######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.NashatFalsafaCilmiyya.Hindawi69242084 #META# Tags: philosophy #META# ID: 69242084 #META# Title: نشأة الفلسفة العلمية #META# AuthorID: 48042697 #META# Author: هانز ريشنباخ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 90639697 #META# Translator: فؤاد زكريا #META# Related_books: 1372HansReichenbach.RiseOfScientificPhilosophy (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # تصدير‏ # الباب الأول: جذور الفلسفة التأملية‏ # 1 - السؤال‏ # 2 - البحث عن العمومية والتفسير الوهمي‏ # 3 - البحث عن اليقين والفهم العقلي للمعرفة‏ # 4 - البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بين مجالي الأخلاق ~~والمعرفة‏ # 5 - النظرة التجريبية‏ # 6 - الطبيعة المزدوجة للفيزياء الكلاسيكية‏ # الباب الثاني: نتائج الفلسفة العلمية‏ # 7 - أصل الفلسفة الجديدة‏ # 8 - طبيعة الهندسة‏ # 9 - ما الزمان؟‏ # 10 - قوانين الطبيعة‏ # 11 - هل توجد ذرات؟‏ # 12 - التطور‏ # 13 - المنطق الحديث‏ # 14 - المعرفة التنبئية‏ # 15 - فاصل: هملت يناجي نفسه‏ # 16 - الفهم الوظيفي للمعرفة‏ # 17 - طبيعة علم الأخلاق‏ # 18 - مقارنة بين الفلسفة القديمة والجديدة‏ # مقدمة المترجم‏ # تصدير‏ # الباب الأول: جذور الفلسفة التأملية‏ # 1 - السؤال‏ # 2 - البحث عن العمومية والتفسير الوهمي‏ # 3 - البحث عن اليقين والفهم العقلي للمعرفة‏ # 4 - البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بين مجالي الأخلاق ~~والمعرفة‏ # 5 - النظرة التجريبية‏ # 6 - الطبيعة المزدوجة للفيزياء الكلاسيكية‏ # الباب الثاني: نتائج الفلسفة العلمية‏ # 7 - أصل الفلسفة الجديدة‏ # 8 - طبيعة الهندسة‏ # 9 - ما الزمان؟‏ # 10 - قوانين الطبيعة‏ # 11 - هل توجد ذرات؟‏ # 12 - التطور‏ # 13 - المنطق الحديث‏ # 14 - المعرفة التنبئية‏ # 15 - فاصل: هملت يناجي نفسه‏ # 16 - الفهم الوظيفي للمعرفة‏ # 17 - طبيعة علم الأخلاق‏ # 18 - مقارنة بين الفلسفة القديمة والجديدة‏ # | نشأة الفلسفة العلمية # | نشأة الفلسفة العلمية # تأليف # هانز ريشنباخ # ترجمة # فؤاد زكريا # | مقدمة المترجم # أستطيع أن أعد ترجمتي لهذا الكتاب عملا صحيح التوقيت؛ فالكتاب يعرض ~~وجهة نظر فيلسوف من أكبر ممثلي المذهب الوضعي المنطقي (أو التجريبي ~~المنطقي، كما يفضل هو ذاته أن يسميه)، وذلك في وقت شغلت فيه المعركة ~~الدائرة بين أنصار هذا المذهب وخصومه صفحات غير قليلة من مجلاتنا ~~الثقافية، بل من جرائدنا اليومية أحيانا. ولا أستطيع أن أزعم أنني كنت ~~طرفا في هذه المعركة، غير أنني عندما أحسست أنها اتخذت أبعادا أضخم ~~مما ينبغي، وشابها كثير من سوء الفهم والتواء التفسير، حاولت أن أعبر ~~عن شعوري إزاءها في مقال وصفتها فيه بأنها «معركة الملل» (جريدة ~~الجمهورية 24 نوفمبر 1966م)، وقوبل هذا المقال - شأنه شأن كثير من محاولات ~~تبديد ms001 سوء التفاهم - بشيء من الغضب من طرفي النزاع معا! # ولقد تبين لي أن الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد مقال، وأنه لا بد من ~~تقديم وجهة النظر موضوع النزاع على نحو أوسع وأكثر شمولا، لعل الاطلاع ~~عليها أن يفيد جمهرة المثقفين في تبين بعض معالم المذهب الذي يتحدثون ~~عنه. وعلى الرغم من أنني لم أكن في وقت من الأوقات من أنصار هذا ~~المذهب، فإني لست، في الوقت ذاته، من أنصار مناقشة المسائل الفلسفية ~~دون إلمام كاف بأبعادها الحقيقية؛ لذلك فقد وجدت الفرصة سانحة لإنجاز ~~ترجمة هذا الكتاب أملا في أن يسهم في إلقاء الضوء على هذا المذهب، ~~بحيث يتعرف عليه القارئ العربي من خلال كلمات واحد من أكبر ممثليه ~~الأصليين، ويستطيع أن يصدر عليه حكما موضوعيا، بعيدا عن تلك ~~الحساسيات التي تثور بين مفكرينا المحليين لأسباب قد لا تكون كلها ~~علمية! # إن بلادنا تشهد اهتماما غير مألوف بالمشكلات الفلسفية، تعدى نطاق ~~المتخصصين وشمل عددا غير قليل من أصحاب الثقافات المتباينة التي قد لا ~~يكون لها اتصال مباشر بميدان الفلسفة. وهذا الاهتمام، في واقع الأمر، ~~سلاح ذو حدين؛ فهو من جهة يفيد الفلسفة فائدة لا شك فيها، من حيث إنه ~~يوسع قاعدة قرائها ودارسيها، ويجلب لها جمهورا لم يكن أحد يتصور أن ~~الفلسفة ستجتذبه يوما ما. ولعل هذا هو القصد الحقيقي من الدراسة ~~الفلسفية؛ إذ لا ينبغي أن تكون الفلسفة مبحثا يقتصر الاهتمام به على ~~المتخصصين، وإنما يجب أن تتغلغل في الحياة العقلية للمثقفين بوجه عام، ~~وتساعد كلا منهم على تكوين فهم أعمق للعالم الذي يعيش فيه. ومن المؤكد ~~أن اقتصار الاهتمام بالفلسفة على مجموعة من المحترفين الذين لا يفهم ~~أسرارها ولا يحل شفراتها سواهم، هو مظهر تدهور لا مظهر تقدم للفكر ~~الفلسفي، غير أن لاتساع قاعدة الاهتمام بالفلسفة على هذا النحو وجها ~~آخر، نستطيع أن نصفه بأنه وجه سلبي؛ إذ إن المناقشة والمجادلة الفلسفية ~~يمكن أن تهبط إلى مستوى يشوبه قدر غير قليل من المغالطة؛ إذ كان أحد ~~طرفيها أو ms002 كلاهما من الهواة الذين يخوضون ميدان الجدل وكأنهم متخصصون. ~~ولقد كان واضحا، في المعركة الفكرية المتعلقة بالوضعية المنطقية، أن ~~قدرا كبيرا من الخلاف يرجع إلى التسرع في فهم الآراء موضوع البحث، ~~أو تحميلها من المعاني فوق ما تحتمل ، أو الانتقال بها من مجال إلى مجال ~~آخر على نحو غير مشروع؛ وهذه كلها أمور يمكن معالجتها بالرجوع إلى ~~المصادر الأصلية، ودراستها بأناة وروية. # ولو اتخذنا الكتاب الذي أقدم ها هنا ترجمته مثلا، لوجدنا أن الدراسة ~~المتمعنة لما ورد فيه من الآراء كفيلة بأن تقنع الباحث بأن قدرا ~~كبيرا من الخلاف بين أنصار الوضعية المنطقية وبين خصومها، ممن ~~ينتقدونها على أساس أنها ليست علمية كما ينبغي، أو ليست علمية على ~~الإطلاق، هو في واقع الأمر خلاف وهمي؛ لأن بين الطرفين نقاط التقاء ~~تزيد بكثير على ما يظن كل منهما للوهلة الأولى. ولنضرب بعض الأمثلة ~~لنقاط الالتقاء هذه، مستمدة من الآراء الفعلية التي وردت في هذا ~~الكتاب: ~~(1) # إن الحملة على التفكير الميتافيزيقي سمة مشتركة واضحة ~~بين هذا الكتاب وبين الخصوم العلميين للوضعية المنطقية. ~~وسوف يتضح للقارئ أن مؤلف هذا الكتاب قد كرس جزءا كبيرا ~~منه لبيان الأخطار الناجمة عن الاستخدام الخالص للعقل، ~~والاعتقاد بأن في استطاعة الذهن البشري أن يستخلص من ذاته، ~~ودون رجوع إلى المصادر الفعلية للمعرفة، علما كاملا ~~بالكون وبالإنسان. وهذا اتجاه لا أظن أن أية فلسفة علمية ~~تنكره. ~~(2) # ويرتبط بالحملة السلبية السابقة اتجاه إيجابي إلى ~~الدفاع عن العلم، من حيث إنه أفضل ما في متناول أيدينا من ~~وسائل اكتساب المعرفة؛ فالفكرة العامة التي يدافع عنها ~~مؤلف الكتاب، هي أن الإجابات التأملية عن الأسئلة الفلسفية ~~قد أخفقت طوال ما يزيد عن ألفي عام، على حين أن العلم قد ~~بدأ، منذ القرن التاسع عشر بوجه خاص، يقدم إجابات حقيقية ~~مقنعة على كثير من الأسئلة التي طالما تخبط فيها ~~الميتافيزيقيون، بل إن المؤلف يسعى إلى توسيع نطاق العلم ~~حتى في المجالات التي يظن أنها لا تخضع للقوانين العلمية؛ ~~فهو يقدم في فصول كثيرة، ms003 ولا سيما في الفصل الأخير، دفاعا ~~حارا عن خضوع دراسة المجتمع لقوانين علمية مشابهة لتلك ~~التي تخضع لها دراسة الطبيعة، ويرد على الاعتراضات التي ~~توجه إلى هذا الرأي، ولا سيما القول بأن الظاهرة الاجتماعية ~~فردية لا تتكرر، وهذا بدوره رأي تدافع عنه كل فلسفة علمية. ~~(3) # ويحرص المؤلف في شتى المواقف على إنكار التفسير الغائي ~~للظواهر، وتأكيد التفسير السببي لها، وقد أكد موقفه هذا ~~بوجه خاص في الفصل الثاني عشر (الخاص بالتطور)، وهاجم ~~الغائية بشدة في ميدان يعد من أقوى معاقلها، وهو ميدان ~~البيولوجيا. ~~(4) # ويؤكد المؤلف أهمية العمل الجماعي، لا الفردي، في ~~الفلسفة والعلم الحديث، ابتداء من القرن التاسع عشر، ويرى ~~أن أية محاولة لفهم الفترة العلمية الحديثة على أساس أنها ~~نتاج عبقرية فردية لا بد أن يكون مآلها إلى الإخفاق، بل إنه ~~يرد القدرة على التجريد الفلسفي، الذي يسود الاعتقاد بأنه ~~فردي بطبيعته، إلى أصول اجتماعية، فيقول: «إن نمو القدرة ~~على التجريد ظاهرة تلازم الحضارة الصناعية بالضرورة» ~~(الفصل السابع). ~~(5) # هناك اتجاه واضح إلى الحملة على المثالية في جميع صفحات ~~الكتاب، ولا سيما بعض الاتجاهات المثالية المعاصرة التي ~~تستغل نتائج الكشوف الفيزيائية في القرن العشرين من أجل ~~دعم موقفها، وهو يحرص على الفصل بوضوح قاطع بين نتائج تلك ~~الكشوف وبين الموقف المثالي الفلسفي، ولا يرى أي مبرر ~~لاستناد المثالية على العلم المعاصر، بل إنه في تفسيره ~~العام للمثالية، يحاول أن يصل إلى التركيب الأعلى # infrastructure # الذي يجعل الفيلسوف مثاليا. وصحيح أن نوع التركيب الأدنى ~~الذي يقول به قد لا يلقى موافقة من الجميع، ولكن المهم في ~~الأمر هو أنه يحاول الإتيان بتعليل للتفكير الميتافيزيقي ~~المثالي، ويرده إلى أصل ذي طابع عملي، بل إن هذا الطابع ~~العملي يتخذ في بعض الأحيان صبغة اجتماعية طبقية، كما هي ~~الحال في تعليله للمذهب الأخلاقي عند «كانت» (الفصل الرابع؛ وانظر أيضا الفصل السابع عشر). # على أن في الكتاب، دون شك، عناصر أخرى سلبية لا يمكن أن تقرها ~~الفلسفات العلمية التي تسير في اتجاه مستقل عن الوضعية ms004 المنطقية. ومن ~~هذه العناصر: ~~(1) # تأكيده المفرط للتفسير النفسي للفلسفة، ولا سيما في ~~الفصول الأولى من الكتاب؛ فهو يجعل للنظرة النفسية أهمية ~~كبرى في تفسير أخطاء المذاهب الميتافيزيقية، ويذهب إلى أن ~~هذه الأخطاء ترد كلها إلى عناصر نفسية معينة، مثل سعي ~~الفلاسفة إلى اليقين، وهو نوع من التماس «الأمان» في ~~الحقائق اليقينية، وغير ذلك من العناصر النفسية التي عددها ~~المؤلف في الفصلين الثاني والثالث من كتابه. # ومع اعترافنا بأن لهذا التفسير النفسي للأخطاء الفلسفية ~~أهميته (وقد سبق أن أبدى به فيلسوف مثل نيتشه اهتماما ~~كبيرا، وجعله محورا لكثير من آرائه في تاريخ الفلسفة ~~وطبيعة مشكلاتها)، فمن الواجب أن نتذكر أن هناك عناصر أخرى ~~ينبغي أن تضاف إليه، قد يكون من أهمها العنصر التاريخي ~~والاجتماعي، الذي لم يبد المؤلف به إلا اهتماما ضئيلا. ~~ونستطيع أن نضرب مثلا واحدا لقصور هذا التعليل بما حاول ~~المؤلف أن يفسر به أخطاء ديكارت الميتافيزيقية؛ فهو في ~~الفصل الثالث يبدي دهشته من وقوع رياضي كبير مثل ديكارت في ~~أخطاء استدلالية واضحة، مثل «أنا أفكر إذن أنا موجود»، ومثل ~~الاستدلال على وجود العالم من كون الله صادقا. ويعلل ذلك ~~بأن البحث عن اليقين النفسي يعمي بصيرة المفكر، ولكن مثل ~~هذا التعليل، حتى لو صح، ناقص، ولا بد أن تكمله تعليلات ~~تاريخية توضح موقف ديكارت في عصر لم تكن آثار العصور ~~الوسطى قد زالت فيها بعد، وبقاء كثير من الرواسب اللاهوتية ~~في أذهان مفكري ذلك العصر، وكيف أن ديكارت عرف المصير الذي ~~لقيه عالم مثل جاليليو على أيدي رجال اللاهوت واتعظ به ... ~~إلخ. وبالاختصار، فالتعليل النفسي للأخطاء الفلسفية لا ~~يمثل إلا عنصرا واحدا ينبغي أن يكتمل بعناصر أخرى، ومن ~~المؤكد أن المؤلف كان مبالغا حين قال: «إن دراسته (أي ~~العامل النفسي) خليقة بأن تلقي على معنى المذاهب الفلسفية ~~ضوءا أعظم مما تلقيه عليها كل محاولات التحليل المنطقي ~~لهذه المذاهب.» ~~(2) # يتحمس مؤلف الكتاب لرأيه في الطبيعة الاحتمالية ~~للمعرفة، وفي أن قضايانا المعرفية كلها «ترجيحات»، فيذهب ~~إلى حد تطبيق هذا الرأي ms005 على مشكلة وجود العالم الفيزيائي، ~~ويؤكد أن هذا الوجود أمر مرجح فحسب، وأنه ناتج عن استقراء، ~~وأن احتمال تحول الواقع إلى حلم قائم على الدوام، ويحول ~~بيننا وبين تأكيد ذلك الواقع على نحو مطلق. ولست أود أن ~~أدخل في نقاش حول هذا الرأي، الذي أعتقد أنني قدمت له ~~تفنيدا مفصلا في موضع آخر. # 1 # ويكفي أن أشير إلى نتيجة هذا التفنيد، وهي أن ~~الاعتقاد بأن الحلم أو الوهم أو خداع المعرفة شامل، هو ~~اعتقاد متناقض مع نفسه، وهو مستحيل فلسفيا؛ لأن الحلم لا ~~يعرف بوصفه حلما إلا لوجود واقع في مقابله، ولأن الخداع ~~لا يكون خداعا إلا لأننا نقيسه على أساس معرفة صحيحة لا بد ~~أن تكون موجودة إلى جانبه. والحقيقة التي أود أن أسجلها في ~~هذا الصدد هي أن رأي المؤلف القائل إن وجود العالم ~~الفيزيائي أمر مرجح، أو له درجة كبيرة من الاحتمال، ينطوي ~~ضمنا على عناصر مثالية لا تقل قوة عن تلك التي كرس معظم ~~الكتاب لمحاربتها. ~~(3) # وأخيرا، فأخشى أن أقول إن الهدف العام للمؤلف، وهو أن ~~تسترشد الفلسفة على الدوام بنتائج العلم، يؤدي إلى القضاء ~~على الفلسفة، على الرغم من أن الغرض منه هو إرساؤها على ~~دعائم أمتن من تلك التي ارتكزت عليها المذاهب التأملية ~~التقليدية؛ فهذا الهدف يؤدي إلى وقوف الفلسفة موقف ~~الانتظار أمام العلم؛ إذ تتلقى ما يقدمه لها العلم من حلول، ~~وتكتفي بتسجيلها بأسلوبها الخاص فحسب. وما دام العلم في ~~تطور ونمو مستمر، فإن نفس النتائج العلمية التي اعتقد ~~المؤلف أنها تكون حلولا إيجابية لأقدم المشكلات الفلسفية، ~~سوف تصبح عتيقة يوما ما، ويتعين على الفلسفة أن تنتظر في ~~مذلة ما يقدمه إليها العلم من حلول جديدة. # وقد يكون هذا الموقف أفضل من مكابرة بعض الاتجاهات الفلسفية ~~التقليدية وتعديها على ميادين ينبغي أن تترك فيها الكلمة الأخيرة ~~للعلم، ولكن من المؤكد أن ما ستأتي به الفلسفة لو طبق البرنامج الذي ~~يقترحه المؤلف لن يكون «حلولا» لمشكلاتها، بل سيكون تفنينا وصياغة ~~فلسفية لبعض النتائج العلمية، ms006 وهي مهمة تترك الفلسفة في مركز ثانوي على ~~الدوام، ولا تدع لها أية فرصة للمبادرة الخلاقة. # وإذن، ففي الكتاب جوانب إيجابية وأخرى سلبية. ولست أزعم أنني أحطت في ~~هذا العرض السريع بكل هذه الجوانب، ولكن كل ما أردته هو أن أشير إلى ~~نماذج منها؛ لكي أستخلص النتيجة التي أود أن أصل إليها بالنسبة إلى ~~المعركة الفكرية التي أشرت إليها في مستهل هذه المقدمة؛ فلنقرأ كتابا ~~كهذا، بوصفه تعبيرا عن وجهة نظر واحد من الممثلين الأصليين للمذهب ~~الذي نود أن ننقده، ولنتأمل بإمعان ما فيه من أفكار، وليكن حكمنا عليه ~~موضوعيا، بعيدا عن الحساسيات والتعبيرات الانفعالية المتطرفة؛ حتى ~~ترتسم في أذهاننا، بعد مطالعته، صورة مكتملة عن العناصر الإيجابية ~~والسلبية فيه، وفي المذهب الذي يمثله، ونستطيع آخر الأمر أن نخرج منه ~~برأي علمي هادئ في مشكلة الخلاف بين الوضعية المنطقية وبين ~~خصومها. # بقيت كلمة أخيرة عن مؤلف الكتاب، وهو هانز ريشنباخ # Hans Reichenbach ~~، وعن أهم ~~مؤلفاته؛ فقد ولد ريشنباخ في هامبورج عام 1891م، وشغل منذ عام 1926م حتى ~~عام 1933م منصب أستاذ بجامعة برلين، ثم انتقل إلى جامعة إسطنبول في عام ~~1933م (سنة الحكم النازي). وفي عام 1938م (قبل الحرب العالمية الثانية ~~مباشرة) رحل إلى الولايات المتحدة، حيث شغل منصب أستاذ الفلسفة بجامعة ~~كاليفورنيا بلوس أنجليس حتى وفاته في عام 1953م. # ويعد ريشنباخ من المؤسسين الأوائل لحلقة (أو جماعة) فيينا؛ وبالتالي ~~فهو من أكبر ممثلي النزعة الوضعية الجديدة. وأهم مؤلفاته التي كتبها ~~بالألمانية: ~~(1) # نسق البديهيات في النظرية النسبية في المكان-الزمان ~~(1920م) # Axiomatik der relativistischen Raum-Zeit ~~Lehre ~~. ~~(2) # أهداف فلسفة الطبيعة الحالية واتجاهاتها (1931م) # Ziele und Wege der heutigen ~~Naturphilosophie ~~. ~~(3) # نظرية الاحتمالات (1935م) # Wahrscheinlichtkeitslehre ~~. # أما مؤلفاته بالإنجليزية فأهمها: ~~(4) # التجربة والتنبؤ (1938م) # Experience and Prediction ~~. ~~(5) # من كوبرنيكوس إلى أينشتين (1942م) # From Copernicus to ~~Einstein ~~. ~~(6) # الأسس الفلسفية لميكانيكا الكوانتم (1944م) Philosophical Foundations of Quantum ~~Mechanics ~~. ~~(7) # نشأة الفلسفة العلمية (1951م) # The Rise of Scientific Philosophy ~~. # وله أخيرا كتاب نشر بعد وفاته من أوراقه المخلفة هو: ~~(8) # الفلسفة العلمية ms007 الحديثة (1959م) # Modern Philosophy of ~~Science ~~. # القاهرة # يناير 1967م # فؤاد زكريا # | تصدير # يرى الكثيرون أن الفلسفة لا تنفصل عن التأمل النظري، ويعتقدون أن ~~الفيلسوف لا يستطيع استخدام مناهج تتيح البرهنة على المعرفة، سواء ~~أكانت معرفة وقائع أم علاقات منطقية، وأن عليه أن يتحدث بلغة لا تقبل ~~التحقيق؛ أي إن الفلسفة، بالاختصار، ليست علما. وهدف الكتاب الذي ~~نقدمه ها هنا هو إثبات الرأي العكسي؛ فهذا الكتاب يرتكز على الفكرة ~~القائلة إن التأمل النظري الفلسفي مرحلة عابرة، تحدث عندما تثار ~~المشكلات الفلسفية في وقت لا تتوافر فيه الوسائل المنطقية لحلها. وهو ~~يذهب إلى أن هناك، على الدوام، نظرة علمية إلى الفلسفة، ويود هذا ~~الكتاب أن يثبت أنه قد انبثقت من هذا الأصل فلسفة علمية، وجدت في علوم ~~عصرنا أداة لحل تلك المشكلات التي لم تكن في العهود الماضية إلا ~~موضوعا للتخمين. وبعبارة مختصرة: فهذا الكتاب قد ألف بقصد إثبات أن ~~الفلسفة قد انتقلت من مرحلة التأمل النظري إلى مرحلة العلم. # ومن الضروري أن يكون مثل هذا العرض نقديا في تحليله للمراحل الأقدم ~~عهدا في التفكير الفلسفي؛ لذلك أخذ هذا الكتاب على عاتقه، في الباب ~~الأول منه، اختبار نواحي النقص في الفلسفة التقليدية. ويهدف هذا الجزء ~~من بحثنا إلى إيضاح الجذور النفسية التي نما التأمل الفلسفي منها، ومن ~~هنا فهو يتخذ صورة هجوم على ما أطلق عليه فرانسس بيكن اسم «أوهام ~~المسرح». والواقع أن هذه الأوهام، المتعلقة بالمذاهب الفلسفية الماضية، ~~ما زال لها من القوة ما يكفيها لكي تظل تتحدى النقد بعد ثلاثة قرون من ~~وفاة بيكن. أما الباب الثاني من هذا الكتاب فينتقل إلى عرض للفلسفة ~~العلمية، ويحاول جمع النتائج الفلسفية التي ظهرت نتيجة لتحليل العلم ~~الحديث واستخدام المنطق الرمزي. # وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يتناول المذاهب الفلسفية والتفكير ~~العلمي، فإن مؤلفه لم يفترض في القارئ معرفة بالاصطلاحات الفنية ~~للموضوع الذي يعالجه؛ فهو يتضمن على الدوام شرحا للمفاهيم والنظريات ~~الفلسفية، يسير جنبا إلى جنب مع ما يوجه إليها من نقد. ومع ms008 أن الكتاب ~~يبحث في التحليل المنطقي للرياضة والفيزياء الحديثتين، فإنه لا يفترض ~~في القارئ أن يكون رياضيا أو فيزيائيا، فإن كان لدى القارئ من الحس ~~السليم ما يكفي لكي يبعث فيه الرغبة في أن يعرف أكثر مما يمكن أن يعرفه ~~بالحس السليم وحده، فإنه يكون قادرا على تتبع مناقشات هذا ~~الكتاب. # وإذن فمن الممكن استخدام هذا الكتاب مقدمة للفلسفة، وللفلسفة العلمية ~~بوجه خاص. ومع ذلك فليس الهدف منه تقديم ما يسمى بالعرض «الموضوعي» ~~للمعلومات الفلسفية التقليدية؛ إذ إنه لا يحاول عرض المذاهب الفلسفية ~~بطريقة الشارح الذي يود الاهتداء إلى قدر من الحقيقة في كل فلسفة، ~~ويأمل أن يقنع قراءه بأن من الممكن فهم كل مذهب فلسفي؛ ذلك لأن هذه ~~الطريقة في تعليم الفلسفة ليست ناجحة كل النجاح؛ فقد وجد الكثيرون، ممن ~~أرادوا دراسة الفلسفة من خلال كتب تزعم أنها تقدم لها عرضا موضوعيا، ~~أن النظريات الفلسفية قد ظلت مستغلقة على أفهامهم، وحاول غير هؤلاء أن ~~يفهموا المذاهب الفلسفية على قدر استطاعتهم، وأن يجمعوا بين نتائج ~~الفلسفة ونتائج العلم، ولكن تبين لهم أنهم لا يستطيعون الجمع بين العلم ~~والفلسفة، ولكن، إذا كانت الفلسفة تبدو غير مفهومة بالنسبة إلى الفكر ~~غير المتحيز، أو تبدو متعارضة مع العلم الحديث، فلا بد أن يكون الذنب في ~~ذلك ذنب الفيلسوف؛ فلكم ضحى بالحقيقة في سبيل رغبته في تقديم الإجابات، ~~وبالوضوح استجابة لإغراء الكلام المجازي، فضلا عن أن لغته كانت تفتقر ~~إلى الدقة التي هي منقذ العالم من مزالق الخطأ. وعلى ذلك، فإن شاء ~~العرض الفلسفي أن يكون موضوعيا، فعليه أن يكون موضوعيا في معايير ~~نقده، لا بمعنى النسبية الفلسفية. # 1 # وإذن فالمقصود من أبحاث هذا الكتاب أن تكون موضوعية بهذا ~~المعنى؛ فهذا العرض موجه إلى الكثيرين الذين قرءوا كتبا في الفلسفة ~~والعلم ولم يجدوا فيها رضاءهم، والذين حاولوا الاهتداء إلى معان، ~~ولكنهم وجدوا أنفسهم غارقين في دوامة من الألفاظ، ومع ذلك فإنهم لم ~~يفقدوا الأمل في أن تصل الفلسفة، يوما ما، إلى ما وصل إليه ms009 العلم من ~~دقة وإحكام. # على أن الناس لم يدركوا بعد، بما فيه الكفاية، أن مثل هذه الفلسفة ~~العلمية موجودة بالفعل، فما زالت هناك غشاوة عن الغموض، متخلفة عن عهود ~~الفلسفة التأملية، تحجب كل معرفة فلسفية عن أعين أولئك الذين لم ~~يتدربوا على أساليب التحليل المنطقي. ولقد أخذت على عاتقي كتابة هذه ~~الدراسة أملا في تبديد هذه الغشاوة بالهواء المنعش للمعاني الواضحة؛ ~~أي إن هدف هذا الكتاب هو البحث في جذور الخطأ الفلسفي، وتقديم الأدلة ~~التي تثبت أن الفلسفة قد ارتفعت من الخطأ إلى الصواب. # هانز ريشنباخ # جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس # الباب الأول # | جذور الفلسفة التأملية # الفصل الأول # | السؤال # فيما يلي فقرة مأخوذة من كتابات فيلسوف مشهور: «العقل هو ~~الجوهر، فضلا عن كونه قوة لا متناهية؛ إذ إن مادته اللامتناهية ~~الخاصة تكمن من وراء الحياة الطبيعية والروحية كلها، فضلا عن ~~الصورة اللامتناهية التي تبعث الحركة في تلك المادة؛ فالعقل هو ~~الجوهر الذي تستمد منه كل الأشياء وجودها.» # إن قراء كثيرين لا يطيقون صبرا على هذا النوع من النواتج ~~اللغوية، وحين يخفقون في إدراك أي معنى لها، فقد يشعرون بالميل إلى ~~الإلقاء بالكتاب في النار، ولكنا ندعو مثل هذا القارئ، لكي يتجاوز ~~مرحلة الاستجابة الانفعالية هذه إلى مرحلة النقد المنطقي، إلى ~~دراسة ما يسمى باللغة الفلسفية من وجهة نظر الملاحظ المحايد، مثلما ~~يدرس عالم التاريخ الطبيعي عينة نادرة من الحشرات؛ فتحليل الخطأ ~~يبدأ بتحليل اللغة. # على أن دارس الفلسفة لا يثور عادة من جراء الصيغ الغامضة، بل إنه ~~يقتنع على الأرجح، مند قراءة النص السابق، بأن الخطأ في عدم فهمه ~~إياه إنما هو خطؤه؛ لذا تراه يقرؤه مرة تلو المرة، وقد يصل بمضي ~~الوقت إلى مرحلة يعتقد فيها أنه قد فهمه، عند هذه النقطة يبدو من ~~الواضح تماما في نظره أن العقل يتألف من مادة لا متناهية تكمن من ~~وراء كل حياة طبيعية وروحية؛ وبالتالي فهو جوهر الأشياء جميعا. ~~وهو يتكيف نفسيا مع هذه الطريقة في الكلام إلى حد أنه ينسى كل ms010 ~~الانتقادات التي قد يوجهها شخص أقل «ثقافة». # ولكن، لنتأمل العالم المدرب على استخدام ألفاظه بطريقة يكون لكل ~~جملة فيها معنى. إن عباراته تصاغ بحيث يكون في وسعه دائما أن يثبت ~~صوابها، ولا يضيره أن يكون البرهان منطويا على سلاسل فكرية طويلة، ~~فهو لا يخشى التفكير المجرد، ولكنه يشترط أن يرتبط التفكير المجرد، ~~على نحو ما، بما تراه عينه وتسمعه أذنه وتلمسه أصابعه. فماذا يقول ~~شخص كهذا إذا قرأ الفقرة التي اقتبسناها من قبل؟ # إن كلمتي «مادة # material ~~» ~~و«جوهر أو عنصر # substance ~~» # 1 # ليستا غريبتين بالنسبة إليه، فهو قد طبقهما في وصفه ~~لكثير من التجارب؛ إذ إنه قد تعلم أن يقيس وزن المادة أو الجوهر ~~وصلابته، وهو يعلم أن المادة قد تتألف من عناصر (أو جواهر) متعددة، ~~قد يبدو كل منهما مختلفا كل الاختلاف عن المادة؛ وإذن فهاتان ~~الكلمتان لا تثيران بذاتهما أية صعوبة. # ولكن أي نوع من المادة ذلك الذي يكمن من وراء الحياة؟ قد يتصور ~~المرء أنها العنصر (أو الجوهر) الذي تتألف منه الأجسام. فكيف إذن ~~يكون ذلك هو العقل نفسه؟ إن العقل قدرة مجردة للبشر، تتبدى في ~~سلوكهم، أو في جوانب معينة من سلوكهم، إذا آثرنا التواضع. فهل يود ~~الفيلسوف الذي اقتبسنا منه هذا الكلام أن يقول إن أجسامنا تتألف من ~~إحدى قدراتها المجردة؟ # إن الفيلسوف ذاته لا يمكن أن يعني مثل هذا الرأي الممتنع. فما ~~الذي يعنيه إذن؟ أغلب الظن أنه يعني أن أحداث الكون جميعها منظمة ~~بحيث تخدم هدفا عقليا. وهذا افتراض مشكوك فيه، ولكنه مفهوم على ~~الأقل. ومع ذلك، فإن كان هذا ما يريد الفيلسوف أن يقوله، فلم كان ~~يتعين عليه أن يقوله على طريقة الألغاز؟ # هذا هو السؤال الذي أود أن أجيب عنه قبل أن يتسنى لي أن أحدد ما ~~هي الفلسفة، وما ينبغي أن تكون. # الفصل الثاني # | البحث عن العمومية والتفسير الوهمي # البحث عن المعرفة قديم قدم التاريخ البشري؛ فمع بداية التجمع ~~الاجتماعي، واستخدام الأدوات من أجل مزيد من الإرضاء للحاجات ~~اليومية نشأت ms011 الرغبة في المعرفة، ما دامت المعرفة لا تنفصل عن ~~السيطرة على موضوعات بيئتنا من أجل تسخيرها لخدمتنا. # وأساس المعرفة هو التعميم؛ فإدراك أن النار تنتج بقدح الخشب على ~~نحو معين، هو معرفة مستخلصة بالتعميم من تجارب فردية؛ إذ إن هذا ~~القول يعني أن قدح الخشب بهذه الطريقة يؤدي دائما إلى ظهور النار؛ ~~وعلى ذلك فإن فن الكشف هو فن التعميم الصحيح. ولا بد من أن نستبعد ~~من التعميم ما لا يرتبط بالموضوع، كالشكل أو الحجم الخاص لقطعة ~~الخشب المستخدمة، وأن ندرج فيه ما يرتبط به، مثل جفاف الخشب؛ وإذن ~~فمن الممكن تعريف لفظ «الارتباط» على النحو الآتي: يكون العامل ~~مرتبطا بالموضوع إذا كان ذكره ضروريا لكي يكون التعميم صحيحا. ~~وهكذا فإن التفرقة بين العوامل المرتبطة بالموضوع والعوامل غير ~~المرتبطة به هي بداية المعرفة. # فالتعميم إذن هو أصل العلم. ولقد تبدى على الأقدمين في مختلف ~~فنون الحضارة التي كانوا يحذقونها، كبناء المساكن، ونسج ~~المنسوجات، وصنع الأسلحة، وقيادة السفن الشراعية، وزراعة الأرض. ~~وهو يتجلى بصورة أوضح في علومهم الفيزيائية، والفلكية، والرياضية. ~~والأمر الذي يبيح لنا الحديث عن علم قديم هو أن القدماء قد نجحوا ~~في وضع عدد لا بأس به من التعميمات التي تتصف بالصبغة الشاملة إلى ~~حد ما؛ فهم قد عرفوا قوانين الهندسة، التي تسري على جميع أجزاء ~~المكان بلا استثناء، وقوانين الفلك، التي تسري على الزمان، وعددا ~~من القوانين الفيزيائية والكيميائية، كقوانين الروافع والقوانين ~~التي تربط الحرارة بالانصهار، كل هذه القوانين تعميمات، فهي تقول: ~~إن نتيجة معينة تسري على جميع الأشياء التي هي من نوع محدد. ~~وبعبارة أخرى، فهي عبارات تتخذ صيغة «إذا كان كذا، حدث كذا دائما # if ... then always ~~.» ومن أمثلة ~~ذلك عبارة «إذا سخن الحديد بالقدر الكافي، فإنه ينصهر ~~دائما.» # وفضلا عن ذلك فإن التعميم هو قوام التفسير ذاته؛ فما نعنيه ~~بتفسير واقعة ملاحظة هو إدراج هذه الواقعة في قانون عام. فنحمن ~~نلاحظ مثلا أنه كلما تقدم النهار هبت رياح من البحر إلى اليابس، ~~ونفسر هذه الواقعة ms012 بإدراجها في القانون العام القائل إن الأجسام ~~تتمدد بالحرارة؛ وتغدو بالتالي أخف في حالة تساوي حجومها، ثم ندرك ~~كيف ينطبق هذا القانون على المثل الذي نحن بصدد بحثه؛ إذ إن الشمس ~~تسخن الأرض إلى حد أقوى من تسخينها للماء، بحيث يصبح الهواء فوق ~~الأرض دافئا، فيرتفع إلى أعلى، ويخلي مكانه لتيار هوائي آت من ~~البحر. كذلك فإننا نلاحظ أن الكائنات العضوية الحية تحتاج إلى ~~الغذاء لكي تعيش، وتفسر هذه الواقعة بإدراجها ضمن قانون عام، هو ~~قانون «بقاء الطاقة»؛ فالطاقة التي تبذلها الكائنات العضوية في ~~أوجه نشاطها، لا بد أن تعوض بالسعرات الحرارية للغذاء. كما أننا ~~نلاحظ أن الأجسام تسقط إذا لم ترتكز على شيء، ونفسر هذه الواقعة ~~بإدراجها في القانون العام القائل إن الكتل يجذب بعضها بعضا؛ أي ~~إن الكتلة الهائلة للأرض تشد الكتل الصغيرة نحو سطحها. # على أن كلمتي «تجذب» و«تشد» اللتين استخدمناهما في المثال الأخير ~~كلمتان محفوفتان بالخطر؛ فهما تنطويان على تشبيه بتجارب نفسية ~~معينة؛ ذلك لأن الأشياء التي نرغب فيها، كالطعام أو السيارات ~~الحديثة الطراز، تجذبنا، فنتجه إلى تصور جذب الأرض للأجسام كما لو ~~كان إرضاء لرغبة معينة، من جانب الأرض على الأقل، غير أن مثل هذا ~~التفسير إنما هو من قبيل ما يسميه المنطقي ب «التشبيه بالإنسان # anthropomorphism ~~»؛ أي ~~نسبة صفات بشرية إلى الموضوعات الطبيعية. ومن الواضح أن التوازي ~~بين الحوادث الطبيعية والاهتمامات البشرية لا يقدم أي تفسير، ~~فعندما نقول إن قانون الجاذبية عند نيوتن يفسر سقوط الأجسام، فإننا ~~نعني أن حركة الأجسام نحو الأرض تندرج ضمن قانون عام تتحرك بمقتضاه ~~كل الأجسام بعضها نحو البعض، وكلمة «الجاذبية» كما استخدمها نيوتن ~~لا تعني أكثر من حركة الأجسام هذه بعضها نحو البعض؛ أي إن القوة ~~التفسيرية لقانون نيوتن لا تستمد إلا من عموميته، لا من تشبيهه ~~السطحي بالتجارب النفسية؛ وإذن فالتفسير تعميم. # وقد يتم التوصل إلى التفسير أحيانا عن طريق افتراض واقعة لم ~~تلاحظ أو لا يمكن ملاحظتها. مثال ذلك أن نباح الكلب يمكن تفسيره ~~بافتراض أن ms013 شخصا غريبا يقترب من البيت، ووجود الحفريات البحرية ~~في الجبال يمكن تفسيره بافتراض أن الأرض كانت في وقت من الأوقات في ~~مستوى أكثر هبوطا، وكان المحيط يغطيها، غير أن الواقعة غير ~~الملاحظة لا تكون تفسيرية إلا لأنها تبين أن الواقعة الملاحظة مظهر ~~لقانون عام، هي أن الكلاب تنبح عند اقتراب شخص غريب، أو أن ~~الحيوانات البحرية لا تعيش في اليابس؛ وعلى ذلك فالقوانين العامة ~~يمكن أن تستخدم في الاستدلالات التي تكشف وقائع جديدة، ويصبح ~~التفسير أداة لتكملة عالم التجربة المباشرة بموضوعات وحوادث ~~مستخلصة بالاستدلال. # فلا عجب إذن إن أدى التفسير الناجح لكثير من الظواهر الطبيعية ~~إلى تكوين ميل إلى زيادة التعميم في الذهن البشري؛ ذلك لأن الوقائع ~~الملاحظة، على كثرتها، لم تكن ترضي رغبتنا في المعرفة، وإنما كان ~~السعي إلى المعرفة يتجاوز نطاق الملاحظة ويحتاج إلى تعميم. ومع ذلك ~~فإن الأمر الواقع المؤسف هو أن الناس يميلون إلى تقديم إجابات حتى ~~عندما تعوزهم وسائل الاهتداء إلى إجابات صحيحة؛ فالتفسير العلمي ~~يقتضي ملاحظة واسعة النطاق، وتفكيرا نقديا فاحصا، وكلما كان ~~التعميم الذي نسعى إليه أعظم، كانت كمية المادة الملاحظة التي ~~يحتاج إليها أكبر، وكان التفكير النقدي الذي يقتضيه أدق. أما في ~~الحالات التي كان التفسير العلمي يخفق فيها نظرا إلى قصور المعرفة ~~المتوافرة في ذلك الوقت عن تقديم التعميم الصحيح، فقد كان الخيال ~~يحل محله، ويقدم نوعا من التفسير يشبع النزوع إلى العمومية عن طريق ~~إرضائه بمشابهات ساذجة؛ وعندئذ كان يشيع الخلط بين التشبيهات ~~السطحية، ولا سيما التشبيهات بالتجارب البشرية، وبين التعميمات، ~~وكانت الأولى تؤخذ على إنها تعميمات، وهكذا تتم تهدئة الرغبة في ~~الوصول إلى العمومية، عن طريق تفسيرات وهمية؛ وعلى هذا الأساس نبتت ~~الفلسفة. # مثل هذا الأصل لا يبدو مشرفا، غير أنني لست بسبيل كتابة خطاب ~~توصية وتقريظ للفلسفة، وإنما أود أن أفسر وجودها وطبيعتها. ومن ~~الحقائق التي ينبغي الاعتراف بها أن ما في الفلسفة من نواحي الضعف ~~والقوة معا، يمكن تفسيره عن طريق إرجاعها إلى مثل هذا الأصل ~~المتواضع. ms014 # فلأضرب مثلا لما أعنيه بالتفسير الوهمي. إن الرغبة في فهم ~~العالم الفيزيائي قد أدت في كل العصور إلى إثارة السؤال عن كيفية ~~بدء العالم، وفي أساطير الشعوب جميعا تفسيرات بدائية لأصل الكون، ~~وأشهر قصة للخلق، وهي تلك التي أنتجتها الروح العبرانية الخيالية، ~~متضمنة في العهد القديم، وهي ترجع إلى حوالي القرن التاسع ق.