية لا تجد لها مستمعين.» ~~وتواصل ms209 اللجنة المركزية كلامها فتقول: «وهذه النظرية الفردية ~~البحتة التي هي معادية في صميمها للروح الشعبية قد مكنت بعض ~~المؤلفين والباحثين الموسيقيين من أن يزيدوا أنفسهم عزلة عن ~~الشعب وعن نقد المجتمع السوفييتي، وأن يحبسوا أنفسهم بين جدران قواقعهم.» # 25 # وبعد عام من نشر جريدة «إزفستيا» لقرارات اللجنة المركزية، ألقى ~~ديمتري شوستاكوفتس # Dimitri ~~Shostakovich ~~(المولود سنة 1906م) خطابا في ~~نيويورك دل على تأثير هذه القرارات، فقارن بين الفلسفات ~~الموسيقية للمؤلفين الغربيين وبين الواقعية الفنية التي تتصف بها ~~موسيقاه وموسيقى بروكوفييف، واتهم سترافنسكي، بوصفه ممثلا ~~للموسيقيين الغربيين، بالشكلية المنحلة التي لا تؤدي إلا إلى تدهور الموسيقى. # 26 # فقد أشار شوستاكوفتش أولا إلى أن سترافنسكي كان موسيقيا ~~ينتظر له مستقبل باهر، حتى انشق على تراث المدرسة الروسية ~~القومية، وانضم إلى معسكر «الموسيقيين الرجعيين من أنصار ~~الاتجاهات التجديدية» ثم اتهم سترافنسكي بأنه يتجاهل الحاجات ~~الموسيقية للجماهير، وأشار إلى تصريحات سترافنسكي التي يقول فيها: ~~«إن الجمهور بالنسبة إلى الفن، هو لفظ كمي لم آخذه أبدا، ولو ~~مرة واحدة، بعين الاعتبار.» كما يقول فيها: «إن الجماهير العريضة ~~لا تضيف إلى الفن شيئا، ولا يمكنها أن ترفع مستواه، والموسيقي ~~الذي يهدف عن وعي إلى اجتذاب الجماهير لا يمكنه أن يحقق هذا الهدف ~~إلا بخفض مستواه. إنني أهتم بروح كل فرد يستمع إلى موسيقاي، لا ~~بالشعور الجماهيري للجماعة.» ثم تساءل شوستاكوفتش: كيف يتسنى لمثل ~~هذه النزعة الذاتية أن تساعد على النهوض بحياة الشعب؟ كيف يمكن ~~لهذه الموسيقى المنحلة أن تخدم فكرة سياسية؟ ثم يواصل كلامه ~~قائلا: إن سترافنسكي يرد على هذه الأسئلة ردا بليغا، وذلك في ~~تصريحات بسيطة يقول فيها: «إن موسيقاي لا تعبر عن أي شيء واقعي.» ~~ويقول: «إن موسيقاي لا تحكي شيئا.» ولكن شوستاكوفتش يحذر ~~مستمعيه قائلا: إن في هذا الإعلان الذي يؤكد انعدام المعنى ~~والمضمون في الموسيقى، تتمثل الفلسفة الانحلالية المميزة لموسيقى ~~سترافنسكي، والتي تسود التفكير الجمالي الموسيقي في البلاد ~~الرأسمالية. # ثم ينتقل شوستاكوفتش إلى إيضاح ما يعنيه السوفييت بالواقعية في ~~الموسيقى، فيميز بين النزعة ms210 الطبيعية والنزعة الواقعية؛ ~~فالمحاكاة الطبيعية في الموسيقى هي محاكاة بيتهوفن لصوت الطائر في ~~«السيمفونية الريفية» ومحاكاة شتراوس لأصوات الخراف في «دون ~~كيخوته». ويلاحظ شوست كوفتش أن هذا النوع من المحاكاة الموسيقية قد ~~ظهر في أكثر صوره تطرفا عند أولئك الموسيقيين الذين يقلدون ~~صفير القطارات وضجيج الآلات الصناعية. والواقع أن الموسيقيين الذين ~~يؤمنون بفلسفة الفن للفن إنما يخلطون بين معنى المحاكاة الطبيعية ~~ومعنى الواقعية في الموسيقى. ولقد تعلم الموسيقيون ذوو النزعة ~~الشكلية كيف يصورون كل أنواع الأصوات في الموسيقى، ولكن ~~شوستاكوفتش يشكو من أنهم نسوا كيف يعبرون عن انفعالات البشر ~~ومشاعرهم وتجاربهم ويصورنها بدقة. ونظرا إلى انعزال الموسيقيين ~~من أصحاب النزعة الشكلية عن حياة الجماهير، فإنهم نسوا فن وصف ~~مشاعر الناس وتجاربهم. أما الواقعية في الموسيقى فتعني «التعميم من ~~تجربة الحياة الكبرى، وفي الوقت ذاته إفراد ما له أعظم الأهمية في ~~عملية الحياة؛ فالأمر هنا إنما يتعلق بالفنان من حيث هو عنصر ~~تقدمي في المجتمع البشري، ومرب ومعلم، يعيد في أعماله تأكيد ~~القيم الأخلاقية والجمالية. والمسألة هنا هي أن من الضروري ~~للموسيقى ألا تعود وسيلة للترويح، وألعوبة في أيدي المتحذلقين ~~والمحترفين والمتخصصين الفنيين، وأن تصبح مرة أخرى قوة اجتماعية ~~كبرى تخدم البشرية في كفاحها من أجل التقدم وانتصار ~~العقل.» # ويضرب شوستاكوفتش أمثلة للمبدأ الواقعي السوفييتي في الموسيقى ~~بأعمال مثل كنتاتة (غنائية) بروكوفييف (1891-1953م)، ألكسندر ~~نيفسكي # Alexander Nevsky # وكنتاتة ~~«زدرافتسا # Zdravitsa ~~»، وأوبرا ~~«الحرب والسلام». وهو يعلل نجاحه الخاص من حيث هو مؤلف ~~موسيقي سوفييتي بأنه كان في الماضي يوثق روابطه بالشعب الروسي عن ~~طريق موسيقاه «فقد كنت أسعى إلى الاهتداء إلى لغة يمكن أن يفهم ~~معناها. وعلى العكس من ذلك فإني في أعمالي التي انحرفت فيها عن ~~الموضوعات اللحنية الكبيرة والصور المعاصرة - ولا سيما تلك الأعمال ~~التي ألفتها في سنوات ما بعد الحرب - فقدت اتصالي بالشعب، ~~وأخفقت. ولم تكن أعمالي هذه تلقى استجابة إلا من دائرة ضيقة من ~~الموسيقيين المحترفين، غير أنها لم تلق ترحيبا من الجماهير ~~الضخمة للمستمعين.» # القسم الثالث: الموسيقى ms211 بوصفها تعبيرا # كتب الفيلسوف جون ستيوارت ~~مل (1806-1873م) يقول: «لشد ما كانت تؤرقني فكرة إمكان استنفاد ~~التجمعات الموسيقية؛ ذلك لأن الأوكتاف لا يتألف إلا من خمسة ~~أصوات ونصفي صوت، وهي أصوات لا يمكن أن تجمع ... إلا بعدد محدود ~~من الطرق التي ليس فيها ما هو جميل سوى نسبة بسيطة منها. وقد بدا ~~لي أن معظم هذه التجمعات الجميلة لا بد أن تكون قد كشفت من ~~قبل، بحيث لا يعود هناك مجال لظهور مجموعة طويلة متعاقبة من ~~الموسيقيين أمثال موتسارت وفيبر، الذين يمكنهم أن يكتشفوا لنا ~~كنوزا جديدة رائعة من الجمال الموسيقي، كما فعل هذان بالفعل.» # 27 # ولقد كانت مخاوف مل راجعة إلى إمكان استنفاد النظام ~~الهارموني المقفل؛ إذ إنه كان ينظر إلى مفهوم الجمال في الموسيقى ~~من خلال القيم التقليدية، غير أن موسيقيي النصف الثاني من القرن ~~التاسع عشر كانوا بالفعل قد بدءوا يتجاوزون النظرة إلى الجمال في ~~الموسيقى، من خلال ذلك العدد المحدود من الطرق التي تجمع بها ~~الأصوات الكاملة الخمسة ونصفا الصوت في الأوكتاف. # فقد استخدم فاجنر عن وعي التنافر الهارموني لزيادة جمال ~~التعبير؛ ذلك لأنه كان يرى أن الجمال في الموسيقى هو التعبير، وأن ~~التوافق أو التنافر ما هما إلا طرفان لهما فعالية انفعالية، ولا ~~يمكن التمييز بينهما إلا على نحو أكاديمي بحت. وقد قبل ديبوسي ~~الوجه من أوجه تفكير فاجنر الجمالي؛ إذ إنه بدوره كان يستهدف زيادة ~~ثراء عالم الخيال عن طريق الموسيقى، فوسع نطاق العلاقات ~~الهارمونية، واستخدم التنافر دون تمهيد أو حل له، وأدخل أنغاما ~~غريبة عن التآلف الأصلي (الكورد # Chord ~~). وقد طعم ديبوسي موسيقاه ~~بتلوين شرقي وبالمقامات القديمة، وكان يتنقل بين السلالم بحرية ~~تامة دون اهتمام بنوعها. والأمر الذي كان يهمه هو بعث حالة ~~نفسية معينة؛ ولذلك استخدم كل درجات السلم، وجميع التآلفات ~~الهارمونية التي تنتمي إلى الديوانين الكبير والصغير، ووزعها ~~لكي يبعث التأثير الذي يود أن يحدثه فيما بين الرومانتيكي ~~الألماني فاجنر والتأثيري الفرنسي ديبوسي، حدثت ثورة كاملة في ~~الطابع الجمالي والأسلوب الفني ms212 للموسيقى. والواقع أن الأساس ~~الجمالي للموسيقى الحديثة في القرن العشرين إنما يرجع إلى العبقرية ~~الخلاقة لهذين المؤلفين الموسيقيين اللذين أثبتا عدم وجود ~~مبرر لمخاوف الفيلسوف من أن تكون الموسيقى نظاما مقفلا له ~~إمكانيات محدودة في إنتاج أنغام جميلة. وسوف نبين في العرض ~~الذي سنقدمه لموسيقانا الحالية، الطريقة التي عبر بها ~~الموسيقيون الخلاقون في مختلف البلاد عن أنفسهم. # كان إريك ساتي # Eric Satie ~~(1866-1925م) هو الأب الروحي لجماعة «الستة # Les ~~Six ~~» في باريس بعد الحرب العالمية الأولى، وكان ~~نطاق أفكاره الموسيقي يمتد من الهزل المتعمد إلى الفلسفة ~~التأملية. وقد اختار مقتطفات من محاورات أفلاطون ولحنها في أكثر ~~أعماله طموحا، وهو الدراما السيمفونية «سقراط»، وقد أصبح ساتي ~~المعبود المختار للطليعة الموسيقية وللوجوديين في الفلسفة؛ إذ إن ~~هؤلاء جميعا قد نسبوا إليه فضل الوصول بالاتجاه المضاد لفاجنر في ~~الموسيقى الفرنسية إلى القمة، واستخدام هارمونيات جريئة قبل ~~ديبوسي ورافل # Ravel ~~(1875-1937م). # إن كل عصر في الموسيقى يلتمس لنفسه معبودا يتخذه مصدرا ~~للإلهام؛ فالرومانتيكيون قد جعلوا من بيتهوفن معبودهم الملهم، ~~أما الموسيقي الألماني ماكس ريجر # Max ~~Reger ~~(1873-1916م)، فتحول إلى باخ؛ لكي يستلهمه ~~روح البوليفونية من جديد؛ فقد اعتقد ريجر أنه وجد في باخ مثلا ~~رائعا للتجرد الكلاسيكي الذي يصلح ترياقا يعوض تأثير ~~الانفعالات المتدفقة عند الرومانتيكيين، وكان ما يهتم به ريجر هو ~~القيم التكنيكية للنغم والقالب، فدفعته حماسته للتجرد الخالص إلى ~~إساءة فهم معبوده باخ بتأكيد الرمز الموسيقي بدلا من الانفعال ~~الذي يمثله الرمز. # ولكن ريشارد شتراوس # Richard ~~Strauss ~~(1864-1949م) لم يكن يشارك مواطنه ريجر ~~فلسفته الجمالية المتجردة الخالصة، ولقد كان يشترك مع ريجر في ~~تمكنه التام من التكنيك الموسيقي، ولكنه - على خلاف ريجر - كان ~~يستخدم هذا التكنيك في استطلاع إمكانيات الآلات الموسيقية والقالب ~~الموسيقي، حتى يستطيع نقل مشاعره وأفكاره بطريقة وصفية شديدة ~~الفعالية. وتتميز موسيقاه بالتوفيق بين عناصر مختلفة، وبالواقعية ~~التصويرية. وهي تحلق أحيانا في قمم لحنية تبدو المؤلفات ~~الرومانتيكية الجديدة لفاجنر معتدلة بالنسبة إليها. ولقد كان ~~شتراوس يشترك مع فاجنر ومالر في ms213 العجز عن الإيجاز؛ فهو مطيل ~~كثير الكلام. # أما فيروتشيو بووزني # Ferruccio ~~Busoni ~~(1866-1924م) وهو موسيقي وعازف على البيانو ~~وباحث نظري إيطالي ألماني، فقد احتج مثل ريجر على رومانتيكية ~~القرن التاسع عشر، وطالب بالعودة إلى الوضوح والمنطق المنظم ~~اللذين كانت تتسم بهما كلاسيكية القرن الثامن عشر في الموسيقى. ~~وعلى حين أن ريجر أصبح تلميذا لباخ، واعترف بذلك، فإن بوزوني ~~تحول إلى موتسارت الذي نظر إليه على أنه صاحب أعظم أسلوب في ~~الموسيقى. وأدت عودة ريجر وبوزوني إلى النزعة الشكلية للمذهب ~~الكلاسيكي، وانصرافهما عن الرومانتيكية الانفعالية، إلى ظهور مذهب ~~موسيقي جمالي في القرن العشرين بلغ قمته في النزعة الكلاسيكية ~~الجديدة عند «هندميت # Hindemith ~~» ~~وسترافنسكي. # ولقد كان كتاب بوزوني «الخطوط العامة لمذهب جمالي جديد في ~~الموسيقى # Sketch on a New Esthetic of ~~Music ~~» (1907م) كان هذا الكتاب دفاعا عن القوالب ~~الخاصة والأسلوب الواضح الذي كان مولعا به، في صورة فقرات ~~وجمل منفصلة؛ ففي هذا الكتاب أعلن معارضته للاعتقاد القديم بأن ~~الموسيقى محاكية للطبيعة، وسخر من الفكرة الرومانتيكية القائلة ~~إن الموسيقى محاكاة للحياة، وإنما الموسيقى بالنسبة إليه طريقة ~~ذات أسلوب منظم للتعبير عن الأحوال النفسية والانفعالات. ولقد ~~كانت آراء فاجنر الجمالية بعيدة عن الصواب في رأيه، كما كانت في ~~رأي هانسليك. وقد سخر في أوبرا «أرليكنو # Arlecchino ~~» التي وضع هو ذاته ~~موسيقاها من الرومانتيكيين، وذلك في صورة تهكم على المجتمع ~~والأخلاق والحرب والفلسفة والدين، وقبل ذلك كله، على فساد طريقة ~~الرومانتيكيين في استخدام قالب الأوبرا. # وانتهى بوزوني من ذلك إلى أن موسيقى الرومانتيكيين وصفية إلى ~~حد مفرط، وأكد أن موسيقاهم تنطوي على عناصر غريبة عن الروح ~~الحقيقية للموسيقى (وخص بالذكر مؤلفات ريشارد شتراوس، الذي كان ~~في قصائده السيمفونية يستخدم الموسيقى لأغراض الوصف الواقعي، كوصف ~~صوت طاحونة الهواء وهي تدور، وأصوات الخراف). أما هو فرأى أن ~~الموسيقى ينبغي أن تظل نغما وقالبا خالصين؛ فليست مهمة الموسيقى ~~هي إثارة الانفعالات، وإنما هي تكوين تجمعات نغمية مرتبة ~~عقليا، وقوالب مبنية على أسلوب منظم. # وكان بوزوني ينظر إلى ms214 الرومانتيكية على أنها مذهب جمالي في ~~الموسيقى يرفع من شأن الانفعالات ويكتم صوت العقل. وقد اتفق هيجل ~~على أن الكلاسيكية هي انتصار الشكل (أو القالب) على الموضوع، ~~والعقل على الانفعال. كما وافق على ملاحظة «جيته» القائلة إن كل ما ~~هو صحي كلاسيكي، وكل ما هو مريض رومانتيكي. وقد وجدت آراؤه ~~تعبيرا موسعا عنها في كتابات أوزفالد شبنجلر # Oswald Spengler ~~(1880-1936م) الذي ~~ذهب إلى أن الموسيقى ذات البرنامج إنما هي مفهوم رومانتيكي ينتمي ~~في الواقع إلى فن الرسم لا إلى الموسيقى. ومن هنا كتب شبنجلر يقول: ~~«إن كل فن رومانتيكي إنما هو أغنية الموت ~~( # Swan-Song ~~)، وهو التعبير الأخير ~~عن مدنية، وما هو إلا ألوان الخريف الزاهية التي تسبق سقوط ~~الأوراق، أو الكتابة على الحائط # 28 # التي تنذر بالدمار، أو المذنب المشتعل # 29 # الذي ينذر بقرب الفوضى والانحلال.» # ولم يكن بوزوني يشارك شبنجلر تشاؤمه التاريخي، وإنما كان كتابه ~~في علم الجمال شهادة إيمان بقرب حلول عهد جديد في الموسيقى. ~~وكان الهدف الذي يسعى إليه بوصفه موسيقيا وباحثا نظريا، هو ~~تطوير إمكانيات نظامنا النغمي، وتشجيع التجريب على آلات ~~جديدة. # أما الموسيقي الفنلندي جان سيبيليوس # Jan ~~Sibelius ~~(ولد في 1865م) # 30 # فقد وصفه معاصروه بأنه مؤلف موسيقي ذو أصول شعبية، ~~يستمد الوحي من الطبيعة، ويصورها بأسلوب رومانتيكي. وقد أعرب ~~سيبيليوس، بطريقته الخاصة، عن اعتقاده بأن المبادئ الجمالية للمذهب ~~الكلاسيكي هي طريق المستقبل. وكتب هارون كوبلاند # Aaron Copland # يقول عنه: «إن ~~سيبيليوس موسييى شعبي بطبيعته ... فلديه كلف دائم بالعودة إلى ~~أسلوب ريفي يستلهم فيه الوحي الشعبي، وإلى أن يكرر ذاته في ~~موضوعات لحنية وصيغ فنية، ويضعنا دائما في نفس الجو الانفعالي. ~~على أن هذه اتجاهات لا يمكن أن يتصف مؤلف موسيقي من الدرجة الأولى ~~بواحد منها.» # 31 # وفي مقابل ذلك كتب الناقد أولن داونز # Olin Downes # يقول: «الحقيقة أن ~~أعظم أقطاب الكلاسيكية الجديدة في الموسيقى الحالية هو سيبيليوس، ~~وليس سترافنسكي بمحاكاته الزائفة للأقطاب القدماء، ولا هندميت ~~بإحيائه الحديث للكنترابنط القديم والقوالب الخاصة في موسيقى الآلات.» ms215 # 32 # ويتمثل الاتجاه الكلاسيكي الجديد بوضوح في أعمال الموسيقي ~~الإنجليزي رالف فون وليامز # Ralph Vaughan ~~Williams ~~(ولد عام 1872م)، # 33 # وذلك في اهتمامه بالقالب واستخدامه للكنترابنط؛ فهو ~~يترجم المشاعر المثيرة للخيال والصور الشعرية إلى تجمعات نغمية ~~يقصد منها التعبير عن المشاعر الموسيقية ولا شيء غيرها، مهما بدا ~~وقعها على الأذن غريبا. على أن الأمل المشرق للموسيقى الإنجليزية ~~إنما هو في بنيامين بريتن # B. ~~Britten ~~(المولود في 1913م)؛ فهو بدوره يعرب عن ~~«ولاء أبدي لباخ»، وهو بدوره يساير باخ في رأيه القائل إن الصوت ~~البشري هو الآلة الموسيقية النهائية، وإن آلات الأوركسترا تكون ~~أفضل كلما كان صوتها أقرب إلى الصوت البشري. ولكن على الرغم من ~~إيثار بريتن للصوت البشري، فإن عظمته تظهر أيضا في موسيقاه ~~الأوركسترالية، وفيما ألفه من موسيقى الغرفة # Chamber music ~~. ولقد كانت أوبرا ~~«بيتر جرايمز Peter Grimes ~~» التي ~~وضع موسيقاها تحقيقا فعليا لأمل «فيبر» الجمالي في جعل الأوبرا ~~مزيجا من الشعر والغناء والتمثيل. وبذلك تحققت في أوبرات ~~بنجامين بريتن