######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.JawanibFikriyya.Hindawi20638031 #META# Tags: social.sciences #META# ID: 20638031 #META# Title: الجوانب الفكرية في مختلف النُّظُم الاجتماعية #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # مجتمعات ما قبل الإقطاع‏ # المرحلة الإقطاعية‏ # المرحلة الرأسمالية‏ # المرحلة الاشتراكية‏ # مقدمة‏ # مجتمعات ما قبل الإقطاع‏ # المرحلة الإقطاعية‏ # المرحلة الرأسمالية‏ # المرحلة الاشتراكية‏ # | الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية # | الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # إلى أي حد تؤثر النظم الاقتصادية المختلفة في تكوين عقلية الإنسان؟ وما نوع التفكير ~~السائد الذي يتولد عن كل نظام من هذه النظم؟ وما طبيعة الإطار الفكري والثقافي الأكثر ~~ملاءمة لنظام الرق، وللنظام الإقطاعي والرأسمالي والاشتراكي؟ # هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في هذا الفصل. على أن طرح هذه الأسئلة يثير ~~منذ البداية مشكلات معقدة، ويقتضي منا أن ننتبه إلى مجموعة من الحقائق التي ربما ~~غابت عنا لو بدأنا في خوض الموضوع مباشرة، ولو لم نقم بتحليل للمشكلات الرئيسية ~~الكامنة من وراء هذا الموضوع. ~~(1) # أولى هذه المشكلات: هي أن القول بوجود تفكير سائد يتلاءم مع كل نظام من ~~النظم الاقتصادية، ربما فهم على أنه يعني صبغ التفكير في كل مرحلة من ~~مراحل التطور الاقتصادي بصبغة نمطية موحدة، أي إنه يعني أن المفكرين في ~~العصر الإقطاعي مثلا يتميزون بسمات عقلية واحدة يمكن الاهتداء إليها عند ~~كل منهم على حدة. # على أن هذا الفهم بعيد كل البعد عن الصواب، فضلا عن أنه فهم يكذبه ~~الواقع نفسه؛ ذلك لأن كل عصر يتميز بتباين فكري شديد، سواء على مستوى ~~المثقفين الكبار أم على مستوى الأشخاص العاديين أنفسهم. وعلى ذلك فنحن حينما ~~نتحدث عن الإطار الفكري لعصر من العصور، أو عن نوع الثقافة الذي يتلاءم مع ~~نظام من النظم، نعني في الواقع أعم السمات الفكرية المشتركة، التي تلفت ~~أنظارنا أكثر من غيرها حينما ندرس ذلك العصر، ولكن لا يتعين أن تكون هذه ~~الأسئلة تثير، منذ البداية، مشكلات معقدة، ويقتضي منا أن نتنبه إلى أن ~~تكون عقول الناس كلها في ظل ذلك النظام مصبوبة في قالب فكري واحد. ~~(2) # والمشكلة الثانية: هي أن الربط بين النظم الاقتصادية وبين الجوانب الفكرية ~~لحياة الناس في ظل هذه النظم، قد يوحي ms01 بأن هناك تأثيرا مباشرا للنظم ~~الاقتصادية في الحياة الفكرية. ولما كان الاقتصاد يهتم بالأسس المادية ~~لحياة الناس، فقد يفسر هذا الربط بأنه يعني الأخذ بالتفسير المادي المباشر، ~~والآلي، للفكر الإنساني، بحيث يعد هذا الفكر نتيجة مباشرة للعلاقات ~~الاقتصادية السائدة في مرحلة معينة، وتؤدي هذه العلاقات الاقتصادية إلى ~~إنتاج أفكار الناس ومثلهم العليا وقيمهم، مثلما تؤدي الآلات إلى إنتاج ~~السلع. # هذه المشكلة تثير موضوعا معقدا غاية التعقيد، هو العلاقة بين ~~الجانبين المادي والمعنوي في حياة الإنسان. ودون محاولة للدخول في الجوانب ~~المعقدة لهذه المشكلة، يكفينا أن نقول إن هناك ما يشبه الإجماع على أنه ~~إذا كان للجوانب المادية - ومن أهمها الاقتصاد - تأثيرها في أفكار الناس ~~وقيمهم ومثلهم العليا، أي في الجوانب المعنوية للحياة البشرية، فإن هذا ~~التأثير لا يمكن أن يكون مباشرا. وبعبارة أخرى فإن أي نظام اقتصادي لا ~~«يفرز» فكرا من نوع معين، يكون هو وحده الملائم له، والناتج عنه، بل إن ~~للفكر قدرا معينا من الاستقلال، بل لديه قدرة خاصة على أن يؤثر في ~~الجوانب المادية لحياة الإنسان بقدر ما يتأثر بها. # وعلى ذلك، فمن الضروري أن نتنبه، حين نتحدث عن تأثير النظم ~~الاقتصادية في أفكار الناس، إلى أن هذا التأثير ليس آليا مباشرا، بل هو يسير ~~في عملية معقدة غاية التعقيد، ولا يعمل في اتجاه واحد، من الاقتصاد إلى ~~الفكر، بل يمكن أن يعمل في الاتجاه المضاد، من الفكر إلى الاقتصاد، أو من ~~العقل إلى المادة. # ومع أخذ هاتين النقطتين بعين الاعتبار، يمكننا أن نبدأ في دراسة الاتجاهات الفكرية ~~العامة المرتبطة بالنظم الاقتصادية، واضعين نصب أعيننا أن هذه النظم لا تستطيع أن ~~تصب عقول الناس كلها في قوالب واحدة، وأنها لا تملك أن تؤثر في هذه العقول تأثيرا ~~آليا مباشرا. ومع ذلك فسوف يتبين لنا أنه من الممكن الاهتداء إلى ارتباطات مفيدة ~~وعميقة بين الإطار الذهني لحياة الناس في عصر من العصور، وبين النظم الاقتصادية ~~السارية على هذا العصر، وأننا نستطيع من خلال هذه الارتباطات أن نعمق فهمنا ms02 للاقتصاد ~~والفكر معا؛ إذ نكتشف في النظم الاقتصادية جوانب وأبعادا أعمق مما توحي به ~~جوانبها المادية وحدها، ونهتدي إلى أسس للبناءات العقلية والمعنوية تكمن جذورها في ~~الحياة الواقعية للمجتمع الذي ظهرت فيه. # | مجتمعات ما قبل الإقطاع # (1) المرحلة البدائية # لم يعرف الإنسان الملكية الفردية بمعناها الصحيح في المراحل البسيطة الأولى من ~~حياته، بل كان يسود هذه الحياة نوع من التضامن والمشاعية، ناشئ عن صعوبة الظروف ~~التي لم يكن الفرد قادرا على مواجهتها وحده، وعن ضآلة الإنتاج وبساطته، وعدم وجود ~~أي فائض إنتاجي يسمح باستغلال عمل الآخرين؛ لأن العمل كله كان موجها نحو ~~تلبية الحاجات الضرورية المباشرة. # في هذه المرحلة كان الفكر الإنساني يتسم بنفس البساطة والبدائية اللتين كان ~~يتسم بهما الإنتاج. فكل حوادث الطبيعة كانت تفسر تفسيرا أسطوريا، يتمشى مع ~~العجز عن فهم الظواهر الكونية وعدم القدرة على كشف أي قانون من قوانينها. وكان ~~العالم يحتشد بالقوى التي تنسب إليها صفات إلهية؛ فهناك آلهة للرعد والمطر والزرع ~~والبحر والخصب والموت ... إلخ، بحيث كان الحد الفاصل بين عالم الطبيعة وعالم ~~الإنسان يكاد يكون منعدما. فالطبيعة تشعر بنفس الأحاسيس الإنسانية، وتتحكم فيها نفس ~~العوامل التي تتحكم في أفراد البشر. وربما كان من الممكن تشبيه فكرة التقارب بين ~~الإنسان والطبيعة وإزالة الحواجز بينهما، بمبدأ الملكية المشاعية السائدة في ~~الاقتصاد البدائي لهذه الفترة. وكان السحر هو التعبير الواضح عن مجتمع يعجز فيه ~~الإنسان عن السيطرة على الطبيعة من خلال فهم قوانينها، فيلجأ إلى القوى الخفية ~~والغيبية التي يتصور أنه يستطيع عن طريقها التحكم في مجرى الأشياء. ومن الملاحظ ~~أن السحر بدوره يفترض نوعا من العلاقة المشاعية المشتركة بين الإنسان ~~والطبيعة؛ إذ إن الطبيعة تخضع لكلمات الإنسان وأوامره وتعاويذه، ويزول كل حد ~~فاصل بين المجال البشري والمجال المادي الخارجي. ~~(2) مرحلة الرق # لم يحدث الانتقال من المرحلة البدائية إلى مرحلة نظام الرق مباشرة، بل إن ~~التطور بينهما كان متدرجا وبطيئا إلى أقصى حد. وكانت نقطة التحول هي تقدم ~~القوى الإنتاجية إلى الحد الذي لا يعود الإنسان ينتج ms03 فيه من أجل تلبية حاجاته ~~المباشرة، أو الوفاء بضرورات الحياة، بل أصبح إنتاجه يزيد عما يحتاج إليه ~~لاستخدامه الخاص. وكان هذا التوسع مؤديا إلى نتيجة ضرورية، هي بداية التقسيم ~~الطبقي للبشر. فبعد أن كان التجانس والمساواة في الفقر هو الطابع المميز للمرحلة ~~البدائية، أصبح هناك اختلاف وتميز بين مستويات الناس، نتيجة لبداية ظهور فوائض في ~~الإنتاج تزيد عما يلزم للاستخدام المباشر في المعيشة اليومية، وظهر الفرق بين ~~الغني والفقير، أو القوي والضعيف. وكان هذا التميز هو ذاته بداية استغلال الإنسان ~~للإنسان، إذ إن تراكم الثروة - ولو على نطاق ضيق - يتيح للغني أن يستعين ~~بالفقراء في استثمار ممتلكاته، ويستغل ضعف مركزهم من أجل فرض شروطه ~~عليهم. # ولم يتخذ هذا الاستغلال شكل الرق في كل الأحوال، بل إن العالم القديم عرف ~~نظما اقتصادية متقدمة بنيت على أساس سلطة استبدادية مطلقة، تتميز فيها ~~طبقة الحكام والكهنة عن عامة الشعب بميزات هائلة، ولكنها لا تتخذ من عامة ~~الشعب عبيدا بالمعنى الصحيح. وفي ظل هذه النظم ازدهرت حضارات هائلة، كانت ~~دعامتها الأولى هي الاقتصاد الزراعي المتقدم، كما هي الحال في الحضارات المصرية ~~القديمة. # أما نظام الرق فكان النموذج الواضح له هو المجتمع اليوناني القديم. فعندما ~~اتسع نطاق الحروب التي يخوضها اليونانيون، أصبح الأسرى في هذه الحروب يجلبون إلى ~~البلاد لكي يستعان بهم في الأعمال المنزلية في بداية الأمر، واكتسبوا بالتدريج صفة ~~الرقيق الذي يتحكم سيده لا في عمله فحسب بل في شخصه أيضا، وأصبح لهذه الصفة ~~أساس قانوني ينظم العلاقة بين السيد والعبد لصالح الأول على طول الخط. وباستمرار ~~التطور أصبح الأرقاء يستخدمون في الإنتاج الاقتصادي، لا في الأعمال المنزلية ~~وحدها، وصاروا يمثلون قوة عمل رئيسية تتولى القيام بالأعمال اليدوية ~~المرهقة، وتوفر على السادة عناء الاحتكاك بالعالم المادي، وتكفل لهم فرص ~~العيش الرغد على حساب «الآلات البشرية» التي تنتج لهم كل ما يحتاجون إليه في ~~معيشتهم، وتضيف إليه فائضا يحقق لهم ما يشاءون من أرباح. # في ظل هذا النظام الاجتماعي بدوره ظهرت حضارات قديمة مجيدة ms04 ، أعظمها بلا ~~نزاع هي الحضارات اليونانية، التي امتدت فترتها المزدهرة من حوالي القرن الثامن ~~قبل الميلاد إلى ما يقرب من ألف عام بعد هذا التاريخ، أي إلى القرن الثاني الميلادي، ~~وإن كان العصر الذهبي فيها يمتد - باعتراف المؤرخين جميعا - من القرن السادس إلى ~~القرن الثالث قبل الميلاد. # وعلى الرغم من أن الرق، من حيث هو نظام اقتصادي، ينطوي على استغلال فئة من ~~الناس لفئة أخرى استغلالا تاما، يصل إلى حد التحكم في أشخاصهم معنويا ~~وماديا، فإنه كان على الأقل يضمن قدرا كبيرا من الحرية (المعنوية والمادية ~~أيضا) للمواطنين الأحرار، وكان لذلك أثره الكبير في ازدهار الفكر في ذلك ~~العصر. ~~(3) مقارنة بين النظم الاستبدادية القديمة ونظام الرق # ولو أجرينا مقارنة بين النظم الاستبدادية، كما عرفت في بلاد الشرق القديم، ~~وبين نظام الرق، من حيث مدى تشجيع كل منهما للنهضة الفكرية والعلمية، لكانت المقارنة ~~في صالح النظام الثاني؛ ذلك لأن مبدأ الحكم الاستبدادي المطلق كان يطبق على ~~الميدان العقلي والروحي بدوره، فالعلم كله تحتكره طبقة ~~من الكهنة، هي وحدها التي تتداول أسراره ~~وتتوارثها، وتحرص على كتمانها عن بقية الناس. ومن المستحيل أن تحدث نهضة فكرية ~~وعلمية شاملة في جو التكتم هذا. وكل ما كان يحتاج إليه الناس هو مجموعة من ~~المعارف العملية التي تساعدهم على تحقيق أغراضهم المباشرة في الزراعة والعمارة ~~والملاحة، إلخ. ولذلك أحرزت المعارف العملية تقدما كبيرا في بلاد الشرق القديم، ~~تعد الآثار المصرية الباقية نموذجا رائعا له. والأرجح أنه كان هناك من وراء هذا ~~التقدم العملي فكر نظري لا يستهان به، ولكن هذا الفكر لم ينتشر ولم يتداول، نظرا ~~إلى حرص الكهنة عليه كما لو كان أسرارا مقدسة. وهكذا كانت السلطة المطلقة في ~~ميدان المعرفة (وهي انعكاس للسلطة المطلقة في ميدان الحكم) عاملا من عوامل تضييق ~~نطاق التقدم الفكري والعلمي، واستحالة الانتفاع من ثماره على مستوى ~~واسع. # وهنا يظهر الفرق واضحا بين النطاق المطلق وبين نظام الرق كما كان ~~مطبقا عند اليونانيين القدماء؛ فهؤلاء الأخيرون كانوا يقسمون المجتمع إلى ms05 ~~أحرار وعبيد، ولكنهم لم يقسموه إلى كهنة وأناس عاديين. صحيح أن التقسيم كان ~~حادا وقاطعا في الحالتين، ولكنه كان في الحالة الأولى يتيح فرصة المعرفة لعدد من ~~الناس أوسع بكثير، هم المواطنون الأحرار. والأهم من ذلك أن نوع المعرفة الذي ~~يستطيع هؤلاء المواطنون الأحرار أن يصلوا إليه لم يكن معرفة محاطة بهالة من ~~القداسة، بل كان معرفة متاحة للجميع، يستطيع أي شخص أن يساهم في تقدمها، ~~وينتفع في ثمارها، إذا ما توافرت له القدرة على ذلك. # بل إن طبقة العبيد المستغلة ذاتها كانت تقوم بدور غير مباشر، ولكنه عظيم ~~الأهمية، في التقدم الفكري لليونانيين في ظل نظام الرق؛ ذلك لأن هذه الطبقة ~~كانت تتولى القيام بالأعمال اليدوية المرهقة، التي تتطلب جهدا جسميا كبيرا؛ ~~ومن ثم كانت تعفي الأحرار من القيام بهذا النوع من الأعمال. وهكذا كان ميدان ~~العمل المادي مقفلا أمام المواطنين الأحرار، على حين أن ميدان العمل العقلي كان ~~مفتوحا أمامهم على مصراعيه، بل كان هو الميدان الوحيد الذي يمكنهم أن يمارسوا فيه ~~نشاطهم. ~~(4) الطابع الفكري لمرحلة الرق # ويعزو بعض مؤرخي الفكر تقدم التفكير العلمي والفلسفي، وتقدم الآداب والفنون، ~~عند اليونانيين القدماء، إلى هذا العامل بالذات؛ أي إلى عدم اضطرار قطاع كبير من ~~الشعب إلى القيام بأعمال جسمية مرهقة، وتفرغهم للجوانب الروحية والعقلية في ~~الحياة. وربما كان هذا تعليلا مقتصرا على جانب واحد، ولا يشمل كل نواحي الظاهرة ~~التي نتحدث عنها، ولكنه على أية حال تعليل طريف لا يصح تجاهله، لأنه يلقي بعض ~~الضوء على ذلك التقدم الهائل الذي أحرزه اليونانيون القدماء في ميادين الفكر ~~والأدب والفن خلال العصر الذي ساد حياتهم فيه نظام الرق. # والأهم من ذلك أن هذا التعليل يفسر لنا «الطابع الخاص» الذي اتخذه الفكر ~~والعلم اليوناني؛ ففي اليونان ولدت الفلسفة، وظهر لأول مرة ذلك النشاط الفكري النظري ~~الخالص الذي لا يبحث عن الحقيقة كما تتمثل في جانب بعينه من جوانب الوجود، بل ~~يبحث عن الحقيقة لذاتها، وبأعم معانيها. وفي اليونان أحرزت العلوم النظرية، ولا ~~سيما ms06 الرياضيات، تقدما كبيرا. وكلنا يعرف أن هندسة إقليدس، بنظرياتها التي ~~لا تزال تدرس حتى اليوم، هي إنتاج يوناني صرف. ومن جهة أخرى فإن اليونانيين لم ~~يبرعوا في ميدان العلوم التجريبية، بل إنهم نظروا إليها على أنها في مرتبة أقل ~~بكثير من العلوم النظرية؛ لأن هذه الأخيرة علوم يستخدم فيها الإنسان عقله فقط، ~~أما الأولى فيستخدم فيها يده بقدر ما يستخدم عقله. وبذلك يكون احتقار العمل ~~اليدوي والمادي قد انعكس على نظرة اليونانيين إلى العلوم، ويكون التقسيم الطبقي ~~للمجتمع اليوناني إلى أحرار وأرقاء قد ولد نوعا آخر من تقسيم العلوم حسب ~~مراتبها، بحيث تكون منها علوم تليق بالأحرار وأخرى لا تليق بهم. ويكفي لكي ندرك ~~أهمية تأثير هذا العامل على التفكير اليوناني، أن نقارن نظرتهم هذه إلى العلم ~~بنظرتنا الحالية. فنحن اليوم لا نعترف بأي نوع من «الطبقية» بين العلوم، بل ~~نسوي بينها جميعا. ولو نظرنا إلى علم الطبيعة، الذي يقوم اليوم بدور عظيم الأهمية ~~في حياتنا، لوجدنا أنه كان في نظر اليونانيين علما غير رفيع لأنه يتطلب اتصالا ~~بالعالم المادي. ومن جهة أخرى، فإن العلوم التي تتصل بأحط الموضوعات تحتل في ~~نظرنا مكانة لا تقل