######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.HerbertMarcuse.Hindawi61863515 #META# Tags: philosophy #META# ID: 61863515 #META# Title: هربرت ماركيوز #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # النقد الفلسفي‏ # النقد الاجتماعي‏ # مقومات الحضارة الجديدة‏ # ماركيوز بين واقع الثورة وأحلام الفلسفة‏ # مقدمة‏ # النقد الفلسفي‏ # النقد الاجتماعي‏ # مقومات الحضارة الجديدة‏ # ماركيوز بين واقع الثورة وأحلام الفلسفة‏ # | هربرت ماركيوز # | هربرت ماركيوز # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # في حياة كل عظيم فترة حاسمة هي تلك التي تأتيه فيها الشهرة وينال ~~اعتراف المجتمع بعد أن كان مغمورا. وفي أحيان غير قليلة تأتي هذه ~~الشهرة متأخرة، حين تفرض الأعمال الكبيرة نفسها على مجتمع ظل يتجاهلها ~~أو يقاوم تأثيرها أمدا طويلا. وقد لا يأتي اعتراف المجتمع بها إلا ~~على ما هي عليه، دون أن يطرأ عليها تغيير جوهري، ومع ذلك تقبل عليه ~~الشهرة في المرحلة الأخيرة من عمره، ويصبح ملء أسماع الناس وأبصارهم ~~بين يوم وليلة مع أن أفكاره ذاتها ظلت قبل ذلك في متناول أيدي الناس ~~عشرات طويلة من السنين. # وتلك واحدة من المفارقات العديدة التي تحفل بها حياة هربرت ماركيوز. ~~فقد صاغ آراءه الرئيسية في الثلاثينيات من هذا القرن، وربما قبل ذلك ~~ولم يهتم به الناس، بل إنه ظل - على أحسن الفروض - أستاذا ينال بعض ~~التقدير في الأوساط الأكاديمية المتخصصة، ولكن بعد مضي قرابة ثلث قرن ~~على نشره لآرائه، أتته الشهرة مفاجئة على هذه الآراء نفسها. ولم تكن ~~تلك شهرة من نوع مألوف، بل لقد أصبحت كتبه أشبه بالفيلم العالمي الذي ~~يراه الكبير والصغير في مختلف أرجاء الدنيا، وتحول أستاذ الفلسفة ~~الأكاديمي إلى «نجم» لامع، وأصبح الشيخ الأشيب معبود الشباب الثائر ~~المتمرد في العالم كله، وتحولت كتبه إلى دليل ثوري في أيدي كل من ~~يسيرون في مظاهرة أو يهاجمون رجال شرطة أو يعلنون إضرابا عاما. ~~ومجمل القول إن ذلك التفكير الذي صيغت معالمه الأساسية منذ أكثر من جيل ~~مضى، وفي ظروف عالمية تختلف إلى أبعد حد عن ظروف عصر الصواريخ الذي ~~نعيش فيه، قد أصبح في أيامنا هذه إنجيلا لأبناء الجيل الجديد، ومرشدا ~~لهم في سعيهم إلى تشكيل عالم الغد. # وليس لهذه المفارقات إلا تعليل واحد هو أن العالم قد تغير كثيرا ms01 ، ~~على حين أن ماركيوز لم يتغير إلا قليلا. فما هي إذن التغيرات التي ~~جعلت عالمنا يلتقي مع تفكير هذا الرجل ويحوله من فلسفة أكاديمية إلى ~~دليل عمل لكل من يؤمن بأن المجتمع الإنساني في حاجة إلى تغيير شامل؟ ~~ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يفهم فكر ماركيوز في ضوئه. وتلك هي المهمة ~~التي نود أن نأخذها على عاتقنا في هذا البحث، والتي ستتيح لنا أن نقوم ~~بتقييم شامل لفكر ماركيوز، نتبين من خلاله مدى جدارة هذا المفكر ~~بالشهرة الخيالية التي سعت إليه، ومدى قدرته على التعبير عما ينبغي أن ~~يرفضه إنسان الحاضر، وما ينبغي أن يحققه إنسان المستقبل. ~~••• # ولد هربرت ماركيوز في برلين عام 1898م لوالدين يهوديين. وينبغي أن نظل ~~نذكر هذه الحقيقة ونحن نتتبع مجرى تفكيره؛ إذ يبدو - بالرغم من ~~الاعتقاد الشائع بأنه مفكر ذو نزعة عالمية خالصة - أنه لم يستطع التخلص ~~من تأثير هذا الأصل اليهودي تخلصا تاما. وقد درس الفلسفة في جامعة ~~برلين ثم في فرايبورج على الفيلسوف الألماني الكبير «هيدجر» وحصل من ~~هذه الجامعة الأخيرة على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وكان موضوع رسالته ~~أنطولوجيا هيجل وعلاقتها بفلسفته في التاريخ. وفي الوقت ذاته، بدأ ~~اهتمامه بالسياسة يتخذ صورة تعاطف مع الحركة الديمقراطية الاشتراكية ~~الألمانية، ولكنه انفصل عنها عام 1919م بعد حدث ضخم هو مقتل الزعيمين ~~روزا لوكسمبرج وكارل ليبكنشت. وعلى الرغم من أنه أصبح في عام 1927م ~~رئيسا لتحرير مجلة تدين بمبادئ هذه الحركة، مجلة # Gesellshaft ~~، فقد كان يقوم بهذه ~~المهمة دون أي ارتباط فعلي بمبادئ هذا الحزب. # وعندما تولى النازيون الحكم عام 1933م، غادر ماركيوز ألمانيا، شأنه ~~شأن الغالبية العظمى من الأساتذة والعلماء اليهود في ألمانيا، وبدأت ~~مرحلة جديدة من حياته، انقطعت فيها روابطه ببلده الأصلي، وبدأ يبحث ~~لنفسه عن وطن ثان. وبعد فترة لم تزد عن سنة قام خلالها بالتدريس في ~~جنيف، رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يزال يقيم فيها حتى ~~اليوم. # وقد أسس ماركيوز بعد رحيله إلى الولايات المتحدة مباشرة، وبالاشتراك ~~مع ms02 زميله ماكس هوركيمر # Max Horkheimer # معهد البحوث ~~الاجتماعية # Institute Of Social Reseacrh # أو لنقل على الأصح أنهما نقلا هذا المعهد ~~من مقره في فرانكفورت إلى جامعة كولومبيا في نيويورك. # ولكن قليلا من الكتب التي ألفت عن ماركيوز تذكر في معرض حديثها عن ~~حياته، أنه اشتغل في مكتب ~~أبحاث المخابرات # Office Of Intelligence ~~Research # التابع لوزارة الخارجية الأمريكية ~~لمدة عشر سنوات، كان يعمل خلالها في القسم المختص بشئون شرق أوروبا ~~ووصل إلى وظيفة نائب رئيس هذا المكتب. وامتدادا لهذا العمل، اشتغل ~~بمعهد الشئون الروسية التابع لجامعة هارفارد، وكان كتابه «الماركسية ~~السوفيتية» ثمرة لعمله في هذا المركز الأخير. # وقد انضم ماركيوز من عام 1954م إلى عام 1967م إلى هيئة التدريس بجامعة ~~برانديس # Brandeis ~~، ثم انتقل إلى ~~جامعة كاليفورنيا، حيث لا يزال يعمل حتى اليوم. # ولو شئنا أن نستخلص أهم المعالم في هذا العرض الموجز لحياة هربرت ~~ماركيوز، أعني تلك المعالم التي تلقي ضوءا على فكره وتفسر اتجاهاته ~~المتباينة، لكانت أبرز هذه المعالم في رأيي هي: ~~(1) # انتماؤه إلى أسرة يهودية، وهو الانتماء الذي ظل ماركيوز ~~متمسكا به، ولم يحاول أن يعلن تحرره منه، كما فعل ماركس ~~بصورة قاطعة، وكما فعل فرويد بصورة تكاد تكون قاطعة. وليس ~~أدل على ذلك من تلك المدة الطويلة التي قضاها في جامعة ~~برانديس بالولايات المتحدة. # ذلك لأن هذه الجامعة يهودية بحكم نشأتها. وهي معقل ~~الثقافة اليهودية في أمريكا، وجميع أعضاء هيئة التدريس ~~والطلبة فيها من اليهود. ~~(2) # اتجاهه إلى التعاطف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي في ~~ألمانيا، ثم إعلانه بعد ذلك استقلاله عن جميع الأحزاب؛ ذلك ~~لأن هذا الاستقلال أتاح له أن يتخذ مواقف تبدو كأنها تعبر ~~الحواجز بين الأيديولوجيات المتعارضة، دون أن يجد في ذلك ~~ما يتناقض مع معتقداته السياسية والاجتماعية ~~الأصلية. ~~(3) # اشتغاله لمدة طويلة في أعمال تخدم نشاط الحكومة ~~الأمريكية المتعلق بالشئون الروسية وشئون أوروبا الشرقية ~~بوجه عام، مما يحمل على الاعتقاد باستحالة أن يكون موقفه ~~الحقيقي هو موقف الحياد بين المعسكرين. ~~(4) # اتخاذه الولايات المتحدة وطنا ثانيا أقام ms03 فيه منذ عام ~~1934م؛ أي حوالي نصف عمره، مما أتاح له فرصة الاطلاع الكامل ~~عن كثب على أحوال الحياة في أكثر البلاد الرأسمالية ~~تقدما، وزوده بمعرفة مباشرة عن طبيعة المجتمع الصناعي ~~المتقدم، لا سيما وهو قد رحل إليها في سن النضوج، وفي وقت ~~كانت فيه قدراته الفكرية قد بلغت مستوى يتيح له القيام ~~بتحليلات عميقة للمجتمع الذي يعيش فيه. # ولسنا نود، في الوقت الحالي، أن نبحث في مدى الاتساق بين هذه المعالم ~~الرئيسية الأربعة في حياة ماركيوز، ولا سيما الثالث والرابع منها؛ ذلك ~~لأنه يبدو أن هناك تناقضا بين قبوله الاشتغال في خدمة النشاط الأمريكي ~~الموجه ضد أوروبا الشرقية عامة وبين نقده الحاسم للمجتمع الصناعي ~~المتقدم كما يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص. وتلك ~~بالفعل مسألة جديرة بالبحث؛ لأنها تلقي ضوءا على موقفه العام من ~~الأيديولوجيات المعاصرة وتكشف عن التيارات الخفية الكامنة وراء كثير من ~~آرائه ذات المظهر التقدمي البراق. غير أننا لن نستطيع خوض موضوع معقد ~~كهذا - هو في واقع الأمر متعلق بتقييم ماركيوز من حيث هو مفكر ~~أيديولوجي بوجه عام - إلا بعد أن نكون قد عرضنا الجوانب الرئيسية ~~لتفكيره. # | النقد الفلسفي # تبلور تفكير ماركيوز من خلال حوار صامت أجراه مع «هيجل وماركس ونيتشه ~~وفرويد» ومن خلال حوار حقيقي أجراه مع «هيدجر». وإذا كان من المعترف به ~~أن هذه هي الشخصيات الرئيسية التي تحكمت في تشكيل فكر الإنسان المعاصر، ~~فمن الصعب أن نتصور كيف يستطيع عقل واحد أن يستوعب كل هذه المؤثرات ~~المتعارضة ويعترف صراحة بأنه كان بالفعل تلميذا لكل هؤلاء في آن واحد. ~~على أن كل شيء - كما هو معروف - يتوقف على نوع «التلمذة» التي ربطت بين ~~ماركيوز وبين هؤلاء الأقطاب. والأمر المؤكد أنه كان تلميذا خلاقا، ~~وأن شخصيته كانت هناك دائما، أيا كانت قوة المصادر التي أثرت في ~~تفكيره. # على أن تأثير هذه الشخصيات على ماركيوز لم يمارس في وقت واحد ~~أو في نفس الميادين؛ فقد كان تأثير «هيجل» هو الأسبق، وهو الذي ظل ~~ملازما له ms04 حتى النهاية. وتلاه تأثير ماركس، ومع «نيتشه». وفي مرحلة ~~تالية كان تأثير «فرويد»، ثم «هيدجر»، «ومن جهة أخرى فإن تأثير هيجل وهيدجر ~~كان أقرب إلى الطابع الفلسفي، على حين أن «ماركس ونيتشه وفرويد» قد زودوه ~~بالأسلحة اللازمة لنقد المجتمع الحديث نقدا حضاريا ~~وأيديولوجيا.» # ولكن هذا كله قد يوحي بأن تفكير ماركيوز قد سار في ميادين منفصلة. بل ~~إن عنوان هذا القسم قد يعني أن ثمة نقدا فلسفيا مستقلا، وأن لدى ~~ماركيوز مذهبا واسع الأطراف، يعالج في جانب منه مشكلات فلسفية خالصة ~~وفي جانب آخر مشكلات اجتماعية أو نفسية أو فنية. وحقيقة الأمر أن هذه ~~الصورة التجزيئية، وإن كانت تصدق على كثير من المفكرين، هي أبعد ما ~~تكون عن الصواب في حالة ماركيوز؛ ذلك لأن من الميزات القليلة لفكره ذلك ~~التماسك والإحكام وروح الوحدة التي تبلغ أحيانا حد التكرار شبه الحرفي ~~للآراء؛ فهناك علاقة عضوية وثيقة بين كل ما يقوله ماركيوز في مختلف ~~مجالات الفكر. # ولقد تعمدنا أن نبدأ هذا العرض لفكر ماركيوز بالكلام عن نقده الفلسفي ~~لسببين رئيسيين: «أولهما» أن النقد الفلسفي عنده أساس لكل نقد آخر، وأن ~~الفلسفة هي التي تقدم بذور تفكيره في سائر الميادين، «وثانيهما» أن نظرته ~~إلى الفلسفة - التي يفترض أنها أكثر ميادين الفكر تجريدا - كانت أبعد ~~ما تكون عن التجريد، بل إن الفلسفة عنده يستحيل أن تنعزل وتنتحي ~~جانبا، تاركة بقية ميادين النشاط الروحي وشأنها؛ فهي على الدوام ~~متشابكة متداخلة مع هذه الميادين. ومن هنا كان عرض نقده الفلسفي في ~~بداية هذا البحث يمثل في الواقع إشارة واضحة إلى تلك الوحدة الفكرية ~~العميقة التي هي من أبرز سمات هذا الفيلسوف. ~~••• # إن تفكير ماركيوز يعد في واقع الأمر نموذجا للبحث الفلسفي الذي لا ~~يكتفي بمعالجة المفاهيم أو المذاهب بصورة تجريدية تعزلها عن مضمونها ~~الاجتماعي، بل هو يحاول دائما كشف هذا المضمون حتى في أشد المفاهيم ~~تجريدا، وحتى في تلك المذاهب التي تبدو بعيدة كل البعد عن حركة الواقع ~~ومجرى التاريخ. وهو من جهة أخرى ينقب عن ms05 الأسس الفلسفية للحركات ~~والتيارات الاجتماعية في عصرنا الحديث بوجه خاص، ويؤمن بأن هناك، من ~~وراء كل ممارسة عملية أساسا نظريا تستطيع الفلسفة أن تعبر عنه ~~تعبيرا كافيا. ~~«وهكذا يتبين لنا، في موقف ماركيوز من الفلسفة، اتجاهان متكاملان: ~~أولهما الاتجاه إلى كشف الأساس العيني - المستمد من تجربة المجتمع ~~الفعلية - للمعاني والأفكار الرئيسية التي تحكمت في مسار الفكر ~~الفلسفي، وثانيهما هو الاتجاه المقابل الذي لا يكتفي، في تحليله لأية ~~حركة اجتماعية، بالوصف المباشر، بل يمضي في التحليل حتى يكتشف لها ~~أسسا فلسفية عميقة.» ومن الجلي أن الاتجاه الأول يبدو كما لو كان يقضي ~~على الطابع المميز للفلسفة؛ إذ إنه لا يعترف بالاستقلال الذاتي ~~للمفاهيم الكبرى في الفلسفة، وإنما يربطها على الدوام بسياق أوسع، هو ~~سياق العلاقات الاجتماعية التي تكتسب هذه المفاهيم معناها الحقيقي ~~منها، ومن ثم فهو ينكر أن يكون للفلسفة تطور تلقائي مستقل، وإنما يجعل ~~تطورها جزءا من التطور الأعم الذي مرت به المجتمعات البشرية في كفاحها ~~من أجل حياة تسودها علاقات متحررة من الظلم والاستغلال. غير أن الاتجاه ~~الثاني يعوض تأثير الأول، ويعيد تأكيد هذا الطابع المميز للفلسفة، بل ~~إنه يجعل الفكر الفلسفي النظري منبثا في أكثر حركات التاريخ عينية ~~وأقواها تأثيرا في حياة الناس العملية. ومن ثم فإن الفلسفة تصبح، في ~~هذه الحالة، هي التيار الخفي الذي يتحكم في كل ما يظهر فوق السطح من ~~اتجاهات. # ومعنى ذلك أن إضفاء الطابع العيني على الفلسفة لا يتم - عند ماركيوز ~~- على حساب الفلسفة ذاتها، وهو في ذلك يتميز عن الكثيرين ممن يستهويهم ~~هدف القضاء على عزلة الفلسفة وتستبد بهم الرغبة في إعطائها وظيفة عملية ~~من نوع ما، وإزالة الحواجز بينها وبين بقية مظاهر النشاط العيني ~~للإنسان، فينتهي بهم الأمر إلى القضاء على خصوصية التفكير الفلسفي، أو ~~إلغاء كل ما هو مميز له. فقيمة المحاولة التي قام بها ماركيوز - مع ~~الاعتراف بكل ما يشوبها من عيوب سننبه إلى البعض منها بعد قليل - تكمن ~~في أنها قد احتفظت للفلسفة بكل عناصرها، واكتشفت، داخل ms06 هذه العناصر، ~~مضمونا عينيا هو أساس تلك النظرة الجديدة التي تأمل بها ماركيوز ~~مفاهيم الفلسفة وتياراتها الكبرى. # ولقد عبر ماركيوز ذاته تعبيرا واضحا عن نظريته الجديدة هذه، ~~القائلة بوجود مضمون اجتماعي وتاريخي حتى لأشد المفاهيم الفلسفية ~~تجريدا، فقال: «توجد في الفلسفة مفاهيم أساسية لها طابع ميتافيزيقي ~~ينأى بها عن الجذور الاجتماعية التاريخية للفكر. ويبدو أن بقاء مضمونها ~~على ما هو عليه في أشد النظريات الفلسفية تباينا هو أقوى تبرير لفكرة ~~«الفلسفية الأزلية ~~الثابتة Philosophia Perennis ~~» ومع ذلك فحتى أرفع التصورات الفلسفية وأشدها ~~مفارقة تخضع للتطور التاريخي، وليس ما يتغير هو مضمونها، بقدر ما هو ~~موقعها ووظيفتها داخل المذاهب الفلسفية.» # 1 # ومن الجدير بالذكر أن ماركيوز قد اتخذ هذا الموقف من الفلسفة منذ ~~بداية حياته الفكرية الناضجة، وكان اتخاذه هذا الموقف تعبيرا عن ~~طريقته الخاصة في الجمع بين تأثير «هيجل وماركس وهيدجر» في مركب واحد؛ ~~ذلك لأن هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، وإن اختلفوا في اتجاههم العام ~~اختلافا هائلا، يشتركون جميعا في أنهم يؤمنون بأن للفلسفة طابعا ~~عينيا، وبأن عهد التجريد المطلق قد انتهى. وهكذا نرى ماركيوز يؤلف ~~بحثا من أول كتاباته بعنوان «في الفلسفة العينية # über konkrete Philosophie ~~» ~~(1929م) وينطلق فيه من أفكار «هيدجر»كما عبر عنها في كتابه الأكبر ~~«الوجود والزمان»، ليمزجها بأفكار «هيجل وماركس» في التاريخ، ويخرج من ~~هذا كله بوظيفة جديدة للفلسفة - حتى في أشد اتجاهاتها إغراقا في ~~التجريد - هي في أساسها وظيفة عينية مرتبطة بالواقع والتاريخ، ~~وبالمجتمع الذي نشأت فيه. # إن الحقيقة الفلسفية، في رأى ماركيوز، لا تعيش في عالمها الخاص، ~~عالمها المفارق الذي انقطعت جميع روابطه بعالم الإنسان، بل إنها ترتبط ~~ارتباطا وثيقا بممارسة الإنسان العملية، وبوجود الإنسان في معناه ~~العيني لا المجرد. هذا الوجود العيني لا يمكن أن يفهم بمعزل عن اللحظة ~~التاريخية التي يتحقق فيها، وعن المجتمع الذي يحدد لقدرات الإنسان ~~وإمكاناته مجالا تمارس فيه. وينبغي أن نذكر أن هذ العنصر التاريخي ~~الذي يتحكم في تحديد معنى المفاهيم والمشكلات الفلسفية وفي تطورها ليس ~~مجرد حالة عارضة ms07 تضاف إلى أساس ثابت، بل جزء لا يتجزأ من بناء هذه ~~المفاهيم والمشكلات. ولا جدال في أن التشابه واضح بين نظرة ماركيوز ~~الديناميكية العملية إلى الفلسفة، وبين رأي ماركس القائل إن على ~~الفلسفة ألا تكتفي بفهم العالم، بل ينبغي أن تعمل على تغييره. # ولو أمعن المرء النظر في موقف ماركيوز لتبين له أن ينطوي على نقد ~~لنوعين من المذاهب الفلسفية: الأولى هي تلك المذاهب التي تؤمن بأن ~~للفلسفة طابعا مطلقا يعلو على الزمان، وبأن مشكلاتها أزلية لا يؤثر ~~فيها أي تطور تاريخي، أعني المذاهب التي لا تعتقد بأن هناك تطورا ~~فلسفيا، وربما ذهبت إلى حد القول بأن هذا التطور - إن وجد - قابل ~~للانعكاس. أما النوع الثاني من المذاهب التي ترفضها نظرة ماركيوز هذه، ~~فهي تلك التي تقوم على أساس تجريبي محض. وقد يبدو لأول وهلة أن المذاهب ~~التجريبية تقترب من تحقيق هدف ماركيوز في إقامة الفلسفة على أساس عيني، ~~ولكن حقيقة الأمر هي أن حرص هذه المذاهب على التقيد بالتجربة يجعلها ~~تلتزم الواقع في صورته القائمة بالفعل، ولا تلقي بالا إلى أية إمكانات ~~قد تكون كامنة في قلب هذا الواقع دون أن تظهر فيه ظهورا فعليا في ~~حالته الراهنة، وتلك، في رأي ماركيوز، آفة من الآفات التي يمكن أن تصيب ~~الفلسفة، إذ إنها تحكم عليها بأن تظل إلى الأبد حبيسة «الوضع الراهن»، ~~عاجزة عن المشاركة بأي نصيب في نقل ما هو ممكن، وما يسعى جاهدا إلى ~~تحقيق ذاته، إلى مستوى الواقع الفعلي. # ولعلنا نستطيع، في ضوء نقد ماركيوز هذا لكافة ضروب المذاهب ~~التجريبية، أن نزيد فكرته عن «الفلسفة العينية» إيضاحا. فمن الواضح، ~~بعد ما قلنا، إن المقصود بالفلسفة العينية ليس على الإطلاق تلك الفلسفة ~~التي تقتصر على ما هو عيني مباشر، أو تلتزم عالم الواقع على ما هو ~~عليه. إنها على عكس ذلك، تستخلص من قلب الواقع ما هو ممكن فيه، وبذلك ~~يمكن القول إنها تعترف بالواقع من ناحية، وتنكره وترفضه من ناحية أخرى. ~~ولا بد أن تتسم كل فلسفة ms08 عينية أصيلة بقدر من عنصر الرفض هذا - ومن هنا ~~كان للفلسفات التي تستهدف العلو على الواقع بعض العذر، وإن كان معظمها ~~يذهب، كما ذكرنا من قبل، إلى حد إقامة عالم مفارق انقطعت كل الأسباب ~~بينه وبين عالم الوجود الإنساني الفعلي - فليس هناك، في رأي ماركيوز، ~~حد فاصل قاطع بين الممكن والواقع؛ إذ إن الإمكانات الكاملة لأي شيء لا ~~تتحقق في أية لحظة بعينها من لحظات واقعه، كما أن الواقع، من جهة أخرى، ~~لا يفهم إلا بالإشارة إلى وجود هذه الممكنات في الماضي واحتمال تحققها ~~في المستقبل، ومن هنا كان الموجود والممكن متداخلين، يستحيل فهم أحدهما ~~بدون الآخر. # وعلى أساس هذا الفهم للفلسفة العينية عند ماركيوز نستطيع أن نقدم ~~عرضا موجزا لبعض تحليلاته الفلسفية التي ارتكزت على فهمه هذا، والتي ~~يتجلى فيها كلها وجود خط واحد يتبعه في تحليل المفاهيم الفلسفية من ~~ناحية، وفي تحليل المذاهب من ناحية أخرى. وسوف نختار نماذج من تحليلاته ~~هذه توضح، بصورة أقرب إلى الطابع العلمي، طريقته في التراث ~~الفلسفي. ~~••• # لا شك في أن أشهر المفاهيم التي قام ماركيوز بتحليلها هو مفهوم ~~«الماهية» # Essence # الذي خصص له ~~دراسة كاملة أعيد نشرها حديثا في كتاب # Negations ~~. ففي رأيه أن مفهوم ~~«الماهية» كان يعبر دائما عن الوجود الحق، الأصيل، في مقابل الوجود ~~العارض المتغير. وتتجلى هذه الصفة بوضوح منذ أول استخدام فلسفي عميق ~~لهذا المفهوم؛ أي منذ عهد أفلاطون؛ ذلك لأن أفلاطون عندما أكد أن ~~الوجود الحق هو الوجود الكلي الشامل، وهو الوحدة داخل الكثرة، لم يكن ~~يقدم رأيا معينا في المعرفة أو في كيفية حصول العلم فحسب، ولم يكن ~~يعبر عن رأي أنطولوجي في طبيعة الوجود فحسب، بل كان يعرض فكرة أخلافية ~~نقدية في أساسها. إن التفرقة بين الماهية وبين المظهر أو المثال الجزئي ~~هي في واقع الأمر تفرقة بين وجود أصيل يستحق أن يكون، ووجود زائف يتصف ~~بأنه كائن فحسب. وحين يبني أفلاطون نظريته في المثل على أساس وجود عالم ~~آخر «حقيقي» من وراء عالم الحواس ms09 الخادعة، فإن في هذه التفرقة بين ~~العالمين تأكيدا ضمنيا بأن وجود الأشياء لا يستنفد كله فيما تكون ~~عليه هذه الأشياء في