######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.MantiqWaFalsafatCulum.Hindawi31350406 #META# Tags: philosophy #META# ID: 31350406 #META# Title: المنطق وفلسفة العلوم #META# AuthorID: 70529269 #META# Author: بول موي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 90639697 #META# Translator: فؤاد زكريا #META# Related_books: 1365PaulMouy.LogicsPhilosophyOfSciences.Book (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - المنطق وعلم النفس‏ # 2 - المنطق‏ # 3 - الروح العلمية‏ # 4 - تصنيف العلوم‏ # 5 - موضوع العلوم الرياضية‏ # 6 - منهج العلوم الرياضية‏ # 7 - العلوم الطبيعية‏ # 8 - علوم الحياة‏ # 9 - العلوم الإنسانية‏ # 10 - النظريات الحالية في الفيزياء الرياضية النسبية الخاصة والعامة1‏ # 11 - النظريات الحالية في العلوم الفيزيائية‏ # 12 - العمليات العامة للتفكير الاستنباط ~~والاستقراء‏ # 13 - العمليات العامة للفكر «تكملة»‏ # خاتمة‏ # 1 - المنطق وعلم النفس‏ # 2 - المنطق‏ # 3 - الروح العلمية‏ # 4 - تصنيف العلوم‏ # 5 - موضوع العلوم الرياضية‏ # 6 - منهج العلوم الرياضية‏ # 7 - العلوم الطبيعية‏ # 8 - علوم الحياة‏ # 9 - العلوم الإنسانية‏ # 10 - النظريات الحالية في الفيزياء الرياضية النسبية الخاصة والعامة1‏ # 11 - النظريات الحالية في العلوم الفيزيائية‏ # 12 - العمليات العامة للتفكير الاستنباط ~~والاستقراء‏ # 13 - العمليات العامة للفكر «تكملة»‏ # خاتمة‏ # | المنطق وفلسفة العلوم # | المنطق وفلسفة العلوم # تأليف # بول موي # ترجمة # فؤاد زكريا # الفصل الأول # | المنطق وعلم النفس # علم النفس هو العلم الوصفي للظواهر النفسية، وهو يفحصها من جهة ~~تضامنها وتنوعها. # في المنطق انتقاء وتقدير؛ فهو يتعلق بدراسة الفهم وحده، أعني بدراسة ~~النفس بقدر ما تعرف وتتصور، وهو يحكم على اتجاهات الفهم وعملياته ~~بناء على فكرتي الصواب والخطأ. # والنزعة النفسية تنكر وجود المنطق بوصفه علما قائما بذاته، وهذه ~~النزعة - كما تتمثل لدى بروتاجوراس، ولدى «مونتني»، ولدى هيوم، وفي ~~النزعتين الإنسانية والبرجماتية الحديثتين - تفسر التفكير ~~البشري، والفهم البشري، عن طريق الطبيعة البشرية، ولكن من البين ~~أن هذه النزعة النفسية تنتهي إلى الشك، وتقضي على كل قيمة للحقيقة؛ بل ~~تقضي في النهاية على نفسها. # إذن فهناك علم للمنطق، وهو العلم المعياري للصواب، مثلما أن علم ~~الجمال والأخلاق هما العلمان المعياريان للجمال والخير. والمقصود ~~بالعلم المعياري ذلك العلم الذي يبرهن على أحكام تقويمية ~~وينقدها. # علم النفس، وصف الظواهر الذهنية من حيث تضامنها ~~وتنوعها # إن علم النفس هو دراسة الظواهر الذهنية، وهو يتناولها في «تيار ~~الشعور» الذي تندمج فيه، وفي ذلك التيار ترتبط هذه الظواهر بعضها ~~ببعض، بحيث يكون «السياق» الذي تندمج فيه كل منها هو مجموع ~~الظواهر الأخرى، وبحيث يضفي عليها هذا ms001 المجموع دلالتها ولونها ~~الخاص؛ فالإيمان الديني عند العالم غيره عند الجاهل، وهو عند ~~الرزين غيره عند المتحمس. وفضلا عن ذلك، فإن الحالة الشعورية ~~الخاصة ترتبط «بالقصد» الذي يوجه التيار بأسره؛ فالفكرة ~~الواحدة، والكلام الواحد، قد يكون هازلا أو جادا وقد يفيد ~~الاستفهام أو الشك أو التأكيد. وأخيرا فإن الحالة الشعورية تتباين ~~في الشدة، تبعا للمستوى الذي تحتله في ذلك التيار؛ فتكون مثلا ~~شاردة أو منتبهة. ~~(1) اختلاف أحوال الحكم والاستدلال # من الأحكام ما لا يعدو أن يكون استجابة انفعالية: كالتشجيع، ~~أو السباب، أو مجرد التعجب؛ بل إنه قد تنحصر في مجرد حركة؛ ~~فالمبارز الذي يدفع بحسامه إلى جزء تركه دفاع خصمه ~~مكشوفا، يعمل وفقا لنوع من الحكم غير الكلامي يتحقق عن طريق ~~العضلات. وفي مستوى آخر، يصبح الحكم تقديرا تعبر عنه ~~كلمات جادة: كالنصيحة أو الأمر أو الحكمة، ومن هذا يتضح لنا ~~أن الحكم فعل ذهني، يرتبط بالشخص بأكمله، ويستطيع أن يعبر ~~عنه تعبيرا يتفاوت عمقا ووفقا لمقاصد متباينة. # والاستدلال تختلف مقاصده؛ فقد يكون مغالطة تعمل عمدا على ~~خداع من توجه إليه، وقد يكون هدفه هو دعم اعتقاد سابق في نظر ~~نفس الشخص الذي يصوغ هذا الاستدلال، وقد يكون القصد منه بث ~~اعتقاد معين في نفوس الآخرين؛ بل إنه في هذه الحالة الأخيرة ~~قد يختلف اختلافا بينا إن كان القصد منه هو «الإقناع»، عنه ~~إذا كان هدفه هو «الحض»: فالإقناع معناه منع كل استنتاج ~~مغاير لذلك الذي ينتهي إليه الاستدلال، بينما يعني الحض ~~توجيه الآخر كلية في اتجاه نعتقد أنه هو أصدق الاتجاهات ~~أو أنفعها. # وبالإجمال، فأهم الخصائص المميزة لعلم النفس هي أنه ~~يكشف عما في الأحوال والأفعال النفسية من تضامن ~~وتباين. # وجهة النظر المنطقية انتقائية وتقديرية # أما المنطلق، فإنه ينظر إلى المحتوى النفسي نظرة انتقائية ~~وتقديرية، أما أنه ينظر إلى ذلك المحتوى نظرة انتقائية، فذلك ~~لأنه لا يستبقي من الفعل الذهني إلا ما يسمو منه إلى أعلى ~~مستويات العقل، وما كان القصد منه بلوغ الحقيقة وهكذا كان المنطق ~~لا يتخذ ms002 له موضوعا إلا من الأحكام الجادة الواعية، التي تهدف ~~إلى مطابقة الواقع. والاستدلال ينبغي أن يخلو من كل نية للخداع، ~~وألا يكون له هدف سوى الإقناع؛ فالحض ذاته عملية لا تخلو من ~~الشوائب، إذ تهدف كما يقول باسكال إلى «الاستبداد» بشخص ~~الآخرين. # وأما أنه ينظر إليه نظرة تقديرية؛ فذلك لأنه يضفي على ~~الفعل الذهني «قدرا» أو «قيمة» كما يقولون، وبينما يكتفي علم ~~النفس بالوصف والربط، فإن المنطق يقوم ويميز الحكم أو ~~الاستدلال الصحيح أو الصائب من الباطل أو المخطئ. # تجربة الخطأ هي أصل المنطق # في مبدأ الحياة النفسية يكون الحكم تلقائيا على غرار الحياة ~~نفسها، فالحياة إنما هي عملية تأكيد، إذ هي أن يقوم المرء ~~باستجابة تحفظ له كيانه وتنميه، وكل استجابة تعادل الحكم: ~~فمد الذراع نحو شيء، يعني تأكيد حقيقة ذلك الشيء، والجزم بشيء ~~عن خصائصه وعن شكله وبعده، ومن جهة أخرى يقحم المجتمع نفسه في ~~الوجود الذهني للفرد؛ فهو إذ يلقن الفرد اللغة، «والخلال الطيبة»، ~~والعادات المستحبة، والدين، والفنون العملية، يملي عليه أحكاما ~~جاهزة، ليس على الفرد إلا أن يرددها، ثم يتفهمها رويدا ~~رويدا، ويحيلها إلى أحكام صادرة عنه، وهكذا يكون للفرد عالم ~~ذهني كامل هو الانعكاس النفسي لحياته الحيوانية ولحياته ~~الاجتماعية، وهو يرتضي هذا العالم في البداية دون اعتراض. # لكنه يصادف دون ذلك عقبات، فالطبيعة تتبدى له أكثر تعقيدا ~~وغموضا مما ظنه في البداية، والإنسان يخدعه، واللغة تحيره، وهو ~~يصطدم بأشياء متناقضة وأشخاص يناقضونه، ويفطن إلى أنه قد ~~«خدع» فتجربة الخطأ خصبة، بمعنى أنها تؤدي به إلى التساؤل عن ~~سببها، والبحث عن الطرق التي تمكنه من أن يتجنب في المستقبل ما ~~تجلبه عليه مواجهتها من أضرار، وإذا أدرك أنه قد أساء الحكم، ~~انتهى إلى أن يتساءل: كيف يحكم؟ وعندئذ، يبدأ المنطق. # ومن المشاهد، في تاريخ الإنسانية الغربية، أن المنطق قد ظهر ~~في اللحظة التي كان الفلاسفة فيها قد ملوا تلك المذاهب التي ~~يواجه كل منها الآخر ويناقضه مثلما يتقابل، بصفة رمزية، وجه ~~هرقليطس الباكي ووجه ديمقريطس الضاحك. ms003 وملوا كذلك تلك الألاعيب ~~الخفية التي يلجأ إليها السفسطائيون في لغتهم، فشرعوا في دراسة ~~العقل، ليعلموا كيف يحسن المرء التفكير. # الفهم، وهو الوظيفة المثالية للحقيقة # يقول الفيلسوف اليوناني أنكساجوراس # 1 ~~«في البدء كان كل شيء مختلطا، ثم أتى العقل # Nous # فميز كل الأشياء ليعيد ~~تنظيمها» ونحن لا ننكر أن مذهب هذا الفيلسوف اليوناني كان يشوبه ~~شيء من الروح الأسطورية، غير أن هذه العبارة تتضمن وصفا بارعا ~~للعمل الذي يباشره العقل على نفسه بغية القضاء على الاضطراب ~~الذهني، والتخلص من الخطأ الذي هو في حقيقته خلط، ولذا لما ~~نقل إلينا أرسطو هذه الفكرة التي كشفها أنكساجوراس، أضاف إليها ~~هذا المديح الرائع للفيلسوف: «لقد كان يبدو، وسط السابقين عليه، ~~كرجل صائم وسط أناس سكارى يتحدثون كيفما اتفق.» # وهكذا عرف أنكساجوراس النوس # Nous # وأطلق عليه اسم العقل. # فعلى أي شيء يطلق هذا الاسم؟ إن العقل ليس، على وجه الدقة، ~~وظيفة نفسية كسائر الوظائف، أعني وظيفة تفي بمقتضيات مرحلة ~~محدودة من مراحل النشاط العصبي؛ فهو، على وجه الدقة، ليس قبولا ~~سلبيا ولا استجابة، وهو لا يشبه الإحساس أو الانفعال من جهة، ~~ولا الرغبة من جهة أخرى، وذلك لأنه يسمو على مرتبة الإحساس ويجعل ~~منه مجرد علامة تدل على الواقع، وهو يتحرر من الانفعال المشوب، ~~الذي يثيره البدن، والذي يعكر صفو الحكم الواضح، ومن الرغبة التي ~~لا تستهدف بلوغ الحقيقة. # إن العقل هو كشف الذات للحقيقة، وهو الذات نفسها، بالقدر الذي ~~تعلو به على أفعالها الذهنية التلقائية، وتحاول الوصول إلى ~~الحقيقة، برغم ما يعترضها من عقبات خارجية وداخلية، وهو يفترض ~~التطهر والتحرر من المنافع ومن الميول والأهواء. وأخيرا، ~~يفترض منهجا في المعرفة يتسامى بالذات على نفسها، ويمكنها من ~~الوصول إلى الحقيقة. ~~«أنا أفكر، إذن أنا موجود.» # كلنا نعلم أن هذه العبارة تلخص الكشف العظيم الذي توصل إليه «ديكارت» # 2 # وعلينا ألا ننظر إلى هذه الجملة على أنها استدلال؛ ~~بل على أنها فعل شعوري رفيع، دعانا «ديكارت» به إلى إدراك ما ~~نكونه حقيقة، أي إدراك أننا ms004 عقول. فقد يتوهم المرء أنه ~~يوجد على نحو ما توجد الأجسام، أعني أنه لا يعدو أنه يكون ~~شيئا يشغل حيزا في المكان، أو يظن أنه يوجد على نحو ما ~~توجد الحيوانات، أعني أنه يمثل الغذاء، ويكتسب مكانة تحت ~~الشمس عن طريق نشاطه. غير أن هذا كله لا يساوي شيئا إن لم نشعر ~~به عن وعي، وإن لم «نعلمه» بحيث أنه لا وجود للمرء إذا لم «يعلم» ~~أنه موجود على أن «علم» المرء هذا ليس مجرد «إحساسه» بوجوده، ~~بل هو، كما يقول أنكساجوراس «تنظيم» إحساساته، أعني بناء إدراكه ~~الحسي عن طريق نشاط ذهني يعلو على الإدراك الحسي، وهو بناء المرء ~~لذاته وشخصه عن طريق نشاط ذهني أسمى من الانفعالات ~~والرغبات. # المنطق، علم العقل # فالمنطق هو ذاته دراسة هذا النشاط الذهني، وهو الشعور بهذا ~~الشعور، فهو بمعنى ما شعور من الدرجة الثانية. وهنا قد يتساءل ~~المرء: ألن يكون المنطق في هذه الحالة نوعا من علم النفس؟ ونجيب ~~نحن عن هذا السؤال بالنفي، فنذكر القارئ بما قلناه عن المنطق ~~في الفقرة (2) من أنه انتقائي وتقديري، وسوف نرى فيما بعد أن هذا ~~يوجب على المنطق أن يتبع منهجا مخالفا كل المخالفة لمنهج علم ~~النفس، ولكن الحقيقة أن المنطق يأتي في أعقاب علم النفس، وهو ~~امتداد له، كما توجد بين المنطق وعلم النفس ارتباطات وثيقة ~~عديدة. # النزعة النفسية، التي تنكر استقلال المنطق # ونستطيع أن نتبين مدى وثوق هذه الارتباطات، إذا أدركنا أن ~~هناك تيارا فلسفيا تقليديا كاملا يؤكد أصحابه أن المنطق ~~لا يوجد مستقلا عن علم النفس. ~~(1) الطبيعة الإنسانية والعقل الإنساني # يرى ممثلو هذا التيار الفكري التقليدي أن العقل الإنساني، ~~والذهن الإنساني، والنشاط العقلي الذي به يفكر الإنسان، ~~( # Cogitat # على حد تعبير ~~ديكارت) هو مجرد نتاج، ومجرد تعبير عن «الطبيعة البشرية»، أي ~~عن مجموع الوظائف الذهنية الناتجة عن الطبيعة الحيوانية ~~للإنسان، وعن التأثيرات الاجتماعية التي يخضع لها؛ فالإنسان ~~كما يقول علماء الحيوان، هو مخلوق عارف # Homosapiens ~~، أي هو حالة خالصة ~~من حالات «جس ~~الأناسي» # Genre ms005 hominien # ونوع من القردة يحيا في مجتمع وينتج، عن ~~طريق استعداد خاص في جسمه، تلك الحقيقة التي يطلق عليها في ~~اللغة اللاتينية اسم # Sapientia ~~، أي الوعي والعلم، ~~وذلك الجو أو العالم غير المحسوس من الأفكار والنظم التي تضيف ~~طبيعة مصطنعة إلى الطبيعة الأصيلة. # فالنزعة النفسية تنحصر في رفض التفرقة بين المعارف # sapiens # وبين المخلوق البشري # homo ~~، وأقدم ممثلي هذا الاتجاه ~~هم بعض سفسطائيي اليونان، فبروتاجوراس، من أبديرا (حوالي ~~440ق.م.) يقول: «إن الإنسان مقياس جمعي» وهذا معناه أنه ~~ليس ثمة حقيقية مستقلة عن الإنسان وعن طبيعته وميوله، ومن ثم ~~فالعالم الذي يشيده الإنسان في العلم، ليس إلا انعكاسا ~~للطبيعة البشرية. # مونتني # Montaigne ~~: # ليس من هدفنا أن نقص تاريخ النزعة النفسية ~~كاملا متصلا، لكن علينا مع ذلك أن ننبه إلى أن ~~«مونتني» ينتمي إلى هذا النمط الفكري نفسه، فعندما ~~أراد مونتني، في الفصل المشهور من الرسائل # Essais # المسمى ~~«دفاع عن ريمون سيبو # Raymond ~~Sebond ~~» # 3 # أن «يدخل الإنسان ويضمه» إلى السجن، ~~وأن يقهره ويحصره داخل حاجز الشرطة هذا، فإنه ~~كان يريد التعبير بذلك عن رفضه أن يعترف للإنسان ~~بفضل يميزه عن الحيوان، أو أن يجعل لعقله نوعا ~~من المكانة الإلهية الخارقة الطبيعة. # ديفيد ~~هيوم # David Hume ~~: # وتعود الفكرة ذاتها إلى الظهور في مدرسة فلسفية ~~هي المدرسة الإنجليزية في القرن الثامن عشر، وهي ~~المدرسة التي نعتقد أن ديفيد هيوم خير ~~ممثليها، والرسالة الفلسفية الضخمة التي ألفها ~~هيوم تسمى «رسالة الطبيعة البشرية». # وهي تسمية لها دلالتها، فهي تعني أن العقل ~~البشري لا ينفصل في نظر المؤلف عن الطبيعة ~~البشرية؛ بل إن العقل هو، على نحو ما، معبر عن ~~الطبيعة وثمرة لها، وأن الإنسان يفكر بطبيعته ~~كلها ويكشف عنها في تفكيره، إن جاز هذا التعبير، ~~وفي ذلك يقول هيوم «من البديهي أن كل العلوم ترتبط ~~بالطبيعة البشرية ارتباطا يتفاوت وثوقا، وأنه ~~مهما بدا أن بعض هذه العلوم تبعد عن هذه الطبيعة ~~فإنها تعود دائما إليها بطريق أو بآخر.» تلك هي ~~النقطة الأساسية في النزعة النفسية، ms006 وهي في ~~اعتقادنا نقطة ضعفها في الوقت نفسه: «فحتى ~~الرياضيات، والفلسفة الطبيعية (علم الطبيعة) ~~والدين الطبيعي، تتوقف جميعها إلى حد معين على ~~علم الإنسان، ما دامت مرتبطة بالمعرفة البشرية، ~~وما دامت قوى الإنسان وملكاته هي التي تحكم عليها.» # 4 # ونقول إن هذه نقطة ضعف ذلك المذهب - ~~وتلك فكرة سنعود إليها فيما بعد - لأنه إذا كان ~~العلم والميتافيزيقا يرتبطان بالطبيعة البشرية ~~ارتباطا وثيقا، فإنهما لن يكونا سوى أمور ~~إنسانية، وإنسانية فحسب ولن تكون لهما قيمة شاملة، ~~أعني لن يكونا «صحيحين». فمذهب الشك هو النتيجة ~~الطبيعية للنزعة النفسية، وفيه - فضلا عن ذلك - ~~حتفها، إذ إن علم النفس لن يعود عندئذ «أصح» من ~~الرياضة. # النزعة الإنسانية الإنجليزية: # يطلق اسم «النزعة الإنسانية» على مذهب إنجليزي ~~حديث، دعا إليه الأستاذ شيلر # F. C. ~~S. Schiller # من أكسفورد # 5 ~~(والتسمية معقولة إلى حد ~~ما). # وهو يقول عنها: «إن النزعة الإنسانية تفسر ~~ببساطة الفكرة القائلة إن المشكلة الفلسفية تتعلق ~~بالكائنات الإنسانية التي تحاول فهم عالم ~~التجربة الإنسانية مستعينة في ذلك بموارد العقل ~~الإنساني.» وبعبارة أخرى ينبغي أن نفحص كل ~~المشكلات الفلسفية واضعين نصب أعيننا أنها مشكلات ~~إنسانية، ومحاولين بوجه خاص أن نحلها مكتفين ~~بما لدى الطبيعة البشرية من وسائل. ويزعم «شيلر» ~~أن الوسائل التي يستخدمها الإنسان للوصول إلى ~~الحقيقة لا يمكن أن تنفصل عن سياقها النفسي، وعن ~~كل ما تحتويه نفس من يستخدمها. «فالمفهومات ~~المنطقية الأساسية، مثل معنى الضرورة، واليقين، ~~والبداهة، والحقيقة، هي في الأصل أوصاف لعمليات، ~~وهذه العمليات ظواهر نفسية، فهذه المفهومات ترتبط ~~أوثق الارتباط بمشاعر نفسية خاصة.» وهو يقول: «إن ~~العمليات المنطقية الأساسية، كعملية التصور أو ~~التمييز، أو التعرف على هوية الشيء، أو الحكم، أو ~~الاستنباط، تنطوي جميعها على مظاهر نفسية، ولا ~~يمكن أن تتم عن طريق التفكير المجرد وحده.» # 6 # البرجماتية عند بيرس ووليم جيمس: # علينا، قبل أن نوجه النقد إلى هذا المذهب، أن ~~نعرض نظرية أنجلو أمريكية عظيمة الشبه به، وكان ~~لها دوي كبير في أواخر القرن التاسع عشر ومستهل ~~القرن العشرين. # لقد ms007 صيغت ~~كلمة «البرجماتية» المرة الأولى على يد «وليم ~~جيمس» خلال عرضه لمذهب بيرس ( # Ch. ~~S. pierce ~~) في سنة 1898م، وهو ~~المذهب الذي كان جيمس يؤمن بقضاياه الأساسية، وهو ~~يعرف البرجماتية بناء على ما أسماه «مبدأ ~~بيرس» وهاك ترجمته: # 7 # لنفحص موضوع إحدى أفكارنا، ولنتصور ~~كل النتائج التي يمكن تخيلها، والتي ننسبها إلى ~~هذا الشيء، ويمكن أن تكون لها أهمية عملية ما: ففي ~~رأيي أن فكرتنا عن الشيء لا تعدو أن تكون مجموع ~~الأفكار الخاصة بجميع هذه النتائج. وبعبارة أخرى، ~~ليس التصور العقلي لشيء إلا مجموع الاستعمالات ~~التي نتنبأ بها له ونتوقعها منه. # فالإدراك الحسي لشيء، مثلا، هو تهيئة الحركات التي يؤثر بها ~~المرء فيه، فيمسك به مثلا، أو ينقله، أو يكتفي باستطلاعه عن ~~طريق اللمس أو الإبصار، والتذكر هو التهيؤ لإعادة تكوين ~~الحركات التي تتلاءم والشيء المتذكر. والتخيل هو أن يسلك ~~المرء أو يتكلم كما لو كان الشيء ماثلا أمامه. # وعلى مستوى أرفع من ~~هذا، نجد أن المعرفة العلمية هي الاستعداد للانتفاع بالشيء ~~علميا؛ فالقوانين العلمية هي إرشادات عملية عظيمة التركيز، ~~أو هي إرشادات يمكن استغلالها عمليا، مثال ذلك أن قانون ~~«ماريوت # Mariotte ~~» يحدد ~~مقدار الضغط الذي يجب أن نباشره لكي نجعل لكتلة من الغاز ذات ~~حجم معين، تحت ضغط معين، حجما آخر. # وكذلك الحال تماما في المذاهب الميتافيزيقية أو الدينية، ~~فالعقيدة الدينية أو المذهب الميتافيزيقي هو فكرة خاصة عن ~~الله، وعن الأمور الخارقة للطبيعة. هذه الفكرة توضح، على ~~نحو ما، ما يمكننا أن نفعله تجاه هذه الأمور، أعني المسلك ~~الذي ينبغي، أو يمكن، أن يتخذه المرء إزاءها، ولقد قال وليم جيمس، # 8 # بشيء من السذاجة، أن الله «شيء يستخدمه المرء.» ~~إذ إن الابتهال إليه أو الاكتفاء بحبه أو تبجيله أو خشيته، ~~كل هذه طرق للسلوك تجاهه، ومن ثم كانت، بمعنى ما، طرقا يلجأ ~~إليها الناس لاستخدامه من أجل تحسين أحوالهم. ~~(2) الحقيقة تعرف عن طريق المنفعة # ففي رأي البرجماتيين، إذن أن الحقيقي يرد إلى النافع، ~~والحقيقي هو الذي ينطوي على ms008 أكبر قدر من إمكانات الاستخدام؛ ~~فالإدراك الحسي مثلا يكون صحيحا إذا مكننا من استخدام الشيء ~~ويكون باطلا إذا أدى، أو أمكن أن يؤدي، إلى إخفاق في الانتفاع ~~به. فمثلا إدراك المجداف منكسرا في الماء هو إدراك حسي باطل؛ ~~لأنه يؤدي إلى إخفاق في اللمس إذا تتبعنا المجداف بيدنا تحت ~~الماء متوقعين أن نراه منحنيا، والهلوسة البصرية باطلة لأنها ~~تدعو المرء إلى أن يتوقع أن يمس شيئا لا وجود له حسب ~~الواقع. # وكذلك الحال بالضبط في الحقيقة العلمية، ولقد تحدث ~~«هنري ~~بوانكاريه # Henri Poincaré ~~» بطريقة برجماتية (وقد كان ذلك تهورا ~~منه، إذ إن حديثه لا يطابق فكرته الحقيقية) حين قال في مواضع ~~عدة من كتابه الأول «العلم والفرض» إن العلم لا يهدف إلى ~~الحقيقة - بالمعنى الشائع لهذه الكلمة - وإنما إلى اليسر في ~~العمل. فمثلا «لا يمكن أن تكون إحدى الهندسات أصح من غيرها؛ ~~بل يمكن فقط أن تكون أكثر يسرا منها لأنها .. أبسط .. ولأنها ~~تتمشى إلى خصائص الأجسام الصلبة الطبيعية ... إلخ.» وبالمثل ~~«كان كبرنك .. يقول: إنه لأكثر يسرا أن نفترض دوران الأرض، ~~لأننا نعبر بهذه الطريقة عن قوانين الفلك بلغة أقل تعقيدا.» ~~وبالمثل تكون الفروض العامة للعلم - كالنظرية الذرية - ~~«نافعة»، وعلى هذا النحو يقال إنها صحيحة ... إلخ. # 9 # هاك إذن ما أراد «بوانكاريه» أن يقول: إن نظريات الهندسة، ~~ونظريات علم الفلك وعلم الطبيعة، ليس لها أن تطمح إلى التعبير ~~عن الحقيقة الواقعة، وعن كنه الأشياء، إذ من الممكن أن تعبر ~~عن ذلك أيضا نظريات أخرى مختلفة عنها كل الاختلاف، وستكون هذه ~~النظريات الأخرى على الدوام متفقة مع التجربة، ولكن على نحو ~~أقل يسرا، أي بطريقة أشد تعقيدا، وأقل إرضاء ~~للعقل. ~~(3) نزعة رومانتيكية نفعية # وقد كتب معاصر للفلسفة، هو رينيه برتلو # Rene Berthelot ~~، تاريخ المذهب ~~البرجماتي، تحت عنوان: نزعة رومانتيكية نفعية # Un romantisme utilitaire ~~، # 10 # والحق أن المذهب البرجماتي هو بالفعل نزعة ~~رومانتيكية، بمعنى أنه يهدف إلى رد اعتبار الحساسية، والعاطفة، ~~والشعور الجمالي والديني، في مقابل الاتجاه العقلي الجاف في ~~العلم والمنطق، ms009 ذلك لأن المشاعر تعبر عن حاجات، فتكون المذاهب ~~النظرية والوسائل العملية التي تفي بها «نافعة» بهذا المعنى، ~~فالمذهب الديني مثلا يكون «نافعا» لأنه يفي بمقتضيات الحاجة ~~إلى الإيمان، ويرضي أمنية نصبو إليها. # أما عن استخدام الصفة «نفعي» فتتضح صحته إذا سلمنا بأن لدى ~~الإنسان عديدا من الحاجات الأخرى خلاف الحاجة إلى الشرب ~~والأكل وسلامة البدن، فيجب علينا أن نطلق كلمة «النافع» على ~~كل ما يفي بهذه الحاجات المتباينة إلى حد كبير، ولنذكر أن ~~«رينان» كان يعرف الدين مقتبسا كلمة الإنجيل «ليس بالخبز ~~وحده يحيا الإنسان.» # لهذا السبب نرى أن جيمس وهو الداعية الأكبر للمذهب ~~البرجماتي، قد أهدى كتابه في «المذهب البرجماتي» إلى «ذكرى جون ~~ستيوارت مل، الذي كان أول من أرشدني إلى اتساع أفق ~~البرجماتية، والذي أميل إلى الاعتقاد أنه لو كان اليوم بيننا، ~~لكان على رأس دعاة هذا المذهب.» ومن المعروف عن مل أنه صاحب ~~الأخلاق النفعية. فالبرجماتية إذن من مذاهب المنفعة العامة، ~~منقولة من المجال الأخلاقي إلى المجال الميتافيزيقي. # فماذا يكون موقفنا من النزعة النفسية؟ في رأينا أنها مذهب ~~مفلس، وأنها مدفوعة إلى إنكار فكرة الحقيقة، وأنها تنتهي إلى ~~الشك. # النزعة النفسية، مذهب شك # سوف ينصب نقدنا أساسا على مسألتين: ~~(1) # الامتداد غير المشروع لفكرة المنفعة. ~~(2) # العلاقة المعكوسة بين الحقيقي والنافع. ~~(1) نقد المذهب البرجماتي ~~(1) # كان «جيمس» والبرجماتيون يفخرون «باتساع أفقهم». ~~ولكن الحق أن هذه الروح الفضفاضة تبلغ حدا يؤدي إلى ~~القضاء على كل معنى لكلمة «النافع» عندما كانوا ~~يعرفون الحقيقة عن طريق المنفعة. فالنافع في اللغة ~~المتداولة هو ما يفي بحاجة «حيوية» غير أن البرجماتيين ~~قد أضفوا على كلمة «الحاجة» معاني بلغت من الكثرة ~~حدا لم تعد معه تدل على شيء، حتى ولا كلمة «النافع» ~~ذاتها. فهناك حاجات ترمي إلى حفظ الحياة والعمل على ~~استمرارها. ولكن من الممكن أن نطلق اسم «الحاجة» على ~~ما يعبر عن أكثر الميول الوجدانية تنوعا. فالمرء في ~~حاجة إلى أن يكون محترما، محبوبا، كما أنه في حاجة ~~إلى أن يحب، وإلى أن يرى من ms010 يحبهم سعداء، والغيورون ~~والحقودون في حاجة إلى أن يروا الآخرين تعساء وأقل ~~سعادة منهم، والمرء في حاجة إلى الإيمان بوجود الله ~~وخلود النفس وهلم جرا ... وينبغي أن نضيف إلى ~~الحاجات العاطفية الحاجات العقلية: كالحاجة إلى ~~المعرفة وإلى الفهم، أو بمعنى أدق، إلى التعبير عن ~~الظواهر مجتمعة بصيغة بسيطة، ولا شك أن «بوانكاريه» ~~إنما كان يشير إلى ضرورة بساطة الصيغة العقلية عندما ~~كان يتحدث عن «اليسر» باعتبار أنه خليفة الحقيقة أو ~~بديل عنها. # إن «حاجات» الإنسان و«المنافع» التي تناظرها تبلغ من ~~التنوع حدا يجعل كل تعريف للحقيقة بالمنفعة ينتهي ~~آخر الأمر إلى ألا يوضح من طبيعتها أي شيء. # لقد آمن «كبرنك» بحركة الأرض لأنه من الأكثر يسرا ~~أن نفترض أن الأرض تتحرك، ولكن إذا لم يعرف معنى ~~كلمة اليسر على نحو أدق، فعلا يسوغ للمرء أن يقول ~~بمعنى آخر أنه كان «أكثر يسرا له» أن يعترف بأنها لا ~~تتحرك تجنبا لكل عناء؟ ~~(2) # لا جدال في أن الحقيقي نافع على نحو ما، ولكن هذا ~~لا يستتبع القول بأن المنفعة هي أساس لتعريف ~~الحقيقة؛ فالحقيقي نافع لأنه حقيقي، قبل أي اعتبار ~~للمنفعة، ولقد قال تشترتن # Chesterton # ما يشبه الكلمات الآتية ~~تقريبا: «إن المذهب البرجماتي يعرف الحقيقة بأنها ~~ما يفي غير أن أول ما نحتاج إليه عندما نبحث عن ~~الحقيقة هو ألا نكون برجماتيين.» وكان يعني بذلك أن ~~القاعدة الأساسية التي نضعها عندما نشغل أنفسنا بالكشف ~~عن الحقيقة، هي أن نصرف عن كل اعتبار للمنفعة، ولو ~~تطرق الشك إلى نفوسنا، وآمنا بشيء لأننا في حاجة إلى ~~هذا الإيمان، لفقد الإيمان إذن كل قيمة له، ومرة ~~ثانية نقول إن الحقيقي نافع لأنه حقيقي، وليس حقيقيا ~~لأنه نافع. # ولنتصور الحالة العقلية لمريض يقول لطبيبه «لا تقل ~~لي سوى ما أحتاج إلى تصديقه.» ألن يكون قوله هذا ~~توسلا إليه أن يكذب؟ وهكذا ينتهي الأمر بالمذهب ~~البرجماتي إلى أن يكون «نظرية الأكذوبة الحيوية، التي ~~تقوم على أساس من نزعة الشك.» # نقد النزعة الإنسانية: # تزهو النزعة الإنسانية بأنها تأتي ms011 بسيكولوجية ~~للعقل، غير أن هذه السيكولوجية باطلة، حقا إنها ~~تجيد وصف «العمليات» التي نكون بها أحكامنا، ~~وتقول بحق إن الأحكام لا يمكن فصلها عن السياق ~~العقلي وعن الجو الداخلي، وعن المقاصد التي ~~توجهها، ولكن عندما يحكم المرء بحق، ألا يكون ثمة ~~قصد يسيطر على كل شيء، ويوجه النفس بأسرها، وأعني ~~به قصد إجادة الحكم، والتفكير طبقا للحقيقة؟ هذا ~~القصد هو الذي تتجاهله النزعة الإنسانية، لأنها ~~تخلط بينه وبين قصد آخر أيا كان، كقصد اللهو ~~أو الكذب، أو الإيذاء. # إن سيكولوجية العقل تدرس قصدا واحدا بالذات ~~وهو «قصد الموضوعية» فإن أبى مذهب أن يميز هذا ~~القصد عن كل ما عداه، كان معنى ذلك أنه يأبى أن ~~يضفي على الحقيقة قيمة فريدة كبرى، وعندئذ فلا ~~وجود للحقيقة ولا وجود لشيء ما، بل لا وجود لعلم ~~النفس، ما دام علم النفس الصحيح لا ينطوي عندئذ ~~على شيء أكثر مما ينطوي عليه علم النفس ~~الباطل. # بروتاجوراس: # ومن الطبيعي أن نقع في هذه الحالة مرة أخرى ~~فيما وقع فيه بروتاجوراس حين قال «إن الإنسان ~~مقياس الأشياء جميعا.» ولذا كتب شيلر يقول: ~~«ينبغي لنا أن نعود مرة أخرى إلى ما فعله ~~بروتاجوراس، فتتخذ الأحكام الفردية لأشخاص مفردين ~~نقطة بدء لنا.» # 11 # لكن ليس لنا أن ننسى أن «بروتاجوراس» ~~هو أحد زعماء ومؤسسي تلك النزعة السفسطائية التي ~~حاولت، في عصر أفلاطون، أن تخلط الحق بالباطل لكي ~~تتصيد في الماء العكر ما هو زائف ومريح، وتشيد ~~صرح الخطابة على أنقاض الفلسفة. # ولقد لاحظ أفلاطون في «تيتاتوس» # Théétete # 12 # أننا إذا سلمنا بمبدأ «بروتاجوراس»، ~~لكان معنى ذلك التسليم بأن حجج المجنون تعادل في ~~صدقها حجج العاقل، وأن أحط الحيوانات شأنا ~~له رأي عن الكون لا يقل حصافة عن رأي الإنسان ~~الحكيم. # الذاتية والداخلية: # كل مظاهر الخلط هذه ترجع إلى خطأ أساسي، ينحصر ~~في الخلط بين الذاتية والداخلية؛ فالحكم حقيقة ~~داخلية، وهو نتاج للنشاط المستقل للكائن المفكر، ~~وحين نقول «المستقل»، فنحن لا نعني بهذه الكلمة ~~حقيقة لا ترتبط بشيء، بل ms012 نعنى حقيقة لها قوانينها ~~الخاصة، فقوانين الفكر لا تمليها عليه المادة، ~~وإلا لما كان الفكر سوى تعبير عن البدن، كما لا ~~تمليها عليه الجماعة، إذ إن تفكير المرء على النحو ~~الذي يفكر به الجميع لا يوصل إلى الحقيقة. ومع ~~ذلك، فالفكر يخضع لقوانين، وسوف نرى كنه هذه ~~القوانين فيما بعد. # غير أن ~~الحكم إذا كان داخليا فليس معنى ذلك أنه يصبح ~~ذاتيا لهذا السبب، فالذاتية هي الارتباط الوثيق ~~للحكم بفردية الذات، و «بالأنا» حقا أن الذات ~~تقول: أنا أفكر، ولكن هل المقصود هنا هو فرديتها، ~~وأناها، لقد لاحظ بعضهم - بحق - أن ديكارت عندما ~~قال «أنا أفكر إذن أنا موجود.» ~~“Cogito, ergo ~~sum” # لم يكن يعني «إذن فأنا موجود ~~بوصفي ديكارت.» ~~“ergo Sum ~~Cartesius” # إذ لو كان الأمر كذلك، ~~لأمكنه أن يستخلص من هذا الاستدلال ذاته الصفات: ~~رجل ... إلخ، بل لأمكنه أن يستخلص منه: مولود في ~~1596م في لاهاي بمقاطعة التورين ... إلخ، وربما ~~استخلص منه: مصيره أن يموت في استوكهولم. غير أن ~~هذا كله محال. فما كان في وسعه أن يستخلص منه إلا: ~~«أنا شيء مفكر # sum res ~~cogitans ~~» فلا يتبقى منه الذاتية ~~في الوعي العقلي شيء. # وإذن، فالحكم قد يكون فعلا داخليا دون أن ~~يكون فعلا ذاتيا. # المنطق، وقد رد إليه اعتباره ضد النزعة النفسية # إذن، فعلى الرغم مما يعتقده دعاة النزعة النفسية، يوجد علم خاص ~~بحقيقة عمليات العقل، وهذا العلم هو المنطق، وقد بدأ الناس يميزونه ~~من علم النفس الذي هو علم الأفعال العقلية، أيا كانت، منظورا ~~إليها من حيث واقعيتها (أعني من حيث أنها توجد بالفعل) لا من حيث ~~قيمتها (أي من حيث أن لها قيمة). # حجج ~~الرياضة: # تضرب لنا الأحكام الرياضية مثلا رائعا، ~~فلنتأمل حكما غاية في البساطة، مثل 2 + 2 تساوي 4. فإذا نحن ~~تأملناه من وجهة النظر النفسية وجدنا فيه جوا فرديا كاملا: ~~فربما كان صادرا عن فعل جرت به العادة، أو عن تذكر، يسترجع فيه ~~المرء ذكرى كشفه لتلك الحقيقة عندما عد على أصابعه حين ms013 كان ~~طفلا، وما يحيط بهذا الكشف من حنين وجداني تبعثه هذه الذكرى التي ~~ترجع إلى الماضي، أو عودة انفعال مؤلم (غضب المدرس عندئذ نظرا ~~للبطء المفرط في القيام بعملية هينة كهذه) ثم انفعال السرور ~~الطفيف، الذي تبعثة الأداء الحالي لفعل عقلي اعتيادي هين يرضي ~~المرء كل الرضا، إلخ، فإذا انتقينا عملية أصعب من هذه بكثير، ~~كاستخراج الجذر التربيعي، أو حساب التكامل، فإن التحليل النفساني ~~يكشف لنا بلا شك عن شعور بالجهد، وبتكرار التعود، والأخطاء التي ~~صححت، أو التي تثبط الهمة إذا لم يفلح المرء في التغلب عليها، ~~إلخ. # ذلك ما يقدمه إلينا التحليل النفساني، غير أن في الأمر شيئا ~~آخر: هو حقيقة القضية، فهذه القضية يمكن البرهنة عليها فما الذي ~~نفعله كي نبرهن عليها؟ وما البرهنة؟ وكيف يبرر ذلك النوع من ~~الضمان، ومن الطمأنينة الظافرة التي يبعثها البرهان؟ إن لهذه ~~الأسئلة علما خاصا يجيب عنها. # على أن هذا العلم ليس هو الحساب، إذ إن الحساب يبرهن، ولكنه لا ~~يعبأ بتبيان ماهية البرهنة، كما أنه لا يعبأ بأن يبين السبب في ~~تأكد المرء من النتيجة عندما يبرهن عليها. ~~(1) اليقين والانتباه # ذلك لأن المنطق هو، على نحو آخر، «علم اليقين»، واليقين ~~حالة نفسية، ولكن مضمونها يتجاوز نطاق علم النفس فيقين المرء ~~معناه أنه يشعر بأنه قد وصل إلى الحقيقة، وإلى الشيء كما ~~يوجد في ذاته. أي أنه، كما يقول مالبرانش، شعور المرء بأنه ~~«يفكر كما يفكر الله»، والواقع أن العقل بعملياته الأساسية ~~يتجاوز مجال علم النفس. ولقد أبدى مالبرانش ملاحظة عميقة حين ~~قال عن «الانتباه» إنه «صلاة طبيعية»: وكان يعني بذلك أنه ~~مجهود يبذله المرء ليخرج عن ذاته، وليتجاوز حدود شخصه، ولكن ~~لا بأن يسمو، بل على العكس من ذلك، بأن يتضع ويدل، وينصرف عن ~~ذاته، وينتظر العون والحل من مصدر أعلى منه، كما يفعل عندما ~~يصلي، وبالمثل يمكننا القول بأن اليقين هو الشعور «الطبيعي» ~~بمثول الله (في النفس)، أو هو ذلك الشعور بالأزلية الذي حدثنا ~~عنه سبينوزا. # 13 # ولكن إذا كان ms014 ثمة أفعال للذهن هي هي من جهة ذاتية، ومن جهة ~~أخرى تدل على قصد موضوعي، وهو القصد الذي ينبغي أن يتحقق من ~~حين لآخر (وإن لم يكن في وسعنا أبدا أن نقول إنه قد تحقق في ~~حالة معينة) فثمة علم للذهن يتجاوز نطاق علم النفس. هذا العلم، ~~كما قلت من قبل، هو المنطق، ولنقل مرة أخرى، وعلى نحو آخر، ~~أنه الوعي الذهني. # المنطق «علم معياري» للحقيقة # بينما كان علم النفس ينظر إلى الظواهر النفسية، كما قلنا، في ~~وجودها المحض، ودون أن يكون له من هدف سوى بيان مدى ترابطها أو ~~تنوعها، فإن المنطق ينظر إلى العقل باعتبار قيمته فالتصورات ~~العقلية تسمو في مرتبتها على الوجود المحض وتمتاز عنه بأن لها ~~«قيمة». # والقيمة تطلق، بصفة خاصة، ~~على الصفة التي تجعل أشياء معينة تستحق التقدير، وحكم القيمة هو ~~الحكم الذي يعترف للأشياء بهذه الصفة. ومن أمثلته، الحكم الذي يعلن ~~جمال عمل فني، أو الطابع الأخلاقي لفعل ما. ولنلاحظ أن أحكام ~~القيم قد تكون سلبية، فتنفي عن الشيء القيمة التي كان ينبغي أن ~~تكون له، والتي كان المرء يتوقع أن يجدها فيه. ~~(1) العلوم المعيارية: الأخلاق وعلم الجمال والمنطق # والقيم تنتمي إلى ثلاثة أنواع رئيسية: قيم الأخلاق، والجمال، ~~والحقيقة، وهي التي ترتبط بمعان ثلاثة هي: الخير والجمال ~~والحق، وهذه المعاني الثلاثة موضوعات لثلاثة علوم يطلق عليها ~~اسم «العلوم المعيارية»، وذلك من أجل التعبير عن طابعها الخاص ~~وعلاقتها بالقيمة، وهي: الأخلاق التي تتخذ لها موضوعا، ~~وعلم الجمال، وموضوعه الجمال، والمنطق، وموضوعه ~~الحقيقة. # ويتميز العلم المعياري عن العلم المألوف بأنه يتكون من ~~أحكام قيم، وبأنه يضع أسس هذه الأحكام بأن يستخلص ما يسمى ~~بمعيارها (الخير، الجميل، الحق). ومثل هذا العلم لا يكتفي بوصف ~~موضوعه وبيان القوانين التي تحدد طبيعته، بل يميز في موضوعه ~~بين الأشكال الصالحة والأشكال غير الصالحة، ويقرر نوعا من ~~التدرج بين هذه الأشكال. # ومن المهم أن نلاحظ أن العلم المعياري يصل إلى هدفه دون أن ~~يستمد أسباب تفضيلاته من شيء آخر سوى الموضوع ms015 ذاته. فقد ~~يحدث بالفعل أن تقوم علوم غير معيارية بعملية ترتيب الموضوعات ~~التي تعنى ببحثها ترتيبا تدريجيا. غير أن ذلك يحدث دائما ~~بناء على غاية خارجية، فعلم الطبيعة مثلا يميز بين ~~الأشكال العليا والأشكال الدنيا للطاقة، ما دام يتحدث عن ~~«تدهور» للطاقة، ولكن ذلك لا يكون إلا بالنسبة إلى حصيلة هذه ~~الطاقة في عمليات التحول، وهذه الحصيلة لا قيمة لها إلا ~~بالنسبة إلى غايات الصناعة. فالأحكام المعيارية في علم الطبيعة ~~لا تحدد على أساس اعتبارات فيزيقية؛ بل على أساس اعتبارات ~~لها صلة بالوسائل العملية، أعني خارجة عن مجال علم الطبيعة ~~بمعناه الصحيح. أما في الأخلاق، فإن الحكم على الظواهر ~~الأخلاقية مستمد من أسس جوهرية في الأخلاق ذاتها، لأن ~~الأخلاق تنطوي في ذاتها على غايتها، وبالمثل لا يحقق الشيء ~~الجميل في علم الجمال، غاية صناعية خارجة عن نطاق هذا العلم، ~~وفي المنطق يكون الحق غاية في ذاته ولذاته، ففي العلوم ~~المعيارية تبنى أحكام القيم على أسس داخلية، هي جزء لا ~~يتجزأ من مجال العلم ذاته؛ فالمعيار شيء أصيل في العلم ~~المعياري، وهو الذي يكون موضوعه الخاص. ~~(2) التوازي الشكلي بين العلوم المعيارية # لوحظت بين العلوم المعيارية الثلاثة أوجه شبه تلفت النظر، # 14 # وتعين على فهم طبيعتها، فمثلا قبل أن يصبح كل ~~منها علما حقيقيا دراسة وتفكيرا، كان له طابع اجتماعي ~~تلقائي، وكان يتسم بسمة القاعدة الآمرة الشائعة بين الناس. ~~فالأخلاق كانت في مبدأ الأمر، تراثا خارجيا، هو «أخلاق ~~آبائنا» بما فيها من طابع شبه ديني، وبالمثل كان علم الجمال ~~ينحصر في قواعد تقليدية، توقيعية وموسيقية، ترتبط هي الأخرى ~~بالطقوس الدينية، وكذلك كان المنطق، الذي كان مرتبطا بالنحو ~~في بدء الأمر، وكان يفرض نفسه بوصفه مجموعة من القواعد التي ~~هي أشبه بالشعائر الموروثة، ومن الإجراءات اللفظية التنظيمية، ~~وقد اتخذت هذه الأوامر الجماعية في الوعي الفردي صورة الحدس، ~~وصورة الذوق الشخصي؛ فالحاسة الخلقية، والضمير الأخلاقي ~~التلقائي الذي يظن نفسه معصوما من الخطأ، يناظره الذوق في ~~الفن، والبداهة في المنطق، إذ إن البداهة نوع من ms016 تذوق الحقيقة. ~~ومن الناس من يبدو عليهم أنهم قد فقدوا كل حاسة أخلاقية، ~~كذلك يتمثل لدى بعضهم - في الظاهر على الأقل - فقدان الذوق ~~الجمالي، كما أن هناك، من وجهة النظر المنطقية «عقولا زائفة»؛ ~~بل هناك من هم أدنى من ذلك، أعني المعتوهين والمجانين. # وستتيح لنا هذه الاعتبارات تحديد منهج ذلك العلم المعياري ~~الذي نحن بصدده ها هنا، أعني المنطق، وتمكننا بوجه خاص من أن ~~ندرك أن المنطق ينبغي له أن يتجه من الطابع التلقائي إلى ~~الطابع القائم على التفكير. # المنطق علم وفن في آن واحد # هل هذا الانتقال من الطابع التلقائي إلى الطابع القائم على ~~التفكير غاية في ذاته، أم أنه يمكن العقل من تحسين العمليات التي ~~يقوم بها، قبل كل علم، من أجل بلوغ الحقيقة؟ # كان من المسائل التي أثارت الجدل بين المناطقة الأقدمين ومناطقة ~~العصور الوسطى معرفة ما إذا كان المنطق علما أم فنا: أعني هل هو ~~علم بمعنى أنه معرفة نظرية بحتة للتفكير الصحيح، دون أي تطبيق ~~عملي، أم هو فن بمعنى أنه وسيلة عملية لإجادة التفكير؟ فلنقل إن ~~المنطق علم وفن في آن واحد، إذ إنه يصف عمليات العقل ويحكم عليها، ~~ويضفي عليها قيمة تتفاوت في مكانتها، مما يؤدي به ضرورة إلى ~~إصلاح هذه العمليات وتقويمها. # ولقد كان الاسم الحقيقي الذي أطلق على كتاب المنطق المعروف باسم ~~منطق «بور رويال» المنشور في عام 1662م هو «المنطق أو فن التفكير» ~~وهذا الكتاب يتصدره مقال عرض فيه مؤلفاه أرنو ونيكول # Arnauld et Nicole ~~«الهدف من هذا ~~المنطق الجديد»، ويبدأ المقال بهذه الكلمات «ليس ثمة شيء أجدر ~~بالتقدير من الحكم الفطري الصادق، ومن صواب نظرة العقل في إدراكه ~~للحقيقة وللبطلان.» فهما إذن يحكمان بأن المنطق نافع في اكتساب هذه ~~الصفات، وبالمثل نشر ديكارت في 1637م «المقال في المنهج، من أجل ~~إرشاد العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم». # ومن المؤكد أنه لا ينبغي الغلو في تقدير القيمة العملية للمنطق، ~~فلنلاحظ أولا أن المنطق، لما كان يلي سيكولوجية الذهن في ~~مرتبته، ms017 فإنه يفترض ثقافة سابقة واسعة، كما يفترض معلومات عديدة، ~~وفضلا عن ذلك، فمن الجائز أن يكون الأعداء الحقيقيون للحقيقة في ~~العقل الإنساني، هم الخمول والأهواء، لا الافتقار إلى التجربة أو ~~إلى البراعة المنطقية. # ورغم ذلك، فليس لنا أن نظن أن المنطق غير مجد في الناحية ~~العملية، وإنما ينبغي أن نقول إن فائدته سلبية على الخصوص. فهو ~~يكشف النقاب عن الاستدلالات الباطلة، بل إنه يحذرنا من عدم كفاية ~~الاستدلالات التي تبدو في ظاهرها غير يقينية فحسب، وهو لا يفيد في ~~الكشف عن الحقيقة بقدر ما يفيد في توقي الخطأ، وبالتالي في ~~تنمية ما يسمى بروح النقد. فهدف «ديكارت» مثلا كان سلبيا على ~~وجه الخصوص؛ إذ كان يرمي إلى أن يقتلع من نفوس معاصريه تعلقهم ~~بالمنطق الشائع في العصر المدرسي. # الفصل الثاني # | المنطق # منهج المنطق هو التحليل النقدي القائم على التفكير، وينصب هذا ~~التحليل أولا على اللغة، فيميز فيها بين: ~~(1) # الحدود التي تدل على معان كلية «مجردة» و«عامة» والتي ~~يكون لها مفهوم وماصدق. ~~(2) # القضايا، التي تثبت (أو تنفي) علاقات بين الحدود، والتي ~~تعبر عن أحكام. ~~(3) # الاستدلالات التي تستخلص نتيجة من عدد معين من ~~المقدمات. # مقولات أرسطو و«كانت» هي الصور العامة للفكر في إعداد المعاني ~~الكلية والأحكام. مبادئ «المنطق العام» (أي مبادئ الهوية والتناقض ~~والثالث أو الوسط المرفوع) تسري على كل فكر وكل لغة تزعم لنفسها ~~الاتساق. # غير أن فلسفة العلوم تقدم إلى المنطق منهجا آخر أكثر خصوبة من ~~هذا المنهج بلا شك، وهو التحليل النظري الذي ينصب على العلم عند ~~نشأته، ثم يتطور إلى بحث في المناهج العلمية، ونقد للمعرفة العلمية ~~(أبستمولوجيا) ونظرية للمعرفة. # 1 # الحقيقة ليس لها معيار # إذا كان المنطق علما معياريا، كانت الحقيقة «معيارا» أي ~~قاعدة أو أنموذجا للكشف عن الحقائق أو التحقق من صدقها. # ولكن هل هناك «معيار # Critere ~~» ~~للحقيقة، أعني علامة تتسم بها القضايا الصحيحة وتتميز بها من ~~القضايا الباطلة؟ وهل يتميز الصحيح من الباطل كما يتميز الأبيض ~~من الأسود؟ لقد تساءل الإغريق عن ذلك قائلين: هل ms018 يحمل الحكم الصحيح ~~طابعا مميزا، مماثلا للعلامة التي تطبع على أجساد العبيد، ~~وتمكن من التعرف عليهم إذا ما لاذوا بالفرار؟ # لقد حاول فلاسفة العصر ~~اليوناني القديم أن يعرفوا معيار الحقيقة هذا، غير أنهم عجزوا عن ~~الوصول إليه؛ بل لقد اضطروا إلى التسليم أخيرا بأن الفكرة ذاتها ~~ممتنعة، إذ لو وجد مثل هذا المعيار، لما استطعنا أن نتصور ~~إمكان وقوع الناس في الخطأ، وإمكان اختلاف الآراء حول الموضوع ~~الواحد، في حين أنه لو كان ثمة حقيقة، لكان من الجلي أن رأيا ~~واحدا منها هو الصواب. ومن جهة أخرى، فلا شيء يشبه الصواب ، من ~~الوجهة العملية، ولا شيء يبدو أشبه بالحقيقة بالمعنى الحرفي، ~~لهذا اصطلح (في الفرنسية # vraisemblable # وهي كلمة مشتقة من ~~الحقيقة) أكثر من البطلان، فمثلا: لا شيء أقرب إلى الواقع الفعلي ~~من الحلم، ومن المحال، كما بين ديكارت في «التأمل الأول»، أن ~~يعلم المرء علم اليقين بأنه ليس نائما أو أن يبرهن على ذلك ~~برهانا قاطعا، وفضلا عن ذلك، فمن أين يستمد معيار الحقيقة ~~سلطته؟ أهو يستمدها من معيار آخر؟ وما مصدر هذا المعيار ~~الآخر؟ إن مصدره معيار آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. والحق أن ~~الشكاك اليونانيين قد جمعوا حول هذا الموضوع الدليل تلو ~~الدليل، متحدين بذلك «التوكيديين # dogmantiques ~~» (أي أولئك الذين يقولون بوجود معيار أو ~~مقياس) أن يأتوا بدليل يثبت تأكيداتهم: أي أنهم كانوا يقولون ~~للتوكيدي «برهن على برهانك.» فيقع التوكيدي في حيرة لا مخرج منها، ~~إذ إنه: (1) إما أن يقتصر على أن يؤكد في تعسف أن برهانه يصلح ~~في نظره هو، وذاك ما كان الشكاك يسمونه موقف ~~ال # hypothesis # أعني التأكيد ~~الاعتباطي دون برهان. (2) وإما أن يحاول أن يعلو على هذا الموقف، ~~ولكنه سيظل يعلو في هذه الحالة إلى ما لا نهاية له، وبالتالي لن ~~يصل أبدا إلى البرهان المنشود، وذلك هو التسلسل إلى ما لا نهاية ~~له، وإما أن يضطر إلى البرهنة عن طريق نفس الشيء المراد البرهنة ~~عليه، وتلك هي حالة الدور أو # diallèle ~~(البرهنة ms019 على شيئين كل ~~منهما بالآخر) ومن ذلك ننتهي إلى أن الحقيقة ليس لها معيار. # غير أن هذا لا يعني أنه ليس ثمة حقيقة، فمنذ آلاف السنين التي ~~ظل الناس خلالها يستدلون ويبرهنون ويتحققون من صدق آرائهم، ~~كان من المحال ألا تظهر خلال ذلك حقيقة ما. وإن العلم ليتقدم ~~على الدوام، وهو يقدم الدليل على حقيقته بما يحرزه من نجاح في ~~كل الميادين. # والذي ينبغي أن نقوله هو أن «الحقيقة هي معيار ذاتها»، وكما قال سبينوزا # 2 # بحق «... فالحقيقة ليست في حاجة إلى أية علامة ... ويكفي ~~أن تكون لدينا الماهيات الموضوعية أو ما يعادلها من أفكار عن ~~الأشياء، للقضاء على كل شيء.» إن الحقيقة قد ظهرت رويدا رويدا عن ~~طريق تقريبات متتالية، وخلال المحاولات والجهود والتأملات ~~والتعديلات، ثم حصلنا عليها واكتسبناها: وإذن فلنتخذها معيارا ~~في ذاتها. # المنطق يتبع منهج التحليل الفكري النقدي # إذن ليس المنطق وتأكيدا لمعيار خارجي لا حقيقة، وإنما هو تحليلي ~~وفكري، ونقدي. ~~(1) # فهو تحليلي بمعنى أنه إذا اتخذ الحقيقة المعطاة نقطة ~~بدء له، فإنه يرتقي منها الشروط التي جعلت هذه الحقيقة ~~ممكنة. ~~(2) # وهو فكري واع بمعنى أنه يصل بهذه الطريقة إلى «معرفة ~~قدرتنا على المعرفة» كما يقول سبينوزا، فالفكر الواعي هو ~~معرفة الفكر لذاته معرفة إيجابية إرادية، ومن هنا ندرك ~~كيف أن كلمة الفكر الواعي # réflexion # تشتق من ~~اللاتينية # reflectere # التي ~~تعني «الرد إلى الوراء» (أعني أن يرتد المرء بفكره إلى ~~الوراء ليعي المرحلة التي قطعها). ~~(3) # وهو نقدي، بمعنى أنه متى انتهى من تحليل المعرفة ~~والتفكير فيها تفكيرا واضحا، ميز بين ما هو صحيح وما ~~هو باطل على نحو أكثر دقة، وبذلك يستطيع أن يحدد ~~المنهج الذي يفضي إلى المعرفة الحقة، ولقد كان «كانت» # 3 # هو الذي أدخل كلمة «نقدي» واستعملها في ~~الفلسفة بمعنى التفحص والاختبار المنهجي. # فكرة وجود منطق # يطلق اسم «المنطق العام» على دراسة جميع العمليات العقلية التي ~~تتسم بطابع «مقالي»، أعني أنها تتمثل، أو يمكن أن تبدو، في ~~صورة سلسلة ملفوظة من الأسباب المنطقية، والهدف ms020 من هذه الدراسة هو ~~تحديد العمليات الصائبة، والتي تنتهي بالكشف عن الحقيقة، من بين ~~سائر العمليات العقلية. # ولكن من أين نأتي بهذه العمليات؟ أول الطرق التي تطرأ على ~~الأذهان، وأوسعها انتشارا، هي أن تستمد مادة المنطق من ~~اللغة. # ولا جدال في أن اللغة في ذاتها لا توصف بالصدق، وإنما هي تفيد ~~الصواب والخطأ على حد سواء، وهي تحتمل الحقيقة والبطلان معا ~~على قدم المساواة، ولكن لا بد أن اللغة قد اكتسبت - منذ أن ~~وضعتها البشرية وتوارثتها وكملتها - قدرة تتيح لنا إيضاح ~~الحقيقة وعرضها لا الكشف عنها. فالقضية التي تذكر على حدة لن ~~تنطوي بحسب صورتها وحدها على شيء ينبئنا إذا كانت صادقة أم ~~كاذبة، فقد يقول المرء في دياجير الظلام «النهار طلع». فاللغة تسمح ~~بوقوع الخطأ، وهي عطية الكذب، ولكن وسائل الربط بين أجزاء اللغة ~~كفيلة بأن تكشف عن العمل الذي يمهد للوصول إلى الحقيقة. فإذا قلت ~~مثلا: «نحن في شهر أبريل، والساعة التاسعة صباحا، إذن فالنهار ~~طالع.» كانت العلاقة بين هذه القضايا، وخاصة بين القضيتين الأوليين ~~اللتين تجمع بينهما واو العطف، وبين الثالثة، التي تستهل بالحرف ~~«إذن»؛ نقول: كانت هذه العلاقة ذات دلالة كبرى. فمجموع القضايا ~~الثلاث يكون ما يسمى بالاستدلال. والاستدلال هو الطريقة المثلى ~~للوصول إلى الحقيقة أو لتوقي الخطأ. فالذي يهمني في مجموعة ~~القضايا التي ضربنا بها هذا المثل، ليس القضايا ذاتها وإنما هو ~~العملية التي تنتج بها الثالثة من الأوليين. # ودراسة هذه العملية لا تكشف لي عن حقيقة القضية، وإنما تكشف لي ~~عن الطريقة التي نقرر بها حقيقة إحدى القضايا. # المنطق العام، فلسفة النحو (التراكيب اللغوية): # ولنقل بعبارة أخرى، إنه من الممكن جدا أن يبدو ~~المنطق كما لو كان تحليلا واعيا للنحو، لا لذلك ~~الجزء من النحو المسمى بدراسة المفردات والأشكال ~~اللغوية (وإن تكن لمعرفة الأشكال بعض الأهمية في دراسة ~~ظاهرة تعدد معاني الألفاظ وعلاقتها بنهاية الكلمات ... ~~إلخ، وهي الدراسة التي تكشف عن علاقات، ومن ثم تحدد ~~على الأقل معالم الطريق الذي نصل به إلى الحقيقة)، ms021 بل ~~للجزء الآخر المسمى ب «التركيب اللغوي» فيكون المنطق ~~العام أولا فلسفة للتركيب اللغوي ~~“phil. de la syntaxe” # وبحثا في التركيبات التي تعبر عن عملية التحقق من ~~صحة المعنى، وهو، على الأخص، بحث في الكلمات التي ~~تحدد المراحل الرئيسية لهذه العملية مثل: واو ~~العطف، أو، إذن، لأن، رغم أن ... إلخ، فالمنطق العام هو ~~أولا تحليل واع، يتعلق بأدوات العطف التي تفيد ~~الارتباط والتبعية. # وفضلا عن ذلك، فإن كلمة «لوجوس» التي اشتق منها ~~اسم المنطق في اليونانية، تعبر أصلا عن اللغة، وعن ~~الجزء الإيجابي منها بوجه خاص، أي عن الجزء الذي ~~يقننه التركيب اللغوي على هيئة قواعد، ومن هنا جاءت ~~المعاني المشتقة من هذا اللفظ القديم: كالاستدلال، ~~والصلة، والحساب، والمنهج، والعلم. # التركيب اللغوي والديالكتيك: # يمكننا أن نصل إلى نتيجة أفضل من هذه، لو درسنا ~~اللغة وهي في غمرة أدائها لوظيفتها وفي أوج مرحلة ~~البحث، أعني إذا صرفنا النظر عن التفكير في النحو ~~الخاص باللغة العلمية المتداولة، التي تهتم ~~بالسلوك العلمي أكثر مما تهتم بالصواب، وبالفعالية ~~العملية أكثر من القيمة العقلية، لكي نفحص لغة البرهان ~~والمحاجة والتفنيد، أي ما كان يطلق اليونانيون عليه ~~اسم الديالكتيك ~~(Dialectique) ~~: وهذه الكلمة تدل على نوع ~~خاص من الحوار ~~(dialogue) # وهو حوار عارف يقظ، يعمل فيه ~~المتحاوران سويا من أجل التمهيد للكشف عن حقيقة يكون ~~اتفاقهما عليها ضمانا لقيمتها، ولقد كان سقراط هو ~~الذي وضع «أسس» المنهج الديالكتيكي في القرن الخامس ~~قبل الميلاد، كما أن المنهج الديالكتيكي كان هو ذاته ~~المنهج المتبع في محاورات تلميذه أفلاطون (القرن ~~الرابع) ثم حاول أرسطو، وهو تلميذ أفلاطون، أن ~~يستخلص قواعده، في نفس الوقت الذي حاول فيه أن ~~يحلل أعم عمليات اللغة المتداولة وأكثرها ~~شيوعا. # تحليل اللغة المتداولة يؤدي إلى الحدود التي تعبر عن ~~تصورات # إذا ما مضينا في تحليل اللغة المتداولة شوطا بعيدا، فإننا لا ~~ننتهي في آخر الأمر، إلى «كلمات» بالمعنى الصحيح، بل إلى ما ~~يسمى بالحدود # termes # أي إلى ~~كلمات لا تعبر عن علاقات، وإنما عن حقائق ذهنية ms022 يمكن أن تقوم بينها ~~العلاقات فيما بعد، ومن الممكن أن يقال عنها في ذاتها إنها ~~خالية من التضمن كما قال أرسطو. ففي الجملة «القلم أسود» أو ~~«القلم يكتب» تكون الكلمات «قلم، أسود، ويكتب» حدودا. # والحد العام يعبر عن تصور، وكلمة التصور (أو المفهوم) تطلق على ~~تمثل مجرد عام، ومعنى ذلك بعبارة أخرى أنه يشتمل على عدد ~~معين من الصفات المستخلصة (أو المجردة) من تمثل (يقال عنه تبعا ~~لذلك إنه أكثر عينية) والمشتركة بين عدة أفراد لفئة واحدة أو جنس ~~واحد (عام) فتصور «القلم» مثلا يشتمل على صفات (كونه مصنوعا من ~~مادة «البلاستيك» مثلا، ومنتهيا بريشة ثابتة. ومشتملا على ~~مستودع للحبر) وهذه الصفات مستخلصة من أقلام الحبر التي رأيتها، ~~ومن جهة أخرى، فهو يمثل فئة من الأشياء تشترك في هذه الصفات، ~~ويطلق اسم «مفهوم التصور # Comprehension ou ~~connotation ~~» على مجموع الصفات التي يجمع ~~( # connote ~~) بينها التصور. أما ~~«ماصدق التصور ( # extension ~~)» فهو ~~مجموع الأفراد الذين «يصدق عليهم». والتصور علاقة بين ماصدق ~~ومفهوم. فهو إذن ينطوي في ذاته على إثبات ضمني، ما دام يثبت أن ~~الماصدق مطابق للمفهوم، أي أن «الأقلام أقلام» وهو حكم يشير ~~الموضوع فيه إلى المفهوم، أي إلى مجموع الصفات: فأفراد فئة القلم ~~تطابقها صفات كونها مصنوعة من مادة «البلاستيك» ولها ريشة ثابتة ... ~~إلخ. # وماصدق الحد ومفهومه لا يستقل كل منهما عن الآخر، فإذا ما ~~توسعنا في الماصدق، أي زدنا الفئة، اضطررنا إلى محو بعض الصفات، ~~ما دامت كل صفة تعد شرطا لدخول فرد في ماصدق التصور. كما أن ~~زيادة المفهوم قد تدفعنا - لهذا السبب نفسه - إلى إنقاص الماصدق. ~~فإذا أردت زيادة ماصدق تصور «الثدييات» حتى يشمل «الفقريات» كان من ~~الضروري أن يفقد صفات: الولادة، وإرضاع الصغار، ووجود جهاز شعر ~~جلدي، وهي الصفات التي لا تنطبق على كل الفقريات. أما إذا أردنا ~~التوسع في صفات تصور الثدييات، كوجود الأسنان مثلا، فإن ~~الثدييات تقتصر عندئذ على أكلة اللحوم، أو أكلة العشب أو ~~الحيوانات القارضة. # أرسطو يطلق اسم المقولات على أجناس الوجود ms023 # إذا نظرنا إلى التصور من حيث مفهومه، وجدنا أنه يمكن أن يكون ~~موضوعا لعدد كبير من الأحكام التي تحمل عليه صفات؛ فالقلم أسود ~~والقلم عتيق ... إلخ. وكل حكم من هذه الأحكام يحدد الموضوع من ~~وجهة نظر مختلفة. ولقد كانت وجهات النظر هذه هي التي سماها ~~أرسطو ب «المقولات». وهو يسميها بأجناس الوجود، أي الضروب ~~المختلفة التي يمكن أن يوجد عليها شيء ما، أو بعبارة أخرى، ~~أحوال الحمل المنطقي ~~( # attribution ~~). # وهو يميز من هذه المقولات عشرا، لا يحتاج المرء إلى تفكير طويل ~~ليدرك أنه استخلصها من النحو المتداول. والمقولة الأولى هي الجوهر ~~أو الماهية (سقراط «إنسان») وهي تناظر الاسم في النحو، والثانية ~~هي الكم (طوله ذراعان) وهي تناظر النعت العددي، والثالثة هي الكيف ~~(أبيض) التي تناظر النعت الكيفي، والرابعة هي الإضافة (ضعف، نصف، ~~أكبر من) وتناظر أفعل التفضيل، والخامسة هي المكان أو الأين (في ~~المدرسة، أو في الميدان) وتناظر ظرف المكان، والسادسة هي الزمان ~~أو المتى (أمس، فيما مضى)، وتناظر ظرف الزمان، والسابعة هي الوضع ~~(جالس، مضجع) وتناظر الصفة أو اسم المفعول، والثامنة الملك ~~(حذاؤه أو رداؤه) وتناظر المضاف إليه، والتاسعة والعاشرة هما ~~الفعل والانفعال (هو يقطع، ويقطع) وتناظران الفعل المبني ~~للمعلوم والمبني للمجهول. # الحكم يحدد معنى القضية # يؤلف بين الحدود على هيئة قضايا، وتطلق كلمة الحكم على ~~التأكيد، الموجب أو السالب، الذي يثبت أو ينفي علاقة بين حدين، ~~وبالحكم يصبح للقضية معنى. # ويطلق اسم الرابطة # Copule # على ~~الكلمة التي تعبر عن العلاقة بين الحدين، وهذه العلاقة قد تكون ~~على أنواع متباينة، وإن كان المنطق التقليدي قد ردها كلها إلى ~~علاقة التضمن التي هي علاقة الموضوع بالصفة أو بالمحمول # prédicat ~~. وفي هذه الحالة تكون ~~الرابطة هي دائما فعل الكينونة. # 4 # وعلى ذلك فالحكم في نظر المنطق التقليدي ينحصر في ~~إثبات محمول لموضوع، أو نفي إمكان نسبة هذا المحمول إلى الموضوع. ~~على أن وجهة النظر هذه ضيقة إلى حد بعيد، ولذا عمل المنطق ~~الحديث، الذي امتد فأصبح منطقا رمزيا # logistique # على توسيعها ms024 إلى حد ~~غير قليل. # ولكن حتى لو ظل المرء ملتزما حدود المنطق التقليدي، فسيضطر ~~إلى التمييز بين عدد من الطرق المختلفة التي يمكن أن تقرر بها ~~علاقة التضمن. وسوف نسترشد هنا بقائمة الأحكام التي عرضها كانت ~~في «نقد العقل الخالص». # 5 # فمن الممكن أن ينظر إلى الأحكام على أربعة أنحاء ~~مختلفة، وفي داخل كل نحو من هذه الأنحاء يمكننا أن نميز بين ~~ثلاثة أنواع مختلفة، فيكون المجموع اثني عشر نوعا من الحكم، ~~والأنواع الثلاثة المندرجة تحت كل قسم مرتبة فيما بينها بحيث ~~أن الثالث منها يوفق بين تعارض الأول والثاني، ويستبقي شيئا من ~~كل منهما، مما يؤدي إلى تكوين الثلاثي المشهور: القول، ونقيضه، ~~والمركب من القول ونقيضه. ~~(1) # فمن حيث الكم # quantité # تنقسم الأحكام إلى كلية # universels # أو جزئية # paraculier ~~. ففي النوع ~~الأول ينصب الحكم على جميع ماصدقات الموضوع (كل إنسان ~~فان) وفي الثاني على جزء منه فحسب، هو فضلا عن ذلك جزء ~~غير محدد (بعض الناس أذكياء، يوجد أناس أذكياء). ~~والمركب من الكلي والجزئي هو المخصوص # Singulier # ولا يكون فيه ~~للموضوع «ماصدق» وإنما يكون فردا (سقراط إنسان)، بحيث ~~يمكن في هذه الحالة أن نستخدمه في الاستدلال كما لو كان ~~حدا جامعا ينظر إلى جميع ماصدقاته. ~~(2) # ومن حيث الكيف ( # qualite ~~) ~~تنقسم الأحكام إلى موجبة # affirmatifs # وسالبة # negatifs ~~. ولكن (كانت) ~~يضيف نوعا ثالثا، يسميه ب «اللامحدد # indéfini ~~» ويكون مركبا من ~~الموجب والسالب، إذ إن هذا النوع موجب بحكم رابطته، سالب ~~في محموله ومثاله: «النفس لا فانية»، أي أن النفس تندرج ~~تحت ذلك النوع «اللامحدد» من الكائنات التي ليست ~~فانية. ~~(3) # ومن حيث الإضافة # relation # قد تكون الأحكام ~~حملية، أو شرطية، أو انفصالية. فالحكم الحملي هو حكم بسيط ~~تربط فيه العلاقة التي يثبتها (أو ينفيها) بين الموضوع ~~والمحمول، أما الحكم الشرطي فهو حكم مركب يؤكد وجود ~~علاقة بين حكمين يكون أحدهما المبدأ أو الشرط، والثاني ~~نتيجة له، ومثال ذلك «إذا انخفض مقياس الضغط الجوي فسوف ~~يسقط المطر» وأما الأحكام الانفصالية فهي عدة بدائل تثبت ms025 ~~بها أن عددا معينا من الأحكام يستبعد كل منها الآخر، ~~ولكنها تؤلف جميعها المجموع الكلي لمعرفة ممكنة، ومثال ~~ذلك «يوجد العالم إما بمحض الصدفة، أو بفضل ضرورة داخلية ~~أو نتيجة لعلة خارجية.» ~~(4) # أما جهة الحكم # modalité # فهي الطريقة التي يرتبط بها الحكم بالذهن في مجموعه، أو إن ~~شئت فقل هي الطريقة التي تربط الحكم بالتفكير، أو درجة ~~اليقين التي يحدد بها الفكر مرتبة الحكم، وتعبر عنها ~~عبارات: بالتأكيد، بلا شك، ربما، بالضرورة. # فالأحكام التي تكتفي بإقرار حقيقة، هي أحكام تقريرية # assertoriques # أما تلك التي ~~تعبر عن إمكان فهي احتمالية # problématique ~~؛ فالأحكام الشرطية ~~والانفصالية تجمع بين قضايا احتمالية، إذ إن الحكم «إذا انخفض ~~مقياس الضغط الجوي سقط المطر» ينقسم إلى: من الممكن أن ينخفض مقياس ~~الضغط، ومن الممكن تبعا لذلك أن يسقط المطر. كذلك الحال في قولنا: ~~العالم ربما كان يوجد بفعل صدفة عمياء، أو بفعل ضرورة خارجية ... ~~إلخ. والنوع الثالث من أحكام الموجهات يشتمل على الأحكام الضرورية # apodictiques # التي تعبر عن ~~ضرورة، مثل: مجموع زوايا المثلث هو بالضرورة قائمتان، والحكم ~~الضروري هو المركب الذي يجمع بين الحقيقة والإمكان، إذ إنه يؤكد أن ~~الحقيقة التي يقول بها هي الوحيدة «الممكنة» أو أن القضية التي ~~تناقضها باطلة لأنها «غير ممكنة». ~~«كانت» ينظر إلى المقولات على أنها تعبر عن الوظائف الأساسية ~~للتفكير # أراد «كانت» أن يتوج المنطق بقائمة للمقولات على غرار ما فعل ~~أرسطو من قبل. غير أن مقولاته، وإن كان بعضها مماثلا لمقولات ~~أخرى عند أرسطو، ليست لها نفس دلالة المقولات الأرسطوطاليسية. بل ~~إن بين الفلسفتين فارقا أساسيا في وجهة النظر: ذلك لأن ~~الانقلاب الذي أحدثه «كانت»، والذي كان استمرارا لتفكير ~~«ديكارت»، قد أحل المثالية الحديثة محل واقعية الفلسفة ~~القديمة. ~~(1) واقعية أرسطو والمثالية الحديثة # قلنا إن أرسطو قد نظر إلى المقولات على أنها «أجناس الوجود» ~~فواقعيته في إخضاع التمثل الذهني للوجود، والحقيقة للواقع ... ~~وإذا ما ووجه الواقعي بالسؤال «فيم تكون حقيقة هذا ~~الحكم؟» كان جوابه «في مطابقته للواقع». غير أن هذه الإجابة، ms026 ~~التي هي التعريف الواقعي للحقيقة، تنطوي على دور منطقي ~~( # diallèle ~~)، # 6 # إذ كيف يعلم المرء أن هذا الحكم مطابق للواقع، إن ~~لم يكن عن طريق التمثلات الذهنية أيضا؟ إن الفيلسوف الواقعي ~~يحيلنا من التمثل إلى الواقع، ولكن لكي نعرف الواقع، ينبغي ~~له أن يحيلنا من الواقع إلى التمثل، وهنا يظهر الدور بوضوح. ~~هذا إلى أننا متى أردنا أن نعرف إن كان الحكم صادقا أم لا، ~~فإننا لا نرجع أبدا إلى الواقع: فمثل هذا الرجوع خداع، ما دام ~~المرء لن يهتدي على الدوام إلا إلى تمثلات ذهنية، وإنما يبحث ~~المرء عن تمثلات مختلفة عن تلك التي بني الحكم على أساسها ~~أولا، تتقاطع معها، وتؤدي إلى تكوين طائفة من الأدلة. أي أن ~~الذهن يتجه في سعيه إلى الحقيقية، إلى بناء سلسلة من ~~البراهين، ولا يعود مطلقا إلى الواقع، فعندما يقوم المرء ~~بتحقيق قضائي، لكي يهتدي إلى المجرم مثلا، فإنه لا يسعى إلى ~~الوصول إلى الجريمة كما وقعت حقيقة، إذ إن هذا الواقع قد اختفى ~~على أية حال، وإن كان أحد أدركه، فما ذلك إلا عن طريق التمثل ~~الذهني. ذلك لأن عناصر التحقيق «أدلة» مادية أو «أقوال الشهود» ~~فإذا ما اعترف المتهم، لم يكن في ذلك نهاية التحقيق، بل يبدأ ~~ثانية وقد أضيف إليه عنصر جديد، وهو شهادة المتهم، وهي ~~شهادة لها قيمتها الكبرى، غير أنها لا تكفي، إذ إن أحدا لا ~~يعلم السبب الذي دعاه إلى الاعتراف، ولا يعرف إذا كان اعترافه ~~صادقا: فربما لم يكن مذنبا، «واعترف» بدافع اليأس أو ~~الإعياء، وهذا ما يعمل التحقيق على التثبت منه. فالبحث عن ~~الحقيقة لا ينحصر في الاتصال المباشر بالواقع، وإنما في الجمع ~~بين التمثلات والتحقق من صدق كل منها بوساطة التمثلات ~~الأخرى. فالحقيقة هي ثمرة التحقق. ~~(2) المنطق: علم التحقق من الصدق، وعلم البرهان # إذن فليس المنطق علما للوجود، وإنما هو علم للتحقيق ~~والبرهان، وذلك ما سيتبين لنا بمزيد من الوضوح بعد دراستنا ~~لفلسفة العلوم. # لكن في هذه الحالة لا تكون مقولات المنطق «أنماطا ms027 للوجود»، ~~وإنما هي أحوال الحمل المنطقي فحسب. فالوجود أمر يقرره ~~الحكم، وما كان يظن «أنماطا للوجود» ليس إلا أنماطا ~~للتفكير الذي ينطوي عليه الحكم، أو هو بعبارة أخرى وظائف ~~التفكير التي تنطوي عليها عملية الحكم. # وتلك هي مقولات «كانت». وسوف يمكننا تصنيف الأحكام من ~~استنباطها، إذ إن كل فئة للحكم تناظرها وظيفة إجرائية للتفكير ~~الذي يحكم. # وعلى ذلك، تكون لدينا اثنتا عشرة مقولة، أربع رئيسية، تنطوي ~~كل منها على ثلاث مقولات فرعية. ولقد عرفنا من قبل الأربع ~~الرئيسية، وهي الكم والكيف والإضافة والجهة. ولنلاحظ أن الثلاث ~~الأولى منها أرسطوطاليسية وهي تقابل الكم والكيف والإضافة، ~~ولكنها تكتسب هنا معنى جديدا، أما الجهة فلم يكن أرسطو ~~يجهلها؛ بل لقد أوضح بجلاء الفارق المنطقي بين القضايا ~~التقريرية والضرورية والاحتمالية. # والمقولات الفرعية للكم هي «الوحدة، والكثرة، والكلية # totalité ~~» ومن الجلي أن ~~الثالثة هي المركب من الأوليين، إذ إن الكلية هي وحدة ~~الكثرة، فالرقم 3 هو وحدة الكثرة 3 × 1، إذ إن 1 × 3 = 3 × 1 ~~(3 مضروبة في 1 هي 1 مضروب في 3). # والمقولات الفرعية للكيف هي الواقعية # realité # والسلبية # négation # والتحديد # limitation # وهنا أيضا تكون ~~الثالثة مركبا من الأوليين؛ فالتحديد هو الواقعية محددة ~~و«محاطة» بالسلب. # والمقولات الفرعية للإضافة هي: الجوهر، والعلية، والمشاركة ~~(التأثير المتبادل بين حقيقتين مقترنتين). ذلك بأن الحكم ~~الحملي الذي يفيد التضمن يؤكد أن صفة ما يجب أن تحمل على ~~موضوع، يكون عندئذ جوهرا لها، والحكم الشرطي يفيد وجود ~~علاقة بين علة ومعلول (في المثال السابق يكون انخفاض مقياس ~~الضغط علامة على حالة جوية تسبب المطر) والحكم ~~الانفصالي يقرر بين عدد معين من الأحكام علاقة تزامن # simultanéité # ومساواة، ~~واستبعاد متبادل. # والإضافة هي أهم المقولات، وهي التي أوحت إلى «كانت» بأكثر ~~المشاكل تعقيدا وخصبا. وسنعود إلى الكلام عنها في موضع آخر. # 7 # والمشاركة (أو التأثير المتبادل) هي المركب من الجوهر ~~والعلية، لأنها العلية المتبادلة بين جوهرين يؤثر كل ~~منهما في الآخر. # أما المقولات الفرعية للجهة فهي «الإمكان» # possibilité ~~(وضده الاستحالة) ~~والوجود # existence ~~(وضده ms028 ~~اللاوجود) والضرورة # nécessité ~~(وضدها العرضية # contingence ~~) ~~والضرورة هي المركب من الوجود والإمكان، إذ إن ما هو ضروري ~~هو ما لا يحتاج إلا إلى أن يكون ممكنا لكي يوجد، ولقد ~~تحدث ليبنتز عن الله بهذه العبارة الرائعة المستوحاة من فكرة ~~الجهة فقال: «إن الموجود الضروري يوجد إذا كان ~~ممكنا.» # بعد كانت، أكمل هاملان قائمة المقولات # كانت قائمة المقولات عند «كانت» نقطة بداية قوائم أخرى، نسبتها ~~إلى قائمة كانت هي نفس هذه القائمة إلى قائمة أرسطو. فلنعط ~~فكرة موجزة عن قائمة هاملان، # 8 # التي كانت موضوعا لبحثه في كتاب «دراسة العناصر ~~الرئيسية في التمثل». # Essai sur les élémenls ~~principaux de la représentation. # في هذا الكتاب تطلع هاملان إلى بناء سلسلة المقولات كلها عن ~~طريق العملية الثلاثية التي سار عليها كانت، وهي: الوضع، ونقيضه، ~~والمركب من الوضع ونقيضه. ~~(1) الإضافة، والعدد، والزمان # إن نقطة البداية هي مقولة الإضافة، إذ إن كل تفكير إنما ~~ينحصر في تقرير صلة أو علاقة بين حدود متفرقة، والتفكير ربط؛ ~~فالعالم في نظر الفكر «سلسلة متدرجة من العلاقات» ولا شيء ~~منعزل فيه على الإطلاق، بل إن الأضداد إنما هي متضايفات، إذ ~~إن كلا منها يستبعد الآخر، وذلك، في الحق، نوع من التبعية ~~المتبادلة. فالإضافة إذن هي المقولة الأولى، ونقيض الإضافة هو ~~العدد؛ فالعدد مكون من وحدات، على أن الوحدات لا يمكن ~~تقريرها، بوصفها وحدات، إلا إذا تصورناها متفرقة على نحو ~~ما. فعندما يقال عن أشياء إنها «اثنان» مثلا، يكون معنى ذلك ~~أن لكل منها وجودا مستقلا يكون على نحو ما، عالما لا ~~سبيل للثاني إليه. وهكذا تكون لدينا مقولتان متضادتان: ~~الإضافة والعدد، فماذا يكون المركب منهما؟ لا بد أن يكون ~~مقولة تستبقي من العدد قانون التشتت، والاستبعاد المتبادل ~~الذي يفرق بين الوحدات، ومع ذلك تبقي على علاقة بينها. ~~وذلك هو الزمان، إذ إن لحظات الزمان تفر كل منها من الأخرى، ~~إلى حد أن كل لحظة تلقي - في حينها - بالأخريات في هوة ~~العدم، التي يمثلها الماضي. ومع ذلك فإن لحظات الزمان ms029 تظل ~~مرتبطة. ذلك لأن الماضي، وإن لم يعد له وجود، فهو على الرغم ~~من ذلك يتحكم في الحاضر، الذي يحتفظ منه بأثر في الذاكرة. ~~تلك إذن هي المجموعة الثلاثية الأولى: الإضافة والعدد والزمان ~~وهي المجموعة التي تكونت بناء على طريقة «كانت». ~~(2) الزمان والمكان والحركة # المقولة المقابلة للزمان هي - بطبيعة الحال - المكان. هذا ~~إلى أن اللغة ذاتها تؤكد ثنائية الزمان والمكان، وليس من الصعب ~~أن ندرك فيم يتضادان؛ فالزمان ينصرم والمكان باق، ويحفظ ~~أجزاءه المختلفة معا كما لو كانت «متزامنة»، والزمان يكون ~~سلسلة وحيدة، وليس له - كما قيل عنه - سوى بعد واحد، بحيث ~~أنه إذا لم تتعاقب الحادثتان في الزمان، أعني إذا لم تكن ~~إحداهما سابقة على الأخرى ولا لاحقة بها، كانتا مقترنتين في ~~الزمن، وتنطبق إحداهما على الأخرى من الوجهة الزمانية. أما في ~~المكان فمن الممكن ألا تتطابق الأشياء وذلك بصور مختلفة (أي ~~بثلاث طرق، ما دام للمكان ثلاثة «أبعاد») وإذن فهناك تضاد بين ~~المكان والزمان، ولكن يوجد بينهما، رغم ذلك، خصائص مشتركة ~~تسمح بتكوين مركب بينهما؛ فهما متجانسان ومتصلان، والمركب ~~منهما هو الحركة؛ فالحركة هي تغيير الموقع في المكان خلال ~~الزمان، وهي بدورها متجانسة ومتصلة، شأنها في ذلك شأن ~~المقولتين اللتين تكونت منهما. فالمجموعة الثلاثية الثانية ~~هي إذن: الزمان، والمكان، والحركة. ~~(3) الحركة، والكيف، والاستحالة # 9 # تستبقي الحركة من الفكرتين اللتين ولدتاها، صفة كونها ~~«مركبة» أعني أن أجزاءها لا يمكن أن تتحد إلا مع تجاورها ~~وبقائها متميزة، ولذا كان هناك علم رياضي خاص للحركة، كما أن ~~هناك علما رياضيا خاصا للمكان وللزمان. فسرعة الحركة يمكن ~~أن يقال عنها أنها مجموع سرعات متعددة أصغر منها، تدرك ~~فيها بوضوح؛ فالجسم المتحرك الذي يتنقل بمعدل 10 أمتار في ~~الثانية، يصبح في نهاية هذه الثانية عند طرف خط يمكن أن ~~يميز فيه خطان كل منهما 5 أمتار مثلا، ويمثل كل منهما ~~سرعة حركتين تبلغ كل منهما هذه الحركة في البطء، تلك إذن هي ~~صفة «التركيب» في الحركة، ومقابل المركب هو «البسيط»، ~~والبسيط هو ما ms030 لا يتركب من أجزاء يمكن تمييزها، ومن ثم كان ~~بأسره في كل من أجزائه، فالشيء الأبيض يكون بياضه في ~~المليمتر المربع منه معادلا لبياضه في المتر المربع، وذلك ما ~~يعبر عنه القول إن الأبيض «كيف» فنقيض الحركة هو «الكيف»، ~~والمركب منهما هو تحرك الكيف أو تغيره، الذي يطلق عليه ~~«هاملان» اسما أرسطوطاليا هو الاستحالة (كالابيضاض والاحمرار ~~والاستدفاء والتصلب). تلك هي إذن المجموعة الثلاثية الثالثة: ~~الحركة، الكيف، الاستحالة. ~~(4) الاستحالة، النوعية، العلية # نستطيع أن نهتدي إلى نقيض الاستحالة إذا تصورنا عالما ~~تسوده استحالة دائمة لا يقابلها شيء، مثل هذا العالم تتغير ~~كيفياته بلا انقطاع، دون أن يتمكن المرء من أن يميز فيها ~~شيئا ثابتا، وفي مقابل ذلك، يتمثل الثبات في عالم ترتبط ~~كيفياته بعضها ببعض على نحو تكون معه إحداها شرطا في كيفيات ~~أخرى تندرج تحتها، وذلك هو اندراج الأنواع تحت الجنس، وهذا ~~ما سماه «هاملان» بالنوعية، وهو النقيض الثابت للاستحالة ~~الدائمة التغير، وهو أيضا أساس التصنيف، أما المركب من ~~الاستحالة والنوعية، فهو العلية: والواقع أن العلاقة بين ~~العلة والمعلول هي في آن واحد علاقة تغير وثبات، إذ إن ~~سلسلة العلل والمعولات هي تيار لا ينقطع، ومع ذلك فإن هذا ~~التيار تنظمه قوانين لا تتبدل. فالمجموعة الثلاثية الرابعة ~~إذن هي الاستحالة، والنوعية، والعلية. ~~(5) العلية، والغائية، والشخصية: # وطبيعي أن نقيض العلة هو الغائية. ففهم ظاهرة عن طريق ~~علتها، هو تفسير لها من خلال الظاهرة التي تسبقها، والتي هي ~~سببها. أما فهمها عن طريق غايتها وهدفها، فهو البحث عن سببها ~~في النتيجة التي ستتلوها، والتي تتجه هي إليها. وعلى ذلك ~~ففي وسعنا أن نقول، في نفس الآن، إن البلورية تظهر في العين ~~نتيجة لنمو نسيج معين فيها - وذلك هو التفسير بالعلة - أو ~~أنها تظهر للتمكين من الرؤية، وذلك هو التفسير بالغاية. # والمركب من العلية والغائية هو الشخصية، إذ إن الشخص علة ~~تعمل على تحقيق غاية، وتضع لنفسها غايات معينة. والمجموعة ~~الثلاثية الرابعة، وهي: العلية والغائية والشخصية، هي الأخيرة، ~~إذ إنها تنتهي إلى القيمة العليا، ms031 أي إلى قيمة الكائن الذي هو ~~غاية لذاته وللآخرين، دون أن يجوز له أن يكون وسيلة على ~~الإطلاق، وفضلا عن ذلك فالشخصية هي الشعور الذي يقرر ~~العلاقات ويتفهمها وبهذا تقفل الدائرة. # الاستدلال، أي تنظيم القضايا بحيث تؤدي إلى إيجاد نتيجة # تنظم القضايا في اللغة على صورة «جمل»، وكثيرا ما يتفق للجمل ~~أن تعبر عن أحكام معقدة، فمن الممكن مثلا أن تعبر جملة في ~~مجموعها عن حكم شرطي أو حكم انفصالي، وفي أحوال أخرى تعدل ~~القضايا التابعة معنى القضية الرئيسية بفروق طفيفة، بحيث تعبر ~~الجملة كلها عن معنى حلمي واحد، وعلى خلاف ذلك قد يحدث أن تبين ~~القضية الرئيسية أن التابعة هي محض إمكان، أو أنها بعكس ذلك ضرورة، ~~بحيث يكون المجموع حكما احتماليا أو ضروريا. # غير أن تنظيم الجملة يكون في أحوال أخرى مختلفا تمام الاختلاف. ~~ويمكن أن يقال بوجه عام أن الجملة إذا كانت تبدأ بكلمة «بما أن» ~~أو بغيرها من الكلمات التي تنبئ بأننا سوف نقدم أسبابا، فإن ~~القضايا التابعة تولد القضية الرئيسية، وتكون هي المكونات التي ~~تنتج عنها هذه القضية الرئيسية. وعندئذ لن تعبر الجملة عن حكم ~~مركب بل عن استدلال. # والاستدلال اسم يطلق على تنظيم منطقي يتألف من أحكام ~~مكونة تولد حكما ناتجا، ويسمى هذا الحكم الأخير ~~«بالنتيجة» والمكونات «بالمقدمات» فإذا قلت مثلا: «بما أن سقراط ~~إنسان فهو فان» تكون القضية الأولى هي المقدمة، والثانية نتيجة، ~~غير أن اللغة فيها معنى التقدير والحذف في معظم الأحوال، وهي تنطوي ~~على قدر غير قليل من المعاني الضمنية، فهنا توجد مقدمة أخرى ~~ضمنية هي: وكل إنسان فان. # المبادئ العامة للمنطق الاستدلالي # لن نتحدث هنا عن المنطق الاستدلالي، إذ يبدو من المستحسن في ~~رأينا أن نستخلصه من المناهج العلمية، وإنما سنقتصر على بيان ~~مبادئه العامة، أعني القواعد التي ينبغي أن يلتزمها التفكير في ~~استدلاله حتى يتجنب كل خطأ. # هذه المبادئ ثلاثة: أولها يضع القاعدة العامة التي يلتزمها ~~الإثبات والآخران يضعان قواعد النفي وتلك هي: مبدأ الهوية، ومبدأ ~~التناقض ومبدأ الثالث ms032 أو الوسط المرفوع. ~~(1) # مبدأ الهوية، وصيغته: أ هي أ أو أ تكون أ. ولكن لكي نفهم ~~هذه الصيغة المقتضبة، ينبغي علينا أن نفسر الرمز أ ~~وكلمة «هي» أو «فعل الكينونة» تفسيرا صحيحا، إذ إن ~~المبدأ قد أثار عددا لا نهاية له من التفسيرات الباطلة، ~~وأقدم هذه التفسيرات ينحصر في اعتقاد أن أ تشير إلى ~~«شيء» وأن فعل الكون يفيد وجوده، لكن نظرا لأن طبيعة ~~الزمان ليست موضحة في هذه الصيغة، فإن ذلك يوحي بتفسير ~~المبدأ على أنه «كل ما يوجد أزلي». مما يستتبع أن يكون ~~القلم والمنضدة أزليين - وهو محال - أو يكون القلم ~~والمنضدة غير موجودين ما داما ليسا بأزليين. # ولكن ما قيمة كل ما ليس بأزلي؟ # ومع ذلك، فعلى هذا النحو فهم الإيليون (مدرسة للفلسفة ~~اليونانية في القرن الخامس ق.م.) مبدأ الهوية، وانتهوا من ~~ذلك إلى أن الوجود أزلي ثابت، وأن المتغير، والذي يخضع ~~للزمان هو «لا وجود» - وذلك في الحق موقف فلسفي لا يمكن ~~التمسك به. # وإذن فالرمز أ لا يعني «شيئا». أ يدل على فكرتنا على ~~شيء، عندئذ يكون معنى المبدأ هو «أن فكرة الشيء هي فكرة ~~ذلك الشيء» وفي هذه الحالة لا يكون للمبدأ معنى؛ بل قد ~~يكون عائقا للفكر، إذ إنه يبدو معبرا عن نهي؛ فهو ~~ينهانا عن أن نقول عن فكرة الشيء سوى فكرة هذا الشيء ~~فينهانا مثلا عن أن نقول عن القلم إنه أسود. وبعبارة ~~أخرى، فهو ينهى عن إصدار أي حكم يكون المحمول فيه ~~مخالفا للموضوع، ولنلاحظ أن هذا هو تفسير مدرسة يونانية ~~أخرى، هي المدرسة الميغارية، تلامذة سقراط، الذين كانوا ~~يمثلون نوعا من الشكاك ويدعون إلى الامتناع عن ~~الحكم. # ولكي نتخلص من هذا التفسير الباطل بدوره، علينا أن ~~نفهم أ بمعنى قضية، أو إثبات كامل، مثل «أكتب هذه السطور ~~في 25 أبريل سنة 1942م في الساعة التاسعة صباحا». فيكون ~~معنى فعل الكينونة في «أ هي (تكون) أ» هو أن القضية، بكل ~~ما ورد فيها من شروط، صحيحة على مر الزمان. فسوف ms033 يكون ~~من الصحيح دائما أني كنت أكتب هذه السطور في ... إلخ، ~~وبعبارة أخرى فالقضية الصحيحة تكون صحيحة أبدا، وهذا ~~يستتبع القول بأن كل القضايا التي سوف أصرح بها فيما بعد ~~يجب أن تتفق معها، أو تنتج عنها. فمبدأ الهوية إذن ~~يفرض على العقل الاتفاق المطلق مع ذاته، وهو كفيل بأن ~~يجعلنا نقول (عند الحاجة) إن القضية تستتبع نتائجها، إذ لن ~~تكون هذه النتائج سوى القضية ذاتها وقد حددت بصيغ ~~مختلفة. # وعلينا أن نلح في تأكيد الشطر الثاني من هذا القول: ~~فنتيجة القضية هي القضية ذاتها، ولكن في صورة أخرى، أي في ~~صورة جزئية مثلا. فإذا قلت: كل إنسان فان، فينبغي لي أن ~~أستنتج منها أن «كل واحد من أفراد الإنسان» فان (وهذا ما ~~يسمى باستدلال التداخل)، وذلك عن طريق تفكيك الحد «كل ~~إنسان» إلى أجزائه «جميع ~~أفراد الإنسان». # وقد يقال إن هذا أمر ليست له سوى أهمية ضئيلة، وإن مثل ~~هذا الاستدلال لا يكون، في نهاية الأمر، سوى ذلك الشيء ~~نفسه مرتين (أي ما يسمى بتحصيل الحاصل) # 10 # وهذا صحيح، غير أنه قد يكون من المهم أن نزيد ~~إيضاح جزء من القضية كان قبل ذلك كامنا، وغير شعوري - ~~وغالبا ما تكون عملية الاستدلال عملية إيضاح. # وفضلا عن ذلك، فمن المفيد أن نستخلص النتائج إن كانت ~~تترتب على «عدة» قضايا متشابكة، كما هي الحال في ~~الرياضيات، فعندما يكون المثلث قائم الزاوية، فإن القضايا ~~المتعلقة به تترتب على صفاته باعتبار أنه مثلث، وأنه ~~قائم الزاوية. ~~(2) # مبدأ التناقض «أ ليست لا أ». والملاحظة التي قلناها في ~~المبدأ السابق بشأن معنى أ تسري على هذا المبدأ أيضا: أما ~~«لا أ» فتعني نفي القضية أ أو، كما يقال «نقيض» أ، مثل ~~«ليس من الصحيح أنني أكتب ... إلخ.» ويميز المناطقة بين ~~المتنافسين والضدين، فبينما يكون النقيض نفيا ~~للقضية، يكون الضد مقابلها. فإذا قلت «كل إنسان فان» كان ~~نقيضها هو «ليس صحيحا أن كل إنسان فان» ومن هذا ينتج أنه ~~«ليس بعض الناس فانين» بينما الضد هو ms034 «لا إنسان ~~فان». # فمبدأ التناقض يعني أن النقيضين لا يصدقان معا، ~~وبعبارة أخرى، إذا أثبتنا قضية لا يمكننا أن ننفيها في ~~الوقت نفسه. ~~(3) # مبدأ الثالث أو الوسط المرفوع: ليس ثمة وسط (أو ثالث) ~~بين «أ ولا أ» أي أن النقيضين لا يكذبان معا. # ويسمى هذا المبدأ أيضا بمبدأ البدائل # L’alternative # والبدائل ~~يصدر عنها حكم انفصالي. # 11 # فإذا ما كونت قضيتان بديلين، فلا يمكن أن ~~تكذبا معا، ولكن ~~لابد أن تصدق إحداهما. وعلى ذلك فإذا أثبتنا بطلان قضية ~~من هاتين القضيتين، كانت الثانية صحيحة ~~بالضرورة. # وهذا المبدأ يستخدم في ذلك النوع من الاستدلال الذي ~~يسميه علماء الرياضة باسم «الاستدلال الامتناع». # raisonnement par ~~l’absurde. # أخصب أجزاء المنطق هو فلسفة العلوم # يكتسب المنطق أهمية جديدة إذا ما طبق على العلم بدلا من اللغة، ~~والحق أنه يوجد اختلاف مزدوج بين منطق اللغة ومنطق ~~العلم. ~~(1) # فاللغة تفتقر إلى الدقة، وكثير من ألفاظها - ومن بينها ~~ألفاظ غاية في الأهمية - تحمل أكثر من معنى. ولقد ذكرنا ~~من قبل أن المنطق يدرس بوجه خاص معنى الكلمات التي تدل ~~على روابط منطقية، وبخاصة روابط العطف # conjonction ~~. ولكننا نجد ~~حرف العطف أو # ou # ينطوي في ~~اللغة الفرنسية على معنى مزدوج؛ فهو يشير في الغالب إلى ~~بدائل، أو إلى انفصال حقيقي، مثل: النصر أو الموت، ولكنه ~~يكتفي في أحوال أخرى بالإشارة إلى مجرد الاختيار دون ~~اكتراث؛ الساعة الثانية أو الثالثة. ولقد ميزت اللغة ~~اللاتينية ما تركته اللغة الفرنسية غير محدد؛ ففي الحالة ~~الأولى يستعمل في اللاتينية الحرف # aut ~~، وفي الثانية الحرف # vel # أو # sive ~~، ويعني «إذا شئت # si tu veux ~~» ومن الواضح أن ~~هذين الاستعمالين ليسا متساويين إطلاقا في نظر ~~المنطق. # أما العلم فيستخدم لغة بلغت من الدقة حدا هائلا، هي ~~لغة الرياضة التي أدى إعدادها منذ أكثر من ألفي سنة إلى ~~استبعاد كثير من ضروب اللبس، وحسبنا دليلا على ذلك تلك ~~التفرقة التي يستطيع الرياضيون تقريرها بين القضايا ~~«المتبادلة # les ~~reciproques # وبين القضايا العكسية # les inverses ~~» وهي التفرقة ~~التي لا ms035 تلحظها اللغة المتداولة. ~~(2) # ليست اللغة «صحيحة» في ذاتها؛ بل تقتصر على أن تأتي ~~بأداة يمكن كشف الحقيقة عن طريقها، في حين أن العلم يشتمل ~~على عدد هائل من القضايا التي تتحقق يوميا، وتكون ~~نبعا من الحقائق المادية ما علينا إلا أن ننهل منه. # ومن ثم فإذا كان الأمر متعلقا بالعلم فليس للمرء أن ~~يتساءل أهو صحيح؟ إذ إن السؤال ذاته لا يمكن أن يوجه، ~~وحسب المرء أن يتساءل: كيف أصبح العلم صحيحا؟ أو كما يقول ~~«كانت» في كتابه «المقدمات Prolégomènes ~~» كيف تكون ~~الرياضة ممكنة؟ وكيف يكون علم الطبيعة المحض ممكنا؟ # 12 # وهذا السؤال المزدوج هو الذي يلخص «فلسفة ~~العلوم». # ويطلق اسم فلسفة العلوم على شكل من أشكال المنطق، يطبق التحليل ~~النقدي الواعي على العلم، وتمر فلسفة العلوم بالمراحل الآتية: ~~(1) # تاريخ العلوم: وهذا الشكل الخاص من أشكال التاريخ ~~يتميز بأنه على قدر من الصعوبة، إذ يقتضي أن يجمع الشخص ~~الواحد بين ثلاثة شخصيات مختلفة كل الاختلاف: شخصية ~~المؤرخ، وشخصية العالم بطبيعة الحال، وشخصية الفيلسوف ~~أيضا؛ لأن الجدير بالاهتمام في تاريخ العلوم، ليس هو ~~تقدم نتائجها؛ بل هو تطبيق المناهج، أو بعبارة أصح، ~~إعداد العقل لمناهج حلال مواجهته الواقع على أن العالم ~~يميل إلى أن يقصر اهتمامه على النتائج، وعلى الحالات ~~المتعاقبة التي تمر بها مسألة ما، بل ربما ازداد تخصصا، ~~فاكتفى بالحالة الأخيرة لهذه المسألة، أما الفيلسوف فيؤثر ~~أن يفحص الصراع الأبدي بين العقل والأشياء، والدروس ~~الدائمة التي لا يمحى تأثيرها، والتي تستخلص من كتابات ~~عالم عبقري قديم، مثل «رسالة في المنهج» لأرشميدس (القرن ~~الثالث ق.م.) أو «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» ~~لنيوتن (1687م). ونقول بعبارة أخرى: إن تاريخ العلوم هو في ~~نظر الفيلسوف، عرض للعلم في حالة نشأته. ~~(2) # مناهج البحث العلمي: وهي الدراسة الفكرية الواعية ~~للمناهج المختلفة التي تطبقها مختلف العلوم تبعا لاختلاف ~~موضوعات هذه العلوم. # وسوف نخصص الجزء الأكبر من هذا الكتاب للبحث في ~~المناهج، وسنستخلص الأمثلة التي سنوردها من تاريخ العلوم، ~~وسوف تتاح للقارئ فرص عديدة للإلمام بهذا التاريخ. ms036 ~~(3) # الإبستمولوجيا (النقد العلمي للمعرفة): وتدرس المنهج ~~«العام» للعلوم والعمليات العامة التي يطبقها العقل البشري ~~على العلم. ~~(4) # كان من الممكن أن نتوج هذه الدراسة «بنظرية في المعرفة» # 13 # وهذا الاسم يطلق على التقدير النقدي الذي ~~يحدد قيمة المعرفة البشرية وحدودها، ولا جدال في أننا ~~لن نمتنع، خلال هذا الكتاب، عن إصدار أحكام تقويمية على ~~الطرق الخاصة التي تستخدمها العلوم المختلفة، أو على ~~الطرق العامة التي يتبعها العقل البشري. ذلك لأننا قد ~~ذكرنا أن المنطق معياري، فله الحق إذن في أن يقدر ~~الاتجاهات التلقائية للعقل ويصلحها، وفضلا عن ذلك كله، ~~فإن إدراك منهج ما عن وعي، وتقديره في تفاصيله، وإصلاحه، ~~ثلاث عمليات مرتبطة، أو هي على الأصح، عملية واحدة متصلة. ~~غير أن للتقدير الشامل طابعا ميتافيزيقيا، لا تعود له ~~بالمنطق صلة، لأنه لا يعود ينصب على العقل وحده، وإنما ~~هو خاص بالصلة بين هذا العقل والواقع منظورا إليه في ~~مجموعه، وفي صفاته الخاصة. # الفصل الثالث # | الروح العلمية # إن الروح العلمية وليدة حب الاستطلاع الذي يدفع العالم إلى جمع ~~الظواهر التي تثير اهتمامه، ويجب أن تجمع هذه الظواهر بصبر ودقة، وفي ~~كثير من الأحيان يقتضي البحث عنها شجاعة، إذ ينطوي على مخاطرات، ~~وفضلا عن ذلك فإن المضي في هذا البحث يقتضي نزاهة هي ألزم لوازم ~~روح النقد. # ولكن ينبغي أن يكمل الخيال الروح العلمية، إذ ليس ثمة علم لا ~~تتدخل فيه فروضنا وتفسيراتنا لما يقع تحت الملاحظة، غير أن هذا ~~الخيال يختلف في نوعه عن خيال الفنان، وإن لم يكن أقل اتساعا لدى ~~العالم منه لدى الفنان. وإذن فبعض الصفات التي تعد قواما للروح ~~العملية «خارجة عن المجال العقلي» وهي تنتمي إلى مجال الأخلاق بوجه ~~خاص. ومع ذلك فمن الخطأ أن نعتقد أن العالم لا يعدو أن يكون إنسانا ~~أمينا يتميز بقدر كبير من الدقة. فالعلم ينطوي على تحصيل غير ~~قليل، يكتسبه العالم عن طريق الثقافة العلمية؛ بل عن طريق الثقافة ~~الفلسفية والجمالية أيضا. # وفضلا عن ذلك، فالروح العلمية تفترض التسليم بمعتقدات خاصة ms037 تعبر ~~عنها بعض المبادئ، مثل مبدأ الحتمية ~~( # déterminisme ~~) الذي يستبعد فكرة الجبر ~~المحض # fatalisme # ويستبعد، على نحو ما، ~~القول بالصدفة # Hasard ~~(إذ إن حساب ~~الاحتمالات ليس حسابا للصدفة؛ بل هو حساب لما تتضمنه الصدفة ~~الظاهرية من حتمية معروفة). وللعلم مبدأ آخر هو مبدأ النسبية، الذي ~~أدى إلى كشوف هامة والذي أصبحت له، في أيامنا هذه، أهمية ~~خاصة. # العلم يبدأ بالدهشة وحب الاستطلاع # يقول أفلاطون: إن إيريس # iris # هي ~~ابنة تاوماس # Thaumas # والمعنى الذي ~~يرمز إليه هذا القول عنده هو أن العلم وليد الدهشة، ولكن الدهشة ~~تترك الناظر مذهولا، عاجزا عن الفهم، لو لم يشعر بعد دهشته ~~الأولى برغبة في تأمل الأشياء بأعين جديدة، ولو لم يستشعر، ~~بوجه خاص، الرغبة الشديدة في أن يرى الأشياء ابتداء من تلك ~~اللحظة، في هذا الضوء الجديد، التي يجعلها تبدو على ما هي عليه ~~حقيقة، وتتهيأ للكشف عما تخفيه من أسرار، وإذن فالدهشة ينبغي أن ~~يعقبها حب الاستطلاع. # على أن حب الاستطلاع انفعال عظيم التعقيد، ينتهي إلى أفعال ~~وعادات تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، وتتفاوت قيمتها تفاوتا ~~عظيما. فقد يرغب المرء في معرفة كثير من الأمور، فقد يرغب، من ~~ناحية أخرى، في محاولة إجادة معرفتها والتعمق فيها. والأهم من ~~ذلك، أن بواعث حب الاستطلاع تتفاوت إلى حد بعيد، وعلينا أن ~~نميز فيها، بوجه خاص، بين حب الاستطلاع الشرير، الوقح، ~~الفضولي، الذي يستهدف إشباع غرائز دنيئة، أو يرمي في الأغلب، إلى ~~مجرد زيادة القوة الاجتماعية لمن يضطرب وجدانه بمثل هذا الانفعال، # 1 # وبين حب الاستطلاع السليم النبيل. فهدف هذا النوع ~~الأخير هو القوة أيضا، غير أنها في هذه الحالة قوة عملية أو قوة ~~عقلية. فقد يعلم المرء لكي يؤثر في الأشياء، ولكنه قد يعلم أيضا ~~لمجرد العلم. وهدفنا هو الحديث عن هذا النوع الأخير من المعرفة وحب ~~الاستطلاع، فهو أنقى الأنواع وأرفعها، وهو الروح الكامنة في بقية ~~الأنواع جميعها، والدافع المبرر لها. # ولكن كيف تفسر الرغبة الشديدة في المعرفة من أجل المعرفة؟ إنها ~~تفسر عن طريق ms038 ذلك الإحساس النشوان الذي ثمل به الإنسان عندما ~~امتد نطاق شعوره، ودفعه الحماس إلى الارتفاع بوجوده الباطن إلى ~~قمم الكون، أو على الأقل إلى قمم يمكنه أن يتأمل منها ~~آفاقا بلغت من الاتساع حدا يدعو إلى الدهشة. فازدياد معرفة ~~المرء يعني بالنسبة إليه مزيدا من الوجود، دون أن يكون ذلك على ~~حساب الآخرين؛ إذ إن المعرفة تتداول دون أن يطرأ عليها نقصان؛ بل ~~قد تتوافر لها كل فرص الازدياد عن طريق النقد المتبادل ~~والتعاون. # حب الاستطلاع يدفع العالم إلى جمع عدد لا يحصى من الملاحظات ~~عن الظواهر # إن العملية الأولى التي يتجه إليها العالم مدفوعا بحب ~~الاستطلاع العلمي، هي أن يجمع أكبر عدد ممكن من الظواهر التي ~~لوحظت بدقة؛ فالعلم يكون قوائم للظواهر. مثال ذلك أن ~~الملاحظات الفلكية ترسم خريطة للسماء تزداد تعقدا على الدوام. ~~ومعامل الطبيعة والكيمياء تضع جداول تسجل فيها خصائص الأجسام ~~المعروفة، التي تمتد قائمتها باستمرار. ومعامل التشريح تجري ~~تشريحات تحفظ نتائجها على هيئة رسوم، أو صور شمسية، أو قطع ~~محفوظة. فهي تزيد عدد مجموعاتها المحفوظة ونماذجها ومتاحفها، وتمكن ~~الرحلات الاستكشافية والبعثات التي تجوب كل مكان على سطح الأرض ~~من زيادة ذخائرها. # ولقد حبذ الوزير الإنجليزي فرانسيس بيكن (1561-1626م)، وهو أحد ~~رواد العلم الحديث، هذا البحث الدائب عن الظواهر، الذي أطلق عليه، ~~بأسلوبه التشبيهي الشاعري، اسم صيد «بان» ~~( Pan ~~). # 2 # الملاحظة تقتضي خضوعا تاما للواقع، وبالتالي نزاهة ~~وصبرا # في هذا الصيد تتكشف براعة القائم بالملاحظة، ومهارته وإخلاصه، ~~غير أنه يقتضي، على الأخص، دقة وأمانة، وهما صفتان أخلاقيتان لا ~~غنى عنهما. # فينبغي أولا أن تلاحظ الظاهرة في ظروف تستبعد كل احتمال وتقضي ~~على كل مظنة للشك؛ فقد حدث أن خدع المزيفون بعض العلماء، ~~فأوهموهم أنهم كشفوا آثارا من عصر ما قبل التاريخ أعدت ببراعة، ~~أو عرضوا عليهم قطعا مصنوعة، أو وثائق لسجلات ملفقة، وتلك بلا ~~شك حالات استثنائية، وقع فيها العلماء عن طوية سليمة، وأثارت بعض ~~الضجة في الرأي العام، ولكن سرعان ما اختفت أو زال تأثيرها بفضل ms039 ~~النقد المتبادل الذي يمارسه العلماء كل على أبحاث الآخرين، ولم ~~يلحق بالعلم ضرر بسبب ذلك. # فالظاهرة الأصيلة، لا «المزيفة»، ينبغي أن تقرر وتوصف بأمانة ~~كاملة. ذلك بأن حب الاستطلاع لدى العالم إنما هو انفعال، وهو قد ~~يشوه نظرته إلى الأمور، شأنه في ذلك شأن أي انفعال آخر. إذن ~~ينبغي للعالم أن يتحلى بصفات التواضع والصبر والنزاهة حين يلاحظ ~~الظواهر ويصفها على ما هي عليه، لا كما يتمناها أن تكون. # كذلك تتطلب الملاحظة العملية صبرا لا ينفد. مثال ذلك أن عالم ~~الفلك الدنماركي «تيكو-براهي # Tycho-Brahe ~~» (1546-1601م) وكان ~~ثريا ومن أسرة نبيلة، خصص ثروته وهدايا الملك «فردريك» من أجل ~~تشييد معمل يحتل جزيرة بأسرها في الأرخبيل الدنماركي، هي جزيرة ~~هفين # Hveen # قرب الزينيور # Elseneur # أسماه «مدينة أوراني» ~~(وهو اسم إلهة الفلك) # Uranieborg # وظل طوال عشرين عاما، وبمعونة تلاميذه العشرين، يجمع ملاحظات ~~أكملها بعد ذلك في هلشتين # Holstein # تحت رعاية الإمبراطور «رودولف» حين طرد من البلاد، فاضطر إلى ~~مبارحة جزيرته ومعداته ووطنه الأصلي، ثم اتخذ لنفسه معاونا أصبح ~~بعد ذلك خليفة له، وهو كبلر (1571-1630م) وبعد وفاته، استغل كبلر ~~ملاحظاته ليحدد مدار كوكب المريخ، وكان يظن في أول الأمر أن هذا ~~المدار دائري، ولكن الظواهر كذبت هذا الظن، والحق أن هذا التكذيب ~~كان بفارق ضئيل للغاية، هو فارق دقائق في القوس، أي ربع القطر ~~الظاهر للشمس، ولكن كما قال كبلر: «إن الكرم الإلهي قد جعل لنا في ~~شخص «تيكو» ملاحظا بلغت دقته حدا يستحيل معه أن نتصور ~~خطاه في ثماني دقائق». وهكذا عاد إلى البحث عن المدار الحقيقي ~~للمريخ، وبعد عناء دام تسع سنوات «كاد يبلغ حد الجنون» جرب في ~~خلالها تسعة عشر مدارا مختلفا، اهتدى أخيرا إلى المدار ~~البيضاوي، واستطاع أن يضع «قانونه الأول» المشهور ونصه «إن كوكب ~~المريخ (وفيما بعد طبق هذا القانون ذاته على كل الكواكب) يرسم ~~مدارا بيضاوي الشكل تقع الشمس في أحد مركزيه». # 3 # ومن هذا المثال يتبين لنا أن العلم يتطلب صفات أخلاقية، وينطوي ~~على نوع من ms040 الزهد، ففي النصف الثاني من القرن السابع عشر كانت قد ~~توافرت للعلماء منظارات فلكية رائعة، ولكن كان يصعب استخدامها إلى ~~حد بعيد؛ فقد كان الهدف مثبتا في طرف عصا تدور حول محور ~~رأسي، وكان على المرء أن يوجه الهدف إلى النجم عن طريق إدارة ~~العصا، ثم يتأمل، من خلال عدسة تمسك باليد، الصورة الحقيقية ~~التي يصل إليها على هذا النحو، وكانت هذه الآلة الفجة هي التي ~~استعملها أبناء كاسيني # Cassini # 4 # بالليل في حدائق مرصد باريس، وقضوا السنين الطوال ~~يجمعون ملاحظاتهم وأقيستهم التي أدت إلى تطبيق قوانين كبلر الثلاث ~~على كل الكواكب وعلى توابعها، فوضعوا بذلك أساس علم الفلك الحديث. # 5 # الملاحظة العلمية تتطلب شجاعة، إذ تنطوي على أخطار # تناقلت الألسن قصة عالم الفلك الذي عاش في القرن الثامن عشر، ~~وأراد أن يلاحظ كسوف الشمس الذي يسببه الكوكب عطارد، فأبحر إلى ~~نصف الكرة الجنوبي، الذي يمكنه فيه وحده أن يراه، فأسره قراصنة، ~~ولم يطلقوا سراحه إلا بعد سنين عديدة لم يتمكن خلالها من القيام ~~بملاحظاته، وفي آخر الأمر عاد إلى الرحيل إلى الهند، حيث يستطيع ~~أن يرى الكسوف التالي. # والواقع أن العلم يثير من الانفعالات الجياشة ما يجعل من ~~يحسون أناسا لا يعرف الخوف إليهم سبيلا. وإذا كان العالم ~~الفلكي الذي تحدثنا عنه قد بلغ غاياته دون أن يصاب بضرر بالغ، ~~فإن هناك كثيرا من العلماء الذين كانوا يدرسون أشعة «إكس» الخطرة ~~في معاملهم قد أجريت لهم في كثير من الأحيان عمليات بتر على ~~جانب كبير من الخطورة. والواقع أن الملاحظة العملية تنطوي أحيانا ~~على أخطار جدية وتقتضي شجاعة بدنية. ويمكننا أن نقول بوجه ~~عام: إن المرء عندما يكشف قوة طبيعية أو كيميائية أو بيولوجية ~~مجهولة، ويشرع في دراستها، تكون ملاحظتها أمرا ينطوي على الخطر، ~~فالعالم «كلود برنار» قد عقره حصان كان يجرب عليه آثار المرض ~~الخطير المسمى بداء الخيل، ولا شك في أن أطباء معاهد باستير ~~المتعددة كانوا يتعرضون لأخطار مميتة وهم يقومون بعملية عزل ~~وجمع ودراسة فصائل «نقية» ms041 (أعني خطرة إلى أقصى حد) من البكتريا ~~والطفيليات المخيفة التي تسبب الأمراض الوبائية الكبرى، كالتيفوس ~~ومختلف أنواع حمى المناطق الحارة، والكوليرا والطاعون. # العمل العلمي يتطلب نزاهة كاملة # لا يقبل العالم جزاء على كل ما يصادفه من أخطار، وما يقوم به ~~من أعمال، سوى المجد فحسب، فمهنة العالم تقتضي إنكارا للذات، ~~وتتطلب منه على الأقل امتناعا عن استغلال علمه من أجل الإثراء، ~~وهكذا يظل العالم فقيرا، والحق أن المهن العلمية ليست هي التي ~~تسمح بصفقات مربحة، وإنما تعود الأرباح الجمة من التطبيقات ~~الصناعية للعلم. غير أن هذه الأرباح لا تذهب إلى جيب العالم، ~~الذي تظل أبحاثه نظرية خالصة، أعني تتجه دائما نحو المعرفة ~~أو «التأمل النظري # theoria ~~» بل ~~تذهب إلى ذلك الذي يحول فكرة علمية إلى جهاز عملي تصنع منه ~~أعداد كبيرة في مصانع ضخمة، وتتطلب اجتذاب عدد كاف من العملاء، ~~أعني البحث عن «أسواق» كما يقولون وتلك مهمة لا صلة للعالم بها ~~على الإطلاق، فعليه أن يختار، وقد اختار التأمل النظري بالضرورة، ~~والفقر تبعا لذلك. # ولا شك في أن المجتمعات الحديثة تقدم «إعانات» للعلم النظري، فهي ~~ترعى المعامل والمراصد، عن طريق الميزانيات الحكومة أو التبرعات ~~الفردية، وتخصص للعلماء أرفع أنواع «التكايا» # Sinécures # حسب تعبير الجماعات ~~الدينية القديمة، (والكلمة الفرنسية # Sinécures # تعني العطايا التي ~~تبذل للباحثين من رجال الدين حتى لا تشغلهم أعباء النفوس، أي ~~دون أن يضطروا إلى الانشغال بها # sine ~~cura ~~). # وتحولت هذه المنح في الوقت الحالي إلى وظائف الأستاذية لا ~~يتعرض من يقوم بها كثيرا لمظاهر الخضوع، وإنما تتيح له استخدام ~~معامل مزودة بمعدات جيدة، ولكن ما هكذا يكون الإثراء! # أما عن المجد، فهو يقتضي إنكارا للذات: وهو يأتي عادة بعد ~~انتهاء حياة العالم؛ بل يحدث كثيرا أن ينسب إلى شخص مجهول. ~~وإذا كان في وسعنا الآن، بوجه عام، أن نطلق على الكشف العلمي ~~الحديث اسم من اهتدى إليه، فما ذلك إلا لأن المحدثين قد أصبحوا ~~يتصفون بالحرص الشديد في الأمور المتعلقة بدقة التسجيل ~~التاريخي، ولكن هذه الصفة ms042 حديثة إلى حد ما، ومن هنا لم تظهر في ~~المراحل الأولى للعلم، منذ العصر القديم حتى عصر النهضة، سوى أسماء ~~غير موثوق منها، وكثير منها خرافية أو أسطورية. وفضلا عن ذلك ~~فألمع الأسماء في نظرنا اليوم لم يكن لها مثل هذا الصيت بين ~~معاصريها على الإطلاق. # بل إن على العالم أن يروض نفسه على التضحية بهذا المجد غير ~~المؤكد في ذاته، إذا ما ارتكب خطأ، أو غابت عنه فكرة. فقد كان ~~«باستير» يدعو العالم إلى القيام بتجاربه «ضد فكرته الخاصة»، أعني ~~أن ينقد نفسه؛ بل أن يعاديها، وبعد أن فند «باستير» بالتجربة ~~نتيجة التجارب التي زعم «بوشيه Pouchet ~~» أنه قد برهن بها على ~~«التوالد التلقائي»، أعني تكون الكائنات الحية عن طريق عمليات ~~كيميائية محضة، قال باستير: «إني أنتظر وألاحظ وأسأل الطبيعة، ~~وأطلب إليها أن تتفضل بأن تعيد أمامي الخلق الأول من جديد، فكم ~~يكون ذلك المنظر رائعا! غير أنها تظل خرساء.» # 6 # ففي هذه التجارب كان «باستير» يعمل إذن ضد ذاته، إذ إن ميوله ~~الشخصية كانت تتجه إلى النتائج التي ظن «بوشيه» أنه قد وصل ~~إليها. لكن بدت له تجارب «بوشيه» مثيرة للشك، ومعرضة لنقد ~~شديد، ولهذا حرص على تنفيذها بدقة. حقا إن هذا التنفيذ قد جلب له ~~المجد رويدا رويدا، ولكن كان ذلك على الرغم منه. # روح النقد ضرورية للعالم # كل هذه الصفات العقلية تلخصها كلمة «روح النقد». # وكلمة «نقد» مأخوذة من اليونانية # Chrinein # وتعني «الحكم». فروح ~~النقد هي إذن روح الحكم الصائب. فما الحكم بالمعنى الدقيق والرفيع ~~لهذه الكلمة؟ هو أن يتخذ المرء الموقف العقلي للقاضي الذي هو ~~بسبيل إصدار حكم. ومن الواجب أن يكون القاضي غير متحيز، وعدم ~~التحيز يقتضي منه أن يطرح جانبا ميوله الشخصية، وأن ينتظر ~~بصبر حتى تعرض عليه كل الحجج التي ينبغي له أن يختار بينها. كما ~~أن هذه الصفة توجب على القاضي أن يضفي على كل من هذه الحجج ~~قيمتها الحقيقية، وأهميتها الفعلية، دون أن يضيف شيئا إلى تلك ~~التي يقدرها هو ms043 شخصيا. وأخيرا فالنزاهة تقتضي أن تظهر كل الحجج ~~في الحكم النهائي بقيمتها الفعلية، ويكون تأثيرها معادلا لتلك ~~القيمة. # وعلى ذلك، فاتصاف المرء بروح النقد، معناه إذن أن يأخذ على عاتقه ~~أن يفحص كل البراهين التي يمكنها أن توجه القرار في اتجاه ~~معين أو في اتجاه آخر فحصا دقيقا، ودون تدخل من أهوائه، وأن ~~يعي ذهنه تلك البراهين بما لها من قيمة حقيقية، وأن يؤلف ~~بينها في النتيجة النهائية دون إغفال واحد منها، ويتطلب ذلك ~~طاقة أخلاقية كبيرة، وقدرة على كبح أهواء الذات، كما يتطلب ذلك ~~النوع من الذكاء الذي أسماه باسكال «الحس المرهف # Esprit de finesse ~~» والذي يمكنه ~~من أن يجمع كل الحجج الدقيقة والعديدة جدا، ويجعل لكل منها ~~دورا، دون أن يغفل واحدة منها. # وإذن فروح النقد هي بالاختصار «حاسة البرهان». ولقد كان الباحثون ~~على حق عندما أضفوا أهمية خاصة على روح النقد في العلوم التي ~~تتخذ الحقائق البشرية موضوعا لها، كالتاريخ مثلا؛ إذ إن ~~الميول والأهواء الشخصية أو الاجتماعية للعالم ترتبط بمجال بحثه ~~ارتباطا وثيقا. فالمؤرخ يجب ألا يكون منتميا إلى عصر معين، ~~أو إلى وطن معين. غير أن هذا المطلب يستحيل تحقيقه بمثل هذه ~~الصرامة؛ إذ إن المؤرخ لا بد أن يحب ما يحبه وطنه، وحزبه، ~~وعصره، وأن يكره ما يكرهه هؤلاء، ولكن يجب عليه ألا يحسب لهذه ~~المشاعر حسابا؛ بل يجب أن يفكر «كما لو كان» وطنه وحزبه غير ~~موجودين بالنسبة إليه؛ أعني أن يجعل روحه معاصرة لما يرويه من ~~أحداث. # من الضروري أن يكمل الخيال روح النقد # يتضح لنا مما سبق ضرورة توافر صفة أخرى في العالم. تلك هي صفة ~~الخيال، وكثيرا ما يقال إن العالم لا ينبغي له أن يكون ~~خياليا، وإن هذه الصفة هي التي تميزه عن الفنان مثلا، ونحن ~~نسلم بأنه قد يكون للخيال أثر ضار في تفكير العالم؛ فقد ~~يعوقه عن رؤية الأشياء على ما هي عليه، ويفرض عليه آراء وهمية ~~«وأفكارا مسبقة». # غير أن الخيال يسهم بنصيبه في المجهود العلمي، ms044 وإنه لمن الخطأ ~~الاعتقاد بأن العلم لا يضيف شيئا إلى ما يلاحظه، فهو يكشف لنا ~~فيه عن عالم كامل؛ فالعالم يخمن بأن وراء الاتصال الظاهري ~~للأجسام المادية أعدادا لا متناهية من الذرات ومركباتها، تتحرك ~~بسرعة فائقة، ويفصل بعضها عن بعض حيز مكاني يفوقها امتدادا ~~إلى أبعد حد. كذلك يلمح الفلكي بفكره، أن في السماء التي تزخر ~~بالنجوم مساحات شاسعة مليئة بعدد لا يحصى من العوالم الكبرى، ~~التي تقع على مسافات يستحيل علينا تصور اجتيازها أو إدراكها. ذلك ~~هو الجانب الشاعري في العلم، وهذا الجانب الشاعري هو الذي خلقه ~~العالم من أساسه، وليس معنى ذلك أن العالم المحسوس، كما ندركه، ~~قد عدم كل جمال، ولكنا نود أن نشير إلى أن هناك جمالا آخر ~~مختلفا عن الأول كل الاختلاف، هو جمال عقلي صرف، يبتكره ذهن ~~العالم وحده، ولكي يضفي العالم مثل هذا الجمال على الكون، كان ~~عليه أن يسلبه الجمال المحسوس أولا، وأن يستبعد شهادة الحواس، ~~وكأنها حجاب خداع، ويأبى على الخيال الحسي لذته، لكي يفسح ~~المجال للخيال الذي يمكن تسميته بالخيال العقلي. ~~(1) العلم والشعر: هوميروس وأرشميدس # لقد قيل إن خيال هوميروس لم يكن له نظير في العصر القديم سوى ~~خيال العالم الرياضي أرشميدس. ومن المؤكد أن بين هذين ~~العبقريين تشابها غريبا. فقد أضفى هوميروس قيمة شاعرية لا ~~نظير لها على مشاهد الحياة الإنسانية وأفعالها؛ كأعمال الناس ~~في الحقل، وفي المنزل، ولهوهم، وقتالهم وأكلهم، ونومهم، ~~فشعر «هوميروس» هو شعر الخبز والنبيذ .. أما أرشميدس، فقد ~~أفهمنا الأدوات البشرية المتداولة، كالرافعة ومشتقاتها، ~~والجاروف، والملفاف؛ نقول إنه أفهمنا هذه الأدوات على نفس ~~النحو الذي روى لنا به هوميروس شعر الحياة المنزلية ~~المعتادة. # ولنا أن نقول إن نصيب ~~العلم من الخيال ليس أقل من نصيب الشعر منه. غير أن ~~الخيال ليس واحدا في كلتا الحالتين: فخيال العالم يقتضي ~~نوعا من التضحية، وهو يأبى أن يدين للحواس بشيء، والجمال الذي ~~يستهويه هو جمال العلاقات المجردة والأعداد. وفضلا عن ذلك، ~~فالخيال بالنسبة إلى العالم ليس غاية، وإنما هو ms045 وسيلة فحسب. ~~فبينما ينحصر هدف الشاعر أو الموسيقار في تحريك خيال القارئ ~~أو السامع وهز مشاعره بحيث تتجاوب معه، ولا يعبأ بالحقيقة، ~~نرى العالم يولي وجهه شطر الحقيقة، وما «التحقيق» الجمالي ~~- إذا جاز لنا أن نتحدث في هذا المجال عن «تحقيق»، بالمعنى ~~المجازي للكلمة - إلا التأثير الذي ينطبع في نفس القارئ أو ~~السامع، أما التحقيق العلمي فهو الخضوع النهائي للواقع. ~~فنتائج الخيال العلمي تندمج في الواقع، وهي لحمته وسداه في ~~نهاية الأمر، وليس من مهمة العلم أن يصنع الجمال، وإنما أن ~~يصل إلى الحقيقة. وإذا كان للحقيقة جمالها، وإذا كانت تؤثر ~~أن يكون من يقدسها محبا للجمال، فإنها تتطلب منه - بكل ~~صراحة - أن يكون على استعداد للتضحية من أجلها بكل ما قد ~~ينطوي عليه الجمال من إغراء. فقد يكون هذا البرهان أو الحل ~~الرياضي «رشيقا» وقد تكون تلك الفكرة التجريبية «جميلة» ~~ولكنهما يفقدان كل قيمة إذا ما ثبت بعد اكتمال التحقيق أنهما ~~باطلان. # إذن فقوام الروح العملية صفات خارجة عن مجال ~~العلم، وهي على الأخص صفات ~~أخلاقية # تلك هي النتيجة التي ينتهي إليها جوبلو، # 7 # والتي يؤدي بنا بحثنا السابق بأسره إلى أن نؤيد ~~بكل قوة ما تأتي به من عناصر إيجابية. فالعالم إنسان تبلغ لديه ~~الشجاعة والأمانة العقلية أقصى حدودها، وهو قاض لا يتطرق إلى ~~نزاهته شك، وهو إذا شئنا، شاعر بمعنى ما غير أن هذا لا يكفي في ~~رأينا، لإيضاح خصائص الروح العلمية ، فمن الضروري أن تنطوي على شيء ~~لم نذكره بعد. # الروح العلمية تنطوي أيضا على ثقافة واسعة # فلنبين أولا أهمية الثقافة. والمقصود بالثقافة أولا مجموع ~~المعارف التي يمكن تسميتها بالمعارف الاحترافية أو المتخصصة، أعني ~~تلك التي تشمل قدرا معينا من المعرفة يتخذه العالم موضوعا ~~لبحث. وهذا أمر بديهي، ولكن قد يكون التنبيه إليه ضروريا، إذا ~~كان هدفنا، على الأقل، هو أن نجرد الجهل من صفة الحياد التي ~~اشتهر بها زورا وبهتانا. فليس جهل المرء لكل شيء هو الذي ~~يمكنه من مواجهة الواقع بروح نزيهة محايدة، وما ms046 كان الجهل ~~دعامة من دعائم روح النقد أبدا؛ بل إن الأمر على العكس من ذلك. ~~فروح النقد صفة رقيقة هشة، تحتاج على الدوام إلى تقوية وتدعيم ~~مستمدين من التحصيل العلمي، ولا يفهم مدى تعقد الواقع إلا ~~من عرف كثيرا، وجرب كثيرا، وقضى على فرص الخطأ. ويصدق ذلك ~~بوجه خاص على العلوم المعقدة التي تتخذ الأحياء والإنسان ~~موضوعا لها؛ إذ إنه إن كان عباقرة الرياضيات يظهرون قبل الأوان في ~~كثير من الأحيان، فإن عباقرة علم الحياة والأخلاق أناس ناضجون ~~دائما. فالرياضي «إفارست جولوا # Evariste ~~Galois ~~» الذي مات في سن العشرين، قد وجد وقتا ~~كافيا يبدي فيه عبقريته، أما «دارون» و«لامارك» فلم يقوما بأي ~~كشف قبل سن الخمسين، كذلك كتب «كانت» (نقد العقل الخالص) وهو ~~في السابعة والخمسين من عمره. # وقد يكون من المستحسن أن يلم العالم، الذي كرس حياته ~~لعلم خاص، بالعلوم التي يفترضها ذلك العلم؛ فالطبيب مثلا لا ~~ينبغي له أن يلم بالبيولوجيا وحدها بل يجب أن يكون قد مارس ~~الكيمياء، وعلم الطبيعة نفسه. # 8 # ويذهب «كلودبرنار» إلى حد أبعد من ذلك؛ فهو يوصي من يعد ~~نفسه ليكون عالما، بأن يتزود من الثقافة الفلسفية والفنية: ~~«إنني، رغم نفوري من المذاهب الفلسفية، أحب الفلاسفة حبا جما، ~~وأجد متعة كبرى في صحبتهم ... فالفلاسفة يبحثون دائما في المسائل ~~المختلف عليها، ويقفون في مستويات رفيعة، أي عند الحدود القصوى ~~للعلوم، وبهذا يضفون على التفكير العلمي حركة تبعث فيه الحياة ~~وتسمو به ...» وهذا عن الفن، فهو يقول «إن العلم لا يتعارض قط مع ~~ملاحظات الفن ومعطياته، بل من رأيي أن العكس هو الصحيح ضرورة. ~~فالفنان يجد في العلم أسسا أرسخ، والعالم يستقي من الفن حدسا أصدق.» # 9 # العلم ينطوي على إيمان بمبادئ معينة # لقد أضفنا كلا من الخيال وسعة التحصيل إلى الصفات المقومة ~~للروح العلمية، وهي تلك الصفات التي لها طابع أخلاقي أو خارج عن ~~نطاق العقل على الأقل، فهل هذه هي كل الصفات؟ وهل يكفي المرء، لكي ~~يكون عالما، أن يكون أمينا شجاعا، وعلى ms047 قدر من الخيال، ~~وملما بمعلومات كثيرة؟ كلا؛ فما زلنا بعد ذلك كله على هامش ~~الروح العلمية. # فبعد أن أوضح «كلود برنار» أهمية روح النقد (التي يسميها ~~بالشك الفلسفي) في الوصول إلى الحقيقة، أبدى هذا التحفظ الهام: ~~«ومع ذلك، ينبغي ألا يكون المرء ارتيابيا # sceptique ~~، بل عليه أن يؤمن ~~بالعلم، أعني بالحتمية، وبالارتباط المطلق والضروري للأشياء، ~~سواء بين الظواهر الخاصة بالكائنات الحية، أو بين كل ما عداها من الظواهر.» # 10 # وعلى ذلك، فالعالم في رأي «كلود برنار» ليس مجرد ملاحظ أمين ~~شجاع لديه نوع من الخيال وقدر غير قليل من الثقافة، بل هو ~~«مؤمن». وهذا يؤدي بالمرء إلى أن يرى أشبه بمعبد، وبالطائفة ~~الدينية التي تتميز بعقائد محددة. # والحق أن هذا الوصف يصدق على العلم إلى حد ما، فالعلم يؤلف ~~جماعة اجتماعية محددة، وهو أكثر من أن يكون مهنة، وهو لم يكن ~~موجودا على الدوام؛ بل إن عمره يتراوح ما بين خمسة وعشرين ~~وثلاثين قرنا، هذا إذا ربطنا نشأته بنشأة علم الفلك عند اليونان، ~~ويقصر هذا العمر فيبلغ ثلاثة أو أربعة قرون، إذا رأينا أنه بدأ مع ~~ظهور علم الطبيعة الحديث، ولا يرجع تأثير العلم ونفوذه إلا إلى ~~القرن الثامن عشر، وهو ينطوي على مجموعة من المبادئ التي ينقلها ~~التعليم من جيل إلى جيل، ولا تصبح موضوعا لأي شك بالمعنى ~~الصحيح، وإن كانت تعدل أحيانا، بحيث يظل تقدم العلم متصلا ~~ومستمرا، كما قال «باسكال» في إحدى كلماته المشهورة: إنه نوع من ~~الدين، ولكن الأهم من ذلك أنه عقيدة، والعالم قد أقسم يمين الولاء ~~لعدد معين من المبادئ. # أهم هذه المبادئ، تأكيد الحتمية # يبدو أن كلود برنار يسوي بين العلم وبين الإيمان «بالحتمية». ~~فما الحتمية؟ إنها مبدأ عبر عنه كلود برنار على النحو التالي: ~~«في الكائنات الحية، وفي أجسام الجماد على حد سواء، تتحدد شروط ~~وجود كل ظاهرة تحديدا مطلقا.» # 11 # ولقد فعل كلود برنار الكثير من أجل تثبيت دعائم علم حقيقي ~~«بالكائنات الحية»، وهذا ما يفسر الجزء الأول من عبارته، والمقصود ms048 ~~بالظاهرة حادث يمكن الوصول إليه، من حيث المبدأ عن طريق الملاحظة، ~~ونقول من حيث المبدأ، لأنه قد يحدث أن تكون حواسنا عاجزة من ~~الناحية العملية عن إدراكه مباشرة، ويكون لزاما علينا أن نلجأ إلى ~~آلات دون أن نبرح مكاننا (فمثلا، تسليط أشعة إكس لا يستطيع تسجيله ~~إلا للتصوير) أو أن نتصوره من جديد، بناء على ما خلفه من آثار ~~(ومن هذا القبيل، كسوف الشمس الذي تنبأ به طاليس، كما روى لنا ~~كتاب المذاهب # doxographes # اليونانيون، وهم مؤرخو الفلسفة والعلم عند اليونان)، أو أن نتنبأ ~~به عن طريق تضافر ما لدينا من براهين على وجوده (مثل حركة الأرض، ~~التي لا نستطيع أن نقررها مباشرة، وإن كان لدينا عنها عدد كبير من ~~البراهين غير المباشرة). # أما شروط وجود الظاهرة فهي الظواهر التي تسبقها أو تصحبها، ~~والتي يؤدي وجودها إلى حدوث الظاهرة، بينما يستحيل أن تحدث في ~~غيابها. ومن هذا القبيل، الجراثيم، والقابلية للإصابة بمرض معد. ~~وهذه الشروط «محددة حتما» (ومن هنا استخدام لفظ الحتمية)، بمعنى ~~أنها ثابتة على نحو مطلق. وبعبارة أخرى فالظاهرة لا تحدث إلا إذا ~~توافرت هذه الشروط، ولكنها لا بد أن تحدث في هذه الحالة. وإذن من ~~المستحيل أن تحدث الظاهرة إذا لم تتحقق هذه الشروط، ومن المستحيل ~~ألا تنتج إذا ما توافرت. وهذه الاستحالة هي ما يسمى ~~بالضرورة. # النتيجة الأولى: ليس هناك قدر محتوم ولا مصير محدد # كثيرا ما يخلط الناس بين الحتمية وبين الإيمان بالقدر المحتوم، ~~وبالمصير، أعني الجبر المطلق. غير أن الحتمية بعيدة كل البعد عن ~~الجبر المطلق، حتى ليمكن القول بأنها مضادة له بمعنى ما، وهذا ~~ما جعل «كانت» يستخلص من الحتمية نتيجة هي إنكار الجبر المطلق # non datur fatum # 12 # وليذكر المرء أسطورة «أوديب». فأوديب سوف يقتل أباه ~~ويتزوج أمه، مهما حدث، ومصير أوديب هو على حد تعبير «كوكتو» ~~آلة جهنمية تؤدي دورها في اللحظة المحددة مهما فعل. على أن ~~الحتمية لا تؤكد ضرورة وقوع حادث معين مهما كانت سوابقه؛ بل هي ~~تؤكد أن ms049 هذا الحادث يتحدد ضرورة «عن طريق» سوابقه؛ فالجبري يرى ~~أن الفعل هو الضروري، وهي ضرورة يصفها «كانت» بأنها مطلقة # catégorique ~~، أما المؤمن بالحتمية، ~~فتهمه العلاقة بين الحادث وشروطه. فالضرورة التي تؤكدها الحتمية ~~ضرورة «مشروطة # hypothétique ~~». # ونتيجة ذلك أن القدر لا راد له، أما الحتمية فهي كما يقول ~~البحارة في تعبيرهم الطريف - «طيعة # maniable ~~». فليس في وسعنا أن نفعل ~~شيئا حيال فعل أراده القدر، وكل محاولة لتجنبه تقربنا منه. ~~فعندما ابتعد أوديب عن هذين اللذين اعتقد أنهما أبوه وأمه، ~~اقترب بقوة لا تقهر من والديه الحقيقيين، والفتى في أسطورة ~~«لافونتين» يقضي عليه بالفعل أسد مرسوم؛ لأنه ظل مبعدا عن ~~الأسد الحقيقية، بعد أن حكم عليه في النبوءة بأن أسدا سيقتله. # 13 # أما إذا أدرك المرء أن الطاعون تسببه جرثومة تنقلها ~~براغيث الفيران، فعندئذ يمكنه تجنب الطاعون بالحذر من تسلل ~~الفيران، وبالقضاء عليها، وبالفعل يمكن الوصول إلى هذه ~~النتيجة. # النتيجة الثانية: ليست هناك صدفة # non datur ~~casus # يقول «كانت» بنتيجة ثانية للحتمية، هي نفي الصدفة. # 14 # والحق أن فكرة الصدفة أو الاتفاق معقدة محيرة، لأن لكلمة ~~الاتفاق عدة معان متباينة، نستبقي منها معنيين: ~~(1) # غياب القصد المدبر (كالصدفة الناتجة عن عدم وجود ~~غاية). ~~(2) # غياب السابقة المحددة (كالصدفة الناتجة عن عدم وجود ~~علة). ~~(1) # فعندما نقول إن صديقين تقابلا اتفاقا، أو إن قالبا ~~سقط من حائط فقتل بالصدفة شخصا مارا، نعني بذلك أن ~~المقابلة تبدو مقصودة ما دامت قد وصلت إلى نقطة التقى ~~فيها الاثنان، وأن سقوط الحجر يبدو منطويا على قصد القتل، ~~لشدة ما يبدو لنا أنه قد قصد المار المشار إليه بالذات. ~~ولكنا نعلم أن الأمر في الواقع بخلاف ذلك، فما يبدو قصدا ~~مدبرا، لا يطابق أية حقيقة واقعية. فليس ثمة قوة إلهية ~~هيأت المقابلة، أو وجهت الحجر، وليس للعلم أن ينكر ~~الصدفة بهذا المعنى، إذ إن الصدفة لا تكون عندئذ شيئا ~~على الإطلاق. الكلمة هنا تعني أنه ليس هناك شيء، وأنه ليس ~~ثمة أي قصد يبحث عنه. ~~(2) # ولكن كلمة الصدفة يصبح لها، ms050 في التعبير القائل «لعبة ~~الصدفة أو الحظ» معنى مخالف للسابق كل الاختلاف، وأعمق ~~منه كل العمق. فلاعب الورق مثلا «يفنط» أوراق اللعب ~~ويوزعها، وقاذف العجلة يلقي بها، ولكن ليس هناك صلة ~~بين هذه الحركات وبين توزيع الأوراق، أو بين ظهور الرقم ~~الرابح؛ فاللاعب لم يوزع الأوراق بإرادته، وقاذف العجلة ~~لا يستطيع شيئا حيال الرقم الرابح، فهاتان النتيجتان غير ~~محددتين. # وفي هذه المرة، ينكر العلم الصدفة. فكل حركة من حركات لاعب ~~الورق أو قاذف العجلة لها، في الواقع، دور فعال في توزيع ~~الأوراق أو ظهور الرقم، والنتيجة محددة «ومحتومة». وكل ما في الأمر ~~أن تركيب المربعات التي تحمل الأرقام، والطريقة التي يصنع بها ~~الورق، والتي ينبغي أن توزع بها، من شأنها ألا تمكن اللاعبين أو ~~القاذف من التحكم في حركاته، أو من معرفة ما سوف تأتي به. # الصدفة في رأي كورنو # Cournot ~~: # اعتقد بعض الفلاسفة أن في وسعهم ~~تأكيد وجود الصدفة وجودا فعليا، ومن هؤلاء كورنو # 15 # فالصدفة عنده تنحصر في «اجتماع أو تقابل ظواهر تنتمي ~~إلى سلاسل مستقلة في نظام العلية» فسقوط الحجر مثلا يكون هو ~~وسوابقه وشروطه (تماسكه الواهي بالسقف، هبوب الريح في اتجاه ~~معين، وفي لحظة معينة، وانخفاض الضغط الجوي) سلسلة حتمية ~~تماما. ومن جهة أخرى، فإن مرور السائر عاثر الحظ يكون هو ~~وسوابقه وشروطه (رغبته في النزهة أو الذهاب إلى عمله) سلسلة ~~أخرى حتمية كالسابقة، وتقابل السلسلتين هو الذي لا يخضع للحتمية ~~ما دامت السلسلتان مستقلتين، ولا تخضعان لنفس الحتمية؛ ~~فالحتمية الأولى خاصة بالظواهر الجوية، والثانية نفسية. وبالمثل ~~فحركة قاذف العجلة تبدأ سلسلة حتمية تؤدي إلى ظهور رقم معين. ~~ولكن هذه الحتمية وهي آلية تماما، تنتمي إلى نوع من الوجود ~~مخالف لذلك الذي تنتمي إليه تلك الأفكار والرغبات والتقديرات ~~التي دفعت اللاعب إلى المراهنة بنقوده على رقم معين. ولنذكر ~~هنا أيضا كلمة «باسكال» المشهورة: لو كان أنف كليوباترا أقصر ~~قليلا لتغير وجه الأرض. # 16 # فأنف كليوباترا ناتج عن حتمية تشريحية وراثية، والصدفة ~~تتمثل في لقاء كليوباترا مع ms051 أنطوان. فقد كان أنطوان بمعنى ما، ~~ممثلا لحتمية أخرى، هي حتمية تاريخية وسياسية، وأدى تقابل هاتين ~~الحتميتين إلى وقوع أنطوان في الحب، وتخلفه عن أكتيوم، وخسارته ~~للمعركة، وأخيرا الإمبراطورية الرومانية التي دامت قرونا ~~متعددة. # وتمتاز نظرية «كورنو» بأنها ترجع مختلف تعريفات الصدفة إلى ~~تعريف واحد. فليس ثمة إلا اتفاق واحد، هو تقابل سلاسل مستقلة ~~والنظرية لا تنكر الحتمية بالمعنى الصحيح؛ بل تجزئها، وتفصلها ~~إلى سلاسل، وخيوط متميزة. لكن لنا أن نتساءل هنا: هل هذا الفصل ~~مشروع؟ الحق أنه يبدو كذلك للوهلة الأولى، لأن البحث العلمي لا ~~ينصب في الواقع إلا على سلاسل تسير في خطوط مستقيمة؛ فالعلم ~~يمضي عن طريق فصل الظواهر الواقعية بعضها عن بعض، وهذا الفصل ينتهي ~~إلى تكوين «حتميات» تكفيه مؤقتا، ولا يشعر تجاهها بالحاجة إلى ~~بحثها وإلى تأكيد وحدتها تبعا لذلك. والحق أن الفلسفة أكثر ~~طموحا في هذا الصدد، إذ إنها تسعى إلى الوحدة، ولا تستطيع أن ~~تتصور سوى حتمية واحدة، تسميها بالكون، وهي لا تعرف سلاسل ~~مستقلة، ما دام الكون واحدا. قد يقال إن تلك نظرة ميتافيزيقية، ~~ولكن كثيرا ما يحدث أن يصبح ما كان ميتافيزيقيا بالأمس علما ~~في الغد، بل اليوم. # 17 # وهذه هي الحال هنا. ففكرة الكون قد أصبحت فكرة علمية، ~~كما سنرى فيما بعد. على أن هذه الفكرة تقتضي أن يرتبط كل شيء، وأن ~~يكون استقلال السلاسل مجرد وهم، يطابق حالة مؤقتة من حالات البحث ~~العلمي. # إذن نستطيع القول، مع اسبينوزا، بأن «الشيء لا يسمى ~~احتماليا» (أعني ناتجا عن الصدفة والاتفاق) إلا لعدم كفاية معرفتنا. # 18 # تأكيد الحتمية هو الذي يمكن من حساب الاحتمالات # إن الذي يبقي على الاعتقاد بحقيقة الصدفة (بمعنى غياب العلة) هو ~~تفسير باطل لحساب الاحتمالات. والمقصود بحساب الاحتمالات مجموعة من ~~المبادئ الرياضية تسمح بتحديد فرص وقوع حادث اتفاقي. فيبدو إذن، ~~لأول وهلة، أن الرياضة ذاتها تبرر الصدفة، ما دامت تقيسها. وسنرى ~~أن الأمر على خلاف ذلك تماما، وأن حساب الاحتمالات ليس حسابا ~~للصدفة؛ بل هو على العكس من ms052 ذلك حسب لحتمية مجهولة جزئيا، عن ~~طريق عناصر منها نستطيع معرفتها. # فلندرس تطبيق هذا الحساب على الألعاب التي تعتمد على الصدفة. ~~ولنسلم أولا بقواعد اللعب (52 ورقة، أربعة لاعبين، 13 ورقة ~~للاعب مثلا). ولنحسب عدد التأليفات الممكنة كلها - وفي الرياضة ~~فرع يسمى بالحساب التأليفي # combinatoire # يمكن من القيام ~~بهذا الحساب - ثم نبحث من بين هذه التأليفات عن تلك التي تؤدي إلى ~~نتيجة معينة (كوجود ثلاثي الآس لدى لاعب واحد مثلا) ثم نحدد ~~عددها هي الأخرى، ونبين نسبة هذا العدد الأخير إلى العدد ~~الكلي، وتسمى تلك باسم نسبة احتمال اللعبة المذكورة (كثلاثي ~~الآس مثلا) فلنفرض أن هذه النسبة تدون على النحو أ/ب. عندئذ ~~نقول: إن هناك من الفرص أ/ب في أن يجد اللاعب ثلاثي الآس بين ~~أوراقه، وكلمة «فرص» ليست لها أية دلالة سحرية؛ بل تعني «نسبة ~~التأليفات» فحسب، وليس في وسع هذه النسبة أن تتنبأ بما إذا كان ~~اللاعب سوف يهتدي إلى ثلاثي الآس في الدورة القادمة من ألعابة؛ بل ~~هي لا تسمح بأن نعلم بعد كم من الدورات سوف يهتدي اللاعب إليه، ~~ولكن إذا ما لعب عددا كبيرا جدا من الدورات، فإن النسبة ~~الفعلية والنسبة النظرية تتطابقان، وذلك هو ما يسمى ب «قانون ~~الأعداد الكبيرة». # وعلى ذلك، فحساب الاحتمالات يفترض حتمية حقيقية وراء الصدفة ~~الظاهرية، وهو يطبق على الطبيعة كلما أعوزتنا معرفة الحتمية ~~المفصلة، لأن العوامل المقومة للحتمية صغيرة إلى حد كبير، أو ~~تؤثر تأثيرا سريعا جدا، وإن كنا نعرف القانون الذي تخضع له. ~~فكتلة الغاز المحصورة في قنينة من الزجاج تتكون من عدد كبير من ~~الجسيمات، ولا يمكننا الاهتداء إلى حركة كل من هذه الجسيمات، لأننا ~~لا نعلم تفاصيلها، وإن كنا نعرف قانونها، ففي وسعنا أن نعلم ~~الطريقة التي سوف تتجمع بها كل القيم الممكنة للتفاصيل لتكون ~~كلا، وأن نحسب المجموع الكلي، وهذا المجموع هو الصدمة الكلية على ~~جدران القنينة، وما ينتج عنها من ضغط وذلك هو ما تقوم بحسابه ~~«النظرية الحركية للغاز» التي وضعها كل من «جبس ms053 # Gibbs ~~» و«بولتزمان # Boltzmann ~~» في سنة 1870م. # المبدأ الثاني الذي تستلهمه الروح العلمية، هو مبدأ ~~النسبية # إن الحتمية هي حقا مبدأ العلم، ومحور الحتمية هو فكرة ~~الضرورة، ولكن نظرا لعدم وجود الجبرية، فإن الضرورة لا تتعلق ~~بالحوادث ذاتها إذا شئنا الدقة، وإنما بالشروط التي تحيط بها، ~~وبعلاقاتها. فهي إذن «نسبية» أعني أنها صفة للعلاقات، لا للحوادث ~~ذاتها. # والحق أن فكرة العلاقة قد تكونت بصعوبة كبيرة فاليونانيون قد ~~أدركوا أهميتها، ونحن نعلم أنهم أسموهما # pros ~~ti ~~، وهذا هو اسم المقولة الرابعة من مقولات أرسطو. ~~غير أن العلاقة عندهم كانت تعبر عن مقارنة كمية يستخدم «أفعل ~~تفضيل» لتحديدها، أو هي رابطة غير محدودة بين صفة نشعر بها، وبين ~~حساسية الذات التي تدرك (فيقال مثلا إن المصاب بالصفراء يرى كل ~~شيء أصفر اللون، أو أن المصاب بعمى الألوان يتساوى لديه الأخضر ~~والأحمر). ونتيجة ذلك أن النسبة كانت تعد إحدى حجج الشك، والحق ~~أن النظر إلى الأمور من وجهة النظر النسبية يجعل من المحال ~~القول بوصف مطلق؛ فسقراط ليس طويلا ولا قصيرا؛ بل هو «أطول» من ~~تيتاتوس، و«أقصر» من القبيادس، والكريز الناضج ليس أخضر ولا أحمر، ~~بل هو أحمر «بالنسبة إلى» ذي الإبصار السليم مثلا، وأخضر وأحمر ~~معا بالنسبة إلى المصاب بعمى الألوان الجزئي. # الرياضيات والنسبية العلمية # وقد كانت الرياضة هي التي ~~حررت العقل إذ أعانته على تكوين فكرة صادقة. ذلك لأن العلاقة في ~~الرياضة موضوع من موضوعات هذا العلم، ولقد كان اليونانيون هم الذين ~~كونوا فكرة اللوجوس # Logos # وعرفوها، وكانوا يعنون بها العلاقة الرياضية أ/ب بل «التناسب» ~~وتساوي العلاقات أ/ب = ج/د، واستخلصوا النظرية عن هذه العلاقات. ~~وذلك هو موضوع الكتاب الخامس لإقليدس. وكانت مهمة العصر الحديث هي ~~تعميم هذه الفكرة على نحو يكفي لتحويل النسبة إلى «دالة» # fonction ~~. ويقدم ديكارت في ~~«المقال في المنهج» تعريفا لعلم رياضي (الرياضة البحتة والمجردة # mathesis pura atque abstracta ~~«كما يسميها في التأمل الخامس») هو نظرية محضة «للعلاقات أو ~~النسب المختلفة». # 19 # وبعد أن اعتاد الإنسان أن يواجه فكرة ms054 العلاقة ~~مباشرة، ويراها معقولة، انتهى به الأمر إلى إدراك أن النسبية ~~بدلا من أن تؤدى إلى الشك، هي في الحق إحدى دعائم العلم. ~~(1) قلنا إن الحتمية هي تأكيد ضرورة «شرطية» أعني ضرورة رابطة، ~~وضرورة نسبية؛ فالحتمية تتخذ إذن صيغة «العلاقات الضرورية» وذلك ~~هو ما يسمى ب «قوانين الطبيعة». ويطلق عليها «لوكريس # Lucréce ~~» اسم # foedera # أي (مواثيق) تقوم الأشياء ~~على أساسها، وهذه الكلمة تطابق تعبيرا أوغل في باب المجاز ~~للفيلسوف اليوناني أنبدوقليس (في القرن الخامس ق.م.) قال فيه إن ~~الطبيعة هي «قسم واسع النطاق» ولكن هذه كلها لا زالت تعبيرات ~~أسطورية، تفترض وجود آلهة، وقدرا محتوما يصدر قسما ويظل ~~على الدوام متمسكا بكلمته. على أن الرياضة قد استبعدت الآلهة، ~~واستبدلت بفكرة الميثاق فكرة «الدالة» وسوف نرى فيما بعد أن ~~قوانين الطبيعة هي دالات رياضية. # فالنسبية هي إذن، أولا، تصور الحتمية على هيئة شبكة من ~~الدالات الرياضية التي تشمل الطبيعة، وتحل محل فكرة القدر ~~القديمة. ~~(1) يمكن تحديد نسبية الإحساسات تحديدا رياضيا ~~(2) عندما كان ~~اليونانيون يقولون إن الإحساس نسبي تبعا للحاس، كانوا ~~يعتقدون أنهم بذلك يدعمون موقف الشك، فيما يتعلق بالمعرفة ~~الحسية على الأقل. ولهذا السبب تحولت المدرسة الأفلاطونية ~~إلى الشك بعد قرنين من الزمان. أما المحدثون فقد أفلحوا في ~~إدماج نسبية الإحساس في العلم. ولتحقيق ذلك، أدمجوا الإحساس في ~~دالة رياضية تربطه بالموضوع المحسوس، أي بالمنبه. ومن ~~المؤكد، كما بين لنا علم النفس، أن الإحساس ليس كمية ~~حقيقية، قابلة للإضافة؛ فالأبيض ليس مجموع لونين رماديين، ~~ولكن إذا لم يكن من الممكن التعبير عن الإحساس بأرقام تسلسلية # cardinaux ~~، فمن الممكن التعبير ~~عنه بأرقام ترتيبية # ordinaux ~~، ~~أي إن من الممكن تدريجه؛ فمن الممكن تدريج الألوان الرمادية ~~حتى أقصى مراحلها، أي حتى اللون الأبيض، وكل تدريج جديد يمثل ~~عبور ما يسميه علماء النفس ب «العتبة # seuil ~~» أي الحد الأدنى ~~للإحساس. على أن العتبة (التي نعلم أنها على أنواع، منها ~~الكمية المطلقة الفارقة ومنها الكيفية) يمكن أن يعبر عنها، ~~من جانب الموضوع ذاته، برقم معين. مثال ms055 ذلك أن العتبة الكمية ~~البصرية الفارقة تناظر 10 / 11 في حالة إضاءة الشيء، بالنسبة ~~إلى القيم المتوسطة، والعتبة الكيفية الفارقة في الموسيقى هي ~~81 / 80 (أي أقل صوت ممكن). وعلى هذا النحو تحتل العين ~~والأذن ... إلخ، مكانهما بين أدوات الملاحظة، بل أدوات القياس، ~~وإن يكن هذا المكان متواضعا. # وليست أعضاء الحس في أساسها سوى نقط نهاية للأعصاب. فهي جزء ~~من الجهاز العصبي. على أن للجهاز العصبي قوانين خاصة يخضع لها ~~في أداء وظيفته، وتتحكم في الملاحظة العلمية، ف «التيار ~~العصبي» مثلا له سرعة محدودة إلى حد كبير، وتتفاوت تبعا ~~للأفراد، بحيث إننا عندما نرى الظاهرة، يمضي زمن معين (ما بين ~~10 و20 في المائة من الثانية) قبل أن نقوم برد فعل عليها. وقد ~~أمكن تحديد قيمة هذا الزمن عن طريق علم النفس الفسيولوجي ~~(دراسة زمن رد الفعل). ~~(2) نسبية وجهة النظر يمكن تحديدها رياضيا بدورها # على أن هذا ليس كل ما في الأمر، فالملاحظة نسبية تبعا ~~لمكان الملاحظة أيضا، لا تبعا للملاحظ وحده، إذ إن كل ~~ملاحظة بشرية تبدأ من الأرض. ولقد ظن الناس في بداية الأمر - ~~وكان ذلك أمرا طبيعيا - أن الأرض مرصد ممتاز للملاحظة فهي ~~مركز العالم، والسماء تدور حولنا، ما دمنا نراها تدور حولنا. ~~فعلم الفلك التلقائي يتخذ الأرض مركزا له # géocentrique # كما يقولون، ~~وكذلك كان علم الفلك اليوناني. ولكنا نجد بين مفكري اليونان ~~المتعمقين النابهين، من اعترفوا بأن الأرض تدور حول الشمس ~~أو حول مركز العالم؛ ومن هؤلاء عالم فيثاغوري هو فيلولاوس Philolaos ~~(القرن الخامس ق.م.) ~~وعالم أفلاطوني هو أرسطارخس الساموسي # Aristarque de Samos ~~(القرن ~~الثالث ق.م.)، وظلت فكرتهم التي ظهرت قبل أوانها، راكدة ~~وحجبها انتصار المذهب الفلكي القائل بأن الأرض مركز الكون، ~~وهو المذهب الذي أذاعه بطليموس (القرن الثاني بعد الميلاد). ثم ~~بعثت الفكرة، كما نعلم، على يد كبرنك، وهو بولندي في القرن ~~السادس عشر، وسار جاليليو (1564-1642م) في الطريق الذي بدأه ~~كبرنك، وسرعان ما ذاعت تعاليمه، رغم ما عاناه من اضطهاد. ~~والفكرة القائلة بأن الأرض ms056 تدور حول الشمس، وحول نفسها، فكرة ~~رياضية؛ إذ إن التصوير الرياضي لحركات الأجرام السماوية أكثر ~~يسرا، وأقرب إلى العقل، إذا ما نظرنا إلى الشمس على أنها هي ~~النقطة الثابتة، فإذا ما تبين لنا مقدار خصب نظرية كبرنك ~~وجاليليو أدركنا أن التقدم العلمي، في هذه الحالة بدورها، ~~كان مشروطا «بتحول» انصرف فيه العقل عن المحسوس، مفضلا ~~عليه المعقول. ~~(3) فكرة النسبية أدت إلى الكشف عن سرعة الضوء # أدت فكرة النسبية أيضا إلى كشف سرعة الضوء، وهو كشف له ~~أهميته القصوى في علم الضوء؛ بل في الميكانيكا ذاتها في الوقت ~~الحاضر. فالرأي التلقائي الذي كان شائعا هو أن الضوء لا ~~يستغرق زمنا، وهو رأي مبني على استدلال ساذج. هو أن ~~الحادث الذي أراه، قد وقع في لحظة معينة، ما دمت قد رأيته في ~~هذه اللحظة (أما بالنسبة إلى الصوت، فقد تحول الناس عن هذا ~~الرأي، عن طريق تجارب بسيطة ملفتة للنظر إلى حد بعيد، ولكن ~~كان لها أثرها البالغ). ومن الواضح أن في هذا الاستدلال ~~مغالطة، ولكن ما كان يمكن التخلص منها إلا بإرشاد تجارب ~~عظيمة الدقة، تفسر بناء على فكرة النسبية. ~~ففي سنة 1676م لاحظ عالم ~~الفلك الدانمركي «أولاف رومر # Olaf ~~Reomer ~~» عضو أكاديمية العلوم بباريس، أن أول ~~تابع من توابع المشتري يدور حول ذلك الكوكب في زمن متغير ~~(وكان التغير يقدر بحوالي ربع ساعة في الأسبوع)، وعندما ~~فحص الشروط الأرضية للملاحظة، تبين له أن التابع يصبح ~~«متقدما» عن المتوسط الزمني عندما تقترب الأرض من المشتري ~~(الذي يسير في دورانه بسرعة أبطأ من الأرض كثيرا) ويصبح ~~«متأخرا» عندما تبتعد الأرض عنه. فخطر بباله عندئذ أن ~~للضوء سرعة معينة، وبالتالي، أن الأرض عندما تقترب من ~~الكوكب، تتلقى الأشعة المضيئة بسرعة أكبر، أما إذا ازدادت ~~المسافة فإنها تتلقاها ببطء أكبر؛ بل لقد استخلص من ذلك ~~تقديرا لسرعة الضوء، وإذا كان ذلك التقدير مخطئا (200000 ~~بدلا من 300000كم في الثانية) فإنه يعد تقديرا رائعا في ~~ذاته، ويرجع خطؤه إلى أسباب لا صلة لها بمنهجه. # وهنا ms057 أيضا تظهر النسبية في التصميم على إعطاء دور ~~للملاحظ (البشري أو الأرضي) في كل ملاحظة، وعلى جعل هذا الدور ~~قابلا للتقدير الحسابي بقدر الإمكان، فيتيح لنا ذلك فرصة ~~استبعاد تأثير الملاحظ على الملاحظة. ~~(4) الرياضة والدقة العلمية # كل هذا يفترض تطبيق الرياضة على الطبيعة، بطرق شديدة ~~الاختلاف. غير أن إدخال الرياضة في هذا الميدان يمكن من ~~القيام بمجهود آخر، بل يتطلب مثل هذا المجهود، وأعني به ~~السعي وراء «الدقة». # فالرياضة لا تتميز بالدقة التامة فحسب (2 + 2 = 4 ~~بالضبط، المثلثان اللذان تتساوى أضلاع كل منهما بالآخر ~~ينطبقان تمام الانطباق) بل إنها هي الدقة ذاتها، إلى درجة أنها ~~تمكننا من قياس عدم الدقة بدقة تامة، إذ توضح بكل دقة ~~فيم يكون المقياس غير دقيق، فيقال إن عدم الدقة يصل إلى ~~1 / 1000 أو 1 / 10000 إلخ، بحيث تكون الدقة متناسبة مع مقام ~~هذا الكسر. # والقول يعد «دقيقا» إذا كان ينطبق على الواقع بطريقة ~~محددة تماما، أعني إذا كان ذلك القطاع من الواقع الذي يشير ~~إليه القول محصورا تماما، ولا ينطوي تبعا لذلك إلا على ~~أقل قدر ممكن من عدم التحديد، ومن اليسير أن نتبين ~~الفارق بين قضيتين مثل: الطقس بارد، الترمومتر يشير إلى درجة ~~تحت الصفر. فالأولى تنطبق ~~على عدد من الوقائع أكبر بكثير من ذلك الذي تنطبق عليه ~~الثانية. ومن هنا نرى إلى أي حد تفيد الصيغة الرياضية في ~~إكساب الدقة. فهي تزداد دقة على الدوام، ما دام في وسعنا ~~دائما أن نضيف أرقاما عشرية، كلما ازدادت دقة أجهزة ~~القياس. # الأشكال المتتابعة للروح العلمية # لقد تطورت الروح العلمية، وليس من الصعب إدراك سبب تطورها هذا: ~~(1) # فالتقدم في الأساليب الفنية الصناعية يمدنا بأجهزة ~~علمية أكمل وأقوى مما كان لدينا، نتمكن بواسطتها من ~~الاهتداء إلى ظواهر كانت مجهولة، كما يزيد دقة الأقيسة من ~~جهة أخرى. ~~(2) # وتقدم الرياضة يأتي بدالات جديدة، وتعبيرات جديدة، ~~يمكن استخدامها في حل مشكلات جديدة. ~~(3) # وإن مجرد تكديس الملاحظات التي تقوم بها الأجيال ~~المتعاقبة من الباحثين، ليأتي بوقائع جديدة تثير ms058 مشاكل ~~لم تكن معروفة، وتخلق مزيدا من الصعوبات. ~~(4) # والعلم يغير شكل العالم؛ فهو يعمل أولا على تعبير ~~آفاقه بالنسبة إلى عقولنا، ثم إن الصناعة الحديثة، التي ~~نشأت عن العلم، تتابع طريقها إلى السيطرة المادية على ~~كوكبنا هذا، والكون الجديد يولد علما جديدا، وهكذا ~~دواليك، وعلى ذلك فبين الوقائع وبين المعرفة العلمية سلسلة ~~غير محدودة من الأفعال وردود الأفعال. # كل هذه الأسباب لا تؤدي إلى تغير العلم فحسب؛ بل إلى تغيير للروح ~~العلمية ذاتها؛ إذ تظهر مناهج جديدة، تقتضي صورة جديدة للعقل، ~~وصفات جديدة له. # وهكذا يمكن أن يروى تاريخ الروح العلمية، وإن كنا لا نزمع ~~القيام بهذا العمل؛ بل سنكتفي بأن نعرض بإيجاز شديد للمراحل ~~الكبرى التي يمكن أن نلمحها في ذلك التاريخ. ~~(1) علم الطبيعة الميكانيكي # يبدأ هذا التاريخ من القرن السابع عشر. ففي السنوات الأولى ~~من ذلك القرن نشأ علم الطبيعة بمعناه الصحيح من علم الفلك عند ~~كبرنك وجاليليو. ~~(1) وإذن يمكننا أن نميز مرحلة أولى تشمل القرن السابع ~~عشر. هذه المرحلة تسيطر عليها النظرة الآلية المعروفة عند ~~ديكارت وجاسندي. # 20 # وفيها كان ينظر إلى التركيب الداخلي للظواهر على ~~أنه مكون من آلات صغيرة إلى أبعد حد، كالعتلة والملفاف ~~والنورج الآلي والرافعة؛ أعني أقدم الآلات البشرية، التي بدأ ~~أرشميدس (في القرن الثالث ق.م.) في وضع النظرية المبنية عليها، ~~والتي أتمها ديكارت. # 21 # فظواهر المغناطيسية مثلا يفسرها ديكارت بحركة ~~مسامير حلزونية لا متناهية الصغر تدخل في مسام أجسام ~~معينة (المغناطيسي الطبيعي، والصلب) فتوجهها أو تنقلها من ~~موضعها؛ أي أن تفسير الظاهرة هو وصف للأنموذج الآلي الذي تمثله ~~تفاصيل تركيبها الداخلي. ~~(2) فيزيقا القوى المركزية ~~(2) ومنذ أن ~~انتصر نيوتن، وطوال القرن الثامن عشر، لم تعد الأمور تفسر ~~على النحو السابق، بل استبدل بالتفسير القديم مذهب «القوى ~~المركزية»، والمقصود بهذا التعبير، قوى الجذب والتنافر ~~الموجهة نحو فقط (مراكز )، أو الخارجة من نقط، تمثلها ~~موجهات # Vecteurs ~~، وهي ~~المستقيمات المعروفة التي تتخذ صورة السهام. فتفسير ظاهرة ~~(كالثقل وحركة النجوم، والجذب المغناطيسي أو الكهربي وتغير سطح ~~السائل ms059 في أنبوبة الاختبار، ومثل العناصر إلى الاتحاد في ~~الكيمياء) إنما هو رسم الموجه، الذي يحدد قانونه خصائصه ~~الرياضية. ونستطيع القول بأن ميتافيزيقا الطبيعة عند «كانت» ~~هي الصورة الواعية والمنظمة لهذه الفكرة. كما تتمثل حتمية ~~الموجهات هذه في الصيغة المشهورة التي عبر بها لابلاس عنها ~~(1794-1827م): «لو استطاع عقل ما أن يعلم في لحظة معينة جميع ~~القوى التي تحرك الطبيعة، وموقع كل كائن من الكائنات التي ~~تتكون منها، ولو كان ذلك العقل من السعة بحيث يستطيع إخضاع ~~هذه المعطيات للتحليل، لاستطاع أن يعبر بصيغة واحدة عن حركة ~~أكبر أجسام الكون وعن حركات أخف الذرات وزنا، ولكان علمه ~~بكل شيء علما أكيدا، ولأصبح المستقبل والماضي ماثلين أمام ~~ناظريه كالحاضر ~~تماما.» ~~(3) فيزيقا المجالات ~~(3) في القرن ~~التاسع عشر، أدت دراسات كولومب # Coulomb ~~(1736-1809م) وأمبير # Ampére ~~(1775-1836م) وفارادي # Faraday ~~(1791-1867م) في ~~الكهرباء والمغناطيسية، ونظريات ماكسويل # Maxwell ~~(1831-1879م) في الضوء ~~(الذي هو في رأيه ظاهرة كهربائية مغناطيسية في أساسها)؛ إلى ~~ظهور فكرة جديدة عن الحتمية: هي حتمية المجال. والمقصود ~~بالمجال نطاق معين من المكان يتحكم كل جزء من أجزائه في ~~الآخر تحكما «متبادلا»، طبقا للتركيب الخاص للمجموع؛ ~~فالحتمية هنا لم تعد تتصور خلال التعاقب الزمني بل خلال ~~التزامن # simultanéité ~~، أي أن ~~السابق ليس هو الذي يتحكم في اللاحق، وإنما المجموع هو الذي ~~يتحكم في الجزء. ~~(4) الروح العلمية الجديدة ~~(4) وأخيرا، ~~ومنذ السنوات الأولى في القرن العشرين، ظهرت «روح علمية جديدة» ~~- على حد تعبير باشلار # Bachelard ~~- من مختلف النظريات ~~العامية. وسنرجئ مهمة وصف هذه الروح الجديدة، # 22 # وحسبنا أن نقول: إنها أحدثت في العلم انقلابا ~~بعيد المدى لا نستطيع القول على الإطلاق إن نتائجه الفلسفية ~~قد ظهرت كلها. # الفصل الرابع # | تصنيف العلوم # يمكننا أن نتخذ من تقسيم «أوجست كونت» أساسا، وتبعا لهذا ~~التقسيم، ينبغي التمييز بين العلوم العملية أو علوم الأساليب ~~الفنية، التي يطبقها المهندسون، والعلوم النظرية التي يبحث فيها ~~العلماء، والعلوم النظرية إما عينية (كعلوم الحيوان أو النبات ~~مثلا) أو مجردة (كعلم وظائف الأعضاء). # والعلوم المجردة الرئيسية ms060 ستة: الرياضة، والفلك، وعلم الطبيعة، ~~والكيمياء، وعلم الحياة، وعلم الاجتماع. وهذه العلوم مرتبة ترتيبا من ~~حيث البساطة والعموم، وهي علوم لها صفاتها النوعية، إذ لا يمكن إرجاع ~~كل منها إلى العلم السابق عليه، فالمذهب الوضعي يتنافى مع المذهب ~~المادي. # ومنذ عهد أوجست كونت، تطورت العلوم بحيث أصبح تصنيفه غير مطابق ~~لحالة العلم كل المطابقة. فقد ظهرت علوم جديدة (مثل علم الطبيعة ~~الفلكي، وعلم الطبيعة الذري)، واحتلت هذه العلوم مكانة تعلو مكانة ~~علوم كثيرة أخرى، وأثبتت وحدة العلم التي تعبر، كمال قال «ديكارت» ~~عن وحدة العقل الإنساني، وأصبحت المثالية، التي تؤكد هذه الوحدة، في ~~مركز أقوى من حيث قدرتها على مناهضة المادية، من النزعة الروحية عند ~~أوجست كونت. # فائدة القيام بتصنيف للعلوم، ولو كان مؤقتا # كونا فيما سبق فكرة أولى عن العلم، وعلينا الآن أن ندرس ~~مختلف العلوم على التخصيص، ولأجل هذه الغاية ينبغي لنا أن ~~نصنفها. # ومن المؤكد أننا لا نولي تصنيف العلوم أهمية أساسية، وذلك ~~لأسباب سنوضحها في ختام هذا الفصل، ولن يكون التصنيف الذي سنعرضه ~~إلا تصنيفا مؤقتا، ولكن من الضروري أن يوجد تصنيف أيا كان. ~~فميزة التصنيف أنه يضفي دقة على المصطلحات الفنية في العلوم. ~~والحق أنه لو لم تكن له من فائدة إلا هذه، لكان ذلك كافيا. ولقد ~~وصف كوندياك # Condillac # العلم ~~بأنه «لغة أحسن إعدادها». وفي مقابل ذلك نرى أن اكتمال اللغة ~~يؤدي إلى بدء المعرفة، كما يؤدي وضع المصطلح على أسس عقلية إلى ~~البدء في معرفة الأشياء. وفضلا عن ذلك، فلما كنا سنقتبس ~~تصنيفنا المؤقت من أوجست كونت # 1 # الذي كان شديد الانكباب على معرفة علوم عصره، والذي ~~اتجه بفكره إلى المشاكل التي تثيرها الصلات بين هذه العلوم، ~~فسوف نستطيع الاهتداء خلال ذلك إلى أفكار طريفة وعميقة. # تصنيف بيكن (1623م) وأصحاب جائزة المعارف (1751م) # لكي يتسنى لنا فهم تصنيف «أوجست كونت»، يجب علينا أن نقول بضع ~~كلمات عن التصنيفات السابقة له، والتي نقدها هو. فهو يتحدث ~~أولا عن تصنيف «فرانسيس بيكن»، وأساس هذا التصنيف ms061 هو التفرقة بين ~~ثلاث ملكات لدى الإنسان، وهي الذاكرة، والخيال، والعقل. فالذاكرة ~~يناظرها التاريخ، الذي ينقسم إلى التاريخ المدني (وهو ما نسميه ~~عادة اليوم بالتاريخ، بمعناه الصحيح) والتاريخ الطبيعي. والخيال ~~يناظره الشعر. وأخيرا فالعقل هو أساس الفلسفة أو العلم بمعنى ~~الكلمة، وهو الذي قد يكون موضوعه الله (اللاهوت) أو الطبيعة ~~(الفلسفة الطبيعية) أو الإنسان (الفلسفة الإنسانية). # ثم يتحدث كونت بعد ذلك عن تصنيف أصحاب دائرة المعارف، وهو تصنيف ديدرو. # 2 # وهذا التصنيف شبيه من حيث المبدأ، بتصنيف «بيكن»، وهو ~~التفرقة بين الكلمات الأساسية الثلاث للعقل: الذاكرة، والعقل، ~~والخيال. # نقد التصنيفين: لا يعترفان بوحدة العقل # يقول «كونت» إن مثل هذه التصنيفات «معيبة من أساسها»، إذ إن ~~عقلنا يستخدم، في كل مجال من مجالات نشاطه، جميع ملكاته الأساسية ~~في آن واحد، وإنه لمن اليسير أن نبين أن الفنون الجميلة، مثلا ~~لا تقوم على أساس الخيال وحده، وإنما على الذاكرة والعقل أيضا، إذ ~~إنها كثيرا ما تتطلب من الفنان أن يكون ملما بمعلومات واسعة، ~~وتقتضي في جميع الأحوال تنظيما عقليا للعناصر التي يمدنا بها ~~الخيال. ولكن، لما كان اهتمامنا هنا منصبا على العلوم وحدها، ~~فلنقتصر إذن على تذكرة القارئ بما قلناه عن مكانة الخيال العلمي # 3 # ولنضف إلى ذلك أن الذاكرة، هي دون ريب، ملكة لا غنى ~~للعالم عنها، لا لأنها كما قال باسكال «ضرورية في كل عمليات العقل # 4 # فحسب، لأن العالم هو أيضا جامع للوقائع، فهو إذن في ~~حاجة إلى ذاكرته حتى يكون مادة تجربته.» # ولنقل بوجه عام إن الوظائف العقلية لا يمكن أن تفصل كل منها ~~عن الأخرى، وهي تتضافر دائما، بحيث إن كل تقسيم يقوم على أساس ~~التمييز بينها هو تقسيم مصطنع. # تصنيف أوجست كونت (1830م): العلوم النظرية والعلوم ~~التطبيقية # إن أول تقسيم يفرض هنا هو تقسيمها إلى علوم نظرية، وعلوم ~~تطبيقية أو عملية أو فنية. # والفارق بين النوعين واضح كل الوضوح؛ فموضوع الفئة الثانية هو ~~تأثير الإنسان في الطبيعة، بغية زيادة قوته ورفاهيته ، وضمان صحته، ~~وإطالة عمره. وربما ms062 كان الهدف منها هو أن تساعده على أن يصبح أرجح ~~عقلا مما هو عليه. والعلمان الرئيسيان في هذا الفرع هما الصناعة ~~والطب، ويرتبط علم الصحة بالطب، بمعناه الصحيح. أما الصناعة ~~فتحتل ميدانا واسعا، نستطيع أن نتبين بعض أجزائه بوضوح وهي: ~~الكيمياء الصناعية، والكهرباء التطبيقية، وسبك المعادن، ~~والميكانيكا التطبيقية؛ بل نستطيع أن نضيف إليها «معرفة الأجواء» ~~وهو تطبيق للمعارف الفلكية على الملاحة. # 5 # ولقد نبه «أوجست كونت» إلى الأهمية المتزايدة التي تحتلها فئة ~~المهندسين في المجتمع الحديث، وهي فئة تحتل مكانا وسطا بين ~~العلماء ورؤساء العمل في الصناعة. # ولكن العلوم النظرية هي التي تهمنا بوجه خاص، وهدف هذه العلوم ~~هو معرفة الطبيعة والإنسان، لا لشيء إلا لأجل إشباع غريزة حب ~~الاستطلاع في الإنسان، وزيادة شعوره بذاته وبالعالم. # تقييم العلوم النظرية إلى مجردة وعينية # إذا نحن اقتصرنا على العلوم النظرية، وجدناها تنقسم بدورها إلى ~~علوم مجردة، وعلوم عينية. «فالعلوم المجردة، العامة، تهدف إلى كشف ~~القوانين التي تتحكم في مختلف أنواع الظواهر، أما العلوم ~~العينية، أو الخاصة، أو الوصفية .. فمهمتها تنحصر في تطبيق هذه ~~القوانين على التاريخ الفعلي لمختلف الكائنات الموجودة.» # وهاك أول مثال يؤيد هذه الفكرة؛ فإذا تأملنا علم وظائف ~~الأعضاء العام من جهة، وعلم الحيوان وعلم النبات من جهة أخرى، ~~وجدنا الأول يدرس «قوانين الحياة بوجه عام» والآخران يحددان ~~«طريقة وجود كل من الأجسام الحية، على وجه الخصوص». # وإليك مثالا آخر؛ فالكيمياء ترتبط بعلم المعادن: «ففي الكيمياء ~~نبحث كل التجمعات الممكنة للجسيمات، وفي كل الظروف التي يمكن ~~تصورها، وفي علم المعادن، لا نبحث إلا في تلك التجمعات التي ~~تتحقق في التركيب الفعلي للكرة الأرضية، وتحت تأثير الظروف ~~الخاصة التي تتميز بها الأرض وحدها.» # وهاك مثالا ثالثا، هو علم الطبيعة المجردة ~~( # physique abstraite ~~) بالنسبة إلى ~~علم الطبيعة العيني، وأوجست كونت يعني بكلمة «علم الطبيعة العيني» ~~ما نعنيه نحن اليوم بكلمة «علم الطبيعة للكرة الأرضية»، وهو يشمل، ~~بطبيعة الحال، علم الأرصاد الجوية. # وفي استطاعتنا أن نأتي بأمثلة أخرى؛ فعلم الفلك المجرد ، أو ~~الميكانيكا ms063 السماوية، يتميز عن علم الأكوان «الكوسموجرافيا # Cosmographie ~~» الذي يدرس النجوم ~~كلا منها على حدة، لا القوانين بوجه عام. # وسوف نستبقي هذا التقسيم لما فيه من فائدة جمة؛ فالعلوم ~~المجردة تحدد صيغ القوانين العامة، وتدرس جزءا معينا من ~~الطبيعة، واضعة نصب أعينها ما يظهر بين الموجودات التي تكون ~~هذا الجزء من «أوجه تشابه». أما العلوم العينية فتركز بحثها على ~~«الفروق» فهي إذن تقوم على التصنيف، والوصف التفصيلي؛ بل إنها في ~~أيامنا هذه أقرب كثيرا إلى الوصف التفصيلي منها إلى التصنيف؛ إذ ~~إن التصنيف الطبيعي قد فقد قدرا كبيرا من أهميته بسبب تأثير ~~المذهب التطوري. # 6 # ولنضف إلى ذلك أن «كورنو» # 7 # قد اعترف لتفرقة أوجست كونت ذاتها، وإن كان قد عمقها ~~وأضفى عليها مزيدا من الوضوح؛ فهو يضع تقابلا بين وجهة النظر ~~النظرية، ووجهة النظر التاريخية. ففي رأيه أن العلوم التاريخية لا ~~تتميز عن العلوم النظرية فحسب، بأنها ليست مستمدة منها، كما ~~اعتقد أوجست كونت، فيما يبدو. فهي تكون مجموعة منفصلة، لها ~~منهجها الخاص، وتعتمد على حالة عقلية مختلفة كل الاختلاف، ~~وتوجهها أفكار متباينة كل التباين. # العلوم المجردة الرئيسية الستة # ولن نتابع بعد الآن نص أقوال أوجست كونت طويلا، وذلك لأنه يمضي ~~عن طريق التفريع، أي عن طريق تقسيمات ثنائية متتابعة # 8 # وهذه الطريقة منهجية إلى أبعد حد، ولكنها تترك ~~خارجها العلم الرياضي - ويجب أن نعترف بأن ذلك كان مقصودا، ~~وراجعا إلى أسباب سنوضحها فيما بعد - ثم إنها لا تكشف بما فيه ~~الكفاية عن الفكرة الأهم، وأعني بها تسلسل العلم. # فلنكتف إذن بالقول إنه قد ميز في نهاية الأمر بين ستة علوم ~~مجردة أساسية وهي: الرياضة، والفلك، وعلم الطبيعة، والكيمياء، وعلم ~~الحياة وعلم الاجتماع. # هذه العلوم الستة متسلسلة # توزع هذه العلوم توزيعا متسلسلا، أعني تبعا لنظام يقضي بأن ~~يؤدي كل منها إلى الإتيان بشيء جديد بالنسبة إلى ما سبقه، وبحيث ~~يكون هذا الشيء أسمى وذا قيمة أكبر. فموضوع الرياضة مجرد تماما، ~~وهو ليس متصلا بالواقع بالمعنى الصحيح؛ فالرياضة تدرس الأفكار لا ms064 ~~الأشياء. أما العلوم التالية فتدرس أشياء تزداد قيمتها بالتدريج: ~~كالمادة الجامدة أولا، ثم المادة الحية، وأخيرا العقل ~~الإنساني. فإذا ما تتبعنا ترتيب العلوم التي صنفت على هذا ~~النحو، سرنا من الأدنى إلى الأعلى. # ويمكن القول بلغة بعض الفلاسفة المعاصرين إن كلا من موضوعات ~~هذه العلوم المتعاقبة هو «نوع من الارتقاء» بالنسبة إلى سابقه، ~~والمقصود بكلمة «الارتقاء» ظهور حقيقة لها قيمة أكبر، من داخل ~~حقيقة لها قيمة أقل. # ومن المهم أن نلاحظ أن هذا الارتقاء يتوقف على ما يسبقه؛ أي أن ~~الأدنى يتحكم في الأعلى. فالحياة مثلا، تتحكم فيها قوانين المادة ~~الجامدة، والجسم الحي يخضع لقوانين الثقل أو الجاذبية. ولكي يكون ~~في حالة توازن يجب أن يكون الخط العمودي النازل من مركز ثقله داخل ~~الشكل الهندسي الذي يكونه وهو واقف، وإلا سقط، وذلك لأن صفة الحياة ~~لا تكفل له أية ميزة في هذا الصدد. # وهذا يؤدي بنا إلى القول بأن الكائن الحي مثلا يخضع لنوعين من ~~القوانين: هي قوانين الحياة، وقوانين المادة الجامدة. وإذن، فإذا ~~تأملنا مفهومه وجدناه أوسع من مفهوم المادة الجامدة، وبالتالي ~~يكون «ماصدقه» أقل. # 9 # ولقد عبر «أوجست كونت» - الذي كان يجهل مصطلح ~~المناطقة، وقانون التناسب العكسي الذي عرضناه - عن الفكرة ذاتها ~~بطريقة أخرى فقال «إن أبسط الظواهر، أعني تلك التي تعد أقل ~~تعقيدا من الظواهر الأخرى، هي أعمها بالضرورة.» فلنقل نحن إذن، ~~مستخدمين مصطلح المناطقة: إن العلوم توضع في ترتيب يتناقص فيه ~~ماصدق موضوعاتها ويزداد مفهومها. أما بلغة كونت، فلنقل أنها ~~ترتب ترتيبا تنازليا من حيث البساطة والعموم. # ولقد تأملنا، منذ قليل، حالة خاصة، هي حالة علوم المادة الجامدة ~~بالنسبة إلى علوم الحياة. ولكن نفس الفكرة تنطبق على الصلة بين ~~الرياضة وبقية العلوم، كما تنطبق على الصلة بين علم الفلك ~~وعلم الطبيعة الأرضية؛ إذ إن الأرض نجم، ثم إنها مقر الظواهر ~~الحرارية والكهربائية والضوئية التي تدرس في علم الطبيعة. كذلك ~~الحال في علاقة علم الطبيعة بالكيمياء؛ فالظاهرة الكيميائية تخضع ~~لقوانين علم الطبيعة، وتزيد عليها من جهة أن ms065 فيها تفاعلات لها ~~قوانينها الخاصة. وأخيرا، فالطبيعة البشرية إذا اتخذت موضوعا، ~~تشذ على كل قوانين الفلك، وعلم الطبيعة، والكيمياء، وعلم الحياة؛ ~~إذ إن الإنسان كائن أرضي، وجسم جامد، وموصل جيد أو رديء ~~للحرارة والكهرباء، ويمكن أن يتفحم وأن يحترق، وأن تؤذيه ~~الأحماض، وهو كائن حي يهضم ويفرز، وهو فضلا عن ذلك إنسان له ~~مصيره الروحي. # كل حقيقة لها نوعها الخاص بها أي لا يمكن إرجاعها إلى الحقائق ~~السابقة # ومن هذه الملاحظة الأخيرة تتضح لنا الفكرة الفلسفية العميقة التي ~~أوحت بهذا التصنيف: ألا وهي أن الحقائق تتمثل في سلسلة يكون ~~لكل واحدة منها نوعها الخاص بها، أعني لا يمكن إرجاعها إلى ~~الحقائق السابقة عليها. # والواقع أن لدى العلماء ميلا إلى «المذهب المادي» وهو - على ~~حد التعبير الرائع الذي عرفه به «كونت»: «تفسير الأعلى بالأدنى.» ~~على أن العالم ذاته يرى أن كل مرحلة من مراحل الواقع، كالعالم ~~الرياضي (وهو ليس في حقيقة الأمر عالما واقعيا) والعالم ~~الطبيعي، والعالم الكيميائي، وعالم الأحياء، وعالم البشر. كل ~~مرحلة من هذه تعد جديدة كل الجدة بالنسبة إلى المرحلة السابقة ~~عليها. فالمذهب المادي إذن في رأي «كونت»، مضاد للعلم في ~~أساسه. # ومن هنا كانت تلك الحملات التي وجهها إلى ما أسماه بمذهب ~~«الواحدية # monisme ~~»، أعني المذهب ~~الذي يرجع الواقع بأسره إلى الوحدة: «إنني أعتقد، في قرارة نفسي، ~~أن محاولات تفسير الكون بناء على قانون واحد، محاولات باطلة في ~~أساسها، حتى لو تصدت للقيام بها أكثر العقول ذكاء ~~وتخصصا.» # أوجست كونت من السابقين إلى القول ب «مذهب العرضية» # يعد أوجست كونت في هذه المسألة سابقا للفلاسفة الفرنسيين الذين ~~أكدوا في القرن التاسع عشر من بعده، «عرضية» مختلف المجالات التي ~~تدرسها العلوم المتعاقبة، والعرضية ضد الضرورة، وإذن فتأكيد ~~عرضية حقيقة ما يعني تأكيد استحالة استخلاصها كنتيجة، من الحقيقة ~~الأدنى منها. فعلم الطبيعة «عرضي» بالنسبة إلى الرياضة، أي أن ~~الحقيقة الفيزيائية فيها شيء لا يمكن إرجاعه إلى الرياضة. كذلك ~~شأن الحياة بالقياس إلى المادة الجامدة، والكائن الإنساني بالقياس ~~إلى الكائن ms066 البيولوجي. وذلك هو المذهب الذي جمع بين رافيسون # Ravaisson # وكورنو # Cournot # إميل بوترو # E. Boutroux # وأخيرا برجسون # Bergson ~~. # 10 # وهكذا وجد في فرنسا مذهب وضعي مضاد للمادية، ومذهب ~~روحي يبنى على أساس العلم ذاته. # الترتيب المتسلسل يجب أن يكون هو أيضا ترتيب العلوم في برامج ~~التدريس # يوحي تصنيف «أوجست كونت» ~~بفكرة أخرى. فإذا كانت مجالات العلوم المتعاقبة يتوقف كل منها ~~على الآخر تبعا لترتيب متسلسل، فإن دراسة كل علم تتوقف على دراسة ~~العلوم السابقة عليه، بحيث يتعين علينا أن ندرسها بالترتيب الذي ~~يحدده التصنيف، وعلى ذلك يكون أساس تدريس العلوم هو دراسة ~~الرياضيات؛ وتلك فكرة تبدو لنا في القرن العشرين، طبيعية إلى أقصى ~~حد، ولا شك في أنها ليست جديدة؛ بل لقد دعا إليها من قبل علماء ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر. لكن المذهب الوضعي عند «أوجست ~~كونت» هو الذي فرضها على الرأي العام، وبالمثل تنطوي دراسة العلوم ~~البيولوجية ضمنا على دراسة العلوم الفلكية، أو على الأقل العلوم ~~الطبيعية الكيميائية. فعلم الإنسان يفترض العلوم السابقة ~~له. # الترتيب المتسلسل هو الترتيب الذي ظهرت به مختلف العلوم # إذا كان حقا أن العلوم ~~يعتمد بعضها على بعض في الترتيب المتسلسل فلا بد أن تكون العلوم قد ~~ظهرت تبعا لهذا الترتيب ذاته، ولكن لنلاحظ أولا أنه يجب علينا ~~ألا ننظر إلى نقطة بدء العلوم على أنها هي اللحظة التي بدأت فيها ~~البحوث التي استغلها ذلك العلم، فلو صح ذلك لكانت العلوم كلها ~~قديمة كالإنسانية نفسها، فقد كان هناك دائما حاسبون، وفلكيون ~~(أو بالأحرى منجمون) وأطباء. غير أن العلم يبدأ عندما يحدد ~~المنهج الخاص به، وفضلا عن ذلك فإن الترتيب التاريخي لا يتفق ~~اتفاقا دقيقا، بأية حال من الأحوال مع الترتيب المنطقي؛ بل ~~يتضمن ظروفا لا يمكن حسبانها، فهو «عرضي» بدوره وبطريقته ~~الخاصة. # ويمكننا القول، على وجه الإجمال، إن العلوم قد ظهرت في صورتها ~~النهائية، بهذا الترتيب المتسلسل، وسوف تتاح لنا، فيما بعد، فرصة ~~إثبات هذه الحقيقة على نحو أدق. وحسبنا الآن أن نقول أن ms067 الرياضيات ~~والفلك علمان يونانيان، وأن علم الطبيعة قد اتخذ صورته الحديثة ~~في القرن السابع عشر، والكيمياء في القرن الثامن عشر، وعلم الحياة ~~في القرن التاسع عشر، وفي ذلك القرن نفسه، وبعد فترة طويلة، ظهرت ~~علوم الإنسان، كالتاريخ العلمي، وعلم النفس التجريبي وعلم ~~الاجتماع. # عيب تصنيف «أوجست كونت» وحدة العلوم # رغم أننا اقتبسنا من «أوجست كونت» معلومات عديدة، فإن هذا لا ~~يمنعنا من أن نوجه إليه نقدا عاما، وأن نوضح بعد ذلك، النقط ~~التي يؤدي فيها تطور العلم في وقتنا الحالي إلى تجاوز ~~تصنيفه. # أما النقد العام، فينحصر في التنبيه إلى أن أوجست كونت، وإن كان ~~قد أوضح الطبيعة الخاصة للعلوم المختلفة، لم يكشف عن وحدتها بما ~~فيه الكفاية. فقد كان شديد الحذر من المذهب المادي، إلى درجة أنه ~~كان يخشى أن يشجع مذهب «الواحدية» إذا ما أكد وحدة العلم، غير أن ~~هذه الوحدة يمكن أن تتصور بطريقتين مختلفتين كل الاختلاف؛ تقوم ~~أولاهما على الموضوع، والأخرى على الذات أو العقل، ويأبى «كونت» ~~الاعتراف بالوحدة القائمة على الموضوع، والتي ترجع جميع الحقائق ~~إلى حقيقة واحدة هي أدنى هذه الحقائق. غير أن ثمة وحدة أخرى، ~~مضادة تماما لهذه، تؤكد وحدة العقل خلال مناهجه العديدة. ولنستمع ~~إلى ديكارت وهو يقول: «إن كل العلوم مجتمعة ما هي إلا العقل البشري ~~الذي يظل واحدا على الدوام، ويظل دائما على ما هو عليه مهما ~~تغيرت الموضوعات التي ينصرف إلى بحثها، والذي لا يطرأ عليه من ~~التغير أكثر مما يطرأ على ضوء الشمس نتيجة لاختلاف الأشياء التي تضيئها.» # 11 # وليس لنا أن نخشى أن يؤدي بنا هذا النوع من الأصل ~~المشترك إلى المذهب المادي؛ بل هو يقرر فورا حقيقة العقل. ومع ~~ذلك، فلن نطلق عليه اسم «المذهب الروحي» رغم ارتباطه الاشتقاقي ~~بمضمون هذا المذهب؛ إذ قد شاع إطلاق اسم النزعة الروحية على المذهب ~~الذي يهتدي إلى الروح في الأشياء. # فالمذهب الوضعي روحي باعتبار مقصده؛ لأنه يعترف بأن الحقيقة ~~الواقعية تنطوي على قيم متدرجة تتجه في أعلاها إلى الروحية، ms068 ~~ولنقل بدلا من ذلك، إن تأكيد ديكارت «مثالي». فالمثالية تسعى وراء ~~الروح، لا في الأشياء، ولكن في معرفة الأشياء. # العلم المعاصر وتصنيف كونت # لقد أحرز العلم منذ عهد أوجست كونت تقدما كبيرا، فكان من ~~الطبيعي أن يتجاوز هذا التقدم تصنيفه. ومما يؤيد ذلك أن العلم ~~المعاصر يستلهم روحا مخالفة لروح «أوجست كونت» إلى حد ما، وهي ~~أقرب إلى روح ديكارت، الذي اتجه إلى الوحدة - وليس المقصود هنا ~~الوحدة عن طريق وضع قانون شامل؛ بل عن طريق تطبيق منهج واحد بقدر ~~الإمكان، وهذا المنهج الرياضي - فالمثل الأعلى المشترك لكل العلوم ~~هو علم الطبيعة الرياضي، الذي ينطوي على علم الفلك، وعلى علم ~~الطبيعة والكيمياء، ويضم هذه العلوم كلها في وحدة وثيقة ~~الارتباط، يكاد يكون من المستحيل تمييز كل علم فيها عن العلوم ~~الأخرى، ويستحيل بالفعل فصلها بعضها عن بعض. ولقد أدى هذا النشاط ~~الموحد إلى ظهور علمين جديدين كل الجدة، سبقا العلوم الأخرى، ~~وأصبحا رمزا لهذا العلم الموحد، الذي يناظر ما كان يحلم به ~~ديكارت من وحدة العقل. وهذان العلمان هما: ~~(1) # علم الطبيعة الفلكي # astrophysique # أعني تطبيق ~~علم الطبيعة، ومن خلالها الكيمياء، على النجوم، لتحديد ~~تركيبها وحرارتها وكتلتها ومقاديرها وأبعادها وعمرها ~~أيضا، وذلك عن طريق عمليات غير مباشرة تتضافر كلها لتحقيق ~~هذا الهدف، وتقتضي براعة لا حد لها. ~~(2) # علم الطبيعة الذري # microphysique # وهو تطبيق ~~علم الطبيعة على الذرات ومكوناتها (الإلكترونات ... إلخ) ~~وهذه الدراسة تؤدي إلى تأكيد وحدة المادة، وهي فكرة مخالفة ~~تماما لما قال به كونت. # ومن جهة أخرى، فلما كانت البيولوجيا تتحول بالتدريج إلى أن تعدو ~~علما طبيعيا كيميائيا، ولما كان علم الطبيعة الفلكي وعلم ~~الطبيعة الذري يتصلان في مواضع عديدة، بحيث تطلعنا الذرة والنجم ~~كل منهما على أسرار الآخر، لهذا كله يبدو أن رأي ديكارت كان أقرب ~~إلى الصواب من رأي أوجست كونت. # خطة هذا البحث # ومع ذلك، فسوف نتبع الخطوط الرئيسية للتصنيف الوضعي، إذ إنه لا ~~يزال ينطبق، إلى حد غير قليل، على ترتيب العلوم على النحو الذي ~~ندرس ms069 عليه (ولكنه لا ينطبق تماما على هذه العلوم من حيث شأنها). ~~وإذن، فسنبدأ بدراسة العلوم الرياضية، من حيث موضوعها، ثم من حيث ~~منهجها، وننتقل بعد ذلك إلى العلوم الطبيعية (علم الفلك والفيزياء ~~والكيمياء)، ثم تأتي علوم الحياة (البيولوجيا) ثم نخصص فصلا ~~للعلوم الأخلاقية التي تتجاوز علم الاجتماع إلى حد غير قليل. ~~وأخيرا، نلم إلماما سريعا بالنظريات الحديثة في علم ~~الطبيعة. # الفصل الخامس # | موضوع العلوم الرياضية # الترتيب والقياس - العدد والمقدار # العلوم الرياضية هي الأدوات العقلية لكل العلوم، وهي أيضا علوم ~~قائمة بذاتها؛ بل هي أكمل العلوم، لأن موضوعها هو القياس ~~والترتيب. # فالرياضة، من حيث إن موضوعها هو القياس، تنقسم إلى رياضة المقادير ~~(الهندسة والميكانيكا)، ورياضة العدد (الحساب والجبر)، ورياضة العدد ~~الذي يطبق على المقادير وعلى الحجوم (الهندسة والميكانيكا ~~التحليليتان). # والمكان، الذي هو رمز ومقياس لكل المقادير «صورة أولية»، وليس معنى ~~ذلك أنه يعرف عن طريق الحدس الفطري؛ بل معناه أنه يبنى بوساطة نشاط ~~العمليات العقلية المستقلة، فينشأ أولا في الإدراك الحسي، ومن بعده في ~~الرسم وغيره من الأساليب العملية. # والعدد أيضا ينتج عن نشاط عمليات عقلية، تضع الوحدات، ~~وتحصيها. # موضوع الرياضيات، من حيث هي علوم قائمة بذاتها، هو الترتيب ~~والقياس # يمكن القول، بمعنى ما، إن العلوم الرياضية هي العلوم على ~~الحقيقة؛ ولقد قال ديكارت أنه يعجب بها «لما لبراهينها من يقين وبداهة.» # 1 # ومعنى ذلك بعبارة أخرى، أن البراهين التي تأتي بها ~~تستتبع يقينا مطلقا، ولها في الوقت ذاته وضوح كامل. لهذا كان ~~المثل الأعلى عند ديكارت هو أن يرد إليها كل العلوم: «إن هذه ~~السلاسل الطويلة من الأدلة، التي تتميز بالبساطة والسهولة التامة، ~~والتي اعتاد علماء الهندسة أن يستخدموها للوصول إلى أصعب براهينهم، ~~قد دفعتني إلى أن أتصور أن جميع العلوم التي يمكن أن تدخل في نطاق ~~معرفة الإنسان، تتوالى على هذا النحو ذاته، وأننا لو امتنعنا عن ~~التسليم بصحة أية معرفة لا تكون صحيحة بالفعل، وحرصنا دائما على ~~الترتيب اللازم من أجل استنباط بعضها من بعض، فلن يستعصي علينا ms070 في ~~نهاية الأمر بلوغ واحدة منها، مهما بعدت، أو كشفها، مهما غمضت.» # 2 # وسوف نرى أن علم الطبيعة الحديث هو بالفعل علم طبيعة ~~رياضي. # ومع ذلك، فللمرء أن يقول، بمعنى آخر، إن الرياضيات ليست علوما، ~~لأنها هي اللغة العامة والصيغة المشتركة لكل العلوم، ثم لأنها لا ~~يمكن أن تكون منصبة على حقيقة محددة تتميز بها عن سائر العلوم ~~الأخرى. ولقد لاحظ «أوجست كونت» في ختام الدرس الثاني من «دروس في ~~الفلسفة الوضعية» أن تصنيفه للعلوم يتضمن «ثغرة هائلة وأساسية» ~~«تركها عامدا»؛ فليس للعلم الرياضي في ذلك التصنيف مكان. «والدافع ~~إلى هذا الإغفال المتعمد هو الشعور بأهمية هذا العلم، العظيم ~~الاتساع، الكبير الأهمية ... ففي المرحلة الحالية من تطور معارفنا ~~الوضعية، يجدر بنا - في رأيي - أن نكف عن النظر إلى العلم ~~الرياضي على أنه جزء مكمل للفلسفة الطبيعية بمعناها الصحيح، وأن ~~نؤكد أنه قد أصبح، منذ ديكارت ونيوتن، الأساس الحقيقي الضروري لهذه ~~الفلسفة، وإن كان يجمع، في حقيقة الأمر، بين الصفتين معا.» # 3 # وإذن، فعلينا أن نفحص العلوم الرياضية بطريقتين متتابعتين: ~~فنعدها في الأولى أكمل العلوم جميعها، وفي الثانية نعدها الأداة ~~العقلية «للفلسفة الطبيعية» كما قال كونت. وفي هذا الفصل سوف ~~نفحصها تبعا لوجهة النظر الأولى. # وعلى هذا النحو، يمكننا أن نتحدث عن «موضوع» العلوم الرياضية، ~~أعني أننا نستطيع أن نعين ونحدد ونحلل نوعا من الوقائع ~~تنصب عليه هذه الدراسة، وإن تكن هذه الوقائع فكرية وعقلية إلى ~~أبعد حد؛ بل هي في نهاية الأمر غير مادية. لكن سنرى أنها كانت ~~مادية في بادئ الأمر. # فإذا تأملنا العلوم الرياضية الحديثة، أمكننا القول بأن ~~موضوعها مزدوج، لأنها العلوم الخالصة للترتيب والقياس # 4 # كما بين ديكارت بوضوح. فلنحلل هاتين الفكرتين، بادئين بالثانية. # 5 # القياس يخلق العدد والمقدار # إن القياس عملية فنية معروفة، يكون المرء بها - «عن طريق كمية ~~تسمى وحدة القياس» - كمية أخرى مثالية يجب أن تكون في نهاية ~~العملية مساوية تماما لكمية حقيقية مقررة. فمن الممكن مثلا، ~~استخدام «المتر» الصلب لتكوين خط مستقيم مثالي، ms071 ينطبق على ضلع ~~المنضدة، وله نفس طرفيه. وهذه العملية تنطوي، كما هو واضح، على ~~معنيين: معنى المساواة ومعنى الجمع، ذلك لأن وحدة القياس يجب أن ~~تظل مساوية لذاتها، وإذا ما جمعناها مع نفسها عددا معينا من ~~المرات، أنتجت كمية مساوية للكمية المطلوب قياسها. # وللكم نوعان؛ كم منفصل، هو العدد الذي يتكون أساسا من ~~وحدات، وكم متصل أو مقدار، ويمكننا أن نلحظ فيه وحدات اخترناها ~~بإرادتنا. ويتكون العدد - مؤقتا على الأقل - من وحدات لا تقبل ~~الانقسام. أما المقدار فهو ينقسم إلى ما لا نهاية له. # وإذن يمكننا أن نميز في رياضيات القياس، بين مجموعتين: ~~رياضيات المقدار، ورياضيات العدد. # رياضيات المقدار هي: الهندسة والميكانيكا الأوليتان # إن موضوع الهندسة الأولية هو المكان، وقد ظهرت في القرن السادس ~~ق.م. في اليونان، وكان الفيثاغوريون وعلى رأسهم فيثاغورس (من ساموس # Samos ~~) أول علماء الهندسة وقد ~~أكملها من بعده علماء يونانيون، واتخذت صورتها التقليدية على يد ~~الأستاذ الإسكندري إقليدس (330-270ق.م.)، وقد ظل كتابه ~~«المبادئ»، الذي يشتمل بجانب هندسة السطوح وهندسة المكان، على ~~نظرية للنسب؛ بل على نظرية للمعادلات؛ ظل هذا الكتاب أنموذجا ~~لكل الكتب الأساسية التالية، خلال ما يربو على العشرين ~~قرنا. # أما الميكانيكا فتدرس الزمان والحركة، والقوة وتنقسم الميكانيكا ~~التقليدية إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # الاستاتيكا «السكونية» التي تدرس القوة، ومراكز الثقل، ~~وشروط التوازن، وقد أسس هذا العلم أرشميدس السيراكوزي ~~(287-212ق.م.). ~~(2) # السينماتيكا # Cinématique # الحركية التي تدرس الحركة وأنواعها المختلفة، وانتقال ~~الحركة بواسطة التروس بأنواعها المختلفة، والقضبان، ~~ودواليب الحركة، وكل أجهزة الأدوات الصناعية بوجه عام، ~~وقد ظهر هذا العلم على يد جاليليو (1564-1642م). ~~(3) # الديناميكا، التي تحدد العلاقة بين القوة والحركة، وقد ~~اتخذت صورتها الحالية على يد نيوتن (1642-1727م). # المكان أو الامتداد، هو مقياس كل المقادير الأخرى ~~ورمزها # المكان هو أولا مقياس الزمن ورمزه، فالواقع أن الزمان عابر بحسب ~~جوهره. وأجزاؤه يقتفي بعضها أثر بعض على الدوام، وليست هناك ~~وسيلة أخرى لتصوره ودراسته إلا بالرمز له بخط يسير فيه جسم ~~متحرك؛ بل سنرى فيما بعد أن العلم المعاصر يجعل الزمان ms072 البعد ~~الرابع للمكان، فليس ثمة وسيلة لقياسه إلا بالمكان، عن طريق ~~الحركة. # مقياس الزمن يرد إلى مقياس المكان # فلنتريث لحظة عند مقياس الزمن، وهو مشكلة رياضية ترجع إلى عدة ~~ألوف من السنين؛ فمن المحال تثبيت وحدة زمنية، لنجعل منها أساسا ~~للقياس يمكن الاحتفاظ به؛ بل يجب أن يصبح الزمان مكانا، ويقاس على ~~هذه الصورة، وهذا لا يتأتى إلا إذا تحول الزمان إلى حركة. غير ~~أن الحركة التي ترمز إلى زمن هي حركة مطردة. فأين نجدها، إذا كنا ~~لا نتعلم كيف نقيس الزمن، وكيف أن الأمكنة المتساوية تقطع في أزمنة ~~متساوية؟ تنطوي هذه المشكلة على نوع من الدور، لم تخرج منه البشرية ~~إلا بصعوبة كبيرة؛ فلقياس الزمن، تختار حركات يحق لنا افتراض ~~اطرادها، أو اطراد تعاقبها في فترات منتظمة، ويقوم هذا الافتراض ~~المشروع على سببين، أولهما سبب سلبي. فلنا أن نعد الحركة التي لا ~~يطرأ عليها ما يسبب تغيرها حركة دورية باطراد، ومن قبيل ذلك، ~~الحركات الفلكية، التي لا يؤدي الاحتكاك إلى إبطائها، والتي تعود ~~فضلا عن ذلك على أعقابها، أي تظل مرتبطة بعلتها دائما، والسبب ~~الآخر إيجابي، وهو ينحصر في أن العلة المنتجة للحركة تؤثر دوريا، ~~وعلى نمط واحد؛ فالجسم الذي يسقط مثلا، يصلح أن يكون في سقوطه ~~مقياسا لوحدة الزمن، إذا نجحنا في جعله يسقط ثانية، بعد سقوطه ~~الأول مباشرة، في نفس الظروف، ومن نفس الارتفاع، أو إذا ما سقط جسم ~~آخر مماثل له من كل الوجوه بعد سقوطه مباشرة، وبنفس الطريقة. وذلك ~~هو وصف أدوات قياس الزمن، المبنية على الثقل، كالساعة الرملية أو ~~المائية، التي تفي بالشرط الثاني، والبندول الذي يفي بالشرط الأول. ~~ولقد كانت الساعات الرملية والمائية هي أقدم الساعات التي يمكن ~~حملها، والفكرة التي تبنى عليها مفهومة. وأخيرا فإن الوسائل ~~المختلفة للقياس تحقق كل منها الأخرى؛ فالساعة الرملية تحقق صدق ~~الساعة التي تكونها حركات النجوم؛ بل تمكننا من الاختيار بين هذه ~~الحركات، التي لا تتصف جميعها بالانتظام. أما البندول، فاستخدامه ~~أحدث بكثير من الساعة الرملية، وإنا ms073 لنعلم أن جاليليو قد اكتشف ~~تساوي هزات البندول الضعيفة التي تبطئ شيئا فشيئا في الزمن. أما ~~الهزات «المستمرة» فمن الواضح أن تعريفها يدل على أنها متساوية في ~~الزمن، ما دام البندول المعلق هو ثقل يظل دائما متساويا، ويعود ~~دائما إلى السقوط من نفس الارتفاع. # ولقد اكتشف «جاليليو» تساوي زمن هذه الهزات الأولى عن طريق ~~مقارنتها بضربات الساعة النابضة (ساعة قديمة، غير دقيقة)، ثم ~~حققها فيما بعد، بمقارنتها بالحركات الفلكية. وقد أفلح بعد ذلك ~~في الربط بين البندول وسقوط الثقل، وفي الوقت ذاته، نجح في الربط ~~بين ذبذبات البندول في الساعة ذات البندول وذات الثقل. وقوام هذه ~~الآلة العجيبة، ينحصر في الربط بين ثقل يسقط بضربات صغيرة منتظمة ~~وبين بندول ذي هزات متصلة، ويرتبط الثقل والبندول بطريقة تجعل ~~كلا منها يتجنب الآخر، بحيث أن ضربات البندول تثير السقطات ~~المتعاقبة للثقل، ثم توقفها، بانتظام، وبحيث أن سقوط الثقل، هو ~~الآخر، يبقي على ضربات البندول. وتؤدي حركة الثقل إلى إدارة جهاز ~~من المؤشرات، له وجه دائري، يمثل مجرى الزمان ذاته. # وعلى هذا النحو حلت البشرية مشكلة قياس الزمن. # قياس الحركة يرجع هو الآخر إلى قياس المكان # أما الحركة فتقاس بمقياس الزمن، وبمقياس مسارها، وبهذا يمكن ~~الوصول إلى تحديد سرعتها، التي هي الجزء الذي قطع من مجال الحركة ~~خلال وحدة زمنية، وتمثل هذه السرعة بموجة السرعة، وهو جزء من ~~مستقيم يمثل الاتجاه مباشرة، ويمثل القيمة المطلقة للسرعة بطريقة ~~رمزية. # ولقد أثار تصوير القوة بدوره مشاكل متعددة، حلتها البشرية ~~بالتدريج. فالقوة هي أولا الجهد الذي يبذل للتغلب على الثقل، ~~بطريق مباشر أو غير مباشر، وهذه القوة أصبحت تقاس بالميزان، ثم ~~حلت محل فكرة الوزن فكرة الضغط، التي لا تخضع لنفس القوانين، ~~كما تدل على ذلك مثلا مفارقة توازن السوائل # Le ~~paradoxe hydrostatique # وأخيرا عرف نيوتن ~~القوة، في أعم معانيها، بأنها دالة مرتبطة بمعدل السرعة. # فالمعادلة: ق = ك × س (القوة = الكتلة في السرعة) أصبحت هي ~~المعادلة الأساسية للميكانيكا الكلاسيكية. # المكان «صورة» # قلنا إن المكان هو موضوع ms074 الهندسة، غير أن هذا الموضوع ليس ~~«شيئا» على غرار الضوء أو المادة. إذ لو كان شيئا لكان إما ~~مخترقا أو مجاورا لهما، فهل لنا أن نعده حاويا # réceptacte ~~(أو حاويا شاملا كما ~~قال أفلاطون)؟ لكن المكان لا يمكن أن يكون حاويا إلا بمعنى مجازي، ~~إذ إن الحاوي الحقيقي له حدود وشكل وهذا ما يتوافر في ~~المكان. # إذن فما المقصود بالقول بأن المادة في المكان، أو أن المادة ~~ممتدة؟ إن المقصود بقولنا إن المادة في المكان، هو أنها تقبل ~~«التجاور» تبعا لقوانين معينة، وأن أجزاءها المختلفة تشغل حيزا، ~~بحيث إن كلا منها يستبعد الآخر، تبعا لشكله ومقداره وبعده. أما ~~المقصود بقولنا إن المادة ممتدة، فهو أن لها شكلا ومقدارا ~~وأبعادا داخلية، خاضعة لقوانين معينة. ومن هذا نستنتج إذن أن ~~المكان أو الامتداد هو مجموعة من القوانين التي تنظم تجاوز ~~الأشياء تبعا لشكلها أو مقدارها أو بعدها، ولكن إذا أردنا إكمال ~~فكرة المكان وجب علينا أن نضيف أن هذه المجموعة من القوانين تتحكم ~~في الوقت نفسه في الإدراك الحسي للمادة، وأنها هي التي تجعل هذا ~~الإدراك ممكنا. فالمكان يشبه الشمس المعقولة عند أفلاطون بالنسبة ~~إلى المثل؛ لأنه ينظم المادة وإدراكنا لها في آن واحد. وهذه ~~الطبيعة المزدوجة للمكان، التي تجعل منه قانونا داخليا للمادة، ~~وقانونا لإدراكها في الوقت ذاته، يعبر عنها بكلمة «الصورة». ~~فالمكان هو صورة الحساسية الخارجية، كما يقول «كانت» وكلمة «صورة» ~~تستخدم هنا بمعنى مجازي، أصبح مألوفا منذ أرسطو، وهي ترجمة ~~لكلمة # eidos # في اليونانية، ويطلق ~~أرسطو هذا الاسم على التركيب الداخلي لشيء ما، والتنظيم الذي ~~يتميز به، والذي يجعله قابلا لأن يعرف. فالامتداد أو المكان هو ~~التركيب الأساسي للمادة، وهو الذي يجعل إدراكها ممكنا. # فكيف تعرف هذه الصورة؟ # هذه الصورة أولية # a ~~priori # هناك مذهب فلسفي دعت إليه، بوجه خاص، المدرسة الفلسفية ~~الإنجليزية في القرنين السابع عشر والثامن عشر (لوك 1632-1704م، ~~هيوم 1711-1776م). هذا المذهب لا يكتفي بالقول بأن لمعارفنا جميعها ~~«أصلا» تجريبيا، وهو أمر لا شك في صحته، ms075 إذ إننا لا نستطيع أن ~~نعرف شيئا قبل التجربة؛ بل يذهب إلى أن كل معارفنا ناشئة عن ~~التجربة أو الحواس، وهو أمر مختلف كل الاختلاف، إذ معناه أن ~~التجربة وحدها هي السبب في وجود معارفنا كلها، وفي تبريرها. وسنرى ~~فيما بعد، أن هذا رأي لم يتفق عليه مطلقا. ومن جهة أخرى، فإن ~~التسوية بين التجربة والإحساس، هو بدوره رأي لم يتفق عليه مطلقا؛ ~~إذ ليس من المؤكد أن التجربة ترجع إلى الحس؛ بل من الجائز أن تحتوي ~~على عناصر تأتي من مصدر مختلف كل الاختلاف - ويسمى هذا المذهب ~~بالمذهب «التجريبي» ( # emprisme ~~)، ~~وهي كلمة مشتقة من اليونانية، ومعناها التجربة. # 6 # كذلك يوجد مذهب تجريبي يسلك نفس المسلك في تفسير أصل المعاني ~~التي تكون الامتداد. # ولنضرب لذلك مثلا: فكتب ~~الهندسة الأولية تقول عادة إن الخيط الممتد يوحي إلينا بفكرة الخط ~~المستقيم، وإن صفحة المياه الهادئة توحي بفكرة المسطح. ولكن إذا ما ~~تركنا جانبا الصعوبة التي تتمثل في أن الخيط الممتد ليس خطا ~~مستقيما، وإنما هو منحنى يسمى «قوسا» قد يقترب أو يبتعد عن ~~الخط المستقيم الذي يعتبر حده النهائي، وكذلك إذا ما تركنا ~~جانبا الصعوبة الأخرى، التي تتمثل في أن صفحة المياه الهادئة ليست ~~مسطحا، لوجود التموجات التي ترفع الماء بهدوء شديد على الضفتين، ~~فكيف يمكن أن نتصور العملية التي «نغض الطرف» فيها عن سمك الخيط؟ ~~إن «غض الطرف» معناه «ألا نحسب حسابا ...» أي أن «نغفل، أو ألا ~~ندرك» ولكن إذا كان المرء يغفل السمك أو لا يدركه، فذلك لأنه ~~يفكر في شيء آخر. أي يفكر في محور الخيط، ويتصور الخط المستقيم ~~الذي يعبر عن اتجاهه غير أن هذا التجريد لا يحل مشكلة معرفة ~~مصدر المحور وفكرة الاتجاه. وفضلا عن ذلك، فعلم المكان يثير ~~أفكارا أخرى عديدة، تفوق هذه عمقا وتعقيدا، ومنها المنحنيات، ~~مثل «القطاعات المخروطية» بما فيها من قطع مخروطي وقطع زائد ~~وقطع ناقص؛ وهي كلها معان أصبح بحثها أمرا مألوفا منذ عهد ~~بعيد ولكن التجربة لا تزودنا بأية صورة محددة ms076 لها. ونحن، وإن كنا ~~نقول إن مدارات الكواكب بيضاوية، فإننا متى أردنا أن نتبين ذلك ~~وجب علينا أن نتصور الشكل البيضاوي أولا، دون أي نموذج ولم يكن ~~لدى اليونانيين، حين أدركوا القطاعات المخروطية، أي أنموذج؛ بل ~~استمدوها كلها من أذهانهم. # وهكذا يجد المرء نفسه مضطرا إلى القول بأن فكرة الامتداد لا ~~تأتي من التجربة، وأن الهندسة بأسرها «أولية # a ~~priori ~~»، أي إن التجربة ليست هي الأساس الذي يبرر ~~وجودها. # لكن المكان لا يتكشف بحدس «أولي» بل هو يركب بطريقة ~~أولية # وعلى ذلك، فالمذهب الأولي أو العقلي هو الصحيح. ومع ذلك فعلينا ~~أن نحسن فهم هذا المذهب، وألا نفرط في تبسيطه. وأبسط صورة - بل ~~أبسطها إلى حد الغلو - هو الاعتقاد أن هناك عالما عقليا، ~~نستكشفه بملكة خاصة، أو قد تكشف لنا بالأحرى قبل التجربة، أي ~~قبل ميلادنا، وهو، كما يقال، عالم «فطري» وتلك هي بحذافيرها نظرية ~~أفلاطون، ومالبرانش (1638-1716م)؛ فقد وصف أفلاطون رحلة النفس خلال ~~عالم «المثل» قبل هبوطها إلى عالم الأبدان، كما قال مالبرانش ~~إننا نرى «الامتداد المعقول» في العقل الإلهي، لكن يجب علينا أن ~~نتعمق فهم فكرتهما، إذ لو فهمها المرء على نحو سطحي، لواجهته ~~صعوبات لا سبيل إلى حلها؛ إذ ما هي ملكة إدراك المعاني المحضة، ~~ورؤيتها على نحو ما ترى الأجسام؟ إنها نوع من الإحساس الذي ينصب ~~على شيء غير المادة، وإذا فهم المذهب العقلي على هذا النحو، لم ~~يعد إلا مذهبا تجريبيا محورا، تحول إلى الطابع ~~الأسطوري. # والفكرة التي ترشدنا في تفسير المذهب الأولي # aphorisme # هي أن أفلاطون يرى أن ~~العالم المحسوس، أي عالم الإدراك الحسي، مستمد من العالم ~~المعقول، أي من عالم الهندسة. أما «مالبرانش»، فيزعم أننا عندما ~~ندرك حسيا، فنحن «نرى في الله» أي نرى عالم الأجسام من خلال ~~الامتداد المعقول، وعن طريق هذا الامتداد. وهذا ينبهنا إلى ضرورة ~~البحث عن نقطة بدء الهندسة في الإدراك الحسي ذاته. # ونقول: نقطة البدء، ولا نقول «الأصل أو السبب». وهذا يعني، ~~بعبارة أخرى، أن الإدراك الحسي ليس ms077 هو الذي يفسر الهندسة؛ بل ~~الهندسة هي التي تفسر الإدراك الحسي، فالهندسة تبدأ مع الإدراك ~~الحسي، ولقد قال ليبنتز (1646-1716م) إن العالم قد ظهر عندما كان ~~الله يحسب # Dum Deus calculat fit ~~mundus # ويمكننا القول بأن العالم قد ظهر عندما ~~كان الإنسان يحسب # Dum homo calculat fit ~~mundus # أي أن العالم قد ظهر من تلك الهندسة ~~التلقائية التي هي الإدراك الحسي. # فإذا أردنا فهم المذهب العقلي، وجب علينا أن ندرك أن العقل يبدأ ~~في أداء وظيفته منذ مرحلة الإدراك الحسي. لكن ينبغي أيضا ألا ~~نتصور العقل على أنه مجرد وظيفة تأملية؛ بل على أنه نشاط ~~فعال # activité opératoire # عامل، ~~يبني العالم عندما يدفع الإنسان بأكمله، بجسمه وروحه، وذهنه ~~وعضلاته، إلى العمل ولا ينطبق ذلك على الإنسان الفردي وحده؛ بل ~~أيضا على الإنسان الجماعي الذي يحيا في مجتمع. # النشاط الفعال ينشئ المكان بوساطة مجموعات من الحركات في ~~الإدراك الحسي # وإذن فما صورة الشيء، وبعده، ومقداره؟ إنها إحساسات بشرية ~~ولمسية نضمها، بعضها إلى بعض، عن طريق حركات؛ حركات استطلاع، ~~وعبور، ومقارنة. وهذه الحركات حقيقية، تؤديها الأذرع والأرجل، ~~وتهدف إلى تمكيننا من النفاذ إلى العالم المادي، المشترك بيننا ~~وبين أقراننا، ولكنا في نفس الوقت الذي ننشئ فيه العالم المادي ~~بفاعليتنا فيه، نفهمه أيضا، إذ إن المسافة، والصورة، والمقدار، ~~كلها أفكار؛ فالصورة شكل هندسي يستمد من المظهر المرئي والإطار ~~الملموس والعضلي للشيء، وهما يعبران عنها بطريقتهما الخاصة، ~~والمسافة علاقة بين الشيء وبيننا، وهي بدورها علاقة عقلية في ~~جوهرها، لأنها تستخدم في تفسير التناقض الظاهري بين فقدان الاتصال ~~اللمسي، ووجود الاتصال البصري، وهو تناقض يزداد قوة لأننا عندما ~~نحاول القضاء على فقدان الاتصال اللمسي، أي عندما نلمس الشيء، فإن ~~الصورة البصرية تتضخم شيئا فشيئا. # وليس لنا أن نأمل هنا أن نصف النشاط الفعال للعقل الذي يسيطر ~~على الجسد في الإدراك الحسي، ولن نستطيع إلا أن نقدم عنه فكرة ~~مختصرة، تكفي لإفهامنا أن المكان يبنى منذ مرحلة الإدراك ~~الحسي. # يمكننا الشعور بهذا النشاط الفعال عن طريق ms078 الرسم # ويبقى علينا أن نجعل علمنا بالمكان ممكنا، أعني أن نحوله إلى ~~موضوع من نوع ما، على أن المكان ليس موضوعا في ذاته؛ بل هو صورة، ~~كما سبق أن قلنا، ومهمتنا هنا هي أن نحدد له نوعا من الوجود ~~المادي، فما هدف هذه العملية؟ إن لها هدفا مزدوجا؛ هو أن نشعر ~~بالنشاط الفعال الذي كونا به المكان، ذلك النشاط الذي كان ~~سيظل، لولا ذلك، غير منفصل عن أثره، أي غير منفصل عن العالم ~~المادي؛ ثم العمل على إكمال النتيجة التي نصل إليها؛ إذ من الممكن ~~أن يكون المكان، بمعنى ما، أكثر اتساعا من العالم المادي، وأن ~~يسمح بتجاوز ذلك العالم. # وينبغي أن نؤكد هذه النقطة الأخيرة بأن نقدم مثلا لتقدم ~~الهندسة بالنسبة إلى الإدراك الحسي؛ فالعالم الذي ندركه حسيا ~~كرة جوفاء نعيش في وسطها. وهو بعبارة أدق، كما قال مالبرانش، «شبه ~~بيضاوي دوار» أي أنه كرة مسطحة في اتجاهها الرأسي، لأننا نميل إلى ~~اعتبار المسافة التي تباعد بيننا وبين السمت على أنها أقل من تلك ~~التي تفصلنا على الأفق، كما يدل على ذلك كبر الحجم الظاهري للقمر ~~عندما يكون قريبا من الأفق. فلنقل إذن إن تصوير هذا العالم ~~بالكرة هو في حد ذاته دليل على بلوغ الإنسانية حدا بعيدا من ~~العمق، وأن البدائيين كانوا يتصورون أشكالا أكثر سذاجة من ذلك ~~إلى حد كبير، كوجود أمكنة مربعة مماثلة لخريطة موطن القبيلة. ~~هذا ولنلاحظ أن هذا المكان المدرك ليس متساوي الوجهات # anisotrope ~~، أعني أن اتجاهاته ليست ~~متساوية؛ فالاتجاه الرأسي، وهو اتجاه الثقل، له طابع مميز، إذ إن ~~للعالم المدرك أعلى وأسفل. # ولقد كانت الهندسة في مراحلها الأولى هي التي جعلتنا نتصور ~~مكانا لا متناهيا، ومتجانسا، على أنه أساس مثالي للمكان الذي ~~ندركه بالحس، وعندئذ نفهم أن من الممكن أن نتبادل الاتجاهات فيما ~~بينها، إذا ما نظرنا إليها على أنها مجرد اتجاهات فحسب، وأنه من ~~الممكن مد كل اتجاه إلى ما لا نهاية، من حيث هو اتجاه. ونقول ~~بالاختصار إن المكان المتجانس واللامتناهي ms079 هو وعينا بالمكان الذي ~~ندركه حسيا. # بقي علينا أن نوضح العمليات الفعالة التي نصل بها إلى هذا الوعي، ~~والواقع أن ذلك يتم عن طريق الرسم والأساليب العملية التي تستمد ~~منه، كالنحت وقطع الأحجار؛ فبهذه الأساليب، لا نقتصر على اجتياز ~~المكان؛ بل نصنعه ونحققه ماديا، وإذا نحن أدركناه بحواسنا على ~~أنه موضوع، استطعنا التفكير في طبيعته. فالرسام هو أول عالم هندسة ~~وهو في الوقت نفسه أول من يفكر من المكان بطريقة ~~ميتافيزيقية. # الانتقال العملي من الهندسة إلى الميكانيكا انتقال ~~مباشر # بعد أن يدرك المرء المكان عن طريق الرسم، ثم عن طريق الهندسة، ~~التي هي رسم عقلي، ينتقل انتقالا طبيعيا إلى الميكانيكا. # والواقع أن الميكانيكا قد بدأت بوصفها هندسة للآلات (الماكينات). ~~والمقصود بالماكينات، الآلات التي يستخدمها الإنسان ليزيد من ~~قدرته، ولكي يبذل قوة أقل للتغلب على مقاومة أكبر، كما هي الحال في ~~«العتلة» الرافعة مثلا. وإذا حاول المرء فهم الصفة شبه السحرية ~~للعتلة، فإنه يرسمها، وعندئذ يدرك أنها نوع من الميزان المائل غير ~~المتعادل، ويحاول أن يفسر عدم تساوي الأثقال المتوازنة بعدم تساوي الذراعين. # 7 # المذهب العقلي أو الأولي يؤكد النشاط الفعال المستقل ~~للعقل # ونتيجة ذلك هي أن أفلاطون ومالبرانش كانا على حق في الواقع؛ ~~فهناك بالفعل عالم عقلي، بمعنى أن هناك عالما من الحقائق العقلية ~~التي يدركها الذهن، بصرف النظر عن التجربة. غير أنه من الضروري ~~أولا أن ننظر إلى هذا العالم على أنه «غير منفصل عن التجربة» أي ~~أنه كامن فيها. فنحن نبنيه في التجربة ذاتها، حتى يتسنى لنا فهمها، ~~والعالم المادي أثر من آثار التجربة، ولا يفهم إلا عن ~~طريقها. # ثم يجب علينا النظر إلى هذا العالم على أنه ناتج عن فاعلية. ~~فالعقل ليس سلبيا تجاه العالم الهندسي؛ بل إنه هو الذي «يخلقه» ~~بأقوى معاني كلمة الخلق، أي بمعنى أنه هو أصل وجوده، وهو الذي ~~يخترعه. # على أن هذا الإبداع لا يتم اعتباطا؛ بل هو أمر «يحقق» في كل ~~لحظة، أعني أنه يدمج في حقيقة العالم المادي. فالإدراك الحسي ms080 ~~يحقق في كل لحظة عن طريق الفعل المادي، والهندسة تحقق، وذلك لأنها ~~لما كانت تستخدم أساسا لعلم الطبيعة وبالتالي للمعرفة العملية ~~الخاصة بالمادة، فإن هذه الأخيرة هي السبيل إلى التحقق من صدقها. # 8 # العلم الأول للعدد هو الحساب الذي وضع الفيثاغوريون ~~أسسه # ونصل الآن إلى رياضيات العدد. لقد كان الفيثاغوريون هم الذين ~~وضعوا أسس علم العدد، ويمكن القول، بمعنى ما، إنهم قد اكتشفوه في ~~السماء ذات النجوم، التي تتمثل لنا في أشكال وأعداد في الوقت ذاته، ~~على هيئة مجموعات من النجوم، ولذا فإن الفكرة الأولى للعدد كانت ~~تنحصر في نقط متجمعة في أشكال معينة، فالعدد المربع، مثل 9، ~~شكل مكون من 9 نقط مجموعة في مربع، له ثلاثة خطوط في كل منها ~~ثلاث نقط، وعلى هذا النحو بدا العدد منفصلا بوضوح، أي بدا مكونا ~~من وحدات. # وبهذه الرمزية الساذجة، برهن الفيثاغوريون على نظريات حسابية. ~~فمن المعروف مثلا أن مجموع الأعداد الفردية حتى (2ن − 1) يساوي ~~ن # 2 ~~، أثبت المحدثون ذلك باستخدام ~~التدوين الجبري، فكتبوا المتتالية: # 1 + 3 + 5 + ~~+ (2ن − 3) + (2ن − 1). # ثم كتبوها هي نفسها بالعكس، كل حد تحت ~~السابق: ~~(2ن − 1) + (2ن − 3) ~~+ 5 + 3 + 1 # والمجموع يعادل 2ن # 2 ~~، لأن كل حد ~~يساوي 2ن، وعدد الحدود «ن»، لأن المدى بينها يساوي «ن» إذا كان هو ~~ذاته مساويا 2ن − 1. فإذا كان المجموع ~~2ن # 2 ~~، فإن كلا من المتتاليتين تساوي ~~ن # 2 ~~. # 9 # ومن هذا ينتج أن مجموع الأعداد الفردية المتوالية يعطي المربعات المتوالية. # 10 # ولقد كان الفيثاغوريون يقولون: إن كل مربع يساوي ~~المربع السابق مضافا إليه زاوية الظل ~~( # gnomon ~~)، وكانوا يعبرون بكلمة ~~زاوية الظل عن العدد الفردي؛ إذ إن العدد الفردي يتكون من عددين ~~متساويين، مضافا إليها العدد «1» مما يرمز إلى زاوية قائمة ضلعاها ~~متساويان، بحيث يكون الواحد المكمل هو رأس الزاوية. فالزاوية الظل ~~هي مثلث مفرغ ذو زاوية قائمة. # 11 # وهناك الشكل الفيثاغوري الذي يمثل هذه النظرية. # وبالطريقة نفسها أثبت الفيثاغوريون أن مجموع الأعداد الزوجية حتى ~~2ن يساوي ن (ن + 1). # 12 # وفي هذه ms081 الحالة تسمى المجموعات المتعاقبة «متغايرة» ~~أعني كالمستطيلات قائمة الزوايا. # تتغاير في كل مرة، إذ إن العلاقة (ن + 1)/ن تتنوع تبعا لكل قيمة ~~من قيم ن، كذلك برهنوا على أن مجموع الأعداد المتعاقبة حتى ن يساوي ~~ن (ن + 1)/2 # 13 # وتسمى المجموعات المتعاقبة باسم الأعداد «المثلثة» إذ ~~إن المقدار ن (ن + 1)/2 يمثل مساحة المثلث. # العدد يركب في الإدراك الحسي ذاته، بواسطة النشاط الفعال ~~للذهن # قلنا إن الحساب قد بدأ بتأمل السماء ذات النجوم. لكن هذا لا ~~يعني أن فكرة العدد تأتي من الملاحظة. فلنعرف أن التجربة تبدو في ~~هذه الحالة مواتية تماما لتمييز الوحدات؛ إذ إن الوحدة في هذه ~~الحالة نقطة تنفصل تماما على صفحة السماء، بحيث لا يكون أمامنا ~~إلا أن نراها كلها متشابهة، متجانسة (فيما عدا الفروق في اللمعان) ~~وغير قابلة للقسمة مطلقا، ولكن لم يكن بد من وجود شروط أخرى لكي ~~تظهر فكرة العدد؛ فيجب أولا أن تطبق هذه الفكرة على كل ~~المجموعات، أي أن يكون العدد 7 ليس خاصا فقط بعدد نجوم «الدب ~~الكبير» بل بعدد أيام الأسبوع أيضا، وبعجائب الدنيا، وحكماء ~~اليونان ... إلخ. وينبغي أن ينطبق العدد نفسه على كل المجموعات التي ~~يمكن إحصاء نفس مجموعة الوحدات فيها: مثل الكرات (في عدد البلي) ~~والتفاح (في سلة تفاح). على أنه عندما لا يكون الأمر متعلقا ~~بنجوم، فإن الوحدة لا تبدو في ظروف تجريبية مواتية كهذه؛ فالوحدات ~~ليست غير منقسمة، ولا هي متجانسة. وفضلا عن ذلك، فكيف يتم ~~التمييز بين عددين مختلفين؟ إن الملاحظة لا تطلعنا إلا على ~~انطباع غامض عن الاختلاف بين مجموعتين. هذا إلى أن ذلك الانطباع ~~يختفي إذا كان الفارق العددي أقل من حد أدنى معين، فمثلا، ~~ليس ثمة فارق، بالنسبة إلى البصر، بين مجموعة مكونة من 100 نجم، ~~ومجموعة أخرى من 101 نجم. أما من الوجهة العددية فهذا الفارق يساوي ~~ذلك الذي يتمثل بين نجم مزدوج ونجم بسيط. # فلنقل إذن إنه لا وجود للعدد إلا إذا عد المرء أو أحصى، وهذه ~~الفكرة نتيجة ms082 مباشرة لتحليلاتنا السابقة، وهي تناظر تماما الفكرة ~~التي عرضناها بصدد المكان. فقد شرحنا المكان عن طريق نشاط فعال ~~للعقل، يعبر المجال الإدراكي ويرسم. وكذلك نشرح العدد بالعد، أي ~~فعل الإحصاء. # وهكذا تظل فكرتنا على المذهب العقلي أو الأولي على ما هي عليه، ~~فنحن نرى أنه ها هنا أيضا على صواب في مخالفته للمذهب التجريبي، ~~ولكن بالشروط نفسها؛ فليس هناك عالم عقلي للأعداد، وإنما توجد ~~عملية عقلية للعد بطريقة سابقة على التجربة. وبهذا المعنى تكون ~~النظرية الفيثاغورية عن العقول أو الأعداد المثالية، ونظرية ~~مالبرانش عن الأعداد العادة ~~“nombres ~~nombrants” # 14 # صحيحتين. # العد، عملية مادية وعقلية في آن واحد # وهذا يؤدي بنا إلى عملية العد. لنلاحظ أن لهذه العملية مظهرين؛ ~~فهي مادية من جهة؛ إذ إنها فعل عملي ينصب على أشياء مادية، كالبلي ~~في صندوق «البلي»، غير أن هذه العملية تصحبها عملية عقلية هي تفسير ~~لها، فالكل يكون نوعا من الإدراك الحسي الإيجابي، مشابها تماما ~~لإدراك المكان حسيا. # ولقد أطلق على أبسط صورة لهذه العمليات اسم «مبادلة واحد بواحد # échange un contre un ~~» قوامها أن ~~نجعل لكل شيء في مجموعة شيئا يناظره في مجموعة أخرى، ونحقق ~~تناظرهما واحدا مع الآخر. ولنضرب لذلك مثلا بالطفل الذي لا يعرف ~~العد، فيكلف بشراء عدد من التفاح بقدر ما معه من القروش فهذا ~~الطفل يستطيع أن يتأكد من أن كل قرش تناظره تفاحة. # على أن هذا لا ينطوي بعد على فكرة الوحدة العددية. # ولا يصل المرء إلى المرحلة التالية، إذا عرف كيف يعد على ~~أصابعه، بل إذا عرف كيف يضع وحدة بالتوالي مقابل كل إصبع من ~~أصابعه، معدودة تبعا لترتيب معين، وبحيث يطلق على كل منها ~~اسما مختلفا كما يفعل البدائيون. تلك هي المرحلة «الترتيبية # ordinal # للعدد». # أما مرحلة الأعداد الأصلية ~~( # cardinal ~~) فيبلغها المرء عندما ~~يكشف فكرة العدد مميزة، لا فكرة ترتيب معين بين الأعداد فحسب، أي ~~عندما يدرك أن كل عدد يمثل مجموعة معينة من الوحدات، تتكون عن ~~طريق إضافة وحدة إلى المجموعة السابقة عليها ms083 في الترتيب؛ فالأربعة ~~تعرف بأنها 3 + 1 وهذه العملية تتطلب من المرء أن يتصور كل عدد ~~على أنه «كل» يعتبر وحدة لكثرة من الوحدات، وأن يتصوره على أنه ~~وحدة جديدة في مرتبة أعلى، أو بعبارة أخرى أن يتمثل الهوية بين 1 × ~~4 = 4 × 1. ولقد أورد برنشفيك ملاحظة طريفة أبداها الأب «بوردان» P. Bourdin # في «اعتراضاته» على ~~«تأملات» ديكارت، قال فيها: لقد عرفت شخصا سمع ذات يوم، وقد دب ~~النوم إلى جفونه، دقات الساعة الرابعة، فعدها على النحو الآتي: ~~واحد، واحد، واحد، واحد، ولما اهتدى إلى ما في تصوره من غرابة، ~~هتف: هذه ساعة مجنونة بحق؛ لقد دقت الواحدة أربع مرات . # 15 # وفي هذه الحالة، شبه المرضية، التي أدى فيها الشروع ~~في النوم إلى إحداث خلل جزئي في التركيب العقلي، يدرك المرء طرفي ~~الهوية المكونة للعدد، ولكنه يدركهما منفصلين. فالشخص وهو شبه ~~نائم، لم يعد يدرك الفكرة القائلة إن الواحد مكررا أربع مرات هو ~~ذاته الأربعة مكررة مرة واحدة. # وعندما تتكون لدى المرء فكرة العدد، والهوية الأساسية التي تعبر ~~عن تركيبه، وهي 1 × ن = ن × 1، يمكنه تصوره فكرة تكوين العدد ~~الواحد، بطرق كثيرة مختلفة، كلها متساوية، وأن يحدد العلاقة بين ~~الأعداد بعضها ببعض، فيستخلص من الهوية 3 + 1 = 4، التي هي تعريف ~~العدد 4، أن 2 + 2 = 4 إلخ وبهذا يتكون الحساب. # وسنرى في الفصل القادم، حين نعرض مشاكل فلسفة الرياضيات الحديثة، ~~مدى التوسع الذي طرأ على علوم الامتداد والعدد. # الفصل السادس # | منهج العلوم الرياضية # رأينا في الفصل السابق أن العلوم الرياضية الأساسية (الهندسة ~~والميكانيكا والحساب) قد عملت تدريجيا خلال تأريخها على تحديد ~~موضوعها بدقة. فأصبح تركيبها يتسم بانضباط يتزايد دون انقطاع، وهي ~~تعد اليوم بحق، بناء محكما إلى حد بعيد، ومما له أهميته، حتى من ~~وجهة نظر الفيلسوف، أن نفحص سبب هذا الإحكام، وأن نتبين بوضوح دقة ~~تسلسل التفكير الرياضي. # ولقد حدث بالفعل، منذ أكثر من قرن من الزمان، أن أخذ كثير من ~~الرياضيين على عاتقهم مهمة القيام بتحليل نظري لذلك العلم ms084 بعد نشأته. ~~ففكروا في مبادئ علمهم، أي في البديهيات والمعاني التي تعد أساسا ~~للرياضيات. ولفكرة البديهية # axiome # معنى حديث مختلف عن المعنى التقليدي لهذه الكلمة كل الاختلاف فالمبادئ ~~تكون مشروعة في نظر التفكير الرياضي الحديث إذا كانت تسمح بتشييد علم ~~متماسك منتج، لا لأنها تنطوي في ذاتها على بداهة مطلقة. # والاستدلال الرياضي دقيق منتج، وهو في أساسه تعميمي كما أثبت ذلك ~~بوانكاريه، متخذا من الاستدلال الترديدي Par ~~recurrence # نموذجا للاستدلال الرياضي، ويؤدي كل من ~~الحدس والتفكير الشكلي إلى تزويد العلوم الرياضية بقدرة هائلة على ~~التعميم. # وفي نهاية الفصل ندرس الهندسات غير الإقليدية، وامتدادات فكرة ~~العدد. # أولا: المبادئ ~~(1) فكرة المبدأ. ميز إقليدس في المبادئ بين البديهيات ~~والمصادرات والتعريفات # إذ قلنا إن الاستدلال الرياضي يتكون من استنباطات دقيقة، ~~وإنه هو الاستدلال الاستنباطي على الحقيقة، ففي قولنا هذا ~~تكرار لصفة أوضح من أن تستحق مزيدا من التأكيد، حتى ~~بالنسبة إلى أبسط أنواع التعليم. فصحة النظرية الرياضية ~~تتوقف على صحة الفروض، على أن تكون قواعد الاستنباط قد ~~طبقت، بطبيعة الحال، تطبيقا صحيحا. ولكي تصدق هذه الفروض ~~يجب أن يكون قد سبق البرهنة عليها، وهكذا دواليك. غير أننا لا ~~نستطيع أن نتابع هذه الحركة الراجعة إلى ما لا نهاية، متعقبين ~~سلسلة البراهين في الاتجاه العكسي. فليس ثمة استدلال دون ~~معطيات أولية. ونقطة البداية هنا قضايا ليست نتائج لأي برهان، ~~وتسمى هذه القضايا الأولية بالمبادئ - وهي تستخدم أساسا ~~لبراهين النظريات الرياضية - ويميز إقليدس، في هذه المبادئ بين ~~البديهيات والمصادرات والتعريفات. فلنتساءل إذن إن كانت كل هذه ~~القضايا الأولية لها قيمة واحدة من حيث البداهة. ~~(2) البديهيات ~~( # Axiomes ~~) # كثيرا ما نرى البديهية تعرف بأنها قضية بلغت في ذاتها ~~حدا من البداهة يجعلنا نعجز عن الاهتداء إلى قضايا أشد ~~بداهة منها ليبرهن بها عليها. ولقد اشترط «باسكال» للبديهيات ~~أن تفي بهذه القاعدة «يجب ألا نتطلب من البديهيات سوى أمور ~~واضحة بذاتها كل الوضوح.» وأضاف، تبعا لذلك، أنه «ليس علينا ~~أن نحاول البرهنة على الأمور التي تبلغ بذاتها حدا من ms085 الوضوح ~~يستحيل معه على المرء أن يجد ما هو أوضح منها ليبرهن به ~~عليها.» # وإليك أمثلة لهذه القضايا: المقداران المساويان لمقدار ثالث ~~متساويان. الكل أكبر من الجزء. # فنحن نجد في هذه القضايا مبادئ واضحة وضوحا مطلقا، وتصلح ~~لكل الاستدلالات والتجارب. ~~(3) الصادرات: Postulats # غير أن هناك قضايا أخرى لا يبرهن عليها، وتتخذ بدورها أسسا ~~للرياضة، وذلك إلى جانب البديهيات التي تتصف بالوضوح التام، ~~وتلك الأسس الأخرى تسمى بالمصادرات، ومن أمثلتها مصادرة ~~إقليدس المشهورة: لا يمكن أن يمد من نقطة خارج مستقيم إلا ~~خط واحد وواحد فقط، مواز لهذا المستقيم، ولقد حدث كثيرا خلال ~~التاريخ أن حاول بعضهم «البرهنة» على هذه القضية، أعني أن يجعل ~~منها نظرية تستنبط من نظريات أخرى أو من بديهيات واضحة ~~بذاتها ولكن لم ينجح أحد من الإتيان بمثل هذا البرهان. # ومع هذا فلو لم «يسلم» المرء بهذه القضية، لتوقفت الهندسة ~~الإقليدية عن المسير، ولهذا طالبنا إقليدس بأن نسلم بها. ~~فهي إحدى «مطالبه». فالمصادرة إذن «مطلب» يتقدم به العالم ~~الرياضي، كما يدل على ذلك أصلها الاشتقاقي، (يطالب = # postulare ~~) فالرياضي يقول ~~«سلموا لي بنقطة البداية هذه، وسوف يضطر ذهنكم طوال ~~الاستدلال إلى قبول ما أستنبطه منها.» ويبدو، كما نبه إلى ~~ذلك العالم الرياضي فردينان جونست # Ferdinand ~~Gonseth # أن في ذلك مظهرا من مظاهر العجز ~~بالنسبة إلى الفكر الدقيق. فإذا كنا نستطيع البرهنة على شيء، ~~فلن نقول أبدا إنه من الواجب علينا التسليم به. فضرورة القبول ~~تعادل استحالة البرهنة. # 1 # فلنقر إذن بأن المصادرات المختلفة تقدم في العلوم ~~الرياضية بوصفها فروضا. ومع ذلك ينبغي ألا تشبه هذه الفروض ~~بفروض العلوم الطبيعية التي تخضع دائما للتحقيق «التجريبي». ~~فالفروض الرياضية هي الأساس الذي يبدأ من بعده التفكير الرياضي ~~في القيام بمهمة الاستنباط. وإذن يجب علينا القول بأن العلوم ~~الرياضية فرضية استنباطية # hypothético ~~déductives ~~. وسوف نرى فيما بعد أن العلوم ~~الرياضية إذا كانت فرضية استنباطية فليس ذلك دليلا على ~~نقصان في قيمتها؛ بل هو بعكس ذلك الشروط الأساسية لاتساقها ~~ولتنوعها الخصب. ~~(4) النظرة الحديثة ms086 إلى فكرة «البديهية» # ولكن يجب علينا الآن أن نلح في بيان مسألة فلسفية خاصة ~~جدا تقوم الرياضة على أساسها. فقد رأينا من قبل أن بين ~~البديهية والمصادرة اختلافا كبيرا في «الطبيعة». ولكن عندما ~~يشرع الرياضي في استخدام هذه المبادئ في البرهنة على مختلف ~~النظريات، متبعا قواعد الاستنباط، فإنه لا يشير إلى هذا ~~التمييز بين طبيعتي المصادرات والبديهيات. فالمصادرة، وإن كانت ~~تفرض على ذهننا بوضوح مطلق، فإنها تؤدي دور «نقطة البداية ~~المطلقة» بمثل اليقين الذي تؤديه به البديهية. ويبلغ الأمر ~~في ذلك حدا يجعل من الممكن البدء، في نظريات معينة، بمصادرات ~~تصدم الحدس الساذج لأول وهلة. وسوف نورد في هذا الفصل مثلا ~~لمصادرة كهذه، تصدم الحدس. ولكن، متى سلمنا بالمصادرة يجب ~~اتخاذها أساسا مؤكدا: أي أننا نستخدمها تماما كما لو كانت ~~قضية بديهية في ذاتها. وبالاختصار، فالبديهيات والمصادرات تؤدي ~~نفس الدور بعينه، وعلى أساس هذا الدور تبني نظرية للبديهيات ~~والمصادرات. # وما دامت المصادرات والبديهيات تؤدي نفس الدور، فلم ~~نتمسك إذن بتفرقة لا تأثير لها البتة في تركيب النظريات ~~الرياضية؟ إن التفكير الرياضي الحديث يرى أن نقطة البدء تكون ~~مشروعة إذا كانت تتيح لنا تشييد علم متسق منتج، لا إذا كانت ~~تنطوي في ذاتها على بداهة مطلقة. وإذن فلماذا نحتفظ بكلمتين ~~لكي نشير بهما إلى قضايا تؤدي عملها بطريقة واحدة؟ الواقع أن ~~اسم «البديهية» هو الذي يستخدم عادة، حتى لو كنا إزاء إحدى ~~المصادرات تبعا للنظرة القديمة. وكما لاحظ بوليجان # Bauligand # فاستخدام لفظ ~~البديهية يتجه إلى أن يفرض نفسه، وذلك عن طريق مجموعة من ~~الألفاظ المشتقة منه، مثل نسق البديهيات # axiomatique ~~، ووضع البديهيات # axiomatisation ~~، وتكوين ~~البديهيات # axiomatiser ~~، وهي ~~كلها كلمات لا نجد لها مقابلا إذا بدأنا بكلمة المصادرة. # 2 # ولكن إذا كانت التسمية تنطوي على قدر من الغموض، فإن المعنى ~~الذي يضفيه الفكر الحديث على فكرة البديهية لم يعد حوله ظل من ~~الشك. فليس المهم أن تكون القضية التي نسميها بديهية واضحة ~~بذاتها أو لا تكون؛ بل سيظل أستاذ الرياضة يستخدم في ms087 محاضراته ~~كلمة البديهية، دون أن يتجاوز مطلقا معنى القضية المبدئية ~~التي لا يقوم عليها أي برهان، والتي تمكن من البرهنة على قضايا ~~أخرى، ولن يشير الرياضي إلى أية بداهة كامنة في تلك القضية. ~~وأقصى ما سوف يحدث، هو أنه لو كتب مقالا موجها إلى الفلاسفة. ~~فسيشعر بأن من واجبه أن يذيل الصفحة بهامش يقول فيه: «لسنا ~~في حاجة إلى أن نذكر القارئ بأنه ليس ثمة أي عنصر مشترك بين ~~هذا المعنى لكلمة البديهية، وبين المعنى التقليدي، أعني معنى ~~الحقيقة الواضحة.» # 3 # ولقد أطلنا الحديث عن هذا التغير الذي طرأ على معنى كلمة ~~البديهية لأنه يلقي ضوءا على صفة مميزة للتفكير الرياضي ~~الحديث، فقد استبدلت بالأبحاث الدائرة حول طبيعة الفكرة، أبحاث ~~حول «وظيفة» أو دور هذه الفكرة، وذلك تغيير هام في وجهة النظر ~~يمكننا أن نجد له في فلسفة الرياضيات أمثلة أخرى ~~متعددة. # ولكن إذا لم يكن يتعين تحقق شرط الوضوح الأولى في ~~البديهيات، بمعناها الواسع، وإذا كانت تكتسب وضوحها من أمر ~~يقرره الرياضي الذي يتخذ إحدى القضايا نقطة بدء له، فمعنى ذلك ~~أن من الممكن تنويع النظريات الرياضية، بأن نختار مبادئ أساسية ~~مختلفة، وسوف نضرب لهذا التعدد مثلا عندما ندرس، خلال هذا ~~الفصل، تكوين الهندسات غير الإقليدية، ولكن علينا الآن أن نبين ~~أن هذه الاختيارات المبدئية لا تقوم على أساس الفوضى أو ~~التعسف، وأن مجموعة بديهيات نظرية رياضية تخضع لشروط دقيقة ~~كل الدقة، وكل هذه المجموعة من البديهيات تسمى «نسق ~~البديهيات». ~~(5) صفات «نسق البديهيات» # ما صفات نسق البديهيات السليم؟ ~~(1) # ألا تكون أية بديهية مناقضة للأخرى، أي يجب أن ~~تكون على وفاق مع البديهيات الأخرى. ~~(2) # أن تكون البديهيات كلها مستقلة بعضها عن ~~بعض. ~~(3) # وهناك صفات تخضع لها نظريات معينة، ولكنها لا ~~تتمثل في كل النظريات الرياضية مثل صفة التشيع # Saturation ~~(وسوف نشرح ~~معنى هذا اللفظ بعد قليل). # فلنستعرض هذه الشروط التي سوف تؤدي بنا، فيما بعد، إلى ~~ملاحظات ذات دلالات فلسفية عميقة حول علاقات التفكير الرياضي ~~بالتفكير المنطقي: ~~(1) # يبدو أن الشرط ms088 الأول في غير حاجة إلى دليل. فنحن لا ~~نتصور أن يبدأ الرياضي نظريته من قضيتين متناقضتين، ~~ولكن قد يتفق أن يكون التناقض بين القضيتين مستترا، ~~وعندئذ يجب الكشف عنه، وإقامة البرهان عليه. والحق في ~~إثبات عدم تناقض نسق البديهيات قد يكون أحيانا مهمة ~~عسيرة. غير أن الرياضي يستعين على ذلك بمعيار، فقد ثبت ~~أن نسق البديهيات إذا كان يحتوي على بديهيتين ~~متنافيتين، فمن الممكن إثبات نظرية وضدها. فقبول مجرد ~~تناقض «واحد» يمكننا من البرهنة على كل شيء، ~~ولننتبه جيدا إلى أننا نجعل لهذه الصفة معيارا ~~نظريا لا صلة له بأي انطباع نفسي مباشر. ~~(2) # أما شرط الاستقلال، فقد يفهم على أنه مجرد حرص على ~~التميز الخالص والأناقة، ذلك لأن من البديهي أن ~~المرء لا يفيد شيئا إذا كرر، بصورة تتفاوت غموضا، ~~إحدى البديهيات التي ينبغي أن تصاغ بأكبر قدر ممكن من ~~الوضوح. ولكن وضع بديهيتين تعتمد إحداهما على الأخرى، ~~في مرتبة واحدة، فيه مخالفة لماهية نسق البديهيات ~~ذاته. فإذا افترضنا أن نسقا من البديهيات يتألف من أ، ~~ب، ج، د فإننا نقول إن البديهية «د» تكون مستقلة عن ~~البديهيات أ، ب، ج إذا لم يكن من الممكن استنتاجها ~~منها. وعلى العكس من ذلك، تكون البديهية «د» متوقفة ~~على الباقيات إذا كان من الممكن إثباتها عن طريق ~~البديهيات الأخرى، ولكن «د» تصبح عندئذ نظرية، لا ~~بديهية. # ويستخدم الرياضيون معيارا للاستقلال يفيدنا بحثه ~~أشد الفائدة في فهم فكرة نسق البديهيات؛ وإليك هذا ~~المعيار: # فلنفرض أن نسقا من البديهيات يشكل على أربعة ~~بديهيات: أ، ب، ج، د فلكي نوقن أن البديهية «د» مثلا ~~مستقلة عن الأخريات، نفحص قائمة جديدة من البديهيات ~~تشتمل على البديهيات أ، ب، ج وعلى بديهية مناقضة ~~للبديهة «د» تناقضا تاما ولنسمها (لا - د) فلو ~~كانت «د» متوقفة على البديهيات أ، ب، ج لكان معنى ذلك ~~أننا نستطيع البرهنة على «د» عن طريق أ، ب، ج غير أننا ~~جعلنا (لا - د) بديهية بدورها، وبهذا نكون قد كونا ~~نظرية متناقضة. فإذا كانت ms089 النظرية المؤلفة من ~~البديهيات أ، ب، ج، لا - د خالية من التناقض، فمعنى ~~ذلك أن البديهية «د» مستقلة بالفعل عن الأخريات، ~~وبالطريقة ذاتها يبرهن على كل بديهية أخرى. وهكذا نجد ~~أن معيار الاستقلال بدوره أبعد عن أن يكون مجرد شرط ~~يوضع فحسب؛ بل هو يحتاج في تطبيقه إلى قدر غير قليل من ~~البراعة، ويستطيع الرياضي أن يبحث عن «أنموذج» أعني عن ~~نظرية خاصة سبق اختيارها، تحقق فيها كل البديهيات ~~فيما عدا تلك التي يراد إثبات استقلالها. ~~(3) # وأخيرا فالتحليل العقلي للنظريات الرياضية المحكمة ~~البناء قد حاول الإتيان من البديهيات الكاملة، وهذه ~~الصفة تعبر عنها بوضوح كلمة «التشبع # saturation ~~»، فنسق ~~البديهيات يكون متشبعا إذا لم يكن من الممكن أن تضاف ~~إلى بديهياته بديهية تكمله (مستقلة عن الأخريات) دون ~~أن تؤدي إلى تناقض النظرية. غير أن هذه الصفة ملزمة ~~من أجل تركيب نسق البديهيات تركيبا سليما (إذ يلاحظ ~~أن هناك نظريات عديدة لا تنطوي على هذه الصفة)، والحق ~~أن إيضاح مدى ما تنطوي عليه هذه المشكلة من تعقيد، ~~يحتاج إلى تفاصيل فنية مطولة، ولكن لا شك في أن ما ~~قلناه يكفي في بيان أن التفكير في نسق البديهيات هو في ~~الحق شعور واضح بما يتصف به التفكير الرياضي من دقة ~~بالغة. # ولقد كان أول من فتح باب الأبحاث في أنساق البديهيات هو ~~الرياضي الألماني دافيد هلبرت # D. ~~Hilbert ~~(1862-1943م) الذي نشر في سنة 1899م ~~كتابا مشهورا هو: أسس علم الهندسة # 4 # Die Grundlagen der ~~Geometrie ~~، وقد تجمعت حول «هلبرت» مدرسة ~~كرست جهودها لما يسمى بمشكلة الأسس في الرياضيات؛ أعني لتبرير ~~النظريات الرياضية عن طريق دراسة عدم تناقضها، ودراسة صفات ~~أخرى أتينا من قبل على ذكرها، وسوف نعود مرة أخرى إلى الكلام ~~عن فكرة «هلبرت» عندما نفحص مشكلة المفاهيم الأولى في العلوم ~~الرياضية. ~~(6) المفاهيم الأولى # والواقع أننا لم نتحدث حتى الآن إلا عن القضايا الرياضية. ~~وعلينا الآن أن ندرس المفاهيم التي يرد ذكرها في هذه القضايا ~~(مثل مفاهيم النقطة، المستقيم، المسطح، والعد). وفي دراستنا ms090 ~~للمفاهيم سوف نهتدي إلى خطوة شبيهة بتلك التي أدت بنا إلى وضع ~~المصادرات. فكما أن القضية لا تكون سليمة إلا إذا برهن عليها، ~~فكذلك لا يمكن الانتفاع بالمفهوم إلا بعد تعريفه، ولكي يعرف ~~الرياضي أحد المفاهيم، يستخدم مفاهيم أخرى، وهذه المفاهيم ~~الأخرى لا بد أن تكون مما سبق تعريفه. ولكن هذا معناه أن ~~الرياضي يضطر إلى التوقف في حركة الرجوع إلى الوراء، بحيث يتخذ ~~لنفسه نقطة بدء هي مفاهيم لا تردنا إلى أي مفهوم آخر. وهذه ~~المفاهيم الأولى يطلق عليها كثير من المناطقة اسم ~~اللامعرفات # indéfinissables # مثلما تسمى البديهيات «باللامبرهنات # Les ~~indémontrables ~~». # ولكن نفس الملاحظة التي أبديناها بشأن القضايا الأساسية ~~تنطبق أيضا على المفاهيم الأساسية؛ فالمفاهيم التي تختار على ~~أنها مفاهيم أولى وأساسية، ليست «بطبيعتها» غير قابلة للتعريف، ~~وإنما هي تقرر، كما لو كانت غير قابلة للتعريف. (ومن الجائز ~~جدا أن أحد المفاهيم الذي يقرر كمفهوم أول في نظرية معينة، ~~وبالتالي لا يعرف، يصبح في نظرية أخرى مفهوما مستمدا من ~~غيره، ويعرف تبعا لذلك). # وفيما يلي مثال لهذا التحول، في مستوى الهندسة الأولية، وهو ~~مثال يستطيع المرء إدراكه بالحدس؛ فمن الشائع أن يتخذ مفهوم ~~النقطة مفهوما أول، وعندئذ يعرف مفهوم الخط المستقيم بأنه ~~يتحدد عن طريق نقطتين، أي أنه توصيل نقطتين. ومن وجهة النظر ~~هذه تكون النقطة مفهوما أول، والمستقيم مفهوما مستمدا ~~منها. # ولكن في خلال القرن التاسع عشر، نظر إلى الأمور نظرة ~~عكسية، فأصبح المستقيم هو الذي ينظر إليه بوصفه مفهوما من ~~وجهة النظر الجديدة هذه، وأصبحت النقطة «تعرف» بأنها تقاطع ~~مستقيمين. # على أن هذا التحول ليس مجرد لهو ذهني؛ بل إن وجهة النظر ~~المزدوجة هذه كانت نقطة بدء الأبحاث التي كونت ما يسمى ~~بمبدأ الثنائية # principe de la ~~dualité ~~. فمثلا لو ألقينا نظرة على كتاب ~~«ألفريد كلبش # Alfred Clebsch ~~» ~~المسمى «دروس في علم الهندسة # Leçons sur la ~~géometrié ~~» # 5 # لوجدنا الصفحات فيه مقسمة إلى عمودين ترتب فيهما ~~النظريات بحيث تناظر كل منها الأخرى بدقة. ففي العمود الأيمن ~~نجد ms091 النظريات معبرا عنها «بإحداثيات الخطوط»، حيث يكون ~~المستقيم هو العنصر غير المعرف، وفي الأيسر نجد النظريات ~~معبرا عنها «بإحداثيات النقط» حيث تكون النقطة هي العنصر غير ~~المعرف. وفي ممارسة مثل هذه المتناظرات التي يلعب فيها الخيال ~~دوره يكتسب التفكير الهندسي مرونة كبيرة. # وفضلا عن ذلك فإن المرء يستطيع أن يرى أن تعديل نقط البدء ~~على هذا النحو يجعل الطابع العيني للمفاهيم ذا قيمة ثانوية. ~~فالمفاهيم الرياضية لا تفرض علينا في تجربة عينية يكون لها ~~أصل تجريبي؛ إذ قد يوحى إلينا العالم المحسوس بضروب من الحدس، ~~غير أن هذه الضروب يجب أن يتم إعدادها في مستوى فكري لا ~~يعود مدينا بشيء لحقائق العالم المحسوس. فالمفاهيم الرياضية ~~لا تكتسب قيمتها إلا خلال التنظيم التجريدي الذي يدرس ~~علاقاتها. وقد لاحظ «بوريل # Borel ~~» # 6 # أنه إذا كان هناك مفاهيم «أوحت بها في بدء الأمر ~~أوجه شبه خاصة بالأشياء الحقيقية» (كالخط المستقيم، والدائرة ~~...) «فإن الأعداد الخيالية، والأعداد غير المتناهية، وكثيرا ~~غيرها من الكيانات الرياضية هي مجرد ابتكارات عقلية.» ~~(7) التعريفات # وكما أننا نستطيع تصنيف القضايا الرياضية إلى فئتين: قضايا ~~يبرهن عليها كالنظريات، وقضايا أولية يسلم بها دون برهان، ~~كالبديهيات، كذلك يمكن تصنيف المفاهيم إلى مفاهيم معرفة، ~~ومفاهيم أولى يسلم بها دون تعريف. وهنا قد يخطر اعتراض ~~بالذهن. فكيف حدث أن أدخلنا التعريف ضمن المبادئ، مع أن ~~التعريف كما رأينا لا يبدو نقطة بداية؟ إن علة هذا الغموض ترجع ~~إلى أن المرء ينظر إلى فكرة المبدأ من خلال نظرة إجمالية أكثر ~~مما ينبغي. فالقضية يمكن أن تؤدي دور المبدأ، أعني يمكن أن ~~تؤدي دور قضية يسلم بها دون برهان، وتمكن من البرهنة على ~~غيرها من القضايا، دون أن تكون، رغم ذلك، هي الأولى زمنيا. ~~ففي العلوم الرياضية ذات التركيب المعقد، لا يستطيع المرء أن ~~يقنن بصفة نهائية كل المستلزمات الضرورية لبناء نظرية. ~~فتعريف مفهوم ما هو نقطة نهاية على نحو ما، ما دام سيستخدم ~~أحيانا مفاهيم متعددة «سبق» تعريفها، ولكنه يستخدم مبدأ من ~~أجل التوسع «التالي» في ms092 النظرية. فتعريف الشكل البيضاوي مثلا ~~هو نقطة بداية بالنسبة إلى كل برهنة على نظريات الشكل ~~البيضاوي. # ومن العسير أن نحدد على وجه السرعة خصائص التعريفات ~~الرياضية؛ فطرق التعريف متباينة، # 7 # ودراستها مرتبطة بدراسة عميقة لموضوع الرياضة. ~~وسنرى في نهاية هذا الفصل عرضا لطرق معينة في التعريف (مثل ~~إدخال مفهوم المجموع، ومفهوم العدد الحقيقي، ومفهوم العدد ~~التخيلي، ومفهوم القوة). ~~(8) النزعة الشكلية # Formalisme # بينا من قبل أن الرياضي يجد نفسه مستغرقا في القيام ~~بعملية تجريد أساسية، وسنرى أن هذا الجهد الذي يقوم فيه ~~الرياضي بعملية التجريد هذه، يصل إلى أقصى حدوده في عرض ~~«هلبرت» لهندسة إقليدس. # ولنقل باختصار، إنه ما دام الرياضي ينفصل عن الطبيعة العينية ~~للكيانات الرياضية، فمن الواجب أن نفحص عن كثب دور هذه ~~الكيانات الرياضية، أو بعبارة أدق، العلاقات التي توجد ~~بينها، ولكي نكون على ثقة من أننا نفحص «علاقات» الكيانات ~~الرياضية، تاركين «طبيعتها» جانبا. يجب أن نكون قادرين على ~~التحرر من اللغة ذاتها، وعلى فهم القيمة العميقة للمناهج ~~التي تغلب الطابع الشكلي، المجرد، للتركيبات الرياضية. ولقد ~~ألقى الرياضي «جان ديودونيه # Jean ~~Dieudonné ~~» ضوءا ساطعا على المعنى العميق ~~لمنهج «هلبرت»، فقال: «لم يستطع أحد، مثل هلبرت أن يحقق هذا ~~البرنامج بمثل هذا القدر من العزم والوضوح ولم يبرر أحد قبله ~~ذلك المبدأ الأساسي القائل بأن «طبيعة» الكيانات المدروسة لا ~~أهمية لها في الرياضيات، وأن العلاقات الموجودة بين هذه ~~الكيانات هي وحدها الهامة. فبدلا من كلمات «النقطة»، ~~«والمستقيم»، «والسطح»، ينبغي أن يكون في وسع المرء أن يقول ~~دائما، دون أن يخشى الوقوع في الخطأ، «منضدة» و«مقعد»، وكأس ~~من الجعة». ذلك ما عبر عنه «هلبرت» منذ 1891م بدعابة تكررت ~~في ذلك الاستهلال المشهور (والذي عد في وقته انقلابا) لكتاب ~~أسس الرياضيات. # 8 # فلو رجعنا إلى الصفحات الأولى من كتاب «الأسس»، لقرأنا فيها ~~تحت عنوان «الاصطلاح # convention ~~» السطور الآتية: ~~لنتصور ثلاث مجموعات مختلفة من الكائنات، ونقسم كائنات ~~المجموعة الأولى نقطا، ونشير إليها بالحروف أ، ب، ج ... وكائنات ~~المجموعة الثانية «مستقيمات»، ونشير إليها ms093 بالحروف أ، ب، ج. ~~وكائنات المجموعة الثالثة سطوحا ونشير إليها بالحروف ~~أ # 8 ~~، ~~ب # 8 ~~، ~~ج # 8 ~~. # وبعد هذه التسميات الشكلية الخالصة، يبين «هلبرت» ~~البديهيات التي تحدد علاقة هذه الكيانات. ولنذكر منها اثنتين ~~على سبيل المثال. فلكي نقول إن النقطتين تحدان مستقيما، نكتب ~~الآتي: # أ ب = أ. ولكي نقول إن ثلاث نقط ليست على استقامة واحدة ~~تحدد مسطحا، نكتب ما يلي أ ب ج = ~~أ # 8 ~~. # وإذن فها نحن أولاء تجاه نوع من الشكلية المفرطة. فإذا ~~تذكرنا أن مجموعة البديهات تتألف من افتراضات ليس من الضروري ~~أن تكون متفقة مع بداهات مطلقة، أو مع تجارب العالم المحسوس، ~~وإذا لاحظنا أن «هلبرت» قد أدخل الكيانات الرياضية تحت صفة ~~«الاصطلاح»، فهمنا عبارة «برتراند رسل» التي يلجأ إليها ~~الكثيرون في المناقشات الفلسفية، دون أن يدركوا أحيانا ~~أهميتها على وجه الدقة: «إن الرياضيات علم لا يعلم المرء فيه ~~أبدا عم يتكلم (إشارة إلى الشكلية المحضة) ولا يعلم إذا كان ~~ما يتكلم عنه صحيحا.» (إشارة إلى الاصطلاحات المبدئية، التي ~~يعلن المرء فيها صلاحية بعض القضايا والمفاهيم ، دون إشارة إلى ~~بداهة عقلية أو إلى خبرة تجريبية). # والواقع أن هذه الشكلية، التي تغض الطرف عن الطبيعة الحسية ~~المحددة للموضوعات الرياضية، لا يمكن أن تنمو إلا في جو من ~~المعاني الدقيقة المجردة، ومن الطبيعي أن تعجز عن وصف النشأة ~~التاريخية للعلم الرياضي. وهي لا تظهر إلا في تفكير نظري في ~~العلم بعد تكوينه، غير أن المرء لو أغفل الجهد الضخم الذي بذله ~~الرياضيون المعاصرون من أجل بناء علمهم وتنميته بأكبر قدر من ~~الدقة، لكان في ذلك تجاهل لصفة من أبرز صفات الرياضة ~~المعاصرة. # هذا، وسنعود مرة أخرى، في هذا الفصل ذاته، إلى العلاقات بين ~~الدقة والحدس، وسنحاول، بعد الدراسة الطويلة التي قمنا بها ~~للمبادئ الأساسية في النظريات الرياضية، أن نحدد خصائص ~~الاستدلال الرياضي من خلال مجموعة من عملياته تتسم بأكبر ~~قدر من البساطة. # ثانيا: الاستدلال الرياضي ~~(9) خصوبة الاستدلال الرياضي ودقته # الرياضيات كما قلنا من قبل تركيبات فرضية استنباطية ms094 يؤدي ~~فيها الاستنباط دورا رئيسيا، وكثيرا ما يوصف الاستنباط ~~بأنه عملية تحليلية تنتقل من العام إلى الخاص، ويتخذ القياس ~~( # Syllogisme ~~) أوضح أنموذج ~~للاستدلال الاستنباطي. فإذا ما قبلنا أوجه النقد التي وجهت ~~إلى الاستدلال القياسي، أمكننا القول بأن نتيجة البرهان في ~~الاستنباط، إن هي إلا نتيجة سبق أن احتوت عليها المقدمات. ~~وهكذا يكون الاستنباط عملية استدلالية دقيقة، ولكنها عقيمة. ~~وعلى العكس من ذلك يبدو أن الاستقراء هو الطريق الوحيد الذي ~~يتبعه التفكير المنتج حقيقة؛ إذ هو امتداد للمعرفة وتعميم لها، ~~وإن كان لا يزعم لنفسه ما للاستنباط من دقة مطلقة؛ فلنضع ~~المشكلة أولا في هذه الصورة العامة جدا، لكي نفهم الجدل ~~المشهور الذي نشب في مستهل القرن العشرين بين الرياضي ~~بوانكاريه، والفيلسوف جوبلو، حول طبيعة الاستدلال ~~الرياضي. # ففي مستهل هذا القرن، قال «بوانكاريه» في كتابه «العلم ~~والفرض» (ص4) «ما طبيعة الاستدلال الرياضي؟ أهو حقا استنباطي ~~كما يعتقد عادة؟ إن المقارنة العميقة تبين لنا أن الأمر ~~بخلاف ذلك، وأنه يشارك بقدر معين في طبيعة الاستدلال ~~الاستقرائي، وهذا هو السبب في أنه منتج. ومع ذلك، فإنه لا ~~يفقد شيئا من طابع الدقة المطلقة.» # فكيف نفسر جمع الاستدلال الرياضي بين صفة الخصوبة، وصفة ~~الدقة في آن واحد؟ ~~(10) الاستدلال الترديدي. # 9 # فكرة التعميم # يأخذ بوانكاريه على عاتقه أن يثبت أن الاستدلال الرياضي لا ~~يمكن إرجاعه إلى القياس «الذي لا يأتي إلينا بجديد.» وإنما هو ~~في أساسه «تعميمي؛ مما يفسر طابع الخصوبة الذي لا سبيل إلى ~~إنكاره في العلوم الرياضية.» ويكشف بوانكاريه عن هذا التعميم ~~في صورة من صور الاستدلال الدقيق تتميز بها الروح الرياضية. ~~هي الاستدلال الترديدي # raisonnement par ~~recurrence ~~، وسوف نبين عن طريق مثال، كيف ينمو ~~هذا النوع من الاستدلال؛ فلنقترح مسألة في حاجة إلى حل، هي ~~إثبات عدم تساوي الطرفين الآتيين: ~~(1) (1 + 1) ن ~~> # 1 + ن أ # حيث أ عدد حقيقي أكبر من −1 ومختلف عن الصفر، وحيث إن أي عدد ~~صحيح أكبر من 1. # وللبرهان على هذه المسألة مرحلتان، حسب الترتيب التالي: # 10 ~~(أ) ms095 # نبرهن على أنه إذا كان عدم التساوي الذي تعبر عنه ~~هذه المسألة صحيحا بالنسبة إلى قيمة معينة (ن)، ~~ولتكن ك، كان أيضا صحيحا بالنسبة إلى القيمة ك + 1 ~~(ولنقل على وجه الدقة إننا لا نعلم إذا كان يصح ~~بالنسبة إلى قيمة ك هذه). ~~(ب) # نبرهن على أن عدم التساوي يصح بالنسبة إلى ن = ~~2. # ومن هذين البرهانين يمكننا أن نستدل على أن عدم التساوي ~~صحيح لكل قيم ن ابتداء من 2. والواقع أننا قد أثبتنا في ~~البرهان (ب) أن الصيغة تصح إذا كانت ن =2. على أننا أثبتنا في ~~(أ)، بصفة عامة، أنه إذا كان عدم التساوي صحيحا بالنسبة إلى ~~قيمة معينة ل ن هي ك، فإنه يصح أيضا بالنسبة إلى ك + ~~1. # ولما كانت الصيغة (1) صحيحة عندما تكون ن = م، فإنها تكون ~~أيضا صحيحة عندما تكون ن = 3. ولما كانت صحيحة عندما تكون ن ~~= 3 فإنها تكون صحيحة عندما تكون ن = 4. وفي وسعنا أن نكرر ~~هذا الاستدلال ذاته إلى ما لا نهاية، ما دام البرهان (أ) قد ~~أثبت أن الصيغة إذا صحت بالنسبة إلى أية قيمة ل ن، فإنها تصح ~~بالنسبة إلى القيمة التالية. وبدون البرهان (أ ) كان يمكننا أن ~~نحقق الصيغة (1) عندما تكون ن = 2، ن = 3، ن = 4، على التوالي ~~... ولكننا لا نستطيع عندئذ أن نؤكد أنها تصح على ذلك العدد ~~اللامتناهي من قيم ن، ابتداء من 2، فعن طريق البرهانين أ، ب ~~معا، يمكننا أن نؤكد صحة عدد لا نهاية له من الصيغ. # وهكذا يمكننا أن نفهم السبب الذي قال من أجله بوانكاريه: إن ~~«الاستدلال الرياضي يشارك بقدر معين في طبيعة الاستدلال ~~الاستقرائي.» فالاستقراء الترديدي يسمح لنا أن نؤكد صحة صيغة ~~في عدد لا نهاية له من الحالات، بينما كان يمكننا عن طريق ~~براهين مماثلة للبرهان (ب) أن نؤكد الصيغة (أ) في عدد «متناه» ~~من الحالات فحسب، ولكن علينا أن نفهم كل فكرة في تفاصيلها ~~الدقيقة، لهذا أشرنا بوجه خاص إلى كلمة «بقدر معين». فبعد ~~عدة صفحات، يعبر بوانكاريه عن رأيه بوضوح تام يمكن من ms096 ~~توقي كل خلط، فيقول: «لا يستطيع المرء أن يتجاهل أن في ~~الاستدلال الترديدي تشابها ملحوظا مع عمليات الاستقراء ~~المعتادة، ومع ذلك، فلا زال بينهما اختلاف جوهري. فالاستقراء ~~حين يطبق على العلوم الطبيعية يكون على الدوام غير مؤكد، ~~لأنه يرتكز على الإيمان بنظام عام للكون ... أما الاستقراء ~~الرياضي، أعني البرهان «الترديدي» فإنه يفرض ذاته بضرورة ~~محتومة ...» وإذن فقد أراد بوانكاريه أن يقرب الاستدلال ~~الترديدي من الاستدلال الاستقرائي كما يتمثل في العلوم ~~الطبيعية لأنهما «يسيران في نفس الاتجاه، أعني ينتقلان من ~~الخاص إلى العام.» ولكنه إذ يقربهما على هذا النحو يؤكد أيضا ~~بوضوح أنهما «يرتكزان على أسس مختلفة.» # فما الاعتراضات التي وجهها عالم المنطق «جوبلو» إلى ~~بوانكاريه؟ إنه يقول له: لقد وصفت «الاستدلال الترديدي» بأنه ~~الاستدلال الرياضي على الحقيقة. غير أنه استدلال خاص إلى أبعد ~~حد، ولا يمكن أن ينطبق إلا على مجالات معينة في الرياضة، ~~وهي المجالات التي يتبدى فيها تعاقب الأعداد الصحيحة. # ولكن الشيء الذي أراد بوانكاريه أن يبينه، ليس هو القول ~~بأن «الاستدلال الترديدي» هو أكثر الاستدلالات استعمالا؛ بل ~~هو الاستدلال النموذجي للتفكير الرياضي؛ فهو استدلال صالح كل ~~الصلاحية للكشف عن الخصائص التي يتميز بها الاستدلال الرياضي؛ ~~إذ إن الاستدلال الرياضي هو، في الواقع، «أداة تمكن من ~~الانتقال من المتناهي إلى اللامتناهي» بدقة كاملة «وهذه الأداة ~~نافعة دائما، لأنها متى أتاحت لنا اجتياز ما نشاء من الخطوات ~~بقفزة واحدة، فإنها توفر علينا القيام بالتحقيقات المطولة، ~~المملة، التي تسير على وتيرة واحدة، والتي سرعان ما يصبح من ~~المستحيل تنفيذها عمليا. غير أنها تصبح لازمة عندما يكون ~~هدف المرء هو الوصول إلى النظرية العامة، التي نقترب على ~~الدوام من تحقيقها تحليليا، دون أن نتمكن من الوصول إليها.» ~~والواقع أن عملية التحقيق تصبح مستحيلة في مجال اللامتناهي. ~~فقد نستطيع التحقق من أن الصيغة (أ) صحيحة في عدد متناه من ~~الحالات، ولكن البرهان الدقيق للاستدلال الترديدي يمكننا من ~~تأكيد صحتها بالنسبة إلى القيم اللامتناهية التي يمكن أن ~~تعزى إلى ن. وإذن فقد أراد ms097 بوانكاريه أن يثبت أن الرياضيات لا ~~يمكن أن ترجع إلى سلسلة من الأقيسة، وأنها تقوم على التعميم ~~في أساسها، وأنها تسمح لنا بأن نؤكد، بكل دقة، صحة صفة معينة ~~في عدد غير متناه من الحالات. «هذا إلى أنه من الضروري أن ~~يكون في وسع المرء إثبات خواص الجنس دون أن يضطر إلى إثباتها ~~بالنسبة إلى كل من الأنواع على التوالي.» (العلم والفرض ~~ص27)، فبالاستدلال الترديدي، تكتسب قضايانا صفة العموم ~~فورا. # ولكن هل يجب القول، كما قال بوانكاريه بتعجل، بأن ~~الاستدلال الرياضي ليس استنباطا على الإطلاق؟ كلا بالتأكيد. ~~ذلك لأن «بوانكاريه» قد سوى بين الاستدلال الاستنباطي ~~والعملية القياسية التي تنتقل من العام إلى الخاص، وكان في ذلك ~~متبعا منطق عصره. ولكن الحقيقة أن الاستدلال الاستنباطي يلجأ ~~إلى عمليات فكرية معقدة، تختلف كل الاختلاف عن القياس، كما ~~أثبت ذلك المنطق المعاصر. وحسبنا أن نذكر تلك الحقيقة البسيطة، ~~وهي أن في وسع الرياضي أن يستبدل، في الصيغة الرياضية وبشروط ~~معينة، مجموعة من الرموز بمجموعة أخرى من الرموز؛ نقول حسبنا ~~أن نذكر هذا، لنكون قد فهمنا مدى تقدم البرهان، وفضلا عن ~~ذلك فالمنطق يدخل عمليات التعميم، إن لم يكن في مراحله ~~الأولى. ففي نموه التالي على الأقل. # فأهمية القياس قد أصبحت ضئيلة في العمليات الاستنباطية التي ~~يقوم بها المنطق المعاصر. ~~(11) فكرة التركيب # فلنفحص الآن وصف جوبلو للاستدلال الرياضي. إنه يقول: ~~«البرهان هو التركيب» # 11 # على أن هذا التعبير الواضح جدا يخفي وراءه أكثر ~~التفسيرات تباينا. والواقع أن كلمة «التركيب» تعني في نظر ~~جوبلو التركيب المرسوم. والعملية الجبرية، والعملية الذهنية ~~(التي يميزها جوبلو عن عملية العقل)، وتركيب النتيجة مع الفرض، ~~ولنحتكم إلى النصوص. إنه يقول: «إن أهمية التركيبات المرسومة ~~في الهندسة لم تخف على أحد، ولكن المناطقة يميلون إلى أن ~~يروا فيها مجرد عمليات مساعدة أو ممهدة للاستدلال، في ~~حين أنها هي الاستدلال نفسه.» (ص273)،كما يقول: «ليس ثمة قضية ~~حسابية أو جبرية لا يبرهن عليها عن طريق «عملية» أو سلسلة من ~~العمليات.» (ص269)، كذلك يقول ms098 «ليست العمليات التركيبية عمليات ~~عقلية، وإنما هي عمليات تنفذ ذهنيا.» (ص273). وفي فقرة أخرى ~~يقول جوبلو: «لكي نبرهن على أن فرضا ما يستتبع نتيجة ما، ~~نركب النتيجة مع الفرض.» (ص272)، ويريد جوبلو أن يؤكد على وجه ~~التحديد، أن «النشاط التركيبي للعقل هو الذي يظهر النتيجة ~~الجديدة.» (ص264). # غير أن هذه الاستعانة بالنشاط التركيبي للعقل تظل تفسيرا ~~على جانب غير قليل من الغموض، وليس هناك من ينكر نشاط ~~العقل الرياضي وإبداعه، ولكن الواقع أن من العسير وصف ~~الاستدلال الرياضي بصفة واحدة، وكل محاولة لفهم عملية ~~الاستدلال الرياضي عن طريق تفسير واحد فريد، تظل محاولة غير ~~دقيقة، وإنما الواجب تحليل البراهين الرياضية المتعددة، ~~والرجوع إلى أكثر الأمثلة تنوعا. ومن الضروري، بوجه خاص، ألا ~~يقف المرء عند حد الأمثلة الأولية؛ بل الواجب أن يدرس ~~الاستدلالات التي تكون تعريفات موضوعاتها الرياضية نتيجة ~~إعداد وئيد، ونتيجة للتأليف بين أكثر اتجاهات الفكر تباينا. ~~وعندما نفحص دور الحدس والصياغة الشكلية، سنصبح أقدر على ~~إدراك طابع التعميم والتركيب الذي يتميز به نشاط التفكير ~~الرياضي. # ثالثا: الفكر الحدسي والفكر المقالي ~~(12) الحدس الرياضي والحدس الحسي # رأينا من قبل في الجزء الخاص بالمفاهيم ~~( # notions ~~) أن المفاهيم ~~الرياضية، حتى وإن كانت من أصل تجريبي بالفعل، فسيظل من ~~الصحيح أن الرياضيات قد انفصلت عن ذلك الأصل التجريبي، وأنها ~~قد أصبحت علما بريئا من الصفات المحسوسة. فعندما يفكر ~~الرياضي في الخط المستقيم، فهو لا يفكر في خيط البناء، وعندما ~~يثبت أن المنصفات تتلاقى في المثلث، فإن برهانه يكون ~~مستقلا عن التحقيق المادي لهذا الشكل. ومن المحال أن يحل ~~البيان بالرسم محل برهان بالاستدلال؛ إذ ليس للرسم من عمل ~~سوى أن يكون دعامة للانتباه، دون أن يكون عنصرا مكونا ~~للبرهان «فالتصورات الهندسة تصورات فكرية.» كما أكد الفيلسوف ~~الألماني هوسرل # Husserl ~~، الذي ~~كان عالما رياضيا في الوقت ذاته، وهي تعبر عن شيء لا يمكن ~~«رؤيته»، وعلى ذلك فليس من المستطاع المقارنة بين الحدس ~~الرياضي والحدس الحسي بأية حال. ~~(13) التفكير الحدسي والتفكير المقالي ~~( # Discursive ~~) # لكن هل سنهتدي ms099 في الحدس الرياضي إلى تلك الصفات التي اعتاد ~~المفكرون أن يصفوا بها الحدس بمعناه الفلسفي؟ # إن الحدس يمكن أن يوصف في هذه الحالة بأنه اتصال مباشر، ~~فوري، عيني، بموضوعه، وهذا الاتصال المباشر يحقق في الوقت ~~ذاته أوثق فهم لهذا الموضوع؛ إذ يصل إليه في جوهره ووجوده ~~الفردي. وبهذا يكون الحدس مضادا لكل تفكير مقالي، أو «سلسلة ~~من الحجج» أو خطوات للبرهان، أو تنظيم شكلي، أو تطبيق دقيق ~~لمنهج ما. # ويبدو أنه من الممكن أن نهتدي إلى مثال للتقابل بين هذين ~~النوعين من التفكير، عندما نقارن بين الهندسة والجبر ~~الأوليين. فقد قال ليبنتس ~~( # Leibniz ~~) في بحثه «فن ~~الاختراع # Ars inveniendi ~~» إن ~~علماء الهندسة يستطيعون البرهنة بكلمات قليلة على قضايا يصعب ~~إثباتها عن طريق الحساب إلى حد بعيد. فالطريق الجبري يؤدي ~~دائما إلى الهدف، ولكنه ليس على الدوام أفضل الطرق. فمن ~~الممكن أن نقابل بين البراهين السريعة اللماحة للفكر ~~الهندسي، وبين بطء الحساب الجبري وخطواته المتدرجة، وأن ~~نقابل بين رشاقة البرهان الهندسي وثقل الحساب الجبري، وبين ~~عبقرية الحدس الهندسي وآلية المناهج الجبرية. # غير أن هذه المقارنة بين الهندسة والحساب لا تمكننا من ~~تقدير دور الحدس في الرياضة حق تقديره. والواقع أننا نهتدي إلى ~~التمييز بين الحدس والانضباط الدقيق حتى في الجبر ذاته. فعالم ~~الجبر يهتدي أحيانا بالحدس السريع إلى منهج للحل، ويشعر ~~بالنتيجة مقدما، ويكون مجهوده في البرهان موجها بوضوح في ~~هذه الحالة، وهو لا يأخذ على عاتقه مهمة اختبار دقة برهانه إلا ~~في المرحلة الثانية من بحثه. # وفي هذا الاختبار الدقيق يبدو أن الرياضي يدعو كل الآخرين ~~إلى التحقق من فكرته الخاصة، فلا يعود الحدس الرياضي الذي ~~يتحقق منه على هذا النحو، فكرا فرديا بالمعنى الصحيح؛ أي لا ~~تتمثل فيه صفة طالما طالب بها أنصار الفكر الحدسي في الفلسفة. ~~وقد تبدو هذه الملاحظة مرتبطة بعلاقة فرعية وظاهرية، للتفكير ~~الرياضي. ولكن إذا كان الحدس الفردي في حاجة إلى التحقق من ~~صدقه حتى يمكن قبوله؛ ففي هذا ما يكفي لبيان طبيعته الحقيقية. ~~فالحدس ms100 الرياضي لا بد من أن يتداول، ومن الضروري أن يقبله ~~مجموع الرياضيين قبولا تاما، ومن الواجب أن يحكم عليه من ~~خلال نقط اتصاله وارتكازه على النظريات الرياضية القائمة ~~بالفعل. # وإذا كان من ضروب الحدس ما هو أساس لظهور بعض المشاكل ~~الرياضية، وإذا كان منها ما يوحي بحلول لمشاكل معينة، فلا ~~يمكن من ذلك تصور تفكير حدسي يستغني عن الصياغة الشكلية ~~الدقيقة. والحق أن بين النظرات الحدسية والمناهج الدقيقة ~~تأثيرا متبادلا. فالتفكير القائم على الحدس في حاجة إلى أن ~~يؤكد ذاته، وإلى أن يشيد بناءه عن طريق التفكير المقالي، وهذا ~~التفكير الأخير في حاجة إلى استعادة صلته بالتأكيدات الحدسية، ~~فإذا اقتصرنا، كما فعل أحد الفلاسفة، على القول بأن «التفكير ~~الشكلي يستمد حياته من التفكير الحدسي.» لما عبرنا بهذا ~~إلا عن نصف الحقيقة. فمن الواجب أن يضاف إلى ذلك، أن التفكير ~~الحدسي يظل في الوقت ذاته مرتبطا بالتفكير الشكلي المقالي ~~الذي يضفي عليه اليقين والدقة. # وليلاحظ بوجه خاص أن «هناك بداهات تكون في بعض الأحيان خادعة ~~إلى أبعد الحدود.» على حد تعبير بوليجان # Bouligand # ولذلك ينبغي أن تكون ~~الروح الجبرية # algebrisme # مرشدا للتفكير الذي يستند متسرعا إلى البداهة ~~الحدسية. # ولكن لا ينبغي أن يوصف الحدس عموما بأنه قبول مباشر لكل ~~بداهة تعرض للعقل. فهناك حالات يكون فيها الحدس «صادرا عن ~~الروح النقدية بحق». إذ قد يكون لدى المرء أداة جبرية موثوق ~~منها، ومنهج دقيق، ومع ذلك قد يأتي حدس خصب فيشككنا في إمكان ~~تطبيق المنهج «تطبيقا آليا»، وعندئذ يصبح الحدس دليلا ~~على حذر بالغ وعلى تفكير يقظ لا يثق بالحجج الاستدلالية ~~التي تتشابك بطريقة آلية مفرطة. وقد اقترح بوليجان أن تسمى ~~هذه الحدوس باسم «الحدوس المضادة # contre-intuitions ~~» ومن قبيلها ~~حدوس الدالات المتصلة التي لا تحل محلها قيم. # ولكن إذا كانت هناك «حركة ذهاب وإياب بين ضروب الحدوس والروح ~~الجبرية # Algebrisme ~~» كما يقول ~~بوليجان، فمعنى ذلك أننا لا نستطيع القول بأن الحدس هو الخطوة ~~الأولى حقيقة. فمن الممكن القول بأن إنشاء النظريات الرياضية ms101 ~~يقوم «على أساس» حدوس، ولكن هذه الحدوس ترتبط «بمعرفة» رياضية، ~~وكلما اتسع نطاق المعرفة المكتسبة، ازداد الحدس وضوحا، ~~فالحدس الرياضي هو حدس أناس عارفين. والواقع أن ذلك الحدس الذي ~~يبدو أنه يفرض علينا آفاقا أو موضوعات «جديدة» إنما ينتج ~~في حقيقة الأمر عن ألفة طويلة الأمد مع مفاهيم أعدها التفكير ~~الشكلي الدقيق إعدادا طويلا، ومع نظريات أحكم هذا التفكير ~~بناءها. فالحدس لا يتدخل ابتداء من معطيات عينية فحسب ... بل ~~سرعان ما يكتسب لدى الرياضي فاعلية في ظروف أوسع نطاقا من ~~ذلك بكثير ... فعالم الهندسة، إذ يصبح أكثر «ألفة» بالكيانات ~~التي يدرسها، ينتهي به الأمر إلى أن يكون لنفسه عنها فكرة ~~تعادل في وضوحها فكرته عن الأشياء الحقيقية التي يحفل بها ~~العالم الخارجي. وعلى هذا النحو يتكون في بعض مناطق العالم ~~الرياضي ميل إلى إدراك علاقات، عظيمة الدقة في أغلب الأحيان، ~~وذلك عندما يكون كشف هذه المناطق قد بلغ حدا معينا من التقدم. # 12 # ونحن نؤكد هذه العبارة الأخيرة بوجه خاص، لكي ~~نلح في بيان الطابع «الفني» للحدس الرياضي، الذي يظل ~~مرتبطا ارتباطا وثيقا بتمكن الرياضي من المناهج، وإلمامه ~~الواسع بالتفكير المقالي. ~~(14) حدس البديهيات # حاولنا أن نبين مدى الارتباط والتكامل بين جوانب الحدس ~~والإجراءات المنضبطة في الرياضة، ولكن قد يخطر اعتراض بالذهن، ~~هو: هل يؤدي ظهور التفكير المرتكز على مبدأ «البديهيات» إلى ~~رفض الحدس رفضا تاما؟ إنه ليبدو أن وجود مجموعة من ~~البديهيات معناه أن المرء قد بلغ مرحلة من التجريد لم يعد ~~فيها أي مجال للحدس. والحق أن الرياضيين قد تصدر عنهم تصريحات ~~توحي إلى الأذهان الساذجة بمثل هذا الاعتقاد، وذلك كقولهم: ~~«إنا لا ننكر أن معظم الصور الرياضية كانت تحتوي في أصلها على ~~عناصر حدسية محددة، ولكن من المحقق أنها لما جردت من كل ~~محتوى فقد أمكنها أن تكتسب هذا التأثير العظيم الذي كانت تنطوي ~~عليه في ذاتها بالقوة، وهكذا أصبحت قابلة للتعبير عن تفسيرات ~~جديدة، ولأداء وظيفتها في إعداد النظريات الرياضية.» # 13 # فلنرجع لحظة إلى هذا التفكير الذي ms102 يعتمد على البديهيات، ~~والذي سبق أن أشرنا إليه؛ أن مهمة البديهيات لا تنحصر في مجرد ~~تقنين الفروض والقواعد في نظرية رياضية خاصة؛ بل إن نسق ~~البديهيات لا يقتصر في الواقع على عرض البديهيات والمعاني ~~الأولية الخاصة بنظرية ما، وعلى دراسة مدى اتساق هذه ~~البديهيات فيما بينها، واستقلال كل منها عن الأخرى، وإنما يسعى ~~إلى فهم «السبب العميق» للاستدلالات المتسلسلة، والكشف عن ~~هيكل الاستدلال، بغض النظر عن «طبيعة» الموضوعات التي ~~تتدخل في النظريات الرياضية. وهو يجمع النظريات لا لأنها ~~تعالج موضوعات رياضية لها طبيعة واحدة، وإنما لأنها تكشف عن ~~بناءات واحدة. # وكما يقول هنري كارتان: # 14 ~~«لنفرض أن بديهيات نظرية رياضية ما قد اختبرت ~~بصفة نهائية، وعندئذ ينبغي ألا تقتصر نظريتنا الرياضية على ~~أن تكون تجميعا جامدا للحقائق، أعني لنتائج البديهيات ... فلكي ~~تكون الرياضة أداة فعالة، ولكي نستطيع نحن علماء الرياضة، ~~الاهتمام بها من أعماق نفوسنا، فلا بد أن تكون تركيبا حيا، ~~ولا بد أن نرى فيها بوضوح تسلسل النظريات، وأن نجمع فيها ~~النظريات الجزئية، وفي هذه المحاولة بدورها نستعين بمنهج ~~البديهيات الذي يزودنا بمبدأ للتصنيف.» # وفي هذا المجهود الذي ~~يبذله الرياضي لاستخلاص بناءات النظريات، حتى يقارن هذه ~~النظريات فيما بينها، ويكون منها مجموعات، نجده يقوم بعمل ~~«تجريدي» تماما، فعليه أن يتجرد من الحدوس العينية، التي تجعل ~~تفكيره خاضعا للمجالات الفردية الخاصة، وعليه ألا يقتصر على ~~ثقافة محدودة تكتفي بأمثلة جزئية، أو حتى بنظريات خاصة؛ بل ~~يجب أن يصل إلى فهم «التركيب الهندي» للرياضيات ذاتها، ولكن ~~دراسة الصور المجردة تدفعنا عندئذ إلى استخلاص أفكار عامة ~~«موجهة». وإذا كان في منهج البديهيات خروج على الحدوس العينية ~~فمن المحقق، مع ذلك، أنه يكشف عن طبيعة الأشياء، ويجعلنا نجيد ~~فهم ماهية النظريات الرياضية ونحسن «رؤيتها» بوضوح كامل. ~~فالآن لم تعد الرياضة على الإطلاق، كما كانت فيما مضى، ~~تأليفا آليا محضا بين صيغ منعزلة، وقد أصبح الحدس الآن - ~~أكثر من أي وقت مضى - يسيطر تماما على نشأة الكشوف الرياضية، ~~غير أنه أصبح منذ الآن يمتلك ms103 الوسائل القوية التي تمده بها ~~نظرية الأنواع البنائية الكبرى، وهو يسيطر بلمحة واحدة على ~~مجالات هائلة وحد بينها منهج البديهيات # l’axiomatique ~~، وهي المجالات ~~التي يبدو أنه لم يكن يسودها من قبل سوى الاضطراب الشامل. ~~فمنهج البديهيات المبني على المنطق البحت، لم يكتف بأن جعل ~~لعلمنا أساسا راسخا؛ بل إنه يتيح لنا إجادة تنظيمه وإجادة ~~فهمه، ويجعله أكثر فاعلية، ويستبدل بالحسابات أفكارا عامة، # 15 # ولكن أليست هذه علامة حدس أصيل يمكننا أن نسميه ~~حدس التنظيم المجرد؟ # إذن نرى الآن إلى أي حد تكون التفرقة بين التفكير المقالي ~~والتفكير القائم على الحدس في الرياضيات تفرقة مصطنعة، فحتى ~~في المجال الذي يبدو فيه أن الحدس قد استبعد، نراه يعود إلى ~~الظهور بصورة قد تكون غير مألوفة، ولكنها قوية إلى حد بعيد، ~~وهكذا فبناء أكثر الأساليب الفنية الرياضية تجريدا يقتضي ~~الالتجاء إلى أكثر ضروب الحدس خصوبة وعمقا. ~~(15) الحدس والنزعة الحدسية # ينبغي ألا نطلق اسم «النزعة الحدسية» على كل نظرية في نقد ~~المعرفة تؤكد دور الحدس في التفكير الرياضي، إذ إن هذه الكلمة ~~أصبحت اليوم مقتصرة على المذهب «الرياضي» لعالم رياضي هولندي ~~معاصر هو «بروفر # Brouwer ~~»، ~~وكما يقول «جونست # Gonseth ~~»: ~~«إن النزعة الحدسية تقترح نظرية جديدة وتطبيقا عمليا ~~جديدا للتفكير الرياضي.» وتعترف النزعة الحدسية بمعطيات، هي ~~بضعة مفاهيم ذات وضوح بديهي ، وبضع عمليات أساسية للفكر، وهي ~~لا تقبل سوى المفاهيم الرياضية التي يمكنها أن تبين بالفعل ~~عملية «تركيبها عن طريق هذه المعطيات»، ويرى «بروفر» أنه لا ~~يكفي أن نثبت عدم تناقض أحد المفاهيم حتى نسلم بصحته؛ بل يجب ~~أن نكون قادرين على تركيبه، وذلك على حد التعبير الذي نصادفه ~~على الدوام في كتابات بروفر. فمذهب بروفر لا يكون إذن سوى ~~«جزء» من الرياضيات الكلاسيكية فحسب. ففي بعض الحالات الخاصة ~~المعقدة جدا والخاصة باللامتناهي، قد يجد المرء قضايا ليست ~~متناقضة (وبالتالي ليست باطلة) ولكنه لا يستطيع الجزم ~~بصحتها؛ أعني بما إذا كان من الممكن تركيبها بالفعل. في هذه ~~الحالات لا يمكن تطبيق مبدأ الثالث المرفوع، وعلى ms104 ذلك فلا يمكن ~~في رأي بروفر الاعتراف بصحة مبدأ الثالث المرفوع بصفة مطلقة، ~~وإذن فهذا الموقف مرتبط برفض المنطق التقليدي، ويقتضي منطقا ~~جديدا (صاغه تلميذ لبروفر هو: هيتنج # Heyting ~~) ولكن النزعة الحدسية ~~ليست منطقا بحسب جوهرها وإنما هي مذهب رياضي، وفضلا عن ذلك ~~فالمنطق في نظر بروفر، شأنه شأن كل لغة، ليس دقيقا في التعبير ~~عن النشاط الرياضي الذي هو حدسي في أساسه. # غير أن مذهب بروفر يظل مذهبا خاصا جدا، وهو على هامش ~~الرياضيات الكلاسيكية تماما. # رابعا: الهندسات اللاإقليدية ~~(16) المصادر الخامسة لإقليدس. هندسة لوباتشفسكي # إذا أردنا توضيح بعض خصائص منهج البديهيات، فلن نجد في ذلك ~~خيرا من القيام بعرض سريع للهندسات اللاإقليدية. ولقد ذكرنا ~~من قبل المحاولات المتعددة التي بذلت طوال عصور عديدة ~~للبرهنة على مصادرة إقليدس القائلة بوجود خط مواز، وخط ~~واحد (وهي المصادرة الخامسة) وفي مستهل القرن التاسع عشر «أدى ~~الإخفاق العام إلى إثارة فكرة جديدة لدى علماء الهندسة، بصورة ~~تبلغ قدرا غير قليل من الدقة، هي أن مسلمة إقليدس لا يمكن ~~البرهنة عليها، ومن الضروري أن نسلم بها دون برهان، أو أن ~~نسلم بأخرى تعادلها.» # 16 # وبالتدريج أخذت الآراء تتجه إلى رفض الفكر ~~القائلة إن قضية إقليدس هي نظرية لم يكشف بعد برهانها، ~~فاعتبرت مصادرة حقيقية لا يمكن استنباطها من المصادرات ~~الهندسية الأخرى، ولو تذكرنا معيار استقلال المصادرات الذي ~~أشرنا إليه في القسم «5» لفهمنا معنى محاولة العالم الرياضي ~~الروسي لوباتشفسكي # Lobatchevski ~~(1793-1856م). ~~فلوباتشفسكي قد بدأ بمصادرة مرتبطة ببقية مصادرات الهندسة ~~الإقليدية، وهي تنحصر في قضية تناقض مصادرة إقليدس؛ إذ تفترض ~~أن من الممكن مد مستقيمين لا مستقيم واحد، من نقطة خارج ~~مستقيم، ومن هذا الأساس الأول، استنبط نظريات عدة، ونشر نتائج ~~أبحاثه باللغة الروسية في مطبوعات جامعة قازان # Kazan # في عام 1830م. ثم نشرها ~~باللغة الفرنسية في مجلة # Journal de ~~Grelle # 1837م، ولا شك في أن النظريات التي ~~تكونت على هذا الأساس الجديد كانت تناقض نتائج الهندسة ~~التقليدية. فقد تبين مثلا أن مجموع الزوايا الداخلية للمثلث ms105 ~~لا يساوي قائمتين؛ بل هو دائما أقل من قائمتين، ولكن ~~لوباتشفسكي لم يعثر على تناقصات «داخلية» في البناء الذي ~~شيده على أساس معدل، ولو وجد تناقض داخلي لكان في ذلك ~~برهان على أن مصادرة إقليدس لم تكن مستقلة عن المصادرات ~~الأخرى في الهندسة، وأنه يمكن البرهنة عليها. # ولا شك أن اعتراضا ~~يخطر بالذهن ها هنا: فمن الجائز أن لوباتشفسكي لم يسر في ~~التركيب الذي شيده إلى الحد الذي يجعله يصادف التناقض الذي ~~كان كفيلا بهدم نظرياته، وكان في الوقت ذاته كفيلا بأن يأتي ~~أخيرا ببرهان على مصادرة إقليدس بطريق «الخلف». # غير أن هذا الاعتراض قد وجد الإجابة عنه في مؤلفات الرياضي ~~الألماني «فيليكس كلاين # Felix ~~Klein ~~» (1849-1925م) والعالم الرياضي ~~«بوانكاريه Poincaré ~~» ~~(1854-1912م). فقد وضع كلاين «أنموذجا إقليديا» للهندسة ~~اللاإقليدية، ووضع بوانكارية «معجما» يمكن من ترجمة نظريات ~~لوباتشفسكي بلغة إقليدية، وعلى ذلك، فإذا كان من الممكن ~~الاهتداء إلى تناقض في بناء هندسة لوباتشفسكي، فإن «المعجم» ~~يتيح تحديد هذا التناقض في بناء الهندسة الإقليدية. فمجال صحة ~~الهندسة اللاإقليدية يعادل في عمقه تماما مجال صحة الهندسة ~~التقليدية، أي الهندسة الإقليدية القديمة. # 17 # وإذن فقد بين بوانكارية التكافؤ التام بين الهندسة ~~الإقليدية والهندسة اللاإقليدية عند لوباتشفسكي، من حيث الصدق. ~~ومن هنا يكون السؤال عما كانت إحداهما أصدق من الأخرى، سؤالا ~~أسيء وضعه. ولندع بوانكاريه يتكلم: «فما قولنا في هذا السؤال: ~~هل الهندسة الإقليدية صحيحة؟ ليس لهذا السؤال أي معنى؛ بل هو ~~لا يختلف عن التساؤل عما إذا كان نظام القياس العشري صحيحا ~~والمقاييس القديمة باطلة، وعما إذا كانت إحداثيات ديكارت ~~صحيحة والإحداثيات القطبية باطلة. إن أية هندسة لا يمكن أن ~~تكون أصدق من الأخرى، وكل ما يمكنها هو أن تكون أكثر يسرا Plus Commode # على أن الهندسة ~~الإقليدية أكثر يسرا من غيرها، وستظل كذلك دائما: ~~(1) # لأنها هي الأبسط ... ~~(2) # ولأنها تتفق إلى حد غير قليل مع خصائص الأجسام ~~الطبيعية، وهي الأجسام التي تقترب منها أعضاء جسمنا، ~~وعيننا، والتي نصنع منها ما لدينا من أدوات للقياس.» ms106 # 18 # ولقد كان لهذه الإشارة إلى اليسر دور كبير في بداية هذا ~~القرن، فرأى البرجماتيون فيها تأييدا لمبدئهم الفلسفي القائل ~~إن الحقيقة تتصف بأنها قيمة للمنفعة، ولليسر. # والحق أنه مهما كان لهندسة إقليدس من قيمة عملية تكاد ~~تكون شاملة، فمن الممكن فعلا أن تظهر حالات تصبح فيها ~~الهندسة اللاإقليدية أكثر مناسبة لأحد البحوث الخاصة. فعندما ~~بدأت النظرية النسبية العامة لأينشتين تطبق، تبين أن من ~~الممكن التعبير عنها عن طريق هندسة أخرى لا إقليدية (هي هندسة ~~ريمان) بطريقة أكثر يسرا منها في هندسة إقليدس. وعلى هذا ~~فالإشارة إلى اليسر لا يمكن أن تمدنا بمعيار للقيمة ~~«العقلية» «والتجريبية» المطلقة لهندسة من الهندسات. ~~(17) هندسة «ريمان» # لقد أشرنا منذ قليل إلى الهندسة اللاإقليدية عند ريمان # Riemman ~~(1826-1866م) وهذه ~~الهندسة بدورها لا تقبل قضية إقليدس القائلة بوجود مواز واحد. ~~وتتخذ هندسة «ريمان» بدلا من مصادرة إقليدس مصادرة أخرى ~~تقول إنه لا يمكن رسم أي خط مواز لمستقيم. فأي مستقيمين ~~على سطح معين يمكن أن يتقابلا. والواقع أن سطح أية كرة (حين ~~ننظر إليه دون أية إشارة إلى بعد ثالث) يتمثل فيه مجال ~~صالح للتوسع في هندسة ريمان ذات البعدين. فعلى مثل هذا ~~السطح تكون الفكرة المناظرة للخط المستقيم في المسطح # 19 # الذي عرفه إقليدس، هي دائرة كبيرة (وكما أن الخط ~~المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين على سطح واحد، فكذلك ~~الحال في الكرة، حيث يكون الجزء من الدائرة المحصورة بين ~~نقطتين هو أقصر مسافة بين هاتين النقطتين)، وواضح أن ~~«المستقيم» عند ريمان (أعني الدائرة الكبيرة) لا يمكن أن يكون ~~له خط مواز (أي دائرة كبيرة أخرى) من نقطة على «السطح» (الكرة) ~~خارجة عن هذا المستقيم، وفي هندسة ريمان يكون مجموع زوايا ~~المثلث أكبر من قائمتين (إذ إن مجموع زوايا المثلث الكروي ~~أكبر بكثير من قائمتين). ~~(18) هل تتعارض مصادرة لوباتشفسكي مع الحدس؟ # في هذه الإشارة إلى هندسة السطح الكروي نرى دعامة «لأنموذج» ~~هندسة لا إقليدية في نظر الحدس. على أن معارضة الحدس الشائع قد ~~تكون أعظم ms107 في بعض الأحيان، فكثيرا ما يسيء المرء تصور ~~التعارض مع تجربة شائعة، ومع حدس معتاد. # ومع ذلك فيبدو من الممكن تبرير المصادرات الجديدة على أساس ~~الحدس، وسنقدم فيما يلي تخطيطا سريعا لهذا العمل الذي ~~يقوم به الحدس بالنسبة إلى مصادرة لوباتشفسكي القائلة إن من ~~الممكن أن يمد من نقطة خارج مستقيم مستقيمان موازيان ~~لهذا المستقيم. # فكيف يحاول المعلم، في مرحلة تعليمية مبكرة، أن يقدم ~~فكرة الموازي؟ نفرض نقطة م خارج المستقيم س ص، ونمد منها ~~قاطعا قابل س ص في أ، ونتصور أننا نغير موضع هذا القاطع ~~في نقطة أ، أ، أ ... وهي نقط تتباعد إلى اليسار بالتدريج، ثم ~~نقول إنه في النهاية، عندما تبعد النقطة أ، إلى ما لا نهاية، ~~يصبح القاطع موازيا للمستقيم س ص. # وغني عن البيان أننا لو كنا قد تناولنا القاطع م ب، ~~ومجموعة من النقط ب، ب متباعدة نحو اليمين، لأصبح لدينا ~~خط مواز في النهاية عندما تبعد النقطة ب إلى ما لا نهاية في ~~جهة اليمين. # وإليك الآن ما اختاره إقليدس وما اختاره لوباتشفسكي، ففي رأي ~~إقليدس أن الموازي المكون من نهاية القواطع على اليمين ~~والموازي المكون من نهاية القواطع على اليسار، هو مواز واحد. ~~أما لوباتشفسكي، فيرى أن هذين المستقيمين النهائيين هما ~~موازيان يظلان متميزين في النهاية، كما تميز مجموع القواطع ~~اليمنى من مجموع القواطع اليسرى. # وبالاختصار فإن إقليدس يفترض فرضا زائدا على لوباتشفسكي، ~~وفي نهاية الأمر يتضح أن حدس لوباتشفسكي كان هو الأكثر ~~حرصا، وهو الذي يضيف إلى الحدس الأصلي أقل إضافة ممكنة. ~~وهكذا، فمتى أقلعنا عن الخلط بين الحدس وبين إحدى العادات، ~~ومتى تركنا للعقل حريته التامة في الحدس، فلن نستطيع القول إن ~~مصادرة لوباتشفسكي أقل اتفاقا مع طبيعتنا من مصادرة ~~إقليدس. ~~(19) تعدد الهندسات # وهناك دوافع أخرى متعددة للإكثار من الهندسات، ولكن قد ~~يسيء المرء فهم الازدهار الحالي في المذاهب الهندسية، إذا ~~أغفل ما يتصف به التفكير الهندسي من وحدة وثيقة. # فالهندسات التي تتباين فيما بينها تباينا هائلا، يمكن أن ms108 ~~تتلاقى معا على نحو ما، وأن تتحد في مجموعة محكمة ~~متسقة من المذاهب. ولكي نعطي فكرة عن هذا التنظيم المتسق ~~للهندسيات، نعلق على لوحة ظهرت في الكتاب القيم الذي ~~ألفه لوسيان جودو # Lucien ~~Godeaux ~~. # 20 # فلنبدأ بالهندسة الأولية، وهي تنظيم نوعين من الأفكار: ~~أفكار يدخل فيها معنى المسافة، وأخرى يدخل فيها معنى الخط ~~المستقيم. فإذا استبعدنا أحد هذين المعنيين أو الآخر عن ~~طريق التجريد، استطعنا الوصول إلى نظرتين أكثر ~~عمومية. # فإذا جردنا معنى المسافة، وصلنا إلى هندسة المساقط، وإذا ~~جردنا معنى الخط المستقيم، وصلنا إلى علم القياس العام، فإذا ~~قمنا بعد ذلك بتجريد معنى الخط المستقيم من هندسة المساقط ~~وصلنا إلى علم المواضع # topologie ~~. # كما نصل إلى علم المواضع هذا أيضا إذا جردنا القياس العام ~~من معنى المسافة، وهكذا يتمثل لنا علم المواضع - الذي كان ~~يسمى من قبل بتحليل الموضع # analysis ~~situs ~~- في صورة نظرية غاية في العمومية، لا ~~تتدخل فيها سوى الخصائص الترتيبية الأساسية # ordinales ~~(فلما كانت ~~الطوبولوجيا لا تدخل معنى المسافة في اعتبارها، في مكان فيها ~~للقياس # mesuré ~~). وكما يقول ~~جودو # Godeaux ~~«فالطوبولوجيا من ~~وجهة النظر الحدسية، دراسة المسطحات والمنحنيات المرنة.» ويكون ~~المسطحان أو المنحنيان متكافئين في الدراسة الطوبولوجية، ~~إذا أمكن تطبيق أحدهما على الآخر عن طريق تغيير شكله، ولكن دون ~~تمزيق أو تغطية. والطوبولوجيا، رغم ما يبدو عليها من بساطة ~~مردها إلى تلك التجريدات التي أوضحناها، علم رياضي عظيم ~~الصعوبة، لهذا كانت تجتذب كثيرا من المشتغلين ~~بالرياضة. ~~(20) فكرة المجموعة # من بين الأسس التي يقوم عليها تصنيف النظريات، نجد أن ~~لاعتبارات «المجموعات» الرياضية أهمية خاصة. فلنوضح بإيجاز ~~فكرة المجموعة هذه. # المجموعة هي طائفة من العناصر يمكن أن «تؤلف» مثنى مثنى، ~~على نحو يعيد تكوين أحد عناصر المجموعة، ولهذا التأليف ثلاث ~~خصائص: ~~(1) # أولاها أنه ترابطي # associative ~~: فإذا ~~تأملت ثلاث عناصر أ، ب، ج، ففي وسعي أولا أن ~~أؤلف بين أ، ب، ثم أؤلف بين نتيجة هذا التأليف ~~الأول وبين ج، ولكنني أستطيع أيضا التأليف بين أ وبين ~~نتيجة تأليف ms109 ب، ج؛ وفي الحالتين أحصل على نتيجة نهائية ~~واحدة. ~~(2) # يوجد في المجموعة عنصر محايد (ويسمى أيضا عنصر ~~وحدة)، وتأليف عنصر محايد مع أي عنصر في المجموعة يؤدي ~~إلى تكوين هذا العنصر. ~~(3) # لكل عنصر في المجموعة عنصر مناظر له (ويسمى ~~أيضا مقابلا له)؛ والتأليف بين العنصر ونظيره يؤدي ~~إلى العنصر المحايد. فلنضرب لذلك مثلا: هو نقلات أحد ~~المسطحات، فإذا ألفنا بين نقلتين أ ب، ب ج (أعني ~~إذا أجرينا النقلتين بالتعاقب) أصبحت لدينا نقلة هي ~~أ ج (التي تؤدي بالنقطة أ إلى النقطة ج). ~~(1) # فإذا أجرينا ثلاث نقلات أ، ب، ج بحيث تصل أ إلى د ~~فإنه يستوي عندنا أن نبدأ من أ إلى ج ثم إلى د، أو من ~~أ إلى ب ثم إلى د. ~~(2) # النقلة المحايدة هي التي يمكن تسميتها بالنقلة ~~المنعدمة، التي تترك كل الأشكال ساكنة على ما هي ~~عليه. ~~(3) # كل نقلة تناظرها نقلة متماثلة معها: فلو تأملنا أ ~~ب، لوجدنا النقلة المناظرة هي ب أ، والتأليف بين ~~هاتين النقلتين المتناظرتين يؤدي بنا إلى النقطة أ، ~~التي كنا قد بدأنا منها، فنتيجة هذا التأليف هي النقلة ~~المحايدة كما عرفناها من قبل. # وإذن فتنقلات المسطح تكون مجموعة. # ولتلاحظ - على هامش هذا الموضوع - أننا قد عرفنا خلال العرض ~~نظاما للبديهيات بطريقة مجردة تماما؛ وهو نظام البديهيات ~~الخاص بالمجموعات، والذي ضربنا له مثلا ملموسا، هو مجموعة ~~نقلات المسطح. # أما الهندسة الأولية، فتخضع لمجموعة التغيرات والتشابهات، ~~وهذا التعبير المجرد يفسر تجربة شائعة. فمن الممكن تغيير موضع ~~شكل دون تغيير الشكل ذاته، ومن الممكن زيادة أو إنقاص أبعاد ~~شكل بنسبة واحدة، دون تغيير خصائصه الهندسية، والذي يدهش في ~~الأمر أن هذه الأوصاف المعتادة تكفي للدلالة على ماهية الهندسة ~~الأولية، فإذا ما انتقلنا من الهندسة الأولية إلى مذهب هندسي ~~آخر، كالطوبولوجيا مثلا، وجدنا مجموعة أخرى. ففي حالة ~~الطوبولوجيا، يجب فحص مجموعة تسمى بالمجموعة «المتماثلة ~~الأشكال» # groupe des ~~homéomorphes # وتلك هي مجموعة التغيرات الزوجية ~~المتناظرة والمتصلة، أعني مجموعة التغيرات التي تجعل شكلين ~~يتناظران نقطة نقطة ms110 مع بقاء جوارهما مستمرا. # وفكرة المجموعة لا تكفي بأن تسود الهندسة؛ بل إن الميكانيكا ~~التقليدية تخضع لمجموعة معادلات لورنتس # Lorentz ~~. # وهذه الفكرة، التي تبدو بمثل هذه البساطة في ظاهرها، قد ~~اهتدى إليها شاب فرنسي عبقري قتل في مبارزة وهو في العشرين ~~من عمره، هو إفارست جولوا ( # Évariste ~~Galois ~~) (1811-1832م) وقد طبق «جولوا» هذه ~~الفكرة على حل المعادلات الجبرية، وثبت من بحثه الأخير الذي ~~كتب في الليلة السابقة على المبارزة، أن جولوا قد أدرك ما في ~~استخدام المجموعات في الجبر من خصوبة عظيمة. والواقع أن فكرة ~~المجموعة، ومعها بعض المعاني الأخرى المتشابهة (مثل معنى الجسم ~~والحلقة الدائرية ...) فكرة أساسية في الرياضيات الحديثة: ~~«فنظرية المجموعات هي، بمعنى ما، الرياضة مجردة من مادتها ~~ومردودة إلى صورتها المحضة.» # 21 # خامسا: امتدادات مفهوم العدد ~~(21) تعاقب الأعداد الصحيحة لا ينتهي # أوضحنا في الفصل السابق كيف نشأت فكرة العدد، فرأينا أن ~~العد كان ينحصر في إيجاد تناظر بين مجموعتين (بحيث يرتبط ~~شيء من إحدى المجموعتين بشيء من المجموعة الأخرى). فإذا أمكن ~~إيجاد مثل هذا التناظر حتى تستنفد كل الأشياء في المجموعتين ~~في وقت واحد، أمكن القول إن عدد الأشياء في المجموعتين ~~واحد. # ولكن لا يمكن معرفة العد معرفة صحيحة، إلا إذا استطاع ~~المرء الوصول إلى التناظر بين الأشياء وأسماء الأعداد، ثم إلى ~~المعنى المجرد للعدد، وسرعان ما تتكون في الذهن فكرة السلسلة ~~غير المحددة من الأعداد الصحيحة، ويفهم المرء كيف يستعمل ~~النظام الرقمي دون أن يقف عند حد، عندما يدرك أن عملية ~~الوصول إلى الرقم التالي لعدد معين بإضافة واحد، يمكن أن تستمر ~~على ما هي عليه، إلى ما لا نهاية. لهذا يمكن القول إن السلسلة ~~غير المتناهية للأعداد الصحيحة الموجبة تتبدى لدينا في حدس ~~بسيط. ~~(22) الأعداد السالبة والأعداد الكسرية # لنفحص سلسلة غير محددة من الأعداد الصحيحة الموجبة 1، 2، -ن ~~فإذا أخذنا أي اثنين من هذه الأعداد، أمكننا دائما أن نجمعهما ~~فتكون النتيجة التي نحصل عليها هي دائما عدد في السلسلة م. ~~ولكنا إذا نظرنا إلى حالة الطرح، ms111 وجدنا أن هناك حالات لا ~~يعود فيها الطرح ممكنا. لهذا أدت الرغبة في المضي في عملية ~~الطرح دون أي عائق، إلى وضع مفهوم الأعداد السالبة، وبالتالي ~~إلى زيادة سلسلة الأعداد عن طريق الأعداد السالبة، كما أدت ~~استحالة إجراء عملية القسمة دون باق بين الأعداد الصحيحة في ~~حالات معينة، إلى التوسع في فكرة العدد، عن طريق خلق ~~الأعداد الكسرية، وكما يقول الرياضي بول ديبرل Paul Dubreil # في بحثه عن الجبر ~~«إن لمشاكل الامتداد التي تثار عن طريق مجرد تحليل لفكرة ~~العملية، أهمية قصوى.» # 22 ~~(23) الأعداد الجذرية # rationnels # والأعداد الصماء # irrationnels # فلنفحص الآن امتدادات العدد كما تظهر عندما نستخدم العدد ~~للتعبير عن نتائج القياس # mesure # فقياس بعد معين ~~(وليكن قياسه، على بعد آخر يتخذ وحدة. وعندما حاول ~~الفيثاغوريون قياس طول المربع، متخذين وحدة القياس من طول ~~نحصل عليه بتقسيم ضلع المربع أقساما متساوية، أدركوا أن ~~القياس في هذه الحالة لا يمكن أن يتم «بدقة» وكذا تبين أنه ~~لا يوجد قياس مشترك بين طول الضلع وطول القطر ... فلم يكن من ~~الممكن الاهتداء إلى «مقياس مشترك # commune ~~mesure ~~» بين هذين المستقيمين اللذين يتمثلان ~~في شكل بسيط جدا. # ولقد كان في ذلك «إخفاق» لتطبيق العدد على قياس الأبعاد، ومع ~~ذلك، كان من الضروري البحث عن «كيان» رياضي للتعبير عن ~~«العلاقة» بين هذين الطولين اللذين تبين عدم وجود مقياس ~~مشترك بينهما. ولما كان الرياضيون قد نظروا دائما إلى الأعداد ~~الصحيحة، على أنها واضحة جلية أمام العقل، ولما كان من الممكن ~~القول بأن الأعداد الكسرية ترجع إلى الأعداد الصحيحة (بوصفها ~~علاقة بين عددين صحيحين) فقد كان من الطبيعي أن يطلق على ~~مجموع الأعداد الصحيحة والكسرية (الموجبة والسالبة) اسم ~~الأعداد الجذرية. # 23 # أما الكيانات الجديدة التي لا يمكن التعبير عنها ~~بأعداد جذرية، فقد سميت «صماء». # فإذا رجعنا إلى النظرية الأساسية في قطر المربع، لوجدنا أن ~~العدد الأصم الذي صادفناه كان ~~، إذا اتخذنا من ضلع المربع وحدة # 24 # ولنقل ثانية إن هذا العدد لا يمكن أن يوضع في صورة ms112 ~~كسر (ومن الممكن حسابه باستخراج الجذر التربيعي ولكن الحساب ~~يظل تقريبيا على الدوام). # وبهذه الإشارة إلى الجانب التاريخي، وضحنا كيف ظهرت فكرة ~~الأعداد الصماء في الهندسة، ولكن دورها في الجبر واضح، فالجذر # هو جذر المعادلة ~~س # 2 ~~- 2 = صفر ونستطيع كتابة عدد لا ~~متناه من المعادلات تكون جذورها كلها أعدادا صماء. # وهكذا نرى أننا إذا أردنا حل كل المعادلات الجبرية، وجب ~~علينا التوسع في عتادنا العددي. فهناك حلول معينة لمعادلات ~~جبرية تعبر عنها أعداد صحيحة وكسرية. وهناك حلول أخرى تعبر ~~عنها أعداد صماء (ووجود هذه الأعداد الصماء راجع إلى أن ~~الأعداد الصحيحة والكسرية ليست كلها مربعات كاملة)، وإذن ~~فلضمان وحدة التفكير الجبري، يجب أن نجمع في نسق واحد بين ~~مجموعة الأعداد الصحيحة، والكسرية والصماء، مثل ~~، ولما كانت كل الأعداد الصحيحة والكسرية ~~والصماء، كما عرفناها الآن، يمكن تصورها حلولا لمعادلات ~~جبرية، ترتب على ذلك أنها تندرج جميعها تحت اسم واحد هو ~~الأعداد الجبرية. ~~(24) الأعداد العالية # ومع كل ذلك فما زلنا بعيدين عن الوصول إلى كل الكيانات ~~الضرورية لدراسة الكم دراسة عامة. فهناك نقط على محور السينات ~~لا يمكن تحديد نقطها البيانية عن طريق أي عدد من الأعداد التي ~~أشرنا إليها حتى الآن، وهنا أعداد ليست حلا لأية معادلة ~~جبرية، وتسمى بالأعداد العالية # transcendants ~~(العدد # مثلا عدد عال: إذ ثبت أنه لا يمكن أن يكون ~~حلا لمعادلة جبرية). ولما كانت كل الأعداد الجبرية (الصحيحة ~~أو الكسرية) حلولا لمعادلات جبرية، فقد وجب أن تكون الأعداد ~~العالية أعدادا صماء. فالأعداد الصماء إذن نوعان: أعداد صماء ~~مثل ~~، وهي أعداد جبرية، وأعداد صماء مثل # ليست جبرية، ومن ثم كانت عالية حسب ~~تعريفها. # والأعداد الجبرية والأعداد العالية تكون مجموع الأعداد ~~المسماة بالحقيقية # réels ~~، ومن ~~الممكن وضعها كلها مرتبة في مستقيم واحد، فيكون مجموع هذه ~~الأعداد هو مجموع كل نقط المستقيم، وهي كلها تتساوى في أنها ~~أحوال للمقدار، وهكذا رأينا كيف ازداد عالم التفكير الرياضي ~~ثراء بهذه الموضوعات الجديدة. # 25 ~~(25) الأعداد الخيالية # يبحث الجبر في الأعداد الخيالية إلى ms113 جانب الأعداد الحقيقية؛ ~~وهي تظهر بدورها لتعميم القضايا. فإذا تأملنا مثلا المعادلة ~~س # 2 ~~+ س + 1 = صفر كان علينا أن ~~نستخلص الجذر التربيعي لعدد سالب، وعندئذ نقول إن المعادلة ~~ليس لها جذر حقيقي، ومع ذلك ففي وسعنا أن نتصور إمكان حل ~~هذه المعادلة إذ قلنا بفكرة العدد الخيالي. غير أن المسألة في ~~هذه المرة ليست امتدادا لفكرة العدد بالمعنى الصحيح؛ إذ لا ~~يمكن تصور العدد الخيالي بأنه نقط على خط مستقيم ترتب ~~عليه كل الأعداد الحقيقية؛ بل إن العدد الخيالي هو في الواقع ~~تنظيم لعددين حقيقيين، ويجب ألا يعبر عنه بأنه نقطة على ~~مستقيم فحسب؛ بل على أنه نقطة على مسطح، وهنا تغيير كامل ~~للمعنى الأساسي للعدد، وهو تغيير يزيدنا شعورا بحقيقة مجموع ~~الأعداد الحقيقية (أي الأعداد الجبرية والأعداد ~~العالية). ~~(26) فكرة اللامتناهي-فكرة القوة # وبعد هذا العرض السريع للامتدادات المتعاقبة لمعنى العدد، ~~يجب علينا أن نفسح مكانا لامتداد متطرف، وأن نختبر بإيجاز ~~مسألة «العدد اللامتناهي». والواقع أن الرياضة الحديثة قد ~~أدركت ضرورة استبدال فكرة جديدة بفكرة العدد لحل مسائل تتعلق ~~بمجموعات من الأشياء «لا نهاية لعددها»، وتلك هي فكرة ~~«القوة»؛ فتسمى الفئات اللامتناهية من الأشياء باسم المجموعات # ensembles ~~. ودراسة المجموعات ~~مبحث أصبحت له أهمية قصوى منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ~~ويسمى الرياضيون الباحثون فيه باسم المجموعيين # ensemblistes ~~. # فعلى أي نحو تبدو فكرة قوة مجموعة لا متناهية؟ يقال عن ~~المجموعتين أن لهما نفس القوة إذا أمكن وضع تناظر بينهما ~~عنصرا عنصرا (أي تناظر فردي بين كل زوج). # فكما أن العدد قد استمد معناه من أن فئتين متناهيتين ~~تتفقان في العدد، فكذلك تستمد القوة معناها من أن مجموعتين ~~لا متناهيتين لهما نفس القوة. # ونقول بعبارة أخرى إن معنى العدد لا يصلح لدراسة مجال ~~اللامتناهي؛ بل ينبغي أن نستعين في هذه الدراسة بفكرة القوة، ~~وهي فكرة توسع معنى العدد، وتستخدم مع ذلك فكرة التناظر ~~واحدا واحدا، التي نجدها في أساس بناء الحساب ذاته. # فلننظر بالأمثلة إلى تطبيق فكرة القوة، ولنفحص مجموع حواصل ms114 ~~الضرب في 3، ومجموع حواصل الضرب في 5. فإذا كنا بصدد عدد ~~متناه، أي الأعداد المائة مثلا، كان عدد حواصل الضرب في 5 أقل ~~بطبيعة الحال من عدد حواصل الضرب في 3. ولكن إذا قارنا ~~المجموعات اللامتناهية عن طريق فكرة القوة، وجدنا أن ~~المجموعين (حواصل الضرب في 3 وحواصل الضرب في 5) لهما نفس ~~القوة، التي تساوي بالضبط قوة مجموع الأعداد الصحيحة، وهي ~~القوة الأساسية بقوة «المعدود # dénumerable ~~». ويكفي أن نضع 3، ~~5 «بوصفهما عوامل» لكي نبين أن من الممكن إيجاد تناظر بين هذه ~~المجموعات الثلاث حدا حدا: # 1 # 2 # 3 # 4 # 5 # 0 # 0 # 0 # 3 # 1 # 2 # 3 # 4 # 5 # 0 # 0 # 0 # 5 # 1 # 2 # 3 # 4 # 5 # 0 # 0 # 0 # وليس من العسير أن نثبت أن مجموع الأعداد الكسرية يساوي هو ~~الآخر قوة المعدود؛ بل من الممكن أن نثبت بها أمرا آخر أصعب، ~~وهو: أن مجموع الأعداد الجبرية (التي تشتمل إلى جانب الأعداد ~~الصحيحة والكسرية على أعداد مثل ~~، ~~، ~~) له هو الآخر قوة المعدود. # ولقد كان لاستبدال فكرة القوة بفكرة العدد قيمة تنظيمية كبرى ~~في بحث مشاكل اللامتناهي العددي، وعلينا أن ننتبه جيدا إلى ~~هذه القيمة. والحق أن الفكرة هنا ليست عسيرة؛ بل إن كل فيلسوف ~~يريد أن يظل على صلة بالمشاكل الحديثة يستطيع أن يفهمها ~~دون عناء كبير. # أما مجموع الأعداد الحقيقية (وبالتالي مجموع نقط المستقيم) ~~فيجب أن نبحث له عن قوة أخرى. فهذا المجموع ليست له قوة ~~المعدود، بل قوة الكم المتصل التي سوف نفحصها الآن. # فلنفحص جزءا من مستقيم طوله أ ب، وجزءا طوله مضاعف هو أ ~~ب ففي كل منهما بطبيعة الحال عدد لا متناه من النقط، ومع ~~ذلك فإذا أردنا مقارنة هاتين المجموعتين اللامتناهيتين من ~~النقط، كان الجواب المتسرع هو أن نقط أ، ب ضعف نقط أ ب، ~~ما دام طول أ ب ضعف طول أ ب. ولكن لنتصور المستقيمين كما في ~~الشكل التالي. فمن الممكن أن تؤدي قواطع م د د إلى إيجاد ~~تناظر بين كل ms115 نقطة من أ ب وبين نقطة واحدة فحسب من أ ب، ~~وبالعكس وهكذا نجد أن مجموع أ ب ومجموع أ ب لهما نفس ~~القوة، وهي القوة المسماة بقوة المتصل. وليس هذا البرهان ~~حديثا بل إنه يظهر في كتاب أويلر # Euler # 26 ~~«رسائل إلى أميرة ألمانية». # على أن فكرة القوة هذه، التي ثبت أن لا غناء عنها في دراسة ~~المجموعات اللامتناهية، قد تحير الحدس. ولنضرب لذلك مثلا، ~~فنتصور جزءا من خط مستقيم أ ب، ونقسمه إلى ثلاثة أجزاء ~~متساوية، ثم نمحو الجزء الأوسط ثم نعيد عملية التفريغ في ~~الجزأين، ثم في الأجزاء الأربعة الباقية، وهكذا دواليك. قد ~~تظن أن عمليات البتر هذه، التي تتوالى إلى ما لا نهاية، تؤدي ~~إلى تناقص عدد نقط أ ب بسرعة كبيرة، ولكن لنقل مرة أخرى إن ~~فكرة العدد لا تصلح للتعبير عن عناصر المجموعات اللامتناهية، ~~ويثبت الرياضيون أنه على الرغم من هذا التناقض غير المحدود، ~~يتبقى من المجموع الأول أ ب نقط تكفي لكي يكون المجموع الباقي ~~مساويا على الدوام لقوة المتصل. # ويصادفنا أمر آخر يدعو إلى الدهشة إذا تابعنا الرياضي في ~~تقديره لقوة مجموع نقط المسطح. فقد أوضح الرياضي الإيطالي ~~«بينانو Pane ~~» «تركيب ~~المنحنى» الذي يمر بجميع نقط المربع، ولما كان مجموع المنحنى ~~له قوة المتصل، فلا بد أن نستنتج إذن أن مجموع نقط المسطح له ~~نفس القوة بالضبط. # والحق أننا إذا أردنا توضيح أهمية فكرة القوة هذه من الأبحاث ~~الدائرة حول ظواهر اللامتناهي، فربما وجب أن نأتي بأمثلة أخرى ~~متعددة. # ولكن الأمثلة التي أوضحناها تكفي في بيان العمل الضخم لضروب ~~الحدس، التي تظل تصحح على الدوام عن طريق إنتاج العقل ~~لأفكار جديدة أخرى، وهي أفكار أصلح من الصور الأولى التي ~~كونت في حدس متسرع. # الفصل السابع # | العلوم الطبيعية # تتصف العلوم الطبيعية الحديثة بتطبيقها للرياضيات على معرفة الطبيعة، ~~تبعا لفكرة عبر عنها ديكارت، وإن كان تحقيقها يرجع إلى كبلر ~~وجاليليو. وفيما بعد طبق «لافوازييه» هذه الفكرة على ~~الكيمياء. # ومن الممكن رد مناهج هذه العلوم ms116 إلى ثلاث عمليات متتالية: ~~(1) # تحديد الوقائع، الذي لا ينحصر في مجرد ملاحظتها بدقة، حتى لو ~~كان ذلك من طريق آلات التحليل، والتكبير، والتسجيل، بل ينطوي ~~على قياس وقائع مختارة، وتفسير هذا القياس وتصحيحه. ~~(2) # البحث عن القوانين، أي عن العلاقات الضرورية التي تصدق بصفة ~~عامة، والتي تربط الوقائع بعضها ببعض، وليس هذا البحث قراءة ~~بارعة للوقائع، كما ظن (جون استيوارت مل) بل هو إبداع حقيقي. ~~ومن الممكن تصنيف الأنماط الرئيسية للإبداع التجريبي. ~~(3) # التحقق من صدق القوانين، أو التجريب، وهو اختبار الفكرة عن ~~طريق وقائع ينتجها المرء أو يتنبأ بها، ويقال عن هذا التحقيق - ~~تبعا لاصطلاح بيكن - إنه حاسم # cruciale # إذا كان يتخذ صورة ~~برهان الخلف، الذي نصل إليه بحذف الفروض الباطلة، ولكن هذا ~~الحذف لا يؤدي أبدا إلى نتيجة دقيقة منطقيا. # وأخصب أجزاء المنهج التجريبي هو ~~«الفرض»، الذي يخترع من أجل تفسير الوقائع بقانون سوف نتحقق من ~~صدقه تجريبيا. والطبيعة الرياضية فرضية استنباطية، شأنها في ذلك شأن ~~العلوم الرياضية، وكل ما في الأمر أن البرهان في هذه العلوم الأخيرة ~~يأتي عن طريق الإثبات الاستنباطي، أما في الأولى فالاستنباط يبحث عن ~~البرهان في الوقائع. # أولا: نظرة إجمالية ~~(1) ضرورة التفرقة بين الجانب النظري والجانب العملي، وبين ~~العالم والمهندس # تقوم حضارتنا المادية على أساس الصناعية العلمية، وهي تحقق ~~بذلك حلما طاف بذهن «ديكارت». # فقد أكد ديكارت أنه «بدلا من هذه الفلسفة النظرية التي ~~تعلم في المدارس، يمكن الاهتداء إلى طريقة تتيح لنا - متى ~~عرفنا قوة وآثار النار والماء والهواء والنجوم والسماوات وجميع ~~الأجسام الأخرى المحيطة بنا، بمثل الدقة التي تعرف بها مختلف ~~مهن الصناع لدينا - استخدام جميع هذه القوى في كل ~~الاستعمالات التي تصلح لها. وبهذا نصبح سادة مسيطرين على الطبيعة.» # 1 # ولكن من الضروري أن نميز في ضروب التقدم التي أحرزها عصرنا ~~بين دور العلوم بمعناها الصحيح، ودور الأساليب الفنية ~~(التكتيك)، ولهذا الفصل بين المجالين أهمية بالنسبة إلى مناهج ~~البحث العلمي أولا ، وبالنسبة إلى الأخلاق ثانيا وعلى وجه ~~أخص. ذلك لأن من الجائز ms117 أن يكون الحكم الذي نصدره على مدنيتنا ~~إذا تأملنا النتائج العلمية التي وصلت إليها، مختلفا كل ~~الاختلاف عنه إذا تأملنا التطبيقات الصناعية التي استخلصتها ~~من العلم، وخاصة لأن هذه التطبيقات الصناعية لم تصدر كلها عن ~~العلم مباشرة؛ بل الأمر أبعد من أن يكون كذلك. # وعلى أية حال، فالعلم يستهدف المعرفة؛ إذ يحصي العالم ~~الذرات ويقيس أبعاد النجوم، ويحسب عمر الأرض. أما القائم ~~بالتطبيق الفني، أي المهندس، فيحاول الوصول إلى كشوف تزيد من ~~رخاء الإنسان وقوته، وذلك باستخدام النتائج التي توصل إليها ~~العلماء في معاملهم في أغلب الأحيان. فالتمييز بين الاثنين ~~واضح كل الوضوح. # والذي يهمنا وحده هنا هو العلم بمعنى الكلمة. # حقا أن من العسير أن نفصله عن الأساليب الفنية فصلا ~~تاما؛ إذ إن المصنع يشتغل من أجل المعمل، بمعنى أنه يزوده ~~بأجهزة عديدة (كالآلات الكهربائية والعدسات الفلكية) وهي أجهزة ~~يحتاج صنعها إلى مقدرة صناعية غير ضئيلة. وفضلا عن ذلك ~~فالمصنع هو - بمعنى ما - معمل ضخم للتحقيق التجريبي، وللكشف ~~في كثير من الأحيان. فإذا كنا على يقين من صحة العلم، فإن ~~قدرا كبيرا من ذلك اليقين يرجع إلى أن ذلك العلم قد ثبتت ~~صحته بالتطبيقات الصناعية. فالقوة تثبت العلم؛ ولكن العلم ~~ليس هو القوة. ~~(2) الفلك، وعلم الطبيعة، والكيمياء # سوف نفرق، بناء على المصطلحات التقليدية، بين علم الفلك ~~وعلم الطبيعة والكيمياء، وإن يكن من المحال أن تنسب إلى هذه ~~التفرقة قيمة مطلقة، فنحن نعلم أن هذه العلوم الثلاثة قد أصبحت ~~متداخلة في أيامنا هذه. # ومع ذلك فسوف تصبح ~~نظرتنا إلى علم الطبيعة الرياضي أكثر وضوحا إذا ما عدنا بها ~~إلى الوراء قليلا، أي إلى العهد الذي كان علم الفلك وعلم ~~الطبيعة والكيمياء فيه علوما متميزة. وكما قال ديكارت، ~~«فإننا ندرك طبيعة هذه العلوم على نحو أكثر يسرا إذا ~~تأملناها، وهي تظهر على هذا النحو شيئا فشيئا، مما لو ~~تأملناها وهي تامة كاملة.» ~~(1) # فعلم الفلك ~~الرياضي قد كشفه اليونانيون، وقد أراد أفلاطون نفسه أن ~~يحوله إلى نوع من الميكانيكا السماوية. # 2 # والواقع ms118 أن مشكلة التفسير الفلكي بالنسبة ~~إلى اليونانيين كانت تقتصر على افتراض وجود حركات ~~«حقيقية» أرادوا أن تكون دائرية مطردة، حتى يمكن ~~تفسير المظاهر البادية في السماء، لأن الدائرة التي ~~تعبر بحركة مطردة كانت تبدو في نظرهم الشكل ~~الميكانيكي الوحيد الذي يمكن أن يعقل حقيقة. ولا شك أن ~~ميتافيزيقا (الفرجار) هذه - إذا أجيز لنا هذا التعبير ~~- كانت ضيقة الأفق إلى حد ما، ولكن توجيهها كان ~~صحيحا إلى حد بعيد. ثم أدى تقدم الهندسة إلى ~~تقدم علم الفلك، فعندما أصبح الشكل البيضاوي معقولا ~~تماما، على غرار الدائرة، وعندما أمكن تحويل عدد ~~كاف من الأقواس بعضها إلى بعض، عندئذ حدث ما يسمى ~~بانقلاب «كبرنك» وأمكن الاهتداء إلى قوانين كبلر. وإنا ~~لنعلم أن كبرنك (1473-1543م) قد اقترح في كتابه ~~المسمى بالدورات السماوية # Les ~~révolutions célestes ~~(والذي ظهر في ~~نفس العام الذي توفي فيه) تغيير أساس ملاحظتنا ~~الفلكية، وذلك بأن تصبح الشمس مركزا رياضيا للكون ~~بدلا من الأرض، وقد صاغ كبلر القوانين الثلاثة التي ~~تخضع لها حركة كوكب المريخ حول الشمس، ثم طبقت هذه ~~القوانين خلال القرن السابع عشر على جميع النجوم ~~وتوابعها. كما استغل كبلر الملاحظات الدقيقة التي ~~قام بها أستاذه «تيكوبراهي # Tycho ~~Brahé ~~». ~~(2) # كان ~~اليونانيون لا يكادون يعلمون شيئا عن علم الطبيعة ~~الرياضي (بمعناه الضيق)، هذا إذا استثنينا علم الصوت ~~الرياضي الذي درسه الفيثاغوريون باسم «علم توافق الأصوات»، # 3 # وكانوا يعتقدون أن عالم ما فوق القمر هو ~~وحده الذي يتمثل فيه النظام والقوانين والحكمة، وأن ~~العالم الأرضي أقرب إلى الفوضى، ومن هنا كان لديهم ~~علم فلك عقلي ولم يكن لديهم علم طبيعي. # ولقد تفرع ~~علم الطبيعة الحديث عن الميكانيكا القديمة، وعلم الفلك ~~أدى لدى كبرنك، في آن واحد. وكان جاليليو ~~(1564-1642م) هو الذي حدد صورته عندما وضع قوانين سقوط ~~الأجسام، ووضع «ديكارت» أسس علم الضوء عندما صاغ (في ~~وقت واحد مع الأستاذ الهولندي سنليوس # Snellius ~~) قانون ~~الانكسار (في بحثه: انكسار الضوء # Dioptrique # عام ~~1637م)، وأصبح علم الكهرباء، الذي كانت تدخله عناصر ~~الدجل والتهويش، ms119 وربما التصوف في القرن الثامن عشر، ~~علما عقليا رياضيا في القرن التاسع عشر على يد ~~كولومب # Coulomb ~~. ~~(3) # أما الكيمياء الحديثة فقد بدأت على يد لافوازييه ~~(1743-1794م)، وكثيرا ما يظن أن «الانقلاب ~~الكيميائي» الذي قام به لافوازييه ينحصر في تحليله ~~للهواء والماء، ولكن في هذا غبنا له، إذ لن يرفع ~~ذلك من قدره فوق «شيله # Scheele ~~» أو «بريستلي Priestly ~~» مثلا، ~~وإنما يرجع إليه الفضل في الكشف عن الوسيلة التي تصبح ~~بها الكيمياء رياضية، ولهذا عرف العنصر الكيميائي ~~تبعا لثبات الوزن فحسب. # ثانيا: منهج علم الطبيعة ~~(3) قواعد «جون استيوارت مل» لا تفسر هذا المنهج # سيطر على منهج علوم الطبيعة - مدة طويلة - وصف خاطئ يرجع ~~إلى جون استيوارت مل (1806-1873م)، الذي عرضه في كتابه عن ~~المنطق (1843م). # 4 # فلنوضح عنصر البطلان فيه، لكي نستخلص وجه الصواب ~~في ذلك المنهج العلمي. # فلقد نشأ «مل» في جو عقلي مشبع بروح المذهب التجريبي ~~الإنجليزي، على أن خطأ المذهب التجريبي يكمن في اعتقاده أن ~~التجربة تقوم على أساس الإحساس الذي هو سلبي تماما. ولكنا سبق ~~أن أوضحنا أن الإدراك الحسي بعيد عن الإحساس كل البعد، إذ هو ~~ينطوي على قدر غير قليل من التنظيم العقلي، فماذا تقول عن ~~التجربة العلمية؟ إن هذا الخطأ يرجع إلى خطأ آخر، ينحصر في ~~اعتقاد أن الإحساس أو، بعبارة أدق، الواقعة المحسوسة، تنطوي ~~في ذاتها على المعارف التي سنستخلصها منها. # ونتيجة ذلك أن منهج علم الطبيعة، في نظر المذهب التجريبي، هو ~~مجرد اقتطاع من سلسلة التجربة، مع الاحتفاظ بمعالمها الطبيعية، ~~فماذا يكون التفسير؟ إنه الكشف عن علة الظاهرة، والعلة هي ~~«السابقة المطردة غير المشروطة» ومعنى ذلك أنها الظاهرة التي ~~تسبق تلك التي نحن بصدد تفسيرها، والتي تسبقها دائما وتكفي ~~لإيجادها، وبهذا يمكننا استخدام المنطق لاستنباط الطرق ~~والقواعد ( # canons ~~) التي يجب ~~اتباعها في عملية الاقتطاع هذه: ~~(أ) # طريقة الاتفاق: فما دامت العلة هي السابقة المطردة ~~غير المشروطة، فمن الممكن الاهتداء إليها إذا أدركنا ~~أنها هي التي تسبق الظاهرة المراد تفسيرها بإطراد مهما ~~تغيرت ms120 الظروف. ~~(ب) # طريقة الاختلاف: ولهذا السبب عينه، يمكن الاهتداء ~~إلى العلة أيضا إذا أدركنا أنها هي التي تختفي إذا لم ~~توجد الظاهرة، وظلت جميع الشروط الأخرى على ~~حالها. ~~(ج) # طريقة التلازم في التغير: كذلك يمكن التعرف على ~~العلة إذا كان تغيرها يؤدي إلى الظاهرة باطراد مع بقاء ~~كل الشروط الأخرى على ما هي عليه. ~~(د) # طريقة البواقي: إذا أمكن عزل مجموعة من السوابق ~~والنتائج، وأمكن ربط كل واحدة من النتائج، فيما عدا ~~واحدة، بكل واحدة من السوابق فيما عدا واحدة، كانت ~~السابقة الباقية هي علة النتيجة الباقية، أي أن باقي ~~السابقة هو علة باقي النتيجة. # فتفسير ظاهرة الندى، في نظر التجريبي، هو أن نعمد إلى مجموعة ~~الظواهر المتشابكة فنعزل منها بمهارة التي تكونها الظاهرة ~~(مثل تجمع قطرات الماء على حجر، أو على عشب، إلخ)، والسابقة ~~المطردة غير المشروطة (تباعد درجة الحرارة بين الحجر أو العشب ~~الذي ظل أو أصبح أكثر برودة وبين الجو، الذي يحمل قدرا ~~كافيا من الماء ويصبح، أو يظل أكثر حرارة) وهنا نرى كيف ~~يمكن تطبيق المناهج الأربعة على هذه الظاهرة. # ومن المؤكد أن اليأس من الوصول إلى العلة قد يدفع المرء إلى ~~أن يسلك هذا المسلك عندما يكون أكثر حاجة إلى العمل منه إلى ~~الفهم، وعندما تكون الظروف مواتية لذلك، إذ تكون الصدف، أو ~~التقاليد قد وجهت العالم نحو السابقة الواضحة التي أحدثت ~~النتيجة؛ وهذا المسلك شبيه بما يفعله من يحاول إيجاد تفاعل ~~معدني في بوتقة. # العلم «والتجربة التائهة» ولكن العلم لا يتكون بهذه ~~الطريقة. فالطرق التي وضعها ستيوارت مل هي طرق التجربة ~~التائهة # experientia vage ~~(على ~~حد تعبير بيكن نفسه). ونجد الدليل على ذلك في نفس التجربة التي ~~أشرنا إليها من قبل، وهي تجربة الندى، فتفسير الندى لا ينحصر ~~في عزل سلسلة متتابعة من الظواهر؛ بل هو أن نتصور من وراء ~~الظواهر، القوانين الرياضية الخاصة بالضغط المشبع لبخار الماء ~~في درجات الحرارة المختلفة، وهذه القوانين قد وضعها جاي لوساك # Gay Lussac # ورينيو # Regnault # إلخ، بعد ms121 تجارب عدة ~~في المعمل. فالظاهرة التي استخدمها ستيوارت مل لتوضيح نظرياته ~~وتطبيقها ظاهرة مزيفة ؛ وهي لم تقرر ولم تبحث في واقع الأمر ~~على النحو الذي تقضي به قواعده؛ بل كانت النظرية الرياضية هي ~~الأساس الضمني لها منذ البداية. # والخطأ الذي وقع فيه مل هو اعتقاده أن الظواهر تنطوي في ~~ذاتها على التفسير، والحقيقة أن الواجب هو جلب التفسير إليها، ~~فالتفسير يخترع أكثر مما يكتشف، ثم يحقق بعد ذلك، وأساس ~~الرياضية هي الأساس الضمني لها منذ البداية. # 5 ~~(4) أمثلة لبحوث في العلوم الطبيعية تكشف عن عملية ذات ثلاث ~~مراحل # أول مثال نقدمه هو أنبوبة توريشيلي، فقد استشار صناع ~~النافورات في فلورنسا، جاليليو، في ظاهرة لاحظوها، وهي أن ~~الماء الذي يستخرجونه من الآبار بالمضخات الماصة لا يصعد ~~أكثر من 36 ذراعا # 6 ~~(10 أمتار و33سم) بأية حال من الأحوال، فما سبب ~~هذه الظاهرة؟ يقول علماء الطبيعة إن ارتفاع الماء في الأنبوبة ~~يرجع إلى أن الطبيعة تفزع من الفراغ، ولكن كيف نفسر أن هذا ~~«الفزع» يتوقف عندما يصل الماء إلى ارتفاع 36 ذراعا؟ أجاب ~~جاليليو إجابة لا قيمة لها لأنها سطحية، ولا تفسر شيئا في ~~واقع الأمر، ولكن ظهرت عبقريته في علم الطبيعة الرياضية في ~~نقطة معينة؛ فقد تنبأ بأن هذا الحد الأعلى من الارتفاع ~~يتناسب عكسيا مع كثافة السائل. ~~(أ) # وهنا يبدأ عمل توريشيلي، الذي كان تلميذا لجاليليو، ~~فهداه خياله إلى إجراء تجربة يستخدم فيها أثقل ~~السوائل، أي الزئبق. فإن كان جاليليو على حق فإن ~~الزئبق سوف يرتفع في أنبوبة مفرعة إلى ارتفاع أقصى ما ~~تكون نسبته إلى الست والثلاثين ذراعا كنسبة كثافة ~~الزئبق إلى كثافة الماء، أعني أنه سوف يرتفع قدر ~~ذراعين على وجه التقريب، وبدلا من تفريغ الأنبوبة ~~مما فيها من هواء باستخدام مضخة، يلحم أحد طرفيها ~~وتملأ زئبقا حتى حافتها، ويصب هذا الزئبق من الطرف ~~الآخر، وتحمل الأنبوبة وهي مليئة بالزئبق مع تغطية ~~الطرف المفتوح، ثم تقلب في إناء من الزئبق. ثم ينزع ~~منها الغطاء تحت زئبق الإناء، فيلاحظ ms122 أن الأنبوبة إذا ~~كانت طويلة بقدر كاف فإن الزئبق يهبط فيها قليلا، ~~ولكنه يظل مرتفعا حتى المستوى المتوقع، وهو «ذراعان ~~وقيراط» (76سم) تلك هي الظاهرة (حوالي 1644). ~~(ب) # وقد ابتكر توريشيلي تفسيرا لها، وينحصر هذا التفسير ~~في أن نتصور الأنبوبة وإناء الزئبق على أنهما الفرع ~~الأول والقرار لوعاء على شكل الحرف # U # يحتوي على سائلين ~~متوازيين أحدهما هو الزئبق، فما هو الآخر؟ إن الآخر ~~هو الهواء الذي يجب اختراعه بالمعنى الصحيح، إذ إنه ~~لم يكن من العناصر التي يلاحظ وجودها في هذه ~~التجربة. ولكنا نعلم أن الهواء موجود، وأن له وزنا. ~~ثم إن جاليليو كان هو الذي حدد كثافته بمقدار 1/ 400 ~~من كثافة الماء، ونحن نعلم أيضا، عن طريق الملاحظات ~~الجوية، أن الغلاف الجوي حول الأرض يبلغ سمكه ما بين ~~«50، 54 ميلا» على حد قول توريشيلي: فجميع هذه ~~الظواهر يمكن ربطها بعملية رياضية. فبضرب ارتفاع ~~الغلاف الجوي المعروف في كثافة الهواء المعروفة، نحصل ~~على ناتج يعادل إلى حد بعيد، الناتج الذي نحصل عليه ~~إذا ضربنا كثافة الزئبق في ارتفاعه العمودي فوق سطح ~~الوعاء، وتلك هي الفكرة التي تتخذ صورة رياضية ~~دقيقة. ~~(ج) # هذه الفكر تبدو من الآن راسخة، بفضل ما تتصف به من ~~مطابقتها للعقل. وهي فكرة رائعة، ولكنها لن تصبح ~~صحيحة إلا إذا تحققنا من صدقها، ولم ينجح توريشيلي ~~في الوصول إلى طريقة مقنعة للتحقيق، تثبت بها صحة فكرة ~~الأنبوبة التي تتخذ شكل # U ~~. وكان باسكال هو ~~الذي اهتدى إلى هذه الطريقة، وربما كان ذلك بإيعاز من ~~ديكارت، الذي قابلة باسكال في باريس عام 1647م. ولقد ~~كان الصالون الباريسي لأبيه «إتين باسكال # Étienne Pascal ~~» يكاد ~~يكون نظيرا لمدرسة جاليليو في فلورنسا. ولما ترامت ~~أنباء ظاهرة توريشيلي إلى أسرة باسكال في 1646م، ~~أعادوا إجراء التجربة، وفي 1647م عرفوا فكرة توريشيلي، ~~وبعد شهرين من مقابلة بليز باسكال لديكارت، أرسل إلى ~~صهره «فلوران برييه # Florin Périer ~~»، في كليرمون-فيران، الإرشادات ~~اللازمة لإجراء التحقيق: فعليه أن يعمل على تقصير ما ~~كنا نسميه بالفرع الهوائي للأنبوبة ms123 # U ~~، والصعود على جبل ~~عال إلى حد ما (هو جبل بوي ديدوم Puy ~~de Dôme ~~). وهناك يجب ملاحظة انخفاض ~~الزئبق في الفرع الآخر، وأجرى «بيريه» التجربة في ~~نهاية صيف 1646م، فنجحت نجاحا باهرا، وشجع ذلك ~~النجاح باسكال على مواصلتها على نطاق أضيق، إذ انخفض ~~عمود الزئبق انخفاضا محسوسا (درجتين) عندما صعد ~~باسكال فوق برج «سان جاك دلابوشري» البالغ ارتفاعه 25 ~~قامة، كما انخفض الزئبق نصف درجة في أعلى بيت يبلغ ~~ارتفاعه ثمانين قدما. # 7 # وهكذا تم إثبات فكرة توريشيلي: # أما المثال الثاني فسنقتبسه من نيوتن: ~~(أ، ب) خلال فترة أقامها نيوتن في بلدته الأصلية، متجنبا ~~فيها حركة النجوم الثانوية حول النجوم الرئيسية (كالكواكب حول ~~الشمس، والتوابع أو الأقمار حول الكواكب) بحركة السقوط. # ويزعم بعضهم أن الظاهرة الأصلية هي سقوط التفاحة، وأن الفكرة ~~عندئذ كانت تنحصر في تشبيه حركة القمر حول الكرة الأرضية ~~بسقوط التفاحة على الأرض، والقول بأن القمر يسقط بدوره على ~~الأرض بلا انقطاع، وإن كانت له سرعة أصلية تؤخر سقوطه إلى ما ~~لا نهاية، فإذا كان للقذائف في سقوطها سرعة مبدئية تبعد نقطة ~~سقوطها، أفلا يمكننا أن نتصور أنه إذا كانت هذه السرعة كبيرة ~~إلى حد ما (ونحن نعلم اليوم أنه يكفي أن تبلغ هذه السرعة 8كم ~~في الثانية) فإن القذيفة تهبط حول الأرض، إذا جاز هذا ~~التعبير؟ ~~(ج) وظل نيوتن عشرين عاما يعد وسائل التحقيق من هذه الفكرة ~~(1666-1686م). وكان ذلك ينحصر في أن نبين أنه لو كان القمر ~~على مسافة قليلة من الأرض، لسقط بنفس السرعة التي يسقط بها ~~جسم سقوطا حرا في باريس مثلا (490سم في الثانية الأولى). ~~على أن نيوتن قد برهن بنظريتين في الميكانيكا، على أن القوة ~~التي تحفظ النجوم في مداراتها البيضاوية هي قوة «مركزية» أي ~~تتجه نحو الجسم الذي يشغل أحد مركزي الشكل البيضاوي، وهي ~~تتناسب تناسبا عكسيا مع مربع المسافة، وإذن فلكي تحقق ~~الفكرة يكفي أن يكون ارتفاع السقوط الحقيقي للقمر على الأرض ~~خلال ثانية واحدة مضروبا في مربع المسافة ms124 الفاصلة بينه وبين ~~الأرض، مساويا لارتفاع سقوط جسم يسقط حرا في باريس في نفس ~~هذا الوقت. # على أننا نعلم مقدار سقوط القمر على الأرض في الساعة مثلا، ~~وهي المسافة التي يبتعد بها القمر، أثناء سيره في مداره، عن ~~مماس هذا المدار ، خلال ساعة من الزمن، فإذا ما عرفنا الزاوية ~~التي سار بها، أمكن الحصول على تلك المسافة دون صعوبة، عن طريق ~~جدول حساب المثلثات. ولقد اتضح أن المسافة التي تقطع خلال ~~ساعة تعادل بالضبط الارتفاع الذي يسقط فيه جسم سقوطا حرا في ~~باريس، خلال ثانية واحدة. وإذن فالبرهان يكون قد تحقق إذا كانت ~~النسبة بين المسافتين على النحو الذي يقتضيه القانون، وانتهى ~~الأمر بنيوتن إلى الحصول على تقدير للمسافة يحقق فكرته ~~بالضبط: إذ إن القمر على بعد 60 درجة أرضية ~~و(60 # 3 ~~) هي بالضبط العلاقة بين ~~الساعة والثانية، وهي في الوقت ذاته مربع المسافة المطلوبة من ~~أجل التحقق. ولقد كان التطابق تاما إلى حد أن نيوتن عندما ~~تلقى رقم مسافة القمر، لم يجد لديه على ما يقال، من رباطة ~~الجأش ما يمكنه من إعادة الحساب، فاضطر أن يعهد به إلى أحد ~~أصدقائه. # وهنا تم التحقق بالأرقام، إذ اتضح أن الأرقام مساوية ~~للظواهر التي كان على النظرية أن تفسرها وتتنبأ بها. ~~(د) وفي نفس هذا الاتجاه، يمكننا أن نصل إلى نتائج أفضل من ~~تلك. فإذا كان القمر يسقط على الأرض، وإذا كانت الكواكب بوجه ~~أعم، تسقط على الشمس ... إلخ فلا بد أن تسقط الكواكب بعضها على ~~بعض، وأن تسقط الأجسام الأرضية هي الأخرى، بطريق ما، على ~~الشمس بل على القمر ذاته، والنتيجة الأولى تسمى بالانحراف # perturbation ~~. فالكواكب ~~الكبيرة تؤثر في الكواكب الصغيرة وتجعلها تنحرف في مسارها ~~قليلا عن المدارات التي حددها كبلر لها. ولقد كانت تلك ~~الظاهرة معروفة قبل نيوتن، وها هي ذي قد فسرت، وبالمثل فإنه ~~يمكن التحقق من صدقها، أما الظاهرة الثانية فهي ظاهرة المد ~~والجزر، فكتلة البحار تتجه نحو الشمس ونحو القمر (الذي هو ~~أصغر منها، ولكنه أقرب ms125 كثيرا)، ويمكن التحقق من ذلك ~~أيضا. # ولنلاحظ أن هذه التحقيقات الثانوية، التي ظهرت متفرقة ~~تماما، والتي لم تخطر على بال نيوتن في مبدأ الأمر، هي أفضل ~~التحقيقات وأكثرها إقناعا # 8 # وسوف نأتي بمثال ثالث، نعرضه عرضا مبسطا إلى ~~أبعد حد. # 9 ~~(أ) # كان لوفرييه # Le ~~verrier ~~، وهو فلكي في مرصد باريس، ~~يعلم أن الكوكب أورانوس، الذي كان عندئذ (في سنة ~~1846م) أبعد الكواكب المعروفة في المجموعة الشمسية، ~~ينحرف انحرافات معينة، وباتباع المنهج الذي وضعه ~~نيوتن، والذي عرضنا مبدأه العام من قبل، تفسر هذه ~~الانحرافات بعوامل معترضة، هي الكواكب المجاورة عندما ~~تقترب من أورانوس اقترابا كافيا، وبعد أن قدر ~~تأثير كل من المشترى وزحل، ظل هناك باق من ~~الانحراف لم يتم تفسيره. ~~(ب) # وخطرت بذهن لوفرييه فكرة تفسير هذا الباقي بعامل ~~معترض ثالث، خارجي، وبعيد إلى الحد الذي جعل الفلكيين ~~لا ينتبهون إليه. وترجم لوفرييه هذه الفكرة بصيغة ~~رياضية: فحسب كتلة الكوكب، ومسافته، وبالتالي حجمه (أو ~~عظمه # magnitude # كما ~~نقول في اليوم)، أعني الضوء البادي منه، وحدد ~~موقعه في أكثر اللحظات ملاءمة. ~~(ج) # ويقف بعض علماء المناهج بالعرض التاريخي عند هذا ~~الحد، زاعمين أن لوفرييه لم يكن في حاجة إلى السماء ~~لكي يوقن بوجود الكواكب. على أن في هذا خطأ. فلا بد ~~أن ينتهي الحساب إلى ملاحظة، وهي دون ريب ملاحظة ~~تدخل فيها الذهن إلى حد بعيد، وأدى الحساب دورا ~~كبيرا في التمهيد لها، ولكنها ملاحظة في نهاية الأمر. ~~ودليل ذلك أن منهج لوفرييه قد طبق من بعده مرتين ~~أخريين: الأولى من أجل تفسير انحرافات الكوكب الذي ~~اكتشفه «بالحساب» والذي سمي باسم نبتون، وبهذه ~~الطريقة كشف الكوكب «التالي لنبتون» وهو بلوتون. ~~والمرة الثانية كانت لتفسر انحرافات عطارد. ولما ~~كانت الطريقة قد نجحت في حالة نبتون وبلوتون، ما دام ~~الكوكبان قد رئيا، فقد تعجل الباحثون وأطلقوا اسم ~~«فلكان» على الكوكب الجديد، ولكن لم ير أحد فلكان هذا ~~أبدا، وظل أسطورة رياضية. هذا إلى أن أينشتين قد ~~فسر انحرافات عطارد بطريقة أخرى مختلفة ms126 عن هذه كل الاختلاف. # 10 # وقد ثبت وجود الكوكب «نبتون» عندما شوهد، وسرعان ما تمت هذه ~~المشاهدة، وإن كان لوفرييه قد اضطر إلى الاستعانة بمرصد ~~«برلين» المزود بآلات أدق، للكشف عن الكوكب. ولقد ظن بعضهم، ~~من تقسيم العمل هذا، أن لوفرييه كان واثقا من وجود هذا العامل ~~المعترض بمجرد أن قام بحساب عناصره، ولكن الأمر لم يكن كذلك ~~على الإطلاق، إذ إن حساب لوفرييه حدد النقطة التي كان يجب أن ~~يوجد فيها، ومرصد «برلين» قد قرر أنه يوجد هناك ~~بالفعل. # ولعل القارئ قد لاحظ أننا أسمينا الظاهرة التي بدأ منها ~~لوفرييه باسم باقي الانحراف. وتذكرنا كلمة «الباقي» هذه ~~بالطريقة الرابعة من طرق مل، ولكن الواقع أنها إذا كانت ~~تذكرنا بها، فما ذلك إلا لكي تكشف عن الخطأ الذي وقع فيه ~~«استيوارت مل». فطريقة لوفرييه مثال ممتاز لطريقة البواقي ~~الصحيحة؛ وذلك هو باقي النتيجة، أما باقي العلة، فلا يعطى ~~أبدا، بل هو يخترع بتمامه، وفي هذا المثال، كان هذا الباقي ~~هو نبتون (أو بلوتون) الذي لا يعدو أن يكون فكرة محضة. ~~(5) مراحل المنهج ثلاث: من الواقعة إلى الواقعة عن طريق ~~الفكرة # ينحصر المنهج في الصعود من مجال التجربة إلى عالم العقل، أي ~~عالم الصيغ والمعادلات، ثم نعود فنهبط إلى عالم الواقع لكي ~~نضمن الصلة بين المعقول والواقع. ونحن في ذلك أشبه بسجين ~~الكهف عند أفلاطون؛ إذ يصعد من المحسوس إلى الأفكار، ومن الكهف ~~إلى العالم الحقيقي الذي يغمره ضوء الشمس، ثم يعود فيهبط إلى ~~الكهف لكي يهتدي فيه إلى المحسوس من جديد، وليفسره ~~بالأفكار. # وإذا شئنا، قلنا بعبارة أفضل من هذه، إن التفكير في علم ~~الطبيعة الرياضي يرسم دائرة، ولكن هذه الدائرة ليست «دورا ~~فاسدا» على حد تعبير المناطقة، ويرجع ديكارت ذلك إلى أنه ~~«لما كانت التجربة تضفي يقينا كبيرا على معظم نتائجها، فإن ~~الأسباب التي استخلص منها هذه النتائج لا تستخدم في إثباتها ~~بقدر ما تستخدم في تفسيرها. وإنما الأمر على عكس ذلك، ~~فالنتائج هي التي تفسر الأسباب.» # 11 # ولنعبر ms127 عن هذا النص عظم التركيز، الذي صيغ في ~~لغة تخالف اللغة الشائعة إلى حد ما، بتعبير آخر فنقول: إن ~~التجربة تضفي اليقين على نتائج الأفكار التي نبتكرها (أو ~~معلولاتها)، وبهذا لا تكون الأفكار (الأسباب) التي استنبطت ~~منها هذه النتائج برهانا على الوقائع؛ بل هي تفسير لها، ~~بينما البرهان يأتي على عكس ذلك ، من الوقائع. ولنقل بعبارة ~~أخرى، إن الفكرة تفسر الوقائع، والوقائع تثبت صحة الفكرة. ~~وكان من الممكن أن يكون في هذا دور، لو أن كلا من الفكرة ~~والوقائع يبرهن على الآخر. ~~(6) المرحلة الأولى: تحديد الوقائع: قياس الوقائع المختارة ~~وتصحيحها وتفسيرها # يبدأ العمل باتصال أولي مع الواقعة، وكل ما في الأمر أن ~~الواقعة التي نبدأ منها قد سبق أن أعدها العقل إلى حد ~~كبير، وليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة، فالملاحظ أولا أن ~~الإدراك الحسي ذاته يتضمن إعدادا عقليا، فعندما نتحدث ~~مثلا عن «القمر» - وهو موضوع إدراك حسي شائع، يبدو مباشرا ~~تماما - فإننا نستعين في الواقع بتجربة إنسانية ترجع إلى ألوف ~~السنين، تبنى على التقريب بين ظواهر مختلفة، ونستطيع تقريب ~~فكرة الإعداد العقلي هذه إلى الأذهان إذا فكرنا مثلا في تعبير ~~مثل «القمر الجديد» الذي يفترض إيمانا بموت «القمر القديم» ~~وظهور آخر أحدث منه. فالقول إن القديم هو ذاته الجديد، اكتساب ~~حديث العهد. # 12 # وفضلا عن ذلك، فإذا كان العلم يكمل الإدراك الحسي بمعنى ما ~~لأنه يفسره، فإن العلم ينكر الإدراك الحسي بمعنى آخر، وتلك ~~هي حركة الرفض التي عبر عنها ديكارت بكلمة «الشك المنهجي»، ~~فديكارت يرفض أولا عالم الإدراك الحسي، ثم يعود مرة أخرى ~~إلى العالم، ولكنه ليس نفس الذي رفضه، فهو ليس عالم الإدراك ~~الحسي؛ بل عالم الطبيعة الرياضية. # والسبب في ذلك غاية في اليسر، وهو في أيامنا هذه قد أصبح ~~أوضح مما كان في أيام «ديكارت» ولقد سبق لنا أن ذكرنا عنه ~~شيئا في معرض الحديث عن مبدأ النسبية؛ فالملاحظ الساذج لا ~~يتصف بأية صفة تؤهله لملاحظة الواقع؛ فحواسه هي حواس حيوان ~~أرضي، قد تكيفت، بعد ms128 تطور طويل جدا، بالحياة الأرضية، ~~واتجهت نحو الفعل أكثر منها نحو المعرفة، وهذا ما أكده ~~«برجسون» بعده حين قال: «إن الإدراك الحسي ينظم المكان بنفس ~~النسبة التي ينظم بها الفعل الزمان.» # 13 # وهذا ما أثبتته في آن واحد بحوث التشريح المقارن، ~~وعلم النفس التجريبي، وتحليل الإدراك الحسي، وتاريخ العلوم. # 14 # قياس الواقعة: في هذه الظروف كانت النتيجة الضرورية هي أن ~~نيأس من المعرفة البشرية، وأن تصبح النسبية شكا، لو لم تكن ~~عبقرية الإنسان قد تغلبت على الصعوبة بالتوسع في استخدام ~~الأداة الرياضية، ولقد بين «فولتير» بكل وضوح في روايته ~~الفلسفية «ميكروميجاس # Micromegas ~~» كيف أن القياس ~~الرياضي ذو قيمة موضوعية شاملة. # 15 # فقياس الشيء هو في ذاته معرفة له، والتعبير عن ~~الواقعة التي نقيسها بصيغ رياضية، هو في ذاته فهم لها. # فالواقعة العلمية إذن واقعة حورتها الرياضيات فلنوضح باختصار ~~العمليات التي تمر بها: ~~(1) إن الواقعة، كما قلنا، تقاس أولا. ولا جدال في أن العلم ~~قد أحرز تقدما كبيرا باختراع الآلات التي تزيد من قوة ~~الإدراك الحسي، كالمنظار الفلكي والمجهر، أو تلك التي تسجل ~~هذا الإدراك، كجهاز التصوير الفوتوغرافي والسينما، أو تلك التي ~~تحلله، كجهاز تحليل الطيف، وهو الذي خلف، وكمل المنشور ~~( # prisme ~~) الذي حلل به نيوتن ~~ضوء الشمس. ولكن ليس هذا هو الأمر الأساسي. إذ إن هذه الآلات ~~إذا كانت تزيد من قدرة حواسنا، فإنها لا تغيرها، والمهم ~~هو اختراع الطرق الفنية للقياس، الذي تطور فأصبح علما للقياس # métrologie ~~. فعلم الحرارة ~~يقتضي استخدام ميزان الحرارة (الترمومتر)، وقد ظهر علم ~~الكهرباء عندما حل محل علم الطبيعة المسلي الخاص بالآلات ~~التي تداعب الجسم بهزات كهربائية، علم صارم مبني على استخدام ~~الكشاف الكهربائي ومشتقاته. ~~(أ) تصحيح الواقعة ~~(2) كذلك ~~تصحح الوقائع. والحق أن محال الحديث عن وسائل التصحيح ~~التجريبي واسع جدا. فمن المعروف أن أية قراءة لأي جهاز، ~~مهما كانت أمينة، لا تقبل أبدا على علاتها؛ بل يجب أن ~~تمر بعمليات حذف متعددة، تعدلها على نحو لا يظل فيه سوى ~~باق # residu # واحد. ذلك لأن ms129 ~~الإدراك الحسي المعتاد محدد بطريقة غير شعورية، وهو يزودنا ~~بمعلومات عن جسمنا، وعن شخصيتنا المعنوية، وعن المؤثرات ~~التي نخضع لها من جميع المصادر، مثلما ينبئنا تماما ~~بمعلومات عن الموضوع. ولنضرب لذلك مثلا: فإذا أرجعنا ~~ملاحظة فلكية إلى أبسط مظاهرها، وأردنا فقط أن نحدد ~~الساعة التي عبر فيها نجم بمحور المنظار المكبر، وجدناها ~~تتوقف على سرعة استجابتنا، ثم إنها تنصب على شعاع من الضوء ~~يصل إلينا من النجم، ويستغرق وقتا حتى يصل إلينا، ويتعرض ~~لكل أنواع التحوير والانكسار. ولكي يكون لنا الحق في ~~تشبيهه بخط هندسي مستقيم يربط فورا بين عيننا وبين ~~الموقع الحقيقي للنجم في اللحظة المطلوبة، يجب أن نقوم ~~بسلسلة من الحسابات هي في حقيقة الأمر استدلالات، تبدأ من ~~الواقعة وتنتهي إلى الفكرة. فتصحيح الملاحظة يعني استبدال ~~فكرة معينة عن الواقعة بالواقعة نفسها. ~~(ب) تفسير الواقعة ~~(3) كذلك ~~تفسر الواقعة. وقد بين بوانكاريه في تحليل رائع ذاعت ~~شهرته، كيف يمكن القول في التجربة الكهربائية إن «التيار يمر». # 16 # فذلك لا يكون إلا بالاستعانة بكل المعلومات ~~المكتسبة، بحيث تقف هذه المعلومات حول الملاحظ مؤيدة له، ~~وتقرر هذه الملاحظة معه، إن جاز هذا التعبير. ففي ~~المثال الذي أورد «بوانكاريه» يكون الشيء الذي يراه ~~الملاحظ، هو تغير موضوع النقطة المضيئة، وهذا التغير يعني ~~أن الجلفانومتر ذا المرآة يؤدي عمله، وبالتالي أن ~~المغناطيس والملف الكهربائي قد أثر كل منهما في الآخر ... ~~إلخ. فتفسير ملاحظة هو بدوره، وعلى نحو آخر، الاستعاضة عن ~~الواقعة بفكرة. ~~(ج) اختيار الواقعة ~~(4) ثم إن ~~الواقعة تختار: إذ إن عددا ضئيلا من الوقائع التي تحدث ~~حولنا بلا انقطاع هو وحده الذي يدخل في مجال العلم. وليس ~~ذلك راجعا إلى أن عدد هذه الوقائع أكبر من اللازم؛ بل ~~يرجع أيضا إلى أنه يندر أن تكون لهذه الوقائع أهمية في ~~الموضوع. فالواقعة هي واقعة معملية أو واقعة ملاحظة، أي ~~أنها واقعة منتقاة، فما شروط استبقائنا لها؟ إننا نستبقيها ~~إذا كانت تتم عن فكرة، وعندئذ توصف بأنها «بسيطة»، ~~والحق أنه إذا كان علم الطبيعة ms130 الرياضي قد بدأ بالفلك، ~~فذلك لأن النجوم - لحسن الحظ - قد بسطها بعدها عنا، فلا ~~ندرك منها في بداية الأمر إلا نوعا من العلاقات الهندسية. # 17 # والكثيرون يدهشون عندما يجدون العلماء يرفضون معظم ~~الوقائع التي تعرض عليهم، فالمؤمنون بتحضير الأرواح مثلا ~~يكدسون وقائع الاتصال الروحي عن بعد # télépathie ~~، ويدهشون ~~لانصراف العلماء عنها، فيستخلصون من ذلك حجة يحملون بها ~~على «العلم الرسمي» كما يقولون ولكن الواقع أن المسألة ~~مسألة علم فحسب، أعني علما يهتم أولا، وقبل كل شيء، بما ~~هو بسيط ومعقول. ~~(7) المرحلة الثانية: البحث عن القوانين هو إبداع بمعنى ~~الكلمة # يطلق اسم القانون على العلاقة التي تربط برباط الضرورة ~~الشاملة واقعتين أو أكثر من الوقائع المتعاقبة أو المقترنة في ~~الزمان، أو بين عنصرين أو أكثر في الظاهرة الواحدة. فقانون ~~الأوتاد المشدودة مثلا يربط بين طول الوتر ومقدار توتره ~~وكثافته، وبين ارتفاع النغمة التي يحدثها، وقانون الجاذبية ~~العامة يربط الكتلتين والمسافة بالقوة الجاذبة، وقوانين ~~الاصطدام تنظم توزيع السرعات بين الكرات التي تتقابل، تبعا ~~لكتلتها، وقوانين سقوط الأجسام تحدد المكان الذي يقطعه الجسم ~~في السقوط في علاقته بالزمان وعجلة السرعة، ولكل القوانين التي ~~ذكرناها صورة رياضية، وهي كلها تؤيد أن العلاقة هي تحديد ~~دقيق، وهي قوانين عامة، بمعنى أنها تصدق على كل زمان وكل ~~مكان. # فكيف اهتدى العقل إلى هذه القوانين واخترعها؟ ذلك هو سر ~~الخلق العقلي، أو بعبارة أدق، معجزة حرية العقل في التصرف. إذ ~~إن بين شروط الخلق، والخلق ذاته، هوة سحيقة على الدوام. وهذه ~~الهوة قد تبدو أشد أو أقل عمقا، تبعا لمدى سهولة الخلق، ~~وتاريخ العلم يقدم إلينا عدة حالات نموذجية. ~~(أ) الحالات المختلفة للإبداع ~~(1) # حالة التجريبية الظاهرة: عندما تقاس الوقائع ~~وتترجم بالأرقام ثم ترتب في قائمة ~~( # tabula # بلغة ~~بيكن) فإنها تنم عن علاقة بسيطة، كالتناسب ~~الطردي أو العكسي مثلا. وعلى هذا النحو كشف ~~«ماريوت # Mariotte ~~» ~~القانون المعروف باسمه حين قارن بين الأحجام ~~والضغوط المختلفة لكتلة واحدة من الغاز الذي ~~يتوازن مع عمود سائل يتفاوت ارتفاعه. ~~(2) # وقد تزداد الحالة ms131 تعقدا: إذا كان هناك شخص ~~معين هو الذي أجرى التجارب التي جمع بها ~~الملاحظات وأعد بها القوائم. ثم أتى عالم آخر ~~فقام، معتمدا على مجهود الأول، بقراءة القانون ~~الذي خفي عنه. ومن المحتمل أن تكون هذه هي ~~الطريقة التي اهتدى بها ديكارت إلى قانون جيوب ~~الزوايا خلال دراسته لكتاب كبلر المسمى «انكسار ~~الضوء # Dioptrique ~~» ~~(1600) فكبلر لم يكن قد اهتدى إلى القانون، ولكن ~~يمكن القول بأنه أشار إلى الاتجاه الموصل ~~إليه. ~~(3) # حالة النظرية أو التمثيل الضمني # Analogie Latente ~~: ~~لسنا نعلم كيف اكتشف قانون انعكاس الضوء على يد ~~إقليدس المزعوم، الذي اقتصر على عرض ذلك القانون ~~في كتابه: انعكاس الضوء # Catoptrique # بوصفه ~~إحدى المصادرات، ولكن مجرد عرضه له على هذا النحو، ~~يوحي بأنه كان يرى فيه نوعا من البداهة المسلم ~~بها، والأغلب أن تكون هذه البداهة راجعة إلى مجاز ~~أو تمثيل. هو مقارنة شعاع الضوء المنعكس بكرة ~~تصطدم بجدار، إذ يبدو أن مبدأ التمثيل يوجب أن ~~تخضع الكرة في مجال حركتها لقانون تساوي ~~الزوايا. ~~(4) # حالة ~~التركيب الرياضي المحض: أثبت هجنز # Hygens # رياضيا ~~قوانين اصطدام الأجسام، في الحالة التي تكون فيها ~~الكتل متساوية، ويتم الاصطدام في نفس خط الحركة، ~~وذلك بأن بدأ بأبسط حالة، وهي تلك التي تحذف فيها ~~كل مظاهر عدم المساواة، فيكون للجسمين أ، ب نفس ~~السرعة س. وفي هذه الحالة سوف نسلم، بناء على ~~مبدأ التماثل # Symétrie ~~، بأن ~~الجسمين يرجعان في اتجاه عكسي، محتفظين ~~بسرعتهما. ولنفرض الآن أن شخصا يلاحظ، قد انتقل ~~بنفس السرعة س، (مع بقاء كل الظروف الأخرى على ~~حالها)، وسار في نفس اتجاه أ، فبالنسبة إليه تكون ~~أ ساكنه وب آتية تجاهه بسرعة 2س. ولما كان ~~الملاحظ يواصل سيره في نفس الاتجاه بعد أن يقابل ~~ب، فإن ب هي التي تبدو الآن ساكنة، و أ هي التي ~~تبتعد عنه إلى الوراء بسرعة 2س، وإذن يمكننا أن ~~نستنتج أنه إذا قابل جسم متحرك جسما ساكنا له ~~نفس الكتلة، فإن الجسم المتحرك يتوقف، ويرث ~~الجسم الآخر حركته بنفس السرعة ms132 وفي نفس الاتجاه، ~~وذلك ما تحققه التجربة. ~~(5) # حالة ~~البساطة التي نسلم بها على أساس احتمال الصدق: من ~~الحقائق المعروفة أن الأجسام التي تسقط تزداد عجلة ~~سرعتها، وأبسط صفات هذه العجلة هو اطرادها. وذلك ~~هو ما يسلم به جاليليو. ~~(6) # حالة تجاوز نطاق التجربة # extrapolation ~~: ~~صيغ قانون تذبذب الأوتار، أو صيغ الجزء الأساسي ~~منه على الأقل (أعني ذلك الذي يتعلق بالطول ~~والوتر) لأول مرة في سنة 1636م على يد الأب مرسين ~~بمدينة مينيم # Minime ~~، وكان ~~مرسين صديقا لديكارت . # على أنه لم يكن في متناول يد مرسين، لإثبات ذلك القانون، ~~أية وسيلة لإحصاء المتوسط لذبذبات التردد التي يناظرها ~~مثلا صوت «لا»، والذي يحدث عن 435 ذبذبة في الثانية، ~~وغاية ما كان يستطيع أن يفعله هو أن يحصي ما بين 8، 10 ~~ذبذبات في الثانية، ومثل هذا التردد لا يحدث صوتا، ~~ولكن ما يعجز عنه السمع، يقدر عليه الإبصار، وعلى ذلك فقد ~~بدأ يجربه بوتر منفرد طوله 17,5 قدما (حوالي 570سم) ~~مصنوع من أمعاء الخروف وشد هذا الوتر بأوزان تتراوح ما ~~بين 2/1 رطل و4 أرطال، ولم يكن هذا الوتر المنفرد يحدث أي ~~صوت، ولكن كان من الممكن حساب ذبذباته، وهكذا كشف قانونه ~~بإحصاء هذه الذبذبات، وبالبحث عن كيفية تفاوت عددها عندما ~~يقل الطول ويتغير الثقل الذي يشد الوتر، وقد بلغ من ثقته ~~بالنتيجة التي وصل إليها على هذا النحو أنه حدد بواسطة ~~قفزة عقلية تخرج عن حدود التجربة (وذلك ما يسميه بتجاوز ~~نطاق التجربة # extrapolation ~~) التردد ~~المناظر لما يسمى «بنغمة الكنيسة» أي النغمة التي يرجع ~~إليها المغنون الذين تصدر عنهم، في قداس الكنيسة، أكثر ~~الأنغام انخفاضا (وهذه النغمة تصدر عن أنبوبة للأرغن ذات ~~طول معلوم). # وهكذا نرى أن كشف القوانين يتطلب ثقة مطلقة في ~~معقولية الطبيعة، وفي إخلاصها للقوانين، وفي خضوعها ~~للرياضيات بمعنى ما، ولا شك أنه ليس للمرء أن يؤمن بأن ~~الطبيعة ستظل مخلصة للقانون الذي توصل إليه. فقد يكون ~~هذا قانونا غير صحيح، ولكن يظل المرء على ثقة من أن ~~هناك قانونا، ms133 وأن لهذا القانون صورة رياضية. # هذا إلى أن مجرد الملاحظة العلمية التي تحول الظاهرة إلى ~~رقم تفترض مثل هذه الثقة ضمنا. وإذن فكشف القوانين يفترض ~~مبدأ صاغه الميتافيزيقيون بصيغ مختلفة، بدأ معظمها في صورة ~~مجازية، ومن قبيل ذلك قول أفلاطون: «إن الله يسلك دائما ~~سلوك عالم الهندسة» وقول ليبنتز: من حساب الله صنع العالم # Dum Deus calculat fit ~~mundus ~~. ~~(8) المرحلة الثالثة: التحقق من صدق القوانين أو ~~التجريب، اختبار الفكرة بواسطة ~~الوقائع # وإذن فليست هي التأكد من وجود قانون؛ بل التأكد من أن ~~القانون هو ذلك الذي كشف. والتحقق هو ملاحظة الوقائع التي ~~أحدثها المرء أو تنبأ بها، والتي حدد صورتها سلفا بطريقة ~~رياضية، بناء على القانون الذي اهتدى إليه، ونقول: أحدثها أو ~~تنبأ بها، إذ إن من الممكن، من حيث المبدأ، أن نخلق الوقائع ~~وأن نركبها تركيبا تاما في أجزاء معينة من علم الطبيعة ~~بمعناها الخاص، وفي الكيمياء. أما في العلوم الأخرى، كعلم ~~الفلك، فليس ذلك الخلق ممكنا، وعندئذ يقتصر المرء على التنبؤ ~~بها. ~~(1) # ومبدأ التحقيق ليس عسيرا في علم الطبيعة الرياضية، ~~ما دامت نتائج القانون الذي نهتدي إليه تنطوي ضمنا ~~على صور جميع الوقائع التي نريدها، وتكفي عملية ~~حسابية لتحديدها. # ولكن يجب أن تكون النتيجة قابلة للتحقق من صحتها، ~~ومتفقة مع الإمكانيات المادية للمعمل أو ~~المرصد. ~~(2) # ينبغي أن تنطبق الشروط الفنية العملية للملاحظة على ~~مشاهدة الواقعة التي سوف نحدثها، وهذه مسألة ينطبق ~~عليها ما قلناه عن الواقعة العلمية في الفقرة السادسة ~~من هذا الفصل. ~~(3) # وأخيرا، ينبغي ألا يرتكز التحقق على الملاحظة ~~التي اكتشف القانون على أثرها. فعلى المرء، إن استطاع، ~~أن يوسع الحدود التي تمت فيها الملاحظات الأولى، أو أن ~~يغير المجالات التي أجريت فيها. ~~(أ) # مثال لتوسيع الحدود: من الممكن أن تعد ~~التجارب الصوتية التي أجريت بها طريقة تسجيل ~~الأصوات على أسطوانة ماري # Marey # محققة ~~للقانون الذي اهتدى إليه مرسين. ~~(ب) # مثال لتغيير المجالات: إن قانون نيوتن، الذي ~~اكتشف بدراسة مدارات الكواكب، يتيح لنا أن ~~نفسر ونتنبأ بما ms134 يلي: انحرافات مدارات ~~الكواكب، والمد والجزر، وهو أيضا يفسر حقيقة ~~عرفت في وقت نيوتن ذاته، وهي اختلاف الجاذبية ~~الأرضية تبعا لخط العرض، إذ إن الأرض منبعجة ~~عند خط الاستواء، كما يثبت من قياس درجة من ~~درجات خط الطول في أماكن مختلفة من خطوط ~~العرض. وعلى ذلك يكون الجسم أبعد عن المركز ~~الذي يجذبه، أي إن وزنه يقل، تبعا لقانون ~~نيوتن. ولم يستطع نيوتن أن يقيس الجاذبية ~~المتبادلة لكتلتين على سطح الأرض؛ بل توصل ~~العلماء إليها فيما بعد (تجربة يوتفوس # Eotvos ~~) وكان ~~في ذلك تحقيق آخر. ~~(9) التجربة الفاصلة # experimentum ~~crucis # وهي المعادل ~~التجريبي لبرهان الخلف # يرجع هذا التعبير إلى «فرنسيس بيكن» وقد ورد ذكره في كتابه ~~«الأورجانون الجديد». # 18 # والصور الصحيحة التي يضفيها عليه هي «مثال الصليب # instantia crucis ~~»؛ والمقصود ~~بالصليب هنا الإشارة التي تحدد مفرق الطرق. «فالمثال» أي ~~الواقعة، يهدف إلى وضع الطبيعة في مفترق الطرق، لنرى أي الطرق ~~سوف تسلك: أي أنها، بتعبير مجازي آخر، هي أن نرغم الطبيعة ~~على الاختيار. # وهذا التعبير يدل على نوع حاسم من التجريب، يوصف بأنه قاطع، ~~ويتيح لنا أن نختار بين فرضين، لأننا قد تصورنا التجربة ~~وأجريناها بحيث أنه إذا صح أحد الفرضين أصبحت قيمتها مختلفة كل ~~الاختلاف عنها إذا صح الفرض الآخر؛ بل تصبح مضادة ~~لها. # وفيما يلي مثال مشهور: ففي مستهل القرن التاسع عشر، انقسم ~~العلماء إلى فريقين يعضد كل منهما فرضا مضادا عن طبيعة ~~الضوء: ~~(1) # الفرض المسمى بالفرض الجسيمي # corpusculaire ~~، والذي ~~يؤكد أن الضوء هو بث الجسيمات. وفي هذا الفرض يفسر ~~انكسار الضوء عندما ينتقل من الهواء إلى الماء ~~بالجاذبية التي يمارسها الماء بحيث يكون انتقال الضوء ~~في الماء أسرع. ~~(2) # والفرض الثاني هو التموجي # ondulatoire ~~؛ فالضوء ~~هو انتقال اهتزازات في الأثير، دون أن يصحبه انتقال ~~مادة. وفي هذا الفرض، يكون الانكسار نفسه راجعا إلى ~~تعطيل ناتج عن الماء، فيسير الضوء في الماء أبطأ مما ~~يسير في الهواء. # 19 # وفي 1730م تخيل فوكو # Foucault # تجربة تسمح ~~بالمقارنة بين سرعة الضوء في ms135 الهواء وسرعته في الماء؛ ~~فيقسم شعاعا ضوئيا إلى حزمتين، تمر إحداهما ~~بأنبوبة مليئة بالماء، ويختلف الشعاعان عند وصولهما ~~باختلاف صورة النقطة التي يسقطان فيها على شاشة. وفي ~~الجزء المشترك من مسارهما توضع مرآة تدور حول نفسها ~~بسرعة تصل إلى حد أن الشعاع الضوئي، بعد أن يصطدم ~~بالمرآة التي تدور ثم ينعكس على مرآة أخرى ثابتة ~~ترده إلى المرآة الدائرة، لا يرتد إلى نفس الموضع ~~من المرآة التي تدور وإذن فالضوء قد انحرف، ويزداد ~~انحرافه كلما ازداد بطئا، ويبين الموقع النسبي ~~لنقطتي الوصول، بطريقة مباشرة وفاصلة، أي الشعاعين ~~هو الأبطأ، وبالتالي أي الفرضين هو الصحيح. والواقع ~~أن الفرض التموجي هو الصحيح . # وفي مبدأ الأمر تثير القدرة الإقناعية لهذا النوع ~~من الأمثلة دهشة المرء. ومع ذلك فإن هذه الأمثلة ~~نادرة، ويبدو أن التجربة الفاصلة تزودنا بنوع من ~~برهان الخلف على الفرض الذي تثبت صحته. ~~(10) ولكن ليس هناك تجربة فاصلة بالمعنى الصحيح # يبين بيير دوهم # 20 Pierre Duhem # أنه ~~ليس ثمة تجربة فاصلة بالمعنى الصحيح، وذلك لسبب عرفناه من قبل؛ ~~فالواقعة العلمية التي يراد أن تكون دليلا للإثبات، تفسر ~~عن طريق معارف سبق اكتسابها، أي أن لها في ذاتها مضمونا ~~نظريا كاملا، بحيث إن الفرضين لا يتمثلان في صورتهما ~~الخالصة. فالشيء الذي يحققه المرء عندئذ هو العلم كاملا، ~~وقد أضيف إليه محتوى جديد هو الفرضان المتضادان. فإن كان جواب ~~التجربة عن أحد الفرضين بالسلب، فلن نعلم على وجه الدقة إن ~~كان ما تكذبه هو الفرض الذي نحن بصدده، أو كان مسألة أخرى في ~~ذلك العلم يجب علينا معاودة بحثها. ونقول بعبارة أخرى، إن ~~العلم في جملته هو الذي يكون صوابا أو خطأ، لا الفرض ~~الواحد. ~~(11) هناك تشابه عميق بين العلوم الرياضية والعلوم ~~التجريبية # تبين لنا أن منهج الطبيعة الرياضية نصف رياضي ونصف تجريبي. ~~فهو رياضي من حيث أنه يستبدل بالواقعة المشاهدة واقعة ذات ~~صورة رياضية، ويدخل هذه الواقعة في صيغة رياضية، هي الدالة. ~~وهو تجريبي من حيث إنه يبدأ بمشاهدة أمر ما، أي ms136 بإدراك حسي، ~~تدخل فيه الذهن على نطاق واسع حقا، ولكنه إدراك حسي على ~~أية حال. ثم إن العلم يعود في نهاية الأمر إلى ذلك الإدراك ~~الحسي الذي بدأ منه. وفضلا عن ذلك، فالإدراك الحسي الأخير ~~هو الذي يحكم على القانون، فإما أن يؤكد صحته، وإما أن يرفضه ~~مؤكدا بطلانه. # ومن ثم فإن قوام منهج الطبيعة الرياضية هو الفصل بين ~~العمليتين اللتين كان يجمع بينهما البرهان الرياضي، واللتين ~~لا يستطيع منهج علم الطبيعة أن يجريهما مجتمعتين: أي العملية ~~التي يتم بها الفهم، والعملية التي يتم بها التحقق. # فهناك إذن شبه عميق - مع وجود اختلاف واضح - بين المنهج ~~الرياضي ومنهج الطبيعة الرياضية، أي بعبارة أعم ، منهج العلوم ~~«التجريبية» أعني العلوم الخاصة للتجريب. # المعاني المختلفة لكلمة ~~الفرض: # التشابه والاختلاف السابقان يدل عليهما ~~تشابه واختلاف المعاني التي تفهم بها كلمة الفرض التي ~~تستخدم في الرياضة وفي العلوم التجريبية معا. # فالكلمة اليونانية # hypothesis # تعني الأساس ~~المنطقي أو المبدأ (أي ما يوضع تحت # supposé # أو ما يفترض). ~~(أ) # ومن هنا كان المعنى الأول لكلمة الفرض: إذ يشير إلى ~~المبادئ المعترف بها (كالتعريفات والبديهيات ~~والمصادرات) والتي تستخدم نقطة بدء في الرياضيات. ~~غير أن هذا المعنى قد أصبح قديما. ~~(ب) # ويقرب من ذلك معنى آخر يستخدم بدوره في الرياضة، ~~وفيه يكون الفرض هو الحالة المعطاة للشكل أو العلاقة ~~المعطاة. (كالفرض في النظريات الهندسية). # وكثيرا ما يستخدم معلمو الرياضيات كلمة الفرض ~~بهذا المعنى الثاني الذي يرتبط بالأول، لأن حالة الشكل ~~أو العلاقة إذا ما أعطيت، فإنها تضمن في الوقت ذاته، ~~الخصائص التي عرفت من قبل، وبالتالي تضمن المبادئ ~~بالتدريج. # ولنلاحظ ~~العنصرين اللذين ينطوي عليهما هذا المعنى؛ فالفرض هو ~~ما يسلم به، ويعطى ويوضع على نحو ما وما يتفق ~~عليه، وهو أيضا ما يستخدم أساسا نتقدم من ~~بعده. ~~(ج) # والفرض، في علم الطبيعة الرياضية وفي العلوم ~~«التجريبية» بوجه عام، هو القانون الذي يخترع، والذي ~~سوف يتحقق المرء من صدقه. وعلاقة هذا المعنى ~~بالمعنيين السابقين واضحة؛ إذ يظل الفرض نقطة بدء ms137 ~~لتقدم تال، وهو نقطة بداية تعد مبدأ، أعني أنها ~~أكثر وضوحا من نتائجها، وكل ما في الأمر أن الفرض هنا ~~لا يعود مبدأ يوضع بطريقة حملية مطلقة وتنتقل ~~حقيقته إلى نتائجه؛ بل هو مبدأ مؤقت لا زال مشكوكا ~~فيه، يسعى إلى البحث عن الحقيقة باستخلاص ما ينطوي ~~عليه من نتائج. فما يأتي به الفرض هو المعقولية، ومن ~~الواجب أن يذهب إلى الحقيقة باحثا عنها، ومن هنا أتى ~~التخمين الذي أصبح في نهاية الأمر مرتبطا ~~بالفرض. ~~(د) # سوف نعرض فيما بعد # 21 # لمعنى رابع لكلمة الفرض، وفيه يكون الفرض ~~هو النظرية، أعني أنه تفسير للظواهر يتصف بأنه أكثر ~~عمقا وتخمينا في الوقت نفسه، وفي هذا المعنى الرابع ، ~~يكون التخمين أشد وضوحا، غير أن المعقولية بدورها ~~تصبح فيه أعظم. فالعنصر المشترك بين العلوم الرياضية ~~والتجريبية هو أنها تستخدم «الفروض» مع فارق واحد، ~~هو أن الفرض يكفي للتحقق من صدق النتائج في الرياضة ~~وحدها، ولكنه هو الذي يقوم بالتفسير في كل هذه ~~العلوم. # ومن المحتمل أن تكون العلوم الرياضية قد بدأت بمرحلة ~~تجريبية. ومن ناحية أخرى فقد أشرنا إلى الأصول التجريبية ~~التي يرجح أنها كانت أساس الهندسة والميكانيكا. وفي مقابل ~~ذلك بينا أن البحوث الأولى في الطبيعة الرياضية تتمثل في ~~صورة إقليدية، تبدأ بمصادرات ونظريات. والخلاصة أن العلوم ~~الرياضية هي علوم تجريبية تأكد طابعها العقلي وأصبح ~~ثابتا. # ولكن؛ لم كانت كذلك؟ وما أصل هذه الميزة التي تنفرد بها؟ أو ~~لنتساءل على عكس ذلك فنقول: ولماذا لا تصل العلوم الأخرى إلى ~~هذه المرتبة؟ # في نهاية الفصل السابق ~~أجبنا عن هذا السؤال إجابة جزئية. فقد قلنا إن نشاطا ~~عقليا معينا، أعني ذلك النشاط الذي يحصي، ويضع العلاقات ~~ويرسم الأشكال، قد وصل في الرياضيات إلى مرحلة الاستقلال ~~الذاتي، أعني إلى الشعور التام بذاته، والاكتفاء الكامل بنفسه؛ ~~ذلك لأن الوقائع التي بدأ منها بسيطة، أعني أنه أمكن استخلاصها ~~للوصول بسهولة إلى الأفكار التي استطاع الذهن إنشاءها، والتي ~~تؤدي إلى فهم هذه الوقائع. ففي الرسم مثلا أمكن الانتقال ms138 ~~بسهولة من الخط المرسوم إلى المستقيم، وفي نظرية الآلات ~~(الميكانيكا) أمكن الانتقال من الآلة المادية إلى عناصرها ~~العقلية (ذراع الرافعة، انحدار السطح المائل، نقطة التطبيق، ~~الاتجاه، قوة الشد). وعندئذ تبين أن الأفكار التي أنشئت على ~~هذا النحو تفسر الوقائع التجريبية التي بدأنا بها في أول الأمر ~~تفسيرا كاملا. فالخصائص الهندسية للدائرة تفسر كون الخط ~~الذي يقيس محيط حلقة، أيا كان حجمها، هو في جميع الأحوال ~~أكبر قليلا من ثلاثة أمثال الخط الذي يقيس قطرها. والخصائص ~~الهندسية للشكل البيضاوي تفسر كون الحلقة التي ينظر إليها من ~~زاوية تبدو دائما في شكل بيضاوي. # ولكن الموضوعات التي تدرسها العلوم التجريبية معقدة، وربما ~~كانت كما قال ليبنتز، معقدة إلى حد لا نهاية له، بحيث ~~يستحيل استيعابها، فالضوء والحرارة مثلا يتكشفان في كل لحظة ~~عن خصائص غير متوقعة (وأعقد منهما بكثير الحياة، وهي موضوع ~~العلم الذي سوف نتحدث عنه في الفصل التالي). # إن الضوء ينشر في خط مستقيم، وينعكس تبعا لقوانين هي في ~~ذاتها بسيطة إلى حد ما، وطالما اقتصر البحث على هذه المسائل، ~~كان من الممكن تصور علم «هندسي» للضوء يكون ملحقا بعلم ~~الهندسة، وذلك لو أضفنا عددا من المصادرات المكملة، ولكن ~~كشفت بعد ذلك الوقائع المعقدة الغامضة التي يشتمل عليها علم ~~الضوء «الطبيعي» وهي التي بدأت بالخصائص الضوئية العظيمة ~~التعقيد للبلورات، مثل بلور «سبات # Spath ~~» في أيسلنده، # 22 # ومنها إلى الانعطاف أو الزيغ # diffraction # 23 # وإلى تلون الشرائح المعدنية الرقيقة بلون قوس قزح # 24 # إلخ. # ومع ذلك، يظل بين العلوم الرياضية والعلوم التجريبية علاقة ~~مزدوجة: ~~(1) # فالأولى هي المثل الأعلى للثانية، التي تسعى إلى ~~التشبه بها، على نحو ما أمل ديكارت. ~~(2) # والأولى هي صورة الثانية، فكل ما هو معقول في المجال ~~التجريبي، له تركيب أو صورة رياضية. ~~(12) العلوم الرياضية وعلم الطبيعة الرياضي فرضية ~~استنباطية # يمكننا أن نعبر عن التشابه بين العلوم الرياضية وعلم ~~الطبيعة الرياضي بقولنا إن كلا منهما علوم «فرضية ~~استنباطية»، ونعني بهذه الكلمة أن مناهجهما المشتركة تنتقل من ~~الفرض إلى نتائجه عن ms139 طريق الاستنباط، وفي علم الطبيعة الرياضي ~~يبدأ التحقق بعد أن يتم الاستنباط. ففي الأولى ينزل البرهان من ~~الفرض إلى النتائج، وفي الثانية يصعد من النتائج إلى ~~الفرض. # الفصل الثامن # | علوم الحياة # علم الفسيولوجيا (وظائف الأعضاء) هو دراسة الوظائف التي تتألف منها ~~الحياة، وهو يقتصر في بحثه للمادة الحية على النظر إليها من حيث ما ~~فيها من حتمية، وعلى تفسير الوظائف عن طريق البيئية الداخلية. وهكذا ~~فإن منهجه هو في أساسه منهج العلوم الطبيعية والكيميائية، أي أنه منهج ~~ثلاثي يشتمل على ملاحظة الظواهر، والكشف عن الفرض، والتحقق من صحته. ~~ولكن يبدو أن الأحياء تتمثل فيها غائية توجه الأجزاء نحو المجموع ~~الكلي للكائن العضوي، وهذا التوجيه هو موضوع دراسة أبحاث حديثة. # وقد نشأ علم الحياة عن مذهب التطور، الذي يرجع إلى «لامارك» ~~و«دارون». ومذهب التطور في أساسه تفسير للأشكال الحية عن طريق البيئة ~~الخارجية، والسلالات السابقة، أعني أنه تفسير لها عن طريق ظروفها ~~وعللها، لا عن طريق مرتبتها في التصنيف؛ ومن هنا كانت هذه الأشكال ~~قابلة لأنواع من «التحول»، ولكن تفسير «لامارك» لهذه التحولات بوساطة ~~صفات مكتسبة عن طريق تكيف الأعضاء أو الوظائف تحت تأثير البيئة، ونقل ~~هذا الاكتساب بالوراثة، وكذلك تفسير دارون لها عن طريق تغيرات موروثة ~~تحدد الانتقاء الطبيعي، نقول إن هذه التفسيرات لم تعد مقبولة لدى ~~باحثي علم الحياة المعاصرين. # ومع ذلك، فالمذهب التطوري يظل منهجا للبحث والتفسير، ويوجه ~~علم الحياة الحديث جهوده نحو بحث مشاكل علم الأجنة ~~( # Embryologie ~~) وعلم الوراثة. # علم وظائف الأعضاء ~~(1) الفسيولوجيا هي دراسة الوظائف التي تتألف منها ~~الحياة # موضوع علوم الحياة هو الخصائص التي تتميز بها الكائنات ~~الحية، ولقد كانت هذه العلوم في الأصل مختلطة بالطب، غير أن ~~النمو المعتاد للمعارف، وتأثير العلوم المتصلة بالطب، أديا ~~إلى الفصل بين النظرية المحضة وبين التطبيق العملي، وإلى تمييز ~~علم العلاج # Thérapeutique # أو ~~فن الشفاء، وهو الطب بمعناه الصحيح، من «العلم» النظري المحض، ~~وهذا العلم النظري ينقسم إلى: ~~(1) # علم التشريح: وهو علم قديم جدا، ينحصر في وصف ~~«الأعضاء» ms140 التي يتكون منها الكائن العضوي، ويقتضي ~~مجموعة من العمليات لاقتطاع الأعضاء (أي تشريحها) ثم ~~إعدادها تمهيدا لحفظها، أو ملاحظتها دون ~~مشقة. ~~(2) # الفسيولوجيا: وعلى العكس من ذلك، فإن العلم ~~المسمى بهذا الاسم حديث إلى حد ما، ورغم أن ~~الكلمة التي تدل عليه ترجع إلى القرن السادس عشر، ~~فإنه لم يصبح علما محددا إلا في القرن التاسع عشر، ~~بفضل جهود كلود برنار، وهو ينحصر في دراسة «الوظائف» ~~أي القوانين التي تؤدي الكائنات الحية وظائفها تبعا ~~لها، والمنهج المميز له هو «التشريح الحي # vivisection ~~» أي ~~ملاحظة طريقة عمل الأعضاء «الحية» التي يجري عليها ~~التجارب بوساطة عمليات مختلفة ذات طبيعة جراحية: ~~كالبتر التجريبي، أو عمليات الفصد التي تهدف إلى فحص ~~السوائل التي يفرزها العضو أثناء أدائه لوظيفته ... ~~إلخ. ولقد أصبح علم وظائف الأعضاء أهم العلوم التي ~~تفرعت عن الطب القديم وأكثرها نفعا. ~~(2) الفسيولوجيا ليس لها أن تفسر الحياة # وهنا يعرض سؤال أولي، فهل تستطيع علوم الحياة أن تفسر لنا ~~كنه الحياة؟ لا شك في أن المرء يميل إلى الثقة بقدرة هذه ~~العلوم ثقة لا حد لها، ولكن للمرء أن يخشى من أن الحياة ~~بطبيعتها لا تخضع خضوعا مطلقا لمناهج العلم. # فما الكائن الحي إذن؟ ~~(أ) الحياة والفردية ~~(1) لقد قيل ~~إنه هو الفرد، أي هو حقيقة تنطوي على طابع مزدوج، هو أنها: ~~محددة المعالم، منعزلة في المكان قائمة بذاتها، أي بمعنى ~~ما حقيقة لا ينفذ إليها غيرها، كما أنها مزودة بوحدة ~~داخلية، بحيث تفنى الأجزاء إذا انحل الكل، أي إذا أصيب ~~الكائن العضوي في مقتل، ولا شك في أن فردية الحيوان أو ~~النبات ليست مطلقة؛ إذ يتفق أحيانا أن يعاد تركيب الكائن ~~العضوي عن طريق أحد أجزائه المنفصلة؛ بل إن هذه الظاهرة هي ~~المعتادة في أنواع معينة من التكاثر، كما هي الحال في ~~تكاثر النباتات بانفصال بعض أجزائها. ولكن الذي نستنتجه من ~~ذلك، كما قال برجسون في عبارته الدقيقة، هو «أن الفردية لا ~~تكون كاملة أبدا، وأنه كثيرا ما يكون من العسير؛ بل من ~~المحال ms141 أحيانا، أن نفرق تفرقة واضحة بين ما هو فردي وبين ~~ما هو غير فردي، ولكن هذا لا يحول دون القول بأن الحياة ~~تسعى إلى تحقيق الفردية، بطبيعتها.» # 1 # ولقد كان علماء الكيمياء القدامى يقولون إن ~~الكائن العضوي كون مصغر # microcosme ~~. وإذا كان من ~~سوء الفهم أن نتصور الكون المصغر على مثال الكون ~~الحقيقي، وعلى أنه مكون من أجزاء تناظر أجزاء الكون، ~~فمن المؤكد مع ذلك أن الكائن العضوي الحي يشبه الكون إلى ~~حد معين، يتمثل في أنه هو الآخر كل ما يبدو موجودا ~~لذاته. ~~(ب) الحياة والطبيعة، والميل ~~(2) وللكائن ~~الحي «طبيعة» أو «ماهية» داخلية، يمكن تصورها على أنها ~~حقيقة تعبر عن طريقة تركيب ذلك الكائن، ولقد تصور «إسبينوزا» # 2 # هذه الطبيعة على أنها نوع من «التناسب من شأنه ~~أن يؤدي بكل الأجزاء إلى الاحتفاظ فيما بينها بنفس علاقات ~~الحركة والسكون.» ~~(3) يبذل الكائن العضوي من أجل هذه الطبيعة أو الماهية ~~«جهدا للمحافظة على وجوده» كما قال إسبينوزا # 3 # أعني «ميلا» إلى المحافظة على صيغة تركيبه أو ~~إلى إعادة تركيبها. ~~(ج) الحياة والتمثيل والتعويض ~~(4) هذا ~~الميل يبعث في أعماق الكائن الحي وظائف التغذي والتعويض، ~~فبالتغذي «يمثل» مواد خاما تأتيه من الخارج، أي إنه ~~يلائم بين هذه المواد وبين تركيبه ويدمجها فيه، وفضلا عن ~~ذلك يعوض ما يفسد من كيانه بأن يعيد إلى حد ما بناء ~~الأنسجة المصابة (ظاهرة الاندمال # cicatrisation ~~) ويطرد ~~أسباب الفساد أو يبطل أثرها، ولقد كان الأطباء القدامى ~~يقولون بوجود قوة علاجية للطبيعة # vis ~~medicatrix naturae # أي قدرة طبيعية تعيد ~~ترميم الكائن، والحق أن علاج المرض يحدث في كثير من ~~الأحيان؛ بل في أغلب الأحيان، عن طريق «ترك الطبيعة تعمل» ~~أي عدم الوقوف في وجهها. ولقد كان أنصار «طب الانتظار» ~~أعني أولئك الذين يؤمنون بالعلاج الذي تنتظر فيه الطبيعة ~~حتى تقضي على أصل الداء أو تعيد الأمور إلى نصابها؛ كانوا ~~يقولون: علينا أولا ألا نفعل شيئا يضر ~~( # primo non nocere ~~). ~~والواقع أن شفاء كسر في العظام ليس غير إعادة وضع ms142 الطرفين ~~في الموضع المعتاد (أي جبر الكسر) ثم الانتظار حتى يتم ~~الالتئام من تلقاء ذاته، ومن هنا كان «أمبرواز باريه» # Ambroise Paré # يقول عن ~~الجرح «لقد كنت أضمده، ولكن الله هو الذي ~~يشفيه.» ~~(د) غرائز البقاء والتكاثر ~~(5) ويبدو ~~هذا الميل بصفة أكثر وضوحا، في الغرائز التي هي نظم ~~تلقائية من الأفعال، تهدف بوضوح إما إلى حفظ الكائن الحي ~~(كالدفاع عن الذات، أو الحركة، أو البحث عن الغذاء أو ~~التقاطه) وإما إلى تكاثره (كالحمل، وإخراج الكائن الجديد ~~وتغذيته وحمايته ... إلخ.) ~~(ه) الحياة والغائية # وهكذا تجري الأمور كما لو كان الكائن الحي ينطوي في ~~ذاته، كما يقول كلود برنار، # 4 # على «فكرة موجهة» تحققها قوة داخلية وتحميها، ~~وتعمل على امتدادها، وهذه الفكرة هي مصدر وحدة الكائن ~~الحي. ~~(6) وبذلك يكون للكائن الحي «مصير» خاص به، وتمر حياته ~~بسلسلة من «المراحل » التي تتحدد من الداخل، فالكائن الحي ~~«يهرم» على حد تعبير برجسون، أي أنه يسير من الميلاد إلى ~~الموت عبر سلسلة من المراحل التي «تنضجه» # 5 # ثم تؤدي به إلى الهلاك، ومدة حياته ~~محدودة. # وما دام الأمر ~~كذلك، فإننا ندرك السبب في أن بعض الفلاسفة اعتقد أن ~~التفسير المألوف في العلوم الطبيعية الكيميائية لا ينطبق ~~على الكائنات الحية، لأن هذا التفسير يقتضي أن يكون موضوعه ~~داخلا في نطاق الحتمية العامة، دون استثناء أو امتياز، ~~وألا يكون متصفا أو منفردا بشيء خاص به، وأن تكون ~~طبيعته خارجة عنه تماما. أو على الأصح، ألا تكون له ~~«طبيعة» ولا «ماهية»، إذ يفسر كل ما يطرأ عليه تفسيرا ~~كاملا بالبيئة المحيطة به والقوانين التي يخضع لها، وهذه ~~القوانين ليست كامنة فيه؛ بل إن هذا هو الشرط الذي يسمح ~~بتطبيق الرياضة على المادة، إذ لا تكون للمادة قوانين ~~رياضية ولا علم طبيعة رياضي، إلا إذا فسرنا كل ما يطرأ ~~على المادة بعلاقات متناسبة رياضيا مع ما هو خارج عنها. ~~ويترتب على ذلك أن التفسير العلمي ينتقل من الأجزاء إلى ~~الأجزاء ومن الأجزاء إلى الكل، ولكنه لا ينتقل أبدا من ms143 ~~الكل إلى الأجزاء؛ بل إن العلم لا يعرف كلا وفردا ~~بالمعنى الصحيح، وهذا هو ما يسمى بالتفسير عن طريق ~~الأسباب. # ولقد رأينا الآن أن الحياة تتطلب، فيما يبدو، نوعا ~~آخر من التفسير، ذلك هو التفسير بالغايات، أو بالغائية. ~~والغاية هي الهدف المقصود، وليست مجرد نتيجة؛ فالغائية هي ~~تفسير الظواهر بفكرة موجهة يعبر عنها الكائن العضوي أو ~~ينطوي عليها. وهي - على حد تعبير «لاشلييه» الموجز - ~~«علية الفكرة» # 6 # في حين أن العلم لا يعترف إلا بعلية الظاهرة ~~السابقة. # فإذا كانت الغائية «حقيقية»، فإنها تزودنا بالتفسير ~~«الصحيح» أي إن أداء الوظائف في الكائنات العضوية يرجع إلى ~~«الطبيعة» و«الماهية» و«الفكرة الموجهة» لا إلى تركيب ~~الكائن العضوي، أي طريقة تنظيم «أجزائه» أي إنه إذا كانت ~~هناك وظيفة تسمى بالهضم، فذلك راجع، في نظر التفسير ~~العلمي، إلى أن الكائن العضوي يشتمل على معدة، وعلى عصارة ~~هضمية، أما في التفسير الغائي، فإن المعدة والعصارة ~~الهضمية توجدان من أجل الهضم، أي لكي تتم عملية الهضم، ~~فالوظيفة «تخلق» العضو، والحياة «تخلق» الكائن ~~الحي. ~~(3) الفسيولوجيا تتجه إلى الاستغناء عن التفسير ~~الغائي # من الصحيح أن هناك تصورا معينا للغائية يوقعنا في أسئلة ~~عسيرة لا سبيل للعلم إلى الإجابة عنها، وذلك بقدر ما يظل ~~هذا التصور مرتبطا بالفلسفة التلقائية التي ترى الإنسان ~~صانعا # homo faber ~~، أعني ~~كائنا يستخدم وسائل معينة من أجل تحقيق غاية ما. هذه الأسئلة ~~هي: ~~(1) ~~(ميتا فيزيقا الغائية): كيف يمكن تصور هذا الخلق؟ ~~هل لنا أن نتحدث عن عناية إلهية؟ أم نقتصر على افتراض ~~«طبيعة خيرة» أي طبيعة تسهر على رعاية مصالح ~~الكائنات الحية. ~~(2) ~~(مشكلة القيم) إن الغاية أسمى من الظواهر التي يجب ~~عليها تفسيرها، وهي أرفع في قيمتها منها؛ فالحيوان ~~أعظم قيمة من أعضائه، وهكذا يؤدي التفسير الغائي إلى ~~إقحام اعتبارات «القيمة» وهي اعتبارات لا شأن للعلم ~~بها. ~~(3) ~~(اتفاق الغايات) كيف نوفق بين كل التفسيرات الغائية؟ ~~أيتسنى لنا التوفيق بين ما هو في صالح كائن عضوي وما ~~هو في صالح كائن آخر؟ وهل خلق العشب «من أجل» ms144 آكلة ~~العشب؟ أم أن آكلة العشب خلقت «من أجل» آكلة اللحوم؟ ~~ولمن، أو لم، خلقت آكلة اللحوم؟ # تلك سلسلة من المشكلات التي يفضي إليها التفسير ~~الغائي بالمعنى الذي حددناه من قبل، أو إن شئت ~~فسمه التفسير القائم على التشبيه بالإنسان # anthropomorphique ~~، ~~وهي مشكلات لا قبل للعلم بها. ولذا أمكن أن توجه ~~إلى هذه الغائية في علم الحياة الاعتراضات التالية: # 7 # كل تقدم في العلم إنما هو تقدم في ~~التفسير عن طريق العلل، فمثلا كان الرأي متفقا من ~~قبل على أن العلم يفسر الظواهر المتعلقة بأداء ~~الأعضاء التامة التكوين لوظائفها ~~( # catagenèse ~~)، ولكنه ~~يخفق في تفسير تركيب هذه الأعضاء وخلقها ونموها ~~( # Anagenèse ~~) ولكن ~~تبين أن خلق الأعضاء (وكان يسمى من قبل # ontogenèse # أي خلق ~~الفرد) يرتبط ارتباطا وثيقا بالهرمونات التي تفرزها ~~الغدد الصماء، كالغدة الدرقية مثلا، التي تفرزها ~~الأجسام الدرقية، وهكذا يتضح لنا أننا بسبيل الوصول ~~إلى نظرية «سببية» علمية خاصة بظواهر تكوين ~~الأعضاء. ~~(4) # على أن المسألة لا تقف عند هذا الحد، فالتفسير ~~الغائي لا يمكن الانتفاع به من الناحية العملية، ففي ~~التطبيق الطبي، لا يهمنا أن نعلم إذا كان الهضم ~~«غاية» للمعدة، والواقع أن المعدة تهضم «لأنها» تفرز ~~العصارة الهضمية، وأن المرء يصاب بعسر هضم عندما ~~تنقص في العصارة الهضمية مادة معينة يمكن أن يحل ~~محلها دواء معين، ولقد قال بيكن - ساخرا: «إن ~~السعي وراء العلل الغائية إنما هو سعي عقيم لا ~~يلد شيئا، مثله مثل العذراء التي تهب نفسها ~~لله.» # Causarum finalien inquisition sterilis ~~est, et tanquan virgo dei consecrate, nihil ~~pavit. # 8 # ولهذه الأسباب اتجهت علوم الحياة إلى الاقتصار على الأسباب ~~وإلى إغفال الغايات، ولكن هل هذا الإغفال ممكن؟ # أجل، لأن التفسير الغائي يفترض التفسير بالسبب، أما العكس ~~فغير صحيح. فالغاية تفترض الوسائل، والوسيلة تؤدي دور السبب ~~بالنسبة إلى الغاية، التي هي دائما نتيجة ومعلول. ومن هنا ~~أمكن القول إن الغائية وإن تكن شيئا يزيد على السببية، فإنها ~~سببية مثل كل شيء، وهي في حاجة إلى السببية؛ فالغائية إذن ms145 لا ~~تكتفي بنفسها، وإذا كانت العين قد خلقت «لكي» تبصر فذلك لأن ~~تركيبها يؤدي إلى الإبصار بوصفه «نتيجة». # أما التفسير بالعلة أو السبب فهو قائم بذاته تماما؛ بل إن ~~أشد أنصار الغائية تحمسا مضطرون إلى الاعتراف بوجود حالات لا ~~وجود للغاية فيها ( # atélie ~~) أو ~~حالات تتجاوز فيها الغاية # hypertélie ~~، على حد تعبير ~~كوينو # Cuénot ~~. # 9 # لهذا السبب كان في استطاعة علوم الحياة أن تستبعد الغايات ~~تماما، وأن تحذو حذو الطبيعة والكيمياء، في الاقتصار على ~~التفسير بالعلل. ~~(أ) الغائية والكلية # كانت وجهة النظر التي فحصنا الغائية تبعا لها حتى الآن ~~قائمة على التشبيه بالإنسان # Anthropomorphique # بدرجات ~~متفاوتة. ولكننا نصادف في علم الحياة معنى لمصطلح الغائية # Finalisme # يمكن فحصه هذه ~~المرة من وجهة النظر العلمية، ذلك لأن الكائن الحي يبدو ~~بمظهر الحقيقة الكلية، إن كل وظيفة للكائن العضوي تتضامن ~~مع الوظائف الأخرى، وهذه الوظائف تتضافر «وتتجه» نحو كل. ~~وإن ظواهر تجدد الأنسجة # régénération ~~(انظر القسم ~~الثاني) والظواهر التي تستطيع أجزاء معينة من الكائن ~~العضوي أن تحل فيها محل أجزاء أخرى مصابة في الكائن ~~العضوي، لتشهد بحقيقة هذا الاتجاه نحو الوحدة في الكائن ~~العضوي. فإذا ما نزعنا البلورية من الكائن المسمى ~~«سلمندرا ماكولاتا» مع إبقائنا على القزحية، فإن الجزء ~~الأعلى من القزحية يمكنه أن يعيد تجديد أنسجة الحدقة (وقد ~~أورد برجسون هذه التجربة في كتاب التطور الخالق ص76). ~~فإذا أطلقنا اسم التفسير الغائي على إدراك حقيقة اتجاه ~~الوظائف نحو الوحدة الكلية التي يكونها الكائن العضوي، ~~وعلى دراسة هذا الاتجاه، دون إشارة إلى أي هدف مقصود، ~~فعندئذ يمكننا القول بأن لمثل هذا التفسير الغائي ما ~~يبرره في علم الحياة. ~~(4) منهج الفسيولوجيا: الحتمية ونظرية البيئة ~~الداخلية # كان أول من وضع أسس الفسيولوجيا على النحو الذي تبحث ~~غايته اليوم في المعامل، هو هارفي # Harvey ~~، وهو طبيب إنجليزي كان ~~هو أول من تقدم في 1628م بنظرية محددة في الدورة الدموية، ~~وهي ظاهرة فسيولوجية أساسية، وفي القرن الثامن عشر، توصل ~~لافوازييه ولابلاس إلى تفسير يعلل - على الأقل - أهم ms146 ما في ~~ظاهرة الحرارة الحيوانية، وهي تلك الصفة الفريدة التي تتمثل ~~لدى الكائنات العضوية العليا، والتي تجعل هذه الكائنات تحتفظ ~~بدرجة حرارة ثابتة، رغم التغيرات الحرارية في البيئة المحيطة، ~~ما دامت تعيش في حالة طبيعية. وأخيرا، حدد كلودبرنار ~~الفسيولوجيا في شكلها النهائي عندما بين كيف يمكن تطبيق مبدأ ~~الحتمية على الحياة. وإنه ليبدو بالفعل، للوهلة الأولى، أن ~~الكائنات العضوية لا تخضع للقانون الذي يقضي بأن تكون النتائج ~~متفقة مع الأسباب؛ إذ يبدو أن البيئة لا تؤثر فيها إلا ~~تأثيرا وقتيا محدودا، فمثلا لا تستطيع البيئة أن تحدد ~~حرارتها وتركيبها الكيميائي تحديدا تاما ولكن ينبغي أن ~~نميز بين «البيئة الخارجية» أي الوسط الذي يحيط بالحدود ~~المرئية للكائن العضوي (الجلد)، وبين البيئة الداخلية، أي ~~مجموع السوائل العضوية «والأمزجة» كما كان يقال قديما، كالدم ~~والسائل الليمفاوي. # 10 # والواقع أن الكائن العضوي منعزل عن البيئة ~~الخارجية بنوع من القشرة العازلة المتماسكة إلى حد ما، ولذا ~~كانت البيئة الخارجية لا تؤثر فيه مطلقا، أو لا تتحكم فيه على ~~الأقل إلا جزئيا، ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البيئة ~~الداخلية، فالخلايا التي تتكون منها الأحياء العليا مغمورة ~~تماما في الدم والسائل الليمفاوي، اللذين يعدان بيئتهما ~~الحقيقية، واللذين يحددان حالة الخلايا بدقة مطلقة. فحرارة ~~الجسم البشري مثلا تظل ثابتة في الأحوال العادية رغم ~~تغيرات الحرارة الخارجية، ذلك لأنها تتوقف على ظواهر ~~كيميائية تستقر في البيئة الداخلية، حيث تتحكم عملية عظيمة ~~الدقة في حفظ توازنها. فإذا ما طرأ على هذه العملية تغير ~~طفيف ارتفعت درجة الحرارة مثلا، وأدى ذلك إلى الإصابة ~~بالحمى، دون تأثير مباشر بالبيئة الخارجية، فعلينا إذن أن ~~نتصور الكائن العضوي في الأحياء العليا على أنه كتلة منتظمة ~~من الخلايا، بيئتها الحقيقية المحددة بها هي الدم والسائل ~~الليمفاوي. وينحصر منهج علم وظائف الأعضاء في البحث عن الحتمية ~~العضوية في العلاقات بين الخلايا وبين الدم أو السائل ~~الليمفاوي، وإنا لنعلم بوجه خاص تلك الكشوف التي لا زالت ~~فجة، ولكنها تبشر بمستقبل باهر، والتي أتاح ذلك المنهج ~~الاهتداء ms147 إليها في مجال الغدد «الصماء». هذه الغدد، - كما نعلم ~~- تصب إفرازاتها في البيئة الداخلية التي تحدث فيها عن بعد ~~تغيرات هامة كانت لا تخطر لنا على بال. ~~(أ) المنهج الطبيعي الكيميائي في الفسيولوجيا # ذلك هو المنهج الذي وضعه هارفي، ولافوازييه ولابلاس، ~~والذي صاغ كلودبرنار # 11 # قواعده النظرية، فضلا عن قيامه بأعظم تجاربه ~~العملية، والمبادئ الأساسية لهذا المنهج هي: ~~(1) # أن حتمية ظواهر الحياة صارمة تماما كحتمية علم ~~الطبيعة والكيمياء. ~~(2) # وهي من نفس الطبيعة، أعني أن المرء لا يصادف في ~~الكائنات العضوية سوى ظواهر طبيعية وكيميائية. ~~فالمادة الحية، كما قيل، «ذات تنظيم عضوي»، أعني ~~أن لها تركيبها الخاص، وهذا التركيب عظيم التعقيد، ~~ولكن عناصره هي نفس العناصر التي تكون المادة ~~الجامدة؛ فالكربون والآزوت والهيدروجين تلعب فيها ~~الدور الرئيسي. و«الكيمياء العضوية» إنما هي ~~امتداد للكيمياء المعدنية أي لكيمياء الأجسام ~~الجامدة، وليس هناك عنصر كيميائي تختص به ~~الأجسام الحية، والتفاعلات الكيميائية التي تلاحظ ~~أو تنتج في معمل الكيميائية، تنتج كذلك في ~~الكائنات العضوية، وكل ما في الأمر أنها عندما ~~تحدث في الكائن العضوي تخضع لشروط أكثر تعقيدا من ~~ذلك، وإن كانت واحدة في حقيقتها. فمن وجهة نظر ~~العلم الطبيعي يعد الكائن الحي «آلة»، كما قال ~~ديكارت من قبل عن الكائن العضوي الحيواني، وعن ~~الكائن العضوي البشري أيضا، بالقدر الذي ~~تتشابه فيه وظائفه مع وظائف الكائن العضوي ~~الحيواني. # وعلى هذا النحو تكون علم طبيعة كيميائي للحياة ~~امتدت كشوفه امتدادا هائلا وتلاحقت بسرعة ~~كبيرة. ~~(5) أمثلة للبحوث الفسيولوجية تبين المراحل الثلاثة ~~للمنهج # لكي نوضح خصائص المنهج في الفسيولوجيا، سنقتبس من كلودبرنار ~~الأمثلة الآتية: # الأرانب من أكلة اللحوم: إن المثال الأول معروف مشهور وهو ~~مثال تلك البحوث التي أثبت بها «كلودبرنار» أن الكائن العضوي ~~للحيوانات آكلة العشب، إذا ما تعرض للصيام مدة طويلة، يتغذى ~~من جسمه هو، ويسلك مسلك الحيوانات آكلة اللحوم. ~~(1) # فقد أتى «كلودبرنار» لتجاربه بأرانب من السوق، ~~وعندما تبولت هذه الأرانب على منضدة المعمل، لاحظ ~~مندهشا أن بولها حمضي صاف، كما هي الحال في أكلة ~~اللحوم، ms148 وليس قلويا عكرا، كما هي الحال في أكلة ~~العشب عادة. ~~(2) # خطر بذهنه أن هذه الحيوانات ربما كانت محرومة من ~~الطعام منذ مدة طويلة، وأن جسمها الذي يتغذى مما فيه ~~من مواد داخلية احتياطية، هو في حقيقته من أكلة ~~اللحوم. ~~(3) # كانت التجارب التي حقق بها فكرته عظيمة التنوع ~~والطرافة، فقد أخضع الأرانب لنظام غذائي عادي، ثم منع ~~عنها الأكل من جديد، فكان بولها يصبح مرة مماثلا ~~لبول أكلة العشب، ومرة لبول أكلة اللحوم، وأجرى تجارب ~~مماثلة على غيرها من أكلة العشب كالحصان مثلا، وأمكنه ~~الوصول بالتجربة إلى «أرنب آكل للحوم» يتغذى بلحم بقر ~~مسلوق بارد. # 12 # أكسيد الكربون: والمثال الثاني يتعلق بأسباب التسمم بوساطة ~~أكسيد الكربون، وهذا المثال أكثر تعقيدا لأنه ينطوي على إخفاق ~~مؤقت عرضه صاحب التجربة باختراع فكرة جديدة. # 13 ~~(1) # سمم كلودبرنار كلبا بوساطة أكسيد الكربون، ولما ~~شرحه وجد أن دم الحيوان قد أصبح كله قانيا كدم ~~الشرايين. ~~(2) # وبدا له، لأول وهلة، أن كل الدم، حتى دم الأوردة، قد ~~أصبح «شريانيا» أي يشتمل على شحنة من الأكسجين حال ~~تأثير المادة السامة دون تركها في الأنسجة، واستبدال ~~الحامض الكربوني بها. ~~(3) # على أن التحقيق أثبت بطلان الفكرة، إذ لو كانت ~~صحيحة لوجب أن ينتج ماء عند إضافة هيدروجين إلى الدم، ~~ولكن هذا لم يحدث، ولم يحدث تفاعل بين الدم ~~والهيدروجين. ~~(4) # ولكن كلودبرنار كان قد احتاط باستخدام عينات من الدم ~~مأخوذة من الأوردة والشرايين معا، أما أن دم الأوردة ~~لا يحتوي على الأكسجين، فذلك أمر لا غرابة فيه، ولكنه ~~أيضا لا يحتوي على حمض كربوني، ثم إن لونه كلون دم ~~الشرايين، وهنا يقول كلودبرنار «لقد استنفدت عندئذ ~~كل ما في ذهني من تخمينات.» ولكنه استقر أخيرا على ~~الاستدلال التالي: إذا لم يكن هناك أكسجين فذلك يرجع ~~إلى أن أكسيد الكربون قد حل محله، بحيث أصبح الدم ~~عندئذ عاجزا عن تثبيت الأكسجين، أما مظهره الشرياني ~~فيرجع بلا شك إلى أن أكسيد الكربون قد ثبت على ~~الكريات الحمراء. ~~(5) # وتمت مرحلة التجريب في الزجاج # in ms149 ~~vitro ~~، أي في وعاء من الزجاج، أو ~~بعبارة أخرى خارج الكائن العضوي، وفي بيئة من الجماد، ~~فأخذ كلودبارنار دما شريانيا سليما وسممه في ~~أنبوبة اختبار، وأمكنه أن يتتبع كيميائيا حلول أكسيد ~~الكربون بالتدريج محل الأكسجين. # سم الضفدع: هناك مثال ثالث، وآخر رابع، يبينان الدور الذي ~~يلعبه الإيمان بالحتمية في البحث التجريبي، وفي هذا يقول ~~كلودبرنار: «إذا تمثلت في التجربة ظاهرة تبدو متناقضة إلى حد ~~أنها لا تصبح مرتبطة ارتباطا ضروريا بشروط محددة للوجود، ~~فينبغي للعقل أن يرفض هذه الظاهرة بوصفها ظاهرة غير علمية.» # 14 # فما معنى قوله هذا؟ إن الظاهرة التي تخالف الحتمية ~~إما أن تكون علة تسبب حدوث نتيجة معينة تارة، ونتيجة أخرى ~~تارة ثانية، كيفما اتفق، وإما أن تكون هي ذاتها معلولا ينتج ~~تارة عن علة ما، وتارة عن علة أخرى، كيفما اتفق، وفي هذه ~~الحالة يجب على المرء ألا يصدق ما يراه؛ فوحدة العلة في الحالة ~~الأولى، ووحدة المعلول في الحالة الثانية، لا تعدوان أن تكونا ~~وهميتين، ولا بد أن هناك فارقا لم نره لأن حواسنا تفتقر ~~إلى الدقة، أو لا تتكيف مع الموقف، أو لأن التجربة لم تجر ~~بالقدر الكافي. # 15 ~~(1) # فالظاهرة هي أن السم الذي يفرزه جلد الضفدعة السامة ~~يقتل الضفدعة العادية بأن يوقف قلبها، ولكن لا يبدو ~~أنه يسبب ضررا للضفدعة السامة، هذا على الرغم من أن ~~أنسجة القلب واحدة في النوعين. ~~(2) # فهناك إذن فارق لم نلاحظه للوهلة الأولى، ويحاول ~~كلودبرنار العثور على هذا الفارق فلا يهتدي ~~إليه. ~~(3) # فلابد إذن أن التجربة لم تجر بالقدر الكافي، أي ~~أنها لم تستغرق «الوقت» الضروري، أو لم تطبق على ~~«الكمية» اللازمة. ~~(4) # والواقع أن «الكمية» هي التي كانت ناقصة فيكفي أن ~~تضاعف الجرعة حتى تقتل الضفدعة مثلما قتلت الضفدعة ~~المعتادة. # وفي هذا المثل «يبدو» أن علة واحدة في ظاهرها تنتج ~~المعلول دون ضرورة محتومة. # الأثير وقنوات العصارة الهضمية: فيما يلي معلول يبدو أنه ~~ينتج دون ضرورة محتومة عن علة أو أخرى، أو يبدو الاختصار ~~ناتجا عن غير علة: ms150 ~~(1) # فعندما حقن كلودبرنار كلبا منع عنه الطعام بالأثير ~~في أمعائه، وجد أن القنوات حاملة العصارة الهضمية قد ~~ابيضت، كما لو كان الحيوان قد هضم مواد غذائية دسمة، ~~وتلك هي الظاهرة التي لا نجد لها علة، وهي «ظاهرة ~~ممتنعة وغير معقولة». ~~(2) # وعلينا أن نهتدي إلى تعليل لها، وعندما فحص ~~كلودبرنار الأدوات التي استخدمها في تجربته فحصا ~~دقيقا، تبين له أن الأثير قد أدخل بوساطة حقنة بها ~~دهان عالق أذابه الأثير وأدخله معه، وعلى ذلك فقد ~~امتص الحيوان دهنا بالفعل. ~~(3) # فإذا ما أدخلنا الأثير بأنبوبة لا أثر بها للدهن، ~~فإن قنوات العصارة لا تبيض، وهذا ما تحقق منه ~~بالفعل. ~~(6) أهمية الفكرة في منهج الفسيولوجيا # من كل هذه الأمثلة، ننتهي إلى أن العملية التجريبية متشابهة ~~في العلوم البيولوجية وفي الطبيعة الرياضية، على أن هذا ~~التشابه يقف عند حد معين هو عدم إمكان إضفاء صورة الدالة ~~الرياضية أو على الأقل عدم إمكان إضفائها دائما على «الفكرة» ~~التجريبية التي تبتدع في المرحلة الثانية من مراحل البحث. وقد ~~بذل مجهود كبير للوصول إلى هذه الغاية؛ بل إن في علم الحياة ~~جزءا كاملا يتشكل بالصورة الرياضية. أو أن الفكرة تتشكل على ~~الأقل بالصورة الطبيعية الكيميائية، ففكرة الدورة الدموية عند ~~«هارفي» ميكانيكية، وفكرة الحرارة الحيوانية عند «لافوازييه» ~~كيميائية، وكان كلودبرنار يجري تجاربه، في أغلب الأحيان، ~~بطريقة صناعية، أعني في البيئة الجامدة كما يفعل ~~الكيميائي. # ولقد ألح كلودبرنار في بيان أهمية «الفكرة» التي كان ~~يسميها فكرة أولية # apriori # أو ~~«فكرة مسبقة # préconçu ~~» أو ~~«فرضا» على أن كلمة «الفرض» هي الكلمة الشائعة، التي ~~استخدمناها من قبل في الفصل السابق، أما عبارة «الفكرة ~~الأولية» فتهدف إلى توضيح أسبقية الفكرة على التجريب، وتبين ~~أيضا أنها اخترعت، وأنها وليدة الذهن، أي أنها من خلقه الحر ~~الأصيل، وأما عبارة الفكرة المسبقة، فلا تدل إلا على أنها تسبق ~~التجربة، وعلى كل حال، فنحن لا نوصي باستخدام هذين التعبيرين ~~الأخيرين، إذ إن «الأولى # apriori ~~» يعني - إذا شئنا ~~الدقة - ما هو مستقل عن التجربة، والفكرة المسبقة # idée ms151 préconçu # هي نوع من ~~التحيز الذي يشوه الملاحظة. # هذا إلى أن كلودبرنار نفسه قد فطن إلى ما يؤدي إليه استخدام ~~هذا اللفظ من لبس، لأنه كتب يقول «إذا ما أجرينا التجربة دون ~~فكرة مسبقة، فإن المرء يمضي خبط عشواء، ولكن ... إذا لاحظنا ~~بناء على أفكار مسبقة، كانت ملاحظتنا غير سليمة.» # 16 # البيولوجيا (علم الحياة) ~~(7) التاريخ الطبيعي هو الصورة الأولى للبيولوجيا # عندما عددنا علوم الحياة تركنا عامدين مجموعة كاملة من ~~العلوم التي يمكننا أن نسميها بالعلوم العينية # sciences concrètes # وذلك إذا ~~استخدمنا مصطلح أوجست كونت، ونحن نعلم أن كونت كان يطلق اسم ~~العلوم العينية على تلك العلوم التي تتخذ الموجودات موضوعا ~~لها، في مقابل العلوم المجردة، التي تتخذ من «القوانين» ~~موضوعا؛ فالفسيولوجيا تدرس الحياة، أما التاريخ الطبيعي فيدرس «الأحياء». # 17 # والهدف المنشود للبحث في التاريخ الطبيعي هو تفسير الفروق ~~بين الأحياء، لا قانونها المشترك، الذي هو الحياة. فدراسة ~~التنفس بوجه عام تنتمي إلى مجال الفسيولوجيا. حقا إن المرء ~~لا ينظر إلى الأمر من وجهة النظر التجريبية هذه أبدا، وإنما ~~يدرس التنفس في «الإنسان» مثلا، ولكن هذا راجع إلى أننا ~~نختار الإنسان بوصفه أكثر الحيوانات تعقيدا، ولأنه - كما ~~ينبغي لنا أن نعترف - أكثرها أهمية بالنسبة إلينا، ولكن المرء ~~على استعداد للتعميم دائما. فالتفرقة بين الحيوانات، أو ~~التمييز مثلا بين التنفس عن طريق الرئتين والتنفس عن طريق ~~الخياشيم، معناه التطرق إلى مجال التاريخ الطبيعي. # ومن المفهوم أن التاريخ الطبيعي قد بدأ بإعداد مجموعات، وقد ~~قام أرسطو نفسه بمثل هذا العمل، مثال ذلك أن نعد مجموعات ~~للنباتات الحية أو المجففة (كالحدائق النباتية أو حدائق ~~المزروعات والأعشاب) إلخ، أو حيوانات حية (كبيوت الحيوانات ~~المستأنسة أو أقفاص الطيور) أو حيوانات محفوظة في حالة ~~«طبيعية» بطرق متباينة (كالحيوانات الكبيرة المحنطة، والحشرات ~~المحفوظة في صناديق، والحيات والقواقع المحفوظة في الكحول) أو ~~مجموعات من الرسوم أو الوثائق. # التصنيف الطبيعي: والمرحلة التالية هي أن يحاول المرء تنظيم ~~هذه الثروة الضخمة، فيجمع الحيوانات والنباتات تبعا لما بينها ~~من أوجه الشبه والاختلاف ms152 وهذا ما يسمى بالتصنيف، ولقد حاول ~~بعضهم جعل هذا التصنيف طبيعيا (ظهور «التنظيمات الطبيعية # naturae systemata ~~» في القرنين ~~السابع عشر والثامن عشر: كأبحاث لينيه # Linné # وجوسييه # Jussieu # إلخ) ذلك لأنهم كانوا ~~يفترضون أن هناك خطة طبيعية للتصنيف، نظرا لأن الأحياء ~~تتشابه وتختلف وفقا لطريقة منظمة. # وإذن فقد بدأ التاريخ الطبيعي في هذه المرحلة كما لو كان ~~تصنيفا للأحياء أقرب ما يكون إلى الطبيعة. فتفسير كائن حي هو ~~ربطه بنوعه، ثم إدراج هذا النوع تحت جنس أعم، حتى الفروع ~~الرئيسية لمملكة الأحياء. ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن التاريخ ~~الطبيعي يفرض على مجموعة الأحياء نسقا من «الأفكار»، وينحصر ~~التفسير في ربط كل كائن حي بفكرة في هذا النسق، وذلك بعينه ~~هو ما أسماه كونت «بالتفسير الميتافيزيقي» إذ إن قوام هذا ~~التفسير الأخير هو أن نحدد سبب وجود ظاهرة ما بأنه فكرة ما، ~~أو بأنه كيان عقلي (تجريد مشخص) على حد تعبيره. ~~(8) مذهب التطور هو تطبيق للمنهج الوضعي على ~~البيولوجيا # في مستهل القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد في عام 1800م # 18 # انتقل التاريخ الطبيعي من المرحلة الميتافيزيقية ~~إلى المرحلة الوضعية على يد لامارك # Lamarck ~~. ولقد أمكن تجاوز ~~التفسير الميتافيزيقي، والقضاء عليه في نهاية الأمر: ~~(1) # عن طريق تقدمه ~~الخاص، فقد تبين للعلماء أن المجموعات تظهر بينها ~~مجموعات متوسطة يزداد عددها بالتدريج، وتوحي بفكرة ~~الاتصال وبالتالي بفكرة القرابة قطعا. ~~(2) # وعن طريق نمو علم الحيوانات المنقرضة # paléontologie # والمقصود بهذا الاسم دراسة الأشكال الحية للحفريات، ~~المعاصرة للعصور الجيولوجية السحيقة في القدم والتي ~~ظلت باقية بصور مختلفة. # فمنذ القرن السادس عشر نجد «برنار باليسي # Bernard Palissy ~~» ~~مهتما بالحفريات، وفي القرن السابع عشر، نرى ليبنتز، ~~الذي كان يهتم بكل شيء، لا سيما بما يوضح تنوع الكون ~~واتصاله، قد لفت الأنظار إلى الحفريات. # 19 # ولا شك أن تصنيف الحفريات يقوي هذه ~~الفكرة التي نكونها لأنفسنا نتيجة لتقدم تصنيف ~~الأحياء الحالية، وأعني بها فكرة وجود قرابة واتصال ~~بين الأنواع الحية. ~~(3) # وقد ابتدع مربو الحيوان والبستانيون والزراع، ~~وحسنوا منذ ألوف السنين، ms153 وسائل عملية تؤدي إلى خلق ~~نماذج فرعية، وربما أنواع # 20 # كالقمح، ونباتات الزينة، والحيوانات ~~المستأنسة والأنواع المتأقلمة. وهذه كلها أشكال حصل ~~عليها الإنسان وخلقها. # فإذا ما وضعنا هذا كله في حسباننا، ألفينا التاريخ الطبيعي ~~يتخذ طابعا مغايرا؛ فهو يبدو في صورة «تاريخية» بالمعنى ~~الصحيح، أي أنه يروي قصة «تاريخ» ويرسم «جغرافية» الأنواع ~~الحية، بدلا من أن يكتفي بوضع قائمة لها وفقا لنسق من ~~الحقائق الأزلية، وبعبارة أخرى، فهو يعيد تأليف «شجرة نسب» ~~الأنواع، مع ربطها بالبيئة الجغرافية (كالمناخ والمسكن ~~والظروف) وإذن فهو يصور الأنواع من حيث خضوعها للزمان وللعلية ~~والمكان، لا وفقا لمعان أزلية. # والنتيجة التي تستخلص من هذه الفكرة الجديدة هي أن الأنواع ~~الحية، لما كانت معلولات ونتائج للبيئة وللسوابق في آن واحد، ~~فمن الضروري أن تتغير كلما اقتضى ذلك تأثير السوابق والبيئة. ~~وإذن يجب ألا نتصورها بعد الآن كما لو كانت ثابتة؛ بل يجب ~~النظر إليها على أنها قابلة للتحول. هذه النتيجة للنظرية هي ~~أكثر عناصرها الباقية شيوعا وأبلغها دلالة على النظرية، ~~ومنها استمد الاسم المعروف لهذه النظرية: مذهب ~~التطور. ~~(9) لامارك وأتباعه المحدثون # بدأ مذهب التطور في أول الأمر في صورة النظرية، أو بتعبير ~~أدق، في صورة مجموعة من النظريات أهمها تلك التي تقدم بها ~~«لامارك ودارون». # لامارك: كان لامارك # 21 # عالما للنبات وأحد الذين اشتركوا في «دائرة ~~المعارف # encyclopedie ~~»، ثم ~~أصبح في سنة 1795م أستاذا لعلم الحيوان في فرع ~~اللافقاريات بالمتحف، ويمكننا اعتباره تلميذا لبيفون # Buffon # 22 # ومكملا له. وقد تجلى تأثير بيفون في تفكيره عندما ~~اقتنع تماما بتلك الفكرة القائلة إنه ليس هناك تصنيف طبيعي ~~بمعنى الكلمة: وهي في ذاتها فكرة تنطوي - سلبيا على الأقل - ~~على مذهب التحول، وذلك لأنها تعني أن الطبيعة تجهل تقسيم ~~الكائنات إلى أنواع وأجناس، وأن المرء لا يستطيع تبعا لذلك أن ~~يهتدي فيها إلا إلى سلالات متعاقبة، أي علاقات سببية. ومع ~~ذلك، تظل لتصنيف الأحياء قيمة نسبية مؤقتة، ولقد صحح «لامارك» ~~ذلك التصنيف الذي قسم لينيه ~~( # Linné ~~) فيه الحيوانات إلى ~~(ثدييات، ms154 وطيور، وبرمائيات، وأسماك، وحشرات وديدان) فجمع ~~الأربعة الأولى في نوع واحد، هو «الفقريات» بينما أقحم بين ~~النوعين الأخيرين أنواعا أخرى هي اللاحشوية ~~( # Coelentéré ~~)، والشوكيات ~~( # échinoderms ~~) وميز القشريات ~~( # crustacés ~~) والعناكب ~~( # arachnides ~~) من الحشرات فكرة ~~السلسلة، ولما أصبح هذا التصنيف أكثر توازنا وتعقيدا على هذا ~~النحو، أوحى إليه بفكرة وجود سلم متصل للأحياء، أي «سلسلة ~~متفرعة» كما أسماها، يحتل الإنسان قمتها، أما بقية ~~الحيوانات فتمثل الأشكال التي تقترب منه تباعا، ولكي نصل إلى ~~مذهب التحول يكفينا التسليم بأن هذه الأشكال تعبر عن مراحل ~~لطريق واحد سلك بالفعل، وبهذا تكون القائمة المنظمة للأجناس ~~قد عبرت «شجرة نسب» الحياة. # التكيف مع البيئة: ويبقى علينا أن نعرف العلة التي أدت ~~إلى التحول، فإذا قارنا بين نماذج معينة لحيوانات متقاربة، ~~ولكنها متباينة، كالصقر والقادوس ~~( # Albatros ~~)، والبجعة والنعامة، ~~والسنجاب وثعلب البحر، والكلب والدلفين ~~( Phoque ~~) وجدنا أن الفارق يرجع ~~إلى التكيف مع البيئة، وتلك هي الفكرة الرئيسية في مذهب ~~«لامارك». ~~(أ) ضمور الأعضاء أو نموها # ومع ذلك، فالتكيف يمكن أن يفهم بمعنيين ~~مختلفين ~~(1) # بمعنى الغائية: بل بمعنى «العناية الإلهية»، إذ ~~إن الكائنات الحية قد أصبحت قادرة على الانتفاع ~~من البيئة بفضل الطبيعة أو الله، ولكن لامارك، ~~الذي كان من فلاسفة دائرة المعارف، لا يقبل هذا ~~التفسير. ~~(2) # والمعنى الثاني هو معنى «العلية». فالطبيعة قد ~~أثرت في الكائنات الحية لكي تجعلها متلائمة ~~معها، أو على الأصح، سلكت الكائنات الحية مسلكا ~~يكفل لها الانتفاع بالبيئة (بأن تعوم بدلا من أن ~~تسير مثلا) ونتج عن ذلك أن نمت أو ضمرت لديها ~~أعضاء معينة، بتأثير التعود، أو بتأثير عدم ~~التدريب. # مثال الزرافة: وهاك مثالا دقيقا؛ فالزرافة ~~( # comelo pardalis ~~) تحيا في ~~بيئات تجبرها فيها الأرض التي تكاد تكون مجدبة وخالية ~~من العشب دائما على قضم أوراق الأشجار، وعلى محاولة ~~الوصول إليها باستمرار، ونتج عن هذه العادة التي استمرت ~~لدى كل أفراد جنس الزراف زمنا طويلا، أن أصبحت رجلاها ~~الأماميتان أطول من الخلفيتين، وطالت رقبتها إلى حد ~~أنها تستطيع، دون الوقوف على رجليها الخلفيتين، أن ms155 ترفع ~~رأسها وتصل إلى ارتفاع ستة أمتار (حوالي عشرين قدما). # 23 # وراثة الصفات المكتسبة: ولكي يكمل التفسير، يجب التسليم ~~بأن كل زيادة أو ضمور في الأعضاء تنقل بالوراثة (وهذا ~~ما يسمى بوراثة الصفات المكتسبة). # تلك هي آراء لامارك الأساسية: اتصال الكائنات العضوية في ~~السلسلة، والتكيف بالبيئة باستخدام الأعضاء أو عدم ~~استخدامها، ووراثة الصفات المكتسبة. # كوب # cope ~~: وقد ترددت ~~هذه الآراء لدى «أتباع لامارك المحدثين» أي لدى أتباع مذهب ~~التحول الذين اتخذوا مذهب لامارك مصدر وحي لهم بعده ~~بخمسين عاما، ومنهم العالم الأمريكي كوب # 24 # الذي فسر نشأة العمود الفقري عن طريق رواسب ~~معدنية تنفذ إلى أنسجة العضلات، ثم تشكلها حركات الحيوان، ~~مثلما تتخذ أكمام الثوب شكلها من حركات الذراع. ~~(10) مذهب دارون # بلغ دارون # 25 # مرحلة النضج بعد لامارك بحوالي نصف قرن، وفي ظروف ~~مغايرة تماما؛ فقد كان لامارك أستاذا في المتحف، أما دارون ~~فكان عالما طبيعيا رحالة، ولقد لاحظ دارون في «شيلي» ~~أنواعا حيوانية واضحة التقارب، ولكنها تختلف من حيث مواطنها، ~~أي الأرض التي تعيش فيها، فربط بينها وبين أنواع الحفريات التي ~~اهتدى إليها في باطن الأرض. فأقنعته هذه الملاحظات، التي ~~أجراها بوصفه عالما للأحياء ورحالة، بصحة فكرة التطور. ومما ~~ساعد أيضا على قبوله هذه الفكرة، وجود نوع من التقاليد ~~العائلية كان يوحى إليه بها؛ فقد كان جده «إرازموس دارون» ~~من علماء الأجنة ، وهذا النوع من العلماء المشرحين يعد ~~تغير النوع حقيقة مجربة، إذ إن الجنين ينتقل خلال نموه ~~انتقالا ملحوظا من نمط إلى نمط آخر مختلف عنه كل ~~الاختلاف، ولكن دارون كان أكثر حذرا من أن يطبق أفكار جده ~~بحذافيرها على تكون الأنماط الحية بوجه عام، وإنما أراد أن ~~يعرف أولا «كيف» تتطور الأنواع. # الانتقاء الطبيعي: ~~وعندما عاد إلى إنجلترا، قرر أن يلاحظ التحولات التجريبية التي ~~يمكن الوصول إليها بأساليب التربية البشرية، وبدا له أنها ~~ناتجة عن «انتقاء»، والانتقاء طريقة تعزل بها التغيرات ~~العرضية التي نهتم بها، مع استبعاد بقية التغيرات. ومثال ~~ذلك ما يفعله مربي القطط حين لا ms156 يستبقي لديه من السلالة إلا ~~القطط السوداء، ويقضي على الأخرى فهل يعني ذلك أن الطبيعة تسلك ~~هذا النحو ذاته؟ لقد ظل دارون يفكر في إجابة عن هذا السؤال مدة ~~طويلة، إلى أن كان يوم قرأ فيه كتاب المفكر الاقتصادي ~~الإنجليزي مالتوس ( # Malthus ~~) ~~ووجد فيه أنه بينما تزداد موارد العيش تبعا لمتوالية حسابية، ~~فإن الناس يتزايدون بمتوالية هندسية، أي أنهم يتزايدون بسرعة ~~أكبر بكثير. لكن إذا كان قانون مالتوس ينطبق على الكائنات ~~البشرية بطريقة غير مؤكدة، فإنه ينطبق بطريقة مؤكدة تماما ~~على ما يعمر الأقاليم الجغرافية من الحيوانات والنباتات، وقام ~~دارون بعملية حسابية، أساسها متوسط قدرة الأنواع على التكاثر، ~~فأدرك أننا، حتى لو نظرنا إلى الأنواع القليلة النسل (كالفيلة ~~مثلا) لوصلنا سريعا إلى زيادة مريعة، على أن الطبيعة عاجزة؛ ~~بل هي عاجزة تماما، عن تقديم الغذاء لكل ما يولد، وإذن ~~فهناك انتقاء آلي، هو «الانتقاء الطبيعي» وهو قانون للطبيعة، ~~وليس إجراء صناعيا مقصودا. # وعند دارون أن سبب التحول هو الآتي: فكلما ولد كائن حي، حدث ~~«فارق عرضي» وفي «التنافس الحيوي» الذي تدخل فيه بالطبع ~~الكائنات التي تنتمي إلى نوع واحد تعيش أفراده معا، فيضطرون ~~إلى التغذي من نفس الإقليم، ومن نفس الأغذية، وبمقادير غير ~~كافية؛ في هذا التنافس قد يكون ذلك الفارق العرضي أمرا ضارا ~~أو نافعا. فإذا كان ضارا، أدى ذلك إلى القضاء على الكائن ~~الذي يحل فيه، وإن كان نافعا، استمر الكائن في البقاء، ~~وتكاثر، ونقل الاستعداد للتنوع على هذا النحو، وهو الاستعداد ~~الذي كان فطريا لديه. فالفارق العرضي الموروث، والانتقاء ~~الطبيعي (بقاء الأصلح، والقضاء على الآخرين بتأثير التنافس ~~الحيوي). هذه هي الأفكار الرئيسية في مذهب دارون. # مثال الزرافة: من حسن الحظ أن لدينا تفسيرا طبقه دارون ~~على نفس المثال الذي تحدث عنه لامارك، وإذن فمن الطبيعي ~~جدا أن يكون التفسيران تضادا ثنائيا. وفي هذا يقول ~~دارون: (إن ارتفاع قامة الزرافة، وطول رقبتها، ورجليها ~~الأماميتين، ورأسها ولسانها، يجعل منها حيوانا يتكيف على ~~أفضل نحو مع البيئة لقضم أعلى أغصان ms157 الأشجار، وبهذا يمكنها ~~الوصول إلى أنواع من الغذاء بعيدة عن متناول غيرها من ~~الحيوانات ذات الحوافر التي تسكن نفس الإقليم، ولا شك في أن ~~هذا يحقق لها مزايا كبرى في أوقات القحط ... ولو تأملنا ~~الزرافة المولودة، في حالة التوحش الأولى، لوجدنا أن أعلى ~~الأفراد قامة وأقدرهم على القضم من ارتفاع يعلو على ارتفاع ~~الآخرين شبرا أو شبرين، هم الذين أمكنهم الاستمرار في البقاء ~~في وقت المجاعة، إذ كانوا يجوبون الإقليم كله من أقصاه إلى ~~أقصاه بحثا عن الغذاء، وأدى امتزاجهم إلى إنتاج ذرية ورث ~~أفرادها الخصائص الجسمية، أو الميل إلى السير في نفس اتجاه ~~التغير، بينما تعرض الأفراد الذين لم يصلوا إلى نفس درجة ~~التكيف في نفس هذه الظروف للفناء. # 26 ~~(أ) الصعوبات التي تواجهها نظرية التطور عند لامارك ~~وعند دارون # بقي علينا أن نعرف أيهما كان على حق: لامارك أم ~~دارون. # إخفاق نظرية لامارك: توقفت نظرية لامارك في التطور فورا ~~عند عقبة كأداء؛ فالتغيرات التي تكتسب خلال حياة الكائن ~~لا تنقل بالوراثة، أي أن «المكتسب لا يورث» كما يقول ~~التعبير الشائع، ولقد أجريت في هذا الصدد تجارب متعددة، ~~ولكن لم يثبت من واحدة منها إمكان انتقال تغير مثلا، أو ~~عادة مكتسبة. فالاستعدادات والميول والتكيفات الموروثة هي ~~وحدها التي تنقل. # نظرية فيسمان # Weismann ~~: ~~قام فيسمان، وهو من الدارونيين المحدثين الألمان، بترجمة ~~هذا القانون وتفسيره عن طريق النظرية المشهورة في استمرار ~~بلازما التوالد # continuité du plasma ~~germinatif ~~(1885)، # 27 # وبلازما التوالد هي مجموع الخلايا الجنسية، ~~المذكرة المؤنثة التي تؤدي إلى وجود الكائن الجديد، عندما ~~«تبذر»، ولهذه الخلايا طابع مزدوج: ~~(1) # فلديها القدرة على إنتاج الكائن العضوي بأكمله. ~~وهي وحدها، التي تتميز بهذه القدرة، أما بقية ~~خلايا الجسم، المسماة بالخلايا السوماتية (الجسمية # Somatiques ~~) فلا ~~تنتج على الأكثر إلا جزءا من نفس النسيج الذي ~~تنتمي إليه (كما في حالة اندمال الجروح، والترقيع ~~الحيواني). ~~(2) # وهي تتميز ~~ثانيا بأنها تحمل خصائص الوراثة، فمن أين أتت هذه ~~الميزة «للبذرة»؟ أهي ترجع إلى نوع من التفويض من ~~قبل الكائن ms158 العضوي بأكمله؟ وهل هذا التفويض - إذا ~~صح - يتجسم في دقائق تسمى بالبراعم # gemmules ~~، تتوزع ~~على الجسم بأكمله، وتتجمع في البذرة؟ إن أحدا ~~لم يلاحظ من قبل مثل هذا التجمع، كما أن ~~«البراعم» الجسمية هذه كيانات لا وجود لها إلا في ~~الذهن، والأصح من ذلك أن نفترض أن خلايا التوالد ~~لا تأتي من جسم الفرد؛ بل من بذرة السلالة نفسها. ~~فعند كل ميلاد، يكون هناك جزء من «البذور» الخاصة ~~يحتوي على الخلية الأم، ولا يستخدم في تركيب ~~الكائن العضوي الجديد، وإنما يحفظ احتياطيا دون ~~أن يطرأ عليه تعديل، ليكون «البذرة الجديدة». ~~وتستمر خلايا التوالد في الأجيال المتعاقبة، وتكون ~~من مادة واحدة، ومن تركيب جسيمي واحد، وإذن ~~فعلينا، تبعا لهذه النظرية الطموح، أن نتصور ~~تعاقب الأجيال في صورة بلازما التي تظل مستمرة ~~في الوجود دائما، والتي تنضم إليها، عند نموها، ~~الخصائص الجسمية للفرد في كل جيل. وإذن فالوراثة ~~تنتقل من الجنس إلى الأفراد المتعاقبين، لا من ~~فرد إلى فرد، ولا شك في أن هناك ردود أفعال تحدث ~~من جانب الفرد على «البذور»؛ فهناك مثلا أمراض ~~جرثومية معينة، أو أنواع من التسمم المكتسب ~~قابلة للانتقال، ولكن عددها ضئيل. ثم إن ما يورث ~~في هذه الحالة، كما قال برجسون، ليس هو «الصفة» ~~وإنما «الانحراف» الذي يتجسم في صورة ميكروب أو ~~مادة سامة أصابت الجسم، وبالتالي تصاب البذرة ~~بالعدوى عن طريق الاتصال المباشر. # 28 # فالواجب إذن أن نفسر التحول بأنه قدرة تصف بها البذرة ~~الجماعية، وتلك نقطة مقررة في هذا الموضوع، بحيث أصبح ~~مذهب دارون في شكله الحديث هو الذي يمثل مذهب التطور في ~~صورته الحالية. # ولقد نشب منذ عدة سنوات جدال عنيف بين علماء الأحياء ~~الذين يرفضون فكرة الوراثة المكتسبة، وبين مدرسة روسية (هي ~~مدرسة متشورين # Mitchourine ~~) التي تؤكد ~~وجود طفرات ملحوظة، بحيث إن الصفات المكتسبة يمكن أن تصبح ~~متوارثة بفضل طفرات موجهة. فمذهب متشورين، على حد تعبير ~~كولد شارل ماتون # Claude Charles ~~Mathon # يرفض مبدأ استقلال الجسم عن ~~البذرة. وفي هذا كتب أحد ms159 تلاميذ «متشورين»، وهو ليسنكو # Lyssenko # يقول: «إن ~~التغيرات الوراثية واكتساب خصائص جديدة، وتدعيم هذه ~~الخصائص، وكذلك تراكمها في سلسلة من الأجيال المتلاحقة، ~~كل هذه تتحدد دائما تبعا لظروف حياة الكائن العضوي.» # 29 ~~(ب) الصعاب التي تواجه مذهب دارون # من المهم ألا ننسى أن مذهب التطور يتعين عليه، لكي يظل ~~سائرا في الطريق الذي اختطه دارون، أن ينظر إلى هذه ~~القدرة على التغير على أنها تسلك أي اتجاه كان، بحيث إن ~~الانتقاء الطبيعي هو وحده الذي يوجهها في الوجهة الملائمة، ~~ولكن ما عسى أن تكون نسبة احتمال التغير الملائم عندئذ؟ ~~إنها بلا شك نسبة ضئيلة جدا، لا سيما أن هذا التطور لن ~~تكون له فائدة إلا إذا كان مشتملا على عدد معين؛ بل على ~~عدد كبير من التغيرات التي تتجه كلها نحو هدف واحد، ~~فمثلا: ما قيمة اكتساب بلورية العين بغير شبكية، أو ~~شبكية بغير بلورية؛ بل ما فائدة وجود عين بدون الأفعال ~~المنعكسة التي تعين على استخدامها؟ لقد شعر دارون نفسه ~~بهذه الصعوبة، ولهذا اعترف بأن التغيرات كانت لا بد ضعيفة ~~في البداية، حتى لا يكون ضررها أكبر من نفعها. ومع ذلك، ~~فلنا أن نتساءل عما يتبقى لها من قيمة إذا كانت ضعيفة، ~~وكيف يتسنى للانتفاء أن يثبتها. ~~(ج) الطفرات # وهكذا اضطر الباحثون إلى تصور حدوث تغيرات قوية مفاجئة، ~~وهي التي أسماها «دارون» بالسورات # Sports # والتي تسمى اليوم ~~طفرات # mutations ~~. ولقد ~~أشار دي فريس # De Vries # وهو ~~عالم هولندي ينتمي إلى المذهب الدارويني الحديث إلى وجود ~~طفرات كهذه في نبات قريب من «الفوكسيا» # fuchsia ~~، اسمه # Densthera amarckiana ~~، ~~وهذه الطفرات قد أصبحت اليوم موضوع بحث العلماء. ولكنها لا ~~تخفف من الصعوبة؛ بل الأمر على عكس ذلك، لأنها لو كانت ~~عرضية لكان يخشى منها أن تكون ضارة، وأن تنتج مسوخا # 30 # لا تستطيع الحياة. # وهكذا يواجه مذهب التطور عند دارون أو لامارك عقبات لا ~~سبيل إلى الغلبة عليها. فهو يصطدم، عند لامارك بالتجربة، ~~وعند دارون بعدم الاحتمال. فهل يعني هذا إخفاق مذهب ms160 التطور ~~ذاته؟ # هذا ما ظنه البعض. # 31 # ولكن ينبغي لنا أن نميز بين نظرية التطور ~~والمنهج التطوري. فإذا كانت النظرية التطورية تتخبط ~~اليوم في الصعاب التي أوضحناها، فقد تبقى لدينا المنهج ~~التطوري. ~~(11) ما تبقى من مذهب التطور: المنهج التطوري # إن المنهج التطوري اليوم هو المنهج المتبع في علم حل محل ~~التاريخ ويسمى بالبيولوجيا (وهو لفظ صاغه لامارك في ~~1802م). # هذا المنهج ينحصر في: ~~(1) # تفسير أصل الأنواع الحية عن طريق السلالة التي تنتمي ~~إليها، والبيئة التي تنشأ فيها، لا عن طريق مرتبتها في ~~التصنيف. وليس معنى ذلك أن التصنيف يختفي؛ بل يظل ~~باقيا، ويكون موضوعا لذلك القسم من البيولوجيا ~~المسمى «تصنيف الأنواع # la ~~Systématique ~~». ولكن التصنيف قد قلت ~~أهميته كثيرا، ولم يعد له من قيمة سوى تثبيت المصطلح ~~اللفظي، والتمهيد لإدماج الأنواع في شجرة النسب، وهذا ~~الإدماج هو بالاختصار الهدف النهائي ~~للبيولوجيا. ~~(2) # توجيه الأبحاث على نحو يؤدي إلى تكوين تاريخ ~~وجغرافية للحياة: ~~(أ) فهناك سلسلة من الأبحاث تهدف إلى إعادة تصور ~~التسلسل التاريخي بين الأشكال، وإلى تحديد صبغة قوانين ~~التعاقب بقدر ما يكون ذلك ممكنا (علم الأحياء ~~المنقرضة Paléobiologie ~~). ~~(أ) الوثبة الحيوية # l’élan ~~vital # كان تأثير برجسون ~~هائلا في هذه الأبحاث. فقد كان مقتنعا بصحة نظرية ~~«فيسمان»، وفي الوقت ذاته كان يدرك أن مذهب دارون في صورته ~~الأصلية وفروعه الحديثة غير كاف، فأكمل هذا المذهب بنظرية ~~ميتافيزيقية استخدمها علماء الحياة بعد أن حولوها إلى ~~منهج بيولوجي. تلك هي نظرية «الوثبة الحيوية». # 32 # ويطلق برجسون اسم الوثبة الحيوية على دفعة ~~مبدئية، ذات طبيعة روحية، تشبه إلهام الفنان؛ بل تشبه ~~الفيض الصوفي، تبعث المادة وتعدها للخلق، وتدفعها إلى ~~قبول الحياة أولا، ثم إلى إنتاج أنواع أكثر تحررا من ~~الجمود الأول، حتى تنتهي إلى النوع الإنساني الذي يتوقف ~~عليه المستقبل الروحي لهذا الكوكب. ومن الواضح أن مذهبا ~~من هذا القبيل لا يمكن أن ينقل كما هو إلى مجال ~~البيولوجيا. ولكن علماء البيولوجيا استبقوا منه ما يلي: إن ~~هناك «قوة» تسيطر على التغيرات التي تطرأ ms161 على الحياة، وهي ~~قوة لا تحددها غايتها؛ بل يحددها ما تتجه إليه من ~~تباعد متزايد عن نقطة البدء، وهي تسيطر على كل صور ~~الحياة. وهاك ما صنع علماء البيولوجيا بهذه الفكرة: فهناك ~~قانون للتعاقب، يحدد ظهور الأنماط البيولوجية. فنحن نرى ~~مثلا أن العضو الواحد (وهو العين، في المثل الذي ضربه ~~برجسون) ينمو «عن طريق عمليات في التكوين الجنيني مختلفة ~~كل الاختلاف.» # 33 # وذلك في الفروع المختلفة لشجرة النسب (وهنا ~~كان برجسون يقارن بين العين عند الفقريات والعين عند ~~اللافقريات). ~~(ب) وهناك سلسلة أخرى من الأبحاث تحدد موقع الكائنات ~~الحية على هذا الكوكب، وتحدد مدى ارتباطها بالإقليم ~~الجغرافي الذي تحيا فيه، وتحاول رسم خطوط الهجرة التي سبق ~~أن مرت بها (الجغرافيا الحيوية # Biogeographie ~~). ~~(3) # والأساس الأخير للمنهج التطوري هو إدخال المنهج ~~التجريبي الإيجابي في البيولوجيا. فقد كان علماء ~~التاريخ الطبيعي السابقون يقفون عند حد الجمع ~~والتصنيف، أما علماء الحياة في أيامنا هذه فهم ~~أصحاب تجارب قبل كل شيء. ~~(12) البيولوجيا الحالية تشتمل أساسا على علم الأجنة ~~والوراثة # إن المشكلة الكبرى في البيولوجيا تنحصر في تحديد شجرة نسب ~~الأنواع الحيوانية والنباتية، وحول هذه المشكلة تدور مسألتان ~~أخريان أدى تأثير هذه المشكلة إلى تجديد البحث فيهما، وهما: ~~(1) # دراسة تطور الجنين، وهو موضوع علم الأجنة # Embryologie # وهذه ~~الدراسة قديمة جدا، ولكنها تجددت بوساطة مذهب ~~التطور أولا حوالي 1865م، ثم تجددت مرة أخرى في ~~1900م بعد أن أدخل عليها المنهج التجريبي الإيجابي، ~~وهو المنهج الذي يهدف إلى تعديل تطور الجنين عن طريق ~~التدخل القائم على التجربة (طرق الشطر # Segmentation # والترقيع ~~والتلقيح التجريبي). # ولقد أحرزت طرق الترقيع البيولوجي في هذه السنوات ~~الأخيرة تقدما هائلا، ويقول جان روستان # Jean Rostand # 34 # بأن من الضروري التمييز بين أنواع مختلفة ~~من الترقيع؛ فقد يدمج العضو الذي يستخدم في الترقيع ~~في نفس الكائن العضوي الذي أتى منه الترقيع الذاتي # autograffe ~~) أو في ~~كائن عضو آخر ينتمي إلى نفس النوع (الترقيع المتجانس # homogreffe ~~) أو من ~~كائن عضوي من نوع مختلف (الترقيع المتغاير # hétérogreffe ms162 ~~). فمثلا ~~يمكن ترقيع قلب ضفدعة بقلب ضفدعة أخرى (ترقيع متجانس) ~~أو عين سحلية بسحلية من نوع آخر (ترقيع ~~متغاير). # ويمضي جان روستان (ص21) قائلا: «إن الترقيع الذاتي ~~هو وحده الذي يسمح لنا بتوقيع نتائج إيجابية في حالة ~~الإنسان.» ويستخدم الترقيع الذاتي بوجه خاص في ~~جراحة التجميل، وذلك بنقل قطعة من جلد الذراع مثلا ~~إلى الجبهة أو الوجنة. كذلك استخدمت طريقة الترقيع ~~لأنسجة ميتة. وعندئذ يكون الجسم الغريب الذي ~~استخدم في الترقيع - كما يقول جان روستان (ص26) - ~~«دعامة، ومقوما، فتدعمه وتحييه وتعمره عناصر أصلية في ~~الكائن.» وعلى هذا النحو أمكن ترقيع القرنيات الشفافة ~~وإعادة قوة الإبصار إلى بعض العميان. # كذلك ترتبط الأبحاث المتعلقة بالترقيع البيولوجي ~~بمشكلة أخرى جذبت اهتمام كثير من الباحثين منذ نصف ~~قرن، وهي مشكلة «زرع الأنسجة» # culture ~~des tissus # وقد أعاد جوتريه # Gautheret # إلى الأذهان ~~في محاضرة ألقاها عام 1950م في موضوع زرع الأنسجة، ~~الكشوف الأولى (ص6)، فقال: «في عام 1907م كان عالم ~~الفسيولوجيا الأمريكي هاريسون قد وضع قطعة من النخاع ~~الشوكي للضفدعة في قطرة من السائل اللمفاوي المتخثر، ~~فوجد أنها قد أحيطت بنوع من الألياف أتت من زيادة ~~نمو الخلايا العصبية التي بترت بعد العزل، ولم يكن ~~في ذلك زرع للأنسجة بالمعنى الصحيح، ولكن تلك التجربة ~~الرائعة قد فتحت طريقا يبشر بنتائج عظيمة الأهمية، ~~وبعد بضع سنوات، استطاع بروز # Burrous # وكاريل # Carrel # الإبقاء على ~~قدرة الخلايا على الانقسام والتكاثر في أجزاء من ~~الأنسجة الحيوانية فترة من الزمن، وأخيرا، تمكن ~~كاريل في 1912م، بفضل تحسين الأوساط الغذائية، من زرع ~~الخلايا الحيوانية دون قيد أو شرط، وكان لهذا النجاح ~~دوي كبير، إذ إن إثبات كاريل لقدرة خلايا الحيوانات ~~المركبة على أن تحيا حياة مستقلة، قد دعم الأفكار ~~العامة لمؤسسي نظرية الخلايا.» ~~(2) # والمسألة الثانية، هي دراسة الوراثة، وهي موضوع «علم ~~الوراثة # La ~~génétique ~~». وقد أثيرت هذه المسألة من ~~جديد بفضل أبحاث الراهب التشيكي مندل # Mendel # في 1865م في ~~الأنواع المهجنة من البازلاء، وقد أحرزت نموا ~~كبيرا في أيامنا هذه بفضل ms163 أبحاث العالم التجريبي ~~الأمريكي مورجان # Thomas Hunt ~~Morgan # ومساعديه (فرقة الذباب) حول ~~ذبابة الفاكهة ~~( # drosophile ~~). والفكرة ~~التي يقول بها علماء الوراثة المعاصرون هي أن الصفات ~~الوراثية (كلون العينين وقابلية الإصابة بأمراض ~~معينة، والصفات الخاصة للأعضاء ... إلخ) تحملها المورثات # gènes # وهي دقائق ترى ~~بصعوبة في أكبر أنواع المجهر ~~( # ultra-microscope ~~) ~~وتحتوي على صبغيات ~~( # chromosomes ~~) نواة ~~خلية التوالد. # وكل ما في الأمر هو أن هذه النظرية لو صحت لتعرضت نظريات ~~التطور من جرائها لمواجهة صعوبات جديدة. فإذا كانت الخصائص ~~ترتبط بالمورثات، وتنقل بوساطتها عن طريق بلازما التوالد، فكيف ~~يمكننا أن نتصور حدوث تطور في النوع، أعني ظهور صفات جديدة ~~كل الجدة؟ إن الحتمية التي يفترضها علم الوراثة هي حتمية ~~«محافظة»، تفسر كل تجديد بظهور تجمع غير متوقع بين ~~العناصر النوعية، ولكن التجمع غير المتوقع ليس تجديدا ~~بالمعنى الصحيح، وما هو إلا تجديد ظاهري، فهو تجديد لمزيج لم ~~نحسب له حسابا من قبل. أضف إلى ذلك أن هذا الفرض لا ~~يساعدنا على فهم تأثير البيئة. # ومع ذلك، يجب القول إن علم الوراثة لا زال حديثا جدا، ~~وإن الفرض القائل بالمورثات مفرط في بساطته وجموده، بحيث لا ~~يعد الفرض الصحيح. هذا إلى أن الفكرة القائلة بأن الصفة ~~تحملها إحدى الدقائق المادية، فكرة غامضة إلى أبعد حد، ولن ~~تتضح بجلاء إلا إذا أصبح لها معنى طبيعي كيمائي: فمن ~~المحتمل أن المورثات تؤثر عن طريق تفاعلات كيميائية في خلايا ~~التوالد، وهذه التفاعلات يعدلها تأثير البيئة. ومن جهة أخرى، ~~فمن الممكن كذلك أن تعدل صفات المورثات ذاتها بمضي الوقت في ~~اتجاه محدد. # الفصل التاسع # | العلوم الإنسانية # العلوم الإنسانية تدرس الإنسان من حيث هو فرد، ومن حيث هو عضو في ~~جماعة في آن معا. وهي تواجه صعوبات خاصة، تلخص كلها في التضاد ~~ما بين الحتمية وحرية الاختيار، كما ترجع إلى تباين هذه العلوم (علم ~~النفس، التاريخ، علم الاجتماع). # الطابع الوضعي للعلوم الإنسانية ~~(1) العلوم الإنسانية # منذ أن قال سقراط كلمته المشهورة «اعرف نفسك» أصبح التفكير ~~في الإنسان من المهام التي ms164 يوجه إليها الفيلسوف عنايته على ~~الدوام. ولكن، بازدياد شعور العلم باستقلاله وبإمكانياته، نمت ~~فكرة وضع علوم إنسانية موازية لعلوم الطبيعة، تشترك معها في ~~الروح على الأقل، إن لم يكن في المنهج. وكثيرا ما كانت هذه ~~العلوم تسمى بالعلوم الأخلاقية # morales # حيث يقصد بالأخلاقي، ~~العقلي في مقابل المادي. ولكن التسمية المفضلة اليوم هي ~~«العلوم الإنسانية» وذلك حتى يتجنب الباحث الجزم مقدما ~~بالتمييز ما بين الفعلي والمادي. كما كان من الممكن أن يطلق ~~عليها اسم «الأنثروبولوجيا» (علم الإنسان)، لولا أن هذا اللفظ ~~قد استحوذ عليه مبحث خاص يهتم، قبل كل شيء، بمعالجة مشكلة ~~التركيب المادي للإنسان وبمشكلة الأجناس بوجه خاص، وإن كانت ~~هذه المشكلة الأخيرة لم تعد من المشكلات التي لها أهميتها في ~~الوقت الحاضر. ~~••• # والعلوم الإنسانية على كثرتها - التي سنتحدث عنها فيما ~~بعد - تنقسم عادة إلى ثلاثة أقسام كبرى: فعلم النفس يدرس ~~الإنسان من حيث هو فرد، ويبحث في أفعاله وأفكاره وعواطفه، وما ~~يكونه وما يفعله. وفي وسعنا أن نضم إليه علم الحياة البشري، ~~وهو العلم الذي ظهرت فكرته منذ وقت قريب، للدلالة على السلوك ~~الفسيولوجي والمرضي للإنسان ليس مماثلا من كل وجه لسلوك ~~الأحياء الأخرى. والتاريخ يدرس ماضي البشر، والحوادث التي ~~تتحكم فيه، والمنطق الذي يتكشف عنه خلال تطوره (إن كان في ~~هذا التطور منطق). ووجهة نظر التاريخ مختلفة عنها في علم ~~النفس، فالتاريخ في بحثه للفرد لا يهدف إلى معرفته من حيث هو ~~فرد؛ بل يرمي إلى فهمه بالنسبة إلى موقف تاريخي معين، وفهم ~~هذا الموقف ذاته من خلاله. أما علم الاجتماع فيلتزم معالجة ~~الأمور من خلال هذا المنظور الجديد، فهو غالبا ما يدع العنصر ~~الفردي جانبا لكي يدرس العنصر الاجتماعي، أعني أوجه النشاط ~~والأفعال البشرية من حيث أن لها، بطبيعتها، أو في جملتها، ~~طابعا غير فردي. وبالإضافة إلى هذا كله ، سنرى أن كلا من هذه ~~العلوم ينقسم إلى فروع جزئية يتطلب كل منها موضوعا ومنهجا ~~خاصا به. ~~(2) السبب في كثرة هذه العلوم # إن كثرة العلوم الإنسانية تقتضي منا، ms165 منذ الآن، تعليقا. ~~فلم هذه الكثرة؟ يرجع ذلك، أولا، إلى أن من طبيعة كل علم، ~~ولا سيما علوم الطبيعة، أن يتخصص ويستقل عن غيره بقدر ما ~~يحرز من تقدم، فمن الممكن أن يدرس الموضوع الواحد من ~~زوايا مختلفة كل على حدة، تفي بمقتضيات وجهات نظر مختلفة، ~~وتعبر في ذاتها عن حاجات مختلفة أو عن أساليب عملية متباينة: ~~فكما أن الحجر يمكن أن يدرس من وجهة النظر الجيولوجية، أو ~~الطبيعة الكيميائية، كذلك يمكن دراسة الإنسان باعتباره كائنا ~~عضويا، أو شخصية أو محركا للتاريخ، أو فردا في ~~مجتمع. # غير أن هذه الكثرة من الفروع لا تفي بمقتضيات كثرة وجهات ~~النظر التي يتخذها الإنسان فحسب؛ بل ترتبط أيضا بطبيعة ~~الإنسان، الذي لا نستطيع أن نعده شيئا كبقية الأشياء، إذ ~~لديه القدرة على التذكر والتفكير، وهو يطالب لنفسه بمكانة ~~الكائن الحر الذي يتحكم في نفسه، بدلا من أن تتحكم فيه ~~عناصر خارجة عنه. وليس معنى ذلك أننا لا نستطيع النظر إلى ~~الإنسان على أنه كائن يسيطر على حتمية العالم الخارجي، ولكن ~~هذه الحتمية غاية في التعقيد، وتتطلب دراسة متعددة ~~النواحي، فالإنسان يبدو كائنا لا يفهم، أو على الأقل كائنا ~~لا تستوعب كل جوانبه. والفعل البشري الواحد يبدو بدلالات ~~مختلفة؛ فتحول «بوليوكت Polyeucte ~~» # 1 # إلى الدين المسيحي قد يكون مظهرا من مظاهر مزاج ~~متحمس للعبيد، أو عملا سياسيا، أو ناتجا عن تدخل العناية ~~الإلهية. وقد يبحث العالم عن تفسير له في التركيب المادي ~~لبولوكيت نفسه، أو في شخصيته، كحبه للمغامرة مثلا، أو في ~~نوع من سوء التصرف بإزاء «بولين»، أو في الظروف التاريخية ~~المتشابكة أو كنتيجة لتربية معينة؛ بل إن ظاهرة اجتماعية مثل ~~الحرب، قد تفسر من حيث طبيعة السكان أو الاقتصاد، أو علم ~~النفس، أو الحضارة، وكل هذه التفسيرات مشروعة، وكلها تبرر ظهور ~~علوم متباينة لكن ينبغي من جانب آخر أن يكون كل علم من هذه ~~العلوم واعيا بحدوده، وعلى استعداد للتعاون مع العلوم ~~الأخرى. أما نزوع علم خاص إلى السيطرة والتحكم، كما يتمثل ms166 ~~فيما سمي أحيانا بالمذهب الاجتماعي أو المذهب النفسي، فتلك ~~ظاهرة ترجع إلى عهد البطولة الذي كان كل علم يسعى فيه إلى ~~استبعاد بقية العلوم، أو يدعي القدرة على ضمها تحت ~~لوائه، وهذا كله لكي يكفل لنفسه مكانا بينا لبقية ~~العلوم. # ولكن، أليس في وسعنا أن نمضي إلى أبعد من ذلك، أعني أنه ~~إذا كانت هناك تفسيرات متعددة للظواهر البشرية، دون أن يكون ~~أحدها صحيحا بالأسبقية، وإذا لم يكن من الممكن بحث الإنسان في ~~ظل حتمية بسيطة واحدة، فهلا يحق لنا أن نقول إنه ليس هناك ~~علم خاص للإنسان؟ ~~(3) إمكان قيام العلوم الإنسانية # ذهب البعض إلى حد إنكار إمكان قيام العلوم الإنسانية: ~~فهل يمكن أن يكون الإنسان موضوعا للعلم، إذا كان في الوقت ~~نفسه صانع العلم؟ وهل نستطيع أن نرجع الإنسان إلى مجرد شيء ~~من الأشياء، دون أن نبخسه حقه تماما؟ إن المعرفة الصحيحة ~~للإنسان قد تنتمي إلى مجال الأدب أو التفكير الفلسفي، وقد ~~تتبدى في الحياة العملية، وفي الأساليب الفنية للتربية أو ~~الأخلاق، وفي الحكمة السياسية. والفلسفة هي التي تنظم هذه ~~المعرفة قبل الفلسفية، دون أن يكون لدى العلم ما يضيفه ~~إليها. # لا شك في أن هذا النقد ينطوي على شيء جدير بالتوقف ~~لدراسته: فمن الحق، أولا، أن الإنسان لم ينتظر ظهور العلوم ~~الإنسانية رسميا لكي يسعى إلى معرفة الإنسان، والأدب ~~بأسره خير شاهد على ذلك. # ثم إن علم الإنسان، متى تكون، فإنه يبدو مهددا في ~~موضوعيته من جانبين؛ فهو يرتكز من جهة على المعرفة الذاتية ~~والعملية المحضة التي تنطوي عليها العلاقات البشرية، والتي ~~تنمو بنمو ما يسمى بالخبرة # expérience # وإن كانت تتفاوت ~~أيضا تبعا لفطنة كل فرد. ومن جهة أخرى، فهذا العلم تشيع ~~فيه فكرة معيارية تستلهم من أخلاق معينة، ولو ضمنية على ~~الأقل. فالإنسان يوصف من خلال ما ينتظر منه، أو ما يطلب ~~إليه؛ لأن من شأن الإنسان أننا لا نستطيع تعريفه إلا إذا حكمنا ~~عليه. وإذا حددنا موقفنا منه وطبقنا قيما معينة في ~~حكمنا عليه، فمعرفة الإنسان ms167 لا يمكن أبدا أن توصف بالحيدة ~~المطلقة. # وأخيرا، فمعرفة الإنسان تقتضي وسائل ليست كلها مماثلة ~~للوسائل التي تستخدمها علوم الطبيعة. فليس من الممكن إجراء ~~التجارب على الإنسان كما لو كان شيئا من الأشياء، إذ إن في ~~هذا قضاء على حياته؛ بل إن فيه انتهاكا لحرمته واغتصابا ~~لحريته. ويبدو أنه يجب ألا يمس أعمق ما في الإنسان، وأبعد ~~دخائله غورا، إلا بطريق تجهلها العلوم التجريبية، فضلا عن ~~أن هذه المجالات إذا ما اقتحمت، كانت مهددة إما بأن تختفي ~~عن أعيننا، وإما بأن تنحط قيمتها. وتذهب بعض الآراء ~~الحديثة إلى حد القول بأن تطبيق علم خاص بالأشياء على ~~الإنسان، هو انتهاك روحي مماثل للتعدي الجسمي الذي يتمثل ~~في الاسترقاق أو الإرهاب. # ولكن هل يقضي هذا على كل علم إنساني؟ ~~(4) حقيقة العلوم الإنسانية # علينا أولا أن نقرر بوضوح أن معرفة الإنسان قد أحرزت ~~قدرا من التقدم ينبغي أن يعزى إلى العلم. فعلى حين أنه قد ~~يكون من الضروري، في كل تفكير جديد، أن يستعاد البحث في ~~المشكلات الميتافيزيقية المتعلقة بالموقف الإنساني والمشاكل ~~الخاصة بالواجبات الأخلاقية مرة أخرى، فإن معرفتنا بالأصول ~~النفسية للسلوك، بل بشروطه العضوية، قد ازدادت وضوحا. ~~فمعرفتنا بالطفل قد تقدمت منذ رابليه # Rabelaie # ومونتني، ومعرفتنا ~~بالمجانين قد تقدمت منذ الوقت الذي كان المجانين يحرقون ~~فيه. كذلك أحرز التاريخ تقدما، فنحن نعرف أصول روما خيرا مما ~~عرفها فرجيل، والحروب الصليبية على نحو أفضل مما عرفها ~~جوانفيل # Joiniville # 2 # لهذا كانت الأساليب الفنية الإنسانية في تقدم ~~هي الأخرى، سواء أكان الهدف منها توجيه اختيار أنواع النشاط، ~~كما هي الحال في التوجيه النفسي، أم زيادة إنتاج الفرق ~~العاملة، أم الصحة النفسية، أم تنظيم المدن. وسواء أكان ~~تقدم هذه الأساليب الفنية يتجه إلى سعادة البشر أم شقائهم ~~(وتلك مسألة أخرى) فإننا لا نستطيع أن ننكر هذا التقدم الذي ~~يترتب على تقدم العلم. # هذا التقدم يحدث، قبل كل شيء في ترتيب الوقائع، بحيث ~~تتوالى المجالات البيولوجية والنفسية والاجتماعية تبعا ~~لهذا الترتيب. فمن المقرر أن الانفعالات يصحبها ms168 زيادة في ~~إفراز «الأدرينالين»، وأن بعض أمراض الذاكرة تصحبها اضطرابات ~~حركية، وأن التفكير العقلي يزداد تقدما في ظروف معينة، ~~وبالمثل يلاحظ أن مجتمعا خاصا تكون له حضارة خاصة، وأن ~~تقدما فنيا معينا يرتبط بظروف اجتماعية معينة، وأن نمو ~~المدن يحدث في ظروف خاصة، ويؤدي إلى نتائج معينة بالنسبة إلى ~~تركيب الأسرة أو العقائد الدينية. وإذن فحتى لو لم تكن ~~معرفتنا الحالية واسعة، فلا شك أنها أوسع من معرفة ~~أسلافنا. ~~(5) السببية في العلوم الإنسانية # ومع ذلك، فليس يكفينا أن نكشف عن الظواهر؛ بل يجب أن ~~نرتبها، ونوضح ضرورتها. وإنا لنعلم أنه ليس هناك ظواهر ~~علمية إلا عن طريق القانون، وأن الظاهرة هي في ذاتها قانون. ~~ولكن هل يمكن أن يتوصل علم الإنسان إلى قوانين؟ وهل يستطيع ~~الاهتداء إلى تتابعات سببية؟ وهل تنطبق الحتمية على الإنسان؟ ~~الحق أن إمكان قيام العلوم الإنسانية رهن بهذا الشرط، كما هي ~~الحال في سائر العلوم. # والواقع أن من الممكن أن يكون الإنسان موضوعا لعلم وضعي، ~~لأنه يمكن أن يخضع لملاحظة منهجية، ولأن سلوكه، ولو كان ~~فرديا، ينم عن اطرادات منتظمة، وعن «صور إجمالية # schemes ~~» (على حد تعبير برلو # Burloud ~~) تشهد بوجود طبيعة ~~بشرية يمكن تعميمها، ولأن سلوكه ليس فرديا فحسب؛ بل هو ~~اجتماعي أيضا، ومن ثم يمكن تحديده موضوعيا على نحو ما ~~ينبئنا علم الاجتماع، وأخيرا لأن الحرية إن كانت مضادة ~~لعبودية الأهواء من الوجهة الأخلاقية وللقدر المحتوم من ~~الوجهة الميتافيزيقية، فإنها لا تتنافى مطلقا مع الحتمية ~~والتي تحاول علوم الإنسان الكشف عنها. # وسنوضح أن هذه العلوم، إذا كانت تضطرنا إلى إدخال أفكار ~~جديدة نظرا إلى موضوعاتها، فإنها لا تتنافى مع التفسير ~~السببي، وأنها لهذا جديرة بأن تسمى علوما. ~~(أ) # الأحكام المعيارية والأحكام ~~الواقعية: # مما لا شك فيه أنه يجب التسليم ~~أولا بأن العالم لا يستطيع الوقوف من موضوع دراسته ~~موقف عدم الاكتراث. فالإنسان يهم الإنسان ، وهو ~~يستثير حكمه، وتحيزه، إن جاز هذا التعبير. ومن هنا ~~كانت المعرفة في هذا الصدد تسترشد، على نحو ضمني على ms169 ~~الأقل، بتأكيد قيم معينة. وكما أن البيولوجيا تميز ~~بين السليم والعليل، وعلم النفس بين السوي والمريض، ~~أو بين الإدراك الحسي الصحيح والباطل، أو الذاكرة ~~القوية والذاكرة الضعيفة، كذلك يميز علم الاجتماع ~~بين قوى التقدم أو التقهقر، وبين المجتمع المتوازن ~~وغير المتوازن، وبين التركيبات الاجتماعية التي تعين ~~على نمو الشخصية أو تعوق هذا النمو. غير أن هذه ~~الأحكام المعيارية تضاف إلى البحث العلمي ولا ~~تشوهه؛ فهي توجهه وتضعه في خدمة الإنسان. والعلم ~~ينحاز إلى صف الإنسان في نفس الوقت الذي يشرع فيه في ~~معرفته مثلما ينحاز الطبيب إلى صف المريض. ولذلك فإن ~~المعايير التي يقابلها العلم على هذا النحو ليست ~~تحيزات، وإنما هي تعبر عن الجهد الذي تبذله الحياة، ~~وربما العقل، كي تبلغ كمالها في الإنسان، والجهد الذي ~~يبذله الإنسان ليصبح إنسانيا. # وقد يقال، رغم ذلك، إن بعض المعايير التي يرجع إليها ~~التفكير العلمي، وخاصة في التاريخ وعلم الاجتماع، هي ~~بالفعل تعبير عن آراء العالم ذاته أكثر مما هي تعبير ~~عن معيارية حقيقية. فإن قال المرء مثلا إن أصلح ~~جماعة اجتماعية هي تلك التي تنتج أكبر إنتاج أو ~~تتماسك أقوى تماسك، أو أن خير تعليم هو الأكثر حرية ~~(بينما يرى آخرون أنه الأكثر خضوعا للسلطة)، أو أن ~~التاريخ يتجه إلى تكوين مجتمع بلا طبقات (بينما يرى ~~آخرون أنه يتجه إلى تكوين مجتمع يزداد تفاوتا)، ~~فهلا تكون هذه الأحكام، سواء أكانت عملية أم ~~أخلاقية، أحكاما شخصية تقحم في مجال تفسير ~~الظواهر؟ الواقع أن هذه الأحكام إذا كانت تعبر عن ~~ذاتية العالم، فإنها تعبر أيضا عن الموقف التاريخي ~~والاجتماعي، وعن المعيارية المتعلقة بالجماعة أو ~~المجتمع أو العصر الذي يكون العالم جزءا منه، وهذا ~~ما تكشف عنه بالفعل الدراسة السيسولوجية لعلم الاجتماع # sociologie de la ~~sociologie # أعني علم الاجتماع الخاص ~~بالمعرفة، الذي يتجلى فيه تحيز العالم على أنه ~~تعبير عن حقيقة اجتماعية. ولكن من واجب العالم بطبيعة ~~الحال ألا يركن إلى علم الاجتماع الخاص بالمعرفة في ~~محاولة تفسير هذه التفصيلات؛ بل يجب عليه أن ms170 يحاول ~~التخلص منها، وألا يخلط بين معيارية المجال البشري ~~الذي يدرسه وبين التفضيلات الخاصة التي يشعر بها نحو ~~صورة معينة للمجتمع أو نحو مستقبل سياسي معين. ~~(ب) # الغائية ~~والسببية: # في هذه الحالة تعبر الأحكام ~~المعيارية التي يصورها العالم عن قدرته على التقويم ~~في موضوع دراسته. ومعنى ذلك أن علوم الإنسان لا تستبعد ~~الغائية. والحق أن الحياة ذاتها، تتجه في المجال ~~البيولوجي إلى تحقيق فرد سليم، أعني فردا قادرا على ~~البقاء والتكيف مع العالم وتأكيد سيطرته عليه. ~~والبيولوجيا تصف جهد التكيف هذا، وفي الوقت نفسه ~~تستلهمه وتشارك فيه. كذلك يتجه الإنسان، من الناحية ~~النفسية، إلى اختراع الوسائل التي تضمن له سلوكا ~~يزداد تكيفا ونجاحا، وهو السلوك الذي تبدو بعض ~~الرواسب أو ضروب التقهقر حالات مرضية بالنسبة إليه؛ ~~بل إن الظاهرة المرضية ذاتها تعد صورة ممسوخة أو ~~مشوهة لهذا الجهد. وأخيرا، فإن الجماعة الاجتماعية ~~تتجه، هي الأخرى، إلى الاستمرار في البقاء وإلى حفظ ~~توازنها، لا عن طريق عمليات للتنظيم الذاتي أو الإصلاح ~~الذاتي، كما هي الحال في الكائن العضوي؛ بل عن طريق ~~وسائل تزداد دقة على الدوام، كالتربية والإدارة ونظام ~~الشرطة، وهي الوسائل التي تدعو الفرد إلى الاندماج في ~~المجتمع والعمل على حفظ وجوده. وعلى هذا النحو يمكننا ~~أن نتحدث عن غائية اجتماعية، وربما عن غائية ~~تاريخية، وذلك إذا سلمنا بأن الصيرورة البشرية في ~~مجال المجتمع لا الفرد، ليست نتيجة للصدف وحدها، ~~أي لحتمية تبلغ من التشابك والتعقد حدا لا يمكن ~~معه تمييز عناصرها. # غير أن الغائية، مفهومة على هذا النحو، لا تغض من ~~قيمة التفسير السببي؛ بل الأمر على عكس ذلك تماما، ~~لأنها إذا شاءت أن تبرر وجودها، فإنما يكون ذلك عن ~~طريق الحتمية التي توضح كيف يتسنى للوسائل أن ~~تنتج الغاية، أو كيف تؤدي الغاية بدورها إلى نتائج ~~معينة، وبالتالي كيف تتأكد معيارية الفرد أو ~~الجماعة وتنمو، أعني كيف يكون الفرد السوي، مثلا، هو ~~ذلك الذي يتكيف مع المجتمع على أفضل وجه، وكيف أن ~~أكثر الجماعات تجانسا هي أكثرها بقاء، ms171 وكيف أن حالة ~~اجتماعية معينة توحي بمستقبل معين، وتتجه إلى ~~تحقيقه. ~~(ج) # الفهم والتفسير: # ومن جهة أخرى، فالإنسان أيضا وعي، وهو بهذا الاعتبار ~~مقفل بالنسبة إلى غيره من الناس، وشفاف أمامهم في ~~آن واحد. فهو لا يعرف الآخر معرفته للأشياء، وإنما ~~يتعرف عليه بوصفه شبيها له، بفضل ما لديه من ~~قدرة على الاتصال به، وعلى قراءة تعبير عاطفي على ~~وجهه، والارتياب في قصد معين وراء فعل ما، أو أحد ~~الدوافع وراء قرار ما. فللظاهرة الإنسانية دلالة ~~تدرك مباشرة على الدوام، حتى لو لم تكن واضحة أو ~~صالحة للتطبيق. وهذا ما أسماه بعض الكتاب - منهم ~~الفيلسوف مثل «دلتي # Dilthey ~~» والمؤرخ مثل ~~«ماكس فيبر» وعالم النفس مثل ياسبرز - بالفهم # compréhension # وهم ~~يقابلون بينه وبين التفسير. ويضرب ياسبرز لذلك مثلا ~~فيقول: إن المرء يفهم أن الشخص الذي تستبد به الغيرة ~~يسعى إلى الانتقام، ويفسر كون الزهري يؤدي إلى ~~الشلل العام. # لكن العلم لا يستطيع الوقوف عند حد هذه التفرقة؛ ~~بل عليه أن يجمع بين التفسير والفهم دائما، والواقع ~~أن: ~~(1) # الفهم ذاته قد يصبح علميا يتطلب تدخل ~~العلم أكثر مما يتنافى معه، فالفهم يتفاوت في ~~مداه، والمحلل النفسي يفهم الغيرة والغضب على ~~نحو أفضل من الشخص غير المثقف. كما أن الخبير ~~يفهم معنى العمل الفني خيرا من ~~الهاوي. ~~(2) # والفهم لا يتنافى مع التفسير، ويرجع ذلك ~~أولا إلى أنه قد يتضح في ذاته على هيئة علاقة ~~سببية، كما هي الحال عندما يصف عالم النفس ~~العمليات النفسية التي تؤدي إلى الغيرة، أو ~~عندما ينسب عالم الجمال «آثارا» فنية معينة ~~إلى علل معينة. ثم إن المرء يستطيع البحث عن ~~أسباب لما يفهمه، ومثال ذلك: الأسباب ~~الفسيولوجية للغيرة أو الأسباب الاجتماعية ~~للتعبير عنها، أو الأسباب الفردية أو ~~الاجتماعية لخلق عمل فني ما. ~~(6) الحرية والحتمية # وهذا يثير مشكلة أخيرة: فإلى أي حد يمكن أن تنطبق ~~الحتمية على الظاهرة البشرية؟ إن الإنسان مضاد للشيء، لا لأن ~~له وعيا فحسب؛ بل لأن لديه الحرية أيضا، ولأنه قادر قبل كل ~~شيء على ms172 التذكر والاختراع، وظاهرة التذكر تحد من ~~الحتمية؛ فالحتمية لا تكون مطلقة إلا إذا كانت اللحظة ~~الحالية محددة تماما عن طريق اللحظة السابقة مباشرة. غير ~~أن هذا يفترض أن حالة الأشياء في اللحظة السابقة هي وحدها ~~التي تهم، وأن مجموع الماضي بأسره ليس له تأثير حقيقي في ~~الحاضر. وبعبارة أخرى، فالحتمية تتنافى مع تأثير الذاكرة. على ~~أن من المحقق أن المادة تختلف عن العقل في أن العقل يتذكر. ~~أما المادة فلا ذاكرة لها، ولقد كان ليبنتز على حق عندما قال ~~إن الجسم عقل مؤقت، أي بلا ذاكرة، # corpus est ~~mens momentones sur recordatione carens # وقال ~~برجسون مكملا هذه الفكرة، إن النسيان هجوم مضاد من المادة على ~~العقل «فالحالة المادية تجلب لنا النسيان». # 3 # فإن كان للماضي الذي يحتفظ به العقل عن طريق الذاكرة تأثير ~~على الحاضر فمعنى ذلك أن اللحظة الماضية مباشرة لم تعد هي ~~وحدها التي تتحكم في اللحظة الحاضرة، وأن الحتمية الرياضية لا ~~تنطبق في صورتها الخالصة على العلوم الإنسانية. ~~(أ) الحرية والتقدم الإنساني: # من أجل هذا يتقدم الإنسان. ولندع جانبا الحديث عن ~~التقدم المعنوي الذي أنكر بعضهم حقيقته، ولنتحدث عن ~~تقدم الأنوار (المعارف) # porgrés des ~~Lumiéres ~~. فمثل هذا التقدم يستحيل ~~إنكاره، وفي هذا يقول باسكال: «إن كل السلسلة البشرية خلال ~~كل القرون المنصرمة يجب أن تعد إنسانا واحدا ظل ~~باقيا على الدوام، ويتعلم دون انقطاع.» # 4 # وإذا كانت معارفه في مجموعها تزداد بلا ~~انقطاع فما ذلك إلا لأن الذاكرة تحفظ ما اكتسبته. وقد ~~يقال إن تسمية مجموع الوثائق المحفوظة التي تساعد على ~~تعليم الجيل الجديد باسم «الذاكرة» ليس إلا تسمية مجازية. ~~ولكنا نجد هنا شيئا أكثر من مجرد المجاز، ويرجع ذلك أولا ~~إلى أن الوثائق لم تسجل ولم تحفظ من تلقاء ذاتها؛ بل ~~كان من الضروري أن يشعر الإنسان بالحاجة إلى تدوينها وإلى ~~حمايتها من تقلبات الزمان، وأن يهتدي إلى الوسائل التي ~~تعينه على ذلك. ثم إن أولئك الذين كتب لهم أن ينتفعوا ~~بها يجب أن يكونوا قادرين ms173 على قراءتها وتقدير قيمتها ~~وإدماجها في تجربتهم. وبعبارة أخرى، فإذا كان الإنسان قد ~~تمكن من أن يكون لنفسه ذاكرة بالمعنى الحقيقي لهذين ~~اللفظين. # من هذه الملاحظات ننتهي إلى أن الحتمية لا تؤثر في ~~الظواهر المعنوية مثلما تؤثر في الظواهر المادية، إذ إن ~~للإنسان قدرة على التذكر، وعلى التقدم تبعا ~~لذلك. # فإذا ما مضينا في التحليل أبعد من ذلك، أمكننا أن ~~نهتدي إلى فكرة أهم بكثير، هي فكرة الحرية ~~الميتافيزيقية - وما أدراك ما هي! هذه الكلمة تطلق على ~~ما لدى الكائن المفكر من قدرة أن يقبل تصوراته وميوله أو ~~يرفضها، وعلى أن يقول للكون ولذاته «نعم» أو «لا». هذه ~~القدرة الهائلة، التي يتساوى فيها الإنسان بالله ذاته، على ~~حد تعبير ديكارت. # 5 # كانت موضع شك لدى البعض. ولسنا نود أن ندخل ~~في تفاصيل هذا الخلاف، ومع ذلك فسوف نستبقي منه نتيجة ~~ضئيلة، لم يثر حولها إلا خلاف قليل، ويمكن أن يثبتها ~~التحليل دون عناء؛ وأعني بها القدرة على التفكير وعلى ~~الخلق. # فإذا كان الإنسان قادرا على التقدم في المجال الفردي ~~والاجتماعي معا، فما ذلك إلا لأنه يستطيع الخروج على ~~أفعاله الآلية، وعلى نظمه الجامدة، وعلى دوافعه التي قد ~~ينقاد لها في المجالين العملي والنظري معا، أي أن في ~~استطاعته أن يقول لتلقائيته «لا»، أو كما يقول مفستو فيليس ~~(الشيطان): «إنني الروح التي تنكر على الدوام.» # 6 # وليس معنى ذلك أن الروح تقول لا على الدوام، ~~وإنما هي تستطيع النفي، وفي تلك القدرة تتجلى ~~حريتها. ~~(ب) الحرية خالقة # والواقع أن حرية الإنسان قادرة على الخلق. ولقد سبق ~~لنا الكلام عن اختراع القوانين في علم الطبيعة الرياضي، ~~وكان ذلك خلقا بالمعنى الصحيح، إذ إن هذه القوانين ليست ~~معطاة في الظواهر بل ينبغي أن يكشفها العقل فيها. # والحال كذلك في كل ما هو إنساني: فمن المؤكد أن الإنسان ~~يخلق عالمه، وعلومه، وفنونه، وسياسته، ولا شك في أنه لا ~~يخلق كل ذلك دون مادة أو دون معطيات. ومن هنا كان هناك ~~نوع من الحتمية الحقيقية ms174 ، فلنتأمل في هذا مثلا: إن ~~الهندسة علم «أولي # apriori ~~» أي أنها تبتدع ~~بأسرها. ولكن مادتها هي طريقة معالجة الأجسام الصلبة، ~~كقطع الأحجار مثلا. هذه الطريقة ذاتها قد نشأت عما قامت ~~به الأداة البدائية من تهذيب وصقل. والأداة بدورها نوع من ~~التجسيد للحركات الغريزية التي تهدف إلى الضرب، والخلع ... ~~إلخ. فهناك إذن اتصال بين الغريزة، واستخدام الأداة. ~~والأسلوب العملي الذي ينطوي في ذاته على نوع من العلم، ثم ~~العلم المحض. هذا الاتصال لا ينقطع؛ بل تتخلله بين ~~الفينة والفينة حالات إبداع جديدة، وهكذا نرى مكانة ~~الحتمية في هذا التطور؛ فكل مرحلة توحي بالمرحلة المقبلة ~~وتجعلها ممكنة، دون أن تتحكم فيها كلية. # لهذا تحتفظ الحتمية بمكانها في العلوم الأخلاقية ~~(الإنسانية). إذ إنها تهيئ «الشروط» و«المناسبات» التي ~~يمكن أن تعد «أسبابا» بالمعنى الصحيح. وبعبارة أخرى، ~~إذا كانت الحرية تحد من الحتمية، فإنها لا تنفيها ~~مطلقا. وهذا ينطبق على الحتمية المادية، وذلك لأنه من ~~الضروري أن يوجد عالم محدود يمكن التنبؤ به، حتى ~~يستطيع المرء أن يدبر الفعل الحي ويحققه، كما ينطبق ~~على الحتمية النفسية، التي هي ضرورية ليتمكن الشخص من ~~التأثير في ذاته، وبذلك يبدي حريته. فلو لم يكن الإنسان ~~إلا حرا لما تسنى له أن يكون حرا. # 7 # ومن جهة أخرى، فإذا كان الفعل الحر هو الفعل العقلي على ~~الحقيقة، فمعنى ذلك أنه يستفيد هو الآخر من التفسير، إذ ~~إنه يبدأ على الأقل بتحديد يبرره، إن لم يبدأ بحتمية ~~تامة. ولا شك في أنه ليس لنا أن نخلط بين الدافع والسبب، ~~عندما يكون مصدر الدافع حكما حرا، ولكن دراسة الأفعال ~~الحرة هي دراسة يمكن أن يقوم بها علم الإنسان في كل ~~الأحوال، وهي جديرة بأن تحتل مكانها في هذا العلم. # وأخيرا، فليست كل الأفعال البشرية تستطيع أن تدعي ~~لنفسها صفة الحرية. ففي الإنسان استجابات معينة تبدو ~~آلية بمعنى الكلمة، بل إن مظاهر السلوك الشعورية والإرادية ~~ذاتها لها شروط بيولوجية وتاريخية واجتماعية. ولا شك في أن ~~لغة السببية يجب أن تكون أقل صرامة ms175 في هذا المجال، إذ ~~يتحدث المرء عن شروط وتأثيرات، أو عن أسباب متبادلة، كما ~~هي بين الفرد والجماعة، وبين الكائن العضوي والبيئة. فمن ~~الجائز أن الحتمية هنا ليس لها ذلك المعنى الدقيق الذي ~~تتميز به في مجال علوم الطبيعة؛ بل هي تتكيف مع ~~الظواهر الإنسانية، ومع ذلك، تظل تحتفظ في العلم ~~الإنساني بنفس الحاجة إلى التفسير. ومن جهة أخرى فإن علم ~~الاجتماع سيبين لنا أن الظواهر الإنسانية يمكن فحصها في ~~مظهرها الجماعي لا الفردي، وعندئذ تكون ما يمكن أن يعد ~~طبيعة اجتماعية، تقبل الخضوع للحتمية بدورها. ~~(7) خاتمة # فهناك إذن علوم للإنسان، وهذه العلوم ذاتها تثبت اليوم ~~وجودها عن طريق نموها. وهي علوم كثيرة، ومناهجها ذاتها ~~متعددة، مثلها مثل المفاهيم التي تطبقها. ولكن ألا يصدق هذا ~~أيضا على علوم الطبيعة، التي أدخلت عليها التفرقة بين مجالات ~~العالم الأكبر والعالم الأصغر تعديلات عميقة؟ كذلك نستطيع ~~أن نفرق في دراسة الإنسان بين مجالين: الفردي والجماعي، كما ~~نفرق بين وجهين للظاهرة البشرية: الطبيعة والحرية. ومن هنا ~~كانت كثرة وجهات النظر التي تفحص الظواهر الإنسانية تبعا ~~لها. غير أن علوم الإنسان لو أصرت على أن تتسم بطابع البساطة ~~التامة والاطراد المطلق لقصرت في أداء مهمتها، إذ إنها ستخرج ~~عندئذ عن الطابع المميز لموضوعها، وستكون غير جديرة ~~برسالتها. ~~(8) العلوم المعيارية # ويبقى علينا، قبل البحث في العلوم الإنسانية كل على حدة، ~~أن نقول بضع كلمات: سمي «بالعلوم المعيارية»، أي الأبحاث ~~التي تدور حول بعض القيم، وتقدر الأعمال الإنسانية تبعا ~~لهذه القيم؛ وأهمها المنطق، وعلم الجمال، والأخلاق. هذه ~~الأبحاث تفترض أن الإنسان معياري، ولا يستطيع أن يفهم دون أن ~~يحكم (على الأشياء)، ويحكم على ذاته. ولكن هل من الممكن أن ~~يكون الشيء الذي بدأ منذ برهة موضوعا للعلوم الإنسانية، ~~وشركا منصوبا لها في الوقت نفسه، علما بدوره؟ وإذا نحن ~~تحدثنا عن علم للحق أو الجمال أو الخير، أفلا نكون عندئذ ~~قد استخدمنا كلمة العلم بمعنى سابق على ظهور الروح الوضعية؟ ~~وهل في وسعنا أن نقول إن هذه العلوم ms176 تندرج تحت الفلسفة، إذا ~~صح أن الفلسفة تنطوي على التفكير في القيم؟ # ينبغي لنا أن نفرق هنا بين أمور مختلطة، فيبدو لنا أن: ~~(1) # تعريف القيم، وفحصها، وتبريرها، وترتيبها، ينتمي ~~إلى مجال الفلسفة التي يمكنها بطبيعة الحال أن تفيد ~~هنا من تجربة العلوم الإنسانية، ولكن دون أن تخضع ~~لها. ~~(2) # ينتمي تطبيق هذه القيم إلى أوجه مختلفة للنشاط ~~يجب أن توصف بأنها فنية عملية، وأوضح مظاهرها هو ~~التعليم بكافة صوره، وهذه الأساليب العملية يجب أن ~~تستند إلى العلوم الإنسانية، حتى تؤدي الغرض المقصود ~~منها على الوجه الصحيح. فالتربية الأخلاقية أو ~~العقلية أو الفنية ترتكز على علم النفس، وكذلك على ~~تاريخ العلم، الذي يعرض بالتفصيل في علمي الاجتماع ~~والتاريخ. ~~(3) # دراسة القيم المتفق عليها صراحة أو ضمنا في ~~مجتمع معين وعصر معين، ودراسة تطورها ونتائجها ~~العملية، تنتمي إلى صميم العلوم الإنسانية على نحو ما ~~عرفناها. # وعلى ذلك، فلفظ «علم السياسة» قد يشير إما إلى دراسة ~~دجماطيقية للمدينة المثلى (كما في «جمهورية» أفلاطون أو «العقد ~~الاجتماعي» عند روسو)، وإما إلى مجموع الأساليب العملية ~~للحكم (كالإدارة وتنظيم السلطة والدعاية ... إلخ) وإما إلى ~~دراسة اجتماعية أو تاريخية للنظم السياسية، وبحث نفسي ~~للإنسان من حيث هو مواطن. ~~(9) الأخلاق والعلم # وهكذا يمكننا أن نفهم الجدل الذي ثار حول الأخلاق باعتبارها ~~علما. فهناك علم للأخلاق، وهو ذلك الفرع من علم الاجتماع الذي ~~أصبح يسمى، منذ عهد ليفي بريل، بعلم العادات الاجتماعية. # 8 # أو علم الاجتماع الأخلاقي # sociologie morale # ذلك هو ~~العلم الذي يبحث في الأفكار الأخلاقية وقواعد السلوك الأخلاقي ~~كما صيغت، صراحة أو ضمنا، في المجتمعات البشرية، منذ أن كان ~~للبشرية وجود. هذه الأفكار والقواعد لم تعدم أن يكون لها ~~تأثيرها في المذاهب الأخلاقية التي وضعها الفلاسفة. صحيح أنها ~~لم تتحكم فيها، ولكن كان لها أثر فيها؛ فمثلا نرى أن ~~تغير صورة الرق ثم تحريمه أخيرا كان، قبل ظهوره في مذاهب ~~الفلاسفة، أفكارا كامنة أو ضمنية، تنطوي عليها العادات ~~الأخلاقية، ويتحكم فيها التقدم التلقائي للأفكار الأخلاقية ~~جزئيا؛ بل لقد خضع ms177 لما طرأ على الحياة الاقتصادية والصناعية ~~ذاتها من تغييرات؛ فقد فطن الناس إلى أن الرق عادة اجتماعية ~~مستهجنة عندما حدث تهذيب الأخلاق، وكذلك عندما جعلته الظروف ~~الاقتصادية أقل ضرورة أو أقل نفعا، أي عندما حلت الآلة محل ~~الرقيق مثلا؛ وكذا الأمر في فكرة «القانون الطبيعي» أي فكرة ~~وجود شريعة للعدل تمتد حتى تشمل البشرية بأسرها، وتنظم ~~بطريقة عقلية العلاقات بين الناس أيا كانوا، نقول إن هذه ~~الفكرة كانت إلى حد ما وليدة بعض العوامل التي أثارتها، ~~كالإدارة التشريعية لإمبراطورية كبيرة كالإمبراطورية الرومانية ~~التي ضمت شعوبا عظيمة التباين، لها أفكار ونظم تشريعية ~~مختلفة كل الاختلاف. # وفي الأخلاق جزء آخر يرتبط بصميم العلوم الإنسانية، هو علم ~~النفس الأخلاقي، والتربية الأخلاقية، وهما يصفان الضمير ~~الأخلاقي عندما يصطرع مع مختلف ميول الإنسان، ويرتد إلى ~~الوسائل التي تضمن له الظفر. # ولكن، هل تقتصر الأخلاق على أن تكون علما للعادات الأخلاقية ~~أو علم نفس أخلاقيا؟ # هذا السؤال سيناقش في الكتاب الخاص بالأخلاق. # 9 # علم النفس ~~(1) علم النفس والتحليل الفكري الانعكاسي # يمكن أن يتخذ بحث الإنسان في الإنسان وجهتين مختلفتين ~~ينبغي التمييز بينهما بوضوح، لأن إحداهما علمية بالمعنى ~~الصحيح، بينما تنتمي الثانية إلى الفلسفة. ولنبدأ شرح هذه ~~المسألة بمثال: هو الإدراك الحسي، كإدراك السائر الذي ~~ينتبه إلى المرور وعلاماته خلال عبوره الشارع. هذا ~~الإدراك الحسي يمكن دراسته بالبحث عن التركيب الفسيولوجي ~~الذي يجعله ممكنا، ونوع الأحداث التي قد تغيره حتى تؤدي ~~إلى توقفه. ومن الممكن قياس قوة الإبصار عن طريق بحث حالة ~~أعضاء الإبصار والكائن العضوي بأكمله. كذلك يمكننا أن نفحص ~~كيف يقوم الفرد برد فعل تجاه إدراكه الحسي، وكيف يرتبط ~~هذا الإدراك بسلوكه، وكيف أنه يعبر الطريق مطمئنا إلى هذا ~~الإدراك، وكيف تدرب على هذا السلوك، وبفضل أي الظروف ~~التاريخية والاجتماعية أمكنة ذلك. وأخيرا ففي استطاعتنا أن ~~نربط إدراكه الحسي وسلوكه بشخصيته، ونحدد السمات الشخصية ~~التي تتجلى في طريقة عبوره للشارع، ونبحث في تاريخه الفردي ~~والاجتماعي عن أصل هذه السمات، وهذه الملاحظات قد تمهد ~~الطريق لتطبيقات ms178 عملية عن أفضل نظام لإشارات المرور التي ~~ينبغي استخدامها في مفارق الطرق، وطريقة تدريب المشاة، ~~والاحتياطات التي ينبغي اتخاذها بالنسبة إلى من لم ~~يتكيفوا مع هذه النظم. وفي هذه الحالة وفي غيرها يرتبط ~~العلم بأساليب عملية تدفعه إلى الأمام، وتدعم نتائجه في آن ~~واحد. # وعلى العكس من ذلك، يمكننا أن نفكر على نحو مخالف مماثل ~~لذلك الذي ضرب به «ديكارت» مثلا في تحليله لإدراكنا الحسي ~~لقطعة الشمع التي تذوب، فنبين كيف أن الفهم كامن في ~~الإحساس، وكيف أنه يرتبط بالإرادة، أعني أن كل إدراك حسي هو ~~عمل لذات قادرة على «التفكير». فالتحليل الفكري الانعكاسي ~~يهدف إلى تحديد شروط إمكان المعرفة، ويهدف بصورة أعم إلى ~~تحديد تلك العلاقة الفريدة للإنسان بالعالم، مما يؤدي بهذا ~~التحليل إلى الخوض في مجال الميتافيزيقا، وربما تناول موضوع ~~الغاية التي يختص بها الإنسان في هذه الحياة، فيؤدي به ذلك ~~إلى الخوض في مجال الأخلاق. ومن الجائز أن يلهم هذا التحليل ~~علم النفس العلمي، إذ يدفعه إلى أن يحسب حسابا لما يكشفه، وأن ~~يهتدي إلى الشروط الأولية المعروفة في التجربة ذاتها. ولكن ~~البحث العلمي يستهدف غرضا آخر، هو معرفة الإنسان بوصفه ~~فردا وكشف قوانين سلوكه، والسعي وراء معرفة الحتمية النفسية، ~~واتخاذ هذه المعرفة الوضعية أساسا تبنى عليه أساليب عملية ~~تمكن الإنسان من التأثير في الإنسان. ~~(2) الدراسات النفسية السابقة لعلم النفس # إن معرفة الإنسان للإنسان هذه كانت موجودة قبل ظهور علم ~~النفس، ويمكننا الاهتداء إليها قبل ذلك العلم: ~~(1) # ممثلة في العلاقات بين الأشخاص؛ فالطفل ذاته يستشف ~~ما يمكن أن يثير غضب أبويه، ونتائج ذلك الغضب، ~~والطبيب والسياسي، والكاهن الذي يتلقى الاعتراف هم ~~أنفسهم «علماء نفس». ~~(2) # كما توجد ضمنا في الأساليب العملية التي يؤثر بها ~~الإنسان في الإنسان ولو كان ذلك بطريقة غير شعورية، ~~كما هي الحال في التربية، والقيادة والإرشاد. ~~(3) # كما يعبر عنها في الأدب، الذي يستطيع أن يمدنا ~~بأمثلة قيمة التفكير التحليلي، حتى في الحالات التي لا ~~يهدف فيها إلى التفسير والشرح. # فمن أين تأتي هذه المعرفة ms179 التلقائية الأولى؟ إن لها مصدرين ~~يتجهان إلى هدف واحد، فمن جانب يوجد الاستبطان، أي قدرة ~~الإنسان على أن يلقي نظرة على نفسه، والأصل في الاستبطان، هو ~~الشعور بالذات. فإذا كنت أتألم، فذلك لأنني أشعر بالألم، وإذا ~~كنت أرغب، فذلك لأنني أشعر بالرغبة، ولو سئلت عما أفعل في هذه ~~اللحظة، لأجبت فورا: إنني أكتب. ولقد اقترح بعضهم في أيامنا ~~هذه - وكانوا على حق في اقتراحهم - أن نفرق بين الشعور ~~بالذات، الذي هو إدراك المرء لذاته مباشرة، وبين معرفة الذات ~~التي فيها عمليات مقالية متدرجة ~~( # discursives ~~) ويمكننا أن ~~نشبه التقابل بينهما بالتقابل بين الفهم والتفسير، ولكن من ~~المحقق أن الأول يفضي إلى الثاني مباشرة. فإذا ما شعرت ~~بالألم، فإني لا أقنع باستشعار ألمي، وإنما أرغب في معرفة ~~مصدره، وأسبابه، ونتائجه، والطريقة التي أعالجه بها. أما ~~المصدر الآخر فهو الاتصال، أي قدرة المرء على فهم شبيهه، وفك ~~رموز تعبيراته واستشفاف مقاصده أو دوافعه، والتكهن ~~باستجاباته. وهنا أيضا سرعان ما يفضي الفهم المباشر إلى ~~التفسير، أي إنه يدعونا إلى البحث عن التسلسلات العامة التي ~~تسمح لنا بالتنبؤ بسلوك الآخرين على نحو أدق، وإلى صياغة هذه ~~التسلسلات في قوانين، وإذن فهاتان المعرفتان: معرفة المرء ~~لذاته، ومعرفته للآخرين، في المستوى السابق على العلم، لا ~~تكف كل منهما عن الإحالة إلى الأخرى. إذ إني أعرف الآخر ~~تبعا لما أعرفه عن ذاتي، وأقدر غضبه مثلا تبعا لحالات ~~الغضب التي مرت بي. وفي مقابل ذلك أستعين على معرفة ذاتي ~~بمعرفة الآخرين لي، كما نرى في حالة الصداقة، أو بمعرفتي ~~للآخرين، إذ إن إدراكي للآخرين قد يعينني على استجلاء ~~ذاتي. ~~(3) الأنواع المختلفة لعلم النفس # ما الشروط التي تجعل هذه المعرفة علمية؟ إنها تصبح كذلك إذا ~~ما مضت في طريقها على نحو أدق تنظيما، وما كانت تعتمد بوجه ~~خاص على ظواهر موضوعية تخضع للملاحظة، وربما للقياس، وتكشف ~~في هذه الظواهر عن حتمية نفسية، ما دام السعي إلى ~~الموضوعية وتأكيد الحتمية أمرين مرتبطين دائما ارتباطا ~~ضمنيا على الأقل. وانطلاقا من هذا يمكننا ms180 أن نتبين ~~الفروع المختلفة لعلم النفس الوضعي. ~~(أ) الاستبطان # أين يجب البحث عن الموضوعية؟ علينا أن نبحث عنها ~~أولا في الاستبطان ذاته، والحق أن المنهج الاستبطاني قد ~~تعرض منذ «كونت» لنقد كثير، ينبني على القول بأن من ~~المحال على الذات المدركة أن تحيا وأن تلاحظ في آن واحد، ~~إذ إن الملاحظة تحور العملية الحية التي تلاحظها أو ~~تبطلها. غير أن كل وعي هو في الوقت نفسه وهو للمرء ~~بذاته، وهذا الوعي بالذات يمكن أن يصير معرفة، عن طريق ~~النظر إلى الماضي، دون أن يطرأ على تلقائية الوعي أي تغير ~~بسبب ذلك. والواقع أن علم النفس بأسره يصبح مستحيلا لو ~~لم توجد المعطيات الأساسية التي يقدمها الاستبطان. وعن ~~طريق ممارسة التحليل الواعي تزداد هذه المعطيات وضوحا ~~ودقة بالتدريج. ويتمثل ذلك في طريقة «الاستبطان ~~التجريبي» التي استخدمها «بينيه # Binet ~~» في دراساته عن ~~الذكاء، والتي عممتها مدرسة فرتزبرج # Wurzbourg ~~. وفي هذه ~~الطريقة يطلب إلى الشخص أن يصف بدقة ما يحدث في داخله ~~عندما يجيب عن مسألة معينة أو يقوم بعمل معين، ولو لم ~~يرجع علم النفس إلى الاستبطان رجوعا ضمنيا على الأقل، ~~لكان مهددا بإغفال بعد أساسي من أبعاد الظاهرة ~~النفسية. وهو الوعي الذي لا يمكن تجاهله دون القضاء ~~على الطابع المميز لموضوع علم النفس. ذلك لأن اللاشعور ~~ذاته، الذي توليه بعض المذاهب وبخاصة مذهب التحليل ~~النفسي، أهمية كبرى هو «لاشعور» نفسي، أي إنه شعور أو وعي ~~بالقوة، ومن هذه الناحية يكون كل من الشعور واللاشعور ~~مضادا لما هو عضوي أو مادي. والمسألة الوحيدة التي ~~يمكننا أن نتفق فيها مع نقاد الاستبطان، هي أنه لا يكفي ~~وحده، ولا يستطيع وحده أن ينظم المادة التي يكشفها ~~تنظيما علميا. ~~(ب) التحليل النفسي # يقدم إلينا التحليل النفسي خير مثال لإمكان بحث هذه ~~المادة موضوعيا دون التخلي عن فهم الظاهرة النفسية. ~~فالتحليل النفسي، كما وصفه واضعه فرويد، هو أولا نظرية ~~للانفعالية # théorie de ~~l'affectivité # وللدوافع التي تتركز حول ~~الغريزة الجنسية (وصفة ~~«الجنسية» هنا تفهم بمعنى واسع يقرب ms181 من معنى ~~«الانفعالية») ولضروب التغير التي تطرأ على هذه الدوافع، ~~التي قد تكبت أحيانا، فتصبح لا شعورية، وقد لا تكبت، وذلك ~~طوال تاريخ الفرد، وفي طفولته قبل كل شيء ... ولما كان مصير ~~هذه الدوافع حاسما بالنسبة إلى شخصية الفرد، فقد غدا ~~التحليل النفسي مفتاح الدراسة النفسية للشخصية، وهو يفسر ~~هذه الشخصية تفسيرا جزئيا على الأقل، بأن يئول بعض ~~مظاهر السلوك السوية (كالأحلام وتداعي المعاني) أو ~~المرضية (كأنواع الأمراض العصبية، مثل الأزمات # tics # والوساوس، والهذيان، ~~والمخاوف # phobies ~~) وذلك ~~لإعادة تصوير تاريخ الفرد من جديد وتحديد الحوادث التي ~~تردد صداها في نفسه، وتوضيح آثار هذه الحوادث والعمليات ~~النفسية التي تؤدي إليها. وبفضل التطبيقات العلاجية التي ~~توصل إليها التحليل النفسي، وبفضل امتداد منهجه إلى ما ~~وراء الحالة الانفعالية، أي إلى العقل والإرادة، أصبح ~~ذلك التحليل يحتل اليوم مكانا مرموقا في علم ~~النفس. ~~(ج) مذهب تداعي المعاني ومدرسة الجشطالت # يوجه التحليل النفسي علم النفس نحو فحص «التجمعات ~~السيكولوجية» التي يصف تركيبها وتاريخها. فهو يغلب ~~فكرة التركيب الكلي على فكرة البساطة، وبهذا يتفق مع مدرسة ~~الجشطالت (الصورة الكلية) في علم النفس. وبينما كان هدف ~~العلم النفسي المسمى بالذري # 10 # أو الترابطي في القرن الثامن عشر، هو تفسير ~~الظواهر النفسية عن طريق تجمع عناصرها الأولية، ~~كالإحساسات أو المعاني، فإن علم النفس الجشطالتي يلاحظ أن ~~الإدراك الحسي هو دائما إدراك لصورة كلية، أي ~~لمجموعة منظمة لها دلالتها، وتبرز فوق «أرضية» كما ~~تبرز لوحة الرسم فوق الحائط أو اللحن فوق السكون، ومن ثم ~~لا يمكننا إعادة تركيب الإدراك الحسي عن طريق إحساسات ~~منعزلة. وبوجه عام فكل سلوك (أعني كل فعل نقوم به، أو رأي ~~نصرح به، أو حاجة نسعى إليها) هو أكثر من مجرد مجموعة ~~للعناصر التي يمكننا أن نحلله إليها، فالعقل ليس مجرد ~~مجموعة مختلفة من الحركات، والحكم ليس مجرد معان ~~متجاورة، والرغبة ليست مجموعة من الإحساسات الوجدانية. ولا ~~يكون للسلوك معنى إلا إذا وضعنا نصب أعيننا طابعه الكلي ~~هذا، وعندئذ يكون هذا المعنى هو الذي كشف ms182 عنه الاستبطان ~~من قبل. غير أن هذا الاعتماد على الدلالة الشاملة ~~والوحدات المتجمعة، لا المتجزئة، لا يحول على الإطلاق دون ~~دراسة السلوك دراسة علمية. ~~(د) علم النفس الفسيولوجي # ومن ذلك فقد اعتقدت بعض المدارس أنه يجب البحث عن ~~الموضوعية من جهة الجسم بوجه خاص، بدلا من البحث عنها في ~~الوعي، ويرجع ذلك أولا إلى أن الملاحظة والقياس هي في ~~الظواهر الجسمية أيسر منها في ظواهر الوعي، وإلى أن ~~الظواهر الجسمية تتحكم في ظواهر الوعي هذه تحكما ~~قويا. ومن هنا كانت الأهمية التي اكتسبها علم النفس ~~الفسيولوجي، الذي يدرس الأسس أو المظاهر العضوية للظواهر ~~النفسية، ويدرس بوجه خاص تركيب المخ والجهاز العصبي ~~المركزي وأجهزة الحس، وكذلك طريقة أداء هذه الأجهزة ~~لوظائفها، وأحوالها المرضية. وهنا يدخل علم النفس في ~~مجال البيولوجيا البشرية. وفي مقابل علم النفس الفسيولوجي، ~~نجد علم النفس الاجتماعي، الذي سنعود إليه فيما بعد، ~~والذي يدرس علاقة الفرد بالجماعة الاجتماعية، ويهتم خاصة ~~بمختلف المؤثرات التي تباشرها الجماعة على الفرد. ~~(ه) علم النفس السلوكي # على أن هناك اليوم مدرسة كبيرة تأبى الاعتراف بالتضاد ~~بين الظاهرة النفسية والظاهرة الفسيولوجية، وتزعم أن أساس ~~هذا التضاد هو التفرقة الميتافيزيقية بين الجسم ~~والروح، وتجد في فكرة التصرف أو السلوك وسيلة لتجاوز ~~نطاق هذا التضاد. ويمكننا أن نذكر من طلائع هذا المذهب في ~~علم النفس كلا من بافلوف Pavlov # الروسي وبيير جانيه ~~الفرنسي، وواطسن وثورنديك الأمريكيين، كلا في اتجاهه ~~الخاص. والمدرسة السلوكية في علم النفس، وإن لم تكن تنكر ~~الشعور أو الوعي ضرورة (رغم أن بعض ممثليها أرادوا إنكاره) ~~فإنها ترمي إلى دراسة الإنسان على نحو يتيح ملاحظته ~~ملاحظة موضوعية من الخارج، وكما يتجلى للقائم بالملاحظة ~~في أفعاله وأقواله. فبدلا من أن تدرس الذاكرة على أنها ~~وظيفة نفسية، تلاحظ كيف تؤدي وظيفتها بحسب الظاهر، أي كيف ~~يتعلم الإنسان أو ينسى، ويروي ... إلخ، وبدلا من أن تدرس ~~الإدراك الحسي، تلاحظ كيف يعبر المار الطريق، وكيف يشرف ~~العامل على الآلة، وكيف ينقل الرسام منظرا ~~طبيعيا. ~~(4) المنهج التجريبي # هذه ms183 الدراسات في علم النفس الفسيولوجي، وفي علم النفس ~~الاجتماعي، وعلم النفس السلوكي - سواء أكانت تتخذ علم نفس ~~الجشطالت مصدر وحي لها أم لم تكن - تندرج كلها تحت ما ~~يسمى بعلم النفس التجريبي ويستخدم الأستاذ «لاجاش # Lagache ~~» هذا اللفظ في مقابل ~~علم النفس العلاجي (الإكلينيكي) أو علم النفس الشامل Psychologie Compréhensive # وفي ~~مقابل التحليل النفسي بوجه أخص، ذلك كي يبين أن الممارسة ~~العلمية لا بد أن تتجاوز هذا التقابل، وأن هذا هو ما تقوم به ~~فعلا (وبذلك يبرر تجاوز التقابل بين التفسير ~~والفهم). # ولقد أدخل علم النفس التجريبي مناهج الملاحظة المدعمة ~~بالآلات العلمية التي تمارسها العلوم الطبيعية بطريقة منظمة ~~في دراسة الإنسان. وبهذا أصبحت أهمية المعمل بالنسبة إلى عالم ~~النفس لا تقل عن أهميته بالنسبة إلى عالم الكيمياء. وقد ~~تكون «الحالة» التي تدرس هنا حيوانا أو إنسانا على حد ~~سواء، وقد تكون مجتمعا أو إنسانا منفردا. ولنذكر هنا على ~~سبيل المثال لا الحصر، بعض الدراسات التي يقوم بها علم النفس ~~التجريبي؛ فمنها دراسة التعلم # learning # أو تكوين العادات، ~~التي تجرى أساسا على حيوانات تحبس في متاهة، وتتعلم كيف ~~تسير في طرقها الملتوية للوصول إلى غذائها. أما بالنسبة إلى ~~الإنسان فمنها دراسة التعود على نشاط معين ودراسة مراحل ~~العمل، ودراسة التعب، وعلى الأخص ما يسمى بالتعب الناتج ~~عن العمل في المصانع، وبالنسبة إلى الجماعات، دراسة العلاقات ~~بالقائد # leader # تبعا لمدى ~~سيطرته عليهم، وتأثير «جو الجماعة» في الفرد. # ومن بين التطبيقات التي يسمح بها استخدام القياس ~~( # mesure ~~) الذي تكفل الأجهزة ~~العلمية دقته، ينبغي أن نشير على الأقل إلى القياس ~~السيكولوجي Psychotechnique ~~. ~~بفضل مختلف أنواع الاختبارات يسمح لنا هذا القياس بتقدير بعض ~~قدرات الفرد تقديرا عدديا، كالذكاء المدرسي والذاكرة، ~~ودقة الإدراك الحسي، وسرعة القيام بحركات معينة أو دقة هذه ~~الحركات ... إلخ. وتلعب هذه المقاييس دورا تتزايد أهميته في ~~التوجيه الدراسي والاختيار المهني. وحسبنا هنا أن نورد مثالا ~~واحدا، فالحوادث التي ترتكبها السيارات العامة قد قلت إلى ~~النصف بعد أن استخدمت اختبارات خاصة في اختيار ms184 ~~السائقين. # وأخيرا ينبغي أن نذكر، إلى جانب المنهج التجريبي، المنهج ~~المقارن الذي يقوم بمقارنات، إما بين نماذج مختلفة من ~~الأفراد - وهذا هو ما يسمى بالبحث النفسي في الفروق الفردية ~~أو بعلم الشخصية - وإما بين أفراد ينتمون إلى مجتمعات أو ~~حضارات متباينة، وهنا يرتكز علم النفس على علم الاجتماع وخاصة ~~علم الأجناس ( # Ethnologie ~~) ~~لدراسة الأفراد الذين ينتمون إلى ما يسمى بالجماعات البدائية؛ ~~وإما بين البالغ والطفل، وهذا ما يبحثه علم نفس الطفل وعلم ~~النفس التربوي، وإما بين الفرد السوي والمريض، وهنا نعتمد مرة ~~أخرى علم النفس المرضي. وكل هذه الفروع لعلم النفس قد نمت ~~اليوم نموا ملحوظا على أيدي المختصين. وكل منها يمكن أن ~~يرجع، من ناحيته الخاصة، إلى علم النفس التجريبي، أو إلى علم ~~النفس الإكلينيكي، ومن ثم فالتضاد بين هذين المنهجين لم يعد ~~حاسما، وإنما ينتمي الاثنان معا إلى علم النفس ~~الوضعي. ~~(أ) الحتمية النفسية # ولكن، أيا كانت المناهج فهي لا تكون منتجة من الوجهة ~~العلمية إلا إذا كانت قادرة على الإتيان بتفسير سببي ~~للظواهر التي تكشفها، وبالفعل تدعي كل المناهج أنها ~~قادرة على ذلك. وعلى أساس قدرتها هذه يمكنها إيجاد أساليب ~~عملية صالحة تستبدل بالأساليب التلقائية التي كان يلجأ ~~إليها علم النفس في البداية. ذلك لأن الإنسان لا يستطيع ~~السيطرة على الإنسان - سواء في ذلك سيطرة الطبيب على ~~المريض، والمربي على الطالب، والمعلن على العميل، والرئيس ~~على المرءوس - إلا إذا ترتبت نتائج معينة على أسباب ~~معينة، وأمكن تحقيق النتائج بتحقيق الأسباب. أما إذا ~~كانت الحرية التي تعزوها بعض المذاهب إلى الإنسان (وهي ~~حرية مشروعة في رأينا) تحول دون أي تطبيق للعلاقات، ~~فسيعجز الفرد عندئذ حتى عن التأثير على ذاته، ولن تكون ~~حريته إلا لفظا فحسب. # وعلى ذلك فلنا أن نقول: ~~(1) # إن الإنسان يخضع للحتمية عندما ينحط سلوكه إلى ~~مرتبة الآلية، كما هي الحال في أوقات نومه، أو ~~عندما يحول المرض دون أن يحقق ذاته بالمعنى ~~الصحيح، كما في حالة استسلامه للفكرة الثانية أو ~~للوهم الملح أو للعقد. ~~(2) # وإن ms185 الإنسان السوي، إذا كان قادرا على السيطرة ~~على نفسه فهو في الوقت ذاته مسيطر عليه، ومن ~~واجبه أن يعترف بمظاهر السيطرة الواقعة عليه ، ~~والتي يمكن تسميتها «بالشروط # conditions ~~» وهكذا ~~يدرس علم النفس الفسيولوجي الشروط الفسيولوجية ~~للسلوك، ويدرس علم النفس الاجتماعي شروطه ~~الاجتماعية، أما علم النفس بوجه عام فيدرس ~~العمليات النفسية التي تتجلى في هذا السلوك، ~~والعلاقات السببية التي يتكشف عنها تاريخ ~~الفرد. # فإن كان للحرية مدلول غير المدلول الميتافيزيقي، وإن ~~كان لعلم النفس أن يقدم من جانبه دليلا على هذه الحرية، ~~فلن يكون ذلك عن طريق استبعاد هذه العلاقات السببية؛ بل عن ~~طريق بيان أن الإنسان يمكنه أن يضع في مقابل هذه الأسباب ~~سببيته الخاصة، التي لا يحول شيء دون تصورها على أنها ~~سببية حرة، كتلك التي تمارس في الفعل الإرادي؛ ففي ~~استطاعته أن يؤثر في جسمه، وفي الجماعة الاجتماعية، وفي ~~شخصيته هو، وفي ميوله أو طباعه. فالسببية المتبادلة فكرة ~~يزداد استخدامها شيوعا في علوم الإنسان، وهي تشهد بالطابع ~~الوضعي لهذه العلوم، وهي في الوقت ذاته دليل على حرصها ~~على احترام الطابع المميز للكائن البشري. # التاريخ ~~(1) التاريخ والتاريخية # يهدف التاريخ إلى معرفة ~~الماضي، أي ماضي البشر، أفرادا وجماعات. أما ماضي الأشياء فلا ~~يهمه إلا بقدر اتصاله بماضي البشر. فالتاريخي هو ما يحدث ~~للإنسان وما يهم الإنسان؛ فزلزال لشبونة في القرن الثامن عشر ~~تاريخي لأنه أثر في مصير سكان لشبونة، ولأنه أثار خواطر ~~فولتير ومناقشاته حول فكرة العناية الإلهية. أما تاريخ ~~الأنواع، أو الأرض، أو النظام الشمسي، فليس تاريخا بالمعنى ~~الصحيح طالما أن الإنسان لا يتمثل فيه. وفي هذه الحالة لا ~~تكون هناك حوادث، لأن ما يحدث لا يحدث لأحد. أما الإنسان فهو ~~وحده الذي له تاريخ، لأن الإنسان وحده هو الذي لا يكتفي بأن ~~يكون في الزمان، أو يخضع لتسلسل زمني لا يمكن عكس اتجاهه ولا ~~مستقبل له، وإنما يشعر بالزمان، ويستطيع تصور الماضي، وتثبيت ~~الحاضر على نحو ما، وذلك القيام بأعمال تظل باقية من بعده، ~~وتصور مستقبل يقارنه بماضيه. ms186 وربما كان لنا أن نقول أن للتاريخ ~~وجودا حقيقيا، وذلك لأن له وجودا من حيث هو معرفة، أعني أن ~~الإنسان قادر على أن يتمثل ماضيه ليقرر مصيره، إما بطريقة ~~أسطورية كما في المجتمعات البدائية، حيث لا يبعث الماضي إلا في ~~صورة أساطير يجب الاحتفاظ بها، وإما بطريقة علمية كما هي الحال ~~في مجتمعنا، ومما تجدر ملاحظته أن المجتمعات البدائية التي ~~لم يظهر فيها مؤرخ بالمعنى الصحيح، هي في معظم الأحيان ~~مجتمعات ثابتة، جامدة، لا يبدو لها تاريخ، على حين أن ظهور ~~التاريخ باعتباره علما هو خطوة حاسمة في حضارة الإنسانية ~~ووعيها بذاتها. ~~(2) الواقعة التاريخية # كيف تتيسر معرفة الماضي؟ يلاحظ أن الواقعة التاريخية، ~~بالإضافة إلى كونها ذات طابع إنساني، هي مضادة للواقعة ~~الطبيعية من جهة أنه يستحيل تكررها من حيث المبدأ، فهي ~~تنتمي إلى الماضي، وعلى هذا الأساس فهي قد اختفت إلى الأبد. ~~وهي من جهة أخرى فردية، وهكذا درج الناس على المقابلة بينها ~~وبين الواقعة الاجتماعية. وقد أبدى «هنري بوانكاريه» هذه ~~الملاحظة الساخرة: «لقد كتب كارليل شيئا أشبه بما يأتي: إن ~~الحادث الوحيد الهام هو أن فلانا ابن فلان قد مر من هنا. ~~ذلك هو الأمر الذي يدعو إلى الإعجاب، وتلك هي الحقيقة التي ~~تساوي عندي أكثر مما تساوي كل نظريات العالم ... تلك هي لغة ~~المؤرخ. أما عالم الطبيعة، فيؤثر أن يقول إن فلانا ابن فلان ~~قد مر من هنا، ولكن هذا أمر لا شأن لي به، ما دام لن يمر ~~بعد الآن.» # 11 # ولكن ما مصدر هذا التأكيد لفردية الواقعة التاريخية؟ ذلك ~~أولا لأن هذه الواقعة تتخذ لها موقعا في زمان لا رجعة فيه، ~~أعني زمانا يحياه الإنسان ويتحدد أولا بالموت المحتوم ~~للفرد، وبمجهود الإنسانية لبلوغ كمالها، على حين أن زمان ~~الأشياء قد يمكن العودة فيه إلى الوراء إلى حد ما، إذا جاز ~~هذا التعبير، ما دام ينقسم إلى مراحل متكررة ومنتظمة، ولا ~~يتجه نحو معلوم. وثانيا لأن الواقعة التاريخية ترتبط ~~بالإنسان الذي يحياها بوصفها حاضرا له، وحدثا فريدا. ms187 ~~(3) المنهج التاريخي ~~(أ) تحقيق الواقعة # من ثم كان العمل الأول للمؤرخ هو الاهتداء إلى الواقعة ~~التي اختفت في الماضي، والتثبت منها؛ ولذا كان من ~~الضروري أن يرجع الإنسان من الحاضر إلى الماضي، ولو لم يكن ~~قد تبقى من الماضي شيء استحال الوصول إليه، وإذن فنقطة ~~البدء في المنهج التاريخي هي الوثيقة، أعني الأثر المادي ~~الذي تتركه الواقعة، وبه يمكن الرجوع إلى الواقعة ذاتها. ~~ويمكننا هنا أن نفرق بين الوثائق غير الإرادية التي لم ~~يتحكم أي مقصد في إنتاجها وحفظها، والتي تتمثل بوضوح في ~~الحفريات، وبين الوثائق الإرادية التي حفظت عمدا من أجل ~~إرشاد الأجيال التالية، أو التي تهدف في الحاضر ذاته إلى ~~الدعاية ولا توجه إلى الأجيال التالية. ومن هذا القبيل، ~~الآثار، والنياشين، والنقود ومختلف أنواع الصور. وعندئذ ~~يكون للنقد التاريخي مرحلتان: ~~(1) # فهو يجعل الوثيقة قابلة للاستعمال، ويتثبت من ~~صحتها. ذلك هو النقد الذي يقوم به البحث العلمي، ~~الذي يستعين بعلوم ثانوية عديدة يعتمد عليها ~~التاريخ، كعلم الرسوم # Iconographie ~~(ويشتمل على الصور والتماثيل المنحوتة والنقوش ~~البارزة) إلخ. وعلم الكتابات القديمة Paléographie ~~(المخططات) وعلم النقوش # Epigrahpie ~~(كالكتابات على الحجر) وعلم المسكوكات # Numismatique # كالنياشين، وعلم الآثار # Archéologie # وعلم ~~أصول المواضع # Toponymie ~~(أصل ~~أسماء الأمكنة). ~~(2) # كما تستخدم الوثيقة للتثبت من الواقعة. وأكثر ~~الوثائق صحة هي الوثائق غير الإرادية التي لا ~~تقول إلا القليل، أما الوثائق الإرادية فتقول ~~أكثر، ولكن لا يطمأن إليها كثيرا، إذ يمكننا أن ~~نتساءل عما إذا كان المؤرخ الذي دونها قد ألم ~~بالحوادث إلماما كافيا، وعما إذا كان حكمه ~~حرا. وهنا تتدخل روح النقد، أي روح الدقة # esprit de finesse # التي تحدث عنها باسكال، والتي هي نوع الذكاء ~~الذي يقتضيه تفسير الإنجيل في نظره. وللنقد ~~التاريخي مهمتان: ~~(أ) # المقارنة أي التأكد من صحة وثيقة عن ~~طريق وثيقة أخرى مستقلة عن الأولى. ~~(ب) # التفسير النفسي والنقدي، أي التحليل ~~الذي ننتقل به من الوثيقة إلى مقاصد ~~الكاتب، ومن مقاصده إلى الصورة التي ~~كونها لنفسه من الأحداث، ومن هذه الصورة ~~إلى الأحداث ذاتها. ms188 # وهكذا تتضح معالم الوقائع التاريخية. ومن المهم هنا أن ~~نشير إلى أهمية الصبر، أعني الحماس الذي يحاول به بعض ~~الباحثين (ولنلاحظ أن التاريخ في أصله الاشتقاقي اليوناني ~~يعني البحث) أن يلقوا ضوءا على دقائق معينة من الماضي، ~~وعلى تفاصيل صغيرة إلى أقصى حد في بعض الأحيان، فيكرس ~~أحد الباحثين في الوثائق مثلا عدة سنوات كي يتتبع أثر ~~دير في العصر الكاروليني، وتقوم بعثة معينة بحفر منطقة ~~من أجل التنقيب عن رسوم مدينة اندثرت منذ خمسة آلاف سنة. ~~وفي حب الاستطلاع هذا عنصر تلقائي عميق، فالإنسان يهتم ~~بالإنسان أشد الاهتمام، ووعيه بالإنسانية لا يكف عن ~~الامتداد والتوسع، منذ العهود البدائية التي ينظر فيها إلى ~~أي شخص غريب عن القبيلة على أنه من نوع مخالف. # ولكن يجب أن نلاحظ أيضا أن متابعة الوقائع على هذا ~~النحو لا تخلو من بعض الافتراضات السابقة التي تتدخل على ~~الدوام. فالمرء لا يرجع من الحاضر إلى الماضي فحسب؛ بل ~~يستدل أحيانا بالحاضر على الماضي، وهكذا يفترض المرء وجود ~~تجانس أساسي في مراكز الناس، ووحدة أساسية للطبيعة ~~البشرية، لا يمكن الوصول إلى فهم دونها. ومن جهة أخرى، ~~ينتقل المرء من واقعة معينة إلى أخرى، وهكذا يفترض ~~اتصالا للتاريخ، ومنطقا معينا لتعاقب الأحداث. ~~(ب) التركيب التاريخي # وهذا يفضي بنا إلى المهمة الكبرى الثانية التي يأخذها ~~المؤرخ على عاتقه، والتي كانت توجد بصورة ضمنية في مهمته ~~الأولى فليس يكفي أن نميط اللثام عن الوقائع؛ بل ينبغي أن ~~ندمجها في مجموع حضاري شامل، وفي الوقت ذاته ندرجها في ~~السياق الزمني، وهذا ما يسمى بالتركيب التاريخي. حقا ~~إن الواقعة المجردة - كقرار أحد الحكام، أو معركة معينة، ~~أو عملية تجارية، أو تشييد مدينة ما - أمر لا غنى عنه، ~~فدونها لا يكون التاريخ إلا أوهاما، والواقعة هي على ~~الدوام المحكمة العليا لكل تركيب تاريخي. ولكن لنلاحظ من ~~جهة أخرى أن الواقعة إذا ما نظر إليها في ذاتها لم تكن ~~تعني شيئا؛ إذ لا يكون لها معنى إلا باعتبار أنها حدث ~~إنساني وقع لأناس ms189 وعاش فيه هؤلاء الناس، وباعتبار أنها ~~تحتل مكانا في مجموع، وفي إطار عام، وفي لحظة محددة، وفي ~~مدينة معينة وتعاقب محدد؛ أي تحتل، على وجه الدقة، مكانا ~~في التاريخ، فكيف ننظم هذا التاريخ؟ # هنا يتداخل الفهم والتفسير، ولكن هنا يصادف المؤرخ ~~مشاكله؛ بل يصطدم التاريخ ذاته بحدوده التي لا ~~يتعداها. ~~(4) التداخل بين الفهم والتفسير # يستعين التاريخ بالفهم، أي بالمعرفة التي نكونها عن نشاط ~~الإنسان وأفعاله بطريقة مباشرة تتغلغل بها في باطن هذا النشاط، ~~لأن التاريخ يتخذ الإنسان موضوعا له، أو بتغيير أدق، لأن ~~التاريخ يدعونا إلى أن ندرك من جديد نفس الطريقة التي عاش ~~الإنسان بها التاريخ. ففهم الماضي ليس معناه أن نفهمه بوصفه ~~ماضيا؛ بل بوصفه حاضرا لأولئك الذين عاشوا فيه، وعاشوا كما ~~نعيش نحن في حاضرنا، جاهلين به وغير واثقين منه، لا ندري إلى ~~أين نسير، وما إذا كانت الدلالة التي نحددها لهذا الحاضر ~~ستتأيد في المستقبل، الذي نحاول أن نتنبأ به ونصنعه في آن ~~واحد. ومن هنا كانت الواقعة التاريخية فردية، إذ تطابق في كل ~~مرة تجربة فريدة، ومن هنا أيضا كان من المستحيل استيعابها ~~كاملة، إذ إن كل من قام بدور فيها قد عاشها بناء على وجهة ~~نظر معينة. وحسبنا أن نتأمل معركة «ووترلو» ومن وجهة نظر ~~فابريس # Fabrice # ومن وجهة نظر ~~نابليون، وأحد قواد التحالف. # على أن الفهم هو أيضا تفسير، وهو بحث عن دلالة واقعة خارج ~~هذه الواقعة ذاتها، أي في سياقها، وكذلك في أسبابها ونتائجها، ~~ففيه إذن اعتراف بحتمية تاريخية أو منطق للتاريخ. والواقع أن ~~هذين الطريقين (الفهم والتفسير) يرتبطان دائما في عمل المؤرخ ~~الذي يحاول أن يحتفظ للواقعة بملامحها الخاصة وطابعها الأصيل ~~الحي، وفي الوقت ذاته يدمجها في سلسلة متصلة الحلقات، ويميط ~~اللثام عن أسبابها ونتائجها، ويكشف عن القوانين العامة التي ~~تعمل عملها في هذه الواقعة. وكما قلنا من قبل، فإن لكل ~~واقعة إنسانية مثل هذا الوجه المزدوج. فمن الممكن أن ينظر ~~إليها على أنها مظهر لابتكار إنساني، تفسره دوافع، لا ~~أسباب، ms190 كما يمكن أن تعد واقعة طبيعية تخضع لضرورة خاصة بها، ~~فتكوين الرايخ # Reich # الألماني ~~يمكن أن يفهم على أنه من عمل بسمارك، وكذلك من عمل الألمان ~~العديدين الذين أسهموا معه في هذه المهمة، كما يمكن النظر إليه ~~على أنه حادث أصبح من المحتم وقوعه بناء على منطق الحركة ~~القومية في القرن التاسع عشر والظروف الخاصة المحيطة بها، ولو ~~عبرنا عن هذه الفكرة على نحو أعم، لقلنا إن الإنسان، ~~والإنسان العظيم بوجه خاص، يمكن أن يفسر التاريخ، وبالعكس ~~يفسر التاريخ الإنسان، وليس على علم التاريخ أن يختار بين ~~هاتين الوجهتين من النظر. وقد أكد ماكس فيبير # Max Weber # بوجه خاص ضرورة ~~الجمع بينهما؛ فالسببية هنا أيضا تعبر عن الفهم كما في قولنا ~~إن قرارا لبسمارك قد أدى إلى حادثة معينة، والفهم يوضح ~~السببية كما في قولنا إن الحركة الوطنية ترتبط بتغيير في ~~التركيب الاقتصادي والاجتماعي، وبظهور أفكار جديدة في الوقت ~~نفسه، إن كل علم يود أن يبرر نفسه تبريرا سببيا، وفي ~~علوم تقترن هذه العلاقة السببية بعلاقة دلالة # relation ~~significative ~~. ~~(5) موضوعية التاريخ # إن الصعوبات التي يلقاها علم التاريخ ترجع إلى تطبيق هذين ~~المنهجين. ولنتساءل أولا: إلى أي حد يكون الفهم ممكنا، ~~أعني إلى أي حد تكون المعرفة التاريخية خلوا من كل غرض؟ ~~وإذا كان علم التاريخ يشهد بقدرة الإنسان على إدراك الماضي ~~إدراكا واعيا، وبرغبته في تحديد مستقبله وفقا لهذا الماضي، ~~فلنا أن نتساءل في هذه الحالة: ألا يؤدي حرص الإنسان حاليا ~~على مستقبله إلى توجيه الفكرة التي يكونها لنفسه عن الماضي ~~توجيها معينا؟ إن الثورة الفرنسية إذا ما درست في عهد عودة ~~الملكية، تبدو في صورة مختلفة كل الاختلاف عنها إذا ما درست ~~في عهد الإمبراطورية الثانية، أو الجمهورية الثالثة، كما تختلف ~~أيضا باختلاف شخصية المؤرخين. إن الاتفاق بين الناس على ~~واقعة مادية أمر ممكن لأنها لا تهم أحدا منهم بطريق ~~مباشر على الأقل. وصحيح أن المرء قد يتخذ منها موقفا معينا، ~~ولكنها في ذاتها لا تستأثر باهتمام إنسان دون ms191 آخر، ولا تتضمن ~~نموذجا يحتذى، أو حكما أو قرارا، أما في حالة الواقعة ~~التاريخية، فنشعر بأننا ننفعل ويطلب إلينا أن نحدد موقفنا منها. # 12 # ولابد أن تؤدي مشاغل الحاضر أو تحيزاته إلى ~~تشويه فكرتنا عن الماضي، أن فهم الماضي هو، في نهاية المطاف، ~~محاولة منا لكي نحياه من جديد، ولكن هذا حد نهائي لا نملك ~~إلا أن نحاول الاقتراب منه، إذ إننا لا نتصل بالماضي ~~اتصالا كاملا. وفضلا عن ذلك، فبم نتصل لو وجد هذا ~~الاتصال؟ أعني أننا إذا تحدثنا عن «ووترلو»، فهل نتصل ~~بفابريس أم بنابوليون؟ إن الحادثة التاريخية لا تستوعب ~~استيعابا كاملا. وليس في وسعنا أن نحياها مرة أخرى ~~بحذافيرها. لهذا كان الجهد الذي يجب على المؤرخ أن يبذله ~~للخروج عن الموقف الحالي والتعاطف مع الماضي جهدا لا حد ~~له. ~~(6) الحتمية التاريخية # ولكن ما دام رجوعنا إلى الماضي أمرا لا مفر منه، أفلا ~~نستطيع الإفادة من ذلك للسيطرة عليه، وترتيبه وتنظيمه؟ تلك هي ~~المهمة التي تحاول الحتمية التاريخية القيام بها، على أن لهذه ~~المهمة حدودا، وإن كانت هذه الحدود لا تغض من قيمة هذه ~~الحتمية بحال. # وترجع هذه الحدود أولا إلى أن الواقعة التاريخية البشرية ~~وأفعال البشر مما يصعب التنبؤ به، ففي بعض الأحيان نلاحظ ~~الجغرافيا البشرية؛ أن مدينة ما تبنى في موقع غير ملائم، ~~على حين أن موقعا أنسب يظل مهجورا، ولكن لو سلمنا بحرية ~~الذين يحتلون أدوارا تاريخية، فإن هذا لا يعني رفض أية محاولة ~~للتفسير. وكل ما في الأمر أنه يجب علينا أن نستبدل بحتمية ~~الأسباب الطبيعية، تحديدا عن طريق الأسباب العقلية، أو نضيف ~~الثانية إلى الأولى، أي أن السببية العقلية تحل محل السببية ~~الطبيعية. وفضلا عن ذلك، فالبحث عن الأسباب يرتبط بمواقف أو ~~بحوادث تبلغ في معظم الأحيان حدا من الاتساع يؤدي بالفرد ~~إلى التراجع إلى المرتبة الثانية، ومعه كل إشارة إلى ~~الحرية. # وإذن، فالأصح أن يقال إن ما يحد من الحتمية هو تعقيد ~~الواقعة، وبالتالي كثرة السلاسل السببية التي تقابل كل ~~واحدة منها ms192 وجها لهذه الواقعة، فالحرب مثلا يمكن أن تعزى ~~لأسباب متعددة. ولكن، كيف يتسنى لنا أن نميز هذه العلاقات ~~السببية المختلفة إن لم يكن ذلك بإقحام ضرب من التفرقة يرتاب ~~المرء دائما في أنها اعتباطية، فضلا عن أنها تفصم وحدة ~~الحادثة؟ # ومن جهة أخرى، فكيف نقيس أهمية كل من هذه الأسباب؟ هنا ~~تظهر صعوبة جديدة، وهي أن الواقعة التاريخية لا يمكن تكرارها. ~~ومن ثم لا تخضع للتجريب. وإنما نتمكن من تقدير الأسباب ~~العميقة والأسباب العرضية عن طريق تجربة عقلية. وكما قال ~~«ماكس فيبير». إذا أردنا أن نقدر أهمية إحدى المقدمات، ~~فعلينا أن نتصورها بالذهن، مختلفة عما هي عليه أو غير ~~موجودة. فما الذي كان يحدث لو كان جروشي # Grouchi # قد حل محل بلوشر # Bluecher # في موقعة ووترلو، أو ~~كان نابليون قد كسب تلك الموقعة؟ على أن هذه التصورات فرضية ~~بلا شك، حتى لو استطعنا أن نجعلها ترتكز على المنهج المقارن، ~~بأن نستشهد بما حدث بالفعل بعد أحد انتصارات نابليون. ولذا ~~كانت السببية التي توحي بها هذه الفروض سببية احتمالية على ~~الدوام. ونقول بعبارة أخرى إن الحتمية هي حتمية غير مؤكدة، ~~وهي كذلك جزئية غير متكاملة، إذ إن معرفتنا بالتعاقب التاريخي ~~تنطوي دائما في فجوات لا تبرز فيها إلا حوادث خاصة، ولا ~~تستبقي معرفتنا من الواقع سوى بعض مظاهره الخاصة، على حين أن ~~علاقة السببية لا تربط لحظة كلية من لحظات الصيرورة بلحظة ~~أخرى كلية مثلها، وإنما تربط حادثا بآخر. # ومع هذا، فالبحث في الحتمية ليس عقيما، ففي خلال هذا البحث ~~تظهر ضروب من الاطراد، واتجاهات ثابتة تسمح بإدراك الخاص من ~~خلال العام، فنحن نعلم، بصورة مجملة، آثار الحرب في شعب من ~~الشعوب، وما العلاقة بين النظم الدينية والأشكال الجمالية، ~~وبعبارة أخرى، فالمؤرخ - كما سنذكر فيما بعد - يصبح عالم ~~اجتماع مثلما يصبح عالم الاجتماع مؤرخا بدوره. وحتى لو ظل ~~المؤرخ متعلقا بالتفاصيل، وبفردية الأحداث، وهي الأمور التي ~~يتركها عالم الاجتماع عادة جانبا من أجل البحث عن القوانين ~~العامة، فإنه في حاجة إلى ms193 المعاني العامة أو القواعد التي ~~يقترحها عليه عالم الاجتماع، إن لم يكن في حاجة إلى ~~القوانين التي يقررها له، أو هو يضطر إلى أن يصبح عالم ~~اجتماع حتى يضع هذه القواعد والقوانين بنفسه. ~~(7) فلسفة التاريخ # لكن المؤرخ قد يكون متعجلا، ولا يقنع بهذه النظرة المجزأة ~~غير اليقينية إلى الماضي، فيبدي رغبة في إدراك الصيرورة ~~التاريخية في حلقاتها المتتابعة وفقا لحتمية لا تتخلف، ~~وعندئذ يستند إلى فلسفة التاريخ، أو يلجأ إلى حل مماثل ~~لهذا، يعتمد على مذهب طموح في علم الاجتماع، كي يقفز به ~~طفرة واحدة إلى الحد النهائي لبحثه، ويؤكد نظرية عامة في ~~الصيرورة الإنسانية. # فلنفحص بإيجاز بعض المذاهب المشهورة في هذا الصدد: # يرى «أوجست كونت» أن تطور العقل يتحكم في تقدم ~~البشرية. وهذا التطور ينتقل من المرحلة اللاهوتية إلى ~~المرحلة الميتافيزيقية ثم إلى المرحلة التي يسميها «أوجست ~~كونت» المرحلة «الوضعية». وذلك هو قانون المراحل الثلاث (1830م) # 13 # وهي المراحل التي يقتضي كل منها نوعا معينا من ~~أنواع التفسير. ففي المرحلة اللاهوتية، يفسر العقل البشري ~~عالم الواقع بقوى سحرية، ثم بالآلهة (وديانة التوحيد تمثل ~~أعلى مركب في هذا النوع من الفهم)، وتتصف المرحلة ~~الميتافيزيقية، قبل كل شيء بأنها مرحلة نقدية، تعقب مرحلة ~~عضوية وتبشر بمرحلة عضوية أخرى. وفيها تنبذ البشرية ~~المعتقدات القديمة، ولكنها لا تلمس في نفسها القدرة على أن ~~تستبدل بها تفسيرا يقبله كل الأفراد. فالميتافيزيقيا ذاتية، ~~أعني أنها تنحصر في تفسيرات يسميها أوجست كونت «باللفظية» ~~ويستخلصها كل فيلسوف من أعماقه الباطنة. وهذه الفوضى العقلية ~~التي تتصف بها تلك الكثرة المحتومة من المذاهب ~~الميتافيزيقية تؤدي إلى فوضى اجتماعية وسياسية. على أن ظهور ~~العلوم الخاصة - من علم الفلك إلى علم الاجتماع - يسمح للعقل ~~البشري بأن يستبدل البحث الوضعي في القوانين بالبحث في العلل. ~~ويقوم آخر العلوم، وهو علم الاجتماع، بوضع حد للفوضى، عندما ~~يحقق اتفاق العقول على سياسة وضعية. وهكذا يفسر أوجست كونت ~~تغيرات التركيبات الاجتماعية والسياسية للإنسانية عن طريق ~~إصلاح عقلي يقوم على أساس من تطور العلوم. # أما هيجل ms194 (1770-1831م) فيرى أن فيلسوف التاريخ يكتشف في ~~التاريخ تطورا ذا دلالة. وهو يطلق على المعنى الذي يتبدى ~~تدريجيا في تعاقب الأحداث اسم «الفكرة # idée ~~» ويبدو أن صانعي التاريخ ~~ينقادون على غير علم منهم نحو تحقيق هدف لم يريدوه، ومع ~~ذلك فهو هدف زاخر بالمعنى (وهذا ما يسميه هيجل «بدهاء ~~العقل» الذي يحل في نظره محل العناية الإلهية). هذا التطور ~~للفكرة، الذي هو صراع وتجاوز لذلك الصراع، يكون الديالكتيك ~~التاريخي، الذي يفضي إلى الشعور بالحرية ضد كل اغتراب. # 14 # وقد تتبع هيجل هذا التطور الديالكتيكي في التاريخ ~~السياسي، وفي التاريخ الديني، وفي تاريخ الفنون كما تتبعه في ~~تاريخ الفلسفة. لكنه اتهم بأنه لا يحرر الإنسان إلا من ~~الوجهة النظرية، وبأنه تصور أنه قد تغلب على الاغتراب عن ~~طريق الوعي به، كما لو كانت الفلسفة هي هدف التاريخ. وقد اتخذت ~~الهجلية اليسارية هذا النقد نقطة بدء لها، فسارت بفلسفة ~~التاريخ في اتجاه عملي انتهى إلى الفلسفة الماركسية في ~~التاريخ. # فإذا كان «أوجست كونت» قد استخلص طرقا «للتفسير»، وهيجل قد ~~رأى الفكرة «تتحقق» في التاريخ خلال مظاهر الصراع والمقاومة، ~~فإن كارل ماركس (1818-1883م) يرمي إلى فهم التاريخ دون أن ~~يفصل هذا الفهم عن المسلك العملي للإنسان، الذي يهدف به إلى ~~السيطرة على الطبيعة وتحقيق الاعتراف المتبادل بين «الناس». ~~لهذا بدأ كارل ماركس بأن ربط الاقتصاد السياسي والفلسفة، ~~ووجد في العلاقات بين الإنسان والطبيعة، وفيما ينجم عنها من ~~علاقات بين الطبقات الاجتماعية بوجه خاص، أسس الديالكتيك ~~التي كان هيجل ينسبها إلى «الفكرة». # فالمادية التاريخية هي تفسير التطور التاريخي ابتداء من ~~هذه العلاقات الأساسية التي تحمل في ثناياها وجود الإنسان، ~~ومختلف الآراء التي يكونها لنفسه عن موقفه الخاص. وعندئذ يكون ~~من المحال أن نفصل طريقة فهم هذا الموقف ذاته. على أن آخر ~~الطبقات الاجتماعية في الظهور، وهي الطبقة العاملة ~~( # Le prolétariat ~~) لا تكتفي ~~بفهم موقفها، وإنما تستطيع، بناء على هذا الفهم، أن تدرك ~~مواقف الطبقات الاجتماعية الأخرى وحركة التاريخ. وهكذا يحاول ~~كارل ماركس أن يعرف ms195 «بطريقة عملية»، لا نظرية، ما أسماه ~~هيجل وعي الإنسان بذاته. ~~(8) وضعية التاريخ # تمثل فلسفة التاريخ إغراء مستمرا يجتذب التاريخ ذاته. ~~وربما كان كل مؤرخ يخضع لهذا الإغراء بطريقة ضمنية تتفاوت في ~~درجاتها. وتعبر هذه الفلسفة في نهاية المطاف، عن الدلالة ~~التي يضفيها المؤرخ على حاضره، وعلى الماضي، من خلال المستقبل ~~الذي يؤمله أو يتنبأ به. وربما كان من المحتم على المؤرخ أن ~~يشعر بأنه قد «حدد موقفه» على هذا النحو، وارتبط بالماضي في ~~الوقت ذاته، وذلك حتى يتسنى له أن يولي الماضي اهتمامه، وحتى ~~يكون لبحثه التاريخي معنى. ومع ذلك، فالواقع أن خير ما ينطوي ~~عليه إنتاج المؤرخ هو ما يقوم به من دراسات مضنية حول لحظات ~~معينة في التطور، وهذا الجزء يقتضي جهدا لكشف الحقيقة ~~التاريخية في تعقيدها؛ بل في فجائيتها أحيانا، وذلك في مقابل ~~فلسفة التاريخ التي تقتل التاريخ بسبب غلوها في تبسيطه، وفي ~~هذا الصدد يقدم علم التاريخ، الذي يظل ناقصا واحتماليا ~~على الدوام، خير مثال لما يمكن أن تكونه الروح العلمية، التي ~~تلهمها مشاغل قد لا تكون من مجال العلم دائما، ومع ذلك فإنها ~~تؤدي إلى أن تتغلب فيه روح احترام الحقيقة وتقديرها. # علم الاجتماع ~~(1) مهمة علم الاجتماع # إذا أردنا أن نكون لأنفسنا فكرة عن كنه علم الاجتماع أي ~~علم الظواهر الاجتماعية، وجب علينا أن نبدأ بأمثلة غاية في ~~البساطة. فلنتصور أحد الفصول التي تدرس فيها الفلسفة، والتي ~~تكون مجتمعا صغيرا في معهد علمي؛ مثل هذا الفصل قد يثير ~~عددا من المشاكل: فما مكانة هذا الفصل في المدرسة الثانوية، ~~أو في الجهاز الجامعي، وفي نظام التعليم العام في البلاد؟ وكيف ~~يؤدي هذا الفصل مهمته؟ أي ما تركيبه حسب أعمار طلابه، وعقيدتهم ~~الدينية، وميولهم السياسية، والمراكز الاجتماعية لآبائهم؟ وهل ~~له سمات خاصة به، وتقاليد ومعايير، ونوع من روح الجماعة، ~~وإنتاج معين؟ وما التيارات التي تمر به، من علاقات للأستاذ ~~بطلابه، وللطلبة فيما بينهم، أهو متجانس، أم مجزأ إلى جماعات ~~متميزة ومتعارضة؟ كل هذه المشاكل تنتمي إلى كل ms196 مجال علم ~~الاجتماع. ولنضرب مثلا آخر، عن المدينة التي توجد بها هذه ~~المدرسة: ما تاريخها، وفي أي الظروف الجغرافية نمت، وما تأثير ~~هذه الظروف في تركيبها، وفي هندستها المعمارية، وفي أعمال ~~سكانها؟ وما وظيفتها في الاقتصاد الإقليمي أو القومي؟ وما ~~المؤثرات التي تلقتها من العاصمة، أو التي تمارسها هي على ~~الضواحي المحيطة بها؟ وما عدد سكانها، وكيف يوزعون في المكان ~~تبعا للأحياء؟ وإلى أي الطبقات؟ وإلى أي الجماعات من الأجناس ~~تنقسم، وما أهمية هذا التقسيم؟ وهل يتصف هؤلاء السكان بطابع ~~خاص في اللهجة أو العادات أو الفنون الشعبية ... إلخ؟ وما هو ~~بوجه أعم، سلوك سكانها، من حيث المهنة والآراء واللهو؟ تلك ~~أيضا مشكلات يعالجها علم الاجتماع وتقتضي أبحاثا متعددة ~~ينبغي أن يكون لها طابع علمي، وذلك لأن هذه المشكلات تثار ~~على أساس معطيات يمكن تحديدها وبحثها بطريقة موضوعية، ومن هنا ~~كان تعبير دوركيم المشهور: «ينبغي أن تدرس الظواهر ~~الاجتماعية كما لو كانت أشياء.» وهي عبارة لا يعني منها القول ~~بأن الظواهر الاجتماعية أشياء، إذ إن هذا إنكار لما تتصف به ~~الظواهر الاجتماعية والإنسانية من خصائص مميزة؛ بل يقصد منها ~~الإشارة إلى أن من الممكن اتخاذها موضوعا لمعرفة وضعية ~~فحسب. ~~(2) أوجست كونت # يرجع الفضل إلى أوجست كونت في إدراك هذه الحقيقة، وأعني بها ~~أن الظاهرة الاجتماعية، من حيث هي كذلك، ومن حيث أنها مضادة ~~للظاهرة الفردية، يمكن أن تكون موضوعا لعلم وضعي. ولقد انتهى ~~إلى هذه النتيجة بناء على اعتبارات أخلاقية وسياسية (وهي ~~الاعتبارات التي يصعب فصلها من كل بحث في العلوم ~~الإنسانية). فقد لاحظ ما تركته الثورة الفرنسية من فراغ في ~~النظم والعادات، بعد أن أتمت هذه الثورة القضاء على نظام ~~منحل، دون أن تنجح في أن تستبدل به غيره. وعندئذ تساءل كونت ~~عن الطريقة التي يمكن بها إعادة الوحدة والنظام - وهما أساس كل ~~تقدم - إلى العالم وإلى الأمم الأوربية بوجه خاص، فرأى أن ~~ذلك التنظيم الأخلاقي العقلي والسياسي الذي حققته العصور ~~الوسطى في ظل المسيحية - والذي انحل بالتدريج طوال ms197 العصر ~~الميتافيزيقي - لا يمكن الشروع في تحقيقه من جديد إلا بشرط أن ~~يتم تحت لواء العلم، حتى يعود التوازن مرة ثانية ولكن، لأي ~~العلوم ستكون الصدارة عندئذ؟ لذلك العلم الذي ظهرت بوادره عند ~~كل من مونتسيكو وكوندورسيه في القرن الثامن عشر، والذي أصبح ~~في الوقت الحالي ممكنا بفضل تقدم العلوم الأخرى ؛ ويعني به ~~علم الاجتماع. وسرعان ما استنبط كونت النتائج الأخيرة لهذه ~~الفكرة؛ فعلم الاجتماع يمتلك أفضل الوسائل لمعرفة كل ما يتعلق ~~بالإنسان، والسبب في ذلك أولا هو أن الظاهرة الإنسانية تتجلى ~~في الظاهرة الاجتماعية أكثر مما تتجلى في الظاهرة الفردية، ما ~~دامت الظاهرة الاجتماعية أشبه بالتكبير الواضح، في حين أن ~~الظاهرة الفردية، التي لا تخضع في نظر أوجست كونت إلا ~~للاستيطان، لا مكان فيها إلا للملاحظة الفجة المشوبة ~~بالغموض. والسبب الأهم هو أنه لا وجود للظاهرة الفردية حقيقة ~~إلا بوجود الظاهرة الاجتماعية؛ فالفرد فكرة مجردة كما يقول ~~كونت، وكل ما ينطوي عليه من أفكار وعواطف وميول، وكل ما يجعله ~~إنسانا، ويرفعه فوق مستوى الحيوان، إنما يأتيه من قبل الحياة ~~الاجتماعية، والتركيب الداخلي للفرد إنما هو ميراث يستمده من ~~الإنسانية، والإنسانية هي مجموع النظم والأفكار الأخلاقية ~~والدينية، والقواعد العقلية، والعادات العملية التي تميز ~~الإنسان، والتي لم يكن إعدادها ممكنا إلا بفضل الجماعة ~~الإنسانية، وتضامن الجماعات البشرية في المكان وفي ~~الزمان. ~~(3) دوركيم وتعريف الظاهرة الاجتماعية # شقت الفكرة التي تقدم بها أوجست كونت طريقها، وبعد بضع ~~عشرات من السنين توارت فيها هذه الفكرة، عادت فأثمرت عدة ~~مدارس اجتماعية. وأبحاثا تتزايد وفرة، وسار المفكر الذي ~~اعترف الجميع بزعامته للمدرسة الفرنسية، أعني دوركيم، في ~~طريق يكاد يكون نفس الطريق الروحي الذي سلكه كونت، فالأساس ~~الخفي لفكره هو أيضا الحرص على معالجة الفوضى التي تهدد ~~المجتمع الغربي، وذلك بتأكيد علو الاجتماعي على الفردي، ~~وإمكان ازدهار الفردي بوساطة الاجتماعي وداخله. فالتربية ~~الأخلاقية يجب أن تقوم على أساس المعرفة الوضعية للظواهر ~~الاجتماعية، وهذه هي فكرة كتاب «قواعد المنهج في علم ~~الاجتماع»، الذي يعرف الظاهرة الاجتماعية وشروط ~~دراستها. ms198 # وتعرف الظاهرة الاجتماعية بأنها خارجة على الفرد، ولها ~~في ذلك طابع مزدوج، فهي أولا جماعية، أعني أنها تنتمي إلى ~~الجماعة من حيث هي كذلك، ولا تتوقف على اختراع الفرد أو ~~موافقته. ومن الأمثلة الواضحة في هذا الصدد اللغة، أي مجموع ~~الكلمات وقواعد التركيب اللغوي. ولكن هناك أمثلة أخرى، ~~كالعادات، والتقاليد والقواعد التشريعية (والمثل الأخير ~~محبب إلى نفس دوركيم). ويجد الفرد هذه الأسس الاجتماعية ~~موجودة من قبله، ولذا كان لزاما عليه أن يكيف نفسه تبعا ~~لها، ولا ريب في أنه سيقال إن الفرد يستطيع تعديلها على أقل ~~تقدير، وذلك بأن يقف تجاهها موقف الرفض أو حتى موقف القبول، ~~فضلا عن أن في وسعه أن يبتكرها (كما في حالة نسبة مجموعة ~~معينة من القوانين إلى مشرع معين). ولكن لو نظرنا إلى ~~الأمر عن كثب، لأدركنا، من جهة، أن الابتكار يفترض حالة معينة ~~للفكر الجماعي، تمهد له، وتستدعيه ومن جهة أخرى فهذا ~~الابتكار لا تكون له أهمية أو معنى إلا بقدر ما يعترف به، ~~ويقبل، وينتشر؛ أعني إذا خرج من أيدي صاحبه، وفقد طابعه ~~الفردي، ودخل مملكة الظواهر الاجتماعية. # 15 # وفي المقام الثاني توصف الظاهرة الاجتماعية بأنها قاهرة # coercitif ~~. ويرجع ذلك، على وجه ~~الدقة، إلى أنها خارجة عن الأفراد، والقهر الذي تمارسه ~~الجماعات يمكن أن يتشكل بصورة متباينة: ~~(1) # فقد يكون نوعا من القوة المادية، كما في الحتمية ~~الطبيعية: وعلى هذا النحو تفرض قيمة سلعة أو قطعة من ~~النقود. ~~(2) # وقد يكون جزاءات منظمة (تقننها وتقضي بها محكمة ~~تم تأليفها) أو جزاءات غير رسمية (كالتمجيد أو ~~التحقير، وهما جزاءان ليس لهما قانون ثابت؛ يصدران ~~عن الرأي العام). ~~(3) # السخرية التي تلحق بمن يخالفون العادات دون قصد، أو ~~يستهينون بقواعد الذوق الشائعة. ~~(4) موضوع علم الاجتماع ~~(أ) التصورات الجماعية # les ~~représentations collectives # مم تتكون الظاهرة الاجتماعية التي نعرفها على هذا ~~النحو؟ تتكون أولا - على حد قول دوركيم - من «التصورات ~~الجماعية» أي من أساليب التفكير والشعور والسلوك التي ~~تبدو في تصرف الفرد على أنها تعبير عن سيطرة الجماعة. ~~وأوضح ms199 الأمثلة لذلك هي استجابات الفرد عندما يندمج في ~~جماعة «في حالة انفعال قوي» كما يحدث بمناسبة احتفال أو ~~عيد أو اجتماع سياسي. فهنا يتبلور «الشعور الجماعي» مؤقتا ~~على الأقل، ولكن إلى جانب هذه الاستجابات الانفعالية، يرى ~~دوركيم، أن أسمى أنواع نشاط الوعي تتوقف هي الأخرى على ~~شروط اجتماعية؛ فتأمل المفكر المنعزل يفترض تراثا ~~ثقافيا معينا، واعتمادا على مفاهيم يعجز الفرد وحده ~~عن تكوينها. وهذه الثقافة ينبغي أن تنسب إلى الشعور ~~الجماعي الذي يتميز به مجتمع معين في عصر معين. # ويمكن دراسة هذه التصورات الجماعية دراسة وضعية. فكما ~~أن المدرسة السلوكية في علم النفس قد اعتزمت فيما بعد أن ~~تدرس في الفرد ما يمكن ملاحظته عليه من الخارج، أعني ~~سلوكه، دون أن تلح في التساؤل عما يحدث في «أعماقه ~~الباطنة»، فكذلك ركز «دوركيم» انتباهه، في كتاب «تقسيم ~~العمل» بوجه خاص، على بحث الظواهر التي يمكن ملاحظتها على ~~نحو أكثر يسرا، أعني الظواهر التي يتجلى فيها طابع ~~الخارجية والقهر الذي تتميز به الظاهرة الاجتماعية بأوضح ~~صورة، كالظواهر التشريعية. فقانون العقوبات بوجه خاص، ~~يكشف في طريقة صياغته وتطبيقه عن الوعي أو الضمير الجماعي ~~للجماعة. ومع ذلك، فما كان هذا ليمنع دوركيم من أن يقوم ~~بتحليل نفساني دقيق للمعتقدات الدينية، كما فعل في ~~كتابه «الصور الأولية للحياة الدينية» # les ~~formes elémentarines de la vie ~~religieuso # ذلك لأن موضوع التصورات ~~الجماعية يمكن أن يطرق من زوايا متباينة. ~~(ب) النظم # على أن هذه التصورات، من ناحية أخرى، تستمر في البقاء ~~وتتوارث، عن طريق إدراجها في نظم اجتماعية؛ فالتصورات ~~التشريعية مثلا تقنن في سجلات من القوانين تقتضي ~~دراسة للقانون، ويطبقها قضاة، ويحميها رجال الأمن ... إلخ. ~~وبهذا المعنى يكون علم الاجتماع هو علم النظم ~~الاجتماعية. والذي لا شك فيه أن تعريف النظام # intitution # ليس بالأمر ~~الهين. ومع ذلك فمن الممكن التعرف عليه، كما يقول ~~«مالينوفسكي» بناء على ما ينطوي عليه من مثل عليا أو ~~معايير يرمي إلى تطبيقها، ومن ميثاق يقوم على أساسه، ~~ومجموعة من الأشخاص يستخدمها النظام، ms200 ومادة يستعملها، ولكن ~~الأساس هو أن النظام ينظم، أعني أنه يخلع على الحياة ~~الاجتماعية صورة محددة، ويضفي عليها الطابع الذي يمكن ~~وصفه بأنه رسمي، جماعي، متعارف عليه، والذي تتميز به ~~الظواهر الاجتماعية. # والبحث في النظم يسمح بتقسيم العمل في مجال علم ~~الاجتماع: فمن الممكن في الواقع تقسيم النظم إلى طوائف ~~كبرى معينة، كالنظم السياسية، والاقتصادية، ~~والتشريعية، والفنية، والدينية ... إلخ، وكل هذه ~~المجالات يسمح بقيام دراسة خاصة (هذا، بطبيعة الحال. على ~~شرط ألا نغفل أبدا ما بين هذه النظم من علاقات متبادلة ~~في كل مجتمع معين، وندرك ما بين العادات الخلقية، ~~والدين، والاقتصاد مثلا، من سببية متبادلة تؤثر بها كل ~~منها في الأخرى دائما). وهكذا يمكننا أن نتحدث عن علم ~~اجتماع ديني، وعلم اجتماع اقتصادي، وعلم اجتماع جمالي ... ~~إلخ؛ بل نستطيع المضي في هذا التقسيم إلى أبعد من ذلك ~~ونلمح «سمات حضارية» كما في الأساليب العملية للأخلاق، ~~والمعتقدات الدينية، واستخدام أداة ما، وغيرها، ونتابع ~~تاريخها في الزمان وتوزيعها في المكان خلال ظواهر الاقتباس ~~والانتشار. ~~(ج) بحث الأشكال الاجتماعية # la ~~morpholgie social # وأخيرا فإن دوركيم لم يغفل عن هذه الحقيقة، وهي أن ~~الظاهرة الاجتماعية، والتصورات الجماعية والنظم التي ~~تتجسد فيها، تقوم في أساسها ومبدئها على ظاهرة التجمع، ~~والشكل الذي يتخذه هذا التجمع من الوجهة المكانية. ~~فعلم الاجتماع هو أولا دراسة للأشكال الاجتماعية، وذلك ~~لأن سمات المجتمع والتصورات التي تعبر عنه وتدعمه ~~تتوقف إلى حد بعيد على الظواهر الخاصة بالسكان: أي على ~~عدد السكان وحجمهم وكثافتهم، والطريقة التي يمكن بواسطتها ~~تحقيق الازدهار والتداول في السلع والأفكار. ويؤدي البحث ~~في التركيب المادي للجماعة، والشروط المادية لحياتها، إلى ~~البحث في السكان من جهة الديموجرافيا # démographie # من جهة، وإلى ~~البحث في علم البيئة # ecologie # أي دراسة طريقة ~~توزيع السكان على التربة، وتوزيعهم في المدن والأرياف، كما ~~يؤدي إلى الجغرافيا البشرية التي تدرس العلاقات المتبادلة ~~بين الإنسان وبيئته الطبيعية، وهي الدراسة التي تعد ~~الجغرافيا الطبيعية مقدمة ضرورية لها. ~~(د) علم الاجتماع السكوني (الاستاتيكا ~~الاجتماعية) وعلم الاجتماع ~~الحركي ms201 (الديناميكا الاجتماعية) # وهكذا تتكون لدينا فكرة معينة عن مدى اتساع المجال ~~أمام علم الاجتماع. ولكن يجب أيضا أن نشير إلى اتجاهات ~~أخرى في البحث، فلنبدأ بكلمة عن التمييز الحاسم الذي نبه ~~إليه من قبل أوجست كونت، بين السكوني والحركي. فالدراسة ~~تبحث في «التضامن الاجتماعي»، وفي شروط وجود مجتمع معين ~~في لحظة معينة من تاريخه، وفي تركيبه، أعني في العلاقات ~~المتبادلة بين النظم التي تظهر فيه، والجماعات الخاصة ~~التي تكونه . وفي هذه الدراسة يبدو المجتمع العام، بحضارته ~~الخاصة، كأنه كل «شبيه إلى حد ما» بالكل الذي يكونه ~~الكائن العضوي. # 16 # وقد حددت النظرية الوظيفية هذه الفكرة ~~وألحت في بيان ضرورة دراسة كل حضارة وكل مجتمع أنه قائم ~~بذاته. # أما الدراسة الحركية فتتعلق بتاريخ المجتمعات من ~~الوجهة الزمنية، وهي في ذلك ترتبط بالتاريخ في علاقات ~~وثيقة. والصفة الغالبة على هذا البحث في معظم الأحوال هي ~~الميل إلى التحليل. فالباحث يستطيع تتبع التطور الزمني ~~الذي يمر به نظام معين، كالأسرة، أو سمة حضارية خاصة ~~كالصلاة، أو إحدى الأدوات، أو الأساليب الفنية، داخل ~~مجتمع معين، أو في مختلف المجتمعات التي يتمثل فيها. ~~وقد يعن له أن يبحث عن منطق هذا التطور خارج النطاق ~~التاريخي، فيفحص نظما متعاصرة، ولكنها توجد في مجتمعات ~~مختلفة، كالأساليب الزراعية المختلفة التي تتبع اليوم ~~لدى شعوب أفريقية معينة، وفي مزارع فرنسية، وفي مزارع ~~جماعية روسية، ويرى فيها أمثلة لمراحل مختلفة في تطوير ~~يحاول إعادة تركيبه. ولكن من الواجب أن نكون على الدوام ~~حذرين في حالات إعادة التركب هذه، حيث لا يعمل العنصر ~~الزماني على تحقيق العنصر المنطقي. ~~(ه) علم الأجناس البشرية # éthnologie # وعلى كل، فإن هذه الرغبة في تتبع تطور ذي طابع عقلي، ~~هي التي أضفت مثل هذه الأهمية على الدراسات المتعلقة ~~بالمجتمعات المسماة بالبدائية، وهي الدراسات التي حاول ~~الباحثون أن يتبينوا خلالها الصور الأصلية والأولية ~~للحياة الاجتماعية. ومعظم العلماء يطلقون اسم «علم ~~الأجناس البشرية» # éthnologie # على ذلك الفرع ~~من علم الاجتماع الذي يخصص لدراسة مثل هذه المجتمعات. ~~ومن مزايا ms202 هذه الدراسة أيضا أن المجتمعات البدائية، بما ~~تتميز به من ضيق نطاقها، تقدم إلى الباحثين موضوعات ~~أقل تعقيدا، وأصغر حجما من المجتمعات الحديثة؛ بل ~~موضوعات أكثر استقرارا، وذلك لأنها لما كانت في عزلة ~~نسبية وأقل تعرضا للمؤثرات الخارجية، ولا تعرف فكرة ~~التاريخ ولا فكرة التقدم، وتبث في الفرد احترام التقاليد ~~والأساطير، فإنها تتطور على نحو بطيء ~~جدا. كما أن من ~~مزاياها أنها تكشف بوضوح عن الطابع المميز للظواهر ~~الاجتماعية وعن مدى سيطرتها . فالمطالبة بحقوق الفرد، ~~ومحاولة الابتكار، وممارسة التفكير الشخصي، كل هذه الأمور ~~لا تتبدى فيها على الإطلاق، إذ يستوعب الجماعي الفردي ~~تماما. وأخيرا يمتاز علم الأجناس بأنه يلفت الأنظار إلى ~~ما تتصف به الحضارات من تعدد، ومن تعرض للزوال، وهي ~~الصفات التي تحدث عنها منتني # Montaigne # من قبل. # ومع ذلك، فالاتجاهات الأخيرة في علم الأجناس البشرية ~~تميل إلى: ~~(1) # أن تؤكد، على حد سواء، كلا من أوجه ~~التشابه، وأوجه الاختلاف، بين البدائي ~~والمتمدين. وهذا ما قام به ليفي بريل؛ فإنه لما ~~بين الطابع «قبل المنطقي» ~~( Pré-logique ~~) ~~الذي تتسم به «العقلية البدائية» في مقابل ~~العقلية المنطقية التي تسود المجتمعات الحديثة، ~~أكد أن التضاد ليس حاسما، كما بين باحثون ~~آخرون التفكير السحري، الذي يبدو في الظاهر سمة ~~تنفرد بها العقلية البدائية، قد ظل قائما في ~~المجتمعات الحديثة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ~~فإنه لا يتنافى مع وجود تفكير عقلي يتمثل في ~~الأساليب العملية وفي العلاقات الإنسانية. ~~(2) # أن تكشف في أبسط المجتمعات البدائية عن نوع من ~~التعقيد يمنعنا من الحكم عليها بالبساطة (إذ نجد ~~فيها مجموعات تنتمي كل منها إلى عمر معين، كما ~~نجد فيها نوادي وجمعيات سرية ... إلخ) ومن جهة ~~أخرى تتمثل فيها آثار ماض يمنعنا من أن نعدها ~~أقدم صورة للمجتمعات الإنسانية. ~~(3) # وأخيرا تميل هذه الاتجاهات الأخيرة إلى القول ~~بإمكان تطور هذه المجتمعات، وخاصة إذا ما اتصلت بالبيض # 17 # كما يتبين من الدراسات المتعلقة ~~بظاهرة «التكيف الحضاري # acculturation ~~». ~~(و) علم الاجتماع التحليلي # ما دام كل مجتمع شامل يوصف بأنه معقد، ms203 فمن واجب علم ~~الاجتماع أيضا أن يعمل على تحليله، وأن يميز على تعبير ~~جرفتش # Gurvitch # بين ~~الجماعة - المنظمة - التي تكون المجتمع، وبين صور قابلية ~~التجمع # Formes de ~~sociabilité # أعني الطرق المختلفة التي ~~يرتبط بها الأفراد على نحو يؤدي إلى تكوين وحدة اجتماعية ~~تنظمهم جميعا، ولقد أدى هذا البحث الأخير إلى فروع ~~عديدة من الأبحاث المتشبعة. # ففي ألمانيا حاول «زمل # Simmel ~~» ومن بعده «فون ~~فيزه # Von Wiese ~~» تصنيف ~~«العلاقات الاجتماعية» تبعا لعمليات التقارب أو التباعد ~~بين الأفراد، ففي وسع علم الاجتماع أن يهتدي دائما إلى ~~عمليات «اجتماعية» تتم في المكان الاجتماعي # l’espace social ~~(وهو مجال ~~العلاقات الاجتماعية، الذي ينبغي التمييز بينه وبين المكان ~~الطبيعي، ما دمنا لا نخلط بين المسافة الاجتماعية ~~والمسافة المادية) وتتبلور في «مجموعات اجتماعية # ensembles sociaux ~~» يشعر ~~بها الأفراد عن وعي، ويحددون تصرفهم تبعا لها، وهي ~~المجموعات التي يجب أن نميز فيها بين الجماهير، والجماعات ~~التي يغلب عليها روح التكتل، وبين المجموعات «الجماعات ~~المجردة» التي تبعث في النفوس التبجيل والرهبة في آن ~~واحد، كالهيئات الدينية، والدولة والمهنة ... إلخ. # ويظهر لدى «تونيس # Toennies ~~» تتميز آخر شهير ~~وإن يكن مفرطا في بساطته، وهو التمييز بين صورتين من صور ~~قابلية التجمع: الجماعة # Communauté # والمجتمع. ~~فالجماعة أشبه بوحدة الكائن العضوي الحي، إذ تقوم على ~~التضامن الوثيق الناشئ عن اتفاق عاطفي، والمثل النموذجي له ~~هو الأسرة، أما المجتمع، فهو أشبه بالآلة، إذ ينبني على ~~نظام تشريعي وعقلاني في آن واحد، وينمو هذا النظام عندما ~~يضعف تعارض الأهداف والمصالح قوة التضامن الحيوي، ~~واشتراكية الدولة هي آخر صورة للمجتمع المنظم ~~عقلانيا. # وفي فرنسا يمكن المقارنة بين هذه التفرقة وتفرقة أخرى ~~قال بها دوركيم عن تقسيم العمل الآلي وتقسيم «العمل ~~العضوي»، وكذلك التفرقة التي قررها دافي # Davy # بين اللائحة # Statut # والعقد # contrat ~~. ومن ناحية أخرى ~~واصل «جرفتش» هذه الأبحاث فقال بما يسمى «علم اجتماع ~~الأعماق # Soc. des ~~profondeurs ~~». # 18 # الذي عزا إليه مهمة التفرقة بين الطبقات ~~المختلفة للواقع الاجتماعي، وهي الطبقات التي تعبر عن ~~مختلف المظاهر ms204 التي يبدو بها هذا الواقع، ابتداء من سطح ~~المجتمعات باعتبار شكله وتوزيع سكانه حتى الرموز والأفكار ~~والقيم الجماعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد قال بما ~~يسمى «علم الاجتماع المصغر # microsocilogie ~~» ونسب إليه ~~مهمة كشف الصور المختلفة لروح التجمع، وهي الصور التي تعبر ~~عن مدى كثافة الحياة الاجتماعية، وتنظيم البناءات ~~الاجتماعية من خلال مقدمات عامة، هي: «الجمهور # masse # والجماعة المحلية # Communauté # والتجمع # Communion ~~». # أما في أمريكا، فلنا أن نقول إن الدراسات النظرية ~~للعناصر الاجتماعية، وإن لم تكن قد بلغت هذا الحد من ~~التقدم، فقد أولى الباحثون أهمية كبرى للدراسة التجريبية ~~للجماعات الخاصة وعلى هذا الأساس نرى القياس الاجتماعي # Sociométries # الذي وضع أسس ~~مورينو # Moreno # يدرس تماسك ~~الجماعات الاجتماعية، وإمكانيات إنتاجها، وذلك عن طريق ~~قياس علاقات التجاذب والتنافر التي تقوم بين مختلف ~~أعضائها. ~~(5) منهج علم الاجتماع # إن كثرة المجالات التي يعالجها علم الاجتماع توحي بوجود ~~كثرة من المناهج غير أن مما يؤدي إلى ازدياد تباين هذه ~~المناهج، اضطرار علم الاجتماع إلى مواجهة المشاكل التي يثيرها ~~كل علم للإنسان، ومن هنا كانت كثرة المدارس، وهي ظاهرة تشهد ~~بحيوية التفكير في علم الاجتماع. فلنوضح هنا بعض الخطوط ~~الرئيسية في هذه المناهج. ~~(أ) علم الاجتماع الموضوعي # في البداية، يمكننا أن نتصور إمكان قيام علم للاجتماع ~~ببحث في الظواهر الاجتماعية كما لو كانت ظواهر طبيعية. ~~وذلك ما كان يطمح إليه طلائع المفكرين في هذا العلم. ~~فإن الطابع الخاص المميز للمجال الاجتماعي، الذي يعرف ~~بأنه جماعي # collectif # يقتضي الخروج بهذا المجال عن نطاق الفردية، وليس ~~بالضرورة عن مجال الإنسانية، بحيث يمكننا البحث عن ~~القوانين دون أن نثير احتجاج الوعي والحرية الفرديين. ~~ففي انتقالنا من الميدان النفسي إلى الاجتماعي يتغير ~~المجال والمنظور على نحو يسمح بتجاهل ذاتية الفرد. وهكذا ~~يدرس علم السكان توزيع السكان أو الاتجاهات التي تتبدى ~~في الظواهر السكانية (كالمواليد والوفيات والزيجات)، وذلك ~~دون أن يعبأ بمعرفة من الذي يتزوج أو يموت، وإنما يرجع ~~الفرد دائما إلى طوائف معينة من حيث العمر، والجنس، ~~والطبقة ms205 الاجتماعية، والموطن ... إلخ، دون أي اكتراث بما ~~يعنيه الزواج أو الموت بالنسبة إلى أي فرد بعينه. كذلك ~~يدرس الاقتصاد السياسي مدى الإنتاج أو توزيعه في بلد ~~معين مثلا، دون أن يهتم بمسلك منتج معين أو برأيه. وإذا ~~اهتم بمثل هذا الرأي - كأن يهتم مثلا بحركات الشك ~~التي يثيرها التهديد بالتضخم، وهو الشك الذي ينشط ~~الطلب في القوت الذي يقل فيه الإنتاج - نقول إذا اهتم ~~بهذه الظواهر النفسية، فإنما يكون ذلك بوصفها جماعية لا ~~فردية. والحق أن دراسة الرأي العام تعمل أيضا على إغفال ~~الطابع الفردي. فهي تهدف إلى قياس المعتقدات والتيارات ~~الفكرية والعواطف التي تساور الجماعة، دون بحث في ~~الطريقة التي يتلقى بها الفرد الرأي ويقره أو يرفضه، ~~وإنما هي تفصل الرأي عن الفرد الذي يعبر عنه ... وتضفي ~~عليه وجودا اجتماعيا بالمعنى الصحيح، والمنهج المفضل في ~~هذه الحالة هو المنهج الأخصائي. # ويكشف الإحصاء، أحيانا بصفة حاسمة، عن اطراد الظواهر ~~الاجتماعية. على أنه ليس من الواجب - بلا شك - أن نثق ~~بالأرقام ثقة عمياء، ويرجع ذلك أولا إلى أن الإحصاء لا ~~يستمد قيمته إلا من المعطيات التي يتخذها مادة له، والتي ~~يستمدها من مصدر آخر؛ فتقدير الرأي العام تقديرا ~~حسابيا يستمد قيمته من طريقة اختيار «عينات» السكان، ~~ومن المعلومات التي يجمعها القائمون بالبحث. ثم إن مظاهر ~~الاطراد التي يقررها الباحث قد ترجع أحيانا إلى نقص ~~المعلومات التي جمعها، وأخيرا لأن الإحصاء في ذاته لا ~~يستنتج شيئا، وهو يحتاج دائما إلى التفسير، ومع كل ذلك ~~فلا شك في أنه يلقي ضوءا على الطابع الجماعي للظواهر ~~الاجتماعية، ويساعدنا إلى حد كبير في التعبير عنه بدقة ~~رياضية. # ويتعلق هذا العلم الاجتماعي الموضوعي بظواهر جماعية ~~بالمعنى الصحيح، حيث لا يظهر الفرد إلا على اعتبار أنه أحد ~~عناصر حقيقة أسمى فيه، فلا يعدو إنتاجه أو فعله أن يكون ~~مجرد مثل أو «عينة». ولكن ينبغي أن نلاحظ أن استبعاد ~~العنصر الفردي ليس معناه استبعاد العنصر الإنساني، أعني ~~النفسي؛ فعلم الاجتماع الاقتصادي لا ينفق جهده عبثا ~~عندما يقوم بدراسة ms206 نفسية للعمليات الاقتصادية، على غرار ~~ما قام به علم الأجناس البشرية بالنسبة إلى الصور البدائية ~~للتبادل، كذلك لا يتنافى البحث الإحصائي في تأدية ~~الشعائر الدينية بحال مع تحليل صور الإيمان أو درجاته. ~~ولكن ألا يتجه التحليل النفساني، كلما ازداد دقة، إلى ~~العودة إلى الفردي؟ ألا ينتهي، على أية حال، إلى التناقض ~~مع الهدف الأول لعلم الاجتماع الموضوعي؟ ~~(ب) علم الاجتماع وعلم النفس # لسنا نخوض هنا غمار الجدل الذي ثار حول علاقة علم النفس ~~بعلم الاجتماع. وحسبنا القول بأن التعاون يزداد قوة بين ~~هذين العلمين دائما، فهناك علم اجتماعي نفسي ينمو ~~جنبا إلى جنب مع علم الاجتماع الموضوعي. وهذا العلم ~~الاجتماعي النفسي لا يأبى الاعتراف بالخصائص النوعية ~~للظاهرة الاجتماعية، ولكن لابد من تأكيد الطابع الجماعي ~~في الظاهرة الاجتماعية، نجده يحاول كشف النقاب إما عن ~~السلوك الفردي الذي يعد أصلا للظاهرة الاجتماعية، ~~وإما عن الطريقة التي يتلقى بها الفرد هذه الظاهرة ~~ويحياها، وذلك دون أن يرى في بحثه في العنصر الفردي في ~~الظاهرة الاجتماعية إخلالا بصفة الموضوعية. كذلك نرى أن ~~«علم الاجتماع المنهجي # Soc. ~~systématique ~~» عند زمل # Simmel # وفون فيزه # Von Wiese ~~- الذي يحاول ~~تحديد العلاقات البشرية الأساسية المكونة للجماعات - ~~يبدأ هو الآخر بعلم النفس. غير أن الحرص على الإفادة بعلم ~~النفس دون الإبقاء على التضاد بين الجماعي والفردي ~~يتجلى بوجه خاص في مبحثين: ~~(1) # أولهما «علم النفس الاجتماعي»، وهو يدرس سلوك ~~الفرد تجاه الظواهر الاجتماعية. فيبحث مثلا في ~~الطريقة التي ينضم بها الفرد إلى جماعة، والدور ~~الذي يلعبه فيها، والمركز الذي يشغله فيها، وكيف ~~يبعث الحيوية في هذه الجماعة ويوجه نشاطها ~~(وخاصة إذا كان يشغل فيها وظيفة القائد). وكيف ~~يخضع الفرد، في مقابل ذلك، لتأثير الجماعة، ويقبل ~~معاييرها ويتأثر بأحكامها، وأي الآراء والمشاعر ~~تنمو لديه بسبب تأثير الجماعة، وكيف تنطبع شخصيته ~~بأسرها بطابع الجماعة. وعندئذ يجب التنبيه إلى ~~وجود تأثير متبادل من الجماعة في الفرد يمكن ~~التعبير عنه بفكرة السببية، بشرط أن تكون هذه ~~السببية على شيء من المرونة، وتدمج بها مفاهيم ms207 ~~مثل مفهوم الدوافع، والتكيف، والتأثير. ~~(2) # وثانيهما ذلك المبحث الذي أطلق عليه في أمريكا ~~اسم «الأنثروبولوجيا الحضارية» وله موضوعه الخاص ~~به، وهو دراسة حضارة مجتمع معين، أعني دراسة ~~الطابع الاجتماعي حسبما يتمثل في الأفراد، وحسبما ~~يحياه هؤلاء الأفراد، ومن هنا كان يتطلب دراسة ~~علم النفس. ذلك لأن الحضارة، التي تفهم بهذا ~~الفهم الواسع، يمكن دراستها بدراسة المنتجات ~~المادية للصناعة البشرية، من أدوات وسلع وأعمال ~~فنية ... إلخ، كما يمكن دراستها بدراسة النظم ~~(السياسية والتشريعية والتربية ... إلخ). غير أن هذه ~~الأعمال وهذه النظم ذاتها ينبغي أن تفحص من ~~جهة علاقتها بالأفراد، فالحضارة تتكون في نهاية ~~الأمر مما يفكر فيه الأفراد وما يشعرون به وما ~~يفعلونه، أعني أنها تتكون من سلوكهم بقدر ما ~~يقوم هذا السلوك على أساس اجتماعي، وبقدر ما هو ~~مكتسب من المجتمع، وخاضع لقواعد معينة فيه، ~~وبقدر ما ينقل إلى أفراد آخرين. فبملاحظة هذا ~~السلوك نلاحظ الحضارة، وبتحليل هذا السلوك نهتدي ~~إلى تفسير، جزئي على الأقل، لهذه الحضارة. والحق ~~أن الأنثروبولوجيا، كما يقول «كاردنر # Kardiner ~~» تقتبس ~~إحدى الأفكار الرئيسية لعلم النفس الاجتماعي مع ~~التوسع فيها بحيث تمتد إلى المجتمع بأسره؛ ~~فهناك نظم تسمى بالأولية # primaires ~~- وخاصة ~~التربية، التي تتباين مناهجها ومضمونها من مجتمع ~~إلى آخر - وتؤدي هذه النظم إلى تكوين تركيبة ~~نفسية معينة في الأفراد، تتكون منها «شخصية ~~أساسية» لهم، أو سمها إن شئت «شخصية قومية»، وفي ~~مقابل ذلك تؤدي هذه الشخصية الأساسية إلى قيام ~~نظم تسمى بالثانوية، وتعكس التأثير الذي تباشره ~~النظم الأولية عليها. وهنا يكون للتحليل النفسي ~~بوجه خاص، أهميته لأنه يعين أولا على توضيح ~~الطريقة التي تتكون بها الشخصية في مرحلة ~~الطفولة عند قيامها بالتجارب الاجتماعية الأولى، ~~فضلا عن أنه يكشف عن العمليات النفسية التي ~~توضح العلاقات بين نظام أولي ونظام ~~ثانوي. # وهكذا يساعد علم النفس على فهم الحضارة، فهو لا يكتفي ~~بوصف الطريقة التي تطبق بها الحضارة تطبيقا عمليا؛ ~~بل يفسر العلاقة التي تربط النظم أو الأساليب العملية ~~فيما بينها، والطابع الشامل للحضارة الذي يؤكد المذهب ~~الوظيفي ms208 # Le ~~fonctionnalisme # على أن هذا لا يعني ~~بطبيعة الحال أن علم الاجتماع يقف عند هذا الحد، وأن ~~الدراسة الموضوعية الخالصة للأشكال الاجتماعية أو للظواهر ~~الجماعية، دراسة عميقة؛ بل الواجب أن تتآزر أكثر الدراسات ~~تباينا، وأن تتضافر بدلا من أن تتنافر. ~~(ج) علم الاجتماع والتاريخ # وكذلك الحال في الاتجاهات الأخرى للبحث في علم الاجتماع، ~~أعني تلك التي تسير في طريق التعاون مع التاريخ، فعلم ~~الاجتماع الذي يستعين بعلم النفس هو أساسا علم ~~الاجتماع السكوني، الذي يبحث في موقف الفرد من الجماعة أو ~~في تركيب مجتمع ما أو حالة حضارة معينة. وفي مقابل ذلك ~~نجد أن علم الاجتماع # dynamique # الذي يبحث في ~~تطور سمة حضارية معينة، أو نظام أو مجتمع ما، يستعين - ~~بداهة - بالتاريخ قبل كل شيء، وفي هذا الصدد ظهرت، في ~~أوائل هذا القرن، مدرستان متعارضتان؛ المدرسة القائلة ~~بالتطور # évolutionnisme # وهي تبحث في التاريخ عن الوسيلة التي يؤدي بها التطور ~~العام إلى تحديد للمجتمعات أو النظم، ومن ثم تحقق آمال ~~فلسفة التاريخ من الوجهة العلمية، والمدرسة الانتشارية # diffusionnisme # التي تؤكد ~~أن تسلسل الحوادث التاريخية محدود ونسبي، وتقتصر على دراسة ~~انتشار سمة حضارية معينة في إقليم جغرافي معين، وفي فترة ~~زمنية محددة. وهكذا إنحاز علماء التاريخ إلى أحد الرأيين ~~الشائعين في التاريخ اللذين يؤكد أحدهما استمراره ~~واتصاله، ويؤكد الآخر ما فيه طابع «عرضي» تتحكم فيه الصدف ~~والأحداث العرضية. ففي الحالة الأولى يجتذب علم الاجتماع ~~التاريخ إليه، وفي الثانية يجتذب التاريخ علم الاجتماع ~~إليه. # وأيا كان الأمر، فمن الواجب أن نؤكد ضرورة تقارب ~~العلمين كما أومأنا إلى ذلك عند الكلام عن التاريخ. والحق ~~أن العلمين يتجهان إلى الاندماج رغم ضروب الجدل التي ~~نشبت بينهما في مستهل هذا القرن. ويشهد على ذلك الجدل ~~الذي وقف فيه «سنيوبوس # Seignobos # المؤرخ الراوي # historien historisants ~~» ~~في مقابل «سيميان # Simiand # المؤرخ الاجتماعي # historien ~~sociologue ~~»؛ فالأول يعرف المنهج ~~التاريخي بأنه «لا ينطوي على ظواهر كاملة، وإنما على أشتات ~~متفرقة، بقيت بمحض الصدفة من حطام الماضي، فعمل المؤرخ ~~أشبه بمهنة ms209 جامع الخرق.» ويضيف إلى ذلك «أن كل حالة خاصة ~~تقتضي تفسيرا خاصا.» أما الثاني فيؤكد أن لا قيمة ~~للتفسير إلا إذا «طبقت على حالة علاقة عامة هي علاقة السبب ~~بالنتيجة.» وأننا حتى عندما نؤكد الطابع الفريد لفعل ما، ~~ونرده إلى فرد معين، فإن ذلك لا يكون إلا عن طريق عوامل ~~سببية عامة، يمكن صياغتها في قضايا عامة. # 19 # واليوم، وبسبب تأثير علم الاجتماع، قل اهتمام التاريخ ~~بالرواية وبالسرد، وأصبح أقل حرصا على التفاصيل، وفي ~~مقابل ذلك أصبح علم الاجتماع بتأثير التاريخ، أقل جزما، ~~وأقل ميلا إلى التعميم. وهكذا أخذت حدة التعارض بين ~~الخاص والعام تخف. فالتاريخ يتعلق حقا بالحادث من حيث هو ~~فردي وحيد، ولكنه لما كان يتجه إلى تفسير الحادث بعد ~~تحققه، فإنه يفطن إلى وجود اتجاهات منتظمة، ويميز الشيء ~~الاتفاقي من الشيء الضروري، والعرضي من الاحتمالي، فهو ~~يفهم الخاص بالعام مثلما يفهم علم الطبيعة الظاهرة بناء ~~على القانون. وقد لاحظ «بوجليه # Bouglé ~~» ذلك فقال: «إن ~~لانجلوا # langlois ~~» مع حرصه ~~على استبعاد التعميمات التي تكمن، كما يقول، كالجراثيم في ~~مفاصل البحث التاريخي، يتحدث مع ذلك عن «التطور الطبيعي» ~~الذي حول البرلمانات إلى «برلمان»، أو عن اكتمال نظام ~~ملكي عن طريق «القانون الطبيعي» في تقسيم العمل ... ولكي ~~يثبت براءة جماعة فرسان المعبد # Templiers # 20 # نراه يستعين بالدراسة النفسية للطوائف الدينية ~~التي يندفع أفرادها إلى الاستشهاد. # 21 # وعلى العكس من ذلك فإن علم الاجتماع، إن كان يبحث عن ~~تسلسلات سببية، وإن كان يعمم، فما ذلك إلا ليفهم ما قد ~~يكون في الظاهرة الاجتماعية من عنصر فردي، أي ما تنفرد به ~~حضارة معينة مثلا، وكذلك ما هو عرضي في تطور هذه ~~الحضارة، أو في تطور نظام ما، ولا تستطيع الأنثروبولوجيا ~~الحضارية أن تؤكد كثرة الحضارات، ما لم تبين الطابع الخاص ~~الذي تنفرد به كل منها؛ بل إن المذهب التطوري ذاته لا ~~يمكنه أن يستخلص قانون تطور نظام أو مجتمع معين، إلا بشرط ~~بناء الجانب الحركي على الجانب السكوني، ومن ثم كان عليه ms210 ~~أن يبين أن لكل لحظة من لحظات التطور طابعا فرديا، ~~وأنها لا يجب أن تدرس إلا على هذا الأساس. # وإذن فالتقدم الذي يحرزه علم الاجتماع في مختلف ميادينه ~~يتجه إلى حشد علوم الإنسان وتعبئة كل مناهجها. ولهذه ~~الكثرة من وجهات النظر ما يبررها في نهاية الأمر، لأن ~~الظاهرة الإنسانية لا يمكن استيعابها تماما، كما أنها ~~متعددة الأوجه في الوقت نفسه، ثم إن الظاهرة الاجتماعية، ~~كما قال كونت، هي أكثر الموضوعات وضوحا للأذهان، وأكثرها ~~تعقيدا في الوقت ذاته. وأخيرا، لأن الإنسان طبيعة وحرية ~~في آن واحد كما تنبئنا الفلسفة. # الفصل العاشر # | النظريات الحالية في الفيزياء الرياضية النسبية الخاصة والعامة1 # في التفسير العلمي لظاهرة من الظواهر، لا نكتفي بذكر القانون المعبر ~~عنها، وبيان الطريقة التي تحدث بها؛ بل نكشف أيضا عن علتها، ونبين ~~سبب ظهورها، أي أن هذا التفسير لا يمكننا من التنبؤ بها، وذلك هو هدف ~~النظريات العلمية. # والنظريات أعم من القوانين فهي تعبر عن المبدأ العام لهذه القوانين، ~~وهي تأتي بمنهج في التفسير والبحث، وتكشف بوجه خاص عن علة الظواهر أو ~~سببها. # وأشهر وأهم النظريات الحالية في الفيزياء الرياضية، نظرية النسبية ~~الخاصة والعامة. # وقد ظهرت هذه النظرية في عام 1901م، بعد سلسلة من التجارب التي ~~بدأها قبل ذلك بعشرين عاما، العالمان ميكلسون # Michelson # ومورلي # Morley # حول موضوع سرعة الضوء. ولما ~~أراد أينشتين تفسير نتيجة هذه التجارب، اقترح أن نتصور المكان الذي ~~ينتشر فيه الضوء على أنه وسط يفرض على الضوء نوعا من الانحراف الذي ~~يمكن حسابه مقدما، وبتأثير هذا الوسط، يدرك مختلف القائمين ~~بالملاحظة - أعني علماء الفلك الذين يتأملون السماء من كواكب أو نجوم ~~يتغير موقع كل منها بالنسبة إلى الباقين - نقول يدرك كل منهم سماء ~~مختلفة. # كذلك يتحكم تأثير المكان في ساعاتهم، بحيث إن الوقت الذي يقرؤه كل ~~منهم يختلف في اللحظة الواحدة، وليس هذا فحسب؛ بل إن كلا منهم ~~يقدر مرور الزمن تبعا لسرعة مختلفة. # بل إن هذا التأثير يمتد إلى حد تعديل كتلة الأشياء، لأن هذه ~~الكتلة ms211 ليست ثابتة، وإنما تزيد بمقدار محدد مع زيادة سرعة هذه ~~الأشياء. # والجاذبية الكونية هي نتيجة هذا التأثير، الذي لا يؤدي إلى انحراف ~~الضوء فحسب؛ بل إلى انحراف حركة الأجسام أيضا. وهذا هو الذي يبدو لنا ~~في صورة الجاذبية. لأنه عندما يقال إن كوكبا «يدور منجذبا» حول ~~الشمس، مثلا، فمعنى ذلك أن حركته تنعطف نحو الشمس، ولولا هذا التأثير ~~لسارت في خط مستقيم وفي اتجاه مطرد. ونحن نعلم أن الثقل حالة خاصة ~~لهذه الجاذبية، وأن الجسم الذي يسقط يجتذب، أو يمكن أن يجتذب حول ~~مركز الأرض. # ليس التفسير هو القدرة على التنبؤ بالظواهر وإثبات ~~ضرورتها؛ بل هو على الأخص جعلها ~~معقولة # لكي نفهم ما النظرية، ينبغي علينا أن ندرك، على وجه الدقة، ما ~~الذي نتطلبه من العلم، وما الذي يتسنى للعلم أن يقدمه ~~إلينا. # إنا نطلب من العلم أن «يفسر لنا الظواهر » فما التفسير؟ ~~(1) # إن تفسير ظاهرة هو القول بإمكان التنبؤ بها، بحيث يقضي ~~على ذلك الشعور الأليم الذليل بالانتظار القلق، الذي يسبق ~~الظاهرة، حين يكون المرء جاهلا بالعوامل التي تؤدي إلى ~~وجودها حتما، أو تلك الدهشة المؤلمة التي تصاحبها إذا ~~ظهرت دون مقدمات سابقة. والأهم من ذلك أننا نستطيع في بعض ~~الأحيان أن نأمل في إحداث الظاهرة أو منع حدوثها إذا ما ~~علمنا شروط حدوثها، وكان من الممكن التأثير فيها، وعلى ~~هذا الأساس يمكن التنبؤ بحدوث الخسوف، أو تحقيق ~~الشفاء. ~~(2) # ونحن نعلم أن حتمية أية ظاهرة تصاغ في صورة قانون. ~~فالتفسير إذن هو تحديد صيغة «القانون» الذي يكشف عما فيها ~~من «ضرورة». ~~(3) # ولكي يصل المرء إلى القانون، يضطر في معظم الأحيان إلى ~~المثابرة على ملاحظة التعاقب المعتاد للظواهر، وهذا ما ~~يسمى قانونا «تجريبيا # empirique ~~» فمثلا: يعمد ~~المرء إلى وصف المراحل المتعاقبة التي يمر بها مرض خلال ~~تطوره: كالحمى الشديدة أو الخفيفة الدائمة أو المتقطعة، ثم ~~الطفح، وأخيرا ظهور القشور، غير أن المرء لا يقنع بهذا. ~~أولا لأنه لا يستطيع التنبؤ عن يقين طالما كان يقتصر على ~~الملاحظة التجريبية لتعاقب الحوادث، ms212 وقد لفت ليبنتز # 2 # الأنظار إلى أن تعاقب الليل والنهار على نحو ~~ما يلاحظ تجريبيا، ليس أمرا مضمونا على الإطلاق، ~~فهناك خطوط عرض يقضى فيها على الليل في خلال جزء من ~~السنة، بينما يحدث العكس خلال جزء آخر. وأورد لتوضيح ~~فكرته مثال «نوفازمبلا # Nova ~~Zembla ~~» (زمبلا الجديدة التي تقع جنوب ~~الدائرة القطبية الشمالية). فالمرء لا يمكنه التنبؤ عن ~~يقين، طالما ظل في مستوى «القانون» التجريبي وفضلا عن ~~ذلك، فإن رسالة الإنسان العليا تقتضي منه ألا يقتصر على ~~«التنبؤ» بل أن يسعى إلى «الفهم»، فتفسير الظاهرة هو ~~جعلها مفهومة ومعقولة. # التفسير بالقانون يجب إكماله بمعرفة السبب # إذا أردنا أن نفهم فمن الواجب معرفة السبب. ففي الطلب مثلا لا ~~تكتمل دراسة الأمراض ( # Nosologie ~~) ~~ولا دراسة الأعراض ( # Sémiologie ~~) ~~إلا إذا ارتبطتا بدراسة الأسباب ~~( # Etiologie ~~)، ولكلمة السبب في ~~مناهج البحث العلمي معنيان مختلفان كل الاختلاف، نرى أن نطلق ~~عليهما اسم «المعنى الأكبر » والمعنى الأصغر. فبالمعنى الأصغر يكون ~~السبب عنصرا في القانون؛ فهو الظاهرة السابقة التي لا بد «من ~~وجودها» لحدوث الظاهرة التي يدور حولها البحث، فسبب النزلة ~~الشعبية مثلا هو التعرض للبرد، أما بالمعنى الأكبر، فالسبب هو ~~عملية كيميائية تغير أنسجة الشعبتين أو الرئتين، وتؤدي إلى ~~الإكثار من جراثيم معينة، فتثار عندئذ مجموعة عمليات منعكسة تؤدي ~~إلى الحمى (وإن يكن الرأي لم يستقر بعد هذا التعليل). وبعبارة ~~أخرى، فالسبب بالمعنى الأصغر يقف في نفس مستوى الظاهرة المراد ~~تعليلها، وكل ما في الأمر يسبقها ويرتبط بها القانون أما بالمعنى ~~الأكبر، فهو يكمن وراء الظاهرة، وينتمي إلى مستوى من مستويات ~~الواقع أبعد غورا وأكثر خفاء، ولكنه أقرب إلى العقل. وهكذا نفهم ~~لماذا كانت المناطق القطبية تتمثل فيها تلك الظاهرة المزدوجة ~~ظاهرة «الليالي البيضاء» في التعامد (الاعتدال) الصيفي، وظاهرة ~~الليل ذي الساعات الأربع والعشرين، في التعامد (الاعتدال) الشتوي، ~~وهي ظواهر يعللها ميل المدار الشمسي نحو خط الاستواء. # ونقول بعبارة أخرى أن سبب الظاهرة بالمعنى الأصغر، هو إجابة عن ~~السؤال «كيف تحدث الظاهرة؟» وبالمعنى الأكبر. هو إجابة السؤال ms213 ~~«لم؟» وهو السؤال الحقيقي. # ولنوضح هذه الفكرة مرة ثانية بتعبير آخر فنقول إن السبب ~~(الأصغر) يتركنا في مستوى الظواهر أي «المحسوس»، والسبب «الأكبر» ~~يدفعنا إلى الدخول في ميدان «المعقول». وفي المثال الأخير الذي ~~عرضناه، كما في أمثلة أخرى عديدة تستمد من البحث الكوني ~~والفلكي، يكون الطابع العقلي رياضيا فحسب. وهو ينحصر كما كان ~~يقول أنصار فلسفة ديكارت في أن نستبدل بالشمس المحسوسة، التي تدفئ ~~وتضيء، والتي لا تزيد في حجمها عن حجم منزل يبعد عنا بضع فراسخ، ~~شمسا معقولة، رياضية خالصة، أكبر من الأرض بكثير وتقع على مسافة ~~هائلة منها، وليست في حقيقة الأمر حارة ولا مضيئة، وإنما تبعث ~~إشعاعات تختلف أطوال موجاتها، وتبعث فينا «إحساسا» بالحرارة ~~والضوء. # فتفسير ظاهرة ما، هو بيان سببها، والدخول، عن هذا الطريق إلى ما ~~أسماه أفلاطون «بالعالم المعقول». ولقد كان أفلاطون يقول إن ~~المعقول هو «الحقيقة» التي لا يعدو المحسوس أن يكون «مظهرا» لها. ~~أما المحدثون فيميلون إلى التعبير عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة بعض ~~الاختلاف مؤداها أن المعقول هو «التركيب الباطن» للمحسوس، وهو أساس ~~حقيقته. # النظريات العلمية هي تفسيرات عن طريق السبب # ظل العلماء، طوال ما يقرب من قرنين من الزمان (القرنين ~~الثامن عشر والتاسع عشر) يمتنعون عن التفسير بالسبب، ويقتصرون على ~~التفسير بالقانون. وهذا هو ما أسماه «أوجست كونت» بالوضعية. # 3 # فقد امتنع الفلاسفة عن الإجابة عن السؤال: لم؟ ولم ~~يسمحوا إلا بالإجابة عن السؤال: كيف؟ # وهاك السبب: فمن المعروف أن نيوتن قد كشف عن قانون الجاذبية ~~العامة في 1687م أي في السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر، وكان ~~في هذا الكشف أنموذج رائع للمنهج الرياضي في علم الطبيعة، # 4 # غير أن هذا الكشف ذاته كان يبعث في الأذهان سؤالا ~~ملحا هو: لماذا تتجاذب «كل» الأجسام تبعا لهذا القانون؟ ومن ~~أين اكتسبت المادة، إلى جانب صفاتها المعروفة والتي تبدو في نظرنا ~~معقولة تماما كالامتداد، والحركة أو القصور الذاتي، تلك القدرة ~~على الجذب من بعيد، وفي الحال؟ إنها قدرة عجيبة، تذكرنا ~~بالرغبة، وبالحب ms214 وتقرب المادة من الروح. ولقد أدرك نيوتن هذه ~~المشكلة بوضوح، ولكنه «أبى» أن يحلها، وهكذا كتب في «الاستنتاج ~~العام» الذي ختم به كتاب «المبادئ» يقول: «إنني لم أستطع الوصول ~~حتى الآن إلى استنتاج سبب صفات الجاذبية هذه من الظواهر، ولست ~~أود أن أخمن فروضا # hypotheses non ~~fingo # إذ إن كل ما لا يستنتج من الظواهر يعد ~~فروضا، والفروض ... لا مكان لها في الفلسفة التجريبية.» # 5 # ولنلاحظ أن نيوتن يقول: لم أستطع «حتى الآن». مما ~~يدل على أن المشكلة كان لها معنى في نظره، على أن تلاميذه ~~المباشرين وبخاصة «روجر كوتس # Roger ~~Cotes ~~»، ثم تلاميذه الأبعد من هؤلاء، وهم رجال ~~الموسوعة مثل (دالمبيير # D. ~~Alembert ~~) والأبعد من الآخرين (في القرن التاسع ~~عشر)، مثل أوجست كونت «والوضعيين» قد بالغوا كثيرا في تأكيد فكرة ~~نيوتن، فقالوا: إن المشكلة لا معنى لها، وليس لها وجود. فليس ثمة ~~سبب للجاذبية؛ بل هي خاصة أولى للمادة، وليس لهذا النوع من المشاكل ~~معنى علمي؛ فالعلم يستبعد الفروض، ولقد كان أوجست كونت ينهى ~~العلماء عن الخوض في النظريات المتعلقة بالتركيب الداخلي للمادة؛ ~~بل في النظريات المتعلقة بالتركيب الكيميائي للنجوم. # على أن العلم المعاصر، منذ نهاية القرن التاسع عشر، قد أحل ~~لنفسه كل هذه «المحرمات» واتخذ «النظريات» أساسا له. # والمقصود بالنظرية (وهي ما يسميه نيوتن «بالفرض») # 6 # تركيب علمي تتمثل فيه الخصائص الآتية: ~~(1) # أنها عامة؛ فهي تنتظم علما أو عدة علوم، كالطبيعة ~~والكيمياء بأسرها مثلا، أو علم الحياة بأكمله. ~~(2) # أنها أشبه بالمبدأ (وذلك هو معنى الكلمة اليونانية) الذي ~~تخرج منه سلسلة من القوانين. ~~(3) # أنها تأتي بمنهج للتفسير وللبحث. # 7 # وقد بدت هذه المسائل الثلاث كافية لمدرسة كاملة من العلماء ~~والفلاسفة المحدثين، تجمعهم النزعة الوضعية ~~( # positivistes ~~) أو كما يقال، ~~النزعة «الاسمية»، بدرجات متفاوتة. ففي رأي هؤلاء أن التقدم الذي ~~ننتقل به من القانون إلى النظرية ليس إلا تقدما في العرض، وفي ~~«التعبير» عن القوانين وليس تقدما في التفسير مطلقا فالقوانين ~~والنظريات صيغ ملائمة تشير إلى حقائق، ولها قيمة «التعريفات» ~~على ms215 نحو ما. وذلك هو الرأي الذي نجده لدى بيير دويم Pierre Duhem # 8 # وهنري بوانكاريه # H. Poincaré ~~. # 9 # ولكن وجهة النظر «الاسمية» لا تضفي على الدور التنظيمي للنظريات ~~في علم الطبيعة ما يستحقه من قيمة. فهذه النظريات تأتي أيضا بأساس ~~القانون، أو «بالسبب» كما قلنا من قبل. # وتقدم إلينا نظرية النسبية الخاصة والعامة سبب الجذب الذي لم يكن ~~نيوتن قد اهتدى إليه بعد. كما أن نظريات الانفصال # discontinuité # تعرفنا بالتركيب ~~الداخلي للمادة والطاقة. # نظرية النسبية الخاصة امتداد لمبدأ النسبية # سبق أن أوضحنا معنى النسبية في العلم، كما فحصنا فكرة النسبية ~~من قبل، فلنعد ذكر الجزء الثاني من مبدأ النسبية، وهو الجزء ~~الذي يهمنا وحده في هذا الصدد. ففي الملاحظة يجب أن نحسب حسابا ~~للملاحظ، وبعبارة أخرى فالملاحظة ترتبط بالملاحظ، وهي ترتبط بوجه ~~خاص بموقع مكان الملاحظ وحركته، ومكان الملاحظة بالنسبة إلينا ~~هو الأرض في كل الأحوال. # وليس بديهيا أن الذي يلاحظ وهو مرتبط بالأرض يستطيع أن يجري ~~نفس الأقيسة الفلكية التي يجريها ملاحظ يرتبط بكوكب آخر، إذ إن ~~هذين الملاحظين تدفعهما حركتان مختلفتان، فالواجب إذن أن ندرس عن ~~كثب كيف تؤثر حركتهما النسبية في ملاحظاتهما. # ولقد قلنا إن تطبيق الرياضيات على علم الطبيعة قد سمح بالتعبير ~~عن هذا الارتباط، وكان ذلك بصور عديدة: ففي حالات معينة. الملاحظة ~~ذاتها، ولكن في حالات أخرى - وهي التي تهمنا في هذا المقام - لم ~~يسمح هذا التطبيق إلا بالتنبؤ بالطريقة التي تبدو بها الظاهرة ~~الملاحظة لو تأملناها من مكان آخر للملاحظة. ويبدو هذا النوع من ~~التحديد في الإدراك الحسي ذاته. فعندما نرى مكعبا موضوعا على ~~منضدة، يمكننا أن نتكهن، بناء على مناهج هندسية خاصة، كيف سيراه ~~جار يوجد في وضع بعيد، أو في مكان يرسم زاوية قائمة مع مكاننا. ~~وفي الفلك، تسمح الرياضيات بتصور السماء كما يشاهدها أحد سكان ~~المريخ أو عطارد. وبالاختصار، فإن فرض «كبرنك» ينحصر في أنه يستند ~~إلى الرياضيات لكي يؤكد أنه لو وجد في الشمس ساكن لرأي الكواكب، ~~ومنها الأرض تدور ms216 حول ذلك النجم في مدارات مغلقة بسيطة تماما، هي ~~دوائر كما يصفها «كبرنك» وبيضاويات كما يؤكد «كبلر» على نحو ~~أدق. # فمن الذي يكون على صواب، ~~ويرى الحقيقة خيرا من الآخر، ساكن الأرض أم ساكن الشمس؟ لقد تطور ~~موقف العلم في هذه المسألة. ففي وقت كبرنك وكبلر، كان العلماء من ~~أتباع كبرنك يقولون: إنه ساكن الشمس. على أن السبب الوحيد لقولهم ~~هذا هو أن رؤيته أبسط وأكثر إرضاء للذهن، ولم يكن لديهم أي برهان ~~آخر على هذا الرأي؛ بل لقد اضطروا في واقع الأمر إلى وضع مبدأ ~~يعبر عن استحالة إيجاد أي برهان آخر، هو مبدأ «القصور الذاتي # interite ~~». والتعبير الشائع عن هذا ~~المبدأ هو: الجسم الذي لا تعترضه أية قوة أخرى، فالتعبير الصحيح عن ~~مبدأ القصور الذاتي هو: الملاحظ الذي يتخذ له موقعا داخل نسق ~~معين، لا سبيل له إلى معرفة ما إذا كان النسق ساكنا أو متحركا ~~حركة مستقيمة مطردة، ويترتب على ذلك أن الملاحظ الذي يسكن الأرض ~~ليس ملزما بإدراك أن الأرض متحركة، # 10 # فهو إذن على حق حين يعدها ساكنة. ولكن جميع الملاحظين ~~الآخرين الذين ينتمون إلى الكواكب الأخرى، الشمسية منها والتابعة، ~~محقون بدورهم إذ يعدون أنفسهم ساكنين، ويؤكدون أن الأرض متحركة. ~~فينبغي أن نبحث في الرياضيات عن وسائل تحويل الوصف الذي يقدمه أحد ~~الملاحظين إلى لغة تعبر عما يمكن أن يراه ملاحظ آخر، وذلك مثلما ~~نحول التوقيت المحلي لمدينة باريس إلى التوقيت المحلي لمدينة ~~نيويورك. # فإذا ما سلمنا بهذا، كان لزاما علينا، وفقا لمبدأ القصور ~~الذاتي، أن نقول عندئذ إنه ليس هناك ملاحظ مميز، وليس هناك مكان ~~مطلق للملاحظة، أعني مكانا يرى فيه المرء المظاهر الحقيقية ~~للسماء. فجميع المظاهر لها أساس على الأقل، إن لم تكن كلها صحيحة، ~~وذلك وفقا لمبدأ القصور الذاتي نفسه. ذلك هو «مبدأ النسبية عند ~~نيوتن». # ولم يتيسر وضع هذا المبدأ إلا بعد تقدم ملحوظ في الرياضيات ~~ساعد على الترجمة المتبادلة للمظاهر التي تبدو لملاحظين مختلفين؛ ~~وهي الترجمة التي تبلغ حدا عظيما ms217 من الصعوبة. # غير أن جميع مفاهيم الحركة النسبية والمطردة، ومبدأ القصور ~~الذاتي، قد بنيت على تصور مكان مطلق وزمان مطلق. وهذه المفاهيم ~~هي التي ينبغي إعادة النظر فيها؛ لأنها لا تسمح بتفسير تجربة ~~فيزيائية تثير الدهشة، وهي تجربة ميكلسون ومورلي، التي لعبت دورا ~~حاسما في تطور العلم، وإنه لمن الغريب حقا أن يصبح لهذه ~~التجربة التي أجريت في علم الطبيعة، مثل هذا الأثر الهائل في ~~أفكارنا عن المكان والزمان. وفي نظرياتنا الفلكية والكونية. ~~(1) تجربة ميكلسون ومورلي # انتهى الأمر بنظريات ~~الضوء إلى الاستقرار على النظرية التموجية، التي تؤكد أن الضوء ~~«موجة»، أي أنه اهتزاز ينتشر في دوائر ذات مركز واحد هو مصدر ~~الضوء. ولكن، كما قال عالم إنجليزي بتعبير ساخر: لا بد من ~~فاعل لفعل «التموج»، أي من الضروري أن يحدد الفرض «ما الذي» ~~يتموج. وهكذا سلم الباحثون بأن الموجة هي اهتزاز ينتقل في ~~وسط سيال إلى أبعد حد، وغير مادي تقريبا، يسمى ~~«بالأثير» وهنا يعرض لنا سؤال: إذا ما صدرت إشارة ضوئية من ~~نقطة متحركة، فما مركز الكرة الذي ينبعث منه الضوء؟ أهو النقطة ~~المتحركة؟ أم هو مكان معين في الأثير كانت هذه النقطة فيه ~~عندما أطلقت الإشارة؟ يبدو أن الحكم السليم يدفع إلى الجواب ~~بأنه مكان معين في الأثير، ولكن هذه الإجابة تؤدي إلى النتيجة ~~التالية: عندئذ يمكن معرفة الحركة «المطلقة» للنقطة وقياسها؛ ~~لأن سرعة الضوء تزداد أو تنقص، بالنسبة إلى الملاحظ المرتبط ~~بالنقطة تبعا لمدى اقتراب الملاحظ من نقطة الأثير التي ~~انبعثت منها الإشارة، أو ابتعاده عنها. # على أن تجربة «ميكلسون» و«مورلي» قد أسفرت عن ضرورة التخلي ~~عن هذا الافتراض الذي يبدو طبيعيا تماما في نظر الذهن ~~المعتاد. ولقد أمكن تفسير النتيجة السلبية لهذه التجربة عن ~~طريق «مبدأ النسبية» الذي وضعه أينشتين، ألا وهو أن: أية تجربة ~~فيزيائية - سواء أكانت مغناطيسية كهربية أم ميكانيكية # 11 ~~- تجرى داخل إطار نسق من النوع المنسوب إلى ~~جاليليو (أي تتحرك فيه نقطة مادية حرة حركة مستقيمة مطردة، أو ~~تظل ساكنة) لا تسمح ms218 بتوضيح حركة هذا النسق بالنسبة إلى نسق ~~آخر من نفس النوع. ~~(2) فلنصف إذن تجربة ميكلسون ومورلي # مبدأ التجربة: لنفرض أن مصدرا للضوء م يبعث شعاعا ضوئيا ~~في الاتجاه م ع ويصادف هذا الشعاع في ع عدسة زجاجية مائلة ~~بزاوية قدرها 45 درجة على الاتجاه م ع، فيخترق جزء من الشعاع ~~العدسة ويواصل سيره في الاتجاه ع ك، وينعكس جزء آخر بزاوية ~~قائمة في الاتجاه ع ك، وفي ك، ك توضع مرآتان تعيدان الضوء ~~إلى ع. # فلنتأمل الجزء ع ز، وهو الجزء المخترق للعدسة من ك ع، ~~والجزء ع ز، وهو الجزء المنعكس على العدسة من ك ع. هذان ~~الجزآن. # يتطابقان أي أنهما يتداخلان ونتلقاهما في «جهاز لقياس ~~التداخل # interférométre ~~» يسمح ~~بملاحظة حافات الضوء المتداخلة # Franges ~~d’interférence # وبتحديد موضع هذه الحافات ~~بدقة، وقياس بعد كل منها. # وينظم طول الذراعين ع ك، ع ك في الجهاز بدقة، بحيث إن ~~الحافات تمثل إضافة للموجتين، وتبين بذلك أن المسارات ع ~~ك، ع ز، ع ك، ع ز تحدث في وقت واحد. # عندئذ يدار الجهاز ربع دورة في المستوى الأفقي ، بحيث إن ~~الفرع ع ك مثلا، الذي كان متجها من قبل من الجنوب إلى ~~الشمال، يصبح متجها من الشرق إلى الغرب، والعكس إلى الفرع ع ~~ك. # فما الذي يحدث في هذه الحالة؟ # لنفرض أن الأرض، وبالتالي الجهاز، ساكنة بالنسبة إلى ~~الأثير، أي ساكنة سكونا «مطلقا» عندئذ يظل المساران، بعد ~~تنظيمهما بحيث يحدثان في وقت واحد، مقترنين في الزمان، وتظل ~~الحافات الضوئية المتداخلة في نفس مواضعها. # ولكن، لنفرض على العكس من ذلك، أن الأرض والجهاز - كما تقول ~~نظرية «كبرنك» - متحركان، أي أن موقعهما بالنسبة إلى الأثير ~~يتغير، ولنفرض مثلا أن الأرض والجهاز يتحركان في اتجاه السهم ~~س. فخلال الوقت الذي يستغرقه الضوء ليسير من ع إلى ك، ثم من ك ~~إلى ع، تكون النقطة ع قد انتقلت بالنسبة إلى الأثير؛ فلا يكون ~~المسار الذي يقطعه في الأثير الشعاع الراجع إلى ع هو ع ك، ع، ~~وإنما ms219 ع # 1 # ك ع # 2 # بحيث تمثل النقطتان ع # 1 ~~، ~~ع # 2 # الموقعين اللذين يحتلهما ع في ~~الأثير في بداية ونهاية مسار الشعاع ويكون شكل الضوء الذي ~~يرسمه الأثير غير مطابق للشكل المادي للفرع ع ك في الجهاز. ~~فالثاني خط مستقيم، والأول مثلث متساوي الساقين ارتفاعه هو ~~هذا الفرع. # أما الشعاع ع ك، فيتقدم خلال هذا الوقت في اتجاه السهم، وإن ~~تكن حركته أسرع بكثير من الجهاز فيقابل المرآة ك على مسافة ~~«أبعد قليلا» في الأثير من تلك التي كان ينبغي أن يقابلها ~~فيها. وفي العودة يقابل ع في نهاية مسار «أقصر قليلا». # على أنه يتضح بالحساب أن المسار المتعامد على السهم ~~«يزداد تغيرا» بالنقلة عن المسار الآخر الذي يحدث في اتجاه ~~السهم. فلكي يصل الضوء من العدسة ع إلى المرآة ك ثم يعود، ~~يسير في طريق أطول منه حين يصل من القطعة ع إلى المرآة ك ~~ويعود، وذلك إذا افترضنا أن الذراعين متساويان «من الناحية ~~الهندسية». # وإذن، فإذا نظم الجهاز بحيث يقوم بربع دورة في الاتجاه ~~الأفقي، فإن عدم تساوي هذين الذراعين لن يعوض عدم تساوي ~~المسارين، ولن يستطيع المساران الاقتران في الزمان، ولن يعود ~~التداخل بعد ذلك بالطريقة السابقة. وهذا ما سوف يسجله جهاز ~~قياس التداخل. # فلنلخص هذه المناقشة: إذا كانت الأرض تتحرك بالنسبة إلى ~~الأثير تبعا لما يقضي به فرض كبرنك، فمن الواجب أن تكشف تجربة ~~ميكلسون ومورلي عن هذه الحركة بتغيير موضع خطوط الأشعة في كل ~~مرة يكون الجهاز فيها قد نظم بحيث يتفق الوقت بالنسبة إلى ~~اتجاه معين، ونجعل اتجاهه عموديا. # 12 # نتيجة التجربة: على أن التجربة # 13 # التي أجريت على هذا النحو لم تؤد أبدا إلى ~~تغير موضع الخطوط، وهكذا تجري الأمور كما لو كانت الأرض ~~ساكنة في الأثير. ولتفسير هذه النتيجة الغريبة جرب بعضهم ~~فرضا قديما جدا، وهو التقلص # ( # Cantraction ~~) الذي قال به ~~فتزجرالد # Fitzgerald # ولورنتز # Lorentz ~~. فالتجربة تخطئ بالقدر ~~المناسب الذي يؤدي إلى عدم إدراك تغير السرعة، والأدوات تتقلص ~~بهواء الأثير الذي ms220 تحدثه حركة الأرض. # ويكمل فرض تقلص الأطوال هذا فرض آخر هو تمدد الزمان؛ ~~فانكماش الأطوال وتمدد الزمان يبدوان نتيجتين لمعادلات لورنتز ~~التي سوف نتحدث عنها الآن. # التفسير الذي اقترحه أينشتين: غير أن «ألبرت أينشتين» # 14 # هو الذي تقدم، في مستهل هذا القرن، بتفسير ~~شامل بالمعنى الصحيح لهذه الفروض المختلفة، وذلك حين وضع ~~نظريته في «النسبية». ونقطة بداية هذه النظرية هي: من المحال ~~أن نفاضل، بوسائل فيزيائية، حتى لو كانت هذه الوسائل تجارب في ~~الضوء، بين ملاحظات يقوم بها ملاحظون يتحرك كل منهم بالنسبة ~~إلى الآخرين. بل الكل على حق. ولنعبر عن هذه الفكرة بالتعبير ~~الرائع الذي وصفها به الفلكي الإنجليزي جينز. فكل ملاحظ يجر ~~أثيره معه، وذلك شبيه تماما بمن يلاحظ قوس قزح، فإنه يرى ~~قوس قزحه الخاص ويجره معه. # وعلى هذا النحو يمكن الإبقاء على مبدأ النسبية، وفي الوقت ~~ذاته، تصبح الظواهر قائمة على أسس مشروعة، ولكن ذلك يفضي إلى ~~تعقيد هائل للصيغ الرياضية الخاصة بالميكانيكا التقليدية، مما ~~أوجب إدخال مناهج رياضية جديدة. # المفارقات الناجمة عن هذا التفسير: أدت هذه الآراء إلى ~~نتائج مفرطة في غرابتها، في نظر التفكير العادي، أهمها ما يلي: ~~(1) # نسبية التزامن # Relativite de la ~~simultaneite # نحن نقر بأن الحادثين ~~يكونان متزامنين إذا كانت الأشعة المضيئة التي تنبئ ~~عن وجودهما، والتي يفترض اتحاد طولها، تصل معا إلى ~~الملاحظ، على أن الحادثين المقرنين «في نظر» ملاحظ ~~معين، ليسا كذلك «في نظر» ملاحظ آخر بالنسبة إليه، إذ ~~إن أحدهما يذهب لمقابلة الضوء، أو يبتعد عنه، أما ~~الآخر فينتظره. ولقد كان الرأي القديم هو أن أحدهما ~~مخطئ والثاني مصيب، ولكن الحق أن كليهما على صواب ~~«فسرعة الضوء واحدة بالنسبة إلى الاثنين معا». ~~(2) # نسبية ~~المسافة: إن قياس المسافة يفترض التزامن، لأن قياس ~~مسافة ما، هو العمل على انطباق طول «محدد من قبل» ~~على طول «معطى لنا». على أن هذا يفترض أنه متى انطبق ~~الطولان في طرف فإنما ينطبقان في الأطرف الأخرى في ~~نفس اللحظة، وإذن فالمسافة نسبية هي الأخرى باعتبار ms221 ~~الملاحظين، وذلك على الأقل بالنسبة إلى المسافة ~~«الطولية» أي في اتجاه حركتهما النسبية، فالموضوع إذن ~~يتغير شكله بالنسبة إلى الملاحظ الذي يراه من مركز ~~خارجي، وينكمش في نظره في اتجاه الطول. وهكذا نهتدي ~~مرة أخرى إلى التقلص الذي قال به فتزجرالد ولورنز، ~~في صورة «المظهر الذي يبدو للملاحظ الخارجي». ~~(3) # نسبية الزمان. نظرية «الزمان المحلي»: ليس موضوع ~~بحثنا هذا هو ما يسميه الفلاسفة بالزمان، وإنما هو ~~الزمان الذي يقيسه علماء الفيزياء. هذا «الزمان ~~الفيزيائي» يقاس بوساطة «الساعات» في علاقتها بظواهر ~~محددة بدقة (كحركات، الأفلاك، واهتزازات ضوء ذي لون ~~واحد). فكل «ساعة» تتخذ الثانية مثلا وحدة ~~زمانية، والثانية هي الوقت الذي يعبر فيه الضوء ~~300000 كيلو متر. ولما كانت المسافة نسبية باعتبار ~~الملاحظين، فإن الثانية نسبية هي الأخرى، فعندما يكون ~~أحد الملاحظين متحركا بالنسبة إلى الآخر، فإن الثانية ~~التي يعترف بها تبدو أطول من اللازم في نظر الملاحظ ~~الآخر. ولما أراد لانجفان # Langevin # أن يبين إلى ~~أي مدى يستطيع البحث النظري الاستمرار في هذه ~~المسألة، اقترح مثلا غريبا، أصبح فيما بعد مثلا ~~مشهورا؛ فالمسافر الذي يغادر الأرض في قذيفة سرعتها ~~29975 كيلو مترا في الثانية، ويقفز في طريقه ~~بعيدا، ثم يعود بعد سنتين، يجد أن الأرض قد انقضى من ~~عمرها مائتا عام. # 15 ~~(4) # نسبية السرعات: وهي نتيجة لنسبية الزمان، ~~فالملاحون المختلفون لا يقيسون الزمان بطريقة ~~واحدة، ولا يحددون للسرعات نفس القيمة. وهذا يؤدي ~~إلى هدم دعائم الميكانيكا بأسرها، إذ إنه عندما ~~يؤلف المرء بين السرعات، فإن تقديرها لا يكون راجعا ~~إلى ملاحظ واحد، فالصائد بالسنارة يقدر سرعة ~~السفينة بالنسبة إلى الشاطئ، والملاح يقدر سرعة ~~البحارة بالنسبة إلى السفينة التي يظل الملاح ساكنا ~~عليها، ويعيد الصياد تقدير النتائج من جديد فيعمل ~~على إحداث «نقصان» فيها؛ إذ لما كان الملاح متحركا ~~بالنسبة إليه، فإنه يبدو له أن ساعته أكثر بطئا مما ~~ينبغي، أي أنه يغلو في تقدير السرعة، ويزداد مقدار ~~النقصان الذي يفرض عليه بازدياد سرعة السفينة. ~~(5) # تغير الكتلة مع السرعة: لنفرض أن عاملا ms222 ثابتا من ~~عوامل العجلة قد أثر في كتلة ما. عندئذ تضاف سرعة ~~ثابتة إلى هذه الكتلة في نهاية كل وحدة زمنية، ولكن، ~~نتيجة لما قلناه منذ برهة يصبح الناتج في كل مرة ~~أقل من مجموعات السرعات (والحساب يثبت أنه يزداد قلة ~~بالتدريج). وتضعف عجلة السرعة # accélération # بالتدريج، ويثبت الحساب أنها تنعدم تماما عندما ~~نصل إلى سرعة الضوء. على أن كتلة الجسم هي سبب نقصان ~~السرعة التي تعطى له. ومن هنا كانت هذه الكتلة تتزايد ~~مع السرعة، وتصبح لا نهائية عندما يبلغ الجسم سرعة الضوء. # 16 # ولنقدم هنا إلى القراء الذين اعتادوا البحوث الرياضية، ~~ما يقابل هذه النتائج المتعاقبة للنسبية من تعبيرات ~~جبرية. # فلنفرض حادثا تحدده أربعة إحداثيات س، ص، ك، ل، وذلك ~~تبعا لنظام معين في الإشارة، ولنفرض أن إحداثياته الجديدة ~~س ص ك ل، في نظام آخر متحرك على طول المحور س للنسق ~~الأول بالسرعة ع، هذه الإحداثيات تحدد بوساطة مجموعة ذات ~~أربعة معادلات، ويطلق اسم «مجموعة جاليليو» على هذه المعادلات ~~كما كانت تصاغ قبل نظرية النسبية بينما يطلق اسم مجموعة ~~لورنز على صورتها الجديدة. # وفضلا عن ذلك، فبينما نجد في نظام جاليليو أن السرعة ~~الناتجة هي الحاصل الموجه # Somme ~~vectorielle # للسرعات المكونة # نجد في نظام لورنز أن السرعة الناتجة هي: # 17 # نظرية النسبية الخاصة تثبتها التجربة، كما ينبغي أن يحدث في ~~كل نظرية # تبلغ النظريات حدا من العموم ومن البعد عن الوقائع قد يؤدي ~~بالمرء إلى الظن بأنها لم تعد خاضعة للإثبات التجريبي. غير أن ~~هذا خطأ، فالنظريات تجريبية شأنها في ذلك شأن القوانين، أي أنها ~~تخضع للتجريب. وهذا ما يضفي عليها طابعها العلمي، وينبغي أن تتخذ ~~صورة من شأنها أن يكون من الممكن تصور وجود ظاهرة واحدة تستطيع ~~تكذيبها. وبعبارة أخرى، يجب ألا تتشكل بصورة من شأنها أن تكذب ~~مقدما الظواهر المضادة لها، وتلك إحدى الصفات التي تميزها من ~~المعتقدات الخرافية، إذ إن الخرافة تتمثل دائما على صورة من ~~شأنها، إذا ما كذبتها التجربة، أن نستشهد باستثناء ms223 مفهوم ضمنا، ~~أو بسوء فهم يقضي على تفنيد الواقع لها؛ فالعدد 13 مثلا يجلب ~~الحظ السيئ، ولكنه قد يجلب حظا سعيدا في بعض الظروف التي لا ~~تحدد بدقة، وقد توجد حركات أو طقوس غير محددة تسمح بالتغلب ~~على شؤمه. غير أن الأمر ليس كذلك في النظرية العلمية، فلا بد أن ~~يكون في وسع المرء أن يتصور مقدما تجربة تخطئها على نحو ~~قاطع. وذلك ما يعنيه «شوستر # Schuster # بكلمته التي اقتبسها ~~الكيميائي ديكلو # Duclaux ~~» إن ~~النظرية لا تساوي شيئا إذا عجز المرء عن إثبات فسادها. # 18 # فإذا كانت نظرية الزمان المحلي صحيحة، وإذا كانت الأشعة المضيئة ~~هي ساعات، فلا بد أن الضوء الآتي من نجم يتمثل فيه الفرق بين ~~الزمان المحلي للنجم والزمان المحلي للأرض، وذلك عن طريق تغيير ~~طفيف في ذبذبته. ويجب التعبير عن هذا التغيير بوساطة «تغير موضع ~~الخطوط الضوئية» التي تكون طيف هذا الضوء. ولقد أمكن ملاحظة هذا ~~التغيير وحسابه، والاهتداء إليه طبقا لما تقول به النظرية ~~النسبية. # وإذا كانت الكتلة تزداد مع السرعة فلا بد أن يلاحظ ازدياد في ~~الكتلة عندما تصبح السرعات مرتفعة بالمقدار الكافي، على أن الأمر ~~قد انتهى بالتجربة إلى إعطائنا سرعات عظيمة إلى حد أنه يمكن ~~التحقق منها؛ فالأشعة السالبة # Cathodiques # وأشعة بيتا # B # في الأجسام ذات الطاقة الإشعاعية ~~هي جزيئات مادية. وقد أمكن قياس سرعتها، فإذا بها من 1000 إلى ~~50000كم في الثانية. وهكذا أمكن قياس كتلتها وتبين أنها تزداد مع ~~سرعتها وفقا لما تقول به نظرية النسبية. # وإذا كانت الميكانيكا الجديدة، التي نشأت عن نظرية النسبية ~~صحيحة، فإن السرعة الناتجة عن جذب جسم يجب ألا تكون معادلة للحاصل ~~الجبري لسرعة الجسم وسرعة الجذب؛ بل هي أقل من هذا الحاصل بمقدار ~~يمكن حسابه، وبالفعل استخدم كل من «فيزو # Fizeau ~~» (1819-1896م) ومن بعده ~~زيمان # Zeeman ~~(المولود في 1865م) # 19 # طريقة تجريبية لتحديد سرعة الضوء في الماء المتحرك، ~~وكشفا عن هذا الأمر العجيب؛ فهذه السرعة تظل أقل من سرعة الضوء، ~~في الماء مضافا إليها ms224 بالحساب الجبري سرعة التيار. وتفسر نظرية ~~النسبية الفارق القريب الذي نلاحظه تفسيرا دقيقا. # ففي وسعنا القول إذن بأن نظرية النسبية الخاصة قد حققت ~~تجريبيا. # نظرية النسبية العامة، وهي تطبيق النظرية ~~السابقة على حركات الجذب، تفسر ~~الثقل # لم تكن الصورة الأولى لنظرية النسبية الخاصة تصدق إلا على حيز ~~محدود من الظواهر (والمقصود بالخاصة، أنها تختص فقط بدراسة الحركات ~~المطردة التي تسير في خط مستقيم). وفي 1916م تقدم أينشتين ~~بنظرية «النسبية العامة» التي تنطبق على كل الحركات أيا كان ~~مسقطها وعجلتها. # ومن المبادئ الأساسية للنسبية العامة، مبدأ التكافؤ بين أي مجال ~~للجاذبية وأي مجال للقوة راجع إلى حركة ذات عجلة. وقد صاغ ~~«أينشتين» هذا المبدأ عندما تأمل المعنى المزدوج لكلمة الكتلة. ~~ففي حالات معينة ينظر إلى الكتلة على أنها معامل للجذب (الكتلة ~~ذات الثقل)، وفي حالات أخرى على أنها معامل للقصور الذاتي # inertie ~~(الكتلة ذات القصور الذاتي # masse inerte ~~). # وفي الحالة الأولى تربط المفاهيم الأساسية بالعلاقات ~~الآتية: # القوة = الكتلة ذات الثقل × كثافة مجال الثقل. # وفي الحالة الثانية، تربط بالعلاقة الآتية: # القوة = الكتلة ذات القصور الذاتي × العجلة. # وبمقارنة هذين التعبيرين عن القوة، نصل مباشرة إلى العلاقة ~~الآتية: # العجلة = ~~× كثافة حدة المجال. # ولكن التجربة تثبت أن عجلة الجسم، في مجال الثقل الواحد، لا ~~تتوقف على طبيعته (وهذا ما يعبر عنه القانون المعروف، القائل إن كل ~~الأجسام تسقط في الفراغ بسرعة واحدة) فلا بد إذن أن تكون: العلاقة ~~بين # علاقة ثابتة مستقلة عن طبيعة الجسم. فإذا ~~اخترنا الوحدات الطبيعية بحيث تكون هذه العلاقة مساوية لواحد ~~صحيح، أمكن القول بأن الكتلة ذات الثقل تساوي الكتلة ذات القصور ~~الذاتي. # ومن هنا، فما دامت ~~= 1، ففي وسعنا أن نصوع العلاقة التصويرية ~~الآتية: # العجلة = كثافة المجال. # وقد لاحظ علم الفيزياء التقليدي منذ عهد بعيد تكافؤ الكتلة ذات ~~الثقل مع الكتلة ذات القصور الذاتي، ولكنه اكتفى «بتسجيل» هذا ~~التكافؤ دون «تفسيره» على حد تعبير جان بكرل # Jean ~~Becquerel ~~، وهاك التفسير الذي تقول به نظرية ~~النسبية العامة: إن الصفة الواحدة للجسم تبدو، ms225 تبعا للظروف، إما ~~على صورة قصور ذاتي، وإما على صورة ثقل. وبعبارة أخرى فقوة ~~الجاذبية هي قوة قصور ذاتي. # ولقد ضرب أينشتين نفسه مثلا يقرب إلى ذهننا هذا التكافؤ بين ~~الجاذبية والقصور الذاتي. فلنتصور حجرة منعزلة، ساكنة بالنسبة إلى ~~المكان المحيط بها، ولنفرض أن هذا المكان قد خلا من كل مادة، إلى ~~حد لم يعد فيه أي أثر للجاذبية. عندئذ لن تكون هناك قوة للجذب. ~~وفي هذه الحجرة يوجد عالم يقوم بالتجربة ومعه أجهزته، ولنفرض أن ~~هذه الحجرة قد جذبت إلى أعلى بقوة ثابتة. عندئذ نقذف الأشياء ~~التي تحتوي عليها الغرفة (التي كانت متوازنة من قبل في أي موضع، ~~ما دامت لا تخضع لأي تأثير من الثقل) نحو أرضية الحجرة بعجلة ~~ثابتة، فكيف يفسر القائم بالتجربة هذه الملاحظات؟ # قد يعتقد أن الحجرة تخضع لعجلة مطردة موجهة إلى أعلى، مما ~~يفسر سقوطه نحو أرض الحجرة بعجلة مطردة. # ولكنه قد يعتقد أيضا أن الحجرة لا تزال ساكنة، وأن الأشياء هي ~~التي أصبحت تخضع فجأة لمجال جاذبية. # هذان التفسيران الممكنان يثبتان تكافؤ التعليلين. وتتوقف ~~المسألة كلها على نظام الإشارة الذي نختاره لفهم الظاهرة. # فإذا كانت التغيرات في طريقة إرجاع الظواهر إلى نظم الإشارة تؤدي ~~إلى تفسيرات تبلغ هذا القدر من الاختلاف، أدركنا دون عناء أنه قد ~~أصبح من الضروري أن نتأمل عن كثب القوانين الرياضية التي تعبر ~~عن تغير الأساس الذي نعتمد عليه من الوجهة المكانية ~~والزمانية. # وعندئذ يجب أن نفترض أن المكان الزماني ليس في كل الأحوال ~~إقليديا، وأنه يعبر عن خط منحن تجاه كتل المادة. ومن هنا ~~كانت الهندسة التي تعرض النظرية النسبية بوضوح هي هندسة المكان ~~اللاإقليدي، وأعني به مكان «ريمان # ruemann ~~» تكون لدى المرء فكرة عن مكان «ريمان» هذا ~~إذا ما تخلى في دراسة هندسة السطح الكروي عن كل مقياس يخرج عن ~~السطح ذاته. # في هذا المكان الزماني الذي وصفه «ريمان» لا يسير شعاع الضوء في ~~خط مستقيم؛ بل يسير في خط يسميه علماء الرياضة «خطا مساحيا # géodésique ~~» والخط ms226 المستقيم هو ~~الخط المساحي في مكان بلا منحنيات (أي في المكان ~~الإقليدي). # وفي عام 1919م عند حدوث كسوف كلي للشمس، سنحت الفرصة للتحقق ~~من هذه الظاهرة الأخيرة؛ فقد أخذت صور للسماء تبين فيها أن ~~النجوم التي تمر إشعاعاتها بحافة الشمس تعطي على اللوحة ~~الفوتوغرافية صورا يبعد موقعها قليلا عن المكان المرسوم في ~~خريطة السماء. وكان الانحراف ضئيلا ولكن كان مطابقا لما قال به ~~أينشتين. # وجاء تأييد آخر لنظرية النسبية العامة لأينشتين من جانب علم ~~الفلك. فلقد كان علماء الفلك يلاحظون أن الكوكب عطارد لا يسير في ~~مدار بيضاوي تماما، كما يقضي قانون الجاذبية الذي وضعه نيوتن. فقد ~~كانت قمة الشكل البيضاوي، المسماة بنقطة القرب من الشمس # périhelie # تتقدم في كل دورة ~~تقدما طفيفا. ولقد كان تقدم قمة عطارد موضوعا لدراسات عديدة، ~~وكان لوفرييه # Le Verrier # أحد من ~~تصدوا لبحث هذا الموضوع، فكتب في عام 1845م يقول: «لم يتطلب ~~كوكب آخر من الاهتمام ومن العناء ما تطلبه عطارد، ولم يكافئ ~~كوكب آخر الباحثين على اهتمامهم وعنائهم بذلك القدر من الحيرة ~~والقلق، الذي كافأهم به عطارد.» ولقد أخذ لوفرييه على عاتقه القيام ~~بحسابات مطولة ليحدد موقع كوكب جديد افترض وجوده ليفسر انحرافات ~~حركة عطارد، وبذلك كان يأمل أن يكرر التنبؤ الذي جلب له شهرة ~~عندما كشف عن الكوكب نبتون. # ولكن لم توجد أية ملاحظة تحقق تنبؤات لوفرييه على الإطلاق، ~~ولا شك في أن هذا «الإخفاق» خليق بأن يلفت انتباه الفيلسوف، فها ~~نحن أولاء نرى منهج التفسير ينجح تارة ويخفق تارة أخرى، وذلك في ~~ظروف تبدو متساوية تماما. # وبعد هذا الإخفاق حاول بعض العلماء إدخال تعديل طفيف على قانون ~~الجاذبية الكونية القائل بالتناسب العكسي مع مربع المسافات، ومع ~~ذلك لم يتفق هذا التعديل مع الملاحظات اتفاقا كاملا. # ولما عدلت النسبية العامة قانون نيوتن تعديلا أساسيا ~~استطاعت إثبات شذوذ عطارد. # ومع ذلك ينبغي أن ننبه الأذهان إلى أن البرهانين اللذين ~~أتينا بهما الآن يتعلقان بظواهر تبلغ من الضعف حدا يجعلنا نشك ~~في إمكان الحصول ms227 على تفسير آخر لها. # 20 # وأيا كان الأمر، فليس لأحد أن يغفل عن مذاهب النسبية العامة ~~تتمثل في أفق عقلاني جديد. فإذا جعلنا التنظيم العقلي لعلم الفلك ~~لدى «نيوتن» نقطة بدء لنا انتهينا إلى تحديد القيم العلمية على ~~مرحلتين: ~~(1) # في المرحلة الأولى يؤيد المرء مذهبا عقليا بسيطا ~~يحدد القوانين الأساسية خلال مدارات بيضاوية (وهي صور ~~للهندسة الأولية). ~~(2) # وعند التطبيق، يستعين المرء بفكرة الانحراف، لكي يعلل ~~وجود فرق طفيف بين القانون الأساسي والملاحظة. # أما إذا بدأنا بالتنظيم العقلي للنسبية، فإنا ننتهي مباشرة ~~إلى الصورة المعقدة للقانون، فلا نهتدي إلى قوانين نيوتن البسيطة ~~إلا في المرحلة الثانية، وعلى سبيل التبسيط، وعندئذ ينظر إلى ~~هذه القوانين كما لو كانت صورا متدهورة للقانون المعقد. # ويبدو أن الفارق بين الانحرافات وضروب التدهور هو فارق في ~~التوجيه بالنسبة إلى فلسفة الروح العلمية، وهذا موضوع سنعود إليه ~~في ختام الفصل التالي. # وهناك ظاهرة ثالثة فسرتها النسبية أيضا، وهي تحول ألوان الطيف ~~التي تبعثها النجوم البعيدة إلى اللون الأحمر. # فقد أدى هذا التحول إلى ظهور آراء غريبة في مجال الكونيات؛ إذ ~~تبين أن هذه الظاهرة، التي لوحظت أولا في أشعة مضيئة يبعثها ~~«رفيق سيريوس # Sirius ~~» وهو نجم ~~مجاور لسيريوس ويدور حوله)، يمكن ملاحظتها بالنسبة إلى كل سديم، ~~وأنها تزداد أهمية كلما ازداد السديم بعدا. وفي هذه الحالة تكون ~~ظاهرة تحول ألوان الطيف إلى الأحمر «ظاهرة مكبرة» وتصبح الألوان ~~فوق البنفسجية ألوانا زرقاء. # ولما كانت كل السدم البعيدة تتمثل فيها هذه الظاهرة ~~الطيفية، فلا بد من الاعتراف بأن كل السدم البعيدة تتباعد عن ~~الأرض. وإذن فالكون يكبر بلا انقطاع. وتلك هي الفكرة المعروفة باسم ~~الكون المتزايد في امتداده، ولقد كان أول من توسع في تحديد الصيغ ~~الرياضية لهذه الفكرة هو الفلكي الإنجليزي «إدنجتن»، ثم توسع فيها ~~من بعده البلجيكي الأب لومتر # Lemaitre ~~. # وسرعان ما ظهرت فروض أخرى حول تركيب الكون، ولكن يجب أن نلاحظ ~~أنها تنطوي جميعا على عمليات رياضية معقدة، وإذا لم يتذكر المرء ~~أن الصورة التي نكونها ms228 عن الكون إنما هي تعبير عن آراء رياضية ~~شيدت بدقة عظيمة، ورتبت فيما بينها بإحكام هائل. كان في هذا ~~ما يهدد بضياع قيمة هذه الصورة. # ومع ذلك فلزام علينا أن ننبه إلى أن هذه النظريات وإن كانت ~~محكمة الترابط في ذاتها، إلا أنها متعددة، وإن كثرتها وتباينها ~~لكفيلان بأن ينبها الفيلسوف إلى أن يقف منها موقف الحذر، فلا ~~ينسب إليها حقيقة نهائية. والحق أن تطور النظريات الكونية منذ نصف ~~قرن يثبت بوضوح كاف أن هذه النظريات تمثل آراء تركيبية يلخص بها ~~العالم معرفة عصر ما. # الفصل الحادي عشر # | النظريات الحالية في العلوم الفيزيائية # تطور المذهب الذري - ميكانيكا الكم # الميكانيكا التموجية - الروح العلمية الجديدة # إذا تتبعنا تاريخ العلم، أمكننا أن ندرك الأهمية المتزايدة للدور ~~الذي تلعبه النظريات الفيزيائية. ولقد كانت النظرة القديمة إلى هذه ~~النظريات هي أنها مجرد «فروض» تمهد للبحث، أي هي إجراء مؤقت يساعد ~~على تنظيم التجارب. على أنها قد أخذت تندمج بالتدريج في التفكير ~~العلمي، إلى حد أنه لم يعد من الممكن فهم المعنى العميق للتجارب ~~المعملية دون إلمام بالنظريات العلمية. فينبغي إذن أن تسعى كل عقلية ~~فلسفية إلى إجادة فهم دور النظريات في العلوم الفيزيائية الحديثة. وتلك ~~مهمة عسيرة يجب أن يستعين أستاذ الفلسفة فيها بأستاذ علم ~~الفيزياء. # ولقد أخذنا على عاتقنا أن نلخص في هذا الفصل عدة نظريات هامة. ~~فإذا أحس القارئ، بصعوبة أقسام من هذا الفصل، فحسبه أن يقرأ الملخص ~~التالي. # فلنفحص أولا النظريات الخاصة بالذرة. إن فكرة الذرة فكرة موغلة في ~~القدم، ومن الضروري أن يكون كل فيلسوف قد عرفها في صورها التقليدية ~~(المذهب الذري عن ديمقريطس وأبيقور) وللقارئ أن يرجع أيضا إلى القصيدة ~~الشعرية الرائعة التي كتبها لوكريس في طبيعة الأشياء # de ~~rerum natura ~~. # يمكننا القول بأن النظرة الفلسفية المبدئية إلى الذرة لم تتغير حتى ~~ظهرت بحوث الكيميائي الإنجليزي دالتن # Dalton ~~. ولكن عندما جاء دالتن ~~(1766-1844م) أمكن تنظيم المذهب الذري بحيث يتسنى استخدامه في تفسير ~~الصلة الوثيقة المتبادلة بين مختلف الأجسام البسيطة في ms229 الكيمياء. وإذن ~~ففي مستهل القرن التاسع عشر، عبرت الكيمياء عن قوانين التركيب ~~الخاصة بهذه الأجسام، وبنت آراءها في ذلك على «الفرض الذري». وقد لخصنا ~~في هذه المسألة معلومات لا غنى عنها في فهم أقدم المذاهب الكيميائية. ~~لهذا لا ينطوي القسمان الثالث والرابع على صعوبة كبرى. ومن الممكن أن ~~نجد في هذين القسمين وحدهما صورة لما يسمى ب «النظرية ~~العلمية». # وسنرى بعد ذلك كيف تحولت هذه النظرية «الكيميائية» في العصر الحديث ~~إلى نظرية «في الفيزياء». وذلك ما يحدث في علم الفيزياء الذي يبحث في ~~«المنفصل» # physique du discontinu # وهو ~~العلم الذي يلجأ إلى فكرة «الجسيم» # corpuscule # بدلا من فكرة الذرة (القسم ~~السادس). فلقد اتضح أن الذرة الكيميائية مركبة؛ فهذه الذرة (التي كانت ~~تعد جزءا لا يتجزأ بحسب أصلها الاشتقاقي) تبدو تنظيما معقدا مكونا ~~من نواة ومجموعة من الإلكترونات. # ولقد قارن بعضهم الذرة بالنظام الشمسي، وتحدث عن الأنموذج الكوكبي، ~~الذي اقترحه «بور # Bohr ~~». (وهنا أيضا ~~يجد القارئ مثلا ثانيا لفكرة النظرية الفيزيائية) القسمان السابع ~~والثامن. # وبقية الفصل أكثر صعوبة؛ لأنه يتعرض للعلم المعاصر. وللقارئ ~~عندئذ أن يقتصر على متابعة الطريقة التي أدخلت بها الأفكار الجديدة ~~التي أحدثت انقلابا في علم الفيزياء، وينظر إلى هذه الأفكار على أنها ~~وقائع تاريخية. # كانت فكرة «حبيبة الطاقة # grain ~~d’énergie ~~» هي التي أدت أولا إلى القول بالانفصال؛ بل ~~إلى القول به في مجال مختلف تماما عن مجال الوجود، ما دامت الطاقة ~~فكرة ديناميكية في أساسها، وتتضمن تبعا لذلك فكرة تقدير العامل الزمني ~~(القسم التاسع). # ثم تأتي بعد ذلك فكرة «الفوتون # photon # حبيبة الطاقة المضيئة في ~~القسمين الحادي عشر والثاني عشر». # وتزداد الصعوبات بعد ذلك عندما يجد الفيلسوف لزاما عليه أن يفسر ~~«الميكانيكا التموجية» بأفكارها التي تثير الدهشة، وهي النظرية التي ~~اقترحها لوي دوبرليي # Lusi de Broglie # منذ ربع قرن من الزمان. ويبدو أن فكرة «النظرية» تتبدى عندئذ بكل ما ~~لها من أهمية. ولكن مثل هذه النظرة لا تنفصل عن صيغتها الرياضية. لذا ~~اقتصرنا على استخلاص أغرب جوانبها ms230 الفلسفية (القسم الثالث عشر). # وفي مقابل الميكانيكا التموجية ظهرت في الوقت ذاته ميكانيكا الكم # quantique ~~. التي بنيت على مبدأ ~~هيزنبرج # Heisenberg # هذا المبدأ المسمى ~~بمبدأ اللاتعين، أو «اللاحتمية # idetérminisme ~~»، فقد أثار كثيرا من ~~الجدل بين الفلاسفة. # ولقد حاولنا أن نبين على وجه الدقة مجال تطبيقه، ونشير إلى الأخطار ~~التي تنجم عن استنباط نتائجه الفلسفية التي تتجاوز نطاق الفيزياء ~~الذرية (القسم الرابع عشر). # وفي القسم الخامس عشر، الخاص بالنشاط الإشعاعي، يبدأ البحث باتخاذ ~~وجهة أخرى، ويستطيع القارئ أن يجد سلسلة جديدة من الأمثلة. فبعد أن ~~ننبه إلى ما أثاره كشف النشاط الإشعاعي في أواخر القرن التاسع عشر ~~(على يد بكرل # Becquerel # وبيير وماري ~~كوري) من دهشة، نقدم لمحة موجزة عن الفيزياء النووية (القسم السادس ~~عشر) وهو مجال جديد كل الجدة، يحقق به عالم الفيزياء «تغيرات» تحول ~~عنصرا كيميائيا إلى آخر؛ بل يخلق أجساما كيميائية جديدة: هي عناصر ~~ما بعد الأورانيوم # transuraniens ~~(القسم الثامن عشر). والطاقات التي تنطلق بتحطيم هذه النويات الجديدة ~~(وهذا التحطيم يسمى بالانشطار # fission ~~) لها قوة هائلة، ولتكن هي ~~الطاقة المستخدمة في القنبلة الذرية. # وفي ختام الفصل، حاولنا أن نوضح أن الظواهر التي بلغت هذا الحد من ~~الجدة، والنظريات التي بلغ تنظيمها هذا الحد من الإحكام، تقتضي فحصا ~~جديدا للمثل الأعلى الذي يوجه الروح العلمية، وتأكيدا «لقيم» ~~التفكير العلمي المعاصر. # المذهب الذري الفلسفي # من المفيد جدا أن نتتبع بإيجاز تاريخ المذهب الذري منذ المذهب ~~الذري الفلسفي حتى المذهب الذري المعاصر، مارين بالمرحلة الوسطى، ~~وهي المذهب الذري قبل العلمي. ونقول إن تتبع هذا التاريخ مفيد، ~~لأنه يطلعنا على تطور فكرة الفرض، ويحدد بدقة الدور الذي تؤديه ~~النظريات الكبرى في العلم الحديث. ومثل هذا التاريخ، إذا كتب في ~~العصر الحديث، فإنه يبين كيف ظهرت فكرة الذرة بالتدريج، وكيف ~~استخدمت في تفسير أكثر الظواهر تباينا: كالظواهر الكيميائية، ~~وظواهر علم الطبيعة، والكهرباء. وفي أيامنا هذه، ارتبطت الكيمياء ~~الذرية بفيزياء جسيمية # physique ~~corpusculaire ~~، وظهرت فكرة المنفصل # le discontinu # بالتدريج بوصفها ~~حقيقة عميقة توجد من ms231 وراء «الاتصال» البادي للظواهر. # ولكن إذا كان المجال لا يسمح لنا برواية تفاصيل هذا التاريخ، ~~فحسبنا هنا أن نشير إلى أهم مراحله. # ففي القرن الخامس قبل الميلاد، أكد الفيلسوف العبقري ديمقريطس ~~بصورة واضحة، انفصال أشكال الوجود، وكثرتها، فكل الظواهر في رأيه ~~ينبغي أن تفسر عن طريق فكرة جزيئات مادية تبلغ حدا هائلا من ~~الصغر، لا تتغير أشكالها ولا تتجزأ (ومن هنا كان اسم الذرة # atomos # أي الجزء الذي لا يتجزأ). ~~وجميع هذه الذرات تتحرك في فراغ مطلق. وعلى ذلك يكون الأساس ~~الوحيد لتفسير الظواهر هو الهندسة التي تبحث في الأشكال الذرية ~~والميكانيكية التي تبحث في حركاتها، وعلينا هنا أن نلاحظ أن فكرة ~~«الفراغ المطلق» ستظل على الدوام مرتبطة بالنظريات ~~الذرية. # ولنلاحظ أن المذهب الذري عند ديمقريطس هو صورة واضحة المعالم من ~~صور مذهب حتمية الظواهر. # واقتبس أبيقور (320-270ق.