عن مكانة تلك التي تتصل بأرفع الموضوعات؛ فعالم الحشرات ~~يمكن أن يؤدي إلى الإنسانية خدمة كبرى لو استطاع أن يقضي على آفة مثل دودة القطن ~~أو قواقع البلهارسيا، وعالم التربة (الطين) يمكن أن يحدث انقلابا في الاقتصاد ~~القومي لو تمكن من تهيئة ظروف تؤدي إلى مضاعفة إنتاج محاصيل معينة. وكل هذه ~~أمثلة تدل على أن عصرنا، الذي تسوده مثل عليا ديمقراطية، لم يعد يعترف بتقسيم ~~العلوم إلى مراتب؛ ومن ثم فإن الاحتمال كبير في أن يكون ازدراء العمل اليدوي ~~وإعلاء قيمة العمل العقلي النظري (وهو ذاته نتيجة مترتبة على التقسيم الطبقي ~~للمجتمع إلى أحرار وعبيد) هو الأصل في تقسيم اليونانيين للعلوم إلى علوم رفيعة وأخرى ~~ليست لها إلا مرتبة دنيا. # ولا شك أن هناك عوامل أخرى، إلى جانب نظام الرق، تضافرت على تحقيق النتائج التي ms07 ~~أشرنا إليها؛ فالازدهار الاقتصادي، والتبادل المستمر للسلع، والاختلاط الدائم ~~بالشعوب الأخرى، ونمو النشاط الصناعي والحرفي، كل هذه العوامل تساعد على تهيئة ~~الجو للبحث الحر عن الحقيقة في الميدان الفكري والعلمي. وإذا كان نظام الرق ~~هو أسهل الطرق التي توافرت في العالم القديم لتحقيق هدف تحرير فئة من الناس إلى ~~القدر الذي يكفي لجعلها قادرة على ممارسة النشاط العقلي والروحي الخلاق، دون ~~سعي إلى تحقيق منفعة عملية مباشرة، أو إلى خدمة أغراض السحر، أو مساعدة الكهنة ~~على نشر عقائدهم، فإن مجرد تكدس الثروات وتحقيق فائض اقتصادي معقول، يمكن أن ~~يكون بدوره وسيلة لتحقيق هذا الهدف نفسه. ومعنى ذلك أن النهضة العقلية والروحية في ~~اليونان القديمة كانت مرتبطة بالنهوض الاقتصادي الشامل، ولكن الطابع الخاص الذي ~~اتخذته هذه النهضة يصعب تعليله إلا إذا ربطنا بينه وبين انتشار نظام الرق ~~في المجتمع اليوناني. # | المرحلة الإقطاعية # (1) السمات العامة للمرحلة الإقطاعية # ليس من السهل أن يأتي المرء بمجموعة من الصفات المميزة للمرحلة الإقطاعية في ~~التطور الاقتصادي، إذ إن معظم هذه الصفات تصدق على مجتمعات معينة ولا تصدق ~~على مجتمعات أخرى. # ففي بعض الأحيان يعرف الإقطاع تعريفا زمنيا، فيقال إنه هو النظام الاقتصادي ~~السائد في العصور الوسطى. ولكن هذا التعريف لا يسري إلا على نظام الإقطاع في أوروبا، ~~أما في كثير من أماكن العالم الأخرى، وضمنها الشرق، فلا زال للإقطاع وجود، بشكل ~~أو بآخر، حتى اليوم. وفي أحيان أخرى يعرف الإقطاع تعريفا سياسيا أو اجتماعيا، ~~فيقال إنه النظام الذي يستبد فيه المالك الإقطاعي بأقدار كل من يعملون عنده، ~~وتكون له عليهم سلطة مطلقة تعلو على سلطة الدولة ذاتها. ومع ذلك فإن هذا التعريف ~~يتجاهل حقيقة عرفتها أوروبا في بداية عصر التصنيع، وهي أن الإقطاع كان في بعض الأحيان ~~أرحم من العصر الرأسمالي في الفترة الأولى من تاريخه؛ لأنه كان يمنح الناس قدرا من ~~الأمن والحماية على الأقل. # كذلك يعرف الإقطاع أحيانا على أساس مركز السلطة فيه، فيقال إنه ذلك النظام الذي ~~تتفكك فيه السلطة المركزية للحكومة أو ms08 تختفي نهائيا، لتحل محلها سلطات متعددة ~~ينفرد بكل منها إقطاعي يكون له الأمر والنهي على كل من يعملون في أرضه. ولو صح ~~هذا التعريف لما أمكن القول بوجود مرحلة إقطاعية في البلاد التي ظلت السلطة فيها ~~طوال تاريخها في يد حكومة مركزية واحدة، ومن بينها مصر. # وربما كان الأصح أن نربط بين الإقطاع وبين النمط الزراعي في الاقتصاد، فنقول ~~إنه ذلك النظام الذي يقوم في البيئات الزراعية على أساس علاقات معينة بين المالك ~~الكبير والفلاحين المشتغلين في أرضه، تتسم أساسا بأنها علاقات تسلطية. ~~والواقع أن البيئة الزراعية ضرورية لفهم الإقطاع؛ إذ إن عناصر النظام الإقطاعي لا ~~تكتمل بصورتها المطلقة في الحالات التي يكون فيها مالك الأرض الكبير مشتغلا ~~بمهنة أخرى لا صلة لها بالحياة الريفية، كالعمل في ميدان المال أو التجارة أو ~~الصناعة. كذلك فإن هذه البيئة هي التي تضفي على الإقطاع طابعا خاصا، وتنشر في ~~المجتمع الذي يسوده الإقطاع قيما معينة، تظل متأصلة في النفوس حتى بعد أن ~~يتم التخلص - اقتصاديا - من العلاقات غير المتكافئة التي يستتبعها نظام ~~الإقطاع. # ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تقتضي منا اهتماما خاصا بالمرحلة الإقطاعية؛ ~~ذلك لأن أوروبا بدأت تتخلص من السيادة المطلقة لنظام الإقطاع منذ عصر النهضة ~~الأوروبية؛ أي في حوالي القرن السادس عشر، وسددت الضربة القاضية إلى هذا النظام في ~~عهد الثورة الفرنسية (على المستوى السياسي) وفي عهد الثورة الصناعية (على المستوى ~~الاقتصادي والاجتماعي)، بحيث يمكن القول إنها قد تخلصت من آخر آثاره في القرن ~~التاسع عشر. أما بالنسبة إلينا فإن الإقطاع ما زال نظاما يعيش بيننا ويؤثر في ~~عقليتنا وفي قيمنا ونظرتنا إلى العالم. صحيح أننا استطعنا تصفيته منذ اللحظة ~~التي قضي فيها على نظام الملكيات الزراعية الكبيرة بفضل قوانين الإصلاح الزراعي، ~~ولكن من الواجب أن نتذكر أن الإقطاع، بأشكاله المختلفة، ظل هو النظام السائد في ~~بلادنا مئات بل ألوفا من السنين، وأن التصفية المادية للنظام لا تعني التخلص من ~~آثاره المعنوية، التي ستظل تلازمنا فترة غير قصيرة من الزمن ms09 ، ما لم نبذل جهدنا من ~~أجل التخلص منها بالعمل الواعي والسعي الدائب. # وطبيعي أن يكون من الصعب الحديث عن الخصائص الفكرية لمرحلة مرت بها البشرية ~~زمنا طويلا كهذا، وانتشرت في بيئات شديدة التباين. فمن العسير أن نتحدث عن ~~«قطاع» واحد في العالم بأسره؛ لأن الإقطاع كان يتخذ أشكالا تختلف باختلاف ~~الظروف المحلية التي ينتشر فيها. وربما كان الأيسر أن نعالج الإقطاع - من الناحية ~~الفكرية - على أنه نوعان: إقطاع غربي، وإقطاع شرقي؛ على أن يكون مفهوما أن المقصود ~~بالشرق تلك المنطقة التي نعيش فيها من العالم، لا البلاد الشرقية على إطلاقها. ~~(2) الإقطاع في الغرب # من العوامل الأساسية لظهور نظام الإقطاع في أوروبا تلك الحروب الكثيرة التي كان ~~يخوضها الملوك، إما ضد بعضهم، وإما ضد أعداء من الخارج. فلقد أدت هذه ~~الحروب إلى ازدياد أهمية فئة العسكريين المحترفين، وزيادة عدد أفرادها. ونظرا إلى ~~أن الملوك لم يكن لديهم دائما المال الذي يكفي لمكافأة هؤلاء المحاربين، ولا ~~سيما القادة منهم، على خدماتهم، فقد كانوا يمنحونهم قطعا من الأرض جزاء لهم على ~~حسن بلائهم في الحروب. ولم تكن هذه المنح في البداية على شكل ملكية دائمة، بل ~~كانت تعطي المحارب حق الانتفاع من الأرض، ثم تحول هذا الحق فيما بعد إلى ~~ملكية دائمة. ومما ساعد على هذا التحول أن صغار الفلاحين كانوا يحتمون ~~بالمالك الكبير ضد أخطار الضرائب وعدم الاستقرار، ورغبة منهم في الشعور بمزيد من ~~الأمن. وهكذا كان الفرسان المحاربون من أهم العناصر التي تكونت منها طبقة ~~الإقطاعيين في العصور الوسطى، وكان لهذه الحقيقة أثرها البالغ في صبغ القيم ~~الفكرية في عصر الإقطاع الأوروبي بطابعها الخاص. # ومن ناحية أخرى كان كبار رجال الكنيسة والأديرة يسيطرون على مساحات شاسعة من ~~الأرض، قدمت إليهم بوصفها هبات أو منحا أو هدايا، فضلا عن أن الإعفاءات ~~الضريبية والتسهيلات الكثيرة التي كانوا يتمتعون بها قد ساعدتهم على استثمار ~~ثرواتهم ومضاعفتها، حتى أصبحت أملاك الكنيسة تكون نسبة كبيرة من الأراضي الخاضعة ~~للإقطاع، كما أصبح رجال الدين من أهم عناصر ms10 الطبقة الإقطاعية في العصور ~~الوسطى. # ولقد كان هذا الأصل المزدوج لنظام الإقطاع في الغرب، أعني انتماء الإقطاعيين إلى ~~فئة الفرسان المحاربين من جهة، وإلى فئة كبار رجال الدين من جهة أخرى، كان هذا الأصل ~~المزدوج هو الذي يعلل مجموعة القيم والعادات العقلية التي سادت المجتمع الإقطاعي ~~في العصور الوسطى. ~~(1) # فقد كانت أهم القيم الأخلاقية في العالم الغربي في العصر الوسيط هي ~~«قيم الشجاعة والأرستقراطية» والترفع. وتلك هي قيم الفرسان ~~النبلاء من ملاك الأرض، الذين ظلوا يحتفظون بالفضائل العسكرية حتى ~~بعد أن تحولوا إلى الحياة المدنية المستقرة. وفي استطاعة المرء أن ~~يلمس مدى أهمية هذه القيم إذا رجع إلى أي عمل أدبي تدور حوادثه ~~في عالم فرسان العصور الوسطى. وفي كثير من الأحيان كان هذا الترفع ~~الأرستقراطي يتسم بنوع من النظرة الأبوية إلى عامة الشعب. وليس ~~معنى النظرة الأبوية في هذه الحالة وجود نوع من العطف أو المحبة ~~بالضرورة، بل إن المقصود منها هو نظرة المالك الإقطاعي إلى عامة الناس ~~على أنهم من رعاياه، وعلى أنه مسئول عنهم بمعنى ما، أي إنه يتخذ ~~القرارات الحاسمة بشأن مستقبلهم، وربما شارك في حل مشكلاتهم إذا كانت ~~طبيعته تسمح له بالاهتمام بهذه المشكلات. # ومما ساعد على اكتمال سيطرة مالك الأرض على الفلاحين، ضعف السلطة ~~المركزية في العصور الوسطى، وعدم وجود حكومة مسيطرة وإدارة حكومية قوية ~~لها سلطة تنفيذية كاملة. وهكذا كان الإقطاع يقوم بمهمة حماية أرواح ~~الفلاحين وممتلكاتهم (إن كانت لهم ممتلكات)، وهو أمر كانت له أهميته ~~البالغة في عصر لم يكن فيه من مصدر للثروة سوى الأرض، وكان دور التجارة ~~والصناعة في الإنتاج محدودا إلى أبعد حد. ولكنه كان يتقاضى ثمن هذه ~~الحماية باهظا، إذ كان الفلاحون المشتغلون بأرضه رقيقا لهذه الأرض، ~~وكانت حقوقهم ضئيلة جدا، وواجباتهم باهظة فادحة، ولم تكن أمامهم أية ~~سلطة يحتكمون إليها إذا زاد طغيان المالك الإقطاعي عن الحد، إذ كان هذا ~~الإقطاعي هو الخصم والحكم في آن واحد. # ولذلك فإنه إذا كانت قيم الشجاعة والترفع والأرستقراطية هي السائدة ms11 ~~في جانب الإقطاعيين، فإن قيم الخضوع والولاء كانت هي السائدة في جانب ~~عامة الناس، وكان النموذج المرغوب فيه لإنسان العصر الوسيط هو نموذج ~~الإنسان الخاضع، الذي لا يتجاوز حدوده ولا يتطلع إلى ما هو أعلى منه، ~~والذي تنحصر أغلى أمانيه في رضاء سيده الإقطاعي عنه. ~~(2) # وقد أسهم رجال الدين بدورهم في إكمال صورة العصر الإقطاعي الغربي، ~~فنشروا بين عامة الناس «قيم الزهد» وصوروا حياة الإنسان على هذه ~~الأرض بأنها مرحلة عابرة، لا ينبغي أن يوليها اهتماما كبيرا؛ ومن ~~ثم كانت أفكارهم منصرفة عن هذا العالم، زاهدة فيه، ولم تكن لأوجه ~~النشاط المتعلقة بهذه الحياة من قيمة سوى أنها تهيئ الإنسان للحياة ~~الأخرى الباقية. على أن هذه القيم كانت في واقع الأمر موجهة نحو ~~عامة الشعب؛ أعني نحو أولئك الذين يريد رجال الدين في ذلك العصر أن ~~يظلوا في حالة من القناعة والاكتفاء بأقل القليل. أما رجال الدين ~~أنفسهم فكان الكثيرون منهم يعيشون حياة لا صلة لها على الإطلاق بما ~~يدعون الناس إليه؛ إذ إنهم كانوا يستمتعون بكل مباهج الحياة، ولم يكن ~~إصرارهم على تأكيد قيم الزهد إلا تغطية لنمط حياتهم الذي كان ~~أبعد ما يكون عن الزهد. والمهم في الأمر أن انتشار أفكار الخضوع ~~والولاء والرضا بالقليل كان يرجع إلى تأثير رجال الدين بقدر ما كان ~~يرجع إلى تأثير النبلاء الإقطاعيين. ~~(3) دور الإقطاع في حياة الشرق # لا يمثل الإقطاع في الشرق - إذا فهم بمعنى واسع، لا بالمعنى الذي كان سائدا في ~~الغرب فحسب - نظاما تاريخيا كان له دوره خلال مرحلة من مراحل التطور ثم انقضى ~~عهده، وإنما هو نظام ما زالت له - في المنطقة التي نعيش فيها من العالم - آثار عميقة، ~~بل لا يزال له وجود فعلي ملموس في كثير من أرجاء هذه المنطقة. # ولسنا نود أن نتحدث عن العوامل المختلفة التي أدت إلى ظهور نظام الإقطاع ~~وتوطده في هذه المنطقة من العالم؛ إذ إن هذا الحديث كفيل بأن يبعد بنا عن غرضنا ~~الأصلي، وهو البحث في الاتجاهات الفكرية والمعنوية ms12 التي ترتبت على انتشار نظام ~~الإقطاع. وحسبنا أن نشير إلى أن الامتداد الزمني الهائل لنظام الإقطاع لا يسمح لنا ~~بأن نتحدث عنه كما لو كان نظاما واحدا متجانسا في كل الأحوال، بل كان من الضروري ~~أن يتغير طابعه من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر، وأن يتداخل أحيانا مع نظم ~~أخرى سابقة على الإقطاع، كنظام الرق، وأحيانا أخرى مع نظم لاحقة له، كالنظام ~~الرأسمالي. # ولذلك كان يكفينا، لكي نحقق أغراض بحثنا الحالي، أن نشير إلى نظام الإقطاع ~~بوصفه ذلك النظام الذي يرتبط أساسا بالحياة الزراعية، والذي يتسم بعلاقات ~~اقتصادية واجتماعية بعيدة كل البعد عن التكافؤ بين ملاك كبار من ناحية وبين ~~فلاحين مستعبدين بدرجات متفاوتة. وينبغي أن نتنبه في هذا الصدد إلى أن آثار ~~هذا النظام تظل تطبع الحياة الريفية بطابعها الخاص، حتى بعد أن يطرأ تحول أساسي ~~على نمط الملكية الزراعية، ولا يعود الملاك الإقطاعيون مسيطرين على أقدار ~~الفلاحين؛ ذلك لأن التغير في النظم التشريعية أيسر وأسرع بكثير من تغير ~~العقليات والعادات الاجتماعية. ومن هنا كانت العادات القديمة تظل مستحكمة في ~~النفوس بعد فترة طويلة من زوال النظم التي أدت إلى ظهورها. # ولنقل، بعبارة أصرح، إننا في الوقت الذي قضينا فيه على الإقطاع من حيث هو نظام ~~اقتصادي تتسم العلاقات الاجتماعية فيه بطابع معين، لم نستطع بعد أن نقضي على ~~العادات الفكرية والاتجاهات المعنوية التي يولدها نظام الإقطاع. بل إننا حتى في ~~حياتنا الحضرية قد انتقلنا إلى المدن حاملين تراثا كاملا من الأفكار والاتجاهات ~~الريفية المرتبطة بعصور إقطاعية عميقة الجذور، فكانت النتيجة أننا أصبحنا في كثير ~~من الأحيان نحيا حياة مزدوجة بالمعنى الصحيح، فنمارس في المدن أعمالا ترتبط في ~~صميمها بالعصر الحديث، كإدارة دفة الأداة الحكومية، أو الاشتغال في مصنع أو شركة ~~تجارية، ولكنا نمارس هذه الأعمال بعقليات وقيم موروثة من بيئة هي في صميمها ~~ريفية، بل هي في صميمها إقطاعية. # ولا شك أن لهذا الازدواج أخطاره وأضراره، إذ إنه يحدث انفصاما معنويا في ~~المجتمع، بين طبيعة الواقع ms13 الذي يعيش الناس فيه ونوع العقلية أو النفسية التي يواجهون ~~بها هذا الواقع ويحاولون حل مشاكله. ولذلك فإننا حين ندرس العادات والاتجاهات ~~العقلية التي ترتبط بالنظام الإقطاعي أو تتولد عنه، لا ندرس مرحلة غابرة من ~~التاريخ، بل ندرس واقعا لا يزال يحيا بيننا حتى اليوم، وما زال يمارس تأثيره في ~~سلوكنا على الرغم من اختفاء النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي أدى إلى ظهوره. ~~فلنحاول إذن أن ندرس بشيء من التفصيل نوع العادات والقيم التي يولدها النظام ~~الإقطاعي في المجتمع لكي تتضح لنا عن طريقها كثير من مظاهر عدم التوازن في حياتنا ~~الراهنة، وتستبين من خلالها وسائل التخلص من هذا الاختلال. ~~(4) السمات المعنوية للحياة في ظل الإقطاع # ومن الواجب أن تكون نقطة بدايتنا في دراسة السمات العقلية المتولدة عن نظام ~~الإقطاع هي تلك