صورتها المباشرة، وبأنها لا تبدو على النحو الذي ~~تسمح لها إمكاناتها بأن تكون عليه، أي أن الوجود المباشر (المظهر) ناقص ~~بالقياس إلى الإمكانات التي يدركها الذهن بوصفها ماهية للشيء. وعندئذ ~~تكون فكرة المثال أو الصورة # eidos # عند أفلاطون تعبيرا عن معيار تقاس ~~به المسافة التي تفصل بين الوجود المباشر للشيء، وبين ما يمكن أن يكونه الشيء، # 2 # أي أن هذه الفكرة في أساسها نقدية تعبر عن موقف سلبي من ~~العالم الذي يعيش فيه الفيلسوف. # وقبل أن نمضي قدما في متابعة هذا التحليل الطريف الذي يقدمه ماركيوز ~~لمفهوم الماهية عند أكبر فلاسفة اليونان، نود أن نتأمل تحليله هذا ~~بنظرة ناقدة، حتى لا يستقر في ذهن القارئ أن رأي ماركيوز هذا تعبير عن ~~حقيقة موضوعية، وحتى يوضع هذا الرأي في موضعه الصحيح، بوصفه مجرد ~~اجتهاد شخصي قد يكون فيه قدر غير قليل من التعسف. # ذلك لأن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن كل مذهب يقول بازدواج العالم، ~~ويضع في مقابل العالم الذي نعيش فيه عالما آخر يتميز بكل ما يفتقر ~~إليه عالمنا هذا من فضائل - كل مذهب كهذا يقف من عالمنا الواقعي موقفا ~~سلبيا ويعبر عن رفضه له. ولكن الموقف السلبي أو الرفض يختلف معناه، ~~وتتباين دلالته تباينا تاما، حسب نوع العالم المرفوض، ففي حالة ~~أفلاطون كان العالم الذي رفضه هو عالم الديمقراطية الأثينية التي كان ~~أفلاطون يضمر لها كراهية عميقة - كان عالما ديناميا متغيرا يتنافى ~~مع المثل العليا الأوليجاركية السكونية التي يؤمن بها مفكر أرستقراطي ~~مثل أفلاطون؛ ولذلك كانت نظرية المثل عنده أبعد ما تكون عن الدعوة إلى ~~التغيير والنقد، بل كانت في حقيقتها رفضا لعالم متغير، وأملا في عودة ~~العالم التقليدي السكوني القبلي مرة أخرى. أو هي - بعبارة أخرى - رفض ~~لممكنات ظهرت وتحققت وازدهرت بالفعل في سبيل العودة بالأشياء إلى وضعها ~~الأقدم والأكثر ثباتا، الذي كانت فيه ممكناتها هذه ms10 مطوية مخفية. ومجمل ~~القول إن ماركيوز تجاهل نزعة أفلاطون المحافظة تجاهلا تاما، وأضفى ~~على بحثه عن الماهية «طابعا ديناميا» هو أبعد ما يكون عنه. # وفي وسع المرء أن يذهب في هذا النقد شوطا أبعد، فيقول - ضد ماركيوز ~~- إن البحث عن عالم الحقيقة تمثل الماهية الحقة للأشياء يمكن أن يكون ~~في أساسه سعيا إلى إيقاف كل تغير، وكبت كل نقد، وقبول للأمر الواقع ~~على ما هو عليه. ولدينا على ذلك مثال واضح في التفسير الرجعي لفكرة ~~«العالم الآخر» في الأديان، وهو التفسير الذي يؤدي إلى الاستسلام لكل ~~المظالم والشرور السائدة في عالمنا هذا، بحجة أنها ستعوض في العالم ~~الآخر، وأن الظالم سيلقى جزاءه الحق في الآخرة، ومن ثم فلا داع للقصاص ~~منه، أو حتى لمقاومته، في هذه الحياة. فإذا علمنا أن فكرة العالم الآخر ~~تمثل «عالم الماهية الحقة» بالنسبة إلى العالم الحاضر الزائل والزائف، ~~وأنه هو الذي تتحقق فيه الممكنات التي لا يكشف عنها الوجود الراهن ~~للأشياء كشفا كاملا؛ لتبين لنا أن فكرة الماهية، بالمعنى الذي عرضها ~~به ماركيوز، لا يتعين أن تكون ناقدة رافضة، بل قد تكون في بعض الأحيان ~~تعبيرا عن أوضح أنواع الاستسلام وقبول الأمر الواقع. # ويشير ماركيوز إلى التحول الذي طرأ على مفهوم الماهية في العصر ~~الحديث، وخاصة عند ديكارت، فينبه إلى أن وجود القوى اللاشخصية ~~المجهولة، قوى السوق والعمل، قد جعل الفرد ينقل الماهية إلى ذاته بحيث ~~يرى أنه هو وحده الثابت المضمون وسط عالم خارجي لا يمكن السيطرة على ~~تقلباته، ومن هنا أصبحت الماهية الوحيدة هي ماهية الذات المفكرة، وأصبح ~~الشعار الفلسفي السائد هو أنني «أدرك نفسي على أنني كائن تنحصر ماهيته ~~الوحيدة في كونه مفكرا» ذلك لأن البورجوازية، التي حملت لواء الفلسفة ~~الحديثة، قد فسرت العلاقة بين الماهية والمظهر في فجر عهدها، على أساس ~~أن استقلال الذات العاقلة هو الذي يشيد ويبرر الحقائق النهائية القصوى ~~التي تتوقف عليها كل حقيقة نظرية وعملية، فالفرد المفكر لديه حرية تضم ~~في داخلها ماهية الإنسان والأشياء. # 3 # والخطوة ms11 الرئيسية التالية في تطور مفهوم الماهية، تتمثل في ظاهريات ~~هوسرل. هنا تصبح الماهية ما لا يتغير في تلك التمثلات التي يمكن أن ~~تطرأ عليها شتى أنواع التحول والتبدل بفعل الخيال . صحيح أن الماهية تظل ~~في هذه الحالة، كما كانت دائما على مر تاريخ الفلسفة، هي الثابت وسط ~~المتغيرات، ولكن التقابل لا يعود هنا بين ثبات الفكر الداخلي وتغير ~~العالم الخارجي، بل بين ثبات وتغير ينتميان معا إلى مجال الذاتية. ~~فالماهية لا تعود معبرة عن توتر بين الأنا المفكر وبين الوجود الواقعي ~~ولا بين ما هو موجود بحكم الأمر الواقع وما يمكن أو يجب أن يوجد، بل إن ~~الماهيات التي تصفها الظاهريات تتميز بأنها ماثلة على ما هي عليه، دون ~~أي توتر في داخلها. ويرى ماركيوز في قبول الظاهريات لما يرد إلينا على ~~النحو الذي يرد عليه، وفي اكتفائها بوصفه، ومناداتها بشعار «العود إلى ~~الأشياء»؛ يرى في ذلك كله تعبيرا عن طابع الاستسلام، واختفاء لروح ~~النقد والرفض التي كانت تميز الفلسفات الكبرى الماضية. ولنذكر ها هنا ~~أن «الأشياء» التي تدعو الظاهريات إلى العودة إليها ليست تلك الأشياء ~~المادية التي تصادفها في العالم الموضوعي، وإنما هي أشياء منتمية إلى ~~مجال الذات الترنسندنتالية، وهو المجال الذي يتساوى فيه كل شيء من حيث ~~هو واقعة للوعي؛ ولذلك فإن زعم الظاهريات أنها تتحرر من كل المسلمات ~~والفروض السابقة (بشأن الوجود الفعلي للأشياء) يعني، في حقيقة الأمر، ~~أنها تضع الأشياء جميعا على قدم المساواة. # إن الظاهريات تصل إلى ماهيات الأشياء عن طريق تجريد واقعيتها الحادثة # Facticité # فحسب، أي تجريد انتمائها إلى العالم المكاني الزماني فحسب. ~~«ولكن استخلاص فيلسوف الظاهريات لتجريداته عن طريق البدء بما هو موجود، ~~هو الذي يجعل الظاهريات تتخلى عن فكرة وجود أي تعارض أساسي بين الواقع والإمكان.» # 4 # فعالم الإمكان عند الظاهريات هو ذاته عالم الواقع وقد ~~أعيد ترديده على مستوى آخر. ومن هنا كان الطابع الوصفي الذي تتسم به ~~الظاهريات عيبا يفرضه عليها منهجها، وليس ميزة كما تصور هوسرل؛ إذ إن ~~هذا ms12 الوصف الظاهرياتي، وإن كان قد احتفظ بالتمييز بين الماهية والوجود، ~~قد أزال عن هذا التمييز أهم وظيفة له، ألا وهي الوظيفة التي تؤدي إلى ~~الوقوف من الواقع موقفا نقديا. # ومن هنا كان حكم ماركيوز القائل إن «مفهوم الماهية في مذهب الظاهريات ~~يذهب في ابتعاده عن أية دلالة نقدية إلى حد أنه ينظر إلى الأساسي وغير ~~الأساسي، وموضوع الخيال فضلا عن موضوع الإدراك الحسي، على أنها جميعا ~~«وقائع». ومن هنا فإن الخصومة الإبستمولوجية التي يبديها هذا المذهب ~~للفلسفة الوضعية لا تكاد تنجح في إخفاء اتجاهه الخاص الذي كان بالفعل وضعيا.» # 5 ~~••• # وكما أعاد ماركيوز تفسير مفاهيم فلسفية رئيسية، فقد كان له رأيه ~~الخاص، المتميز، في فهم المذاهب الفلسفية السابقة. ونستطيع القول إنه ~~ما من مذهب فلسفي عرض له ماركيوز إلا وألقى عليه ضوءا جديدا مستمدا ~~من طريقته الأصيلة في تفسير التاريخ السابق للفلسفة. ولقد أشرنا من ~~قبل، بصورة ضمنية، إلى موقف ماركيوز من فلسفة أفلاطون وبعض الفلسفات ~~الحديثة، وبخاصة فلسفة الظاهريات. ولو شاء المرء أن يقدم عرضا لطريقته ~~في فهم المذاهب الفلسفية لاقتضى ذلك منه جهدا شاقا، وشغل حيزا ~~كبيرا؛ إذ إن هناك دائما ما هو جديد، وما هو شائق، في هذا الفهم. ~~ولكنا سوف نكتفي ها هنا بمثلين؛ أحدها تفسيره لهيجل، والآخر تفسيره ~~للفلسفة الوضعية. أما تفسيره لماركس وفرويد فإن بقية أجزاء هذا البحث ~~سوف تتضمن عرضا أوسع له، وذلك من خلال مناقشة رأي ماركيوز في المشكلات ~~التي حدد هذان المفكران إطارها العام. # لقد استطاع هيجل - كما يفسره ماركيوز - أن ينقل المذهب المثالي من ~~مرحلة الاستسلام للأمر الواقع والدفاع عنه إلى مرحلة النقد المكافح ~~الذي يعتمد أساسا - في مجال الفكر - على مفهوم السلب؛ ذلك لأن الكثيرين ~~يعرفون عن هيجل أنه جعل للفكر مسارا ديالكتيكيا، تحتل فيه فكرة ~~السلب مكانة رئيسية، ويعلمون أن من صميم فلسفة هيجل القول باستحالة ~~فهم، أو تحقيق أي تطور فيها، إلا إذا أصبح السلب جزءا لا يتجزأ من ~~كيانها ومن طبيعتها الباطنة. فكل شيء لا يكون ms13 له معنى حقيقي إلا من ~~خلال السلب الكامن فيه، هذا كله معروف، وهو من بدهيات فلسفة هيجل. ~~ولكن القليلين فقط هم الذين تساءلوا عن دلالة هذا الاهتمام بالسلب عند ~~هيجل وعن أثره في تحويل مجرى المثالية من فلسفة تتجاهل الواقع وتغمض ~~عينيها عنه، وتدعو إلى تركيز آمال الإنسان في عالم مفارق منقطع الصلة ~~بعالم الحياة النابضة، إلى فلسفة تسهم بدور إيجابي، لا في فهم الواقع ~~فحسب، بل في محاولة تغييره، بالفكر على الأقل. وإنها لمفارقة عجيبة أن ~~تكون فكرة السلب هي وسيلة الفلسفة المثالية في الانتقال إلى اتخاذ موقف ~~إيجابي من العالم المحيط بنا، غير أن العجب يزول إذا أدركنا أن السلب ~~هنا هو النبض المحرك للفكر والواقع معا، وهو الذي يضفي عليهما القدرة ~~على اتخاذ مواقع جديدة تزيد من ثراء الحياة وامتلائها. # ذلك لأن المثالية تكتفي عادة بتركيز جهدها على عالم الفكر، وتصل في ~~تعمقها لذلك العالم إلى أبعاد يعجز أي مذهب آخر عن بلوغها. ولكنها خلال ~~ذلك لا تبدي اهتماما كبيرا بالتناقض الذي يولده جهدها هذا بين الفكر ~~والواقع. إنها تتصور الواقع معقولا؛ لأن العقل هو الذي يضفي على ~~الواقع طابعه وقالبه، بل هو الذي يكون بناء الواقع ذاته. غير أن بعض ~~مجالات الواقع، على الأقل، تظل متحدية لتنظيم العقل، وتلك بعينها هي ~~المجالات التي تتجاهلها المذاهب المثالية التقليدية. أما مثالية هيجل ~~فإنها تتخذ نقطة بدايتها من هذه المجالات بعينها. ففي كتابات هيجل عود ~~دائم إلى عالم التجربة، ومحاولة لا تكل من أجل إيجاد دور للعقل في ~~تنظيم هذا العالم. ولكن هيجل كان يؤكد، في الوقت ذاته، أن كل وضع لعالم ~~التجربة يكون فيه ذلك العالم متناقضا مع العقل إنما هو وضع مؤقت، ومن ~~ثم يتعين رفضه وتجاوزه. وهكذا تكون المثالية الهيجلية، كما فسرها ~~ماركيوز، # 6 # مرتبطة بنزعة الرفض والسلب - رفض للواقع القائم في لا ~~معقوليته، وسعي دائم إلى إقرار حكم العقل في عالم التجربة. # إن هيجل لم ينظر إلى الوضع القائم، في أي مجال، على أنه وضع ms14 يمكن أن ~~يستقر ويدوم، مهما بدا لأول وهلة متمشيا مع العقل؛ فأي وضع لا بد أن ~~ينظر إليه في ضوء ما فيه من إمكانات لم تتحقق بعد، والاكتفاء بالحالة ~~الراهنة يعني خنق هذه الإمكانات وهي لم تزل في مهدها، وحرمانها من أية ~~فرصة لرؤية النور. ومن هنا كانت مهمة العقل الرئيسية هي إدراك ما هو ~~ممكن من خلال ما هو موجود؛ أعني أن يلمح فيما هو متحقق فعلا إمكانات ~~أخرى أوسع وأرحب يمكنها بدورها أن تتحقق. وتلك هي السمة التي تتميز بها ~~قدرة العقل؛ فهو وحده الذي يستطيع أن يدرك الممكنات، واحتمالات التطور، ~~في كل وضع قائم، وهو وحده الذي يمكنه أن يتجاوز حالة الأشياء الراهنة ~~في الوقت الذي لا يكون فيه أمامنا سواها. # وهكذا يبدو العقل الهيجلي - في نظر ماركيوز - قوة ثورية في المحل ~~الأول. إنه سعي لا يتوقف إلى الحركة والدينامية، ونزوع لا يكل إلى ~~التجاوز والعلو وإن لم يكن ذلك علوا منقطع الصلة بما يعلو عليه، ~~وإنما هو علو مستمد من قلب ما هو موجود، وتجاوز منتزع من باطن الوضع ~~القائم. وذلك بعينه هو الشرط الأول للثورة؛ أعني وجود القدرة على إدراك ~~وضع جديد ممكن داخل الوضع الراهن الموجود. فلم يكن من المستغرب إذن أن ~~يربط ماركيوز مفهوم العقل، عند هيجل، بمفهوم الثورة، ويرى في مثالية ~~هيجل - على عكس كثير من التفسيرات الشائعة - أداة لا غناء عنها في يد ~~القوى الثورية التي ظهرت منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا. ~~فعلى يد هيجل أصبح العقل - بصورة صريحة واضحة لأول مرة - أداة في يد ~~قوى التغيير، بعد أن ظل منذ العصور القديمة قوة تنزع بطبيعتها إلى ~~المحافظة وتنحو نحو الاستقرار وتتجه إلى تثبيت كل وضع قائم، وربما ~~إعادة أوضاع كانت قائمة في عهود سالفة (كما هي الحال عند أفلاطون). ~~صحيح إن هذا الاتجاه إلى استخدام العقل أداة للتغيير قد بدأت بوادره في ~~الظهور منذ أوائل العصر الحديث، حين عمدت البورجوازية الصاعدة إلى ~~إعلاء شأن العقل من أجل ms15 تأكيد مكانة الإنسان في هذا العالم، وإقرار ~~دوره في تشكيل الطبيعة والتسيد عليها. ولكن هذا الاتجاه بأكمله قد غرق ~~في خضم المثاليات التقليدية المتعددة التي لم تستطع أن تدرك الدلالة ~~الحقيقية لسيادة العقل على العالم، وجعلت من هذه السيادة وسيلة لتجاهل ~~الواقع والاكتفاء ببحث مطالب العقل وشروطه. وكان هيجل هو أول من أقام ~~فلسفة كاملة، مترامية الأطراف، على أساس مبدأ دينامية العقل وقدرته على ~~تجديد ذاته، وتجديد العالم معه، بلا انقطاع. وقد شيد هيجل هذه الفلسفة ~~على أساس من المنطق أراد به أن يرسي دعائم نظريته الجديدة إلى العقل، ~~فوضع منطقه الجدلي في مقابل المنطق الشكلي الأرسطي، أو على الأصح جعل ~~من ذلك المنطق الأخير مجرد لحظة من لحظات بناء منطقي أوسع يضمن للفكر ~~حركته من ناحية، ويزيل، من ناحية أخرى، ما بين عالم الصورة والشكل ~~وعالم التجربة والواقع من حواجز. # وهكذا قدم ماركيوز تفسيرا جديدا لهيجل، لا يعود فيه هيجل آخر ~~الفلاسفة التقليديين الكبار فحسب، ولا يعود فيه مذهبه آخر بناء عقلي ~~شامخ شيدته الفلسفة الغربية فقط، بل يصبح فيه هيجل أول المعاصرين، ~~ويغدو فيه تفكيره نقطة البداية التي تفرعت عنها مختلف الاتجاهات ~~العقلية والسياسية والاجتماعية - التقدمية منها والرجعية - في عالم ~~اليوم. ~~••• # وعلى هذا النحو ذاته أعاد ماركيوز تفسير الفلسفة الوضعية، في ~~اتجاهاتها المتعددة، على نحو يلقي عليها ضوءا جديدا لم ينتبه إليه من ~~قبله أحد. والواقع أن نظرة ماركيوز إلى الوضعية كانت هي الوجه الآخر، ~~المقابل لنظرته إلى هيجل. فإذا كان هيجل قد استطاع أن يجعل من العقل ~~قوة ثورية بفضل قدرته على السلب والرفض، فإن الوضعية قد جعلت منه قوة ~~محافظة لأنها تصورت أن مهمته الأولى هي تحليل ما هو موجود على ما هو ~~عليه، وقبول الواقع واتخاذ موقفا إيجابيا منه. بل إن اسم الوضعية ~~ذاته يعني، في الوقت نفسه، الإيجابية Positivism ~~؛ أي استبعاد كل اتجاه فكري رافض سالب. ~~وربما اقترب هذا المعنى إلى ذهن قارئ العربية لو ربط بين لفظ «الوضعية» ~~وبين «الوضع» الذي توجد عليه ms16 الأشياء في حالتها الراهنة، ومن هنا لم ~~يكن من المستغرب أن تقف الفلسفة الوضعية - بكل أشكالها - موقف العداء ~~من فكر هيجل ومن كل نزعة مستمدة أساسا من روح الهيجلية. # ولقد ركز ماركيوز جهوده، في نقده للوضعية، على وضعية القرن التاسع ~~عشر في كتاب «العقل والثورة»، أما وضعية القرن العشرين، أو الوضعية ~~المعاصرة، فقد وجه إليها نقده في الباب الثاني من كتاب «الإنسان ذو ~~البعد الواحد». وعلى الرغم من المسافة الزمنية الكبيرة التي تفصل بين ~~نوعي الوضعية هذين، بل تفصل بين كتابي ماركيوز اللذين أشرنا إليهما ~~الآن، فليس من الصعب أن يهتدي القارئ إلى نقاط التقاء كثيرة بينهما ~~تحدد الأساس المشترك للروح الوضعية في نظر ماركيوز. # لقد كان أعظم وأشهر نتاج لوضعية القرن التاسع عشر هو ذلك العلم ~~الجديد الذي رأى فيه «أوجست كونت» خلاصة لكل المعارف البشرية السابقة، ~~وهو علم الاجتماع. وكان هناك ارتباط وثيق بين مفهوم علم الاجتماع، كما ~~تصوره كونت، وبين هدف الفلسفة الوضعية؛ فالمجتمع الإنساني ينبغي أن ~~يدرس بنفس الأساليب الدقيقة المضبوطة التي تدرس بها العلوم الطبيعية. ~~وهذا هدف يبدو في ظاهره مغريا لكل من يحرص على تقدم العلوم ~~الإنسانية؛ إذ إنه يخضع المعرفة التي تتخذ من الإنسان موضوعا لنفس ~~الشروط المنضبطة التي تخضع لها دراسة الطبيعة ويجعل لفكرة القانون ~~الضروري الشامل انطباقا على مجال المجتمع البشري الذي ظل حتى ذلك ~~الحين مستعصيا على كل قانون. ولكن قليلا من التعمق كفيل بأن يكشف، ~~من وراء هذه الغيرة المتحمسة على المضي قدما بدراسة الإنسان، عن سعي ~~خفي إلى الحيلولة دون وقوع أي تغيير ثوري في نظام المجتمع؛ إذ إن ~~المطلوب، في دراستنا للمجتمع، أن نحذو حذو العالم الطبيعي، ومن المعروف ~~أن العالم الطبيعي لا يخترع شيئا ولا يغير الظواهر التي يبحثها، بل ~~يكتفي بتسجيل ما هو موجود منها، وتحليل الطريقة التي تسلك بها هذه ~~الظواهر بالفعل. وهكذا ينبغي أن يكون الحال في أية دراسة «علمية» أو ~~«وضعية» للمجتمع البشري؛ فعلينا أن نحلل الظواهر الموجودة، ونصفها ~~بأكبر قدر من ms17 الدقة، على أن يتم ذلك كله في إطار وجودها كأمر واقع لا ~~سبيل إلى الاعتراض عليه. أما محاولات الثورة على هذا الواقع أو تغييره ~~من جذوره، فتوصف بأنها «غير علمية» - وهو وصف لا يعود غريبا ما دام ~~الأنموذج الوحيد للعلم، في نظر الوضعية، هو أنموذج العلم ~~الطبيعي. # ويقدم ماركيوز شواهد أخرى يدلل بها على صحة تحليله هذا للفلسفة ~~الوضعية، ويثبت بها أن دفاع هذه الفلسفة عن الوضع الراهن ومحاربتها لكل ~~دعوة إلى الثورة عليه ليس استنتاج نظري يستخلص من موقفها الفكري العام، ~~وإنما هو اتجاه ظهر واضحا صريحا في كتابات الوضعيين أنفسهم. فهو يجمع ~~عددا من النصوص والاقتباسات التي تدل دلالة واضحة على أن أوجست كونت ~~كان في صميمه مدافعا عن النظام القائم، وكان عدوا لأي اتجاه إلى ~~إدخال تغيير ثوري عليه. # 7 # ولقد كان ماركيوز بارعا حقا حين جمع هذه الاقتباسات ~~واستطاع أن يهتدي إلى الخيط الجامع بينها، وهو الخيط الذي وصفه بأنه ~~محافظ في أساسه. والحق أنه ليس هناك ما يدعو إلى الاستغراب في أن تجتمع ~~النزعة العلمية الدقيقة والنزعة المحافظة في مركب واحد؛ ذلك لأن كل ~~اتجاه ثوري أصيل كان يقتضي نوعا من الخروج عن معايير الدقة والإحكام، ~~وعن الالتزام الدقيق بالأمر الواقع، فالتخيل وتكوين صورة عن المستقبل ~~لا تستمد كلها من الحاضر، هو عنصر لا غناء عنه في كل محاولة لإدخال ~~تغيير جذري على حياة الناس. وهذا العنصر هو بعينه ما تحاربه الوضعية ~~باسم «العلم». # وعند هذه النقطة الأخيرة تلتقي وضعية القرن التاسع عشر بوضعية القرن ~~العشرين؛ ذلك لأن الوضعية المنطقية المعاصرة، وما يرتبط بها من فلسفات ~~تحليلية لغوية متعددة، تركز بدورها جهودها على أن تحقق للفكر الوضوح عن ~~طريق الاستخدام الدقيق للألفاظ، والتحليل التشريحي للقضايا اللغوية، ~~آملة بذلك أن تفصل بين ماله معنى وما يبدو كأن له معنى وهو في واقع ~~الأمر ليس كذلك. والهدف النهائي، كما قلت، هو الدقة والوضوح - وهذا هو ~~بعينه الهدف الذي كانت تسعى إليه وضعية القرن التاسع عشر، ولكن عن ms18 طريق ~~الالتجاء إلى منهج العلم الطبيعي، لا المنهج التحليلي اللغوي. إن الهدف ~~واحد، وإن اختلفت الوسائل، ولا بد أن يترتب على الاهتمام المفرط ~~بالتحليل اللفظي إيجاد حاجز بين الفكر وبين الواقع، وتقوقع الفكر في ~~مجاله الخاص موصدا نوافذه في وجه رياح التغيير التي تعصف بعالم ~~الواقع؛ ذلك لأن من حق المرء أن يتساءل: وما هدف الوضوح آخر الأمر؟ هل ~~الوضوح غاية في ذاته، كما يعتقد الوضعيون المحدثون؛ من الجلي أن الوضوح ~~وسيلة لخدمة هدف آخر خارج عن مجال التحليل، بل خارج عن مجال اللغة بوجه ~~عام. فهل يكون من الصواب أن نوصد هذا الباب أمام الفلسفة، لكي نقصر ~~مهمتها على ضمان الوضوح اللغوي أو الفكري فحسب؟ لقد كانت الفلسفة، على ~~مر عصورها، شيئا أجل من ذلك وأخطر. كانت على الدوام جهدا يبذله ~~الإنسان من أجل فهم نفسه وعالمه، وتمهيد الطريق لتغيير ما يستحق أن ~~يتغير من الظواهر المحيطة به. # 8 # وفي سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل لم تكن الفلسفة تتردد ~~حتى في اقتحام مجالات غامضة تضطر من أجل التعبير عنها إلى استخدام ~~تعبيرات لا تنطبق عليها كل شروط الوضوح، وتبدو كما لو كانت خلوا من ~~المعنى. ولكن هذه بعينها هي المخاطرة التي تقدم عليها الفلسفة وهي تعلم ~~ما يكتنفها من الصعوبات، ولو كانت الفلسفة تستهدف التعبير الدقيق ~~الواضح وحده، ولأجل ذاته، لكانت مهمتها هينة ميسورة، ولكنها كانت ستحقق ~~هذا الهدف على حساب قدرتها على خوض تجارب جديدة، وعلى استشفاف عالم ~~المجهول، وتلمس الطريق إلى مستقبل لم تتحدد معالمه بعد. # إن الوضعية التحليلية فلسفة لا تعترف بالعلو أو التجاوز، هي فلسفة ~~تعترف ضمنا بكل ما هو قائم وبكل ما هو واقع، لسبب بسيط هو أنها لا ~~تقترب منه ولا تبذل أدني جهد من أجل تغييره، بل وتعد ذلك خروجا عن ~~مهمة الفلسفة التي تقتصر، في رأيها، على تحليل عبارات اللغة - واللغة ~~العلمية بوجه خاص - دون أن تتعرض لمضمون الفكر ولمشكلاته الفعلية من ~~قريب أو من بعيد. # فإذا أدركنا أن كتابات الفلاسفة ms19 التحليليين هي ذاتها أبعد ما تكون عن ~~الوضوح، وأن قراءتها تمثل جهدا شاقا للعقل الذي كانت تسعى في الأصل ~~إلى أن تجعل كل شيء واضحا أمامه، تبين لنا أن هذه الفلسفة ترتكب خطأ ~~مزدوجا إذ تعزل الفكر عن الواقع بعد أن ظل طوال تاريخه مشتبكا ~~وملتحما به، وتفعل ذلك لحساب وضوح لا تبلغه قط. # إن الفلسفة في صميمها نقدية، وحتى في الحالات التي كانت الفلسفة تبدو ~~فيها منطوية على ذاتها، محتمية داخل أسوار «الفكر الخالص» المنيعة (كما ~~هي الحال في كثير من تيارات الفكر المثالي)، كانت الفلسفة تمارس نوعا ~~خاصا من عملية تحرير الإنسان «في داخله»، وعلى المستوى الفكري وحده، ~~تعوض به عدم قدرتها على التحكم في الواقع الخارجي. بل إن التجاء ~~الفلسفة المثالية إلى العقل المجرد هو جزء من طبيعة الواقع الذي تظهر ~~فيه هذه الفلسفة، وهو الواقع الذي يضطر فيه العقل إلى الانطواء على ~~ذاته دون مساس بما يحدث في المجتمع. ومن هنا كانت أشد المذاهب المثالية ~~تجريدا معبرة عن الواقع بمعنى ما؛ # 9 # لأنها تحتمي بمجال العقل الخالص تعبيرا عن رفضها لهذا ~~الواقع وسعيها إلى كشفه وفضحه على طريقتها الخاصة. أما الوضعية، بكافة ~~أشكالها، فتقبل هذا الواقع على ما هو عليه، ولا تتخذ منه موقفا ~~نقديا ولو بصورة ضمنية، وتتركه - من حيث المبدأ - سليما لا يمس. ~~إنها قمة ذلك الاتجاه الأيديولوجي المستسلم للوضع القائم، الذي يرى ~~ماركيوز أنه كان ملازما للمنطق الصوري منذ نشأته على يد أرسطو، # 10 # إذ إن كل اهتمام بالصورة وإغفال للمضمون يساعد المسيطرين ~~على إحكام قبضتهم على زمام الأمور بتركه لمحتوى الحياة على ما هو ~~عليه. ~~••• # من هذه النماذج لطريقة ماركيوز في تفسير المفاهيم والمذاهب الفلسفية، ~~يتبين لنا بوضوح أنه كان له، ككل فيلسوف ذي شأن، منهجه الخاص في النظر ~~إلى التراث السابق عليه، فهو قد أعاد بناء هذا التراث من منظوره الخاص، ~~وفسر الأفكار والمذاهب وفقا لنظرته الخاصة إلى العالم الذي يعيش فيه، ~~وللدور الذي يود أن يقوم به في هذا العالم ms20 بوصفه مفكرا، وقد تكون هذه ~~الطريقة غير مرغوب فيها بالنسبة إلى المؤرخ، الذي تعد الموضوعية فضيلته ~~الرئيسية. أما في حالة الفيلسوف فإن تمثل الماضي من جديد لا يعد نقيصة ~~على الإطلاق، بل إنه ليبدو - من فرط شيوعه بين الفلاسفة - كما لو كان ~~شرطا لكي يصبح المرء فيلسوفا له طريقه الخاص؛ فمعظم الفلاسفة الكبار ~~مؤرخون سيئون للفلسفة، إذا حكمنا عليهم بمقياس التعبير الموضوعي عن ~~آراء الغير؛ ذلك لأن الفيلسوف الذي يتسم بالأصالة لا يستطيع أن ينسى ~~نفسه حتى وهو يسترجع آراء الآخرين؛ إنه لا يقبل أن يكون مرآة تنعكس ~~عليها أفكار السابقين، بل يريد أن يتخذ من هذه الأفكار وسيلة أو أداة ~~تتيح له أن يعبر عن الطريق الذي اختطه لنفسه على نحو لا تنقطع روابطه ~~بتراث الفكر الماضي، وربما كان يريد أن يجعل من ذلك الماضي كله وسيلة ~~لتبرير فلسفته وإثبات أن التاريخ بأسره يشير إليها ويتجه نحوها. # وليس من شك في أن عرض ماركيوز للتراث الفلسفي السابق عليه مليء ~~بالمآخذ، وأن طريقة فهمه لهيجل والوضعيين، وكذلك لماركس وفرويد وهيدجر، ~~لا ترضي الباحث المتخصص. ولكننا إذا أدركنا أن ماركيوز إنما أراد أن ~~يعبر عن نفسه من خلال هؤلاء جميعا، لغدونا أكثر استعدادا لغفران أية ~~أخطاء في تفسيره للآخرين، ولقبول وجهة نظر «نيكولاس» القائلة: «إن ~~هرطقات ماركيوز هي حقيقة ماركيوز.» # 11 # Les hérésies de Marcuse sont la verité de ~~Marcuse ~~. # | النقد الاجتماعي # لعل أبرز النقاط التي تلاقى فيها فكر ماركيوز مع الفلسفة الماركسية ~~هي موقف هذه الفلسفة من مشكلة ماهية الإنسان - التي تمثل عند ماركيوز ~~مشكلة أساسية كفيلة بتحديد الاتجاه العام لكل فلسفة، وبالكشف عن مدى ~~تقدميتها أو رجعيتها - فالماركسية هي في رأيه فلسفة تقدمية لأنها لا ~~تثبت الماهية الإنسانية عند أية لحظة معينة من لحظات تطورها، بل إن ~~الإنسان يمكنه في كل لحظة أن يصبح على خلاف ما هو عليه، ومن ثم فإن ~~الإنسان لا يفهم إلا في حركته الدينامية ولا يمكن أن يستوعب من خلال ~~ما يكون عليه في ms21 أية لحظة بعينها، وبعبارة أخرى فليس هناك حد فاصل بين ~~تاريخية الإنسان وبين تحقيق ماهيته، فحياة الإنسان في كل عصر معين ~~تستهدف تحقيق شكل جديد، ومن ثم فهي لا تتحقق كاملة في أي شكل محدد من ~~الأشكال التي تتخذها عبر التاريخ، أو لنقل بلغة فلسفية إن الواقع ~~والممكن متداخلان ، ومن المحال أن يفهم أحدهما من دون الآخر. # في الماركسية إذن نجد القطب المضاد لعالم الماهيات الأزلية الساكنة ~~الذي يتم فيه تحديد حقيقة الإنسان - فضلا عن حقيقة الأشياء - مرة ~~واحدة وإلى الأبد. فهي فلسفة تؤكد لنا أن البناءات التي يمكن أن تفهم ~~من خلالها حقائق المجتمع لا تفهم في أية لحظة إلا فهما جزئيا، ومن ~~ثم فإن تجاوز الواقع الراهن لهذا أمر لا بد منه من أجل فهم حقيقته ~~المتطورة. هذه الحقيقة المتطورة هي التي تدفع المجتمعات البشرية في ~~حركة لا تتوقف، تستهدف على الدوام إزالة المتناقضات التي تقتضيها كل ~~مرحلة من مراحل الإنتاج، وترمي آخر الأمر إلى فهم الإنسان من خلال ما ~~يستطيع أن ينجزه، لا من خلال ما أنجزه بالفعل. ~~«هذا الفهم للماركسية - الذي كان في أساسه فهما هيجليا - كان يعني ~~أن النظرية الماركسية ذاتها لا يمكن أن تكون تعبيرا عن حقائق أزلية، ~~وإنما هي تصدق أساسا على مرحلة معينة من مراحل التطور، هي مرحلة النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر.» # فالماركسي المخلص - في نظر ماركيوز - لا بد أن يطبق معيار التطور ~~والتاريخية والتجدد الدائم على النظرية الماركسية ذاتها، وفي هذه ~~الحالة يتعين عليه أن يمتنع عن تثبيت هذه النظرية في «عقيدة» جامدة ~~يفترض أنها تسري على الصور اللاحقة جميعا، بل يجب أن يتأمل النظرية ~~ذاتها في ضوء التداخل الذي تقول به بين الواقع والممكن. وفي هذه الحالة ~~- أي حين نطبق على الماركسية معيارها الخاص - يصبح من الضروري أن نعيد ~~تفسيرها في ضوء الظروف الدائمة التغير، وأن تخضع ماركسية القرن التاسع ~~عشر لنقد مستمد من ظروف القرن العشرين. ~~«لقد كانت الماركسية التقليدية تفترض تناقضا أساسيا هائلا يقوم في ~~قلب ms22 المجتمع الرأسمالي، ويهيئ الظروف الموضوعية للانتقال من الرأسمالية ~~إلى الاشتراكية، هو التناقض بين طبقة من أصحاب الأعمال تتزايد قوتها، ~~وتعمل دائما على زيادة الإنتاج من أجل تكديس أرباحها، وتتركز فيها ~~بالتدريج السلطة الاقتصادية التي تندمج مع السلطة السياسية، وتتحول آخر ~~الأمر إلى رأسمالية الدولة؛ وطبقة عمالية تزداد فقرا نتيجة لحرص ~~الرأسمالية على ضمان أرباحها، ولكنها تزداد في الوقت ذاته وعيا بوضعها ~~الطبقي، وبأنها هي القادرة على تحقيق الثورة وعلى تجسيد آمال البشرية ~~في مستقبل أفضل، ومن ثم فإنها تعمل تنظيم نفسها بطريقة واعية محكمة ~~تكفل لها تحقيق هدفها في الثورة العالمية.» ~~«على أن المسار الفعلي للأحداث، منذ بداية القرن العشرين، قد سار في ~~اتجاه مختلف عن ذلك كل الاختلاف»؛ فالبلاد الرأسمالية الكبرى لم تزد ~~فيها حدة التناقض بين الطبقتين الرئيسيتين، ومن ثم فقد أخذت تتباعد عن ~~تحقيق الظروف المؤدية إلى قيام الثورة، والبلاد التي قامت فيها تجارب ~~اشتراكية مرتكزة - من حيث المبدأ - على النظرية الماركسية، قد ابتعدت ~~في سلوكها الفعلي ابتعادا شبه تام عن أصول هذه النظرية ومبادئها، ولم ~~تحاول تطويرها على النحو الكفيل بمواجهة واقع دائم التغير. # وهكذا فإن الواقع قد تجاوز النظرية الماركسية التقليدية، سواء في ~~المجتمعات التي أنكرتها أو في تلك التي اعترفت بها. ومن هنا كان من ~~الضروري في رأي ماركيوز القيام بمراجعة لهذه النظرية في ضوء الظروف ~~الراهنة. ولقد قام هو ذاته بهذه المراجعة، ولكن حصيلتها النهائية لم ~~تكن في واقع الأمر تعديلا للنظرية، بل تغييرا شاملا لها، واستعاضة ~~عنها بنظرية خاصة به، يعتقد أنها أكثر ملاءمة لواقع العالم المعاصر، ~~وهي نظرية لم يحتفظ فيها من الماركسية إلا بالمبدأ العام الذي أشرنا ~~إليه من قبل؛ وأعني به أن ماهية المجتمع الإنساني لا تنفصل عن تاريخه، ~~وأن الواقع - في أية مرحلة من مراحل التطور - لا يفهم إلا في ضوء ~~إمكاناته الكامنة التي لم تتكشف بعد، والتي يتعين على كل من يتصدى ~~لدراسة المشكلات الاجتماعية أن يضعها في اعتباره عند أي تحليل يقوم به ~~للوضع الراهن. ~~(أ) ms23 نقد المجتمع الرأسمالي # كان القهر، وما زال، حقيقة أساسية من حقائق المجتمع البشري. غير ~~أن أشكال القهر قد اختلفت باختلاف العصور، ويمكن القول إن أعجب ~~أنواع القهر وأقواها تسلطا هي تلك التي تمارس في عصرنا الحالي؛ ~~ففي العصور الماضية كان يمارس القهر والسيطرة طاغية أو حاكم مطلق، ~~يعترف صراحة بأن تصرفاته لا تقوم على أساس من العقل أو المنطق، بل ~~على أساس من الانفعالات الوقتية العابرة، أما في المجتمع الصناعي، ~~الذي بلغ أقصى درجات تقدمه في البلاد الرأسمالية الكبرى، ولا سيما ~~الولايات المتحدة، فإن الطغيان يمارس على أساس من المعقولية ~~التامة، وفي ظل الحساب الدقيق لكل الظروف والاحتمالات، دون أن ~~تتدخل فيه نزوات حاكم مستبد أو أهواء سلطة عنيدة. # 1 # ومن ناحية أخرى، فإن التسلط على الإنسان لم يكن حتى عهد قريب، بل ~~حتى ما قبل الحرب العالمية الثانية على وجه التحديد، يمتد بحيث ~~يهدد حرية الإنسان الداخلية، بل كانت هذه الحرية تعد أساسية لدى ~~الفرد ولا يحاول المجتمع المساس بها. «فلم تكن القوى الإنتاجية قد ~~بلغت بعد مرحلة التطور التي أصبح فيها بيع نواتج العمل الاجتماعي ~~يقتضي تنظيما للحاجات والرغبات، حتى العقلية منها، فعندما كان ~~المجتمع البورجوازي على مستوى منخفض من حيث قواه الإنتاجية، لم تكن ~~توافرت لديه بعد الوسائل التي تتيح له التحكم في الروح والعقل إلا ~~إذا شوه هذا التحكم ووصمه عن طريق العنف الإرهابي. أما اليوم فإن ~~التحكم التام ضروري، ووسائله متوافرة: الإرضاء الشامل للجماهير، ~~وأبحاث التسويق، وعلم النفس الصناعي، ورياضيات العقول الإلكترونية، ~~وما يسمى بعلم العلاقات الإنسانية. وبفضل هذه الوسائل كلها يتم ~~تحقيق الانسجام والتناسق بين الفرد والرغبات الضرورية للمجتمع؛ أي ~~بين الاستقلال والخضوع، بطريقة غير إرهابية، ديمقراطية، تلقائية آلية.» # 2 # الجديد، إذن، في نوع القهر الذي يمارس على الإنسان في مجتمعنا ~~أنه أولا قهر عقلي منطقي، يندمج تماما مع المقومات الأساسية ~~للتنظيم الاجتماعي، وليس عقبة في وجه هذا التنظيم أو حالة انحراف ~~انفعالي عابرة، وأنه ثانيا قهر يمارس على الإنسان كله، على حياته ~~الباطنة ms24 وعلى تفكيره وعقله وعواطفه بقدر ما يمارس على مظاهر حياته ~~الخارجية وظروف عمله وإنتاجه وعلاقاته الاجتماعية، وتلك هي قصة ~~القضاء على إنسانية الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث. فلنتابع من ~~خلال كتابات ماركيوز، وخاصة كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد»، بعض ~~تفاصيل هذه القصة. # إن المجتمع الصناعي الحديث، الذي يقتضي تنظيما إداريا بالغ ~~الدقة والإحكام، يسيطر على الإنسان بنفس أساليب الإدارة المحكمة ~~التي يسيطر بها على عملية الإنتاج، وتترتب على هذه السيطرة أنواع ~~من الاغتراب العقلي والثقافي، تشكل دعامة أساسية للسيطرة ~~الاقتصادية في نفس الوقت الذي تعد فيه نتيجة لها. # فالإنسان الحديث يستعبد باسم العقل - نفس العقل الذي يقوم ~~بتنظيم الإنتاج وتوزيعه في العالم الرأسمالي. ولما كان هذا ~~الاستعباد قائما على العقل، ومرتبطا بالازدهار الاقتصادي الذي ~~تتمتع به المجتمعات الصناعية المتقدمة، فقد غدا - لأول مرة في ~~تاريخ البشرية - استعبادا مقبولا، بل استعبادا يحرص عليه، ~~ويدافع عنه، ضحاياه أنفسهم؛ ذلك لأن هؤلاء الضحايا هم الذين ~~يستهلكون منتجات المجتمع الصناعي ومن ثم فإنهم هم الذين يحافظون ~~عليه، ويعملون على ضمان استمراره. # والواقع أن الإدارة، التي تتحكم في العمليات الاقتصادية، أصبحت ~~في عصرنا الحاضر أكمل وسائل السيطرة على البشر والتحكم فيهم، بحيث ~~غدت أفضل المجتمعات إدارة هي أكثرها عبودية. ولقد أصبح من الضروري ~~في عصرنا هذا أن ترتبط عملية الترشيد المتزايد للإنتاج باستعباد ~~متزايد للإنسان، ويزداد هذا الاستعباد فظاعة حين لا يتخذ صورة ~~إدارة منظمة فحسب؛ ذلك لأنه يطالب لنفسه عندئذ، باسم السعي إلى ~~مزيد من التنظيم، وباسم العقل والترشيد، بسلطة أعظم وبمجال أوسع ~~للقهر والتسلط. # وهكذا يرتبط القهر المتزايد بالارتفاع الكبير في مستوى المعيشة - ~~في المجتمع الصناعي المتقدم - بعد أن كان من قبل يرتبط بالفقر ~~والعجز عن تلبية الحاجات الضرورية. كما يرتبط ذلك القهر بسيادة ~~العقلانية، بل وبالسعي إلى الحرية، وكأننا هنا إزاء مظهر من مظاهر ~~«دهاء العقل» وخداعه، على نحو ما تحدث عنه هيجل؛ فالعقل يخدع ذاته، ~~ويقع في شراك نصبها لنفسه، حين يجعل من التنظيم العقلاني وسيلة ~~لممارسة الاضطهاد على ضحايا يقبلون ms25 اغترابهم عن طيب خاطر، ويعملون ~~بإخلاص على دعم الظروف التي تزيد من اضطهادهم، وحين ينظم حكم ~~الحرية على نحو يقضي فيه تماما على أي احتمال لظهور الحرية. # 3 # ولنضرب مثلا لهذا الخداع الذاتي الذي يمارسه العقل في المجتمع ~~الصناعي المتقدم؛ فالتهديد بالفناء الذري. في عصرنا الحالي يستخدم ~~في المحافظة على نفس القوى التي تسبب هذا التهديد، بحيث تنصرف ~~الجهود كلها إلى درء الخطر والإقلال من التهديد، لا إلى إزالة ~~الأسباب المؤدية إليه. وتقوم الدول سلميا بإنتاج وسائل الدمار، ~~ويثري المجتمع ويزداد قوة وضخامة بفضل محافظته على الخطر، والحياة ~~على حافة الهاوية. ولا جدال في أن هناك لا معقولية واضحة في هذا ~~السلم الذي يحافظ عليه بالتهديد المستمر بالحرب. # على أن أبرز صفات هذا المجتمع الصناعي المتقدم هي قدرته الفائقة ~~على امتصاص قوى السخط والتمرد في داخله، وتحويله إلى قوى تعمل على ~~إبقاء الوضع القائم وتجد لنفسها مصلحة في استمرار هذا الوضع. هذا ~~هو الجديد في عصرنا الحاضر بالقياس إلى العصر الصناعي الأول في ~~القرن التاسع عشر. فالطبقتان المتضادتان، البورجوازية ~~والبروليتاريا، أصبحت لهما معا مصلحة في الإبقاء على الأوضاع ~~الراهنة، بحيث لم تعد الطبقة العاملة، في المجتمع الرأسمالي، أداة ~~أو واسطة للتغيير الاجتماعي. وتتحقق السيطرة في المجتمع «ذي البعد ~~الواحد» عن طريق استبعاد كل إمكانية لإحداث تغير كيفي في الأوضاع، ~~وذلك بإدماج المعترضين (أي الطبقة العاملة) في النظام، واستيعاب ~~المجتمع لكل من يستطيع - نظريا - أن يضع النظام السائد موضع الشك ~~والتساؤل؛ ففي المجتمع الرأسمالي المتقدم يتحول المعارضون إلى ~~مستهلكين لنفس نواتج هذا المجتمع، وبذلك تكون لهم مصلحة مباشرة في ~~استمرار النظام؛ لأنه يلبي حاجاتهم الأساسية، ويخلق فيهم حاجات ~~مصطنعة يقتضيها دوام النظام، وبذلك تكتمل حلقات السيطرة، حين يصل ~~التنظيم الاجتماعي إلى تلك المرحلة التي يستوعب فيها داخله كل ~~إمكانات الاحتجاج والمعارضة والتمرد. # والواقع أن الوفرة التي تحققها التكنولوجيا الحديثة تجعل التشكك ~~في الوضع الراهن أو التمرد عليه أمرا لا معنى له. وبفضل هذه ~~التكنولوجيا المتقدمة يتجه النظام الرأسمالي الحديث إلى أن ms26 يكون ~~«شموليا» - لا بمعنى أنه قائم على الإرهاب؛ إذ إن هناك نوعا من ~~الشمولية غير القائمة على الإرهاب، يتمثل في التحكم في حاجات الناس ~~وصبغها بصبغة نمطية بهدف خدمة المصالح القائمة، هذه الشمولية لا ~~تتحقق على يد حزب سياسي معين، كالحزب النازي (قبل الحرب العالمية ~~الثانية مثلا)، بل تحققها طريقة معينة في الإنتاج والتوزيع، يمكن ~~أن تسود في ظل نظام تعددي (كالنظام الأمريكي) يسمح نظريا بحرية ~~الصحافة وتعدد الأحزاب ... إلخ، ونتيجة لهذه الشمولية يستغرق النظام ~~الإنتاجي الفرد بأكمله؛ فالفرد يندمج في مجتمعه اندماجا كاملا، ~~لا يسمح له بأن يحتفظ لنفسه ببعد داخلي أو باطني خاص به، بل يصبح ~~«ذا بعد واحد»، هو البعد الذي يريده النظام الاجتماعي القائم، ~~والذي يتوحد به توحدا تاما. ومن الجدير بالذكر أن عملية التوحد ~~التام بين الفرد والمجتمع، تناظر ما نجده في المجتمعات البدائية؛ ~~حيث لا يكون للفرد أي بعد سوى البعد الاجتماعي. وهكذا يدور ~~التاريخ دورة كاملة من التوحد إلى التمايز ثم التوحد مرة أخرى، ~~ولكن على مستوى أعلى. ولا جدال في أن فقدان البعد الذهني الباطن ~~يعني ضياع القدرة على معارضة النظام القائم، واستخدام ملكة الرفض ~~والنفي والنقد، التي هي الملكة الأصلية للعقل البشري. وبذلك يبتلع ~~الإنسان بأكمله في عملية الإنتاج التي تستهدف أولا وأخيرا دعم ~~المصالح القائمة وزيادة فعاليتها. # إن المنتجات ذاتها، ووسائل الإعلام الجبارة، والسلع المخصصة ~~للمسكن والملبس والمأكل وأدوات الترفيه البارعة، تحمل معها اتجاهات ~~وعادات مفروضة مقدما، وتؤدي إلى استجابات ذهنية وانفعالية تربط ~~المستهلك بالمنتج وبالمجتمع ككل. فالمنتجات تسيطر وتبث عقيدة ~~معينة، وتبعث وعيا زائفا لا يدرك أحد زيفه. وبانتشار نفع هذه ~~المنتجات بين طبقات اجتماعية أوسع، تصبح عقيدتها أسلوبا في الحياة ~~لا مجرد دعاية، ويحارب أسلوب الحياة هذا كل دعوة إلى التغيير ~~الاجتماعي، ونتيجة لانعدام أفكار التغيير، يصبح الفكر والسلوك ذا ~~بعد واحد، ترفض فيه الأفكار والأماني التي تتجاوز نطاق ما هو ~~موجود. # في مجتمع كهذا يطرأ تغيير أساسي على طبيعة كل من الطبقتين ~~الرئيسيتين في المجتمع: الطبقة الرأسمالية، ms27 والطبقة العمالية ولا ~~تعود أي منهما تحمل ملامح التحليل التقليدي للطبقات الاجتماعية كما ~~شاع في القرن التاسع عشر، على يد ماركس بوجه خاص. # فالطبقة الرأسمالية: تقليديا، طبقة ليبرالية بطبيعتها تزدهر في ~~ظلها الحريات البورجوازية المعروفة: حرية الرأي، والكلام، والتجمع، ~~وتكوين الأحزاب والمعارضة ... إلخ، وتلك هي المزايا التي جعلت المرحلة ~~الرأسمالية تمثل تقدما كبيرا بالقياس إلى المرحلة الإقطاعية ~~السابقة عليها. غير أن هذه المزايا، في المجتمع الرأسمالي المتقدم ~~تلغي نفسها بنفسها، بل تتحول إلى عيوب. فالتعددية، التي تتمثل في ~~وجود كثرة من الآراء والاتجاهات والأحزاب، تتحول بالتدريج إلى ~~واحدية، ولا يبقى منها في النهاية إلا مظهرها الخارجي، فيكون هناك ~~مثلا حزبان - أو أكثر - ولكن المواقف في نهاية الأمر واحدة، ~~والعناصر المشتركة غالبة على عناصر الاختلاف؛ لأن الكل مهما ~~اختلفوا في التفاصيل الشكلية - متفقون على محاربة أي تغيير حقيقي ~~يراد إدخاله على المجتمع. # فماذا يكون إذن موقف مجتمع كهذا من مبدأ «التسامح» الذي هو مبدأ ~~أساسي في الرأسمالية التقليدية؟ إن هذا المجتمع يظل يقبل المبدأ ~~ذاته، ولكنه يحوله ببراعة شديدة إلى سلاح للمحافظة على كيانه ~~والقضاء على كل معارضة حقيقية. وقد تتبع ماركيوز عملية التحويل ~~والتزييف هذه ببراعة في المقال الذي ألفه في كتاب مشترك يحمل عنوان ~~«نقد التسامح الخالص»، فأكد أن التسامح المطلق الذي يسمح فيه لكل ~~رأي بالتعبير عن نفسه، بحيث يتساوى الحق والباطل، والصحيح والمزيف، ~~والبناء والهدام، والتقدمي والرجعي، هو سلاح يخدم الرأسمالية ولا ~~يلحق بها أي ضرر. ففي ظل هذه المساواة المطلقة تضيع قضية التقدم ~~الإنساني وتزيف، ويتميع الموقف العام للمجتمع إزاء ضروب الاختيار ~~العديدة التي يتعين عليه أن يتخذ قرارا بينها. # وعندما يكون الرأي العام مسمما بفعل وسائل الإعلام التي يملكها ~~أو يسيطر عليها النظام القائم، ويكون لدى الجمهور رأي جاهز سلفا ~~في المسائل الكبرى - رأي يتفق مع ما تريده «المؤسسة # Establishment ~~» فعندئذ تضيع قيمة ~~الحرية المطلقة التي تتمتع بها الصحافة مثلا، ولا يكون هناك جدوى ~~من عرض الرأي والرأي المضاد؛ لأن أذهان الجماهير مهيأة سلفا لقبول ms28 ~~ما يتفق مع موقف النظام القائم، بحيث لا تكون هناك منافسة حقيقية ~~بين الرأيين. وهكذا يختفي وراء هذا التسامح المطلق عدم تسامح ~~اضطهادي، ويظهر شكل جديد فريد، من أشكال القضاء على الحرية، هو ذلك ~~الذي تنعدم فيه الحرية نتيجة لعملية منح الحرية ذاتها ويزيد فيه ~~القمع كلما ازداد التسامح. # أما الطبقة العمالية فإن التغيير الذي يطرأ عليها، في المجتمع ~~الرأسمالي المتقدم، أخطر بكثير. فالمفروض، حسب النظرية الماركسية ~~التقليدية، أن هذه الطبقة تزداد فقرا على الدوام كلما ازداد ~~الإنتاج الرأسمالي واشتدت المنافسة بين المنتجين؛ إذ إن القيمة ~~الفائضة تنقص ولا بد أن يأتي هذا النقص على حساب العمال، لا على ~~حساب أصحاب الأعمال. وهكذا يشتد التناقض بين الرأسماليين الذين ~~يزدادون قوة وسيطرة وثراء، والعمال الذين يزدادون فقرا وسخطا على ~~أوضاعهم. ويؤدي هذا التناقض إلى ظهور وعي طبقي لدى العمال، يدفعهم ~~إلى تنظيم أنفسهم سياسيا، حتى يصل هذا الوعي، في حالة وجود تنظيم ~~سياسي محكم، إلى مستوى العلو على الذات؛ أعني أن الطبقة العمالية ~~لا تكتفي بالعمل من أجل إصلاح أوضاعها الطبقية الخاصة، بل تنظر إلى ~~نفسها على أنها ضمير الإنسانية كلها، وعلى أنها الطبقة القادرة على ~~تخليص البشرية من مظاهر الظلم والشقاء. # هذا هو الوضع الذي تفترضه الماركسية في صورتها التقليدية، ولكن ~~التطور الفعلي الذي حدث في المجتمع الرأسمالي، منذ مطلع القرن ~~العشرين بوجه خاص، أدى إلى إدخال تغيير جذري على الطبقة العاملة ~~وموقفها من النظام الرأسمالي القائم. وكان من أهم أسباب هذا ~~التغيير عاملان رئيسيان طرآ على النظام الرأسمالي خلال هذه الفترة: ~~أولهما قدرة هذا النظام على تحقيق نوع من الاستقرار يجنبه الأزمات ~~والتقلبات المفاجئة، وكان ذلك واضحا منذ اللحظة التي دخلت فيها ~~الرأسمالية المرحلة الاحتكارية، حين حل التنافس المنظم محل التنافس ~~العشوائي الحر، وأصبحت السيطرة لكارتلات وترستات تجمع بين عدد كبير ~~من المنتجين الذين كانوا من قبل متنافسين، وحدث اندماج بين الخبرة ~~المالية والخبرة الصناعية، وبين رجال السياسة ورجال الأعمال؛ أي ~~بالاختصار، حين انتقلت الرأسمالية من مرحلة المشروع الفردي ms29 المغامر ~~إلى مرحلة النظام المستقر الذي يسيطر - عن طريق الاقتصاد - على ~~كافة مرافق المجتمع. وأما العامل الثاني فهو تأثير التكنولوجيا ~~الحديثة، التي أدخلت على العمليات الإنتاجية تحسينات، في الكم ~~والكيف، لم يكن من الممكن التنبؤ بها، وانسحب تأثير هذه التحسينات ~~على العمل اليومي الذي يمارسه العمال، مما أدى إلى الإقلال ~~باستمرار من مجهودهم الجسمي، وإلى إزالة الفوارق بالتدريج بين ~~العمل اليدوي وبين العمل المكتبي، أو بين أصحاب «الياقات الزرقاء» ~~وأصحاب «الياقات البيضاء». ففي المصنع الذي تدار آلاته بطريقة ~~التسيير الذاتي (الأتمتة) # automation # لا يعود العامل هو ذلك الإنسان المجهد ~~الكادح الذي تحدث عنه ماركس، ولا يعود الألم الجسمي والشقاء جزءا ~~لا يتجزأ من حياته، ومن ثم كان من الضروري أن تقل، ثم تختفي، أسباب ~~تمرده. # فإذا أضفنا إلى ذلك قدرة التكنولوجيا الحديثة على الإنتاج ~~الوفير، الذي يعود جزء منه إلى العمال في صورة مستوى معيشة مرتفع ~~يساعد بدوره على دعم النظام الرأسمالي؛ لأن مظهر ارتفاع مستوى ~~المعيشة هو أن يشتري العمال منتجات المجتمع الرأسمالي ويكونوا أداة ~~من أدوات تصريفها - أمكننا عندئذ أن نفهم كيف أن العمال أصبحوا، في ~~المجتمع الصناعي المتقدم، وسيلة لدعم النظام القائم، وأصبحت عملية ~~الإنتاج، التي ترفع مستوى معيشتهم، هي نفسها العملية التي تعمل على ~~زيادة اندماجهم في هذا النظام، وبالتالي على زيادة خضوعهم له. ~~وبالاختصار، فقد أصبحت للعمال في مثل هذا المجتمع مصلحة في بقاء ~~النظام وازدهاره، ومن ثم فقد تم - بطريقة سلمية بحتة - تقليم ~~أظافرهم الثورية، والقضاء على روح التمرد والثورة فيهم. # هذا على المستوى الواعي، أما على المستوى غير الواعي، فإن هذه ~~التكنولوجيا الحديثة ذاتها تسهم في إنتاج نوع خاص من الثقافة يعمل ~~بدوره على توطيد أركان النظام القائم، إذ ينشر بين الطبقة العاملة ~~قيم الرضوخ والاستسلام، ويقدم إليهم في أوقات فراغهم ترويحا ~~سطحيا تتغلغل فيه المعاني التخديرية التي يريد النظام أن يبثها ~~في النفوس، مما يترتب عليه إضعاف موقف الرفض أو السلب لدى العامل، ~~بحيث يختفي نهائيا عن الطبقة العاملة مظهرها القديم الذي ms30 كانت ~~تعد فيه «النقيض الحي» للمجتمع القائم. ~~(ب) نقد المجتمع السوفيتي # يكشف تحليل ماركيوز للمجتمع الرأسمالي، بوضوح، عن اعتقاده ~~باستحالة حدوث تغيير ثوري في هذا المجتمع على يد القوى الراهنة ~~التي تسيطر على هذا المجتمع. وهكذا كتب على الإنسان العامل في هذا ~~المجتمع أن يظل عبدا راضيا، مرتاحا، يعمل - بوعي أو بلا وعي - ~~على إحكام سيطرة القائمين باستعباده. # ولقد كانت التجربة السوفيتية، في العقد الثاني من هذا القرن، ~~مبعث الأمل لدى الكثيرين في أن يظهر نظام آخر تختفي فيه نهائيا ~~مظاهر الاستغلال، وتزول فيه أساليب السيطرة المادية والمعنوية على ~~الإنسان، وتتحقق فيه - لأول مرة - حرية حقيقية للبشر، ولكن ماركيوز ~~يعتقد أن هذه التجربة لم تحقق شيئا من هذه الأهداف وإنها، على ~~العكس مما تدعي، قد تنكرت للمبادئ الأصلية التي قامت من أجل وضعها ~~موضع التنفيذ. # ومن الجدير بالملاحظة أن ماركيوز، في نقده للتجربة السوفيتية، ~~يحرص على أن يؤكد أنه لا ينقد التجربة الاشتراكية في ذاتها؛ لأنه ~~يعتقد أنه اشتراكي على طريقته الخاصة، بل إنه لا يوجه هجومه إلى ~~الماركسية، وإنما يهاجم شكلا معينا من أشكالها، هو الماركسية ~~السوفيتية على التخصيص (باعتبارها أقدم التجارب الاشتراكية وأشدها ~~رسوخا، وبوصفها القوة الكبرى المقابلة للرأسمالية المتقدمة كما ~~تتمثل في الولايات المتحدة)؛ ذلك لأن لدى ماركيوز تفسيره الخاص ~~للماركسية، الذي يؤمن بأن التطبيق السوفيتي قد أدى إلى تشويهه. ومن ~~هنا كنا نجد في كتاباته، ولا سيما كتاب «الماركسية السوفيتية» ~~ميلا إلى المقارنة الدائمة بين التجربة الأمريكية والتجربة ~~السوفيتية، وإصرارا على تأكيد وجود أوجه شبه قوية بين النظامين، ~~على الرغم مما بينهما من تضاد ظاهري، ومحاولة ملحة لإثبات أن ~~«الجنة السوفيتية» ليست على الإطلاق أفضل من «الجحيم الأمريكي ~~الرأسمالي» بل إنها تتضمن كل عناصر القمع والاستبداد والتحكم في ~~الإنسان، التي ينطوي عليها المجتمع الرأسمالي (مضافا إليها - ~~بالطبع - أن الاستبداد في حالة هذا المجتمع الأخير يمارس في إطار ~~ظاهري مخفف من الحريات الليبرالية، ومن خلال إغراق الطبقة الثورية ~~المحتملة في النعم الاستهلاكية التي يفتقر إليها، في معظم ms31 الأحيان، ~~من يعيشون في ظل النظام السوفيتي). # إن النظام السوفيتي كان يستهدف من الثورة إعادة تشكيل المجتمع ~~وفقا لمقتضيات العقل، وإزالة التناقض بين الطابع الاجتماعي لعملية ~~الإنتاج (وهو طابع لا بد منه لأن عملية الإنتاج تفترض بطبيعتها ~~اشتراك صاحب العمل بآلاته والعامل بقوته والمجتمع بأسره في انتفاعه ~~من الناتج) والطابع الفردي لملكية الثروة - وتلك هي الأهداف ~~الفعلية للنظرية الماركسية في صورتها الأصلية. ولكن الذي حدث ~~بالفعل هو أن النظام السوفيتي أخذ يتباعد بالتدريج عن التعاليم ~~الماركسية، حتى أصبح نظاما قائما بذاته، ينبغي أن يحكم عليه ~~بمعزل عن النظرية الأصلية التي ظهر في ظلها. ومع ذلك فقد ظل يستخدم ~~الصيغ الماركسية التقليدية كشعارات سحرية يخلب بها ألباب ~~المواطنين، ويخدر بها عقولهم حتى تنتشر بينهم روح المسايرة ~~والرضوخ، وهي نفس الروح المميزة لإنسان المجتمع الرأسمالي ~~المتقدم. # ولقد وقع النظام السوفيتي في فخ السعي إلى التفوق الإنتاجي، ~~فكانت النتيجة أن تكررت فيه نفس الأخطاء التي تولدت عن هذا السعي ~~في المجتمع الرأسمالي؛ فالهدف الذي يتجه إليه المجتمع السوفيتي، ~~بكل قواه، هو تجاوز معدلاته الإنتاجية باستمرار حتى يلحق بالغرب ثم ~~يتفوق عليه، وحين تصبح الزيادة الإنتاجية غاية قصوى، يتحول الإنسان ~~ذاته إلى مجرد أداة لتحقيق الهدف الأسمى، وتخضع جميع الاعتبارات ~~الإنسانية لتنفيذ التخطيط الشامل. ومن الضروري أن يؤدي استهداف ~~الزيادة الإنتاجية إلى وضع نظام إداري يتسلط على كافة جوانب ~~الحياة، فهنا تصبح السيطرة لكبار رجال الإدارة؛ أي البيروقراطيين، ~~ولكبار الفنيين المختصين في العمليات الإنتاجية؛ أي ~~«التكنوقراطيين» ويضيع الإنسان نفسه ويغترب بين هؤلاء ~~وأولئك. # فالفرد العامل، الذي ينتج مباشرة، تقوم بينه وبين السلطة حوائل ~~وحواجز، تتمثل في مجموعات كبيرة من المديرين والفنيين الذين يملكون ~~زمام السيطرة على كل الأمور، بحيث يتحول هذا العامل إلى وسيلة في ~~يد قوى أعلى منه - كما هي الحال في النظام الرأسمالي - لا إلى غاية ~~في ذاته، كما كان المأمول في الماركسية الأصلية. # إن العامل في ظل الرأسمالية يغترب حين يعجز عن الاهتداء إلى ~~ذاته، وإلى الهدف من عمله، في ظل ms32 قوى لا شخصية مجهولة، هي قوة رأس ~~المال، وتقلبات «السوق»، والمضاربات، وكلها قوى تؤدي إلى تحويل ~~حصيلة عمله في طرق ومسالك لا يعرف عنها شيئا، وإلى التصرف فيها ~~على نحو لا دخل لإرادته فيه. ومثل هذا يحدث في النظام السوفيتي، ~~وإن اختلف نوع القوى التي تسبب هذا الاغتراب. فأساس الاغتراب في ~~هذه الحالة هو «الخطة» التي تشكل بدورها عاملا لا شخصيا مجهولا ~~ينبغي أن يخضع له كل فرد في المجتمع وإن لم يكن يستطيع أن يحدد نوع ~~الالتزامات التي ستفرضها عليه، أو أن يتنبأ بما ستلقيه عليه من ~~مسئوليات. إن الخطة نوع من التنظيم الأعلى الذي يفرض على كل فرد، ~~ويمارس على الجميع نوعا من الإرهاب غير المنظور. وهي أقوى الوسائل ~~التي يستخدمها البيروقراطيون الاقتصاديون والسياسيون في السيطرة ~~على المجتمع، والحيلولة دون اشتراك الأفراد مباشرة في تنظيم ~~إنتاجهم بصورة تكفل لهم الشعور عن وعي بثمرة جهدهم. # وهكذا يسهم التخطيط الشامل في زيادة سلطان الترشيد التكنولوجي، ~~ويشكل بدوره سلاحا من أسلحة الإرهاب والقضاء على تلقائية الفرد، ~~ويتقارب النظام السوفيتي مع الرأسمالية المتقدمة في خلق إنسان ذي ~~بعد واحد، هو البعد الذي تحتاج إليه الخطة، والذي يسهم في تحقيق ~~المعدلات الإنتاجية المطلوبة، دون اعتبار لأي عامل آخر. # بل إن الصراع بين النظامين السائدين في البلدين الكبيرين: ~~الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، هو ذاته عامل يؤدي إلى تثبيت ~~الأوضاع غير الإنسانية في كلا النظامين. فالمفروض أن هذا الصراع ~~جزء من الديالكتيك التاريخي الذي يؤدي، في نهاية الأمر، إلى إزالة ~~التناقض بين النظامين لصالح تقدم الإنسانية، بحيث لا يحتفظ من ~~النظامين إلا بما يسهم في خلق أوضاع أفضل. ولكن الذي يحدث بالفعل ~~عكس ذلك. # فالاتحاد السوفيتي يعجز عن المواءمة بين الأساس الأيديولوجي ~~النظري لسياسته، وبين الواقع الفعلي الذي يظهر بمزيد من الوضوح ~~يوما بعد يوم. فهو؛ على المستوى النظري، لا يزال ينظر إلى ~~البروليتاريا على أنها طبقة واحدة ينبغي أن تتحد كلها، بغض النظر ~~عن أية اختلافات في المستوى الاقتصادي، للقضاء على استغلال النظام ~~الرأسمالي. ms33 وفي مقابل هذه النظرة «الدولية» إلى الطبقة العمالية، ~~يشهد الواقع بحدوث تحول أساسي في البروليتاريا، جعل جزءا كبيرا ~~منها يتحول إلى فئة غير ثورية مندمجة في النظام الرأسمالي المستغل ~~على نحو يوحي بوجود اتحاد في المصالح بين العمال وبين بقاء النظام ~~القائم. وهكذا طرأ على فكرة «التناقض» بين العمال والرأسماليين ~~تغير أساسي، لم تعترف به الأيديولوجية السوفيتية نظريا. ومما ~~يزيد الأمر تعقيدا أن الممارسة السياسية للاتحاد السوفيتي، بوصفه ~~دولة (لا بوصفه نظاما يطبق أيديولوجية معينة) تضطره إلى الاعتراف ~~- ولو بصفة جزئية - بهذا الواقع القائم، وبأن الصراع الدولي ليس ~~صراعا بين طبقتين متناقضتين يتخطى حواجز السياسية القومية، وإنما ~~هو إلى حد معين على الأقل، صراع بين «دول» لها مصالح متكاملة ~~محددة. # أما في الجانب الآخر فإن الولايات المتحدة تستغل الصراع بينها ~~وبين الاتحاد السوفيتي أحسن استغلال، بحيث أصبحت تجني نفعا من ~~وجود هذه القوة المنافسة لها (بعكس ما كان متوقعا). فكلما أحرز ~~الاتحاد السوفيتي تقدما في مجال ما، استغلت الرأسمالية هذا التقدم ~~في شحذ قواها من أجل إحراز تقدم مناظر، أو من أجل الاحتفاظ ~~بتفوقها. كذلك فإن حدة المنافسة أفادت في استمرار اقتصاديات الحرب ~~فترة أطول مما ينبغي بعد انتهاء الحرب، ومن المعروف أن الرأسمالية ~~هي المستفيدة دائما من توجيه الاقتصاد في خدمة الأغراض الحربية. ~~ويمكن القول بوجه عام إن وجود «العدو» هو جزء من الأسلوب الدفاعي ~~الذي يحمي به النظام الرأسمالي نفسه، ويحافظ به على وجوده. وكما ~~أفلحت الرأسمالية في تحويل التناقض بينها وبين الطبقة العاملة في ~~الداخل لصالحها، كذلك أفلحت في تحويل التناقض بين المعسكرين ~~الدوليين في اتجاه تعبئة قواها الخاصة وإسكات صوت المعارضة في ~~داخلها وتحقيق الازدهار في اقتصادها. وهكذا يكون من الضروري لها أن ~~تحتفظ. بصورة «العدو» حية أمام الشعب حتى تحافظ على استغلالها له؛ ~~أي إنها تحول التناقض إلى سلاح يخدمها ويساعد على بقائها بدلا من ~~أن يسهم في هدمها. # 4 # | مقومات الحضارة الجديدة # يحتل النقد السلبي الجانب الأكبر من تفكير ماركيوز ويشغل العدد ~~الأكبر من ms34 صفحات كتبه. وليس هذا بالأمر المستغرب؛ إذ إنه لا يقتصر على ~~نقد نظام بعينه، بل إنه ينقد كل النماذج الموجودة، سواء منها ~~الرأسمالية أو الاشتراكية كما هي قائمة بالفعل. وهو يرى أن «أحادية ~~البعد» هي مرض العصر، أو هي المظهر الرئيسي لضحالة الإنسان وغفلته، ~~وللانحراف والتشويه الذي طرأ على حياته، فالإنسان «ذو بعد واحد» في ~~المجتمع الرأسمالي المتقدم، وفي التطبيقات الاشتراكية الكبرى في العالم ~~المعاصر. إن البعد الواحد باختصار، هو سمة الحضارة الحديثة في أشد ~~صورها تقدما واكتمالا. # على أن ماركيوز لا يقف عند حد تشخيص أمراض الحضارة الحديثة، وإنما ~~يعرض تصوره الإيجابي لحضارة أخرى تحقق للإنسان أبعاده المتعددة، وتكتمل ~~فيها مقومات الحياة الحقة. وبطبيعة الحال فلا بد لبلوغ هدف كهذا من ~~مراجعة شاملة للطريق الذي ظل الإنسان يسلكه حتى اليوم، وللأهداف التي ~~ظل يبذل الجهد ويتحمل العناء من أجل تحقيقها؛ ذلك لأن الإنسان الحديث ~~كان يسلم بأمور معينة يظنها بدهية مع أنها قابلة للمناقشة، بل إنها ~~ربما كانت أصل البلاء الذي يعيش فيه. ومعنى ذلك أن الحضارة الحديثة ~~بأسرها تظن أن المبادئ التي تقوم عليها مطلقة، مع أنها في واقع الأمر ~~مبادئ نسبية يمكن الخروج عليها، وربما كان خلاص الإنسان الحديث يكمن في ~~قدرته على تجاوزها. ~~«إن الأسس التي ترتكز عليها الحضارة الحديثة هي زيادة الإنتاجية ~~والتقدم التكنولوجي.» وهذه أسس تفرض مقدما دون مناقشة. وهي تتخطى ~~الانقسامات الأيديولوجية، إذ إنها هي الغاية القصوى في كل من النظامين ~~الرأسمالي والاشتراكي كما يعيشان بيننا اليوم، ويعتقد ماركيوز أن ~~التشخيص الحقيقي لمرض العصر الحديث هو أن الإنسان يعيش فيه متلهفا على ~~الإنتاجية الزائدة، لاهثا وراء الكشوف والاختراعات التكنولوجية ~~المتجددة أبدا، وبذلك يضع الوسائل موضع الغايات؛ ذلك لأن على الإنسان ~~أن يدرك أن الإنتاج والتكنولوجيا مجرد وسائل. وعليه أن يتساءل: لأي غرض ~~ينبغي أن أزيد من إنتاجي؟ وما هي الغاية التي سأستخدم من أجلها ~~التجديدات التكنولوجية؟ ومع ذلك فإن هذه الأسئلة، على بساطتها، لا ~~تطرح في العصر الحديث، بل ينقاد الإنسان لرغبته العمياء ms35 في التفوق في ~~سباق الإنتاج والاختراع وكأنه مسوق بقوة قدرية غامضة قد تؤدي به في ~~النهاية إلى حتفه. # على أن من الضروري أن ننبه، بادئ ذي بدء، إلى أن ماركيوز لا يستهدف ~~دعوة الإنسان الحديث إلى التنازل عن تقدمه الاقتصادي والتكنولوجي؛ فهو ~~لا ينتمي إلى ذلك النمط من المفكرين الذين ينادون بالعودة إلى عصور ما ~~قبل الصناعة وما قبل التكنولوجيا، ويتصورون أن سعادة الإنسان الحقيقية ~~إنما تكون في العودة إلى الارتباط المباشر بالطبيعة البريئة، بل إن ~~المجتمع الإنساني الذي يحلم ببلوغه يفترض وجود مستوى عال إلى أبعد حد ~~من القدرة الإنتاجية ومن التقدم التكنولوجي. ولكن المهم في الأمر أنه ~~يدعو إلى وضع هذه الاعتبارات الاقتصادية والفنية حيث ينبغي أن تكون؛ ~~أعني بوصفها وسائل تخدم غايات تعلو عليها - غايات لم تصل إليها، ولا ~~يمكن أن تصل إليها، الإنسانية الحالية المكتفية بعالم الوسائل. فهدفه ~~هو أن يتجاوز الإنتاج والتكنولوجيا مع احتفاظه بهما؛ أعني البحث عن ~~حضارة جديدة تستوعب الحضارة القديمة في داخلها، دون أن تلغيها، بحيث ~~تكون العلاقة بين القديم والجديد علاقة جدلية بالمعنى الهيجلي؛ فالجديد ~~يلغي القديم لأنه يتجاوزه ولكنه في الوقت ذاته يحتفظ به لأنه يشتمل ~~عليه بوصفه جانبا من جوانبه. أو لنقل، من زاوية أخرى، إن العلاقة بين ~~المجتمع القائم على الإنتاجية والمجتمع الذي ينشده ماركيوز - والذي ~~سنوضح تفاصيله بعد قليل - أشبه بالعلاقة بين هندسة إقليدس والهندسة ~~اللاإقليدية؛ فالأخيرة لا تلغي الأولى، ولكنها تدرك نسبيتها، وتجعلها ~~مجرد حالة خاصة منطبقة على مجال معين، وتضيف إليها إمكانات جديدة لم ~~تكن تخطر على بال أنصار النسق القديم. ~~(أ) من ماركس إلى فرويد # كانت وسيلة ماركيوز لرسم معالم المجتمع الجديد هي أن يعيد تفسير ~~أفكار فرويد على نحو يتيح تعويض ما يفتقر إليه الفكر الماركسي، أو ~~التوفيق بين تعاليم فرويد، وبين آراء ماركس الشاب مع مزجهما معا ~~بعناصر من نيتشه، بحيث يصبح المركب الناتج ملائما لروح العصر ~~الحاضر. # ذلك لأن ماركس - في ظروف عصره الخاصة - قد ربط بين تقدم ~~الإنسانية وبين العمل، ms36 بحيث أصبح من الأمور المسلم بها فيما بعد ~~أن حضارة الإنسان المعاصر في صميمها حضارة عمل، وأن الإنسان - في ~~أحسن الظروف - لا يستطيع أن يحيا حياة أفضل إلا بقدر ما يبذل في ~~عمله من جهد. ولقد كانت نتيجة ذلك أن تركز الاهتمام على القيم ~~العقلية التي تتيح ترشيد العمل في سبيل الوصول إلى إنتاج أوفر ، ~~وعلى القيم الأخلاقية التي تسمح بتحقيق توزيع عادل لثروة المجتمع. ~~وخلال ذلك كله نسيت قيمة «السعادة» التي ترتبط أساسا بحياة ~~الإنسان البيولوجية، وأغفلت مشاعر الإنسان الحسية وحاجاته الحيوية، ~~وتركز الاهتمام على الحاجات العقلية والاقتصادية فحسب. وعلى الرغم ~~من أن ماركس قد أشار إلى عناصر أساسية يستحيل بدونها أن تحقق ~~الإنسانية تقدما حقيقيا، فإن عنصر «الغريزة» وتحقيق الرغبات ~~الحيوية كان مفتقدا تماما في كتاباته، إذا استثنينا بعض الإشارات ~~غير الواضحة في كتابات الشباب. ~~«إن الإنسان عند ماركس يظل دائما الإنسان