######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.MacaMusiqa.Hindawi97206270 #META# Tags: arts #META# ID: 97206270 #META# Title: مع الموسيقى: ذكريات ودراسات #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # مع الموسيقى ... في رحلة الحياة‏ # الإيقاع بين الحياة والفن‏ # علم الآثار الموسيقية1‏ # خواطر حول الموسيقى الشعبية‏ # مستقبل الموسيقى في مصر1‏ # الأساس العقلي للموسيقى الحديثة1‏ # محنة الموسيقى الغربية المعاصرة1‏ # موسيقى وآلات وضجيج1‏ # مقدمة‏ # مع الموسيقى ... في رحلة الحياة‏ # الإيقاع بين الحياة والفن‏ # علم الآثار الموسيقية1‏ # خواطر حول الموسيقى الشعبية‏ # مستقبل الموسيقى في مصر1‏ # الأساس العقلي للموسيقى الحديثة1‏ # محنة الموسيقى الغربية المعاصرة1‏ # موسيقى وآلات وضجيج1‏ # | مع الموسيقى # | مع الموسيقى # | ذكريات ودراسات # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # لا أستطيع أن أزعم أن معرفتي بالموسيقى ترقى إلى مستوى معرفة الخبراء بأصول هذا الفن؛ فلم ~~أكن في أي وقت من محترفيها أو ممن يؤدونها علنا، كما أنني لم أتلق فيها درسا نظريا أو ~~عمليا واحدا، ومع ذلك فإن في تجربتي الموسيقية ما يستحق في نظري أن يروى؛ لأنها أولا ~~تجربة معتمدة على ذاتها اعتمادا يكاد يكون تاما، ولأنها ثانيا تجربة نفس يغلب عليها ~~حب العقل والمنطق، وتميل إلى الجانب الفكري في الأمور، ولأنها ثالثا تجربة طال أمدها حتى ~~ليمكن القول إنها عاصرت حياتي الواعية منذ بدايتها. ومن هنا فقد اعتقدت أن القارئ قد يجد ~~طرافة في صفحات تحكي له كيف انتقل إنسان يعيش في بيئة شرقية خالصة إلى حب الموسيقى ~~العالمية وفهمها فهما واعيا بجهوده الذاتية وحدها، وكيف احتل فن كالموسيقى مكانه في ~~نفس تبدو وكأنها لا تعترف إلا بما يوزن بميزان العقل الدقيق، وكيف تطورت هذه التجربة ~~من بداياتها البسيطة، ونمت على مر السنين حتى بلغت مستوى رفيعا من النضج ~~والاكتمال. # ولقد كرست أطول مقالات هذا الكتاب لعرض هذه التجربة عرضا توخيت فيه الأمانة قدر ما ~~استطعت. أما بقية الكتاب فيتألف من مقالات ودراسات كتبت اثنتان منها - إلى جانب المقال ~~الأول - للمرة الأولى، ونشرت الأخريات في فترات تمتد من عام 1952م حتى الوقت الحاضر. ولما ~~كانت ظروف نشر هذه المقالات والدراسات لم تسمح بأن يطلع على أية واحدة منها سوى عدد محدود ~~من القراء، فقد رأيت أن من المفيد أن أعيد نشرها مجتمعة في ms001 هذا الكتاب. # وسوف يدرك القارئ أن هذه المقالات لم تنشر بترتيب ظهورها، بل لقد حاولت أن أرتبها بحسب ~~تاريخ الموضوعات التي تتناولها. وهكذا يمكن أن يقال إنها تقدم عرضا لجوانب من تاريخ ~~الموسيقى في مراحله المختلفة من العالم القديم إلى العالم الحديث إلى العالم المعاصر. ولست ~~أدعي أنني أقدم بذلك دراسة تاريخية متعمقة للموسيقى، بل إنني لم أهدف إلا إلى إلقاء ~~أضواء على مشكلات أثيرت في مراحل متباينة من تاريخ هذا الفن؛ فإذا استطاعت هذه الخواطر ~~والمقالات والدراسات أن تثير في ذهن القارئ مزيدا من الأفكار، وتزيد من إحساسه بالأبعاد ~~العميقة لهذا الفن الرفيع، فإني أكون قد حققت بها كل ما استهدفته بكتابتها من ~~الغايات. # فؤاد زكريا # القاهرة 1968م # | مع الموسيقى ... في رحلة الحياة # لم تتميز البيئة التي نشأت فيها بأي عامل يساعد على تنمية المواهب الموسيقية، أو حتى ~~على كشف هذه المواهب إن كانت موجودة بالفعل؛ ففي المدارس الابتدائية كنا نتلقى نوعا من ~~التعليم الموسيقي الاختياري الذي يقوم به معلمون يفتقرون هم أنفسهم إلى الحساسية والذوق ~~المرهف. وفي المدرسة الثانوية كانت هناك دروس منتظمة (ربما لأن المدرسة التي التحقت بها ~~كانت نموذجية في ذلك الحين)، ولكن المعلم كان يفترض مقدما أن تلاميذه لن يفهموا من دروسه ~~شيئا، أو لن يعبئوا بها إن فهموها، فكان جهده كله مركزا على الفرقة العازفة للمدرسة، أما ~~تلاميذ الفصول فكان تعليمه لهم مجرد واجب رسمي فحسب. وعلى أية حال فإن هذا التعليم لم يكن ~~يبدأ أبدا بتجربة موسيقية تعرض مباشرة على التلاميذ، وتنمي تذوقهم الموسيقي، ولو في أبسط ~~صورة بطريقة متدرجة، بل كان يبدأ بالدروس الجافة التي تقتضي مذاكرة وحفظا، خطوط النوتة ~~الموسيقية «مي» و«صول» ... إلخ، ومسافاتها «فا» و«لا»، علامة «الروند» = 4 نوار ... وهكذا لم ~~يكن درس الموسيقى يفترق عن دروس العلوم إلا في أن لغته أشد غرابة، وألفاظه أبعد عن الفهم. ~~ومع ذلك، فما أحسب أننا في تعليمنا المدرسي قد تقدمنا كثيرا في هذا الميدان منذ ذلك ~~الحين، وحسب المرء أن يستمع إلى ms002 الموسيقى التي تقدم في برامج الأطفال في الإذاعة ~~والتلفزيون، وإلى أصوات المشتركين فيها، وعدم قدرة المشرفين على هذه البرامج حتى على ~~التفرقة بين الصوت «النشاز» والصوت الصالح، ليدرك مدى تخلف التربية الموسيقية عندنا، ~~والتأثير الهدام لوسائط الإعلام والتعليم الحيوية في كل موهبة تحتاج إلى رعاية وصقل ~~وتدريب. # ولم تكن الألحان التي أسمعها في بيئتي المنزلية تزيد عما كان يسمعه أي طفل مصري من أسرة ~~متوسطة في أواسط الثلاثينيات وأواخرها؛ ففي تلك الفترة كانت أغاني الإذاعة تشكل كل عناصر ~~تجربتي الموسيقية، وكنت أتابع هذه الأغنيات باهتمام بالغ. ولعل أول ما جعلني على وعي بأن ~~لدي نوعا من الحس الموسيقي هو أنني كنت أحفظ ألحان الأغنيات الشائعة بدقة تسمح لي بكشف ~~أي خطأ في أدائها، حتى لو كان هذا أداء يقوم به محترفون. # وكان أول لقاء لي بالموسيقى العالمية لقاء حزينا يحيط به إطار من الرهبة والاكتئاب؛ ~~فقد كانت الجنازات العسكرية تمر كلها أمام البيت الذي قضيت فيه طفولتي قرب ميدان العباسية، ~~وكان العرف المتبع في ذلك الحين هو تشييع هذه الجنازات على أنغام الموسيقى النحاسية ~~الحزينة (ولست أدري لم أبطلنا هذا التقليد الجميل ... أهناك ما هو أروع من تشييع بطل في ~~يومه الأخير على ألحان الحركة الثانية لسيمفونية «البطولة» لبيتهوفن، أو اللحن الجنائزي في ~~باليه روميو وجولييت للموسيقي «بروكوفييف» مثلا؟) وكان المارش الجنائزي لشوبان هو الذي ~~يعزف في معظم هذه الجنازات العسكرية، بعد توزيعه بحيث يلائم الفرقة النحاسية، # 1 # وعلى الرغم من أنني كنت، وما زلت، أشعر دائما بأن آلات فرقنا النحاسية ليست ~~منضبطة في أصواتها انضباطا كاملا، وأنها أشبه بالعود أو الفيولينة التي لم يحسن العازف ~~ضبط أوتارها تماما فتركها منخفضة قليلا، أو مرتفعة قليلا، عما يجب أن تكون عليه (وربما ~~كان ذلك راجعا، في حالة الآلات النحاسية، إلى تأثير الجو)؛ فقد كان لهذا المارش الجنائزي ~~تأثير هائل في نفسي. وما زلت أذكر أنني حين كنت أصادف أحيانا جنازة عسكرية خلال عودتي من ~~مدرستي، كنت أسير وراءها عن بعد مسافة ms003 طويلة، لا لشيء إلا لكي أستمتع بجمال اللحن، وربما ~~كان لفظ «أستمتع » غير معبر بدقة عما كنت أحس به؛ إذ إن جو الرهبة والحزن المحيط بالجنازة ~~العسكرية كان كفيلا بأن يحول دون حدوث أي «استمتاع» بالمعنى الصحيح. والأدق أن أقول إن ~~ملاءمة الموسيقى للإطار الذي كانت تعزف فيه، والقدرة الهائلة للحن الشجي الحزين، وللطبول ~~الضخمة الوقور، على أن تضفي على الموكب الجنائزي جوا من الأسى، من غير ضعف أو تخاذل، بل ~~مع صمود وشموخ؛ كل ذلك كان بالنسبة إلي تجربة فنية فريدة، ربما لم أكن في ذلك الحين ~~واعيا بكل عناصرها، ولكني كنت على أية حال مندمجا في تيارها العام كل الاندماج. ولا أكون ~~مبالغا إن قلت إنني كنت أشعر بنوع من الفرحة المنقبضة - إن جاز هذا التعبير - كلما سمعت من ~~بعيد أصوات الطبول التي تؤذن بمقدم جنازة يعزف فيها المارش المحبب إلى نفسي. # على أن التجربة التي أذكرها إلى اليوم بمزيج من الزهو والأسف على ما ضاع من الفرص ~~والإمكانات، هي تجربة صنعي لآلتي الموسيقية الخاصة؛ ففي طفولتي المتوسطة، حين كنت في حوالي ~~العاشرة، لم تكن لدي آلة موسيقية، ولم تكن أسرتي من الثراء بحيث تملك البيانو في البيت، ~~كما أنها لم تكن مقتنعة بميولي الموسيقية إلى الحد الذي يجعلها «تضحي» بشراء آلة موسيقية ~~بسيطة لي، بل إن نفس فكرة الميول الفنية وضرورة تنميتها كانت - وما تزال - فكرة غريبة عن ~~أذهان الآباء والأمهات في معظم الأسر المصرية المتوسطة. ولم يكن هناك مفر من أن تجد ميولي ~~الموسيقية مخرجا آخر؛ فقد صنعت آلة موسيقية بدائية من صندوق مستطيل من الصفيح، شددت فيه ~~خيوطا من الجلد أو المطاط الرقيق المستخدم في طرود الأدوية وما شاكلها، وراعيت في الشد أن ~~يكون متدرجا بحيث يكون كل خيط مناظرا لنغمة في السلم الموسيقي، وما زلت أذكر أن أجمل ~~هدية كان يمكن أن تقدم إلي في هذه الفترة، هي خيوط المطاط التي تتيح لي أن أستبدل ب ~~«الأوتار» البالية أوتارا أخرى سليمة متينة. ولم يكن ms004 في هذه الآلة البدائية أكثر من عشرة ~~أوتار أو اثني عشر وترا ، ولكنها كانت تكفي لكي أعزف عليها - بطريقة أشبه بطريقة عازفي ~~القانون - ألحانا شائعة معروفة للناس. ولكم كانت الدهشة تتملك أفراد أسرتي، وأصدقاءهم، ~~حين كنت ألصق بأذنهم هذا الصندوق الصغير (الذي يستحيل أن يسمع صوته عن بعد)، فيجدون ~~ألحانا حقيقية معروفة تصدر عنه! ولكي أكمل صورة «مغامراتي» الموسيقية في هذه الفترة ~~المبكرة من حياتي، فإني أستميح القارئ عذرا أن أصف له وجها آخر من أوجه هذا الخيال ~~الطفولي الطريف؛ فقد اكتشفت بعد فترة أن ماسورة صرف المياه (المظراب) الموصلة من «سطوح» ~~بيتنا إلى أرض الشارع، لها قدرة على مضاعفة الصوت وتضخيمه ما بين فتحتها العليا وفتحتها ~~السفلى. وسرعان ما استفدت من هذا «الكشف» في ممارستي لنشاطي الموسيقي؛ إذ كنت أضع الصندوق ~~الصفيح في طرفها العلوي، فوق السطوح، بينما يتناوب أصحابي على الاقتراب من طرفها السفلي في ~~الشارع فيسمعون منها ألحانا «شجية» لمحمد عبد الوهاب ومحمد صادق وغيرهم من مطربي ذلك ~~الزمان. ولعل هذه الماسورة أعجب «ميكروفون» عرفه تاريخ الموسيقى، بحيث إنه لو كان لي أي ~~حق في أن أدخل هذا التاريخ يوما ما، فلن يكون ذلك إلا من خلال فتحتي ماسورة بيتنا ~~القديم! # ولكي يكون القارئ فكرة عن مدى بدائية هذه التجربة الموسيقية الأولى، فحسبي أن أذكر ~~أنني، حتى ذلك الحين، لم أكن أعرف شيئا عن «نصف التون» في السلالم الموسيقية؛ إذ لم يكن ~~تعليمنا الموسيقي في المدارس قد وصل إلى هذه المرحلة «المتقدمة»! ولكنني «استنتجت» وجود هذه ~~الأنصاف حين كنت أجد أجزاء معينة من اللحن لا تصدر بدقة كاملة عن صندوق الموسيقى برغم حرصي ~~على انضباط أوتاره. وكان واضحا أن موقع هذه الأجزاء في مكان ما بين الوترين المتتاليين، ~~فلا بد إذن أن يكون هناك نصف صوت، وحين عدت بذاكرتي إلى منظر البيانو الذي رأيته في ~~بيوت بعض أصحابي، تذكرت أن بعض «أصابعه» سوداء، و«استنتجت» أيضا أن هذه الأصابع السوداء ~~لا بد أن تكون أنصاف الأصوات التي أقصدها. ms005 وكنت سعيدا غاية السعادة حين تحققت من صحة ~~استنتاجي هذا في بيت أحد أصدقائي ممن يملكون البيانو، ولكنهم يقفون أمامه صما بكما لا ~~يفيدون منه بشيء. # ومضت سنوات قبل أن أستطيع إقناع أسرتي بشراء آلة موسيقية حقيقية لي. وكنت قد شاهدت ~~«الماندولين» في المدرسة، وأعجبني فيه صغر حجمه وصوته الرنان، فألححت في المطالبة حتى أفلحت ~~أخيرا، وأنا في الخامسة عشرة من عمري، في الحصول على «ماندولين» لا أظن أنه كان جديدا. ~~ولم تمض أيام قليلة حتى كنت أعزف عليه ألحانا بسيطة، ثم تعقدت هذه الألحان بالتدريج، ~~وأصبحت في فترة وجيزة أجيد العزف عليه. غير أن هذا العزف، الذي لم يكن يخضع لإرشاد أو ~~توجيه، كانت تشوبه أخطاء أساسية في «التكنيك» ذاته؛ أي في الأسلوب الذي لا بد من تعلمه ~~عن الغير، ومع ذلك فقد وصلت في العزف إلى مرحلة أعدها، وسط هذه الظروف، مرحلة متقدمة ~~إلى حد بعيد. # ولم يكن من الصعب أن أنتقل من هذه المرحلة العملية إلى مرحلة معرفة بعض الأسس النظرية ~~للعلم الموسيقي؛ ففي هذا العام نفسه أصبحت أجيد قراءة المدونة (النوتة) الموسيقية، بعد أن ~~تلقيت إرشادات من زميل لي في المدرسة، ما زلت أذكر فضله علي حتى اليوم. كان هذا الزميل ~~- وهو من إندونيسيا - يمدني ببعض المدونات، ~~ويوضح لي الأسس العامة لقراءتها. وكنت أشعر بإعجاب شديد، مقرون بدهشة بالغة، وأنا أراه ~~يحول هذه البقع السوداء المتناثرة على سطور المدونة الخمسة إلى أنغام جميلة. ولم يمض وقت ~~طويل حتى وجدت نفسي قادرا على ممارسة هذا السحر العجيب، بعد أن عكفت ببيتي أياما ركزت ~~فيها كل جهدي على مدونات معينة، حتى استطعت أن أستخلص ألحانها بدقة وإتقان. وكان شغفي ~~بالنتيجة التي وصلت إليها هائلا؛ إذ كنت كمن يكتشف كنزا جديدا نفيسا من بين سطور كل ~~مدونة تقع بين يدي. # ومنذ ذلك الحين، كان «مصروفي» كله يضيع على شراء هذه المدونات، وكنت أنتظر أول الشهر ~~بصبر نافد، لأسرع إلى محل «بابازيان» وأشتري منه مدونة أو اثنتين، وما زلت أحتفظ ms006 بمجموعة ~~المدونات التي اشتريتها في فترة «الأزمة» هذه. ولكني كنت في البداية أشعر بخيبة الأمل لأن ~~التدوين كان في معظم الأحيان صالحا لآلة البيانو، فعلمت نفسي كيف أحول ما هو مكتوب ~~للبيانو بحيث يصلح للعزف على الماندولين (أو للفيولينة أيضا؛ لأن ترتيب الأوتار واحد)، بل ~~كنت أحول المقام أحيانا، حين كنت أجده من النوع الذي تكثر فيه علامات «البيمول»، وهو ~~مصدر مضايقة وصعوبة بالنسبة إلى عازفي الماندولين والفيولينة يعرفها كل خبير فيهما. وحين ~~اختفت من السوق، في وقت ما، كراسات الموسيقى ذات الأسطر الخمسة (أو ربما ارتفع سعرها ~~ارتفاعا باهظا)، قمت بتسطير كراسة كبيرة كاملة، دونت فيها مجموعة من الألحان بعد تحويل ~~مقامها بطريقة تتناسب مع الآلة التي أعزف عليها، وما زلت أحتفظ بهذه الكراسة التي تمثل ~~بدورها جانبا طريفا من تجاربي الموسيقية خلال الفترة الوسطى من سني مراهقتي. ~~••• # على أن هذه التجارب لم تكن، حتى ذلك الحين، تمثل انتقالا حاسما من النظام النغمي الذي ~~عودتني عليه الأغنيات المصرية الشائعة منذ طفولتي؛ إذ كانت كلها تتم من خلال بعد واحد ~~فقط، هو البعد اللحني، ولم أكن قد تفتحت بعد على عالم البوليفونية، أو تعدد الأصوات في ~~الوقت الواحد. وكانت التجربة التي اهتديت فيها إلى هذا العالم بسيطة غاية البساطة، عميقة ~~غاية العمق؛ ففي أحد الأيام، بعد انتهاء اليوم الدراسي، كان أحد زملائي من أصحاب الهوايات ~~الموسيقية يعزف فالس «الدانوب الأزرق»، وكان عزفه ضعيفا، ولكنه كان يحاول أداء كل ما في ~~المدونة الموسيقية من أنغام هارمونية. وبرغم تعثره وتردده في العزف، فقد كان أداؤه ~~للأعمدة الصوتية (الكوردات) سليما، وكان هذا كافيا لكي أشعر لأول مرة، عن قرب، بإحساسات ~~موسيقية جديدة كل الجدة، أثارها التآلف النغمي الذي لم أكن حتى ذلك الحين قد جربته ~~تجربة مباشرة. وبرغم بساطة هذه التجربة وقصر مدتها، فما زلت أذكر التأثير العجيب الذي ~~تركته في نفسي؛ ففي طريق عودتي الطويل من المدرسة إلى البيت، كنت أشعر طوال الوقت كما لو ~~كنت أمشي فوق السحاب، وكانت تنتابني رجفة ms007 ورعدة كلما تذكرت تلك التجمعات الصوتية الرائعة ~~التي يحدثها التآلف النغمي ، وكانت تلك بالنسبة إلي تجربة فريدة من ناحيتين؛ فهي بداية ~~الدخول إلى عالم جديد من الأصوات الموسيقية، مختلف عن ذلك العالم المألوف في البيئة ~~الموسيقية الشرقية ذات الخطوط اللحنية البسيطة الواحدة - أي إنها بداية شعور بالانفصال عن ~~البيئة المحيطة، وبالرغبة في تجاوز ما تقدمه هذه البيئة في ميدان الفن الموسيقي. وهي من ~~جهة أخرى تمثل أول إحساس بتلك الإثارة العجيبة التي تبعثها الموسيقى، لا في الروح وحدها، ~~بل في الجسم بدوره؛ فالرجفة والرعدة رد فعل عضوي أو فسيولوجي تستطيع الموسيقى، بقدرتها ~~الفريدة، أن تثيره في الجسم إذا كان فيه من الحساسية ما يسمح له بالتناغم معها، فليست ~~النشوة الموسيقية شعورا نفسيا أو روحيا فحسب، بل قد تكون لها مظاهر جسمية أيضا، كأن ~~تسري في الجسم - خلال أوقات الحر القائظ - قشعريرة أشبه بتلك التي يبعثها البرد الشديد في ~~الأوصال. ولست أعلم لهذه الظاهرة تعليلا، ولا أظن أن العلم بدوره يمكنه في الوقت الراهن ~~أن يأتي لها بتفسير، ولكنها - بالنسبة إلي على الأقل - ظاهرة مجربة ليست قليلة ~~الحدوث. # كانت تلك إذن هي البداية البسيطة، والعميقة، لدخولي عالم التوافق الصوتي، وسعيي إلى ~~تجارب في عالم الموسيقى لم يكن في وسع البيئة المحيطة بي أن تقدمها إلي. وبالتالي كانت ~~تلك بداية شعور ب «الاغتراب» عن الجو الموسيقي السائد في بلادنا، إن جاز لي أن أستعير هذا ~~التعبير من مجال الفلسفة وعلم الاجتماع. ولم يكن هذا الانفصال مفاجئا، بل حدث بتدرج وبطء ~~في البداية ثم ازداد سرعة فيما بعد، حتى جاء الوقت الذي أصبح فيه تاما. وبعبارة أخرى فقد ~~كانت أذني في البداية تتقبل نوعي الموسيقى، المحلي والعالمي، بنوع من التعايش غير ~~المستقر، ثم أخذ هذا التعايش يتحول بالتدريج إلى طغيان للموسيقى العالمية على الموسيقى ~~المحلية. ولم يمض وقت طويل حتى حلت الأولى محل الثانية حلولا تاما لا رجعة ~~فيه. # وقد يجد الكثيرون أن فكرة استبعاد الموسيقى العالمية للموسيقى المحلية استبعادا كاملا ~~هي فكرة ms008 لا تبعث على الارتياح، وقد يفسرها البعض بأنها نوع من التعالي أو التظاهر ~~بالثقافة. ولست أنكر أن الكثيرين ممن يزعمون هذا الزعم هم بالفعل متظاهرون ومدعون، ولكنني ~~الآن بصدد وصف تجربتي الشخصية، ولست أملك إلا أن أقرر بصدق تام أنني حالما تمكنت من ~~استيعاب الموسيقى العالمية وتذوقها، لم يعد في تجربتي مجال لتلك الموسيقى التي نسمعها في ~~إذاعاتنا المحلية، فضلا عن أن عملية الاستبعاد هذه لم تستغرق وقتا طويلا، بل إنني، لكي ~~أكون أمينا بحق، أذهب إلى أن هذه الموسيقى أصبح لها، بعد اعتيادي الموسيقى العالمية، ~~تأثير عضوي من نوع مضاد لذلك الذي تحدثت عنه منذ قليل؛ فكثير من الألحان المحلية، بما ~~فيها من رتابة وسير على وتيرة واحدة، ومن دوران في دائرة ضيقة من الأصوات المتقاربة ~~المتدرجة، تبعث في رأسي دوارا حقيقيا، لا مجرد ملل نفسي. ولعل هذا يفسر كراهيتي الشديدة ~~للراديو الترانزستور، الذي أعده أفظع اختراع ابتليت به البشرية؛ إذ إن في وسع جهاز ~~واحد «قد الكف» بين يدي جار منسجم، أن ينغص علي ساعات كاملة من حياتي، دون أن يكون في ~~استطاعتي أن أشرح متاعبي أو أشكوها لأحد. وأيا كان حكم القارئ على هذا الكلام، فليأخذه ~~على الأقل من باب الاعترافات الشخصية، وليست كل الاعترافات الصادقة - كما نعلم جميعا - ~~مرضية للجميع. # المهم في الأمر أننا إذا سمعنا من يقول إنه كف عن الاستمتاع بموسيقانا المحلية، وأنه ~~أصبح يجد متعته الوحيدة في الموسيقى العالمية، فلا ينبغي أن نسارع بالحكم عليه بالتحذلق، قد ~~يكون متحذلقا بالفعل، ولكن هناك من يقولون ذلك بصدق وإخلاص. وكل ما أستطيع أن أؤكده هو أن ~~انتقالي من تلك البداية التي كنت فيها أحفظ ألحان الأغنيات الشائعة بدقة وأستطيع التقاط ~~أبسط خطأ تفصيلي في أدائها، إلى المرحلة التي أصبحت فيها أتجنب هذه الألحان بأي ثمن، كان ~~انتقالا طبيعيا ليس فيه أدنى أثر للافتعال. أما أولئك الذين لا يتصورون ذلك، ويتهمون كل ~~اعتراف بالتصنع أو الادعاء، ويظنون أن الإعجاب بالموسيقى العالمية لا يعدو أن يكون ~~تظاهرا ms009 ب «الفرنجة» يقوم به أناس معقدو النفوس - وهو حكم شائع يصدره أشخاص منهم من ~~يحتلون مناصب رفيعة في ميادين الآداب والفنون - فلا أملك إلا أن أقول عنهم إنهم لم يمروا ~~بالتجربة الموسيقية على حقيقتها، وأن من المستحيل وجود جسور للتفاهم حين يكون الأمر ~~متعلقا بتجارب يمر بها شخص ولا يمر بها شخص آخر. ~~••• # وكان أول مظاهر انفصالي عن موسيقى البيئة المحلية هي أنني كنت أنفرد بالراديو الذي تملكه ~~الأسرة في حجرة خالية، خلال ساعات معينة من الليل، وأبحث في الظلام عن محطات إذاعية أجنبية ~~تذيع برامج موسيقية كلاسيكية. أما سبب الانفراد والإظلام فهو أن الأسرة لم تكن تقر بالطبع ~~هذا الاستعمال «غير المشروع» لجهاز الراديو، وكان لا بد من «تهريب» الجهاز وخفض صوته ~~بحيث لا يسمعه أحد، وبرغم أن ظروف الاستماع هذه كانت سيئة إلى أبعد حد، وكانت بعيدة كل ~~البعد عن «صدق الأداء # High Fidelity ~~» الذي تتسم به أجهزة ~~الاستماع الراهنة؛ فإن العالم الذي كان يتكشف لي خلال سير مؤشر الراديو جيئة وذهابا على ~~صفحة القرص المضيء بأسماء بلاد الدنيا، كان عالما غريبا ساحرا. وما زلت أذكر تلك النشوة ~~التي كان يبعثها في صوت مجموعات الفيولينة الكبيرة في الأوركسترات السيمفونية، حتى حين ~~كان عزفها يقتصر على اللحن الميلودي البسيط. كان الفارق في نظري هائلا بين تأثير هذا الصوت ~~الصافي العميق، وبين تأثير الكمان الهزيل في مجموعات «التخت الشرقي» التي كانت تقتصر عليها ~~تجربتي الموسيقية حتى ذلك الحين. وكنت أشعر كما لو كنت أقوم برحلة مسحورة بين بلاد العالم، ~~التي أسمع عنها في الصحف وفي دروس الجغرافيا دون أن أرى منها شيئا، حين تنقلني الإذاعة من ~~بلد إلى آخر في تلك «السياحة الموسيقية» الفريدة. وكانت أوضح المحطات الإذاعية في تلك ~~الفترة محطتي صوفيا وبوخارست، وقد بلغ من مواظبتي على متابعة برامجها الموسيقية أنني أصبحت ~~أعرف، بالتكرار وحده، مواعيد هذه البرامج، بل استنجت معاني كلمات باللغتين البلغارية ~~والرومانية، متعلقة بإذاعة الموسيقى، أصبحت تساعدني على فهم طبيعة البرنامج الذي أستمع ~~إليه. # على ms010 أن أفضل مصادر الاستماع في الفترة التي سبقت دخولي الجامعة، كانت محطة الإذاعة الخاصة ~~بالجيوش المتحالفة المرابطة في مصر في أواخر الحرب العالمية الثانية، وأظن أنها كانت في ~~معسكر «كبريت»؛ فقد كانت هذه المحطة تقدم برامج من الموسيقى الكلاسيكية، وفي أحيان غير ~~قليلة كان يسبق الإذاعة شرح موجز بالإنجليزية لظروف تأليف القطعة المذاعة وتحليل لبنائها ~~الفني. وقد أفادتني هذه الشروح فائدة كبرى في تعميق فهمي لما أسمع، وفي تكوين أساس ثقافي ~~لتجربتي الموسيقية. وما زالت هذه هي الحسنة الوحيدة التي أذكرها لتلك الفترة التي كانت فيها ~~جيوش الحلفاء ترتع في شوارع القاهرة وتنشر فيها قيم الانحلال التي لا ينبغي أن يتوقع ~~المرء شيئا سواها من جنود جاءوا من شتى آفاق الأرض، ينتظر كل منهم الموت في أي ~~ساعة. ~~••• # ومنذ دخولي الجامعة أخذ نصيب الممارسة، في تجربتي الموسيقية، يقل تدريجا، بينما ازداد ~~نصيب الاستماع الواعي، وكان السبب الرئيسي في ذلك بطبيعة الحال انهماكي في الدراسة والقراءة ~~العلمية خلال فترة الدراسة الجامعية وبعدها. ولم تكن هذه الدراسة تحول بيني وبين سماع ~~الموسيقى، بل كان من المألوف أن أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية الجادة خلال مطالعتي لكتاب، ~~وأعتقد أنني كنت أستطيع أن أجمع، دون تعارض، بين هذين النشاطين في آن واحد، مع إعطاء كل ~~منهما حقه. ومع ذلك فإن مصادر الاستماع كانت في ذلك الحين محدودة؛ إذ كانت الموسيقى ~~الكلاسيكية محرمة في إذاعاتنا المحلية، وكانت إذاعة الجيوش المتحالفة قد أغلقت أبوابها ~~بانتهاء الحرب، ولم تكن قد افتتحت بعد مكتبات الفنون التي تسمع فيها الآن جميع ألوان ~~الموسيقى العالمية (كانت سني دراستي الجامعية بين عامي 1945م و1949م)، وكان من أهم مصادر ~~ثقافتي الموسيقية عندئذ، جمعية الموسيقى الكلاسيكية بكلية الآداب، التي كان يشرف عليها ~~الدكتور لويس عوض، والتي كنت من أصغر أعضائها المواظبين في ذلك الحين. وأذكر أنني حين كنت ~~أسمع من صديق لي عن شخص لديه مجموعة جيدة من الأسطوانات، كنت أسعى إلى التعرف عليه ~~وزيارته لكي أستمع إلى ما عنده، ولكن لم يكن ذلك ms011 بالحل الموفق نظرا إلى طبيعتي التي تنفر ~~من تكرار التردد على بيوت الغير. # ولم يكن تذوقي لأعمال الموسيقيين العالميين متساويا في البداية. وأذكر أنني بدأت - ~~كالغالبية العظمى من الشبان المصريين الذين يتذوقون الموسيقى الكلاسيكية - بالإعجاب الشديد ~~بأعمال ريمسكي كورساكوف، مثل شهرزاد، والديك الذهبي، وبغيره من الموسيقيين الروس المشهورين، ~~مثل بورودين، وتشايكوفسكي (الكابريشيو الإيطالية)، وافتتاحات روسيني (حلاق أشبيلية). وحين ~~انتقلت إلى سماع السيمفونيات، كانت سيمفونيات تشايكوفسكي هي الأقرب إلى فهمي في البداية، ~~وربما كان ذلك راجعا إلى الطابع القريب إلى الشرق، الذي تتسم به كل موسيقى روسية، حتى لو ~~كان مؤلفها ممن اعتادوا أن يولوا وجوههم شطر الغرب، مثل تشايكوفسكي، كما أنه قد يكون ~~راجعا إلى أن الطابع العصبي الانفعالي الحسي الذي تتميز به ألحان تشايكوفسكي وإيقاعاته، ~~ملائم إلى حد بعيد لنفسية المراهقين. أما بيتهوفن فكنت أتذوق بعض سيمفونياته (الخامسة ~~والسابعة) منذ البداية، ومنها انتقلت في مرحلة المراهقة المتأخرة إلى بقية السيمفونيات. ~~وكانت السيمفونية التاسعة، وما زالت، عالما كاملا من المتعة الخالصة في نظري، وكان أول ~~استماع لها تجربة فريدة، تميزت عن كل ما عداها بأن سحرها لم يكن يقل بتكرار السماع، بل ~~كانت تتكشف لي في ذلك العمل العظيم أبعاد جديدة كلما ازددت تعمقا فيه. ومع بيتهوفن، جاء ~~موتسارت، ومندلسون، وشوبان، وبرامز، وكل الفترة الرومانتيكية. # وأستطيع أن أقول إن المسار الطبيعي للقدرة على التذوق يبدأ بموسيقى النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر، ثم يمتد تدريجا في الاتجاهين: اتجاه الجزء الأخيرة من القرن التاسع عشر، ثم ~~القرن العشرين، من جهة، واتجاه الموسيقى الكلاسيكية في عهد باخ والسابقين عليه في القرن ~~الثامن عشر، وربما السابع عشر، من جهة أخرى. وأشد متذوقي الموسيقى رهافة هم الذين يجمعون ~~على نحو فريد بين تذوق الأعمال المعاصرة، والإعجاب الشديد بموسيقى عصر الباروك والروكوكو ~~في أوروبا. وأذكر أنني كنت أستمع بانتظام، خلال فترة إقامتي بنيويورك (التي سأتحدث عنها ~~بالتفصيل فيما بعد)، إلى برنامج يقدمه ناقد موسيقي متعمق اسمه «ديكوفين # DeKoven ~~»، كان يسميه برنامج موسيقى «البارو كوكو» وهو ms012 اسم ~~مركب من الباروك والروكوكو، وكان هذا الناقد يؤمن إيمانا عميقا بأن تلك الفترة هي التي ~~شهدت العصر الذهبي للموسيقى، كما كان يقدم نماذج نادرة من موسيقى ذلك العصر، يشرحها ~~بطريقته المتحمسة ويطري مزاياها، ولا ينسى أن يبدي أسفه - في كل مناسبة - على أن موسيقى ~~القرن التاسع عشر قد طغت على القرنين الثامن عشر والسابع عشر الهادئين الرزينين اللذين لم ~~يعرفا عصبية الإنسان الرومانتيكي أو تشنجاته. وكان في تحمسه البالغ للأعمال التي يشرحها، ~~بل في صوته ذاته ما يذكرني إلى حد بعيد بأستاذنا الدكتور حسين فوزي في تعليقاته البديعة ~~على الأعمال الموسيقية بإذاعة البرنامج الثاني. غير أن شيئا ما كان يشوه برامج ~~«ديكوفين»، هو أنه كان في نهاية كل برنامج يستجدي المحسنين من المستمعين استجداء حقيقيا ~~أن يبعثوا بما تجود به أريحيتهم من تبرعات إلى عنوانه بمحطة إذاعة مدينة نيويورك ~~(N. Y. C) # لكي يستطيع استكمال رسالته في تقديم هذه ~~البرامج. ولقد كان الرجل بالفعل يبذل في برامجه مجهودا غير عادي، ويتكلف الكثير من أجل ~~الحصول على التسجيلات النادرة لتلك الفترة التي لا تلقى ما تستحقه من عناية شركات ~~الأسطوانات. ولكن نغمة الاستجداء التي كان يختم بها برامجه كانت تبدو نشازا لا يطاق في ~~ختام برامجه الرائعة، لا سيما وهو في بلاد أصحاب الملايين، التي تستطيع نفقات تشغيل طائرة ~~عسكرية واحدة من طائراتها، خلال رحلة واحدة من رحلاتها التدميرية، أن تكفي «ديكوفين» مئونة ~~الاستجداء، وتقدم إليه ذخيرة من الأعمال الموسيقية تكفيه مدى حياته! # أما من حيث الأنواع الموسيقية فكانت موسيقى الأوركسترا الكبيرة هي الأقرب إلى ذوقي في ~~البداية، وكان لا بد من مضي وقت غير قصير قبل أن أستطيع استيعاب موسيقى الغرفة # Chamber ~~Music ~~، وموسيقى آلة البيانو ~~بوجه خاص، وكذلك أصوات الغناء البشرية في الأوبرا والأغنيات المنفردة. # أما صعوبة تذوق البيانو في البداية، فترجع أولا إلى أن تعقد أصوات العزف على هذه الآلة ~~يقتضي من المستمع قدرة على التجريد تتيح له تتبع اللحن (إذا كانت القطعة من النوع اللحني # Mélodie ms013 ~~) وسط التعقيد الهائل من الأصوات المتشابكة ~~والمتداخلة، أو تتيح له الاستمتاع بالتآلف النغمي خالصا إذا لم تكن القطعة لحنية. ومن جهة ~~أخرى فإن الطريقة الغربية في العزف على البيانو تثير صعوبات خاصة أمام المستمع الشرقي؛ إذ ~~إن ضربات الأصابع على البيانو متقطعة، تعتمد على نوع الرنين في الوصل أو الفصل بين أجزاء ~~اللحن، وهو عمل يشكل صعوبة كبيرة للأذن الشرقية، التي اعتادت أن تكون أجزاء الألحان ~~موصولة، سواء أكان ذلك في الآلات ذات النغم المتصل، كالكمان، أم ذات النغم المنفصل، كالعود ~~والقانون، اللذين يحاولان ب «الترعيش» أن يحققا الاتصال بين أصوات اللحن. وبتأثير هذه ~~العادة الشرقية في الاستماع نشأ ذلك المسخ المشوه، الذي يسمى بالعزف الشرقي على ~~البيانو، وهي ظاهرة كانت أكثر شيوعا في جيلنا مما هي عليه في الجيل الحالي؛ ففي «أيام ~~الزيارة أو المقابلة»، كان من الشائع أن تقول الأم لابنتها أمام الجمع المحتشد في حجرة ~~الاستقبال: «قومي يا سميحة سمعينا حاجة»، وتقوم سميحة بعد تمنع، وتسير كالبطة السمينة نحو ~~البيانو الموضوع في أبرز مكان من حجرة الاستقبال (!)