الحقيقة التي أشرنا إليها من قبل، وأعني بها أن نظام الإقطاع مرتبط ~~أساسا بالحياة الريفية الزراعية. ولا شك أن طول المدة التي ظل فيها الإقطاع ~~سائدا في الريف قد أدى إلى تداخل وثيق بين العلاقات الاجتماعية الإقطاعية وبين ~~نمط الحياة الريفية بوجه عام، بحيث يمكن القول إن قدرا غير قليل من معالم ~~الحياة في الريف، كما نعرفها حتى يومنا هذا، قد تحدد عن طريق نظام الإقطاع، كما ~~يمكن القول من ناحية أخرى إن السمات الرئيسية المميزة للعقلية التي تعيش في ظل ~~الإقطاع قد تشكلت نتيجة لظروف البيئة الزراعية التي لا يسود هذا النظام إلا ~~فيها. ~~(1) # أولى السمات التي تلفت الأنظار في البيئة الريفية التي يسودها ~~الإقطاع، والتي تؤثر تأثيرا قويا على العقليات في هذه البيئة: هي ~~«بساطة نمط الحياة وبطء إيقاعها» وصحيح أن هذه سمة مشتركة بين ~~كل المجتمعات الزراعية، ولكن نزوع المجتمع إلى الثبات ومحاربته ~~للتجديد من الصفات التي تزداد وضوحا في المجتمع الإقطاعي على وجه ~~التخصيص؛ ذلك لأن الإقطاع بطبيعته نظام راكد، يحرص أصحاب السلطة فيه على ~~الاحتفاظ بنفوذهم وسيطرتهم، ويؤمنون - عن حق - بأن شيوع الاتجاه إلى ~~التجديد في أي ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية يمكن أن ms14 تنتقل عدواه ~~إلى سائر الميادين؛ ومن ثم فإنه يهدد سلطتهم ذاتها بالخطر. # في مثل هذا المجتمع تتخذ أساليب الإنتاج ذاتها طابعا ثابتا، ولا ~~توجد أية حوافز للتجديد. وينعكس ذلك مباشرة على العقول، فتكون ~~النتيجة أن تتسم طرق الفكر بالثبات، وتتسم العادات الاجتماعية ~~والقيم الأخلاقية بالجمود والتحجر. وإلى هذا العامل يرجع قدر كبير ~~من النفور من التجديد في مجتمعاتنا الريفية، والاعتقاد بأن الأحوال ~~السائدة في المجتمع المحلي هي أوضاع أزلية، كانت ولا تزال موجودة في ~~كل مكان وزمان. ولا جدال في أن ضيق نطاق التجارب في المجتمع الريفي يقوم ~~بدور هام في هذا الصدد؛ إذ إن الانفتاح على العالم الخارجي، وتبادل ~~الخبرات مع الشعوب والمجتمعات الأخرى، ظل حتى عهد قريب أمرا عسيرا ~~بالنسبة إلى معظم المجتمعات الريفية في العالم، وزاد تحجر نظام الإقطاع ~~من إحكام هذه العزلة، فكانت النتيجة هي ما نلمسه في المجتمعات الريفية ~~من ارتياب وتشكك في أي نمط من أنماط السلوك أو الاعتقاد يخالف ~~النمط الشائع في المجتمع المحلي، والنظر إلى كل تجديد على أنه بدعة لا ~~تشكل انحرافا فرديا فحسب، بل تمثل خروجا على تقاليد المجتمع ذاته ~~وتحديا وإهانة له. ~~(2) # ويرتبط بالسمة السابقة مباشرة تقديس الماضي على حساب الحاضر ~~والمستقبل. ففي المجتمع الذي يسوده النزوع إلى الثبات، والنفور من ~~التغير والتجديد، تعد عبادة الماضي ظاهرة لا مفر منها. وهذه ~~بدورها ظاهرة نلمسها في كافة المجتمعات الريفية عامة، حيث لم تتغير ~~أساليب الإنتاج إلا في عشرات السنين الأخيرة، بينما ظلت عشرات القرون ~~تكاد تكون ثابتة. ولكن المجتمع الإقطاعي يضيف إلى هذا التعليل العام سببا ~~آخر؛ ذلك لأن زمام السيطرة في هذا المجتمع يقع في قبضة أناس يتجهون، ~~بحكم وضعهم الاجتماعي، إلى تكريم الأسلاف والإشادة بماضيهم. فالمالك ~~الإقطاعي الكبير يدين بثروته ونفوذه - في معظم الأحيان - للوراثة، ~~وكثيرا ما تكون ممتلكاته موروثة من أسلاف بعيدين، بل إن لقبه ذاته ~~قد يكون موروثا من أجداد سبقوه بمئات من السنين. وهكذا فإن أمجاده ~~كلها مرتبطة بالماضي، وكل قيمة للحاضر إنما تستمد في ms15 نظره من ~~علاقته بهذا الماضي. ولما كان الأعيان الإقطاعيون هم المسيطرون في مثل ~~هذا المجتمع، فإن طرق تفكيرهم وقيمهم الأخلاقية هي التي تنتشر وتطبع ~~صورتها على المجتمع ككل، ومن هنا تتعلق الأذهان في مثل هذا المجتمع ~~بالماضي، وتنظر إلى المستقبل - الذي يحمل في طياته دائما احتمالات ~~التغيير - بعين الارتياب، بل إنها لا ترضى عن الحاضر ذاته إلا بقدر ما ~~يكون انعكاسا للماضي، وترى أن القديم أفضل دائما من الجديد، وأن ما انقضى ~~عهده لا يمكن أن يعوض. وحين تصبح هذه الطريقة في التفكير ظاهرة ~~عامة، يؤمن بها الإقطاعيون والفلاحون على حد سواء، يكون معنى ذلك ~~أن أصحاب المصلحة في التغيير يعملون - على غير وعي منهم - على محاربة ~~التغيير، وعلى تأكيد حقوق الغاصبين الذين يعد التعلق بالماضي عاملا ~~أساسيا من عوامل تثبيت سلطتهم وإحكام قبضتهم على المجتمع. # ويمكن القول إن كل إفراط في التعلق بالتراث الماضي، في مجتمع ~~معين، إنما هو - في جانب من جوانبه - أثر من آثار هذه العقلية الإقطاعية ~~التي تدين بمبدأ عبادة الأسلاف. صحيح أن من حق كل شعب، بل من واجبه، ~~أن يتذكر أمجاده الماضية ويستمد منها قوة تعينه على النهوض ~~بحاضره، ولكن حين يصل تقديس التراث الماضي إلى حد الإلحاح المريض على ~~هذه الأمجاد مع نسيان الحاضر نسيانا تاما، وإلى حد الاعتقاد بأن ~~تذكير الناس بماضيهم يكفي وحده لتعويض كل نقائص حاضرهم، فعندئذ لا ~~تعود عبادة الماضي عاملا من عوامل نهضة الأمة، بل تصبح عائقا في وجه ~~تقدمها. # وحسبنا أن نشير إلى أن هذا التعلق المفرط بالماضي ينطوي ضمنا ~~على إنكار لمبدأ التقدم، بل على عدم إيمان بإمكان هذا التقدم؛ فمثل ~~هذا المجتمع يرى أن كل علامات التقدم المحيطة به إنما هي مظاهر ~~خادعة، ويعتقد أن مضي الزمن لا يؤدي إلا إلى زيادة تدهور البشرية، ~~أو على أحسن الفروض يتركها على ما هي عليه، دون أن يخطو بها إلى الأمام ~~خطوة واحدة. ولا جدال في أن هذه النظرة التشاؤمية مرتبطة أوثق ~~الارتباط بالنزعة الرجعية السائدة في ms16 عصور الإقطاع، إذ إن بقاء ~~الأوضاع على ما هي عليه، أو على ما كانت عليه في الماضي، هو خير ضمان ~~للمحافظة على مكاسب الإقطاعيين واستمرار سيطرتهم على المجتمع. # هذه الظاهرة تتمثل في بعض المجتمعات التي ظلت خاضعة أمدا طويلا ~~لسيطرة الإقطاع (فضلا عن أنها تنتشر أيضا في المجتمعات التي كان ~~للنظام القبلي فيها دور هام في تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية). ~~وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على عجز عن التكيف مع الواقع، أو ~~على رغبة لا شعورية في الهروب منه. وحين تتخذ عبادة الماضي طابعا ~~متطرفا فإنها تصبح عاملا من عوامل تخدير المجتمع وصرف أنظاره عن ~~مشاغله الحاضرة وعن واجباته في المستقبل. ولذلك كان لزاما على كل ~~مجتمع يتطلع إلى إحداث تغير ثوري في حياته أن يجعل لتأثير ماضيه ~~حدودا لا يتعداها. وأفضل ما يمكن عمله في هذا الصدد هو أن يتخذ ~~من ماضيه قوة تعينه على السير قدما نحو مستقبل أفضل، وهذا أمر لا ~~يصعب إنجازه، إذ إن قدرة الأمة على اكتشاف نفسها والاهتداء إلى ~~هويتها الأصيلة، تعد من أهم العوامل التي تساعدها على النهوض في ~~مستقبلها، بل إن البعض يرى أن تعمق الأمة في معرفة ماضيها وفهم أبعاد ~~شخصيتها يعينها حتى في عمليات التنمية ذاتها، سواء كانت تلك تنمية ~~اقتصادية أم اجتماعية. في هذا الإطار يعد التعلق بالماضي والسعي إلى ~~استكشاف أبعاده أمرا مشروعا، أما الوقوف عند حدود هذا الماضي دون نظر ~~إلى متطلبات الحاضر وأهداف المستقبل فمظهر من مظاهر عقلية معتلة ~~ربما كان من أهم أسباب تكوينها انتشار عادات التفكير التي ترجع إلى العصور ~~الإقطاعية. ~~(3) # ومن الطبيعي أن يؤدي هذا النمط الاجتماعي السكوني المتحجر، الذي ~~يسود عصور الإقطاع، والذي يربط العقول بعجلة الماضي أكثر مما ~~يوجهها نحو المستقبل، إلى شيوع التزمت وضيق الأفق في مجال ~~الفكر. ففي مثل هذا المجتمع لا يوجد للشك مجال، ذلك لأن كل الأسئلة ~~تجد إجابات معدة سلفا، متفقا عليها بما يشبه العرف، ~~والمفروض أن تكون هذه الإجابات كافية، وألا يثار من ms17 الأسئلة إلا ما ~~يوجد عنه مثل هذه الإجابات. أما حالة الشك العقلي، أو التردد أو ~~عدم الجزم (وهي المعروفة فلسفيا باسم «اللا أدرية») فغير مقبولة في ~~مجتمع كهذا. ذلك لأن الشك هو أول خطوات السعي إلى التغيير، الذي هو ~~أكبر المحرمات في المجتمع الإقطاعي. وفي مثل هذا المجتمع لا يسمح ~~لأحد بأن يظل معلقا بين الشك واليقين؛ لأن كل الحقائق التي ~~يسمح بمعرفتها ينبغي أن تكون يقينية وأن تقبل بلا مناقشة. # أما الآراء المعارضة فإن التسامح معها يؤدي إلى انهيار أسس ~~المجتمع الإقطاعي، ومن هنا كان مبدأ التسامح ذاته من المبادئ التي لا ~~يعترف بها مجتمع كهذا. ويصدق ذلك على مجال العلم والفكر، مثلما يصدق ~~على مجال السياسة. فكما أن الحريات الفردية لا يسمح بها في المجال ~~السياسي، فكذلك لا تبدي السلطات المسيطرة على المجتمع تسامحا فكريا ~~مع الرأي الذي يخالف العرف المتفق عليه، وتعمل على كبت روح النقد ~~والتحليل العقلي. # على أننا لسنا بحاجة إلى جهد كبير لكي ندرك أن عددا هائلا من ~~أعظم الكشوف التي توصلت إليها البشرية لم يظهر إلا لأن هناك عقولا ~~سيطرت عليها - في البداية على الأقل - ~~روح الشك في المعرفة القائمة، ولم تقتنع بالإجابات السهلة التي ~~يرد بها على تساؤلات العقول، بل لم تكتف أصلا بالنسبة التي يشيع ~~طرحها، وإنما طرحت أسئلة جديدة، وحاولت أن تهتدي بنفسها إلى الإجابة ~~الصحيحة عنها. وهذا يعني أن التزمت الفكري الذي يسود هذه المجتمعات ~~يساعد - بدوره - على بقائها في حالة الجمود والتحجر التي أشرنا ~~إليها من قبل، بحيث يكون عدم التسامح وضيق الأفق سببا ونتيجة لهذا ~~الجمود في آن واحد. # ولعل في هذا ما يكفي لتفسير ظاهرة انعقد عليها إجماع المؤرخين، وهي ~~أن أي عصر من عصور الإقطاع لم يشهد تقدما علميا أو فكريا ~~بالمعنى الصحيح، بل حدث هذا التقدم، جزئيا في بعض العصور السابقة على ~~الإقطاع، ثم تحقق معظمه في العصور اللاحقة له. وكان العامل الأساسي ~~الممهد لهذا التقدم هو التخلص من تزمت العقلية الإقطاعية، ~~والاعتراف بمبدأ ms18 التسامح الفكري. فمنذ اللحظة التي أدرك فيها ~~المجتمع أن الشك في المعرفة وفي الآراء السائدة ليس جريمة، وإنما هو ~~دليل على حيوية الفكر، وقد يكون هو الخطوة الأولى نحو الوصول إلى كشف ~~جديد - منذ هذه اللحظة أصبح التقدم مسألة وقت فحسب. ولكن لا بد ~~للاعتراف بحق الغير في إبداء آراء مخالفة، ولإدراك قيمة المعارضة ~~الفكرية في النهوض بالمعرفة البشرية في كافة مجالاتها، لا بد لذلك ~~من التخلص من بقايا العقلية الإقطاعية بما تفترضه من مجتمع نمطي ~~موحد التفكير. ~~(4) # وإذا كان إنكار مبدأ الشك وعدم التسامح هو الوجه السلبي للعقلية ~~السائدة في عصور الإقطاع، فإن الوجه الإيجابي لهذه الظاهرة نفسها هو ~~الإيمان المفرط بالسلطة. ففي جميع مجالات الحياة توجد سلطة نهائية ~~يرجع إليها، وتكون لها الكلمة الأخيرة في كل أمر يختلف عليه ~~الناس. # ولا شك أن فكرة السلطة هذه مستمدة أصلا من وضع المالك الإقطاعي ~~في المجتمع، الذي تكون لديه بالفعل سلطة مادية على ساكني إقطاعيته، ~~كما تكون لديه سلطة معنوية عليهم، تتمثل في إطاعتهم لأوامره وسعيهم إلى ~~محاكاته والرجوع إليه من أجل حل مشكلاتهم. هذا النمط من السلطة ~~يمتد بحيث يسري على سائر المجالات، ففي الأمور العقلية بدورها يكون ~~هناك مصدر معين للسلطة يحتكم إليه المشتغلون بالعلم في كل مسألة ~~يريدون استجلاء غوامضها. وقد يكون هذا المصدر شخصا حيا، ولكنه في ~~معظم الأحيان حكيم من الحكماء السابقين الذين تطمئن العصور الإقطاعية ~~إلى آرائهم، بعد أن تصبغها بصبغة متحجرة، كما هي الحال بالنسبة إلى ~~أرسطو في العصور الوسطى. # على أن نوع الشخص - ماديا كان أم معنويا - الذي يتخذ منه المجتمع ~~سلطة، لا يهمنا بقدر ما يهمنا مبدأ السلطة ذاته. فنتيجة لانتشار ~~هذا المبدأ، يصبح منهج التفكير المعترف به هو إرجاء الجديد إلى القديم، ~~ويضيع عنصر الابتكار الفردي في التفكير، بل إن الإبداع الفردي أمر لا ~~يعترف به أصلا في المجتمع الإقطاعي. فكل ما يتم إنجازه في مثل هذا ~~المجتمع يتحقق عن طريق جماعات، لا عن طريق أفراد، أو لنقل بعبارة ~~أدق ms19 إن الفرد لا ينجز في هذا المجتمع شيئا بصفته ~~الفردية، بل بوصفه عضوا في ~~جماعة كبيرة تمحى فيها شخصيته الفريدة المميزة. فالفرد لا يتميز ~~إلا من حيث هو عضو في طائفة دينية معينة، أو مشتغل في إقطاعية ~~معينة، أو ينتمي إلى جماعة حرفية معينة. وحتى الإبداع الفني، الذي ~~تعد الفردية - في نظر الإنسان الحديث - شرطا أساسيا لتحققه، حتى ~~هذا الإبداع كانت تمحى فيه شخصية الفنان، الذي لم يكن يقوم بعمله ~~الفني إفصاحا عن مشاعره الخاصة، أو رغبة منه في التعبير عن نفسه، ~~وإنما كان يقوم به خدمة لأغراض الطائفة الدينية التي ينتمي إليها، أو ~~تخليدا لاسم الحاكم الذي يدين له بالولاء، أو غير ذلك من الأغراض التي لم ~~تعد لها مكانة هامة - أو لم تعد لها مكانة على الإطلاق - عند ~~الفنان ذي النزعة الفردية في عصرنا الحديث. # ومجمل القول إن العصور الإقطاعية لم تعترف بالفرد من حيث هو كيان ~~مستقل، بل إنها كانت دائما تدمج الفرد في كيان أوسع تذوب فيه شخصيته ~~الخاصة. وكان على الفرد أن ينظر إلى المبادئ التي تحكم عمل هذا الكيان ~~الأوسع - سواء كان إقطاعية أم طائفة دينية أم جماعة حرفية - ~~على أنها سلطة لا تناقش، وأن يرجع إليها كلما تشعبت أمامه ~~المسالك والتبست الأمور، ليجد لديها الكلمة الأخيرة في كل ما يريد ~~أن يعرفه أو يبت فيه. # وفي مثل هذا الجو العقلي يستحيل أن تتقدم عملية البحث عن الحقائق؛ ~~إذ إن كل شيء يرد إلى أصول معترف بها من قبل، وتتوقف قيمة ~~النتائج التي يتوصل إليها المرء لا على قدرتها على إقناع العقل بل على ~~قوة السلطة التي ترتكز عليها. وهكذا تظل الملكات العقلية للإنسان في ~~حالة خمول وتعطل، ويشيع الاعتراف بمنهج القياس، أعني منهج إرجاع كل ~~واقعة جديدة إلى واقعة أخرى أعم، تكون معروفة سلفا، وتنحصر قيمة ~~كل إنسان في مدى قدرته على الاستشهاد بآراء الغير، وبالعبارات ~~المحفوظة عن الأجداد والأسلاف، أو المنقولة حرفيا عن أقوال أولي الأمر، ~~لا في قدرته على استخدام عقله ms20 من أجل توسيع معارفه والارتقاء بحصيلة ~~المجتمع الإنساني من العلم، ومن فهم العالم الطبيعي والاجتماعي المحيط ~~به. ~~(5) # ولقد كانت النتيجة المباشرة لسيادة أسلوب التفكير القائم على فكرة ~~السلطة، هي شعور الفرد بالاستسلام والعجز عن تغيير أي وضع من ~~الأوضاع التي يجدها سائدة في المجتمع. بل لقد كان الفرد يحس بأن هذه ~~الأوضاع لا تقبل التغيير أصلا، فهي أوضاع أزلية لا يملك المرء إلا ~~أن يقبلها على ما هي عليه. # ولقد كان البعض يعمد أحيانا إلى تفسير المبادئ الدينية تفسيرا ~~باطلا يساعد على تقوية هذا الشعور بالعجز عن تغيير الواقع، وذلك عن ~~طريق الدعوة إلى فهم معين لأفكار مثل القضاء والقدر، يزيد من ~~إحساس المرء بأن ما يحيط به في العالم مقدر له منذ الأزل أن يكون ~~على ما هو عليه، وأن جهود الإنسان في هذه الحياة لن تجدي فتيلا؛ لأن كل ~~شيء يسير في طريق مرسوم محتوم لا يملك الإنسان إزاءه شيئا. بل إن بعض ~~المفكرين يرون أن هذا التفسير المتطرف للقدرية إنما هو التعبير ~~المباشر - في المجال الديني - عن الرغبة في الإبقاء على الأوضاع السائدة ~~في العصر الإقطاعي على ما هي عليه، وصبغها بصبغة أزلية لا تتغير ولا ~~تتبدل. فحين يصبح كل حادث أمرا يستحيل على الإرادة الإنسانية أن ~~تتدخل فيه أو تعمل على تغييره، يكون معنى ذلك أن النظم الاستبدادية ~~الظالمة في المجتمع هي بدورها شيء مقدر منذ الأزل، وأن الإنسان لا ~~يملك إلا أن يتركها على ما هي عليه. وبعبارة أخرى، فإن التفاوت ~~الهائل بين الطبقات، والاستغلال البشع الذي تمارسه الطبقة المالكة ~~على الطبقات الدنيا في المجتمع، ينظر إليه في هذه الحالة على أنه تعبير ~~عن المشيئة الإلهية، التي ينبغي أن يقبلها الإنسان دون أدنى اعتراض. ~~وليس هناك ما هو أبعد من هذا التفسير عن الفهم السليم لجوهر العقائد ~~الدينية، التي كانت كلها تستهدف إقرار العدالة ومحاربة كافة أشكال ~~الظلم. وليس هناك أيضا ما هو أحب إلى الطبقات العليا المسيطرة، ~~وأقرب إلى تحقيق أهدافها ومصالحها، من هذه ms21 الدعوة التي تؤكد استحالة ~~تجاوز الفوارق بين طبقات المجتمع، وتشيع بين الناس الاعتقاد بأن ~~النظام الاجتماعي ينتمي إلى مجال الأمور الأزلية المقدرة سلفا، وأنه ~~جزء من النظام العام للكون، وأن الإنسان مثلما يعجز عن أن يجعل الشمس ~~تشرق من المغرب لا يمكنه أن يتدخل في تغيير الفوارق الاجتماعية التي ~~نظمت بها حياة الناس منذ الأزل. # فهل من المستغرب بعد ذلك أن نجد أصحاب السيطرة في المجتمعات ~~الإقطاعية يشجعون أمثال هذه التفسيرات الباطلة للعقائد الدينية؟ لا ~~جدال في أن الارتباط واضح بين مصالحهم الشخصية وبين انتشار الدعوة ~~القائلة بأن الشكل الجائر للنظام الاجتماعي هو جزء من نظام الكون، ومن هنا ~~فقد أصبحوا على مر التاريخ حماة لأصحاب هذه الآراء الباطلة، وكونوا ~~معهم تحالفا وثيقا، بل لقد تداخلت الفئتان تداخلا وثيقا، كما ~~حدث في أوروبا عندما أصبح رجال الدين في العصور الوسطى هم في الوقت ذاته ~~من كبار الإقطاعيين، وصار دفاعهم عن فكرة ثبات النظم الاجتماعية القائمة ~~وأزليتها دفاعا عن مصالحهم الخاصة، لا عن مصالح حلفائهم ~~فحسب. ~~(6) # وأخيرا فإن تأثير هذه المصالح قد انعكس على التصور الديني لكثير من ~~المجتمعات الإقطاعية في صورة أخرى، أسهمت بدورها في تشكيل عقول أفراد ~~هذه المجتمعات بصورة مميزة، تلك هي إدخال نوع من التفاوت أو ~~التسلسل في المراتب في المجال الروحي ذاته. فهناك مجتمعات تتصور ~~الألوهية عالية مترفعة عن عالم البشر، وتقيم نوعا من تدرج المراتب ~~بين هذه الألوهية وبين عامة الناس، فبعد الله يأتي الأنبياء ~~والقديسون، ثم كبار الكهنة أو رجال الدين، ويتدرج الترتيب بعد ذلك حتى ~~يصل آخر الأمر إلى الإنسان العادي. ولا بد للارتقاء إلى كل مرحلة ~~من هذه المراحل من المرور بالمراحل السابقة، أي أن الإنسان العادي لا ~~يستطيع مثلا أن يتقرب إلى الله، أو يحظى بشفاعة أحد القديسين، إلا ~~عن طريق الكاهن الذي يتوسط بينه وبينهم. # والدليل على أن هذه النظرة إلى الدين انعكاس لنظام اجتماعي يتسم ~~أيضا بالتدرج وتفاوت المراتب، هو أن هناك نظرات أخرى إلى الدين ~~تختفي فيها هذه ms22 الحواجز، ويشيع فيها التقارب بين الله والإنسان، إذ ~~يعد الله قريبا من البشر، مستجيبا ومعينا لهم، بل إن بعض المذاهب ~~الدينية تؤكد حلول الله في العالم، وإمكان اتحاد الإنسان به إذا ~~ارتقى إلى مستوى معين من الروحانية. # هذه الفكرة الأخيرة ترتبط بنظرة أكثر ديمقراطية إلى المجتمع البشري؛ ~~لأنها لا ترتكز على تأكيد الفوارق في المرتبة بين الموجودات، ولأنها ~~تعطي الإنسان العادي أملا في بلوغ أهداف العقيدة الدينية دون حاجة ~~إلى واسطة. وبالفعل سادت هذه النظرة في العصور التي كانت أقرب إلى ~~الروح الديمقراطية، على حين أن فكرة تسلسل المراتب من الأعلى إلى ~~الأدنى كانت مقترنة بالتفاوت والفوارق التي هي أول خصائص المجتمع ~~الإقطاعي. # | المرحلة الرأسمالية # مقدمة # لم يكن الانتقال من نظام الرق إلى المرحلة الإقطاعية انتقالا مفاجئا، ولم يكن ~~يمثل ثورة إنتاجية وعقلية بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأن القوى المنتجة في نظام ~~الإقطاع، وهي رقيق الأرض، لم تكن تختلف كثيرا عن العبيد في نظام الرق القديم. ~~كذلك فإن شكل الإنتاج لم يطرأ عليه تغير أساسي؛ إذ إنه ظل في أساسه زراعيا، ~~فضلا عن أن حجم الإنتاج كان محدودا، وكانت أساليبه لا تختلف كثيرا في بساطتها عن ~~نظيرتها في نظام الرق. # أما الانتقال من المرحلة الإقطاعية إلى المرحلة الرأسمالية، فكان انتقالا حاسما ~~بحق. فقد طرأ على شكل الإنتاج تحول أساسي، بحيث لم تعد الزراعة هي المصدر الأساسي ~~لثروة المجتمع، بل حلت محلها الصناعة، التي لم يكن لها في المراحل السابقة إلا ~~دور محدود، يناظر الأساليب الساذجة التي كانت تستخدم في ممارسة الحرف اليدوية. ~~كذلك فإن القوى الإنتاجية قد طرأ عليها تغير أساسي، يتمثل في الانتقال من رقيق ~~الأرض إلى العامل الأجير. ولعل أهم مظاهر هذا التغير هو أن الاستبداد الذي كان ~~يحل على رقيق الأرض، أو حتى على العبد، كان منصبا عليه مباشرة من حيث هو «شخص»، ~~أما العامل الأجير فقد أصبح يخضع لنوع غير مباشر من الاستبداد، لا ينصب على ~~شخصه، بل عليه من حيث هو ينتمي إلى «طبقة». فصاحب العمل ms23 لا يستغل هذا العامل أو ذاك ~~على وجه التحديد، بل هو يستغل العمال من حيث هم أجيرون، أي من حيث إن لهم ~~وضعا طبقيا خاصا. # ولقد كان من الطبيعي أن ينعكس تأثير هذه التغيرات الحاسمة على العادات العقلية ~~والنزعات الفكرية للإنسان في العصر الرأسمالي. ومع ذلك فإن هذه التغيرات لم ~~تحدث دفعة واحدة، بل حدثت متدرجة على مراحل متعددة، يختلف تعدادها باختلاف ~~وجهة النظر المتبعة في بحثها. على أننا نستطيع، بالنسبة إلى أغراض بحثنا، أن ~~نلمح فارقا أساسيا بين مرحلتين للرأسمالية، كانت لكل منهما خصائصها المميزة ~~(مع وجود سمات هامة مشتركة بينهما بطبيعة الحال)، هما: مرحلة الرأسمالية ~~المبكرة، ومرحلة الرأسمالية المكتملة. وسوف ندرس كلا من هاتين المرحلتين من ~~الزاوية التي ينصب عليها موضوع هذا الفصل، وأعني بها التأثير الفكري والمعنوي الذي ~~يترتب على كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي. ~~(1) الرأسمالية المبكرة # كانت أهم المعالم التي تنبئ بانهيار المرحلة الإقطاعية وبداية ظهور مرحلة جديدة ~~في التطور الاجتماعي هي: ~~(1) # ظهور فئة منتجة مستقلة هي فئة «الصناع» التي يمكن أن يعد ~~ظهورها مرحلة وسطا بين الاقتصاد الإقطاعي الذي كان زراعيا، ولم يكن ~~يعرف إنتاجا حرفيا منظما، وبين المرحلة الصناعية المكتملة في ~~العصر الحديث. هذه الفئة لم تكن قد تحولت بعد إلى «طبقة عاملة» ~~بالمعنى المعروف حديثا لهذه الكلمة، ولم تكن قد انفصلت تماما عن الواقع ~~الذي تنتج فيه ومن أجله، بل كانت لا تزال لها صلات قوية بإنتاجها ~~وبالأغراض التي تنتج من أجلها. ~~(2) # ظهور نمط اقتصادي لا يستهدف الاستهلاك في نفس الوحدة المنتجة، أي ~~ظهور البوادر الأولى «للسوق»، التي ينفصل فيها المنتج عن المستهلك. ~~ومع ذلك فإن المعالم الكاملة للسوق، من حيث هي كيان لا شخصي مجهول لا ~~يعرف العامل المنتج عنه شيئا سوى أنه قوة تتحكم فيه دون أن يدري عنها ~~شيئا - هذه المعالم لم تكن قد تحددت بعد بوضوح في هذه الفترة. ~~(3) # ولعل أهم مظاهر التحول إلى المرحلة الجديدة هو ظهور التاجر من حيث ~~هو قوة رئيسية في الاقتصاد، تتحمل مخاطرة ms24 الشراء من المنتج لكي ~~تبيع لمستهلك لا صلة له بهذا المنتج. ومن المعترف به أن التجارة قد ~~عرفت منذ أبعد العصور، ولكن دورها في هذا العصر كان متميزا، فقد ~~أصبح التاجر يعتمد على نوع جديد من الثروة، لم يكن يعرفه العصر ~~الإقطاعي الذي كانت ملكية الأرض فيه هي الشكل الوحيد المعروف للثروة. هذا ~~النوع الجديد هو رأس المال التجاري الذي أصبحت له أهمية فعالة في شراء ~~المواد والأدوات اللازمة للإنتاج، ولتخزين المنتجات، فضلا عن أهميته في ~~الائتمان والمعاملات المصرفية. # والواقع أن الدور الأكبر الذي قام به التاجر في تطوير الاقتصاد نحو المرحلة ~~الرأسمالية، كان يتمثل في تأكيده لأهمية المال كقوة جديدة لها وزنها ~~الفعال في المجال الاقتصادي. فبعد أن كانت الأرض، وقوة العمل التي كان يبذلها فيها ~~الفلاحون، هي المصدر الأساسي لإنتاج الثروة في المجتمع، أصبح هناك مصدر جديد لا صلة ~~له بأي شكل مباشر من أشكال الإنتاج (لأن المال النقدي لا يستطيع، بذاته، أن ينتج ~~شيئا). ولقد كان هذا المصدر الجديد هو الذي أعطى المرحلة الرأسمالية شكلها ~~المميز، وهو نقطة البداية في تحديد المعالم الرئيسية لهذه المرحلة الجديدة. # تأثير التعامل النقدي # لكي ندرك قوة التأثير المادي والمعنوي الذي أحدثه التعامل النقدي في ~~العصر الرأسمالي المبكر، ينبغي علينا أن نبدأ بكلمة موجزة نعرض فيها لطبيعة ~~النقود من حيث هي قوة اقتصادية؛ فالنقود وسيط يتم عن طريقه التبادل، وهي ~~وسيلة لتخزين الثروة، ومقياس للقيمة، وإن كانت مقياسا متقلبا لا يتسم ~~بالثبات. وقد كانت النقود تتخذ في البداية شكل قطع من المعادن (كالذهب أو ~~الفضة أو النحاس) توزن عند إجراء كل تعامل أو صفقة، ثم صنعت قطع من ~~المعدن لها وزن ثابت وسمك معلوم، وأصبحت الحكومات ضامنة لها، وبهذه الوسيلة ~~أصبح تبادل السلع أيسر بكثير مما كان عليه في نظام المقايضة؛ إذ إن هذا ~~النظام الأخير يحتم على الشخص الذي يريد استبدال سلع أن يجد شخصا آخر لديه ~~ما يريد من السلع، ويريد ما لديه منها، وهو شرط لا يمكن تحقيقه في ms25 كل ~~الأحوال. ولذلك كانت النقود عاملا حاسما في ازدهار التجارة، وفي تعميق تقسيم ~~العمل وتوسيع نطاقه. وقد يسرت النقود تكديس الفوائض في الثروة، وبالتالي تكوين ~~رأس المال، وذلك لسهولة تخزينها وإمكان جمعها في حيز محدود، ولأنها لا تفسد ~~كالحاصلات الزراعية مثلا، فضلا عن سهولة نقلها من مصادر متعددة، بحيث ~~يصبح من السهل جمع مدخرات أناس كثيرين في مكان واحد واستغلالها في ~~مشروع أوسع نطاقا. # ولا يمكن القول إن هذا التعامل النقدي قد بدأ لأول مرة في الفترة التي ~~نتناولها هنا بالعرض، إذ إن بوادره الأولى قد بدأت منذ الحضارات ~~القديمة، كالحضارة السومرية، التي ظهرت فيها أول بدايات نظام الائتمان ودفع ~~الفوائد لقاء القروض، كذلك تضمن قانون حمورابي الذي يرجع تاريخه إلى حوالي ~~1750 قبل الميلاد نصوصا خاصة بالعقود وبالتعهدات والالتزامات في مجال ~~الأعمال الاقتصادية. ولكن أهمية التعامل النقدي، بوصفه عاملا حاسما في ~~الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لم تظهر بوضوح إلا في العهد المبكر ~~للرأسمالية. # ذلك لأن مرونة المال النقدي وسهولة تبادله وتشكيله بأشكال مختلفة، أدت إلى ~~تحرر الأفراد الذين يملكونه من الارتباط بالمكان الثابت الذي كان من قبل هو ~~المصدر الوحيد للثروة، وأعني به الأرض الزراعية، وزيادة قدرتهم على التنقل من ~~مكان إلى آخر، بل من وطن إلى وطن. وكان هذا من العوامل الأساسية التي أدت ~~إلى أن تصبح المدن مركز الثقل في الحياة الاقتصادية في العصر الرأسمالي، بعد ~~أن كانت هذه الحياة تتركز من قبل في الريف. فالحضارة الرأسمالية حضارة مدن قبل ~~كل شيء، بل إن بقايا الطبقة الإقطاعية حين شعرت بالضعف، نظرا إلى ثبات ~~دخلها وافتقارها إلى المرونة، أخذت في بيع أراضيها وتحولت إلى المدينة ~~مستهدفة تحقيق مطالبها فيها، وبذلك ازدادت أهمية الريف ضآلة، وساهم الإقطاع ~~في هدم نفسه بنفسه. وكلما توطدت دعائم حياة الحضر، ازداد المجتمع تعلقا ~~بها، إذ يجد في المدن خير مجال لتبادل السلع، وكذلك لتبادل الأفكار، ذلك لأن ~~التبادل التجاري كان على الدوام أيسر الطرق لتبادل الخبرات والتجارب بين ~~مختلف الجماعات. # وكما أدى التبادل النقدي ms26 إلى زيادة المرونة في التنقل المكاني، فإنه أدى ~~أيضا إلى زيادة المرونة الاجتماعية؛ ذلك لأن مكانة الفرد لم تعد متوقفة ~~على ما يملكه من الأرض الزراعية، أو على لقبه الوراثي، بل أصبحت تتوقف على ~~مقدار ما يستطيع تكديسه من المال. والمال قيمة اقتصادية تجريدية، لا شأن ~~لها بالأشخاص، تعطي من يملكها - أيا كانت صفاته الأخرى - قوة ونفوذا في ~~المجتمع. وحين لا يعود للعوامل الشخصية دور في تحديد طابع الملكية، أي حين تصبح ~~الملكية ذات صبغة لا شخصية محايدة، فإن الفوارق الجامدة بين الطبقات تبدأ ~~في الزوال، ويصبح الانتقال من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى أمرا ممكنا، ~~إذا توافر المال اللازم. وهكذا فبينما كانت الوراثة والأصل العائلي تحول ~~دون انتقال أي شخص من الطبقات الدنيا إلى الطبقة العليا، إلا في أحوال ~~نادرة، فإن مثل هذا الانفصال أصبح الآن أمرا ممكنا، بل إن الطبقة العليا ~~القديمة أصبحت عاجزة عن الاحتفاظ بمكانتها، وأصبحت فرص من لا ينتمون إلى هذه ~~الطبقة، في الارتقاء أكبر من فرص كبار الملاك الوارثين؛ لأن أسلوب ~~التعامل النقدي والتجاري لم يكن غريبا بالنسبة إلى الأولين. # وحتى في الحالات التي لم يكن فيها الارتقاء إلى الطبقة العليا ممكنا، كان ~~العامل الذي يظل في الطبقة الدنيا أكثر تحررا من الفلاح المرتبط بأرض ~~الإقطاعي في نواح متعددة؛ ذلك لأن العامل يتلقى أجره نقدا، على حين أن ~~الثاني يتلقاه - في الأغلب - عينا. وحين يتخذ الأجر صبغة النقد القابل ~~للتداول الحر في أشكال لا حصر لها، يستطيع العامل أن ينفقه كيفما يشاء ~~وأينما شاء، ويصبح له بالتالي مزيد من الحريات، من الوجهة النظرية على ~~الأقل. # وهكذا يتضح لنا أن شكل التبادل النقدي لم يقتصر تأثيره على المجال ~~الاقتصادي البحت فحسب، بل لقد امتد هذا التأثير حتى أضفى على الحياة بأسرها ~~طابعا جديدا. وسوف تزداد هذه الحقيقة وضوحا عندما ندرس السمات المميزة ~~للعصر الرأسمالي المبكر. # السمات الفكرية للمرحلة الرأسمالية المبكرة ~~(1) # بينما كان العصر الإقطاعي عصر ثبات وجمود في الأفكار والعادات ~~والقيم، أصبح التغيير هو شعار ms27 العصر الرأسمالي في مراحله الأولى؛ ~~فلم يكن الإنسان في ذلك العصر يؤمن بوجود أي نظام راسخ لا ~~يتغير، سواء في الطبيعة وفي المجتمع، بل كان يعتقد اعتقادا ~~جازما بأن قدرته على التغيير تسري على كل شيء، وبأنه لا توجد ~~عوائق تمنعه من استطلاع كل المجالات وإثبات فاعليته فيها. ~~(2) # كان ذلك