######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.KamCumrGhadab.Hindawi13020962 #META# Tags: history #META# ID: 13020962 #META# Title: كم عمر الغضب؟: هيكل وأزمة العقل العربي #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - انتقام الأرشيف‏ # 2 - من الذي يشتم مصر؟‏ # 3 - لعبة الأحياء والأموات‏ # 4 - ظروف العائلة أم اختيار مقصود؟‏ # 5 - التاريخ والحقيقة الضائعة‏ # 6 - ورثه مصر، ونسى!‏ # 7 - مع السادات على جناح واحد‏ # 8 - الجذور‏ # 9 - عمنا سام‏ # 10 - من الذي هدم الهيكل؟‏ # مقدمة‏ # 1 - انتقام الأرشيف‏ # 2 - من الذي يشتم مصر؟‏ # 3 - لعبة الأحياء والأموات‏ # 4 - ظروف العائلة أم اختيار مقصود؟‏ # 5 - التاريخ والحقيقة الضائعة‏ # 6 - ورثه مصر، ونسى!‏ # 7 - مع السادات على جناح واحد‏ # 8 - الجذور‏ # 9 - عمنا سام‏ # 10 - من الذي هدم الهيكل؟‏ # | كم عمر الغضب؟ # | كم عمر الغضب؟ # | هيكل وأزمة العقل العربي # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # قبل أن يظهر كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المشهور «خريف الغضب» في الأسواق، نشر على ~~هيئة سلسلة من المقالات في صحيفة «الوطن» الكويتية، وطوال الوقت الذي كانت تنشر فيه هذه ~~المقالات، كانت سلسلة أخرى من الأفكار تتفاعل في ذهني وتتبلور يوما بعد يوم. كان كتاب ~~هيكل، بغير شك، هو السبب المباشر في إثارة هذه الأفكار، ومع ذلك فقد كانت أصولها أبعد من ~~ذلك وأعمق بكثير؛ إذ كانت في نهاية المطاف تأملات في تلك الأزمة العقلية الشاملة التي ~~شوهت تفكيرنا، حكاما ومحكومين، في النصف الثاني من القرن العشرين. وحين اطلعت على ردود ~~الفعل التي أثارها كتاب هيكل، أو ما نشر منه، في الأوساط الرسمية والإعلامية والثقافية ~~المصرية، والطريقة التي استجاب بها الناس له، ما بين موافق ومخالف، ازدادت الأمور في ذهني ~~وضوحا، وتبين لي أن المناخ السائد، الذي تولدت عنه هذه الأزمة العقلية، يلف الجميع، من ~~مؤيدين ومعارضين، مهما بدا من اختلاف ردود أفعالهم في الظاهر، وكانت المهمة التي أخذتها على ~~عاتقي هي أن أحدد أبعاد هذه الأزمة، وأثبت أن المشكلة ليست مشكلة هيكل وحده، أو مشكلة ~~التضاد بين هيكل وتلك القوى التي وقفت تحتج وتعترض عليه، وإنما هي أوسع من ذلك وأخطر، فقد ~~تشوهت أشياء كثيرة في عقولنا، بفعل فترة القمع الطويلة التي لم تسمح لفكرنا بأن ينمو ~~ويتطور بحرية، ms001 وإذا كان هذا التشويه قد ظهر بوضوح كامل في معركة «خريف الغضب»، بين أنصار ~~هيكل وخصومه، فإن هذه المعركة لم تكن في الواقع إلا مظهرا واحدا لداء أصبح متأصلا في ~~عقولنا، ولطريقة في التفكير فرضت نفسها على مختلف أطراف الصراع السياسي والاجتماعي الراهن. # في ضوء هذه الفكرة المحورية سجلت آرائي في هذا الموضوع في عشر مقالات كتبتها في عشرة ~~أيام، وإن كان مضمونها حصيلة تفكير طويل، وظهرت في صحيفتي «الوطن» الكويتية، و«الرأي» ~~الأردنية في وقت واحد، ونشرت خلال شهري يونيو، ويوليو 1983م، وكانت ردود الفعل على هذه ~~المقالات دليلا واضحا على صحة تشخيصي للأزمة، التي انتابت العقل العربي نتيجة لعهود القمع ~~الطويلة. # منذ اللحظة الأولى اتخذت صحيفة «الوطن» الكويتية، موقفا مناوئا لي ومجاملا لصاحب ~~«خريف الغضب»، وكان جزء من هذا الموقف راجعا إلى النفوذ الضخم، الذي يمارسه صاحب ذلك ~~الكتاب على قطاعات هامة من الصحافة العربية، وجزء آخر راجعا إلى إحساس الكثيرين، من ~~المسئولين عن النشر في تلك الصحف، بأن الأفكار التي أحللها وأنقدها تزعزع كثيرا من ~~المعاني والقيم الراسخة في نفوسهم، وقد ظهر ذلك بوضوح صارخ فيما بعد، حين قامت هذه الصحيفة ~~بحذف الجزء الأساسي من المقال التاسع، الذي يتناول علاقة هيكل الخاصة بأمريكا، وعنوانه: ~~«عمنا سام». وكان المضحك المبكي في عملية الحذف هذه هو أن الجزء المحذوف، كان في معظمه ~~اقتباسا طويلا من كتاب سابق لهيكل نفسه، وهو اقتباس يستطيع القارئ أن يستنتج منه بسهولة، ~~أن أمريكا تتوقع من هذا الصحفي الكبير أن يلبي لها طلبات غير عادية، لا هدف لها سوى ~~تحقيق المصالح الأمريكية الخاصة، ولم أكن في هذا الجزء بالذات إلا ناقلا لكلام هيكل ذاته، ~~مع بعض التعليقات البسيطة، ومع ذلك فإن الصحيفة الناشرة كانت تخشى على هيكل من هيكل نفسه، ~~فأدى بها حرصها على إرضائه إلى الامتناع عن نشر كلماته ذاتها! # على أن ردود فعل الجمهور على ما نشرت كانت تستحق التأمل؛ فقد وجد ما كتبته صدى طيبا ~~لدى فئتين؛ فئة الشباب من جهة، وفئة ms002 الكبار الذين كان وعيهم السياسي والاجتماعي، قد بدأ ~~يتبلور قبل ثورة 1952م من جهة أخرى. كان الشباب متحمسين لما كتبت؛ إذ كانوا يرون فيه ~~طابعا غير مألوف، يستجيب لرغبتهم في نقد الأوضاع الفاسدة من الجذور، وكان النقد الحاد الذي ~~وجهته إلى أسلوب التفكير السائد في عهد كامل، يتمشى مع ما يلمسونه حولهم كل يوم من ~~مظاهر الانهيار الناجمة عن أخطاء ذلك العهد، ويتجاوب مع طموحهم إلى تشييد بناء جديد، مختلف ~~بصورة جذرية عن الأوضاع القائمة والمتوارثة. أما الكبار فكانوا سعداء بما كتبت؛ لأنه ~~يمثل خروجا عن الأطر الضيقة، التي ظل الفكر السياسي يدور فيها، حتى في كثير من أوساط ~~المعارضة، طوال العقود الثلاثة الأخيرة. # أما الفئة التي وقفت موقف المعارضة مما كتبت، فكانت تنتمي إلى الجيل الأوسط، أعني ما ~~يطلق عليه جيل الثورة، ولست أعني بذلك أن جميع أفراد هذه الفئة قد اتخذوا من كتابتي ~~موقفا سلبيا؛ إذ إن الكثيرين منهم أبدوا تحمسا واضحا، ولكن ما أعنيه هو أن الجزء ~~الأكبر من المعارضين كانوا ينتمون إلى هذه الفئة. # كان عدد غير قليل من هؤلاء المعارضين من ذوي الارتباطات السابقة بثورة 23 يوليو، وكان ~~همهم الأكبر هو الدفاع عن هذه الارتباطات، وتلك في الواقع ظاهرة مؤسفة في حياتنا السياسية ~~المعاصرة. فيكفي أن يكون المرء قد احتل يوما ما موقعا في الاتحاد الاشتراكي، أو منظمة ~~الشباب، أو التنظيم الطليعي، حتى يهب لمهاجمة كل من يتصدى بالنقد لممارسات ثورة يوليو، ~~وكأن هذا الناقد يوجه إليه هجوما شخصيا يتعين عليه أن يصده بهجوم مضاد، يدافع به عن ~~ارتباطه السابق ويبرره، في ثنايا دفاعه عن النظام كله وتبريره. والأمر الذي فات هؤلاء هو أن ~~المنظور الذي كتبت منه لا علاقة له بالأشخاص وانتماءاتهم، وإنما هو منظور أوسع من ذلك ~~بكثير، يرصد التيارات والاتجاهات ويوضح جوانب القصور فيها، مستهدفا غاية أسمى بكثير من ~~الانتقام من عهد معين أو تصفية الحساب مع المتعاونين معه. والأهم من ذلك أن التدهور الذي ~~أصاب كافة جوانب حياتنا، كان كفيلا بأن ms003 يجعل أصحاب الارتباطات السابقة، ينسون أشخاصهم ~~ويركزون تفكيرهم في أوضاعنا المتردية، وفي أفضل السبل لإنقاذ وطننا من الهاوية التي ينزلق ~~إليها بسرعة رهيبة. ولكن يبدو أن الحرص على تبرئة الذات وتبرير تاريخها السابق، أهم لدى ~~الكثيرين من مد يد المعونة إلى الوطن الغارق. # وهكذا اعتقد الناصريون أنني لم أقصد، من كل ما كتبت، سوى عبد الناصر، وأغمضوا عيونهم عن ~~جميع الشواهد القاطعة، التي تدل على أنني تصديت لأسلوب في الحكم، لا لأشخاص، ولم أتعرض ~~لعبد الناصر أو للسادات أو لهيكل، إلا بقدر ما كانوا يجسدون هذا الأسلوب في فكرهم أو ~~ممارساتهم، واعتقد بعض اليساريين أن انتقادي لهيكل، في الوقت الذي كان يخوض فيه معركة ضد ~~المؤسسة الساداتية، كان نوعا من السذاجة السياسية التي تؤدي موضوعيا إلى خدمة المعسكر ~~الساداتي. ولو كان هؤلاء قد أمعنوا التفكير فيما كتبت؛ لتبين لهم أن النقد الذي وجهته ~~إلى أسس النظام الساداتي كان أكثر فعالية بكثير من انتقادات هيكل؛ ذلك لأن صورة السادات ~~عند هيكل تظل دائما مهتزة غير محددة المعالم؛ فهو يصوره مغامرا غير وطني في شبابه قبل ~~الثورة، ثم واحدا من أقرب المقربين إلى زعيم وطني كبير، ثم رئيسا للبلاد أعطاه هيكل، ~~خلال سنواته الأولى والحاسمة، كل تأييده، آملا أن «يمنحه فرصة» يمحو فيها تاريخه القديم ~~المشين، ثم قائدا لا يعرف كيف يدير - سياسيا - معركته العسكرية الكبرى، ثم زعيما ~~متهاونا ومستسلما أمام أعداء الوطن ... إنها صورة خالية من التماسك والاتساق، وما كان من ~~الممكن إلا أن تكون على هذا النحو؛ إذ إن مواقف هيكل نفسه من السادات كانت أبعد ما تكون عن ~~الاتساق، وكانت تتراوح بين التأييد المطلق والعداء المطلق، مع إنكار العداء السابق وقت ~~التأييد، وإنكار التأييد السابق وقت العداء. وهكذا كان الاهتزاز في صورة السادات، كما رسمها ~~هيكل، تعبيرا عن التذبذب الحاد في مواقف هيكل نفسه. فهل هذا الموقف الأعرج هو الذي يمكن ~~الاعتماد عليه في نقد الظاهرة الساداتية؟ ألن يكون النقد المتسق، المتماسك، الصادر بدوافع ~~موضوعية لا تشوهها ارتباطات أو ms004 تبريرات، هو الأقدر على كشف السمات الحقيقية لهذه ~~الظاهرة؟ # ولقد كان الوجه الآخر لهذه الرؤية الضيقة، هو تصدي بعض الناصريين للدفاع عن هيكل بوصفه ~~رمزا للناصرية، ناسين تماما تلك المعركة التي خاضها بكل ضراوة، جنبا إلى جنب مع السادات، ~~في عام 1971م، ضد الكتلة الرئيسية من الناصريين الذين أطلق عليهم اسم «مراكز القوى»، وتلك ~~الخلافات الحادة التي نشبت بينه وبين أشد العناصر الناصرية إخلاصا لمبادئها، وذلك الدور ~~الحاسم الذي لعبه في سنوات السادات الأولى، من أجل تهيئة عقول الناس للتحول الحاسم، الذي ~~كان يخطط له بذكاء من أجل هدم دعائم أساسية للناصرية. ~~••• # أعود فأقول إن ردود الأفعال هذه كانت دليلا آخر على صحة التشخيص، الذي قمت به في هذا ~~الكتاب للتشويه الذي لحق عقولنا بعد سنوات طويلة من الممارسات الملتوية المقيدة بألف قيد، ~~فقد ظهر لي بوضوح كامل أن عددا لا يستهان به من مثقفينا، ما زالوا يصرون على تصنيف ~~المفكرين السياسيين، في إطار تلك الثنائية المحدودة؛ الناصرية أو الساداتية. فأنت في نظرهم ~~لا بد أن تكون هذا أو ذاك، وإذا انتقدت أحدهما فلا بد - في رأيهم - أن يكون هذا النقد لحساب ~~الآخر، أما أن يتخذ المفكر لنفسه موقعا خارج نطاق هذه الثنائية، ويقف من الطرفين معا ~~موقفا ناقدا متحررا، كما حاولت أن أفعل في هذا الكتاب، فهذا ما يعجزون عن تصوره أو ~~استيعابه. # والحق أن هذا الكتاب سيكون قد حقق الهدف، الذي يرمي إليه كاتبه لو استطاع أن يقنع ~~القارئ بأن مصر أوسع وأرحب، من أن تختزل إلى هذه الثنائية الضيقة المحصورة في إطار ثورة ~~يوليو، وبأن العهدين الناصري والساداتي، وإن اختلفا تماما في مضمونهما وأهدافهما، قد أخضعا ~~مصر لأسلوب فردي في الحكم، كان هو المسئول عن القدر الأكبر من هذا التدهور، الذي نلمسه في ~~كل جوانب حياتنا، وهذا الانهيار القاتل في معنويات الإنسان، ولو لم يدرك القارئ عن وعي ~~طبيعة المنظور الاستقلالي الذي كتبت به هذه الصفحات، لأفلت منه الخيط الأساسي الجامع ~~بينها، وعجز عن فهم الهدف الحقيقي ms005 الذي يرمي إليه كاتبها. # فؤاد زكريا # أبريل 1984م # الفصل الأول # | انتقام الأرشيف # لن أكون قد أضفت جديدا لو قلت إن هيكل، في «خريف الغضب » قد قال الكثير، ولكن الجديد ~~الذي أود أن أضيفه هو أن ما لم يقله هيكل أهم وأخطر بكثير مما قاله. # لقد أثارت المعلومات الهائلة التي فجرها هيكل في كتابه، والتي لم يكن أحد غيره يستطيع ~~أن يصل إليها أو يعبر عنها بمثل هذه الدقة، عاصفة عاتية في مصر، سرعان ما امتدت إلى سائر ~~البلاد العربية. كان هيكل هنا يكتب، لأول مرة، «بصراحة»، ولم يكن من العسير على القارئ ~~الواعي أن يدرك أنه تخلى، في «خريف الغضب»، عن الأسلوب الدبلوماسي الحذر، وعن طرق التعبير ~~غير المباشر التي كانت تميز «صراحاته» في معظم الأحيان. كان هيكل هنا، لأول مرة، في مواجهة ~~حقيقية أمام حاكم كان نظامه لا يزال، بعد موته، يحتفظ بالكثير من أعراض الحياة، بل كانت ~~روحه لا تزال - في رأي البعض - ترفرف بقوة على معظم جوانب الحياة الرسمية في مصر، وجاءت ~~المواجهة قاسية، مريرة، نافذة بضرباتها إلى الصميم. # وحين بدأت المعركة الحامية حول الكتاب، كانت تحمل سمة فريدة يقف أمامها الفكر الواعي ~~حائرا؛ فقد كانت، بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من المصريين، معركة ضد شبح مجهول، كانت ~~الردود تتوالى، بعضها مؤيد ومعظمها معارض، دون أن يكون أحد قد عرف عن موضوع المعركة ~~وأسبابها إلا معلومات أولية، نقلتها حلقات قليلة جدا من الكتاب، وتسربت إلى الجمهور ~~قبل أن يصدر قرار المنع، ومع ذلك فقد استمرت المعركة بعد المنع، وضد هذا الشبح المجهول، بكل ~~حدتها وعنفوانها، وكانت تلك المعركة ذاتها من أبرز أعراض ذلك المرض، الذي عانى منه ~~المصريون مرارا طوال الأعوام الثلاثين الأخيرة، أعني أن يروا أجهزة إعلامهم تمتشق سيوفها ~~بكل الحماسة والغضب، ضد عدو لم تتح لهم فرصة معرفته. # في هذه المعركة كان الاستقطاب واضحا؛ فقد أعطاها أنصار هيكل وخصومه طابع الصراع بين عهد ~~السادات وعهد عبد الناصر، كان المصفقون المتحمسون لما كتبه هيكل هم أنصار عبد ms006 الناصر، ~~بحيث لم يقتصر إعجابهم بالكتاب على ما حواه من فضائح تمس العهد الساداتي، بل كان من أهم ~~أسباب ترحيبهم به ما احتواه من دفاع، صريح تارة وضمني تارة أخرى، عن العهد الناصري. ومن ~~جهة أخرى فقد كان الناقدون الناقمون على الكتاب هم، بلا استثناء تقريبا، من مؤيدي سياسة ~~السادات، فلم يقتصروا في هجومهم على تبرير تلك السياسة، وإنما اغتنموا الفرصة لكي يجروا ~~مقارناتهم المألوفة بين العهدين، ويثبتوا (على طريقتهم الخاصة) إلى أي حد تمكن العهد ~~اللاحق من إصلاح ما أفسده العهد السابق. # وهكذا كان هيكل، في نظر البعض، شاهد صدق فضح عهدا فاسدا بأدلة لا تنكر، وكان في نظر ~~البعض الآخر مفتريا على الحق، مختلقا للأكاذيب، ناشرا للباطل. ولم يكن أمام الجمهور ~~إلا أن يختار بين هذين الطرفين: فأنت إما مع هيكل، فتصدق كل ما كتب، وإما ضده، فتكذب كل ~~ما قال. # أما كاتب هذه السطور فيؤمن إيمانا راسخا، بأن هذا الاستقطاب للجماهير بين ناصريين ~~وساداتيين، وهذا الاختيار المفروض عليهما بين التصديق المطلق والتكذيب المطلق، ما هو إلا ~~مظهر خطير لضيق الأفق السياسي، الذي فرض نفسه على عقولنا في العقود الأخيرة، فالقضايا ~~الحقيقية التي تثيرها عملية «الفضح» في كتاب هيكل، لا تؤدي أبدا إلى الاختيار بين عهدين، ~~وإنما تؤدي إلى إلقاء ظلال من الشك على مرحلة بأكملها، تشمل العهدين معا، ويمكن أن تشمل ~~غيرهما أيضا، أما الاختيار الآخر بين التصديق والتكذيب، فلا بد للعقل الواعي أن يتجاوزه، ~~والموقف الذي أدافع عنه هو أن في وسع المرء، أن يصدق الكثير جدا مما قاله هيكل، دون أن ~~يكون مع ذلك مؤيدا لهيكل. # هذا الكلام قد يبدو لغزا غير قابل للفهم، ولكن المعنى المقصود يظهر بوضوح من مثال ~~بسيط: لو فرضنا أن أحد أفراد عصابة «المافيا»، قد انشق عن الجماعة وأفشى أسرارها للمحقق، هل ~~سيكون هذا المحقق ملزما، إذا صدقه فيما أدلى به من معلومات، بأن يؤيده وينحاز إليه؟ ~~إنني لا أود أن يؤخذ هذا التشبيه بحرفيته، ولكن كل ما قصدته منه ms007 هو أن أضرب مثلا لتلك ~~الحالات، التي يمكن أن يكون فيها أحد طرفي النزاع صادقا، ومع ذلك لا يستحق التأييد ولا ~~التمجيد، وهذا المعنى الأخير هو الذي يلخص موقفي من كتاب هيكل، الذي أصدق الكثير مما ~~احتواه، وأرحب به؛ لأنه قدم إلي معلومات ما كانت لتصلني لولا هيكل، ولكني في الوقت ذاته ~~لا أؤيد صاحبه ولا أشعر بتقدير كبير للبواعث التي دعته إلى تأليفه. # إن ما يهمني، منذ البداية، هو أن يكون موقفي واضحا كل الوضوح، ولست أطالب القارئ، منذ ~~هذه اللحظة، بأن يقتنع برأيي؛ لأن هذا الاقتناع ~~- إذا حدث - سوف تنسج خيوطه ببطء وتدرج خلال حلقات متتابعة من حديث طويل، ولكن ما أطالب ~~به وأصر عليه هو ألا يكون هناك أي لبس في الموقف الذي سأتخذه. فالقضايا الحقيقية التي ~~يثيرها كتاب هيكل هي، كما قلت، تلك التي لم يصرح بها، أو تلك التي تؤدي إليها كتاباته دون ~~أن يقصد. والمشكلة التي تطل علينا من بين غلافي هذا الكتاب أوسع من أن تكون مشكلة هيكل ~~وحده، أو السادات وحده، أو عبد الناصر وحده، إنها مشكلة أسلوب كامل في الحكم، كانت القضايا ~~التي أشار إليها هيكل (ببراعة ودقة) مجرد عرض من أعراضه، وعلى الرغم من أنني سأشير في ~~كثير من الأحيان إلى ما قاله هيكل في «خريف الغضب» فإن هدفي الحقيقي ليس التعليق على كتاب ~~أو نقد مؤلفه، بل إن هدفي هو الكشف عن تلك الظروف والأوضاع التي جعلت الكاتب، والكتاب، ~~والرؤساء الذين يتحدث عنهم، على ما هم عليه. # ولكي يزداد موقفي وضوحا، فإني أود أن أعلن منذ البداية أنني أؤيد هيكل في الكثير مما ~~قال، ولكنني أستنتج من كل ما قاله أمورا مختلفة كل الاختلاف، تجعلني معارضا لاتجاهاته ~~العامة في معظم الأحيان، ولست أود أن يستنتج الساداتيون من معارضتي لاتجاهات هيكل أنني ~~أقف معهم على أي أرض مشتركة، بل إنني أرفض على نحو قاطع أية محاولة منهم لاستغلال ~~انتقاداتي لهيكل من أجل دعم موقفهم؛ فأنا، بلا مواربة، معارض للساداتية بكل ms008 قوة، ولكن هذا ~~لا يعني أنني أنحاز إلى الطرف الآخر في الاستقطاب السائد في هذه الأيام، بل إنني أكتب من ~~منظور أوسع من هذا الاستقطاب بكثير، ولا أقبل أن يجرني أحد إلى طرف من أطرافه. # إن هيكل يقوم في هذا الكتاب بمحاولة مستحيلة، هي أن يقتطع عهدا من سياقه الكامل، ويعزله ~~عن سوابقه، وأية نظرة مدققة إلى تاريخ العقود الثلاثة الأخيرة في مصر، تقنعنا باستحالة ~~فصل قطعة من هذا التاريخ عن مقدماتها الضرورية. فلنسلم منذ البدء بأن لكل نظام في الحكم ~~شكلا وموضوعا، أما المضمون فهو اتجاه السياسات التي يتبعها، وأما الشكل فهو الأسلوب الذي ~~يطبقه من أجل تنفيذ هذه السياسات، وإذا كان من المسلم به أن مضمون العهد الساداتي ~~مختلف اختلافا كبيرا عن مضمون العهد الناصري، فإن من الحقائق التي ينبغي ألا تغيب عن ~~الأذهان أن «شكل» الحكم، أي أسلوبه، كان متشابها إلى حد كبير وبعيد طوال ثورة 23 يوليو، ~~ويحمل معظم ملامحه الأصلية حتى اليوم. ولقد تحدث هيكل أساسا عن الاختلاف - الذي ينبغي ~~الاعتراف به - بين الاتجاهات السياسية عند عبد الناصر والسادات، ولكنه كاد أن يغفل تماما ~~الحديث عن التشابه بين أسلوب الحكم في كلا العهدين، وفي هذا الجانب الأخير يعد السادات ~~امتدادا لمنهج في الحكم أرست قواعده ثورة 23 يوليو، ويجوز أنه أضاف إليه اجتهاداته ~~«وابتكاراته» الخاصة هنا أو هناك، ولكن جوهر الأسلوب واحد من البداية إلى النهاية، وأعني به ~~الحكم الفردي الذي يؤمن بحقيقة واحدة، هي ما يعبر عنه الحاكم، ويقمع كل ما عداها. # وهكذا فإن كل إشارات هيكل إلى أخطاء ممارسات الحكم الساداتية قد تكون صائبة، ولكن الأمر ~~الذي يغفله هو أن من المستحيل فصل النتيجة عن السبب، وأن الصورة تكون ناقصة نقصا خطيرا، ~~لو اكتفينا بمظهرها الأخير وتجاهلنا امتداداتها السابقة. ومجمل القول أن هيكل كان على حق ~~عندما كشف العيوب الخطيرة للنظام الساداتي، ولكنه كان مقصرا تقصيرا مخلا حين عزل هذا ~~النظام عن سياقه، ولم ينظر إليه على أنه جزء من ظاهرة أوسع منه ms009 بكثير - مع اعترافنا الكامل ~~بأن هذه الظاهرة بلغت قمتها المأساوية في العهد الساداتي على وجه التحديد. # أما الخطأ الرئيسي الثاني الذي اتسم به موقف هيكل، والذي يعد بدون مبالغة عرضا من ~~أعراض مرض أوسع نطاقا، فهو أنه استثنى نفسه تماما من اللوم، وصب اتهاماته على الغير، ~~وكأنه كان طوال الوقت مشاهدا محايدا، أو ناصحا أمينا لا يستمع إليه أحد. ولقد بحثت ~~طوال الصفحات التي قاربت الستمائة في كتاب هيكل، عن سطر واحد من النقد الذاتي، فلم أجد، ~~وكان أقصى ما قاله عن نفسه هو أنه تصور أن السادات سيفعل كذا أو كذا ولكن تصوراته لم ~~تتحقق، ويكون المعنى الضمني دائما هو أن الخطأ في عدم تحققها، يرجع إلى أن الطرف الآخر لم ~~يستمع إلى نصحه، أو لم يفعل ما كان هيكل يأمل أن يفعله. وكل من عاش هذه الفترة وتابعها ~~بوعي، ولم يفقد ذاكرته تحت وطأة الدعايات المتلاحقة، التي تتخذ كل يوم موقفا مناقضا لليوم ~~السابق، يعلم حق العلم أن هيكل كان جزءا لا يتجزأ من معظم الأخطاء التي يعيبها على ~~السادات، وأن دوره قد بلغ ذروة التأثير في سنوات التكوين الأولى، التي تشكلت فيها معالم ~~السياسة الساداتية الجديدة، والتي ترجع إليها معظم التطورات اللاحقة. هذه حقيقة لا بد أن ~~يثبتها التاريخ على نحو قاطع، ومع ذلك فإن من يبحث عند هيكل عن كلمة واحدة تعبر عن تأنيب ~~الضمير أو مراجعة النفس، أو نقد الذات على ممارسات غرست البذرة الأولى والأساسية للشجرة، ~~التي نمت معوجة فيما بعد، سيكون بحثه قد ضاع هباء. # عند هذه النقطة لا يملك المرء إلا أن يتساءل: ما الذي أتاح لهيكل كل هذه الفرصة التي ~~مكنته من أن يوجه نقدا موجعا للعهد الساداتي، إذا كان هو ذاته قد أعطى هذا العهد، ~~بجهوده الواعية والمتعمدة، معالمه الأولى التي حددت قسماته وملامحه لوقت طويل فيما بعد؟ ~~هنا لا يملك المرء إلا أن يفكر مليا في قول هيكل، في مستهل كتابه، إن فكرة الكتاب قد ~~طرأت على ذهنه، منذ ms010 اللحظة الأولى لدخوله المعتقل في سبتمبر 1981م، ثم قوله في الفصول ~~الأخيرة من الكتاب، إنه لم يكن يتصور أن السادات سيقدم على اعتقاله، على الرغم من كل ما ~~بينهما من خلافات. # لقد كان لدى هيكل سلاح جبار يخشاه الجميع، وهذا السلاح هو الذي جعله واثقا من أنه لن ~~يعتقل، فلما تجاوز السادات الحد، في لحظة يأس لم يترك فيها اتجاها من اتجاهات الفكر ~~والسياسة والعقيدة في مصر إلا واعتقل أهم ممثليه، قرر هيكل أن يصوب إلى السادات طلقات ~~سلاحه الجبار: الأرشيف. # لقد كان هذا السلاح، منذ البداية، نتاجا لظاهرة الحكم الفردي التي ازدهر في ظلها هيكل، ~~فمن خلال صلته الوثيقة بعبد الناصر، كانت الأسرار والوثائق الخطيرة تأتيه وحده دون غيره، ~~وكان هو ذاته يحرص على تسجيل كل صغيرة وكبيرة تدور حوله، مدركا بذكاء أن كل كلمة تسجل، ~~يمكن أن تكون مصدر قوة له في يوم من الأيام. # ولم تكن البراعة الصحفية وحدها، ولا الذكاء الشخصي وحده، هما اللذان أتاحا له هذه الفرص، ~~بل إن انعدام الديمقراطية وسيادة جو التكتم والقرار الفردي المفاجئ، جعل من الضروري أن يضيق ~~نطاق المطلعين على الأسرار إلى أبعد حد. وهكذا اطلع هيكل على ما لم يكن متاحا للآخرين، أو ~~مطروحا على الناس، وهداه ذكاؤه إلى أن يسجل أولا بأول كل ما هو «خفي» و«ممنوع». ومنذ أن ~~تبين له أن الناس يتلهفون على قراءة الأسرار، التي لا يعرفها أحد صباح يوم الجمعة، أدرك ~~هيكل أهمية «سلاح الأرشيف» من حيث هو مصدر قوة وحماية له في نفس الوقت. # بل إن أحد الكتاب الساداتيين، ممن كانوا على صلة وثيقة بهيكل، # 1 # يذهب إلى أن سلاح المعلومات كان يستخدم عند هيكل في العطاء أيضا، فهو يرى أن ~~من أهم أسباب المكانة الخاصة التي اكتسبها هيكل لدى عبد الناصر، منذ أول سنوات الثورة، أنه ~~كان يزود زعيم الثورة بقدر هائل من المعلومات، التي تتجمع لديه من قراءاته الواسعة، والتي ~~كان عبد الناصر - وهو لا يزال ضابطا حديث العهد ~~بالحكم - في ms011 أشد الحاجة إليها. وهكذا بدأ هيكل بالعطاء، وفيما بعد سددت له هذه الديون ~~أضعافا مضاعفة، عن طريق فتح خزائن الأسرار كلها له. وهكذا كان «سلاح الأرشيف» ذا حدين: ~~يعطي أولا، ثم يأخذ بعد ذلك بلا حدود. # ولكن على الرغم من كل هذه الفرص الاستثنائية التي أتيحت لهيكل وحده، في ظل أسلوب حكم ~~فردي مطلق، وكشفت له عن القوة الهائلة التي تكمن في «سلاح الأرشيف»، فإن المرء لا يملك ~~إلا أن يشعر بوجود سر خفي في تلك المقدرة الهائلة على جمع المعلومات واختزانها وإعادة ~~استخدامها واستثمارها في الوقت المناسب. لقد سخر هيكل من الضباط الذي قلبوا بيته الريفي، ~~وقت اعتقاله الأخير، بحثا عن أوراقه السياسية، مؤكدا لهم أن الرئيس ذاته يعلم أنه (أي ~~هيكل) لا يحتفظ بشيء من أوراقه في بيته، وأنه يبعث بها أولا بأول إلى خارج البلاد. وهكذا ~~كان الأرشيف بالنسبة إلى هيكل، بالإضافة إلى كونه مصدر قوة، تأمينا على الحياة، وضمانا ضد ~~أي شكل من أشكال الاضطهاد؛ فهو يحمل معه أسرار الجميع، بالوثائق، ويوم يمسه سوء ستعلن هذه ~~الأسرار وتفضح كل شيء، ومن هنا كان الحرص على أن تظل خارج البلاد. ولكن يظل السؤال قائما: ~~هل يستطيع فرد واحد، مهما كان ذكاؤه وتشعب قدراته، أن يجمع كل هذه المعلومات، ويرتبها ~~بهذه الدقة، ويبعث بها أولا بأول إلى الخارج؟ لست أدري، ولكنني كلما أمعنت الفكر في هذه ~~الظاهرة، بدا لي أنها أعقد وأوسع نطاقا من إمكانات أي فرد، بل من إمكانات أي جهاز في دولة ~~متخلفة، وخيل إلي أننا نجد أنفسنا هنا على مستوى، يكاد يصل إلى مستوى أجهزة المخابرات في ~~الدول الكبرى. # وهكذا فإن هيكل عندما وجد نفسه معتقلا، وحين تبين له أن السادات تجاوز الحدود وتحدى ~~قدراته، سلط عليه أرشيفه الجبار، وحقق لنفسه انتقامه الشخصي من حاكم كان بيته بالفعل من ~~الزجاج، وكان متهورا ويائسا عندما اختار هيكل بالذات ليكون واحدا ممن يرميهم ~~بالحجارة. # على أن الأمر الملفت للنظر، والذي تتجلى فيه سخرية الأقدار بحق، هو أن ms012 «سلاح الأرشيف»، ~~مثلما أنه مصدر قوة هيكل، هو أيضا مكمن الضعف فيه؛ ذلك لأن من يستخدم هذا السلاح يستطيع ~~بأكثر الإمكانات تواضعا، أن يصيب هيكل في مقتل . ويكفي أن يرجع بانتظام إلى قائمة كتاباته ~~في أواخر الأربعينيات، ثم في مختلف مراحل الخمسينيات والستينيات، وأخيرا في أوائل ~~السبعينيات، ويكفي أن يقارن هذه الكتابات بعضها ببعض، أو بما يظهر منها في المرحلة الراهنة؛ ~~لكي يجد لديه مادة هائلة تستخدم ضد هيكل بسهولة تامة. وحسبنا أن نضرب لذلك مثلا واحدا ~~مما نشر في الصحف المصرية أخيرا. فها هو ذا كاتب يتجاسر فيقول: «إن تاريخ الأستاذ محمد ~~حسنين هيكل صفحة سوداء في تاريخ مصر، لقد اتهمه الرئيس محمد نجيب بالخيانة لحساب دولة ~~أجنبية، وكتب ذلك في كتابه «كلمتي للتاريخ»، كما اتهمه مايلز كوبلاند في كتابه «بغير عباءة ~~أو خنجر» بأنه كان عميلا مخلصا، كما اتهمه خروشوف بنفس التهمة، وذكر له قيمة المبالغ ~~والشيكات التي تسلمها من وكالة المخابرات المركزية، وكان ذلك عندما سافر سيده (يقصد عبد ~~الناصر) إلى روسيا، واصطحبه معه في هذه السفرة، فلما واجه نيكيتا خروشوف بهذه الفضيحة ~~المرة، اضطر أن يسافر في اليوم التالي عائدا إلى مصر.» # 2 # هنا نجد «سلاح الأرشيف» يستخدم ضد أبرع من أتقنوا استخدامه، وإذا كنا لا نملك الحكم على ~~مدى صحة الوقائع الواردة في هذا الكلام، فإن الاتهامات التي تحدث عنها الكاتب، قد وجهت ~~بالفعل إلى هيكل، على أيدي نجيب وكوبلاند وخروشوف، وكل ما فعله الكاتب هو أنه رجع إلى ~~الوراء قليلا، مقلبا صفحات الجرائد في السنوات الماضية. وما هذا إلا مثل واحد يكشف عن ~~الوجه الآخر لسلاح الأرشيف، عندما يسدد إلى عنق صاحبه. # الفصل الثاني # | من الذي يشتم مصر؟ # أثار كتاب هيكل، أو على الأصح الجزء الضئيل الذي نشر منه في مصر، عاصفة عاتية من ردود ~~الفعل، وفي رأيي أن دراسة ردود الفعل هذه، باتجاهاتها المختلفة وتشعباتها الكثيرة، ~~تزودنا بذخيرة هائلة نستطيع من خلال تحليلها المتعمق، أن نفهم الكثير عن طبيعة التشويه ~~الفكري الذي أصبحت ms013 بلادنا تعانيه، وعن شكل التضليل الإعلامي الذي يسلط على عقولنا ليل ~~نهار، ففي ردود الفعل هذه تتحدد مواقف كثيرة، وتنكشف وتظهر حقيقة الأفكار التي ظلت ~~كامنة، مستترة، مغلفة بشتى أنواع الأقنعة الخداعة، ومن خلال ردود الفعل هذه يتضح اتجاه ~~المصالح الحقيقية في مصر؛ إذ كان معظم المدافعين عن السادات من المنتفعين منه، أو من أصحاب ~~المصالح التي ازدهرت في عهده، وإن لم يمنع ذلك من وجود بعض المتأثرين بطوفان الإعلام، ومن ~~خلالها ينكشف تهافت وتناقض الشخصيات، التي كان لها دور مصيري في تاريخ مصر، ودور أساسي في ~~تشكيل عقلها، وهو حكم لا أستثني منه هيكل نفسه. ومن خلالها تظهر للعيان جريمة الحكم الفردي ~~التي لا تغتفر، إذ يتبين لنا بوضوح مدى التزييف الذي طرأ على الوعي السياسي المصري، ~~متمثلا في عدد غير قليل من كبار مثقفيه، بعد ثلاثين عاما من حكم يفترض أنه ثورة تستهدف، ~~على وجه التحديد، تحرير الوعي من أوهامه. # وأخيرا، فمن خلال ردود الفعل نستطيع أن ندرك إن كان عهد السادات قد انتهى حقا، أم أن ~~آثاره ما زالت تدب فيها الحياة بكل عدوانية وتحفز. # إن دراسة العقل المصري وتحليل سماته كما تتمثل في اتجاهات ردود الفعل على هيكل، هي في ~~نظري أهم الأهداف. ولم يكن كتاب هيكل في هذه الحالة، إلا فرصة ~~لكشف أساليب التفكير المستورة، التي تظل في حالة كتمان ~~حتى تطرأ أزمة أو محنة تفجرها، وهكذا سوف أتوقف طويلا عند ردود الفعل، وأخضعها لتحليل ~~سأحاول أن يكون دقيقا، آملا أن أتمكن عن طريقها من إلقاء الضوء على بعض سمات العقل المصري ~~- التي تجمعها روابط مشتركة كثيرة مع العقل العربي بوجه عام - بعد ثلاثين سنة حكم ثورة ~~23 يوليو. # هذا الرجل (السادات) قد اخترناه جميعا زعيما لهذا البلد، واختيار زعيم فيه ~~تجسيد للشعب الذي اختاره، وبالتالي فإن كل ما يقال عن هذا الزعيم يعتبر في حقيقته ~~نيلا من الشعب الذي اختاره. # قائل هذه الكلمات أستاذ كبير في القانون، في اجتماع للمجلس الأعلى للصحافة خصص لمناقشة ms014 ~~كتاب هيكل، ونشرته جريدة «الأهرام» في 29 أبريل 1983م، والأساس الذي يبنى عليه تفكير أستاذ ~~القانون هو أن الحاكم تجسيد لبلده، ما دامت قد اختارته بإرادتها، ومن ثم فإن أي هجوم من ~~هيكل أو غيره على السادات هو هجوم على مصر كلها. # هذا النوع من التفكير بلغ، في السنوات الأخيرة، من الانتشار حدا يحتم علينا أن نتوقف ~~طويلا عنده، فما من أحد منا إلا وتعرض مرارا لتلك التجربة المثيرة والمستفزة، تجربة ~~المناقشة مع شخص يؤكد أن أي نقد للحاكم، هو انتقاص من قدر بلاده، وأن الوطنية الحقة تحتم ~~على المرء ألا يسيء إلى الحكام. # ولا شك أن عبارة أستاذ القانون، السابقة، هي تعبير نموذجي عن وجهة النظر ~~هذه: ~~(أ) # فهو يستخدم لفظ «الزعيم» مرتين، وهي نفس الكلمة التي كان يطلقها النازيون ~~على هتلر (الفوهرر)، والفاشيون على موسوليني (الدوتشي). وليس هذا استخداما ~~اعتباطيا؛ إذ كان يمكنه أن يقول: الحاكم، أو رئيس الدولة، ولكن إصراره على ~~لفظ «الزعيم» هو جزء لا يتجزأ من العقلية التي توحد على نحو مطلق بين شخص ~~الحاكم وبلده. ~~(ب) # وهو يرى هذا الزعيم «تجسيدا» للشعب، ولم يقل «رمزا»؛ لأن الرمز لا يتعين أن ~~يكون مشابها لما يرمز إليه (اللون الأخضر رمز لإمكان مرور السيارات مثلا) بل ~~تفصل بينهما مسافة ما، أما التجسيد فهو اندماج كامل، بل إن الزعيم يصبح في ~~هذه الحالة «خلاصة» شعبه وأنقى تعبير عنه، وهذا يفترض، بطبيعة الحال، أن الشعب ~~كتلة متجانسة لا تمايز فيها، ولا اختلاف ولا تباين في الرأي أو الاتجاه، حتى ~~يستطيع شخص واحد أن يكون تجسيدا له، ومن هنا فمن المؤكد أن الإنكليز، مثلا ~~لا بد أن يسخروا ممن يرى في «تاتشر» تجسيدا لهم، إذ إنها حتى لو كانت تجسد ~~المحافظين، فماذا تقول عن العمال والأحرار؟ وفضلا عن ذلك فإن الزعيم الذي ~~يجسد شعبه هو، بحكم تعريفه، غير قابل للتغيير، وإلا فكيف نتصور أن يتخلص ~~شعب ممن يجسده؟ ~~(ج) # وأخيرا، فإن أستاذ القانون الكبير يتحدث أربع مرات، في أقل من ms015 ثلاثة أسطر، ~~عن «اختيار» الشعب للزعيم، وهكذا فإنه، بكل وقار القانون وهيبة الأستاذية، يعلن ~~ثقته المطلقة وتصديقه الكامل لاستفتاءات 99,9٪، ويرى فيها أساسا يسمح للمرء ~~بأن يقول باطمئنان تام وبضمير مستريح: «هذا الرجل قد اخترناه جميعا.» # هذه الكوارث أو الفواجع الفكرية تتجمع كلها في أقل من ثلاثة أسطر، وتعبر بوضوح صارخ عن ~~تدني مستوى الوعي السياسي والاجتماعي، عند من يفترض فيهم أن يكونوا معلمين ومرشدين لغيرهم ~~في هذا الميدان، وهي في واقع الأمر أبلغ دليل على نوع العقول التي توحد بين الحاكم وبلده، ~~وترفض أي نقد للحاكم، بحجة أن هذا النقد إهانة لوطنه ونيل منه. ~~••• # على أن لهذا اللون من التفكير، أعني التوحيد بين الحاكم والوطن، وجها آخر ربما كان أشد ~~حدة، هو ذلك الذي يشيع بين المصريين المغتربين على وجه التخصيص، فظروف الاغتراب تزيد من قوة ~~التوحيد بين البلد وحاكمها، ومن هنا كان من ردود الفعل الأكثر شيوعا، بين المصريين ~~العاملين في البلاد العربية بوجه خاص، استنكار ما كتبه هيكل باعتباره «شتيمة لمصر». # هذه ظاهرة لم تتمثل في حالة هيكل وحده، بل تعرض لها كل من يكتب كتابة نقدية عن الأوضاع ~~المصرية في إحدى الصحف العربية، كما أن من يستخدمون هذه الحجة ليسوا هم المواطنين المغتربين ~~العاديين فحسب، بل إن المرء يجدها تتردد على أعلى المستويات، وأستطيع، من تجربتي الشخصية، ~~أن أؤكد أن النسبة الغالبة من أساتذة الجامعات المصريين العاملين في بلد كالكويت، تحتج ~~بشدة على أي مقال يوجه نقدا لحاكم مصر أو حكومتها، باعتباره هجوما على مصر. وهكذا فإن ~~شيوع هذه الحجة بين المغتربين يفوق بكثير انتشارها داخل مصر ذاتها؛ ولذا كانت تحتاج إلى ~~وقفة متأنية تناقش الأسس التي ترتكز عليها بهدوء. ~~(1) # أول أساس لهذه الحجة هو ذلك الذي أوردناه من قبل، وأعني به أن الحاكم تجسيد ~~لبلده، ويزداد الحرص على فكرة التجسيد هذه عندما يكون الشخص مغتربا، بحيث ~~تتضاعف حساسيته إزاء أي نقد يوجه إلى الحاكم، وكم من مصري مغترب ينتقد ~~كتاب هيكل - على سبيل المثال - انتقادا ms016 مريرا، لا لأنه غير مقتنع بما ~~يتضمنه من وقائع؛ بل لأنه حتى لو كانت كل كلمة فيه صحيحة، يسيء إلى صورة ~~«مصر». # إن قليلا من التفكير يقنعنا بأن الحريص حقا على سمعة بلاده، هو الذي لا ~~يوحد بينها وبين حاكمها، وفي حالة بلد كمصر يكون من المخجل حقا، أن يساوي ~~المرء بين ذلك التاريخ العريق والحضارة الأصيلة، بين بلد النيل والأهرام ~~والأزهر، وبين تصرفات حكام أفراد يمكن أن يكون الكثيرون منهم مصابين بجنون ~~العظمة، أو داء الاستبداد والبطش والادعاء. إن من يعتز ببلده وتاريخه حقا، هو ~~ذلك الذي يعلن في كل مكان، وأمام الجميع، أن مصر ليست مسئولة عن أخطاء حكامها، ~~وينزه بلده عن تلك النقائص التي يمكن أن يتصف بها هذا الحاكم أو ذاك، أما ~~ذلك الذي ينصب نفسه محاميا عن كل خطأ يرتكبه الحاكم، متوهما أنه يدافع على ~~هذا النحو عن وطنه، فهو في الواقع الذي يسيء إلى هذا الوطن أبلغ إساءة، ولو ~~اتخذت مسألة التوحيد بين الحاكم والوطن قاعدة عامة، لكان علينا جميعا أن ~~نحمل بلدا كمصر أخطاء فاروق والخديوي توفيق والحاكم بأمر الله ~~وقراقوش. ~~(2) # ولكن أصحاب هذا الموقف يلجئون، عادة، إلى إضافة حجة أخرى، هي الإشارة إلى ~~الفارق بين النقد داخل الوطن والنقد خارجه، ففي استطاعتك أن تنقد الأوضاع كما ~~تشاء ما دمت في بلدك، أما إذا كنت في بلد آخر فإن الواجب يقضي عليك بأن تمتنع ~~عن النقد، بل تتصدى له بكل قوة، حتى لا تترك «للغرباء» فرصة «الشماتة» في وطنك. ~~ويشارك الحاكم ذاته في هذه الحجة؛ فهو يهاجم بكل العنف أولئك الذين «يشتمون ~~مصر» في الخارج، وربما استخدم التعبير المألوف «نشر الغسيل»، ويجد هذا الرأي ~~صدى لدى الكثيرين ممن يتقبلون ما يقرءونه أو يسمعونه بلا تفكير، ولكن الأمر ~~المؤسف هو أن الأمر لا يقتصر على هؤلاء، بل إن نسبة كبيرة من المثقفين الذين ~~يشغلون مراكز علمية واجتماعية مرموقة، تردد في كل مناسبة هذا المبدأ: ~~«انتقد بلدك في الداخل كما تشاء، ولكن عليك في الخارج ms017 أن تدافع عنها (والمقصود ~~هنا بالطبع: تدافع عن حكامها) بالحق أو بالباطل، ولا تسمح لأحد بمهاجمتها ~~(والمقصود: مهاجمة حكامها).» # فلنناقش إذن هذا المبدأ الخطير، المنتشر على أوسع نطاق بين أوساط المصريين ~~المغتربين على مختلف مستوياتهم: # أولا: # هذا المبدأ يفترض أن العرب، الذين يقيم هؤلاء المصريون في ~~بلادهم، هم بالنسبة إليهم «غرباء»، والأمر الملفت للنظر ~~حقا هو أن نفس هؤلاء الذين يفكرون بهذا المنطق، يمكن أن ~~يتحدثوا باستفاضة، في مجال آخر، عن وحدة العروبة والمصير ~~المشترك، والحواجز المصطنعة بين الأقطار في الوطن العربي ~~الواحد، ولا يدركون التناقض الصارخ بين حديثهم المتحمس هذا، ~~وبين نظرتهم إلى العرب على أنهم «غرباء»، لا ينبغي أن تطرح ~~مشاكل مصر الداخلية أو الخارجية أمامهم، ولا ينبغي أن تتاح لهم ~~فرصة «الشماتة» في مصر. فكيف يسمح هؤلاء لأنفسهم بأن يكونوا ~~إقليميين إلى أقصى حد في جانب، ووحدويين متحمسين في جانب آخر؟ ~~أليس من الواضح أن الإيمان الحقيقي بوحدة العروبة، يحتم على ~~المرء ألا يجد فارقا بين المصري وأي عربي، في نقد الممارسات ~~الخاطئة لأي نظام من الأنظمة، سواء أكان هذا النظام مصريا ~~أم لم يكن؟ # إن العرب، من غير المصريين، لا يهتمون بأوضاع مصر من أجل ~~«الشماتة»، كما يتصور قصار النظر هؤلاء، بل إن ما يحدث في مصر ~~من مد وجزر، ومن تقدم أو تخلف، هو الشغل الشاغل لكل عربي ~~لسبب بسيط: هو أنه لا بد، عاجلا أو آجلا، أن ينعكس على ~~بلاده إيجابا أو سلبا، وما من عربي مستنير إلا ويتابع سياسة ~~مصر بكل ما يملك من ترقب واهتمام؛ لأنه يعلم أن مفتاح المنطقة ~~كلها هناك؛ ولأنه يخشى على بلده من أن يلحقها أي مكروه يصيب ~~مصر قبلها، وهكذا فإن الاهتمام الزائد الذي يبديه أي عربي ~~بأوضاع مصر، يظل في واقع الأمر اعترافا بمكانة مصر الرئيسية ~~في الوطن العربي، حتى لو اتخذ شكل انتقاد مرير لأوضاعها، ~~فلماذا لا يبدي أحد اهتماما بانتقاد ما يحدث داخل موريتانيا ~~أو جيبوتي مثلا، حتى لو تراكمت الأخطاء في ممارسات حكام ms018 هذين ~~البلدين؟ # ثانيا: # يفترض هذا المبدأ أن فرص النقد مكفولة داخل مصر، ولكن أصحابه ~~يخدعون أنفسهم، في الواقع، خداعا مكشوفا حين يتظاهرون ~~بالوطنية فيقولون: انتقد حكام مصر في داخلها كما تشاء، أما في ~~خارجها فلا. من الذي يستطيع أن ينتقد حكام مصر في داخلها «كما ~~يشاء»؟ لقد ظل كتاب مصر ومثقفوها الذين يحملون هموم مصر ~~على أكتافهم يحاورون ويناورون، لمدة ثلاثين عاما، كلما وجدوا ~~أمامهم ممارسات خاطئة، وكم من نقد كان يمكن أن ينقذ البلاد ~~من كوارث رهيبة، عوقب موجهه أو أرغم على السكوت، أو ~~اضطر - على أحسن الفروض - إلى التعبير عنه بحذر والتواء، حتى ~~يمكن أن يجد طريقه إلى الناس وسط الرقابة الصارمة، فلماذا ~~نغالط أنفسنا، ونتصور أن من ينتقد في الخارج يفعل ذلك طواعية، ~~وأنه كان يستطيع أن ينقد في الداخل ولكنه اختار - لمصالح ~~خاصة - منبرا للتعبير خارج بلاده؟ # ثالثا: # من الممكن أن يدرك المرء، حين يعمل فكره قليلا، أن معظم ~~أصحاب هذا المبدأ، يقومون بعملية إسقاط لخلافاتهم الصغيرة في ~~العمل، ومنافساتهم الشخصية مع جنسيات عربية أخرى في نطاق ~~العلاقات الفردية الضيقة، على موقفهم السياسي العام، فكل منهم ~~يتصور أن ظهور نقد للأوضاع المصرية في جريدة صباحية، سيجعل ~~زميله أو رئيسه العربي في المكتب أو المصنع، يكسب نقطة على ~~حسابه حين يفتح الجريدة، وينتهز الفرصة للتشفي منه، وهذه ~~نظرة طفولية ضيقة، تخلط بين العلاقات الشخصية والشئون ~~الوطنية العامة، وإن كانت للأسف واسعة الانتشار، حتى على أعلى ~~المستويات. # إن هذا الخلط بين المستوى الشخصي للسلوك، وبين تقييم العمل ~~السياسي العام، هو آفة من أخطر الآفات في تفكيرنا المعاصر، وهو ~~علامة واضحة على أن تربيتنا السياسية بعيدة كل البعد عن ذلك ~~النضوج، الذي لا بد منه لقيام نهضة حقيقية، وسوف تتاح لنا، ~~خلال معالجتنا لجوانب الموضوع الذي نتناوله في هذه الدراسة، ~~فرص كثيرة لرؤية أمثلة أخرى لهذا الخلط، ويكفي أن نقول الآن ~~إن الكلام عن «التشفي» أو «الشماتة»، حين يكون الأمر متعلقا ~~بالسياسة العامة لبلد من البلاد، هو مظهر للبدائية ms019 في ~~التفكير، أما «نشر الغسيل» وهو للأسف تعبير ما زال يستخدمه ~~مسئولون كبار - فهو تعبير مضحك ومؤسف في آن واحد، وليقل لي ~~هواة هذه التعبيرات: هل سمع أحد منكم واحدا من أنصار ريجان أو ~~ميتران يتحدث، في معرض تقييمه لسياسة بلاده، عن ~~«الغسيل»؟ # إن الفكرة الكامنة من وراء هذا هي فكرة «الستر»، وهي مبدأ ~~أخلاقي مذموم حتى على المستوى الفردي، ففي أخلاقنا الشعبية ~~نزوع شديد إلى التغطية على العيوب، إلى درجة أن افتضاح هذه ~~العيوب ومعرفة الآخرين بها هو في نظرنا شر يفوق العيوب نفسها، ~~وكثيرا ما نتصرف بحيث نتغاضى عن أخطر أنواع الآثام ما دامت ~~«مستورة»، ومن هنا كان «الستر» أمنية غالية في تعبيراتنا ~~الشعبية المألوفة، ولكن الخطأ الفكري والأخلاقي يتضاعف، حين ~~ننقل هذا المبدأ إلى ميدان السياسة، فندعو مواطنينا إلى السكوت ~~على أوضاع جائرة، حتى لا تفتضح أمام الآخرين، ونطالبهم بألا ~~«ينشروا الغسيل»، بدلا من أن نطالب أنفسنا بأن نبقي غسيلنا ~~نظيفا على الدوام. # وهكذا تكشفت ردود الفعل على كتاب هيكل، عن أخطاء فكرية فادحة، ترسخت في عقولنا وسرت ~~فيها مسرى البديهيات التي لا تناقش، ويتبين لنا أن توحيدنا بين تصرفات الحاكم وبين سمعة ~~بلاده، هو أبلغ دليل على أن لعبة الحاكم الفرد لا تقتصر على من يمارسها بنفسه، بل إن الذين ~~تمارس عليهم هذه اللعبة قد اندمجوا فيها، وانتقلت عدواها إليهم دون أن يشعروا، وأن الخاضع ~~للاضطهاد قد تقمص الكثير من أفكار من يضطهده، وأن الطغيان أصبح جزءا من تكوين المحكوم، ~~لا الحاكم وحده، إلى حد أنه أصبح يوحد نفسه، وبلده، وكرامته ومكانته، مع شخص الحاكم المطلق، ~~ويقدم بتفكيره الخاص، أقوى دعامة لذلك الاستبداد الذي يكتوي بناره ليل نهار. # الفصل الثالث # | لعبة الأحياء والأموات # حين نمضي في رحلة الكشف عن مظاهر تزييف الوعي، وانهيار العقل والمنطق، كما تمثلت في ردود ~~الفعل على كتاب هيكل، ستظهر لنا أمثلة أخرى مؤسفة لذلك الخلط، الذي أصبح سائدا على كافة ~~الأصعدة، بين أساليب الناس في التعامل معا على المستوى الشخصي، وأساليبهم ms020 في النظر إلى ~~أمور المجتمع العامة على المستوى السياسي، ولكنا سنكتشف أيضا أن قدرة المزيفين على ~~الخداع، وصلت إلى حد من الجراءة، بل من الصفاقة، يفوق كل تصور، وأنهم ما كانوا ليبلغوا ~~هذا المدى، لو لم يكونوا قد اعتادوا النظر إلى الجمهور على أنه قطيع ينقاد، بلا عقل، في أي ~~اتجاه يفرض عليه، وهذا التعالي على الناس، والاعتقاد بأن أية أكذوبة يمكن أن تمر عليهم، ~~ليس إلا النتيجة الطبيعية لجو القهر المخيم منذ أمد بعيد، والذي أشاعه عهد لا يجعل ~~للجمهور من دور سوى التصفيق والتصديق. # لنستمع إلى كاتب كبير كان له يوما دور بارز في الحركة الوطنية المصرية، ولكنه انجرف في ~~تيار التضليل السياسي منذ السبعينيات، يعلق على كتاب هيكل فيقول: «لقد اغتالوا حياته في 6 ~~أكتوبر، عيد انتصاره الحربي، وفي 25 أبريل عيد انتصاره السلمي يحاولون اغتيال سمعته ... إننا ~~نصغر في عيون الآخرين، ويبدو بعض كتابنا بلا وفاء، يحركهم الانتقام وتضطرب في أيديهم ~~الموازين. إن ما كتبه هيكل ليس تحليلا، إنما هو التشهير بعينه، هو الاعتداء على حرمة رئيس ~~مات، وعلى سمعة وطن بأسره. من قال إن كاتب التاريخ من حقه أن يهدر الحرمات، ويشهر بسمعة ~~الرجال والنساء بلا دليل؟ من قال إن كتابة التاريخ تعني العدوان على سمعة الذين هم في ذمة ~~التاريخ؟ ومتى كانت كتابة التاريخ تمزيقا للأشلاء؟» # 1 # ولنستمع، بعد ذلك، إلى أستاذ مرموق في الطب، وأمين عام لنقابة الأطباء، وهو يهاجم الصحيفة ~~التي نشرت مقالات هيكل الأولى قبل أن تصادر، فيقول: «هذه الصحيفة صدرت في ظل الحريات، ~~وقانون الأحزاب التي أرسى قواعدها من أرادوا نهش لحمه حيا وميتا، لا لشيء إلا لأنه اتخذ ~~موقف الصدق مع شعبه، واستجاب لمطلب أمته وأعلن عداءه للشيوعية ...» # ويواصل الطبيب الكبير كلامه قائلا: «لا أظن أن مصريا لم يتابع جنازة السادات، ولم تدمع ~~عيناه، ولم يكتو قلبه لوعة وحزنا على النهاية، التي أودت بحياة رئيس مصر ورمزها ...» ثم ~~يقول: «لقد بلغ به الغضب قمته عندما رأى من مد يديه ms021 إليهم بالخير، وفتح لهم أبواب الحرية، ~~وسمح لهم بالتعبير عما يجيش في صدورهم من رأي، يمدون إليه أيديهم بالشر وأقلامهم بالقذف.» # 2 # وأخيرا، يتخيل كاتب لم يشأ ذكر اسمه أن السادات قد تولى الرد على هيكل ، فيتحدث بلسانه ~~قائلا: «كرهت لإنسان أن ينزع مثلي من منامه فأوقفت زوار الفجر، ومقت لآمن انتهاك ~~حرمته، فأحرقت أشرطة الأسرار ومنعت التسجيل والتصنت، وتصديت لشريعة الغاب فأغلقت ~~المعتقلات، وآمنت بحق الدفاع عن النفس فأعليت سيادة القانون ... واغفروا لي إن كان قد دفعني ~~بعض الأبناء، إلى ما لا يمكن أن يحبه ويرضاه أب لكل الأبناء.» # 3 # نماذج ثلاثة لم أخترها لكي أناقش أصحابها أو أرد عليهم، بل لكي يفتح القارئ عينيه، من ~~خلالها، على الانهيار الفكري الذي تولده عهود الانفراد بالسلطة والرأي الواحد، فما هي ~~العيوب الفكرية التي تكشف عنها هذه النماذج؟ # أولا: # حين يتحدث النموذج الأول عمن يكتبون بلا وفاء، فإنه يسقط الاعتبارات ~~الأخلاقية الشخصية على التقييم السياسي، وكأن المؤرخ ملزم، من أجل الوفاء ~~للحاكم، إذا كان قد أسدى إليه خدمات معينة، بأن يغمض عينيه عن عيوب هذا ~~الحاكم، ويغش جمهوره عندما يصدر حكما عليه، ثم يزداد الخلط والتشويش ~~(الذي لا أظنه كله متعمدا، بل هو يعبر عن الطريقة التي أصبح يفكر بها ~~الكاتب نفسه) حين يتحدث عن «سمعة الوطن»، واهدار الحرمات، والتشهير بالرجال ~~والنساء، ويصل الضباب الفكري إلى ذروته، عندما يستخدم الكاتب تعبيرات ~~إنشائية، لا مجال لها على الإطلاق في السياق الذي يتناوله، وكل ما تؤدي ~~إليه هو إيجاد جو من التعاطف مع «الضحية»، أو جو من النفور من «المعتدي»، ~~مثل «العدوان على سمعة الذين هم في ذمة التاريخ» أو «تمزيق الأشلاء»، هكذا ~~أصبح للتاريخ «ذمة»، وهذه الذمة تحمي الحاكم من أي نقد، وتجعل من يمس ~~الحكام اللاجئين إليها «ممزقا للأشلاء»! # ثانيا: # أما النموذج الثاني فأمره أغرب، إنه يؤكد ببساطة شديدة أن السادات، حين ~~أعلن عداءه للشيوعية، إنما اتخذ موقف الصدق مع شعبه واستجاب لمطلبه، وهكذا ~~يقرر الطبيب المرموق أن مطلب الشعب المصري ms022 ليس المعيشة الآدمية، ولا ~~المواصلات السهلة، ولا المسكن المعقول، ولا الخبز الضروري، وإنما هو العداء ~~للشيوعية. ولا يخجل الكاتب من أن ينسب اللوعة والحزن إلى المصريين جميعا ~~في تلك الجنازة التي شهد الأمريكان أنفسهم بأنها قوبلت من الشعب بعدم ~~اكتراث كامل. وأخيرا، فإن الكاتب ينظر إلى الحاكم على أنه ولي النعم، ~~ويصل به تقديس الفرد، واحتقار الجماهير، إلى حد القول إنه هو الذي يمد يديه ~~بالخير، وهو الذي يفتح أبواب الحرية، وهو الذي يسمح للناس بالتعبير، ويرى ~~هذا كله وضعا طبيعيا يدافع عنه بحرارة، وفي مقابل ذلك فإن المعارضين ~~الجاحدين، لا يردون على هذا الخير الذي يتصدق عليهم الحاكم به إلا بالشر ~~والقذف. # إن مستوى الوعي السياسي هو الذي يهم في الموضوع كله؛ فها هو ذا إنسان لا ~~بد أنه سافر مرارا إلى الخارج، وقرأ ذلك الكم الرهيب من «الشر والقذف» ~~الذي تحتشد به صحف حزب العمال ضد تاتشر أو صحف الديجوليين ضد ميتران، ورأى ~~نماذج لا حصر لها للمعارضة القاسية الضارية، التي تتقبلها الحكومات بكل ~~ترحيب، ومع ذلك فهو لا يقبل لبلده إلا أسوأ نموذج؛ ذلك الذي يكون فيه ~~الحاكم مانحا للحرية، والمعارض الناقد معتديا أثيما. # أنقول إنها عقلية عصر الانفتاح، منعكسة على ضمائر أقطاب العهد؟ أنقول إن ~~الطبيب الكبير يدافع عن عهد، يتيح له أن يتقاضى عن المريض الواحد، في كشف ~~يستغرق دقائق قليلة، مقدار ما يتقاضاه خريج الجامعة الحديث، إذا عين ~~موظفا حكوميا، ليعيش به في شهر كامل؟ لست أدري، وكل ما أعرفه هو أنها ~~محنة فكرية، قبل أن تكون أزمة في الضمائر. # ثالثا وأخيرا: # فإن النموذج الثالث، الذي يقدم إلينا حديثا متخيلا بلسان السادات، ~~يكرر بلا مواربة أفكار النموذج الثاني عن الحاكم من حيث هو «ولي النعم»، ~~ويقدم مجموعة غريبة من الأحكام لا تصدر إلا عن شخص يفترض أن قراءه قد ~~ألغيت عقولهم وحرموا حاسة الفهم، يؤمن بأن قارئه قد نسي تماما، أن عهد ~~السادات كان فيه أيضا زوار للفجر، وأن كثيرا من القضايا السياسية قدمت ms023 ~~فيه بناء على شهادة أجهزة تجسس وتنصت، وأن سيادة القانون كانت تخرق حتى على ~~مستوى أعضاء مجلس الشعب، ولكنه يستدرك بعد ذلك، فيستخدم لغة «الآباء ~~والأبناء» في وصف حركة اعتقالات سبتمبر 1981م، ويصور المسألة كما لو كان ~~الأب الحنون، كبير الأسرة الواحدة، قد اضطر متألما إلى أن يكون صارما مع ~~بعض أبنائه من أجل صالحهم. # إن جرأة الإعلام على التزييف والمغالطة، حين تصل إلى هذا الحد، فلا بد أن ~~يكون في الأمر كله خطأ فادح، صحيح أن الإعلام في العالم كله يبالغ، ويخرج ~~عن الحقائق هنا وهناك، غير أن ثمة حدا أدنى من الاحترام لعقول الناس، ~~ولكن هذا الحد الأدنى لا أثر له للأسف، في إعلام عهود الحكم الفردي المطلق، ~~ومن ثم فإن الكاتب يستبيح لنفسه أن يلوي الحقائق كما يشاء، ما دام يؤمن بأن ~~عقول الناس قد ألغيت منذ أمد بعيد. # ومع هذا كله، فإن هناك ما هو أفدح وأخطر، وأعني به الحديث المتكرر عن «نبش القبور»، ~~والسؤال الذي أصبح التفكير السياسي القاصر في هذه الأيام؛ يطرحه كما لو كان قضية بالغة ~~الأهمية، وأعني به: هل ينبغي أن ينقد الحاكم حيا أم ميتا؟ # لقد رأينا في النماذج الثلاثة السابقة إشارات متكررة إلى استنكار الهجوم على الحاكم بعد ~~موته، ولكن لا بد أن نقدم نماذج أخرى لهذا الاستنكار، حتى يدرك القارئ مدى انتشار هذا اللون ~~من التفكير؛ فالكاتب موسى صبري، وهو من أكبر الدعاة الساداتيين، يتحدث حديثا طويلا عن ~~«حرمة الموت والموتى»، وعن «نبش القبور» و«انتهاك الحرمات»، # 4 # ولكن الأخطر من ذلك بيان نقابة الصحفيين في مصر تعقيبا على كتاب هيكل: «إن ما ~~نشر يعد اعتداء على حرمة الموتى وتعرضا لحياتهم الخاصة ومخالفا لتقاليد المجتمع ~~الدينية والأخلاقية.» # ولقد استنكر هيكل - وكان على حق في ذلك - استخدام رهبة الموت وقدسيته، من أجل تبرئة ~~الحكام وإبعادهم عن النقد، فقال: «ومع ذلك فمن المصريين من يطالب بمصادرة حقنا في أن ~~نناقشه، هل من المعقول أن يأتي كل حاكم ويفعل ما يشاء، ثم يذهب ms024 فلا نناقشه في حياته، ولا ~~نناقشه بعد مماته؟ أهذا معقول؟» # 5 # هذا كلام رائع بغير شك؛ فكل من يستنكرون مهاجمة الحكام بعد موتهم إنما يهدفون، ~~في حقيقة الأمر، إلى مصادرة حق الناس في توجيه أي نقد إلى الحاكم، سواء خلال حياته أو بعد ~~مماته؛ ذلك لأنهم هم أنفسهم الذين يشاركون في قمع حريات المعارضين والتنكيل بهم، واتهامهم ~~بالعمالة والخيانة لو انتقدوا الحاكم حيا، وهم الذين يتمسحون بالفضيلة والأخلاق وتقاليد ~~المجتمع والدين لو وجدوا من يهاجم الحاكم ميتا، وهكذا فالنقد أثناء الحياة ممنوع، وبعد ~~الموت عيب وحرام، فهل هذا - كما قال هيكل بالضبط - معقول؟ # ولكن المهزلة الكبرى تتمثل في أن هيكل نفسه، الذي يتلفت الآن حواليه ببراءة ويتساءل: ~~أهذا معقول؟ كان هو نفسه من أهم من استخدموا هذه الحجة المتهافتة، وكان من أقوى الناس ~~نقدا لمن يهاجمون الحكام بعد موتهم، وهكذا نجد أنفسنا إزاء «لا معقول» آخر، غير ذلك الذي ~~يمثله خصوم هيكل، هو «لا معقول» هيكل نفسه. # فلنبدأ بتأمل رأي قريب العهد لهيكل. لقد نشرت الصحف في مصر والكويت، الرسالتين ~~المتبادلتين بين توفيق الحكيم وهيكل، فماذا نجد في هاتين الرسالتين بشأن الموضوع الذي ~~نتحدث عنه الآن؟ قال توفيق الحكيم مخاطبا هيكل: «إن حالتي تشبه حالتك؛ فأنت كتبت كتابا ~~«خريف الغضب» اعتبر هجوما ضد السادات بعد موته، وأنا كتبت كتابا هو «عودة الوعي» اعتبر ~~هجوما على عبد الناصر بعد موته.» ولكن هيكل يرفض هذا التشبيه بين الكتابين، ويهمنا في رفضه ~~السبب الثاني الذي قدمه للاختلاف بينهما: «لم أكتب بعد موت أحد، كتبت في حياته رأيي، ~~وكتبت بعد موته نتائج دراستي لما حدث.» وهو يؤكد في موضع آخر أن الحكيم ألف كتابه «بعد ~~ثلاث سنوات من رحيل عبد الناصر»، على حين أنه هو ذاته نقد السادات منذ فبراير 1974م. # علام يدل هذا الحرص على نفي فكرة نقد الحاكم بعد موته؟ على شيء واحد، هو أن هيكل يقف على ~~نفس الأرض التي يقف عليها خصومه، ويفكر بنفس منطقهم، ويتبنى نفس قيمهم؛ فالمعنى الضمني ms025 ~~لديه هو أن نقد الحاكم بعد موته جبن، أو عمل غير أخلاقي، ومن هنا كان حرصه على تأكيد أنه ~~نقد السادات حيا، ولم ينتظر ثلاث سنوات كما فعل توفيق الحكيم، وكل ما فعله بعد موت ~~السادات هو أنه «كتب نتائج دراسته لما حدث». # ولكن، لنترك المعاني المفهومة ضمنا وننتقل إلى الكلام الصريح، فقد نشر هيكل مقالا ~~بجريدة «الوطن» الكويتية # 6 # بعنوان: «ما أكثر الشجاعة هذه الأيام على الغائبين!» وهو في ذاته عنوان بالغ ~~الدلالة، يتهم فيه هيكل من ينقدون الأموات بالجبن؛ لأنهم لم يمارسوا «شجاعتهم» إلا على ~~الغائبين، في هذا المقال يروي لنا هيكل قصة عتابه لعبد الناصر على قيامه باعتقال شخصية من ~~الشخصيات المرتبطة بصحيفة «الأهرام»، ثم يعلق قائلا: «لا أسمح لنفسي أن أقص عليك ما قلته ~~له، ذلك الآن تجاوز لا يليق، لو كان حيا واقتضت الظروف أن أروي الحديث كله لرويته، ولكنه ~~لم يعد بيننا؛ ولهذا لا أستبيح لنفسي أن أدعي الشجاعة على غائب، ما أكثر الشجاعة هذه ~~الأيام على الغائبين! الفئران كلها تعربد في غياب القطط، ولم يكن جمال عبد الناصر قطا، ~~وإنما كان أسدا مهيبا وشامخا.» # وهكذا يصف هيكل توجيه النقد للحكام بعد موتهم بأنه عربدة فئران في غياب القطط، ولا يدري ~~أنه بعد أعوام قلائل من حديثه ذاك، سيجد بدوره من يشبهه بنفس التشبيه، بعد أن مارس هو ~~أيضا شجاعته على حاكم غائب، والمفارقة الساخرة أن قائل هذا الكلام هو نفسه الذي يهتف في ~~أيامنا هذه باستنكار: هل من المعقول أن يفعل الحاكم ما يشاء فلا نناقشه في حياته، ولا ~~نناقشه بعد مماته؟ # وهكذا فإنه، عندما كان الأمر متعلقا بنقد تصرفات لعبد الناصر، وجد هيكل في مهاجمة ~~الأموات جبنا، وعندما أصبح متعلقا بالهجوم على السادات، استنكر عدم مناقشة الحاكم بعد ~~مماته (ولاحظ أنه استخدم في هذه الحالة الأخيرة عبارة «كل حاكم» أي أنه كان يصدر حكما ~~منطبقا على جميع الحالات)، هذا التناقض يدل على أن هيكل وخصومه يقفون جميعا على أرض ~~واحدة، ويؤمنون بمجموعة ms026 واحدة من الأفكار الباطلة، التي ترتكز على نزعة أخلاقية زائفة ~~تخاطب عواطف الناس لا عقولهم، وتخلط بين الموت من حيث هو كارثة إنسانية شخصية، وبين ~~التقييم السياسي من حيث هو ممارسة لا صلة لها بالموتى أو الأحياء. # إن الجميع في الوهم والضحالة الفكرية سواء، والكل نشئوا في مناخ سياسي لا يسمح ~~بالموضوعية ولا يترك مجالا للنقاش المنطقي المجرد عن الأهواء، فالساداتيون يقولون: لقد ~~نبشتم قبر السادات، وهنا يرد الناصري: وأين كنتم عندما نبش قبر عبد الناصر؟ أنتم فئران! ~~ولكنه حين ينبش هو نفسه قبر السادات، ويهاجمه خصومه لهذا السبب، يتساءل في براءة: هل من ~~المعقول أن يمنعونا عن نقد «كل حاكم» حيا أو ميتا؟ # إنها أرجوحة شيطانية، يتراقص فيها الجميع سكارى بخمر الأفكار الزائفة والقيم المضللة، ~~ويثبتون بها، على نحو قاطع، طفولية الفكر السياسي بين جميع أطراف اللعبة بعد ثلاثين عاما ~~من ثورة، أعلنت أن هدفها تحرير الفكر وتصحيح مسار القيم. # تظل هناك، بعد ذلك، نقطة واحدة يمكن أن يلجأ إليها هيكل في دفاعه، وهي أن نقده للسادات ~~بدأ أثناء حياته، هذا صحيح، ولكن ليقل لي الأستاذ هيكل «بصراحة»: لو كان السادات لا يزال ~~حيا، أكان يستطيع أن يتكلم عن «ست البرين» وعن «المجعراتي المتسول» وكأس الفودكا الذي ~~يؤخذ بعد كل غداء؟ ليجب بصراحة أيضا عن هذا السؤال: ما دام هو نفسه صاحب منطق القطط ~~والفئران، فأين يضع نفسه، في هذه النقطة بالذات، بين هاتين الفئتين؟ # إن المسألة كلها خلط مركب، فالكلام عن الأحياء والأموات، والتفرقة بينهم في النقد، أمر ~~لا معنى له في ظل أي وعي سياسي سليم، ومبدأ «اذكروا محاسن موتاكم» ينطبق على الأقارب أو ~~الجيران أو الشركاء، ولكنه خارج عن مجال الكتابة التاريخية والسياسية، ولو صح هذا المبدأ في ~~تلك الميادين الأخيرة، لما استطعنا كتابة التاريخ، ولكان الموت هو شهادة البراءة لكل حاكم ~~ظالم أو فاسق أو طاغية، ولأصبح كل مؤرخ، بحكم مهنته ذاتها، نباشا للقبور، ولكن الناس ~~الذين اعتادوا على مدى سنوات طويلة، أن يحصروا تفكيرهم ms027 في شخص الحاكم، والذين عجزوا عن أن ~~يتصوروا أية حقيقة تتجاوزه، هم الذين يصبغون السياسة بهذه الصبغة الشخصية، ويحكمون على ~~تصرفات الحكام مثلما يحكمون على سلوك «كبار العائلة»، وينسون المسئوليات الخاصة «لرجل ~~الدولة»، التي تحتم علينا أن نحاسبه على كل شيء ، وفي أي وقت نشاء. # هذا الذي قلناه على الموضوع كله، من حيث المبدأ، وفي ظل أي نظام، حتى النظام الديمقراطي، ~~أما النظام الدكتاتوري - الذي تدور في ظله كل مناقشات هيكل وخصومه - ففيه يصبح الموقف أوضح، ~~فالنظام الدكتاتوري لا يسمح بمناقشة الحاكم «إلا» بعد وفاته، وما دام النظام الدكتاتوري ~~تحكمه أسود مهيبة وشامخة، فمن الطبيعي أن يكون على الطرف الآخر، فئران - وإلا فعلى أي شيء ~~يستأسد الأسود؟ # إن الناقد الذي يهاجم أي حاكم فردي مطلق بعد مماته، إنما يتصرف تصرفا طبيعيا لا ~~مفر منه، لو قيل له: إنك خائف، لكان رده: نعم، إنني لم أتكلم إلا الآن؛ لأنني كنت خائفا، ~~ولي كل الحق في أن أخاف، وحتى لو ادعى هيكل الشجاعة فأكد أنه انتقد السادات في حياته، فإن ~~هذه ليست قاعدة يمكن أن تسري على الجميع، فهيكل قد استطاع أن يختلف مع السادات في سنواته ~~الأخيرة؛ لأنه هيكل، بكل ما يحمله من نفوذ وما لديه من اتصالات عالمية، وما يحتفظ به من ~~أسرار تبعث الرعب في قلوب أقوى الأقوياء - وهذه كلها إمكانات لا تتوافر لأي كاتب آخر، حتى ~~لو كان في منزلة توفيق الحكيم، ومع كل ذلك فإن هيكل عندما هاجم الحاكم الفرد في حياته لم ~~يكن يمسه إلا مسا رقيقا، واضطر - بكل سلطته ونفوذه وإمكاناته - أن ينتظر حتى يموت لكي ~~يغوص في الأعماق. # إن القضية كلها - أعني الكتابة عن الحكام أحياء أم أمواتا - هي في رأينا قضية ما كان ~~ينبغي أن تثار، وليس الاهتمام المفرط الذي أبداه أطراف النزاع بها إلا دليلا على قصور ~~شديد في الوعي السياسي لدى الجميع، والمسألة ببساطة استغلال لعاطفية الجماهير واستغفال ~~لعقولها من أجل الحيلولة دون نقد الحاكم حين لا يعود الناس خائفين، بعد ms028 أن كان نقده ممنوعا ~~عندما كانوا خائفين، والخطأ الحقيقي الذي ارتكبه هيكل، لا يكمن في أنه انتظر حتى يموت ~~السادات ثم فجر قنابل المعلومات على قبره؛ إذ إن الدكتاتور لا يمكن نقده إلا بهذه الطريقة، ~~وإنما يكمن خطأ هيكل في أنه لم يكن يدرك هذه الحقيقة طوال الوقت، بل عاش الجانب الأكبر من ~~حياته واقعا في وهم «القطط والفئران» والشجاعة على الحاضرين والجبن على الغائبين. # الفصل الرابع # | ظروف العائلة أم اختيار مقصود؟ # تظل ردود الفعل على كتاب هيكل مصدرا مفيدا غاية الفائدة؛ لتحليل أساليب التفكير ~~المشوهة، التي أصبحت سائدة في عالمنا العربي بعد سنوات طويلة من القمع، وتتعمق دلالة هذا ~~التشويه حين ندرك أن الكاتب الذي أثار ردود الفعل هذه، لم يسلم هو ذاته، في كثير من ~~الأحيان، من الوقوع في أخطاء نقاده نفسها، بحيث يشعر المرء بأن المسألة في حقيقتها لا ~~ينبغي أن تناقش على مستوى أطراف النزاع، ولا ينبغي أن تنحصر في البحث عن المصيب والمخطئ بين ~~هذه الأطراف، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك الجو الفكري المزيف الذي طغى تأثيره على ~~الجميع ولم يسلم منه أي طرف. # كان هيكل، بغير شك، مبالغا في حديثه عن العوامل الفردية والعائلية التي تحكمت في نشأة ~~أنور السادات، وصبغت شخصيته فيما بعد بصبغتها المميزة، صحيح أنه، حين يكون الحكم فرديا ~~مطلقا، تلعب شخصية الحاكم وأهواؤه، وربما نزواته، دورا لا يستهان به، يمكن أن ينعكس حتى ~~على قراراته المصيرية، ولكن المشكلة هي أن العوامل الشخصية تقبل أشد التفسيرات تنوعا: ~~فالابن الذي يضطهده أبوه أو يسيء معاملته، مثلا، يمكن أن يتحول إلى إنسان منحرف يضطهد ~~الآخرين عندما يكبر، ويكون انحرافه هذا رد فعل على نشأته الأولى، ولكنه يمكن أيضا أن يكون ~~إنسانا حنونا عطوفا على الآخرين، لا يريد لهم نفس المحنة التي مر هو ذاته ~~بها، ويكون هذا أيضا رد فعل على نشأته الأولى. ~~وهكذا فإن الحديث عن العقد النفسية للطفولة، وتأثيرها في الإنسان البالغ، هو دائما حديث ~~محفوف بالمخاطر، يقبل أشد التأويلات ms029 تناقضا. # خذ مثلا فكرة الأصل المتواضع، والحياة الصعبة التي كانت تحياها أسرة السادات، هذا شيء ~~يقبل تفسيرات شديدة التنوع، فكم من زعيم أسدى لشعبه أعظم الخدمات، وكان أصله المتواضع هو ~~الحافز له على أن يفني حياته من أجل الشعب الذي يشعر دائما بانتمائه إليه! وإذا كان ~~السادات قد أغرق نفسه في البذخ، بصورة مبتذلة، في حياته المتأخرة، فإن هذا اختيار واع ~~من جانبه، وانتماء وانحياز منه إلى طبقة محددة، وليس مجرد عقدة نفسية عبرت عن نفسها ~~بصورة عكسية، فلماذا لم تؤد عقدة الفقر بهوشي منه أو لومومبا مثلا إلى اختيار حياة ~~القصور والاستراحات؟ ألم يكن جمال عبد الناصر نفسه فقيرا؟ # 1 # بل إن مثل هذا التفسير يمكن أن يستخدم ضد هيكل نفسه، وقد أشار موسى صبري ~~بوضوح مقزز إلى أصول هيكل العائلية ولمح إلى ما يسميه: خوفه من إظهار أبيه في الأماكن ~~العامة، بل إن كاتبا قدم عملا روائيا ومسرحيا مشهورا، تضمن إشارات مماثلة تتعلق ~~بشخصية من شخصيات الرواية، رأى كثير من النقاد أنها ربما كانت تعبيرا عن شخصية هيكل نفسه. # 2 # هذه أمثلة لا أذكرها إلى لكي أنقدها، وأبين أنها مبنية على فهم باطل من أساسه، لعملية ~~تفسير مسلك رجل الدولة، ومع ذلك فقد تورط هيكل فيها، خلال فصوله الأولى، أكثر مما ينبغي، ~~ولا شك أن نوعية الجمهور الذي وجه إليه الكتاب أصلا، وهو الجمهور الأمريكي، كانت مسئولة ~~إلى حد بعيد عن هذا التورط، فالأمريكيون مصابون بهوس العقد النفسية والتفسيرات ~~السيكولوجية الرخيصة، وهم ينفقون على العلاج النفسي ما يغطي ميزانيات عدة دول من العالم ~~الثالث، دون أن يجنوا من ذلك إلا مزيدا من السلوك غير السوي. وهكذا خاطب هيكل جمهوره ~~الأمريكي باللغة التي تروق له، ولكنها للأسف لغة لا تفسر شيئا، بل تزيد الأمور ~~تعقيدا. # خذ مثلا مشكلة اللون، لقد كان هيكل - للإنصاف - واضحا في هذه المسألة، فأكد أن السادات ~~كان معقدا من لونه «بلا داع»، وفي كل مرة كان يكرر أنه لم يكن هناك ما يدعو إلى هذا ms030 ~~التعقيد اللوني، ولكن مجرد الإشارة إلى اللون كانت كفيلة بإثارة ردود فعل غاضبة لدى كثير من ~~الناس، وكان من أطرف ردود الفعل هذه، ما كتبه مستشار سوداني احتج بشدة على ما ذكره هيكل عن ~~عقدة اللون عند السادات، الذي يحبه المصريون ويفخرون به ، وذاهبا إلى أن هذه إساءة إلى ~~الشعب السوداني تعرقل مسيرة التكامل بين البلدين «في ظل قيادة الرئيس نميري»، ورأى ~~المستشار فيما قاله هيكل تفرقة عنصرية، ومؤامرة مشتركة مع القذافي لعرقلة التكامل بين ~~الشعبين، ولم ينس المستشار أن يشير إلى أسماء عدد من الشخصيات المصرية المشهورة التي كانت ~~من أب سوداني أو أم سودانية، كمحمد نجيب، وعبد الله النجومي، وعلي عبد اللطيف، ولم يمنعهم ~~ذلك من دخول التاريخ، # 3 # هذا رد فعل مبالغ فيه بغير شك، وربما كان طائشا، نتج عن فهم قاصر لإشارة هيكل ~~إلى لون السادات، ولكن الموضوع بأكمله ما كان ينبغي أن يثار؛ لأن أخطاء الحكام، وخاصة حين ~~تكون فادحة، أعقد من أن تفسر بمثل هذه العوامل. # ولكن لنتوقف وقفة أطول عند صفة أخرى أكدها هيكل بإلحاح، وأثارت ضده موجة من ردود الفعل ~~العنيفة، وأعني بها نشأة السادات الفقيرة، التي أدت - وفقا لتفسيرات هيكل النفسية - إلى رد ~~فعل في الاتجاه العكسي لدى السادات عندما أتيحت له فرص الإثراء، ولما كان هدفنا الدائم هو ~~التوصل إلى أنماط الفكر التي أصبحت سائدة في أيامنا هذه، والتي تشهد على الانهيار العقلي ~~المميز لعهود القهر والكبت، فسوف نبدأ بضرب أمثلة لردود الفعل التي لا يكاد يتصورها العقل، ~~على ما قاله هيكل عن فقر السادات في حداثته: فالكاتب الذي اقتبسنا عنه من قبل، والذي تحدث ~~بلسان السادات، ردا على هيكل، دون أن يذكر اسمه، يقول: «صدقوا فيما يقولون، نشأتي عقدتني، ~~ذقت الفقر وقسوته فحاولت أن أجنب غيري تذوق مرارته، تملكتني عقدة الرخاء، وكانت ~~أغلى أماني أن يوفقني الله إلى حماية من عنده لكل مصري ومصرية من مواجهة لا ترحم مع ~~شيخوخة أو عجز أو عوز، وأن يقدرني على طلب الطعام ms031 من الصحاري لكل فم، وحق العلاج والدواء ~~لكل عليل، وتوفير البيت لكل عروس، ويشهد الله والشعب الوفي الذي لا ينسى، أنني سعيت وحاولت ~~قدر طاقتي.» # ويستنكر زعيم يمني سابق على هيكل أنه يعير السادات بفقره، فيذكر القراء بأن الله قد ~~اختار أنبياءه من الفقراء ، وقال لرسوله: # فأما اليتيم فلا ~~تقهر * وأما السائل فلا تنهر * ~~وأما بنعمة ربك فحدث ~~، ثم يعلق الزعيم السابق المشهور ~~قائلا: «ولم نسمع أن السادات قهر يتيما، ولا نهر سائلا، وكان بنعمة ربه يحدث.» # 4 # والنموذج الثالث شهادة سريعة لموسى صبري، يكرر فيها قصة عن السادات الذي أصر على أن ~~يقرأ بنفسه شكوى رجل فقير بعد أن حاول سكرتيره الخاص أن يعالج الموضوع دون تدخل من الرئيس، ~~ثم قال السادات لهذا السكرتير: «أنت يا فوزي لم تعان الفقر كما عانيته.» # 5 # هذه الأمثلة تكفي للدلالة على التدهور الخلقي والفكري، الذي يمكن أن يصل إليه الإعلام في ~~ظل القمع، فكاتب العبارة الأولى، على سبيل المثال، لا يخجل من الحديث عن رحمة الرئيس ~~بالفقراء، ويتوهم أن الوعي لدى الجماهير قد انعدم إلى حد نسيان مجموعة المليونيرات التي ~~أحاطت بالرئيس السابق وصاهرته، وتلك التي أعطيت لها كل الفرص لنهب أموال الشعب في ظل ~~الانفتاح، ولا يتورع الكاتب عن الحديث عن شقة لكل عروس، في الوقت الذي تشهد به تجربة الناس ~~اليومية، أن أسعار المساكن الخيالية، وصلت إلى أرقام، لم تعد تقدر عليها إلا عروس واحدة ~~بين كل ألف عروس، وهو لا يستحي من الحديث عن الطعام لكل فم وسط الغلاء الطاحن، ولا عن ~~الدواء لكل مريض وسط الإهمال الكاسح لعلاج الشعب، والارتفاع الصاروخي لأسعار العلاج الخاص! ~~فماذا يمكن أن يقول العقل والمنطق، حين تصل الصفاقة بالإعلام إلى هذا الحد؟ # إن من العبث أن يسترسل المرء في مناقشة هذه الشهادات الفجة، التي لا ترتكز إلا على ~~مغالطات مفضوحة، وما استشهدنا بها ها هنا، إلا لكي نقدم نماذج للمستوى، الذي أصبحت تناقش ~~به أمور المجتمع المصيرية في الوقت الراهن، ولكن الأهم من ms032 ذلك هو أن نتساءل: هل يكفي ~~التعليل الذي قدمه هيكل، والذي يرتكز على فكرة عقدة الفقر؛ لكي يفسر البذخ المفرط الذي ~~تميزت به حياة السادات، وحياة المحيطين به من أقارب وأصحاب؟ إن عقدة الفقر، كما قلنا، ~~يمكن أن تتجه اتجاها عكسيا، فتولد لدى الحاكم تعاطفا حقيقيا مع الفقراء، وسعيا ~~جادا إلى استئصال الأسباب المؤدية إليه، فلماذا إذن كان الاتجاه، في حالة السادات، إلى ~~التمتع المفرط بنعم الحياة، والاندماج التام بأكبر أثرياء المجتمع؟ # في رأيي أن المسألة اختيار واع ومقصود لنمط معين من أنماط الحياة، ولفئة معينة في ~~المجتمع هي الأقدر على إشباع احتياجات نمط الحياة المطلوب، فالتفسير هنا اجتماعي واقتصادي ~~قبل أن يكون نفسيا. # والدليل على صحة الرأي الذي نقدمه هو أن السادات حارب فكرة الفقر ذاتها، بطريقة ~~متعمدة، أملا في إلغائها من القاموس، وبذل جهودا واعية لإقامة «فلسفة» خاصة به، لا مكان ~~فيها لمفهوم الفقر، وبذلك تكتمل عملية تغييب الوعي لدى الجماهير التي تشعر بوطأة الفقر في ~~حياتها اليومية حتى لو لم تفهم الأسباب الحقيقية المؤدية إليه، ففي معظم خطب السادات ~~وأحاديثه كانت هناك دعوة متكررة إلى إلغاء الحقد، والاستعاضة عنه بالحب والتآلف والانسجام ~~في ظل مجمع «الأسرة الواحدة»، الذي يرعاه ويسهر عليه «كبير العائلة». والحقد هنا ليس إلا ~~تطلع الفقراء إلى نمط حياة الأغنياء، وإلغاء الإحساس بالفوارق الصارخة بين الطبقات، بدلا ~~من أن تقوم على إلغاء هذه الفوارق ذاتها، ولا جدال في أن الإلحاح على الناس ليل نهار؛ كي ~~يتخلوا عن الحقد ويحبوا بعضهم بعضا، في إطار مجتمع يسوده كل هذا القدر من التفاوت في ~~الثروات وفي كافة فرص الحياة، إنما هو محاولة واعية لتزييف عقول الناس، بحيث تنسى واقعها ~~الأليم ذاته، وليس على الإطلاق مجرد رد فعل نفسي من جانب الحاكم على نشأته الفقيرة. # ولعل الدليل الأوضح من هذا كله هو موقف السادات من أحداث يناير 1977م، فهذه الأحداث «ثورة ~~فقراء» بمعنى الكلمة، والأمر اللافت للنظر حتما، في موقف السادات إزاءها، ليس أسلوب القمع ~~العنيف الذي اتبعه ms033 لإخمادها، فهذا هو المسلك المنتظر من أي حاكم في مثل موقفه، ولكن ما ~~ينفرد به السادات هو أنه حاول أن يلغي طبيعة الحدث ذاته، ويحذف منه عنصره الأساسي؛ عنصر ~~الفقر، حذفا كاملا، وهكذا ظل السادات شهورا طويلة، بعد يناير، يوجه إلى كل من يناقشه ~~أو يحاوره سؤالا لا يتغير: انتفاضة شعبية أم انتفاضة حرامية؟ وتبعا للإجابة عن هذا السؤال ~~يتحدد موقف كل شخص، إن كان مع السلطة أو ضدها، من أنصار الانفتاح أو خصومه، من الطبقة ~~العليا الجديدة أم من الطبقات الدنيا، كان إطلاق اسم «الحرامية» على تلك الملايين التي خرجت ~~في مظاهرات تلقائية عارمة ضد رفع الأسعار، هو في ذاته اختيارا طبقيا لا تخطئه أي عين، ~~وبغض النظر عن أن وجود كل هذا العدد الهائل من «الحرامية» (لو صحت التسمية) هو في ذاته ~~دليل على أن هناك خللا أساسيا في المجتمع، فإن الشيء الذي ينطوي على دلالة عميقة هو أن ~~الاختلاف حول الاسم كان يعكس محاولة من الحاكم لإنكار وجود الفقر في المجتمع أصلا، ~~فالمتظاهرون لم يخرجوا لأنهم فقراء، بل لأنهم «حرامية». هذه قمة التوحد مع الطبقة الثرية ~~التي أصبحت تحكم مصر وتنهب مواردها، ذلك التوحد الذي يصل إلى حد إلغاء كلمة الفقر من ~~القاموس، وكأن حذف لفظ معين وإحلال لفظ آخر محله سوف يستأصل الظاهرة نفسها من ~~جذورها! # كانت تلك، بطبيعة الحال، واحدة من الحالات التي يقوم فيها اختيار لكلمة مخففة بالتغطية ~~على حقيقة أليمة مريرة، تلك الحالات التي تكتشف فيها أجهزة الإعلام سحر «الكلمة»، فتتلاعب ~~بها وهي واثقة من أن الكلمة المزيفة، إذا ما تكرر استخدامها إلى الحد الكافي، تستطيع أن ~~تغير طبيعة الظاهرة التي نتحدث عنها وتشكلها بالطريقة التي تحقق أهداف الحاكم - ويدخل ~~في هذا الإطار استخدام أجهزة الإعلام المتكرر للفظ «النكسة» بدلا من الهزيمة الثقيلة في ~~يونيو 1967م، وحديثها الدائم عن «سيادة القانون»، بمعنى وضع قوانين مزيفة توافق عليها ~~الأغلبية الآلية في المجالس النيابية ثم ضمان «السيادة» لها، واستخدامها تعبير «تحريك ~~الأسعار» بدلا من الغلاء ms034 الفاحش، وهلم جرا. # على أن الأمر اللافت للنظر هو ذلك الافتقار العجيب إلى سياسة محددة المعالم، قابلة ~~للتنفيذ، لمواجهة ظاهرة الفقر في مصر، فبدلا من التصدي للظاهرة بأساليب مخططة ومدروسة، ~~كان الحاكم يتحدث في كل مناسبة، عن أمنيته الغالية، وهي أن يكون لكل مصري «فيلا وسيارة» ~~خاصة به ، ومثل هذا الحديث ليس مجرد تخدير لحواس الناس وعقولهم فحسب، بل هو أيضا دليل على ~~أن فكرة المواجهة العلمية للمشكلات غير موجودة في ذهنه أصلا؛ ذلك لأن بلدا كمصر لا يحتمل ~~ببساطة، أن يكون لكل مواطن فيه «فيلا وسيارة»، حتى لو كان نظام الحكم فيه وطنيا مخلصا ~~بلا أي شائبة، والنظرة العلمية إلى مشكلة كهذه، هي التي تحدد الأهداف وفقا للإمكانات ~~الموجودة، وتكتفي بالحد الأدنى للمعيشة الآدمية، بدلا من أن تغرق الناس في أوهام يستحيل ~~تحقيقها، ومن المؤكد أن المفارقة لا بد أن تكون قاسية بين حلم «الفيلا والسيارة»، حين يشيعه ~~بين الناس أكبر مسئول في الدولة، وبين الأسعار الفلكية للمساكن الجديدة، ووسائل المواصلات ~~اللاإنسانية التي لا تملك الأغلبية الصامتة غيرها، وفي مثل هذه الحالات، يكون التقدير ~~الواقعي للأهداف أقدر بكثير على تهدئة مشاعر الناس، وبعث الأمل في نفوسهم من أي تعبير ~~تخديري حالم. # المهم في الأمر أن المحاولات الواعية المتعمدة للتغطية على حقيقة الفقر الصارخة، ولتعليل ~~الناس بآمال زائفة، لا يمكن أن تكون مجرد تعبير عن «عقدة فقر» متأصلة منذ النشأة الأولى، ~~وإنما هي تعبير عن اختيار وانحياز إلى جانب ~~القلة المستغلة، ضد الأكثرية المطحونة من وطأة الاستغلال، إنها فلسفة متكاملة، دبرت ~~وخططت بعناية وبخطط مرسومة، وليست مجرد رد فعل سيكولوجي على ظروف الفقر التي سادت خلال ~~فترة النشأة الأولى، ومن هنا يبدو أن الخطأ الذي ارتكبه هيكل في هذا الجزء، لا يقل فداحة ~~عن ذلك الذي ارتكبه خصومه ممن تحمسوا للدفاع عن السادات، سواء منهم ذلك الذي أكد أن فقر ~~السادات جعله يسعى حثيثا لاستئصال كل مظاهر الفقر في بلاده، أو ذلك الذي ذرف دموع التماسيح ~~وهو يتحدث عن معاناة ms035 رئيسه من الفقر في حداثته، أو ذلك الذي شهد - بكل أمانة وإخلاص - بأن ~~السادات لم يقهر يتيما، ولم ينهر سائلا، وكان بنعمة ربه يحدث! # إن الاهتمام الزائد بعوامل التنشئة والتربية والبيئة الأولى، في حياة السياسيين، يمكن أن ~~يؤدي إلى عكس الهدف المقصود منه، ففي حالة السادات كان من الممكن - كما قلنا من قبل - أن ~~تفسر نشأته المتواضعة على نحو يؤكد تعاطفه مع الفقراء، كما فعلت أجهزة الإعلام المؤيدة ~~له بالفعل، ولو قيل إن النشأة المتواضعة، وليس الاختيار الأصيل، هي التي أدت به إلى ارتكاب ~~أخطائه، فإن مثل هذا التعليل يعني التماس شيء من العذر للحاكم؛ لأنه سيكون عندئذ «ضحية» ~~ظروفه العائلية القاسية، وربما اقتنع البعض بأنه لم يكن يملك أن يفعل إلا ما فعل، وهذا كله ~~هروب من المسئولية الحقيقية؛ مسئولية الاختيار الواعي، المخطط، المرسوم، الذي تخلى فيه ~~السادات عن طبقته الأصلية، وانحاز بكل قوة إلى صف أصحاب الملايين الجدد. # ومع ذلك فإن هيكل يبرز هذا العامل إلى حد تصوير المسألة، كما لو كانت مسألة إنسان مصاب ~~بمجموعة من العقد النفسية، التي لم يكن يستطيع التخلص من تأثيرها طوال حياته، وإذا قال ~~البعض، دفاعا عن هيكل، إنه لم يفعل ذلك إلا في الفصول الأولى، بينما خصص الفصول التالية ~~للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والفكرية الموضوعية، فإن هيكل نفسه يعود فيؤكد التهمة ~~الموجهة إليه حين يقول في الصفحات الأخيرة من ~~كتابه، بعد أن عرض ملحمته الطويلة عن السادات، وأراد أن يلخص في النهاية ما انتهى إليه من ~~نتائج: «يمكن الآن بأثر رجعي أن يقال إن غلطة السادات الكبرى، تمثلت في تضحيته بالأهداف ~~الاستراتيجية لمصر، من أجل مناورات تكتيكية كان مشكوكا منذ البداية في قيمتها، ويمكن أن ~~يقال - وبحق - إن حرب أكتوبر كانت فرصته الكبرى، بل كانت فرصة لم تتح لحاكم مصري قبله في ~~تاريخ مصر الحديث، بما في ذلك محمد علي وجمال عبد الناصر، ولكنه ألقى بكل شيء في الهواء، ~~وربما كانت المسئولية تقع على نوع الحياة التي عاشها، أو ربما كانت تقع ms036 على نقص حصيلته من ~~التعليم والعلم، وكلها عوامل تجعل من الظلم إصدار حكم قاطع عليه.» # هنا، وفي نهاية الكتاب، يعمد هيكل إلى استخدام التعليلات الشخصية، مثل نوع الحياة التي ~~عاشها الحاكم، أو نقص تعليمه؛ لكي يفسر بها أخطر الأحداث، وكأن السادات لو كان أكثر علما ~~لتغيرت سياساته جميعا ، أما المصالح والانتماءات والارتباطات، فلا مكان لها في تعليلات ~~هيكل، فظروف الحاكم، من حيث هو فرد معين نشأ في أوضاع معينة، هي التي تفسر كل شيء، وإن ~~المرء ليعجب كيف يقبل مفكر ومحلل كبير، كان أقرب المقربين إلى حكام أكبر بلد عربي خلال ~~ربع قرن من الزمان على الأقل، أن يقدم مثل هذا التعليل الجزئي الضيق لأحداث سياسية كبرى، ~~ويتجاهل عوامل سياسية مثل اختيار الحاكم أن ينتمي إلى الشريحة العليا للمجتمع ويربط مصيره ~~بها، ومثل اتباعه أسلوبا للحكم غير مستند إلى إرادة شعبية تعبر عن نفسها تعبيرا حرا ~~سليما، فهل يكون من المستغرب بعد ذلك، أن تكون النتيجة التي يصل إليها تحليله، هي أن «من ~~الظلم إصدار حكم قاطع عليه»؟ # وكل ما أستطيع أن أقوله من تفسير لهذا القصور الشديد في التحليل، هو أن من اعتادوا ~~الاقتراب الشديد من حكام أفراد بعيدين عن الديمقراطية، ومن ألفوا رؤية أخطر القرارات تصدر ~~بإرادة فردية مطلقة، لن يستطيعوا أن يخرجوا في تعليلاتهم وتفسيراتهم عن إطار الظروف ~~الشخصية لأصحاب السلطان. ~~••• # إن المناقشة الطويلة التي قمنا بها، على مدى هذا الفصل والفصول السابقة، لردود الفعل على ~~ما كتبه هيكل، إنما كانت تستهدف قبل كل شيء، إظهار عناصر الضعف والتفكك في الجو الفكري الذي ~~عاش في ظله هيكل وخصومه معا، فالجميع يقعون في أخطاء متشابهة، وإن كانت هذه الأخطاء ~~مكشوفة مفضوحة في بعض الحالات، وغير ظاهرة للعيان في حالات أخرى. # وأبرز هذه الأخطاء هو الخلط بين العوامل الشخصية والعوامل الموضوعية في تحليل الظواهر ~~السياسية، وإصدار الأحكام على تصرفات رجال الدولة، هذا الخطأ واضح كالشمس في استنكار ~~الساداتيين لعدم الوفاء وانتهاك الحرمات ونبش القبور، ولكنه ظاهر أيضا في تأكيدات ms037 هيكل، في ~~مواضع كثيرة من كتاباته، بأن نقد الحكام بعد موتهم ليس من الشجاعة في شيء، إن المنهج ~~الفكري واحد، وإن كان يطبق في حالة هيكل - كما يحدث دائما - بطريقة أكثر ذكاء ~~وخفاء. # ومن شأن اتباع هذا المنهج أن يبدو الصراع حول المسائل السياسية الكبرى، كما لو كان ~~ثأرا بين أشخاص، وهكذا يقول البعض، تأييدا لموقف هيكل ضد مهاجميه: أين كنتم عندما كان عبد ~~الناصر يشتم؟ فيرد البعض الآخر ممن ينقد حملة هيكل على ~~السادات: ولماذا هاجمت دكتاتورية السادات وسكت عن دكتاتورية عبد الناصر؟ ويظل كل من الطرفين ~~حريصا، قبل كل شيء، على ألا يوجه اللوم إلى الرئيس الذي يدافع عنه ويترك الآخر، أما القضية ~~الأصلية، وهي أن حق النقد ينبغي أن يكون مباحا للجميع، وفي عهود كل الحكام، سواء في حياتهم ~~أو بعد مماتهم، فلم يدافع عنها أحد. # وحين تثور العواصف ضد هيكل من صحفيين كانوا زملاء له، ثم اندمجوا في العهد الساداتي، يعلق ~~على ذلك بأسف قائلا: «ليس بينهم من لم أقف معه في أحلك الظروف ولم أفعل كل ما في وسعي ~~لمساعدته، ولولا أنني لا أريد أن أمن على أحد، لذكرتهم لك واحدا واحدا وبالاسم، ورويت ~~ما قدمته لهم.» # 6 # إنه هنا يلخص الموقف كله: فهو يتصور أنه بمثل هذه الإشارات إلى الخدمات الشخصية التي ~~أسداها يرد على نقاده، وينسى أن القضايا المثارة أخطر بكثير من منطق الخدمات ~~والمساعدات الفردية، ويثبت أنه لا يختلف عن مهاجميه ممن خضعوا لمنطق الحكم المطلق، وعجزوا ~~عن تفسير الظواهر العامة إلا من خلال سلوك الأفراد. # الفصل الخامس # | التاريخ والحقيقة الضائعة # من سمات عهود القمع الفكري وكبت الرأي المعارض، أنها تنشئ أجيالا لا تعرف التاريخ إلا ~~في صورة مشوهة، فحين تكون وجهات النظر المتباينة متاحة يستطيع العقل الناضج أن يكون ~~صورة صحيحة عن أحداث التاريخ وتياراته، ويصدر أحكاما سليمة على السياسات التي تحكمت في ~~صياغته، أما حين يسري الحظر الكامل على وجهات النظر التي تخالف موقف السلطة الحاكمة، فكيف ~~نتوقع من أي ms038 جيل لم يتعرض إلا لوجهة النظر هذه، أن يفهم أحداث التاريخ ويصدر حكما صحيحا ~~عليها؟ # وأستطيع أن أقول إن الأجيال التي تقل أعمارها عن خمسة وأربعين عاما، وهي بالطبع تشكل ~~الأغلبية في العالم العربي المعاصر، لا تعرف عن تاريخ ما قبل ثورة 1952م سوى معلومات غير ~~موضوعية وغير منصفة، هذا بالطبع لا يمنع من أن يكون ثمة أفراد هنا وهناك، بذلوا جهودا ~~مضنية في القراءة والاطلاع والبحث عن الحقائق من مصادرها الأصلية، بحيث لا يسري عليهم هذا ~~الحكم، ولكن مثل هذه الجهود لا تتاح إلا للقلة القليلة، بحيث يمكن القول إن الجيل بوجه عام ~~لم يعد يعرف ذلك التاريخ، إلا من خلال وجهة نظر معادية له، ومن ثم فقد حرصت كل الحرص على ~~تشويهه. # كانت تجربة مصر مع الديمقراطية تجربة فريدة بحق، فمنذ القرن التاسع عشر كانت هناك مجالس ~~نيابية، حاول حكام مصر في ذلك الحين، وهم أتراك أو أنصاف أتراك، أن يستغلوها لحسابهم، ~~وجندوا بالفعل عددا من الأعوان والأذناب، ولكن كان هناك دائما من يتصدون للقهر ~~والطغيان، وشهدت هذه المجالس مواقف مجيدة، كان نواب الشعب فيها يدافعون عن الدستور ضد سلطة ~~الحاكم، ويؤكدون سيادة الشعب ويحمون حقوقه، كانت تجربة ديمقراطية مبكرة، سبقت نظيراتها في ~~كثير من البلاد الأوروبية، وكانت شهادة بالغة الدلالة على أن الشعب يستطيع أن يجني من ~~الديمقراطية مكاسب هامة، مهما كانت قوة التيارات التي تقف في وجه تطوره. # ولقد كانت هذه التيارات قوية بغير شك، فقد كان هناك القصر (الخديوي في البدء، ثم الملوك ~~بعد ذلك)، وكان هناك الإنجليز، وكان هناك أعوان يستطيع الحكام شراءهم بالوعود والمصالح، ولم ~~يكن الطريق بالتالي سهلا على الإطلاق، ومع ذلك فقد كان الشعب يؤكد حقوقه ويدافع عن حرياته ~~في كل فرصة تتاح له. # وحين قامت ثورة 1919م في مصر، لم تكن الثورة التي عمت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، والتي ~~شاركت فيها الطبقات الدنيا والوسطى وكثير من شرائح الطبقة العليا، ولم تعرف تفرقة بين مسلم ~~وقبطي في الكفاح من أجل ms039 الوطن؛ لم تكن هذه الثورة كفاحا ضد الأجنبي المحتل فحسب، بل كانت ~~في الوقت ذاته جهادا من أجل تأكيد الديمقراطية والحقوق الدستورية للشعب، وكان من أبرز ~~مظاهر النضج السياسي في ذلك الحين، وجود وعي كامل بأن الكفاح من أجل الاستقلال، والكفاح من ~~أجل الديمقراطية لا ينفصلان. # وخلال تلك الفترة الواقعة بين 1919 و1952م، تميزت الحياة السياسية بطابع الصراع العنيف، ~~الذي تحددت معالمه بوضوح تام، بين تيارين: تيار رجعي يمثله القصر والإنجليز وأعوانهما، ~~وتيار شعبي مستنير يمثله الوفد، ولم يكن الوفد حزبا مثاليا، بل كانت في دواخله ~~تيارات متعارضة، كما كان يضم شرائح متباينة من المجتمع إلى الحد الذي يجعله أقرب ما يكون ~~إلى صيغة «تحالف قوى الشعب»، تلك الصيغة التي بذلت فيما بعد محاولات لتطبيقها في إطار غير ~~ديمقراطي، فلم تلق نجاحا. # ومع ذلك كان في الوفد ميزتان أساسيتان: الأولى أنه كان على وعي تام بأن مصدر قوته هو ~~التأييد الشعبي الساحق، ومن ثم فقد كان في أوقات الأزمات يقف بصلابة في الدفاع عن الدستور ~~وعن حقوق الشعب التي هي رصيده الأكبر، والثانية هي مرونته وقدرته على تطوير نفسه وفقا ~~للأحداث؛ مما أتاح له أن يصمد صمودا رائعا، طوال الفترة الواقعة بين ثورتي 1919 و1952م، ~~على الرغم من كل حملات التشويه والتشنيع التي كانت تشن ضده بانتظام، وبفضل هاتين ~~الميزتين استطاع الوفد أن يكتسح أحزاب الأقلية، التي خلقها القصر والإنجليز لمحاربته، في كل ~~انتخابات تجرى بقدر معقول من الحرية، وكان آخر انتصاراته، وأكثرها مدعاة للدهشة في نظر ~~خصومه، هو فوزه الساحق في الانتخابات التي أجريت في أواخر 1949م، بعد فترة بدا فيها ~~لخصومه في الداخل والخارج، أنهم أفلحوا في تشويه صورته ~~عن طريق اختلاق تفسير كاذب لأحداث 4 فبراير 1942م، وعن ~~طريق انشقاق مكرم عبيد ونشره «كتابا أسود» ضد الوفد، وعن طريق إنشاء دار «أخبار اليوم» ~~الصحفية خصيصا لخدمة أهداف الملك والإنجليز والتخصص في تشويه صورة الوفد. # إننا لا نقدم هنا استطرادا خارجا عن الموضوع، ولا نود أن نقطع حبل ms040 الأحداث، التي أثارها ~~كتاب هيكل أو التي ظهر كرد فعل عليه؛ إذ إن هذه الملاحظات تدخل في صميم الموضوع، وهي في ~~رأينا تكمن في قلب المأساة الفكرية والسياسية التي تعاني منها مصر والأمة العربية في الوقت ~~الراهن؛ فهناك كما قلنا جيل يجهل هذه الأحداث أو لا يعرفها إلا من خلال ما كتبه عنها خصومها ~~منذ عام 1952م، ومن حق هذا الجيل على من شهدوا هذه الفترة بوعي وفهم أن يدلوا بشهادتهم، ~~وسواء اقتنعوا بهذه الشهادة أم لم يقتنعوا، فلينظروا إليها على أنها مادة خام تساعدهم على ~~المزيد من التحليل والتفكير. # كانت الفترة التي تولى فيها الوفد السلطة، بعد انتصاره الساحق في آخر انتخابات أجريت قبل ~~الثورة، وآخر انتخابات حرة في تاريخ مصر، فترة فريدة بحق في تاريخ هذه المنطقة كلها، ومن ~~المؤسف حقا أن أحداث عامي 1950 و1951م لم تنل حظها من الدراسة والتحليل، مع أن هذه ~~الفترة بالذات تلقي الضوء على الكثير جدا من التطورات التالية، ولن يسمح لنا المجال ها ~~هنا، ولا الحرص على الاحتفاظ بتسلسل المناقشة وترابطها، بأن نتحدث بأي شيء من التفصيل عن ~~هذه الفترة الحاسمة التي تنطوي على مفاتيح تفسر أحداثا كثيرة وقعت فيما بعد، ولكن حسبنا ~~أن نشير في عجالة إلى الخطوط العريضة لأحداث هاتين السنتين الحاسمتين، اللتين بدأتا عند ~~استدارة القرن العشرين إلى نصفه الثاني، وكانتا نقطة تحول أساسية بين التاريخ السابق ~~والتاريخ اللاحق. # في هاتين السنتين الحاسمتين وقعت الأحداث الكبرى الآتية: ~~(1) # تركت الحرية للصحافة لكي تهاجم الملك - أقوى سلطة في البلد، بارتكازه على ~~قوتي الإنجليز والجيش - واتخذ الهجوم في بعض الأحيان طابع الفضح المباشر ~~لتصرفات الملك وأسرته، وكان مما ساعد على ضمان هذه الحرية، معركة مشهورة نشبت ~~في ذلك الحين حول تشريعات مقيدة للصحافة (وهي تشريعات لا تساوي شيئا إذا ما ~~قيست بالقيود الفعلية التي أصبحت تمارس ضد حرية الصحافة بعد ~~عام 1952م)، واستطاع فيها الضغط الشعبي، ~~ممثلا في حملة صحفية رائعة ضد التشريعات الجديدة، أن ينتصر في النهاية؛ ~~فسحبت التشريعات، وتأكدت ms041 حرية الصحافة. ~~(2) # قامت الحكومة، استجابة لمطالبات شعبية واسعة النطاق أيضا، بإلغاء معاهدة ~~1936م مع الإنجليز، وبدأ عهد الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية في منطقة ~~القناة، وبقدر ما كانت حركة الكفاح المسلح ارتجالية في البداية، فإنها كانت ~~تحمل للدول الغربية الطامعة في المنطقة، وعلى رأسها القوة الإمبريالية الجديدة ~~(أمريكا)، نذرا خطيرة إلى أبعد حد، هي تكوين نواة لجيش شعبي مدرب على ~~مكافحة الاستعمار، وهو أكبر خطر تخشاه هذه القوى الأجنبية، وخاصة إذا انتقلت ~~عدواه فيما بعد إلى الأقطار العربية الأخرى. ~~(3) # وضعت أسس راسخة لمبادئ العدالة الاجتماعية وديمقراطية الحكم، فطبق مبدأ ~~مجانية التعليم في المرحلتين الابتدائية والثانوية، واتسع نطاق القبول المجاني ~~في الجامعة إلى حد بعيد، وطبق طه حسين، حين كان وزيرا للتعليم، مبدأ ~~«التعليم كالماء والهواء»، وكانت تلك هي البداية الحقيقية للتحول الاجتماعي، ~~ليس فقط في التعليم، بل في فرص العمل وإدارة دفة المجتمع. # وهكذا كانت تلك التجربة الأخيرة لحكم الوفد هي ذروة التطور الديمقراطي الذي سارت فيه مصر ~~طوال فترة لا تقل عن ثلاثة أرباع القرن، ومن اللافت للنظر أن هذه التجربة الرائعة كانت تتم ~~في وجه عقبات هائلة، ولم يكن طريقها سهلا أو معبدا على الإطلاق؛ إذ كان هناك ملك ~~مستبد يشعر بالخطر الذي يتهدده من هذه التطورات، ويتحين الفرص لإسقاط الحكومة التي ~~ستؤدي سياستها حتما إلى القضاء عليه، وكان هناك احتلال بريطاني يريد أن يثبت أقدامه ~~ويتعاون مع أعداء الحكومة الوطنية بكل الوسائل، وكان هناك جيش يدين قادته بالولاء المطلق ~~للقصر، ومع كل هذه المعوقات تحقق الكثير، وازداد الشعب التفافا حول حكومته التي كانت ~~تطور نفسها مع مطالب الجماهير، وكانت الأجنحة التقدمية فيها تكتسب مزيدا من الشعبية على ~~حساب الأجنحة الأكثر محافظة، ولم يكن أمام الملك، إزاء هذا التأييد الشعبي الجارف لحكومته، ~~إلا أن يلجأ إلى التآمر من أجل إزاحة الحكم الوطني؛ فكان حريق القاهرة، أو الثورة المضادة ~~التي أثبتت، بعد وقت قصير، فشلها الكامل، وكشفت النظام الملكي في عجزه وتقلبه ووصوله إلى ~~طريق مسدود. # لماذا، إذن، نتحدث ms042 عن هذه الفترة؟ وما علاقتها بموضوعنا الأصلي؟ السبب الأول هو أن هذه ~~الفترة مجهولة لدى أبناء الجيل الأوسط والأصغر في عالمنا العربي بوجه عام، وفي مصر بوجه خاص، # 1 # والكثير منهم لا يعرف عن هذا العهد إلا مجموعة من القوالب اللفظية التي تكرر ~~ترديدها على أسماعهم إلى حد أنهم أصبحوا يأخذونها كما لو كانت من المسلمات المؤكدة، ~~كالحديث عن «الفساد» في عهد ما قبل الثورة، وعن فشل «التجربة الحزبية» وعن «تخبط الأحزاب ~~وسعيها» إلى «مصالحها الضيقة» وعن «الأزمة التي انتهت إليها الديمقراطية الحزبية قبل ~~الثورة»، إلى آخر هذه العبارات التي يعرفها الجميع، والتي تخفي في واقع الأمر أهم معالم تلك ~~التجربة الخصبة إلى أبعد حد. # أما السبب الثاني فهو تلك المواقف غير المنصفة التي وقفها هيكل من تلك التجربة. # كان هيكل، منذ بداية نضجه الصحفي، منتسبا إلى مدرسة «أخبار اليوم» في الصحافة، وهي مدرسة ~~لها سمات خاصة، أهمها الولاء للقصر الملكي، وتأييد أحزاب الأقلية، والدعاية لكل قوة ~~معادية لحزب الأغلبية الشعبية، أعني الوفد، وكان قطب هذه المدرسة ومعلمها الأكبر هو «محمد ~~التابعي» وهو صحفي مخضرم كان يؤمن بأهمية الإثارة الصحفية، عن طريق الفضائح والجنس، في ~~اجتذاب مزيد من القراء لأية جريدة. ومن الإنصاف لهيكل أن نقول إن مجرد انتمائه خلال فترة ~~هامة من حياته الصحفية، إلى دار «أخبار اليوم» لا يعني بالضرورة أنه كان يتبنى جميع الأسس ~~التي قامت عليها هذه الدار، ولكن من الإنصاف للتاريخ أن نقول إنه لم يبد أي نوع من التمرد ~~الواضح عليها. # كانت هذه الدار التي أنشئت أساسا لتلطيخ سمعة الوفد (وقد أثبتت انتخابات آخر سنة 1949م ~~أنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا) هي التي مجدت مجموعة الشباب التي كانت ينتمي إليها أنور ~~السادات، وعلى رأسها المغامر المشبوه حسين توفيق، وهكذا كانت تروي عنهم حكايات أسطورية، ~~وكان الغطاء الوطني لعملياتهم هو العداء لقوات الاحتلال البريطاني، ولكن الهدف الحقيقي منها ~~هو تخليص القصر من أعدائه، عن طريق التصفية الجسدية، كما تشهد محاولات السادات المتكررة ~~لاغتيال رمز ms043 الوطنية المصرية في ذلك الحين؛ مصطفى النحاس. # ولقد تضمن «خريف الغضب» تعبيرات كثيرة تحمل في طياتها اعترافا بالدور الوطني الذي قام ~~به الوفد، وبالفارق الشاسع، في هذه الناحية، بين الوفد وأحزاب الأقلية الأخرى، فهو مثلا ~~يتحدث عن «حزب الوفد المصري الذي يقوده مصطفى النحاس والذي كان يمثل أغلبية الوطنيين في ~~مصر»، ويصدر حكما مثل: «أما الوفد - وبرغم كل محاولات تزوير الانتخابات - فقد ظل حزب ~~الأغلبية ، يتمتع بتأييد شعبي لا ينازعه فيه أي حزب سياسي آخر.» كما يشير إلى المعارك ~~الدستورية المجيدة التي خاضها الوفد ضد القصر، ويؤكد أن «كفاح» السادات ضد الوفد ومحاولاته ~~اغتيال مصطفى النحاس واشتراكه في مقتل أمين عثمان، كل ذلك كان لصالح السراي، وقد تحقق عن ~~طريق علاقة السادات بالحرس الحديدي، الذي يبدو أنه كان يقوم بدور «عمالة مزدوجة»، لصالح ~~القصر في الواقع، ولصالح الوطنية المتطرفة في الظاهر، وكان مثل كثير من القوى الشديدة ~~التطرف، عاملا لحساب قوى شديدة الرجعية، بل إن هيكل يتحدث عن «صحافة القصر» (ويقصد أخبار ~~اليوم، حيث كان يعمل) التي راحت تصور هؤلاء الشباب على أنهم أبطال شعبيون ... وكل هذه كلمات ~~صحيحة كل الصحة، ومنصفة لتاريخ مصر في تلك الفترة. # ولكن المفارقة تظهر حين يعود هيكل فيصدر أحكاما مناقضة، يبرر بها استيلاء الجيش على ~~السلطة في 1952م، فيقول: «في ذلك المناخ (الأربعينيات) بدت السياسات المصرية التقليدية ~~القائمة على المناورة والتوازن بين الإنجليز والقصر والوفد؛ بدت شيئا فات أوانه؛ لأنه يفقد ~~صلته بالحقائق الجديدة يوما بعد يوم، كان لا بد من تغيير، ولم تكن هناك فائدة ترجى من ~~انتظار التغيير بواسطة حزب سياسي قديم أو جديد، فلقد كان التركيب الطبقي في مصر لا يزال ~~في حالة سيولة، الأمر الذي يمنع ظهور قاعدة اجتماعية صلبة، يقوم عليها تنظيم سياسي ~~حقيقي ويزدهر، وهكذا فإنه حين جاء التغيير، كان مصدره هو القوة الوحيدة التي تمثل إرادة ~~الاستمرار من ناحية، وتملك قدرة العمل من ناحية أخرى؛ الجيش.» # هنا يعود هيكل القديم، هيكل الخمسينيات، إلى الكلام، على الرغم من ms044 أنه كان يكتب في ~~الثمانينيات، فمن قال إن السياسة المصرية قبل الثورة قامت على المناورة والتوازن بين ~~الإنجليز والقصر والوفد؟ لقد كانت تقوم، كما تدل عبارات هيكل نفسه التي اقتبسناها من قبل، ~~على صراع واضح المعالم بين الشعب، ممثلا في الوفد من جهة، والقصر والإنجليز وأحزاب ~~الأقلية من جهة أخرى، كان صراعا حول قضايا متبلورة تماما: القضية الوطنية، الديمقراطية، ~~حكم الدستور، توفير المطالب الشعبية، وعلى العكس من ذلك يمكن القول إن أول ما حرصت عليه ~~ثورة 23 يوليو كان إسكات الصراع، الذي يرمز له إعدام اثنين من العمال (خميس والبقري) ~~بالتهمة التقليدية (الشيوعية) في الأيام الأولى للثورة، ثم ظهور مختلف التنظيمات القائمة ~~على فكرة التوازن، لا الصراع، وأولها هيئة التحرير. # وهكذا يتحدث هيكل حينا بطريقة تدل على أنه أدرك حقيقة القوى المتفاعلة في تلك الفترة ~~المظلومة من تاريخ مصر، ولكنه سرعان ما يعود إلى موقفه التقليدي، ذلك الموقف الذي وقفته ~~ثورة يوليو منذ البداية، وأعني به وضع الأحزاب جميعا في سلة واحدة وكأنها كلها خانت وفشلت ~~وتنكرت للحركة الوطنية، ثم الترويج لتلك الأسطورة التي لم يكن لها أي أساس من الواقع أو ~~التاريخ، وأعني بها أنه «لم تكن هناك فائدة ترجى من أن يأتي التغيير من حزب سياسي»، تلك ~~الأسطورة التي تريد أن تسدل ستارا من النسيان على تجربة ديمقراطية عظيمة، كانت تبشر ~~بتطورات وتصحيحات هائلة لمسارها، لو كتب لها البقاء بعد إزاحة العقبات التي كانت تعرقل ~~مسيرتها حينا وتبطئ حركتها حينا آخر. # من أجل هذا يقدم هيكل تبريرات لمجموعة الإجراءات التي أدت إلى القضاء على التجربة ~~الحزبية في مصر، وهي إجراءات تكررت، مع اختلاف في التفاصيل، في كثير من الأقطار العربية ~~الأخرى حين قامت فيها حركات عسكرية مماثلة، وهكذا يذهب هيكل إلى أن الشرعية التقليدية في ~~بلاد العالم الثالث لها أساس قبلي أو ديني، وحين تحاول أن تنتقل في العالم الثالث إلى ~~شرعية ذات أساس دستوري وقانوني، تستند في عملية الانتقال هذه إلى ضرورات الاستمرار، ~~وتمثلها «البيروقراطية» بما فيها ms045 القوات المسلحة، وكذلك إلى شخصية الزعيم. # ولست أدري على أي بلد من بلاد العالم الثالث ينطبق هذا الكلام، لأن عمليات الانتقال التي ~~تركز على القوات المسلحة وعلى شخصية الزعيم لا تمثل في أية حالة من الحالات تحولا نحو ~~الشرعية الدستورية والقانونية، ولكن ما أعلمه حق العلم هو أن هذا الكلام حين يقال عن مصر ~~بالذات، يكون عدوانا صارخا على الحقيقة والتاريخ، فقد كانت في مصر شرعية دستورية قائمة ~~بالفعل، وكانت تكافح ببطولة من أجل تطهير نفسها من القوى المعادية للدستور، وليس صحيحا ~~أن حركة الجيش، في مصر أو غيرها، كانت محاولة للانتقال من شرعية تقليدية إلى شرعية ~~دستورية، بل إن العكس هو الصحيح؛ إذ كانت الحركة في أساسها انتقالا من تجربة ناضجة في ~~الشرعية الدستورية إلى نمط في الحكم لا يكترث كثيرا بمعنى الشرعية، ولا يعترف بالدستور ~~إلا على الورق. # وبمثل هذه الفلسفة المضللة تم تبرير كافة الإجراءات التي اتخذت في السنتين الأوليين ~~للثورة، من أجل التضييق على الأحزاب (وكان المقصود بها واقعيا حزب الوفد وحده)، ثم فرض ~~شروطا صعبة التحقيق عليها، ثم الادعاء بأنها لم تتمكن من تلبية هذه الشروط، ثم يتكرر ~~المسلسل المعتاد، الذي أصبح «نموذجا» تحتذيه الانقلابات العسكرية في كافة أرجاء العالم ~~الثالث: إيقاف المسار الطبيعي للدستور، وإلغاء الأحزاب والانتخابات، والعمل بموجب قرارات أو ~~مراسيم، مدة ثلاثة أشهر، ثم ستة أشهر، ثم سنوات وسنوات، وفي كل حالة يجد النظام من يبرر ~~له إجراءاته عن طريق «فلاسفة» قادرين على إقناع الناس، أو إرغامهم على الاقتناع، بأنهم ~~يعيشون في ظل شرعية من نوع جديد، شرعية «ثورية» تتضاءل إلى جانبها المفاهيم «العتيقة» ~~للشرعية. # هكذا فعل هيكل، وهكذا فعل كثيرون غيره من منظري الحكم التسلطي اللاديمقراطي، ولكن حساب ~~التاريخ لهيكل سيكون أشد عسرا؛ لأنه كان أكثر من الآخرين ذكاء ووعيا؛ ولأنه أدرك حقائق ~~الأوضاع في لمحات سريعة في كتابه الأخير، ولكنه سرعان ما عاد إلى طريقه المألوف، طريق ~~العداء للديمقراطية المرتكزة على أساس شعبي، والمعبرة عن الإرادة الحقيقية ~~للجماهير. # الفصل السادس ms046 # | ورثه مصر، ونسى! # في كتاب هيكل عن السادات نقطتان تتسمان بالضعف الشديد، مر عليهما المؤلف بتعجل وبغير ~~تحليل مقنع، وإنما حاول أن يقدم لهما تعليلات أدت في الواقع إلى زيادة موقفه ضعفا، ~~هاتان النقطتان تأتيان عند بداية علاقة السادات بعبد الناصر والثورة المصرية، وعند نهاية ~~عهد عبد الناصر واختياره أنور السادات لخلافته، فكيف يصف هيكل هاتين اللحظتين الحاسمتين: ~~لحظة انضمام السادات إلى تنظيم الضباط الأحرار، التي حصل فيها على جواز المرور إلى تاريخ ~~مصر، ولحظة تعيين عبد الناصر للسادات نائبا به، قبل وفاته بوقت قصير، وهي اللحظة التي ~~ضمنت له دخول هذا التاريخ من أوسع أبوابه؟ # يقول هيكل في «خريف الغضب»: «في أواخر سنة 1951م أصبح أنور السادات عضوا في تنظيم الضباط ~~الأحرار، وقد كان كل أعضاء اللجنة التأسيسية للتنظيم يعارضون انضمامه باستثناء جمال عبد ~~الناصر، كانوا يعرفون السجل بطبيعة الحال، وكان عبد الناصر يعرف يقينا بكل هذه ~~الوقائع.» # ما هي هذه الوقائع التي أدت بأعضاء اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار إلى رفض انضمام أنور ~~السادات إلى تنظيمهم، والتي أصر عبد الناصر على قبوله في التنظيم على الرغم من معرفته ~~اليقينية بها، وعلى الرغم من معارضة جميع أعضاء اللجنة الآخرين لهذا القبول؟ كانت هذه ~~الوقائع، كما شرح هيكل في كتابه بإسهاب، تشمل: الانضمام إلى الحرس الحديدي الذي كان يخدم ~~أغراض الملك - السعي إلى تخليص الملك من أقوى خصومه السياسيين بالتصفية الجسدية - الاتصال ~~برجال القصر وعلى رأسهم «يوسف رشاد» وتلقي رشوة مقدارها ألف جنيه من هذا الأخير «لكي يؤثث ~~بيتا ويشتري سيارة، ويبدأ حياة جديدة.» وغيرها من الوقائع المثيرة للارتياب. # كيف إذن أصر عبد الناصر على قبول السادات في التنظيم، وتحمل بذلك مخاطرة أن يوصف ~~بالدكتاتورية؛ لأنه رجح صوته الوحيد على أصوات جميع الأعضاء الآخرين الرافضين؟ يقدم هيكل ~~في هذا الصدد ما يسميه «اجتهادات» يحاول بها تفسير هذا الإصرار، وهي اجتهادات لا تفسر في ~~الواقع شيئا، بل يمكن الرد عليها بسهولة تامة، فمن الجائز أن عبد الناصر أراد معرفة أخبار ~~القصر مستغلا ms047 علاقة السادات بيوسف رشاد، ولو صح هذا التعديل لكان من الواجب أن يبعد ~~السادات عن التنظيم بمجرد نجاح الثورة وإغلاق القصر وطرد صاحبه من البلاد، فما فائدة ~~الاحتفاظ بعميل سابق للقصر بعد أن انتهت مهمته؟ ومع ذلك فإن السادات لم يكن أول من خرج من ~~أعضاء مجلس الثورة، وإنما خرج الجميع وبقي هو! # وينطبق هذا الكلام نفسه على التعليل الآخر الذي قدمه هيكل، وهو تضليل القصر عن أخبار ~~الضباط الأحرار من خلال الصلة السابقة نفسها، ففي هذه الحالة أيضا كان من الواجب أن تنتهي ~~مهمة السادات بمجرد نجاح الثورة. # أما تعليل عبد الناصر نفسه، كما رواه لهيكل فيما بعد، فهو «أردت أن أضع في إطار الحركة ~~كل هؤلاء الضباط الذين اقترن اسمهم بالعمل السياسي في مصر.» هنا أيضا نجد أنفسنا غير ~~مقتنعين: هل أي ضابط اقترن اسمه بالعمل السياسي يمكن أن يقبل في التنظيم، حتى لو كان العمل ~~السياسي الذي مارسه عمالة مزدوجة وخدمة لأهداف القصر، أي بكلمة واحدة، حتى لو كان هذا ~~العمل السياسي «خيانة»؟ لو افترضنا أن حاجة التنظيم في بدايته إلى عناصر نشطة وممارسة ~~كانت هي التي أرغمت عبد الناصر على قبول شخصية مثيرة للشبهات كهذه، فإن هذه الحاجة تنتهي ~~تماما بمجرد أن ترسخ أقدام التنظيم ويصبح هو الذي يحكم مصر بلا منازع، ويبدو أن أعضاء ~~مجلس الثورة قد نظروا إلى الأمر على هذا النحو، بدليل قول هيكل إن هؤلاء الأعضاء، بعد يوليو ~~1952م مباشرة، «تجددت شكوكهم فيه، بل وبدأ معظمهم يوجه إليه في حضوره بعض الملاحظات ~~الجارحة، ولكن عبد الناصر كان يحميه.» # هناك إذن سر في موضوع دخول السادات في تنظيم الضباط الأحرار، واستمرار عضويته فيه بعد أن ~~انتفت الأسباب التي يقال إنها هي التي دعت إلى قبوله، ولا تقدم إلينا رواية هيكل أي تعليل ~~مقنع لهذا السر، بل إنها تترك الموضوع عائما، وتكاد توحي بأن عبد الناصر كان لديه ميل ~~خاص، غير مفهوم إلى السادات، على الرغم من علمه بتاريخه. # تلك إذن لحظة حاسمة في ms048 تاريخ السادات، وفي تاريخ ثورة 23 يوليو، تركها هيكل غير مفهومة، ~~فهل كان هيكل يستخف بأهمية هذه اللحظة، حين قدم تعليلاته غير المقنعة، أم كان يخفي ~~شيئا لا يريد أن يعلن عنه، أم كان يستخف بقدرة القارئ على الشك والتساؤل، أم كان - ~~أخيرا - يؤمن بحق عبد الناصر المطلق في أن يفعل ~~ما يشاء بغير أسباب؟ # لنترك هذه اللحظة مؤقتا، ولننتقل إلى لحظة أخرى أهم منها بكثير، لحظة كانت مصيرية بحق ، ~~هي تلك التي قرر فيها عبد الناصر أن يعين السادات بالذات، ومن دون أبناء مصر الذين كانوا ~~عندئذ يزيدون على الثلاثين مليونا، ليكون نائبا لرئيس الجمهورية، وخليفته في حكم ~~مصر. # ونستمع، مرة أخرى، إلى ما يقوله هيكل. # في فصل بعنوان «في ظل عبد الناصر»، يقول هيكل: ~~«كان طبيعيا أنه حين تعرض عبد الناصر للنوبة القلبية الأولى في سبتمبر 1969م أن يضع ~~السادات على رأس لجنة تضم بعض القريبين منه، وتتولى تسيير شئون الدولة في غيابه، وعلى أي ~~حال فإن هذه اللجنة لم يقدر لها أن تباشر عملا حقيقيا، فما لبث عبد الناصر أن نسي ~~نوبته القلبية وعاد يمارس شواغله ومسئولياته، وفي ديسمبر عام 1969م كان على عبد الناصر أن ~~يشارك في أعمال مؤتمر القمة العربي في الرباط بالمغرب ... وعندما دعاني إلى الجلوس بجانبه بعد ~~إقلاع الطائرة كما كان يفعل دائما، فإنه أشار إلي بالجلوس وعلى وجهه ابتسامة، وفوجئت به ~~يقول: «هل تعرف ماذا فعلت اليوم؟» ولم أكن أعرف، وقال لي: «كان أنور السادات سيمر علي؛ ~~لكي يصحبني إلى المطار، وطلبت منه أن يجيء معي بمصحفه، ولم يفهم ما عنيت بهذا الطلب، وعندما ~~جاء فقد جعلته يقسم اليمين ليكون نائبا لرئيس الجمهورية في غيابي.» وأبديت دهشتي وسألت عن ~~السبب الذي دعاه إلى ذلك، ومد عبد الناصر يده إلى ملف كان قد وضعه أمامه، وكانت فيه ~~برقية، تقول إن هناك معلومات بأن الجنرال أوفقير يتعاون مع وكالة المخابرات المركزية ~~الأمريكية في محاولة لاغتيال عبد الناصر أثناء وجوده في المغرب، وقد فكرت في ms049 أنه إذا فرض ~~وصدقت المعلومات هذه المرة وحدث شيء، فإن أنور يصلح لسد الفترة الانتقالية، وفي فترة ~~الانتقال فإن دور أنور سيكون شكليا.» ثم أضاف عبد الناصر: «إن الآخرين جميعا واتتهم ~~الفرصة ليكونوا نوابا لرئيس الجمهورية إلا أنور، ولعله دوره الآن ... وعلى أي حال فهي فترة ~~أسبوع على أرجح الأحوال.» # وتلا ذلك حديث طويل عن شواغل عبد الناصر الكثيرة خلال الفترة التالية، تخلله حديث آخر ~~عن فضيحة ارتكبها أنور السادات «وكان يمكن أن تكلفه منصبه كنائب رئيس الجمهورية، وتغير ~~بالتالي مجرى تاريخ مصر الحديث»، وهي استيلاؤه بالقوة، وعن طريق قرار جمهوري، على قصر في ~~الهرم كان يملكه ضابط سابق اشتغل بالأعمال الحرة، ثم حانت ساعة موت عبد الناصر، «كان ~~السادات لا يزال حتى ذلك الوقت هو نائب الرئيس رسميا، وبكل الشواغل التي ألحت على العمل ~~الوطني، من مؤتمر الرباط إلى زيارة موسكو السرية إلى استمرار حرب الاستنزاف إلى مبادرة ~~روجرز إلى المواجهة بين الملك حسين والثورة الفلسطينية في الأردن، فإن وضع أنور السادات ~~كنائب للرئيس كان قضية منسية حتى وإن كان قد خطر للبعض - بمن فيهم جمال عبد الناصر نفسه - ~~أن الأمر قابل لإعادة النظر فيه، وهكذا بقي أنور السادات في مكانه حتى هذه اللحظة ~~الحزينة.» # معذرة، أيها القارئ العزيز، على هذا الاقتباس الطويل، ولكن هذه اللحظة التي يصفها هيكل، ~~وهي اللحظة التي يجد فيها مناسبة لاستعراض مكانته (أجلسني بجانبه كما كان يفعل دائما)، ~~والتي تحدث فيها عبد الناصر إلى هيكل بابتسامة وفاجأه بسؤاله الذي يحمل معنى الدعابة: هل ~~تعرف ماذا فعلت اليوم؟ هذه اللحظة هي التي قررت مصير مصر، ومعها الأمة العربية، حتى يومنا ~~هذا، في هذه اللحظة بدأت المسيرة المشئومة المؤدية إلى زيارة القدس، والصلح والتطبيع، وترك ~~لبنان والفلسطينيين لمخالب الوحش الصهيوني، والانفتاح، ونهب مصر، ووصاية البنوك الدولية ~~والأمريكية على اقتصادها ... هذه اللحظة التي يعرضها هيكل باستخفاف شديد، بل وينتهز الفرصة ~~للتفاخر بذاته وبقربه الدائم من الرئيس، هي التي فتحت الطريق لكوارث مصر والعرب في ~~السبعينيات، ولهذا اقتبستها ms050 من كتاب هيكل بالتفصيل. # ولكنني لم أقتبسها فقط لكي أبين التضاد المحزن بين جو الخفة والسهولة الذي كان يصفه ~~هيكل في سطوره، وبين شبح المصير المأساوي الذي يطل من بين سطور هيكل، ساخرا من القارئ ~~ومن هيكل، ومن عبد الناصر، بل ومن الأمة العربية جمعاء ... كلا، لم أقتبسها لغرض كهذا فقط، ~~وإنما اقتبستها لكي أشرك معي القارئ في محاولة طويلة لاستخلاص المعاني البشعة التي تنطوي ~~عليها هذه السطور. # أول هذه المعاني هو البساطة العجيبة التي اتخذ بها قرار خطير كهذا ونفذ على الفور: عبد ~~الناصر يطلب إلى السادات أن يجيء معه بالمصحف أثناء مروره عليه ليصحبه إلى المطار، السادات ~~لا يعرف السبب، ولكن المفاجأة تنتظره، يقسم اليمين، وبذلك يتحدد من سيكون رئيس جمهورية مصر ~~القادم، هيكل نفسه لم يكن يعرف، ولكن يتضح أن السبب هو تقرير عن مؤامرة محتملة في المغرب ~~لاغتيال عبد الناصر، مؤامرة لم ينظر إليها عبد الناصر بجدية، ولكن لا بأس من الاحتياط! ~~هكذا، بلا استشارة حتى من أقرب المقربين، يحدد الحاكم من سيخلفه في حكم بلاده في مرحلة من ~~أحرج المراحل التي مرت بها طوال تاريخها الحديث، ويقرر بذلك مصير أمته من بعده! لست أدري ~~ماذا يكون شعور القارئ حين يقرأ هذه السطور، ولكنني أقول عن نفسي إنني شعرت بالإهانة حين ~~وجدت مستقبلي ومستقبل أبنائي وبلدي، يحدد بمثل هذا الاستخفاف، دون أن تكون لي، كمواطن، كلمة ~~ولا رأي، ودون أن يصل صوتي عن طريق القنوات التي صاغتها تجارب طويلة للشعوب، والتي تتيح ~~للناس في المجتمعات التي تحترم مواطنيها أن يختاروا من سيتحمل مسئولياتهم في مستقبل ~~الأيام. # ولكن لدى هيكل، بالطبع، إجابة جاهزة، إنه يقول للقارئ: لم يكن هناك عندئذ ما يدعو إلى ~~الانزعاج، ولا حتى إلى الاهتمام، فقد كانت المسألة مؤقتة، لن تطول أكثر من أسبوع، وكانت ~~مجرد احتياط من أن تقع مؤامرة الاغتيال في المغرب، وكل ما في الأمر هو أن السادات قد خدمه ~~الحظ، طوال السنوات التالية؛ لأن عبد الناصر وضعه على كرسي الخلافة ms051 ونسي أن يبعده عنه - وهو ~~معذور في هذا النسيان، فقد كانت الأحداث جساما، ولم يكن لديه من الوقت ما يسمح له بأن ~~يتذكر هذا الموضوع التافه، موضوع تعيين السادات خليفة له في حكم مصر! # مرة أخرى، لست أدري، ماذا يكون شعور القارئ وهو يستمع إلى حجة هيكل هذه، ولكنني أقول عن ~~نفسي إنني شعرت بإهانة أخرى، إهانة لعقلي وتفكيري وآدميتي يوجهها إلي واحد من أولئك ~~الذين عاشوا طويلا في جو الاستخفاف بعقول الناس والاستهانة بهم. # فحسب أقوال هيكل نفسه، وقع اختيار عبد الناصر على السادات لتسيير شئون الدولة مرتين، لا ~~مرة واحدة، الأولى عند إصابته بنوبة قلبية، والثانية عندما قرأ تقارير الأمن عن المؤامرة ~~المغربية الأمريكية المحتملة، وهذا معناه أن الاختيار لم يكن عشوائيا على الإطلاق، بل كان ~~متعمدا مقصودا، ولا شك أن الإصابة بنوبة قلبية هي إنذار كاف لأي إنسان، أي أن احتمالات ~~النهاية لا بد أن تكون قد طافت، ولو من بعيد، بذهن عبد الناصر؛ وعلى ذلك فحين يختار خلفا ~~له، فإنه يعلم أن هذا يمكن أن يكون اختيارا لمستقبل بلاده، وحتى لو كانت مؤامرة المغرب ~~مجرد إشاعة، فإنها تستدعي اختيار أصلح العناصر للخلافة، على سبيل الاحتياط أيضا. # ولكن الكارثة الكبرى في الموضوع كله تكمن في نقطتين: الأولى هي قول عبد الناصر: «إن ~~الآخرين جميعا واتتهم الفرصة ليكونوا نوابا لرئيس الجمهورية إلا أنور، ولعله دوره الآن.» ~~إذن كان حكم مصر «بالدور»! مجموعة الضباط الذين شكلوا مجلس قيادة الثورة، يتناوبون على ~~المنصب الخطير واحدا بعد الآخر، وفي النهاية، وفي لحظة مرض القلب والتهديد بالاغتيال، بقي ~~واحد منهم، فلا بد إذن أن يأخذ نصيبه، ونصيبه هو أن يكون خليفة لحاكم مصر. # إنني لا أشك لحظة واحدة في ذكاء هيكل الذي كان بالفعل غير عادي، ولكن الأمر الذي يذهلني ~~بحق هو: كيف فات على هيكل، بكل ذكائه، المغزى الواضح والصارخ لهذا الكلام؟ كيف يعجز هيكل ~~الموهوب عن أن يدرك أنه، بكلامه هذا، يسيء إلى عبد الناصر أبلغ إساءة، ويهين مصر كلها ms052 إذ ~~يصورها على أنها «عزبة» لا بد أن يتناوب على امتلاكها مجموعة الضباط هؤلاء «بالدور»؟ فكر ~~جيدا أيها القارئ في المقياس الذي يتم على أساسه الاختيار: ليس الكفاءة، التي لم يثبت ~~السادات خلال حكم عبد الناصر - حسب كلام هيكل - شيئا منها، وليس الوطنية، فقد كان عبد ~~الناصر وهيكل يعلمان أنه كان في وقت ما عميلا مزدوجا، وليس وجود برنامج لإنقاذ الوطن ~~لديه، فقد كان بشهادة هيكل عاكفا على حياته الخاصة، عزوفا عن القراءة والاطلاع وتثقيف ~~نفسه، وإنما المقياس هو أنه الوحيد الذي لم ينل بعد نصيبه من الفطيرة؛ هو أن «عليه ~~الدور»! # أما الكارثة الثانية، في هذه القصة الحزينة، فهي أن عبد الناصر، بعد أن وضع السادات في ~~هذا المنصب الخطير، تركه فيه لأنه «نسي»، هكذا يريدنا هيكل أن نصدق أن شيئا بالغ الأهمية ~~كهذا يمكن أن ينسى بمثل هذه السهولة؛ ولكي يبرر لنا هذه الحجة الهزيلة يعدد أمامنا ~~المشكلات التي انشغل بها عبد الناصر خلال الفترة التي كان السادات فيها «منسيا» في منصب ~~الرجل الثاني في مصر، لقد كانت تلك مشكلات خطيرة حقا، ولكن خطورتها ذاتها كانت تفرض على ~~عبد الناصر أن يزداد تذكرا لموضوع خلافته، لا أن ينساه، فالسادات أمامه كل يوم، وهو بالقطع ~~لم يحصل على قرار التعيين نائبا لرئيس الجمهورية ثم أسرع يختبئ في مكان بعيد، داعيا الله ~~أن ينساه الرئيس إلى أن يموت! وخطورة المشكلات التي كان يواجهها عبد الناصر هي ذاتها أقوى ~~مبرر لكي يتذكر في كل لحظة أن الوطن في خطر، وأن من يخلفه في حمل الأمانة ينبغي أن يكون ~~على مستوى المسئولية. # وحتى لو لم تذكره بموضوع الخلافة تلك الأحداث الجسام، فإن تصرفات السادات ذاتها لا بد ~~أنها أدت إلى تذكيره بنوع الاختيار الذي قام به؛ فقد حدثت فضيحة القصر الذي استولى عليه ~~السادات، بإلحاح من زوجته، من ضابط سابق اشتغل في الأعمال الحرة (لا أدري من أين استولى ~~عليه هو الآخر، أو من أين أتته الأموال لشرائه)؛ حدثت هذه الفضيحة «بعد» ms053 تعيين السادات ~~نائبا للرئيس، وحسب رواية هيكل فإن عبد الناصر غضب غضبا شديدا عندما علم بما حدث، ومع ~~ذلك فإن هيكل يذكر، بطريقة غير مفهومة ولأسباب غير واضحة، أن عبد الناصر عندما هدأ غضبه ~~كافأ السادات بقصر على النيل! وهكذا فإن عبد الناصر، كما يصوره لنا هيكل، تلقى إنذارا ~~واضحا بنوع السلوك الذي يمكن أن يسلكه السادات عندما يترك له حكم مصر، فإذا لم تكن ~~المشكلات الدولية والقومية والوطنية الخطيرة التي كانت تشغل عبد الناصر، عندئذ، كفيلة بأن ~~تذكره بضرورة اختيار خليفة وطني قادر على التصدي لها، ألم يكن اغتصاب السادات لبيت لا ~~يملكه، لمجرد أنه أعجب زوجته، كافيا لكي ينبه عبد الناصر إلى عيوب الرجل الذي ائتمنه على ~~أمته كلها من بعده؟ ومع ذلك فإن عبد الناصر، حسب رواية هيكل، كافأ السادات بقصر على النيل ~~بعد فترة غضب قصيرة! أيريد هيكل أن يوحي لنا بأن تصرفات مثل الاستيلاء على بيوت الآخرين لم ~~تكن تصدم الحس الأخلاقي لعبد الناصر؟ أيريد أن يقنعنا بأن مغتصب مال الغير كان في نظره ~~يستحق مكافأة؛ مكافأة عاجلة هي قصر على النيل، ومكافأة آجلة هي النيل كله، بأرضه ~~وشعبه؟ # ولنتأمل تناقضا آخر: لقد كان عبد الناصر، عندما عين السادات نائبا له، يتحوط ضد مؤامرة ~~تشترك فيها عناصر مغربية وتدبرها المخابرات المركزية الأمريكية، ولكن عبد الناصر كان، من ~~جهة أخرى، يعرف أن للسادات ميولا أمريكية قوية، وحسبنا دليلا على هذا أن نشير إلى ~~مقال كتبه السفير الأمريكي الأسبق في مصر، لوشيوس باتل، تحدث فيه عن رحلة رتبها للسادات ~~وزوجته عام 1966م، وعاد بعدها السادات مبهورا بكل ما هو أمريكي، ويهمنا في المقال إشارة ~~الكاتب إلى أن عبد الناصر، عندما قابله بعد ذلك في إحدى الحفلات، قال له: «صاحبكم هذا، أنور ~~السادات، محب ولهان لأمريكا.» فلما قال له السفير: «وما العيب في ذلك؟ ليته كان هناك آخرون ~~لديهم نفس الاتجاه في هذا البلد.» ضحك عبد الناصر، «ولكن كانت هناك دائما مسحة من ~~الاستخفاف في تعليقاته.» # 1 # وبطبيعة ms054 الحال فإن مسلك السادات تجاه أمريكا خلال سنوات حكمه يجعلنا لا نشك ~~لحظة واحدة في صحة هذه الرواية، ولكن، كيف يكون عبد الناصر على علم بميول السادات ~~الأمريكية القوية طوال هذا الوقت، ثم يختاره نائبا بسبب مؤامرة أمريكية محتملة؟ هل يقبل ~~الأب الذي يتعرض للتهديد بالقتل من أفراد عصابة معينة، أن يختار أحد هؤلاء الأفراد وصيا ~~على أبنائه من بعده؟ # إن قصة خلافة السادات لعبد الناصر، والاختيار المشئوم الذي حدث في أحد أيام 1969م، هي ~~قصة فريدة من نوعها، ولقد كانت الرواية التي أوردها هيكل عنها مليئة بالمتناقضات ~~والمفارقات التي تستخف بعقل القارئ وتهين ذكاءه، ولا أظن أن أحدا، حتى هيكل ذاته، يمكن ~~أن يقتنع بهذه الرواية المهلهلة، وهنا يبرز سؤال هام: إذا كان تفسير هيكل لاختيار عبد ~~الناصر للسادات مكشوفا في ضعفه إلى هذا الحد، فلما الذي جعله يلجأ إليه؟ # أغلب الظن أن هيكل اضطر إلى ترويج هذا التفسير الهزيل؛ لأنه وجد نفسه أمام سؤال محرج، ~~تسأله تلك الأجيال الشابة الجديدة التي تنظر إلى عبد الناصر على أنه أعلى نماذج الوطنية، ~~والتي رأت بنفسها ما لحق بمصر والعرب من انهيار في عهد السادات، هذا السؤال هو: كيف اختار ~~زعيم كبير كعبد الناصر خليفة مختلفا عنه في كل شيء مثل أنور السادات؟ ومما يزيد هذا ~~السؤال تعقيدا، أن هيكل أكد بصورة قاطعة أن عبد الناصر كان يعرف كل شيء عن السادات، كان ~~يعرف ماضيه مع القصر، وميله إلى الاستمتاع بحياته بكل الطرق في حاضره، وانبهاره بالأمريكان، ~~أعداء الوطن العربي الألداء منذ عام 1967م على الأقل، وإذن يعود السؤال بإلحاح: كيف يقبل ~~زعيم وطني أن يأتمن شخصا مناقضا له في كل شيء على وطنه من بعده؟ من أجل محاولة الإجابة ~~على هذا السؤال المحرج، اضطر هيكل إلى أن يتحدث عن تعيين نواب رئيس الجمهورية «بالدور»، وعن ~~«نسيان» الرئيس لنائبه في مكانه إلى أن خلفه بعد موته، أعني، بالاختصار، اضطر هيكل إلى أن ~~يلفق إجابة لا تقنع أحدا. # وفي اعتقادي، أولا، أن ms055 هذا سؤال خطير وجوهري ينبغي ألا يقابل بأي استخفاف؛ لأنه ~~يتعلق بمصير الأمة العربية كلها، الذي قامر به السادات على مائدة أمريكا بعد أن أعطاها 99٪ ~~من أوراق اللعبة، ومن ثم فلا بد من أن نلح في المطالبة بتفسير له، وفي اعتقادي ثانيا أن ~~من المستحيل تقديم إجابة مقنعة عن هذا السؤال في إطار الموقف الذي يمثله هيكل: أعني موقف ~~الدفاع على طول الخط عن عبد الناصر، والهجوم على طول الخط على السادات؛ فلكي نجيب عن هذا ~~السؤال الحيوي إجابة مقنعة، لا بد أن نكون أكثر تعمقا في تحليلنا من أن نتقيد بهذا ~~الاستقطاب الناصري-الساداتي. وسأقوم، من جانبي، بمحاولة لتفسير هذه الظاهرة التي تبدو ~~مستعصية على الفهم، آملا أن ينظر القارئ إلى هذا التفسير على أنه حافز للتفكير، من حقه أن ~~يقتنع به أو لا يقتنع، ولكن من واجبه أن يفكر فيه بإمعان. # إن الزعيم الذي يحكم حكما غير ديمقراطي لا يقبل بجانبه إلا الأعوان الذين يطيعون، ~~وينحنون ولا يعارضون، وحين يسود الطابع الفردي في الحكم، يظل الأعوان المحتفظون بكرامتهم ~~والمتمسكون بآرائهم ومواقفهم، أو حتى أولئك الذين يخالفون الزعيم لمصالح شخصية؛ يظل هؤلاء ~~يستبعدون واحدا بعد الآخر، حتى لا يبقى في النهاية إلا الرجل الذي يقول دائما: نعم. ولقد ~~اقترب هيكل من الحقيقة دون أن يشعر حين قال، في نفس الفصل الذي اقتبسنا منه من قبل: «كما ~~حدث من قبل، وكما سيحدث فيما بعد، فإن طبيعة أنور السادات المستعدة للخضوع أمام الأقوى ~~كانت هي التي حكمت موقفه، كانت أحسن أيامه هي تلك التي كان يستطيع فيها أن يلتصق بشخصية ~~قوية، وإذا كان هيكل قد قصد بهذه الشخصية القوية، في كلامه السابق، المشير عبد الحكيم عامر، ~~فإن هذا الحكم يمكن أن ينطبق على مسلك السادات بوجه عام، وإن كان ذلك المسلك في نظرنا ~~واعيا متعمدا، وليس مجرد تعبير عن شخصية ميالة للخضوع والالتصاق بالأقوياء. # كان السادات أذكى من الجميع؛ لأنه أدرك قانون اللعبة: اترك الزعيم يمارس قوته وإياك أن ~~تقول له «لا» ms056 مهما فعل، ولكن ما ينبغي أن نتذكره هو أن هذا القانون يحتاج إلى طرفين: طرف ~~يلتزم بالقبول والخضوع، وطرف آخر - هو الزعيم - يجعل مقياس قرب الناس منه هو مدى خضوعهم ~~له، ومدى تخليهم عن إراداتهم الخاصة لكي يكون هو صاحب الإرادة الشاملة. فلكي ينجح ~~«الأذكياء» ممن يجيدون فن طأطأة الرأس (حتى يعلو فيما بعد، كما تقول أغنية سيد درويش ~~المشهورة)، لا بد أن يكون الطرف الآخر الذي يتعاملون معه من ذلك النوع الذي لا يستطيع أن ~~يتحمل أي شخص يبدي استقلالا في رأيه؛ ولذا كان من المستحيل أن ينجح «أهل الطأطأة» مع أي ~~زعيم ديمقراطي. # وليتأمل القارئ دلالة العبارة التي يقول فيها هيكل: «كان بيت السادات في الهرم هو المكان ~~الوحيد الذي يستطيع فيه جمال عبد الناصر أن يذهب لكي يقضي بين حين وآخر ساعات مع صديق لم ~~يكن يضغط على أعصابه بإثارة مناقشات سياسية أو عسكرية ملحة.» هكذا كانت «الراحة» هنا ~~تكمن في أن يكون الصديق مطيعا لا يناقش في الأمور الهامة، بينما الذين كانوا يناقشون ~~ويعارضون، في ظروف ما بعد هزيمة 67 التي كانت تقتضي إعادة النظر في كل شيء، هؤلاء لم يكونوا ~~«مريحين». # وهكذا نصل إلى القاعدة الهامة التي تحكم عملية الخلافة على السلطة في الحكم غير ~~الديمقراطي: إن الحاكم، نتيجة لانفراده بالسلطة، يشعر بأهمية القوة ويستأثر بها، وبالتالي ~~لا بد أن يزيح من طريقه كل من يحاول الحد من هذه القوة عن طريق المعارضة، وكل من يرفض ~~انفراده بالقرار، وهكذا يكون الضعيف الراضخ، هو الذي يبقى في النهاية بعد سلسلة التصفيات، ~~وبعبارة أشد وضوحا، فإن ظاهرة السادات إفراز طبيعي للحكم المطلق، وأسلوب الحكم الذي ~~انتهجه عبد الناصر كان لا بد أن يؤدي في النهاية إلى خليفة مثل أنور السادات. # وهنا تتضح لنا صفة تبدو على قدر كبير من الغرابة، ولكنها تفسر الموضوع الذي نحن بصدده ~~تفسيرا كاملا: فالحاكم القوي يؤدي في هذه الحالة - بصورة حتمية - إلى الحاكم الضعيف، ~~والمتشدد أمام قوى الاستعمار في الخارج والطبقات العليا ms057 في الداخل يفرز المهادن للاستعمار، ~~الذي يستسلم أمام الطبقات العليا ويسير في ركابها، وبعبارة أخرى فإن كل مظاهر الاختلاف بين ~~عبد الناصر والسادات لا تتعارض مع كون الثاني استمرار للأول ونتيجة طبيعية له، هذه حقيقة ~~ينبغي أن نتنبه إليها جيدا؛ إذ إن من يسمع أحدا يتحدث عن وجود استمرارية بين عبد الناصر ~~والسادات، يتصور أنه يقصد وجود تشابه بين العهدين فقط، ولكن حقيقة الأمر أن هناك استمرارية ~~مع التضاد، أعني أن يكون الحاكم المهادن والمستسلم هو الامتداد الطبيعي للحاكم القوي ~~المتشدد، على الرغم من كونه نقيضا له، بل «بسبب» كونه نقيضا له. # هذا هو التفسير الذي أعتقد أنه هو وحده القادر على الإجابة عن ذلك السؤال المحرج، المحير، ~~الذي طرحناه من قبل، وأعني به: كيف يمكن أن يختار الحاكم الوطني، بنفسه، خليفة غير وطني، ~~يأتمنه من بعده على أمته وهي تمر بأخطر مراحل حياتها، وتسعى بمشقة شديدة إلى التخلص من ~~براثن عدوان جاثم على صدرها؟ فلنقل إن هذا، على الأقل، هو اجتهادي، ومن حق أي شخص أن يعترض ~~علي، ولكنه سيكون ملزما بأن يقدم تفسيرا أفضل، يعلل جوانب الظاهرة كلها، وكل ما ~~آمله هو ألا يبلغ به الاستخفاف بعقولنا حدا يجعله يكرر شيئا مما قاله هيكل في هذا ~~الموضوع. # وسواء أكان التفسير الذي أقدمه مقبولا أم غير مقبول، فليتذكر القارئ دائما أن الهدف ~~من هذا الحديث الطويل، بل من كل ما قلته وسأقوله في هذا الكتاب، ليس إحراج هيكل، ولا انتقاد ~~السادات أو عبد الناصر، وإنما هو قبل كل شيء دعوة إلى التفكير في ذلك الجو العام الذي عاش ~~فيه كل من شارك في مأساة العرب خلال العقود الأخيرة. # ذلك الجو الذي يسمح للحاكم أن يختار خليفته بأكثر الطرق عشوائية، وكأنه يغير لونا ~~لملابسه ويستبدل به لونا آخر، دون أن يستشير أحدا، أو يحتكم إلى شعب، أو حتى أن يسأل ~~صديقا مقربا ... # ذلك الجو الذي يتم فيه للحاكم اختيار خليفته وهو على علم تام بسجله الطويل غير المشرف، ~~بعد أن ms058 تجمعت النذر التي توحي إلى الحاكم بأن نهايته يمكن أن تحين ... # ذلك الجو الذي يكون فيه معيار اختيار حاكم المستقبل هو أن «عليه الدور» وأنه مطيع، مريح، ~~لا يجادل ولا يناقش، أي بالاختصار، بحث الحاكم الموجود عن راحته هو، بدلا من تفكيره فيما ~~يمكن أن يحدث لأمته في مستقبلها المحفوف بالأخطار، لو تولى أمورها خلف من هذا النوع ~~... # ذلك الجو الذي يختار فيه الحاكم خليفته ثم «ينسى»، ويمتد به النسيان شهرا وراء الآخر، في ~~أحرج فترات التاريخ، حتى يموت ناسيا ... # وأخيرا، ذلك الجو الذي يسمح لكاتب بأن يروي لنا هذا كله دون أن تطرف له عين، ودون أن يرى ~~فيه أي خطأ، بل يحكي قصة التلاعب بمصير أمة وكأنها حكاية مسلية، ويجد مع ذلك من يدافع ~~عنه، ويصفق له، ويعامله كما لو كان شهيدا للحرية والديمقراطية. # إنها قصة حزينة، وأشد جوانبها مدعاة للحزن هو أن كل الأطراف فيها مدانون، وكلهم يسهمون ~~في تلك الجريمة الكبرى التي لم ترتكب النظم اللاديمقراطية ما هو أفظع منها، جريمة هدم ~~العقول. # الفصل السابع # | مع السادات على جناح واحد # الانطباع الذي يقدمه إلينا هيكل عن علاقته بالسادات هو أنه كان شديد القرب منه في ~~السنوات الأولى من حكمه، ثم اختلف معه بعد عام 1974م، في الوسائل أولا، وبعد ذلك في ~~الغايات والأهداف العامة، وهو لا يدع لنا أي مجال للشك في التوحد بينه وبين السادات خلال ~~تلك السنوات الأولى، «كنت شديد التعاطف مع السادات كإنسان ...» «في السنوات الأربع الأولى كنت ~~أقرب إليه من أي إنسان آخر ...» «كانت هناك فترة في علاقاتنا توحدت فيها مقاصدنا ... فكلانا ~~كان يطلب سلاما قائما على العدل في الشرق الأوسط، وكلانا كان يريد أن يرى مصر حرة ~~ومزدهرة، والعالم العربي موحدا قويا.» «أعتقد أنني لعبت دورا مؤثرا ... في المداولات ~~والمشاورات السياسية التي أدت إلى اختيار السادات رئيسا للجمهورية بعد رحيل جمال عبد ~~الناصر.» # هذه الاعترافات ليست في الواقع مقصودة لذاتها، بل إن الهدف منها هو أن يرد هيكل، في ~~الصفحات الأولى ms059 من كتابه، على ذلك الاعتراض الذي يمكن أن يوجهه أكثر الناس سذاجة إلى هيكل ~~حين يقرأ ما كتبه عن السادات في «خريف الغضب»: كيف تهاجم السادات إلى هذا الحد مع أنك كنت ~~من أقوى دعائم حكمه؟ وهكذا قرر هيكل، بذكاء شديد، أن ينزع مخالب القارئ المعترض منذ ~~البداية، ويقول له في الصفحات الأولى: نعم، لقد كنت قريبا جدا منه، ولكن طريقينا قد ~~افترقا فيما بعد لأسباب متعلقة بالمبادئ السياسية. # هذا اعتراف يؤدي، إذا ما صدقه القارئ، إلى استبعاد أية شبهة للتناقض بين مواقف هيكل ~~القديمة والجديدة، وإلى تجريد سلاح كل من يحاول الإشارة إلى الاندماج والانسجام التام الذي ~~كان قائما بين هيكل والسادات في وقت من الأوقات، وإلى إعطاء هيكل كل الحق في هجومه ~~المتأخر على السادات، بعد أن كان من أقوى أنصاره. # ولكن، هل يفلح هذا الدفاع حقا في تبرئة هيكل من تهمة التناقض، والتقلب من عهد إلى عهد؟ ~~في رأيي الخاص أنه لا يفلح. # ذلك لأن هيكل قد ارتكب في كتابه خطأ قاتلا، هو إشاراته الطويلة إلى الجوانب الشديدة ~~السلبية في تاريخ السادات قبل أن يتولى الحكم، هذه الإشارات لو كانت قد صدرت عن كاتب محايد ~~لم يرتبط بالسادات في أي وقت ارتباطا عضويا وثيقا، لكانت مصدرا عظيم القيمة للمعلومات ~~عن عادات وممارسات حاكم مثير للكثير من الجدل، ولكن صدورهما عن هيكل بالذات يلحق به هو ~~ذاته أفدح الأضرار؛ ذلك لأننا لن نجد عندئذ عذرا نبرر به تعاطف هيكل مع السادات ~~«كإنسان» في السنوات الأولى من حكمه، أعني في وقت كانت فيه جميع عيوب السادات السابقة ~~معروفة للجميع، فكيف تعاطف هيكل مع السادات كإنسان في الوقت الذي كان يعرف فيه عنه كمية ~~هائلة من المعلومات تشينه إلى أبعد حد كإنسان؟ إننا لو شئنا الدقة لقلنا إن ما قاله هيكل، ~~أخيرا، عن طفولة السادات وشبابه والسنوات التي قضاها «في ظل عبد الناصر» بكل ما اتسمت به ~~من فساد ورشاوى واتصال بجهات مريبة وانتفاع من أثرياء العرب، كل ذلك لا ms060 يدين هيكل في ~~تعاطفه بعد ذلك مع السادات فحسب، بل يدين عبد الناصر في قبوله شخصا كهذا ضمن المسئولين في ~~حكمه، ثم وقوع اختياره عليه هو بالذات ليكون خليفة له، والأهم من ذلك أن هذه المعلومات ~~تدين أسلوب الحكم الذي يسمح لشخص يتسم بكل هذه العيوب بأن يصمد طوال كافة تقلبات العهد، ثم ~~يصعد إلى المرتبة العليا التي لا ينازعه فيها أحد، هذه كلها أمور واضحة، لا تشفع فيها ~~كلمات هيكل التي حاول بها أن يخفف مرارة الحقيقة في الصفحات الأولى من كتابه. # ولكن يبدو أن هيكل لم يكن مرتاحا كل الارتياح إلى العذر الذي قدمه لقرائه، ولم يكن ~~مطمئنا كل الاطمئنان إلى أنهم سيقتنعون به، وهكذا نراه بعد قليل يقدم عذرا آخر فيقول: ~~«وأظن أيضا أنني لم أكن غافلا عن بعض أسباب القصور فيه، لكني تصورت أن أعباء المنصب ~~ووقر المسئولية سوف تقوي كل العناصر الإيجابية في شخصيته، وسوف تساعده في التغلب على ~~جوانب الضعف فيها. كان في ذهني باستمرار نموذج الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي خلف ~~فرانكلين روزفلت في مقعد الرئاسة الأمريكية قرب نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فقد بدا ~~ترومان في ذلك الوقت، وبعد روزفلت، شخصية باهتة ومجهولة لا تستطيع أن تقود الصراع الإنساني ~~الكبير في الحرب العالمية الثانية إلى نهايته المطلوبة والمحققة، ولكن ترومان، أمام تحدي ~~التجربة العملية، نما ونضج وأصبح من أبرز الرؤساء الأمريكيين في العصر الحديث، ولقد تصورت ~~أن نفس الشيء يمكن أن يحدث للسادات.» # هنا يواصل هيكل أسلوبه في مخاطبة الناس كما لو كانت عقولهم ملغية، فهو الآن يقول، مبررا ~~تقلباته: نعم، لقد كنت أعرف أن في الرجل عيوبا، ولكني تصورت أن الحكم سيصلحه! ما الذي ~~يرغمك على هذا التصور يا سيد هيكل؟ ألم يخطر ببالك الاحتمال الآخر، والأوضح، وهو أن الحكم ~~والقوة ستزيده فسادا؟ وهل كانت مجموعة العيوب التي أحصيتها في مختلف مراحل حياته، من النوع ~~الذي يمكن أن ينصلح تحت وطأة مسئوليات الحكم؟ إنك تتحدث عن تقوية العناصر الإيجابية في ~~شخصيته، والتغلب ms061 على عناصرها السلبية، ولكنا لم نسمع منك، طوال الفصول التي تحدثت فيها عن ~~السادات قبل توليه الحكم، ذكرا لأي عنصر إيجابي، فعلى أي شيء إذن كنت تعلق آمالك؟ # أما قصة روزفلت وترومان، فهي أقبح عذر يمكن تصوره لأقبح ذنب؛ ذلك لأن أحدا لم يقل عن ~~هاري ترومان إنه أصبح من أبرز الرؤساء الأمريكيين في العصر الحديث، فتاريخ ترومان يرتبط في ~~الأذهان بقرار بشع استهل به حكمه، وما زالت الإنسانية تلعنه من أجله حتى اليوم، وهو قرار ~~إلقاء القنبلتين الذريتين في هيروشيما ونجازاكي - وهما القنبلتان الذريتان الوحيدتان اللتان ~~استخدمتا ضد البشر حتى اليوم. فهل هذا ما يقصده هيكل بعبارة «قيادة الصراع الإنساني الكبير ~~في الحرب العالمية الثانية إلى نهايته المطلوبة»؟ أما في أذهاننا نحن العرب، فإن اسم ترومان ~~يرتبط بتاريخ أسود ستلعنه من أجله كل أجيالنا التالية: هو القيام بأهم دور في قيام دولة ~~إسرائيل، والاعتراف بها بعد خمس دقائق من إعلان قيامها، والضغط على أكبر عدد ممكن من دول ~~العالم من أجل الموافقة على قرار الأمم المتحدة بشأنها. فهل هذه هي الأسباب التي أصبح من ~~أجلها ترومان، في نظر هيكل، واحدا من أعظم رؤساء أمريكا في العصر الحديث؟ أستطيع، من وجهة ~~نظري الخاصة، أن أعطي هيكل كل الحق في تشبيهه لأنور السادات بترومان، إذا كان المقياس الذي ~~نتبعه هو مقدار الخدمات التي يؤديها الرئيس لدولة إسرائيل! # إنها، إذن، حجج لا تقنع أحدا، تلك التي ساقها هيكل لتبرير ارتباطه الوثيق بالسادات في ~~السنوات الأولى من حكمه، ولم يكن اختياره أن يستخدم حججا متهافتة كهذه إلا حلقة أخرى في ~~سلسلة التعتيم الفكري الذي يلجأ إليه أولئك الذين نشئوا وازدهروا وترعرعوا في ظل نظم حكم ~~متسلطة، لا ديمقراطية، تستخف بعقول الناس وتستهين بذكائهم. # وحقيقة الأمر أن قصة ارتباط هيكل بالسادات أطول وأعقد من ذلك بكثير ... ~~••• # هناك شواهد كثيرة وقوية على أن حكم عبد الناصر كان يضم، في ~~سنواته الأخيرة على الأقل، «أجنحة» متنافسة ~~ومتعارضة، كان هناك الجناح العسكري الممسك بقوة الجيش، والملتصق بالمشير ms062 عامر (شمس بدران ~~وقادة الأسلحة المختلفة قبل 1967م)، وكان هناك الجناح التنفيذي الملتصق بعبد الناصر في ~~عملية الحكم (سامي شرف، شعراوي جمعة، محمد فايق ... إلخ) وكان يقود هذا الجناح علي صبري، وكان ~~هناك الجناح الهادئ، المتربص، الذي يحتفظ بعلاقاته بعبد الناصر بحذر شديد، دون التورط في ~~ممارسات تثير المتاعب: أنور السادات، محمود فوزي، سيد مرعي، حافظ بدوي، وأكاد أجزم بأن هيكل ~~كان ينتمي إلى هذا الجناح الأخير؛ فالشواهد قوية على أن هيكل كان من مجموعة أنور السادات ~~قبل أن يتولى هذا الأخير الحكم بوقت غير قصير. # ويكفي، كمثال واحد للتدليل على ذلك، أن أستشهد بما قاله هيكل نفسه في مقاله الذي أشرت ~~إليه في موضوع سابق: «ما أكثر الشجاعة في هذه الأيام على الغائبين!» فهو في هذا المقال ~~يروي قصة اعتقال عبد الناصر لأحد المثقفين المرتبطين بهيكل في جريدة «الأهرام»، وكيف غضب ~~هيكل ولازم بيته أياما دون أن يفاتح عبد الناصر في الموضوع. والذي يهمنا في هذا أن أنور ~~السادات كان هو الذي اتصل به قائلا: «ما هذا الذي تفعله؟ إنك تترك الجو هنا لكل من يريد أن ~~يستثير ويحرض.» ثم قال: «اتصل به (بعبد الناصر) فورا وتحدث معه بنفسك، ولا تترك المجال ~~مكشوفا لآخرين.» وبعد يومين عاود السادات الاتصال بهيكل قائلا: «يظهر أنك جننت، لماذا ~~تترك الأمر بينك وبينه لكل من يريد أن يتبرع بكلمة؟» # هنا يظهر بوضوح أنه كانت هناك مجموعتان، واحدة يمكن أن تحرض عبد الناصر ضد هيكل، وأخرى ~~حريصة على سلامة هيكل ضد المجموعة الأخرى، وفيها أنور السادات، ولا شك أن تطوع السادات بكل ~~هذه النصائح إلى هيكل يدل على أنهما كانا ينتميان إلى معسكر أو جناح واحد. # وربما وصف البعض هاتين المجموعتين وصفا أيديولوجيا، فقال إن الأولى (علي صبري) ~~يسارية، والثانية (السادات) يمينية، ولكن هذا في رأيي وصف لا يصدق إلا في حدود ضيقة، فقد ~~تعاملت المجموعة الأولى بالفعل مع السوفييت في وقت كانت مصالحهم فيه تقتضي ذلك، وأنا أشك ~~جدا في أن يكون هناك ms063 أي أساس أيديولوجي حقيقي لهذا التعامل، أما مجموعة السادات فكان ~~موقفها أوضح، هو الميل الشديد إلى الجانب الأمريكي، وإن كان هيكل، داخل هذه المجموعة، أشد ~~حذرا وأقل انكشافا بكثير من الآخرين. # وعلى أية حال فإن الأحداث التالية أثبتت صحة هذا التقسيم إلى جناحين حول عبد الناصر: إذ ~~إن الخلافات بين الجناحين خرجت إلى العلن بعد موت عبد الناصر، وكان فرسان المجموعة المحيطة ~~بالسادات هم هيكل ومحمود فوزي (الذي عينه السادات رئيسا للوزراء)، وبذل هيكل، كما سنرى ~~فيما بعد ، مجهودا خارقا للعادة لكي يفضح المجموعة الأخرى، ويبرر إلقاء السادات بأهم ~~أعضائها في السجون؛ ولكي يثبت أن طريق السادات هو الطريق الصحيح. # وربما تساءل البعض: ما الذي كان يدعو عبد الناصر ~~إلى أن يتعامل مع مجموعتين متنافرتين إلى هذا الحد؟ (لاحظ أن مجموعة عبد الحكيم عامر قد ~~تمت تصفيتها نهائيا بعد هزيمة 1967م)، وهذا سؤال يصعب الإجابة عليه؛ إذ إن ما يبدو للوهلة ~~الأولى، ولأصحاب النوايا الطيبة، هو أن التعامل مع مجموعتين متنافرتين يعطل وضع ~~البرامج وتنفيذ السياسات التي كان يضعها عبد الناصر، وعلى سبيل المثال، فإن الإجراءات ~~الاشتراكية لن تستفيد من وجود أشخاص مثل السادات ومرعي وعثمان أحمد عثمان في قلب النظام، ~~ولا جدال في أن هؤلاء لم يقبلوا تلك الإجراءات إلا خوفا من عبد الناصر أو مسايرة له. ~~وهكذا يظل السؤال قائما، والرد الوحيد الذي أتصوره هو أن نظام الحكم كان بسبب عدم ~~ديمقراطيته، مرتكزا على القوة، والقوة تحتاج دائما إلى توازنات، ومن المفيد، من أجل ~~استقرار النظام، أن تكون هناك مجموعتان تنشغل كل منهما بالأخرى، ويمكن ضرب إحداهما بالأخرى ~~إذا ما تمادت في ممارسة قوتها ... أما تأثير ذلك على مصر، فعلمه عند الله! ~~••• # ثم جاء السادات إلى الحكم، وأصبحت الفرصة متاحة لجناحه لكي يبسط سلطته ونفوذه، وكان أول ~~ما فعله هيكل هو أنه قام بدور رئيسي في تأكيد أحقية السادات بخلافة عبد الناصر على أساس ~~«الشرعية»، أي لأن عبد الناصر هو الذي اختاره نائبا، وهكذا يقول في كتابه الأخير: ms064 «أدرنا ~~الحملة الانتخابية للسادات في الاستفتاء على رئاسة الجمهورية (وكان المشرف عليها هو هيكل ~~شخصيا) على أساس أنه كان الرجل الذي اختاره جمال عبد الناصر لهذا المنصب بنفسه حين أحس ~~باحتمال خطر على حياته.» # هل ترى الخدعة أيها القارئ العزيز؟ ألا تشعر بأن عقلك قد أهين عندما تقرأ هذا الكلام؟ ~~لقد أراد هيكل أن يقنعنا من قبل بأن اختيار عبد الناصر للسادات كان مجرد صدفة، ولم يكن ~~مقدرا له أن يدوم أكثر من أسبوع، وكان يرجع فقط إلى أن السادات «عليه الدور»، وكان في ~~ذهن عبد الناصر أن يغير قراره ولكنه انشغل، ولم يكن بقاء السادات نائبا حتى موت عبد ~~الناصر إلا ضربة حظ جعلت الرئيس «ينسى» هذا الموضوع. حسنا، لنصدق هذا كله، ولكن إذا صح أن ~~هذا هو رأي هيكل في الموضوع، فكيف سمح لنفسه بأن يقود الحملة الانتخابية للسادات بحجة ~~تفترض أن اختيار عبد الناصر له كان اختيارا سليما، وحقيقيا، وتعبيرا عن رغبته الأصيلة ~~والدائمة؟ إن هيكل نفسه - تبعا لما قال - لم يكن مقتنعا بهذا الاختيار العارض، بل يبدو ~~أنه ناقش عبد الناصر فيه، فكيف يدير هيكل حملته على أساس أن الاختيار كان أصيلا؟ إن ~~المسألة لا تحتمل إلا أحد أمرين: فإما أن عبد الناصر كان قد اختار السادات؛ لأنه كان ~~مقتنعا به، وعندئذ تكون قصة «الدور» و«النسيان» قصة ملفقة (ويكون عبد الناصر ذاته قد ~~أعطى شعبه أسوأ «هدية» لمستقبل أيامه)، وإما أن عبد الناصر كان قد اختاره بصورة مؤقتة، ولم ~~يكن ينوي أن يحتفظ به إلى النهاية، وفاجأه الموت قبل أن يعدل عن رأيه، وعندئذ يكون هيكل قد ~~أدار حملة السادات الانتخابية على أساس علمية غش كبرى موجهة ضد الجماهير البريئة الذاهبة ~~إلى صناديق الاستفتاء. ~~••• # إذن فقد أصبح السادات، بفضل مؤازرة هيكل وتعاونه معه قلبا وقالبا، رئيسا للجمهورية، ~~ولكن الأمر لم يستتب له على الفور، فقد كان هناك الجناح الآخر، الذي لم يكن مقتنعا ~~بالسادات إلا بوصفه رئيسا انتقاليا، ولم يسكت عن ترشيحه إلا لكي يتم عبور ms065 تلك اللحظات ~~الحرجة التي أعقبت وفاة جمال عبد الناصر بسلام، وهكذا بدأت الاختلافات والمناوشات ~~والانقسامات، وكان الخلاف محتدما على أشده بين الجناح الناصري التنفيذي، الذي كان أكثر ~~عددا وأقوى رسوخا بكثير، وبين الجناح الساداتي، الذي كان يتمتع بميزة هامة، هي كرسي ~~رئاسة الجمهورية (وهو أمر له أهميته القصوى في نظام حكم غير ديمقراطي)، وكذلك دهاء أقطابه ~~وحنكتهم السياسية، وعلى رأسهم هيكل. # المهم أن الصراع أسفر في النهاية عن انتصار ساحق، وشديد السهولة، للجناح الساداتي على ~~الجناح الآخر الذي كان، رغم سيطرته على أهم مرافق الدولة ومعظم التنظيمات السياسية، يدير ~~دفة الصراع بقصور شديد، وبعد أن حسمت نتيجة الصراع لصالح السادات فيما عرف بحركة التصحيح ~~(وفيما بعد: ثورة التصحيح) في 15 مايو 1971م، أي بعد ستة أشهر من اعتلاء السادات الحكم، ~~أصبح الطريق مأمونا، وكتب هيكل مسجلا موقفه من هذا كله «بصراحة»، ومن المهم جدا أن ~~نتابع هذا الذي كتبه هيكل في تلك الفترة لعدة أسباب: # أولا: # أن هذه الفترة تمثل منعطفا حاسما في السياسة المصرية، تحددت فيه ~~بالتدريج معالم الخط المميز لحكم السادات في السبعينيات وأوائل ~~الثمانينيات. # ثانيا: # أن كتابات هيكل، بما تضمنته من حماسة شديدة للسادات، تكشف عن العلاقة ~~العضوية الوثيقة بين الرجلين، وتؤكد أن هذه العلاقة كانت قائمة منذ عهد عبد ~~الناصر، وخرجت إلى العلن عندما تخلص السادات من منافسيه. # ثالثا: # أن هذا التمجيد الذي أغدقه هيكل على السادات، حدث في وقت كان يعلم فيه ~~من هو السادات، وكان يعرف تاريخه الذي رواه في «خريف الغضب»، والذي كان ~~يمتد على مدى ثلاثين عاما، من أوائل الأربعينيات حتى أواخر ~~الستينيات. # رابعا: # أن هذه الكتابات تتحدث في كثير من الأحيان عن وقائع رويت فيما بعد في ~~«خريف الغضب»، ولكنا نجد الواقعة الواحدة تصطبغ بلونين مختلفين كل ~~الاختلاف: ساطع براق في عامي 1971 و1972م، وأسود قاتم في 1983م، الفرق ~~بين الاثنين، بالطبع، يكشف عن مستوى القيم الأخلاقية لدى أنصار مدرسة ~~معينة في الصحافة والسياسة، لا تجد في ارتداء الأقنعة وخلعها، تبعا ms066 للعهود ~~ووفقا للمصالح، أي عيب أو نقيصة. # خامسا: # أن هذه الكتابات تثير سؤالا على جانب كبير من الأهمية، هو: إلى أي ~~مدى كان هيكل ناصريا؟ # يصف هيكل، في أول مقال يكتبه بعد أحداث 15 مايو، أيام الأزمة ~~فيقول: «لقد عشت لحظة التفجير، ومن حسن الحظ أن التدمير لم ~~يقع، وتلك شهادة تاريخية لأنور السادات وشجاعته الأدبية ~~والمادية في لحظات بالغة الصعوبة والخطر.» # لقد كنت أول من دعاه الرئيس أنور السادات إلى بيته صباح ~~الأربعاء 12 مايو ولم يستدعني بالتليفون، كما تعود أن يفعل، ~~ولكنه بعث إلي بكريمته تدق باب بيتي في الصباح الباكر ...» ~~(تأمل مدى التعاون والتفاهم بين الرجلين في لحظة ~~التحول). # يكتب هيكل على لسان السادات، في حملة الدعاية التي شنها لدعم ~~مركزه بعد الحركة: «إن لدي الشجاعة أن أقف أمام الملأ وأقول ~~بأعلى صوت، إنني لا أريد أن أكون رئيسا لهذا البلد وفق شروط ~~يمليها من يدعون أنهم ولاة الأمر علي، إنني أعمل بضميري ~~ولن أعمل بإملاء أحد علي، وأقوى سلاح أملكه في يدي أنني لا ~~أتمسك بأن أظل رئيسا.» ~~«كان أنور السادات في هذه الساعة الحاسمة من التاريخ هائلا ~~بأكثر مما يستطيع أن يتصور أو يصف أحد، كانت قراراته لمواجهة ~~التطورات المفاجئة، مزيجا مدهشا من الهدوء والحسم.» ~~«كانت لحظة حاسمة في تاريخ مصر ... وكانت لحظة رائعة نبيلة.» # 1 # يتحدث هيكل عن انتصار ذلك الذي قال عنه فيما بعد، إنه تولى ~~الحكم بصدفة تاريخية غير مقصودة، فيقول: «عشنا المحنة مرتين ~~في السنوات الأخيرة، ولولا عناية الله مع جمال عبد ~~الناصر مرة (يقصد ~~أيام تمرد عبد الحكيم عامر بعد الهزيمة)، وعناية الله مع أنور ~~السادات مرة ثانية؛ لسقطت مصر في أعماق الظلام ~~والخوف.» # يصف هيكل الحوار الذي كان يدور بين السادات وخصومه فيقول: ~~«كان أنور السادات صادقا، ولم يكونوا صادقين.» ~~«كان أنور السادات يتصرف على سجيته؛ سجية مصري أصيل مفتوح ~~القلب والعقل معا.» ~~«حدثت المعجزة في المرة الثانية التي استفقنا الآن من هولها؛ ~~بسبب أن مواطنا تحرك ضميره، فذهب ms067 بأشرطته في الليل إلى رئيس ~~الجمهورية يضع الحقيقة تحت تصرفه، ثم كانت بعد ذلك شجاعة رجل ~~في موقع المسئولية الأولى، تصرف بجرأة نادرة في لحظات خطر محيق.» # 2 ~~«قال الرئيس السادات بلهجته الودودة: محمد ... ودار بيننا ~~نقاش طويل كان فيه الرئيس كريما وحليما كعادته.» # 3 ~~«هذه المرحلة التي ستجعل من أنور السادات - بإذن الله - ~~قائدا تاريخيا لشعبه وأمته؛ لأن القيادة التاريخية مرتبة ~~أعلى بكثير من الرئاسة مهما كان وصفها.» # 4 ~~«لقد أثبت أنور السادات ذلك عمليا في معركته ضد مراكز ~~القوى، كان أمامها أعزل من أي سلاح ... وكانوا أمامه ومعهم كل ~~أدوات السلطة في مصر، وكنسهم من فوق الأرض كنسا؛ لأن الجماهير ~~كانت معه.» # 5 # ويصل الأمر بهيكل إلى حد أن يمتدح في السادات نفس المظاهر ~~التي هاجمه من أجلها فيما بعد في «خريف الغضب»، فنشاط السادات ~~السياسي في شبابه، الذي وصف في «الخريف» بأنه عمالة للقصر، ~~وفقره العائلي الذي وصف بأنه سبب عقدته النفسية وعلة تكالبه ~~على مظاهر الترف، كان لهما وصف مختلف تماما في عام ~~1972م: ~~«كان أنور السادات أكثر ما يكون أمانة حين قال: إنني أفهم ~~ما يعانيه الشباب، وأنا الذي خرجت من طين مصر إلى التمرد، ~~وإلى السجن وإلى التشرد، ثم إلى الثورة.» ويواصل هيكل كلامه ~~قائلا: «يقول أنور السادات نفسه: كنت دائما من قاع السلم ~~الاجتماعي في مصر، من قلب الطين، ولقد تعلمت بمعجزة، وعندما ~~أتممت تعليمي وجدت أن العمل الوطني أهم بالنسبة لي من أي وظيفة ~~مع حاجتي الشديدة إلى مرتبي ... وجدت نفسي في السجن، متهما ~~بالتعاون مع الألمان، وكان ذلك صحيحا، ولكن تعاوني مع الألمان ~~لم يكن من أجل هتلر وإنما من أجل مصر.» # 6 # أما استراحة القناطر، التي صارت فيما بعد، مع غيرها من ~~الاستراحات، نموذجا للترف الذي يتمتع به السادات على حساب ~~الشعب، فقد قال عنها هيكل: «كنت على موعد مع الرئيس السادات ~~في استراحة القناطر التي يفضل الإقامة فيها كلما استطاع؛ لأنها ~~تجعله بقرب الريف الذي يعتبره مصر الأصيلة ومصر ms068 الحقيقية.» # 7 # إن هذه الاقتباسات تغني عن كل تعليق، وحسبنا أن نقول إن ~~الصفات المعنوية والأخلاقية للشخص الواحد لا يمكن أن تتغير في ~~مرحلة واحدة من حياته، ولكننا عند هيكل نجد أنفسنا إزاء ~~ساداتين لا سادات واحد: أحدهما كان بطلا عندما كان هيكل ~~راضيا عنه وشريكا له، والآخر كان منحرفا عندما حل «خريف ~~الغضب»، ويظل السؤال الأهم، بعد هذا كله، هو: إذا كان لدينا ~~«ساداتان»، فكم هيكل هناك؟ # في الحديث السابق كله كانت هناك إشارات كثيرة إلى الصراع بين جناحين في ظل عبد الناصر، ~~والأمر اللافت للنظر هو أن كلا الجناحين كان يؤكد أنه هو الذي يمثل تراث عبد الناصر على ~~حقيقته، ولما كان هيكل قد انتمى، بقلبه وقالبه، إلى الجناح الساداتي في تلك الفترة، فقد كان ~~من المحتم أن يؤكد، في كتاباته، أن السادات وريث الناصرية الأصيلة، وأنه هو الذي يعبر عن ~~مبادئها خير تعبير. # فهو يقول عن حركة التصحيح: «إننا لسنا أمام بداية جديدة، وإنما نحن على طريق الاستمرار، ~~وإلا وجدنا أنفسنا نقع في شرك ينصبه أعداء الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.» # 8 # ويكتب هيكل عن حوار دار بينه وبين السادات حول الناصرية فيقول: «قال أنور ~~السادات بالأمانة كلها: إنني لا أرى طريقا آخر غير طريق عبد الناصر.» # 9 # ويدافع هيكل عن ناصرية السادات الأصيلة فيقول: «عبد الناصر والناصرية لا يمكن ~~رؤيتهما من خلال ثلاثة أو أربعة أساءوا إليه وإليها وإلى أنفسهم، وإنما يرى وترى من خلال ~~كثيرين أحسنوا، أنور السادات كان هو الذي اختاره واستخلفه من بعده، ومع أنور السادات مئات ~~من المعاونين والمساعدين يقودون العمل المصري في كل الميادين.» # 10 # ويدعو شعب عبد الناصر إلى الوقوف وراء السادات فيقول: «إن قيادة أنور السادات، ~~على طريق جمال عبد الناصر، هي الممثل الشرعي لحركة الثورة الوطنية والقومية في المرحلة ~~الراهنة، وظني أن هذه القيادة وتأييدها إلى آخر المدى هو العاصم الحقيقي في هذه الظروف من ~~جاهلية اليمين المتخلف وجهل اليسار المغامر.» # 11 # ولكن هيكل في الوقت ذاته كان يمهد ms069 للتغيير، وعندما كتب في نوفمبر 1970م مقالا بعنوان: ~~«عبد الناصر ليس أسطورة» أثار ضجة كبرى لدى الفريق الآخر، الذي كان يؤكد تمسكه بالناصرية ~~كما وضع معالمها عبد الناصر نفسه، ولقد دار خلاف طويل بين الفريقين حول أسباب الصراع ~~بينهما، وهو خلاف لا يعنينا هنا أن ندخل في تفاصيله ونصدر حكما على طرفيه، بل إن ما يعنينا ~~هو أن هيكل، الذي أعلن نفسه حاميا لتراث الناصرية، كان في تلك الفترة يقف من الناصرية ~~موقفا يدعو إلى التساؤل عن طبيعة انتمائه إليها. # فهو قد حارب الجناح «المتطرف»، إذا جاز هذا التعبير، وساند الجناح المعتدل، إذا جاز ~~التعبير أيضا، ثم عاد في كتابه الأخير فهاجم الجناح المعتدل أيضا! وهكذا تظل الناصرية ~~عنده هي ما يرتبط بشخص عبد الناصر فقط، لا بأي تنظيم معين انبثق عنها. # وعندما حارب الجناح المتطرف، هاجمه على أسس متعددة؛ فهو يصف أقطاب هذا الجناح بالجهل ~~الشديد، إلى حد أنه يدون في أحد مقالاته محتويات شريط لجلسات تحضير أرواح حضرها هؤلاء ~~الأقطاب، مع أستاذ جامعي اتخذوه وسيطا، وأخذوا فيها يسألون «الروح» عن أخطر الأمور ~~المتعلقة بتخطيط حركتهم وتوقيتها، # 12 # وإذا صحت القصة (وأنا شخصيا غير مقتنع بها)، فإنها تلقي ظلالا من الشك على ~~العهد الناصري كله، الذي كان هؤلاء يشغلون فيه مراكز القوة الحقيقية، وبالطبع لا يرى هيكل، ~~كعادته، أن ما يقوله عن هؤلاء هو قبل كل شيء طعن في عبد الناصر، الذي أسلم مقاليد بلده ~~لأشخاص على هذا المستوى، بل هو طعن في هيكل بدوره، الذي رضي بأن يكون فيلسوفا لعهد يضم ~~في داخله مثل هذه النوعيات. # أما تأييده للجناح المعتدل، فكانت عواقبه وخيمة: إذ إن هذا الجناح هو الذي تولى، في ~~السبعينيات، القضاء على كل المقومات الرئيسية للناصرية، كما حددها هيكل نفسه: أعني الحياد ~~الإيجابي والاستقلال الوطني والتصدي للإمبريالية والصهيونية، والنمو المستقل في ظل اقتصاد ~~مخطط، أي أن نفس المجموعة التي اختار هيكل الوقوف في صفها، كانت هي التي تولت تصفية ~~الناصرية، حسب مفهومه لها. # وحين عاد هيكل ms070 بذاكرته إلى الناصرية بعد عبد الناصر، وجد التنظيمات الناصرية مفككة وعاجزة ~~عن العمل السري أو العلني، ومفتقرة إلى القيادات القادرة، # 13 # ولكن ناصريا معروفا هو «فريد عبد الكريم» يؤكد تماسك الناصرية وثبات ~~مبادئها، وينفي الفكرة القائلة إنها تقوم على شخصية الزعيم، مع اعترافه بالدور الأساسي الذي ~~تلعبه هذه الشخصية، أما «عبد الهادي ناصف»، وهو بدوره ناصري مخلص، ومن النماذج النقية ~~لهذا الاتجاه، فقد كانت معاركه مع هيكل قديمة العهد، منذ أن نشر هيكل مقال «تحية للرجال» ~~الذي تضمن مبالغة شديدة في تصوير صعوبة عبور قناة السويس، ورد عليه «ناصف» بهجوم مضاد ~~عنيف على اتجاهات هيكل التي رأى فيها ابتعادا عن الناصرية، وما زالت المعركة بين الاثنين قائمة. # 14 # المهم في الأمر أن كثيرا من الناصريين المتمسكين بمبادئهم يتشككون في ناصرية هيكل؛ ~~لأسباب عدة: # فهو قد هاجم أهم رموز الناصرية بمجرد موت عبد الناصر، بحيث يمكن أن ينظر إلى هجوم هيكل ~~عليهم بوصفه هجوما على شيء في صميم الناصرية ذاتها. وهو قد أبدى تأييدا لا شك فيه ~~للتحولات الساداتية في السياسة الداخلية والخارجية، خلال الفترة الحاسمة التي سبقت حرب ~~1973م، وهي التحولات التي سنرى فيما بعد أنها تنطوي - من وجهة نظر معينة - على بذرة ~~الاستسلام لإسرائيل وفتح الأبواب لأمريكا، وتخريب الاقتصاد الوطني باسم الانفتاح، والأهم من ~~ذلك أنه كان من الدعائم الكبرى لحكم السادات، في الفترة الحرجة الأولى، على الرغم من كل ما ~~يعرفه عن الاختلاف الهائل بين السادات وعبد الناصر في الشخصية والفكر والاتجاه. # وهكذا يتبرأ كثير من الناصريين المتمسكين بعقيدتهم من هيكل، بل ويناصبونه العداء، وعندما ~~يستعرض المرء تطور مواقف هيكل، منذ بدء ارتباطه بعبد الناصر حتى اعتقاله القصير الأمد في ~~عهد السادات، لا يملك إلا أن يتساءل: هل كان أي أساس حقيقي لتلك العلاقة التي ارتبط فيها ~~اسم هيكل بالناصرية، باستثناء ولائه لشخص عبد الناصر؛ ذلك الولاء الذي كان في الوقت ذاته ~~المصدر الأول لشهرته ونفوذه؟ سؤال أترك الإجابة عنه للناصريين أنفسهم، أما عن نفسي فإنني ~~كلما صادفت ms071 حالة من تلك الحالات التي تسيء فيها كتابات هيكل إلى عبد الناصر أبلغ الإساءة، ~~دون قصد منه، فإني لا أملك إلا أن أدعو لعبد الناصر بأن يرحمه الله من أصدقائه، أما أعداؤه ~~فقد كان هو ذاته كفيلا بهم! # الفصل الثامن # | الجذور # ليغفر لي الأستاذ هيكل استعارتي عنوان هذه الحلقة من كتابه، وربما كان عذري أنه هو بدوره ~~قد استعارها من كتاب «أليكس هيلي» المشهور، وكان موفقا في استعارتها، لا لأن الحديث فيها ~~كان يدور حول الأصول العائلية الأولى للسادات فحسب؛ بل لأن هذه الأصول العائلية كانت، في ~~حالة السادات، مثلما كانت في حالة بطل أليكس هيلي، زنجية أفريقية، كما يحرص هيكل على أن ~~يؤكد. # ولكن الحديث عن هذه الأصول العائلية، اقتصادية كانت أم اجتماعية أم لونية، ليس في رأيي هو ~~«الجذور» الحقيقية لمأساة حكم السادات، بل إنني أود هنا أن أتحدث عن «جذور» من نوع ~~آخر، أهم وأعمق بكثير، كانت تكمن فيها بذرة التطورات التالية لسياسة السادات، وأسلوب ~~معالجته للقضايا القومية والوطنية والداخلية، هذه «الجذور» التي حددت، منذ سنوات حكمه ~~الأولى، اتجاهاته التالية كلها، هي التي تستحق بالفعل أن تدرس بعمق. # يمثل عاما 1971 و1972م تحولا حاسما في السياسة المصرية. كان عبد الناصر قد توفي في ~~العام السابق وترك أمورا كثيرة معلقة، تحتمل السير في أكثر من اتجاه، وعلى رأسها مبادرة ~~روجرز، التي كان قد أعلن قبوله لها قبل وفاته بشهور قلائل، والاستعداد العسكري لمعركة ~~العبور، الذي كان قد بلغ في ذلك الحين درجة عالية من الإتقان، وعندما تولى السادات الحكم ~~في أكتوبر 1970م، كان من الطبيعي أن تظل النغمة السائدة، لفترة ما، هي السير على طريق عبد ~~الناصر، فلم يكن من الممكن أن يسير الإعلام والدعاية للرئيس الجديد في أي طريق مخالف؛ لأن ~~الإعلان عن استمرار النهج السابق هو أفضل ما يمكن عمله ~~في مثل هذه الظروف التي يختفي فيها رئيس قوي ذو شهرة واسعة وماض طويل، ويحل محله خلف ~~لا يزال، إلى حد بعيد، مجهولا، ولا يزال الناس ms072 يشعرون بأن كرسي الحكم كبير عليه. # كانت فكرة «السير على درب عبد الناصر» هي إذن الوحيدة الممكنة في تلك الفترة الأولى، مهما ~~كان الاتجاه الحقيقي الذي تسير فيه نوايا الرئيس الجديد وخططه، ولكن بعد حركة مايو 1971م، ~~التي تخلص فيها السادات بضربة واحدة من خصومه الذين شكلوا «جناحا آخر» مناوئا له، طوال ~~الشهور السبعة الأولى من حكمه، بعد هذه الحركة أصبح للرئيس الجديد من حرية الحركة ما يسمح ~~له بأن يبدأ تطبيق أفكاره الخاصة. ولكن الحكمة كانت تقتضي أن يسير كل شيء بتدرج شديد، بحيث ~~يبدو في أول الأمر أن كل شيء سيظل على حاله، ثم تطرح الأفكار الجديدة بصورة عابرة في ~~البداية؛ لمجرد التمهيد، وبعد ذلك يبدأ الإلحاح تدريجيا على هذه الأفكار القديمة، ومن ~~الممكن أن تظل هذه معايشة للأفكار القديمة وقتا ما، ولكن هذه الأخيرة تذبل شيئا فشيئا، ~~إلى أن يتبلور الاتجاه الجديد، ويحتل الميدان وحده، في نهاية الأمر. كل شيء إذن ينبغي أن ~~يتم ببطء، وحذر، وتدرج، ولكن الهدف واضح، ومحدد مقدما، وهو تحويل الاتجاه السياسي في مصر ~~تحويلا جذريا، ولا بأس من الاستشهاد، في عملية التحويل هذه، بعبد الناصر على الدوام، ~~وخاصة إذا كان ذلك على صورة حديث خاص أو أقوال أدلى بها لهذا الشخص أو ذاك، ما دام الموتى ~~لا يستطيعون التكذيب، فالاستعانة بعبد الناصر في عملية التحول ضد سياسة عبد الناصر، هي أسلم ~~الوسائل وأضمنها لتحقيق التغيير المطلوب بهدوء وسلاسة، بحيث لا يشعر الناس به إلا بعد أن ~~يكون قد تم. # في هذا التحول المخطط، المرسوم بذكاء وبراعة، كان من الطبيعي أن يكون للجهاز الإعلامي، ~~الذي يتربع على قمته هيكل، دور أساسي؛ إذ إن الإعلام هو الذي يهيئ عقول الناس للتغيير، ~~وهو الذي يمهد الطريق للسياسات المرسومة، ولو تتبع المرء خط السير الذي سلكته كتابات هيكل ~~في هذه الفترة لوجد المخطط المرسوم للتحول ينفذ فيها ببراعة هائلة، وبتدرج بطيء ولكنه ~~محدد الاتجاه، ولتبين له أن عملية تهيئة الأذهان للتغيير قد ألقيت على عاتق هيكل، ms073 الذي ~~اضطلع بها بكفاءة عالية. # فما هو هذا التغيير الذي كان يراد في السياسة ~~المصرية؟ كانت هذه السياسة، في السنوات الواقعة بين هزيمة 1967م وموت عبد الناصر في سبتمبر ~~1970م، تتلخص في الاعتماد المتزايد على المساعدة السوفييتية، اقتصاديا وعسكريا بوجه ~~خاص، ولم يكن هناك مفر، في ظروف تلك الفترة، من سلوك هذا السبيل؛ ذلك لأن أمريكا كانت، قبل ~~حرب 67 وبعدها، قد انحازت كلية لإسرائيل، وكانت شحنات الأسلحة المرسلة إليها، والتي زادتها ~~قوة على قوتها الأصلية، تستهدف منذ ذلك الحين أن تصبح إسرائيل متفوقة عسكريا على الدول ~~العربية مجتمعة، وكان الحل الوحيد هو الاعتماد على الطرف المضاد في الصراع العالمي من أجل ~~الحصول على أسلحة تعوض التفوق الإسرائيلي. وهكذا خلقت ظروف الفترة نفسها، والهدف الذي ~~حددته السياسة المصرية لنفسها فيها، وهو إزالة آثار العدوان، خلقت وضعا يحتم مواجهة ~~السلاح الأمريكي المتدفق على إسرائيل بسلاح سوفييتي، دون أن يعني ذلك، بأي حال، انحياز ~~مصر كليا أو جزئيا إلى المعسكر الشيوعي، ولذا شاع عندئذ استخدام تعبير «الصداقة» في ~~وصف العلاقات المصرية السوفييتية، وتعبير «الاتحاد السوفييتي الصديق»، وكان ذلك يقتضي في ~~المقابل زيادة حدة اللهجة المعادية لأمريكا، ومع ذلك فإن السياسة الرسمية لم تغلق أبواب ~~الاتصالات مع أمريكا، بوصفها قوة عظمى ينبغي أن يعمل لها حساب، وإن كان الأمل في ممارستها ~~ضغطا على إسرائيل من أجل الانسحاب كان في هذه الفترة شبه مفقود. وفي السنة الأخيرة من حياة ~~عبد الناصر ازداد الحضور السوفييتي في مصر، للرد على الغارات الإسرائيلية التي كانت قد ~~توغلت إلى أعماق البلاد، وعندما زار عبد الناصر موسكو سرا في يناير 1970م، كان هو نفسه ~~الذي طلب حضور السوفييت للدفاع عن العمق المصري عن طريق الصواريخ المضادة للطائرات، ووافق ~~السوفييت بعد تردد، وكان حضورهم هو الذي أوقف الغارات الإسرائيلية على الأهداف المدنية في ~~مصر، ولولا ذلك لشهدت المدن المصرية تخريبا واسع النطاق. # كانت هناك إذن حاجة حيوية إلى وجود السوفييت وإلى الأسلحة السوفييتية، يقابلها تصعيد ~~متزايد للهجة العداء ضد الولايات ms074 المتحدة. وعندما اعتلى السادات الحكم، كان من الطبيعي أن ~~يواصل السير، أول الأمر، في هذا الطريق، لا سيما وأن الوجود السوفييتي كان حتى ذلك الحين ~~ضرورة حيوية لحماية الأهداف المدنية في مصر، ولكن السياسة المرسومة، في المدى الطويل، كانت ~~هي التباعد التدريجي عن السوفييت، وطرح فكرة إمكان التفاهم مع أمريكا، ثم الدعوة إلى الكف ~~عن معاداة أمريكا؛ لأن من الممكن «تحييدها» في الصراع العربي الإسرائيلي، وبالتدريج تتهيأ ~~العقول للنتيجة المطلوبة، أعني إنهاء الوجود السوفييتي في مصر، وهو المطلب الأساسي لأمريكا، ~~بحجة أنه يساعد على عملية «التحييد» هذه، وعندما يطمئن ~~الأمريكيون إلى أنهم قد أصبحوا وحدهم في الساحة، وهم وحدهم حلفاء الطرفين المتنازعين، ~~العربي والإسرائيلي، عندئذ يمكنهم أن يسيروا بهدوء وثقة في طريق السيطرة الكاملة على ~~المنطقة، وتحقيق الصلح بين الطرفين اللذين أصبحا داخلين في نطاق ونفوذ أمريكا بلا ~~منافس. # هذا هو المخطط الشيطاني الذي رسم لمصر، وللمنطقة العربية بأسرها، بمجرد تولي السادات ~~الحكم، ولكن لنقل مرة أخرى إن التدرج الشديد كان جزءا أساسيا من نجاح الخطة، فليس من ~~السهل أن تظل تقنع الناس، سنوات طويلة، بأن السوفييت أصدقاؤنا والأمريكان ألد أعدائنا، ~~ثم تنتقل بهم مرة واحدة إلى القول بأن السوفييت هم الشياطين والأمريكان يمكن أن يصبحوا ~~أصدقاء، أو يمكن على الأقل «تحييدهم»، ومن هنا كان من الضروري تنفيذ أهداف هذا المخطط ~~الطويل الأمد خطوة خطوة، فتوضع الأسس أولا، ثم تأتي الخطوات التالية واحدة إثر الأخرى، ~~ولما كانت مرحلة الانتقال الأولى هي الأصعب دائما، فقد كانت تحتاج إلى حذر وبراعة من ~~نوع خاص. # وقبل أن نعرض المراحل التي مرت بها هذه الخطة، دعونا نتأمل تقييم هيكل الأخير، في «خريف ~~الغضب» وفي غيره من كتاباته القريبة العهد، لما حدث في هذه المرحلة. # إن هيكل يتحدث بطريقة يصفها بأنها «منصفة» عن دور السلاح السوفييتي في هذه المرحلة، ~~فيقول: «في الحقيقة، وللإنصاف، فإن الاتحاد السوفييتي لم يقصر في معاملة مصر أثناء حرب ~~أكتوبر أو بعدها مباشرة، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل - بصرف النظر عما ms075 قيل ويقال - أن كل ما ~~تحقق في حرب أكتوبر تحقق بسلاح سوفييتي، وبعد حرب أكتوبر مباشرة فإن الاتحاد السوفييتي قدم ~~لمصر 250 دبابة من طراز «تي يو 62» هدية ... تعويضا لها عن خسائر الحرب، كما أنه باع إليها ~~فيما بعد ثلاثة أسراب من طائرات ميج 23 المتطورة، ومع ذلك فقد كانت مكافأته هي استبعاده من ~~مؤتمر جنيف في ديسمبر 1973م ... # وفي أبريل 1974م كان السادات عنيفا في هجومه على الاتحاد السوفييتي بأنه قصر في التزامه ~~بتعويض مصر عن كل خسائرها في القتال، دون أن يشرح الأساس الذي جعله يتصور أن هناك التزاما ~~سوفييتيا بتعويض مصر عن خسائرها.» ثم يجري هيكل مقارنة بين ما اشترته مصر من الاتحاد ~~السوفييتي على مدى عشرين عاما (1955-1975م) وقيمته 2200 مليون روبل ، دفعت منها 500 مليون ~~روبل وبقي عليها 1700 مليون، ودخلت بها مصر خمس حروب: السويس، واليمن، وحرب 67، وحرب ~~الاستنزاف، وحرب أكتوبر. أما السلاح الأمريكي فكانت قيمته 6600 مليون دولار في ست سنوات ~~(1975-1981م) لم تدخل بها أي حرب جديدة. # ولنستمع إلى شهادة هيكل في حديث قريب العهد عن أضرار التسلح عن طريق أمريكا: «لقد كانوا ~~(يقصد المملكة العربية السعودية) قلقين جدا مما يسمونه الخطر الشيوعي في المنطقة، وكانوا ~~يريدون إخراج السوفييت ... وصحيح أنهم مولوا بعد ذلك شراء أسلحة غربية، ولكني ممن يعتقدون ~~أن الأسلحة الغربية لا تستطيع أن تدافع ضد إسرائيل، إنها تصلح لعمليات في الكونغو أو ~~السودان أو الصومال، أما إسرائيل فإنها ستتلقى أمام كل قطعة سلاح أمريكية يحصل عليها العرب، ~~ما يوازيها، بل ما يتفوق عليها ويلاشيها.» # 1 # هكذا يتحدث هيكل الآن، وحديثه الحالي يعبر، بلا شك، عن اتجاه وطني واضح، ومن المهم ~~جدا أن نتذكر تفاصيل كلماته هذه؛ لأننا سنعود الآن إلى الوراء ونستعرض بعض الفصول القديمة ~~والهامة، لقصة علاقات مصر مع المعسكرين الكبيرين، واتجاهات سياسة التسلح، كما يرويها هيكل ~~بنفسه في فترة التحول الذي تحدثنا عنها منذ قليل، وكم أود أن يتنبه القارئ إلى آراء هيكل ~~في هذه الفترة الحاسمة، ms076 إذ إن أمورا عظيمة الأهمية كانت تتقرر عندئذ، وبذور الشجرة التي ~~«أثمرت» في زيارة 1977م ومعاهدة 1979م وتحالف حكومة مصر مع أمريكا من أجل خدمة الأهداف ~~الأمريكية في مختلف مناطق العالم الثالث - هذه البذور كانت تغرس في تلك الفترة التي ~~سنتحدث عنها ببطء، وذكاء، وتدرج، ولكن مع إدراك واضح للهدف البعيد، وسوف أكتفي في معظم ~~الأحيان باقتباسات مباشرة مما كان يكتبه هيكل في ذلك الحين، مع تعليقات هنا وهناك للكشف عن ~~تسلسل التفكير وتغير اتجاهاته، وفي ظني أن أقوال هيكل وحدها تغني عن كل تعليق، وأن القراءة ~~الذكية لها تكشف للقارئ عن كل شيء. ~~••• # فلنبدأ بما كان يقوله هيكل في عام 1970م، وقد اخترت هذا العام؛ لأنه آخر الأعوام التي كان ~~هيكل يكتب فيها خلال حكم عبد الناصر، أي إنه كان هنا يعرض آراءه السياسية في الوقت الذي ~~كانت فيه سياسة الدولة الرسمية تؤيد بقوة التسلح من الاتحاد السوفييتي، وتعتبر الصداقة ~~المصرية السوفييتية عاملا أساسيا في صمود مصر، وتمكينها فيما بعد من إزالة آثار ~~العدوان، بينما تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها العدو الرئيسي الذي كان أكبر عوامل ~~هزيمتنا في حرب 1967م، فكيف كان هيكل يكتب في هذه الفترة؟ ~~«ما زالت هناك بين قوى القومية العربية عناصر تنسى إسرائيل؛ لكي تغرق نفسها ~~في حرب مقدسة مع الشيوعية، بينما الدول الشيوعية هي التي وضعت سلاحها في يد ~~العرب، ولولاه لما كان هناك أمامهم بديل عن الاستسلام.» # 2 ~~«منذ يونيو 1967م ... فإن دور الاتحاد السوفييتي وأثر هذا الدور هو الذي ساعد ~~الأمة العربية على تحقيق إرادتها بالصمود ضد الأمر الواقع الذي حاول تحالف ~~الاستعمار والصهيونية فرضه عليها عسكريا». ~~«المناورة الأمريكية واضحة أمام أي عربي، فهي تريد عزل العرب عن الاتحاد ~~السوفييتي لا لكي يخرج الصراع العربي-الإسرائيلي من نطاق الحرب الباردة بين ~~القوى الكبرى ... ولكن لكي يبقى الطرف العربي تحت رحمة الأمر الواقع الذي يفرضه ~~السلاح الأمريكي الذي تمسك به إسرائيل.» ~~«الاتحاد السوفييتي له دور في الشرق الأوسط بحكم صداقته للعرب، وهو دور ms077 أوجده ~~العرب بأنفسهم قبل أن يوجده الاتحاد السوفييتي لنفسه؛ ردا على دور الولايات ~~المتحدة وارتباطها بإسرائيل.» # 3 ~~«دور الاتحاد السوفييتي الكبير والخطير ليس فقط في إعادة تسليح الجيش المصري، ~~ولكن أيضا في إرسال المئات من خبرائه للمشاركة في إعداد الجيش المصري للقتال ~~على مستوى الحرب الحديثة، وهو بهذا يسجل سابقة جديدة في التاريخ؛ لأن الاتحاد ~~السوفييتي بهذه السابقة كان أول بلد أوروبي يبعث بالعسكريين من أبنائه إلى أرض ~~آسيوية وأفريقية، لا لكي يسيطروا ويستعمروا، ولكن لكي يساعدوا هذه الأرض على ~~محاربة السيطرة والاستعمار.» ~~«لماذا يتخذ الاتحاد السوفييتي هذا الموقف المؤيد لنا؟ الرد: أن الأمر ~~بالنسبة للاتحاد السوفييتي مسألة مبدأ، وهو عداء الاستعمار.» # 4 # أما عن أمريكا فيقول هيكل في هذه الفترة نفسها: ~~«إن الولايات المتحدة صرحت لإسرائيل باستخدام طائرات الفانتوم في غارات ~~بالعمق ضد الأراضي المصرية، ولم تكن إسرائيل تستطيع أن تفعل ذلك إلا بتصريح ~~أمريكي واضح.» # 5 ~~«إن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وصلت الآن إلى الحد الذي لم تعد ~~فيه السياسة الأمريكية قادرة على أن تظهر أو تمارس أي قدر من الاستقلال عن ~~الإرادة الإسرائيلية.» # 6 # ويشير إلى موقف أمريكا فيصفه بأنه: «التعهد باستمرار تفوق إسرائيل في قوة ~~النيران على كل ما لدى العرب مجتمعين من قوة النيران.» # 7 ~~«إن السياسة الأمريكية الممعنة في عدائها للعرب، والممعنة في تحيزها ~~لإسرائيل، استمرت على مدى عهدين (جونسون ونيكسون) من سنة 1967م حتى الآن ... ~~ومعنى ذلك أن هناك تخطيطا أعلى من أن تغيره اختلافات العهود أو الأحزاب أو ~~الرئاسات.» ثم يقتبس هيكل في المقال نفسه أقوالا ويشير إلى أحداث تحيزت فيها ~~أمريكا ضد العرب بوضوح، ويعلق على ذلك قائلا إن هذه الوقائع «تستطيع أن ترد ~~على دعوى السياسة الأمريكية المتوازنة.» # 8 # ويحدد هيكل أهداف أمريكا في المنطقة، فيقول في نص هام: «ماذا تريد ~~الولايات المتحدة من الشرق الأوسط ... # أولا: # إخراج الاتحاد السوفييتي من المنطقة، مع تجنب المواجهة المباشرة ~~معه في نفس الوقت. # ثانيا: # الاحتفاظ بإسرائيل قوية في الشرق الأوسط، قادرة على ms078 القيام بدور ~~حارس المصالح الأمريكية في المنطقة. # ثالثا: # إبقاء العالم العربي في حالة من الضعف يسهل معها على الولايات ~~المتحدة تأمين مصالحها. # رابعا: # تحديد دور مصر في المنطقة، أو بعبارة أوضح حصار دور مصر ~~... # هذا هو مجمل مطالب الولايات المتحدة في منطقة الشرق ~~الأوسط ... في عالم ~~السبعينيات.» # ثم يذكر هيكل القراء بعبارة هامة قالها كيسنجر: «إننا يجب أن نطرد # expel # الاتحاد السوفييتي من منطقة الشرق الأوسط بكل الطرق ~~والوسائل.» ويعلق عليها بقوله: «ومن المهم لنا جدا أن نتذكر ذلك، وألا يغيب عنا معناه.» # 9 # هذا ما كان يقوله عن السوفييت وأمريكا في الأشهر الأخيرة من حياة عبد الناصر، ومن المهم ~~أن نؤكد المعاني الرئيسية التي كان يدعو إليها عندئذ: لا غناء لنا عن الاتحاد السوفييتي في ~~التسلح - صداقة السوفييت مسألة مبدأ، لا مسألة مصالح - العرب، ومصر بالذات، هم الذين طلبوا ~~التواجد السوفييتي، الذي لم يفدهم في التسليح فقط، بل في التنمية أيضا - أمريكا تحرص على ~~بقاء إسرائيل أقوى من العرب أجمعين - الإرادة الأمريكية أصبحت عاجزة عن الاستقلال عن ~~الإرادة الإسرائيلية - عداء أمريكا للعرب هدف دائم، يتجاوز العهود والرئاسات - سياسة ~~التوازن بين العرب وإسرائيل هي، في نظر أمريكا، خرافة - أول أهداف أمريكا هو إخراج السوفييت ~~من المنطقة، ثم تقوية إسرائيل وإضعاف العرب، ثم حصار مصر وعزلها عن العرب، وهذه الأهداف ~~ليست مرحلية بل هي أهداف السبعينيات كلها. ~~••• # فلنتأمل بعد ذلك ما قاله هيكل في السنتين الأوليين من عهد السادات، ولنتذكر ما قلناه من ~~قبل من أن الخطة - خطة التحول الحاسم - ينبغي أن تكون شديدة التدرج؛ فهناك شعب مهيأ ~~ذهنيا لأفكار كتلك التي لخصناها من قبل، وهناك تسلح لا يمكن الاستغناء عنه بين يوم ~~وليلة، وهناك اقتصاد كان لا يزال مرتبطا بالمساعدات السوفييتية إلى حد بعيد؛ لذلك كان من ~~الطبيعي ألا تنكشف الأوراق مرة واحدة، فبعد حركة التصحيح في مايو 1971م مباشرة، كان ~~المطلوب هو تفنيد حجة الجناح الذي كان معاديا للسادات، والذي عبر عنه الفريق فوزي بقوله إن ~~السادات «يبيع البلد ms079 للأمريكان.» ولذلك كان من الضروري الاستمرار في الضرب على النغمة ~~السابقة، النغمة الناصرية، بعض الوقت، لا سيما وأن السوفييت بدءوا ينزعجون. وهكذا كتب هيكل ~~يقول: «أقول بأمانة وصراحة إنه لولا الاتحاد السوفييتي لما كان أمامنا خيار غير القبول ~~بشروط المنتصرين كما حدث سنة 1948م، وقيمة الصداقة العربية السوفييتية أنها ليست صداقة ~~ظروف، أي إنها ليست صداقة تكتيكية، وإنما هي - كما كان يقول جمال عبد الناصر - صداقة نضال ~~ضمن الجبهة العالمية المعادية للاستعمار، ونضال من أجل الحرية والتقدم ... وإنصافا للاتحاد ~~السوفييتي فإن تعامله مع جمال عبد الناصر ومع أنور السادات بعده كان تعامل الشرفاء، ومن ~~الحق أن يقال إنه لا يمكن أن يكون هناك مصري يحترم مصريته أو عربي يحترم عروبته إلا ووجد ~~نفسه صديقا للاتحاد السوفييتي.» # 10 # الرسالة التي يريد هيكل أن ينقلها إلى السوفييت هنا هي: اطمئنوا ... لقد قضينا على أولئك ~~الذين كانوا يزعمون أنهم أنصاركم، ولكننا ما زلنا أصدقاء بقوة. # ولكن مخاوف السوفييت أخذت تزداد بعد الدور الأساسي الذي لعبته القوات المصرية في إحباط ~~انقلاب هاشم عطا (اليساري) في السودان، ولذلك يحاول هيكل طمأنة مخاوفهم (لأن الوقت لا يزال ~~مبكرا للتخلص منهم)، فيبدأ مقاله بقوله: «لا يمكن لأحد أن يتهمني بممالأة الاتحاد ~~السوفييتي، بل إن عناصر من داخل الاتحاد السوفييتي أو موالية له بالفعل أو بالادعاء رمتني ~~مرات بممالأة أمريكا؛ لأنني طالبت بعدم التصادم والتناطح معها بالقوة.» «كان همس عناصر ~~السلطة (يقصد الجناح الناصري الآخر) ولأهداف صراعهم من أجلها أن أنور السادات، قد عقد صفقة ~~لحل الأزمة من وراء ظهر الاتحاد السوفييتي ... حتى توحي للاتحاد السوفييتي بأن أنور السادات ~~يستعمله كورقة في لعبة وليس صديقا في نضال.» # 11 # ورغم محاولة الترضية الواضحة، فإن هذا الاقتباس يهمنا في أمرين: # الأول: # هو وجود تلميح إلى موقف جديد من أمريكا تعرض هيكل بسببه للوم من بعض ~~الجهات، وإن كان هيكل لا يزال يؤكد، حتى ذلك الحين، أن كل شيء على ما هو ~~عليه. # والثاني: # هو وصف هيكل للسادات في عام 1971م ms080 بأنه صديق للسوفييت في النضال؛ نفس ~~السادات الذي عرض علينا هيكل في «خريف الغضب» تفاصيل عن ماضيه مع أجهزة ~~المخابرات المختلفة المتصلة بالأمريكيين اتصالا مباشرا أو غير ~~مباشر. # ثم تزداد التلميحات وضوحا بالتدريج، مع الاحتفاظ بالموقف القديم (مؤقتا)، فهو في هذه ~~المرحلة لا يزال يؤكد أن «الهدف الأكبر الذي تسعى إليه إسرائيل والولايات المتحدة هو إخراج ~~العامل السوفييتي كله تأثيرا وتواجدا في أزمة الشرق الأوسط؛ لأن هذا العامل هو أهم القوى ~~الضاغطة، وإذا لم ندرك ذلك، وإذا لم نعمل على مواجهته؛ إذن فنحن نقدم للعدو مطلبه على طبق ~~من فضة.» # 12 # ومع ذلك فإن في المقال نفسه إشارات واضحة إلى أن من الممكن أن يتوقف إمداد ~~أمريكا لإسرائيل بالسلاح، لو أن العرب لعبوا لعبة التوازنات والحسابات، والعقبة الرئيسية في ~~وجه هذه الخطوة، من وجهة نظر أمريكا، هي التواجد السوفييتي، وهكذا ننتقل إلى موقف جديد، ~~فبعد أن كان الموقف السابق هو: لا أمل في أمريكا، أصبح الآن: هناك أمل، بشرط أن نعرف قواعد ~~اللعبة. # وفي الوقت ذاته كانت فكرة «تحييد أمريكا» قد بدأت تظهر في كتابات هيكل منذ أوائل عام ~~1971م، أي بعد حوالي أربعة أشهر من تولي السادات السلطة، فهو يتحدث - في فبراير من هذا ~~العام - عن ضرورة الاقتداء بإسرائيل في تحقيق أهدافها خطوة خطوة، بحيث يكون هدفنا الحالي ~~هو إزالة آثار العدوان، ثم يعلق على ذلك بقوله: «ومن المحتمل أيضا، وبجهد متواصل وعاقل، ~~أن الولايات المتحدة يمكن تحييدها بشكل ما ولو جزئيا أثناء تحقيقه، وإن كان ذلك متداخلا ~~في أوضاع وظروف قد تقتضي شرحا أوسع.» # 13 # وفي المقال التالي يزيد فكرته إيضاحا فيقول: «إذا أردنا أن نصل بنتيجة ما حدث ~~سنة 1967م إلى نجاح يماثل نجاحنا سنة 1956م، فإننا يجب أن نحصل على عنصرين؛ أولهما تأييد ~~إحدى القوتين العظميين، وذلك متاح لنا بتعاطف وصداقة وتأييد الاتحاد السوفييتي، والثاني ~~تحييد القوة العظمى الأخرى، وهي الولايات المتحدة، أو على الأقل منع تدخلها ضد مصلحتنا في ~~الأزمة، وغير ذلك مستحيل.» # 14 # ثم ms081 يأتي بعد ذلك كلام أخطر: «من هنا فلقد كنت، ومازلت، أختلف مع النغمة التي ~~تقول إن الذي نواجهه أمامنا في ميدان القتال هو الولايات المتحدة وليس إسرائيل (لاحظ أنه ~~كان يقول بعكس ذلك تماما منذ عام)، والصحيح أن بيننا وبين الولايات المتحدة مواجهة ~~سياسية، أو صراعا سياسيا، وهدف هذا الصراع هو الفصل بين إسرائيل والولايات المتحدة كحد ~~أقصى، أو تحييد الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل كحد أدنى، وذلك عن طريق توجيه ضغط دولي ~~وعربي ومصري ضد الولايات المتحدة، هذا الضغط يقنع الولايات المتحدة بأنها تواجه تقلصا ~~مخيفا في هيبتها كقوة عظمى، والهيبة على رءوس الدول العظمى كالتيجان القديمة على رءوس ~~القياصرة.» وبعد قليل يحدد الهدف من صراعنا مع الولايات المتحدة، بأنه «ليس هزيمتها في ~~ميدان القتال، وإنما إخراجها، وبكل وسيلة، من ميدان القتال.» «وأقول إنني أستطيع أن أجد ~~طريقا يقدر به الشعب المصري أن يحارب إسرائيل ويهزمها ... ولكن ذلك يتطلب أن تكون الولايات ~~المتحدة بعيدة عن ميدان القتال.» # إن تصعيد لهجة «تحييد أمريكا» كان يزداد طوال عام 1971م، وكانت المغالطة التي ارتكبها ~~هيكل مزدوجة؛ فبعد أن كان أيام عبد الناصر يربط بين أمريكا وإسرائيل بحيث يستحيل فصلهما، ~~وبعد أن كان يؤكد أن هدف أمريكا الدائم والاستراتيجي هو إضعاف العرب من أجل هدمهم، أصبح ~~الآن يقدم إلى القارئ، في جرعات خفيفة أول الأمر، ثم تزداد كميتها بالتدريج - فكرة إمكان ~~تحييد أمريكا وإيقاف فاعليتها في مؤازرة إسرائيل، بل ويرى أن الحرب بدون ذلك مستحيلة، ولكن ~~إذا أدركنا مدى استراتيجية التحالف بين أمريكا وإسرائيل، وإذا أدركنا أن أمريكا لا بد أن ~~تعمل ما من شأنه منع العرب، بشتى الطرق، من أن يكتسبوا القدرة اللازمة لممارسة الضغط عليها، ~~لوجدنا إلى أي حد تؤدي «وصفة» هيكل الجديدة «لهزيمة» إسرائيل إلى طريق مسدود. # وإلى هذه الفترة ينتمي مقال «تحية للرجال» المشهور (12مارس 1971م) الذي بالغ فيه هيكل، ~~وكأنه جنرال خبير في ميدان القتال، في وصف الصعوبات المميتة التي سيصادفها الجيش المصري، ~~لو حاول عبور قناة السويس التي ms082 هي أخطر مانع مائي في العالم، وتحدث عن القوة الهائلة ~~للجيش والطيران الإسرائيليين، وكيف أن العبور يجعل جيشنا «يواجه ما لم يواجهه جيش من قبل»، ~~ولم تكن عملية التخويف هذه إلا جزءا من السياسة الجديدة، فلم يكن من المستغرب إذن أن يثور ~~عليه أنصار السياسة الناصرية السابقة ثورة عارمة. # ولنختتم هذا العرض لفكرة التحييد بعبارات تظهر فيها اتجاهات هيكل الجديدة، التي استدارت ~~بزاوية 180 درجة عن اتجاهاته منذ عام واحد، بوضوح كامل: «إذا كانت إسرائيل قد انتصرت على ~~العرب في معارك بفعل التأييد الأمريكي، فإن هذا التأييد الأمريكي ليس دائما، وإنما الدائم ~~هو المصالح الأمريكية فقط؛ ومن هنا فإن التأييد الأمريكي ليس سلاحا أبديا في يد إسرائيل، ~~وهذه عبرة الأيام.» # 15 # وفي العام التالي حدثت الخطوة الحاسمة، التي ظهرت فيها معالم السياسة الجديدة بلا مواربة، ~~والتي تعد الكتابات السابقة تمهيدا متدرجا لها، وأعني بها طرد الخبراء السوفييت من مصر ~~في يوليو 1972م، هنا نود أن نذكر القارئ بالاقتباسات التي تعمدنا أن نكررها من قبل، ~~والتي تبين أن هيكل كان واعيا تماما، بأن طرد الخبراء السوفييت هو هدف السياسة الأمريكية ~~في المنطقة، وبأننا إذا لم نواجه ذلك فكأننا «نقدم للعدو مطلبه على طبق من فضة»، ولكنه ~~في ظل السياسة الجديدة، لا يجد أية غضاضة في أن يحمل طبق الفضة بيديه، ويبتلع كلماته ~~ومواقفه السابقة بسهولة تامة، ويساعد «العدو» على تحقيق مطلبه بكل ما يملك من قدرة ~~وموهبة، فحين خرج السوفييت بالفعل، لم يقل لنا هيكل كلمة واحدة عن تأثير ذلك على الولايات ~~المتحدة إيجابيا، ولم تصدر عنه كلمة واحدة يقول فيها إننا كنا نستطيع استثمار هذا الطرد ~~لصالحنا، كما أصبح يقول في أيامنا هذه، ولم يوجه كلمة نقد واحدة، بل إنه، على العكس من ~~ذلك، اخترع قصة اعتقاد الاتحاد السوفييتي بوجود فراغ عقائدي في المنطقة، واستعرض، بلا ~~مناسبة، ولمجرد التحرش بالخصوم الجدد وتمرير سياسة السادات الجديدة، تاريخ الخلافات ~~العقائدية مع السوفييت منذ الستينيات، وكلها أمور حشرت حشرا بصورة ملفقة، إذ إن ms083 هذه ~~الخلافات لم تمنعه، أيام عبد الناصر، من امتداح السوفييت المبالغ فيه، والأخطر من ذلك أن ~~هيكل يذيع سرا (يؤكد أنه لم يكن سرا، وإن كان معظم الناس لم يعرفوه إلا عن طريقه) هو أن ~~خمس طائرات سوفييتية كانت قد سقطت في يوم واحد، هو 18 أبريل 1970م، # 16 # وكان الهدف من هذا الإعلان، الذي بلغ قمة التنكر لتلك «الأفضال» التي كان ~~يسبح بحمدها من قبل، هو التشكيك في قدرة الطيارين السوفييت، ولا مانع لديه من تحطيم معنويات ~~جيشه وأبناء وطنه عن طريق إعلان تفوق إسرائيل إلى هذا الحد حتى على السوفييت. # ويكمل هيكل حملته على السوفييت، الذين كان يتغزل فيهم قبل أقل من عامين، والذين يدعونا ~~إلى الندم على فقداننا لصداقتهم في أيامنا هذه، فينشر وثيقة «سرية» (لا أدري من أين حصل ~~عليها، وأتمنى أن يثبت لنا في هذه الأيام إن كانت صحيحة أم ملفقة)، هي تقرير لجنة داخل ~~الحزب الشيوعي السوفييتي عن برنامج الحزب الشيوعي السوري، وفي التقرير تشكيك في القومية ~~العربية وإمكانية الحل العسكري أو قيام الدولة الفلسطينية، ولا ينسى هيكل أن يقلل من ~~قيمة السلاح السوفييتي، مؤكدا أنه «كان متأخرا عن الولايات المتحدة في هذا المضمار سبع سنوات.» # 17 # ومن اللافت للنظر أن هيكل قد استخدم، في هذه الحملة على السوفييت، نغمة أصبح السادات فيما ~~بعد يستخدمها على أوسع نطاق؛ لإثارة مشاعر الشعب المصري ضد بقية الشعوب العربية عندما حدثت ~~المقاطعة بعد زيارة القدس، وأعني بها نغمة «مصر أولا»، فخروج السوفييت «حرك نبض الوطنية ~~المصرية، ووضعها في موضع الاعتماد على النفس.» # 18 # نفس خروج السوفييت الذي كان منذ قليل يوصف بأنه مطلب العدو، وهدف السياسة الأمريكية ~~الأول، وهو في موضع آخر يتحدث عن خطأ السوفييت؛ لأنهم «لم يدركوا قيمة مصر الحضارية، ولم ~~يدركوا أن مصر هي مصر، وسوف تبقى دائما مصر.» # 19 # كان التحول قد اكتمل وكانت الحلقة قد أغلقت بإحكام، وتحول الصديق الذي وصف قبل ذلك ~~بأنه تعامل مع عبد الناصر والسادات معاملة الشرفاء، والذي ms084 «لا يوجد مصري يحترم مصريته، ولا ~~عربي يحترم عروبته إلا وكان صديقا له»؛ تحول إلى عدو لحضارة مصر، وأصبح خروجه علامة على ~~الوطنية ... # وعندما وصل هيكل في كتابه إلى هذه المرحلة، استأذن القارئ؛ ليأخذ إجازة لمدة شهر من ~~الكتابة ... # 20 # كان مدركا أنه أكمل مهمته، وذهب ليستريح. ~~••• # والآن دعونا نلق نظرة هادئة على تلك الكلمة ذات المظهر البريء، التي كانت الخطة ~~المتدرجة، الشديدة الحذر والذكاء، تستهدف إقناع الأذهان بها، وأعني بها كلمة «تحييد ~~أمريكا»، هذه الكلمة تلخص هدف السياسة الجديدة كلها: فبينما كان هيكل يؤكد، في ظل سياسة ~~عبد الناصر، أن أمريكا لا تقل عداء لنا عن إسرائيل، وأن مصالحهما مرتبطة ارتباطا عضويا ~~يستحيل تفكيكه، وأن الأمور وصلت إلى حد أن الإرادة الأمريكية أصبحت عاجزة عن الاستقلال عن ~~الإرادة الإسرائيلية، وأن دفاع أمريكا عن إسرائيل وسعيها إلى إضعاف الدول العربية، إنما هو ~~سياسة دائمة وليس على الإطلاق وضعا مؤقتا - بينما كان هيكل يؤكد ذلك كله، أصبح في عام ~~1972م يركز جهوده على طرح هذا المفهوم الجديد، الذي يتناقض كلية مع المفاهيم السابقة، ~~وأعني به مفهوم «التحييد»، ويعني به كف يد أمريكا عن التدخل لصالح إسرائيل ضد العرب، فلنحلل ~~إذن هذا المفهوم، ونستخلص نتائجه. # إن لعملية التحييد هذه وسيلتين: # الأولى هي تنمية القوة الذاتية العربية، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، إلى الحد الذي ~~تضطر فيه أمريكا إلى أن تعمل حسابا لقوتنا، وخاصة حين تصل هذه القوة إلى حد تهديد المصالح ~~الأمريكية في المنطقة، فكيف تتحقق لنا مثل هذه القوة؟ من الواضح أنها، لكي تصل إلى الحد ~~الذي تشكل فيه تهديدا حقيقيا، وليس مجرد تهديد مظهري أو مؤقت، لمصالح أمريكا، تحتاج إلى ~~تغيير شامل في نمط الحياة في العالم العربي وفي أساليب حكمه، ولو وصلنا بالفعل إلى مثل هذا ~~التغيير، فلن نكون عندئذ بحاجة إلى تحييد أمريكا؛ لأننا عندئذ نستطيع أن ننتزع حقوقنا ~~بأيدينا، شاءت أمريكا أم أبت، وأبلغ دليل على ضخامة حجم التغيير السياسي والاقتصادي ~~والعسكري، المطلوب تحقيقه في مجتمعنا من أجل الوصول ms085 إلى تحييد أمريكا، أن هذا التحييد لم ~~يتحقق حتى عندما وصل التضامن العربي، عسكريا واقتصاديا، إلى مستوى عال لم يبلغه في أي ~~وقت من قبل، في حرب أكتوبر 1973م، فقد زادت أمريكا من مساعداتها لإسرائيل أثناء الحرب، ~~وقدمت إليها أضخم جسر جوي من معدات القتال عرفه التاريخ؛ مما أتاح لها قلب ميزان الحرب ~~جزئيا لصالحها، وإذن فطريق القوة الذاتية العربية المطلوب من أجل التحييد طويل جدا، ~~ولو بلغنا يوما ما لما أصبح للتحييد عندئذ أي داع. # أما الطريق الآخر، فهو الطريق العكسي، أعني طريق الإذعان لمطالب أمريكا، وتقديم الخدمات ~~والتسهيلات لها، وتحقيق مصالحها في المنطقة إلى الحد الذي يأمل أصحاب هذا الطريق أن يؤدي ~~إلى تخفيف انحيازها لإسرائيل، ما دام هناك أصدقاء جدد يؤدون وظيفة إسرائيل التقليدية، ~~وهي حماية المصالح الأمريكية، هذا الطريق إذن لا يكمن في تهديد مصالح أمريكا، بل في التنافس ~~مع إسرائيل على حماية هذه المصالح، ونظرا إلى أن الطريق السابق طويل وشاق، ويفترض شروطا ~~يحتاج تحققها إلى ثورة كاملة، لو حدثت لما عدنا نحتاج إلى هذا التحييد ، فإن نوع التحييد ~~الذي يمكن تنفيذه عمليا، في ظروف العالم العربي الراهنة، هو النوع الثاني؛ أعني التحييد ~~الاستسلامي، ولهذا التحييد دائما ثمن فادح، فما الذي يدفع أمريكا إلى الامتناع عن مساندة ~~إسرائيل أو التخفيف من انحيازها لها؟ إن إسرائيل حليف قوي، يحقق لها مصالح ضخمة: ردع ~~قوى التحرر في العالم العربي، ضمان تدفق النفط للغرب، صد «الخطر الشيوعي»، وعلى ذلك ~~فالمطلوب منا أن نقوم نحن بأداء هذه الخدمات كلها لأمريكا، حتى تدرك أن مصالحها لا تتحقق ~~على يد إسرائيل وحدها، لا سيما وأن لدينا مزايا خاصة، هي اتساع الرقعة جغرافيا، ~~واستراتيجية الموقع، والموارد البشرية والمادية الكبيرة. # هذه هي النظرية التي تبنتها المدرسة الساداتية، عمليا، وكانت أولى خطواتها هي طرد ~~الخبراء السوفييت إرضاء لأمريكا، وتلتها خطوات أخرى: منح القواعد أو التسهيلات العسكرية، ~~المشاركة في بعض الحروب الصغيرة لصالح الغرب (زائير والصومال وتشاد وأفغانستان وغيرها)، ~~تغيير اتجاه الاقتصاد بحيث يصبح رهينة ms086 للبنوك الأمريكية والدولية، وتأكيد دور القطاع الخاص ~~مع الإقلال من أهمية القطاع العام ... الخ. # وهكذا يؤدي الجري وراء سراب «التحييد»، إلى أن يصبح العرب أشبه «بالزوجة الثانية» للزوج ~~الغني والقوي: أمريكا، وككل زوجة ثانية، يتعين على العرب أن يتفننوا في إرضاء أمريكا ~~وإغرائها بالتنازلات حتى تنصرف عن الزوجة الأولى (إسرائيل)، ومع كل ذلك فإن إسرائيل القوية، ~~التي يتسم نظامها بالثبات، ولا يتصف بتقلبات الأنظمة العربية ومزاجيتها، والتي تشارك أمريكا ~~«ديمقراطيتها» واعتمادها على مؤسسات ثابتة، لا على أهواء شخصية؛ إسرائيل هذه هي التي تكسب ~~«الزوج» في النهاية، بعد أن تكون الزوجة الثانية قد أعطت أعز ما تملك! # هذه هي النتيجة التي توصل إليها سياسة «التحييد» عمليا، وقد اختبرت هذه السياسة، كما ~~قلت، في حرب أكتوبر، فكانت النتيجة مزيدا من التدخل الأمريكي لصالح إسرائيل، مما جعل ~~السادات نفسه يقول: أوقفت القتال؛ لأنني لا أستطيع أن أحارب أمريكا! ولكن المأساة هي أن نفس ~~اللحظة التي بلغ فيها تدخل أمريكا لصالح إسرائيل ذروته، كانت هي اللحظة التي بلغ فيها هيام ~~أصحاب سياسة «التحييد» بأمريكا أعلى قممه. ومنذ أن بذلت أمريكا أكبر جهد تملكه من أجل تزويد ~~إسرائيل بأضخم كمية من الأسلحة لكي تقتل بها أبناءنا وتحتل أراضينا، أصبحت هي الصديق، ثم ~~الحليف والوليف! # في كلتا الحالتين إذن، وسواء وصلنا إلى التحييد عن طريق القوة الذاتية أم عن طريق ~~الاستسلام، تنتهي سياسة التحييد إلى نتائج مناقضة لذاتها، وتلغي نفسها بنفسها. ~~••• # ولنتأمل بعد ذلك نتائج هذه السياسة الجديدة، التي نفذت بتخطيط بارع، بالنسبة إلى حرب ~~أكتوبر. # إن هناك جدلا ضخما، يثيره هيكل في هذه الأيام، حول الإدارة السياسية لحرب أكتوبر، ويرى ~~فيه أن هذه الحرب، التي حققنا فيها إنجازا عسكريا جيدا بجميع المقاييس، لم تكن نتائجها ~~السياسية على مستوى الأداء العسكري فيها على الإطلاق، والنقطة الأساسية التي يثيرها هيكل في ~~هذه الأيام، هي أنه كان من الممكن تطوير الحرب حتى الممرات على الأقل منذ الأيام الأولى؛ ~~مما يعطينا مركزا تفاوضيا أقوى بكثير، وفضلا عن ذلك فقد ms087 كشفنا أوراقنا للعدو في ~~مراسلات سرية دارت منذ اليوم الثاني للحرب، اعترفنا فيها بأن هدفنا من الحرب محدود، وبأننا ~~لن نعمق الصراع أو نوسع جبهاته؛ مما أتاح لأمريكا، ولهنري كيسنجر بوجه خاص، فرصة معرفة ~~خططنا النهائية مقدما واستغلالها لصالح إسرائيل. # 21 # وفي تصوري أن الجدل حول هذا الموضوع كله، بالصورة التي طرحها هيكل، جدل عقيم؛ ذلك لأن ~~هيكل يفترض أن كيسنجر لم يعرف النوايا المصرية من الحرب، إلا عن طريق تلك المراسلات السرية، ~~ومن هنا فإنه يوجه اللوم إلى من كتبها، وإلى من أعطى الأوامر بكتابتها، على حين أن ~~كاتبها يدافع عن نفسه بحرارة ضد اتهامات هيكل بشأن هذه المراسلات، وحقيقة الأمر أن أمريكا ~~تعرف نوايا الحرب المصرية منذ أمد بعيد، فهناك عوامل كثيرة كانت كلها كافية لمعرفة هذه ~~النوايا: منها مثلا الصراع بين هيكل والجناح الآخر من الناصريين حول طبيعة الحرب المنتظرة، ~~ومنها الاتجاه الكامل للدبلوماسية المصرية في عهد السادات خلال السنوات السابقة للحرب، ~~ومنها طرد الخبراء السوفييت والسعي إلى مزيد من التقارب والتفاهم مع أمريكا، كل هذه ~~التطورات لم تكن تؤدي بأي حال إلى قيام حرب تحرير شاملة. # ولكن، لندع الاستنتاجات جانبا، ولنستمع إلى الأقوال الصريحة والمباشرة، فطوال شهور ~~فبراير ومارس وأبريل 1972م، كانت كتابات هيكل تركز على «الحل السياسي الذي تسانده قوة ~~عسكرية لا الحل الدبلوماسي فقط، ولا الحل العسكري المطلق»، «لا بد أن نفهم أن الولايات ~~المتحدة لن تتحرك - إذا تحركت - إلا تحت ضغط، وإلا فماذا يدفعها إلى الحركة؟ القوة ~~العسكرية، نعم، ولكن ... وفقا لموازين العصر وفي إطار سياسي شامل.» # 22 # هكذا كان تصور هيكل للحرب هو أن هدفها التحريك، وتحريك من؟ الولايات المتحدة بالذات، ~~ولماذا نبحث عن تحريك الولايات المتحدة، وليس أية دولة أخرى، كهدف للحرب؟ ألا يفترض هذا أن ~~أمريكا تملك كل، أو معظم، أوراق اللعبة؟ هكذا يدل كلام هيكل بوضوح على أنه يشارك في الموقف ~~السياسي لسياسة السادات في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي. # ولنستمع إلى كلمات أصرح: «الحرب المسموح بها الآن، هي استعمال ms088 القوة المسلحة لهدف تتوافر ~~له الشرعية الدولية، ويتوافر للطرف الذي سيحمل السلاح لتحقيق هذا الهدف تأييد إحدى القوتين ~~الأعظم على الأقل، ثم يتوافر لهذا الطرف بقوته الذاتية وبما يتلقاه من أصدقائه طاقة لا شك ~~فيها؛ لتحقيق هذا الهدف في إطار محدد أو محدود، ثم يكون القصد من تحقيقه هو التأثير في ~~الوضع السياسي، معنى ذلك أنها حرب محدودة، محدودة الهدف.» # 23 # هل هناك ما هو أوضح من هذه العبارات في الدلالة على أن هدف الحرب المحدودة، لا ~~الحرب الشاملة، كان مرسوما مقدما، وأن هيكل كان مشاركا في التخطيط لهذا الهدف ~~والترويج له؟ # ومع ذلك، فهناك ما هو أصرح حتى من هذا الكلام: «ليكن أن مصر تشعر أن طاقتها تحتمل أن تحرر ~~بالقوة المسلحة ولو مائة كيلومتر مربع فقط من أراضيها ... وإذا كانت مصر دقيقة في حساباتها، ~~فإنها سوف تنجح في تحقيق ما تريد، وسوف تحرر بالفعل هذه المائة كيلومتر مربع من أراضيها، ~~وسوف تحتفظ بها في وجه أية هجمات مضادة من العدو، وهذا يغير صورة الأزمة كلها، ويفتح ~~الباب لتطورات مباشرة أخرى في مجرى الصراع .» # 24 # تأمل معي، أيها القارئ، هذا الكلام الواضح، وتأمل من جهة أخرى تلك الضجة الكبرى التي ~~يثيرها هيكل في هذه الأيام، بعد عشر سنوات من الحرب، وبعد أن نسي الناس ما قاله في الفترة ~~الممهدة للحرب؛ أعني الضجة التي أقام بها الدنيا وأقعدها حول ما يسميه «بالعبارة الكارثة» ~~الواردة في رسالة سرية من حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي المصري، إلى كيسنجر، نظيره ~~الأمريكي، وتحدث فيها إسماعيل عن نوايا مصر في جعل الحرب محدودة، وعدم توسيع جبهاتها أو ~~تعميق مسارها. ألم يقل هيكل أكثر من هذا قبل وقوع الحرب، في مقالات علنية لا في مذكرات ~~سرية؟ هل كانت أمريكا مضطرة إلى انتظار الرسالة السرية حتى تعرف نوايا مصر في الحرب؟ والأهم ~~من ذلك، ألم يكن هيكل نفسه من أهم المروجين لسياسة احتلال مساحة محدودة من الأرض، ~~والثبات فيها، وتحريك الأزمة كلها من خلالها؛ وهو ما حدث ms089 بالضبط في حرب 1973م؟ # إن في وسع هيكل، بالطبع، أن يرد بقوله إن ما كتبه قبل الحرب شيء، وما حدث في الحرب ~~الفعلية شيء آخر، فقد أتت الحرب نفسها بمفاجأة لمخططي سياسة تحرير مساحة محدودة من الأرض: ~~هي في الواقع المفاجأة التي كان يدخرها شعب مصر «لعبقرية» السياسيين، عندما تمكن أبناء ~~الشعب في جيشهم من العبور بسهولة غير متوقعة، وأحرزوا نجاحا سريعا قليل التكاليف، مما ~~أوقع المخططين العباقرة في حيرة، وأوجد موقفا جديدا لم يتوقعه واضعو سياسة الحرب ~~المحدودة، وعلى رأسهم هيكل. ولكن، هل كان من المعقول أن يحدث تغيير مفاجئ للخطط السياسية ~~في أعقاب هذا النصر الأول السريع، بعد أن ظلت الدبلوماسية الرسمية، من سرية وعلنية، وأجهزة ~~الإعلام الساداتية والهيكلية، تبني كل شيء على أساس حرب محدودة تحرر قطعة أرض صغيرة ~~وتحتفظ بها؟ لو كان المخططون والكتاب الصحفيون العباقرة، قد وضعوا منذ البداية بدائل، ~~وعملوا حسابا للموقف الذي تحقق، ضمن هذه البدائل، لربما أمكن عندئذ أن تتغير السياسة ~~بسرعة تماشيا مع الوضع الجديد، ولكن كل شيء كان مرسوما على أساس حرب التحريك المحدودة، ~~ولم تنتظر أمريكا رسالة حافظ إسماعيل السرية لكي تعرف ذلك، بل كان يكفيها أن تثابر - كما ~~أرجح أنها فعلت - على قراءة هيكل. # يبقى أمامنا أن نتساءل: ما تأثير السياسة التي اتخذت مجرى جديدا كل الجدة في عامي 1971 ~~و1972م، على التطورات التالية في مصر وفي العالم العربي؟ إن هاتين السنتين تحملان، في رأيي، ~~بذرة معظم التطورات التالية، وإذا كان هيكل قد قام بالدور الذي حددنا معالمه في تهيئة ~~الأذهان لتحول حاسم في السياسة المصرية، ما بين عام 1970 وعام 1972م، وإذا كان قد غير ~~اتجاهه تغييرا جذريا، مع تغير الحاكم وسياسته، خلال هاتين المرحلتين، فإن معنى ذلك أن ~~مسئولية هيكل عن التطورات السلبية المتأخرة للعهد الساداتي مسئولية لا شك فيها، صحيح أن ~~السنين تضيف عوامل ومتغيرات جديدة، ولكن هذه كلها إضافات للأسس الأولى التي أرسيت في ~~هاتين السنتين الأوليين، وعلى رأسها التحالف مع أمريكا، والحرب المحدودة ms090 بهدف الصلح الذي ~~تتوسط فيه أمريكا، والامتناع عن التسلح عن طريق السوفييت والالتجاء إلى أمريكا، نفس البلد ~~الذي يقدم لخصمنا سلاحه، ويعلن على الملأ أنه يضمن تفوقه. # ومنذ اللحظة التي قررنا فيها اللجوء إلى أمريكا، لكي تتوسط بيننا وبين إسرائيل، ومنذ ~~اللحظة التي رفضنا فيها السلاح السوفييتي؛ لكي نختار بدلا منه سلاحا أمريكيا، حسمت ~~أمور عديدة تحقق الكثير منها فيما بعد، فهذا القرار ينطوي، بصورة جنينية، على فكرة ~~الصلح مع إسرائيل، وجعل العداء للسوفييت هدفا رئيسيا لسياستنا، والتعاون مع أمريكا، ~~وتطبيق أفكارها في حياتنا الداخلية، وخاصة الاقتصاد. # ولكي ندرك مرارة هذه الحقيقة، وخاصة في ضوء الضجة التي يثيرها هيكل هذه الأيام ضد العهد ~~الساداتي، الذي نسي أنه كان فيلسوفه الأول خلال السنوات الأولى والحاسمة من تاريخه، دعونا ~~نفكر بإمعان في مغزى عبارة هامة قالها موشي دايان، تعليقا على رحلة السادات بالطائرة إلى ~~القدس في نوفمبر 1977م: «لقد أديرت محركات طائرة السادات حين طرد الخبراء السوفييت، وبدأ ~~سياسة تنويع السلاح وقبل باتفاقات فك الاشتباك بكل ما يعنيه ذلك من استبعاد للخيار العسكري.» # 25 # هذا كلام خطير بقدر ما هو واضح، فأولئك الذين رسموا سياسة تنوع التسلح عن طريق طرد ~~الخبراء السوفييت، والترويج لفكرة التقارب التدريجي مع أمريكا، هم الذين أداروا محركات ~~طائرة السادات المتجهة إلى القدس؛ لأنهم ربطوا مصير بلادهم وجيوشهم بمصير راعية إسرائيل ~~وحاميتها، ومن الواضح أن هيكل، بالنسبة إلى هؤلاء، كان كبيرهم ومفكرهم وموجههم، فالبذرة ~~الأولى قد غرستها يد هيكل، وما يتبقى بعد ذلك ليس إلا من قبيل التفاصيل، ومع ذلك فإن هيكل ~~نفسه هو الذي يأتي في أيامنا هذه، وينعى على السادات ركوبه تلك الطائرة، التي كان هو ذاته ~~قد زودها بالوقود، وأدار لها المحركات. # أتريد، أيها القارئ، معرفة الأصول الأولى للكارثة الحالية، و«الجذور»؟ اقرأ صفحات هذا ~~الفصل ثانية، وفكر فيها بإمعان. # الفصل التاسع # | عمنا سام # لست أدري لم اختار هيكل أن يوجه كتابه عن السادات إلى الجمهور الأمريكي على وجه ~~التحديد، ولكن الأمر المؤكد هو أنه، طوال ms091 هذا الكتاب، كان يضع في ذهنه هذا الجمهور، وهو ~~يشرح هذه النقطة أو تلك، ويقوم بهذا التحليل أو ذاك؛ مما أعطى الكتاب، في مواضع غير قليلة، ~~طابعا غير مألوف لدى القارئ العربي. # فمنذ اللحظة الأولى، يركز هيكل على صفة «النجومية»، وعلى «صناعة النجم»، وكأنها هي التي ~~تلخص شخصية السادات، مع أنها - من وجهة نظر كاتب هذه السطور - لا تزيد عن كونها أسلوبا ~~ملائما لجمهور أجنبي، اعتاد التهريج السينمائي حتى أصبحت صفة «النجومية» أساسية عنده، حتى ~~في اختياره لرئيس جمهوريته، وهكذا يتحدث «خريف الغضب» في مقدمته عن نجوم العصر، فيضع ضمنهم ~~«جاكلين كيندي»، ويشعر القارئ العربي بأنه تلقى لطمة، وهو يقرأ عن هذه النماذج المنحلة، ~~وإن كان القارئ الأمريكي لا يرى أية غرابة في ذلك، والواقع أن السادات لم يكن في وقت من ~~الأوقات نجما بالنسبة إلى شعبه، أعني المصريين والعرب على حد سواء، بل كان نجما في نظر ~~الأمريكان وبعض الأوروبيين؛ وذلك لأسباب لا علاقة لها بشخصه، وإنما بسياسته. # إننا نعلم جميعا أن أجهزة الإعلام الغربية، والأمريكية بوجه خاص، قد تعمدت أن تضخم صورة ~~السادات، ولم يكن ذلك راجعا فقط إلى إعجاب هذه الأجهزة بذلك الصديق المخلص الجديد، أو إلى ~~صفات معينة في شخصيته، أهلته لكي يكون في نظرها «نجما»، وإنما كان يرجع قبل كل شيء إلى ~~رغبتهم في الحصول منه على المزيد من التنازلات، عن طريق خدعة الإعجاب الإعلامي الزائد؛ فقد ~~كان من الواضح أن لدى السادات، شأنه شأن معظم الحكام ~~الفرديين، وربما بصورة أشد تطرفا من الباقين؛ ميلا شديدا إلى الإحساس بأهميته وخطورته، ~~وكان ذلك يتجلى بوضوح حين تنشر الصحف المصرية، على الدوام، تعليقات الصحف والإذاعات الأخرى ~~على خطاباته؛ لكي تبين مدى إعجاب الآخرين به. وقد أتقن الأمريكيون فن دراسة نقط الضعف في ~~شخصيات الزعماء، وخاصة في العالم الثالث، للاستفادة من نقاط الضعف هذه بقدر ما يستطيعون. ~~وهكذا كان كل مقال يكتب عن السادات في صحيفة أمريكية، وكل صورة له أو لأسرته، على غلاف ~~مجلة أمريكية، تعني مزيدا ms092 من التنازلات، ومزيدا من الترحيب بالنفوذ الأمريكي، ومزيدا من ~~الامتيازات الاقتصادية أو العسكرية التي تمنح للغرب بوجه عام. # لم تكن المسألة إذن مسألة «نجومية»، وإنما كانت «صناعة النجم» هذه، في حقيقتها، استغفالا ~~واستغلالا لغرور حكام العالم الثالث، ومع ذلك فإن هيكل أراد في كتابه أن يصحح فكرة ~~الجمهور الأمريكي عن «معبوده» الجديد، وأن يرسم له الصورة التي يعتقد أنها حقيقية، في مقابل ~~الصورة المتطرفة في الإعجاب، التي صورتها أجهزة الإعلام الأمريكية للسادات. ولكن، ما الذي ~~يدعونا إلى تصحيح فكرة المجتمع أو الرأي العام الأمريكي عن السادات؟ وما الذي سنجنيه من ~~ذلك؟ إن أمريكا هي العدو الأول لأماني الشعب العربي وتطلعاته، فلماذا نجهد أنفسنا لكي نقدم ~~إليها الصورة الصحيحة، إن كانت بالفعل صحيحة؟ لماذا لم يوجه الكتاب، مثلا، إلى المعسكر ~~الاشتراكي، أو إلى العالم الثالث، أو إلى الشعب العربي، ولماذا يحرص المؤلف منذ الصفحات ~~الأولى على أن يؤكد أن صورة السادات عند الغرب لم يكن لها ما يبررها؟ ألا يزال عندنا نوع من ~~«الأمل» في أمريكا حتى نتعشم منها خيرا عندما تصحح فكرتها عن زعمائنا؟ # إن دور النشر الأمريكية أقدر من غيرها على ترويج الكتب، هذا صحيح، ولكن هناك فارقا بين ~~كتاب ينشر في دار أمريكية، وكتاب يؤلف من وجهة نظر تستهدف مخاطبة الجمهور الأمريكي، ~~وأعتقد أن اهتمام هيكل بمحور «الممثل» و«النجم»، وبالعوامل والعقد النفسية في النشأة ~~الأولى، واستخدام تشبيه «ترومان» لتبرير تعاونه مع السادات في السنوات الأولى من حكمه، كل ~~ذلك يدل على أن هيكل كان يخاطب في الأساس جمهورا أمريكيا ولم يكن ينشر في دار أمريكية ~~فحسب. # على أن الهدف الذي كان يرمي إليه هيكل من هذا كله هدف عقيم؛ فمن العبث أن يحاول أي مؤلف ~~تصحيح صورة حاكم، أعجب به الجمهور الأمريكي لأسباب لا ~~علاقة لها، في الواقع، بشخصه أو مسلكه؛ إن ما يهم أمريكا، شعبا وحكومة وصحافة وإعلاما، ~~هو المصالح، وليس خفة دم هذا الحاكم أو طيبة قلب ذاك، ومن الممكن بالفعل أن يعجب الأمريكيون ~~بحاكم من ms093 أجل هذه الصفات الشخصية، ولكن «بعد» أن يكون هذا الحاكم قد خدم مصالحهم، أما إذا ~~تعارضت سياسته مع المصالح الأمريكية، فعندئذ لن يشفع له في نظرهم أن يكون في خلقه الشخصي ~~قديسا. وهكذا فإن الأمريكيين لا يكونون صورتهم عن أي زعيم على أساس فضائله الداخلية أو ~~الشخصية، أو حتى طريقته السليمة في الحكم، بل على أساس ما يمكن أن يجنوه منه من فوائد، ~~فالسادات كان معبود الأمريكيين، لا لأن شخصيته كانت محببة لديهم؛ بل لأنه حقق لهم أكثر ~~مما كانوا يحلمون في الشرق الأوسط كله، فأخرج السوفييت من أهم بلد عربي، وفتح الأبواب ~~للأسلحة والخبراء الأمريكيين، وأعطى الاستراتيجية الأمريكية قواعد أو ركائز أو تسهيلات ~~(سمها ما شئت، فالحقيقة واحدة)، وجعل محاربة الشيوعية هدفا له الأولوية المطلقة على ~~مكافحة الصهيونية، وتطرف في تحديد المقصود ب «الشيوعية» حتى أدمج فيها كل حركة وطنية تكافح ~~الاستعمار والاستغلال، أما مسألة ما إذا كان حاكما جيدا أو سيئا، وما إذا كان قادرا على ~~حل مشاكل شعبه أم مشاركا في تخريبه، فهذه مسائل لا تهم الأمريكيين كثيرا، وكم من طاغية ~~في أمريكا اللاتينية، مثلا، كانت فضائحه وجرائمه على ألسنة الناس في العالم أجمع، ومع ذلك ~~كان الأمريكيون معجبين به أشد الإعجاب، ويساعدونه بكل طاقتهم في تثبيت حكمه الإرهابي، كما ~~حدث في حالة سوموزا، وباتستا، وما يحدث حاليا في حالة بينوشيت. وأستطيع أن أقول إن هذا ~~ليس الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية وحدها، بل إن الشعب الأمريكي ذاته قد تشكلت عقوله، ~~بحيث يوجه إعجابه بأي حاكم أجنبي في اتجاه مصالحه، لا في اتجاه مصالح البلد الذي يحكمه ~~هذا الحاكم. وهكذا فإن محاولة هيكل أن يفتح عيون الأمريكيين على حقيقة السادات محاولة ~~فاشلة، بل إنها تفترض منذ البداية صفات في الجمهور الأمريكي لا يمكن أن توجد فيه، وهنا لا ~~يملك المرء إلا أن يكرر السؤال الذي بدأنا به هذا المقال: لماذا اختار هيكل الجمهور ~~الأمريكي لكي يوجه إليه حديثه في هذا الكتاب؟ # إن المرء يستطيع أن يقول، باطمئنان، إن ms094 علاقة هيكل بأمريكا علاقة حميمة، خاصة جدا، ~~فمنذ البداية كانت أمريكا هي الموضوع الرئيسي الذي دار حوله الخلاف بينه وبين الأجنحة ~~الناصرية الأخرى، فضلا عن اليسار بطبيعة الحال، وكان إيمان ~~هيكل بقوة أمريكا وتأثيرها ودورها وعدم إمكان تجاهلها، ~~إيمانا راسخا لا يتزعزع، أما الكتابات التي هاجم فيها أمريكا في السنوات الأخيرة من حكم ~~عبد الناصر، فلا تمثل أي اتجاه دائم لديه، وإنما كان هذا الهجوم ضرورة تكتيكية في ظل ~~الظروف السائدة بعد هزيمة 1967م، وما إن استتب الأمر للسادات، حتى عاد الاتجاه الأمريكي ~~للظهور، وكان التحول الذي طرأ على اتجاه السياسة المصرية نحو أمريكا في عام 1972م، والذي ~~دعا إليه هيكل بحماسة بالغة، هو نقطة البدء الحقيقية في التغلغل الأمريكي في المنطقة ~~العربية كلها، وليس اتفاقية فض الاشتباك، كما يؤكد هيكل باستمرار. # ومما يلفت النظر أن هيكل، في كتابه عن السادات وفي أحاديثه الصحفية عن فترة 1973 و1974م، ~~التي تزايدت بصورة ملموسة في الآونة الأخيرة، لم يذكر شيئا عن حصار الجيش الثالث في الضفة ~~الشرقية للقنال، من حيث هو أحد الأسباب الرئيسية للتوقيع على اتفاقية فصل القوات، أو فض ~~الاشتباك، التي بدأ فيها الخلاف يظهر بين السادات وهيكل؛ ذلك لأن الحصار الكامل الذي فرضته ~~إسرائيل على هذا الجيش، كان هو الأساس الأهم للصفقة التي تمت بين السادات وأمريكا؛ إذ تعهدت ~~هذه الأخيرة بأن تحفظ للسادات ماء وجهه، ولا تسمح لإسرائيل بتجويع الجيش الثالث أو بدفعه ~~إلى الاستسلام، وفي مقابل ذلك اعترف السادات لأمريكا بالجميل، لكي يظل قادرا على القول إن ~~جيوشه كانت في الضفة الشرقية حتى نهاية الحرب، ووقع اتفاقية فض الاشتباك الأولى، وهذه ~~جرت الثانية، كما جرت معها مزيدا من النفوذ لأمريكا في المنطقة، فما سبب تجاهل هيكل ~~لهذا العامل الحاسم، على الرغم من أحاديثه المسهبة حول هذه الفترة؟ # لقد تم هذا الحصار وتحقق بمساعدة مباشرة من أمريكا، وكانت الدبابات تنزل من سفن الشحن أو ~~الطائرات الأمريكية إلى ساحة المعركة مباشرة، كما لعبت الأقمار الصناعية ووسائل التجسس ~~الأمريكية دورا ms095 أساسيا في تحديد مكان الثغرة التي أدت آخر الأمر إلى هذا الحصار، وهو ~~موضوع شرحه هيكل بالتفصيل في مقالاته التي كتبها عن هذه الفترة، فما الذي جعله يمتنع عن ~~الخوض في هذا الموضوع الحيوي في كتابه الأخير؟ هل يرجع ذلك إلى أنه لم يشأ أن يقول للجمهور ~~الأمريكي، الذي وجه إليه الكتاب، إن الوضع السيئ الذي وجد فيه الجيش الثالث نفسه كان من ~~صنع أمريكا؟ هل يرجع إلى أنه لم يشأ أن يتحدث عن الصفقة التي يمكن أن تكون قد عقدت بين ~~السادات وأمريكا، بحيث يقايض السادات إنقاذ أمريكا له من الكارثة المحلية والفضيحة الدولية ~~المترتبة على خنق الجيش الثالث وإحكام القبضة على عنقه بالتدريج، مقابل إبداء الاستعداد ~~التام لقبول المطالب الأمريكية؟ إننا هنا ندخل منطقة البحار العميقة، التي تمس صميم ~~الصفقات والاتفاقات السرية، والتي يصعب الكلام عنها إلا عن طريق الاستنتاج، ولكن تسلسل ~~الأحداث جاء كما يلي: أخذت السياسة المصرية تتجه منذ عام 1971م، نحو الميل إلى الطرف ~~الأمريكي والابتعاد عن الطرف السوفييتي، وتقدم هيكل بالنظرية التي تقول بإمكان إيقاف فاعلية ~~أمريكا في مساعدتها لإسرائيل، في ظل ظروف وتوازنات دولية معينة، وطبقت هذه السياسة ~~عمليا ، وكانت أهم خطواتها طرد الخبراء السوفييت بطريقة مدوية، ثم قامت حرب أكتوبر، وكانت ~~لدى أمريكا معرفة كاملة بالطبيعة المحدودة لهذه الحرب، في ضوء اتجاهات السياسة المصرية ~~كلها، وفي ضوء كتابات هيكل الصريحة والواضحة حول هذا الموضوع. ولكن السياسة الجديدة التي ~~كان النبي المبشر بها هو هيكل، أتت بنتائج عكسية تماما؛ فبدلا من «تحييد» أمريكا، قامت ~~أمريكا بأعظم وأسرع عملية إنقاذ في التاريخ، زودت فيها إسرائيل عبر جسر جوي جبار بما ~~يكفيها للصمود في وجه الأداء المصري والسوري الممتاز في الأيام الأولى للحرب، ثم الانتقال ~~إلى الهجوم الذي أسفر، في سوريا، عن تهديد دمشق ذاتها، وفي مصر عن ثغرة أخذت تتسع بالتدريج ~~حتى حاصرت الجيش الثالث كله حصارا كاملا، كان هذا الانقلاب في الميزان العسكري من صنع ~~أمريكا في المحل الأول، وعندما أمسكت بكل الخيوط ms096 في أيديها، بدأت تحركها كما تشاء، وبدلا ~~من أن تتمكن السياسة المصرية من «تحييدها»، أصبح الجيش الثالث وسمعة مصر وهيبة النظام ~~ورجاله رهينة في أيديها، وبدأ مسلسل توقيع الاتفاقات الاستسلامية. # هذا الجانب من الموضوع سكت عنه هيكل تماما وسط الضجيج الهائل الذي أثاره في كتابه ~~الأخير، وفي أحاديثه الصحفية الكثيرة هذه الأيام، حول حرب أكتوبر، فهل كان سكوته شعورا ~~بالحرج من أن تنكشف النتائج المأساوية لدعوته إلى سياسة «التحييد»، أم كان امتناعا عن ~~الغوص في البحار العميقة، التي تهدد من يقترب منها بالغرق؟ # أيا ما كان الجواب، فإن هذه هي المرحلة التي أقام فيها السادات اتصالا وثيقا مباشرا ~~مع الأمريكيين، وفيها يروي هيكل قول السادات لكيسنجر، عندما اجتمع به في بداية محادثات فض ~~الاشتباك الأول، «لماذا لم تأت من قبل؟» وفي رأيي الشخصي أن هذا الاتصال المباشر الذي ~~أقامه السادات مع الأمريكيين منذ ذلك الحين، والذي ازداد توثقا مع الأيام خلال السنوات ~~التالية، كان من الأسباب الرئيسية للجفوة ثم الخلاف بين هيكل والسادات؛ إذ كان السادات قبل ~~هذه الفترة يعتمد كثيرا على هيكل في كل ما يتعلق بالاتصال بالأمريكيين، على أساس الصلات ~~الوثيقة التي كانت تربط هيكل بهم، وعلى أساس ما كان شائعا عنه من أنه يفهم الأمريكيين أكثر ~~من غيره، ولكن منذ أن أقام السادات جسوره المباشرة بنفسه، ومنذ أن فتحت قنوات اتصال واسعة ~~بينه وبينهم، لم يعد في حاجة إلى صلات هيكل أو خبرته الأمريكية، وبدأ يتجه إلى الاستغناء ~~عنه، وفي الوقت ذاته فإن هيكل، عندما شعر بأنه يستبعد بالتدريج، أخذ يوجه انتقاداته إلى ~~سياسة السادات، لا سيما وأن هذا الأخير قد سكر بنشوة الغرام الأمريكي، إلى حد أنه أوقع نفسه ~~في أخطاء لا حصر لها، بينما كان هيكل يعرف جيدا أن أمريكا لا ترتبط طويلا بالعشيق ~~الولهان بحبها أكثر مما يجب، والذي يفصح عن هذا الحب علنا ودون مواربة، أنها سرعان ما تنبذ ~~كل من يفضح غرامه بها؛ لأنها تفضل دائما العلاقات الخفية، المستورة، الشديدة الفعالية، ولا ms097 ~~بأس - حتى - من مهاجمة أمريكا في العلن من آن لآخر، حتى تظل الروابط الخفية قائمة. هذا هو ~~قانون الغرام الأمريكي الذي لم يفهمه السادات، فدفع حياته ثمنا لعدم الفهم. ~~••• # وهنا نصل إلى منطقة أخرى من مناطق البحار العميقة، مر عليها هيكل في كتابه سريعا، ~~وعالجها بطريقة غير متعمقة، مع أنها كانت تستحق وقفة متأنية وتحليلا متعمقا - وأعني ~~بها موضوع مقتل السادات، واحتمال وجود دور لأمريكا فيه، فهيكل قد حرص على تبرئة الأمريكيين ~~من أية شبهة في هذا الحادث، بعد مناقشة موجزة تنم عن رغبته في أن ينفض يديه بسرعة من هذه ~~المسألة الشائكة، في الوقت الذي حرص فيه على أن يتقصى خبايا مسائل أقل أهمية من هذه ~~بكثير. # فحين طرح هيكل النظرية القائلة بوجود مؤامرة أمريكية في قتل السادات، استبعدها بسرعة ~~لثلاثة أسباب تبدو في نظرنا غير مقنعة على الإطلاق. # السبب الأول أن نظام السادات كان أحد الدعائم الرئيسية في سياسة ريجان المعادية للشيوعية ~~في المنطقة، واستطاع التدخل في بعض بؤر المتاعب الأفريقية (متاعب من وجهة نظر أمريكا ~~بالطبع، أما من وجهة نظر العالم الثالث فهذه «المتاعب» هي حركات تحرير وطني)، والسبب الثاني ~~أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل سقوط شاه آخر بعد أقل من سنتين من سقوط الشاه الأصلي ~~في إيران. أما الثالث فهو أن من الصعب تصور وجود تلاق في الفكر أو العمل بين وكالة ~~المخابرات المركزية الأمريكية وبين التنظيمات الإسلامية. # هذه الأسباب لا تكفي على الإطلاق لتبرئة أمريكا من تهمة التآمر على قتل السادات؛ إذ إن ~~محاربة السادات للشيوعية تتوقف على مقدار فاعليته كحاكم، بين شعبه والشعوب العربية الأخرى، ~~أما فقدان السادات لفاعليته بين الشعوب العربية فكان قصة معروفة، بدأت منذ فض الاشتباك ~~الأول، وانتهت إلى قطيعة تامة بعد اتفاقية كامب ديفيد، وهو أمر ينبغي أن تضعه أمريكا في ~~اعتبارها، عندما تحسب مدى فائدته لها كصديق، وأما فاعليته بين شعبه فقد شهد بضياعها كثير من ~~الأمريكيين، ومنهم سفراء في المنطقة نشروا تقارير مشهورة تضمنت نقدا مريرا لسياسة ms098 ~~السادات، وكان الشاهد الأكبر على فقدان السادات فاعليته كصديق ينفع أمريكا في تحقيق سياستها ~~في المنطقة، هو حركة اعتقالات سبتمبر، التي أغضبت الجميع، ولم تترك للسادات صديقا في مصر، ~~بدءا بأقصى اليمين، حتى أقصى اليسار، مرورا بأحزاب المعارضة والسياسيين المخضرمين، فما ~~قيمة هذا الصديق الذي يفقد فاعليته في بلده إلى هذا الحد؟ إن من اللافت للنظر أن حجم ~~الانتقادات التي وجهت إلى أسلوب حكم السادات، بعد اعتقالات سبتمبر، التي سبقت اغتياله بشهر ~~واحد، كان هائلا إلى درجة أدهشت السادات نفسه، فقد ثارت الصحافة الغربية، في أمريكا بوجه ~~خاص، ثورة عارمة على ممارسات السادات غير الديمقراطية، وهو أمر ليس من عادتها أن تقوم به ~~بالنسبة إلى أصدقائها في أمريكا اللاتينية، مثلا، الذين يصفون الألوف من معارضيهم ~~جسديا، دون أن تتحرك الصحافة إلا فيما ندر، وهكذا كان واضحا أن نفس أولئك الذين «صنعوا ~~النجم»، قرروا أن وقت أفوله قد حان. # أما عدم تحمل أمريكا لسقوط شاه آخر بعد أقل من سنتين، فهو حجة لا تقنع أحدا؛ إذ إن ~~أمريكا تستطيع أن تتحمل سقوط ألف شاه ما دامت واثقة من أنها ستجد البديل، ولا ننسى أن ~~الشاه كان يؤكد دائما أن أمريكا هي التي ألقت به بعيدا «كالفأر الميت»، بل إن احتمال ~~اشتراك مخابراتها في التعجيل بموته، قد أثير بقوة في كثير من الأوساط. # تبقى أخيرا مسألة استبعاد وجود تلاق في الفكر أو العمل، بين المخابرات المركزية ~~الأمريكية والتنظيمات الإسلامية، وهذه في الواقع حجة شديدة السذاجة، لا يملك المرء إزاءها ~~إلا أن يقول لهيكل: أنت تعرف خيرا من ذلك! فالمخابرات الأمريكية لن تتلاقى مباشرة بالطبع، ~~في الفكر أو العمل، مع أي تنظيم كذلك الذي قتل السادات، وإنما ستعمل من خلال «وسائط» قريبة ~~من فكر هذا التنظيم وعمله، وما أكثر هذه الوسائط في البلاد الإسلامية، ولا بد أن يكون أسلوب ~~العمل هو الاتصال عن بعد، بحيث لا يشعر المنفذون الأصليون بوجود أي تحريض خارجي على ~~الإطلاق، وتظل دوافعهم الدينية الأصلية هي التي تدفعهم طوال ms099 الوقت، وينبغي أن نلاحظ أن ~~تغلغل أجهزة المخابرات العالمية في الجماعات الشديدة التطرف، يمينا ويسارا، هو أسهل ~~الأمور، وهو حادث بالفعل على نطاق عالمي. وعلى أية حال فإننا هنا ندخل منطقة من أخطر مناطق ~~البحار العميقة، التي ينبغي فيها على شهرزاد أن تسكت عن الكلام المباح، وإلا فلن يدركها ~~الصباح! # إن إبداء رأي قاطع في مثل هذه الأمور، التي هي بطبيعتها شديدة الخفاء، والتي تدبر ~~بإحكام وتكتم بالغ، هو أمر مستحيل، ويكفي أن رئيس جمهورية أمريكيا مشهورا هو جون ~~كنيدي قد اغتيل في ظروف مريبة إلى أقصى حد، وشعر الكثيرون أن أجهزة أمريكية خفية هي التي ~~قتلته، ولكن الموضوع ظل حتى يومنا هذا غامضا، يثير علامات استفهام كبرى، بعد أن قدمت ~~هذه الأجهزة شخصا على أنه القاتل، ثم قتلت هذا القاتل، ثم قتلت قاتل القاتل! إنها أمور لا ~~تتكشف حتى لأدق لجان التحقيق، ولكن «الضحايا» الذين يعرفون أساليب هذه الأجهزة خيرا منا ~~جميعا، لأنهم تعاملوا معها طويلا؛ غالبا ما يفهمون طبيعة ما حدث. فقد أدرك شاه إيران، ~~كما قلنا، أن سلبية قادة جيشه إزاء المظاهرات العارمة في أيامه الأخيرة، لا بد أن تكون ~~راجعة إلى أوامر من أسيادهم الأمريكان، وكانت زوجة السادات وأسرته، كما قال هيكل نفسه، من ~~أقوى المؤيدين لنظرية المؤامرة الأمريكية، ولم يعدلوا عنها لأسباب منطقية، بل لأسباب ~~مصلحية: «فقد وجد أفراد الأسرة أنها (أي النظرية) لا تستطيع أن تصل بهم إلى شيء، بل بالعكس ~~قد تضر مصالحهم مع قوة يعتبرون أنها قادرة على حمايتهم.» # إنها كما قلت موضوعات شديدة التعقيد، يكاد يستحيل كشف وقائع ملموسة تلقي الضوء على ~~خباياها، وكل ما يملكه المرء إزاءها هو أن يستنتج، ويرجح الفرض الذي يفسر أكبر عدد ممكن من ~~الظواهر، وأحسب أن افتراض وجود مؤامرة أمريكية، بالصورة التي عرضناه بها، أقدر من غيره على ~~تفسير أشياء كثيرة، فضلا عن أنه لا يتعارض مع الفرضين الآخرين، أعني وجود مؤامرة داخل ~~الجيش، ووجود تنظيم إسلامي واسع النطاق هو الذي تولى تنفيذ العمليات، فمن ms100 الممكن أن يكون ~~لهذه الجهات الثلاث معا دور في تلك العملية، التي خططت ونفذت بإحكام يفوق الوصف، وهو ~~احتمال لم يعرض له هيكل، في حرصه الشديد على استبعاد الفرض الأمريكي بسرعة. # ولكن، إذا تركنا هذا الميدان الشديد الغموض، المحفوف بالمخاطر، وانتقلنا إلى التحليل ~~السياسي المرتكز على أرض أكثر صلابة، لوجدنا أن أمريكا، إن لم تكن قد خططت لقتل السادات، ~~فإنها حكمت عليه بالإعدام سياسيا، بعد أن استهلكته واستنفدت أغراضها منه. # فبعد أن وقع السادات معاهدة كامب ديفيد، بما فيها من بنود مفصلة، بشأن انسحاب ~~إسرائيل من سيناء والتطبيع معها، وبما فيها من إشارات قليلة شديدة الغموض عن القضية ~~الفلسطينية، وبعد أن ثارت ثائرة العالم العربي على هذه المعاهدة، وقطعت معظم بلاده علاقاتها ~~بنظام السادات، كانت أمريكا تستطيع أن تسلك طريقا من طريقين: # الطريق الأول هو أن تدعم السادات وتضمن مستقبله السياسي، عن طريق إثبات صحة موقفه أمام ~~العالم العربي، ويقتضي هذا الأمر أن تتطور الاتفاقية بحيث تصبح أكثر من مجرد صلح منفرد بين ~~إسرائيل ومصر، أي أن تسير - كما طالب السادات مرارا - في طريق التسوية الشاملة. مثل هذا ~~المسلك سيكون فيه إنقاذ للسادات؛ لأنه رهن مستقبله السياسي، وعلاقاته مع العالم العربي ~~بأسره، على هذا التوقع، ولو سارت أمريكا، ومعها إسرائيل، في هذا الطريق، وحققت للسادات على ~~الأقل جزءا مما يريد، خارج نطاق التسوية المحلية بين مصر وإسرائيل، لاستطاعت أن تعيد إليه ~~مكانته في العالم العربي، ولأمكنها أن تربط كثيرا من البلاد العربية بعجلة الاتفاقية ~~الجديدة. # ولكن هذا الطريق كان ينطوي، من وجهة نظر أمريكا، على عيوب واضحة: إذ إنه يؤدي إلى دفع ~~ثمن باهظ، هو الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة بعد 1967م، وإلى توحيد البلاد ~~العربية في خط سياسي واحد، يقوي جبهتها في المطالبة بالحقوق الفلسطينية، وقد يؤدي في ~~المدى الطويل إلى إنشاء كيان فلسطيني على مستوى معقول، فضلا عما تؤدي إليه التسوية ~~الشاملة، بشروط معقولة، من توفير ضخم للأموال والطاقات العربية في اتجاه التنمية ~~والتعمير. # أما الطريق الثاني، الذي ms101 يرجح أن إسرائيل قد ألحت عليه، واستجابت لها أمريكا بعد أن ~~اقتنعت بأنه أكثر تحقيقا لمصالحهما المشتركة، فهو عدم مجاملة السادات، وعدم بذل أي جهد من ~~أجل إنقاذه من ورطته، ما دام قد أدى مهمته الأساسية، وعدم التنازل لبقية العرب عن شيء، هذا ~~الطريق يتضمن من وجهة النظر الأمريكية-الإسرائيلية، مزايا عديدة: بقاء العالم العربي ممزقا ~~وفي حالة ضعف شديد، والاستفراد بكل دولة بعد الأخرى وعزلها عن الباقين، وإخراج مصر ~~نهائيا من الصراع العربي الإسرائيلي، وضمان حرية الحركة الكاملة لإسرائيل. وهكذا فإن ~~مزايا هذا الطريق أعظم بكثير، من وجهة نظر جبهة الأعداء، من الطريق الآخر. # وكان الثمن الوحيد الذي ينبغي دفعه في حالة اتباع هذا الطريق الثاني، هو التضحية بالسادات ~~... # والآن، تخيل نفسك أيها القارئ أمريكيا مخلصا، حريصا على مصلحة بلدك وعلى ارتباطات هذا ~~البلد بالدولة الصهيونية، التي تحقق له كل أهدافه في المنطقة، فأي الطريقين تختار؟ تهديدك ~~لمصالح بلدك وحلفائك من أجل فرد واحد مخلص لك، أم التضحية بالفرد وبمستقبله، مهما كان ~~إخلاصه، من أجل ضمان مصالحك وزيادة مكاسبك؟ # لقد كان جواز المرور الوحيد لدى السادات أمام العالم العربي، والمبرر الوحيد لتوقيعه ~~المعاهدة، هو أن تستمر قوة الدفع إلى أن تتحقق التسوية الشاملة، ولكن الطرف الآخر - وله كل ~~الحق فيما فعل، من وجهة نظره الخاصة - وجدها فرصة ذهبية لتوريطه، وتركه عاريا في منتصف ~~الطريق، فضمن المكسب وتجنب الخسارة، وهكذا، فمنذ اللحظة التي ساندت فيها أمريكا حليفتها ~~إسرائيل في تعنتها، ومنذ اللحظة التي قررت فيها أمريكا ألا تضغط على إسرائيل إلى الحد الذي ~~يلزمها بالسير قدما نحو التسوية الشاملة؛ منذ هذه اللحظة كانت قد حكمت على السادات ~~بالإعدام. # ولقد أدرك هذه الحقيقة بوضوح تام السفير الأمريكي الأسبق في مصر، لوشيوس باتل، وعبر عنها ~~بكلمات بالغة الدلالة في المقال الذي كتبه في رثاء السادات: «كلما كانت الولايات المتحدة ~~تضغط عليه للدخول في كامب ديفيد، كانت تعرضه للخطر يزداد، فلن نقبل نحن ولا الإسرائيليون ~~نتائج الأخطار التي كنا ندفعه إليها، ولقد كانت الطريقة ms102 الوحيدة التي كان يمكن بواسطتها أن ~~يصبح لاتفاقيات كامب ديفيد معنى في نظر السادات، هي افتراض إمكان التقدم نحو صلح شامل. ~~وكان من الضروري أن تظهر علامات واضحة على أن طريقه هو الصحيح، حتى يحذو العرب الآخرون في ~~الوقت المناسب حذو السادات، وهو أمر كان يقتضي فهما من جانب إسرائيل وضغطا من الولايات ~~المتحدة على الفريقين لتحريك مباحثات الحكم الذاتي وخفض عدد المستوطنات في الضفة الغربية، ~~ولكن بدلا من ذلك، زادت المستوطنات، وأضيفت إهانة ضرب المفاعل في العراق وقصف بيروت، ولم ~~تفعل الولايات المتحدة شيئا. وهكذا أصبح السادات شهيدا لنفسه وللعالم الغربي، ولكن ليس ~~للشرق الأوسط، سواء منه العربي أو الإسرائيلي.» ~~«لقد كانت المجموعة الأمريكية التي شيعت جنازته ضخمة إلى حد لم يعرف له مثيل من قبل، ~~وهكذا فإننا بعد أن خذلناه حيا، قد احتضناه ميتا.» # 1 # في هذه الشهادة المباشرة، يظهر بوضوح أن السادات كان، بالنسبة إلى أمريكا، قد استنفد ~~أغراضه، وأدى ما هو مطلوب منه ثم ترك لمصيره المحتوم، ولم يعد مجديا بعد ذلك أن يحاول ~~استرضاءهم بتصريحات حامية ضد الشيوعية؛ إذ إنهم كانوا قد أداروا له ظهورهم، وعندما زارهم ~~قبل مصرعه بشهرين، كان واضحا أنه لم يعد في نظرهم الزعيم المفضل الذي كان، ومنذ كامب ~~ديفيد، بل منذ زيارة القدس، أدرك أصدقاء أمريكا، الأكثر منه ذكاء والأبعد منه نظرا، أن ~~السفينة غارقة لا محالة، وهكذا قفز منها إسماعيل فهمي، ثم منصور حسن، ثم هيكل، الذي كان على ~~أية حال واعيا بأبعاد الأزمة قبل الجميع، ولو لم يكن القتل الفعلي قد تم بتدبير من ~~أمريكا، لأمكن القول - على أقل تقدير - إن أمريكا هي التي قيدت يدي السادات بالسلاسل، ~~وأمسكت برأسه وشدتها إلى الوراء، ولم يبق إلا السكين التي تذبح. # ومن هنا فإني أرى أن مرور هيكل السريع على مسألة دور أمريكا في مقتل السادات واستبعاده أي ~~فرض يحملها مسئولية ما حدث لصديقها العتيد، هو أمر لا يمكن تفسيره إلا بأحد أمرين: إما ~~أن هيكل يشعر بالخطورة الشديدة لخوض ms103 هذا الموضوع، الذي لا بد أن «أرشيفه» يمتلئ بالوثائق ~~والمعلومات عنه، وإما أنه يريد أن يبعد عن ذهن القارئ أي احتمال لتورط أمريكا، بصورة ~~مباشرة أو غير مباشرة، في هذه العملية. ~~••• # إن المنحى العام لكتابات هيكل، في مراحلها المختلفة، يقنع كل من يتابعها بدقة بأنه كان ~~يرتبط بأمريكا في علاقة حميمة جدا، أما الانتقادات التي يوجهها إليها فإنها الاستثناء ~~الذي يؤكد القاعدة؛ لأن أصدقاء أمريكا، إذا كانوا أذكياء، لا بد أن يهاجموها من آن لآخر، ~~بل إنها هي ذاتها التي تطالبهم بذلك. # وأنا أعرف أن هذا الموضوع يثير حساسية خاصة لدى هيكل؛ ولذلك فإنني سأتبع في إثباتي لما ~~أقول، أكثر الطرق أمانا، وأعني به الاستعانة بما يقول هيكل نفسه. # في أحد المواضع في كتاب «مدافع آية الله» يتحدث هيكل عن وساطة، طلبتها منه أمريكا من أجل ~~حل مشكلة الرهائن الذين كانوا محتجزين في السفارة الأمريكية بطهران، مرة قبل محاولة ~~أمريكا الفاشلة لإنقاذ الرهائن بالقوة الأولى في صحراء تاباز، ومرة أخرى بعد قيام هذه ~~المحاولة وفشلها الذريع. في المرة الأولى سأله هارولد سوندرز، وكيل وزارة الخارجية ~~الأمريكية، عما إذا كان على استعداد لمساعدة الرئيس كارتر، فأجاب هيكل بأنه على استعداد ~~لمساعدة الإيرانيين، ومن الواضح أن السؤال أهم ألف مرة من الجواب، فما الذي يدفع موظفا ~~رسميا أمريكيا إلى أن يسأل صحفيا مرموقا في دولة يوجد بينها وبين أمريكا تضارب ~~شديد في المصالح، عما إذا كان على استعداد لمساعدة رئيس دولته؟ وعلى أي أساس بنى توقعه ~~بإمكان قيام هيكل بهذه الخدمة للرئيس الأمريكي؟ # ولكن الأهم من ذلك هو الوساطة التي طلب إلى هيكل القيام بها، عن طريق رسالة بعثها إليه ~~الأمريكيون، ونص الرسالة، كما كتبها هيكل بنفسه، # 2 # هو: ~~«واتضح أنها عبارة عن اقتراح، القصد منه أن أقوم أنا باستخدامه في محاولة جديدة لمفاتحة ~~السلطات في طهران، وكانوا يأملون أن أوافق على هذه الخطوة، وكانت الوثيقة غريبة بالفعل، ~~ولعل أفضل طريقة لإظهار مدى ابتعاد التفكير الأميركي عن الواقع هو أن أورد الوثيقة ms104 كما ~~هي: # الفكرة هي أن يذهب هيكل إلى إيران، ويقدم إلى بني صدر طريقة تمكن الإيرانيين من استخدام ~~كارثة عملية الإنقاذ؛ لإطلاق سراح الرهائن، وأن يضعوا نهاية لهذه القضية، كما يقوم هيكل ~~بإقناعه أن مثل هذا العمل، فرصة نادرة ليركب موجة قومية إسلامية لتدعيم مركزه، ويمكن ~~تقديم نفس الفكرة إلى الخميني باعتباره مشاركا في نفس الرغبة للتخلص من المشكلة. # ويمكن لهيكل أن يستفيد من النقاط التالية: ~~(أ) # إن نجاح الثورة الإيرانية أمر قد اتضح وتمت البرهنة عليه من جراء الهزيمة ~~المخزية لبعثة الإنقاذ الأمريكية، فلقد بين الله سبحانه وتعالى للعالم، أنه ~~مهما كان العدو جبارا، فإن الحق في جانب المظلومين وفي هذه الحالة ستتاح ~~للجميع فرصة ليشهدوا التسامي الخلقي للجمهورية الإسلامية؛ ولهذا: ~~(ب) # خدمت قضية الرهائن الغرض الذي كانت ترغب فيه إيران، فقد كانت بمثابة الأداة ~~التي أظهرت للعالم، وبشكل مثير، مساوئ حكم الشاه ودعم الحكومة الأمريكية له، ~~إن عجز الحكومة الأمريكية عن القيام بعملية إنقاذ لهو الشهادة الثانية والأخيرة ~~على عدالة أخذ الرهائن، (ولو على سبيل المثال: أدى الفعل الإيراني إلى رد فعل ~~أمريكي، نتج عن فشله تأكيد للرسالة، التي كانت إيران تود أن تنقلها أساسا)؛ ~~لذلك لم يعد هناك أي حاجة للرهائن. ~~(ج) # سيتم الإفراج عن الرهائن؛ لأن إيران لم تكن تنوي أبدا إلحاق الأذى بهم، وهذه ~~اللفتة ستظهر بشكل مثير وواضح مدى سماحة الإسلام ورحمته، وليس هناك شعور ~~بالكراهية تجاه الشعب الأمريكي، وإنما ينصب الكره على الحكومة وحدها (فيطلق ~~سراح الرهائن الآن، وليظهر غباء الأمريكيين ~~وعدم مهارتهم أكثر من ذي قبل ولتنقلهم الطائرات من تاباز نفسها أمام مندوبي ~~الصحف، ولتدون كل ملاحظاتهم الساخرة المستخفة بالولايات المتحدة ... إلخ)، ولتظهر ~~إيران والجمهورية الإسلامية بمظهر المنتصر ذي الأخلاق السامية. ~~(د) # وهكذا يظهر مختطفو الرهائن بمظهر المنتصرين والأبطال القوميين، فهم لم يلحقوا ~~الأذى بأحد، كما أنهم نفذوا تعاليم الإمام، وستقوم الحكومة بمكافأتهم بسخاء، ~~ويعترف الإمام بفضلهم بشكل خاص، قد تكون هذه هي آخر فرصة لقوة المختطفين لترك ~~مجمع السفارة، دون حدوث ms105 ضرر لأحد في إيران. ~~(ه) # يجب أن تعلن إيران نفسها قرار الإفراج، وكأنه حدث درامي يدل على الرحمة ~~والعطف بالرهائن، وهي خطوة اتخذها الخميني بنفسه، وإجراءات الإفراج عن الرهائن ~~ستمنح إيران فرصة هائلة للدعاية، تغطي بها الخمسة أشهر البائسة بمسحة من ~~الأخلاق الحميدة والرحمة، وهكذا تجدد إيران صورة الإسلام، وهذا شيء يسعد كافة ~~المسلمين في العالم، وتهاجم الحكومة الأمريكية مرة أخرى لعدائها للقضايا ~~العادلة، وهذا لا يقلل من معركة إيران مع الحكومة الأمريكية، ولا يمثل أي نوع ~~من المهادنة معها. # انتهت الرسالة. # ولقد تلقيت رسائل أخرى من واشنطن بعد ذلك، لكن حسب معلوماتي التي كانت ترد من طهران، ~~كانت كل خطوط الاتصال مع الأمريكيين قد تداخلت بشكل يبعث على اليأس، فلم يكن لدى ~~الإيرانيين أي فكرة عن المفترض فيه أن يتحدث معهم، ولا حتى عن تلك الإشارات التي كانوا ~~يتلقونها من الأمريكيين وتعبر عن الموقف الأمريكي الحقيقي.» ~~••• # آمل أن تكون، أيها القارئ، قد قرأت هذه الصفحات المنقولة حرفيا بإمعان، فلم يكن ما ~~تطلبه أمريكا هنا من هيكل مجرد وساطة، بل إنهم اختاروه شخصيا للقيام بعملية خداع واستغفال ~~لعقول الإيرانيين، مستغلا مشاعرهم الإسلامية، بحيث يتعامل معهم كما لو كانوا مجموعة من ~~الهنود الحمر البدائيين، الذين يمكن الحصول على كل شيء منهم مقابل عقد من الخرز الملون، ~~وبالطبع فقد تصور هيكل أنه يدافع عن نفسه، حين قال إنه لم يقم بتنفيذ المهمة المطلوبة منه، ~~ولكن هذا، في الواقع، ليس دفاعا على الإطلاق؛ إذ إن المشكلة لا تكمن في التنفيذ أو عدم ~~التنفيذ، وإنما في الطلب ذاته. # المشكلة الكبرى هي أن الأمريكيين «كانوا يأملون أن يوافق على هذه الخطوة.» فعلى أي أساس ~~جاءهم هذا الأمل؟ كيف تصوروا أنه سيقبل الاشتراك في عملية خداع الحكام الإيرانيين ~~ومعاملتهم كأنهم أطفال؟ من أين جاء كل هذا الأمل، وكل هذا «العشم» في هيكل؟ وكيف توقعوا منه ~~أن يتجاوز مهمة الوساطة ويقوم بتمثيلية خداعة على الإيرانيين باسم الإسلام، أي أن يخاطبهم ~~وفي نيته أن يغشهم ويستغل سذاجتهم لصالح ms106 أمريكا؟ وما هو نوع الروابط التي تربطه بهم حتى ~~يطلبوا منه شيئا كهذا؟ # إن هيكل يستطيع أن يقول، بالطبع، إنه ما دام قد نشر الرسالة فلا بد أنه كان حسن النية، ~~ولكن الواقع أنه لا يدرك ما يمكن أن تكشفه رسالة كهذه عن الطريقة التي ينظر بها الأمريكيون ~~إليه، فمن المستحيل أن تطلب أمريكا من إنسان عادي - مهما كانت مكانته - أن يعرض نفسه ~~للأخطار من أجل أداء كل هذه الخدمات لصالحها، وحتى لو كانت أمريكا قد أساءت التقدير، ~~وتصورت خطأ أن هيكل يمكن أن يقوم بهذا كله لحسابها، فإن لهذا الخطأ ذاته دلالته البالغة؛ ~~لأنهم لا يمكن أن يكشفوا أوراقهم على هذا النحو لأي شخص غير ملتصق بهم، ومن جهة أخرى فقد ~~كان المفروض، في حالة خطأ أمريكا، أن يرد عليهم هيكل بشدة، لا معتذرا فقط، بل مستنكرا ~~هذا الطلب بكل قوة، كان المفروض أن يرد عليهم ردا شديد العنف، يقول فيه، مثلا: هل ~~تتصورون أنكم تخاطبون شخصا يشتغل لحسابكم حتى تطلبوا مني شيئا كهذا؟ وكيف تتخيلون أنني ~~سأقوم بعملية خداع واستخفاف بعقول أناس وضعوا ثقتهم في؟ ولكن هيكل لم يفعل ذلك، والدليل ~~على هذا هو أن كل ما انتقده على الأمريكيين، في تعليقه على رسالتهم، هو «ابتعاد تفكيرهم عن ~~الواقع»، والدليل الأهم على أنه لم يستنكر، ولم يوقف الأمريكيين عند حدهم، هو أنهم عادوا ~~فبعثوا إليه برسائل أخرى. # إن هيكل لم يدرك النتائج الخطيرة للكلمات التي قالها، وكل ما طاف بذهنه هو أنه كان في هذه ~~القصة رجلا مهما، يسعى إليه وزير الخارجية الأمريكي ويختاره شخصيا للتوسط بين دولتين، ~~إحداهما أكبر وأقوى دولة في العالم، وفي نشوة الإحساس بالسعادة الناتج عن الشعور بأهميته، ~~لم ينتبه إلى المعاني الواضحة التي يستطيع أي عقل على قدر ضئيل من الذكاء أن يستخلصها من ~~روايته. # وفي ضوء هذه الاعترافات الخطيرة، غير المقصودة، التي أدلى بها هيكل، ألا يشعر المرء ~~بالإشفاق حقا على الإيرانيين الذين فتحوا له أبوابهم، وأطلعوه على أخطر وثائق السفارة ~~الأمريكية، ms107 بعد أن خدعتهم شهرته المرتبطة بجمال عبد الناصر، ثم خرج هو من الزيارة بكتاب ~~تضمن كثيرا من السخرية من الإيرانيين، وربما خرج بما هو أكثر من ذلك؟ # إنني، إدراكا مني لحساسية هذا الموضوع عند هيكل، حرصت على ألا أستخدم نوع الألفاظ الذي ~~يغضبه، ولكن الأهم من ذلك أنني لم آت بشيء من عندي، وكل ما فعلته هو أنني تركت هيكل يدين ~~هيكل. # الفصل العاشر # | من الذي هدم الهيكل؟ # ما نوع ردود الفعل التي يمكن توقعها إزاء بحث هكذا الذي كنت أقوم به طوال الفصول السابقة؟ ~~سأترك جانبا ردود الفعل الإيجابية الممكنة، وأركز حديثي على ردود الفعل السلبية. # إن هناك فئة غير قليلة من القراء تفكر على النحو الآتي: ما دام هيكل قد أساء إلى ~~السادات، وما دام هذا الناقد (كاتب هذه السطور) قد استهدف كشف أخطاء هيكل، إذن فنقده مفيد ~~في الانتقام من هيكل لصالح سياسة السادات. # وهناك فئة أخرى، ربما كانت أكثر عددا، تنظر إلى المسألة بالطريقة العكسية: بما أن هيكل ~~قد فضح عهد السادات، وهو عهد غير وطني، إذن فلا بد من الوقوف إلى جانبه، أما من يهاجم هيكل ~~في الظروف الراهنة فإنه يضعف الجبهة المعادية للسادات، بعد أن كانت قد انتعشت بظهور كتاب ~~هيكل، وواضح أن الأساس الذي يقوم عليه هذا النوع من التفكير هو مبدأ: عدو عدوي صديقي ~~(عدوهم السادات وهيكل عدوه)، وتبعا لهذا المبدأ يكون كاتب هذه السطور، في انتقاده ~~لهيكل، هو في الواقع «عدو عدو عدوهم، أي عدو صديقهم، أي عدوهم!» # ومع اعتذاري للقارئ عن هذه الألغاز اللفظية ~~الأخيرة، فإني أجد في هاتين الطريقتين في الفهم لب الخطأ الذي أحاول منذ البداية أن أقنع ~~القارئ بألا يقع فيه، فموقفي، كما قلت مرارا، منصب على نقد جو فكري عام، وأسلوب ~~كامل في النظر إلى عملية الحكم، وعلاقة الحاكم ~~بالمحكوم، وطريقة اتخاذ القرارات الحاسمة، وهذا الأسلوب أوسع نطاقا من أي فرد تحدثت عنه ~~في هذا الموضع أو ذاك، بحيث لا يمثل هيكل وكتابه الأخير إلا حالة ms108 صارخة، حادة، قريبة ~~العهد، من حالات ظاهرة أقدم وأوسع انتشارا وأقوى رسوخا بكثير. # وإذا كان الساداتيون، الذين ينتمي إليهم أصحاب الرأي الأول، قد قرءوا ما كتبت بإمعان، ~~فسوف يدركون أن نقدي للعهد الساداتي ربما كان أشد حدة من نقد هيكل؛ لأنني أرجعت كثيرا ~~من الظواهر إلى جذورها الحقيقية؛ ومن ثم فإن أية محاولة يبذلونها للإفادة مما كتبت هي، كما ~~قلت في مقالي الأول، مرفوضة من أساسها. # أما أصحاب الرأي الثاني، الذي يضم عناصر من الفئات الناصرية واليسارية والقومية، فإنهم ~~يرتكبون خطأ جسيما حين يستعينون، من أجل دعم موقفهم، بشخصيات مثل هيكل. إن الكثيرين ~~منهم، بالطبع، يصفون موقفي بأنه نوع من المثالية التي تفتقر إلى الحس العملي. إنه بحث عن ~~الصواب المطلق أو الخطأ المطلق، لا يعرف كيف ينتهز الفرص السانحة ويستفيد من أي عنصر - بصرف ~~النظر عن طبيعة هذا العنصر في ذاته - من أجل خدمة قضيته، هذا رد أتوقعه من الكثيرين، بل ~~أتوقع ما هو أشد منه، فمن هؤلاء من سيهاجمني بعنف، مؤكدا أن هيكل الآن يخوض معركة ضد ~~المؤسسة الساداتية كلها، ولا بد من تأييده ومساندته، لا إضعافه ومحاربته. # ولكن هذا المنطق، في رأيي، مرفوض من أساسه ، فالمسألة ليست على الإطلاق مثالية مفرطة في ~~الابتعاد عن الواقع، وإنما هي - على عكس ذلك - موقف واقعي وعملي بكل معاني الكلمة؛ ذلك ~~لأننا لن نستطيع أن نفهم العوامل المؤدية إلى السقوط الذي وصلنا إليه، في كافة جوانب ~~حياتنا، إلا إذا حللنا بدقة أساليب التفكير والممارسة عند أولئك الذين تحكموا في مصائرنا ~~طوال عشرات السنين، وانتقدنا هذه الأساليب دون أية مهادنة. وحالة هيكل تقدم لنا نموذجا ~~بارزا لهذه الأساليب، وإن كان يظل رغم كل شيء مجرد نموذج، لا يهمنا إلا بقدر ما يدل على ~~المناخ السياسي والفكري العام الذي كان ينتمي إليه. # والواقع أنني لا أجد، من منظوري الخاص، أية فائدة ترجى من التحالف مع شخصيات اعتادت ~~التقلب مع عهود الحكم، بحيث لا ندري، إذا كانت تتخذ اليوم خطا وطنيا (سنقدم له تفسيرا ms109 ~~فيما بعد)، وهي أن هيكل أسهم بدور أساسي في إرساء دعائم الاتجاهات التي ينتقدها اليوم على ~~السادات، عندئذ يبدو التحالف معه أمرا محفوفا بالخطر، ويبدو انقلابه الأخير على السادات ~~موقفا لا علاقة له بالمبادئ السياسية، وإنما هو في حقيقته، ومهما أنكر هيكل، انتقام شخصي ~~يلبس رداء الوطنية. # وفي غمرة الغضب الذي اجتاح هيكل، خلال فترة اعتقاله ~~القصيرة الأمد، نسي أشياء كثيرة، ولم يتذكر إلا أنه يريد أن ينتقم، وكان لديه بالطبع مخزون ~~المعلومات الهائل الذي يضمن له انتقاما مدويا، وهكذا تحدث هيكل عن أخطاء السادات، مدعمة ~~بالوثائق التي تفضح أشياء كثيرة وخطيرة، كما لو كان مشاهدا محايدا، ونسي الدور الخاص ~~الذي لعبه في هذه الأخطاء، بل إنه حين تدقق في سرد المعلومات من مخزونه الكبير، نسي أن ~~الكثير مما قاله له دلالات عكسية، ويأتي بنتائج سلبية على الجميع، سواء عليه هو، أو على ~~الحكام الذين عاش في عهدهم، ومرت عليه أشياء خطيرة انزلق إليها دون أن يدرك معانيها، حتى ~~ليشعر المرء - كما سنرى فيما بعد - أن غضبه قد سد عليه منافذ التفكير. # ولو كان هيكل متسقا مع نفسه، لتمالك غضبه وبدأ ~~كتابه بانتقاد نفسه. كان من واجبه تجاه ذاته، وتجاه وطنه، أن يقول: «لقد أيقظتني فترة السجن ~~من غفوة طويلة، كنت على خطأ في كثير من مواقفي طوال الأعوام الثلاثين الماضية، وكان أكبر ~~أخطائي مساندتي القوية للسادات ودعمي لحكمه، وها أنا ذا أكفر عن أخطائي ...» لو كان هيكل ~~قد بدأ بكلمات كهذه، وصاغ كتابه في هذا الإطار، لما تعرض لكلمة نقد واحدة مني أو من غيري، ~~بل لصفقنا له جميعا؛ إذ إنه كان سيقدم إلينا عندئذ عملا رائعا، يكشف الحقائق المخفية، ~~ويلقي - بموضوعية - أضواء باهرة على أخطر مرحلة في التاريخ العربي المعاصر. # ولكن هذه أمنية يستحيل أن تتحقق؛ إذ كيف تنزل الآلهة من عليائها وتعترف بأخطائها؟ إن هيكل ~~يرى نفسه أرفع حتى من الرد على منتقديه، فكيف نتوقع منه نقدا ذاتيا شاملا؟ على رسله ~~إذن، وليتحمل نتيجة موقفه. # لقد كانت ms110 لدى هيكل حاسة سياسية مرهفة، جعلته يتخذ حتى النهاية موقف المحامي عن عبد ~~الناصر، وبدرجة أقل، عن عصر عبد الناصر، رغم أنه شارك بدور رئيسي في بذل الجهد الضخم الذي ~~أدى إلى القضاء على أهم مقومات العهد الناصري في 15 مايو، وكان من دعامات التحول الحاسم ~~الذي كان لا بد أن يفضي في النهاية إلى انهيار سياسة الحياد الإيجابي، وإلى الانحياز ~~لأمريكا، بكل ما يعنيه ذلك من انضمام إلى صف أعداء الشعوب ومكافحي التحرر الوطني، ومن تصالح ~~وتطبيع مع إسرائيل، ومن سيطرة للطبقات الطفيلية والبنوك الأجنبية. وإذا كان هيكل قد انتقد ~~هذه النتائج كلها بشدة في الآونة الأخيرة، فإن دعمه الحاسم للسادات، الذي كان هيكل يعرف ~~جيدا ميوله واتجاهاته واتصالاته، كان لا بد أن يؤدي إلى نتائج كهذه في المدى ~~البعيد. # ولقد أتاحت هذه الحاسة السياسية المرهفة ذاتها لهيكل، أن يقفز من مركب السادات في الوقت ~~المناسب، ويدخل من أجل ذلك السجن فترة قصيرة، وكان دخوله السجن في الواقع أكبر «ضربة حظ» ~~نالها في السنوات الأخيرة؛ فعندما أصدر «خريف الغضب»، استطاع أن يكتسب لنفسه تأييد كل ~~الساخطين على عصر الانفتاح، ولصوص التموين والارتماء في أحضان بيجن، وتوصيل ماء النيل إلى ~~القدس، وبيع آثار مصر ومواقعها التاريخية. تحول هذا كله إلى رصيد لصالح هيكل، واعترف هو ~~نفسه بذلك حين قال في الفصل الأول من كتابه، معلقا على مهاجمة السادات له: «حين يجعل رئيس ~~الدولة من أحد مواطنيه هدفا دائما لمهاجمته، فهو بذلك يرفع من قدره ولا ينتقص منه، ~~وبالتالي فلعلي لا أتجاوز إذا قلت إنني على نحو ما مدين للرئيس السادات بما أضافه - دون أن ~~يقصد - إلى قيمتي في الساحة الوطنية والساحة الدولية على السواء.» وبصرف النظر عما يمكن ~~ملاحظته بسهولة من أن تضخيم الذات واضح في هذا الكلام، فإن الحقيقة الواقعة هي أن هيكل قد ~~أصبح في نظر الكثيرين «بطلا» وطنيا، وأخذ الوطنيون الشرفاء يتبنون قضيته، إما عن ~~كراهية للسادات تحتم التصفيق بلا تفكير لكل من يهاجمه، وإما عن عجز ms111 عن الربط بين حلقات ~~التاريخ، وفي المقابل، فإن خصومه من الساداتيين أخذوا يهاجمونه بعنف؛ مما جلب له مزيدا من ~~الشعبية ... وحين اتخذت الحكومة بعض الإجراءات القمعية، بإصدار تشريع استثنائي آخر يمنع أي ~~«مسئول» من الإفشاء بأسرار كان مطلعا عليها، تحول هيكل، الذي طالما برر الحكم الفردي ~~وصاغ له النظريات البارعة، إلى شهيد لحرية الرأي والديمقراطية المهدرة. # إن قصة هيكل مع الحرية والديمقراطية قصة طويلة، ليس هنا مجال الكتابة عنها، وكل ما نود ~~أن نفعله هو أن نركز انتباه القارئ على جوانب معينة من الانتقادات التي وجهها، مؤخرا، ~~إلى السادات، والتي وقف فيها يدافع بقوة عن هذه المبادئ السامية، ثم نسأل أنفسنا: هل كان ~~هيكل، في انتقاداته الأخيرة، يدين السادات وحده، أم يدين نفسه أيضا، ويدين كل المناخ ~~السياسي الذي كان يعمل فيه؟ # يتحدث هيكل في الفصل الخامس من كتابه عن الهدايا التي كان السادات يتلقاها فيقول: «وخلال ~~سنوات عمله في المؤتمر الإسلامي، كان السادات يتلقى الكثير من الهدايا، في عالم يؤمن ~~بالهدايا كوسيلة من وسائل توثيق الصلات.» فإذا تساءلنا: أي عالم كان يقصد؟ أتانا الجواب ~~سريعا: «لكن الحق يقال إنه كان كريما في تقديم الهدايا قدر كرم الآخرين في تقديمها له، ~~لقد قدم أنور السادات في تلك الفترة أكثر من سيارة «كاديلاك» كهدايا لعبد الحكيم عامر.» إذن ~~فالمقصود عالم أقطاب ثورة 23 يوليو، أولئك الثوار الذين استهدفوا تطهير مصر من «فساد» ~~الأحزاب القديمة، والذين يهدي أحدهم إلى الآخر بعضا مما أنعم الله به عليه، هو مجرد ~~«سيارات» كاديلاك تقدم إلى الرجل الثاني بين الثوريين، الذي وصفه هيكل في الموضع نفسه ~~بأنه: «كان في نفس الوقت أقرب أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى قلب جمال عبد الناصر.» # حسنا، إن مثل هذه الأشياء تحدث في أحسن «الثورات»، ولكن ألم تكن هذه الواقعة تستحق من ~~هيكل تعليقا على النظام الذي سمح بهذا، وجعل من الهدايا وسيلة لتوثيق الصلات، هل هذه هي ~~الدروس التي يقدمها فلاسفة الثورة للأجيال الجديدة؟ # ينتقد هيكل العهد الساداتي على كثير ms112 من ممارساته اللاديمقراطية، وهو قطعا على حق في هذا ~~النقد، ولكنه لا يقدم إشارة واحدة إلى الإطار التاريخي الذي ظهرت في ظله هذه الممارسات، ~~ويصورها كما لو كانت قد ابتدعت في عهد السادات. # فهو يعيب على السادات إصداره تشريعا يمنع الذين «أفسدوا الحياة السياسية قبل الثورة أو ~~بعدها» من النشاط السياسي، وينسى أن تشريعات كهذه كانت تصدر من آن لآخر طوال عهد الثورة، ~~كان أولها ما صدر في عام 1953م تمهيدا لحل الأحزاب. وهكذا فإن تشريع السادات حلقة في ~~سلسلة طويلة من الإجراءات القمعية ضد التجربة الحزبية في مصر، ولم يكن السادات في إجرائه ~~هذا إلا ابنا مخلصا للتراث الذي تربى سياسيا في ظله. وما دام هيكل قد وجد في التشريع ~~الساداتي إجراء تعسفيا - وهو بالفعل كذلك - فلماذا سكت عن الإجراءات المماثلة السابقة، ~~بل لماذا أيدها ودعمها بتنظيراته؟ هنا نرى هيكل واحدا ضمن سلسلة طويلة من رجال الثورة ~~الذين كانوا يؤيدون الدكتاتورية وهم في الحكم، ثم يتحولون بقدرة قادر إلى ديمقراطيين ~~متحمسين عندما يتم استبعادهم، من أمثال البغدادي وكمال الدين حسين وهويدي ... إلخ. # وهو يسخر من تلاعب السادات في الدستور، وتعديل المادة الخاصة برئاسة الجمهورية، بحيث ~~تتجدد مدة الرئاسة إلى ما لا نهاية! هل كانت هذه هي المرة الأولى التي حدث فيها ذلك؟ # بل إنه يلاحظ في الفصول الأخيرة، عن حق، أن السادات كان لديه دستور لا بأس به، ولكنه لم ~~يكن يتقيد به ... ألم تكن هذه فرصة لنقد مبدأ التلاعب بالدستور بوجه عام، ولإعطاء القارئ ~~درسا في أهمية الدساتير ووجوب احترامها في كل العهود؟ # وحين يسخر هيكل من استفتاءات السادات، التي كانت نتائجها مضمونة مقدما، والتي كان يلجأ ~~إليها لإضفاء صبغة قانونية زائفة على إجراءات أو تشريعات مخالفة بطبيعتها لروح القانون ~~والدستور؛ فهل كان هيكل يهاجم مبدأ الاستفتاء ذاته، أم كان يهاجمه فقط عندما طبقه خصمه ~~السياسي؟ ألم يكن الاستفتاء مبدأ معمولا به قبل عهد السادات بوقت غير قصير؟ # ومما يلفت النظر أن هيكل قد انتقد بشدة، في كتابه ms113 الأخير، طبيعة التنظيمات السياسية غير ~~الشعبية التي تخلقها السلطة لدعم مركزها، ويشير إلى ~~عيوبها بقوله: «لم تكن لدى حزب مصر - على سبيل المثال - ~~ولا الحزب الوطني بعده، من القوة السياسية إلا ما أسبغه النظام بالسلطة عليهم ليكونوا ~~واجهات يتستر وراءها الفعل الحقيقي، وكان أكثر من نصف أعضاء مجلس الشعب من هؤلاء الذين ~~غيروا آراءهم مع تغيير الحكومة لسياساتها، كانوا اشتراكيين في الوقت الذي كان من الحكمة فيه ~~أن يكونوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي العربي، وأصبحوا رأسماليين عندما انفتحت الأبواب لرأس ~~المال الأجنبي، وكانوا أصدقاء للاتحاد السوفييتي حين كان ذلك ملائما، ثم انتقلوا بسرعة - ~~حين تغيرت الظروف - إلى الصداقة مع الولايات المتحدة، وكانوا دعاة الحرب مع إسرائيل، وبعد ~~المبادرة أصبحوا كلهم من دعاة السلام.» # هذا تشخيص سليم بغير شك، ولكن هل ينطبق على أعضاء حزب مصر والحزب الوطني وحدهم؟ ألم ~~ينتقل عدد كبير من الأعضاء قبل ذلك، من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي إلى الاتحاد ~~الاشتراكي، رغم اختلاف المبادئ والأسس في كل حالة؟ ألم يكونوا بدورهم رأسماليين في البداية، ~~ثم أعلنوا ولاءهم للاشتراكية حين أصبحت سياسة رسمية؟ إن جوهر نقد هيكل كان ينبغي أن ينصب ~~على أسلوب الحكم الذي يفرض تنظيما شعبيا مقلوبا، يسير نشاطه من القمة إلى القاعدة، على ~~حين أن التنظيمات، لكي تكون شعبية بحق، لا بد لها أن تبدأ بالقاعدة وتنقل رغباتها ومطالبها ~~إلى القمة، ومثل هذا الأسلوب لم يبدأ فجأة في عهد السادات، بل كانت له مقدمات ~~طويلة. # أما الحديث عن أولئك الذين كانوا أصدقاء للاتحاد السوفييتي حين كان ذلك ملائما، ثم ~~انتقلوا عندما تغيرت الظروف إلى الصداقة مع الأمريكان، فإنه حديث جريء حقا، وخاصة حين ~~يصدر عن هيكل، وأرجح أنه كتب هذا الجزء وهو جالس أمام المرآة! # وحين وصف هيكل عملية اعتقاله وصفا دراميا مفصلا، كان يتحدث في الواقع عن نقطة هامة ~~في حياته، جعلته يتخذ قراره بأن يتكلم، والأمر المذهل حقا هو أن هذا الاعتقال المخفف ~~جدا، سواء من حيث مدته أو أسلوب معاملته في ms114 السجن، لم يكن مما يمكن مقارنته على الإطلاق ~~بما حدث لألوف الأشخاص من قبل، ممن ذاقوا أشد الأهوال لمدد أطول كثيرا، وفي ظروف أصعب ~~ألف مرة، ومع ذلك فإن هيكل يصور حادثة اعتقاله كما لو كانت شيئا فريدا في نوعه، ولم يحاول ~~أن يعالجها، ولو في سطر واحد، بوصفها ظاهرة عامة ونتيجة ضرورية لأسلوب معين في ~~الحكم. # وواقع الأمر أن هيكل لم ينطق بحرف حين كانت الاعتقالات تحدث جزافيا، وتنتهي في حالات ~~معينة بعاهات مستديمة للمعتقلين، وربما موتهم، لم يحركه امتهان كرامة الإنسان أو لجوء فئة ~~معروفة من السجانين إلى ممارسات غير آدمية، وكل ما دافع به عن نفسه أنه هو الذي صاغ عبارة ~~«زوار الفجر» ... ومتى؟ عندما كان الانهيار قد حدث، وكان النظام في حاجة إلى ما يهدئ مشاعر ~~الشعب المجروح بالهزيمة عن طريق ممارسة محدودة للنقد الذاتي، أما في ذروة أيام القمع فلم ~~يحرك ساكنا. # ويقدم إلينا هيكل أوصافا وتفاصيل طريفة عن إحساس السادات بالعظمة، وبأن الآخرين إلى ~~جواره «أقزام»، وعن عزلته المتزايدة وتناقص عدد مستشاريه يوما بعد يوم، ولكنه يصف هذه ~~الظاهرة كما لو كانت عيبا شخصيا في السادات، ولو تعمق في الأمر قليلا لأدرك أن أسلوب ~~الحكم الفردي لا بد أن يؤدي إلى هذا النوع من جنون العظمة، فحين يمسك فرد واحد، لمدة ~~سنوات عديدة، بسلطات هائلة في يديه، وحين يسمع كلمات الموافقة والطاعة من كل المحيطين به، ~~وحين تملأ صوره وأخباره وكلماته أجهزة الإعلام صباح مساء، وحين تتحول أية رغبة له إلى واقع ~~فعلي بمجرد أن ينطق بها، وتتقرر المصائر والسياسات بكلمات من قلمه ... حين يحدث ذلك كله ~~لفرد واحد، لا بد أن ينتهي تكوينه النفسي إلى عدم التوازن. وكم ألفت كتب عن هذه الظاهرة ~~في حالة عدد كبير من الحكام الفرديين، ومع ذلك فإن هيكل يقدمها إلينا كما لو كانت تعبيرا ~~عن اختلال في شخص السادات نفسه، ويتجاهل الجانب العام للظاهرة، الذي يجعلها نتيجة ضرورية ~~لانفراد إنسان واحد بعدد هائل من السلطات. # إن القضية ms115 ليست قضية السادات وحده، ولا عبد الناصر وحده، بل قضية أسلوب الحكم الذي لا ~~يستند إلى تمثيل شعبي حقيقي؛ ذلك الأسلوب الذي أدركه هيكل في حالة السادات، ولم يدركه ~~قبل ذلك، والأمر المؤسف هو أنه كان واعيا به؛ إذ كان هو الذي نصح السادات، بعد انتصاره في ~~حركة التصحيح، بأن يحدث الناس في خطابه إلى مجلس الأمة عن قضية الديمقراطية؛ لأنها هي ~~«القضية التي تهم الناس مباشرة في هذه الظروف. إن الناس يريدون أن يسمعوه وهو يؤكد لهم ~~ضمانات حرياتهم. لقد أفلتوا بالكاد من شبح دكتاتورية كان يمكن أن تصل في تجاوزاتها إلى حد بعيد.» # 1 # إذن فقد كان هيكل يعلم أن الناس تواقة إلى الديمقراطية، وأن الجناح الذي هزم، ~~والذي هو الملتصق بعبد الناصر والمنفذ لسياسته، كان دكتاتوريا، فهل حاول في ذلك الحين أن ~~يدافع عن المبدأ الذي تحول الآن إلى داعية له، أم أن الديمقراطية لا تجد من ينادي بها إلا ~~حين يكون الحاكم في موقع الضعف، بينما تسحق بالأقدام بمجرد إحساسه بالقوة؟ # إن هيكل على العكس من ذلك، طلع علينا - خلال فترات الشعور بالقوة - بنظرية «الديمقراطية ~~بالموافقة»، ويعني بها أن يكون الحاكم على وعي بمطالب الجماهير وأمانيها، فيحققها لها ، ~~وعندئذ لا بد أن يكون تصرفه ديمقراطيا؛ لأن الجماهير ستوافق حتما عليه؛ ولأنه تعبير ~~صادق عما تريده الجماهير. ويدافع هيكل، في حديث قريب، عن هذه الفكرة، مؤكدا أنه لم يقل ~~بها إلا بعد أن اتخذت القرارات الكبرى المعبرة عن موافقة الشعب، كتأميم قناة السويس ~~والتطبيق الاشتراكي وبناء السد العالي ... إلخ. ولم يدرك هيكل أنه حتى هذه القرارات الكبرى ~~ينبغي أن تستند قبل اتخاذها لا بعده، إلى إرادة شعبية، أما لو اقتصر الأمر على اتخاذها من ~~أعلى، فستظل معرضة للخطر، وهذه بالفعل كانت الغلطة الكبرى للعهد الناصري؛ فقد اتخذ بالفعل ~~قرارات كبرى وحاسمة، ولكنها لم تنبثق عن الشعب وإنما أتت من أعلى، وظلت معتمدة على بقاء ~~الزعيم الذي أوجدها، فلما اختفى، انهارت بعده وكأنها بيت من ورق. # وهكذا كانت ms116 نظرية «الديمقراطية بالموافقة» بدعة هيكلية، ينكرها أي حس ديمقراطي سليم، بل ~~إننا لا نعدو الصواب إذا قلنا إنها سلاح ذو حدين؛ إذ إن السادات كان يؤكد، من جانبه أن ~~«99,9٪ من شعبي يؤيدني في زيارة القدس، وفي الصلح والتطبيع مع إسرائيل، ولا يعارضني في ذلك ~~إلا مجموعة من الأرذال! ...» أترون إلى أين يمكن أن تؤدي بالشعب أفكار خطيرة كالديمقراطية ~~بالموافقة؟ # إن الحكم الفردي، حتى لو بلغت إنجازاته عنان السماء، يظل معرضا للوقوع على الدوام في ~~كوارث، وما كانت كارثة 1967م - التي لم يعرض لها هيكل في كتابه إلا بطريقة سريعة وفي مساحة ~~تقل بكثير عما خصصه للحديث عن مسكن السادات أو زوجات أبيه - ما كانت في حجمها وفي ~~فداحتها إلا نتاجا للحكم الفردي. والواقع أن مشكلة هذا الأسلوب في الحكم هي أن خطأ الفرد ~~فيه يمتد إلى أمته بأسرها، على حين أن تأثير الخطأ في الحكم الديمقراطي يكون أضيق نطاقا ~~بكثير، فضلا عن أن احتمالاته أقل، وإمكانية إصلاحه أكبر، ومن هذا النوع كان خطأ عبد الناصر ~~في التقدير عام 1967م، وخطأ السادات في أسلوب التفاوض بعد حرب 1973م، وزيارته للقدس عام ~~1977م، إنها كلها قرارت فردية لحاكم فرد، معرض كسائر البشر للخطأ، ولكن خطأ يتحول، بسبب ~~طبيعة حكمه، إلى كارثة. # وتلك كلها مسائل لم يحاول هيكل أن يتطرق لها، بل عرض في الفصل الأخير من كتابه لأخطاء ~~السادات كشخص، ولم يتناول أسلوب الحكم الذي كان السادات أحد مظاهره؛ ومن هنا شاع التفاؤل في ~~صفحات الكتاب الأخيرة، ما دامت الشخصية «الشريرة» قد اختفت، وحلت محلها شخصية ذات مزاج ~~مختلف. ~~••• # والآن فلقد كنت طوال حديثي السابق أتحدث بلسان المفكر السياسي أو الاجتماعي، ومع ذلك فإني ~~لا أستطيع أن أقاوم إغراء العودة، في نهاية هذا الحديث الطويل، إلى ممارسة مهنتي الأصلية: ~~الفلسفة! فحين تأملت مواقف هيكل وأساليب تفكيره، توصلت إلى مجموعة من النقاط، أستطيع أن ~~أطلق عليها اسم «مبادئ الفلسفة الهيكلية»، فما هي هذه المبادئ؟ # المبدأ الأول: في البدء كان النسيان # إن المتأمل ms117 لتقلبات هيكل وتغير مواقفه، يستطيع أن يدرك بوضوح أن النسيان أساس ~~ضروري، يعتمد عليه هذا النوع من المفكرين، من أجل إقناع الناس بآرائهم، ولقد ضربنا ~~أمثلة واضحة، بل صارخة، لتحولات جذرية طرأت على مواقف هيكل من القضايا المصيرية للأمة ~~العربية في ثلاث سنوات متعاقبة: 1970، 1971، 1972م، بحيث بدأ هذه السنوات بموقف ~~راديكالي متشدد، وانتهى - بعد تدرج مرسوم بعناية - إلى موقف شديد الاعتدال، ~~وانعكس اتجاه تأييده المعلن، من الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة، واختلف تصوره ~~للحرب المنتظرة ... إلخ. مثل هذه التحولات الجذرية لا يمكن أن يجرؤ أحد على تقديمها إلى ~~الناس في سنوات متعاقبة كهذه، إلا إذا كان واثقا من أن الناس سرعان ما ينسون، وإنك ~~إذا كررت موقفك الجديد وألححت عليه بما فيه الكفاية، فلن يعود في ذهنهم سواه، ولن ~~يحاسبك أحد على ما قلت من قبل. # إنها عقلية تحتقر ذكاء الجماهير، وتفترض أنها تعيش، وتفكر، يوما بيوم، وتتصور أن كل ~~ما يحتاج إليه السياسي هو أن يكرر الأكذوبة لكي تصبح حقيقة، ولو تصور أحد أن الكاتب ~~نفسه هو الذي ينسى مواقفه السابقة، وليس الجمهور، لكان في ذلك مخطئا أشد الخطأ، فمثل ~~هؤلاء الكتاب، ومعهم الحكام الذين يعملون هم لحسابهم، يتذكرون كل شيء، ولكنهم يؤمنون ~~بأنهم هم وحدهم الأذكياء ، ويسلمون تسليما كاملا بغباء الآخرين، وفي ضوء هذا المبدأ ~~نستطيع أن نفسر جرأة هيكل على اتخاذ عدد كبير من المواقف، التي كانت متعارضة فيما ~~بينها تعارضا شديدا؛ إذ بدأ برفض التجربة الحزبية، وأيد عبد الناصر بكل قوة ولم يقل ~~شيئا عن ممارساته القمعية، ثم شارك في تحطيم أقرب أعوان عبد الناصر، ومهد الطريق بكل ~~ما يملك من قوة لعهد هدم كل الأسس التي قامت عليها سياسة عبد الناصر، وساند حياد عبد ~~الناصر الإيجابي، وتوجهه بالتالي نحو السوفييت، ثم توجه السادات نحو أمريكا، ثم عاد ~~أخيرا يتباكى على أيام التوازن الاستراتيجي بين السوفييت والأمريكان، ومشى مهللا ~~ومصفقا في جنازة الديمقراطية في النصف الأول من الخمسينيات، وشارك في تحديد وتبرير ~~الاتجاهات الرئيسية للحكم الفردي، ms118 ثم بكى لوعة على الديمقراطية الضائعة في آخر عهد ~~السادات، ورفع السادات في أول عهده إلى عنان السماء، ثم اتضح لنا أخيرا أنه كان يعرف ~~عن طفولة السادات وشبابه وكهولته معلومات مشينة مخجلة ... # أكان في استطاعة أي إنسان أن يتقلب بين هذه المواقف لو لم يكن يرتكز على مبدأ ~~سياسي، هو أن الإنسان حيوان ناس، وأن فقدان الذاكرة صفة مشتركة بين جميع البشر، وأن ~~عقول الناس تعمل يوما بيوم، ولا تربط الماضي بالحاضر، أو الأمس باليوم، وإنه هو وحده ~~الذكي، «الفهلوي»، الذي يستطيع أن يغير مواقفه دون أن يتنبه لذلك أحد؟ # المبدأ الثاني: ديمقراطية «أنا وحدي» # في حديث قريب العهد لهيكل، # 2 # يتحدث ببطولة عن موقف حازم، وقفه ضد وزير طالبه بأن يعرض مقالاته على ~~الرقابة قبل ثلاثة أيام من نشرها، فرفض هيكل بشدة، وأرسل إليه يقول: «إنني لا أستطيع أن ~~أكتب وفي ضميري أن ورائي من سوف يجري بقلمه على ما أكتب ...» ثم يقول: «إنني لم أكتب ~~بانتظام، وتحت عنوان: بصراحة، إلا بناء على اتفاق مع الرئيس عبد الناصر ألا يخضع شيء ~~مما أكتبه للرقابة.» # موقف رائع، بطولي، أليس كذلك؟ ومع ذلك فإن دلالات هذا الموقف محزنة ومؤسفة، والمؤلم ~~حقا أن هيكل يتحدث عن هذا الموقف في معرض التفاخر، ودون أن يلمح من ورائه شيئا آخر. ~~إن هيكل هنا يجعل نفسه فئة قائمة بذاتها، فئة مستثناة، فجميع الكتاب الآخرين يخضعون ~~للرقابة، أما هو فقد اتفق مع عبد الناصر على أن يكتب بلا رقيب، وأعجب ما في الأمر أنه ~~على وعي بالاختناق الذي يصيب الكاتب من جراء الرقابة، ويدرك بوضوح كيف أن قلم ~~الرقيب يشل ضمير الكاتب، ومع ذلك فإنه لم يحاول أن يعالج القضية بالنسبة إلى الجميع، ~~أو يكتب إلى المسئولين منتقدا «مبدأ» الرقابة، وإنما كتب يقول: لا بد أن أنال حريتي ... ~~أنا وحدي! وتكتمل المأساة حين يصور هذا الموقف كما لو كان بطولة عظيمة، وتنشره الصحيفة ~~المعارضة دون أن تعلق عليه أو تستخلص دلالاته. # ولقد أثبت هيكل في ms119 مواقف أخرى كثيرة، أنه يقف بحزم ضد التصرفات الاستبدادية، عندما ~~تمسه شخصيا، أو تمس المقربين منه، ويتمسك «بالإعفاء الشخصي» من تجاوزات الحكام، ~~ولكنه لا يحاول الدفاع عن «المبدأ» نفسه، أو أن «يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» كما تقول ~~النصيحة المشهورة. فحقوق الآخرين لا أهمية لها ما دام حقه الخاص مكفولا، وإذا حلت ~~مشكلته الشخصية، مع أجهزة قمع الحريات، فإن كل شيء يصبح على ما يرام ... هذا، في نظر ~~هيكل، هو الوضع الطبيعي، أما ما يتجاوز ذلك فلا يهمه في شيء. # هكذا تصرف هيكل في واقعة أخرى ورد ذكرها في مقال سابق، هي واقعة اعتقال أجهزة عبد ~~الناصر لزميل له في «الأهرام»، فقد ثار ثورة فردية؛ لأن الموضوع مس كرامته وسلامة ~~المقربين منه، أما المبدأ العام؛ مبدأ عدم جواز اعتقال البشر بلا سبب، وبلا محاكمة، فلم ~~يتطرق إليه من قريب أو بعيد. # ومثل هذا ينطبق على موقفه من اعتقاله في آخر أيام السادات؛ فقد تحدث عن «محنته» ~~الشخصية ولم يذكره السجن بألوف الضحايا الذين سجنوا قبله في «جرائم» الرأي أو ~~العقيدة، فلم يقل كلمة واحدة عن مساوئ الاعتقال بوجه عام، ولم يسهم برأي واحد من أجل ~~ضمان الحريات الشخصية للجميع على حد سواء. # وعلى العكس من ذلك، فإن هيكل اكتسب جزءا كبيرا من مجده، بفضل هذه الديمقراطية التي ~~كان يتمتع بها وحده، في الوقت الذي يختنق فيه الآخرون، وكم من آراء كان يعرضها، طوال ~~الوقت الذي كان فيه هو وحده المتحرر من الرقابة، كان من الممكن نقدها وتفنيدها وهدمها ~~بسهولة تامة، لو أتيحت فرصة مماثلة للكتاب المعارضين! وكم من «نظرية» جادت بها ~~قريحته، أو «تبرير» من نتاج عبقريته، كان من الممكن ~~إثبات تفاهته بيسر، لو كان الناس قادرين ~~على المناقشة الحرة! غير أنه ظل وحده في الميدان، مستمتعا بانتصاره على خصم مغلول ~~الأيدي، وظل يغزو عقول الناس صباح كل جمعة، دون منافس أو معترض. والحق أن أي مفكر ~~حقيقي يستحيل أن يقبل لنفسه هذا الاحتكار الفكري، أو أن يخطو خطوة واحدة ms120 في حلبة هذا ~~الصراع غير المتكافئ؛ فهو لا يرضى لنفسه بأن يعلو صوته، بينما الأصوات الأخرى مكتومة، ~~أو بأن يتفلسف شاهرا سيفه على أفواه مكممة وألسنة مربوطة. ومجرد قبول هيكل بهذا ~~الوضع، وإصراره على أن يحقق لنفسه، هو وحده، مثل هذه الحقوق الديمقراطية، يدل على أنه ~~في صميمه بعيد كل البعد عن الديمقراطية. # أيريد القارئ مثلا آخر، قبل أن ننتقل إلى النقطة التالية؟ إن هيكل يشير، في الفصل ~~الخامس، وفي معرض التفاخر كما هي العادة، إلى أن عبد الناصر كان يبدأ دائما بسؤاله عن ~~رأيه في الموضوع الذي يناقش؛ لأنه كان يتكلم بغير حرج، «وكان يشك في أن بعض الآخرين ~~عادة، يحومون حول الموضوع حتى يتعرفوا على رأيه (رأي عبد الناصر) فيه، ثم يسبقوه إلى ~~ما يتصورون أنه يريده.» # هذه هي النتيجة المأساوية للدكتاتورية: الخوف، النفاق، تملق الزعيم والاستجابة ~~لرغباته بدلا من تحقيق مصلحة المجتمع، الامتناع عن المعارضة، وفي مقابل ذلك، شجاعة ~~المتكلم الأوحد، الذي يستطيع هو وحده أن يتكلم «بغير حرج»، هل هذا أسلوب في الحكم يمكن ~~أن يقيم ثورة أو يبني مستقبلا أو يكون رجالا؟ # ومع ذلك فإن الموضوع يمر على هيكل، كما هي العادة، دون أن يتنبه إلى أن ما يعتقد أنه ~~سبب للفخر، هو في الحقيقة أمر مؤسف ومخجل، فهل من تعليل لعدم التنبه الدائم هذا؟ إنه ~~بالقطع ليس نقصا في القدرة على الفهم والتحليل، وإنما هو ببساطة، اعتياد على العيش في ~~جو الحكم الفردي والاستمتاع بمزاياه الشخصية، يؤدي في النهاية إلى أن تصبح أكثر جوانب ~~السلوك بشاعة؛ أمورا عادية، مألوفة، ليس فيها أي خطأ ... # المبدأ الثالث: الوطنية بأثر رجعي # أسهل أنواع الكفاح وأقلها تكلفة هو أن تكافح بعد فوات الأوان، بينما تظل متفرجا، ~~أو تتواطأ، عندما تكون الأحداث ساخنة، يمكن التأثير عليها وتغييرها إلى الأفضل، فبهذا ~~اللون من الكفاح بعد فوات الأوان، تبدو أمام الناس وطنيا، مع أنك لم تفعل ~~شيئا. # وفي حالة هيكل لم يقتصر الأمر على الكفاح بأثر رجعي ضد سياسات كان أثناء ms121 حدوثها ~~متفرجا، بل إنه كافح بعد فوات الأوان ضد سياسات كان هو نفسه قد أسهم بنصيب كبير في ~~صنعها، ومثل هذا الكفاح ليس سهلا قليل التكلفة فحسب، بل هو أيضا كفاح خادع، إذا شئت ~~أن أستخدم أخف الألفاظ. # وسنضرب لهذا الأسلوب في الكفاح، وفي إظهار الوطنية، بضعة أمثلة قد لا تحتاج إلى شرح ~~مفصل؛ لأنها سبق أن عرضت بتوسع من قبل، فكل ما يقوله هيكل الآن عن الافتقار إلى ~~الديمقراطية وانتهاك الدستور والقوانين الاستثنائية ... إلخ هو كفاح بأثر رجعي؛ لأنه لم ~~يكن يدعو إليه في الوقت المناسب، بل نادى به - فقط - بعد أن كان كل شيء قد انتهى. وكما ~~رأيناه من قبل، فقد كان لهيكل دور هام في تهيئة الأذهان لطرد الخبراء السوفييت ~~والتشكيك في قيمة أسلحتهم، وكذلك في الدعوة إلى تحييد أمريكا. وبعد أن تحقق ما كان يدعو ~~إليه، ثم استخلص النظام الحاكم نتائجه الطبيعية منه، عاد هيكل فنعى على السادات تعاونه ~~مع الأمريكان وتجاهله للسوفييت ... ومتى حدث ذلك؟ بعد أن أصبح إصلاح الأمر مستحيلا، وفرض ~~الأمر الواقع الجديد نفسه على الجميع، أما في الوقت الذي كان من الممكن فيه تدارك ~~الأمر، فإن كتابته كانت تسير في الاتجاه ~~العكسي. # وبالمثل، فإن حملته الراهنة على إدارة حرب أكتوبر سياسيا ، وعدم تطويرها عسكريا، ~~وإفشاء سر الحرب المحدودة إلى الأمريكان، كل هذه وطنية بأثر رجعي، لأن الأحداث انتهت ~~منذ زمن بعيد. أما في الوقت الذي كان يمكن فيه التأثير في مجرى تلك الأحداث، فقد كان ~~هيكل يدعو بكل صراحة إلى الحرب المحدودة، وإلى التفاهم مع الأمريكان. # وأخيرا، فإن نقده للاتجاهات التسلطية أيام عبد الناصر لم يصبح مسموعا إلا أيام ~~السادات، بعد أن أصبحت مراكز القوى في حالة دفاع عن النفس، أما عندما كان هؤلاء ~~الجبابرة يسومون الناس عذابا، ويعتقلون الآلاف بلا محاكمة، فلم نسمع له صوتا! وهكذا ~~تأتي البطولة دائما متأخرة، ويظل هيكل مشاركا في الخطأ أثناء حدوثه، ثم يستنكره بعد ~~فوات أوانه، من أجل كسب النقاط ورفع الأسهم وزيادة رصيد الوطنية ms122 على غير أساس. # كلمة أخيرة # أكاد، في لحظتي هذه، أسمع احتجاج القارئ، وخاصة لو كان شابا، وهو يقول: لقد هدمت كل ~~مقدساتنا، ولم تترك إلا حطاما، وشككت الناس في كل شيء وكل شخص، ولم تقدم بديلا ~~إيجابيا. # وردي على هؤلاء هو أنني لم أستهدف، كما قلت مرارا، أي شخص بعينه، وسيكون قد أساء فهم ~~مقصدي، كل من يتصور أنني أريد أن أهدم أسطورة هيكل، أو أكشف عيوب هذا الحاكم أو ذاك، ~~فهذه نتائج يمكن أن تأتي بطريقة عرضية أو هامشية، أما الهدف الأصلي الذي كنت أسعى ~~إليه، فهو أن أحث قرائي على أن يفكروا فيما يرونه حولهم بوعي وتبصر، ولا بأس خلال ~~ذلك أن تتزعزع مقدسات كثيرة، فأول مراحل العقيدة الصحيحة هي تحطيم الأصنام، ولا بأس من ~~جرعة كبيرة من النقد والتشكك في عصر أصبحنا فيه ممنوعين من أي اعتراض أو ~~احتجاج. # إن هدفي الحقيقي ليس هيكل ولا السادات ولا عبد الناصر، بل هو عقولكم أنتم، فمن هذه ~~العقول تأتي الهزيمة أو النصر. # ولقد كتبت هذه الصفحات كلها في أيام قليلة، بعد نشر كتاب هيكل مباشرة، وكنت طوال ~~كتابتها أعجب لحماستي التي تتدفق، وكأنني أريد أن أسوي حسابا طويلا قديما، بل إن ~~بعض القراء تصوروا بالفعل، أن بيني وبين هيكل ثأرا خاصا، وذلك جريا على عادتنا في ~~تفسير كل شيء بعوامل شخصية. # وحقيقة الأمر هي أن هناك بالفعل حسابا أردت أن أسويه، ولكن ليس مع هيكل أو أي ~~شخص آخر بعينه، بل مع أسلوب في الحكم وفي التفكير، وفي معاملة الإنسان للإنسان، كنت ~~أرفضه على الدوام. # كان يكفي أن أسير في شوارع القاهرة كل صيف، وأرى الفارق بين قاهرتي الجميلة التي ~~شهدتها في طفولتي وصباي، وقاهرة اليوم التي خربت بأكثر مما يستطيع عدو مجنون أن يفعل ~~... # كان يكفي أن أقارن بين تعليمي في طفولتي والقشور، التي يتلقاها أطفال اليوم بأقل ~~الأساليب أمانة وإخلاصا ... # كان يكفي أن أتأمل تعاسة أبناء وطني، حين يبحثون عن العلاج، أو عن مسكن، أو عن وسيلة ms123 ~~اتصال ... # كان يكفي أن أتأمل انهيار آمالنا الوطنية والقومية، منذ أن صعدت لتناطح أقدم ~~إمبراطوريات الأرض، حتى هبطت إلى حضيض «إزالة آثار العدوان»، بعد أن أصابتنا هزيمة ~~نكراء على يد دولة عميلة هزيلة، يسكنها خليط لا يزيد مجموعه عن سكان بلدة متوسطة ~~في وطني ... # كان يكفي أن أرى طائرات العدو، تمرح فوق سماء بغداد، وجيوشه تصول وتجول في شوارع ~~بيروت ... # كان يكفي أن أتأمل هذا كله لكي أتساءل: ما الذي حدث؟ ولكي أجد نفسي مدفوعا بقوة ~~عارمة إلى تسوية الحساب، لا مع هيكل بالذات، بل مع كل القيم وأساليب الفكر والحكم التي ~~كان يجسدها ويبررها ... # كان يكفي أن أتأمل هذا كله لكي أغضب، ولكن غضبي لم يكن وليد خريف عاصف، بل كان عمره ~~أطول بكثير ... ms124