######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.MuqamaratTarikhKubra.Hindawi35927275 #META# Tags: history #META# ID: 35927275 #META# Title: مقامرة التاريخ الكبرى: على ماذا يراهن جورباتشوف؟ #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - المقدمات‏ # 2 - لعنة التسلح‏ # 3 - الخلل في الداخل‏ # 4 - هل تصمد النظرية الاشتراكية؟‏ # 5 - هل ثبتت رؤية هلال الرأسمالية؟‏ # 6 - صورة المستقبل‏ # 7 - وأين العرب من هذا كله؟‏ # 1 - المقدمات‏ # 2 - لعنة التسلح‏ # 3 - الخلل في الداخل‏ # 4 - هل تصمد النظرية الاشتراكية؟‏ # 5 - هل ثبتت رؤية هلال الرأسمالية؟‏ # 6 - صورة المستقبل‏ # 7 - وأين العرب من هذا كله؟‏ # | مقامرة التاريخ الكبرى # | مقامرة التاريخ الكبرى # | على ماذا يراهن جورباتشوف؟ # تأليف # فؤاد زكريا # الفصل الأول # | المقدمات # لا أظن أن التنبؤ بالمسار الذي سيتخذه التاريخ، حتى على المدى القريب، كان في وقت من الأوقات ~~أصعب مما هو في اللحظة الراهنة. أقول هذا وأنا على وعي تام بأن الأساليب العلمية لتكوين صورة ~~معقولة عن الأوضاع المستقبلية قد تقدمت في الآونة الأخيرة تقدما هائلا، حتى أصبح هناك علم قائم ~~بذاته، هو «المستقبليات»، له أساتذته المتخصصون ودورياته العلمية ومعاهده ومؤتمراته، ويستعين ~~بأحدث طرق البحث وأدق الحاسبات الإلكترونية، ومع ذلك فإن التحول الذي طرأ على العالم في الربع ~~الأخير من العام الذي ودعناه أخيرا، قد خرج بحدة عن كل توقع، وقفز بعنف خارج كل إطار كان يوضع ~~فيه المسار المحتمل للتاريخ. وأغلب الظن أن الصورة التي سيذكرها المؤرخون عن عقد الثمانينيات ~~بأكمله سيكون أغلبها مستمدا مما حدث في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عامه الأخير، كما أن أحداث ~~عقد التسعينيات سوف تتحدد، إلى مدى بعيد، بما حدث في هذه الأشهر الثلاثة الحاسمة. # إن التاريخ، الذي كان يبدو في نظر إنسان النصف الثاني من القرن العشرين مستأنسا طيعا، يمكن ~~حساب العوامل المتحكمة في تحولاته، واستشفاف مساراته المقبلة بقدر معقول من الدقة، يبدو اليوم، ~~ونحن نستهل العقد الأخير من هذا القرن العجيب، أشبه بالحصان البري الجامح، في قفزاته العشوائية ~~وانطلاقاته المفاجئة واستعصائه على لجام العقل. # لقد تنبه الكثيرون في الشرق والغرب، بعد التقلبات الأخيرة الصاخبة، إلى التشابه الواضح بين ~~عام 1789م، عام الثورة الفرنسية، وعام 1989م، عام الثورة في المعسكر الاشتراكي، ووجدوا في كل من ~~العامين مفترق طرق حاسما في ms01 تاريخ البشرية، ولكن هل خطر هذا التشابه ببال أحد ممن سجلوا على ~~صفحات جرائد العام كله توقعاتهم عن العام الجديد، عند نهاية عام 1988م؟ وهل طاف هذا التشابه بذهن ~~أحد في الوقت الذي كان فيه العالم يحتفل مع فرنسا، بمرور مائتي عام على ثورتها في شهر يوليو ~~(تموز) الماضي؟ هل توقع أحد خلال هذه الاحتفالات التي لم يمض عليها سوى خمسة أشهر، أن تصبح للعالم ~~خلال الشهور القليلة التالية صورة مختلفة تماما عن تلك التي اعتدناها، وبنينا عليها جميع ~~تحليلاتنا وتوقعاتنا خلال السنوات الأربعين الماضية؟ وهل تخيل أحد ممن عرضت عليهم شاشات التلفزيون ~~صورة تشاوشيسكو في نوفمبر الماضي، وهو يخطب في اجتماعه الحزبي الأخير، فيرفض في صلف وغرور وعناد ~~كل التغييرات التي اجتاحت أوروبا الشرقية، ويستقبله ألوف الحاضرين (من يزعمون أنهم ممثلو الشعب) ~~بالتصفيق الحاد عند كل مقطع في خطابه، والوقوف إجلالا عند دخوله وخروجه - أقول هل تخيل أحد عندئذ ~~أن هذا الزعيم الجبار سيرتمي في الوحل، مع نظامه كله، ممزقا بالرصاص بعد أقل من أسبوعين في أعقاب ~~ثورة شعبية بطولية ضحت بالكثير من أجل إزاحة الطاغية في زمن قياسي؟ # كذا يبدو التاريخ، في أيامنا القليلة هذه، أشبه بنهر ظل يسير في مجراه هادئا، ثم تحول فجأة إلى ~~شلال هادر يصم الآذان، ولا يملك كل من يقف يتأمل مجبرا التدفق الصاخب بعد هدوء طويل، إلا أن يوقن بأن ~~مجراه لن يعود أبدا بعد هذا الشلال، مثلما كان. # إن الحيرة هي السمة المميزة لكل محاولات التحليل التي تقدم للوضع الراهن في العالم بعد ~~الأحداث العاتية التي عصفت بنظامه المستقر منذ أربعين عاما. وحين يكتب أعقل العقلاء عن هذا الوضع ~~العالمي الجديد، فإنه لا يستبعد احتمال حدوث شيء يقلب تحليلاته وتفسيراته رأسا على عقب في اليوم ~~التالي لظهور مقاله. لقد حلت المفاجآت محل التوقعات، والدهشة محل التنبؤات، وانعدمت الرؤية حتى ~~أمام من يملكون أعظم المعلومات وأدق أدوات التحليل. # ولكن، في قلب هذا التحول الخاطف الصاخب يقف رجل واحد في العالم لا يبدو ms02 عليه أي قدر من القلق ~~إزاء ما يحدث، بل إن خصومه، الذين تبدو التغييرات وكأنها تسير في صالحهم، هم الذين يبذلون جهودا ~~هائلة من أجل إخفاء توترهم وقلقهم، هذا الرجل هو ميخائيل جورباتشوف، الذي أسهم في تغيير عالمنا ~~بأكثر مما أسهم به أي فرد آخر في التاريخ المعاصر. وعلى الرغم من أن المثقفين في جيلنا قد اعتادوا ~~ألا يبالغوا في تضخيم دور الفرد في التاريخ، وظلوا يؤكدون دائما أن الصانع الحقيقي للتحولات ~~الكبرى في مجرى العالم هو الجماهير، والقوانين الموضوعية التي تحكم تحركاتهم، وأن أي فرد مهما ~~كانت مكانته لا يعدو أن يكون محصلة العوامل الاجتماعية الكبرى التي تتحكم في مسار التاريخ؛ على ~~الرغم من هذا كله، فإن المرء لا يملك إلا أن يربط بين الثورة التاريخية الكبرى التي نعيش الآن أهم ~~مراحلها، وبين شخص جورباتشوف على وجه التحديد، سواء نظرنا إليه على أنه فرد عبقري، أم على أنه ~~تجسيد لقوى تاريخية أوسع نطاقا وأعمق تأصلا منه. # وليس أدل على ذلك من تلك المفارقة الغريبة التي نلمسها في تقييم خصومه له: فألد أعدائه، في ~~أميركا وإنجلترا مثلا، يكيلون له المديح ويتغنون بحكمته وشجاعته، في نفس الوقت الذي يؤكدون فيه ~~أنه هو الخاسر الأكبر، وأن النظام الذي ينتمي إليه قد انهار، وأن شعوبه قد اختارت التحول إلى ~~النظام البديل. # ومعنى ذلك أن الإنسان المعاصر، سواء أكان ممن يعترفون بأن التحولات التاريخية في المعسكر ~~الاشتراكي هي تحولات إيجابية، أو كان ممن يرون أنها تمثل النهاية الحتمية لهذا المعسكر ولكل ~~المعركة الأيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية، يؤكد في الحالتين أن هذا الرجل بعينه هو الذي ~~يلعب دور البطولة على مسرح الأحداث الحاسمة في عالم اليوم، ولكن السؤال الهام، والحاسم، يظل ~~قائما: فإذا كان العالم كله يعترف لجورباتشوف بالفضل الأكبر - وربما الأوحد - في إدارة عجلة ~~التاريخ نحو هذا المنعطف الحاسم، فهل كان دوره يقتصر على البدء في تحريك الأحداث، والسماح ~~للتطورات بأن تسير في مجراها بحرية، دون تدخل من الدبابات السوفياتية التي منعت من قبل ms03 تحولات ~~كثيرة داخل المعسكر الشيوعي، أم أن المسار الذي تتخذه الأحداث بعد هذه البداية العاصفة، هو أيضا ~~من صنعه؟ هل كان جورباتشوف، مثل إله أرسطو، هو «المحرك الأول» للأحداث، ثم سارت هذه الأحداث بعد ~~ذلك في طريقها الخاص دون تدخل منه، وأفلت زمامها من بين يديه، أم أنه، بعد أن أعطى إشارة الانطلاق ~~الأولى، ما زال ممسكا بالدفة؟ # إن العالم كله يعترف لجورباتشوف بالأمر الأول، أعني البدء في تحريك الأحداث التي أدت إلى تحول ~~حاسم في التاريخ المعاصر، أما الأمر الثاني، أعني مدى تحكمه في المسار اللاحق لهذا التحول، فهو ~~مدار خلاف كبير. من أصعب الأمور في اللحظة الراهنة، التي ترتفع فيها حرارة الأحداث إلى درجة ~~الغليان، أن يتخذ المرء موقفا بين هذا الرأي وذاك؛ لأن وضوح الرؤية يحتاج إلى وقت حتى ينقشع ضباب ~~التقلبات العنيفة والمفاجئة. # ومع ذلك فإن الرأي الذي أدافع عنه، بقدر ما تسمح لي الأحداث الراهنة بالحكم، هو أن جورباتشوف ~~يقوم بمقامرة من أكبر مقامرات التاريخ، وفي كل مقامرة مغامرة، ولكن هل هي مغامرة محسوبة، أم أنها ~~متروكة للظروف؟ في اعتقادي أن جورباتشوف قد خاض هذه المغامرة بعد أن أجرى حسابات فيها قدر كبير من ~~الدقة، ولكن لما كانت حركة التاريخ أعقد كثيرا من تلك الأرقام التي تحملها الأوجه الستة لمكعب ~~النرد (الزهر)، فمن المتوقع أن تخطئ تلك الحسابات في كثير من التفاصيل، ومع ذلك فإن ما أتصور أن ~~جورباتشوف توقعه حين خاض هذه المقامرة بوعي كامل هو أنه سيبدو خاسرا على المدى القصير، ثم يبدأ ~~تراكم المكاسب على المدى الأطول. هذه هي حساباته، كما أتصورها وإن كان احتمال الخطأ فيها يظل ~~واردا على الدوام. # وفي اعتقادي أن معظم الأخطاء التي ترتكب في محاولة فهم الوضع الراهن لعالمنا المضطرب، بعد ~~سلسلة الأحداث المفاجئة الأخيرة، ترجع إلى أن المفكرين والمحللين ينظرون إلى الأحداث التي تدور في ~~اللحظة الراهنة كما لو كانت هي التي ستظل قائمة في المدى البعيد، وهذا ينطبق على مؤيدي جورباتشوف ~~ومعارضيه على حد سواء، ms04 فمؤيدوه يقفون مشدوهين وهم يرونه يتأمل بهدوء انهيار إمبراطورية المعسكر ~~الاشتراكي من حوله، ويعربون عن أسفهم لاختفاء معسكر قوي كان على الأقل يشكل توازنا مع المعسكر ~~الرأسمالي الأشد عدوانية، وكثير منهم يتمنون في قرارة أنفسهم لو كان جورباتشوف أكثر حزما، ولو ~~أحكم قبضته بدرجة معينة حتى لا يفلت منه زمام الأمور، بل إن بعض أنصار الاشتراكية المتحمسين يصل ~~بهم الأمر إلى حد اتهامه، سرا في معظم الأحيان وعلنا في أحيان قليلة، بالخيانة والعمالة ~~للرأسمالية العالمية، وبأنه هو الزعيم الذي أخذ على عاتقه مهمة تصفية المعسكر الذي ينتمي إليه. ~~أما خصومه فإنهم لا يخفون سعادتهم لأن شعوب المعسكر الشيوعي قد انقلبت عليه، واختارت طريق ~~الرأسمالية، فما يحدث الآن هو في نظرهم نهاية الخصومة بين المعسكرين والتضاد بين الأيديولوجيتين، ~~لا من أجل تحقيق الوفاق بينهما، بل لصالح أحدهما وعلى حساب الآخر، وهم يؤكدون أن النتيجة الواضحة ~~للتحول الحاسم في عام 1989م هي الانتصار النهائي للرأسمالية، وأن الأحداث قد أثبتت بصورة لا تقبل ~~الجدل أن الرأسمالية هي «النظام الطبيعي» للمجتمع الإنساني، أما الشيوعية فهي عرض زائل أو «موضة» ~~مزعجة ظلت مسيطرة بقوة الحديد والنار في مجتمعات معينة خلال بضعة عقود من السنين، لا تعد بمقياس ~~التاريخ البشري شيئا يذكر، ولكن كان لا بد لهذه الأيديولوجية الشاذة أن تنتهي يوما ما، وها ~~هي ذي الأحداث تعلن إفلاسها بصوت مدو؛ لكي يعود البشر جميعا، دون تفرقة بين معسكر وآخر، إلى ~~«نظامهم الطبيعي». # هذه كلها، في رأيي، تحليلات متسرعة، قصيرة النظر، والمشكلة فيها كلها، سواء تلك التي يقوم بها ~~أنصار جورباتشوف أم خصومه، هي أنها تنظر إلى الوضع الراهن على أنه الوضع النهائي، وتحكم على ~~المسار البعيد للتاريخ من خلال ما يجري في المدى القصير. وفي اعتقادي أن العنصر المحسوب في تلك ~~المقامرة الكبرى التي قام بها جورباتشوف، هو أن ثمارها لن تظهر إلا بعد فترة غير قصيرة من الصدمات ~~والخسائر؛ ومن ثم فإن من يصدر حكما على التجربة ينبغي عليه ألا ينخدع بتلك السلبيات الضخمة ms05 التي ~~تقفز على السطح في المرحلة الأولى من تلك التحولات. # إن جورباتشوف يراهن رهانا كبيرا شديد الخطورة، ولكنه ليس رهانا على أرقام مجردة تتساوى ~~جميعا في احتمال ظهورها أو عدم ظهورها، وإنما هو رهان على الطبيعة البشرية، وعلى الأهداف التي ~~ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها في المرحلة الحاسمة من تاريخه، فلا بد في نهاية الأمر من أن ~~يثور هذا الإنسان على القمع والاضطهاد وحشر المتشابه والمختلف في قالب واحد، ولكنه لا بد أيضا ~~أن يثور على الظلم الاجتماعي الصارخ والتفاوت الحاد بين الطبقات والتسلح المهدد لاستمرار الحياة ~~والتهديد المميت للبيئة التي ستعيش فيها أجيال الأولاد والأحفاد. على هذه الأمور جميعا يراهن ~~جورباتشوف، ولا بد لكي يكسب هذا الرهان على المدى الطويل من أن يخسر قليلا أو كثيرا على ~~المدى القصير. # ولكي أدلل على صحة هذا الافتراض الذي أحاول به أن أجعل هذا الموقف المعقد والمتقلب مفهوما ~~بدرجة ما، وأن أضفي شيئا من المعقولية على أوضاع تبدو خارجة عن سيطرة كل عقل، دعونا نطرح سؤالا ~~لم يطرحه أحد من قبل، ربما لأنه يبدو سؤالا شديد السذاجة، مع أنه ينطوي في رأيي على كثير من ~~مفاتيح اللغز: فما الذي أرغم جورباتشوف على أن يفعل ما فعل؟ لقد انتخب جورباتشوف رئيسا بعد ~~تشيرنينكو، الذي كان ميتا حيا، وظل طوال حكمه القصير راقدا على فراش المرض. وتشيرنينكو جاء بعد ~~أندروبوف، الذي كان بدوره يحمل منذ البداية بذور داء قاتل أودى بحياته بعد وقت قصير، كذلك فإن ~~أندروبوف جاء بعد بريجنيف، الذي كان في السنوات الأخيرة من حكمه جثة تتظاهر بأنها حية، وكان ~~واضحا أن قواه البدنية والذهنية لا تسمح له بأن يدير مزرعة للدواجن، لا معسكرا عالميا عظيم ~~القوة فادح المسئوليات. # جاء جورباتشوف إلى الحكم شابا في الرابعة والخمسين «بالقياس إلى الموتى الأحياء الذين ~~سبقوه»، وكان يكفيه أن يعطي الحكم مزيدا من الحيوية، ويسير في الخط الذي انتهجه سابقوه بهمة ~~أعظم ونشاط أكبر، حتى يكون قد أنجز شيئا هاما يميزه بوضوح عن أسلافه، ms06 ولكنه لم يقبل ذلك، ~~وإنما اختار عمدا أن يسير في طريق مختلف «نوعيا» عن ذلك الذي سار فيه أي زعيم سوفياتي آخر منذ ~~لينين. # ولو كان جورباتشوف قد سار على درب أسلافه، مع إعطاء الحكم مزيدا من الحيوية والشباب، لما ~~تعرض لشيء من المتاعب التي تعصف الآن بالمعسكر الشرقي. وأعتقد أنه كان يستطيع - نظريا - أن يفعل ~~ذلك، فكل ما يقال الآن عن أن هذا التغيير الذي أحدثه جورباتشوف كان حتميا بسبب المتاعب ~~الاقتصادية الهائلة التي تواجهها الكتلة الشرقية، أو حاجة شعوب هذه الكتلة إلى الحرية؛ كل هذا، ~~وإن كان صحيحا كل الصحة، لا يكفي لتفسير ما حدث، فقد ظلت هذه الشعوب محرومة من التعددية ومن حرية ~~التعبير وحرية السفر والتنقل أكثر من أربعين عاما، وبرغم ذلك فقد استطاع النظام أن يستمر، وحين ~~كانت تقوم فيها انتفاضات شعبية، كما حدث في المجر عام 1956م وفي تشكوسلوفاكيا عام 1968م، كانت ~~الدبابات السوفياتية تتكفل بسحق كل صوت معارض، وكذلك كانت المتاعب الاقتصادية واضحة منذ زمن طويل، ~~ومع ذلك ظل النظام متماسكا أمام العالم، وكان بفضل قوته العسكرية يؤلف معسكرا جبارا يعمل له ~~خصومه ألف حساب. # أجل، كان في استطاعة جورباتشوف أن يكون امتدادا أكثر شبابا وحيوية، لعهد بريجنيف، ومهما ~~واجه من متاعب فإنها لن تكون أسوأ من تلك التي استطاع المعسكر كله تحملها طوال ستة عشر عاما من ~~«عصر الجمود»، وكان في استطاعته - باستخدام أساليب القوة والتمويه السائدة من قبل - أن يسير في طريق ~~مأمون، ويجنب نفسه كل ما يتعرض له الآن من مشكلات، ولكنه لم يفعل، واختار عامدا السير في طريق ~~التغيير الجذري، بكل ما ينطوي عليه من مخاطر جسيمة. # بل إنه خطط بدقة وإحكام لهذا التغيير الذي تعمد إحداثه، ونظم خطواته بطريقة عقلانية: فبدأ ~~بسياسة «الجلاسنوست» أي العلانية أو المصارحة أو المكاشفة، ولأول مرة وجد الإنسان، في الدولة الأم ~~داخل المعسكر الاشتراكي، أن في استطاعته التعبير بحرية تامة عما يعانيه من متاعب، ويوجه ~~الانتقادات الحادة إلى المسئولين عن هذه المعاناة، دون ms07 أن يلحقه أذى أو ينفى إلى أقصى الأرض. ~~وكانت تلك هي الخطوة الأولى، والمنطقية نحو التحول الأساسي، وهي التي هيأت الجو عقليا ونفسيا ~~لخطوات أخرى تهز الأسس التي قام عليها المجتمع. وكان من الطبيعي أن تمتد الخطوة الأولى فترة ~~طويلة، تزيد عن ثلاث سنوات؛ إذ إن هذا هو ما تقتضيه التعبئة الذهنية للملايين من البشر، من أجل ~~إزالة آثار عشرات السنين من الخوف من توجيه النقد، والجمود إزاء التغيير، والسلبية التامة في ~~مواجهة صناع القرار. # وكانت المرحلة التالية، والحاسمة، هي إعطاء الضوء الأخضر للتغيير في كل بلد يزوره من بلدان ~~المعسكر الاشتراكي؛ فقد أخذ يلمح إلى عدم رضائه عن القيادات الجامدة، ويشير بعبارات واضحة إلى أن ~~القوات السوفياتية لن تتدخل في أية أحداث تقع داخل هذا المعسكر. وسرعان ما التقطت شعوب هذه ~~الكتلة، التي كانت من الأصل معبأة، إشاراته الواضحة، وبدأت الأصنام الجامدة فيها تتهاوى واحدا ~~بعد الآخر، فمنهم من انسحب في هدوء، ومنهم من نحي عن منصبه بعد إجماع شعبي تجلى في مظاهرات عارمة، ~~وآخرهم (حتى كتابة هذه السطور) آثر المكابرة، ولم يتزحزح عن موقعه إلا بعد أن سلط على أهله زبانية ~~الشر الذين كان «يدخرهم ليوم مطير» كما يقول التعبير الأميركي الشائع، فكانت نهايته بنفس القسوة ~~والدموية التي مارسها تجاه شعبه. # كانت حركة التغيير الهائلة في المعسكر الاشتراكي إذن متعمدة، وكان في استطاعة جورباتشوف أن ~~يحتفظ بالأوضاع الجامدة السابقة، مدة أطول بكثير، ولكنه آثر أن يخوض مغامرة التحول الحاسم. ومع ~~ذلك فإن قوى التغيير حالما تنطلق من عقالها بعد طول احتباس، يمكن أن تخرج عن السيطرة، وتتخذ ~~مسارات غير محسوبة، فهل أفلت المارد من القمقم، وانقلب على من فتح له فوهة الزجاجة؟ وهل يسير ~~تداعي الأحداث بشكل طليق وبصورة غير منضبطة منذ اللحظة التي أضاء فيها جورباتشوف الضوء الأخضر ~~أمام قوى التغيير؟ # إن الإجابة عن هذه التساؤلات بالإيجاب أو السلب تكاد تكون مستحيلة في اللحظة الراهنة، ولكن ~~الأمر المؤكد هو أن جورباتشوف قام بمقامرة تاريخية كبرى، كانت له ms08 فيها حساباته الذكية بعيدة ~~النظر، ولكن احتمالات الخسارة واردة في كل مقامرة، مهما كانت دقة الحساب فيها، لاسيما وأن أعداءه ~~يعملون بكل طاقتهم من أجل إفساد هذه الحسابات. وكل ما يستطيع الكاتب أن يفعله، في مرحلة الأحداث ~~الساخنة التي نمر بها الآن، هو أن يحلل مختلف عناصر الموقف، ويقدر احتمالاته الممكنة؛ كيما يساعد ~~القارئ على فهم الأحداث المتلاحقة بصورة أعمق، ويترك له مهمة استخلاص النتائج بنفسه. # وهذا بعينه هو ما سنحاول القيام به في الفصول التالية: فلا بد من البدء بتقديم تفسير ~~للتغييرات الحاسمة التي وقعت بالفعل، يليه محاولة لبحث تأثير هذه التغييرات بالنسبة إلى مستقبل ~~العالم الاشتراكي، والعالم الرأسمالي، والعالم الثالث، مع التركيز على الوطن العربي بوجه خاص. ~~وأخيرا تأتي أصعب المحاولات وأعقدها، وهي المخاطرة باستخلاص مجموعة من التوقعات عن شكل العالم في ~~عقد التسعينات، بعد أن تكون تلك التغييرات قد أخذت مداها، وأصبحت حقائق راسخة في عالم ~~الغد. # الفصل الثاني # | لعنة التسلح # قلت في الفصل السابق إن جورباتشوف كان يستطيع، من الوجهة النظرية، أن يحافظ على الأوضاع التي ~~ظلت سائدة في الكتلة الشرقية منذ الخمسينات، وفي بلاده قبل ذلك، وإن أية صعوبات كانت تواجه أنظمة ~~تلك البلاد في المرحلة التي سبقت ثورته التاريخية مباشرة، ما كانت لتتجاوز ما سبق أن مرت به من ~~مشاكل طوال العقود السابقة. ولكن هذا الفرض النظري يعني تجميد الأوضاع إلى ما لا نهاية، ويعني ~~الحكم على النظام الاشتراكي كله بالتحجر في قت تجتاح فيه العالم ثورة علمية وتكنولوجية ستنتقل به ~~خلال القرن القادم إلى أنماط من الحياة تبدو معها أنماطنا الحالية عتيقة، وربما بدائية. ومن ~~المؤكد أن عملية اختيار جورباتشوف زعيما للاتحاد السوفيتي كانت منذ البدء دليلا على قوة إرادة ~~التغيير في هذا البلد الكبير، فمن المرجح، إن لم تقع مفاجأة، أن يكون هذا الرجل نفسه، أو واحد ممن ~~يسيرون على نهجه، هو الذي يقود بلاده عند مطلع القرن الحادي والعشرين. وهكذا، اختير الرجل على ~~أساس أن مهمته هي العبور إلى المستقبل، ولا ms09 بد أن الذين اختاره كانوا على وعي بأن أوان التغيير ~~قد آن، وبأن هناك ظروفا هي التي تحتم هذا التحول الحاسم. # ويمكن القول إذن إن جورباتشوف قد جاء إلى السلطة وهو يحمل تفويضا بإحداث تحول هام في أسلوب ~~الحكم، غير أن الرجل تجاوز هذا التفويض بمراحل، وكان العامل الرئيسي الذي ساعده على ذلك أن لديه ~~رؤية كونية شاملة، فالتغيير في نظره يبدأ أولا من الداخل، من بلاده ذاتها، ثم ينتقل إلى بقية ~~البلاد الاشتراكية، وبعد ذلك تمتد إشعاعاته حتما إلى العالم الغربي الرأسمالي؛ ومن ثم إلى العالم ~~الثالث. وسواء تمكن جورباتشوف من تجسيد رؤيته هذه في عالم الواقع، أم أخفق في ذلك لسبب أو آخر، ~~فإن الدلائل كلها تشير إلى أن البشرية لن تستطيع أن تشق طريقها بأمان في القرن القادم إلا إذا ~~تمكنت من وضع نظام جديد للعلاقات بين الدول، يرتكز على تحقيق توازن بين قدرة الإنسان على التحكم ~~في تصرفاته، وضبط علاقاته مع الآخرين بطريقة حضارية (وهي حاليا قدرة متخلفة إلى حد بعيد)، وبين ~~قدرته على التحكم في الطبيعة المادية وتسخيرها لخدمة أغراضه (وهي حاليا قدرة متقدمة إلى حد ~~هائل). # فما هي إذن تلك الأسباب التي جعلت هذه الرؤية الجديدة ضرورة ملحة؟ وما العوامل التي دفعت ~~جورباتشوف إلى تلك المقامرة الكبرى التي أذهلت الخصوم قبل الأصدقاء، والتي قلبت جميع الحسابات ~~التقليدية، على صعيد السياسات المحلية والعالمية، رأسا على عقب؟ لنبدأ أولا بأعم الأسباب ~~وأهمها، وأعني به الحاجة الملحة إلى إنهاء سباق التسلح، فقد فرض هذا السباق الشيطاني على العالم ~~في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مع أن ميثاق الأمم المتحدة الذي أعلن في نهاية تلك الحرب كان ~~يشير بوضوح إلى هدف إنهاء كافة الحروب وإقامة العلاقات بين الدول على أساس السلام الدائم، ولكن ~~الحرب الباردة سرعان ما ابتكرت صيغة أخرى في العلاقات الدولية، وخاصة بين المعسكرين الكبيرين، هي ~~علاقة الخوف المتبادل، والردع المتبادل: أي إن كلا منها يرهب الآخر ويمنعه من مهاجمته عن طريق ~~تهديده بالدمار الشامل، فتكون النتيجة ms10 استمرار السلام، ولكنه سلام متوتر يهدد في أي لحظة ~~بالانفجار. # ولكي نكون موضوعيين فلنقل إن صاحب المصلحة في هذا الطابع الذي اتخذته الحرب البادرة كان ~~الولايات المتحدة وليس الاتحاد السوفياتي، غير أن السوفيات لم يكن في استطاعتهم أن يقفوا مكتوفي ~~الأيدي إزاء التصعيد الأميركي للتسلح، فاندمجوا في اللعبة على الرغم من الأضرار الفادحة التي ~~ألحقها بهم التسلح المكثف. وكان السياسي الوحيد الذي قرر أن يوقف هذه اللعبة بتخطيط بارع هو ~~جورباتشوف. # وليسمح لي القارئ بأن أورد اقتباسين مطولين من مقال كنت قد كتبته منذ خمس سنوات (مجلة العربي ~~- يناير 1985م) بعنوان «أيديولوجية التسلح». وسيدرك القارئ بسهولة سبب هذا الاقتباس حين ينتهي من ~~قراءته: # إن النظام الرأسمالي يستطيع أن يتحمل دون عناء التسلح ونفقاته الباهظة، بل إن إنتاج ~~السلاح وتطويره وتجديده المستمر من أهم العوامل التي تساعد على استمرار هذا النظام في الحياة ~~وازدهار اقتصاده وتشغيل مصانعه وإيجاد فرص عمل للعاطلين فيه. وأما النظام الاشتراكي فإن ~~التسلح بالنسبة إليه عبء ثقيل يؤثر تأثيرا واضحا في مستوى نموه؛ وذلك لأن السلاح في هذه ~~الحالة لا تنتجه شركة تحقق أرباحا هائلة من بيعه أو تصديره، وإنما تنتجه الدولة التي تخطط ~~اقتصادها بحيث يؤدي التوسع الزائد في أي ميدان إلى التضييق في الميادين الأخرى. وهكذا فإن ~~إنتاج أسلحة باهظة التكاليف، في المجتمع الاشتراكي، لا بد أن تقتطع نفقاته من قوت الناس ~~ومن ملبسهم ومسكنهم وسائر الخدمات التي تقدم إليهم ... إن التطوير المستمر للأسلحة يحدث أولا ~~في البلاد الرأسمالية، والقنبلة الذرية، ثم الهيدروجينية، والطائرات الأسرع من الصوت، كل ذلك ~~بدأت به بلاد رأسمالية ... هذا التطوير المستمر لا يعني فقط مزيدا من الروح العدوانية لدى ~~مبتكريه، بل إنه موجه في الأساس نحو الخصوم، والهدف الأساسي منه - في رأيي - ليس عسكريا ~~فحسب، وإنما هو أيضا أيديولوجي واقتصادي، فقد أصبح التوازن الدولي يحتم على كل من القوتين ~~العظميين أن تلحق بالأخرى في قدراتها العسكرية، وكل تصعيد في مستوى التسلح ونفقاته يعني ~~مزيدا من الإرهاق لاقتصاد المعسكر الشرقي، ويعني ms11 اقتطاعا من ضرورات الحياة لدى شعوب هذا ~~المعسكر من أجل هدف أهم: هو أن تكون هذه الدول أو لا تكون ... وكما قلت، فإن الاقتصاد الاشتراكي ~~لم تنشأ فكرته أصلا من أجل عالم تسوده المنافسات العسكرية وصراعات الحياة والموت، بل إن ~~مؤسسيه تصوروا قيام تنافس سلمي بين الرأسمالية والاشتراكية، وبنوا تنبؤاتهم بحتمية انتصار ~~الاشتراكية. # ثم أضفت في موضع آخر من هذا المقال: # استطاع المعسكر الرأسمالي بالفعل أن يوقف مسيرة المعسكر الخصم، بل أن يوسع الهوة المعيشية ~~التي تفصله عنه، وكل من يزور بلدان المعسكر الاشتراكي ويقارنها بالبلاد الرأسمالية المتقدمة، ~~لا بد أن يصدمه الفارق الهائل في مستوى المعيشة بين الجانبين ... هذا القصور لا يرجع إلا إلى ~~الاستنزاف المتعمد الذي يفرضه النظام الرأسمالي على اقتصاد المعسكر الخصم في ميدان التسلح، ~~الذي أصبح الآن باهظ التكاليف، بل إن نقص الاستهلاك الذي يلاحظه الإنسان العادي بسهولة في ~~عالم لم تعد تقوم فيه حواجز بين المجتمعات ذات الأنظمة المختلفة هو المسئول عن عدم الاستقرار ~~وعن تلك الثورات التي تشب من آن لآخر في بلاد المعسكر الاشتراكي، كالمجر وتشيكوسلوفاكيا، ~~وأخيرا بولندا. ونتيجة لتلك الثورات تفرض السلطات مزيدا من القيود، فيؤدي ذلك إلى مزيد من ~~الغضب المكتوم. وهكذا تستمر الحلقة الجهنمية في تضييق الخناق على هذا المعسكر، بعد أن نجح ~~المعسكر الرأسمالي في فرضها على خصومه حتى يلعبوا لعبة الصراع الدولي بقواعده هو، وعلى أرضه ~~هو. # هكذا الكلام قيل منذ خمس سنوات، ولعل القارئ قد أدرك أنه يلقي ضوء واضحا، منذ ذلك الوقت ~~المبكر، على الكثير مما يقع اليوم من أحداث في الاتحاد السوفياتي وبقية بلاد المعسكر ~~الاشتراكي. # إن الحرب الباردة اختراع أميركي صرف، وكل من عرف شيئا عن أحداث الحرب العالمية الثانية يعلم ~~أن أميركا لم تطلق في داخلها رصاصة واحدة طوال هذه الحرب، على حين أن الاتحاد السوفياتي قد اكتسحت ~~معظم أراضيه وأحرقت حقوله وقراه، وفقد أكثر من عشرين مليون قتيل. ولقد تمكنت أجهزة الإعلام ~~الأميركية من خلق صورة وهمية عن الخطر الزاحف من أرض ms12 السوفيات، والذي يهدد بابتلاع العالم ما لم ~~يتم ردعه بقوة السلاح، وانطلت هذه الأسطورة على الشعوب في أوروبا الغربية وفي أميركا بوجه خاص، مع ~~أنها لم تكن إلا أكذوبة كبرى. وأغلب الظن أن مروجيها أنفسهم كانوا يعلمون ذلك، ولكن لهم مصلحة ~~مؤكدة في تثبيتها في الأذهان؛ وذلك لأن الشعب السوفياتي ما زال حتى هذه اللحظة، وبعد مضى خمسة ~~وأربعين عاما على انتهاء تلك الحرب، يعيش آلامها ومرارتها. وإذا كانت فنون الشعوب وآدابها خير ~~شاهد على نفسياتها، فمن السهل أن يلاحظ المرء أن فظائع الحرب العالمية الثانية ما زالت حية بقوة ~~في وعي الشعب السوفياتي ولا وعيه معا، بدليل أنها هي الموضوع الذي تدور حوله نسبة كبيرة من ~~الأفلام السينمائية والأعمال الأدبية السوفياتية حتى اليوم، وهو أمر يثير في كثير من الأحيان دهشة ~~بالغة لدى مشاهدي هذه الأعمال وقرائها من الأجانب. # وهكذا فإن العامل المادي، المتمثل في الأعباء الاقتصادية الفادحة، والعامل المعنوي، المتمثل ~~في الذكرى الأليمة والحية لأهوال الحرب الأخيرة، كليهما يؤكد أن أسطورة «الخطر الروسي» على الغرب، ~~وعلى العالم، لم تكن إلا محاولة بارعة لتبرير سباق التسلح، الذي يؤدي إلى تشغيل المصانع وتخفيف ~~البطالة وإنعاش الاقتصاد في بلد رأسمالي، و«ليبرمج» الرأي العام في اتجاه يساعده على دفع الضرائب ~~المتزايدة التي تقتضيها ميزانيات التسلح. # ولقد كانت ذروة التصعيد في سباق التسلح هي ذلك البرنامج الشيطاني الذي عرف باسم «حرب النجوم» ~~والذي يستهدف إقامة نظام لتدمير صواريخ العدو بأشعة الليزر في الفضاء قبل وصولها إلى أهدافها، ~~وكان واضعو هذا النظام في عهد «الرئيس الكاوبوي» رونالد ريجان مؤمنين بأن خطتهم الجهنمية لن تجلب ~~لهم إلا المكاسب: # فهي أولا تضمن إنفاق عشرات المليارات كل عام على هذا البرنامج وحده، بالإضافة إلى ما ينفق ~~على برامج التسلح وبرامج الفضاء الأخرى، وتحقق انتعاشا هائلا لمجموعة ضخمة من الشركات المرتبطة ~~به على نحو مباشر أو غير مباشر. ومن جهة أخرى فسوف يكون السوفيات مرغمين على التحرك لمواجهة هذا ~~البرنامج، وعندئذ تكون النتيجة أحد أمرين: فلو نجحوا سيكونون ms13 قد أرهقوا اقتصادهم، الذي هو أصلا ~~غير مهيأ لذلك، إلى حد يبذر بذرة الثورة في تلك المجتمعات التي سيصل مستوى معيشتها عندئذ إلى ~~الحضيض. ولو أخفقوا فسوف ينفرد الأميركيون بهذه الميزة الاستراتيجية الهائلة، ميزة القدرة على ~~تدمير صواريخ العدو وهي في الفضاء الخارجي؛ مما يجعل أيديهم طليقة كيما تعبث بالعالم كيفما شاءت، ~~ويضع حدا لوضع التنافس العسكري المتكافئ الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية. وفي اعتقادي ~~الخاص أن هذا العامل بالذات كان له دور أكبر بكثير مما يتصور معظم الناس في تحديد الاتجاه الذي ~~سارت فيه سياسة جورباتشوف منذ بداية حكمه، فقد فرضت عليه السياسة الأميركية في عهد ريجان أن يختار ~~بين أمرين كليهما مر: فإما أن يدخل في منافسة ستقضي على البقية الباقية من قدرة اقتصاد بلاده ~~والكتلة الشرقية كلها على الصمود، وإما أن يتراجع عن المنافسة ويترك الخصوم طلقاء يتحكمون في عالم ~~الغد كما يشاءون. # وكان القرار الذكي الذي اختاره، والذي اعتمد فيه على تراث النزعة السلمية وكراهية الحرب ~~المتأصل في بلاده، وعلى مخاوف الأوروبيين من أن تكون بلادهم هي الساحة الأولى لأية حرب نووية بين ~~العملاقين - كان هذا القرار هو أن يشن حملة سلام كبرى، يرغم فيها صقور التسلح في الولايات المتحدة ~~على التراجع التدريجي رغم أنوفهم. # كان الأسلوب الذي اتبعه جورباتشوف في إبطاء قطار التسلح الذي كان يزداد اندفاعا عاما بعد ~~عام، أسلوبا بارعا بحق، وهو يستحق في رأيي دراسة متعمقة يقوم بها المتخصصون في العلوم السياسية ~~وفي فن التفاوض بوجه خاص، بوصفه نموذجا فريدا للطريقة التي يمكن بها إرغام عملاق جبار على ~~التخلي عن مواقفه وقبول مواقف الخصم دون أن يتمكن من التهرب أو المقاومة. ويمكن تلخيص هذا الأسلوب ~~على النحو الآتي: كان جورباتشوف يبدأ (ودائما كان هو البادئ) باقتراح في ميدان نزع السلاح يثير ~~تعاطفا شعبيا على أوسع نطاق، وخاصة في أوروبا، كعقد معاهدة لخفض عدد الصواريخ بعيدة المدى، أو ~~تدمير الصواريخ المتوسطة «التي تخشاها أوروبا بوجه خاص»، وبالطبع يكون رد الفعل الأميركي المباشر ms14 ~~هو الرفض، وعادة «يكون» هذا الرفض مصحوبا بحجة تبرره، مثل ضرورة التفتيش على الصواريخ في ~~مواقعها ضمانا لعدم الخداع. وحين يضع الأميركيون شرطا كهذا، فإنهم يعلمون جيدا أن الجانب ~~السوفياتي، الذي ظل دائما يخشى التغلغل والتجسس الأميركى في بلاده سيرفضه حتما. ويظل جورباتشوف ~~يلح، ويظل الأميركيون مصرين على شرطهم، حتى يرسخ هذا الشرط في أذهان العالم. # وفجأة يعلن جورباتشوف قبول هذا الشرط، ولا يجد الأميركيون مفرا من توقيع المعاهدة بعد أن ~~يكونوا قد فقدوا ذريعة الرفض أمام العالم أجمع. وبالمثل فإن مشروعات كثيرة لنزع السلاح كانت تصطدم ~~دائما برفض أميركي مبني على شروط مثل ضرورة الإقلال من حجم القوات التقليدية السوفياتية في ~~أوروبا، وبعد أن يرسخ هذا الشرط في أذهان العالم، يعلن جورباتشوف فجأة عن خفض كبير في قواته ~~وأسلحته التقليدية، فيسقط في يد المتشددين، ولا يملكون إلا الاستجابة لطلبه. # ولقد كان يبدو أن جورباتشوف لا يقدم، في مسألة نزع السلاح إلا التنازلات، وأنه يستجيب ~~دائما للشروط الأميركية، ولكن الأمر الذي ينبغي أن يتنبه إليه من ينتقدونه على هذه التنازلات، أن ~~الهزيمة في هذا الميدان انتصار، والضعف فيه قوة، فلو وقف السوفيات بدورهم موقف التشدد لكان معنى ~~ذلك تصعيد سباق التسلح، وتبديد موارد هائلة يحتاج إليها اقتصادهم المخطط مركزيا أشد الاحتياج، ~~على صنع موديلات جديدة من الأسلحة سرعان ما تصبح عديمة الجدوى بعد ظهور «جيل» الأسلحة الأحدث ~~منها، أما التنازل، الذي يبدو في ظاهره هزيمة، فهو في حقيقة الأمر انتصار كبير؛ إذ إنه يرغم الخصم ~~على التراجع وقبول الشروط التي وضعها هو ذاته ويضعف اقتصاد الخصم الذي ينعشه التسلح المكثف، بينما ~~يقوي اقتصاد الطرف المتنازل، فيجني من هذا الضعف الظاهري مزيدا من القوة. # بمثل هذه الأساليب البارعة استطاع جورباتشوف أن يزيل بالتدريج وهم «الخطر السوفياتي» الذي ~~رسخته أجهزة الإعلام الغربية، والأميركية بوجه خاص، في أذهان الناس في العالم غير الاشتراكي. ~~ولقد كان ذلك الخطر المزعوم وهما بالفعل، لا لأن السوفيات ملائكة، بل لأنهم أكثر شعوب الأرض ~~معاناة من ويلات الحروب، ms15 فضلا عن الاستنزاف الذي لا يتحمله اقتصادهم، ولكن هذه الأسطورة كانت ~~ضرورية لكي تقوم الأحلاف العسكرية، وتعمل مصانع الأسلحة بكامل طاقاتها، وتهنأ الحياة بفضل تجارة ~~الموت. # كل هذا بدده جورباتشوف بأفعال واقعية ملموسة، ولكم حاول المتشددون التشكيك في هذه الأفعال، ~~ولكنه كان يثبت جديته بمبادرات متجددة بلا انقطاع. كانت قصة الذئب والحمل تتكرر، ولكن بطريقة ~~معكوسة؛ إذ كان الحمل في هذه المرة واعيا، فلم يسمح للذئب بأن يلتهمه، بل لم يعطه فرصة اتهامه ~~بتعكير الماء الذي يشربه. # وما إن انقضت سنوات قلائل من حكم جورباتشوف، حتى اختفت تماما صورة «الدب الروسي» المسلح حتى ~~الأسنان، والمتأهب دائما للعدوان، وأصبحت شعوب العالم مقتنعة بأن جورباتشوف يريد بحق سلاما ~~شاملا، ويقرن كل ما يقول في هذا الصدد بالأفعال. وكان امتناعه عن التدخل في أحداث أوروبا الشرقية ~~الأخيرة، في جانب منه، تعبيرا عن الرفض النهائي لسياسة حل المنازعات بالقوة المسلحة، وتمسكا ~~بالصورة السلمية التي رسمها بصبر وحرص شديدين طوال السنوات السابقة. بل إن أميركا والاتحاد ~~السوفيتي تبادلا الأدوار في الشهر الأخير من العام الذي انقضى: إذ تدخلت الجيوش الأميركية تدخلا ~~سافرا في بنما، وساقت من أجل ذلك حجة لا تختلف عن حجج عتاة الاستعماريين في القرن التاسع عشر، ~~على حين أن القوات السوفياتية رفضت إطلاق رصاصة واحدة في أوروبا الشرقية، بل رفضت التدخل الذي ~~أغرتها عليه أميركا وفرنسا، ضد الحاكم الطاغية في رومانيا، ولم تقع في الفخ، وأصبحت صورة المعتدي ~~ملتصقة، في نظر العالم، بأميركا وحدها. # سباق التسلح المجنون نزف موارد الاتحاد السوفيتي لعشرات من السنين. # في هذا الجو، يحاول صقور التسلح، مثل ديك تشيني، وزير الدفاع الأميركي، أن يعودوا من آن لآخر ~~إلى عزف النغمة القديمة، ولا سيما حين يقترب موعد تحديد ميزانية التسلح، ولكن صيحاتهم لم تعد تجد ~~من يستمع إليها. ومن المؤكد أن أي حديث عن «حرب النجوم» قد أصبح في أيامنا هذه صوتا نشازا وسط ~~جو التهدئة والتفاهم الذي أشاعته سياسة جورباتشوف وأنعشت به الآمال في سلام دائم. # ويكاد المرء ms16 يلمح في تصريحات المسئولين الأميركيين نوعا من الحرص المكتوم على بقاء حلف وارسو ~~العسكري، على الرغم من أنه هو الحلف المناوئ لهم؛ إذ كيف يمكن تبرير المبالغ الضخمة التي تستقطع ~~كضرائب من المواطن الأميركي من أجل صنع السلاح، ما لم يكن هناك حلف مضاد يصور للناس على أنه مصدر ~~خطر دائم؟ لقد ظلت الاستراتيجية الأميركية تستهدف مواجهة حلف وارسو والتفوق عليه، ولكن حين ظهرت ~~بوادر لحل هذا الحلف أو تغيير طبيعته العسكرية، بدأ القلق ينتاب واضعي هذه الاستراتيجية من ألا ~~يجدوا أمامهم «خصما» يتسلحون من أجله. وهكذا فإن حلف وارسو هو، بالنسبة إلى العسكرية الغربية، ~~خصمها ومبرر وجودها في آن واحد، ومن أجل هذا كان المرء يستشعر، في تصريحات بعض القادة الغربيين، ~~نغمة قلق خفي من الأحداث الأخيرة التي يفترض أنها كانت انتصارا كبيرا لهم. # لقد كان سباق التسلح إذن عاملا حاسما في ذلك التغيير الثوري الذي أدخله جورباتشوف على سياسة ~~بلاده، وكان في الوقت ذاته من العوامل الهامة التي أدت إلى سلسلة الانقلابات المفاجئة في بلدان ~~المعسكر الاشتراكي؛ ذلك لأن أعباء التسلح كانت توزع على الجميع، وكان لكل بلد اشتراكي نصيبه من ~~تلك النفقات الباهظة التي تتكلفها عملية مجاراة التطور السريع والمتلاحق في صنع أدوات الدمار. ولم ~~يكن إسهام هذه الدول في أعباء التسلح يتخذ بالضرورة شكل المشاركة في صنع السلاح أو في الميزانية ~~العسكرية، بل كان في أحيان كثيرة يتخذ شكل تقديم منتجات وسلع من إنتاجها إلى دول أخرى في المعسكر ~~نفسه، تعويضا لهذه الأخيرة عن الخسائر التي تتكبدها في صنع السلاح. وهكذا كانت الخسارة تعم ~~الجميع، ويترتب عليها حتما تدهور عام في الاقتصاد، وانخفاض في مستويات المعيشة، وافتقار مواطني ~~أي بلد معين لكثير من المواد الأساسية التي يعلمون أن بلادهم تنتجها بوفرة. # ومع هذا كله فإن تأكيدنا لأهمية سباق التسلح في تفسير الأحداث الأخيرة، سواء منها «هجوم ~~السلام» الكاسح الذي يقوم به جورباتشوف أو تمرد البلاد الاشتراكية العنيف ضد أنظمتها - هذا ~~التأكيد، مع أهميته القصوى، لا ينبغي ms17 أن يحجب عن أذهاننا مجموعة أخرى من العوامل الهامة؛ ذلك لأن ~~التركيز على الأضرار المترتبة على التسلح المرهق، قد يولد لدى القارئ اعتقادا بأن سوء الأوضاع ~~الاقتصادية وربما الاجتماعية والسياسة أيضا، كان أمرا مفروضا من الخارج على هذا المعسكر، وبأن ~~أنظمة هذه البلدان كانت ضحية خطة ذكية رسمها المعسكر المضاد، ولكن هذه النتيجة أبعد ما تكون عما ~~أرمي إليه، فحقيقة الأمر أنه كانت هناك، إلى جانب العامل الخارجي السابق، أخطاء داخلية فادحة، ~~وكان النظام الاشتراكي يتعرض لأسوأ تطبيق وأفظع تشويه يمكن تصوره، على أيدي من يفترض أنهم حراسه ~~والأمناء عليه. # ولا بد أن يكون لهذا الموضوع الهام حديث آخر حين نواصل عرضنا لأسباب هذا الانقلاب المفاجئ ~~في أوضاع المعسكر الاشتراكي. # الفصل الثالث # | الخلل في الداخل # لا جدال في أن سباق التسلح قد وضع الكتلة الشرقية في مأزق يجعلها عاجزة عن تحقيق الكثير من ~~إمكانات تجربتها الاشتراكية؛ ذلك لأن مؤسسي هذه التجربة، مثل ماركس وإنجلز ولينين، لم يعملوا ~~حسابا للتنافس في ظل حرب باردة وتسلح ثقيل تمتص تكاليفه عرق الناس وجهدهم عاما بعد عام، بل ~~تخيلوا جوا من التنافس السلمي، وتفاءلوا بحتمية انتصار الاشتراكية على الرأسمالية في مثل هذا ~~الجو. ولقد تمثلت براعة النظام الرأسمالي في خلق أوضاع لم تخطر ببال هؤلاء المؤسسين، يدور في ظلها ~~التنافس داخل إطار مختلف تماما عن ذلك الذي تصورته النظرية الاشتراكية، فنجح بذلك في إبطاء نمو ~~المجتمعات الاشتراكية وإبعادها عن السباق معه وفرض التخلف عليها في جوانب كثيرة من حياتها. # ويستطيع القارئ العربي أن يستوعب هذه النقطة بسهولة تذكر ما قام به الاستعمار العالمي تجاه ~~مجتمعاتنا العربية من أجل إيقاف نموها، فبعد أن أيقن أن عصر الاحتلال المباشر لأراضي الغير قد ~~ولى، وأن للمنطقة العربية موقعا استراتيجيا عظيم الأهمية بين الشرق والغرب الجغرافيين، وبين ~~الشرق والغرب الأيديولوجيين، وعرف أن هذه المنطقة تضم أضخم مخزون لأهم مصدر عالمي للطاقة، وأن ~~موارد النفط يمكن أن تكفل لها نموا اقتصاديا واجتماعيا هائلا، توصل إلى أن زرع إسرائيل في ms18 ~~قلب الوطن العربي هو خير وسيلة لإيقاف هذا النمو، فضلا عن أن هذا الكيان الغريب هو في الوقت ذاته ~~ركيزة وقاعدة كبرى للاستعمار في المنطقة، ومن المؤكد أن النهضة والتنمية العربية كانتا ستتخذان ~~طريقا أكثر إيجابية بكثير مما هو عليه الآن، لو لم تكن إسرائيل قد غرزت في قلب هذه ~~المنطقة. # لقد كان الأسلوب واحدا في الحالتين، وعن طريقه نجح الغرب الرأسمالي في خلق ظروف مصطنعة تحول ~~دون تمكين القوى المناوئة له من تحقيق إمكاناتها الكامنة. ومع ذلك فإن هذا لا يعني على الإطلاق أن ~~إخفاق التنمية، في الحالتين أيضا، لم يكن له من سبب سوى تلك المؤامرة الاستراتيجية الكبرى، فقد ~~كانت الأخطاء الداخلية فادحة، ولما كان الحديث عن التجربة العربية خارجا عن إطار بحثنا الحالي، ~~فسنحاول الآن استخلاص أهم العوامل الداخلية التي أدت إلى هذا الوضع الذي يبدو في نظر العالم كما ~~لو كان انهيارا تاما للتجربة الاشتراكية ككل. # لقد كان العامل الاقتصادي حاسما في الثورة التي زلزلت أنظمة الدول الاشتراكية خلال شهور ~~قلائل، ولكن هذا العامل لن يعالج مستقلا في هذا البحث الذي نقوم به؛ وذلك لسببين: أولهما أن ~~كاتب هذه السطور لا يعرف عنه، بحكم تكوينه الثقافي، إلا القشور، فالبحث في تأثير ابتعاد الاقتصاد ~~الاشتراكي عن نظام السوق، وعيوب نظام تحديد الأسعار، والمشكلات المترتبة على التخطيط المركزي، إلى ~~آخر هذه الموضوعات الاقتصادية ذات الأهمية العظمى، يفوق قدراتي إلى حد لا يسمح لي بإصدار أي حكم ~~مفيد بشأنه، غير أن هناك سببا آخر هاما لعدم لجوئي إلى معالجة العامل الاقتصادي على نحو مستقل، ~~هذا السبب هو أن الإنسان الذي خرج يتظاهر في الشوارع مع مئات الألوف من أقرانه في الساحات الكبرى ~~بمدينة بودابست أو براغ، والذي عرض صدره للرصاص في تيمشوارا، لم يكن يثور من أجل عامل منعزل عن ~~بقية العوامل فالكيان الإنساني وحدة لا تتجزأ، وحين يخاطر المرء بحياته من أجل إحداث تغيير جذري ~~في مجتمعه، فإنه يفعل ذلك بكيانه كله، ولا يستجيب فقط لنداء معدته حين ms19 لا تجد ما يشبعها، أو جلده ~~حين لا يجد ما يدفئه، وإنما يستجيب أيضا لنداء عقله الذي يرفض كبت رأيه ، وروحه التي تأبى الظلم ~~الواقع عليه. وفي الوعي السياسي والاجتماعي للمواطن العادي، لا ينفصل الاقتصاد عن علاقة هذا ~~المواطن بحكامه ورؤسائه وأقرانه، وعن رأيه في الطريقة التي يدار بها مجتمعه ككل. وهكذا فإن ~~الاقتصاد، الذي يمكن أن يعالج مستقلا لأغراض التحليل العلمي، يكون جزءا من كل أشمل منه في ~~الحياة الفعلية للإنسان، وفي مختلف ممارساته الاجتماعية، ولما كان هذا الأمير الأخير هو الذي ~~يعنينا، فإن هذا يعطينا مبررا آخر لمعالجة موضوع الاقتصاد في سياقه الأوسع والأعم. # ولأضرب مثلا لفكرتي هذه، بالحديث عن إنتاجية الإنسان العامل في بلدان المعسكر الاشتراكي، هذا ~~بالطبع موضوع يستطيع المتخصصون أن يزودونا فيه بأرقام وإحصاءات وجداول دقيقة، ولكن أغلب الظن أن ~~هذه المعلومات الكمية المفيدة ستؤدي، آخر الأمر، إلى تأكيد ذلك الانطباع الذي يخرج به كل من زار ~~بلدا من هذه البلدان، وهو أن العامل - بأوسع معاني هذه الكلمة أي بمعنى كل من يمارس عملا من أي ~~نوع - أقل إنتاجية بشكل واضح من نظيره في بلاد أوروبا الغربية، ناهيك عن أميركا واليابان، فحصيلة ~~عمله محدودة، وطريقة إنجازه لهذا العمل تتسم بقدر كبير من البطء والتكاسل. وعلى الرغم من أن هذا ~~حكم انطباعي تولد في نفس كاتب هذه السطور نتيجة زياراته لمعظم بلدان المعسكر الاشتراكي، واتفق فيه ~~مع كثيرين غيره ممن كانت لهم مع هذه البلاد تجربة أطول، فإن أمثال هذه الانطباعات، حين تكون حصيلة ~~ملاحظة دقيقة، لا يجوز تجاهلها، وخاصة إذا كان الفارق واضحا بينها وبين الانطباعات التي تتكون ~~لدى من يزور بلدا من بلدان المعسكر الغربي. # المهم في الأمر أن الإنتاجية الضئيلة للعامل تشكل خطورة كبرى على حياة أي مجتمع؛ ذلك لأن ثروة ~~هذا المجتمع هي، إلى حد بعيد، حصيلة إنتاج العاملين فيه، فإذا كان كل عامل في موقعه لا يتحرك إلا ~~ببطء، ولا ينجز إلا الحد الأدنى، فإن المجتمع ككل لا بد أن يعاني ms20 أزمات اقتصادية خانقة. # ولكننا حين نبحث في الأسباب التي تجعل قدرات العامل الإنتاجية محدودة، نجد أنفسنا مضطرين إلى ~~الجمع بين الميدان الاقتصادي والميدان السياسي والاجتماعي، وربما الأخلاقي، في وحدة واحدة، ففي ~~استطاعة المرء، حين يتعمق التفكير في ظاهرة التكاسل والتباطؤ هذه أن يدرك وجود نوع من المقاومة ~~الصامتة لدى شعوب أوروبا الشرقية على الأنظمة الجائرة التي كانت تحكمها، لقد كانت تلك الأنظمة ~~قمعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان أوضح مظاهر القمع أن تنص معظم دساتيرها على أن حزبا ~~بعينه، هو الحزب الشيوعي، أيا كانت تسميته في كل دولة على حدة، هو الحزب الحاكم، مما يترتب عليه ~~أن يصبح أي خروج عن تعاليم ذلك الحزب أو أية محاولة لإحلال حزب آخر محله، خروجا عن الدستور يستحق ~~أشد العقاب. فما معنى أن يعطي أي حزب لنفسه هذا «الحق الإلهي» في أن يكون هو الحاكم إلى الأبد؟ ~~وإذا كانت مبادئه الأساسية تقول إنه هو المدافع الحقيقي عن العمال والفلاحين لأنه هو الذي يمثل ~~طبقتهم تمثيلا أمينا، وإذا كان العمال والفلاحون هم الأغلبية الساحقة في أي شعب، فلماذا لا يجعل ~~سلطته مرتكزة على اختيار يمارسه هذا الشعب بحرية تامة؟ # وبطبيعة الحال فإن هذا القمع الرئيسي، الذي يتمثل في ذلك الإهدار «الدستوري» لأية فرصة أمام ~~الشعب كيما يختار السلطة التي تحكمه، لا بد أن تتفرع عنه ألوان أخرى من القمع لا تقل عنه قسوة ~~وضراوة، فحرية الكلام والتعبير عن الرأي مصادرة إلا في الحدود التي تساير النظام، وحرية السفر ~~محظورة إلا للوفود الرسمية وفي ظل رقابة مشددة. ولقد كان لضياع هذه الحرية الأخيرة بالذات أسوأ ~~الأثر في نفوس جماهير أوروبا الشرقية التي ترى كل بلد أوروبي غربي يكاد يفرغ سكانه خلال العطلات ~~الصيفية لكي يوزعهم سياحيا على بقية البلدان، أما المركزية الشديدة للسلطة فتقضي تماما على ~~قدرة الفرد على التصرف، ولو في أضيق الحدود، فأبسط مطلب يحتاج إلى قرار يمكن أن يمر على عشرات من ~~الموظفين، حسب تدرجهم الهرمي، ولا يجاب إلا بعد ms21 وقت طويل وتعقيدات إدارية مملة. ولم تكن الأضرار ~~التي يسببها سرطان البيروقراطية مقتصرة على جهاز الدولة، بل إنها كانت تولد خميرة سخط تتجدد ~~دائما بين الجماهير. # ومن جانب آخر فإن الحزب الذي جاء من أجل القضاء على الفوارق بين الطبقات، قد صنع هو نفسه ~~تفاوتا طبقيا صارخا بين أعضائه وبين بقية الشعب؛ إذ كان أعضاء «الحزب» يتمتعون بامتيازات ~~مادية ومعنوية ملموسة، بل كان لهم في بعض هذه البلاد امتيازات خاصة حتى في ميدان التعليم، ومن أجل ~~حماية هذه الأوضاع الجائرة كان لا بد من وضع نظام صارم يضمن إسكات الأصوات المعارضة، والتجسس ~~على المواطنين عن طريق زرع عملاء السلطة في مواقع العمل العادية أو تجنيدهم من داخلها، وإقامة ~~أجهزة صارمة للأمن تسهر على إقلاق راحة المواطنين وتضمن انضباطهم وتعاقبهم بقسوة لو خرجوا عن الخط ~~المرسوم. # وليس ثمة شيء يثير نقمة الشعوب بقدر التناقض بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية ~~لحكامها، فحين ترى الشعوب كبار «الثوار» فيها يعيشون حياة الإقطاعيين المترفين، وحين ترى أساطين ~~«الاشتراكية» ينعمون بأجمل الملذات «البورجوازية» عندئذ يتجاوز ذلك التناقض طاقتهم على التحمل، ~~ولو كان النظام يعلن على الملأ أنه رأسمالي أو إقطاعي، ويعترف مقدما بالتفاوت الحاد بين الطبقات ~~و«يفلسفه» على طريقته الخاصة، لتحملته الجماهير بمزيد من رحابة الصدر، فحين يعلن الأميركيون ~~مثلا أنهم دولة رأسمالية تقوم على مجتمع الفرصة «وأن أساس نظامهم يقتضي أن يكون البعض من أصحاب ~~الملايين والبعض الآخر من العاطلين المعدمين، ويسود لديهم شعار «كل واحد وشطارته»، عندئذ لا يكون ~~سخط الناس عميقا حين يشاهدون مظاهر البذخ التي يعيش بها آل روكفلر أو آل ديبونت، بل ربما كانت ~~هذه المظاهر ذاتها من عوامل تقوية النظام وتدعيمه؛ لأنها ترسخ في نفس كل إنسان «الحلم الأميركي»، ~~وتوهمه بأن «نادي المليونيرات» ليس مغلقا، بل إن أبوابه المفتوحة ترحب بكل من يملك الموهبة ~~المطلوبة، أو يتحين الفرصة الملائمة». # أما حين يعلن الحكام أنهم إنما جاءوا من قاع الجماهير الشعبية، وأنهم يمثلون مطالب الأغلبية ~~المسحوقة ويجسدون أمنياتهم، ثم يراهم الناس ms22 يعيشون حياة مرفهة منعمة يتمتعون فيها بكل الملذات ~~التي حرمت منها الجماهير، فعندئذ تتراكم عوامل الثورة ويغلي الإناء المكتوم . # وبطبيعة الحال فإنني لا أقصد بهذه المقارنة القول إنه لا توجد أسباب للسخط بين الزنوج ~~والملونين وغيرهم ممن يعيشون على حافة الفقر في «جنة الرأسمالية» (وهم أكثر مما يتصور معظم ~~الناس)، بل إن كل ما أعنيه هو أنه حين يكون ذلك التفاوت بين الطبقات جزءا لا يتجزأ من الفلسفة ~~المعلنة والمعترف بها للمجتمع، تكون دواعي السخط عليه أقل مما هي في المجتمعات التي يقوم نظامها ~~على إلغاء الفوارق الطبقية، ويكون أصحاب السلطة فيهم هم أنفسهم أوضح تجسيد لهذه الفوارق. # ولعل الكثيرين من الجيل الأوسط والأكبر في مصر وكثير من الأقطار العربية يذكرون اسم «الشيخ ~~عاشور»، الذي كان إماما غير متميز في أحد مساجد الإسكندرية، وانتابته في إحدى خطبه، خلال ~~الستينات، نوبة غضب فتحدث عن الاتحاد «الاشتراكي» الذي يركب قادته المرسيدس وترتدي نساؤهم أغلى ~~أنواع الفراء ... إلخ ... فوقع عليه اضطهاد من السلطة (اختلفت الآراء في نوعه ومداه). ولكن ما يهمنا ~~من القصة هو أن هذا الرجل، بإمكاناته المحدودة، حين رشح نفسه بعد سنوات لعضوية المجلس النيابي فاز ~~فوزا ساحقا، بلا مجهود، واكتسح مرشحين أنفقوا في حملتهم الانتخابية ألوفا مؤلفة، وحين عاد إلى ~~ممارسة هوايته في النقد الصريح والساذج داخل المجلس، طردته منه الحكومة «بالقانون» (!)، فحاول ~~ترشيح نفسه مرة أخرى، وكان واضحا أنه سيكتسح الدائرة للمرة الثانية، فاضطرت الحكومة إلى «تفصيل» ~~قانون يحول دون إعادة ترشيحه. والنتيجة التي أريد أن أخلص إليها من هذه القصة هي أن الجماهير ~~تتعاطف بقوة وعفوية مع كل من يفضح التناقض بين الشعارات المعلنة لأنظمة الحكم وبين ممارستها ~~الفعلية. # ولكي تبرر تلك الأنظمة الاشتراكية الممسوخة تصرفاتها، لجأت إلى نشر الدعوة إلى الزهد بين ~~الجماهير، على نحو يذكرنا كثيرا برجال الكنيسة في العصور الوسطى، الذين كانت مواعظهم كلها تدور ~~حول العزوف عن متع الدنيا والعمل من أجل الآخرة، بينما كانوا هم أنفسهم يعيشون حياة يستمتعون فيها ~~بكل ما تقدمه ms23 «الدنيا الفانية» من ملذات. وتجسدت هذه الدعوة على شكل عقيدة معادية للاستهلاك، ~~فنجحت في إقناع عقول كثيرة بأن الاستهلاك يتعارض مع شعور المواطن بالمسئولية. وتبنى هذه الدعوة ~~عدد كبير من مثقفي العالم الثالث، حتى اتخذت لدى البعض طابعا مضحكا مبكيا، حين أخذوا يلومون ~~شعبا كالشعب المصري، مثلا، على إفراطه في استهلاك الخبز! # وبطبيعة الحال فإن أبعد الأمور عن ذهني أن أدافع عن نمط الحياة الباذخة، الذي يجعل من ~~الاستهلاك الترفي لسلع مادية معقدة وغير ضرورية على الإطلاق، هدفا أساسيا لحياة الإنسان، ولا ~~سيما حين يكون معظم أفراد مجتمعه محرومين من الضرورات الأساسية في الحياة، فمثل هذه الحياة المفرطة ~~في الترف ظالمة؛ لأنها تتم دائما على حساب شقاء الآخرين، فضلا عن أنها تافهة؛ لأنها تستعيض عن ~~الجوهر الداخلي العميق بالمظهر الخارجي السطحي. ومع ذلك فليس من العدل أن يتطرف مذهب من المذاهب ~~في التنديد بالاستهلاك إلى حد يولد شعورا بالذنب لدى كل من يمارسه في حدود ضيقة؛ ذلك لأن ~~الاستهلاك هو، في نهاية المطاف، أحد المؤشرات الهامة للنصيب الذي يناله الإنسان من الدنيا، ومن ~~الظلم البين أن نخدع الناس فنوهمهم بأنهم يخونون مجتمعهم حين يتطلعون إلى نيل نصيبهم هذا، لمجرد ~~أن السياسة الخرقاء التي يتبعها نظام ما جعلته عاجزا عن أن يضمن لشعبه مستوى آدميا ~~للمعيشة. # المهم في الأمر أن القهر المعنوي والفقر المادي كانا يسيران، في تلك التجربة، جنبا إلى جنب؛ ~~ولذا فإن من غير المجدي أن نحاول فصل أحدهما عن الآخر، ومن هنا كانت الوسيلة الوحيدة التي يستطيع ~~بها الإنسان، في تلك المجتمعات، أن يقاوم النظام، ويعبر عن احتجاجه على ممارسته، هي أن يتلكأ في ~~عمله ويقلل إنتاجيته، وكان ذلك - كما قلت - أحد الأسباب الرئيسية لضعف الاقتصاد في الدول الاشتراكية، ~~بل إن تبادل التأثير بين القهر المعنوي والفقر المادي يؤدي إلى حلقة جهنمية، تظل تدور بلا نهاية. ~~فمقاومة القهر السياسي والاجتماعي، عن وعي أو بغير وعي، باللجوء إلى التراخي في العمل، تؤدي إلى ~~مزيد من النقص في موارد المجتمع ms24 ككل؛ مما يزيد من شحن طاقة السخط لدى الجماهير، فيترتب على ذلك ~~اشتداد القمع والقهر، وتظل القصة تتكرر إلى ما لا نهاية. # على أن من الخطأ الفادح أن يترك الكاتب في هذا الموضوع لدى قرائه انطباعا بأن الصورة كانت ~~قاتمة كلها، فقد حققت التجربة الاشتراكية، حتى في أحلك نماذجها، إنجازات: المجانية الكاملة في ~~التعليم والعلاج الطبي مع رفع مستواها باستمرار، وحل مشكلات معقدة كالمواصلات والإسكان بأساليب ~~تخفف الأعباء عن عاتق الطبقات الشعبية، حتى لو كانت بعيدة مع معايير الترف كما تفهمها الشعوب ~~المحظوظة، ورعاية الدولة للثقافة مع إتاحتها لقاعدة جماهيرية واسعة. ولعل أعظم الإنجازات جميعا ~~هو ذلك الأمان الذي يحيط بالإنسان في عمله وحياته: فالمجتمع لا يعرف البطالة، والشيخوخة مؤمنة ~~(بتشديد الميم)، ووفاة العائل لا تعني تشريد أسرته، والأسعار المحددة مقدما، والموحدة في كل ~~مكان، تعطي المشتري أمانا لا يحس به إلا من عانى خداع البائعين ومناوراتهم. فإذا أضفنا إلى ذلك ~~أن الاشتراكية في المعسكر الشرقي قد طبقت في بلاد كانت كلها - باستثناء تشكوسلوفاكيا - تمثل ~~«الريف» الأوروبي، أمكننا أن ندرك أن هذه الإنجازات لم تكن بالأمر الهين على الإطلاق. # على أنني أود، قبل أن أترك هذا الموضوع، أن أعلق قليلا على ميزة الأمان الاجتماعي هذه؛ إذ ~~يبدو أن الأمان المفرط يؤدي إلى عكس الهدف المقصود منه، ويبدو أن العامل في المجتمع الذي لا يمنحه ~~مثل هذا الأمان التام يمارس عمله بحماس أكبر، وبإنتاجية أعظم، مع أن الذهن يميل نظريا إلى تخيل ~~عكس ذلك، ويخيل إلي أننا هنا إزاء مشكلة فلسفية في المحل الأول: فهل من الصحيح أن الإنسان يحتاج ~~إلى قدر معين من الشعور بالخطر كيما يقدم أفضل ما لديه؟ هذا سؤال يكفينا أن نطرحه الآن على ~~القارئ؛ لأن الخوض في تفاصيله سيبعدنا كثيرا عن موضوعنا الأصلي. # لقد كانت الإيجابيات كثيرة بغير شك، ومع ذلك فإن المرء لا يملك إلا أن يأسف بمرارة؛ لأن ~~التجربة كان في وسعها أن تحرز نجاحا يفوق ما حققته بمراحل، لو لم يكن الفساد الداخلي ms25 والخلل ~~التنظيمي والاستبداد القيادي قد وصل فيها إلى هذا الحد المؤلم. ويبدو لي أن السبب الرئيسي لهذا ~~الخلل هو أن بلدان المعسكر الشرقي في أوروبا لم تنتقل إلى الاشتراكي من خلال تجربة أصيلة، وإنما ~~فرضت عليها الاشتراكية بشكل أو آخر، نتيجة لغزو الجيوش السوفياتية لهذه البلاد خلال المراحل ~~الأخيرة من قتالها ضد جيوش هتلر المنسحبة في الحرب العالمية الثانية، وكان نصيب الاتحاد السوفياتي ~~من الغنيمة، بعد حرب كان له فيها الدور الأعظم بلا جدال، هو أن يقيم حوله حزاما من الدول ذات ~~الأنظمة المؤيدة له والمندمجة فيه. وهكذا لم تتكون «الكتلة الشرقية» نتيجة كفاح مماثل لذلك الذي ~~خاضه لينين والبلشفيون في روسيا قبل عام 1917م، وإنما جاءت الأحزاب الشيوعية فيها إلى الحكم ~~«بالتعيين» إن جاز هذا التعبير. ومن هنا كانت الفجوة عميقة بينها وبين قطاعات جماهيرية تزداد ~~اتساعا كلما أمعن النظام في ممارسة أساليب القمع. وكان وجود القوات، أو «الحاميات» السوفياتية في ~~هذه البلاد هو السند الأساسي لهذه الأنظمة، وهو الذي يقيها سخط الجماهير في أوقات الشدة. # ومن المؤكد أن هذه الجماهير كانت تختزن في داخلها قدرا هائلا من الثورة المكبوتة، بدليل ~~أنها تحركت بمجرد أن تأكدت من أن سياسة جورباتشوف لا تؤيد التدخل العسكري من أجل دعم أي نظام ~~للحكم لا يرضى عنه شعبه، وحين تبين بالدليل العملي، بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان في ~~أوائل العام الماضي، أن هذه السياسة حقيقة لا رجعة فيها، كانت تلك إشارة الانطلاق نحو الثورة ~~المكبوتة. # إن جميع الدلائل تدل على أن جورباتشوف كان منذ البدء واعيا بأن الوضع الذي كان سائدا في ~~الكتلة الشرقية يستحيل أن يستمر إلى الأبد، وبأن تغييره بات محتما، وكلما كان التغيير أسرع كان ~~ذلك أفضل، وجميع تصرفاته تؤكد أنه يدرك استحالة بقاء نظام يعلن أنه قام لمصلحة الإنسان، وفي الوقت ~~ذاته يقهر الإنسان ويقمعه. # ومن الواضح أن سياسته تقوم على مبدأ أساسي هو، في ظروف العالم الراهنة، مقامرة كبرى، وأعني به ~~أن على هذه الأنظمة أن تثبت جدارتها ms26 بالبقاء بقواها الخاصة، وليس بمساندة الجيوش وقوات الأمن ~~السرية، وإلا فلا مفر من أن تخوض مجتمعاتها تجربة جديدة وتبدأ من الصفر. وبطبيعة الحال فقد رأينا ~~حولنا في الأشهر الأخيرة نماذج كثيرة لمثقفين من المتعاطفين مع الاشتراكية، يلومون الزعيم ~~السوفياتي لأنه فتح على نفسه بابا لن يستطيع إغلاقه، ولأن النتيجة العملية لسياسته توشك على أن ~~تؤدي إلى تصفية المعسكر الاشتراكي برمته، ولكن من يوجهون هذا النقد يغفلون مسائل أساسية: فهل كان ~~المطلوب ترك الأوضاع الفاسدة على ما هي عليه، من أجل الحفاظ على وحدة المعسكر؟ وهل يكون من حق ~~أحد، بعد أن اتضح له مقدار السخط المتراكم لدى الشعوب نفسها، أن يعترض على ما حدث؟ هل كانت تلك ~~اشتراكية بحق، إذا كانت الجماهير قد رفضتها إلى هذا الحد؟ الحق أن أصحاب هذا الاعتراض يسيئون إلى ~~الاشتراكية، التي يزعمون الدفاع عنها، إساءة بالغة حين يستنكرون عملية إطلاق المشاعر الحبيسة لدى ~~الجماهير؛ لأنهم يفترضون ضمنا أن بقاء الاشتراكية رهن باستمرار القمع واستخدام القوة لإخماد كل ~~صوت معارض. # وأخيرا فإنني إذا كنت قد ركزت في هذا الفصل على العوامل الداخلية التي أساءت أبلغ الإساءة ~~إلى صورة الاشتراكية في مجتمعات الكتلة الشرقية، وأكدت أن هذه العوامل تفسر إلى حد بعيد عنف رد ~~الفعل الذي لمسه العالم كله بين شعوب هذه الكتلة ضد أنظمتها الحاكمة، فإن هناك عاملا أخيرا ~~ينبغي ألا يغيب عن بالنا، ما دمنا بصدد استقصاء الأسباب المؤدية إلى هذا التحول الحاد، فمن المؤكد ~~أن هناك أصابع متآمرة تستغل الأخطاء الفادحة لكي تزيد النار اشتعالا، وتوجه حركة الجماهير ~~العفوية إلى طريق تقطع فيه جميع روابطها الماضية، إلى الأبد. وكل من يتابع الأخبار بإمعان، يستطيع ~~أن يدرك بسهولة الدور الذي تلعبه وكالات الأنباء الغربية في تشويه كثير من الأحداث؛ فإذا غير أحد ~~الأحزاب الشيوعية اسمه نقل الخبر بصيغة توحي بأن هذا الحزب قد حل نفسه، وإذا حذفت مادة في الدستور ~~تنص على احتكار هذا الحزب للسلطة، أوحت إلينا وكالات الأنباء بأنه قد استبعد نهائيا من ms27 الحكم، ~~هذا فضلا عن الانتقائية الواضحة في اختيار الأشخاص الذين يقدم إليهم الميكروفون، لإبداء رأيهم في ~~الأحداث والفجاجة المقززة في تصوير الجماهير وهي تقبل على شراء اللحم بنهم، وتلذذ المذيع بالسخرية ~~من الشاب الذي يمسك ثمرة «الكيوي» دون أن يعرف اسمها ... إلخ. هذا كله اصطياد في الماء العكر، على ~~المستوى الإعلامي؛ لأن الفرصة السانحة الآن لا تعوض، والحديد يجب أن يطرق وهو ساخن. أما على مستوى ~~الأحداث نفسها فلا مفر في أن يشك المرء في وجود أصابع أجنبية في تلك التحركات التي تحرض الجماهير ~~على استعجال قطف الثمار، مع أن الإصلاح لم يكد يبدأ إلا بالأمس القريب. ولا أظن أن الحركات ~~الانفصالية والعرقية في الجمهوريات السوفياتية، وهي في الآونة الراهنة أخطر ما يواجه جورباتشوف، ~~تخلو من هذا العنصر التآمري. # وعلى أية حال فإن إشارتي إلى هذا العامل لا تنفي على الإطلاق أن التجربة، بالصورة التي ~~اتخذتها طوال العقود الأخيرة، كانت تحمل في طياتها بذور إخفاق صارخ، وأن ذلك المزيج من الغباء ~~والتسلط والقمع والعناد، الذي كانت تدار به الأمور في بلاد الكتلة الشرقية حتى الأمس القريب، كان ~~هو المسئول الأول عن ردود الفعل العنيفة التي قامت بها جماهير خابت آمالها في أنظمة كانت تقسم ~~ليل نهار بأغلظ الأيمان أنها لا تعمل إلا لصالحها. # الفصل الرابع # | هل تصمد النظرية الاشتراكية؟ # عندما يجري المرء أية مقارنة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، في ظروف العالم الراهنة، ~~فسوف ينتهي حتما إلى تأكيد تفوق الأول على الثاني في نواح هامة وحيوية، على رأسها الاقتصادية. ~~غير أن إجراء مثل هذه المقارنة ينطوي على قدر من الظلم؛ إذ إن التجربة الاشتراكية أولا، أحدث ~~عهدا بكثير من التجربة الرأسمالية، فالأولى امتدت أربعة قرون على الأقل، منذ مطلع العصر الحديث، ~~بينما الثانية لم تبدأ إلا منذ سبعين سنة في دولة واحدة، ومنذ أقل من خمس وأربعين سنة في بقية ~~الدول الاشتراكية في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، ومن المتوقع في فترة قصيرة كهذه أن ~~يكون النظام في مرحلة لا يزال ms28 يسودها طابع التجريب، وأن يقع خلال تجاربه في أخطاء فادحة. # ومن ناحية اخرى فإن هذه الفترة القصيرة لم تكن على الإطلاق، بالنسبة إلى أصحاب هذه التجربة، ~~فترة هدوء يستكشفون فيها أبعاد تجربتهم ويعملون على تطويرها بصورة إيجابية، وإنما كانت فترة صراع ~~ضد المقاومة الداخلية في البلاد الاشتراكية من جهة، وضد المقاومة الخارجية الضارية التي حاول بها ~~النظام الرأسمالي وأد التجربة الجديدة منذ لحظة ولادتها من جهة أخرى. وفيما يتعلق بهذه النقطة ~~الأخيرة، فلا بد أن نذكر أن العالم، عند مطلع العصر الحديث، كان خالصا للرأسمالية، وكان في ~~حالة «فراغ أيديولوجي»، إن جاز أن نستخدم في وصفه تعبيرا معاصرا، فلم تكن هناك مقاومة تذكر لأن ~~الإقطاع والكنيسة كانا في زمن الأفول، بل يمكن القول، على العكس من ذلك، أن موارد العالم كله قد ~~سخرت من أجل إنجاح التجربة الرأسمالية، وذلك عن طريق الاستعمار وغزو الأسواق واستجلاب الأيدي ~~العاملة المجانية بالرق، إلخ. وهكذا استطاعت الرأسمالية أن تطور نفسها بالتدريج، وتحقق جميع ~~إمكاناتها، في جو عالمي موات وملائم إلى أبعد حد. أما الاشتراكية فقد ظهرت إلى الوجود في وقت كان ~~فيه النظام الذي تسعى هي إلى الحلول محله قد بلغ أوج قوته؛ ومن ثم فإنه قد مارس ضدها منذ بدء ~~ظهورها وحتى اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور، مقاومة ضارية، ولم يدع لها فرصة للتنفس لحظة واحدة ~~في هدوء. ولا ننسى في هذا الصدد التأثير المدمر للحرب العالمية الثانية، التي خرجت منها الدولة ~~الأم في النظام الرأسمالي سليمة متجددة الحيوية، بينما خرجت الدولة الأم في المعسكر الاشتراكي ~~(والوحيدة حين ذلك الحين) محطمة مثخنة بالجراح. # وهكذا فإن أية مقارنة منصفة بين إنجازات النظامين ومستواهما وما حققاه لمجتمعاتهما ينبغي أن ~~تأخذ هذه الفوارق الجوهرية بعين الاعتبار. ومع ذلك فإننا نعتقد اعتقادا راسخا بأن التجربة ~~الاشتراكية، سواء تلك التي بدأت في نهاية الحرب العالمية الأولى أم تلك التي بدأت في أعقاب ~~الثانية، قد ارتكبت أخطاء فادحة لم يكن لها ما يبررها حتى مع عمل حساب جميع ms29 الفوارق السابقة. وهذا ~~الرأي لم يعد اليوم مجرد استنتاج فكري، وإنما تؤيده وتؤكده أصوات الجماهير الهادرة في عواصم الدول ~~الاشتراكية ، فلا بد أن يكون هناك خلل واضح في النظام الذي يقوم بناؤه الأيديولوجي على العمل ~~لصالح القاعدة الجماهيرية العريضة، إذا كانت هذه القاعدة الجماهيرية هي ذاتها أول من يثور عليه ~~بضراوة. # ولكن السؤال الذي يشغل العالم بأكمله اليوم، ليس تحديد مدى الخطأ في التجربة الاشتراكية، ~~وإنما هو: هل لا زالت للاشتراكية فرصة للبقاء في عالم اليوم والاستمرار في عالم الغد؟ هل تركت لها ~~تلك الكراهية التي تنضح بها وجوه المتظاهرين الساخطين أملا في أن تظل أيديولوجية رئيسية عندما ~~يحل القرن المقبل، أم أن العقد سينفرط، سواء بالحركات القومية الانفصالية داخل الاتحاد السوفياتي، ~~أو بالتبرؤ من كل ما له صلة بالعهد السابق، في بقية الدول الاشتراكية؟ يبدو لي أن الاشتراكية، ~~كأيديولوجية جماهيرية، تواجه في هذه الأيام أول اختبار حقيقي لها، فحتى خلال الحرب العالمية ~~الثانية، عندما اجتاحت الجيوش النازية الجزء الأكبر من الأراضي السوفياتية الآسيوية، لم يكن ~~الاختبار الذي تتعرض له الاشتراكية بمثل هذه القسوة؛ ذلك لأن تعبئة الشعور الوطني الذي يرتبط ~~بتراث أقدم بكثير من التجربة الاشتراكية، قد أدت دورا هائلا في ذلك الصعود الأسطوري الذي تمكن ~~السوفيات بفضله من إلحاق أفدح الهزائم بالغزاة النازيين، أي أن الاشتراكية لم تكن هي نفسها التي ~~تتعرض للمحنة والاختبار، أما في هذه الأيام فإن المبدأ الاشتراكي ذاته هو الذي أصبح موضع التساؤل، ~~وقدرته على الاستمرار هي التي أصبحت موضع شك. # والمخرج الذي يلجأ إليه المثقفون عادة حين يصادفهم مأزق مماثل لهذا الذي تواجهه الاشتراكية ~~في هذه الأيام، هو التمييز الحاد بين النظرية والتطبيق، فقد أثبتت الأحداث أن التطبيق كان سيئا ~~إلى أبعد حد، وأن أولئك الذين وضعوا على قمة المجتمعات الاشتراكية لكي يكونوا حراسا للمبدأ ~~وأمناء عليه، قد أساءوا إليه بممارستهم اللاإنسانية أبلغ الإساءة، ولكن المثقف يظل مصرا على أن ~~النظرية ذاتها غير مسئولة عن أخطاء التطبيق، وعلى أن ما حدث لم يكن ms30 إلا انحرافا للممارسات عن ~~المبدأ القويم. ومع ذلك فإن هذه الإجابة لا تقنع الكثيرين؛ ذلك لأن من حق المرء أن يشك في أية ~~نظرية تعجز عن تجسيد نفسها في الواقع العملي إلى هذا الحد، أو تسفر عن نتائج مخيبة للآمال كلما ~~طبقت. # ولا بد أن تكون النظرية التي تؤدي، في كل مرة تطبق فيها عمليا، إلى ظهور طغاة أو ~~مجموعات حاكمة متحجرة تستغل نفوذها أسوأ استغلال، لا بد أن تكون هذه النظرية مشوبة بعيوب ~~أساسية؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يفصل بين الميدان النظري والميدان العملي التطبيقي إلى حد ~~تصويرهما بأنهما ينتميان إلى عالمين متباعدين لا يلتقيان. # نعم، كانت هناك عيوب أساسية في النظرية ذاتها، بالإضافة إلى التجاوزات القاتلة في التطبيق. ~~ولا جدال في أن مناقشة هذه العيوب تقتضي جهدا ووقتا كبيرين، وقد قدم الكثيرون، على مدى سنوات ~~طويلة آراء خصبة في هذا الشأن، يستحيل أن يتسع المجال للحديث عنها في مثل هذا الحيز المحدود، ~~وربما كان الأمر المجدي حقا، في هذا السياق، هو أن نورد أهم ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة من ~~عيوب في النظرية ذاتها؛ لأن الوعي بهذه العيوب سيكون هو المدخل إلى عملية التصحيح الكبرى التي ~~ستحاول الاشتراكية القيام بها في الأعوام القليلة القادمة، إذا لم تطرأ عوامل تبدد فرصتها في ~~القيام بأي تصحيح. # أول هذه العيوب تجاهل إنسانية الإنسان، صحيح أن مبدأ الاشتراكية يقوم أصلا على تحرير الإنسان ~~من عبودية الاستغلال الذي يمارسه رأس المال، ومن تعامل الرأسمالية معه كما لو كان «شيئا» يباع ~~ويشترى، غير أن الفكر الاشتراكي قد طور على مر السنين مفهوما للإنسان يؤكد الجانب الاجتماعي فيه ~~أكثر مما يراعي الجانب الفردي، فالإنسان الذي تمجده الأعمال الأدبية والفنية والفكرية، التي ~~تسودها الروح الاشتراكية، سواء أكانت اشتراكية ماركس أم غيره، هو الإنسان الذي تندمج أهدافه كلية ~~مع أهداف المجتمع، وهو الذي ينسى نفسه كفرد له عالمه الخاص، لكي يوحد ذاته مع الكل الأكبر الذي ~~ينتمي إليه. ومن السهل جدا، عند التطبيق، أن يتحول هذا ms31 المبدأ، الذي كان هدفه في الأصل نبيلا، ~~إلى مبرر لقهر الإنسان وظلمه، فما أسهل أن يتهم أي حاكم مستبد مثل ستالين من يعارضه بأنه يتآمر ضد ~~مصلحة المجتمع، فيصدر حكما بإعدامه وهو مرتاح الضمير؛ لأن «الكل الأكبر» هو الغاية القصوى، وفي ~~سبيله يهون كل شيء. وما أسهل أن توضع مصالح «الخطة» الشاملة فوق مصالح فئات كثيرة قد تجد من ~~المستحيل، أو من المرهق، تنفيذها تبعا لرؤية المخططين الذين لا يرون إلا الصورة «الكلية» ~~ويتجاهلون كل ما في داخلها من جزئيات إنسانية. وما أسهل أن تتم التضحية بكثير من ضرورات الحياة في ~~هذا البلد أو ذاك من أجل مصلحة «المعسكر الاشتراكي» ككل. وهكذا فإن المبدأ الذي يوضع في الأصل ~~لتحقيق مصالح أوسع قطاعات من الجماهير، يتحول بالتدريج إلى مبرر فكري لقهر الجماهير وتجاهل ~~مطالبها المشروعة. # ولقد حاول الكثيرون، طوال تاريخ الحركة الاشتراكية، أن يؤكدوا أهمية هذا الجانب الإنساني، ~~ويقنعوا الأحزاب الاشتراكية، سواء أكانت في الحكم أم خارجه، بأن إعطاء جرعة من النزعة الإنسانية ~~إلى مذهب سوف ينشطه ويزيد من عافيته. غير أن هذه المحاولات كانت تصطدم دائما بموقف المدافعين عن ~~«الصرامة» و«القوانين الموضوعية»، وكانت تتهم بأنها اشتراكية «رخوة» أو «غير علمية»؛ لأن الاشتراكية ~~الحقيقية في نظر هؤلاء المتشددين يجب أن تضع في اعتبارها العوامل العامة التي تتحكم في مسار ~~التاريخ، وهذا وحده هو ما يجعلها «اشتراكية علمية» بالمعنى الصحيح، أما تلك الرهافة الإنسانية ~~فإنها تحول السياسة إلى شيء أشبه بالشعر أو الفن. ولعل في هذا ما يفسر، إلى حد بعيد، تلك الأزمات ~~المتلاحقة التي كانت تثور بين سلطة الحزب وبين الفنانين والأدباء، منذ بداية الثورة الشيوعية في ~~1917م حتى اليوم، ولعل فيه أيضا ما يفسر تلك الظاهرة الفريدة في تاريخ الإنسانية، وهي قيام ~~الجماهير الثائرة على الاستبداد الصارم للحزب في تشيكوسلوفاكيا، خلال الأحداث الأخيرة، باختيار ~~«كاتب مسرحي» رئيسا للجمهورية (وهي فيما أتصور المرة الأولى التي يحكم فيها أحد رجال المسرح ~~بلدا بأكمله؛ مما يطرح تساؤلات طريفة، ينتظر المرء الإجابة عنها بشوق ms32 وتلهف، حول الطريقة التي ~~سيتحول بها تفكير «هافيل» من استخدام خياله في تحريك شخوص المسرح وأحداثه بحرية كاملة، إلى ~~استخدام عقله في تحريك أوضاع الاقتصاد والدبلوماسية والدفاع في عالم الواقع الذي لا يلين!) - هذا ~~فضلا عن الدور الكبير الذي أسهم به الأدباء والفنانون والكتاب في أحداث البلاد الشرقية الأخرى، ~~والاتحاد السوفياتي نفسه، ووصول عدد منهم إلى مراكز قيادته في المجر ورومانيا وغيرهما بعد الثورات ~~الجماهيرية الأخيرة. # إن التجاء الشعوب إلى الكتاب والفنانين في مثل هذه الظروف يمثل رد فعل واضحا على تجاهل ~~الإنسان النابض بالحياة في الأنظمة السابقة سعيا لا شبهة فيه من أجل إضفاء اللمسة الإنسانية التي ~~حرمت منها تلك الشعوب طويلا، باسم «الموضوعية العلمية» على أسلوب إدارة المجتمع في تلك البلاد. ~~وإذا كانت تلك التحولات تبدو في ظاهرها ثورة على التطبيق السيئ لمبدأ نبيل، فإنها في حقيقتها ~~احتجاج على عناصر أساسية في المبدأ نفسه، تفتح المجال واسعا أمام كل من يريد إساءة ~~التطبيق. # لقد كانت «الاشتراكية الإنسانية» توصف دائما بأنها «حريفية»، بل لقد بذلت محاولات لإلقاء ظل ~~من النسيان على كتابات هامة لكارل ماركس، ألفها في وقت مبكر، لمجرد أنها تؤكد هذا الجانب الإنساني ~~في الاشتراكية، مع أن هؤلاء الذين تجاهلوها لم يكونوا يتركون سطرا واحدا لماركس دون أن يحللوه ~~ويستشهدوا به، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد النظر إلى هذه الكتابات كما لو كانت تمثل المرحلة ~~«الجاهلية» في فكر ماركس، قبل أن تهبط عليه «رسالة» الاشتراكية العلمية، وكم من اشتراكيين مخلصين ~~طردتهم الأحزاب الشيوعية لمجرد أنهم سعوا إلى تطعيم النظرية بهذا الجانب الإنساني، فقد كانت تدور ~~داخل تلك الأحزاب عملية «تكفير» مماثلة لما نجده لدى أشد الجماعات الإسلامية المعاصرة تطرفا، ~~وكان الدفاع عن شكل من أشكال الحريات «الليبرالية» كافيا لطرد صاحبه من الحزب، وهو ما يعني ~~الخروج من الجنة، والحكم عليه بأن يظل مشردا منبوذا. # وقد ينتهز المعسكر الآخر الفرصة كيما يجتذب هذا المطرود أو يستغل انتقاداته في دعايته ضد ~~خصومه، فيتمزق صاحبنا من الداخل، ويظل عاجزا عن ms33 الانتماء، وتغمره الحسرة الأبدية وهو يرى التيار ~~العام للمعسكر الذي يؤمن به يسير في طريق غير طريقه. # وإني لعلى يقين من أن جورباتشوف لو كان قد ظهر بأفكاره هذه في العهد الستاليني، أو كان قد جهر ~~بها صراحة في «عصر الجمود» أيام بريجنيف، لاتهم بأنه أكبر تحريفي، ولكان الآن مجرد ذكرى باهتة ~~لسياسي معارض مدفون في سيبريا، أو محكوم عليه بشغل وظيفة كاتب صغير في مزرعة جماعية نائية. ولكن ~~من حسن حظ جورباتشوف - وحظ العالم - أن أفكاره لم تظهر بكل أبعادها الإنسانية والديمقراطية إلا ~~بعد أن أصبح مستقرا في الحكم، قادرا على دعم هذه الأفكار بكل الثقل الذي يضفيه الوجود في ~~السلطة. ولعل في هذا تطبيقا آخر لتلك القاعدة التي يزخر عالمنا العربي بأمثلة صارخة لها، وأعني ~~بها أن الفرق بين الحاكم الوطني حبيب الشعب وولي نعمته، وبين العميل الخائن عدو الشعب والمحرض على ~~الفتنة، كثيرا ما يكون هو الفرق بين النجاح في الاستيلاء على السلطة والإخفاق فيه! # وإذا كنا قد توسعنا في الحديث عن هذا العيب الأول في النظرية الاشتراكية، فذلك لأنه هو الأصل ~~الحقيقي لمعظم الأخطاء الأخرى التي وقعت فيها تلك النظرية، فمن السهل، مثلا، أن ينتقد المرء منهج ~~التفكير لدى معظم الماركسيين الكبار بأنه منهج «سلطوي» أكثر مما ينبغي. وأعني بالسلطوية أن كتابات ~~ماركس وإنجلز، ومن بعدهما لينين، ينظر إليها كما لو كانت هي المرجع الأول والأخير في كل مشكلة ~~تواجه الفرد أو المجتمع، ولا بد لكي يثبت الكاتب أنه مخلص للأيديولوجية، من أن تمتلئ كتابته ~~بالهوامش التي تشير إلى اقتباسات من ماركس أو لينين. وكثيرا ما يشعر المرء بأن الاقتباس مصطنع، ~~لا يقصد به إلا إثبات «ولاء» الكاتب؛ لأن الموضوع يتناول مشكلة مستجدة يستحيل أن يعمل مفكر في ~~القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين، مهما علت مكانته، حسابا كاملا لها، (ولست في حاجة إلى ~~تنبيه القارئ، في هذه الحالة أيضا، إلى التشابه الواضح مع المنهج الفكري لكثير من منظري الحركة ~~الإسلامية المعاصرة). # وليس هذا النقد ms34 مجرد خطأ منهجي له تأثيره على الميدان الثقافي فحسب، بل إن تأثيره يمتد إلى ~~مجالات واسعة؛ إذ إن اتباع هذا الأسلوب يشجع النفاق الفكري، ويجعل المتملقين هم الأقدر على التسلق ~~إلى قمة المجتمع، وهو يحول دون ظهور التجديد والإبداع في ابتكار أساليب تتم بها مواجهة المشكلات ~~في عالم سريع التقلب؛ ومن ثم فإنه مسئول إلى حد بعيد عن كل ما تتصف به الفترات السابقة على ~~جورباتشوف من جمود. # وأخيرا، فإن من أوضح العيوب النظرية في الفكر الاشتراكي السائد حتى عهد قريب، إفراطه في ~~التنظير، فقد كان إخضاع الواقع المتغير للقوالب المستمدة من النظرية الماركسية سمة