عصرا اكتشف فيه الإنسان نفسه والعالم المحيط به من جديد. ~~فبعد أن كان اللاهوتيون يوهمونه بأن العالم الآخر هو وحده الذي ~~ينبغي أن تتعلق به آمال الإنسان وتتجه نحوه جهوده، أصبح يتجه ~~بكل قواه نحو استطلاع آفاق العالم الطبيعي بكل تفاصيله، ~~وتمثل ذلك في حركة الكشوف الجغرافية التي تضاعفت بسببها أبعاد ~~العالم المعروف للإنسان، وكشفت فيها قارات جديدة مليئة ~~بالثروات وإمكانات الاستغلال. كما تمثل في عكوف العلماء على كشف ~~أسرار الطبيعة بمناهج واقعية وتجريبية دقيقة، وحرصهم على ملاحظة ~~تفاصيلها ملاحظة تشريحية دقيقة وكأنهم يكتشفون العالم المحيط بهم ~~لأول مرة. ~~(3) # ولم يكن من الممكن أن يتم هذا التحول لو لم يكن الإنسان في ~~ذلك العصر قد أصبح متفائلا معتدا بنفسه وبقواه، مؤمنا بأهمية ~~العمل، وبأن كل جهد يبذله لا بد أن يعود عليه بمزيد من النفع ~~والرخاء. ولقد كانت تلك بالفعل سمة بارزة من سمات المرحلة ~~الرأسمالية المبكرة، ميزتها بوضوح عن المرحلة الإقطاعية التي كان ~~يسودها الإحساس بالتشاؤم وبالانصراف عن العالم وبعدم جدوى أي ~~جهد يبذله الإنسان في هذه الحياة. وكان للعقيدة البروتستانتية ~~التي أخذت عندئذ في الانتشار في أجزاء هامة من أوروبا - بعد أن ~~ظلت الكاثوليكية هي المذهب الرسمي للمسيحية طوال ما يقرب من ~~ألف وخمسمائة عام - دور هام في وضع أسس هذه النظرية الجديدة ~~إلى العالم، بل إن بعض الكتاب، مثل ماكس فيبر # Max Weber # وتاوني # Tawney # يرون أن للبروتستانتية تأثيرا مباشرا ~~في ظهور الرأسمالية؛ ذلك لأن الروح البروتستانتية قد أزالت العوائق ~~التقليدية التي كانت تقف حائلا في وجه الرغبة في التملك، ولم ~~تكتف بتأكيد أن دافع الربح مشروع، بل لقد نظرت إلى السعي ~~إلى الربح على أنه أمر ms28 تتجه إليه الإرادة الإلهية مباشرة. وكل ~~ما ينهى عنه الله هو الترف المفرط والتبديد، أما الاستخدام ~~الرشيد للثروة من أجل تحقيق مصالح الفرد والمجتمع فأمر تدعو إليه ~~العقيدة الجديدة بحماسة. كذلك كانت هذه العقيدة تعلي من قدر العمل ~~الدائب، المستمر، الشاق، سواء كان عملا يدويا أم عقليا، وفي ذلك ~~كانت تختلف اختلافا واضحا عما تدعو إليه الفلسفة اليونانية، ~~ممثلة في قطبيها الكبيرين أفلاطون وأرسطو، من احتقار للعمل ~~اليدوي واعتقاد بأنه يحط من قدر من يشتغل به وينزع عنه ~~إنسانيته. وهكذا كانت البروتستانتية تحمل بشدة على حياة التكاسل ~~والاسترخاء، حتى بالنسبة إلى من تسمح لهم ثروتهم بمثل هذه ~~الحياة. وقد بلغ الأمر بالعقيدة الجديدة إلى حد أنها دعت إلى ~~ممارسة العمل لذاته، بوصفه شيئا يأمر به الله، لا من أجل ما ~~يجلبه من جزاء، وكان ذلك في رأي البعض مظهرا من مظاهر حاجة ~~الرأسمالية في بداية نشأتها إلى عمال يمكن استغلالهم اقتصاديا ~~على أساس من العقيدة، وهو نوع من التبرير لم يعد ضروريا بعد أن ~~اكتملت السيطرة الرأسمالية في مرحلة لاحقة من تاريخها. ~~(4) # على أن هذا العصر، في تفضيله للنزعات المتعلقة بالدنيا على ~~الروح الزاهدة، لم يكن على الإطلاق عصرا لا دينيا، وكل ما في ~~الأمر أنه كان مضادا لسلطات الكهنوت والكنيسة الرسمية، بقدر ما ~~كانت تضع قيودا على نشاط الإنسان في استغلال العالم المحيط به. ~~وترتب على ذلك أن الدين أصبح ينظم العالم الداخلي الباطن ~~للإنسان، أما العالم الخارجي فإنه يترك للإنسان حرية ~~التصرف فيه، ولا يتدخل في أفعاله الظاهرة. وكان ذلك عاملا ساعد ~~على إطلاق طاقات الإنسان الأوروبي بعد أن كانت أحكام الدين تتدخل ~~حتى في أبسط ما يقوم به من أفعال، وتنظم كافة مظاهر سلوكه وفقا ~~لمبدأ الزهد والانصراف عن شئون الحياة. ~~(5) # على أننا نستطيع أن نقول إن أبرز السمات التي تميزت بها ~~المرحلة الرأسمالية المبكرة عن المرحلة الإقطاعية السابقة عليها ~~تميزا قاطعا، كانت الاعتراف بالسيادة المطلقة للعقل، ~~والتخلي عن كل النزعات اللا عقلية التي كانت تسود العصر ms29 ~~السابق. ولا شك في أن عنصر التعامل النقدي، الذي أشرنا إلى ~~أهميته من قبل، كان مرتبطا بهذا الإعلاء من شأن العقل؛ إذ إن ~~التعامل النقدي يتسم، كما بينا، بأنه تجريدي، لا شأن له ~~بالعوامل الشخصية، وتلك بدورها سمة هامة من سمات التفكير ~~العقلي الذي يترك المحسوسات جانبا ليتعامل مع المجردات، فضلا ~~عن أنه لا يعمل حسابا للانفعالات والمشاعر الشخصية، وكلما ~~تمكن من التخلي عن العوامل الذاتية كان أقدر على أداء وظيفته ~~الحقة. وفضلا عن ذلك فإن التعامل النقدي، وما يرتبط به من ~~حسابات مالية ومصرفية معقدة، يحتاج إلى تقدم في التفكير ~~الرياضي العقلي، ومن هنا لم يكن من المستغرب أن تحرز الرياضيات في ~~ذلك العصر تقدما كبيرا بالقياس إلى فترة الركود التي مرت بها ~~منذ انقضاء العصر اليوناني القديم. # ولقد كان من الضروري للتاجر، ثم لصاحب المصنع فيما بعد، أن ينظر ~~إلى كل الظواهر على أنها قابلة للتنبؤ، وللحساب الدقيق، بحيث يرى ~~العالم كله كما لو كان مصنعا آليا ضخما يمكن حساب كل ما ~~يجري فيه من عمليات. وكانت تلك القدرات العقلية على حساب التفاصيل ~~والتنبؤ - على أساس ~~مدروس - بتطورات الأحداث جزءا لا يتجزأ من تكوين رجل الأعمال ~~الناجح في ذلك العصر. بل لقد كانت الواقعية الصارمة صفة لا بد ~~منها لمثل هذا الرجل، ولم تكن الروح المكيافيلية إلا تعبيرا ~~صادقا عن أخلاق العصر الرأسمالي الأول، وعن القيم العقلية ~~السائدة فيه، كما أن قصة مثل «دون كيخوته» لم تكن بدورها إلا ~~تأكيدا، لا يخلو من مرارة، لانقضاء عهد الفرسان النبلاء المؤمنين ~~بقيم الشهامة والبطولة الفردية، وظهور عالم واقعي صارم ~~يحسب كل شيء فيه بحساب العقل الموضوعي الدقيق. # ولم يكن من الممكن أن يصمد في المنافسة الحادة التي أصبحت ~~تميز ميدان الأعمال الاقتصادية إلا من توافرت له صفات الذكاء ~~الفردي والمهارة والصرامة والقدرة على التوقع واستباق ~~الحوادث. أما الصفات المكتسبة من الحسب والنسب والمزايا ~~الوراثية فلم تعد تجدي نفعا. وهكذا فإن وزن الأمور كلها ~~بميزان العقل الدقيق، بغض النظر عن أي ms30 اعتبار شخصي، أصبح هو ~~السمة التي ينبغي أن تتوافر في الإنسان كيما يتحقق له ~~النجاح. # بل إن الحروب ذاتها قد اصطبغت بهذه الصبغة العقلانية اللا ~~شخصية، فقد كان حلول المدفع محل السيف تعبيرا رمزيا عن ~~الانتقال من عصر شخصي إلى عصر عقلاني صارم؛ لأن القتال بالسيف ~~قتال بين شخص وآخر، أو بين إنسان وإنسان، على حين أن المدفع ~~يصيب دون التحام مباشر بين أشخاص، ولا يميز في الإصابة بين ~~إنسان وآخر، بل لا يعرف من الذي يصيبه. ولو أمعنا الفكر قليلا ~~لتبين لنا وجود نوع من التوازن بين الانتقال من التعامل العيني ~~بالسلع إلى التعامل النقدي المجرد، أو من إنتاج الثروة في ~~مزرعة يملكها سيد إقطاعي إلى مصنع يعمل فيه عمال لا تربطهم ~~بصاحب العمل أية صلة شخصية، وبين التحول الذي أشرنا إليه في ~~أساليب الحرب من السيف والدرع إلى المدفع والبارود. ~~(6) # ولقد كان العلم بدوره يقوم بدور حاسم في تأكيد هذه النظرة ~~الموضوعية إلى الأمور، بحيث يمكن القول إن الكشوف العلمية الحديثة ~~قد أرست الأساس العقلي الذي تستطيع الرأسمالية الناشئة أن ترتكز ~~عليه. ففي نفس العصر الذي نتحدث عنه حدث تحول في العلم لا يمكن ~~تجاهل سماته التي توازي سمات التحول الاقتصادي. فقد بدأت ~~الرياضيات تقوم بدور هام، لا في المجال العلمي فحسب، بل في مجال ~~الحياة اليومية أيضا. وإذا كنا اليوم قد اعتدنا أن نعبر عن ~~عدد لا حصر له من مظاهر حياتنا بالأرقام - كما في الإحصائيات ~~التي تحدد مستوى التقدم الاقتصادي، وفي الحسابات التي نقوم بها في ~~حياتنا الخاصة - فإن الأوروبيين في العصر الإقطاعي لم يكونوا ~~يبدون اهتماما بالأرقام، بل لم يكونوا يهتمون حتى بتحديد أعمارهم ~~بدقة. ونستطيع أن نلمس الفارق بين العصرين، وبين العقليتين ~~بوضوح، إذا ما قارنا بعض العادات التي لا تزال شائعة في الريف ~~المصري بعادات أهل المدن. ففي الريف لا زلنا نجد بعضنا من كبار ~~السن يصعب عليهم تحديد يوم ميلادهم، كذلك لا يقوم الزمن بدور ~~أساسي في الحياة اليومية، وإنما تحدد المواعيد ms31 حسب «مغرب الشمس» ~~أو «في العشية»، على حين أن ساكن المدينة يعمل حسابا للدقائق قبل ~~الساعات، ولا يستغني عن الدقة الكاملة في جميع معاملاته. # وهكذا كان اكتساب عادات الدقة والانضباط من الصفات الضرورية ~~في المرحلة الرأسمالية الجديدة، بل إن من المفكرين من يذهبون إلى ~~أن العصر الرأسمالي قد بدأ منذ اللحظة التي اخترعت فيها «الساعة»، ~~وذلك أولا لأن الساعة نموذج كامل للآلة الدقيقة التي تنظم ~~حركاتها بنفسها، ومن ثم فهي النموذج الأول لحركة التصنيع ~~الآلي في العصر الرأسمالي، ~~وثانيا - والأهم - لأن ~~الساعة أدت إلى تأكيد عادات الدقة والضبط والانتظام، وخلقت ~~عالما ينظمه العقل، ويحسب كل شيء فيه حسابا دقيقا، لا ~~عالما يخضع لإيقاع الطبيعة الخارجية أو الطبيعة الإنسانية الداخلية ~~في تحديد المواعيد وتنظيم الأعمال. # ولقد كانت أعمال الدقة هذه هي أول العوامل التي أدت إلى قيام ~~الثورة العلمية الحديثة في أواخر القرن السادس عشر، وإلى التوصل ~~إلى أساليب جديدة في البحث العلمي لم يكن للعصور السابقة عهد بها. ~~فبفضل هذه العادات استطاع علماء الفلك مثلا أن يقوموا بحسابات ~~دقيقة أدت إلى إحداث انقلاب كامل في نظرة الإنسان إلى العالم، ~~ومثل هذا يقال عن علم الطبيعة (الفيزياء)، ثم الكيمياء فيما بعد، ~~وغيرها من العلوم الحديثة. # ولو تأملنا مثلا واحدا، وهو النظرية الجديدة في علاقة الشمس ~~بالأرض، كما توصل إليها كبرنيكوس في القرن السادس عشر، لاستطعنا ~~أن ندرك مدى التأثير المتبادل بين التحول في نمط التفكير ~~العلمي والتحول في نمط الإنتاج الاقتصادي؛ ذلك لأن كبرنيكوس حين ~~أكد أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، لا العكس، لم يكن يتحدى بذلك ~~تراثا علميا يرجع إلى قرون كثيرة فحسب، بل كان يتحدى أيضا ~~اعتقادا راسخا لدى الإنسان العادي، تؤيده حواسه وتجربته ~~اليومية الملموسة؛ إذ لا يبدو أن هناك ما هو أكثر يقينا بالنسبة إلى ~~هذه التجربة من أن الأرض ثابتة وأن الشمس والكواكب الأخرى هي التي ~~تدور حولها. ومن هنا لم تكن الثورة التي أحدثها كبرنيكوس ثورة في ~~مجال علمي محدد فحسب، بل كانت ms32 أيضا ثورة في طريقة الإنسان ~~الحديث في النظر إلى الأمور، أعني أنها كانت دعوة إلى عدم ~~التقيد بالعوامل الشخصية والأحكام التي توحي بها إلينا التجربة ~~اليومية، وتفضيلا للعقل الموضوعي الصارم على الآراء الذاتية، ~~وإعلانا لانهيار النظرة الشخصية إلى الأمور وحلول النظرة العلمية، ~~المبنية على الحساب الدقيق، محلها. وتلك كلها في واقع الأمر ~~أمور تحققت، بطريقة تكاد تكون موازية تماما لهذه في مجال ~~الاقتصاد، إذ إن نمط الاقتصاد التجاري والرأسمالي الجديد كان ~~يتصف بالقياس إلى النمط الإقطاعي الزراعي، بنفس النوع من ~~الموضوعية ومن تجاهل الاعتبارات الذاتية والشخصية، والاعتماد على ~~التنبؤ والحساب الدقيق بصرف النظر عن كل رأي شخصي أو شعور ~~ذاتي. # على أن تقدم العلم لم يقتصر على الجانب النظري وحده، بل إن ~~العلم أحرز تقدما كبيرا في الجانب التطبيقي أيضا. وكان هذا ~~التقدم التطبيقي دليلا على أن العلم أخذ يمارس وظيفته ~~الاجتماعية على نحو أكمل. وقد تمثلت هذه النظرة إلى العلم بوصفه ~~نشاطا يؤثر في المجتمع ويتأثر به، تمثلت بوضوح كامل في فكر ~~الفيلسوف الإنجليزي «فرانسس بيكن». ففي رأيه أن العلم يجب أن ~~يزيد من سعادة الحياة الإنسانية وألا يكون معرفة من أجل المعرفة ~~فحسب. وكان يرى أن المخترعين والعلماء التطبيقيين هم الذين ~~يحتلون قمة السلم الاجتماعي، لا الحكماء النظريون أو ~~رجال اللاهوت. والواقع أن بيكن قد استبق عصر التكنولوجيا الحديثة ~~عندما أكد أن المخترعات المرتكزة على العلم قادرة على تغيير ~~حياة البشر، وعلى أن تضفي على العالم بأسره شكلا جديدا. وهكذا ~~كانت لديه قدرة تنبؤية على الاستبصار بالعالم الذي سيأتي من ~~بعده - عالم التقدم التكنولوجي المتلاحق. # وإذن، فعلى المستوى النظري كان تقدم العلوم الرياضية، وزيادة ~~دقة التعبير الكمي عن قوانين الطبيعة، مرتبطا أوثق ~~الارتباط بالعصر الجديد الذي تقوم فيه الحسابات الرياضية بدور هام ~~في معاملات السوق. وعلى المستوى التطبيقي انتفع العصر الصناعي ~~الجديد من الرياضيات التطبيقية كثيرا في صنع الآلات، فضلا عن ~~انتفاعه من العلوم الطبيعية والكيماوية في تسخير طاقات جديدة لخدمات ~~الإنسان. وسرعان ما اقتنع رجال الصناعة بأن ms33 السبيل إلى زيادة ~~إنتاجهم وتحسينه والإقلال من مصروفاتهم هو اتباع الأساليب العلمية، ~~أي ما يعرف بأساليب الترشيد، فضلا عن إدخال الآلية على نحو ~~متزايد. وبالاختصار، فإن نفس الروح التي كانت تدفع الرأسمالي إلى ~~مزيد من الاستثمار والنشاط الاقتصادي، كانت تدفع المكتشف إلى ~~ارتياد آفاق جديدة، والعالم إلى كشف قوانين جديدة، والمخترع إلى ~~ابتداع تطبيقات جديدة؛ إذ إن الجميع كانوا يسعون إلى زيادة قوة ~~الإنسان وإحكام سيطرته على الطبيعة. ~~(7) # وأخيرا، فلا بد لنا أن نشير إلى سمة أخرى هامة من سمات ~~هذا العصر، ترتبت على التحول الأساسي الذي طرأ على حياته ~~الاقتصادية، هي نمو النزعة الفردية في مجالات الأخلاق والأدب ~~والفن. وليس من الصعب أن نجد تعليلا لهذه الظاهرة في ضوء ظروف ~~العصر؛ ذلك لأن الشخص الناجح في العصر الجديد لم يكن يدين بنجاحه ~~لأسرته أو لقبه الوراثي، ولم يعد الانتماء إلى جماعة معينة ~~هو أساس التفوق، بل إن كل شيء أصبح يتوقف على الجهود الخاصة ~~التي يبذلها كل فرد. وكان ذلك العصر حافلا بأمثلة الأشخاص ~~العصاميين الذين تمكنوا بجهودهم الخاصة من أن يصلوا إلى مكان ~~الصدارة في المجتمع، وخاصة في المجال الاقتصادي. ومن شأن هذا ~~الاتجاه أن يزيد من شعور الفرد بقدراته الخاصة، ويجعله أقدر على ~~تحدي السلطة، بكافة أنواعها، بحيث لا يعود معتمدا على عامل ~~«الانتماء» بقدر ما يعتمد على عامل الكفاح الفردي. وإلى هذه الظاهرة ~~ترجع مختلف مظاهر التحرر من السلطة في ذلك العصر، أعني سلطة ~~الفلاسفة القدماء (مثل أرسطو)، وسلطة رجال الدين، وسلطة الإقطاع ~~الوارثي، وسلطة العادات والتقاليد الاجتماعية المرتبطة به. وقد ~~انعكس ذلك في مجال الفكر على شكل كثرة من الاتجاهات الفكرية ~~المستقلة التي تتسم بقدر كبير من الخصوبة والاستقلال، على عكس ~~اتجاهات العصور الوسطى التي كانت متقاربة متجانسة إلى حد بعيد. ~~كما انعكس في ميدان الأدب والفن على شكل أعمال تسعى إلى استكشاف ~~العمق الباطن للفرد، والاهتمام بمشكلاته