العودة إلى اندماج الفنون عند اليونانيين. # أما حالة الموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن خير وصف ~~لها هو ذلك الذي قدمه توماس جيفرسون - إذا جاز لنا أن نعود ~~مؤقتا إلى الوراء قرابة قرنين من الزمان - في خطاب بعث به إلى ~~صديق له كان يراسله في باريس، وفيه يقول: «إن كانت هناك نغمة ~~أحسد عليها أي شعب في العالم، فهي موسيقى شعبكم؛ ذلك لأن الموسيقى ~~هي الانفعال الأثير لدي. غير أن القدر شاء أن أعيش في بلد ~~تعاني الموسيقى فيه حالة من الهمجية تدعو إلى الرثاء ...» وحتى في ~~القرن الماضي، عندما كانت أوروبا تنعم بعصر الرومانتيكية العظيم ~~كتب رالف والدو إمرسون (1803-1882م) يقول عن الموسيقي الخلاق: ~~«لكم يبدو لي الفنانون الموسيقيون في المجتمع متحيزين ضيقي ~~الأفق، وكأنهم خصيان مشوهون ... إن السياسة والإفلاس والصقيع ~~والمجاعة والحرب، كل ذلك لا يهمهم، وإنما يجعلون شغلهم الشاغل ~~حك أوتار أو نفخ أبواق.» # ولقد كانت بداية أول مدرسة ~~أمريكية في الموسيقى مقترنة بظهور أعمال جورج ms216 تشادويك # George W. Chadwick ~~(1854-1931م)، ~~وتشارلس مارتن لوفلر # C. M. ~~Loeffler ~~(1861-1935م)، وإدوارد ألكسندر ماكدويل # E. A. Macdowell ~~(1861-1908م). وقد ~~ظهر تأثير الأوروبيين بوضوح في أفكارهم الموسيقية والقوالب التي ~~استخدموها، على الرغم من كل محاولاتهم تصوير الطبيعة الأمريكية ~~بلون محلي. وفي موسيقى تشارلس آيفز # C. ~~Ives ~~(1874-1954م) التي أعقبت الأعمال السابقة ~~تظهر أفكار أكثر أصالة وتعبيرات أشد جرأة. ومنذ ذلك العهد ~~بلغت أمريكا سن الرشد موسيقيا، وفتحت أبوابها لإيواء ~~الموسيقيين الذين فروا من الثورة الروسية ومن الاضطهاد النازي، ~~والذين أقاموا في الولايات المتحدة ليزيدوها ثراء بموسيقاهم، وذلك ~~بوصفهم مؤلفين ومعلمين موسيقيين في آن واحد. ومنذ بداية القرن ~~العشرين قل اعتماد أمريكا على الموسيقيين الأوروبيين الذين كانت ~~تتخذهم أنموذجا لها. واستطاع روي هاريس # Roy ~~Harris ~~(المولود في 1898م)، وروجر سيشنز # Roger Sessions ~~(1896م) وولتر ~~بيستن # Walter Piston ~~، وفرجيل ~~طومسون # Virgil Thomson ~~(1896م)، ~~وراندال طومبسون # Randall Thompson ~~، ~~وهارون كوبلاند # Aaron Copland ~~(1900م) بوصفهم مؤلفين موسيقيين ومعلمين ونقادا، أن ~~يستهلوا عهد إحياء موسيقي في هذا البلد، ازدادت قوته بفضل ~~تدفق الموسيقيين الأجانب وتقدم عصر العلوم. والواقع أن أمريكا ~~تدين لهؤلاء الرجال بالكثير، حتى رغم كونهم هم أنفسهم يدينون ~~بالفضل لأوروبا. ويمتاز هؤلاء بنضج في الأفكار يثري الفن الموسيقي ~~بأصالته ونضارته. وهم يبدعون موسيقاهم بطريقة مباشرة، وببساطة ~~كلاسيكية، وكأنهم يؤلفون أنشودة وطنية. # أما الجيل التالي من الموسيقيين فلا يسمح لأية أغلال موسيقية ~~بأن تقيد أفكاره ورغبته في التعبير؛ ذلك لأن مارك بلتسشتين # Marc Blitzstein ~~(المولود في ~~1905م) ووليام شومان # W. Sohuman ~~(1910م)، وصامويل باربر # Samuel ~~Barber ~~(1910م)، وبول باولز Paul ~~Bowles ~~(1911م)، ولينارد برنشتين # Leonard Bernstein # ينظرون إلى ~~النغم والقالب على أنهما وسيلة للاتصال وأنموذج له، ينبغي أن ~~يتغير وفقا لحاجات التعبير، وهم متمسكون بالرأي الجمالي القائل إن ~~الفنان إذا ما قال أشياء قديمة، فمن الواجب أن يقولها بطريقة ~~جديدة، أما إذا كانت لديه القدرة أن يقول شيئا جديدا، فإن من ~~واجبه ألا يقوله بقوالب الماضي، بل ينبغي أن يقوله بأية طريقة ~~يمكن أن ms217 يقال بها في الموسيقى. # أما تلك الصيحة التي يرددها كثير من النقاد والفلاسفة ~~المعاصرين من أن الموسيقى الحديثة متنافرة ومنحلة، فهي ليست ~~جديدة في تاريخ الفنون؛ فقد كان الانتقال من عصر موسيقي إلى آخر ~~يقترن دائما بالسخرية والاحتقار من جانب المحافظين والتقدميين ~~معا. ولقد سبق أن قال فولتير إن الأذن البشرية تحتاج إلى جيل ~~بأكمله؛ لكي تعتاد أسلوبا موسيقيا جديدا. وقد يكون في هذا ~~القول مبالغة، غير أنه في جملته صحيح. كذلك قيل إن تفضيل مؤلفينا ~~الموسيقيين المعاصرين للأسلوب الموضوعي اللاشخصي في الموسيقى يعني ~~أنهم يتجنبون أية شبهة للأحاسيس في فنهم. وهذا القول لا يقل ~~بطلانا عن اتهام الموسيقى المعاصرة بالانحلال؛ فالموسيقي المعاصر ~~يقول ما يريد أن يقوله بطريقته الخاصة، وهذه الطريقة التي يعبر ~~بها عن نفسه مختلفة عن الطرق التي كانت متبعة في الماضي. وليس ~~لنا أن نتوقع من الموسيقي الذي يعيش في أيامنا هذه أن يعبر عن ~~نفسه بقالب وأسلوب موسيقى عصر الباروك، مثلما ينبغي ألا نتوقع من ~~الشاعر المعاصر أن يكتب بلغة وأسلوب الشعراء في عصر ~~إليزابيث. # إن الموسيقي الحديث يخلق وفقا لمعيار عملي للقيم الموسيقية؛ ~~فهو يقول ما يريد، أو ما يتحتم عليه أن يقوله بأية طريقة يمكنه ~~بها أن يجعل موسيقاه فعالة. ولا شك أن الناقد الذي يستمع إلى هذه ~~الموسيقى للمرة الأولى، ويحاول تقويم هذا التعبير الجديد عن ~~المشاعر، ليس في موقف يحسد عليه؛ فعليه أن يتذكر أن كل جديد ~~ليس بالضرورة جيدا، وليس كل تغير تقدما، ولكن ينبغي أن يدرك ~~أيضا أنه إذا قدر الموسيقى الجديدة بمعايير قديمة، فقد يصبح في ~~العصر الحالي بمثابة الناقد «أرتوزي» # 34 # في عصره. # القسم الرابع: فلسفة جمالية جديدة للموسيقى # أدرك أرنولد شونبرج # Arnold ~~Schonberg ~~(1874-1951م) قرب مطلع هذا القرن أن ~~النظام الدياتوني، بديوانيه الكبير والصغير، قد أخذ يتحلل ويتفكك ~~طوال ما يربو على خمسة وسبعين عاما، وأن الفلسفة الجمالية ~~للموسيقى الغربية، المبنية على مبدأ المقامات التي يتألف منها ~~الديوانان، قد أخذت تنهار؛ ذلك لأن التلوين الكروماتي الذي ms218 حفلت ~~به موسيقى الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر قد عمل على هدم ~~النظام النغمي الذي كان يكون جزءا أساسيا من مفهوم التركيب ~~المنطقي الموسيقي في الغرب، وهو المفهوم المرتكز على النظام ~~الدياتوني؛ لذلك وضع شونبرج نظاما مؤلفا من اثنتي عشرة نغمة ~~(وهي مجموع النغمات وأنصافها في السلم) يحل محل النظام الدياتوني ~~المتداعي، عن طريق إيجاد مجموعة جديدة من العلاقات (هي الصف ~~النغمي # tone row ~~) يكون لكل نغمة من ~~الأنغام الاثنتي عشرة فيها مركز متساو، بدلا من المركز المميز ~~لنغمة الأساس (الأولى) والنغمة المسيطرة (الخامسة) في النظام ~~الدياتوني. والواقع أن هذا النظام لم يتخل عن مفهوم «المقامية # Tonality ~~» كما زعم نقاده، وكل ~~ما في الأمر أنه خلق نوعا جديدا منها. # ولقد كانت موسيقى شونبرج ومدرسته رد فعل على رومانتيكية القرن ~~التاسع عشر، وكان من رأي هذه المدرسة (المسماة بمدرسة فينا) ~~أن اللغة الهارمونية واللحنية للسلم الدياتوني كانت تلجأ على ~~نحو متزايد، كلما فقد تماسكها الموسيقي بالتدريج، إلى عناصر ~~غير موسيقية؛ ذلك لأن الموسيقى حين بدأت تفقد بالتدريج قدراتها ~~على تصوير فكرة موسيقية خالصة، نظرا إلى أن بناءها المنطقي كاد ~~أن تستنفد إمكانياته، أخذت تزداد اعتمادا على الأساليب الأدبية ~~والوصفية التي يعدها صاحب النظرة الخالصة أساليب غير موسيقية ~~في أساسها. وهكذا يرى شونبرج أن الفلسفة الجمالية للموسيقى في ~~القرن التاسع عشر أصبحت تحتم، أولا، ظهور أساس جديد لمفردات ~~اللغة الموسيقية (من حيث الهارمونية والإيقاع والمقام)، وتحتم ~~ثانيا فهما جديدا لمشكلات وضع منطق موسيقي سليم؛ ففلسفة شونبرج ~~الجمالية في الموسيقى ترتكز على الرأي القائل إن على الموسيقى أن ~~تسعى إلى هدف واحد يطغى على أية أهداف ثانوية يمكن أن تسعى ~~إليها، وهو وضع منطق موسيقي واضح يكون معناه مفهوما للمستمعين ~~بفضل جمال هذا المنطق ووضوحه، وإلى هذا الرأي ترجع جذور الموسيقى ~~المعاصرة في عمومها. # ولقد كتب شونبرج يقول: «لقد كانت الضرورة هي التي أملت طريقة ~~التأليف بالأنغام الاثنتي عشرة؛ فخلال المائة عام الأخيرة طرأ ~~تغير هائل على مفهوم الهارمونية بفضل تطور التلوين ms219 الكروماتي. ~~وكان أول التطورات هو تحول الفكرة القائلة إن نغمة واحدة أساسية، ~~هي الجذر، تتحكم في تركيب أعمدة التآلفات الهارمونية وتنظم ~~تعاقبها؛ أي مفهوم المقامية # tonality # إلى الفكرة القائلة ~~بالمقامية الممتدة # extended ~~tonality ~~، وسرعان ما أصبح من المشكوك فيه إن كان ~~هذا الجذر الهارموني قد ظل هو المركز الذي ينبغي أن يرد إليه كل ~~توافق (هارموني) وكل تعاقب توافقي. كذلك أصبح من المشكوك فيه ~~إن كان لنغمة الأساس، أو الجذر الهارموني حين يظهر في بداية ~~التأليف، أو في ختامه، أو في أي موضع آخر معنى إيجابي. والواقع ~~أن الهارمونية عند ريشارد فاجنر قد أحدثت تغيرا في منطق ~~الهارمونية وفي قوتها الإيجابية. ومن نتائج هذا التغير ما ~~يسمى بالاستخدام التأثري # impressionistic # للتوافقات، كما ~~كان يمارسه ديبوسي بوجه خاص؛ فكثيرا ما كانت هارمونياته، التي لا ~~يوجد لها معنى إيجابي، تخدم غرضا تصويريا هو التعبير عن ~~الأحوال النفسية والصور، وهكذا فإن الأحوال النفسية والصور، رغم ~~كونها خارجة عن المجال الموسيقي الخالص، قد أصبحت عناصر بناءة ~~مندمجة ضمن الوظائف الموسيقية. وأدت إلى نوع من الفهم (أو الوعي) ~~الانفعالي. وعلى هذا النحو أنزلت المقامية عن عرشها عمليا، إن ~~لم يكن نظريا. وربما لم يكن هذا وحده كافيا لإحداث تغير جذري ~~في أسلوب التأليف الموسيقي، ولكن هذا التغير أصبح ضروريا عندما ~~حدث في نفس الوقت تطور انتهى إلى ما أسميه تحرر التنافر ~~الهارموني؛ ذلك لأن الأذن أخذت تعتاد تدريجيا عددا كبيرا من ~~التنافرات الهارمونية، وبذلك تخلصت من الخوف من تأثيرها «الذي ~~يصدم الإحساس» ولم يعد المرء يتوقع إعدادا هارمونيا لتنافرات ~~فاجنر أو حلا هارمونيا لتآلفات شتراوس المتنافرة، ولم يعد ~~المرء يفزع من هارمونيات ديبوسي غير الوظيفية، أو من الكنترابنط ~~المتنافر لدى الموسيقيين المتأخرين. هذه الحالة أدت إلى استخدام ~~التنافر الهارموني على نحو أكثر تحررا مما كان الموسيقيون ~~الكلاسيكيون يستخدمون به تآلفات «السابعة الناقصة» التي كان يمكنها ~~أن تسبق أو تلحق أي تآلف هارموني آخر، سواء أكان متوافقا أم ~~متنافرا، وكأنه لا تنافر هناك على الإطلاق.» ~~«وإذن ms220 فما يميز التنافر من التوافق ليس ازدياد درجة الجمال أو ~~نقصها، وإنما ازدياد درجة القابلية للفهم أو نقصها.» # 35 # ولقد كان ألبان برج # Alban Berg ~~(1885-1935) أبرع موسيقيي فينا الذين اجتذبتهم أفكار شونبرج ~~الجمالية في الموسيقى. وأعظم أعماله هي الأوبرا «فوتسك # Wozzeck ~~» المبنية على رواية كادت ~~أن تنسى تماما لجورج بوخنر الذي مات منذ أكثر من مائة عام في ~~الرابعة والعشرين من عمره. وألبان برج هنا يعبر عن مرارة الشباب، ~~وعقم الحياة، ويأس الإنسان، بالغناء والأوركسترا، وذلك بانفعال ~~وروح درامية تقرب بين مأساة الحياة وبين جلال الفن. # ذلك لأنه يستخدم آراء شونبرج الجمالية في طبيعة المقامات ~~الموسيقية، والقوة الدرامية لفاجنر، وألحان مالر الآسرة، في تصوير ~~عقل فوتسك المشوش، الذي لا يجد مهربا من الحياة إلا في الموت. ~~ولا جدال في أن الموسيقى هنا جديدة وفعالة وذات تأثير درامي ~~عميق. ومع كل ذلك فمن الممكن أن ينظر إلى أوبرا «فوتسك»، في ~~التاريخ الموسيقي على أنها آخر الأوبرات الرومانتيكية في القرن ~~العشرين؛ ذلك لأن نصها الكلامي يتعلق بالمرضى والمخبولين ~~والموتى. وهي أوبرا غريبة، متشنجة، إن لم تكن مغرقة في الخيال، ~~تمثل الانحلال الرومانتيكي الذي جعل جوته يرفع صوته محذرا، ~~وشبنجلر يصدق عليه في ملاحظاته القائلة: إن الرومانتيكي يمثل كل ~~ما هو مريض ، وهو حشرجة الموت للحضارة الغربية. ولكن مهما قيل عما ~~تتضمنه أوبرا برج من سبر الأغوار الباطنة للذهن بطريقة نفسية ~~مريضة، فإن لموسيقى «فوتسك»، وكذلك أوبرا لولو # Lulu # التي لم تتم، دلالة جمالية ~~عميقة تتكشف لمن يستمع إليها بصبر وأناة؛ فقد كان قبل كل شيء ~~إنسانيا يستخدم مواهبه الفنية في تصوير الشر والقبح كما يتمثلان ~~في المجتمع. ولا شك أن اسم الرومانتيكية يحتاج إلى إيضاح لغوي حين ~~يطبق على موسيقاه؛ إذ إنه لم يقدم إلى سامعيه عن طريق موسيقاه ~~مهربا من الواقع، وإنما وضعهم أمام شهوة الإنسان وجشعه وجها ~~لوجه، وقال ما كان لديه من خلال تلك التجديدات النغمية التي خلقها ~~أستاذه شونبرج. وقد عبر عن مشاعره بتجميع المقامات المختلفة في ms221 ~~الأسطر اللحنية التي تؤدى في وقت واحد ~~( Polytonality ~~)، وبتجميع الإيقاعات ~~المختلفة بعضها مع بعض ~~( Polyrythms ~~)؛ ففي «فوتسك» و«لولو» ~~يضفي دلالة جمالية على النظام الاثني عشري. وقد أثبت برج، على ~~نحو أقوى مما أثبت شونبرج، أن الاحترام التقليدي للعلاقة بين نغمة ~~الأساس والنغمة المسيطرة يمكن أن يحل محله سلم تكون فيه لكل ~~نغمة أو صوت في السلم نفس الأهمية التي لكل نغمة أو صوت آخر، ~~وبذلك ساوى في الأهمية كل درجات السلم الموسيقي. كذلك لم ير ~~أي سبب يمنع المؤلف الموسيقي من أن يبدأ موسيقاه بأية نغمة ~~يريدها في السلم، وينتهي بأية نغمة يشاء. # والحق أن أولئك الذين نشئوا منا على موسيقى «الكلافير المعدل» # 36 # Well Tempered ~~Clavier ~~» والذين يفخرون بأنهم يستمعون في فاجنر ~~إلى ما كان أسلافنا يعجزون عن سماعه، هؤلاء يجدون موسيقى برج ~~جديدة تروع آذانهم، ويرونها ذات رنين نغمي، ونبرات إيقاعية ~~متواترة. ومن جهة أخرى، فإن الكثيرين منا قد تكيفوا موسيقيا ~~مع عصرنا مثلما تكيف أجدادنا مع عصرهم. وهكذا نظل نقدر موسيقى ~~برج كما نقدر موسيقى بيتهوفن. ونسمع من يشكو من أن تنافرات برج ~~الخشنة إن هي إلا تخليط بحت، وأن سطوره الغنائية لا يمكن غناؤها، ~~ولكنا لا ندرك مدى ضجر ربة الموسيقى كلما سمعت هذا الاتهام؛ ~~فبرج ليس أكثر تخليطا اليوم مما كان مونتيفردي في أيامه. والواقع ~~أنه يعود في الأوبرات «فوتسك» و«لولو» إلى النظريات الجمالية ~~الموسيقية التي دعا إليها مونتيفردي، وذلك إذ يؤكد الكلمة ~~المنطوقة في الأوبرا باستخدام فكرة الكلام المرتل التي حاول ~~شونبرج استخدامها في مؤلفه الغنائي «بييرو لونير Pierrot Lunaire ~~» وكان نجاحه في ~~هذا المؤلف أقل من نجاح تلميذه برج. # ويتفق إيجور سترافنسكي # Igor ~~Stravinsky ~~(المولود في 1882م) مع شونبرج على أن ~~السلم الدياتوني قد استنفد أغراضه. وقد أظهر في البدء اهتماما ~~بنظام شونبرج الاثني عشري، ولكنه بدلا من أن يستخدم نظاما ~~جديدا، كما فعل شونبرج باستخدام نظام اثني عشري صارم، قد نحا ~~نحو استعمال المقامات المتعددة تؤدى في وقت واحد لكي يحدث ~~أنواعا ms222 جديدة من التآلفات الهارمونية والتأثيرات الموسيقية. ويرى ~~سترافنسكي أن استخدام شونبرج للأنغام الاثنتي عشرة بطريقته ~~المفرطة في التنظيم لا يمكن على الإطلاق أن يكون حلا يؤدي إلى ~~بناء نظرية جمالية جديدة. وإنما يعتقد أن لكل قطعة موسيقية ~~خصائصها الفريدة في ذاتها، ولها منطقها الخاص الذي يجعلها مختلفة ~~عن كل القطع الأخرى. وهو يرى أيضا أن فاجنر قد طبق منطقا ~~موسيقيا