م، وهي تفسر العالم على أساس أنه من خلق «ياهوا». هذا التفسير من ~~النوع الساذج الذي يرضي ذهنا بدائيا، أو ذهنا شبيها بأذهان ~~الأطفال؛ إذ يستعين بتشبيهات بشرية؛ فكما يصنع البشر بيوتا وأدوات ~~وحدائق، فكذلك صنع «ياهوا» العالم. وهكذا فإن السؤال عن منشأ ~~العالم المادي، وهو من أهم الأسئلة وأكثرها أهمية، يجاب عليه عن ~~طريق التشبيه بتجارب من البيئة اليومية. ولقد لاحظ الكثيرون، عن ~~حق، أن هذا النوع من الصور لا يشكل تفسيرا، وأنها لو صحت لزادت من ~~صعوبة حل مشكلة التفسير، فقصة الخلق تفسير وهمي. # ومع ذلك، فما أعظم القوة الإيحائية الكامنة فيها! لقد قدم بنو ~~إسرائيل إلى العالم، وهم لا يزالون في مرحلة بدائية، قصة تبلغ من ~~الحيوية حدا جعلها تخلب ألباب القراء جميعا حتى يومنا هذا؛ ~~فخيالنا يفتتن بالصورة الوقور لإله قديم تحركت روحه فوق صفحة ~~المياه، وأوجد العالم كله بقليل من الأوامر، كذلك فإن هذه القصة ~~القديمة الرائعة ترضي رغباتنا العميقة الكامنة في أن يكون لنا أب ~~قوي، غير أن إرضاء الرغبات النفسية ليس تفسيرا. والواقع أن ~~الفلسفة ظلت على الدوام تتعرض لخطر الخلط بين المنطق والشعر، وبين ~~التفسير العقلي والخيال، وبين العمومية والتشبيه. وكم من المذاهب ~~الفلسفية يشبه العهد القديم في كونه عملا شعريا رائعا، يزخر ~~بالصورة التي تثير خيالنا، ولكنه يفتقر إلى القدرة على الإيضاح، ~~وهي القدرة المنبعثة من التفسير العلمي. # وهناك بعض التفسيرات اليونانية لأصل الكون، تختلف عن قصة أصل ~~العالم عند بني إسرائيل في كونها تفترض تطورا، لا خلقا. وهي في ~~هذه الناحية أقرب إلى الطابع العلمي، غير أنها لا تقدم تفسيرا ~~علميا بالمعنى الحديث؛ لأنها بدورها مبنية على تعميمات ms015 بدائية من ~~التجربة اليومية؛ فقد كان أنكسمندر الذي عاش حوالي عام 600ق.م ~~يعتقد أن العالم قد تطور من جوهر لا محدود، أطلق عليه اسم ~~«الأبيرون # apeiron ~~»؛ ففي البدء انفصل الحار عن البارد، الذي أصبح ~~هو الأرض أو التراب، ثم أحاطت النار الحارة بالأرض الباردة، ~~فغلفتها حلقات من الهواء أسطوانية الشكل، وما زالت النار على هذا ~~الوضع، فهي ترى من خلال ثقوب الاسطوانات، التي تبدو لنا في صورة ~~الشمس والقمر والنجوم. أما الكائنات الحية فقد تطورت من الرطوبة ~~المحيطة بالأرض، وبدأت بأشكال دنيا، بل إن البشر أنفسهم بدءوا ~~أسماكا. وهكذا فإن الفيلسوف الذي قدم إلينا هذه الصورة الخيالية ~~لأصل العالم قد نظر إلى التشبيه على أنه تفسير، ومع ذلك فإن تفسيره ~~الوهمي ليس عقيما كل العقم، وإذا استخدمت مرشدا لمزيد من ~~الملاحظة والتحليل، فقد تؤدي بمضي الوقت إلى تفسيرات أفضل. مثال ~~ذلك أن أشكال أنكسمندر الأسطوانية الشبيهة بالعجلات إنما هي ~~محاولات لتفسير المسارات الدائرية للنجوم. # إن هناك نوعين من التعميم الزائف، يمكن تقسيمها إلى ضربين من ~~الخطأ، أحدهما لا يجلب ضررا، والآخر ضار. أما أخطاء النوع الأول، ~~التي نصادفها في كثير من الأحيان لدى فلاسفة ذوي أذهان تجريبية، ~~فمن السهل تصحيحها وتقويمها في ضوء المزيد من التجربة؛ وأما أخطاء ~~النوع الثاني، التي تتألف من تشبيهات وتفسيرات وهمية، فتؤدي إلى ~~المجادلات اللفظية الفارغة، وإلى النزعة القطعية الخطيرة. ويبدو أن ~~هذا النوع من التعميمات يسود أعمال الفلاسفة التأمليين. # فلنضرب مثلا للتعميم الضار، الذي يستخدم تشبيها زائفا بقصد ~~تكوين قانون شامل، بالفقرة الفلسفية التي اقتبسناها في المقدمة. إن ~~الملاحظة التي ترتكز عليها هذه العبارة هي أن العقل يتحكم إلى حد ~~بعيد في الأفعال البشرية؛ وبالتالي يحدد التطورات الاجتماعية ~~تحديدا جزئيا على الأقل. ولما كان الفيلسوف يبحث عن تفسير، فإنه ~~ينظر إلى العقل على أنه يشبه جوهرا يتحكم في خصائص الموضوعات التي ~~تتألف منه. مثال ذلك أن جوهر الحديد يتحكم في خصائص الجسر الذي ~~يبنى به، ولكن من الواضح أن التشبيه سيئ إلى حد بعيد؛ ms016 ذلك لأن ~~الحديد من نفس نوع المادة التي صنع منها الجسر، أما العقل فليس ~~مادة كالأجسام البشرية، ولا يمكن أن يكون هو الحامل المادي للأفعال ~~البشرية. وعندما أتى طاليس، الذي اشتهر في حوالي عام 600ق.م بوصفه «حكيم مليتوس» (ملطية)، بنظريته القائلة إن الماء جوهر ~~الأشياء جميعا، كان في ذلك يقوم بتعميم زائف؛ إذ إن ملاحظة وجود ~~الماء في كثير من المواد، كالتربة أو الكائنات العضوية الحية، قد ~~وسعت بحيث أصبحت تقول إن الماء متضمن في كل موضوع. ومع ذلك فإن ~~نظرية طاليس معقولة من حيث إنها تتخذ من جوهر مادي حجر البناء لكل ~~المواد الأخرى ؛ فهي على الأقل تعميم - وإن يكن زائفا - وليست ~~تشبيها. فما أرفع لغة طاليس بالقياس إلى الفقرة المقتبسة! # إن عيب اللغة الفضفاضة هو أنها تخلق أفكارا باطلة، وتظهر هذه ~~الحقيقة بوضوح في تشبيه العقل بالجوهر، ولا شك أن الفيلسوف الذي ~~كتب هذه الفقرة خليق بأن يعترض بشدة على تفسير عبارته بأنها مجرد ~~تشبيه، وإنما هو يدعي أنه قد اهتدى إلى الجوهر الحقيقي للأشياء ~~جميعا، ويسخر من أي تأكيد لمعنى الجوهر المادي؛ فهو يذهب إلى أن ~~للجوهر معنى «أعمق»، لا يكون الجوهر المادي بالنسبة إليه سوى حالة ~~خاصة. ولو ترجمنا رأيه هذا إلى لغة مفهومة، لكان معناه أن العلاقة ~~بين حوادث الكون وبين العقل هي نفس العلاقة الموجودة بين الجسر ~~وبين الحديد الذي صنع منه، ولكن من الواضح أن هذه المقارنة غير ~~مقبولة، والمقارنة تثبت أن أي تفسير جاد للتشبيه يؤدي إلى خطأ ~~منطقي؛ فقد يؤدي إطلاق اسم الجوهر على العقل إلى إثارة صور لدى ~~السامع، غير أن الاستمرار في استخدام هذه المجموعة من الألفاظ يضلل ~~الفيلسوف، فيجعله يقفز إلى نتائج لا يقرها المنطق. والواقع أن ~~الأخطاء الخطيرة التي تتولد عن التشبيهات الفاسدة كانت، ولا تزال، ~~الآفة التي يعاني منها الفيلسوف طوال العصور. # إن المغالطة التي ترتكب في هذا التشبيه إنما هي مثال نوع من ~~الخطأ يطلق عليه اسم صبغ المجردات بصبغة جوهرية # Substantialization of ~~abstracta # أو ms017 تجسيم المجردات؛ فالاسم المجرد، ~~مثل «العقل»، يعامل كما لو كان يشير إلى كيان شبيه بالشيء. وتنطوي ~~فلسفة أرسطو (384-322ق.م) على مثل كلاسيكي لهذا النوع من ~~المغالطة، حين يعالج موضوع الصورة والمادة. # فالموضوعات الهندسية تتبدى على هيئة صورة متميزة عن المادة التي ~~تتكون، بحيث يمكن أن تتغير الصورة مع بقاء المادة على حالها، ولكن ~~هذه التجربة اليومية البسيطة أصبحت هي المرجع الذي كتب على أساسه ~~فصل في الفلسفة لم يكن غموضه بأقل من انتشاره وقوة تأثيره، وما كان ~~ليظهر إلا نتيجة لإساءة استخدام تشبيه؛ فأرسطو يقول إن صورة ~~التمثال المقبل ينبغي أن تكون في كتلة الخشب قبل أن تنحت ، وإلا لما ~~ظهرت فيها فيما بعد، وبالمثل يكون قوام كل صيرورة هو عملية تشكل ~~المادة في صورة؛ وإذن فلا بد أن تكون الصورة شيئا. وواضح أن هذا ~~الاستدلال لا يمكن أن يتم إلا عن طريق استخدام غامض للألفاظ؛ ~~فالقول إن صورة التمثال موجودة في الخشب قبل أن يشكله النحات، يعني ~~أن في استطاعتنا أن نحدد في داخل كتلة الخشب، أو أن «نرى» فيها ~~سطحا مماثلا للسطح الذي ظهر في التمثال فيما بعد. وحين يقرأ ~~المرء كتابات أرسطو، يشعر أحيانا بأنه لا يعني بالفعل إلا هذه ~~الحقيقة الضئيلة الشأن، غير أن الفقرات الواضحة المعقولة في ~~كتاباته تعقبها لغة غامضة، فهو يقول أشياء مثل: المرء يصنع كرة من ~~النحاس بواسطة البرونز والكرة، عن طريق وضع الصورة في هذه المادة، ~~ويصل إلى حد النظر إلى الصورة على أنها جوهر يوجد على الدوام بلا ~~تغير. # وهكذا أصبحت استعارة لفظية أصلا لمبحث فلسفي يسمى بالأنطولوجيا، ~~ويفترض أنه يبحث في الأسس النهائية للوجود. والواقع أن عبارة ~~«الأسس النهائية للوجود» هي ذاتها استعارة لفظية. وليغتفر لي ~~القارئ لو استخدمت اللغة الميتافيزيقية دون مزيد من التفسير، ~~واكتفيت بأن أضيف القول بأن الصورة والمادة عند أرسطو أساسان ~~نهائيان للوجود، من هذا النوع؛ فالصورة في نظره وجود بالفعل، ~~والمادة وجود بالقوة؛ لأن المادة تقبل اتخاذ صور كثيرة متباينة. ~~وفضلا عن ذلك فإنه ms018 يرى أن العلاقة بين الصورة والمادة كامنة من ~~وراء كثير من العلاقات الأخرى؛ فالفلك الأعلى والأدنى، والعناصر ~~الرفيعة والدنيا، في نظام الكون، وكذلك النفس والجسم، والذكر ~~والأنثى، يرتبطون فيما بينهم بعلاقة الصورة والمادة. ومن الواضح أن ~~أرسطو يعتقد أن هذه العلاقات الأخرى يمكن تفسيرها عن طريق ~~مقارنتها، على نحو متعسف، بالعلاقة الأساسية بين الصورة والمادة. ~~وهكذا فإن التفسير الحرفي للتشبيه يقدم تفسيرا وهميا، يؤدي عن ~~طريق الاستخدام غير النقدي لصورة لفظية، إلى إدراج عدة ظواهر ~~مختلفة تحت فئة واحدة. # وإني لعلى استعداد للاعتراف بأنه لا ينبغي الحكم على أهمية أرسطو ~~التاريخية بمقياس نقدي هو نتاج للتفكير العلمي الحديث ، ولكننا لو ~~قسنا ميتافيزيقاه، حتى بالمعايير العلمية لعصره، أو على أساس ما ~~أنجزه في ميادين علم الحياة والمنطق، لما بدت لنا معرفة ولا ~~تفسيرا، بل لكانت ذات طابع تشبيهي؛ أعني هروبا إلى اللغة ~~المجازية. وهكذا فإن النزوع إلى كشف التعميمات يؤدي بالفيلسوف إلى ~~نسيان نفس المبادئ التي يطبقها بنجاح في ميادين للبحث أضيق حدودا، ~~ويجعله ينقاد للألفاظ حيث لا تكون المعرفة قد توافرت بعد. وهنا نجد ~~الأساس النفسي لذلك المزيج العجيب من الملاحظة والميتافيزيقا، الذي ~~جعل من هذا الباحث البارز في ميدان جمع المواد التجريبية، مفكرا ~~ذا نزعة نظرية قطعية، يرضي رغبته في التفسير بنحت ألفاظ وإقامة ~~مبادئ لا يمكن ترجمتها إلى تجارب قابلة للتحقيق. # والواقع أن معلومات أرسطو عن تركيب الكون، أو عن الوظيفة ~~البيولوجية للذكر والأنثى، لم تكن تكفي لإقامة تعميم؛ فقد كانت ~~معارفه الفلكية مرتبطة بالنظام الذي يتخذ من الأرض مركزا للكون، ~~كما أن معرفته لعملية التناسل لم تكن تشمل ما يعد حقيقة أولية ~~بالنسبة إلى علم البيولوجيا الحديث؛ فهو لم يعرف أن الحيوان المنوي ~~للذكر وبويضة الأنثى يتحدان لتكوين فرد جديد. وإذا لم يكن من حق ~~أحد أن يلومه على عدم معرفة نتائج لم يكن من الممكن كشفيا بدون ~~التلسكوب أو الميكروسكوب، فإن مما يعاب عليه أنه قد تصور، دون أن ~~تتوافر لديه معلومات كافية، أن التشبيهات الهزيلة ms019 تكون تفسيرا؛ ~~فهو في حديثه عن التناسل مثلا يقول: إن الذكر يقتصر على طبع صورة ~~على الجوهر البيولوجي للأنثى. غير أن هذا التعبير الغامض، الذي هو ~~مضلل حتى بوصفه مجازا، لا يمكن أن يعد الخطوة الأولى في الطريق ~~المؤدي إلى طرق أسلم في التفكير. ولقد كانت بالفعل عائقا في وجه ~~نمو الفلسفة العلمية، بدلا من أن تمهد لها الطريق بالتدريج؛ ~~فميتافيزيقا أرسطو كان لها تأثيرها في الفكر طوال ألفي عام، وما ~~زالت تلقى إعجاب كثير من الفلاسفة حتى اليوم. # ومن الصحيح أن مؤرخي الفلسفة المحدثين يستبيحون لأنفسهم من آن ~~لآخر توجيه انتقادات في سياق التبجيل المعتاد لأرسطو، زاعمين أنهم ~~يميزون بين استبصاراته الفلسفية وبين تلك الأجزاء التي يعدونها - ~~داخل مذهبه - ناتجة عن قصور المعرفة في عصره، غير أن ما يقدم إلينا ~~على أنه استبصار فلسفي هو في أغلب الأحيان ثرثرة لفظية فارغة تملأ ~~بمعان لم تخطر للمفكر نفسه على بال؛ فالعلاقة بين المادة والصورة ~~يمكن التعبير عنها في تشبيهات متعددة، ولكنها لا تقدم تفسيرا. ومن ~~هنا فإن تأويل آراء الفيلسوف بطريقة الدفاع والتبرير ليس هو وسيلة ~~التغلب على الأخطاء المتأصلة فيه، وليس مما يساعد على تقدم البحث ~~الفلسفي أن نضفي على أخطاء كبار المفكرين معاني تبلغ من التحريف ~~حدا تغدو معه هذه الأخطاء تخمينات تنبئية، بآراء لم تتوافر للناس ~~المواد والوسائل التي تعين على إثباتها، إلا في عصور متأخرة. ولقد ~~كان تاريخ الفلسفة خليقا بأن يحرز تقدما أعظم بكثير لو لم يكن ~~أولئك الذين يتخذون منه موضوعا لأبحاثهم قد أخروا مساره إلى هذا ~~الحد. # لقد اتخذت من نظرية المادة والصورة عند أرسطو مثالا لما أسميته ~~بالتفسير الوهمي، ولدينا في الفلسفة القديمة مثل آخر لهذه الطريقة ~~المؤسفة في الاستدلال، وأعني به فلسفة أفلاطون. ولما كان أرسطو قد ~~تتلمذ في وقت ما على أفلاطون، فإن المرء قد يذهب إلى حد الاعتقاد ~~بأن إغراق أستاذه في الالتجاء إلى اللغة المجازية والنزعة ~~التشبيهية هو الذي عوده على هذه الطريقة في التفكير، ولكنى أوثر أن ms020 ~~أختبر فلسفة أفلاطون دون إشارة إلى تأثيرها في أرسطو، وهو التأثير ~~الذي حلله الكثيرون؛ فمن الممكن تتبع تأثيرها في عدد كبير من ~~المذاهب الفلسفية المتباينة، وهذا وحده سبب كاف لدراسة أصلها ~~المنطقي بمزيد من التفصيل. # إن فلسفة أفلاطون (427-347ق.م) مبنية على نظرية من أغرب ~~النظريات الفلسفية، وأقواها تأثيرا مع ذلك، وأعني بها نظرية ~~المثل. هذه النظرية، التي لقيت إعجابا لا حد له، والتي هي لا ~~منطقية في صميمها، قد نشأت من محاولة إيجاد تفسير لإمكان المعرفة ~~الرياضية، وكذلك السلوك الأخلاقي. وسوف أناقش الأصل الثاني لهذه ~~النظرية في الفصل الرابع، أما الآن فسوف أقتصر على تقديم ملاحظات ~~عن الأصل الأول. # كان البرهان الرياضي يعد على الدوام منهجا للمعرفة تتحقق فيه ~~أرفع معايير الحقيقة. ولا شك في أن أفلاطون قد أكد سمو الرياضة على ~~كل ضروب المعرفة الأخرى، غير أن دراسة الرياضة تؤدي إلى صعوبات ~~منطقية معينة عندما يسير فيها المرء على أساس الموقف النقدي ~~للفيلسوف، وهذا ينطبق بوجه خاص على الهندسة، وهي علم كانت له مكانة ~~بارزة في أبحاث علماء الرياضة اليونانيين. وسوف أشرح هذه الصعوبات ~~بالصورة المنطقية والمصطلحات التي نعرضها بها اليوم، ثم أناقش ~~الحل الذي قدمه أفلاطون. # ومما يعيننا على إيضاح المشكلة، أن نقوم باستطراد موجز في مجال ~~المنطق. إن عالم المنطق يميز بين القضايا الكلية والقضايا الجزئية؛ ~~فالقضايا الكلية تتعلق بالكل، وصيغتها: «كل الأشياء التي هي من نوع ~~معين لها صفة معينة.» ويطلق على هذه القضايا أيضا اسم قضايا ~~اللزوم ~~العام # general implication ~~؛ لأنها تقرر أن الشرط الموضوع يلزم عنه ~~وجود الصفة. فلنتأمل على سبيل المثال قضية: «كل المعادن تتمدد ~~بالتسخين.» هذه القضية يمكن أن تصاغ على النحو الآتي: «إذا سخن ~~المعدن تمدد.» فإذا ما أردنا تطبيق هذه النتيجة على شيء بعينه، كان ~~لزاما علينا أن نتأكد من أن هذا الشيء يفي بالشرط الذي وضعناه، ~~وعندئذ يمكننا أن نستدل على أنه يتصف بالصفة التي ذكرناها. فنحن ~~نلاحظ مثلا أن معدنا معينا قد سخن، ثم ننتقل إلى القول إنه ms021 ~~يتمدد، فتكون قضية «هذا المعدن الساخن يتمدد» قضية جزئية. # وتتخذ النظريات الهندسية صورة قضايا كلية، أو لزوم عام. مثال ذلك ~~النظرية الآتية: «مجموع زوايا كل مثلث 180 درجة.» أو نظرية ~~فيثاغورس: «المربع المقام على الوتر، في كل المثلثات القائمة ~~الزوايا، يساوي مجموع المربعين المقامين على الضلعين الآخرين.» ~~فإذا ما أردنا تطبيق أمثال هذه النظريات، كان علينا أن نتأكد من أن ~~الشرط المنصوص عليه قد تحقق؛ فعندما نرسم مثلثا على الأرض مثلا، ~~ينبغي أن نتأكد باستخدام خيوط مشدودة من أن أضلاعه مستقيمة، وبعد ~~ذلك نستطيع أن نؤكد أن مجموع زواياه 180 درجة. # ولهذا النوع من قضايا اللزوم العام فائدة كبيرة؛ فهي تتيح لنا ~~أن نقوم بتنبؤات. فاللزوم المتعلق بتسخين الأجسام يتيح لنا التنبؤ ~~بأن قضبان الخطوط الحديدية سوف تتمدد في الشمس، واللزوم المتعلق ~~بالمثلثات ينبئنا مقدما بالنتائج التي سنصل إليها لو قمنا بقياس ~~زوايا مثلث يقع بين ثلاثة أبراج. مثل هذه القضايا تسمى تركيبية # Synthetic ~~، وهو تعبير يمكن ترجمته ~~بقولنا إنها إخبارية. # وهناك نوع آخر من اللزوم العام؛ فلنتأمل مثلا قضية مثل: «كل ~~أعزب غير متزوج.» هذه القضية لا تفيدنا كثيرا؛ فلو أردنا أن نعرف ~~إن كان شخص معين أعزب، كان من الواجب أن نعرف أولا أنه غير متزوج، ~~وعندما نعرف ذلك، لا تنبئنا القضية بأي شيء جديد؛ فاللزوم لا يضيف ~~أي شيء إلى الشرط الذي ينص عليه. وهذا النوع من القضايا فارغ، ~~ويسمى تحليليا # analytic ~~، وهو ~~تعبير يمكن ترجمته بقولنا إنه يشرح نفسه بنفسه # self-explanatory ~~. # والآن ينبغي أن نناقش مسألة الطريقة التي يمكننا بها أن نعرف إن ~~كان اللزوم العام صحيحا؛ فبالنسبة إلى اللزوم التحليلي يكون ~~الجواب على هذا السؤال يسيرا؛ إذ إن اللزوم «كل أعزب غير متزوج» ~~يتلو من معنى لفظ «أعزب». أما القضايا التركيبية فأمرها مختلف؛ ذلك لأن معنى ~~لفظي «معدن» و«ساخن» لا ينطوي على أية إشارة إلى «التمدد»؛ ولذا لم ~~يكن من الممكن التحقق من هذا اللزوم إلا بالملاحظة؛ فقد اتضح لنا ~~في جميع تجاربنا السابقة أن ms022 المعادن تتمدد عندما تسخن؛ لذلك نشعر ~~بأن من حقنا أن نقول بهذا اللزوم العام. # غير أن هذا التفسير يبدو عاجزا إزاء أمثلة اللزوم الهندسي. فهل ~~عرفنا من التجارب الماضية أن مجموع زوايا المثلث 180 درجة؟ إن بعض ~~التفكير في المنهج الهندسي كفيل باستبعاد الجواب بالإيجاب؛ فنحن ~~نعلم أن لدى الرياضي برهانا على النظرية المتعلقة بمجموع زوايا ~~المثلث. في هذا البرهان يرسم خطوطا على الورق، ويوضح لنا علاقات ~~معينة بالنسبة إلى الشكل المرسوم، ولكنه لا يقيس الزوايا؛ أي إنه ~~يلجأ إلى حقائق عامة معينة تسمى بالبديهيات، يستخلص منها النظرية ~~بطريقة منطقية. مثل ذلك أنه يشير إلى البديهية القائلة: إنه لم كان ~~لدينا خط مستقيم ونقطة خارجة ، فهناك خط واحد، وواحد فقط، يمكن أن يرسم ~~موازيا للخط الأول من هذه النقطة. هذه البديهية تظهر في الشكل ~~الذي يرسمه، ولكنه لا يثبتها بقياسات، ولا يقيس المسافات بين ~~الخطوط لكي يبين أن المستقيمين متوازيان. # بل إنه قد يعترف بأن الشكل الذي يرسمه رديء، ولا يقدم مثلا ~~جيدا لمثلث ومتوازيات، ولكنه يظل يؤكد أن برهانه دقيق على الرغم ~~من ذلك؛ فهو يقول: إن المعرفة الهندسية تنبع من الذهن، لا من ~~الملاحظة. أما المثلثات المرسومة على الورق فقد تفيد في إيضاح ما ~~نتحدث عنه، ولكنها لا تمدنا ببرهان؛ إذ إن البرهان مسألة استدلال، ~~لا ملاحظة. ولكي نقوم باستدلال كهذا نتصور العلامات الهندسية، ~~«ونرى» - بمعنى «أرفع» لهذه الكلمة - أن النتيجة الهندسية محتومة؛ ~~وبالتالي فهي صحيحة بالمعنى الدقيق. فالحقيقة الهندسية نتاج للعقل، ~~وهذا يجعلها أرفع من الحقيقة التجريبية، التي يهتدى إليها عن طريق ~~التعميم من عدد كبير من الأمثلة. # ونتيجة هذا التحليل هي أن العقل يبدو قادرا على كشف الخصائص ~~العامة للموضوعات المادية. وتلك في الواقع نتيجة تدعو إلى ~~الاستغراب؛ إذ لن تكون هناك مشكلة إن كانت حقيقة العقل مقتصرة على ~~الحقيقة التحليلية؛ فمن الممكن أن يعرف العقل وحده أن الأعزب غير ~~متزوج، ولكن لما كانت هذه العبارة فارغة، فإنها لا تثير مشكلات ~~فلسفية. أما القضايا التركيبية فأمرها ms023 مختلف؛ إذ كيف يتسنى للعقل ~~كشف الحقيقة التركيبية؟ # على هذه الصورة وجه «كانت» هذا السؤال، بعدما يربو على ألفي عام ~~من عصر أفلاطون. ولم يكن أفلاطون قد صاغ السؤال بهذا القدر من ~~الوضوح، ولكن لا بد أنه أدرك المشكلة بطريقة مماثلة لهذه. ونحن ~~نستدل على هذا التفسير من الإجابة التي قدمها للسؤال؛ أي من ~~الطريقة التي تكلم بها عن أصل المعرفة الهندسية. # فأفلاطون ينبئنا أن هناك، إلى جانب الأشياء المادية، نوعا ثانيا ~~من الأشياء يسميه ب «المثل» # ldeas ~~؛ ~~فهناك مثال المثلث، ومثال المتوازي، والدائرة، إلى جانب الأشكال ~~المناظرة لها، المرسومة على الورق. والمثل تعلو على الأشياء ~~المادية؛ إذ تتبدى فيها خصائص هذه الأشياء على النحو الكامل ، بحيث ~~إن ما نعرفه عن الموضوعات المادية بالتطلع إلى مثلها يزيد على ما ~~نعرفه بالتطلع إلى هذه الموضوعات ذاتها. ويتضح ما يعنيه أفلاطون، ~~مرة أخرى، بالإشارة إلى الأشكال الهندسية؛ فللخطوط المستقيمة التي ~~نرسمها سمك معين؛ ومن هنا لم تكن خطوطا بالمعنى الذي يقصده عالم ~~الهندسة، الذي لا يكون لخطوطه سمك. وأركان المثلث الذي نرسمه في ~~التراب هي في الواقع مساحات صغيرة؛ وبالتالي فهي ليست نقطا ~~مثالية. وقد أدى التباين بين معاني المفاهيم الهندسية وبين تحققها ~~من خلال الموضوعات المادية، أدى بأفلاطون إلى الاعتقاد بأن من ~~الضروري أن تكون هناك موضوعات مثالية أو عناصر مثالية تمثل هذه ~~المعاني. وهكذا وصل أفلاطون إلى عالم ذي حقيقة أعلى من عالم الأشياء ~~المادية الذي نعرفه، ووصف هذه الأخيرة بأنها تشارك في الأشياء ~~المثالية على نحو من شأنه أن يبين خصائص الأشياء المثالية بطريقة ~~غير كاملة. # غير أن الموضوعات الرياضية ليست هي الأشياء الوحيدة التي توجد ~~بصورة مثالية؛ ففي رأي أفلاطون أن هناك مثلا من شتى الأنواع، ~~كمثال القط، والإنسان، أو البيت. وبالاختصار، فكل اسم يدل على فئة ~~(أي اسم لنوع من الموضوعات، أو اسم كلي)، يدل على وجود مثال مناظر، ~~وتتميز مثل الأشياء الأخرى، شأنها شأن المثل الرياضية، بأنها ~~كاملة، بالقياس إلى نسخها الناقصة في العالم الواقعي. وهكذا ms024 فإن ~~مثال القط تتبدى فيه كل الصفات «القططية» بصورة كاملة، ومثال ~~الرياضي يسمو على كل رياضي فعلي من جميع الأوجه؛ فهو مثلا يتميز ~~بقوام جسمي مثالي. وبهذه المناسبة فإن كلمة «مثالي»، بالمعنى الذي ~~نستخدمه حاليا لهذه الكلمة، مستمدة من نظرية أفلاطون. # وعلى الرغم مما قد تبدو عليه نظرية المثل من غرابة في نظر الذهن ~~الحديث، فينبغي أن ننظر إليها، في إطار المعرفة المتوافرة في عصر ~~أفلاطون، على أنها محاولة للتفسير؛ أي محاولة لتفسير الطبيعة التي ~~تبدو تركيبية للحقيقة الرياضية. فنحن نرى خواص الأشياء الفكرية (أو ~~المثالية) بواسطة أفعال رؤية؛ وبذلك نكتسب معرفة بالأشياء ~~الحقيقية. وهكذا تعد رؤية الأفكار (المثل) مصدرا للمعرفة يشبه ~~ملاحظة الموضوعات الواقعية، ولكنه أرفع منه؛ لأنه يكشف من خصائص ~~ضرورية لموضوعاته. فالملاحظة الحسية لا تستطيع أن تنبئنا بحقيقة ~~معصومة من الخطأ، أما الرؤية فتستطيع. ونحن نرى «بعين العقل» أنه ~~لا يمكن، بالنسبة إلى مستقيم معين، أن نرسم من نقطة خارجة إلا ~~مستقيما واحدا موازيا له. ولما كانت هذه المصادرة # 1 # تبدو لنا حقيقة معصومة من الخطأ، فلا يمكن استخلاصها ~~من ملاحظات تجريبية، وإنما هي تفرض علينا بفعل رؤية نستطيع القيام ~~به حتى عندما تكون عينا الجسم مغمضتين؛ وبهذه الصورة نستطيع ~~التعبير عن مفهوم المعرفة الهندسية عند أفلاطون. وأيا ما كان رأينا ~~في هذا المفهوم، فلا بد لنا من الاعتراف بأنه يكشف عن استبصار عميق ~~بالمشكلات المنطقية للهندسة. وقد دافع «كانت» عن هذا الرأي، وإن يكن ~~قد أدخل على صيغته بعض التحسينات، ولم يكن من الممكن في الواقع ~~الاستعاضة عنه بفهم أقل غموضا منه إلا بعد أن أدت التطورات في ~~القرن التاسع عشر إلى كشوف جديدة في ميدان الرياضيات، وهي كشوف أدت ~~إلى استبعاد تفسيري «أفلاطون» و«كانت» للهندسة معا. # وينبغي أن ندرك أن أفعال الرؤية، عند أفلاطون، لا يمكنها تقديم ~~معرفة إلينا إلا لأن الأشياء الفكرية (المثالية) موجودة. فالتوسع ~~في مفهوم الوجود أساسي بالنسبة إليه؛ أي إنه لما كانت الأشياء ~~المادية موجودة فمن الممكن أن ترى، ولما كانت ms025 الأفكار موجودة فمن ~~الممكن أن ترى بعين العقل. ولا بد أن أفلاطون قد وصل إلى هذا الفهم ~~نتيجة لحجة من هذا النوع، وإن لم يكن قد صاغ هذه الحجة صراحة؛ فهو ~~يتصور الرؤية الرياضية على أنها مشابهة للإدراك الحسي، غير أن هذه ~~هي النقطة التي نجد فيها أن منطق نظريته غير سليم، وذلك حتى لو ~~حكمنا عليه بمعيار للنقد ملائم لعصره؛ ذلك لأنه يقدم إلينا تشبيها ~~حيث كان يرمي إلى تقديم تفسير. ومن الواضح أن التشبيه ذاته غير ~~صالح؛ فهو يمحو الفارق الباطن الذي يوجد بين المعرفة الرياضية ~~والمعرفة التجريبية. وهو يتجاهل حقيقة واضحة، هي أن «رؤية» ~~العلاقات الضرورية تختلف أساسا عن رؤية الموضوعات التجريبية؛ ~~فالفيلسوف هنا يضع مجازا حيث كان ينبغي أن يضع تفسيرا، ويخترع ~~عالما من الوجود المستقل «الأعلى»؛ لأنه يسير على أساس التشبيه ~~بدلا من التحليل. وكما رأينا من قبل في الأمثلة التي قدمناها ~~لفلسفات أخرى، فإن التأويل الحرفي لتشبيه ما، يصبح أصل سوء الفهم ~~الفلسفي. وهكذا فإن نظرية المثل، بتعميمها لتصور الوجود، لا تأتينا ~~إلا بتفسير وهمي. # وقد يحاول المفكر ذو النزعة الأفلاطونية أن يدافع عن نفسه بحجة ~~من هذا القبيل: إن وجود الأفكار ينبغي ألا يساء تأويله؛ فليس من ~~الضروري أن يكون وجودها من نفس نوع وجود الموضوعات التجريبية ~~تماما. ألا يحق للفيلسوف أن يتخذ ألفاظا معينة مستمدة من اللغة ~~اليومية، بمعنى أوسع إلى حد ما، إذا كان في حاجة إلى هذه ~~الألفاظ؟ # على أنني لا أعتقد أن هذه الحجة تتضمن دفاعا مقنعا عن المذهب ~~الأفلاطوني. صحيح أن لغة العلم كثيرا ما تستعير ألفاظ الحياة ~~اليومية؛ نظرا إلى تشابهها مع تصورات جديدة يحتاج إليها العالم. ~~مثال ذلك أن لفظ «الطاقة» يستخدم في الفيزياء بمعنى مجرد مشابه إلى ~~حد ما لمعناه في الحياة اليومية، غير أن إعادة استخدام الألفاظ على ~~هذا النحو لا يكون أمرا مباحا إلا عندما يعرف المعنى الجديد ~~بدقة، ويلتزم المرء في كل استخدام آخر للفظ بمعناه الجديد، لا ~~بمشابهته مع المعنى القديم. ms026 فعالم الفيزياء الذي يتحدث عن طاقة ~~الإشعاع الشمسي، لا يسمح لنفسه بأن يقول إن الشمس مليئة بالطاقة ~~والنشاط، شأنها شأن الإنسان المليء بالطاقة والنشاط؛ إذ إن في هذه ~~اللغة عودة إلى المعاني القديمة للفظ. على أن استخدام أفلاطون للفظ ~~«الوجود» ليس من النوع العلمي. ولو كان كذلك، لعرفت القضية القائلة ~~إن الموضوعات الفكرية (المثالية) موجودة، من خلال قضايا أخرى لا ~~تنطوي على مثل هذا اللفظ المشكوك فيه، ولما استخدمت بطريقة مستقلة ~~وكأن لها معنى مماثلا لمعنى الوجود المادي. ففي استطاعتنا تعريف ~~وجود المثلث المثالي على أنه يعني أننا نستطيع التحدث عن المثلثات ~~من خلال ما تنطوي عليه من مضمونات، أو لنضرب مثلا من ميدان الجبر، ~~فنقول إننا نستطيع أن نصرح بأنه يوجد حل لكل معادلة جبرية تتعلق ~~بمقدار مجهول، إذا كانت تفي بشروط معينة. في هذا الاستخدام يعني ~~لفظ «يوجد» أننا نعرف كيف نجد الحل، ومثل هذا الاستخدام للفظ ~~«الوجود» هو طريقة في الكلام لا ضرر منها، يلجأ إليها الرياضيون ~~بالفعل في أحيان كثيرة. أما عندما يتحدث أفلاطون عن وجود المثل، ~~فإن العبارة تعني أكثر - إلى حد بعيد - من مجرد تعبير يمكن ترجمته ~~إلى معان مقررة. # إن ما يرمي إليه أفلاطون هو تقديم تفسير لإمكان معرفة الحقيقة ~~الرياضية، ونظريته في المثل تقدم بوصفها تفسيرا لهذه المعرفة؛ أي ~~إنه يعتقد أن وجود المثل يمكن أن يفسر معرفتنا للموضوعات الرياضية ~~لأنه يتيح نوعا من إدراك الحقيقة الرياضية، بنفس المعنى الذي يتيح ~~به وجود الشجرة إدراك شجرة. ومن الواضح أن تفسير وجود المثل على ~~أنه أسلوب في الكلام فحسب لا يعنيه في شيء، ما دام سيعجز عن تعليل ~~ذلك النوع من الإدراك الحسي الذي قال به بالنسبة إلى الموضوعات ~~الرياضية، وبدلا من ذلك نراه يصل إلى تصور للوجود المثالي، يشتمل ~~على خصائص الوجود المادي والمعرفة الرياضية معا، وهو مزيج عجيب من ~~عنصرين متنافرين، ظل شبحه يخيم على اللغة الفلسفية منذ ذلك ~~الحين. # ولقد ذكرت من قبل أن نهاية العلم تأتي عندما نعمل على ms027 إرضاء ~~رغبتنا في المعرفة بتقديم تفسير وهمي، وعندما نخلط بين التشبيه ~~والعمومية، ونستخدم مجازات بدلا من تصورات محددة بدقة؛ لذلك فإن ~~نظرية المثل عند أفلاطون، شأنها شأن بقية النظريات الكسمولوجية في ~~عصره، ليست علما وإنما هي شعر؛ فهي نتاج للخيال، لا للتحليل ~~المنطقي. والواقع أن أفلاطون لم يتردد، عندما توسع في عرض نظريته ~~فيما بعد، في التعبير صراحة عن اتجاهه الفكري الذي كان صوفيا ~~أكثر منه منطقيا؛ فهو يربط بين نظريته في المثل وبين فكرة تناسخ ~~الأرواح. # هذا التحول يحدث في محاورة «مينو» الأفلاطونية؛ ففي هذه المحاورة ~~يسعى سقراط إلى تفسير طبيعة المعرفة الهندسية، ويوضحها بتجربة ~~يجربها على عبد صغير، لم يتلق تعليما منظما في الرياضيات ، ويبدو ~~أنه يستخلص منه برهانا هندسيا؛ فهو لا يشرح للصبي العلاقات ~~الرياضية المستخدمة في الحل، وإنما يجعله «يراها» عن طريق توجيه ~~أسئلة إليه. ويتخذ أفلاطون من هذا الموقف الطريف مثلا للاستبصار ~~العقلي بالحقيقة الهندسية، وللمعرفة الفطرية غير المستمدة من ~~التجربة. هذا التفسير، وإن لم يكن مقبولا من وجهة النظر الحديثة، ~~كان في عصر أفلاطون دليلا كافيا على فكرة رؤية المثل، غير أن ~~أفلاطون لا يكتفي بهذه النتيجة، وإنما يود أن يمضي في التفسير أبعد ~~من ذلك، وأن يفسر إمكان المعرفة الفطرية. وفي هذا السياق يعرب ~~سقراط عن الرأي القائل إن المعرفة الفطرية تذكر لرؤية المثل، كان ~~لدى الناس في «حيوات» سابقة عاشتها أرواحهم؛ فقد كانت من بين هذه ~~الحيوات حياة في «السماء التي تعلو على السموات»، كانت المثل ترى ~~فيها. وهكذا يلجأ أفلاطون إلى الأسطورة لكي «يفسر» معرفة المثل. ~~وإنه لمن الصعب أن نقتنع بإمكان حدوث هذه الرؤية للمثل في حياة ~~سابقة إن كانت مستحيلة في حياتنا الحاضرة، أو أن نقتنع بضرورة ~~القول بنظرية للتذكر إن كانت هناك رؤية للمثل في حياتنا ~~الحاضرة. # إن التشبيه الشعري لا يكترث بالمنطق؛ ففي الأساطير اليونانية ~~أثير السؤال عن سبب عدم سقوط الأرض في المكان اللانهائي، وكان ~~الجواب هو أن عملاقا، يسمى أطلس، يحمل الكرة الأرضية على كتفيه. ms028 ~~والواقع أن نظرية التذكر عند أفلاطون ذات قدرة تفسيرية تكاد تماثل ~~هذه القصة، من حيث إنها تكتفي بأن تنقل أصل معرفة المثل من حياة ~~إلى أخرى. ولم يكن مذهب أفلاطون في الكونيات (الكسمولوجيا)، كما ~~عرضه في محاورة «طيماوس»، يختلف عن هذه الأسطورة الساذجة إلا في ~~استخدامه لغة تجريدية؛ فهو ينبئنا مثلا بأن الوجود كان موجودا قبل ~~تكون الكون. ولا شك أن غموض اللغة هو وحده الذي يقنع الفيلسوف بأن ~~يتبين حكمة عميقة في هذه الكلمات التي تذكرنا، لو اختبرناها بدقة، ~~بابتسامة قطة «تشيشاير # Cheshire ~~»، # 2 # التي ظلت ترى حتى بعد أن اختفت القطة. # غير أنني لا أود أن أسخر من أفلاطون؛ ذلك لأن مجازاته تتحدث بلغة ~~بلاغية تثير الخيال، وكل ما في الأمر أن من الواجب ألا تعد ~~تفسيرا؛ فكل ما أبدعه أفلاطون كان شعرا، ومحاوراته كانت من أروع ~~الأعمال في الأدب العالمي. وإن قصة سقراط الذي يعلم الشبان بطريقة ~~توجيه الأسئلة، إنما هي مثل رائع للشعر التعليمي، الذي وجد له ~~مكانا إلى جانب إلياذة هوميروس وتعاليم الأنبياء، ولكن ليس لنا أن ~~نأخذ آراء سقراط مأخذ الجد أكثر مما ينبغي؛ إذ إن المهم هو الطريقة ~~التي يقول بها هذه الآراء، وكيف يستثير تلاميذه للدخول في مناقشة ~~منطقية. ففلسفة أفلاطون إنما هي نتاج لفيلسوف انقلب شاعرا. # وإنه ليبدو أن الفيلسوف، عندما يصادف أسئلة يعجز عن الإجابة ~~عليها، يشعر بإغراء لا يقاوم لكي يقدم إلينا لغة مجازية بدلا من ~~التفسير. ولو كان أفلاطون قد بحث مشكلة أصل المعرفة الهندسية من ~~وجهة نظر العالم، لوجب أن يكون رده اعترافا صريحا هو: «لا أعرف.» ~~فالعالم الرياضي إقليدس، الذي شيد بعد جيل واحد من أفلاطون نسق ~~البديهيات الهندسي، لم يحاول تقديم تفسير لمعرفتنا بالبديهيات ~~الهندسية. أما الفيلسوف فيبدو عاجزا عن السيطرة على رغبته في ~~المعرفة. وإنا لنجد العقل الفلسفي، طوال تاريخ الفلسفة، مقترنا ~~بخيال الشاعر؛ فحيثما كان الفيلسوف يسأل، كان الشاعر هو الذي يجيب؛ ~~لذلك فإن من الواجب، عند قراءتنا للعرض الذي يقدمه الفلاسفة ~~لمذاهبهم، ms029 أن نركز انتباهنا في الأسئلة، لا في الإجابات المقدمة؛ ~~ذلك لأن كشف الأسئلة الأساسية هو في ذاته إسهام عظيم الأهمية في ~~التقدم العقلي. وعندما ينظر إلى تاريخ الفلسفة على أنه تاريخ ~~للأسئلة، فإن الوجه الذي يتبدى عليه يغدو أخصب بكثير من ذلك الذي ~~يبدو لنا عندما ننظر إليه على أنه تاريخ للمذاهب. وهناك بعض من هذه ~~الأسئلة يرجع إلى عهود غابرة في التاريخ، لم يتم التوصل إلى ~~إجابات علمية عليه إلا في أيامنا هذه. ومن هذه الأسئلة، السؤال عن ~~أصل المعرفة الرياضية. وسوف نتناول في الفصول المقبلة أسئلة أخرى ~~كان لها تاريخ مماثل. # إن التحليل الذي قدمناه في هذا الفصل هو الإجابة الأولى على ~~السؤال النفسي المتعلق باللغة الفلسفية، الذي أثير عند مناقشة ~~الفقرة التي استهللنا بها هذا الكتاب. فالفيلسوف يتحدث لغة غير ~~علمية؛ لأنه يحاول الإجابة على الأسئلة في الوقت الذي تعوزه فيه ~~الإجابة العلمية. ومع ذلك فإن صحة هذا التفسير التاريخي محدودة ~~النطاق؛ فهناك فلاسفة يظلون يتحدثون بلغة مجازية في الوقت الذي ~~تتوافر فيه بالفعل وسائل الوصول إلى حل علمي. وعلى حين أن التفسير ~~التاريخي ينطبق على أفلاطون، فإنه لا يمكن أن يصدق على كاتب ~~بالفقرة القائلة: إن العقل هو جوهر الأشياء جميعا. إذ كان في وسع ~~هذا الكاتب أن يفيد من المعرفة المتراكمة طوال ألفي عام من البحث ~~العلمي بعد عصر أفلاطون، غير أنه لم ينتفع منها. # الفصل الثالث # | البحث عن اليقين والفهم العقلي للمعرفة # تبين لنا من الفصل السابق أن أصل المفاهيم الغامضة للمذاهب ~~الفلسفية يرجع إلى نوع من النوافع الخارجة عن مجال المنطق، التي ~~تتدخل في عملية التفكير؛ فعن طريق اللغة المجازية، يقدم الفيلسوف ~~إرضاء وهميا لسعيه المشروع إلى تقديم تفسير يتسم بالعمومية. ~~ومما يغري على إقحام الشعر في مجال المعرفة على هذا النحو، الميل ~~إلى تشييد عالم خيالي من الصور، وهو ميل يمكن أن يصبح أقوى من ~~السعي إلى الحقيقة، ويستحق هذا الميل إلى التفكير المجازي أن يسمى ~~دافعا خارجا عن مجال المنطق؛ لأنه ms030 لا يمثل نوعا من التحليل ~~المنطقي، وإنما يرجع أصله إلى حاجات ذهنية لا تنتمي إلى مجال ~~المنطق. # وهناك دافع ثان خارج عن مجال المنطق، كان في كثير من الأحيان ~~يتدخل في عملية التحليل. فعلى الرغم من أن المعرفة المكتسبة ~~بالملاحظة الحسية هي على وجه العموم ناجحة في الحياة اليومية، فإن ~~في وسعنا أن ندرك منذ وقت مبكر أننا لا نستطيع الاعتماد عليها ~~أكثر مما ينبغي. فهناك بضعة قوانين فيزيائية بسيطة يبدو أنها تصح ~~بلا استثناء، كالقانون القائل إن النار ساخنة، أو إن البشر فانون، ~~أو إن الأجسام التي لا ترتكز على شيء تهوي. غير أن هناك قواعد أخرى ~~كثيرة جدا لها استثناءات، كالقاعدة القائلة إن البذرة التي تغرس ~~في الأرض تنمو، أو كقواعد الطقس أو قواعد شفاء الأمراض البشرية. ~~وكثيرا ما تؤدي الملاحظة الأكثر شمولا إلى كشف استثناءات حتى في ~~القوانين ذات الصبغة الأدق. مثال ذلك أن نار حشرة «ذبابة النار» ~~ليست ساخنة، وذلك على الأقل بالمعنى المعتاد لكلمة «ساخنة»، كما أن ~~فقاعات الصابون قد ترتفع إلى أعلى (وإن لم تكن مرتكزة على شيء). ~~وعلى حين أن من الممكن تفسير هذه الاستثناءات بوضع صيغة أدق ~~للقانون، تحدد شروط سريانه ومعاني ألفاظه بطريقة أدق، فإننا نظل مع ~~ذلك نشك إن كانت الصيغة الجديدة خالية من الاستثناء، أو إن كانت ~~ستظهر كشوف جديدة تكشف عن نوع من النقص في الصيغة المعدلة. ولا شك ~~أن لهذا الشك مبرراته القوية، التي ترجع إلى ما أدى إليه تطور ~~العلم مرارا من استبعاد للنظريات القديمة والاستعاضة عنها بنظريات ~~جديدة. # وهناك مصدر آخر للشك، هو أن تجاربنا الداخلية تنقسم إلى عالم ~~للواقع وعالم للأحلام. ولقد كانت ضرورة القيام بهذا التقسيم، من ~~الوجهة التاريخية، كشفا تم في فترة متأخرة إلى حد ما من تطور ~~الإنسان. فنحن نعلم أن الشعوب البدائية في عصرنا هنا لا تضع بين ~~العالمين حدا فاصلا واضحا؛ فالإنسان البدائي الذي يحلم بأن ~~شخصا آخر هاجمه قد يعد حلمه حقيقة، ويقتل الرجل الآخر، أو قد يحلم ms031 ~~بأن زوجته تخدعه مع رجل آخر، فيقوم بأعمال انتقامية مماثلة أو يتخذ ~~تدابير للقصاص، وذلك تبعا لوجهة نظره إلى الموضوع. وقد يكون ~~المحلل النفسي على استعداد لالتماس عذر لهذا الرجل إلى حد ما، وذلك ~~بأن يشير إلى أن مثل هذه الأحلام ما كانت لتحدث دون أسباب، وأنها ~~تبرر الشك على الأقل، إن لم تكن تبرر العقاب. غير أن الإنسان ~~البدائي لا يسلك على أساس اعتبارات التحليل النفسي، وإنما يسلك ~~لافتقاره إلى تمييز واضح بين الحلم والواقع. وعلى الرغم من أن ~~الإنسان العادي في عصرنا هذا يشعر بأنه في مأمن من هذا الخلط، فإن ~~قليلا من التحليل يبين لنا أن ثقته هذه لا ترقى إلى مرتبة اليقين؛ ~~ذلك لأننا عندما نحلم لا نعلم أننا نحلم، وإنما نعرف أن حلمنا كان ~~حلما فيما بعد؛ أي عندما نستيقظ فقط. فكيف ندعي أن تجاربنا الحالية ~~يمكن الاعتماد عليها أكثر من الحلم؟ إن كون هذه التجارب مقترنة ~~بشعور من الواقعية لا يجعلها أكثر قابلية للاعتماد عليها؛ إذ إن ~~هذا الشعور ذاته يكون لدينا في الحلم، فليس في وسعنا أن نستبعد ~~تماما احتمال أن التجارب التالية ستثبت أننا نحلم الآن. وليس ~~الغرض من إثارة هذه الحجة هو زعزعة ثقة الإنسان العادي في تجاربه، ~~وإنما تبين هذه الحجة أننا لا نستطيع أن نعتمد على هذه الثقة ~~اعتمادا مطلقا. # ولقد كان الفيلسوف يشعر على الدوام بالقلق؛ لأن من غير الممكن ~~الاعتماد على الإدراك الحسي. وقد عبر عن هذا القلق بأفكار كتلك ~~التي قدمناها، كما أنه تحدث عن خداع الحواس في حالة اليقظة، ~~كالالتواء البادي للعصا عندما تغمر في الماء، أو كالسراب في ~~الصحراء؛ لذلك كان يشعر بالابتهاج عندما يجد مجالا واحدا على ~~الأقل من مجالات المعرفة يبدو له بمنأى عن الخداع، وهو مجال ~~المعرفة الرياضية. # ولقد كان أفلاطون، كما ذكرنا من قبل، ينظر إلى الرياضيات على ~~أنها أسمى صورة للمعرفة. # 1 # وقد أسهم تأثيره بدور كبير في الرأي الشائع القائل إن ~~المعرفة لا تكون معرفة على الإطلاق إن ms032 لم تتخذ صورة رياضية. غير أن ~~العالم الحديث، وإن يكن يتخذ من الرياضيات أداة رئيسية للبحث، لا ~~يقبل هذا الحكم دون قيد أو شرط، وإنما يؤكد أن الملاحظة لا يمكن ~~إغفالها في العلم التجريبي، ويترك للرياضة مهمة إثبات الارتباطات ~~بين مختلف نتائج البحث التجريبي فحسب. وهو يبدي استعدادا تاما ~~لاستخدام هذه الارتباطات الرياضية مرشدا لكشوف جديدة تعتمد على ~~الملاحظة، غير أنه يعلم أنها لا يمكنها أن تعينه إلا لأنه يبدأ من ~~مادة مستمدة بالملاحظة، وهو مستعد على الدوام للتخلي عن النتائج ~~الرياضية إن لم تؤيدها الملاحظة اللاحقة. فالعلم التجريبي، بالمعنى ~~الحديث لهذه العبارة، يجمع بنجاح بين المنهج الرياضي ومنهج ~~الملاحظة، ونتائجه لا تعد ذات يقين مطلق، بل ذات درجة عالية من ~~الاحتمال، ويمكن الاعتماد عليها بالنسبة إلى جميع الأغراض العملية ~~بقدر كاف. # غير أن فكرة المعرفة التجريبية كانت خليقة بأن تبدو ممتنعة في ~~نظر أفلاطون؛ فعندما وحد بين المعرفة وبين المعرفة الرياضية، أراد ~~أن يقول إن الملاحظة لا ينبغي أن يكون لها دور في المعرفة. ولقد ~~قال أحد تلاميذ سقراط في محاورة فيدون: «إن الحجج المبنية على ~~الاحتمالات زائفة.» ذلك لأن أفلاطون كان يطلب اليقين، لا الترجيح ~~الاستقرائي الذي ترى الفيزياء الحديثة أنه الهدف الوحيد الذي يمكنه ~~بلوغه. # ومن الصحيح، بطبيعة الحال، أن اليونانيين لم يكن لديهم علم ~~فيزيائي يمكن مقارنته بعلمنا، وأن أفلاطون لم يكن يعلم مدى ما يمكن ~~تحقيقه عن طريق الجمع بين المنهج الرياضي والتجربة. ومع ذلك فهناك ~~علم طبيعي واحد أحرز، حتى في أيام أفلاطون، نجاحا كبيرا بفضل هذا ~~الجمع، هو علم الفلك؛ ذلك أن القوانين الرياضية لدوران النجوم ~~والكواكب كانت قد كشفت، بدرجة كبيرة من الإحكام، بفضل الملاحظة ~~الدقيقة والاستدلال الهندسي، غير أن أفلاطون لم يكن على استعداد ~~للاعتراف بدور الملاحظة في الفلك، وإنما أكد أن الفلك لا يكون ~~علما إلا بقدر ما تفهم حركات النجوم ب «العقل والذهن». ففي رأيه أن ~~ملاحظات النجوم لا تنبئنا بالكثير عن القوانين الخاصة بدورانها؛ ~~لأن حركتها الفعلية غير ms033 كاملة، ولا تخضع للقوانين خضوعا دقيقا. ~~ويقول أفلاطون إن من غير المعقول أن نفترض أن الحركات الحقيقية ~~للنجوم «أزلية ولا تتعرض لأي انحراف». وهو يذكر بوضوح كامل رأيه في ~~الفلكي الذي يعتمد على الملاحظة: «فإذا كان ما يدرسه المرء شيئا ~~حسيا، فإنه سواء تطلع مشدوها إلى أعلى، أم خفض عينيه إلى أسفل، ~~فلن تكون هذه معرفة على الإطلاق؛ إذ لا يمكن أن يكون ثمة علم ~~بالمحسوس. فالنفس في هذه الحالة إنما تنظر إلى أسفل، سواء أكان ~~المرء يدرس وهو راقد على ظهره، أم وهو طاف على الماء.» وبدلا من ~~ملاحظة النجوم، علينا أن نحاول الاهتداء إلى قوانين دورانها ~~بالفكر؛ فمن واجب الفلكي أن «يترك السماء المحتشدة بالنجوم ~~جانبا»، وأن يخوض موضوعه باستخدام «الجزء العاقل بطبيعته في ~~نفوسنا» (الجمهورية، الكتاب السابع، 529-530). إنه لمن المحال أن ~~نجد كلمات أقوى من هذه تعبر عن رفض العلم التجريبي، وعن الاعتقاد ~~بأن معرفة الطبيعة لا تحتاج إلى ملاحظة، وإنما يمكن بلوغها بالعقل ~~وحده. # فكيف يمكن تفسير هذا الموقف المعادي للتجريبية على أساس نفسي؟ إن ~~البحث عن اليقين هو الذي يجعل الفيلسوف يتجاهل دور الملاحظة في ~~المعرفة. ولما كان يستهدف معرفة ذات يقين مطلق، فإنه لا يستطيع أن ~~يقبل نتائج الملاحظات، ولما كانت الحجج المبنية على أساس احتمالات ~~حججا للحقيقة. وهكذا فإن المثل الأعلى الذي يتجه إلى صبغ المعرفة ~~بصبغة رياضية كاملة، وإلى جعل الفيزياء من نفس نمط الهندسة ~~والحساب، ينشأ عن الرغبة في الاهتداء إلى يقين مطلق لقوانين ~~الطبيعة، وهو يؤدي إلى ذلك المطلب الممتنع، وأعني به أن ينسى عالم ~~الفيزياء ملاحظاته، وأن يحول عالم الفلك عينيه بعيدا عن ~~النجوم. # ويطلق على نوع الفلسفة التي تعد العقل مصدرا لمعرفة العالم ~~الفيزيائي اسم المذهب ~~العقلي # Rationalism ~~. وينبغي أن نميز بدقة بين هذا اللفظ، ~~وكذلك الصفة المشتقة منه وهي «عقلاني # rationalistic ~~»، وبين لفظ «معقول # rational ~~»؛ فالمعرفة العلمية يتم التوصل إليها ~~باستخدام مناهج معقولة # rational ~~؛ ~~لأنها تقتضي استخدام العقل مطبقا على مادة الملاحظة، غير أنها ~~ليست عقلانية، ms034 إذ إن هذه الصفة لا تنطبق على المنهج العلمي، وإنما ~~على المنهج الفلسفي الذي يتخذ من العقل مصدرا للمعرفة التركيبية ~~المتعلقة بالعلم، ولا يشترط ملاحظة لتحقيق هذه المعرفة. # وفي كثير من الأحيان يقتصر اسم «المذهب العقلي»، في الكتابات ~~الفلسفية، على مذاهب عقلانية معينة في العصر الحديث، بينما يطلق ~~على المذاهب ذات النمط الأفلاطوني اسم «المثالية # jueansm ~~»، تمييزا لها من السابقة. على أننا ~~سوف نستخدم في هذا الكتاب اسم «المذهب العقلي» بالمعنى الواسع ~~دائما، بحيث يشمل المثالية. ويبدو أن لهذا الجمع ما يبرره؛ لأن ~~نوعي الفلسفة متماثلان من حيث إنهما ينظران إلى العقل على أنه مصدر ~~مستقل لمعرفة العالم الفيزيائي. فالأصل النفسي لكل مذهب عقلي ~~بالمعنى الواسع هو دافع خارج عن مجال المنطق؛ أعني دافعا لا يمكن ~~تبريره من خلال المنطق: هو البحث عن اليقين. # ولم يكن أفلاطون هو أول العقليين؛ فقد كان أهم المفكرين الذين ~~سبقوه في هذا الاتجاه، الفيلسوف الرياضي فيثاغورس (حوالى 540ق.م) ~~الذي كان لتعاليمه تأثير هائل في أفلاطون. وإنه ليبدو من المفهوم ~~أن يكون الرياضي أكثر من غيره تعرضا للتحول إلى المذهب العقلي؛ ~~ذلك لأنه حين يدرك مدى نجاح الاستنباط المنطقي في مجال لا يحتاج ~~إلى رجوع إلى التجربة، فقد يميل إلى الاعتقاد بإمكان التوسع في ~~مناهجه بحيث تمتد إلى مجالات أخرى، فتكون النتيجة نظرية للمعرفة ~~تحل فيها أفعال الاستبصار محل الإدراك الحسي، ويعتقد فيها أن للعقل ~~قوة خاصة به، يكتشف بواسطتها القوانين العامة للعالم ~~الفيزيائي. # وعندما يتخلى الفيلسوف عن الملاحظة التجريبية بوصفها مصدرا ~~للحقيقة، لا تعود بينه وبين النزعة الصوفية إلا خطوة قصيرة. فإذا ~~كان في استطاعة العقل أن يخلق معرفة، فإن بقية النواتج التي يخلقها ~~الذهن البشري يمكن أن تعد بدورها جديرة بأن تسمى معرفة؛ ومن هذا ~~المفهوم ينشأ مزيج غريب من النزعة الصوفية والنزعة الرياضية، لم ~~يحتف من مسرح الفلسفة منذ بداية ظهوره عند فيثاغورس؛ فقد أدى تبجيل ~~فيثاغورس الديني للعدد والمنطق إلى قوله بأن كل الأشياء أعداد، وهي ~~فكرة لا يكاد يكون من ms035 الممكن ترجمتها إلى عبارات ذات معنى. ولقد ~~كانت نظرية تناسخ الأرواح، التي تحدثنا عنها في صدد نظرية المثل ~~عند أفلاطون، من التعاليم الرئيسية عند فيثاغورس، الذي يفترض أنه ~~اقتبسها من عقائد شرقية، وإنا لنعلم أن أفلاطون قد عرف هذه النظرية ~~بفضل ارتباطه بالفيثاغورين. كذلك فإن الفكرة القائلة إن الاستبصار ~~المنطقي يمكنه أن يكشف خصائص العالم المادي هي بدورها فكرة ترجع ~~إلى أصل فيثاغوري؛ فقد كان أتباع فيثاغورس يمارسون نوعا من ~~العبادة الدينية، يتضح طابعه الصوفي في محرمات معينة، يقال إن ~~أستاذهم قد فرضها عليهم. مثال ذلك أنهم تعلموا أن من الخطر أن يترك ~~المرء انطباعا لجسمه على سريره، وكان لزاما عليهم أن يرتبوا ~~ملاءات أسرتهم ويمدوها عندما يستيقظون في الصباح. # وللنزعة الصوفية أشكال أخرى لا ترتبط بالرياضيات؛ فالصوفي عادة ~~متحامل على العقل والمنطق، وهو يبدي ازدراء لقوة العقل. ويدعي ~~الصوفي أن لديه نوعا من التجربة فوق الطبيعية، تكشف له عن حقيقة ~~معصومة برؤية مباشرة. ويعد المتصوفة الدينيون مصدرا لهذا النوع من ~~النزعة الصوفية. أما خارج مجال الدين، فلم يكن للنزعة الصوفية ~~المضادة للعقل دور هام؛ لذلك ففي استطاعتي أن أتجاهلها في هذا ~~الكتاب الذي يأخذ على عاتقه مهمة تحليل أشكال الفلسفة المتصلة ~~بالتفكير العلمي، والتي أسهمت في النزاع الهائل بين الفلسفة ~~والعلم. فالنزعة الصوفية ذات الاتجاه الرياضي هي وحدها التي تدخل ~~ضمن نطاق هذا التحليل. والصفة التي تجمع بين هذه النزعة الصوفية ~~الرياضية، وبين الأشكال غير الرياضية للنزعة الصوفية، هي إشارتها ~~إلى أفعال الرؤية فوق الحسية، ولكن ما يميزها عن تلك الأشكال ~~الأخرى هو استخدام تلك الرؤية في إثبات حقيقية عقلية. # على أن المذهب العقلي ليس صوفيا على الدوام بطبيعة الحال؛ ~~فالتحليل المنطقي قد يستخدم هو ذاته في إثبات نوع من المعرفة يعد ~~ذا يقين مطلق، وإن يكن يرتبط بمعرفة الحياة اليومية أو المعرفة ~~العلمية. وقد ظهرت في العصر الحديث مذاهب عقلية متعددة من هذا ~~النمط العلمي غير الصوفي. # ومن بين هذه المذاهب، أود أن أناقش المذهب العقلي عند الفيلسوف ms036 ~~الفرنسي ديكارت (1596-1650م)؛ ففي كثير من كتاباته نراه يقدم حججا ~~لإثبات افتقار المعرفة المبنية على الإدراك الحسي إلى اليقين، وهي ~~حجج من النوع الذي تحدثنا عنه من قبل. ويبدو أن ديكارت كان يستشعر ~~قلقا عظيما من جراء افتقار المعرفة كلها إلى اليقين، وقد نذر ~~للعذراء أن يحج إلى لوريتو # Loretto # لو أنارت عقله وساعدته على الاهتداء إلى ~~اليقين المطلق. وهو يروي أن الاستنارة أتته عندما كان يقيم في خندق ~~خلال حملة شتوية اشترك فيها بوصفه ضابطا، فأعرب عن شكره للعذراء ~~بأن وفى نذره. # ويبني ديكارت برهانه على اليقين المطلق عن طريق خدعة منطقية؛ فهو ~~يقول إنني أستطيع أن أشك في كل شيء، فيما عدا أمرا واحدا، هو ~~أنني أشك، ولكنني عندما أشك أفكر، وعندما أفكر لا بد أن أكون ~~موجودا. وهكذا يزعم أنه قد أثبت وجود الأنا بالاستدلال المنطقي؛ ~~وبذلك تكون الصيغة السحرية هي: أنا أفكر؛ إذن أنا موجود. على أنني ~~عندما أسمي هذا الاستدلال خدعة منطقية، لا أود أن أقول إن ديكارت ~~قد تعمد أن يخدع قراءه، وإنما أود أن أقول إنه هو ذاته كان ضحية ~~هذا النوع الخادع من الاستدلال. أما إذا تحدثنا من وجهة النظر ~~المنطقية، لقلنا إن الانتقال الذي قام به ديكارت في استدلاله من ~~الشك إلى اليقين هو أشبه ب «خفة اليد»؛ فهو ينتقل من الشك إلى النظر ~~إلى الشك على أنه فعل يقوم به الأنا؛ وبذلك يعتقد أنه قد اهتدى إلى ~~حقيقة لا يتطرق إليها الشك. # ولقد كشف التحليل الذي تم في عهود لاحقة عن المغالطة في حجة ~~ديكارت؛ فليس لمفهوم الأنا تلك الطبيعة البسيطة التي كان يؤمن بها ~~ديكارت؛ إذ إننا لا نرى أنفسنا بنفس الطريقة التي نرى بها البيوت ~~والناس من حولنا. قد نتحدث عن ملاحظة أفعالنا في حالة الفكر أو ~~الشك، غير أننا لا ندرك هذه الأفعال على أنها نواتج للأنا، وإنما ~~على أنها موضوعات منفصلة، وعلى أنها صور تصاحبها مشاعر؛ فالقول ~~«أنا أفكر» يتجاوز نطاق التجربة المباشرة من حيث إن ms037 هذه الجملة ~~تستخدم لفظ «أنا». # وعبارة «أنا أفكر» لا تمثل معطى يمكن ملاحظته، وإنما هي نهاية ~~حلقات طويلة من التفكير تكشف عن وجود «أنا» متميز عن «أنا» الأشخاص ~~الآخرين. وكان حريا بديكارت أن يقول: «هناك تفكير.» وبذلك يوضح ~~طريقة الحدوث المنفصل لمحتويات الفكر، وظهورها مستقلة عن أفعال ~~الإرادة أو غيرها من الاتجاهات التي يشترك فيها الأنا، ولكن لو كان ~~ديكارت قد فعل ذلك لما عاد استدلاله ممكنا؛ ذلك لأنه إذا لم يكن ~~الوعي المباشر ضمانا لوجود الأنا، فلا يمكن تأكيد وجوده بيقين ~~يزيد على يقين الموضوعات الأخرى المستمدة عن طريق إضافات مقبولة ~~إلى معطيات الملاحظة. # ولا تكاد تكون بحاجة إلى القيام بتفنيد أكثر تفصيلا لاستدلال ~~ديكارت؛ فحتى لو كان الاستدلال مقبولا لما أثبت الكثير، ولما كان ~~دليلا على يقين معرفتنا بالأشياء المغايرة للأنا، وهو ما يتضح من ~~الطريقة التي يواصل بها عرض حجته؛ فهو يستدل أولا على أن وجود ~~الأنا يستتبع حتما وجود الله، وإلا لما كانت للأنا فكرة عن كائن ~~لا متناه، ثم ينتقل إلى الاستدلال على أن الأشياء المحيطة بنا لا بد ~~أن تكون موجودة بدورها، وإلا لكان الله خادعا. وتلك حجة لاهوتية ~~تبدو غريبة حقا حين تصدر عن رياضي ممتاز مثل ديكارت. والسؤال ~~الهام هو: كيف أمكن أن تعالج مشكلة منطقية، هي إمكان الوصول إلى ~~اليقين، عن طريق مجموعة معقدة من الحجج قوامها بعض الخدع والتفكير ~~اللاهوتي، وهي حجج لا يمكن أن يأخذها أي قارئ ذي عقلية علمية في ~~عصرنا هذا مأخذ الجد؟ # إن البحث النفسي للفلاسفة مشكلة تستحق من الانتباه أكثر مما ~~يبديه بها الكتاب الذين يعرضون تاريخ الفلسفة، وإن دراسة هذا ~~الموضوع لهي خليقة بأن تلقي على معنى المذاهب الفلسفية ضوءا أعظم ~~مما تلقيه عليها كل محاولات التحليل المنطقي لهذه المذاهب؛ ففي ~~استدلال ديكارت منطق هزيل، غير أننا نستطيع أن نستخلص منه قدرا ~~كبيرا من المعلومات النفسية؛ ذلك لأن البحث عن اليقين هو الذي جعل ~~هذا الرياضي الممتاز ينجرف في تيار هذا المنطق المتخبط. ويبدو ms038 أن ~~البحث عن اليقين يمكن أن يعمي بصيرة المرء عن مصادرات المنطق، وأن ~~محاولة بناء المعرفة على أساس العقل وحده كفيلة بأن تجعله يتخلى عن ~~مبادئ التفكير السليم. # ويفسر علماء النفس السعي إلى اليقين بأنه الرغبة في العودة إلى ~~العهود الأولى للطفولة، وهي العهود التي لم يكن يعكرها الشك، وكانت ~~تسترشد بالثقة في حكمة الوالدين. وتقوى هذه الرغبة عادة بفضل ~~التربية التي تعود الطفل على أن يرى في الشك خطيئة، وفي الثقة ~~فضيلة يحض عليها الدين. وفي استطاعة من يكتب تاريخ حياة ديكارت أن ~~يحاول الجمع بين هذا التفسير العام وبين الطابع الديني لشكوك ~~ديكارت، ودعائه من أجل الاستنارة، وذهابه إلى الحج، وكلها أمور تدل ~~على أن هذا الرجل كان في حاجة إلى مذهبه الفلسفي لكي يتغلب على ~~عقدة من الحيرة وانعدام اليقين متغلغلة فيه بعمق. وعلى الرغم من ~~أننا لا نود القيام بدراسة مفصلة لحالة ديكارت، ففي استطاعتنا أن ~~نستخلص منها نتيجة هامة، هي أنه إذا كانت هناك غاية محددة مقدما، ~~تتحكم في نتيجة البحث المنطقي، وإذا جعلنا من المنطق أداة للبرهنة ~~على نتيجة نرغب في إثباتها لسبب آخر معين، فإن منطق الحجة يصبح ~~معرضا للخطأ والمغالطة؛ ذلك لأن المنطق لا يزدهر إلا في جو من ~~الحرية التامة، وفي تربة لا تثقل ثمارها مخلفات الخوف والتحامل. ~~وعلى من يبحث في طبيعة المعرفة أن يفتح عينيه جيدا، ويكون على ~~استعداد لقبول أية نتيجة يأتي بها الاستدلال السليم، ولا يهتم إذا ~~جاءت النتيجة مناقضة لتصوره الخاص لما ينبغي أن تكون عليه المعرفة. ~~فعلى الفيلسوف ألا يجعل من نفسه عبدا لرغباته. # هذه النصيحة تبدو ضئيلة الشأن، ولكنها لا تبدو كذلك إلا لأننا لا ~~ندرك مدى صعوبة اتباعها. فالسعي إلى اليقين من أخطر مصادر الخطأ؛ ~~لأنه يرتبط بادعاء معرفة عليا. وهكذا يعد يقين البرهان المنطقي ~~مثلا أعلى للمعرفة، ويشترط في كل معرفة أن يكون من الممكن إثباتها ~~بمناهج تماثل المنطق في إمكان الاعتماد عليها. ولكي ندرك النتائج ~~المترتبة على هذه النظرية، علينا أن ms039 ندرس طبيعة البرهان المنطقي ~~بمزيد من الدقة. # يطلق على البرهان المنطقي اسم الاستنباط # deduction ~~؛ إذ إننا نتوصل فيه إلى النتيجة عن ~~طريق استنباطها من قضايا أخرى تسمى بمقدمات الاستدلال. والاستدلال ~~نفسه مركب بحيث إنه إذا صحت المقدمات وجب أن تكون النتيجة بدورها ~~صحيحة. مثال ذلك أننا نستطيع أن نستخلص من القضيتين «كل إنسان ~~فان» و«سقراط إنسان»، النتيجة «سقراط فان». ويكشف هذا المثل عن ~~الطابع الفارغ للاستنباط؛ فلا يمكن أن تذكر النتيجة شيئا أكثر مما ~~ورد في المقدمات، وإنما هي تقتصر على الإفصاح عن محتوى معين موجود ~~ضمنيا في المقدمات؛ فهي تنزع الغلاف - إن جاز هذا التعبير - عن ~~المضمون الذي كان مغلفا في المقدمات. # وإن قيمة الاستنباط لترجع إلى كونه فارغا؛ ذلك لأن كون ~~الاستنباط لا يضيف أي شيء إلى المقدمات، هو ذاته السبب الذي يتيح ~~على الدوام تطبيقه دون خوف من أن يؤدي إلى الإخفاق. وبعبارة أدق، ~~فليست النتيجة بأقل يقينا من المقدمة؛ فالوظيفة المنطقية ~~للاستنباط هي نقل الحقيقة من القضايا المعطاة إلى قضايا أخرى، ~~ولكنه لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك؛ فهو لا يستطيع أن يثبت ~~الحقيقة التركيبية إلا إذا كنا نعرف من قبل حقيقة تركيبية ~~أخرى. # ومن الملاحظ أن مقدمتي المثال السابق، وهما «كل إنسان فان» ~~«وسقراط إنسان»، هما معا حقيقتان تجريبيتان؛ أي إنهما حقيقتان ~~مستمدتان من الملاحظة؛ ومن ثم فإن النتيجة، وهي «سقراط فان»، هي ~~بدورها حقيقة تجريبية، وليس فيها من اليقين أكثر مما في المقدمتين. ~~ولقد ظل الفلاسفة دائما يحاولون الاهتداء إلى مقدمات من نوع أفضل، ~~لا تتعرض لأي نوع من النقد، وكان ديكارت يعتقد أن لديه حقيقة لا ~~يتطرق إليها الشك في مقدمته «أنا أفكر». وقد أوضحنا من قبل أن لفظ ~~«أنا» في هذه المقدمة يمكن الشك فيه، وأن الاستدلال لا يأتينا ~~بيقين مطلق. ومع ذلك فإن صاحب المذهب العقلي لا يستسلم، وإنما يظل ~~يبحث عن مقدمات لا يتطرق إليها الشك. # على أن هناك بالفعل مقدمات من هذا النوع، هي تلك التي تقدمها لنا ms040 ~~مبادئ المنطق؛ فالقول إن كل شيء في هوية مع ذاته، وإن كل جملة إما ~~صادقة وإما كاذبة - أي «أن تكون أو لا تكون» بالمعنى المنطقي - هي ~~مقدمات لا يتطرق إليها الشك، ولكن عيبها أنها بدورها فارغة؛ فهي لا ~~تذكر شيئا عن العالم الفيزيائي، وإنما هي قواعد نستخدمها في وصف ~~العالم الفيزيائي، دون أن تسهم بشيء في مضمون الوصف، فهي تتحكم في ~~صورته وحدها؛ أي في لغة وصفنا؛ وإذن فمبادئ المنطق تحليلية (وقد ~~سبق أن أشرنا إلى هذا اللفظ على أنه يعني «ما هو فارغ ويشرح ذاته ~~بذاته»). وفي مقابل ذلك تكون القضايا التي تنبئنا بواقعة، كمشاهدات ~~عيوننا، قضايا تركيبية؛ أي قضايا تضيف شيئا إلى معرفتنا، غير أن ~~كل القضايا التركيبية التي تقدمها لنا التجربة معرضة للشك، ولا ~~يمكنها أن تأتينا بمعرفة ذات يقين مطلق. # وقد بذلت محاولة لإثبات اليقين المطلوب بناء على مقدمة تحليلية ~~في البرهان الأنطولوجي المشهور على وجود الله، الذي وضعه «أنسلم، ~~أسقف كنتربري» في القرن الحادي عشر. ويبدأ البرهان بتعريف الله على ~~أنه كائن لا نهائي الكمال. ولما كان مثل هذا الكائن ينبغي أن تكون ~~له كل الصفات الأساسية، # 2 # فلا بد أن تكون له أيضا صفة الوجود؛ ومن ذلك يستنتج أن ~~الله موجود. والواقع أن المقدمة تحليلية؛ لأن كل تعريف تحليلي. ولما ~~كانت القضية القائلة بوجود الله تركيبية، فإن الاستدلال يمثل خدعة ~~تستخلص فيها نتيجة تركيبية من مقدمة تحليلية. # ومن السهل أن نتبين الطبيعة المغالطة لهذا الاستدلال من نتائجه ~~الممتنعة؛ فإذا كان من حقنا أن نستدل على الوجود من تعريف، لكان في ~~استطاعتنا إثبات وجود قط ذي ثلاثة ذيول، عن طريق تعريف مثل هذا ~~الحيوان بأنه قط له ثلاثة ذيول ويتصف بالوجود. وتنحصر المغالطة، من ~~وجهة النظر المنطقية، في الخلط بين الكليات والجزئيات؛ فمن التعريف ~~لا يمكننا أن نستدل إلا على القضية الكلية القائلة: إنه إذا كان ~~شيء ما قطا ذا ثلاثة ذيول فإنه موجود، وهي قضية صحيحة. أما القضية ~~الجزئية القائلة إن هناك قطا ذا ms041 ثلاثة ذيول فلا يمكن أن تستخلص. ~~وبالمثل لا يمكننا أن نستدل من تعرف أنسلم إلا على القضية القائلة ~~إنه إذا كان شيء ما كائنا مطلق الكمال فإنه موجود، لا أن نستدل ~~على أن مثل هذا الكائن موجود (وبهذه المناسبة فإن الخلط الذي وقع ~~فيه أنسلم بين الكليات والجزئيات يشبه خلطا مماثلا وقعت فيه ~~نظرية القياس الأرسططالية). # ولقد كان «إمانويل ~~كانت # lmmanuel Kant ~~» (1724-1804م) هو الذي أدرك أن اليقين ذا ~~الطبيعة التركيبية لا يمكن أن يستمد من مقدمات تحليلية، وإنما ~~يحتاج إلى مقدمات تركيبية لا سبيل إلى الشك في صحتها. ولما كان ~~يؤمن بوجود أمثال هذه القضايا، فقد أسماها ب «القضايا التركيبية ~~القبلية» # synthetic a priori ~~. وكلمة «القبلية» تعني «غير مستمد من ~~التجربة»، أو «مستمدا من العقل وذا صحة مطلقة». وتمثل فلسفة «كانت» ~~محاولة كبرى لإثبات وجود حقائق تركيبية قبلية، وهي من الوجهة ~~التاريخية تمثل آخر بناء هائل لفلسفة عقلية. ولقد تفوق «كانت» على ~~أفلاطون وديكارت، اللذين سبقاه في نفس الاتجاه؛ لأنه تجنب أخطاءهما، ~~فهو لا يلتزم بالقول بوجود المثل الأفلاطونية، كذلك فإنه لا يقدم ~~إلينا خلسة مقدمة ذات ضرورة وهمية عن طريق ارتكاب خدعة كتلك التي ~~ارتكبها ديكارت، وإنما هو يبدأ، مثل أفلاطون، بالمعرفة الرياضية، ~~وإن لم يكن يفسر هذه المعرفة بوجود موضوعات ذات حقيقة أعلى، وإنما ~~بتأويل بارع للمعرفة التجريبية، سنعرض له الآن. # إذا كان مظهر التقدم في الفلسفة هو كشف أسئلة ذات دلالة، فمن ~~الواجب أن ننسب إلى «كانت» مكانة رفيعة نظرا إلى سؤاله المتعلق ~~بوجود المعرفة التركيبية القبلية. ومع ذلك فإنه، شأنه شأن غيره من ~~الفلاسفة، يطالب لنفسه بمكانة رفيعة، لا على أساس السؤال، وإنما ~~على أساس إجابته عليه، بل إنه يصوغ السؤال على نحو مختلف إلى حد ~~ما؛ إذ إن اقتناعه بوجود المعرفة التركيبية القبلية بلغ حدا جعله ~~لا يرى ضرورة في التساؤل عن وجودها، وإنما وضع السؤال في صيغة: كيف ~~تكون المعرفة التركيبية القبلية ممكنة؟ وهو يرد على هذا السؤال ~~بالقول: إن الدليل على وجودها ms042 مستمد من الرياضيات والفيزياء ~~الرياضية. # والواقع أن هناك أمورا كثيرة جدا يمكن أن تقال دفاعا عن موقف ~~«كانت»؛ فنظرته إلى بديهيات الهندسة على أنها تركيبية قبلية، تشهد ~~بعمق فهمه للمشكلات الخاصة التي تثيرها الهندسة. ولقد أدرك «كانت» أن ~~هندسة إقليدس لها مركز فريد، من حيث إنها كشف عن علاقات ضرورية ~~تسري على موضوعات تجريبية، وهي علاقات لا يمكن أن تعد تحليلية. وهو ~~في هذه النقطة أصرح وأوضح بكثير من أفلاطون؛ فقد أدرك «كانت» أن دقة ~~البرهان الرياضي لا يمكن أن تفسر الصحة التجريبية للنظريات ~~الهندسية. فالقضايا الهندسية، كالنظرية المتعلقة بمجموع زوايا ~~المثلث، أو نظرية فيثاغورس، تستخلص باستنباط منطقي دقيق من ~~المقدمات، غير أن هذه المقدمات ذاتها لا تستخلص على هذا النحو؛ إذ ~~لا يمكن استخلاصها؛ لأن كل استخلاص لنتائج تركيبية ينبغي أن يبدأ ~~بمقدمات تركيبية. وإذن فمن الواجب إثبات صحة البديهيات بوسائل أخرى ~~غير المنطق، فلا بد أن تكون تركيبية قبلية. وعندما نعرف أن المقدمات ~~تصدق على الموضوعات الفيزيائية، يضمن المنطق بعدئذ انطباق ~~النظريات على هذه الموضوعات، ما دامت صحة البديهيات تنتقل ~~بالاستنباط المنطقي إلى النظريات. وبالعكس، فإذا اقتنع المرء بأن ~~النظريات الهندسية تنطبق على الواقع الفيزيائي، كان في ذلك اعتراف ~~بصحة البديهيات؛ وبالتالي بالمعرفة التركيبية القبلية. والواقع أن ~~نفس الأشخاص الذين لا يودون أن يعترفوا صراحة بالمعرفة التركيبية ~~القبلية، يسلكون على نحو ينم عن إيمانهم بها؛ إذ إنهم لا يترددون ~~في تطبيق نتائج الهندسة على قياسات عملية. ويرى «كانت» أن هذه الحجة ~~تثبت وجود معرفة تركيبية قبلية. # ويعتقد «كانت» أن من الممكن الإتيان بحجج مماثلة بالنسبة إلى ~~الفيزياء الرياضية؛ فهو يقول إننا لو سألنا عالم الفيزياء عن وزن ~~الدخان لتوصل إليه عن طريق وزن المادة قبل الاحتراق، ثم طرح وزن ~~الرماد. وفي تحديد وزن الدخان على هذا النحو نعبر عن تسليمنا بأن ~~المادة لا تفنى. وهكذا يتضح، كما يقول «كانت»، أن مبدأ بقاء المادة ~~حقيقة تركيبية قبلية، يعترف بها الفيزيائي في طريقة إجرائه ~~لتجربته. ونحن نعلم اليوم أن الحساب ms043 الذي أوضحه «كانت» يؤدي إلى ~~نتيجة غير صحيحة؛ إذ إنه لا يأخذ بعين الاعتبار وزن الأكسجين الذي ~~يدخل في تفاعل كيميائي مع المادة المحترقة. # ومع ذلك فلو كان «كانت» قد عرف هذا الكشف الذي ظهر فيما بعد، ~~لقال إنه على الرغم من كونه يؤدي إلى تعديل طريقة الحساب، فإنه لا ~~يناقض مبدأ بقاء المادة، وسيظل هذا المبدأ هو الذي يكون إطار ~~الحساب إذا أخذنا وزن الأكسجين في الاعتبار. # وهناك مبدأ تركيبي قبلي آخر يأخذ به عالم الفيزياء في نظر «كانت»، ~~هو مبدأ العلية؛ فعلى الرغم من أننا نعجز في كثير من الأحيان عن ~~الاهتداء إلى سبب لحادث ملاحظ، فإننا لا نفترض أنه حدث بلا سبب، ~~وإنما نقتنع بأننا سنهتدي إلى السبب لو أننا مضينا في البحث عنه. ~~هذا الاقتناع يتحكم في منهج البحث العلمي ، وهو القوة الدافعة لكل ~~تجربة علمية؛ إذ إننا لو لم نكن نؤمن بالعلية، لما كان هناك علم. ~~وهكذا فإن «كانت» يثبت المعرفة التركيبية القبلية في هذه الحالة، ~~كما في حججه الأخرى، بالرجوع إلى طريقة سير العلم؛ أي إن أساس مذهب ~~«كانت» الفلسفي هو القول إن العلم يفترض المعرفة التركيبية القبلية ~~مقدما. # والواقع أن الأساس العلمي لموقف «كانت» هو مصدر قوة هذا الموقف؛ ~~فسعيه إلى اليقين ليس من النوع الصوفي الذي يلجأ إلى القول برؤية ~~لعالم المثل، وليس من النوع الذي يلجأ إلى خدع منطقية تستخلص ~~اليقين من مقدمات فارغة، مثلما يستخلص الحواة أرنبا من قبعة ~~خالية، وإنما يستعين كانت بالعلم السائد في عصره لكي يبرهن على ~~إمكان بلوغ اليقين. وهو يذهب إلى أن حلم اليقين لدى الفيلسوف يجد ~~له في نتائج العلم دعامة يرتكز عليها؛ أي إن «كانت» يستمد قوته من ~~إهابته بسلطة العالم. # غير أن الأرض التي ارتكز عليها «كانت» لم تكن من الرسوخ بقدر ما ~~تصور؛ فهو قد رأى في فيزياء نيوتن المرحلة الأخيرة لمعرفة الطبيعة، ~~ورفع هذه الفيزياء فكريا إلى مرتبة المذهب الفلسفي. وهكذا كان ~~يعتقد أنه، باستخلاصه مبادئ نيوتن من العقل الخالص، ms044 قد توصل إلى ~~تبرير عقلي كامل للمعرفة، وحقق الهدف الذي عجز السابقون عليه عن ~~بلوغه. ويدل عنوان كتابه الأكبر «نقد العقل الخالص» على البرنامج ~~الذي استهدفه، وهو أن يجعل العقل مصدرا للمعرفة التركيبية ~~القبلية؛ وبالتالي أن يثبت، على أساس فلسفي، أن الرياضيات ~~والفيزياء السائدة في أيامه حقيقة ضرورية. # ومن غرائب الأمور المشاهدة بالفعل أن أولئك الذين يرقبون البحث ~~العلمي من الخارج ويعجبون به، يكون لديهم في كثير من الأحيان ثقة ~~في نتائج هذا البحث العلمي تفوق ثقة أولئك الذين يسهمون في تقدمه؛ ~~فالعالم يعرف الصعوبات التي كان عليه أن يذللها قبل أن يثبت ~~نظرياته، وهو يعلم أن الحظ قد حالفه في كشف النظريات التي تلائم ما ~~لديه من ملاحظات، وفي جعل الملاحظات التالية تلائم نظرياته، وهو ~~يدرك أنه قد تظهر في أية لحظة ملاحظات متعارضة أو صعوبات جديدة، ~~ولا يزعم أبدا أنه قد اهتدى إلى الحقيقة النهائية. أما فيلسوف ~~العلم، الذي هو أشبه بالحواريين حين يكونون أشد تعصبا من النبي ~~ذاته، فإنه معرض لخطر الثقة بنتائج العلم إلى حد يفوق ما يجيزه أصل ~~هذه النتائج، المبني على الملاحظة والتعميم. # على أن الإفراط في الثقة بنتائج العلم لا يقتصر على الفيلسوف، ~~وإنما أصبح سمة عامة للعصر الحديث؛ أي للفترة التي تبدأ من عهد ~~جاليليو إلى وقتنا الحالي، وهي الفترة التي خلق فيها العلم الحديث. ~~فالاعتقاد بأن لدى العلم الإجابة على كل سؤال - أي بأن كل ما على ~~المرء، إذا كان في حاجة إلى معلومات فنية، أو كان مريضا، أو يعاني ~~مشكلة ما، هو أن يسأل العالم ليجد لديه الجواب - قد بلغ من ~~الانتشار حدا جعل العلم يضطلع بوظيفة اجتماعية كانت في الأصل من ~~مهام الدين، وأعني بها وظيفة كفالة الطمأنينة القصوى؛ ففي حالات كثيرة حل ~~الإيمان بالعلم محل الإيمان بالله، وحتى عندما كان الدين يعد ~~متمشيا مع العلم، كان يعدل بحيث يلائم عقلية المؤمن بالحقيقة ~~العلمية. وإذا كان عصر التنوير، الذي ينتمي إليه «كانت»، قد رفض ~~التخلي عن الدين، فإنه قد ms045 حول الدين إلى عقيدة للعقل، وجعل الله ~~أشبه بعالم رياضي يعرف كل شيء لأن لديه استبصارا كاملا بقوانين ~~العقل. فلا عجب إذن إن بدا العالم الرياضي أشبه بأنه صغير ينبغي أن ~~تقبل تعاليمه على أساس أنها بمنأى عن الشك. وهكذا فإن كل مخاطر ~~اللاهوت، من قطعية جازمة وتحكم في الفكر من أجل ضمان اليقين، تعود ~~إلى الظهور في أية فلسفة تعد العلم معصوما من الخطأ. # ولو كان «كانت» قد عاش ليشهد العلم الفيزيائي والرياضي في عصرنا ~~هذا، لتخلى، على الأرجح، عن فلسفة المعرفة التركيبية القبلية، وإذن ~~فلننظر إلى كتبه على أنها وثائق تنتمي إلى عصرها الخاص، وعلى أنها ~~محاولة بذلها لإشباع نهمه إلى اليقين، عن طريق إيمانه بفيزياء ~~نيوتن. والواقع أن مذهب «كانت» ينبغي أن يعد بناء علويا ~~أيديولوجيا، شيد على أساس علم فيزيائي يلائم فكرة المكان المطلق، ~~والزمان المطلق، والحتمية المطلقة للطبيعة. وهذا الأصل يفسر نجاح ~~المذهب وإخفاقه؛ أي إنه يوضح السبب الذي يعد «كانت» من أجله، في ~~نظر الكثيرين، أعظم الفلاسفة في كل العصور، والذي تعجز فلسفته من ~~أجله عن أن تقدم أي شيء لمن يعيشون مثلنا في عصر فيزياء أينشتين ~~وبور. # كذلك فإن هذا الأصل يعلل تلك الحقيقة النفسية، وأعني بها أن ~~«كانت» لم يدرك نقطة الضعف في البناء المنطقي الذي كان يريد أن ~~يبرر به المعرفة التركيبية القبلية؛ ذلك لأن الغرض الذي يحدد ~~مقدما، هو الذي يعمي الفيلسوف عن إدراك المسلمات التي أدخلها ~~ضمنا في فلسفته. ولكي أوضح نقدي هذا، فسوف أناقش الآن الجزء ~~الثاني من نظرية «كانت» في المعرفة التركيبية القبلية، وهو الجزء ~~الذي حاول فيه الإجابة عن السؤال: «كيف تكون المعرفة التركيبية ~~القبلية ممكنة؟» # لقد ذهب «كانت» إلى أنه يستطيع تفسير حدوث المعرفة القبلية ~~التركيبية بواسطة نظرية تبين أن المبادئ القبلية شروط ضرورية ~~للتجربة؛ فهو يرى أن الملاحظة وحدها لا تأتينا بمعرفة، وأن من ~~الواجب تنظيم الملاحظات وترتيبها قبل أن يتسنى لها أن تصبح معرفة. ~~وهو يعتقد أن تنظيم المعرفة يتوقف على استخدام مبادئ ms046 معينة، ~~كالبديهيات الهندسية، ومبدأي العلية وبقاء المادة، وهي مبادئ كامنة ~~في الذهن البشري، نستخدمها مبادئ تنظيمية عند تشييدنا للعلم. وهكذا ~~يخلص من ذلك إلى أنها ذات صحة ضرورية؛ لأن العلم يكون بدونها ~~مستحيلا. وهو يسمي هذا البرهان باسم الاستنباط الترنسندنتالي ~~للمعرفة التركيبية القبلية. # وينبغي أن نعترف بأن تفسير «كانت» للمعرفة التركيبية القبلية أرفع ~~بكثير من تحليل أفلاطون لهذا الموضوع؛ ذلك لأن أفلاطون يفترض، من ~~أجل تفسير قدرة العقل على معرفة الطبيعة، وجود عالم من الأشياء ~~المثالية التي يدركها العقل، والتي تتحكم على نحو ما في الأشياء ~~الفعلية، أما «كانت» فلا نجد عنده مثل هذه النزعة الصوفية، وإنما ~~تقول حجته إن للعقل معرفة بالعالم الفيزيائي؛ لأنه يشكل الصورة التي ~~نشيدها للعالم الفيزيائي؛ فالمعرفة التركيبية القبلية ترجع إلى أصل ~~ذاتي، وهي شرط يفرضه الذهن البشري على المعرفة البشرية من ~~أعلى. # وسأضرب مثلا بسيطا أوضح به تفسير «كانت»؛ فالشخص الذي يلبس نظارة ~~زرقاء يرى كل الأشياء زرقاء، غير أنه لو كان قد ولد بهذه النظارة، ~~لنظر إلى الزرقة على أنها صفة ضرورية في الأشياء جميعا، ولكان ~~لا بد من مضي بعض الوقت قبل أن يكتشف أنه هو، أو على الأصح نظارته، ~~الذي يضفي الزرقة على العالم. فالمبادئ التركيبية القبلية للفيزياء ~~والرياضة هي النظارة الزرقاء التي نرى من خلالها العالم؛ ومن هنا ~~فليس لنا أن ندهش حين نجد كل تجربة تدعمها؛ لأننا لا نستطيع أن ~~نكتسب تجربة بدونها. # 3 # هذا المثل لا يرجع إلى «كانت»، بل إنه يبدو في الواقع غريبا عن ~~روح مؤلف تلك الكتب الغامضة التي تحفل بأفكار مجردة مصوغة بلغة ~~معقدة، تجعل القارئ متعطشا إلى أمثلة عينية ملموسة. ولو كان «كانت» ~~قد اعتاد شرح أفكاره باللغة الواضحة البسيطة التي يستخدمها العالم، ~~لجاز أن يكتشف عندئذ أن استنباطه الترنسندنتالي ذو قيمة مشكوك ~~فيها، ولأدرك أن حجته، إذا ما امتدت أبعد من ذلك، تؤدي إلى تحليل ~~من النوع الآتي: # هب أن من الصحيح أنه لا توجد تجربة تستطيع تكذيب المبادئ ~~القبلية، فمعنى ذلك ms047 أن أية ملاحظات نقوم بها يمكن على الدوام أن ~~تفسر أو ترتب بطريقة تتفق وهذه المبادئ. مثال ذلك أنه لو كانت ~~النتائج التي نتوصل إليها من قياس زوايا مثلث، تتناقض مع النظرية ~~المتعلقة بمجموع زوايا المثلث، لعزونا الفوارق إلى أخطاء في ~~الملاحظة، ولأدخلنا «تصحيحات» على المقادير التي قيست بحيث تتفق مع ~~النظرية الهندسية، أما إذا استطاع الفيلسوف أن يثبت أن هذا الإجراء ~~ممكن دائما بالنسبة إلى جميع المبادئ القبلية، لتبين أن هذه ~~المبادئ فارغة؛ وبالتالي تحليلية، وفي هذه الحالة لا تكون هذه ~~المبادئ شروطا تقيد التجارب الممكنة، ولا تنبئنا بشيء عن خصائص ~~العالم الفيزيائي. وبالفعل حاول «هنري بوانكاريه» أن يمتد بنظرية ~~«كانت» في هذا الاتجاه، وذلك فيما أسماه بالمذهب الاصطلاحي؛ فهو ينظر ~~إلى هندسة إقليدس على أنها اصطلاح متعارف عليه؛ أي على أنها قاعدة ~~نفرضها باختيارنا على النظام الذي نرتب به تجاربنا. وسوف نوضح في ~~الفصل الثامن ما في هذه النظرية من قصور. ولكي نضرب مثلا لمعنى ~~المذهب الاصطلاحي في مجال غير مجال الهندسة، فلنتأمل القضية ~~القائلة إن جميع الأعداد التي تزيد على 99 ينبغي أن تكتب بثلاثة ~~أرقام على الأقل. هذه القضية لا تصدق إلا على النظام العشري، وهي ~~تخفق في حالة الطرق الأخرى للتدوين، كالنظام الاثني عشري عند ~~البابليين، الذي استخدم العدد 12 أساسا لنظامه العددي. فالنظام ~~العشري اصطلاح نستخدمه في طريقتنا الخاصة في تدوين الأرقام، ونحن ~~نستطيع أن نثبت أن جميع الأعداد يمكن أن تكتب بهذه الطريقة في ~~التدوين؛ وعلى ذلك فالقضية القائلة إن جميع الأعداد التي تزيد على ~~99 ينبغي أن تكتب بثلاثة أرقام على الأقل، هي قضية تحليلية عندما ~~تشير إلى هذا النظام. فإذا أردنا أن نفسر فلسفة «كانت» بأنها مذهب ~~اصطلاحي، لكان علينا أن نبرهن على أن مبادئ كانت يمكن التمسك بها ~~إزاء كل التجارب الممكنة. # غير أننا لا نستطيع تقديم برهان كهذا، بل إنه لو كانت المبادئ ~~القبلية تركيبية، كما اعتقد «كانت»، لكان مثل هذا البرهان ~~مستحيلا؛ ذلك لأن كلمة «تركيبية» تعني أننا ms048 نستطيع تصور تجارب ~~تناقض المبادئ القبلية. وإذا كان في استطاعتنا أن نتخيل تجارب ~~كهذه، فليس لنا أن نستبعد إمكان مجيء يوم تكون لنا فيه مثل هذه ~~التجارب بالفعل. على أن «كانت» قد يرد بقوله إن مثل هذه الحالة لا ~~يمكن أن تحدث؛ لأن المبادئ شروط ضرورية للتجربة، أو بعبارة أخرى، ~~لأن التجربة بوصفها نسقا منظما من الملاحظات، لن تكون في الحالة ~~المذكورة ممكنة. ولكن كيف يعرف أن التجربة ستكون دائما ممكنة؟ إن ~~«كانت» لا يملك دليلا على أننا لن نصل أبدا إلى مجموع من ~~الملاحظات لا يمكن تنظيمه في إطار مبادئه الأولية، ويجعل التجربة - ~~أعني التجربة بالمعنى الكانتي على الأقل - مستحيلة. ولو عبرنا عن ~~هذه المسألة من خلال المثال السابق، لقلنا إن هذه الحالة يمكن أن ~~تحدث لو لم تكن في العالم الفيزيائي أشعة ضوئية لها طول الموجة ~~المناظرة للأزرق، فعندئذ لا يرى الرجل ذو النظارة الزرقاء شيئا. ~~ولو حدثت الحالة المناظرة في العلم، أعني إذا أصبحت التجربة من ~~النوع الذي يقول به «كانت» مستحيلة، لاتضح أن مبادئ «كانت» لا ~~تسري على العالم الفيزيائي. ولما كان مثل هذا التفنيد ممكنا، فلا ~~يمكن أن تسمى المبادئ قبلية. وهكذا فإن المصادرة القائلة إن ~~التجربة في إطار المبادئ القبلية ينبغي أن تكون ممكنة، هي المقدمة ~~التي لم يبرهن عليها «كانت»، والتي يرتكز عليها مذهبه، ويدلنا عدم ~~تصريحه بالمقدمة التي يرتكز عليها، على أن البحث عن اليقين جعله ~~يغفل نواحي القصور في حجته. # على أنني لا أود أن أظهر بمظهر عدم الاحترام نحو فيلسوف عصر ~~التنوير. فنحن نستطيع أن نثير هذا الاعتراض؛ لأننا رأينا الفيزياء ~~تدخل مرحلة ينهار فيها إطار المعرفة الكانتية، ولم تعد الفيزياء في ~~أيامنا هذه تعترف ببديهيات الهندسة الإقليدية، ومبدأي العلية ~~والجوهر. ونحن نعلم أن الرياضة تحليلية، وأن جميع تطبيقات الرياضة ~~على الواقع الفيزيائي، وضمنها الهندسة الفيزيائية، لها صحة ~~تجريبية، ويمكن أن تصححها التجارب اللاحقة؛ أي إننا نعلم، بعبارة ~~أخرى، أنه لا توجد معرفة تركيبية قبلية، غير أننا لم نكتسب هذه ms049 ~~المعرفة إلا في الوقت الحالي، بعد أن تم تجاوز فيزياء نيوتن وهندسة ~~إقليدس. وإنه لمن الصعب أن يتصور المرء إمكان انهيار نسق علمي ~~عندما يكون ذلك النسق في أوجه، أما بعد أن يصبح هذا الانهيار حقيقة ~~واقعة، فما أسهل الإشارة إليه! # لقد جعلتنا هذه التجربة من الحكمة بحيث نتوقع انهيار أي نسق. ومع ~~ذلك فإنها لم تثبط همتنا؛ فقد أثبتت الفيزياء الحديثة أن في وسعنا ~~اكتساب معرفة خارج إطار المبادئ الكانتية، وأن الذهن البشري ليس ~~قائمة متحجرة من المقولات يكدس العقل في داخلها كل التجارب، بل إن ~~مبادئ المعرفة تتغير بتغير مضمونها، ويمكن تكييفها مع عالم أعقد ~~بكثير من عالم ميكانيكا نيوتن. وإنا لنأمل أن يكون لأذهاننا، في أي ~~موقف في المستقبل، من المرونة ما يتيح لها الإتيان بوسائل للتنظيم ~~المنطقي تستطيع أن تعالج مادة الملاحظة المعطاة، ولكن هذا مجرد ~~أمل، وليس اعتقادا نزعم أن لدينا دليلا فلسفيا عليه. ففي ~~استطاعتنا الآن أن نستغني عن اليقين، ولكن كان لا بد من السير في ~~طريق طويل قبل أن نصل إلى موقف من المعرفة متحرر على هذا النحو. ~~وكان من الضروري أن يهدم البحث عن اليقين نفسه في المذاهب الفلسفية ~~الماضية قبل أن نتمكن من تصور مفهوم للمعرفة يستغني عن جميع ~~ادعاءات الحقيقة المطلقة. # الفصل الرابع # | البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بين مجالي الأخلاق ~~والمعرفة # سقراط ~~: # إذن فسوف نبحث سويا عما تكون المعرفة؟ # مينو ~~: # بالتأكيد. # سقراط ~~: # ولما كنا لا نعلم بعد ما هي، وما طبيعتها، فلنبحث في ~~مسألة إمكان تعليمها، بحيث نقول على سبيل الفرض ما ~~يلي: # إذا كانت علما أو معرفة أو شيئا غير العلم والمعرفة ~~فسوف يكون من الممكن تعليمها أو لا يكون. أليس من الواضح ~~على الأقل أن الإنسان لا يمكنه أن يتعلم إلا ما هو علم أو ~~معرفة؟ # مينو ~~: # هذا ما يبدو لي. # سقراط ~~: # فإذا كانت الفضيلة نوعا من العلم أو المعرفة، فمن ~~الممكن تعليمها؟ # مينو ~~: # بالطبع. # سقراط ~~: # وهكذا ننتهي سراعا من هذا البحث الفرضي؛ فإذا كانت هذه ms050 ~~هي طبيعة الفضيلة، فمن الممكن تعليمها، وإلا فلا. # في هذه الفقرة من محاورة «مينو»، وهي فقرة نعرضها هنا في صورة ~~مختصرة، يناقش سقراط مسألة الفضيلة وهل هي علم. وكما فعل سقراط في ~~محاورة أسبق ناقش فيها نفس هذه المسألة، وهي «بروتاجوراس»، فإنه لا ~~يقدم إجابة واضحة بنعم أو لا، وهو لا يستطيع الوصول إلى جواب قاطع ~~نظرا إلى استخدامه لكلمتي «المعرفة» والتعليم بمعنى مزدوج. إن ~~سقراط يؤكد في كثير من الأحيان أنه لا يعلم أبدا، وإنما يقتصر على ~~أن يساعد شخصا على رؤية الحقيقة بعينيه هو، والمنهج الذي يستخدمه ~~هو توجيه الأسئلة. ويتعلم التلميذ لأن الأسئلة توجه انتباهه إلى ~~نقاط معينة، وهكذا يعرف الجواب الصحيح بالتركيز على العوامل ~~المتصلة بالموضوع، واستخلاص النتائج اللازمة. ومن هذا القبيل تعليم ~~الهندسة اللازمة لبرهان معين يترك دائما للتلميذ، وكل ما يفعله ~~المعلم هو أن يعينه على أداء أفعال الاستبصار هذه، ولكن إذا «تعلم» ~~نتيجة لهذا المنهج المسمى بالمنهج الديالكتيكي، فإن من الممكن ~~جدا أن يقال عن الشخص الذي يجعله يتعلم إنه «يعلم». والواقع أنه ~~لو توسع سقراط في استخدام مصطلحه الغريب بحيث يمتد إلى مجال ~~الهندسة، وأنكر إمكان تعليم الهندسة (وهو ما يفعله أحيانا)، لكان ~~معنى ذلك أن الهندسة ليست معرفة (وهي نتيجة لا يستخلصها)؛ لذلك ~~يبدو أن من الصواب تفسير رأي سقراط بالقول إنه يعني أن الفضيلة ضرب ~~من المعرفة، بنفس المعنى الذي يمكن أن تسمى به الهندسة ضربا من ~~المعرفة. # والواقع أن طريقة عرض سقراط ذاته للمشكلة تبرر هذا التفسير؛ فهو ~~يريد أن يبين لمينو الطريقة التي يمكن بها حل المشكلات الأخلاقية، ~~ويشير لهذا الغرض إلى عملية اكتساب المعرفة الهندسية، وعند هذه ~~النقطة تدب الحياة في المحاورة في المشهد المذكور من قبل، الذي ~~يعمل فيه سقراط على جعل عبد صغير يفهم نظرية هندسية؛ فهو يريد أن ~~يضرب مثلا لرأيه القائل إن المرء ينبغي عليه، لكي يعرف ما ~~الفضيلة وما الخير، أن يقوم بفعل استبصار من نفس النوع اللازم ~~لفهم البراهين الهندسية. وهكذا ms051 تعرض الأحكام الأخلاقية كما لو كانت ~~تكتشف بنوع خاص من الرؤية، مشابه للتبصر بالعلاقات الهندسية. ~~وباستخدام هذه الحجة يقدم إلينا الاستبصار الأخلاقي على أنه مواز ~~للاستبصار الهندسي؛ فإن كان ثمة معرفة هندسية، فلا بد أن تكون هناك ~~أيضا معرفة أخلاقية؛ تلك هي النتيجة التي تبدو محتومة، عندما ~~يتحرر المذهب السقراطي الأفلاطوني من ذلك المصطلح السفسطائي الذي ~~يصاغ به؛ وبهذا المعنى يمكن التعبير عن هذا المذهب في القضية ~~القائلة إن الفضيلة هي العلم. # وعن طريق هذه القضية، أثبت أفلاطون التوازي بين مجالي الأخلاق ~~والمعرفة؛ أي أثبت النظرية القائلة إن الاستبصار ضرب من المعرفة أو ~~العلم؛ فإذا ارتكب شخص فعلا لا أخلاقيا، فهو جاهل بنفس المعنى ~~الذي يكون به الشخص الذي يرتكب أخطاء في الهندسة جاهلا؛ أي إنه ~~عاجز من القيام بفعل الرؤية الذي يكشف له عن الخير، وهي رؤية من ~~نفس النوع الذي يكشف له عن الحقيقة الهندسية. # فإذا ما قارنا بين هذا الرأي وبين الصورة التي تعرض بها المبادئ ~~الأخلاقية في الكتاب المقدس، لظهر لنا فارق واضح؛ فالكتاب المقدس ~~يعرض القواعد الأخلاقية على أنها كلمة الله؛ أي إله العبرانيين ~~الذي يوجه الوصايا العشر إلى موسى على جبل سيناء: «لا تقتل!» و«لا ~~تسرق!» ولا شك أن الصيغة الآمرة التي تتسم بها القواعد تدل بوضوح ~~على أن المقصود منها أن تكون أمرا، لا أن تكون إقرارا لأمر واقع. ~~ويبدو أن تحول القواعد الأخلاقية إلى ضرب من المعرفة كان اختراعا ~~متأخرا؛ فالعبرانيون كانوا خليقين بأن يروا في المساواة بين ~~الوصايا العشر وبين قانون للطبيعة أو قانون رياضي استخفافا بكلمة ~~الله. وفي الوقت الذي ظهرت فيه أسفار موسى، لم تكن المعرفة قد ~~اتخذت صورة نسق منظم؛ إذ لم تكن هندسة المصريين القدماء سوى مجموعة ~~من القواعد العملية التي تفيد في مسح الأرض وتشييد المعابد، وكان ~~أحد اليونانيين هو الذي اكتشف أن من الممكن إثبات الهندسة في شكل ~~برهان منطقي؛ وعلى ذلك فإن النظرة إلى الفضيلة على أنها علم هي ~~طريقة يونانية خالصة في التفكير. ms052 ولقد كان من الضروري، قبل أن ~~يتسنى النظر إلى المعرفة على أنها هي التي تمدنا بأساس القواعد ~~الأخلاقية، أن تتخذ المعرفة أولا ذلك الطابع الذي أضفته عليها ~~الروح اليونانية، بما فيه من كمال وشرف، عن طريق بناء الرياضيات ~~بوصفها نسقا منطقيا. وكان لا بد من الاعتراف أولا بأن قوانين ~~الطبيعة والرياضة قوانين بالمعنى الصحيح؛ أعنى علاقات تفرض علينا ~~احترامها، ولا تحتمل أية استثناءات، قبل أن يمكن تصور هذه القوانين ~~على أنها موازية للقوانين الأخلاقية. وإن المعنى المزدوج لكلمة ~~«القانون»، بوصفه أمرا أخلاقيا وقاعدة للطبيعة أو العقل، ليشهد ~~بتحقق هذه الموازاة. # ويبدو أن الدافع إلى فكرة الموازاة هو الرغبة في إقامة الأخلاق ~~على أساس أقوى من ذلك يزودها به الدين؛ فقد تكفي أوامر الآلهة ~~لإرضاء ذهن ساذج لا يؤرقه أي شك في علو مكانة الأب، غير أن الشعب ~~الذي وضع الصورة المنطقية للرياضة قد اكتشف شكلا جديدا للأوامر، ~~هو الأوامر العقلية. وإن الطابع اللاشخصي لهذا الأمر ليجعله يبدو ~~من نوع أرفع؛ إذ إنه يقتضي الاحترام سواء أكنا نعترف بوجود الآلهة ~~أم لا، وهو يستبعد السؤال عما إذا كانت أوامر الآلهة خيرا، ~~ويحررنا من النظرة التشبيهية بالإنسان، القائلة إن فعل الخير ينحصر ~~في الامتثال لإرادة أعلى؛ فلا عجب إذن إن بدت أفضل طريقة لإثبات أن ~~القواعد الأخلاقية ملزمة للجميع هي إقرار التوازي بين مجالي ~~الأخلاق والمعرفة، والقول بأن الفضيلة هي العلم. # وهناك مذهب فلسفي يعرض فكرة التوازي بين مجالي الأخلاق والمعرفة ~~في صورتها المتطرفة، هو المذهب الأخلاقي عند اسبينوزا (1632-1677م)؛ ~~ففي هذا المذهب يذهب اسبينوزا إلى حد محاكاة طريقة إقليدس في تقديم ~~الهندسة على شكل بديهيات ونظريات، آملا بذلك أن يشيد الأخلاق على ~~أساس متين كأساس الهندسة؛ فهو يبدأ، مثل إقليدس، ببديهيات ~~ومصادرات، ثم يستخلص نظرية بعد الأخرى. والواقع أن كتابه «الأخلاق» ~~يبدو عند قراءته أشبه بكتاب تعليمي في الهندسة، على أن الكتاب في ~~أجزائه الأولى ليس أخلاقيا بالمعنى الذي نقصده، وإنما يقدم نظرية ~~عامة في المعرفة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى ms053 بحث الانفعالات. ويعرض ~~اسبينوزا نظريته القائلة إن الانفعالات تنشأ من أفكار غير كافية في ~~النفس، وهي نظرية تتمشى مع نظرية سقراط القائلة إن الرذيلة جهل. ~~وهو يحاول أن يبين، في فصل عنوانه «في عبودية الإنسان، أو قوة ~~الانفعالات» أن الانفعالات تسبب الحزن والكدر؛ وبالتالي فهي شر؛ ~~فنحن نصل إلى السعادة عندما نتغلب على قوة الانفعالات. وفي فصل آخر ~~بعنوان «قوة العقل، أو في حرية الإنسان» يوضح أن القدرة على هذا ~~التحرر كامنة في العقل. وهكذا فإن أخلاقه رواقية، وهو يرى أن الخير ~~ليس إلا اللذة العقلية للمعرفة، أما السعادة، تستمد من إرضاء ~~الانفعالات ومن متع الحياة، فهي وإن لم تكن في نظره منافية ~~للأخلاق، تبدو له خارجة عن مجال الأخلاق، وهو لا يحبذها، بقدر ~~معتدل، إلا بوصفها غذاء للبدن، لازما لحفظ قدرة الجسم على أداء كل ~~ما تقدر عليه طبيعته من أفعال. # ويتمتع اسبينوزا بسمعة طيبة بين الفلاسفة، ولكني أعتقد أن الفضل ~~في هذه السمعة يرجع إلى شخصيته أكثر مما يرجع إلى فلسفته؛ فقد كان ~~رجلا متواضعا شجاعا، تصدى للدفاع عن نظرياته، وطبق مذهبه ~~الأخلاقي في حياته، وكان يكتسب رزقه بقطع عدسات المناظير، ورفض ~~منصبا جامعيا لأنه قد يؤدي إلى الحد من حرية تفكيره. ولقد تعرض ~~لهجمات متعددة وصفته بأنه ملحد، وطرد من الطائفة اليهودية في ~~أمستردام لمروقه، ولكنه ظل غير عابئ بأي انتقاد، وكان عطوفا على ~~الجميع، ولم يبد كراهية لأحد. # فإذا ما جردنا مذهبه الأخلاقي من صورته المنطقية، لبدا لنا عقيدة ~~لشخص متزن يبدو في نظره ضبط النفس والعمل العقلي أسمى الفضائل. على ~~أنه حين عرض مذهبه الأخلاقي بصورة منطقية، أثبت أن إعجابه بالمنطق ~~يفوق مقدرته في مجال المنطق. والواقع أن منطق استنتاجاته هزيل، ولا ~~يمكن أن تفهم هذه الاستنتاجات بدون كثير من الإضافات الضمنية ~~والتفسيرات النفسية، ولا يمكن أن يعد مذهبه متسقا داخليا على ~~الأقل؛ أي لا يمكن أن تستخلص نتائجه بطريقة صحيحة من بديهياته؛ إذ ~~إن هذه النتائج تتجاوز مضمون مقدماته بكثير. مثال ذلك أنه يقول ms054 ~~بالدليل الأنطولوجي على وجود الله. غير أن التركيبات المنطقية غير ~~الصحيحة يمكن أن تظل لها تلك الوظيفة النفسية في دعم المعتقدات ~~الذاتية، والاستدلال الباطل يمكن أن يكون أداة لا غناء عنها في يد ~~العقيدة الشخصية. ولقد كان اسبينوزا في حاجة إلى ذلك الهيكل الذي ~~يتخذ صورة منطقية؛ لكي يرتكز عليه في قمعه للانفعالات، وفي عدم ~~اكتراثه الغريب بملذات الرغبات. وهكذا فإنه استخدم الطابع العقلي ~~الذي أضفاه سقراط على الأخلاق، كما فعل الكثير من سابقيه، في تشييد ~~مذهب أخلاقي يقلل من شأن الانفعالات. وربما كانت هذه أسوأ نتائج ~~الموازاة بين مجالي الأخلاق والمعرفة؛ فمنذ عهد الرواقيين سادت بين ~~جماهير الناس تلك النظرة إلى الفيلسوف على أنه إنسان بلا انفعال، ~~وأدت تلك النظرة إلى شعور غير الفلاسفة من الناس بأن فيهم نقصا، ~~وذلك عندما يجدون أنفسهم