######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.JudhurFalsafiyyaLiBinaiyya.Hindawi35852474 #META# Tags: philosophy #META# ID: 35852474 #META# Title: الجذور الفلسفية للبنائية #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ملخص‏ # مقدمة‏ # ما هي البنائية؟‏ # الأسس الفلسفية للبنائية عند ليفي ستروس‏ # ميشيل فوكو وبناء العقل الحديث‏ # البنائية والماركسية‏ # خاتمة: البنائية والإنسان‏ # ملاحظات‏ # أهم المراجع‏ # ملخص‏ # مقدمة‏ # ما هي البنائية؟‏ # الأسس الفلسفية للبنائية عند ليفي ستروس‏ # ميشيل فوكو وبناء العقل الحديث‏ # البنائية والماركسية‏ # خاتمة: البنائية والإنسان‏ # ملاحظات‏ # أهم المراجع‏ # | الجذور الفلسفية للبنائية # | الجذور الفلسفية للبنائية # تأليف # فؤاد زكريا # | ملخص # يبدأ البحث بتأكيد أن البنائية، من حيث هي منهج، قديمة العهد، أما من ~~حيث هي مذهب فكري شامل فهي ظاهرة حديثة، ومع ذلك فمن الوجهة الفلسفية ~~الخالصة يمكن تتبع جذورها الفلسفية إلى أصول من أهمها فلسفة «كانت» ~~التي كانت بدورها تبحث عن نسق «قبلي» تنظم إطاره التجربة ويتألف من ~~صور أو قوالب ذات طبيعة ذهنية. وتشكل البنائية حلقة في تلك السلسلة ~~الطويلة من المحاولات التي تهدف إلى جعل دراسة الإنسان علما دقيقا، ~~ومن ثم كان النموذج اللغوي يقوم فيها بدور أساسي. # وأهم ما يميز البنائية، فلسفيا، هو محاربتها للنزعة التجريبية من ~~جهة، وللنزعة التاريخية من جهة أخرى. فهي تذهب إلى أن العقل ينمو ~~نموا عضويا، بحيث تظل فيه صور هي أشبه بالنواة الثابتة، وإن كنا ~~نزيدها على الدوام توسيعا وتعميقا. وعن طريق اكتشاف عناصر الثبات هذه ~~تعتقد البنائية أنها انتقلت بدراسة الإنسان ومجتمعاته إلى مرحلة العلم ~~المنضبط. # ويعرض البحث بعد ذلك للأسس الفلسفية للبنائية عند عدد من ممثليها ~~الرئيسيين: ~~(1) ليفي ستروس # يظهر الأساس الفلسفي لتفكير ستروس في تأكيده تدخل الذهن البشري ~~في تشكيل كل نواتج ثقافته، وجمعه بين مجموعات متغايرة من الظواهر ~~ضمن إطار أو بناء واحد، هو أساس كل المظاهر الخارجية للنظم ~~الاجتماعية. وهذا الطابع الفلسفي هو أساس الانتقادات التي وجهها ~~إليه علماء الأنثروبولوجيا، حين اتهموه بأنه كان دجماطيقيا يخرج ~~البناءات عن مجرى الزمان. كما أن هذا هو أصل المعركة المشهورة بين ~~ستروس وبين سارتر والوجودية بوجه عام. ~~(2) ميشيل فوكو # في كتاب «الكلمات والأشياء» يحاول فوكو أن يبحث بطريقة غير ~~تاريخية عن البناء المميز لكل مرحلة من مراحل الفكر الأوروبي ~~الحديث ms01 ، منذ عصر النهضة حتى اليوم. وهو يتعسف في تحديد هذا البناء ~~الذي يراه ثابتا إلى حد إغفال كثير من العناصر الأساسية التي ~~يستحيل فهم العصر بدونها. ~~(3) الماركسيون # يستعرض البحث محاولة إيجاد مركب بين البنائية والماركسية عند ~~«لوسيان سيباج»، وهي المحاولة التي ارتكزت على أساس اهتمام ماركس ~~بالبحث عن أطر «كلية» تتجاوز نطاق العوامل الاقتصادية التي اقتصرت ~~عليها الماركسية التقليدية؛ ولذلك أنكر «سيباج» السببية المطلقة ~~للعامل الاقتصادي، ووضعه في إطار أوسع منه. # والمحاولة الأهم هي التي قام بها «لوي ألتوسير»، الذي أراد أن ~~يعيد إلى الماركسية انضباطها العلمي، ويؤكد استقلالها عن هيجل وعن ~~التراث الفلسفي السابق كله، ويجعل محورها بناء اجتماعيا ~~اقتصاديا يكون الإنسان ذاته جزءا منه. وهو يستعيض عن السببية ~~التقليدية بين البناء الأدنى والأعلى، بسببية معقدة متعددة ~~الجوانب. وقد انتقدت هذه المحاولة بسبب تفسيرها المتعسف للماركسية ~~من خلال منظور واحد، هو المنظور العلمي الدقيق وحده، وتجاهلها ~~المفرط للإنسان. # وفي خاتمة البحث تنتقد البنائية ككل لهذا السبب نفسه، أي تجاهل ~~الإنسان، وتجاهل التاريخ والتطور، وإن كان «بياجيه» و«سيباج» ~~يذهبان إلى تأكيد إمكان التوفيق بينها وبين النزعة التاريخية عن ~~طريق تحديد أدق لمعنى «الإنسان» الذي تركز عليه البنائية أبحاثها. ~~وينتهي البحث بتأكيد أن هذا الدفاع غير مقنع تماما، وأن البنائية ~~لم تعمل حسابا لعوامل الحركة والتغير والفاعلية؛ لأنها ركزت على ~~الإنسان في حالته «السكونية» حين يكون «مفعولا» لا ~~«فاعلا». # | مقدمة # بلغت البنائية من حيث هي اتجاه فكري وفلسفي، ذروتها في السنوات ~~الأخيرة من الستينيات في هذا القرن، وكان من الشائع في أوساط المثقفين ~~أن ينظر إليها على أنها «مذهب فلسفي». ومن سمات المذهب الفلسفي، أيا ~~كان، أنه يسعى بقدر إمكانه إلى الشمول، ويستهدف تقديم تفسير موحد ~~لمجموعة كبيرة من المشكلات الفكرية، ويضم مجالات معرفية متعددة في إطار ~~نظرة واحدة إلى العالم وإلى طبيعة الأشياء. وبالفعل وصل المد البنائي، ~~في فترة الذروة هذه، إلى ميادين شديدة التنوع. ففي مجال اللغويات كان ~~جاكوبسون # Jakobson # وشومسكي # Chomsky # يقودان حركة نشطة اتخذ منها ~~الكثيرون نموذجا ms02 ومثالا يحتذى في ميادين أخرى. وفي ميدان التحليل ~~النفسي كان «لاكان # Lacan ~~» يشد انتباه ~~معاصريه بنظرته الجديدة إلى هذا العلم الذي كان يبدو، قبل نشر بحوثه، ~~في حالة ركود نسبي. وفي النقد الأدبي كان «بارت # R. Barthes ~~» يفتتح عهدا جديدا في تفسير ~~النصوص على أساس بنائي، وفي الميدان الفلسفي كان مفكر ميال إلى ~~المحافظة مثل «فوكو # Foucault ~~» يبهر ~~جماهير المثقفين برؤيته الجديدة في كتابه المشهور «الكلمات والأشياء # Les Mots et les Choses ~~»، ~~على حين أن مفكرا ماركسيا أصيلا هو «ألتوسير # Althusser ~~» كان يعيد قراءة الأصول الكبرى للفلسفة ~~الماركسية، وخاصة كتاب «رأس المال» ذاته، من خلال تفسير بنائي مبتكر. ~~وقبل هؤلاء جميعا، كان «ليفي ~~ستروس # Lévi-Strauss ~~» يواصل جهوده الرائدة التي كان قد بدأها قبل ~~هذا التاريخ بما يقرب من عشرين عاما، والتي استطاع بفضلها أن يجعل ~~للبنائية مكانة بارزة على خريطة المذاهب الفلسفية في النصف الثاني من ~~القرن العشرين، على الرغم من أن ميدان تخصصه كان علما اجتماعيا وليس ~~فلسفيا، هو الأنثروبولوجيا. # على أن هذا الانتشار الذي جعل من البنائية مذهبا فلسفيا شاملا، ~~ما يقرب من عشر سنوات، لا ينبغي أن يخفي عنا حقيقة هامة، هي أن ~~البنائية لم تصبح مذهبا فلسفيا إلا لأن المتخصصين قد تنبهوا في ذلك ~~الوقت بالذات إلى الإمكانات الخصبة التي تكمن في فكرة «البناء». أما ~~الفكرة ذاتها، وأما مبدأ التفكير من خلال «بناءات»، فكان معروفا قبل ~~ذلك بوقت طويل. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول إن البنائية هي قبل كل ~~شيء «منهج» في التفكير، وبهذا المعنى كانت موجودة منذ عهد بعيد، ولكنها ~~لم تصبح «مذهبا» فلسفيا إلا بعد أن تنبه بعض المفكرين، بطريقة ~~واعية، إلى أهمية هذا المنهج، وحددوا معالمه بوضوح بعد أن كان يطبق ~~بطريقة ضمنية دون وعي بكافة أبعاده. وكانت نتيجة الحماسة التي تملكتهم ~~حينما اكتشفوا هذه الطريقة في التفكير، أن جعلوا منها «مذهبا» شاملا ~~يقدم تفسيرا للمشكلات التي تواجه العقل في ميادين شديدة التباين. ~~ومعنى ذلك أن البنائية من حيث هي منهج، قديمة ms03 العهد، أما من حيث هي ~~مذهب شامل، فهي ظاهرة حديثة في الفكر المعاصر. # ولكن على أي أساس نقول إن البنائية، من حيث هي منهج، كانت معروفة ~~ومطبقة منذ وقت طويل؟ ذلك لأن مجرد تطبيق نموذج رياضي على موضوع علمي ~~معين، هو في ذاته نوع من البنائية. «فإذا أدركنا أن العلم الحديث، منذ ~~القرن السابع عشر، لم يتمكن من تحقيق إنجازاته الضخمة إلا بفضل تطبيق ~~النموذج الرياضي على الظواهر الطبيعية، كان في استطاعتنا أن نحكم بأن ~~هذا العلم كان منذ بدايته «بنائيا»؛ لأنه استهدف الاهتداء إلى ~~«البناء» الكامن وراء الظواهر الطبيعية، وعبر عن هذا البناء بلغة ~~رياضية. بل إن كل علم لا بد أن يكون له من البنائية نصيب؛ لأن دراسته ~~تنصب على بحث أنساق من العلاقات والروابط بين الظواهر.» # 1 # ويؤيد بياجيه - عالم النفس المشهور - الرأي القائل إن البنائية في ~~صميمها منهج قبل أن تكون مذهبا؛ ذلك لأنها أسلوب فني متخصص ~~( # Technical ~~)، وتقتضي التزامات ~~عقلية معينة، وتؤمن بالتقدم المتدرج. ولقد كان للمنهج الذي تمثله ~~البنائية تاريخ طويل يشكل جزءا من تاريخ العلوم، غير أن سماتها لم ~~تكتشف إلا في وقت متأخر؛ وذلك لأسباب منها صعوبة المنهج البنائي ~~وتعقده، واتجاه العقل البشري إلى أن يتجاهل في البداية مفاهيم الاعتماد ~~المتبادل بين الظواهر، والكل النسقي الذي تشكله، مكتفيا بتفسيرات ~~مبسطة موحدة الاتجاه. هذا فضلا عن أن البناءات الكامنة وراء الظواهر ~~لا تظهر للملاحظة المباشرة، بل توجد على مستويات لا يتم التوصل إليها ~~إلا بتجريد مضاعف، أو على حد تعبيره، بتجريد «صور ~~الصور # Forms of Forms ~~». # 2 # على أنه، إذا كان للبنائية، بوصفها منهجا، مثل هذا التاريخ الطويل؛ ~~فإن ظهورها الذي يبدو على شكل انبثاق مفاجئ، والذي اتخذ صورة مذهب فكري ~~متكامل، قد ارتبط بظروف تاريخية معينة، كان لها تأثيرها في الفلسفة ~~الفرنسية بالذات؛ إذ إن أول البنائيين وأهمهم كانوا من الفرنسيين. فبعد ~~الحرب العالمية الثانية، كان إنتاج سارتر الغزير في ميادين الفلسفة ~~والرواية والمسرحية والمقال السياسي هو المسيطر على الجو الثقافي ~~الفرنسي، ms04 بل إنه تعدى نطاق هذا الجو الثقافي حتى أصبح «أسلوبا» خاصا ~~للحياة يتميز به عدد كبير من الشبان الفرنسيين في مظهرهم وملبسهم ~~ومناقشاتهم، هم «الوجوديون» الذين كانوا من المعالم الفرنسية المميزة ~~في ذلك الحين. ولم تظهر قوة فكرية أخرى تتحدى آراء سارتر في الحرية ~~«المحكوم بها» على الإنسان إلا في الماركسية، التي ركزت أبحاثها على ~~قوانين التحول التاريخي، وأكدت حتمية الصراع الطبقي. ولم يمض وقت طويل ~~حتى سعى سارتر نفسه إلى إزالة التعارض الحاد بينه وبين الماركسية، حتى ~~وصل به الأمر إلى حد إعلان أن الماركسية لا يمكن تجاوزها، وأن فلسفته ~~بالتالي تتخذ لنفسها موقعا «داخل» الماركسية. هذا على الرغم من أن ~~حركة التقارب لم تكن متبادلة من الطرفين؛ لأن الماركسية ظلت تهاجم ~~النزعة الذاتية والمثالية في الوجودية، وتصفها بأنها نموذج واضح ~~للأيديولوجية البورجوازية. # في هذا الجو ظهرت البنائية لكي تدخل طرفا ثالثا في الصراع الفكري ~~الذي سيطر على الثقافة الفرنسية في الستينيات، فأضافت وقودا جديدا ~~إلى لهيب المعارك الدائرة بين المثقفين، وكان لظهورها دوي كبير، لا ~~لأنها أتت باتجاه جديد فحسب؛ بل أيضا لأن التقابل بين الوجودية ~~والماركسية، كما قلنا من قبل، كانت قد خفت حدته، وكان لا بد من ~~ظهور خصم جديد يثير المعركة الفكرية مرة أخرى. # على أن البنائية كانت لها جذور فلسفية أقدم كثيرا من العصر الذي ~~ظهرت فيه. وأهم هذه الجذور، في اعتقادي، هو فلسفة كانت؛ فالبنائية - ~~مثل فلسفة كانت - تبحث عن الأساس الشامل، اللازماني، الذي ترتكز عليه ~~مظاهر التجربة، وتؤكد وجود نسق أساسي ترتكز عليه كل المظاهر الخارجية ~~للتاريخ، وهذا النسق سابق على الأنظمة البشرية، بحيث تستند إليه تلك ~~الأنظمة زمانيا ومكانيا، أي إن هذا النسق «قبلي # a priori ~~» بمعنى مشابه لما نجده عند ~~كانت. ولقد ظهر لدى البنائيين - على اختلاف اتجاه تخصصاتهم - ميل ~~واضح إلى فكرة النسق الشامل، ووضع أطر أو قوالب أساسية تندرج ضمنها ~~الكثرة الموجودة في الواقع، بل إن هذه الأطر والقوالب لها عندهم طبيعة ~~عقلية، حتى لو اتخذت مظاهرها أشد ms05 الصور حسية. كذلك تدعو البنائية ~~بدورها إلى نوع من الثورة الكبرنيكية مماثل لذلك الذي دعا إليه ~~كانت؛ إذ تؤكد أهمية العلاقات الداخلية والنسق الكامن في كل معرفة ~~علمية، وتسعى إلى تجاوز المظهر الذي تبدو عليه المعرفة من أجل النفاذ ~~إلى تركيبها الباطن. وهي بدورها تترفع على النظرة التجريبية، وتؤكد ~~أن تقدم المعرفة لا يتم عن طريق وقائع تجريبية يضاف بعضها إلى البعض، ~~وإنما يتم عن طريق إعادة النظر في قوالب أو صور أو عمليات موجودة ~~بالفعل، ولكنها تتخذ مظهرا جديدا في كل عصر. وأخيرا فإن البنائية ~~تتشابه مع فلسفة كانت في نقطة أساسية، هي أنها بدورها تستهدف أن تجعل ~~من دراسة الإنسان موضوعا لعلم دقيق، وتحاول أن تهتدي إلى السر الذي ~~جعل العلوم الأخرى تسير في طريق العلم الراسخ؛ لكي تطبقه على العلوم ~~الإنسانية والاجتماعية، وإن كان التركيز عند كانت ينصب على العلوم ~~الرياضية والطبيعية، على حين أنه كان في حالة البنائيين ينصب على ~~علوم أخرى، أهمها علم اللغة. # والواقع أن علم اللغة كان مصدرا من أهم مصادر البنائية، وهو مصدر ~~كان معترفا به صراحة في كتابات البنائيين، على حين أن تأثير فلسفة ~~«كانت» في تفكيرهم كان ضمنيا في أغلب الأحيان. ولهذا الارتباط بين ~~البنائية وبين اللغويات مبررات قوية؛ إذ لا يوجد «بناء» بالمعنى الصحيح ~~إلا لما هو لغوي، وجميع المجالات المعروفة لا يصبح لها بناء إلا حين ~~تتخذ طابعا لغويا. # 3 # وفضلا عن ذلك فإن للغة بالذات ميزات خاصة جعلت النموذج اللغوي ~~يحتل مكانة خاصة في تفكير البنائيين؛ ذلك لأن اللغويين، منذ أيام ~~العالم السويسري المشهور «دي ~~سوسير» # Ferdinand de Saussure # في أوائل القرن العشرين، درسوا عناصر اللغة ~~والسمات المميزة لعلاقاتها بوصفها انساقا لا عقة لها بالعالم الذي ~~تعبر عنه أو تدل عليه. فكانوا بذلك يطرحون مشكلات بنائية خالصة، ~~ويضربون مثلا يحتذى للعلوم الإنسانية الأخرى التي لم تكن قد وصلت ~~بعد إلى مرحلة الاستقلال عن مضموناتها، واكتشاف تركيباتها ~~الخالصة، # 4 # أي إن نجاح اللغويات - وهي قبل كل شيء علم ms06 إنساني - في ~~بلوغ مرتبة العلم المنضبط كان عاملا مشجعا للباحثين في الميادين ~~الأخرى للدراسات الإنسانية والاجتماعية على الاقتداء بهذا العلم الناجح ~~في منهجه، وفي الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه. ولقد عبر ليفي ستروس عن ~~هذه العلاقة بين اللغويات وسائر العلوم الإنسانية تعبيرا صريحا ~~واضحا: «إننا (يقصد علماء الأنثروبولوجيا) نجد أنفسنا، إزاء علماء ~~اللغة، في وضع حرج؛ فطوال سنوات متعددة كنا نشتغل معهم جنبا إلى ~~جنب، وفجأة يبدو لنا أن اللغويين لم يعودوا معنا، وإنما انتقلوا إلى ~~الجانب الآخر من ذلك الحاجز الذي يفصل العلوم الطبيعية الدقيقة عن ~~العلوم الإنسانية والاجتماعية، والذي ظل الناس يعتقدون طويلا ~~باستحالة عبوره. وهكذا أخذ اللغويون ... يشتغلون بتلك الطريقة المنضبطة ~~التي تعودنا أن نعترف باستسلام أنها وقف على العلوم الطبيعية وحدها، ~~مما ولد في نفوسنا قدرا من الأسى، وكثيرا من الحسد، إذا أردنا أن ~~نكون صرحاء. فنحن نود أن نتعلم من اللغويين سر نجاحهم. فهلا يمكننا ~~أن نطبق بدورنا على المجال المعقد لدراساتنا - كمجال القرابة، ~~والتنظيم الاجتماعي، والدين والفلكلور، والأدب؛ تلك المناهج المنضبطة ~~التي يتحقق عالم اللغة في كل يوم من فعاليتها؟» # 5 # ويهمنا في هذا النص - الذي يذكرنا إلى حد بعيد بما قاله كانت في ~~معرض المقارنة بين الفلسفة والعلوم الرياضية والطبيعية في مقدمة كتاب ~~«نقد العقل الخالص» - أن البنائيين الذين كان ليفي ستروس رائدهم بغير ~~نزاع، ليسوا من أولئك الذين يبحثون للعلوم الاجتماعية والإنسانية عن ~~منهج خاص بها، مرتبط بطبيعة الظاهرة التي تتناولها هذه العلوم، وهي ~~الإنسان. وإنما هم يؤمنون بأن «العلم» - سواء أكان طبيعيا أم ~~إنسانيا - له منهج واحد، وأن ما يصلح لإحدى الفئتين يصلح بعد تعديلات ~~بسيطة للفئة الأخرى، وأن العلوم التي تبحث في الإنسان تستطيع أن تمسك ~~بطوق النجاة الذي ينقذها من عواصف التخبط والتناقض واللامعقولية إذا ~~طبقت نفس المنهج الذي جرب بنجاح في العلوم الدقيقة، وأن لديها في ~~علم اللغة نموذجا رائعا لعلم إنساني تمكن من اللحاق بركب العلوم ~~المنضبطة. تلك هي وجهة النظر التي ينطلق منها البنائيون، وهي تعبر ms07 عن ~~فلسفة خاصة بهم، يمكن أن توجد فلسفة أخرى بديلة لها، هل تلك التي ترفض ~~هدف الدقة والانضباط للعلوم الإنسانية أصلا، وتؤكد أن هذه العلوم تقدر ~~على أمور ولا تقدر على أمور أخرى، وأن لها سماتها الخاصة التي لا تجعل ~~من محاكاتها لمناهج العلوم الدقيقة أمرا مرغوبا فيه. وبعبارة أخرى، ~~فإن البنائية قد اختارت لنفسها طريقا معينا تسير فيه نحو هدف الدقة ~~العلمية عند دراستها للإنسان، وهي تستعين أساسا بالنموذج اللغوي من ~~أجل تحقيق هذا الهدف. وقد لا نجد لدى بعض من يتبعون المنهج البنائي ~~اهتماما كبيرا بالنموذج اللغوي، كما هي الحال عند بياجيه، الذي بنى ~~أبحاثه على نماذج منطقية، ولكن الاتجاه الغالب لديهم هو أن يتخذوا من ~~تلك البناءات الشكلية للتركيب اللغوي في عمومه، بغض النظر عن تركيب ~~أية لغة بعينها وبغض النظر عن كل الدلالات اللغوية الخاصة، نموذجا ~~يمكن أن يقتدي به الباحثون في مختلف مجالات العلوم الإنسانية ~~والاجتماعية. # ونستطيع أن نختم هذه المقدمة التاريخية بالقول إن البنائية في أساسها ~~نظرية في العلم ( # epistémologie ~~) تؤكد ~~أهمية النموذج أو البناء في كل معرفة علمية، وتجعل للعلاقات الداخلية ~~والنسق الباطن قيمة كبرى في اكتساب أي علم. ولكن الحماسة الفياضة ~~التي أثارتها هذه النظرية في فترة تاريخية معينة، هي فترة الستينيات ~~المتأخرة، وربما أوائل السبعينيات أدت بالبعض إلى أن يعاملوها كما لو ~~كانت انقلابا فلسفيا شاملا، وثورة فكرية جديدة تجعل من الذات مجرد ~~حامل للبناءات، ومن التاريخ مجرد تعاقب لصور تظل في أساسها ثابتة، ~~وإن اختلفت مظاهرها التاريخية. على أن هذا التوسع في فهم البنائية قد ~~أدى في تلك الفترة بالذات، إلى بعض التشويه في صورتها، وإلى إقحام ~~عناصر دخيلة عليها، عندما أصبحت هي «الموضة» الشائعة، وعوملت على ~~أنها أيديولوجية جديدة كاملة، وطبقت على ميادين قد لا يكون المنهج ~~البنائي صالحا لها أصلا. وهذا تطرف نجده في كل مذهب يبهر الناس ~~بجدته وخروجه عن المألوف، ولكنه لا يصح أن يتخذ أساسا للحكم على ~~هذه الحركة الفكرية المثمرة. # | ما هي البنائية؟ # حينما ms08 أراد «بياجيه» أن يقدم تعريفا للبنائية في مستهل كتابه الذي ~~خصصه لعرض هذا الاتجاه الفكري في جوانبه المختلفة، كان من رأيه أن من ~~الضروري التفرقة بين الاتجاهات النقدية التي يسير فيها كل شكل خاص من ~~أشكال البنائية، يطبق على ميدان محدد من ميادين معرفة الإنسان، ~~وبين المثل الأعلى الذي تستهدفه فكرة البنائية مهما تعددت أشكالها؛ أي ~~إنه كان يفرق بين التعريف السلبي للبنائية، من خلال بحث «ما تنقده»، ~~والتعريف الإيجابي الذي يحدد «ما تهدف إليه». وكان يعتقد أن الأخذ ~~بالأسلوب الأول يمكن أن يوقعنا في التعدد والتشتت؛ لأن البنائية لها ~~أضداد يختلفون تبعا للميدان الذي تبحثه. فما تعارضه البنائية في ميدان ~~الرياضيات مختلف عما تعارضه في ميدان علم النفس أو الأنثروبولوجيا أو ~~اللغويات. ومن ثم فإن الأفضل، في رأيه، ألا نعرف البنائية من خلال ~~اتجاهاتها النقدية، بل ينبغي أن نبحث عن المثل الأعلى المشترك بين جميع ~~ضروب البنائية. وهذا المثل الأعلى في رأيه، هو السعي إلى تحقيق معقولية ~~كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية بنفسها، لا نحتاج من أجل بلوغها إلى ~~الرجوع إلى أية عناصر خارجية، ومحاولة الوصول إلى السمات التي تشترك ~~فيها كل البناءات التي نتوصل إليها بوجه عام. # 1 # هذا المثل الأعلى المشترك موجود بالفعل في كل أشكال البنائية، ولكنه ~~في رأينا لا يوصل إلى الكثير. وربما كان الطريق الآخر، أعني التعريف ~~بالسلب، أمرا لا مفر منه من أجل تكوين فهم مبدئي سليم للبنائية؛ ذلك ~~لأن هذا الاتجاه لم يظهر في فراغ، لكي يدعو إلى مثل أعلى في ~~المعقولية يكون فيه كل نسق يكونه العلم مكتفيا بذاته، وقادرا ~~على تنظيم ذاته دون إقحام عناصر خارجية، بل إنه كان في الأصل دعوة إلى ~~التخلي عن أساليب مضادة في البحث العلمي، وكان يرتكز على فلسفة خاصة لا ~~يمكن فهمها إلا في ضوء النقد الذي وجهته إلى الفلسفات المضادة لها. ~~ولقد كان البنائيون، منذ البداية، يخوضون معارك حامية ضد خصوم أقوياء ~~لهم مواقع ثابتة في أرض الفلسفة والتفكير العلمي، ومن هنا ms09 كان مما يفيد ~~في تقديم إيضاح أولي للبنائية أن نحددها من خلال المعارك التي ~~خاضتها، ومن خلال الأفكار المضادة التي سعت إلى محاربتها. ومما ~~يؤيد صحة هذا الاتجاه أن بياجيه نفسه، حين قدم تعريفا أوليا ~~للبنائية، مرتكزا على مثلها الأعلى «الإيجابي»، اضطر عند شرحه ~~لعناصر هذا التعريف إلى إيضاحها من خلال أضدادها، أي إنه عاد مرة أخرى ~~إلى تعريف البنائية من خلال «ما تعارضه»، لا من خلال «ما تسعى ~~إليه». # على أية حال؛ فإننا لا نستطيع أن نغفل التحديد الإيجابي لمعنى ~~البنائية. وكل ما في الأمر أن هذا التحديد ينبغي أن يستخلص، في رأينا، ~~في مرحلة تالية. فالطريقة المثلى في إيضاح معنى البنائية هي أن نبدأ ~~بتحديد هذا المعنى من خلال الاتجاهات التي ظهرت البنائية لكي تنقذها. ~~أما الأهداف الإيجابية للبنائية؛ فسوف تعرض بالتفصيل عندما نتحدث عن ~~الأسس الفلسفية لهذا المذهب في الميادين المختلفة لمعرفة الإنسان، ~~وسيكون من السهل عندئذ استخلاص العناصر المشتركة بين أشكال البنائية ~~في كل هذه الميادين: ~~(1) البنائية والنزعة التجريبية # في الفلسفة الفرنسية بأسرها، منذ عهد ديكارت، اتجاه إلى ~~الإقلال من شأن النزعة التجريبية، وتأكيد دور العقل الذي يسبق ~~التجربة - سواء أكانت هذه الأسبقية منطقية أم زمنية - ويضفي عليها ~~اتجاها وهدفا ومعنى. ومنذ أن أكد ديكارت أهمية النموذج الرياضي ~~في المعرفة البشرية، وأكد فرانسيس بيكن، في نفس العصر تقريبا، ~~أهمية الملاحظة والرصد الدقيق للوقائع، تحددت معالم اتجاهين ~~متضادين، أحدهما يؤكد دور العقل في المعرفة، والثاني يركز على ~~أهمية التجربة. وصحيح أن العلم قد استطاع منذ وقت مبكر، بل منذ عهد ~~هذين الفيلسوفين ذاتهما، أن يتجاوز التضاد بين النزعة العقلية ~~والنزعة التجريبية، وذلك حين قدم جاليليو نماذج رائعة لكشوف علمية ~~تعتمد على ملاحظات وتجارب دقيقة من جهة، وعلى فروض عقلية وصياغات ~~رياضية من جهة أخرى. ولكن هذا التضاد ظل يقوم بدور أساسي في ~~الفكر الفلسفي، وما زال له تأثيره عند المشتغلين بالعلوم الإنسانية ~~حتى اليوم. # ومن أهم السمات التي نستطيع أن نلمحها عند البنائيين، مواصلتهم ~~السير في هذا ms10 الاتجاه العقلي المعادي للنزعة التجريبية، وسعيهم إلى ~~تفسير التجربة من خلال مبادئ عقلية، بدلا من إرجاع مبادئ العقل ~~إلى مكتسبات تجريبية. ومما يدل على تأصل هذا العداء للتجريبية في ~~تفكيرهم، أننا نجده عند مفكرين بنائيين تفصل بين اتجاهاتهما ~~العقلية مسافات هائلة، وأعني بهما الأنثروبولوجي ليفي ستروس، ~~والباحث لوي ألتوسير # Louis Althusser # فمن الأسس المنهجية التي ترتكز عليها ~~أبحاث ستروس في الأنثروبولوجيا، أنه لا يستهدف بمنهجه البنائي ~~الاهتداء إلى عادات متشابهة وسط عدد هائل من الملاحظات ~~الأنثروبولوجية التي يتم إجراؤها في ثقافات متباينة، كما كان يفعل ~~الأنثروبولوجي الإنجليزي الكبير فريزر # Frazer # مثلا، بل يؤكد أن ما هو مشترك بين ~~الثقافات لا يهتدي إليه بوضوح على مستوى الملاحظة، وإنما على ~~مستوى البناء العقلي. فالبناء هو الذي يشكل العنصر الكلي الشامل في ~~الثقافة البشرية. وهذا البناء خفي، لا يوجد على السطح الخارجي ~~للظواهر أبدا، وإنما يكتشف عقليا. وهكذا يستهدف التحليل ~~البنائي، في ميدان الأنثروبولوجيا، الوصول إلى نوع من الجدول ~~الرياضي أو المصفوفة الجبرية التي تعبر عن كل التحولات والتجمعات ~~الممكنة في «الذهن البشري» اللاشعوري، ومن ثم كان هناك نوع من ~~الازدراء في تعامل البنائية مع «الظواهر الأمبيريقية». «وطوال ~~كتابات ستروس يتكرر مرارا هذا التفضيل للتجريد العام على ~~الواقعة التجريبية». # 2 # وهكذا يؤكد ستروس الطبيعة المستقلة للذهن البشري على نحو يكاد ~~يبدو معه فيلسوفا مثاليا. فهو يتكلم كما لو كان لدى الذهن ~~( # L’esprit humain ~~) استقلال خاص ~~يجعله يمارس عمله بطريقة لا تعتمد على أي فرد أو جماعة إنسانية ~~بعينها. وهو يذهب إلى حد أن يقول في واحد من كتبه: «إننا لا ندعي ~~بيان الطريقة التي يفكر بها الناس في الأساطير، وإنما نبين كيف ~~تفكر الأساطير في ذاتها من خلال الناس، ودون وعي منهم.» فهل يعني ~~ذلك أن ليفي ستروس مفكر مثالي يجعل للذهن أولوية مطلقة على ~~الظواهر؟ إنه هو ذاته ينفي بشدة كونه مثاليا، ويرى أن كل ما ~~يدافع عنه هو القول بوجود طبيعة ثابتة للذهن البشري، لا تتأثر ~~بتغير الأفراد والمجتمعات، وتعبر عن ms11 نفسها من خلال نواتج الإنسان ~~الثقافية، كالأساطير. فالعقل البشري لديه مبادئ ثابتة، أشبه بمبادئ ~~علم الجبر، يظهر تأثيرها في كل رسالة ينقلها إلينا أي موضوع ثقافي ~~أنتجه الإنسان، وتعبر عن وجود «آليات» موحدة يعمل بها العقل البشري ~~أينما كان. # فإذا انتقلنا إلى الطرف البعيد عن ليفي ستروس في البنائية، وأعني ~~به الفيلسوف الماركسي ألتوسير، وجدناه بدوره يشترك مع ستروس - برغم ~~كل ما بينهما من اختلافات أيديولوجية عميقة الجذور - في نقد المذهب ~~التجريبي، والنظر إلى الحقيقة على أنها معيار لذاتها، دون حاجة إلى ~~تحقيق تجريبي خارجي. ففي نظر التجريبية تكون المعرفة تجريدا من ~~الواقع؛ أي إن الواقع نفسه يتضمن المعرفة ويخفيها وسط عناصر أخرى ~~متداخلة تحجبها عنا. وكل ما علينا هو أن نطرح هذه العناصر جانبا ~~لنجلو وجه الحقيقة الذي يشتمل عليه الواقع بالفعل؛ أي إن المعرفة ~~عند التجريبيين هي عملية «طرح» نستبعد فيها الزوائد؛ لكي نكشف ~~ماهية الحقيقة. ومعنى ذلك أن التجربة المباشرة فيها أكثر مما هو ~~مطلوب للوصول إلى الحقيقة. وعلى عكس ذلك يرى ألتوسير أن هذه ~~التجربة المباشرة تتضمن «أقل» مما هو مطلوب لبلوغ الحقيقة؛ فنحن لا ~~نحذف أو نختصر منها لكي نصل إلى الحقيقة، وإنما «نضيف» إليها؛ إذ ~~إن من سمات التجربة المباشرة ألا تكون مكتفية بذاتها، ومن سمات ~~العقل الإنساني ألا يكون مجرد شاهد سلبي يسجل حقيقة موجودة بأكملها ~~خارجه. # ولا يكتفي ألتوسير بهذا النقد للتجريبية، بل إنه يذهب خطوة أبعد ~~من ذلك، فيقول إن عملية المعرفة تحدث كلها في الفكر، وأن الممارسة ~~النظرية تتضمن في ذاتها معايير علمية النتائج التي يتم الوصول ~~إليها في العلوم المختلفة، أي إن العلوم عندما تبلغ قدرا معينا ~~من النمو، لا تكون أبدا بحاجة إلى ذلك التحقيق التجريبي الذي يربط ~~بين قضاياها وبين واقع خارجي، والذي يقال إنه معيار الصدق في ~~القضايا. # 3 # والمثل الذي يضربه ألتوسير للتدليل على ذلك هو ~~الرياضيات، التي لا تحتاج إلى تحقيق خارجي للتدليل على صحة ~~قضاياها. ويعمم ألتوسير ما ينطبق في حالة الرياضيات على ms12 بقية ~~العلوم، بحيث يجعل معيار الصدق في المعرفة كلها معيارا داخليا، ~~هو التماسك والاتساق، ويكون مقر الحقيقة عنده داخل الذهن # intramental # فحسب، أما الالتجاء إلى ~~التجربة فهو «برجماتية» يرفضها بازدراء وترفع. # وهكذا نرى إلى أي حد يظل ألتوسير، في هذه المسألة بالذات، ~~ديكارتيا مخلصا: وذلك أولا بسبب نزعته القبلية # a-priorisme # الواضحة، وجعله ~~الحقيقة معيارا لذاتها، وتأكيده أن التجربة هي التي تكتسب ~~مشروعيتها من حقيقة موجودة قبلها، بعكس ما يقول به التجريبيون من ~~أن الحقيقة هي التي تكتسب مشروعيتها من تجربة سابقة عليها. وهو ~~فضلا عن ذلك ديكارتي صميم حين يدلل على هذا كله بما يحدث في ~~الرياضيات، ولا يكتفي بذلك، بل يواصل اتجاه ديكارت في اتخاذه من ~~الرياضيات نموذجا لكل معرفة بشرية. على أن ألتوسير يعرض نفسه هنا ~~لنفس النقد الذي طالما وجه إلى ديكارت. وأعني به أن ما يصدق على ~~الرياضيات لا يتعين أن يصدق على بقية العلوم، وأنه إذا كانت ~~العلوم الرياضية تكتفي بمعيار الاتساق الشكلي وتستمد حقيقتها كلها ~~من داخل الذهن، فإن هناك علوما أخرى كثيرة تحتم الخروج عن الذهن، ~~وتحيلنا إلى الواقع، ولا تجد غضاضة في الاستعانة بالتجربة من أجل ~~تصحيح النظرية، ومن أجل أن تتمكن من التمييز بوضوح بين ما هو واقع ~~فعلي، وما هو مجرد إمكان ذهني. # وعلى أية حال، فها نحن أولاء نرى ليفي ستروس وألتوسير يتفقان ~~معا على توجيه نقد شديد إلى النزعة التجريبية، ويضعان معيارا ~~لصدق المعرفة تحتل فيه التجربة - على أحسن الفروض - المرتبة ~~الثانية بعد الجهد العقلي. وقد يبدو هذا متعارضا مع ما اعترف به ~~ليفي ستروس ذاته من أن الوصول إلى البناء أمر يحتاج إلى مقارنة ~~وتحليل دقيق لعدد من الأمثلة المدروسة، وما أكده من أن الباحث يلقى ~~مشقة كبيرة حتى يتوصل إلى النسق أو التركيب الباطن للظاهرة التي ~~يدرسها. ولكن حقيقة الأمر أنه ليس ثمة تعارض بين الموقفين؛ فالجهد ~~الذي كان يبذله ستروس لا ينصب على دراسة الوقائع الخارجية بقدر ما ~~ينصب على التفكير العقلي فيها. ومن المعترف ms13 به، كما سنرى فيما بعد، ~~أن ستروس لم يكن من أولئك العلماء الأنثروبولوجيين الذين يقضون ~~حياتهم في ملاحظة الجماعات البدائية، وتسجيل عاداتها وطرائق حياتها ~~... إلخ. بل كان الجهد «الميداني» الذي بذله ضئيلا بالقياس إلى غيره ~~من العلماء في هذا الميدان نفسه. أما الجهد الأكبر فكان في عملية ~~التحليل الفكري الداخلي لتلك المادة غير المتسعة التي جمعها من ~~«الميدان» ذاته. ومع ذلك، وبالرغم من المشقة العقلية الكبرى التي ~~كان يعانيها في مقارنة الأمثلة المختلفة والجمع بين ظواهر شديدة ~~التباعد من أجل التوصل إلى «البناء» الكامن فيها؛ فقد كان يؤكد ~~دائما أن البناء موجود في الواقع بمعنى ما، وليس مجرد تركيب عقلي ~~نقوم به للتسهيل أو التوضيح، أو تقريب الظواهر إلى الأذهان. وهكذا ~~يجمع البناء قدرا غير قليل من صفات القانون العلمي؛ فكل منهما ~~يكشف عن ثبات من وراء التغير، وكل منهما يرد الكثرة الظاهرية إلى ~~وحدة، وكل منهما عقلي في طريقة اكتشافه، وواقعي في وجوده خارج ~~الذهن الخالص. ولكن البناء أهم من القانون العلمي؛ لأن هذا الأخير ~~يلخص فئة معينة من الظواهر، على حين أن الأول يجمع بين فئات ~~متباينة ومتباعدة، يستطيع العقل أن يكتشف فيها كلها بناء ~~واحدا. # وتبقى الكلمة الأخيرة، بعد هذا كله، للعقل. فبالرغم من تأكيد ~~ستروس وجود البناء في الظواهر ذاتها، وبالرغم من إصراره على أنه ~~ليس مجرد تركيب أو نموذج ذهني نبسط به الوقائع؛ لكي يسهل علينا ~~فهمها، فإن البناء ما كان يمكن أن يوجد في ظواهر على هذا القدر من ~~التباعد (كوجود بناء واحد لنظام القرابة في مجتمع بدائي، وللنسق ~~اللغوي في هذا المجتمع) لو لم يكن راجعا إلى تركيب الذهن البشري ~~ذاته، ولو لم تكن مبادئ العقل واحدة في كل هذه المجالات، ولو لم ~~تكن العملية التي يصوغ بها عقلنا نواتجه المتباينة عملية واحدة في ~~صميمها؛ فالبناء موجود في الواقع بالفعل، ولكنه موجود فيه؛ لأن هذا ~~الواقع - في مجال الظواهر الإنسانية - نتاج لذهن بشري يعمل دائما، ~~وفي كل الميادين، بطريقة واحدة. ولهذا كانت البنائية ms14 تحارب النزعة ~~التجريبية، وترفض كل تفسيراتها لطبيعة المعرفة وعلاقتها ~~بالواقع. # ومن النتائج الهامة لموقف المعارضة الذي وقفته البنائية من ~~النزعة التجريبية، رفضها التام للنظرة التجريبية إلى علاقة الجزء ~~بالكل. فالتجريبيون يرون أن الأطراف في أية علاقة سابقون على ~~العلاقة ذاتها، أي إن تجمع الأطراف هو الذي يضفي على العلاقة ~~طابعها الخاص. ويستحيل تصور هذه العلاقة مستقلة عن الأطراف ~~الداخلين فيها، على حين أن كلا من هذه الأطراف له استقلاله ~~الخاص، ويمكن تصوره بمعزل عن العلاقة التي يدخل فيها، أي إن ~~العلاقات كلها، في رأي النزعة التجريبية، خارجية. أما البنائيون ~~فيرون أن العلاقة ليست مجرد مجموع لعناصر مستقلة قائمة بذاتها، بل ~~إن هذه العناصر تخضع لقوانين تتحكم في بناء العلاقة التي تجمعها. ~~وهذه القوانين تضفي على البناء سمات كلية تتميز عن سمات عناصره ~~مأخوذة على حدة، كما تتميز عن مجموع هذه العناصر. ويضرب بياجيه ~~مثلا لهذه الصفة بالأعداد الصحيحة في الحساب، فهذه الأعداد لا ~~توجد بمعزل عن بعضها البعض، ولم يكتشف كل منها مستقلا بتعاقب ~~عشوائي، بل إنها لا تظهر إلا في ترتيب معين، وهذا الترتيب يرتبط ~~بسمات «بنائية» تختلف عن سمات الأرقام المنفردة. # 4 # وهكذا تنقد البنائية المبدأ الشائع بين التجريبيين، الذي يجعل ~~أطراف العلاقة مستقلين عن العلاقة ذاتها، ويؤكد أن هؤلاء الأطراف ~~أشبه ب «الذرات» القائمة بذاتها، والتي لا تتغير طبيعتها بدخولها ~~في أية علاقة (وهو المعروف بمبدأ الذرية التجريبية). ولكن هل يعني ~~هذا النقد أن البنائية تنحاز إلى الرأي المضاد، الذي عرفناه في ~~النظرية الجشطلتية في علم النفس، والذي يؤكد أولوية الكل على ~~الأجزاء، ويجعل منه أكثر من مجرد تجميع لعناصر مستقلة؟ الواقع أن ~~هذا القول بأسبقية الكل يقربنا إلى حد ما من فكرة البناء، غير أن ~~مفهوم البناء ينطوي على ما هو أكثر من تغليب الكل على الأجزاء، ~~واتخاذ الموقف المضاد - بطريقة آلية - للموقف التجريبي. فالبنائية ~~لا تكتفي بأن تضع الكل في البداية، دون أن تحدد خصائصه وسماته ~~الداخلية، بل إن أهم المشكلات في نظرها هي العلاقات ms15 الداخلية بين ~~العناصر. فهي تركز بحثها على العمليات الطبيعية أو المنطقية التي ~~يتكون بها الكل، والقوانين المتحكمة في تركيبه، # 5 # وتتجاوز بذلك الموقف الجشطلتي الذي يكتفي بافتراض ~~أولوية الكل دون مزيد من التحليل لتركيبه الباطن. ~~(2) البنائية والنزعة التاريخية # ربما كان التضاد الأهم، الذي تتحدد به طبيعة البنائية بمزيد من ~~الوضوح، هو تضادها مع النزعة التاريخية # historicisme ~~، إذ إن الجدل الأكبر الذي أثاره ~~البنائيون كان موجها ضد أنصار النزعة التاريخية، والقوة الدافعة ~~الأولى للتيار البنائي كانت الرغبة في مراجعة التفسير التاريخي ~~مراجعة جذرية، ومن هنا كان فهم موقف البنائية من النزعة التاريخية ~~أساسيا في تحديد سماتها. # فقد كان من الشائع، في القرن التاسع عشر بوجه خاص، تفسير كل ~~الظواهر من خلال التاريخ، فالسابق هو الذي يتحكم دائما في اللاحق، ~~والمنشأ الأول لأي ظاهرة، ثم مسارها التالي، أساسي في فهم طبيعتها ~~الحالية. ولقد اتفق على هذه النقطة مفكرون كانوا يختلفون فيما ~~بينهم في مسائل أساسية؛ إذ قدم إلينا دارون تفسيرا لتطور الأحياء ~~من منظور تاريخي، وعمم «سبنسر» نظرية دارون من المجال البيولوجي ~~إلى جميع المجالات الاجتماعية والروحية والعلمية والمادية. واتخذ ~~«نيتشه» من فكرة التاريخ أساسا لفلسفة كاملة تؤمن بأن للأخلاق ~~والمعرفة والقيم (حتى المنطقية منها) تاريخا، وبأن حاضر هذه ~~المعاني لا يفهم إلا من خلال ماضيها، وبأن الإنسان كائن تاريخي في ~~صميمه. وطبق ماركس فكرة التاريخ على العلاقات الإنتاجية بين البشر ~~في مراحلها المختلفة، فقدم إلينا نظرية في «المادية التاريخية» ~~تجمع بين تأكيد الشروط المادية (والاقتصادية بوجه خاص) لتطور ~~المجتمعات البشرية، وبين إعطاء أهمية كبرى للعامل التاريخي في هذا ~~التطور. بل يمكن القول، من وجهة نظر معينة، إن العلوم الطبيعية ~~ذاتها كانت تضفي على الفكرة الرئيسية فيها، وهي فكرة السببية، ~~طابعا تاريخيا أو زمنيا؛ لأن السبب كان ينظر إليه على أنه ~~«السابق المتكرر أو الدائم». والتقطت علوم إنسانية كثيرة فكرة ~~التفسير التاريخي، فأصبح من الضروري، من أجل فهم أية ظاهرة تنتمي ~~إلى مجال الحياة الإنسانية، الرجوع إلى سوابقها الماضية، وأصبح ~~النقاد الفنيون ms16 والأدبيون يفسرون عمل الكاتب من خلال تاريخ حياته، ~~ويبنون نظرتهم إلى الفنان على وقائع نفسية أو اجتماعية أو سياسية ~~لها كلها موقع محدد في «التاريخ»، أي إن التاريخ أصبح متغلغلا في ~~كل شيء. # ولم يقف هذا التيار التاريخي الطاغي عند حدود القرن التاسع عشر، ~~بل كانت له امتدادات قوية في القرن العشرين، وتمثل ذلك في عودة ~~ظهور فكرة «التقدم» التي ترجع إلى القرن الثامن عشر، وتأكيد وجود ~~اتصال واستمرار تاريخي بين الظواهر؛ فالحاضر كامن في الماضي، ~~والمستقبل كامن في الحاضر. وهناك خط متصل من التقدم، يمتد من أقدم ~~العصور حتى اليوم، وبفضله يتحقق انتصار الروح في هذا العصر؛ لأن كل ~~عصر وإن كان موجودا في حالة «كمون» في العصر الذي سبقه، يضيف ~~جديدا إلى حصيلة التجارب البشرية، ويسهم في دفعها إلى الأمام؛ ~~ولذلك فإن أعلى المستويات التي تصل إليها الروح البشرية ستكون في ~~المستقبل. # ولقد ظهرت محاولات متعددة للحيلولة دون انتشار هذه النزعة ~~التاريخية الطاغية، كان من أشهرها محاولة «باشلار # G. Bachelard ~~» الذي أنكر وجود خط ~~متصل من التقدم في المعرفة العلمية، وذهب إلى أن تاريخ العلم هو ~~تاريخ أخطاء وعقبات تقف في وجه المعرفة بقدر ما هو تاريخ إنجازات ~~ناجحة. بل إن الماركسية ذاتها، برغم ارتباطها القوي بالنزعة ~~التاريخية، تنطوي على الفكرة القائلة بوجود نقاط انقطاع وانفصام في ~~التاريخ البشري. وفضلا عن ذلك؛ فليس من الضروري أن يكون الأساس ~~الذي يبنى عليه التفسير سابقا، من الوجهة الزمنية. فهناك غايات ~~معينة تستهدف المستقبل، وتكون - في المجال الإنساني - نوعا خاصا ~~من العلية تتطلع إلى الأمام، لا إلى الخلف. وهذه مسألة ظهرت في ~~الماركسية التي يرتكز جانب كبير من دعوتها الأيديولوجية على نوع من ~~العلية المتطلعة إلى المستقبل، هي تحقيق مجتمع بلا ~~طبقات. # ولكن البنائية كانت هي التي أوقفت، بطريقة حاسمة، هذا التيار ~~الطاغي للنزعة التاريخية، أو على الأقل قضت على ادعائها احتكار ~~القدرة على تفسير الظواهر البشرية؛ فقد استعاضت البنائية عن النظرة ~~الشائعة إلى تقدم الروح الإنسانية، وهي النظرة التي تمثل ms17 هذا ~~التقدم على أنه تراكم تدريجي لمكتسبات يضاف الجديد منها إلى ~~القديم إضافة خارجية، بتصور آخر تكون فيه الأفكار الجديدة مجرد ~~توسيع لأفكار سبق ظهورها من قبل، وإن كانت قد اتسمت في البدء ~~بالبساطة والبدائية. فالعقل الإنساني لا يسير في طريقه بطريقة ~~جيولوجية، إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير؛ أي إنه لا يضيف طبقة ~~من المعرفة فوق طبقة أخرى، وإنما يسير بطريقة عضوية، يعيد فيها ~~تمثل القديم بطريقة أصعب وأعقد، ويحتفظ فيها ببنائه القديم، وإن ~~كان يدرك خلال تطوره أن هذا البناء، الذي كان يعد صحيحا صحة ~~مطلقة في وقت مضى، لا يمثل إلا جانبا من الحقيقة، هو ذلك الجانب ~~الذي كان عقلنا يستطيع بلوغه في ذلك الوقت. # وفي وسعنا أن نربط بين معارضة البنائية للنزعة التجريبية ~~ومعارضتها للنزعة التاريخية، في هذه النقطة بالذات، فنقول إن تصور ~~التقدم البشري بأنه تراكم تدريجي لمكتسبات تتجدد على الدوام، وهو ~~التصور المميز للنزعة التاريخية، ينطوي على وجه من أوجه النزعة ~~التجريبية؛ إذ يصبح التقدم عندئذ حصيلة وقائع تجريبية تضاف كل ~~منها إلى الأخرى مكونة طبقات متراكمة بعضها فوق بعض. وفي مقابل ~~ذلك، ترفض البنائية كلا من النزعتين التاريخية والتجريبية؛ إذ ~~تستعيض عن التصور السابق بتصور آخر يظل فيه العقل البشري متضمنا ~~صورا أو قوالب أو عمليات ثابتة، وإن كنا لا نكف عن إعادة النظر ~~فيها، وعن توسيعها وتعقيدها، أي إن كل تقدم يظل محتفظا بالنواة ~~المركزية، مع إعادة تفسيره لها وفقا لمقتضيات العصر. وهكذا يمكن ~~القول إن نوع التقدم الذي تعترف به البنائية هو ذلك الذي يرى أن ~~طريق المستقبل يمر بالماضي، وأن الوصول إلى الغد يتم من خلال ~~مراجعة ما تم بالأمس. فالبذور القديمة موجودة دائما، وكل ما نفعله ~~هو أننا ننميها بطريقة جديدة. # والواقع أن كثيرا من الباحثين في تطور الحضارات قد اعترفوا ~~بهذا المبدأ الذي تنادي به البنائية حتى قبل أن تعبر البنائية عن ~~نفسها بوصفها مذهبا فكريا متميزا. فمنذ وقت بعيد لاحظ مؤرخو ~~الحضارة أن كثيرا من ضروب ms18 التفكير العلمي والإبداع التكنولوجي ~~التي عرفها العصر الحديث، ليست إضافة مطلقة لشيء لم يكن موجودا من ~~قبل، بل هي تنمية لبذرة سبق ظهورها في عصور ماضية. وهكذا عرفنا، من ~~تاريخ العلم والفلسفة، أن نظرية التطور كما ظهرت في القرن التاسع ~~عشر إنما هي صياغة جديدة لفكرة نستطيع أن نعدها من البذور الثابتة ~~في العقل البشري، نبتت عند أناكسيمندر في القرن السادس ق. م. وربما ~~قبل ذلك أيضا، واتخذت أشكالا متعددة، إلى أن صيغت بالطريقة ~~الحاسمة على يد دارون. ومثل هذا يقال عن فكرة الذرة التي بدأت من ~~عهد ديمقريطس، واكتسبت أشكالا متباينة عند فلاسفة الإسلام وفلاسفة ~~الغرب في العصور القديمة والوسطى والحديثة، إلى أن اتخذت شكلها ~~العلمي في العهد القريب. وحين اخترعت أوربا البارود، كان الجميع ~~يعلمون أن الصين قد استخدمته من قبل. وحين توصل «جيمس واط» إلى ~~الطاقة التجارية، تنبه الكثيرون إلى أن المخترع الروماني ~~«هيرو # Hero ~~» قد عرف هذه ~~الطاقة من قبل، وإلى أن ليوناردو دافنشي وضع تصميما لآلة تحركها ~~طاقة البخار. وهكذا عرف الباحثون في تاريخ الأفكار وفي تاريخ ~~الحضارات مئات الأمثلة التي تثبت أن مسار التقدم البشري يتخذ شكل ~~تنمية وتطوير لمبدأ قديم يكاد يكون ثابتا، لا شكل إضافات خارجية ~~جديدة كل الجدة. وأدركوا أن التصورات الأساسية التي نفهم بها ~~عالمنا الحالي كانت موجودة من قبل، وإن كنا قد نميناها وعقدناها. ~~وعرفوا أن طريق العقل البشري لا يمثل انتقالا من الظلام إلى ~~النور، ومن الجهل إلى المعرفة، ولا يسير في خط مستقيم، كذلك الذي ~~يقول به دعاة التقدم المستمر. # ومن السهل أن ندرك وجود فارق واضح بين هذا الموقف الذي اتخذته ~~البنائية من فكرة التاريخ والتطور، وبين الموقف الذي ساد بوجه خاص ~~في الأوساط الفلسفية الفرنسية في أوائل القرن العشرين، والذي يؤكد ~~أن العصور اللاحقة تتجاوز تصورات العصور السابقة، بل تتخلى عنها ~~نهائيا. وقد تمثل هذا الموقف الأخير في الفكرة التي اتخذ منها ~~عالم الاجتماع الفرنسي «ليفي ~~بريل # Lévi-Bruhl ~~» محورا لأبحاثه، أعني فكرة وجود عقلية ~~«قبل ms19 ~~المنطقية # Mentalité pré-logique ~~» لدى البدائيين، كما تمثلت في فكرة ~~«مراحل العقل» عند ليون ~~برنشفيج # Léon Brunscchvicg ~~، التي ينتقل فيها العقل العلمي الإنساني ~~من مرحلة «الطفولة» إلى مرحلة النضج. هذه الأفكار تفترض انتقالا ~~من الجهل التام إلى المعرفة الكاملة، وتصور تاريخ العقل البشري ~~بأنه صعود مستمر إلى أعلى دون وجود أي عنصر مشترك بين القديم ~~والجديد. وهذا ما ترفضه البنائية؛ لأنها تؤكد مفهوم ~~«التوازي» # 6 # بين التصورات القديمة والجديدة. فالعقل البشري ينمو في ~~كل الأحوال عن طريق تعميق التفسيرات التي يقدمها للطبيعة، وتحويلها ~~من مرحلة التقيد بالمظاهر الخارجية إلى مرحلة كشف القوانين ~~الكامنة، ولكن أساس هذه التفسيرات يظل واحدا، والعناصر الأساسية ~~باقية، والمقولة الأساسية في فهم التاريخ هي مقولة التوازي لا ~~مقولة المسار الخطي الصاعد. # ولقد أورد «سيباج # Sebag ~~» # 7 # مثلا للفرق بين المنهج التاريخي والمنهج البنائي، ~~مستمدا من دراسة لجورج ~~دوميزيل # G. Dumezil # في مجال علم الأديان المقارن؛ فقد انتهى ~~«دوميزيل» إلى أن كل دين من أديان الشعوب الهند-أوروبية يتضمن ~~تقسيما ثلاثيا لموضوع العقيدة، وأن هذا التقسيم يتمثل لدى ~~الجميع، وإن تفاوتت صوره واختلف في مدى وضوحه ونقائه. وهكذا ~~نكتشف، من وراء تباين الآلهة والشعائر ووظائف العقيدة في كل حالة، ~~تقسيما ثلاثيا واحدا يظل على ما هو عليه مهما تنوعت الحضارات. ~~وعلى العكس من ذلك؛ فإن النظرة التاريخية إلى هذا الموضوع ذاته ~~تستخلص كل شكل من أشكال الألوهية من الواقع الديني الخاص بكل شعب ~~على حدة؛ ولذلك لا تتوصل إلا إلى دلالات جزئية، وتضيع منها ~~التشابهات البنائية الموجودة وراء السطح الظاهري لتعدد العقائد. ~~والواقع أن النظرة التاريخية إذا توصلت إلى أي نوع من البناء، فهي ~~إنما تتوصل إليه بعد دراسة مضنية للجزئيات وللأمثلة الفردية، ولن ~~تستطيع رغم ذلك أن تتوصل إلى بناء أساسي. ولذلك تعكس البنائية ~~الآية، فتضع التغيرات التاريخية الجزئية في «إطار البناء الثابت»، ~~وتفسرها من خلاله؛ فالتاريخ يدور في إطار البناء، ويفسر بواسطته، ~~لا العكس. والعملية التاريخية الخلاقة لا تفهم إلا من خلال البناء ~~الذي ظل موجودا طوال ms20 ألوف السنين. ولذلك يمكن تشبيه العلاقة بين ~~البناء والعمليات التاريخية العينية التي تدور في إطاره، والتي ~~تضفي الحياة على البناء اللاواعي، وتنقله إلى مجال الوجود الفعلي - ~~يمكن تشبيهها بالعلاقة بين «الشفرة # Code ~~» والرسائل المختلفة التي نحصل عليها بعد ~~معرفة هذه الشفرة. # ولقد تأثر علم التاريخ بهذه الحركة الجديدة التي بدأت بها ~~البنائية عهدا جديدا، فظهرت مدرسة تاريخية تركز جهدها على كشف ~~عناصر الثبات في المسار التاريخي، وعلى كشف المعالم العامة ~~للحضارات التي تمتص في داخلها الأحداث وتصبغها بصبغتها الخاصة، ~~بدلا من أن تتشكل بالأحداث وتسير في تيارها. ولكن ظهر أيضا رد ~~فعل مضاد بين مؤرخين رأوا في هذه النظرة البنائية هدما لكل ما هو ~~أساسي في التاريخ؛ ذلك لأن البنائيين يركزون على فكرة انعدام ~~التغير # invariance ~~. أما بالنسبة ~~إلى المؤرخ؛ فهناك على الدوام مؤثرات وتناقضات داخلية، تتجه دائما ~~إلى إحداث توازن جديد. فالتحليل التاريخي يؤكد فكرة الحركة، وهو ~~نقيض السكون الذي يؤكده التحليل البنائي. ولذلك يرى أنصار هذا ~~الاتجاه المعارض للبنائية # 8 # أن التاريخ يرفض الأبنية الثابتة، بل إن الزمان يحمل ~~في طياته كل بناء، ويغيره. وقد يكون هذا التغيير بطيئا، كما في ~~حالة البناءات العقلية والمنطقية، التي لا تتغير خلال التاريخ إلا ~~ببطء شديد. وقد يكون سريعا، كما في حالة الأوضاع الاقتصادية أو ~~البناء القانوني لمجتمع ما. ولكن كل بناء يظهر ثم يذبل ويختفي، ~~وعلى المؤرخ أن يدرس كيف يتم الانتقال من بناء إلى آخر، في ضوء ~~اختلاف الإيقاع الذي تتطور به البناءات في المجالات الاقتصادية ~~والاجتماعية والعقلية. # على أننا لا نود أن نختتم هذا الجزء، الذي نعرض فيه لموقف ~~البنائية من النزعة التاريخية، دون أن ننبه إلى ثلاث مسائل هامة ~~ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار في صدد النزاع المشهور بين البنائية ~~والتاريخية: ~~(1) # أن البنائية تستطيع أن تجد وسيلة للتوفيق بين نزوعها ~~إلى الثبات ونزوع المؤرخ إلى الحركة والتغيير؛ وذلك عن ~~طريق التفرقة بين الإطار العام والمضمون الداخلي في كل ~~حدث تاريخي. فمضمون الأحداث