موحدا على كل مؤلفاته الموسيقية، فلم يدرك ما عرفه ~~شوبنهور، وما أشار إليه سترافنسكي ذاته في المحاضرات التي ألقاها ~~بجامعة هارفارد من أن الموسيقى فن قائم بذاته، ينبغي ألا يتخلى ~~عن استقلاله في سبيل تحقيق المزج بين الفنون. # وقد قدم سترافنسكي في أوبرا «الملك أوديب # Oedipus Rex ~~» برهانا عمليا على ~~اعتقاده الجمالي بأن الكلمات ينبغي أن يكون لها قيمتها بوصفها ~~أصواتا فحسب، ويجب ألا تحول انتباهنا عن الموسيقى ذاتها؛ فهو ~~لا يهتم بالمعنى الذهني للنص، وإنما يود أن يشعر السامع بأصوات ~~الأسطر الغنائية وإيقاعاتها فحسب. وهذا بعينه ما فعله إرنست كرينيك # Ernst Krenek ~~(1900م) كما أن ~~شونبرج كان يرى أنه في «كل موسيقى تلحن شعرا، لا يكون لدقة ~~تصوير الحوادث تأثير في قيمتها الفنية تماما، كما أن دقة الشبه ~~بين الشخص وصورته الفنية أمر لا أهمية له.» # ولقد كان لإيجور سترافنسكي تأثير في جيلين من الموسيقيين يفوق ~~في قوته ومداه تأثير كل من فاجنر وديبوسي ؛ فقد كانت موسيقاه، ~~منذ بداية حياته الفنية تتسم بطابع غريب جذاب يرجع إلى تلك ~~الألحان التي كان يقتبسها بحرية من الأغاني الشعبية الروسية. كذلك ~~لم يكن يتردد في الاستعانة بموضوعات لحنية وضعها غيره من ~~المؤلفين الموسيقيين. والواقع أنه يمتاز بقدرة رائعة على إدماج ~~العناصر المقتبسة في مؤلفاته الخاصة، بحيث يصبغها تماما بطابعه ~~الشخصي الخاص. كما أن الطابع الدينامي لموسيقاه، وهو الطابع الذي ~~يرجع أساسا إلى إيقاعاته القوية، كثيرا ما يكون أصله راجعا إلى ~~موسيقى الجاز. وإنه ليبدو من المفارقات أن يقتبس مؤلف موسيقي من ~~غيره على هذا النطاق الواسع، ويظل مع ذلك بقدر كبير من ms223 الأصالة ~~وقوة التأثير. والتعليل المرجح لهذه المفارقة هو أن غيره من ~~الموسيقيين يبددون الجزء الأكبر من طاقاتهم في إخفاء ما ~~يقتبسونه، على حين أن سترافنسكي يصرف معظم طاقاته في التصرف ~~بموسيقى الآخرين على النحو الذي لم يمكنهم هم أنفسهم أن يتصرفوا ~~بها، من حيث التطوير الإيقاعي واللحن. # ولقد لقيت المؤلفات الأولى لسترافنسكي من الغضب والثورة ما لم ~~تلقه إلا مؤلفات قليلة في تاريخ الموسيقى؛ ذلك لأن تعدد ~~مقاماته، وتنافراته الجريئة وإيقاعاته البدائية، قد أذهلت سامعيه ~~وحيرتهم؛ فالتنافر عند سترافنسكي، كما كان عند فاجنر وديبوسي، لم ~~يعد قيمة هارمونية تستخدم معبرا بين عمود توافقي وآخر، أو ~~تيسر الانتقال من مقام إلى آخر، وإنما كان التنافر عند هؤلاء ~~الموسيقيين الثلاثة يعني استخدام أي عمود هارموني بأية طريقة ~~ممكنة للحصول على التأثير الموسيقى المطلوب. ولم يكن الإيقاع نبرا ~~صوتيا ثابتا، وإنما كان نبضا حيا لا يظل ثابتا أبدا، بل ~~تتغير سرعته على الدوام. ولم يكن سترافنسكي يفعل في بلاده، وبصورة ~~معدلة، إلا ما فعله كثير من الموسيقيين المبدعين في القرون ~~الماضية لكي يعبروا عن مشاعرهم بالموسيقى. غير أن الفلاسفة ~~والنقاد كعادتهم، لم يتبينوا ذلك على الفور. ولقد كتب الفيلسوف التوماوي # 37 # جاك ماريتان # Jacques ~~Maritain # يقول بعد عدة سنوات من التفكير: «إنني ~~آسف إذ تحدثت عن سترافنسكي على نحو ما تحدثت؛ فكل ما سمعته ~~كان «طقوس الربيع # Le Sacre de Printemps ~~» وكان ينبغي أن أدرك عندئذ أن ~~سترافنسكي إنما كان يدير ظهره لكل ما نجده مموجا عند فاجنر. ~~ولقد أثبت سترافنسكي منذ ذلك الحين أن العبقرية تحتفظ بقوتها ~~وتضاعفها بتجديدها في الضوء. والواقع أن مؤلفاته ذات التنظيم ~~الرائع، التي تزهو بما لديها من حقيقة، تعلمنا اليوم أعظم درس في ~~العظمة والطاقة الخلاقة، وهي أفضل رد على ذلك الجمود أو ~~التقشف الكلاسيكي الصارم الذي هو موضوع بحثنا؛ فنقاؤه وإخلاصه ~~وقوته الروحية الرائعة هي بالنسبة إلى المنظر الضخم الخداع ~~لبارسيفال أو «التترالوجيا» # 38 # بمثابة معجزة موسى بالنسبة إلى ألاعيب السحرة المصريين.» # 39 # ولقد كان بيلا ms224 بارتوك # Bela ~~Bartok ~~(81-1945م) مثل سترافنسكي، ينظر إلى كل ~~قطعة موسيقية على أنها عمل فريد له مفهومه الجمالي الواضح الخاص. ~~ولم يكن بارتوك يؤلف موسيقاه تبعا لأي نظام خاص به أو بغيره، ~~وإنما كان العنصران الضروريان في فلسفته الموسيقية هما تطوير ~~الفكرة الموسيقية، ومعالجة تطوير هذه الفكرة جماليا. غير أن ~~التكهن بما ينوي بارتوك عمله في تطوير الفكرة الموسيقية أو بنوع ~~المفهوم الحمام الذي قد يضعه لتجسيد الفكرة في سياق القطعة ~~الموسيقية، أو في معالجة القطعة بأكملها، هذا التكهن قد يكون عند ~~بارتوك أصعب منه حتى عند سترافنسكي ذاته. على أن هناك أمرا ~~مؤكدا هو أن لكل قطعة موسيقية أبدعها طابعا فريدا خاصا بها ~~وحدها، ولا يمكن أن تكون مجرد تكملة لاتجاه سابق، أو تنويعا ~~لفكرة رئيسية أو تحويرا لمفهوم جمالي وضعه من قبل في عمل ~~سابق. لقد كان من المحال أن يخلق على هذا النحو إلا موسيقي يتمتع ~~بفيض لا ينفد من الأفكار الناضجة، مثل بارتوك. والواقع أن وضوح كل ~~إنتاجه وتميزه يكشف عن عقلية موسيقية منظمة، تضفي على أفكاره ~~ومشاعره اتجاها محدد المعالم. # إن موسيقى بارتوك بناء منطقي رائع، وكل قطعة فيها تتميز في ~~ذاتها بالإبداع الفني. هذا أمر لا شك فيه، غير أن هذه الموسيقى، ~~إلى جانب مزاياها الفنية الكفيلة بأن تكسب صاحب النظرة الخالصة ~~متعة جمالية، تتضمن عنصرا يجتذب المشاعر بقوة. ولقد كان للوحدة ~~المنطقية والنهائية للعمل الفني، بالنسبة إلى بارتوك وسترافنسكي، ~~من الأهمية ما للتأثير الانفعالي بالنسبة إلى السامع. ومع ذلك فمن ~~الخطأ الاعتقاد بأن أيا منهما قد نسي لحظة واحدة تلك الحقيقة ~~الأساسية، وهي أن الموسيقى ذات جاذبية انفعالية قبل كل شيء؛ فقد ~~حاول بارتوك أن يؤثر انفعاليا في سامعيه بنفس الطريقة التي كان ~~هو ذاته يتأثر بها عند سماعه، مثلا، للموسيقى الشعبية المجرية ~~والرومانية، وموسيقى البلاد المجاورة. ولم يكن بارتوك يهتم ~~بالدلالات الاجتماعية التي كان الفيلسوف هيردر يجدها في تلك ~~الموسيقى الشعبية، أو يعبأ بارتباطاتها المباشرة من حيث المعنى، ~~وإنما كان ما يهمه ms225 في هذه الألحان الشعبية هو أنها تعبير ~~موسيقي. وقد حاول هو ذاته في موسيقاه أن يعبر عن فكرة موسيقية ~~متولدة عن الانفعال الذي ينادي انفعالا آخر، بطريقة واضحة ~~مباشرة كانت تتسم بروح كلاسيكية بالمعنى الصحيح. # ولقد كان بأول هندميت Paul ~~Hindemith ~~(المولود في 1895م) من أبرز الشخصيات في ~~حركة ألمانية تعرف باسم «موسيقى الاستعمال # gebrauchsmusik ~~» وذلك خلال السنين ~~الأولى من اشتغاله بالتأليف الموسيقي. والمقصود بموسيقى الاستعمال ~~نوع من الموسيقى التي تكتب لكي يشارك فيها الجميع، في مقابل ~~الموسيقى التي تكتب ل «ذاتها»؛ فأصحاب وجهة النظر الأولى يهتمون ~~بالحاجات الموسيقية للجماهير، على حين أن أنصار وجهة النظر الثانية ~~يؤمنون بتلك العقيدة الذاتية المفرطة التي كان يؤمن بها أوائل ~~الرومانتيكيين الألمان. وعلى ذلك فقد أكد قادة حركة موسيقى ~~الاستعمال العنصر المضاد للرومانتيكية في موسيقاهم، وضربوا هم ~~أنفسهم من الأمثلة ما ساعد على إنزال العازف الموسيقي البارع من ~~العرش الذي كان يعتليه في القرن التاسع عشر. وقد حاول أعضاء هذه ~~الحركة أن يقدموا للجماهير نوعا من الموسيقى يمكنها فهمه ~~وأداؤه، وذلك حتى تصبح الموسيقى فنا عمليا يجمل الحياة ~~اليومية للناس، وكانت موسيقى الاستعمال تتميز بقوالب متوسطة ~~الطول، وببساطة ووضوح في الأسلوب، وصغر المجموعات التي تؤديها، ~~وتجنب الصعوبات الفنية حتى يتسنى أداؤها لمجموعات لم تتلق ~~تدريبا محترفا. # ولقد كانت موسيقى الاستعمال رد فعل اجتماعيا وجماليا على ~~الرومانتيكية، ونظرا إلى أن الحكومة الألمانية التي أعقبت الحرب ~~العالمية الأولى كانت ذات ميول اشتراكية، فإن رد الفعل الذي كانت ~~تمثله هذه الحركة على النزعة الفردية المتطرفة عند الرومانتيكيين ~~المتأخرين قد قوبل بارتياح وعطف. كذلك أبدى العنصر الطليعي في ~~حركة موسيقى الاستعمال اهتماما بحركة إحياء باخ بين أصحاب النزعة ~~الكلاسيكية الجديدة في أوائل العشرين، ومن هنا فإنهم لم يقتصروا ~~على اقتباس طريقة باخ في التعبير الموسيقي المباشر، بل إنهم ~~تحدثوا عنه بوصفه واحدا من الدعاة القدماء لموسيقى الاستعمال، ~~بذل جهوده من أجل تلبية الحاجات الموسيقية للشعب. وقد أوضح أعضاء ~~حركة موسيقى الاستعمال أن باخ لم يكتب لجماعة من ms226 الصفوة، أو لقلة ~~مختارة، وإنما كان يكتب لشعب الكنيسة بأكمله، أو للجمهور العام. ~~وهو لم يخلق موسيقاه لكي يستمتع هو ذاته بها، إذا ما دفعته روحه ~~إلى التأليف، ومتى دفعته إلى ذلك، وإنما كان يكدح من يوم إلى ~~يوم، كما يفعل أي صانع ماهر، لكي يؤدي التزاماته نحو مجتمعه ~~وكنيسته. # ولقد أخفقت حركة موسيقى الاستعمال بعد وقت ما، غير أن «هندميت» ~~ظل يحتفظ في كتاباته المتأخرة بالمفاهيم الجمالية لهذه الحركة؛ فقد ~~ظلت الموسيقى بالنسبة إليه صنعة، لا فنا مستمدا من وحي إلهي. # 40 # وهو ينظر إلى كتابة الموسيقى على أنها عمل إيجابي ~~بناء؛ فالموسيقى تصنع، وليست مستمدة من الإلهام فحسب. هذا ما ~~كان هندميت خليقا بأن يقوله، وإن يكن يبادر فيضيف إلى ذلك أن خلق ~~الموسيقى يبدأ بالانفعالات، وتنتهي مهمته بإثارة ~~الانفعالات. # كذلك كان هندميت فيما مضى مهتما، لفترة ما، بالآراء الجمالية ~~لشونبرج، ولكنه تخلى بعد ذلك عن أسلوب الاثني عشر صوتا، وتحول ~~إلى كتابة موسيقى يظهر فيها بوضوح النظام المقامي بالمعنى ~~التقليدي. وهو يتميز أيضا بأنه أكثر المؤلفين الموسيقيين في القرن ~~العشرين اهتماما بالموسيقيين السابقين على باخ، وفي معظم الأحيان ~~تكون البوليفونية المعقدة في موسيقاه محاكاة لفن الكنترابنط في ~~القرن السادس عشر، حين كانت الموسيقى صنعة لا فنا، وحين كانت ~~تخاطب الكثرة لا القلة. # الفصل التاسع # | معايير لفلسفة جمالية في الموسيقى # القسم الأول: الفيلسوف والموسيقى # دأب الفلاسفة ما عدا قلة نادرة منهم، على القول إن قيمة ~~الموسيقى إنما تكون في تأثيرها . ومضوا في تفكيرهم قائلين إنه إذا ~~كانت قيمة الموسيقى تنحصر في التأثير الذي تحدثه في السامع، فإن ~~الوظيفة الصحيحة للموسيقى ليست نقل أصوات وإيقاعات جميلة تقتصر ~~على بعث السرور في الحواس، وإنما هي إحداث استجابات معينة في ~~السامع تجعل منه شخصا «طيبا أو فاضلا». وهكذا يرى الفلاسفة أن ~~الموسيقى لو كانت تقتصر على تقديم متع عابرة، ولا تحضنا على ~~أداء الأفعال «الفاضلة»، وعلى أن نصبح أشخاصا «أفضل»، لما كانت ~~تزيد عن مجرد لذة جوفاء، ولكانت بالتالي مضيعة لجهد ms227 الإنسان على ~~نحو كان يستطيع الانتفاع به في أغراض أفضل. وينتهي الفلاسفة من ~~ذلك إلى أن الموسيقى ينبغي أن تؤدي إلى «السلوك القويم»، وإلا ~~لكانت مخدرا يؤدي بنا إلى الهروب من الواقع، والتحليق في أجواء ~~عالم الخيال المحض. # أما الموسيقيون الخلاقون، فكانوا عادة يتجاهلون الآراء ~~الأخلاقية للفلاسفة بشأن الموسيقى؛ فقد كان المؤلف الموسيقي يلتزم ~~طوال حياته عقيدة فنية لا تجعل قيمة الموسيقى منحصرة في جعل ~~الإنسان «فاضلا»، أو في بعث حالة من «الكمال»، وإنما تجعلها كامنة ~~في الأنغام المحسوسة والإيقاعات المتحركة التي تمتع الحواس وتثير ~~الانفعالات؛ فقد ظل الموسيقي ينادي على الدوام بأن الوظيفة الحقة ~~للموسيقى هي الإهابة بالعاطفة، على حين أن الفيلسوف ظل على الدوام ~~يزدري الموسيقى؛ لأنها لا تهيب بالعقل قبل أي شيء آخر. وهكذا ~~يتفق الفيلسوف والموسيقي معا على أن الموسيقى تهيب بالعواطف قبل ~~كل شيء، غير أن اهتمام الموسيقي ينصب على إثارة الانفعالات لأغراض ~~المتعة فحسب، أما الفيلسوف فيؤكد أن الانفعال الذي تثيره الموسيقى ~~ينبغي أن يكون من نوع يمكن توجيهه لغاية خيرة، هي تكوين الشخصية ~~الأخلاقية؛ فالموسيقار يهتم بخلق تجربة جمالية، أما الفيلسوف ~~فيهتم بالنتيجة الأخلاقية. # ولقد كان المؤلف الموسيقي يصبو دائما إلى أن ينقل بموسيقاه إلى ~~الأذهان الأخرى إحساسا بالأصوات النغمية والانطباعات الموجودة في ~~العالم المحيط به. وما أشبهه بشخصية «جان كريستوف» عند رومان ~~رولان، تلك الشخصية التي ترجمت كل تجربة إلى لغة الموسيقى؛ فمؤلف ~~الموسيقى لا يخلقها لكي نخاطب بها العقل أساسا، ولا يكتبها لكي ~~يهيب بالحاسة الخلقية، ولا يؤلف موسيقاه لكي يرشد ويعظ، وإنما ~~يخلق موسيقاه لكي يوقظ الانفعالات. # ولقد قال «بن جونسون» ذات مرة: «إن للفن عدوا اسمه الجهل.» هذه ~~الملاحظة الحكيمة كانت وما تزال تنطبق على الموسيقى أكثر مما تنطبق ~~على أي ضرب آخر من ضروب النشاط الخلاق للإنسان في ميدان الفن ~~الجميل؛ ذلك لأن المتعة الحسية التي تبعثها فينا الأنغام ~~الموسيقية، والتأثير الفسيولوجي الذي تحدثه فينا الإيقاعات ~~الموسيقية، قد دفعا الفيلسوف ورجل اللاهوت والسياسة إلى أن ينظروا ~~إلى الموسيقى ms228 بعين الارتياب والشك، وإلى خالقي الموسيقى بخشية ~~وازدراء؛ فقد ظلوا طوال العصور يحسدونهم على قدرتهم التعبيرية، ~~ويحملون عليهم جهلا وخوفا مما قد تفعله أو لا تفعله قدرات ~~الموسيقى للذهن والجسم. # وكثيرا ما كان يحدث لموسيقيين كانوا في شبابهم يناصرون الأفكار ~~الجديدة في عصرهم، أن تشبثوا بهذه الأفكار الأصلية إلى حد أنهم ~~أصبحوا عاجزين عن تقبل الأفكار الأحدث منها عهدا، وصاروا في ~~سنواتهم المتأخرة رجعيين متزمتين. هذا عامل لا يمكن تجاهله، بل إن ~~تاريخ الموسيقى إنما هو دليل عليه. أما الفلاسفة فقد اضطلعوا إلا ~~قلة نادرة منهم، بما أطلق عليه هوايتهد اسم إضافة شروح وتنويعات ~~على النغمة الأصلية التي أطلق أفلاطون، كما يشهد بذلك تاريخ ~~الفلسفة. ولا شك أن هذا الحكم يصدق بوجه خاص على آرائهم ~~الجمالية، ولا سيما ما يتعلق منها بالموسيقى، أكثر مما يصدق على ~~أي فرع آخر من فروع البحث الفلسفي؛ فالفلاسفة لم يعبئوا بأن ~~يكونوا مبدعين، حتى في شبابهم، في وضع نظرية جمالية في الموسيقى، ~~وإنما اكتفوا بالانصراف طوال حياتهم إلى الدفاع عما قاله أفلاطون ~~عن الموسيقى. # والواقع أن الدور الذي قام به الفيلسوف طوال تاريخ الموسيقى ~~وتطورها بوصفها فنا، هذا الدور يستحق من الذم أكثر مما يستحق ~~من المدح، فمن جهة نجد أن ميله إلى التشريح المنطقي الدقيق قد ~~عاق التقدم الموسيقي، ومن جهة أخرى فإن تشككه الدائم في القيم ~~الموسيقية قد أثر في المبادئ الجمالية للموسيقيين أنفسهم. ومما ~~يؤسف له أن الفيلسوف قد جلب على الموسيقي طوال العصور من الضرر ما ~~يفوق ما حققه لها من النفع، غير أنه لا يحمل هذا الوزر وحده، ~~وإنما يشاركه فيه اللاهوتيون والسياسيون. وهكذا عمل أنصار العقل ~~الخالص والإيمان والعمل السياسي في معظم الأحيان، على إبقاء ~~الموسيقى في مركز التابع الذليل لمذهب عقلي أو عقيدة أو دولة. ~~صحيح أن الموسيقي الخلاق كان في حضارات معينة أكثر تحررا منه ~~في حضارات أخرى، غير أن نيتشه قد أدرك بوضوح - بكل ما في أسلوبه ~~من مرارة - أن الموسيقي ظل على الدوام عبدا ms229 للأخلاق والدين. وما ~~أقل الموسيقيين الذين يمكن القول إن هذا الحكم لا