######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.Istishraq.Hindawi91906479 #META# Tags: philosophy #META# ID: 91906479 #META# Title: نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة: دراسة في المنهج #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # النقد الديني‏ # النقد السياسي الحضاري‏ # تحليل اجتماعي-نفسي لنقد الاستشراق‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # النقد الديني‏ # النقد السياسي الحضاري‏ # تحليل اجتماعي-نفسي لنقد الاستشراق‏ # خاتمة‏ # | نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة # | نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة # | دراسة في المنهج # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # عرف العالم العربي والإسلامي، منذ وقت طويل، نقادا للاستشراق هاجموه على أساس ~~ديني، وسعوا إلى الدفاع عن الإسلام ضد الصورة المتجنية التي رسمتها له كتابات ~~كثير من المستشرقين. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل إن الكثيرين من هؤلاء ~~النقاد قد جمعوا في فئة واحدة بين المستشرقين والملحدين، أو بين المستشرقين ~~وأعداء الإسلام أو الأمة العربية، وأصبح التعبير «افتراءات أو أكاذيب المستشرقين» من أكثر ~~التعبيرات ورودا على الألسن. وفي بعض الأحيان كان هناك وعي بأن المستشرقين ~~يكيدون للإسلام وللعرب كما يكيد لهم المستعمر؛ أي إنه كان هناك وعي بالبعد السياسي ~~لموضوع الاستشراق، ولكن هذا البعد السياسي كان في أغلب الأحيان يندرج تحت البعد الديني ~~ويتخذ شكل عنصر من عناصره؛ أعني جزءا من الكل الأكبر والأهم؛ فالحقيقة الكبرى، في ~~نظر هؤلاء النقاد، هي أن كثيرا من المستشرقين يشاركون في مؤامرة تستهدف تجريح ~~الإسلام وتشويه تعاليمه وتشكيك أبنائه فيه، وهي مؤامرة قد ينظر إليها على أنها امتداد ~~للحملة الصليبية على الإسلام، التي يظل هؤلاء المستشرقون ممثلين متأخرين لها، أو ~~على أنها انتقام من هزيمة أوروبا المسيحية على يد الإسلام العثماني. أو محاولة لوضع ~~العوائق والسدود في وجه نهضة إسلامية حديثة لو قامت لكان فيها تهديد حقيقي لحياة ~~المجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء المستشرقون. # كان النقد الموجه إلى الاستشراق ظاهرة قديمة إذن، وقد ظهر بوضوح في بعده الديني، ~~أو في بعده السياسي المرتكز على الدين، في كتابات رواد النهضة العربية، وعلى رأسهم ~~جمال الدين الأفغاني، ولم يتردد خلفاؤه من رواد الفكر الإسلامي الحديث، سواء أكانوا من ~~الإصلاحيين أم من السلفيين، في خوض المعارك ضد التصوير الاستشراقي للإسلام، وكانت ~~هذه المعارك تحتل قدرا غير قليل من اهتمام الشيخ محمد عبده ورشيد رضا ms01 ومحمد فريد وجدي بل، ~~إن كل مفكر إسلامي ذي شأن، منذ عهد هؤلاء الرواد حتى جيل العقاد ومحمود ~~شاكر، قد أدلى بدلوه في هذه المعركة، وظهرت في كتاباته، في لحظة أو أخرى، ردود تتفاوت ~~عنفا، على حجج المستشرقين ودعاواهم، تدخل ضمن إطار سعيهم إلى صد الهجمات على ~~الإسلام وإزالة الشوائب عن صورته داخل البلاد الإسلامية وخارجها. # وعلى هذا يمكن القول إن نقد الاستشراق قد صاحب عصر النهضة الفكرية الحديثة في العالم ~~الإسلامي منذ بدايته. وكان محور هذا النقد دينيا دفاعيا، بالمعنى الذي تدل عليه ~~الكلمة الإنجليزية # Apologetic ~~. أما العنصر السياسي فيه ~~فكان غائبا في كثير من الأحيان، وإذا وجد فقد كان هامشيا يرتد في نهاية الأمر إلى ~~خدمة الهدف الديني. وهكذا فإن الموجة الحالية في الهجوم على الاستشراق، التي كان أهم ~~معالمها كتاب أحرز شهرة واسعة هو كتاب إدوارد سعيد، ليست جديدة في العالم العربي على ~~الإطلاق. ولكن الجديد حقا هو أن الطابع السياسي-الحضاري قد أصبح المحور الأساسي لهذا ~~النقد الجديد. أما الجانب الديني فقد اختفى أو توارى إلى حد لم يعد يمثل معه ~~إلا واحدا فقط من عناصر هدف سياسي حضاري أوسع مدى بكثير، أصبح الآن ينسب إلى ~~الاستشراق، هو هدف مساعدة العالم الغربي في السيطرة على الشرق، بأوسع معاني هذه الكلمة. ~~وهكذا فإن بؤرة الاهتمام، في هذا النقد الجديد، قد انعكست. ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب؛ ~~لأن الذين حملوا لواءه لم يكن يتوقع منهم، بحكم تكوينهم الثقافي، أن يكونوا دعاة ~~دينيين، وإنما هم أساسا مثقفون علمانيون، بل إن أهمهم، مثل أنور عبد الملك وإدوارد ~~سعيد، مسيحيون، ومن ثم كانت نظرتهم إلى الإسلام سياسية حضارية في المحل ~~الأول. # والأمر الذي ينبغي أن ننتبه إليه هو أنه لم يكن هناك اتصال بين فئتي النقاد ~~هاتين، ولم يكن من المتصور أن يقوم بينهما أي اتصال؛ ذلك لأن لكل منهما ~~منطلقها الخاص. وفي هذا المنطلق نواحي قوة ونواحي ضعف. فالفئة التي تنقد الاستشراق ~~من منظور إسلامي كانت تتميز بعمق جذورها الإسلامية، فضلا ms02 عن حماستها الدينية ~~المتوقدة، ولكن كان يعيبها في كثير من الأحيان سطحية النظرة إلى أعمال ~~المستشرقين وتأملها من زاوية واحدة، هي محتواها الديني، بل إن بعض أفرادها كانوا ~~يطلقون على الاستشراق أحكاما منقولة متسرعة لم تكن مبنية على اطلاع كاف ودراسة ~~متأنية، وهؤلاء هم في الغالب ممن يفتقرون إلى ثقافة أجنبية تتيح لهم معرفة أعمال ~~المستشرقين في لغاتها الأصلية، فضلا عن عجزهم التام عن استيعاب مناهج البحث ~~الحديثة. أما الفئة الأحدث عهدا، والتي تنقد الاستشراق من منظور علماني مرتكز ~~على البعد السياسي-الحضاري، فإن قدرتها على معرفة أعمال المستشرقين بصورة مباشرة ~~أعظم بكثير، كما أن في استطاعتها، بما درسته وأتقنته من مناهج البحث الغربية الحديثة، ~~أن تخوض المعركة ضد المستشرقين بأسلحة متكافئة، ولكن يعيبها في معظم الأحيان ضعف ~~الإلمام بالتراث الشرقي ذاته، والافتقار إلى جذور عميقة في الثقافة الإسلامية، لا ~~بالقياس إلى النقاد الإسلاميين فحسب، بل بالقياس أيضا إلى المستشرقين ~~أنفسهم. # وهكذا فإن نقاد الاستشراق من منطلق إسلامي تقليدي تنقصهم في أغلب الحالات - ولا ~~أقول في جميع الحالات؛ لأن هناك دائما استثناءات هامة - المعرفة الكافية بالمصدر ~~الذي ينبع منه الاستشراق ذاته؛ أعني بالحضارة التي انبثق منها الاستشراق من حيث هو ~~مبحث علمي، وبالمناهج التي تتبع في أبحاثه. والدلالة الحقيقية لنواتج هذا المبحث. ~~أما نقاده من المنطلق السياسي الحضاري فينقصهم الإلمام الكافي بالموضوع الذي ~~يتحدث عنه المستشرقون، ومن ثم كانت تفاصيل ذلك التراث الشرقي الذي يريدون أن ~~يصدوا هجمات المستشرقين عليه، مجهولة لديهم إلى حد بعيد. وهكذا فإن الفئتين لم ~~تلتقيا؛ لأن كلا منهما تسير في خط يزداد تباعدا عن الأخرى. وأغلب الظن أن ~~كلا منهما لم تطلع على أعمال الأخرى إلا في أحوال نادرة، بالرغم من أنهما ~~يحاربان، نظريا، معركة واحدة ضد خصم واحد، بل إن الأرجح عندي أنه لو أتيحت ~~لأفراد إحدى الفئتين فرصة الاطلاع على أعمال الفئة الأخرى، لما وجدوا فيها ما يعينهم في ~~معركتهم، وربما نظروا إليها بعين مرتابة وأدرجوها ضمن فئة الخصوم؛ إذ يرى ~~الإسلاميون في النقاد ms03 العلمانيين نفس العيوب التي يرونها في المستشرقين، أعني ~~الإفراط في العلمانية نتيجة للتأثر بأساليب التفكير الغربية. والوقوع في أسر المصطلح ~~الأجنبي الدخيل والمنهجية المستمدة من تراث الغرب بوجه عام. أما العلمانيون فيرون ~~أن أعمال الإسلاميين ترسم صورة للشرق لا تقل في تشويهها عن تلك التي يرسمها ~~المستشرقون له، مع فارق واحد، هو أن التشويه في الحالة الأولى جاء نتيجة التحمس ~~الزائد، بينما نجم في الحالة الثانية عن التحامل المفرط. # وهكذا تتسم الكتابات الحالية عن الاستشراق بأنها في أغلب الأحيان أحادية الجانب. ~~ولست أعني بذلك أنها تتجاهل أي جانب آخر في موضوع الاستشراق، وإنما أعني أن تركيز فئة ~~منها على الجانب الديني يمنعها من أن تدرك بوضوح الأبعاد السياسية والحضارية ~~للمشكلة وتعطيها ما تستحقه من أهمية، على حين أن إرجاع الفئة الأخرى مشكلات ~~الاستشراق كلها إلى العامل السياسي الحضاري يحول بينها وبين عمل حساب كاف للبعد ~~الديني. وأعتقد أن المعالجة الشاملة لمختلف هذه الجوانب، بطريقة متساوية في ~~الأهمية، هي إحدى النقاط التي تبرر في نظرنا إضافة هذا البحث الجديد إلى سيل البحوث ~~التي تدفقت أخيرا حول هذا الموضوع. # على أن هناك سمة أخرى، ربما كانت أخطر شأنا من السابقة، يختلف فيها هذا البحث عن ~~بقية البحوث التي ظهرت في هذا الموضوع، هي أنه لا يكتفي بالسير في اتجاه واحد، إذا ~~جاز هذا التعبير، وإنما يسير في اتجاهين، وربما في ثلاثة. فالأبحاث الحالية تعالج موضوع ~~الاستشراق من زاوية نظرة الشرقي إلى ما يكتبه الغربيون عنه وعن ماضيه وحاضره. ولكن يبدو ~~في نظرنا أن هذه المعالجة تغدو أخصب بكثير لو ارتبطت ببحث مقارن يدرس، في كل ~~حالة، نظرتنا نحن إلى الغرب ويقارن أخطاءهم بأخطائنا، وتحيزاتهم بتحيزاتنا. بل ~~إننا سوف نجد أنفسنا، في أحيان كثيرة، مضطرين إلى إجراء مقارنة أخرى بين نظرة الغرب ~~إلينا ونظرتنا نحن إلى أنفسنا، فنضيف بذلك بعدا ثالثا إلى الموضوع. ولو كنا ممن ~~يميلون إلى استكمال تناسق البناء الشكلي وتحقيق «التماثل # Sysmmetry ~~» الكامل، كما يفعل الفلاسفة أصحاب المذاهب عادة؛ لأضفنا ms04 ~~بعدا رابعا، هو نظرة الغرب إلى نفسه، حتى تكون الأركان الأربعة قد اكتملت: الشرق في نظر ~~الغرب، والغرب في نظر الشرق، والشرق في نظر ذاته، والغرب في نظر ذاته. غير أن هذا البعد ~~الأخير، على الرغم مما فيه من خصوبة، وما يمكن أن يلقيه من أضواء على موضوع بحثنا، ~~سوف يفتح أمامنا أبوابا تبلغ من التشعب حدا قد يهدد بضياع معالم الهدف ~~الأصلي، ومن ثم فقد آثرنا أن نستبعده. وهكذا تتبقى الأبعاد الثلاثة الأخرى لكي ~~تشكل معالجة لموضوع الاستشراق ضمن إطار بحث أوسع في مشكلات الالتقاء بين ~~الحضارات، وهو الإطار الذي يلقي أضواء عظيمة الأهمية على موضوع يستحيل أن تستبين ~~معالمه بوضوح ما دام يبحث بصورة منعزلة، أعني من زاوية التركيز على أخطاء أو ~~تحيزات النظرة الغربية - علمية كانت أو غير علمية - إلى الشرق. # | النقد الديني # كان الهجوم على الاستشراق من الزاوية الدينية، كما قلت، هو الأسبق. وكان النقاد الذين ~~يتخذون وجهة النظر الدينية ينسبون إلى المستشرقين في معالجتهم لموضوع بحثهم، أي ~~الإسلام، صفة التحامل، ولكن في أغلب الأحيان كانت اللهجة تشتد فتستخدم أوصاف مثل ~~الكذب والافتراء ... إلخ. وفي حالات معينة كان سوء الفهم المنسوب إلى الغربيين يوصف ~~بأنه ناجم عن تأثير تاريخ طويل من تشويه للعقيدة الإسلامية في الغرب المسيحي، بدأ منذ ~~العصور الوسطى وظلت آثار منه باقية، بدرجات متفاوتة، حتى اليوم. ومثل هذا التفسير ~~يتضمن، على الأقل، قدرا من التماس العذر للخطأ الغربي المعاصر بإرجاعه إلى أصول ~~تاريخية قديما. غير أن الاتجاه الأغلب، بين ناقدي الاستشراق على أساس ديني، هو اتجاه ~~التفسير التآمري؛ أي القول بوجود نية مبيتة لدى المستشرقين لتشويه تعاليم الإسلام. ~~والرأي الشائع هو أن هذا التشويه يتم عند بعض المستشرقين بصورة صريحة تتضمن هجمات ~~مباشرة وتفسيرات باطلة لحقائق أساسية في الإسلام، وعند البعض الآخر بصورة غير ~~مباشرة، ربما اقترنت أحيانا بشيء من المدح أو الدعوة إلى التفاهم، ولكن الهدف ~~- الذي يتم التوصل إليه بطريقة أذكى في هذه الحالة - يظل هو «الدس» للإسلام وتشويه ~~صورته، مع ms05 تقديم بعض الأحكام الإيجابية من أجل «تمرير» الأحكام الباطلة في إطار يفترض ~~أنه موضوعي. # والذي كان يحدث في هذا الهجوم من المنطلق الديني على الاستشراق هو أن المهاجم كان ~~في واقع الأمر مدافعا؛ فهو يدخل في مبارزة مع «عدو للإسلام»، محاولا أن يثبت له ~~أنه وقع في أخطاء أساسية، مقصودة أو غير مقصودة، وساعيا إلى أن يعيد إلى الإسلام صورته ~~النقية عند المسلم المؤمن، وناظرا إلى كل خروج عن هذه الصورة عند المستشرق على ~~أنه جزء من «المؤامرة». # وبطبيعة الحال، فإن مجال «المبارزة» يغدو واسعا حين تدور المعركة على أرضية ~~دينية بين مدافع متحمس من جهة، وبين باحث ينتمي - رسميا على الأقل - إلى عقيدة ~~أخرى، ولا يلزم نفسه بتعاليم الإسلام من جهة أخرى. إذ يصبح ميدان الهجوم في هذه الحالة ~~هو نظرة المستشرقين إلى معنى الألوهية في الإسلام، وإلى شخصية الرسول وسلوكه وتاريخه، ~~وإلى القرآن في ذاته وفي علاقته بالكتب المقدسة الأخرى، وإلى طبيعة الوحي في الإسلام، ~~ثم يمتد من هذه الأصول إلى الشخصيات الإسلامية الرئيسية، كآل البيت والصحابة والخلفاء ~~الراشدين، وربما امتد بعد ذلك إلى شخصيات فرعية، فضلا عن أنه يشمل مسار التاريخ ~~الإسلامي وتفسيرات المستشرقين له، وإسهامات الحضارة الإسلامية وأحكامهم عليها. هذه بعض من ~~الميادين التي يدور فيها الجدل الساخن بين المدافعين عن الإسلام وبين المستشرقين، ~~وهي ساحات لهجوم ظل ممتدا منذ أن اطلع المفكرون العرب على كتابات الغربيين ~~عن الإسلام من فجر النهضة العربية الحديثة حتى اليوم. # والمعيار الأساسي، والأوحد في أغلب الأحيان، الذي تقاس به قيمة المستشرق عند هذه ~~الفئة التي تنقد الاستشراق من منظور ديني، هو مدى اقتراب المستشرق أو ابتعاده عن ~~تعاليم الإسلام، ومدى تمجيده للعرب أو تنديده بهم. وفي معظم الحالات تنسى القيمة ~~الذاتية، والعلمية، لأبحاث المستشرق إذا كان ما يكتب يبتعد كثيرا عن أصول العقيدة، ~~ويتم الحكم عليه من المنظور الديني وحده. وهكذا ينطوي هذا النقد على مبدأ لا ~~يصرح به، بطبيعة الحال، ولكنه يكاد يقفز إلى العيان في كافة كتابات هؤلاء ms06 النقاد، ~~هو أن المطلوب من المستشرق أن يكون مشاركا للمسلمين في عقيدتهم، وفي هذه الحالة ~~يعد منصفا، أما إذا ابتعد عنها فإنه يغدو مفتريا متآمرا. وأفضل الحالات، ~~بالطبع، هي تلك التي ينطق فيها المستشرق بالشهادتين، ويشهر إسلامه، إذ يصبح في نظر ~~هؤلاء النقاد مستشرقا نموذجيا، أمينا، منصفا، أما القيمة الكامنة لأعماله، ~~ومدى الجهد الذي بذل فيها أو الدقة المنهجية التي روعيت فيها، فهي في نظر هؤلاء ~~النقاد آخر ما يؤخذ في الحسبان، بل إن الخلط بين الأمرين شائع إلى أبعد حد، إذ ~~يوصف المستشرق الذي يتعاطف مع تعاليم الإسلام بأنه هو الأدق، والأعمق، أما الذي ~~يتباعد عنها فلا بد أن يكون بعيدا عن روح العلم ومنهجه. # ولأضرب مثلا بكتاب عن الاستشراق لواحد من ممثلي هذه الفئة، ليس بالقطع أفضل ما ~~ظهر عن الموضوع، ولكنني اخترته لأنه من أحدث هذه الكتب فحسب؛ فمؤلف كتاب «أضواء ~~على الاستشراق» # 1 # يذهب صراحة إلى أن أفضل المستشرقين هم الذين اعتنقوا الدين الإسلامي، ~~وأسوأهم هم «اليهود والماركسيون والمبشرون»، أما القيمة العلمية لأعمال هؤلاء فلا ~~تهمه في كثير أو قليل، بل إنها قد تكون سببا لمهاجمة المستشرق (كما حدث في حالة ~~مرجليوث وجب وجلود تسيهر)؛ لأن تفوق المستشرق علميا يضفي على آرائه مزيدا من ~~قابلية التصديق، على حين أن هدفه الأصلي هو التشكيك في الإسلام، بل إنه يدين ~~مؤلفين امتدحهم معظم الكتاب العرب بعد أن أحدثوا ضجة دعائية كبيرة بمؤلفات ~~كانت توصف عادة بأنها «منصفة»، أي قريبة من وجهة النظر الإسلامية، كما حدث في حالة ~~توينبي، الذي لم يغفر له المؤلف تفسيراته «الدنيوية» لكثير من الحقائق والوقائع ~~الدينية الإسلامية، على الرغم من إعجاب الكثيرين به بسبب مواقفه الصريحة المعادية للصهيونية. # 2 # ومثل ذلك يقال عن موقف المؤلف من «زيجريد هونكه»، مؤلف كتاب «شمس الله ~~(أو شمس العرب) تسطع على الغرب»، وهو الكتاب الذي لا يكف المؤلفون العرب في السنوات ~~الأخيرة عن الاقتباس منه بوصفه شهادة من الغرب على أمجادنا الحضارية وضخامة الدين الذي ~~تدين به الحضارة ms07 الغربية للعلم والفكر الإسلامي. فهو يهاجمها بدورها لأنها ربطت في ~~بعض المواضع بين الإسلام وبين العقائد القديمة، ولأنها نسبت إلى ابن زكريا الرازي أقوالا ~~فيها هرطقة ضد الإسلام (ولم يكلف المؤلف نفسه مشقة التحقق من مدى صحة هذه ~~الأقوال). وهكذا يدرجها ضمن أولئك الذين «دسوا السم» في إطار من الإنصاف، لكي ~~«يمرروا» أحكامهم الباطلة من خلال موضوعيتهم الظاهرية. # 3 # وإذا كان هذا الناقد قد هاجم بعض المستشرقين الذين قدموا أحكاما إيجابية عن ~~الإسلام، على أساس أنهم حاولوا مهاجمة الإسلام من الأبواب الخلفية، واتخذوا من ~~مدحهم وسيلة لتسريب تفسيرات علمانية لموضوعات العقيدة الإسلامية، فإن هناك ناقدا ~~آخر يسير في الاتجاه العكسي، ولكنه يعبر عن الموقف الأساسي نفسه. ففي كتاب ~~«المستشرقون والإسلام» يرى المؤلف «زكريا هاشم» أن هناك أقلية من «المنصفين» بين ~~المستشرقين، على حين أن غالبيتهم «يكيدون» للإسلام بوحي من الاستعمار والتبشير ~~(لاحظ المزج بين العامل الديني والسياسي). ثم يضع المؤلف، ضمن المنصفين الذين ~~يستحقون المدح، المستشرق الإنجليزي المعروف «جون فيلبي» لأنه أشهر إسلامه. # هنا يظهر التشويه الفكري بأجلى صوره؛ فالمعيار الأوحد الذي تطبقه هذه الفئة من ~~ناقدي الاستشراق هو، كما قلنا، موقف المستشرق من الإسلام كعقيدة. وهكذا يكون أفضل ~~المستشرقين، بالطبع، هم الذين يدخلون في دين الإسلام. ولكن هذا المعيار ينظر إليه ~~منفصلا عن جميع المعايير الأخرى؛ مثل مدى تعمق المستشرق أو نوع منهجيته أو أهمية ~~إنتاجه. بل إن الكاتب الذي نتحدث عنه يؤكد أن الاستعمار يكيد للإسلام، ولا ~~يتورع بعد قليل عن امتداح واحد من أعمدة الاستعمار البريطاني، وهو الجاسوس المشهور ~~جون فيلبي، الذي يرجح أنه اعتنق