وأحاسيسه الخاصة، على خلاف ~~الاتجاهات السابقة التي كان الفن يقتصر فيها على خدمة قضية ~~دينية أو سياسة ms34 معينة دون أدنى اهتمام بالعنصر الفردي. وهكذا فإن ~~الفنان أو الأديب «الفرد»، الذي يعبر عن نفسه من حيث هو فرد، ~~ويطلب إلينا أن نهتم به على أساس أنه إنسان متميز عن كل ما ~~عداه - قد ظهر لأول مرة في ذلك العهد. وربما قال البعض إن ظهوره ~~كان رد فعل على النزعة العقلانية اللا شخصية المتطرفة التي ~~كان يتسم بها العصر الجديد، ولكن الأرجح أنه كان متمشيا مع ~~مقتضيات عصر فتحت فيه أمام الفرد آفاق لا نهائية، وازداد فيه ~~الإنسان ثقة بنفسه وشعورا بكيانه، وأزيلت فيه الحواجز التي كانت ~~تحول دون تحقيقه لأمانيه في النجاح والارتقاء إلى أعلى درجات ~~السلم الاجتماعي. ~~(2) الرأسمالية المكتملة # كانت المرحلة المبكرة من العهد الرأسمالي مرحلة كفاح ضد قوى الإقطاع المادية ~~وقيمه المعنوية. وإذا كنا قد أكدنا من قبل مزايا هذه المرحلة وسماتها ~~الإيجابية، فذلك لأنها تمثل بالفعل تقدما ملموسا بالقياس إلى المرحلة السابقة ~~عليها. فهي قد دفعت بالبشرية خطوات واسعة إلى الأمام، حين أكدت سيادة العقل على ~~كل النزعات اللا عقلية المضطربة الغامضة التي كانت تسود في العصور الوسطى، ~~وحين أطلقت طاقات الإنسان ليستكشف الطبيعة جغرافيا ويفهمها علميا ويستغلها ~~اقتصاديا. # على أن هذا النمط الجديد من أنماط العلاقات الاجتماعية - أعني النمط ~~الرأسمالي - كان ينطوي على عناصر سلبية أساسية لم تظهر بوضوح في مرحلته المبكرة، ~~وذلك أولا لأن جميع سماته لم تكن قد ظهرت مكتملة بعد، وثانيا لأنه كان في ~~معركة مع علاقات اجتماعية أكثر منه تخلفا بكثير. وعندما تم له الانتصار في هذه ~~المعركة، واكتملت خصائصه بحلول العصر الصناعي وسيادة الإنتاج الآلي، أخذت العناصر ~~السلبية في نمط الإنتاج الرأسمالي تبرز إلى السطح بوضوح كامل، وظهرت العيوب ~~المعنوية والفكرية للنظام الرأسمالي على نحو لا يدع مجالا لأي شك. # خصائص الرأسمالية المكتملة # ولكي ندرك هذه العناصر السلبية يتعين علينا أن نبدأ بتحديد الطابع الذي ~~تميزت به المرحلة الرأسمالية في عهد اكتمالها. ~~(1) # فالرأسمالية المكتملة قد تحددت معالمها عندما بدأت تظهر طبقة ~~عمالية متميزة، ترك أفرادها الطوائف الحرفية القديمة التي ms35 كانت ~~راعية لهم، أو هاجروا من الريف بلا حماية، وأصبحوا واقعين ~~وقوعا تاما تحت رحمة صاحب العمل، دون أن تكون لهم أية فرصة ~~للارتقاء في سلم المجتمع، على عكس الصانع الحرفي التقليدي الذي ~~كانت لديه على الأقل فرصة الارتقاء إلى مرتبة «متعهد الأعمال» ~~(المقاول) أو «الصانع الماهر» (المعلم)، وحتى في الحالات التي لم ~~يكن يتحقق فيها هذا الارتقاء كانت هناك علاقات شخصية متينة تربط ~~الصانع بزملائه وبصاحب «الورشة» التي يشتغل بها. أما في ظل ~~الرأسمالية المكتملة فقد تحول العمل من خدمة شخصية إلى سلعة لا ~~شخصية، لا يرتبط فيها العامل بصاحب العمل إلا من حيث إن الأول ~~يقدم قوة عمل معينة، والثاني يدفع أجرا معينا، وفيما عدا ~~ذلك لا تقوم بين الاثنين أية علاقة. فالعامل في هذه الحالة شخص ~~مجهول، أو هو على الأصح «قوة» لها طاقة معينة، ولا يهتم صاحب ~~العمل على الإطلاق بالشخص أو الإنسان الذي يبذل هذه القوة، بل إن ~~العلاقة بينهما تصبح تجريدية تماما، ولا تصطبغ بأية صبغة ~~إنسانية. وهكذا فإن التوسع في استخدام الآلات في العصر الصناعي ~~قد تولدت عنه نزعة آلية عامة، أثرت في تقدير قيمة الإنسان ذاته، ~~فأصبح العامل مجرد ترس في آلة الإنتاج الضخمة المعقدة، قابل ~~للاستبدال، شأنه شأن أي جزء أصم في أية آلة. ~~(2) # وفي مقابل ذلك تراكم رأس المال وازدادت الثروات ضخامة في أيدي ~~أصحاب الأعمال، الذين أصبحوا يلجئون إلى التخطيط الدقيق ويعملون على ~~ترشيد الإنتاج بحثا عن أفضل الوسائل التي تكفل تحقيق أقصى قدر من ~~الربح وأعظم قدر من الإنتاج. # السمات المعنوية للرأسمالي # والواقع أن الطريقة التي أصبح أصحاب الأعمال ينظرون بها إلى عالم الاقتصاد ~~كانت طريقة متميزة عن كل ما عداها، ولا يمكن فهمها إلا في ضوء العصر ~~الجديد؛ ذلك لأن المحور الذي كان يدور حوله النشاط الاقتصادي من قبل كان على ~~الدوام هو الإنسان، بلحمه ودمه، وبحاجاته ومطالبه، أما في عصر الرأسمالية ~~المكتملة فقد حلت محل الإنسان تجريدات لا شأن لها به، كالعمل والسوق ~~والربح. وعلى حين ms36 أن الإنسان ظل، بمعنى ما، مقياس كل شيء حتى في العصر ~~الرأسمالي المبكر، فإن البحث عن الربح والسعي إلى التوسع في الأعمال ~~الاقتصادية أصبح الآن هو الغاية القصوى. بل إن الأعمال - كما لاحظ بعض ~~الكتاب - قد أصبح لها وجود مستقل حتى عن أصحابها أنفسهم. فمن الممكن أن ~~يكون أصحاب شركة معينة أشخاصا غير موثوق بهم، أو ذوي سمعة سيئة، ومع ذلك ~~يظل اسم شركتهم أو الناتج الذي ينتجونه يحوز ثقة العملاء وإعجابهم، أي ~~أنه يصبح شيئا مستقلا عن أصحابه، ويصبح للأعمال الاقتصادية وجود موضوعي ~~لا صلة له بالإنسان الموجود من ورائها، وتتحول إلى كيان قائم بذاته. وكل ~~ما يهتم به صاحب العمل هو أن يزيد هذا الكيان المستقل صحة ونموا ~~وازدهارا. # إن من الشائع أن يوصف الرأسمالي بأنه شخص لا هم له سوى أن يحصل على مزيد ~~من الربح. ومن المؤكد أن هذا الوصف صحيح إلى حد بعيد، ولكن ينبغي أن نكون على ~~شيء من الحذر حين نتحدث عن سعي الرأسمالي إلى الربح. فالهدف الأكبر ~~للرأسمالي هو أن تتوسع أعماله وتزداد نموا، وليس الربح إلا وسيلة لتحقيق ~~هذه الغاية. وهنا قد يكون من المفيد أن نفرق بين لفظين يستخدمان في الأغلب ~~بمعنيين مترادفين، هما الكسب والربح. فالكسب هو البحث عن مزيد من الأموال ~~لكي ينتفع بها الشخص ذاته، أو من يحيطون به، في حياته. أما الربح فهو البحث ~~عن مال أكثر يخصص أساسا للعمل نفسه، ولتوسيع نطاق الصناعة أو التجارة. بهذا ~~المعنى يكون الكسب شخصيا عينيا، والربح لا شخصيا مجردا. وقد لا يكون ~~من الخطأ أن نقول - في ضوء هذه التفرقة - إن كبار الرأسماليين يبحثون عن ~~الربح قبل الكسب، بدليل أن الكثيرين منهم لا يعيشون، حتى وهم في قمة ~~النجاح، حياة شديدة الترف، بل إن بعضهم قد يصل به الاستغراق في أعماله ~~إلى حد إهمال حياته الشخصية وممارسة نوع خاص من الزهد (وإن كان الترف ~~الشديد، بطبيعة الحال، موجودا بدوره لدى كثير من الرأسماليين)؛ ذلك لأن الموضوع ~~الرئيسي لاهتمام أمثال ms37 هؤلاء الرأسماليين هو نجاح الأعمال ذاتها. # ولا يمكن القول إن هناك نقطة يتوقف عندها هذا النجاح، فكل توسع ~~يجلب رغبة في مزيد من التوسع، بحيث كان «فيرنر زومبارت # Werner Sombart ~~» على حق حين قال إن نشاط صاحب العمل ~~الرأسمالي يتطلع نحو غاية لا نهائية؛ ففي الماضي، عندما كانت حاجات الجماعة هي ~~التي تتحكم في النشاط الاقتصادي، كانت هناك حدود طبيعية، لا يمكن أن يتعداها ~~هذا النشاط. أما عندما تصبح الغاية هي أن تزدهر الأعمال، لا أن تلبى حاجات ~~الجماعة، فلا يمكن أن تكون مثل هذه الحدود موجودة، ويستحيل أن يصل صاحب العمل ~~الرأسمالي إلى نقطة يمكن أن يتوقف عندها ويقول: كفى! وحتى لو وقفت أية ~~عوائق في وجه نشاطه، فإنه يبدأ في تجربة جوانب أخرى من النشاط تكون فرص ~~التوسع أمامها أعظم، وبذلك يمتد توسعه طولا وعرضا، أو انتشارا وعمقا، ~~ويستحيل تصور هذا النشاط متوقفا؛ لأن التوقف معناه الاختناق والتدهور ~~والانحدار. # وحين بحث «زومبارت» عن قيم للحياة الكامنة من وراء هذا السعي الجنوني إلى ~~التوسع، رأى أن هذه القيم أشبه ما تكون بقيم الطفولة. فرجل الأعمال في ~~نظره طفل كبير، وذلك في سعيه إلى الضخامة، مثلما يريد الطفل أن يكون كبير ~~الجسم، بحيث يكون الحجم المجرد هدفا في ذاته، ويخلط بين الضخامة وبين ~~ارتفاع المكانة أو العظمة. كذلك فإن رجل الأعمال طفل في سعيه إلى السرعة، ~~واختصار الزمن في كل شيء، وفي بحثه عن التجديد المستمر، مثلما يرغب الطفل ~~في تجديد لعبه وملابسه تجديدا دائما، وفي رغبته في الشعور بمزيد من القوة، ~~عن طريق توسيع أعماله واستخدام ألوف الناس الذين يتوقف مصيرهم على كلمة ~~منه. # على أننا سوف نتبين بعد قليل أن هذا الوصف إذا كان ينطبق على وجه من ~~أوجه النشاط الرأسمالي، فإنه لا ينطبق أبدا على بقية أوجه النشاط التي ~~يتبدى فيها الرأسمالي أبعد ما يكون عن الطفل الكبير، ويتخذ صورا لا صلة ~~لها على الإطلاق ببراءة الطفولة وسذاجتها. # والذي يهمنا الآن هو أن نلاحظ التحول الأساسي الذي ms38 طرأ على الرأسمالية، ~~وعلى شخصية الرأسمالي ، منذ مرحلتها المبكرة حتى مرحلتها المكتملة. فقد بدأت ~~الرأسمالية، في عهدها الأول، تشق طريقها بفضل روح المغامرة والبحث عن الجديد ~~والكشف عن المجهول، وكانت الأعمال الاقتصادية الناشئة في ذلك العهد تسعى إلى تحقيق ~~أكبر قدر من إشباع الحاجات الاستهلاكية للإنسان. أما عندما اكتملت خصائص ~~الرأسمالية فقد انعدمت روح المغامرة، وأصبح رأس المال «جبانا» على حد ~~التعبير الشائع، وتحولت المنافسة التي كانت من أبرز سماتها في البداية إلى ~~احتكار يعمل على تخفيف حدة التنافس أو تنظيمه أو إزالته لصالح أصحاب الأعمال ~~وضد مصالح المستهلكين. وبدلا من أن تعمل الرأسمالية على إشباع الحاجات ~~الحقيقية للإنسان، فإنها أخذت تخلق لديه عادات زائفة لا هدف لها سوى أنها ~~تؤدي إلى فتح باب جديد للربح، ولكن على حساب الاستخدام الرشيد لموارد ~~المجتمع. # وعلى حين أن الرأسماليين كانوا في أول عهدهم أشخاصا يتسمون بصفات النشاط ~~والمثابرة وتقديس العمل - أيا كانت عيوبهم الأخرى - لأنهم كانوا عصاميين ~~يتولون إدارة أعمالهم بأنفسهم، أو يبتدعون الأفكار الجديدة التي تكفل نجاح ~~أعمالهم، فإن الكثيرين منهم أصبحوا في المرحلة اللاحقة أشخاصا تأصلت فيهم ~~عادات الترف المفرط، والتفنن في التبذير الماجن. وكانت هذه الصفات ~~الأخيرة أوضح ظهورا لدى الرأسماليين الذين انفصلوا عن عملية الإنتاج، ولم يعودوا ~~يرتبطون بمصانعهم أو يعرفون شيئا عما يتم فيها، بل يعهدون بها إلى مديرين ~~أكفاء، ويكتفون هم بما ينالونه من أرباح. # وبالمثل، فإن الطبقة الرأسمالية أو البورجوازية التي كانت في أول عهدها تحارب ~~امتيازات الأشراف والإقطاعيين، أخذت تكرس جهودها للمحافظة على نفوذها عندما ~~تحققت لها السيطرة. بل إن الطبقة الجديدة كانت في بعض الأحيان تتداخل مع ~~طبقة النبلاء الزراعيين القديمة بالمصاهرة، وتحاول محاكاة العادات ~~الأرستقراطية العتيقة. وبعبارة أخرى، فإن الرأسماليين عندما أصبحوا هم أصحاب ~~المصالح الحقيقية القائمة، أخذوا يتجهون إلى المحافظة على مصالحهم، وبعد أن ~~كانوا في البداية يستخدمون «العقل» قوة ثورية، أخذوا يستعينون به في تبرير ~~الأوضاع القائمة بطريقة يغلب عليها الطابع المحافظ. والواقع أن هذا ~~التحول كان أمرا تقتضيه نفس ms39 روح المرونة والحركية التي كان يتسم بها ~~المجتمع الرأسمالي، فهذه المرونة ذاتها كانت تحتم أن تتحول العناصر ~~التقدمية في الطبقة البورجوازية، بمضي الوقت، إلى أسلوب محافظ في التفكير ~~والحياة، ثم تظهر طبقة جديدة أكثر نشاطا وابتكارا، لتحتل مكانة الطبقة التي ~~أصبحت محافظة، ثم تتحول هذه الجديدة بدورها إلى الطابع المحافظ، وهكذا. ~~ولكن هذا الطابع المحافظ أصبح هو الطابع المميز للرأسمالية منذ اللحظة التي ~~ظهرت فيها طبقة عاملة واعية تهدد مصالح الرأسماليين، أي منذ القرن التاسع ~~عشر. # الأوجه السلبية في المرحلة الرأسمالية # ليس من الصعب أن ندرك أن التحول الذي طرأ على الرأسمالية، وعلى الطبقة ~~البورجوازية، من قوة تقدمية تعمل على محاربة امتيازات الإقطاعيين ~~الوراثية، وتؤكد انتصار العقل المنظم الواضح على الأفكار اللاعقلية الصوفية ~~الغامضة التي سادت العصر الوسيط، إلى قوة رجعية لا تستهدف سوى المحافظة على ~~مصالحها التي تزداد على الدوام توسعا وانتشارا؛ هذا التحول يمثل في ~~ذاته وجها سلبيا إلى أبعد حد في النظام الرأسمالي؛ ذلك لأنه يدل على أن ~~النظام لم يكن تقدميا إلا في مرحلته المبكرة، وعلى أن من شأن هذا النظام أن ~~يتحول إلى الرجعية بمجرد أن تتحدد معالمه وتكتمل خصائصه. # على أن هذا ليس الوجه السلبي الوحيد للرأسمالية، بل إن عناصر الضعف والهدم ~~تتغلغل في صميم بناء هذا النظام، وتجعل تجاوزه أمرا محتوما. وسوف نقتصر هنا ~~على ذكر بعض الجوانب السلبية المرتبطة بالموضوع الذي نعالجه في هذا الفصل، وهو ~~الوجه الفكري والمعنوي لمختلف النظم الاقتصادية. ~~(1) # أول هذه الجوانب هو اللاأخلاقية. وربما بدا للبعض أن صفة ~~اللاأخلاقية لا تصدق صدقا تاما على المجتمع الرأسمالي؛ لأن لهذا ~~المجتمع نمطه الأخلاقي. وبالفعل يبدو هذا الحكم الأخير صائبا ~~للوهلة الأولى؛ ذلك لأن الرأسمالية قد ولدت مذاهبها الأخلاقية ~~الخاصة، مثل مذهب المنفعة # Utilitarianism # في إنجلترا، والبرجماتية Pragmatism # في الولايات المتحدة. ~~ولكن الواقع أن كلا من هذين المذهبين الأخلاقيين إنما كان ~~تعبيرا عن الطابع العملي لعصر التصنيع، وعن نوع من الأخلاق يقوم ~~بحساب كل فعل تبعا لمقدار المنفعة المترتبة عليه، أو ms40 لمدى ~~نجاحه العملي، بغض النظر عن أية قيمة كامنة في هذا الفعل. ومن هنا ~~كانت هذه الاتجاهات في الأخلاق تعبيرا صادقا عن أشد نزعات المجتمع ~~الرأسمالي تطرفا. وحقيقة الأمر في موقف هذا المجتمع من الأخلاق هو ~~أنه لا يأخذ منها إلا بالقدر الذي يكفي لمساعدة النظام القائم على ~~المضي في طريقه بنجاح. فنحن نجد بالفعل، لدى كثير من الرأسماليين، ~~قدرا معينا من الفضائل، كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة ~~المواعيد، ولكن هذه الفضائل لا تكتسب قيمتها إلا لأنها تفيد ~~الرأسمالي وتحقق مصالحه، فقد تبين له بطول التجربة أن من مصلحته ~~أن يكون في معاملاته أمينا دقيقا، وأن يسدد ديونه في مواعيدها، ~~وأن يكون نظام حياته منضبطا. ومعنى ذلك أن كل هذه الفضائل ليست ~~مقصودة لذاتها، بل إنه يراعيها لما فيها من المنفعة. وأبلغ دليل ~~على ذلك أنه إذا كان من الممكن تحقيق نفس المنفعة عن طريق مجرد ~~التظاهر بالأمانة، فإن الرأسمالي لا يتردد في سلوك هذا ~~السبيل. # ويتضح تجاهل الرأسمالية للأخلاق في أساليب الدعاية والإعلان ~~التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام، فالمبدأ السائد في ميدان ~~الإعلان هو زيادة البيع أيا كانت الوسائل المؤدية إلى تحقيق هذه ~~الغاية. وهكذا يلجأ المعلن إلى الصراخ والتهويل أمام عملائه، ~~ويجذب أنظارهم بلافتات صارخة، ويعمد إلى الشهادات الكاذبة، ~~والمنطق المغلوط، ويلجأ إلى أحدث أساليب علم النفس ليبث في نفوس ~~الناس إيحاء واقتناعا لا أساس له، ولا