التاريخية، والمادة ~~المحتواة فيها، هو ms21 الذي يختلف تبعا للعصور ~~والمجتمعات، ولكن هذا المضمون المتغير يكشف عن تنظيم ~~يظل على ما هو عليه مهما اختلفت السياقات الاجتماعية ~~والتاريخية؛ أي إن ما يسري عليه التطور والتغير، وما ~~يخضع للتفسير التاريخي، هو المضمون والمادة الداخلية، ~~أما التنظيم والبناء فهو فوق التاريخ. وعلى هذا النحو ~~تستطيع البنائية أن تقدم إرضاء جزئيا على الأقل ~~للمؤرخ الذي لا يمكنه أن يتصور علمه بدون فكرة التغير ~~والحركة المستمرة. فهي لا تنكر التاريخ، وإنما تحصر ~~تأثيره في إضافات وتنوعات تطرأ على إطار ثابت، على حين ~~أن المؤرخ يؤكد أن كل شيء متحول، وأن أي بناء لا بد أن ~~يسير في تيار التاريخ المتدفق. ~~(2) # على أن البنائية لم تكن تهدف أساسا إلى معارضة ~~المؤرخين حين أعلنت معارضتها للنزعة التاريخية؛ ذلك ~~لأنها كانت تحارب هذه النزعة في مجالات العلوم ~~الإنسانية الأخرى، قبل أن تحاربها في مجال التاريخ ~~ذاته. وهدفها الأساسي كان رفض التفسير الذي انتشر ~~زمنا طويلا، والذي يرجع الظواهر الإنسانية إلى ~~منشئها وتطورها فحسب، ويعجز عن كشف عناصر الثبات فيها. ~~ومن هنا كان ميدانها المفضل - وهو الميدان الذي تستمد ~~منه الحركة البنائية وحيها الأول - هو ميدان اللغويات، ~~الذي حرص رائده «دي سوسير» على أن يكشف فيه بعدا لا ~~يمت إلى التاريخ بصلة. فقد ميز «دي سوسير» # 9 # بين محورين أساسيين في دراسة اللغة: محور ~~التزامن # Simultanéité # الذي يختص بالعلاقات بين ~~التراكيب اللغوية، دون أية إشارة إلى الزمان، ومحور ~~التعاقب # Successivité # الذي تبحث فيه ظواهر المحور ~~الأول، لا من حيث هي موجودة معا في وقت واحد، بل من ~~حيث هي متطورة متغيرة. ومن هنا قسم الدراسات اللغوية ~~إلى «سكونية # statique ~~» أو تزامنية # Synchronique # وهي ~~المتعلقة بالتركيب الثابت للمعاني والرموز، ~~وتطورية # évolutive # أو تعاقبية # diachronique # وتتعلق ~~بما يطرأ على التراكيب والعلاقات اللغوية من تطورات. ~~وعلى الرغم من أن «دي سوسير» لم يتجاهل المحور الثاني ~~الذي يتضمن فكرة الزمان والتاريخ، فإنه أدخله في سياق ~~أوسع، وكان أكثر اهتماما بالمحور الأول، أي بالبحث في ~~الثوابت اللغوية التي تعبر ms22 عن بناءات لا يؤثر عليها ~~التطور؛ لأنها جزء من التركيب الأصلي لمفهوم «اللغة» ~~بوصفها وسيلة للتعبير الرمزي عن المعاني. وبالمثل كان ~~ميدان «الأثنولوجيا # Ethnologie ~~» # 10 # ميدانا آخر مفضلا لدى البنائيين؛ لأنه ~~يتعلق بشعوب بدائية، أعني بما يمكن أن يوصف بأنه شعوب ~~بلا تاريخ، ما دام التطور يكاد يكون غير ملحوظ بين هذه ~~الجماعات. ومن هنا كان نجاح البنائية في كشف الأنساق ~~الثابتة في هذا الميدان، وعجزها عن تطبيق منهجها هذا ~~على الجماعات البشرية الحديثة التي هي مجتمعات موجودة ~~«في التاريخ». ففي الشعوب البدائية تحل الأسطورة محل ~~التاريخ. ومن سمات الأسطورة أن التعاقب الزمني لا ~~يؤدي فيها وظيفة ذات بال، بل إن الأسطورة ذاتها إذا ~~طرأ عليها تطور خلال الزمان، فإن القديم فيها يتعايش ~~مع الحديث كما تتعايش حفريتان تنتميان إلى عصور ~~مختلفة؛ ولذلك كان الميدان المفضل للبحث في المبادئ ~~الأساسية للعقل الإنساني، عند البنائية، هو الأساطير ~~البدائية الساكنة، المعبرة عن العقل في ثباته وفي ~~سماته الجذرية. ~~(3) # والواقع أن البنائية، في معارضتها للنزعة التاريخية، ~~قد استهدفت إحداث تغيير منهجي حاسم في العلوم ~~الإنسانية. ويمكن القول إن هذا التغيير يماثل، من وجهة ~~نظرها الخاصة، ذلك الانقلاب الأساسي الذي طرأ على ~~العلوم الطبيعية حين تخلت في أوائل العصر الحديث عن ~~الطريقة الكيفية في فهم ظواهر العالم الطبيعي، ~~واستعاضت عنها بالطريقة الكمية. فهناك أوجه شبه متعددة ~~بين الهدف الذي تسعى البنائية إلى تحقيقه في ميدان ~~دراسة الإنسان، وذلك الذي حققته العلوم الطبيعية في ~~تلك المرحلة الانتقالية الحاسمة من تاريخها: ~~(أ) # ففي كلتا الحالتين كان الانتقال ~~ثوريا، يمثل التحول من مرحلة «ما قبل ~~العلمية» في دراسة الظواهر، إلى المرحلة ~~العلمية الدقيقة. ولقد كان من أهم أوجه ~~النقد التي وجهها البنائيون إلى المنهج ~~التاريخي في دراسة الإنسان، التجاؤه إلى ~~تعبيرات غامضة وعبارات إنشائية مطاطة، ~~وعجزه عن التعبير عن الظواهر التي يتركها ~~كلها تنساب في مجرى التاريخ، دون أن نتمكن ~~من إيقاف هذا السيل المتدفق من أجل دراسته ~~بطريقة علمية منضبطة. ~~(ب) # وفي كلتا الحالتين كان العلم ms23 يسعى إلى ~~تجاوز المظهر الخارجي للظواهر، والنفاذ ~~إلى حقيقة أو ماهية أعمق منها، تظل ثابتة ~~مهما طرأ على الظواهر من تغيرات. ولا شك ~~أن هناك شبها قويا بين المعادلات ~~الرياضية التي أصبحت قوانين الطبيعة تصاغ ~~فيها بعد انتقال العلوم الطبيعية إلى ~~مرحلة التعبير الكمي عن الظواهر، وبين ~~البناءات التي تظل ثابتة من وراء الأشكال ~~المتعددة التي تتحقق من خلالها في ~~المجتمعات المختلفة. وفي كلتا الحالتين ~~يحتاج الوصول إلى الثوابت، من وراء ~~المتغيرات الظاهرية، إلى نفس القدر من ~~الجهد العقلي والقدرة على التجريد. ~~(ج) # بل إننا نستطيع أن نهتدي إلى وجه شبه ~~مباشر بين الحالتين، يتمثل في التجاء ~~البنائية إلى نماذج رياضية - قد تكون ~~جبرية، وقد تكون هندسية - من أجل التعبير ~~عن الأنساق الثابتة التي يتم التوصل ~~إليها. ومعنى ذلك أن البنائية تحقق، ~~بطريق مباشر، الانتقال إلى أسلوب التعبير ~~الكمي في ميدان الدراسات الإنسانية، وهو ~~الانتقال الذي حدث بالفعل في العلوم ~~الطبيعية منذ أربعة قرون. ~~(د) # وأخيرا ففي كلتا الحالتين تتخذ الحقيقة ~~طابعا لازمانيا. فللقانون العلمي ~~الرياضي أزليته الخاصة، بمعنى أنه يعبر عن ~~حقيقة ضرورية. وبالمثل يتسم البناء، في ~~ميدان العلوم الإنسانية بالأزلية، لا لأنه ~~يعبر عن حقيقة مجهولة المصدر، تظل ثابتة ~~على مر الزمان؛ بل لأن فيه ضرورة تماثل ~~ضرورة القانون الرياضي. ومن هنا كان في ~~وسعنا أن نقول إن التساؤل عن المصدر الذي ~~يأتي منه البناء هو، بمعنى معين، تساؤل ~~ساذج؛ إذ إننا في حالة القانون العلمي ~~الرياضي لا نتساءل عن مصدر المعادلة ~~الرياضية، أو عن المصدر الذي فرض على ~~الطبيعة تنظيما رياضيا ثابتا، وجعل ~~لها قوانين ثابتة من وراء مظاهرها ~~المتغيرة؛ ففي كلتا الحالتين ترجع الأزلية ~~إلى الضرورة المنطقية قبل كل شيء. # وفي ضوء هذه الملاحظات نستطيع أن نفهم على نحو أفضل ~~طبيعة الصراع المشهور الذي قام بين البنائية والنزعة ~~التاريخية، وندرك الهدف الفلسفي والمنهجي الذي دفع ~~البنائية إلى رفض المنهج التاريخي بصورته ~~التقليدية. # وبعد هذا العرض العام لسمات البنائية، من خلال الاتجاهات ~~الرئيسية التي تعارضها، نستطيع أن ms24 ننتقل إلى معالجة الأسس الفلسفية ~~لهذا الاتجاه الفكري الهام عند ممثليه الرئيسيين. # ولا جدال في أن هذه المعالجة التفصيلية ستزيد من وضوح السمات ~~العامة التي اهتدينا إليها من قبل، وتضفي عليها مزيدا من التحدد ~~والدقة المكتسبة من تطبيقها على مذاهب فكرية محددة المعالم. # | الأسس الفلسفية للبنائية عند ليفي ستروس # قد يبدو لأول وهلة أن الميدان الذي اختاره ليفي ستروس، وهو ميدان ~~الأثنولوجيا والأنثروبولوجيا، أي دراسة الشعوب والحضارات القديمة، ~~ينتمي إلى العلوم الاجتماعية الخالصة، ومن ثم فهو خارج عن نطاق بحثنا ~~هذا، الذي ينصب على الأسس «الفلسفية» للبنائية. ومن المؤكد أن المصادر ~~التي أثرت على اتجاه ليفي ستروس الفكري كانت متعددة، وبعضها بعيد عن ~~ميدان الفلسفة، ومع ذلك فسوف نحاول أن نثبت في هذا القسم من بحثنا أن ~~ستروس كان فيلسوفا بقدر ما كان عالما أنثروبولوجيا، وأنه صبغ ~~دراسته الاجتماعية بصبغة فلسفية لا تخطئها العين، وحول المؤثرات غير ~~الفلسفية إلى الاتجاه الفلسفي، وكان هذا الطابع الذي يميزه عن سائر ~~علماء الأنثروبولوجيا هو مصدر قوته وعمقه وطرافته، ولكنه كان في الوقت ~~ذاته هو العامل الذي أدى إلى توجيه الانتقادات إليه من كلا الطرفين؛ ~~لأن الفلاسفة لم يقتنعوا بأسسه الفلسفية، على حين أن الأنثروبولوجيين ~~لم يجدوه عالما أنثروبولوجيا بما فيه الكفاية. # لقد كان ليفي ستروس متفقا مع علم النفس عند فرويد في مواضع كثيرة، ~~أدت إلى القول بأن آراء فرويد كانت مصدرا من المصادر التي استقى منها ~~ستروس تفكيره. ففي كتاباته يظهر بوضوح إيمانه بفكرة وجود أساس لا ~~شعوري عميق في الإنسان، إلى جانب شعوره الواعي. ولقد كان مثل فرويد ~~يؤمن بوجود جانبين؛ أحدهما طبيعي، والآخر نتاج للثقافة، في الإنسان. ~~والجانب الأول هو الذي أطلق عليه فرويد اسم ال # Id ~~، وتترجم عادة بكلمة: «هي»، ~~بينما الأنا، أي الجانب الثاني، يمثل تأثير الثقافة، بالمعنى الشامل، ~~في الإنسان. وكان ستروس يعتقد، كما اعتقد فرويد، أن الأسطورة نوع من ~~الحلم الجماعي في المجتمعات البدائية، وهو حلم له لغته الرمزية الخاصة، ~~القابلة للتفسير. وهذا التفسير كفيل بالكشف ms25 عن المعاني الخفية ~~للأسطورة، واستخلاص المبادئ الأساسية لتفكير الإنسان البدائي من ~~خلالها، ولكن هذه المبادئ التي توجد بطريقة لا واعية في ظاهرة جماعية، ~~هي الأسطورة البدائية، ليست مقتصرة على البدائيين وحدهم، بل إنها في ~~واقع الأمر تصدق على كل العقول البشرية على نحو شامل. فالمبادئ ~~الأساسية التي نتوصل إليها عندئذ، تؤثر في عقولنا مثلما تؤثر في عقول ~~سكان جزر المحيط الهادئ من البدائيين، وهي تشكل نوعا من المنطق الكلي ~~الشامل، الذي يتمثل لدى هؤلاء البدائيين بصورة نقية خالصة، قبل أن نضيف ~~إليه نحن منطقنا الخاص، الذي تقتضيه الظروف المعقدة لحياة الإنسان ~~الحديث. # على أن البنائية قد تجاوزت مدرسة التحليل النفسي في نقطتين: # الأولى: # هي أن مدرسة التحليل النفسي أرجعت الأساطير والهفوات ~~والأحلام إلى مجال اللامعقول والعشوائي، ورأت أنها ~~تعبر عن الذهن الإنساني في عفويته وتلقائيته غير ~~الموجهة. أما البنائية فرأت أن هذه النواتج الذهنية هي ~~نشاط موجه نحو تحقيق أهداف معينة، وأن لها منطقها ~~الخاص الذي يسري على مجال محدد، ويختلف عن المنطق ~~الشامل الذي تحاول الحضارة الحديثة أن تتوصل إليه، ~~ولكنه يظل مع ذلك منطقا له دقته وانضباطه في مجاله ~~الخاص. # أما النقطة الثانية: # فهي أن البنائية تلغي المركز المميز للحالة ~~الحاضرة، أو للباحث نفسه، بالقياس إلى الحالة الماضية ~~التي كان يعيشها البدائيون؛ ففي التحليل النفسي نجد ~~المحلل يحتل مركزا مميزا بالنسبة إلى الشخص الذي ~~يحلله، ويعد نفسه مختلفا عنه، ما دام قادرا على كشف ~~أبعاد أعمق من تلك التي يرويها المريض عن تجاربه ~~العفوية. أما في البنائية، وفي اتجاهها التحليلي عند ~~لاكان # Lacan ~~، فإن ~~المحلل نفسه لا يعتبر نفسه سليما وسويا بالقياس إلى ~~من يحلله، ولا يتخذ منه أي موقف متميز. # ولكن، إذا استثنينا هذه الفوارق البسيطة، فمن المؤكد ~~أن حركة التحليل النفسي كان لها تأثيرها المباشر في ~~البنائية؛ وذلك لأنها قدمت إليها مبدأ أساسيا في ~~فهم الإنسان، هو أننا إذا أردنا أن نعرف العقل ~~الإنساني في جذوره وأصوله الأولى، التي لا تزال تمارس ~~تأثيرها فينا حتى اليوم ms26 - وإن كنا قد أضفنا إليها ~~تعقيدات لا حصر لها - فلنحلل ذلك «اللاشعور الجماعي» ~~للإنسانية كما يتمثل في أساطير البدائيين. # هكذا قدم علم النفس الفرويدي لستروس الهدف العام ~~لأبحاثه، ولكن أداة البحث قد أتت إليه من مصدر مختلف، ~~هو علم اللغويات. ففي الأربعينيات من هذا القرن، حين ~~كان ليفي ستروس في أميركا، التقى بباحث مشهور في علم ~~اللغويات هو «جاكوبسون # Jakobson ~~»، وتأثر إلى حد بعيد ~~بطريقته في البحث عن بناءات لغوية تظل ثابتة مهما ~~اختلفت اللغات المنفردة. ولما كانت اللغة تعبيرا عن ~~النشاط الرمزي للإنسان، فلا بد أن هذه البناءات ~~الثابتة تعبر عن مبادئ أساسية للعقل البشري، تنعكس على ~~مجالات نشاطه الأخرى. ومن هنا جاءت فكرة المزج بين ~~البحث في اللغويات والبحث الأنثروبولوجي، وتفسير ~~الظواهر الاجتماعية عند البدائيين على أساس النموذج ~~اللغوي الثابت. وهذا معناه تجاهل العامل التاريخي، ~~وتأكيد فكرة القبلية # a-priorisme ~~، أي ~~وجود صور وقوالب لا تخضع لتأثير الزمان، ولا شأن لها ~~بعوامل التطور، وهو نفس الاتجاه الذي أكده جاكوبسون في ~~مجال اللغويات. # إن اللغة، كما هو معروف، هي العنصر الأساسي في «التفكير»؛ لأننا لا ~~نستطيع التفكير في أي شيء ما لم نقسم العالم المحيط بنا إلى فئات أو ~~أصناف أو مقولات # catégories # ونعبر عن ~~هذه الفئات برموز أو ألفاظ. ولو بحثنا في نظم القرابة العائلية مثلا # La parenté # لوجدنا أن سلوك الإنسان ~~في مجال القرابة يتوقف إلى حد بعيد على تعبيراته في الحديث عن علاقات ~~القرابة؛ فالمرء يدرك علاقة «أبناء العم أو الخال» عن وعي إذا وجد في ~~اللغة لفظا يعبر عن ابن العم أو الخال. وعند مستوى معين تتيح اللغة ~~للإنسان أن يتصل بغيره ويكون علاقات اجتماعية، بحيث يصبح من الممكن ~~المقارنة بين نظم القرابة عند البدائيين، التي يتم فيها تبادل النساء، ~~ونظم اللغة التي يتم فيها تبادل الألفاظ، ونستطيع عندئذ أن ننظر إلى ~~قواعد الزواج ونظم القرابة على أنها نوع من اللغة، أي مجموعة من ~~العمليات التي تستهدف تحقيق نوع معين من الاتصال # communication # بين الأفراد ~~والجماعات. ms27 # 1 # ففي كلتا الحالتين يتم تبادل «رسالة» معينة، وتوصيلها من ~~طرف إلى الآخر؛ إما النساء اللائي يتبادلن بين العشائر أو الأسر، ~~وإما الألفاظ التي تتداول بين الأفراد، ومن هنا كان من الممكن بحث ~~الحالتين على أنهما تعبيران عن ظاهرة واحدة، لها نفس الهيكل أو البناء ~~الأساسي. # وهكذا كان للبحوث اللغوية دور عظيم الأهمية في تحديد الاتجاه الذي ~~سارت فيه بنائية ليفي ستروس، وفي صبغ أبحاثه الأنثروبولوجية بطابعها ~~المميز. ولكن هل يعني هذا أن العوامل الفلسفية لم يكن لها تأثير في ~~تفكيره؟ الواقع أن هذه العوامل كانت بالغة الأهمية في حالة ستروس على ~~وجه التحديد، وهي التي تميزه عن سائر الأنثروبولوجيين. وكل ما في الأمر ~~أن الاهتداء إليها يحتاج إلى جهد خاص، سنحاول القيام به، تاركين جانبا ~~تأثير العامل اللغوي، على أهميته، لأنه خارج عن النطاق الأساسي لهذا ~~البحث. # ولنبدأ بأن نلاحظ أن تكوين ليفي ستروس وتعليمه كان فلسفيا ~~وقانونيا، وأنه لم يتجه إلى البحث الأنثروبولوجي إلا في مرحلة متأخرة ~~نسبيا، ومن هنا كان من الطبيعي أن ينعكس هذا التكوين الفلسفي على ~~منهجه في البحث الأنثروبولوجي، حتى إن أحد الباحثين قال عنه إنه «كان ~~يتصرف دائما كما لو كان داعية يدافع عن قضية، لا عالما يبحث عن ~~الحقيقة الفعلية.» # 2 # على أن اهتمام ستروس المتأخر بالبحث الأنثروبولوجي لا ينبغي أن يعد ~~تحولا عن الأصل الفلسفي الذي بدأ منه؛ ذلك لأن هذا الميدان بالذات ~~يمكن أن يقدم مادة خصبة للتفكير الفلسفي، إذا كان الباحث قد تدرب على ~~هذا التفكير بما فيه الكفاية. فمن الممكن أن نقول، من وجهة نظر معينة، ~~إن دراسة الثقافات القديمة لها أهمية فلسفية كبرى؛ إذ تخرجنا من ~~الحيز الضيق للثقافة التي نعيش فيها، وتقدم إلينا أنماطا فكرية مغايرة ~~لتلك التي اعتدناها. وصحيح أن هذه الأنماط البدائية - في رأي ستروس - ~~لا تختلف «في جوهرها» عن تلك التي نستخدمها اليوم، ولكن المهم أنها ~~تدرس هنا في إطار مغاير لذلك الذي ألفناه في حضارتنا الحديثة. وهكذا ~~يجد الأنثروبولوجي مجالا خصبا لتطبيق ms28 واختبار فكرة النسبية التي ~~طالما سعى الفلاسفة إلى فهمها، ويتيح له ميدان دراسته فرصة عظيمة ~~لإلقاء نظرة «موضوعية» على الفكر الإنساني الذي نسينا أصوله وعجزنا عن ~~اختبار جذوره العميقة المتأصلة فينا دون وعي منا. وعلى حين أن الفيلسوف ~~يعجز، في الأحوال العادية، عن الخروج عن الإطار الفكري لحضارته؛ لأن ~~هذا الإطار الفكري هو الذي يتكلم فيه، ومن خلاله؛ فإن الدراسة ~~الأنثروبولوجية تتيح له مجالا فريدا لتأمل مبادئه الفكرية «من ~~الخارج»، في بساطتها ونقائها الأول . # وفضلا عن ذلك، فإن ستروس لم يكن من أولئك الأنثروبولوجيين الذين ~~يتوقف اهتمامهم عند حدود ثقافة بدائية معينة، يعايشها بعمق، ويحلل ما ~~لاحظه عنها في مؤلفات تفصيلية فيها كثير من الوصف وبعض التفسير، كما هي ~~الحال عند مالينوفسكي # Malinowski # مثلا، فقد كانت دراسة الثقافات القديمة عنده وسيلة لغاية أوسع، هي ~~الوصول إلى المبادئ الأساسية ل «الذهن البشري»، ولم تكن التفاصيل ~~الأنثروبولوجية في نظره سوى أداة تساعده على الوصول إلى حقائق تصدق على ~~هذا الذهن في عمومه، لا في شكل خاص من أشكاله؛ ولذلك لم يحاول ستروس أن ~~يعايش ثقافة بعينها، ويقضي بين أهلها سنوات طويلة، ويندمج في حياتها ~~اليومية فترة طويلة، كما فعل غيره من الأنثروبولوجيين المحترفين، بل ~~إنه كان يقوم بدراسات ميدانية سريعة إلى حد ما، إذا قيست بما قام به ~~غيره. ولم يكن يستقر في مكان واحد طويلا، وإنما كان يدرس ثقافة هذا ~~المكان بالقدر الذي يساعده على تحقيق هدفه الأصلي، الذي هو في صميمه ~~هدف فلسفي. وهكذا يمكن القول، من وجهة نظر معينة، إن بحثه في ~~الأنثروبولوجيا لم يكن غاية في ذاته، بل كان وسيلة لغاية معينة هي في ~~صميمها غاية فلسفية. وبقدر ما كان هذا الأسلوب في البحث مميزا له عن ~~غيره من علماء الأنثروبولوجيا، ومن ثم سببا من أسباب شهرته بينهم، فقد ~~كان في الوقت ذاته هو المحور الذي دارت حوله الانتقادات التي وجهت ~~إليه، سواء من جانب علماء الأنثروبولوجيا ومن جانب الفلاسفة. وتلك، على ~~أية حال، مسألة سنعرض لها فيما ms29 بعد بالتفصيل. # لقد كانت الفلسفة، منذ بداية عهدها، ترفض المظهر الخارجي للعالم، ~~وحين انبثق منها العلم الطبيعي أخذ بدوره يبحث عن حقيقة لا تقدمها ~~إلينا المظاهر المباشرة، وأخذ بالتدريج يكون لنفسه عالما خاصا به، ~~مؤلفا من كيانات عقلية ورياضية، لا نستطيع أن نجد لها وجودا في عالم ~~المظاهر، وإن كانت مع ذلك قادرة على أن تجعل هذا العالم مفهوما ~~ومعقولا. وكانت مهمة ليفي ستروس هي أن يطبق هذا الشرط الذي أتاح للعلم ~~الطبيعي إحراز أكبر قدر من التقدم على العلوم الإنسانية؛ لكي يجعلها ~~بدورها علوما تتجاوز نطاق المظهر الخارجي للأشياء، ولا تندمج في ظواهر ~~العالم أو في الظواهر الإنسانية، وإنما تبحث عن حقيقة عميقة وراء ~~مظاهرها البادية. # ولنذكر أنه كان في هذا الصدد يفرق بين العلوم الإنسانية، التي تستهدف ~~الفهم النظري وحده، ولا تفترق مهمتها عن مهمة العلوم الطبيعية أو ~~العلوم المنضبطة، وبين العلوم الاجتماعية، التي يمكن أن يكون لها دور ~~عملي؛ لأن هدفها هو التغيير، وهو شيء لم يحاول ليفي ستروس أن يحققه في ~~كتاباته، بل حرص على أن يظل بعيدا عن الميدان العملي وعن محاولات ~~التغيير؛ فهو يسعى إلى الفهم فحسب. وقد عبر عن هذه التفرقة بقوله: «لقد ~~استعارت العلوم الإنسانية من العلوم المنضبطة والطبيعية درسا هو ضرورة ~~التخلي عن المظاهر # apparences # إذا ~~أراد المرء فهم العالم، على حين أن العلوم الاجتماعية قد استخلصت درسا ~~موازيا، هو ضرورة قبول المرء للعالم إذا أراد تغييره.» وربما بدا ~~المصطلح الذي يستخدمه ستروس في هذا الصدد غريبا إلى حد ما؛ إذ إن من ~~الشائع أن يستخدم لفظ «العلوم الإنسانية» لمجموعة العلوم التي تقبل ~~مظهر العالم وتعترف بالظواهر الإنسانية على ما هي عليه. على حين أن لفظ ~~«العلوم الاجتماعية» أكثر انطباقا على تلك العلوم الهادفة إلى ~~الانضباط والدقة، والتي تسعى إلى الاقتراب من مناهج العلوم الطبيعية، ~~ومن ثم ترفض الشكل الظاهري للموضوعات التي تبحثها، وتسعى إلى حقيقة ~~خافية من وراء المظاهر، تعبر عنها - في الغالب - بقوانين رياضية. ولكن ~~ستروس آثر أن يعكس ms30 الآية، ويجعل الانضباط في جانب العلوم الإنسانية. ~~وعلى أية حال فالمسألة تسمية فحسب، ومن المعروف أن تعبيري «العلوم ~~الاجتماعية» و «العلوم الإنسانية» ما زالا موضوع خلاف بين المشتغلين في ~~هذا الميدان، ولم يستقر الرأي نهائيا على مسميات ثابتة تحدد نطاق ~~كل منهما حتى اليوم. # والذي يهمنا في هذا الأمر هو أن ستروس بالرغم من تأكيده هدف ~~«الانضباط» في العلوم الإنسانية، كان فيلسوفا في رفضه للطابع الذي ~~تتبدى عليه الأشياء، وسعيه إلى حقيقة أعمق من هذا المظهر . ولنذكر في ~~هذا الصدد أن «كانت» بدوره كان يضع نصب عينيه هدف العلم «المنضبط»، ~~ويستهدف تحقيقه في مجال الفلسفة ذاتها، التي أراد منها أن تبحث عن ~~عوامل الانضباط في علمي الطبيعة والرياضة وتطبقها في ميدانها الخاص. ~~وهكذا يمكن القول إن «كانت» أراد أن يجعل من الفلسفة «علما ~~إنسانيا» بالمعنى الذي حدده ستروس. # بل إن تفاصيل الانتقال من مظهر العالم إلى الحقيقة العلمية متشابهة ~~فيما بين «كانت» وستروس؛ ذلك لأن ستروس بدوره يرى أن ما نعرفه عن ~~العالم الخارجي ندركه من خلال حواسنا، أي إننا نضفي على الظواهر التي ~~ندركها سمات معينة، ترجع إلى الطريقة التي تعمل بها حواسنا، وإلى ~~الترتيب الخاص الذي يرتب به ذهننا المنبهات الحسية ويفسرها. ومن أهم ~~سمات عملية الترتيب هذه تفتيت المتصل الزماني والمكاني المحيط بنا إلى ~~قطاعات منفصلة، بحيث نرى في الطبيعة أشياء مصنفة في فئات، ونجعل الزمان ~~مؤلفا من حوادث منفصلة متعاقبة. وما يحدث في حياتنا الاجتماعية، وفي ~~ثقافتنا، هو انعكاس لما يحدث في إدراكنا للعالم المحسوس؛ إذ إننا نجزئ ~~نواتج ثقافتنا ونرتبها بنفس الطريقة التي نجزئ بها نواتج الطبيعة ~~ونرتبها، ونكون منها «بناء» مماثلا للبناء الذي ننظم به إدراكنا ~~للعالم. وكما تحدث كانت عن مقولات ذهنية تكون قوالب لا بد أن يصاغ ~~فيها كل ما ندركه عن العالم، ثم طبق هذه المقولات، في الجزء الخاص ب ~~«جدل العقل الخالص» من كتابه المشهور «نقد العقل الخالص»، على نواتج ~~الفكر الميتافيزيقي والتأملي البحت، فجعل منها ما يشبه «البناءات» التي ms31 ~~تنقل من مجالها الأصلي إلى مجال مغاير، فكذلك فعل ليفي ستروس حين أكد ~~أننا عندما نضع نظما اجتماعية أو نقوم بشعائر، نحاكي طريقة إدراكنا ~~للطبيعة، ونحول النموذج الذي ندرك عليه الطبيعة إلى المجال الثقافي، ~~بحيث يكون بناؤهما مشتركا. وهذا أمر مفهوم؛ لأن الذهن البشري هو ~~الفعال في الحالتين، ولا بد من وجود نقاط تشابه أساسية في طريقة ~~ممارسته نشاطه في كل مجال من المجالات. # ولكن، مثلما أن تأكيد «كانت» لفاعلية الذهن البشري لم يؤد به إلى ~~أن يكون مثاليا على طريقة باركلي، فكذلك كان ستروس بعيدا كل البعد ~~عن هذا النوع من المثالية؛ فهو يعترف بأن للطبيعة وجودا حقيقيا خارج ~~الذهن البشري، ولا يجعل وجودها متوقفا على إدراكنا الذهني لها. «ولكن ~~فهمنا للطبيعة تتحكم فيه كثيرا طبيعة ذلك الجهاز الذي نفهمها به. ~~وهكذا فإن فكرة ستروس هي أننا إذا لاحظنا الطريقة التي نفهم بها ~~الطبيعة، وتأملنا خصائص التصنيفات، التي نستخدمها وطريقة تعاملنا مع ~~المقولات الناتجة عن هذه التصنيفات، أمكننا أن نستدل على حقائق أساسية ~~عن آلية التفكير.» # 3 # وإذا عرفنا آلية التفكير البشري، أمكننا أن ندرك نواحي ~~التشابه الأساسية في الثقافات المختلفة التي تشترك في أنها كلها نواتج ~~لذهن