يصدق عليهم، ~~سواء في العصور الماضية والعصر الحاضر ذاته! # ولقد لقيت الموسيقى في كتابات الفلاسفة من التجاهل وسوء الفهم ~~أكثر مما لقيته كل الفنون الأخرى. ومع ذلك فهناك مدارس فلسفية ~~متعددة كان لها تأثيرها في الفكر الموسيقي، كما أن القيم الموسيقية ~~الجديدة بدورها استبقت بعض الاتجاهات الفلسفية؛ فقد نظر ~~الفلاسفة إلى الموسيقى على أنها مدخل إلى فهم طبيعة الكون، ~~وإعداد رياضي لدراسة الفلسفة. ووصف الأفلاطونيون الموسيقى بأنها ~~محاكاة لعالم الواقع، بينما نظر إليها الأرسططاليون على أنها ~~علو مثالي بهذا الواقع. أما اللاهوتيون فكانوا يرون في ~~الموسيقى وسيلة لتقريب الإنسان من الله بفضل تجمليها للنص المقدس. ~~كذلك اشترك اللاهوتيون والفلاسفة معا في النظر إلى الموسيقى على ~~أنها وسيلة لإصلاح الأخلاق أو إفسادها، وكان الفلاسفة يرون أنها ~~قد تكون مجرد متعة حسية، أو قوة روحية هائلة، وعلاجا لجسم ~~الإنسان ونفسه. # ولقد رأينا أن أقدم معرفة لنا بالموسيقى في الحضارة الغربية ترجع ~~إلى كتابات الفلاسفة اليونانيين. ورأينا أيضا كتابات أفلاطون، على ~~وجه أخص، هي التي تتضمن مركبا يجمع بين النظريات الموسيقية ~~للشرق والغرب؛ ففي هذه الكتابات تشرح القيم الأخلاقية والنفسية ~~للموسيقى من خلال الميتافيزيقا، فينظر إلى العنصر الإيقاعي في ~~الموسيقى على أنه مطابق للإيقاع الكوني، ويقال إن الإيقاع ~~المتخبط ونشاز الأصوات المتنافرة يؤدي إلى الشقاق بين البشرية وبين ~~النظام المثالي للأشياء. وهكذا بدأ أفلاطون يشيد مذهبه الجمالي ~~في الموسيقى بإضفاء طابع أخلاقي على الأساليب أو المقامات ~~اليونانية. وكان ينظر إلى الموسيقى على أنها أرفع من الفنون ~~الأخرى، على أساس أن الإيقاع والتوافق يؤثران في النفس الباطنة ~~والحياة الانفعالية للإنسان على نحو يفوق العمارة والتصوير والنحت. ~~وعلى ذلك فمن الواجب الانتفاع من الموسيقى في تقويم السلوك، وتشكيل ~~الشخصية، وإعداد العقل للدراسة الرفيعة، وهي دراسة الفلسفة. أما ~~البدع اللحنية، أو الفصل بين الشعر والنغم، فهي في مذهب أفلاطون ~~مظاهر للاضطراب تهدد القيم التقليدية، وتعرض الأوضاع السائدة ~~للخطر. # وقد احتفظ أرسطو بالنظريات الأفلاطونية في ms230 الموسيقى، كما رددها ~~أفلوطين مبديا إعجابه العميق بها. كذلك بدأ أوغسطين كتابه في ~~الموسيقى بطريقة أفلاطونية خالصة، وذلك بالكلام عن الموسيقى من ~~حيث هي مبحث يمهد للدراسة الفلسفية، كما أن الطابع الأفلاطوني ~~كان واضحا في التعاليم الموسيقية لبويتيوس - شأنها شأن تعاليم ~~أوغسطين - وذلك على الأقل فيما كتبه في المرحلة الأولى من حياته ~~الأدبية. وقد احتفظ ديكارت أيضا بالفكرة الأفلاطونية القائلة إن ~~الموسيقى رياضية في أساسها، وينبغي أن تستخدم مبحثا يمهد ~~لدراسة الفلسفة. وقد تحدث ديكارت مثل أفلاطون وأرسطو عن المشاعر ~~الموسيقية، وعزا إلى الإيقاعات قيما أخلاقية؛ إذ إن لها تأثيرا ~~مباشرا في النفس البشرية؛ لذلك أعرب عن إيثاره للإيقاعات التي لا ~~تهيج الانفعالات أو تثيرها إلى حد مفرط. وأكد ضرورة استخدام ~~النسب البسيطة للمسافات النغمية، وردد شكوى سبق أن أعرب عنها ~~أفلاطون؛ إذ ندد بعدم تآلف النظم النغمية التي كان الموسيقيون في ~~أيامه يستخدمونها في أساليب الكتاب الكنترابنطية. كذلك وصف لبينتس ~~الموسيقى بأنها مظهر للإيقاع الكوني تنحصر ماهيته ذاتها في كونه ~~عددا ونسبة، ورأى أنه مهما كان من سحر الموسيقى لنا «فإن جمالها ~~لا يكون إلا في انسجام الأعداد»؛ فالموسيقى عد لا شعوري، أو هي ~~علاقة شعورية بين الأعداد التي تنظم في مسافات ونماذج نغمية ~~تبعث السرور في النفس. وكان روسو يعتقد أنه لما كان الفن محاكاة ~~للطبيعة، فالنتيجة المنطقية لذلك هي أن الموسيقى صورة مطابقة ~~للإيقاع الذي يسود الكون بأسره. وعلى ذلك ففي وسع الإنسان لو دأب ~~على الاستماع إلى الإيقاعات الموسيقية السليمة، أن يتعلم كيف يعيش ~~وفقا للقانون الطبيعي ويتحد بالطبيعة. # كذلك اتفق «كانت» مع أفلاطون في رأيه القائل إننا نستطيع ~~بالموسيقى «أن نصل إلى الجسم من خلال النفس، ونستخدم النفس في ~~مداواة علل الجسم». وقد أظهر في آرائه الجمالية ازدراء للموسيقى ~~الخالية من الكلمات؛ فليس لموسيقى الآلات الخالصة في نظره قيمة ~~كبيرة؛ إذ إنها جامحة خيالية لا تعبر عن تصور محدد. ويرى ~~كانت في فلسفته الجمالية أن الشعر أكثر الفنون إهابة بالعقل؛ إذ ~~إن الكلمات هي الوسيلة ms231 الطبيعية للتعبير عن المفاهيم والأفكار. وقد ~~توسع هيجل في هذا الرأي، فقال: إن وظيفة الشعر تصبح عندئذ فرض ~~الكلمات على الأصوات، والأفكار على المشاعر، والمفاهيم على ~~التأثرات النفسية، بحيث إن ما هو غامض غير محدد المعالم في ~~الموسيقى يصبح في لغة الشعر أكثر تحددا ووضوحا. غير أن شوبنهور ~~ونيتشه قد اعترضا على هذا التفكير الديالكتيكي، مؤكدين أن ~~للحن الحق في أن يوجد بذاته مستقلا عن الكلمة المنطوقة. ~~وقد اتفق نيتشه مع شوبنهور في مسألة أخرى هي أن الموسيقى تتيح لنا ~~مهربا، ولحظة قصيرة من السعادة والاطمئنان، ولكن على حين أن ~~الموسيقى كانت عند شوبنهور تساعد على الانتقال من الإرادة إلى ~~التبصر والتطلع، ومن الرغبة إلى التأمل، فإنها في تفكير نيتشه ~~الجمالي تتيح لنا أن نعلو على عالمنا المضطرب المختلط، وندخل ~~عالما من صنعنا نحن، نعبر فيه عن رغباتنا وآمالنا. أما تولستوي ~~فقد خالف فكرة اتخاذ الفن مهربا، ووضع مذهبا جماليا اقترب كل ~~القرب من الأخلاقية المسيحية. # أما في القرن الحالي فلم ~~يكتب أي شيء عن الموسيقى إلا قلة من الفلاسفة، ولم يكن ما ~~كتبوه إلا مجرد اعتراف عفوي بوجود الموسيقى، أما مكانتها في ~~المجتمع ودورها فيه، فهما أمران لم يظهر هؤلاء الفلاسفة ~~اهتماما كبيرا بهما، بل إنهم لم يبحثوا في الموسيقى من حيث هي ~~صورة موحية من صور الاتصال بين إنسان وآخر. ليس معنى ذلك أنهم ~~ينفضون أيديهم عن موضوع الموسيقى، وإنما هو يعني أن الفلاسفة ~~الحاليين يرتابون في المشاعر أكثر مما يعملون على حماية العقل؛ ~~ففلاسفة القرن العشرين يحسدون رجل العلم أكثر مما يحسدون الفنان. ~~وهم يبدون تقديرا للنظرية الجمالية؛ لأنهم لا يصلون إلى نتائج ~~مرضية عندما يطبقون المناهج الوضعية عند تقدير عمل المؤلف ~~الموسيقي. # ومن الفلاسفة الذين كتبوا عن الموسيقى في القرن العشرين، ~~الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون # Henri ~~Bergson ~~(1859-1941م) الذي أدرج الموسيقى ضمن ~~أفراد الأسرة الفنية التي تعطي الإنسان رؤية للواقع أقرب إلى ~~الطابع المباشر؛ فالموسيقى في مذهب برجسون الجمالي ليس لها من هدف ~~سوى أن تطرح ms232 جانبا تلك الرموز النغمية، وتلك التعميمات الاصطلاحية ~~المتعارف عليها في المجتمع؛ أي بالاختصار، كل ما يخفي عنا وجه ~~الواقع، لكي تضعنا في مواجهة ذلك الواقع ذاته مباشرة، # 1 # وفي كتاب «الزمان والإرادة الحرة # Time ~~and Free Will ~~» يقول برجسون فقرة خفية المعنى: ~~«إذا كانت الأصوات الموسيقية تؤثر فينا على نحو أقوى من تأثير ~~أصوات الطبيعة؛ فذلك لأن الطبيعة تقتصر على التعبير عن المشاعر، ~~بينما الموسيقى توحي بها إلينا.» # 2 # 3 # وقد ربط مفكر إنجليزي معاصر لبرجسون، هو جلبرت ~~تشسترتون # Gilbert K. Chesterton ~~(1874-1936م) بين فن الموسيقى وبين مراحل الصراع التاريخي، وتطور ~~الإنسان والمجتمع؛ فهو لم يشارك برجسون فكرته الصوفية القائلة إن ~~الموسيقى تزيد الإنسان قربا من الواقع الحقيقي، وإنما رأى في ~~الموسيقى تعبيرا ذاتيا عن المشاعر والأحوال الانفعالية. # 4 # أما المفكر الألماني أوزفالد شبنجلر فكان يرى في ~~الموسيقى وجها من أوجه الحضارة الغربية التي رأى أنها تسير في ~~عصرنا الراهن إلى تدهور مقدر لها، بعد أن بلغت من الكبر ~~عتيا؛ فقد كتب يقول: «لقد انتهت فنون الغرب إلى غير رجعة، وأما ~~ذلك الذي يمارس اليوم على أنه فن فليس إلا عجزا وخداعا؛ ~~فالموسيقى زائفة، مليئة بالضجة المصطنعة لآلات ضخمة متكدسة.» ~~وقد تنبأ متشائما بأن من المحال أن تظهر بعد اليوم موسيقى عظيمة ~~في العالم الغربي؛ وذلك لأننا «نلعب اليوم لعبة مملة مع قوالب ~~ميتة لكي نوهم أنفسنا بأن الفن ما زال حيا.» # ولقد كان الفيلسوف الأمريكي ديفد رايت برال # David ~~Wright Prall ~~(1886-1940م) خليقا بأن يوافق (مع ~~شبنجلر) على أنه «لو لم تكن للمؤلف الموسيقي انفعالات يعبر ~~عنها ولا مشاعر حيوية يضفي عليها بالصوت صبغة خارجية لكان أقصى ~~ما يستطيع عمله هو أن يكرر نماذج مألوفة أو عميقة ...» # 5 # ولكنه ما كان ليتفق مع شبنجلر على أن موسيقى العالم ~~الغربي في القرن العشرين هي فن سائر في طريقة التدهور الذي لا ~~خلاص منه؛ فقد رأى «برال» أن موسيقى القرن الحالي فن قادر على ~~السمو بالمتع الحسية للإنسان، وتعميق حياته العقلية؛ ms233 إذ إن ~~الموسيقى، من بين سائر الفنون، هي كما كتب برال «ربما كانت فيما ~~يتعلق بالقدرة التعبيرية الانفعالية، أعمقها وأغناها، وأوسعها ~~نطاقا وأعظمها قوة، فضلا عن كونها أكثر مرونة ...» # 6 # ومن بقية الفلاسفة الأمريكيين، يشكو سانتيانا # Santayana ~~(1863-1952م) بسخرية من ~~أن «الموسيقى عقيمة في أساسها، شأنها شأن الحياة ذاتها ...» ويقول: ~~«إن ما يستمتع به معظم الناس ليس الموسيقى، وإنما هو حلم يقظة ~~خامل تخفف منه سورات عصبية.» # 7 # أما جون ديوي (1859-1952م) فقد كان خلق عالما ~~عقليا بلا حقائق ثابتة أو معتقدات راسخة عن الجمال والخير، ~~ورأى أن أفضل نظرة إلى المثل العليا الموسيقية هو أنها كلها فروض ~~تظل التجربة الفردية تختبرها على الدوام. # ولكي نقدر الدور الذي قام به الفلاسفة في التأثير على مجرى ~~التاريخ الموسيقي على نحو مباشر أو غير مباشر، يكفينا أن نذكر أن ~~ما بدا مجرد نظرية جمالية في كتابات أفلاطون قد أصبح واقعا ~~فنيا في العهود الأولى للمسيحية؛ فقد ميز آباء الكنيسة بين ~~الألحان الدينية والألحان الدنيوية، وبين الأنغام المسيحية ~~والأنغام الوثنية، وكانوا يرون أن المسيحي الأمي يمكن أن يعلم ~~الكتاب المقدس بالموسيقى، حتى لو اقتضى ذلك إقامة رابطة فنية بين ~~وثنية مغوية وبين فقرة من فقرات الكتاب المقدس. وقد عمل آباء ~~الكنيسة على كبت الاتجاهات الموسيقية الجديدة وقمعها، خشية أن تؤدي ~~المؤثرات الرومانية أو العبرانية إلى إفساد البساطة الروحية ~~للحياة والعقيدة المسيحية، وردد قادة حركة الإصلاح الديني هذه ~~الاتجاهات الموسيقية لحماية عقيدتهم، بدلا من أن يستغلوا نقاط ~~الضعف الجمالية في آراء الكنيسة الأم (الكاثوليكية). # هناك فيلسوف آخر كان له تأثير عميق في تاريخ الموسيقى، هو ~~بويتيوس. ولقد كان ما حاول القيام به بالفعل هو التوفيق بين ~~الاتجاه الأخلاقي عند أفلاطون وبين تفسيره الخاص للاتجاه العلمي ~~عند أرسطو. وإذا كان موته المبكر لم يتح له إتمام عمله، فقد تولى ~~هذه المهمة موسيقيو العصور الوسطى الذين خلقوا أسطورة «بويتيية» ~~عادت إلى الفكرة الفيثاغورية القائلة إنه إذا كانت مهمة الموسيقى ~~هي محاكاة انسجام الأفلاك، فمن الواجب أن ms234 تتصف المؤلفات ~~الموسيقية بنفس الدقة التي تتسم بها تلك القوانين التي تسير ~~بمقتضاها حركة الأجرام السماوية. وهكذا أصبحت الأخلاقية في ~~الموسيقى متوقفة على العلم، أدى العلم الموسيقي بمضي الوقت إلى ~~وضع قوالب ثابتة متحجرة. # ولقد كان روسو يزدري المؤلفين الموسيقيين الذين يكتبون موسيقى ~~بلا كلمات، أو يستخدمون بوليفونية معقدة، فحاول أن يقوم هذين ~~المظهرين من مظاهر النقص بالدعوة على إلغاء الدراما الموسيقية ~~الفرنسية، والاستعاضة عنها بمسرحية شعرية غنائية على طريقة ~~الإيطاليين، وهي دعوة يأسف لها كل من تسنى لهم أن يفكروا في ~~التطور التاريخي الذي أعقبه. # وكان تولستوي يتصور أن فن المستقبل سيكون منصبا على المشاعر ~~الكفيلة بتقريب البشرية نحو وحدة مشتركة مبنية على التفاهم والعمل ~~الإيجابي. وكان يأمل ألا يكون معيار الامتياز في موسيقى المستقبل ~~هو «اقتصارها على مشاعر محدودة لا يصل إليها إلا البعض، بل على ~~العكس من ذلك عمومية هذه المشاعر وشمولها». وحسبنا أن نقارن بين ~~هذه الآراء وبين النقد الموسيقي السوفييتي الحديث لندرك مدى ~~التأثير الذي كان لتولستوي دون قصد على الفلسفة الموسيقية للاتحاد ~~السوفييتي. # ولقد كان أرسطوكسينوس، تلميذ أرسطو، هو أول فيلسوف يضع مذهبا ~~جماليا في الموسيقى مبنيا على قيم إنسانية؛ فقد حاول أن ~~يتجنب المسائل الأخلاقية والتفسيرات الرياضية الخالصة للموسيقى، ~~التي تمسك بها أفلاطون وأرسطو معا. وكان يعتقد أن الحس والعقل، ~~والقدرة على الاستماع وعلى التمييز، كفيلة بأن تتيح للمرء أن ~~يحكم بنفسه إن كانت القطعة الموسيقية جميلة أم لا، وقد رفض أن ~~يقبل الرأي القائل إن أية ميتافيزيقا مذهبية رسمت خطوطها ~~مقدما، أو أي مذهب أخلاقي تقليدي، أو أي إرجاع للمقامات ~~الموسيقية إلى الرياضيات، على طريقة الفيثاغوريين، نقول إنه رفض ~~الرأي القائل إن أيا من هذه الأسس يصلح معيارا لتقدير ~~الموسيقى. # وعلى الرغم من ذلك فقد ظل معظم الفلاسفة التالين لأرسطوكسينوس ~~يعرفون الموسيقى في مذاهبهم المختلفة من خلال قيمة ميتافيزيقية ~~أو أخلاقية أو كلتيهما معا، أو بوصفها مبحثا رياضيا خالصا، ~~ولكن الفلاسفة انتهوا بمضي الوقت إلى التخلي عن التشبيه الخيالي ~~لعنصر الإيقاع في ms235 الموسيقى بانسجام الأفلاك. كذلك أخذوا ينصرفون عن ~~الرأي القائل إن الموسيقى مجرد تركيب عددي منظم بطريقة رياضية ~~من شأنها أن تحدث سلسلة فريدة من الأنغام؛ فلم يعد الفلاسفة ~~يحاولون تفسير المجموعات النغمية السارة أو المتوافقة على أنها ~~علاقات عددية سليمة، وتنافر الأنغام على أنه علاقات غير سليمة، ~~وإنما أصبحوا يدركون بوضوح أن التوافق والتنافر هما طرفان متقابلان ~~في الأصوات الموسيقية يتسمان بأن لهما قيمة جمالية نسبية ~~تماما. ومع ذلك فإن الأخلاق، وهي العنصر الثالث في ذلك الثالوث ~~القديم المؤلف من الميتافيزيقا والرياضة والأخلاق، ما زالت ~~باقية معنا بكل وضوح. # ففي المجال الديني، ما زالت الكنيسة تفرق بين الموسيقى الجيدة ~~والرديئة بمعنى أخلاقي. وفي المجال الاجتماعي يحدد السوفييت ~~القيمة الموسيقية للمصنف على أساس تمشيها أو عدم تمشيها مع ~~الأيديولوجية السياسية السليمة. والمفروض نظريا على الأقل أن ~~طبيعة النظام الديمقراطي الذي تحكم به دولة كالولايات المتحدة ~~يؤدي إلى استبعاد الطرف الثالث ذاته في هذا الثالوث؛ أعني الأخلاق، ~~بوصفها معيارا سليما للحكم الجماعي؛ ففي وسع المؤلف الموسيقي ~~في أمريكا أن يكون فردي النزعة تماما، كما أشار السوفييت، وأن ~~يعيش في عزلة اجتماعية، ويخلق موسيقى شخصية تماما، لا يكون لها ~~معنى إلا للصفوة القليلة؛ أي إن في وسعه أن يكون غير ديمقراطي ~~على الإطلاق في دولة ديمقراطية، وهي مفارقة غريبة. أما إذا كان ~~يعمل في خدمة كنيسة متسلطة، أو كان منتميا إلى دولة شمولية، ~~فإنه مضطر فلسفيا إلى أن يخلق من أجل تحقيق أعظم قدر من ~~الخير لأكبر عدد من الناس، على النحو الذي يتصور به ذلك الخير ~~في أذهان قادة الكنيسة أو الدولة. # القسم الثاني: معنى الموسيقى وطبيعتها # أصبح مفهوم المعنى الموسيقي مزدوج الدلالة في التفكير الجمالي ~~الحديث؛ فمن جهة نجد أن الموسيقى التي تؤلف في العالم الغربي ~~تقوم ويحكم عليها من خلال قيم شكلية. ومن جهة أخرى فإن ~~الموسيقى التي تؤلف في مناطق العالم التابعة للسيطرة السوفييتية ~~تقوم ويحكم عليها من خلال سلامة اتجاهها الأيديولوجي. ففي ~~الحالة الأولى لا يهدف العمل الموسيقي ms236 ضرورة إلى وضوح المعنى، ~~وإنما يقتصر على نقل حالة نفسية معينة. وفي الحالة الثانية يستهدف ~~العمل الموسيقي الوضوح والبساطة، ولا تكون للشكل فعاليته، إلا إذا ~~كان يزيد من تأثير العرض «الواقعي» للمضمون. وعلى ذلك فإن الموسيقى ~~في العالم الغربي محدودة في معناها، ذاتية في تقويمها، نظرا إلى ~~أهمية المعالجة الشكلية التي يقوم بها المؤلف الموسيقي لأفكاره ~~الموسيقية أو للمضمون. أما في بلاد المعسكر الشرقي، فلا بد ~~للموسيقى حتى يكون اتجاهها الأيديولوجي سليما، من أن تكون واضحة ~~المعنى، حتى تكون مفهومة للجميع. # ولقد أطلق الشاعر «لونجفيلو # Longfellow ~~» على الموسيقى اسم ~~اللغة العالمية للبشر، ولكن ما الذي هو عالمي في الموسيقى؟ إن ~~القطعة الموسيقية التي تعتادها جماعة معينة من الوجهة الثقافية ~~تحدث، بمعنى عام، تأثيرات معينة في تلك الجماعة لا يمكن أن ~~تحدثها في جماعة أخرى؛ فالنبض الإيقاعي، والنظام النغمي، هما ~~نماذج وأصوات موسيقية تتكيف معها جماعة من الناس، ولا تتكيف ~~معها جماعة أخرى. ولا يمكن أن تعني القطعة الموسيقية الواحدة ~~شيئا واحدا لجماعتين مختلفتين، ناهيك بشعبين مختلفين. صحيح ~~أننا نستطيع أن نستمتع بموسيقى الشرقين الأدنى والأقصى بالإضافة ~~إلى موسيقانا، ونستمد منها لذة جمالية، ولكن هذا لا يحدث إلا إذا ~~كانت هناك بعض أوجه الشبه بينها وبين موسيقانا؛ إذ يكاد يكون من ~~المستحيل على الموسيقى التي هي غريبة عنا عقليا وثقافيا أن ~~تثير فينا أية استجابة انفعالية؛ فلا بد أن تكون للموسيقى بضعة ~~أنغام أو أساليب مشتركة قريبة الشبه بما لدينا منها، وإلا لما ~~استطاعت أن تجتذب شيئا من تجاربنا الباطنة، أو تطالب بشيء من ~~فهمنا المباشر. وكما قال فولتير، فإن الأسلوب أو النظام النغمي ~~الجديد، حتى في داخل الحضارة الغربية ذاتها، يحتاج إلى انقضاء ~~قرابة جيل كامل قبل أن يصبح مقبولا، ومع ذلك فهذا أمر لا تنفرد ~~به الموسيقى وحدها بين سائر الفنون. # ولقد كتب وولت ويتمان # Walt ~~Whitman # يقول: «إن كل موسيقى هي ما يستيقظ فيك ~~عندما تذكرك الآلات الموسيقية.» وهنا لا تكون الموسيقى لغة ~~عالمية، ولا تكون ميتافيزيقا، ولا ms237 فنا ينشأ من قوالب أولية، ~~وإنما نحن الذين نضفي على الموسيقى وجودها؛ فالموسيقى تظل مجرد ~~إيقاع وصوت، ما لم نكسب نحن هاتين الظاهرتين ثراء نفسيا. ولا ~~يمكن أن يكون للقالب وللإيقاع وللنماذج المقامية أي معنى بالنسبة ~~إلي سوى ما أفهمه فيها؛ فليس في وسعي أن أستخلص من أداء لقطعة ~~معينة سوى ما أضيفه عليها عن طريق فهمي لها وانفعالي بها. وقد ~~أتأثر انفعاليا حتى لو لم أكن أستطيع فهم الرموز الموسيقية، غير ~~أن المتعة الجمالية لا تتجاوز في هذه الحالة نطاق المستوى ~~الانفعالي. وقد لا يكون لدي من الثقافة الموسيقية ما يتيح لي، ~~حتى أن أعرف إن كانت الموسيقى تؤدى بطريقة سليمة أم لا. فضلا ~~عن ذلك، فليس هناك معيار تجريبي أستطيع أن أعرف به إن كنت قد ~~توصلت إلى الحالة النفسية الأصلية التي كان المؤلف الموسيقي يهدف ~~إلى بعثها في عندما أستمع إلى موسيقاه. غير أن الأمر المؤكد هو ~~أنني كلما ازددت معرفة بالموسيقى، ازددت تقديرا لمزاياها، ~~وفهما ناقدا لطريقة أدائها، وازداد عمق تأثري بالأداء المثير؛ ~~فالمعرفة الموسيقية لا تقلل من التقدير الجمالي، وفهم القطعة ~~الموسيقية لا ينقص من عمق التجربة الانفعالية التي يمكن أن تتيحها ~~لنا تلك الموسيقى؛ فحين يعرف المرء أن القطعة الموسيقية تؤدى ~~بروح المؤلف، وأن الأجزاء الصعبة تعزف ببراعة كاملة، وأن شيئا ~~من التفاصيل الدقيقة لا يضيع في العزف، حين يعزف ذلك، فلن تؤدي ~~معرفته إلا إلى زيادة استمتاعه وتعميق انفعاله. ومع ذلك فمن الممكن ~~أن تؤدي المعرفة الموسيقية إلى نتائج عكسية؛ ذلك لأن الثقافة ~~الواسعة الأفق ليست ضمانا لاستمرار حالة السعادة، سواء في أمور ~~الموسيقى أم في شئون الحياة بوجه عام. # على أن صاحب النظرة الخالصة إلى الموسيقى خليق بأن يسخر من ~~الفكرة القائلة إن الموسيقى لغة عالمية، أو إن الموسيقى هي ما ~~توقظه الآلات فينا. وإنما هو أميل إلى الرأي القائل إن الموسيقى ~~فن يتميز بخصائص كامنة توجد مستقلة عن وعي بها. هذه الخصائص ~~الكامنة في الموسيقى هي التي تجعل منها، في رأيه، ms238 عملا فنيا ~~بالنسبة إلى كل الأزمنة والأمكنة. وهو يذهب أيضا إلى أن التعود ~~الثقافي على الموسيقى ليس شرطا ضروريا لفهم موسيقى الحضارات ~~الأخرى، وإنما الشروط الوحيدة الضرورية لتذوق الموسيقى في ~~حضارتنا أو أية حضارة أخرى هي التجاوب مع الإيقاع والحساسية ~~للنغم. وهو يرى أيضا أن تذوق الموسيقى والاستمتاع بها ليس ~~نشاطا ديمقراطيا عاما، وإنما يتفق مع شونبرج وسترافنسكي على ~~أن الموسيقى الجادة ليست للجماهير، بل للقلة السعيدة الحظ التي ~~توافر لها من الثقافة والحساسية ما يسمح لها باستخلاص تجربة ~~جمالية من هذه الموسيقى. # ولكن ما هي الموسيقى؟ ربما أمكننا أن نزداد اقترابا من تعريف ما ~~تكونه الموسيقى إذا أمكننا أن نحدد ما لا تكونه الموسيقى؛ فهي ~~أولا ليست محاكاة لانسجام الأفلاك؛ ذلك لأن الفيثاغوريين كانوا ~~يعتقدون أن كل الأجسام المتحركة تحدث أصواتا، وأن هذا لا يصدق ~~على الأجرام السماوية أيضا. وقال المعلمون القدامى إن هذه أصوات ~~لا تدركها الأذن البشرية لأسباب متعددة، ولكن الفيثاغوريين ~~واليهود زعموا أن قادتهم الروحيين كانوا وحدهم قادرين على سماع هذه ~~الموسيقى السماوية. على أن التقدم العلمي في القرن العشرين قد ~~أتاح لنا أن نكون فكرة تقريبية عن أصوات هذا الانسجام المزعوم ~~بين الأفلاك، الذي تحدثه النجوم في حركتها، ولكنه بدلا من أن ~~يكون انسجاما سماويا، يبدو للأذن الحديثة أقرب كثيرا إلى ~~الأصوات المنكرة. # كذلك تقدم الفيثاغوريون برأي آخر أقره أفلاطون، ويقول إن ~~المسافات بين الكواكب وأفلاك النجوم الثوابت تناظر رياضيا ~~المسافات بين أصوات الأوكتاف، ولكن لا يوجد أي دليل تجريبي يؤيد ~~الفكرة القائلة إن المقامات اليونانية أو نظامنا الخاص من السلالم ~~الموسيقية مبني على أساس أن تكون العلاقة بين صوت وآخر مناظرة ~~للعلاقة بين كوكب وآخر. وإذن فستظل نظرية انسجام الأفلاك ونظرية ~~التناسب أسطورة قديمة تعجز عن أن تنبئنا بما تكونه الموسيقى، ~~وإن كانت تحاول أن ترشدنا إلى الصدر الذي تنبعث منه وإلى سبب ~~تركيبها الراهن. # وثانيا: ليست الموسيقى تعبيرا عن الأخلاقية أو اللاأخلاقية؛ ~~فلا يمكن أن تكون الموسيقى خيرا أو شرا بالمعنى الأخلاقي، أكثر ms239 ~~مما يمكنها أن تكون مرحة أو حزينة في ذاتها. قد يكون من شأن ~~الموسيقى أن تبعث حالة من المرح أو الحزن عاناها المؤلف الموسيقي. ~~وقد تكون الطريقة التي صيغت بها هذه الحالة، وأنتجت موسيقيا ~~طريقة جيدة أو رديئة، ولكن الجيد والرديء يقالان هنا بمعنى الحكم ~~الجمالي، لا بمعنى الخير والشر الأخلاقيين. ولقد زعم أرسطو أن ~~الشبيه يولد شبيهه، وكان - مثل أفلاطون من قبله - مقتنعا بأن ~~هناك موسيقى خيرة وشريرة بالمعنى الأخلاقي؛ فالموسيقى الخيرة ~~تهذب النفس البشرية مثلما تفسدها الموسيقى الشريرة، ونحن لا ~~ننكر أن هناك أنواعا معينة من الموسيقى لها تأثيرات مختلفة في ~~سامعيها، وفي هذا الصدد يستحيل تفنيد أرسطو، ولكن لا يمكن التماس ~~أي عذر لأرسطو، أو أفلاطون، عندما نسبا خصائص أخلاقية إلى ~~المقامات اليونانية ذاتها بناء على طبيعة تركيبها وتطبيقها. وكذلك ~~لا يوجد مبرر من وجهة نظرنا، لرأي أرسطو القائل إن الشخص ~~الشرير، بالمعنى الأخلاقي، لا يخلق إلا موسيقي شريرة. ولقد كان من ~~الطبيعي ألا يرى أرسطو وأفلاطون أي تناقص في موقفهما؛ إذ إنهما لم ~~يميزا على أي نحو ما هو أخلاقي وما هو جمالي. # إن في وسع المتعة الحسية التي نستمدها من الأنغام الموسيقية ~~والتأثير الفسيولوجي الذي تحدثه فينا الإيقاعات أن تبعث حالات ~~نفسية متنوعة في نفوسنا، غير أن من المشكوك فيه أن يكون بويتيوس ~~بدوره على حق في قوله إن الذي يطرب لسماع «ألحان غير لائقة، ~~وينصت لها كثيرا، سوف تضعف روحه ويفقد النخوة والشهامة في ~~نفسه.» كما أن من المشكوك فيه أن تكون للموسيقى القدرة على أن تجعل ~~الناس أخيارا أو أشرارا كما زعم الشاعر «ملتن» في القرن السابع ~~عشر. # فليس لنا أن ننكر أن كثيرا من المؤلفين الموسيقيين ~~اللاأخلاقيين قد أبدعوا موسيقى رائعة سمت بنفوس أولئك الذين ~~استمعوا إليها. وليس لنا أن ننكر أن فاجنر كان مخلوقا بغيضا، ~~لا يسير إلا على شريعته الخاصة. ولكن من ذا الذي ينكر عبقريته ~~الخلاقة وروائع موسيقاه؟ إن من واجبنا أن نفصل بين الخالق وبين ~~خلقه، سواء شئنا ms240 أو أبينا، ومهما كان من صعوبة هذا الفصل في عالمنا ~~الحالي؛ فالموسيقى جيدة ورديئة بمعنى جمالي فقط، لا بمعنى ~~أخلاقي. إنها تعبير عن المشاعر. والشعور ذاته قد يقوم أخلاقيا، ~~ولكنه ما إن يعبر عنه موسيقيا، حتى لا يعود شخصيا، وإنما ~~يصبح لا شخصيا، ولا يعود خيالا ذاتيا، بل يصبح فنا ~~موضوعيا. وعلى حين أن السلوك يحكم عليه أخلاقيا، فإن الفن ~~يحكم عليه جماليا فحسب، وللأسس الجمالية للموسيقى علاقة مباشرة ~~بالحياة؛ فهي لا تتعلق بالمحظورات والنواهي التي يفرضها المجتمع ~~على الإنسان، وإنما تتعلق بالتعبير الحر للإنسان عن نفسه. وهي لا ~~تهتم برضاء المجتمع، أو عدم رضائه عن المشاعر الإنسانية، بل تهتم ~~بالتعبير عن هذه المشاعر فحسب. # وثالثا: لا يمكن أن تكون الموسيقى في ذاتها سياسية أو دينية؛ ~~فما تسمى بالموسيقى الدينية هي موسيقى كتبت للتشجيع على ~~العبادة؛ وبالتالي ينبغي أن تكون ملائمة للغرض الذي خلقت من ~~أجله. وتنطوي هذه الموسيقى على خصائص تصر عليها السلطات ~~الكنسية، كالبساطة والوضوح والقدرة على تجميل النص الديني. وقد ~~ترضى السلطات الدينية أو لا ترضى عما يشعر الموسيقار بأنه ذو طابع ~~ديني؛ فالموسيقى المخصصة للعبادة هي تلك التي تعتقد السلطات ~~الدينية أنها ينبغي أن تكون كذلك. وكما أن رجال الدين يرشدوننا في ~~الشئون المتعلقة بالإيمان، فإنهم يسمحون أيضا بالموسيقى المخصصة ~~للعبادة، أو لا يسمحون بها. وهم يعتقدون أن هناك موسيقى معينة ~~تساعد على تعميق التجربة الدينية وموسيقى أخرى تصرف الذهن عن خدمة ~~الأغراض الدينية. # ونحن عندما نتحدث عن موسيقى دينية وأخرى دنيوية، إنما نفضل ~~نوعا من الموسيقى نراه ملائما للحاجات الدينية، عن كل الأنواع ~~الأخرى من الموسيقى. وهناك مصادر متنوعة يمكن أن ترجع إليها ~~الموسيقى الدينية ، فربما كانت قد كتبت لغرض العبادة خصوصا، أو ~~قد تكون في الأصل ذات طابع دنيوي، ثم استخدمت فيما بعد لأغراض ~~العبادة. والواقع أن هناك بعضا من أقوى القطع الموسيقية تأثيرا ~~من الوجهة الدينية، بنيت على أساس ألحان شعبية لم تكن مرضيا ~~عنها لدى رجال الدين؛ اليهود، أو الكاثوليك، أو البروتستانت. ms241 وكم ~~حدث أن أزيلت وصمة اللاأخلاقية والفساد عن موسيقى قديمة عندما ~~عدلت، واستخدمت لأغراض العبادة الدينية. ولم تعد الأجيال ~~اللاحقة تعرف هذه الموسيقى إلا في سياقها الديني؛ بحيث اكتسبت هذه ~~الموسيقى، على مر القرون، معنى تقليديا يرتبط في أذهاننا ~~بالعبادة والأعياد الدينية. على هذا النحو ذاته استمرت معظم ~~الأغاني التي كانت تعد في القرون الغابرة «لا أخلاقية» و«فاسدة»، ~~وإن كان قد قدر لها البقاء. # وبالمثل لا يمكن أن تكون الموسيقى في ذاتها سياسية، كما أكد ~~جوتة، أما كلمة شومان القائلة إن خطط الثورة يمكن أن تكتب بين ~~أسطر سيمفونية دون أن تتنبه إليها الشرطة، فهي كلمة مفرطة في ~~رومانسيتها، كذلك لم يكن شوبان بأقل رومانسية عندما أوضح لقيصر ~~روسيا، الذي غزت جيوشه بولندا، أنه سيجد في «مازوركات # Mazurkas ~~» مواطنها شوبان ألحانا ~~موسيقية تحض الناس على أن يثوروا على الغاصبين. ولقد اعتدنا ~~الآن أن نربط ألحانا موسيقية معينة بالوطنية والعمل السياسي، ~~وقد تكون هذه الموسيقى تقليدية، أو مكتوبة خصوصا من أجل إلهاب ~~الشعور القومي عند المواطنين. ومن الجائز أن لموسيقى شوبان معنى ~~كهذا عند البولنديين، كما أن من المؤكد أن موسيقى فيردي كان لها ~~هذا المعنى عند الثوريين الإيطاليين. غير أن الموسيقى ليست في ~~ذاتها وطنية، وإنما هي تولد وتبعث شعورا بالوطنية فحسب؛ فما ~~نربطه بالموسيقى هو الذي يجعلنا نسمي هذا النوع من الموسيقى ~~سياسيا وذلك دينيا؛ فالأول قد يكون سريعا في إيقاعه، ناريا ~~في روحه، عالي الأبواق والصنوج، والثاني قد يكون خافتا هادئا، أو ~~حزينا متهجدا، ولكن الموسيقى لا يمكنها أن تبعث فينا هذا الشعور ~~أو ذاك، إلا لأن هذه الإيقاعات والأنغام لها دلالة حضارية في ~~نظرنا، تحركنا انفعاليا في هذا الاتجاه أو ذاك. # ورابعا: ليست الموسيقى رياضة فحسب. إنها في أساسها ذات تركيب ~~رياضي، ولكنها أكثر من الرياضة وحدها؛ فقد يرجع الباحث النظري ~~التجمعات النغمية التي يستخدمها الموسيقي بحدسه إلى الرياضة، ~~غير أن هذا الباحث النظري لا يحاول تفسير السبب الذي اختار من ~~أجله الموسيقي هذه التجمعات بعينها، وحتى ms242 لو حاول ذلك فلن ~~يستطيع. أما الموسيقي فيعلم عن وعي أن مجموعات معينة للأنغام ~~أصلح من غيرها للتعبير عن مشاعر معينة، ولكنه لا يستدل بطريقة ~~عقلية على أن هناك علاقات رياضية معينة، ضمن المجموعات النغمية ~~التي يستخدمها، تعطيه التأثير المطلوب. وهو إما أن يستخدم أنماطا ~~نغمية تقليدية، ويذهب في ذلك إلى حد التطرف، كما فعل موسيقيو عصر ~~النهضة وعصر الباروك في تلك النماذج الموسيقية التي استخدموها ~~للتعبير عن المشاعر بطريقة ثابتة موحدة، وإما أن يخلق تجمعات ~~نغمية جديدة يخصصها لهذا الغرض، ويقول بها ما يريد أو ما يتعين ~~عليه أن يقوله. ولو كانت الموسيقى رياضة، ورياضة فحسب، لأصبحت ~~علما دقيقا كالرياضة ذاتها، يعبر فيه الموسيقار عن الأحوال ~~النفسية بطريقة ثابتة موحدة، بدلا من أن تظل فنا يعبر عن ~~الانفعالات بطريقة فريدة. مع ذلك فإن الموسيقيين في الماضي ~~والحاضر، ممن كان لديهم شيء جديد يقولونه بطريقة غير تقليدية، قد ~~اتهموا كلهم تقريبا بأنهم يردون الموسيقى إلى مجرد ~~رياضيات. # وخامسا: ليست الموسيقى محاكاة لنظام كامن من الأصوات ~~الموسيقية في الطبيعة؛ فلقد كان واضعو نظامنا الموسيقي القدامى ~~يعتقدون بوجود نظام أولي من الأصوات كهذا في الطبيعة، ويجوز ~~أنهم تصوروا أنهم مجرد مقلدين لهذه الأصوات الطبيعية في ~~الموسيقى. والواقع أن موسيقانا مبنية على علم للصوت بدأ بالأبحاث ~~التجريبية للفيثاغوريين، وزاده أرسطوكسينوس تقدما، وطوره بعد ~~قرون زار لينوز ورامو وباخ كل هؤلاء كانوا يعتقدون، بدرجات ~~متفاوتة، بأن موسيقاهم تحاكي نظاما طبيعيا للأصوات، موجودا من ~~قبل، وحاولوا أن يفسروا أساليبهم ومذاهبهم وفقا للقانون ~~الطبيعي، ولكن الطبيعة في واقع الأمر لا تنطوي على نظام من ~~الأصوات كهذا. وكما قال هانسليك، فليس في الطبيعة «سابعات مسيطرة # dominant sevenths ~~» أو ثالثات ~~صغيرة ( # minor thirds ~~). ومع ذلك ~~فكثيرا ما يحدث أن توصف الموسيقى الجديدة التي لم تألفها ~~آذاننا، والتي تزعجنا أكثر من غيرها، بأنها غير طبيعية، كأن ~~الموسيقار يكفر بنظام نغمي مقدس في الطبيعة. # فما هي الموسيقى إذن، إن لم تكن ميتافيزيقا ولا رياضة ولا ~~أخلاقا ولا سياسة ولا دينا، ms243 ماذا تكون الموسيقى عندئذ؟ إنها كل ~~ذلك وأكثر منه. إنها ما قال الشاعر ويتمان إن الآلات توقظه فيك. ~~إنها تجربة الحياة اليومية، ولكنها تعلو على التجربة. إنها صدى ~~نغمي لأحلامنا وآمالنا، ولصراعنا وألمنا. إنها فن ساحر ~~بإيقاعاته، قادر على التغلغل في الأعماق الباطنية للبدن وللنفس ~~والتحكم فيها، كما أدرك الفلاسفة القدماء بوضوح. إنها أنماط من ~~الأنغام منظمة في قوالب حسب أوزان محددة، نربط بها كل ألوان ~~المشاعر الإنسانية. والحق أن ما نضيفه نحن أنفسنا على الأنغام ~~والإيقاعات، وما توقظه هذه الأنغام والإيقاعات فينا، هو بعينه ~~الذي جعل شاعرا آخر يقول: «إن النغم ... فيك أنت.» # الموسيقى شعور متجسد في رموز إيقاعية ونغمية، ولكن من واجبنا ~~ألا نتصور أبدا أن هذه الرموز هي الموسيقى ذاتها، وإلا كنا نخلط ~~بين الرمز وما يدل عليه؛ فالموسيقى هي ما ينتجه العازف بالأنغام ~~والإيقاعات على آلته. وهي في أساسها لحن وإيقاع يثير انفعالاتنا ~~ويوقظ خيالنا. وقبل هذا كله فالموسيقى هي ما نضيفه نحن أنفسنا ~~على هذه الألحان والإيقاعات من تجربتنا الخاصة، ومن آمالنا ~~وأمانينا. والموسيقى بالنسبة إلى حضارتنا الغربية ظاهرة ثقافية ~~ينقل بها الإنسان انفعالاته إلى الآخرين بطريقة تثير من ~~الانفعالات أكثر مما يثيره أي ضرب آخر من الفنون. وهي لا تستطيع ~~أن تضحك أو تبكي، وليست حزينة ولا سعيدة، بل إن بعض الأنغام ~~والإيقاعات تثير مشاعر قريبة من حالة المرح أو الحزن؛ فلا يمكن ~~أن تكون الموسيقى ما تكونه بالنسبة إلي، أعني مرحة أو حزينة، ~~إلا إذا كان في استطاعتي أن أبعث من داخلي مثل هذه المشاعر؛ فأنا ~~الذي أربط هذه الحالة النفسية، أو تلك بهذا الإيقاع، أو تلك ~~النغمة. وأنا الذي أضفي قيمة بشرية، ومعنى بشريا على الأصوات ~~والحركة الموسيقية. # إن الموسيقى تبدأ بالمؤلف الموسيقي الذي تنقل إلينا أحواله ~~وأفكاره الموسيقية عن طريق العازف أو القائم بالأداء عادة. وهكذا ~~تختلف الموسيقى عن معظم الفنون الأخرى؛ إذ إننا نحن السامعين نبتعد ~~عن مقاصد المؤلف مرتين على الأقل. وقد نشعر بالإعجاب الشديد إزاء ~~القدرات الموسيقية للقائمين ms244 بالأداء، ولكنهم مع ذلك ليسوا خالقين، ~~وإنما هم مرددون لما خلق من قبلهم. وهم في مرتبة أقل من حيث ~~الفن؛ إذ إنهم يقتصرون على توصيل أحوال المؤلف وأفكاره لنا. وإذا ~~كان هناك أساس تجريبي معين، في الرسم والنحت، لإصدار حكم على ~~نسخة ترمي إلى محاكاة الأصل، نظرا إلى أن الفنون التصويرية ~~والتشكيلية تقدم معيارا ملموسا للتقويم، فإن المرشد الوحيد في ~~حالة الموسيقى هو شعورنا فحسب. # القسم الثالث: فلسفة للقيم الموسيقية # علم الجمال هو ذلك الفرع من الفلسفة الذي يختص بدراسة القيم ~~الفنية، مثلما أن الأخلاق تبحث في السلوك القويم، والميتافيزيقا في ~~المبادئ الأولى، والإبستمولوجيا في نظريات المعرفة، والمنطق في ~~استخدام الفكر للمعرفة على الوجه الصحيح. ويعد كل من هذه ~~الفروع الخمسة للفلسفة ميدانا متخصصا من ميادين البحث، وكل ~~منها يمثل جانبا لمذهب فكري عام. لقد كان فلاسفة العصور ~~القديمة والوسطى يبحثون في الجميل والقبيح، والهزلي والتراجيدي، ~~والجميل والجليل، ضمن نطاق موقفهم الفلسفي الشامل؛ فنظرة الفيلسوف ~~إلى الجميل هي في هذه الحالة نتاج لتحليله الأساسي لطبيعة الكون ~~ودور الإنسان فيه. ولقد رأينا، في التفسير المثالي الذي قدمه ~~أفلاطون للعالم، أن الموسيقى كانت توصف بأنها محاكاة لمثل ~~تجريدي أعلى، وصدى للانسجام الكوني. وفي فلسفة «سكستوس إمبريكوس # Sextus Empiriccus ~~» نجد تعريفا ~~للموسيقى أقرب إلى العقول، هو أن الموسيقى لا تعدو أن تكون نوعا ~~من أنواع التعبير الإنساني. أما في أيامنا هذه فإن أصحاب الاتجاه ~~المثالي وأصحاب الاتجاه الطبيعي في الفلسفة منقسمون إلى فرق ~~تتفاوت آراؤها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ومهما اختلفت ~~درجات الفروق العقلية داخل هاتين الفئتين، فإن فلاسفة القرن ~~العشرين يندرجون أساسا ضمن إحدى هاتين المدرستين الفلسفيتين؛ ~~فالمثالية أو الطبيعية كانتا أساس آراء الفلاسفة عن الموسيقى في ~~الماضي والحاضر؛ أي منذ أيام أفلاطون حتى ديوي. ولقد كان للآراء ~~التي أبداها الفلاسفة تأثيرها في الحياة العقلية والفنية للإنسان ~~طوال تاريخ الحضارة الغربية. # ومن شأن المفكر الذي يتخذ من المثالية الفلسفية أساسا لقيمه ~~الفنية الموسيقية أن يعلي من قدر الملكات العقلية فوق ms245 ~~الملكات الحسية، وقد يبالغ في تأكيد أهمية العقل، ويقلل من أهمية ~~الانفعال في المسائل الجمالية. وترتكز قيمه على المقدمة ~~المثالية القائلة إن العالم ينقسم إلى روح ومادة ونفس وجسم، وإن ~~القوانين الطبيعية التي تتحكم في الجسم المادي لا سلطان لها على ~~النفس الروحية. وهو خليق بأن ينظر إلى المؤلف الموسيقي والمفكر ~~الميتافيزيقي على أنهما شريكان في السعي إلى كشف الحقيقة الحقة ~~للإنسان؛ الأول بالنغم والثاني بالفكر الفلسفي؛ فالميتافيزيقي ~~والمؤلف الموسيقي يقرباننا من المثل الأعلى الشامل، ~~ويرشداننا بالفلسفة إلى العالم الروحي، أو يكشفان لنا بالموسيقى ~~عن لمحة خاطفة من الجمال الكوني الرائع. # ولقد كانت المذاهب الجمالية الموسيقية المبنية على المثالية ~~الفلسفية تعلل أصل الموسيقى، طوال التاريخ الغربي، عن طريق ~~الميتافيزيقا، وتفسر معنى الموسيقى من خلال الغائية، وطبيعة ~~الموسيقى من خلال الأخلاق؛ فالمثاليون ينظرون إلى الموسيقى على ~~أنها تجسيد حسي لفكرة تتخذ مظهر الأنغام والإيقاعات الموسيقية. ~~وليس من المستبعد عليهم، حتى في وقتنا الحالي، أن يؤكدوا أن ~~الموسيقى تستطيع أن ترفع أخلاق الإنسان أو تحط منها، بل إن هناك ~~من المثاليين من يعتقدون أن الموسيقى هبة منحها إله كريم للبشر، ~~حتى يعينهم على تحمل مصيرهم على الأرض. # وللمثالي معيار موضوعي للقيم؛ فهو يذهب إلى أن للموسيقى في ~~ذاتها خصائص معينة تجعلها جيدة أو رديئة. وقد نخطئ في تقديرنا ~~لموسيقى معينة، كما أننا قد نغير رأينا، بحيث تختلف أذواقنا ~~على مر السنين، ولكن التغير في هذه الحالة إنما يطرأ علينا ~~نحن في تفسيرنا لهذه القيم. أما القيم ذاتها فتظل ثابتة، كما ~~يؤكد المثالي؛ إذ إن الجمال في الموسيقى، مع الحق والخير، هو ~~الطرف الثالث في الثالوث الأزلي الذي لا يطرأ عليه أي ~~تغيير. # أما الفيلسوف ذو النزعة الطبيعية، فلا يشارك المثالي ميله إلى ~~التقسيمات الثنائية؛ فليس من المحتمل أن يوافق ذلك الذي يبني قيمه ~~الجمالية على النزعة الطبيعية في الفلسفة على الرأي المثالي القائل ~~إن الموسيقى تكشف «حقائق عليا»، أو تتيح للسامع بصيرة يعبر بها ~~الهوة بين ما هو حقيقي، وما هو غير ms246 حقيقي. وإنما يكفيه أن ينظر ~~إلى الموسيقى، على أنها تعبير عن الانفعال البشري، لا تجسيد حسي ~~لفكرة روحية. وهو لا يعتقد أن الموجودات المتناهية يمكنها أن تصل ~~بفضل الموسيقى إلى حالة من النشوة التي توحدها مع اللامتناهي. ~~ومع ذلك فلا شك في أن صاحب النزعة الطبيعية وصاحب النزعة المثالية ~~يشعران بنفس النوع من الانفعالات عندما يستمعان إلى الموسيقى، ~~والفرق بينهما هو أن كلا منهما يشكل استجابته الشخصية للموسيقى ~~وفقا للموقف الأساسي الذي يتخذه في الفلسفة؛ فعلى حين أن المثالي ~~يضفي - بطريقة صوفية - دلالة روحية على التجربة الجمالية، فإن ~~الطبيعي يرد - بطريقة تجريبية - قائلا إن التجربة الجمالية ~~تتيح لنا تحررا مؤقتا من العوامل المحيطة بنا مباشرة، ومهربا ~~من المحن والأزمات التي نواجهها، وتتيح لنا وقتا نستجمع فيه ~~قوانا، أو نستنفدها في تربة جديدة تضيف إلى حياتنا تنوعا، ~~وتضفي على وجودنا معنى جديدا. # وفي رأي صاحب النزعة الطبيعية أن العالم دائم التغير؛ فهو لا ~~يقبل الرأي المثالي القائل إن جمال الموسيقى يعني احتواءها على ~~صفات كامنة لها طبيعة مطلقة ومستقلة عن التفسير الذاتي للسامع، ~~وهو لا يفسر الموسيقى من خلال الميتافيزيقا العالية أو الغائية ~~أو الأخلاق، وهو مع إدراكه الواضح لتأثير الموسيقى في السلوك ~~البشري، لا يجد أي ارتباط معقول بين التعبير عن الانفعال البشري ~~في اللحن والإيقاع، وبين الإرادة الإلهية والخير الشامل. وإنما ~~يعتقد أنصار النزعة الطبيعية أن الموسيقى صورة أخرى من صور ~~التعبير، توصل إليها الإنسان خلال تطوره، وبواسطتها ينقل ~~مشاعره وأفكاره؛ وبالتالي فإن الإنسان هو الحكم الوحيد على قيمة ~~الموسيقى التي يخلقها أو يتذوقها، أما إذا كان المرء جاهلا ~~بالطبيعة والتركيب الأساسيين للموسيقى، وإذا ظلت الموسيقى مجرد ~~أنغام وإيقاعات متنوعة لا أثر لها سوى أن تطرب الحواس، فعندئذ ~~يكون مثل هذا الشخص خليقا بأن يتخذ من العارفين بأسرار الموسيقى ~~أصناما زائفة، وينظر إلى كلمات الناقد الموسيقي المحترف على أنها ~~صوت نبوءة دلف؛ # 8 # فالجهل في الموسيقى، شأنه شأن الجهل بمعناه العام، ~~يورث الخوف من المجهول والخرافة وعبادة الأصنام. # ومن ms247 الممكن وضع مذهب في القيم الجمالية يجمع بين آراء معينة ~~مستمدة من المثالية والطبيعية معا. والواقع أن أولئك الذين ~~يؤثرون التوفيق بين القيم الموسيقية يحاولون بناء مذهب من تلك ~~النقاط التي تروق لهم في المذهبين المثالي والطبيعي في علم ~~الجمال. هكذا فإن المذهب التوفيقي في القيم الموسيقية قد لا يصبح ~~أكثر من مجرد خليط موسيقي بين عناصر لا اندماج بينها، ولكنه قد ~~يصبح أيضا محاولة إيجابية يحاول فيها السامع أن يطبق أكثر ~~فئات القيم منطقية على الأساليب الموسيقية المتغيرة، ليصل إلى ~~حكم جمالي على قيمة الموسيقى موثوق منه إلى أبعد حد. # وهناك نوع آخر من الناس يؤكد من ينتمي إليه أنه شخص لا فلسفة ~~له في الحياة ولا في الموسيقى. على أن الشخص الذي يكون رد فعله ~~على أداء كامل رائع لقطعة موسيقية ما، هو قوله: «إنني أحب ما ~~أحب، ولا أعبأ بمعرفة السبب.» إنما يعبر عن فلسفة للموسيقى، حتى ~~لو كان يظن أنه يرفض كل فلسفة. مثل هذه الفلسفة قد لا يقبلها ~~معظمنا؛ إذ إن هذا النوع من الاستجابة الشخصية للموسيقى، دون أي ~~تقدير عقلي، هو نوع بدائي إلى أقصى حد، ينطوي على الحط من ~~قدرات الإنسان العقلية على التأمل الباطن والتفكير؛ فالشخص الذي ~~لا يكترث بأي عامل فيما عدا اللذة التي تتيحها الموسيقى له، إنما ~~يكبت قدراته الكاملة من حيث هو كائن بشري. # أما المستمع الأكثر ثقافة وعمقا إلى حد ما، والذي يقول ~~بطريقة رومانسية «إن الإحساس الغامض بالمتعة الذي تتيحه لي ~~الموسيقى، هو إحساس لا تعبر عنه الكلمات.» فهو شخص يخدع ذاته ~~من الوجهة النفسية؛ ذلك لأن الإنسان كائن عاقل إلى جانب كونه ~~حيوانا انفعاليا. وإذا كان مثل هذا السامع يعني أن الانفعال ~~العميق الذي تبعثه التجربة الجمالية لا يمكن أن تنقله الكلمات ~~إلى شخص آخر نقلا أمينا، فإنه يكون عندئذ على حق؛ ذلك لأن ~~التجربة الجمالية تجربة شخصية لا يمكن أن تنقل إلى شخص آخر مع ~~ضمان أنها ستؤدي فيه إلى نفس التأثير الانفعالي. أما إذا ms248 كان ~~يعني أن التجربة الجمالية تتعلق بالانفعالات وحدها، وإذا حللت ~~فإنها تفقد تأثيرها، فإنه بذلك إنما يقصر تذوقه الموسيقي على ~~المستوى الحسي وحده. # إن للمستمع إلى الموسيقى الحق في أن يترك الجمال النغمي ~~والنماذج الإيقاعية لحركة اللحن تسحره وتخلب لبه. ومن ~~الواجب خلال وقت الاستماع ألا يكون هناك شيء له قيمة سوى المتعة ~~والنشوة التي تثيرها فيه الموسيقى؛ إذ إن هذه هي طبيعة التجربة ~~الجمالية، ولكن من واجب المستمع أن يحاول بتفكيره أن يفهم السبب ~~في إحساسه هذا، ويعرف كنه تلك العوامل الكامنة في تركيب الموسيقى ~~وأدائها، والتي أمكنها أن تنقله إلى حالة النشوة هذه. وإنه لمن ~~خطل الرأي أن يقال إن تحليل التجربة الجمالية يقضي عليها، ومن ~~الخطأ أن نعتقد أننا كلما حاولنا معرفة سبب استجابتنا للإيقاع ~~واللحن قل تأثيرها فينا؛ ذلك لأن المعرفة لا تحد من الانفعال، ~~وإنما تهذبه. # والواقع أن دور الناقد الموسيقي لا يحتل في بلادنا هذه الأهمية، ~~إلا لأننا شعب أمي من وجهة النظر الموسيقية؛ فالناقد يتبوأ مكانته ~~الرفيعة بين ظهرانينا؛ لأننا نفتقر مع الأسف إلى أوليات ~~المعرفة النظرية الموسيقية؛ فمعظمنا لا يمكنهم فهم ما يقوله ~~المؤلف الموسيقي؛ لأن القليلين جدا منا هم الذين يمكنهم أن ~~يقرءوا أو يكتبوا الموسيقى البسيطة. وعلى الرغم من أن الكثيرين منا ~~عازفون أو مغنون هاوون بمعنى ما، فإنا نفتقر إلى الثقة بالنفس ~~في تكوين رأي شخصي عن طريقة قائد الأوركسترا في أداء مصنف ~~كلاسيكي ما؛ لذلك نحتمي بسلطة الناقد الذي ينبئنا بما يقال، ~~وكيف يقال. # والواقع أن ممارسة الناقد المحترف لمهنته أصبحت في أيامنا هذه ~~واجبا ثقافيا؛ فانتقاداته الحرة التي تكون لاذعة في كثير من ~~الأحيان، ليست رمزا لمجتمع حر وفن غير مقيد فحسب، بل إن ~~موقفه السلبي المعتاد ضروري لتقدم الموسيقى، حتى لو كان أقرب ~~إلى الخطأ منه إلى الصواب في توقع الاتجاهات الفنية وتقويم ~~الموسيقى. وإنه لمن الحمق أن نظن، كما يفعل البعض، أن من الممكن ~~الاستغناء عنه كلية، ولكن من الصحيح أننا كلما نمينا قدرتنا ~~على ms249 كشف أسرار الموسيقى التي يقدمها إلينا المؤلف، غدونا أكثر ~~استقلالا في حكمنا، وأقل اعتمادا على آراء الناقد وقراراته؛ أي ~~إن دوره بوصفه حجة وسلطة نحتكم إليها يقل كلما ازددنا ~~استنارة. # ولا شك أن الناقد الموسيقي الذي يحيا في ظل الفاشية الشمولية لا ~~يملك إلا الازدراء لأية فلسفة موسيقية مبنية على القيم ~~المتحررة؛ فهو خليق بأن يعدها مذهبا جماليا ذا صبغة ~~رومانتيكية، لا بد أن يقضي على ذاته من جراء تأكيده للحرية ~~الفردية، وتجاهله للحاجات الجمالية للمواطنين. مثل هذا الناقد لا ~~بد أن يؤكد أن علاقة الفرد بالدولة في الحكومة المتسلطة لا تحتمل ~~الأحكام الشخصية أو نزوات الأقليات المقفلة على ذاتها، التي تضع ~~السياسة الاجتماعية موضع الشك أو تزدري اللجنة المركزية للحزب في ~~المسائل المتعلقة بالنقد. # ولقد كان النظام الشمولي للفاشية يبني قيمه الموسيقية، في ~~ألمانيا النازية على الأقل، على التمييز العنصري؛ فقد قرر هتلر، ~~بكل بساطة، أن موسيقى مندلسون لا بد أن تمنع، وأكد هتلر على ~~نحو قاطع أن مندلسون كان يهوديا، # 9 # ولا يمكن لليهود أن يكتبوا موسيقى مساوية لما يكتبه ~~الآريون. ولما كان يجزم بأن الآريين جنس أرقي، فلا بد أن تكون ~~موسيقى