يتورع في سبيل ذلك عن أن ~~يفسد أذواق الناس ويسلبهم القدرة على الحكم الموضوعي السليم. ~~فالإعلان لا يتجاهل أصول الأخلاق واحترام الآخرين فحسب، بل إنه ~~يتنافى في كثير من الأحيان مع أبسط مقتضيات الروح ~~الجمالية. # وأخيرا، فإن طبيعة المنافسة الرأسمالية تشكل في حد ذاتها ~~دليلا بالغا على مدى اللاأخلاقية الكامنة في هذا النظام. ففي تعامل ~~الرأسماليين بعضهم مع بعض لا يتورع أحدهم عن اتباع كل ~~الأساليب من أجل سحق الآخر، ولا يقف أي وازع في وجه رغبته في ~~التوسع. ومن أشهر الأمثلة في هذا الصدد «جون روكفلر»، مؤسس ~~أسرة ms41 الرأسماليين الأمريكيين المشهورة، الذي قال إنه على استعداد ~~لدفع مليون دولار كمرتب لأي موظف تتوافر فيه صفات معينة، ~~أهمها ألا يكون لديه أي نوع من تأنيب الضمير، وأن يكون على ~~استعداد لسحق ألوف الضحايا دون أن تطرف له عين. ~~(2) # لا يستطيع أحد أن ينكر أن الحضارة الرأسمالية قد أحرزت انتصارات ~~ومكاسب لم تتوصل إليها أية حضارة سابقة؛ فقد عرفت كيف تسيطر على ~~العالم المادي كما وكيفا، وتسخر الطبيعة لخدمة الإنسان، ~~ووفرت للناس سلعا وخدمات على نطاق لم يعرف له من قبل نظير، ~~وكافحت الأمراض والكوارث الطبيعية بكفاءة نادرة، وأبدعت عددا ~~هائلا من روائع الفن والفكر والأدب، وتمكنت من إحراز تقدم ~~هائل في الميدان العلمي، بفضل تطبيق مبدأ تقسيم العمل، الذي أحرز ~~نجاحا كبيرا في الميدان الاقتصادي، على النشاط الذي نبذله من أجل ~~معرفة العالم الطبيعي والمجتمع بطريقة عقلية. # ولكن، على الرغم من هذا النجاح في شتى الميادين، فقد كانت هناك ~~نقطة ضعف كبرى للنظام الرأسمالي، هي ارتباطه الوثيق بالحرب. فليس ~~يكفي أن يقال إن هذا النظام عاجز عن منع الحرب، أو أن الحرب مرض ~~يصيب جسم الرأسمالية بسبب انتقال العدوى إليه من مصدر خارجي، بل إن ~~الحرب تنتمي إلى صميم بنائها وتركيبها الباطن. والواقع أن ~~الرأسمالية بما تثيره من حروب لا تنقطع، تهدد بالقضاء على ما ~~أنجزته هي ذاتها، وما أنجزته كل الحضارات السابقة، من تقدم. ~~وهكذا فإن القوة الكبرى التي اكتسبها العالم خلال المرحلة ~~الرأسمالية، هي التي تهدد بالقضاء على ما أنجزته هي ذاتها، وفي ~~هذا النزوع إلى تحطيم الذات يكمن الضعف الأكبر للرأسمالية، ~~وتناقضها القاتل. وقد أصبحت مظاهر تقدم الرأسمالية في الآونة ~~الأخيرة هي ذاتها مظهر فنائها، إذ إن هذا التقدم بلغ قمته في ~~أسلحة الدمار الشامل، التي تهدد العالم في كل لحظة ~~بالهلاك. # ولسنا نود أن نخوض في تفاصيل العلاقة بين النظام الرأسمالي ~~وبين الحرب؛ إذ إن هذا البحث خارج عن نطاق مهمتنا في هذا الفصل، ~~وإنما الذي نود أن نشير إليه هو الآثار المعنوية المخربة التي ms42 ~~تحدثها حالة الحرب أو حالة التهديد المستمر بقيام الحرب. وحسبنا ~~أن نشير إلى تلك الأنانية المفرطة وبلادة الحس الزائدة، التي ~~تثيرها الحروب المستمرة في نفوس أفراد الشعب التي تمارس هذه ~~الحروب. ومن المعروف أن الاستعمار مرتبط ارتباطا وثيقا ~~بالرأسمالية، وأنه - في صورته المباشرة وغير المباشرة، أو التقليدية ~~والجديدة - هو السبب الأول لظاهرة الحرب في العالم المعاصر. ولسنا ~~في حاجة إلى الوقوف طويلا عند تأثير الاستعمار في الشعوب التي ~~تعاني من ويلاته؛ لأننا في هذه المنطقة من العالم نعرف الكثير، من ~~تجربتنا المباشرة، عن هذا الموضوع. ولكن للمشكلة وجها آخر، هو أن ~~الاستعمار يولد في الشعوب التي تمارسه نوعا من الأنانية يجعلها ~~لا تعبأ بالفقر والظلم والاضطهاد والقتل الجماعي الذي يلحق ~~بالشعوب الواقعة تحت قبضتها، بل وتسعى في كثير من الأحيان إلى تبرير ~~السلوك الاستعماري الشائن والدفاع عنه كما لو كان أمرا مشروعا. ~~وهذا لا يمنع بطبيعة الحال من ظهور جبهات داخلية تعارض الاستعمار ~~داخل الدول الاستعمارية ذاتها، وهي ظاهرة مشرقة تمثلت بوضوح في ~~فرنسا خلال حرب التحرير الجزائرية، وتتكرر حاليا في الولايات ~~المتحدة على صورة معارضة شعبية واسعة النطاق ضد حرب ~~فيتنام. # ومن خلال ظاهرة الحرب نستطيع أن نعلل كثيرا من مظاهر الانحلال ~~الفكري والمعنوي التي انتابت العالم الرأسمالي منذ القرن التاسع عشر، ~~والتي ظهرت واضحة بوجه خاص خلال القرن العشرين. فقد انتشرت في ذلك ~~العالم فلسفات اليأس والتشاؤم، والاتجاهات التي تؤكد أن المصير ~~المحتوم للحضارة الغربية هو التدهور والانحلال. وبينما كانت ~~الرأسمالية في بداية عهدها متفائلة مؤمنة بقدرة الإنسان على ~~التقدم المستمر، نراها في مرحلة اكتمالها تعود مرة أخرى إلى روح ~~التشاؤم المظلم التي حاربتها في البداية، وتشيع فيها الأفكار التي ~~تضع الإنسان في طريق مسدود لا مخرج منه. # وقد شاعت في القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الثانية بوجه خاص، ~~اتجاهات في الفكر والفن والأدب تجمعها كلها صفة هي تلك التي ~~اصطلح على تسميتها «باللامعقول». وليس من الصعب أن ندرك الروابط ~~التي تجمع بين هذه الاتجاهات، بما فيها من ms43 زعم بأن كل ما في ~~الحياة عبث غير مفهوم، وبأن العالم والتطور والتاريخ لا يسير نحو ~~أية غاية معقولة، بل كل شيء فيه يفتقر إلى العقل ويستحيل فهم ~~سببه أو الغاية منه، وبين حالة اليأس التي تنتاب الإنسان في المجتمع ~~الرأسمالي، وشعوره بأن كل جهد يبذله عبث لا طائل وراءه. ~~والأهم من ذلك كله، إحساسه بالخطر يهدد كيانه في كل لحظة ~~من جراء حربين عالميتين راحت ضحيتهما ملايين الناس، فضلا عن ~~عشرات الحروب «الصغيرة» التي أزهقت أرواحا كثيرة وسببت دمارا ~~هائلا. في مثل هذا المجتمع الذي تحل عليه الحرب كما لو كانت لعنة ~~لا يملك منها خلاصا، يكون من الطبيعي أن تصبح الاتجاهات الفكرية ~~والفنية السائدة هي اتجاهات تؤكد عجز العقل وسيادة التشاؤم وحتمية ~~التدهور والانحلال. # ولقد ترتب على ذلك تزييف لطبيعة الحياة في المجتمع الحديث، وقع ~~فيه عدد غير قليل من كبار مفكري المجتمعات الرأسمالية، فأدانوا ~~التقدم التكنولوجي ذاته، ونظروا إليه كما لو كان هو أصل الشرور ~~التي تعانيها البشرية، وتحسروا على «عهد ما قبل التصنيع»، الذي ~~كانت فيه البشرية بريئة من آثام الصناعة وأطماعها. والخطأ الأكبر الذي ~~وقع فيه هؤلاء المفكرون هو أنهم ظنوا أن الشرور الناجمة عن ~~تنظيم معين للمجتمع الصناعي، هو التنظيم الرأسمالي، تسري على كل ~~شكل من أشكال هذا المجتمع، أو هي جزء لا يتجزأ من طبيعة عصر ~~التقدم التكنولوجي ذاته، ومن هنا كانت حملتهم على التصنيع، ~~واعتقادهم بأن الحروب والأزمات وانعدام الأمان كامنة في طبيعة ~~المجتمع الصناعي ذاته، مع أن هذه الشرور لا ترجع، في الواقع، ~~إلا إلى أسلوب الحياة الرأسمالي في هذا المجتمع. ~~(3) # وإذا كانت الحروب انحرافا شاملا في السلوك على المستوى الدولي، ~~فإن المرحلة الرأسمالية قد شهدت أنواعا أخرى من الانحرافات على ~~المستويات المحلية، أهمها بالطبع هو الإجرام، الذي أصبح مشكلة ~~قومية بالنسبة إلى بلد كالولايات المتحدة، حيث تزداد معدلات ~~الجريمة ارتفاعا عاما بعد عام. ولا يمكن بالطبع أن يزعم أحد أن ~~ظاهرة الإجرام وليدة النظام الرأسمالي، إذ إن الظاهرة ذاتها قديمة ms44 ~~قدم المجتمع الإنساني، ولكن الكثيرين يؤمنون بأن الاتساع الهائل في ~~نطاق الجريمة قد تولد عن المجتمع الرأسمالي عندما بلغ أقصى ~~درجات نموه، ويدللون على ذلك بأن أكثر الدول الرأسمالية ~~تقدما، وهي الولايات المتحدة، هي التي تنتشر فيها الجريمة بأعلى ~~النسب، وبأشد أنواع التنظيم والتدبير إتقانا. # وليس من الصعب أن يجد المرء رابطة بين الارتفاع الشديد في معدل ~~الجرائم، وبين تقدم الدول في سلم التنظيم الرأسمالي؛ ذلك لأن ~~أسلوب العمل الرأسمالي، حين يصل إلى أشد حالاته تطرفا، يثير في ~~النفوس أطماعا لا حدود لها. وحين يجد المنحرفون أن طريق الثراء ~~مسدود أمامهم، فإنهم يعملون على تحقيق غاياتهم بأيسر الطرق ~~وأسهلها، وهي الجريمة. ومن هنا رأى البعض أن ظاهرة الجريمة يمكن ~~أن تعد في مثل هذا المجتمع وسيلة خاصة منحرفة من وسائل إعادة ~~توزيع ثروة المجتمع. # ولا جدال في أن المجتمع الرأسمالي المتقدم، في الولايات المتحدة، ~~يعرف أنواعا أخرى من الجرائم غير المرتبطة بالمسائل الاقتصادية، ~~كجرائم القتل والتعذيب والاغتصاب، إلخ ... ولكن هذه الجرائم بدورها ~~ترتبط «بمعنويات» النظام الرأسمالي، إذ إن تمجيد هذا النظام للعنف ~~والتجاءه الدائم إلى الحروب واستخفافه بالجوانب الإنسانية للحياة، ~~لا بد أن يخلق مناخا نفسيا عاما تزدهر فيه أعمال العنف التي ~~لا يكاد المرء يجد لها سببا أو مبررا معقولا. ~~(4) # وأخيرا، فقد انتشر في المجتمعات الرأسمالية في الآونة الأخيرة ~~مظهر آخر من مظاهر الانحراف، هو إدمان المخدرات، وأصبحت هذه ~~الظاهرة تهدد كيان عدد كبير من شباب هذه المجتمعات. وأقرب تفسيرات ~~ظاهرة الإدمان هذه إلى المنطق السليم، هو أنها ظاهرة هروبية، ~~فالمدمن شخص هارب من واقع لا يطيقه. وهذا الواقع هو بطبيعة الحال ~~واقع العنف والحرب والمنافسة المريرة التي لا ترحم. وبطبيعة الحال ~~فإن هناك أنواعا أخرى من الهروب قد تكون أقل ضررا من إدمان ~~المخدرات، ولكن الوطأة الشديدة لنظام الحياة السائد هي التي تدفع ~~الكثيرين إلى السير في هذا الطريق الانتحاري. وهكذا فإن نفس النظام ~~الذي بدأ بتمجيد العقل وإعلاء شأنه قد انتهى به الأمر إلى الهروب من ~~العقل، ms45 أو إلى العجز عن مواجهة ذاته بصدق وصراحة . # | المرحلة الاشتراكية # ظهرت الفكرة الاشتراكية، في صورتها المحددة المعالم، من قلب الرأسمالية، بوصفها ~~رد فعل على ذلك النظام الذي ظن الناس في وقت ما أنه سيجلب لهم مزيدا من الرخاء، ~~فإذا به يصيب الأغلبية الساحقة منهم بالفقر والشقاء، ويصيب الإنسان بأنواع من ~~العبودية ربما كانت أشد مما كان يعانيه في كثير من مراحل التطور الاجتماعي السابقة. ~~ولما كانت الاشتراكية قد ظهرت بهدف نقل المجتمع الإنساني إلى مرحلة جديدة يتخلص فيها ~~من نقائص المرحلة الرأسمالية، فإن قدرا كبيرا من الجوانب الإيجابية في المرحلة ~~الاشتراكية يمكن التوصل إليه استنتاجا مما قلناه من قبل عن المرحلة ~~الرأسمالية. # والواقع أننا أطلنا الكلام عن المرحلة الرأسمالية لسببين: أولهما أن هذه المرحلة ~~التي لا يزال يمر بها جزء لا يستهان به من العالم، تمثل تحديا أمام المجتمعات ~~التي قررت أن تسير في الطريق الاشتراكي، ولا بد من معرفة نقاط القوة والضعف فيها ~~معرفة كاملة حتى تبدأ هذه المجتمعات مسيرتها وهي على علم تام بكل ما لدى الخصم ~~الذي تحاربه من إيجابيات وسلبيات. أما السبب الثاني فهو أن الرأسمالية مرحلة اكتملت ~~بالفعل، ومرت بأطوار متعددة حتى وصلت إلى شكلها الحالي الذي لا ينتظر أن تطرأ ~~عليه تغييرات كبيرة في المستقبل. صحيح أن الرأسمالية تحاول في المجتمعات المتقدمة ~~صناعيا أن تقاوم التيار الاشتراكي عن طريق اقتباس عناصر كثيرة منه، ولكنها تحارب ~~في الوقت الراهن معاركها الأخيرة، ولا ينتظر منها أن تمر بتطورات مفاجئة غير ~~متوقعة في المستقبل. أما الاشتراكية فما زالت بالرغم من نجاحها السريع تمر بمرحلة ~~التجارب، والدليل على ذلك كثرة المذاهب والاتجاهات وتعدد التطبيقات فيما بين البلاد ~~الاشتراكية المختلفة. ولذلك فإن الحكم على المرحلة الرأسمالية أيسر؛ لأن عيوبها ظهرت ~~واضحة للجميع، أما تحديد المعالم الإيجابية للاشتراكية فيبدو أمرا أكثر صعوبة؛ لأن ~~هذه المعالم بسبيل التحدد والتشكل في المرحلة الراهنة من تاريخ العالم. # ولقد كانت نقطة البدء في التفكير ~~الاشتراكي هي محاولة استرداد القيم الإنسانية التي أهدرها النظام الرأسمالي. ms46 وكان لهذا ~~الإهدار مظاهر متعددة، تحدثنا من قبل عن الكثير منها. ولكن هناك مظهرا لم نتحدث ~~عنه بعد، وتعمدنا أن نستبقيه حتى المرحلة الراهنة، نظرا لارتباطه الوثيق بظهور ~~الاشتراكية - وأعني به ما يسمى في الفكر الاجتماعي والفلسفي «بالاغتراب». ~~(1) فكرة الاغتراب # كان «الاغتراب»، ولا يزال، ملازما للرأسمالية منذ بداية عهدها. فحين اكتسبت ~~النقود في أول العصر الرأسمالي كيانا قائما بذاته، مستقلا عن السلع التي كانت ~~في الأصل مساوية لها، وحين أصبحت قادرة على النمو بذاتها، وعلى التوالد ~~والتزايد، بغض النظر عن العمل الإنساني الذي كان في الأصل منتج كل قيمة - ~~عندئذ أصبحت النقود تجسيدا لحقيقة الاغتراب؛ ذلك لأن قدرة النقود على التزايد ~~بذاتها، وقدرة رأس المال على التوالد، تعني الانفصال بين القيمة - التي تمثلها ~~النقود - وبين الجهد الإنساني الذي يبذل من أجل اكتسابها، وتعني أن الاقتصاد قد ~~أحدث انشقاقا بين الإنسان من حيث هو منتج للقيمة، وبين نتاج عمله، بحيث أصبح هذا ~~النتاج يتخذ طابعا تجريديا منقطع الصلة بالمصدر الذي نبع منه. وهذا ~~الانشقاق والانفصال هو الحقيقة المعنوية الكبرى المميزة للمرحلة ~~الرأسمالية. ~~(1) # فحين بلغت هذه المرحلة أوج اكتمالها، كانت أولى الخصائص التي تنبه ~~إليها نقاد النظام الرأسمالي هي خاصية الاغتراب هذه، التي اتخذت ~~في عصر التصنيع طابع الانفصال بين العامل من جهة وبين وسائل إنتاجه ~~وحصيلة هذا الإنتاج من جهة أخرى. فالعامل يشتغل في مصنع لا يملك منه ~~شيئا، وهو لا يستطيع أن يحصل على قوت يومه إلا بأن يشتغل أجيرا لدى ~~من يملك تلك الآلات والأدوات التي بها وحدها يستطيع أن يكون منتجا. ~~أي أن العامل مغترب عن الوسائل التي بدونها لا يكون عاملا. ومن جهة ~~أخرى فإن حصيلة إنتاج العامل تسير في مسالك لا يعلم عنها شيئا. فالسلع ~~التي ينتجها العامل تذهب إلى «السوق»، تلك الحقيقة الكبرى في العالم ~~الرأسمالي، التي هي مع ذلك حقيقة غامضة مجهولة لا يعرف أحد كيف يتحكم ~~فيها. فالسوق قوة تجريدية تتحكم في كل ما ينتجه العامل دون أن تكون ~~له أية صلة بما ms47 يدور فيه. وهنا أيضا نجد العامل مغتربا عما ~~ينتجه، ونجد العامل الذي يفني عمره فيه يضيع بين أيد لا يعرفها، ~~ويتبدد وسط قوى مجهولة لا يدري عنها شيئا. ~~(2) # إن الاغتراب هو فقدان العنصر الإنساني في المعاملات الرأسمالية، وهو ~~اقتلاع الإنسان من جذوره في المجتمع الذي لا تحكمه غاية سوى تحصيل ~~المزيد من الربح. وهذا الاغتراب لا يقتصر على العامل وحده، بل إن ~~المنافسة الحامية، التي تسود الاقتصاد الرأسمالي، تباعد ما بين ~~البشر، وتنشر بينهم العداوة، وتجعل العلاقات بينهم مفتقرة إلى الروح ~~الإنسانية. وحتى لو أراد الرأسمالي أن يكون إنسانا في معاملاته، فإنه لا ~~يملك ذلك؛ لأن قوانين المنافسة هي التي تملي عليه طريقة معاملته ~~للعمال، ومقدار الأجر الذي يدفعه لهم، وساعات عملهم، وهي التي تحدد ~~طبيعة علاقاته مع غيره من الرأسماليين