أساسية لهذا ~~الفكر، وكان المبرر الذي يقدم لذلك هو أن من المستحيل على أية حركة سياسية أن تنجح في ممارستها ما ~~لم تسترشد «ببوصلة» فكرية تعلو بها على مستوى الارتجالية والتخبط. والمبدأ في ذاته سليم، غير أن ~~الإفراط في استخدامه كثيرا ما يؤدي إلى نتائج عكسية، ففي حالات كثيرة لم تكن الأحزاب الماركسية ~~تخطو خطوة واحدة إلا بعد أن تقوم بتحليلات نظرية شاملة للموقف في ضوء النظرية الأم. وأعجب ما في ~~الأمر أن هذه التحليلات كثيرا ما كانت تتناقض فيما بينها، فيصل حزب إلى نتيجة معينة، ويصل حزب ~~آخر، أو الحزب الأول نفسه في مرحلة لاحقة، إلى نتيجة مضادة، إزاء الظاهرة الواحدة، مستخدمين نفس ~~المنهج. وكثيرا ما كان يتكرر هنا نفس الخطأ الذي لاحظه فلاسفة العصر الحديث على علماء اللاهوت في ~~العصور الوسطى حين كانوا يجعلون من القوالب اللفظية حاجزا كثيفا يحجب عنهم عالم الواقع بكل ما ~~فيه من ثراء وتغيير، بل إن بعض الشباب المنتمين إلى حركات يسارية كانوا يقضون الليالي في التراشق ~~برطانات لفظية وتقليب مجموعة من الكلمات الضخمة المحفوظة ذات اليمين وذات اليسار، ويخرجون من ~~السهرة قريري العين، متوهمين أنهم تمكنوا بذلك من تحليل الواقع المعقد وحل مشاكله. # هذا الاتجاه إلى الإفراط في إخضاع الواقع للنظرية، بدلا من إخضاع النظرية للواقع، كما ينبغي ~~أن يفعل أي تيار سياسي يريد حقا أن يكون ms35 له دور فعال؛ يبدو لي ناجما عن الأصول الهيجلية ~~للفلسفة الماركسية. وأرجو ألا ينزعج القارئ من هذه الإشارة التي قد لا تكون واضحة لدى الكثيرين، ~~ولكني لن أطيل في هذا الموضوع الفلسفي المعقد، ويكفي أن أشير إشارة عاجلة إلى أن فكر ماركس، وهو ~~أكبر بناء متكامل للفلسفة المادية، قد انبثق عن فكر هيجل الذي شيد أعظم بناء نظري متكامل للفلسفة ~~المثالية، يخضع الكون والتاريخ والفلسفة والفن لإطار فكري واحد. وكان لا بد أن يؤثر هذا الأصل ~~في تحديد المنهج الفكري الذي يسير عليه ماركس والماركسيون، وأن يكون منهج الرجوع الدائم إلى ~~القالب النظري الجاهز داء مستحكما في الفكر الاشتراكي اللاحق، يمارس تأثيره ويترك بصماته بوضوح ~~على الممارسات العملية لمعظم التجارب الاشتراكية في الحكم. # ومن الطريف أن يقارن المرء بين هذا المنهج الفكري الذي سارت عليه التجارب الاشتراكية، وبين ~~الأسلوب الذي تتخذ به القرارات الهامة في قلعة النظام الرأسمالي، أعني في أميركا. ففي أميركا تسود ~~فلسفة مضادة، قوامها أن «ما ينجح عمليا هو الصحيح» (وهو المبدأ الأساسي في الفلسفة البرجماتية، ~~التي هي من حيث الأصل فلسفة أميركية خالصة)؛ ويترتب على ذلك أن العقلية الأميركية لا تسرف في ~~التحليل النظري، ولا تعبأ كثيرا بتفسير الأحداث من خلال قوالب مسبقة، وإنما تعالج كل حالة على ~~حدة، وتتصرف فيها تبعا لمقتضياتها الخاصة، وتشكل نفسها تبعا لكل موقف. وعلى حين أن الفكر ~~الماركسي يسرف كثيرا في الحديث عن قوانين التاريخ، وعن حتمية التحولات الكبرى فيه، ويصل في ذلك ~~أحيانا إلى حد تغليب النظرية على الواقع المعقد المتجدد، فإن طريقة التفكير الأميركية تنحني مع ~~الواقع كيفما تشكل، وتكاد في التزامها بهذا الواقع أن تلغي النظرية من الأساس. # ويؤدي الإسراف في الفكر النظري إلى الإفراط في التنبؤ، فيبدو التاريخ وكأنه مراحل حتمية لا ~~مفر من حدوثها؛ وعلى ذلك فكما انتقل التاريخ من مرحلة العبودية إلى مرحلة الإقطاع، ومن الإقطاع ~~إلى الرأسمالية، فلا مفر من أن تكون الخطوة التالية هي الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ~~فالشيوعية. ويصور هذا ms36 الانتقال كما لو كان قدرا محتوما لا فكاك منه، ويقنع الماركسي المتحمس ~~نفسه بأن هناك قوة تعلو على الأفراد والأنظمة والحكومات، اسمها «حتمية التاريخ»، تعمل على دفع ~~الأحداث في الاتجاه الذي تتنبأ به النظرية، وأية مقاومة لحتمية التاريخ هذه لن تكون لها من نتيجة ~~سوى أن ترجئ المحتوم بعض الوقت، ولكن ما سيحدث لا بد أن يحدث. وعلى هذا الأساس ساد التفاؤل ~~المطلق بين الماركسيين الأوائل في أعقاب ثورة 1917م، وكان منهم كثيرون ينتظرون اللحظة التي تسقط ~~فيها الرأسمالية كالثمرة المعطوبة. وبرغم تقلب الأحداث وتعقد الواقع وتجاوز إطار النظرية مرارا، ~~ظل التفاؤل هو النغمة الغالبة، حتى رأينا خروتشوف يهتف في وجه الرأسماليين الأميركيين في عام ~~1956م: «سندفنكم!» ويتنبأ من خلال تحليلات «علمية» مبنية على قوالب النظرية أكثر مما هي مرتكزة على ~~معطيات الواقع، أن الاقتصاد في البلاد الاشتراكية سوف يلحق بالاقتصاد الرأسمالي في عام 1980م، ثم ~~يتجاوزه بعد ذلك بمراحل. ويسجل هذا التنبؤ الخطير في وثيقة عظيمة الأهمية، هي أعمال المؤتمر ~~العشرين للحزب الشيوعي. # كل هذا التفاؤل كان مبنيا على تلك السمة التي أشرت إليها أكثر من مرة من قبل، وهي تحليل ~~التاريخ من طرف واحد، هو الطرف الذي ينتمي إليه المحلل نفسه، وعدم حساب ردود الفعل المتغيرة ~~والمتجددة التي يقوم بها الطرف الآخر من أجل إفساد هذا التنبؤ وإبطاله. والأساس الذي يرتكز عليه ~~هذا الخطأ المنهجي هو الاعتقاد بأن المرء يمتلك الحقيقة المطلقة، وكل ما عداها تحريف أو انحراف أو ~~بطلان صريح (هل هناك حاجة إلى إشارة أخرى إلى التشابه بين هذا الإطار الفكري وبين نظيره في ~~الأصولية الإسلامية المعاصرة؟) ومن هنا تأتي الثقة الزائدة بالنفس؛ لأنه لا شيء يبعث على هذه ~~الثقة بقدر اعتقاد المرء بأن التاريخ يسير لصالحه، أو بأنه يمثل في سلوكه إرادة التاريخ، وما دام ~~يسير في الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ، فماذا يضير لو حدثت أخطاء هنا أو تجاوزات هناك؟ ولماذا ~~يستمع الحاكم إلى أصوات المعارضين أو يحترمها، ما دام يعلم أن هذه الأصوات تعارض ms37 حتمية التاريخ، ~~التي يجسدها هو نفسه. # ولكن المفارقة الساخرة تظهر في أن أولئك الذين كانوا دائما واثقين من امتلاكهم لناصية ~~التطور، ومعرفتهم لاتجاه المستقبل، وتجسيدهم لحتمية التاريخ، هم الذين فشلت تنبؤاتهم، ولم تتحقق ~~«حتمياتهم»، على حين أن أصحاب الأيديولوجية المضادة، الذين يفكرون يوما بيوم، وحادثا بحادث، هم ~~الذين تحكموا بصورة أكبر في مجرى التاريخ المعاصر. وهكذا كان الدرس واضحا: من يظن أن التاريخ ~~حصان يمكن امتطاؤه، سينتهي به الأمر إلى أن يمتطيه التاريخ ... تعقد الحياة المعاصرة لا يمكن ~~استيعابه إلا بالمزيد من المرونة، والإقلال من الحديث عن «الحتميات»؛ لأن التاريخ في نهاية الأمر ~~ينقاد لمن يشكله، لا لمن يتشكل به. # إن سلسلة المآسي التي حدثت أمام أعيننا في أوروبا الشرقية إنما هي نموذج واضح كل الوضوح ~~للأخطاء التي تتفاعل فيها النظرية مع التطبيق، فقد كانت في النظرية ذاتها ثغرات، حاولنا أن نكشف ~~هنا عن بعض من أهمها، هي التي فتحت الباب للأخطاء الفادحة في التطبيق، ولم يعد هناك مجال للقول إن ~~النظرية تظل محتفظة بعصمتها وقدسيتها، وإن من يتبنونها هم وحدهم المدنسون، فلا مفر من العودة إلى ~~الجذور، واستئصال ما جف منها وما ذبل. # وفي تصوري أن جورباتشوف، الذي ينتمي إلى جيل لم يشارك في الأحداث الرائدة الأولى ولم يغرق في ~~جدليات الثورة العالمية أو الثورة المحلية، هو أول زعيم ينظر إلى الاشتراكية بوصفها هدفا ~~إنسانيا رحبا، يمكن أن يتخذ أشكالا متباينة، ولا يتعين حصره في قالب واحد. ومن المؤكد أنه ~~أدرك أن العناد المفرط والثقة الزائدة التي كان يتصرف بها أولئك الذين كانوا يعتقدون أن «حتمية ~~التاريخ» تعمل لصالحهم، هو الذي يمكن أن يقضي على التجربة من أساسها، فجميع تصرفاته تدل على أنه ~~يدعو إلى إدخال عنصر المرونة في النظرية نفسها، إلى جانب العنصر الإنساني في التطبيق. # الفصل الخامس # | هل ثبتت رؤية هلال الرأسمالية؟ # في كل مجتمعات العالم تحدث تغيرات، وكثير من هذه التغيرات يسفر عن تحولات جذرية في بنية ~~المجتمع، ومع ذلك فإن التغيرات التي حدثت خلال العام ms38 الماضي في بلدان الكتلة الشرقية هي التي ~~أثارت اهتمام العالم بوصفها إيذانا بمرحلة جديدة في تاريخ البشرية، وهي التي حفزت الكتاب ~~والمعلقين إلى تجنيد أقلامهم وحشد أذهانهم في محاولة للاهتداء إلى معالم في ذلك الطريق الذي أصبحت ~~العواطف تغلفه بالضباب من كل جانب. وربما كان أحد أسباب هذا الاهتمام، ذلك التماسك الشديد ~~والصلابة الفائقة التي كانت تبدو عليها أوضاع الكتلة الشرقية. ولست أعني بذلك أن الأنظمة الحاكمة ~~في تلك البلاد كانت تستند إلى جبهة داخلية قوية، وإنما الذي أعنيه أن هذه الأنظمة رتبت أوضاعها ~~بحيث تظل متمسكة بالسلطة إلى أجل غير محدود، واستبعدت منذ البدء آليات التغيير السلمي للجهاز ~~الحاكم. ومن أجل هذا السبب بالذات، كان من الطبيعي أن تبدو أية محاولة لتغيير السلطة، كما حدث في ~~الآونة الأخيرة، انهيارا للنظام بأكمله. # لقد تعرض العالم الغربي في العقود الأخيرة من تاريخه لتحولات كثيرة، منها على سبيل المثال ~~وقوف دول أساسية فيه، كفرنسا وإسبانيا، موقفا سلبيا من المشاركة العسكرية في حلفه العسكري ~~الأكبر، حلف الناتو «شمال الأطلنطي»، بعد أن حكمتها في السنوات الأخيرة أحزاب اشتراكية ديمقراطية، ~~بل إن العالم الغربي شهد حالات تحول من النظام الرأسمالي إلى نظام ماركسي صريح، كما حدث في شيلي ~~عند فوز الليندي في أوائل السبعينيات. وفي الولايات المتحدة نفسها، شهد النظام الرأسمالي انهيارا ~~خطيرا خلال الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929م، وترتبت على هذه الأزمة كوارث اقتصادية هائلة دامت ~~سنوات عديدة، ولحقت أضرارها جميع البلاد المرتبطة بالنظام الرأسمالي. وكانت أوسع التحليلات ~~انتشارا تؤكد أن هذه الأزمة ليست عارضة على الإطلاق، وإنما هي تعبير عن خلل متأصل في بنية النظام ~~الرأسمالي ذاته. # ومن السهل أن يدرك القارئ أن شبح هذه الأزمة ما زال مخيما على العالم الرأسمالي حتى يومنا ~~هذا. # بل إن ظهور الأنظمة الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا واليابان وإسبانيا في فترة ما بين ~~الحربين العالميتين، وكثير من نظائرها وامتداداتها في دول العالم الثالث منذ الحرب العالمية ~~الثانية، هو في رأي الكثيرين تعبير عن أزمة هيكلية في ms39 النظام الرأسمالي، ومحاولة غير موفقة للخروج ~~من إسار الأزمة. خلاصة القول أن ما يمر به العالم الاشتراكي من مشكلات خطيرة ليس هو الحالة ~~الوحيدة لظهور أزمة عميقة في هيكل نظام عالمي رئيسي، ومع ذلك فإن الأذهان قفزت مباشرة، في هذه ~~الحالة الأخيرة بالذات، إلى استنتاج سريع هو أن التجربة الاشتراكية كلها قد أفلست، وأنها لم تكن ~~منذ البدء إلا حالة عارضة أو «وعكة» أصابت قطاعا من البشر وسرعان ما تزول ليعود العالم كله ~~رأسماليا كما كان قبل 1917م، فلماذا يصدر المحللون أحكاما كهذه الآن، بينما لم يقل أحد ~~(باستثناء بعض الماركسيين) أن بناء النظام الرأسمالي ذاته كان لا بد أن ينهار بعد الكساد ~~العظيم في 1929م، أو أن الرأسمالية لا بد أن تنبذ لأنها أفرزت، بشكل مباشر أو غير مباشر، أنظمة ~~دكتاتورية كأنظمة هتلر وموسوليني وفرانكو وسالازار؟ # أغلب الظن أن الرد على هذا التساؤل يكمن في تلك المرونة الهائلة التي تواجه بها الرأسمالية ~~أزماتها، وفي قدرتها الفائقة على إعادة التكيف بعد كل مأزق خطير تقع فيه، على حين أن الأنظمة ~~الاشتراكية تجمدت وتحجرت إلى حد بدت معه وكأنها إما أن تحافظ على أوضاعها دون تغيير، وإما أن ~~تنهار انهيارا تاما. # وفي وسعنا أن نوضح الفارق بين الاثنين بالمقارنة بين كرة الطاولة (البنج بونج) والبيضة، ~~فالأولى تقفز وترتد سليمة إذا أسقطت أو ضربت، والثانية تنكسر وتسيل بمجرد أن تصطدم قشرتها بأي جسم ~~صلب. وبالمثل فكما أن الرأسمالية تستطيع أن تتخذ ألف شكل وشكل، وتظل مع ذلك رأسمالية، فإن ~~الاشتراكية كما طبقت في أوروبا الشرقية لم تكن تستطيع التخلي عن طابعها الثابت والمتصلب إلا إذا ~~عرضت بقاءها واستمرارها للخطر. # وفي تصوري أن هذه السمة بالذات كانت جزءا أساسيا من خطة الإصلاح التي وضعها جورباتشوف وحرص ~~على تطبيقها في دول أوروبا الشرقية، ومهد لها بقبول هذه التحولات العنيفة. فلماذا لا تصبح ~~الاشتراكية بدورها نظاما مرنا، يقبل التطور ويتكيف وفقا لمتطلبات العصر؟ ولماذا تحمل الفرنسيون ~~والألمان الغربيون والأميركيون مظاهرات 1968م العارمة، التي شارك فيها ms40 الملايين من الطلاب ~~والمهنيين والعمال، وظل نظامهم في أساسياته سليما، بينما تضطر الجيوش السوفياتية إلى التدخل كلما ~~حدث اضطراب واسع الأبعاد في أي بلد اشتراكي؟ لماذا لا تتخذ هذه البلاد لنفسها آليات تسمح لها ~~بامتصاص سخط الجماهير على أنظمتها، إذا ارتكبت أخطاء فادحة، وتتيح لها تصحيح مسارها واكتساب ثقة ~~هذه الجماهير من جديد؟ # لماذا يسود دائما هذا البديل الانتحاري: إما بقاء كل شيء على حاله بقوة السلاح، وإما انهيار ~~كل شيء؟ من المؤكد أن إعلان جورباتشوف الصريح أن جيوشه لن تتدخل لمساندة أي نظام يثور عليه شعبه، ~~وإشاراته الواضحة إلى أنه لن يؤيد القيادات الستالينية المتحجرة، بل ومشاركته الإيجابية، على ما ~~يقال - في إزاحة بعض هذه القيادات، مع إدراكه للنتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب على ذلك، وفي ~~المدى القريب على الأقل، بالنسبة إلى وحدة المعسكر الاشتراكي وتماسكه - كل هذا دليل على أن سياسته ~~تسعى إلى أن تضيف إلى التجربة الاشتراكية عنصرا هاما تتفوق عليها فيه الرأسمالية تفوقا ~~ملحوظا؛ وهو عنصر المرونة في اختيار الشعب للجهاز الحاكم، وتبني آليات التغيير السلمي للحكومات، ~~دون حاجة كسر القشرة المتصلبة. وبطبيعة الحال فإن الكثيرين قد هللوا وصفقوا لهذا التحول الذي بدا ~~في ظاهره تراجعا خطيرا، وكان لسان حالهم يقول: ألم نقل لكم إن الاشتراكية بدعة زائلة؟ ها هي ذي ~~تقتبس أهم مبادئ الحكم والسياسة من العالم الرأسمالي، وتتراجع عن طابعها «الشمولي»، الذي كان أهم ~~سماتها المميزة، فماذا يتبقى بعد ذلك من الاشتراكية؟ على أننا سنرجئ مناقشة الشطر الأخير من هذا ~~السؤال، وأعني به: هل يتبقى من الاشتراكية شيء إذا اتبعت آليات التغيير الديمقراطي المعروفة في ~~الرأسمالية - سنرجئ هذه المناقشة حتى الفصل التالي. أما الآن، فلزام علينا أن نناقش الشطر الأول، ~~وأعني به دلالة اقتباس الاشتراكية لمبادئ هامة تنتمي إلى صميم التجربة الرأسمالية. # إن الحكم على موضوع الاقتباس هذا، ينبغي أن ينظر إليه في سياق أوسع، تتأمل فيه مليا تلك ~~العناصر العديدة التي سبق للرأسمالية أن اقتبستها من النظام الاشتراكي؛ ذلك لأن النظام الرأسمالي ms41 ~~قد عدل هيكله مرارا، وفي كل مرة كان يدمج في داخله مبدأ من المبادئ التي تنادي بها الاشتراكية، ~~ولكن بعد تعديله بحيث يلائم إطاره العام. ولا شك أننا قرأنا كثيرا عن تلك الفوارق الهائلة بين ~~الرأسمالية المعاصرة، وبين رأسمالية القرن التاسع عشر التي تنبأ كارل ماركس بانهيارها، بوصفها ~~مرحلة في التاريخ أدت مهمتها وأصبح من الضروري تجاوزها إلى مرحلة أرقى. وفي معظم الأحيان يشار إلى ~~هذه الفوارق بوصفها دليلا على إخفاق تنبؤات ماركس عن انهيار الرأسمالية الحتمي من جهة، وعلى ~~قابلية الرأسمالية للتكيف والتطور من جهة أخرى. ولكن السؤال الحاسم في هذا الصدد هو: هل جاءت هذه ~~التطورات الهامة من قلب الرأسمالية نفسها؛ أعني هل من طبيعة هذا النظام أن يطور نفسه بحيث يعطي ~~العمال مزيدا من الحقوق، ويضمن لهم نصيبا - يقل أو يزيد - من التأمينات الاجتماعية والصحية، ~~ويتبع في سياسته الاقتصادية والاجتماعية قدرا - يقل أو يزداد أيضا - من التخطيط ... إلخ؟ الواقع أن ~~التعديلات والتصحيحات التي أدخلها النظام الرأسمالي على مساره، كانت في جوهرها ردود فعل على وجود ~~نظام مضاد ... # وليس معنى ذلك أن الخوف من ذلك النظام المضاد هو وحده الذي دفع الرأسمالية إلى تطوير نفسها، ~~بل إن هذا التطور قد حدث من أجل قطع الطريق على أية دعوة إلى شكل من أشكال الاشتراكية بين عمال ~~البلاد الرأسمالية، ومن أجل تقديم نموذج يبدو في نواح كثيرة، أكثر ازدهارا من النظام البديل. ~~وإذا كنا قد توسعنا من قبل في الحديث عن سباق التسلح بوصفه وسيلة بارعة - وقاتلة - ابتكرها النظام ~~الرأسمالي من أجل إيقاف نمو الاشتراكية، وقلنا إن التنافس في ظل هذا السباق كان أمرا استحال على ~~ماركس أن يعمل له حسابا في نظريته، فإن ما نتحدث عنه الآن، أعني قدرة الرأسمالية على تصحيح ~~مسارها بتبني بعض مبادئ النظام الاشتراكي من أجل إسقاط دعوى الاشتراكية بأنها هي التي تمثل مصالح ~~العمال في كل مكان، كانت بدورها تطورا لم تعمل له النظرية الماركسية حسابا، فقد افترضت هذه النظرية ~~أن الحركة الاشتراكية ستنشط ms42 وتنمو وتجتذب مزيدا من عمال البلاد الرأسمالية يوما بعد يوم، بينما ~~تظل الرأسمالية على ما هي عليه، وتسعى إلى امتصاص أكبر قدر من «فائض القيمة» من العمال ؛ لأن ~~الأفعى لا تمتلك إلا أن تكون سامة، غير أن النظام الرأسمالي استطاع أن يواجه هذا الهجوم ببراعة، ~~وأن يطور نفسه في مواجهة أنواع عديدة من الأزمات، وتخلى عن عناصر كثيرة من تلك الرأسمالية التي ~~كتب عنها ماركس، ولكنه كسب في مقابل ذلك قدرة كبيرة على الصمود والبقاء. # والخلاصة إذن أن ما استعارته الرأسمالية من الاشتراكية ربما كان يفوق بكثير، في تنوعه واتساق ~~نطاقه، كل ما يبدو أن الاشتراكية تستعيره الآن من الرأسمالية. # ومع ذلك فإن أجهزة الإعلام الغربية لا تصور ما يحدث الآن على أنه مرحلة تصحح فيها الاشتراكية ~~مسارها، تماثل عشرات المراحل التي سبق للرأسمالية أن صححت فيها مسارها باستعارة عناصر من ~~الماركسية ذاتها، وإنما تصوره على أنه انهيار وسقوط نهائي للاشتراكية. فإذا كانت الأيديولوجية ~~تسقط بمجرد أن تستعير عناصر أساسية من أيديولوجية أخرى، فلماذا إذن لم تسقط الرأسمالية الحالية ~~التي تحمل سمات لن يستطيع آدم سميث، لو بعث حيا من قبره، أن يتعرف على رأسماليته التقليدية في ~~سمة واحدة منها؟ # إن الرأسمالية لو كانت قد تركت لنفسها، دون وجود أيديولوجية منافسة تملك تأثيرا دوليا ~~كبيرا، وتمارس تأثيرها أيضا على الطبقات العاملة والمثقفة داخل الدول الرأسمالية ذاتها - لما ~~سار تطورها في اتجاه تحقيق مصالح للعمال، كما يحدث بالفعل في البلاد الصناعية المتقدمة. وأبسط ~~دليل على ذلك ما تمارسه الرأسمالية من استغلال بشع للعمال والفلاحين الفقراء في بلاد العالم ~~الثالث، فحين تفتتح إحدى الشركات متعددة الجنسية مصنعا في بلد فقير، تكون شروط العمل في هذا ~~المصنع، وليس الأجور فحسب، أسوأ بما لا يقاس من نظائرها في مصانع البلاد المتقدمة. وحسبنا أن نشير ~~هنا إلى الفرق بين مصانع شركة «يونيون كاربايد» في أميركا نفسها والمصنع الذي كان تابعا للشركة ~~نفسها في الهند، حيث وقعت حادثة تسرب الغاز السام المشهورة في مدينة «بوبال» منذ ms43 سنوات قلائل، ~~وتساقط المئات من العمال وأسرهم كالذباب، ووقف أصحاب الشركة يدافعون عن أنفسهم بوقاحة أمام رأي ~~عام عالمي ساخط، ويستأجرون أبرع المحامين حتى لا يدفعوا إلا أقل القليل من التعويضات لأهل البلدة ~~المنكوبة. وقل مثل هذا عن أية مقارنة يجريها المرء بين أوضاع العامل الزراعي الأبيض في أية مزرعة ~~من مزارع الجنوب الأميركي، وأوضاع العمال التعساء الذين تقوم «شركة الفواكه المتحدة» بتشغيلهم ~~بأبخس الأجور وفي أسوأ الأوضاع، لكي تكسب هي الملايين من مزارعها في جواتيمالا وهندوراس وغيرها من ~~«جمهوريات الموز» التعيسة في أميركا الوسطى. # ولو أمعنا النظر في هذه المقارنة، لتبين لنا أن الفارق الوحيد بين الحالتين هو أن العمال ~~لديهم في الحالة الأولى من الوعي ما يسمح لهم بالكفاح الفعال من أجل حقوقهم، فلا يجد النظام ~~مفرا من إرضاءهم، أما في الحالة الثانية فإن تعاسة العمال وفقرهم وأميتهم، وتعرضهم الدائم لبطش ~~الأنظمة الدكتاتورية التي تفرضها الشركات الأميركية العاملة في أراضيهم، كل ذلك يجعل صوتهم غير ~~مسموع، وما دام خطرهم ضئيلا فلماذا ترهق الرأسمالية نفسها بتحسين أوضاعهم؟ # على أن الرأسمالية تعيش من أواخر عام 1989م فترة ترتفع فيها معنويات أنصارها إلى السماء، ~~ويتغزل فيها الكثيرون، وينادي الكتاب، الذين لم يكونوا يجرءون حتى عهد قريب على الدفاع صراحة ~~عنها، بأنها هي النظام الطبيعي للإنسان، أو هي النظام السوي، وكل نظام آخر هو انحراف لا بد - ~~مهما طال الزمن أو قصر - أن تشفى منه المجتمعات التي يشاء سوء حظها أن تقع فريسة له، ولا مفر للمرء، ~~حين يجد أن هذا الغزل المكشوف قد تجاوز حدوده، من أن يعود إلى تذكير الناس بأبسط البديهيات التي ~~يبدو أن انفجارات أوروبا الشرقية قد أفقدتهم الوعي بها. # إن المهللين للرأسمالية، بوصفها النظام الطبيعي الذي منه بدأ عصرنا الحديث وإليه يعود، يصفقون ~~ابتهاجا لسقوط الإمبراطورية الشيوعية، وقد أوضحنا في الفصل السابق أن كثيرا من العناصر التي ~~انتهجتها المجموعة الشيوعية كان يستحق السقوط بالفعل، وأن انهيار ممارستها القمعية أمر لا ينبغي ~~أن يأسف له أي إنسان مستنير، ms44 ومع ذلك فإننا حين نتحدث في هذا الصدد عن «إمبراطورية شيوعية» نستخدم ~~الكلمة بمعنى مجازي، على حين أن الرأسمالية كانت لها إمبراطوريات بالمعنى الحقيقي والدموي، وهي ~~إمبراطوريات لم تكتف بإخضاع شعوب العالم الثالث لهيمنتها، وإنما امتصت دماءها طوال قرون عديدة، ~~وقتلت من أبنائها عشرات الملايين، وخاصة في المناطق المجهولة والمنسية كإفريقيا السوداء، وأوقفت ~~نموها، وزرعت التخلف والاعتماد على الغير في مجتمعات كانت لها، قبل العهد الاستعماري، حياة كريمة ~~مكتفية بذاتها إلى حد بعيد. # هذه بديهيات معروفة، ولكن المرء يجد نفسه مضطرا إلى التذكير بها في مرحلة التزييف الفكري ~~التي نعيشها في أيامنا هذه، وفي زمن خروج الجرذان من الجحور بعد بيات شتوي طويل، فهل يكون من ~~حقنا، ونحن نستنكر الاستبداد الذي كانت تمارسه الأنظمة الشيوعية الحاكمة على شعوب رومانيا أو ~~بولندا أو المجر، أن نصل إلى حد ننسى معه فظائع الاستعمار، الذي هو الابن الشرعي للرأسمالية، في ~~الكونغو وكينيا وأنجولا وبقية القارة الإفريقية ومعظم بلاد آسيا؟ هل من حقنا أن ننسى وجود ~~إمبراطورية أميركية بكل معاني الكلمة، حتى عهد قريب، في أميركا اللاتينية؟ هل من حقنا أن ننسى أن ~~الرأسمالية لا تزال حتى هذه اللحظة تمارس أساليب الاستعمار التقليدي في غزو الجيوش الجبارة لبلاد ~~صغيرة مغلوبة على أمرها مثل جرينادا وبنما حيث يتداخل القهر الاستعماري مع الاستغلال الاقتصادي مع ~~استخدام عصابات المرتزقة مع فرض أبشع أنواع الدكتاتورية العسكرية؟ الحق أن المرء يحار في تفسير ~~الاهتمام المفرط بالمصير الذي حل بأوروبا الشرقية على أيدي الشيوعيين، والتجاهل التام لمصير بلاد ~~العالم الثالث على أيدي الرأسمالية. # أيكون ذلك راجعا إلى أن الأوروبيين شعوب راقية، لا يصح أن تهان أو تظلم، على حين أن ~~الإفريقيين والآسيويين والأميركيين اللاتينيين ملونون أو مختلطون، لا تجوز عليهم الرحمة، ولا ~~تنطبق عليهم مواثيق حقوق الإنسان؟ # إن للمرء كل الحق في أن ينتقد بشدة الأوضاع الجائرة التي فرضتها الأحزاب الشيوعية على أوروبا ~~الشرقية، غير أن الخطورة الحقيقة تكمن في القفز من هذا الانتقاد إلى الثناء العاطر على ~~الرأسمالية، فهذه ms45 نقلة غير جائزة، وخاصة بين شعوب العالم الثالث التي اكتوت، وما تزال، بنار ~~الاستعمار وتسلط رأس المال. # وحقيقة الأمر أن الرأسمالية تظل ظالمة وغير إنسانية، بغض النظر تماما عما يحدث في الكتلة ~~الشرقية. # لا مفر في وقت تغيم فيه الرؤية وتغيب الحقائق الواضحة، من أن نواصل التذكير بالبديهيات، ~~فالأنظمة الشيوعية قد أخفقت في أن توفر لمجتمعاتها مستوى جيدا من الغذاء ... هذا خطأ فادح بلا شك، ~~ولكن أيهما أكثر شرا: ذلك النظام الذي يصل الخلل والإهمال فيه إلى حد العجز عن الوفاء باحتياجات ~~أساسية للبشر، أم ذلك النظام القادر على أن ينتج ما يفيض عنه، ولكنه يحرق الحليب والزبد، ويلقي ~~بفوائض المواد الغذائية إلى البحر حتى لا تنخفض أسعارها؟ إننا لا نشير هنا إلى ما كان يحدث أميركا ~~أيام الكساد العظيم في أواخر العشرينيات فحسب، بل إلى ما حدث في أواخر الثمانينيات وفي قلب السوق ~~الأوروبية المشتركة، وفي الوقت ذاته الذي كان مئات الألوف فيه يموتون جوعا في القارة الإفريقية. ~~ومع ذلك فإن هذا العيب في حالة النظام الرأسمالي، ليس ناجما عن سوء إدارة أو أي خلل طارئ، وإنما ~~هو جزء من طبيعة النظام وآلياته وبنيته الأساسية. # هل نواصل التذكير ببديهيات أخرى، فنقول إن الحريات، التي كانت مكمن الضعف في أسلوب الحكم ~~السائد في المنظومة الاشتراكية كلها، ليست مكفولة في قلاع الرأسمالية إلى الحد يتصوره ذوو النوايا ~~الحسنة، وأن هناك ضروبا من الازدواجية تشوه الصورة التي تبدو للسذج ناصعة البياض كازدواجية ~~الرفاهية التامة في جانب والبطالة واسعة النطاق في جانب آخر، وازدواجية السيطرة التامة للأقوياء ~~وعدم الأمان للضعفاء، وازدواجية منح الحريات في الداخل وسلب الحريات من الدول الواقعة تحت السيطرة ~~في الخارج (تايلاند، الفلبين، إلخ) ... وازدواجية الأبيض والملون، والمساواة النظرية في الفرص من ~~ناحية، وانعدام وجود تكافؤ حقيقي للفرص من ناحية أخرى؟ # ولو أصر المهللون للرأسمالية على إلغاء ذاكرتهم، ونسيان التاريخ، والتغافل عن الكوارث التي ~~أنزلتها الرأسمالية بالعالم الثالث عامة، والمصائب التي جرتها «بركات» الرأسمالية على العالم ~~العربي بوجه خاص، لتولت ms46 قلعة الرأسمالية الكبرى في العالم المعاصر، بدلا منا، مهمة تنشيط ذاكرتهم ~~وإيقاظ وعيهم، فقد جاء الغزو الأميركي لبنما تنبيها للغافلين. وبقدر ما تعي ذاكرتي من أحداث ~~سياسية على مدى العقود الأخيرة، فإني لم أصادف في حياتي تصرفا أغبى من هذا الغزو، ففي الوقت الذي كانت فيه أحداث أوروبا الشرقية تصل إلى درجة الغليان، وفي الذي ~~بدا فيه للكثيرين أن اكتشاف عيوب فادحة في ممارسات الأنظمة الاشتراكية، وسقوط أقوى رموز هذه ~~الأنظمة، يعني أن الرأسمالية هي البراءة والطهارة، وهي المال والمصير، في هذا الوقت بالذات، تأبى ~~الولايات المتحدة إلا أن تذكر الغافلين بأن الديمقراطية التي تسهر الرأسمالية على حراستها لها ~~أيضا أنياب ومخالب (مع الاعتذار لروح الزعيم العربي الذي ابتكر هذا التعبير البليغ)، وتتطوع ~~بتقديم خدمة كبرى للأيديولوجية المضادة التي كانت في هذه اللحظة بالذات تمر بأسوأ مراحل أزمتها، ~~وتتكفل مشكورة - بتكذيب الأصوات التي انتهزت فرصة الأزمة لكي تهتف: الرأسمالية هي النظام الطبيعي ~~للإنسان! فهل كان من المحتم غزو بنما لإسقاط نورييجا في هذا الوقت بالذات؟ وهل يساوي نورييجا الثمن ~~الفادح الذي دفعته أميركا من سمعتها، والمكسب الذي هبط على جورباتشوف من السماء في أحرج أوقات ~~أزمته؟ غباء منقطع النظير، دون شك، ولكنه أفادنا فائدة لا تقدر؛ لأنه أعاد إلى العقول الغافلة ~~اتزانها، ونبهها إلى حقيقة بسيطة عظيمة الأهمية، هي أن خطايا أحد المعسكرين العالميين لا تعني أن ~~المعسكر الآخر هو الفضيلة المجسمة، وهو الملجأ الأول والملاذ الأخير. # والحق أن كبريات الدول الرأسمالية في عالم اليوم لا تشارك هؤلاء «المعجبين» تفاؤلهم، فهناك ~~نوع من القلق الخفي يستشفه المرء من ثنايا تصريحات المسئولين في هذه الدول، وإن لم يكونوا يكشفون ~~عنه بوضوح، حرصا منهم على أن يتركوا أحداث أوروبا الشرقية تتفاعل إلى أقصى مداها، ففرنسا تخشى من ~~عودة الوحدة إلى ألمانيا، ذلك الجار العملاق الذي أذاقها ويلات أربع حروب كبرى خلال القرنين ~~الأخيرين، وأوروبا الغربية ككل ترى الحل في مزيد من التوحد من أجل امتصاص خطر العملاق الألماني، ولكن إنجلترا لا ترتاح ms47 إلى وحدة ~~«القارة»، وأميركا تشعر بأن أوروبا الموحدة ستكون قوى منافسة لها، وليست بالضرورة متحالفة معها، ~~لا سيما وأن التحالف العسكري قد فقد مبرر وجوده حين لم يعد هناك خصم عدواني يقوم الحلف من أجل ~~مواجهته. وهكذا فإن المعسكر الرأسمالي يشعر في داخلة بأنه هو ذاته مقبل على تغيرات لا يستهان بها، ~~قد لا تتخذ طابع العنف كتلك التي حدثت في أوروبا الشرقية، ولكنها ستكون قطعا عميقة ~~الجذور. # فالرأسمالية بدورها لا بد أن تغير مسارها تغييرات حادة حتى تتمكن من مواجهة الأوضاع ~~الجديدة في عالم منزوع السلاح. وإذا كنت قد تحدثت من قبل باستفاضة عن نزع السلاح المادي، وتأثيره ~~الهائل، الذي بدأ يظهر منذ الآن في صورة شركات ضخمة للأسلحة تغلق أبوابها أو تسرح عمالها، فلنتذكر جميعا أهمية نزع السلاح المعنوي. إن على الرأسمالية أن تعيد ~~تكييف أوضاعها بحيث تلائم عصرا لن تعود فيه قادرة على انتقاد الاشتراكية بحجة أنها عدوانية تكبت ~~الحريات وتلغي فردية الإنسان، مع أن هذا الانتقاد هو الزاد المعنوي الذي عاشت عليه الرأسمالية ~~طويلا، وكسبت بفضله عددا لا يحصى من الأصدقاء. ولكن ماذا سيكون حالها حين تفقد هذا السلاح ~~بدوره، وحين تبدأ الأيديولوجية الخصم في سلوك ذلك الطريق الشاق والطويل الذي يؤدي إلى الجمع بين ~~الاشتراكية والإنسانية في مركب واحد؟ # لا شك في أن لون الحياة أمام الرأسمالية لن يكون، كما يتصور الكثيرون، ورديا؛ فهي بدورها ~~مؤهلة لتغييرات حاسمة في هياكلها الأساسية، ولكن هذا يتوقف بالطبع على مدى نجاح الأيديولوجية ~~المضادة في الجمع بين الاشتراكية والنزعة الإنسانية، وهو موضوع بحثنا القادم. # الفصل السادس # | صورة المستقبل # العالم كله يتحدث اليوم عن مفاجآت غير متوقعة، ويرسم لعقد التسعينيات صورة تختلف جذريا عن ~~جميع العقود السابقة، بل يذهب البعض إلى حد القول أن القرن الحادي والعشرين بدأ بالفعل منذ 1989م، ~~مثلما بدأ القرن التاسع عشر مبكرا منذ الثورة الفرنسية في 1989م، وبدأ القرن العشرون متأخرا منذ ~~الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. وهي فكرة معقولة إذا أخذنا في اعتبارنا أن ms48 نقاط التحول الحاسمة ~~في التاريخ البشري لا يتعين أن تتفق مع السنوات التي تبدأ أرقامها بأصفار. ومع اعترافنا بأن ~~المستقبل يحمل في طياته مفاجآت كبيرة، وبأن التحولات الهائلة في الشهور القلائل الأخيرة تمثل بذرة ~~خصبة لتغيير وجه العالم بأسره في المستقبل غير البعيد، فلا بد من الاعتراف أيضا بأن عناصر ~~التغيير وعوامله الأساسية كانت موجودة من قبل، وإن كان العالم قد تأخر كثيرا في إدراك ما تنطوي ~~عليه هذه العناصر من دلالات. # لقد كان التصعيد العالمي للسلاح، وبلوغ التهديد النووي والصاروخي أقصى مداه، هو ذاته نقطة ~~تحول كبرى نحو إدراك عقم الشكل السائد في العلاقات الدولية، كانت صورة الموت الذي يمكن أن يلقي ~~بظله الأسود على العالم كله في لحظة واحدة، هي ذاتها الدافع الأكبر إلى التشبث بالحياة، وكانت ~~الخطوة المنطقية، بعد أن أدرك كل من الجانبين أنه يستطيع أن يفني الآخر ويفني العالم معه في ثوان ~~معدودات، هي أن يفكرا معا في أسلوب آخر للتعامل بينهما، يحل فيه التفاهم والوفاق محل المواجهة ~~المخيفة. # ولكن أحد الطرفين كانت له مصلحة مباشرة في استمرار هذه المواجهة، والطرف الآخر كانت له مصلحة ~~مباشرة في الانتقال إلى حالة التفاهم. وهكذا جاءت المبادرة من جورباتشوف، وكان أعجب ما في الأمر ~~أنه فرض هذه المبادرة على ريجان في السنتين الأخيرتين من حكمه، وأرغم هذا الصقر المتصلب على ~~التفاهم مع من كان يسميهم «إمبراطورية الشر»، لتبدأ بذلك المرحلة الأولى في التنفيذ العملي لسياسة ~~الوفاق والتعايش والتفاهم الإيجابي. # لقد كان واضحا، قبل جورباتشوف بمدة طويلة أن الرأسمالية باقية، بل إن جوانب كثيرة منها تزداد ~~قوة، وكان واضحا أن الهدف الذي تبنته ممارسات الحركة الاشتراكية بعد ثورة 1917م مباشرة، وهو ~~استئصال الرأسمالية بالتدريج، وإحلال النظام الاشتراكي محلها، قد أصبح هدفا مستحيل التحقيق، وذلك ~~في المستقبل المنظور على الأقل، ولكن الرؤساء المتعاقبين للاتحاد السوفياتي، على الرغم من إدراكهم ~~هذه الحقيقة، لم يكونوا على استعداد لبناء سياستهم الرسمية على أساس الاعتراف بها، وكان الأمر ~~يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة ms49 من أجل إعادة رسم السياسة العامة على نحو يتلاءم مع هذا الأمر ~~الواقع، وهذا هو الدور الذي اضطلع به جورباتشوف، بل إنه لم يكتف بذلك، وإنما أدرك أن المعسكر ~~الاشتراكي هو المهدد بالخطر لو استمر على جموده، ولو استمرت الفجوة بين الشعارات والممارسات ~~الفعلية على هذا القدر من الاتساع، ولو ظل حاجز عدم الثقة، والسخط المكتوم، يحول دون تحقيق أي ~~تجاوب بين شعوب البلاد الاشتراكية وأنظمتها. ومن هنا جاء انقلابه الكبير على جميع السياسات ~~السابقة. # إن الكثيرين يتصورون أن جورباتشوف يهدف إلى تطعيم الاشتراكية بمبادئ مستمدة من ليبرالية الغرب ~~الرأسمالي، كمبدأ حرية التعبير وحرية الانتخاب وديمقراطية التمثيل النيابي، إلخ ... ولكني أعتقد أنه ~~أدرك حقيقة أساسية لم يدركها أسلافه، وهي أن هذه المبادئ ليست بالضرورة جزءا من النظام الفكري ~~للغرب نفسه، وليست بالضرورة متعارضة مع الاشتراكية، كما تصور الكثيرون، وإنما هي جزء من التراث ~~الإنساني بأعم معانيه. ولقد كان الاشتراكيون المتزمتون مخطئين حين هاجموا الديمقراطية السياسية ~~باعتبارها نتاجا غريبا بحتا، ونظروا إليها على أنها جزء لا يتجزأ من آليات النظام الرأسمالية؛ ~~ذلك لأن هذه الديمقراطية إذا كانت قد عبرت عن نفسها تعبيرا واضحا مع مطلع العصر الرأسمالي، فلا ~~ينبغي أن تظل هذه النشأة مرتبطة بها إلى الأبد، فحق الإنسان في التعبير عن نفسه بحرية، وحقه في أن ~~يختار ممثلين عنه يتولون الحكم أو يحاسبون الحكام ويشرعون القوانين. هذه الحقوق تعد مكتسبات عظيمة ~~للإنسانية كلها، حتى لو كان أصلها القريب راجعا إلى الغرب الرأسمالي. ومن المؤكد أن جميع ~~التبريرات التي قدمتها الأحزاب الشيوعية الحاكمة طوال العقود السبعة الماضية، من أجل عدم تطبيق ~~هذا النوع الرفيع من الديمقراطية السياسية، كانت تبريرات زائفة، تستهدف تثبيت شكل من أشكال ~~الدكتاتورية، سواء أكانت تلك دكتاتورية حزب واحد، أو فرد يعتقد أنه يجسد الحزب والدولة كلها في ~~شخصه، مثل ستالين أو تشاوشيسكو أو كيم أيل سونغ. # ولكن، هل تستطيع الاشتراكية أن تظل صامدة لو أصبحت ديمقراطية مستندة إلى اختيار شعبي حر؟ لو ~~كانت التجربة قد اتجهت منذ ms50 البداية نحو تحقيق هذا الهدف، وتمكنت من بلوغه، ولو جزئيا، وعلى ~~مراحل، وبعد مواجهة كل ما يمكن أن يعترضها من صعوبات ونكسات، لكان الرد على هذا السؤال ردا ~~إيجابيا بلا تردد، ولكن انتقال الشعوب إلى اشتراكية غير ديمقراطية بعد أن جربت طويلا اشتراكية ~~غير ديمقراطية، هو الذي يثير إشكالات ويعقد الموقف تعقيدا هائلا؛ ذلك لأن ثقل الماضي وأخطاءه ~~الفادحة يشكل عاملا هاما ينبغي أن يحسب له ألف حساب، فالمسألة ليست مجرد اختيار مطروح أمام هذه ~~الشعوب، وإنما هي مدى قدرتها على تصديق التحول الجديد، بعد كل إحباطات التجربة القديمة. ومن ~~المتوقع، إنسانيا، أن تكون هناك ميول قوية إلى تصفية الحسابات السابقة، وإلى القطيعة التامة مع ~~الماضي، وأن يكون هناك اعتقاد راسخ لدى فئات واسعة من الجماهير بأن الاشتراكية غير قابلة للإصلاح، ~~أو بأن الجديد لن يكون جديدا بالمعنى الصحيح، وبأن الوعود المستقبلية لن تتحقق ما دام الذين ~~يقدمونها ممن لا تربطهم أية صلة بالعهود الماضية. # وعند هذا الموضع نستطيع أن ندرك بوضوح أكبر، أبعاد المقامرة التاريخية الكبرى التي يخوضها ~~جورباتشوف، فهو يقامر أساسا على الطبيعة البشرية، وعلى الزمن، وكل من هذين العاملين يمكن أن ~~يساعده ويرفعه إلى عنان السماء، ويمكن أن ينقض عليه ويخنق تجربته ويحولها إلى مأساة مفجعة. # لنبدأ بالحديث عن مقامرته على الطبيعة البشرية، إن جورباتشوف لا يكف عن القول إن أهم عنصر في ~~البيرسترويكا، هو إعادة بناء الإنسان قبل أن يكون إعادة بناء الاقتصاد أو النظام السياسي. ومن الصعب في عالمنا العربي أن يأخذ تعبير «إعادة بناء الإنسان» مأخذ ~~الجد، بعد أن بذلته لغتنا السياسية المعاصرة إلى حد لم يعد معه سوى تعبير إنشائي أجوف لا يشير إلى ~~أي مضمون حقيقي، ولا يغير من الواقع شيئا. ولكن جورباتشوف يعني بالفعل بناء إنسان جديد يفهم معنى ~~الحرية ويحرص عليها، إنسان غير نمطي وغير مقولب، يستعيد ذاته التي كان نسيانها في سبيل مصلحة ~~«الكل»، هو فضيلة الفضائل في ظل الأوضاع السابقة، فالاعتقاد بأن البعد الاجتماعي يستنفد الإنسان ~~بأكمله هو ms51 اعتقاد غير صحي، ولكن الاعتقاد المضاد بأن على فرد أن يحقق مشروعه الخاص إلى أقصى مدى ~~ممكن، بغض النظر عن تأثير ذلك في الآخرين - وهو جوهر الحلم الرأسمالي الأميركي - هو اعتقاد غير ~~إنساني؛ وعلى ذلك فإن عملية إعادة البناء التي تستهدفها البيرسترويكا هي في صميمها استفادة ~~للتوازن بين الدوافع الفردية والدوافع الجماعية في الإنسان. # ويبدو أن جزءا أساسيا من رهان جورباتشوف يرتكز على اعتقاد صحيح من الوجهة النظرية، وهو أن ~~الإنسان الذي عاش في ظل الاشتراكية متمتعا بالأمان والضمان الذي يكفله له المجتمع، وإن كان ~~مفتقرا