يعمل بطريقة واحدة. # وإذن، فلم يكن ليفي ستروس مثاليا بنفس الطريقة التي كان بها باركلي ~~مثاليا، ولكن مثاليته «كانتية» إلى حد بعيد، فهو بدوره يؤكد تدخل ~~الذهن في كل شيء، ويتمسك بفكرة الترابط الوثيق بين كل الظواهر، التي ~~تجمع بينها آلية ذهنية واحدة. وتنفذ هذه النظرة الكانتية إلى صميم ~~عمله الأنثروبولوجي، فيسعى إلى كشف العلاقات الباطنة بين مختلف مظاهر ~~الحياة في المجتمع البدائي. ويرى أن السلوك اليومي للناس في هذا ~~المجتمع، وطريقة تشييدهم لمساكنهم، وأداءهم لشعائرهم وطقوسهم الروحية، ~~وتنظيمهم لعلاقات القرابة بينهم، كل هذه تكشف عن بناء واحد قد يجد ~~العالم الأنثروبولوجي صعوبة كبرى في الوصول إليه؛ لأنه بناء لا شعوري، ~~لا يدرك عن وعي ولا يوجد على السطح الظاهر، ولكنه لن يعجز عن ذلك إذا ~~كان مسلحا بالمنهج السليم. # أما ms32 هذا المنهج السليم فأهم ما فيه هو تأكيد أولوية البناء على ~~مظاهره الخارجية، أو ما يمكن أن يسمى - بلغة كانت - بالقبلية # a priorisme ~~؛ ففي استطاعتنا أن نفهم ~~النواتج الثقافية على أساس البناء الواحد الذي ترتكز عليه، أما إذا ~~بدأنا بهذه النواتج ذاتها، ولم نحاول أن نردها إلى أساس سابق؛ فلن نصل ~~إلى أي فهم متعمق، ومن هنا كان انتقاد ستروس للنزعة الوظيفية عند ~~«مالينوفسكي». # هذه الوظيفية كانت تتجلى - على سبيل المثال - في تفسير مالينوفسكي ~~لظاهرة قيام قبائل معينة بتسمية نفسها بأسماء حيوانات؛ إذ كان يرى أن ~~هذا راجع إلى الفائدة المكتسبة من هذه الحيوانات في الحياة اليومية ~~لتلك القبائل، أو إلى أنها كانت تعتمد عليها في مأكلها، وغير ذلك من ~~التفسيرات الوظيفية التي رفضها ليفي ستروس من أساسها. فالبناء سابق على ~~مظاهره، وليست هذه الأفعال الجزئية هي التي تفسر البناء، بل إن البناء ~~هو الذي يفسرها. وقد عبر ستروس عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «في ~~الأنثروبولوجيا ... لا تكون المقارنة هي التي يرتكز عليها الحكم العام، ~~بل إن العكس هو الصحيح. فإذا كان من الصحيح - وهو ما نؤمن به فعلا - ~~أن النشاط اللاواعي للذهن قوامه فرض أشكال على مضمون، وإذا كانت هذه ~~الأشكال في أساسها واحدة بالنسبة إلى جميع الأذهان، تستوي في ذلك ~~القديمة والحديثة البدائية والمتحضرة، وهو ما تدل عليه دراسة الوظيفة ~~الرمزية كما تعبر عنها اللغة، فإنه يكفي المرء عندئذ أن يدرك البناء ~~اللاواعي الكامن من وراء كل نظام اجتماعي # institution # وكل عرف؛ لكي يتوصل ~~إلى مبدأ للتفسير يسري على كل النظم والأعراف الأخرى، شريطة أن نمضي في ~~التحليل بما فيه الكفاية بطبيعة الحال.» # 4 # هكذا تكتسب لغة ستروس صبغة «كانتية» واضحة، ويصبح تفسير هذه الظواهر ~~من خلال البناء «شرطا لإمكان» هذه الظواهر، أي إن البناءات هي التي ~~تفرض على الظواهر المتباينة والكثيرة تنظيمها وترتيبها الخاص، بل هي ~~التي تجعلها ممكنة. ولقد كان هذا التشابه الواضح مع مذهب كانت هو الذي ~~دعا الفيلسوف «ريكير # Ricoeur ~~» إلى أن ~~يصف ms33 بنائية ستروس بأنها «مذهب كانتي بدون ذات ترنسندنتالية» # 5 # صحيح أن زوال الذات الترنسندنتالية يعني فقدان عنصر أساسي ~~في مذهب كانت؛ لأن هذه الذات، بما لديها من صور الحساسية ومقولات ~~الفهم، هي التي تعطي العالم مظهره القابل للمعرفة، ولكن يظل من الصحيح ~~أيضا أن بناءات ليفي ستروس، وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية التي ~~تفترضها مقدما، مشابهة للصور الذهنية التي هي بمثابة القوالب لكل ~~موضوع نعرفه في العالم، كما قال بها كانت، وإن هذا التشابه يصل إلى حد ~~لا يمكن تجاهله. # على أن هذه النزعة الفلسفية الواضحة لدى ليفي ستروس، إذا كانت تضفي ~~مزيدا من العمق على أعماله الأنثروبولوجية، وتصبغها بطابع فريد لا نجد ~~له نظيرا بين غيره من المشتغلين في هذا الميدان، فقد كانت هي ذاتها ~~السبب الأكبر في النقد الذي تعرض له. ومما يلفت النظر أن هذا النقد ~~لم يأت من جانب المشتغلين بالأنثروبولوجيا وحدهم؛ فعلى حين أن هؤلاء ~~لم يقتنعوا بالاتجاه الفلسفي الواضح في كتابات ستروس العلمية، نجد أن ~~الفلاسفة بدورهم قد دخلوا معه في حوار حاد وجهوا فيه انتقاداتهم إلى ~~الركائز الأساسية لتفكيره، وإلى الأهداف التي يتجه إليها عمله العلمي ~~بوجه عام. وسوف نبحث كلا من اتجاهي النقد هذين، العلمي والفلسفي، على ~~حدة. # إن من الحقائق المعروفة، في حالة فلسفة كانت، أنه افترض للذهن ~~البشري تركيبا معينا دون أن يحدد مصدر هذا التركيب، فهو لا يقول لنا ~~من الذي وضع في الذات الإنسانية صور الحساسية ومقولات الفهم التي هي ~~أساس معرفتنا لكل ظواهر العالم، ولا يبين لنا كيف أصبح للذات هذا ~~التركيب بعينه. ويمكن القول إن ليفي ستروس قد سار في أعقاب كانت في ~~هذه المسألة بدورها؛ فهو لا يبين لنا كيف تكون البناء، ولا يحدد له ~~أصلا، وأغلب الظن أنه ينظر إلى السؤال عن أصل البناء على أنه سؤال ~~ميتافيزيقي لا شأن له به. # ومع ذلك ففي مجال العلم ينبغي أن يطرح هذه السؤال، ولا يمكن أن يقبل ~~المشتغلون بالعلم سواء في ميدان الأنثروبولوجيا أو غيره، افتراضا ~~مسبقا ms34 بوجود بناءات ثابتة للعقل البشري تفرض نفسها على كل نواتجه ~~الاجتماعية والثقافية، وتصبغها بصبغتها الخاصة، ما لم يحدد الباحث ~~أصلا لهذه الأبنية، يكفي لإقناعهم بأن لها هذا القدر من العمومية ~~والثبات، وهو ما لم يفعله ليفي ستروس. # ولقد كان الأصل الوحيد الذي ورد في كتاباته صراحة، هو الأصل اللغوي. ~~وهذه نقطة أساسية كان فيها ستروس مختلفا عن كانت الذي لم تكن للغويات ~~أهمية في فلسفته. ومع ذلك فمن الممكن القول بوجود قدر معين من التشابه ~~حتى في هذه الحالة. فمن المعروف أن «كانت » قد استمد قائمة مقولاته من ~~أنواع الأحكام المنطقية، مرتكزا في ذلك على الفكرة القائلة إن النشاط ~~الرئيسي للذهن البشري يتمثل في عملية إصدار الأحكام ذات الطابع ~~المنطقي، ومن ثم فإننا إذا حصرنا قائمة الأحكام التي يصدرها ذهننا، ~~أمكننا أن نستخلص منها المقولات والقوالب الرئيسية التي يشكل بها الذهن ~~كل موضوع يدخل في نطاق معرفته. ويجوز أن ليفي ستروس لم يبتعد كثيرا ~~عن هذه الفكرة، حين قال إن النشاط الرئيسي للذهن هو العملية الرمزية ~~التي تتثمل في اللغة # 6 # وإننا نستطيع أن نرجع الأنساق الرئيسية التي ينظم بها ~~الإنسان حياته الاجتماعية إلى تلك البناءات الأساسية المشتركة بين كل ~~اللغات البشرية. # وعلى أية حال، فإن وجه الخطورة في هذا الرأي هو أنه يحكم على اللغات ~~البشرية في عمومها من خلال وجهة نظر معينة، هي السائدة في عصر معين أو ~~في مدرسة فكرية معينة. ومن المعروف في علم اللغويات أن النماذج اللغوية ~~تتعدد بتعدد المدارس. وقد تأثر ستروس بالنموذج الذي وضعه «جاكوبسن»، ~~وهو نموذج تجاوزته الأبحاث التالية في علم اللغويات بمراحل. «فالآليات ~~التي تعتمد عليها قدرة الإنسان على إضفاء معنى مركب على الكلمات ~~البشرية، وما يترتب على هذه القدرة من تكوين أنماط محددة، هي عمليات ~~أعقد بكثير مما يوحي به النموذج المبسط من وراء نظريات جاكوبسن ~~وستروس. ومن هنا فإن ما يستخلصه من بناءات مستمدة من معطيات غير ~~كافية، ليست على الاطلاق بناءات تعبر عن صفات مشتركة بين الإنسانية ~~كلها، ms35 بل إنها تعبر عن صفات جماعة ثقافية معينة فحسب.» # 7 # ولقد كان هذا الاتجاه إلى تعميم نموذج لغوي معين على كل مجالات ~~العلوم الإنسانية، وإنكار تعدد النماذج بتعدد ميادين البحث، هو الذي ~~أدى بالنقاد إلى التحذير من خطورة التعميمات الشاملة لدى البنائيين، ~~ولدى ستروس بوجه خاص. وبالفعل نجد في البنائية ميلا إلى اتهام كل من ~~لا يعترف بهذا الأنموذج الواحد، ويطبقه على كل مجالات العلوم الإنسانية ~~بأنه جاهل أو مفتقر إلى الروح العملية، مما دعا «لوفيفر # Henri Lefebvre ~~» إلى أن يصف البنائية ~~بأنها «مذهب إرهابي»؛ لأن المرء في نظرها إما أن يكون بنائيا متسقا ~~يؤمن بأنموذج موحد، ويطبقه تطبيقا شاملا على كل شيء، وإما أن يكون ~~شخصا لا يفهم شيئا. # 8 # والأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن ستروس قد بذر في ~~البنائية بذرة دجماطيقية، أصبح من الصعب بعد ذلك التخلص منها؛ نتيجة ~~لتسلط النموذج اللغوي عنده على جميع الميادين. # وإذا كان البعض قد انتقدوا النموذج اللغوي الذي أراد ستروس تعميمه، ~~فإن البعض الآخر قد انتقدوا الاعتقاد الذي يكمن من وراء عملية التعميم ~~هذه - سواء أكان أصلها لغويا أم غير لغوي - وهو الاعتقاد الراسخ لدى ~~ستروس بأن البناءات ثابتة، لا يؤثر فيها الزمان. ولعل أحق النقاد ~~بأن نستمع إلى وجهة نظره في هذا الصدد هو «بياجيه»، ليس فقط؛ لأنه كان ~~عالما ومفكرا من الطراز الأول، بل أيضا لأنه كان من أنصار البنائية، ~~ومع ذلك فقد هاجم فكرة ثبات البناءات ورأى أنها ليست ضرورية على ~~الإطلاق؛ لكي يكون المذهب البنائي متسقا مع نفسه. # فمن الملاحظ أولا أن ليفي ستروس ينسب إلى البناءات ضربا من الوجود ~~يصعب تحديد طبيعته. فهي موجودة على نحو مستقل عن ذهن العالم الذي يتوصل ~~إليها؛ أي إنها ليست مركبا من تلك المركبات الاصطلاحية التي يتواضع ~~عليها العلماء من أجل تيسير عملهم، دون أن يكون لها وجود حقيقي. ولكن ~~وجودها في الوقت ذاته ليس وجودا متعاليا # transcendent # ينتمي إلى عالم شبيه ~~بعالم المثل الأفلاطونية، بل هو كامن في ms36 قلب التجربة الواقعية. وليس ~~مما يقرب طبيعة هذا الوجود إلى أذهاننا أن يقول ستروس إنها تنبثق عن ~~الذهن البشري الذي لا يتغير، وإنها سابقة على كل تنظيم اجتماعي؛ لأنها ~~أصل كل تنظيم وسابقة على ما هو نفسي وما هو عضوي؛ ذلك لأن حيرتنا تزداد ~~حين نعلم أن لها وجودا مستقلا يهتدي إليه الذهن ولكنه لا يخلقه، وأن ~~هذا الوجود ليس اجتماعيا ولا نفسيا ولا عضويا. # 9 # ويبدو أن ما يهم ليفي ستروس في هذا كله هو أن يدافع عن ~~ثبات العقل البشري عن طريق تأكيده أن لهذا العقل «وظيفة رمزية » لا يؤثر ~~فيها تغير الزمان. ولكن بياجيه يرد على ذلك بقوله: «ينبغي أن نعترف ~~بأننا لا نفهم على وجه التحقيق لماذا يكون العقل قد كرم إذا ما ~~حول إلى مجموعة من الأطر الثابتة، أكثر مما يكرم إذا نظر إليه ~~على أنه نتاج لم يكتمل بعد، لعملية بناء ذاتي مستمرة. فهل من الضروري ~~النظر إلى الوظيفة الرمزية على أنها ثابتة؟» # 10 # إن ما يدافع عنه بياجه في هذا الصدد هو إمكان الجمع بين فكرة البناء ~~وفكرة التطور التي تسري حتى على الوظيفة الرمزية لدى الإنسان. وهو هنا ~~يهاجم «وهم الثبات» الذي كان يشكل صنما كبيرا من أصنام الفلسفة منذ ~~أيام أفلاطون، والذي يبدو أن ليفي ستروس كان بدوره من الواقعين تحت ~~تأثيره. ولكن هل يعني هذا أن كل من رفض فكرة الثبات، وأكد التطور، كان ~~في موقف أفضل من موقف ستروس؟ الواقع أن بعض هؤلاء، مثل «ليفي برول # Lévi-bruhl ~~» قد ارتكبوا أخطاء أشد ~~بكثير مما وقع فيه ستروس، على الرغم من أنهم أكدوا أن عقل الإنسان ليس ~~أزليا وليس ثابتا. فعند ليفي برول تقسم المجتمعات البشرية إلى ~~مجتمعات خلت من المنطق لها عقلية «قبل المنطقية # Mentalité pré-logique ~~»، وهي ~~المجتمعات البدائية، وأخرى متحضرة هي وحدها التي تعرف التفكير. ولقد ~~كان ستروس على حق تماما في رفضه القاطع تقسيم الإنسان إلى منطقي وغير ~~منطقي. ونقد ليفي بريل بشدة؛ لأنه شبه العقلية البدائية بعقليات ms37 ~~الأطفال أو المجانين؛ لأن هذا كله يرجع إلى اتخاذ ليفي بريل نظرة ~~مرتكزة حول الذات، تأثر فيها بحضارته الخاصة والعصر الذي يعيش فيه، ~~وتصور أن كل ما عداها خطأ وتخلف. وحقيقة الأمر في نظر ستروس، هي أن ما ~~يبدو غير منطقي أو قبل المنطقي، له منطقة الخاص، وإن كان مخالفا ~~لمنطقنا؛ لأنه لا يخشى التناقض ولا ينفر منه. ومن ناحية أخرى فقد علل ~~ليفي بريل التجاء البدائي إلى مبدأ «المشاركة Participation ~~» (أي أن يكون الشخص من قبيلة معينة مثلا، ~~ويتصور أنه من قبيلة أخرى في الوقت نفسه) بأنه يرجع إلى غلبة العنصر ~~الانفعالي الوجداني # affectif # على ~~العنصر العقلي. ولكن الخطأ الذي وقع فيه هو أنه ضيق نطاق العنصر ~~العقلي بحيث جعله مقتصرا على النشاط العلمي مع أن النشاط العلمي ليس ~~إلا وجها واحدا لنشاط عقلي أعم، تتولد عنه أنساق كثيرة يختلف بناؤها ~~تبعا للغاية التي تستهدفها (كاللغة والأسطورة والفن والمنطق ~~والرياضة). وهكذا يرى ستروس أن الاختلاف بين مجتمع وآخر لا يرجع إلى ~~استخدام كل منهما لشكل خاص من أشكال النشاط العقلي، مادام من الضروري ~~أن يتوافر فيها كلها حد أدنى مشترك هو وجود لغة، وهو الشرط الضروري ~~لقيام أية ثقافي، وما دامت اللغة ترتكز على النشاط العقلي (الرمزي)، ~~ولا قيام لها بدونه. # وإذن فليس كل من قال بأن العقل البشري يتطور ويتخذ أشكالا متباينة ~~«من حيث الكيف» وفقا لمستوى الحضارة التي ينتمي إليها - ليس كل من قال ~~بذلك يعد في موقف أفضل من موقف ستروس. ومن المؤكد أن ستروس كان ~~محقا في نقد بعض الاتجاهات التي ارتكزت على فكرة حدوث تحول أساسي ~~في نوع العقلية البشرية عبر العصور، وكان على حق في دعوتنا إلى ألا ~~نتعالى، وألا نتصور أنفسنا على أننا أسياد للآخرين، ونقيسهم بمقاييسنا ~~الخاصة، بل ينبغي أن نترك المجتمعات البدائية توجه رسالتها بلغتها ~~العقلية الخاصة، دون حط من شأنها. ولكن المشكلة هي أن ستروس قد تطرف في ~~تأكيد معقولية البدائيين إلى حد القول بأن للعقل الإنساني هوية أساسية ms38 ~~تظل ملازمة له في كل زمان ومكان، وأننا نستطيع كشف هذه الهوية بتحليل ~~نواتج هذا العقل من أساطير ونظم اجتماعية وطقوس ... إلخ، في المجتمعات ~~البدائية. وهنا يتعرض هذا التطرف المضاد للنقد الذي وجهه إليه ~~بياجيه، والذي ركزه على قول ستروس «بمنطق طبيعي» يكون الأساس الثابت ~~لكل تفسير وتنظيم إنساني، أيا كان مكانه أو زمانه؛ فليس هناك ما يمنع ~~على الإطلاق من تأكيد حدوث تطور حتى في تلك البناءات التي تمسك بها ~~ستروس - مثل أنساق القرابة - والتي ينبغي أن تكون ناجمة عن «مؤسسات» ~~معينة، ولا بد أن يكون الجهد الجماعي الطويل الأمد هو الذي جعلها ~~ممكنة. # وعلى عكس اعتقاد ستروس بأن العقل يكرم بتأكيد ثباته، يرى بياجيه أن ~~التطور ميزة في البناءات البشرية، وليس عيبا فيها؛ ذلك لأن الحيوان لا ~~يستطيع أن يغير نفسه ما لم يغير نوعه بأكمله. أما الإنسان فينفرد ~~بالقدرة على تشكيل ذاته وتحويرها عن طريق تكوين بناءات من صنعه هو، لا ~~تفرض عليه من الداخل أو من الخارج. ولذلك فمهما كان تأكيدنا لتلك ~~الضرورات الباطنة التي تفرض نفسها على تطور الذهن خلال تعامله مع ~~البيئة الخارجية، ينبغي أن نعترف بأن العقل قد تطور، وبأن هذه هي ~~الوسيلة الوحيدة التي تتيح لنا إنقاذ البنائية من عزلتها ~~المترفعة. # 11 # هكذا فإن نقد بياجيه يلقي ظلالا من الشك على الاعتقاد الذي لم ~~يحاول ستروس أن يناقشه، وهو أن تأكيد أهمية البناءات في المعرفة يستتبع ~~حتما تأكيد ثبات هذه البناءات، وأن البنائية - من حيث هي مذهب فكري - ~~ترتبط بفكرة الثبات ارتباطا لا ينفصم. وأغلب الظن أن العامل الذي أدى ~~إلى تأكيد ستروس لهذه القضية، وحرصه الشديد على أن يقدمها كما لو كانت ~~هي إنجازه الأكبر في الميدان الأنثروبولوجي، هو ذلك المنهج الخاص الذي ~~اتبعه في الدراسة الأنثروبولوجية، والذي أثار انتقاد عدد كبير من ~~المتخصصين «المحترفين» في هذا الفرع، وإن كان قد أضفى على كتاباته ~~طابعا فلسفيا شيقا. فقد كان ستروس يؤمن بأن البحث الأنثروبولوجي ~~يحتاج إلى قدر محدود من الدراسة الميدانية ms39 التجريبية، وإلى قدر كبير من ~~التفكير والتحليل العقلي. وكان - مثل كبار الفلاسفة الفرنسيين - يؤمن ~~بأن التجربة لا تتضمن الحقيقة، بل إن الحقيقة «تضاف» إلى التجربة ~~بواسطة العقل. ومن الطبيعي بالنسبة إلى الباحث الذي يجعل للتحليل ~~العقلي الدور الأساسي، أن تكون فكرة «الثبات» أساسية عنده؛ لأن مهمة ~~العقل هي البحث عن عناصر الثبات من وراء المتغيرات. ولو كان ستروس يتبع ~~المنهج الأنثروبولوجي التقليدي لما بدأ بحثه وفي ذهنه فكرة لا تتزعزع، ~~هي محاولة الوصول إلى المبادئ العامة للعقل البشري من خلال دراسة ~~الإنسان البدائي. # لقد كان ستروس، كما وصفه واحد من نقاده من الأنثروبولوجيين ~~«المربوطين على ~~الكراسي # Chair-borne anthropologists ~~» # 12 ~~(أو المحمولين على الكراسي)، الذين لا يكترثون بالإقامة ~~طويلا بين الشعوب البدائية التي يدرسونها، بل يقيم في مكان بالقدر ~~الذي يسمح له بجمع المادة اللازمة لاستدلالاته العقلية والرياضية، التي ~~هي في الواقع مهمته الأساسية. أما المعايشة وتعلم اللغات الأصلية ~~للسكان والإقامة بينهم كأنه واحد منهم، فكلها أمور تدخل في باب ~~«التفاصيل» التجريبية التي كان يترفع عنها. وكانت نتيجة ذلك أنه قام ~~بمغامرة غير مضمونة العواقب؛ فهو لم يستطع أن يلقي ضوءا على عقل ~~الإنسان المعاصر من خلال الإنسان البدائي؛ لأن الهوة التي تفصل بينهما ~~سحيقة؛ ولأن المسافة التاريخية والحضارية هائلة إلى حد لا يكاد معه ~~القول بوجود «قوالب ثابتة» يفيدنا في إلقاء أي ضوء على السلوك المعقد ~~للإنسان المعاصر. كما أنه (وهو الأهم) ربما كان قد شوه صورة الإنسان ~~البدائي حين قصر همه على كشف «سماته الأساسية»؛ إذ إنه لم يحاول أن ~~يفهمه فهما متكاملا، يعايش فيه كل جوانب حياته، بل كان ما يهمه منه ~~هو أن يجد فيه صورة بدائية أو «طبعة أولى» لتلك السمات التي يعدها ~~أساسية في الذهن البشري بوجه عام. ومن شأن هدف كهذا أن يجعل البحث في الإنسان البدائي مجرد وسيلة ~~لإثبات هدف فلسفي مسبق أصر عليه الباحث منذ البداية. # وهكذا كان الجانب الفلسفي الذي لا ينكر في أبحاث ستروس، سببا للحملة ~~التي شنها عليه علماء ms40 متفرعون للأنثروبولوجيا، ينظرون إلى بحوثهم ~~المتعلقة بالحضارات القديمة على أنها غاية في ذاتها، تستهدف بقدر ~~الإمكان فهم هذه الحضارات من داخلها دون إقحام لأي هدف خارجي. ولكن ~~الفلاسفة، من جانبهم، لم يقتنعوا بالأسس الفلسفية التي ارتكز عليها ~~تفكير ستروس، ولا بالأهداف التي سعى هذا التفكير إلى تحقيقها. وكان ~~الخلاف المشهور بين ليفي ستروس وجان بول سارتر علامة مميزة للتباين في ~~وجهات النظر بينه وبين الفلاسفة بوجه عام. # إن البنائية في نظر سارتر مذهب «تعالمي # Scientiste ~~» يقوم على الأخذ بنموذج علمي معين (قد يكون ~~لغويا، أو رياضيا ... إلخ) ثم تطبيقه على جميع الميادين، وفرضه فرضا ~~حتى على التركيب الأساسي للذهن البشري. والفيلسوف أو العالم البنائي لا ~~يرى أمامه، في كل شيء، سوى هذا النموذج الواحد المستمد من أصل علمي، ~~والذي يبهره إلى حد أنه يتجاهل كل شيء ما عداه. ومن هنا كانت البنائية ~~فلسفة تصلح لمجتمع تسوده وتحكمه التكنوقراطية؛ لأن التكنوقراطي بدوره ~~إنسان متخصص في ميدان فني أو علمي معين، ويعجز عن إدراك أي شيء إلا من ~~خلال ما تخصص فيه، بحيث تكون نظرته إلى الأمور دائما جزئية، محدودة، ~~بالرغم مما تدعيه من دقة وانضباط. هذا التكنوقراطي هو النموذج المطلوب ~~للإنسان في المجتمع البورجوازي؛ لأنه عظيم الكفاءة والإنتاجية في ~~ميدانه، ولكنه عاجز عن رؤية الصورة الكلية والأهداف العامة، ولا يخطر ~~بباله أصلا أن يسعى إلى تغيير المجتمع ما دام هذا التغيير يفترض ~~الرؤية الشاملة؛ ولذلك فإن البنائية، التي هي فلسفة مجتمع تكنوقراطي، ~~تخضع دون أن تشعر للأيديولوجية البورجوازية السائدة في مجتمع لا يطلب ~~فيه من الإنسان إلا الدقة والانضباط، مع ترك التركيب الأساسي للمجتمع ~~على ما هو عليه دون أدنى محاولة للتغيير. # على أن ستروس لم يحاول التبرؤ من صفة «التعالمية»، ولم يجد فيها ما ~~يدعو إلى الخجل. فهو يعترف بأنه يريد أن يبحث الإنسان بطريقة موضوعية، ~~ومن ثم فلا بد أن يخضعه لنموذج علمي صارم. ومثل هذا البحث لا ينبغي ~~أن يعد داخلا في إطار أيديولوجية معينة؛ لأنه في حقيقته ms41 خارج عن ~~الأيديولوجية. ولا يمكن بالمثل أن يتهم بأنه تفكير مجتمع تكنوقراطي؛ ~~إذ إنه لا يضع نفسه داخل هذا المجتمع ولا يتحدث من وجهة نظر مندمجة ~~فيه. فمن طبيعة البنائية أنها ترفض الطابع الظاهري للعالم والإنسان؛ ~~لكي تكتشف بناءاتهما الخفية. مثل هذا الرفض يجعلها بمنأى عن كل ~~التسميات أو الاتهامات المستمدة من وجهة نظر مندمجة في العالم ومعترفة ~~بمظهره. # ولكن، هل هذا رد مقنع؟ قد يكون مقنعا للبنائي ذاته، ولكن ناقده ~~يستطيع أن يرد بأن الخروج عن الأيديولوجية هو ذاته نوع من ~~الأيديولوجية. وإن رفض الطابع الظاهري للعالم والوقوف بمعزل عن محاولات ~~تغييره، هو بالضبط ما تريده البورجوازية من الإنسان التكنوقراطي ؛ لكي ~~يخلو لها الجو، ويزداد تسلطها إحكاما. وإن نزعة ستروس اللاسياسية ~~( # a-politisme ~~) # 13 # التي حرص فيها على أن يظل بعيدا عن الميدان العملي، تسدي ~~إلى الأيديولوجية المحافظة خدمة جليلة. وعلى أية حال، فإن المسألة ~~ستظل دائما موضوعا للخلاف بين وجهتي نظر أساسيتين؛ إحداهما تبحث عن ~~الدلالة الأيديولوجية لكل سلوك نظري أو عملي، حتى ولو كان يعلن ابتعاده ~~عن الأيديولوجية، والأخرى تؤكد أن الأيديولوجية معناها فرض تفسير على ~~الحوادث من خارجها وإخضاعها لغايات ليست كامنة فيها، بينما المطلوب من ~~العلم أن يقدم تفسيرا داخليا للحوادث وفقا لما يكمن في باطنها من ~~عناصر فحسب. # وهكذا يبرر ستروس منهجه في التفكير على أساس أنه هو الذي يتيح كشف ~~الطبيعة الباطنة للظواهر، دون إقحام لعناصر خارجية. ولكن الأمر الملفت ~~للنظر حقا هو أن كلا من الجانبين البنائي والوجودي، يؤكد أن طريقته ~~الخاصة في التفكير هي التي تتيح بحث الظواهر من الباطن والتغلغل في ~~أعماقها، ويتهم الجانب الآخر بأنه يتبع منهجا خارجيا أو سطحيا في ~~التفكير، لا يسمح بالاندماج في اللب العميق للظواهر. فكما رأينا سارتر ~~يتهم ستروس بالنزعة التعالمية التي تفرض على الظواهر نموذجا علميا ~~خارجا عنها، وتعجز بذلك عن فهم حقيقتها الباطنة أو العمل على تغييرها؛ ~~فإن ستروس يوجه اتهاما مماثلا، ولكن من زاوية أخرى، إلى سارتر وإلى ~~الوجودية بوجه عام. وقد ms42 خصص ستروس فصلا كاملا من كتاب «التفكير غير المتحضر # La Penséesauvage # لنقد ~~وجهة نظر سارتر في كتاب «نقد العقل ~~الجدلي # Critique de la raison dialectique # وهو نقد لم ينصب في واقع الأمر على سارتر ~~وحده، بل على وجهة نظر كاملة تمثل وجودية سارتر جانبا واحدا من ~~جوانبها المتعددة. فهناك مجموعة كاملة من المذاهب الفلسفية تتصور أنها ~~تصل إلى العمق الباطن للإنسان من خلال «التجربة المعاشة»، وتشمل هذه ~~المجموعة، إلى جانب الوجوديين، مفكرين وفلاسفة مثل برجسون ودلتاي، ~~وربما هوسرل أيضا. ولكن الواقع أن هذه التجربة المعاشة ليست، كما تبدو ~~للوهلة الأولى، الطريق الموصل إلى ما هو كامن وأصيل في الإنسان، بل ~~إنها - في نظر ستروس - لا تعدو أن تكون سطحا خارجيا تكمن من ورائه ~~قواعد بنائية أساسية، هي تلك القواعد التي تتحكم في العلاقة بين الأنا ~~والآخر. # فالتجربة المعاشة، مهما بدت عميقة، ليست إلا النتاج الظاهري لأساس ~~أعمق، هو البناء الذي يشكل معناها الباطن. # ويعتقد ستروس أن الوجوديين، وأنصار التجربة المعاشة بوجه عام، يصعدون ~~مشاغلهم الشخصية إلى مرتبة المشكلات الفلسفية، وهذا - على حد تعبيره في ~~كتاب # Tristes tropiques # الذي كان نوعا ~~من الترجمة الذاتية لحياته، موضوعة في إطار أنثروبولوجي - «أمر محفوف ~~بالمخاطر، وقد يؤدي إلى نوع من الفلسفة السوقية ...» # 14 # ذلك لأن التفكير عندما يدخل المرحلة التعليمية الموضوعية، ~~لا ينبغي أن يعود مرة أخرى إلى الإهابة بالتجارب الشخصية والفردية التي ~~كان يدور حولها قبل وصوله إلى هذه المرحلة، والتي تجاوزها عمدا عن ~~طريق التجريد وبناء أنساق شخصية. فأمثال هذه المذاهب ترتد ثانية إلى ~~المرحلة قبل العلمية، وتنسى أن العلم، بتجريداته ونماذجه الشكلية، ~~يستطيع أن يلقي ضوءا حتى على التجربة المعاشة ذاتها، ويفسرها بطريقة ~~أكثر ثراء. والمهم في الأمر أن هذا الصراع بين ستروس والوجوديين يذكرنا ~~بالصراع الذي دار قبله بما يزيد عن قرن من الزمان، بين كير كجورد، ~~فيلسوف الذاتية المشهور، وبين هيجل، نصير التجريد العقلي والنسق الفكري ~~الشامل. # 15 # ويبدو أن كل عصر يشهد فصلا من فصول هذا الصراع الذي ms43 لا ~~ينتهي بين أنصار الفكر العيني المعايش للحياة وأنصار الفكر التجريدي ~~الذي يسعى دواما إلى الشمول. # ولقد كان من نتيجة هذا الصراع بين النزعة التجريدية عند ستروس، ~~والنزعة العينية عند سارتر، أنهما تبادلا الاتهامات في ميدان آخر، هو ~~ميدان التاريخ، الذي كان سارتر يتأمله في حركته وديناميكيته وصيرورته ~~الدائمة، على حين كان ستروس يجمده؛ لكي يدرس نماذجه بطريقة سكونية؛ فقد ~~عاب سارتر على ستروس أن فلسفته تتهرب من الواقع الحي لكي تغرق نفسها ~~في تجريدات شكلية تنصب على حضارات بدائية يصفها ستروس نفسه بأنها ~~«خارج التاريخ». ومن ثم فإنها تعجز عن الانتقال من ذلك الميدان الذي ~~كان فيه التاريخ متوقفا أو مجمدا، إن جاز هذا التعبير، إلى مجال ~~التاريخ الحاضر في تدفقه نحو المستقبل . ومن المؤكد أن ستروس عاجز عن ~~تطبيق أية نتيجة يتوصل إليها في مجال بحثه، على الإنسان المعاصر، ~~بالرغم من كل ما بذله من جهود لتأكيد وجود تشابهات أساسية في «الطبيعة ~~البشرية» بمعناها العام، وبغض النظر عن موقعها من التاريخ. # على أن ستروس يرد على هذا الاتهام بأن الوجودية، وخاصة عند سارتر، هي ~~التي تمركزت حول الحاضر، واتجهت صوب المستقبل أكثر مما ينبغي. صحيح ~~أنها تمجد التاريخ وتؤكد تدفقه وصيرورته، ولكنها في نظرتها إلى ~~التاريخ تفهم الماضي من خلال مقولات الحاضر فحسب، ولا تعطي هذا الماضي ~~حقه، بل لا تعترف للآخرين بالحق في دراسة هذا الماضي لذاته. وإنه لمن ~~الطبيعي للمذهب الذي يرتكز على مقولات الذاتية، وعلى تحليل الإنسان في ~~موقفه العيني وفي «مشروعه» الحي، أن يكون متمركزا حول الذات، وحول ~~الحاضر، وأن يكون التاريخ الماضي في نظره هو ما يؤدي إلى هذا الحاضر، ~~والمستقبل هو ما ينبثق عنه. على أن النتيجة التي ترتبت على هذا هي أن ~~سارتر قد تجاهل العقلية البدائية، وبدا كما لو كان يساير الرأي القائل ~~بأن البدائيين عاجزون عن التحليل العقلي والبرهان المنطقي، وهو استنتاج ~~غير مستغرب عند فيلسوف يتخذ من الذات، في موقع تاريخي معين، مركزا ~~يدور حوله كل تفكيره. وإذا ms44 كانت الوجودية تتهم البنائية بأنها تتطلع ~~إلى الماضي المتجمد خوفا من مواجهة الحاضر والمستقبل وتهربا من ~~مسئولية اتخاذ موقف منهما؛ فإن البنائية تعود، من جانبها، فتتهم ~~الوجودية بأنها تغمض عينيها عن شكل أساسي من أشكال التجربة البشرية، ~~هي تلك النظم والطقوس والأساطير التي عاشت بها الإنسانية البدائية، ~~وتتصور أن السعي من أجل مستقبل أفضل يتحرر فيه الإنسان من شتى أنواع ~~العبودية، معناه تجاهل البناءات الاجتماعية والفكرية للإنسان في صورتها ~~النقية الأولى، أو أن الهدف الأول يتعارض مع الثاني، مع أنه لا تعارض ~~بين الاثنين على الإطلاق. # وهكذا فإن البنائية والوجودية، ممثلتين في ستروس وسارتر، تتبادلان ~~الاتهامات بصورة يبدو معها كأن المذهبين يقفان على طرفي نقيض، وكأنه ~~لا سبيل على الإطلاق إلى إيجاد أية وسيلة للتقريب بينهما. ومن المسلم ~~به أن المسافة بين هذين المذهبين كبيرة إلى أبعد حد، وإن بينهما ~~اختلافا أساسيا في منهج التفكير ووسائله وأهدافه. ومع ذلك فربما كان ~~من الممكن، بشيء من الجهد، أن يتلمس المرء بعض النقاط التي يتلاقى ~~فيها المذهبان، أو على الأقل، بعض أوجه الشبه غير المباشرة، وربما ~~غير المقصودة، بينهما. # ولنلاحظ أولا، فيما يتعلق بستروس وسارتر على وجه التحديد، أن كلا ~~منهما قد اتصل بالماركسية خلال فترة معينة من حياته؛ ستروس في أولها ~~وسارتر في آخرها. فقد اعترف ستروس في سيرته الذاتية بأنه كان في شبابه ~~ماركسيا. أما سارتر فإن قصة التقائه المتأخر بالماركسية معروفة ~~للجميع. ومن هنا كانت كتابات كل منهما تلجأ، بدرجات متفاوتة، إلى ~~المصطلحات الماركسية، على الرغم من أنهما استخدما هذه المصطلحات بمعان ~~متباينة. وعلى أية حال فإن من القرائن غير المباشرة على أن التضاد بين ~~البنائية والوجودية ليس بالحدة التي يصور بها عادة: أن ستروس، برغم ~~خلافه الشديد مع سارتر، وقد أهدى كتاب «التفكير غير المتحضر # La Pensée sauvage ~~» إلى ~~ذكرى «ميرلو بونتي» الذي كان أقرب إلى الوجودية بكثير منه إلى ~~البنائية. # 16 # على أننا نستطيع أن نجد نواحي أخرى يتشابه فيها المذهبان دون وعي ~~منهما بهذا التشابه. وأهم ms45 هذه النواحي، رأي ستروس في الطبيعة والثقافة، ~~الذي نجد فيه ما يذكرنا برأي سارتر في الوجود والماهية. فمنذ كتاب ~~«البناءات الأولية لنظام القرابة # Les Structures élémentaires de la parenté # وهو الكتاب الحاسم ~~والأساسي في المذهب البنائي بأكمله، يؤكد ستروس وجود تضاد أساسي بين ~~الطبيعة ~~والثقافة # Nature et culture # في الإنسان. فليس ثمة إنسان طبيعي، وإنما ~~يكتسب الإنسان طبيعته من خلال ثقافة معينة. وهذا التقابل بين طبيعة ~~الإنسان وثقافته وخضوع طبيعته للعناصر الثقافية، هو الذي يميز الإنسان ~~عن الحيوان، الذي لا يعيش إلا في «الطبيعة»، ولا يحور هذه الطبيعة ~~إلا إذا حور نفسه من حيث هو نوع حيواني. وربما بدا لأول وهلة أن رأي ~~ستروس في هذه المسألة ينطوي على مفارقة؛ إذ إن هدفه الذي لا يمل ~~تكراره هو أنه يريد الوصول إلى الطبيعة الأساسية للذهن البشري. مما ~~يوحي بأن لهذا الذهن تركيبا «طبيعيا» ثابتا. ولكن ستروس يؤكد، من ~~ناحية أخرى، أن طبيعة الإنسان تكمن في خروجه عن الطبيعة. فإذا أردنا أن ~~نبحث في ذلك التركيب الثابت الذي يميز الذهن البشري على نحو شامل، ~~فلنبحث عنه في تلك النظم الثقافية (أي اللا طبيعية) التي انفصل عن ~~الحيوان منذ أن وضعها. # وهذا يعني، بعبارة أخرى، أن ستروس عندما بحث عن المبادئ الكلية للذهن ~~البشري بوجه عام، لم يحاول أن يلتمسها في تكوين طبيعي لم يتدخل فيه ~~الإنسان، وإنما تلقاه على ما هو عليه، بل إنه اهتدى إليها في ذلك ~~التنظيم الثقافي الذي يتحكم به الإنسان في حياته، والذي يعبر مباشرة ~~عما هو أساسي في طريقة تفكيره. # وإذا كان من الشائع النظر إلى الطبيعة التي لم يخلقها الإنسان على ~~أنها هي الأصل، وإلى الثقافة على أنها الفرع أو الناتج، فإن ستروس يقلب ~~الآية، ويرى الثقافة أصلا والطبيعة (في حالة الإنسان بالذات) مشتقة ~~منها. وإذا كان من الشائع أيضا وصف الطبيعة الخام بأنها ثابتة ~~والثقافة بأنها نسبية متغيرة، فإن ستروس يؤكد أن الثقافة هي العنصر ~~الثابت في تكوين الإنسان، ومنها يستمد الإنسان ثبات طبيعته. ms46 فمنذ ~~اللحظة التي يحظر فيها زواج المحارم، يكون معنى ذلك ظهور عنصر ثقافي في ~~المجتمع الإنساني (وهو الحظر، أي التنظيم الاجتماعي، والقانون) يشكل ~~الطبيعة، وهي غريزة الجنس، ويتحكم فيها. ففي هذا الحظر والتحريم ~~تتجاوز الطبيعة ذاتها وتبدأ في تكوين بناء جديد، يحل فيه التنظيم ~~المعقد المميز للإنسان، محل العفوية والعشوائية المبسطة التي تميز بناء ~~الحياة الحيوانية. # ولسنا نود أن نستطرد في وصف العلاقة بين الطبيعة والثقافة عند ستروس، ~~بل إن ما قلناه يكفي لإيضاح المسألة التي نريد أن ننبه إليها، وأعني ~~بها وجود نوع من التشابه، ربما لم يتنبه إليه ستروس ولا سارتر بين ~~البنائية والوجودية في هذه النقطة الأساسية؛ ذلك لأن من القضايا ~~الرئيسية في الوجودية، تلك القضية القائلة إن وجود الإنسان سابق ~~لماهيته، أي إن ما يميز الإنسان هو عدم وجود طبيعة ثابتة مميزة له . ومن ~~المؤكد أن هناك تشابها قويا بين تأكيد ستروس أن الإنسان يصنع طبيعته ~~عن طريق الثقافة، وتأكيد سارتر أن الإنسان لا يبني وجوده على ماهية ~~ثابتة، بل يصنع ماهيته من خلال وجوده. وفي كلتا الحالتين تأكيد لحقيقة ~~أساسية، هي أن أهم ما يميز الإنسان هو ما يصنعه الإنسان نفسه، مع فارق ~~هام مستمد من مجال اهتمام كل من المفكرين الكبيرين، هو أن ستروس كان ~~يتحدث عن الإنسان الاجتماعي، على حين أن مدار حديث سارتر كان الإنسان ~~الفردي. # وأخيرا، فإن التضاد بين نزعة التجريد عند البنائيين والنزعة العينية ~~عند الوجوديين يمكن تخفيفه إلى حد غير قليل، إذا أدركنا أن كل طرف يحمل ~~في ثنايا مذهبه شيئا من صفات الطرف الآخر. فلم تكن الكتابات الوجودية ~~في كل الأحوال عينية تنبض بالحياة، كما يشيع وصفها عادة، وإنما كانت في ~~أحيان غير قليلة تتسم بقدر كبير من الجفاف التجريدي، وأوضح مثل على ~~ذلك كتابا سارتر «الوجود والعدم» و«نقد العقل الجدلي»، اللذان كانا ~~يعرضان مضمونا فكريا عينيا من خلال شكل وأسلوب لا يقل في تجريده ~~عن كتابات ستروس. # ومن جهة أخرى ففي وسع المرء أن يجد في كتابات ms47 ستروس جانبا من ~~اللمحات الشعرية التي تخفف، من آن لآخر، من غلواء التجريدات ~~المتطرفة. ويظهر ذلك بوضوح حين يتحدث عن الموسيقى ويربط بينها وبين ~~الاسطورة؛ إذ يجد فيهما معا إيقاعات متكررة وتنويعات على ألحان (أو ~~موضوعات) رئيسية. وفضلا عن ذاك فهما تشتركان معا في أن ما يفهمه ~~المرء منهما خاص به إلى حد بعيد، وفي أن من يتلقى الرسالة الموسيقية ~~أو الأسطورية وليس مرسلها، هو الذي يتحكم في معناها. وتثير الموسيقى ~~والأسطورة، من حيث هما أسلوبان ثقافيان، استجابات انفعالية في المخ ~~البشري، يمكن عن طريق تحليلها فهم البناء اللاشعوري للذهن البشري. ~~وبالفعل يكرس ستروس جزءا كبيرا من مجلداته الثلاثة الضخمة التي ألفها ~~بعنوان «أسطوريات # Mythologiques # للكشف ~~عن الآليات المنطقية التي تثير الاستجابات الانفعالية، ويؤكد وجود ~~تواز بين البناء المنطقي والاستجابة الانفعالية، أي بين الجانب ~~الثقافي والطبيعي في الإنسان. ويمجد ستروس الموسيقى في لغة يختفي فيها ~~جفاف تجريداته الرياضية المألوفة؛ فيقول مثلا: «إن الموسيقى هي وحدها، ~~من بين سائر اللغات، التي تتسم بطابع متناقض هو أنها معقولة أو مفهومة، ~~وفي الوقت ذاته غير قابلة للترجمة. وهذه السمات تجعل خالق الموسيقى ~~كائنا أشبه بالآلهة، وتجعل الموسيقى ذاتها السر الأعظم في المعرفة ~~البشرية؛ فكل فروع المعرفة الأخرى تسير في أعقابها، وهي التي تحمل ~~مفتاح تقدمها. # 17 # والواقع أن كتاب «الأسطوريات» يحفل بأمثال هذه الارتباطات الشعرية ~~التي يمزجها ستروس بتحليلاته الأنثروبولوجية، فيخفف إلى حد بعيد من ~~جفافها، ويثبت أن للجانب الانفعالي العيني وجودا لا يمكن تجاهله، وسط ~~الصيغ الرياضية المفرطة التجريد، التي اشتهرت بها كتاباته. ولعل في هذا ~~ما يدل على أن الشقة التي تفصل بين بنائيته وبين الوجودية تضيق أحيانا ~~إلى حد لا يتصوره من يتأملون كلا المذهبين من خلال الصيغ التي شاع ~~إطلاقها عليهما دون تدقيق أو تمييز. # | ميشيل فوكو وبناء العقل الحديث # حين نشر ميشيل فوكو # M. Foucault # كتاب «الكلمات ~~والأشياء # Les Mots et leschoses ~~» في عام 1966م، أحدث الكتاب ضجة كبرى، ورآه ~~البعض مبشرا بفلسفة جديدة، بينما نظر إليه آخرون ms48 على أنه أضاف بعدا ~~جديدا إلى الحركة التي سبق أن أثمرت في ميادين اللغويات ~~والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي والتفسير الماركسي. ولكن هذه الضجة ~~الصاخبة كانت في واقع الأمر ضجة موقتة؛ إذ إن الكتاب بعد مضي عشر ~~سنوات على نشره، لم يثبت قدرته على الصمود للزمن، وأصبح من المألوف ~~كلما تعرض باحث لهذا الكتاب في الوقت الحالي أن تغلب لهجة الانتقاد ~~عنده على لهجة الإعجاب، بل إن البعض يعربون عن اعتقادهم بأن الكتاب كان ~~«موضة» مرتبطة بفترة معينة، وأنه - برغم عدم اعترافه بالتاريخ - قد ~~أصبح اليوم ذا قيمة تاريخية فحسب. ومن هنا؛ فإننا لا نعتزم الإطالة في ~~الكلام عن فوكو وعن كتابه الرئيسي هذا؛ إذ إن الاتجاهات الأكثر ثباتا ~~في البنائية أحق منه بالبحث المطول. # في كتاب «الكلمات والأشياء» يعرض فوكو الصور البنائية المختلفة التي ~~أخذها العقل الأوروبي منذ عصر النهضة حتى القرن العشرين. وقد يتبادر ~~إلى الذهن للوهلة الأولى أن مثل هذا العرض لا بد أن يكون تاريخيا، ما ~~دام موضوعه قد تغير طابعه على مر القرون الخمسة التي اتخذها المؤلف ~~ميدانا لبحثه. ولكن حقيقة الأمر أن فوكو نظر إلى العقل - الذي أطلق ~~عليه اسمه اللاتيني # Ratio ~~- نظرة نسبية ~~لا علاقة لها بالتاريخ. فالعقل قد تغير طابعه في مرحلة من مراحل ~~بحثه؛ لأن هناك «بناء» مميزا لكل من هذه المراحل. أما تلك التغيرات ~~التي تطرأ نتيجة لتفاعل العقل مع الأحداث وحركته خلال الزمان؛ فإن فوكو ~~لا يهتم بها، ولا يتحدث عنها في كتابه. وهكذا فإن كل ما يقدمه إلينا هو ~~مجموعة من البناءات المغلقة إغلاقا محكما، والتي اتخذها العقل خلال ~~الفترة الحديثة من الحضارة الأوروبية. أما كيفية الانتقال من كل بناء ~~إلى آخر، والعوامل التي أدت إلى تغير البناءات، فهذا ما لا يحاول ~~فوكو أن يفسره. # ولقد وضع فوكو لكتابه الرئيسي هذا عنوانا فرعيا هو: # Archéologie des sciences humaines # وهو عنوان يمكن أن يعني في اللغة العربية أمورا كثيرة؛ فلفظ # archéologie # هو في معناه المباشر: ~~علم الآثار. وعلم الآثار علم تاريخي، ms49 فهل كان هذا ما يهدف إليه فوكو؟ ~~الحقيقة أن رفضه للنزعة التاريخية يؤدي إلى استبعاد هذا التفسير من ~~أساسه. كذلك قد يدل هذا اللفظ على فكرة القدم، بحيث يكون المعنى ~~المقصود هو البحث في الجذور القديمة للعلوم الإنسانية، أو في مبادئها ~~الأولى # 1 # لا بالمعنى التاريخي، بل بالمعنى البنائي. وهذا بالفعل هو ~~ما يقصده فوكو. فهو لا يريد أن يدرس ماضي العلوم الإنسانية من خلال ~~وثائقها القديمة (كما يفعل علماء الآثار في ميدانهم الخاص)؛ لكي يتابع ~~بالتدريج تلك العملية التي أدت، من خلال تحولات تعاقبت تاريخيا في ~~خط متصل، إلى اتخاذ العلوم الإنسانية طابعها الراهن. بل إنه يجمد كل ~~وضع اتخذته هذه العلوم خلال تلك الفترة، ويتأمل كل مرحلة من مراحلها من ~~خلال عناصر الثبات فيها، ولا يعالجها أبدا على أنها مرحلة انتقالية؛ ~~لأن بناءها يبدو له متماسكا؛ ولأنه يسقط من حسابه عناصر التحول ~~والتغير الكامنة في كل مرحلة، لكي يحتفظ بهيكل بنائي ساكن يراه أنه هو ~~المميز حقا لكل مرحلة. # ففي عصر النهضة نرى بناء أساسيا واحدا يسود جميع المجالات، ويعبر ~~عنه فوكو بفكرة الفلك الكري # La sphère ~~: فالمعارف كلها موحدة، ومقولة التشابه ~~والتماثل هي السارية على جميع الميادين، والمعرفة ذاتها متناهية مقفلة ~~دائرية. ومثل هذا التصوير لعصر النهضة يعتمد في الواقع على الاستشهاد ~~بآراء شخصيات ثانوية في ذلك العصر؛ ولذلك التجأ فوكو في كثير من ~~المواضع إلى آراء شخصيات مغمورة، محققا بذلك هدفين؛ أولهما: أن يبهر ~~القارئ بمعارفه الواسعة وقراءاته المستفيضة، فيجتذب بذلك أولئك الذي لا ~~يبحثون في الفكر إلا عن تبحر صاحبه # érudition ~~. وثانيهما: أن يجد في ~~هذه الشخصيات الثانوية، التي لم تكن تتابع حركة الرفض الناشئة في ذلك ~~الحين، تأييدا لذلك التصوير البنائي الذي عبر به عن روح عصر النهضة. ~~ولو كان فوكو قد رجع إلى الشخصيات الكبيرة في ذلك العصر؛ لأدرك أن كل ~~شيء كان موضوعا موضع الشك والتساؤل، وأن العقول الناضجة لم تكن ترى ~~سوى إشكالات وأسئلة قلقة، حيث كانت العقول الهزيلة ترى كلا ms50 متكاملا ~~مقفلا على ذاته. ومن الجائز أن هذه الأسئلة لم تكن تطرح دائما ~~بطريقة صارخة، وأن الشك والقلق كان يخشى التعبير عن كل ما ينطوي عليه ~~من هدم لنظام المعرفة القديم، ولكن من المؤكد أن اتجاه أقطاب عصر ~~النهضة كان واضحا، وأن بركانا كان يغلي تحت السطح، على حين أن فوكو ~~لم يركز نظرته إلا على ذلك السطح الساكن الراكد، فكان من الطبيعي ألا ~~يصور البناء الفكري لذلك العصر إلا على أنه أشبه بالفلك المقفل ~~المستدير. # ومثل هذا يقال عن نظرته إلى العصر الكلاسيكي في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر، حيث كان «النظام # Ordre ~~» ~~يسود جميع مجالات المعرفة والنشاط الذهني للإنسان. ففي وسعنا أن نوافق ~~معه على أن النظام كان بالفعل حقيقة أساسية في ميادين الرياضيات والفلك ~~والفيزياء، وفي الإبداع الفني (القواعد الكلاسيكية للعمل الفني) ~~والميدان السياسي (نظام الحكم المطلق). ولكن هذا النظام بدوره لم يكن ~~يخلو من قلق وتوثب وتحفز لكسر كل إطار يدور في داخله النظام الموجود. ~~والدليل على ذلك أن الفترة الأخيرة من هذا العصر هي التي شهدت حركة ~~التنوير، وهي حركة كان أهم ما يميزها هو تطلعها إلى عصر مقبل تتحطم فيه ~~قيود النظام المستتب، سواء أكان ذلك في المجال العقلي أم في المجال ~~السياسي والاجتماعي. ومن الظلم إدراج حركة التنوير، التي كانت تتضمن ~~بذور ثورة كاملة، ضمن إطار عصر يوصف بأنه عصر شكلت فيه المعرفة ~~نسقا لا يحيل إلا إلى ذاته، ولا تستمد أية حقيقة فيه قيمتها إلا من ~~موقعها في كل أوسع منها، وبأنه عصر لا تظهر فيه أدنى بادرة لفكرة ~~التطور والتحول. # وحين ينتقل فوكو إلى القرن التاسع عشر، يصفه بأنه هو القرن الذي ~~«اخترع» التاريخ واستعاض به عن النظام. على أنه لما كانت نظرة فوكو في ~~أساسها غير تاريخية، فإنه يسيء فهم البناء الأساسي لهذا العصر إلى حد ~~بعيد. ومثال ذلك أنه لا يتحدث عن ماركس إلا في صفحات قلائل، ويستبعده ~~بسرعة على أساس أنه لم يأت بجديد بالقياس إلى ريكاردو. ويذهب ms51 إلى أنه ~~لم يتجاوز نفس المشكلات، ونفس الإطار المعرفي، الذي دارت فيه أبحاث ~~ريكاردو، ويصف الموجة التي أثارها الاثنان معا بأنها «زوبعة في ~~فنجان». # 2 # وليس من الصعب أن يدرك المرء الأسباب التي دعت به إلى ~~إصدار مثل هذا الحكم الجائر؛ فتفكير ماركس يخرج عن إطار البناء الموحد ~~الذي حدده للقرن التاسع عشر، كما أن ثبات البناء يقتضي ألا يكون قد حدث ~~تحول أساسي في الموضوع الواحد بين شخصيتين كبيرتين مثل ريكاردو ~~وماركس. # أما العصر الحاضر؛ فإن فوكو يقسم المجال المعرفي فيه إلى أبعاد ~~ثلاثة، الأول منها هو العلوم الرياضية والفيزياء، والثاني هو العلوم ~~التي أطلق عليها اسم «التجريبية»، كالاقتصاد والبيولوجيا واللغويات، ~~والثالث هو التفكير الفلسفي. وفي رأيه أن العلوم الإنسانية تبحث لنفسها ~~عن مكان في هذه المجالات الثلاثة؛ إذ تحاول البحث عن صياغة رياضية، ~~وتطبيق الأسلوب التجريبي، وإن كانت تخضع في كثير من الأحيان لإغراء ~~الفكر التأملي. ولكن فوكو لم يتعمق في بحث المشكلات الجوهرية التي ~~تواجه العلوم الإنسانية في عصرنا الحاضر، كالتضاد بين الفهم والتفسير، ~~وبين فكرتي البناء الثابت والمنشأ التاريخي ... إلخ. # ومن خلال هذا العرض السريع للاتجاهات الأساسية في كتاب «الكلمات ~~والأشياء»، نستطيع أن ندرك العيوب الأساسية التي اتسمت بها نظرته إلى ~~بناء الفكر الأوروبي الحديث منذ عصر النهضة حتى اليوم. # فكتابه يحفل بمحاولات التقسيم الثلاثي الذي يسري، بطريقة واحدة، على ~~جميع المجالات، وهي المحاولات التي اشتهر بها كانت في تقسيمه الثلاثي ~~للمقولات الذهنية، وتطبيقه لهذه التقسمات على بحوثه في مختلف المجالات، ~~كما اشتهر بها هيجل في التزامه للإيقاع الديالكتيكي الثلاثي الذي يظل ~~يحكم المذهب من بدايته إلى نهايته. فالانتقال من عصر النهضة إلى العصر ~~الحاضر كان انتقالا ثلاثيا مبنيا على نموذج هندسي، هو الانتقال من ~~الشكل الكري المقفل # La sphère # الذي ~~كانت فيه المعرفة محددة مقفلة، إلى المسطح # le plan # الذي يسوده النظام الهندسي في العصر ~~الكلاسيكي، إلى المثلث أو الثلاث # la trièdre # الذي يتألف منه العلم المعاصر. وأمثال هذه ~~التقسيمات قد تعجب هواة التماثلية والتناسق ms52 الشكلي، ولكنها لا تفيد في ~~الكشف عن طبيعة الواقع؛ لأن واضعها كثيرا ما يضطر إلى تجاهل عناصر ~~أساسية، أو التعسف في تفسير عناصر موجودة، من أجل ضمان الانسجام الشكلي ~~الظاهري للبناء. وفي حالة فوكو، نجده يتجاهل القرن التاسع عشر؛ لأنه لا ~~يدخل في الإطار الثلاثي الذي وضعه، فضلا عن أن فكرة المسطح ليست هي ~~الفكرة المميزة لعصر تسوده روح النظام، بل إن أي شكل هندسي آخر يصلح ~~لتحقيق هذا الغرض. # ومن ناحية أخرى فإن فوكو، حتى لو كان قد أتى بنموذج يصلح للتعبير عن ~~كل مرحلة «من داخلها»، فإنه يعجز تماما عن تفسير الانتقال من مرحلة ~~إلى أخرى، أي عن تفسير التغير الذي أدى إلى تحول الفكر الأوروبي من ~~بناء إلى آخر؛ فموقفه يستلزم القول بوجود انفصال أساسي بين كل مرحلة ~~وأخرى، مع أن المعقولية تقتضي السعي إلى إيجاد اتصال بين المراحل، ~~والتاريخ يستحيل تصوره في ظل نظرة تضع هوة لا قرار لها بين فتراته ~~المختلفة، وتقف عند حد فهم كل فترة في إطارها الداخلي الخاص. وليس ~~أدل على ذلك من أن فوكو وجد نفسه مضطرا إلى القول بوجود ~~«انقطاع ~~غامض # rupture énigmatique ~~» في تفسير الانتقال من عصر النهضة إلى العصر ~~الكلاسيكي، أو من عصر «النظام» إلى عصر «التاريخ»، وهو تعبير يكشف ~~بطريقة صريحة عن العجز عن الفهم، ويدل على أن التمسك المفرط بالبناء ~~والنسق يمكن أن يصبح عقبة في وجه المعقولية الصحيحة. # على أن أهم أوجه النقد التي يمكن أن توجه إلى فوكو هو استخفافه ~~بالتاريخ، وإنكاره أن يكون العقل البشري قد أحرز تقدما منذ عصر النهضة ~~حتى عصرنا الحاضر، وكما هو واضح فإن هذا نقد لا ينطبق على فوكو وحده، ~~بل ينطبق على البنائيين عموما، وإن كان إهمال فوكو لفكرة الاتصال ~~التاريخي أكثر وضوحا؛ لأن الموضوع الذي عالجه في كتابه الرئيسي يرتبط ~~ارتباطا وثيقا بموضوع التاريخ. وعلى أية حال فإن النقد الذي يوجه إلى ~~فوكو في هذا الصدد يمكن أن يعمم على معظم البنائيين ~~الآخرين. # إن فوكو يحاول ms53 أن يهتدي، في كل عصر، إلى عناصر الثبات من وراء التحول ~~الظاهري، وهو في هذا يرتكز على مبدأ يسلم به - هو ومعظم البنائيين - ~~دون مناقشة، وهو أن العناصر الثابتة هي الأساسية والجوهرية، وأن ~~العناصر المتحولة والمتغيرة سطحية عرضية. على أن هذا المبدأ يمكن ~~الاعتراض عليه من الأساس. فمن الممكن من وجهة نظر أخرى أن نقول إن ~~الثبات هو المظهر السطحي، الذي تكمن من ورائه تحولات وتغيرات أعم منه؛ ~~ذلك لأن حالة المعرفة في كل عصر تبدو ثابتة بالنسبة إلى من يضع نفسه في ~~إطار ذلك العصر، ولكن في استطاعة النظرة التاريخية، حين تخرج عن ذلك ~~الإطار وتطل على ذلك العصر إطلالة راجعة فيها رحابة واتساع، أن تكشف عن ~~العمليات المتغيرة والتفاعلات التي كانت تدور في الخفاء من وراء هذا ~~الثبات الظاهري. وفي هذه الحالة يعتبر المنظور التاريخي المبني على ~~التغير أعمق، وأكثر نفاذا إلى باطن الأشياء، من المنظور البنائي الذي ~~يعد عندئذ مكتفيا بوصف السطح الخارجي وقبوله على ما هو عليه. ولسنا ~~ندعي أن هذه هي الحالة الوحيدة الممكنة؛ إذ إن البنائي يستطيع أن يؤكد ~~أنه اكتشف عناصر ثابتة أعمق من عناصر التحول الجديدة. وهكذا يظل لكل من ~~المنظورين الحق في القول بأنه يتعمق في الظواهر إلى مستوى أبعد من ~~الآخر. ولكن المهم في الأمر أن هذا يبطل ادعاء البنائية، وادعاء فوكو ~~على وجه التحديد، بأن منهجه الذي ركز فيه، باختياره، على عناصر الثبات ~~وجمدها، وأهمل فيه عناصر التحول، هو وحده الذي يوصل إلى الأساس ~~المطلق للمعرفة. # | البنائية والماركسية # (1) سيباج # كان لوسيان سيباج # Lucien Sebag # من أوائل الماركسيين الذين تنبهوا إلى إمكان وجود عناصر بنائية في ~~فكر ماركس. ويبدو أن تحمسه لإثبات هذه الفكرة قد أدى به إلى ~~الانحياز إلى جانب البنائية وإنكار عناصر أساسية في الماركسية، مما ~~أبعده بالتدريج عن التيار الرئيسي للفكر الماركسي الفرنسي، وأدى ~~إلى فصله من الحزب الشيوعي الفرنسي. وعلى أية حال فقد أتيح ~~لسيباج أن يعرض وجهة نظره كاملة، قبل موته المبكر، في كتاب يعد ms54 ~~من الكتب الكلاسيكية في هذا الموضوع، هو «الماركسية ~~والبنائية». # 1 # ولقد أثار هذا الكتاب مجموعة من المسائل التي قد لا يلقى بعضها ~~معارضة شديدة من الماركسية التقليدية، على حين أن البعض الآخر لا ~~يمكن الاعتراف به في الإطار التقليدي للفكر الماركسي؛ لأنه يتضمن ~~تشكيكا في مبادئ كانت أساسية عند ماركس نفسه، لا مجرد تفسير جديد ~~لأفكار كانت موجودة عنده بالفعل. ومن أمثلة النوع الأول، أعني ذلك ~~الذي يمكن أن يكون مقبولا في إطار الماركسية التقليدية، القول ~~بوجود عناصر بنائية في صميم فلسفة ماركس. أما النوع الثاني فيتمثل ~~في رفض الصورة المألوفة للعلاقة بين البناء الأدنى # infrastructure # وخاصة ~~الاقتصاد، وبين البناء ~~الأعلى # Superstructure # وهو رفض يصل إلى حد تغيير ركن أساسي من ~~أركان الماركسية. وسوف نعرض لكل من هذين النوعين على حدة. # من المؤكد أن الماركسية تربط بين الأسس التي يرتكز عليها سلوك ~~أفراد أو جماعات معينة، وبين عناصر معينة في أيديولوجية هؤلاء ~~الأفراد أو الجماعات، على نحو ينطوي على القول بوجود تشابه بين ~~الطرفين. فمثلا تفسر الماركسية النمط الخاص للعلاقة بين الله ~~والإنسان في العصور الوسطى (وهو نمط ينتمي إلى مجال الأيديولوجيا) ~~بأنه انعكاس للعلاقة بين الإقطاعي ورقيق الأرض في هذه العصور (وهي ~~علاقة تنتمي إلى مجال الأساس أو البناء الأدنى). وتفسر سيادة ~~الفكر النظري المحض على البحث في العلوم التطبيقية، في المجتمع ~~اليوناني (وهو موضوع ينتمي إلى أيديولوجية ذلك المجتمع) بأنها ~~ترجمة لعلاقة السيد بالعبد في مجتمع يسوده الرق (وهو تفسير ينتمي ~~إلى البناء الأدنى). وتفسر عقيدة الجبر المطلق Prédestination # كما قال بها ~~كالفان # Calvin # في عصر النهضة ~~الأوروبية، بأنها تعبير عن إحساس الإنسان في بداية العصر الرأسمالي ~~بوجود قوى مجهولة تتحكم في مصيره، هي قوى السوق وقوانينه، وتفرض ~~نفسها عليه دون أن يستطيع السيطرة عليها. في كل هذه الحالات ~~تفسر الماركسية عنصرا معينا من عناصر الأيديولوجية في مجتمع ~~معين، بعلاقات إنتاجية ذات طابع اقتصادي واجتماعي. ولكي يكون هذا ~~التفسير ممكنا ومقبولا؛ فلا بد من وجود «بناء» مشترك يجمع ms55 بين ~~المجالين المتباينين؛ المجال الأيديولوجي (وهو في هذه الحالة فلسفي ~~أو ديني) والمجال الاجتماعي الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، فكما أن ~~العلاقة بين الإقطاعي وتابعه في العصور الوسطى هي علاقة رأسية بين ~~طرفين يعلو أحدهما على الآخر علوا هائلا؛ فإن هذا النمط أو ~~«البناء» ينعكس هو ذاته على تصور هذه العصور للعلاقة بين الله ~~والإنسان. وقل مثل هذا عن سائر التفسيرات الماركسية لمختلف عناصر ~~الأيديولوجية، كالفكر الفلسفي، والفن، والأدب. # ولنذكر في هذا الصدد ما سبق لنا أن أشرنا إليه، من أن البنائية ~~من حيث هي منهج ليست بالشيء الجديد، وإنما الجديد هو التعبير ~~الواعي عنها في مذهب فكري متماسك. فهنا نجد هذا النوع من التفسير ~~البنائي لا يلقى معارضة من الماركسيين المتمسكين؛ لأنه لا يخرج عن ~~إطار الماركسية التقليدية، وكل ما يفعله هو أنه يستخدم في تقديمها ~~مصطلحات بنائية. # على أن هذا، في رأي سيباج، لم يكن هو المظهر الوحيد الذي اتخذته ~~البنائية في الفلسفة الماركسية. فمن الممكن أن تتحدد العلاقة بين ~~البناء الأدنى، أي الأساس، وبين البناء الأعلى، أي الأيديولوجية، ~~على مستوى آخر، هو أن ننظر في مجال كامل من مجالات الواقع ~~الاجتماعي، مثل علاقات الإنتاج، ونربطه بمجالات أخرى ذات طبيعة ~~فكرية أو أيديولوجية. فعلى هذا المستوى لا نربط بين تفكير فرد ~~معين، أو جماعة معينة، وبين عنصر معين في علاقات الإنتاج، وإنما ~~نربط على نحو أعم، وأكثر تجريدا، بين «أنماط» معينة من ~~التفكير، وأنماط معينة من علاقات الإنتاج، أو من الواقع الاجتماعي. ~~ومثل هذا الربط يحتاج إلى عملية توحيد ومقارنة أشد تعمقا مما ~~يحتاج إليه الربط على المستوى الأول. وعلى الرغم من أن ماركس بحث ~~الموضوع على المستويين معا؛ فقد كان البحث على المستوى الثاني هو ~~الغالب لديه. فهو لا يلجأ إلا نادرا إلى الكلام عن تأثير عامل ~~معين يسهل تحديده في توجيه الفكر وجهة معينة، بل يتحدث عن ~~التأثير الشامل لآليات نمط اقتصادي كامل، كالاقتصاد الرأسمالي، في ~~تحديد أسلوب التفكير والوعي الاجتماعي داخل هذا النمط، أي إنه ~~يستهدف ms56 دائما بحث «كليات شاملة # totalités ~~» # 2 # وتؤثر كل منها في الأخرى، وتكشف عن «بناء» مشترك. ~~ومثل هذا البحث هو الجدير بأن يسمى «علما» بالمعنى الصحيح؛ لأن ~~موضوعه بناءات كلية. # على أن «سيباج» يستخلص من تطبيق المنهج البنائي على تفسير ~~الماركسية نتيجة تتعارض مع عنصر أساسي من عناصر التفكير الماركسي ~~التقليدي، هي رفض الحتمية الاقتصادية. فعندما يكون أساس تفسيرنا هو ~~البناء الكلي لا يعود من الممكن أن نعطي أولوية مطلقة لواحد بعينه ~~من عناصر هذا البناء، ونجعل منه «سببا» للعناصر الأخرى؛ فالعامل ~~الاقتصادي، وفقا للنظرة البنائية، هو مجرد عنصر من العناصر التي ~~ينطوي عليها البناء، وليس هو أساس البناء بأكمله؛ ولذلك رفض سيباج ~~تفسير التاريخ على أساس القول بأولوية العامل الاقتصادي، بل نظر ~~إلى العلاقات الاقتصادية، جنبا إلى جنب مع اللغة والأساطير ونظم ~~القرابة، على أنها كلها عناصر يمكن اقتطاع أي منها من الكل بعملية ~~ذهنية متعمدة تسعى إلى استخلاص السمات المميزة لهذا العنصر بالذات، ~~عن طريق فصله عن علاقاته بمجالات الواقع الأخرى، وعندئذ يمكننا ~~الوصول إلى مقارنات وتوازيات بين كل عنصر والآخر # 3 # ولكننا لا نستطيع أن نصل إلى حالة يكون فيها لأحد هذه ~~العناصر - كالعنصر الاقتصادي مثلا - أولوية سببية بالقياس إلى ~~العناصر الأخرى، أو يكون هو الذي تتولد عنه هذه العناصر ~~الأخرى. # وإذا كانت وحدة العناصر وتفاعلها المتبادل في البناء تمنع من ~~معاملة أحد هذه العناصر (كالعنصر الاقتصادي) معاملة مميزة، بوصفه ~~أصلا للباقين، فإن هناك أسبابا أخرى تؤدي في نظر «سيباج» إلى هذه ~~النتيجة نفسها. ومن أهم هذه الأسباب، أن العامل الاقتصادي لا يمكن ~~أن يكون عاملا ماديا بحتا، في مقابل نتيجة فكرية أو عقلية هي ~~الأيديولوجية بصورها المختلفة. وينتقد سيباج التصوير التقليدي عند ~~بعض الماركسيين، الذي يعالجون العامل الاقتصادي كما لو كان مادة ~~خاما، تختلف في طبيعتها عن العوامل الأخرى التي هي «معلولات» لها. ~~والواقع أن العقل الإنساني، الذي يتدخل في كل هذه العوامل، يزيل ~~الفوارق النوعية بينها عن طريق تدخله هذا. فالأساس الاقتصادي لا ~~يكتسب كيانه ووجوده ms57 إلا من تلك الدلالة التي يضفيها عليه العقل ~~الإنساني؛ بحيث إن التضاد بين الواقع الاقتصادي والناتج ~~الأيديولوجي المرتكز عليه ليس تضادا بين حقيقتين بينهما اختلاف ~~أساسي في الطبيعة، وإنما هو تضاد يقع «داخل» الإطار العقلي والعلمي ~~ذاته. ومن هذا الإطار العقلي يكتسب الطرفان معا دلالتهما. وهكذا ~~تكون الوسيلة الوحيدة لدراسة العلاقة بين الاقتصاد والأيديولوجية، ~~في نظر سيباج، هي البحث في العلاقة المتبادلة بين الطرفين. أما ~~فكرة وجود بداية مطلقة، أو سببية نهائية، يكون فيها أحد الطرفين ~~منتجا للآخر وأصلا له، فإنه يرفضها بوصفها فكرة مستحيلة. # وهناك سبب أخير يؤدي إلى إنكار فكرة السببية المطلقة بين الواقع ~~الاقتصادي والأيديولوجيا، هو أن الناتج الأيديولوجي، من فكر أو فن ~~أو دين، لا يكفي لتفسيره أن نرجعه إلى أصله؛ لأن هذا الناتج يخرج ~~عن الأصل ويتجاوزه، ويكتسب خلال تطوره دلالة خاصة مستقلة عن الأصل ~~الذي نشأ منه. ويعبر «سيباج» عن هذه الفكرة بقوله: «إن القول بأن ~~نظاما فكريا معينا يتولد عن ممارسة اجتماعية معينة لا يكفي ~~لتفسير طبيعة هذا النظام؛ إذ إن ما نعبر عنه على المستوى الرمزي ~~يتجاوز دائما ذلك الواقع الذي اتخذ منه نقطة بدايته.» # 4 # وهو يستشهد في هذا الصدد برأي لبياجيه Piaget # يقول فيه: «إن تولد ~~البناءات من أصل اجتماعي لا يفسر وظائفها اللاحقة؛ لأن هذه ~~البناءات حين تندمج في تركيبات كلية جديدة، يمكن أن تتغير دلالتها. ~~وبعبارة أخرى: فإذا كان بناء تصور معين يتوقف على تاريخه السابق، ~~فإن قيمته تتوقف على موقعه الوظيفي في الكل الذي يكون هذا التصور ~~جزءا منه في لحظة معينة.» # 5 # وهكذا يدافع «سيباج» عن تلك القدرة الخلاقة التي يتسم بها العقل ~~الإنساني، والتي تجعل لنواتج هذا العقل استقلالا ذاتيا بالقياس ~~إلى الواقع الاجتماعي الذي أنتجها. ويترتب على ذلك أن النسق ~~البنائي الواحد الذي يكونه هذا العقل يستطيع أن يعبر عن أكثر من ~~واقع أساسي واحد، كما أن الواقع الواحد يمكن أن يولد أنساقا ~~متباينة. ولهذا الرأي نتيجتان هامتان، تؤلفان تعديلا أساسيا على ~~النظرية الماركسية ms58 التقليدية: # الأولى: # هي إنكار وجود علاقة مباشرة بين الأساس ~~الاقتصادي والاجتماعي الواحد، والنسق الفكري الذي ~~يقال إنه يرتكز عليه؛ فالسببية هنا ليست خطية ~~تجمع بين طرفين، بل هي متشعبة يمكن أن تسير في شتى ~~الاتجاهات. # أما النتيجة الثانية: # فتذهب إلى مدى أبعد؛ إذ تنكر تلك القسمة ~~الثنائية التقليدية بين بناء أدنى وبناء أعلى، أو ~~بين أسس الواقع الاقتصادي الاجتماعي والبناءات ~~التي تشيد عليه في ميادين الفكر والدين والفن ... ~~إلخ. فليس ثمة أولوية للأسس الاقتصادية ~~الاجتماعية، وإنما يكشف لنا التاريخ عن سلسلة ~~دائمة من التفاعلات المتبادلة، التي تتحول فيها ~~الأسباب إلى نتائج، والنتائج إلى أسباب. ولو رجعنا ~~إلى ما يحدث بالفعل في عالم الواقع؛ لوجدنا أن ~~الناس حين يسلكون، يجمعون في مركب واحد بين ~~مستويات كثيرة لا يمكن الفصل بينها إلا بعملية ~~فيها قدر من العمق؛ ولذلك فإن هذه العملية ~~المزعومة للعنصر الاقتصادي تعزل شطرا واحدا من ~~كل لا ينطوي إلا على علاقات متبادلة. # 6 # وهكذا يذهب «سيباج»، في تحليله البنائي للماركسية، إلى مدى بعيد ~~في الخروج عن المبادئ الأساسية للنظرية الماركسية التقليدية. وليس ~~أدل على ذلك من أنه يرفض النقد الذي وجهه ماركس إلى هيجل، على ~~أساس أنه قلب الأوضاع رأسا على عقب، وجعل من الواقع الاقتصادي ~~الاجتماعي مجرد ناتج مترتب على «الفكرة» الدينية أو الميتافيزيقية ~~أو المنطقية. على حين يريد ماركس أن يعيد الأمور إلى نصابها ويوقف ~~الديالكتيك «على قدميه»، بعد أن كان واقفا «على رأسه». هذا النقد ~~يرفضه «سيباج»؛ لأن قلب الأوضاع هذا يمكن أن يحدث بالفعل؛ ولأنه ~~سمة أساسية من سمات العملية الرمزية التي ينفرد بها الإنسان، والتي ~~تجعل للنواتج الرمزية، من فكر ولغة وعقيدة، استقلالا ذاتيا عن ~~الأصل الذي نشأت منه، وقدرة على التأثير في الواقع ذاته، وتغيير ~~الأسس الاقتصادية الاجتماعية. فنحن ها هنا في مجال لا يمكن التمييز ~~فيه بين ما هو «أصل» وما هو «نتيجة». وتلك كلها آراء تعدها ~~الماركسية التقليدية تحريفات غير مشروعة؛ لأنها لا تتعلق ~~بالاجتهادات في تفسير النظرية، بل بالأسس التي ms59 ترتكز عليها. ~~(2) ألتوسير # كان تفكير «لوي ~~ألتوسير # Louis Althusser ~~» أوسع وأشمل بكثير من تفكير «سيباج»، كما ~~أن اتجاهه العام في تفسير الماركسية - وهو اتجاه بنائي في أساسه، ~~وإن لم يكن هو ذاته يرحب كثيرا بهذه الصفة - قد تحددت معالمه قبل ~~سنوات قليلة من ظهور كتاب سيباج عن الماركسية والبنائية. ومع ذلك ~~فقد أرجأنا الكلام عنه إلى ما بعد عرض آراء سيباج؛ حتى يكون ~~الانتقال بينهما انتقالا إلى مزيد من التفصيل والتعمق في الموضوع. ~~هذا فضلا عن أن ألتوسير ما زال مؤلفا خصب الإنتاج، وما زال صاحب ~~مدرسة كاملة في التفسير الماركسي، في الوقت الذي توقف فيه إنتاج ~~سيباج فجأة بموته السابق لأوانه. # وليس من الصعب أن يستدل المرء على طبيعة الظروف التي ظهر فيها ~~التفسير البنائي للماركسية عند ألتوسير؛ إذ إن جهده الفلسفي يمكن ~~أن يوصف بأنه رد فعل على رد فعل. فبعد النقد العنيف الذي وجه ~~إلى الجمود الفكري الذي اتصفت به المرحلة الستالينية، حدث رد فعل ~~في الاتجاه المضاد، وظهرت تفسيرات للماركسية تؤكد جوانبها ~~الإنسانية، وتحاول التوفيق بينها وبين كثير من المذاهب الفلسفية ~~التي حاربتها طويلا، وكأنها تحاول إزالة صفات التحجر المذهبي ~~وإنكار النزعة الإنسانية، وهي الصفات التي اتهمت بها ماركسية ~~ستالين في أوساط كثيرة، منها الأوساط الماركسية ذاتها، في ~~الخمسينيات من هذا القرن. # ولقد كان المفكر الذي حمل لواء هذه الدعوة إلى كسر جمود ~~الماركسية التقليدية، وإذابة جليد الاتجاه اللاإنساني في ~~الستالينية هو «روجيه ~~جارودي # Roger Garaudy ~~». ولو شئنا أن نلخص الطابع المميز لرد ~~الفعل عند جاردوي، بالقياس إلى الاتجاهات السائدة من قبل؛ لقلنا ~~(مستخدمين لفظا أصبح شائعا في هذه الأيام) أنه هو الاتجاه إلى ~~«الانفتاح» على الفلسفات الأخرى التي كانت تقف من الماركسية ~~السابقة موقفا عدائيا صريحا، محاولا بذلك تعويض الدجماطيقية ~~والتزمت والخصومة العنيفة التي اتسمت بها فترة عبادة الفرد ~~الستالينية. ففي كتاب «النزعة الإنسانية الماركسية # Humanisme Marxiste ~~»، وكذلك في كتاب ~~«آفاق ~~الإنسان Perspectives de l’homme ~~، قدم جارودي للماركسية تفسيرا ~~إنسانيا وصفه بأنه يستخلص، «عن طريق ms60 التحليل النقدي للوجودية ~~وللفكر الكاثوليكي وللماركسية، نقاط الالتقاء الممكنة في المسعى ~~المشترك الذي تبذله هذه المذاهب من أجل الوصول إلى الإنسان الكلي.» ~~وواضح من هذا الوصف أنه يهدف إلى إثبات وجود نوع من التكامل بين ~~أفكار ماركس وبين مذاهب أخرى، كانت حتى ذلك الحين تخوض ضد هذه ~~الأفكار معارك حامية. على أن جارودي قد ذهب في هذا البحث عن ~~التكامل والسعي إلى التوفيق، ومحاولة إجراء «حوار» يسوده التفاهم ~~مع التيارات الفلسفية الأخرى، إلى حد أبعد مما ينبغي؛ إذ إنه أرجع ~~الماركسية إلى أصولها المثالية، وخاصة عند «فشته # Fichte ~~» وتجاهل الانقلاب ~~الإبستمولوجي الذي قام به ماركس وانجلز، وجعل التحول الاجتماعي ~~راجعا إلى أسباب إنسانية تجريدية ولم يعط إلا أهمية ثانوية ~~لمقولات المادية التاريخية والديالكتيك الموضوعي. وإذا كانت ~~الماركسية قد كسبت، بمحاولة جارودي هذه، صداقة بعض التيارات التي ~~كانت تعاديها، كالوجودية والشخصانية، أو اتخذت صورة متقاربة معها، ~~فإنها قد خسرت قدرا غير قليل من طابعها النضالي، وقدرتها على نقد ~~الأيديولوجيات المضادة لها، وفقدت جانبا كبيرا من طابعها العلمي ~~الموضوعي. # ويمكن القول إن أعمال ألتوسير كانت، في جانبها الأهم، رد فعل ~~على هذا الاتجاه إلى إذابة الماركسية في رخاوة النزعة الإنسانية ~~(ولهذا وصفناها من قبل بأنها رد فعل على رد فعل) وكانت سعيا إلى ~~العودة بها إلى صلابة النزعة العلمية # Scientificité # وعودة إلى ~~تأكيد مقولاتها المادية المستمدة من كتب مثل «الأيديولوجية ~~الألمانية» «ورأس المال»، وإبرازا لطابعها المتميز الذي يرتكز على ~~أسس لا يمكن الجمع بينها وبين تلك التي تقوم عليها الفلسفات ~~البورجوازية. ففلسفته هي بمعنى معين: نوع من «السلفية» المتقشفة ~~الصارمة، التي ترجع إلى المنبع وتنبذ التحريفات. ولكنها تقوم في ~~الوقت ذاته بحركة مزدوجة؛ فهي في رجوعها إلى المنبع لا تكتفي بلعبة ~~الاقتباس والاستشهاد بالنصوص، وهي اللعبة التي يندفع إليها كثير من ~~الماركسيين؛ إما عن عجز منهم عن التفكير المستقل، وإما عن تقصير في ~~متابعة تيارات الفكر التي أعقبت ظهور المؤلفات الأساسية للماركسية، ~~وإما نتيجة الانشغال بالكفاح السياسي، ورغبة في خدمة الاعتبارات ~~العلمية ms61 والكفاحية قبل أية اعتبارات أخرى. بل إن ألتوسير يعود إلى ~~الأصول مزودا بكل انجازات الفكر والعلم المعاصر، ويستخدم في فهم ~~النصوص أحدث أدوات التحليل الفكري التي عرفت في النصف الثاني من ~~القرن العشرين، وخاصة تلك التي تحققت في العلوم الإنسانية التي ~~امتد إليها تأثير العلم الطبيعي، كعلم اللغويات المرتكز على فكرة ~~البناء، والتحليل النفسي الجديد المتأثر بهذه الفكرة نفسها، مما ~~أتاح إلقاء ضوء جديد على موضوعه من زوايا حديثة متعددة. وهكذا يمثل ~~تفكيره عودة إلى المنبع وقفزة إلى الأمام في آن واحد. وهو فضلا ~~عن ذلك لا يتجاهل المشكلات السياسية التي تشغل الماركسيين في الوقت ~~الحاضر. وكل ما في الأمر أنه يؤكد الحاجة إلى منهج يتمشى مع ~~الاتجاه الأساسي لماركس، ويتيح لنا معرفة الواقع بطريقة علمية. فهو ~~ينظر إلى الماركسية بوصفها علما يأخذ هو على عاتقه صياغة قوانينه ~~الأساسية، وعن طريق هذه القوانين يمكن التصدي للمشكلات التي ~~تواجه الإنسان المعاصر بثقة، والإتيان بحلول أصيلة لها. # على أن من الخطأ أن ننظر إلى هذه العودة إلى المنبع على أنها ~~مجرد شرح وإيضاح لفكر ماركس. فمرحلة الشرح قد تم تجاوزها منذ وقت ~~طويل، بل لقد أصبحت كثرة الشروح المباشرة وتكرارها الممل مشكلة من ~~المشكلات التي تواجه الفكر الماركسي. وكان من الضروري أن تأتي بعد ~~ذلك مرحلة تقديم ذلك الفكر بطريقة منهجية جديدة، وإعادة تفسيره في ~~ضوء المعرفة الجديدة التي تم اكتسابها في ميادين متعددة. بل إن ~~نصيب الفكر المبتكر الخلاق في أعمال ألتوسير لا يقل عن نصيب ~~الكتابات الأصلية التي يقوم بتفسيرها. فإذا تذكر المرء ذلك المستوى ~~الهابط الذي قدمت به الماركسية في كثير من الشروح المباشرة، التي ~~امتلأت بالدعايات الساذجة، وسطحت تفكير الفيلسوف نفسه، أمكنه أن ~~يقدر أهمية العمل الذي قام به ألتوسير، الذي بعث حياة جديدة في ~~الفكر الماركسي، و«أثبت أن المفكر يستطيع أن يكون ماركسيا ~~وخلاقا في الوقت ذاته.» # 7 # ولقد كانت نقطة البداية الطبيعة في هذا الخلق الجديد للماركسية، ~~هي نقد الاتجاهات السائدة في تفسير الماركسية، لا في ms62 عصره فقط، بل ~~منذ أن ظهر ذلك المذهب؛ ذلك لأن هناك تفسيرا شائعا، له سمات ~~محددة لا يكاد يشك فيها أحد، وهو تفسير تفقد فيه الماركسية ~~أصالتها، وتتحول إلى مجرد امتداد للهيجلية. هذا التفسير هو الذي ~~أخذ ألتوسير على عاتقه مهمة نقده، بعد أن أطلق عليه اسم ~~«الماركسية السوقية أو ~~العامية # marxisme vulgaire ~~» فعلى أي نحو انتقد ألتوسير هذا التفسير ~~الشائع؟ # في التفسير الشائع للماركسية تأكيد مفرط لتأثير هيجل في ماركس. ~~فالماركسية تصور على أنها فرع من شجرة متعددة الأغصان، هي ~~الهيجلية التي سارت امتداداتها، من بعدها، في اتجاهات اليمين ~~والوسط واليسار. وهذا الأصل الهيجلي هو مصدر الخطأ الأكبر في الفهم ~~الشائع؛ إذ إنه يؤدي إلى إغفال جوانب أخرى لم تكن هي التي تميزت ~~بها هذه الفلسفة، ولم تكن هي موضع الجدة والأصالة فيها. # والواقع أن نظرة ماركس إلى الفكر تؤدي - منذ البداية - إلى ~~افتراق طريقه عن هيجل على نحو حاسم؛ فماركس لم يعرف ذلك الفكر ~~المكتفي بنفسه، الذي هو أبرز السمات عند هيجل. وإذا كان الفكر ~~والواقع عند هيجل يمتزجان في بوتقة واحدة؛ فإن هذا الامتزاج يتم عن ~~طريق إضفاء الصبغة الفكرية على الواقع. وحين يقول هيجل إن «كل واقع ~~معقول ، وكل معقول واقع»، فإن أساس قوله هذا هو طريقته الخاصة في ~~إضفاء الطابع الفكري على الواقع، بحيث يكون الفكر هو الطرف الثابت، ~~والواقع هو الطرف الذي يتشكل وفقا للفكر، والذي لا نفهمه إلا من ~~حيث هو تعبير عن مقولات فكرية. أما في حالة ماركس؛ فإن نقطة ~~البداية مختلفة اختلافا جذريا؛ إذ إن التفكير عنده نوع من ~~الإنتاج أو الإحداث، والفكر «ممارسة نظرية Pratique théorique ~~» لا تنتج ~~عن جهد الذات الفردية، بقدر ما تكون حصيلة تفاعلات بين الذات ~~وبيئتها التي تدخل فيها عوامل اجتماعية وتاريخية. # 8 # بل إن كل معرفة إنما هي نوع من الإنتاج، يقوم به ~~المجتمع مثلما يقوم بإنتاج الثروة، والنظام الذي يخضع له «الإنتاج» ~~في الحالتين متشابه. ولا شك أن هذه النظرة إلى الفكر بوصفه ناتجا ms63 ~~اجتماعيا خاضعا لشروط مشابهة لتلك التي تخضع لها النواتج ~~الاجتماعية الأخرى تشكل فارقا أساسيا، ينبغي أن يؤخذ في ~~الاعتبار قبل أية محاولة للمقارنة بين فكر هيجل وماركس. # فإذا انتقلنا إلى مضمون فلسفة هيجل، وجدنا أن الرأي الشائع في ~~هذا الصدد هو أن ماركس قد اقتبس الجدل الهيجلي على ما هو عليه، وإن ~~كان قد جعله يعتدل بعد أن كان مقلوبا، واستخدمه في فهم الواقع ~~المادي بعد أن كان يستخدم في تحديد مسار حركة الفكر. على أن ماركس ~~قد افترق عن هيجل افتراقا تاما في تصوره لفكرة التناقض التي هي ~~الفكرة المركزية في الجدل الهيجلي. فالحركة الجدلية تتم في الإطار ~~الهيجلي، عن طريق السلب الذي يعرض علينا كما لو كان يتضمن قوة ~~خفية تؤدي إلى التحريك. ويبدو أن في قلب الجدل الهيجلي إيمانا ~~بنوع من الغائية الغامضة تتمثل في تلك الدينامية المنبعثة عن ~~التناقض، والتي تدفع بالفكر إلى الأمام نحو مزيد من التعقيد، وتصل ~~بهذا الفكر في النهاية إلى غايته المرسومة مقدما. وحين يقتبس ~~الماركسيون التقليديون هذا التصور الهيجلي للجدل، ويطبقونه على ~~مسار التاريخ، يصورون هذا المسار كما لو كان صراعا مستمرا بين ~~الأبيض والأسود، يقوم فيه ملاك طاهر (هو المركب) بالتوفيق بينهما، ~~مع إلحاق الهزيمة - جزئيا على الأقل - بالأسود. وهذا التبسيط هو ~~ما يعترض عليه ألتوسير، ويراه تزييفا مثاليا لفكر ماركس. # والواقع أن ماركس، كما يفهمه ألتوسير، لم يكن مجرد ناقد لهيجل أو ~~مصحح له، اكتفى باقتباس الجدل منه مع إيقافه على قدميه بدلا من ~~رأسه، بل إنه أزال الزيف الهيجلي المثالي، وأعاد إلى الحقيقة ~~طابعها المعقد المتشابك، ولم يكن استمرارا لهيجل، بل كانت مهمته ~~الرئيسية هي تفنيده، وتبديد أساطيره. وهكذا لم تكن نقطة بداية ~~ماركس هي الرغبة في إكمال مسار هيجل بعد تصحيحه، وإنما كانت هي ~~«العودة إلى الوراء»، إلى التاريخ الحقيقي الذي شوهته ~~الأيديولوجية الألمانية، وبخاصة عند هيجل، وإلى العناصر التي حرفت ~~في مذهب هيجل. ومن هنا؛ فإن من الخطأ النظر إلى العلاقة بين ماركس ~~وهيجل في ضوء ms64 فكرة «التجاوز والرفع # Aufhebung ~~» الهيجلية؛ لأن ~~ماركس لم يقوم أخطاء هيجل، وإنما بدد أوهامه، وعاد إلى الوراء ~~من الوهم المتبدد إلى الواقع الذي لم يتنبه إليه هيجل، أي إلى ~~الأسس العينية للحياة الاجتماعية، كما تتمثل في التاريخ والاقتصاد ~~السياسي والاجتماع. فهو بالاختصار قد اقتحم أرضا جديدة، واستمد ~~تفكيره من مصادر مغايرة لتلك التي انطلق منها هيجل. # ولو قارن المرء بين ما قام به هيجل بالنسبة إلى السابقين عليه، ~~وما قام به ماركس بالنسبة إلى هيجل لأدرك الفرق بوضوح؛ فهيجل قد ~~تجاوز بالفعل كلا من إسبينوزا وكانت «وفشته»، ولكن هذا كان ~~تجاوزا ينطبق عليه لفظ # Aufhebung ~~؛ ~~إذ إنه واصل السير في نفس طريق الفلسفة التأملية النظرية الذي ~~سلكوه، واحتفظ بواحدية إسبينوزا وبالذات الفعالة عند كانت وفشته، ~~مع تجاوزه للنظرة الأحادية الجانب عند كل منهم، # 9 # أما في حالة علاقة ماركس بهيجل فإن الأمر يختلف؛ إذ ~~إنه اتخذ لنفسه منذ البداية طريقا مختلفا، وتخلى عن الوظيفة ~~التأملية للفكر لكي يربط بينه وبين الممارسة العلمية ربطا ~~أساسيا، وجعل للتفكير مهمة مغايرة لكل من سبقه، هي مهمة تغيير ~~العالم، لا مجرد تفسيره، أي إنه بدلا من أن يرتفع بتأملات هيجل ~~إلى مستوى أعلى قد فجر مذهبه من أساسه. # على أن هذا لا يعني أن ماركس قد انفصل بفكره عن هيجل من أول عهده ~~بالتأليف؛ فهناك قدر من الصواب في الرأي القائل إنه قد بدأ ~~هيجليا، ولكن المهم أن نفرق بين الفترة التي كان فيها ماركس ~~دائرا في فلك «الإشكال الهيجلي # la problématique hegelienne ~~» وتلك التي أصبح له فيها إطاره ~~الفكري الخاص، الذي يتسم بالانضباط العلمي، وتنطبق عليه المقولات ~~البنائية؛ لذلك يقسم ألتوسير تفكير ماركس إلى مراحل: مرحلة الشباب ~~(1840-1844م) ومرحلة الانفصال أو الاعتزال # Coupure # 10 ~~(1845م) ومرحلة النضج (1845-1857م وما بعدها). ففي ~~المرحلة الأولى، التي يمكن تسميتها بالمرحلة الأنثروبولوجية، كان ~~اهتمام ماركس منصبا على الإنسان، وكان متأثرا بفويرباخ عندما ~~جعل هدفه هو أن يحقق للإنسان ماهيته الأصيلة، ومتأثرا بهيجل في ~~مصطلحاته وطريقته التأملية في ms65 تقديم الحجج وحديثه كفيلسوف تجريدي. ~~أما بعد «الاعتزال»؛ فقد أصبح يعد المرحلة السابقة مرحلة ~~«أيديولوجية»، وأخذ يبحث لنفسه عن مصطلحه الخاص، وازداد اهتماما ~~«بالطابع العلمي» للفكر بدلا من طابعه الأيديولوجي، وأصبح مدار ~~بحثه تحليل بنية النظام الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن كان تحقيق ~~ماهية الإنسان. # في هذه المرحلة لم ينفصل ماركس، في الواقع، عن هيجل فحسب، بل إنه ~~انفصل عن التراث الفلسفي السابق كله. وتلك نقطة يؤكدها ألتوسير ~~بقوة؛ إذ إن من أهم القضايا التي يلح عليها، في تفسيره الخاص ~~للماركسية، أن تفكير ماركس الناضج كان يتسم بالجدة الكاملة، وكان ~~يمثل انقطاعا أساسيا # rupture # بالنسبة إلى كل ما سبقه. فما هي السمة المميزة لتفكير ماركس في هذه ~~المرحلة الرئيسية، مرحلة الجدة والاستقلال عن التراث الفلسفي ~~السابق؟ # لكي يتسنى لنا الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي علينا أن نلقي الضوء ~~على لفظ محوري في لغة ألتوسير، استخدمناه منذ قليل دون إيضاح ~~لمعناه، وهو لفظ # problématique ~~(مستخدما بوصفه اسما، لا صفة). ففي رأي ألتوسير أن كل مذهب فكري ~~له إشكاله الخاص، أو على الأصح، إطاره الإشكالي المميز، الذي تدور ~~في نطاقه كل تفاصيله وجزئياته، بل إن كل أيديولوجية ينبغي أن تفهم ~~على أنها تؤلف كلا تجمعه وحدة باطنة، هي وحدة ذلك الإطار ~~الإشكالي أو التساؤلي الذي تتصدى للإجابة عنه، والذي تنفرد به عن ~~غيرها، ويشكل البؤرة المركزية المميزة لتكوينها النظري. # 11 # وسيان أن ننظر إلى هذا المحور الأساسي في ضوء تشبيه ~~الإطار، بحيث يكون هو الهيكل الذي تندرج «في داخله» كل التفاصيل ~~ولا تفهم إلا من خلاله، أو في ضوء تشبيه النواه المركزية، بحيث ~~تكون هذه التفاصيل دائرة «حوله» ومتجهة نحوه؛ فإن المهم في الأمر ~~أن فهم هذا المحور أساسي من أجل الوصول إلى معني كل قضية من ~~القضايا التي تثار في المذهب أو الأيديولوجية المعينة. # على أنه لا يتعين أن يكون المفكر على وعي بالإطار الإشكالي الذي ~~يدور في داخله تفكيره، أو أن يصرح به في كتاباته بوضوح، بل إن ~~هذه هي مهمة ms66 المفسر الذي ينبغي عليه أن يستخلصه من كتاباته ~~بطريقة ضمنية، وأن يقرأ ما بين السطور، ولا يكتفي بما هو مصرح ~~به. وفي كثير من الأحيان لا يكون السؤال الأساسي أو المحوري هو ذلك ~~الذي «يبدو» بارزا في كتابات الفيلسوف. ففي كتاب «رأس المال» يبدو ~~أن الفكرة الرئيسية هي فكرة العمل وعلاقته برأس المال، ولكن ~~التفسير الصحيح في رأي ألتوسير ينبغي أن يرتكز على التقابل بين ~~القيمة والقيمة ~~الاستعمالية # valeur d’usage # وعلى فكرة فائض القيمة. ومن هاتين ~~الفكرتين يستخلص «البناء» الأساسي الذي أخذ ماركس يطوره وينميه ~~طوال الأجزاء الثلاثة من كتابه الرئيسي، بغض النظر عن الترتيب ~~الفعلي الذي سار عليه من جزء إلى آخر. # هذا «البناء» المميز للماركسية ذو طابع موضوعي، أصبحت بفضله ~~الماركسية «علما» بالمعنى الصحيح. أما تفسير الماركسية من خلال ~~كتابات الشباب التي كانت تنظر إلى الإنسان بوصفه الموضوع الأساسي ~~للبحث، وتعده المحرك الوحيد للتاريخ، وتركز جهودها على تحقيق صورة ~~مثلى للإنسانية. فأقل ما يقال عنه إنه يصبغ الماركسية بصبغة ~~رومانتيكية تضيع معها علميتها وموضوعيتها وانضباطها. فأصل البحث ~~الماركسي ومحوره هو ذلك البناء الاجتماعي الاقتصادي الذي يحمل ~~الإنسان في طياته. والذي يساعدنا - إذا شئنا - على أن نفهم الإنسان ~~في داخله، وإن لم يكن مستمدا من المقولات الإنسانية؛ لأنه يتعلق ~~بحقيقة مستقلة عنها، لها قوانينها الموضوعية، شأنها شأن أي بناء ~~آخر . وكل تحليلات ماركس للصراع الطبقي من هذا النوع المرتكز على ~~قوانين بنائية تنتمي إلى تركيب المجتمع ذاته، وتفرض نفسها على ~~الإنسان. # ولكي يعمل ألتوسير حسابا لهذا البناء المعقد الذي هو محور ~~التساؤل ومدار البحث عند ماركس، كان من الضروري أن يتجاوز المفهوم ~~الساذج للحتمية الاقتصادية، الذي روجت له الماركسية العامية. ~~فهذا التفسير الساذج يرد كل شيء إلى عامل واحد، هو العامل ~~الاقتصادي، ويقول بوجود علاقة سببية مباشرة بين البناء الأدنى ~~والبناء الأعلى، ويغفل التعقد الشديد للواقع، واستحالة تطبيق مثل ~~هذه الحتمية المباشرة ذات الاتجاه الواحد في مجال معقد، كذلك ~~الذي تصدت له الماركسية. وفي مقابل ذلك يقول ألتوسير إن ms67 نوع ~~الحتمية الوحيد الذي يمكن تصوره في هذا المجال هو ما يسميه ~~بالحتمية المتبادلة أو المقعدة # Surdétermination ~~. فمن الخطأ ~~في نظره تفسير ماركس على أساس القول بعنصر رئيسي ذي طبيعة اقتصادية ~~تخضع له كل العناصر الأخرى التي تعد «ثانوية» بالقياس إليه، بل ~~إن الحقيقة الأصلية معقدة بطبيعتها، والحتمية فيها متبادلة دون ~~أفضلية لواحد من عناصرها على الآخرين. وهكذا يستخدم ألتوسير مقولة ~~فكرية تلائم تعقد الموضوع الذي يبحثه، ويستعين بمعطيات ذهنية جديدة ~~يراها أصلح للتعبير عن المعقولية الكامنة في الماركسية. وكما أن ~~علماء الفيزياء أدركوا، في مطلع القرن العشرين، أن الحتمية ~~المباشرة ذات الاتجاه الواحد لا تصلح للتعبير عن سلوك الجزئيات في ~~المجال الذري، وأدخلوا مفاهيم جديدة تحفظ لهذا المجال طابعه ~~الموضوعي، وتعمل في الوقت ذاته حسابا لتعقده وتشابكه، فكذلك ~~يفسر ألتوسير الماركسية على أساس فكرة العلية المتعددة ~~الجوانب، التي لا يكون فيها مركز مميز لأي عنصر بعينه من عناصرها. ~~فالأسباب أو العلل في المجال الاجتماعي شديدة التعقيد، والحركة لا ~~تتولد فيه عن طريق إضافة الأسباب بعضها إلى بعض خلال مسارها، وهي ~~تمارس تأثيرها على المستويات المختلفة. # 12 # وبذلك يتسع نطاق المعقولية على نحو يتجاوز بكثير ~~الفهم التقليدي للحتمية الاقتصادية. # وليس المرء بحاجة إلى تفكير طويل لكي يدرك مدى تأثير فكرة ~~«البناء» على مفهوم «العلية المتبادلة» عند ألتوسير. فهذه الفكرة ~~هي التي تتيح فهم التفاعلات المتبادلة الكثيرة التي تحدث على ~~مستويات مختلفة للواقع الاجتماعي. ولا شك أن ألتوسير قد أضاف إلى ~~الماركسية بعدا عميقا حين استخدم، في تفسيره الفلسفي، مفاهيم ~~جديدة توصلت إليها البحوث العلمية المعاصرة، فاستطاع بذلك أن ~~يحقق ما عجزت عنه أدوات التفكير الكلاسيكية، وتمكن من الإحاطة ~~على نحو أكمل بالعلاقة البالغة التعقيد بين البناء الأدنى والبناء ~~الأعلى، متجنبا ذلك التبسيط المخل الذي كانت الماركسية ~~العامية مهددة دائما بالوقوع فيه. # وعلى الرغم من أن كتابات ماركس لم تعبر عن هذا الاتجاه إلا ~~بصورة ضمنية؛ فقد كانت فيها بذور مؤكدة أمكن تنميتها فيما بعد. ~~فعلى حين أن بعض الماركسيين يعتقدون ms68 أن كل مجتمع بشري ينبغي أن يمر ~~بنفس المراحل المحددة، من البدائية إلى الرق ثم الإقطاع وبعده ~~الرأسمالية، لينتهي إلى الاشتراكية، فإن كتابات ماركس ذاتها قد ~~تضمنت ما يوحي لنا بتفسير مخالف، يساعد على كشف ما هو مميز لكل ~~مجتمع، ولا ينظر إلى التاريخ نظرة تراكمية تؤدي فيها كل حضارة إلى ~~ظهور حضارة أخرى تمر بنفس المراحل. ويتمثل هذا التفسير المخالف في ~~تنبيه ماركس إلى ما أطلق عليه اسم «أسلوب الإنتاج الآسيوي»، الذي ~~يدل على رغبته في فهم واقع الشعوب الآسيوية، وكثير من المجتمعات ~~التي نطلق عليها اليوم اسم «العالم الثالث» دون الحاجة إلى وضعها ~~في قوالب أوروبية، أو تأكيد انطباق مقولات التاريخ الأوروبي عليها ~~بطريقة مبسطة موحدة الاتجاه. وما هذا إلا مثل واحد يدل على أن ~~كتابات ماركس كانت تتضمن بالفعل بذورا لنظرة جديدة إلى الحتمية، ~~مخالفة للحتمية المبسطة ذات الاتجاه الواحد، التي اعتاد الماركسيون ~~اللاحقون أن ينسبوها إليه. # بقي أمامنا في هذا العرض الذي نقدمه لتفسير ألتوسير البنائي ~~للماركسية سؤال أخير، هو: هل نجح هذا التفسير بالفعل في تجاوز كل ~~العقبات التي تقف في وجه التفسير التقليدي للماركسية؟ وهل تمكن ~~من أن يعبر، على نحو جامع، عن الماهية الأصلية لتفكير ماركس؟ من ~~المؤكد أن ألتوسير مفكر قدير، متمكن من مادته ومن أسلوبه، وأن عمقه ~~قد أفاد الماركسية كثيرا في إنقاذها من خطر «التسطيح» الذي تتعرض ~~له على يد التفسيرات المفرطة في التبسيط. ولكن المشكلة في أمثال ~~هذه التفسيرات المتعمقة هي أنها أحيانا تقوم بعملية «إسقاط» تضفي ~~فيها أفكار المفسر ذاته على الفيلسوف الذي تفسره، كما أنها قد ~~تضطر، من أجل الاحتفاظ بتماسكها الداخلي، إلى تجاهل بعض الحقائق ~~الأساسية التي تقف عقبة في وجهها. ويبدو أن ألتوسير معرض للوقوع ~~في أخطاء من هذين النوعين. # ولعل أول ما تجدر الإشارة إليه، في هذا الصدد، هو الاتجاه العام ~~لتفسير ماركس عند ألتوسير. فهو يريد أن يثبت أن الإطار الذي وضعه ~~ماركس لتفكيره كان جديدا كل الجدة. وربما كان من حقنا أن ms69 نتساءل ~~عما إذا كانت مبادئ الماركسية ذاتها تسمح بوجود إطار جديد كل ~~الجدة لدى أي مفكر؛ ذلك لأن هذا معناه أن يكون المفكر مختلفا عن ~~كل السابقين غير متأثر بهم. فهل تعد هذه النظرة إلى تطور الفكر، ~~التي تؤكد وجود حالات «انقطاع» حاسم فيه، وتنكر الاتصال التاريخي ~~بالنسبة إلى هذه الحالات بعينها، وتقول بإمكان وجود بداية مطلقة في ~~الفكر؟ هل تعد هذه النظرة متمشية مع وجهة النظر الماركسية ذاتها ~~في تطور الفكر؟ أشك كثيرا في أن يكون الجواب عن هذا التساؤل ~~بالإيجاب. # وفي سبيل تأكيد هذه البداية المطلقة، أنكر ألتوسير أن يكون ماركس ~~قد تأثر، في مرحلة نضوجه، بالمقولات الفكرية الهيجلية. وتلك نقطة ~~أخرى لا يمكن قبولها بسهولة، وكانت هي على وجه التحديد من أكثر ~~النقاط التي اعترض عليها ماركسيون آخرون من نقد ألتوسير. ذلك لأن ~~ألتوسير تجاهل هنا أن ماركس نفسه قد شهد في كتاباته بتأثير المنهج ~~الديالكتيكي الهيجلي عليه، وبأنه قد اقتبسه بعد أن أعاده من وضعه ~~المقلوب إلى وضع الاعتدال. كما تجاهل لغة ماركس التي ظلت هيجلية ~~حتى كتاب «الأيديولوجية الألمانية» على الأقل، وتجاهل تأكيد ماركس ~~أن هيجل هو الذي قدم إليه الأداة المنطقية التي تمكن بواسطتها من ~~الانتقال من أبسط العلاقات وأقربها إلى الطابع المباشر - أي ~~العلاقة بين شخصين في التعامل بسلعة معينة - إلى النقد العام ~~للنظام الرأسمالي بأسره ، متبعا نفس المنهج الذي اتبعه هيجل في ~~انتقاله من أبسط المفاهيم حتى أعقدها، في كتابي «المنطق» ~~و«ظاهريات الروح». وتجاهل أخيرا كل ما قاله لينين بعد ذلك عن ~~أهمية هيجل، واستحالة فهم ماركس دون دراسة منطق هيجل. والأمر الذي ~~أتاح له هذا التجاهل هو تلك التفرقة التي وضعها بين ما عبر ماركس ~~عنه صراحة وعن وعي، وما كان ماركس يعنيه بالفعل. فهو لا يكترث ~~بالتصريحات الفعلية بقدر ما يهتم بالمعاني الضمنية التي لا تفهم ~~إلا من خلال دراسة «النسق» الفكري لكتاباته وتحليل بنائها؛ بغية ~~الوصول إلى دلالتها التي لا تظهر على السطح الخارجي. وهكذا كان ~~ألتوسير يقلل، مثلا، ms70 من شأن تأكيد ماركس أنه قلب الجدل الهيجلي ~~رأسا على عقب، ويصفه بأنه مجرد مجاز لفظي، وهي طريقة في التفسير ~~يمكن أن تؤدي إلى أية نتائج يريدها المرء، ما دام لا يقيم وزنا ~~لما يقوله المفكر نفسه. وأما عن شهادة لينين، فمن الملاحظ أن ~~ألتوسير قد قام بنفس هذا العمل عن لينين نفسه في كتاب «لينين ~~والفلسفة # Lénine et la philosophie ~~»، أي إنه فسره تفسيرا «علميا» مبالغا ~~فيه، وتجاهل الارتباط الوثيق بين البناء الشكلي والمضمون الفلسفي ~~في كتاباته، كما تجاهل المضمون الثوري الذي ينبغي للمرء أن يعمل ~~حسابه في كل قراءة لتلك الكتابات، إلى جانب ما فيها من شكل علمي ~~خارجي. # 13 # والواقع أن حرص ألتوسير الشديد على كشف «البناء» العلمي المنضبط ~~في كتابات ماركس، قد أدى به إلى السير في متعرجات الاستدلال ~~الفلسفي، التي يتوه فيها القارئ معه دون أن يعرف كيف يعود إلى ~~الواقع الذي بدأ منه. وفي خلال هذا المسار المتعرج، الذي ينبغي أن ~~نعترف لألتوسير بالقدرة على سلوكه دون أن يفقد الخيط الجامع بين ~~أطراف براهينه، وبالتمكن التام من أشد الاستدلالات تجريدا. في ~~خلال ذلك يحس القارئ بأن النهاية شيء والبداية شيء آخر، وبأن ~~البناء الشكلي للتفسير أخذ يطغى بالتدريج على المضمون الفكري، حتى ~~يتحول الأمر في النهاية إلى مجرد الاستمتاع بالجمال الشكلي لهذا ~~البناء مع نسيان الهدف الأصلي الذي كان ماركس يضعه نصب عينيه في كل ~~ما كتب. # أما هذا الهدف الأصلي، فهو الإنسان أولا وأخيرا. ومهما قيل عن ~~وجود بناء علمي موضوعي لا شأن له بالاعتبارات العاطفية الإنسانية ~~عند ماركس (وكثير من هذا الذي يقال صحيح)؛ فإن كل بناء شيده ماركس ~~كان له، في النهاية، هدف إنساني. صحيح أن ماركس قد استبعد ~~الاعتبارات العاطفية من تفكيره، ولم يكن في مرحلته الناضجة يهتم ~~بتحقيق صورة مثالية للإنسان بقدر ما كان يهتم بكشف القوانين ~~العلمية الموضوعية للعلاقات الاجتماعية التي تعلو على الأشخاص. كل ~~هذا صحيح، ولكن هذه الحجج «العلمية» كلها كانت تستهدف، آخر الأمر، ~~القيام بثورة ms71 «إنسانية» تؤدي إلى إقامة علاقات اجتماعية يختفي ~~فيها استغلال الإنسان للإنسان. ولو لم يتذكر المرء هذا الهدف ~~النهائي للماركسية على الدوام، لكان - على حد تعبير أحد نقاد ~~ألتوسير - كالمستجير من دجماطيقية النزعة الإنسانية، بدجماطيقية ~~أخرى أفدح وأخطر، هي دجماطيقية الشكلية التجريدية. # 14 # والواقع أن ألتوسير كان على حق في محاولته تخليص فكر ماركس من ~~التشويهات التي أصابته على يد أولئك الذين كان هدفهم الأوحد تحقيق ~~غايات عملية وبرجماتية، بحيث نسبوا إليه نزعة إنسانية شبه مثالية؛ ~~لكي يرضوا مجتمعا متشبعا بالأفكار والمبادئ الليبرالية، ويقربوا ~~أفكاره إلى عقول الناس في مثل هذا المجتمع. وبهذا المعني كان تفسير ~~ألتوسير نوعا من العودة إلى الأصالة بعد التشويهات ذات الأهداف ~~العملية، التي لا تقيم وزنا كبيرا للمذهب في صورته النقية. ولا ~~يملك المرء إلا أن يعترف بأن ألتوسير كان على حق - ولو بصورة جزئية ~~- حين هاجم أولئك الذي انطلقوا، في تفسيرهم لماركس، من مفهوم مجرد ~~للإنسان، وارتكزوا على مفاهيم مثل «الاغتراب» لم يحاولوا أن ~~يربطوها بجذور اجتماعية ملموسة، وكان على حق حين أكد أن العلم ~~الإنساني الذي شيده ماركس في «رأس المال» لم ينطلق من مفهوم ~~الإنسان، حتى لو كان ذلك هو الإنسان الواقعي في علاقاته الإنتاجية ~~المحددة، بل انطلق من تحليل بناء الإنتاج ومن فكرة الطبقات ~~الاجتماعية، ومن القوانين الموضوعية للاقتصاد، التي توجد مستقلة ~~عن وعي الإنسان بها، بل وتتحكم في هذا الوعي. # ولكن عندما يصل الأمر بهذا التفسير إلى رفع شعار «موت الإنسان» ~~(بالمعنى المحدد في الفقرة السابقة)؛ فإن المرء لا يملك إلا أن ~~يعد هذا تطرفا غير مشروع. فالقضية الكامنة من وراء هذا الشعار، ~~وهي أن هناك تعارضا بين الاعتراف بالإنسان كنقطة بداية للبحث، ~~وبين الوصول إلى الحقائق الموضوعية للمجتمع، هي ذاتها قضية مشكوك ~~فيها إلى حد بعيد. وإذا كانت تلك الحقائق الموضوعية التي ركز ~~عليها ألتوسير تفسيره هي البناء الطبقي وعلاقات الإنتاج وقوانينها ~~اللاشخصية؛ فمن المهم أن نذكر أن عملية الإنتاج نفسها عملية ~~إنسانية، بل هي التي تميز الإنسان عن سائر ms72 الحيوانات التي لا ~~«تنتج» شيئا لكي تعيش. وتلك حقيقة أكدها ماركس نفسه. وخطورة هذا ~~التطرف في التفسير تكمن في أنه يصور الأمر كما لو كانت في المجتمع ~~قوى تعمل بذاتها، وبصورة تلقائية لها قوانينها الخاصة، على نحو ~~مستقل عن الإنسان الذي هو في نهاية الأمر صانعها وسبب ~~وجودها. # ولذلك نعتقد أن «ميلو # Milahu ~~» ~~كان على حق حين انتقد تطرف ألتوسير في إنكار النزعة الإنسانية ~~بقوله: «إذا اعترفنا بأن الماركسية منظورا إليها على أنها تصور ~~علمي لتطور المجتمع لم تكن نزعة إنسانية بمعني نظرية تستمد نقطة ~~انطلاقها من الإنسان، وإذا سلمنا بأنها على عكس ذلك، هي الدراسة ~~العلمية لتطور المجتمع في تحديداته الذاتية والموضوعية؛ فإنه يظل ~~من الصحيح رغم ذلك أن هناك نزعة إنسانية ماركسية تعبر عن أماني ~~الطبقات المضطهدة في صراعها من أجل التحرر. هذه النزعة الإنسانية ~~ليست إضافة ذات طابع روحي تلصق أو تلحق بنظرية علمية، بل هي ترتكز ~~نظريا على حقيقة واقعة، هي وجود أفراد من البشر يسلكون في العمل ~~المنتج وفي صراع الطبقات بكل أشكاله، وفقا لشروط محددة لا تتوقف ~~عليهم. وتترتب على سلوكهم هذا تغييرات على مستويات متعددة، سواء ~~أكان سلوكهم واعيا أم لم يكن، وسواء أكانت هذه التغيرات متعمدة ~~أم لم تكن. وهذه التغيرات بدورها تتخذ موضوعا لدراسات تجريبية ~~وعينية، وفقا لمقولات المادية التاريخية؛ مما يؤدي إلى ظهور دراسة ~~إنسانية علمية، لا يمكن أن تستمد مبادئها إلا من المادية الجدلية ~~والمادية التاريخية مفهومتين بمعناهما الشامل.» # 15 # وهكذا يكون من الممكن التوفيق بين الاهتمام بالقوانين الموضوعية ~~للمجتمع، والاهتمام بالإنسان. أما حين يصل الأمر عند ألتوسير إلى ~~حد استبعاد مفاهيم أساسية عند ماركس، مثل مفهوم النزعة الإنسانية، ~~والاغتراب و«البراكسيس» والنزعة التاريخية على أساس أنها كلها تمثل ~~مرحلة «أيديولوجية» سابقة على الماركسية الناضجة، وعلى أساس أنها ~~تشكل عقبة في وجه الفهم البنائي العقلاني للمجتمع؛ فإن هذا يعني أن ~~صاحب هذا التفسير لا يتحدث عن ماركس الحقيقي بقدر ما يتحدث عن ~~ماركس كما يتلاءم مع تفكير المفسر ذاته، أعني ms73 ماركس التجريدي ~~الذي وضع الإنسان وواقعه العيني «بين قوسين»، واكتفى ببناء طاغ ~~على الإنسان. ولتحقيق ذلك لجأ ألتوسير إلى التمييز بين ما قاله ~~ماركس فعلا، وما كان يعنيه «حقيقة»، ولكن بصورة ضمنية. ومثل هذا ~~التمييز بين التعبير الصريح للمفكر وبين «ما يقصده بالفعل» هو ~~دائما محفوف بالخطر، يكون من الصعب معه وضع حد فاصل بين التفكير ~~الأصلي للفيلسوف المراد تفسيره، وبين الاتجاهات الخاصة التي يريد ~~المفسر، بناء على تكوينه الفكري الخاص أن ينسبها إليه. وبقدر ما ~~يكون في مثل هذا التفسير من جدة ومن أصالة - وهي صفات تتوافر في ~~ألتوسير بغير شك - فإنه يظل على الدوام معرضا للانحراف عن نقطة ~~البداية التي انطلق منها، ولفقدان الطريق الموصل إلى حل للمشكلات ~~التي بدأ بالتصدي لها. # | خاتمة: البنائية والإنسان # لم يكن ألتوسير هو الفيلسوف البنائي الوحيد الذي وجهت إليه تهمة ~~إنكار الإنسان من أجل تأكيد نسق أو بناء يعلو عليه ويتجاوزه؛ فواقع ~~الأمر هو أن البنائية، في شتى اتجاهاتها، معرضة لهذا الاتهام، وبعض ~~ممثليها لا ينكره ولا يجد فيه ما يدعوه إلى اتخاذ موقف الدفاع عن نفسه. ~~وفي البنائية، كمذهب، اتجاه عام إلى تأكيد طغيان النسق على الإنسان، ~~بحيث يعجز الإنسان عن التحكم في نشأته أو في غايته، ولا يتبقى أمامه ~~إلا أن يدع ذلك النسق يسير في مجراه، ويحمله معه بين طياته. هذا ~~الاتجاه إلى إخضاع دراسة الإنسان للمعقولية والموضوعية الكاملة هو الذي ~~بدا، في نظر الكثيرين، مهددا للإنسان نفسه، بحيث تبلورت حوله كل ~~الانتقادات التي وجهت إلى البنائية من شتى الاتجاهات. # ولعل أبرز العناصر التي انصب عليها هجوم نقاد البنائية، هو نظرتها ~~السكونية # Statique # إلى الإنسان وإلى ~~تاريخه. فعلى قدر نجاح البنائية في التعبير عن «التكوين الثابت» ~~للإنسان، عبر العصور المختلفة، نجدها تخفق في تعليل التطور والتقدم، ~~وتكاد تذهب إلى حد القول بأن الاعتقاد بالتقدم وهم، وبأن التحديات ~~التاريخية سراب خداع. ويترتب على هذه النظرة السكونية، عجز البنائية عن ~~تفسير «منشأ» البناءات التي تدور حولها أبحاثها، وعن تفسير كيفية ~~الانتقال ms74 من مرحلة إلى أخرى، أو من بناء إلى آخر. ففي أبحاث ستروس، ~~التي استهدفت الوصول إلى التكوين الثابت للعقل من خلال الدراسة ~~الأنثروبولوجية للحضارة، نعجز عن تعليل كيفية ظهور هذا العقل نفسه أو ~~نشوئه، ويبدو وكأن هذا العقل كان «هناك» على الدوام، كما نعجز عن ~~تفسير تحول هذا العقل إلى صورته الحديثة التي أنتجت العلم، وأنتجت ~~البنائية ذاتها بوصفها مظهرا من مظاهر العلم. وفي تحليلات ألتوسير ~~ينصب التأكيد على فهم العناصر المتزامنة # Synchroniques # أما الانتقال من أسلوب في الإنتاج إلى ~~الآخر، والطريقة التي تكون بها هذا الأسلوب في فترة تاريخية معينة، ~~فهذا ما نعجز عن الاهتداء إليه في نطاق أبحاثه. أي إن ألتوسير بدوره لا ~~يقدم تعليلا كافيا «لمنشأ» الظواهر التي يبحثها، أو «لنقاط التحول» ~~التاريخية الحاسمة التي تطرأ عليها. والتي يتعين علينا إذا شئنا ~~تفسيرها أن نخرج عن النطاق الذي تقيد به ألتوسير، ونعود إلى البشر ~~والإطار الذهني الذي كانوا يعيشون فيه. أما «فوكو» فكان إنكاره للتاريخ ~~صريحا، بل إنه يتجنب كل ما له صلة بمقولات التغير، والتحول، ولا يرى ~~في كل مرحلة تاريخية إلا ثوابتها فحسب، ويصل به الأمر إلى حد التشكيك ~~في مفهوم «الإنسان» نفسه، من حيث هو مفهوم يصلح لإقامة