الذين ينافسونه في ميدان إنتاجه ~~الخاص. فهو ليس حرا في معاملاته، بل إن هناك ما يشبه القدر الذي لا ~~يرحم، والضرورة المحتومة، التي تتحكم في تصرفاته؛ ذلك لأن رأس المال، ~~كما قلنا من قبل، يختنق إذا لم يتوسع، والتوسع يقتضي عمل حساب ~~قوانين المنافسة. # والواقع أن الرأسمالي ذاته يغترب عن نفسه، بمعنى ما؛ ذلك لأن عمله كما ~~قلنا من قبل يتخذ صبغة مستقلة عنه، بحيث يصبح هدفه الوحيد في ~~الحياة هو أن تزداد أعماله توسعا وازدهارا، دون أن تعود نتيجة هذا ~~التوسع عليه هو ذاته بفائدة ملموسة، فكثيرا ما تتدهور صحته وتسوء ~~علاقاته بالناس وتتحطم أعصابه وتتخذ حياته طابع التوتر الدائم ~~نتيجة لطموحه الزائد عن الحد. وهكذا يصبح التوسع في الأعمال أشبه ما ~~يكون بقوة خارجة عنه، تملي عليه شروطها وتفرض عليه قانونها ~~الخاص. ~~(3) # وأخيرا، فإن المستهلك بدوره مغترب عن نفسه في المجتمع الرأسمالي؛ ~~ذلك لأن النظام لا يعمل على إشباع حاجات الإنسان الحقيقية، وإنما يخلق ~~حاجات زائفة، الهدف الوحيد منها هو أن تكون مجالا لمزيد من الربح ~~والتوسع، ولكن على حساب تكامل الشخصية الإنسانية وتوازنها، وعلى حساب ~~الاستخدام الرشيد لموارد المجتمع. فالمفروض أن يكون الإنتاج تلبية ~~لحاجات موجودة ms48 بالفعل، ولكن كثيرا ما يحدث في المجتمع الرأسمالي أن يكون ~~الإنتاج هو الأصل، وأن تظهر الحاجات فيما بعد، لا لشيء إلا لتصريف هذا ~~الإنتاج فحسب. وهكذا يعمل الإعلان على إقناع الناس بأمور تافهة تتحول ~~لديهم بالتدريج إلى ضرورات، مع أنها في الأصل لا تلبي أية حاجة حقيقية ~~لديهم. ففي البلاد الرأسمالية الكبرى تصرف الملايين على أنواع ~~متعددة متنافسة من «أكل الكلاب»، أو على السيارات الفاخرة التي لا ~~يحتاج الإنسان فعلا إلى ربع الطاقة التي تسير بها، والتي يتغير ~~طرازها عاما بعد عام. ويستعين الإعلان بأحدث أساليب البحث النفسي ~~ليبث في نفوس الناس اقتناعا زائفا بأن قيمتهم في المجتمع يحددها ~~طراز السيارة التي يركبونها، وبأن ضخامة السيارة واتساعها وزيادة طاقة ~~محركها علامة من علامات علو المكانة. وهكذا تفسد طباع الناس، ~~وتخلق فيهم عادات سلوكية سطحية تافهة، ويعتادون بالتدريج التعلق ~~بالمظهر السطحي بدلا من الجوهر الحقيقي، وتفرض عليهم حاجات ~~مزيفة تنطوي على تبديد للموارد المادية، فضلا عن تحطيم المبادئ ~~المعنوية، لا لشيء إلا لغرض الربح. وحين تسود على هذا النحو عقلية ~~الاستهلاك لأجل الاستهلاك، لا من أجل تلبية حاجات حقيقية، أو تحقيق ~~ماهية الإنسان، فعندئذ يكون المستهلك بدوره قد اغترب عن ذاته؛ لأنه ~~لم يعد يعرف ما هو في حاجة إليه من أجل استكمال إنسانيته؛ ولأن المطالب ~~العرضية الزائفة أصبحت لها الغلبة على مطالبه الجوهرية. كل ذلك لكي ~~يستطيع رأس المال أن يواصل توسعه، ولكي تستمر أرباحه في ~~التدفق. # وهكذا يبدو الاغتراب منتميا إلى صميم الكيان الرأسمالي ذاته، ~~ويصبح هو الوضع المميز للعامل إزاء وسائل إنتاجه وحصيلة عمله، ~~وللرأسمالي إزاء عماله ومنافسيه، بل وإزاء ذاته، وللمستهلك إزاء ~~حاجاته ومطالبه الإنسانية. إنه هو التعبير الصادق عن الوضع الإنساني في ~~ذلك المجتمع، ومن المستحيل مواجهة هذا الوضع مواجهة حاسمة إلا ~~بالخروج على النظام الرأسمالي نفسه. ~~(2) الاشتراكية نزعة إنسانية # كانت تلك نقطة بداية كثير من المذاهب الاشتراكية في دعوتها إلى ضرورة القضاء على ~~النظام الرأسمالي، الذي يجعل الإنسان عبدا لنفس القوى التي خلقها بيديه. فالاشتراكية ms49 ~~تدعو الإنسان إلى السيطرة مرة أخرى على القوى التي أصبحت مسيطرة عليه، خارجة على ~~إرادته. وهي تطالب بإعادة هذه القوى مرة أخرى إلى الإنسان، بدلا من تبديدها ~~وتشتيتها خارجا عنه. وعلى هذا الأساس تكون الاشتراكية في صميمها نزعة إنسانية، ~~هدفها أن تستعيد الإنسان المتكامل، الذي يجمع ما فرقته الرأسمالية من شتات، ~~ويعيد ضمها إلى ذاته. # ومن هذه الزاوية تبدو المرحلة الاشتراكية سعيا إلى تحقيق جميع الإمكانات المادية ~~والمعنوية للإنسان. وهي حين تفعل ذلك لا تستهدف التقدم المادي وحده على حساب ~~التقدم المعنوي؛ ذلك لأننا لو قسنا المراحل المختلفة بمقياس ما أحرزته من ~~تقدم مادي، فإن المرحلة الرأسمالية ستحتل دون شك مكانة هامة في تاريخ ~~الإنسانية؛ لأن البشرية حققت فيها مكاسب مادية لا يمكن إنكارها، ومع ذلك فإن هذه ~~المكاسب كانت تتم في كثير من الأحيان على حساب معنويات الإنسان وأخلاقياته. # فحين نستعرض أسباب النجاح الاقتصادي للرأسمالية، يجب ألا يغيب عن أذهاننا ~~أنها لم تقتصر على استغلال الموارد الاقتصادية لأوروبا الغربية وقارتي أمريكا، وهي ~~مناطق حافلة بالموارد الطبيعية الغنية، التي لم تكن قد استغلت بعد في حالة أمريكا ~~بالذات، بل إنها قد استفادت أيضا بفضل الاستعمار المباشر والاستغلال الاقتصادي من ~~موارد العالم بأكمله، وذلك بوسائل هي أبعد ما تكون عن التبادل النزيه. ففي ~~الحالات التي لم يكن فيها الاستغلال استعماريا مباشرا يستنزف موارد شعب واقع تحت ~~قبضة الاستعمار، كان الغش والاغتصاب هو القاعدة التي يتم على أساسها التبادل، وكانت ~~المعاملات بين الدولة الرأسمالية والدولة الأضعف بعيدة كل البعد عن التكافؤ. في ~~مثل هذه الحالات لا يكون من المستغرب أن تحرز الدول الاستعمارية أو الاستغلالية ~~تقدما اقتصاديا سريعا، ولا ينبغي أن يعزى هذا التقدم إلى فضيلة كامنة في ~~نظامها الرأسمالي، بل إن سببه الأهم هو أنها لا تتورع عن الالتجاء إلى أبعد ~~الطرق عن الشرف في سبيل التفوق على الغير. ولقد أشار أحد زعماء الزنوج في ~~أمريكا ذات مرة إلى التقدم الاقتصادي الهائل لبلاده، فأرجعه إلى عوامل من ~~أهمها استغلال عمل الملايين ms50 من الزنوج لمدة عشرات بل مئات من السنين بلا أجر، ~~حين كان الزنوج عبيدا، أو بأجر اسمي زهيد، بعد أن تحرروا شكليا من حالة ~~العبودية. وتساءل في هذا الصدد: هل من المستغرب إذا وجد تاجران أحدهما لا يدفع ~~لعماله أجورا والآخر يدفع لهم أجرهم بانتظام أن يتفوق الأول على حساب ~~الثاني؟ # هذا مجرد مثل بسيط يوضح سببا من أسباب التقدم في المرحلة الرأسمالية، ~~ولكنه في الوقت ذاته يكشف عن ضخامة المسئولية الملقاة على عاتق النظام الاشتراكي؛ ~~ذلك لأن على هذا النظام أن يحقق، بوسائل نزيهة يقضي فيها على استغلال الإنسان ~~للإنسان، تقدما يفوق ما أحرزته الرأسمالية بوسائل سهلة تفتقر إلى النزاهة. ~~فالتحدي الأكبر الذي يواجه النظام الاشتراكي ليس مجرد التقدم، وإنما هو بلوغ ~~التقدم في ظل علاقات إنسانية سليمة. ~~(3) القيم الإيجابية في النظام الاشتراكي ~~(1) # إن الاشتراكية تتخلص من روح المقامرة التي تسود النظام ~~الرأسمالي، حيث تنتشر المضاربة في الأسهم سعيا وراء ربح لا يقابله ~~أي عمل أو مجهود، بل إن أقصى ما يمكن أن يكون قد بذل فيه من جهد ~~هو استخدام ذكاء المقامر. وهي تسعى إلى القضاء على الانفصال بين ~~رأس المال وبين العامل المنتج، وذلك حين تجعل الملكية وظيفة اجتماعية ~~بحيث يشعر كل من يعمل بأن له فيها نصيبا. «وتقوم الاشتراكية على ~~إدراك صحيح لقيمة العمل» ومن هنا فإنها تحاول بقدر طاقتها أن تجعل ~~لكل فرد في المجتمع مستوى يعادل مقدار الجهد الذي يبذله ذلك الفرد ~~في خدمة المجتمع. ويترتب على ذلك أن تستغني الاشتراكية عن ~~الطفيليات الاجتماعية التي تعيش على عمل الآخرين، وعن أولئك «العاطلين ~~بالوراثة» الذين لا فضل لهم سوى انتمائهم إلى أسر من مستوى اجتماعي ~~معين. ~~(2) # وبالمثل فإن الاشتراكية، في سعيها إلى التقدم، لا تعمل على خلق ~~حاجات زائفة لدى جمهور المستهلكين من أجل توسيع دائرة النشاط الاقتصادي ~~في مجال ما؛ ذلك لأن ما يحدث في المجتمع الرأسمالي من إصرار على ~~التوسع لأجل التوسع، يمكن أن يؤدي إلى اختلاف هائل في توازن ~~الحاجات الاجتماعية، بحيث ms51 يتوقف مقدار نجاح أي مرفق اقتصادي على قدرته ~~على الدعاية لنفسه واجتذاب العملاء، لا على تلبيته لحاجات حقيقية في ~~المجتمع. وهكذا تزدهر صناعة أدوات الزينة مثلا ازدهارا هائلا، ~~وتتعدد أنواع هذه الأدوات بلا مبرر؛ لأن أجهزة الدعاية تنجح في ~~خلق طلب زائف على كل نوع جديد تبتدعه هذه الصناعة منها. أما ~~في النظام الاشتراكي فإن الحاجة إلى سلعة كهذه تقاس بالحاجة إلى سلع ~~أخرى أكثر حيوية - كالكتاب ~~مثلا - وتعطي كل سلعة ما تستحقه من جهد واهتمام تبعا لحاجة ~~المجتمع الحقيقية إليها. # وهكذا يظهر مبدأ التخطيط في المجتمع الاشتراكي بوصفه وسيلة لتحقيق ~~التوازن بين حاجات المجتمع وبين ما يستطيع أن ينفقه على هذه الحاجات من ~~موارد. فالتخطيط في أساسه جهد يبذل من أجل التخلص من فوضى الإنتاج، ~~ومن أجل تحقيق النظرة الشاملة إلى موارد المجتمع، وتوزيعها حسب ~~الأولويات على مطالبه وحاجاته. ومثل هذه النظرة الشاملة يستحيل أن ~~تتحقق في المجتمع الرأسمالي، الذي تسعى فيه كل صناعة، وكل شركة، إلى ~~نفعها الخاص، حتى ولو كان ذلك على حساب الآخرين. ومن الواضح أن لمبدأ ~~التخطيط في المجتمع الاشتراكي قيمة معنوية كبرى، إلى جانب قيمته ~~المادية. فهو من جهة يساعد على ترشيد الإنتاج في المجتمع على النحو ~~الذي يضمن له نموا متوازنا لا يطغى فيه جانب على جانب إلا ~~بمقدار ما يلبي من حاجات حقيقية للمجتمع. وهو من جهة أخرى يساعد على ~~انتشار مبادئ معنوية لا غناء عنها لكل مجتمع يسعى إلى تقدم حقيقي، ~~كمبدأ النظرة الكلية إلى الأمور، بدلا من النظرة الجزئية، والبحث عن نفع ~~المجتمع ككل بدلا من نفع قطاعات معينة منه، والتخلص من أنانية ~~الأجيال عن طريق التخطيط للمستقبل القريب والبعيد. ~~(3) # ومن هنا كانت الاشتراكية هي وحدها المرحلة التي تتحقق فيها للإنسان ~~«حريته الحقيقية». ومن الضروري أن نفرق في هذا الصدد بين الحرية ~~الحقيقية وبين الحرية الوهمية؛ ذلك لأن أنصار الرأسمالية هم أكثر الناس ~~حديثا عن الحرية وتشدقا بها، حتى لقد وصل بهم الأمر إلى حد ~~تسمية العالم الذي يطبق فيه ms52 نظامهم باسم «العالم الحر». وبالفعل ~~كان الاقتصاد الرأسمالي منذ بداية عهده، ولا يزال حتى الآن، يسمي نفسه ~~باسم الاقتصاد الحر، وكان ازدهار الرأسمالية مرتبطا بفهم معين ~~للحرية، هو حرية الأعمال التي لم يكن من المشروع التدخل في مسارها ~~لأنها - كما يعتقد - تنظم ~~نفسها وفقا لمقتضيات السوق، ووفقا لمصالح المنتج والمستهلك في ~~نهاية الأمر. # على أن هذه الحرية التي ساعدت الرأسمالية على توطيد مركزها في ~~بداية عهدها، سرعان ما تكشف وجهها الحقيقي، فإذا بها عبودية ~~لمعظم طبقات المجتمع؛ ذلك لأنك تستطيع أن تقيم علاقة بين صاحب العمل ~~القوي والعامل الضعيف على أساس من «الحرية»، ولكن لمن ستكون ~~الحرية في هذه الحالة؟ لا جدال في أن عدم التناسب في القوة بين ~~الاثنين، واحتياج العامل إلى صاحب العمل لكي يضمن عيشه، سيجعل مثل هذه ~~الحرية في التعامل بينهما وسيلة لاضطهاد الأول للثاني. وفي مثل هذه ~~الحالة لا يعد تدخل الدولة لحماية العامل حدا من الحرية، بل ~~إنه إقرار وتأكيد لها. # مثل هذا يقال عن سائر «الحريات» المشهورة في العالم الرأسمالي. ~~فحرية الصحافة شيء رائع دون شك، ولكن أين صحافة البلاد الرأسمالية ~~من الحرية؟ إن اعتمادها على الإعلان، الذي تتحكم فيه المؤسسات ~~الرأسمالية الكبرى، يجعلها ألعوبة في يد نفس القوى التي تدعي أنها ~~حرة إزائها. أما الصحافة التي تتسم بقدر من الحرية يتيح لها ~~أن توجه النقد إلى الأسس التي يقوم عليها النظام القائم، فإن الأموال ~~تقبض عنها إلى أن تفلس، أو تصدر بصورة لا تسمح بقراءتها إلا ~~لعدد محدود جدا من القراء. ومثل هذا يقال عن حرية التعاقد بين ~~العامل وصاحب العمل، إذ إن هذه حرية شكلية لا أساس لها في الواقع، ~~الذي يكون فيه مركز العامل من الضعف بحيث لا يستطيع على الإطلاق أن يقف ~~ندا لصاحب العمل في عملية التعاقد، مما يضطر العمال إلى التجمع ~~في اتحادات تقوي مركزهم وتزيد من قدرتهم على المساومة، وقد يلجئون - ~~إذا أعيتهم الحيل - إلى اضطرابات طويلة الأمد، تعود على معيشتهم ~~اليومية بأضرار لا يستهان بها. ms53 أما حرية تكوين الأحزاب، فإنها في ~~الدول الرأسمالية الكبرى أشبه ما تكون بلعبة مسلية تتغير فيها ~~الوجوه دون أن يطرأ على السياسة ذاتها أي تغيير حقيقي. والمثل الواضح ~~لذلك هو الحزبان الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، وهما ~~الحزبان اللذان لا يستطيع أقطابهما ذاتهم أن يضعوا حدا فاصلا ~~واضحا بين اتجاهاتهما السياسية. ومثل هذا يقال عن حزبي العمال ~~والمحافظين في بريطانيا. وأخيرا، فإنا نسمع في العالم الرأسمالي عن ~~حرية المنافسة، بوصفها فضيلة من فضائل ذلك النظام، ولكن تجربة التاريخ ~~أثبتت أن المنافسة تتحول في الدول الرأسمالية الكبرى إلى احتكار ~~يؤدي إلى تنظيم العلاقات بين المنتجين على حساب جمهور ~~المستهلكين. # مثل هذه الحرية الشكلية ليست هي الهدف الذي يسعى إليه النظام ~~الاشتراكي. فهذا النظام يحاول أن يكفل للإنسان حرية حقيقية، تنبع من ~~الجذور، لا حرية تطفو على السطح. وهو حين لا يترك لشخص واحد، أو ~~مجموعة من الأشخاص، حرية التحكم في وسائل الإنتاج الاقتصادي، يضمن ~~بذلك تحرر الجماهير العريضة من طغيان رأس المال، ويرسي الأساس ~~الحقيقي لسائر أنواع الحريات. صحيح أن هذه الحريات قد لا تكون صارخة ~~كتلك التي يتشدق بها دعاة الحرية الليبرالية؛ ولكنها مع ذلك ~~حريات حقيقية تستمتع بها الغالبية العظمى من المواطنين. فحرية ~~الكلمة تصبح عندئذ بحثا وراء الحقيقة، وحين تصبح الحقائق في ~~متناول أيدي الجميع، فإنها تحررهم من الأوهام والأكاذيب والتضليل، ~~ومن التشنيع السطحي الذي يقدم إلى الناس على أنه نقد اجتماعي عميق. ~~أما الأحزاب فإنها عندما تعكس موازين القوى الحقيقية بين طبقات ~~المجتمع، ولا تعود مجرد أداة في يد فئات من الأفراد الذين لا ~~يمثلون إلا أنفسهم، فإنها تصبح عاملا أساسيا من عوامل التعبير ~~عن الرأي في المجتمع الاشتراكي. وأخيرا، فإن حرية المنافسة مكفولة ~~في النظام الاشتراكي بدوره، ولكنها منافسة في خدمة المجتمع، وليست ~~منافسة في استنزاف الأرباح من أفراده. ففي كل هذه الحالات إذن توفر ~~الاشتراكية للمجتمع حرية حقيقية، مبنية على التخلص من الاستغلال ~~الاقتصادي والظلم الاجتماعي. # وهكذا يتبين لنا أن الاشتراكية في صميمها مذهب إنساني ms54 يسعى إلى أن يرد ~~للقيم الإنسانية معناها الحقيقي الذي شوهته الرأسمالية وابتذلته، ويهدف في ~~نهاية الأمر إلى أن ينشر بين الناس اتجاهات معنوية لم تعرفها البشرية في عهودها ~~السابقة التي كان يشيع فيها كلها استغلال الإنسان للإنسان وامتهانه لكل ما ~~يعتز به من قيم. ms55