مندلسون السامية من نوع أحط. ولا شك أن هذا لا يمكن إلا ~~أن يكون منطق دكتاتور مجنون يستخلص من مقدماته الباطلة حكما ~~على القيمة الموسيقية لإنتاج مؤلف موسيقي على أساس تمييز عنصري ~~زائف. # على أن الفلسفة الاجتماعية الأقل عنفا عند ليو تولستوي تهدد ~~أي مذهب إنساني في علم الجمال بخطر لا يقل عن خطر الدولة ~~المتسلطة أو الدكتاتور الطاغية؛ ذلك لأن الرسالة التي أخذها ~~تولستوي على عاتقه بأن يقيم مجتمعا مبنيا على التعاليم المسيحية ~~أدت به إلى أن يقوم كل موسيقى بروح لا تقل في تعصبها عن روح ~~آباء الكنيسة، فكانت النتيجة أنه استبعد كل المؤلفات الكلاسيكية ~~تقريبا من نظامه المثالي، على أساس أنها أعقد من أن يفهمها ~~الجميع؛ وبالتالي تفتقر إلى تلك البساطة الشاملة التي تربط كل ~~الناس سويا. ولا جدال في أن الدهشة ms250 والعجب يتملكان المرء ~~عندما يمعن التفكير في ذلك القدر الضئيل من الموسيقى، الذي ~~استبقاه تولستوي ليساعده في نشر دعوته إلى الإخاء، وذلك القدر ~~الكبير الذي رفضه لأنه لا يساعده في أداء رسالته المتعصبة. ومن ~~المؤكد أن الصرامة التي كان يقرر بها أي موسيقى تصلح لإقامة ~~مملكة الله في الأرض قد أحالته من عملاق في الأدب إلى قزم في ~~الموسيقى. # فقد كان تولستوي يعجب ببعض مقطوعات باخ الغنائية، وبعض موسيقى ~~هايدن وموتسارت وشوبرت. وكان ينظر بعين الرضا إلى موسيقى شوبان «... ~~(وذلك عندما لا تكون ألحانه مثقلة بقدر مفرط من التعقيدات ~~والزخارف) ...» كما كان يحب بعض المؤلفات المبكرة لبيتهوفن، ~~ولكنه رفض موسيقى الحقبة المتأخرة من حياة بيتهوفن، بحجة أنها ~~«ارتجالات لا قوام لها»، أما السيمفونية التاسعة والرباعيات ~~الأخيرة التي نشرت بعد وفاة بيتهوفن، والتي ربما كانت أروع ~~موسيقى كتبها الإنسان، وصوناتات البيانو في الفترة المتأخرة، ولا ~~سيما الصوناتا مصنف رقم 101؛ كل هذه يسخر منها تولستوي على أساس ~~أنها غير مفهومة إلا للقلة، وأعقد من أن تفي بحاجات المسيحية. أما ~~موسيقى فاجنر وليست وبرليوز وريشارد شتراوس فإنه يرفضها ~~كلها. # ومن المؤكد أن اليقين القاطع الذي كان تولستوي يرفض به ~~مؤلفات هؤلاء الموسيقيين خليق بأن يقدم إلينا سببا قويا ~~للتفكير في الأخطاء الثقافية التي يمكن أن تنشأ عن تطبيق الفلاسفة ~~ورجال السياسة والدين لمعايير مطلقة في النقد الموسيقي؛ فمنذ ~~اللحظة التي يعتقد الفيلسوف أنه قد اهتدى إلى الحل النهائي الشامل ~~لمشكلة طبيعة العالم، ومعنى الحياة، وصحة القيم الإنسانية، لا يعود ~~باحثا سقراطيا عن الحقيقة، وإنما ينغمس في الدفاع المتعصب عن ~~موقف أو الدعاية المتحمسة له. وفي نفس اللحظة التي يضع فيها الناقد ~~الموسيقي صيغة شاملة يتعين عليها أن تنطبق على مبادئ لاهوتية ~~أو سياسية معينة، فإنه يصبح بدوره مدافعا عن إيمان أو داعية إلى ~~قضية. # على أن الرأي الصحيح هو أنه لا توجد حقائق مطلقة، أو أحكام ~~نهائية؛ فالقمم ليست أزلية، وإنما هي تولد من جديد على الدوام، ~~وليس ثمة ناقد عالم بكل شيء، ms251 نستطيع أن نتطلع إليه لنجد عنده ~~جوابا نهائيا حاسما في مسائل القيم الموسيقية. وإنه لمما يؤسف ~~له أن الكثير منا ينتظرون كلمة الناقد ليعرفوا كيف يكونون رأيهم ~~عن هذه القطعة الموسيقية أو تلك الطريقة في العزف. والمؤسف في ~~الأمر هو أن هؤلاء الناس يختارون الانقياد بدلا من أن يختاروا ~~الاستنارة والاسترشاد، مع أن بعضا من هؤلاء الناس أنفسهم قد ~~يختلفون مع أعظم نقاد صحيفة كبرى، أو يثورون عليه بشدة حين يكون ~~الأمر متعلقا بكتاب تختلف عليه الآراء، على حين أن هؤلاء القراء ~~المثقفين إلى أبعد حد يقبلون الرأي الذي ينشره المحرر ~~الموسيقي في الجريدة ذاتها دون أي شك أو تحد. # وهناك من بيننا أيضا أناس يقفون في خشوع أمام جماعة المثقفين ~~في الموسيقى، الذين يتخذون من غير المألوف صنما معبودا، ويتحدثون ~~عن «إريك ساتي» بتبجيل وجودي. ومن واجبنا أيضا ألا نقيم وزنا ~~لادعاء أولئك المثقفين الذين يحكمون على الأمور الخاصة، ~~ويؤكدون على نحو قاطع أن «موسيقى الغرفة» هي ما يختاره صاحب ~~النظرة الجمالية الخالصة، على حين أن الأوبرا تسلية شعبية ~~للجماهير؛ ذلك لأن الشخص الذي يؤثر فيه بعمق أداء جيد لخماسية ~~لشوبرت يمكن أيضا أن يؤثر فيه أداء جيد لقطعة غنائية ~~لبوتشيني. ولا يمكن أن يحتقر القوالب الموسيقية الشعبية إلا شخص ~~لا يحس بقيم الآخرين. # كذلك ينبغي أن نسخر من أولئك المتطرفين الذين لا يستمعون إلا إلى ~~«مادريجالات» عصر النهضة أو «كونشرتات» عصر الباروك، ويزدرون أية ~~موسيقى كتبت بعد وفاة باخ؛ ذلك لأنه لا ضرر في أن يبدي المرء ~~إعجابا خاصا بفترة معينة في تاريخ الموسيقى؛ لأن قوالب هذه ~~الفترة والرنين النغمي للآلات فيها يجتذبه اجتذابا شخصيا ~~فريدا. ومع ذلك فمن الممكن أن يؤدي هذا الاهتمام بالماضي الغابر ~~إلى تضليل المرء إذا تحول إلى متخصص في فترة معينة من فترات ~~الموسيقى، وصم أذنيه عن موسيقى الفترات الأخرى. وبالمثل فإن ~~ذلك الذي يعتقد خطأ أن موسيقى الماضي أحط مرتبة من موسيقى ~~الحاضر يحتاج إلى بعض التوجيه؛ إذ إن مقطوعة للفيولينة المفردة ms252 من ~~تأليف كوريلي # Corelli # يمكنها أن ~~تبعث فينا من المتعة الجمالية قدر ما يبعثه منظر الموت الختامي ~~في دراما «تربستان وإيزولده»؛ فالجمال البسيط في موسيقى كوريلي ~~يثير فينا تجربة جمالية هادئة وقورا، على حين أن تلك الموسيقى ~~المشبوبة بالعاطفة، التي كتبها فاجنر للمنظر الأخير من هذه الدراما ~~الموسيقية المؤثرة، تبعث فينا شعورا بالوجد الانفعالي. وكلا ~~النوعين من الموسيقى يخدم الغرض المقصود منه؛ فأحدهما يبعث ما ~~يسميه نيتشه بالحالة الأبولونية، والآخر ما يسميه بالنشوة ~~الديونيزية، وكلاهما ضروري لحياة الإنسان. # ولقد كان بعض النقاد الذين ظهروا في الأمس القريب، مثل هانسليك ~~وبوزوني، وكذلك فيلسوف ندر أن نجد من الفلاسفة من قال بمثل آرائه ~~في الموسيقى، هو «هربارت # Herbart ~~»؛ ~~كان هؤلاء يؤمنون بأن الموسيقى ليس لها معنى يتجاوز نطاقها الخاص؛ ~~فهم قد أرادوا أن يقفوا في وجه الرومانسية بالقول إن الموسيقى فن ~~مستقل. ويوجد في صفوفنا اليوم أيضا أمثال هؤلاء من أصحاب النظرة ~~الخالصة، الذين يحرصون على الاحتفاظ بنقاء الموسيقى وترفعها عن ~~المضمونات النفسية والاتجاهات الاجتماعية والمسائل الأخلاقية. وهم ~~يعتقدون أن البحث الجمالي في الموسيقى ينبغي أن يقتصر على تحليل ~~القيم الشكلية للقطعة الموسيقية ولا شيء غير ذلك. والأساس الذي ~~يرتكزون عليه هو أن الموسيقى، كما قال هانسليك، هي تعبير عن ~~الأفكار الموسيقية؛ فالموسيقى التي تثير الانفعالات وحدها وتتجاهل ~~العقل، لا تؤدي إلا جزءا من وظيفتها، وهي اجتذاب الإنسان ككل؛ أي ~~أن هذا الاتجاه الفكري الأفلاطوني الجديد # 10 # يرى أن الموسيقى التي تهيب بالانفعالات أكثر مما ~~تهيب بالعقل، إنما تجتذب العناصر الأخس والأحط في الإنسان. أما ~~الموسيقى المثلى من وجهة النظر الجمالية، فهي ترتيب وتوزيع ~~للقيم الشكلية على نحو يكفل للموسيقى أداء وظيفتها الكاملة، وهي ~~بعث انفعالات سارة وإرضاء العقل. ولا جدال في أن هذا مثل أعلى ~~جمالي لا يمكن أن ينازع فيه أحد. غير أن الكثيرين منا لا يقبلون ~~ذلك الاهتمام المفرط الذي يبديه أصحاب النظرية الخالصة بالجانب ~~العقلي من التربة الجمالية، في الوقت الذي يقللون فيه من أهمية ~~الجانب الانفعالي منها. ms253 # إن التحليل الموسيقي للقيم الشكلية لمدونة سيمفونية ضخمة أو ~~أغنية فنية بسيطة ليس إلا وجها واحدا من أوجه البحث الجمالي؛ ~~ذلك لأن اللحن والإيقاع والهارمونية والقالب أو الشكل؛ كل هذه ~~قيم موسيقية أساسية؛ فالقائم بالأداء وقائد الفرقة الموسيقية، ~~يهتمان اهتماما أساسيا بالخط اللحني وتطوير الموضوعات ~~الرئيسية والتغيرات الإيقاعية، وبناء هيكل القطعة الموسيقية أو ~~قالبها الشكلي. ومن المؤكد أن التجربة الجمالية للمستمع المستنير ~~تزداد عمقا إذا كان لديه القدرة على إدراك العلاقات الشكلية بين ~~هذه القيم بعضها وبعض؛ أعني القدرة على إدراك تكامل هذه القيم في ~~صورة موسيقية مركبة، وعلى معرفة مدى توفيق المؤلف الموسيقي ~~في معالجة هذه القيم والتعبير عنها فنيا. غير أن البحث الجمالي ~~في الموسيقى هو نظام من القيم أشمل من تحليل الموسيقى ذاتها؛ إذ ~~إن عليه أن يتناول أيضا النواحي الإبداعية التأثيرية في الموسيقى؛ ~~لأن الدراسة النفسية للإبداع الفني وتحليل التذوق الموسيقي هما ~~مشكلتان جماليتان على جانب كبير من الأهمية. كذلك ينبغي على ~~المفكر الجمالي أن يتذكر أن الموسيقى لا يمكن أن تفهم ~~وتقدر إلا في سياقها التاريخي؛ فالعوامل الدينية والدنيوية ~~والاتجاهات السياسية للعصر، والمعتقدات الاجتماعية للشعب؛ كل هذه ~~عناصر ضرورية في أية دراسة جمالية للموسيقى. # والواقع أن خلق الموسيقى والاستمتاع بها عمليتان ترجع جذورهما ~~إلى الانفعالات؛ إذ إن الموسيقى وسيلة نغمية وإيقاعية للتعبير، ~~ينقل بواسطتها المؤلف الموسيقي مشاعره إلى الآخرين. وعلى ذلك فإن ~~نظام القيم الذي تتألف منه الفلسفة الجمالية للموسيقى ينبغي أن ~~ترجع جذوره هو الآخر إلى الانفعالات، وإن كان يقتضي من السامع ~~أذنا موسيقية حساسة وعقلا لماحا في الوقت ذاته. والعامل الذي ~~يحدد القيمة الفنية للقطعة الموسيقية هو مقدار أصالة مؤلفها ~~وسعة خياله في التعبير عن ذاته. أما نحن فلا نستطيع أن نستخلص من ~~هذه الموسيقى أكثر مما وضعناه فيها عن طريق حساسيتنا الإدراكية ~~وحكمنا التحليلي؛ فالموسيقى متولدة من الانفعال لكي تهيب ~~بالانفعال. ونحن نتلقاها بحواسنا، ونحكم عليها بعقولنا. ولا ~~يمكن أن تكون لها عندنا قيمة جمالية إلا إذا كان لها معنى ~~بالنسبة إلينا. ms254 # إن القيمة الجمالية للقطعة الموسيقية تتوقف على أمرين؛ أولهما ~~مدى قدرة المؤلف على نقل أحواله ومشاعره إلينا؛ إما بطريق مباشر ~~أو بوساطة فنان قائم بالأداء. وثانيهما: قيمة نفس هذه المشاعر ~~والأحوال التي ينقلها إلينا، ولكن تحقيق الأمر الأول يستلزم أن ~~يكون السامع قادرا على أن يعيد خلق ما كان المؤلف يحاول أن ~~يقوله؛ فالاستجابة الجمالية الصحيحة تتوقف على قدرة السامع على ~~التشبع بروح المؤلف في حالته الأصلية. ولن يأتي له ذلك إلا ~~بالسمع وإعمال العقل، كما قال أرسطوكسينوس. وإذن فالموسيقي لا يمكن ~~أن تكون وسيلة للاتصال الانفعالي، إلا إذا كان المرء حساسا ~~بتلك الأحوال والمشاعر التي حاول الموسيقار أن ينقلها إلينا. وبعد ~~أن تثار في نفس السامع هذه التجربة الانفعالية، ينبغي أن يكون ~~قادرا على تكوين حكم سليم على قيمة هذه المشاعر والأحوال في ~~القطعة الموسيقية ذاتها. ولما كان الكثير من المؤلفات الموسيقية ~~الجديدة يتجاوز نطاق قدرتنا على الإدراك والفهم، فلا بد لنا من بذل ~~الجهد والتذرع بالصبر والانتظار ردحا من الزمان حتى نستطيع ~~الوصول إلى حكم صحيح على قيمة المشاعر والأحوال في القطعة ~~الموسيقية، كما تجسدت في أفكار إيقاعية ولحنية مجددة. ومن ~~جهة أخرى فهناك نوع آخر من الموسيقى يجذبنا كثيرا أول ما نسمعه، ~~لكنه سرعان ما يفقد؛ لأنه لا يعود يمدنا بالحافز على تكوين ~~تجربة جمالية. # إن صياغة حكم تقويمي هي عمل ذهني، وهي عملية عقلية تتضمن ~~تقدير أحوال المؤلف ومشاعره كما عبر عنها في صورة موسيقية. وهي ~~تقدير عقلي للطريقة التي أدمجت بها القيم الشكلية اللحنية ~~والإيقاعية الهارمونية في قالب موسيقي مركب؛ فاللحن تعبير عن ~~الشعور، والإيقاع يبعث الحياة في هذا الشعور. وهو بالنسبة إلى ~~الموسيقى بمثابة قانون التغير المحتوم في صوره المتعددة بالنسبة ~~إلى الطبيعة. والهارمونية هي مزج هذه المشاعر والتغييرات ~~الإيقاعية في تعبير موحد كان سيظل لولا هذا المزج، مجرد مشاعر ~~منعزلة وإيقاعات متفرقة. أما المزاج والشعور فهما أحوال انفعالية ~~تحتاج دراستها إلى نشاط عقلي. # ولا بد لتقدير الموسيقى من أذن حساسة نفاذة، تكتسب ~~بالمران ms255 والتوجيه. وأول استجابة لنا نحو الموسيقى تكون استجابة ~~ذاتية أساسا؛ إذ نضفي عليها ما اكتسبناه من تجارب متنوعة ~~تحكمت في تشكيلها بيئتنا الدينية والثقافية والاقتصادية. على ~~أنه إذا كانت الموسيقى قادرة على إحداث تجربة جمالية تفي بحاجة ~~نفسية أو اجتماعية، فلا بد أن تكون لها قيمة محددة بوصفها ~~وسيلة فنية للعلو بحياتنا اليومية المعتادة، ولا يمكن أن تكون ~~للموسيقى قيمة إلا إذا كان لها معناها عند السامع. ومع ذلك فمن ~~الممكن أن يكون لها معنى عند شخص معين، ولا يكون لها أي معنى ~~عند شخص آخر، وبدليل ما كتبه الموسيقار برليوز حين قال: «إن ما ~~أجده جميلا إنما هو جميل عندي، وقد لا يكون جميلا عند أخلص ~~أصدقائي.» كما كتب المفكر تشترتن يقول: «إن الناس العاديين ~~يبغضون العمل الجديد الرفيع المستوى، لا لأنه جيد أو رديء، بل ~~لأنه ليس بالشيء الذي يطلبون.» فطبيعة المعنى الموسيقي إنما تكون ~~في الانفعالات التي يجسدها المؤلف الموسيقي بخياله الخصب، في ~~نماذج إيقاعية وتراكيب هارمونية. وما اللحن البسيط أو الموضوع ~~الموسيقي الرئيسي في الأصل، إلا انفعال خام أضفي عليه شكل ولون ~~من أجل الوصول إلى فعالية التأثير الفني؛ فالموسيقى هي المزج التام ~~بين الشعور والعقل، وبين المضمون والشكل. وما القطعة الموسيقية إلا ~~وسيلة لنقل مشاعر وانفعالات. وإذا كان الجزء الأكبر من الموسيقى ~~الجديدة، وقدر كبير من تراثنا الموسيقي يبدو مفتقرا إلى المعنى ~~في نظر الجمهور العادي، فإن السبب الأكبر في ذلك هو حالة الأمية ~~الموسيقية المتفشية بيننا؛ ذلك لأن المعاني التي تستطيع الموسيقى ~~نقلها تظل كامنة في الطابع الإيقاعي والتركيبي للمدونة ~~الموسيقية ذاتها، ولا يمكن أن تنتقل إلى حالة الظهور والوضوح إلا ~~إذا توافر لها فنانون يؤدونها، وأذن تستمع إليها، وأذهان ~~تقدر ما يحاول الموسيقار أن يقوله؛ فمن المحال إذن أن يستخلص ~~المرء من الموسيقى أكثر مما يضعه فيها من حساسية الإدراك ونفاذ ~~التفكير. # ولكن ما هي القيم التي ينبغي أن نتطلع إليها، ونحن نستمع إلى ~~الموسيقى؟ ينبغي، قبل كل شيء، أن يكون للموسيقى تأثير ms256 انفعالي قد ~~يكون فوريا، وقد لا يأتي إلا بعد مضي وقت؛ إذ إن الاستمتاع ~~بالموسيقى هو قبل كل شيء مسألة انفعال فحسب. ولما كانت الموسيقى ~~تنشأ من ذلك الانفعال الخام الذي يسعى إلى الانطلاق في عالم الواقع ~~القاسي، ولكنه لا يجد مجالا لهذا الانطلاق، فلا بد أن تكون مشتملة ~~على تشكيل جذاب للأحوال النفسية والمشاعر التي تعلو على الواقع ~~المباشر، وحتى في الحالات التي تحاول الموسيقى فيها أن تكون ~~وصفية بطريقة واقعية، فلا بد لها أن تصف الأشياء المألوفة بطريقة ~~غير مألوفة، أو تحاول أن تجعل للعالم العادي للأنغام وقعا غير ~~عادي في الآذان. # إن مكانة المؤلف الموسيقي لا تقاس بمدى قدرته على بعث الأصوات ~~الطبيعية من جديد، وإنما تقاس بمدى تمكنه من تجميل الأصوات ~~الطبيعية؛ بحيث إن الأمور التي تبدو لنا مألوفة ونسلم بها دون ~~مناقشة، تعرض علينا بطريقة مجددة تثير خيالنا، وتؤثر في ~~مشاعرنا؛ فقيمة الموسيقي في نظرنا لا تكون في براعته في محاكاة ~~الأصوات والظواهر المتحركة، بل في قدرته على تحوير هذه الأصوات ~~والظواهر المتحركة تحويرا فكريا مثاليا؛ فأوتورينو رسبيجي # Ottorino Respight ~~(1879-1936م) ~~يقطع التجربة الجمالية لسامعيه عندما يوقف الموسيقى في مدونته؛ ~~لكي يقدم ترديدا طبيعيا لزقزقة عصفور مسجلة على أسطوانة، # 11 # أما بيتهوفن فيحفظ للسامع تجربته الموسيقية عندما ~~يضفي زخرفا على صوت الطائر، وهو يتردد في أعقاب صوت العاصفة ~~المطيرة التي تتلاشى تدريجيا. # 12 # وتلك في الواقع مشكلة قديمة قدم أفلاطون الذي كان ~~يعتقد أن على الموسيقي أن يردد الطبيعة بأمانة في موسيقاه، هو ~~الرأي الذي رد عليه أرسطو بقوله إن مهمة الموسيقار ليست الاقتصار ~~على محاكاة الطبيعية كما هي، وإنما هي أن يعيد خلق الطبيعة في ~~موسيقاه بإضفاء طابع فكري مثالي عليها. فليس المهم هو المظهر ~~الخارجي للظواهر أو الأصوات المألوفة في الطبيعة، وإنما هو التعبير ~~عن المشاعر الباطنة التي تثيرها هذه الأصوات في نفس المؤلف ~~الموسيقي، والتي يعبر عنها في مؤلفاته، لا كما هي الطبيعية، بل ~~كما يتصورها هو، وبذلك يخلق عالما من الأصوات ms257 أروع من ذلك ~~الذي اتخذه أنموذجا له. # ومن الواجب أن يكون المصنف الموسيقي ملائما لتركيب الآلات أو ~~للمدى المناسب للأصوات البشرية التي كتب لها. على أن بيتهوفن كان ~~يكتب للصوت، وكأن لديه نفس مدى آلة الفيولينة ومرونتها. وكان ~~فاجنر يطلب من المغني، بلا رحمة، أن ينافس بصوته أوركسترا عظيمة ~~الضخامة. ومهما كانت عبقرية بيتهوفن وفاجنر، فإن قيمتهما بوصفهما ~~مؤلفين للصوت البشري أقل من قيمتهما من حيث هما يكتبان ~~للأوركسترا. # وكثيرا ما ينظر إلى موسيقانا المعاصرة على أنها تفتقر إلى ~~القيمة الجمالية؛ لأنها لا تتضمن ألحانا مناسبة للصوت البشري، أو ~~موضوعات لحنية متصلة للآلات الموسيقية؛ فالموسيقي المعاصر يتهم ~~بأنه يخلق موسيقاه بطريقة آلية خالية من اللحن، وإذا خلق ألحانا ~~قليلة، فإن هذه الألحان لا تمتعنا بقدر ما كانت تمتعنا ألحان ~~الماضي. على أن كل عنصر كان فيه من المحافظين وأنصار القديم ممن ~~يجأرون بالشكوى من أن موسيقيي جيلهم يعذبون المغنين ~~بمقطوعات لا تغنى، ويرهقون العازفين بمدونات لا تعزف. ومع ~~ذلك فإن الأوبرات الإيطالية الرومانسية تضم من الفقرات الغنائية ~~المجهدة التي لا تصلح للصوت الغنائي بقدر ما تضم الأوبرات ~~المعاصرة. وعلى أية حال فإن الموسيقى الغنائية التي تطلب من ~~المغني أكثر مما ينبغي، والتي ترهق الصوت في مداه المعتاد، لا ~~تصلح للصوت الآدمي، سواء أكانت تنتمي إلى العصر الرومانسي أم إلى ~~عصرنا الحاضر. وهذا لا يصدق على الآلات مثلما يصدق على الصوت ~~البشري. إن المؤلفين الموسيقيين المعاصرين يكتبون مقطوعات لحنية ~~للصوت والآلات الموسيقية تختلف عن مقطوعات الماضي لأسباب واضحة. ~~وقيمة هذه الألحان، سواء منها الماضية والحاضرة، تتوقف أولا على ~~ملاءمتها لنطاق صوت الإنسان والآلات، وتتوقف ثانيا على مدى ~~إتاحتها للمغني والعازف أن يستخلص منها كل القيمة الموسيقية التي ~~يستطيع الصوت والآلة أن يحققاها، كل حسب طبيعته. # ومن الواجب أن تفي القطعة الموسيقية بالغرض الذي خلقت من أجله، ~~والذي كان مقصودا منها أصلا؛ فاللجنة المركزية للحزب الشيوعي ~~السوفييتي قد حكمت مثلا بأن أوبرا «الصداقة العظيمة» لم تحقق ~~الغرض الذي خلقت من أجله؛ إذ ms258 كانت الموسيقى معقدة لا تقدم ~~تصويرا «واقعيا» للحياة الشعبية والموسيقية للإقليم الذي ~~ألفت الأوبرا عنه؛ ففي رأي اللجنة أن مؤلف هذه الأوبرا لم ~~يقدم إلى المواطن السوفييتي ما يدل على فهم «صحيح» لحياة ~~الإقليم الذي يتحدث عنه وثقافته؛ لذلك كانت هذه الأوبرا فاشلة ~~من الوجهتين التعليمية والسياسية. غير أن من المشكوك فيه أن ~~مؤلف الأوبرا كان يشارك اللجنة نفس هذه الآراء في دخيلة نفسه، ~~ولكنه على أية حال كان مضطرا إلى الرضوخ لقرارها القائل إن ~~موسيقاه كانت لها قيمة إيديولوجية سلبية؛ لأنها لا تفي بالحاجات ~~الفنية للجماهير. # وفي المجال الديني نجد الموقف مشابها إلى حد ما؛ فقد كان ~~يوهان سباستيان باخ يعتقد أن الموسيقى التي يخلقها ذات طابع ديني ~~عميق يصلح للشعائر البروتستانتية، غير أن رؤساءه كان لهم رأي ~~مخالف في كثير من الأحيان؛ فقد كان باخ يكتب موسيقى للأرغن يعتقد ~~أنها ملائمة للجو الديني، ومع ذلك فقد كان عقده يتضمن نصا ~~يشترط ألا يعزف في الكنيسة موسيقى تصرف أنظار المستمعين عن ~~العبادة. وكان معنى هذا الشرط أن رؤساءه يعتقدون أن بعض موسيقاه لا ~~يصلح للصلاة؛ فموسيقى باخ، من وجهة نظرهم، لم تكن دائما تحقق ~~الغرض الذي كتبت من أجله. # وتكون الموسيقى محققة لغرض معين في الدين أو السياسة حسب ~~معيار للقيم يتخذ أساسا للحكم عليها. غير أن من الخطأ القول إن ~~الموسيقى المرتبطة بعناصر دينية أو سياسية هي وحدها التي تقوم ~~بمثل هذه الطريقة الموضوعية؛ فالأمريكيون والسوفييت يتفقون على أن ~~الموسيقي حين يكتب «مارشا»، فمن الواجب أن يكون ذا طابع عسكري؛ ~~أعني أن يكون إيقاعه بسيطا، ويكون اللحن قوي التأثير في النفوس. ~~كذلك يتفقون على أن الموسيقي حين يؤلف للباليه، فيجب أن يكون ~~إيقاعه قويا مثيرا، وأن يكون اللحن سهل التداول؛ فهناك شروط ~~موسيقية شكلية ينبغي توافرها إذا شئنا أن تشجع الموسيقى الجنود ~~على المشي على أنغامها، والراقصين على أداء رقصاتهم بألحانها. ولما ~~كان الجنود يمشون بطريقة متشابهة، والراقصون يرقصون أيضا بطريقة ~~متشابهة، فلا بد أن تكون المعايير التي ms259 نشترطها لهذه الألوان من ~~الفن الموسيقي متشابهة أيضا. # وعندما يطلب إلى المؤلف الموسيقي أن يخلق وفقا لشروط محددة ~~مقدما، فعندئذ تكون مشكلة التأكد من تحقيق موسيقاه للغرض الذي ~~كتبت من أجله مشكلة بسيطة؛ فمثل هذه الموسيقى التي لا تخلق ~~بوصفها فنا مستقلا لا يمكن تقديمها إلا على أساس الوظيفة التي ~~تؤديها. أما الموسيقى المستقلة، فكل ما يشترط فيها لكي تكون قد ~~حققت الغرض المقصود منها هو أن تتيح للسامع تجربة جمالية فحسب؛ ~~فالموسيقي يكون قد حقق أغراضه فينا إذا كانت موسيقاه تنطوي على ~~تكامل فعال بين القيم الموسيقية الشكلية التي يمكنها أن تثير ~~في نفس السامع استجابة ذات طبيعة جمالية. # ولقد كتبت مقطوعتا سترافنسكي «متتابعة طائر النار # Fire Bird Suite ~~» و«طقوس الربيع # Rites of Spring ~~» للباليه، وحقق ~~هذان المصنفان الغرض المقصود منهما بنجاح باهر. وعندما يعزفان ~~في قاعة الموسيقى ب (لا رقص)، فإنهما يلقيان نجاحا أعظم بوصفهما ~~روائع موسيقية؛ ففي هذه الموسيقى من القوة والأصالة ما يجعلها ~~تصلح للباليه وقاعة الموسيقى الخالصة، كما هي الحال في موسيقى ~~الأوبرا عند فاجنر وديبوسي. غير أن من المعتاد أن يكون للموسيقى ~~المكتوبة لمصاحبة الرقص في الباليه، أو لمارش عسكري، أو للأوبرا، ~~غرض معين تحققه، وينبغي ألا تقوم إلا على أساس هذا الغرض. أما ~~إذا فصلت هذه الموسيقى عن الغرض الذي تخضع له، وعزفت على أنها ~~موسيقى مستقلة، فعندئذ يتوقف تقديرنا للنجاح الموسيقي على الرأي ~~الشخصي للمستمع. # ولمؤلف موسيقى الجاز بدوره معاييره الخاصة من القيم الشكلية ~~التي تختلف عن معايير مؤلف موسيقي مثل شونبرج. وعلينا عندما ~~نقدم قطعة من موسيقى الجاز ألا نطبق عليها نفس معايير ~~الموسيقى الكلاسيكية؛ إذ إن مقاصد المؤلف الموسيقي مختلفة في كل ~~حالة عنها في الأخرى؛ فهناك موسيقى جادة جيدة وموسيقى جادة ~~رديئة، مثلما أن هناك جازا جيدا وجازا رديئا. والاستمتاع بأحد ~~هذين الأسلوبين لا يحول دون الاستمتاع بالآخر؛ لأننا نأخذ من ~~كل منهما ما يفي بالحاجات التي يمكنهما أن يلبياها من أجل ~~إثراء حياتنا. ولا بد أن يكون متحذلقا ms260 ذلك الذي يميز بينهما على ~~أساس أن أحدهما يصلح لعامة الناس والثاني للصفوة المختارة. # وهناك عامل جمالي ينبغي في هذا الصدد أن نأخذه بعين الاعتبار، ~~هو عامل التحوير أو النقل. ولنضرب لهذا العامل مثلا هو سيمفونية ~~بيتهوفن الريفية؛ فهذه السيمفونية كانت مقصودة في الأصل، لتكون ~~تصويرا للطبيعة بصورة سمفونية، وهي تفي بهذا الغرض الوصفي ~~بالفعل، ولكن إذا استخدم هذا المصنف، بحيث يلائم أغراض الباليه، ~~فإنه لا يعود يثير في النفوس الأحوال والمشاعر الأصلية للموسيقى. ~~كذلك فإن مقدمة وفوجة باخ لا تعود نفس العمل الكلاسيكي إذا ~~تحولت للأوركسترا الحديث. ولا بد أن تكون أحكامنا على هذين ~~العملين متعلقة بمقاصد المؤلف الأصلية، لا بالتطبيقات التي ~~يدخلها آخرون على هذه الأعمال بعد وفاة مؤلفها بوقت ~~طويل. # وإذن فلكي تكون للموسيقى قيمة جمالية، فلا بد أن تكون مثيرة ~~للانفعال، ولا بد أن تلائم الصوت البشري والآلة التي كتبت من ~~أجلها، وأن تفي بالغرض المقصود منها. وأخيرا فينبغي أن تحتوي ~~المدونة الموسيقية ذات المستوى الرفيع على أفكار متنوعة، وأن ~~تتميز في الوقت ذاته بالوحدة والتوازن؛ فالمدونة الموسيقية التي ~~تحتوي على أفكار متنوعة تكون قيمتها الجمالية أعظم من تلك التي ~~تكرر الموضوعات اللحنية الرئيسية بطريقة رتيبة مملة. ومع ذلك ~~فالمدونة الجيدة لا تقتصر على ما تحتويه من الأفكار المثمرة ~~فحسب، بل يجب عرض هذه الأفكار ببراعة وموازنتها في سياق المصنف ~~بأكمله؛ فالأوبرا التي تبالغ في تأكيدها أهمية المقاطع الغنائية ~~(من قبيل الآريا) على حساب تكامل الأوبرا بوصفها كيانا فنيا ~~موحدا لا تكون متوازنة على النحو الصحيح. والسيمفونية التي ~~تحفل بألحان حنون تكررها دون عناية بتنويع الموضوعات اللحنية ~~لها قيمة جمالية أقل من قيمة السيمفونية التي تنمى فيها ~~الألحان، وتطور بطريقة متنوعة زاخرة. # وإذن فلا بد أن يقدم المصنف الموسيقي أفكارا متنوعة في ~~تنميته للمادة اللحنية، ولا بد أن يكون وحدة تتوازن فيها ~~التطويرات والتنويعات المتعددة وتتفاعل. # وكلما ازدادت حرية المؤلف في استخدام الهارمونية والبوليفونية ~~والإيقاع كان أقدر على التعبير عن أحاسيسه ومشاعره. ومع ذلك فمن ~~المحال ms261 أن يكون التأليف الموسيقي حرا تماما؛ إذ إنه حيث لا ~~يتوافر قدر من النظام تسود الفوضى. وإنما المقصود من الحرية في ~~الموسيقى هو استخدام الإمكانيات النغمية والإيقاعية للوصول إلى ~~أبلغ تعبير ممكن. # وتتيح بعض أنواع الموسيقى ~~للمؤلف مزيدا من الحرية عن بعضها الآخر؛ فحين يكتب موسيقى خالصة ~~يكون أقل قيودا منه عندما يكتب موسيقى مصحوبة بالكلمات؛ إذ ~~يتعين على المؤلف في الحالة الأخيرة أن يشكل موسيقاه وفقا ~~لإيقاع النص ووزنه وقافيته إلى حد ما. وعندما يتابع الموسيقي ~~المعنى العقلي لنص ديني، فإنه يخضع موسيقاه لهذا النص. أما ~~عندما يكيف مؤلف موسيقي مثل فرجيل طومسون # Virgil Thomson # ألحانه وفقا ~~لأبيات «جرترود ستين # Gertrude ~~Stein ~~» العسيرة الفهم في قطعتيها «أربعة قديسين ~~وثلاثة فصول # Four Saints and Three ~~Acts ~~» ومن بعدها «أمنا جميعا # Mother of us ~~» فإنه عندئذ يذهب ~~إلى الطرف المضاد، فيتجاهل تماما المعنى العقلي للنص. # ولقد كان الفلاسفة السابقون، باستثناء شوبنهور ونيتشه، يؤكدون ~~الحاجة إلى لغة منطوقة من أجل إضفاء معنى ذهني على الانسياب ~~الإيقاعي للانفعال الموسيقي. كذلك كان كبار رجال الدين ينظرون إلى ~~الموسيقى على أنها وسيلة لنشر كلمة الله. وما زال النقد السوفييتي ~~الحديث يذهب إلى أن الموسيقي ينبغي ألا يقتصر على «الميل المتحيز ~~إلى الأشكال المعقدة من موسيقى الآلات والموسيقى السيمفونية، غير ~~المصحوبة بنص كلامي». # إن الشعر والموسيقى هما أكمل صورتين فنيتين يعبر بهما ~~الإنسان عن مشاعره وأفكاره؛ فهما أقدر أنواع الفن على التعبير عن ~~المشاعر، كل في ميدانه الخاص. على أن ما يكون له تأثيره في إحدى ~~هاتين الواسطتين قد يضيع إذا عبرت عنه الواسطة الأخرى. أما ~~عندما يمتزج البيت الشعري أو الفقرة النثرية مع اللحن بنجاح، بحيث ~~لا يفقد أيهما طابعه الفردي، وإنما يزيد كلاهما من فعالية الآخر، ~~فعندئذ يكون الموسيقي قد أدمج على نحو فني نادر بين صورتين ~~رائعتين من صور التعبير البشري. # والوسيلة التي تنقل إلينا أحوال المؤلف الموسيقي النفسية وأفكاره ~~وتعرفنا بها هي مقدرة القائم بالأداء وفهم قائد الأوركسترا؛ ~~فهؤلاء هم الرسل أو ms262 الوسائط بين ذلك العدد القليل من البشر ~~المبدعين وبين أولئك الذين يخشعون منا لتلك النفوس الخلاقة التي ~~تثري حياتنا بجمال النغم؛ فالخالق والمتذوق معتمدان معا على ~~القائم بالأداء. والعازف أو المغني البارع يؤدي أعمال موسيقي ~~ما بأمانة أعظم مما يؤديها فنان من الصف الثاني؛ فهو في الحالة ~~الأولى يعيد خلق المدونة الموسيقية بروح مؤلفها وأسلوبه، ~~وتتيح له حساسيته وقدرته على الفهم أن يميط اللثام عن أحوال ~~المؤلف، وينقلها إلينا، وأن يستخلص من المدونة الموسيقية ما ~~وضعه المؤلف فيها. وعليه أن يركز إحساسه في الموسيقى، ويفهم ~~كيف ينقل التفاصيل والفروق الدقيقة بين المشاعر، قبل أن يقوم ~~بأدائها بطريقة فعالة. وفي وسعه أن يبعث الحياة في الرموز ~~الموسيقية، ويجعل ما هو ماض وميت يحيا مرة أخرى من خلال الإيقاع ~~والنغم. # أما إذا كان القائم بالأداء أقل براعة، فلن يستطيع أن يؤكد ~~ويوضح سمات أسلوب المؤلف، أو أن يكون حساسا بما تتطلبه ~~المدونة من شروط دقيقة. ولن يميز بين طريقة مؤلف كبير أو آخر ~~في الغناء أو العزف أو القيادة، بحيث يبدو كل ما يعزفه متشابها ~~على نحو رتيب، وتغيب عنه الفروق الدقيقة بين أساليب مختلف ~~المؤلفين الموسيقيين، لعجزه عن الاندماج في حياة الفنان الذي ~~يحاول أداء أعماله والاندماج في موسيقاه. وقد يعين التدريب شخصا ~~كهذا على مراعاة الأوجه الآلية للأداء، ولكنه في النهاية لن يستطيع ~~أن يقدم إلى سامعيه إلا ما تمكن هو ذاته من استخلاصه من ~~الموسيقى، وما أضفته عليها حساسيته وفهمه، فإن كانت ملكتاه ~~الأخيرتان غير ناميتين، فسوف يظل صانعا أو حرفيا، ولكن لن يرقى ~~إلى مرتبة الفنان الموسيقي. # وتتألف الرموز الموسيقية التي يعيد القائم بالأداء خلقها لنا ~~في صورة موسيقى نغمية من قيم شكلية. هذه القيم تنطوي على أنماط ~~إيقاعية وتراكيب هارمونية هي تجسيد لمشاعر المؤلف الموسيقي ~~وأفكاره. ومهمة القائم بالأداء هي أن يحكي لنا تلك الأحوال ~~الموسيقية بإخلاص. وعندئذ تكون لهذه الموسيقى قيمة في نظرنا إذا ~~كانت تثير شعورا ذا طبيعة جمالية يفي بحاجاتنا النفسية ~~والاجتماعية، ويعمل على ms263 إعلاء حياتنا الدارجة، فيتيح لنا عندئذ ~~تحررا مؤقتا من مشاغلنا المباشرة، ويجتذبنا إلى عالم خيالي ~~نحلق فيه ثم نعود إلى المجرى الرئيسي لحياتنا وسلوكنا، وقد ~~انتعشنا وتجددت قوانا. وليس معنى ذلك أن من الواجب أن نقتصر في ~~استخدامنا للموسيقى على اتخاذها مخدرا يغرقنا في الأوهام؛ ~~فالقيمة الجمالية للموسيقى إنما تكون في مقدرتها على أن تجعلنا ~~ندخل مع الموسيقي الذي يصور لنا العالم كما يراه ويسمعه في ~~تجربة أو سلسلة من التجارب المشتركة. وبفضل الفن الموسيقي يمكن ~~أن تصبح حياتنا أكثر ثراء، ووجودنا أكثر امتلاء. ms264