عاجزين عن تحقيق مثل هذه الحكمة، ولكني لا ~~أستطيع أن أرى سببا يدعو الفلاسفة إلى تمجيد هذا النمط غير ~~المنفعل؛ فأنا لا أود أن أصرف أولئك الذين يجدون متعة في عدم ~~الانفعال، عن هذا النوع الخاص بهم من اللذة، ولكني لا أرى سببا ~~يدعو البقية منا، ممن تتخذ لذاتهم صبغة أكثر إنسانية، إلى أن ~~يشعروا بالنقص. فما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش هو الانفعال، وهذه ~~القاعدة تنطبق على الفلاسفة بدورهم. ويبدو أن انفعال اسبينوزا ~~المؤسف نحو المنطق لم يكن يختلف كثيرا عن تلك الأنواع الأكثر ~~إثارة، التي يتبدى عليها الانفعال لدى الأشخاص الآخرين. # ولقد كان البناء الاستنباطي للأخلاق عند اسبينوزا، الذي كان ~~يهدف إلى إثبات إمكان الإتيان ببرهان منطقي على القواعد الأخلاقية، ~~مجرد صورة أكثر تفصيلا وتعقيدا لفكرة سقراط القائلة إن الفضيلة ~~هي العلم، بل إن مذهب اسبينوزا يبني هذه الفكرة على أساس أمتن؛ ~~لأنه يبين أن المعرفة الأخلاقية ليست نتاجا لاستبصار عقلي فحسب، ~~بل إن من الممكن أيضا أن يطبق عليها أقوى أساليب التفكير العقلي، ~~وأعني به الاستنباط المنطقي. فبديهيات الأخلاق، شأنها شأن بديهيات ~~الهندسية؛ ليست إلا نقطة البداية في بناءات استنباطية تؤدي، عن ~~طريق ms055 سلسلة من الاستدلالات، إلى نتائج يتسع نطاقها بالتدريج. ~~فالأخلاق علم، ليس فقط لأن مبادئها الأولى تبدو «صحيحة»، بل أيضا ~~لأنها خاضعة لمبادئ الاستدلال المنطقي، ويمكن أن يطبق عليها أسلوب ~~البرهان المنطقي من أجل إثبات العلاقات بين القوانين الأخلاقية. ~~تلك هي الحجة التي تعبر عن موقف اسبينوزا مثلما تعبر عن موقف سقراط ~~وأفلاطون. # ولكي نوضح هذا التوازي، سنضرب أمثلة لاستنباطات مختارة من ~~الميدانين المعرفي والأخلاقي؛ فعملية الاهتداء إلى الخير، شأنها ~~شأن عملية اكتساب المعرفة، ذات طبيعة متدرجة، وتتم عن طريق خطوات ~~من الاستبصار الذي يزداد وضوحا بالتدريج. وتعليم الحقيقة أو ~~تعليم الفضيلة، ينحصر في مساعدة الشخص على أن يصعد خطوات السلم ~~هذه. فنحن نسأل مثلا إن كان من الممكن رسم دائرة داخل مثلث تكون ~~أضلاعه مماسات للدائرة، فنتخيل صورا تبين دوائر ومثلثات لها هذه ~~العلاقة، ولكنا لا نعلم بعد إن كان من الممكن تحقيق ذلك بالنسبة ~~إلى كل أنواع المثلثات، أو إن كان من الممكن تحقيقه بأكثر من طريقة ~~واحدة. وأخيرا نهتدي إلى البرهان الهندسي القائل إن من الممكن ~~تحقيق ذلك بالنسبة إلى كل مثلث، وبطريقة واحدة بالنسبة إلى المثلث ~~الواحد. هذا الكشف يتم على خطوات، سواء أكنا نحن الذين نهتدي إلى ~~البرهان أم كان هناك معلم يوضحه لنا. وبالمثل قد نتساءل إن كان ~~الكذب على الغير خيرا، وربما أجبنا أنه خير أحيانا وشر أحيانا ~~أخرى، ولكنا إذا مضينا في التحليل أبعد من ذلك اتضح لنا أنه على ~~الرغم من أن الكذب قد يفيدنا أحيانا فإنه ليس خيرا؛ لأن مثل هذا ~~السلوك من جانبنا قد يشجع الآخرين على أن يسلكوا بنفس الطريقة، ~~فتكون النتيجة زوال الثقة المتبادلة في العلاقات بين أفراد البشر. ~~وهكذا تبدو العملية المتدرجة في هذا البحث مشابهة للتفكير الرياضي؛ ~~وبذلك نعرف لماذا كانت القواعد الأخلاقية قابلة لأن تعلم. # غير أن دراسة عمليات الاستنباط تؤدي أيضا إلى إظهار النظرة ~~المعرفية للأخلاق في ضوء جديد؛ فالاستنباط المنطقي ليس وسيلة ~~للاهتداء إلى حقيقة نهائية، وإنما هو مجرد أداة للربط بين حقائق ms056 ~~مختلفة. وقوام الاستنباط الرياضي، في المثال الذي قدمناه من قبل، ~~هو البرهان على أننا إذا سلمنا ببديهيات معينة، فإن النتيجة ~~المتعلقة بالدائرة المرسومة داخل المثلث تلزم عنها، والاستنباط ~~الأخلاقي المشار إليه من قبل هو برهان على أننا إذا رغبنا في غايات ~~معينة، فمن الواجب أن نطيع القاعدة الأخلاقية التي تقضي بالامتناع ~~عن الكذب. وبعبارة أوضح، فإن ما برهنا عليه هو أننا إذا أردنا ~~نظاما اجتماعيا تقوم فيه العلاقات بين أفراد البشر على أساس ~~الثقة المتبادلة، فمن الواجب ألا نكذب. # وفي كلتا الحالتين نجد أن علاقة «إذا كان ... فإن ...» هي القابلة ~~للبرهان، كما أن المثلين إنما يتطابقان في إمكان استنباط هذه ~~العلاقة فيهما معا؛ أي إن كون الفضيلة قابلة لأن تعلم، هو نتيجة ~~تترتب على كون الاعتبارات الأخلاقية، شأنها شأن الاستنباطات ~~الرياضية، تنطوي على عنصر منطقي قابل لأن يحلل بخطوات منطقية، ~~تناظر الخطوات المنطقية في البرهان الرياضي. # ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد أن الاستنباط المنطقي لا يمكنه أن يخلق ~~نتائج مستقلة، وإنما هو أداة للربط فحسب؛ فهو يستمد نتائجه من ~~بديهيات معطاة، ولكنه لا يستطيع أن ينبئنا بشيء من حقيقة ~~البديهيات، وعلى ذلك فإن بديهيات الرياضة تحتاج إلى معالجة مستقلة، ~~ومسألة كونها صحيحة تؤدي، كما أوضحنا من قبل، إلى أسئلة من قبيل ~~السؤال عما إذا كانت هناك معرفة تركيبية قبلية. ويؤدي تحليل ~~الاستنباطات الأخلاقية إلى نتائج مماثلة. فبديهيات الأخلاق، شأنها ~~شأن بديهيات الرياضة، ينبغي أن تميز من النظريات الأخلاقية ~~المستنبطة منها، والعلاقة بين الاثنين؛ أعني العبارة الموضوعة في ~~صيغة «إذا كان ... فإن ...»، وهي «إذا قبلت البديهيات فإن من الضروري أن ~~تقبل النظرية»، هي وحدها التي يمكن البرهنة عليها منطقيا؛ وعلى ~~ذلك فإن التحليل يبين لنا أن صحة الأخلاق يمكن أن ترد إلى صحة ~~البديهيات الأخلاقية. وكل ما يستطيع منهج الاستنباط أن يقوم به في ~~ميدان الأخلاق، كما في ميدان الرياضة، هو أن ينقل السؤال عن الصواب ~~من النظريات إلى البديهيات، ولكنه لا يستطيع تقديم إجابة على هذا ~~السؤال. # فلا بد لكي ms057 نثبت أن الفضيلة علم، وأن الأحكام الأخلاقية من نوع ~~معرفي، من أن نثبت أن بديهيات الأخلاق من نوع معرفي، غير أن إمكان ~~تطبيق الاستنباط المنطقي على المشكلات الأخلاقية لا يثبت أي شيء في ~~هذا الصدد. وهكذا فإن السؤال عن طبيعة الأخلاق يرد إلى السؤال عن ~~طبيعة البديهيات الأخلاقية. # وهنا نجد لزاما علينا مرة أخرى أن ننسب الفضل في إدراك هذه ~~الحقيقة، وأعني بها كون مشكلة الأخلاق هي مشكلة البديهيات ~~الأخلاقية، إلى إمانويل كانت؛ فقد أدرك أن من المستحيل، نتيجة ~~للطبيعة التحليلية للاستنباط، أن نجعل صحة القواعد الأخلاقية ~~مرتكزة على الاستنباط وحده، وهي حقيقة تصدق على الرياضيات بدورها. ~~وأكد أن طبيعة الأخلاق لا تفهم إلا بعد الإجابة على السؤال عن ~~بديهيات الأخلاق، ولكن لنقل مرة أخرى إن «كانت» لا يدعي لنفسه الفضل ~~في تقديم السؤال، وإنما في تقديم الإجابة عنه. وإنه لمن المفيد أن ~~ندرس هذه الإجابة، التي تمثل - شأنها شأن إجابته على مشكلة بديهيات ~~الرياضة والفيزياء - آخر بناء قوي شيده المذهب العقلي. # إن إجابة «كانت» تنحصر في الرأي القائل إن بديهيات الأخلاق تركيبية ~~قبلية، شأنها شأن بديهيات الرياضة والفيزياء؛ فهو يحاول في كتابه ~~«نقد العقل العملي» أن يستنبط بديهيات الأخلاق بطريقة مماثلة ~~لاستنباطه بديهيات الرياضة والفيزياء في كتاب «نقد العقل الخالص»؛ ~~ففي الكتاب الأول يبين أن بديهيات الأخلاق يمكن أن ترد إلى بديهية ~~واحدة، يطلق عليها اسم الأمر المطلق # categorical imperative ~~، وصيغتها كما يلي: «افعل بحيث يمكن ~~أن تصبح قاعدة سلوكك مبدأ لتشريع عام.» وهو يوضح استخدام هذه ~~البديهية بأمثلة كذلك المثال الذي ضربناه للكذب؛ فالكذب قد يفيد ~~بعض الأفراد، ولكنه لا يمكن أن يصبح مبدأ لتشريع عام؛ لأنه يؤدي ~~عندئذ إلى نتيجة ممتنعة هي أن أحدا لن يستطيع أن يثق في أي شخص ~~آخر، ويعتقد «كانت» أن البشر جميعا لا بد أن يسلموا بصحة الأمر ~~المطلق لو أنهم حاولوا أن يسترشدوا بالبصيرة العقلية، وأن الأمر ~~المطلق تتضح صحته بفعل رؤية مماثل لذلك الفعل الذي يكشف لنا عن ~~بديهيات الرياضة ms058 والفيزياء بوصفها حقائق ضرورية؛ ففي مذهب «كانت» ~~وصلت الموازاة بين المجالين الأخلاقي والمعرفي إلى قمتها، وذلك ~~بارتكازها على معرفة تركيبية قبلية تشمل البديهيات المعرفية ~~والأخلاقية معا، ويرجع مصدرها الأخير إلى طبيعة العقل؛ ففي عبارة ~~«كانت» المشهورة «السموات المرصعة بالنجوم من فوقي والقانون ~~الأخلاقي في داخلي» يرمز «كانت» إلى ثنائية القوانين المعرفية ~~والأخلاقية، وهي القوانين التي ينبغي أن يعترف بها كل ذهن ~~بشري. # ولم يكن في استطاعة «كانت» أن يدرك، في وقته، أن هذه الموازاة ~~ذاتها هي التي تؤدي آخر الأمر إلى انهيار مذهبه الأخلاقي؛ فلقد ~~أوضحنا في الفصل السابق أنه لا يوجد عنصر تركيبي قبلي في مجال ~~المعرفة، وأن الرياضة تحليلية، وأن جميع الصيغ الرياضية للمبادئ ~~الفيزيائية ذات طابع تجريبي. فلو كان القانون الأخلاقي في داخل من ~~نوع القانون الذي تكشفه لي السماء المرصعة بالنجوم، لكان إما ~~تعبيرا تجريبيا عن سلوك البشر، وإما قضية فارغة تعبر عن علاقة ~~لزوم بين البديهيات والنتائج الأخلاقية، كالنظريات الرياضية، ولكنه ~~لن يعود في هذه الحالة أمرا غير مشروط، أو أمرا مطلقا ~~(حمليا) بلغة المنطق التقليدي التي استخدمها «كانت»؛ وإذن فإخفاق ~~مذهب «كانت» الأخلاقي يرجع إلى نفس السبب الذي يرجع إليه إخفاق ~~نظريته في المعرفة؛ فهو ناشئ عن الفكرة الباطلة القائلة إن في وسع ~~العقل أن يضع قضايا تركيبية. # على أن هذه ليست إلا إجابة سلبية، تقول إن البديهيات الأخلاقية ~~ليست قضايا تركيبية قبلية، وتبقى بعد ذلك مهمة الاهتداء إلى إجابة ~~إيجابية؛ أي إيضاح طبيعة البديهيات الأخلاقية. ولن أقوم بمناقشة ~~هذه المسألة في الجزء التاريخي من هذا البحث، وإنما سأقوم بتحليلها ~~في الفصل السابع عشر، ومع ذلك فإني أود أن أضيف بضع كلمات عن الأصل ~~النفسي لآراء «كانت». # إننا نكتشف، عندما ندرس نفسية الفيلسوف دراسة فاحصة، أن القول ~~بالمعرفة التركيبية القبلية في مجال الأخلاق يبعث في «كانت» رضاء ~~انفعاليا أقوى، حتى من ذلك الذي يبعثه القول بالمعرفة التركيبية ~~القبلية في مجال المعرفة؛ فهو في كتاباته الأخلاقية يقحم وسط ~~الأسلوب الأكاديمي الجاف الذي يعرض به آراءه، ms059 تعبيرات شاعرية يهتف ~~بها ممجدا للقواعد والتصورات الأخلاقية: ~~«الواجب! أيها الاسم العظيم الجليل، يا من لا تنطوي في ذاتك على ~~أية صفة تجعلك محببا أو باعثا للإرضاء، ولكنك تطالب بالخضوع، ومع ~~ذلك فأنت لا تتوعدنا بأي شيء قد يبعث الرعب أو يولد نفورا ~~طبيعيا، أي أصل جدير بك. وأين يجد المرء جذور منبتك النبيل؟ إنك ~~لترفض كل وشائج تربطك بالهوى، وإن السير على هديك إنما هو الشرط ~~الضروري لكل قيمة عليا يصدرها الإنسان.» # إن تصور الواجب هو محور مذهب «كانت» الأخلاقي؛ فبقدر ما يكون ~~سلوكنا مبنيا على الهوى أو الميل الطبيعي، لا يكون خيرا ولا شرا، ~~حتى لو كان ميلنا يتجه إلى هدف له قيمته، كمساعدة أشخاص محتاجين. ~~فمصدر أخلاقية سلوكنا هو دافع الواجب الذي يجعلنا نسلك. فيا ~~للتشويه الذي لحق بالنزوع الطبيعي إلى مساعدة الآخرين! ويا لالتواء ~~الأخلاق التي تتكشف في هذه الصبغة العقلية التي أضفاها «كانت» على ~~القرارات الخلقية! لقد كان «كانت» ينتمي إلى أسرة من الطبقة ~~المتوسطة، تحيا حياة متواضعة، وكان أبوه نجارا، وأمه نصيرة متحمسة ~~لجماعة دينية محافظة. وفي بيئة كهذه يعد الاعتماد على الذات ~~والاستجابة الحرة للميل الطبيعي خطيئة في كثير من الأحيان، ويبدو ~~أن الابن المشهور قد وجد سعادة وفخرا في أن يستنبط في كتب فلسفية ~~معقدة نفس الاتجاهات الأخلاقية التي تشبع بها منذ نعومة ~~أظفاره. # والواقع أن النجاح الذي أحرزته فلسفته في بلاده، والذي جعل منه ~~فيلسوف البروتستانتية والنزعة البروسية، هو دليل آخر على أن ~~الأخلاق التي وضع صيغتها المنظمة في مذهبه الفلسفي إنما هي أخلاق ~~طبقة وسطى معينة من الشعب؛ فتمجيد الواجب يمثل أخلاق طبقة اجتماعية ~~توجد في ظروف الفاقة، وتعتمد في معيشتها على العمل الشاق الذي لا ~~يترك وقتا للفراغ، أو هو أخلاق طبقة عسكرية مميزة لا بد فيها من ~~الخضوع لأوامر الرؤساء. ولقد كانت كلتا الحالتين موجودة في بروسيا ~~أيام «كانت»، غير أن رفض «كانت» الاعتراف بسلطة جماعات أو نظم معينة ~~يدل على أنه كان ذا ذهن مستقل؛ مما أدى ms060 بالفعل إلى قيام نزاع بينه ~~وبين الحكومة البروسية. ولو لم يكن قد دعا إلا إلى قاعدة التعاون ~~الاجتماعي، التي يعبر عنها الأمر المطلق عنده، لنظرنا إليه على أنه ~~نصير لمجتمع ديمقراطي، ولأدرجناه مع لوك وقادة الثورة الأمريكية، ~~غير أن تقديسه للواجب ينم عن قدر مفرط من اللذة المستمدة من ~~الخضوع، والرضا الناجم عن العبودية، وهي صفات مميزة للطبقة الوسطى ~~البورجوازية التي ظلت طويلا تخضع لسلطة فئة حاكمة قوية. وإنها ~~لمأساة فيلسوف المعرفة التركيبية القبلية أن يكون ما قدمه إلينا ~~على أنه التركيب النهائي للعقل مماثلا إلى حد يدعو إلى الدهشة ~~للوسط الاجتماعي الذي ترعرع فيه؛ فالعنصر الأولي في المعرفة عنده ~~يتفق مع فيزياء عصره، والعنصر الأولي في الأخلاق يتفق مع أخلاق ~~طبقته الاجتماعية. فليكن في هذا الاتفاق تحذير لكل من يزعم أنه قد ~~اهتدى إلى الحقيقة النهائية. # ويبدو أن «كانت » كان ينظر إلى تأسيسه للأخلاق على أنه عمل يفوق ~~في أهميته نظريته في المعرفة بقدر ما تفوق الغاية في أهميتها ~~الوسيلة، ويبدو أن هذه النظرة مميزة لجميع أنصار الموازاة بين ~~المجالين الأخلاقي والمعرفي؛ إذ يبدو أن السعي إلى توجيهات أخلاقية ~~هو الدافع إلى أبحاثهم، وأن السبب الرئيسي في نشدانهم لليقين ~~المعرفي هو أنه يمدهم بوسيلة الاهتداء إلى اليقين الأخلاقي. على أن ~~لهذا التحول في الاهتمام من الميدان المعرفي إلى الميدان الأخلاقي ~~تأثيرا مؤسفا؛ إذ يؤدي إلى تأمل نظرية المعرفة الناتجة بصورة ~~مشوهة، وبنائها من أجل غاية معينة، هي أن تكون دعامة للمذهب المطلق ~~في الأخلاق؛ وبالتالي لا تكون تفسيرا منزها للمعرفة؛ وبذلك يصبح ~~البحث عن التوجيهات الأخلاقية دافعا خارجا عن مجال المنطق، يتدخل ~~في التحليل المنطقي للمعرفة. وينبغي أن نبين الآن إلى أي مدى أثرت ~~النتيجة الناجمة عنه، وهي الموازاة بين مجالي الأخلاق والمعرفة، في ~~الفلسفات المعرفية، وأصبحت مصدرا رئيسيا لنظريات باطلة في ~~المعرفة. # لما كان الإنسان الفعلي لا يسلك، على وجه العموم، سلوكا ~~أخلاقيا، فيبدو من الواضح تماما أن الأخلاق لا تبحث في السلوك ~~الفعلي للإنسان. فالفرق بين الطريقة ms061 التي ينبغي أن يسلك بها ~~الإنسان، والطريقة التي يسلك بها بالفعل، واضح تماما؛ ومن هنا ~~يبدو أن علم الأخلاق يتعلق بسلوك الإنسان المثالي. ولكي يقدم ~~الباحث النظري الأخلاقي تعليلا لهذا الفارق، فإنه يشير إلى ~~التباين بين القوانين الهندسية والعلاقات التي تسري على الموضوعات ~~الفيزيائية الفعلية، ويميز المثلث المثالي (أو العقلي) من المثلث ~~الفعلي، ويذهب إلى أن الرياضي يكشف عن القوانين المعيارية ~~للموضوعات الهندسية بنفس المعنى الذي يثبت به الفيلسوف الأخلاقي ~~القوانين المعيارية للسلوك البشري. وهكذا يتصور النظريات الرياضية ~~على أنها قضايا تتعلق بما ينبغي أن يكون، متميزا عما هو كائن، ~~بنفس المعنى الذي يتصور به النظريات الأخلاقية. # على أن أية دراسة نزيهة للرياضة كفيلة بأن تكشف فورا عن بطلان ~~هذا التشبيه. صحيح أن الأشكال الهندسة المثالية لا توجد في الواقع ~~الفيزيائي، ولكن قوانين الهندسة تنبئنا على الأقل بعلاقات تسري ~~تقريبا على الموضوعات الفعلية. والرياضة تصف الواقع الفيزيائي من ~~حيث إنها تمدنا بمعرفة تقريبية للواقع، وهي لا تنبئنا بما ينبغي أن ~~يكون عليه الواقع، وإنما بما هو عليه بالفعل. فأي معنى يمكن أن ~~يكون للقول إن محيط الشجرة ينبغي أن يكون دائرة كاملة؟ إن ~~الدائرة غير الكاملة التي يكونها هذا المحيط بالفعل تخضع للقوانين ~~الهندسية بقدر ما تخضع لها الدائرة الكاملة، وقوانين الدائرة ~~الكاملة مفيدة لنا؛ لأنها تنبئنا على وجه التقريب بالعلاقات التي ~~تسري على دوائر غير كاملة مثل محيط الأشجار. # ولنحتفظ بهذا التشبيه، فنحاول تفسير الأخلاق على أنها ذات طبيعة ~~مماثلة؛ أي إنها تنبئنا عن السلوك التقريبي للناس. صحيح أن ~~الأخلاق الوصفية، أي الوصف الاجتماعي للقواعد الأخلاقية السائدة، ~~لا تقدم عادة على هذا النحو، وإنما تقدم من خلال وصف للسلوك الفعلي ~~للناس. ومع ذلك ففي استطاعتنا، نظريا على الأقل، أن نشيد أخلاقا ~~وصفية عن طريق بحث الإنسان المثالي، مثلما يبحث عالم الهندسة في ~~المثلث المثالي. وهذا ممكن لأن القوانين الأخلاقية المثالية تتحقق ~~في حدود تقريبية معينة. والواقع أن معظم الناس، مثلا، لا يسرقون ~~ولا يقتلون. فالمثل العليا الأخلاقية تتحقق تقريبيا ms062 لأنها لو لم ~~تكن تتحقق لما أمكن أن يوجد الناس بوصفهم جماعة اجتماعية. وهكذا ~~نستطيع أن نصل إلى أخلاق وصفية تنبئنا عن السلوك الأخلاقي التقريبي ~~للبشر عن طريق وصف سلوكهم المثالي، مثلما تنبئنا الهندسة عن ~~العلاقات التقريبية بين مقاييس المكان الفيزيائي عن طريق البحث في ~~أشكال هندسية مثالية. # غير أن هذا ليس ما يريده فيلسوف الأخلاق؛ فهو يريد توجيهات ~~أخلاقية؛ أي قواعد تدلنا على الطريقة التي ينبغي أن نسلك بها، لا ~~أوصافا للطريقة التي نسلك بها بالفعل. ولما كان يذهب إلى أن ~~العقل، أو رؤية المثل الفكرية، يستطيع أن يكشف لنا عن هذه القواعد، ~~فإنه يضطر في مقابل ذلك إلى أن ينظر إلى وظيفة الرياضة على أنها ~~معيارية لا وصفية. وهكذا يصل إلى فهم يبدو الذهن فيه مشرعا، أو ~~بتعبير أكثر تواضعا، يبدو العقل أداة للرؤية تدرك القوانين ~~المعيارية بالتطلع إلى مجال أعلى للوجود. وهذا هو الأصل النفسي ~~لفكرة تعدد عوالم الوجود، وهي الفكرة التي كان أفلاطون أكبر ~~دعاتها. وفي هذه الحالة ينظر إلى الطابع غير الكامل للأشكال ~~الهندسية للموضوعات الفيزيائية الفعلية على أنه نقص، أو عيب ~~بالمعنى الأخلاقي، شأنه شأن عيوب السلوك الفعلية لدى البشر، ويقال ~~بوجود عالم من الوجود الأعلى، متحرر من هذه النقائص، وذلك على ~~المستوى المعرفي والمستوى الأخلاقي معا. # ويظهر التقويم الأخلاقي للعلاقات المعرفية في تغلغل الحجج ~~الأخلاقية في العلم اليوناني، كعلم الفلك؛ فالمسارات السماوية ~~للنجوم مثلا تعد دوائر كاملة لأسباب تتعلق بالكرامة، إن جاز هذا ~~التعبير، أما أن محيط الأشجار يمثل دائرة غير كاملة فهذا دليل على ~~نقصها؛ ونتيجة لهذه الآراء نظر إلى الأشياء الفعلية على أنها ~~ناقصة بالقياس إلى الأشياء الفكرية أو المثالية. وتعبر نظرية المثل ~~الأفلاطونية عن هذا التباين في القيمة بين العالم الفيزيائي ~~والعالم المثالي. # ويقول «كانت» برأي مماثل، وإن كان يعرضه بحجج أقل سذاجة؛ فهو ~~يفرق بين الظواهر والأشياء في ذاتها، فكل معرفة لنا تقتصر على ~~الظواهر؛ لأن المعرفة تعرض موضوعات العالم الفيزيائي في إطار ~~المبادئ القبلية. وهو يذهب إلى أن ms063 من الضروري أن تكون هناك من ~~وراء المظاهر أشياء في ذاتها؛ أي الأشياء كما هي قبل إدماجها في ~~مبادئ الهندسة ومبدأ العلية وما إلى ذلك. وهو يصل، مثل أفلاطون، ~~إلى عالم متعال (ترنسندنتالي) يختلف عن العالم الذي تكشفه لنا ~~الملاحظة والعلم ويعلو عليه. # 1 # ولا شك أن السبب الذي يحتاج «كانت» من أجله إلى الأشياء في ذاتها ~~واضح؛ فهو يريد تشييد عالم يمكن أن تطبق فيه مبادئه الأخلاقية ~~والدينية؛ ذلك لأن العلم، بما فيه من حتمية علية، لم يترك مكانا ~~لحرية الفعل البشري أو للحكم الإلهي. وهكذا بدت أسس الأخلاق والدين ~~مهددة في نظر «كانت»، وخيل إليه أن هناك مخرجا من هذا المأزق، هو ~~أن يقتصر العلم على البحث في نوع من الوجود الأدنى مرتبة؛ وبذلك ~~تتخلص الأشياء في ذاتها من حتمية الظواهر. ولقد كان من السهل أن ~~يطبق هذا التفسير على المعرفة التركيبية القبلية عند «كانت» نظرا ~~إلى طابعها الذاتي؛ فإذا كان الذهن هو الذي يفرض قوانين العلية ~~والهندسة على الوجود المطلق فحسب، فإن هذا الوجود ذاته يكون حرا، ~~ولا يعوقه شيء عن اتباع القانون الأخلاقي بدلا من القانون العلي. ~~وإنه لمن المؤلم أن نرى كيف يبذل فيلسوف الفيزياء النيوتونية كل ~~هذا الجهد لكي يتخلى عن فيزيائه بأكملها من أجل إنقاذ أخلاقه ~~الدينية. والواقع أن «كانت» يعترف صراحة بأن هذا هو مقصد فلسفته؛ ففي ~~مقدمة الطبعة الثانية لكتابه «نقد العقل الخالص» يقول: «كان علي ~~أن أضع حدودا للمعرفة لكي أفسح مكانا للإيمان.» وتتضح النتائج ~~المدمرة لهذا البرنامج في الطابع الأخير الذي أضفاه على فلسفته ~~«النقدية»؛ ذلك لأن نفس الكتاب الذي يضع أساس نظريته في المعرفة ~~ينتهي بباب يسمى ب «الديالكتيك الترنسندنتالي» يكاد يلغي كل نتائجه ~~السابقة. ففي هذا الباب يزعم «كانت» أن العقل عندما يمتد إلى ما وراء ~~عالم الظواهر يؤدي حتما إلى متناقضات، يطلق عليها اسم ~~«النقائض # antinomies ~~»، وأن ~~المخرج الوحيد لحالة الانهيار التي تصيب العقل هذه هي الإيمان ~~بالله والحرية والخلود، بوصفها مبادئ تسري على عالم يعلو ms064 على ~~العالم المنظور. # على أن هذه النقائض المزعومة التي قال بها «كانت»، والتي تتعلق ~~أساسا بلانهائية المكان والزمان، لم تصمد للاختبار المنطقي؛ فمن ~~السهل حلها عن طريق المنطق الذي يعلم كيف يتعامل باتساق مع الأعداد ~~اللانهائية. كذلك اتضح أن تفسيره للعلية والهندسة على أنها مبادئ ~~يفرضها الذهن البشري على الأشياء، هو بدوره تفسير غير مقبول؛ ~~فقانون العلية، إن كان يسري على الإطلاق، فلا بد أن يسري على ~~الأشياء في ذاتها، وإلا لما أمكن استخدامه في التنبؤ بالملاحظات ~~المقبلة؛ إذ إن الذهن البشري لا يخلق ملاحظاته، وإنما هو سلبي أساسا في ~~عملية الإدراك الحسي. كذلك فإن الهندسة، كما نعرفها اليوم، تصف ~~خاصية للعالم الفيزيائي (انظر الفصل الثامن). وهكذا لا تظل هناك ~~حجة يرتكز عليها تحديده المصطنع لقوى العقل، وإدخاله لعالم ~~ميتافيزيقي، هو عالم الأشياء في ذاتها. ومع ذلك فإن هذا الجزء غير ~~العلمي من فلسفة «كانت»، منذ نشره في كتبه، قد أصبح منبعا ينهل منه ~~أعداء العلم، # 2 # وقد استخدموه لتشييد مذاهب فلسفية تقلل من قيمة ~~التفكير العلمي، وتزعم أنها تقيم عالما من الوجود المثالي، الذي لا ~~يعرفه إلا الفيلسوف، والفيلسوف وحده. # وهكذا يؤدي المذهب العقلي إلى تلك النظرة المثالية، التي عرضت من ~~قبل على أنها شكل خاص من أشكال المذهب العقلي، والتي تذهب لي أن ~~الحقيقة النهائية تقتصر على المثل أو الأفكار، على حين أن ~~الموضوعات الفيزيائية ليست إلا نسخا ناقصة من الموضوعات المثالية. ~~ولقد كانت أكثر الصيغ التي عبرت عن هذه النظرية امتناعا، هي تلك ~~القائلة إن العقل جوهر الأشياء جميعا، وهي الصيغة التي عبرت عنها ~~الفقرة التي اقتبسناها في مستهل هذا الكتاب. وقد سبق لنا أن ~~تساءلنا عن السبب الذي يرغم الفيلسوف على صياغة آرائه على هذا ~~النحو، وفي استطاعتنا الآن أن نأتي بالجواب؛ فهذا السبب هو أن ~~اهتمامه الأول ليس منصبا على فهم المعرفة، وإنما على شيء آخر؛ فهو ~~يود أن يتصور المعرفة على نحو من شأنه أن يقدم أساسا للتوجيهات ~~الأخلاقية، وهو يود أن يجعل للمعرفة ms065 يقينا لا يمكن أن يبلغه ~~الإدراك الحسي أبدا؛ وذلك بقصد تشييد معرفة أخلاقية مطلقة موازية ~~لهذا اليقين، وهو لا يجد غضاضة في عرض مذهبه بلغة مجازية؛ لأنه يسيء ~~فهم لغة التفسير العلمي. # ولقد كان كاتب الفقرة المشار إليها هو هيجل # Hegel ~~(1770-1831م) الذي اقتبسنا هذه الفقرة من ~~مقدمته لكتاب «فلسفة التاريخ». وقد يكون من المفيد أن نقدم بعض ~~الملاحظات عن فلسفة هيجل؛ لأن مذهبه يمكن أن يعد الصورة المتطرفة ~~للموقف المثالي، أو ربما كان علي أن أصفه بأنه الصورة ~~«الكاريكاتيرية» لهذا المذهب! إن هيجل يختلف عن أفلاطون وعن «كانت» ~~في أنه لا يشاركهما إعجابهما بالعلوم الرياضية، وهو يختلف عنهما ~~أيضا في أن أسئلته لا تبلغ من العمق ما بلغته أسئلتهما، غير أن كل ~~أخطائهما تتكرر عنده، وهو يكشف عن هذه الأخطاء بطريقة تبلغ من ~~السذاجة حدا يجعل من الممكن دراسة مذهبه بوصفه أنموذجا لما لا ~~ينبغي أن تكون عليه الفلسفة. # إن نقطة بداية فلسفة هيجل هي التاريخ، لا العلم؛ فهو يحاول تقديم ~~وصف لتطور الإنسان التاريخي؛ أي لتلك الفترة التي تتوافر لدينا ~~عنها وثائق مكتوبة من فترات التاريخ البشري، عن طريق تكوين بعض ~~الأطر البسيطة التي يعتقد أنها تفسر التطورات التاريخية؛ فهناك ~~إطار من هذه الأطر يشبه التاريخ بنمو الفرد؛ أي إن هناك مرحلة ~~الطفولة التي تمثلها الشعوب الشرقية القديمة، ثم مرحلة الشباب ~~التي يحددها بأنها العصر اليوناني، ثم عصر الإنسان الناضج الذي ~~تحقق عند الرومان، ثم عصر الكهولة الذي يمثله عصرنا. وهو في نظر ~~هيجل ليس عصر انحلال، وإنما عصر نضوج كامل، وأعلى درجات هذا النضوج ~~الكامل هي تلك التي بلغتها الدولة البروسية، التي كان هيجل يشتغل ~~فيها أستاذا في برلين. ولست أدري ماذا كان هيجل خليقا بأن يقوله ~~عن بروسيا الهتلرية، ولعله كان يجعل لها مكانا تواصل به خط التطور ~~التاريخي كما تصوره، ولكن لعله أيضا كان يؤثر أن يرجئ حكمه حتى يرى ~~نهاية إمبراطورية هتلر. # هذا الإطار التنظيمي البدائي، الذي هو جدير بطالب مستجد يود أن ~~يشيد ms066 لنفسه مذهبا فلسفيا خاصا به، أقل شهرة بكثير من إطار آخر ~~من الأطر التاريخية التي وضعها؛ فقد رأى هيجل أن التطورات ~~التاريخية تتحرك في كثير من الأحيان من طرف إلى آخر، مثل «بندول» ~~الساعة، ثم تصل إلى مرحلة ثالثة تشتمل إلى حد معين على نتائج ~~المرحلتين السابقتين. مثال ذلك أن النزعة المطلقة في السياسة ~~تعقبها أحيانا ثورة ديمقراطية، تتطور بدورها إلى حكومة ذات طابع ~~مركزي، تعترف بحقوق الشعب. وقد أطلق على هذا الإطار اسم القانون ~~الديالكتيكي، وهو يسمي المرحلة الأولى ب «الوضع» # thesis ~~، والثانية ب «الوضع المضاد» # antithesis ~~، والثالثة ب «الوضع المركب» (أو ~~المركب فقط # synthesis ~~). # ويكشف تاريخ الفكر البشري عن أمثلة متعددة لهذا القانون ~~الديالكتيكي. ومن هذه الأمثلة تطور المفاهيم الفلكية للكون؛ فتصور ~~بطليموس للكون المرتكز حول الأرض، أعقبه تصور كوبرنيكس للكون الذي ~~تتحرك فيه الأرض وتكون فيه الشمس مركزا ثابتا للمجموعة الشمسية. ~~هذان التصوران المتضادان قد تجاوزهما، كما كون «مركبا» منهما؛ ~~تصور أينشتين النسبي الذي يرى أن من الممكن اتخاذ النظام المرتكز ~~حول الأرض والنظام المرتكز حول الشمس تفسيرات مقبولة، إذا تحررا من ~~ادعاء الحركة المطلقة. وهناك مثل آخر يتضح في تطور النظريات ~~الفيزيائية في الضوء، وهي التي انتقلت من نظرية جزيئية إلى نظرية ~~موجية، حتى اتحدت الاثنتان أخيرا في نظرية ثنائية تقول بإمكان ~~تفسير المادة على أنها جزيئات، وعلى أنها موجات في آن واحد (انظر ~~الفصل الحادي عشر). كذلك يمكننا أن ننظر إلى الطريقة العامة التي ~~يسير بها المنهج التجريبي، وهي طريقة المحاولة والخطأ، والنجاح ~~الذي لا يعدو أن يكون محاولة جديدة، على أنها تكرار لا ينتهي ~~للقانون الديالكتيكي. وتدل هذه الأمثلة، فضلا عن ذلك، على أن ~~للقانون الديالكتيكي معنى يتسم بالمرونة؛ فهو لا يعدو أن يكون ~~إطارا مريحا يمكن أن تدمج فيه تطورات تاريخية معينة بعد وقوعها، ~~ولكنه لا يبلغ من الدقة ولا من العمومية ما يتيح استخلاص تنبؤات ~~تاريخية منه، كما أنه لا يمكن أن يستخدم دليلا على صحة نظرية ~~علمية معينة؛ فصحة نظرية أينشتين ms067 في الحركة لا يمكن أن تستمد من ~~النمط الديالكتيكي للعملية التاريخية التي أدت إلى وضع هذه ~~النظريات، وإنما ينبغي أن تكون مبنية على أسس مستقلة. # ولو كان هيجل قد اكتفى بوضع القانون الديالكتيكي وضرب أمثلة له ~~بمجموعة كبيرة من المواد التاريخية والفلسفية، لأصبح مؤرخا عظيما، ~~أو عالما كبيرا للتاريخ. ولو كان عالما، لأدرك الحدود التي لا ~~يتعداها قانون الخطوات الثلاثية. والأمثلة العديدة التي لا يسري ~~عليها هذا القانون، والبحث عن الشروط الخاصة اللازمة لانطباقه. غير ~~أنه كان فيلسوفا؛ وبذلك وقع ضحية بحثه عن العمومية واليقين؛ فقد ~~عمم قانونه الديالكتيكي بحيث جعل منه قانونا منطقيا، ووضع ~~مذهبا يكون فيه التناقض كامنا في المنطق، ويدفع الفكر من موقف ~~متطرف إلى الموقف المتطرف المضاد، إن جاز هذا التعبير؛ فتحدث بذلك ~~الحركة الديالكتيكية. فهيجل يقول مثلا: إن القضية «الوردة حمراء» ~~تنطوي على تناقض؛ لأنها تقول عن الشيء الواحد إنه شيئان مختلفان، ~~هما وردة وحمراء. وقد أوضح المناطقة في كثير من الأحيان الخطأ ~~الأولي الكامن في هذا الفهم الذي يخلط بين الانتماء إلى فئة وبين ~~الهوية؛ فالقضية تقول: إن الشيء نفسه ينتمي إلى فئتين مختلفتين، ~~هما فئة الورود وفئة الأشياء الحمراء، وهو أمر لا ينطوي على تناقض، ~~وإنما يقوم التناقض لو أكدنا أن هناك هوية بين الفئتين المختلفتين، ~~غير أن القضية لا تعني هذا. وعن طريق ألاعيب منطقية كهذه، يحاول ~~هيجل أن يثبت أن قانونه الديالكتيكي قانون منطقي يصدق بلا ~~استثناء. # ويصل هيجل، عن طريق الجمع بين تفسيره للقانون الديالكتيكي وبين ~~تصوره للتطور التقدمي للبشر، إلى آراء كتلك التي عرضناها في الفقرة ~~التي استهل بها هذا الكتاب؛ فجوهر الوجود هو العقل، وهو يدفع ~~الوجود من طرف إلى الطرف الآخر، ويجمع بين النقيضين على مستوى ~~أعلى، ثم يبدأ العملية من جديد. وهذه لغة مجازية، غير أن ما يقوله ~~هيجل لا يمكن أن يقال على أي نحو آخر، وإلا لأصبح امتناعه واضحا ~~للعيان، ولو فسرنا رأيه هذا على أنه يعني أن العالم يزداد معقولية ~~على الدوام، أو ms068 أن كل الأحداث تخدم غرضا معقولا، لظهر بطلان هذا ~~الرأي بوضوح؛ ذلك لأن التاريخ البشري، وإن يكن ينطوي على اتجاهات ~~تقدم عقلي وأخلاقي، هو ظاهرة أعقد من أن تصنف على مثل هذا الأساس ~~البسيط. ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن تطور العالم الفيزيائي، أي ~~النظم النجمية مثلا، يتبع مسارا يرضي رغبات العقل البشري، أو يحقق ~~ما قد يعده البشر غاية؟ الواقع أن مصدر جاذبية مذهب هيجل إنما هو ~~لغته الشاذة. # ولقد اتخذ البحث عن توجيهات أخلاقية عند هيجل شكل إسقاط للغايات ~~الأخلاقية على التاريخ؛ فالخير سيصبح حقيقة آخر الأمر، وينبغي أن ~~نسعى إلى الخير لأننا نشارك في عملية التاريخ. وهذا يعني بلغة أقل ~~تعقيدا، أن القضايا المتعلقة بما سيحدث تستمد من قضايا متعلقة بما ~~ينبغي أن يحدث. إن رجل الشارع يسمي هذا تفكيرا مبنيا على ~~التمني # Wishful ~~thinking ~~. أما الفيلسوف فيسميه تفسيرا غائيا ~~للتاريخ. والواقع أنه لا جدوى من محاولة تقديم تحليلي منطقي لمثل ~~هذه الفلسفة، بوصفها وثيقة تشهد بما يحدث للمذهب العقلي حين لا ~~يعود يخضع لسيطرة المنطق، وهي تمثل حالة يؤمن فيها الفيلسوف بأنه ~~إذا كان في استطاعة العقل أن يكتشف قوانين الكون، ففي استطاعة ~~العقل أيضا أن يفرض القوانين على الكون. # وأنى لأشك في أن هيجل كان سيحرز كل شهرته الحاضرة لو لم يكن قد ~~وجد دعامة خارج الفلسفة في المذهب المادي الاقتصادي عند كارل ~~ماركس (1818-1883م)؛ فتطبيق قانون هيجل الديالكتيكي في إطار حركة ~~سياسية قد جعل مذهب هيجل موضوعا لنزاع حاد، ونوقشت الاشتراكية، ~~بين أنصارها وخصومها معا، في ضوء فلسفة هيجل. ومع ذلك فإن ماركس، ~~في مبادئه الأساسية، هو أعظم خصوم هيجل؛ لأنه يرفض أن يشارك هيجل ~~اعتقاده البدائي بقوة العقل. فذلك الرجل الذي فسر الحركات ~~الأيديولوجية على أنها نتائج لأحوال اقتصادية، ودعا إلى الصراع ~~الطبقي بوصفه الخطوة اللازمة لتحقيق التقدم، لم يكن مثاليا. ~~والحق أن موقف ماركس التاريخي إنما هو في اتجاه التجريبية، ليس فقط ~~لأن ماركس تأثر بقوة بالتجريبيين الإنجليز من أمثال ركاردو ms069 # Ricardo ~~، بل أيضا لأن قانون هيجل ~~الديالكتيكي لا يمكن إدماجه في بحثه الاجتماعي بطريقة متسقة إلا ~~إذا فهم على أنه قانون تجريبي. ولا شك أن الصورة التي نكونها ~~لتاريخ المذهب التجريبي الاجتماعي كانت تغدو أوضح بكثير لو كان ~~ماركس ذاته قد اعترف بهذه الحقيقة. # فإذا شئنا أن نفهم لماذا لم ينشق ماركس بوضوح على ميتافيزيقا ~~هيجل، فعلينا أن نبحث عن تفسير نفسي؛ فقد توسع في تفسيره الاقتصادي ~~للتاريخ بحيث أصبح حتمية اقتصادية، وربما كان قد احتاج إلى روابط ~~تجمع بينه وبين فلسفة مثالية؛ لكي تكون فيها دعامة لمذهبه الذي ~~ينظر إلى التطورات التاريخية على أنها تتحدد بدقة بقوانين ~~اقتصادية، بنفس الطريقة التي يتحدد بها مجرى الكواكب بقوانين ~~فيزيائية، غير أن الأحوال الاقتصادية ليست إلا عاملا يسهم في ~~التطورات التاريخية، وهناك عامل آخر هو العامل النفسي، بل إن ~~الاثنين معا لا يمكنهما أن يمدانا بأكثر من قوانين إحصائية لتطور ~~المجتمع البشري. ولقد تخلى ماركس عن مبادئ النزعة التجريبية حين ~~نظر إلى عامل من العوامل التي تسهم في إحداث التطور، على أنه هو ~~السبب الوحيد لهذا التطور. ولا يمكن أن يغفل الطابع الإحصائي البحت ~~للقوانين الاجتماعية إلا مفكر ذو نزعة عقلية قبلية # apriorist ~~؛ إذ إن التجريبي ~~يعلم أن من المستحيل أن يمحى عنصر الاتفاق تماما من الحوادث ~~التاريخية، وأن هذا العنصر يؤدي إلى استبعاد القابلية الدقيقة ~~للتنبؤ، حتى بالنسبة إلى الاتجاهات التاريخية الكبرى. والواقع أن ~~الإيمان المتعصب للماركسيين بالتنبؤات الاقتصادية لفيلسوفهم، وهو ~~الإيمان الذي هو أشبه بالعقيدة منه بالنظرة العلمية، إنما هو إحياء ~~للهيجلية؛ أي لفلسفة تضع الحدوس الأولية قبل الأدلة ~~التجريبية. # ولقد وصف البعض هيجل بأنه خليفة «كانت»، غير أن في هذا إساءة فهم ~~خطيرة ل «كانت»، ورفعا لمكانة هيجل ليس له ما يبرره؛ ذلك لأن مذهب ~~«كانت»، وإن أثبتت التطورات التالية استحالة قبوله، كان محاولة من ~~ذهن عظيم لإقامة المذهب العقلي على أساس علمي. أما مذهب هيجل فهو ~~بناء هزيل لشخص متعصب أدرك حقيقة تجريبية واحدة، وحاول أن يجعل ~~منها ms070 قانونا منطقيا في إطار منطق أبعد ما يكون عن الروح ~~العلمية. وعلى حين أن مذهب «كانت» يمثل قمة الاتجاه التاريخي للمذهب ~~العقلي، فإن مذهب هيجل ينتمي إلى فترة تدهور الفلسفة التأملية، وهي ~~الفترة التي تميز القرن التاسع عشر. وسوف أتحدث عن هذه الفترة فيما ~~بعد، وحسبي الآن أن أذكر مقدما ملاحظة واحدة، هي أن مذهب هيجل قد ~~أسهم، أكثر من أية فلسفة أخرى، في إحداث انشقاق بين العلماء ~~والفلاسفة؛ فقد جعل الفلسفة موضوعا للسخرية يحرص العالم على ~~التبرؤ منه. # وهكذا نستطيع الآن أن نفهم لماذا كانت الثغرة بين العلم والفلسفة ~~واسعة؛ فالفيلسوف ذو النزعة العقلانية معاد للعلم في صميم روحه، ~~والعوامل التي تتحكم في تحديد مسار تفكيره عوامل خارجة عن مجال ~~المنطق، تتخذ من النتائج والمناهج العلمية أداة لبلوغ أهداف غير ~~علمية. وعلينا ألا ننخدع بالإعجاب والتمجيد الذي يبديه أنبياء ~~الفلسفة المثالية في كثير من الأحيان بالرياضيات؛ ذلك لأن ~~الرياضيات ليست في نظرهم إلا مثلا يوضح نظرياتهم، ومرآة لأفكارهم ~~الخاصة، وهم لا يعلمون ما تعنيه المعرفة - وضمنها المعرفة الرياضية ~~- بالنسبة إلى من يدرس المعرفة لذاتها. # ليس ثمة مجال للتوفيق بين العلم والفلسفة التأملية، فلنكف عن ~~محاولة التوفيق بين الاثنين أملا في الوصول إلى مركب أعلى. فليست ~~كل التطورات التاريخية تحدث وفقا للقانون الديالكتيكي، بل إن أحد ~~الاتجاهات الفكرية قد يخمد ويخلي مكانه لاتجاه آخر ينبثق من جذور ~~مختلفة، شأنه شأن النوع البيولوجي الذي لا يبقى إلا في صورة ~~حفريات عندما يحل محله نوع آخر له قدرات أعظم. والحق أن الفلسفة ~~التأملية لم تجد، بعد أن بلغت قمتها في مذهب «كانت»، إلا ممثلين ~~ضعفاء، وهي في طريقها إلى الانحلال، ولكن هناك فلسفة أخرى في صعود، ~~قريبة من العلم، وقد تمكنت من إجابة عدد كبير من الأسئلة التي ~~أثيرت في فلسفة العهود الماضية. وسوف أناقش الجذور التاريخية لهذه ~~الفلسفة قبل أن أعرض ما تقدمه من إجابات. # الفصل الخامس # | النظرة التجريبية # مظاهر نجاحها وإخفاقها # لم يكن المقصود من مناقشة المذاهب الفلسفية في الفصول ms071 السابقة هو ~~تقديم صورة شاملة للفلسفة؛ فالفلاسفة الذين أشرنا إليهم حتى الآن ~~قد اختيروا من وجهة نظر معينة؛ إذ يتمثل فيهم نمط معين من الفلسفة، ~~وينبغي ألا يعدوا ممثلين للفلسفة في مجموعها؛ فهناك نظرة معينة ~~تميز فلسفتهم، تقول بوجود مجال خاص للمعرفة، هو المعرفة الفلسفية، ~~يكتسبه الذهن باستخدام قدرة معينة، تسمى بالعقل أو الحدس أو رؤية ~~المثل، وأصحاب هذه المذاهب يزعمون أن مذاهبهم نتاج لهذه القدرة، ~~ويعتقدون أنها تتيح نوعا من المعرفة لا يستطيع العالم بلوغه؛ أعني ~~معرفة فوق العلمية لا تبلغها مناهج الملاحظة الحسية والتعميم، التي ~~تشيد بواسطتها العلوم. هذا النوع من الفلسفة هو الذي أطلقنا عليه ~~ها هنا اسم المذهب ~~العقلاني # Rationalism ~~، وتمثل الرياضيات في نظر صاحب المذهب ~~العقلاني، باستثناء قلة مثل هيجل، الصورة المثلى للمعرفة؛ فهي تقدم ~~الأنموذج الذي تشكل على أساسه المعرفة الفلسفية. # على أنه كان هناك، منذ عهد الإغريق، نوع ثان من الفلسفة يختلف عن ~~النوع الأول اختلافا أساسيا ؛ ففي نظر فلاسفة هذا النوع الثاني ~~يعد العلم التجريبي، لا الرياضة، الصورة المثلى للمعرفة، وهم ~~يؤكدون أن الملاحظة الحسية هي المصدر الأول والفيصل الأخير في ~~المعرفة، وأن الذهن البشري يخدع نفسه لو ظن أنه قادر على أن يصل ~~مباشرة إلى أي نوع من الحقيقة غير حقيقة العلاقات المنطقية ~~الفارغة. هذا النوع من الفلسفة هو المسمى ب «المذهب التجريبي» # empiricism ~~. # ويختلف منهج الفيلسوف التجريبي اختلافا أساسيا عن منهج المذهب ~~العقلي؛ فالفيلسوف التجريبي لا يزعم أنه كشف نوعا جديدا من ~~المعرفة يعجز العالم عن الوصول إليه، وإنما هو يقتصر على دراسة ~~المعرفة المستمدة بالملاحظة وتحليلها، سواء أكانت معرفة علمية أم ~~معرفة عادية، ويحاول فهم معناها ومضموناتها. وليس مما يضير هذا ~~المفكر أن تسمى نظرية المعرفة المبنية على هذا النحو معرفة فلسفية، ~~غير أنه يرى أنها مشيدة بنفس المناهج التي يستخدمها العالم، ويرفض ~~تفسيرها على أنها نتاج لقدرة فلسفية خاصة. # على أن الموقف التجريبي لم يكن يعبر عنه على الدوام بنفس الوضوح ~~الذي نستطيع به التعبير عنه الآن، وإنما ms072 كانت الصياغة الدقيقة لهذا ~~الموقف هي ذاتها نتيجة تطور تاريخي طويل؛ فلم تكن لدى التجريبيين ~~القدامى تلك النظرة الواضحة إلى العلم التجريبي التي لدينا الآن، ~~بل إنهم كثيرا ما كانوا يتأثرون بالمذاهب العقلية، وفضلا عن ذلك ~~فإن فلسفتهم كثيرا ما كانت تشمل أجزاء نعدها اليوم منتمية إلى ~~مجال العلم التجريبي، كالنظريات الخاصة بأصل الكون أو بطبيعة ~~المادة. ومن هذا القبيل مذاهب التجريبيين اليونانيين التي نجدها في ~~الفترة السابقة على سقراط، وكذلك في الفترة المتأخرة للفلسفة ~~اليونانية. ولقد كان أبرز هؤلاء الفلاسفة هو ديمقريطس # Democritus ~~، وهو معاصر لسقراط، ~~يعد أول من طرأت بذهنه الفكرة القائلة إن الطبيعة تتألف من ذرات، ~~ومن هنا كان يحتل مكانه في تاريخ العلم فضلا عن تاريخ الفلسفة. ~~ولقد كان تصوره لأصل الكون رائعا؛ لأنه يفترض حدوث تطور عن طريق ~~الجمع بين الذرات في تركيبات معقدة؛ ففي الأصل لم تكن هناك إلا ~~ذرات مفردة تنطلق في كل الاتجاهات خلال المكان، وعن طريق المصادمات ~~العارضة تكونت مجموعات أدت بمضي الوقت إلى تكوين أجسام من شتى ~~الأنواع والأشكال. وقد عادت هذه الأفكار إلى الظهور، بعد حوالي ~~مائة عام، عند أبيقور، الذي انتقل مذهبه في العصور الرومانية إلى ~~الأجيال التالية، عن طريق كتاب لوكريتيوس # Lucretius # الشعري المشهور: «في طبيعة الأشياء # De rerum natura ~~». وقد قدم ~~أبيقور وصفا مختلفا إلى حد ما لحركة الذرات؛ إذ افترض أن الذرات ~~كانت في الأصل تهبط كلها في خطوط متوازية وفي زمان لا متناه، حتى ~~انحرفت بعض الذرات عرضا عن مساراتها، واصطدمت بعضها بالبعض، وقد ~~أدى هذا الحادث العارض إلى بدء التطور. # ويمكن أن يعد الشكاك، من بين الفلاسفة اليونانيين المتأخرين، ~~ممثلين للنزعة التجريبية؛ ذلك لأنهم إذا كانوا قد أعربوا عن الشك ~~في إمكان المعرفة، فذلك لأن اليونانيين كانوا يعتقدون أن المعرفة ~~لا بد أن تكون يقينية على نحو مطلق. وقد أدرك كارنيادس # Carneades ~~(في القرن الثاني ق.م) ~~أن الاستنباط لا يمكنه تقديم مثل هذه المعرفة؛ لأنه يقتصر على ~~استخلاص نتائج من مقدمات معطاة، ولا ms073 يستطيع إثبات صحة المقدمات، ~~كما أدرك أنه لا ضرورة للمعرفة المطلقة من أجل توجيه الإنسان في ~~حياته اليومية، وأن الرأي القائم على أساس متين يكفي أساسا ~~للسلوك؛ وبناء على وجهة النظر هذه وضع نظرية للاحتمال ميز فيها بين ~~ثلاثة أنواع من الاحتمال أو ثلاث درجات لليقين. والواقع أن ~~كارنيادس، بدفاعه عن الرأي الشائع وعن الاحتمال، قد أرسى دعائم ~~الموقف التجريبي في بيئة عقلية كان اليقين الرياضي يعد فيها الصورة ~~الوحيدة المقبولة للمعرفة، وبالفعل فإن آراء هؤلاء التجريبيين ~~الأوائل، التي اصطدمت بعنف منذ قيامها بالنظريات العقلية السائدة. ~~كانت شكاكة في أساسها، وفيها تظهر سمة صحية - وإن تكن سلبية - هي ~~سمة الهجوم على المذهب العقلي، وإن كانت لا تذهب إلى حد بناء فلسفة ~~تجريبية إيجابية. # وقد استمرت مدرسة الشكاك طوال قرون عديدة؛ فبعد حوالي ثلاثمائة ~~عام من كارنيادس، كتب سكتس ~~إمبيريكوس # Sextus Empiricus ~~(حوالي 150 ميلادية) بحثا جامعا ~~لنظريات الشكاك، يحدثنا فيه عن أسلافه القدامى في هذا المذهب، ولا ~~يدع مجالا للارتياب في أنه لا يود التشكيك في إمكان الفعل الغرضي ~~المبني على معلومات مستمدة من الإدراك الحسي، كما أنه كان ممثلا ~~رئيسيا لمدرسة الأطباء التجريبيين، الذين حاولوا تطهير علم الطب من ~~الشوائب التأملية، كذلك كان من بين الفلاسفة العرب مفكرون تجريبيون ~~كالحسن بن الهيثم، الذي اشتهر بمؤلفاته في ميدان علم البصريات ~~الفسيولوجي. أما في العصور الوسطى الأوروبية، فلم يكن يشتغل ~~بالفلسفة إلا رجال الدين؛ ولذا لم يكن في الفلسفة المدرسية متسع ~~للنزعة التجريبية. أما أولئك الذين حاولوا بشجاعة أن يدافعوا عن ~~الموقف التجريبي، مثل «روجر ~~بيكن # Roger Bacon ~~» و«بيتر ~~أوريولي Peter Aureoli ~~» و«وليم الأوكامي # Wiliam of Oceam ~~»، فقد كانوا متشبعين بطرق التفكير ~~اللاهوتية إلى حد لا يسمح بتشبيههم بالتجريبيين الآخرين في العصور ~~المتقدمة أو المتأخرة. وليس المقصود من هذه الملاحظة أن نقلل من ~~الأهمية التاريخية لهؤلاء المفكرين، بل إننا في الواقع لو قسنا فضل ~~الشخص بمقدار انحراف أفكاره عن الآراء الشائعة في بيئته، لكان دفاع ~~هؤلاء عن النزعة التجريبية جديرا بإعجاب ms074 كل من كانوا تجريبيين في ~~عصور أقرب إلى الروح التجريبية. # ومن السهل أن يفهم المرء الرابطة الوثيقة بين المذهب العقلي ~~وبين اللاهوت؛ فنظرا إلى أن المذاهب الدينية ليست مبنية على ~~الإدراك الحسي، فإنها تقتضي مصدرا للمعرفة خارجا عن الحواس. ومن ~~هنا كان الفيلسوف الذي يزعم أنه أهتدى إلى معرفة من هذا النوع ~~حليفا طبيعيا لرجل اللاهوت، وقد استغل اللاهوتيون المسيحيون ~~مذهبي أفلاطون وأرسطو، فأصبح أفلاطون هو فيلسوف الجماعات ذات ~~العقلية الأقرب إلى التصوف، على حين أصبح أرسطو فيلسوف المدرسية ~~«الاسكلائية». ولقد أدت علاقة صاحب المذهب العقلي باللاهوت إلى ~~شعوره دائما بالسمو على التجريبي من الناحية الأخلاقية، غير أن ~~العداء بين الجماعتين، وإن يكن كل طرف منهما يشعر به بقوة لا تقل ~~عن شعور الآخر، لا يتخذ صورة تماثلية؛ فعلى حين أن صاحب المذهب ~~العقلي يعد التجريبي ذا مستوى أخلاقي أدنى، فإن التجريبي يرى صاحب ~~المذهب العقلي مفتقرا إلى الحس السليم. # وبظهور العلم الحديث، في حوالي عام 1600م، بدأ المذهب التجريبي ~~يتخذ شكل نظرية فلسفية إيجابية قائمة على أسس متينة ، يمكن أن تدخل ~~في منافسة ناجحة مع المذهب العقلي، وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت ~~فيه أعظم المذاهب التجريبية؛ أعني مذاهب فرانسس بيكن (1561-1626م) ~~وجون لوك (1632-1704م)، وديفيد هيوم (1711-1776م). فلننتقل الآن إلى ~~مقارنة موقف هؤلاء التجريبيين الإنجليز بالمذهب العقلي. # لقد وجد الموقف التجريبي أوضح تعبير عنه في فلسفات هؤلاء ~~المفكرين؛ فالفكرة القائلة إن الإدراك الحسي هو مصدر المعرفة ~~ومعيارها النهائي، هي النتيجة التي تؤدي إليها أبحاثهم آخر الأمر. ~~فجون لوك يقول إن الذهن يبدأ وكأنه صفحة بيضاء، والتجربة هي التي ~~تسطر هذه الصفحة ما يكتب فيها. ومع ذلك فهناك نوعان من الإدراك ~~الحسي: إدراك الموضوعات الخارجية، وإدراك الموضوعات الداخلية. ~~فالنوع الأخير من الموضوعات يعطى لنا في الحوادث النفسية، كالتفكير ~~والاعتقاد والشعور بالألم أو الإحساس باللون، وهي حوادث نلاحظها ~~بالحس الباطن. ويقسم هيوم محتويات الذهن إلى انطباعات وأفكار؛ ~~فالانطباعات تأتي من الحواس، وضمنها الحس الباطن، وأفكار ~~الانطباعات السابقة وذكرياتها. ولا تختلف ms075 الأفكار عن الظواهر ~~الملاحظة إلا في طريقة تجمعها. مثال ذلك أن الانطباعات الملاحظة ~~للذهب وللجبل يمكن أن تجمع سويا لتكون جبلا ذهبيا، وهو موضوع ~~لم يلاحظ، وإن كان من الممكن تخيله. وهكذا فإن المذهب التجريبي، ~~على خلاف المذهب العقلي، يجعل للذهن دورا ثانويا هو إقرار ~~النظام بين الانطباعات والأفكار، والنسق المنظم هو ما نسميه ~~بالمعرفة. # ويمكننا أن نضرب الأمثلة لتوضيح دور الذهن في بناء المعرفة، وهي ~~أمثلة كان من الممكن أن يستخدمها بيكن أو لوك أو هيوم؛ فالذهن ~~يلتقط من بين شتى التجارب التي تمر به في يوم ما، وهج النار كما ~~تراه العينان، ويربط بينه وبين الشعور بالحرارة، الذي نحس به عندما ~~نقترب من النار؛ وبذلك نصل إلى القانون الفيزيائي القائل: إن النار ~~ساخنة. وبالمثل يكشف الذهن قوانين حركة النجوم عن طريق مقارنة ~~مختلف الصور التي نلاحظها عند التطلع إلى السماء في ساعات مختلفة ~~من الليل، وفي ليال متباينة. وعن طريق الربط بين مختلف مواقع نجم ~~معين في خط خيالي، يرسم الذهن مسار النجم، الذي لا يعد هو ذاته ~~موضوعا للملاحظة . # وعندما أقول إن للذهن في هذه النظرة إلى المعرفة دورا ثانويا، ~~فإني أعني أن الذهن لا يعد معيارا للحقيقة؛ فقد تبدو الدائرة ~~للذهن أفضل شكل لحركة النجم، ولكن الإدراك الحسي هو الذي يحكم إن ~~كانت هذه الحركة دائرية بالفعل أم لا. وقد يدفعني العقل إلى القول ~~إن المادة تتألف من جزئيات صغيرة؛ لأنني لا أرى كيف يمكن أن تنضغط ~~المادة على أي نحو آخر، غير أن الإدراكات الحسية هي التي يمكنها أن ~~تحكم على صحة النظريات الذرية. وفي هذا المثال نجد أن الإدراك ~~الحسي لا يستطيع تقديم إجابة مباشرة على هذا السؤال؛ لأن الذرات ~~أصغر من أن تلاحظ، غير أنه يجيب على السؤال بطريق غير مباشر؛ إذ ~~يقدم إلينا سلسلة من الوقائع الملاحظة التي تجعل التفسير الذري ~~محتوما. ومع ذلك فإن المثال الأخير يوضح أن وظيفة الذهن في بناء ~~المعرفة لا يمكن أن تسمى ثانوية. بمعنى آخر، فالعقل ms076 هو الأداة ~~الضرورية لتنظيم المعرفة، وهو الأداة التي لا يمكن بدونها معرفة ~~الوقائع ذات الطابع الأكثر تجريدا؛ فالحواس لا تبين لي أن الكواكب ~~تتحرك في مدارات بيضاوية حول الشمس، أو أن المادة تتألف من ذرات، ~~بل إن ما يؤدي إلى هذه الحقائق المجردة هو الملاحظة الحسية مقترنة ~~بالاستدلال العقلي. # وقد أدرك بيكن بكل وضوح الضرورة القصوى للعقل في التصور التجريبي ~~للمعرفة؛ فهو يشبه أصحاب المذهب العقلي، في مناقشة أجراها للمذاهب ~~الفلسفية، بالعناكب التي تحيك نسيجها من مادتها الخاصة، ويشبه ~~التجريبيين القدامى بالنمل الذي يجمع المواد دون أن يتمكن من ~~الاهتداء إلى نظام فيها. أما التجريبيون الجدد فهم في نظره أشبه ~~بالنحل الذي يجمع المواد ويهضمها، ويضيف إليها من جوهره؛ وبذلك ~~يخلق نتاجا من نوع أرفع. وذلك في الواقع برنامج عظيم صيغ في عبارة ~~ذكية، فلنبحث إلى أي حد تحقق هذا البرنامج في المذهب التجريبي في ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر. # ما هي الإضافة التي يقدمها العقل للمعرفة المكتسبة بالملاحظة؟ ~~لقد قلنا من قبل إنها إدخال علاقات مجردة تقوم بتنظيم هذه الملاحظات. ~~ومع ذلك فإن العلاقات المجردة في ذاتها لن تكون لها كل هذه الأهمية ~~لو لم تكن تشتمل على عبارات تتعلق بحقائق عينية جديدة؛ فلو كانت ~~العلاقات المجردة حقائق عامة لما كانت تسري فقط على الملاحظات التي ~~تمت، بل لكانت تسري أيضا على الملاحظات التي لم تتم بعد، ولكانت لا ~~تتضمن إيضاحا للتجارب الماضية فحسب، بل أيضا تنبؤات بشأن التجارب ~~المقبلة. هذه هي الإضافة التي يقدمها العقل للمعرفة؛ فالملاحظة ~~تنبئنا عن الماضي والحاضر، أما العقل فيتكهن بالمستقبل. # ولأضرب بعض الأمثلة لإيضاح الطبيعة التنبئية للقوانين المجردة. ~~فالقانون القائل إن النار ساخنة، يتجاوز نطاق التجارب التي بني على ~~أساسها هذا القانون، والتي تنتمي إلى الماضي، ويتنبأ بأننا كلما ~~رأينا نارا فسوف تكون ساخنة. وقوانين حركة النجوم تتيح لنا التنبؤ ~~بالمواقع المقبلة للنجوم، وتشمل تنبؤات بملاحظات مثل كسوف الشمس ~~وخسوف القمر. والنظرية الذرية في المادة أدت إلى تنبؤات كيمائية، ~~أمكن تحقيقها في تركيب ms077 مواد كيمائية جديدة، بل إن جميع التطبيقات ~~الصناعية للعلم مبنية في الواقع على الطبيعة التنبئية للقوانين ~~العلمية، ما دامت تتخذ من القوانين العلمية أساسا لتكوين أجهزة ~~تعمل وفقا لخطة مرسومة مقدما. ولقد كان بيكن على وعي واضح ~~بالطبيعة التنبئية للمعرفة عندما قال كلمته المشهورة: المعرفة ~~قوة. # ولكن كيف يستطيع العقل أن يتنبأ بالمستقبل؟ لقد أدرك بيكن أن ~~العقل وحده لا يملك أية قدرة تنبئية، وهو لا يكتسب هذه القدرة إلا ~~مقترنا بالملاحظة، والمناهج التنبئية للعقل متضمنة في العمليات ~~المنطقية التي ننظم بها مادة الملاحظة ونستخلص نتائجها؛ فنحن إذن ~~نصل إلى التنبؤات عن طريق أداة الاستخلاص المنطقي، وفضلا عن ذلك ~~فقد أدرك بيكن أنه إذا كان للاستخلاص المنطقي أن يخدم أغراضا ~~تنبئية، فلا يمكن أن يقتصر على المنطق الاستنباطي، بل ينبغي أن ~~يشمل مناهج منطق استقرائي. # وفي استطاعتنا أن نزيد من وضوح هذا التمييز، الذي يرتكز عليه ~~تطور النزعة التجريبية الحديثة، من خلال بحث طبيعة القياس. فلنتأمل ~~المثل الكلاسيكي: «كل إنسان فان، وسقراط إنسان؛ إذن سقراط فان.» إن ~~نتيجة هذا القياس، كما أوضحنا من قبل، تلزم تحليليا عن المقدمات، ~~ولا تضيف إليها شيئا، وإنما هي تقتصر على أن تستخلص صراحة جزءا ~~من مضمونها. هذا الفراغ يشكل ماهية الاستدلال الاستنباطي ذاتها، ~~وهو الثمن الذي ينبغي دفعه لكي تكون للنتيجة صحة مطلقة. وفي مقابل ~~ذلك، لنتأمل استدلالا مثل: «كل الغربان التي لوحظت حتى الآن سوداء؛ ~~وإذن فكل الغربان في العالم سوداء.» في هذا المثال لا تكون النتيجة ~~متضمنة في المقدمة، وإنما تشير إلى غربان لم تلاحظ من قبل وتطبق ~~عليها صفة شوهدت في الغربان الملاحظة؛ ومن ثم فلا يمكن ضمان صدق ~~النتيجة؛ إذ إن من الممكن أن نكتشف يوما ما في الفيافي النائية ~~طائرا لديه كل صفات الغراب فيما عدا اللون الأسود، ولكن، على ~~الرغم من هذا الاحتمال، فنحن على استعداد للقيام بهذا النوع من ~~الاستدلال لا سيما حين يكون الأمر متعلقا بأشياء أهم من الغربان؛ ~~فنحن نحتاج إليه عندما نريد إقرار حقيقة ms078 عامة، تشمل الإشارة إلى ~~أشياء غير ملاحظة، ونظرا إلى حاجتنا هذه إليه، فإننا نكون على ~~استعداد لتحمل مخاطرة الخطأ. ويسمى هذا النوع من الاستدلال باسم ~~الاستدلال الاستقرائي، أو بتعبير أخص، استدلال الاستقراء ~~التعدادي # induction by enumeration ~~. # ويرجع الفضل التاريخي إلى بيكن في تأكيد أهمية الاستدلال ~~الاستقرائي للعلم التجريبي؛ فقد اعترف بقصور الاستدلال الاستنباطي، ~~وأكد أن المنطق الاستقرائي لا يمكنه أن يأتينا بالمناهج التي ننتقل ~~بها من الوقائع الملاحظة إلى الحقائق العامة؛ وبالتالي إلى تنبؤات ~~متعلقة بمزيد من الملاحظات، فلا يمكن أن يكون الاستدلال الاستنباطي ~~تنبئيا إلا إذا كانت المقدمات تنطوي على إشارة إلى ~~المستقبل. # مثال ذلك أنه لما كانت المقدمة «كل إنسان فان» تنطوي على إشارة ~~إلى بشر مثلنا، ممن لم يموتوا بعد، فإنها تتيح استخلاصا ~~استنباطيا للنتيجة القائلة إننا بدورنا سنموت يوما ما، ولكن مثل ~~هذه المقدمة لا بد قد تكونت بواسطة استدلال استقرائي معين؛ وعلى ذلك ~~فليس في وسع المنطق الاستنباطي أن يضع نظرية للتنبؤ، ولا بد من ~~إكماله بمنطق استقرائي. ولقد كان المنطق الاستنباطي الذي عرفه ~~بيكن، والذي ظل هو المنطق الاستنباطي الوحيد طوال بضعة قرون هو ~~منطق أرسطو، وكان هذا المنطق قد نقل إلى أهل العلم في العصور ~~الوسطى في مجموعة من الكتب تحمل اسم «الأورجانون» فقام بيكن بنشر ~~كتاب يحمل اسم «الأورجانون ~~الجديد # Novum Organum ~~»، يتضمن منطقه الاستقرائي الذي وضعه في ~~مقابل أورجانون أرسطو. ويعد هذا الكتاب، من الوجهة التاريخية، أول ~~محاولة لوضع منطق استقرائي؛ ولذا فإنه، على الرغم من نقائصه ~~العديدة، يحتل مكانة بارزة في الآداب العالمية. # كذلك فإن بيكن قد تجاوز الأشكال القديمة للمذهب التجريبي في ~~موقفه الإيجابي من الاستدلال الاستقرائي. مثال ذلك أن «سكستوس ~~إمبريكوس» كان قد هاجم المنطق القياسي على أساس أنه فارغ، ولكنه لم ~~يقبل استخدام الاستدلال الاستقرائي، الذي رآه غير صالح لإثبات ~~المعرفة؛ وعلى ذلك فقد كان على التجريبية الإنجليزية أن تحارب ~~المثل اليوناني الأعلى للمعرفة ذات اليقين المطلق، التي تتخذ من ~~الرياضيات أنموذجا لها. تلك كانت وظيفتها التاريخية، ms079 التي تجعلها ~~رائدة للفلسفة العلمية الحديثة. # وعلى الرغم من اهتمام بيكن الهائل بالاستدلال الاستقرائي، فقد ~~أدرك نقاط ضعفه بوضوح تام. ولكي يتغلب على هذه الصعوبات، وضع ~~منهجا يصنف الوقائع الملاحظة على أساس صفة مشتركة. وهكذا درس ~~طبيعة الحرارة بأن جمع في قائمة واحدة ظواهر متباينة تحدث فيها ~~الحرارة، وفي قائمة أخرى ظواهر متماثلة لا تحدث فيها الحرارة، وفي ~~قائمة ثالثة ظواهر تحدث فيها الحرارة بدرجات متفاوتة. ولقد كان ~~تصنيفه خليطا عجيبا قارن فيه بين ملاحظات مثل وجود الحرارة في ~~روث الخيل وبين غياب الحرارة في ضوء القمر. ومع ذلك فعلينا ألا ~~ننسى أن التصنيف هو الخطوة الأولى في البحث العلمي، وأن بيكن لم ~~يكن في موقف يسمح له بوضع نظرية في المناهج الاستقرائية للفيزياء ~~الرياضية؛ لأن الفيزياء الرياضية كانت لا تزال في مهدها. صحيح أن ~~جاليليو كان معاصرا لبيكن، وأن منهج جاليليو الرياضي كان أرقى من ~~تصنيف بيكن الاستقرائي، غير أنه كان لا بد أولا من وضع منهج الفرض ~~الرياضي (انظر الفصل السادس)، واستخلاص نتائجه الكاملة، قبل أن ~~يتسنى اتخاذه موضوعا للبحث الفلسفي. ولم يتضح إمكان استخدام ~~المناهج الاستنباطية مقترنة بالاستدلالات الاستقرائية إلا بعد ظهور ~~نيوتن في الجاذبية، التي نشرت بعد حوالي ستين عاما من وفاة بيكن. ~~وعلى ذلك فليس بيكن هو الذي ينبغي أن يلام على دراسته للمنهج ~~العلمي من خلال أنموذج مفرط في البساطة يغفل دور الرياضيات في ~~الفيزياء، وإنما الواجب أن يوجه هذا اللوم إلى التجريبيين ~~المتأخرين، ولا سيما جون استورت مل، الذي وضع بعد مائتين وخمسين ~~عاما من وفاة بيكن منطقا استقرائيا لا يكاد يرد فيه ذكر المنهج ~~الرياضي، وكان في أساسه صياغة جديدة لأفكار بيكن. # إن منطق بيكن الاستقرائي ساذج؛ لأنه يرتكز على الثقة في قاعدة ~~يجد الذهن العادي في نفسه الاستعداد لتطبيقها. ومع ذلك فقد كان ذلك ~~من وجهة أخرى منطقا لا يستطيع العالم الاستغناء عنه، وليس لأحد أن ~~يتوقع نقدا للمنهج العلمي في وقت كان فيه ذلك المنهج لا يزال في ~~مهده، وكان ms080 يغمره التفاؤل بما أحرزه في أول عهده من نجاح؛ وإذن فمن ~~الواجب أن يدرك مؤرخو الفلسفة الذين يعيبون على منطق بيكن ~~الاستقرائي كونه غير علمي، أن حكمهم إنما يصدر على أساس معايير لم ~~تعرف إلا في عصر متأخر. # لقد وجدت النزعة التجريبية في بيكن نبيا لها، ووجدت في لوك ~~زعيمها الشعبي، وفي هيوم ناقدها؛ فقد قبل لوك نظرية بيكن في ~~المعرفة التجريبية من حيث هي مستمدة بالاستقراء عن طريق تعميمات من ~~التجارب. ومع ذلك فهو لم يوضح تماما موقفه حول مسألة ما إذا كانت ~~كل معرفة تركيبية تتسم بالطابع التجريبي. ويبدو أنه كان ينظر إلى ~~المعرفة الرياضية على أنها ذات يقين مطلق وإن تكن تركيبية؛ وبذلك ~~ميزها عن المعرفة التجريبية. ففي رأيه أن القضايا الضرورية إما أن ~~تكون «خاوية # trifling ~~»، وإما ~~«مثمرة # instructive ~~»، وهو ~~تمييز استبق به، على الأرجح، تمييز «كانت» بين القضايا التحليلية ~~والتركيبية، ويؤدي، إذا ما فسر على هذا النحو، إلى جعله واحدا من ~~أنصار المعرفة التركيبية القبلية. صحيح أن كتابات لوك لا تنطوي على ~~التزام واضح بفكرة المعرفة التركيبية القبلية، ومع ذلك فإن معالجته ~~للأحكام الأخلاقية على أساس أن لها نفس النوع من الحقيقة، الذي ~~تتصف به النظريات الرياضية، تجعله من أنصار فكرة التوازي بين مجالي ~~الأخلاق والمعرفة، وتؤدي به إلى نتائج لا تتمشى مع النظرة ~~التحليلية إلى الرياضيات. # والواقع أن التجريبية لم تكن في مراحلها الأولى متسقة مع نفسها ~~على الدوام؛ فتجريبية لوك تقتصر على المبدأ القائل إن جميع ~~التصورات، وضمنها تصورات الرياضة والمنطق، تأتي إلى ذهننا من خلال ~~التجربة. وهو ليس على استعداد للتوسع في هذا المبدأ بحيث يشمل ~~الرأي القائل إن كل معرفة تركيبية لا تتحقق إلا من خلال التجربة. ~~وتمشيا مع هذا الموقف غير النقدي، فقد أخذ بالاستدلال الاستقرائي ~~دون نقد، وعده أداة مفيدة لكل معرفة تجريبية. فلم يخطر بذهن بيكن ~~أو لوك احتمال الشك في مشروعية هذه الأداة وهدم الأساس الذي ترتكز ~~عليه التجريبية، وكان دور هيوم هو أن يكيل هذه الضربة ms081 لفلسفة ~~التجربة. # عندما ألف هيوم كتابه «بحث ~~في الذهن البشري # Essay concerning Human ~~Understanding ~~» كان قد مضى على كتاب «الأورجانون ~~الجديد» أكثر من مائة عام، غير أن نظرية الاستقراء التي وجدها هيوم ~~في كتب المنطق المعاصرة له كانت لا تزال هي نظرية بيكن؛ لذلك سلم ~~هيوم مقدما بأن الاستدلال العلمي يتخذ صورة استقراء تعدادي، وهو ~~نوع الاستدلال الذي شرحناه في المثال الخاص بالغربان. على أن كل من ~~درس الفيزياء الرياضية يعلم أن هذه النتيجة مشكوك فيها، وأن هناك ~~أنواعا أخرى من الاستدلال الاستقرائي. مثال ذلك أن الفيزياء عند ~~نيوتن تطبق نظرية استنباطية معقدة، وتتخذ منها أداة للتحقيق ~~الاستقرائي، وليس من الواضح على الإطلاق أن هذه النظرية ترد آخر ~~الأمر إلى استدلالات من ذلك النوع البسيط المسمى بالاستقراء ~~التعدادي، غير أن هذه مشكلة سنعالجها فيما بعد، وحسبنا في هذا ~~المقام أن نلاحظ أن التحليل الحديث قد أوضح أن كل أنواع الاستدلال ~~الاستقرائي يمكن ردها إلى الاستقراء التعدادي، وهي نتيجة تجيز قصر مناقشة المنهج الاستقرائي على هذا النوع الذي هو أبسط أنواعه، كما فعل هيوم. # ويتفوق هيوم على لوك في وضوح نظرته إلى المذهب التجريبي ؛ فقد ~~تخلص من فكرة التوازي بين مجالي الأخلاق والمعرفة، وأدرك بوضوح ~~كامل أن الأحكام الأخلاقية لا تعبر عن الحقيقة، وإنما تعبر - كما ~~يقول - عن مشاعر الاستحسان، أو الاستهجان؛ أي إن «التمييز بين ~~الرذيلة والفضيلة لا يدرك بالعقل». ولما كان هيوم قد تحرر من خطأ ~~أولئك الذين يضطرون إلى إدخال المعرفة التركيبية القبلية لكي ~~يهتدوا إلى أساس للأخلاق، فقد تمكن من دراسة المعرفة غير مقيد ~~بأعباء الباحث الأخلاقي، وتوصل إلى النتيجة القائلة إن كل معرفة ~~إما أن تكون تحليلية وإما أن تكون مستمدة من التجربة؛ فالرياضة ~~والمنطق تحليليان، وكل معرفة تركيبية مستمدة من التجربة. وهو لا ~~يعني بلفظ «مستمدة» أن التصورات يرجع أصلها إلى الإدراك الحسي ~~فحسب، بل يعني أيضا أن الإدراك الحسي هو مصدر صحة كل معرفة ~~تحليلية؛ وإذن فالإضافة التي يقدمها الذهن إلى المعرفة هي بطبيعتها ms082 ~~فارغة. # ومن الملاحظ أن تفسير هيوم هذا لا يقوم على أساس سليم تماما ~~فيما يتعلق بالرياضيات؛ فنظرا إلى أنه كان يجهل الإجابة التي ~~قدمها القرن التاسع عشر على هذه المشكلة بعد ظهور الهندسات ~~اللاإقليدية، فإنه كان يفتقر إلى الوسيلة التي تتيح له تعليل ~~الطبيعة المزدوجة للرياضيات، من حيث هي من إملاء العقل، ومن حيث هي ~~قادرة على التنبؤ بالملاحظات. ومع ذلك يبدو أنه لم يدرك هذه ~~المشكلة بوضوح كامل، ويمكن القول إنه كان حسن الحظ في هذه الحالة، ~~كما كان في مشكلة الاستقراء الذي رأى أن كل أنواعه ترتد إلى ~~الاستقراء التعدادي؛ لأنه استبق نتائج ظهرت فيما بعد، على الرغم من ~~أنه لم يكن يملك حججا قوية ترتكز عليها آراؤه. وأنا لا أميل إلى ~~النظر إلى هذا الاتفاق على أنه علامة العبقرية، وإنما أفضل أن ~~أسميه حسن الحظ، وإني لأوثر أن أرى عبقرية هيوم تتبدى، بدلا من ~~ذلك، في تلك النتائج التي كان يستطيع أن يقدم لها أسباب مقنعة، مثل ~~رفضه للموازاة بين مجالي الأخلاق والمعرفة، وأفضل أن أثني عليه لما ~~أبداه من اتساق في عرضه لأفكاره ضد شتى أنواع التراث المخالف ~~له . # هذا الاتساق يتجلى في بحثه للاستقراء؛ فلو كان كل ما يسهم به ~~الذهن في المعرفة تحليليا، لنشأت صعوبات خطيرة بالنسبة إلى ~~استخدام الاستدلال الاستقرائي. وإن أهمية هيوم في تاريخ الفلسفة ~~لترجع إلى أنه لفت الأنظار إلى هذه المشكلة، التي يمكن تحليلها دون ~~التزام بالتفسير التحليلي أو التركيبي للرياضة؛ فالاستدلال ~~الاستقرائي ليس تحليليا. ويوضح هيوم هذه المسألة بأن يشير إلى أن ~~من الممكن تماما تصور عكس النتيجة الاستقرائية. مثال ذلك أنه، على ~~الرغم من أن كل الغربان التي لوحظت حتى الآن سوداء، ففي استطاعتنا ~~أن نتصور على الأقل أن الغراب التالي الذي سنراه سيكون أبيض، ونحن ~~لا نؤمن بأنه سيكون أبيض، ما دمنا نركن إلى الاستدلال الاستقرائي. ~~غير أن الإيمان لا صلة له بالموضوع حين يكون الأمر متعلقا ~~بالإمكانات المجردة؛ ففي استطاعتنا أن نتصور أن النتيجة باطلة دون ms083 ~~أن نضطر إلى التخلي عن المقدمة، وإن إمكان وجود نتيجة باطلة مقترنة ~~بمقدمة صحيحة ليثبت أن الاستدلال الاستقرائي لا ينطوي في ذاته على ~~ضرورة منطقية؛ وإذن فقضية هيوم الأولى هي أن الاستقراء له طابع غير ~~تحليلي. # فكيف يمكننا إذن تبرير استخدام الاستدلال الاستقرائي؟ يناقش هيوم ~~إمكان تحقيق الاستدلال بالتجربة، وأغلب الظن أن بيكن ولوك قد ~~افترضا وجود تحقيق من هذا النوع، ولكنهما مع ذلك لم يناقشا أبدا ~~مشروعية الاستقراء. وقد نقول إننا استخدمنا الاستدلالات ~~الاستقرائية في كثير من الأحيان وأحرزنا بها نجاحا طيبا، وهكذا ~~نشعر بأن من حقنا أن نمضي في تطبيق هذا الاستدلال أبعد من ذلك. ومع ~~ذلك فإن نفس طريقة صياغة الحجة توضح، كما يقول هيوم، أن هذا ~~التبرير باطل؛ فالاستدلال الذي نود أن نبرر به الاستقراء هو ذاته ~~استدلال استقرائي؛ إذ إن القول إننا نؤمن بالاستقراء لأن الاستقراء ~~كان ناجحا حتى الآن، هذا القول ذاته هو استقراء من نوع استقراء ~~«الغراب»؛ وبذلك نكون دائرين في حلقة مفرغة. فمن الممكن إثبات إمكان ~~الاعتماد على الاستقراء إذا افترضنا أن من الممكن الاعتماد عليه، ~~ولما كان مثل هذا الاستدلال ينطوي على دور، فإن الحجة لا بد أن ~~تنهار؛ وعلى ذلك فإن قضية هيوم الثانية هي أن الاستقراء لا يمكن ~~تبريره بالرجوع إلى التجربة. # إن هيوم يذهب إلى أن نتيجة نقده هي القول باستحالة تبرير ~~الاستدلال الاستقرائي. والحق أن من الواجب إدراك خطوة هذه النتيجة ~~إدراكا كاملا؛ فإذا كانت قضية هيوم صحيحة، فإن الأداة التي ~~نستخدمها في التنبؤ تنهار، ولا تكون لدينا وسيلة لاستباق المستقبل. ~~فقد رأينا حتى الآن أن الشمس تشرق كل صباح، ونحن نعتقد أنها ستشرق ~~غدا، ولكن ليس لاعتقادنا هذا أساس؛ وقد رأينا الماء ينحدر من أعلى ~~إلى أسفل، ونحن نعتقد أنه سينحدر دائما على هذا النحو، ولكن ليس ~~لدينا ما يثبت أنه سيفعل ذلك غدا. ألا يجوز أن تبدأ الأنهار في ~~الجريان من أسفل إلى أعلى غدا؟ إنك قد تقول: لست من الحمق بحيث ~~أعتقد ذلك، ولكن ms084 لم كان في هذا الاعتقاد حمق؟ ستجيب بأن السبب هو ~~أنني لم أر أبدا ماء يجري من أسفل إلى أعلى، وأنني كنت أنجح دائما ~~في تطبيق أمثال هذا الاستدلال من الماضي إلى المستقبل. وهنا تكون ~~قد وقعت في المغالطة التي كشفها هيوم؛ فأنت تثبت الاستقراء ~~باستخدام استدلال استقرائي، وهكذا نقع في الفخ مرارا وتكرارا، ~~ونرى أن من المستحيل تبرير الاستقراء، ولكنا نظل نقوم باستقراءات ~~ونحتج بأن من الحمق أن نشك في المبدأ الاستقرائي. # هذا هو المأزق الذي يقع فيه صاحب النزعة التجريبية؛ فإما أن يكون ~~تجريبيا كاملا، ولا يقبل من النتائج سوى القضايا التحليلية أو ~~القضايا المستمدة من التجربة، وعندئذ لا يستطيع القيام باستقراء، ~~ويتعين عليه أن يرفض أية قضية عن المستقبل؛ وإما أن يقبل الاستدلال ~~الاستقرائي، وعندئذ يكون قد قبل مبدأ غير تحليلي لا يمكن ~~استخلاصه من التجربة؛ وبذلك يكون قد تخلى عن التجريبية. وهكذا ~~تنتهي التجريبية الكاملة إلى القول إن معرفة المستقبل مستحيلة، ~~ولكن ماذا تكون المعرفة إن لم تكن تشتمل على المستقبل؟ إن مجرد ~~بيان العلاقات الملاحظة في الماضي لا يمكن أن يسمى معرفة؛ فإذا ~~شئنا أن تكشف المعرفة عن العلاقات الموضوعية للأشياء الطبيعية، ~~فلا بد أن تنطوي على تنبؤات موثوق فيها؛ وعلى ذلك فإن التجريبية ~~الكاملة تنكر إمكان المعرفة. # وهكذا تنتهي الفترة الكلاسيكية للمذهب التجريبي، وهي فترة بيكن ~~ولوك وهيوم، بانهيار لهذا المذهب؛ إذ إن هذا هو ما يؤدي إليه تحليل ~~هيوم للاستقراء. فنقد هيوم يؤدي إلى الانتقال من التجريبية إلى ~~اللاأدرية، وهو ينادي - فيما يتعلق بالمستقبل - بفلسفة للجهل تقول ~~إن كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف أي شيء عن المستقبل. ولا بد لنا أن ~~نعجب بدقة ذلك الذهن الذي لم يمتنع عن استخلاص هذه النتيجة ~~الهدامة، على الرغم من أنه تشرب الثقة بالمذهب التجريبي. ومع ذلك، ~~فعلى الرغم من أن هيوم يذكر هذه النتيجة صراحة، ويسمي نفسه شكاكا، ~~فإنه لا يعترف بالمأساة التي يؤدي إليها استنتاجه هذا؛ فهو يحاول ~~تخفيف تأثير هذه النتيجة بأن ms085 يسمي الاعتقاد الاستقرائي عادة. وإن ~~المرء ليشعر عند قراءة ما كتبه هيوم بأن هذا التفسير قد طامن من ~~شكوكه، وأنه كان في نظره تفسيرا نفسيا للاعتقاد الاستقرائي. ومن ~~الملاحظ أن هيوم لم يكن من الأحرار الإنجليز، وإنما كان من ~~المحافظين، ولم تكن هناك نزعة تحررية في اتجاهاته الإدارية تناظر ~~نزعته التحررية الذهنية. وهكذا يتضح لنا ذلك الوجه الغريب لفيلسوف ~~يستبعد بابتسامة ودية التهمة الحاسمة التي وجهها هو ذاته إلى ~~الفلسفة التجريبية. # على أننا لا نستطيع أن نشارك هيوم شعوره هذا بالاطمئنان؛ فنحن لا ~~ننكر أن الاستقراء عادة؛ إذ إنه كذلك بالطبع، غير أننا نود أن نعرف ~~إن كان عادة مستحبة أم عادة مرذولة. ونحن نعترف بأن من الصعب ~~التخلص من هذه العادة، فمن ذا الذي يجرؤ على أن يسلك على أساس ~~افتراض أن الماء سيجري غدا من أسفل إلى أعلى في كل الأحوال؟ ومع ~~ذلك فحتى لو كان تعودنا على الاستقراء يبلغ من القوة حدا لا نملك ~~معه إلا أن نكون مدمنين للاستقراء، مثل مدمني المخدرات، فإنا نود ~~أن نعرف على الأقل إن كان الواجب يقضي علينا بالتخلص من هذه ~~العادة. فالمشكلة المنطقية للاستقراء مستقلة عن مسألة كون ~~الاستقراء عادة، وكوننا نستطيع التخلص من هذه العادة. إن الفيلسوف ~~التجريبي يود أن يعلم إن كان في وسع التجربة أن تمدنا بمعرفة ~~للمستقبل، وبأي معنى تمدنا بهذه المعرفة، فإن لم يستطع أن يجيب عن ~~هذا السؤال، فعليه أن يعترف صراحة بأن التجريبية قد أخفقت. # فإذا ما انتقلنا إلى إجراء مقارنة بين المذهب التجريبي والمذهب ~~العقلي، لوصلنا إلى نوع غريب من التوازن؛ فصاحب المذهب العقلي لا ~~يستطيع أن يحل مشكلة المعرفة التجريبية لأنه يتصور مثل هذه المعرفة ~~على مثال الرياضيات؛ وبذلك يجعل العقل مشرعا للعالم الفيزيائي. ~~والتجريبي بدوره لا يستطيع أن يحل هذه المشكلة؛ إذ إن محاولته ~~الاعتراف بالكيان الخاص للمعرفة التجريبية من حيث هي مستمدة من ~~الإدراك الحسي تنهار بدورها؛ لأن المعرفة التجريبية تفترض مقدما ~~منهجا غير تحليلي، هو المنهج الاستقرائي. صحيح ms086 أن التجريبي لا ~~يكرر أخطاء العقلي، فهو لا يستخدم لغة مجازية، ولا يسعى إلى اليقين ~~المطلق، ولا يحاول أن يشكل مجال المعرفة بحيث يكون أساسا ~~للتوجيهات الأخلاقية. ومع ذلك فإنه حين يقصر قدرة العقل على وضع ~~المبادئ التحليلية، يقع في صعوبة جديدة؛ فهو لا يستطيع تفسير ~~المبدأ الذي تنتقل به المعرفة التجريبية من الماضي إلى المستقبل؛ ~~أي إنه لا يستطيع تفسير الطبيعة التنبئية للمعرفة. # وهكذا يتحتم علينا الاعتراف بضرورة وجود خطأ أساسي في المذهب ~~التجريبي. فقد سبق أن ارتكب صاحب المذهب العقلي خطأ النظر إلى ~~المعرفة الرياضية على أنها أنموذج كل معرفة؛ وبذلك أراد أن يجعل من ~~العقل مصدرا لمعرفة العالم، في أساسياتها على الأقل. أما التجريبي ~~فقد صحح هذا الخطأ بأن أكد أن المعرفة التجريبية مستمدة من الإدراك ~~الحسي، وأن العقل لا يمدنا إلا بعلاقات تحليلية، وأن كل معرفة ~~تركيبية هي من النوع الممتد من الملاحظة. ومع ذلك فالمعرفة ~~المستمدة من الملاحظة تقتصر على الماضي والحاضر، أما معرفة ~~المستقبل فليست من النوع المستمد من الملاحظة. ومع ذلك فالمعرفة ~~المستمدة من الملاحظة تقتصر على الماضي والحاضر، أما معرفة ~~المستقبل فليست من النوع المستمد من الملاحظة. على أن التجريبيين ~~القدامى لم يدركوا الصعوبات الناجمة عن هذا التمييز؛ فلما كان من ~~الممكن تحقيق التنبؤات الخاصة بالمستقبل أو تكذيبها، في وقت ~~متأخر، فقد نظروا إلى معرفة المستقبل على أنها من نفس نوع المعرفة ~~المستمدة من الملاحظة، وفاتهم أننا نود معرفة حقيقة التنبؤات قبل ~~وقوع الحوادث التي نتنبأ بها، وأن المعرفة عندما تصبح مستمدة من ~~الملاحظة لا تعود معرفة بالمستقبل. ولقد تنبه هيوم إلى هذه ~~الصعوبة، ولكن لما لم يكن في وسعه التخلي عن فهم للمعرفة يقتضي ~~ضمنا أن تكون معرفة المستقبل من نفس نوع معرفة الماضي؛ فقد انتهى ~~إلى أن المناهج التنبئية للعلم لا يمكن تبريرها، وأن من المحال أن ~~تكون لنا أية معرفة بالمستقبل. # ولقد اعترف المذهب التجريبي، في مفهومه الحديث، بهذا الخطأ. فلما ~~كان من المستحيل تبرير القضايا المتعلقة بالمستقبل إذا ms087 ما نظر ~~إليها على أنها من نفس نوع القضايا المتعلقة بالماضي أو الحاضر، ~~فإنا نستدل من ذلك على أن من الواجب تفسير القضايا المتعلقة ~~بالمستقبل على نحو مختلف. فمن الواجب تصور معرفة المستقبل على أنها ~~تختلف أساسا عن معرفة الماضي. وبهذا التحول ينقلب السؤال؛ فبدلا ~~من أن نفترض أن طبيعة معرفة المستقبل معلومة، ثم ينصب تساؤلنا على ~~الطريقة التي يمكن أن تكون لنا بها معرفة بالمستقبل، فإن السؤال ~~يتركز فيما ينبغي أن تكون عليه طبيعة معرفة المستقبل إن شئنا تبرير ~~القضايا المتعلقة بالمستقبل. # على أن إحداث مثل هذا الانقلاب في السؤال كان أمرا يفوق إمكانات ~~هيوم. والحق أن نقده للاستقراء كان عملا يبلغ من العظمة حدا ~~المعرفة على نحو يهدف إلى العثور فيها على التركيب الذي يريد ~~الفيلسوف الوصول إليه. فصاحب المذهب العقلي يتصور المعرفة ~~التجريبية على أنها نسق ينبغي أن تكون لأسسه يقينية الرياضيات، ~~والتجريبي يستعيض عن يقينية الرياضيات بالتأكيد المرتكز على ~~الملاحظة، ولكنه يشترط في القضايا المتعلقة بالمستقبل أن يكون لها ~~نفس نوع التأكيد الذي ننسبه إلى القضايا المتعلقة بالماضي. وهكذا ~~ينتهي صاحب المذهب العقلي إلى مواجهة هذه المشكلة: لماذا كان يتعين ~~على الطبيعة أن تتبع العقل؟ ويواجه التجريبي هذه المسألة: كيف يمكن ~~نقل التأكيد الذي تتسم به الملاحظات إلى التنبؤات؟ # ولم يكن في مقدور فلسفة القرن الثامن عشر أن تصل إلى مخرج من هذا ~~المأزق؛ إذ لم يكن من الممكن إحداث انقلاب في السؤال، بحيث يصبح ~~متعلقا بطبيعة المعرفة التنبئية، إلا بعد حدوث بعض التغيرات ~~الحاسمة في أسس العلم. فقد كانت القوة الدافعة للعلم في القرن ~~الثامن عشر هي الثقة غير النقدية بنجاحه، وكان لا بد للعلم في يشعر ~~بقصور مناهجه قبل أن يصبح ناقدا لذاته ويتساءل عن معنى نتائجه. وقد بدأ ~~هذا التطور في القرن التاسع عشر، وما زال مستمرا حتى يومنا هذا. ~~ولم يكن مصدر هذا التطور هو الفلسفة؛ إذ إن العالم لم يكن في وقت ~~من الأوقات يعبأ كثيرا بتفسير الفيلسوف، بل إن نقد ms088 ديفيد هيوم ~~ذاته لم يؤثر فيه. ولقد اتضح أن عدم اكتراث العالم بالفلسفة كان ~~موقفا مفيدا له، وإن كان ذلك من قبيل حسن الحظ فحسب؛ ذلك لأن ~~النجاح كثيرا ما يحالف أولئك الذين يفعلون، بدلا من أن يفكروا ~~فيما ينبغي أن يفعلوه. ولم يكن من الممكن تقديم تفسير لطبيعة ~~المعرفة في إطار العلم السائد في القرن الثامن عشر؛ إذ كان من ~~الواجب إعادة النظر في الفكرة السائدة عن طبيعة الرياضيات، وعن ~~طبيعة العلية، قبل أن يتسنى وضع نظرية للمعرفة تعلل في آن واحد ~~قدرة المناهج الاستنباطية في الفيزياء الرياضية، وكذلك فائدة ~~الاستدلال الاستقرائي. وإذن فقد كان من حسن حظ العالم أنه لم ينتقل ~~إلى بحث مسألة تبرير مناهجه قبل أن تتوافر لديه وسائل الإجابة عن ~~هذه المسألة. # وإنه لمن المعقول أن تكون هذه الإجابة قد قدمت في إطار نظرية ~~للاحتمالات، وإن تكن صورة هذه النظرية تختلف كل الاختلاف عما قد ~~يتوقعه المرء. فالقول إن ملاحظات الماضي يقينية، على حين أن ~~التنبؤات احتمالية فحسب، ليس هو الجواب النهائي على مسألة ~~الاستقراء، يضمن له موقعا بارزا في تاريخ الفلسفة. ولقد ذكرت من ~~قبل أن من الواجب البحث عن مظاهر التقدم الفلسفي، لا في الإجابات ~~التي قدمها الفلاسفة، وإنما في الأسئلة التي سألوها، وهذه القاعدة ~~تنطبق على هيوم بدوره؛ فإلى هيوم يرجع الفضل في إثارة السؤال الخاص ~~بتبرير الاستقراء، وإيضاح الصعوبات التي تعترض حله، أما إجابته ~~عليه فلا تفيدنا في شيء. # ومن الغريب حقا أن هذا الحكم على التجريبية الإنجليزية يصل إلى ~~نقد يناظر اعتراضنا سبق أن وجهناه إلى المذهب العقلي؛ فالتجريبية ~~الإنجليزية، على الرغم من اختلافها الأساسي عن المذهب العقلي، قد ~~كررت خطأ من أهم أخطاء هذا المذهب، ألا وهو البحث في المعرفة، لا ~~بنزاهة الملاحظ الموضوعي، بل بقصد إثبات غاية محددة مقدما، ودراسة ~~طبيعة وما هو إلا نوع من الإجابة الوسط، التي لا تكتمل إلا بوضع ~~نظرية في الاحتمالات تفسر ما نعنيه ب «الاحتمالي»، وعلى أي أساس ~~نستطيع تأكيد الاحتمالات. ولقد ms089 درس التجريبيون، ومنهم هيوم، طبيعة ~~الاحتمالات مرارا، ولكنهم انتهوا إلى أن للاحتمال طبيعة ذاتية، ~~وهو ينطبق على الظن أو الاعتقاد الذي ميزوا بينه وبين المعرفة. ~~ولا شك أن الفكرة القائلة بأن هناك معرفة احتمالية، كانت خليقة بأن ~~تبدو متناقضة في نظرهم. والواقع أن رأي هيوم القائل إن الاستدلال ~~الاستقرائي ليس أداة مشروعة للمعرفة، يدل على أنه كان لا يزال ~~واقعا تحت تأثير المذهب العقلي؛ فكل ما كان في استطاعته أن يفعله ~~هو أن يثبت، كما فعل الشكاك القدامى، أن من المستحيل بلوغ المثل ~~العقلي الأعلى للمعرفة، ولكنه لا يستطيع الاستعاضة عنه بنظرة أفضل ~~إلى المعرفة. ولو كان هيوم قد درس رياضيات الاحتمالات، التي كانت ~~قد وردت في عصره في كتابات باسكال وفيرما # Fermat # وجاكوب ~~برنويي # Jacob Bernoulli ~~، لكان من الجائز أن يهتدي إلى معنى موضوعي ~~للاحتمال، غير أن عدم إشارته إلى هذه الكتابات يدل على أنه لم يكن ~~صاحب عقلية رياضية، ولم يكن بالرجل الذي يصلح لاستغلال نظرية ~~الاحتمالات الرياضية في أغراض فلسفية. # وعلى الرغم من أن التحليل المنطقي لفكرة الاحتمال شرط ضروري ~~لإيضاح المعرفة التنبئية، فلا بد من تغيير جذري في التفسير الفلسفي ~~قبل أن يتسنى تقديم الإجابة النهائية التي تخلصنا من مآزق ~~التجريبية. ونحن نعلم اليوم أن المعرفة التنبئية ذاتها لا يمكن ~~إثبات كونها احتمالية، وأن فكرة المعرفة الاحتمالية تتعرض لنقد ~~مماثل لذلك الذي أثاره هيوم بالنسبة إلى المعرفة التي تزعم لنفسها ~~اليقين؛ وعلى ذلك فإن مشكلة المعرفة التنبئية تقتضي إعادة تفسير ~~لطبيعة المعرفة. ولم يكن من الممكن الوصول إلى هذا الفهم الجديد ~~للمعرفة في إطار فيزياء نيوتن، بل كان لا بد لحل مشكلة الاستقراء من ~~انتظار ذلك التفسير الجديد للمعرفة، الذي ظهر بفضل فيزياء القرن ~~العشرين. # الفصل السادس # | الطبيعة المزدوجة للفيزياء الكلاسيكية # جانبها التجريبي وجانبها العقلي # كان حديثنا حتى الآن مقتصرا على الفلسفة. أما الآن، فلندرس تطور ~~العلم خلال تلك الأعوام الألفين والخمسمائة، التي ظهرت خلالها، في ~~مجال الفلسفة، المذاهب العقلية والتجريبية في شتى صورها. # إن الدور ms090 الذي أسهم به اليونانيون في مجال العلم يكاد يقتصر على ~~العلوم الرياضية وحدها، ولقد أحرزت الهندسة على وجه التخصيص تقدما ~~عظيما، وكان من أبرز الكشوف الهندسية التي توصل إليها اليونانيون، ~~تلك النظرية التي تحمل اسم فيثاغورس، وهي كشف لا يعادله إلا بحثهم ~~للقطاعات المخروطية، والمنحنيات التي تعرف باسم البيضاوي، والقطع ~~الناقص والقطع الزائد. أما علم الحساب فلم يكن يتميز عندهم بذلك ~~الأسلوب العددي الذي نطبقه اليوم بمثل هذا النجاح؛ فلم يكن ~~اليونانيون يكتبون أرقامهم بالنظام العشري، الذي هو طريقة متأخرة ~~في التدوين، توصل إليها العرب، ولا كانوا يعرفون اللوغاريتمات التي ~~اخترعت في القرن السابع عشر. # 1 # وعلى الرغم من هذه العيوب الفنية، فإن اليونانيين قد ~~وضعوا أسس نظرية الأعداد، وأدركوا أهمية الأعداد الأولية، وكشفوا ~~وجود الأعداد الصماء؛ أي الأعداد التي لا يمكن كتابتها على أنها ~~معامل لعددين صحيحين. ولقد كان أعظم ما أسهموا به في ميدان ~~الرياضيات هو بناء الهندسة على أساس نظام البديهيات، وهو البناء ~~الذي توصل إليه إقليدس، ذلك الرياضي اليوناني الأصل، الذي جعل من ~~الإسكندرية مركزا للحضارة اليونانية في حوالي عام 300ق.م، وكان ~~نظام إقليدس يعد على الدوام دليلا قاطعا على قدرة الاستدلال ~~الاستنباطي . # ولقد كان نجاح اليونانيين في ميدان العلوم التجريبية مقتصرا على ~~تلك العلوم التي يمكن استخدام المناهج الرياضية فيها؛ فقد كانت ~~نظرية بطليموس، وهو عالم سكندري عاش في القرن الثاني الميلادي، هي ~~أعظم تنظيم شامل لعلم الفلك اليوناني؛ إذ أثبت بطليموس، مستعينا ~~بنتائج سابقة للملاحظة الفلكية والاستدلال الهندسي، أن الأرض كروية ~~الشكل. ومع ذلك فقد كان يرى أن من المؤكد أن الأرض ساكنة، وأن قبة ~~السماء تتحرك حولها، حاملة معها النجوم والشمس والقمر، وهناك أيضا ~~حركات في داخل هذه القبة؛ فالشمس والقمر ليسا مثبتين في موقع محدد ~~بين النجوم، وإنما يتحركان في مسارات دائرية خاصة بهما، والكواكب ~~ترسم أقواسا ذات أشكال غريبة، أدرك بطليموس أنها نتيجة لحركتين ~~دائريتين تتمان في نفس الوقت، مثل مسار شخص جالس في أرجوحة تدور في ~~داخل أرجوحة أخرى أكبر ms091 منها. وما زال نظام بطليموس الفلكي، الذي ~~يعرف أيضا باسم نظام مركزية ~~الأرض # geocentric system ~~، يستخدم اليوم في الإجابة على جميع الأسئلة ~~الفلكية التي تقتصر على الإشارة إلى الجانب الذي يرى من الأرض في ~~النجوم، ولا سيما الأسئلة المتعلقة بالملاحة. ويدل إمكان تطبيق هذا ~~النظام عمليا على هذا النحو على أن في نظام بطليموس قدرا كبيرا ~~من الصواب. # على أن الفكرة القائلة إن الشمس ساكنة والأرض والكواكب تتحرك ~~حولها، لم تكن مجهولة لليونانيين؛ فقد اقترح أرسطرخس ~~الساموسي # Aristarchus of ~~Samos # النظام المتمركز حول الشمس في حوالي عام ~~200ق.م، ولكنه لم يتمكن من إقناع معاصريه بصوابه، ولم يكن في ~~استطاعة الفلكيين اليونانيين أن يأخذوا برأي أرسطرخس نظرا إلى أن ~~علم الميكانيكا كان في ذلك الحين في حالة تأخر. مثال ذلك أن ~~بطليموس اعترض على أرسطرخس بالقول إن الأرض ينبغي أن تكون ساكنة ~~لأنها لو لم تكن كذلك لما سقط الحجر الذي يقع على الأرض في خط ~~رأسي، ولظلت الطيور في الهواء متخلفة عن الأرض المتحركة، وهبطت إلى ~~جزء مختلف من سطح الأرض. # ولم تجر تجربة لإثبات خطأ بطليموس إلا في القرن السابع عشر؛ فقد ~~أجرى الأب جاسندي # Gassendi ~~، وهو ~~عالم وفيلسوف فرنسي كان معاصرا لديكارت وخصما له، تجربة على ~~سفينة متحركة؛ فأسقط حجرا من قمة الصاري، ورأى أنه وصل إلى أسفل ~~الصاري تماما. ولو كانت ميكانيكا بطليموس صحيحة، لوجب أن يتخلف ~~الحجر عن حركة السفينة، وأن يصل إلى سطح السفينة عند نقطة تقع في ~~اتجاه مؤخرتها. وهكذا أيد جاسندي قانون جاليليو، الذي كان قد اكتشف ~~قبل ذلك بوقت قصير، والذي يقول إن الحجر الهابط يحمل في ذاته حركة ~~السفينة ويحتفظ بها وهو يسقط. # فلماذا لم يقم بطليموس بتجربة جاسندي؟ ذلك لأن فكرة التجربة ~~العلمية، متميزة من القياس والملاحظة المجردة، لم تكن مألوفة ~~لليونانيين. إن التجربة إنما هي سؤال يوجه إلى الطبيعة، وباستخدام ~~الأدوات المناسبة يحدث العالم واقعة فيزيائية تؤدي نتيجتها إلى ~~الإجابة ب «نعم» أو «لا» على هذا السؤال. وطالما كنا ms092 نعتمد على ~~ملاحظة الحوادث التي لا نتدخل نحن فيها، فإن الأحداث القابلة ~~للملاحظة تكون عادة نتاجا لعوامل تبلغ من الكثرة حدا لا نستطيع ~~معه تحديد الدور الذي يسهم به كل عامل منفرد في النتيجة الكلية. ~~أما التجربة العلمية فإنها تعزل العوامل بعضها عن البعض، ويؤدي ~~تدخل الإنسان إلى إيجاد ظروف يتبدى فيها تأثير عامل واحد دون إقحام ~~العوامل الأخرى فيه؛ وبذلك يكشف عن العملية الداخلية التي تتم في ~~الحوادث المعقدة التي تحدث دون تدخل الإنسان. مثال ذلك أن سقوط ~~ورقة من شجرة هو حادث معقد تتنافس فيها قوى الجاذبية مع القوى ~~الهوائية الدنيامية الناتجة عن حركة الهواء تحت الورقة المنزلقة، ~~التي تتحرك إلى أسفل في اتجاه متعرج؛ فإذا استبعدنا، من جهة، تأثير ~~الهواء بأن نجعل الورقة تسقط في ساحة مفرغة من الهواء، لرأينا أن ~~سقوطها هو، من حيث الجاذبية، مماثل لسقط الحجر؛ وإذا قمنا من جهة ~~أخرى بإمرار تيار هوائي على سطح ثابت عبر نفق للهواء، لكشف لنا عن ~~قوانين حركة الهواء. وهكذا فإن الحادث الطبيعي المعقد يحلل إلى ~~عناصره المكونة له عن طريق القيام بتجارب مرسومة مخططة؛ ولهذا ~~السبب أصبحت التجربة أداة للعلم الحديث. أما عدم التجاء اليونانيين ~~إلى التجارب على أي نطاق واسع فيدل على مدى صعوبة التحول من ~~الاستدلال العقلي إلى العلم التجريبي. # إننا نؤرخ بداية ظهور العلم الحديث بعهد كوبرنيكوس (1472-1543م) ~~وجاليليو (1564-1641م)؛ فحين وضع كوبرنيكوس النظام المرتكز حول ~~الشمس، أرسى أسس علم الفلك الحديث، وقام في الوقت ذاته بالخطوة ~~الحاسمة التي أدت إلى تغيير مجرى التفكير العلمي الحديث، وحررته من ~~عناصر التشبيه بالإنسان، التي كانت تسود الفترات السابقة. أما ~~جاليليو فقد أعطى العلم الحديث منهجه الكمي التجريبي؛ فقد حددت ~~التجارب التي قام بها لإثبات قانون سقوط الأجسام أنموذج المنهج ~~الذي يجمع بين التجربة وبين القياس # measurement # والصياغة الرياضية، وبفضل جاليليو تحول ~~جيل من العلماء إلى استخدام التجارب في الأغراض العلمية. ومع ذلك، ~~فإن هذا التحول العام إلى استخدام المنهج التجريبي لا يمكن أن يعد ~~نتيجة ms093 لجهد شخص واحد، والأفضل أن نفسره على أنه نتيجة لتغير في ~~الظروف الاجتماعية حرر أذهان العلماء من الاهتمام بالعلم اليوناني ~~في صورة النزعة المدرسية (الاسكلائية)، وأدى بطريقة طبيعية إلى قيام ~~علم تجريبي. # ولقد اقترن مولد العلم التجريبي بموجة من النشاط والاهتمام امتدت ~~إلى جميع أرجاء أوروبا؛ فقد كان جاليليو أول من وجه التلسكوب، الذي ~~اخترعه صانع عدسات هولندي، إلى السماء في إيطاليا. واخترع إيطالي ~~آخر كان صديقا لجاليليو، هو توريتشللي # Torricelli ~~، البارومتر، وأثبت أن للهواء ضغطا ~~يقل بازدياد الارتفاع. وفي ألمانيا اخترع جوريكه # Guericke # مضخة الهواء، وأوضح أمام ~~جمهور عقدت الدهشة لسانه قوة الضغط الجوي، بأن جمع بين نصفي كرة فرغ ~~ما بينهما من الهواء، ولم تستطع مجموعة من الخيول أن تفصل أحدهما ~~عن الآخر. كذلك كان للإنجليز دور بارز في هذا الميدان الجديد؛ فقد ~~أجرى وليم ~~جلبرت # W. ~~Gilbert ~~، طبيب الملكة إليزابيث، دراسات مستفيضة عن ~~المغناطيسية ونشرها. واكتشف هارفي # Harvey # الدورة الدموية، ووضع ~~بويل # Boyle # القانون الذي يعرف باسمه، والخاص بالعلاقة بين ضغط ~~الغاز وحجمه. وهكذا خلقت الملاحظة والتجربة بالفعل عالما جديدا ~~كاملا من الوقائع والقوانين العلمية. # هذه المجموعة المختارة الموجزة من الأحداث التي أدت إلى تطور ~~العلم، توضح السبب في ظهور مذاهب تجريبية في العصر الحديث تشبه في ~~تأثيرها المذاهب العقلية الكبرى عند اليونانيين؛ فالمذهب ~~العقلي اليوناني يعكس نجاح الأبحاث الرياضية في حضارة اليونانيين، ~~والتجريبية الإنجليزية تعبر عن انتصار المنهج التجريبي في العلم ~~الحديث، ذلك المنهج الذي يوجه أسئلة إلى الطبيعة، ويترك للطبيعة ~~مهمة الإجابة عنها ب «نعم» أو «لا». # غير أن هناك تطورا آخر يستحق إيضاحا، وهو إحياء الفلسفة ~~العقلية في بلدان القارة الأوروبية خلال نفس الفترة التي كان ~~الفلاسفة الإنجليز يضعون فيها المذاهب التجريبية الجديدة؛ ففي هذه ~~الفترة شيد ديكارت وليبنتس وكانت، على الرغم من اهتمامهم البالغ ~~بالعلم وإسهامهم في بعض الميادين العلمية، مذاهب عقلية تفوق في ~~منهجها ودقتها مذاهب الأقدمين. # ولكي نفهم هذا التطور المضاد، ينبغي أن نذكر أن المنهج التجريبي ~~مهما بدا ثوريا عند ms094 ظهوره على مسرح العلم، إلا واحدا من أداتين ~~رئيسيتين للعلم الحديث. أما الأداة الأخرى فهي استخدام المناهج ~~الرياضية لإثبات التفسير العلمي؛ وبهذا المعنى يمكن القول إن العصر ~~الحديث يواصل مهمة العلم اليوناني، ولم يكن من قبيل المصادفة أن ~~نظام كوبرنيكوس، الذي نعده رمزا للعصر العلمي الحديث، كان قد ~~استبق في نظام أرسطرخس القائل بمركزية الشمس. ففي تطور العلم ~~الحديث تأكدت قدرة المنهج الرياضي على تحليل العالم الفيزيائي، وهي ~~القدرة التي كان اليونانيون قد اكتشفوها في أبحاثهم الفلكية، غير ~~أن الجمع بين هذا المنهج الرياضي وبين استخدام التجارب واتخاذ ~~الاثنين معا معايير للصواب، كان ينطوي على أكثر من تأكيد لهذه ~~القدرة؛ إذ كان يعني مضاعفتها بحيث تؤدي إلى نجاح أضخم بكثير من كل ~~ما تحقق من قبل. فمصدر قوة العلم الحديث هو اختراع المنهج الفرضي ~~الاستنباطي # hypothetico-deductive method ~~، وهو المنهج الذي يضع تفسيرا في صورة ~~فرض رياضي يمكن استنباط الوقائع الملاحظة منه. فلندرس هذا المنهج، ~~الذي يسمى أيضا ب «الاستقراء التفسيري # explanatory induction ~~» من خلال مثل مشهور. # لم يكن كشف كوبرنيكوس بقادر على أن يحظى بموافقة جميع الأوساط ~~العلمية لو لم تكن أبحاث يوهان ~~كبلر # J. Kepler ~~(1571-1630م) قد أدخلت عليه تحسينات، ولو لم ~~يندمج آخر الأمر في تفسير رياضي بفضل جهود إسحاق نيوتن (1643-1727م)؛ ~~فقد كان كبلر عالما رياضيا ذا عقلية صوفية، أخذ على عاتقه خطة ~~رياضية طموحا تهدف إلى إثبات الانسجام المزعوم للكون، غير أنه كان ~~من الذكاء بحيث تخلى عن فرضه الأصلي الخاص بحركات الكواكب، عندما ~~أدرك أن الملاحظات