، ثم تستدير نحو أمها وتسألها في دلال ~~وخجل: «أسمعكوا إيه؟» فترد الأم: «عاوزين نسمع كادني الهوى»، وهي تعلم أن سميحة لا تعرف ~~غيرها، وأنها تعلمتها بعد عذاب في شهور طويلة كان «مدرس الموسيقى» يعلمها خلالها موضع ~~إصبع تلو الآخر بطريقة ميكانيكية، بحيث لم يكن لسميحة في عزفها فضل يزيد عما لعازف ~~«البيانولا» في إدارته الآلية لذراع صندوق الموسيقي، وترتفع من البيانو «طرقعة» الأنغام من ~~تحت أصابع سميحة «السميكة»، وتسمع البيانو وكأن اليد اليسرى فيه طبلة تمسك «الواحدة»، واليد ~~اليمنى تنتقل بخفة (من فرط التكرار) فوق البيانو وقد انفتح الكف فتحة كاملة حتى يستطيع ~~الإبهام أن يعزف نغمة القرار، والبنصر (الإصبع الصغير) أن يعزف نغمة الجواب، ويتأرجح الكف ~~مفتوحا في حركة سريعة بين الإبهام والبنصر، مع الانتقال هبوطا وصعودا فوق أصابع البيانو ~~تبعا لأنغام اللحن، وسميحة تتمايل يمنة ويسرة وكأنها تعزف لحنا سماويا لأول مرة، بينما ~~الأم السعيدة تنظر بزهو وفخر ms014 إلى عيون الجالسات، واثقة من أن واحدة منهن على الأقل ستعجب ب ~~«مؤهلات» ابنتها العزيزة، وستمتدح أمام ابنها (الذي يبحث عن عروس ) جمال ومواهب البنت الحلوة ~~التي «تضرب بيانو ... وتتكلم فرنساوي!» وهي أعظم مؤهلات الزواج في فترة الثلاثينيات ~~والأربعينيات عند أفراد الطبقة المتوسطة من ذوي التطلعات السخيفة. # لعلني قد أسهبت قليلا في وصف هذا المشهد الذي كان مألوفا في وقت نشأتي، ولكن عذري في ~~ذلك هو الرغبة في إيضاح الهوة السحيقة بين العزف الشرقي على البيانو (وهو في نظري من أفظع ~~التجارب الموسيقية وأسخفها)، وبين العزف الغربي ~~الكلاسيكي على هذه الآلة ذات التاريخ المجيد، وتلك الهوة هي في رأيي أهم أسباب الصعوبة التي ~~يجدها كثير من متذوقي الموسيقى العالمية، ولا سيما في المراحل الأولى من تجربتهم الموسيقية، ~~في فهم الأعمال المؤلفة للبيانو فهما عميقا كاملا. ~~••• # وأما صعوبة تذوق الأصوات البشرية في الغناء العربي فترجع بدورها إلى عادات معينة ~~للاستماع تكونت لدى الأذن الشرقية نتيجة لطرق الغناء الشائعة بيننا؛ ففي طريقة الغناء ~~الشرقية نجد لكلمات الأغنية أهمية لا تقل عن أهمية اللحن، وقد تفوقها في كثير من الأحيان. ~~وأول ما يحرص عليه الملحن والمغني هو أن يكون كل حرف وكل مقطع واضحا سليما، حتى ينقل ~~المعنى إلى ذهن المستمع، وفي معظم الأحيان يتم ذلك على حساب الصوت البشري ذاته؛ أعني أن ~~المغني يحرص على نقل كلام الأغنية أكثر مما يحرص على إظهار الإمكانات الكامنة في صوته (إن ~~كان لها وجود). ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تبدو طريقة الغناء الغربية «صراخا» في نظر ~~المستمع الشرقي؛ إذ إن جهد المغني في حالة الغناء الغربي ينصب على تحقيق كل ما في الصوت ~~البشري من إمكانات، لا على توصيل الكلمات إلى المستمعين. وكثير من الغربيين لا يفهمون كلمات ~~الغناء الذي يسمعونه، بل لا يستطيعون تمييزه حتى إن كان بلغتهم الأصلية. كذلك فإن الملحن ~~يستخدم الصوت البشري أداة أشبه ما تكون بالآلة الموسيقية من حيث استخلاص كل ما ينطوي عليه ~~هذا الصوت من قدرات لحنية ms015 وتعبيرية. أما الكلمات فليس لها في الغناء شأن كبير، ويكفي أن ~~نقول إن موضوعات معظم الأوبرات من السذاجة والسطحية بحيث لا يمكن أن يقنع أحد بالقيمة ~~الدرامية لكلماتها، وحتى في الحالات التي تكون فيها الكلمات ذات قيمة شعرية رفيعة، كبعض ~~أغنيات شوبرت وهوجو فولف، تجد الناس لا يعجبون بالأغنية لكلماتها، بل من أجل ألحانها، ~~وإذا تعين عليهم الاختيار بين أغنيتين إحداهما تتميز بأشعار رفيعة ولحن متوسط القيمة، ~~والأخرى ذات كلمات تافهة ولحن جميل، فإنهم لا يترددون في تفضيل الثانية، بل إن المحاولة ~~التي بذلها ريشارد فاجنر من أجل ابتداع «فن متكامل» يجمع بين جمال الكلمة وجمال النغم، لم ~~تنجح إلا بفضل روعة موسيقاه، بينما لا يعبأ مستمعوه كثيرا بأشعاره أو بموضوعاته ~~الدرامية. # فالفارق إذن كبير بين وظيفة الصوت البشري في الغناء الشرقي وفي الغناء الغربي، والطابع ~~الطليق المتحرر الذي يتسم به الغناء الغربي، والذي يجعله قادرا في تحقيق كل ما ينطوي عليه ~~صوت الإنسان من إمكانات، هو الذي يجعله يبدو «صراخا» في نظر المستمع الشرقي. ومن هنا كان ~~تذوق الغناء في الموسيقى العالمية من المراحل المتأخرة في التجارب الموسيقية لمعظم ~~المستمعين الشرقيين، بل إني أعرف الكثيرين ممن اكتسبوا خبرة غير قليلة في الاستماع ~~الموسيقي، لا يطيقون الاستماع إلى الغناء الغربي. وتلك على أية حال مسألة تذوق وتعود، ~~ولكني أستطيع أن أقول، من واقع أحاسيسي الخاصة، إن التجربة الموسيقية تكتسب قدرا كبيرا ~~من الثراء إذا أضيف إلى عناصرها صوت بوريس كريستوف وهو يغني ألحان «موسورسكي»، وصوت «يوسي ~~بيورلنج» وهو يغني لفيردي، وصوت «إليزابيث شفارتسكويف» وهي تغني لشوبرت أو سيبيليوس. والمهم ~~في الأمر أن يعتاد المرء سماع صوت المغني دون أن يعبأ كثيرا بعدم فهمه لكلمات الأغنية. ~~وأود في هذا الصدد أن أدلي باعتراف قد يبدو في نظر البعض غريبا: وهو أنني لا أحاول مطلقا ~~عندما أستمع إلى تسجيل لإحدى الأوبرات، أو لمجموعة من الأغاني، أن أتتبع الكلمات مع اللحن، ~~بالرغم من أن هذه الكلمات مكتوبة أمامي وفي متناول يدي مع كل ms016 أسطوانة. صحيح أنني أعرف موضوع ~~الأوبرا في مجموعه، ولكني لا أحاول أبدا أن أتابع تفاصيل هذا الموضوع خلال استماعي ~~للأوبرا؛ اعتقادا مني بأن عملية التتبع هذه تشوه التجربة الموسيقية، ورغبة في ~~الاستمتاع بهذه التجربة خالصة من كل عنصر ذهني غريب عنها. وقد أكون مخطئا في موقفي هذا، ~~ولكن هذا هو المسلك الذي أتبعه حيال الغناء الغربي، ولا أظن أن استمتاعي بهذا الغناء قد نقص ~~لطريقتي هذه في تذوقه. # وإذا كنت قد تحدثت بالتفصيل عن هذه المراحل المختلفة في تذوق الموسيقى العالمية، فإن من ~~بين الأهداف التي أرمي إليها من هذا الحديث المفصل، ضرورة مراعاة هذه المراحل في أي ~~برنامج للتذوق الموسيقي يوضع في بلادنا ذات التقاليد الشرقية؛ فلا معنى على الإطلاق للبدء ~~في هذا البرنامج بسماع «موسيقى الغرفة» أو سوناتات البيانو، أو أغاني الأوبرا، بل إن البدء ~~بالسيمفونيات والكونشرتات المشهورة قد يكون هو ذاته بداية غير صحيحة. والأفضل أن نراعي ذوق ~~المستمع الشرقي، فنقدم إليه في البداية قطعا روسية بسيطة، لكورساكوف وخاتشاتوريان ~~وتشايكوفسكي. وهذا ما يحدث بالفعل عند الكثيرين، غير أنهم يتوقفون للأسف عن هذا الحد، ~~ويرفضون كل ما يتجاوز هذه المرحلة، ولكن من واجب كل من يقوم بتعليم التذوق الموسيقي أن ~~يستغل في مستمعيه حب هذه الألحان ذات الطابع الشرقي، لينبههم بالتدريج إلى عناصرها الأخرى، ~~ولا سيما العناصر البوليفونية فيها، ويتدرج بهم صعودا نحو أنواع أكثر تعقيدا وتجريدا. ~~ومن الحائز أن المستمع الياباني أو الصيني، أو المستمع الأفريقي الأسود، يحتاج إلى طريقة ~~أخرى في التعليم، يتدرج فيها على نحو مخالف تبعا لعاداته الخاصة في الاستماع. ولكم ~~يكون من المفيد أن يجري بحث تجريبي يقارن بين تدرج قدرة المستمعين المنتمين إلى حضارات ~~مختلفة على التذوق، ومدى الصعوبة التي تلقاها كل فئة في استيعاب الأنواع الموسيقية ~~المختلفة. ولكن مثل هذا البحث، على قدر علمي، ما زال ينتظر من يقوم به. # ومن أهم الأمور في نظري، في أي برنامج سليم للتذوق، أن يسعى المرء بالتدريج إلى الإقلال ~~من ربط الموسيقى بقصص أو ms017 موضوعات واقعية، حتى يتدرب المستمع على ممارسة التجربة ~~الموسيقية خالصة؛ فقد يكون من المفيد في البداية رواية حكايات عن المناسبات التي ألفت ~~فيها القطعة الموسيقية، وربط كل جزء من أجزائها بانفعال أحس به المؤلف، أو بتجربة ~~عاطفية مر بها، أو بحادث معين أثر في نفسه - كل ذلك قد يكون مفيدا في البداية من أجل ~~اجتذاب انتباه المستمع غير المدرب، ولكن الاستمرار في هذا الاتجاه يكون لدى المستمع ~~عادات سيئة، وربما جعل الارتباطات الأدبية أو الانفعالية أو التاريخية تغلب لديه على ~~الاستمتاع بالأنغام ذاتها، فتكون النتيجة أن يخلق للألحان بخياله ارتباطات مصطنعة، ويعجز ~~عن تذوق الأعمال التي لا تقبل بطبيعتها تفسيرا موضوعيا من هذا النوع. # ولأعد بعد هذا الاستطراد «التعليمي» الطويل لأتابع تطور تجربتي مع الموسيقى، فأشير إلى ~~أن الفرصة قد أتيحت لي، ولأول مرة، لمشاهدة عروض كاملة للأوبرا في صيف عام 1949م، حين ~~سافرت في رحلة إلى باريس بعد تخرجي في الجامعة مباشرة، ضمن وفد من مدرسي اللغة ~~الفرنسية المصريين الذين أوفدتهم الحكومة الفرنسية في دراسة صيفية على نفقتها الخاصة، ~~وتمكن البروفسور «جان جرنييه» من أن «يحشرني» وسطهم مع أني لم أكن في ذلك الحين إلا «طالب ~~وظيفة» انقضى على تخرجه شهر واحد! ومن بين الليالي الثلاثين التي قضيتها في تلك الرحلة ~~الممتعة في باريس، أمضيت ست ليال على الأقل في دار الأوبرا؛ حيث أتيحت لي فرصة مشاهدة بعض ~~درامات فاجنر وأوبرات فردي و«لولي». وكانت التجربة بالنسبة إلي رائعة غاية الروعة، لا ~~سيما وأن الأداء كان ممتازا، فضلا عن أن الإخراج المسرحي كان عظيما بحق. ولست أستطيع أن ~~أعبر عما كنت أشعر به من سعادة ونشوة وأنا أهبط سلالم دار الأوبرا المشهورة في باريس ~~بعد عرض أستمتع فيه لأول مرة بروائع الأوبرات العالمية، بعد أن كانت أسعار تذاكر دار ~~الأوبرا الباهظة في مصر تحول على نحو قاطع بيني وبين مشاهدة أي عرض موسيقي عالمي خلال فترة ~~دراستي. # وخلال السنوات السبع التي أعقبت ذلك، وهي فترة كان يشغلني فيها العمل العلمي ms018 من أجل ~~التحضير لدرجتي الماجستير والدكتوراه، كانت تجربتي في الموسيقى تكاد تكون مقتصرة على ~~الاستماع إلى الإذاعات، وقراءة بعض الكتب الإنجليزية والفرنسية من آن لآخر. على أن كثيرا ~~من الأفكار كانت تختمر في ذهني عن الموسيقى العالمية وعن نواحي الضعف في موسيقانا المحلية. ~~وقد قمت بصياغة هذه الأفكار في أول عمل تأليفي أنجزته في ميدان الموسيقى، وهو كتاب صغير ~~بعنوان «التعبير الموسيقي» (مكتبة مصر، 1956م)، ولم تكن صفحات هذا الكتاب تتجاوز المائة إلا ~~قليلا، ومع ذلك فقد أحسست بالارتياح حين وجدته قد لقي ترحيبا من القراء والمعلقين، بالرغم ~~من أن الآراء التي عرضتها فيه، ولا سيما ما يتعلق منها بالموسيقى الشرقية، كانت مكتوبة ~~بلهجة نقدية شديدة. ومع ذلك فقد استلفت نظري أن معظم من كتبوا عنه لم يتعرضوا للجوانب ~~النقدية التي حاولت فيها أن أشرح عيوب الموسيقى الشرقية على أسس موضوعية علمية، مع أن هذه ~~الجوانب دون غيرها هي التي كنت أود أن أعرضها لاختبار الباحثين. ~~••• # وكان أهم الأحداث التي أدت إلى تعميق تجربتي الموسيقية هي سفري إلى الولايات المتحدة، ~~وإقامتي بمدينة نيويورك؛ حيث كنت أعمل بمقر الأمم المتحدة خلال خمسة أعوام كاملة من 1957م ~~إلى 1962م؛ فمدينة نيويورك هذه بلا شك عاصمة العروض الفنية، والموسيقية على الأخص، في ~~العالم، لا لأن أهلها أشد حساسية من غيرهم في مجال الفن الموسيقي، بل لأنهم أقدر على جلب ~~أعظم العازفين وقواد الأوركسترا في جميع أنحاء العالم؛ ولأن الفنان المشهور الذي يقدم ~~فيها عرضا، يستطيع أن يضمن جمهورا غنيا يتهافت على حجز مقاعد حفلاته كلها مقدما، مهما ~~يبلغ ارتفاع الأسعار. # ولن أتحدث عن فرق الباليه العالمية التي لم يكن ينقطع مجيئها في كل موسم، أو عن ~~مجموعات الرقص الشعبي التي كانت تفد من كل أنحاء العالم، بل سأقتصر في حديثي على الفن ~~الموسيقي والغنائي وحده، وهو الفن الذي نلت منه خلال إقامتي الطويلة هذه أعظم قسط من ~~المتعة ومن الثقافة والمعرفة. ولقد تمكنت بمجرد حضوري من الحصول على اشتراك موسمي في أشهر ~~قاعات ms019 الموسيقى الأمريكية في ذلك الحين، وهي «كارنيجي هول»، وهو ما ينبغي أن يعد «ضربة ~~حظ» رائعة؛ إذ إن قائمة انتظار الحصول على اشتراك للموسم الموسيقي الكامل تضم ألوفا ~~ينتظرون سنوات طويلة قبل أن يحصلوا على ما يريدون. ولعل اسم الهيئة الدولية التي كنت أعمل ~~بها كان له دوره في «ضربة الحظ» هذه. وعلى أية حال فإن حضوري بانتظام لحفلات السبت المسائية ~~في هذه القاعة الموسيقية الكبرى، لمدة خمس سنوات كاملة، أتاح لي فرصة نادرة للتعرف على ~~أرفع أنواع الموسيقى، وأعظم الموسيقيين وقواد الأوركسترا في مختلف بلاد العالم، معرفة ~~مباشرة ... وما زلت، بعد هذا الوقت الطويل، أشعر بحنين جارف إلى تلك الأيام التي يغادر فيها ~~المرء قاعة الموسيقى في «الشارع السابع»، وقد امتلأت روحه بنشوة لا توصف، ليستقبله البرد ~~والثلج في شتاء نيويورك القارس، فيزيد البرد من متعة الروح، ويضفي على التجربة الموسيقية ~~إطارا أثيريا رائعا. # ولقد كانت الفترة التي ترددت فيها على قاعة «كارنيجي» آخر أيام مجد هذه القاعة ~~المشهورة؛ ففي نفس العام الذي غادرت فيه الولايات المتحدة (1962م) كان قد تم بناء قاعة أخرى ~~أحدث وأفخم وأكبر من «مركز لينكولن» (لينكولن سنتر) للفنون، وهو مشروع ضخم كان قد بدأ منذ ~~سنوات، وتكلف عشرات الملايين من الدولارات، لبناء قاعة موسيقية ودار للأوبرا، ومسرح ~~للباليه وكونسرفتوار؛ أعني مدينة فنون كاملة، على أحدث طراز. ونظرا إلى كوني مشتركا ~~قديما في قاعة كارنيجي فقد حجزت لي إدارة المركز الجديد مقعدا لاشتراك موسمي في القاعة ~~الجديدة بدورها، ولكن حلول موعد عودتي إلى الوطن حال بيني وبين حضور الافتتاح العظيم. وكان ~~من أشق اللحظات على نفسي تلك التي كتبت فيها خطاب اعتذار عن قبول المقعد المحجوز، الذي كان ~~المئات دون شك ينتظرونه في لهفة. # ولعل أروع الظواهر التي شهدتها في قاعة كارنيجي، ما كان يتجلى فيها بوضوح من قدرة الفن ~~على تجاوز الحواجز الأيديولوجية والتقريب بين البشر على أساس إنساني يعلو على كل الخلافات ~~السياسية والمنازعات الدولية؛ فمن آن لآخر كانت القاعة تستضيف فنانا مشهورا ms020 من الفنانين ~~السوفيت، وكان الاستقبال الذي يلقاه الفنان في البداية، ثم التصفيق والتكريم الذي يودع ~~به في النهاية، ظاهرة مؤثرة بحق، ولا سيما في بلد يتشبع أهله بدعاية الحرب الباردة التي ~~تسري في عقولهم مسرى الدم في جسم الإنسان، وتطفح صحفه وأجهزة إعلامه بمظاهر الكراهية ~~العدوانية للخصم السياسي، ولا يعرف عن هذا الخصم سوى أنه عدو لدود يريد أن «يدفنه». برغم كل ~~هذه المظاهر، وبرغم أن نسبة عالية من رواد قاعة الموسيقى الكبرى هم من أصحاب الموارد ~~المرتفعة، والمصالح «الرأسمالية» الواضحة، فقد كان هذا كله يذوب أمام روعة الفن، وينسى ~~الجميع الوطن الذي ينتمون إليه، أو النظام الاجتماعي الذي يمثله الفنان، ولا يتذكرون سوى ~~أنهم أمام إنسان عظيم، يقدم إليهم أروع وأسمى متعة للروح. # هناك شاهدت «ليونيد كوجان» عازف الفيولينة السوفيتي العظيم، بشعره الأسود الغزير ووجهه ~~الأسمر وملامحه التي تكاد تكون شرقية صميمة، وهو يقف بثبات رائع أمام جمهور غريب ليقدم ~~إليه عزفا فريدا في نوعه لأشهر الكونشرتات العالمية. وهناك شاهدت عميد عازفي الفيولينة ~~السوفيت، «دافيد أويستراخ» الذي ربما عده البعض أعظم عازفي الفينولينة في العالم. منظره ~~لا يوحي على الإطلاق بأن هناك فنانا نادر المثال من وراء هذه القامة القصيرة البدينة، وهذه ~~الملامح السمحة وكأن صاحبها «خباز» طيب القلب. وحين يمسك بالفيولينة تكاد تتعجب كيف ~~ستتمكن هذه الأصابع السمينة القصيرة من أن تعبر عن التفاصيل النغمية الدقيقة على ~~الأوتار، أو تلاحق سرعة العزف اللاهثة، لا سيما وأن عهدنا بعازف الفيولينة - وبالفنان عامة ~~- أن يكون ذا أيد نحيلة وأصابع رشيقة طويلة. ولكن ما إن يبدأ العزف، حتى ينسى المرء كل ~~شيء، بل ينسى أن في الأمر أية صعوبة؛ إذ إن أصعب الأنغام تصدر عنه وكأنه لا يبذل أي مجهود، ~~ودون أن يظهر في عزفه أي أثر للتوتر، ولا يشعر المستمع إلا بالآلة الصغيرة وهي تغني، وكأن ~~أصواتها تحيط به من كل جانب، وتملأ كل فراغ القاعة الفسيحة. # وحين استمعت إلى عازف البيانو السوفيتي المشهور «إميل ~~جيليلز # Emil Gilels ~~» بدا لي ms021 أن الرجل قد وصل إلى أقصى ما يستطيع عازف هذه الآلة ~~المجيدة أن يبلغه من حساسية ودقة وإتقان. ولكن لم تمض أيام قليلة حتى أرسل السوفيت ~~«صاروخهم» الفني الجبار: «سفياتوسلاف ريشتر» أعظم عازفي البيانو في عصرنا هذا بلا منازع. ~~وكانت الحفلتان اللتان استمعت فيهما إلى هذا العازف الكبير من أروع التجارب الموسيقية التي ~~مرت بي في حياتي، كان يدخل قاعة الموسيقى في خجل شديد، وتكاد تشفق عليه ظنا منك أنه ~~سيرتبك أمام الجمهور الحاشد، وحين يطأطئ رأسه الذي أوشك على الصلع، بشعيراته الحمراء ~~القليلة الباقية، أمام تصفيق الجمهور، تكاد تشعر بأنه يقاوم رغبته في الانسحاب من القاعة، ~~ولكنه بمجرد أن يجلس أمام البيانو، وحتى قبل أن يبدأ في العزف، تحس من جلسته ومن نظرته ~~إلى البيانو أنه تحول إلى شخص آخر، وأن هذا الإنسان الساذج الخجول قد غدا عملاقا ~~جبارا. أما حين يبدأ العزف، فإن من الصعب عليك فعلا، حتى لو كنت مستمعا ذا خبرة طويلة، ~~أن تصدق أن يدين اثنتين، وعشرة أصابع آدمية فقط، هي التي تعزف. إن الأنغام التي تصدر عن ~~البيانو تغني عن فرقة كاملة، ليس فقط لسرعتها وتعقيدها وإتقانها المذهل، بل لتنوع الألوان ~~الغريب، الذي لا يكاد المرء أن يتوقعه من هذه الآلة بالذات. وبثقة كاملة تمتد يدا ريشتر ~~الجبارتان فوق البيانو طولا وعرضا، وتسري الكهرباء الخفية منه إلى كل مستمع في القاعة، ~~وحين ينتهي العزف، تشهد أعجب «المظاهرات» وأجملها: التصفيق، ثم صياح الإعجاب من الجمهور ~~الذي ينسى نفسه، وينسى وقاره، ثم الوقوف إجلالا لإنسان عظيم، ويستمر التصفيق إلى الحد الذي ~~تشعر فيه - حين تعود إلى بيتك فيما بعد - بأن يديك تؤلمانك حقا، ثم تنهال على المسرح ~~باقات الورد خلال موجة التكريم العارمة، الطويلة المدى، والفنان الخجول يعود مرة أخرى إلى ~~شخصيته البسيطة المنطوية على ذاتها ... ولا يملك المرء، إزاء هذا المشهد الإنساني الرائع، إلا ~~أن يتساءل: أما كان من الممكن أن يصبح العالم الذي نعيش فيه عالما أفضل لو كانت اجتماعات ~~الأقطاب تبدأ بعزف كهذا، ms022 أو كانت جلسات الأمم المتحدة تسبقها مظاهرات فنية كهذه؟ # وعلى ذكر الأمم المتحدة، فقد كانت للمنظمة الدولية الكبرى بدورها حفلاتها الموسيقية التي ~~تنظمها في مناسباتها المختلفة، ولا سيما في عيدها السنوي، وكان كبار الفنانين العالميين ~~المستوطنين في أمريكا يتطوعون للاشتراك في هذه الحفلات دون مقابل؛ مشاركة منهم في أداء هذه ~~الرسالة الإنسانية للمنظمة العالمية. وأذكر من الفنانين الذين شهدتهم في هذه الحفلات، عازف ~~الفيولينة العظيم «ياشا هايفتز»، الذي يحيط به الجلال منذ لحظة دخوله القاعة حتى انصرافه ~~عنها وسط تهليل المستمعين، وكان بمشيته عرج خفيف، لا أدري إن كان دائما أم مؤقتا، ولكن ~~أحد الحاضرين أكد لي أن أصل هذا العرج يرجع إلى أيام زيارة هذا الفنان (وهو يهودي) ~~لإسرائيل؛ إذ انتقد الأوضاع فيها وسخر من حياة أهلها، فضربوه «علقة» أحدثت به هذه العاهة - ~~وهي رواية أشك جدا في صحتها! وعلى أية حال فإن كل ضربة قوس من هذا الفنان الذي أذهل ~~العالم بعزفه منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره، كانت تنم عن خبرة وحساسية نادرة، وكان ~~رنين الفيولينة «الستراديفاريوس» التي يعزف عليها رائعا بحق. ولولا مسحة من الروح التجارية ~~تجلت في بعض تسجيلاته المتعجلة خلال السنوات العشر الأخيرة، لظل على الدوام يحتل مع دافيد ~~أويستراخ - أعلى قمم العزف على الفيولينة في العصر الذي نعيش فيه. # ويذكرني «ياشا هايفتز» بعازف آخر من أساطين الفيولينة شاهدته مرة واحدة، هو «يهودي ~~مينوهين»، واسمه يغني، بالطبع، عن معرفة أصله، ولكنه بدوره من اليهود خصوم إسرائيل، وأبوه ~~من الكتاب المشهورين الذين انتقدوا سياسة هذا البلد وأسلوب حياته. وقد كان هذا العازف ~~ملء الأسماع والأبصار في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من هذا القرن، وكان «طفلا معجزا» ~~بكل ما تحمله الكلمة من معان، ولكنه انصرف في الأغلب إلى قيادة الأوركسترا في الآونة ~~الأخيرة برغم أنه لم يزل في أوج نضوجه، ولست أدري لذلك سببا سوى أن عازفين آخرين أشد منه ~~تحمسا لبلد «الشعب المختار» قد رفعوا إلى القمة، مثل إيزاك (إسحاق) ستيرن وناثان ~~ميلستين (والسين ms023 في الاسمين الأخيرين تنطق في أصلها الألماني شينا، ولكن التأمرك جردها ~~مما يغطيها من النقط). ~~••• # والحق أن حديث اليهودية والموسيقى في نيويورك وفي أمريكا حديث طويل؛ ففي هذه المدينة، ~~التي يعيش فيها من اليهود عدد أكبر من ذلك الذي يعيش في دولة إسرائيل كلها، والتي تزيد نسبة ~~اليهود فيها عن ثلث مجموع السكان البالغ ثمانية ملايين ونصف المليون، في هذه المدينة يسطر ~~اليهود بالطبع على كل منافذ الشهرة، ويتحكمون في سوق الفن تحكما يكاد يكون تاما، ~~ومن يسيطر على قاعات نيويورك الموسيقية ومسارحها فقد سيطر على الفن في أمريكا كلها. ~~وأوركسترا النيويورك فيلهارمونيك، الذي هو أشهر فرقة موسيقية في الولايات المتحدة، يكاد ~~يكون كله مؤلفا من اليهود، وهذا ليس في ذاته بالأمر المستغرب؛ إذ إن من المعروف أن اليهود ~~عازفون بارعون. أما عدد المؤلفين الموسيقيين منهم فليس كبيرا، وفيما عدا مندلسون، وربما ~~«مالر»، فإن معظمهم - من أمثال مايربير وأوفنباخ وسان صانس - هم من موسيقيي الدرجة الثانية، ~~أو «من أعظم غير العظماء»، كما يقول التعبير المعروف (وربما كان إيثارهم للعزف راجعا إلى ~~أنه يجلب مزيدا من الربح؛ إذ إن العازف البارع يربح أضعاف ما يربحه المؤلف المشهور). # 2 # ولكن القائد الدائم لهذا الأوركسترا العظيم - وهو منصب يتهافت عليه معظم قواد ~~الأوركسترا في العالم - كان يهوديا صهيونيا متعصبا اسمه ليونارد (أو لينارد كما ~~ينطقونه هناك) برنستين (وهي بدورها نفس السين التي يرفع عنها الأمريكان برقع الحياء، فضلا ~~عن إزالة الفتحة الأصلية من التاء بحيث يصبح المقطع الأخير على وزن «طين»). هذا «البرنستين» ~~لم يكن له تاريخ معروف في قيادة الأوركسترا، وكل ما في الأمر أن قائدا تغيب ذات مرة، ~~فاضطروا في آخر لحظة إلى الاستعاضة عنه بهذا الشاب «المغمور»، «وعندما أصبح عليه الصباح ~~وجد نفسه مشهورا»، وحشر برنستين حشرا مع القائد الأصلي للأوركسترا، وهو اليوناني البارع ~~ديمتري متروبولوس، ليكون له «شريكا مخالفا». ولم تدم الحال طويلا؛ إذ إن القائد اليوناني ~~مات بعد عام واحد من حضوري إلى نيويورك (1958م)، وخلا الجو لبرنستين ms024 ليصبح قائدا ~~للأوركسترا العظيم، ويحتل أكبر منصب مرموق بين المشتغلين بالموسيقى في أمريكا. # ولعل القارئ يظن أن للاعتبارات السياسية أو القومية دخلا في حكمي على جدارة قائد ~~الأوركسترا هذا بمنصبه ، ولكن حقيقة الأمر أن الكثيرين من المحايدين سياسيا، بل من ~~الأمريكيين الخلص، لم يكونوا مقتنعين بكفاءة برنستين. وكان من أبرز العوامل التي تقلل ~~من قدره أمام الجمهور، حركاته المضحكة أثناء قيادته للأوركسترا؛ فمن حق كل قائد للأوركسترا ~~أن ينفعل بالموسيقى التي يؤديها، ولكن هذا الانفعال لا ينبغي أن يصل أبدا إلى حد الابتذال، ~~ولقد كان برنستين يتراقص بوسطه حينا، وبكتفيه حينا آخر، بطريقة تحسده عليها «عوالم» شارع ~~محمد علي. وأنا لا أقول ذلك مبالغة أو تشنيعا، وإنما أصف ما شاهدته بالفعل، ولم يكن في ~~أدائه الموسيقي، على أية حال، أي عنصر غير عادي، يبرر شغله للمنصب الذي كان يحتله قبل ~~سنوات غير طويلة «أرتورو توسكانيني» العظيم. ولكنه، في مقابل ذلك، كان «يحج» إلى إسرائيل ~~بانتظام، وفي أول زيارة له إلى «أرض الميعاد» سجد على الأرض، بمجرد هبوطه من سلم ~~الطائرة، وقبل التراب، والتقطت له عندئذ مئات الصور والأفلام، وسرعان ما كانت جميع ~~أجهزة الإعلام الأمريكية تذيع على الملايين ذلك المشهد العجيب. # وقد يسأل سائل: وهل تبلغ سلطة التعصب اليهودي ذلك الحد الذي يجعل غير الأكفاء يرتفعون ~~على حساب الأكفاء في ميدان الفن بدوره؟ وردي على ذلك أن المسألة لا تتعلق قطعا بوضع ~~أشخاص خلوا من الكفاءة في مناصب لا يستحقونها، فكل هؤلاء موسيقيون موهوبون دون شك، ولكن ~~سوق المواهب في بلد كبير كهذا حافلة بطلاب الشهرة والمجد، والتنافس في ميادين الفنون رهيب، ~~فإذا وجدنا أن الفائزين هم في معظم الأحيان من ينتمون إلى الديانة اليهودية، فلا بد أن ~~يكون ذلك شيئا لافتا للنظر. ويزول العجب إذا علمنا أن الفن، في بلد كالولايات المتحدة، ~~يخضع لقواعد السوق الحرة، وأن هناك عددا من المتعهدين الكبار، كلهم من اليهود، وعلى رأسهم ~~قيصر الحفلات الموسيقية الجبار، سول هوروك # Sol Hurok ~~، هم ~~الذين يملكون القدرة ms025 على أن يرفعوا الفنان إلى عنان السماء أو ينزلوا به إلى سابع أرض؛ إذ ~~إنهم هم الذين يملكون قدرة الإنفاق على إيجار القاعات الموسيقية، ودفع أجور الأوركسترا ~~المصاحبة في فترة العزف وما يسبقها من تدريبات، ونفقات حملات الإعلان الباهظة. ومن جهة أخرى ~~فإن المتنافسين على مراكز الشهرة عديدون، وفي كل عام يظهر مئات من الشبان كلهم يصلحون لأن ~~يكونوا في الصف الأول من العازفين، وكثيرا ما يحدث أن يتفوق شاب في مسابقة من المسابقات ~~الشاقة، ويظن الجميع أن أبواب الشهرة قد فتحت أمامه على مصراعيها، ولكن لا يمضي وقت طويل ~~حتى يطويه النسيان. # وتحضرني في هذا الصدد قصة عازف البيانو «فان ~~كلايبرن # Van Cliburn ~~» الذي كان أمريكيا «صعيديا» من تكساس، وكان قد أحرز المركز ~~الأول في عدة مسابقات محلية شديدة الصعوبة في أمريكا، ومع ذلك فإنه عندما سمع عن مسابقة ~~«تشايكوفسكي» العالمية التي تجرى في موسكو، لم يستطع أن يجد أجر السفر ونفقاته، واضطر إلى ~~الاقتراض والاستجداء من بعض المؤسسات الخيرية، وعندما سافر إلى موسكو ودخل المسابقة، كان ~~نجاحه ساحقا، وأصبح معبود الشعب السوفيتي بين يوم وليلة، وانهالت التعليقات التي تشيد به ~~وتبدي الإعجاب بمقدرته الفنية، وسرعان ما وصلت موجة الإعجاب إلى الصحف الأمريكية، حتى أصبح ~~موضوع الساعة في طول البلاد وعرضها، واستقبل عند عودته استقبال الأبطال في موكب لا أول له ~~ولا آخر، بل لقد أصبح نجاحه - خلال فترة ما - عاملا من عوامل تخفيف حدة الحرب الباردة بين ~~البلدين. هذا الشاب ذاته كانت مواهبه معروفة قبل سفره، ولكن أحدا لم يعبأ به، ولم يساعده ~~على تحقيق أمله، بل كان من الممكن أن تندثر مواهبه تماما، لولا أن ساعده «البلد الخصم» ~~على إظهارها، وبمجرد عودته، استغل المنظمون الذين لم يلتفتوا إليه من قبل، نجاحه الساحق ~~في تنظيم حفلات بلغت أسعارها أرقاما قياسية، وانهالت الدعوات عليه من كل المدن الكبرى، ~~وغمرت أسطواناته السوق، كل ذلك في فترة وجيزة. ولكن موجة الحماسة سرعان ما انحسرت، وأخذ ~~اسمه يختفي بالتدريج، وعادت الأسماء التقليدية ms026 إلى الظهور. ولست أدري ماذا آل إليه أمر هذا ~~الشاب الموهوب اليوم، ولكنه على أية حال ليس من الأسماء اللامعة في حياة أمريكا الموسيقية، ~~ولا أظن أن السبب في أفول نجمه يرتد إليه هو ذاته، بل الأرجح عندي أن المنظمين الذين ~~اضطروا وقتا ما إلى الاعتراف به واستغلاله، قد «استهلكوه» بالدعاية المفرطة المركزة ~~الخاطفة، ثم تخلوا عنه ليعودوا مرة أخرى إلى أبناء طائفتهم المفضلين! ومجمل القول أن ~~المجال مفتوح دائما للاختيار بين فنانين كلهم أكفاء، وأن الاختيار يمكن في كثير من ~~الأحيان أن يتم على أسس لا شأن لها بالفن ذاته. ~~••• # على أن هذه الشوائب، التي ربما كانت أمرا لا مفر منه في مدينة لها تكوين مدينة نيويورك، ~~لا تقلل بحال من المتعة التي يستطيع كل متذوق للفن أن يكتسبها عندما يقيم في بلد يجتذب، ~~كالمغناطيس، كل فنان ناجح مرموق من جميع أرجاء العالم، فضلا عن أولئك الذين استوطنوا ~~المدينة، وهجروا بلادهم الأصلية منذ عشرات السنين. # وإني لأذكر، من بين أعظم من شاهدت من الفنانين الضيوف، قائد الأوركسترا المشهور «هربرت ~~فون كارايان»، إمبراطور الموسيقى الأوركسترالية في القارة الأوروبية بلا منازع. وما أعظم ~~الفارق بين هذا النمساوي العريق وبين صاحبنا «برنستين» القائد الدائم لأوركسترا «نيويورك ~~فيلهارمونيك». لقد استطاع «فون كارايان» أن يضفي على القاعة بأسرها، بعازفيها ومتسمعيها ~~معا، جوا من المهابة والجلال لم أشهد مثله في أي حفل موسيقي حضرته. لم يكن يسرف في ~~إشاراته إلى الأوركسترا، ولكن كل حركة من حركاته القليلة كانت لها دلالتها البالغة، حتى ~~لأكاد أقول إن المرء يستطيع التعرف على اللحن من حركات أصابعه وذراعيه، حتى لو لم يكن ~~يسمع منه شيئا، وكان في شخصيته عنصر واضح من الوقار والقدرة على السيطرة وكسب الاحترام، ~~وقد استقبله الجمهور وودعه بعاصفة من التصفيق لا تشهدها القاعات الموسيقية إلا في ~~أحداثها الكبرى. # ومن العازفين المستوطنين الذين يصعب أن ينساهم المرء، عازف الفينولينة الكبير «جوزيف ~~زيجيتي» الذي كان شيخا مسنا عند مشاهدتي له في عام 1959م، ولكنه كان لا يزال ms027 ذلك الفنان ~~الشديد الحساسية، القوي الشخصية، الذي يعرفه الجميع من تسجيلاته المشهورة. والحق أن لدى ~~زيجيتي قدرة فريدة على أن يضفي طابعه المستقل الخاص على كل قطعة يعزفها. وأسلوبه في العزف ~~من تلك الأساليب التي تستطيع الأذن الخبيرة أن تميزها دون عناء؛ إذ إنه، برغم قدم عهده ~~بالموسيقى العالمية، ما زال يحتفظ بآثار من طريقة عزف موسيقى الغجر (التسيجان) التي تشتهر ~~بها بلاده الأصلية، المجر. وبرغم أن طريقته في العزف تبدو في نظر البعض خشنة متحشرجة إلى ~~حد ما، فإني لا أستطيع أن أنكر إعجابي الشديد بأصالة هذا الفنان وقدرته الفريدة على أن ~~يضفي في كل مرة شيئا جديدا حتى على أوسع المؤلفات الموسيقية ذيوعا وأكثرها تكرارا في ~~قوائم البرامج. # ويطول بي الحديث لو وصفت الانطباعات التي تركها في نفسي عزف «كلاوديو أراو» (أشهر عازفي ~~أمريكا اللاتينية)، أو رودلف فركوجني (التشكوسلوفاكي)، أو فيليب أنترمون (البلجيكي الرشيق ~~الشاب) على البيانو، أو قيادة آندريه ~~كلوتانز # André Cluytens # أو شارل مونش أو بيير مونتو للأوركسترا ... إنهم جميعا عباقرة، ~~وكلهم من ذلك النوع النادر من البشر، الذي يملك مواهب فذة تضفي سعادة على كل من يستمع ~~إليه - وهل هناك ما هو أندر في هذه الأيام من إنسان تشع السعادة من حوله لكي تضيء حياة كل ~~من يحيط به؟ ~~••• # ولست أود أن أطيل الحديث عن المصادر الأخرى لتجربتي الموسيقية خلال إقامتي في الولايات ~~المتحدة؛ إذ إن الحديث عن الأوبرا ليس في كل الأحوال حديثا شائقا في نظر القارئ الشرقي، ~~حتى لو كان من عشاق الموسيقى العالمية، وحسبي أن أقول إنني استمتعت في دار «المتروبوليتان» ~~للأوبرا بسماع عدد من الفنانين العالميين، منهم ريناتا تيبالدي، السوبرانو ذات الجسم ~~الممتلئ والملامح التي تشع بروح الأمومة، وماريا كالاس اليونانية العصبية المزاج، ذات الصوت ~~الأنثوي الدافئ، وجورج لندن صاحب الصوت «الباص» الفخم، الذي كان ينتظره عندئذ مستقبل زاهر. ~~أما أصوات التينور فكانت هناك أزمة عامة فيها خلال تلك الفترة، وأظن أن هذه الأزمة ما زالت ~~قائمة إلى اليوم؛ إذ لم ms028 يظهر بعد «بنيامينو جيلي» (الإيطالي) في الأربعينيات، ثم «يوسي ~~بيورلنج» (النرويجي) في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، صوت من أصوات «التينور» يسد الفراغ ~~الذي تركه كبار الفنانين في العصر الذهبي لهذا الصوت خلال النصف الأول من هذا القرن. # ومن الذكريات الطريفة التي أذكرها من دار أوبرا «المتروبوليتان»، أن مغنية روسية مشهورة - ~~لا أذكر اسمها - حضرت لأداء بعض حفلات الأوبرا، ولم تكن تجيد اللغات الأخرى اللازمة في غناء ~~الأوبرات، ولا سيما الإيطالية، وكانت الأوبرا التي شاهدتها تؤديها هي «مدام بترفلاي»، وقد ~~أدتها بطريقة غريبة حقا؛ إذ كان جميع المغنين الآخرين يغنون بالإيطالية، بينما ترد هي ~~عليهم بالروسية، ولم يكن في هذا الاختلاف اللغوي أي إقلال من متعة النغم، وكان واضحا أن ~~الجمهور معجب كل الإعجاب بصوتها القوي ومقدرتها على التحكم في طبقات هذا الصوت. ومع ذلك ~~ففي إحدى اللحظات الدرامية في الأوبرا كان التينور يغني، وعندما جاء دورها في الرد قالت: ~~«نييت» (ومعناها بالروسية: لا)، فدوت أرجاء القاعة بالضحك. أما سبب الضحك (وهو ظاهرة ~~نادرة بين جمهور الأوبرا، ولا سيما في المواقف الدرامية)، فهو أن كلمة «نييت» هذه هي نفسها ~~التي يستخدمها المندوب السوفييتي في مجلس الأمن كلما استخدم حق الفيتو - وما أكثر ما ~~يستخدمه - وهي كلمة أصبحت مشهورة ومكروهة لدى الأمريكيين؛ لأنها طالما أطاحت بخطط تريد ~~حكومتهم أن تفرضها على المنظمة العالمية! ~~••• # وما دمت في معرض الحديث عن الجمهور الأمريكي، فمن الواجب أن أذكر أن عشاق الموسيقى ~~العالمية فيه أقلية، بل هم أقلية ضئيلة إذا قيسوا بنسبتهم في بعض البلاد الأوروبية. والحق ~~أن أنضج شعوب العالم لا تنطوي إلا على نسبة محدودة من محبي هذا النوع من الموسيقى. ومن ~~الخطأ أن يظن البعض أن هناك شعوبا يتذوق كل أفرادها الموسيقى الكلاسيكية، وكل ما في الأمر ~~أن النسب تتفاوت تبعا لمدى ارتفاع مستوى الثقافة العامة لدى الشعب. ومن المؤكد أن هناك، ~~حتى من بين أولئك الذين يحسبون ضمن عشاق الموسيقى العالمية بين الأمريكيين، عددا غير ~~قليل يواظب على حضور حفلاتها حبا في الظهور ms029 وادعاء للثقافة والتعمق فحسب. وأذكر أن ~~جاري في حفلات «كارنيجي هول» كان ينام بعد بدء العزف بقليل في معظم الحفلات، وأنه في المرات ~~التي كان يصيبه فيها «الأرق» كان يخرج من جيبه ورقا وقلما ويقوم خلال العزف بعمليات ~~حسابية لا أول لها ولا آخر - ومن الواضح أن أحواله المالية كانت أهم لديه بكثير من سماع ~~الموسيقى النادرة التي تتجاوب في أرجاء القاعة. وهناك جار آخر علمت منه أنه مشترك منذ أكثر ~~من خمسة عشر عاما، استمع مرة إلى برنامج للموسيقى المعاصرة يتضمن قطعة لمؤلف أمريكي ~~اسمه «وليام شومان» فسألني متعجبا بعد انتهائها: كيف يعزفون قطعة من موسيقى القرن التاسع ~~عشر لشومان في حفل مخصص للموسيقى المعاصرة؟ وكان السؤال غاية في الغباء؛ إذ إن الفرق ~~بين أسلوب روبرت شومان، الفنان الألماني المشهور في العصر الرومانتيكي، وبين الأسلوب ~~المعاصر لشومان الأمريكي، فارق لا يحتاج المرء إلى أية خبرة لكي يدركه على الفور، حتى لو لم ~~يكن قد عرف من قبل بوجود «شومان» آخر في تاريخ الموسيقى الأمريكية. وبطبيعة الحال لا يحق ~~للمرء أن يصدر حكما عاما على أساس حالات فردية كهذه، ولكن الملاحظ بالفعل أن حب ~~التظاهر بالثقافة - وهو تعويضي منتشر بين أوساط الأثرياء - يدفع عددا غير قليل من الناس ~~إلى حضور الحفلات الموسيقية بانتظام، كما لو كانوا يؤدون طقسا من الطقوس أو فرضا من ~~الفروض التي لا يكون المرء بدونها معدودا في زمرة المثقفين. ~~••• # ولست أود أن أختم هذه الذكريات الموسيقية عن فترة إقامتي في الولايات المتحدة، دون أن ~~أتحدث عن مصدر هام من مصادر الثقافة الموسيقية في هذه البلاد، وهو الإذاعة؛ فمن بين ~~المحطات الإذاعية الكثيرة جدا التي تنتشر في كل مدينة كبرى، # 3 # توجد دائما محطة أو اثنتان مخصصتان للموسيقى العالمية، تقدم إلى مستمعيها ~~موردا لا ينضب من هذا الفن الرفيع. وصحيح أن هذه المحطات تشوبها في معظم الأحيان شائبة ~~الإعلانات السخيفة، التي تهبط بالمستمع، بعد سماع رباعية وترية لبيتهوفن مثلا، إلى حضيض ~~الإعلان عن أحدث دواء للصداع (الذي ms030 يسببه الإعلان ذاته بالطبع!) ولكن الأعمال الموسيقية ~~الكبيرة تذاع كاملة دون مقاطعة وتسبقها عادة مقدمات تحليلية شارحة لمعلقين على مستوى ~~عال من الثقافة. وبفضل طول مدة الإذاعات، تتاح للمستمع فرصة المقارنة بين التسجيلات ~~المختلفة للعمل الموسيقي الواحد، فضلا عن سماع أعمال وتسجيلات نادرة. # 4 # والأمر اللافت للنظر حقا في هذه الإذاعات، والذي ينبغي أن نتنبه جيدا إليه، هو ~~المستوى الهندسي الرفيع لطريقة الإذاعة نفسها؛ فقد استحدثت طريقة جديدة في الإذاعة، اسمها # FM ~~(اختصار # Frequency ~~modulation ~~، وهو تعبير في اللاسلكي لا أستطيع ترجمته، وحتى لو استطعت ~~فلن أتمكن من شرحه) تمتاز بأنها تنقل الصوت نقيا إلى أبعد حد، بحيث تصل إلى أجهزة ~~الاستقبال كل دقائق الموسيقى وتفصيلاتها الصوتية، وكلما ارتفع مستوى جهاز الاستقبال، كانت ~~الموسيقى أصفى وأنقى. وعن طريق هذه الإذاعات يستطيع البعض، ممن توافرت لديهم أجهزة استقبال ~~حساسة، أن يسجلوا المقطوعات المفضلة لديهم على شرائط بطريقة لا تقل في دقتها عن ~~التسجيل في استديوهات الأسطوانات ذاتها. وبطبيعة الحال فإن هذا كله يقتضي نوعا من الوفرة ~~لا نستطيع أن نطمع فيها الآن في مجتمعاتنا. ولكن العناية بالموسيقى المقدمة في الإذاعة لن ~~تكلفنا كثيرا، لا سيما وقد أخذت الساعات المخصصة للموسيقى العالمية تزداد إلى حد لا بأس ~~به في برامجنا الإذاعية؛ ذلك لأن في إذاعاتنا المحلية نوعا من التحريف أو التشويه الصوتي # distortion # يفسد المتعة الموسيقية، ولا سيما في حالة ~~الأصوات الشديدة الارتفاع أو الانخفاض، مهما كانت دقة جهاز الاستقبال. ومن الممكن تلافي هذا ~~العيب بتوجيه عناية خاصة إلى إذاعة البرامج الموسيقية، والاستفادة بخبرة الدول الأخرى في ~~هذا الميدان. # وبرغم أن الموسيقى الكلاسيكية تحتاج بطبيعتها إلى أن تسمع بصوت مرتفع؛ حتى تستبين للأذن ~~أصوات كل الآلات، الظاهرة منها والخفية؛ وحتى يتسنى تمييز الأجزاء الهادئة التي ينخفض ~~الصوت فيها انخفاضا شديدا. وبرغم أن الشعب الأمريكي لا يقف في الصف الأول بين الشعوب ~~الناضجة ثقافيا وخلقيا، فإني لا أذكر أنني سمعت مرة واحدة صوت موسيقى يعلو من داخل ~~البيوت إلى الشارع أو إلى آذان ms031 الجيران. صحيح أن هناك أماكن تسمع فيها موسيقى صاخبة، ~~ولكنها أماكن مقفلة يدخلها من يرغبون في الصخب، أما في الأماكن العامة، أو في البيوت، فلا ~~أثر لضجيج الإذاعات على الإطلاق. ولعل القراء قد شاهدوا في الأفلام منظر الفتاة المراهقة ~~التي تمسك بالترانزستور وتلصقه بأذنها وتسير متراقصة على أنغامه دون أن يشاركها في سماعه ~~أحد؛ هذا ما يفعله مخترعو الترانزستور. أما عندنا، فإنه يغزو البيوت من نوافذها في أحلى ~~ساعات النوم، ويجلجل في السيارات العامة والقطارات، بل ويتسلل إلى مكاتب الموظفين لكي يضيف ~~عاملا آخر إلى عوامل تعطيل الإنتاج. ~~••• # ولعل أفضل ما اكتسبته من سفرتي التي أطلت عنها الحديث، مجموعة الأسطوانات المختارة التي ~~اقتنيتها، وجهاز الأداء الذي ينقل إلي أنغامها. ولست أدعي أن لدي كل ما أريد من ~~التسجيلات (وهل يستطيع أحد أن يدعي ذلك؟) ولكني حاولت أن أكون لنفسي مجموعة كبيرة متوازنة ~~من التسجيلات تغطي كافة فترات الموسيقى واتجاهاتها وأنواعها. # مع هذه التسجيلات أقضي اليوم - كلما سمحت المشاغل - أجمل الأوقات التي تتيح للمرء أن ينسى ~~ضغط الحياة وتوترها ومدها وجزرها، لينتقل لحظات قصارا إلى عالم التوافق والصفاء ~~وسكينة النفس وشفافية الروح. ولست أعني بذلك أنني ممن يتخذون الموسيقى وسيلة للهروب من ~~مشكلات الحياة أو التخفيف منها، وإن كانت قادرة على ذلك بالفعل، فكثيرا ما تكون الموسيقى ~~وسيلة لحشد طاقة الإنسان الروحية على نحو يستطيع معه أن يواجه مشكلاته بعزم أصدق وشجاعة ~~أعظم. غير أني لا أميل، على وجه العموم، إلى أن أجعل من الموسيقى وسيلة لغاية أخرى، أيا ~~كان جلال هذه الغاية وشرفها، وحسبي من التجربة الموسيقية أن تكون غاية في ذاتها، فإن كانت ~~هذه التجربة تبعث في النفس طاقات روحية لا عهد للإنسان بها في حياته اليومية المألوفة، فإن ~~أمثال هذه التأثيرات لا تعبر عن لب التجربة الموسيقية، وهي بالنسبة إلى هذه التجربة ~~نتيجة عارضة غير مقصودة، ولن يجد المرء، لكي يعبر عن ماهية هذه التجربة، إلا أن يلجأ إلى ~~تعبيرات شعرية صوفية لا تقدم ولا تؤخر، وإن كانت ms032 هي كل ما في متناول أيدينا إذا شئنا أن ~~نتحدث عن عالم التآلف النغمي الفريد. وعلى من شاء أن يعرف كنه هذا العالم أن يمر ~~بالتجربة ويبذل الجهد. وكل ما أستطيع أن أؤكده له أنه لن يندم على ما فعل. ~~••• # وأحسب أن هناك مسألتين لو كنت قد استطعت نقلهما إلى ذهن القارئ لكانت هذه الذكريات ~~الموسيقية، قد حققت قدرا كبيرا مما هدفت بها إليه. أولى هاتين المسألتين أنه لا توجد ~~لدى أي مستمع، شرقيا كان أم غربيا، مناعة ضد الموسيقى العالمية، وأن في استطاعة كل ~~إنسان مرهف الحس، أيا كان المجتمع الذي ينتمي إليه، أن يمر بتجربة تذوق هذا اللون من ~~الموسيقى وينميها في نفسه، وعندئذ سيدرك أن الفن الموسيقي قادر على أن يقدم إليه ما هو ~~أروع وأعمق بكثير من الألحان السطحية التي يكتفي بها المرء لو اقتصر على الاستماع التلقائي ~~الضحل للموسيقى اليومية المألوفة. # أما المسألة الثانية فهي أن الموهبة الموسيقية شيء نادر لا ينبغي أن يضيع سدى، ومن ~~الواجب كلما بدت تباشيرها أن تبادر الأسرة والدولة إلى تعهدها ورعايتها وتنميتها. والحق ~~أن الإحساس الذي يغلب علي، كلما رجعت بذهني إلى ذكرياتي في عالم الموسيقى، هو الإحساس ~~بفرص شاعت وإمكانات لم تتحقق، وتجارب لم تعرف طريقها إلى الاكتمال - وهو إحساس لا أود ~~أن يتكرر في نفوس الأجيال الجديدة من أبنائنا. # وعلى أية حال، فإن هذه الذكريات، وربما هذا الكتاب بأسره، يسودها طابع «الاغتراب»؛ لأنها ~~كلها مبنية على تجربة غير شائعة وغير مألوفة في مجتمعنا. ولكن هذا لا يعني أنها لم تكتب ~~إلا لأصحاب التجارب المماثلة، إنها، على عكس ذلك، موجهة إلى الجميع، مستهدفة أن تشجع ~~البعض منهم على خوض هذه التجربة الشائقة، وأن تقنع البعض الآخر بأن يقف من أصحاب هذه ~~التجربة موقف الفهم والوعي وسعة الأفق، ويدرك - نظريا على الأقل - أن للفن أبعادا لا ~~ينبغي بالضرورة أن تكون هي نفس الأبعاد التي ألفها وارتاح إليها. وأيا كان الحكم الذي ~~ينتهي إليه القارئ بعد قراءته لهذه الصفحات فحسبي ms033 أن يعلم أنني نقلت إليه، بصدق وأمانة، ~~صفحة من حياتي، وجانبا أعتز به من جوانب نفسي. # | الإيقاع بين الحياة والفن # في البدء كان الإيقاع. # هانز فون بيلوف # حياتنا كلها غارقة في بحر من الإيقاع لا ينقطع هديره؛ فالكون من حولنا تدور ظواهره في ~~إيقاع منتظم، يظهر أوضح ما يكون في دورات الأفلاك، وظهور النجوم والكواكب واختفائها، وفي ~~تلك «التموجات» التي تتميز بها ظواهر الحياة، وذلك النبض الكوني الذي لا يعد نبض قلوبنا ~~- أعني دليل الحياة فينا - إلا صدى داخليا له. # ومنذ أقدم العصور أثارت فكرة الإيقاع خيال الإنسان وحفزته على التأمل، فإذا به يأتي ~~بالنظرية تلو النظرية لإثبات أن مسار الكون كله لا يعدو أن يكون إيقاعا هائلا ربما لم تكن ~~حياة الإنسان بأسرها إلا نبضة واحدة من نبضاته، وإذا بفكرة «العود الأبدي» - أي المسار ~~المتكرر للكون من البداية إلى النهاية وفقا لنظام ثابت يعود فيتردد مرات لا نهاية ~~لها، كل مرة منها تمثل دورة كونية أو «سنة كبرى» وتشابه الدورات الأخرى في كل شيء - تغدو ~~واحدة من أقدم النغمات المتكررة في الفكر البشري، ابتداء من «أنكسمندريس» في العصر ~~اليوناني القديم حتى «نيتشه» في عهدنا القريب. # إن الإيقاع حولنا في كل مكان يشهد عليه تعاقب الليل والنهار، وتكرار أوجه القمر، ~~وتتابع فصول السنة. وهو في داخل أجسامنا حقيقة لا تنكر تنظم بواسطتها شتى وظائفنا ~~العضوية تنظيما دقيقا محكما، وفقا لفترات ودورات ثابتة، تؤكد لنا أن أعمق وظائف الحياة ~~ذات طابع إيقاعي. # بل إن الإيقاع ليسود علاقات البشر كلما تجمعوا، نراه في تعاقب الأجيال، وفي التغيير ~~الدوري لأذواق الناس وميولهم، بل يراه بعض المؤرخين ذوي النظرة الموسوعية الشاملة متمثلا ~~في دورات كبرى تمر كل حضارة بشرية بمراحلها جميعا على نحو لا مهرب منه؛ فإذا تعامل ~~الناس في مجال الاقتصاد، وجدوا أمامهم دورات اقتصادية يتناوب فيها الازدهار والكساد بنوع من ~~الضرورة يكاد يكون محتوما. # وإذا ما تركنا المجال الكوني الأكبر، والمجال البشري الأوسط، جانبا، وتغلغلنا في أصغر ~~دقائق المادة، وجدنا الإيقاع ماثلا ms034 بوضوح في سلوك نواة الذرة وجزيئاتها، وفي الموجات ~~الكهربية بداخلها، وفي علاقة الخلية الحية بالبيئة المحيطة بها. # في كل شيء إذن هناك إيقاع، وفي كل مكان، وعلى جميع المستويات، تسلك الطبيعة مسلكا ~~متموجا، وتعود من حيث بدأت في حلقات أو دورات تتشابه بدرجات متفاوتة، حتى لقد أكد فنان ~~عظيم، ودارس متعمق للطبيعة مثل ليوناردو دافنشي أن كل صور الطبيعة إيقاعية متموجة، وأن ~~الطبيعة الحقة لكل كائن إنما تتمثل في هذا الارتفاع والانخفاض الدوري الذي يقدمه لنا ~~أنموذج الموجة. # ما الإيقاع؟ # فما هو الإيقاع إذن؟ وما الدور الذي يقوم به في الموسيقى وغيرها من الفنون؟ # تشتق كلمة الإيقاع # rhythm # في اللغات الأوروبية من ~~لفظ # rhuthmos # اليوناني، وهو بدوره مشتق من الفعل # rheein ~~، بمعنى ينساب أو يتدفق. وفي اللغة العربية ~~يرجح أن لفظ الإيقاع مشتق من «التوقيع»، وهو نوع من المشية السريعة؛ إذ يقال «وقع ~~الرجل»؛ أي مشى سراعا مع رفع يديه. ومن المعروف أن مشية الإنسان من أهم الأصول الحيوية ~~التي يرجع إليها الإيقاع، ولكن الأهم من ذلك هو فكرة الحركة بوجه عام؛ إذ إنها تظهر في ~~الأصلين اللغويين العربي واليوناني معا؛ فالانسياب حركة، والمشي بدوره حركة، وفي ذلك ~~دليل قاطع على الارتباط الوثيق بين الإيقاع والحركة كما تشهد به اللغة ذاتها. # هذا الإيقاع الذي يتمثل خارج الإنسان وداخله، والذي يعبر عن حاجة روحية وعن ضرورة ~~مادية في الآن نفسه، هو عنصر نشعر به جميعا ونتحدث عنه، وندرك أنه أول مظهر للحياة في ~~الموسيقى، كما هو أول مظهر للحياة في الكائنات الحية عامة. ولكن القول إن الإيقاع هو ~~الذي يضفي على الموسيقى حياة واندفاعا، لا يكفي لكي يقدم إلينا تعريفا وافيا. ~~والحق أن الإيقاع واحد من تلك الظواهر التي يصعب تعريفها لا لشيء إلا لكونها مألوفة، ~~ولأن تأثيرها فينا ملموس بلا انقطاع. وعلى أية حال فلن نحاول الآن تقديم تعريف للإيقاع ~~عامة، بل إننا نود أن نستعرض بعض التعريفات التي اقترحت للإيقاع الموسيقي على وجه ~~التخصيص لكي نستشف منها أهم العناصر ms035 التي يتألف منها، والتي تضفي عليه كل هذه الأهمية ~~في كل فن موسيقي عرفته البشرية منذ أقدم العصور. # كانت أقدم التعريفات التي قدمها إلينا فلاسفة اليونان للإيقاع تدور حول فكرة ~~«الحركة» تمشيا مع الأصل الاشتقاقي للفظ، كما أوضحناه من قبل؛ فالإيقاعات قادرة على أن ~~تعبر عن أحوال النفس البشرية لأنها في أصلها حركات، شأنها شأن مختلف الأفعال التي ~~يقوم بها الإنسان. وقد تحدث أفلاطون عن الإيقاع على نحو يوحي بأنه يعتمد أساسا على ~~الحركة، فقال: «إنك تستطيع أن تميز الإيقاع في تحليق الطيور، وفي نبض العروق، وخطوات ~~الرقص، ومقاطع الكلام.» وظل لهذا الرأي في الإيقاع تأثيره طويلا، حتى تحدث القديس ~~أوغسطين في أوائل العصور الوسطى عن الإيقاع فوصفه بأنه «فن الحركات الجيدة». كذلك فإن ~~كثيرا من علماء النفس في العصر الحديث أرجعوا الإيقاع إلى مصدر حركي؛ فعالم النفس ~~الألماني «فونت # Wundt ~~» يرد الإيقاع إلى المشي، ~~وريمان # H. Riemenn # يرده إلى نبض القلب، وبوشر # يرجعه إلى الحركات الجسمية، وكثيرون غيرهم يجمعون على أن الإيقاع ~~هو قانون الحركة الطبيعية. # ولقد كان من الطبيعي أن يربط المفكرون في مختلف العصور بين الإيقاع والحركة؛ ذلك ~~لأن الحياة التي تسري فينا، والتي تستمر خلال الزمان، إنما تتجلى في مجموعة متعاقبة ~~من الحركات المنظمة تنظيما بديعا، كنبضات القلب وتناوب الشهيق والزفير في التنفس، ~~والمشية الثنائية الخطوات في الإنسان، والرباعية الخطوات في الحيوان؛ ففي كل هذه ~~الظواهر الفسيولوجية يرتبط الإيقاع التلقائي الحي بالحركة ارتباطا لا ينفصم، بل إن ~~الحركة هي الظاهرة الأساسية في الكون بأسره، كما أدرك الفلاسفة منذ أقدم العصور؛ ~~فالحركة والتغير في المكان والزمان هي عند الفيلسوف اليوناني هيرقليطس أساس فهم ~~الكون والحياة معا، ولا شيء في نظره يثبت أو يستقر عند حال. ومن ثم فتناوب الإيقاع ~~يسري في كل شيء. وكل من ألم بقدر من العلم عن سائر فلاسفة اليونان يعلم أن أفلاطون ~~جعل الحركة مظهرا أساسيا لعالم المحسوسات (على حين أن السكون هو المميز لعالم ~~المعقولات)، وأن أرسطو قد اتخذ من الحركة نقطة ms036 بداية لتفسيره للعالم، ومدخلا أساسيا ~~إلى تعليل كل ظواهره. وحين ظهرت الأفكار الآلية الحديثة في الفلسفة، كان من الطبيعي أن ~~تتخذ الحركة أساسا لتفسير الحوادث الكونية، سواء منها المادية والروحية. # وهكذا فإن قوام الإيقاع الموسيقي هو تلك الظاهرة التي رآها المفكرون، منذ أقدم ~~العصور، كامنة في أساس كل تغير يطرأ على الكون، وكل تجدد وتنوع في الحياة، فبفضل ~~الإيقاع تصبح الموسيقى فنا للحركة. ~~••• # ولكن، هل تكفي فكرة الحركة لتعريف الإيقاع تعريفا جامعا يوضح طبيعته إيضاحا ~~كاملا؟ الحق أن الحركة وحدها، وإن كانت هي القوة الدافعة لكل إيقاع، لا تكفي وحدها ~~للكشف عن معناه؛ إذ إن الإيقاع ليس حركة فحسب، بل هو نوع معين من الحركة، ولا يمكن أن ~~يكون الانسياب المتدفق للحركة، دون ضبط أو تنظيم، هو الذي يمثل الطبيعة الكامنة ~~للإيقاع؛ وعلى ذلك فلا بد من إضافة فكرة التنظيم لكي يزداد معنى الإيقاع وضوحا في ~~الأذهان. # وبالفعل نجد هذا المعنى واضحا في أذهان المفكرين منذ أقدم العصور؛ فأفلاطون كان هو ~~بدوره الذي عرف الإيقاع بأنه «تنظيم الحركة»؛ أي إنه بعد أن صرح بأن أصل الإيقاع ~~حركة حيوية، أضاف إلى هذا العنصر الحيوي عنصرا آخر ذا طبيعة ذهنية أو عقلية، هو عنصر ~~التنظيم، الذي هو طريقة تشكيل الحركة المتدفقة وصياغتها في قالب أو صورة محددة. # وقد ظل لفكرة التنظيم بدورها دور أساسي في تعريف الإيقاع، بحيث اعترفت بأهميته أحدث ~~التعريفات التي وضعت للإيقاع، فقيل إن «الإيقاع مجموع من اللحظات الزمانية الموزعة ~~وفقا لترتيب معين»، وأن «الإيقاع هو النظام في توزيع مدد الزمان.» # ومع اعترافنا بالأهمية القصوى لعنصر التنظيم هذا، فمن الواجب أن نتساءل: فيم يتمثل ~~هذا التنظيم، ومن أين جاء؟ إن في وسعنا التمييز بين نوعين من التنظيم: نوع نخلقه نحن، ~~بإرادتنا الواعية، وتكون له في هذه الحالة طبيعة ذهنية خالصة، ونوع آخر تقدمه إلينا ~~الطبيعة والحياة ذاتهما، وهو تنظيم نخضع له ونقبله كما هو، وإن كنا أحيانا نسيطر ~~عليه في حدود معينة. ومن أمثلة هذا النوع الأخير، مشية الإنسان؛ ms037 فهي بحكم الطبيعة ~~تنظيم معين لحركة الإنسان، لا نستطيع أن نغير شيئا من صورته الجوهرية، ولكنا ~~نستطيع تعديل بعض تفاصيله، بدليل أن كل إنسان يمكنه أن يتحكم في مشيته ويعدلها - في ~~حدود معينة - تبعا للظروف. # وعلى أية حال فإن أفضل وسيلة لتعريف الإيقاع هي تلك التي تجمع بين عنصري الحركة ~~والتنظيم معا، بحيث تكون الحركة تعبيرا عن العنصر المادي أو الحيوي في الإيقاع، ~~والتنظيم تعبيرا عن عنصره الذهني أو الروحي. وبهذا المعنى يكون الإيقاع جامعا بين ~~المادة والروح في مركب واحد، أو بين المجال العضوي والبيولوجي من جهة، والمجال الذهني ~~الهندسي من جهة أخرى، في توافق وانسجام؛ فالإيقاع في أساسه حركة، ولكن هذه الحركة إذا ~~ظلت حرة طليقة بلا تنظيم لا تكون إيقاعا، بل لا بد ممن يسيطر عليها ويوجهها. ~~••• # ولكن أية حركة هي تلك الي ينظمها الإيقاع الموسيقي؟ أهي الحركة التي نألفها في ~~حياتنا المعتادة حين ننتقل من موضع إلى آخر؛ أعني الحركة المكانية؟ لا شك في أن ~~الإيقاع الموسيقي ينظم حركة من نوع آخر، لا شأن لها بالمكان أصلا، بل هي حركة تتم ~~خلال الزمان. وهكذا نجد لزاما علينا أن نشرح فكرة ثالثة تكون عنصرا أساسيا في فهم ~~الإيقاع، بل في فهم الموسيقى ذاتها بوجه عام؛ وأعني بها فكرة الزمان. # في حياتنا اليومية تتمثل لنا، دون وعي، تلك التفرقة التي عبر عنها الفيلسوف ~~الفرنسي برجسون بطريقة عميقة حين ميز بين الزمان # Le temps # والديمومة # La durée ~~؛ فحين ~~نفكر في إحساسنا بمضي الوقت نجد فارقا واضحا بين ذلك الزمان الرتيب المتجانس الذي ~~نعيشه بانفعالاتنا واهتماماتنا، والذي قد تطول فيه لحظات هي - بحساب الساعة الآلي - ~~لحظات قصار، أو تقصر فيه فترات لا نشعر فيها بمضي الزمان وإن كانت الساعة تنبئنا بأن ~~وقتا طويلا قد انقضى. # والزمان هو لب الإيقاع الموسيقي، بل إن الإيقاع الموسيقي ربما كان أقوى عناصر الفنون ~~كلها تعبيرا عن الزمان. والواقع أننا حين نعرف الإيقاع بأنه تنظيم للحركة خلال ~~الزمان، إنما نعني بذلك أن الإيقاع يقوم بإدخال ms038 تنظيم معين على ذلك السيل المتدفق من ~~الحركة الزمانية، بحيث نشعر في الإيقاع بأننا نتحكم على نحو ما في مجرى الزمان وننظمه، ~~بدلا من أن ننساب معه دون وعي. # ونحن نشعر جميعا بالزمن الحي، أو بما يسميه برجسون بالديمومة، في مختلف جوانب ~~حياتنا؛ ففي حياتنا العضوية نشعر بالزمان في تلك الأحوال الجسمية المتفاوتة التنظيم، ~~والتي يطلق عليها البعض اسم «الساعة العضوية». وفي حياتنا الانفعالية نحس بانقضاء ~~الزمان على نحو متفاوت، تبعا لأحوالنا الوجدانية المتباينة؛ فنفاد الصبر يطيل الزمان، ~~بينما السعادة تقصره، وقد يضيع إحساسنا بالزمان تماما في حالات النشوة والوجد. هذا ~~النوع من الزمان الانفعالي كثيرا ما يتحكم في طريقة استجابتنا للموسيقى وتجاوبنا ~~معها. ولما كانت الانفعالات بطبيعتها ذاتية تتفاوت تفاوتا شديدا تبعا للأفراد، فإن ~~إحساسنا بالزمان في الموسيقى يتفاوت بدوره تبعا لدرجة حساسيتنا الانفعالية الخاصة، وقد ~~يصل في حالة الاندماج التام، الذي يقترب من النشوة الصوفية، إلى فقدان تام للوعي ~~بانقضاء الزمان، سواء بالنسبة إلى المستمع حين يستغرق في الإنصات للحن جميل أو إلى ~~المؤلف أو العازف حين ينسى المشكلات الفنية (التكنيكية) التي تثيرها الموسيقى، ولا ~~يستجيب إلا لوحي ألحانه. # ويظهر تأثير هذه الاختلافات الذاتية، التي ترجع إلى أصول عضوية أو وجدانية في حياة ~~الفرد، أوضح ما يكون في نظرتنا إلى عامل السرعة في الموسيقى (التمبو # Tempo ~~)، هذا العامل، الذي تشير إليه في المدونات الموسيقية عادة ~~كلمات تدل على نوع السرعة المطلوب أداء القطعة بها، لا يمكن أن تعبر عنه أية صيغة ~~كلامية، مهما كانت دقتها، بل إن الأداء البارع هو ذلك الذي يتجاوب مع روح المؤلف ~~ويكشف عن الطابع الباطن لموسيقاه. ومن المعروف أن هناك نطاقا غير قليل من الاختلاف ~~داخل الإشارات الواحدة إلى السرعة؛ فالقطعة الموسيقية الواحدة يقوم بأدائها العازفون ~~المختلفون في أزمان مختلفة، بالرغم من أنهم جميعا يطيعون إشارات السرعة التي وضعها ~~المؤلف. ومن المعروف عن بيتهوفن أنه كان يسمح لعازفي قطعه الموسيقية بقدر كبير من ~~الحرية في الأداء، فقال مثلا لإحدى عازفات البيانو: «لست أعزف ms039 هذه السوناتا على ~~طريقتك، ولكن استمري في العزف بهذه الطريقة؛ لأنها لا تقل عن طريقتي جمالا.» بل إن ~~البعض يرون أن إيقاع السرعة يختلف تبعا للأمم؛ فالألماني أبطأ من الفرنسي، والفرنسي ~~أبطأ من الإيطالي، وهكذا ... وعلى أية حال فإن المثل الأعلى في هذا المضمار هو أن يندمج ~~القائم بالأداء في روح العمل إلى الحد الذي تكون فيه ذاتيته وذاتية مبدع العمل شيئا ~~واحدا، وإن كان الاختلاف بينهما يضفي، في أحيان غير قليلة، أبعادا جديدة على العمل ~~الفني. # هذا الاندماج التام في الأداء يكشف عن جانب آخر من جوانب العلاقة بين الإيقاع ~~الموسيقي والزمان؛ فعلى الرغم من أن الإيقاع هو الذي يشعر المرء بالزمان في الموسيقى، ~~فمن الممكن، إذا استغرق فيه المرء استغراقا تاما، أن يكون مؤديا إلى نسيان الزمان ~~لا إلى الإحساس به عن وعي. ولا يقتصر ذلك على القائم بالأداء فحسب، بل إن المستمع ذاته ~~قد يندمج في النشوة الموسيقية إلى الحد الذي لا يعود يشعر معه بانقضاء الزمن. وهكذا ~~يجمع الإيقاع الموسيقي في آن واحد بين القدرة على تذكيرنا بالزمان، والقدرة على محو ~~شعورنا بالزمان. # الإيقاع بين الموسيقى والفنون الأخرى # تتميز الموسيقى بأنها هي الفن الزماني بالمعنى الصحيح؛ فالزمان، كما قلنا من قبل، ~~عنصر أساسي في تحديد طبيعة الإيقاع الموسيقي، وهو القالب الذي يصاغ فيه اللحن الموسيقي ~~بدوره. ومن هنا كان من المستحيل تصور الموسيقى بلا زمان، ودون ذاكرة؛ فلو تخيلنا ~~إنسانا حرم من قوة التذكر إلى حد أنه لا يستطيع أن يربط لحظات ماضيه بحاضره، فإن ~~مثل هذا الإنسان لن يستمتع بالموسيقى مهما بلغت درجة حساسيته؛ ذلك لأن فهم الموسيقى ~~يقتضي أساسا أن يكون لدى المرء حد أدنى من الذاكرة، يتيح له أن يجمع لحظاتها ~~المختلفة في وحدة واحدة، بحيث يتذكر الأجزاء السابقة من القطعة الموسيقية وهو يستمع إلى ~~أجزائها الحاضرة، ولولا ذلك لفقدت وحدتها العضوية، ولما عادت تمثل شيئا ذا معنى ~~بالنسبة إليه. ولا جدال في أن هذه القدرة على الربط بين الماضي والحاضر تتفاوت بحسب ms040 ~~الاستعدادات الفردية، كما تتفاوت تبعا لمقدار الخبرة والمران على الاستماع الموسيقي. ~~ولكن هناك - كما أوضحنا - حدا أدنى من القدرة على التذكر بدونه يصبح التذوق ~~الموسيقي مستحيلا. # والفن الزماني بطبيعته أقرب إلى الطابع الذهني من الفن المكاني؛ لأن الذهن وحده هو ~~الذي يستطيع القيام بهذه الوظيفة الأساسية - وظيفة الربط بين الماضي والحاضر في العمل ~~الفني الواحد - على النحو الكفيل بتكوين كل واحد شامل تزول فيه الفواصل الزمنية أو ~~لا يعود لها تأثير في وحدة العمل الفني. من هنا كانت الموسيقى في نظر عدد غير قليل من ~~الفنانين والمفكرين أقرب الفنون كلها إلى الطابع الروحي؛ إذ إن حاسة الاستماع بطبيعتها ~~أقرب إلى الانطواء والذهنية، وأقوى صلة بعالم الإنسان الداخلي الباطن، من بقية الحواس، ~~فضلا عن أن ما يسمع في حالة الموسيقى توافق صوتي خالص، وليس كلاما لغويا محدد ~~المعاني كذلك الذي نستمع إليه في الشعر. # الموسيقى والشعر والأدب # لعل هذه العبارة الأخيرة قد أوضحت للقارئ أن هناك صلة من نوع خاص بين الموسيقى ~~والشعر، ربما كانت أقوى من صلة الموسيقى بأي فن آخر؛ ذلك لأن الشعر بدوره فن زماني، ~~والأداء فيه بدوره صوتي، ووسيلة تذوقه هي الاستماع، والإيقاع (أو الوزن) يقوم فيه ~~بدور أساسي. كل ذلك يدفعنا إلى أن نحاول استطلاع العلاقة بين هذين الفنين بمزيد من ~~التفصيل. # الحق أن العلاقة بين الموسيقى والشعر تبلغ من التشابك حدا أصبح من العسير معه أن ~~يستقر الرأي حول مسألة تحديد أيهما يرد إلى الآخر، وأيهما هو الأسبق؛ فهناك نظريات ~~تؤكد أن اللغة (التي يصاغ فيها الشعر) أسبق من الموسيقى، وأن أصل الموسيقى هو القدرة ~~الصوتية اللغوية، وأن كل إيقاع لدينا يرتد آخر الأمر إلى وقع الأصوات اللغوية. وهناك ~~نظريات أخرى ترى أن الموسيقى هي أصل الإيقاعات جميعا؛ لأنها لغة طبيعية لا تتقيد ~~بقواعد اصطلاحية معينة، يسهل على الجميع فهمها والتأثر بها، ومن ثم فإن إيقاعاتها ~~هي التي صبغت إيقاعات اللغة بصبغتها الخاصة، وبالتالي فإن الوزن الشعري قد استمد ~~قواعده، في البداية، من الموسيقى. # ومن ms041 الصعب إلى حد بعيد أن يستقر المرء على رأي قاطع يحدد به موقفه بين هاتين ~~النظريتين، لا سيما وأن مثل هذا التحديد يقتضي الرجوع إلى ماضي البشرية السحيق، والبحث ~~في الأصول الأولى للغة، وفي تلك التعبيرات الصوتية الأولى التي ربما كانت تجمع بين ~~طبيعة اللغة البدائية وطبيعة الموسيقى في آن واحد. ومن الجائز أن الاثنين معا قد ~~استمدا من أصوات كانت تستخدم نوعا من النغم وسيلة للتعبير عن إحساس معين، قبل أن ~~تتخذ اللغة صورتها الكلامية المألوفة. وربما كان هذا هو الأصل الذي تفرعت عنه اللغة، ~~حين أصبحت الأصوات رموزا لا تقصد لذاتها، بل تستمد كل قيمتها من اصطلاح الناس عليها ~~واتفاقهم على الربط بينها وبين الموضوعات التي ترمز إليها، كما تفرعت عنه الموسيقى من ~~ناحية أخرى، حين أصبحت بعض الأصوات تعد غاية في ذاتها، وتكتسب قيمتها من الطابع ~~الكامن فيها، لا من علاقتها الرمزية بموضوع خارج عنها. # على أننا لو شئنا أن نلتمس لهذه المشكلات حلا في ضوء المراحل التي يمر بها الإنسان ~~منذ طفولته الأولى، لوجدنا أن الطفل يستطيع عادة أن يتكلم قبل أن يغني - هذا إذا ~~استثنينا تلك الأصوات التي ربما بدت نغما، والتي يصدرها الطفل قبل أن يتعلم الكلام ~~(وهي قطعا نغم شجي في آذان والديه!). على أننا لو هبطنا في سلم الحياة أبعد من ~~ذلك، لوجدنا أن تغريد الطيور يعد تأييدا للنظرية المضادة؛ إذ إنه دليل على أسبقية ~~الموسيقى وإمكان وجودها قبل أن يوجد الكلام. وعلى أية حال فالمشكلة كما قلنا يستحيل ~~حلها في ضوء المعلومات المتوافرة لدينا الآن، وربما كان الأجدر بنا أن نركز ~~اهتمامنا على الوضع الحالي في العلاقة بين الموسيقى والشعر؛ ذلك لأن الارتباط بين ~~الموسيقى والشعر، من حيث الإيقاع، وثيق إلى أبعد الحدود. بل إن الإيقاع الموسيقي ظل ~~خلال قرون طويلة مرتبطا بإيقاع اللغة والشعر بحيث لم تكن هناك تفرقة نظرية بينهما، ~~وكان الوزن الشعري أساسا للإيقاع الموسيقي، وظهر ذلك بوضوح في الموسيقى اليونانية ~~القديمة. # وصحيح أن الموسيقى قد تحررت من ms042 وصاية الإيقاع الشعري فيما بعد، وأصبحت لها ~~إيقاعاتها المستقلة، ومع ذلك فما زال تأثير الإيقاع الشعري واضحا في الموسيقى وما زال ~~من الممكن أن نصف الموسيقى بأنها إيقاع شعري، بغير كلام، وإن كانت الموسيقى بدورها ~~تمارس تأثيرا لا يمكن إنكاره في الشعر، بحيث أصبح ينظر إلى «موسيقى الشعر» على أنها ~~أهم العناصر المعبرة عن ماهيته. # ومن المعروف أن إيقاع اللغة الكلامية، والشعرية بوجه خاص، كان له تأثيره الكبير في ~~عدد غير قليل من الموسيقيين، ربما كان أشهرهم الموسيقي الروسي «موسورسكي»، الذي كان ~~يستلهم قدرا غير قليل من ألحانه - ولا سيما في أغنياته والأوبرا المشهورة «بوريس ~~جودونوف» - من إيقاعات اللغة وتنغيم أصواتها ووقعها وجرسها. أما تأثير الموسيقى على ~~الشعر فلا يحتاج منا إلى إشارة خاصة؛ إذ إننا نعرف جميعا أولئك الشعراء ذوي النزعة ~~الموسيقية، الذين يغلب عندهم وقع الصوت على معناه، والذين استعانوا بما تثيره الأصوات ~~من إيحاءات، سواء في رنينها وفي إيقاعاتها، فجعلوا من ذلك عنصرا أساسيا في نقل ما ~~يريدونه من مشاعر وأحاسيس إلى أذهان قرائهم (أو على الأصح إلى آذان مستمعيهم). # ولقد كانت هذه الصلة الوثيقة بين الموسيقى والشعر هي التي أدت إلى امتزاجهما منذ ~~أبعد العصور؛ فالفن الغنائي، الذي هو فن جامع بين الموسيقى والشعر، أقدم من الفن ~~الموسيقي الخالص، والصوت البشري - مصوغا في القلب اللغوي - كان هو أداة التعبير عن ~~المعاني الموسيقية قبل أن يستعان بالآلات في أداء مهمة نقل المشاعر الموسيقية إلى نفوس ~~الآخرين. # والواقع أن الغناء يؤدي وظيفة مزدوجة في الموسيقى، فهو من جهة يضفي على الموسيقى ~~«الخالصة» معنى محددا مستمدا من اللغة المعتادة، ومن جهة أخرى يؤكد عنصر الإيقاع ~~بأن يضيف أوزان الشعر وإيقاع الكلمات إلى دقات النغم ونبض الأصوات. وربما كان هذا ~~السبب الأخير هو أقوى العوامل التي أدت إلى دعم الروابط بين الموسيقى والكلمات، وهو ~~الذي جعل الغناء فنا أقدم وأوغل في الماضي السحيق من الموسيقى الخالصة. على أن هذا ~~الارتباط - كما هو معروف - ليس دليلا على سذاجة الموسيقى أو بدائيتها، ms043 بل إنه لا يزال ~~قائما في أرفع التجارب الموسيقية العالمية، وما زال الشعر الملحن يحتل مكانته كفن ~~رفيع في الأوبرا والأغنية الراقية ومختلف أنواع التأليف الموسيقي الذي يستعين بالأصوات ~~البشرية. ومن الجدير بالذكر - في هذا الصدد أن أعظم البلاد تقدما في مجال الفن ~~الموسيقي قد شهدت في الآونة الأخيرة محاولات للعودة إلى الأشكال الأولى للتآلف بين ~~الصوت البشري والموسيقي؛ أعني تلك الأشكال السابقة على الكلمات اللغوية ذات المعنى؛ فقد ~~ظهرت مؤلفات للموسيقى والصوت البشري، أو مجموعات الأصوات البشرية، يستخدم فيها هذا ~~الصوت في صورته النقية الخالصة؛ أي من حيث هو مجرد صيحات لا تعبر عن كلمات معينة. ~~وبرر مؤلفو هذا النوع من الموسيقى فكرتهم هذه بأنها تعيد إلى الصوت وظيفته الطبيعية، ~~وتستخدمه استخداما نقيا لا تشوبه شائبة من المعاني العقلية للغة. وبذلك يصبح الصوت ~~البشري وسيلة من وسائل الموسيقى أو آلة من آلاتها، لها خصائصها التي تنفرد بها عن غيرها ~~من الآلات، وتستغل إمكانات هذا الصوت إلى أقصى مدى ممكن. # على أن أوضح مظاهر الاتصال بين الموسيقى والشعر هو ذلك التأثير المتبادل في الوحي أو ~~الإلهام بين هذين الفنين؛ فما أكثر الموسيقيين الذين استوحوا الشعر ألحانهم، والشعراء ~~الذين حاولوا أن ينقلوا عن طريق الكلمات حلما هو في حقيقته حلم موسيقي. والحق أن ~~كثيرا من الشعراء والكتاب، ممن أحسوا بعدم كفاية اللغة للتعبير عن أعمق ما يحسون ~~به، وشعروا بأن الكلمة، في تأرجحها وعدم استقرارها، عاجزة عن أن تنقل ما في صدورهم من ~~أحاسيس، قد استلهموا الموسيقى كثيرا من أفكارهم، حتى لقد كان أندريه جيد يتساءل: ~~«بالفرنسية؟ كلا، إني أود أن أكتب بالموسيقى.» ومن هنا اشتهر كثير من الشعراء بأنهم ~~«سمعيون»، مثل ووردزورث، وكان الكثيرون منهم يعشقون الموسيقى ولا يكتبون بدونها، وكان ~~صمويل بطلر يكتب ويؤلف الموسيقى طوال حياته، وهو في ذلك شبيه بشخصية فريدة أخرى، هي ~~شخصية هوفمان، الذي كان أديبا وموسيقيا ومصورا في آن واحد، وكان له تأثير كبير في ~~مجموعة الموسيقيين والأدباء الرومانتيكيين الألمان. وفي فرنسا كان بودلير ms044 من أكبر أنصار ~~فاجنر ومن أشد المدافعين عنه تحمسا، كما كان ستاندال يعشق الموسيقى الإيطالية، وربطت ~~الأديبة جورج ساند مصيرها، وقتا ما، بشاعر «البيانو» العظيم شوبان. وعندما ظهر ~~الرمزيون في أواخر القرن، كانت الموسيقى عندهم «مقدمة على كل شيء»، وعبر فرلين ~~ورامبو ومالارميه عن حنينهم الدائم إليها، وتأثر مارسل بروست بفاجنر تأثرا عميقا، ~~وحاول أن يتبع في روايته الضخمة «بحثا عن الزمن المفقود» أسلوب «اللحن المميز # Leitmotiv ~~» المشهور عند فاجنر. # أما الموسيقيون الأدباء فلا يقلون عن ذلك عددا. ولست أقصد هنا أولئك الموسيقيين ~~الذين كانت لهم محاولات أدبية فعلية، كمقالات شومان أو كتيبات فاجنر «وليست»، أو مؤلفات ~~سترافنسكي، بل إن المقصود هم أولئك الذين تأثرت موسيقاهم بالأدب، ومن أهم هؤلاء ~~«باخ»، الذي أطلق عليه «ألبرت شفيتسر» اسم «الموسيقي» الشاعر. وقد حاول البعض إدراج ~~بتهوفن ضمن هؤلاء الموسيقيين الأدباء، واستشهدوا بوجه خاص بنهاية السيمفونية التاسعة. ~~ولكن الواقع أن الوحي عند بيتهوفن كان قبل كل شيء وحيا موسيقيا خالصا، ولم يكن ~~للأدب، أو للصور والخيالات الأدبية، دور كبير في إلهامه، فهو لم يكن يفكر في الشعر ~~كثيرا حتى وهو يلحن «أنشودة السرور»، وعلى عكس ذلك كان «ليست» الذي كان للأدب دور ~~كبير في تصوره ل «القصائد السيمفونية» ول «الموسيقى ذات البرنامج»، التي يعد النص ~~فيها ذا أهمية رئيسية في تتبع مجرى الموسيقى، ويحتل ديبوسي مكانة هامة ضمن هؤلاء ~~الموسيقيين ذوي النزعة الأدبية، ويتجلى ذلك في تلك الصور السيمفونية الشاعرية التي ~~رسمتها عبقريته الخلاقة، مثل «البحر # La Mer ~~» ~~و«مقدمة لعصرية أحد ~~الفونات Prélude à l’après midi d’un faune ~~»، وهي أعمال تمتزج فيها الموسيقى والأدب ويتكاملان على نحو ~~يستحيل معه تصورهما منفصلين. # على أن من الضروري أن نتذكر أن التوحيد بين الموسيقى والكلمات ليس في معظم الأحيان ~~اندماجا كاملا كهذا، بل يبدو أن الموسيقى، حتى حين ترتبط بالكلمات تسير في اتجاهها ~~المستقل، ولا تتأثر كثيرا بالكلمات أو تنبثق عنها انبثاقا ضروريا. وحتى لو كان ذلك ~~يحدث، فلن تكون النتيجة عملا متكاملا رفيعا، بل إن ms045 الاندماج التام بين الموسيقى ~~والشعر لا بد أن يتم على حساب الموسيقى نفسها، التي قد تنطفئ حرارتها نتيجة للاهتمام ~~الزائد بالكلمات. وهكذا يمكن القول إن الشعر يسعى من جانبه إلى الاتحاد بالموسيقى، وأن ~~هذا الاتحاد يضفي عليه قوة، ويزيد قدرته التعبيرية والتأثرية، على حين أن الموسيقى تسعى ~~إلى الاستقلال عن الشعر وتهرب منه، وربما كان تاريخها كله محاولة للتخلص من التأثير ~~المفرط للأدب. # الموسيقى والعمارة # إذا كنا قد قلنا من قبل إن الإيقاع يظهر أوضح ما يكون في الفنون الزمانية، كالموسيقى ~~والشعر، فليس معنى ذلك أن الإيقاع لا وجود له في الفنون المكانية. صحيح أن الموسيقى ~~والشعر، أو الأدب بوجه عام، هما الفنان الوحيدان اللذان يتميزان في جوهرهما بالتعاقب، ~~وهما في ذلك على عكس التصوير والنحت والعمارة؛ لأن العمل الفني في هذه الفنون الأخيرة ~~يؤثر فينا دفعة واحدة، بحيث يكون الجهد المطلوب من المشاهد فيها تحليليا، من الكل إلى ~~الأجزاء. على حين أنه في الموسيقى جهد تركيبي، ينتقل من الأجزاء إلى الكل. كل هذا صحيح، ~~ومع ذلك فإن تلك الفنون التي لا تدرك في زمان متعاقب، لها بدورها إيقاعها الخاص؛ ففي ~~فن كالعمارة مثلا، وهي نموذج الفن المكاني بمعناه الصحيح، نجد أنواعا من التكرار أو ~~التماثل أو توزيع المساحات والكتل بتوافق وانسجام، على نحو يؤلف نوعا خاصا من ~~الإيقاع، حتى لقد وصف البعض الفن المعماري بعبارة أصبحت منذ أن أطلقت عليه مشهورة، هي ~~أنه «موسيقى متجمدة». # ولو شئنا مثلا لموسيقى معمارية، أو متأثرة في تركيبها بقواعد أشبه بقواعد المعمار، ~~لما وجدنا أفضل من موسيقى «يوهان سباستيان باخ». صحيح أن الانتقال بين البناء الموسيقي ~~والبناء المعماري انتقال مجازي قبل كل شيء، ولكن لا مفر للمرء من أن يذكر فن المعمار ~~وهو يستمع إلى تلك الموسيقى ذات البنيان المتماسك المشيد بدقة وإحكام طابقا فوق ~~طابق. ومن الجدير بالملاحظة أن كثيرين ممن كتبوا تاريخ حياة باخ قد لاحظوا أنه لا بد ~~أن يكون قد ألم بمعلومات عميقة عن فن العمارة، وأنه كان يتحدث ms046 حديث العارف عن ~~الخصائص الصوتية للكنائس والكاتدرائيات التي تعزف موسيقاه فيها. # والواقع أن وظيفة العمارة، بالنسبة إلى الموسيقى، لا تقتصر على أن تضمن لها رنينا ~~صوتيا جيدا، أو زخرفا يخلق جوا ملائما لسماعها - كما هي الحال في الكاتدرائيات ~~بالنسبة إلى القداس أو الأوراتوريو، والمسرح أو القاعة الموسيقية بالنسبة إلى الأوبرا ~~أو السيمفونية - بل إن قوانين البناء الموسيقي تؤثر، على نحو غير مباشر ، في العمارة، ~~مثلما يؤثر التركيب المعماري في بناء القطعة الموسيقية ذاتها. وقد لاحظ هيجل عن حق ~~أن العمارة، على خلاف التصوير أو النحت، لا تستمد نماذجها مباشرة من الواقع الخارجي، ~~بل تستمد أشكالها من الخيال، وتشكلها وفقا لقوانين الثقل الخاصة بها، وكذلك وفقا ~~لقواعد التماثل والتوافق الإيقاعي التي تشبه ما نجده في الموسيقى. ومن جهة أخرى ~~فعندما تنفصل الموسيقى عن الشعر، تتخذ لنفسها بناء معماريا واضحا. وبعبارة أخرى ~~فإن الموسيقى كلما تحررت من الأدب ازدادت اقترابا من العمارة، وربما كانت طوال ~~تاريخها تتأرجح بين هذين القطبين. # الموسيقى والتصوير # يعد التصوير بدوره فنا مكانيا، ومع ذلك فإن للإيقاع دوره في فن التصوير ~~بدوره، وهو أمر لا يمكن أن تخطئه عين من تعمق فهم هذا الفن؛ ذلك لأن الفنان يجعل ~~من اللوحة قطعة من حياته، وينقل إليها نبض أحاسيسه ومشاعره. وصحيح أن الحركة تتخذ في ~~التصوير طابعا ساكنا متجمدا، ثابتا في الزمان، ولكن هذه الحركة تكون لها صفة ~~الحيوية الكامنة؛ أعني تلك الحيوية التي تنبثق ينابيعها أمام العين الفاحصة التي تندمج ~~في العمل الفني، ولا تكتفي بالتطلع والمشاهدة السلبية فحسب. # بل إن المرء ليستطيع القول بوجود عنصر زماني معين في التصوير؛ إذ إن النسب المكانية ~~تكتسب قيمة زمانية حين تعمل بعض المساحات على اجتذاب العين مدة أطول من بعضها الآخر، ~~وبذلك يكون في اللوحة نوع من الحركة الصامتة التي يتمثل فيها بدورها الإيقاع. # على أن هذا ليس وجه الاتصال الوحيد بين الموسيقى والتصوير؛ فعلى الرغم من أن التصوير ~~يبدو أبعد الفنون عن الموسيقى، فإن العلاقات الأكثر خفاء هي التي تكون ms047 في كثير من ~~الأحيان أوثق العلاقات، وفي استطاعة العلم أن يقدم إلينا أدلة هامة على نوع الصلة ~~التي تجمع بين الموسيقى والتصوير. # إن إدراكاتنا السمعية والبصرية؛ أي الأصوات والألوان، تنتج عن ذبذبات تتفاوت درجة ~~ترددها؛ فالذبذبات الصوتية التي تصدم طبلة الأذن تتراوح بين 32 و72000 ذبذبة في ~~الثانية. وهذه الذبذبات ذاتها تؤثر في شبكة العين، وتنتج ألوانا تتغير ما بين ~~الأحمر والقرمزي حين يصبح ترددها ما بين 483 و708 «تريليونات». ومعنى ذلك أن هذين ~~الفنين يختلفان تبعا لتكويننا الفسيولوجي، لا تبعا للمادة التي تكشف عنهما. وما ~~الفارق بين الذبذبات السمعية والبصرية إلا فارق في الدرجة، بحيث يستطيع الخيال أن ~~يتصور كائنات لها قوة سمعية أكبر من قوتنا، تستطيع أن «تسمع» اللوحات التصويرية، ~~وأخرى يمكنها أن «ترى» سيمفونياتنا! # ومن جهة أخرى، فمن الممكن أن نتصور وجود نسب رياضية معينة، بين درجات تردد ~~الذبذبات التي تسبب الأصوات والألوان الملائمة لنا في آن واحد. وبذلك تكون هناك علاقة ~~خفية بين الصوت واللون، أو بين الموسيقى والتصوير. ومن هنا كانت تلك المحاولات المتعددة ~~التي بذلها البعض لإيجاد صلة بين الفنين، ك «الأرغن اللوني» مثلا. # وإذا كانت هذه المحاولات تنتمي، في معظم الأحيان إلى مجال الخيال الجامع، فإن ~~العلاقات بين الموسيقى والتصوير قد شغلت اهتمام كثير من الموسيقيين الذين كانت تتراءى ~~لهم، في لحظات الوحي الموسيقي، مناظر مرئية تؤدي بهم إلى تأكيد التوازي بين التصوير ~~والموسيقى؛ فكثير من موسيقيي القرنين السابع عشر والثامن عشر، من الفرنسيين، كانوا ~~يؤلفون قطعا موسيقية عن صور لنساء، ويسمونها بأسمائهن. وفي رأي مؤلفي هذه القطع ~~(مثل رامو وكوبران # Rameau et Couperin ~~) أن هذه القطع ~~تصور قسمات الوجه ورشاقة الحركات عن طريق توزيع خاص للإيقاعات والألحان. وفي العهد ~~الرومانتيكي ظهر الاتجاه إلى رسم «مناظر موسيقية»، تطورت إلى القصيد السيمفوني (مثل رسم ~~صور موسيقية عن الوطن، أو أحد أنهاره، كالدانوب أو الفالتافا، أو إقليم فيه مثل أيبريا ~~... إلخ)، وأخذ التوزيع الأوركسترالي يستخدم على نحو متزايد في «تلوين» القطع الموسيقية ~~حسب التعبير الشائع ms048 في لغة الموسيقيين أنفسهم. وهنا نجد أن الكلمة التي أطلقها نيتشه ~~على فاجنر، والتي وصفه فيها بأنه «من حيث هو موسيقي، ينبغي أن يدرج ضمن المصورين» - هذه ~~الكلمة تصدق في واقع الأمر على عدد كبير من الموسيقيين، مثل ليست، وديبوسي، وريمسكي ~~كورساكوف، وسترافنسكي، وكثير غيرهم. # وفي مقابل الموسيقيين المصورين، نجد عددا أكبر من المصورين الموسيقيين؛ فقد كان بعض ~~المصورين يمارس الموسيقى أو الغناء، مثل دافنشي، وتانتوريه # Tintoret # كما أكد ميكلانجلو أن اللوحة الجيدة ينبغي أن تكون ~~«موسيقى ولحنا». # وقد لاحظ البعض وجود تواز بين الاتجاهات في الموسيقى وبين تيارات التصوير في عصور ~~معينة، فأكدوا أن هناك موازاة بين تصوير فاتو # Watteau # وألحان كوبران، أو بين جماعة التكعيبية # Cubism # وجماعة ~~الستة # Les six ~~، أو بين سترافنسكي والسيريالية ... ~~إلخ. بل إن البعض قد أجرى مقارنات بين هاندل وجوتو # Gioto ~~، وبين باخ وليوناردو دافنشي، وبين بيتهوفن وميكلانجلو (وفي هذه ~~الحالة الأخيرة، أجرى البعض مقارنات تفصيلية بين سيمفونية بيتهوفن التاسعة وبين تصوير ~~ميكلانجلو للكنيسة السستينية)، وكذلك بين موتسارت ورافاييل، ولاحظوا في هذه الحالة ~~الأخيرة أن هذين الفنانين قد توفيا في نفس السن، وبسبب نفس المرض، وكانت لديهما نفس ~~الفكرة عن الجمال في ذاته، المبني على الاستمتاع برشاقة الخط أو النغمة. # تلك، على أية حال، مقارنات قد لا تكون تفاصيلها - مهما بدت مقنعة - مقبولة لدى ~~الجميع، ولكنها تدل على وحدة عميقة في المنبع الذي يستقي منه الفنان في جميع الميادين، ~~ولا سيما الموسيقى والتصوير، وحيه وإلهامه. # الموسيقى والرقص # على أن هناك فنا آخر - يمكن أن يعد من بين الفنون المكانية - يحتل فيه الإيقاع ~~الأهمية الأولى، بل يعده البعض أقوى الفنون كلها ارتباطا بالإيقاع، وأعني به ~~الرقص. وكلنا نعرف تلك التسمية التي تطلق في بلادنا على أنواع معينة من الرقص، وأعني ~~بها تسمية «الرقص التوقيعي»، كما نعرف أن أول وأبسط مبادئ تعلم الرقص هو الإحساس ~~بالإيقاع والتجاوب معه والانفعال به. # لقد كان الرقص مرتبطا بالموسيقى منذ أقدم العصور، ولا يكاد يوجد حد فاصل بينهما في ~~التجارب ms049 الفنية لكثير من الجماعات البشرية التي تتسم حياتها بالبساطة؛ فدق الطبول أو ~~التصفيق بالأيدي، في الريف المصري مثلا، يندر أن يكون غاية في ذاته، بل هو في كل ~~الأحيان تقريبا وسيلة إيقاعية لتنظيم حركات الرقص. بل إن الارتباط بين الموسيقى ~~والرقص كان في بعض المجتمعات يتخذ مظهرا مقدسا؛ إذ كان جزءا لا يتجزأ من صميم ~~الشعائر الدينية التي تؤديها الشعوب البدائية تقربا إلى الآلهة أو تمجيدا للطبيعة. ~~وما زلنا حتى اليوم نرى الزنوج في أمريكا يلجئون إلى الرقص المصحوب بالموسيقى أو ~~بالغناء تعبيرا عن مشاعرهم في أكثر المواقف جدية وأبعدها عن السطحية أو الاتجاه إلى ~~الترفيه والتسلية، كما هي الحال في المظاهر التي تطالب بالحقوق المدنية، أو التي تحتج ~~على التفرقة العنصرية أو على الفقر أو حرب فيتنام. # ونتيجة لهذا الارتباط الوثيق بين الرقص والموسيقى كان الأقرب إلى الصواب أن نصفه بأنه ~~فن مختلط مشترك يجمع بين التعاقب الزماني والتشكيل المكاني؛ فهو لا يستطيع أن يوجد ~~بدون الموسيقى، التي تملك قوة محركة لا تقاوم، وتدفع الجسم - بفضل إيقاعها - إلى ~~تتبع مجراها والانقياد له. ولكن حركة الموسيقى بدورها تستمد من الرقص الذي يضفي عليها ~~حيويتها وقوامها. بل إن من الباحثين من يرون أن الرقص كان، بالنسبة إلى الموسيقى ~~الغربية، أحد عاملين كان لهما في تطورها أكبر الأثر. أما العامل الآخر فهو الكنيسة ~~المسيحية. ومن الغريب، والجدير بالذكر، أن تأثير الرقص كان مضادا لتأثير العقيدة ~~المسيحية؛ إذ إن الأول أعطى الموسيقى جسدا، والثانية أعطتها روحا. ومن هنا كانت ~~محاربة الكنيسة للرقص، حتى في داخل الموسيقى نفسها، ومحاولتها أن تجعل للموسيقى روحا ~~مستقلة عن جسمها الإيقاعي. # ومع ذلك لم تنجح جهود الكنيسة في الفصل بين هذين الفنين اللذين يرتبطان في أصل واحد ~~مشترك، ويعبران معا عن الشعور تعبيرا تلقائيا. بل إن الرقص قد ظهر، حتى في ~~الأغاني الدينية الشعبية ذاتها، منذ القرن الوسطى، وأصبح بناء هذه الأغاني يتخذ في كثير ~~من الأحيان طابعا راقصا. وعن طريق تأثير البناء الراقص أمكن إيجاد توازن بين ms050 ~~العاملين الحسي والروحي في الموسيقى، وانعقد لواء النصر للاتجاه إلى تأكيد أهمية الرقص ~~في فن الباليه، الذي يمتزج فيه إيقاع الموسيقى بإيقاع الجسم البشري وبنزوعه إلى التسامي ~~بمادة البدن والتغلب على ثقل الجسم وجاذبية الأرض. وظهر عدد من الموسيقيين الذين ~~خصصوا أحسن وأهم ما ألفوه من أعمال لموسيقى الباليه ابتداء من رامو # Rameau # حتى سترافنسكي # Stravinsky ~~. # وفيما بين تلك التجارب البدائية الساذجة، وذلك الفن الرفيع - فن الباليه - نجد ~~الارتباط بين الرقص والموسيقى يتمثل بأوضح صورة في دقات الأرجل التي تصاحب بها ~~الأنغام ذات الإيقاع المنتظم، وفي تحركات الأيدي وتمايل الجسم، التي يعبر بها ~~المستمع عن انسجامه بالموسيقى وتجاوبه معها. وربما كان الأهم من ذلك حركات قائد ~~الأوركسترا التي هي في شكلها الظاهر نوع من الرقص، ولكنها في باطنها موسيقى متحركة في ~~المكان، وفي صميمها إيقاع ولحن وتوافق نغمي. إنها حركات جسمية ومادية، ولكنها تهفو إلى ~~عالم روحي خالص، ومن هنا كانت حلقة اتصال بين المادة والروح، ومحاولة للتعبير عن ~~الماهية الروحية لفن نقي مجرد، عن طريق الجسم الملموس والمنظور. وهي أيضا حلقة اتصال ~~بين الإيقاع الزمني والمكاني؛ إذ إن إشارات اليد والجسم تتم في المكان، وتشغل حيزا ~~منه، ولكنها في الوقت ذاته تنظم مسرى الأنغام في الزمان وتنفذ إلى أعماق المعنى الباطن ~~للموسيقى الذي لا يتصل بعالم المكان والمادة من قريب ولا من بعيد. ~~••• # وهكذا يتبين لنا من المقارنة السابقة مدى تعدد جوانب الموسيقى وتنوع علاقاتها ~~بالفنون الأخرى، كما يكشف عنه الإيقاع في الموسيقى وفي سائر الفنون. إنها تتفق مع ~~التصوير في إيقاع صامت يميز الأخير، وتخضع لنفس قواعد البناء التي يخضع لها فن ~~المعمار، وتستعير من الرقص رشاقته وانتظام خطواته، وتكتسب من جرس الشعر لحنا، فضلا عن ~~أنها تستلهم مواجد التصوف حينا، وأحاسيس الجنس والجسد حينا آخر. إنها، بالاختصار، ~~تبدو محاولة كبرى لتحقيق الوحدة في الإنسان، وتصل في ذلك إلى أعماق في النفس لا يعرفها ~~ولا يبلغها فن غيرها. # على أن هذه الروابط التي تجمع بين الموسيقى وسائر الفنون ms051 قد أصبحت، في الموسيقى ~~العالمية، صفات باطنة تؤلف جزءا لا يتجزأ من طبيعة هذا الفن العظيم، أو هي بعبارة ~~أخرى، روابط داخلية وليست روابط خارجية يستعير عن طريقها هذا الفن خصائص يفتقر إليها ~~من فنون غيره. وبهذا بلغت الموسيقى العالمية حدا من التعقد وتنوع الجوانب جعلها ~~فنا مكتفيا بذاته إلى حد بعيد. من أجل ذلك، ونتيجة لما تقتضيه من جهد وانتباه من ~~السامع، كان من الصعب في نظر الكثيرين أن تتحد هذه الموسيقى المتكاملة المكتفية بذاتها ~~مع أي فن آخر من أجل خلق وحدة حقيقية؛ فهناك كثيرون لا يرضون عن محاولات الإدماج ~~الحالية بين الموسيقى وبين فنون أخرى كالأوبرا والسينما والباليه؛ ذلك لأن الجانب ~~البصري من العرض يشتت الذهن ويصرفه عن الموسيقى التي يستحيل أن تكون مجرد أداة ~~للترفيه (إلا في أنواع ك «الأوبريت» الخفية مثلا؛ حيث يستطيع المشاهد بسهولة أن ~~يوزع انتباهه بين المرئي والمسموع) وربما لم تكن لدينا القوة الروحية التي تساعدنا ~~على استيعاب فن قوامه تعبيرات متعددة وعميقة في آن واحد. بل إن من الجائز ألا يكون ~~التآزر بين حواسنا كاملا إلى الحد الذي يسمح بأن تستمتع الأذن والعين معا، وبقدر ~~متساو من العمق، بالعرض الذي يجمع بين الموسيقى وبين التمثيل والغناء أو الرقص. # ومن هنا كان من حق المرء أن يتساءل (على المستوى النظري على الأقل): وما الداعي إلى ~~هذا التآزر ما دامت الموسيقى تبعث فينا متعة كاملة؟ هل يستطيع أي فن آخر أن يضيف ~~شيئا، أو يزيد شيئا، على التأثير الذي تحدثه سيمفونية كبيرة مثلا؟ ألسنا نجد فيها ~~عالما كاملا يشتمل على كل عناصر المتعة الجمالية، حتى العنصر التشكيلي ذاته؟ وبعبارة ~~أخرى، فإذا كانت الدراما الإغريقية قد نجحت في الجمع بين العناصر الفنية كلها في مركب ~~واحد، فهل يحتاج العصر الحديث إلى إحيائها في الوقت الذي تستطيع فيه الموسيقى وحدها أن ~~توفق بين هذه العناصر؟ تلك مسألة كان للموسيقي الألماني الكبير «ريشارد فاجنر» فيها ~~رأي خاص، ناقشناه في كتاب آخر من هذه السلسلة («ريشارد فاجنر»، ms052 المكتبة الثقافية، رقم ~~134، ص102-117). # الإيقاع في التاريخ وبين الشعوب # إذا رجعنا في الزمان إلى المراحل القديمة للمدنية، وجدنا الإيقاع الموسيقي يرتبط ~~بأصلين لكل منهما طبيعة تناقض طبيعة الآخر؛ فهو من جهة يرتبط بالشعائر والطقوس ~~الدينية، ويكون جزءا لا يتجزأ من مظاهر العبادة أو من الطقوس السحرية التي تحل ~~محلها. وهو من جهة أخرى يرتبط بأداء العمل الجسمي اليومي، وبالحركات الجسمية التي ~~يؤديها الناس أثناء قيامهم بمختلف الأعمال المادية. وهكذا يتضافر الأصل الروحي مع الأصل ~~المادي في تحديد منشأ الإيقاع منذ أقدم العصور. # ولو تأملنا المجموعات الرئيسية التي تنقسم إليها البشرية، لوجدنا أن نظرتها إلى ~~الإيقاع، ومكانة الإيقاع بين فنونها، تختلف إلى حد بعيد؛ إذ يحتل الإيقاع المكانة ~~الأولى بين عناصر الموسيقى جميعا لدى الشعوب الزنجية. وفي الشعوب الشرقية تظل للإيقاع ~~مكانة كبرى، ولكن اللحن # melody # يحتل مكانة مساوية له، ~~أما في الشعوب الغربية فإن أهمية الإيقاع تتضاءل إلى حد ما، وتبرز أهمية اللحن، بينما ~~يضاف عنصر جديد هو التآلف الصوتي أو الهارمونية. # ففي الشعوب الزنجية تنتشر آلات الإيقاع انتشارا كبيرا، بل هي في كثير من الأحيان ~~تقوم وحدها بوظيفة الأداء الموسيقي المتكامل (فضلا عما يؤديه الإيقاع في حياة الغابة ~~من وظائف أخرى غير الوظيفة الموسيقية؛ إذ يستخدم في التحذير والاتصال والاستنفار ~~للقتال ... إلخ). وحتى إذا ظهر في هذه الموسيقى لحن فإن الغرض منه يكون عادة تأكيد ~~الإيقاع وإظهار مواضع القوة والضعف في دقاته، وربما ظهر اللحن من قلب الآلات الإيقاعية ~~ذاتها، نتيجة لاختلاف خصائصها الصوتية، من حيث ارتفاع الصوت أو انخفاضه، وضيقه أو ~~اتساعه. # ويتميز الإيقاع الزنجي بتغلغل جذوره في الأصول العضوية والحيوية للإنسان؛ فهو ليس ~~إيقاعا عقليا أو لحنيا كإيقاع الموسيقى الغربية. إنه وثيق الصلة بالحركات الجسمية ~~التي تؤدى في الطقوس وفي العمل وفي مختلف الوظائف الحيوية، وفي أعمال الحرب والهجوم ~~والدفاع. وكما يتأثر الإيقاع بالحياة فإنه يؤثر من جانبه في الحياة؛ إذ إنه يثير ~~استجابات جسمية قوية، وقد يصل تأثيره إلى حد النشوة التي ينسى فيها المرء فرديته ms053 ويندمج ~~في الكل، أو في الطبيعة، اندماجا كاملا؛ فالإيقاع الزنجي منبه للحواس ومثير للخيال، ~~وهو يجعل من الفرد مجرد عضو في جماعة تتملكها كلها النشوة المتدفقة. والحق أن المرء ~~لن يكون مغاليا إذا قال إن الجنس الزنجي يمثل، في عالمنا الحديث، مستودعا للقوى ~~الحيوية الأصيلة التي خبت جذوتها إلى حد بعيد في بقية الأجناس، وحسبنا على ذلك ~~دليلان: امتيازهم في الموسيقى الإيقاعية، ولا سيما موسيقى الجاز، وتفوقهم المذهل في ~~الألعاب الرياضية التي تقتضي جهدا وطاقة جسمية جبارة؛ فاقتراب هذا الجنس من المنابع ~~الأصيلة للطبيعة يشهد بأنه لا يزال يختزن من طاقة الحياة قدرا كبيرا، وبأنه أقرب ~~الأجناس البشرية إلى ذلك الينبوع المتدفق الذي يشارك به الإنسان في الطبيعة، ويندمج ~~في مجراها النابض بالحياة. # ويمكن القول إن انتشار موسيقى الجاز في كثير من المجتمعات الغربية الحديثة إنما هو ~~رد فعل على الابتعاد المفرط عن الأصول الحيوية - ذلك الابتعاد الذي حتمته حياة ~~الإنسان المدنية، والبيئة الحضرية المصطنعة التي تسود المجتمعات المتقدمة في التصنيع؛ ~~فليس من قبيل المصادفات أن يكون الجاز أوسع انتشارا في أمثال هذه البيئات. وإذا كان ~~التفسير الشائع لموسيقى الجاز هو أنها موسيقى سهلة، سطحية، خفيفة، تصلح للعامل المرهق ~~المكدود ليسري بها عن نفسه في وقت فراغه بعد يوم عمل شاق؛ فإن هذا ليس إلا جزءا من ~~التعليل الكامن؛ إذ إن هذه الموسيقى هي في الوقت نفسه محاولة لتنبيه الحيوية والحس ~~اللذين أصبحا خاملين في إنسان المجتمع الصناعي، وهي رد فعل على المبالغة في المعقولية ~~المنظمة التي تباعد بين الإنسان وبين تلك الجذور الضاربة في أعماق الحياة. # أما في الشعوب الشرقية فإن للحن، إلى جانب الإيقاع، دورا عظيم الأهمية. وإذا كان من ~~الصعب أن نجمع بين الشعوب العربية والهندية والصينية واليابانية في وحدة واحدة، ونصدر ~~على موسيقاها حكما عاما، فإنا نستطيع مع ذلك أن نحكم بأن هذه الموسيقى إيقاعية ~~ولحنية في أساسها، وأنها لا تلجأ إلى عنصر الهارمونية الذي يكاد يكون وقفا على ~~الموسيقى الغربية منذ أوائل العصر الحديث أو ms054 أواخر العصر الوسيط. # وفي كثير من هذه الشعوب الشرقية يرتبط الإيقاع بالشعائر الدينية أوثق الارتباط، كما ~~هي الحال في الهند وفي كثير من بلاد الشرق الأقصى، على حين أنه يرتبط عند بعضها بالرقص، ~~كما هي الحال في الشرق العربي. وعلى حين أن الحركات الجسمية المصاحبة للإيقاع تتخذ في ~~الحالة الأولى مظهرا روحيا صوفيا، فإنها في الحالة الثانية تتخذ مظهرا جسديا ~~واضحا. # وأخيرا، ففي الشعوب الغربية يزداد الإيقاع خفاء وغموضا، ويندمج اندماجا وثيقا ~~بالكل المعقد الذي يكونه اللحن والهارمونية. ومن هنا كان اصطباغه بطابع عقلاني ~~يبعد به عن الحسية. ومع ذلك فإن موسيقيي الغرب يحاولون، كما قلنا، أن يزيدوا من حيوية ~~موسيقاهم باقتباس الإيقاعات الزنجية، وزيادة تنويع مقاماتها بالاقتراب من المقامات ~~الشرقية، حتى أصبح البحث عن التجديد غاية في ذاتها عند كثير من الموسيقيين المعاصرين ~~أو أشباه المعاصرين. ~~••• # وفي وسعنا أن نتناول المسألة السابقة من زاوية أخرى، هي زاوية الأهمية النسبية ~~للإيقاع بين بقية عناصر الموسيقى؛ ذلك لأن الإيقاع يكون مع اللحن، وكذلك مع ~~الهارمونية في الموسيقى الغربية، وحدة لا تنفصم. وإذا جاز لنا أن نمثل الإيقاع من ~~حيث هو حركة حيوية بالخط ذي البعد الواحد، فإن اللحن يمثل بالمسطح ذي البعدين؛ إذ ~~إن المسافات الصوتية، في ارتفاعها وانخفاضها، هي التي تحدد طبيعة اللحن، ومن ثم ~~كان اللحن يتحدد على أساس نغمة القرار من جهة، والنغمة اللحنية التي تبتعد أو تقترب ~~من نغمة القرار من جهة أخرى، وبهذا المعنى نقول إنه ذو بعدين. أما الهارمونية أو ~~التآلف الصوتي فلها ثلاثة أبعاد؛ لأنها تضيف إلى اللحن عنصر العمق؛ أي تزامن الأصوات ~~المتآلفة وتناغمها في الوقت الواحد. وإذا كان اللحن الإيقاعي يعتمد على القوة الحيوية ~~الدينامية في الإنسان، فإن اللحن يعتمد على حساسيته النفسية، على حين أن التآلف ~~والتوافق يحتاج، بالإضافة إلى العنصرين السابقين، إلى تصور ذهني للتناسب بين ~~الأصوات؛ أي إن الإيقاع أقرب العناصر الموسيقية إلى الحيوية والجسمية والحياة العضوية، ~~والهارمونية أبعدها عنها، وأقربها إلى حياة الإنسان الذهنية. الأول مرتبط أوثق ~~الارتباط ms055 بالحركة المتوثبة، بينما الثاني - مأخوذا على حدة - أقرب إلى السكون. أما ~~اللحن فهو في كلا الحالين وسط بين هذا وذاك، وهو على الدوام معتمد على حساسية الإنسان ~~ومشاعره الوجدانية. # وأخيرا، فبوسعنا أن نقوم بالمقارنة السابقة من زاوية ثالثة، فنقول إن الأزمنة التي ~~يكون للجسم الإنساني فيها قدره المعترف به هي تلك التي يزدهر فيها الإيقاع. وحسبنا أن ~~نشير في هذا الصدد إلى العصر اليوناني، الذي كانت فنونه تقدس جسم الإنسان وتصوره ~~أبدع تصوير، وتكتشف عناصر الجمال والتوافق في تفاصيله وفي التناسق الذي يؤلفه؛ ففي ~~هذا العصر كان للإيقاع المكانة العليا في الموسيقى، بل يمكن القول إن الإيقاع كان هو ~~الدعامة التي تقوم عليها وحدة الفنون، من موسيقى ورقص ودراما، في العصر ~~اليوناني. # ولكن ظهور المسيحية أدى إلى فصم هذه الوحدة؛ إذ إن المسيحية غلبت النفس على ~~الجسم، ورفضت الرقص الذي نظرت إليه على أنه فن جسمي ودنيوي، كما قللت من قيمة الدراما ~~بوجه عام، وبذلك قضت على الوحدة التي عرفتها الفنون في العصور القديمة. وأدى انتشار ~~القيم الدينية، بعد ظهور المسيحية، إلى تغليب العنصر الأخلاقي على العنصر الجمالي، ~~وتأكيد المضمون على حساب الشكل، والروح على حساب المادة. # ولكن الامر الذي ينبغي أن نتنبه إليه هو أن فصم هذه الوحدة بين الفنون، وتجاهل ~~الإيقاع المرتبط بالحياة وبالجسم، كان له أثره العظيم في إنعاش الموسيقى؛ ذلك لأن ~~الموسيقى كانت هي الفن الوحيد الذي استطاع أن يصمد لهذا التغيير الجديد في القيم، وفي ~~النظرة السائدة إلى الحياة والعالم، فهي فن يستطيع أن يعيش دون أن يتصل بالجسم اتصالا ~~مباشرا؛ لأن الجسم لا يشترك في أدائه بصورة ملحوظة؛ ولأن نتاجه النهائي ذو طبيعة غير ~~جسمية، وغير مرئية أو ملموسة، في أساسها، وهي فن لا يقدم، في بعض أنواعه على الأقل، ~~إيحاءات جسمية مباشرة. ومن هنا كانت الموسيقى وحدها، من بين الفنون الإيقاعية جميعا، ~~هي التي استطاعت أن تظل باقية في تصنيفات العصور الوسطى للفنون؛ إذ نجدها واحدة من ~~«الرباع # quadrivium ~~»، مع الحساب والهندسة والفلك؛ ms056 ~~أي ضمن علوم الاستدلال الخالص. وكان من رأي القديس توما الأكويني أنها «تحتل المرتبة ~~الأولى بين الفنون الحرة السبعة، وأنها أرفع العلوم الإنسانية.» # ولقد وجدت المسيحية في الموسيقى وسيلة للتأثير في النفس مباشرة، دون تصوير مادي، ~~فأخذت تعمل ببطء على أن تجعل منها فنا مستقلا عن الشعر والرقص، قادرا على أن ينفذ ~~إلى مجالات لا تنتمي إلى العالم المحسوس ولا تعبر عنها كلمات اللغة اليومية، وفي ~~نهاية الأمر أدخلت المسيحية الموسيقى في شعائرها وطقوسها، وبذلك اكتشفت أسمى دلالاتها، ~~التي هي دلالة روحية في أساسها؛ فالموسيقى تصل مباشرة إلى القلب، وأنغامها تبدو كما لو ~~كانت تهبط من السماء، وتنفذ إلى أعماق النفس البشرية، وليس أدل على استعانة المسيحية ~~بها في تحقيق أغراضها الخاصة، من أحد البابوات، وهو القديس جريجوري، قد خلد اسمه في ~~التاريخ بأن أعطى اسمه لأحد أنواع الغناء الشعائري. # وفي القرن الثالث عشر وقع أهم حدث في تاريخ الموسيقى الغربية، وهو إدخال الهارمونية، ~~التي أضفت على الموسيقى بعدا جديدا لم تعرفه في الأزمان السابقة، أو في غير الحضارة ~~الغربية من الحضارات. والواقع أن التناسب كان عكسيا، في الفترة التي نتحدث عنها، بين ~~الاهتمام بالإيقاع والاهتمام بالهارمونية؛ فقد ربطت الكنيسة، كما رأينا، بين الإيقاع ~~وبين الجسد والحيوية الحسية (ولم تكن في ذلك مخطئة كل الخطأ)، واتجهت في مقابل ذلك إلى ~~تأكيد العالم الباطن، وعنصر العمق في الإنسان. وهكذا يبدو أن روحانية الكنيسة مسئولة ~~إلى حد بعيد عن اكتساب الموسيقى الغربية طابعها الهارموني المعروف. # وازداد هذا الاتجاه وضوحا في العصور الحديثة، التي أضيف فيها الاهتمام بالعقل إلى ~~الاهتمام بالروح، والتي كون الإنسان لنفسه فيها بيئة أغلبها صناعي، يبتعد بها عن ~~منابع الطبيعة الأصلية، وكان لذلك أثره في الإقلال من ظهور الإيقاع، وزيادة الهارمونية ~~عمقا وتعقيدا. وإذا كانت بعض ألوان الموسيقى الحديثة تعود إلى تأكيد الإيقاع، فما ذلك ~~- كما قلنا - إلا محاولة من الإنسان الغربي للتخلص من ذهنيته المفرطة، وللرجوع - في ~~لحظات قصار - إلى تلك المنابع الأولى التي كادت حضارة الإنسان الحديث ms057 أن ~~تنساها. # ولا يعني عدم ظهور الإيقاع في هذه الموسيقى الحديثة أنه أصبح فيها عنصرا ضئيل الشأن، ~~بل إنه قد تحول فيها إلى «إيقاع مضمر» - إن جاز التعبير - بعد أن كان ظاهرا ~~صريحا، بل صارخا في بعض الأحيان؛ فما زال الإيقاع ينظم حركة الموسيقى خلال الزمان، ~~وما زال هو والهارمونية يكونان جسد الموسيقى وروحها، أو عنصر الحركة وعنصر السكون ~~فيها. ومن خلال التآلف بين هذين العنصرين، الاستاتيكي والديناميكي، المادي والروحي، ~~تتقدم الموسيقى الغربية الحديثة وتغزو ميدانا بعد ميدان، وتكشف عن أعماق مجهولة في ~~نفس الإنسان. ~~••• # بالإيقاع إذن تربطنا الموسيقى بالمنابع العميقة للحياة، وفي هذه الحقيقة ربما كان ~~يكمن سر ذلك التأثير الذي تمارسه الموسيقى في نفوسنا، بل في أجسامنا بدورها. أليس من ~~الجائز أن يكون إيقاع الموسيقى حلقة اتصال بيننا وبين ذلك الإيقاع الكامن في أعماق ~~الطبيعة والكون؟ أليس ذلك النبض الذي يسري في أرواحنا وأبداننا بفضل الإيقاع الموسيقي، ~~انعكاسا لنبض الحياة ذاتها في داخلنا؟ تلك على أية حال أسئلة يكفي أن يطرحها المرء دون ~~أن يحاول تقديم إجابة قاطعة عنها؛ لأن الأصول الحيوية للفن ما زالت بعيدة عن متناول ~~البحث العلمي الدقيق. وعلى أية حال فحسبنا أن نكون قد أكدنا الارتباط الوثيق بين ~~الإيقاع في الموسيقى وإيقاع الحياة، وقدمنا لمحة عن ذلك النبض الخفي الذي يسري في ~~الكائن الحي فيحركه ويبعث فيه قوة متجددة، ويسري في النفس البشرية فتستجيب له بكل ~~ملكاتها، وتتخذ استجابتها شكل مجموعة رائعة من نواتج الروح، ربما كانت أسمى ما ~~استطاع به الإنسان أن يحقق لنفسه مكانة ترتفع به فوق سائر الكائنات. # | علم الآثار الموسيقية1 # يشاء سوء حظ الموسيقى أن تكون أكثر الفنون تعرضا للنسيان والاندثار؛ ذلك لأن كل حضارة ~~سابقة تترك من بعدها آثارا مادية ملموسة تتيح للعلماء دراستها وتحليلها وإعادة تصور نمط ~~الحياة السائدة فيها. أما الموسيقى التي كانت تعزف وتسمع في الحضارات الغابرة فإنها تظل ~~صامتة إلى الأبد. وهكذا يستطيع عالم الآثار أن يهتدي إلى أدوات مصنوعة أو تماثيل منحوتة، ~~أو مبان ms058 أو رسوم يسترشد بها في فهمه للتاريخ العام، ولتاريخ فنون كالنحت والتصوير ~~والعمارة، أما عالم الآثار الموسيقية فلا يجد إلا الصمت المطبق. وأقصى ما يستطيع أن يعثر ~~عليه، آلة موسيقية أثرية، قد تكون محطمة وفي حالة لا تصلح للاستعمال، فيقف أمام الآلة ~~الخرساء عاجزا عن بعث النطق والحياة فيها. أما الوثائق المكتوبة فلا تفيد في هذا المجال ~~كثيرا؛ ذلك لأنك لو وصفت قطعة موسيقية بألوف الصفحات من اللغة الكلامية، فلن تستطيع أن ~~تقدم عنها فكرة كافية للأجيال التالية. ~~••• # ويستطيع القرن العشرون أن يفخر بأن موسيقاه ستظل محفوظة إلى الأبد، بفضل أساليب التسجيل ~~التي ظهرت بدايتها الأولى مع مطلع هذا القرن. كذلك فإن موسيقى القرن التاسع عشر لا تزال حية ~~في أذهاننا لقرب العهد بها. ويصدق هذا الحكم، إلى حد بعيد، على موسيقى القرن الثامن عشر ~~وربما السابع عشر أيضا، وإن تكن بعض قواعد الأداء الموسيقي لأعمال هذين القرنين تحتاج إلى ~~دراسات خاصة؛ فإذا ما رجعنا إلى الوراء أبعد من ذلك؛ أي إلى عصر النهضة، والعصور الوسطى، ~~واليونان القديمة، والحضارة المصرية والهندية والصينية القديمة، وجدنا أنفسنا في مجال ~~مجهول لا يقودنا فيه إلا عالم الآثار الموسيقية. ومع ذلك، فإن طموح العلماء في هذا الميدان ~~قد امتد، في الآونة الأخيرة، لا إلى جمع الوثائق الخاصة بالموسيقى في الحضارات الغابرة ~~فحسب، بل إلى محاولة بعث هذه الموسيقى حية من جديد، وإعادة الحياة إلى الأصوات التي اعتقد ~~الجميع أنها أصبحت خرساء إلى الأبد. # وهكذا فإن علم الآثار الموسيقية، بعد أن كان علما صامتا لا يكاد يتصل بالموسيقى ذاتها ~~في شيء، أصبح يشتمل على عنصر الأداء والاستماع إلى جانب عنصر الدراسة النظرية الخالصة، وفي ~~سبيل تحقيق هذا الهدف يلجأ العلماء إلى أي أثر أو أي دليل يجدونه مفيدا. ولكن لما كان وصف ~~الأصوات الموسيقية بالكلمات اللغوية من أصعب الأمور، فإنهم عادة يفضلون الأدوات ~~الموسيقية المصنوعة على الوثائق المكتوبة، كلما كان هناك تعارض بين شهادتيهما. # ومن الطبيعي أن صعوبة الاهتداء إلى الموسيقى الحقيقية كما كانت تعزف ms059 في عصور غابرة تزداد ~~كلما كانت هذه العصور أوغل في القدم. ولكن مما يخفف قليلا من هذه الصعوبة، أن الموسيقى ~~القديمة كانت عادة أقل تعقيدا من الموسيقى الحديثة (وقلة التعقيد لا تعني السطحية ~~بالضرورة؛ إذ إن كثيرا من المؤرخين يعتقدون أن بعض أنواع الموسيقى القديمة كانت عميقة إلى ~~حد بعيد). كذلك كانت الموسيقى القديمة أشد تمسكا بالتقاليد، وهذا يعني أن الأساليب ~~الموسيقية لم تكن تتغير إلا ببطء وبطريقة متدرجة، على عكس ما نشاهده في حالة الموسيقى ~~الحديثة من تغيرات ثورية متلاحقة . ومن العوامل الأخرى التي تساعد عالم الآثار الموسيقية في ~~مهمته، أن الموسيقى هي الفن الوحيد الذي كان في معظم مراحل تاريخه علما وفنا في آن ~~واحد. فقوانين الرياضيات كانت في أحيان كثيرة أساسا للفن الموسيقي، كما أن القواعد ~~الفيزيائية لعلم الصوت كانت ملازمة للموسيقى على الدوام. ونتيجة لهذه العوامل كلها، فإن ~~البحث في موسيقى القدماء، على الرغم من كل ما يكتنفه من المصاعب وما يقتضيه من الجرأة، ~~ليس بحثا عقيما أو ميئوسا منه بأية حال. # والخطوة الأولى في منهج علم الآثار الموسيقية، هي عادة تحديد المبادئ الصوتية لموسيقى ~~الفترة موضوع البحث. والدليل الأول الذي يستخدم في تحديد هذه المبادئ، هو الآلات الموسيقية ~~التي يكشف عنها التنقيب، فإن كانت هذه الآلات في حالة تسمح بالعزف عليها، قيست الأصوات ~~والمسافات التي يمكن استخلاصها منها، أما إذا كانت محطمة أو مهمشة، فإن عالم الآثار ~~الموسيقية يصنع آلات مطابقة لها، ويحاول أن يجري عليها تجاربه لكي يستخلص خصائصها ~~الصوتية. وهناك وثائق تاريخية ترجع إلى عهود معينة، تكشف عن النسب أو المبادئ المستخدمة ~~في السلالم الموسيقية الشائعة في تلك العهود، وقد توجد في عهود أخرى وثائق عن كيفية ضبط ~~آلة موسيقية وترية، فيتيح لنا ذلك إدراك حدود هذه الآلة وإمكانياتها الصوتية. # وبعد تحديد المادة الصوتية لفترة معينة من تاريخ الموسيقى بقدر معقول من الدقة، ينتقل ~~العالم إلى البحث عن أمثلة فعلية للموسيقى التي كانت تؤلف في هذه الفترة، وتصبح مهمته ~~في هذا الصدد هينة ms060 إلى حد بعيد لو أمكنه العثور على وثائق تتضمن أي نوع من التدوين ~~الموسيقي، حتى لو كان ذلك التدوين من نوع غير مألوف يتعين عليه أن يفك طلاسمه. وبعد ~~الوصول إلى هذه الأمثلة أو النماذج وتطبيها على النظام الصوتي الذي سبق كشفه، تعزف بسرعات ~~معقولة على آلات حديثة أو آلات قديمة أعيد ترميمها. وبهذه الطريقة نحصل على صورة يعتمد ~~عليها للحن موسيقي ينتمي إلى عهد تاريخي قديم. # على أن بعض الحضارات القديمة لم تبتدع نظاما للتدوين الموسيقي، أو لم يعثر على أنموذج ~~لطريقتها في التدوين حتى الآن، ويظهر ذلك بوجه خاص في الحضارات التي يقوم التراث الموسيقي ~~لديها على الارتجال، وتنتقل فيها الألحان بطريقة سماعية فحسب، لا بالكتابة على طريقة ~~الغربيين. ولدينا في بلادنا مثال واضح لذلك في الموسيقى الشعبية الريفية، بل في موسيقى ~~المحترفين ذاتهم، الذين لم يعرفوا التدوين إلا منذ عهد قريب. ولا شك أن الرجوع إلى فترات ~~تاريخية قديمة لإدراك طبيعة الألحان التي كانت تشيع فيها، يغدو في هذه الحالة أمرا عظيم ~~الصعوبة، لا سيما إذا كان التراث السماعي قد انقطع، وكل ما يمكن عمله في هذه الحالة هو ~~الاسترشاد بنصوص الأغنيات الشعبية ودراسة إيقاعاتها وأوزانها، من أجل استخدامها أداة ~~للوصول إلى بعض النتائج التقريبية عن الموسيقى التي كانت تلحن بها هذه الأغنيات. أما إذا ~~وجد تراث شعبي باق من العصور القديمة، أو كان من الممكن تتبع التراث الحالي إلى أصول ~~سابقة في الماضي، فإن مهمة المؤرخ الموسيقي تغدو في هذه الحالة أيسر بكثير. # ولقد استخدم بعض علماء الآثار الموسيقية منهجهم هذا في حل كثير من المشكلات المتعلقة ~~بالموسيقى الأوروبية في العصر الوسيط وعصر النهضة. وكان هؤلاء العلماء يجوبون المتاحف ~~الأوروبية بحثا عن صور تمثل موسيقيين قدماء أو آلات موسيقية قديمة، فإذا وجدوا إحدى هذه ~~الصور، قاموا بأقيسة دقيقة للآلات المصورة، واتخذوا هذه الأقيسة مادة لأبحاثهم التالية. ~~ولا شك أن بعض الصور لم تكن دقيقة؛ لأن الرسامين قد يهملون أحيانا التفاصيل المتعلقة بفن ~~غريب عنهم كالموسيقى. ولكن ms061 ثبت في أحيان كثيرة أن الرسام كان دقيقا إلى أبعد حد، حتى في ~~رسم التفاصيل البسيطة، حتى إن المدونات الموسيقية في بعض الصور كانت تمثل أغنيات شعبية ~~شاعت في وقتها بالفعل، ولم تغفل الصورة أي جزء من تفاصيل التدوين. كذلك بلغت صور الآلات ~~الموسيقية من الدقة في التفاصيل ما أتاح لعلماء الآثار الموسيقية تكوين فكرة لا بأس بها عن ~~نطاق هذه الآلات وطريقة عزفها. # ومن النماذج الأخرى لتطبيق مناهج علم الآثار الموسيقية في بعث الموسيقى القديمة من صمتها ~~الطويل، ما قام به العالم «فريتز كوتنر» منذ سنوات قليلة من أجل تحديد طبيعة الألحان التي ~~كانت تعزف بالفعل في العصر اليوناني القديم؛ ذلك لأن كثيرا من الكتب العلمية التي خلفها ~~اليونانيون القدماء كانت تصف السلالم الموسيقية المتعددة التي ابتكرها الموسيقيون في ذلك ~~العصر، ولا سيما فيما بين القرن الخامس والقرن الأول قبل الميلاد. وما زالت مؤلفات ~~«أرخوطاس» و«أرسطو كسينوس»، و«ديوديموس» تقوم دليلا على وجود هذا النوع من العلم النظري ~~الموسيقي عند اليونانيين. ولقد كان الباحثون المحدثون، حتى عهد قريب، يناقشون هذه الموضوعات ~~على أسس نظرية خالصة، ولكن لم يحاول أحد منهم أن يعيد إحياء الأصوات الفعلية التي نحصل ~~عليها من هذه السلالم القديمة، حتى جاء «كوتنر» وضبط آلات حديثة تبعا للمبادئ الرياضية ~~التي حددتها المراجع القديمة، وعزفها على هذه الآلات. # وكانت النتيجة التي أدهشت «كوتنر» هي أن الموسيقى الناتجة شرقية بكل معاني الكلمة؛ أي ~~أنها تنتمي إلى النمط السائد في الشرق الأوسط والأجزاء الغربية من قارة آسيا. ومما ساعد على ~~تأييد هذه النتيجة، أن عددا كبيرا من الموسيقيين والعلماء اليونانيين كانوا يعيشون في ~~مدن تقع على سواحل آسيا الصغرى. كذلك كانت هذه النتيجة متمشية مع نتائج سبق أن توصل ~~إليها العلماء بشأن فنون وعلوم أخرى، كان اليونانيون فيها مدينين بقدر غير قليل من ~~كشوفهم للمصادر الشرقية القديمة، ولكن لم يكن في وسع العلماء حتى الوقت الذي نتحدث عنه، أن ~~يثبتوا هذه الحقيقة في ميدان الموسيقى بدورها؛ نظرا إلى خمود صوتها، وإلى ms062 ما بدا من تشابه ~~ظاهري بين النظريات اليونانية وبين بعض التطورات اللاحقة في الأسس النظرية للموسيقى ~~الأوروبية. وهكذا انتهى «كوتنر» إلى تأكيد هذه الحقيقة الهامة، وهي أن الموسيقى اليونانية ~~بدورها قد خضعت خضوعا واضحا لمؤثرات قوية امتدت من غربي آسيا والشرق الأوسط إلى كل ~~الأقاليم اليونانية. # وباتباع نفس هذا المنهج اتضح للعالم نفسه أن الصينيين القدماء قد عرفوا السلم ~~«الفيثاغوري» معرفة كاملة منذ القرن السادس قبل الميلاد. وكان الاعتقاد الشائع بين العلماء ~~هو أن هذا السلم قد انتقل مع الجيوش اليونانية الغازية في فتوحاتها التي توغلت شرقا في ~~عهد الإسكندر الأكبر. ولكن هذا الاعتقاد لو كان صحيحا لما انتقلت تلك المعرفة الموسيقية ~~إلا في أواخر القرن الرابع أو في القرن الثالث قبل الميلاد، على حين أن الكشف أثبت أنها ~~انتقلت إلى الصين قبل عهد الغزو اليوناني لآسيا بكثير، بل قبل ظهور المدرسة الفيثاغورية ~~ذاتها في اليونان. وكان الاستنتاج الذي انتهى إليه، بناء على هذا الكشف، هو أن هذا النوع ~~من السلالم الموسيقية قد ظهر أولا في إحدى مناطق الشرق الأوسط، يرجح أنها منطقة ما بين ~~النهرين، ومنها انتقل شرقا إلى الصين وغربا إلى اليونان. # ولكن لعل أعظم علماء الآثار الموسيقية على الإطلاق هو العالم الألماني «هانز هيكمان» الذي ~~تلقى تعليمه في ألمانيا، وعاش في مصر قرابة ثلاثة وعشرين عاما، وشغل لعدة سنوات منصب ~~رئيس القسم الموسيقي في المتحف المصري بالقاهرة. وقد تخصص «هيكمان» في الآثار الموسيقية ~~المصرية القديمة، وشارك في القيام بمجموعة كبيرة من الحفريات والرحلات التنقيبيه. والواقع ~~أنه كان يجمع بين صفات متعددة تجعل منه نموذجا مثاليا لعالم الآثار؛ فقد كان مؤرخا، ~~وعالما في اللغويات، وباحثا أثريا، وخبيرا في الموسيقى، ودارسا لعلم الاجتماع، ~~وحجة في العلوم المصرية القديمة. وكانت أعظم كشوفه هي الاهتداء إلى طريقة تقريبية لفك ~~رموز التدوين في الموسيقى المصرية القديمة، وجمع عدد لا حصر له من الآلات القديمة التي ~~ترجع إلى عهود أسرات متعددة، وكان بعض هذه الآلات في حالة جيدة، وبعضها الآخر مهشما. وقد ~~استطاع ms063 صنع نماذج مطابقة للآلات المهشمة، حتى أصبحت توجد اليوم - بفضل كشوفه وأبحاثه - ~~مجموعة كبيرة من الآلات القديمة، المحفوظة والمصنوعة، منها القيثارات ذات الأحجام المختلفة، ~~والأبواق وأنواع المزامير والآلات الوترية والإيقاعية. وقد استمعنا منذ سنوات طويلة، إلى ~~إذاعة لأصوات بعض هذه الآلات، قدمها الأستاذ هيكمان من محطة الإذاعة المصرية، وأعاد فيها ~~إحياء أصوات منبعثة من ماض سحيق للبشرية. غير أن طموح هذا العالم الجليل يستهدف اليوم ~~غايات أعظم من هذه بكثير، هي العمل على تقديم تسجيل حي لموسيقى فرعونية كانت تعزف بالفعل ~~في ذلك العهد الغابر. # ومن أهم كشوف هيكمان، الاهتداء إلى طريقة عزف الكنيسة القبطية القديمة، وهي أول موسيقى ~~كنسية مسيحية عرفها العالم، فيها تمتزج عناصر مصرية قديمة، وأخرى شرقية وعبرية. وقد يلقي ~~هذا الكشف ضوءا على الأشكال الأولى للأنشودة الجريجورية كما عرفتها أوروبا في العصور ~~الوسطى. # ومن الأهداف التي ينتظر تحقيقها أيضا بفضل بحوث هيكمان، التوصل إلى إحياء الموسيقى ~~والأغاني والآلات القديمة. وقد توصل إلى ذلك عن طريق دراسة مئات من الرسوم والنقوش ~~الحائطية القديمة التي تصور موسيقيين وراقصين. كما قام بتفسير عدد هائل من الوثائق، ~~وفضلا عن ذلك فقد أجرى دراسات مقارنة بين الآلات، كانت تساعد على تصحيح تفسيراته ~~واستنتاجاته؛ إذ إن المقارنة بين ثقوب المزامير وأشكال القيثارات ومواضع «العفق» في العود ~~قدمت إليه شواهد قيمة عن طبيعة السلالم الموسيقية وطريقة العزف على الآلات. # ومن المؤكد أن الأخطاء في هذا الميدان الشاق ممكنة على الدوام، وكثيرا ما وصل علماء ~~الآثار الموسيقية المحدثون إلى استنتاجات أثبتت الكشوف التالية خطأها. ومن هنا كان الصبر ~~وتحمل الخطأ من أهم الصفات اللازمة للعالم في هذا الميدان؛ إذ إن من ينفد صبره عند ~~ارتكاب خطأ جسيم لا يصلح لهذا النوع من البحث أصلا، فليس هذا هو الميدان الذي يتوقع ~~فيه العالم أن يكون معصوما من الخطأ، مهما كان مقدار جلده وإخلاصه في البحث؛ إذ إن ~~الخيال والحدس يلعبان دورا غير قليل في ميدان علم الآثار الموسيقية. # ومع ذلك فإن التقدم في هذا العلم ms064 يزداد عاما بعد عام، ومناهجه تزداد دقة بالتدريج. ومن ~~المؤكد أن إحراز نجاح في هذا الميدان كفيل بأن يلقي مزيدا من الضوء على ميادين أخرى ~~للمعرفة البشرية؛ إذ إن الدور الذي كانت الموسيقى تلعبه في كل المجتمعات القديمة كان دورا ~~عظيم الأهمية. إننا اليوم ننظر إلى هذا الفن على أنه شيء عارض في حياتنا، يقدم إلينا ~~وسيلة سارة لقضاء الوقت وللترفيه عن النفس - أو هكذا ينظر إليه على الأقل معظم الناس - أما ~~في الحضارات القديمة فقد كانت الموسيقى شيئا أهم بكثير، شيئا مرتبطا بمعان فلسفية ~~ودينية وصوفية عميقة. ولا بد أن يؤدي الكشف الدقيق لموسيقى أية حضارة قديمة إلى إلقاء ~~ضوء ساطع على عقائدها الدينية ونظمها السياسية ومذاهبها الفلسفية والكونية ومعارفها ~~العلمية. لقد كان لدى القدماء من الوقت والفراغ ما يتيح لهم إعمال فكرهم في عالم الصوت، ~~واستخلاص نتائج عظيمة الأهمية منه، تفيدهم في شتى نواحي حياتهم. ومن هنا فإن علم الآثار ~~الموسيقية يؤدي للدراسة الحضارية خدمة لا تقدر، حين يلقي ضوءا على الحياة الموسيقية ~~للشعوب الغابرة، فيعيد بذلك إحياء عنصر أساسي في حضارات هذه الشعوب. # | خواطر حول الموسيقى الشعبية # كان من الشائع، وقتا ما، أن تقسم الموسيقى فئتين: فئة للعامة وفئة للخاصة. وموسيقى ~~العامة هي تلك الألحان الخفيفة، الراقصة في الغالب، التي تستطيع الجماهير الغفيرة من الناس ~~تذوقها وترديدها دون عناء، وتجد في ذلك لذة تخفف عنها عناء العمل اليومي الشاق. إنها ~~موسيقى جسم مكدود وذهن متعب، لا تقتضي من السامع جهدا، بل هي على العكس من ذلك قد تكون له ~~معينا على بذل المزيد من الجهد. أما موسيقى الخاصة فإن النفس لا تدرك ما فيها من انسجام ~~وتوافق إلا بعد أن تكون قد تدربت على بذل نوع من الجهد الذهني يتيح لها أن تتتبع ~~الخيوط المختلفة للحن، والمسارات غير المتوقعة للإيقاع، وتجمع ذلك كله في وحدة متآلفة؛ ~~فهي إذن موسيقى تعتمد أول ما تعتمد على قدر من التركيز الذهني لا يتوفر إلا لقلة من ~~البشر، تسمح لهم ظروف ms065 حياتهم بأن ينعموا بهذا الترف، تماما كما كان التفكير الفلسفي وقتا ~~ما ترفا لا يملك الاستمتاع به إلا القليلون. # كان ذلك تقسيما شائعا في وقت من الأوقات، وكان من الطبيعي أن يرتبط هذا التقسيم بنوع ~~من التمييز الطبقي، قد يكون أحيانا قائما على أساس اجتماعي واقتصادي، ولكنه في الأغلب ~~قائم على أساس ثقافي؛ فالعامة والخاصة يناظرون الطبقات الفقيرة والطبقات الغنية أو ~~الأرستقراطية في بعض المجتمعات، ولكنهم في معظم الأحيان يناظرون - في مجال الموسيقى - ~~الجهلاء والمثقفين، أو السطحيين والمتعمقين، وبعبارة أخرى فإن اهتمامات محدودي الثقافة من ~~الناس لا تتعدى المستويات السطحية الظاهرة للفن الموسيقي، على حين أن المثقفين الحقيقيين ~~يغوصون في أعماق هذا الفن ليستخلصوا منه دررا لا تتكشف إلا للواصلين. # على أن عصرنا الحديث، في ميله الشديد إلى تعقيد كل ما هو بسيط، قد أدخل تغيرات شاملة على ~~هذا التقسيم المبسط، كان من شأنها أن أصبحت الصورة معقدة غاية التعقيد؛ فقد دارت الأيام، ~~وإذا بنا نجد أولئك الذين اعتدنا أن نسميهم بالخاصة أو المثقفين أو أرستقراطي الفكر، يهتمون ~~كل الاهتمام بألوان الموسيقى التي يرددها العامة، ويجعلونها موضوعا للدراسة والتحليل، بل ~~إن منهم من أصبح يرى فيها خلاصا من الأزمة الفنية التي انتهت إليها موسيقى الخاصة ذاتها، ~~ووسيلة بعث حياة جديدة ودماء حارة فتية في جسدها الذي دب فيه الاعتلال والوهن. وبعد دورة ~~الأيام هذه أصبحنا نجد كبار المشتغلين بالموسيقى - نظريا وعمليا - يبدون اهتماما ~~زائدا بإيقاع دقات الطبول عند قبيلة مجهولة في قلب غابات أفريقيا، أو بلحن بدائي متوارث ~~من مئات السنين، يردده سكان جزيرة نائية في المحيط الهادي، ويحسون بفرحة من عثر على كنز ~~ثمين حين يسمعون أغنية ساذجة يرددها الفلاحون الفقراء في مجاهل الهند. وأصبح المثقف الذي ~~كان يحتقر الموسيقى الراقصة بكل أنواعها، يستمع بشغف شديد إلى أنغام «الجاز»، ويكون ~~النوادي التي تضم عشاق هذا اللون، بل ويعد الاستماع إليه - ويا للعجب! - علامة من ~~علامات اتساع الأفق ورحابة الذهن والترفع عن روح الحذلقة والكبر والغرور. # إنها إذن دورة كاملة ms066 قام بها تفكير الإنسان منذ اللحظة التي كان يقسم فيها الموسيقى، ~~ببساطة، إلى فئة للخاصة وفئة للعامة، حتى اللحظة التي أصبح فيها الخاصة يحرصون على إثبات ~~خصوصيتهم بإبداء أكبر قدر من الاهتمام والعناية بموسيقى العامة. ولا جدال في أن من أوضح ~~مظاهر هذا التغيير الجذري في نظرة المثقف الحديث إلى الفن الموسيقي، تلك النهضة الشاملة ~~التي أصابت الموسيقى الشعبية، والتي حولت هذا اللون من فن سوقي لا يعبأ به إلا عامة ~~الناس، إلى فن رفيع يشغل أكبر قدر من اهتمام المثقفين والمتذوقين والدارسين، ويرى فيه ~~الكثيرون أساسا لكل تطور مثمر في مستقبل الموسيقى. ~~••• # هذا التغير الأساسي الذي أدى إلى رد اعتبار الموسيقى الشعبية يمكن إرجاعه إلى جذور ~~حضارية متعددة، أسهمت كلها في هدم النظرة الأرستقراطية إلى الفن الموسيقي، وفي ربط هذا الفن ~~على نحو أوثق بالحياة الفعلية للناس، بعد أن ظل طويلا وسيلة تستخدمها الطبقات ~~الاجتماعية المترفة في الترويج عن نفسها، ولا يوجد لها خارج نطاق هذه الطبقات مجال. # أول هذه الجذور الحضارية هي فكرة القومية. ومن الواجب منذ البداية أن نوضح أن الموسيقى ~~القومية لا يتعين بالضرورة أن تكون موسيقى شعبية، وأن الفنان الذي يكتب موسيقاه بدافع ~~القومية لا يستمد وحيه من الألحان الشعبية حتما؛ فقضية القومية في الموسيقى ليست هي ذاتها ~~قضية الشعبية، ومع ذلك فإن مؤرخي الموسيقى لاحظوا ارتباطا وثيقا بين ظهور الطابع الشعبي ~~في الموسيقى، أو على الأصح التنبيه إلى هذا الطابع والاهتمام به، وبين انتشار فكرة القومية؛ ~~ففي العالم الغربي كان القرن التاسع عشر عهد ازدهار القوميات، وكان في الوقت ذاته عهد ~~الاهتمام بالموسيقى الشعبية والرجوع إلى الألحان الأصيلة النابعة من وجدان الشعب، واتخاذها ~~أساسا تبنى عليه أعمال موسيقية شامخة. ولقد كان الارتباط بين الظاهرتين طبيعيا؛ إذ إن ~~الاهتمام بالقومية، على المستوى السياسي والاجتماعي والحضاري، لا بد أن يصحبه اهتمام ~~بروح الأمة كما يتجلى في ألحانها المنبثقة عنها تلقائيا. كما أن السعي إلى تحقيق ~~الأهداف القومية لا بد أن يستعين - ضمن وسائله المتعددة - بالقوة الروحية ms067 التي تثيرها في ~~أفراد الأمة تلك الألحان التي ظلت تجمع بينهم، وتدعم وحدتهم المعنوية أجيالا طويلة. ~~وربما ذهب بعض المفكرين إلى أن الروح القومية ترجع إلى عهد أقدم من القرن التاسع عشر ~~بكثير؛ إذ إنها - في أوروبا الغربية مثلا - ترتد إلى ذلك العصر الذي انتشرت فيه لغات ~~قومية مستقلة عن اللغة اللاتينية (التي كانت شاملة من قبل)؛ أعني العصر الذي كتبت فيه ~~مؤلفات أدبية تعبر عن روح كل شعب على حدة. وهؤلاء يرون أن العناصر الشعبية في الموسيقى ~~كانت موجودة - ربما بصورة غير واضحة كل الوضوح - منذ عهد النهضة الأوروبية في القرن السادس ~~عشر؛ أي طوال الفترة التي كان يشيع الاعتقاد بأنها فترة «عالمية» تتخطى حدود البلدان ~~الخاصة ولا تخاطب شعبا دون غيره. وقد يكون لهذا الرأي نصيب من الصحة، ولكن الأمر المؤكد ~~هو أن التنبه إلى هذه العناصر الشعبية في الموسيقى، وفهم دلالتها، واستغلالها استغلالا ~~واعيا، كل ذلك لم يحدث على نطاق واسع إلا في نفس الفترة التي أخذت فيها القوميات الأوروبية ~~تسعى إلى الاستقلال، وتبحث عن أصولها الروحية الكامنة وتلتمس الطريق إلى فهم شخصيتها ~~المستقلة المميزة. # ومن الجذور الأخرى التي نبع منها الاهتمام بالموسيقى الشعبية، الاتجاه الحديث إلى تحقيق ~~الديمقراطية، واتساع قاعدة الجمهور الذي يخاطبه الفنان. ولا جدال في أن هذا الاتجاه يرجع ~~إلى عهد أسبق بكثير من القرن التاسع عشر؛ إذ إنه يرتبط في الواقع بانتهاء عهد الإقطاع ~~السائد في العصور الوسطى، وببداية ظهور الطبقات البورجوازية والتجارية الحديثة. غير أن ~~القرن التاسع عشر هو الذي شهد لأول مرة ازدهارا سريعا للروح الديمقراطية، وهو الذي أخذت ~~فيه الجماهير العريضة من الناس تبدي اهتماما كبيرا بالفن الذي كان تذوقه من قبل ~~مقتصرا على فئات محدودة تحتل أعلى درجات السلم الاجتماعي. ولقد كان طبيعيا، في هذا ~~الوقت الذي أخذت فيه الدعوة إلى الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية تنتشر انتشارا ~~سريعا، والذي أحست فيه الطبقات المنسية لأول مرة بكيانها، وطالبت لنفسها بالمكانة التي ~~تستحقها داخل المجتمع، كان طبيعيا أن يتجه اهتمام المؤلفين ms068 الموسيقيين إلى تلك المنابع ~~اللحنية التي يشترك فيها أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، والتي هي أقرب ما تكون إلى روح ~~الشعب الأصيلة، وهي الأقدر على التعبير عن أحاسيس الطبقات الشعبية التي لم تعد تعيش على ~~هامش المجتمع؛ فالموسيقى الشعبية هي، بمعنى معين، تعبير عن اصطباغ الفن الموسيقي ~~بالصبغة الديمقراطية، واتجاهه إلى مخاطبة نفس الجماهير العريضة التي كانت الدعوة إلى ~~الديمقراطية تسعى إلى تحريرها اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. # على أن هناك حركة أخرى كان لها نصيب غير قليل في توجيه الاهتمام إلى الأصول الشعبية ~~للموسيقى، هي الحركة الرومانتيكية، التي ازدهرت بدورها في القرن التاسع عشر، وما زالت لها ~~آثار باقية في نظرة الإنسان إلى الفن حتى اليوم؛ ذلك لأن هذه الحركة هي التي مجدت - لأول ~~مرة - التراث الشعبي في الأدب والتصوير والموسيقى، وهي التي نبهت الأذهان إلى تلك القوة ~~الغامضة الخفية التي تكمن في أعماق الروح الشعبية، وتتيح لهذه الروح أن تعبر عن نفسها ~~تعبيرا أصيلا صادقا مخلصا في أعمال فنية لا يمكن أن توصف بأنها نتاج لفرد معين، بل ~~هي نتاج لشعب أو مجتمع كامل، أو هي على الأصح نتاج القوة الخلاقة الكامنة في هذا الشعب. ~~وليس من العسير أن يدرك المرء مدى وثوق الارتباط بين مقومات النزعة الرومانتيكية وبين هذا ~~الاهتمام بالفن الشعبي؛ إذ إن ما تتسم به تلك النزعة من اتجاه صوفي غامض، يغلب المشاعر ~~والانفعالات، ويميل إلى الجانب الخفي للأشياء، مرتبط أوثق الارتباط بفكرة القدرة الخلاقة ل ~~«روح الشعب» التي تعبر أصدق تعبير عن أعمق «أحاسيسه»، وبهذا الأصل «المجهول» الذي يقال ~~إن كل فن شعبي ينبثق منه. # وأخيرا، فهناك سبب يمكن أن يعزى إليه - في القرن العشرين بوجه خاص - الاتجاه إلى إحياء ~~التراث الشعبي في الموسيقى، هو البحث المحموم في هذا القرن عن الجديد بأي ثمن، وفي أية ~~صورة. ولقد اتخذ البحث عن الجديد، في حالة الموسيقى أشكالا شتى، كان من بينها إحياء ~~الألحان الشعبية واتخاذها أساسا لاتجاه كامل من اتجاهات الفن الموسيقي؛ أي إن البحث عن ms069 ~~الجديد قد اتخذ في هذه الحالة - كما في حالات أخرى كثيرة - طابع الرجوع إلى القديم مع ~~إضفاء صورة جديدة عليه. ولقد رأى البعض في سعي موسيقى القرن العشرين إلى الجديد علامة من ~~علامات الإفلاس الفني، ومظهرا من مظاهر نضوب معين ذلك الوحي الذي أنتج في القرنين الثامن ~~عشر والتاسع عشر من الروائع ما عجز القرن العشرون عن إنجاز قدر ضئيل منه. ومن هنا كان ~~التجاؤه إلى التجريب الصوتي والتوسع في إدخال الآلات الجديدة واستحداث السلالم المعقدة، ~~لا لشيء إلا لكي يداري العجز الأساسي الذي يتسم به. ورأى البعض الآخر أن هذا الاتجاه إنما ~~هو تعبير صريح عن صفة كانت ملازمة للفن الموسيقي في أزهى عهوده، وأعني بها استلهام روح ~~الأمة التي ينتمي إليها الفنان، فلم يزد القرن العشرون في هذا الصدد عن أنه كشف بصراحة ووعي ~~عن مصدر للوحي الفني كان الموسيقيون من قبل ينهلون منه دائما دون وعي منهم في أغلب ~~الأحيان. وسواء أكان هذا الرأي أم ذاك هو الصحيح، فالأمر المؤكد هو أن القرن العشرين ~~يمثل قمة الاتجاه إلى الاعتراف بالموسيقى الشعبية بوصفها مصدرا أساسيا للفن الموسيقي، ~~ووسيلة عظيمة القيمة لبعث روح جديدة في هذا الفن. ~~••• # ولست أهدف من هذا البحث إلى إصدار حكم على الاتجاه إلى الاستعانة بالتراث الشعبي في ~~الموسيقى؛ إذ إن أمثال هذه الأحكام تقوم في معظم الأحيان على أساس يفتقر إلى الموضوعية، ~~وتتجه إلى فرض التفضيلات الذاتية لصاحبها على أذهان الآخرين وأذواقهم. ولكني أود أن ~~ألقي بعض الضوء على الفكرة التي يرتكز عليها هذا الاتجاه الموسيقي في صورته العامة، وعلى ~~الطريقة التي يطبق بها في بلادنا بوجه خاص. # وأول ما ينبغي أن أشير إليه وأؤكده للقارئ، هو أن حديثي هنا لا ينصب على الموسيقى الشعبية ~~ذاتها، بل على محاولة الاستعانة بها في بناء موسيقى ذات طابع عالمي، أو في بعث نهضة موسيقية ~~في بلد متخلف. والأمران مختلفان اختلافا واضحا؛ إذ إن الموقف الذي يمكن أن يتخذه المرء من ~~الموسيقى الشعبية، كما هي في ذاتها، ms070 لا يعدو أن يكون موقف العالم الذي يسجل ويحلل، أو ~~السامع الذي يتذوق ويقدر. أما في حالة المحاولات التي أود أن أتناولها بالبحث، فمن الممكن ~~أن يتحدث المرء عن مدى مشروعية المحاولة ذاتها، ومدى اتساقها