دراسة علمية ~~موضوعية، مؤكدا أن الإنسان ليس إلا «ثنية خفيفة # ride ~~» في الرمال. # 1 # ومن النتائج الهامة التي ترتبت على إنكار مفهوم الإنسان، وإسقاط ~~التاريخ من الحساب، هجوم بعض البنائيين على المفهوم الجدلي للعقل، ~~واعترافهم بعقل واحد فقط، هو العقل التحليلي. وقد ظهر ذلك واضحا في ~~الفصل الذي خصصه ستروس لمهاجمة كتاب «نقد العقل الجدلي» لجان بول ~~سارتر. فهو في هذا الفصل ينكر أن يكون هناك استخدام آخر للعقل غير ~~الاستخدام التحليلي، ومن ثم فإن كل اتجاه إلى البحث عن منشأ الظواهر ~~وتاريخها وتطورها هو اتجاه ثانوي، يمكن أن يضاف إلى العقل التحليلي، ~~ولكنه لا يمكن أن يكون بديلا عنه. فما يسمى بالعقل الجدلي هو الجهد ~~الذي يبذله العقل التحليلي عندما يريد أن يقوم بمغامرات، ويشيد ms75 الجسور ~~ويعبرها، وينتقل من مواقعه، ولكنه ليس على الإطلاق «نوعا آخر» من ~~العقل «يختلف» عن العقل التحليلي أو يحل محله. ويظل الطابع الدائم ~~للعقل الإنساني هو التحليل، الذي يكشف عن البناءات الثابتة، والذي ~~يوصلنا هو وحده إلى المعقولية في فهم الظواهر. # على أن البعض الآخر من أنصار البنائية، يأخذ على عاتقه مهمة الدفاع ~~عن المذهب ضد هذه الاتهامات الموجهة إلى تصور البنائية للإنسان، ومن ثم ~~للتاريخ والعقل الجدلي. وهم ينطلقون في دفاعهم هذا من مبدأين أساسيين، ~~أولهما وجود سوء فهم لتلك المقولات التي تتهم البنائية بأنها تنكرها، ~~وثانيهما إمكان التوفيق بين البنائية وبين تلك المقولات، مفهومة ~~بمعناها الصحيح. # أول هؤلاء المدافعين هو بياجيه. وقد عرضنا في مستهل هذا البحث لرأيه ~~في إمكان التوفيق بين البنائية والنزعة التاريخية، وتساؤله عن الحكمة ~~في إصرار البنائيين على النظرة السكونية إلى المعرفة البشرية. وحسبنا ~~الآن أن نعرض رأيه في النقد الذي أشرنا إليه في النقطة الأخيرة، وأعني ~~به تصور العقل في البنائية. ففي رأي بياجيه أن ستروس كان على صواب حين ~~قال إن العقل الجدلي يضاف إلى العقل التحليلي، وليس بديلا عنه. وهو ~~بدوره يؤمن بأن كلا منهما طريقة خاصة في استخدام العقل، ولكنهما ~~متكاملان وليسا متنافرين. فمهمة العقل التحليلي في العلم هي القيام ~~بالتحقيق والتثبت من صحة القضايا # verification # ومهمة العقل الجدلي ~~أو التركيبي هي أن يعطينا القدرة على الإبداع والتقدم، وهي قدرة يفتقر ~~إليها العقل التحليلي . وفي كثير من الأحيان يتم التقدم في العلم عن ~~طريق عملية النفي # négation # التي يهدم ~~بها العقل الجدلي معتقدات كثيرة زائفة تعترض طريق العلم، أو ينتزع ~~مبدأ علميا، يعتقد الناس بصحته المطلقة، من مكانته الرفيعة، ويضع ~~محله مبدأ آخر أكثر منه مرونة، وأقدر منه على تكوين مركب يوسع نطاق ~~العلم. وهذا ما حدث حين أنكرت الهندسة اللاإقليدية مصادرة التوازي، مما ~~أدى إلى قيام هندسات أشمل من هندسة إقليدس. أو حين أنكر المناطقة ~~المعاصرون مبدأ الثالث المرفوع، فترتب على ذلك ظهور المنطق متعدد ~~القيم. # 2 # وهكذا فإن ms76 بياجيه، مع اعترافه بوحدة العقل البشري، وبالدور ~~الرئيسي للعقل التحليلي في العلم، يؤكد إمكان التوفيق بين هذا الرأي ~~وبين أنصار العقل الجدلي، إذا اعترفنا بأن هذا الأخير يمثل طريقة مثمرة ~~في استخدام العقل العلمي، وأنه هو الذي يتيح للعلم فرصة التحرك نحو ~~أنساق أو بناءات أوسع وأشمل. # أما الاتهام القائل بتجاهل البنائية للإنسان، أو للنزعة الإنسانية ~~بوجه عام، فإن بياجيه يرد عليه بقوله: إن هذا اتهام مبني على سوء فهم ~~لمعنى النزعة الإنسانية؛ ذلك لأن موجهي هذه التهمة يعرفون الذات ~~الإنسانية على طريقتهم الخاصة، ثم ينعون على البنائية أنها تهدم هذا ~~الذي يرون أنه هو تلك الذات. وحقيقة الأمر، في رأي بياجيه، هي أن ~~البنائية تفرق بين «الذات الفردية»، التي لا تتخذها البنائية موضوعا ~~للبحث على الإطلاق، وبين «الذات ~~المعرفية» # epistémique ~~، أي تلك النواة المعرفية التي تشترك فيها ~~الذوات الفردية كلها على مستوى واحد. كذلك تفرق البنائية بين ما تحققه ~~الذات بالفعل، وبين ما يصل إليه وعيها، وهو محدود بطبيعته. وما تركز ~~عليه البنائية اهتمامها هو تلك العمليات التي تقوم بها الذات، ~~وتستخلصها بالتجريد من أفعالها الذهنية العامة. ومن هذه العمليات تؤلف ~~البناءات التي تستخدمها الذات في نشاطها العقلي الذي لا ينقطع. ومن هنا ~~لم تكن عملية تكوين البناءات واعية. ويرى بياجيه أن هناك سوء فهم يكمن ~~وراء الاعتقاد بأن التركيز على هذه العمليات اللاشخصية العامة، التي ~~تتكون منها البناءات، معناه اختفاء «الذات» الإنسانية؛ إذ إننا لسنا ها ~~هنا في مجال العلاقات الشخصية، وإنما نحن في مجال «المعرفة»، وهذا فارق ~~عظيم الأهمية. ففي مجال المعرفة نتخلى عن اتجاهنا التلقائي إلى التمركز ~~حول أنفسنا، ونتحرر من ذاتية العلاقات الشخصية، ولا يكون للذات وجود، ~~بوصفها ذاتا عارفة، إلا بقدر ما تعمل على إيجاد مركبات بين عناصر ~~معرفتها، وبقدر ما تكشف عن ترابطاتها المتداخلة، التي تتولد منها ~~البناءات. # 3 # وبالاختصار، فإن تلك الذات التي تصور سارتر في نقده أن ~~البنائية تنكرها، هي الذات الشخصية التي تركزت عليها فلسفته، ولكنها ~~ليست الذات التي تشيد ms77 بناء العلم، والتي يتحتم عليها - بحكم طبيعة ~~عملها - أن تلجأ إلى تجريدات لا شخصية، والتي لا نستدل على وجودها إلا ~~من هذه التجريدات. # وعلى أية حال، ففي استطاعة المرء أن يدرك بسهولة أن هذا الاهتمام ~~بالبناءات التجريدية قد انبثق، في حالة البنائية، من دراسة متعمقة لعدد ~~كبير من الظواهر الإنسانية الأصلية، كالأساطير والأحلام والطقوس ~~البدائية. ولو قارنا بين موقف البنائية وموقف الوضعية المنطقية في ~~هذا الصدد لاتضح لنا أن هذه الأخيرة هي الأحق - بغير جدال - بأن توصف ~~بتجاهلها للإنسان. فقد استبعدت الوضعية المنطقية، باسم العلم أو النظرة ~~العلمية، كل هذه الظواهر من مجال «ما له معنى»، وأبت أن تعترف لها ~~بأي نوع من الحقيقة، حرصا منها على فهمها الخاص، الشديد الضيق، ~~للحقيقة وللمعرفة العلمية التي تنحصر فيما يقبل التحقيق # veriflcation ~~. أما البنائية فكانت ~~علمية بمعنى أوسع بكثير، يتسع لأنواع من النشاط ومن التجارب الإنسانية ~~التي ظلت تعد حتى ذلك الحين داخلة في باب «اللامنطقي» أو ~~«اللامعقول». وأتاح لها هذا التوسيع لحدود النشاط العقلي أن ترد اعتبار ~~الإنسانية طوال الجزء الأكبر من تاريخها، وهو ذلك الجزء الذي كان ~~تسوده الأساطير والطقوس والنظم البدائية. كما أتاح لها الوصول إلى ~~معنى جديد للمعقولية، هو ذلك الذي يهتدي إلى تركيبات عقلية في تلك ~~الظواهر التي تبدو في الظاهر أبعد ما تكون عن العقل. # ولقد انتهى «سيباج # Sebag ~~» في دفاع ~~آخر عن البنائية ضد تهمة إنكار الإنسان، إلى نتيجة مماثلة، ولكن من ~~زاوية أخرى. فهو يعترف بأن البناءات، التي هي ذات تركيب رياضي ومنطقي، ~~يمكن أن تفهم على أنها مستقلة عن إنتاج الإنسان لها، ومن ثم فلا يمكن ~~تفسير مصدرها إلا عن طريق الاعتراف بوجودها «قبليا»، على نحو لا يخفف ~~من غموض المشكلة الأصلية في شيء، أو عن طريق افتراض لاهوتي، هو وجود ~~إله يجعل تركيب الأشياء ذاتها قابلا للحساب الرياضي # Dieu calculateur ~~، # 4 # وهو فرض يعبر عن العجز عن حل المشكلة. على أن «سيباج» يرد ~~على هذا النقد معترفا بأن كل ما ينتمي إلى ms78 مجال الإنسان لا بد أن ~~يكون من صنع الإنسان، ومن ثم فلا يصح أن نتصور البنائية على أنها نظرية ~~تجعل أصل الأنساق التي تفسر بها الظواهر الإنسانية خارجا عن نطاق ~~الإنسان. فمسألة ارتباط اللغة والأسطورة والدين والمجتمع بالإنسان ~~ونشاطه العقلي هي مسألة لا جدال فيها. ولكن من الواجب أن نفرق بين ~~مقاصدنا أو نوايانا الخاصة حين نستخدم اللغة أو الأسطورة مثلا، وبين ~~ذلك النسق الذي ينبغي أن نراعيه كلما نطقنا كلاما لغويا أو عرضنا ~~موضوعا أسطوريا. فلكي يكون كلامي مفهوما ينبغي أن ألتزم قواعد ~~معينة، وحتى لو كنت من أنصار التجديد في اللغة؛ فلا بد أن أخضع في هذا ~~التجديد لمبادئ معينة في النسق اللغوي ذاته. ومعنى ذلك أن العلاقة بين ~~الناتج وعملية الإنتاج تصبح في هذه الحالة معكوسة؛ إذ إن الناتج (هو ~~النسق اللغوي) هو الذي يتحكم في عملية الإنتاج (أي التجديد اللغوي ~~واستخدام اللغة بوجه عام) لا العكس. وهذا هو المعنى الذي يمكن أن يقال ~~به إن البناء يؤدي عمله على نحو مستقل عن الإنسان. # 5 # أما القول بوجود بناءات خارجة عن أفعال الأفراد والجماعات ~~الإنسانية التي تتعلق بها هذه البناءات، فإنه يعبر عن فهم مثالي مشوه ~~للبنائية؛ إذ إنه يؤدي إلى تجاهل العناصر والمعلومات التي لا غناء لنا ~~عنها في ذلك الجهد النظري الذي نبذله من أجل استخلاص البناء. # 6 # أي إن البناء، في رأي سيباج، مستقل «فكريا» عن الإنسان، ~~ولكنه «واقعيا» يظل مرتبطا به ومعتمدا عليه. # ويقف «فرانسوا ~~شاتليه # François Châtelet ~~» موقفا مماثلا في دفاعه عن البنائية ضد تهمة ~~التشكيك في مفهوم الإنسان، والقضاء على الحرية الإنسانية التي يقال ~~إنها تضيع عندما يصبح «النسق» مسيطرا على جميع مجالات الواقع، دون أن ~~يترك أي مجال للمبادرة الإنسانية. ففي رأي «شاتليه» أن المسألة ليست ~~عدوانا على حرية الإنسان، أو تشكيكا في مفهوم الإنسان، بل هي أولا ~~وأخيرا سعي إلى «العلمية» في ميدان دراسة الإنسان. وكل سعي إلى إخضاع ~~الظواهر الإنسانية للعلم كان يتهم في وقت ما، بأنه يقضي ms79 على حرية ~~الإنسان، ثم يتبين فيما بعد أنه يدعم هذه الحرية؛ إذ يساعد على مزيد من ~~الفهم للإنسان. وكل ما تسعى البنائية إلى القضاء عليه، في رأي شاتليه، ~~هو تلك الطريقة غير العلمية في بحث الإنسان، التي غلبت عليها النزعة ~~البلاغية والإنشائية، والتي كانت سائدة في البحوث الإنسانية قبل ظهور ~~البنائية. والواقع أنه ليس هناك ما يمنع من أن تكتسب العلوم الاجتماعية ~~طابعا موضوعيا مماثلا لذلك الذي نجده في العلوم الطبيعية، وإن كان ~~نوعه مختلفا. فالمجتمعات البشرية ليست أعقد من أن تدرس موضوعيا، وهي ~~لا تعرف ذلك الخضوع المزعوم لنزوات الحرية العشوائية ~~وتلقائيتها. # ولكي تحقق العلوم الاجتماعية هدف الموضوعية هذا، لا بد لها من أن ~~تشيد لنفسها لغة مجردة تعمل بها على تفسير عالم الحياة اليومية، ~~بدلا من أن تتحدث بلغة هذا العالم ذاته. على أن كل منهج يعتمد في ~~دراسته للإنسان على التجربة الحية، أو الوعي العلمي، يتقيد بهذه ~~اللغة اليومية، أي إنه يظل متعلقا بالمظاهر بدلا من أن يصل إلى جوهر ~~الظواهر الإنسانية. # ومن هنا كانت البنائية تستهدف الانتقال من بحث المظاهر الخارجية إلى ~~ما تطلق عليه الفلسفة الكلاسيكية اسم «الماهيات»، وبذلك تتوصل إلى ~~المعقولية الكامنة من وراء التجربة العينية المعاشة. وعلى ذلك فإن ~~البناءات لا تعدو أن تكون تلك المجردات التي تتوصل بها إلى المعقولية ~~في فهم الظواهر الإنسانية، أي إنها أنساق للمعقولية # systèmes ~~d’intelligibilité ~~. # 7 # فعلم اللغة البنائي هو الهيكل الفكري أو التصوري الذي أمكن ~~بفضله جعل اللغات الفعلية معقولة. ومفهوم اللاشعور هو الإطار الفكري ~~الذي جعل من الممكن إضفاء مزيد من المعقولية على ممارسات الإنسان ~~وسلوكه. وأنساق القرابة تضفي معقولية على الظواهر المعاشة في المجتمعات ~~البدائية. والبناء الأساسي لعلاقات الإنتاج هو التصور الذي أصبحت بفضله ~~ممارسات المجتمع، في نطر ماركس، معقولة. ومن المؤكد أن سعى البنائية ~~إلى تحقيق المعقولية في كل هذه الميادين، التي كانت خاضعة لمفاهيم غير ~~علمية تغذيها نزعة إنسانية تعتمد على «التجارب المعاشة»، وعلى ~~المظاهر الخارجية لسلوك الإنسان. هذا السعي إلى تحقيق ms80 المعقولية لا ~~يحد من حرية الإنسان، ولا ينطوي على إنكار لتصور الإنسان، إلا في ظل ~~مذهب يسيء فهم النزعة الإنسانية فحسب. # ولكن من حقنا، بعد هذا كله، أن نتساءل: هل يظل معنى النسق واحدا في ~~حالة البناء الرياضي، وفي حالة البناء الإنساني الاجتماعي؟ هل يكون من ~~المشروع تشبيه النسق الذي يجمع بين أطراف واقعية ملموسة، كنظام القرابة ~~أو علاقة الإنتاج، بالنسق الذي تكون أطرافه تجريدات عقلية خالصة؟ وهل ~~يوافق العلم على هذا التشبيه؟ يبدو أن «دوفرين # M. Dufrenne ~~» كان على حق حين قال إن البنائيين وقعوا في ~~خطأ كبير حين تصوروا أن معنى النسق واحد في الحالتين، وأن هذا الخطأ ~~راجع إلى أنهم، بقدر ما أرادوا التشبه بالعلم، لم يكونوا علماء بالمعنى ~~الصحيح؛ ولذلك كان هناك قدر من الصواب في عبارته الساخرة التي أطلقها ~~على فلسفة البناء أو النسق: «أن فلسفة النسق هي فلسفة للعلم وضعها ~~أناس لم يمارسوا العلم.» # 8 # ولكن في العبارة أيضا قدرا من الخطأ؛ إذ إن من يضع فلسفة ~~للعلم لا يتعين عليه أن يكون ممارسا للعلم. وكل محاولات «تأسيس» العلم ~~في الفلسفة تدخل في هذا المضمار. # على أن السؤال الأكبر هو: هل يقنعنا دفاع البنائية عن نفسها، كما ~~عرضنا نماذج رئيسة له من قبل، بأن البنائية لم تتجاهل الإنسان بالفعل، ~~ولم تضع مفهوم البناء أو النسق بوصفه قوة عقلية شبه دكتاتورية، تفرض ~~نفسها سواء شاء الإنسان أم لم يشأ؟ # إن الأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن البنائية أكثر انطباقا على ~~الحالات السكونية للإنسان منها على الحالات المتغيرة . ومن المسلم به ~~أن العلم يغدو أقدر على تحليل موضوعاته حين يجعلها ثابتة أو يتصورها في ~~حالة الثبات. ولكن العلم الذي يتناول الميدان الإنساني بالذات يتعين ~~عليه أن يعترف بالتغير، والحركة، والتاريخ، بوصفها مقولات أساسية لا ~~يمكن الاستغناء عنها في تفسير الظواهر الإنسانية. ومن هنا رأى البعض أن ~~الأحداث التي عصفت بأوروبا في عام 1968م (مظاهرات الطلبة في باريس ثم ~~في معظم البلاد الأوروبية، وأحداث تشيكوسلوفاكيا) قد ms81 زعزعت إلى حد ~~بعيد أركان البنائية التي كانت قد بلغت أوج ازدهارها قبل هذه الأحداث ~~بعام أو عامين. فهي قد أكدت مرة أخرى أهمية عوامل الحركة والتغيير، ~~وقدرتها على دفع العقل الإنساني إلى مراجعة كثير من المفاهيم التي ~~يضعها في حالاته السكونية، وشككت الأذهان، من حيث المبدأ، في إمكان ~~وجود أي بناء ثابت لعقل الإنسان وأنظمته. # وفي اعتقادي أن المشكلة الأساسية التي تثيرها البنائية هي: هل ~~الإنسان، بالنسبة إلى النظم التي تسود حياته، فاعل أم مفعول؟ إن أنصار ~~البنائية يغلبون صفة «المفعولية» للإنسان بالنسبة إلى هذه النظم، على ~~حين أن نقادها يغلبون صفة «الفاعلية». ولقد لخص سارتر سمة الفاعلية ~~حين قال: «إن الشيء الهام هو ما يفعله الناس بما فعل بهم.» # L’important ... c’est ce que les homes font de ce ~~qu’on a fait d’eux. # فإذا كانت البنائية تؤكد على الدوام أن البناء «موجود هناك»، بغض ~~النظر عن الاختلافات في ظروف الحياة الإنسانية التي يطبق فيها هذا ~~البناء؛ فإن قدرة الإنسان على القيام برد فعل على هذا البناء، حتى لو ~~كان «موجودا هناك»، هي الأمر الجدير بالاهتمام حقا. # ومن هنا كان الميل الذي نلمسه لدى كثير من البنائيين إلى تصوير ~~الأنساق أو البناءات كما لو كانت تؤثر وتمارس فعلها وحدها، دون أن يكون ~~للإنسان دور فيها، أعني الميل إلى جعل الإنسان «مفعولا»، لا «فاعلا»، ~~يعبر عن نزوع إلى السلبية وقبول الأمر الواقع. ولقد ضرب «دوفرين» ~~للتضاد بين سلبية الإنسان وفاعليته إزاء النسق مثلا طريفا، فقال: إن ~~المشكلة التي ينبغي أن تفكر فيها الفلسفة المعاصرة بإمعان هي كيف ~~استطاعت جبهة التحرير الفييتنامية أن تقاوم الأميركيين بكل هذا النجاح ~~(وهي لم تكن قد انتصرت بعد عندما قال هذا الكلام). فتلك واقعة تثبت ~~انتصار الفاعلية الإنسانية على العقول الإلكترونية التي طالما استعان ~~بها الأميركيون في التخطيط وفي ممارسة الحرب ذاتها. وما العقول ~~الإلكترونية إلا تجسيد «للنسق». وهكذا فإن الأنساق لا تستطيع أن تسير ~~في طريقها بلا مقاومة، ولا تستطيع أن تكبت فاعلية الإنسان وتجعله ms82 مجرد ~~مفعول. # وهكذا تظهر الصورة أخيرا، في ضوء تطور التاريخ، مؤيدة لفكرة القدرة ~~الفعالة للإنسان، حتى على أشد الأنساق والبناءات ثباتا. فأحداث عام ~~1968م تفجر الإطار السكوني للبنائية، وتنبه العالم إلى أهمية رد الفعل ~~الإنساني على كل نسق يبدو ثابتا، وانتصار فيتنام يبدو كما لو كان ~~هزيمة لمبدأ أساسي تقوم عليه البنائية، هو استقلال الأنساق عن ~~الإنسان. # ولكن، إذا كان التاريخ قد بادر إلى الإدلاء بشهادته بعد بلوغ ~~البنائية قمتها مباشرة، فلنذكر - أخيرا - أننا لسنا في حاجة ملحة ~~إلى شهادة التاريخ؛ لكي ندافع عن فاعلية الإنسان إزاء بناءاته. فالمنطق ~~الداخلي للبنائية هو خير شاهد على ما نقول: إذ إن كل البنائيين الكبار ~~من ستروس إلى ألتوسير، ومن فوكو إلى لاكان، قد بذلوا جهدا عقليا لا ~~نظير له، ومارسوا «فاعليتهم» الذهنية إلى أقصى حد؛ لكي «يكتشفوا» ~~بناءات يقولون إنها تجعل ذهن الإنسان «مفعولا»! # | ملاحظات # | أهم المراجع # Claude Lévy-Strauss: # Les Structures élémentaires de ~~la parenté Paris ~~1949. # Tristes Tropiques. Paris ~~1955. # Anthropologie structurale. Paris. # La Pensée sauvage ~~1962-1958. # Mythologiques (3 Vols.) Paris ~~1964-1968. # Jean-Paul Sartre: Critique de la raison ~~dialectique. Paris (Gallimard) ~~1963. # J. Lacan: Ecrits. (Editions du seuil) ~~1966. # M. Foucault. Les Mots et le Choses. ~~Gallimard 1966. # L. Althusser: # Lire Le Capital (2 vols.), 1965 ~~(Maspéro). Pour Marx 1965, ~~(Maspéro). # Lénine et la philosophie 1970, ~~(Maspéro). # Elements d’auto-critique 1974, ~~(Hachette). # F. de Saussure: Cours de linguistique ~~Générale (Payot) 1925. # Les Temps Modernes (numero spécial) Novemre ~~1966. # Structuralisme et marxisme (plusierus ~~auteurs). Union Générale d’Edition, ~~1970. # J. Piaget: Structuralisme (English Trans.) ~~Routledge & Kegan Paul, ~~1971. # F. Châtelet: Histoire de la philosophie. ~~Tome 8. (Hachette) 1973. # E. Leach: Lévi-Strauss. London (Fontana ~~Books) 1970. # Jean-Marie Auzias: Clafs pour le ~~structuralisme. Paris (Seghers) ~~1967. # L. Sebag: Structuralisme et marxisme. ~~(Payot), 1969. # J. Milhau: Chroniques philosophiques. ~~(Editions Sociales), 1972. # The Philosophical Foundations of ~~Structuralism # By: Dr. Fouad H. ~~Zakaria ~~(Summary) # The paper starts by stating that ~~structuralism, as a method, was known from ancient times, ~~while, as a total system of thought, it ms83 is a recent ~~phenomenon. # Its philosophical roots may be traced ~~to various sources, of which one of the most important is ~~Kant’s philosophy. The latter, too, was seeking an a-priori ~~schema within which the variety of experience may be ~~organized, consists of mental forms. Structuralism ~~constitutes one episode in the long series of attempts to ~~elevate the study of man to the level of rigorous science, ~~hence the important role played by the linguistic model in ~~it. Philosophically speaking, the main ~~feature of structuralism is its opposition to empiricism on ~~the one hand and historicism on the other. According to it, ~~man’s mind and its cultural products grow organically, with ~~a hard core of forms which remain unchanged, although they ~~are incessantly elaborated and made more complex in the ~~process of growth. It is the discovery of these stable ~~elements which, for structuralism, justifies its claim to ~~be a rigorous scientific study of man and ~~society. # The paper gives an exposition of the ~~philosophical foundations of structuralism as examplified in ~~a few of its main representatives: ~~(1) Lévy-Strauss: # The philosophical formation of Strauss is ~~evident in the stress he lays on the role of the human mind ~~in moulding all of its cultural products. Man’s mind tends ~~to subsume various groups of experiences under one basic ~~structure, which forms the basis of all the apparent aspects ~~of social institutions. It was this philosophical character ~~of his research that provoked other anthropologists to ~~criticize him severely, on the ground that he dogmatically ~~kept his “structures” aloof from the stream of time. This ~~was also the origin of the famous controversy between ~~Strauss on the one hand, and Sartre and Existentialism on ~~the other. ~~(2) Michel ~~Foucault: # In his “Las Mots et Jes Choses”, Foucault ~~attempts to discover, in a non-historical manner, the ~~distinctive ms84 structure of each period in modern European ~~intellectual history since the Renaissance. He arbitrarily ~~fixes that structure to the point of neglecting many basic ~~elements without which each period would be ~~incomprehensible. ~~(3) The Structurlist ~~Marxists: # Lucien Sebag made an attempt to combine ~~Structuralism and Marxism on the ground that Marx was ~~seekig “total” forms or schemata which go beyond those ~~economic factors exclusively stressed by traditional ~~Marxism. The result was that Sebag denied the absolute ~~causality of the economic factor which, for him, formed only ~~a part of a much wider schema. # Louis Althusser’s attempt was more important. ~~He tried to restore the scientifically rigorous character of ~~Marxism, to stress its independance of Hegel and of the ~~whole previous philosophical tradition, and to found it on a ~~socio-economic structure of which man himself is only a ~~part. # He replaced traditional causality between the ~~infrastructure and the superstructure by a more complicated, ~~multiform causality. This attempt was criticized because of ~~its unilateral, arbitrary interpretation of Marxism as an ~~exact science, and its tendency to discard ~~Man. # The paper concludes by criticizing stucturalism ~~as a whole for the same reason, i. e. ignoring Man, together ~~with history and evolution. It is true that Piaget and Sebag ~~tried to reconcile structuralism with some sort of ~~historicism, through a more accurate definition of Man as ~~envisaged by structuralism. However, this defence was not ~~utterly convincing. Structuralism did not sufficiently take ~~into account the factors of movement, change and activity. ~~It stressed Man in his “static” condition, when he is acted ~~upon, instead of being active. ms85