الإسلام لكي ينال قبولا أفضل لدى المسلمين؛ أي لكي ~~يؤدي مهمته الأصلية بمزيد من الفعالية. فالدفاع عن الإسلام، واعتناقه أحيانا، قد ~~يكون في بعض الأحيان أكثر فائدة للاستعمار من مهاجمته (هل تذكر «إسلام» نابوليون؟) وليس ~~هذا إلا مثلا واحدا يكشف عن السذاجة الفكرية الشديدة لأولئك الذين يقيسون عمل ~~أي مستشرق بمدى «دفاعه» عن الإسلام. # لقد وقع الغرب المسيحي في أخطاء فادحة ولا ms08 شك عندما وجد نفسه في موقف الضعف ~~والانهيار أمام الحضارة الإسلامية الفتية، منذ القرن السادس الميلادي حتى عهد الحروب ~~الصليبية، وربما حتى عهد فتح القسطنطينية، فقد وصل الإسلام، في زمن وجيز بصورة مذهلة، ~~إلى قلب القارة الأوروبية، وكان من الطبيعي أن ترى فيه الحضارة المسيحية تهديدا خطيرا ~~لها، وكان رد فعلها المتوقع هو أن تشوه صورة الدين الجديد وتهاجم نبيه ~~وكتابه المقدس بقسوة شديدة لا تقيم وزنا لأبسط الحقائق التاريخية. ومن هنا نشأت تلك ~~الصورة المهتزة المختلة التي كونتها أوروبا المسيحية عن الإسلام في العصور ~~الوسطى، والتي كان الخيال المشوب بالخوف والعداء والتعصب يلعب فيها دورا يفوق ~~بكثير دور المعرفة الفعلية. هذه الصورة المشوهة حقيقة تاريخية يعترف بها كثير من ~~الباحثين في الشرق والغرب بدءا من «نورمان دانيل» # 4 # حتى إدوارد سعيد وماكسيم رودانسون. # 5 # ولكننا إذ نعرض هذا التشويه الغربي للإسلام، في العصور الوسطى، على أنه أمر ~~مؤكد من الوجهة التاريخية، ينبغي، من الناحية المنهجية، أن نضعه في إطار حقيقتين ~~أساسيتين لا مفر من الاعتراف بهما: ~~(1) # الحقيقة الأولى هي أن التفسير التآمري متبادل بين الطرفين؛ فالغرب في ~~العصور الوسطى كان يرى في الإسلام «مؤامرة» على المسيحية، وأدى ذلك إلى ~~تشويه معرفته بالإسلام، أو على الأصح إلى العجز عن التمييز بين هدف ~~المعرفة وهدف الدفاع عن الذات. ولكن الباحثين ذوي النزعة الإسلامية يرون ~~بدورهم أن الاستشراق ذاته مؤامرة حاكها باحثون مسيحيون أو يهود من أجل ~~هدم العقيدة الإسلامية وزعزعة إيمان المسلمين. وهكذا فإن فكرة المؤامرة ~~تسود وجهتي نظر الطرفين، وليس من حق أحدهما أن يدين بها الآخر وحده. ~~وليس من الصعب أن نعلل هذا الارتياب المتبادل بين الطرفين: ~~(أ) # فهو يزداد حدة في الأوقات التي تسود فيها النظرة الدينية ~~إلى العالم؛ حيث يؤمن أصحاب أية عقيدة بأنهم يملكون الحقيقة ~~المطلقة، ومن ثم فلا بد أن يكون الآخرون مخادعين ~~متآمرين. وعلى هذا الأساس نجد هذا التفسير يزداد ظهورا لدى ~~أوروبا في العصور الوسطى، كما تقوى شوكته في العالم الإسلامي ~~كلما مر ms09 بفترة من فترات «الصحوة الدينية». ~~(ب) # كذلك فإن فكرة المؤامرة تفرض نفسها، دائما، على الجانب ~~الأضعف، الذي يتخذ من تشويهه لموقف الجانب الأقوى وسيلة من ~~وسائل الدفاع عن النفس. وهكذا سادت فكرة المؤامرة لدى أوروبا ~~عندما كانت هي الأضعف أمام موجة الإسلام الظافرة في العصور ~~الوسطى، وسادت لدى المسلمين المعاصرين؛ لأنهم هم الأضعف، ~~حضاريا واقتصاديا، بالقياس إلى الموجة الغربية ~~الطاغية. ~~(2) # أما الحقيقة الثانية، التي تترتب مباشرة على الأولى، فهي أن تشويه ~~الصورة متبادل أيضا بين الطرفين. فكما أن الغرب المسيحي في أوروبا ~~الوسيطة قد قدم صورا مشوهة إلى حد بعيد عن الإسلام، فإن في استطاعة ~~كثير من المسيحيين المتدينين أن يشيروا إلى ما يعدونه، من وجهة ~~نظرهم الخاصة، «تشويهات» موازية في تصور المسلمين لحقائق أساسية في ~~المسيحية: كاعتقاد كثير من المسلمين أن المسيح - في نظر أبناء عقيدته - ~~ابن الله بالمعنى المادي، وفهم العلاقة بين مريم العذراء والألوهية فهما ~~لا يخلو من مضمون بشري فيه مسحة من الإشارة الجنسية، والقول بأن ~~الأناجيل الحالية محرفة وبأن هناك إنجيلا أصليا تم إخفاؤه لأن فيه ~~تنبؤا بظهور محمد. وهكذا يستطيع كل من الطرفين أن يشير إلى ما ~~يعتقد، من وجهة نظره الخاصة، أنه «تشويهات» لصورته في نظر الطرف ~~الآخر. # فإذا اتضح لنا ذلك أصبح من واجبنا أن نتأمل مسألة سوء الفهم هذه من منظور ~~أوسع من منظور نقاد الاستشراق الذين يرونه تشويها سائرا في اتجاه واحد. فلا ~~بد أن تكون لسوء الفهم هذا أبعاد عميقة حتى يسير في الاتجاهين على هذا النحو، ولا بد ~~أن للمسألة كلها حدودا أوسع من مجرد ضيق الأفق الغربي في نظرته إلى الشرق، ~~سواء كان ضيق الأفق هذا ناتجا عن جهل وافتقار إلى المعلومات الصحيحة، أم ناتجا عن ~~خوف أو كراهية أو احتقار أو رغبة في السيطرة. # الأخطاء المنهجية في النقد الديني # وإذا كان هذا المنظور الأوسع الذي ندعو إلى تأمل المشكلة كلها من خلاله، ~~سيتضح تدريجا خلال الأجزاء المتبقية من هذا البحث، فإننا نود أن ننبه إلى ~~مجموعة ms10 من الأخطاء المنهجية الأساسية التي يرتكبها نقاد الاستشراق من وجهة النظر ~~الدينية، وهي أخطاء لا يشير إليها الباحثون في هذا الموضوع عادة، إما بدافع ~~الشعور بالحرج، أو خوفا من أن توجه إليهم تهمة الدفاع عن الاستشراق. ولما ~~كان هدفنا يتجاوز هذين الاعتبارين، فإننا سنعرض لهذه الأخطاء إيمانا منا ~~بأن الحقيقة العلمية تتخطى نطاق الحساسيات الضيقة، والمجاملات ~~المزيفة. ~~(1) # مما يدعو إلى الأسف حقا أن عددا غير قليل من نقاد الاستشراق ~~الذين يتبنون وجهة نظر دينية، يكشفون في كتاباتهم عن افتقار إلى ~~معرفة أبسط قواعد المنهج العلمي؛ مما يضفي على انتقاداتهم طابعا ~~هشا يجعلها عاجزة عن إقناع أي ذهن يتمسك بأوليات المنطق ~~السليم. وسأضرب لذلك مثلا صارخا: # ففي كتاب «شبهات التغريب» # 6 # يهاجم المؤلف الاستشراق بمنهج غريب؛ إذ لا توجد طوال ~~الكتاب إشارات إلى المراجع إلا في حالات تعد على الأصابع، وحتى ~~في هذه الحالات لا تذكر أرقام الصفحات أو دور النشر أو سنوات الطبع. ~~وليس هذا مجرد نقد أكاديمي، بل إنه يمس صميم القضايا التي يدافع ~~عنها المؤلف، إذ إن الاقتباسات الكثيرة التي ترد دون إشارة إلى ~~مصدرها، أو التي تتصدرها عبارة «يقول فلان» ... دون أي تحديد للموضع ~~الذي قال فيه ذلك، لا بد أن تثير عند القارئ الواعي إحساسا بعدم ~~التصديق أو بأنه يقرأ أحكاما غير موثقة، لا يستبعد أن تكون ملفقة. # 7 # وعلى سبيل المثال ففي صفحتي 207 و208 يشير المؤلف إلى ~~«واحدة من الوثائق الكبرى التي تكشف هدف الحملة على الإسلام»، وهذه ~~الوثيقة هي مقال لجريدة التيمس الإنجليزية. وبغض النظر عن السذاجة ~~الفكرية التي تتضح في إعطاء صفة «الوثيقة الكبرى» لمقال في جريدة ~~يومية، فإن المؤلف لا يذكر اسم كاتب المقال ولا رقم العدد ولا ~~تاريخ اليوم أو السنة، فضلا عن أن نصف الاقتباس إضافات وشروح من عنده ~~لما هو مكتوب. فكيف نتوقع من القارئ الواعي أن يصدق إشارة كهذه وما ~~الذي يمنعه من الاعتقاد بأنها من تأليف الكاتب نفسه؟ # ولكن، لنتأمل مثلا أخطر، جاء في الفقرة الأخيرة ms11 من الكتاب المذكور ~~(ص426)، وفيها يقول: # ونحن نعرف أن مؤتمرا خطيرا عقد في إنجلترا في ~~أوائل القرن التاسع عشر، وخرج بمقررات مفادها أن الحضارة الغربية ~~منهارة، فلكي يطيلوا أمد انهيارها (هكذا في الأصل) يجب القضاء على ~~الوريث، وهو الأمة الإسلامية بدينها وتراثها وموقفها (يقصد: ~~موقعها) الإستراتيجي، وقد عملوا على تفتيت هذه الأمة لكي يطيلوا في أمد ~~انهيارهم (!) ويؤخروا سقوط حضارتهم و # أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ~~. # أود من القارئ أن يتأمل هذا الاقتباس لكي يدرك بعض ما فيه من ~~عناصر التشويه الفكري والافتقار إلى أبسط مقومات المنهج، بل ~~وأوليات الثقافة العامة. # إنه يقول: «نحن نعرف.» فمن أين عرف، ومن أي مصدر؟ ألا يستطيع أي ~~كاتب، بمثل هذه البداية، أن يمرر على قرائه أي خبر ~~ملفق؟ # ويقول: «مؤتمرا خطيرا.» ما اسم هذا المؤتمر؟ ومن الذي نظمه؟ ومن ~~الذين حضروه؟ وإذا كان قد عقد في «إنجلترا» ففي أي مدينة؟ # ويقول: «في أوائل القرن التاسع عشر.» أليس للمؤتمرات تاريخ يحدد ~~بالسنة والشهر واليوم؟ # هذه كلها أسئلة لا يجاب عنها بكلمة واحدة. ولكن الأخطر من ذلك هو ~~«مضمون» الخبر نفسه. فإنجلترا، في أوائل القرن التاسع عشر، كانت في أوج ~~طموحها الاقتصادي والسياسي، فكيف ينتهي مؤتمر يعقد بعد بداية العصر ~~الصناعي بقليل، ذلك العصر الذي غزت فيه مصنوعات إنجلترا العالم وأصبحت ~~فيه جيوشها وأساطيلها سيدة البر والبحر، كيف ينتهي مؤتمر يعقد في هذه ~~المرحلة بالذات إلى أن الحضارة الغربية منهارة؟ وببساطة شديدة ينتهي ~~المؤتمر نفسه، حسب قول المؤلف، إلى أن الأمة الإسلامية هي الوريث. ~~ومتى؟ في الوقت الذي كانت فيه الأمة الإسلامية منسية تماما، وفي ~~الوقت الذي كانت تعاني فيه من أشد حالات التخلف؛ أي أن الغرب ~~الفتي الصاعد كان يخاف من منطقة كانت عندئذ تعيش في ظلمات الجهل، ~~بلا موارد ولا طموح ولا إمكانات بشرية أو مادية، فيعمل على تأخير انهياره ~~(أو يطيل أمد انهياره، حسب التعبير المخطئ الذي كرره المؤلف ~~مرتين) عن طريق تفتيتها. وهكذا اجتمع المؤتمر، في مكان ms12 مجهول وزمان ~~غير معقول، لكي يحيك مؤامرة ويصدر «مقررات» ضد أمة لم يكن ~~يشعر بها في ذلك الحين أحد، يفترض أنها تهدد الحضارة الغربية التي ~~كانت عندئذ تقف وحدها بلا منافس! # قد يرى القارئ أنني أطلت في الحديث عن نص لم يكن يستحق أصلا ~~مثل هذا الاهتمام، ولكنني أود أن أؤكد أن لهذه الطريقة المشوهة ~~في الكتابة أهمية عظمى في وقتنا الحاضر. فهي تشكل وسيلة أساسية لنقل ~~المعلومات ونشر الثقافة لدى كثير من الجماعات الإسلامية المعاصرة، التي ~~يقرأ أنصارها كتبا أو يسمعون خطبا تحفل بأحكام غير محققة، وسرعان ~~ما تتحول تلك الأحكام إلى قوالب محفوظة يرددها شباب مغرر به ~~عقليا على يد معلمين روحيين يتلاعبون بعقول أتباعهم كما يشاءون. ~~والكتابات التي تتبع منهج «نحن نعلم» هذا، تباع على أوسع نطاق، ~~والمؤلفون الذين يؤثرون على قرائهم عن طريق ابتكار أي خبر ~~مثير كهذا، هم، في ثقافتنا المعاصرة، ناجحون إلى أقصى حد مع الأغلبية ~~الجماهيرية غير الواعية، وليرجع من يشك في ذلك إلى إحصاءات معارض ~~الكتب لكي يدرك خطورة تأثير هذا المنهج وسعة انتشاره. ~~(2) # ولكن، لنسأل أنفسنا: كيف يحرز منهج واضح البطلان كهذا نجاحا ~~واسعا إلى هذا الحد؟ وما هي الأسباب التي تجعل وصول مثل هذه الروايات ~~الملفقة إلى عقول الجماهير أيسر من وصول الرأي الموثق، المدعم ~~بالمصادر، والمؤيد بالبراهين؟ إن التعليل، في رأيي، واضح، يكمن في ~~طبيعة الجماعات التي يحرز هذا المنهج بينها نجاحا هائلا. فالجماعات ~~الدينية ترتكز في تفكيرها على مبدأ الإيمان الذي يولد ميلا قويا ~~إلى التصديق. وكما أن الموجهين الروحيين لهذه الجماعات يعملون ~~على الإفادة من هذا الميل إلى التصديق لدى أتباعهم، فإنهم في الوقت ذاته ~~يحرصون على تقويته وتأكيد اتجاههم إلى «الطاعة» ووأد أي نزوع إلى ~~النقد أو التساؤل في عقولهم. وهكذا فإن الأخذ بهذا المنهج في التأليف ~~يخدم غرضا مزدوجا، فهو يساعد من جهة على تمرير أية قصة ملفقة ~~تخدم أهداف المؤلف دون الحاجة إلى بذل الجهد والعناء الذي يقتضيه ~~المنهج العلمي في الكتابة، وهو يدعم ms13 من جهة أخرى روح التصديق والتبعية ~~والطاعة لدى القارئ، مما يزيد من استعداده لقبول هذا المنهج، ويجعل ~~العلاقة الثقافية بين الكاتب وقارئه علاقة إرسال واستقبال فحسب، لا نقد ~~فيها ولا شك ولا تساؤل. # وحصيلة هذا كله هي ما نشهده جميعا من ترديد النقاد الذين ~~يتخذون المنظور الديني لعبارات محفوظة عن الاستشراق، دون أية ~~محاولة لاستقصاء أصل هذه الأحكام والتأكد من صحتها. والأمر الذي لا ~~شك فيه أن تنشئتهم على قبول فكرة السلطة، ومبدأ السمع والطاعة، ~~يسهل قبولهم للأفكار الواردة في أي مقال تافه أو زعم غير ~~مدعم في كتاب، عن «مؤامرات» المستشرقين التي يفترض وجودها في كل ~~سطر من كتاباتهم، أو عن تحيزات الفكر الغربي وعيوبه وعجزه بالقياس ~~إلى الفكر البديل الذي يقدمونه. وما دام الأسلوب الذي ينشأ عليه ~~العقل هو الاكتفاء باقتباس النصوص والاستشهاد بها والاكتفاء بشهادتها على ~~أنها أعظم حجة وأبلغ دليل، فليس من المستغرب عندئذ أن يتحول أي ~~نص يعرض عليهم إلى سلطة فكرية لا تناقش. # وفي هذا الصدد يتبين لنا بوضوح أن الحملة التي شنها الأزهر ~~ضد طه حسين «ومنهجه الديكارتي» بحجة أنها نماذج «للتغريب» الفكري - وهي ~~الحملة التي بعثتها بعض التيارات الإسلامية المعاصرة إلى الحياة ~~من جديد - لم تكن في واقع الأمر إلا دفاعا عن منهج «السلطة» والإيمان ~~المطلق الذي يقوم عليه نوع كامل من التعليم. فالمنهج الديكارتي لم ~~يكن يهاجم لأنه غربي المنشأ، بقدر ما كان يهاجم لأنه يدعو إلى ~~الشك والنقد واختبار صحة المسلمات واستدعائها أمام محكمة ~~العقل. وتلك قيم فكرية تتجاوز ديكارت، بل تتجاوز الحضارة الغربية ~~ذاتها، رغم أنها نتاج مؤكد لمرحلة من مراحلها، فهي قواعد يفيد منها ~~الفكر الإنساني غربيا كان أم شرقيا. ومن هنا فإن مهاجمة الأزهر لها ~~كانت في واقع الأمر دفاعا عن منهج التسليم والتصديق والإذعان ضد خطر ~~ساحق يبدده. وهجومه على كتاب «الشعر الجاهلي» و«الإسلام وأصول الحكم» ~~كان في حقيقته هجوما على الجذور المنهجية التي بنيت عليها هذه ~~المؤلفات، والتي يمكن أن يؤدي تطبيقها على ميادين أخرى ms14 إلى نتائج ~~أشد خطورة. إنها هي ذاتها معركة ديكارت مع رجال الدين المسيحيين، ~~الذين لم يهاجموه من أجل مضمون فلسفته بقدر ما هاجموه من أجل منهجه ~~الذي يهدد بالامتداد إلى أخطر المناطق وأشدها حساسية في ميدان الإيمان. # 8 ~~(3) # أما الخطأ المنهجي الثالث، الذي يقع فيه نقاد الاستشراق من ~~منطلق إسلامي، فهو ازدواجية المعايير؛ فهم في جميع الأحوال يطبقون ~~على الحضارة الإسلامية معيارا، وعلى الحضارة الغربية معيارا آخر، دون أن ~~ينتبهوا إلى التناقض الذي يقعون فيه. ونستطيع في هذا الصدد أن ~~نقدم أمثلة لثلاثة أنواع من ازدواجية المعايير هذه: ~~(أ) # يرى مؤلف كتاب «المستشرقون والإسلام» في مستهل ~~الفصل الأول من كتابه، أن تأثر الغرب بالإسلام وتشبه ~~أوروبا بالعرب أيام ازدهارهم، وخاصة في الأندلس، هو أمر ~~جدير بالثناء. وهو ينقل عن «دوزي» وصفا لموقف المثقفين ~~الإسبان الذين «سحرهم رنين الأدب العربي فاحتقروا ~~اللاتينية وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها.» ~~ويعلق على ذلك بقوله: «نعم، لقد كانت الحضارة الغربية ~~كلها قبسا من حضارة العرب، لا سيما في أيام ازدهار ~~الأندلس.» (ص17)، وفي الصفحة التالية يصف المتأثرين ~~بالحضارة العربية والمعجبين بها بأنهم «عقلاء ~~الإسبان». # إن من المستحيل من الناحية المنهجية، أن نضع معيارين ~~متناقضين في حالة تأثر حضارة بحضارة أخرى متفوقة. فمن ~~حقنا أن نعتبر هذا التأثر خيرا، أو أن نعتبره شرا. ~~ولكن ليس من حقنا أن نعتبره خيرا في حالة وشرا في حالة ~~أخرى. فأي منهج هذا الذي يسمح لنا بأن نفخر بتأثر الغرب ~~بالثقافة العربية، ونراه خيرا على أوروبا، وننقد في الوقت ~~ذاته تأثير الأفكار الغربية في أبحاث العرب المعاصرين وننظر ~~إلى الاستشراق على أنه مؤامرة استعمارية؟ ألم يكن في ~~استطاعة راهب إسباني من الأندلس أن يصف التأثير الفكري ~~للعرب بأنه غزو ثقافي، ويتهم «عقلاء الإسبان» بأنهم ~~عملاء وقعوا في فخ «الاستعمار العربي» وفقدوا ~~هويتهم وانسحقت شخصيتهم في الحضارة العربية ~~المتفوقة؟ إنني لا أقول بالطبع بأن هذا هو ما كان ينبغي ~~أن يحدث، وإنما أقول فقط إن من التناقض أن نكيل في ms15 موضوع ~~التأثر الثقافي بكيلين، فيصبح التأثير خيرا وبركة حين ~~يأتي من العرب، ويصبح مؤامرة وفخا حين يأتي من الغرب. ~~والمنهج السليم - بغض النظر عن ميولنا الذاتية - ~~يحتم علينا أن نأخذ بمعيار واحد في كلتا ~~الحالتين. ~~(ب) # وإذا كان هؤلاء النقاد الإسلاميون يجعلون من اقتراب ~~المستشرق من احترام تعاليم الإسلام معيارا لمكانة هذا ~~المستشرق، فلا بد أن نذكر أن هذا المعيار ذاته ينطوي ~~على تناقض واضح؛ إذ إنه يدعونا ضمنا إلى خروج الباحث عن ~~عقيدته الخاصة لكي يصبح باحثا أفضل. وهكذا فإن المؤمن ~~المدافع عن عقيدته يدعو الآخرين إلى مهاجمة عقائدهم كيما ~~يصبحوا مقبولين. والمثل الصارخ على ذلك نجده في كتاب ~~«أضواء على الاستشراق»: فالمؤلف يمتدح مستشرقا اعتنق ~~الإسلام، اسمه «إسحق رينيه»؛ لأنه تشكك في مسائل معينة ~~في العقيدة المسيحية، مثل عصمة البابا، وبنوة المسيح ~~لله، وصلب المسيح، كما وجد في الإنجيل «أشياء لا تتفق ~~مع العقل في شيء» (ص76). ولكننا لو أجزنا لأنفسنا أن ~~ننظر إلى المسيحي الذي يتخلى عن دينه ويجده غير ~~متفق مع العقل على أنه «منصف»، لكان من الواجب لكي نكون ~~متسقين منهجيا أن ننظر بصدر رحب إلى المسيحي الذي ~~يبحث في عقيدتنا نحن بنفس الطريقة العقلانية النقدية، ولا ~~نراه متآمرا دساسا مفتريا على الإسلام. هذا ما يقضي به ~~المنطق السليم، ولكننا نرفض الاتساق ونطبق معايير ~~مزدوجة، فنؤكد بذلك الطابع الذاتي المحض لنقد ~~الاستشراق من منطلق إسلامي. # ولكي تكتمل الصورة، فلا بد أن نشير إلى أن بعض ~~المستشرقين من ذوي النزعات الدينية يرتكبون هذا الخطأ ~~نفسه في بحثهم للإسلام، فهم يطبقون على هذا البحث أحدث ~~المعايير العلمية النقدية، ولكنهم يستبعدون هذه المعايير ~~حين يكون الأمر متعلقا بعقيدتهم الخاصة، مسيحية كانت ~~أم يهودية؛ إنهم في الحالة الأولى عقلانيون ناقدون، وفي ~~الحالة الثانية إيمانيون مذعنون، وهو موقف يستحق أن ~~ينقد بكل قوة بوصفه مثلا مؤسفا من أمثلة ازدواجية ~~المعايير. ~~(ج) # أما المثل الثالث لهذه الازدواجية، فإنه يبدو أشد ~~خفاء من المثلين السابقين، ولكنه في الواقع لا يقل ~~عنهما خطورة؛ ms16 ذلك لأن هؤلاء النقاد الإسلاميين يحكمون ~~دائما على الحضارة الغربية بالسعي إلى السيطرة والتآمر، ~~فضلا عن صفات الانحلال والتمزق والاغتراب والإغراق في ~~المادية ... إلخ. وفي مقابل ذلك فإنهم يصفون الحضارة ~~الإسلامية بأنها هي المتكاملة وهي التي تجمع بين الروح ~~والجسد في توافق سليم، وهي التي لا تعرف أزمات القلق ~~والتمزق ... إلخ. # فلنسلم إذن بأن هذه الصورة صحيحة - وإن كانت في كلتا الحالتين ~~تحتاج إلى قدر كبير من المناقشة - ولنتساءل: هل المعيار المطبق ~~واحد في الحالتين؟ الواقع أن هؤلاء النقاد يطبقون على الحضارة ~~الغربية معيار «الواقع»، وعلى الحضارة الإسلامية معيار «المثل الأعلى»؛ ~~فالأوصاف التي ينسبونها إلى الغرب تصف واقع هذا الغرب كما يراه هؤلاء، ~~ولكن أوصافهم للعالم الإسلامي لا تصف واقعه، وإنما تصف نموذجا ~~مثاليا هو ذلك الذي يرسمه لنا الكتاب والسنة والسلف الصالح في ~~صدر الإسلام. وهم يعترفون، بلا تردد، بأن هذا المثل الأعلى بعيد ~~كل البعد عن واقع المسلمين الراهن، ومع ذلك فإنهم لا يرون أي ~~تناقض في المقارنة بين الغرب «الموجود فعلا» وبين إسلام «المثل ~~الأعلى» في الآيات والأحاديث والسنن الأولى. وهم لا يقيمون أي ~~وزن لواقع العالم الإسلامي؛ لأن هذا الواقع في نظرهم لا يمثل ~~«الإسلام». ولو اقترب أحدهم من الواقع الفعلي للإسلام - كما يقترب من ~~الواقع الفعلي للغرب - لوجد فيه أبشع صور المادية والأنانية، وأفدح ~~الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وأسوأ أنواع الممارسة ~~السياسية. وإذن، فحين نوحد المعيار، فنجعله هو «الواقع»، سيفقد العالم ~~الإسلامي تميزه بغير شك. أما لو طبقنا المعيار المثالي على ~~الحالتين، فلا جدال في أننا سنجد في كتابات فلاسفة الغرب وشعرائه ~~وحكمائه وأعمال فنانيه قدرا من المثالية يجعله يصمد على ~~الأقل في المقارنة مع الإسلام المثالي. # ولكن الذي يحدث هو أن هؤلاء النقاد يطبقون المنهج المثالي، ~~الملائم لنا، عند الحديث عن حضارتنا، ويطبقون المنهج الواقعي، فهو ~~الملائم للغرب (وإن كان ملائما لأوهامنا) عند الحديث عن حضارته. ~~(4) # أما الخطأ المنهجي الرابع لنقاد الاستشراق من المنظور الإسلامي، ~~فهو إصرارهم على رفض كل ما يخرج عن نطاق ms17 «الإسلام الرسمي» في معالجة ~~الحضارة الإسلامية. وقد لخص أنور الجندي هذا الموقف حين أكد أن «الاستشراق، بوصفه أداة التغريب ~~والتبشير، يركز على موضوعين: (1) التصوف ووحدة الوجود. (2) الثورات ~~المضادة للإسلام، كالقرامطة والزنج، مع وصفها بأنها إسلامية.» # 9 # وبطبيعة الحال، فإن الاستشراق لم يترك بقية الموضوعات دون بحث، ولكن مجرد خوضه ~~في هذه الموضوعات الخارجة عن نطاق الإسلام الرسمي، إسلام الخلفاء وفقهائهم، يعرضهم ~~لنقد شديد. وواقع الأمر أن ما يهدف هؤلاء النقاد إلى تجنبه هو تصوير تاريخ ~~الحضارة الإسلامية على أنه تاريخ بشري، له نقاط قوته ونقاط ضعفه، أعني تاريخا ~~تحدث فيه ثورات ويتمرد فيه الناس على الحكام إذا أحسوا أنهم مظلومون، ويرتكب ~~الحكام أنفسهم، في بعض الأحيان، أخطاء قاتلة. فالتاريخ الذي يريدونه تاريخ للقداسة، ~~ولأن هذا التاريخ «إسلامي»، فلا بد أن يصبح بدوره فوق مستوى البشر الفانين ولا بد أن ~~تمحى منه تلك المظالم التي جعلت الناس من آن لآخر يثورون أو يتمردون. كذلك فإن ~~التصوف بدوره خروج على الخط الرسمي، وفيه تجاوز للتفسيرات المباشرة، ومن ~~ثم كان من الضروري استبعاده. ولو ترك الأمر بيد هؤلاء المفكرين لاستأصلوا من ~~التاريخ بأسره كل إشارة إلى ما يخرج عن ذلك التيار الرئيسي الذي تمثله المؤسسة ~~الرسمية للخلافة. # ومن الصعب، في هذه الظروف، أن يتعرف المرء على هذا التاريخ بوصفه تاريخا لأناس ~~عاديين لهم أخطاؤهم وعيوبهم؛ فكل ما يخرج عن إطار المؤسسة ذاتها لا بد أن يكون ~~كفرا وزندقة ومروقا. وكل محاولة لدراسة الحركات التي تؤكد خضوع التاريخ ~~الإسلامي للقوانين التي يخضع لها أي تاريخ بشرى آخر، تقابل بالاستنكار والتشكك ~~والاتهام. وبمثل هذا المنهج يفقد التاريخ أهم عناصره: عنصر الصراع بين القوى ~~المتعارضة، ويرتدي التاريخ عباءة مزيفة بيضاء من غير سوء. ~~••• # إن نقد الاستشراق من المنظور الإسلامي ينطوي في نهاية الأمر على مبدأ أساسي لا ~~يصرح به أصحاب هذا الموقف، ولكنه موجود ضمنا في كل حرف مما يكتبون، هو أننا ~~أصحاب حقيقة مطلقة، وكل من يؤيد حقيقتنا المطلقة على صواب، وكل من يعارضها ~~على ms18 خطأ. وإني لأكاد أوقن بأن رد فعلهم إزاء نقد كازدواجية المعايير مثلا هو ~~أنه لا بد أن يكون هناك معيار مزدوج؛ لأن الحق لا يمكن أن يعامل كالباطل، ومن ~~المستحيل وضعهما على قدم المساواة. فتأثر الحضارة الغربية بالحضارة الإسلامية مثلا ~~شيء لا بد منه؛ لأن إشعاع الحق على الباطل ظاهرة إيجابية دائما، أما تأثر ~~الحضارة الإسلامية بالغرب في الوقت الراهن فهو أمر مذموم؛ لأن الباطل فيه يلوث ~~الحق. # وهكذا تواجه جميع الانتقادات بهذا المبدأ الذي يغلق الطريق أمام كل مناقشة ~~منطقية، مبدأ الحقيقة الواحدة المطلقة التي نمتلكها «نحن» ولا يمتلكها «الآخرون». ~~ولو رددت عليهم بأن هؤلاء «الآخرين» لديهم بدورهم حقيقتهم المطلقة، وأنهم يسمون ~~أنفسهم «نحن»، على حين أننا في نظرهم «الآخرون»، المحرومون من الحقيقة المطلقة - ~~لو قلت ذلك لما كانوا على استعداد لسماعك؛ لأن مكانة الحقيقة التي يمتلكونها لا ~~يمكن أن تمسها تلك الأفكار المنطقية «السطحية». # ومعنى ذلك، بعبارة أخرى، هو أن النقد الإسلامي للاستشراق يرتكز أساسا على موقف ~~إيماني، ولا يثير مشكلة حقيقية على المستوى العقلي، ولا يرتكز على حجج قابلة ~~للنقاش. ومن ثم كان هذا المنظور الديني في نقد الاستشراق هو أضعف المنظورات ~~وأقلها جدارة بالمناقشة. # فهو يؤدي إلى استبعاد المعايير العلمية استبعادا تاما عند تقويم أعمال ~~المستشرقين، وكثيرا ما يرى في ضخامة الجهد العلمي الذي بذله المستشرق سببا ~~لمهاجمته بشدة. # 10 # وهو يزداد تطرفا، فيفسر قيام الاستشراق أصلا بأنه يستهدف «الانتقاص من ~~تعاليم الإسلام ... وتعويضا عن هزائم الصليبية.» # 11 # والنتيجة الطبيعية لذلك هي رفض الاستشراق بأكمله، ومعه كافة المناهج الحديثة في ~~كتابة التاريخ، على أساس أن «أخلاق الإسلام وآدابه وسننه وسائر ما يكون به الإسلام ~~إسلاما، هي الأصل الذي لا غنى عنه لمن يتعرض لكتابة تاريخ أهل الإسلام.» هذا هو ~~المنهج لا غيره من مناهج البحث، كما تعرف مناهج البحث في العصر الحديث. # 12 # إنه منهج يؤدي إلى طريق مسدود، يغلق كل ثقافة على نفسها، ويرفض - من حيث ~~المبدأ - رؤية الغير. # | النقد السياسي الحضاري # كان الجديد في ms19 موقف الباحثين العرب من الاستشراق، هو ظهور نوع آخر من النقد لم تكن ~~دوافعه دينية على الإطلاق، وإنما كانت سياسية حضارية في المحل الأول. وعلى حين أن ~~أصحاب النقد الديني كانوا يهدفون إلى الدفاع عن العقيدة الإسلامية ضد «التشويهات» أو ~~«الانحرافات» التي تتميز بها نظرة كثير من المستشرقين إلى الإسلام، فإن أصحاب النقد ~~السياسي الحضاري يهدفون قبل كل شيء، إلى فضح الأهداف السياسية والتشويهات الثقافية ~~للاستشراق من حيث هو أداة لهيمنة الغرب على الشرق في الميدان الفكري. # ومن الجدير بالذكر أن هاتين الفئتين من النقاد، الدينية والسياسية الحضارية، لا ~~تعترف بالأخرى، ولا تعتمد عليها أو حتى تشير إليها في نقدها للاستشراق؛ فالإسلاميون لا ~~يشيرون من قريب أو بعيد إلى نقاد الاستشراق من المنظور السياسي الحضاري، ولا يقبلون ~~أن يستعينوا بحججهم، حتى ولو كان ذلك صورة ثانوية أو تكميلية. والسبب في ذلك واضح، هو ~~أنهم يدافعون عن الإسلام كعقيدة، على حين أن الآخرين يتحدثون في كثير من الأحيان عن ~~«الشرق» بوجه عام، وإذا تحدثوا عن الإسلام فإنما يقصدون به الإسلام السياسي أو الإسلام ~~كحضارة، ولا شأن لهم بتفنيد «افتراءات» المستشرقين على العقيدة. # ويمكننا أن نعد ظهور هذا النوع - الجديد نسبيا - من نقد الاستشراق مظهرا من مظاهر ~~النضج العقلي للثقافة العربية الحديثة. فهو يؤكد أن عهد الانبهار بالثقافة الغربية ~~قد انتهى، بل إنه يؤذن ببدء العهد الذي تظهر فيه ردود فعل قوية متماسكة لدى ~~المثقفين العرب على الثقافة الغربية التي تكون الجزء الأكبر من حصيلتهم. ولكن يظل ~~هذا النقد برغم كل شيء «رد فعل»، وليس فعلا أصيلا؛ ~~لأن الفعل الأصيل في الحالة التي نحن بصددها ليس نقد الاستشراق وإنما الاستغناء عنه ~~ببديل تعاد فيه دراسة الثقافة العربية على نحو يتم فيه التخلص من أخطاء المستشرقين ~~وتجاوز تحيزاتهم. وهذا الفعل الأصيل، كما نعلم جميعا، لم يحدث بعد. # بل إن هذا النقد للاستشراق، حتى من حيث هو مجرد رد فعل، يثير تساؤلات أساسية ~~سنطرحها فيما بعد بمزيد من التفصيل، ولكن تكفينا الإشارة إليها في ms20 سياقنا الحالي. فإلى ~~أي مدى تجاوز نقاد الاستشراق هؤلاء، المنظور الغربي الذي ينتقدونه؟ وهل يعد ~~النقد الذي يقومون به نقدا جذريا بحق، إذا كانت جميع المفاهيم التي يستخدمونها، وجمع ~~المناهج التي يطبقونها، مستمدة من الثقافة الغربية التي نبع منها الاستشراق، هل ~~نستطيع أن نواجه الغرب حقا بذلك النقد الذي يظل في مجمله وتفصيلاته دائرا - من ~~الناحية الفكرية - في فلك الثقافة الغربية؟ هل تستطيع حركة نقد الاستشراق من المنظور ~~السياسي الحضاري، كما نجدها لدى المثقفين العرب الذين تحدد الثقافة الغربية أفقهم ~~العقلي، أن تدفع عن نفسها تهمة كونها شكلا من أشكال النقد الذاتي للحضارة الغربية ~~نفسها؟ # هذه أسئلة نكتفي بطرحها الآن، بهدف إيضاح الاختلاف الكبير بين المنطلق الإسلامي ~~والمنطلق السياسي الحضاري في نقد الاستشراق. أما المعالجة التفصيلية لها، فلا بد أن ~~تنتظر حتى يقطع هذا البحث مراحله الهامة. ~~••• # يلخص إدوارد سعيد موقفه من الاستشراق، الذي يقدم أساسا لنقده السياسي الحضاري له، ~~بقوله: «وعلى ذلك فالاستشراق ليس مجرد موضوع سياسي للبحث، أو ميدان تعكسه الثقافة أو ~~الدراسة أو المؤسسات الأكاديمية بطريقة سلبية، كما أنه ليس مجموعة النصوص الضخمة أو ~~المتنوعة عن الشرق، ولا هو يمثل أو يعبر عن مؤامرة إمبريالية «غربية» لعينة من أجل ~~إخضاع العالم «الشرقي». بل إنه توزيع للوعي الجيوبوليتيكي على نصوص جمالية وأكاديمية ~~واقتصادية وسوسيولوجية وتاريخية وفيلولوجية، وهو توسيع لتمييز جغرافي أساسي (هو تقسيم ~~العالم إلى جزأين غير متساويين، الشرق والغرب) ولسلسلة كاملة من المصالح يخلقها ~~الاستشراق ويحافظ عليها من خلال الكشف العلمي والتحقيق الفيلولوجي والتحليل النفساني ~~والوصف الجغرافي والاجتماعي ... والواقع أن الفكرة الحقيقية التي أدافع عنها هي أن ~~الاستشراق هو ذاته بعد هام من أبعاد الثقافة الحديثة ~~السياسية والعقلية، وليس مجرد ممثل لهذه الثقافة، ومن ثم فإنه يتعلق ~~«بعالمنا» أكثر مما يتعلق بالشرق.» # 1 # وهو يزيد هذه الفكرة الأخيرة إيضاحا فيقول في موضع آخر إن الاستشراق يرتبط ~~بمصدره، أي الغرب، أكثر مما يرتبط بموضوعه، أي الشرق، فللاستشراق صلة وثيقة بالحضارة ~~المسيطرة التي أنتجته. # 2 # في هذا الإطار العام ms21 يمكن القول إن إ. سعيد قد جمع حول آرائه مدرسة كاملة في نقد ~~الاستشراق، تطرح مجموعة من القضايا وتوجه إليها انتقاداتها لكونها مسلمات لا ~~تتم مناقشتها، أو مغالطات صريحة، أو تعبيرا عن تحيزات ظاهرة، أو عن افتقار إلى شروط ~~الموضوعية العلمية: ~~(1) # فالاستشراق تأثر بتراث قديم انحدر إليه من تحيزات العصور الوسطى ~~الأوروبية ضد الإسلام (وبخاصة نتيجة للعداء الدعوي بين الإسلام ~~والمسيحية في الحروب الصليبية)، وهذا التراث كامن في كتابات المستشرقين ~~بحيث يكون من الصعب عليهم إن لم يكن من المستحيل التخلص منه. ~~(2) # وهو قد تأثر بالاعتبارات السياسية والنزوع إلى السيطرة، بحيث أصبح يعكس ~~نظرة الغرب «القوي» إلى الشرق الضعيف. وهكذا كانت المقولات التي يستخدمها ~~الاستشراق مقولات تتسم أساسا بالمركزية الأوروبية، وكانت نظرة إلى الشرق ~~تستمد كلها من علاقة مفترضة بين هذا الشرق والغرب، ولا تتناول الشرق ~~بوصفه كيانا مستقلا له تطوره الخاص. ~~(3) # وهو يتحدث عن كيان ثابت باسم «الشرق»، أو «الإسلام»، ويضفي على هذا ~~الكيان صفات متحجرة. أي إنه ينكر الشرق كدينامية وتاريخ، وينكر ما ~~فيه من تعدد وتنوع، وإنما يجعل منه «جوهرا» غير قابل للنمو أو ~~التغيير. # هذه الانتقادات، كما هو واضح، تثير مشكلات متعلقة بالمنهج، وبالأبستمولوجيا أو علم ~~المعرفة من جهة، وبمضمون العلم الاستشراقي من جهة أخرى. وعلينا أن نسير في بحثنا للموضوع ~~وفقا لهذا التقسيم، لا لكي نبحث في مدى صحة الاتهامات التي توجه إلى الاستشراق ~~فحسب، بل لكي نختبر - وهو الأهم - موقف ناقدي الاستشراق أنفسهم، ونرى إلى أي حد كانت ~~انتقاداتهم متسقة مع ذاتها. # المشكلات المنهجية والأبستمولوجية # يثير النقد السياسي والحضاري للاستشراق مشكلة الموضوعية في العلوم الإنسانية من خلال ~~البحث في مدى نزاهة البحث الاستشراقي وحريته. فالبحث في الشرق، كما يرى أ. سعيد، لا ~~يمكن أن يكون موضوعيا أو حرا؛ لأنه خاضع دائما لاعتبارات تبعده عن النزاهة، ~~كالاستعلاء أو الرغبة في السيطرة أو التمركز الأوروبي حول الذات، فضلا عن تداخل ~~الخيال والصور النمطية والاتجاهات النفسية الموروثة منذ العصور الوسطى ~~الأوروبية. فهناك إذن تشويه أساسي في الاستشراق، ms22 بحيث إنه في حقيقته أقرب إلى أن يكون ~~مظهرا للقوة التي تمارسها أوروبا والأطلسي على الشرق ، منه إلى أن يكون وصفا ~~صادقا لأحوال الشرق. # 3 # فهو محاولة من علماء ينتمون إلى قوى كبرى ذات مصالح ضخمة، من أجل فهم ~~عالم مغاير لهم، توطئة للسيطرة عليه. ومن هنا كانت العوامل السياسية فيه متداخلة ~~مع العوامل الثقافية، وكانت المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي التي تضمن ~~استمراريته، وإحكام الروابط بين حلقاته. # ولكن هذا النقد يفترض مجموعة من المسلمات التي لا تصمد كثيرا أمام الاختبار ~~العقلي الدقيق: ~~(1) # أولى هذه المسلمات هي إمكان ~~قيام موضوعية خالصة في ميدان العلوم الإنسانية. والواقع أن أبحاث عالم ~~اجتماع المعرفة، والتاريخ الاجتماعي للعلم، تتجه إلى تأكيد وجود طابع ~~أيديولوجي تخضع له كل معرفة بشرية بدرجة أو بأخرى، وتعمم هذا الحكم ~~بحيث يسري حتى على تلك العلوم التي نفترض فيها أكبر قدر من الحياد ~~والموضوعية، كالعلوم الطبيعية. وإذا كانت هذه الحالة الأخيرة المتطرفة ~~تقبل النقاش، فمن المؤكد أن العلوم الإنسانية تكشف عن هذا الطابع ~~الأيديولوجي بوضوح أكبر. ومن ثم كان من حقنا أن نطلب إلى من ~~ينقدون الاستشراق بسبب افتقاره إلى الموضوعية، أن يحددوا لنا ذلك ~~المعنى المجهول «للموضوعية» الذي يطالبون به، لكي نرى إن كانت هذه ~~ممكنة أصلا في أي علم إنساني. إن المؤرخين على سبيل المثال قد ~~اعترفوا منذ وقت طويل بأن المؤرخ لا يستطيع أن يكون على الدوام ~~مشاهدا محايدا لا يتدخل في تفسير الأحداث من منظوره الخاص، وأن كل ~~تأريخ هو «رؤية» وليس رواية تامة النزاهة، متحررة من كافة التحيزات. ~~وهكذا يبدو أن نقاد الاستشراق يتوقعون منه المستحيل، أو ينتقدونه ~~لأسباب يشترك فيها مع كل أنواع المعرفة التي تتخذ لها موضوعا من ~~الإنسان - أعني - إذا كان إنسانا ينتمي إلى حضارة معينة. # وبطبيعة الحال فإن من حق القارئ أن يطلب إلى ناقد الاستشراق أن ~~يقدم إليه البديل المنهجي الذي يريده. ففي وسعنا أن نوافق هذا ~~الناقد - جدلا - على أن الاستشراق يقدم للشرق صورة شوهها التحامل ~~والرغبة في ms23 السيطرة، ولكن من الواجب عندئذ أن نسأله: كيف كنت تريد منه ~~أن يصور الشرق؟ فإذا بحثنا عن رد على هذا السؤال، واجهتنا إجابات ~~أقل ما توصف به هو أنها غير مقنعة. # ولنأخذ موضعا من المواضع التي نستطيع أن نستنتج منها البديل ~~المطلوب، فسعيد يضرب مثلا بكتاب «وصف مصر» الذي ألفه العلماء ~~المصاحبون لنابوليون في الحملة الفرنسية، فيقول إنه نموذج لكتب ~~الاستشراق الأخرى، إذ كان هدفه هو أن يجعل الشرق مفهوما، ويجعل الإسلام ~~مأمونا، بالنسبة إلى الغرب. ويعلق على ذلك بقوله: «ذلك لأن الشرق ~~الإسلامي سيظهر من الآن فصاعدا على أنه مقولة تعبر عن قوة ~~المستشرقين، لا عن الشعب الإسلامي كبشر، ولا عن تاريخهم كتاريخ.» # 4 # من هذا التعليق نستطيع أن نستنتج أن البديل الذي يراد أن ~~يحل محل المنهج الاستشراقي، هو أن ينسلخ الباحث الغربي عن ماضيه ~~وثقافته لكي يعايش شعبا آخر وينظر إليه من منظور خاص بهذا الشعب ~~وحده، وهو مطلب مستحيل. بل إن الأمر يصل إلى حد وصف المناهج ~~العلمية الأوروبية التي استخدمت في الكتاب بأنها تعبير عن السيطرة الأوروبية، # 5 # وكأن المطلوب هو التخلي عن مستوى معين بلغته طرق ~~البحث العلمي - وهو مستوى يستحيل التراجع فيه أو التنازل عنه - من أجل ~~إبعاد شبهة السيطرة. # وربما كان في وسعنا أن نستنتج البديل المطلوب بصورة أوضح من ذلك ~~النص الذي يقول فيه مؤلفنا إن المستشرق يقدم في تصويره دائما ~~«معرفة لا تتصف أبدا بأنها خام، أو مباشرة بلا توسط، أو موضوعية ~~فحسب # Never raw, unmediated or simply ~~objective ~~»، # 6 # وهكذا يبدو أن المطلوب من المستشرق، لكي يتخلص من ~~الاتهام بالتشويه، هو أن يقدم المعرفة في صورتها الخام، بلا ~~توسط، وفي موضوعيتها المجردة. فهل هناك باحث يستطيع أن يقدم ~~معرفة كهذه في مواجهته لحضارة أخرى؟ وهل مثل هذه المعرفة أصلا ممكنة في ~~ميدان بحث الإنسان للإنسان؟ وهل سيكون هذا الشيء الهلامي الغامض ~~مفيدا، حتى لو أمكن تقديمه في صورته الخام، بلا تفسير أو ~~«توسط»؟ # على أية حال، فمن الملفت للنظر ms24 أن الكاتب نفسه يؤكد استحالة ~~الوصول إلى هذا الغرض الحيادي المطلق في ميدان المعرفة الإنسانية بوجه ~~عام. فبعد أن يؤكد أن الغرب أساء تصوير الإسلام بصورة أساسية، يتساءل ~~إن كان من الممكن قيام تصوير # Representation # صحيح لأي شيء، ويرى أن أي تصوير يخضع للغة ~~القائم به وثقافته ومؤسساته وجوه السياسي، ويتم في ميدان يتحكم ~~فيه تراث وتاريخ وجو عقلي لا يستطيع الباحث المنفرد أن يستقل عنه، ~~وإن كان يسهم بالجديد فيه. وهكذا فإن أي بحث جديد يحدث قدرا من ~~التغيير في ميدانه، ولكنه يساعد في الوقت نفسه على تثبيت هذا الميدان. # 7 # هذا الإدراك لفكرة مألوفة هي النسبية العقلية والثقافية، وتطبيقه على ~~جميع الحالات التي يقوم فيها باحث ينتمي إلى ثقافة معينة بتصوير ثقافة ~~أخرى، كفيل بأن يخفف إلى حد بعيد من غلواء الأحكام التي أطلقت من ~~قبل على الاستشراق. فالمستشرق وفقا لهذا الرأي يخضع لنفس القيود التي ~~يخضع لها عالم الاجتماع والناقد الأدبي والمؤرخ. ومن هنا كان «العظم» ~~على حق حين أشار إلى فكرة النسبية هذه قائلا إنها تعفي الباحث الغربي ~~من أية مسئولية عن التشويه المتعمد لصورة الشرق؛ لأنه بذلك إنما يستجيب ~~لصفة تنتمي إلى طبيعة العقل نفسه، وهي أنه يحيل كل شيء يكون لنفسه ~~تصورا عنه، إلى شيء ملائم له. # 8 # والفكرة التي نود أن ندافع عنها هي أن رؤية المثقف الذي ينتمي ~~إلى حضارة معينة، لحضارة أخرى، هي رؤية تتم في ظروف بالغة التعقيد، ولا ~~يمكن إخضاعها لذلك النمط الواحد الذي حاول «سعيد» أن يخضع لها ~~الرؤية الاستشراقية، أعني نمط التشويه الذي يتم بدافع القوة والسيطرة ~~والحماس بالتفوق. وسوف تتكشف لنا هذه الحقيقة خلال هذا البحث ~~بالتدريج. ~~(2) # يقع مؤلف كتاب «الاستشراق» في خطأ الانتقائية. فهو منذ مستهل ~~كتابه يعترف بوضوح بأن قضيته الأساسية في الربط بين الاستشراق ~~والإمبرالية تنصب على الاستشراق الفرنسي والإنجليزي، ثم الأمريكي في ~~العهد القريب. وهو يعترف بأهمية الاستشراق الألماني والإيطالي والهولندي ~~والسويسري (ونستطيع أن نضيف: الروسي والمجري والإسباني والفنلندي، ... ~~إلخ)، ولكنه يرى ms25 أن أحكامه لا تنطبق على هذا النوع الأخير، الذي يستحق ~~أن يكتب عنه بطريقة مستقلة. وهو في موضع آخر يؤكد أن النوع الأول، ~~أي الإنجليزي والفرنسي، هو الأساس، وهو الذي يجمع بين الجوانب الثقافية ~~والتجارية والاستعمارية والخيالية في مركب واحد. «إن وجهة نظري هي أن ~~الاستشراق مستمد من تلك الصلة الوثيقة الخاصة التي تربط بين ~~إنجلترا وفرنسا وبين الشرق، الذي كان يعني حتى نهاية القرن التاسع عشر ~~الهند وأرض الكتاب المقدس فقط.» # 9 # وربما اعترض بعض الباحثين على الحكم القائل إن الاستشراق الإنجليزي ~~والفرنسي أهم من الألماني والإيطالي والروسي، ولكن المسألة الهامة في ~~نظرنا لا تكمن في مثل هذا الاختلاف في التقويم، ففي استطاعتنا أن نقبل ~~هذا الحكم على علاته، ولكن يظل السؤال الأهم هو: كيف استطاعت ~~الحضارة الأوروبية أن تنتج نوعا آخر من الاستشراق، لا تختلط فيه ~~الأطماع التوسعية بالاعتبارات العلمية؟ إن معنى ذلك هو أننا نستطيع أن ~~نتصور استشراقا بدون هيمنة، أو بدون مضامين سياسية. ووجود هذا النوع ~~معناه أن الحضارة الغربية استطاعت أن تنتج دراسة للشرق لا تخضع - أو ~~لا تخضع في المحل الأول - لمطالب مجتمع متفوق يسعى إلى السيطرة. ~~وهذه الظاهرة ذاتها يمكن أن تلقي ظلا من الشك على قضية سعيد ~~بأكملها، إذ لا يعود الخضوع للإمبريالية هنا سمة مميزة للاستشراق من حيث ~~هو مؤسسة علمية، بل يصبح سمة تميز مجتمعات معينة، أبدت ~~اهتماما خاصا بالاستشراق تحقيقا لأطماعها الخاصة، وإن لم يكن ~~منتميا إلى «جوهر» الاستشراق في ذاته. ويترتب على ذلك أن التركيز ~~على الاستشراق الفرنسي والإنجليزي، والأمريكي فيما بعد، معناه انتقاء ~~العينة التي تخدم استنتاجا وضع مقدما، وتمت البرهنة عليه ~~من خلال النماذج المؤيدة له وحدها. ~~(3) # وهناك نقطة ضعف ثالثة تميز موقف عدد كبير من نقاد الاستشراق ~~في العالم العربي المعاصر، هي وقوعهم في شكل من أشكال المغالطة المنشئية # Genetic Fallacy ~~، فمن ~~الخطأ كما يعرف كل دارس للمنطق أن نخلط بين منشأ الشيء أو أصله ~~وبين حالته الراهنة. ومن الممكن جدا أن يكون الاستشراق، في ms26 بلاد ~~معينة، قد نشأ تلبية لحاجات استعمارية، ولكن هذا الأصل لا يتعين أن ~~يلازمه، ويؤثر في حكمنا عليه، طوال مساره اللاحق؛ ذلك لأن العلم ~~يكتسب بمضي الزمن قدرة على التطور المستقل عن الأصل الذي نشأ ~~منه، ومن الممكن أن يتباعد بالتدريج عن هذا الأصل إلى حد السير في ~~اتجاه مضاد له. ومن طبيعة العلم أن تصبح له، بحكم الممارسة ~~المستمرة، حياته الخاصة، ونموه الخاص، بغض النظر عن الظروف التي نشأ ~~فيها والدوافع التي أدت إلى ظهوره. # ونستطيع أن نضرب لذلك أمثلة لا حصر لها، تنتمي إلى ميادين العلوم ~~الطبيعية والإنسانية معا. فعلم الفلك ظل طوال الجزء الأكبر من تاريخه ~~مرتبطا بالتنجيم وقراءة الطالع، وحتى عندما أصبح علما دقيقا في ~~مطلع العصر الحديث، ظل لفترة غير قصيرة محتفظا بآثار من هذا الأصل ~~الأول. ولكن مما يدعو إلى السخرية بطبيعة الحال أن نحكم على ~~إنجازات علم الفلك المعاصر من خلال الأصل الذي نشأ منه. ومثل هذا يقال ~~عن الكيمياء، التي ترجع جذورها إلى أوهام السيمياء وخرافاتها. وكلنا ~~نعلم أن علوم الفضاء قد نشأت في ظروف الحرب الباردة وارتبطت بأهداف ~~عسكرية عدوانية أو دفاعية، ولكن هل يستطيع أحد أن ينكر أن كثيرا من ~~إنجازات هذه العلوم قد استقلت عن الأصل الذي نشأت منه، وأن قيمتها في ~~الحاضر والمستقبل تتجاوز بكثير نطاق الأغراض العسكرية؟ وأخيرا، فإن ~~الأنثروبولوجيا كانت مرتبطة بالاستعمار بصورة صريحة لم ينكرها ~~مؤسسو العلم ذاته، فالغرب المتفوق كان يسعى إلى فهم الشعوب البدائية ~~والقديمة «من الداخل» كيما يستطيع أن يحكم سيطرته عليها (وهو في هذه ~~الناحية يسير في خط متواز، بصورة ملفتة للنظر، مع الأصول الأولى ~~للاستشراق). ولكن هل يعني ذلك أن ننكر القيمة التي اكتسبها هذا العلم ~~بعد أن أصبح له مساره الخاص، واكتسب صفات جديدة تختلف عن الأصل الذي بدأ ~~به؟ هل ينبغي أن تظل الأنثروبولوجيا علما «استعماريا» إلى الأبد، ~~لمجرد أن نشأتها كانت كذلك؟ ~~(4) # أما الملاحظة الأخيرة على النقد السياسي للاستشراق، فتشير إلى ~~تناقض كامن في صميم هذا النقد؛ ms27 ذلك لأن الاستشراق وفقا لأصحاب هذا ~~النقد هو من جهة أحد الأسلحة التي يستخدمها الغرب المتفوق من أجل ~~السيطرة على الشرق؛ وهو لهذا السبب ليس علما خالصا، أو موضوعيا، أو ~~حرا، وإنما هو علم مشوه. وفي رأينا أن هاتين القضيتين ~~متناقضتان، فإذا سلمنا بالقضية الأولى، كان من الضروري أن نرفض ~~الثانية أو نحصرها على الأقل في أضيق نطاق. # وفي هذا الصدد، نود أن نقتبس نصا من مقال حديث العهد، يظهر فيه هذا التناقض ~~بوضوح تام: ~~- لماذا يريد الغربيون معرفة كل شيء عن الشرقيين وعن المسلمين؟ ~~- الإجابة في نظرنا تتلخص في أمرين: الأمر الأول: أن المعرفة الكاملة عن ~~«الآخر» تسهل للشخص المعني طريقة وكيفية التعامل مع هذا الآخر، وعلى كل ~~الأصعدة الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. الأمر الثاني: أن دراسة الحضارة ~~الإسلامية داخل إطار المشروع الثقافي الغربي، وبالمناهج والمفاهيم والمقولات والأفكار ~~المسبقة، والنوايا غير الخالصة للغرب الاستعماري، كل ذلك يمكنه من تقديم هذه ~~الحضارة لأصحابها كما يريد لها هو أن تكون. # 10 # هناك إذن - وفقا لهذا الرأي - هدفان للاستشراق: التعامل الناجح مع الآخر الذي ~~يصل إلى حد «المعرفة الكاملة»، ثم عرض الحضارة الإسلامية للمسلمين كما يريد الغرب ~~لهم أن يروها، أي عرضها عرضا مشوها ومزيفا ومشوبا بالخداع. فكيف يستطيع ~~الاستشراق تحقيق هذين الهدفين معا؟ إن الهدف الأول يقتضي فهم «الآخر» فهما ~~صحيحا؛ لأن التعامل الناجح يصبح مستحيلا إذا كان المستشرقون يغشون أنفسهم ~~ويغشون جمهورهم، كما هو وارد في الهدف الثاني. فإذا كان الاستشراق هو الأداة ~~الثقافية المسيطرة الاستعمارية، فلا بد أن يكون فيه على الأقل قدر كبير من ~~الحقائق، بدليل أنه يمهد لهذه السيطرة بالفعل. ولو كان التشويه والتزييف هو الغالب ~~عليه لكان معنى ذلك أن الاستشراق معوق للاستعمار وليس مساعدا له. وقد أدرك هذه ~~الحقيقة أحد الباحثين العرب حين أشار إلى أن دراسات المستشرقين لم تكن جميعها ~~متعلقة بشرق وهمي، ولو كانت كذلك لما فهمونا وسيطروا علينا. # 11 # لنسلم بأن الاستشراق معرفة من أجل القدرة والسيطرة # Savoir Pour Pouvoir ~~، ولنتساءل: ألم ms28 يكن هذا هو شعار العلم الغربي، سواء منه ~~الطبيعي والإنساني، منذ عهد بيكن حتى اليوم؟ ألم يطالب ديكارت بمعرفة تجعلنا ~~«سادة ~~الطبيعة ومالكيها» # Maîtres et Possesseurs de la ~~Nature ~~؟ إن الاستشراق في بعض جوانبه يمكن أن يكون ~~بدوره معرفة تجعل الغربيين «سادة الشرق ومالكيه # Maîtres et Possesseurs de l’Orient ~~»، ولكن هل كانت المعرفة المسيطرة التي دعا ~~إليها بيكن وديكارت معرفة مزيفة أو مشوهة لأنها لم ترفع شعار العلم الخالص؟ ~~الواقع أن شعار المعرفة النظرية الخالصة المقصودة لذاتها فحسب، هو الذي كان ~~يؤدي إلى تزييف العلم وتشويهه في العصور القديمة والوسطى، وأن اتخاذ السيطرة ~~والقدرة على امتلاك الواقع هدفا للعلم هو الذي جعله ينتقل من كشف إلى كشف، ~~ومن نجاح إلى نجاح. ولا بد لنا في هذا الصدد أن نميز بين هدف العلم ومحتواه، ~~فقد لا يكون الهدف موضوعيا، ومع ذلك يظل المحتوى أو المضمون صحيحا. وكل محتوى ~~صحيح يمكن توظيفه لأهداف مغرضة، كالسيطرة والاستعمار، كما يمكن توظيفه لأهداف ~~الفهم والمعرفة وتوسيع قدرة العقل البشري. وهنا نعود مرة أخرى إلى ضرب مثال ~~لعلوم الفضاء، فصحيح أن هذه العلوم لا تستهدف في معظم الأحيان غايات معرفية ~~خالصة، وإنما تستهدف السيطرة وقهر الخصوم، وتكون جزءا من الصراع الاستراتيجي ~~بين المعسكرين الكبيرين، ولكن هل ينفي هذا أن هذه العلوم قد وصلت إلى مجموعة ~~هائلة من الحقائق من الطبيعة والفضاء الخارجي، وأضافت رصيدا ضخما إلى المعرفة ~~الموضوعية، ولولا ذلك لما تمكنت من تحقيق هدف القوة والسيطرة الذي تسعى ~~إليه؟ # والنتيجة التي نخلص إليها من ذلك هي أنه، حتى لو كانت هناك أهداف «غير موضوعية» لنوع ~~معين من المعرفة، فإن هذا لا يسلب هذه المعرفة صفة الحقيقة بالضرورة، بل إن ~~حقيقتها - وليس زيفها وتشويهها - هي التي تساعدها على تحقيق أهدافها «غير ~~الموضوعية». ~~••• # هكذا ينكشف لنا، من خلال هذه المعالجة المنهجية للنقد السياسي للاستشراق، أن هذا ~~النقد يرتكز على مجموعة من المسلمات التي تقبل قدرا كبيرا من المناقشة والجدل. ~~وليس الهدف من المناقشة التي أجريناها هنا بالطبع ms29 هو تنزيه الاستشراق من العيوب - ~~كما قد يفهم من النظرة السطحية إلى البحث - بل إن الهدف الحقيقي هو أن نكون ~~متسقين مع أنفسنا عندما نريد أن نوجه نقدا جذريا إلى مبحث هام ~~كالاستشراق، وأن نتجنب التناقض حتى لا يبدو النقد الذي يوجهه مثقفونا في نظر ~~الغربيين تمردا متسرعا على ثقافة راسخة من أصحاب ثقافة أخرى لم تبلغ بعد ~~مرحلة النضوج. # الاستشراق ومشكلة حدود الاتصال بين الثقافات # في اعتقادي أن المشكلة الحقيقية التي يثيرها نقد المثقفين العرب للاستشراق على ~~أسس سياسية حضارية، هي مشكلة حدود الاتصال بين الثقافات. فالاستشراق نموذج لعلم ~~يرتكز كله على فكرة الاتصال هذه؛ إذ يقوم فيه باحثون ينتمون إلى ثقافة معينة ~~بدراسة متعمقة، ربما استغرقت منهم حياتهم كلها، لثقافة أخرى أجنبية بالنسبة ~~إليهم. فما هي حدود الفهم الذي يستطيع هؤلاء بلوغها؟ وهل يؤدي التفرغ والتخصص ~~التام إلى اندماج كامل في الثقافة الأخرى، أم أن الانتماء الأصلي للمستشرق إلى ~~نمط آخر في التفكير وفي النظرة إلى الحياة يحتم وجود حدود معينة لاتصاله ~~بالثقافة الأخرى، مهما حاول أن يندمج فيها؟ # إن القضية التي أدافع عنها هي أن هذه هي المشكلة الكبرى والأساسية في موضوع ~~الاستشراق. وكما يظهر بوضوح، فإن هذه المشكلة أوسع بكثير من مسألة الهيمنة التي ~~تمارسها مجتمعات تتخذ من دراستها لمجتمعات أخرى وسيلة للسيطرة عليها، ومن ~~الإحساس بالتفوق الذي يتملك الغرب إزاء الشرق. ففي ضوء القضية التي نطرحها، لا ~~يعود التشويه والتجويف عملية تتم من طرف واحد قوي أو مسيطر إزاء طرف آخر ~~ضعيف أو خاضع، وإنما يصبح عملية متبادلة يشترك فيها الطرفان معا. وترجع قبل ~~كل شيء إلى تلك الحدود التي لا يستطيع أن يتخطاها أي اتصال بين ثقافتين ~~متباينتين. # وسوف نركز بحثنا في الجزء القادم على ذلك الطابع المتبادل للتشويه وسوء ~~الفهم بين الثقافات، لكي نثبت أن النظرة الأحادية الجانب للاستشراق ما هي إلا ~~جزء من كل أوسع منها بكثير، وأن كل ثقافة لا تدرك الثقافة الأخرى إلا من ~~خلال منطقها الخاص، وتعجز عن الاندماج ms30 في منطق الثقافة الأخرى ورؤية الأمور من ~~منظورها هي بطريقة كاملة. # ومن الملاحظ أن إ. سعيد يرفض هذا المنظور بأكمله، ويرد عليه مقدما، وذلك في ~~قوله: «إن العيوب المنهجية للاستشراق لا يمكن تفسيرها بالقول إن الشرق الحقيقي ~~يختلف عن الصورة التي يقدمها المستشرق له، أو بالقول إنه لا يتوقع من ~~المستشرقين الذين هم غربيون في معظم الأحيان أن يكون لديهم حس داخلي بحقيقة ~~الشرق، فهاتان القضيتان باطلتان معا؛ ذلك لأن هذا الكتاب لا يتخذ الموقف ~~الذي يوحي بأن هناك شيئا اسمه الشرق الحقيقي أو الصحيح (إسلاميا كان أم عربيا ~~أم أي شيء آخر)، كما أنه لا يؤكد أن المنظور «الداخلي» متميز بالضرورة عن ~~المنظور «الخارجي» ... بل إن ما أدافع عنه على عكس ذلك هو أن «الشرق» ذاته كيان مصنوع، ~~وأن الفكرة القائلة بوجود أماكن جغرافية لها سكان أصليون «مختلفون» جذريا ~~يمكن تعريفهم على أساس عقيدة أو ثقافة أو جوهر عرقي خاص بذلك المكان الجغرافي هي ~~بدورها فكرة مشكوك فيها إلى حد بعيد.» # 12 # وبطبيعة الحال، فإن القضية حين تختزل إلى أماكن جغرافية يصبح نقدها أمرا ~~يسيرا. غير أن التقابل الحقيقي إنما هو تقابل بين ثقافات ومجتمعات يحمل كل ~~منها تاريخا كاملا. ومحاولة طمس الاختلاف بينها وإنكاره على هذا النحو المطلق أمر ~~يدعو إلى الاستغراب بحق. صحيح أن هذا الاختلاف يمكن أن يشوه، ويمكن أن يعلل ~~بأسباب باطلة، ولكن وجوده هو ذاته أمر لا يمكن إنكاره بهذه السهولة، لأنه ببساطة حقيقة ~~من حقائق الحياة في الحاضر وخلال التاريخ. # ومن هنا فإننا سنتجاوز عن هذا الاعتراض ونمضي في عرض أبعاد المشكلة من منظورها ~~الأوسع؛ منظور حدود الإدراك المتبادل بين الثقافات، لكي نثبت أن صعوبات الاستشراق ~~تفسر على نحو أفضل من خلال هذا المنظور. ~~(1) # إن نقاد الاستشراق يجدون غرابة في التقسيم الجغرافي الذي يقتطع ~~فيه نصف العالم ليصبح كتلة واحدة متجانسة هي «الشرق»، ويؤكدون ~~الطابع التعسفي لهذا التقسيم الذي يضع فيه البعض سورا حول أنفسهم ~~ويسمون كل من يخرج عن حدودهم «غرباء» أو ms31 «برابرة»، وتصبح أرض ~~الغرباء مقرا لأناس لهم سمات تميزهم ثقافيا، لا مكانيا ~~فقط، عمن يسكنون «أرضنا». # 13 # والآن، هل هذه حالة تقتصر على موقف المستشرقين من الشرق؟ ماذا نقول ~~إذن عن وصف اليونانيين لكل من هو غير يوناني بأنه من «البرابرة»، وعن ~~وصف اليهودية للشعوب الأخرى بأنهم هم «الأغيار» (جوييم )؟ وماذا نقول في ~~وصف المسيحية لهم بلفظ # Gentiles ~~؟ أما ~~فيما يتعلق بالإسلام، فإن الموقف يصبح أشد وضوحا؛ ففي الإسلام ~~تمييز واضح محدد المعالم بين «دار الإسلام» و«دار الحرب». وهنا لا ~~يكون الأمر مجرد تمييز جغرافي أو ثقافي، وإنما تصطبغ العلاقة منذ ~~البدء بصبغة العداء، فكل من يخرج عن حدودنا العقيدية والثقافية ~~والمكانية يعرف بأنه موضوع للحرب. ولعل هذا أن يكون أقوى تأكيد لتلك ~~القسمة الثنائية التي لا يعد التقسيم إلى غرب وشرق إلا مظهرا واحدا ~~من مظاهرها، والتي ترجع إلى أسباب تتعلق بحدود الاتصال بين الثقافات، ~~لا بالاستعلاء الغربي أو المركزية الأوروبية وحدها، بدليل أن مظاهرها ~~خارج النطاق الأوروبي، والغربي عامة، واضحة كل الوضوح. ~~(2) # ومثل هذا يقال عن التشويه التاريخي لصورة الشرق في أوروبا، الذي ~~يتتبعه مؤلف كتاب «الاستشراق» حتى عهد هوميروس ويوريبيدس وغيرهم من ~~الشعراء والأدباء في العصور القديمة. فالصورة ليست أحادية البعد إلى ~~هذا الحد؛ ذلك لأننا نجد في صميم العصر الأوروبي الكلاسيكي ذاته تمجيدا ~~هائلا للشرق وانبهارا به. وحسبنا أن ننبه إلى إشارة أفلاطون ~~المشهورة إلى الشرق، في محاورة طيماوس، على أنه منبع الحكمة، ~~وسخريته من اليونانيين بوصفهم أطفالا بالقياس إليه، وهي الإشارة التي ~~يعلق عليها مؤرخ العلم الكبير «سارتون» بقوله إن أفلاطون قد تحدث ~~عن اليونانيين كما يتحدث الأوروبي المعاصر عن الأمريكيين، بوصفهم ~~«محدثي» ثقافة، ومثل هذا يقال عن إشارات الكتب المختلفة عن «حياة ~~الفلاسفة» في العالم القديم إلى تلك الرحلة التقليدية إلى الشرق، التي ~~قامت بها أهم الشخصيات الفلسفية اليونانية وعادت بعدها ناضجة ~~مهيأة للحياة الفلسفية. وهذا ما دعا الباحثين العرب الآخرين إلى أن ~~يصدروا على هذا الموضوع أحكاما مختلفة كل الاختلاف. ويكفي في هذا ms32 ~~الصدد أن نقارن بين رأي إ. سعيد والرأي الآتي لسهيل فرح: «مع بروز ~~الحضارة اليونانية التي شكلت الامتداد الطبيعي للحضارات الشرق-أوسطية، ~~التي تأثر بها أرسطو كثيرا، كان يعتبر الفيلسوف الإغريقي بأن أوروبا ~~الباردة، باستثناء اليونان، بحكم طبيعتها الخارجية، غير قادرة على ~~التطور، ذلك حسب رأيه؛ لأن العقل الأوروبي خامل غير كفء لبناء مجتمع ~~متحضر. وكان يرى المقياس والقدرة لشعوب الشرق الأوسط التي أنتجت ~~حضارات عريقة. فالصراع الذي حدده المفكرون آنذاك هو صراع جغرافي ~~بين الشرق المتنور الديناميكي والغرب البارد الجاحد.» # 14 # ومن هذا كله يتضح أن مسألة تحامل اليونانيين، ~~ثقافيا، على الشرق القديم ليست بالبساطة التي يعرضها بها إ. سعيد كيما ~~تدخل في القالب العام الذي حدده لصورة الشرق لدى الغرب، فالصورة ليست ~~تشويها خالصا، وإنما يوجد إلى جانب هذا التشويه تمجيد واضح. ~~(3) # أما فكرة «الشرق المختلف» أو «الشرق المتشابه» فهي أيضا من ~~الأفكار التي يحرص الاستشراق على إبرازها، ولكنها بدورها جزء كبير من ~~ظاهرة أوسع بكثير. إن الشرق يفهم، في كتابات كثير من المستشرقين، ~~على أنه هو «المختلف» عن الغرب أو نقيضه. ولكن الشرق هو أيضا المشابه ~~للغرب، الذي يعاد تحويله بحيث يدرك من خلال مفاهيم غربية، ويعاد ~~تمثله بطريقة تقربه إلى الغرب. # 15 # وفي وسع المرء أن يعترض على هذا النوع من النقد اعتراضا شكليا، ~~فكيف ينقد الاستشراق إذا صور الشرق بأنه هو «الآخر» أو «المختلف» أو ~~«المضاد»، ثم ينقد أيضا إذا صوره بأنه «المشابه» الذي لا يفهم ~~إلا بمقولات الغرب؟ ما هي الصورة التي تريحنا، كشرقيين، ونقبلها من ~~الدارسين الغربيين، إذا كانت صورة الاختلاف تثير اعتراضنا، وصورة ~~التشابه لا تعجبنا؟ ومتى يكون المستشرقون في نظرنا منصفين؛ إذا ~~صورونا بأننا مختلفون عنهم ومضادون لهم، أم بأننا مشابهون ~~لهم؟ # ولكن هذا الاعتراض الشكلي يمكن أن يجاب عنه بالقول إن التشابه ~~والاختلاف معا يمكن أن ينظر إليهما على أنهما وجهان لعملة واحدة، هي ~~التركز حول الذات لدى الباحثين الغربيين. فمن مظاهر هذا التركز حول ~~الذات أن يفهم الشرق بمقولات غربية، ms33 وينظر إليه على أنه «غرب ناقص أو ~~غير مكتمل»، كما أن من مظاهره أن يصور الشرق بما ليس في الغرب، ~~فيقال إنه هو السحري أو اللاعقلاني أو العاطفي في مقابل عقلانية ~~الغرب، ويقال إنه هو المتحجر، في مقابل ديناميكية الغرب، ... ~~إلخ. # وفي هذه الحالة سنجد أن الماركسية ذاتها لم تخل من هذا النوع من ~~المركزية الأوروبية، ففيها افتراض ضمني هو أن هناك خطا واحدا ~~لتطور المجتمعات، هو الخط الذي سار عليه التاريخ الأوروبي من العبودية ~~إلى الإقطاع إلى الرأسمالية. وإذا كان هذا الخط مفتقدا في المجتمعات ~~الشرقية، فإنها تشكل نموا ناقصا لم يكتمل لكي يصل إلى المجتمع ~~الصناعي الديمقراطي الذي وصل إليه الغرب. ولقد حدثت محاولة لتعويض هذه ~~المركزية الأوروبية في إشارات ماركس إلى «نمط الإنتاج الآسيوي»، ولكنه لم ~~يحاول أن يتوسع في الفكرة إلى الحد الذي تكون معه نظرية تقف إلى ~~جانب النظرية الخاصة بالتطور الاجتماعي الأوروبي. وهكذا يظل هناك ~~افتراض ضمني هو أن المقاييس الغربية هي الوحيدة التي يمكن الاعتراف بها، ~~وأن تاريخ الشرق ليس إلا سلسلة من النواقص أو السلبيات، مثل عدم وجود ~~طبقة وسطى فعالة يبنى على أكتافها نظام رأسمالي، وعدم وجود حقوق ~~سياسية، وعدم وجود ثورات اجتماعية بالمعنى الصحيح. # 16 # وهكذا يختلف الموقف الماركسي جزئيا عن الموقف الاستشراقي التقليدي ~~الذي يرجع تخلف المجتمعات الشرقية إلى سمات سلبية كامنة في هذه ~~المجتمعات، بينما ترجع الماركسية هذا التخلف إلى طبيعة العلاقات ~~الاقتصادية وتقسيم العمل العالمي، الذي يجعل المجتمعات الرأسمالية ~~المتقدمة في حاجة إلى مجتمعات هامشية ذات إنتاج مبعثر قوامه ~~المواد الخام التي يقوم الغرب بتصنيعها. ولكن الموقفين يشتركان معا في ~~أن مركز الإشارة يظل هو الغرب، ولا تفهم المجتمعات الشرقية إلا في ~~علاقتها بهذا المركز، سواء أكانت علاقة تضاد أم علاقة نمو ناقص ~~متخلف عاجز عن اللحاق بالأصل. # هذا التحليل الذي يقدمه نقاد الاستشراق العرب هو إذن صحيح في ~~جوهره، ولكنه تحليل ناقص؛ ففي مواجهة اتهام الغربيين للشرق بأنه ~~غرب مضاد أو غرب لم يكتمل، يتهم العرب ms34 هؤلاء الغربيين بأنهم ~~متمركزون حول ذاتهم وعاجزون عن الخروج عن إطار مقولاتهم. وكلا ~~الصورتين يمكن أن تكون صحيحة في ذاتها، ولكنهما معا مظهران ~~لحقيقة أعمق، هي الحدود التي لا يمكن أن يتعداها التفاعل بين ~~الحضارات. وأبسط دليل على ذلك هو أن الشرق، في نظرته إلى الغرب، يقع في ~~أخطاء منهجية مشابهة إلى حد بعيد لتلك التي نلاحظها لدى بعض ~~المستشرقين. # فلدى الكثير من أصحاب الاتجاهات الإسلامية تصور للمسيحية على أنها ~~نوع من الإسلام الناقص. وقد أشرنا من قبل إلى الفكرة الإسلامية الواسعة ~~الانتشار التي تقول بوجود إنجيل حقيقي غير الأناجيل المعروفة، كان يتنبأ ~~بظهور نبي اسمه محمد، ثم أخفي عمدا وحلت محله الأناجيل الحالية ~~«المحرفة». هنا يعد الإسلام هو الأصل، وتقاس المسيحية كلها على أساس ~~مدى اقترابها منه. كذلك فإننا أشرنا عند الحديث عن النقد الديني للاستشراق ~~إلى ذلك المقياس الأساسي الذي يضعه كثير من الباحثين الإسلاميين عندما ~~يصدرون حكما تقويميا على مستشرق، وهو مدى اقترابه من الاعتراف ~~بحقائق العقيدة الإسلامية، بغض النظر عن مدى الجهد والإسهام العلمي الذي ~~قام به ذلك المستشرق. وفي هاتين الحالتين يوجد أيضا نوع من ~~«المركزية الإسلامية»، تقاس على أساسها أفكار الحضارة الأخرى. ~~(4) # ولنتأمل صورة أخرى للشرق في كتابات المستشرقين، هي صورة الشرق ~~المغرق في الملذات المادية، تلك الصورة التي ضرب لها إ. سعيد مثلا ~~بشخصية «كوتشوك هانم» عند الأديب الفرنسي فلوبير. فهي نموذج للمرأة ~~الحسية الشهوانية التي لا تشبع ولا ترفض، ... إلخ. وهذا النموذج ~~يتكرر كثيرا لدى المستشرقين بوصفه تعبيرا عن الطبيعة الشرقية ~~بوجه عام. # ومع ذلك، فإن ما لم يشر إليه سعيد هو أن النموذج المضاد، أعني ~~النموذج الروحاني، يكون بدوره صورة تتردد كثيرا لدى المستشرقين. ~~فهناك دائما حديث عن الشرق المتصوف، المتمسك بالقيم العريقة ~~والأصيلة، وهناك افتتان بهذا الشرق الذي يقدم للحياة الإنسانية وجها ~~آخر يكمل الوجه المفرط في عقلانيته لدى الغرب. هذه الصورة الأخرى ~~تحتشد بها كتابات الغربيين منذ جوته حتى جاك بيرك (فضلا عن أنها نغمة ~~مفضلة لدى الأدباء الشرقيين ms35 من أمثال طاغور وإقبال وتوفيق الحكيم ~~وحسين هيكل ومحمد كامل حسين). # ومن جهة أخرى، فمن المؤكد أن لدينا في الشرق ميلا أقوى إلى وصف ~~الغرب بالإفراط في المادية والنزعة الحسية. فمعظم كتاباتنا الصحفية ~~الراهنة، وخطبنا في المنابر والمساجد، تحذر الشباب من فساد الغرب ~~وانحلاله الخلقي وإغراقه في الجنس، وكل شاب عربي يسافر إلى الغرب ~~يعود محملا بقصص (حقيقية أو مختلقة) عن مغامراته مع النساء ~~الغربيات اللاتي لا يرفضن طلبا للشرقي الأسمر. وكلنا نشاهد نظرة ~~النهم التي ينظر بها الرجل الشرقي إلى أية امرأة تصادفه في الطريق ~~بمجرد نزوله من مطار لندن أو باريس، متصورا أنها ستستجيب له وتعجز ~~عن مقاومة إغرائه. بل إن الحياة الغربية بأسرها أصبحت توصف في ~~كتاباتنا بأنها «مادية»، سواء في ذلك الحياة اليومية أم حياة العلم ~~والمعرفة. وقد أصبح تعبير «العلم المادي الغربي» جاريا على الألسن في ~~مجتمعاتنا إلى حد أن الجميع يرددونه دون أدنى تفكير فيما ينطوي عليه ~~من مغالطة وتضليل. # وهكذا فإن الصورة المشوهة في هذا المجال أيضا متبادلة، بل إننا ~~في كثير من الأحيان نشوه الغرب بأكثر مما يشوهنا، لا سيما وأن ~~مصادر معرفتنا ومظاهر احتكاكنا واتصالنا به أكبر وأوسع بطبيعتها من ~~مصادر معرفته بنا، ومن ثم فإن عذرنا في هذا التشويه أقل. ~~(5) # ومن أهم الانتقادات التي توجه إلى التصور الاستشراقي للعالم ~~الشرقي بوجه عام، والعالم الإسلامي بوجه خاص، فكرة «الثبات» كما تطبق ~~على المجتمعات الشرقية. فالمستشرقون ينسبون إلى العالم الشرقي صفة ~~التجمد عند عصر قديم، وعدم الاستعداد لقبول الجديد، وعدم الثقة في ~~التغيير، والعجز عن فهم طبيعة الزمن. وهم يحكمون على الإسلام المعاصر ~~من خلال الإشارة إلى القرآن أو إسلام القرن السابع، مع تجاهل كل ~~التغييرات المعاصرة والتطورات السياسية وتأثير الاستعمار. # 17 # فهم لا يعترفون بوجود حاضر متميز للشرق، ويردون كل ~~ما هو شرقي معاصر إلى النمط الشرقي التقليدي، وذلك كجزء من نزعتهم ~~إلى التعميم وإرجاع الجزئي أو الخاص إلى أنماط عامة من أمثال: ~~الشرقي، والإسلامي، والعربي، ... إلخ، بحيث إن الحكم على ms36 الإنسان الشرقي هو ~~حكم عليه بأنه «شرقي» قبل أن يكون إنسانا. «فليس من الممكن أن نرى ~~الحاضر والأصل معا في أي شعب أكثر مما نرى في الساميين الشرقيين.» ~~والأصول القديمة للشرقيين هي التي تفسر حاضرهم وتجعله مفهوما. وقد ~~لخص رينان الموقف الاستشراقي حين وصف حالة الساميين بأنها من حالات ~~«التطور ~~الموقوف # Development Arrêté ~~»، أي التطور الذي لا يتقدم في الزمان ولا ~~يتجاوز العصر الكلاسيكي. # 18 # هكذا يوجه اللوم إلى المستشرقين لأنهم عجزوا عن النظر إلى الشرق من حيث هو حاضر ~~متطور له مشكلاته وصراعاته وأمانيه، واكتفوا باختزال تاريخ الشرق كله إلى تلك ~~اللحظة الثابتة الماضية التي يقف عندها التطور، وتعمم هذه اللحظة على التاريخ كله، ~~فتصبح تجريدا شاملا هو «الشرق» أو «الإسلام» ... إلخ. # ولكن، هل كان المستشرقون مخطئين بالفعل في نظرتهم هذه إلى العالم الإسلامي؟ وهل ~~كان هذا التثبيت للتاريخ الشرقي أو الإسلامي وهما من أوهام العقلية التي يخلقها ~~خيال المستشرقين أو شعورهم بالقوة والاستعلاء إزاء الشرق؟ الواقع أننا لو ~~تأملنا موقف التيارات الإسلامية السلفية، بمختلف أشكالها، لما وجدناه يختلف في ~~شيء عن تلك الصورة التي رسمها الاستشراق. فكيف نلوم الاستشراق على أفكار وتصورات ~~تتضمنها دعوة المودودي وحسن البنا وسيد قطب وكبار أقطاب الحركات الإسلامية؟ أليس ~~المثل الأعلى لهؤلاء جميعا هو إسلام القرن السادس أو السابع على الأكثر؟ ألم يتوقف ~~التاريخ بالفعل عند هذه «القمة»، بحيث تكاد تمحى منه كل التطورات الواقعة بين «العصر ~~الذهبي» والعصر الحاضر؟ ألا تؤكد دعوتهم إمكان تكرار الحلول التي أدت إلى ازدهار ~~مجد الإسلام في عصره الأول؟ أليست هذه هي القضية الأساسية في برنامجهم كله، لا ~~يصلح آخر الإسلام إلا بما صلح به أوله؟ # فلنتأمل مبدأ أساسيا من مبادئ الدعوة الإسلامية، وهو «صلاحية الإسلام لكل ~~زمان ومكان»، ولنر كيف يطبق هذا المبدأ، لا على القواعد العامة للدين فحسب، بل ~~على تفاصيل الحياة اليومية، بحيث تقوم المظاهرات الحاشدة لو حدث أدنى تغيير فرعي في ~~أحد بنود قانون الأحوال الشخصية مثلا، أو شيء من التقييد للطلاق أو ms37 تعدد الزوجات، ~~ما معنى هذا؟ هل يمكن بعد هذا أن يقال إن فكرة «التطور الموقوف» قد نسبت إلى هذه ~~التيارات شيئا مختلقا، أو أن هناك فرقا كبيرا بين مفهوم «التطور الموقوف» ~~ومفهوم «الصلاحية لكل زمان ومكان» كما ينادي بها المسلمون أنفسهم؟ # في هذه الحالة نستطيع أن نقول إن الصورة الاستشراقية تعكس شيئا موجودا بالفعل. ~~وقد لا يكون هذا الشيء تعبيرا عن الواقع الكامل للعالم الإسلامي، ولكنه على ~~الأقل تعبير عن تيار هام له ثقله في حياتنا المعاصرة بوجه خاص، وتزداد ~~أهميته مع نمو ما يسمى «بالصحوة الإسلامية». فهذه الصورة تقدم من خلال ~~إطارها الفكري الخاص تبريرا قويا لتلك النظرة الاستشراقية إلى الإسلام بوصفه ~~«عقيدة أثرية» تتحكم في كافة جوانب تفكير الناس وسلوكهم في تلك المنطقة المسماة ~~بالعالم الإسلامي. وعندما يطبق أصحاب هذه الاتجاهات المعاصرة مبدأ «الإسلام دين ~~ودنيا» بحيث يجعلون العقيدة تحكم جميع تفاصيل سلوك الفرد، حتى في نوع ملبسه ~~وطريقة حديثه وشكل وجهه، فعندئذ يحق لنا أن نجد مبررا لأولئك الذين يجعلون من ~~الإسلام جوهرا ثابتا يحكم كافة جوانب سلوك الإنسان المسلم. # فلنتأمل حادث مقتل الرئيس السادات، بوصفه نموذجا صارخا «للتطور الموقوف». ~~إن الذين قتلوه قد اعترفوا في محاضر التحقيق أنه كان يستحق القتل لأنه سخر ~~من ملابس المحجبات، ولأنه وعد بتطبيق الشريعة الإسلامية ولم يف بوعده، ولأنه ~~خرج من نصوص الشريعة في قانون الأحوال الشخصية الذي قام بتعديله. وقرار القتل قد اتخذ ~~بناء على فتوى عاد فيها مفكرهم وفيلسوفهم إلى كتابات ابن تيمية وعصر التتار، وأقام ~~نوعا من التوازي بين ذلك العصر وعصر السادات. # أما الدوافع الأخرى، الوطنية والاجتماعية والقومية، التي تخيلها المفكرون ~~التقدميون وصفقوا لها، والتي كانت ترتكز على الأخطاء الحقيقية الفادحة لنظام ~~السادات، فلم تكن في ذهن قاتليه على الإطلاق. ومعنى ذلك أن تيارا هاما من ~~أكثر التيارات الإسلامية المعاصرة فعالية ودينامية، لم يستطع أن يفكر في الأحداث ~~الهائلة التي تحيط به في عصره إلا من خلال أحداث موازية حدثت في الماضي ~~البعيد، وعجز تماما عن ms38 معالجة الحاضر بمنطقه الخاص، وتوقفت رؤيته للعصر الذي ~~يعيش فيه عند حدود عصر غابر غير قابل للتكرار. وينبغي أن ننتبه إلى أن هذا ~~النمط الفكري أوسع انتشارا بكثير من هذه الجماعة بعينها. فهناك جماعات أكبر منها ~~بكثير، تشاركها هذه الطريقة في التفكير، وإن كانت تختلف عنها في طريقة رد فعلها على ~~الأحداث المعاصرة، وفي إيثارها الدعوة السلمية على الجهاد والعنف. فإذا لم يكن ~~هذا النمط من التفكير «تطورا موقوفا» فماذا يكون؟ وإذا لم يكن نموذجا صارخا ~~لإدراج الزمني والمعاصر في نطاق «اللاتاريخي واللازمني» فماذا يكون؟ # فإذا شكا الناقد الأكبر للاستشراق بين العرب المعاصرين من أن الصورة الغربية ~~للإسلام تخلط بين العالم الإسلامي وما يسمى «جوهر الإسلام»، وتتجاهل الصراعات ~~البشرية الفعلية والمطالب المشروعة للمجتمعات الإسلامية، كما تتجاهل اضطهاد الغرب ~~لهذه المجتمعات ووقوفه ضد رغبتها في التحرر والاستقلال، أي - باختصار - تتجاهل ~~الحقائق المعاصرة للعالم الإسلامي، مكتفية بذلك التعميم والتجريد المسمى بالإسلام # 19 # فلا بد أن نرد عليه بأن هذه السمة تتكرر أيضا في تيارات هامة ~~تؤكد أنها هي الممثلة الحقيقية للإسلام، وتفخر بأن دعوتها تتجه إلى جعل ~~الإسلام في عصره الذهبي معيارا وحيدا للتقدم، ووسيلة وحيدة لمواجهة مشكلات ~~العصر. ولا قيمة في هذه الحالة للقول بأن هذه التيارات لا تمثل العالم الإسلامي ~~كله؛ لأن المهم أنها في دعوتها هذه تؤكد أنها هي التي تعبر عن «جوهر» الإسلام، ~~فضلا عن أنها هي الأكثر جاذبية للشباب في العالم الإسلامي المعاصر. وما دام ~~الأمر كذلك، فلا مفر لنا من أن نستنتج أن رؤية نقاد الاستشراق هؤلاء للعالم ~~الإسلامي ناقصة، فضلا عن أنها رؤية خارجية إلى حد بعيد. # ولقد لاحظ بعض الباحثين العرب في ردود فعلهم على آراء إ. سعيد، أن هناك ~~التقاء بين موقف الاستشراق وموقف دعاة الأصالة الإسلامية، وقام «عزيز العظمة» ~~بتعداد عناصر الالتقاء هذه. # 20 # غير أنه لم ينتبه إلى النتيجة الحتمية التي ينبغي أن تستخلص من تعداد ~~نقاط الالتقاء هذه، وهي أنه إذا صح ذلك لما كان المستشرقون قد نسبوا إلى ~~العالم ms39 الإسلامي سمات لا تنتمي إليه، كما أنهم لم يخترعوا شيئا أو يفرضوا ~~تصوراتهم الخاصة على الإسلام، ولم يجمدوه من أجل السيطرة عليه ... إلخ؛ فهم ~~يكشفون عن صفات موجودة بالفعل عند دعاة «الأصالة الإسلامية»، أي أشد الجماعات ~~تمسكا بأصول الإسلام. ولا عبرة في هذه الحالة باختلاف الدوافع والأهداف بين ~~المستشرقين وبين الأصوليين. ولا عبرة أيضا برفض المثقف العربي المستنير ، ~~أو المتشبع بالثقافة الحديثة، أن يحصر الإسلام في نطاق هذا «الجوهر» الذي يراد له ~~أن يتحكم في كافة جوانب حياة المسلمين المعاصرين، فهذه قضية أخرى. وإنما القضية ~~الأساسية هي أن فكرة وجود جوهر ثابت للإسلام ينبغي أن يحكم كافة جوانب حياة ~~الفرد المسلم، هي فكرة واسعة الانتشار بين المسلمين المعاصرين، يجدون فيها ~~موضع فخر لهم ولعقيدتهم، حتى ولو كانت في نظر بعض المثقفين تعبيرا عن أمر ~~واقع مرفوض. # ومن هنا فإن موقف «العظم» من هذا الموضوع كان أفضل من موقف «العظمة»؛ لأن الأول ~~يلاحظ عن حق ذلك التشابه الواضح بين نظرة المستشرقين إلى الإسلام بوصفه كيانا ~~فكريا وعقيديا ثابتا ينظم كافة جوانب حياة المسلمين، وبين نظرة الجماعات ~~المعاصرة التي يطلق عليها اسم «الإسلامانية». والتي ترى العقيدة الإسلامية كيانا ~~شاملا متفردا لا يفهم إلا بذاته. وإذا كان المستشرقون قد وجدوا في هذه ~~الصفة سببا يدفعهم إلى الإقلال من قدر الإسلام، فإن «الإسلامانيين» قد وجدوا ~~فيها موضوعا للفخر بعقيدتهم والتمجيد الذاتي لتراثهم. # 21 # ومع اتفاقي مع «العظم» في اتجاهه العام، فإني أختلف معه في نقطتين ~~تفصيليتين: الأولى: هي أنه يسجل هذا الالتقاء بين وجهتي نظر الاستشراق ~~و«الإسلامانية» المعاصرة على أنه مجرد «تشابه» بين موقفين يتطرف كل منهما ~~في ناحية، وإن كانا يلتقيان واقعيا في الأسس التي يرتكزان عليها. وفي رأيي أن ~~العلاقة بين الموقفين علاقة «سببية» أكثر منها مجرد تشابه. وأعني بذلك أن ~~وجود هذه السمة في الفكر الإسلامي الأصولي هو الذي جعل المستشرقين يؤكدونها في ~~كتاباتهم، بغض النظر عن الحكم التقويمي الذي يصدره بعضهم عليها بوصفها مظهرا من ~~مظاهر التخلف. فهم لم يؤكدوا ms40 هذه السمة لمجرد إثبات انحطاط الإسلام وتفوق ~~الغرب عليه، بل لأن المسلمين ذاتهم ينظرون إلى أنفسهم على هذا النحو، ولا يمنع ذلك ~~بالطبع من أن يكون هناك مستشرقون أفرطوا في تعميم هذه السمة إلى حد تجاهل كل ~~حركة مغايرة لها، أو وجهوا النصح إلى المسلمين، بطريقة مغرضة، كيما ~~يحافظوا عليها لأنها هي التي تخدم مصالح بلادهم آخر الأمر . أما نقطة الاختلاف ~~الثانية فهي أنه لا يكفي أن ننظر إلى وجود هذه السمة في التيارات الإسلامية ~~المعاصرة على أنه «استشراق معكوس»، كما فعل العظم (ويقصد به التقاء هذه ~~التيارات الحالية مع الاستشراق في تأكيد وجود طبيعة ثابتة غير قابلة للتغيير في ~~الإسلام، مع التفاخر بهذه الصفة بدلا من التنديد بها كما يفعل المستشرقون). ذلك ~~لأن هذه السمة لها جذور قديمة العهد، ظلت تتردد طوال التاريخ الإسلامي، قديمه ~~وحديثه، وحسبنا أن نذكر هنا أسماء ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والمهدي والأفغاني ~~... إلخ؛ فهي تمثل ظاهرة أقدم بكثير من الاستشراق، وليست على الإطلاق الوجه الآخر ~~لعملية الاستشراق، كما قد يوحي تعبير «الاستشراق المعكوس». وحقيقة الأمر أن الاستشراق ~~في تأكيده لهذا الجوهر الثابت للإسلام، هو الذي يعكس واقعا فكريا اتسم به ~~العالم الإسلامي منذ عهد بعيد (لأسباب اجتماعية وتاريخية معقدة)، وأن الصورة ~~الاستشراقية المشوهة ما هي إلا تعبير عن تشويه تاريخي حدث بالفعل في العالم ~~الإسلامي. وهكذا فإن الجمود واللاتاريخية في الفكر الإسلامي ليس «استشراقا ~~معكوسا»، وإنما تظل الصورة الاستشراقية انعكاسا (قد تكون له في بعض الأحيان دوافع ~~مغرضة) لهذا الفكر المتحجر الذي يفخر بأنه خرج عن نطاق الزمن. # والآن، لننظر إلى المسألة من وجهها العكسي: إن الغرب متهم بأنه يكون عن ~~الشرق صورة متحجرة، ويتجاهل التغييرات التي يموج بها واقعه الحسي (وهي تهمة ~~يسهل تفسيرها في ضوء الصورة التي يكونها الشرق عن ذاته، والتي هي في كثير من ~~الأحيان صورة متجمدة، وتفخر بأنها كذلك). ولكن، ما طبيعة الصورة التي يكونها ~~الشرق عن الغرب؟ ألا توجد فيها أيضا عناصر هامة من ذلك التثبيت ms41 النمطي الذي ~~يشوه الواقع؟ # يكفينا هنا أن نختار أمثلة قليلة توصلنا إلى النتيجة المطلوبة؛ فتثبيت صورة ~~الغرب واضح كل الوضوح لدى أصحاب الفكر الإسلامي المعاصر، إذ إن تفكيرهم في ~~الاتجاهات الحالية للعالم الغربي إزاء المجتمعات الإسلامية ما زال ينصب في قالب ~~المؤامرة الصليبية المسيحية التي تستهدف النيل من الإسلام. وهو يجمد الغرب ~~في هذا القالب بحيث تغيب عن عينيه أهم مقولات الحياة المعاصرة: كالأحلاف العسكرية ~~والتكتلات السياسية والمصالح الاقتصادية. # أما أصحاب الثقافة الحديثة في العالم العربي، فإنهم بدورهم يجمدون الغرب، ولكن ~~على نحو آخر، يخلطون فيه بين غرب العلم والعقلانية والسيطرة على الطبيعة وكشف ~~أسرارها، أعني غرب ديكارت ونيوتن ودارون وماركوني، وغرب الاستعمار والسيطرة على ~~البشر واستعبادهم: غرب سيسل رودس وكتشنر ونابوليون وهتلر. صحيح أن الوجهين ليسا ~~منفصلين تمام الانفصال، بدليل أن الوجه الأول أدى في جانب منه إلى الثاني؛ أعني ~~أن المعرفة والسيطرة على الطبيعة هي التي أعطت الغرب ذلك التفوق المادي ~~والعسكري الذي سيطر به، طوال عدة قرون، على العالم. ومع ذلك فإن التمييز بين ~~هذين الوجهين يظل أساسيا، كما أن الارتباط الذي حدث بينهما ليس ارتباطا ~~منطقيا أو ضروريا، وإنما هو ارتباط واقعي فحسب (بدليل إمكان استخدام العلم ~~والتكنولوجيا في ظل علاقات عقلانية غير استغلالية). # ومع ذلك فإن المثقفين العلمانيين المعاصرين في العالم العربي يجمعون بين ~~الوجهين بصورة متعمدة، ويضعون الإيجابي مع السلبي في زكيبة واحدة، وتصل ~~بهم حماستهم لمحاربة الاستعمار والتحرر من الهيمنة الغربية إلى حد رفض مبدأ ~~العقلانية ذاته، وكأنه حكر للغرب وحده، وليس نتاجا لتطور طويل أسهمت فيه ~~كل حضارات الإنسانية قبل فترة الهيمنة الغربية بألوف السنين. # 22 # وهكذا يكون هناك «جوهر واحد» للغرب، هو جوهر السيطرة والهيمنة، يسري على كافة ~~جوانب النشاط الروحي والمادي للمجتمعات الغربية، وينبغي التعامل معه بكل ~~الحذر والتشكك؛ لأنه يصبغ حقيقته المسمومة الباطنة بطلاء خارجي شديد ~~الإغراء. # فهل يختلف هذا الموقف - الذي يسود فكرنا الحالي في اتجاهاته المحافظة ~~والتقدمية معا - اختلافا حقيقيا عن الموقف الاستشراقي الذي نهاجمه؟ ألا ~~يؤدي ms42 بنا ذلك إلى الشك في أن المسألة قد لا تكون مسألة سيطرة وهيمنة، بقدر ما ~~هي مسألة حدود لا يمكن تعديها في الإدراك المتبادل بين الثقافات؟ # هناك إذن تمركز أوروبي حول الذات، يعد الاستشراق واحدا من أهم مظاهره. ~~ولكن ما نود أن نثبته هو أن هذا التمركز حول الذات أمر لا مفر منه حين ~~يكون الأمر متعلقا بإدراك ثقافة لثقافة أخرى. صحيح أنه قد يقل أو يزيد، بين هذا ~~الباحث أو ذاك، ولكنه هناك دائما. وأكبر دليل على استحالة التخلص منه هو وجوده ~~بصورة واضحة في إدراك الشرق للغرب. فإذا كان من المستحيل أن يصبح الشرق موضوعا ~~«حرا» للبحث عند المفكر الغربي، نتيجة لتدخل عوامل السيطرة السياسية والمصالح ~~الاقتصادية والتراث العدائي القديم ... إلخ، فإن من المستحيل بنفس المقدار أن يصبح ~~«الغرب» موضوعا حرا للبحث عند المفكر الشرقي، بعد تراكم عداوات تاريخية كبرى، وبعد ~~اتساع الفجوة الحضارية بين الشرق والغرب، وتراجع المجتمعات الشرقية أمام التقدم ~~السريع للغرب، وخضوعها لسيطرته الاستعمارية في كثير من الحالات. # إن هناك «مركزية إسلامية # Islamo-Centrism ~~» ~~تقابل المركزية الأوروبية، وتظهر علاماتها بوضوح في الصورة التي نكونها عن ~~الغرب على كافة المستويات. فعلى المستوى الديني، نريد من المستشرقين أن يكونوا ~~مؤمنين طيبين مصدقين بتعاليم ديننا، ونكاد نطلب إليهم أن يقرءوا الشهادتين ~~حتى يصبحوا مقبولين «ومنصفين». وعلى المستوى الحضاري، نحكم على مجتمعاتهم من خلال ~~قيمنا الخاصة، التي تعطي دورا مفرطا، مليئا بالمتناقضات والمفارقات، ~~للحياة الجنسية، فإذا لم تتطابق حياتهم مع معاييرنا نحن أصبحوا «منحلين». وعلى ~~المستوى التاريخي، يكفي أن نقارن بين منظورنا والمنظور الغربي في «فتح الأندلس»، ~~ونظرتنا إلى نكبة خروج العرب منها، التي هي عند الغربيين حركة تحرر تاريخية كبرى. # 23 # ونحن نهاجم المعرفة والمناهج الغربية؛ لأنها تجعلنا ممثلين للشرق ~~«الثابت» و«المختلف»، وننسى أننا نحن الذين ندعو إلى هذا الثبات في تصورنا ~~للتاريخ، فضلا عن أننا نعامل الغرب بدوره كما لو كان كيانا واحدا، يتسم كله ~~بالعدوانية، ولا يفهم إلا من حيث هو مضاد لنا. # إن التشويه، إذا جاز ms43 أن نطلق عليه هذا الاسم، متبادل بين الطرفين. وإذا كان ~~هناك تشويه تؤدي إليه القوة والسيطرة والرغبة في التعامل مع الشرق بنجاح، فإن ~~هناك تشويها آخر يؤدي إليه الشعور بالضعف وبتفوق الخصم والرغبة في ~~الانتقام منه واللحاق به. ومشكلة ناقدي الاستشراق، وعلى رأسهم إدوارد سعيد، هي ~~أنهم لم يستطيعوا أن يروا إلا النوع الأول، مع أن النوع الثاني ربما كان أخطر ~~وأفدح في نتائجه؛ ذلك لأن الرغبة في السيطرة والتعامل الناجح تقتضي حدا أدنى ~~من الفهم الصحيح للآخر حتى يمكن تحقيق هذا الهدف بأيسر السبل الممكنة. أما ~~الرغبة في تعويض النقص أو الانتقام من العدوان فإن التشويه فيها يكون أخطر، ~~وغير قابل للإصلاح. # وسوف نحاول في الجزء الأخير من هذا البحث إلقاء المزيد من الضوء على هذه النقطة ~~بالذات، أعني موقع النظرة النقدية إلى الاستشراق في مجتمع يحتل مركزا أضعف، وذلك ~~إكمالا للصورة الناقصة التي عرضت للجوانب غير الموضوعية في الاستشراق بوصفه ~~مبحثا علميا يمارس من موقع القوة. # | تحليل اجتماعي-نفسي لنقد الاستشراق # لقد بدأت موجة نقد الاستشراق من الزاوية السياسية والحضارية في الخمسينيات من هذا القرن، ~~على حين أن نقده من الزاوية الدينية كان أقدم من ذلك بكثير. ومنذ أن كتب أنور ~~عبد الملك مقاله الهام عن أزمة الاستشراق، بدأ حوار جاد حول هذا الموضوع، دارت معظم ~~حلقاته خارج حدود الوطن العربي. ولكن العمل الذي فجر المشكلة في الخارج ونقلها بعد ذلك ~~بصورة حية إلى الداخل، هو كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق. ومنذ ذلك الحين توالت ~~كتابات متعددة حول هذا الموضوع بطريقة توحي بأن المثقفين العرب كانوا ينتظرون ~~إشارة البدء للهجوم على الاستشراق بكل العنف الذي يؤدي إليه غضب وسخط ~~مختزنان منذ أمد بعيد. # على أننا قد أوضحنا من قبل أن حركة نقد الاستشراق يستحيل أن ينظر إليها من اتجاه ~~واحد؛ لأنها بطبيعتها جزء من ظاهرة أوسع منها وأهم، هي الإدراك المتبادل بين ~~الثقافات. فمن القصور وعدم الدقة أن نصدر حكما أحادي الجانب على طريقة ~~الباحثين الغربيين في دراسة الشرق، ms44 دون أن يكمل ذلك حكم آخر على رؤية الشرقيين ~~للغرب؛ لأن بحث الموضوع من هذا المنظور يفتح آفاقا أوسع وأشمل. وصحيح أن الرؤية الغربية ~~للشرق تتسم بسمة فريدة (هي التي يتوسع في تحليلها نقاد الاستشراق من العرب ~~المعاصرين)، هي أنها رؤية تتم في ظروف ~~عداء تاريخي طويل، مقترن برغبة في السيطرة، أي إنها معرفة غير مقصودة لذاتها، لا ~~تشكل - على حد تعبير إدوارد سعيد - بحثا حرا أو موضوعيا. ولكن تكملة الرؤية ~~الاستشراقية برؤية أخرى «استغرابية» - كما حاولنا أن نفعل في هذا البحث - كفيلة بأن ~~تكشف لنا عن حقيقة هامة، هي أن الغرب بدوره لا يمكن أن يشكل بحثا حرا ~~وموضوعيا بالنسبة إلى الشرقي، أو العربي، أو المسلم، مع فارق هام هو أن الخروج من ~~الحرية والموضوعية - أي التشويه، إذا جاز أن نستخدم هذا اللفظ - يتم في هذه الحالة ~~من موقع الضعف، والرغبة في مقاومة الخضوع والتبعية. وهكذا تتكشف لنا أبعاد ~~جديدة لمشكلة الإدراك المتبادل بين الثقافات، ودوافع للافتقار إلى الموضوعية في العلوم ~~الإنسانية، أوسع من مجرد فرض سلطة القوي وسعيه إلى تحقيق مصالحه. فالخوف من ~~التبعية، أو الانتقام من السيطرة السابقة، أو تسوية الحساب مع القهر التاريخي، ~~تخلق أساطيرها الخاصة عن «الآخر» على نحو لا يقل، بل ربما كان يزيد، عن تلك الأساطير ~~التي تخلقها المصالح التوسعية للمسيطرين. # إن السياقات التاريخية للالتقاء بين الثقافات تتسم بالتعدد والتعقيد الشديد، ~~وتفرض بالضرورة حدودا لا تستطيع كل ثقافة أن تتعداها في محاولتها فهم الثقافة ~~الأخرى. وإذا كنا قد اكتفينا في المحاولات السابقة بإضافة بعد جديد يشكل الوجه ~~الآخر لذلك البعد الذي ركز عليه ناقدو الاستشراق المعاصرون - أي إذا كنا قد ~~أضفنا بعد سوء الفهم الذي يجلبه الضعف إلى سوء الفهم الناتج عن القوة، فإننا ~~حتى بعد هذه الإضافة لا نكون قد استنفدنا التعقيد الشديد لظاهرة الالتقاء الثقافي بين ~~الشرق والغرب على مدى التاريخ؛ ففي العصر القديم، لم تكن العلاقة تتسم فقط بذلك ~~التحامل والاستعلاء الذي أبداه أدباء اليونان وشعراؤهم تجاه الشرق، كما أشار ms45 إ. سعيد، ~~بل كان هناك - كما قلنا من قبل - ذلك الإعجاب المفرط الذي أبداه أفلاطون بحكمة المصريين ~~القدماء، وتلك الرحلة إلى الشرق التي كانت جزءا أساسيا من التكوين العقلي والروحي ~~للفيلسوف. كذلك لا نستطيع أن نجد نمطا واحدا ثابتا للعلاقة بين الغرب والشرق في العصور ~~الوسطى، فقد تكونت عداوات وحدثت تشويهات وتحاملات بسبب الحروب الصليبية والصراع ~~الديني والنزاع على طرق التجارة مع الشرق، ولكن كان هناك في الوقت ذاته إعجاب مفرط ~~بالعرب والإسلام (في بلاط ملوك صقلية وجنوب إيطاليا مثلا)، وكان هناك انبهار بالمعرفة ~~والقيم والأخلاق العربية حتى في قلب العداء الصليبي ذاته. وفي العصر الحديث تعقدت ~~صورة الغرب في نظر الشرق: ما بين العداء الشديد للاستعمار وكل ما يرتبط به عند البعض، ~~والتمجيد الزائد للعلم والتقدم الاجتماعي الغربي عند البعض الآخر. ومن جهة أخرى كان ~~الغرب يؤكد الصورة الجامدة للإسلام نتيجة لاستعلائه وشعوره بالسيطرة، ولكنه بعد بداية ~~عصر البترول العربي، ثم بعد الثورة الإيرانية بوجه خاص، يقوم بجهد محموم للبحث في ~~ديناميات العقيدة الإسلامية، بطوائفها المختلفة، أملا في التنبؤ بالاتجاهات المحتملة ~~لتحركها في المستقبل. # إنها إذن صورة معقدة كل التعقيد، لا يمكن اختزالها إلى نمط «التشويه من أجل ~~السيطرة». وهذا يؤدي إلى إثارة سؤال على جانب كبير من الأهمية هو: لماذا ركز ~~النقاد العرب المعاصرون والعلمانيون على هذا النمط بالذات، وتركوا الجوانب الأخرى ~~لظاهرة الالتقاء بين الثقافات، التي لا يشكل هذا النمط إلا جانبا واحدا من ~~جوانبها؟ # في محاولتنا أن نجيب عن هذا السؤال الهام، سيكون لزاما علينا أن نقوم بنوع من ~~التحليل الاجتماعي-النفسي لحركة نقد الاستشراق في المجتمع العربي المعاصر، وهذا التحليل ~~يستحق في الواقع أن يسمى «دراسة لباثولوجية النقد المعاصر للاستشراق». وبطبيعة ~~الحال فإن أي تحليل من هذا النوع ما هو إلا اجتهاد شخصي يمكن أن يرفض بأكمله. ~~فالجزء السابق من البحث هو الجزء ~~الواقعي # Factual ~~، أما ~~هذا الجزء فهو تفسيري # Explanatory ~~. ومن حق الكثيرين ~~ألا يقتنعوا بهذا التفسير، وإن كنت من جانبي أعتقد أنه يسهم في ms46 إلقاء ضوء هام على ~~حركة نقد الاستشراق لدى العرب المعاصرين، بقدر ما تمثل جانبا هاما من جوانب أزمة ~~الثقافة العربية المعاصرة. # محاولة لتحليل اجتماعي-نفسي للاستشراق # على الرغم من أن هدفنا في هذا الجزء من البحث هو تحليل حركة «نقد الاستشراق»، ~~فلا بأس من أن نبدأ بمحاولة شديدة الإيجاز، وناقصة بغير شك، لتحليل حركة ~~الاستشراق ذاتها من منظور اجتماعي-نفسي . # إن الاستشراق يرضي عند الكثيرين من أصحابه نزعات التعصب التي يمارسها ~~المنتمون إلى ثقافة معادية دينيا، وأحيانا عنصريا، لثقافة أخرى، وكذلك ~~نزعات الاستعلاء التي تشعر بها ثقافة متفوقة نحو ثقافة أصبحت في المرحلة ~~التاريخية الراهنة أضعف منها بكثير، ولكن هذا جانب واحد من صورة شديدة التعقيد، ~~فلنرجئ الكلام إلى موضع لاحق عن ظاهرة التعصب ولنتأمل الأشكال المختلفة ~~المباشرة وغير المباشرة التي تتخذها نزعة الاستعلاء. # هذه النزعة تتخذ شكل ميل إلى التوسيع # Expansion # وخروج العقل عن حدود ثقافته الخاصة، والتوجه إلى الآخر من ~~أجل محاولة فهمه في العمق. وقد تتسامى هذه النزعة فتأخذ شكل كرم عقلي ~~وسعة أفق وتواضع يسمح للمستشرق أن يمدح هذا الآخر ويجد عناصر إيجابية ~~في عقيدته التي لا يؤمن بها، أو في نمط حياته الذي هو بالنسبة إليه تاريخي ~~عتيق # Archaic ~~. # وفي حالات كثيرة يتخذ هذا التوسع شكل النزعة العلمية المفرطة، التي ~~تدقق في تفاصيل موضوعاتها بهدف الاستيعاب الكامل. ولكن هذا التدقيق التفصيلي ~~والإفراط في استخدام المنهج المنضبط قد يؤدي أحيانا إلى تغيير صورة الموضوع الذي ~~يتم بحثه، بحيث تختفي معالمه الأصلية وسط ذلك الحشد الهائل من المعلومات ~~والمقارنات التي يقوم بها باحثون يعرفون عشرين لغة مثلا ما بين شرقية ~~وغربية. # وفي أحيان كثيرة تتخذ هذه النزعة التوسعية شكل التضحية، وربما الاستشهاد ~~العلمي، بحيث تشكل نوعا من الرهبنة (الفعلية أو المجازية) لباحث غربي يقضي ~~حياته بين أسوار الحياة العقلية والروحية لمجتمع آخر. # ولكن ربما كان أهم الأشكال التي تتخذها النزعة التوسعية هذه، هو شكل ~~الوصاية الأبوية Paternalism # التي يمارسها ~~باحث غربي ينتمي إلى مجتمع متقدم تجاه المجتمعات الأكثر تخلفا. ms47 قد تكون هذه ~~الوصاية على شكل تعاطف أو توجيه وإرشاد، وقد تتخذ شكل السخرية الخفية، ~~ولكنها في جميع الحالات تبرر الجهد الذي يبذله المستشرق في دراسة «الآخر» ~~وتقدم إليه مكافأة معنوية يحتاج إليها مقابل تضحيته. # ومع ذلك، فمن الممكن أن تؤدي هذه المعايشة المستمرة للمجتمع الآخر - أيا ~~كانت دوافعها الأولى - إلى تعاطف حقيقي، وإلى اندماج روحي في هذا المجتمع، ~~واقتراب من فهم المنظور الذي يتأمل به هذا الآخر عالمه، بل وإلى انسلاخ - ~~بدرجات متفاوتة - عن الجذور الغربية التي كانت تشكل نقطة انطلاق ~~المستشرق. # ولعل هذه النزعة التوسعية، المصحوبة بالترف تارة وبالتعاطف تارة أخرى، ~~والتي تمثل في كثير من الأحيان نوعا من الوصاية الأبوية، هي التي تفسر ~~تلك الظاهرة الفريدة التي تميز مبحث الاستشراق عن فروع المعرفة الأخرى، وهي أن ~~مساره كان يتجه نحو توسيع مجاله باطراد، واستيعاب جميع أنواع التخصصات في ~~داخله، بقدر ما تتعلق «بالشرق»، على حين أن الاتجاه المألوف في الفروع الأخرى ~~يسير نحو مزيد من التخصص الدقيق، وتطور الفروع الجزئية إلى علوم لها كيانها المستقل. # 1 # هذه خطوط عامة لموضوع يحتاج قطعا إلى ما هو أكثر بكثير من هذه الإشارات ~~العاجلة، ولكن موضوعنا الأصلي هو تحليل حركة النقد الموجهة إلى الاستشراق. # تحليل لحركة نقد الاستشراق ~~(1) # أول سؤال نود أن نجيب عنه في هذا التحليل هو: لمن يوجه خطاب ~~الاستشراق؟ هناك، من الوجهة النظرية، ثلاثة احتمالات: إما أنه ~~يوجه إلى الغرب نفسه، أي إنه يستهدف تقديم الشرق بصورة منهجية - ~~أيا كان نوع المنهج المستخدم - إلى الثقافة الغربية، وإما أنه ~~يوجه إلى الشرق، أي أنه يستهدف تعريف الشرق بنفسه وبثقافته من خلال ~~«توسط» الباحث الغربي، وإما أن له الهدفين معا. وفي رأيي أن ~~الاحتمال الأول هو وحده الصحيح. فالمستشرقون يكتبون عن الشرق ~~والعرب والإسلام لأبناء ثقافتهم، وليس من أهداف عملهم العلمي توصيله إلى ~~الثقافة الشرقية وتعريفها بنفسها من خلاله. صحيح أن هذا الأمر الأخير ~~يتحقق كأمر واقع، وأننا كشرقيين ننتفع من أعمال المستشرقين على ~~نطاق واسع، ولكن هذا هدف ms48 غير مقصود. # فالاستشراق ليس فقط مبحثا «يرتبط بمصدره؛ أي الغرب، أكثر مما يرتبط ~~بموضوعه، أي الشرق.» # 2 # وليس فقط نوعا من المعرفة وثيق الصلة بالحضارة ~~المسيطرة التي أنتجته، وإنما هو أيضا مبحث «ينتمي» إلى الغرب وحده ~~ويوجه إليه ويهدف إلى خدمته، أي إنه مرتبط بالغرب، لا من ناحية الأصل ~~فقط، بل من ناحية الغاية أيضا. # ففي الاستشراق تخاطب الثقافة الغربية نفسها، أساسا، لكي تتعرف على ~~الشرق وتتعامل معه. وتترتب على هذه الحقيقة البسيطة عدة نتائج هامة: # الأولى: # هي أننا لسنا ملزمين بقبول الصورة الاستشراقية ~~لفكرنا ومجتمعنا، فمشكلة الاستشراق بأكملها يمكن ~~التخلص منها، إذا أردنا، بالاستغناء عن كتابات ~~المستشرقين، وترك الغرب نفسه يتحمل نتائج أية أخطاء أو ~~تشويهات قد تكون متضمنة في هذه الكتابات. وكما أن ~~الثقافة الغربية لا تقرأ ولا تتأثر في الغالب بالأحكام ~~التي يصدرها عنها مصطفى محمود أو الشيخ شعراوي مثلا، ~~ففي استطاعتنا نحن بفعل إرادي أن نتجنب أية ~~أضرار أو تشويهات محتملة للفكر الاستشراقي بأن ~~نستغني عنه بكل بساطة. # والنتيجة الثانية: # التي تترتب على الأولى، هي أن نظرية المؤامرة ~~والتشويه المتعمد، التي يقول بها نقاد الاستشراق من ~~المعسكرين الديني والعلماني، كل على طريقته ~~الخاصة، تضعف إلى حد بعيد إذا أدركنا أن الخطاب ~~الاستشراقي موجه أساسا إلى الغرب. فالباحثون ~~الغربيون لا يشاركون في مؤامرة تستهدف تضليل الشرق ~~وتثبيط عزيمته وتشويه تاريخه، لأنهم ببساطة لا ~~يخاطبونه أصلا. هذا بالطبع لا يمنع دون حدوث تشويه، ~~ولكنه إذا حدث لا يكون مستهدفا خداع الشرق أو ~~التآمر عليه. وعلى ذلك ففكرة المؤامرة في هذا السياق لا ~~معنى لها، أما التشويه فلا يمكن أن يكون فادحا؛ لأن ~~أي مجتمع سيحاول بقدر إمكانه ألا يخدع ذاته، ~~وخاصة إذا كان يستهدف فهم مجتمع آخر من أجل ~~السيطرة عليه. # والنتيجة الثالثة: # هي أن استخدام المستشرقين للمناهج والمقولات ~~المنتمية إلى حضارتهم، في محاولتهم أن يفهموا الشرق، ~~يغدو عندئذ أمرا طبيعيا، فخطابهم إذا كان عن الشرق ~~فإنه موجه من الغرب إلى الغرب، ومن ثم فإن ما يبدو ~~غريبا ms49 في نظرنا - أعني اتباع المنهج العقلاني أو ~~التاريخي مثلا في تفسير ظواهر تنتمي إلى صميم الجانب ~~العقائدي في الإسلام - يكون في نظرهم شيئا عاديا لا ~~غرابة فيه؛ ذلك لأن الغرب يستخدم هذا المنهج العقلاني في ~~تفسير المسيحية واليهودية بدورهما، كما أنه يتعقب أصول ~~العقائد فيهما إلى مراحل تاريخية أسبق من ظهور العقيدتين ~~بكثير. وبعبارة أخرى، فإن المعرفة الاستشراقية لا تستهدف ~~النيل من الإسلام بالذات عندما تفسر الظواهر الدينية ~~تفسيرا عقلانيا أو تاريخيا، بل إن هذا منهج سار ~~عليه العلم الغربي منذ عهد بعيد، وأصبح تقليدا راسخا ~~فيه، أيا كان الموضوع الذي يبحثه. # والنتيجة الرابعة: # التي ربما كانت أهم النتائج جميعا، هي أن الاستشراق ~~نشأ عن وجود فراغ علمي لدى الشرق ذاته، فقد كان من ~~الأفضل بالنسبة إلى الغرب أن يعرف الشرق من خلال ما ~~يكتبه عنه أهله، لو كانت توجد كتابات كافية تتبع ~~مناهج علمية دقيقة وتقدم معرفة متكاملة. ولكن عدم وجود ~~هذه الكتابات، أو وجودها بصورة ناقصة، هو الذي ولد ~~ظاهرة الاستشراق. فما الذي كان يدعو الباحثين الغربيين إلى ~~تحمل مشقة تعلم اللغات الشرقية ومعايشة تراث الشرق ~~وعاداته، وإلى تحمل مهمة التعريف بالشرق بدلا من ~~أهله، لو كانوا يجدون في أعمال الشرقيين أنفسهم ما ~~يغني عن هذا الجهد؟ إن ضعف الدراسات التي نقوم نحن بها ~~هو في الواقع سبب أساسي لازدهار الاستشراق. ومن هنا ~~فإني أتفق تماما مع الرأي الذي يقول إنه «في اليوم ~~الذي يضطر فيه الغرب لترجمة دراساتنا الاقتصادية ~~والسياسية والاجتماعية عن بلداننا، باعتبارها أفضل ~~المراجع المتوفرة عنا، نكون قد بدأنا دق المسامير ~~الأولى في نعش الاستشراق، ولكنه ولا شك نهار بعيد.» # 3 # وهكذا فإن نقاد الاستشراق لو كانوا قد طرحوا على أنفسهم هذا السؤال ~~البسيط: لمن يوجه الخطاب الاستشراقي؟ لتوصلوا منه إلى مجموعة من ~~النتائج الهامة التي كانت كفيلة بأن تقدم ردودا مباشرة على كثير ~~من تساؤلاتهم وانتقاداتهم. # فإذا كان الاستشراق في أساسه خطابا عن الشرق موجها من الغرب إلى ~~الغرب، فإن من واجبنا، في هذا ms50 التحليل النفسي الاجتماعي الذي نقدمه ~~الآن، أن نبحث عن الأسباب التي جعلتنا، في هذا الجزء من الشرق الذي ~~نسميه بالوطن العربي، والذي هو أيضا جزء من الحضارة الإسلامية، ننظر ~~إليه كما لو كان خطابا موجها إلينا، وننقده بوصفه مؤامرة تحاك ~~ضدنا، أو معرفة غير موضوعية تستهدف تحقيق مصالح الغرب في مجتمعاتنا. ~~وسوف نحاول في النقاط التالية أن نعدد أهم هذه الأسباب، في ضوء ~~هدفنا الحالي، وهو تحليل نقد الاستشراق نفسيا واجتماعيا. ~~(2) # إن رفضنا للاستشراق يمكن أن يعد في جانب منه مظهرا من مظاهر ~~العجز عن تقبل وجهة النظر الأخرى، والامتناع عن رؤية أنفسنا بعيون ~~الآخرين. ولو كنا ناضجين بما فيه الكفاية لعملنا على الإفادة من رؤية ~~الآخرين لنا، حتى ولو كانت غير موضوعية، بعد أن شبعنا من رؤية أنفسنا ~~بطريقتنا الخاصة. والواقع أننا نستطيع أن نكتسب استبصارا عميقا ~~بحياتنا وتاريخنا من خلال المقارنة بين الرؤيتين، بغض النظر عن مسألة ~~الصواب والخطأ في كل منهما. ولكن الإصرار على رفض نظرة «العين الأخرى» ~~إلينا، والتمسك بأن تكون هذه النظرة مطابقة لطريقتنا في النظر إلى ~~أنفسنا - وهو ما نسميه «إنصاف» الحضارة الإسلامية - لا بد في هذه الحالة ~~أن يبدو علامة من علامات الافتقار إلى النضج. # إننا نريد من الآخر حين ~~يرانا أن يتخلى عن «آخريته»، ويرانا كما نرى أنفسنا، ونريد من الغير أن ~~يتقمصوا وجهة نظرنا تجاه ذاتنا، ويلغوا «غيريتهم». وقد تتعدد ~~أسباب رفضنا لرؤية المستشرقين، ما بين دينية وسياسية وحضارية، ولكن من ~~وراء هذا كله يكمن موقف واحد، هو رفض النظرة التي تتم بعين مغايرة. ~~وكم يكون رائعا في نظرنا أن يستعير الآخر عيوننا نحن لينظر بها إلينا. ~~ولهذا كان أعظم المستشرقين، في رأي الكثيرين، هم الذين يعتنقون الإسلام، ~~يليهم من يتعاطفون معه ويمدحون إنجازاته، # 4 # أما ألعنهم جميعا فهم أولئك الذين يتمسكون بأن يرونا ~~بعيونهم المغايرة. # بل إننا نستطيع أن نرى في ~~الحملة على الاستشراق، من حيث هو تعبير عن «رؤية أخرى» لنا، مظهرا من ~~مظاهر سيطرة التفكير السلطوي، الأحادي الجانب، ms51 على عقولنا. فالعالم ~~العربي لا يقول «بالحقيقة الواحدة أو المطلقة» في ميدان الدين فحسب، ~~وإنما يقول بها في ميدان السياسة والأيديولوجيا معا. وفي كل يوم يضيق ~~نطاق المعارضة وتتسع سلطة الأنظمة التي لا تتحمل إلا طريقة تفكيرها ~~الخاصة، وتعد كل ما عداها «خيانة»، ويبدو أن هذه النزعة ~~التسلطية الأحادية الجانب قد تسربت إلى الميدان الثقافي بدوره، ~~بحيث يمكن أن يعد نقد الاستشراق مظهرا لها، وإن لم يكن مظهرا واعيا ~~بنفسه كل الوعي. ~~(3) # وفي ضوء السمة السابقة نستطيع أن نلمح من وراء حملتنا على أعمال ~~المستشرقين قدرا هائلا من الرضا عن النفس والغرور الذاتي، فالرؤية ~~المغايرة ترفض إذا كان فيها هتك لحجاب «الستر»، الذي تعده ~~قيمنا وأمثالنا الشعبية من أعظم النعم التي يمكن أن يمنحها الله ~~للإنسان. وهذه الرؤية تصبح مقبولة إذا سايرتنا في تضخيم الذات ~~وتفخيمها، أما إذا اخترقت قشرة الغرور فإنها تصبح شرا مستطيرا. ~~ومن هنا كان مقياس قبولنا للمستشرقين هو: إلى أي حد يعددون ~~أفضالنا على الغرب، ويمدحوننا (مع ملاحظة أن هذا المديح هو وحده الذي ~~يستحق في نظرنا اسم «الموضوعية»). # فهل يجرؤ أحد منا في تقييمه للمستشرقين على أن يضع لهم معايير علمية ~~خالصة، بحيث يفضل الأعمق بحثا والأكثر جهدا والأوسع معرفة، بدلا ~~من تلك المعايير «الذاتية» التي نتمسك بها، مثل مدى التعاطف مع العرب؟ ~~هل يجرؤ أحد على أن يتقبل المستشرق العلامة حتى لو لم يكن يتعاطف ~~معنا؟ # إننا في تعاملنا مع المستشرقين لا نستطيع - حتى نظريا - أن نطرح ~~على أنفسنا هذا السؤال الأساسي: ألا يجوز أن تكون بعض ملاحظاتهم السلبية ~~عنا صحيحة؟ ولا بد أن أؤكد هنا أن ما أعنيه ليس على الإطلاق كون هذه ~~الملاحظات صحيحة بالفعل أم باطلة، بل إن ما يهمني هو حالتنا الذهنية ~~ومدى قدرتها على تقبل الصورة التي تكشف العيوب. ولو افترضنا حالة ~~خيالية لمستشرق عالم ونزيه وموضوعي، ولكنه ناقد لنا، فإننا في هذه ~~الحالة نخشى أن نطرح السؤال السابق، بل لا يخطر ببالنا السؤال أصلا؛ لأن ~~غرورنا الذاتي وطريقة ms52 تربيتنا وقيمنا، بل وتخلفنا، كل هذا لا يسمح ~~بطرح السؤال، ناهيك عن الاستعداد لقبول رد إيجابي عليه. ~~(4) # هذا الغرور الذاتي، وما يرتبط به من رفض أية صورة لا تكون مرضية لنا، ~~يؤدي في واقع الأمر إلى خداع ذاتي فادح الضرر. فحين تكون رؤية ~~الغرب لنا مؤامرة متصلة الحلقات، حتى ولو اختلفت دوافعها عبر القرون، ~~وحين تكون المناهج والمفاهيم وطرق البحث الغربية ذاتها جزءا من هذه ~~المؤامرة، يكون أي تصوير نقدي لنا أكذوبة مضللة. وهكذا نخدع أنفسنا ~~فنعتقد أن سمات مثل التخلف والتفكير اللامنطقي والعقلية السحرية أو ~~الخرافية، ما هي إلا أساطير يروجها الغرب وينقلها إلينا عمدا، وربما ~~أقنع بها بعض مثقفينا، حتى تكتمل سيطرته علينا. وحين نصل إلى هذا ~~الحد من التفكير، نرضى عن أنفسنا كل الرضا، فقد أعفينا أنفسنا من ~~العيوب، وعلقناها على مشجب «التزييف الذي يقوم به الآخرون لكي ~~يحطموا معنوياتنا.» # وفي اعتقادي أنه ليس أضر على مجتمعات تمر بمرحلة نضال شاق من أجل ~~البناء، ويتعين عليها أن تكافح عناصر التخلف وتواجه مشاكلها ~~بوضوح وصراحة، من أن تقنع نفسها بمثل هذه الأوهام الخادعة. فتخلفنا ~~حقيقة واقعة، سواء قال بها المستشرقون أم لم يقولوا. وسيطرة اللامعقول ~~والفكر الخرافي على طريقتنا في النظر إلى العالم، وإلى أنفسنا، هي أمر ~~يستحيل إنكاره، بغض النظر عن نوايا المستشرقين ودوافعهم عندما يشيرون ~~إليه. والطريق الموصل إلى النهوض الحقيقي ليس أن نخدع أنفسنا ~~وننكر عيوبنا، بحجة مقاومة الهيمنة الثقافية للغرب، وإنما هو أن ~~نعترف بهذه العيوب حتى يكون اعترافنا هو الخطوة الأولى نحو التحرر ~~منها. # وهكذا فإن مشكلة الاستشراق لا تكمن في أنه ينسب إلينا صفات التخلف ~~واللاعقلية والإيمان بالسحر والخرافة (فيكفي أن نخرج عن نطاق الشريحة ~~العليا من المثقفين لكي ندرك أن هذه السمات واسعة الانتشار بين ~~الفئات الشعبية إلى أبعد حد)، ولا تكمن في أنه ينظر إلى الإسلام على أنه ~~خارج عن التاريخ ومستقل عن مجرى الزمن، بل إن مشكلته الحقيقية هي أنه ~~لا ينسب هذه السمات إلى أسبابها الحقيقية. فليس في ms53 إشارة المستشرقين ~~إلى هذه السمات ظلم أو تجن أو مؤامرة (كما يقول نقاد الاستشراق من ~~العرب المعاصرين)، بل إنها بالفعل سمات صحيحة لا زالت تتصف بها الكثرة ~~الغالبة من شعوبنا. ولكن النقد الحقيقي للاستشراق هو أنه يجعلها سمات ~~«متوطنة» أو «ثابتة»، ولا ينسبها إلى ظروف القهر والاضطهاد التي عاناها ~~الإنسان العربي، والشرقي عموما، طوال الجزء الأكبر من تاريخه. ولو ~~اعترفنا بهذه الحقيقة الأخيرة لكان معنى ذلك أن هذه السمات قابلة ~~للتغيير، وأن الإنسان العربي أو الشرقي أو المسلم قادر على أن يتحرر ~~منها إذا استطاع أن يقهر الظروف التي أدت إليها. أما إذا أخرجنا هذه ~~السمات من التاريخ والتطور، وعزلناها عن الظروف الاجتماعية التي أدت ~~إلى ظهورها، فعندئذ يصبح التجاوز والتحرر مستحيلا. # وبعبارة موجزة، فإن أسهل شيء هو أن يخدع الإنسان العربي نفسه، ~~ويستنكر بشدة عملية كشف عيوبه، ويمتشق حسام الكرامة والشرف دفاعا ~~عما يعتقد أنه هويته، فيرفض كل صفة سلبية يكشف عنها الاستشراق ~~بوصفها تزييفا متعمدا. ولكن الطريق الأصعب، الذي هو طريق الشجاعة ~~الحقيقية والتحرر الأصيل، هو أن نقول: نعم، إن فينا كثيرا من هذه ~~العيوب، ولكن هذه لا ترجع إلى طبيعة متأصلة فينا، وإنما هي نتاج ظروف ~~سيئة ينبغي علينا أن نغيرها بأيدينا حتى نستطيع أن نتحرر. # ولكي يدرك القارئ الفرق بين الموقف الناضج من الاستشراق، وبين الموقف ~~المتشنج الذي يعبر عن رضا مفرط عن النفس، ويؤدي في واقع الأمر ~~إلى إلحاق أكبر الضرر بأنفسنا، دعونا نتأمل العبارات التالية لواحد ~~من كبار أساتذة العلوم السياسية. فالحركة الاستشراقية قد نجحت، في نظر هذا ~~الأستاذ، في أمور من بينها: «أن تخلق القناعة في القيادات العربية بأن ~~التراث الإسلامي إن هو إلا تعبير عن التخلف. استطاعت بوعي وحنكة أن تربط ~~التخلف الذي تعيشه الأمة العربية والذي عاشته خلال القرنين 19 و20 ~~بالثقافة الإسلامية لتخلق القناعة بأن هذه الثقافة هي مصدر تخلف ولا ~~سبيل للتخلص من ذلك التخلف إلا بالتخلص من ذلك الانتماء للثقافة ~~الإسلامية ... ولعل أكثر التعبيرات وضوحا في تأكيد نجاح ms54 الحركة ~~الاستشراقية هي أنها استطاعت أن تطوع قياداتنا المفكرة لتصير بوقا ~~للنيل من التراث القومي. هل يستطيع أي مؤرخ محايد أن يغفل ~~الدور المخرب الذي قام به أعمدة الثقافة العربية في القرنين 19 و20 ~~من أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم دون ذكر لتلك الأسماء الأخرى التي تنتمي ~~إلى الأقليات العربية في سوريا ولبنان. عندما كتب أحد المؤرخين ~~العرب قولته المشهورة: أعداؤنا من الداخل، إنما عبر عن هذه الحقيقة.» # 5 # هكذا يؤدي بنا الرضا الزائد عن النفس إلى أن نلحق بأنفسنا أشد ~~الأضرار. فعندما يتحدث الكاتب عن دور مخرب تقوم به «أعمدة الثقافة ~~العربية»، ويؤكد أن أي «مؤرخ محايد» لا بد أن ينسب هذا الدور ~~التخريبي إلى كبار ممثلي تلك الثقافة، ويجعل من الكتاب الكبار ~~«أعداءنا من الداخل» - كل ذلك لأنهم يحاولون إدخال دم جديد إلى جسد ~~الثقافة العربية - فعندئذ نستطيع أن نتبين عمق المأساة التي يؤدي ~~إليها تضخيم الذات والاكتفاء بها والارتياب في كل ما يأتيها من مصدر ~~خارج عنها، والاعتقاد بأن العالم كله متربص بهذه الذات ~~المتضخمة، الخالية من العيوب، وأن الأعداء قد تسللوا إلى صفوفنا ~~وجندوا لصالحهم «أعمدة ثقافتنا» حتى أصبحت الأعمدة تهدم بدلا من أن ~~تدعم! ~~(5) # وهناك عامل أساسي يكمن وراء الحملة على الاستشراق، وإن لم يكن ~~معترفا به صراحة لدى أصحاب هذه الحملة، بل ربما لم يكن يصعد إلى ~~مستوى الحضور الواعي لدى الكثيرين ممن يتأثرون به. هذا العامل هو أن ~~الاستشراق ينبني على صبغ التاريخ والحضارة الإسلامية (والشرقية عامة) ~~بصبغة إنسانية. فالتاريخ يصبح في معالجات المستشرقين تاريخا ~~دنيويا صنعه بشر معرضون للخطأ، ومسار الحضارة الإسلامية ~~ونموها يخضع للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تخضع لها ~~سائر الحضارات. وهذه الطريقة في المعالجة تؤدي ضمنا إلى زعزعة أركان ~~تلك النظرة اللاهوتية أو الميتافيزيقية إلى وقائع التاريخ والمجتمع ~~الإسلامي، وهي النظرة التي أصبحت راسخة في أذهاننا لأنها هي التي سادت ~~على مر الزمن. # إن الاستشراق ينزل التاريخ الإسلامي من السماء إلى الأرض، وهذه في نظر ~~الكثيرين جريمة كبرى يستحيل ms55 السكوت عليها؛ لأنها تؤدي ببساطة إلى ~~نزع هالة القداسة عن تاريخ يفترض أن إشعاع النبوة «والخلافة» ~~(وهو في ذاته لفظ مقدس) ظل يضيئه من بدايته إلى نهايته. ولكننا لو ~~تركنا جانبا مسألة الصواب والخطأ، بل حتى لو سلمنا بأن ~~المستشرقين كانوا يبيتون نية الكيد للإسلام عندما جعلوا تاريخه ~~بشريا، فلا بد أن نعترف بأن هذه النظرة تفيد في إحداث «صدمة» يحتاج ~~إليها المسلمون الذين أخرجوا تاريخهم عن نطاق الزمن والتغير ~~وقابلية الفناء. فهي تقدم نموذجا «مختلفا» لم نعتده من قبل، وتتيح ~~لنا أن نتأمل تاريخنا بصورة أعمق لأنها تضيف إليه بعدا جديدا لم ~~نعمل له حسابا من قبل. ولو افترضنا أن المستشرقين أفرطوا في صبغ ~~فترات مقدسة معينة من التاريخ الإسلامي بصبغة بشرية، فنزعوا ~~هالة القداسة مثلا عن فترة صدر الإسلام، وتوسعوا في الحديث عن ~~المنازعات والمناورات والمؤامرات التي كانت تدور فيها، أو فسروا ~~منازعات نتصور أنها دينية أو فكرية بحتة، بأسباب اجتماعية أو ~~اقتصادية، وهو أمر تأباه النظرة التقليدية وتبتعد عنه قدر إمكانها، ~~فإن هذا يظل أمرا مفيدا لأنه يفتح أبواب منظور جديد، حتى لو كان ~~يبدو بعيدا عن الصحة في نظر أولئك الذين يجعلون من فترة صدر الإسلام ~~عصرا ذهبيا سادته القداسة وتنزه عن أطماع البشر ودسائسهم ~~الدنيوية. # وهنا أود أن أؤكد أن مناهج المستشرقين قد لا تكون في جميع الأحيان ~~دقيقة كل الدقة، وقد لا تتابع أحدث التطورات المنهجية في ميدان ~~العلوم الإنسانية. ومع ذلك فإن هذه المناهج الحديثة، حتى في أبسط أشكالها ~~العلمية وأقدمها، كما هي الحال في المنهج التاريخي، تظل شيئا جديدا ~~وغريبا ومخيفا بالنسبة إلى الباحثين الشرقيين الذين يرفعون مفهوم ~~«القداسة» فوق مستوى التشريح والتفسير العلمي، ويظل من يطبق منهجا ~~كهذا - حتى لو كانت التطورات قد تجاوزته - معرضا للاتهام ~~بالكيد للإسلام والتآمر عليه. # وهكذا، فإن جانبا هاما من جوانب الحملة على الاستشراق يمكن تفسيره ~~بالحرص على المقدسات والخوف من أن تؤدي الرؤية الخاضعة لمناهج ~~عقلانية دقيقة إلى إنزالها من عليائها وجعلها كما يقول نيتشه ms56 «أمورا ~~إنسانية، إنسانية تماما.» # تحليل لنقاد الاستشراق # إذا تركنا جانبا الفئة التي تنقد الاستشراق من منطلق ديني، وهي فئة تنتمي ~~جذورها إلى التراث التعليمي التقليدي، ويندر أن نجد بينها من ألم بالثقافة ~~الحديثة إلماما كافيا (هناك استثناءات واضحة مثل العقاد، ولكنها قليلة جدا). ~~فسوف يلفت نظرنا أن الأغلبية الساحقة ممن ينقدون الاستشراق من منطلق سياسي ~~وحضاري قد تشبعوا بالثقافة الغربية، وأهم الشخصيات فيهم من العرب الذين يعيشون في ~~الغرب بصورة دائمة (أنور عبد الملك وإدوارد سعيد) ومعظم الباقين قضوا في الغرب ~~سنوات طويلة أو توزعت حياتهم بين بلد غربي وبلدهم الأصلي. # فهل نستطيع أن نستنتج شيئا من هذه الحقيقة؟ هل يمكن القيام بتحليل اجتماعي ~~نفسي للمثقف العربي الذي يعايش الغرب طويلا، ويقود الحملة التي تهدف إلى فضح ~~الدوافع الخفية للاستشراق والتشكيك في موضوعيته؟ لا شك أن هذا ميدان لا ~~يسمح إلا باستبصارات يستحيل أن تأخذ شكل المعرفة المبنية على الدليل ~~والبرهان، ومجال الاجتهاد فيه واسع ومتعدد الاتجاهات إلى أقصى حد. ويكفي أن أشير ~~بكل وضوح إلى أنه لا شيء مؤكد في موضوع كهذا، وكل ما سأقدمه استنتاجات شخصية ~~يستطيع القارئ تعديلها كما يشاء، أو رفضها كلها إذا أراد. ~~(1) # أول ما ينبغي أن نلاحظه هو أن نظرة أمثال هؤلاء المثقفين إلى ~~الاستشراق أعقد بكثير من نظرة أصحاب المنطلق الديني. ففي الحالة ~~الأخيرة هناك مواجهة مباشرة بين نظرة إيمانية ونظرة عقلانية، بين ~~التسليم والتحليل، وتتحدد المواقف بوضوح وبساطة: فالمدافع عن التراث ~~يقف على أرضه الخاصة، ويتكلم لغته الخاصة، ويتبع منهجه (أو ~~لا-منهجه) الخاص، بينما المستشرق يصب التراث في قوالب ثقافته هو، ~~وتتصادم نتائجه حتما مع الصورة التقليدية التي رسمها التراث لنفسه طوال ~~تاريخه. # ولكن المواجهة بين العربي المتشبع بالثقافة والمناهج الغربية، وبين ~~الغربي الذي يوجه بحثه إلى الشرق، أعقد من ذلك بكثير، إنها مواجهة ~~بين شرقي مستغرب وغربي مستشرق. فهنا تتداخل الخيوط وتتشابك العلاقات ~~ويختفي في ذلك التضاد البسيط الواضح الذي رأينا أنه يفصل بين الشرقي ~~المؤمن والغربي الناقد. ومن الطبيعي أن ms57 يتساءل العربي الذي يستوطن ~~الغرب، والذي اندمج فيه، عن السبب الذي يجعل المستشرق «غير مندمج» في ~~الشرق، وأن يقارن بين إزالته هو للحواجز مع الثقافة التي أصبح مندمجا ~~فيها، وبين إقامة المستشرق لكثير من حواجز ثقافته الخاصة إزاء الشرق، ~~ونظرته إلى موضوع دراسته بطريقة لا تخلو من الترفع، حتى ولو كان ~~ممزوجا بالتعاطف. ~~(2) # على أن عملية اندماج ~~المثقف العربي في الغرب، لا تخلو من قدر من المقاومة، ومن الرغبة في ~~تأكيد الذات. إن مشكلة الهوية تثار أمامه في كل لحظة من حياته، ومن ~~الطبيعي أن يتجه، وهو يعيش وسط ثقافة غير ثقافته، إلى تأكيد أصوله ~~الأولى كنوع من مقاومة الذوبان في الهوية الجديدة. # إن الشرق، أو الإسلام الحضاري، الذي يدافع عنه العرب المتشبعون ~~بالثقافة الغربية، أو الذين يقيمون في الغرب إقامة دائمة، لا يقل ~~«رومانتيكية» في كثير من الأحيان عن الشرق الخلاب الساحر الغريب # Exotic # الذي يصفه كثير من الرحالة ~~الغربيين. ففي غمرة الحماس من أجل الدفاع عن أصولهم الأولى، ومقاومة ~~الانتماء المتأخر، فضلا عن تأخير الابتعاد الطويل عن الوطن، يلجأ هؤلاء ~~المثقفون إلى تقديم صورة عن «شرق وهمي» لا تقل بعدا عن الواقع ~~الفعلي عن صورة المستشرقين. فالاستشراق متهم بأنه يصور شرقا ~~متخلفا، متحجرا، يظل جوهرا ثابتا خارجا عن التاريخ والزمان. ~~ومعنى ذلك أن نقاد الاستشراق من العرب ينكرون أن يكون الشرق ~~متصفا بهذه الصفات. ولكن لو قدر لهم أن يحيوا طويلا في ~~مجتمعاتهم، ويتأملوا نوع الفكر الذي تنشره جماعات دينية أصبحت الآن ~~تسيطر على أغلبية لا يستهان بها من شباب المجتمع العربي، لوجدوها هي ~~ذاتها تنادي بالثبات عند نقطة واحدة من التاريخ (صدر الإسلام)، ~~ولوجدوا أحكامها على كل مشكلة عصرية، تصدر على أساس حلول تم ~~التوصل إليها منذ ألف وأربعمائة عام، ولوجدوا حرب 1973م تقاس حرفيا ~~بموقعة بدر، ولوجدوا أن القول بوجود أحكام شرعية تتعلق بالإنسان ~~(أكثر الكائنات تغيرا) وتصلح لكل زمان ومكان؛ هذا القول قد أصبح ~~راسخا إلى حد أن أحدا لم يعد يجرؤ على تحديه. هذا ms58 هو الواقع ~~العربي والإسلامي كما يتمثل اليوم لدى القطاعات التي تعد نفسها ~~مدافعة أصيلة عن الإسلام، فأين منه تلك الصورة الرومانتيكية التي يتمسك ~~بها النقاد العرب المعاصرون للاستشراق؟ ~~(3) # بل إنني أكاد أقول بأن من وراء هذه الصورة المبالغ فيها للشرق، لدى ~~العرب المغتربين والمستغربين، رغبة في رد الاعتبار إلى مجتمع أصلي ~~متروك ومهجور، واتجاها لا شعوريا إلى التخلص من عقدة الذنب التي ~~ولدها تخليهم عن هذا المجتمع. إن باحثا في وضع كهذا يتجه إلى ~~سداد الدين للثقافة الأصلية التي تركها، عن طريق الهجوم الحاد على ~~الثقافة الجديدة، والدفاع المتطرف، الذي يصل إلى حد فقدان الرؤية ~~الواقعية عن ثقافة المنشأ. ويكاد المرء يلمح في تلك السمات التي ~~يرسمون بها صور الشرق عند المستشرقين - سمات الشرق السلبي، الخاضع، ~~المتحجر، الذي لا يريده أحد لذاته، وإن كان الجميع يطمعون فيه - آثارا ~~للضمير المثقل بالذنب. # والنتيجة الطبيعية التي تؤدي إليها الرغبة في رد اعتبار الموطن ~~الأصلي وتخفيف الشعور بالذنب لدى الشرقي المهاجر، هي أن يتجه إلى طمس ~~الفوارق بينه وبين بيئته الجديدة. وأوضح تعبير عن ذلك هو ما نجده لدى ~~إدوارد سعيد: «إن ما أدافع عنه هو أن «الشرق» ذاته كيان مصنوع # Constituted ~~، وأن الفكرة القائلة بوجود ~~أماكن جغرافية لها سكان أصليون، «مختلفون» جذريا، يمكن تعريفهم على ~~أساس عقيدة أو ثقافة أو جوهر عرقي خاص بذلك المكان الجغرافي، هي ~~بدورها فكرة مشكوك فيها إلى حد بعيد.» # 6 # هذا تصور تلعب فيه العوامل النفسية-الاجتماعية دورا يزيد ~~عن دور العوامل المعرفية والعلمية. إنه تصور المغترب العربي الذي ~~يقول لنفسه: إن الوطن الذي أصبحت فيه ليس أفضل من وطني الأصلي، وليس ~~مختلفا عنه جذريا (أما الصورة الحقيقية لوطنه الأصلي فإنها غابت عنه، ~~أو تغيرت بحكم الرؤية عن بعد، أو أصبحت متسامية # Sublimated # على سبيل التعويض). # فمن الطبيعي أن تكون الاختلافات، في نظر الشرقي الذي يعيش في الغرب، ~~مختفية، ومطموسة، وأن ينتقد بشدة من يؤكد له أن الشرق كيان قائم ~~بذاته؛ وذلك على الأقل لأن هذا لو صح ms59 لكان هو ذاته كإنسان مختلفا ~~عن الغربيين الذين يعيش بينهم، وهي نتيجة ضارة ومكروهة. ولو عدنا إلى ~~عالم الواقع لوجدنا أن الشرق ذاته يؤكد اختلافه عن الغرب ويحرص في ~~اتجاهاته التراثية التقليدية على إثبات تفرده وتأكيد هويته القائمة ~~بذاتها. كذلك نجد أن الغربي المستشرق يؤكد هذا الاختلاف، بناء على ~~دوافع مختلفة. ولكن الوحيد الذي يريد محو الاختلاف هو الشرقي الذي ~~يعيش في الغرب، وذلك لعدة أسباب منها أنه لا يشعر بأنه أدنى ثقافيا ~~من البيئة التي يعيش فيها، ومنها رغبته في الارتفاع بمكانة الشرق الذي ~~ينتمي إليه، ومنها أن محو الاختلاف بين الشرق والغرب يجعل حياته أيسر، ~~ومنها سداد الدين للشرق الذي ابتعد عنه. وهكذا يبدو الأمر هنا في جانب ~~منه على الأقل كما لو كان إسقاطا من الباحث العربي لحالته الخاصة وسط ~~مجتمع جديد يشعر فيه بالندية، على مجتمعه الأصلي كله. # ولكن، سواء أكانت المسألة مسألة نوايا طيبة تجاه الموطن الأصلي، أم شعور ~~بالذنب ورغبة في التعويض، فإن النتيجة هي أن الشرق لا يعود في نظر هؤلاء ~~مختلفا، ولا متخلفا، ولا راكدا، ولا أسطوريا، بل إن الاسم ذاته لا ~~يصح إطلاقه عليه لأنه ليس إلا «كيانا مصنوعا». وقد يكون هذا التصور ~~مفيدا للعربي المقيم في الغرب، أو الذي أقام فيه أمدا طويلا؛ لأنه ~~يعيد إليه توازنه الداخلي، ولكنه قطعا ضار بموطنه الأصلي في المدى ~~الطويل. فنحن لا نخدم أنفسنا بمثل هذا الدفاع المتحمس، وبإنكار عيوبنا ~~ومهاجمة كل إشارة إلى وضعنا المتخلف، ونحن لا نثبت مكانتنا إزاء ~~الغرب لو قلنا له: إننا لسنا أقل منك، ولا مختلفين عنك. وإنما ~~نكتسب مكانتنا الحقيقية منذ اللحظة التي نقول فيها بشجاعة: نعم، نحن ~~مختلفون، ومتخلفون، ولكن تخلفنا قد فرض علينا، وليس جزءا من ~~تكويننا، وفي استطاعتنا أن نتغلب عليه! # إن المثقف العربي الذي يعيش في الغرب لا يستطيع لأسباب خارجة عن ~~إرادته أن يكون ممثلا حقيقيا للبيئة التي ينتمي في الأصل إليها. فهو لا ~~يعبر فقط، كما قال «العظم»، عن «استشراق معكوس»، وإنما ms60 يعاني من ~~«استشراق مزدوج»، يمر بمرحلتين من التوسط # Mediation # لأن الشرق الذي يتحدث عنه رد فعل على ~~رد فعل. فالمرحلة الأولى هي رؤية الغرب للشرق، أما المرحلة الثانية فهي ~~رؤية الشرقي المغترب للشرق من خلال رد فعله على الرؤية الغربية. وهنا ~~تكمن الدراما الحقيقية لتلك النظرة الفريدة إلى الشرق، فلا هي رؤية غربية ~~خالصة تفهم بوصفها تعبيرا عن نظرة ثقافة إلى ثقافة مختلفة عنها، ~~ويمكن تفسير تشوهاتها وانحرافاتها على هذا الأساس، ولا هي رؤية شرقية ~~خالصة منبعثة من معايشة حقيقية للشرق وتاريخه. ومن هنا فإن نقاد ~~الاستشراق من العرب العلمانيين غير مقبولين لدى المستشرقين، ولكن ~~الأهم من ذلك أنهم أيضا غير مقبولين لدى الشرقيين التراثيين. ~~فهم يحاربون تلك النظرة المطلقة، الجامدة والسكونية، إلى الإسلام، ~~وهي النظرة التي يدافع عنها المستشرقون والإسلاميون السلفيون، كل ~~من جانبه الخاص، وبذلك يقفون في تلك الأرض الحرام # No-man’s Land # التي لا يعترف بها الطرفان معا. ~~(4) # ومن النقاط الجزئية التي لا ينبغي أن تفوتنا في هذا التحليل، الوضع ~~الديني لأهم الممثلين العرب في حركة نقد الاستشراق. فأنور عبد ~~الملك وإدوارد سعيد مسيحيان مقيمان في بلاد مسيحية، ومهاجران من أرض ~~إسلامية. ومن المؤكد أن هناك اختلافا واضحا بين جيلهما وجيل ~~المثقفين المسيحيين العرب السابق في الموقف من الحضارة الغربية. فجيل ~~شبلي شميل وسلامة موسى كان يدافع عن الحضارة الغربية إلى حد التعرض ~~للاتهام بممالأة الغرب. ولكن الجيل الذي نتناوله هنا بالبحث قد أثبت ~~قدرا كبيرا من الموضوعية حتى قاد الهجوم على تصور الغرب للشرق ~~والدفاع عن المجتمع والتاريخ الإسلامي. صحيح أنه يتحدث في معظم ~~الأحيان عن «الإسلام الحضاري»، لا عن الإسلام كعقيدة، ولكن هذا هو ~~المتوقع منه، لا لكونه مسيحيا فحسب، بل لكونه علمانيا قبل كل ~~شيء. ~~(5) # وأخيرا، فإن هذا التحليل النفسي الاجتماعي يؤدي بنا إلى عامل آخر ~~ذي طابع أعم، يساعد إلى حد بعيد على تفسير حركة نقد الاستشراق بين ~~العرب المتشبعين بالثقافة الغربية؛ فهم قد أكدوا ذاتهم علميا إلى ~~الحد الذي يشعرون معه أنهم بلغوا ms61 سن النضج والاستقلال عن الغرب. ~~وإذا كان شعار الجيل الذي سبقهم من العلمانيين بل ومن بعض أنصار المعسكر ~~الديني هو أننا لا نستطيع أن نلحق بالغرب ثم نتفوق عليه إلا ~~باقتباس أساليب حياته وفكره، فإن الجيل الحالي يشعر بأن هذه التجربة ~~قد أخذت مداها، وأنه آن الأوان لإعلان الاستقلال الفكري عن الغرب، بحيث ~~نكف عن أن نرى أنفسنا من خلال مرآته. بل إن الاتجاه إلى تأكيد ~~الاستقلال يصل إلى حد إلقاء ظل من الشك على مناهج الفكر الغربية ~~بوصفها جزءا لا يتجزأ من نزوع الغرب إلى السيطرة. إنها محاولة ~~بطولية ولا شك. ولكنها، في ضوء النظرة الواقعية، تبدو كما لو كانت ~~سابقة لأوانها، ويبدو أنها تسعى إلى حرق مراحل ما زال من الضروري أن ~~نمر بها. والدليل على ذلك: ~~(أ) # أن محاولة الاستقلال ذاتها تتم من خلال مصطلحات ~~ومناهج غربية خالصة. فبدون الخلفية الثقافية الغربية القوية، ~~كان من المستحيل أن تظهر الانتقادات التي يوجهها هؤلاء ~~المثقفون العرب إلى الاستشراق وإلى الثقافة الغربية، من حيث ~~دوافعها ومناهجها ومضامينها. وهكذا تظل هذه الدعوة إلى ~~الاستقلال دائرة في نفس الفلك الذي تحاول أن تستقل ~~عنه. ~~(ب) # إن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق إلا عن طريق الإتيان ~~بالبديل. أو بعبارة أخرى: إن حركة نقد الاستشراق بين العرب ~~المعاصرين لن تكون مقنعة كل الإقناع إلا إذا صاحبها ~~قيام الثقافة العربية بملء الفراغ الذي كان يسده ~~الاستشراق. ولكن الذي حدث حتى الآن هو أن الاستشراق قد ~~انتقد من كافة الأطراف، دون أن تظهر حركة ناضجة تضمن ~~استغناءنا عنه. # وهكذا تبدو حركة نقد الاستشراق هذه تعبيرا عن حلم النضوج ~~المبكر في ثقافة تمر بأول مراحل الوعي الذاتي. ولكن ~~الموقف الأنضج من ذلك في رأيي هو أن نعترف بحدودنا ~~المعرفية ونبذل قصارى جهدنا من أجل تجاوزها، أي من أجل ~~تقريب اليوم الذي يمكننا فيه أن نستقل برؤيتنا الخاصة ~~لذاتنا، منهجا ومحتوى. # | خاتمة # هكذا يبدو أنه، إذا كان الاستشراق قد اتهم ثقافتنا بأنها حالة من حالات النمو الموقوف # Arrested Development ms62 # فإن هذه الثقافة، رغبة منها ~~في الرد على هذا الاتهام، قد سارت في طريق النمو المتسارع # Accelerated Development # الذي يحرق كثيرا من المراحل قبل أن يمر ~~بها. # هذا التسارع يسير في اتجاهين، ينبغي أن نكون على وعي بهما حتى نحقق لأنفسنا ~~استقلال الناضجين، لا استقلال المراهقين المتعجلين: # الأول معرفي، ننسب فيه إلى الغرب وحده تطوير المناهج العقلانية والتجريبية الحديثة، ~~وندعو إلى تجاوزها، فتكون النتيجة الفعلية هي أننا نعطي الغرب أكثر مما يستحق؛ لأن ~~الغرب ليس إلا حلقة متأخرة - لن تكون الأخيرة قطعا - في سلسلة طويلة من الثقافات التي ~~أسهمت كلها فيما وصلت إليه المعرفة البشرية. ومن جهة أخرى فإننا حين نبالغ في ~~ربط أي نظام معرفي (كالاستشراق) بالجذور التي نشأ منها (نزعة السيطرة الأوروبية) ننسى ~~قدرة المعرفة على أن تستقل عن أصلها وتكون لنفسها بمضي الزمن مسارها الخاص، بغض ~~النظر عن جذورها الأولى. # أما الاتجاه الثاني، والأخطر، فهو اجتماعي، نعمل فيه على تبرئة أنفسنا من العيوب ~~لمجرد أن خصومنا يؤكدون هذه العيوب، ونخلق لأنفسنا صورة مشوهة لا تقل عن تلك ~~التي يخلقها الاستشراق؛ إذ نؤكد أننا مجتمع تسوده الديناميكية والتغير والتعدد، ~~ونجعل من الثبات والتحجر والطابع الأسطوري مجرد وهم خلقه المستشرقون، وبذلك ~~نتخذ من الاستشراق سلما يوصلنا إلى أخطر أنواع الخداع الذاتي. # إن هذا البحث يبدو في ظاهره منصبا على موضوع متخصص محدود النطاق، هو تقييم ~~حركة نقد الاستشراق بين العرب المعاصرين، ولكنه في حقيقته بحث يمس أهم جوانب الأزمة ~~التي تمر بها الثقافة العربية في علاقتها بالغرب. والواقع أن اتجاه البحث ذاته ~~يؤدي إلى هذا الانتقال من الخاص والجزئي إلى العام والكلي؛ إذ كان من أهم النتائج ~~التي حاولت أن أثبتها، تأكيد أن الاستشراق لا ينبغي أن يبحث من حيث هو ظاهرة منعزلة، ~~تسير في اتجاه واحد (رؤية الغرب للشرق)، بل يجب النظر إليه في إطار أوسع بكثير، هو ~~الإدراك المتبادل بين الثقافات في ظروف تاريخية متباينة ومعقدة، قد تتخذ أحيانا ~~طابع السيطرة، أو طابع الضعف، أو الخوف والحذر ms63 ... إلخ. # والفكرة التي أود أن أؤكدها، في ختام هذا البحث، هي أننا قد سرنا في مهاجمة تشويهات ~~الاستشراق إلى حد خلق تشويهاتنا الخاصة عن أنفسنا وعن علاقتنا بالآخرين. وكل من ~~عايش العقل العربي في النصف الثاني من القرن العشرين يعلم جيدا أن هذا العقل ما زال ~~في أكثر تياراته فاعلية وشعبية، يبحث عن ذلك الجوهر المطلق الذي لم يغيره ~~التاريخ، ويرى فيه خلاصه الأوحد. # وكل من عايش هذا العقل يعلم أنه ما زال متعلقا بالنظرة الأسطورية إلى حد أن ~~المحاكم الرسمية تصدر فيه - خلال السنتين الأخيرتين - حكمين قضائيين بإمكان ~~زواج رجل من جنية ... وهو ما زال متعلقا بالخرافة إلى حد أن نسبة كبيرة من ~~طلاب الجامعة - أعلى شريحة تعليمية - تقاوم بشدة من يدعوها إلى التخلي عن الاعتقاد ~~بالسحر والحسد ... وهو ما زال مرتبطا بماض مفقود الصلة بالعصر إلى حد أن ~~معارض الكتب في البلاد العربية ما زالت تضم نسبة طاغية من كتابات تكرر نفسها ~~وتعيد ما قيل من قبلها مئات المرات منذ مئات السنين. # وهو ما زال بعيدا عن العلم إلى حد أن كاتب هذا البحث نفسه تعرض لأوسع هجوم من ~~الصحف والمجلات وخطباء المساجد، لمجرد أنه تجاسر على القول إن الذين حققوا ~~العبور في حرب 1973م لم يكونوا هم الملائكة، وإنما كانوا جنودا مدربين تدريبا عصريا. # 1 # إن آخر ما أفكر فيه هو تثبيط الهمم؛ فإلى جانب هذه الصور القاتمة هناك صور ~~مضيئة لا شك فيها، وهناك تنوير يسير في طريقه بجدية، حتى ولو كان محدود ~~النطاق. ولكن ما أود أن أحذر منه هو ألا نخدع أنفسنا لمجرد إثبات أن ~~الآخرين يتجنون علينا أو لا ينظرون إلينا بإنصاف. # إن الاستشراق ليس بالقطع معرفة بريئة من الشوائب، ولكن الخطر الأكبر يكمن في أن ~~ننكر عيوبنا لمجرد أن غيرنا يقول بها لأهداف غير موضوعية. إن دورنا الثقافي في ~~المرحلة الراهنة هو أن نمسك ثور التخلف من قرنيه، وأن ننقد أنفسنا قبل أن ~~ننقد الصورة التي يكونها الآخرون عنا، حتى لو كانت ms64 هذه صورة لا تستهدف إلا ~~التشويه. ms65