م.) هذه الفكرة، وأدخل عليها تغييرا ~~هاما؛ فقد عزا إلى الذرة قدرة على الانحراف دون أن تكون هناك ~~علة خارجية لانحرافها، ودون أن تصطدم الذرة بشيء، وقد أدى هذا ~~الانحراف ( # clinamen ~~) إلى إدخال نوع ~~من اللاحتمية على حتمية ديمقريطس. # وأخيرا عرض لوكريس (99-55ق.م.) في قصيدته الشعرية الرائعة: في ~~طبيعة الأشياء ( # de rerum natura ~~) ~~صورة عامة لفلسفة طبيعية تقوم على أساس مذهب أبيقور الذري. # المذهب الذري قبل العلمي # عندما عاد المذهب الذري إلى الظهور في العصور الحديثة على يد ~~جاسندي # Gassendi ~~(1592-1655م) وعلى ~~يد علماء الكيمياء في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان ظهوره ~~دائما على صورة ضروب من الحدس الهندسي نستطيع اليوم أن ندرك مبلغ ~~سذاجتها. والواقع أن المفكرين في ذلك الحين لم يكونوا يترددون في ~~أن ينسبوا إلى الذرة كل المدركات الحسية المباشرة، بحيث إن الصورة ~~الخاصة لذرات المادة تفسر إحساسات الذوق والرائحة واللون. وهكذا ~~قيل إن ذرة البرد مدببة، لأن البرد قارس، ويصف الكيميائي نيكولاس ~~ليميري # Nicolas Lémery ~~(1645-1715م) تأثير الأحماض في الأجسام القاعدية بأنه أشبه باختراق ~~الطرف المدبب في الأحماض لمسام القلويات. كذلك تصور الكيميائي ~~هومبرج # Homberg ~~(1652-1715م) حين ~~أراد ms232 أن يفسر تحول الزئبق إلى مسحوق زئبقي # cinabre ~~، أن الدقائق الكروية ~~للزئبق تتشقق بفعل النار، مثل قشرة «القسطل» وتختلط كل هذه ~~القشور المتشققة، حتى «يصبح الزئبق جافا كالحجر». # وهناك أمثلة عديدة للتفسيرات التي تلجأ إلى التشبيهات. ولا شك ~~في أنه ليس لمثل هذه التشبيهات أية قيمة علمية؛ بل إنها لا تصور ~~لنا الظواهر تصويرا جيدا. # المذهب الذري في الكيمياء # كان العالم الإنجليزي دالتن (1766-1844م) هو الذي استخلص ~~النتائج العلمية الدقيقة لفرض ديمقراطيس الخاص بالذرة التي لا ~~تتجزأ. فإذا سلمنا بأن لكل مادة كيميائية بسيطة ذرة خاصة، ومن ثم ~~فلها وزنها الخاص، فلا بد أن تتجمع الذرات المتعددة كيميائيا ~~تبعا لعلاقات محددة. وإذن فمن الممكن الوصول إلى براهين دقيقة عن ~~صحة الفرض القائل بالذرة وذلك بمقارنة مقاييس وزنية. # وهكذا ينقلنا دالتن إلى عصر يصبح فيه الحدس الفلسفي فرضا ~~علميا. # فلنعد إلى الأذهان إذن القوانين التي تبنى عليها الكيمياء ~~الحديثة، وهي القوانين التي لا يكون لأي تعليم للكيمياء معنى ~~بدونها: ~~(1) # قانون النسب المحددة (قانون بروست Proust ~~) ويؤكد أن كل تجمع ~~للذرات يتم في ظروف محددة بكل دقة. وهذا القانون هو ~~ذاته نتيجة لفكرة عدم انقسام الذرة. فإذا اتحد «مليار» من ~~ذرات جسم معين، بمليار «من ذرات جسم آخر»، فإن النسب ~~الوزنية تظل في هذه الحالة كما هي في حالة اتحاد ذرة من ~~الجسم الأول بذرة واحدة من الجسم الثاني. ~~(2) # قانون النسب الكثيرة: تثبت التجربة أن المادتين ~~الكيميائيتين يمكن أن تؤديا إلى نوعين متباينين من ~~التركيب، وفي هذه الحالة إذا وحدنا بين وزن معين في ~~إحدى المادتين وبين أوزان من المادة الأخرى التي تتجمع ~~من الأولى بصورة مختلفة، وصلنا إلى علاقات يعبر عنها ~~بحاصل ضرب للتجمع الأبسط. وهذه الصيغة التي تبدو مجردة في ~~الظاهر، تصبح عظيمة الوضوح إذا ما ترجمت إلى لغة الفرض ~~الذري. ففي الحالة الأولى، تتحد ذرة من المادة الثانية ~~بذرة من الأولى، وفي الحالة الثانية، تتحد ذرتان، أو ~~ثلاث ذرات، أو أربع ... من المادة الثانية، بذرة «واحدة» من ~~الأولى. # فإذا ms233 ما فكرنا مليا في هذا القانون الذي تقدمه ~~إلينا التجربة، اتضحت لنا فورا القيمة التفسيرية لفرض ~~علمي منتج. ~~(3) # قانون ريشتر # Richter ~~: ~~إذا اتحد جسمان، كل على حدة، مع جسم ثالث، فإن العلاقات ~~الوزنية التي يكشف عنها التحليل في الحالتين تمكن من ~~التعبير عن العلاقات الوزنية لتجمع هذين الجسمين. وهنا ~~أيضا نجد أن التعبير - الذي يبدو مجردا في ظاهره - عن ~~هذا القانون، قد اتضح من تلقاء ذاته إذا ما ترجم إلى لغة ~~الفرض الذري. # وعلى أساس هذه القوانين الثلاثة، يمكننا أن نعزو إلى كل من ~~العناصر عددا يسمى الوزن الذري. وبهذه الطريقة نحصل على قائمة من ~~الأعداد النسبية عن التجمعات، تبين العلاقات الوزنية التي تتحد ~~العناصر الكيميائية فيما بينها تبعا لها. # ولنؤكد هنا أن «الأوزان الذرية» التي نحصل عليها بهذه الطريقة ~~ليست في حقيقة الأمر «أوزانا»، وإنما هي «نسب» بين أوزان، أي هي ~~«أعداد مجردة». ومن المحقق أن من أكبر مظاهر التقدم التي ~~أحرزها العلم المعاصر، الانتقال من هذه الأعداد المجردة المعبرة عن ~~نسب، إلى أعداد عينية تعبر بالفعل عن «وزن» الذرات. # فرض أفوجادرو # Avogadro # ونقطة البدء في هذا النجاح الكبير ترجع إلى الفرض الجريء الذي ~~تقدم به عالم إيطالي في مستهل القرن التاسع عشر. فقد أعجب ~~أفوجادرو بما تتسم به القوانين التي وضعها جيه لوساك # Gay-Lussac # عن تجمعات «أحجام» ~~الأجسام في صورتها الغازية من بساطة هائلة. فبدلا من العلاقة ~~الوزنية المعقدة: 1 إلى 35,5، وهي العلاقة التي تعبر عن اتحاد ~~الهيدروجين بالكلور، وجد «جيه لوساك» أن لترا واحدا من ~~الهيدروجين يتحد بلتر واحد من الكلور، فيؤدي ذلك إلى تكوين ~~لترين من حامض الكلور هيدريك. # ولما فكر «أفوجادرو» في هذه البساطة، صاغ فرضه على النحو ~~التالي: «إن الفرض الذي يخطر بالذهن أولا، بل الذي يبدو أنه هو ~~وحده المقبول، هو أن عدد الجزيئات المتكاملة في الغازات يظل ~~دائما دون تغيير إذا تساوى الحجم». # وهكذا لا تكون للخواص الكيميائية التي تتميز بها الجزئيات ~~الغازية أية أهمية في فرض «أفوجادرو». ويمكن القول بأن ms234 هذا الفرض ~~ينتمي إلى مجال علم الطبيعة لا الكيمياء، على أن العلاقة بين ~~الكيمياء وعلم الطبيعة قد تحددت عن طريق فكرة تبعث الحيرة في ~~معظم الأحيان في نفوس المبتدئين، وهي فكرة «الجرام الجزيئي # Molécule-gramme # فحجم الجرام ~~الجزيئي هو الذي يشغله وزن م معبرا عنه بالجرامات، على اعتبار أن ~~م هي ذاتها الوزن الجزيئي؛ وهو بالنسبة إلى كل الأجسام 22 لترا ~~ونصف. # ومن الواجب أن يبذل كل ذهن فلسفي جهدا لفهم هذه المعاني التي ~~هي في حقيقتها معقدة، ولكنها تكون بالفعل الأساس الذي تبنى ~~عليه الثقافة العلمية الأولية. # ومن المعلوم بالطبع أن أفوجادرو لم يتصور، لا هو ولا معاصروه، ~~الوسائل الكفيلة بتحديد «عدد» الجزيئات التي يحتوي عليها حجم معين ~~من الغاز. فظل «قانون» أفوجادرو يستخدم طوال قرن بأكمله، على ~~أساس هذا «الفرض» الأوحد، القائل بأن أعداد الجزيئات تكون واحدة ~~بالنسبة إلى كل الأحجام المتساوية من الغازات المختلفة. # وتم هذا التحديد التجريبي العجيب لعدد الجزيئات التي يحتوي عليها ~~لتر من الغاز في مستهل هذا القرن عن طريق الجمع بين أساليب ~~طبيعية وكيميائية. وكان ذلك على يد العالم الفرنسي الكبير «جان ~~بيران # Jean Perrin ~~» (1870-1942م) ~~فبعد أن درس «جان بيران» ظواهر عظيمة التباين، مثل توازن المحاليل، ~~وزرقة السماء، والحركة البرونية، # 1 # وجد أن عدد الجزيئات التي يحتوي عليها جرام جزيئي يمكن ~~أن يحدد، بتقريب معقول، بالمقدار 60 × ~~10 # 22 # وأدت به دراسة الظواهر الأربع ~~عشرة التي قام بها إلى نتائج تعادل هذا المقدار نفسه. ولنذكر أن ~~عددا يوضع على صورة 10 # 22 ~~(أي عشرة أس ~~22) عدد لا يمكن تخيله. وهذه الصورة التي اختار وضع العدد بها ~~تمكن من فهمه، ولكنها لا تمكن من تخيله، وعلى ذلك فالعدد 60 ~~× 10 # 22 # يمثل عدد جزيئات الغاز التي ~~يحتوي عليها 22,4 لترا في ضغط 760سم، وفي درجة الصفر، وذلك هو ~~«عدد أفوجادرو». ويتدخل «عدد أفوجادرو » في تفسير ظواهر عديدة، ~~وهو كما يقول علماء الطبيعة في أيامنا هذه، من الثوابت ~~الشاملة. # وبقسمة الوزن الجزيئي، معبرا عنه بالجرام، ms235 على عدد أفوجادرو، ~~نحصل على الوزن الفعلي للجزيء الواحد، ومنه نحصل على وزن مختلف ~~الذرات. # وهكذا أصبح «فرض» أفوجادرو في خلال القرن التاسع عشر، «قانونا» ~~يستخدم في حل مسائل الكيمياء. وبتطبيق هذا القانون على تجارب ~~متعددة ومتنوعة، أمكن تحديد الوزن الحقيقي للذرة، بوصفه «حقيقة» ~~ملموسة، وذلك فيما بعد، أي في القرن العشرين. وهذا مظهر من أوضح ~~مظاهر النجاح الذي أحرزته «النزعة الواقعية» للعلم المعاصر. وسوف ~~نرى أن هذه النزعة الواقعية تزداد تأكدا عند دراستنا للفكرة ~~الحديثة عن الجسيم. # فكرة الجسيم # Corpuscule # اتخذت الفكرة العلمية عن الذرة، التي لعبت خلال القرن التاسع عشر ~~دورا متزايدا في الكيمياء، صورة جديدة بفضل جهود علماء الطبيعة. ~~والحق أن فكرة الذرة قد فرضت نفسها على تفسير الظواهر الكهربية، ~~وأدت إلى فكرة الجسميات الكهربية. # فلنستعرض إذن مختلف الجسيمات التي اهتدى إليها العلم المعاصر، ~~وبذلك نقدم عرضا موجزا «للفلسفة الجسمية» الجديدة. # الإلكترون: يبعث انطلاق الشحنات الكهربية في الفراغ أشعة سلبية، ~~وفي أواخر القرن التاسع عشر أثبت علماء عديدون، ومن بينهم «جان ~~بيران» أن هذه الأشعة هي انبعاثات من جسيمات محملة بشحنات كهربية ~~سالبة. وسميت هذه الجسيمات باسم «الإلكترونات». وعن طريق فكرة ~~الإلكترون تم إدخال فكرة الذرة في الكهرباء، ولقد أمكن تحديد ~~كتلة هذا الجسيم الكهربي وشحنته بدقة، وسوف تسنح لنا خلال هذا ~~الفصل فرص توضيح أهمية هذا الجسيم، وإدراك ما يؤديه من دور في ~~تقدم النظريات (الكيمياء الإلكترونية، الميكانيكا التموجية)، ~~وكذلك في أشد المستحدثات العلمية تباينا (كالخلايا الضوئية ~~الكهربية، وصمامات المذياع، والتليفزيون، والآلات الحاسبة). ولا شك ~~في أن العلم المعاصر المعروف باسم السيبرنطيقا # Cybernétique ~~، ما كان ليوجد لولا ~~العلم الإلكتروني. وهكذا أثبت الإلكترون وجوده بالفعل في ميدان ~~الصناعة، وهذا ما يتضح للمرء جليا إذا اطلع على مؤلف كتبه ~~أحد المهندسين واسمه زلبشتين # Zelbstein ~~، وهو التطبيقات الصناعية ~~للمقاييس الإلكترونية». # 2 # ولكن، لنعد إلى عرض الجسيمات الجديدة في علم الطبيعة واحدا بعد ~~آخر. # البروتون: لم يستغرق العلم زمنا طويلا في البرهنة على أن ~~الإلكترونية جسيم يدخل في تركيب المادة، ms236 فكل الذرات الكيميائية ~~تحتوي على إلكترونات، ولكن الذرات الكيميائية متعادلة من الوجهة ~~الكهربية، فلا بد إذن أن هناك جسيما آخر «يعوض» الطابع السلبي ~~للإلكترون، ذلك الجسيم الآخر المشحون بطاقة موجبة هو ~~البروتون. # ولقد كان يظن أولا أن البروتونات هي المكونات الحقيقية لكل ~~الذرات الكيمائية، وهذا ما يعبر عنه بالقول بأن المادة ذات طبيعة ~~كهربية في أساسها. # وعن طريق هذه الجسيمات توصل العلماء إلى مذهب ذري أعمق. فلم ~~تعد ذرات الكيميائي «أجزاء لا تتجزأ» بالمعنى الصحيح. بل إن ~~الأساليب التكنيكية الكهربائية استطاعت تحطيم ذرات الكيمياء. وهنا ~~يجب أن نحذر من الفكرة التي تخطر بسهولة على الأذهان، والقائلة ~~بأن هناك وسائل أخرى تستطيع تحطيم الإلكترونات والبروتونات ~~بدورها، فليس أبعد عن الفلسفة العلمية السليمة من استخدام الخيال ~~لاستباق الشروط الفعلية التي تثبت فيها صلاحية العلم. # وأكثر من ذلك، فإن فكرة الإلكترون لم تتعارض مع معارف علماء ~~الكيمياء؛ بل كانت على العكس من ذلك سببا في ازدهار الكيمياء ~~ازدهارا ملحوظا، ولكي نعطي القارئ فكرة عن تعاون علمي الطبيعة ~~والكيمياء المعاصرين، ينبغي علينا أن نرجع خطوة إلى الوراء، ونعرض ~~بسرعة لأحد الآراء التركيبية الكبرى عند مجموع الظواهر ~~الكيميائية. # قائمة مندليف # منذ بداية عهد الكيمياء الكلاسيكية في القرن التاسع عشر، حاول ~~«فوركروا # Fourcroy ~~» وتينار # Thénard # ثم «ديما # Dumas ~~» في 1828م أن يصنفوا العناصر ~~الكيميائية إلى عائلات غير أن تصنيفاتهم أضفت أهمية مفرطة على ~~خصائص خاصة، إلى أن جاء كيميائي روسي، هو مندليف # Mendéléeff # فاقترح في سنة 1869م ~~تصنيفا منهجيا مبنيا على فكرتين أساسيتين: الوزن الذري، ~~والتكافؤ الكيميائي؛ فالأوزان الذرية تزداد منذ الهيدروجين (ووزنه ~~الذري 1008) حتى الأورانيوم (ووزنه الذري 23707)، أما من حيث ~~التكافؤ الكيميائي فإن هذا العدد يتكرر ظهوره دوريا إذا ما ~~سرنا حسب ترتيب الأوزان الذرية. وهكذا رسم «مندليف» قائمة مربعة ~~صنف فيها كل العناصر الكيميائية المعروفة في زمنه إلى سطور ~~وأعمدة، بحيث توضح الأعمدة العناصر ذات التكافؤ الواحد (وبالتالي ~~ذات الخواص الكيميائية المتقاربة). # على أن مندليف لما أراد الوصول إلى تحديد أعمدة تنتمي إلى عائلة ms237 ~~كيميائية واحدة على هذا النحو، اضطر إلى ترك «خانات» خالية، بل ~~اضطر مرتين أو ثلاثا، إلى قلب النظام الذي تحدده الأوزان ~~الذرية المتزايدة بالتدريج، مما ينطوي على مخالفة لمبدأ قائمته ~~ذاته، وهكذا كانت هذه الطريقة تعطي انطباعا بأنها عشوائية، ولكن ~~«مندليف» أكد أن هذه «الخانات» الخالية تحدد مكان عناصر مجهولة، ~~ولم يتردد في تقديم بعض الإيضاحات المتعلقة بخواص هذه الأجسام ~~المجهولة، ومنذ ذلك الحين حتى أيامنا هذه، أخذت فراغات «القائمة ~~الدورية» تملأ سنة بعد أخرى، وتحققت نبوءات «مندليف». والحق أن ~~قائمة «مندليف» - بما أدخل عليها من تعديلات قليلة - تعد، في ~~أيامنا هذه، حقيقة من أروع الحقائق في ميدان فلسفة المادة. # وهاك الموضع الذي يظهر فيه دور الإلكترون في تصنيف مندليف. إن ~~حالات التكافؤ الكيميائي تتدخل في ظواهر التحليل بالكهرباء (قوانين ~~فارادي). وما دامت حالات التكافؤ هذه على صلة بالكهرباء فلا بد ~~أنها على صلة بالإلكترونات، وهكذا أصبحنا نشهد ظهور كيمياء ~~إلكترونية، لا كيمياء كهربية، والحق أن كل نوع من الذرة يحتوي ~~على عدد مميز من الإلكترونات، والترتيب الحقيقي الذي وضعه ~~«مندليف» هو ترتيب «إلكتروني»؛ فالكيمياء الحديثة في حاجة إلى ~~مفهوم جديد، وهو مفهوم «العدد الذري» (أي عدد الإلكترونات التي ~~تحتوي عليها الذرة الواحدة)، والعدد الذري، لا الوزن الذري، هو ~~الذي يصلح متغيرا أساسيا يبنى عليه ترتيب مندليف؛ فإذا كان ~~مندليف قد استطاع تحديد قائمته بطريقة صحيحة إلى حد ما، رغم ~~جهله بهذه الفكرة، فإنما يرجع ذلك إلى أن الأوزان الذرية ~~والأعداد الذرية تتزايد، في وقت واحد، فيما عدا استثناءات قليلة ~~هي بعينها الاستثناءات التي تركها مندليف «اعتباطا» مخالفا بذلك ~~مبدأه الخاص. # وعلى ذلك فجميع العناصر الكيميائية تتميز بالعدد الذري الذي ~~يتراوح ما بين «1» في حالة الهيدروجين و«92» في حالة الأورانيوم، ~~(وسنرى فيما بعد كيف أمكن تصور عناصر «بعد الأورانيوم» لها أعداد ~~ذرية أعلى منه). # ولكن، مادامت الخواص الكيميائية للعناصر المختلفة تعود إلى ~~الظهور «بطريقة دورية» على حين أن الوزن الذري يزداد بطريقة ~~منتظمة، فلا بد أن نتصور «تنظيما دوريا» للإلكترونات ms238 المتجمعة ~~في الذرة الخاصة. وهكذا فرضت على الأذهان فكرة «الطبقات» ~~المتعاقبة من الإلكترونات في تركيب الذرات. فقائمة مندليف لها ~~ثمانية أعمدة. وطبقات الإلكترونات في الذرة لا يمكن أن تحتوي على ~~أكبر من ثمانية إلكترونات. فعندما تحتوي طبقة على ثمانية إلكترونات ~~تكون كاملة. أما الطبقات غير الكاملة فإليها ترجع الخواص ~~الكيميائية. على أن التجمعات الكيميائية تتجه إلى تكوين طبقات ذات ~~ثمانية إلكترونات، بأن تجمع في طبقة واحدة إلكترونات طبقتين ~~سطحيتين غير كاملتين من العناصر المكونة. # وهكذا نرى كيف تتجه أشد الظواهر اختلافا في العلم الحديث نحو ~~نقطة واحدة. وسنأتي لهذا التقارب ببرهان آخر كفيل بإيضاح القيمة ~~التركيبية للتفكير العلمي الحديث. # فمن الخواص المميزة للأجسام الكيميائية، خاصة «الأطياف المضيئة»، ~~أعني مجموع الألوان الضوئية التي يكشف عنها التحليل الطيفي في ~~إشعاع مادة وصلت إلى حالة التوهج. # وهذه الألوان الضوئية ترتبط بتغيرات في تركيب طبقات الإلكترونات، ~~وعن طريق تفسير الصيغة الرياضية التي توضح توزيع ألوان طيف ~~الهيدروجين (صيغة بالمر # Balmer ~~) ~~تمكن العالم الدنمركي «نيلز بور # Niels ~~Bohr ~~» (المولود في 1885م) # 3 # من اختراع الكيمياء الكمية # Chimie ~~quantique # وعلى يد «بور» بدأ عهد جديد في العلم، ~~له أهمية فلسفية كبرى، مادامت كل الأبحاث المتعلقة بالمادة، ~~والطاقة والضوء (أو بوجه عام، المتعلقة بالأشعة تحت الحمراء وفوق ~~البنفسجية، وأشعة إكس) قد اتسقت كلها في نظرية جديدة. # ونظرية بور في صورتها الأولى تنسب إلى الإلكترونات في الذرة ~~حركات حول النواة؛ فالإلكترونات ترسم مدارات كتلك التي ترسمها ~~الكواكب حول الشمس، ومن هنا كان اسم «الأنموذج الكوكبي» الذي أطلق ~~على نظرية «بور» غير أن هذه الحركة الكوكبية ليس لها أي أثر خارج ~~الذرة، ولا يؤدي الإلكترون إلى حدوث ظاهرة إلا إذا تغير مداره ~~فجأة، وذلك هو ما سمي «بالوثبة الكمية # Saut ~~quantique ~~» هذه الوثبة الكمية تطلق كمية من الطاقة # Quantum # هي بعينها كمية الطاقة ~~التي نجدها في الإشعاع، والمقصود بالكمية كطاقة مقدار محدد من ~~الطاقة لا يمكن تجزئته؛ وإذن فالطاقة لا تتغير دائما بطريقة ~~مستمرة. # وهكذا أدخل «بور» في النظرية ms239 الذرية الكيميائية فكرة الطاقة التي ~~اقترحها العالم الألماني «مكس بلانك # Max Planck ~~» قبل ذلك بعشر سنوات؛ ومن هنا أصبحنا نشهد ~~تقاربا جديدا لخطوط تطور الفلسفة العلمية، وعلينا أن نعود إلى ~~المصدر الأصلي لفهم هذه الفكرة الجديدة كل الجدة، وأعني بها فكرة ~~«كمية الطاقة # Quantum ~~d’énergie ~~». # كمية الطاقة # le quantum ~~d’énergie # كانت الصيغ الرياضية التي ~~اقترحت في أوائل القرن التاسع عشر لتفسير ظواهر الإشعاع العامة ~~متناقضة تناقضا تاما مع «الرسوم البيانية» التي تمثل نتائج ~~التجربة تمثيلا حسيا. ونظرا إلى أن النظريات الحديثة ليست مجرد ~~وسائل للتعبير، كما قيل أحيانا بل تستخدم بالفعل للتفكير في ~~التجربة، فإن وجود مثل هذا التناقض الواضح بين الصيغ النظرية ~~والرسوم البيانية التجريبية يقتضي تعديلا شاملا للأسس ~~النظرية. # ولكن في أي مستوى من العمق كان ينبغي العمل؟ لم يتردد «ماكس ~~بلانك» في صبغ الطاقة بصبغة ذرية، أي في تسجيل الانفصال في فكرة ~~تخضع لحدس الاتصال خضوعا واضحا، فأي شيء يبدو أكثر اتصالا من ~~تغيرات الطاقة التي تعبر عنها قوة شديدة صيغتها 1 /2 ك س2؟ # 4 # ألا تتغير هذه الطاقة على نحو «متصل» كالتغير المتصل ~~في السرعة، التي يمكن أن تكون لها «كل» القيم فيما بين ~~سرعتين؟ # هذا القول الغريب بنوع من الانفصال في الطاقة قد أتاح لبلانك أن ~~يقضي تماما على التعارض بين النظرية والتجربة في مجال الإشعاع ~~فكمية طاقة الإشعاع يعبر عنها بالصيغة اليسيرة ج = ت × ه (حيث ج ~~هو جزيء الطاقة، وت هو التردد # fréquence # وه ثابت أصبح يسمى ~~بثابت بلانك. # وثابت بلانك ضئيل جدا (ه = 6,55 × ~~10 # 27 # إرج/ثانية حيث يعني الأس السالب ~~إمكان الحصول على قيمة ه بأن نقسم 6,55 على القوة السابعة والعشرين ~~للعدد 10). # ولقد أصبح لثابت «بلانك» دور في أشد مجالات علم الطبيعة ~~والكيمياء تباينا فهو من الثوابت الشاملة، مثله في ذلك مثل ثابت ~~أفوجادرو، بل إن باستطاعتنا أن نقول بأنه هو العلامة المميزة لكل ~~ظواهر علم الطبيعة، كذلك يصدق قانون الانفصال في الطاقة، كما صاغه ~~بلانك على الإشعاع، على ms240 المادة في صورتها الذرية. # إن من واجب العقل الفلسفي أن يتدبر مليا في مدى خصوبة ودقة هذه ~~المركب المتسع، الذي يجمع الضوء والمادة معا في قانون مشترك. # فعندما يقفز إلكترون من ~~مدار إلى آخر في الذرة، يحدث تغير كمي في الطاقة، ولكن هناك ~~أسبابا أخرى لتغير الطاقة في الديناميكا الإلكترونية، وهكذا ينتهي ~~المرء إلى تحديد تغيرات الطاقة في الذرة تحديدا كميا. وللقيام ~~بعملية «التحديد الكمي» هذه بما لها من أوجه متعددة تنسب أعداد ~~كمية إلى مختلف الحالات التي تتعرض للتغير السريع. # ولقد تبين ضرورة استخدام ~~أربعة أعداد كمية # nombres ~~quantiques # لتفسير كل تفاصيل ظواهر الطيف، كما ~~ظهرت معان تدور حول فكرة الطاقة، وفرضت نفسها على الباحثين مع ~~أنها لم تخطر ببال أحد في بادئ الأمر. فمثلا اضطر الباحثون إلى ~~أن ينسبوا طاقة محورية # énergie de ~~pivotement # إلى الإلكترون، يحدد لها عدد كمي ~~خاص، هو الذي يطلق عليه أولنبك # Uhlenbeck # وجوند سمث # Gondsmit # اسم «شبين # Spin ~~». # ولقد أمكن التوصل إلى تحديد «الشبين». هذا بعد تنظيم نظري قوي ~~قام به العالم الإنجليزي «ديراك # Dirac ~~» فقد بدأ «ديراك» بأبحاث ~~رياضية مجردة إلى أبعد حد، ثم أدرك أنه من الضروري إيجاد تماثل ~~كامل بين عنصر في الحساب وبين دوران الإلكترون حول ذاته. وهكذا تم ~~على يد «ديراك» تحقيق تعاون متبادل بين المبادئ العقلية ~~للميكانيكا الكمية، وبين التحديدات التجريبية. # وفضلا عن ذلك، تخضع الأعداد الكمية الأربعة التي يتميز بها ~~الإلكترون لمبدأ غريب، تتأيد صحته في كل الأحوال التي ينظر فيها ~~إلى الإلكترون داخل نسق منظم (كما في إحدى الذرات أو إحدى الجزيئات ~~مثلا). فعندما تكون عدة إلكترونات أجزاء من «تنظيم واحد» (أي ~~عندما يكونون داخل ذرة واحدة مثلا) فليس لنا أن ننسب إلى ~~الإلكترونين نفس المجموعة من الأعداد الكمية الأربعة؛ إذ ينبغي أن ~~يختلف واحد على الأقل من الأعداد الأربعة المميزة للإلكترون عن ~~الأعداد الأربعة المميزة للإلكترونات الأخرى. وهذا هو مبدأ ~~الاستبعاد # principe d’exclusion # الذي حدده «باولي Pauli ~~». # هذا المبدأ الذي لا يدرك المرء له ms241 سببا منطقيا، يفرض على كل ~~النظريات في علم الطبيعة الذرية. وهو يصلح مثلا لمبدأ يتحقق ~~بعديا # a posteriori # عن طريق ~~التجربة، ولكنه لما كان يصدق «دون أي استثناء » في علم الطبيعة ~~الكمية، ففي استطاعتنا أن نصفه بأنه مبدأ عقلي في تنظيم علم ~~الطبيعة الذرية. # الأثر الضوئي الكهربي # 5 # عندما تصدم حزمة من الأشعة المضيئة أو من الأشعة فوق البنفسجية ~~سطحا معدنيا، تخرج إلكترونات من المعدن. وهذا ما يسمى بالظاهرة ~~الضوئية الكهربية، وهذه الظاهرة هي التي تتجلى في الخلايا الضوئية ~~الكهربية التي تستخدم - ضمن ما تستخدم فيه - في بعث حركات آلية ~~معينة، وتلعب دورا هاما في التلفزيون وفي قياس الكثافة ~~الضوئية. # فإذا ما درس المرء هذه الظاهرة الضوئية الكهربية بإمعان تبين ~~له أن انبعاث الإلكترونات لا يحدث إلا لأشعة يتجاوز تردد موجاتها ~~قدرا معينا؛ فهناك عتبة لا يمكن دونها أن يحدث أي ضوء، أي ~~تأثير ضوئي كهربي، مهما كانت كثافة هذا الضوء. # وفي مقابل ذلك نجد أن أي ضوء، مهما قلت كثافته، يؤدي مباشرة ~~إلى خروج الإلكترونات إذا كان يتجاوز هذه «العتبة». فإذا ظل المرء ~~يسلم بأن الطاقة الضوئية تنتشر بصورة مطردة على سطح الموجة ~~بأسرها، فلن يتسنى له أن يفهم كيف أن ضوءا بلغ مثل هذه الدرجة من ~~الضعف في كل نقط الموجة يكفي لانتزاع الإلكترونات من المعدن. وإذن ~~يجب أن نفترض أن الطاقة الضوئية تتكاثف في «نقط معينة» من سطح ~~الموجة، وعلى ذلك فالظاهرة الضوئية الكهربية تقتضي وجود حبيبات ~~للطاقة الضوئية وجسيمات للضوء. # الفوتون # كان ألبرت أينشتين أول من أدرك هذه الضرورة. وقد قدم إلينا ~~الصيغة الأساسية الآتية لهذه الظاهرة: # hv = a + 1/2 m ~~u # 2 ~~(ه ذ = ط + # 1/2 # س # 2 ~~) # وهى صيغة يسهل فهمها على أنها تطبيق لمبدأ بقاء الطاقة على ه ذ # hv ~~(حاصل ضرب ذبذبة الضوء # v # في ثابت بلانك # hv ~~) إن ه ذ هو طاقة جسم الضوء ~~وعندما تصطدم هذه الطاقة بالمعدن، نستخدم في انتزاع الإلكترون من ~~المجال الكهربي الذي يوجد فيه (الطاقة = ط ms242 ~~( # a ~~)) وفي إعطاء الإلكترون القوة ~~الكبيرة 2/1 ك س # 2 # حيث هي كتلته و س هي ~~سرعة خروجه. # وتسمى كمية الطاقة المضيئة ~~( # quantum ~~) في هذه الحالة بالفوتون. ~~والفوتون هو الجسيم في كل إشعاع. فهناك فوتونات لأشعة إكس، ~~وفوتونات للأشعة تحت الحمراء، وفوتونات لأشعة هوتز . # وللفوتون خواص تختلف عن خواص جسيمات المادة، فبينما يكون ~~«الشبين» # Spin # لمختلف جسيمات ~~المادة هو 2/1، فإن الشبين لمختلف الفوتونات هو «واحد صحيح». ~~والكتلة التي تنسب إلى الفوتون أقل بكثير من كتلة الإلكترون، أي ~~أنها كتلة تكاد تكون منعدمة. # الميكانيكا التموجية # وهي مذهب يدعو إلى الدهشة. طرأ لأول مرة منذ ربع قرن، على ذهن ~~لوي دي بروليي # Louis de ~~Broglie ~~. # ولقد كان تفكير «لوي دي بروليي» في البداية فلسفيا بحق، ذلك ~~لأن أينشتين حين وضع النظرية التي شرحناها منذ قليل، كان قد قرر ~~«ثنائية» مذاهب علم الضوء: إذ إن الظاهرة الضوئية الكهربية إذا ~~كانت تقتضي تفسيرا جسيميا، فإن علم الضوء الكلاسيكي كان يدرس ~~ظواهر تقتضي القول بالنظرية التموجية (كظاهرة التداخل). وبعبارة ~~أخرى، فإن نوع التفسير الذي كان ينبغي الأخذ به، أعني التفسير ~~الجسيمي أو التموجي، يختلف باختلاف الظواهر الضوئية الخاصة. # على أن «لوي دي بروليي» قد تساءل: أليس من الأقرب إلى الروح ~~الفلسفية أن نكرر الثنائية نفسها بالنسبة إلى الجسم الكهربي، أي ~~بالنسبة إلى الإلكترون؟ ذلك لأنه قد عرفت عن الإلكترون خواص ~~«جسيمية» عديدة، فلم لا تكون للإلكترون خواص تموجية أيضا؟ # ولقد تجلت عبقرية «لوي دي بروليي» في صياغة هذا الرأي الفلسفي في ~~معادلات. فهو يعرف مبدئيا الخواص التموجية للإلكترون، ثم يؤلف ~~بين هذه التعريفات في فرض نظري ضخم، هو الميكانيكا ~~التموجية. # ولقد قطع ذلك العالم الفرنسي شوطا بعيدا في بيان التوازي بين ~~الميكانيكا المعتادة، التي تدور حول المحرك المادة، وبين ~~الميكانيكا التموجية، وكشف في ذلك عن التناظر بين مبدأ «فيرما # Fermat ~~» (القائل بأن الضوء يسير ~~بين نقطتين في المسافة التي تستغرق أدنى حد من الزمان وبين مبدأ ~~موبرتويس # Moubertuis ~~) القائل إن ~~المحرك المادي، بين نقطتين ms243 يتبع دائما المسافة التي يبلغ تفاوت ~~التأثير بالنسبة إليها حده الأدنى). # وبعد ذلك بعامين، كشف عالمان أمريكيان هما دافيسون # Davisson # وجيرمر # Germer # عن ظواهر التموج التي تنبأ ~~بها «لوي دي بروليي». فالموجات المرتبطة بالإلكترون تؤدي، شأنها ~~شأن الموجات الضوئية، إلى حدوث تداخلات. # وهكذا تجددت في عام 1927م، بالنسبة إلى الإلكترون، ثنائية ~~الموجة - الجسيم، التي ثبتت في عام 1917م بالنسبة إلى ~~الضوء. # وسرعان ما عرفت الأساليب التكنيكية التي تمكن من استغلال هذه ~~الكشوف النظرية والتجريبية. فاستخدمت الموجات الإلكترونية مثلما ~~تستخدم الموجات الضوئية في المجهر التقليدي. # على أنه ينبغي بالطبع، ألا نتصور المجهر الإلكتروني على مثال ~~المجهر المعتاد؛ بل يبدو جهازا آليا كهربيا معقدا. # ولا تقف الميكانيكا التموجية عند حدود ما يبدو أنه القوة الدافعة ~~الأولى لها (أي الإلكترون)، بل إننا نصادف الظواهر التموجية في كل ~~الحركات السريعة للجسيمات. فالميكانيكا التموجية لا تقتصر على ~~دراسة الموجات الإلكترونية، بل تدرس أيضا الموجات المادية (أي ~~الموجات المرتبطة «بكل» العناصر الجسيمية في المادة)، ومثال ذلك، ~~صنع مجاهر بروتونية. # ولا شك في أن قوة التكبير التي توصل إليها هذه الأجهزة ~~الجديدة أعظم بكثير من المجاهر المعتادة، وهكذا تمكننا الموجات ~~المادية من ملاحظة تركيب المادة ملاحظة أدق. # ولقد تردد الناس وقتا ما في بحث طبيعة الموجات المادية، ~~وكانوا في ذلك متأثرين بالفكرة التقليدية القائلة بموجات ضوئية ~~يتصورونها - نقلا عن فرينل # Fresnel ~~- على أنها انبعاث لحركة ~~متذبذبة في وسط مرن (هو الأثير في علم الضوء التقليدي). ومن هنا ~~كان القول بموجة مرشدة # onde ~~pilote # توجه جسم الضوء. ولكن سرعان ما أدرك ~~العلماء أنه لا يوجد ما يبرر ذلك الطابع الواقعي الذي نسب سذاجة ~~إلى الموجات. وهكذا انتهوا إلى تحديدها «احتماليا». وعلى وجه ~~الإجمال فإن كثافة الضوء ترجع إلى عدد الفوتونات الماثلة في منطقة ~~من الموجة. وهذا العدد يتفاوت تبعا «لاحتمال» وجود فوتونات. ~~فالموجة التي افترضها «لوي دي بروليي» هي توزيع لاحتمال وجود ~~الفوتونات على المكان وهكذا يتضح أن فكرة الاحتمال هنا ~~أساسية. # مبدأ هيزنبرج # وإذن يبدو أن الارتكان ms244 إلى «صور» للموجة كان في بداية الأمر ~~ينم عن كثير من التسرع. ولذا دعا عالم الطبيعة الألماني ~~هيزنبرج # Heisenberg # إلى تنظيم ~~للمفاهيم المعروفة في مستوى الظواهر المدروسة في المعمل ذاته. فما ~~كشفت عنه دراسة الأطياف الضوئية، هو وجود فروق في الطاقة بين ~~حالتين لذرة واحدة. ويمكن مقياس تحليل الطيف من وضع جدول ~~للحدود يشير فيه كل حد إلى حالة ممكنة من حالات الطاقة. وبعد ~~ذلك ينبغي أن يحسب حساب للاعتبارات الاحتمالية، التي توضح احتمال ~~الانتقال من حالة إلى أخرى. ويمكن قواعد التجمع (التي تمنع من ~~القيام بتجمعات معينة استنادا إلى مبادئ مختلفة) من الاهتداء إلى ~~القوانين الضوئية للقياس الطبقي. وكلما زادت المناهج دقة، زاد نجاح ~~هذا المنهج في التفسير. # وفي ظل هذا المثل الأعلى ~~نفسه للظاهرية الخالصة # phénoménisme Pur # وضع «هيزنبرج» مبدأ أصبح أساسيا في علم ~~الطبيعة الذرية، هو مبدأ اللاتعين؛ ففي رأي هيزنبرج أنه ليس ~~للمرء أن يدخل في علم الطبيعة إلا أفكارا يحددها عن طريق تجربة إيجابية. # 6 # فعندما يتحدث المرء مثلا عن موقع الإلكترون في نسق، ~~يجب أن يحدد تجربة لتعيين هذا الموقع. فهل يمكن أن تؤدي هذه ~~التجربة إلى نتيجة دقيقة بمعنى مطلق، دون أي لاتعين؟ كلا، ~~فمثل هذه التجربة تجرى في فوتون، أي على جسيم «متحرك». ومهمة تجربة ~~تحديد الموقع هي أن تعين اصطدام الفوتون بالإلكترون. وعلى ذلك ~~فالإلكترون سيترك المكان الذي حاولنا أن ننسبه إليه، وهكذا يكون ~~من المحال الوصول إلى تحديد مطلق. # ومثل هذه الاستحالة نصادفها لو حاولنا تحديد حركة الإلكترون ~~بقياس كمية حركته، وهو ما يشيع تسميته بعزم الحركة # moment ~~(العزم = الكتلة في السرعة: ~~). # وأخيرا أكد «هيزنبرج» وجود «لا تعين تكميلي» بين المعلومات ~~الهندسية والمعلومات الديناميكية. ويعبر عن مبدأ اللاتعين عند ~~هيزنبرج على النحو التالي: # حيث # هي الخطأ في المكان، # هي الخطأ في عزم الحركة، # h # هو ثابت بلانك فإنقاص # يعني زيادة # والعكس بالعكس. # وهكذا يتبين لنا أن أساس مقاييس علم الطبيعة الذرية يفتقر إلى ~~التحديد. ولهذا كان يطلق على مبدأ اللاتعين ms245 اسم آخر، هو مبدأ ~~اللاتحدد # indeterminisme ~~. # على أن مبدأ اللايقين هذا (أو مبدأ اللاتعين) لا ينبغي أن ~~يفهم بمعنى يدل على التحقير. فهو في الحق يمكن من الربط بين ~~عدد كبير من الظواهر. والحقيقة أنه أساس لعلم الطبيعة الذري. وفي ~~وسعنا أن نعده - من نواح عديدة - إحدى «مصادرات» الميكانيكا ~~الكمية. # كذلك ينبغي الحذر من استخلاص نتائج فلسفية منه تتجاوز مجال ~~تطبيقه (وهو علم الطبيعة الذري ). فعندما نكون إزاء أجسام في مستوى ~~ملاحظتنا العادية، يكون من الخطأ تطبيق مبدأ اللاتعين عليها. ~~فكتلة هذه الأجسام أكبر من أن تضطرب مواقعها بسبب حركة الموجات ~~المكتشفة (ولو كانت هذه الكتلة لا تتجاوز عدة ملليجرامات). # ولنلاحظ أخيرا أنه لو كان ثابت بلانك # h ~~= صفرا، لأمكننا الوصول إلى ~~أقصى حدود الدقة، سواء في التحديدات المكانية أو في التحديدات ~~الحركية، فثابت بلانك # h # يمثل هنا، ~~كما في سائر الميادين، الحد الذي يفصل بين الطبيعة في مجالنا وبين ~~الطبيعة الذرية. # وفي مبدأ الأمر كأن تطور كل من الميكانيكا التموجية (عند لوي ~~دي بروليي) وميكانيكا القوائم الكمية # matrices ~~quantiques ~~(عند هيزنبرج) مستقلا عن الآخر. ولكن ~~سرعان ما أثبت «شرودنجر # Schrodinger ~~» إمكان التعبير عن ~~نظريات العلم الأول بناء على نظريات الثاني، والعكس بالعكس. وهكذا ~~نهتدي مرة أخرى إلى ذلك التقارب في النظريات الذي يبين لنا أن ~~وحدة العلم تظل هي المثل الإيجابي الأعلى للروح العلمية. # النشاط الإشعاعي # كان من نتيجة حرصنا على تتبع سلسلة من الحوادث تتميز بالترابط ~~المحكم، وتبلغ في ذلك حدا قل أن نجد له مثيلا في بحث العلم ~~الحديث في المادة، أن تركنا جانبا كشفا كبيرا ظهر في نهاية ~~القرن الماضي، وهو كشف تتأكد خصوبته من يوم إلى آخر، وأعني به ~~النشاط الإشعاعي. # وسنوضح باختصار كيف أتاح لنا النشاط الإشعاعي توسيع نطاق معرفتنا ~~بالمادة، وأسهم في وضع أسس علم جديد، هو الفيزياء النووية. # ففي نهاية القرن التاسع عشر، لاحظ هنري بكرل # H. ~~Becquerel ~~(1825-1908م) أن مواد معينة (أملاح ~~الأورانيوم) تنطبع في اللوحات الفوتوغرافية في الظلام التام. وقد ms246 ~~تمكن «بيير كوري» (1876-1934م) بعد دراسة منهجية لهذه الإشعاعات ~~الغامضة، من عزل مادة أنشط بكثير من الأورانيوم، هي ~~الراديوم. # وسرعان ما أصبحت تنسب إلى النشاط الإشعاعي صفتان أساسيتان: ~~(1) # أن قوة الإشعاع لا يمكن زيادتها أو إنقاصها بأية وسيلة، ~~فمن العبث مثلا أن تسخن المادة ذات النشاط الإشعاعي أو ~~تبرد، أملا في تغيير نشاطها الإشعاعي. ~~(2) # والإشعاع في حالة الراديو بطيء؛ فقد تبين بالحساب أنه لا ~~بد من مرور 1590 سنة حتى يفقد نصف ذرات الراديوم الذي ~~نلاحظه نشاطه الإشعاعي. وبعد فترة قصيرة أمكن عزل عناصر ~~مشعة أخرى (الثوريوم # thorium # والأكتينيوم # actinium # والبولونيوم # polonium ~~). وجد الوقت ~~الضروري لكي يفقد نصف المادة في كل من هذه العناصر، قوته ~~الإشعاعية، وسميت هذه الفترة الزمنية، بالنسبة إلى كل ~~مادة، باسم «متوسط الحياة». ولكن يحب الحذر من أن ننسب ~~إلى هذه التسمية معنى يذكرنا - من قريب أو من بعيد - ~~بفكرة الحياة؛ ففي هذا أكبر قدر من الخطأ. والواقع أننا ~~هنا بإزاء تناقص له قدر ملحوظ من الثبات، وليست له أية ~~صفة من صفات ظواهر الحياة. ويبلغ هذا التناقص حدا من ~~الانتظام أوحى إلى البعض باتخاذه «مقياسا للزمن» يمكن أن ~~ينافس المقاييس الفلكية. # ولكن، ما قوام هذا الإشعاع؟ # أمكن منذ البداية تمييز ثلاثة أنواع من الأشعة، رمز لها في بادئ ~~الأمر (عندما لم تكن طبيعتها قد عرفت بعد) بالحروف الثلاثة ~~الأولى من الأبجدية اليونانية: ~~(1) # أشعة «ألفا» # التي قد تنحرف في اتجاه كاليسار مثلا ~~بوساطة مجال مغناطيسي. ~~(2) # أشعة بيتا # التي تنحرف بواسطة هذا المجال ذاته إلى ~~اليمين. ~~(3) # أشعة جاما ~~، وهي لا تنحرف. # ولقد تبين أولا أن أشعة بيتا # لم تكن سوي سيال من الإلكترونات. ثم تبين أن ~~أشعة ألفا # تتكون من ذرات من الهليوم حللتها الكهرباء. ~~أما أشعة جاما فهي إشعاع من نوع الضوء المنتشر الذي تزيد ذبذبته ~~عن ذبذبة أشعة إكس. فهو تيار من فوتونات خاصة، هي فوتونات ~~جاما. # وأخيرا أدرك الباحثون أن هذه الأشعة الثلاثة لا يرجع مصدرها إلى ~~المناطق السطحية للذرة، وإنما تأتي من منطقة ms247 أعمق، هي نواة الذرات ~~نفسها. وبعبارة أخرى، فالنشاط الإشعاعي لا يتعلق بالعلم الكيميائي ~~بالمعنى الصحيح؛ بل هو الفصل الأول في علم جديد، هو علم الطبيعة ~~النووي. # والواقع أن الطبيعة النووية هذه لم تتطور إلا عندما أمكن إثارة ~~ظواهر في هذا الجزء المركزي للذرة، أي النواة. ومع ذلك فأبعاد هذه ~~النواة ضئيلة جدا إذ قطرها يتراوح بين 0,5 × ~~10 # 12 # سم في حالة الهيدروجين وبين 3 × ~~10 ~~−12 # سم في حالة الأورانيوم. # والنواة بدورها جسم معقد، ويسلم الباحثون اليوم بأنها تتكون ~~من نوعين من الجسيمات : البروتون والنيوترون. والنيوترون جسم جسيم ~~كتلته تقرب من كتلة البروتون، ولكن ليست له شحنات كهربية ~~كالبروتون. فهو محايد من الوجهة الكهربية ومن هنا كان اسمه. # 7 # ولقد كشفه عالم الطبيعة الإنجليزي تشادوك # Chadwick # في عام 1923م. # وهناك فرض له أهمية فلسفية كبرى، يفسر ظواهر عديدة. وينحصر هذا ~~الفرض في القول بإمكان تحويل بروتون إلى نيوترون، والعكس. وفي هذه ~~الحالة تجمع البروتونات والنيرترونات تحت اسم عام هو النويات # nucléones ~~«ويقال إن هذه النويات ~~يمكن أن تتخذ حالتين: الحالة البروتونية، والحال ~~النيوترونية. # فإذا مرت نوية من الحالة النيوترونية إلى الحالة البروتونية، ~~طردت النواة إلكترونا. على أن هذا الإلكترون لم يكن له وجود في ~~النواة قبل طرده منها، وإنما تولد نتيجة لتحول النيرترون إلى ~~بروتون.» # وفي التحول المقابل، تطرد النواة إلكترونا موجبا (بوزيتون # positon # أي المويجب) وهو جسيم ~~جديد، مواز تماما للإلكترون ولإيضاح هذه الموازاة بصورة جلية، ~~سمي الإلكترون في كثير من الأحيان باسم النيجاتون # negaton ~~(السويلب) ولقد تم كشف ~~البوزيتون في 1932م على يد عالم الطبيعة الأمريكي أندرسن # C. D. Anderson ~~. # التحولات النووية # عندما أطلقت قوة كبيرة في جسيمات متعددة (كالبروتونات ~~والنيوترونات ونوايا الهليوم ...) بفضل أجهزة خاصة كالسيكلوترون # cyclotron # أمكن إدخال هذه الجسيمات ~~في ذلك الحيز الضيق الذي هو نواة الذرة. وعندئذ تطرأ عليها تحولات # transmutations ~~. # وبالفعل يؤدي تغيير عدد البروتونات إلى تحويل جسم كيميائي ~~إلى آخر، ما دام عدد البروتونات في النواة يحدد، هو وعدد ~~الإلكترونات في ms248 محيطها الكيميائي، مكان العنصر المادي في قائمة ~~«مندليف». # هذه التحولات النووية تعبر عنها صيغ تذكرنا بالصيغ التي تلخص ~~التفاعلات الكيميائية. وهناك صيغة لتحول نووي: # ومعناها أن نواة الأزوت # N # التي ~~تحتوي على 14 نوية (7 بروتونات و7 نترونات) إذا ما قذفت بنواة ~~الهليوم # He # التي تحتوي على 4 ~~نوايات (2 بروتونات و2 نترونات) تتحول إلى نواة الأكسجين # O # التي تحتوي على 17 نوية (8 ~~نروتونات و9 نترونات)، وفي هذا التفاعل النووي تطرد نواة من ~~الهيدروجين # H ~~(أي بروتون ~~واحد). # ولنلاحظ أن مثل هذه المعادلة تنطوي على دلالتين: فإذا جمعنا أسس ~~طرفي التفاعل، وجدنا أن عدد النوايات يظل ثابتا. # 14 + 4 = 17 + 1 # وإذا جمعنا الأعداد الموجودة في أسفل الرموز، وجدنا أن عدد ~~البروتونات يظل ثابتا (أي أن الشحنات الكهربائية تظل ~~ثابتة). # 7 + 2 = 8 + 1 # واليوم يعرف العلماء مئات من التفاعلات المماثلة لهذا ~~التفاعل. # وفي هذه التفاعلات يظهر كثير من الأجسام الجديدة ذات النشاط ~~الإشعاعي. ولقد اكتشف هذا «النشاط الإشعاعي الصناعي» في 1934م على ~~يد «جوليو كوري # Joliot-Curie ~~» ~~وزوجته. فقد توصلا إلى تكوين فوسفور مشع لا وجود له في الطبيعة. ~~وهذا الفوسفور هو النظير المشع # isotope # للفسفور المعتاد. ويطلق ~~اسم النظير المشع على مختلف العناصر التي تحتل نفس الموقع في قائمة ~~«مندليف» ولكل النظائر المشعة للجسم الواحد عدد واحد من ~~البروتونات، ولكنها تختلف بينها في عدد النيترونات. # هذه الأجسام ذات القدرة الإشعاعية الصناعية تقوم إلى جانب ~~الراديوم بدور كبير في العلاج بالأشعة. # بل إن الأساليب العلمية النووية قد استطاعت تكوين أجسام تتجاوز ~~حدود قائمة «مندليف» ذاتها، أعني أجساما يزيد عددها الذري عن 92، ~~وهو العدد الذري للأورانيوم، ولهذا السبب سميت تلك الأجسام «بما ~~بعد الأورانيوم» وهناك أسماء العناصر الجديدة، ورمزها وعددها ~~الذري. # النبتونيوم # Neptunium ~~(93: # N.P ~~) والبلوتونيوم Plutonium ~~(94: Pn ~~) والأمريكيوم # Americium ~~(95: # Am ~~) والكوريوم # Curium ~~(96: # Cm ~~) والبركليوم # Berkelium ~~(97: # Bk ~~) والكليفورنيوم # Californium ~~(98: # Cf ~~) وأخيرا السنتوريوم # Centurium ~~(100: # Ct ~~) أما العنصر 99 فلم ~~يكون بعد. # 8 # وبعض النظائر المشعة لعناصر ما بعد الأورانيوم هذه غير مستقرة، ms249 ~~وكذلك الشأن بالنسبة إلى نظائر الأورانيوم ذاته. فهي قد تشطر ~~وتنقسم إلى عنصرين أو عدة عناصر كيميائية ذات عدد ذري صغير. وهذا ~~الانقسام أو الانفلاق يؤدي إلى إطلاق طاقة هائلة هي التي تستخدم ~~في القنبلة الذرية. # والحق أننا في هذا العرض العاجل لجسيمات المادة، لم نتأمل عن كثب ~~خواص «الطاقة» للظواهر النووية. فإذا تذكرنا أن للطاقة كتلة، ~~أدركنا أنه من الممكن أن توجد طاقات ينبغي حسابها ضمن عدد ~~الجسيمات ذاتها. ولقد نبه أحد كبار علماء الطبيعة النووية، وهو ~~جاموف # Gamov # في آخر طبعة لكتابه، # 9 # إلى أن الطاقة التي تتدخل لربط النويات معا في ~~نواة، يمكن أن تتجاوز كتلة النوية، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تعديل ~~نظرتنا إلى النويات من حيث هي أشياء صغيرة لا يمكن تحطيمها. # وتلك ملاحظة يجب أن تلفت انتباه الفيلسوف؛ فهنا نرى مثلا ~~عمليا للتعادل العميق بين الطاقة والكتلة - في مستوى الوجود ذاته ~~- وهو التعادل الذي كان إحدى النتائج الانقلابية الكبرى لنظرية ~~النسبية عند أينشتين. # ولقد سبق الاعتراف بهذا التعادل في مستوى الجسيمات الخفيفة (مثل ~~الإلكترونات الموجبة والسالبة) وهناك ظواهر معينة تفسر بأنها ~~تجسيم للفوتون (حبيبة الطاقة) في جسمين لهما شحنتان متضادتان ~~وظواهر أخرى تفسر بأنها انتفاء صفة الجسمية عن «زوج» من ~~الجسيمات. وتوحي ملاحظة جاموف بوجود الجسمية وانتفائها في مستوى ~~الجسيمات الأكثر ثقلا. # على أن هذه الملاحظات تؤدي بنا إلى الدخول في مجال العلم الذي ~~ما زال يتكون، ولا زلنا إلى اليوم نفتقر إلى نظرة تركيبية إلى ~~مجموع النوايات الذرية. ومن هنا كان هيسينسكي # Haissinsky # على حق حين ختم ~~محاضرته التي أشرنا إليها من قبل، بقوله: إن النواة تنتظر لنفسها ~~«مندليف آخر». ~~••• # ومن الجلي أن مثل هذه التغيرات العميقة في المفاهيم التي يبنى ~~عليها التفكير العلمي، تقتضي فحصا جديدا للمثل الأعلى الذي يوجه ~~الروح العلمية، وتأكيدا جديدا «لقيم» الفكر النظري ~~والتجريبي. # فالروح العلمية، في صورتها الحديثة، لا يسعها أن تكتفي بتتبع ~~نموها عبر العصور فقط فلقد رأينا التفكير القائم على منهج ~~البديهيات قادرا على الإكثار من ms250 نقط البداية، أعني قادرا، بعبارة ~~أخرى على إصلاح أصوله. كما وضعت مذاهب ديالكتيكية تنكر المصادرات ~~التي كانت تبدو ذات بداهة مطلقة، ورأينا كيف تكونت هندسات لا ~~إقليدية لا تقل إحكاما عن الهندسة التقليدية. # وبالمثل يمكن تفسير الميكانيكا النسبية، والميكانيكا التموجية، ~~والميكانيكا الكمية، بأنها كلها مواقف ديالكتيكية تجاه ميكانيكا ~~نيوتن. كل هذه الاتجاهات الديالكتيكية تستدعي بلا شك - كما أوضح ~~بول موي # 10 # في الكتاب الحالي (الفصل الثالث، قسم 18) - تجديدا ~~للروح العلمية، وقد عرض جاستون باشلار # G. Bachelard # في كتابه «الروح العلمية الجديدة» صورة عامة لهذا ~~التجديد، وقدم في كتابه «فلسفة اللا # La ~~philosophie du Non ~~» عرضا جدليا لهذه الكثرة من ~~نقط البداية. # والحق أن هذا العرض السريع الذي أوضحنا به تقدم علمنا بالمادة ~~(من وجهة نظر الكيمياء ومن وجهة نظر الطبيعة النووية معا) يبين ~~لنا بوضوح أن الفلسفات التقليدية، من تجريبية وعقلية، لا بد من ~~إعادة النظر فيها في هذه المجالات. فإذا تأملنا درجة تعقيد ~~الظواهر الإلكترونية والنووية، وجدناها تقدم إلينا خواص ~~ديناميكية «خلقت من جديد»، وتنسب في الأغلب إلى مواد «تكونت» ~~بعد أن لم يكن لها وجود. فهناك إذن نوع من العلوم على الواقع، لا ~~يكون فهمه دون القيام بثورة في الفلسفات التي تتفق مع ما يقع تحت ~~حسنا مباشرة من ظواهر. # فكيف يمكن إذن أن تتردد الفلسفة - كما يحدث في العصور الفلسفية ~~الكبرى - في العودة إلى دراسة العلوم؟ أيرجع ذلك إلى أن العلم قد ~~أصبح أكثر صعوبة؟ ولكن متى كانت الصعوبة عائقا في وجه الفلسفة؟ ~~الأمر الذي لا شك فيه، على أية حال، هو أن هذا التقدم الرائع ~~للتفكير النظري والعملي، لا يسمح للمرء بأن يقر بصحة الانتقادات ~~التي توجه دون انقطاع إلى «قيمة العلم» منذ مستهل هذا القرن، ~~فكيف يجوز لأحد أن يتحدث عن «إخفاق العلم» - مثلما «فعل فردينان ~~برونتيير # F. Brunertiere ~~» - إذا ~~كان العلم يساهم بنصيب في رفاهية البشر، ولا يقتصر على ذلك؛ بل ~~يلقي على حياتنا ضوءا روحيا ساطعا (وهذا هو الأهم من وجهة نظر ~~الفيلسوف)؟ ms251 لقد كان هذا أيضا هو الباعث لنا على ألا نلح في هذا ~~الفصل على تأكيد مظاهر التقدم المادي والعملي للعلم - مع أنها ~~واضحة كل الوضوح - بقدر إلحاحنا على تأكيد الأفكار النظرية التي ~~تقلب دعائم المعرفة رأسا على عقب. # فإذ كنا نعترف بأن الإنسان كائن مفكر. ألن يكون توسيعه لتفكيره ~~على نطاق هائل هو الذي يجعله واعيا، لا بطبيعته فحسب؛ بل بأنه ~~رسالة رفيعة؟ # الفصل الثاني عشر # | العمليات العامة للتفكير الاستنباط ~~والاستقراء # تطبق الروح على العالم الواقعي، في العلم، وفي الإدراك الحسي، وفي ~~العمليات الفنية التطبيقية؛ أساليب واحدة في كل الأحوال، وترجع هذه ~~الأساليب كلها إلى عمليتين: الاستدلال الباحث # investigatif # والاستدلال الاستنباطي # déductive ~~. # والاستدلال الاستنباطي أو الاستنباط # déduction # يتنقل من المبدأ إلى النتائج. وقد رده أرسطو إلى أبسط ~~صوره، أي القياس، وهو استنباط يستخلص نتيجة من مقدمتين، ويجمع بين ~~حدين بتوسط حد أوسط. ولقد استخلص «المدرسيون» من القياس الأوسط ~~فكرة «منطق صوري». وعمم المحدثون هذه الفكرة فجعلوا منه «منطقا ~~رياضيا # logistique ~~» يتمثل على صورة ~~حساب منطقي؛ بل يزعم أنه هو منطق الحساب. # أما الاستدلال الباحث فهو الاستقراء، الذي ينتقل من الوقائع إلى ~~القوانين: وهو يفترض مبدأ خاصا به، هو مبدأ الحتمية. فإذا ما ~~توسعنا في هذا المبدأ، وجدنا فيه ثلاثة مبادئ أخرى هي التي أسماها ~~«كانت» بمبادئ «علاقات التجربة # analogies de ~~l’expérience ~~» والتي تبررها «المثالية ~~الترنسندنتالية». # التفكير العلمي مشترك بين كل المناهج # أوردنا في موضع سابق # 1 # الفقرة الرائعة التي ذكر فيها «ديكارت» أن وحدة العلم ~~هي وحدة العقل البشري. وعلينا الآن أن نكشف عن هذه الوحدة، بأن ~~نبين أن مختلف المناهج العلمية ترجع إلى منهج واحد، وأن هذا المنهج ~~الواحد يعبر عن خطوات التفكير ومراحله العامة. وبعبارة أخرى، ~~علينا أن ننتقل من «البحث في المناهج # n ~~methodolgie ~~» إلى «البحث في نقد المعرفة # épistmologie ~~» لنعود أخيرا إلى ~~المنطق. # بل إن علينا أن نبين أن هذه الخطوات نفسها ليست مشتركة بين ~~العلوم كلها فحسب وإنما تمتد أيضا إلى «كل» تفكير، سواء أكان ms252 ~~ذلك تفكير الإنسان الذي يدرك العالم الخارجي، والصانع الذي ~~يؤلف بين أساليب فنية، والفيلسوف الذي يحاول فهم الأخلاق والدين، ~~والعالم الذي يعمل ويفكر أمام سبورته السوداء أو في معمله. ونحن ~~نعترف بأن أنواع التفكير هذه ليست جميعها على مستوى واحد، أو ~~متساوية من حيث القيمة، ومع ذلك يجب أن تنطوي على عنصر مشترك، وأن ~~تتشابه أساليبها من حيث الجوهر. # وسنبدأ أولا بإرجاع التفكير العلمي إلى صوره العامة، ثم ندرس كل ~~عملية من العمليات العامة المكونة له على حدة. # وقد حدد كلود برنار بدقة بالغة خصائص المراحل الأساسية للروح ~~العلمية، وقارنها بمراحل المشي؛ «فكما أن الإنسان في مشيته ~~الطبيعية لجسمه، لا يستطيع أن يخطو إلى الأمام إلا إذا قدم ~~رجلا على الأخرى، كذلك لا يستطيع الإنسان في السير الطبيعي لعقله ~~أن يتقدم إلا إذا وضع فكرة أمام الأخرى.» وهو يحدد ما يعنيه ~~بالفكرة فيقول إنها «هي حقيقة أو مبدأ يعيه العقل». # 2 # والحق، إن المرء ليعجز عن فهم الشيء، أيا كان، إلا إذا أدمج ~~فيه «فكرة». فالفكرة مجموعة منسقة من العلاقات التي تجمع بين ~~مختلف أوجه الشيء أو أجزائه أو تجمع بين أشياء مختلفة؛ فالصورة ~~المدركة لشيء مثلا، هي فكرة تبدأ بربط مظاهره المرئية ~~المتعاقبة، وفكرة الدائرة تربط المظاهر التي تتشكل بها الدائرة، ~~وهي مظاهر بيضاوية عادة، إذ إن الشكل البيضاوي صورة منحرفة ~~للدائرة، كذلك تربط الفكرة بين المظاهر البشرية واللمسية لهذا ~~الشيء، ولنضرب لذلك مثلا آخر؛ فموضوع القطعة المسرحية أو الرواية ~~أو الشريط السينمائي هو الخيط الذي يجمع بين مراحله ويبررها. ~~والأمثلة العلمية أكثر وضوحا من ذلك: ففكرة المثلث هي سبب خصائصه، ~~وهي تلقي ضوءا على النظريات الخاصة بالمثلث. وقانون نيوتن أو ~~فكرة الجاذبية تفسر الثقل، وحركة الكواكب، والمد والجزر. # ولكن الفكرة لا تؤدي دورها إلا إذا كشفنا عنها أولا، ثم أجرينا ~~التجارب عليها، فمراحل التفكير العلمي تشبه مراحل المشي في أنها ~~تتكون من خطوتين أطلق عليهما كلود برنار اسم «الاستدلال الباحث» ~~«والاستدلال البرهاني»، وأضاف إلى ذلك أن هذين النوعين ms253 من ~~الاستدلال يوجدان في كل العلوم. # الاستدلال أو الأسلوب التدريجي في التفكير # يطلق اسم الاستدلال على العملية العقلية المركبة، التي يمكن ~~التعبير عنها على هيئة جملة نجمع فيها بين عدة تأكيدات أو قضايا ~~(مقدمات)، ونستخلص منها ناتجا يسمى «بالنتيجة» والاستدلال مقالي ~~أو تدريجي أي أنه ينحصر في «سلسلة من البراهين» كما يقول ديكارت، ~~أي أنه سلسلة من العمليات التي يمكن أن تتطور إلى «مقال # discours ~~». # هذه البراهين أو الحجج هي حدود وسطى، أو وسائط، تربط العناصر ~~التي تظهر متضامنة في النتيجة. # الاستدلال «البرهاني» أو الاستنباط # سوف نبدأ بهذا النوع من الاستدلال لأنه يمدنا بأوضح الأمثلة ~~دلالة على الطريقة التدريجية في التفكير. # ولقد قلنا أنه يبدأ «بفكرة» أعني «بحقيقة» أو «مبدأ»، وإذن فهو ~~الاستدلال الذي ينتقل من المبدأ إلى نتائجه. # أرسطو يصف الاستدلال الاستنباطي بأنه قياس # كان أرسطو أول من شعر «بالضرورة المنطقية» التي تربط المبادئ ~~بالنتائج في الاستدلال الاستنباطي. فخلال دراسته لعمليات ~~«الديالكتيك»، أي للجدل المنظم، حدد معالم استدلال «يرغم» ~~السامع، إذا ما اعترف بمبادئ معينة تسمى «بالمقدمات»، على قبول ~~النتيجة ، بحيث لا يكون المرء في حاجة - كما يقول - إلى «طلب ~~النتيجة»، كما يفعل أصحاب الديالكتيك وإنما تفرض النتيجة بضرورة ~~مطلقة. وهذا النوع من الاستدلال يسمى في أبسط مظاهره باسم ~~«القياس» وهذه صورته الكاملة. # كل إنسان فان ~~(مقدمة أولى، تسمى بالكبرى) # وسقراط إنسان ~~(مقدمة ثانية، تسمى بالصغرى) # إذن سقراط فان ~~(نتيجة) # ويدل حرف العطف في المقدمة الصغرى ولفظ «إذن» بوضوح على أننا هنا ~~بإزاء نظام عقلي ذي مراحل متميزة. # ومن السهل أن ندرك أن هذه العملية تنحصر في ربط الحدين ~~«سقراط» و«فان» وهما الحدان اللذان يكونان موضوع النتيجة ومحمولها، ~~بوساطة الحد «إنسان» الذي يتمثل في المقدمتين، والذي يختفي إذا ~~ما انتهى دوره، ولا يظهر بعد ذلك في النتيجة، وهو يسمى «بالحد ~~الأوسط»، وذلك راجع إلى وظيفته المتوسطة هذه. وكان أرسطو يقول إنه ~~هو سبب النتيجة أو علتها: ويسمى موضوع النتيجة (سقراط) بالحد ~~الأصغر، ومحمولها (فان) بالحد الأكبر وتسمى المقدمة التي ms254 تحتوي ~~على الحد الأكبر بالمقدمة الكبرى، وتلك التي تحتوي على الحد الأصغر ~~بالمقدمة الصغرى. ~~(1) المنطق الصوري # وضع المدرسيون، في العصور الوسطى # 3 # دعائم «منطق صوري» مسترشدين في وضعه بتعاليم ~~أرسطو، ويطلق هذا الاسم على نظرية للقياس يرد فيها ~~الاستدلال إلى «صورته»، وإلى عمليته العقلية المجردة، مستقلا ~~عن «المادة» المتضمنة فيه، وتستخلص النتيجة فيه «بقوة الصورة # Vi Formae ~~» وبفضل هذه العملية ~~ذاتها، بحيث يمكن أن نستبدل بالحدود «سقراط» إنسان فان، حروفا ~~كما في الجبر: # كل أ هي ب # على أن كل ب هي ج ~~∴ # كل أ هي ج # فإذا نظرنا إلى «ماصدق» الموضوع، وجدنا أن معنى المقدمة ~~الماصدق ومن حيث المفهوم. # فإذا نظرنا إلى «ماصدق» الموضوع، وجدنا أن معنى المقدمة ~~الكبرى هو: أن جماعة الناس هي جزء من جماعة الفانين. أما إذا ~~نظرنا إلى مفهومه كان معنى الكبرى هو: أن صفات الإنسان تشتمل ~~على الفناء. أو «فان» صفة من الصفات المكونة للإنسان. وعلى ~~ذلك، فإذا ترجم القياس إلى لغة الماصدق، كان معناه هو: لما كان ~~الناس جزءا من الفانين، ولما كان سقراط جزءا من الناس، ~~فسقراط إذن جزء من الفانين. أما إذا ترجم إلى لغة المفهوم، ~~كان معناه بعكس ذلك، أن الفناء لما كان صفة للإنسان، ولما ~~كان سقراط إنسانا فإن الفناء صفة تدخل في مفهوم سقراط. # وفي القياس «الكامل» الذي تحدثنا عنه يكون الحد الأوسط ~~متوسطا من جهتين؛ فقد رأيناه من جهة يربط الحد الأكبر بالحد ~~الأصغر، ومن جهة أخرى نجد أن ماصدقه «متوسط» بين ماصدق ~~الحدين. ولكنه إذا كان متوسطا دائما بالمعنى الأول، فمن ~~الممكن جدا ألا يكون كذلك بالمعنى الثاني. # ووظيفة الحد الأوسط (أعني كونه موضوعا أو محمولا) هي التي ~~تحدد «الأشكال». فالأشكال تختلف باختلاف مكان الحد الأوسط ~~في المقدمات: # فالشكل الأول يتميز بأن الحد الأوسط فيه موضوع في الكبرى ~~ومحمول في الصغرى. # والشكل الثاني يتميز بأن الحد الأوسط فيه محمول ~~الصغرى. # والشكل الثالث يتميز بأن الحد الأوسط فيه محمول في الكبرى ~~وموضوع في الصغرى. # والشكل الرابع يتميز ms255 بأن الحد الأوسط فيه محمول في الكبرى ~~وموضوع في الصغرى. # ومن الممكن حفظ هذه الأشكال الأربعة بسهولة، بفضل الأبيات، ~~التذكارية اللاتينية الآتية: # Sub-Prae, tum ~~prae-prae, tum sub-sub, denique ~~prae-sub ~~(ويلاحظ أن الحروف # sub # معناها # subjectum # أي الموضوع، ~~والحروف # prae # معناها # praedicatum # أي ~~المحمول). # فهناك إذن أربعة أشكال. ولكنا نرى أنه من الممكن رد الشكل ~~الرابع إلى الأول بتبديل موضع الكبرى والصغرى، والحد الأكبر ~~والحد الأصغر، ولهذا السبب رفض بعض المناطقة هذا الشكل الرابع، ~~ولم يعترفوا إلا بالأشكال الثلاثة الأولى. # فإذا ما جمعنا بين صفتي الكم للقضية (كلي، جزئي) # 4 # وصفتي الكيف لها (موجب، سالب) حصلنا على أربعة ~~أنواع من القضايا: # قضية كلية موجبة، يرمز إليها عادة بالحرف ك ~~( # A ~~). # قضية جزئية سالبة، يرمز إليها عادة بالحرف س ~~( # E ~~). # قضية جزئية موجبة، يرمز إليها عادة بالحرف ج ~~( # I ~~). # قضية جزئية سالبة، يرمز إليها عادة بالحرف ب ~~( # O ~~). # وتختلف التأليفات التي يطلق عليها اسم «ضروب» القياس إذا ~~كانت القضايا التي يتكون منها القياس هي ك أو س أو ج أو ~~ب. # ومن الممكن أن تكون القضايا الثلاث (الكبرى والصغرى ~~والنتيجة) في كل شكل من أشكال القياس؛ إما ك أو س أو ج أو ب. ~~فهناك 4 # 3 ~~= 64 ضربا ممكنا من ~~الوجهة النظرية، وإذا علمنا أن هناك أربعة أشكال، كان المجموع ~~64 × 4 = 256 ضربا. # غير أن هناك قواعد للقياس تمنع تجمعات معينة، هذه القواعد ~~عددها 8. ولن نذكر منها إلا واحدة على سبيل المثال: # المقدمتان الموجبتان لا تنتجان نتيجة سلبية. # Ambae affirmantes ~~nequeunt generare negantem. # إذن فهذه القاعدة تؤدي إلى استبعاد الأقيسة من نوع ك ك س، ك ~~ج س، ج ك س، ج ج ك، ك ك ب، ك ج ب، ج ك ب، ج ج ب، ولا يبقى من ~~ال 256 ضربا الممكنة نظريا سوى 19 لا تخالف قواعد القياس، ~~منها أربعة من الشكل الثاني، وستة من الثالث، وخمسة من ~~الرابع. # ولما كان الشكل الرابع قد أثار إشكالات، فلن نبحث ms256 إلا ~~الأشكال الثلاثة الأولى. # قياس الشكل الأول يضع شرطا كافيا # في الشكل الأول، يكون للحد الأوسط ماصدق متوسط بالفعل؛ فالإنسان ~~أخص من الفاني من جهة الماصدق، وسقراط أخص من الإنسان في ماصدقه ~~(بل إن سقراط ليس له ماصدق على الإطلاق)، ما دام (فردا) فمعنى ~~الكبرى في الواقع هو: إن الشرط الكافي في فناء الكائن أن يكون ~~إنسانا. # ويكون الاستدلال من الشكل الأول إذا حددنا فيه قاعدة، وذكرنا ~~الشرط الكافي لتطبيقها ثم أكدنا بعد ذلك أن هذا الشرط قد ~~تحقق. # لهذا كانت المقدمة الكبرى في الشكل قضية كلية دائما (أي ~~قاعدة) والصغرى قضية موجبة. # ومن الأحكام القضائية ما يوضع في صورة أقيسة من الشكل الأول؛ ~~فالمشرع يضع المقدمة الكبرى، مثل: القتل مع سبق الإصرار يعاقب ~~عليه بالسجن أو بالأشغال الشاقة إلخ (تبعا لنوع الحالة)، ويضع ~~المحلفون المقدمة الصغرى: على أن المدعو «م» قد ارتكب جريمة القتل ~~مع سبق الإصرار، ونستخلص النتيجة «بالحكم»، بل ربما كانت جميع ~~الأحكام القضائية نتائج لأقيسة، ما دامت تطبق قوانين، ولكن العلاقة ~~الوظيفية بين المحلفين والمحكمة لا تظهر فيها صراحة على ~~الدوام. # كذلك يستدل المرء في الأخلاق عن طريق قياس من الشكل الأول، عندما ~~يستنتج من القانون الأخلاقي الذي يدعو إلى واجب معين، إلزاما ~~بأداء هذا الواجب في حالة معينة، أو يستنتج من القانون الذي يصم ~~فعلا معينا بمنافاته للأخلاق (كالكذب أو السرقة)، أن فعلا ~~معينا تم أداؤه بالفعل مناف للأخلاق. # وقد ذكر أرسطو مثالا لقياس الرغبة. # فالرغبة تقول: إنني عطشان. # ويقول الإحساس، أو الخيال، أو العقل: «هذا شراب»، فيشرب الحيوان ~~في الحال. # 5 # وفي حياتنا المعتادة نقدم أو نقترح أقيسة مختصرة، تظل ~~مقدماتها الصغرى ونتيجتها محذوفتين، ويطلق عليها المناطقة اسم ~~«الأقسية الناقصة # enthymémes ~~» ~~فالإعلانات مثلا تظهر غالبا على صورة أقيسة ناقصة، مثل: كل ربات ~~البيوت البارعات يستعملن السلعة س، (على أن قارئات هذا الإعلان ~~ربات بيوت بارعات ... إلخ). # قياس الشكل الثاني يقدم شرطا ضروريا # يتميز القياس من الشكل الثاني بأن الحد الأوسط ماصدقه ينطوي ~~على الحد ms257 الأكبر والحد الأصغر فإذا ما فسرنا القياس تبعا ~~للماصدق، كما فعل أرسطو، أي إذا كانت كل قضية تذكر أن الموضوع جزء ~~من الفئة التي يدل عليها المحمول، وجب أن يكون الحد الأوسط محمولا ~~في المقدمتين. وعلى ذلك فإذا قلت: # كل فيلسوف نزيه # واتخذنا من هذه القضية مقدمة كبرى في قياس من الشكل الثاني، فيجب ~~أن يكون محمول الصغرى بدورها هو الصفة «نزيه». ولكن من اليسير أن ~~ندرك أن هذه المقدمة الصغرى لا يمكن أن تكون قضية موجبة، إذ لو ~~كانت كذلك لكان معناها أن موضوعها ينتمي إلى نوع الكائنات ~~«النزيهة»، فماذا عسى أن نستدل عليه من هذا، بشأن علاقاته بالموضوع ~~«فيلسوف»؟ لا شيء ألبته، وهناك مثال لقياس باطل يتخذ صورة ~~مغالطة شائعة جدا: # كل فيلسوف نزيه # وس نزيه ~~∴ # س فيلسوف # إذن يجب أن تكون الصغرى سالبة، وكذلك ~~النتيجة. # كل فيلسوف نزيه # وس ليس نزيها ~~∴ # س ليس فيلسوفا # فالشكل الثاني يتميز بأن إحدى مقدمته ونتيجته سالبتان على ~~الدوام، وهذا راجع إلى أن مقدمته الكبرى لا تعبر عن شرط كاف كما ~~هي الحال في الشكل الأول القائل: «إن الشرط الكافي في غناء الكائن ~~هو أن يكون إنسانا.» وإنما تعبر عن شرط ضروري: «الشرط الضروري في ~~أن يكون المرء فليسوفا هو أن يكون نزيها.» # على أنه متى تحقق شرط ضروري، فليس في وسعنا أن نستدل منه على ~~شيء، ولا نستطيع استخلاص نتيجة إلا في الحالة التي لا يكون الشرط ~~الضروري قد تحقق فيها. # ولنلاحظ أن القضية «الكلية الموجبة» يمكن أن تفهم بمعان ~~مختلفة، فإما أن تعني: الشرط الكافي في فناء الكائن هو أن يكون ~~إنسانا، أو تعني: الشرط الضروري في إنسانية الكائن هو أن يكون ~~فانيا؛ ففي الحالة الأولى تكون القضية هي المقدمة الكبرى الممكنة ~~لقياس من الشكل الأول، وفي الحالة الثانية، لقياس من الشكل ~~الثاني. # ولنلاحظ أيضا أن الشرط الضروري قد يعد «علامة مميزة» فكل ~~فيلسوف «نزية» تعني: النزاهة علامة يتعرف بها على الفيلسوف، على ~~أن وجود هذه العلامة لا يسمح باستخلاص ms258 نتيجة، عن طريق قواعد الشكل ~~الثاني، ما لم يسلم المرء مما يقول جوبلو # Goblot # 6 # بنتيجة احتمالية: # كل فيلسوف نزيه # س نزيه ~~∴ # س قد يكون فيلسوفا # ونحن في الحياة العملية «نتعرف» على الشخص أو الشيء بوساطة سلسة ~~من العلامات، ولكنا دائما مهددون بالوقوع في الخطأ، ولا نستطيع ~~أن نستدل من العلامات على شيء إلا إذا كانت تكون مجموعا ذا ~~دلالة واحدة؛ وهو ما لا يتفق مطلقا مع منطق الاستنباط وإنما مع ~~منطق الاستقراء. # قياس الشكل الثالث يفيد عدم التنافي بين صفتين # في الشكل الثالث يبلغ «ماصدق» الحد الأوسط أدنى حد ممكن. فهو ~~إذن موضوع في المقدمتين. فما الذي يمكننا أن نستدل عليه من ~~مقدمتين لهما موضوع واحد؟ يمكن الاستدلال على أن المحمولين «لا ~~يتنافى أحدهما مع الآخر». # الحوت حيوان له رئتان. # والحوت حيوان بحري. # إذن فمن الحيوانات البحرية ما له رئتان. # والصيغة المنطقية لهذه النتيجة هي «بعض الحيوانات البحرية لها ~~رئتان»، فنتيجة القياس من الشكل الثالث قضية جزئية دائما. ~~وبالاختصار فالقياس من الشكل الثالث يستدل من «الواقع» على ~~«الممكن»، فالحوت «يحقق» حالة الحيوان البحري ذي الرئتين، أي أن ~~مثل هذا الحيوان ممكن. # ولا يمكننا أن نذهب إلى أبعد من هذا إذا نحن اعتمدنا على ~~الاستنباط وحده، فهنا أيضا يقوم الاستقراء بما عجز الاستنباط عن ~~القيام به : إذ إنه - كما سنرى فيما بعد - ينتقل من «الواقع» إلى ~~«الضروري»، مرتكزا على حالات اختيرت على أساس صحيح ومخاطرا لذلك ~~بالوقوع في الخطأ. # 7 # المنطق الصوري القديم، والمنطق الصوري الحديث # لم يكن بد من الانتظار قرونا من الزمان حتى نهتدي إلى الوجهة ~~الجديدة التي سار فيها المنطق الصوري. فحتى عام 1770م، حين كتب ~~«كانت» مقدمة الطبعة الثانية من «نقد العقل الخالص» كنا لا زلنا ~~نقرأ كلمات كهذه: «لم يضطر المنطق، منذ أرسطو، إلى التراجع خطوة ~~واحدة إلى الوراء ... وهذا أمر ينبغي أن نذكره له بالإعجاب، إذ إنه ~~لم يتمكن أيضا، حتى الوقت الحالي، من أن يخطو خطوة واحدة إلى ~~الإمام، حتى لتدل كل الشواهد ms259 على أنه علم قد تم واكتمل.» والحق أن ~~منطق أرسطو كان يمتاز بمحاولة تحليل تركيب الفكر في ذاته، بغض ~~النظر عن مضمونه، وقد حدد بوضوح مبادئ تكفل صحة الفكر، ويمكن أن ~~تستخلص منها قوانين عامة له. # غير أن منطق أرسطو لا يبحث إلا في حالات خاصة جدا للاستدلال ~~الاستنباطي، وقد تصادفنا مجموعات من القضايا مختلفة كل الاختلاف ~~عن القياس. ثم إن المنطق في كتابات أرسطو لا يكاد يتميز عن ~~الأنطولوجيا «مبحث الوجود»، وبالتالي يظل مرتبطا بآراء ~~ميتافيزيقية. والحق أن المنطق - كما لاحظ «دوب # Dopp ~~» في كتابه عن المنطق # 8 ~~- كان طول التفكير القديم والوسيط «مبحثا ذا طبيعية ~~فلسفية، أعني أنه ينظم طريق تحليل فلسفي للصفات المميزة ~~لتفكيرنا.» فإن كان على المنطق ألا يكون مجرد فن للتفكير الذي ~~يتكيف مع اللغة والتفكير الشائع فحسب. وإن كان عليه أن يكون ~~علما للعلم، فمن الواجب أن يتجه في المرحلة الحالية نحو مثال ~~الوضعية الذي تضعه العلوم الحديثة نصب أعينها. وعليه أن يحدد بدقة ~~العمليات الفعلية للتفكير في المجالات التي وصل هذا التفكير فيها ~~إلى أكمل درجات التنظيم. فإذا ترك الجدل الميتافيزيقي جانبا، وجب ~~عليه أن يحقق دراسة وضعية لأدق أساليب الاستدلال الاستنباطي، على ~~نحو ما نجده في الرياضة مثلا. # ولنتابع «دوب» # 9 # في ملاحظة أخرى له، إذ يقول: «لقد تعاقب في التاريخ ~~فهمان للمنطق يختلفان فيما بينها أشد الاختلاف، فالمنطق القديم ~~يمكن أن يوصف بأنه منطق فلسفي، والمنطق الحديث (الذي لا ترجع آثاره ~~الأولى إلى أكثر من نصف قرن من الزمان) يمكن أن يوصف بأنه منطق ~~«وضعي»، والموضوع الذي تدرسه هاتان الفئتان الكبيرتان من المنطق ~~واحد في أساسه: فهدفهما الدائم هو البحث في شروط صحة الاستدلالات ... ~~غير أن المنطقين يقدمان إلينا معرفة منظمة بهذه الشروط تخضع ~~لمثالين في المعقولية مختلفين أشد الاختلاف: إحداهما معقولية ~~نصفها بأنها فلسفية، والأخرى معقولية يمكن وصفها بأنها ~~وضعية.» # الجبر المنطقي # ولنتساءل هنا بوجه خاص: كيف تسنى للمنطق الصوري أن يتلاءم مع ~~موضوع الاستدلال الرياضي ومناهجه؟ إذا لاحظنا دور ms260 الرموز في ظهور ~~التفكير الرياضي، أدركنا أهمية إدخال الرمز بطريقة منظمة في ~~المنطق. حقا أن المنطق المدرسي كان يستخدم نوعا من الرمزية، ~~ولكنها كانت رمزية ساذجة إلى حد بعيد، ثم إن الذي أدى إلى ~~استحداث تجديد شامل في المنطق، لم يكن مجرد إدخال الرمز، وإنما ~~الاستعمال المنظم للرمز تبعا لقواعد فنية بالغة الدقة. ويرجع ~~الفضل إلى عالم منطقي إنجليزي هو «بول # Boole ~~» (1815-1864م) في القيام ~~بأول محاولة متسقة جدية لإيجاد منطق يسير في هذا الاتجاه، ويشيع ~~إطلاق اسم «الجبر المنطقي» على منطق «بول» هذا. # ولقد لاحظ «بول» أننا إذا كنا نستخدم في عمليات الجبر رموزا ~~لها خصائص معينة، فمن الممكن استخدام رموز مشتقة من الرمزية ~~الجبرية للتعبير عن العمليات الفكرية. # فلنتأمل مثلا عملية الجمع في الجبر الأولي، هذه العملية لها ~~خصائص شكلية معينة، أعني خصائص مستقلة عن طبيعة الكيانات الرياضية ~~التي تجري عليها. ولنضرب لهذه الخصائص مثلا بصفة «التبديل # Commutativité ~~» ويعبر عن التبديل ~~في الجمع بالعلامة س + ص = ص + س. ومعناها أن مجموع عاملين من س، ~~ص يمكن قلبه، أي «تبديل» ترتيب الحدود، مهما كانت قيمة س، ~~ص. # فلنتأمل الآن العملية الفكرية التي تجمع أو تضم مجموعتين من ~~الأفراد - ويسميها المنطقي فئتين - وهي العملية التي يعبر عنها ~~مثلا بالصيغة: «الفرنسيون والإنجليز» ففي هذا الجمع بين الحدين: ~~الفرنسيين - الإنجليز، بوساطة العملية المنطقية «و» يمكننا أن نعكس ~~ترتيب الحدين، فنقول: «الإنجليز والفرنسيون» وهنا نجد صفة ~~مستقلة كل الاستقلال عن الحدود التي تجمعت، ويمكننا القول بأن هذا ~~التجمع، الذي نعبر عنه بحرف العطف هو تجمع «قابل للتبديل» مثله في ~~ذلك مثل الجمع في الجبر الأولي. فالعملية المنطقية للعطف (أي ~~الواو) - حين ينظر إليها من وجهة النظر الشكلية الخالصة هذه، ~~وبغض النظر عن «معنى» الحدود التي تربط بينها - لها بدورها خصائص ~~جديدة مماثلة تماما للخصائص المميزة للجمع الجبري الأولي. وعلى ~~ذلك ففي وسعنا أن نرمز لعملية الضم هذه برمز الجمع: +. # غير أن حرف العطف (الواو) قد يشير إلى عملية أخرى للفكر. فعندما ~~نقول «الأشخاص ms261 الذين يسكنون إنجلترا» و«الذين ينتمون إلى جنس ~~الذكور» لا نكون بإزاء عملية جمع أو ضم لفئتين من الأفراد، ~~وإنما بإزاء نوع من التأليف، أو «الضرب» بين فئتين: فنحن نرمي في ~~هذه العملية إلى الإشارة إلى الأفراد الذين ينتمون إلى طائفتين في ~~آن واحد، ويمكننا التحقق من أن هذه العملية المنطقية لها خصائص ~~شكلية مشابهة لخصائص الضرب المنطقي - باستثناء خاصية واحدة سنذكرها ~~فيما بعد. وعلى ذلك نرمز لهذه العملية المنطقية بعلامة الضرب ×، ~~ونسميها بالضرب المنطقي. # ولنلاحظ أن اللغة المتداولة تستخدم حرف الواو ذاته في وظيفتين ~~مختلفتين، أما المنطق فيقضي على هذا الخلط، هو يدفع الذهن إلى ~~المضي في التحليل إلى أقصى درجاته. ففي حالات معينة تؤدي الواو ~~وظيفة علامة الجمع + وفي حالات أخرى تؤدي وظيفة علامة الضرب × فإذا ~~ما عبرنا عن الفئة بدائرة، أمكننا تصوير هاتين الحالتين بالشكلين ~~الآتيين: # فالتعبيران: «سكان إنجلترا»، و«الذين ينتمون إلى جنس الذكور»، ~~تدل عليهما عندئذ حروف س، ص ... كما في الجبر. ويعبر عن الهوية ~~بعلامة التساوي، وعلى أساس هذه الرموز يمكننا بالفعل أن ننشئ ~~«حسابا» من نوع الحساب الجبري، لا يتسع المجال هنا لإيضاح ~~تفاصيله. فمثلا نعبر عن تساوي التعبيرين «الأشخاص الذين يسكنون ~~إنجلترا وينتمون إلى جنس الذكور» و«الأشخاص الذين ينتمون إلى جنس ~~الذكور ويسكنون إنجلترا» بقانون في صورة جبرية هو س × ص = ص × س: ~~أي أن الضرب المنطقي قابل للتبديل مثله في ذلك مثل الضرب ~~الجبري. # وحين وضع بول هذا الحساب المنطقي لم يدع أن ماهية المنطق ~~جبرية، وإنما أراد فقط أن يؤكد أنه «إذا أمكن التعبير عن العمليات ~~الجبرية والمنطقية برمز واحد، فإن تعبيراتهما الرمزية تخضع ~~لقوانين واحدة.» # 10 # ومن الممكن دائما أن يصطلح على تصور عملية منطقية ~~معينة عن طريق رمز خاص بعملية جبرية معينة، ولكن ليس هناك ما يضمن ~~أننا متى ارتضينا رموز الجبر للتعبير عن العمليات المنطقية فإن ~~التفسير المنطقي لهذه الرموز يفضي إلى قوانين مشابهة لقوانين ~~الجبر. غير أن هذا هو ما حدث بالفعل، فقد استعرنا من الجبر المادة ~~الرمزية: ms262 كالحرف س، ص والعلامات +، ×، = ... إلخ. ولما عبرنا عن ~~خاصية منطقية بوساطة هذا النظام الرمزي، أي حين عبرنا مثلا عن ~~قابلية الضرب المنطقي للتبديل، اهتدينا إلى علاقة هي بعينها ~~العلاقة الجبرية: س × ص = ص × س. # غير أن هناك استثناء نبهنا إليه من قبل، فإذا كنا في المنطق ~~نضرب فئة في ذاتها فسيكون الناتج هو هذه الفئة ذاتها. # وهو ما تعبر عنه علاقة س × س = س (فإذا قلنا «الأشخاص يسكنون ~~إنجلترا ويسكنون إنجلترا في الوقت نفسه» كان هذا مجرد تكرار)، ومن ~~هنا لم يكن في الجبر المنطقي أسس. # على أن الصيغة س × س = س لا تصح في الجبر إلا إذا كانت س هي ~~صفر أو 1. وعلى ذلك فالجبر المنطقي يختلف عن الجبر الأولي في أنه ~~يعترف بأن الصيغة س × س = س صحيحة على الدوام. # ولكن مثلما أن الرياضيات الحديثة تحتوي على «هندسات». كذلك يحتوي ~~الجبر على نظم مختلفة، تتكون عن طريق تغيير نسق البديهيات ~~الأساسي فحسب. ومن هذه الأنواع الحديثة في الجبر يوجد نوع هو ~~النظرية التي وضعها بول، ولهذا السبب يسميه الرياضيون «جبر بول» ~~وهذا الجبر يتميز عن الجبر الأولي بأنه لا يقبل أسسا، وإذا كان ~~«بول» قد استخدم الرمزية الجبرية لوضع دعائم منطق جديد فإنه في ~~الواقع قد خلق جبرا جديدا. # المنطق الرياضي # Logistique # بلغ الطموح بالمنطق الأرسطي حدا جعله يهدف إلى أن يكون نظرية ~~منظمة في الاستنباط بوجه عام، لكنا لاحظنا من قبل أن هذه ~~التنظيم كان يفتقر إلى الأساليب الفنية والمناهج التي تستخدمها ~~العلوم الاستنباطية. وهكذا لم يعرض المنطق الأرسطي ذاته في صورة ~~استنباطية، أما الجبر المنطقي فيعرض في صورة استنباطية بالفعل، ~~ولكن ليس له أن يدعي أنه علم للاستنباط بوجه عام، فهو يمثل ~~تفسيرا منطقيا لعلم استنباطي خاص، هو «جبر بول». والمثل الأعلى ~~للجبر المنطقي يظل «حسابا» يسمح بحل المسائل المنطقية ومع ذلك، ~~فالجبر المنطقي، يفتقر إلى ذلك الاتساع والشمول الذي تتصف به ~~«النظرية» المنهجية في الاستدلال. وهكذا لم يصل المناطقة إلى ذلك ~~العلم المنهجي للاستدلال إلا ms263 عن طريق «المنطق الرياضي» وهو (علم ~~جديد خلف الجبر المنطقي). # وقد ظهر «المنطق الرياضي» وهو مشتق من اللفظ اليوناني # Logistiché (techné) # أي (فن) ~~الحساب - ظهر في بداية القرن العشرين، على يد عالمين منطقيين ~~إنجليزيين، هما: برتراند رسل # B. ~~Russell # وألفرد نورث هوايتهد # A. N. ~~Whitehead # اللذان نشرا من 1910م إلى 1913م ثلاثة ~~أجزاء كبيرة عنوانها «المبادئ الرياضية Principia ~~mathematica ~~» وهذا المؤلف هو المرجع الأساسي في ~~المنطق الرياضي، ومنذ ذلك الحين تكونت مراكز دراسية في ألمانيا، ~~وبولندا، وأمريكا، وسعت في أبحاث المنطق الرياضي توسعا كبيرا، ~~حتى أصبح المنطق الرياضي في الوقت الحاضر علما له فروع عديدة، ~~ومنافسا للعلوم الرياضية في دقة الصياغة. # والمنطق الرياضي، الذي يدرس الاستدلال الاستنباطي على نحو ما ~~يتمثل في التفكير الشائع، وفي النظريات الرياضية أيضا، يحتاج إلى ~~نظام رمزي يلائم تفكيرا بلغ هذا الحد من التخصص؛ فليس في وسع ~~الذهن أن يتابع عملية الاستنباط في مجالات فكرية تصل إلى هذا ~~الحد من التجريد، دون معونة الرمز الذي يضفي عليه دقته وإحكامه، ~~ولا يكتفي الحساب المنطقي باستخدام رموز؛ بل إن عليه أن يوضح ~~بطريقة دقيقة محددة قواعد استخدام هذه الرموز ومعالجتها، كما كان ~~يحدث في الجبر المنطقي. ولكن لننبه هنا إلى ما لاحظه «فيز # Feys ~~» في مؤتمر عقد حديثا، من أن ~~«معنى أي رمز من هذه الرموز لا يفترض مقدما قبل طريقة ~~استخدامه.» على عكس المحاولات الأولى في الجبر المنطقي، فالمنطق ~~الرياضي ليس في حاجة إلى الرجوع إلى معنى الرموز لتكوين نظرية في ~~استخدام هذه الرموز «بل إن صفته الرمزية لا ترجع إلى استخدام ~~الرموز الفنية فحسب، إنما ترجع إلى أن كل ما ينطوي عليه من يقين ~~مرده إلى استخدامنا لهذه الرموز فحسب.» # هذا العلم العام الذي يدرس الاستدلال الاستنباطي من حيث صورته، ~~لا يهتم بالرجوع إلى المحتوى الخاص للاستدلال؛ بل يدرس أي الصور ~~تصلح في الاستدلال، دون أية إشارة إلى الطبيعة العينية للأحكام، ~~وعلى هذا النحو يستخلص تركيب الاستدلالات، فإذا أراد الكشف عن ~~كنه هذا التركيب، قام ms264 أولا في الجزء المبدئي منه، بدراسة كل ~~الارتباطات الممكنة بين الأحكام أي بين القضايا. فهو يتخذ هذه ~~القضايا بدلا من الفئات نقط بدء له. وعندئذ ينظر إلى هذه ~~القضايا مؤقتا على أنها عناصر ووحدات لكي يركز الانتباه على طريقة ~~ربط هذه القضايا فيما بينها فحسب، ويسمى هذا الجزء من المنطق ~~الرياضي «منطق القضايا»، ما دامت الموضوعات التي يستدل عليها ~~قضايا، وبعد أن تتم هذه الدراسة ينتقل منها إلى دراسة التركيب ~~الداخلي للقضية (الموضوع، والمحمول) وتفضي به هذه الدراسة إلى ~~منطق للمحمولات وللفئات وللعلاقات. # ولقد ذكرنا من قبل أن المنطق الرياضي كان يتطور بوصفه علما ~~استنباطيا، ومعنى ذلك أن نقطة بدايته بديهيات - بالمعنى الحديث ~~لهذا اللفظ بالطبع - وهي في حقيقتها قضايا يسلم بها دون برهنة، ~~وتصلح أساسا للبرهنة على النظريات المنطقية. ومعناه أيضا أن ~~المنطق الرياضي ينطوي على معاني تعريف، وتستخدم في تعريف المعاني ~~المنطقية الأخرى، ومن قبيل هذه المعاني: الانفصال بين قضيتين ~~باستخدام «أو» واللزوم بين قضيتين. وقد اصطلح على التعبير عن ~~القضايا برموز مثل أ، ب، ج وعن الانفصال بالرمز # v ~~(وهو الحرف الأول من كلمة # Vel # وتقابل في اللاتينية «أو» ~~التي لا تفيد الاستعباد وعن اللزوم بالرمز. # 11 # تعبر إحدى البديهيات عن علاقة بين هذه الأفكار، مثل ~~البديهية التالية (أ # V # ب) (ب # V # أ) (وهذا تعبير عن قابلية علاقة ~~الانفصال للتبديل). وإذا بدأنا من هذه البديهيات أمكننا مواصلة ~~تقدمنا، بفضل «قواعد» للاستنباط تمكننا من استخلاص نتيجة صحيحة ~~من قضية معينة متى سلمنا بصحة هذه القضية، وهكذا ننتهي إلى ~~نظريات منطقية تؤلف قواعد المنطق. وبفضل عملية التعريف، يمكننا ~~أن نصل من المعاني الأولى إلى معان جديدة، ويتضمن المنطق الرياضي ~~إذن «حسابات» لها نفس طبيعة الجبر المنطقي، غير أنه يزيد عنه في ~~أنه يبين «تدرج» هذه الحسابات، ويربطها في نظرية للاستنباط، ~~تماما كما ترتبط الحسابات الرياضية في نظرية رياضية. وهكذا تتمثل ~~في هذه النظرية الاستنباطية كل مزايا النسق؛ من تفكير في نقط ~~البداية وفكر موجه. # وطبيعي أن ينطوي المنطق ms265 الرياضي على دراسة تثبت عدم التعارض بين ~~بديهياته، واستقلالها كل عن الأخرى، فقد يبحث هذا الحساب عن أضيق ~~نقط البداية حدودا، أو عن أبسط قواعد استخدام الرموز ... ويطلق على ~~هذه الدراسة اسم خاص، هو «ما بعد المنطق # métalogique ~~» أي التفكير الواعي في ~~المنطق، ولا شك في أن هذا الجزء من المنطق يفضي بنا إلى إدراك ~~واع لأسس المنطق وقيمته، وهكذا يمكننا أن نتصور كيف أن أحد ~~المناطقة قد قال: «إن المنطق الرياضي ذاته يؤدي إلى تكوين فلسفة ~~للمنطق الرياضي». # 12 # مذاهب المنطق كثيرة # ولكن مثلما أن بديهيات الرياضة ليست بطبيعتها غير قابلة للبرهنة ~~عليها (كما أوضحنا في الفصل السادس) كذلك نجد في المنطق الحديث نفس ~~النسبية في اختيار البديهيات والمعاني الأولى، فإلى جانب المنطق ~~الرياضي الذي يمكن أن يعد الآن «تقليديا» توجد أنواع أو ~~مذاهب من المناطق، مثلما توجد «هندسات» إلى جانب الهندسة ~~الإقليدية. # والواقع أن تعبيرا مثل «أنواع المنطق» قد يبعث الدهشة في نفس ~~الفيلسوف الذي اعتاد النظر إلى المنطق على أنه علم واحد لا كثرة ~~فيه، ولكن لنستمع إلى المنطقي «فيز # Feys ~~» وهو يرد على دهشة الفيلسوف ~~قائلا: «ليس لأحد أن يدهش عندما يسمعنا نتحدث عن أكثر من منطق ~~حديث واحد، فكل تغير في البديهيات يولد مذهبا صوريا جديدا، ~~وهذه الكثرة من مذاهب المنطق لا تتناقض فيما بينها؛ بل تظل كلها ~~في مستويات مختلفة للتفكير وكان من الممكن أن تتناقض لو كانت ~~تضفي معنى واحدا على الرموز التي تستخدمها، وتدعي مع ذلك ~~إخضاعها لمصادرات مختلفة». # وهكذا تختلف البديهيات من ~~منطق إلى آخر، وكذلك التفسير الذي يمكن أن تفسر به المعاني ~~التي تمهد لها هذه البديهيات، فمن بديهيات المنطق التقليدي، مبدأ ~~الثالث المرفوع (وصورته في المنطق الحديث: أ # V ~ ~~، ~~أي أ أو لا - أ) - أي علينا إما أن نثبت القضية أو ننفيها، ولا ~~يوجد احتمال ثالث. على أن منطقيا هولنديا هو «هينتج # Heyting ~~» قد أقام دعائم منطق لا ~~يضع هذا المبدأ ضمن بديهياته، ولا يعترف أيضا بعكسه: ذلك هو ms266 ~~المنطق الحدسي # Logique ~~intuitionniste # الذي تتطلبه الرياضيات الحدسية ~~عند بروفر # Brouwer ~~. # 13 # أما بقية بديهيات المنطق الرياضي التقليدي فيعترف بها ~~المنطق الحدسي. وأما المعاني أو المفاهيم فإن رفض بديهية الثالث ~~المرفوع يغير معناها، ولكنا نستطيع التعبير عن نظريات المنطق ~~الرياضي الحدسي من خلال نظريات المنطق الرمزي التقليدي، وذلك عن ~~طريق نظام معين في الترجمة، مثلما يمكن ترجمة نظريات هندسة ~~لوباتشفسكي إلى نظريات الهندسة الإقليدية عن طريق القاموس الذي ~~اقترحه بوانكاريه. # فكرة قيم الحقيقة في المنطق الرياضي # عندما يعرض المنطق التقليدي في صورة استنباطية (أعني باستنباط ~~النظريات المنطقية من البديهيات) فإننا لا نرجع إلى قيم الحقيقة ~~التي يمكن أن تتصف بها قضية ما. غير أنه من الممكن دراسة المنطق ~~الرياضي التقليدي من وجهة النظر الجديدة هذه؛ فمن الممكن أن يكون ~~للقضية قيمتان فتكون صادقة أو كاذبة، ولما كان المنطق الرياضي ~~التقليدي لا يعترف إلا بهاتين القيمتين، فقد سمي منطقا (ثنائي ~~القيمة # bivalente ~~). على أن في ~~وسعنا القول بأن معنى الصدق والكذب يقحمنا في مجال عيني، وعندئذ ~~يكون علينا أن نكتفي بالقول إننا سنعزو إلى كل قضية قيمتين: ~~القيمة 1 والقيمة 2 مثلا. ولكننا سوف نستبقي التعبيرين: صادق ~~وكاذب، من أجل تيسير الفهم، فكيف ندرس المنطق الرياضي من وجهة ~~النظر هذه؟ لنضرب بضعة أمثلة. فها هي ذي الطريقة التي نعبر بها عن ~~الجمع بين قضيتين ~~(أو ب) وتكون # صادقة إذا كانت أ صادقة وب صادقة (فنحن لا ~~نستطيع أن نؤكد صدق مجموع القضيتين إلا إذا كانت كل من هاتين ~~القضيتين صادقة). أما الانفصال غير الاستبعادي بين قضيتين: ~~(1 أو ب) فيعرف بأنه يصدق إذا كانت «واحدة على ~~الأقل» ومن القضيتين أ، ب صادقة، فإذا كانت أ كاذبة وب كاذبة، ~~فعندئذ لا نستطيع تأكيد ~~. وهكذا نرى أن قيمة مركبة مثل # لا تتوقف إلا على القيمة التي تعزى إلى القضايا ~~التي تكون عناصرها، وهي أ، ب. وهذه ليست سوى أمثلة بسيطة ~~للغاية، غير أن كل التعبيرات المنطقية، مهما كان تعقيدها يمكن ~~دراستها من وجهة ms267 النظر هذه ... والنظرية أو المبرهنة # theorém # المنطقية بوجه خاص، هي ~~تعبير صادق دائما أيا كانت القيمة التي تنسب إلى القضايا أ، ب، ~~ج ... المكونة لها، وهذا ما يطلق عليه اسم «تحصيل الحاصل # Tautologie ~~» بمعنى جديد كل الجدة ~~لهذه الكلمة. # ويمكننا أن نصل إلى أنواع أخرى من المنطق إذا ما أدخلنا قيما ~~جديدة غير الصدق والكذب، كالقيم التي تحدد «درجات للصدق» ~~مثلا. وهذه الأنواع من المنطق تسمى «بعديدة القيم Polyvalentes ~~». # وهكذا قام منطقي بولندي، هو لوكاشيفتش # Lukasiewicz # بتشييد ودراسة منطق ذي ~~ثلاث قيم يمكن الرمز لها بأرقام مثل صفر، 1، 2. ويمكننا تفسير ~~هذه القيم الثلاث بأنها: ما لا يصدق على الإطلاق، وما يصدق كل ~~الصدق، وما هو صادق فحسب. غير أن التفسير العيني لهذه القيم هو ~~الذي يثير صعابا عسيرة، وهي صعاب لا يتسع المجال هنا ~~لبحثها. # المنطق والرياضة # المشكلات الخاصة بالعلاقات بين المنطق والرياضة لها أنواع مختلفة ~~فلنعرض بإيجاز لبعض هذه المشكلات. ~~(1) # هل يجب على مناهج المنطق الصوري أن تستوحي المناهج ~~الرياضية؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال قد أصبحت واضحة ~~كل الوضوح في أيامنا هذه؛ فعن طريق المنطق الرياضي، أصبح ~~النطق بالفعل علما له نفس وضعية العلم الرياضي، وبعد أن ~~أصبح المنطق علما مضبوطا بدقة، اتضح لنا مدى النجاح ~~الذي يستطيع تحقيقه. ~~(2) # أراد بعض المناطقة إرجاع الرياضة للمنطق، والتعبير بوجه ~~خاص عن مفاهيم رياضية خالصة، كمفهوم العدد مثلا، وذلك ~~باستخدام معان منطقية محضة، وتعرف هذه المحاولة لرد ~~المعاني الرياضية إلى المعاني المنطقية باسم «النزعة ~~المنطقية # logicisme ~~» غير ~~أن هذا ليس إلا أحد الاتجاهات الكثيرة في المنطق. ~~(3) # يدرس المنطق مجموعات البديهيات الرياضية، وطريقة ~~صياغتها، وصفات عدم التناقض والاستقلال فيها ... إلخ، ولكن ~~إذا كان المنطق يدرس «أسس» الرياضة، فهل معنى ذلك أن من ~~الواجب أن يسبق تركيب النظريات الرياضية ذاتها؟ علينا أن ~~نعترف بأن مهمة المنطق تتصف بوجه خاص بأنها «راجعة أو ~~ارتدادية # retrospective ~~»؛ ~~فهو يحدد طبيعة العمليات الرياضية وقيمتها بعد وجودها ~~فعلا، فالمنطق وسيلة إلى التبرير أكثر مما هو منهج ~~للإبداع. ms268 # على أنه من العسير أن نحكم على ما حققه المنطق الحديث دون ~~دراسة عميقة لأساليبه الفنية، لهذا فنحن مضطرون إلى أن ندع ~~جانبا مشكلات المنطق الحديث لنعود إلى آفاق البحث التي كانت ~~معروفة في القرن الماضي ... # الاستنباط يفترض الاستقراء الذي يزوده بمقدماته ~~الكبرى # إذا كان حقا أن الاستنباط - كما يعرفه المنطق الصوري التقليدي ~~ويصفه - ينطوي بوجه عام على فقدان للماصدق، فمن الضروري أن يوجد ~~نوع آخر من الاستدلال يزود الاستنباط الشكلي بالماصدق الذي يحتاج ~~إليه، وبعبارة أخرى، يجب أن يتلقى المنطق الاستنباطي المقدمات ~~الكبرى التي يبدأ منها، من نوع آخر من الاستدلال. وهذا المنطق ~~الآخر هو «الاستقراء». وكلمة «الاستقراء # induction ~~» هي المقابل اللاتيني ~~للكلمة اليونانية # epagogé ~~(التي ~~كان الأحرى أن تترجم بقولنا «إضافة # adduction ~~» أو «استيراد # importation ~~»). # والاستقراء استدلال يبدأ بعدد معين من القضايا الشخصية ~~(المتعلقة بواقعة واحدة أو فرد واحد) أو من القضايا الجزئية ~~(المتعلقة ببعض الوقائع أو الأفراد) لينتهي إلى قضية كلية (تتعلق ~~بكل الوقائع أو الأفراد من جنس معين). ويعرفه أرسطو بقوله إنه ~~هو الاستدلال الذي ينتقل من الخاص إلى العام. # ويمكننا تعريفه أيضا. كما قال «لاشلييه» - بأنه: «العملية التي ~~ننتقل بها من معرفة الظواهر إلى معرفة القوانين المحكمة فيها». # 14 # ويتميز تعريف لاشلييه بأنه يوضح الاستخدام العلمي ~~للاستقراء. # الاستقراء يمكن إرجاعه في حالات معينة إلى الاستنباط # وضع «أرسطو» الاستقراء في صورة قياسية، وهذا هو ما يسمى بقياس ~~«الحيوانات التي لا مرارة لها # acoun ~~» ولو كان هذا القياس معادلا ~~للاستقراء حقا، لكان المنطق الصوري هو كل المنطق، وإليك هذا ~~القياس. # الإنسان والفرس والبغل يعيشون طويلا. # على أن كل الحيوانات التي لا مرارة لها هي الإنسان والفرس ~~والبغل. ~~∴ # فكل الحيوانات التي لا ~~مرارة لها تعيش طويلا. # 15 # وهو قياس منتظم تماما، من الشكل الأول، وكل ما في الأمر أن حده ~~الأوسط متعدد، فهو «الإنسان والفرس والبغل» على أن هذا استقراء من ~~نوع خاص جدا، حتى إن أرسطو ذاته لم ينخدع في قيمته الحقيقية، إذ ~~أننا نلاحظ أولا أن ms269 «الإنسان والفرس والبغل» ليسوا أفرادا، وإنما ~~هي أسماء فئات استخلصت صفاتها باستقراء حقيقي يفترضه قياس ~~(الحيوانات التي لا مرارة لها)، ويجمعه في كل موحد. ثم إن هذا ~~القياس لا يفسر ميزة طول العمر التي تتصف بها الحيوانات التي لا ~~مرارة لها، وهي الميزة التي يفسرها أرسطو في موضع آخر فيقول: إن ~~هذه الحيوانات لها كبد أكثر نقاء، وبالتالي دم أنظف، ولهذا كان ~~عمرها أطول. # 16 ~~(1) الاستقراء الصوري # ومع ذلك فالاستقراء، على نحو ما وصفناه، لا يعدم أن يجد له ~~استعمالا. وهو يسمى «بالاستقراء الكامل» أو «الاستقراء ~~الصوري» وسبب هذه التسميات واضح، وهو يستخدم في التصنيفات؛ ~~فإذا وجد جنس معين يحتوي على عدد معين من الأنواع، وتحققنا ~~من وجود صفة معينة في كل من هذه الأنواع، كانت هذه الصفة ~~منطبقة على الجنس بأكمله، أو قد يشتمل نوع معين (كالكواكب ~~مثلا) على عدد معين من الأفراد، ويتصف كل من الأفراد بالصفة ~~التي نحن بصددها (كأن يحتوي على جسم كيميائي معين مثلا). ~~ويظهر الاستقراء الكامل أيضا في تلك العمليات الشائعة المسماة ~~في اللغة الدارجة بعمليات «التتميم # pointages ~~»؛ فالطالب «أ» قد ~~سلم بحثه، وكذلك الطالب «ب» ... إلخ. إذن فكل طلبة الفصل قد ~~سلموا أبحاثهم. # ومع ذلك يجب الاعتراف بأن مثل هذه التطبيقات محدودة، وأننا ~~تناولناها بالبحث فإننا لا نعرض لمشكلة الاستقراء ~~الحقيقية. ~~(2) الاستقراء التعميمي # amplifiante # إن الاستقراء الحقيقي هو ذلك الذي وصف بأنه استقراء تعميمي؛ ~~فهو يعمل في آن واحد على زيادة الحكم كما وجهة، أما ~~باعتبار الكم فذلك بانتقاله من الجزئي إلى الكلي، وأما باعتبار ~~الجهة فذلك بانتقاله من العرضي (أي من المعطى، ومن الواقعة من ~~حيث هي واقعة) إلى الضروري (أي القانون). # ولقد حاول «فرانسيس بيكن» وضع نظرية في «الاستقراء الحقيقي # inductio vera ~~» على حد تعبيره، ~~ولم يخف طموحه في المضي إلى أبعد بكثير مما ذهب إليه ~~أرسطو، وقد أطلق على مؤلفه الكبير الذي لم يتمه، اسم ~~الأورجانون الجديد # Novum ~~Organum # أي المنطق الجديد؛ إذ كان المدرسيون ~~يطلقون اسم # organon ~~(أي ~~الأداة) ms270 على مجموع المؤلفات المنطقية التي وضعها أرسطو. ~~(3) نظرية بيكن في الاستقراء # وصف بيكن العمل الذي يجب على العالم القيام به في بحثه عن ~~«السبب الحقيقي # vera causa ~~» ~~وصفا رائعا، وبلغة طريفة حافلة بالتشبيهات والصور، فهناك ~~أولا ما يطلق عليه اسم «صيد بان Pan ~~» وهو الجمع المنهجي ~~للتجارب العظيمة التنوع، التي يجب على العالم إجراؤها أو ~~جمعها. وعلى العالم أن ينوع التجربة، ومعنى ذلك أن يستخدم ~~الوسائل المعروفة تقليديا، ولكن بحيث يحاول الوصول بواسطتها ~~إلى نتائج أخرى؛ فيستخدم المرايا القوية لا في تركيز ضوء ~~الشمس بل ضوء القمر، أو تركيز الحرارة في مصدر أرضي، وعليه أن ~~يطيل التجربة، كأن يواصل التقطير مثلا إلى مدى أبعد من ~~المدى الذي يمضي إليه المرء عادة ... إلخ. # ثم تأتي مهمة التنظيم المنهجي للأمثلة ~~( # instantiae ~~) في قوائم ~~( # tabulae ~~) مقارنة توضح ما ~~بينها من أوجه الشبه والاختلاف: وهي قائمة الحضور ~~( # tabula praesentiae ~~) وتكاد ~~تكون هي طريقة الاتفاق عند «جون ستورت مل» وقائمة الغياب # tabula abséntiae ~~(وتكاد تكون ~~هي طريقة الاختلاف) وقائمة التدرج # tabula ~~granduum ~~(طريقة التغير النسبي). # وقد أثنى ديكارت على بيكن، الذي كان أسبق منه، ثناء عاطرا، ~~واعترف له بفضل التوجيه والابتكار في المنهج الذي يمكن من ~~إجراء تجارب نافعة، فقال: «ليس لدي ما أزيده في هذا الموضوع ~~على ما كتبه فيرولاموس.» (وهو الاسم الذي كان يطلق على بيكن، ~~الذي كان لوردا لفيرولام # Verulam ~~). # 17 # والحق أن بيكن كان يسعى، مثل ديكارت إلى أن يهتدي من وراء ~~الوقائع إلى ما يسميه «بالتركيب الدقيق الباطن # Schematismus ~~» أو «العملية ~~الكامنة # preocessus latens ~~» ~~وذلك من أجل تفسير هذه الوقائع. ~~(4) الفرض والاستقراء # على أن منطق بيكن يفتقر إلى أمرين؛ فهو أولا لم يوضح ~~على الإطلاق أن كشف «التركيب الدقيق» أو «العملية الكامنة» هو ~~نتيجة استدلال ينبغي تبريره منطقيا. وبعبارة أخرى ، فالمشكلة ~~المنطقية للاستقراء لم تطرأ على ذهنه، ثم إنه لم يوضح بجلاء ~~تلك الفكرة الأساسية، وهي أن هذه النتيجة إنما هي فرض. وكلمة ~~الفرض هذه تنطوي على معنيين، فالفرض تخمين ms271 وهو لا يعدو أن يكون ~~احتماليا وغير يقيني ثم إن الفرض مبدأ، يستخلص الاستنباط منه ~~نتائج يجب التحقق من صدقها بطريقة تجريبية. وفي هذه الصفة ~~الثانية يستبقي الفرض شيئا من وظيفته الرياضية، كما أوضحنا ~~من قبل. # ولقد حاول «هاملان # Hamelin ~~» ~~وضع الاستقراء الذي قرر به كبلر قانونه الأول في صورة استدلال ~~- ويذكر هذا القانون أن «الكواكب ترسم حول الشمس مدارات ~~بيضاوية تكون الشمس في أحد مركزيها» # 18 # وعندئذ تكون هذه القضية نتيجة لاستدلال لا يمكن ~~أن يكون قياسا بطبيعة الحال، ومع ذلك تتمثل فيه صفة الانتقال ~~عن طريق حد أوسط، والحد الأوسط هنا هو: أن المواقع المتعاقبة ~~للكواكب يمكن أن تضم كلها بوساطة مدار بيضاوي. وفضلا عن ذلك ~~فقد أوضح «هاملان» الأساس الخفي للاستدلال، وهو فكرة الاحتمال ~~التي تتمثل في النتيجة. فالنقط لا تقع على مدار «اعتباطا»، ~~وإنما نهتدي إلى المدار الحقيقي لأنه من «غير المحتمل» أن تبدو ~~النقط التي تحدد مواقع الكواكب منتمية إلى مدار بيضاوي، وتكون ~~في الوقت ذاته منتمية في حقيقة الأمر إلى مدار آخر، ويزداد ~~احتمال كوننا قد اهتدينا إلى المدار الصحيح كلما ازداد عدد ~~النقط التي كشفناها. وبعبارة أخرى، فنقطة ارتكاز الاستقراء هي ~~اعتقاد وإيمان، أي الاعتقاد بوجود منحنى، وبوجود قانون، وبوجود ~~حتمية. فأساس الاستقراء هو الإيمان بالحتمية. # الطبيعة الحقيقية للاستقراء # والآن يمكننا أن نعرف كنه الاستقراء على نحو أدق. فهو أولا ~~تخميني، وهو يفترض ابتداعا حرا ترشده المعطيات وتلهمه، دون أن ~~تقهره على شيء، فعندما بحث كبلر عن القانون الهندسي الذي تخضع له ~~الكواكب، فكر أولا في الدائرة، ولكن تبين له أن هناك انحرافا ~~ضئيلا جدا في الواقع بين الدائرة والمدار الحقيقي، فجرب 19 ~~مدارا مختلفا قبل أن يصل إلى المدار الحقيقي. وقد استخلص هذه ~~المدارات التسعة عشر من المعلومات الهندسية التي كونها علماء ~~الهندسة، خلال أبحاثهم في عهد طاليس، وإقليدس، وفي أثناء قيامهم ~~بالكشف وبتحسين كشوفهم. # ثم إن الاستقراء يفترض الإيمان بالحتمية، ولقد كان كلود برنار ~~على حق عندما قال إن من الواجب ms272 على العالم أن «يحتفظ بحرية ~~كاملة تستند إلى الشك الفلسفي» ولكنه أضاف: «ومع ذلك فيجب عليه ألا ~~يكون شكاكا؛ بل يجب أن يؤمن بالعلم، أي بالحتمية، وبالعلاقة ~~المطلقة والضرورية بين الأشياء.» # 19 # وأخيرا فالاستقراء ينتهي إلى «فرض» أي إلى مبدأ احتمالي يصلح ~~أساسا لاستنباط يمكن التحقق من صدقه. # فإذا كان الأمر كذلك، فليس لنا في الواقع أن نعد الاستقراء ~~استدلالا موازيا للاستنباط. فالاستنباط «يرغم» ولا يترك أي مجال ~~للاختيار. وفضلا عن ذلك، فالاستنباط هو على نحو ما «جزء» من ~~الاستقراء، فلنقل إذن، بالأحرى، إن الاستقراء منهج، أي أنه مسلك ~~معين في الاستدلال. # 20 # مبدأ الحتمية أساس الاستقراء # قلنا إن الاستقراء يفترض الإيمان بالحتمية، أي اعتقاد خضوع ~~الطبيعة لقوانين، ومن هنا كانت الحتمية أساس الاستقراء. ~~(1) المبادئ الثلاثة لعلاقات التجربة # إذا ارتضينا في هذه ~~المسألة ما ذهب إليه «كانت» قلنا إن البحث عن القوانين يفترض ~~ثلاثة مبادئ يسميها «كانت» «مبادئ علاقات التجربة # Analogies de l’éxperiencé ~~» ~~وهو يرمي من هذه التسمية إلى بيان أنها تمكن العالم من ~~تفسير العلامات التي تكشف له عنها التجربة والتي تنم عن وجود ~~علاقات بين الظواهر. # 21 # والواقع أن مبدأ العلاقة ليس إلا هوية في العلاقات ~~تمكننا، إذا وجدت حدود ثلاثة، من التكهن بالرابع على ~~أساس أن علاقته بالثالث مماثلة لعلاقة الثاني بالأول، ولقد ~~أوضح «كانت» بجلاء في هذا الصدد أن عمل العالم الذي يفسر ~~التجربة ينحصر في التنبؤ بالعلاقات تبعا لعلامات خاصة: ففي ~~المثال الذي قدمناه من قبل (نقلا عن هاملان) يكون «الحد ~~الأوسط» في الاستقراء هو العلامة التي تمكن من التكهن بوجود ~~المدار البيضاوي الخفي، سواء أكان ذلك التكهن هينا أم ~~شاقا. # وقد حدد «كانت» صيغة مبادئ علاقات التجربة الثلاثة كما ~~يلي: ~~(أ) مبدأ الجوهر # يظل الجوهر على حالة وسط تغير كل الظواهر دون أن تزيد ~~كميته في الطبيعة أو تنقص. فمهمة العالم تنحصر إذن في ~~إيضاح طبيعة هذا الجوهر وتحديد كميته. وذلك هو موضوع تلك ~~القوانين الكبرى المسماة ب «مبادئ بقاء المادة ~~والطاقة». # العلم والجوهر ms273 # قد يظن المرء أن ~~العلم الاستقرائي المعاصر ليس في حاجة إلى مبدأ الجوهر؛ بل ~~قد يخيل إليه أنه ينبذه: هو ليس في حاجة إليه، لأنه ~~يكتفي بصياغة قوانين سببية أو وظيفية تعبر عن علاقات بين ~~الظواهر المتعاقبة، أو بين العناصر المتلازمة للظاهرة، أو ~~بين الظواهر المتلازمة. ومن جهة أخرى فهناك ظواهر تناقض ~~مبدأ بقاء المادة، لأنها تبين لنا أن بعض أجزاء المادة ~~تفقد أو تختفي بلا رجعة. وفضلا عن ذلك فالمادة هي ~~الكتلة التي تتغير تبعا للسرعة، كما تقول بعض النظريات ~~المعاصرة. ولكن يلاحظ أن كل فقدان أو ظهور للكتلة، يصحبه ~~ظهور أو اختفاء للطاقة يتناسب معه، بحيث تكون إحدى صور ~~الطاقة. وإذا كانت الكتلة تتغير تبعا للسرعة، فمن ~~المؤكد أن الكتلة لن تعود هي الباقية؛ بل إن ما يبقى هو ~~علاقة خاصة معقدة بين الكتلة والسرعة. فهناك إذن على ~~الدوام مبادئ للبقاء، وكل ما في الأمر أن تحديد صيغة هذه ~~المبادئ قد أصبح أكثر تعقيدا وتجريدا. # أما أن العلم في حاجة إلى هذه المبادئ، فذلك ما توضحه ~~الملاحظة الآتية: # إن القوانين تعبر عن العلاقات، غير أننا نظرنا إلى هذه ~~العلاقات من وجهة النظر العلمية، فوجدناها تربط حدودا ~~«وأشياء» متضايفة. # ومن هذه الأشياء ما لا يتصف بالثبات، وما يستمر في ~~البقاء، كالطاقة الكهربية مثلا. ولكن ينبغي في نهاية ~~الأمر أن يكون منها ما هو دائم، حتى يكون العلم منصبا ~~على حقيقة واقعة. # وإذن فقد كان «كانت» محقا عندما عد مبدأ الجوهر ~~ضمن مبادئ علاقات التجربة، فهذا المبدأ يعني كما لاحظ ~~ميرسون # Meyerson ~~- مثلا - ~~أن الروح العلمية تنطوي على قدر معين من الواقعية، أي من ~~الإيمان بالواقع. ولا شك أن هذه الواقعية مؤقتة، وأن العلم ~~مثالي في أساسه، ولكن العلم يرتكز، في مرحلة معينة من ~~مراحل البحث، على واقعية مؤقتة، يعبر عنها مبدأ ~~الجوهر. ~~(ب) مبدأ السببية ~~«كل التغييرات تحدث تبعا لقانون الارتباط بين الأسباب ~~والنتائج» وعلى هذا المبدأ تبنى «القوانين السببية» ومن ~~أمثلتها القوانين التي ترجع مرضا معينا إلى تأثير ms274 ~~جرثومة معينة. ~~(ج) مبدأ التأثير المتبادل # يوجد تأثير متبادل عام بين الجواهر بالقدر الذي تكون ~~فيه متزامنة في المكان. وبعبارة أخرى، فكل الأشياء ~~المتزامنة في الكون يؤثر بعضها في بعض، وهذا التأثير ~~المتبادل يخضع لقوانين. وهذه القوانين «ارتباطية»، فهي ~~تبين أن الحوادث المشار إليها «ترتبط» بعضها ببعض. وهذه ~~القوانين لا تسري فقط على «الجواهر» - على حد تعبير ~~«كانت» - أعني على الحقائق المادية؛ بل تسري أيضا على ~~الحوادث، أعني على تغيراتها وعلى صفات الحقائق أو الحوادث ~~وعناصرها والعوامل المتحكمة فيها. وهكذا نجد قانون ~~«ماريوت» يحدد حجم كتلة من الغاز من حيث «ارتباطها» ~~بالضغط وقانون «أوم # Ohm ~~» ~~يمكن من حساب القوى الكهربية المحركة لتيار كهربائي من ~~حيث «ارتباطها» بالمقاومة والشدة. # أساس الاستقراء عند «كانت» هو إمكان التجربة # والآن نعرض لمشكلة أدق، هي مشكلة «أساس» الاستقراء. فالأساس هو ~~الدعامة المتينة، وهو الحجة التي يدعيها العالم لنفسه عندما ~~يستقرئ. ونقول إنه يدعي لنفسه حجة، لأنه ينتقل من مجال إلى آخر، ~~فينتقل من الواقعة إلى القانون. فلم يكن كبلر يستطيع أن يرى المدار ~~البيضاوي الذي أكد أن الكواكب تتحرك فيه، وهو لم ير إلا «بضع» ~~مواقع لكوكب «واحد» فافترض أن هذه المواقع نقط في مدار بيضاوي. ~~وذلك المدار يضم عددا «لامتناهيا» من المواقع الماضية والحاضرة ~~والمستقبلية «لأي» كوكب. وقد افترض كبلر أن كل الكواكب «مضطرة» ~~بمعنى ما إلى التحرك في مدار بيضاوي، وأنها ترسم «بالضرورة» وعلى ~~الدوام، مدارات بيضاوية. ومن هنا ندرك مدى «الوثبة» التي يقوم بها ~~المرء عندما يستقرئ. وهذه الوثبة تحدث في كل الأحوال، ولا يتحقق ~~أي علم دونها. # ومن المحال أن نبرر هذه الوثبة عن طريق الاستنباط. فليس هناك ~~أي «تحصيل حاصل» في حركة التفكير التي نستقرئ بها. ذلك لأن أساس ~~المنطق الاستنباطي هو «مبدأ الهوية»، وتبعا لهذا المبدأ لا يجوز ~~للمرء متى أكد صدق قضية ما، أن يؤكد صدق قضية أخرى تناقضها ؛ بل ~~إنه متى أكدها، وجب عليه أن يستمر دائما في تأكيدها، هي وما ~~تستتبعه من نتائج. فهل يحق للمرء ms275 أن يمد هذه القضية ويعممها، ~~وينتقل من تأكيد ظاهرة إلى تأكيد قانون؟ إن مبدأ الهوية لا يرفض ~~هذا الحق، ولكنه عاجز تماما عن أن يمدنا به، بل الحق أنه لا ~~يذكر عنه شيئا. ~~(1) الإدراك الحسي والعلم # لكن الأمر الذي يطمئننا هو أن «الوثبة» التي نقوم بها عندما ~~نستقرئ، هي وثبة نقوم بها بالضرورة ما دمنا «نفكر». وفي هذه ~~المسألة نجد أن الإدراك الحسي لا يقل تعجلا عن العلم؛ بل ~~إنه ينطوي على نوع من العلم. فهو لا يصوغ قوانين بالمعنى ~~الصحيح، وإنما يقرر أشياء وحقيقة واقعة، بطريقة ضرورية، ويدعي ~~لنفسه صفة الحقيقة، ولو تخلى عن صفة الحقيقة، لتخلى عن وجوده ~~ذاته. على أن إقرار حقيقة واقعة، معناه تأكيد أن لنا الحق في ~~الاعتراف بوجود يتقرر خارج الفرد الذي يقرره، أعني ~~الاعتراف بوجود ضروري شامل؛ ضروري بمعنى أنه يتمثل ويوجد ~~ضمنا في كل الإدراكات الحسية للشخص الذي يدرك، ويتحكم في هذه ~~الإدراكات على نحو ما، وشامل بمعنى أنه متضمن، بطريقة ~~مباشرة أو غير مباشرة، في جميع الإدراكات الحسية لكل ~~الموجودات القادرة على الإدراك الحسي، وإذن فالإدراك الحسي ~~ذاته يتجاوز نطاق التجربة المباشرة في تأكيد عمومية الوجود ~~وضرورته. # وفي وسعنا أن نقرب بين الإدراك الحسي والعلم بطريقة أعمق ~~من هذه. فليس ثمة إدراك حسي دون وجود هندسة تلقائية، لأننا ~~لا نستطيع رؤية شيء أو لمسه دون أن نحدد له شكلا. غير إن ~~هذا الشكل هو ذاته «القانون». وكما أن كبلر قد جمع في المدار ~~البيضاوي سلسلة من مواقع الكواكب، فإن المدرك الساذج يجمع في ~~دائرة مثلا، لمسات يده لمائدة مستديرة، أو الصور التي ترسمها ~~هذه المائدة في عينيه، وفي معظم الأحيان لا يمكن أن تكون هذه ~~الصورة دائرية؛ بل تكون بيضاوية بدرجات مختلفة، وإنما تكون ~~فكرة الدائرة المتضمنة في رؤية المائدة المستديرة نتيجة لنوع ~~من الاستقراء التلقائي الساذج، وهذا الاستقراء بدوره يمكن ~~من القيام بنوع من الاستنباط الذي يشبههه في تلقائيته ~~وسذاجته، إذ إن الدائرة التي نفكر فيها عن طريق الإدراك الحسي ms276 ~~للمائدة المستديرة تتشكل ذهنيا بعدد لا متناه من الدوائر ~~أو من الأشكال البيضاوية الممكنة، فتسمح بالتنبؤ بكل الصور ~~التي يمكن أن تبعثها المائدة المستديرة في أعين جميع من ~~يدركونها، أو بالتكهن بسلسلة الاتصالات اللمسية التي تقدمها ~~الدائرة أو يمكن أن تقدمها لهم. ~~(2) الفلسفة الترنسندنتالية # علينا أن نبحث عن أساس الاستقراء في الإدراك الحسي، أي في ~~أكثر التجارب تلقائية وبساطة وضرورة. وهذا ما تعنيه الفلسفة ~~الترنسندنتالية «عند كانت» وقد عرض «كانت» نفسه الفكرة ~~الأساسية لهذه الفلسفة في مقدمة «نقد العقل المحض» (الطبعة ~~الثانية) فقال «إن الأمر هنا لأشبه بالفكرة الأولى عند كبرنك ~~فهو حين ألفى نفسه عاجزا عن الوصول إلى تفسير لحركات السماء ~~على أساس القول بأن جميع الأجرام السماوية تدور حول المشاهد، ~~بدا له أنه قد يحرز نجاحا أكبر لو جعل المشاهد ذاته يدور، ~~ويترك النجوم ساكنة، وفي الميتافيزيقيا يمكننا أن نقوم ~~بمحاولة مماثلة، وبالنسبة إلى إدراكنا الحسي للأشياء. فإن كان ~~من الواجب أن ينظم هذه الإدراك تبعا لطبيعة الأشياء، فلست ~~أدري كيف يمكننا معرفة شيء عنه قبليا # à Prori # أما إذا كان الشيء (من حيث هو موضوع ~~للحواس) هو الذي ينظم تبعا لطبيعة قدرتنا على الإدراك الحسي، ~~فعندئذ أستطيع أن أتصور هذا الإمكان بكل وضوح.» # 22 # وبعبارة أخرى، فقد أحدث «كانت» في الفلسفة انقلابا مماثلا ~~لانقلاب كبرنك في علم الفلك؛ إذ بدد الفكرة الوهمية ~~التلقائية التي تدعو المرء إلى اعتقاد أن الواقع الخارجي يفسر ~~الإدراك الحسي تفسيرا كاملا، وينطبق عليه انطباقا تاما، ~~كأن يظن المرء مثلا أن النجوم تدور حول المشاهد لأنه «يراها» ~~تدور حوله، وقد بين «كانت» أن هذا الإدراك الحسي تمثل # representation # أي تدخل من ~~جانب الذهن الذي يحدد الموضوع، ويقرره على نحو ما، كما ~~أكد أن هذا التمثل تدخل إيجابي للذهن الذي يفهم الأشياء ~~لكي يتعرف عليها باعتبارها حقيقة واقعة في الوقت ذاته، وهذا ما ~~فعله كبرنك عندما حمل على المذهب التلقائي القائل بمركزية ~~الأرض، واستبدل به مذهبا عقليا يقول بمركزية الشمس. وهذا ~~المنهج يسمى «بالمثالية». ms277 فالمثالية هي تفسير الحقيقة ~~الخارجية عن طريق الحكم الواقعي، وتفسير الحكم الواقعي بالعقل ~~الذي يريد أن يفهم. # ويطلق «كانت» على هذه الفلسفة اسم «الترنسندنتالية». ولقد ~~كان المدرسيون يطلقون هذا الاسم على المحمولات التي تنطبق على ~~كل الموجودات، مثل صفة كون الشيء «واحدا» أي كونه يكشف عن ~~وحدة داخلية، أما «كانت» فيطلق اسم «الفلسفة الترنسندنتالية» ~~على تلك الفلسفة التي تفرض على الوجود «شروطا قبلية» مصدرها ~~العقل. ولنلاحظ أن هذه الفلسفة ليست في أساسها جديدة كل الجدة، ~~وذلك لأن «ديكارت» عندما بدأ تأملاته بالشك المنهجي، ووضع ~~«الكوجيتو» أنا أفكر إذن أنا موجود، قد قال في الواقع نفس ما ~~قاله «كانت». فالشك تكذيب للواقعية الساذجة في الإدراك الحسي ~~التلقائي، والكوجيتو تعريف للحقيقة، وأنموذج كل حقيقة، فليست ~~هناك حقيقة سوى ما أفكر فيه بوضوح وما أفهمه، بل إن في وسعنا ~~الاهتداء إلى أقدم أصول الفلسفة الترنسندنتالية في مثالية ~~أفلاطون. # برهان الحتمية # وإذن ف «كانت» يسمي البرهان على مبدأ ما برهانا ~~ترنسندنتاليا، إذا كان يثبته عن طريق الشروط القبلية للتمثل، ~~فهو بعبارة أخرى، البرهان الذي يؤكد وجود الحقيقة الخارجية عن ~~طريق ضرورة الفهم. ~~(1) الجوهر # يأتي مبدأ الجوهر بالشرط الأول الذي ينبغي توافره لكي يدرك ~~الذهن أي تغير، وهذا الشرط هو أن يظل شيء ما «ثابتا» وسط ~~التغير، إذ لو كان التغير كاملا، لقضى على نفس المعيار الذي ~~يمكن من إدراكه. ~~(2) السببية # مبدأ السببية شرط يتطلبه العقل لكي يتصور حقيقة تعاقب ~~الحوادث، والتعاقب الحقيقي هو التعاقب الذي لا يمكن عكس ~~اتجاهه، ولا يمكن تصوره بالترتيب العكسي دون خلف، كما هي ~~الحال لو تصورنا - على سبيل المثال - نهرا يتجه تياره نحو ~~منبعه. فللواقع اتجاه، لأن الزمان الذي نتصوره فيه له اتجاه ~~المثال، ولو وجدت سلسلة من التصورات تسمح بأن تعبر في أي ~~الاتجاهين حسبما نريد، لما كانت حقيقة، ولكنا نعبر بالفكر أو ~~بالحواس مجموعة من الأشياء هي في حقيقة الأمر مقترنة زمانيا ، ~~كحجرات البيت الواحد مثلا. ولكننا لا نستطيع أن نتصور موت ~~لويس السادس عشر قبل مولده، ms278 لأن هذا الموت وهذا الميلاد ~~واقعيان، وحادثان. فالحوادث لا يمكن أن ترجع على أعقابها. ~~وتصور صفة عدم القابلية للرجوع هو ذاته السببية، إذ إن ~~السبب يحدد النتيجة، لا العكس، ولنقل بتعبير آخر، أعمق من ~~الأول، إن المرء لا يستطيع أن يوقن بأن الحادثين متعاقبان ~~إلا إذا أدرك أحدهما بوصفه سببا للآخر. ~~(3) التأثير المتبادل # وكما أن السببية هي أساس التعاقب، فإن التأثير المتبادل هو ~~أساس التزامن، فالحادثان المتزامنان ليسا مجرد حادثين غير ~~متعاقبين؛ بل هما حادثان يؤثر كل منهما في الآخر تأثيرا ~~متبادلا، ومتساويا، فهما يكونان معا جزءا من عالم واحد، ~~وهما مرتبطان، ولو عن طريق الضوء الذي يتبادلانه، والإشعاعات ~~التي تنبعث من كل منهما نحو الآخر، ولقد كان تفكير ديكارت ~~عميقا عندما قال إن الضوء هو الحقيقة الأساسية للكون المادي، ~~وأثبت تقدم العلم فيما بعد أنه كان محقا في قوله هذا. ~~فالضوء (بمعناه العام، أي بمعنى الإشعاع) هو الذي يمثل ماديا ~~وحدة الكون. # أساس الاستقراء عند لاشلييه # فلنفحص الآن الحجج الرئيسية لرأي مشهور في أساس الاستقراء # 23 # دافعت عنه فلسفة جول لاشلييه في 1871م. # فقد أكد لاشلييه، من وجهة نظر يمكن تقريبها من وجهة نظر «كانت» ~~أن «شروط وجود الظواهر هي نفس شروط إمكان التفكير» (ص41) ولكن ~~أصالة رأي لاشلييه إنما تنحصر في قوله بأن «المبدأ الذي ترتكز ~~عليه معرفتنا القبلية للطبيعة مبدأ مزدوج» (ص69). ويتكون هذا ~~المبدأ من قانون العلل «الفاعلة» وقانون العلل «الغائية» فالقانون ~~الأول ينص على أن كل «ظاهرة متضمنة في سلسلة يتحكم وجود كل حد ~~منها في وجود الحد الذي يليه» ص42، ولكنا ندرك، وسط كثرة الظواهر، ~~وحدة تربط بينها (ص55) وعلى ذلك فهناك قانون ثان «تدمج فيه كل ~~ظاهرة في نسق تتحكم فيه فكرة «الكل» في وجود الحد الذي يليه» ~~(ص42) ولكنا «ندرك وسط كثرة لا يمكن أن تنتج إلا من اعتماد كل جزء ~~منها على «الكل»، فلا بد إذن أن تكون فكرة «الكل» في الطبيعة قد ~~سبقت وجود أجزائها وتحكمت فيه، وإذن ففي الجملة ms279 يجب أن تكون ~~الطبيعة خاضعة لقانون العلل الغائية.» (ص79). # ويستخدم لاشلييه القانون الأول ليفسر ما تتصف به سلاسل الظواهر ~~من ترتيب وانتظام بوساطة قانون «الآلية الشاملة» # mécanisme univrsel # وقد يبدو أن ~~مثل هذا التفسير الآلي لصحة الاستقراء يتنافى مع أية طريقة أخرى ~~للتفسير، وأن المرء لا يستطيع أن يسلم في آن واحد بالآلية ~~الشاملة، وبالغائية. ولقد نبهنا برجسون فيما بعد، في كتابه «التطور ~~الخالق» (ص43) إلى أن «الفلسفة الآلية إما أن تقبل أو ترفض ~~بحذافيرها، وينبغي رفضها لو كانت أصغر ذرة من التراب تبدي أي نوع ~~من التلقائية بانحرافها عن المسار الذي تتنبأ به الميكانيكا.» ~~وإذن فكيف نعترف بقانون العلل الفاعلة وقانون العلل الغائية في ~~آن واحد؟ يحدد لاشلييه نفسه هذا الاعتراض بدقة فيقول: «... إن ~~الوجود الموضوعي للظواهر ذاتها يبنى على تسلسلها الضروري فهل ~~يتسنى لنا أن نبحث لهذا الوجود ذاته عن أساس جديد، وهلا تكون ~~الظواهر أكثر حقيقة وموضوعية لأن وحدة السلسلة، التي تؤدي إلى ~~ظهور كل حركة من الحركة السابقة عليها، تضاف إليها وحدة ~~النسق، التي تؤدي إلى توجيه حركات متعددة نحو هدف واحد مشترك؟ ~~أليس من الواضح، على عكس ذلك أن هذه الوحدة الثانية زائدة تماما، ~~وأن العقل، بدلا من أن يدمجها في الأشياء، يضطر عندئذ إلى ~~انتظارها، كما لو كانت مصادفة سعيدة، ومنحة تتكرم بها ~~الطبيعة.» (ص47). # ولكن الواقع أنه يوجد بين الظواهر نوعان من العلاقات: «علاقات ~~السبب بالنتيجة» وفيها تكون الظواهر سلسلة متصلة في الزمان، ~~وعلاقات الوسيلة بالغاية، وعليها ترتكز الوحدة المتجانسة المنظمة ~~للطبيعة (ص80) ففي الطبيعة ذاتها مستويان من مستويات الوجود، مما ~~يبرر البرهان الفلسفي الذي أتى به لاشييه. ففي وسعنا القول إن ~~الظواهر «توجد» من حيث إنها تعتمد على سبب يسبقها في الزمان ... ~~كذلك يمكننا القول بأن الظاهرة «توجد» من حيث أنها تساهم في ~~تحقيق غاية هي أيضا مثالية ... بل إن هذا التعريف الثاني للوجود ~~يتمشى، خيرا من الأول، مع الفكرة التي نكونها عموما عن أحد ~~الموجودات؛ لأن ما يسمى بهذا الاسم، ولاسيما ms280 إذا كان كائنا ~~حيا، هو على وجه الدقة مجموعة من الظواهر التي تدور - على نحو - ~~حول غاية مشتركة. وعلى ذلك فللطبيعة نوعان من الوجود، يقومان على ~~القانونين اللذين يفرضهما التفكير على الظواهر: وجود مجرد، يتحد ~~ذاتيا مع العلم الذي هو موضوعه، ويرتكز على القانون الضروري ~~للعلل الفاعلة، وقانون عيني، يعادل ما يمكن تسميته بالوظيفة ~~الجمالية للتفكير، ويرتكز على قانون عرضي للعلل الغائية) ~~(ص80-81). # وهذه الغائية هي التي تكشف عن سمة تتميز بها بوضوح فلسفة جول ~~لاشلييه. # الفصل الثالث عشر # | العمليات العامة للفكر «تكملة» # التحليل والتركيب - الحدس # الاستنباط والاستقراء صورتان كيفيتان، وغير متميزتين، للتحليل ~~والتركيب، فهذان الأخيران هما المنهج الحقيقي لعلم الطبيعة الرياضية ~~الحديث. # والتحليل هو الحركة التي يصعد بها الذهن من شروط إلى شروط، حتى يصل ~~إلى العنصر العقلي، الذي هو «سبب» المعطى، وقد ابتدعه الرياضيون ~~(التحليل الباحث # Zététique # والتحليل ~~البرهاني # poristique ~~). ولكن هناك أيضا ~~تحليلا طبيعيا وكيميائيا. # أما التركيب فهو الحركة العكسية، وهدفه إعادة تركيب المعطى عقليا ~~بغية البرهنة عليه أو تحقيقه. وهو قابل للتعميم. # فالاستنباط والاستقراء، والتحليل والتركيب، هي العمليات المقالية ~~المتدرجة ( # discursives ~~) للعقل البشري. ~~ويجب إكمالها بالحدس، وهو معرفة مباشرة تنصب على ما هو فردي. ولكن هل ~~الحدس معرفة عقلية؟ هناك فلسفات للحدس تؤكد أنه خارج عن مجال العقل، ~~ومن قبيلها الميتافيزيقا المسيحية عند باسكال، وفلسفة برجسون. أما نحن ~~فنعتقد بالأحرى، مسايرين في ذلك النزعة العقلية، أن الحدس هو الصورة ~~العليا للعقل، وأن الإدراك العميق للتفكير العلمي كفيل بأن يهتدي فيه ~~إلى الروح مكتملة، وفي أرفع صورها. # التحليل أفضل صور الاستقراء، وهو المحرك الخفي له # درسنا في الفصل السابق العملية التي نصل بها من الوقائع إلى ~~القوانين. وهناك قوانين «كيفية» خالصة، تنتهي إلى القول بأن للشيء ~~خاصية مميزة، كالقول بأن من خواص الحرارة أن تؤدي إلى تمدد ~~الأجسام، وتصهرها وأن الأثير يذيب المواد الدهنية، وأن الأفيون ~~مخدر. وقبل أن يضع جاليليو وديكارت أسس علم الطبيعة الرياضي، ~~ولافوازييه أسس الكيمياء الرياضية، كان العلم كيفيا. وكان قوامه ~~قضايا كيفية ms281 أيضا، وكان الاستقراء الذي ينتهون به إلى القوانين ~~«استقراء كيفيا» ومع ذلك، فالعلم لم يتخلص تماما من هذا ~~الطابع. فإلى جانب الطبيعة الرياضية بمعناها الصحيح، يوجد دائما ~~علم للطبيعة يسمى «بالتجريبي»، بمعنى خاص لهذه الكلمة؛ لأن ~~قوامه أساسا تجارب تهدف إلى الكشف عن الخواص، وإثباتها وإظهارها، ~~فالطبيعة التي تدرس لتلاميذ لم يتعمقوا العلوم الرياضية بعد، هي ~~طبيعة «تجريبية»، وعندما يبدءون في التعود على معالجة المعادلات، ~~ولا سيما معادلات التفاضل، بعد دراسة الرياضة في الفصول العالية، ~~يمكنهم الانتقال إلى بحث الطبيعة الحديثة والكيمياء الحديثة ~~بمعناهما الصحيح، وهما العلمان اللذان يحتل الحساب الرياضي فيهما ~~مكانة أهم بكثير من مكانة التجربة. غير أن الطبيعة «التجريبية» ~~ليست فقط صورة من الطبيعة أقرب إلى عقول الناشئين، بل هي أيضا ~~صورتها الأولى التمهيدية. فلزام على علم الطبيعة أن يكون في البدء ~~تجريبيا. # ونتيجة ذلك أن هناك نوعين من استدلال البحث: نوعا كيفيا، ~~تمهيديا، هو الاستقراء بمعناه الصحيح، ونوعا كميا، رياضيا، ~~يستخدم في إضفاء مزيد من الصبغة الرياضية على العلم التجريبي، ~~ويسمى بالتحليل. # فلنقل إذن إن التحليل بالنسبة إلى الطبيعة الرياضية هو بمثابة ~~الاستقراء بالنسبة إلى الطبيعة التجريبية. # ولنضف إلى ذلك أنه إذا كان التحليل عملية مادية، فهو في البدء ~~عملية رياضية، وفي هذه المسألة نجد أن التحليل المادي مكمل ~~للتحليل الرياضي. # وفضلا عن ذلك، فالتحليل تقابله عملية مكملة، هي التركيب الذي ~~يقف إزاء التحليل نفس موقف الاستنباط إزاء الاستقراء. # وأخيرا، فإذا كان علم الطبيعة الرياضي هو أعلى وأكمل صور علم ~~الطبيعة وأقربها إلى العقل، فإن التحليل والتركيب ينبغي أن يكون ~~أقرب صور الاستقراء والاستنباط إلى العقل أيضا، وهذا ما ستوضحه ~~الدراسة التي سنقوم بها، وكما يحدث دائما في المجال العقلي، ~~فالأكمل هو سبب الأقل كمالا، والأعلى هو سبب الأدنى، فالتحليل هو ~~الروح الخفية للاستنباط، والحق أن للاستقراء أنواعا يعلو بعضها ~~على بعض تباعا؛ فالاستقراء الشكلي ليس إلا تلخيصا والاستقراء ~~التعميمي فيه انتقال من الخاص إلى العام. غير أن هذا التعميم كان ~~يصبح مستحيلا لو لم يكن ms282 «ابتداعا» للقضية العامة، ووثبة حقيقية ~~ننتقل بها من المحسوس إلى المعقول. وما كان الكشف عن المعقول ~~ليكون ذا أهمية لو لم يكن هو سبب المحسوس أو شرط وجوده. على أن ~~حركة العقل، التي تنتقل نحو سبب الشيء المشار إليه أو شرطه، هي ~~بعينها التحليل. وسنرى فيما بعد أن التركيب هو نفس بناء البرهان ~~الرياضي، والاستنباط، كما تبين لنا من دراسة المنطق الرياضي، ~~يزداد كمالا باقترابه من البرهان الرياضي، الذي يعد صورته ~~المثلى. # ومن المهم أيضا أن نلاحظ أن الرياضة قد بدأت بالاستقراء. فبه ~~تمكن المساحون المصريون القدماء من إثبات أن المثلث الذي ~~أبعاده 3، 4، 5 هو مثلث قائم الزاوية. وقد حلل الرياضيون ~~اليونانيون في مدرسة فيثاغورس هذه الخاصية، «واكتشفوا سببها» وهو ~~أن 3 # 2 ~~+ 4 # 2 ~~= 5 # 2 ~~، ولما مضوا في التحليل أبعد من ~~ذلك، توصلوا إلى مقابل النظرية المسماة بنظرية فيثاغورس، وهو: ~~المثلث الذي يكون مربع أحد أضلاعه مساويا لمجموع مربعي الضلعين ~~الآخرين، هو مثلث قائم الزاوية، ثم توصلوا إلى نظرية فيثاغورس ~~ذاتها: مربع وتر المثلث قائم الزاوية يساوي مجموع مربعي الضلعين ~~الآخرين. # وقد اكتشفت نظريات كثيرة في الهندسة، أقرب إلينا من هذه، عن ~~طريق الاستقراء. فما يروى عن جاليليو أنه لما أراد معرفة العلاقة ~~بين مساحة القوس الدائري وبين مساحة الدائرة التي اقتطع منها، وهي ~~العلاقة التي تكهن بأنها بسيطة وثابتة، قطع السطحين على لوح ~~تام متجانس تماما ومصنوع من النحاس، ووزنهما. وبعده بفترة ~~وجيزة، سار ديكارت ثم باسكال في طريق التحليل، واكتشفا البرهان ~~بطريقة منظمة، وكذلك الحال في نظريات عميقة في الحساب، فقد ذكر ~~الرياضي فيرما # Fermat ~~(1601-1665م) ~~بعض القضايا المتعلقة بأعداد من أنواع خاصة، ولم يأت لها ببرهان - ~~ومنها ما لم يهتد أحد إلى البرهنة عليه حتى الآن. ولكن منها ما ~~أثبت التحليل العددي، الذي مضى فيه الباحثون بصبر وأناة بقدر ~~كاف، أنه باطل، وعلى ذلك فإن «فيرما» لم يكن يعرف البرهان عليها؛ ~~بل اكتفى بالاهتداء إليها عن طريق استقراء ثبت بطلانه. # ديكارت وضع الخطوط العامة لمنطق ms283 التحليل والتركيب # كان ديكارت هو الذي أدرك، في نفس الوقت الذي كشف فيه عن نظرية ~~علم الطبيعة الرياضي، أن هذا العلم الجديد يقتضي منطقا جديدا، أو ~~كما يقول «منهجا» جديدا. وقد صاغ ديكارت هذا المنهج أولا في ~~كتابه. «قواعد لإرشاد العقل # Regulae ad diréctioném ~~ingenii ~~»، الذي كتبه لنفسه، ووجد بعد وفاته ضمن ~~كتاباته (ولا بد أن تاريخ كتابته كان عام 1628م) كما صاغها بعد ذلك ~~بمزيد من الإيجاز في «المقال في المنهج # Discours de ~~la méthode ~~» # 1 # الذي نشر في عام 1637م. # والأمر الجدير بالإعجاب في «القواعد» هو أن ديكارت قد أخذ على ~~عاتقه فيها أن يعالج الرياضة وعلم الطبيعة معا، ناظرا إلى علم ~~الطبيعة على أنه امتداد للرياضة أو إحدى حالاتها الخاصة، أو بعبارة ~~أدق، حالة خاصة من حالات «الرياضة الشاملة # mathesis universalis ~~» التي أشار ~~إلى فكرتها في القاعدة الرابعة، والتي تبحث بوجه عام في النظام ~~والقياس، ذلك لأنه يرى أن كل علم إنما هو رياضة، بمعنى أن كل علم، ~~كما يقول، هو معرفة يقينية واضحة. ومن جهة أخرى، لأن «الحساب ~~والهندسة هما وحدهما، من بين سائر العلوم المعروفة، اللذان يتخلصان ~~من كل بطلان وشك». (القاعدة الثانية). والفارق الوحيد بين الرياضة ~~بمعناها الصحيح وبين علم الطبيعة، أن المشاكل في الرياضة محددة ~~تحديدا كاملا، بينما هي في الطبيعة غير محددة جزئيا، أو لنقل ~~بالأحرى إنها تنطوي على قدر من التخمين. وبعبارة أخرى، فليس ثمة ~~فارق أساسي بين حركة العقل الذي يضع به الرياضي معادلة ويحلها، ~~وبين العملية التي يكشف عالم الطبيعة بها قانونا ويحققه. وقد ~~كرس ديكارت للمشكلات «المحددة تحديدا كاملا» القواعد من 13-21، ~~وكان ينتوي أن يوضح فيما بعد معالم المنهج الذي يمكننا من حل ~~المشكلات غير المحددة جزئيا، مثل سبب خواص المغناطيس، بناء على ~~الظواهر التي اهتدى إليها جلبرت # Gilbert ~~، أو سبب خواص الأوتار ~~المتذبذبة، بناء على أبحاث «مرسن # Mersenne ~~» غير أن هذا الجزء من ~~«القواعد» ناقص، وربما لم يجد ديكارت لديه من الفراغ ما يمكنه من ~~المضي ms284 إلى هذا الحد من بحثه، بعد ان اضطرته سلطة الكاردينال دي ~~بيرول # de Bérulle # إلى إكمال مذهبه ~~في الميتافيزيقا وفي الطبيعة وإعادة كتابته. # أما عن كتاب «المقال في المنهج » فسوف نشير إلى النصوص التي ~~تعالج موضوع التحليل والتركيب فيه. # التحليل ينتقل من الواقعة، ومن المعطى، إلى أسبابها المسماة ~~بالعناصر # تدل كلمة التحليل، في أصلها الاشتقاقي على «التفكيك». ولكن يجب ~~أن نميز بين أنواع من التحليل، تبعا لطبيعة الشيء الذي يفكك، ~~وللنتائج التي نتوصل إليها. ~~(أ) التحليل المادي: وهو تفكيك كتلة من المادة إلى أجزائها ~~المكونة لها، سواء أكانت هذه الأجزاء متجانسة (كما في التجزئة ~~البسيطة للكتلة) أم غير متجانسة (للتمييز بين هذه الأجزاء في نفس ~~الوقت الذي تفككها فيه، ولكي نكشف عن واحد منها له خواص تهمنا، ~~كما يفعل الصيدلي). والحق أن كلمة «التحليل» بمعناها الصحيح، لا ~~تستخدم إلا بالمعنى الثاني. ~~(ب) التحليل التصوري: وهو تفكيك تصور إلى «صفاته» لتحديد مفهومه ~~والتوصل إلى تعريفه. وكثيرا ما يساعد على القيام بهذا التحليل، ~~تفكيك «اللفظ» على نحو يكشف عن أجزاء المعنى، عن طريق نهاياتها ~~وأصلها، وصورها المتغيرة. ~~(1) الأحكام التحليلية والأحكام التركيبية # هذا النوع من التحليل هو الذي كان يفكر فيه «كانت» عندما ~~وصف أحكاما معينة بأنها «تحليلية». # 2 # وتلك هي الأحكام التي ينطوي موضوعها على محمولها # praedicatum inest subjecto # على حد تعبير ليبنتز وفي هذا يقول «كانت». # عندما أقول مثلا: كل الأجسام ممتدة، فهذا حكم تحليلي، إذن ~~أنني لست في حاجة إلى الخروج عن المفهوم الذي أربطه بكلمة: ~~جسم، للوصول إلى الامتداد المرتبط به؛ بل يكفيني أن أفككه، أي ~~أن أستحضر عناصر المتباينة التي أتصورها دائما فيه، لكي أهتدى ~~دائما إلى هذا المحمول. فالأحكام التحليلية في أساسها أحكام ~~تقوم على تحصيل الحاصل. وهي لا تحتاج كما يقول «كانت» إلى أي ~~مبدأ آخر سوى مبدأ الهوية. # وفي مقابل الأحكام التحليلية، يقول «كانت» بالأحكام ~~التركيبية التي عرفها بأنها «تلك التي يكون محمولها خارجا ~~تماما عن موضوعها، مع ارتباطه به». وبعبارة أخرى فهي تلك التي ms285 ~~«نتصور فيها ارتباط المحمول بالموضوع دون هوية بينهما. فمثلا، ~~عندما أقول: كل الأجسام لها وزن يكون المحمول شيئا مختلفا ~~تماما عما يطرأ على ذهني بصدد مفهوم الجسم وحده بوجه ~~عام.» # والأحكام التركيبية تدخل ضمنها أولا كل أحكام التجربة: ~~والمثال الذي يضربه «كانت» هو في الواقع، على نحو ما، نص ~~قانون نيوتن. ولكنه أضاف قائلا # 3 ~~«إن الأحكام الرياضية كلها تركيبية.» وبرهن على ~~قضيته هذه بتفسير أبسط قضية حسابية كالقضية 7 + 5 = 12، بأنها ~~قضية لا نصل إليها عن طريق تحليل التصورات، وإنما عن طريق ~~«تركيب» أو عملية معينة. # وهكذا يبدو أن التحليل عند «كانت» غيره عند ديكارت، لأن هذا ~~التحليل عند الأخير مستمد من الرياضة، بينما الرياضة كلها ~~تركيبية عند «كانت»، وإذن فلا بد أن يكون هناك نوع ثالث من ~~التحليل، إلى جانب التحليل المادي، الذي نستطيع أن ندرك بوضوح ~~أنه ليس المقصود هنا، وإلى جانب التحليل التصوري (أو تحليل ~~الحاصل، أو التحليل المنطقي) الذي يشير إليه «كانت» وهذا ~~النوع الثالث هو: ~~(ج) التحليل العقلي بمعناه الصحيح: وهو البحث عن أسباب ظاهرة ~~أو قضية. وهو يدور حوله البحث في هذا المقام، لأنه هو لب ~~الاستقراء، وهو يصل إلى العنصر بمعناه الصحيح ~~( # stoichéion ~~) الذي هو الفكرة. ~~وكلمة العنصر هنا مرادفة «للمبدأ» وللأساس العقلي، ويمكننا ~~الاهتداء إلى معناه في تعبيرات مثل «عناصر أو أركان الهندسة». # 4 # وقد استخدمت كلمة «التحليل» بهذا المعنى لأول مرة عند علماء ~~الرياضة اليونانيين، كإقليدس مثلا: ~~(1) # فإقليدس يطلق هذا الاسم على عملية غريبة، تنحصر في ~~افتراض قضية لم نبرهن عليها، واستخدامها في البرهنة ~~على قضية سبق البرهنة عليها، عن طريق الارتداد، ~~(القضية الخامسة من الباب الثالث عشر لكتاب ~~«العناصر»). ~~(2) التحليل الباحث # Analyse ~~Zététique # وبناء على هذا المعنى، أطلق علماء الهندسة اليونانيون اسم ~~التحليل على كل عملية مرتدة # processus ~~régressif # في الهندسة، وعلى رأسها العملية ~~التي تبحث عن أساس قضية من القضايا السابقة لها. ويطلق عليها ~~الشارح «جيمينوس # Géminus ~~» ~~اسما دقيقا كل الدقة، هو «اختراع البرهان» فنظرية فيثاغورس ~~مثلا تنص ms286 على أنه في مثلث أ ب ج، القائم الزاوية في ب، تكون ~~أ ج # 2 ~~= أ ب 2 + ب ج 2 على أن مربع ~~أحد الأطوال هو المتوسط النسبي بين طولين آخرين، لأنه إذا ~~كان ط2 = # 5 # فيجب إذن أن نقيم نسبا بين أ ج، أ ب، ب ج ومن ثم نكتشف ~~في الشكل «مثلثات متشابهة». ~~(د) كذلك يعد حل أي مسألة تحليلا. فلنفرض أننا نريد رسم ~~دائرة تمر بثلاث نقط. عندئذ أقول: «لنفرض أن المسألة قد ~~حلت». وهذا التعبير المألوف يعني أن «المسألة ستحل على شرط ~~أن» أجد مركز الدائرة، (إذ إن هذا يوصلني إلى نصف القطر، ما ~~دامت لدي ثلاث نقط من المحيط). ف «شرط» الوصول إلى نصف القطر ~~هو أن تكون لدي نقطة تبعد عن النقطة المعطاة بمسافة متساوية ... ~~إلخ، وهكذا ندرك كيف يتقدم التحليل من شرط إلى شرط. # وتسمى العمليتان ب، ج بالتحليل الباحث. ~~(3) التحليل البرهاني # Analyse Poristique ~~(ه) في القرنين ~~السادس عشر والسابع عشر، رأى علماء الهندسة مثل فييت # Viète # وفيرما # Fermat # وديكارت، أن التحليل هو ~~السر الأكبر للرياضيين اليونانيين، وهو مصدر قوة الرياضة. وفي ~~«القاعدة الرابعة» يقول ديكارت: «لقد لوحظ أن علماء الهندسة ~~الأقدمين كانوا يستخدمون تحليلا معينا، اهتدوا به إلى حل ~~المشكلات، وإن كانوا قد ضنوا بعلمهم هذا على الأجيال التالية.» ~~ولكن السر قد كشف. وكما يقول ديكارت: «ألسنا نستخدم نحن ~~أنفسنا نوعا من الحساب، المسمى بالجبر، ينحصر في أن نجري ~~على العدد ما كان الأقدمون يجرونه على الأشكال؟» فالتحليل عند ~~القدماء، أي عند أرشميدس وأبولونيوس # 6 # مثلا، كان قاصرا على الهندسة، والمثال الذي ~~ذكرناه منذ قليل بكشف عن أهم ما فيه، وكان الاهتداء إلى سر ~~أبولونوس وأرشميدس هو الشغل الشاغل للرياضيين منذ عصر النهضة ~~والقرن السابع عشر. والغريب في الأمر أن هؤلاء الرياضيين قد ~~اهتدوا، أثناء محاولتهم تحقيق هذا الهدف، إلى كشوف لم تخطر ~~ببال أرشميدس أو أبولونيوس. فقد وضعوا منهجا للتحليل (التحليل ~~البرهاني) يمكن من المضي صعودا وهبوطا بين القضايا، ~~ولتحقيق ms287 ذلك كشفوا عن وسيلة أساسها أنه مادام الشرط الضروري هو ~~في الوقت ذاته الشرط الكافي، فيكفينا أن نهتدي إلى البرهان لكي ~~يتحقق بالفعل، ويكفينا أن نكشف عن عناصر المسألة لتكون قد ~~حلت. وهذا التحليل البرهاني هو مبدأ الجبر الحديث، حيث يكفي ~~وضع معادلة، ثم حل هذه المعادلة، للبرهان على حل المسألة ~~ذاتها. ~~(4) التحليل الديكارتي # عمم «ديكارت» فكرة التحليل، وكان ذلك التعميم هو أهم عناصر ~~المنهج الديكارتي. ولا ينطبق التحليل عند ديكارت على «الجبر ~~عند المحدثين» (على حد تعبيره) فحسب، بل ينطبق أيضا على ~~العلوم التجريبية والميتافيزيقا. # وهو يعرض رأيه في التحليل بإيجاز شديد في القاعدة الثانية من ~~المقال في المنهج، فيقول إنه «تقسيم كل الصعوبات التي سأبحثها ~~إلى أكبر عدد ممكن من الأقسام، على النحو الذي يمكنني من ~~إجادة حلها، والذي تقتضيه إجادة هذا الحل.» والمقصود هنا هو ~~التحليل البرهاني. وفضلا عن ذلك فقد نبهنا ديكارت، قبل ذلك ~~ببضع صفحات، إلى أنه لما أراد وضع دعائم منهجه، قد ألف بين ~~«تحليل الأقدمين وجبر المحدثين». # فلنبادر إذن إلى القول بأن قوام الميتافيزيقا الديكارتية هو ~~في الارتقاء من الإدراك الحسي - عن طريق الشك المنهجي - إلى ~~تأكيد وجود الذات المفكرة (أنا أشك، إذن أنا أفكر، إذن أنا ~~موجود)، ثم تأكيد وجود الله، ثم ما أسماه ديكارت ب «الصدق ~~الإلهي»، أي حقيقة هذا الإلهام الباطني الذي هو العقل، والوصول ~~تبعا لذلك إلى إدراك قيمة علم الطبيعة الرياضي، وفي هذا تعميم ~~للتحليل البرهاني. ~~(5) التحليل التجريبي والتحليل البرهاني ~~(و) هناك تحليل ~~تجريبي، يشبه التحليل الرياضي، وهو يبدأ منذ مشاهدة الظاهرة، ~~إذ إن الانتقال من الظاهرة العلمية هو في ذاته تحليل. «فقياس» ~~الظاهرة معناه في الواقع إضفاء صورة رياضية عليها، لكي تدخل ~~فيما بعد ضمن الصيغ التي تعبر عن قوانين؛ ومعنى ذلك وضعها ~~في معادلة. كما أن تفسير الملاحظة وتصحيحها معناه التقدم ~~بالعملية نفسها، بإدماج الظاهرة كما نقرها ضمن مجموعة ~~المعارف العلمية التي اكتسبت من قبل. مثال ذلك أن تفسير تجربة ~~متعلقة بالكهرباء، هو إدماج نتيجة تلك ms288 التجربة ضمن النتائج ~~التي اكتسبت في مجال معرفتنا العملية بالتيار الكهربائي، ~~وتصحيح ملاحظة فلكية هو التوفيق بينها وبين ما تعلمناه في ~~علم الضوء عن طبيعة الضوء وسرعته وانكساره، وجميع هذه العمليات ~~تعين على وضع الظاهرة في صورة معادلة. # أما الانتقال من الظاهرة إلى القانون، فذلك هو حل ~~المعادلة. والدالة الرياضية التي تعبر عن القانون هي مجهول ~~المعادلة. وهي تستخلص بعملية لا يمكن أن تبلغ من الدقة مبلغ ~~العمليات الجبرية؛ إذ إننا نستخدم في الجبر أفكارا هي من ~~إنتاج الذهن الخالص، أما في علم الطبيعة، فنحن نخرج - على نحو ~~ما - عن العالم الذي يجب الكشف عنه، والذي لا ننفذ إليه إلا ~~عن طريق التخمين. ~~(ز) والبعض يقول بنوع آخر من التحليل، هو «التحليل ~~الكيميائي»، ولهذا القول ما يبرره. غير أن كلمة التحليل ~~تستخدم في الكيمياء بمعنى أقل دقة منه في الطبيعة، لأننا ~~عندما «نحلل» جسما مركبا، نؤثر في الأفكار وفي المادة ~~معا. فمن جهة نحاول الوصول ذهنيا إلى «عناصر» الجسم، أي ~~إلى أجزائه التي تفسره، والتي تشتمل خواصها على «أساسها» ~~الخواص المتمثلة في الجسم، ولكننا نحاول من جهة أخرى أن نفكك ~~الجسم ماديا، أي أن نفصل أجزاءه المادية، التي تختلف فيما ~~بينها اختلافا كيفيا. وفضلا عن ذلك، فهذه العملية الثانية ~~تتم في معظم الأحيان بطريقة غير مباشرة تماما، فنادرا ما ~~ينجح المرء في إجراء هذه العملية، بحيث تنفصل العناصر ~~المكونة انفصالا ملموسا، وتكون في صورتها الخالصة. فمثلا ~~لم يستطع «لافوازييه» فصل الأكسجين في جانب والأزوت في جانب ~~آخر، بل اضطر إلى تثبيت الأوكسجين على زئبق، ولم يستطيع إطلاقه ~~خالصا، وتحديد خصائصه، إلا بوساطة تجارب مكملة. أما الأزوت، ~~فقد كان عليه أن يعرفه من خلال خواصه، بأن يخضعه هو الآخر ~~لتجارب أخرى؛ وإذن فأهم ما في هذا النوع من العمل التجريبي ~~هو العملية التي تتابع بها العناصر في عدوها ورواحها. ~~وبالاختصار، فالعنصر لا يعطى في التجربة، وإنما هو فرض، ~~ومجهول، يستخلص بمجهود عقلي هو ذاته تحليل. ~~(6) التحليل العملي والفني ~~(ح) يطبق ~~التحليل ms289 عمليا في الحالات التي نبحث فيها عن وسائل توصل ~~إلى غاية، وعندئذ تكون الغاية هي النقطة التي نبدأ السير منها ~~لنكشف الوسائل «بالتحليل» وذلك بأن نفترض أن المسألة قد حلت - ~~كما هي الحال في الرياضيات - ونبحث عن الشروط التي أمكن أن ~~تحل بها، حتى تصل خطوة إلى شروط يمكن تحقيقها، وهذه هي ~~الطريقة المتبعة عندما يريد المرء أن يحدد مراحل طريق، أو ~~يحب جدولا للمواعيد، وهي أيضا الطريقة التي يستدل بها ~~المهندس حيث يهدف إلى صنع رسم لشيء مصنوع، والطبيب حين يصف ~~أدوية أو نظاما في الأكل. # التركيب أو الاستنباط غير القياسي هو الحركة المضادة ~~للتحليل # التركيب هو الاستدلال الذي يتمثل - في أنقى صورة - في البرهان ~~الرياضي. فهو إذن نوع من الاستنباط ولكن ينبغي عندئذ القول إنه ~~استنباط غير قياسي؛ أعني ليس له نفس تركيب القياس، أو الاستنباط ~~الصوري أو المنطقي. وإليك الفروق الأساسية بين النوعين: ~~(1) # فهو كما أوضحنا من قبل تعميمي # amplifiante ~~. أي أنه ~~يعمم، أو قادر على التعميم والمناطقة يقولون إن ~~الماصدق والمفهوم (في الألفاظ أو في القضايا) يتناسبان ~~تناسبا عكسيا. أما في الرياضيات فالأمر على العكس من ~~ذلك، إذ إن التعميم يتحقق بازدياد التعقيد. ~~(2) # والتركيب لا ينصب على صفات، وإنما على «علاقات». ~~فالقضايا التي يربط بينها التركيب لا تعبر عن تلازم، ~~أعني عن تعلق صفة بموضوع، وإنما تنبئ عن علاقات، كعلاقة ~~مساواة أو لا مساواة علاقة ارتباطية. # ونتيجة ذلك أن التركيب هو تأليف بين علاقات. ففي ~~الاستنباط الصوري أو المنطقي، نضم صفات (تتصف بها فئات) أو ~~فئات (تتمثل فيها صفات معينة)، ومثال ذلك، أن الصفة ~~«إنسان» تتضمن صفة «الفناء» وتمكننا من أن ننسب إلى ~~الموضوع «سقراط» صفة الفناء، أو فئة الفنانين تنطوي على ~~فئة الإنسان وبالتالي على الموضوع «سقراط». أما في التركيب ~~فنحن نؤلف بين علاقات التشابه والتناسب، لنصل إلى ~~تحديد العلاقة بين مربعات الأضلاع مثلا. ~~(3) # التركيب ليس صوريا. فهو ليس عملية يمكن فصلها عن ~~محتواها. وفي هذه المسألة يجب ألا نخدع باستخدام الحروف، ~~الذي يستعيره المنطق ms290 الصوري من الجبر، والذي قد يوهم بأن ~~الجبر منطق صوري. فالحروف في المنطق الصوري، تعبر عن ~~صفات أو فئات نأبى النظر إليها في ذاتها لأننا لا نهتم ~~إلا بعملية الاستدلال ذاتها، أما في الجبر فالحروف تمثل ~~أعدادا نأبى النظر إليها في ذاتها، لأننا لا نهتم إلا ~~«بالعمليات الرياضية» لا بالاستدلال. والعمليات هي المادة ~~الحقيقة للاستدلال. فمثلا (أ + ~~ب) # 2 # تعني «مربع حاصل ~~جمع». # فالتركيب هو إذن العملية المقابلة للتحليل، وهو يستخدم في ~~حالتين: ففي الحالة الأولى يبرهن على مشروعية التحليل إذا كان ~~التحليل للبحث فقط، لا للبرهان، فبعد أن يثبت المرء أن البرهنة على ~~نظرية فيثاغورس تقتضي الارتكاز على النظريات المتعلقة بخواص ~~المثلثات المتشابهة، نبدأ البرهان سائرين بالترتيب العكسي. وكذلك، ~~بعد أن نثبت أن رسم دائرة تمر بثلاث نقط يقتضي مد المنصفات ~~إلى المستقيمات التي تصل بين هذه النقط، نبرهن على أن نقطة تقاطع ~~هذه المنصفات هي ذاتها مركز الدائرة، فالتحليل قد استخلص الشرط ~~الضروري والتركيب يثبت أن هذا «الشرط» هو الكافي. # وإلى هذه الحالة الأولى أيضا ينتمي التحقيق التجريبي فالقانون ~~يتخذ مبدأ، والتركيب يستخدم لإعادة بناء الظاهرة التي ينبغي أن ~~نجرب عليها بعد ذلك. # أما في الحالة الثانية، فالتركيب عملية للعرض وللتعميم في الوقت ~~نفسه فالكتب الدراسية في الرياضة، تعرض بالطريقة التركيبية التي ~~قدم إقليدس أول نموذج لها. وهذا العرض يؤدي إلى اقتناع أكيد، ~~يتميز به البرهان الرياضي. وفضلا عن ذلك فالتركيب الرياضي ~~يمكن من تعميم النتائج التي نحصل عليها علميا. وذلك هو هدف ~~هذه الكتب الدراسية. ففي كتب الهندسة الأولية مثلا، يبدأ البحث ~~بتحديد مساحة المربع، ثم مساحة المستطيل ثم المثلث، للوصول إلى ~~نظرية المساحات بوجه عام، والعملية دائما واحدة، فالرياضية تبدأ ~~على الدوام بحالة بسيطة، هي حالة فردية، ثم تزداد تعقيدا بالتدريج ~~حتى تصل إلى أعم الحالات، وفي هذه يقول ديكارت في الجزء الثاني ~~من المقال في المنهج «... أن أمضي في أفكاري بالترتيب، بادئا بأبسط ~~الأشياء وأيسرها معرفة، لأرتقي منها رويدا رويدا، وبخطوات ~~تدريجية إلى معرفة أكثر ms291 الأشياء تركيبا.» والمثال الذي يورده ~~ديكارت في كتاب «الهندسة» هو الانتقال من معادلة من الدرجة الأولى ~~إلى معادلة من الدرجة الثانية. فأكتب معادلتين من الدرجة الأولى س ~~= 2، س = 3 أو س − 2 = صفر، س − 3 = صفر، ثم اضرب كل طرف في الآخر، ~~فتكون المعادلة الجديدة هي س # 2 ~~− 5س + 6 ~~= صفر، وهي المعادلة التي ترجع جذورها إلى المعادلتين الأوليين. ~~فالتحليل هو الانتقال من الدرجة العليا إلى الدرجة الدنيا، ~~والتركيب هو العملية العكسية. ~~(1) أرشميدس والرافعة # يقدم إلينا أرشميدس مثلا رائعا للتركيب في بحثه «اتزان ~~المسطحات أو مراكز ثقلها». فهدف أرشميدس هو إثبات الخصائص ~~العامة وللوصول إلى هذا الهدف يبدأ بحالة بسيطة؛ فالميزان ~~رافعة يتساوى ذراعاها، ويحملان أوزانا متساوية. # فلنفترض ميزانا أ ب يحمل ذراعاه المتساويتان أ ج، ج ب، ~~أوزانا متساوية موزعة باطراد على طول الذراع بأسرها، ثم أجمع ~~في الذراع ج، وفي نقطة منها د، جزءا من الثقل الذي تحمله تلك ~~الذراع. # ويظل الجهاز كله متزنا إذا كان مركز ثقل الأوزان ~~المتجمعة، أي د في وسط أ ج، الذي يعبر بوحدات الطول، عن ~~قيمة وحدات الوزن المتجمعة. وعندئذ أجمع بقية الأوزان، التي ~~يعادل مجموعها ه ب فإذا حرصت على تركيزها في مركز ثقلها، أعني ~~في و، وهي منتصف ج ب. فإن الذراعين د ج، ج و يظلان ~~متزنين، على أنهما عندئذ يحملان أوزانا تعادل النسبة ~~بينهما النسبة بين ج و، د ج. وبالتركيب تكون هذه النسبة ~~معادلة لنسبة أ ه إلى ه ب. على أن أ ه = أ ب − ه ب أي 2 ب ج، ~~− 2 ب ه أو 2 (ب ج − ب و) أي 2 ج و. # و ه ب = أ ب − أو 2 أ ج − 2 أو 2 (أ − أ د) أو 2 د ج. وهكذا ~~نصل إلى تساوي النسب الآتية: # وبهذا نكون قد برهنا على النظرية العامة في الرافعة من ~~خلال حالة فردية هي الميزان. # وهذا البرهان المشهور هو المثال النموذجي للتركيب. وقد ~~استخدم أنموذجا لعلم «الاستيتيكا» ms292 التقليدية التي تكونت ~~عندما توصل المهندس البلجيكي سيمون ستيفن # Simon ~~Stevin ~~(1548-1620م) إلى رد توازن ثقل على ~~مستوى مائل إلى توازن واضح بالتماثل، وعندما أكمل ديكارت بحوث ~~أرشميدس وستيفن، فقدم برهانا عاما على توازن الأثقال في ~~الآلات البسيطة، بأن أعلن ببساطة أن «نفس القوة التي تستطيع ~~رفع ثقل وزنه 100 رطل مثلا إلى ارتفاع قدمين، يمكنها أيضا ~~أن ترفع ثقلا وزنه 200 رطل إلى ارتفاع قدم واحدة، وآخر وزنه ~~400 رطل إلى ارتفاع نصف قدم ، وهكذا دواليك.» # 7 ~~(2) الاستنباط والتركيب # التركيب هو الصورة الكاملة للاستنباط والاستنباط القياسي، ~~كما قلنا، يمكن تفسيره تبعا للماصدق أو تبعا للمفهوم، غير ~~أن الماصدق هو نتيجة المفهوم وعلامته الخارجية، ذلك لأن اللفظ ~~لا «يصدق» على فئة معينة من الأفراد، تؤلف مجموعة متميزة ~~بخصائص معينة، إلا لأنه يعبر عن «مفهوم» هذه الخصاص. وإذن ~~فتفسير القياس على أساس المفهوم يبدو أقرب إلى الصواب، وهو ~~الذي يعبر عن دلالته الحقيقة خير تعبير. على أن الصفات التي ~~تكون المفهوم هي محاولات لتحديد علاقات؛ فصفة «الإنسان» إذا ~~ما أجيد فهمها، كانت «طبيعة» أي مجموعة معينة من «القوانين»، ~~وبالتالي من «العلاقات» فالعلاقة ~~( ~~(rapport) ~~) هي عصب ~~الاستدلال. # وإذن فالاستنباط القياسي هو مجموعة من العلاقات، أي هو ~~تركيب، والشيء الذي ينقصه حتى يبلغ كمال التركيب الرياضي هو ~~تكوين فكرة واضحة عن هذه العلاقات. # ولم يفت ديكارت أن يستلهم القياس المدرسي في بناء منهجه. ~~وكل ما في الأمر أنه عاب عليه كونه عملية للعرض لا تفترض حتى ~~مجرد المعرفة الحقة للأشياء التي يتحدث عنها المرء، لهذا كان ~~يفضل التركيب على القياس. # ولكنه كان يؤثر على التركيب، التحليل الذي أسميناه (على حد ~~تعبير فيت # Viètè ~~) بالتحليل ~~البرهاني Poristique # وهو كما ~~يقول ديكارت، يدل على الطريق الذي ابتدع به الشيء منهجيا؛ أي ~~على نشأته العقلية. ولقد كان كتابه «التأملات» الذي عرض فيه ~~ميتافيزيقاه، كتابا تحليليا كما قلنا على أنه قد عرض ~~التأملات عرضا تركيبيا أيضا، في الإجابات على الاعتراضات ~~الثانية بناء على طلب نقاد معينين وإن ms293 يكن هذا العرض ~~أقل قيمة من الأول بكثير، كذلك كان التنظيم التركيبي هو الذي ~~اتبعه اسبينوزا # 8 # في كتاب الأخلاق. # 9 # وهو الكتاب الذي عرض فيه مذهبه والذي كان من ~~مؤلفاته المخلقة، فهو يبدأ من الله، وهو الموجود المطلق، ~~والجوهر الذي لا تكون بقية الأشياء سوى تعبيرات عنه، أو كما ~~يقول هو، أحوال له (القسم 1) ثم يأتي بعد ذلك العقل (قسم 2) ثم ~~الانفعالات (قسم 3) التي تفسر بها عبودية الإنسان (قسم 4)، ~~وأخيرا يعرض الكتاب وسائل تحرير الإنسان ونتيجته (قسم 5). ~~ولكن مما يريح المرء أن يهتدي من آن لآخر إلى «تعليقات» أن ~~ملحوظات تقطع التنظيم التركيبي، وتوضح ما أراد المؤلف أن يفعله ~~والهدف الذي اتجه إليه. # الحدس # وهنا تواجهنا مشكلة معرفة ما إذا كان التفكير العقلي لا يخرج عن ~~الاستدلال، وما إذا كان هذا التفكير بأكمله مقاليا ~~متدرجا. # أليست هناك وظيفة ذهنية أخرى لها خصائص مضادة لخصائص الاستدلال؟ ~~مثل هذه الوظيفة، لو وجدت تسمى «بالحدس» وهي تتسم بالصفات ~~الآتية: ~~(1) # الاستدلال «توسط»؛ فهو يسير بناء على ما كان أرسطو ~~يسميه «بالحد الأوسط» والاستدلال يتقدم ويبرر دائما ~~عن طريق روابط مثل «لأن» أو «ما دام». أما الحدس فيكون ~~عندئذ «مباشرا»، أي ينطوي في ذاته على ما يبرره، بحيث ~~«يرى» المرء (في اللاتينية # intueri ~~) مباشرة علة الشيء ~~نفسه، ويكفيه أن يرى الشيء ليفهمه ويؤكد وجوده. ~~(2) # وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أن الاستنباط الرياضي ليس ~~«صوريا»، بمعنى أنه لا يمكن فصل العملية التي يتكون ~~بها عن مضمونه، فإن الاستدلال صوري دائما، بدرجات ~~متفاوتة، بمعنى أنه ينطوي على عملية آلية، وبالتالي له ~~درجة معينة من «الشمول». أما الحدس فأساسه «النوعية» ~~و«الفردية»، أي أنه ينطبق تماما على موضوعه، ويعبر، تبعا ~~لاختلاف طبيعته، عن اختلاف الأشياء (وهو في هذا أيضا ~~يشابه النظرة التي تضفي على الأشياء صبغة ~~فردية). ~~(3) # والاستدلال مقالي متدرج، كما قلنا. فهو محدد الأجزاء، ~~يقبل التفكيك، ويمكن التعبير عنه بالكلام. أما الحدس فلا ~~يمكن التعبير عنه بل لا يمكن ترجمته بالألفاظ إلا على نحو ~~غير مباشر، ms294 وبالمجاز أو الرموز، مثله في ذلك مثل الموضوع ~~الخاص بالإبصار، وهو اللون الذي لا يمكن تعريفه أو تفسيره، ~~بالنسبة إلى من ولد أعمى على سبيل المثال، إلا عن طريق ~~المجاز. # والمشكلة التي تعرض لنا الآن هي أن نعرف إن كان الحدس، بالمعنى ~~الذي عرفناه، هو حقا إحدى عمليات التفكير. ولهذا السؤال وجهان: ~~فهل يوجد حدس؟ وهل للحدس طبيعة عقلية؟ ~~(1) حقيقة الحدس # السؤال الأول يستدعي جوابا سريعا بالإيجاب. فإذا كنا قد ~~استطعنا تحديد خصائص الحدس بمثل هذه الدقة، فهناك احتمال كبير ~~في أن يكون نوعا من أنواع المعرفة الفعلية. ولا بد أن يكون ~~الاستدلال في حاجة إلى أن تتضافر معه وظيفة مضادة له، تعوض ~~نواحي النقص فيه. # أما السؤال الثاني فهو الشائك حقيقة. وإجابتنا عنه تتوقف على ~~تحديدنا لكنه العقل، ولما يعرف بأنه «معقول». فمن أيسر ~~الأمور أن نعرف العقل بأنه الاستدلال، وعندئذ يكون الجواب ~~بالنفي ضرورة، والأفضل أن يعرف العقل بأنه ملكة المعرفة ~~التي تجد في العلم أنقى وأكمل تعبير عنها. # ولنذكر، بوجه خاص من الفلاسفة الذين أجابوا عن السؤال ~~الثاني بالإيجاب، اسبينوزا: ولقد كان اسبينوزا في هذه المسألة ~~مخلصا لتعاليم ديكارت، فديكارت لم يكن ينظر إلى الاستدلال ~~(الذي كان يسميه بالاستنباط، وأحيانا بالاستقراء) إلا على ~~أنه تنمية أو اكتساب للحدس، وبالعكس كان الحدس عنده تركيزا ~~للاستدلال. # على أن سبينوزا يميز بين أنواع ثلاثة للمعرفة، وقد ضرب ~~لشرحها مثلا، فلنفترض أننا نبحث عن حد رابع في تناسب، ~~أعني عن الطرف الأخير في نسبة نعرف حدودها الثلاثة الأولى: أ، ~~ب، ج ونريد العثور على الحد الرابع س، ~~(1) # فالمعرفة من النوع الأول التي يبدأ اسبينوزا بوصفها، ~~ويسميها بالظن (مثل أفلاطون) أو بالخيال (مثل ~~ديكارت) تنحصر في أن نستقرئ بناء على أمثلة سبق أن ~~مرت بنا (وتسمى بالتجربة التائهة # expériéncé errante # وهو تعبير بيكن) أو بترديد قواعد محفوظة عن ظهر قلب، ~~ومنقولة عن المعلمين (وتسمى بالمعرفة السماعية) ~~وعندئذ ندرك، بعد أن تعلمنا (أو اكتشفنا العملية ~~بعد محاولات) أن الحصول على قيمة س يكون ms295 عن طريق ضرب ب ~~في ج وقسمة الناتج على أ. ~~(2) # أما «المعرفة من النوع الثاني» فيسميها اسبينوزا # ratio # أي العقل، أو ~~على الأصح الاستدلال، فنحن نعلم «برهان» النظرية ~~القائلة أنه في التناسب يكون حاصل ضرب الطرفين ~~مساويا لحاصل ضرب الوسطين، وهي القضية التاسعة عشرة ~~من الكتاب السابع لإقليدس وإذن فإن أ س = ب ج إذن س = ~~(ب ج)/أ وتلك هي نفس العملية السابقة ولكننا نعرفها ~~بطريقة مختلفة، أو أننا نعرفها فحسب. ~~(3) # وأخيرا، «المعرفة من النوع الثالث» التي يسميها ~~اسبينوزا بالمعرفة الحدسية # scientia ~~intuitiva # وهي معرفة لا يمكن أن تنطبق ~~على المسألة التي اتخذناها مثالا إلا إذا كانت هذه ~~المسألة تنطوي على أعداد بسيطة. # فلنفرض أننا نبحث عن العدد الرابع المتناسب مع الأعداد ~~الثلاثة 1، 2، 3. فإذا ما وضعت المسألة على هذا النحو 2/1 = ~~3/س استطعت أن أدرك مباشرة و«بالحدس» دون أن أمر بالاستدلال، ~~أن س = 6. فالحدس هنا هو المعرفة النوعية، الفردية، بالعلاقة ~~1 / 2 وهي تمكن من تكملة الكسر 3 /6 بطريق مباشر. # ومن هذا نرى أن الحدس عند اسبينوزا هو الوظيفة العقلية ~~الكبرى، وأن العقل يجد في الحدس أعلى صورة وأكملها. # باسكال يضع الحدس والقلب مقابل العقل والذهن # ولكن من الفلاسفة من يعدون الحدس طريقة للمعرفة خارجة عن مجال ~~العقل. وأساس رأيهم هذا هو التمييز الشائع بين «العقل» والقلب. ~~فالقلب نوع من المبدأ الباطن الذي يتميز عن العقل أو الذهن، وهو ~~مع ذلك مبدأ للمعرفة. فعندما نقول عن شخص «إن قلبه دليله.» نعني ~~أنه يفهم أشياء معينة أو أشخاصا معينين بطريقة أخرى غير ~~العقل. وفي هذا يقول «فوفنارج # Vauvenargues ~~» إن أعظم الأفكار ~~«تأتي من القلب». # وهذا التمييز الشائع يوضح لنا مذهب الفلاسفة الذين يقابلون بين ~~العقل والحدس. وسنضرب لهما مثلا بباسكال Pascal # فكلمته المشهورة: «للقلب ~~أسبابه التي لا يعرفها العقل.» # 10 # تجري على كل لسان. وليس معنى هذه الكلمة أن الانسياق ~~وراء العاطفة، عند ذوي الانفعالات العنيفة والمشاعر الحساسة، يخرس ~~نداء العقل، وإنما تعني أن القلب مصدر لمعتقدات لها براهينها ~~الخاصة، ms296 التي تخرج عن نطاق العقل. # ذلك بأن العقل؛ أي الاستدلال، يستخلص استنباطاته وبراهينه من ~~مبادئ معينة. فما مصدر هذه المبادئ؟ يقول باسكال «إنه القلب». فنحن ~~لا نعلم الحقيقة بالعقل وحده، بل بالقلب أيضا، وبهذا المصدر ~~الأخير نعرف المبادئ الأولى. # فعلى هذه المعارف القلبية والغريزية يجب أن يرتكز العقل، وعليها ~~(يجب أن يبني كل مقالة أو بعبارة أخرى الحلقات التي يتدرج بها ~~تفكيره المقالي) ويضيف باسكال إلى ذلك قوله: «إن القلب يحس أن ~~للمكان أبعادا ثلاثة، وأن الأعداد لا متناهية.» # 11 # والقول إن للمكان ثلاثة أبعاد هو من مصادر الهندسة في ~~المكان كما أن الرياضيين يقولون إن الأعداد الصحيحة يمكن تكوينها ~~إلى ما لا نهاية، وكذلك الجذور الصماء، التي تحسب بالصيغة ~~العشرية، تنطوي على عدد لا متناه من الحدود. فالرياضيات إذن ~~تفترض ما يمكن أن يسمى شعورا باللامتناهي. وهذا الشعور لا ~~يأتي من العقل. وقد اهتدى باسكال إلى حل مسائل في حساب ~~اللامتناهيات دون إيضاح الأسس العقلية لهذا الحساب: «فنحن نعلم ~~بوجود اللامتناهي ونجهل طبيعته.» # 12 # فأساس المعرفة العلمية إذن ~~وظيفة يجب أن تنسب إلى القلب. وهذا يصدق، بالأحرى، على المعرفة ~~الميتافيزيقية. لهذا كان باسكال يعتقد أنه ليس ثمة ميتافيزيقا ~~سوى الدين، وأن الإيمان وحده هو الذي يوصل إليها، بل إننا لا ~~نستطيع أن نبني أبسط أحكام الواقع على العقل. ومن هنا لم يكن ~~الشكاك البيرونيون (نسبة إلى بيرون Pyrrhon ~~) على خطأ حين شكوا في ~~وجود العالم الخارجي. ومع ذلك، فعلى الرغم مما يقولون: «فإننا نعلم ~~أننا لا نحلم.» وهذا اليقين مصدره «القلب والغريزة». فإذا «كنا ~~نعجز عن البرهان، بحيث لا يخلصنا من هذا العجز أي مذهب توكيدي ~~(والمقصود بهذه الكلمة، المذهب العقلي عند ديكارت مثلا) فإن ~~لدينا فكرة عن الحقيقة، لا يزعزعها لدينا أي مذهب شكي.» # 13 # ومن هنا كانت المعرفة العقلية عاجزة بالأحرى عن أن تكشف لنا ~~«مجال الفضل الإلهي» «فالمسيح والقديس بولس ينتميان إلى مجال الفضل ~~الإلهي، لا إلى مجال العقل، إذ إنهما أرادا بعث الحرارة، لا تلقين ms297 ~~التعاليم. كذلك كان القديس أوغسطين؛ وأساس هذا هو الرجوع في كل ~~مسألة ردها إلى الغاية النهائية من أجل إيضاحها.» # 14 # وكما أن القلب «يثيرنا» نحو الإحساس، فهو يؤدي بنا أيضا إلى ~~الحب الإلهي: «إن القلب هو الذي يستشعر الله، لا العقل. وحقيقة ~~الإيمان هي تكشف الله للقلب لا ~~للعقل.» # والأمر الجدير بالملاحظة أن النزعة العقلية قد تخطت العقبة ~~التي تصورها باسكال عقبة كأداء، إذ إنها صبغت اللامتناهي بصبغة ~~عقلية، وبذلك أدمجت اللامتناهي في العقل. فقد أدت جهود ليبنتز ~~ونيوتن (حوالي 1670-1675م) إلى إدماج حساب التفاضل والتكامل في ~~المذهب الديكارتي، وإلى القضاء على الطابع اللامعقول الذي كان ~~يضفى على اللامتناهي في الصغر، حين كان يضرب في عدد لا متناه، ~~فيكون الناتج كمية متناهية. وهذه العملية الممتنعة يحل محلها حساب ~~الحدود المتغيرة في المعادلات، والدالة الأولية. والحد المتغير هو ~~القيمة الحدية لنسبة ما، وهي القيمة التي تظل صحيحة في كل ~~صورها المتعاقبة. # مذهب برجسون، فلسفة للحدس # والآن سندرس فلسفة أخرى للحدس، تكاد تكون معاصرة، وهي فلسفة ~~برجسون (1859-1941م) التي تأبى أن تعزو إلى المذهب العقلي في علم ~~الطبيعة الرياضي القدرة على فهم اتصال الظواهر النفسية والحيوية ~~وتطورها، وتقصر معرفتها على الحدس الخارج عن مجال العقل. ~~(1) العقل في رأي برجسون # يرى برجسون أن العقل طريقة للمعرفة أساسها التدرج المقالي. ~~وهو يقتطع الواقع إلى أجزاء، تدخل عليها ألفاظ عامة مجردة، ~~يجمعها العقل بإرشاد التجربة. ففي الإدراك الحسي مثلا يدرك ~~العقل أشياء. أو على الأصح نماذج لأشياء يهتدي إليها فيما بعد ~~على صورة تكاد تكون مماثلة لها (كالقلم أو الورق) ويمكن ~~استخدامها من جديد لتفسير إدراكات حسية أخرى، وهو يجمعها في ~~مجموعات يعبر عنها بأحكام مثل: أكتب بالقلم على الورق، ~~ولعملية الاقتطاع والجمع الذهني هذه هدف نفعي وعملي، لأن من ~~يدرك حسيا يهدف إلى التعرف على الأشياء ليستطيع الإفادة ~~منها. # فالهدف الأساسي للعقل البشري إذن هو المعرفة النفعية. وهو ~~إنما يميز القلم والورق حسيا لكي يتمكن من التدوين بالقلم ~~على الورق، وقد بين برجسون أن ms298 الإنسان عاقل # homo sapiens # بقدر ما يستطيع ~~الإفادة من أشياء بوصفها أدوات له، وأنه عاقل بهذا المعنى ~~ذاته. والأهم من ذلك أنه يستطيع صنع أدوات: فهو إنسان صانع # homo faber # وهذا هو بعينه ما ~~يميزه عن الحيوان. وإذا كانت بعض الحيوانات تقترب منه في عقلها ~~فما ذلك إلا لأنها تستطيع أن تميز أدوات، وأن تستخدمها في ~~حالات معينة بسيطة. # وإذن، فدور العقل ورسالته هي قبل كل شيء وظيفة الصنع # fonction fabrcatrice # أي تشكيل ~~الأدوات واستعمالها، ووظيفة التفكير المقالي المتدرج تنتج عن ~~هذه؛ فهي إدراك أشياء ينطوي تركيبها على نوع من التشابه، ~~وقدر من الدوام، ويمكن استخدامها والانتفاع منها. ففي الدرجة ~~الأولى يأتي صنع الأدوات واستخدامها . وفي الدرجة الثانية تأتي ~~الأفكار المجردة العامة، والتفكير اللغوي، وجمع الكلمات في ~~قضايا وجمل. # والعقل العلمي هو أعلى صور هذه الملكات العملية المتواضعة، ~~إذن ما العلم؟ إنه معرفة قوانين الطبيعة. على أن القانون هو ~~تعاقب للحوادث يدركه المرء وسط التيار المعقد للظواهر ~~الطبيعية، وهنا نجد فكرة عامة عن التجربة العلمية، متشابهة ~~تماما لفكرة جون ستيورت مل. # 15 # فإدراكنا لقانون ما، هو أن «نستقرئ». # واستقراؤنا لا يعني إلا أن نجرد، أي أن نقتطع بالفكر ~~تعاقبا محددا من تصورنا المعقد للظواهر؛ فقولنا مثلا إن ~~الماء يغلي في درجة 100o تحت ضغط 76سم من الزئبق، معناه أن ~~نعزل بالفكر المجموع الذي يكونه الوعاء الممتلئ ماء فوق ~~الموقد، ومقياس الحرارة وأنبوبة الضغط الجوي. # وبالمثل يدل «الاستنباط» على التعميم أي أن ننقل بالخيال ~~تجمعا فكريا سبق عزله إلى مجموع جديد. فالبرهنة على نظرية ~~فيثاغورس مثلا معناها أن ندرك، في المثلث القائم الزاوية ~~الذي نسقط فيه عمودا من الزاوية القائمة على الوتر، مثلثات ~~داخلية قائمة الزاوية نعرف على التو أنها مشابهة للمثلث ~~الأصلي والبرهنة على هوية ما، هي أن ندرك فيها هويات أخرى ~~سبقت البرهنة عليها. # ومن هذا ينتج أن الذكاء ليس إلا القدرة على التجريد ~~والتعميم. وأن المعرفة العلمية لا تتجاوز تكوين التصورات. ~~فهو بأسره آلي وفني عملي أو صناعي ms299 إن جاز هذا التعبير. وهو ~~يدع جانبا كل ما هو رفيع، وجريء، وتجديدي ومنزه، أعني ~~أنه يغفل كل ما يتصف به «التفكير» الصحيح من عمق وإنكار ~~الذات. # ذلك لأن التفكير ليس هو الذكاء، ومهمة الحدس الحقيقية هي أن ~~يملأ الهوة بين التفكير والذكاء. فالحدس هو العنصر الذي يتجاوز ~~العقل في التفكير. ~~(2) الحدس والشعور # الحدس، كما يقول برجسون هو «رؤية الروح للروح مباشرة، فالحدس ~~إذن يعني الوعي المباشر أولا، والرؤية التي لا تكاد تتميز عن ~~الشيء المرئي، والمعرفة التي هي وعي، بل في اندماج.» # وإذن فبينما يظل العقل خارجا عن التفكير بمعناه الصحيح، ~~ومتجها بأسره نحو المادة، ومتكيفا معها، فإن الحدس هو ~~معرفة للتفكير الصحيح وهو شعور حقيقي أساسي . # وهو يصل في لمحة ~~واحدة إلى تفكير الآخرين، ويتعاطف معه، ويواصل برجسون وصفه ~~للحدس قائلا: «ألا يمضي الحدس إلى أبعد من ذلك؟ أليس هو حدسنا ~~لأنفسنا؟ الحق أن الفارق بين وعينا ووعي الآخرين أقل حدة ~~من الفارق بين جسمنا وأجسام الآخرين، إذ إن المكان هو الذي ~~يحدث التقسيمات الحاسمة. وأن التعاطف أو التنافر ~~التلقائيين، اللذين تصدق نبوءتهما في الغالب، يشهدان بإمكان ~~تداخل الوعي بين مختلف الناس.» ~~(3) الحدس والحياة # وفي موضع آخر يقول برجسون: «إن العقل يتصف بأنه عاجز ~~بطبيعته عن فهم الحياة.» # 16 # فنحن نعلم أن الحياة هي «تقدم في السن»، أي أنها ~~ترتبط بالزمان ارتباطا وثيقا. # 17 # ولقد أطلق برجسون على هذا النوع الخاص من العلاقة ~~بالزمان اسما مميزا، هو «الديمومة # durée ~~» ففي حين أن الزمان ~~بمعنى الكلمة لا سلطان له على المادة الغفل التي لا تخلق شيئا ~~ولا تفقد شيئا، ولا يتقدم بها السن، فإن الديمومة من صفات ~~الحياة، لهذا يتطور الأحياء، أي يتغيرون تغيرات أساسية ~~تبعا للزمان، وهذا التطور «خالق» بمعنى أنه يجدد ويأتي ~~بجديد، وينتهي إلى صور جديدة في جوهرها. على أن العقل ~~والمعرفة العلمية للحياة، لا يدرك كنه هذا التطور الخالق، وهو ~~لا يلاحظ منه إلا شروطه المادية ونتائجه، على حين أن الحدس، ~~الذي يدرك زماننا الوجودي، ms300 والتفكير الفعال المجدد، لديه ~~استعداد طبيعي لفهم الحياة. لهذا واصل برجسون كلامه قائلا: ~~«ولكن هل يقتصر تعاطفنا على الأذهان الواعية وحدها؟ وإذا كان ~~كل كائن حي يولد، وينمو، وإذا كانت الحياة تطورا، وإذا كانت ~~الديمومة تعد حقيقة في هذا المجال، أفلا يكون هناك أيضا حدس ~~بما هو حي، وبالتالي ميتافيزيقا للحياة، تكون امتدادا لعلمنا ~~بالحياة؟» # ومن هنا كان تقريب برجسون بين الحدس والغريزة. فالغريزة عنده ~~تفكير يجهل ذاته، ولكن يحاكيه الحدس، بمزيد من الوعي على ~~الأقل. ذلك لأن في الغريزة ما يعادل المعرفة العميقة بالحياة، ~~وبالحياة في مجموعها، ما دام الأحياء - كما تقول النظرية ~~التطورية - ليسوا إلا كائنا حيا واحدا بمعنى ما. # 18 ~~(4) الحدس والروحية # هذه المقارنة بالغريزة لا تهدف بالطبع إلى تمجيد الغريزة؛ بل ~~ترمي إلى بث الثقة في نفوسنا بقوة الحدس، ويستخدم الحدس هذه ~~القوة في غايات روحية، إذ إنه لما كان شعورا بالتفكير فإنه ~~يدرك الروح في جوهرها، الذي هو «الخلق». فالعقل «يتمثل ~~الجديد عادة على أنه تنظيم لعناصر موجودة من قبل فلا شيء يفنى ~~أو يخلق في نظره، أما الحدس فيرى، ويعلم أن الروح تستخلص من ~~ذاتها أكثر مما فيها، وأن هذا الأمر بالذات هو قوام الروحية.» # 19 # وإذن فلن يدهشنا أن نرى أن الحدس هو جوهر الشعور الجمالي ~~والشعور الديني. # 20 # ذلك لأن الانفعال الجمالي إنما هو تعاطف، والشعور ~~الديني هو الشعور بالاتحاد مع المبدأ الخالق للعالم، فهو «متعة ~~في المتعة، وحب لما لا يكون إلا حبا.» # 21 # وبالاختصار، فبينما يبني العقل الأساليب الفنية العملية ~~والعلم، فإن الحدس هو الملكة المميزة للفن، وللميتافيزيقا، ~~وللأخلاق وللدين. # النزعة العلية والبرجسونية # لن يتسنى لنا أن نعالج في هذا المجال المشكلة الضخمة التي ~~أثارها برجسون، أعني مشكلة العلاقات بين العقل والقلب، إن جاز هذا ~~التعبير. ولن نبحث هنا إلا في التفكير العلمي. والوجه الوحيد الذي ~~يهمنا في المشكلة هو: هل التفكير العلمي في حاجة إلى نوع من ~~المعرفة الحدسية؟ وإن كان الأمر كذلك فهل هذا النوع أعلى من ~~المعرفة ms301 العقلية؟ ~~(1) حقيقة الحدس # لن نجد صعوبة كبيرة في الإجابة عن السؤال الأول، ويمكننا ~~أن ندرك، دون مشقة الدور الذي يؤديه الحدس في العلم. # ومن المفهوم بالطبع أن كلمة الحدس يجب ألا تدل، في هذا ~~الصدد، على الإدراك الحسي والخيال، كما يحدث في أحيان كثيرة، ~~ومن هذا القبيل تفرقة هنري بوانكاريه بين طائفتين من علماء ~~الرياضة: أولئك الذين هم منطقيون بفطرتهم وأولئك الذين هم ~~«حدسيون»، أي يحتاجون إلى «رؤية» الأشكال، في الواقع أو في ~~الخيال، فليس هذا هو المعنى الذي نقصده. # وهاك الطريقة التي نعتقد أنها توصل إلى الكشف عن الحدس، ~~وذلك بالتساؤل عما يعنيه «فهم استدلال»، كالاستدلال الرياضي ~~مثلا، فيبدو لنا الإدراك العقلي لأي استدلال ينطوي على أربعة ~~أفعال متميزة: ~~(أ) # تتبع خطوات الاستدلال، والتأكد دائما من أن ~~المرحلة الجديدة تتلو المرحلة السابقة. ~~(ب) # تأمل تركيبه وشكله العام، وتصميمه الأصيل ~~الفريد. ~~(ج) # إدراك هدفه، والغاية المقصودة منه. ~~(د) # الوقوف على علاقته بالموضوع، بحيث يدرك المرء، ولو ~~على نحو غامض، الاستدلالات الأخرى الممكنة التي ~~تتعلق بالموضوع. # على أن العملية الأولى هي وحدها التي تعد مقالية متدرجة بحق، ~~أما الأخريات فهي عمليات حدسية بالمعنى الصحيح. ففي الرياضيات ~~مثلا، يستطيع أي شخص أن يقوم بالعملية الأولى، ولكن هؤلاء ~~الذين توافر لديهم «الحس الرياضي» و«الذكاء» في الرياضة، هم ~~وحدهم القادرون على القيام ببقية العمليات. والذي لا شك فيه أن ~~«الحس الرياضي» إنما هو حدس لأن من الجلي أنه صورة خاصة من صور ~~الذكاء. # وإذن فلكي يفهم الاستدلال على حقيقته، يقتضي نوعا من أنواع ~~الذكاء ليس استدلاليا بالمعنى الدقيق، وهذا النوع هو ~~الحدس. # وواضح أن مثل هذا يمكن أن يقال عن وضع الاستدلال أو ~~اختراعه. # ومن الجلي أيضا أن للحدس من الصور بقدر ما له من الموضوعات؛ ~~فكما أن هناك حسا رياضيا، كذلك يوجد حس بيولوجي، ونفسي ~~وجمالي وميتافيزيقي. وليس في وسعنا أن نحدد صفات كل صورة من ~~هذه الصور، ولكن للقارئ أن يحاول ذلك بنفسه. # فالحدس إذن هو في نظرنا الروح التي توجه الاستدلال ms302 تبعا ~~لموضوعه. ~~(2) دفاع عن المذهب العقلي # وهنا تعرض لنا مسألة أكثر تعقيدا من السابقة، تؤدي بنا إلى ~~اتخاذ موقف مضاد لبرجسون، ندافع فيه عن المذهب العقلي، والمذهب ~~العقلي هو ذلك الذي يدمج في العقل كل الوظائف الذهنية، حتى ~~اللذة والألم، والميول، والإرادة ولكنا لن ننظر هنا إلى هذا ~~المذهب إلا من جهة اتصاله بمشكلة الحس. فهل الحدس وظيفة عقلية؟ ~~سنجيب عن هذا السؤال بالإيجاب، وفيما يلي ما نراه لذلك من ~~أسباب: ~~(1) # فقد بينا منذ قليل أن الحدس وسيلة للفهم ما دام ~~الاستدلال لا يفهم دونه تمام الفهم. ~~(2) # وقد برهنا على ذلك دون أن نخرج عن نطاق العلم، وعن ~~نطاق العلم الرياضي بوجه خاص، وهذا دليل آخر على أن ~~للحدس بالفعل طابعا عقليا. # ولقد كنا نستطيع أيضا أن نلجأ في البرهنة على ذلك ~~إلى علم الطبيعة، وذلك بأن نمضي على النحو التالي؛ فقد ~~بينا من قبل أن الظاهرة العلمية يجب تفسيرها، وأن ~~هذه العملية تحتم الالتجاء إلى العلم الذي تم ~~اكتسابه وتكوينه، فالظاهرة الواحدة التي نلاحظها ~~تتضمن العلم كله، بدرجات متفاوتة، ويترتب على ذلك أن ~~المرء لا يجري التجربة لكي يحقق قانونا بالمعنى ~~الصحيح، وإنما لكي يحقق «العلم بأسره» فلنفرض أن جواب ~~الطبيعة كان بالنفي، أي أن التجريب قد كذب القانون، ~~عندئذ يجب تغيير النسق، فأي جزء من النسق هو الذي ~~يجب تغييره؟ إن الطبيعة لا تحدد لنا هذا الجزء. فهنا ~~يجب أن تتدخل خاصة، أعني صورة معينة من صور العقل، ~~هي «حدس» يتخذ قراره بحرية، ودون أي ضغط من جانب ~~الطبيعة ولكن دون تحيز أيضا؛ ففي حالات معينة، قد ~~يكون القانون المراد تحقيقه هو الذي يجب تعديله، وفي ~~حالات أخرى، قد تعدل النظرية بأسرها، بل قد ~~توجب حالات يتحتم فيها إعادة العلم بأسره إلى بوتقة ~~الاختبار، ليحدث انقلاب شامل فيه. وهذا ما حدث حين ~~قرر كبرنك وجاليليو أن يراجعا علم الفلك، بل ~~الميكانيكا بدورها، مراجعة شاملة. # ولقد كان علماء الطبيعة القدماء يقولون بضرورة عدم ~~الإكثار من الكائنات # entia # دون موجب. ms303 ~~والمقصود بالكائنات هنا مبادئ التفسير، أي إن التفسير ~~يكون أصلح إذا كان ينطوي على مبادئ «أقل». وتلك «قاعدة ~~حدسية» وليست مبدأ للاستدلال، إذ إن الاستدلال يؤدي ~~وظيفته، سواء أكانت المبادئ كثيرة أم كانت ~~قليلة. ~~(3) # يكتمل الدليل على صحة المذهب العقلي إذا أمكننا أن ~~نبين أن هناك عملية حدسية تتدخل في كل صور التفكير ~~المقالي المتدرج. وبالفعل توجد هذه العملية، ~~ويمكننا تعريفها على حدة؛ فهي عملية تصور ~~العلاقة. ~~(3) فهم العلاقة # قلنا إن الاستقراء عملية تمهيدية لا تزودنا بمعرفة عن ~~الأشياء، وأن الوصول إلى العلم الحقيقي لا يكون إلا بالتحليل. ~~على أن التحليل إنما هو تحديد للعلاقات الخفية المكونة للشيء؛ ~~فهو يفترض استشفافا وفهما لهذه العلاقة، والعلاقة ليست ~~شيئا؛ بل تصور لضرورة «تربط» بين الأشياء، ومن ثم فلها ~~طبيعة الفكر. لهذا كان العقل يدركها ويتخذها موضوعا خاصا ~~له؛ إذ هي من نفس طبيعته. فالتعبير الرياضي لا ينطوي إلا على ~~علاقات والقانون علاقة. # وإذن، فالعقل في التحليل والتركيب هو في أساسه التفكير في ~~العلاقات، ولكن معنى ذلك أنه يفي بشرطين عزاهما برجسون إلى ~~الحدس، إذ إن: ~~(1) # الإحساس بالديمومة ليس إلا الشعور بالعلاقة بين ~~الماضي والحاضر، وبالفارق بينهما، وبما قدمه الأول ~~إلى الثاني. وإذا كان هذا الإحساس إبداعا خالقا، ~~فذلك لأن للعلاقات بطبيعتها - متى أدركناها عن وعي - ~~القدرة على أن تولد عن طريق التركب علاقات جديدة ~~أعقد منها. ~~(2) # والشعور بالتفكير هو صورة من صور العقل أرفع من هذه. ~~فإذا كان العقل هو التفكير في العلاقات، فحسبه أن ~~يكمل ذاته ليدرك في العلاقة التفكير ذاته، ما دمنا قد ~~قلنا فيما سبق أن العلاقة لها نفس طبيعة ~~التفكير. # فالحدس إذن صورة للعقل العلمي وقد بلغ مزيدا من ~~الكمال. # | خاتمة # للعلم عند الإنسان قيمة لا تقدر، وحين نقول ذلك، فنحن نسقط من ~~حسابنا ما حققته الصناعة، وعلم الصحة، والطب، من قوة ورخاء للإنسان ~~باستخدام الكشوف العلمية؛ ذلك أولا لأن قيمة هذه الكشوف تتوقف على ~~طريقة انتفاع الإنسان بها، فقد يستخدمها في إفناء بني جنسه، أو في ~~جعلهم ms304 ينغمسون في حياة تخيم عليها سعادة تافهة عقيمة، قد تنتهي بهم ~~إلى أن يفقدوا شعورهم ذاته بتفاهة هذه الحياة. ثم إن الكشوف ذاتها لا ~~تعدو أن تكون وسائل، كما قال بوانكاريه: «فمما لا شك فيه أن من ~~الواجب علينا أن نسعى أولا إلى تخفيف بؤس البائسين ولكن من أجل أي ~~هدف؟ إن عدم التألم غاية سلبية، تتحقق قطعا بطريقة أكمل عن طريق ~~إفناء العالم، فإذا كنا نسعى إلى أن نكسب الإنسان مزيدا من ~~التحرر التدريجي من الحاجات المادية فما ذلك إلا لكي يستطيع استخدام ~~الحرية التي سيكتسبها في دراسة الحقيقة وتأملها.» # 1 # وإنما الذي نعنيه هو الازدهار المعنوي الذي تلقاه الإنسان من ~~العلم. فقد زاده العلم وعيا بالعالم، وأتاح له أن يمد نظرته ~~العقلية إلى ما وراء الحدود التي تفرضها عليه الحواس، إلى حد لا ~~نهاية له. فقد مكنه علم الطبيعة الفلكي وعلم الطبيعة الذري من ~~ارتياد آفاق «العالمين اللامتناهيين» اللذين يتأرجح بينهما ~~الإنسان، كما يقول باسكال، ثم إن العلم قد جعله أكمل شعورا بذاته. ~~فقد كشف له عن العلاقات التي تربط الفرد والنوع بالبيئة البيولوجية ~~والاجتماعية والتاريخية فازداد فهما لذاته، لأنه أدرك بصورة أكمل ~~وأدق، موقعه في الوسط الذي يحيا فيه، وماضيه الحيواني والبدائي. وفضلا ~~عن ذلك، فقد أجاد فهمه لطبيعته من حيث هو كائن مفكر، فالعلم لا ~~يبارى من حيث هو شعور بالتفكير الإنساني. والتفكير الحقيقي، الذي ~~يتكيف مع الأشياء، ويتحرر من الشوائب الحيوانية، ومن الأوهام ~~الاجتماعية، هو التفكير العلمي. # وأخيرا، فقد دفع العلم الإنسان إلى نوع من الزهد، هيأه لممارسة ~~أفضل حياة أخلاقية، وأصدق حياة دينية، ف «التحول عن الهوى البشري» ~~الذي يقتضيه العلم، هو تهيئة لإنكار الذات والإخلاص. وهو من الناحية ~~الأخرى خير طريق للوصول إلى ما هو إلهي. وإذا كانت تلك النظم الدينية ~~الرائعة التي حققها الصينيون والهنود في عصر سقراط قد اضمحلت أو ~~أدركها الفساد، فذلك إنما يرجع في رأينا إلى افتقارها إلى العلم ~~الصحيح، الذي اضطر الشرق بمضي الزمن إلى البحث عنه في ms305 الغرب. أما ~~التفكير المسيحي، وهو التفكير الديني للغرب، فلم يتولد بالتأكيد عن ~~العلم، ولكنه يدين للعلم بالكثير من أجل بقائه ونقائه. فالمسيحية قد ~~ألهمت ديكارت نزعته الروحية، وألهمت «كانت» صرامته الأخلاقية. ومذهبا ~~ديكارت وكانت هما قبل كل شيء فلسفتان عمليتان. # وإذن، فإذا كان قوام الحكمة، كما يقول اسبينوزا، في شعور المرء ~~بذاته، وبالعالم، وبالله، أمكننا القول بأن الحكمة لن تجد خيرا من ~~العلم ظهيرا. ms306