العامل، المنتج، وعلى ~~قدر جهده يمكنه أن يحرز تقدما. أما الإنسان الحي بغرائزه وإرادته ~~ونزوعه إلى الحب، فلا مكان له في فكر ماركس.» على أن ماركيوز يؤمن ~~بأن القوى الإنتاجية قد وصلت في مجتمعنا المعاصر، بفضل التقدم ~~التكنولوجي الهائل، وتطبيق مبدأ التسيير الذاتي (الأتمتة) على نطاق ~~واسع، إلى مستوى يسمح للإنسان بأن يعود مرة أخرى إلى الاستمتاع ~~بحيويته، ويتيح له أن ينهل من منابع غريزته المتدفقة، ليستعيد تلك ~~«السعادة» أو «اللذة» التي حرمه إياها مجتمع الإنتاج والعمل. لقد ~~أصبح الإنسان قادرا على أن يشيد عالما مزدهرا يتخلص فيه من ~~العمل القاهر، ويكتفي بعمل أشبه باللهو أو اللعب، لكي يتفرغ ~~للاستمتاع بغرائزه الطبيعية، لا على مستوى بدائي، بل على أرفع ~~مستوى تتيحه له الحياة الحديثة. ولنقل، بلغة ماركيوز، إن في ~~استطاعة الإنسان اليوم أن يستعيض عن حضارة العمل الشاق والصناعة ~~بحضارة «الإيروس» # Eros # مفهوما ~~بهذا المعنى الواسع؛ أي بمعنى العودة إلى المنابع الحيوية للإنسان، ~~والاستمتاع بالغريزة إلى جانب العقل، واستعادة الحب الذي تجاهله ~~المجتمع الصناعي أو ابتذله شر ابتذال. ~~«إن الإنسان بحاجة إلى ثورة جديدة تتجاوز نطاق ms37 الثورة الاجتماعية، ~~ثورة تعيد إليه قيمة السعادة الحيوية وترد إليه وعيه بالغريزة ~~وإحساسه بالجمال. مثل هذه الثورة لا نستطيع أن نسترشد فيها بتعاليم ~~ماركس (وإن كانت هذه التعاليم تقدم في الواقع الأساس الذي لا يمكن ~~تحقيقها بدونه)، بل ينبغي علينا أن نلجأ، من أجل استيضاح معالمها، ~~إلى فرويد.» # ومن واجبنا أن ننبه القارئ إلى أن ماركيوز لا يبحث آراء فرويد ~~وفي ذهنه أن يتعمق في أساليب التحليل أو العلاج النفسي، بل إن ~~كتاباته عن فرويد، وخاصة كتابه الهام «الإيروس والحضارة # Eros et Civilisation ~~» ~~تتخذ على الدوام وجهة نظر الفيلسوف، وفيلسوف الحضارة على وجه ~~التخصيص. ومن هنا فإنه لم يهتم كثيرا بمؤلفات فرويد التي تعرض ~~نظرياته العلاجية، بل كان اهتمامه مركزا على كتابات فرويد ذات ~~الطابع الحضاري والفلسفي. # في هذه الكتابات عرض فرويد فكرة «الإيروس» بوصفه الطاقة التي ~~تكمن في أصل كل حضارة. وذلك لأن نمو الفرد؛ أي انتقاله من الأنانية ~~إلى الغيرية، وكذلك نمو الإنسانية، يفترض مقدما عامل الحب، سواء ~~في صورته الجنسية المباشرة، أو صورته المتسامية المحورة. فنمو ~~الفرد يتحقق حين يعمل الطفل حسابا للواقع وينظم سلوكه على أساسه، ~~بعد أن كان يبحث عن إشباعه المباشر ثم إدراك ما يضعه العالم أمام ~~هذا الإشباع المباشر من عقبات. ونمو المجتمع يتم بإعلاء مماثل ~~للطاقة التي لا تستطيع التعبير عن نفسها مباشرة، بل تتخذ لنفسها ~~تعبيرات غير مباشرة، تتمثل في المبادئ الأخلاقية والدينية، وفي ~~التعبير الفني والأدبي. # ومعنى ذلك أن الحضارة تفرض على الإنسان ألوانا من القهر، ~~وأنواعا من التحريمات؛ أي أن التحضر هو في أساسه تغيير لطبيعة ~~الإنسان الأصلية، وطرح لمبدأ اللذة المباشرة في سبيل الخضوع للأمر ~~الواقع. وكلما ازدادت الحضارة نموا، انتصر «مبدأ الواقع» على ~~«مبدأ اللذة» وازداد التحكم في الغرائز الطبيعية عن طريق النظم ~~والقوانين، ومع ذلك فإن مبدأ اللذة لا يختفي تماما، وإنما يظل ~~يفصح عن نفسه في صور غير مباشرة يحاول فيها التخلص من سيطرة مبدأ ~~الواقع؛ كالحلم والخلق الفني والخيال، وهي صور ينبثق فيها المكبوت ms38 ~~ويفصح عن نفسه. والمهم في الأمر أن الكبت هو الثمن الذي يدفعه ~~الإنسان لقاء تقدمه الحضاري. وهكذا يظل الإنسان يعمل وينتج، بدلا ~~من أن يستجيب لدوافعه الطبيعية، ولا سيما الجنس، ما دامت الموارد ~~لا تكفي لإعاشة أفراد المجتمع بلا عمل؛ فالإيروس إذا ترك وحده يمنع ~~الإنسان من العمل، ويحرم المجتمع من وسائل العيش، ومن هنا كان لا ~~بد من طرحه جانبا، والتركيز على الإنتاج والعمل. أي أن الإيروس ~~عاجز عن إقامة الحضارة؛ ولذلك كان من الواجب إنكاره إذا أراد ~~المجتمع أن يقيم لنفسه حضارة مرتكزة على الجهد والعمل. # إن المجتمع، في رأي فرويد، يحتاج إلى الكبت لكي يبني حضارته، ~~وهذا رأي لا يملك ماركيوز إلا أن يوافق عليه، وما أظن أن أحدا ~~يستطيع أن يجادل في الفكرة القائلة إن مجرد تكوين مجتمع يعني تنازل ~~الأفراد عن قدر من حاجاتهم ورغباتهم المباشرة في سبيل مبدأ أعم ~~منهم. ولو أمعنا الفكر قليلا لتبين لنا أن نظرية العقد الاجتماعي، ~~بل نظريات الفلاسفة القدماء - وعلى رأسهم أفلاطون - في تكوين ~~المجتمع، تنطوي على رأي مواز لرأى فرويد هذا، ولكن على المستوى ~~الاجتماعي بدلا من المستوى النفسي. ولكن فرويد لا يكتفي بذلك، بل ~~يؤمن بأن عكس القضية السابقة صحيح أيضا؛ أي بأنه لا حضارة بدون ~~كبت أو قمع، وبأن من المستحيل قيام حضارة بلا كبت. وهذا ما يعترض ~~عليه ماركيوز. # ذلك لأن قضية فرويد تظل صحيحة صحة نسبية؛ أي أنها تسري على ~~المجتمعات التي كان ضيق الإنتاج فيها يحتم تعبئة كل الموارد من أجل ~~العمل، ويحتم بالتالي تجاهل الإيروس. ولكن مجتمعنا الحالي تظهر ~~فيه، لأول مرة، بوادر تدل على إمكان الاستغناء عن القمع، وإقامة ~~حضارة لا ترتكز على الكبت، تكون هي الحضارة «المطلقة» الوحيدة التي ~~يمكن تصورها؛ ذلك لأن المجتمع الصناعي الحالي أصبح قادرا على ~~تحقيق قدر هائل من الوفرة، وأصبح من الممكن، عن طريق التقدم ~~التكنولوجي الهائل، وانتشار الآلية الذاتية (الأوتومية)، أن يتوافر ~~الأساس المادي الذي يتيح انتقال المجتمع إلى شكل جديد للحضارة لا ~~يعود ms39 فيه العمل الشاق ضروريا، بل يتفرغ فيه الإنسان لتحقيق ~~طبيعته الحيوية، فالآلات أصبحت قادرة على أن تسير بذاتها، مع حد ~~أدنى من التدخل الإنساني، وأن تنتج في الوقت ذاته بوفرة لم يكن ~~يحلم بها الإنسان في أي عهد مضى. وعن طريق هذا التحول التكنولوجي ~~الحاسم، يستطيع الإنسان أن يتحرر من الاغتراب الذي يعانيه في العمل ~~المادي الشاق، وأن يكرس إنتاجه الوفير لصالح قواه الإنسانية، ويحقق ~~ذاته لأول مرة في تاريخه الطويل. # ولكن الذي حدث بالفعل، في تاريخنا المعاصر، هو أن الإنتاج الوفير ~~لم يستغل للقضاء على القمع، بل لزيادته، ولا لإشباع حاجات الإنسان ~~الحقيقية، بل لإشباع نهم المنتجين إلى الربح وإلى المزيد من ~~الإنتاج. ويترتب على ذلك فائض من العمل المغترب غير الضروري، كما ~~يترتب عليه كبت ~~زائد # sur-représsion # للغرائز. والواقع أن هذا القهر يزداد كلما ~~ازدادت بشائر التحرر ظهورا، ولكنه في الوقت ذاته يكشف بوضوح عن ~~التناقض الصارخ الذي يمزق حضارتنا الحديثة؛ ففي هذه الحضارة توجد، ~~كما قلنا، جميع الإمكانات التي تتيح قيام مجتمع لا يلجأ إلى الكبت ~~والقهر، ولكن الواقع الفعلي الذي نلمسه فيها هو ازدياد القمع ~~وإحكامه وتحوله إلى الصبغة العقلانية التي تزيد من فعاليته. هذا ~~التناقض بين الإمكانات والواقع هو مظهر ديالكتيكي للصراع بين ~~السيطرة والتحرر، وهو يدل بوضوح على أن الظروف أصبحت مهيأة لإدخال ~~تغيير جذري على حضارة الإنسان. # ولعل العامل الحاسم الذي يساعد على إحداث هذا التغيير، هو أن ~~القمع قد أصبح في عصرنا الحاضر، قمعا إراديا من صنع الإنسان. ~~فعلى حين أن الضرورة الطبيعية، التي تتمثل في ندرة الموارد وعدم ~~كفايتها لتلبية الحاجات، كانت فيما مضى تحتم القمع وتجعله أمرا لا ~~مفر منه لتنظيم المجتمع؛ فإن الوفرة التي حققها المجتمع الحديث ~~جعلته غير مدفوع إلى ممارسة القمع بحكم الضرورة الطبيعية، بل إن ~~أصل القمع الحالي إنساني بحت، وبعبارة أخرى فإن العوامل الاجتماعية ~~والسياسية - لا العوامل الطبيعية - هي التي تؤدي إلى القمع السائد ~~الآن، وهي تدفع المجتمع إلى تطبيق أساليب معينة في توزيع ثروته، ms40 ~~تحتم سيطرة البعض على البعض الآخر. # وإذا كنا نعلم، من تجاربنا الراهنة، أن القمع الذي يمارسه ~~الإنسان شر من القمع الذي تحتمه الضرورة الطبيعية، فينبغي أن ندرك، ~~مع ذلك، أن هذا التغيير يعطينا على الأقل أملا في المستقبل. ذلك ~~لأن ما يمارسه الإنسان بإرادته، يستطيع الإنسان أيضا أن يتخلص منه ~~بإرادته. فنحن اليوم في مرحلة تاريخية لم تعد توجد فيها أية عقبات ~~طبيعية في وجه القضاء على الكبت، وكل ما نعانيه عقبات من صنع ~~الإنسان، ومن ثم يستطيع الإنسان أن يتجاوزها، وأن ينتقل إلى ~~المرحلة العليا للتطور الاجتماعي، أعني المجتمع القائم على تحقيق ~~الرغبات الحقيقية للإنسان، وإشباع حاجته إلى الحب والسلام، وإحلال ~~«الإيروس» محل حضارة العمل الشاق والصناعة والإنتاجية ~~العمياء. ~~(ب) حضارة الإيروس # على الرغم من أن ماركيوز يبدو كما لو كان يتجاوز ماركس، الذي ظل ~~تفكيره محصورا في نطاق مبدأ العمل والعدالة، ليستمد مقومات حضارة ~~المستقبل من فرويد، الذي استطاع أن يجعل لمبدأ اللذة والسعادة ~~مكانة رئيسية في تفكيره، فإنه في واقع الأمر يتخطاهما معا؛ لأنه ~~يضيف إليهما عناصر تنتمي إلى صميم عصرنا الذي يتميز بتطورات لم ~~يستطع كل من المفكرين الكبيرين أن يتنبأ بها تنبؤا دقيقا. # لقد أصبح في استطاعة الإنسان، لأول مرة، أن يحيا حياة خلت من ~~الكبت، ويقف عن غرائز الحياة موقف الإيجاب المطلق. وعلى حين أن ~~الإيروس والحضارة كانا منفصلين، بل متضادين عند فرويد، فإن ظروف ~~المجتمع الحالي تتيح، في رأي ماركيوز، الجمع بينهما من أجل إقامة ~~حياة إنسانية مكتملة العناصر، يتحقق فيها التوافق التام بين مختلف ~~جوانب الطبيعة البشرية. # في حضارة «الإيروس» هذه تصبح للخيال الغلبة على العقل؛ ذلك لأن ~~العقل كان الأداة الرئيسية في يد حضارة الكبت والقهر، وهو الذي ~~أتاح للمجتمع الصناعي أن يحقق أعظم انتصاراته في ميدان الإنتاج، ~~وأن يتسلط على كل جوانب الإنسان ويوجهها في خدمة أغراض الربح ~~والتوسع الاقتصادي. لذلك كان من الضروري استعادة التوازن بين ~~«الإيروس» و«اللوجوس» لحساب الأول، ولكن دون إنكار تام للثاني. ~~وعلى هذا النحو وحده ms41 يصبح الإنسان «كلي الجوانب # Omnilatéral ~~» بعد أن كان من قبل «أحادي الجانب # unilatéral ~~». # وعلى الرغم من أن تفكير ماركيوز يتسم بقدر ملحوظ من الوحدة، فإن ~~تأكيده هذا إمكان قيام حضارة متكاملة الأبعاد تحل محل الحضارة ~~الحالية ذات البعد الواحد - هذا التأكيد لم يكن من السمات المميزة ~~لتفكيره على الدوام. فهو قد اختتم كتاب (الإنسان ذو البعد الواحد) ~~بلهجة متشائمة تعبر عن يأسه من إمكان تغيير المجتمع الحالي إلى ~~مجتمع أفضل. ولكنه في كتاب «نهاية اليوتوبيا # La Fin de l’Utopie ~~» ينتقل إلى موقف أكثر إيجابية، ~~فيؤكد إمكان الانتقال إلى المجتمع الجديد باستخدام التكنولوجيا ~~المتقدمة في القضاء على اقتصاد الملكية الخاصة والإنتاج لأجل ~~الإنتاج، وينتقل في كتاب (نحو التحرر) # Vers la Liberation ~~(1969م) إلى حديث أكثر تفصيلا عن ~~القوى التي تستطيع القيام بهذا التحول إلى المجتمع الجديد، والتي ~~تساعد الإنسان على أن يرتد إلى ماهيته الحقة، بوصفه كائنا ~~إيروطيقيا (نسبة إلى الإيروس) يتخذ من القيم الجمالية هدفا ~~رئيسيا لحياته ولعلاقاته مع الآخرين. # وأهم ما يتصف به تفكيره في هذه المرحلة هو تأكيده أن الحديث عن ~~الحضارة الجديدة لم يعد من قبيل التفكير اليوتوبي، الذي يتعلق ~~بمشروعات اجتماعية يستحيل تحقيقها موضوعيا. بل إن ظروف عالم ~~اليوم، التي تجعل الانتقال أمرا ممكنا من الوجهة العملية، تضع ~~حدا لليوتوبيا، وتجعل التفكير في عالم الغد خارجا عن نطاق ~~الأحلام، بل تجعله أكثر واقعية من أي تفكير يقتصر على حدود المجتمع ~~القائم بالفعل. # فما هي إذن خصائص حضارة الإيروس هذه؟ # أول ما يطرأ على الذهن، حين تصادفه كلمة «إيروس» هو الجنس. فمثل ~~هذه الحضارة لا بد أن تكون لها نظرة مختلفة كل الاختلاف إلى الجنس، ~~نابعة من تخلصها من الكبت بصورة نهائية؛ فهي تعطي الجنس أبعاده ~~الكاملة في إطار من انعدام الكبت. وربما توهم المرء مما قلناه أن ~~الحضارة الحالية تتجاهل الجنس نتيجة لإصرارها على القمع والكبت، ~~ولكن حقيقة الأمر عكس ذلك. ففي هذا المجتمع الذي يستهدف الربح من ~~كل شيء، ويبتذل كل شيء - حتى أقوى عواطف ms42 الإنسان وألصقها به - يتخذ ~~الجنس صبغة السلعة التي تنتج بالجملة، وتباع وتشترى في السوق. ~~وتقوم وسائل الدعاية بدور كبير في تضخيم صور نمطية للجنس والتهليل ~~لها وفرضها على أذواق الناس فرضا. وتتسع أبعاد الجنس إلى حد مخيف، ~~ويتدخل في كل جوانب حياة الإنسان ولكنه يظل مع ذلك مقيدا محصورا ~~في إطار يحدده المجتمع منذ البداية، حتى لا يصبح حرا ~~طليقا. # هذا الجو أبعد ما يكون عن التسامي، الذي يفترض فرويد أنه ملازم ~~للكبت. فالجنس ينحط ويبتذل، وينتشر على أوسع نطاق، ولكن في إطار من ~~الكبت الشديد ودون أن يصحبه إشباع حقيقي أو متعة حقيقية. إنه أبعد ~~ما يكون عن طبيعته الأصلية التلقائية، فكل شيء فيه مخطط مدروس، ~~يستهدف إغراق الإنسان بالصور والتعبيرات والإيماءات الجنسية التي ~~تحفل بها الصحف وأفلام السينما، ولكن دون إشباع مطالبه منه. ولو ~~شئنا الدقة لقلنا إن ما يقدم إلى الإنسان ليس هو الجنس ذاته، بل هو ~~بديل عنه، هو خيالات وأوهام تحل محله وتزيد من طابع الكبت المسيطر ~~على نظرة المجتمع إلى الجنس. هذا النفاق ذو الوجه المزدوج الذي لا ~~يمكن أن يعد حرمانا ولا إشباعا، لا بد أن ينتهي في حضارة ~~الإيروس، لكي يحل محله انطلاق وتحرر لقوى الإنسان الطبيعية، وعلى ~~رأسها الجنس. # على أن الجنس ليس هو العنصر الوحيد في حضارة الإيروس، بل إن هناك ~~مجموعة كاملة من القيم، ومن الحاجات الجديدة، تظهر في المجتمع ~~الجديد، وترتبط على نحو مباشر أو غير مباشر بفكرة الإيروس، وإن لم ~~تكن منتمية إلى مجال الجنس؛ ذلك لأن الحاجات الإنسانية ليست شيئا ~~ساكنا جامدا، بل هي تتطور ديناميا مع تطور حياة الإنسان. ولقد ~~كانت ظروف الحياة الراهنة التي يعيشها الإنسان تحتم ظهور حاجات ~~وقيم تدعم النظام القائم، كالصراع من أجل العيش، والبحث عن الربح، ~~والكبت الزائف للغرائز، والاتجاه إلى الهدم والدمار. أما المجتمع ~~الذي يصبح فيه العمل (بفضل التقدم التكنولوجي الهائل) نوعا من اللهو، # 1 # فتسوده حاجات من نوع مختلف تماما، كالحاجة إلى ~~السلام والهدوء والجمال والسعادة. # ويلخص ms43 ماركيوز نمط الحياة الذي تسوده هذه القيم الجديدة في عبارة ~~«الحياة المسالمة أو ~~الراضية # L’existence pacifiée ~~»، وهي حياة تتسم بالبساطة ومراعاة مطالب ~~الإنسان الحقيقية في كل شيء. وأهم هذه المطالب جميعا، الحاجة إلى ~~السلام، التي تعني أساسا القضاء على روح الهدم والتخريب السائدة ~~في المجتمع الراهن، وهي الروح التي تتمثل في الاستعداد الدائم ~~للعدوان وشن الحروب، وفي الاستخفاف بالحياة البشرية، وإيثار خدمة ~~الموت على خدمة الحياة، والتفنن في التنكيل بالخصوم ~~وإذلالهم. # ويؤكد ماركيوز أهمية الاستمتاع بالوقت الحر؛ أي بما نسميه الآن ~~وقت الفراغ، في المجتمع الجديد. فعلى حين أن المجتمع الحالي يسيء ~~استغلال هذا الوقت لخدمة أغراضه الاستهلاكية الخاصة، ولنشر القيم ~~التي تدعم النظام القائم، فإن مجتمع المستقبل يجعل لهذا الوقت ~~أهمية قصوى، نظرا إلى ضآلة الوقت الذي سيقضيه الإنسان في عمله، ~~وإلى أن هذا العمل ذاته يتخذ طابعا أشبه باللعب. ففي الوقت الحر ~~تتاح للإنسان فرصة حقيقية لكي يستعيد ذاته، ويحقق التوافق مع نفسه ~~ومع الآخرين، بل إن النشاط الذي يمارسه الإنسان في هذا الوقت سيصبح ~~هو الغاية، على حين أن نشاطه في العمل سيصبح مجرد وسيلة. وأهم ~~عناصر شغل هذا الوقت الحر هي الاستمتاع بالقيم الجمالية، التي هي - ~~في نظر ماركيوز - الشرط الأساسي لاكتمال شخصية الإنسان. # ويبدي ماركيوز اهتماما كبيرا بالحاجة إلى الهدوء، وإلى ~~انفراد ~~المرء بنفسه # étre seul # والاقتصار على الاختلاط بمن يختارهم ~~هو ذاته، وحاجة كل إنسان إلى الاستمتاع بخصوصية الحياة؛ أي ~~بمجال خاص به # sphére privée # ولذلك كان يتصور المجتمع الجديد، لا على أنه مجتمع جماهيري # société de masse # بل مجتمع ~~مؤلف من مجموعات صغيرة من الأشخاص الأحرار، يعيشون في مدن خلت من ~~قبح التصنيع الرأسمالي، يستعان فيها بالتكنولوجيا، وبالقدرات ~~الجمالية لدى الإنسان، من أجل تغيير وجه العالم بحيث يغدو ملائما ~~لحياة قائمة على السعادة الحقة، السعادة التي لا تشترى ولا تمنح ~~لقاء ربح. # هذه القيم الجديدة تدور كلها حول محور واحد، هو المحور الجمالي. ~~فالحب والسلام والهدوء والتوافق، كل هذه وسائل لتحقيق أعظم قدر ms44 من ~~المتعة الجمالية للإنسان. وتصور الإيروس ذاته؛ أي القوة الحيوية ~~لدى الإنسان، يرتبط أوثق الارتباط بالنظرة الجمالية إلى الحياة. ~~وفي هذا الجانب الحاسم من تفكير ماركيوز كان تأثره واضحا كل ~~الوضوح بماركس الشاب (إلى جانب العنصر الفرويدي بطبيعة الحال)؛ ~~فالسعي إلى مجتمع تصبح فيه الحاجات المادية للإنسان ميسرة، وتقل ~~فيه مشقة العمل إلى أدنى حد، هو خطوة لا بد أن يتبعها غاية عليا، ~~هي اهتداء الإنسان إلى ذاته من خلال القيم الجمالية؛ أي أن النشاط ~~الجمالي سيصبح في هذه الحالة هو التعبير الحقيقي، الحر، عن ماهية ~~الإنسان. # لقد دأبت البشرية، منذ عهد «أرسطو»، على أن تعرف الإنسان بأنه ~~حيوان عاقل أو ناطق، وبلغ هذا الاتجاه قمته، من جهة، في عصر ~~التصنيع الرأسمالي، بما يفترضه من ترشيد عقلاني تام لكافة جوانب ~~نشاط المجتمع، ومن جهة أخرى في تأكيد الماركسية الناضجة لدور العقل ~~كأساس لبناء المجتمع الجديد. ولكن ماركيوز يؤمن إيمانا عميقا بأن ~~الإنسان إلى جانب كونه عاقلا، هو أيضا كائن خيالي، بل إن حساسية ~~الإنسان تتجه إلى تأكيد دور الخيال في حياته، والتمرد على القمع ~~والطغيان الذي يمارسه العقل. وفي الإنسان الجديد يقترن التحرر ~~دائما بإعلاء دور الخيال الذي يقوم بالتوسط بين الملكات العقلية ~~والحاجات الحسية. # 2 # إن الإنسان باختصار، كائن جمالي، بشرط أن تفهم هذه ~~الصفة بمعنى يقترب من اشتقاقها الأصلي في اللغة اليونانية؛ أي ~~بمعنى اتجاه الإنسان إلى الوعي الحسي بنفسه وبالعالم في ~~توافق. # وهكذا يظهر ماركيوز هنا على أنه مفكر آخر من دعاة «العودة إلى ~~الطبيعة»، ومن أنصار رد اعتبار الحب والخيال والعاطفة إزاء طغيان ~~العقل. والفارق الوحيد بين دعوته إلى اتخاذ القيم الجمالية هدفا ~~أسمى للحياة الخالية من الكبت، وبين دعوة أنصار العودة إلى الطبيعة ~~التقليديين، هو أن هؤلاء الأخيرين يحلمون بالطبيعة البسيطة ~~الساذجة، والبدائية في بعض الأحيان، على حين أن نزعة ماركيوز ~~الطبيعية ملائمة لعصر التكنولوجيا الرفيعة. والواقع أن نزعات ~~العودة إلى الطبيعة كانت، في كل العصور، رد فعل ساخطا على المجتمع ~~القائم، وكانت تتشكل وفقا ms45 لطبيعة هذا المجتمع. ومن هنا فإن هذه ~~النزعة قد اتخذت عند ماركيوز شكلا جماليا حسيا، يقوم على أساس ~~الوفرة التي يحققها مجتمع شيوعي (بالمعنى العام)، يسوده شعار «من ~~كل حسب قدراته، ولكل حسب حاجته». ووسيلة استعادة الوحدة الأصلية ~~المفقودة بين الطبيعة والإنسان، هي سيادة مبدأ اللذة، وسيطرة القيم ~~الجمالية. # ومن الواضح أن ماركيوز يجعل للفن، في نظرته العامة إلى الجديد، ~~دورا أساسيا، بل إن الثورة التي يدعو إليها قد لا تكون في ~~صميمها إلا ثورة جمالية. مثل هذه المكانة الخاصة التي يحتلها الفن ~~في تفكيره، تجعله جديرا بوقفة نعرض فيها، بإيجاز، لتصوره العام ~~للفن. ~~(ج) الفن والثورة # الفن في صميمه احتجاج على الواقع القائم، تلك هي ماهية الفن عند ~~ماركيوز. ومعنى ذلك أن معارضة الاضطهاد هي المقياس الذي نميز به ~~الفن الصحيح من الفن الزائف. وإذا كان تاريخ البشرية حتى الآن، هو ~~تاريخ الاضطهاد، فإن الفن قد أخذ على عاتقه أن يقاوم هذا التاريخ؛ ~~ذلك لأن الفن يوحي بحقيقة خاضعة لقوانين مخالفة للقوانين القائمة؛ ~~مثال ذلك أن قوانين الصور أو الشكل تخلق حقيقة مختلفة، هي في ~~الواقع نفي للحقيقة التي نعرفها، حتى عندما يكون هدف الفن هو تصوير ~~هذه الحقيقة ذاتها. # 3 # ولو طبقنا ذلك الحكم على الفنون الخاصة لظهرت لنا طبيعتها ~~النافية أو الرافضة بوضوح. ففي الفن المسرحي يتحطم التوحيد بين ~~المشاهد وبين العالم، وتقوم مسافة تسمح باستعادة الحقيقة الأصلية ~~للعالم، ويهتز مركز الأشياء اليومية من حيث هي أشياء مسلم بها، ~~ويتهيأ الجو لتصور العالم من خلال روح السلب التي يتعين بعد ذلك ~~تجاوزها. وفي الشعر يتحدث الشاعر، في كثير من الأحيان، عن تلك ~~الأشياء الغائبة التي تجوس مع ذلك العالم وتسري فيه. وهكذا فإن ~~الشاعر، إذ يجعل الغائب حاضرا، يمارس نوعا من نفي النفي، شأنه ~~شأن الفكر في مساره، ويهيئ الطريق بدوره «للرفض الأعظم». هذه ~~الاتجاهات تتجلى بوجه خاص عند رامبو، وفي الدادية والسيريالية، وهي ~~اتجاهات أصبح الأدب فيها يرفض ذلك التركيب اللغوي الذي ظل طوال ~~التاريخ يربط ms46 بين اللغة الفنية واللغة العادية. وبذلك يعمل الشعر ~~على تقويض العالم وخلق تجربة جديدة، غير مألوفة، تؤدي إلى إقامة ~~علاقة جديدة بين الإنسان والطبيعة. # على أن الفن المرتبط بالأيديولوجيات المتصارعة حاليا هو أقرب ~~إلى الزيف منه إلى الفن الصحيح؛ ففي النظام السوفيتي يقوم الفن ~~بتصوير الواقع محاكيا ~~للطبيعة # naturaliste # متجاهلا تماما وظيفته الأصلية بوصفه ~~رفضا للواقع وتباعدا عنه. وفي المجتمعات الرأسمالية يفقد الفن ~~وظيفته الثورية إذ يندمج في المجتمع، ويتمسك بمبدأ الواقع، ويدعم ~~النظام القائم بدلا من أن يحارب من أجل تجاوزه ولقد كانت الروح ~~التجارية التي يعامل بها الفن في المجتمع الصناعي الرأسمالي هي ~~الوسيلة الكبرى التي يتبعها هذا المجتمع لابتذال الفن والقضاء على ~~ثوريته؛ فالفن والأدب ينتشران على أوسع نطاق، ويدخلان كل بيت، ~~ويبدو ظاهريا أنهما حققا رسالتهما على الوجه الأكمل، مع أن هذا ~~الانتشار الواسع ذاته هو الذي يؤدي إلى تسطيحهما وربطهما بمجرى ~~الحياة اليومية الرتيبة، وإدماجهما - بالتالي - في النظام ~~القائم. # فهل يعني ذلك أن ماركيوز يدعو إلى عودة الفن إلى قصور النبلاء ~~وصالونات الأرستقراطيين، وإلى تضييق نطاقه وقصره على صفوة مختارة؟ ~~وإذا كان بيع الأعمال الأدبية الكبرى، والتسجيلات الكلاسيكية ~~الرائعة، في الصيدليات وأسواق البقالة (كما يحدث فعلا في الولايات ~~المتحدة) قد أدى إلى تسطيحها وضياع قدرتها على الرفض والاحتجاج، ~~فهل يعني ذلك أن نتنازل عن المزايا الهائلة التي أتاحها التقدم ~~التكنولوجي، ونحمل على الاتجاه الديمقراطي في الاستمتاع بثمار الفن ~~والأدب؟ يرد «نيكولاس» على هذا التساؤل بقوله: «كثيرا ما أسيء فهم ~~أفكار ماركيوز في هذه المسألة. فمن السخف الادعاء بأن ماركيوز ~~يهاجم انتشار الطابع الديمقراطي في الفن والأدب. بل إنه، على خلاف ~~ذلك، يهاجم ما له بعد واحد، يهاجم ظاهرة التمثل والاندماج الثقافي ~~بقدر ما يتم هذا التطبيع الثقافي في إطار من استمرار الاستغلال ~~والربح. فلنسلم بمبدأ بيع مؤلفات بودلير (في الصيدليات). ولكن ماذا ~~عسى أن يجد فيها القارئ؟ لا شيء مما كانت هذه الأعمال تنطوي عليه ~~في عصرها، أعني قوتها المعارضة. وعلى ذلك فإذا كان التمثل ms47 ~~والاندماج الثقافي الحالي يخلق «مساواة ثقافية» فإنه في الآن نفسه ~~يحمي السيطرة والتسلط، وإذا كان هذا الانتشار يلغي الامتيازات ~~الأرستقراطية القديمة، بوصفها امتيازات ظالمة مستبدة، فإنه يدعم ~~المجتمع ذا البعد الواحد الذي يخلقه الترشيد التكنولوجي، ذلك ~~الترشيد الذي يستحيل التباعد عنه أو الدخول في نزاع معه.» # 4 # ومع ذلك فإن آراء ماركيوز عن الفن بوصفه قوة ثورية رافضة للنظام ~~القائم، تنطوي على قدر مفرط من التعميم، وتتعرض لكل ما يتعرض له ~~التعميم السريع من انتقادات. ذلك لأن ما يسمى بخروج الفن عن ~~القوانين القائمة، هو نوع من المغالطة التي تستغل الخلط، في ~~استخدام لفظ «القوانين»، بين القوانين السياسية أو الاجتماعية أو ~~الاقتصادية من جانب، وقوانين الإدراك أو رؤية العالم من جانب آخر، ~~فالأولى قوانين متغيرة يمكن التمرد عليها عندما تكون ظالمة، أما ~~الثانية فهي مشتركة بين البشر، لها قدر كبير من الثبات الذي تتسم ~~به قوانين علم النفس عامة، وتظل صحيحة في ظل أي نظام، وأي وضع ~~اجتماعي. فإذا كان الفن يخرج عن القوانين بمعناها الثاني؛ لأنه ~~يمنحنا رؤية غير عادية، وإدراكا غير مألوف، للعالم، فإن هذا لا ~~يجعل منه على الإطلاق قوة تثور ضد القوانين بمعناها السياسي أو ~~الاجتماعي. # ولو صح رأى ماركيوز هذا، لكان الفن التجريدي أشد الفنون ثورية؛ ~~لأنه أكثرها خروجا عن الواقع القائم وتمردا عليه. ويبدو أن ~~ماركيوز يميل ضمنا إلى الأخذ بهذا الرأي، بدليل أنه يعيب على الفن ~~السوفيتي نزعته ~~الطبيعية # Naturalisme # التي يرى فيها خروجا عن الفن الحقيقي ~~بما فيه من رفض للواقع وابتعاد عنه. ولكن رأيه هذا هو، على أحسن ~~الفروض، رأي قابل للمناقشة؛ فقد أثبت تاريخ الفن أن النزعة ~~الطبيعية اتجاه أساسي ظل يتردد منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر، ~~ولم تكن فترات ظهوره فترات تدهور للفن على الإطلاق، كما أنها لم ~~تكن فترات تتسم بالطابع المحافظ من الوجهة السياسية. هذا فضلا عن ~~أن أي اتجاه فني يستطيع أن يزعم أنه يلتزم الواقع بمعنى، ويرفض ~~الواقع بمعنى آخر. فحتى لو كان يرفض ms48 الواقع «السائد»، فمن الممكن ~~القول إنه واقعي بمعنى أنه يبحث عن الاتجاهات المتطلعة إلى ~~المستقبل، والموجودة في الواقع الراهن بصورة كامنة، ويعمل على ~~تصويرها. وهكذا فإن كل قبول للواقع ينطوي ضمنا على رفض لواقع آخر، ~~والعكس بالعكس. ومن هنا فإن من غير الممكن الكلام عن فن رافض أو فن ~~قابل بالمعنى المطلق. # ومن جهة أخرى فإن كثيرا من اتجاهات الفن التجريدي - وهو فن لا ~~يمكن وصفه إلا بأنه رافض للواقع - يمكن أن توصف، من زاوية معينة، ~~بأنها اتجاهات تدعو إلى الرضوخ أو الامتثال من الناحية السياسية أو ~~الاجتماعية؛ ذلك لأن مبدأ التجريد نفسه يمكن تفسيره بأنه هروب من ~~الواقع وتباعد عنه. وحين يغرق الفنان في التجريد فمعنى ذلك أنه ~~يترك الواقع العيني الملموس على ما هو عليه، ولا يقول «لا» أو ~~«نعم» لمن يعبثون به وينشرون فيه الفساد، وإنما يخلق لنفسه عالما ~~خاصا يمارس فيه فاعليته. وحتى لو كان هذا الهروب ناشئا عن ~~السخط، فإنه ينطوي من الوجهة الموضوعية على مساعدة ضمنية للأوضاع ~~الجائرة القائمة، تتمثل في السكوت عليها. # 5 # ومثل هذا يصدق على الربط بين استخدام لغة غير اللغة العادية في ~~الشعر، وبين الثورة على الوضع القائم. فليس ثمة علاقة على الإطلاق، ~~في رأينا، بين «اللغة العادية» وبين الأوضاع الراهنة، ومن المستحيل ~~أن يوصف الأديب الذي يقبل التعبير بهذه اللغة العادية بأنه يؤيد ~~النظام القائم لهذا السبب. والواقع أن رفض اللغة العادية هو أمر لا ~~يتيسر إلا لفئة محدودة جدا من الأدباء أو الشعراء ومن القراء ~~الذين يمكنهم فهم لغتهم الجديدة؛ فهو في أساسه ظاهرة أرستقراطية، ~~بينما الثورة بطبيعتها ظاهرة جماهيرية تحتاج إلى وسيلة للتفاهم مع ~~الجموع الغفيرة من البشر. ومن هنا ففي وسعنا أن نقول إن الشاعر ~~عندما يبتدع لنفسه لغة جديدة (قد تكون لها قيمتها الكبرى من الوجهة ~~الجمالية الخالصة) يتخذ موقفا انعزاليا يتنافى، موضوعيا، مع ~~الروح الثورية. وفي استطاعته، لو شاء أن يكون ثوريا بالمعنى ~~الاجتماعي، أن يتخذ موقف الرفض في إطار اللغة اليومية ذاتها، وفي ms49 ~~هذه الحالة سيكون رفضه ديالكتيكيا يكتشف عناصر السلب الكامنة في ~~هذا العالم من داخله، على حين أن الرفض القائم على التباعد، وعلى ~~خلق لغة مستقلة، هو رفض غير ديالتيكي. # إن آراء ماركيوز الجمالية ليست مجرد نظرية في الفن تضاف إلى ~~غيرها من النظريات، بل هي تحتل في إطار فلسفته موقعا أهم من ذلك ~~بكثير. إنها في حقيقة الأمر تعبير عن الغاية القصوى التي يتصورها ~~للعالم في عصر ما بعد التكنولوجيا والآلية الذاتية. فالحياة ~~الجمالية الإيروطيقية هي المثل الأعلى للحياة كما يتصوره في مجتمع ~~المستقبل. وإنسان الغد، الذي ستخلصه الإنتاجية اليسيرة والآلية ~~العالية من مشقة العمل المجهد، سيكون في الأساس إنسانا يستمتع ~~بالحب والجمال، ومن أجل هذا الهدف ينبغي أن يثور إنسان اليوم على ~~عالمه الذي لا يقدم إليه الحب ولا الجمال إلا في إطار مبتذل، يخدم ~~أغراض الربح ويحقق للنظام هدف المحافظة على نفسه. ومن هنا فإن ~~فلسفة ماركيوز بأسرها يمكن أن توصف بأنها نزعة جمالية مبالغ فيها # est hétisme # وكل نزعة من هذا النوع لا تستطيع أن تصل، في آخر ~~المدى، إلا إلى تحقيق رمزي للحرية. أما التغيير الفعلي لأوضاع ~~الإنسان فلا يمكن أن يتم على أيدي الرومانتيكيين من أصحاب النزعات ~~الجمالية، وإنما هو، ببساطة، مهمة الثوريين العمليين. فأقصى ما ~~يستطيع الفن أن يفعله هو أن يكون وسيلة للتعبير عن السخط على وضع ~~قائم، والحلم بوضع مرتقب، ولكنه عاجز عن توجيهنا في مجال الواقع ~~الفعلي، وفي ميدان الممارسة السياسية. # والواقع أن الصورة التي يقدمها ماركيوز لعالم المستقبل المرتكز ~~على قيم الحب والجمال متناقضة في أكثر من جانب؛ ذلك لأن اتخاذ قيم ~~الحب والجمال غايات قصوى لكل نشاط إنساني في هذا العالم سيجعل بعض ~~الناس على الأقل، ممن ليست لديهم ميول جمالية، أو ممن لا يكترثون ~~كثيرا بالحب، يعيشون في المجتمع الجديد بلا هدف. وإذا كان من ~~الصعب تصور أشخاص لا يهتمون بالحب (من أن أمثال هؤلاء الأشخاص ~~موجودون بالفعل)، فإن من المشاهد فعلا أن هناك فئة غير قليلة من ms50 ~~الناس لا يعني الفن بالنسبة إليها شيئا مذكورا، والأرجح أنه ~~سيكون هناك أشخاص كهؤلاء حتى في المجتمع الذي يوفر لأفراده أعظم ~~قدر من الثقافة الجمالية. ومعنى ذلك أن الهدف الذي يضعه ماركيوز ~~للحياة في المجتمع الجديد لا يمكن أن يكون هدفا شاملا. # ومن جهة أخرى فإن المجتمع الجديد مبني، باعتراف ماركيوز نفسه، ~~على أساس استمرار الاتجاهات الحالية في التقدم التكنولوجي والآلية ~~الذاتية (الأتمتة)، وازدياد هذه الاتجاهات تقدما. على أن في ~~استطاعتنا منذ الآن أن نرى النتائج التي أفضت إليها هذه الاتجاهات ~~في مجال الفن المعاصر، الذي أصبح مغرقا في التجريد، وفي الابتعاد ~~عن إرضاء الحاجات الوجدانية للإنسان؛ لذلك فإن من المتوقع أن تستمر ~~هذه التيارات الفنية في مجتمع المستقبل، وفي هذه الحالة يصعب جدا ~~أن نتصور كيف يمكن أن يكون مثل هذا الفن التجريدي البحت هدفا أسمى ~~لنشاط الإنسان. فهل الموسيقى الإلكترونية مثلا (وهي وليدة العصر ~~الإلكتروني) فن يمكنه أن يسهم في استعادة إنسانية الإنسان؟ وهل هي ~~التي ستلبي حاجاته الجمالية؟ لا جدال في أنه سيظل هناك تناقض حاد ~~بين الأساس المادي لحياة المجتمع، وهو أساس يفترض فيه زيادة ~~التصنيع والتكنولوجيا تقدما، وبين مطلب إرضاء الحاجات الوجدانية ~~والانفعالية الحقيقية للإنسان، وهو المطلب الذي يراد من الفن ~~تحقيقه في مثل هذا المجتمع. # | ماركيوز بين واقع الثورة وأحلام الفلسفة # هناك حقيقة أساسية في فكر ماركيوز، أشرنا إليها من قبل إشارات عابرة، ~~ولكن ينبغي أن نضعها نصب أعيننا على الدوام إذا شئنا أن نصدر عليه ~~حكما منصفا، ونضعه في موضعه الصحيح بين مفكري القرن العشرين؛ تلك هي ~~أن ماركيوز كان، في جزء كبير من حياته العملية، أستاذا للفلسفة، وأنه ~~بلور الجزء الأكبر والأهم من أفكاره في الثلاثينيات والأربعينيات من ~~هذا القرن. ولا يمكن القول إن تحولا أساسيا قد طرأ على تفكير ~~ماركيوز وانتقل به من أقوال تلقى في قاعات المحاضرات إلى تعاليم يهتدي ~~بها الشباب الثوريون في أنحاء واسعة من العالم. فالأمر الذي يلفت النظر ~~بحق في التطور الفكري لهذا الفيلسوف، هو أنه ms51 لم يضطر إلا إلى إدخال ~~تعديلات طفيفة على أفكاره الأساسية التي عرضها قبل فترة الحرب العالمية ~~الثانية، واقتصر على تطبيقها على الظروف المتجددة التي أعقبت هذه ~~الحرب، دون تغيير جذري لها. ومع هذا فإن التفكير، الذي وضعت أسسه قبل ~~فترة تطبيقه الفعلي بما لا يقل عن ربع قرن من الزمان، قد أثبت حيويته ~~ومرونته الفائقة، واستطاع أن يلهم ملايين الشباب كما لو كان صاحبه ~~واحدا من جيلهم، يحس بأحاسيسهم وينطق لغتهم. # على أن هذه الحقيقة الأساسية كان لها تأثير لا يمكن إنكاره في تحديد ~~الطابع العام لتفكير ماركيوز؛ ففي رأينا أن هذا التفكير بالرغم من ~~نجاحه العملي الهائل خلال فترة ثورة الشباب في الستينيات من هذا القرن، ~~وبالرغم من انتشاره الواسع في مختلف بلدان القارة الأوروبية ~~والأمريكية، ظل على الدوام تفكير أستاذ فلسفة ألماني الأصل. وفي ~~استطاعة المرء أن يتنبأ بأن الشباب الثوريين لن يمكنهم أن يتمسكوا ~~طويلا بتعاليم ماركيوز، لسبب بسيط هو أن هذه التعاليم أقرب بكثير إلى ~~أحلام الفلاسفة منها إلى واقعية الثوار. إنها في صميمها تعاليم نظرية، ~~لها بريق خلاب، ولكنها تخفق إخفاقا صارخا عندما يراد تحويلها إلى ~~مجال الممارسة والتطبيق. # وسيكون الجزء التالي من هذا البحث إثباتا مفصلا لهذا الحكم ~~العام. ~~(أ) قيم المجتمع الجديد في ميزان النقد # إذا كنا قد اختبرنا من قبل آراء ماركيوز في الفن ~~اختبارا مستقلا؛ فهذا يرجع إلى المكانة الخاصة التي ~~تحتلها القيم الجمالية في تصوره العام للمجتمع الجديد، على ~~أن هذه القيم الجمالية لا تقتصر على الفن وحده، بل هي ~~ترتبط عنده بنمط كامل للحياة يتصور ماركيوز أنه هو النمط ~~الذي ينبغي أن يسود مجتمع المستقبل. فهل كان تفكير ماركيوز ~~متسقا مع ذاته عندما حدد معالم هذا النمط الجديد من أنماط ~~الحياة؟ # لقد تحدثنا من قبل عن أهم القيم التي يدعو إليها ماركيوز ~~في مقابل القيم التجارية والاستهلاكية والعدوانية التي ~~تسود المجتمع الراهن، هذه القيم الجديدة تسود عندما تظهر ~~حاجات جديدة في مجتمع المستقبل الذي تحمل فيه الآلة عن ~~الإنسان ms52 عبء العمل الشاق وتصرفه عن الاهتمام المفرط ~~بالإنتاج والربح. وأهم هذه الحاجات، الحاجة إلى الهدوء ~~والسلام، وإلى «الحياة المسالمة أو الراضية # L’existence pacifiée ~~». # ولكن، هل صحيح أن روح المسالمة، التي تكون فيها النفس ~~مطمئنة راضية مرضية، هي الحالة المثلى لإنسان المستقبل؟ إن ~~قليلا من التفكير يقنعنا بأن هذا المثل الأعلى لا يستحق ~~السعي إليه إلا حين يكون الإنسان قد جعل من الأرض جنة ~~حقيقية. ولكن حتى مجتمع المستقبل لن يكون هو ذاته الجنة ~~الموعودة. فهو سيظل مجتمعا يحتاج إلى الكفاح، والعمل ~~الإيجابي، والابتكار، وتلك كلها أهداف لا يمكن تحقيقها في ~~مجتمع مثله الأعلى هو «الحياة المسالمة». # 1 # بل إن وجود قدر، ولو قليل، من النزعة ~~العدوانية يساعد الإنسان على الارتقاء بذاته وتجاوزها، ~~وذلك إذا استطاع الإنسان أن يتسامى بعدوانيته الغريزية ~~ويوجهها في اتجاهات إيجابية بناءة. # والواقع أن كل صور الحياة المكافحة، سواء أكان ذلك ~~كفاحا ضد الطبيعة أم كان كفاحا في سبيل بلوغ مستويات ~~أعلى للحياة، لا تتمشى مع مبدأ ماركيوز في تهدئة النزوع ~~العدواني وسيادة الحياة الراضية؛ ولذلك فإن دعوته لا تشكل ~~أي إغراء للإنسان المتطلع إلى الكفاح في سبيل حياة أفضل، ~~وخاصة في تلك المناطق من العالم، التي لا يزال فيها أمام ~~الإنسان شوط طويل حتى يتحرر من عجزه أمام قوى الطبيعة، ومن ~~استغلال الآخرين. فهل يريد ماركيوز من إنسان المستقبل أن ~~يقف هادئا مطمئنا مسالما، ويركز حياته في الاستمتاع ~~بالحب والفن؟ هل يعد هذا نمطا راقيا من الحياة بحق؟ ألا ~~يمكن أن يؤدي ذلك إلى خنق كل طموح لدى الإنسان؟ أليست ~~المهام الكبرى في الحياة في حاجة إلى سعي وجهد، وإلى نوع ~~من عدم الرضا وعدم الاكتفاء بما هو موجود؟ إن تصور ماركيوز ~~لن يكون له معنى إلا حين تبلغ الحياة نهايتها، وينتهي كل ~~طموح لدى الإنسان. ولو أتى على الإنسان يوم تصور أن حياته ~~بلغت غايتها وأنه لم يعد يحتاج إلا إلى الاستمتاع بما ~~أنجزه من قبل، لكان معنى ذلك أن انهيار هذه الحياة أصبح ~~وشيكا. ms53 # ومثل هذا يقال عن دعوة ماركيوز إلى تفتيت الكتل ~~الجماهيرية الكبيرة # Masses # إلى مجموعات صغيرة من الأفراد الأحرار؛ ذلك لأن المسئوليات ~~الضخمة التي تنتظر الإنسان في المستقبل تحتاج إلى جهود ~~جماعية، وإلى تكاتف متزايد بين البشر. بل إن هذا التكاتف ~~ذاته يعد علاجا شافيا للأفراد من الأنانية والتفكير ~~الضيق المنحصر في حدود الذات، أو الجماعة القريبة، وحدها. ~~لذلك فإن الرأي الأقرب إلى الصواب، والذي ينادي به عدد ~~أكبر من المفكرين، هو أن الإنسانية تتجه إلى التجمع، وإلى ~~تكوين مجتمع عالمي واحد، لا إلى الانقسام والتفتت إلى ~~جماعات صغيرة. ولنذكر، في هذا الصدد، أن تفكير ماركيوز في ~~هذا الموضوع أقرب إلى النزعة التعددية والتجزيئية التي ~~تسود فلسفات المجتمع الرأسمالي، على حين أن الفلسفات ~~الاشتراكية أميل إلى تأكيد فكرة العالمية في مختلف ~~المجالات. # والواقع أن صورة الحياة الجديدة التي يدعو إليها ماركيوز ~~قد تكون، في حقيقتها، أسوأ بكثير مما تبدو عليه لأول وهلة. ~~فهو أولا يتصور أن انقياد الإنسان لرغباته يؤدي إلى تحقيق ~~سعادته في كل الأحوال. وهذا تصور ساذج؛ لأنه على الأقل لا ~~يتضمن تحليلا متعمقا للرغبة، وكشفا للتناقض الكامن ~~فيها، على النحو الذي قام به عدد كبير من الفلاسفة منذ ~~أفلاطون حتى عصرنا الحاضر. وأبسط ما يمكن أن يقال هو إن ~~الرغبة تنطوي، في جانب من جوانبها، على اتجاه إلى استبعاد ~~الآخر بحيث يغدو مجرد وسيلة لتحقيق رغبات الذات. ومثل هذا ~~الاتجاه لا يساعد مطلقا على قيام مجتمع متحرر إذا استسلم ~~له أفراد هذا المجتمع. ومن هنا لا مفر من فرض نوع من الكبت ~~- في حدود معينة - على الرغبات، حتى في أشد المجتمعات ~~انطلاقا. # وفضلا عن ذلك فإن مبدأ سيادة الحب في المجتمع الجديد هو ~~مبدأ خداع إلى حد بعيد؛ ذلك لأن المجتمع الذي لا يعود فيه ~~أي عائق يقف في وجه نزعات الإيروس ورغباته لا يمكن أن يوصف ~~بأنه مجتمع سعيد. وحتى لو فرضنا أن التعليم والقيم ~~الاجتماعية أصبحت كلها تشجع على الاستمتاع التام بالقوى ~~الحيوية للإنسان متمثلة أساسا ms54 في الجنس، فلا يمكن أن ~~يترتب على ذلك تحقيق سعادة مؤكدة لأفراد مثل هذا المجتمع. ~~ذلك لأن طغيان الجنس يمكن أن يؤدي إلى التعاسة والقبح ~~مثلما يؤدي إلى الرضا والجمال. ولا بد لضمان تحقيق نتيجة ~~إيجابية في انطلاقة الحب هذه، من أن يفرض نوع من الضوابط ~~أو من التنظيم في علاقات الحب بين الأفراد؛ أي مما يسميه ~~ماركيوز بالكبت، وهو ما يريد ماركيوز استئصاله من المجتمع ~~الجديد (متجاوزا في ذلك فرويد بكثير). # ومن ناحية أخرى، فهل يمكن أن يكون الحب والجنس حقا ~~غاية عليا في المجتمع الإنساني المتحرر؟ أخشى أن أقول إن ~~هذا الاهتمام المفرط بالجنس يحمل في طياته آثار القيود ~~التي يعانيها الإنسان في المجتمع الحالي، وأن الاعتقاد بأن ~~جنة الإنسان في المستقبل هي جنة يستمتع فيها الإنسان ~~بمشاعره الجنسية استمتاعا حرا، لا يطرأ إلا على ذهن ~~ينتمي صاحبه إلى حضارة تحرم الجنس وتضع دونه شتى العقبات. ~~ولو تخيلنا مجتمعا أزيلت فيه القيود والتحريمات على ~~الجنس، لكان الإنسان في هذا المجتمع - على الأرجح - غير ~~مكترث بالجنس إلى الحد الذي يتصوره فيلسوفنا الذي يستمد ~~آفاق تفكيره من مجتمع متمسك بالتحريمات. ولكي نكون واقعيين ~~ينبغي أن نتذكر أن مجالات الاستمتاع بالجنس محدودة، مهما ~~بدت لنا في منظورنا الحالي واسعة. ولقد تساءل أحد الكتاب - ~~وكان على حق تماما في تساؤله: ما الذي يستطيع إنسان ~~المستقبل أن يفعله في مجال الجنس، مما لا يستطيع الإنسان ~~الحالي أن يفعله؟ أهناك حقا، في هذا المجال، عالم جديد ~~كل الجدة، لم نجربه في عالمنا بعد؟ أم أن إزالة القيود لن ~~يترتب عليها أي تغيير «كيفي» في طريقه استمتاع الناس ~~بالجنس؟ أغلب الظن أن التحرر من الكبت سيترتب عليه، في ~~المدى الطويل، تضاؤل أهمية الجنس في حياة الإنسان، لا ~~زيادتها. أما أولئك الشبان الذين نراهم اليوم، في مستعمرات ~~الهيبيز وغيرها، مغرقين في مظاهر الحب بمختلف أنواعها، ~~فإنهم، مهما كانوا متحررين، يخضعون في تصرفاتهم لمبدأ رد ~~الفعل، ويتعمدون مخالفة قواعد المجتمع الموجود. ولو كانوا ~~يعيشون في مجتمع يسير ms55 على نفس مبادئهم، لكان دور الجنس في ~~حياتهم المتحررة أضيق نطاقا بكثير. ويكفي في هذا الصدد، ~~أن يتذكر المرء أن الاستمتاع بشتى مظاهر الحب لا يمكن أن ~~يكون عملا يتفرغ له الإنسان، أو يشغل الجانب الأكبر من ~~وقته، وذلك بحكم الضرورة البيولوجية والنفسية ذاتها بغض ~~النظر عن أية تحريمات أو تعقيدات اجتماعية. # وأخيرا، فقد رسم لنا ماركيوز معالم هذه الحياة الجديدة ~~دون أن يحدد لنا بوضوح، الوسائل العملية الكفيلة بتحقيقها. ~~وهناك على الأقل، عقبة واحدة رئيسية تجعل قدرة الإنسان على ~~تحقيق هذه الحياة أمرا مشكوكا فيه هي أن الأساس المادي ~~للمجتمع الجديد سيكون هو ذاته التقدم التكنولوجي وسيادة ~~الآلية الذاتية في العالم؛ أي أن نفس الأسلوب السائد في ~~المجتمعات الصناعية المتقدمة حاليا، هو الذي سيسود ~~المجتمع الجديد (مع اختلاف في الغايات بطبيعة الحال) ولكن ~~كيف نستطيع أن نتخلص، بهذا الأسلوب نفسه، من التنظيم ~~القهري الذي يفرضه المجتمع الراهن؟ ألا يحتمل أن يؤدي ~~استمرار التكنولوجيا الحالية إلى استمرار نفس وسائل القهر ~~الراهن؟ إن الآلية الشاملة التي ستحقق للمجتمع الجديد ~~الوفرة وتعفي الإنسان من العمل المغترب، تقتضي بطبيعتها ~~نوعا من التنظيم الدقيق الذي يجلب معه، حتما، ألوانا من ~~القهر والضبط والتحكم في سلوك الأفراد، والتضحية بالفرد في ~~سبيل المجموع. ومن المستحيل أن تستمر آلات هذا العصر ~~المرتقب في الدوران بدون نوع من الترشيد؛ أي من سيادة ~~العقل، في التنظيم الاجتماعي. أي أننا سنضطر حتما إلى ~~الاعتراف بأهمية العقل إلى جانب الغريزة، وربما قبلها، ~~وسنعيد للوجوس مكانته التي أراد ماركيوز أن ينحيه منها ~~جانبا لكى يحل محله الإيروس. ~~(ب) ماركيوز والشباب # تصلح النقطة الأخيرة التي أشرنا إليها في ختام القسم السابق، ~~وأعني بها عجز ماركيوز على أن يحدد بوضوح الوسائل العلمية التي ~~تعين على تحقيق المجتمع الجديد، لكي تكون نقطة انطلاق لتحليل نقدي ~~لموقفه من الشباب؛ ذلك لأنه، كما رأينا، لا يقدم نظرية ثورية يمكن ~~أن تتخذ أساسا لممارسة عملية، بل يقدم إلينا تحررا رمزيا، على ~~مستوى الفكر وحده، في المجال الحسي والجمالي ms56 فحسب. وربما بدا للمرء ~~أن اختياره لهذا المجال بالذات دليل على يأسه من تغيير المجتمع ~~القائم في علاقاته العينية؛ لأن العالم الجمالي، على أية حال، مجرد ~~حلم، ولأن هناك هوة لا تعبر بين المجال الإستطيقي والمجال ~~السياسي. # ولكن ماركيوز يعتقد أنه قد اهتدى إلى قوى معينة، في قلب المجتمع ~~الحاضر، تستطيع أن تكون أداة عملية لإحداث عملية التغيير التي يدعو ~~إليها. وعلى الرغم من أنه لم يقدم أي برنامج عملي مفصل للطريقة ~~التي تستطيع بها هذه القوى أن تقلب المجتمع الراهن (وهو في ذلك ~~يختلف عن الثوريين الأصليين، ويظل - كما قلنا - مجرد أستاذ ألماني ~~للفلسفة)، فإنه قد أورد إشارات غير واضحة، ساعدت الأحداث على ~~ترسيخها في الأذهان، عن الدور الذي تستطيع قوى الشباب، ممثلة في ~~الطلبة بوجه خاص، أن تقوم به من أجل تغيير المجتمع. ولقد كان هذا ~~الاهتمام بالطلبة، الذين ظهروا على المسرح بوصفهم قوة ثورية جديدة، ~~هو الذي جلب لماركيوز القدر الأكبر من شهرته في السنوات الأخيرة من ~~عمره. وكان الطلبة أنفسهم من أهم عوامل إذاعة هذه الشهرة؛ إذ إنهم ~~أبدوا ترحيبا كبيرا بذلك المفكر الذي استطاع أن يجعل لهم دورا ~~بارزا في تحريك أحداث العالم، في الوقت الذي كان فيه غيره من ~~المفكرين يستبعدونهم أو يجعلون لهم دورا هامشيا فحسب. ومن جهة ~~أخرى فإن ماركيوز ذاته وجد في ثورات الشباب تأييدا قويا لأفكاره ~~التي نادى بها من قبل، والتي أعلن فيها أن القوى الثورية ~~التقليدية، وهي البروليتاريا، قد فقدت ثوريتها باندماجها في ~~المجتمع الصناعي المتقدم إلى حد أصبحت فيه تحرص على بقاء هذا ~~المجتمع وتحافظ على طابعه الاستغلالي. # ولقد أشار ماركيوز في ختام كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» - بوجه ~~خاص - إلى أن خلاص المجتمع لن يتم على يد أية جماعة من الجماعات ~~المندمجة فيه، بل سيتم على أيدي «الهامشيين» والمرفوضين والمضطهدين ~~والخارجين عن نطاق عملية الإنتاج. وعلى الرغم من أن هذه الإشارة ~~كانت، في نظر كثير من الكتاب، تعبيرا عن اليأس والشعور بالعجز عن ~~إحداث تغيير حقيقي ms57 في المجتمع القائم، فإن الشباب أنفسهم قد رحبوا ~~بها ووجدوا فيها دليلا على أنهم أصبحوا الورثة الحقيقيين لروح ~~الثورة في العالم. ولقد كان من الطبيعي أن تجد هذه الفكرة رواجا ~~بين شباب العالم، ولا سيما في البلاد الصناعية المتقدمة بأمريكا ~~وأوروبا؛ إذ إن الشباب في هذه البلاد مهيأ نفسيا للفكرة القائلة ~~إنه مرفوض ومنبوذ، وأن الكبار لا ينصتون إليه ولا يتركون له دورا ~~في تحديد مجرى الأحداث. وتكاد المشكلة الرئيسية للمراهقين في هذه ~~البلاد أن تكون عدم إصغاء الكبار إليهم، وعدم تجاوبهم معهم؛ لأن ~~هؤلاء الكبار منصرفون بكل قواهم إلى أعمالهم الإنتاجية، التي لا ~~تترك لهم وقتا للتفاهم مع أبنائهم. ومن هنا فإنه حين يأتي مفكر ~~مثل ماركيوز لكي يؤكد أن هؤلاء المرفوضين هم مخلصو البشرية الجدد ~~فلن يكون من المستغرب أن يتعلق به الشباب ويروا فيه المفكر الناطق ~~بلسانهم. # ومن ناحية أخرى فقد كان من الطبيعي أن يرحب الشباب بفيلسوف ينادي ~~بانتهاء عهد الكبت والقهر، وبسيادة الإيروس على اللوجوس، أو ~~الغريزة الحيوية على العقل، ويدعو إلى إحياء قدرات الإنسان ~~الخيالية في مقابل قدراته المنطقية، ويجعل من الاستمتاع بالحب ~~والجمال هدفا أسمى لحياة الإنسان في المجتمع الجديد. كل هذه تشكل ~~في واقع الأمر أحلاما تراود الشباب في كل عصر، ويزداد إلحاحها ~~عليهم في عصرنا الذي تسوده الروح التجارية، وفي المجتمعات التي ~~تسير في كل أمورها وراء دافع الربح. ومن المؤكد أن دعوة ماركيوز ~~إلى تقييد النزوع الاستهلاكي، وتأكيده لأضرار هذا النزوع على ~~الشخصية الإنسانية، تتجاوب مع مثالية الشباب ونزوعه إلى الزهد في ~~المطالب المادية، وهو ذلك الزهد الذي لا يتعارض على الإطلاق مع ~~انطلاق الشباب وراء قيم الحب والجمال. # ولكننا نلاحظ، من جهة أخرى، أن ماركيوز حين يؤكد الحاجة إلى ~~الأمان والحياة الراضية المسالمة، وإلى استمتاع الفرد «بمجال ~~خصوصي» ينفرد به يبتعد دون أن يشعر عن جو الشباب، ويعبر بالتالي ~~عن نفسه تعبيرا أصدق؛ ذلك لأن هذه القيم أشبه ما تكون بقيم ~~العجائز الذين لا يريدون من الدنيا إلا «الستر». ms58 ومن المحال أن ~~يستجيب الشباب، في توثبهم وانطلاقهم وسعيهم إلى المغامرة وارتياد ~~آفاق جديدة مجهولة، لهذه الدعوة إلى المسالمة والأمان والهدوء ~~والتهدئة. إن ماركيوز يريد أن يحيل الناس - بعد أن يصبح الإنتاج ~~آليا يسيرا لا يقتضي منهم إلا أقل جهد - إلى «التقاعد»، ويجعلهم ~~أشبه بمن ينشدون الهدوء والسلام و«الخصوصية» في مأوى منعزل بعد ~~بلوغهم مرحلة الشيخوخة. وهذا، في رأيي، هو الذي يعبر عن موقف ~~ماركيوز الحقيقي؛ إذ إنه مما يتمشى تماما مع تفكير شيخ مسن أن ~~يدافع عن قيم العجائز. أما الدفاع الحار عن «الإيروس» - وهو دفاع ~~يتناقض مع هذا الموقف تناقضا واضحا - فيبدو لي أقرب إلى الرغبة ~~في تملق الشباب منه أي شيء آخر. إنه في حقيقة الأمر تدليل، بل ~~تضليل للشباب؛ لأن المجتمعات لا تبنى على أساس من قيم الحب العاشق ~~وحده. وهو يكاد يصل إلى مرتبة النفاق الصريح إذ يجعل من المبدأ ~~الذي يدور حوله اهتمام الشباب أساسا لحياة كاملة من نوع جديد. ~~وليس الدليل على ذلك هو تناقضه مع قيم الهدوء والمسالمة والانعزال ~~فحسب، بل ربما كان الدليل الأقوى عليه هو تطرف ماركيوز - وهو شيخ ~~عجوز ناهز السبعين - في تأكيد أهمية الجنس والحب إلى حد جعله مهمة ~~رئيسية يتفرغ لها الإنسان في المجتمع الجديد. # على أن عيوب ماركيوز هذه كانت فضائل في نظر الشباب. وكذلك كان ~~الحال في تأكيده فكرة الرفض السلبي، دون أية إشارة إلى الطريقة ~~الإيجابية لبناء المجتمع الجديد؛ ذلك لأن مرحلة الشباب بأسرها ~~تتميز من الوجهتين النفسية والعقلية بالاتجاه إلى رفض القديم ~~والتقليدي والشائع، دون قدرة على الاستبصار لما يحل محله. والمفروض ~~أن هذا الاستبصار سيأتي في مرحلة النضج، وإن كان من المحتمل ألا ~~يأتي على الإطلاق. ولقد توقف ماركيوز عند حدود التعبير السلبي؛ فهو ~~«يكره» هذا المجتمع، ولا «يريده»، ولكنه لا يتغلغل في تياراته ~~واتجاهاته بطريقة علمية حتى يستطيع أن يغيرها على أساس سليم. ومن ~~المؤكد أن هذا الطابع العاطفي، الانطباعي السريع، هو الذي جعله ~~مقربا إلى كل من يمر بمرحلة العمر ms59 التي يصدر فيها المرء أحكامه ~~على أسس عاطفية، ويكون فيها قبوله لأي شيء أو رفضه له مبنيا على ~~حبه أو كراهيته له، لا على تحليل موضوعي هادئ للأمور. # وليس معنى ذلك أن ماركيوز لم يحاول أن يقدم صورة إيجابية للعالم ~~الجديد، وإنما معناه أن أقوى العناصر في تفكيره هو العنصر السلبي، ~~وأن إعجاب الشباب به يرجع أساسا إلى دعوته إلى «الرفض الأعظم» ~~الذي يتمشى تماما مع سخطهم على الأوضاع ورغبتهم في تغييرها. أما ~~إلى أي شيء يكون هذا التغيير، فهذا ما لم يفصل ماركيوز الكلام فيه، ~~وما لم يبحثه إلا بطريقة سريعة لا تقدم تحليلا علميا لطريقة ~~الانتقال إلى المجتمع الجديد، ولمراحل هذا الانتقال ووسائله، ولا ~~تزودنا بأي برنامج مفصل لما سيحدث بعد ثورة السلب. ~~(ج) من الطلاب إلى العالم الثالث # على الرغم من أهمية الدور الذي نسبه ماركيوز إلى الشباب، وإلى ~~الطلاب بوجه خاص، في تحريك دفة الأحداث في عالمنا المعاصر، فإنه لم ~~يكن يؤمن بأنهم هم وحدهم القوة القادرة على تحقيق التحول إلى ~~المجتمع الجديد. فإذا كان الطلاب يعيشون على هامش المجتمع الصناعي ~~«في داخله» فإن هناك فئة أخرى تعيش على هامش هذا المجتمع «خارجه»، ~~هي الثوار في العالم الثالث. إنهم بدورهم مضطهدون، هامشيون، لم ~~تلوثهم حياة المجتمعات الصناعية المتقدمة، ولم يلتزموا بعد بقيمها ~~التجارية الانتهازية؛ فالطلبة، بكل ما يقومون به من حركات متمردة، ~~ليسوا هم القوى الثورية ذاتها، كما أن الشباب الثائر على التقاليد، ~~من أمثال الهيبز وغيرهم ليسوا خلفاء البروليتاريا وورثتها في النصف ~~الثاني من القرن العشرين، وإنما هم يكتشفون بسلوكهم عن رفض المجتمع ~~القائم ورفض التمتع بمزايا الوفرة التي يقدمها هذا المجتمع، وكذلك ~~رفض قيمه التجارية وإحلال قيم الحب والجمال محلها. ولذلك فهم ~~بدورهم مظهر مبكر من مظاهر نفي هذا المجتمع، ولكنهم ليسوا هم ~~أنفسهم الثوار. وإنما الثوار هم الجماعات المضطهدة والمطحونة من ~~الأقليات في قلب المجتمع الرأسمالي، وهم قبل هؤلاء وأولئك، جبهات ~~التحرير في بلاد العالم الثالث المتخلفة. # 2 # ومن السهل أن يدرك المرء ms60 سبب اهتمام ماركيوز بالعالم الثالث. ذلك ~~لأن الواقع قد أثبت، مما لا يدع مجالا للشك، أن الهزة الحقيقية ~~التي زعزعت أركان المجتمع الرأسمالي كانت ثورات التحرير التي نشبت ~~في بلاد متخلفة؛ فالتغيير الذي أحدثته ثورة الجزائر في فرنسا، ~~والذي أحدثته ثورة فيتنام في فرنسا أولا ثم في قلب الولايات ~~المتحدة، قلعة الرأسمالية الكبرى في العالم المعاصر، كان تغييرا ~~هائلا لا تزال آثاره تتكشف يوما بعد يوم، حتى في المجالات التي ~~تبدو بعيدة الصلة عن المجال العسكري المباشر. ولم يكن في استطاعة ~~ماركيوز أن يتجاهل هذه الحقيقة الواضحة لكي يتعلق بالحركات ~~الطلابية التي هي، على أحسن الفروض، حركات ذات أثر محدود. وعلى أية ~~حال فلم يكن هناك أدنى تعارض بين الاهتمام بالشباب والاهتمام ~~بالثورات التحررية في العالم الثالث؛ إذ إن الشباب أنفسهم، في ~~البلاد الصناعية المتقدمة، قد تبنوا قضية التحرر وثاروا على نظم ~~الحكم في بلادهم من أجلها؛ أي أن ماركيوز لم يخرج عن نطاق رغبات ~~الشباب حين جعل أمل الإنسانية في التحرر معلقا بثورات المجتمعات ~~المتخلفة. # وهكذا ربط ماركيوز بين حركات الطلاب وثورات العالم الثالث فقال: ~~«ينبغي أن تنجح معارضة الطلاب في أن تجعل من العالم الثالث ومن ~~ممارسته الثورية قاعدتها الجماهيرية الخاصة.» وعبر عن أمله في ~~البلاد المتخلفة بقوله: «إن البلاد المتخلفة هي النفي الإنساني ~~الحي للنظام القائم.» ومن هنا كان أمله يتجه إلى قيام تعاون وتنسيق ~~بين حركات الطلاب والمعارضة في البلاد الرأسمالية من جهة، وبين ~~جماهير الثوار في العالم الثالث من جهة أخرى. # هذا الاهتمام المفاجئ بالعالم الثالث، في كتابات ماركيوز ~~الأخيرة، يدل في نظرنا على أمرين: أولهما أن ماركيوز لم يكن في هذه ~~الناحية من المفكرين الذين يسبقون الأحداث، بل كان يدع الأحداث ~~تسبقه ثم يسير في تيارها. وهو يدل ثانيا على أن احتمال التملق ~~قائم على الدوام في المواقف التي يتخذها، أو ينتقل إليها؛ إذ إن ~~ثوار العالم الثالث، مثل جيفارا وهوشي منه، أصبحوا المعبودين ~~الحقيقيين للشباب في البلاد الرأسمالية، ومن هنا كان على كل ms61 من ~~يريد التقرب إلى الشباب أن يمجدهم. # وربما وجد القارئ في هذا الحكم شيئا من الإسراف في إساءة الظن، ~~ولكن واقع الأمر هو أن ماركيوز قد تذكر «العالم الثالث» فجأة بعد ~~طول نسيان، بل بعد تجاهل تام. فتحليلاته كلها كانت تنصب على ~~المجتمع الصناعي المتقدم، الذي يدرج فيه النظام الرأسمالي الغربي ~~والنظام السوفيتي على السواء. وانتقاداته كانت موجهة إلى الإنسان ~~في هذا المجتمع، الذي تهدده أساليب الإدارة والقمع وتطبيق ~~التكنولوجيا الحديثة في التسلط على عقول الناس وأذواقهم. هذا ~~الإنسان هو الذي تتعرض حياته للتسطيح ونفسيته للتزييف نتيجة ~~للتصنيع الشامل. # وعلى الرغم من أن ماركيوز يؤكد أن هذه الأخطار تهدد الإنسان بما ~~هو إنسان، ولا تهدد طبقة بعينها، فإن المعنى الحقيقي لما يقول هو ~~أن الإنسان في مجتمعات متقدمة معينة معرض لأخطار لا يعرفها الإنسان ~~في المجتمعات المتخلفة. ولقد أراد ماركيوز - عمدا - أن يتجاهل هذه ~~المجتمعات المتخلفة تجاهلا شبه تام، مثلما تجاهل أفلاطون الطبقة ~~الثالثة (طبقة الصناع والمشتغلين بالمهن اليدوية والمادية) ولم ~~يجعل لها أي دور في مشروعه، مع أن كلا من ماركيوز وأفلاطون كان ~~يعلم أن الفئة التي تجاهلها هي التي تشكل أغلبية المجتمع. # لقد ظل ماركيوز يفكر في مشكلات المجتمعات الصناعية المتقدمة ~~وحدها، وعندما أدرك أن جميع طرق الإصلاح مسدودة أمام هذه المجتمعات ~~إذا اقتصرت على قواها الخاصة، تذكر العالم الثالث في اللحظة ~~الأخيرة (عندما كان العالم الثالث، ممثلا في فيتنام، قد أثبت بما ~~لا يدع مجالا للشك أنه يستطيع أن يصمد في وجه العالم الصناعي ~~المتقدم، بل أن يزعزع أركانه من داخله) ولكن هذا الاستدراك الذي ~~أتى على عجل، بدافع الرغبة في ملاحقة تيار الأحداث، إنما يزيد من ~~حدة التناقض في تفكير ماركيوز السياسي؛ ذلك لأن الثورة التي يدعو ~~إليها، والتي يريدها أن تكون ثورة «شاملة»، لا تفهم ولا تقدر إلا ~~في المجتمع الرأسمالي على وجه التخصيص ولا مكان فيها لإنسان العالم ~~الثالث. # إن العلل التي يشكو منها ماركيوز، والأهداف التي يريد أن تقوم ~~الثورة من أجلها، لا ms62 تعني شيئا بالنسبة إلى إنسان العالم الثالث، ~~على الرغم من ادعاء ماركيوز أن الثورة ينبغي أن تجتاح العالم كله، ~~وأنها ثورة «إنسانية» لا ثورة محلية أو طبقية. فكل حديث ماركيوز عن ~~الروح الاستهلاكية المفرطة في المجتمع الصناعي المتقدم، وعن ~~الحاجات الزائفة التي يخلقها هذا المجتمع في نفوس أفراده لكي ~~يستطيع تصريف منتجاته، لا بد أن يثير العجب والتساؤل في ذهن إنسان ~~العالم الثالث الذي لا يعرف مجتمعه مشكلة تصريف الإنتاج الفائض، ~~ولا مشكلة تزييف رغبات الناس باستخدام أحدث أساليب الإعلان وفنون ~~الحض والتأثير والإغراء. بل إن مشكلة المجتمع المتخلف هي أنه لا ~~يفي بالحد الأدنى من الحاجات الضرورية، ولا مجال لديه للمفاضلة بين ~~حاجات حقيقية وحاجات زائفة. # أما الهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه الإنسانية، وهو السعي إلى ~~الأمن وطمأنينة النفس، ونشدان قيم الحب والجمال؛ فهو هدف لا يشكل ~~أي إغراء لمجتمعات الفقر والجوع. إن البحث عن الحب والجمال أمر ~~مفهوم في مجتمع غني ابتعد الإنسان فيه عن جذوره الطبيعية في زحمة ~~الإنتاج العقلاني المنظم الصارم. أما المجتمع الذي ينشد الحد ~~الأدنى من وسائل العيش، والذي تعد الوفرة الإنتاجية بالنسبة إليه ~~حلما بعيدا، فمن العبث أن نغريه بالدعوة إلى «تجاوز» حياة ~~الوفرة، والكف عن الاهتمام بزيادة الإنتاج. # والإنسان الذي لم يزل - بحكم الجهل المستحكم - يفكر تفكيرا أقرب ~~إلى الأسطورة اللاعقلية، والذي لم يستطع أن يتباعد عن حياة ~~الطبيعة ليخلق لنفسه مجتمعا صناعيا كاملا، لن يفهمنا لو دعوناه ~~إلى الحد من سيطرة العقل والعودة إلى منابع الحياة الطبيعية. ~~والإنسان الذي لا يزال في أول طريق السيطرة على مقدراته، والذي ~~يحتاج إلى خوض معارك ضارية (بالمعنى المادي والمعنوي) لكي يتخلص من ~~الاستغلال ومن آثار الاستعمار والقوى الغاضبة، لن يسير وراءنا لو ~~قلنا إن هدفنا النهائي هو الوصول إلى عالم يسوده الهدوء والأمان ~~والحياة والمسالمة. # إن ما يبحث عنه ماركيوز هو مجتمع ما بعد الوفرة وما بعد التقدم ~~التكنولوجي، وهذا هدف لا يغري سوى مجتمعات محدودة، هي المجتمعات ~~التي تنشد استعادة إنسانيتها التي ms63 فقدتها في غمرة الانشغال ~~بالإنتاج والاهتمام بالتوسع الاقتصادي. ومن هنا كانت صورة العالم ~~الجديد التي يقدمها إلينا ماركيوز لا تعني شيئا، ولا تشكل إغراء، ~~بالنسبة إلى مجتمع يريد أن ينقذ نفسه من الفقر والجوع، وينتشل نفسه ~~من الجهل والمرض، أما الحب والجمال ففي استطاعتهما ~~الانتظار! # وربما بدا للقارئ أن كل هذا النقد الذي نوجهه إلى ماركيوز لا محل ~~له؛ لأنه اعترف صراحة بأنه إنما يتحدث عن المجتمع الصناعي المتقدم، ~~ولم يزعم أنه يصف أحوال البلاد المتخلفة. ولكن هذا الرد، مع صحته، ~~لا يعفي ماركيوز من النقد؛ ذلك لأنه عندما دعا إلى الثورة كان يردد ~~على الدوام أن تلك ثورة إنسانية شاملة تسري على جميع الشعوب، بينما ~~هي، في مفهومها ذاته لا معنى لها إلا بالنسبة إلى مجتمعات بشرية ~~محدودة. ومع ذلك فحتى لو تصورنا أن هذه الثورة قامت في المجتمعات ~~الصناعية المتقدمة وحدها، فإن الصورة ستصبح عندئذ أشد غرابة؛ إذ إن ~~هذه المجتمعات ستكون عندئذ قد انتقلت إلى تحقيق أقصى غاياتها، ~~وعاشت في جنة الحب والجمال والسلام، على حين أن الجزء الأكبر من ~~البشرية لا يزال يكافح من أجل لقمة العيش. ومما يزيد الموقف سوءا، ~~أن نفس القيم التي يدعو ماركيوز إلى سيادتها في مجتمعه السعيد، ~~تساعد على زيادة حدة التناقض، بل وتحبط نفسها بنفسها؛ ذلك لأن ~~«الحياة الراضية» لن تعود راضية على الإطلاق إذا شعر المرء بأن ~~أقرانه يتضورون جوعا ويعانون شتى ألوان الحرمان وحتى لو اكتفى من ~~يعيش في مثل هذا المجتمع بتنمية مواهبه وقدراته الخاصة، دون اكتراث ~~بغيره (وهو أمر غير مستبعد ما دام المثل الأعلى للمرء هو أن يعيش ~~في هدوء ويستمتع بالحب والجمال)، فإن دلالة القيم التي يعيش وفقا ~~لها ستتحول عندئذ إلى عكس المقصود منها، وستصبح قيما للأنانية ~~واللامبالاة. # ومجمل القول إن ماركيوز تجاهل العالم الثالث ولم يترك له مكانا ~~في مشروعه الذي لا يخاطب به إلا مجتمعا يعاني من مشكلات التقدم ~~الزائد، لا من مشكلات التخلف؛ ولذلك فإن الثورة التي يدعو إليها لا ms64 ~~يمكن أن توصف بأنها إنسانية، بل هي ثورة محدودة ببيئة معينة لا ~~يكون لها خارجها أي معنى. فإذا نادى بعد ذلك بأن حركات التحرير في ~~العالم المتخلف هي التي ستنقذ العالم المترف ذاته من عيوبه، كان ~~نداؤه هذا منطويا على قدر غير قليل من المغالطة، بل من النفاق. ~~ذلك لأنه يطالب البلاد المتخلفة بأن تواصل استنزاف دمها ببطء - كما ~~تفعل فيتنام - لا من أجل تحررها الخاص فحسب، بل من أجل إصلاح ~~الفساد داخل المجتمعات المتقدمة ذاتها. إنه يطالبها بأن تكون ~~المسيح الذي يفتدي خطايا الآخرين وهو يقطر دما على صليبه. وبدلا ~~من أن يدعو إلى الكفاح داخل هذه المجتمعات المتقدمة، من أجل ~~تخليصها من عيوبها، نراه يؤكد أن حركات السخط في داخلها ليست فعالة ~~إلا بقدر ما تتحالف مع حركات التحرير في البلاد المتخلفة، وكأنه ~~بذلك يعلن أن إصلاح أحوال المتقدم من داخله أمر ميئوس منه. والحق ~~أن المرء لو وصف موقفه هذا من البلاد المتخلفة بأنه رومانتيكية ~~فكرية تطالب هذه البلاد بأن تكون هي الشهيدة التي تفتدي المترفين ~~الفاسدين، لكان في هذا الوصف قدر غير قليل من حسن الظن، وربما كان ~~الوصف الأدق هو أن هذا الموقف ينطوي على تواطؤ موضوعي (بغض النظر ~~عن النوايا المعلنة) مع النظم القائمة في البلاد المتقدمة ~~صناعيا، ما دام المعنى الضمني فيه هو أنه لا توجد داخل هذه ~~البلاد قوى ثورية تستطيع تغيير الأوضاع فيها. ~~(د) هل كان ماركيوز عدوا للرأسمالية؟ # لا جدال في أن هذا النقد الأخير يثير، من الجذور، مسألة موقف ~~ماركيوز من الرأسمالية. ذلك أن ماركيوز قد اكتسب شهرته، في السنوات ~~الأخيرة من حياته، بوصفه ناقدا جادا للرأسمالية، التي عاش في ~~أعظم بلادها وأقواها، وهي الولايات المتحدة، فترة طويلة من عمره ~~استطاع خلالها أن يراقب الأمور فيها عن كثب، ويقدم تحليلا دقيقا ~~وعميقا لكثير من الظواهر السائدة فيها، وهو تحليل يزداد المرء ~~إيمانا بدقته إذا مر بتجربة معايشة هذا المجتمع. # ولعل أول الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن في هذا الصدد، ms65 هو السؤال ~~عن المنهج الذي اتبعه ماركيوز في تحليل المجتمع الرأسمالي. ولا شك ~~أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر اليسير؛ لأن ماركيوز لم يعلن ~~عن رأيه في منهج البحث الاجتماعي، بل لم يقدم آراءه أصلا بوصفه ~~عالم اجتماع، وإنما قدمها بوصفه فيلسوفا متأملا للمجتمع، وكانت ~~نظرته العامة إلى المجتمع، كما عرضناها من قبل، مزيجا من الفلسفة ~~وعلم النفس وعلم الاجتماع. ومع ذلك ففي استطاعتنا أن نهتدي إلى ~~إجابة معقولة عن هذا السؤال بالرجوع إلى موقفه من علم الاجتماع في ~~نشأته الأولى؛ ذلك لأن النشأة الأولى ارتبطت بالفلسفة الوضعية التي ~~كان أوجست كونت رائدا لها. والوضعية في رأي ماركيوز مذهب فلسفي ~~يقف من النظم القائمة موقف القبول والدفاع والتبرير. ومن هنا كان ~~البحث الاجتماعي التقليدي متجها في معظم الأحيان إلى تأييد ~~الأوضاع القائمة أو السكوت عليها على الأقل، وكان من المستحيل أن ~~يتخذ العلماء الاجتماعيون التقليديون موقف الرفض من المجتمع ~~السائد؛ لذلك كان ماركيوز حريصا كل الحرص على تجنب كل منهج وضعي ~~رغبة منه في إفساح مجال لفكرته في السلب والرفض وفي ترك المجال ~~مفتوحا للتجاوز والتمرد والخيال الثوري الذي يسهم في تغيير ~~الواقع. # ولقد رفض ماركيوز أساليب البحث المتبعة في المجتمع الأمريكي، على ~~التخصيص؛ لأنها تبنى على نظرة «ذرية» أو تفتيتية إلى المجتمع، ~~وتغوص في تحليل التفاصيل، وفي الجداول والإحصائيات والأرقام دون أن ~~تبذل أي جهد لإدراك الصورة العامة، ولمناقشة الأسس الأولى للمجتمع. ~~هذه العملية الزائفة، التي يتعلل بها الباحث كيما يتجنب إصدار أي ~~حكم عام، تقف حائلا بين العقل وبين فهم المجتمع. ومما يزيد هذا ~~الفهم صعوبة، تلك اللغة الاصطلاحية الشديدة التعقيد، التي يصطنعها ~~باحثو المجتمع ويتوارثونها، بعد إضافة المزيد من التعقيدات عليها، ~~جيلا بعد جيل، وهي لغة تشكل حاجزا يربك العقول ويخفي الصورة ~~الحقيقية القبيحة للمجتمع. إن الروح السائدة في مثل هذا البحث ~~الاجتماعي هي روح الرضوخ والامتثال والمسايرة # Conformisme ~~؛ إذ إن البحث لا ~~يزيد عن أن يكون معرفة بالوقائع على ما هي عليه، وبدور كل فرد ms66 ~~ووظائفه، لا بأهداف المجتمع ككل. والواقع أن هذا النوع من المعرفة ~~يخدم أهداف الترشيد الوظيفي لكل العمليات الفردية في الجهاز المعقد ~~الذي يضعه المجتمع الرأسمالي، ولكنه لا يفيد في معرفة المسار الكلى ~~للجهاز الكامل، ويتستر على اللامعقولية الكامنة في حياة المجتمع؛ ~~إذ يخفيها في خضم التفصيلات الجزئية. ومن هنا كان ماركيوز على حق ~~حين سمى الوضعية والإجرائية # Operationalisme # والوظيفية # Fonctionalisme # بأنها ~~«الشكل النظري العقلاني لنظام لا عقلي». # لهذه الأسباب كلها، ولأن ماركيوز كان على الدوام فيلسوفا؛ فقد ~~اصطنع لنفسه منهجا هو أقرب إلى الانطباعات الخاصة منه إلى البحث ~~الموضوعي المنظم. وصحيح أن هذه الانطباعات الخاصة كانت عميقة في ~~كثير من الأحيان، ولكن الخطر الذي يهدد هذا المنهج الانطباعي هو ~~أنه قد يكون مرتكزا على أحكام نمطية مستمدة من نفس المجتمع «ذي ~~البعد الواحد» الذي يريد أن ينقده. وسوف نرى بعد قليل أمثلة لهذه ~~الأحكام النمطية التي أخذ بها ماركيوز دون مناقشة، وكانت لها في ~~فكره نتائج خطيرة. ولعل أخطر هذه النتائج هي توقفه عند حد الرفض ~~بطريقة انفعالية، وعجزه عن تحليل العلاقات الموضوعية في المجتمع ~~الذي ينقده بطريقة علمية مدروسة. # فهل استطاع ماركيوز بمنهجه هذا، أن يقدم نقدا حقيقيا للمجتمع ~~الرأسمالي؟ أو لنتساءل بتعبير أدق: هل كانت الحصيلة النهائية لنقد ~~ماركيوز في صالح المجتمع الرأسمالي أم في غير صالحه؟ # من المؤكد أن ماركيوز قد وجه إلى النظام الرأسمالي انتقادات تمس ~~هذا النظام في صميمه، ومن المؤكد أيضا أن أفكاره كانت عاملا من ~~عوامل تنبه الأذهان - ولا سيما بين الأجيال الشابة - إلى عيوب نظام ~~يجيد إخفاء نقائصه ويعرف كيف يكسوها رداء براقا شديد الإغراء. ولا ~~بد للمرء أن يعترف بأن بعضا من أفكار ماركيوز الأساسية مثل ~~«أحادية البعد» في المجتمع الرأسمالي، وفكرة اندماج القوى المضادة ~~للمصالح السائدة داخل النظام نفسه بطريقة تؤدي إلى كبت التغير ~~الاجتماعي وتحول الطبقات العاملة إلى قوى مؤيدة للنظام، واستخدام ~~مستوى المعيشة المرتفع وسيلة لتقييد حرية الإنسان والقضاء على ~~ثوريته، والعيوب التي تتولد عن «الوعي الاستهلاكي السعيد»، ms67 وضحالة ~~الثقافة التي تسود هذا المجتمع وسطحيتها ونزوعها إلى المسايرة - ~~هذه الأفكار أصبحت تكون جزءا لا يتجزأ من نظرة المثقفين ~~المستنيرين إلى المجتمع الرأسمالي. وعلى الرغم من أن ماركيوز لم ~~يكن أول من قال بها، فلا جدال في أنه أسهم بدور كبير في ~~نشرها. # ومع ذلك فإن التحليل الدقيق لآراء ماركيوز يكشف عن نقاط التقاء ~~خفية كثيرة بينه وبين النظام الرأسمالي. وليس يعنينا هنا أن تكون ~~هذه النقاط متعمدة أو غير متعمدة. فمن الممكن، مثلا، أن يستنتج ~~المرء أمورا كثيرة من حقيقة اشتغاله لمدة طويلة في أعمال لها ~~علاقة بأبحاث المخابرات التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وفي ~~مراكز البحوث الخاصة بأوروبا الشرقية في جامعتين أمريكيتين ~~كبيرتين، وهي عادة مراكز بحوث يستفيد «النظام القائم» من حصيلة ~~أبحاثها في رسم سياسته. ولكن من الممكن، في مقابل ذلك، أن يستبعد ~~المرء وجود أي اتجاه متعمد لديه إلى خدمة الرأسمالية؛ لأن الضربات ~~التي وجهها إلى هذا النظام، والتي ارتبطت بمظاهرات الطلاب ~~اليساريين في بلاد مختلفة، أقوى من أن يمكن إدخالها تحت نمط الخداع ~~المتعمد أو التمويه والتضليل من جانب عميل يريد في حقيقة الأمر ~~خدمة النظام القائم. # لذلك لا نود أن نقحم أنفسنا في بحث عن النوايا والمقاصد ~~الداخلية، وإنما يكفينا أن نبحث في الحقائق الموضوعية ذاتها. فما ~~هي إذن الوقائع الفعلية التي يمكن أن يستند إليها المرء في قوله إن ~~ماركيوز كان، في بعض جوانب تفكيره، يخدم النظام الرأسمالي من ~~الوجهة الموضوعية؟ ~~(1) # كان نقد ماركيوز ينصب أساسا على «المجتمع الصناعي ~~المتقدم» - يستوي في ذلك الرأسمالي منه والاشتراكي؛ ~~فهو لا يقيم وزنا كبيرا لموقف المجتمع من وسائل ~~الإنتاج ومشكلة الملكية، بوصفها عوامل رئيسية في ~~استعباد الإنسان الحديث أو تحريره، وإنما المشكلة في ~~نظره هي أن الجهاز المعقد الشامل، الذي يسود المجتمعات ~~الحديثة المتقدمة، أيا كان النظام الاجتماعي السائد ~~فيها، هو الذي يؤدي إلى تسطيح الإنسان الحديث وجعله ذا ~~بعد واحد. هذا النوع من التعميم الشديد يؤدي إلى تمييع ~~المواقف، وعدم تحديد المسئوليات، بل إن ربط ms68 الاستبداد ~~«بالجهاز الشامل» الذي يضم الجميع، معناه التستر على ~~الدور الخاص الذي تلعبه أقلية مستبدة تتحكم في هذا ~~الجهاز وتكسبه اتجاهه الاستبدادي المميز حرصا منها ~~على مصالحها الخاصة. # فموقف ماركيوز هذا يؤدي إلى نتيجتين: الأولى أنه لا ~~يميز، داخل النظام الرأسمالي، بين الأقلية ذات المصالح ~~الجشعة والأغلبية التي تستبد بها تلك الأقلية دون أن ~~تكون واعية بأنها منقادة لخدمة مصالح غيرها. والثانية ~~أنه لا يفرق بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي من حيث ~~مسئوليتهما عن الاستبداد بالإنسان الحديث. فهو يأخذ، ~~بطريقة ضمنية، بفكرة «تقارب النظامين» التي نادى بها ~~مفكرون مثل «ريمون آرون» والتي تؤكد أن التكنولوجيا ~~الحديثة تتجه تدريجيا إلى تقريب الشقة بين النظامين ~~الرأسمالي والاشتراكي وإلغاء ما بينهما من فوارق. وهذا ~~أمر واضح كل الوضوح في كل ما يقوله عن تحكم نظم ~~الإدارة الحديثة، وأساليب الترشيد الدقيقة، في الإنسان ~~الحديث، سواء أكان ذلك في المجتمع الرأسمالي أم ~~الاشتراكي. ومع ذلك، فإذا كان حكم ماركيوز هذا صحيحا ~~بالنسبة إلى تطبيقات معينة للنظم الاشتراكية، فقد كان ~~من واجبه أن يفرق بين «المبدأ» و«التطبيق»، وأن يدرك ~~أن النظامين الرأسمالي والاشتراكي، من حيث المبدأ، لا ~~يمكن أن يكونا مسئولين بدرجة متساوية عن اغتراب ~~الإنسان الحديث وفقدانه لأبعاده المتعددة. ولكنه، ~~باتخاذه موقف الناقد للطرفين معا، لجأ إلى أسلوب ~~يتبعه الكثيرون في عالمنا المعاصر من أجل محاربة ~~«مبدأ» الاشتراكية في إطار مزعوم من النزاهة ~~والموضوعية والحياد، وهو موقف يرحب به الرأسماليون ~~كثيرا دون شك. ~~(2) # ولقد كان ماركيوز في حديثه عن المجتمع الرأسمالي على ~~التخصيص، يفترض دائما وجود الرخاء فيه، حتى بالنسبة ~~إلى الطبقات العاملة. إنه حين يدعو إلى محاربة النزوع ~~المفرط إلى الاستهلاك، يفترض أن الوفرة - التي تخدر ~~حواس الإنسان - جزء لا يتجزأ من تركيب هذا المجتمع، ~~وأن أدنى الطبقات في السلم الاجتماعي متمتعة بنصيب من ~~هذه الوفرة، ومن ثم فإنها تفقد ثوريتها وتصبح جزءا من ~~دعائم بقاء النظام القائم. هذا يعني، بصورة ضمنية ~~ولكنها واضحة كل الوضوح أن الفقر والشقاء منعدمان في ~~ذلك المجتمع، حتى بين ms69 الطبقات الدنيا. وتلك في الواقع ~~فكرة تسدي إلى المجتمع الرأسمالي خدمة لا تقدر، وإن ~~تكن خدمة مستترة وراء ستار من النقد الشديد اللهجة. ~~وأحسب أن إنسان العالم الثالث، الذي تقف بلاده حائرة ~~بين اختيار هذا النظام الاجتماعي أو ذاك، حين يستمع ~~إلى رأي ماركيوز القائل إن النظام الرأسمالي يقضي على ~~ثورية الطبقات التي هي بطبيعتها قادرة على الثورة، ~~ويسلبها القدرة على معارضة النظام المستبد القائم؛ ~~لأنه يمنحها الوفرة ويغرقها في نعم الحياة الاستهلاكية ~~السعيدة، سيقول لنفسه، دون تردد: وما حاجتي إلى ~~الثورية إن كنت سأعيش منعما؟ وما خوفي من أن أكون «ذا ~~بعد واحد» ما دمت في حياتي الراهنة بلا أبعاد على ~~الإطلاق؟ وفيم يعنيني أن يكون النظام مستبدا إن كان ~~يوفر لي ضروراتي وكمالياتي؟ # إن ماركيوز يسدي إلى النظام الرأسمالي، في هذا ~~الصدد، خدمة كبرى؛ إذ يتجاهل ما يعترف به الرأسماليون ~~أنفسهم من حقيقة وجود الفقر في بلادهم (بنسب ليست ~~كبيرة جدا، ولكن لا يمكن تجاهلها). وهو في الوقت ~~ذاته يتجاهل أن الفقر شيء نسبي، ويتناسى أن الإنسان ~~يمكن أن يكون فقيرا، حتى لو كان يتقاضى مرتبا ~~مرتفعا نسبيا؛ فمثلا، حين تكون أبسط الخدمات ~~الصحية باهظة التكاليف، وحين يكون التعليم العالي ~~خياليا في أسعاره، يمكن أن يكون العامل فقيرا على ~~الرغم من أنه يتقاضى مرتبا يبدو - بمقاييس البلاد ~~الأخرى - مرتفعا، ويتيح له أن يشتري قدرا غير قليل ~~من السلع الاستهلاكية. وأخطر ما في الأمر أن ماركيوز ~~يفترض انعدام الفقر بين الطبقات العاملة بطريقة ضمنية ~~دون أن يجد في ذلك ما يستحق حتى مجرد المناقشة، وكأنه ~~بديهية لا سبيل إلى الشك فيها. فهو يعرض الفكرة في ~~سياق نقده للمجتمع الرأسمالي؛ إذ إن هذا المجتمع أخطأ ~~لأنه ربط العمال بعجلة الوفرة الاستهلاكية وانتزع منهم ~~بذلك مخالبهم الثورية. وليس هناك ما هو أخطر - من ~~الوجهة النفسية - من هذا الأسلوب الذي يلقي بالفكرة في ~~ذهن القارئ عرضا، بوصفها مقدمة لا تناقش. وبوصفها ~~عنصرا من عناصر نقد نظام تؤدي هذه الفكرة ذاتها، في ~~واقع ms70 الأمر، إلى الدفاع عنه، وذلك على الأقل في نظر ~~الفقراء والمحرومين. ~~(3) # كان جهد ماركيوز الأكبر، في مجال النظرية ~~الاجتماعية، متجها إلى تفنيد الفكرة الرئيسية في ~~النظرية الماركسية، وهي فكرة التناقض بين الطبقتين ~~البورجوازية والعمالية. فالمجتمع الصناعي المتقدم أصبح ~~في نظره، ذا بعد واحد، وأصبحت الطبقات القادرة على ~~المعارضة جزءا من النظام القائم. ففي مثل هذا المجتمع ~~إذن يسود نوع من «التجانس»، مضاد تماما «للتناقض» ~~الذي قال به ماركس، وهذا هو الواقع الجديد الذي طرأ ~~على المجتمع الرأسمالي، والذي يحمي نفسه به من كل ~~ثورة. إن كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» هو، في واقع ~~الأمر، تفنيد مفصل لنظرية التناقض الطبقي بالنسبة إلى ~~ظروف المجتمع الصناعي الحديث. وعلى حين أن هذا ~~التناقض، عند ماركس، لا يزول إلا إذا أقيمت علاقات ~~اجتماعية جديدة على أسس إنسانية، فإن ماركيوز يقول ~~بنوع آخر من اختفاء المتناقضات، يتم في إطار النظام ~~الرأسمالي، ويحتفظ فيه بكل عناصر الكبت والقمع. # ولا يملك المرء، إذا نظر إلى هذه الفكرة في ضوء قدرة ~~النظام الرأسمالي على المحافظة على وجوده (وهي قدرة ~~أثبت تاريخ القرن العشرين كله أنها أعظم بكثير مما كان ~~يتوقع خصومه)، إلا أن يعترف بأن فيها قدرا غير قليل ~~من الصواب. ولكن ما نهدف إليه الآن ليس بيان وجه الصحة ~~أو الخطأ، بقدر ما هو التساؤل عما إذا كانت آراء ~~ماركيوز قد أسدت خدمات إلى النظام الرأسمالي. وفي هذه ~~الحالة لن يتردد المرء في الإجابة عن هذا التساؤل ~~بالإيجاب؛ ذلك لأنه عمل على تفنيد أشد النظريات ~~تهديدا لهذا النظام، وأثبت في الوقت ذاته - ضمنيا - ~~أن الثورة على هذا المجتمع مستحيلة، وأن الموقف فيه ~~ميئوس منه، وأنه نجح أخيرا في اصطناع الأسلوب أو ~~«الميكانيزم» الذي يحمي به نفسه من كل خطر يهدده. أما ~~كلام ماركيوز عن ثورية المضطهدين والهامشيين وجماعات ~~الأقليات والملونين ... إلخ، فهو في واقع الأمر يزيد من ~~تأكيد يأسه من التغيير؛ إذ إنه يعلم جيدا - وكذلك ~~يعلم قراؤه جميعا - أن هذه الجماعات لا تستطيع أن ~~تقوم إلا ms71 بحركات انتحارية مؤقتة، وأنها لا تملك شيئا ~~حيال الجهاز الجبار للنظام الحاكم، وليس هناك ما هو ~~أحب إلى النظام الرأسمالي من تأكيد قدرته على مقاومة ~~أية تغييرات يمكن أن تؤدي إلى هدمه، وعلى امتصاص كل ~~القوى القادرة على تغييره. إن هذا - باختصار - حكم ~~عليه بأنه سيظل باقيا إلى الأبد. ~~(4) # وفي مقابل ذلك فإن نقد ماركيوز للنظام السوفيتي كان ~~بدوره - من الوجهة الموضوعية - هجوما على التجربة ~~الكبرى التي تحدت العالم الرأسمالي وما زالت تتحداه ~~إلى اليوم. وينبغي أن نلاحظ في هذا الصدد أن نقد ~~مفكرين من أمثال ماركيوز للنظام السوفيتي يمكن أن يكون ~~له أعظم التأثير في العالم الغربي على وجه التخصيص؛ ~~ذلك لأن النقد الذي يأتي من أنصار الرأسمالية الصرحاء ~~لا يحدث صدى كبيرا، فهم على أية حال خصوم للنظام ~~السوفيتي وللاشتراكية بوجه عام، ومن ثم لا يتوقع منهم ~~سوى هذ الموقف النقدي، الذي يمكن الشك دائما في أنه ~~صادر بدافع مصلحة خاصة. أما نقد ماركيوز فالمفروض أنه ~~يصدر عن «خصم» للرأسمالية، وعن مفكر «ثوري» و«تقدمي» ~~يصف نفسه بأنه ماركسي. وكلما ازداد ماركيوز إمعانا في ~~اتخاذ موقف التطرف والثورية، كانت الخدمة التي يؤديها ~~للنظام القائم أعظم حين ينقد النظام المعادي له؛ ذلك ~~لأن من ينقد في هذه الحالة ليس عاطفا على الرأسمالية، ~~بل هو عدوها اللدود، وهو المفكر الذي استقطب الشباب ~~الأوروبي والأمريكي واكتسب وسطه شعبية هائلة بدعوته ~~إلى الثورة. ومن هنا كان من السهل أن يحدث ارتباط بين ~~عبادة الشباب لثورية ماركيوز وبين نقده للنظام ~~السوفيتي ووضعه إياه على قدم المساواة مع النظام ~~الأمريكي في كبته للإنسان المعاصر. بل إنه ليبدو أن ~~إصرار ماركيوز على أن يعتبر نفسه ماركسيا، على حين ~~كانت آراؤه في نظر الكثيرين مزيجا غير متآلف من أفكار ~~هيجل وفرويد ونيتشه وهيدجر، بالإضافة إلى ماركس الشاب؛ هذا الإصرار يخدم غرضا هاما، هو أن يجعل نقده ~~للماركسية السوفيتية أشد فعالية وأقوى تأثيرا. # ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تتيح لنا أن نرد ~~على تساؤل لا بد أنه ms72 جال بذهن القارئ مرات كثيرة خلال ~~قراءته لهذا البحث، وأعني به: «كيف استطاع النظام ~~الأمريكي أن يحتمل وجود مفكر نقده بهذه القسوة، ودعا ~~إلى الثورة عليه بهذه الصراحة؟ أهو من قبيل «التسامح ~~الخالص» الذي أشار إليه مركيوز في مقاله المعروف، ~~والذي يسوي بين من ينقد المجتمع ومن يسايره ويرضخ له، ~~وبذلك يجعل من الأول جزءا من النظام القائم؟» قد يكون ~~الأمر كذلك بالفعل، بل قد يكون وجود المعارضين شيئا ~~مرغوبا فيه؛ لأن نقدهم الحاد يؤدي إلى رد فعل يخدم ~~النظام آليا؛ إذ يشعر الناس بأن النظام يكفل الحرية ~~للجميع، وبأن لديه الشجاعة على النقد الذاتي، وهو شعور ~~يؤدي في نهاية الأمر إلى دعم هذا النظام. وقد يكون في ~~هذا النقد الحاد ما يمتص غضب الغاضبين وسخط الساخطين، ~~ويحول اتجاه الثورة إلى مسارات «ثقافية» مأمونة، ويشكل ~~صمام أمن يقلل من الضغط ويمنع بذلك الانفجار. ولكن ~~ربما كان الأهم من هذا وذاك أن هجوم أمثال هؤلاء ~~النقاد على النظام المضاد لا بد أن يكون هو الهجوم ~~الأشد إقناعا، والأقوى تأثيرا في النفوس. # وربما كانت هذه العوامل جميعا هي التي تفسر انتشار ~~كتابات مفكرين معارضين للنظامين معا، مثل ماركيوز ~~ورايت ميلز وإريك فروم وكثيرين غيرهم، وهو الانتشار ~~الذي وصل إلى حد أن أصبحت هذه الكتابات تحتل مكان ~~الصدارة بين جميع الكتب الرائجة في الولايات المتحدة ~~مثلا. ومع ذلك فإن هؤلاء الكتاب لا يمكن أن يوصفوا ~~بأنهم يشتركون في تدبير واع لدعم النظام القائم ~~بطريقة ذكية. ولعل الدليل القاطع على ذلك هو أن ~~كتاباتهم تسهم، برغم كل شيء، في زيادة الوعي بعيوب هذا ~~النظام، وتساعد بالتالي على هدمه، وإن لم تكن تساعد ~~على تصور بديل له. ولو كان لنا أن نحكم - في جملة ~~واحدة - على التأثير الذي تركه ماركيوز على وجه ~~التخصيص، لقلنا إنه ساعد على دعم النظام الرأسمالي ~~وعلى هدمه في آن واحد، وليس هذا التأثير المتناقض ~~بمستغرب في عالمنا المعاصر المعقد. ~~«لقد حاول ماركيوز أن يشعل نار ثورة من نوع جديد، ~~ولكنه ms73 أخفق لأنه ظل على الدوام فيلسوفا حالما، لا ~~ثوريا واقعيا، ولم تكن المتناقضات التي ينطوي ~~عليها مجتمعه الجديد أقل حدة من متناقضات المجتمع ~~الراهن التي كرس حياته لتبصير العقول بها في الشرق ~~والغرب.» ms74