إلى الحرية والقدرة على المشاركة سياسيا واجتماعيا، سيشعر بأن أقصى أمانيه قد تحققت ~~لو أضيف عنصر الحرية والديمقراطية إلى عنصر الأمان والضمان، ولكن هذا الرهان يغفل، من الوجهة ~~العملية، شيئين يمكن أن تكون لهما عواقب خطيرة: أولهما الرغبة المتعطشة في تصفية الحسابات مع ~~الماضي، التي قد تصل إلى حد الاعتقاد بأن الاشتراكية، مهما اتخذت من أشكال، غير قابلة للإصلاح؛ ~~فهي أشبه بمجرم يستحيل أن تقبل توبته؛ لأن سوابقه أكثر وأفدح من أن تسمح بالثقة فيه. وهكذا فإن ~~القهر الذي مرت به الشعوب الاشتراكية يمكن أن يجعل رؤيتها متجهة إلى الانتقام من الماضي أكثر مما ~~هي متجهة إلى بناء المستقبل. # ومن ناحية أخرى فإن رهان جورباتشوف على الطبيعة البشرية يغفل الجانب المادي فيها إلى حد بعيد، ~~فالرهان ينصب على الإيمان بأن الشعب الذي مر بتجربة الاشتراكية ولكنه عانى خلالها من القهر، ~~سيستعيد ثقته بهذه التجربة بمجرد أن يزول عنه القهر، ولن يقبل العيش في ظل الرأسمالية مهما قدمت ~~له من إغراءات غير أن هذا الرهان ربما كان ينطوي على نظرة مثالية أكثر مما ينبغي إلى طبيعة ~~الإنسان؛ ذلك لأن الغرب الرأسمالي يراهن على الجانب المضاد، أعني الجانب المادي، ويركز على ~~«الحرمان» الذي تعانيه الشعوب الاشتراكية من المأكولات والملابس والأجهزة الحديثة، إلخ ... ولما كان ~~من الصعب، في المدى المنظور، أن توافر إصلاحات جورباتشوف مثل هذه السلع المادية للناس، فمن الممكن ~~أن يؤدي ذلك إلى خسارته للرهان ms52 وإلى تراكض هذه الشعوب وراء «الرخاء» الرأسمالي. # وهذه مسألة لا يصح أن يستخف بها من يسعى إلى تكوين رؤية مستقبلية لما ستؤدي إليه بيرسترويكا ~~جورباتشوف؛ ذلك لأن الإغراءات المادية أمر لا يمكن الاستهانة به في سلوك الجماعات البشرية، ولقد ~~رأيت بنفسي مدى تعطش شبان وفتيات بأعداد كبيرة في الاتحاد السوفياتي وبلاد اشتراكية أخرى إلى ~~أشياء تبدو في نظرنا تافهة، كالملابس «الجينز» والساعات الرقمية والمسجلات اليابانية، إلخ ... ورأيت ~~بنفسي كيف أن قطعة اللبان الأميركي أو سيجارة أميركية يمكن أن تكون موضوعا للهفة الإنسان في هذه ~~البلاد، وعجبت وقتها كيف لم يتمكن التعليم والتنشئة الاجتماعية من إقناع الناس بأن من الممكن ~~الاستغناء عن الأشياء الصغيرة في سبيل الاهداف الكبيرة، وما زلت أذكر كيف أن معظم الضباط العرب ~~الذين كانوا يتلقون دورات تدريبية في الاتحاد السوفياتي، كانوا يعودون غير متعاطفين مع التجربة ~~السوفياتية، فإذا سئلوا عن السبب كانت إجابة الغالبية الساحقة منهم تتعلق بأمور مادية، كالسيارة ~~أو الملابس أو أماكن اللهو والترفيه، وندر أن تجد منهم من يحدثك عن انعدام حرية الفكر أو تسلط ~~الحزب الواحد أو غير ذلك من الجوانب المعنوية. # ويمكن القول إن هذا الرهان على الجانب المعنوي أو الجانب المادي من الطبيعة البشرية يشكل ساحة ~~حقيقية لمعركة تدور حاليا في الخفاء بين المعسكرين الكبيرين. ومن الغريب حقا أن الجانب الذي ~~توصف أيديولوجيته بأنها مادية، هو الذي يراهن على معنويات الإنسان، على حين أن الجانب الرأسمالي ~~«حامي حمى الروح» و«نصير الأديان» إلخ، هو الذي تركز دعايته على ما تعانيه شعوب المعسكر الاشتراكي ~~من نقص في الفواكه واللحوم، وعلى طوابير الخبز، وما إلى ذلك من مظاهر الحرمان المادي التي يستحيل ~~على أي مصلح أن يوفرها لشعبه ما بين يوم وليلة، إذا كان قد أتى إلى الحكم بعد مرحلة طويلة من ~~التخبط وسوء الإدارة. # ولننتقل إلى الحديث عن العامل الآخر في مقامرة جورباتشوف الكبرى، وأعني به مقامرته على الزمن، ~~فكل ما يراهن عليه جورباتشوف يحتاج إلى وقت، ولو تصورنا أن الإصلاح الاقتصادي، مثلا، ms53 يمكن أن ~~تظهر ثماره في المدى القريب لكنا متفائلين إلى حد السذاجة؛ ذلك لأن الوفر في نفقات التسلح لن يتم ~~إلا بعد وقت، وانعكاس هذا الوفر إيجابيا على الاقتصاد يحتاج إلى وقت آخر، وإزالة آثار ~~البيروقراطية والجمود وسوء الإدارة وفساد الذمم تستغرق وقتا لا يستهان به؛ ولذا فإن أولئك الذين ~~يكررون ليل نهار أنهم لم يلمسوا في الاتحاد السوفياتي تحسنا في الأوضاع الاقتصادية خلال عهد ~~جورباتشوف، لا يستهدفون من ذلك إلا خداع العالم؛ لأنهم يعلمون جيدا أن ثمار اتجاهاته الجديدة ~~يستحيل أن تقطف الآن، ويعلمون أنه ما زال في مرحلة خوض المعارك الضارية التي سيصبح في إمكانه، لو ~~كسبها، أن يضع الأسس لبناء اقتصاد أفضل. # ومن جهة أخرى فإن الإصلاح السياسي، وإرساء دعائم الديمقراطية الحقيقية داخل إطار من ~~الاشتراكية، هو تجربة غير مسبوقة، تحتاج إلى إبداع وابتكار لا نظير لهما، وحين ننظر إلى أرض ~~الواقع سنجد أن تقبل الجماهير، في البلاد الاشتراكية، لهذا النوع من الإصلاح، يحتاج إلى وقت، ولا ~~بد هنا من التمييز، كما قلنا من قبل، بين رد الفعل في المدى القصير ورد الفعل في المدى الطويل؛ ~~ذلك لأن رد الفعل المباشر كان سلبيا إلى حد بعيد، وهذا أمر يستطيع أن يتوقعه أي مبتدئ في ~~التفكير السياسي، فالجماهير المكبوتة لا بد أن تنفجر إذا ما تحررت من القوة التي كنت تكبتها. ~~وقد أخذ جورباتشوف على عاتقه عملية التحرير هذه حين أمر القوات السوفياتية بعدم التدخل، وفتح بذلك ~~الباب أمام ثورة الجماهير في أوروبا الشرقية. # ومن المتوقع تماما في المرحلة الأولى أن تكون ردود الفعل عنيفة، وأن تعمل الجماهير على محو كل ~~ما يذكرها بالعهد السابق، ومن هنا كان تغيير اسم الحزب الشيوعي في بعض هذه البلدان، وإلغاء النص ~~الخاص بانفراده بالسلطة في البعض الآخر، وظهور محاولات لحظر قيام أي حزب شيوعي في المستقبل. وهذا ~~هو رد الفعل المتوقع، في مثل هذه الظروف، خلال المدى القريب، ولكن الأمور لا بد أن تتغير في ~~المدى الأبعد، ولا بد أن يعود ms54 الاتزان إلى عقول الناس، بعد أن ينفسوا عن غضبهم ويصفوا ~~حساباتهم، فيبدءون في البحث عن مصالحهم الحقيقية. ولا شك في أن تجربة إزالة جدار برلين كانت لها ~~دلالة خاصة في هذا الصدد، ففي البدء تدفق اللاجئون بعشرات الألوف، وفي نيتهم أن يرحلوا بلا عودة، ~~ولكنهم بعد أن اطمأنوا إلى أن الأوضاع الجديدة ستستمر، وأن وطنهم وبيتهم لن يكون بعد ذلك مكانا ~~للقمع وخنق الحريات ووشايات الأجهزة الأمنية، عاد معظمهم إلى بلدهم، وبدءوا يشاركون في البناء ~~الجديد. # إن الأوضاع التي تجتاح أوروبا الشرقية الآن لن تدوم، ولا بد أن يكون المستقبل شيئا ~~مختلفا عن هذا الوضع المؤقت، وعن الوضع المهيمن السابق عليه، وليس في وسع أحد أن يتصور أن بلدا ~~مثل رومانيا ستعيش في ظل هذا التخبط الذي جعل رئيس الدولة ينقاد لمظاهرة غاضبة محدودة العدد، ~~فيلغي الحزب الشيوعي، ثم يعود بعد يومين فيلغي الإلغاء ويقرر الاستفتاء، ثم يعود بعد يومين آخرين ~~فيلغي الاستفتاء. هذا أسلوب غوغائي في الحكم، يستحيل أن يدوم طويلا، ولا بد أن يبدأ الشعب ~~نفسه في البحث عن مصالحه الحقيقة بعد أن تنتهي فترة تصفية الحسابات الماضية، ولكن هذه الفترة ~~ستتفاوت من بلد إلى آخر، ومن المتوقع أن تطول فترة الغضب تبعا لمدى إرهابية النظام الذي كان ~~سائدا في كل بلد على حدة، وتبعا لفداحة الثمن الذي دفعه هذا البلد في الثورة على ~~الأوضاع القديمة. # على أن من المهم إلى أبعد حد أن نشير، في صدد الكلام عن عامل الزمن هذا، إلى الرهان المضاد ~~الذي يقوم به أولئك الذين لا يريدون للتجربة الجديدة أن تنجح؛ ذلك لأن الوقت لو اتسع لكي تنجح ~~تجربة الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية في إطار واحد، لكانت تلك التجربة خطرا ماحقا يمكن أن ~~ينسف دعائم النظام الرأسمالي، في المدى الطويل، بهدوء تام، وبلا سلاح أو حرب. وفي تصوري أن الجمع ~~بين الأمان والضمان الذي تحققه الاشتراكية، والحرية التي تحققها الديمقراطية، حتى لو اقترن بمستوى ~~مادي متوسط، ستكون له قوة جذب هائلة يمكن أن ms55 تؤدي مع الوقت إلى غزو قلاع الرأسمالية في أوروبا على ~~الأقل، هذا فضلا عن تدعيم الاشتراكية في نفس البلاد التي تبدي أشد السخط عليها في الآونة ~~الحالية. ولا شك أن القوى المضادة لهذه التجربة تعي هذه الحقيقة جيدا؛ ولذا نراها تسعى الآن بكل ~~ما ملكته من قوة لكي تزعزع أسس هذه التجربة وهي لا تزال في مهدها، فأعداء هذه التجربة يدركون ~~أنهم، إن لم يضربوا محاولة إقامة اشتراكية ديمقراطية في اللحظة الراهنة، وهي لا تزال في موقف ~~الضعف، فسيكون من الصعب عليهم المساس بها في أي وقت من المستقبل، بل سيكون من الصعب إيقاف مدها ~~حتى في معاقلهم الخاصة. ومن هنا كان الرهان المضاد هو: اهدم هذه التجربة الآن، قبل أن تصبح ~~نموذجا مغريا للجميع! ومن أجل ذلك، كان من حق المرء أن يستنتج أن جورباتشوف لو صمد بتجربته هذه ~~سنة أو سنتين أخريين، دون أن يحدث شيء يهدمها من أساسها، فلن تستطيع أية قوة أن تمس تجربته ~~الجديدة التي ستكتسب عندئذ قوة جذب لا تقاوم. # ولنلخص ما توصلنا إليه حتى الآن من نتائج بشأن تلك المقامرة التاريخية الكبرى التي يقوم بها ~~جورباتشوف، فنقول إنه يراهن على تغلب الجانب المعنوي في الطبيعة البشرية، وعلى الصمود سنوات قلائل ~~حتى تتاح لتجربته فرصة الكشف عن إمكاناتها، على حين أن خصومه يراهنون على غلبة الجانب المادي في ~~الطبيعة البشرية، وعلى تكديس المشاكل أمام التجربة الجديدة من أجل هدمها في أقرب وقت ممكن، أو على ~~الأقل من أجل الحيلولة بينها وبين تحقيق ذلك النجاح الذي سيكون مؤكدا لو أتيحت لها الفرصة ~~الكافية. ولا شك أننا نقرأ كثيرا في هذه الأيام عن رغبة العالم الغربي في مساعدة جورباتشوف، ~~ومساندته لإصلاحاته؛ مما يولد لدى القارئ انطباعا بأن «الرهان المضاد» الذي أتحدث عنه ها هنا ما ~~هو إلا تعبير عن مخاوف ليس لها من أساس، ولكن هذه المساعدة والمساندة هي الوجه الظاهر لموقف ~~الغرب، الذي تتقرر سياسته على مستويات متعددة، منها ما هو واضح مكشوف ومنها ما ms56 هو خفي مستتر. ومن ~~المؤكد أن الغرب مضطر إلى تأييد جورباتشوف بعد تلك الشعبية الساحقة التي نالها بين الشعوب الغربية ~~ذاتها، والتي يقول البعض إنها فاقت شعبيته حتى لدى شعبه هو . ولم تكن تلك الشعبية مجرد رد فعل ~~عاطفي، وإنما كانت راجعة في المحل الأول إلى الرغبة المتأصلة في السلام، والخوف العميق من حالة ~~الصراع المسلح التي تهدد العالم بالانفجار في أي لحظة، والوعي المتزايد بالأخطار التي تتعرض لها ~~البيئة على مستوى كوكبنا بأكمله، وهذه عوامل ينبغي أن تعمل لها أية حكومة في الغرب ألف ~~حساب. # ولكن لا بد أن يكون هناك، على المستويات غير المعلنة، خوف شديد من أن تنجح تلك التجربة ~~التي يمكن أن تحقق حلما عجزت البشرية حتى الآن عن تحقيقه، وهو الجمع بين العدل الاجتماعي والحرية ~~الإنسانية في إطار واحد، ومن هنا فإني أومن بأن الرهان المضاد حقيقة واقعة. # إن الجميع يتحدثون الآن عن عصر جديد ستؤدي سياسة جورباتشوف إلى دخول البشرية فيه عصرا تتوقف ~~فيه الصراعات الداخلية بين الأيديولوجيات، لتحل محلها صراعات ضد القوى المعادية للإنسان أينما ~~كان. هذا العصر، كما يقول معظم الكتاب، هو عصر تراجع الأيديولوجيا؛ أعني أنه العصر الذي لن يكون ~~للصراع بين الاشتراكية والرأسمالية فيه تلك الأهمية التي كانت له منذ بداية القرن العشرين على ~~الأقل، وإنما سينصب الاهتمام كله على ما هو أهم: مشكلات البيئة التي يظهر لنا في كل يوم بمزيد من ~~الوضوح أنها لا تحل إلا على نطاق عالمي. ومشكلات السلام العالمي ونزع السلاح، وهي بدورها مشكلات ~~تمس مصير الإنسان على هذا الكوكب، ولا يمكن أن يقتصر تأثيرها على هذا المعسكر أو ذاك. وأخيرا ~~مشكلات التكنولوجيا، التي يتيح التقدم فيها آفاقا لم تكن تحلم بها البشرية من قبل، والتي تبشرنا ~~منذ الآن بعهد ننعم فيه بوفرة في الإنتاج المادي ووفرة في المعلومات الذهنية على نحو كفيل بأن ~~يجعل عصورنا الحالية تبدو عصورا بدائية بحق. # هذه الاحتمالات الممكنة هي حديث الساعة في أيامنا هذه، وهي لم تعد أحلاما خيالية، ms57 بل إن ~~تحقيقها بات في متناول أيدينا، وبوادرها أخذت تظهر أمام أعيننا من الآن. ومع ذلك فإنني أجد نفسي ~~في موقع الاختلاف مع أولئك الذين يتصورون أن عصر التعاون من أجل حل المشكلات ذات الطابع الكوني ~~سيحل حتما محل عصر الصراع بين الأيديولوجيات، ففي رأيي أن حلول هذا العصر، الذي هو بغير شك غاية ~~يتمناها كل شخص يحترم إنسانيته، لن يتحقق إلا إذا نجح جورباتشوف في تثبيت دعائم تجربته الجديدة، ~~فما زال أمامنا وقت قبل أن يكون في وسعنا التحدث عن بلوغ البشرية سن الرشد، وانتقالها من صراعات ~~الإخوة الأعداء إلى التكاتف من أجل مواجهة المشكلات الكونية، ولو أخفقت تجربة جورباتشوف، لكانت ~~نتائج النكسة بشعة، ولأصبحنا أبعد عن ذلك التعاون العالمي مما كنا في أي وقت مضى. # وأنا على ثقة من أن القارئ يتساءل الآن: حسنا، ما هي احتمالات النجاح؟ هذا، في رأيي، هو ~~السؤال الصعب حقيقة، فلكي تكون الإجابة ممكنة، ينبغي أن تكون المعطيات كلها أمامنا، وأن تكون ~~معقولة قابلة للحساب. ولكن يكفينا مثال واحد لكي ندرك صعوبة الإجابة عن هذا السؤال: فالاضطرابات ~~بين الأذربيجانيين والأرمن، مثلا، تقوم على رواسب قديمة منها ما هو عرقي، وما هو طائفي، ولكن ~~كلها رواسب لا عقلية يصعب حسابها؛ ومن ثم يصعب التنبؤ بها. ومثل هذه العوامل اللاعقلية يمكن أن ~~تتدخل في أية لحظة وتشكل عقبة خطيرة في وجه التجربة الجديدة، وتثبت أن الطبيعة البشرية التي راهن ~~عليها جورباتشوف ما زالت تنطوي على عناصر ظلامية سوداء يصعب إخضاعها للحساب العقلي. # إن جورباتشوف يبدو لي أحيانا قريب الشبه بأبطال التراجيديات الإغريقية، وكثيرا ما يبدو ~~مهددا بمأساة تحكيها قوى الشر التي لن تتنازل عن عالمها بسهولة. ولكنني أوثر الانحياز إلى جانب ~~التفاؤل في معظم الحالات؛ ذلك لأنه إذا ظل صامدا فسوف يكسب العالم الكثير، وإذا تهاوى فسوف ~~تتهاوى معه آمال عريضة نسجتها البشرية كلها حول عصر جديد تبلغ فيه الإنسانية، لأول مرة، سن ~~الرشد. # الفصل السابع # | وأين العرب من هذا كله؟ # إن الحقيقة الأساسية التي ms58 توصلنا إليها التحليلات السابقة هي أن تجربة جورباتشوف، لو أعطيت ~~الفرصة كيما تحقق إمكاناتها، لا بد أن تؤدي إلى كسر حدة الصراع بين المعسكرين، وزوال الهوس ~~العسكري العالمي وقيام كل طرف من أطراف الاستقطاب الدولي بتنازلات أساسية، وحدوث تغييرات حاسمة ~~على خريطة العالم، لا تقتصر على المعسكر الاشتراكي، كما هو حادث الآن، بل يمتد تأثيرها بعمق في ~~قلب المعسكر الرأسمالي في المدى البعيد. صحيح أن النظامين سيحتفظان بقدر غير قليل من اختلاف فيما ~~بينهما، ولكن الذي سيزول هو ذلك الهدف الذي ظل كل منهما يتخذه غاية قصوى لاستراتيجيته، وهو إزالة ~~النظام الآخر والحلول محله، سواء بالقوة العسكرية أو بالضغط الاقتصادي أو بالتغلغل والتآمر وتأليب ~~الشعوب، فلن تعود هناك علاقة «إما قاتل أو مقتول» بين الرأسمالية والاشتراكية، ولن يكون هناك ~~إصرار على أن يسود العالم نظام واحد هو الذي يتمكن من الانتصار في نهاية الأمر، بل سيسود المجتمع ~~العالمي نوع من التعددية، مشابه لذلك الذي تحرص الدول الديمقراطية على وجوده داخل المجتمع ~~الواحد. # ولا يقتصر معنى هذه التعددية على التعايش بين الأيديولوجيات المتبادلة، بل إنها تعني أيضا ~~تعددا في مراكز القوى العالمية، فمنذ الآن يستطيع المعلقون السياسيون أن يلاحظوا إمكان ظهور مركز ~~قوى في أوروبا، التي يسعى جورباتشوف إلى الاندماج فيها دون حواجز، يقف ندا أمام مركز القوى ~~الأميركي، بينما يقابله في الشرق الأقصى مركز قوى خطير تمثله اليابان ومعها الدول الصغيرة ذات ~~الثقل الاقتصادي المتزايد، مثل كوريا وتايوان وسنغافورة، أما الصين فمن الممكن أن تصبح مركزا ~~قائما بذاته، بفضل وزنها السكاني الهائل، وذلك إذا نجحت في شق طريقها، ولو بقدر محدود، في عالم ~~التقدم التكنولوجي. وكما يلاحظ القارئ، فإن مراكز القوى تقفز من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وتمر ~~على ما بينهما مرور الكرام، «وما بينهما» هذا يشمل، بالطبع، منطقتنا العربية، فأين نحن من هذا ~~كله؟ وما تأثير هذه التحولات الهائلة علينا؟ إن موضوعا كهذا، يمكن أن يعالج من زوايا متعددة، ~~وسوف نختار هنا، عامدين، بعض الزوايا التي نراها أساسية ms59 في الموضوع، على أن يتذكر القارئ أن هذا ~~الاختيار تمليه اعتبارات ضيق المكان والزمان، وأن للموضوع أبعادا أخرى عظيمة الأهمية، لا بد ~~أن يتصدى لها المفكرون العرب حتى يعينوا وطنهم على التأهب لمواجهة المتغيرات الهائلة التي سيأتي ~~بها الغد القريب. # إن هناك انزعاجا عاما من تراجع الاهتمامات الخارجية للكتلة الشرقية، وانكفائها إلى الداخل ~~في محاولة لإصلاح ما أفسدته سياسات جامدة، أوقفت نمو هذا المعسكر طوال عشرات السنين. ويمتد هذا ~~الانزعاج إلى سياسات التهدئة والوفاق، التي تسعى إلى تجنب أي احتكاك مع المعسكر الغربي، وتسارع ~~إلى تحقيق التفاهم معه كلما حدثت أزمة في المناطق التي كان المعسكران يتنافسان فيها من قبل. ولقد ~~كان لهذا التنافس فوائده الواضحة بالنسبة إلى العالم الثالث؛ إذ استطاع عدد من زعمائه أن يتقنوا ~~لعبة الحصول على المكاسب من أحد المعسكرين من خلال تهديده بالتقارب مع المعسكر الآخر، بل إن مجرد ~~وجود معسكر اشتراكي مناوئ للمعسكر الرأسمالي، الذي تنتمي إليه جميع الدول الاستعمارية السابقة، ~~كان في حد ذاته مكسبا كبيرا للعالم الثالث؛ إذ إنه لولا وجود هذا المعسكر، ولولا اتخاذه موقف ~~الترقب والمواجهة إزاء المعسكر الرأسمالي، لما كسب العالم الثالث معظم معاركه التحررية، وخاصة في ~~الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ففي موقف المواجهة واستعداد كل من المعسكرين لإرسال ~~صواريخه النووية من أجل تدمير المعسكر الآخر، استطاعت دول كثيرة في العالم الثالث أن تنتهز فرصة ~~الشلل المتبادل بين العملاقين لكي تفوز بتحررها واستقلالها، فضلا عن أن المعسكر الاشتراكي ساندها ~~بقوة لكي يحرم المعسكر المنافس من الامتيازات التي كان يجنيها من بسط نفوذه فيها. # لقد شعر الكثيرون بالجزع من جراء انتهاء وضع المواجهة هذا، وحلول التفاهم والوفاق محله، وكان ~~من العبث أن يعزيهم بعض المفكرين من ذوي النزعة الإنسانية العالمية بالقول إن مصالح الإنسانية ككل ~~ينبغي تغليبها على مصالح أية دول أو مجموعة من الدول، وإن الوفاق والاتجاه إلى نزع السلاح مكسب ~~للإنسانية كلها، ومن ثم ينبغي تغليبه على الخسائر التي قد تحدث لهذه المنطقة من العالم أو ms60 تلك؛ ~~ذلك لأن منطق المصالح لا يمكن اختفاؤه من العالم بين عشية وضحاها. ومن جهة أخرى فإن أي وفاق يحدث ~~بين الكبار لن يلغي الظلم والتفاوت والرغبة في تحقيق العدالة بين العالم الثالث. # وأبسط دليل على ذلك أنه، في نفس اليوم الذي كان فيه الملايين يسافرون من ألمانيا الشرقية، بعد ~~هدم جدار برلين، وهو كما يبدو مكسب كبير للمعسكر الغربي، كان ثوار السلفادور يهاجمون قصر الرئاسة، ~~ويتحركون كما يشاءون في العاصمة، ويمرغون سمعة النظام الحاكم - الذي يدافع عن مصالح المعسكر ~~الغربي - في التراب، وكان ذلك تزامنا رمزيا بالغ الدلالة. # وفي اعتقادي أن المنطقة العربية ستكون من أكثر المناطق تأثرا بتلك التحولات الضخمة التي تطرأ ~~على العلاقات بين المعسكرين الكبيرين، بل إن نتائج تلك التحولات، بالنسبة إلينا ستكون مصيرية؛ ومن ~~هنا فإن الأمر يحتاج منا أولا إلى فهم عميق لطبيعة الأحداث الحالية واحتمالاتها المستقبلية، ~~وثانيا إلى استعداد لمواجهة التغيرات الحاسمة المتوقعة في المستقبل القريب والبعيد، لا من منظور ~~مصلحة الأنظمة الحاكمة، كما يفعل الكثيرون في هذه الأيام، بل من منظور المصالح الحقيقة للأمة ~~العربية، وقدرتها على أن تجد لنفسها مكانا وسط هذا العالم الدائم التجدد. # إن النغمة العامة السائدة بين المفكرين العرب إزاء هذه التطورات الأخيرة في الكتلة الشرقية، ~~وما يمكن أن يترتب عليها من تغيرات في السياسة العالمية، هي نغمة التشاؤم. ولهذا الموقف ما يبرره ~~دون شك، غير أنني أستطيع أن أجد عنصرا إيجابيا واحدا على الأقل يمس جانبا هاما من جوانب ~~السياسة العربية على الصعيد الداخلي، وأعني به انبثاق وعي عالمي حاد بأهمية الديمقراطية. وتأتي ~~أهمية هذه المسألة من أن الفكر العربي كان يرتكب في هذا الموضوع خطأين أساسيين: أحدهما هو ~~الاعتقاد بأن الديمقراطية فكرة غربية في الأساس، لا يصح أن نقتبسها في مجتمعاتنا إلا إذا أدخلنا ~~عليها تعديلات أساسية، وربما كان الأفضل في نظر البعض الاستغناء عنها كلية. أما الخطأ الثاني فهو ~~أن الديمقراطية تتعارض مع السعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وأن حاجتنا إلى العدالة هي الأساس، ~~وأن ms61 المجتمع الذي لا يبدأ بتحقيق العدالة الاجتماعية ينتهي به الأمر إلى ديمقراطية زائفة. فلنتوقف ~~قليلا لتحليل هاتين الفكرتين. # إن في أدبياتنا السياسية العربية فكرة شائعة مفادها أن مفهوم الديمقراطية نتاج للحضارة ~~الغربية لا يصلح إلا لهذه المجتمعات. ومن العجيب أن كثيرا من فصائل اليسار الماركسي واليمين ~~الإسلامي، تتفق على هذه الفكرة، وكل ما في الأمر أن اليساريين يضيفون في أغلب الأحيان صفة ~~«الليبرالية» إلى كلمة الديمقراطية، ويربطون بينها وبين نشأة الفكر البورجوازي الأوروبي وظهور ~~الرأسمالية في مطلع العصر الحديث، على حين أن الإسلاميين يؤكدون الأصل الغربي «اليوناني» للفظ ~~الديمقراطية، ويرون في هذه الفكرة نتاجا للحضارة الغربية منذ عهد أبعد بكثير، لا صلة بينه وبين ~~تراثنا الإسلامي. وكل هذه المقدمات صحيحة بلا شك، ولكن النتيجة المستخلصة منها، وهي أن الديمقراطية ~~لا تصلح إلا للمجتمعات الغربية، باطلة كل البطلان. وحسبي أن أذكر القارئ هنا بما قلته مرارا في ~~مواضع أخرى، وهو أن كل الأفكار العظيمة في العالم يكون لها في البدء أصل معين، وترتبط نشأتها ~~ببيئة وظروف محددة، ثم تتجاوز هذا الأصل وتتعداه، وتصبح مكسبا للإنسانية جمعاء. وقد أثبتت ~~الأحداث الأخيرة أن الديمقراطية والحريات المرتبطة بها تمثل مطلبا أساسيا لمجتمعات تمر بتجربة ~~مضادة للرأسمالية الليبرالية الغربية، وأن زعيم الشيوعيين الحالي في الاتحاد السوفياتي لا يرى أي ~~تعارض بين التمسك بالاشتراكية والمناداة بالحريات الديمقراطية، على عكس ما كانت تؤكده معظم فصائل ~~اليسار في دول العالم الثالث ... ولا بأس هنا من إشارة سريعة، قد تبدو خارجة عن الموضوع، إلى أحداث ~~قريبة العهد، دحضت الادعاء الآخر القائل إن العالم الإسلامي لا تلائمه الديمقراطية «المستوردة من ~~الغرب»؛ فقد أثبتت الانتخابات الباكستانية التي انتصرت فيها بي نظير بوتو ابنة الزعيم الباكستاني، ~~الذي وصفته جميع التيارات الإسلامية بالعلمانية، أن ذلك الشعب المسلم لم يجد أي تعارض بين عقيدته ~~وبين ممارسة الديمقراطية، بمعناها الإنساني العام، وأنه حين واتته الفرصة عرف كيف يختار بطريقة ~~واعية ناضجة، على الرغم من جميع الظروف الصعبة التي يعانيها. # أما الخطأ الثاني الذي كان الفكر ms62 العربي يقع فيه بشأن الديمقراطية، فهو الاعتقاد الذي شاع ~~طويلا بأن هناك تعارضا بين الديمقراطية السياسية وما يسمى بالديمقراطية الاجتماعية، أو بين ~~الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية. فقد انتشرت بيننا فلسفة تبناها «الميثاق» المصري في أوائل ~~الستينات، كما تبنتها بعض الأحزاب العربية ذات الاتجاه القومي، تؤكد أن الديمقراطية النيابية ~~المرتكزة على الحريات المعروفة (حرية التفكير والتعبير والعقيدة، إلخ ...) تظل شعارا شكليا أجوف ~~خاليا من المضمون، ما دام المجتمع مفتقرا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فالشعب الجاهل، الجائع، ~~المريض، لا يعرف كيف يمارس حرياته أو يختار ممثليه، بل إن ممارسته للديمقراطية تنتهي عمليا إلى ~~سيطرة أصحاب المال والأرض والنفوذ عليه، فتتحول تلك الديمقراطية آخر الأمر إلى خدعة ومهزلة. هكذا ~~قيل لنا، وعلى هذا النحو كانت تفكر الأجيال الوسطى والجديدة في عالمنا العربي، ولكن إذا لم يكن ~~مثال باكستان الذي قدمته من قبل كافيا لإقناعنا ببطلان هذا الرأي، فإن أحداث أوروبا الشرقية تمثل ~~تكذيبا مدويا له، فمع كل عيوب الأنظمة الحاكمة السابقة في هذه البلدان، لا ينكر أحد أنها قدمت ~~لشعوبها، في ميدان العدالة الاجتماعية، أضعاف ما استطاع أي حزب أو تحالف شعبي عربي أن يقدمه ~~لشعبه. # ومع ذلك فإن هذه الشعوب ثارت مطالبة بالحرية والديمقراطية، وأسقطت أولئك الذين استغلوها باسم ~~الاشتراكية، ونشروا الظلم باسم العدالة، وطالبت بحقوق قانونية ودستورية إنسانية، وأكدت بأبلغ ~~تعبير أن كرامة الإنسان لا تنفصل عن آدميته، وأنها مطلب يستحيل التنازل عنه مقابل أية مكاسب ~~مادية تزعم الأنظمة أنها تقدمها إلى شعوبها. # ومن هنا فإني أعتقد أن أحداث أوروبا الشرقية قد أسدت إلى العالم العربي خدمة كبرى على صعيد ~~المبادئ السياسية التي تطبق داخل المجتمع؛ لأنها دعمت الدعوة إلى الديمقراطية، وأكدت أن مطلب ~~الحريات التي توصف بأنها «ليبرالية» يتجاوز حدود الثقافات الأيديولوجيات، وفندت المزاعم التي راجت ~~بيننا طويلا حول التعارض بين ممارسة الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأكدت أن القيم الإنسانية ~~العليا تسير كلها جنبا إلى جنب، ومن المستحيل أن يكون الثمن الذي يدفعه الإنسان مقابل سعيه وراء ~~إحداها هو تنازله ms63 عن الأخرى. # ولكن هل تؤدي تلك التغييرات العالمية، التي بدأتها أحداث أوروبا الشرقية، إلى نتائج إيجابية ~~مماثلة على صعيد السياسة الخارجية العربية؟ # الحق أن الصورة في هذه الحالة تبدو قاتمة، فهناك شعور جارف لدى العرب بأنهم فقدوا، بعد هذه ~~الأحداث، حليفا كان يساندهم في وقت الشدة، وبأن اهتمام السوفيات وبلاد الكتلة الشرقية سيتركز من ~~الآن فصاعدا على إصلاح الأوضاع الداخلية المتردية أولا، ثم يتجه صوب أوروبا الغربية لتحقيق مزيد ~~من الاندماج والتوحد معها، ويتجه إلى أميركا لتهدئة أجواء التوتر معها، ولأنها الطرف الذي لا غناء ~~عنه في عملية نزع السلاح، أما الشرق الأوسط فربما أتى دوره في المراتب الأخيرة من هذه ~~الاهتمامات. # وفي تصوري أن هذا الإحساس بضياع حليف قوي للقضية العربية له بالفعل ما يبرره، في ضوء ~~الاستراتيجيات العالمية الجديدة للاتحاد السوفياتي وللمعسكر الاشتراكي ككل. قبل أن نفكر في ~~التنديد بهذا الوضع الجديد، أو مهاجمة جورباتشوف الذي أدت سياسته إلى هذا كله، ينبغي أن نسأل ~~أنفسنا: هل كنا، في أي وقت أصدقاء حقيقيين للاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي؟ # الحق أننا لم نتنبه إلى قيمة هذا الصديق وفائدته لنا إلا بعد أن أحسسنا أننا فقدناه، أو ~~بسبيلنا إلى فقدانه (تماما كما يحدث في حياتنا الثقافية، حين نتجاهل الكاتب أو الأديب وهو يقدم ~~إلينا عطاءه السخي خلال حياته، ولا نبدأ الإحساس بقيمته إلا بعد وفاته)، ففي الوقت الذي كان فيه ~~السوفيات يقدمون إلينا أقصى ما تستطيع إمكاناتهم تقديمه من المساعدات العسكرية مثلا، وضعنا ~~أسلحتهم في أيدي عسكريين جهلاء مخدرين، فجاء عدونا عام 1967م وجمعها كلها في صحراء سيناء، وألحق ~~بنا هزيمة عسكرية تاريخية، ومع ذلك ألقينا اللوم كله على «الروس»، وسارت المظاهرات في أرجاء ~~العالم العربي (بإيحاء من بعض الأنظمة القائمة عندئذ) تهاجم السفارات السوفياتية وترجمها ~~بالحجارة. # وعندما اعتدلت أوضاعنا العسكرية في 1973م وألحقا بالعدو أول هزيمة حقيقية في تاريخه، لأسباب من ~~أهمها نوعية الأسلحة التي حاربنا بها (كما اعترف الرسميون جميعا في المراحل الأولى من تلك ~~الحرب)، انقلبنا عليه بمجرد أن ms64 تغير ميزان المعركة، وكانت الشماعة التي علقنا عليها الهزيمة ~~الأخيرة هي أيضا «الأسلحة الروسية»، وكانت القرارات السياسية المعادية للسوفيات، قبل المعركة ~~وبعدها، استفزازية إلى حد لا يتحمله من له صبر أيوب. وهكذا لم نكن نحن أصدقاء حقيقيين للسوفيات في ~~الوقت الذي كنا ننتفع فيه بأقصى ما تسمح له مواردهم المحدودة بتقديمه. # وكما كان العرب أصدقاء سيئين، فقد كانوا أيضا أعداء سيئين: فالمفروض أن العدو الحقيقي هو ~~السياسة الأميركية المنحازة بالكامل إلى إسرائيل، ومع ذلك فبقدر ما كانت سياستنا الإعلامية تهاجم ~~أميركا على المستوى الكلامي، كانت سياستنا الفعلية ترتمي في أحضانها وتنحاز لأهدافها انحيازا ~~يكاد يكون كليا. # وعلى ذلك، فإذا كنا اليوم نتباكى على ضياع التأييد السوفياتي، وعلى استفراد أميركا بالمنطقة، ~~فلا بد أن نعترف بأننا لم نكن نحمل ذرة من التعاطف مع من كان يصادقنا، أو ذرة من العداء لمن ~~كان - ولا يزال - يعادينا، وأن سياستنا السابقة تجاه الصديق السابق لا تشفع لنا لديه الآن حين يجد ~~نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في أولوياته، ولا تدفع العدو (الذي يظل محبوبا مهما فعل) إلى أن ~~يعمل لنا في استراتيجيته المستقبلية أي حساب جاد. # لقد حدثت متغيرات المعسكر الشرقي، وهي متغيرات ليست في صالحنا بغير شك، ولكننا قبل أن نلوم ~~العالم ومتغيراته، ينبغي أن نوجه قدرا كبيرا من اللوم إلى أنفسنا، ويكفي أن لسان حالنا، حين ~~نأسف على تراجع التأييد الذي كنا نلقاه من هذا المعسكر، يقول: كم من المصاعب تنتظرنا لو ضاعت منا ~~المساعدات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي كنا نتلقاها من هؤلاء الشيوعيين الأوغاد! # وثمة ما هو أخطر من ذلك على صعيد المواجهة العربية الإسرائيلية؛ ذلك لأن القيادات الجديدة في ~~أوروبا الشرقية تضم نسبة لا يستهان بها من اليهود، الذين قد يكون معظمهم متعاطفين مع الصهيونية، ~~فوزير الخارجية المجري الحالية، جيولاهورن، يهودي لا يخفي عداوته للعرب، وهو الذي صدرت منه أولى ~~التصريحات حول وجود عرب ضمن الشرطة السرية البغيضة لتشاوشيسكو، وهو الذي زار إسرائيل في أول رحلة ~~رسمية له، ورفض زيارة ms65 أية منطقة عربية أو التحدث مع أي زعيم فلسطيني. وزعيم الحزب في ألمانيا ~~الشرقية الآن يهودي. ودعاة الانفصال في ليتوانيا وأستونيا ولاتفيا يضمون نسبة كبيرة من اليهود. ~~وهناك للأسف ارتباط قوي في أذهان الأوروبيين بين الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية، وبين الدفاع ~~عن إسرائيل، على أساس أن الليبراليين الحقيقيين يتعاطفون مع «الأقلية» المضطهدة (إذ لا تزال ~~إسرائيل حريصة على نشر صورة «الأقلية المضطهدة» في وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة العالمية، التي ~~يسيطر الصهيونيون على جانب لا يستهان به فيها). # ولكن أخطر القضايا جميعا، بالنسبة إلى العرب، هي هجرة اليهود السوفيات إلى إسرائيل، وهي ~~الهجرة التي يأمل الإسرائيليون منها أن تعوض الزيادة السكانية السريعة للفلسطينيين، أو ما يسمونه ~~«بالقنبلة الديمجرافية» (السكانية)، والتي أنعشت آمال شامير في التمسك بالأرض المحتلة قبل 1967م ~~وبعدها، إلى حد جعله يصدر تصريحه الاستفزازي المشهور في 14 يناير الماضي عن عدم اهتمامه بأية حلول ~~للقضية في الوقت الراهن لأن هؤلاء المهاجرين الجدد في حاجة إلى أرض جديدة واسعة، وخطورة هذه ~~القضية لا ترجع أيضا إلى أن معظمهم سيكونون على مستوى علمي وتكنولوجي رفيع، فهم ليسوا مجرد «يهود ~~جدد» كيهود الفلاشا أو المغرب، وإنما هم قوة نوعية مضافة إلى المجتمع الإسرائيلي، شديدة الخطوة ~~على المجتمع العربي. # ولست أدري كيف قبل السوفيات، في عهد جورباتشوف، معالجة قضية هجرة اليهود ضمن إطار مشكلة حقوق ~~الإنسان، فهل من الأمور المسلم بها أن من حق الإنسان مغادرة وطنه إلى بلد آخر معاد له، يخدم ~~استراتيجية المعسكر الآخر أعظم الخدمات؟ وهل من حقوق الإنسان أن يتخلى أي بلد عن مواطنين أنفق على ~~تعليم كل منهم وتأهيله عشرات الألوف، لكي يتلقاه بلد آخر جاهزا؟ والأهم من ذلك هل من حقوق ~~الإنسان أن تهاجر أعداد ضخمة من بلد معين إلى بلد آخر من أجل إهدار حقوق إنسان آخر، هو الإنسان ~~الفلسطيني، في وطنه وأرضه؟ # ولنتأمل هذه القضية من زاوية أخرى، إن اختيار هؤلاء اليهود السوفيات الهجرة إلى إسرائيل بهذه ~~الأعداد الهائلة، دليل على فشل كبير في ms66 السياسة الداخلية السوفياتية، فمعنى ذلك ببساطة هو أن ~~النظام قد أخفق طوال الأعوام السبعين الماضية في إدماجهم في وطنهم إدماجا حقيقيا، بحيث يتوحد ~~اليهود مع الأهداف العامة للمجتمع الذي يعيش فيه، مع احتفاظه بتراث أجيال من اليهود، قد ظلت بعد ~~قيام أكبر ثورة في القرن العشرين، تغلب صفة اليهودي على صفة المواطن، وبمجرد أن لاحت لها فرصة، ~~اختارت الهجرة إلى أشد البلاد عداء للبلد الذي نشأت فيه، والذي عاش فيه آباؤها وأجدادها. ولا ~~جدال في أن هذا أمر بالغ الدلالة بالنسبة إلى رفض الطوائف اليهودية الاندماج في أي وطن تعيش فيه، ~~على الرغم من أن أمنية أية أقلية أخرى في مجتمع كالمجتمع الأميركي مثلا، هي أن تنصهر في هذا ~~المجتمع وتتوحد معه، ولكن لهذه المسألة دلالة أخطر بالنسبة إلى مجتمع خاض تجربة جديدة كل الجدة، ~~هي التجربة الاشتراكية، وربى أجيالا على الولاء لفكرة الإنسانية العالمية التي تتخطى حدود ~~القوميات والطائفيات، ثم اكتشف في النهاية أن قطاعا هاما من سكانه يدين بالولاء لبلد رأسمالي ~~بعد من ألد أعدائه، ولا يعترف بمبدأ المواطنة، ولا بتراث الوطن أو تاريخه أو أمانيه، ولا بالأخوة ~~الإنسانية على المستوى العالمي، بل يطغى لديه الانتماء الديني الضيق والمفعم بالأساطير على كل ~~انتماء آخر! # إن كل متابع لتطورات الأحداث في السنوات الأخيرة يعرف جيدا مقدار الضغط الذي مارسه ~~الأميركيون على السوفيات في موضوع هجرة اليهود، ومدى المساومات والصفقات التي حاولوا عقدها ~~معهم، من مساعدات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية، في سبيل السماح بهذه الهجرة. ومع ذلك فإن إدراج ~~هذه القضية ضمن قضايا حقوق الإنسان ينطوي على إهانة للعقل البشري، ولكل قيم الإنسانية والتنوير ~~التي يفترض في أية ثورة اشتراكية أن تكون وريثة لها. إن المسألة كلها فضيحة على أعلى المستويات ~~العالمية: فضيحة لكل التجربة السوفياتية السابقة، وفضيحة للرأسمالية الأميركية التي تساوم من أجل ~~اليهود بكل ما تملك من إمكانات، وفضيحة للثقافة اليهودية التي يصفها أصحابها بأنها «إنسانية»، مع ~~أنها أثبتت بالدليل القاطع أنها متقوقعة على نفسها، لا تعترف بوطن مهما ms67 كانت أفضاله عليها؛ لأن ~~وطنها الوحيد هو الأسطورة المريضة التي هي ذاتها إهانة للإنسان الحديث ... وأخيرا، فهي فضيحة ~~للعالم العربي الذي يقف صامتا أمام خطر مقبل يهون إلى جانبه أي خطر تعرض له من قبل ! # وقد يقال: وما الذي يستطيع العرب أن يفعلوه في موقف كهذا؟! وردي على ذلك هو أن صورة المستقبل، ~~في هذه المنطقة، ستكون على الأرجح على النحو التالي: الوفاق بين المعسكرين يؤدي إلى تراجع نسبي في ~~تأييد المعسكر الاشتراكي (إذا ظل متماسكا) للعرب (سيما وأن مواقف العرب السابقة لا تشجع كثيرا ~~على استمرار هذا التأييد) ولكنه لا بد أن يؤدي أيضا إلى تراجع في تأييد أميركا لإسرائيل؛ ذلك ~~لأن إسرائيل بالنسبة إلى أميركا، هي في جانب هام من جوانبها جزء من متطلبات الحرب الباردة: فهي ~~وسيلة أميركا لضمان وجود قاعدة قوية فعالة في هذه المنطقة القريبة من الاتحاد السوفياتي، ولضمان ~~تدفق البترول إلى الغرب، وعدم زحف الأيديولوجية الشيوعية في اتجاه الجنوب، فإذا انتهت الحرب ~~الباردة، لم يعد هناك ما يدعو أميركا إلى تحمل تلك المسئوليات الجسام التي تقتضيها مساندتها ~~لإسرائيل. # وهكذا يمكن القول إن كلا من الجانبين، العربي والإسرائيلي لن يجد السند القوي الذي كان ~~يرتكز عليه من قبل، وسيكون عليه أن يعتمد على نفسه وعلى قدراته الخاصة، قبل كل شيء. # فالعصر القادم سيكون عصر تحمل المسئوليات، لدى الطرفين معا، ولا بد أن يعد العرب أنفسهم ~~لذلك اليوم الذي سيكون عليهم فيه مواجهة إسرائيل بقواهم الخاصة، وهذا ينطبق بالطبع على إسرائيل ~~بدورها. وإذا كانت إسرائيل قد قطعت أشواطا أبعد منا في العلم والتكنولوجيا، وحسبت حساب اليوم ~~الذي تضطر فيه إلى الاعتماد على ذاتها، فإن هذه الحقيقة تضاعف من مسئولية العرب في إعداد أنفسهم ~~لمواجهة عدو استيطاني لا حدود لشهواته التوسعية، فسوف ينتهي قريبا عصر «المواجهات بالنيابة»، ~~وسيكون على كل طرف أن يدبر أموره بنفسه في مواجهته لعدوه. # ومع ذلك، فإن على الأمة العربية أن تعد نفسها في الوقت ذاته للكفاح في ميادين أخرى غير الصراع ~~بينها ms68 وبين إسرائيل، فعلى الرغم من خطورة هذا الصراع، لا ينبغي أن نظل نرقص على الأنغام التي ~~يعزفها لنا أعداؤنا؛ ففي عالم الغد مشكلات أخطر من الصراعات الإقليمية، لا ينبغي أن نقف إزاءها ~~مكتوفي الأيدي، وأضعف الإيمان، في عصر الحاسب الإلكتروني، والثورة الهائلة في المعلومات، وارتياد ~~الكواكب البعيدة، هو أن يتبنى العرب قيم العقلانية والتنوير، ويطبقوها في شتى جوانب حياتهم، ~~ويكفوا عن تلك اللعبة السخيفة التي يربطون فيها عيونهم بعصابة سوداء، ويسيرون متخبطين وسط عالم ~~تخلى عن لعبتهم وسار في طريق النور منذ قرون. ms69