مع نفسها، ومقدار الدور الذي ~~يسهم به الأصل الشعبي في الهدف الذي يضعه أصحاب هذه المحاولات لأنفسهم - وكلها موضوعات لا ~~يجوز للباحث التعرض لها حين يكون بصدد الكلام عن الموسيقى الشعبية في صورتها ~~الخالصة. # إن من الواضح، بادئ ذي بدء، أن الانتقال بفكرة «الشعب » أو «الشعبية» من المجال القومي أو ~~الديمقراطي - أي من معناها السياسي والاجتماعي - إلى المجال الفني، والموسيقي بوجه خاص، ~~ينبغي أن يختبر بدقة، ويعالج بحذر شديد؛ ذلك لأن هناك احتمالا قويا في أن يكون إيمان ~~الكثيرين ب «الشعب» و«الشعبية»، على المستوى السياسي والاجتماعي، قد دفعهم إلى الإيمان بهذه ~~الفكرة ذاتها على المستوى الفني دون تمييز بين المجالين؛ فعندما نقول عن اتجاه معين إنه ~~شعبي، بالمعنى السياسي، يكون لهذه الصفة في الأذهان التقدمية وقع مرغوب فيه إلى أقصى ~~حد. ومن الطبيعي، تبعا لذلك، أن يكون لها مثل هذا الوقع حين تستخدم صفة لعمل فني. ~~وبرغم ما قلناه من قبل، من أننا لا نهدف إلى إصدار حكم إيجابي أو سلبي على الموسيقى الشعبية ~~في ذاتها، فمن الواجب أن ننبه إلى أن الخلط بين الارتباطات النفسية والذهنية للألفاظ، ~~فيما بين المجالين السياسي والفني، هو في ذاته أمر غير مشروع، ومن الممكن أن يؤدي إلى أخطاء ~~جسيمة، وحتى لو كان المرء ممن يبدون أشد الإعجاب بالاتجاهات الشعبية في الموسيقى، فإن هذا ~~الإعجاب، لو كان مصدره هو التقدمية السياسية التي تجعل المرء متعلقا بكل ما هو «شعبي»، ~~لكان بهذا المعنى أمرا غير مشروع من الناحية الفنية. ولست أعني بذلك أنه يوجد - أو ينبغي ~~أن يوجد - انفصال قاطع بين مجالي السياسة والفن، بل إن ما أعنيه هو أن الأحكام التي يصدرها ~~المرء في أحد المجالين لا ينبغي أن تكون لها بالضرورة نفس الدلالة في المجال الآخر، وأن ~~الارتباطات ms071 النفسية المستمدة من عالم السياسة لا يصح أن تكون أساسا للحكم في عالم ~~الفن؛ فإذا كان الشعب هو - من الناحية السياسية - مصدر كل القيم التي يعتز بها المفكر ~~التقدمي، فإن هذا لا يعني - منطقيا - أنه في الوقت ذاته مصدر كل قيمة في الأعمال الفنية ~~بدورها. وإذا كان الاتجاه الشعبي مرغوبا فيه في المجال السياسي، فليس من الضروري أن يكون ~~هذا الاتجاه مرغوبا فيه في المجال الفني أو الموسيقي بدوره. # ولست أعني بذلك أن من الضروري أن يحكم المرء على الاتجاه الشعبي في الموسيقى حكما ~~سلبيا، بل إن في وسع المرء أن يصدر من الأحكام الإيجابية على هذا الاتجاه ما يشاء. ~~وكل ما في الأمر أن هذه الأحكام ينبغي أن تكون مبنية على أسباب جمالية، ويجب ألا تكون ~~مجرد امتداد أو انعكاس للأحكام التي يصدرها على الاتجاهات الشعبية في مجال السياسة أو ~~المجتمع. وفي مقابل ذلك، فمن الواجب ألا يخلط المرء بين نقد الاتجاه الشعبي في الفن وبين ~~الرجعية السياسية أو الاجتماعية؛ إذ لا يوجد أي ارتباط ضروري بين هذين الأمرين. # وهكذا يمكن القول إن عبادة الشعب، على المستوى السياسي والاجتماعي - وهي سمة من أخص سمات ~~المثقف في القرنين الأخيرين - قد انعكست بلا تمييز في المجال الفني فأصبحت بدورها عبادة ~~لكل اتجاه شعبي في الموسيقى، حتى أصبح من الصعب أن يتخذ المرء موقفا نقديا موضوعيا ~~إزاء هذه الاتجاهات، خشية أن يتهم بالترفع عن «الشعب»؛ أي بالأرستقراطية والرجعية ~~بالمعنى السياسي. وأصبحت الآمال التي يعلقها الفكر التقدمي على انتصار القوى الشعبية في ~~مجال السياسة، منعكسة على ميدان الفن في صورة آمال ممثلة تجعل الفنان موقنا بأن إحياء ~~الفن في عصرنا الحاضر لن يكون إلا بالرجوع إلى تراثه الشعبي. ومرة أخرى أقول إنني لست ضد ~~هذه الفكرة الأخيرة من حيث المبدأ، وكل ما في الأمر أنني ضد الخلط بينها وبين الفكرة ~~السياسية الموازية، والاعتقاد الباطل بأن هذه الأخيرة ترتبط بالأولى ارتباطا ~~وثيقا. # والحق أننا لو بحثنا في الأمر من الناحية المنطقية البحتة لتبين لنا ms072 أن صفة «الشعبية» لا ~~ينبغي بالضرورة أن تكون مرادفة للامتياز والتفوق؛ ففي ميدان العلم النظري، لم يستطع العقل ~~الإنساني أن يتقدم إلا بعد أن تغلب على الاعتقاد «الشعبي» بأن الشمس تدور حول الأرض، ~~وبأن عناصر الطبيعة هي نفس العناصر الأربعة التي تظهر لحواسنا المجردة ... إلخ. وفي ميدان ~~الطب، لم يستطع الباحثون أن ينقذوا البشرية من كثير من آلامها إلا بعد أن تخلصوا من ~~الفكرة «الشعبية» القائلة إن الحياة تتولد تلقائيا، وإن أسباب الأمراض أرواح شريرة ~~تتقمص الناس، وإن اليد التي تبدو نظيفة لا يمكن أن تكون محتوية على عناصر تجلب المرض ~~(جراثيم) ... إلخ. وفي ميدان الفن والأدب ذاته، لا يجد المرء غضاضة في أن يحكم على رواية ~~بوليسية «شعبية» بأنها أدب رخيص، برغم أنها تقرأ على نطاق أوسع بكثير من أروع نواتج الأدب ~~العالمي؛ أي إن هناك بالفعل حالات كثيرة لا تكون فيها صفة «الشعبية» تعبيرا عن فضيلة أو ~~ميزة كامنة. وهذا ما ينبغي أن نضعه نصب أعيننا ونحن بصدد تحليل أهمية الاتجاهات الشعبية في ~~الموسيقى. ~~••• # ولنحاول الآن أن نفهم ما يحدث حين يقوم فنان موسيقي كبير ببناء أعمال فنية كاملة على أساس ~~من التراث الشعبي؛ لكي ندرك الدور الحقيقي الذي يقوم به هذا التراث في أعماله. إن الأمر ~~المؤكد في نظري هو أن الفنان الكبير يستطيع أن يخلق إنتاجا فنيا رائعا بأبسط المواد ~~التي تتاح له. وفي هذه الحالة تكون روعة إنتاجه راجعة إلى مقدرته الخاصة، لا إلى طبيعة ~~المادة التي يستخدمها. وبعبارة أخرى، فاللحن الشعبي البسيط الذي يتخذه فنان مثل بارتوك أو ~~إنيسكو أساسا لعمل فني كبير، ليس هو الذي يضفي قيمة على عمله، بل إن دور هذا اللحن لا ~~يزيد عن دور قطعة الحجر في يد المثال، أو كلمات اللغة في يد الشاعر. وكما أن هذا الحجر ~~نفسه يمكن أن يظل مهملا في الطريق، يمر به المارة فلا يجدون فيه إلا عقبة يتمنون لو أزيلت ~~من طريقهم، وكما أن كلمات اللغة ذاتها يمكن أن تكون موضوعا لثرثرة ms073 تافهة أو هلوسة مجنونة، ~~فكذلك لا يكتسب اللحن الشعبي قيمته إلا من براعة الفنان الذي يصوغه، على حين أنه، لو نظر ~~إليه في ذاته، لما كان إلا مادة قابلة للتشكل فحسب. # إن اللحن الشعبي، في أيدي هؤلاء الموسيقيين العباقرة، إنما هو «مناسبة» فحسب. ومن المعروف ~~أن الجمل اللحنية الأصيلة، في الأعمال الموسيقية الكبيرة، ليست هي أهم عنصر في هذه ~~الأعمال، بل إن مدى قدرة الفنان على تنميتها وتطويرها وتعديلها هي التي تتحكم في تحديد ~~مستوى عمله الموسيقي. والمؤلف الموسيقي الذي يتقن عملية التطوير والتعديل وتطويع اللحن ~~المتاح له، يستطيع أن يمارس عمله هذا على أية مادة موسيقية، بل إن من الموسيقيين من يقومون ~~بهذا العمل بطريقة «استعراضية»؛ لكي يثبتوا مقدرتهم على أن يصنعوا من أبسط المواد أعمالا ~~ضخمة شامخة. وليس من الصواب أن نصف اللحن الشعبي في هذه الحالة بأنه «بذرة» صغيرة ينشأ منها ~~نبات كامل؛ إذ إن البذرة تتميز، على أية حال، بأن لها القدرة على النمو التلقائي إذا ~~توافرت بعض الشروط الضرورية لنموها بالطبع. أما في حالة اللحن البسيط الذي يرتكز عليه عمل ~~موسيقي كبير، فإن النمو لا يمكن أن يكون تلقائيا، ولا يصدر عن قوة كامنة في اللحن ذاته، ~~أو عن استعداد فيه للتطور في اتجاه معين، بل إن كل شيء يتوقف على تدخل الفنان وطريقة ~~صياغته للمادة البسيطة المتاحة له. # هذا الحكم ينطبق، بصورة عامة، على الموسيقى العالمية التي ترتكز على ألحان شعبية، ولكن ~~للمسألة أوجها أخرى ذات طابع أكثر خصوصية، إلى جانب هذا الوجه العام؛ فمن المعروف أن ~~الشعوب تتفاوت في درجة خصوبتها الفنية، أو في درجة حساسيتها لفنون معينة، وهذه حقيقة أخرى ~~ينبغي أن نتنبه إليها ونحن في معرض تحليل أهمية الألحان الشعبية من حيث هي مصدر من مصادر ~~الفن الموسيقي؛ ذلك لأن عبادة «الشعب»، على المستوى السياسي والاجتماعي، قد ترتب عليها ~~خطأ آخر في الميدان الفني، هو الاعتقاد بأن كل النواتج الفنية الشعبية قيمة لمجرد كونها ~~نابعة عن الشعب. ولم يحاول أصحاب هذا ms074 الرأي أن ينزعوا عن فكرة «الشعب» تلك الهالة الصوفية ~~الرومانتيكية التي يحيطونها بها، أو أن يكونوا لأنفسهم صورة عينية واقعية عن «الشعب» ~~المعين الذي يتحدثون عنه، والذي قد يكون شعبا فقيرا، مقهورا، حزينا، لم يستطع أن ~~يكون لنفسه تراثا موسيقيا عميقا لانشغاله الدائم بالبحث عن لقمة العيش أو بالتخلص ~~من بطش حاكم مستبد. والأمر المؤكد أن تجارب الشعوب تتفاوت في هذا الصدد تفاوتا شديدا، ~~وأن هناك شعوبا لديها بالفعل تراث خصب يمكن أن يكون أساسا قويا لبناء موسيقي متين. على ~~حين أن هناك شعوبا لا تملك إلا تجارب موسيقية هزيلة، أو بدائية ساذجة، لا تصلح دعامة ~~ترتكز عليها نهضة موسيقية حقيقية. # وليس من حقي أن أصدر حكما على نوع الموسيقى الشعبية السائدة في بلادنا، وأقرر إن ~~كانت تمثل بالفعل تراثا خصبا أم تراثا بدائيا هزيلا. ولكني أود فقط أن أشير إلى ~~أن تسعة أعشار الإعجاب الذي يبديه المتحمسون لهذا التراث عندنا لا يرجع إلى أسباب فنية أو ~~جمالية؛ قد يكون ذلك إعجابا متأثرا بنزعات قومية، أو ديمقراطية شعبية، أو بنزوع لا شعوري ~~إلى التواضع والتنازل والتقارب مع «القاعدة» الشعبية، وقد يكون إعجابا مبنيا على ~~اعتبارات «أدبية» بحتة، ولكنه في معظم الحالات ليس إعجابا ناتجا عن إدراك للقيمة ~~الجمالية الكامنة في هذه الموسيقى. # وأكاد أقول إن عددا غير قليل من مثقفينا، ممن يحيون بالفعل حياة متميزة تميزا كاملا - ~~في مستواها المادي والمعنوي - عن حياة الطبقات الشعبية، يدافعون بحماسة عن الشعبية في ~~الموسيقى، لا لشيء إلا من أجل محاولة إزالة الفوارق بينهم وبين «الشعب» في ميدان لا تكلفهم ~~فيه هذه «الإزالة» شيئا. وقد تكون هذه المحاولة، في أحسن حالاتها، تعبيرا لا شعوريا عن ~~نوع من تأنيب الضمير. أما في أسوأ حالاتها فهي مظهر واع من مظاهر نفاق السعداء المنعمين ~~حين يتقربون زيفا إلى التعساء المطحونين. ولكنها في كلتا الحالتين تناقض نفسها تناقضا ~~شديدا؛ إذ تنسب إلى «الشعب» مزايا لا يتصف بها، وتوهمه بأن لديه كمالا هو أبعد ما يكون ~~عنه، وبذلك تساعد ms075 - من الوجهة العملية - على بقاء الشعب في حالة السذاجة والسطحية التي ~~يزعمون أنهم يريدون انتشاله منها. # ولكن، هل هذه السذاجة والسطحية طبيعة كاملة في «الشعب» أم أنها شيء مفروض عليه؟ يكفي أن ~~يستمع المرء - مثلا - إلى جماعة من البنائين وهم يستعينون بلحن بسيط على أداء عملهم ~~الشاق الرتيب ليجد الجواب البليغ عن هذا السؤال. إن خشونة اللحن وبدائيته ليست إلا المقابل ~~الطبيعي لخشونة حياة هذا الإنسان وقسوتها. وليس مما يتمشى مع طبائع الأشياء أن نتوقع ~~لحنا جميلا، رقيقا ، من إنسان يفتك به المرض ويظلم حياته الجهل. وكل تراث ينتقل إلى شخص ~~كهذا لا بد أن يكون تراثا من البؤس والحسرة والإحساس الحاد بالاضطهاد، ينعكس على ~~ألحانه، إذا كان لديه من الوقت أو من المزاج ما يجعله ينشئ لحنا، أو إذا جاز لنا أن نسمي ~~زفرات الألم من خلال ثقوب قطعة البوص («الناي الحزين»، على حد تعبير كتابنا ~~الرومانتيكيين) ألحانا. فكيف نتوقع من تلك الألحان ما نتوقعه من موسيقى شعوب تتغنى ~~بجمال الطبيعة والحياة وتفيض بها البهجة فتنشد أنغاما مرحة متوثبة؟ هل يحق لأحد أن يلوم ~~إنسانا لا يتذكره أحد على مر آلاف السنين، إذا كانت الألحان التي يتغنى بها صورة طبق ~~الأصل لصحته المعتلة، ومعدته الجائعة، وملابسه المهلهلة، وبؤسه الذي لا أمل فيه؟ # برغم ذلك كله فإن الأصوات ترتفع، في بلادنا، منادية بالعودة إلى تراثنا الشعبي في ~~الموسيقى، على أساس أن في ذلك التراث حلا لكل ما نواجهه من مشكلات فنية، وكل ما ~~نعانيه، في ميدان الموسيقى، من تردد وانفصام. # وقبل أن أختبر هذه الدعوة، علميا ومنطقيا، أود في البداية أن أقدم تحليلا بسيطا ~~للفظ «العودة» إلى التراث الشعبي، حين يستخدم في بيئة ثقافية كبيئتنا. إن الدول المتقدمة ~~في سلم الحضارة «تعود» إلى تراثها الشعبي لأنها ابتعدت عنه، ووصلت في موسيقاها إلى أبعد ~~حدود التعقيد شكلا ومضمونا وأداء. وحين يصل المرء إلى قرب نهاية الطريق، فمن الطبيعي أن ~~يشعر بالحنين إلى البداية البسيطة، ويرى في براءتها نجاة وخلاصا لروحه التي ms076 استبد بها ~~التعقيد المفرط؛ فالدعوة إلى الموسيقى «الشعبية» مفهومة تماما في بيئة امتدت تجاربها ~~الموسيقية «البوليفونية» (المتعددة الأصوات) إلى أكثر من ثمانية قرون، وتنقلت فيها هذه ~~التجارب بين مختلف ألوان الموسيقى الأوركسترالية والمنفردة والغنائية حتى وصلت، في مظاهرها ~~الأخيرة، إلى استخدام الآلات الإلكترونية في التأليف والموسيقى. عندئذ تكون العودة إلى ~~الألحان الشعبية مظهرا من مظاهر حركة «العودة إلى الطبيعة»، التي تتردد في كل حضارة بلغت ~~حدا مفرطا من التصنيع والتعقيد. # أما نحن، فهل انقطعت الصلات بين موسيقانا الحالية وأصولها الشعبية إلى الحد الذي يبرر ~~«العودة إلى الجذور» في الموسيقى؟ إن من يتأمل الموسيقى التي تشيع حاليا في بلادنا بشيء ~~من العمق لا يصعب عليه أن يهتدي، من وراء القناع الظاهري الذي لا تحسن الاختفاء وراءه، إلى ~~قدر هائل من العناصر الشعبية. صحيح أن هناك محاولات ل «التفرنج» تتمثل في الالتجاء إلى ~~بعض إيقاعات الرقص الغربية، وفي استخدام آلات غربية، من آن لآخر، بطريقة لا تخلو من النزوع ~~«الاستعراضي» المكشوف، وصحيح أن «النحت» الشرقي الصغير قد تحول إلى «أوركسترا» كبير هو في ~~حقيقة الأمر «تخت» مكبر الصوت؛ لأنه لا يفيد شيئا من قدرات الأوركسترا على التلوين أو على ~~التعدد والتآلف الصوتي، ومع ذلك فإن الألحان تظل في صميمها قريبة كل القرب من الطابع ~~الشعبي. والأهم من ذلك أن الجمهور ذاته لا يستجيب كثيرا لتلك «التجديدات» وما زال وجدانه ~~متعلقا بطريقة الغناء الشعبية. وأبلغ دليل على ذلك حماسته الهائلة للغناء على طريقة ~~المواويل، أو الليالي، عندما يتخلل أية قطعة من النوع الذي يصطبغ ظاهريا بطابع ~~«التفرنج». # وإذن، فالاعتقاد بأن «العودة» إلى الطابع الشعبي للموسيقى هي التي تكفل لموسيقانا الحالية ~~نهضة رفيعة هو، من حيث المبدأ، محاكاة ساذجة لدعوات ظهرت في بلاد ابتعدت موسيقاها عن ~~الأصول الشعبية ابتعاد السماء عن الأرض. وحين تظهر مثل هذه الدعوة في بلاد لا تزال «أرقى» ~~أنواع الموسيقى المحلية فيها تحمل، بين طياتها، كثيرا جدا من مظاهر الطريقة الشعبية في ~~التلحين والعزف والغناء، فإنها تصبح شيئا يدعو إلى ms077 السخرية، لسبب بسيط هو أن ما نريد ~~«العودة» إليه كان ولا يزال، موجودا معنا على الدوام! # ولكن، لندع جانبا هذا النقد الذي يتعلق بمبدأ الرجوع إلى التراث الشعبي في بلد لم ~~تتجاوز موسيقاه المرحلة الشعبية بعد، ولنحاول أن نختبر، بطريقة علمية، تلك التجارب التي ~~تمارس في بلادنا لإحياء الفن الموسيقي الشعبي - مفترضين جدلا أن مثل هذا الإحياء أمر له ~~جدواه. # ولو تأملنا التجارب التي تمارس في بلادنا لإحياء الفن الموسيقي الشعبي، لوجدناها ذات ~~طابع مزدوج؛ فمنها تجارب تهدف إلى إقامة بناء موسيقي ذي طابع عالمي، على أساس من التراث ~~الشعبي، ومنها تجارب ترمي إلى إحياء هذا التراث في ذاته، ولكل من هذين النوعين خصائص ~~ينبغي أن نتحدث عنها على حدة. # أما محاولات اتخاذ تراث الألحان الشعبية أساسا لبناء موسيقى عالمية الطابع، فأخشى أن ~~أقول إنها محاولات تنطوي على شيء من التناقض؛ ذلك لأن الألحان الشعبية الشرقية التي يشيد ~~عليها البناء الموسيقي العالمي هي بطبيعتها غير قادرة على التطور والنمو والتنويع إلا ~~بطريقة مصطنعة. إنها ألحان وضعت في ظل نظام نغمي مبني على وحدات لحنية مستقلة قائمة ~~بذاتها؛ أعني نظاما لا يعرف بطبيعته تلك القوالب التي تسمح بتنويع اللحن وتكثيفه والإضافة ~~المتراكمة إليه. وهناك، فضلا عن ذلك، تلك المشكلة المعروفة الخاصة بنوع السلالم الموسيقية، ~~وقابلية «ربع الصوت»، الذي ترتكز عليه السلالم العربية، للتطوير في القوالب العالمية ~~المعروفة. والمهم في الأمر أن اللحن الشرقي يبدو، في هذه الحالة، أشبه ببذرة غير قابلة ~~للنمو؛ لأنها مغروسة في أرض غريبة، أو أن المحاولة بأسرها قد تبدو أشبه بمحاولات استنبات ~~فاكهة الصيف في الشتاء. وقد لا يكون ذلك راجعا إلى قصور في اللحن الشرقي الأصلي ذاته، ~~ولكن المهم في الأمر هو أن المرء لا يستطيع الاقتناع بذلك الجهد المتكلف الذي يبذل من ~~أجل بناء موسيقى عالمية على أساس من الألحان الشعبية المحلية. وحتى لو رأى البعض أن ~~الاتجاهات الموسيقية الغربية المعاصرة تسمح بمثل هذا التقارب - إذ تعطي المؤلف حرية واسعة ~~النطاق في التصرف في السلالم ms078 الموسيقية والإيقاعات والقوالب، أو في إلغائها أصلا - فإن ~~المحاولة (التي رأينا بالفعل نماذج لها في بلادنا في الآونة الأخيرة) لن تعود لها في هذه ~~الحالة صلة بالموسيقى الشعبية من قريب أو بعيد. إنها تصبح في هذه الحالة منتمية إلى مجال ~~الموسيقى العالمية في أحدث تطوراتها، ويستحيل التعرف على موسيقانا الشعبية وإدراك ملامحها ~~والإحساس بمذاقها الخاص من خلال العمل في صورته النهائية. إنها - بالاختصار - تطوير ~~للموسيقى العالمية في اتجاه تستخدم فيه مادة جديدة غير مألوفة ولكنها ليست على الإطلاق ~~تطويرا للموسيقى الشعبية ذاتها في اتجاه عالمي. # وأما النوع الآخر من المحاولات، وهو النوع الذي يرمي إلى إحياء تراث الموسيقى الشعبية، ~~فيشوبه نقص كبير هو أنه يكتفي بالجانب التسجيلي فقط، ولا يكاد مع ذلك يشعر بوجود هذا النقص ~~فيه؛ ذلك لأن الاهتمام الأكبر ينصب فيه على ترديد نفس الألحان المنتمية إلى التراث الشعبي ~~دون أية محاولة لتطوير اللحن أو تهذيبه أو صقل طريقة أدائه. وليس في ذلك أي مأخذ على من ~~يقومون بهذه المحاولات ما داموا واعين بحدود عملهم، بل إن تسجيل التراث الشعبي أمر مرغوب ~~فيه، تحرص عليه كل البلاد الناهضة في عالمنا المعاصر، وهو مظهر من أقوى مظاهر الوعي الثقافي ~~لدى أية أمة تسعى إلى تحقيق التقدم في المجال الفني. ولكن المشكلة هي أن هذا التسجيل ~~والتدوين يقدم إلينا في كثير من الأحيان، بل أكاد أقول في معظم الأحيان، كما لو كان هو ~~ذاته عملا فنيا رفيعا بأحدث معاني الكلمة. وإني لأذكر برنامجا تليفزيونيا ناجحا ~~اشترك في إحدى فقراته واحد من ألمع مثقفينا مع واحد من أخلص المشتغلين بجمع التراث الموسيقي ~~الشعبي، قدموا فيه مغنية ريفية اشتهرت بغنائها في مواسم دينية خاصة، وكانت طريقة التقديم، ~~وما اقترن بها من تمجيد وتفخيم وتعظيم، توحي بأن حدثا فنيا خارقا على وشك الوقوع، ولكن ~~الغناء نفسه، حين بدأ، كان مخيبا للأمل إلى أبعد حد؛ فالصوت خشن فيه البداوة الريفية غير ~~المصقولة، والآلات بدائية ساذجة، والأنغام متكررة لا ابتكار فيها ... كل هذه صفات يمكن ms079 أن ~~تكون مستحبة إلى أقصى حد إذا كنا بصدد تسجيل التراث الشعبي لأغراض علمية أو ثقافية؛ ~~لأنها بالفعل جزء من البيئة التي يظهر في ظلها هذا التراث، ولأنها تعبير صادق ومخلص عن ~~طبيعة الجانب الأكبر - الريفي - من شعبنا. أما حين يقدم هذا الغناء على أنه حدث فني له ~~في ذاته قيمته الرفيعة، ولا علاقة له بالتدوين العلمي، فهنا تبدو المفارقة واضحة ~~ومؤسفة. # هكذا يبدو مصير الموسيقى الشعبية في بلادنا، في الآونة الراهنة، معلقا بين اتجاهين: ~~أحدهما يهدف إلى تطويرها، ولكنه يمسخها خلال هذا التطوير إلى حد يستحيل معه التعرف ~~عليها، وآخر يكتفي بتسجيلها كما هي ويعرضها علينا كما لو كانت فيها هي وحدها الكفاية، وكما ~~لو كانت تمثل قيمة فنية ترضي ذوق المستمع المعاصر وحسه الفني. والاتجاهان - كما نرى - ~~متناقضان، وأخشى لو أنني اتخذت منهما ذلك الموقف الوسط المعروف أن يقال إنني ألجأ إلى ما ~~يلجأ إليه الكثيرون تهربا من مسئولية الالتزام بجانب معين أو بحل محدد المعالم. ~~ولكني لا أجد مع ذلك مفرا من أن أقول إن الإنقاذ والإحياء الحقيقي للتراث الموسيقي الشعبي ~~يكمن في موقع ما بين هذين الطرفين، وأن النجاح الحاسم في هذا المجال لن يتم إلا حين ندرك ~~عن وعي أن تدوين الموسيقى الشعبية والاحتفاظ بها شيء، وإعطاءها دورا فعليا في حياتنا ~~الفنية الراهنة شيء آخر، وأن هذا الدور لن يتاح لها إلا إذا ظهر من يستطيع تطويرها على ~~النحو الذي يجعل لها دلالة عالمية من جهة، ويحتفظ لها بمعالمها الأصلية من جهة أخرى. # ومع ذلك، فحتى لو تحقق هذا الهدف - وهو في رأيي لا يحتاج إلى أقل من معجزة فنية - فسيظل ~~السؤال الذي أثرته في بداية هذا المقال قائما، وأعني به: هل سيكون اللحن الشعبي البسيط هو ~~المصدر الفعلي لإلهام ذلك العبقري القادر على تحقيق هذه الغاية، أم أنه مجرد مادة استخدمها ~~وكان يستطيع أن يستخدم غيرها؟ وهل يرجع جمال العمل النهائي إلى ذلك الأصل البسيط الذي بدأ ~~منه، أم أن القدرة على تشييد بناء ms080 متكامل، وإيجاد النسب والعلاقات المنسجمة بين أجزائه، ~~وتنسيق مختلف عناصره، هي التي يرتد إليها كل ما في هذا العمل من جمال؟ # | مستقبل الموسيقى في مصر1 # بلادنا تشهد اليوم نهضة فنية لا شك فيها. والمتتبع للجهود التي تبذل في مختلف ميادين ~~الفن يشعر لأول وهلة بذلك التحول الهائل الذي طرأ على حياتنا الفنية، والذي نحاول به أن ~~نعوض ما فاتنا خلال عهود الاستبداد المظلمة، ونلحق بركب الإنسانية في مجال من أشرف ~~مجالاتها. # ولست ممن يزعمون أن تجربتنا الفنية قد نضجت ، وأننا اليوم نستطيع أن نباهي بفننا سائر أمم ~~الأرض، ونعد أنفسنا أندادا لها جميعا، كلا ... فلا زال أمامنا الكثير من الجهد ومن ~~المحاولات التي قد تنجح حينا وتخفق أحيانا. وليس ذلك راجعا إلى قصور طبيعي فينا، أو إلى ~~تفوق فطري في غيرنا، بل هو راجع إلى طبيعة الظروف التي أحاطت بتطورنا، وبتطورهم ... فالعصور ~~الحديثة في أمم الغرب بدأت منذ ما يقرب من خمسمائة عام، والعصور الحديثة في بلادنا الشرقية ~~بدأت منذ ما يقرب من مائة عام، بل لا زال فينا من لم يتجاوز حتى اليوم مرحلة العصور الوسطى ~~في تفكيره وفي نظرته إلى الحياة. # ومع ذلك فالفن عندنا يخطو - كما قلت - خطوات واسعة إلى الأمام، وشخصيتنا المستقلة قد بدأت ~~تظهر في كثير من الفنون، وأصبح في وسعنا أن نتقدم بإنتاجنا إلى شعوب الأرض المستنيرة ~~لنقول لها: هذه لوحة مصرية، أو هذا تمثال مصري، أو هذه مسرحية مصرية. # ولكن فنا واحدا تخلف عن الركب، وظل مستواه في انحدار مستمر، بل متزايد، حتى ~~اليوم، ولم ننتج فيه أي إنتاج نستطيع أن نفخر به، أو أن نعده معبرا عن مشاعرنا ~~وأحاسيسنا ... ذلك هو الفن الموسيقي. # أجل، فالموسيقى في بلادنا في محنة ... وهذه المحنة تحس بها قلة واعية متفتحة، ولكنها تكتم ~~إحساسها هذا، وتكتفي بإشباع نهمها إلى هذا الفن الرفيع من إنتاج عباقرة الأمم الأخرى، ~~وتنفصل انفصالا شبه تام عن متابعة أحوال هذا الفن في مصر. # والحق أن لهذه القلة الواعية بعض العذر في انفصالها ms081 وانعزالها هذا؛ فقد ابتلينا في ~~بلادنا بجماعة من المنتمين إلى المجال الفني، نصب أفرادها أنفسهم مدافعين عن قضية الفن ~~المصري، فلا يكاد يرتفع صوت بالنقد، وبالدعوة إلى مزيد من النهوض، وإلى تجاوز الأوضاع ~~البالية التي تسود بيننا، حتى يهب هؤلاء مدافعين عن كل ما هو سائد ليبقى كما هو سائدا، ~~ومهاجمين للناقد بأساليب لها مظهر براق، ولكنها في حقيقتها زائفة خداعة، كالقول بأن ~~الناقد يتأثر بالفن «الأجنبي»، وأن «وطنيتنا» تحتم علينا ألا نأخذ من الأساليب «الدخيلة» ~~شيئا؛ لهذا آثرت القلة الواعية الصمت، واكتفت بالسير في الطريق الذي اقتنعت بأنه هو ~~الصحيح، تاركة الباقين على ما هم عليه. # ولكن من المحال أن تظل الأمور على هذا النحو، وأن يدوم هذا الازدواج الحاد بين أقلية ~~واعية وأغلبية غير واعية، بل هذه الثنائية ذاتها أكبر خطر يصيب قضية الفن، وقضية الثقافة ~~بوجه عام؛ فما قامت نهضة حقيقية إلا كانت المشاركة فيها عامة، وكل اتجاه أرستقراطي في الفن ~~وفي الثقافة قد يأتي - من آن لآخر - بإنتاج فردي رفيع، ولكنه لا يمكن أن يسمى «نهضة» ~~بالمعنى الصحيح؛ إذ إن كل نهضة لا بد أن تكون إنسانية، يشارك فيها أكبر قدر ممكن من ~~الناس. ومن هنا كانت الضرورة تقضي بالدعوة إلى محو هذه الثنائية، لا بأن تقبل الأقلية ~~الواعية الأوضاع التي خدعت بها الأكثرية، بل بأن تنبهها إلى ما في هذه الأوضاع من أخطاء، ~~وتشاركها في هذا السعي إلى النهوض على أسس سليمة. # فما هي مظاهر محنة الموسيقى في مصر؟ # للموسيقى - بوجه عام - لحظات ثلاث: لحظة التأليف، وذلك بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، ~~وهو يشمل تأليف الألحان وتأليف الكلمات معا؛ ولحظة الأداء، وهو يشمل الأداء الصوتي في ~~الغناء، والعزف على الآلات؛ ولحظة الاستماع. فالعلاقة الموسيقية إذن ثلاثية: بين المؤلف ~~والقائم بالأداء والمستمع؛ فلنتحدث عن كل عنصر من عناصر هذه العلاقة على حدة. ~~«أما التأليف الموسيقي عندنا» فلا شك في انحدار مستواه، وأستطيع أن أقول مطمئنا إن ~~الأكثرية من مؤلفينا الموسيقيين غير مثقفة فنيا. وقد يبدو هذا القول ms082 غريبا، ولكن ~~يكفي أن يدرك القارئ أن «العالم» من مشاهير الملحنين هو من يعرف التدوين الموسيقي، ~~وقراءة المدونات (النوتة)، مع أن هذه من الأوليات التي يجيدها تلاميذ المدارس ~~الابتدائية في البلاد المتقدمة! أما الباقون، وهم كثيرون، فحتى هذه الأوليات لا ~~يعرفونها. # ومن المؤسف حقا أن جهود هؤلاء المؤلفين الموسيقيين جميعا لا تنصرف إلى التزود ~~بالعلم الصحيح، وحسبهم تلك الثروات الضخمة التي تنهال عليهم، ففيم الحاجة إلى العلم ~~إذن، ما دامت الغاية قد تحققت؟ # قد يكون هذا الحكم قاسيا، وقد تكون لهجته عنيفة، ولكني أقولها صراحة: إننا في حاجة ~~إلى جيل آخر من الموسيقيين، نحن في حاجة إلى جيل من الموسيقيين «العلماء» بالمعنى ~~الصحيح لهذه الكلمة، يقضي الواحد منهم سنوات طويلة من عمره في دراسة شاقة مضنية، يجني ~~ثمرتها في النهاية، ولا يتوقف عن تحصيل المزيد من العلم طوال حياته، مهما أصاب من ~~نجاح ... فالفنون اليوم لم تعد تلقائية، ولم تعد الفطرة السليمة تجدي فتيلا إن لم ~~تصحبها دراسة عميقة. والعلم قد تغلغل في كل نواحي حياة الإنسان، حتى في نتاج خياله ... ~~فمن من موسيقيينا الحاليين أدرك ذلك؟ ومن منهم عمل على تحقيق هذا الهدف؟ # إن فن الصوت - وهو أرفع الفنون وأعمقها - له مجالات واسعة، وتشكيل الأصوات له ~~إمكانيات لا تنفد، ولكننا في مصر لم نفد من هذه الإمكانيات الضخمة إلا على نحو ساذج، ~~بل على نحو يكاد يكون بدائيا: ألحان تسير على وتيرة واحدة، آلات قليلة تسير كلها في ~~تيار واحد وليس لها إلا بعد واحد، إيقاع سطحي راقص ... إلى آخر العيوب الكثيرة التي ترجع ~~كلها إلى سبب واحد، هو الافتقار إلى العلم. # 2 # ويوم يظهر جيل من الموسيقيين الدارسين الذين يستغلون الإمكانيات الواسعة للصوت إلى ~~أقصى حدودها، يومئذ ستظهر الألحان العميقة المعبرة، وتتخلص الموسيقى من إسار ~~الأغنية التي ظلت تخنقها وتكبلها بقيودها إلى اليوم، فتصبح فنا مستقلا يستطيع أن ~~يقف على قدميه، لتعبر أصواته وحدها عن شتى المشاعر والأحاسيس. ~~«أما عيوب الأداء في موسيقانا» فلا تقل أبدا عن عيوب ms083 التأليف؛ إذ إن الأمرين في ~~الحق مرتبطان. ويوم توجد الموسيقى الرفيعة، فلا بد أن يرتفع الأداء إلى مستواها، أما ~~حين تمضي الأمور بلا رقيب، وحين تنعدم المسئولية فستعم هذه الصفة الجميع! # فالعزف - أولا - لم يبلغ أي مستوى رفيع، ونستطيع أن نلمس ذلك بوضوح في الآلات ~~المشتركة بيننا وبين سائر البلدان، مثل الكمان؛ فالفارق هائل بين عازفينا والعازفين ~~العالميين، وعلى من ينكر ذلك أن يستمع إلى تسجيلاتهم، فإنه سيدرك عندئذ قيمة فضيلة ~~التواضع! هذا عن العزف المنفرد، أما العزف الجماعي في الفرق الكبيرة، فلا شك أن هذا ~~الفن لا زال عندنا في مراحله الأولى، وليس لدينا إلا القليلون من نستطيع أن نطمئن إلى ~~تخصصهم فيه بالقدر الكافي. وقد اعترف المسئولون عندنا بهذه الحقيقة لحسن الحظ، وشرعوا ~~يسلكون الطريق الصحيح، طريق استقدام الخبراء من البلدان الأخرى ليعينونا فيما لا نحسن، ~~وإيفاد البعثات إلى البلاد المتقدمة في هذا الميدان. ~~«أما الأداء الصوتي فأمره أعجب»: إن الأصوات في الغناء الشائع بيننا محدودة إلى أقصى ~~حد، ومن المؤسف حقا أن يصف الكثيرون منا الغناء الغربي مثلا بأنه «صراخ»، مع أن كل ~~ما في الأمر من فارق هو أن هذا «الصراخ» يستنفد كل إمكانيات الحنجرة البشرية، ويصل بها ~~إلى آفاق تعجز عن الوصول إليها الأصوات التي تردد أغانينا، والتي تكاد تنحصر كلها في ~~طبقة «الكلام» المعتادة. ومعظم أصوات المغنين عندنا «ميكروفونية»؛ فليس فيها من القوة ~~الطبيعية ما يمكنها من الوصول إلى الآذان إلا عن طريق مكبر الصوت. وأخيرا فالغناء ~~عندنا ارتجالي إلى حد بعيد، مع أن الصوت البشري قابل للتدريب الذي يضفي عليه مزيدا من ~~المرونة، بل القوة والامتداد، وهنا تعود ظاهرة الافتقار إلى الدراسة والعلم مرة أخرى ~~إلى الظهور! ~~••• ~~«ومشكلة الاستماع إلى الموسيقى» تستحق منا الانتباه بحق، فما حالتنا الذهنية حين ~~نستمع إلى الموسيقى المصرية؟ إننا نستمع إليها ونحن نتسامر، أو خلال وجبات الطعام، أو ~~قراءة الصحف، أو الحديث اليومي المتبادل ... فما دلالة ذلك؟ المعنى الوحيد الذي تفسر ~~به هذه الظاهرة هو أن الفن الموسيقي ms084 لم يتغلغل فينا إلى الحد الذي يجعلنا نتفرغ له، ~~ونتهيأ لتلقيه، فننصرف عن غيره من الشواغل. ولنا العذر في ذلك، فما بلغت الموسيقى التي ~~نستمع إليها من العمق ما يجعلها جديرة بالاحترام والإنصات الخاشع، بل إن ضحالتها لا ~~تترك لها في نفوسنا إلا مكانا ضئيلا، فلا تشغل من انتباهنا إلا قدرا، والقدر ~~الباقي تشغله معها شئون الحياة اليومية المعتادة! # على أن الموسيقى قادرة بحق على أن تشغل كل انتباهنا، وتملأ كل فراغات أنفسنا لو ~~قدمت إلينا في صورتها الكاملة. وإذن فالمستمع - المصري والشرقي بوجه عام - يفتقر إلى ~~التجربة الموسيقية بكل أبعادها؛ أي إنه عاجز عن أن يتذوق فنا رفيعا تذوقا كاملا، ~~وسيظل هذا الميدان الضخم مجهولا لديه حتى يقدم إليه الإنتاج الذي يدفعه إلى أن ~~يحسن الاستماع إليه. # ولست ممن يحسنون كتابة الأوصاف الشعرية والتعبير عن تفصيلاتها. ولكني لا أتوانى عن ~~القول بأن للموسيقى رسالة أخرى غير التسلية العابرة، وظيفة أخرى غير قتل الوقت، ومهمة ~~أخرى غير الترويح عن النفس ... إنها فن كامل تفيد منه النفس، وتتلقى منه معرفة تضيء طريق ~~حياتنا، وهو يثير فينا مشاعر أكمل وأوسع بكثير من شعور «الطرب» الرخيص. لكن هذه ~~التجربة العميقة التي يحس المرء خلالها بالخشوع غريبة عنا تماما؛ إذ ترتبط الموسيقى ~~في أذهاننا على الدوام بصورة الإنتاج الهزيل الذي يقدم إلينا، والذي يمارس في ~~تجربة هزيلة مثله. ~~••• # وبعد، فقد يبدو للقارئ أنني تحدثت عن حاضر الموسيقى لا عن مستقبلها، ولكن لا شك في أن ~~كل بحث منطقي للمستقبل يجب أن يستمد من الحاضر لئلا يكون رجما بالغيب. # والكلمة التي ألخص فيها مستقبل الموسيقى في مصر، والتي يتوقف عليها هذا المستقبل ~~بحق، هي «العلم». أجل، فلتكن دعوتنا من أجل وضع دعائم نهضة موسيقية في بلادنا، هي: ~~المزيد من العلم! فبالعلم وحده يقضى على الأدعياء، وتختفي كل المهازل الفنية التي تشيع ~~في موسيقانا، من سطو باسم الاقتباس، واستجداء لمعونة الغير باسم «التوزيع الموسيقي»، ~~وجهل باسم «الفطرة السليمة» ... وبالعلم وحده يظهر العازف المجيد، والمغني البارع، ومن ms085 ~~ثم المستمع الواعي. # إننا نعيش في عصر العلم، وهذا الحكم العام ينطبق على كل مجالات الحياة البشرية، والفن ~~ليس استثناء من هذه القاعدة، بل لقد أصبح في أيامنا هذه أقوى دليل على صحتها. # | الأساس العقلي للموسيقى الحديثة1 # ليست الموسيقى، ولا يمكن أن تكون، نظاما صوريا تتوارثه الأجيال بلا تغيير ولا تبديل، ~~بل هي تعبير عن ميل يتجدد بلا انقطاع، وإرادة تتطور دواما. وهي في هذا التطور تساير الروح ~~البشرية في تقلباتها وتتمشى مع الاتجاه العام الذي تسير فيه الحضارة؛ فالتطابق بين ~~الموسيقى الكلاسيكية والروح العقلية الأوروبية واضح كل الوضوح، وكذلك كان الاتجاه ~~الرومانتيكي في الموسيقى صورة جزئية من روح رومانتيكية شاملة كانت تعبر عن ميل أساسي ~~طغى على العقل الأوروبي في كل مظاهره، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. # فالتجديد إذن كامن في ماهية الموسيقى، والفنان الناجح هو الذي يتجاوب مع عصره ويأتي في ~~إنتاجه بما يعبر عن روح ذلك العصر. ولقد كانت الأسماء الكبرى في تاريخ الموسيقى، مثل باخ ~~وبيتهوفن وفاجنر، مرتبطة على الدوام بتجديدات معينة أتت بها، وبأساليب لم يألفها الفن من ~~قبلهم، وبثورة ساخطة على القواعد الجامدة التي تسود في عهدهم. وإذا كنا اليوم نعد ~~كلا من هؤلاء العباقرة «كلاسيكيا» فليس ذلك إلا لأن فنه قاوم فعل الزمان مدة طويلة، ~~أما بالنسبة إلى عصورهم فقد كانوا جميعا من المجددين، بل كان الكثيرون منهم يعدون من ~~الشواذ الذين لا يفهمون؛ فلكم اتهم بيتهوفن في عصره بالغموض والتعقيد، وخاصة منذ أتى ~~بسيمفونيته الثالثة، ولكم لقي فاجنر من السخرية؛ ففي فضيحة «تانهويزر» في باريس عام 1860م ~~ما يشعر بمدى سوء الفهم الذي يلقاه فنان كبير وسط جمهور قد يكون مثقفا ومهذبا. # والحق أن عنصر التجديد أساسي في تذوقنا الفني للموسيقى؛ فمن التجارب التي ألفناها ~~جميعا، أن القطعة الواضحة التي نعجب بها منذ الوهلة الأولى، وندرك كل جوانبها دفعة ~~واحدة، كثيرا ما تفقد هذا الجمال بعد أن يتكرر سماعها، وتصبح مملة ممجوجة. أما القطعة التي ~~نجد في بعض عناصرها غموضا ms086 غير مألوف لدينا، فالغالب أنها تزداد جمالا بتكرار سماعها، ~~وترتفع قيمتها في أعيننا كلما ازدادت عناصرها الغامضة اتضاحا. وهنا يكون في التجديد الذي ~~يخرج - إلى حد ما - عن المألوف ما يعلو بالقيمة الفنية للإنتاج الموسيقي. # ولقد غدت الحاجة إلى الخروج عن القواعد الموسيقية المألوفة ماسة في أواخر القرن التاسع ~~عشر؛ فقد اكتشف الفنانون في نهاية الأمر أن النظام الموسيقي الغربي، الذي يقتصر على اثنتي ~~عشرة درجة، ضيق إلى حد يبعث على الاختناق؛ فلو تذكرنا أن كبار الموسيقيين، من ~~بالسترينا إلى فاجنر، ومعهم المدارس الروسية والإسبانية والفرنسية المختلفة، لم يكن في ~~متناول أيديهم جميعا، في اللحن وفي الهارموني، وفي الآلات المنفردة والفرقة الكاملة، في ~~الأغاني والتراتيل، في الأوبرات والدرامات الغنائية؛ في كل هذا لم يكن في متناول أيديهم ~~سوى اثنتي عشرة درجة موسيقية، عندئذ يتبين لنا أن من الصعب أن نكتب لحنا جديدا كل ~~الجدة، وأن إمكانيات التوافق اللحني تضيق على الدوام - خاصة وأن هذه الدرجات الاثنتي عشرة ~~لا تقف كلها على قدم المساواة، بل تفضل على الدوام سبع درجات منها، وتظل للباقيات أهمية ~~ثانوية بالنسبة إليها. ~~••• # هكذا كانت مشكلة الموسيقى في أواخر القرن التاسع عشر: لغة تشكو من قلة حروفها، صيغت ~~بها كل المعاني التي يمكن أن تنطوي عليها تلك اللغة، وفنانون مخلصون لا يودون أن يكونوا من ~~الأتباع المقلدين لهذا الفنان أو ذاك، بل يريدون البحث عن جديد، شأن كل فنان صادق؛ فكان ~~المخرج الوحيد من هذه المشكلة هو التخلص من الفقر الشحيح الذي تتصف به مادة الموسيقى، ~~وتوسيع نطاق تلك اللغة الضيقة النطاق، والقيام بانقلاب حاسم في القواعد والنظم ~~الموسيقية. ~~••• # ولقد وجد هؤلاء الفنانون الثائرون في أبحاث علم الأصوات ما يبرر دعوتهم إلى التجديد؛ ~~فقد أثبت ذلك العلم بطريقة قاطعة أن النظام الحالي الذي تسير عليه الموسيقى ليس نظاما ~~ثابتا تسير عليه الروح البشرية ضرورة، بل هو نظام عارض يتباين تبعا للبيئات والعصور. ~~وهكذا يخرج عن قيود الأزلية ميدان جديد من ميادين الروح البشرية، وهو الموسيقى. # فلكل نظام ms087 موسيقي سلم معين، وهذا السلم هو الأصوات التي تثبت عندها الأذن بين ~~مختلف الدرجات التي تتراوح بين نغمة معينة، ونفس النغمة في طبقة أعلى منها؛ أي الصوت كما ~~يغنيه رجل وكما تغنيه امرأة مثلا؛ ففي كل هذه الأصوات التي تبلغ عددا هائلا، تقف ~~الأذن عند أصوات معينة لتستطيع تمييزها مما يسبقها وما يليها، وتلك هي التي تكون السلم ~~الموسيقي. ولذلك السلم في الموسيقى الغربية درجات سبع محدودة، وله في غير الموسيقى ~~الغربية نظم أخرى متباينة كل التباين؛ فلكل من الموسيقى الشرقية والموسيقى الزنجية، ~~والموسيقى اليونانية القديمة، سلالمها الخاصة. وإذن فالسلم الغربي الشائع ليس مبنيا على ~~قوانين طبيعية ثابتة، وليس تعبيرا عن ميل غريزي، بل هو نتيجة مبادئ جمالية خاصة اتخذها ~~نظام موسيقي معين. # ولقد اعتادت الموسيقى الكلاسيكية أن تسير على نظام خاص لا تحيد عنه؛ فالسلم العام ذو ~~السبع درجات، تختلف أسماؤه تبعا لأسماء الدرجات التي يبدأ منها وينتهي عندها، وإن كان هذا ~~الاختلاف في الأسماء لا يؤثر بطبيعة الحال على المسافات بين الدرجات، والقطعة الموسيقية ~~كانت تبدأ من سلم معين، لنسمه سلم «دو» مثلا، وتنتهي بنفس السلم ضرورة. وإذا ~~حادت عنه في الوسط فإنما تنتقل إلى سلالم معينة تربطها بالسلم الأصلي صلة قربى. أما ~~الموسيقى الحديثة، فلم يعد لديها ذلك التجانس النغمي القديم، ولم تعد تطيق البقاء في ~~سلم ذي إشارة واحدة، أو تنتقل إلى غيره بانتظام وتبعا لقواعد خاصة، بل أصبح «الابتكار» ~~هو أن يتغير السلم تغيرا متخبطا؛ ففي كل فترة قصيرة بل في كل زمن وكل نغمة، تتغير ~~إشارة السلم، ويسهل التجديد في هذه اللعبة المسلية الخطرة إلى غير حد. # والحال كذلك في الهارموني بين الأصوات الموسيقية المختلفة؛ فبينما كان الانسجام النغمي ~~يسري قديما بين أصوات تنتمي إلى سلم ذي إشارة واحدة، أصبح الانسجام - إن كان لنا أن ~~نظل نستخدم هذه الكلمة - يقوم بين أصوات تنتمي إلى سلالم مختلفة، بل حدث ما هو أغرب من ~~ذلك؛ إذ أصبح الانسجام يقوم بين أعمدة مختلفة من الهارموني، كل عمود ms088 منها ينتهي إلى سلم ~~معين، كأن يوضع عمود من سلم «صول» الكبير تحت آخر من سلم «دو» الكبير مثلا، ~~وتستمر هذه العملية بين أكثر السلالم اختلافا، وعلى الأذن بعد هذا أن تحتمل. # وعلى حين كان الانسجام بين الأصوات في النظام الكلاسيكي يقوم بين أبعاد معينة من هذه ~~الأصوات، بحيث يكفل التناغم بينها، أصبح على الموسيقى الحديثة أن تسعى إلى كشف مسافات ~~جديدة بين أصوات الهارموني؛ فأصبح من المألوف أن يقوم الانسجام بين صوت والصوت التالي له ~~مباشرة، بل بين أنصاف الأصوات بلا تحفظ. وحجة الموسيقيين المحدثين في ذلك أنه لما كان ~~نظام الموسيقى بأسره مبنيا على الاثني عشر نصفا من الأصوات، فلا بد من استغراق كل هذه ~~الأنصاف، أفقيا في اللحن ورأسيا في الهارموني، واستنفاد كل ما بينهما من إمكانيات، ~~مهما كان الصوت النهائي غريبا غير مألوف للآذان. وبينما كان كل نشاز يحل إلى انسجام في ~~الموسيقى التقليدية، أصبحت الموسيقى الحديثة لا ترى ضيرا في بقاء هذا النشاز على ما هو ~~عليه دون التخلص مما ينطوي عليه من تنافر. # وأساس هذا الانقلاب في اللحن وفي الهارموني، هو التحديد الجديد لمسافات الأصوات ~~الموسيقية، كما ظهر بوجه خاص عند «شونبرج»؛ فالمسافة بين النغمة الأساسية ومثيلتها في ~~الطبقة التي تعلو عنها اثنا عشر نصفا من الأصوات، ويقوم السلم المألوف بضغط هذه ~~الأصوات إلى سبعة، بحيث تكون المسافة بين خمسة منها صوتا كاملا، وبين اثنين منها نصف صوت. ~~أما عند شونبرج، فالأصوات كلها تتساوى أهمية، وليس هناك داع لتخطي بعضها وإعطاء بعضها ~~الآخر أهمية خاصة. ومن هنا كان سلمه مكونا من اثنتي عشرة درجة كلها من أنصاف الأصوات ~~(أو التونات). # وبينما كان شونبرج يقوم بأكبر انقلاب في ميدان الهارموني بسلمه الجديد، لم تظهر لديه ~~الرغبة في تجديد «قالب» الموسيقى؛ فلا زال لمقطوعاته نفس الإطار القديم، وعدد الحركات ~~وترتيبها كما عرفته الموسيقى الكلاسيكية؛ فنظريته الجديدة لم تخلق التركيب الموسيقي الملائم ~~لها. أما الموسيقي الذي أتى بأكبر انقلاب في ميدان الصورة، بجانب ما استحدثه من كشوف ms089 في ~~مادة الموسيقى، فهو «سترافنسكي»؛ فقد تأمل النظام القديم الذي كان يسير عليه اللحن، وهو ~~أن يستمر في جمل وأنصاف جمل موسيقية منتظمة، وينتهي بسكون كما تنتهي الكتابة إلى نقطة، ~~وأدرك أن هذا التوقف النهائي والتوقف الجزئي المتوسط لا داعي له على الإطلاق؛ فليس هناك ~~ما يدعو إلى أن يتخذ ختام اللحن شكل النقطة النهائية؛ لأن اللحن ليس جملة، بل هو خط ممتد لا ~~يتطلب قاعدة معينة ينتهي على أساسها، وإنما يتوقف حيثما يشاء مزاج كاتبه. كذلك لم ير ~~داعيا لالتزام ذلك النظام المطرد في الإيقاع، أو التقيد بنفس عدد الضربات داخل الحاجز ~~الموسيقي الواحد، بل يمكننا بتنويع نظام الضربات أن ندفع الملل عن نفس السامعين، ونقدم ~~إليهم إيقاعا يتجدد دواما. ومن هنا تنوعت الإشارات الدالة على الزمن داخل الحواجز ~~المختلفة في كثير من مؤلفات ديبوسي وسترافنسكي، بل لم تعد بالموسيقى الحديثة إلى ~~التقسيم على أساس الحواجز حاجة. # ولقد حاول بعض الموسيقيين أن يستحدثوا انقلابا أوسع نطاقا، بتقسيم السلم إلى أربع ~~وعشرين درجة، كما هي الحال في كثير من السلالم الشرقية. وليس في هذا التقسيم الجديد أي خطر؛ ~~إذ إن الأذن تستطيع أن تميز «ربع» الصوت بسهولة. وهكذا تصبح إمكانيات اللحن والهارموني لا ~~متناهية في هذا النظام الجديد، ولكن ينقص هذا الانقلاب بناء نظام موسيقي كامل، وخاصة في ~~ميدان الهارموني، يتناسب مع ذلك الميدان الجديد للموسيقى. ومن العقبات التي تعترضه كذلك ~~ضرورة تعديل كثير من آلات الأوركسترا الغربية؛ فالبيانو والآلات الهوائية سيعدل تركيبها ~~على هذا الأساس تعديلا أساسيا، وتختلف طريقة العزف عليها اختلافا تاما، ويبدأ ~~الفنانون في كشف طرق جديدة تناسب النظام الذي ابتكروه. وليس كل هذا مستحيلا أو غير معقول، ~~ولكنه سابق لأوانه إلى حد ما؛ إذ إن سلم شونبرج ذا الدرجات الاثنتي عشرة المتساوية، ما ~~زال منطويا على إمكانيات عديدة لم نحقق منها بعد شيئا. # والنتيجة لهذا كله أن تنتج مادة صوتية خام قد لا يجد فيها كثير من المستمعين إلا صخبا ~~وجلبة. غير أن الفنان المتحمس لها ms090 يرى فيها ارتيادا لمناطق مجهولة في ميدان الأصوات ~~الموسيقية لم يكشفها أحد من قبل؛ فإذا أصررت على أن تستمع إلى الموسيقى من خلال علم النفس؛ ~~أي من حيث هي معبرة عن مشاعر معينة، فلن تجد لتلك الموسيقى أي معنى. أما إذا شئت أن ~~تستمع إلى موسيقى خالصة لا تهدف إلا إلى ذاتها، فستجد في ذلك الانقلاب الحديث خير ما يكفل ~~لك هذه المتعة الجمالية الخالصة. # فالموسيقى الخالصة مقتصرة على ذاتها، بعيدة عن الإهابة بأي موضوع خارجي معين. وهي - إن ~~شئنا أن نطلق عليها اسما فلسفيا - «موضوعية» تنظر إلى المعنى المادي أو العاطفي الذي ~~يمكن أن تشير إليه الألحان نظرة محايدة. والواقع أن هذا الانقلاب إنما هو مثل من أمثلة ~~ثورة الروح الحديثة على الخلط بين الفنون كما شاع في العصر الرومانتيكي؛ فقد أخذ كل فن ~~يتجه إلى أن يصبح «خالصا»؛ أي مقتصرا على ذاته، منفصلا عن غيره من الفنون، لا يهيب بشيء؛ ~~فأنت ترى اليوم شعرا خالصا، ورسما خالصا، وموسيقى خالصة (ومما له دلالته هنا أن ~~سترافنسكي وبيكاسو قد أصبحا صديقين حميمين في النهاية، وأنهما تعاونا سويا في تأليف باليه ~~راقص هو «بولتشينللو»)؛ فكل فن من هؤلاء يسعى إلى الاستقلال عن غيره، وإلى أن يتخذ له من ~~ذاته وحدها غاية؛ أي إن الموسيقى لم تعد تسعى إلى أن تثير في ذهنك معاني شعرية، أو صورا ~~مادية - ومن هنا كان عصر فاجنر وديبوسي يعد عتيقا بالنسبة إلى الفنانين المتطرفين في ~~نزعتهم المحدثة، واستبعد تماما عنصر التعبير وإثارة المشاعر - وبعد أن كانت النغمة رمزا، ~~وعلامة، وطريقة للتعبير مشحونة بمحتوى وصفي، أصبحت «نغمة» فحسب؛ أي مادة خالصة، ووجودا ~~يكتفي بذاته ولا يشير إلى شيء. ~~••• # فإذا انتقلنا إلى الجانب النقدي من هذا البحث، فلنؤكد أولا أن التجديد الموسيقي أمر لا ~~مفر منه؛ إذ إن تقلب القواعد الموسيقية وتطورها في القرون الماضية خير شاهد على ذلك. ~~والواقع أن مؤلفي الموسيقى في الفترة الأخيرة قد أحسوا بضيق نطاق قواعدهم القديمة إلى ~~حد كان كفيلا بأن يبعث ms091 فيهم الجمود. والواقع أيضا أن كبار الموسيقيين كانوا دائما ~~يخرجون عن القواعد المألوفة كلما واجهتهم مشكلة تعبيرية تعجز عن حلها القواعد؛ ففي الحركة ~~الثانية من سيمفونية بيتهوفن الثالثة، وفي الحركة الرابعة لسيمفونية تشايكوفسكي السادسة، ~~وفي مقدمات عديدة لفاجنر، مثل مقدمة «الهولندي الطائر»؛ في كل هذا كانت المعاني التي يعبر ~~عنها المؤلف أوسع مما تحتمله القواعد الشائعة؛ ولهذا تجاوزوا تلك القواعد وتعدوها على ~~نحو كان يبدو غريبا في أعين معاصريهم. # فمن مستلزمات الفن إذن، تلك الحرية والتلقائية التي تؤدي إلى التجديد. غير أن التجديد ~~الذي لا يقصد منه شيء سوى الاختلاف عن كل ما عرف من قبل، ليس إلا شذوذا عقيما، ولو ~~وجد فنان تبلغ أصالته وابتكاره حد الانفصال تماما عن التفاهم مع كل من يعيش معه، لما ~~استحق منا تقديرا كبيرا. ومن هنا رأينا كبار الفنانين يبدءون بدراسة القواعد الموروثة في ~~فنهم؛ إذ هي موجز لتجارب ذلك الفن الماضية، ولكنهم لا يدرسونها ليتقيدوا بها تقيدا ~~حرفيا، وإنما لكي تتوافر لديهم القدرة على استعمالها استعمالا حرا مجددا. ومن هنا قيل ~~إن المرء لا يدرس القواعد القديمة في الفن إلا ليتعلم كيف يخرج عنها. ولقد أكد شونبرج، ~~وهو صاحب انقلاب من أكبر الانقلابات الموسيقية الحديثة، ضرورة مرور دارس الموسيقى ~~بالتجارب الماضية، بحيث لا يتخلى عنها إلا تحت ضغط ينبع من باطن نفسه؛ فالحاجة إلى ~~التجديد يجب أن تنشأ عن الشعور بعدم كفاية الصور القديمة، وعن كشف المرء في تاريخ تلك الصور ~~عن ميل نحو وجهة جديدة يحاول هو تحقيقها وإبرازها إلى حيز الوجود؛ فدراسة الماضي إذن ~~ضرورية؛ لأنها تكشف للمرء عن علاقات جديدة توحي لنا بالطريق الذي يجب أن نسير عليه في إعادة ~~بناء تلك القواعد من جديد. # ولكن ما حدث في التطور الأخير للموسيقى هو أن يبحث بعض المؤلفين عن التجديد لذاته، وذلك ~~في مذاهب مختلفة يعبرون عنها باسم «المدرسة المجددة» أو «المستقبلية»؛ فهنا يبعد ~~الفنانون عن كل سابقة تاريخية في الفن، ظانين أن المثل الأعلى للفن هو التجديد بغير حدود. ms092 ~~والواقع أنه إذا كان صحيحا أن كل عمل فني جميل يجب أن يتضمن شيئا من التجديد، فإن عكس هذه ~~القضية، وهو أن كل جديد جميل، ليس صحيحا على الإطلاق؛ إذ إن السعي إلى الجدة لذاتها، في ~~عمل لا شرط له إلا أن يكون مختلفا كل الاختلاف عما وجد من قبل، يؤدي بنا إلى إنتاج فني ~~عقيم لا جدوى منه؛ فعلينا إذن ألا نثق بالانقلابات الفنية التي تزعم أنها تنكر الماضي كله ~~دفعة واحدة؛ إذ إن تجديداتها ستكون عرضية زائلة، سرعان ما ينتهي عهدها بعد أن يتضح عجزها عن ~~الاندماج في التطور التاريخي للموسيقى. # ومن ذلك النقد السابق يتفرع نقد آخر على جانب كبير من الأهمية؛ إذ إن سعي هؤلاء ~~المحدثين إلى التجديد لذاته قد جعلهم ينحدرون إلى مستوى «المجربين» فحسب؛ فأعمالهم «تجارب» ~~في عالم الموسيقى، يهدف كل منها إلى كشف عنصر صوتي لم يكشف من قبل. وهنا تتبدى لنا ~~صفة أساسية في هذا النوع من التأليف الموسيقي، هو أنه يبدأ ب «نظرية». وأيا ما كانت فكرة ~~المرء عن خلق العمل الفني، فسيسلم حتما بأن نقطة البداية في الإنتاج الفني هي عاطفة أو ~~إحساس معين، لا نظرية عقلية - وهذه العاطفة تؤدي في كثير من الأحيان إلى التعبير عنها ~~بقواعد تستخلص منها نظرية جديدة - أي إن النظرية نتيجة وليست سببا؛ فنقطة بداية الفنان ~~«المستقبلي» إذن باطلة؛ إذ يبدأ بأن يقصد ابتداع أسلوب جديد، ولا يكون له من هدف سوى ~~الجدة في الأسلوب، فيكون الدافع له في إنتاجه دافعا نظريا خالصا، وتختفي من عمله كل ~~آثار الحساسية الفنية الشعورية. والواقع أن بدء الفنان بوضع منهج تجديدي معين، يعني سبق ~~القواعد على الإلهام، ويعني - فوق ذلك - فهما سيئا لمهمة علم الجمال؛ فهنا يظن الفنان أن ~~هدف ذلك العلم هو أن يرشد الخلق الفني مقدما؛ أي أن تسبق القيم الفنية عمل الفنان ذاته ~~وتفرض عليه مقدما، بينما الواقع أن العمل الفني ذاته هو الذي يخلق تلك القيم خلال عملية ~~الإبداع؛ فعلم الجمال لا يتحكم في ms093 مصير العمل الفني ولا يحدد اتجاهاته، بل هو لاحق لعملية ~~الخلق مستمد منها. ولا شك في أن كل نظرية توضع مقدما، ويكون مكانها خارج تجربة الفعل ~~الإبداعي ذاته، تعوق المسار الحر للفنان، ولا تمكنه من بلوغ القيم الأصلية التي تكمن ~~فيه، والتي يتجه إليها تلقائيا. حقا إن الجمال علم معياري، ولكنه ليس معياريا بمعنى ~~أنه يفرض قيم الجمال على الفنان ويوجهه مقدما، بل بمعنى تحليله وتقنينه لتلك القيم ~~فحسب. # والواقع أن اتخاذ الفنان نقطة بدايته من نظرية معينة، يعني أن إعجابنا به عقلي محض؛ فعن ~~طريق التحليل العقلي وحده نصل إلى تقدير من يأتي لنا بنظرية جديدة أو بكشف مبتكر في ~~ميدان الموسيقى. ولكن الحقيقة أن هذا التقدير العقلي إنما يكون الأساس الخلفي للعمل الفني؛ ~~لأن النظرية تمهيد للخلق الفني وليست أساسا لإعجابنا به. ولقد شبه أحد الكتاب الموسيقيين ~~ذلك الاهتمام بالأساس العقلي للموسيقى بأنه أقرب ما يكون إلى اهتمام المرء - عند تأمله ~~منظرا مسرحيا بديعا - بالأساس المادي الذي يجري وراء المسرح، بحيث يظل يفكر طوال ~~الوقت في الأسلاك والأجهزة الكهربائية والحبال والأصوات المختلفة التي تدور خلف المسرح، ~~وينتج عن تأثيرها هذا المنظر الذي يشاهده؛ فإعجابنا العقلي لا يجب أن يطغى بأي حال على ~~تقديرنا النهائي للإنتاج الفني في صورته التامة؛ أي كما ينتقل إلى آذاننا على أكتاف النظرية ~~العقلية الممهدة له. # ونتيجة ذلك أن أصبح كثير من موسيقيينا اليوم يفتقرون إلى العنصر الأساسي لكل إنتاج فني، ~~وهو الإلهام. وأيا ما كانت نظريتك في تفسير الإبداع الفني فستعترف - ولا شك - بأهمية هذا ~~العنصر الغامض الذي لا نملك عنه إلا تعبيرات شعرية غير دقيقة. هذا العنصر كان دائما القوة ~~الأولى الدافعة لكبار الموسيقيين؛ فعلى الرغم مما كان يجده فنان مثل بيتهوفن من عناء في ~~الخروج بألحانه إلى الصورة التي نلمسها، وعلى الرغم من طول الوقت الذي كان يستغرقه تأليف ~~سيمفونية عند برامز، على الرغم من ذلك فإن هذا العناء كان، في أغلب الأحيان، راجعا إلى صقل ~~القطعة وتهذيبها، وإلى إخراجها على ms094 الصورة النهائية التي تصل بها إلى آذاننا، أما التيار ~~الأصلي لها، والاتجاهات الأولى للحن، فغالبا ما كانت تصدر مستقلة عن كل نظرية سابقة عن ~~طريق مفاجئ هو الذي اصطلحنا على تسميته بالإلهام. # وتكاد هذه الطريقة في التأليف الموسيقي تقرب من الاختفاء اليوم؛ فالمؤلفون الموسيقيون ~~يقصرون همهم على الوسائل، لا على الغايات - وهدف كل منهم هو أن يبحث عن مادة صوتية ~~موسيقية جديدة، دون أن يفكر في كيفية الاستفادة من المواد الهائلة التي توافرت للموسيقى ~~الحديثة بعد كشوفها الأخيرة. # ولقد أدى هذا الاهتمام المفرط بالوسائل إلى أن غابت عن أذهاننا فكرة المعنى النهائي ~~للإنتاج الموسيقي؛ ففي إزالة شونبرج لكل حاجز بين أنصاف الأصوات، اختفى العنصر الذي يضفي ~~«النور» على القطعة الموسيقية؛ فحين تصبح درجات السلم كلها متساوية الأهمية، تكتسي كل ~~أصواتها لونا باهتا غامضا لا يميز بين الواحدة منها والأخرى؛ فأساس التنوع في ألوان ~~الموسيقى السائدة في القرن التاسع عشر، هو اتباعها نظام سلم تتفاوت درجاته أهمية، مما ~~يؤدي إلى أن تتخذ حركة كل قطعة معنى معينا يمكن تغييره كما يشاء خيال الفنان. والواقع أن ~~مساواة شونبرج بين الأصوات الكروماتيكية كلها، يذكرنا بفكر مثل فكر برجسون؛ إذ يرفض ~~الموسيقي تقييد حركة التحول الموسيقية الحرة في مقولات أو صور أولية سابقة، تفرض على ~~التدرج النغمي وتتحكم فيه؛ ففي تلك الموسيقى تحول دائم لا يعوقه العقل في شيء. غير ~~أنه إذا كانت هذه الصيرورة المستمرة جائزة في ميدان التفكير الفلسفي، فهي في ميدان الموسيقى ~~تغيير خطير للعناصر الأساسية في لغتها، وإبدال حروف جديدة بحروفها المألوفة، وإن كنا لا ~~نعلم يقينا ما إذا كان التأثير الصوتي لمجموعات هذه الحروف الجديدة يؤدي إلى جمل موسيقية ~~أعمق في معناها من الجمل القديمة أم لا. وعلى أي حال فالموسيقى الحديثة - باعتراف مبدعيها - ~~لا تعبيرية، فإن ظل المرء يسعى إلى أنغام ذات محتوى نفسي معين، فلن يجد في تلك ~~الموسيقى شيئا، وإنما عليه أن يحصر إعجابه الفني بها في نطاق نغمي خالص لا تشوبه أية ~~شائبة نفسية. والنتيجة ms095 المباشرة لهذا أن تصبح الموسيقى ضجة مسلية، فيها توثب وحياة، ~~ولكنها لا تعبر عن شيء. وهذا هو حقا ما تشعر به وأنت تسمع كثيرا من قطع سترافنسكي ~~مثلا؛ فهي أشبه بالطبيعة في سذاجتها السعيدة، وفي عدم اكتراثها كل معنى ومدلول يضفيه ~~عليها عقل الإنسان؛ ومن هنا سميت قطعة مثل «طقوس الربيع»، باسم «مزامير الأرض»، وليس في ~~هذا ضير على تقديرنا لمثل هذه الموسيقى، غير أن ما يهمنا هنا هو أن دلالة الفن الموسيقي قد ~~اختلفت، وأصبح التعبير عنصرا غريبا عنه لتحل محله كشوف تنتمي - قبل كل شيء - إلى مجال ~~الصوت الخالص. # ولسنا نود أن نطيل في وصف مظاهر استغلال هذا الانقلاب الموسيقي استغلالا سيئا، وإنما ~~يكفينا أن نشير إلى ما شاع في الموسيقى الحديثة من العودة إلى الإيقاعات البدائية وإلى ~~سيادة آلات الدق والطبول على حساب بقية الآلات، إلى ما عمد إليه الأمريكيون من الإفراط في ~~الغرابة والشذوذ، كأن يؤلفوا «كنشرتو» للآلة الكاتبة مع الأوركسترا، وقطعا موسيقية تطلق ~~في وسطها طلقات نارية، أو تأليف قطع راقصة آلية، تؤديها الآلات الحالية عن طريق الكهرباء لا ~~عن طريق العزف الإنساني عليها. ونحن هنا لا نرمي إلى الحط من قدر الموسيقى البدائية ~~لذاتها، بل نكتفي بالإشارة إلى أنها وضعت في مجتمع معين لأجل ذلك المجتمع ذاته، وإلى أن ~~إنكار التقدم الفني خلال عشرات القرون والعودة إلى حالة بدائية أمر لا مبرر له على ~~الإطلاق بعد تطور الذوق الموسيقي كل هذا التطور. أما العزف الآلي فتجربة ثبت إخفاقها؛ إذ ~~إن كل ما وصلت إليه الآلة هو أن تحفظ فن الإنسان وتسجله، كما في الأسطوانات الموسيقية، ~~أما أن تحل محل الإنسان في العزف، فهذا ما يؤدي بالفعل إلى تدهور لا إلى تقدم؛ ~~فالموسيقى، قبل كل شيء، حديث إنسان لإنسان. # كذلك أود أن أشير من بعيد إلى ما أدت إليه الموسيقى الحديثة من تعقيد متكلف؛ ففي بعض ~~موسيقيي اليوم نزعة إلى التعقيد لذاته، يخفون بها عجزهم عن الابتداع والابتكار، ويغرقون ~~السمع في خضم من التركيبات العويصة، ms096 حتى لا يكشف افتقارهم إلى الهدف الصحيح؛ ففي هذا ~~الغموض المتعمد يعجز المرء عن الحكم على العمل الفني حكما صادقا وسط تعقيد الأداء، وما ~~على المؤلف إلا أن يضيف إلى تيارات الموسيقى طبقات أخرى عديدة، ويأتي بما يخرج عن المألوف ~~في الهارموني، ليشغل السامع بغموض القواعد عن تقدير قيمة عمله الفني كاملا. ~~••• # ولهذا البحث هدف لا بد من إيضاحه بعد عرض مظاهر الانقلاب الموسيقي، هو عدم إمكان ~~الحكم على ذلك الانقلاب على نحو نهائي ثابت؛ ففي التجديدات الموسيقية الجزئية السابقة، كنا ~~ننعت من يتمسك بالقديم وينكر الكشوف الجديدة بالتحجر والجمود؛ لعجزه عن مسايرة التطور. ~~أما في هذا الانقلاب الحديث الشامل، فليس لنا أن نصف بالعجز من لم يتابعه؛ إذ إن من صفات ~~الانقلابات التي يمكن متابعتها، أن تتدرج على نحو معقول. وليست الثورة الفنية كالثورة ~~السياسية تشتعل فجأة (وإن كان لهذه الأخيرة ذاتها مقدماتها البعيدة في كل الأحوال)، بل ~~تتغير القواعد تدريجيا كلما تهيأت لها الأذهان. وقد نصف الانقلاب الموسيقي الحديث بأنه ~~مفاجئ وعنيف، وبأن المقدمات السابقة عليه لم تمهد له تمهيدا كافيا؛ فإذا شئنا أن نتجاوز ~~عن هذا القدر من المفاجأة، ونحاول مسايرة ذلك الانقلاب، فليس لنا، مع هذا، أن نلوم من لم ~~يتابعه بنفس سرعته. وتلك صفة يتميز بها التطور الأخير وحده للموسيقى. أما التطورات السابقة ~~فكانت كما قلنا، متدرجة لا عذر لمن لم يسايرها. # وأخيرا، فقد يلمس المرء هنا قدرا من عدم الرضا عن بعض الاتجاهات المتطرفة في الموسيقى ~~الحديثة، ويتساءل: ما الحل إذن؟ الواقع أن فترة الانقلاب العنيف يجب أن تنتهي؛ فقد فتحت ~~أمامنا الآفاق الجديدة، ولم يستغل الموسيقيون بعد كل إمكانياتها حتى يحاولوا تجاوزها. ~~ومهمة الموسيقى الآن هي أن تقوم بعملية أغفلها ذلك الانقلاب عامدا، وهي إدماج الكشوف ~~الجديدة في التراث القديم؛ فقد اكتفينا بما اكتشفناه، وأصبح علينا أن نجني ثمار هذه الكشوف ~~بقدر طاقتنا، ونقوم بعملية تمثيل تهضم تلك المادة الجديدة وتدمجها بكياننا الموسيقي ~~الكامل. وهنا نرى أنفسنا نسير في اتجاه مماثل لذلك الاتجاه ms097 المجيد الذي سار فيه من قبل ~~أقطاب الموسيقى الكلاسيكية، ولكن مع سعة في المادة التي أصبحت في متناول أيدينا. وهنا أيضا ~~نجد أسماء وضاءة لامعة تنير لنا الطريق الذي يجب أن نسير فيه: أسماء ديبوسي ورخمانينوف ~~وسيبيليوس وبروكوفييف وشوستاكوفتش، الذين عرفوا كيف يمزجون كشوفهم بالتقاليد النافعة ~~الماضية، ويقدمون إلى العالم فنا مبتكرا لا ينفصل عن التطور الموسيقي الغابر. # | محنة الموسيقى الغربية المعاصرة1 # ما زالت الأعمال الموسيقية الكبرى الماضية تحتل الجزء الأكبر من برامج الحفلات الموسيقية ~~الغربية، ويتكرر عزفها إلى الحد الذي يؤدي إلى الإضرار بها أحيانا. ولكن إذا شكا المستمع ~~من هذا التكرار، فلن يجد في الموسيقى المعاصرة ما يحل محل الأعمال الماضية المجيدة. ~~وهكذا يظل المستمع في معظم الأحيان مفتقرا إلى شيء يجمع بين صفتي الجدة والجودة معا، ~~ويتعين عليه أن يقوم باختيار غير حر يضطر فيه آسفا إلى التضحية بإحدى هاتين ~~الصفتين. # ذلك لأن الموسيقى الغربية المعاصرة التي تقدم إلى المستمعين على أنها مجددة، لا معنى ~~لها، في معظم الأحيان، بالنسبة إلى المستمعين الذين توجه إليهم هذه الموسيقى. والذي يحدث ~~عادة هو أن هؤلاء يصفقون لها بعد انتهائها في أدب، ولكن سرعان ما ينسون عنها كل شيء، ولا ~~يبقى في أذهانهم عنها إلا ما تردده فئة قليلة من دعاتها المتحمسين، الذين لا يفلحون أبدا ~~في إقناع الأغلبية الساحقة بوجهة نظرهم. وعلى قدر ما يزداد اليوم عدد أولئك الذين يشتغلون ~~بالتأليف الموسيقي، وتسود مئات الألوف من الصفحات ذات الأسطر الخماسية، فإن الإنتاج نفسه ~~هزيل، وتكون نتيجة هذا الانتشار الكمي انحدارا كيفيا يبدو أمرا لا مفر منه. # فما هي علة هذا الوضع السائد في الموسيقى المعاصرة؟ إن السبب الأول هو تزايد انعزال ~~الموسيقي «المجدد» عن الجمهور؛ فالمجددون، من أصحاب التجارب والمغامرات غير المألوفة ~~في عالم النغم، يشعرون - صوابا أو خطأ - بأنهم أقلية مضطهدة في مجتمع لا يقدرهم، ~~وينطقون لغة لا تتذوقها آذان مستمعيهم، حتى المثقفين منهم. وكلما اشتد لديهم هذا الشعور ~~بالاضطهاد، دفعهم إلى المزيد من الإغراب في التأليف، ظانين ms098 أن افتقار الناس إلى فهم ~~أعمالهم دليل على عظمة هذه الأعمال؛ إذ إن كبار الفنانين في الماضي كانوا، حسب اعتقادهم، ~~لا يلقون عادة من الجمهور إلا التجاهل (وهي قضية باطلة)، على حين أن الأجيال المقبلة هي ~~وحدها التي ستقدر هؤلاء المجددين حق قدرهم (وهو أمر بعيد الاحتمال). # وربما كان من أسباب هذا التباعد بين الموسيقي المعاصر وبين جمهوره، تلك النظرة التقديسية ~~التي ينظر الناس بها إلى النواحي الفنية أو التكنيكية في العمل الموسيقي، وهي نواح تبدو ~~سرا غامضا لا يتقنه إلا أربابه. وهكذا ترى المثقفين أنفسهم لا يعلمون أن هذه النواحي ~~التكنيكية يمكن أن تلقن لأي شخص يبدي الاهتمام والاجتهاد الكافي، وأن تعلمها أسهل ~~قطعا من تعلم الرياضيات، ولا يقل سهولة عن تعلم قواعد النحو. وهذا أمر يضفي على مهنة ~~التأليف الموسيقي هالة من القداسة ترفعها فوق مستوى النقد. وعلى حين أن التجديد في ميدان ~~الأدب أمر لا يصعب على المثقفين عامة تقديره، فإن التجديد في ميدان التأليف الموسيقي أمر ~~يشعر معظم المثقفين بنوع من العجز إزاءه، ولا يدعون لأنفسهم القدرة على الحكم عليه. ~~وهكذا ينظر إلى المؤلفين الموسيقيين مهما فعلوا - نظرة فيها شيء من القداسة، ويستغل هؤلاء ~~هذا الموقف فيجعلون من أنفسهم ما يشبه جماعة سرية لا تحرص إلا على الاحتفاظ بمركزها الخاص، ~~دون أن تعبأ على الإطلاق بتقديم شيء له قيمة لبقية البشر. # وهكذا أصبح المؤلف الموسيقي المعاصر يحس بقدر من الحرية يتيح له إلغاء كل القواعد ~~التقليدية لمهنته، ووضع قواعد لنفسه بنفسه، وهو يرفض أن يدخل في منافسة مع كبار الفنانين ~~السابقين، بل إنه يقضي جزءا كبيرا من حياته محاولا إقناع الآخرين بأن هؤلاء الأخيرين لا ~~يستحقون ما نالوه من الشهرة، أو أن شهرتهم ينبغي أن تسري على عصورهم وحدها، لا على عصرنا ~~نحن. أما المستمع السيئ الحظ، فعليه أن يقبل هذه الأحكام صاغرا؛ إذ إن ذلك الذي يصدرها ~~ينطق لغة تعلو على فهمه؛ فإذا ما شاء المستمع أن يثبت أنه من المثقفين حقا، أو أنه من ms099 ~~«الطليعة»، فعليه أن يستمع بخشوع، ويصفق بحماسة سواء أكان يفهم أم لا يفهم، وعليه أن يكتم ~~آراءه الحقيقية ولا يسر بها إلى أحد، حتى لا يتهم بالجهل والتخلف. ونتيجة هذا كله ~~أن الموسيقى الغربية المعاصرة تمر بفترة حالكة الظلام في تاريخها، فترة مليئة بالأقزام ~~حافلة بالتفاهة، حتى ليبلغ التشاؤم عند المرء حدا يتوهم معه أحيانا أن عهد العمالقة قد ~~انتهى إلى غير رجعة، وأن الموسيقى نفسها، بوصفها سيدة الفنون، توشك أن تنزل عن عرشها الرفيع ~~في ذلك المجتمع. # ومن المعروف أن الموسيقي الألماني «أرنولد شونبرج» هو الذي فتح باب تلك الاتجاهات التي ~~تعد الموسيقى المعاصرة امتدادا لها، وربما لم يكن العالم في ذلك الوقت يدرك تماما مدى ~~خطورة الاتجاه الذي بدأه شونبرج؛ فقد كان يعاصره مجموعة من أواخر الشخصيات الضخمة التي جمعت ~~بين التجديد واحترام التقاليد، مثل ريشارد شتراوس، وسيبيليوس، ومالر، وبوتشيني، ومع ذلك ~~فسرعان ما تعلق بشونبرج عدد من صغار المؤلفين الموسيقيين، الذين رأوا في نظرياته الجديدة ~~بشائر المستقبل في الفن الموسيقي، فشجعه ذلك على المضي في اتجاهه الجديد، ووضع تفاصيل ~~نظامه الانقلابي في الموسيقى. وهكذا ظهرت «الطريقة الاثنا عشرية»، أو طريقة «الصف النغمي» ~~أو «الطريقة التسلسلية». كان هذا الانقلاب يعني القضاء على اللحن النغمي بصفاته ومسافاته ~~المعروفة (ومن هنا سمي أيضا بالنظام اللانغمي)، مع أن الموسيقى بمعناها الكلاسيكي إنما ~~بنيت على هذا التمييز. # ومن المؤكد أن من أسباب ترحيب الموسيقيين بهذا الاتجاه الجديد، أنه ألغى أيضا الحد ~~الفاصل بين العبقرية والتفاهة؛ فحين يصبح التأليف الموسيقي دراسة تجريبية أشبه بالتفاعلات ~~الكيميائية التي تتم في أنابيب الاختبار، فعندئذ يستطيع الفنان القزم أن يتوارى خلف ستار ~~«التجديد»، ويداري هزاله بالدخول في سباق مع «الطليعة» من الفنانين المخالفين من أمثاله، ~~وهو سباق يتفوق فيه أشدهم إغرابا، مهما كانت القيمة الذاتية لأعماله. وهكذا لم يكن ~~النظام الجديد يقتضي موهبة أو عبقرية، بل كان يسفر عن نواتج لا لون لها ولا طعم ولا قوام، ~~نواتج لا يستطيع السامع إليها - إذا استخدم ذوقه وحده - أن ms100 يحدد إن كان مؤلفها يصلح ~~موسيقيا أم يصلح حدادا! # ووجد النظام الجديد أنصارا متحمسين له، كان لبعضهم شخصيته المستقلة، مثل «أنتون فيبرن» ~~و«ألبان برج» و«باول هندمت» و«بيلا بارتوك»، غير أن هذه الشخصيات الهامة كانت تتميز بعدم ~~التزامها النظام الجديد على الدوام؛ فهم لم يكونوا أتباعا مخلصين تماما للنظام اللانغمي ~~في التأليف. ولكن الغالبية الكبرى من أنصار هذا النظام الجديد كانوا أولئك الذين وجدوه أسهل ~~وأيسر، واتخذوا منه ملجأ يلوذون به من ضعفهم وافتقارهم إلى الموهبة. # وظهرت في فرنسا مجموعة أخرى من الموسيقيين الذين أحرزوا شهرة دولية كبيرة، والذين كان كل ~~همهم هو تحطيم التراث الألماني والإيطالي في التأليف الموسيقي، وهو تراث ندين له بأعمال ~~رائعة ستظل لها قيمتها الباقية. وقد اشتهرت من هؤلاء الموسيقيين فئة أطلق عليها اسم ~~«الستة»، أبرزهم «داريوس ميلو» و«هونيجر» و«بولانك»، وانضم إليهم، في باريس، المهاجر الروسي ~~الكبير «إيجور سترافنسكي». وكان هدف هذا الاتجاه هو القضاء على كل بقايا العصر الرومانتيكي، ~~والتخلص بأي ثمن من تأثير ريشارد فاجنر، الذي كانوا يعدونه عدوهم الكبر. ووجد هؤلاء ~~كتابا يتحدثون باسمهم، منهم «أندريه جيد» و«جان كوكتو»، اللذان عدا نفسيهما داعيين ~~أدبيين للاتجاه الفرنسي الجديد في الموسيقى. ولكن لنسأل أنفسنا: ما الذي تبقى لمؤلفات ~~هؤلاء «الستة» من قيمة في يومنا هذا؟ لقد كانت هذه المؤلفات عصرية حقا في وقتها، ولكن ~~هل بقي منها اليوم شيء يستحق الذكر؟ إن العالم قد أوشك على نسيانهم وهم أحياء، فهل ستذكر ~~لهم الأجيال التالية شيئا؟ # أما إيجور سترافنسكي فهو شخصية ضخمة تقف بمعزل عن الباقين. وهو أستاذ لا شك في فنه، غير ~~أن لديه قدرة زئبقية على التقلب مع كل أسلوب جديد، وعلى تغيير جلده كلما اقتضى ذوق العصر ~~لونا جديدا. على أن أعظم أعماله، في رأي الكثير من النقاد، هي تلك التي تمت قبل أخذه ~~بالطريقة التسلسلية في التأليف، حتى ليرى البعض أن دوره في تاريخ الموسيقى قد توقف عند ~~الأعوام العشرين الأول من هذا القرن، رغم أنه ما زال حيا إلى اليوم. # فإلى ms101 أين يؤدي بنا هذا كله؟ الأمر الذي لا شك فيه أن تغيير الأسلوب من أجل التغيير فحسب ~~إنما هو هدف عقيم لا جدوى منه، فضلا عن أنه يبعث الملل السريع في النفوس، وأكبر آفة يمكن ~~أن تصاب بها الموسيقى هي أن تغدو مملة. # ولقد حاول البعض تبرير هذه الموسيقى بأنها «تجريبية وتقدمية»، وهما لفظان لهما وقع ~~واحترام خاص في النفوس، ولكن إذا كانت التجريبية صفة مستحبة في العلم، وكانت التقدمية ~~صفة مرغوبة في السياسة، فليس معنى ذلك أن الصفتين مطلوبتان دائما في الفن؛ فالأدب مثلا - ~~مع كل ما طرأ على مدارسه من تغير - لم يحدث انقلابا في أداته، وهي اللغة، بنفس المعنى ~~الذي تعد فيه الموسيقى المعاصرة انقلابية؛ إذ إن طريقة السرد قد لا تختلف في كتاب أدبي ~~حديث عما كانت عليه أيام اليونانيين، هذا إذا استثنينا بعض اتجاهات «الطليعة» التي لا تلقى ~~اهتماما من النقاد، والتي لا تكون المجرى الرئيسي للأدب المعاصر على الإطلاق؛ فالأدب، في ~~عمومه، ما زال فنا صحيحا، سليما، لا يقتصر على نقل تجديدات في «الصنعة» إلى القراء، ~~وإنما ينقل معاني عميقة إلى جمهور كبير يقدره ويعرف كيف يستوعبه ويتذوقه. ورغم أن أداته، ~~وهي اللغة، قديمة قدم الإنسانية، وتراثها لا يتغير إلا ببطء شديد، فإن الأدب يشق طريقه ~~بنجاح دون حاجة إلى انقلابات أو إلى «تجارب». وللموسيقى أيضا تراثها، ولغتها الخاصة التي ~~يمكن أن تؤدي نفس وظيفة اللغة في الأدب. ورغم كل ما يبذل من محاولات للقضاء على هذا ~~التراث، فقد أخذ الفنانون يزدادون إدراكا لهذه الحقيقة الهامة، وهي أن من الخطأ القول ~~بوجود طريقة جديدة تماما لكتابة الموسيقى، بل إن عددا من أكبر الموسيقيين العالميين في ~~الوقت الحاضر يشغلون أنفسهم بمحاولة إعادة كشف هذا التراث، ويلقون من جماهيرهم استجابة ~~صادقة لجهودهم هذه. هؤلاء الموسيقيون لا يخشون منافسة التراث الماضي، ولا يحجمون عن ~~تأليف موسيقي يقبل المقارنة مع الأعمال الكبرى في هذا التراث. # ومن الحقائق المعروفة أن العدد الأكبر من هؤلاء الموسيقيين الذين لا يخجلون من ms102 الاحتفاظ ~~بكل ما هو سليم في التراث الموسيقي السابق؛ يتألف من تلك المجموعة الهامة من الموسيقيين ~~الروس المعاصرين: شوستاكوفتش، وخاتشاتوريان، وكاباليفسكي، وبروكوفييف. ومن المعروف أيضا أن ~~كثيرا من النقاد ينسبون التزام هؤلاء الموسيقيين جزئيا للتراث إلى نوع من الرقابة ~~السياسية التي يقال إنها مفروضة عليهم، والتي تحارب بشدة إدخال التجديدات التجريدية ~~المتطرفة في مجال الموسيقى. ومع ذلك فمن الواجب أن نلاحظ في هذا الصدد أمورا ثلاثة: # الأول: # أن عددا من أكبر الموسيقيين العالميين، في العالم الغربي، لا يؤمن ~~بالتجديدات المتطرفة ويحاربها بقوة وعن وعي، ويمتنع عمدا عن عزفها في كل ~~حفل يشرف عليه، ولا يكف في كل مناسبة عن الحملة عليها ووصفها بأنها دجل ~~واحتيال. ويكفينا أن نذكر في هذا الصدد اسمي «بابلو كازالس» و«برونوفالتر» ~~(قبل وفاة هذا الأخير)، لندرك أن لهذا الرأي أنصارا بين عمالقة الفن ~~المعاصر. هؤلاء الفنانون يقومون، كل في مجاله الخاص، بنوع من الرقابة ~~الفنية لا يختلف كثيرا عن تلك التي تمارس ضد التجديد المتطرف في بعض ~~البلدان، ومع ذلك فإن أحدا لا يشك في إخلاصهم للفن ومناصرتهم لحرية ~~الفنان. # والأمر الثاني: # أن الموسيقى «المباحة» في هذه الحالة ليست تقليدية على الإطلاق؛ ففيها ~~عناصر تجديدية لا شك فيها، وهي قطعا تختلف اختلافا كبيرا عن الموسيقى ~~الرومانتيكية التي شاعت في القرن التاسع عشر وامتدت، في حالات قليلة، إلى ~~أوائل القرن العشرين. وبعبارة أخرى فالتجديد هنا لا يحارب لذاته، وإنما ~~يرحب به إذا امتزج بالتراث الموسيقي الأصيل ليكون معه مركبا ذا ~~معنى ... أما إذا أصبح غاية في ذاته، وإذا تحول إلى تجارب صوتية لا ~~يقصد منها إلا صك الآذان بكل ما هو غريب من الأصوات، فعندئذ يصبح ~~الاعتراف به أمرا يثير الشك والتساؤل. # وأخيرا: # فالعبرة، كما يقولون، بالنتيجة. والنتيجة في حالة ترك الحبل على الغارب ~~هي التخبط والتدهور والأصوات المنكرة، وفي حالة وضع بعض الحدود والقيود ~~على الجموح المتطرف هي التقدم الذي لا ينكره أي شخص له قدر من الثقافة ~~الموسيقية في العالم بأسره. # ولعل هذا كفيل بأن ms103 يثير في الأذهان الحاجة إلى تعديل بعض المفهومات الشائعة لمعاني الحرية ~~والتقييد في الفن، عندما يثبت عمليا أن الحرية قد أدت إلى التدهور. وإذا كان من ~~المسلم به أن التقييد، عندما يتطرف، يصل إلى حد خنق الفنان، وبذلك تكون له مساوئه ~~المؤكدة، فإن المسألة التي تؤدي محنة الموسيقى الغربية المعاصرة إلى إثارتها بكل وضوح، هي ~~أن الحرية المتطرفة قد تكون لها مساوئها أيضا - وهذه مسألة تعد هذه المحنة ذاتها ~~مظهرا عمليا ملموسا لها. # | موسيقى وآلات وضجيج1 # كلنا نعرف أن الواسطة التي تستخدم في نقل الأنغام الموسيقية إلى آذان السامعين تسمى ~~«آلة»، وأن الفرقة الموسيقية تضم عددا يقل أو يكثر من «الآلات» التي يؤدي كل منها دورا ~~معينا في عملية النقل هذه. ومع ذلك فقد كنا، في لغتنا العربية غير موفقين على الإطلاق في ~~اختيار اسم «الآلة» للدلالة على هذه الواسطة الموسيقية، وكان الناطقون باللغات الأجنبية ~~أدق منا كثيرا حين عبروا عن هذا المعنى بلفظ تترجمه كلمة «الأدوات» الموسيقية؛ ذلك ~~لأن الآلة هي قبل كل شيء جهاز أو نظام لديه القدرة على أداء وظيفته على نحو تلقائي إلى ~~حد ما. وأهم ما يميز الآلة من الأداة أن الأولى مستقلة عن الإنسان، بينما الثانية امتداد ~~طبيعي لقواه وقدراته الخاصة. صحيح أن استقلال الآلة عن الإنسان لا يمكن أن يكون تاما؛ لأن ~~أدق الآلات الإلكترونية ما زالت تعتمد في إدارتها وتوجيهها على الإنسان، ومع ذلك فإن لدى ~~الآلة قدرة ذاتية على أداء وظيفتها والسير في عملياتها بأدنى حد ممكن من تدخل الإنسان. ~~ومن هنا كان من الخطأ الشديد استخدام اسم «الآلة» للدلالة على الواسطة الموسيقية؛ إذ إن ما ~~نسميه بالآلة الموسيقية ليس في واقع الأمر إلا أداة تطيع الإنسان كأحسن ما تكون الطاعة، ولا ~~تملك في ذاتها من حول ولا قوة إلا بما تمليه عليها أصابع الفنان الماهر من أوامر - صادرة ~~بدورها عن حسه وذوقه المرهف - تلبيها «الآلة» طائعة مختارة. # وإذن فنحن حين نتحدث عن صلة الموسيقى بالآلة، لا نقصد صلتها بتلك الواسطة ms104 أو الأداة ~~التي تحركها أنامل الإنسان كيفما شاءت، وإنما نقصد صلتها بالآلة بمعناها الصحيح؛ أعني تلك ~~«الماكينة» الخرساء التي تملك القدرة على أداء أعمالها بنفسها مستقلة - بدرجات متفاوتة - عن ~~الإنسان. # إننا نعيش دون شك في عصر الآلة، بل إن عصر الآلة ليرجع، على أقل تقدير، إلى أكثر من ~~قرنين من الزمان؛ فلماذا لم يبدأ تأثير هذه النزعة الآلية في الظهور بصورة واضحة إلا في ~~القرن العشرين، مع أن عصر الصناعة نفسه، وعصر سيادة النزعة الآلية قد بدأ منذ أواسط القرن ~~الثامن عشر على الأقل؟ قد لا يرى البعض في هذا الفارق الزمني إلا مظهرا من مظاهر تأخر ~~الظواهر الحضارية في الاستجابة للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية. ولكن حقيقة الأمر هي أن ~~التعقيدات الآلية الكفيلة بالتأثير في فن كالموسيقى وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية ~~والنفسية التي مهدت الأذهان لقبول أشد التجديدات تطرفا، لم تظهر بوضوح إلا في القرن ~~العشرين. وهذا هو السبب الحقيقي لذلك التأخر الظاهري في استجابة الموسيقى لنداء الآلية، ~~ذلك النداء الذي سبقتها في الاستجابة إليه كثير من علوم الإنسان وفنونه. # ففي تلك الفترة الغريبة من فترات تاريخ الفن؛ أعني في الربع الأول من القرن العشرين، ظهرت ~~أول دعوة إلى صبغ الفن الموسيقي بصبغة متأثرة بالنزعة الآلية. وكان على رأس أصحاب هذه ~~الدعوة جماعة أطلقت على نفسها اسم «جماعة المستقبليين» في إيطاليا، وأبرزهم «لويجى روسولو» ~~و«باليلا براتيلا»؛ ففي عام 1913م بعث الأول إلى الثاني برسالة حوت خلاصة آرائه، وعدت ~~وثيقة لهذه المدرسة الفنية، حتى سميت ب «بيان المستقبليين»؛ في هذه الرسالة قال روسولو: ~~«لقد ولد الضجيج في القرن التاسع عشر، باختراع الآلات. واليوم أصبح الضجيج ظافرا، وكتبت ~~له السيادة على حواس الإنسان ... فنحن نزداد اقترابا بالتدريج من موسيقى الضجيج ... وعلينا أن ~~نحرر أنفسنا من ربقة هذه الحلقة الضيقة من الأصوات الموسيقية الخالصة، وأن نغزو تلك الأرض ~~المترامية الأطراف إلى ما لا نهاية، أرض الأصوات ذات الضجيج.» # وختم روسولو بيانه بقوله: «على موسيقيي المستقبل أن يوسعوا على الدوام ميدان الصوت ~~ويزيدوه ثراء ... فلنطلب ms105 إلى موسيقيينا الشبان، ممن يتصفون بالجرأة والعبقرية، أن يصغوا ~~بانتباه إلى كل أنواع الضجيج؛ حتى يمكنهم أن يدركوا الإيقاعات المتنوعة التي تتألف منها، ~~ويميزوا بين أنغامها الرئيسية والثانوية ... ولقد كان اقتناعي بأن الجرأة تجعل كل شيء ~~مشروعا وممكنا، هو الذي دفعني إلى تصور ذلك التجديد الهائل للموسيقى، عن طريق فن ~~الضجيج.» # مثل هذه الأفكار قد تبدو جنونا مطبقا، وهي بالفعل كانت كذلك في نظر الكثيرين، بدليل أن ~~استقبال جمهور باريس لحفلات هؤلاء «المستقبليين» الموسيقية بما فيها من قرقعات وصدمات ~~وهمسات وصرخات، بلغ من العداء حدا اضطر معه «المجددون» الإيطاليون إلى تقسيم أنفسهم ~~فريقين: فريق يواصل أداءه على المسرح، والآخر يصد هجمات الجمهور الساخط ويشتبك معه في معارك ~~حدثت فيها بالفعل بعض الإصابات! # غير أن هذه الاتجاهات تؤخذ في كثير من الأحيان مأخذ الجد في عصرنا هذا، وتقدم ~~لتبريرها نظريات جمالية توهم المرء أحيانا بأن في الأمر فنا جديدا يستحق الاهتمام ~~والتقدير. # ولقد بلغ هذا الاتجاه قمته في «الموسيقى الإلكترونية» التي تعتمد تماما على إمكانيات ~~الأجهزة الصوتية الحديثة، ولا سيما آلة التسجيل المغناطيسي، في إنتاج أنواع جديدة غير ~~معروفة من قبل من المؤلفات الموسيقية. وتستطيع أن تجرب بنفسك صورة بسيطة لما يقوم به ~~هؤلاء الموسيقيون إذا سجلت صوت صفير القطار، مثلا على شريط بسرعة معينة، ثم أعدت سماع ~~هذا التسجيل بسرعة مختلفة، عندئذ تكتشف صوتا جديدا مختلفا كل الاختلاف عن الصوت الأصلي، ~~وقد يكون مختلفا عن كل ما تسمعه في البيئة المحيطة بك من الأصوات. وما هذا، كما قلت، إلا ~~مثل شديد التبسيط لإمكانيات الشريط الإلكتروني الصوتية؛ فقد استطاع أصحاب هذا الاتجاه أن ~~يستخلصوا منه، بطريقة آلية، أصواتا من كل نوع، وذلك بشطر الشريط، ورفع الأصوات وخفضها ~~إلكترونيا، والجمع بينها وبين أصوات آلات موسيقية مألوفة، وتأليف مقطوعات يشترك فيها ~~الشريط التسجيلي مع الأوركسترا. كانوا في هذا كله يبحثون، كما يقولون، عن اللاشعور، ~~ويتغلغلون صوتيا في عالم مجهول حافل بإمكانيات لا حد لها. # وقد تميزت في هذه الموسيقى الإلكترونية مدرستان: مدرسة كولونيل، ms106 بألمانيا، وعلى رأسها ~~«شتوكهاوزن»، ومدرسة نيويورك، وعلى رأسها «جون كيج». أما الأول فقد بلغ به التحمس ~~لتجديداته حدا جعله يؤكد أن قاعات الموسيقى الحالية لا تصلح ل «عصر الفضاء» الذي نعيش ~~فيه، وأن من الواجب أن تأتي الموسيقى في المستقبل إلى المستمع من ستة اتجاهات: من أمامه ~~وخلفه وفوقه وتحته ومن الجانبين. وهكذا وضع تصميم مسرح يجلس فيه المستمعون معلقين في رصيف ~~مركزي، وكأنهم في جزيرة تحيط بها الأصوات الإلكترونية من كل جانب. وأما زميله الأمريكي فهو ~~أقدم منه عهدا في الإغراب؛ إذ بدأ يتحدث منذ العقد الرابع من هذا القرن عن الإمكانيات ~~الصوتية الهائلة التي لم يستطلعها الإنسان أو يقترب منها بعد، ويتصور الموسيقى على أنها ~~طريقة للإصغاء إلى إيقاع نفس هذه الحياة التي نحياها؛ فيكفي أن يستمع الإنسان وهو يسير في ~~شوارع مدينة حديثة، أو يعمل في مصنع حديث، إلى الأصوات المحيطة به من كل جانب، ليدرك أن ~~العصر الذي نعيش فيه يأتينا بأصوات وإيقاعات لم تعرفها العصور السابقة قط، وأنه بالتالي ~~يقتضي موسيقى تختلف عن كل ما عرفته الأذن البشرية من قبل. # ويتخذ هذا التجديد الموسيقي المتطرف شكلا ثالثا يبدو مضادا تماما للشكلين السابقين: ~~ذلك هو ما يسمى بالموسيقى العينية # concrete # وهو نقل ~~الأصوات الطبيعية مباشرة، دون أي تعديل أو تهذيب. وإنه لمن الغريب حقا أن يسير أنصار ~~التجديد المتطرف في مثل هذه الاتجاهات المتعارضة في آن واحد؛ أي أن يستطلعوا إمكانيات ~~الآلات الإلكترونية، وهي أعقد ما وصل إليه الإنسان من المخترعات، وينقلوا في الوقت ذاته ~~أصوات الطبيعة في بساطتها وبدائيتها وسذاجتها. غير أن هذا الجمع بين الأضداد ليس بالأمر ~~المستغرب؛ فأحدث اتجاهات الرسم والنحت؛ أعني تلك التي ظهرت في ظل أشد درجات التعقيد، تذكر ~~المرء بالرسوم والتماثيل البدائية في الكهوف القديمة، أو تبدو في بعض الأحيان أشبه بأعمال ~~طفل ذكي خصب الخيال. وموسيقى «الجاز» التي تزدهر بدورها في أشد مجتمعات البشر تعقدا ~~وتصنيعا، تزخر هي الأخرى بإيقاعات الغابة وصرخات الإنسان البدائي، والأمثلة كثيرة على أن ~~الإنتاج ms107 الحضاري كثيرا ما يدور دورة كاملة بحيث تتلاقى أعقد النهايات بأبسط البدايات في ~~مركب واحد متكامل. وهكذا ظهرت «الموسيقى العينية» المستمدة من تلك الأصوات التي نصادفها ~~في حياتنا اليومية المعتادة. ومن المعروف أن كثيرا من الموسيقيين كانوا يستعينون بأصوات ~~طبيعية أو محاكية للطبيعة في مؤلفاتهم، كأصوات الطيور في سيمفونية بيتهوفن السادسة، وفي ~~مقطوعة «أشجار الصنوبر في روما» لرسبيجي، وغيرها من الأصوات الطبيعية في سيمفونية «لعب ~~الأطفال» لهايدن. غير أن الأصوات الطبيعية تقوم في الموسيقى العينية المعاصرة بدور مختلف كل ~~الاختلاف؛ فهي ليست عنصرا عابرا في القطعة الموسيقية، وإنما هي العنصر الأساسي فيها، وهي ~~المحور الذي يدور حوله التأليف الموسيقي، بحيث يتعين على الفرقة الموسيقية أن تضم، من أجل ~~أداء هذه الأصوات، مجموعة غريبة من الأدوات، كالمطارق والصفائح الفارغة والصفارات والأواني ~~... إلخ. # هذه الاتجاهات المفرطة في غرابتها تقدم من النظريات لتبرير ذاتها أكثر مما تقدم من ~~الإنتاج الفني ذاته. والحق أننا نستطيع أن نقول إن قيمة المدارس الفنية تتناسب - إلا في ~~حالة قليلة - تناسبا عكسيا مع مقدار ما يقدمه أصحابها لتبريرها من النظريات؛ ذلك لأن ~~العمل الفني الرائع يبرر نفسه بنفسه، ولا يحتاج لتبريره إلى الكثير من الدفاع والمرافعة، ~~أما العمل الهزيل فهو الذي يحتاج حقا إلى مدافعين ومحامين يقدمون إليه أساسا عقليا ~~يعوض شيئا من تفاهته الفنية. ومن الأخطاء الشائعة التي يتعرض النقاد للوقوع فيها أنهم ~~يخلطون في كثير من الأحيان بين الأساس النظري الذي تقدمه مدرسة فنية معينة لأعمالها وبين ~~قيمة هذه الأعمال ذاتها، مع أن الأمرين منفصلان تماما؛ فقد يكون هذا الأساس النظري سليما ~~متينا، وقد تكون الفلسفة الكامنة فيه عميقة كل العمق، ومع ذلك يظل العمل الفني المبني على ~~هذا الأساس هزيلا من جميع الوجوه؛ ذلك لأن سلامة النظرية الجمالية التي يقوم عليها عمل فني ~~ما، لا تضمن أبدا جمال هذا العمل ذاته، وإنما المعيار السليم الذي ينبغي الحكم على العمل ~~الفني من خلاله هو معيار النقد الداخلي، والتذوق الجمالي من خلال تجربة فنية كاملة، لا ~~من ms108 خلال التفكير النظري في الأسس التي قام عليها. # وهكذا نجد لهذه الاتجاهات الموسيقية فلسفة جمالية نستطيع أن نعدها سليمة إلى حد ~~بعيد، وإن لم تكن مع ذلك قادرة على أن تبرر لأذواقنا ما يقوم على أساسها من أعمال فنية. ~~وأقوى هذه المبررات النظرية هو الإهابة بتاريخ الفن الموسيقي لإثبات أن التجديدات الجريئة ~~كانت مكروهة ومذمومة في عصورها في معظم الأحيان، ولكنها أصبحت في العصور التالية مقبولة ~~ومستحبة، بل أصبحت تمثل التراث التقليدي الذي يدافع عنه معاصروه ضد موجة التجديد التالية. ~~إن العالم اليوم يتخذ من موسيقى بيتهوفن مثالا واضحا للتراث الموسيقي النقي السليم، ولكن ~~كيف كان معاصرو بيتهوفن ينظرون إليه؟ لقد وصف أحد النقاد المعاصرين له سيمفونيته الثانية - ~~وهي من أقل أعماله جرأة وتجديدا - بأنها «أشبه بوحش مفترس، أو بأفعوان قبيح جريح يأبى أن ~~يسلم الروح، ورغم أنه ينزف بغزارة في الحركة الأخيرة، فإن ذنبه يظل يضرب كل ما يوجد ~~حوله بوحشية.» # وقال عنه ناقد آخر: «إن مؤلفاته تتخذ على الدوام طابع الإغراب المتعمد ... ومعظم ما ينتجه ~~يصل في غموض تركيبه وامتلائه بالتوافقات الصوتية الغريبة والمنفرة حدا يحار معه الناقد ~~بقدر ما يرتبك السامع.» هذان النقدان كتبا في عامي 1804م و1824م على التوالي، وهما إن ~~دلا على شيء فإنما يدلان على أن من الأمور الشائعة أن يسخر الناس من أي شيء لا يوافق ذوق ~~العصر؛ فقد ظن الناس أن بيتهوفن مجنون لأنه لا يكتب الموسيقى كما كتبها السابقون عليه، ~~وكثيرا ما وجهت انتقادات مماثلة إلى برليوز وشوبان وفاجنر وغيرهم. وقد شاع استخدام لفظ ~~«الضجيج» للدلالة على كل اتجاه موسيقي مجدد، وانتشر هذا اللفظ بين نقاد فاجنر وليست ~~وديبوسي، حتى أصبح في نظر الكثيرين رمزا معبرا عن هذا النوع من الموسيقى. ومع ذلك فقد ~~دخل هؤلاء كلهم التاريخ، وتمكنت الأجيال التالية من تذوق أعمالهم بسهولة، وأصبح ما كان ~~يبدو ضجيجا، جزءا من تركيب الآذان الموسيقي، إن جاز هذا التعبير. ومن هذا يخلص الموسيقيون ~~المستقبليون والعينيون والإلكترونيون إلى نتيجة هامة: هي أن ms109 المستقبل كفيل برد اعتبارهم ~~وبتعويد آذان الناس على ما يبدو لها اليوم ضجيجا لا معنى له. # ويلجأ أنصار هذا النوع من التجديد الموسيقي إلى مبررات أخرى مستمدة من طبيعة العصر ~~الذي نعيش فيه؛ ففي علم الطبيعة المعاصر، وفي فيزياء الكم على وجه الخصوص، يسود مبدأ ~~«اللاتحدد»، وقد استعار هؤلاء المفكرون الموسيقيون هذا اللفظ، كما استعاروا لفظ «عدم ~~القابلية للتنبؤ» من نفس المجال أو من نظريات علم الإحصاء؛ ليقدموا إلينا بناء على ~~تفسير باطل لهذه الأفكار، موسيقى «عشوائية»، تتميز بعدم التحدد ، وبأنها لا تقبل التنبؤ ~~بما يمكن أن يحدث فيها. وإذا كان من أوضح العيوب التي يوجهها النقاد إلى ملحن أنه ~~يأتي بالألحان «كيفما اتفق»؛ فقد أصبحت «كيفما اتفق» هذه فضيلة في نظر هؤلاء الفنانين؛ فهم ~~يرفضون مبدأ انتقاء الأصوات واختيار ما يلائم خاطرا محددا في ذهن الفنان، ويدعون إلى أن ~~يقبل المؤلف الموسيقي الأصوات التي تحيط به من كل جانب، ويجمع بينها في عمله، بغض النظر ~~عن كونها تؤلف كلا منسجما أم لا. ونستطيع أن نتصور الناتج النهائي إذا عدنا ~~بأذهاننا إلى أصوات الفرقة الموسيقية قبل العزف، حين يتمرن كل عازف على حدة أو يضبط أوتار ~~آلته. في هذه الفترة، التي تسبق العزف المنظم، توجد «موسيقى عشوائية» من ذلك النوع الذي ~~يثير إلهام بعض الفنانين المعاصرين ويوحي إليهم بإمكانيات جديدة في عالم الأنغام، إمكانيات ~~تتلاءم، على حد قولهم، مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه، بما يتضمنه من نظريات تقوم على ~~الصدفة واللاتحدد والعشوائية؛ فالعلم الحديث، كما يفهمونه، يفتح أمامنا أبوابا ينبغي ألا ~~نتجاهلها، وإنما الواجب أن نستغلها بقدر استطاعتنا. # فما هي النتائج المحتملة لهذه التجديدات المتطرفة في الموسيقى، إذا نجحت بالفعل تلك الخطط ~~الطموحة التي وضعها أصحابها؟ إن من نتائجها الممكنة أن تحل الآلات الكهربائية ~~والإلكترونية محل الأدوات الموسيقية اليدوية الحالية. ومعنى ذلك أن يتضاءل بالتدريج دور ~~القائم بالأداء في الموسيقى، بل يصبح مؤلف الموسيقى هو ذاته عازفها ومؤديها، وتغدو واسطة ~~الموسيقى هي الشريط التسجيلي بإمكانياته اللامتناهية، بل إن البعض ms110 ليذهب إلى حد القول بأن ~~نجاح الآلات الإلكترونية كفيل بجعلها أفضل وسيلة لأداء الموسيقى التقليدية بدورها؛ فمن ~~الممكن محاكاة جميع الآلات الموسيقية المألوفة بدقة كاملة عن طريق الشريط التسجيلي. ويأتي ~~بعض المتحمسين بأمثلة عديدة لضجر كبار المؤلفين الموسيقيين من عجز العازفين عن متابعة ~~الأفكار العميقة والتعبير عنها بوضوح، فيؤكدون أن هذا كله سينتهي عهده عندما تحل ~~الآلة الإلكترونية محل العازف في أداء أعمق الأعمال الموسيقية وأصعبها. # مثل هذه الموسيقى تلقي على المستمع مزيدا من الأعباء؛ فالإمكانيات الصوتية الجديدة تقتضي ~~من الأذن مزيدا من الجهد النفسي والعضوي معا؛ حتى تستطيع أن تتابع التعقيدات النغمية ~~الهائلة التي لم تألف لها من قبل مثيلا. والأهم من ذلك أنها تقتضي من السامع مزيدا من ~~الفاعلية. صحيح أن الاستماع عملية خلاقة دائما، غير أن هذا العنصر الخلاق يتضاعف في ~~حالة الأنواع الموسيقية المجددة؛ فعلى المستمع أن يجهد خياله ليكشف نواحي الجمال في إيقاعات ~~الطبيعة وأصواتها المألوفة التي قد لا تثير في الأذن العادية أي اهتمام؛ أي أن عليه، ~~بالاختصار، أن يشارك الفنان نفسه مجهوده الخلاق. # وقد يظن القارئ من هذا العرض الذي قدمته أنني من المؤمنين بهذا النوع من التأليف ~~الموسيقي أو بمستقبله، ولكن الواقع أن هدفي الوحيد إنما هو التنبيه إلى بعض الاتجاهات ~~الجديدة المفرطة في غرابتها. وفي اعتقادي أن عرض هذه الاتجاهات يكفي، في ذاته، لإيضاح مواطن ~~الضعف فيها، ولإثبات استحالة انتهاء فن عظيم كالموسيقى إلى مثل هذا المصير. # ذلك لأن الموسيقى هي قبل كل شيء «اختيار» لأصوات معينة وسط ذلك العدد اللامتناهي من ~~الأصوات الممكنة التي تحيط بالإنسان من كل جانب، والخطأ الأكبر في مثل هذه الفلسفات ~~الجمالية المجددة أنها تظن الاختيار والتنظيم ضعفا، وتتوهم أن في توسيع مجال الأصوات ~~كيفما اتفق إثراء لتجربة الإنسان الموسيقية. والواقع أن عنصر التنظيم والتهذيب والضبط ليس ~~ضعفا على الإطلاق، وإنما هو مصدر الجمال في كل عمل فني، وهو الذي يحدد الخط الفاصل بين ~~الفن واللافن - إذا أباح لنا القارئ استخدام هذا اللفظ الأخير. # وسأروي، في ms111 ختام هذا المقال، قصة برنامج إذاعي طريف استمعت إليه ذات مرة، وينطوي في ذاته ~~على تفنيد حاسم لهذه الاتجاهات المفرطة في غرابتها؛ ففي أواخر عام 1961م استمعت إلى تسجيل ~~إذاعي منقول عن «البرنامج الثالث» للإذاعة البريطانية، تضمن خدعة فنية طريفة قام بها ناقد ~~موسيقي إنجليزي؛ فقد نشر هذا الناقد بين الأوساط الموسيقية خبرا عن قدوم موسيقي بولندي من ~~أنصار ... الاتجاهات الحديثة المتطرفة اسمه بيوترزاك وقال ... إنه سيذيع قريبا قطعة من مؤلفاته ~~مكتوبة لمجموعة آلات الإيقاع وجهاز التسجيل (وهو أمر لا يعد غريبا في مثل هذه ~~الاتجاهات). وبعد بضعة أيام أذيعت القطعة ولم تكن في الواقع إلا قطعة زيفها مقدم ~~البرنامج نفسه، ليس فيها عازف طبول ولا جهاز تسجيل، وكل ما فعله مقدم البرنامج هو أنه وضع ~~الطبول أمامه وأخذ يتنقل من واحدة إلى الأخرى يركلها بقدميه أو يدفعها بيديه، كما أخذ يصطنع ~~أصواتا أمام «الميكروفون»، فينفخ في السماعة أو ينقرها أو «يطرقع» أصابعه أمامها، وبمثل ~~هذا العزف الخادع استمرت القطعة من بدايتها إلى نهايتها. # وبدأت خطابات المستمعين وتعليقات النقاد تتوالى؛ فأعرب معظم المستمعين عن عدم إعجابهم ~~بالقطعة، وإن كان بعضهم قد ذكر أنها فتحت آفاقا جديدة، غير مطروقة، لآذانهم في عالم الصوت، ~~وأنها كانت تجربة شيقة في عالم عذري من الأصوات التي لم تألفها الأذن من قبل (وهؤلاء ~~بالطبع هم فئة المتحذلقين الذين يريدون إثبات سعة أفقهم بأي ثمن، وهم أسهل الناس وقوعا في ~~مثل هذا الخطأ). أما النقاد المحترفون فقد أجمعوا تقريبا على أن القطعة ضئيلة القيمة من ~~حيث هي عمل موسيقي، ولكن أحدا منهم لم يكتشف الخدعة أو يشك في وجودها. ثم كشف صاحب ~~البرنامج عن سر الخدعة، ودعا اثنين من النقاد الذين كتبوا عن هذه القطعة إلى ندوة إذاعية، ~~وكانت وجهة نظر هذين الأخيرين أن النقاد لم ينخدعوا؛ لأنهم أجمعوا على أنها عمل رديء. ولكن ~~الاعتراض الحاسم الذي وجهه مقدم البرنامج إليهم هو أن النقاد قد رأوا في تلك القطعة ~~«عملا فنيا» على أية حال، وأصدروا حكمهم ms112 على هذا الأساس. وهذه هي المشكلة الكبرى؛ ~~فالموسيقى الحديثة قد وصلت، بفضل هذه الاتجاهات، إلى المرحلة التي أصبح من الممكن فيها أن ~~ينظر إلى العمل اللافني على أنه عمل فني، وهذا أمر كان يستحيل حدوثه أيام موتسارت أو ~~بيتهوفن. صحيح أن كل عصر كانت له موسيقاه الرديئة، ولكن مثل هذه الخدعة كانت مستحيلة من ~~قبل، ولم يكن من الممكن أن يأخذ النقاد مثل هذه الأعمال الخادعة مأخذ الجد، أو يصدروا حكمهم ~~عليها بوصفها عملا فنيا. # وهذا في رأيي هو التفنيد الحاسم لمثل هذه الاتجاهات التجديدية المتطرفة في الموسيقى، بل ~~في غيرها من الفنون أيضا؛ فقد تكون الفلسفة الجمالية التي يستند إليها أصحاب هذه المدارس ~~مقنعة أو معقولة، ولكن يظل من الصحيح مع ذلك أن باب الخداع سيفتح فيها على مصراعيه. وقد ~~يكون معظم هؤلاء الفنانين مخلصين لأفكارهم ولنظرياتهم، ولكن هذه النظريات والأفكار ذاتها لا ~~تستطيع أن تحول دون تسرب الأفاقين والمخادعين إلى صفوف الفن، بحيث يظل المستمع أو المتفرج ~~ذاته عاجزا عن إيجاد معيار قاطع يفصل بين العمل المخلص وبين الغش والخداع. وهكذا فإن إمكان ~~تسرب الخداع، والعجز عن إيجاد معيار حاسم يفصل بين العمل الفني والعمل اللافني، هو في ~~رأيي أقوى تفنيد لاتجاهات التطرف المعاصرة، وهو المبرر الكافي للعودة إلى النظرة السليمة ~~إلى الفن بوصفه تنظيما وتهذيبا للتجربة، وانتقاء لعناصر معينة منها، لا مجرد التقاط ~~عشوائي لأية عناصر صوتية أو لونية أو مادية تدخل في نطاق الإدراك الحسي للإنسان. ms113