تدل على أن قوانين حركة الأفلاك مختلفة كل ~~الاختلاف؛ ونتيجة لذلك، وضع ثلاثة قوانين مشهورة لحركة الكواكب، ~~يتضح منها أن مدارات الكواكب ليست دوائر، وإنما مدارات بيضاوية. ~~وبعد كشوف كبلر ظهر كشف أعظم منها، بل هو أعظم كشوف هذه الفترة ~~كلها، وهو قانون تجاذب الكتل عند نيوتن. هذا القانون، الذي يشيع ~~إطلاق اسم قانون الجاذبية عليه، يتخذ صورة معادلة رياضية بسيطة إلى ~~حد ما، وهو من الوجهة المنطقية يؤلف ms095 فرضا لا يمكن تحقيقه مباشرة، ~~وإنما يبرهن عليه بطريقة غير مباشرة، ما دام من الممكن، كما أوضح ~~نيوتن، أن تستخلص منه جميع نتائج الملاحظات التي تلخصها قوانين ~~كبلر، بل إن الأمر لا يقتصر على نتائج كبلر، وإنما يمكن بالمثل ~~استخلاص قانون سقوط الأجسام عند جاليليو، وكثير غيره من وقائع ~~الملاحظة، كظاهرة المد والجزر في ارتباطها بمواقع القمر. # ولقد أدرك نيوتن ذاته بوضوح أن نجاح قانونه يتوقف على التأييد ~~المستمد من تحقيق نتائجه، وكان عليه، من أجل استخلاص هذه النتائج، ~~أن يبتدع منهجا رياضيا جديدا، هو حساب التفاضل، غير أنه لم ~~يكتف بهذا النصر الاستنباطي، مع كل روعته، وإنما أراد الوصول إلى ~~دليل كمي مبني على الملاحظة، واختبر نتائجه عن طريق القيام ~~بملاحظات للقمر الذي كان دورانه الشهري يعد مثلا لقانون الجاذبية ~~عنده، غير أن أمله خاب عندما وجد أن نتائج الملاحظة لا تتفق مع ~~حساباته، فما كان من نيوتن إلا أن أودع المخطوط الذي دون فيه ~~نظريته في أحد أدراجه، بدلا من أن يجعل للنظرية، مهما كان ~~تناسقها، الأفضلية على الوقائع. وبعد حوالي عشرين عاما، قامت بعثة ~~فرنسية بقياسات جديدة لمحيط الكرة الأرضية، أدرك منها نيوتن أن ~~الأرقام التي كان قد بنى عليها اختباره لم تكن صحيحة، وأن الأرقام ~~الأدق تتفق مع حسابه النظري. ولم ينشر نيوتن قانونه إلا بعد هذا ~~الاختبار. # والحق أن قصة نيوتن من أروع أمثلة المنهج العلمي الحديث؛ فمعطيات ~~الملاحظة هي نقطة بدء المنهج العلمي، غير أنها لا تستنفد هذا ~~المنهج، وإنما يكملها التفسير الرياضي، الذي يتجاوز بكثير نطاق ~~إقرار ما لوحظ بالفعل، ثم تطبق على التفسير نتائج رياضية تظهر ~~صراحة نتائج معينة توجد فيه بصورة ضمنية، وتختبر هذه النتائج ~~الضمنية بملاحظات. هذه الملاحظات هي التي تترك لها مهمة الإجابة ~~ب «نعم» أو «لا»، ويظل المنهج إلى هذا الحد تجريبيا، غير أن ما ~~تؤكد الملاحظات صحته يزيد كثيرا على ما تقوله مباشرة؛ فهي تثبت ~~تفسيرا رياضيا مجردا؛ أي نظرية يمكن استنباط الوقائع الملاحظة ~~منها بطريقة رياضية. ms096 لقد كان لدى نيوتن من الشجاعة ما يجعله يغامر ~~بتفسير مجرد، ولكن كان لديه أيضا من الفطنة ما يجعله يمتنع عن ~~تصديقه قبل أن يؤيده اختبار قائم على الملاحظة. # ولقد مرت نظرية نيوتن بتطورات تالية امتدت أكثر من قرنين من ~~الزمان، وكانت كلها تنطوي على تأكيد متجدد لهذه النظرية؛ فعن طريق ~~تجربة بارعة ابتدعها كافندش # Cavendish # أمكن اختبار قوة الجاذبية الصادرة عن كرة ~~من الرصاص لا يزيد قطرها عن قدم، ثم أمكن فيما بعد حساب انحرافات ~~الكواكب في مداراتها، وهي الانحرافات التي تسببها قوى الجاذبية ~~المتبادلة، كما أمكن تحقيق هذه الحسابات بأساليب أكثر دقة في ~~الملاحظة. وأخيرا تنبأ الرياضي الفرنسي «لوفرييه # Leverrier ~~» (وكذلك الفلكي ~~الإنجليزي آدامز # Adams # على نحو ~~مستقل عنه) بوجود كوكب كان مجهولا حتى ذلك الحين، هو الكوكب ~~نبتون، وذلك على أساس حسابات اتضح منها أن الانحرافات الملاحظة في ~~بعض الكواكب لا بد أن تكون راجعة إلى هذا الكوكب الجديد. وعندما وجه ~~الفلكي الألماني «جاله # Galle ~~» ~~منظاره إلى تلك المنطقة في السماء الحالكة، التي كان لوفرييه قد ~~حسبها، رأى بقعة يتغير موقعها تغيرا بسيطا من ليلة إلى أخرى، ~~وهكذا اكتشف الكوكب نبتون (1846م). # والواقع أن المنهج الرياضي هو الذي أكسب الفيزياء الحديثة قدرتها ~~التنبئية، وعلى كل من يتحدث عن العلم التجريبي أن يذكر أن الملاحظة ~~والتجربة لم يتمكنا من بناء العلم الحديث إلا لأنهما اقترنا ~~بالاستنباط الرياضي؛ فالفيزياء عند نيوتن تختلف اختلافا كبيرا عن ~~صورة العلم الاستقرائي التي رسمها فرانسس بيكن قبل جيلين من عهد ~~نيوتن؛ إذ إن أي عالم لم يكن ليستطيع لو اقتصر على جمع الوقائع ~~الملاحظة، كما يتمثل في قوائم بيكن، أن يكتشف قانون الجاذبية؛ ~~فالاستنباط الرياضي مقترنا بالملاحظة هو الأداة التي تعلل نجاح ~~العلم الحديث. # ولقد كان أوضح تعبير عن تطبيق المنهج الرياضي هو مفهوم السببية ~~كما تطور نتيجة للفيزياء الكلاسيكية؛ أي لفيزياء نيوتن. فلما كان من ~~الممكن التعبير عن القوانين الفيزيائية في صورة معادلات رياضية، ~~فقد بدا كأن من الممكن تحويل الضرورة الفيزيائية ms097 إلى ضرورة رياضية. ~~فلنتأمل مثلا القانون القائل إن حركات المد تتبع موقع القمر، بحيث ~~يتجه جزء من المحيط صوب القمر، ويتجه الجزء الآخر في الاتجاه ~~المضاد، على حين أن الأرض تدور تحت هذا الجزء، وتجعله ينزلق فوق ~~سطحه. هذه واقعة ملاحظة، وعن طريق تفسير نيوتن يتضح أن هذه الواقعة ~~نتيجة لقانون رياضي، هو قانون الجاذبية؛ وبذلك ينتقل يقين القانون ~~الرياضي إلى الظواهر الفيزيائية. وهكذا فإن عبارة جاليليو التي ~~يقول فيها إن قانون الطبيعة مكتوب بلغة رياضية، هذه العبارة قد ~~أثبتت صحتها خلال القرون التالية، إلى حد يتجاوز كل ما كان يمكن أن ~~يتخيله جاليليو ذاته. فقوانين الطبيعة لها تركيب القوانين الرياضية ~~وضرورتها وشمولها، تلك هي النتيجة التي يؤدي إليها علم فيزيائي ~~يتنبأ بوجود كوكب جديد بقدر من الدقة يكفي المرء معه أن يوجه ~~منظاره نحوه لكي يراه. # وهكذا بدا القانون الرياضي أداة للتنبؤ، لا أداة للتنظيم فحسب، ~~واكتسب عالم الفيزياء بفضله القدرة على التنبؤ بالمستقبل، وبدا ~~التعميم البسيط الذي يتم في الاستدلال الاستقرائي التعدادي أداة ~~هزيلة إذا ما قورن بقدرة المنهج الفرضي الاستنباطي، فكيف يمكن ~~تفسير هذه القدرة؟ لقد بدا الجواب واضحا؛ فلا بد أن يكون هناك ~~نظام دقيق بين جميع الأحداث الفيزيائية، تعكسه العلاقات الرياضية، ~~وهو نظام يعبر عنه لفظ السببية. # إن فكرة التحديد السببي الدقيق لكل حوادث الطبيعة هي نتاج للعصر ~~الحديث؛ فاليونانيون قد وجدوا نظاما رياضيا في حركات النجوم، غير ~~أنهم رأوا أن الحوادث الفيزيائية الأخرى تتحدد، جزئيا على الأكثر، بالقوانين ~~الفيزيائية. صحيح أن بعض الفلاسفة اليونانيين كانوا يقولون بحتمية ~~شاملة، غير أننا لا نعلم مدى اتفاق نظرتهم إلى الحتمية السببية مع ~~النظرة الحديثة، فلم يترك واحد منهم صيغة واحدة تحدد ما يعنيه ~~بالحتمية، وليس من المحتمل أن يكون أحدهم قد نظر إلى السببية على ~~أنها قانون يسري بلا تخلف، ويتحكم في أتفه الحوادث مثلما يتحكم في ~~أهمها، ويجعل كل حادث ناتجا ضروريا عن الحادث السابق، بغض النظر ~~عما تعنيه هذه الحوادث بالنسبة إلى أهداف البشر؛ فلم ms098 يكن من الممكن ~~تصور التنزه الكامل للسببية عن القيم البشرية، في وقت لم تكن فيه ~~الفيزياء الرياضية قد عرفت بعد. # ولقد كان لفكرة الجبر Predetermination # بالنسبة إلى الذهن اليوناني طابع ديني، ~~يعبر عنه مفهوم المصير أكثر مما يعبر عنه مفهوم السبب أو العلة؛ ~~فأصل القدرية تشبيهي بالإنسان، ولا يمكن تفسيره إلا بإسقاط ساذج ~~للقيم البشرية وأشكال السلوك البشري على مجرى الطبيعة؛ وكما يتحكم ~~الناس في الحوادث الطبيعية من أجل تحقيق أغراضهم، كذلك تتحكم ~~الآلهة في شئون البشر، وقد رسم إله المصير خطته بالنسبة إلى كل فرد ~~من أفراد البشر، هذه هي تعاليم القدرة اليونانية. ومهما اتبعنا من ~~وسائل للهرب من مصيرنا، فلن نكون في ذلك إلا محققين لهذا المصير، ~~ولكن بطرق أخرى؛ فقد كان مصير أوديب هو أن يقتل أباه ويتزوج أمه، ~~وهو مصير لم يكن يعرفه، ولكن عرفه أبوه، ملك ثيبس (طيبة # Thebes ~~) عن طريق نبوءة، وكان الإخفاق ~~مكتوبا على محاولة الأب أن يهرب من مصيره بترك ابنه الوليد في ~~الجبال، فقد قام أبوان آخران برعاية الطفل، وعندما أصبح أوديب ~~شابا رحل إلى طيبة، فقابل رجلا لا يعرفه وقتله، وعندما نجح في ~~تحرير البلدة من رعب «أبي الهول» الذي حل لغزه، كانت مكافأته هي ~~الزواج من الملكة. وفيما بعد، اكتشف أن الرجل الذي قتله أبوه، وأن ~~زوجته الملكة هي أمه. تلك هي الأسطورة التي يفسرها علم النفس ~~التحليلي عند فرويد بأنها انعكاس لرغبة لا شعورية عامة، هي كراهية ~~الابن لأبيه وحبه الجنسي لأمه. وهكذا يمكن تفسير فكرة المصير ~~نفسيا بأنها تعبير عن العجز الذي نشعر به إزاء الدوافع ~~اللاشعورية. على أن هذا تفسير حديث، لم يعرفه اليونانيون، وأيا ~~ما كان رأينا فيه، فلا بد أن نكون على استعداد للاعتراف بأن فكرة ~~الجبر عن طريق المصير هي فكرة ينبغي تفسيرها بعلم النفس لا ~~بالتحليل المنطقي. # أما حتمية العلم الحديث فإن لها طابعا مختلفا كل الاختلاف؛ فهي ~~قد ظهرت نتيجة لنجاح المنهج الرياضي في الفيزياء. فإذا كان من ~~الممكن تصور القوانين ms099 الفيزيائية على أنها علاقات رياضية، وإذا ~~اتضح أن المناهج الاستنباطية أدوات للتنبؤ الدقيق، عندئذ يكون من ~~الضروري وجود نظام رياضي من وراء عدم الانتظام البادي للتجارب؛ أي ~~لا بد من وجود نظام سببي. ولو لم نكن نعرف هذا النظام في كل ~~الأحوال، ولو بدا أنه سيكون من المستحيل في أي وقت معرفته معرفة ~~كاملة، لكان هذا الإخفاق راجعا إلى نقص الإنسان. وقد لخص الرياضي ~~الفرنسي لابلاس # Laplace # هذا الرأي في تشبيهه المشهور، الذي قال فيه ~~إنه لو وجد عقل فوق البشر يستطيع ملاحظة موقع كل ذرة وسرعتها، وحل ~~جميع المعادلات الرياضية، لكان «المستقبل كالماضي حاضرا» بالنسبة ~~إلى هذا العقل فوق البشري، ولأمكنه أن يحدد بدقة التفاصيل الدقيقة ~~لكل حادث، سواء أكان يقع بعدنا أم قبلنا بآلاف السنين. هذه الحتمية ~~الفيزيائية هي أعم نتيجة لفيزياء نيوتن، وهي تختلف اختلافا ~~أساسيا عن القدر؛ فهي عمياء، لا مرسومة مقدما، وهي لا تحابي ~~الناس أو تكرههم، وهي حتمية لا بالنسبة إلى غايات المستقبل، بل ~~بالنسبة إلى وقائع الماضي، وحتمية لا بالنسبة إلى أمر خارق ~~للطبيعة، بل بالنسبة إلى قانون فيزيائي، غير أنها لا تقل في دقتها ~~وشمولها عن حتمية المصير، وهي تجعل العالم الفيزيائي أشبه بساعة ~~ملآنة تمر آليا بمراحلها المختلفة. # فإذا كانت هذه هي صورة العالم كما رسمتها الفيزياء الكلاسيكية، ~~فلا عجب إذن إن ظهرت في عهد نيوتن موجة من النزعة العقلية فضلا عن ~~النزعة التجريبية؛ فقد اقتصر التجريبيون على تحليل جانب واحد من ~~العلم، هو الجانب القابل للملاحظة، بينما أكد العقليون جانبه ~~الرياضي. على أن التجريبية انهارت آخر الأمر أمام نقد هيوم؛ لأنها ~~عجزت عن تعليل الطبيعة التنبئية للعلم، ولم تستطع تفسير الطريقة ~~التي يمكننا بها أن نعرف النظام السببي الدقيق للعالم، وهو النظام ~~الذي أيقن العالم بوجوده، وكان يعتقد أنه يعرفه في خطوطه العامة ~~على الأقل. وهكذا اعتقد العقليون أنهم كانوا على حق عندما هاجموا ~~الموقف التجريبي، ووضعوا مذاهب ترمي إلى تفسير الدور الذي تقوم به ~~الرياضيات في بناء العالم الفيزيائي. ms100 # ومما له دلالته الخاصة أن الدفاع ضد هجمات التجريبيين الإنجليز ~~هو السبب الذي دعا اثنين من كبار العقليين في العصر الحديث، هما ~~ليبنتس وكانت، إلى وضع مذهبيهما، أو هو على الأقل واحد من أسباب ~~وضع هذين المذهبين؛ فقد رد ليبنتس على كتاب لوك «دراسة في الذهن ~~البشري» بكتابه «دراسة جديدة في الذهن البشري»، وصرح «كانت» بأن هيوم ~~«أيقظه من سباته القطعي»، وكتب «نقد العقل الخالص» بقصد إنقاذ ~~المعرفة العلمية من النتائج المدمرة التي تترتب على انتقادات ~~هيوم. # ولقد كان ج. ف. ~~ليبنتس # G. W. Leibniz ~~(1646-1716م) معاصرا لنيوتن، وكان ندا له ~~في مكانته العقلية، وقد اكتشف حساب التفاضل مستقلا عن نيوتن، ~~وطبقه على حل كثير من المشكلات الرياضية. ومع ذلك لم يكن من أنصار ~~نظرية الجاذبية عند نيوتن، بل رفضها على الرغم من نجاحها التجريبي؛ ~~لأنها تؤدي إلى نظرة مطلقة إلى الحركة. وقد وضع ليبنتس نظرية في ~~المكان مبنية على فكرة نسبية الحركة، التي استبق بها المبادئ ~~المنطقية لنظرية النسبية عند أينشتين، ورأى بوضوح أن النظام ~~الكوبرنيكي لا يختلف عن النظام البطليموسي إلا من حيث إنه طريقة ~~مغايرة في الكلام. ويدل عدم وصوله إلى تقدير عادل لفيزياء نيوتن، ~~على أن الاتجاه العقلي في داخله لم يخضع للمعيار التجريبي للحقيقة. ~~أما كونه لم يستطع وضع فيزياء مثل فيزياء أينشتين فهو شيء لا يمكن ~~أن يؤخذ عليه. # ولقد وجد الجانب العقلي للعلم الحديث أقوى تعبير عنه في فلسفة ~~ليبنتس؛ ذلك لأن نجاح المناهج الرياضية في وصف الطبيعة قد جعله ~~يعتقد أن من الممكن رد كل علم إلى الرياضة آخر الأمر، واجتذبته ~~فكرة الحتمية، وفكرة الكون الذي يمر بمراحله كأنه ساعة ملآنة؛ إذ ~~إن هذه الفكرة كانت تعني أن القوانين الفيزيائية قوانين رياضية، ~~فطبق هذه الفكرة على نتاج من أغرب نواتج المذهب العقلي، وأعني به ~~مذهبه في الانسجام ~~المقدر Pre-established harmony ~~؛ ففي رأيه أن أذهان الأشخاص المختلفين لا ~~يؤثر بعضها في بعض، وإنما يحدث ما نتوهم أنه تأثر كهذا؛ لأن الأذهان ~~المختلفة، في ms101 مساراتها المقدرة مقدما، تمر على الدوام بمراحل ~~يطابق بعضها بعضا بدقة، وكأنها ساعات مختلفة تدل على نفس الوقت ~~دون أن يكون بينها ارتباط سببي. وأنا أذكر هذا المذهب لكي أبين أن ~~النزعة الصوفية الرياضية عند فيثاغورس قد وجدت نظائر لها في فلسفات ~~غيره من كبار الرياضيين. # إن المذهب العقلي عند ليبنتس، وإن يكن يستوحي العلم الرياضي، ~~إنما هو تأمل نظري بحت في ثوب استدلال منطقي، وهو يتخلى عن الأرض ~~الثابتة التي نما فيها العلم الحديث، وأعني بها ارتكازه على ~~الملاحظة التجريبية. ولقد أدى تجاهل ليبنتس للعنصر التجريبي في ~~المعرفة إلى اعتقاده أن كل معرفة إنما هي ضرب من المنطق. وعلى ~~الرغم من أنه أدرك الطبيعة التحليلية للاستنباط المنطقي، فقد كان ~~يعتقد أن المنطق لا يمكنه أن يمدنا بمعرفة فحسب، بل إنه يستطيع ~~أيضا أن يحل محل المعرفة التجريبية؛ فهناك حقائق من النوع ~~الواقعي، أي حقائق تجريبية، وحقائق عقلية، أي تحليلية، غير أن هذا ~~التمييز ليس إلا نتيجة للجهل البشري. ولو كانت لدينا معرفة كاملة، ~~كتلك التي لدى الله، لرأينا أن كل ما يحدث يتصف بالضرورة المنطقية. ~~مثال ذلك أن الله كان يستطيع أن يستنبط من مفهوم الإسكندر أنه كان ~~ملكا وغزا الشرق. هذا التفسير التحليلي للمعرفة التجريبية هو خطأ ~~عقلي ارتكب مرارا على أمل أنه سيتيح تفسير الفيزياء الرياضية. وقد ~~يكون في استطاعتنا تعريف مفهوم الإسكندر على نحو من شأنه أن يتلو ~~تاريخ الرجل كله تحليليا منه، ولكنا لم نكن لنستطيع عندئذ أن ~~نعرف بالمنطق الخالص إن كان الإسكندر، من حيث هو فرد نلاحظه، هو ~~ذلك الذي يحدده التصور بحق. وبعبارة أخرى فالقضية القائلة إن للفرد ~~الملاحظ الصفات التي يعبر عنها التصور تغدو قضية تركيبية، وتخضع ~~لكل عوامل الشك التي تصيب المعرفة التجريبية؛ وإذن فلا سبيل إلى ~~تجنب مشكلات النزعة التجريبية بالالتجاء إلى المنطق ~~التحليلي. # على أن ليبنتس لم يشهد أبدا مذهبا تجريبيا متطرفا؛ فعندما ~~مات كان هيوم في الخامسة من عمره، ونحن نعرف نقده لجون لوك، الذي ~~رفض فيه ms102 الاعتراف بمبدأ لوك القائل إن كل معرفة مستمدة من الإدراك ~~الحسي؛ إذ يرى أن التصورات التي تنطوي على ضرورة تتصف بأنها فطرية ~~فينا. على أن هذه الحجة لم يعد لها اليوم أهمية كبيرة، ما دام قد ~~اتضح أن المشكلة الرئيسية للمذهب التجريبي ليست مبدأ لوك القابل ~~بأن للتصورات أصلا تجريبيا، وإنما هي مبدأ هيوم القائل إن ~~التجربة هي الحكم الوحيد على صحة القضايا التركيبية، وهو مبدأ يؤدي ~~إلى النتيجة القائلة إن التنبؤات لا يمكن تبريرها؛ وعلى ذلك فإن ~~الأهم من هذا هو أن نعرف بماذا كان ليبنتس خليقا بأن يرد على ~~هيوم. والأرجح أنه كان سيعترف بمبدأ الاستقراء عند هيوم، ولكنه كان ~~سيراه قاصرا على استخدام البشر، وكان سيقول إن مشكلة الاستقراء لا ~~توجد بالنسبة إلى الله، غير أن هذه ليست إجابة، حتى لو حدد معنى ~~كلمة «الله» في هذه الحالة بأنه «المنطقي الكامل»، ما دام من ~~المستحيل قبول رأي ليبنتس القائل برد المعرفة التجريبية إلى معرفة ~~تحليلية؛ فليس في وسع النزعة العقلية القائلة بمعرفة تحليلية قبلية ~~أن تحل مشكلة هيوم. ومع ذلك فليس هناك احتمال كبير في أن نقد هيوم ~~القاطع كان حريا بأن يؤدي إلى تغيير آراء لبينتس، الذي كان السعي ~~إلى اليقين لديه أقوى من أن يتيح له التغلب على أوهام المذهب ~~العقلي. # ولقد أتى رد المذهب العقلي على هيوم من جانب «كانت»، الذي لم يكن ~~يصغر هيوم إلا بثلاثة عشر عاما، وإن يكن كتابه الرئيسي قد ظهر بعد ~~وفاة هيوم. وقد سبق أن عرضنا فلسفة المعرفة التركيبية القبلية عند ~~«كانت» في الفصل الثالث، وإنه لمن مزايا هذه الفلسفة أنها تسير في ~~طريق مستقل عن ادعاء ليبنتس غير المفهوم بأنه رد المعرفة المتعلقة ~~بالعالم إلى معرفة تحليلية؛ فلنبحث إذن كيف حاول المذهب العقلي في ~~المعرفة التركيبية القبلية أن يرد على هيوم. # في رأي «كانت» أن مبدأ السببية تركيبي قبلي؛ فهو يرى أننا نعلم علم ~~اليقين أن لكل حادث علة، وكل ما يتبقى أمام الملاحظة هو الاهتداء ~~إلى ms103 العلة الفردية. وأود أن أوضح ذلك بمثال كان «كانت» ذاته خليقا ~~بأن يستخدمه؛ فعندما نرى المد البحري في إيقاعه الدوري، نعلم ~~بالعقل الخالص أن لهذا الحادث سببا، والأمر الذي تعلمنا إياه ~~الملاحظة مقترنة بالاستدلال الاستقرائي لا يعدو أن يكون أن السبب ~~في هذه الحالة يتحدد بموقع القمر؛ وعلى ذلك فإن الاستدلال ~~الاستقرائي يقتصر على الاهتداء إلى القوانين الفيزيائية الفردية، ~~غير أنه لا يستخدم في إثبات الحقائق العامة للفيزياء، مثل مبدأ ~~السببية، وهي الحقائق التي يفرضها علينا العقل. ولما كنا نعلم علم ~~اليقين أن هناك علة، فإن للاستقراء ما يبرره بوصفه أداة الاهتداء ~~إليها؛ وبهذه الحجة يعتقد «كانت» أنه تغلب على نقد هيوم للاستقراء. ~~فيقين المعرفة التركيبية القبلية يحل محل الشك الذي استسلم له ~~التجريبي، تلك هي ماهية فلسفة «كانت». # وإنه لمن الصعب أن يفهم المرء كيف استطاع «كانت» أن يرى في هذه ~~النظرية عاملا على إيقاظه من السبات القطعي؛ فحجة «كانت» لا تنطوي ~~على إجابة على سؤال هيوم. ولو كان هيوم قد عاش ليقرأ كتاب «نقد ~~العقل الخالص»، فربما كان قد أجاب على «كانت» بقوله: «كيف يمكن أن ~~يكون إدراكنا لوجود سبب عاملا مساعدا لنا عندما يكون هدفنا هو ~~معرفة هذا السبب؟ صحيح أننا لو كنا نعلم أنه ليس ثمة سبب لكان من ~~العبث أن نبحث عن مثل هذا السبب، غير أن هذا ليس موقفنا؛ فنحن لا ~~نعلم إن كان هناك سبب، وفي مثل هذا الموقف نقوم باستدلالات ~~استقرائية مبنية على الملاحظة، ونستنتج مثلا أن القمر سبب ظاهرة ~~المد. هذا الاستدلال الاستقرائي هو ما أضعه موضع الشك، وهو سيظل ~~معرضا لنفس القدر من الشك لو استطعت أن تثبت القضية العامة ~~القائلة إن ثمة سببا؛ وبهذه المناسبة، فإن برهانك على المبدأ ~~العام لا يبدو لي مقبولا.» # فلأوضح هذا الدفاع المتخيل لهيوم بمثال. لنفرض أن شخصا يبحث عن ~~الذهب في بيرو، ولكنه لا يعلم في أي مكان ينبغي عليه أن يحفر، ~~ولكنك تقول له: نعم، إن هناك ذهبا في بيرو. فهل يمكن ms104 أن يساعده ~~قولك هذا في شيء؟ إنه لم يتقدم خطوة واحدة عما كان عليه من قبل؛ إذ ~~إن ما يريد معرفته هو ما إذا كانت البقعة التي يحفر فيها ستخرج له ~~ذهبا، وهو لا يستطيع أن يحفر كل بقعة في بيرو. ولو عرف أن هناك ~~ذهبا في مساحة صغيرة معينة من هذا البلد، لظل يعمل على حفر متر ~~مربع بعد الآخر، ولاهتدى إلى الذهب بعد عدد معين من المحاولات، غير ~~أن بيرو أكبر من أن تسمح بإجراء محاولات تشملها كلها؛ وعلى ذلك فإن ~~معرفة مجرد وجود الذهب لا قيمة لها، ولو قلت له إنه لا يوجد ذهب في ~~بيرو، لكانت هذه المعلومات مفيدة له؛ إذ إنها تدفعه إلى الكف عن ~~الحفر. أما القول بأن هناك ذهبا في بيرو فلا يساعده أكثر مما ~~يساعده القول إنك لا تعلم إن كان هناك ذهب في بيرو. # وأود أن أعبر عن هذا النقد ل «كانت» بمزيد من الدقة؛ فقد أكد «كانت» ~~على الدوام أنه يبحث عن الشروط المنطقية المسبقة للمعرفة، مميزا ~~إياها من الشروط النفسية المسبقة: «فلا يمكن أن يكون ثمة شك في أن ~~كل معرفة لنا تبدأ بالتجربة، ولكن لا يلزم عن ذلك القول إنها كلها ~~مستمدة من التجربة.» بهذه الكلمات قدم «كانت» كتابه «نقد العقل ~~الخالص». ولو طبقنا حجته هذه على مشكلة السببية، لكان معناها أننا ~~نتوصل إلى فكرة السببية بالاهتداء إلى أسباب معينة، غير أن معرفة ~~المبدأ العالم للسببية لا تستمد منطقيا من التجارب؛ فهذا المبدأ، ~~في رأي «كانت»، هو الشرط المنطقي المسبق لأي قانون سببي محدد؛ ومن ثم ~~كان من الضروري التسليم بصحته إذا شئنا الاهتداء إلى مثل هذه ~~القوانين السببية. # إن لفظ «شرط منطقي ~~مسبق # logical presupposition ~~» يعني علاقة منطقية، ومعناه هو: إذا كان ~~القانون السببي المعين صحيحا، فإن القانون السببي العام صحيح. على ~~أن هذه العبارة ينبغي أن تكون مقرونة بتحفظ معين؛ فلكي تسري ~~السببية على نوع معين من الحوادث، لا يلزم أن تكون سارية على بقية ~~الأنواع، ms105 وكل ما يمكن أن يقال هو: إذا كان القانون السببي الخاص ~~صحيحا، فهناك إذن سبب في هذه الحالة؛ وبهذه الصورة المحدودة وحدها ~~يمكن إقامة علاقة اللزوم. وعلى ذلك، فإن الشرط المنطقي المسبق لأي ~~قانون سببي خاص ليس المبدأ العام للسببية، وإنما هو مبدأ مناظر لا ~~يقال إلا بالنسبة إلى الحادث المعين موضوع البحث. # وعلينا أن نتساءل عما يمكن استخلاصه من هذا اللزوم المحدود؛ فإذا ~~كنت قد وجدت السبب المعين، فهناك إذن سبب لهذا الحادث. ويعتقد ~~«كانت» أن في استطاعتنا أن نستخلص من هذا اللزوم النتيجة الآتية: ~~إذا كنت تبحث عن السبب الخاص، أي سبب ظاهرة المد مثلا، فعليك أن ~~تفترض أن هناك سببا، وإلا لكان من غير المعقول، في رأي «كانت»، أن ~~تحاول البحث عن سبب. # على أن في هذه الحجة مغالطة؛ فإذا كنا نبحث عن سبب معين، فلسنا ~~بحاجة إلى افتراض وجود مثل هذا السبب، وإنما نستطيع أن نترك ~~المسألة مفتوحة، مثل مسألة تحديد كنه السبب. وكل ما يمكن أن يقال ~~هو أننا لو كنا نعلم أنه ليس ثمة سبب لكان من غير المعقول أن نبحث ~~عن سبب خاص، ولكن إذا لم نكن نعرف شيئا عن مسألة وجود سبب، ففي ~~استطاعتنا أن نبحث في وقت واحد عن السبب الخاص، وعن الجواب عن ~~السؤال المتعلق بوجود سبب أو عدم وجوده. فإذا نجحنا في الاهتداء ~~إلى سبب معين، فإنما نعلم أننا قد أثبتنا أن هناك سببا للحالة ~~موضوع البحث. هذه النتيجة التافهة هي كل ما يتبقى من حجة «كانت»؛ ~~فصحة القضية المتعلقة بالسبب المعين تفترض مقدما صحة القضية ~~المتعلقة بوجود سبب، غير أن البحث في صحة القضية الأولى لا يفترض ~~مقدما صحة الثانية. # هذا التحليل يؤدي في الوقت ذاته إلى البت في مسألة المبدأ العام ~~للسببية، وهو المبدأ القائل إن لكل الحوادث أسبابا؛ فمن المؤكد أن ~~عبارة تبلغ هذا القدر الهائل من العمومية ليست هي الشرط المنطقي ~~المسبق للقانون السببي العام موضوع البحث، ولا يمكن أن يكون لها ~~دور إلا بعد ms106 بحث القوانين السببية لجميع الحوادث. ولو طبقنا ~~النتائج السابقة على هذه الحالة، لتوصلنا إلى العبارة الآتية: لو ~~كان قد تم الاهتداء إلى قوانين سببية لكل الحوادث، لكان لكل ~~الحوادث أسباب، غير أن البحث عن كل هذه القوانين السببية لا يفترض ~~مقدما التسليم بأن لكل الحوادث قوانين سببية؛ فمن الممكن أن تترك ~~المسألة الأخيرة معلقة، على أن تتم الإجابة عنها بعد أن يكون البحث ~~قد نجح في جميع الحالات. # وهكذا تنهار خطة «كانت» في الاهتداء إلى عنصر تركيبي قبلي عن طريق ~~الكشف عن الشروط المنطقية المسبقة للمعرفة؛ فوجود شروط مسبقة ~~للمعرفة العلمية لا يعني أن هذه الشروط صحيحة. ولو شئنا أن نعرف إن ~~كانت هذه الشروط صحيحة فعلينا أولا أن نثبت أن المعرفة العلمية ~~الصحيحة؛ وعلى ذلك فإن صحة الشروط المسبقة لا تثبت على نحو أفضل ~~مما تثبت صحته المعرفة العلمية. هذا التحليل المنطقي البسيط يدل ~~على أن فلسفة «كانت» في المعرفة التركيبية القبلية لا يمكن ~~قبولها. # إن تفسير المذهب العقلي للفيزياء الكلاسيكية لم يحل المشكلات ~~التي أثارها تفسير المذهب التجريبي. تلك هي النتيجة التي تؤدي ~~إليها كل هذه المناقشة؛ فالدقة الرياضية للفيزياء لا ينبغي لها أن ~~تدفعنا إلى الاعتقاد بأن في استطاعة المناهج الاستنباطية أن تشرح ~~وتعلل جميع العمليات الفكرية المتضمنة في بناء هذا العلم؛ ذلك لأن ~~الفيزيائي يعتمد، إلى جانب الاستنباط، على استخدام الاستقراء، ~~ما دام يبدأ بملاحظات ويتنبأ مقدما بمزيد من الملاحظات. فالتنبؤ ~~بالملاحظات المقبلة هو هدفه ومعيار صحة فرضه في آن واحد. ولقد ~~تمكنت الفيزياء الكلاسيكية، بفضل تشييدها لشبكة معقدة من ~~الاستدلالات الاستنباطية والاستقرائية، من أن تصطنع مناهج تنبئية ~~لها درجة عالية من الكفاءة، غير أنه لا الفيزيائي ولا الفيلسوف ~~استطاع أن يجيب عن السؤال الخاص بالسبب الذي يجعلنا نثق في هذه ~~المناهج عندما نطبقها على المزيد من التنبؤات. # وبانتهاء القرن الثامن عشر، كانت فلسفة الفيزياء قد وصلت إلى ~~طريق مسدود؛ فقد ظل النسق الشامل للمعرفة، الذي خلقه الذهن البشري، ~~غير قابل للفهم. والواقع أن هذا الاعتراف ms107 الصريح الذي صدر عن ~~الفيلسوف التجريبي هيوم يبدو أرفع من زعم الفيلسوف العقلي «كانت» ~~القائل إن أسس الفيزياء نتاج للعقل. # على أن الفيزيائيين أنفسهم لم يلاحظوا ذلك الطريق الفلسفي ~~المسدود، وإنما واصلوا القيام بملاحظات ووضع نظريات، وساروا من ~~نجاح إلى نجاح، حتى وصلوا بدورهم إلى طريق مسدود. ومن هذا الطريق ~~الفيزيائي المسدود انبثقت فيزياء جديدة أمكن بواسطتها، آخر الأمر، ~~الخروج من الطريق الفلسفي المسدود بدوره. فلنتحدث عن هذه التطورات ~~في سياق العرض الذي سنقدمه للقرنين التاسع عشر والعشرين. # الباب الثاني # | نتائج الفلسفة العلمية # الفصل السابع # | أصل الفلسفة الجديدة # إننا لا نملك إزاء الخطأ إلا أن نطالب بتفسير نفسي، أما الصواب ~~فيقتضي تحليلا منطقيا. ولقد كان تاريخ الفلسفة التأملية النظرية ~~قصة لأخطاء أناس وجهوا أسئلة لم يتمكنوا من الإجابة عنها؛ ولذا ~~فليس من الممكن تفسير الإجابات التي أصروا، رغم ذلك، على تقديمها إلا ~~على أساس دوافع نفسية. # أما تاريخ الفلسفة العلمية فهو قصة تطور مشكلات، والمشكلات لا ~~تحل عن طريق تعميمات غامضة، أو أوصاف براقة للعلاقة بين الإنسان ~~والعالم، بل عن طريق ممارسة العمل الفني المتخصص، مثل هذا العمل ~~يتم في العلوم. والحق أن من الواجب تتبع تطور المشكلات من خلال ~~تاريخ العلوم كل على حدة؛ ذلك لأن أقصى ما فعلته المذاهب الفلسفية ~~هو التفكير في مرحلة المعرفة العلمية السائدة في عصرها، غير أنها ~~لم تسهم بشيء في تطور العلم. فالتطوير المنطقي للمشكلات من عمل ~~العالم؛ إذ إن تحليله الفني، وإن كان يوجه في كثير من الأحيان نحو ~~تفاصيل صغيرة، ونادرا ما يجري لأغراض فلسفية، قد أدى إلى زيادة ~~فهم المشكلة إلى أن أصبحت المعرفة الفنية بمضي الوقت، من الاكتمال ~~بحيث تسمح بالإجابة على الأسئلة الفلسفية. # إن العمل العلمي عمل جماعي، وقد يسهم الأفراد في حل مشكلة معينة ~~بدور كبير أو صغير، ولكن هذا الدور يظل على الدوام ضئيلا بالقياس ~~إلى مقدار الجهد الذي بذلته الجماعة في المشكلة. صحيح أن هناك ~~رياضيين وفيزيائيين وبيولوجيين عظاما، غير أن أعظمهم ما كانوا ~~ليتمكنوا ms108 من القيام بأعمالهم لو لم تكن الأجيال السابقة قد مهدت ~~لهم الطريق، أو لم يكن معاصروهم قد ساعدوهم؛ فمقدار العمل الفني ~~اللازم لحل مشكلة ما، يتجاوز قدرات العالم الفرد. وهذا لا يصدق فقط ~~على الأبحاث التي تنطوي على ملاحظات وتجارب شاقة، بل يصدق أيضا ~~على البناء المنطقي والرياضي لأية نظرية. والواقع أن الطابع ~~الاجتماعي للعمل العلمي إنما هو مصدر قوته؛ إذ إن موارد الجماعة ~~تكمل القدرة المحدودة للفرد، وتصحيحات الزملاء تصوب أخطاء الفرد، ~~فتكون عقول الأفراد الكثيرين، فيما يسهم به كل منها من نصيب في ~~البحث، أشبه بعقل جماعي فوق الفردي، يستطيع الاهتداء إلى إجابات لا ~~يمكن أن يتوصل إليها فرد واحد. # هذه الاعتبارات ربما كانت تفسر السبب في اتباعي في الباب الثاني ~~من هذا الكتاب خطة تختلف عن تلك التي اتبعتها في الباب الأول؛ فقد ~~كانت فصول الباب الأول تتركز حول المصادر النفسية للخطأ، أما فصول ~~الباب الثاني فتتركز حول المشكلات؛ وعلى ذلك فقد كان لزاما علي، ~~لكي أقدم عرضا كاملا من الوجهة التاريخية، أن أتعقب اتجاهات ~~التطور حتى أعود بها إلى العصور القديمة. ومع ذلك فإن تقديم عرض ~~موجز للعصور القديمة يكفي لتحقيق أغراض هذا الكتاب؛ إذ إن التطورات ~~الأساسية التي تهم الفيلسوف تبدأ بالقرن التاسع عشر. # والحق أن تاريخ العلم في القرن التاسع عشر يضع أمام أنظار ~~الفيلسوف آفاقا هائلة؛ ذلك لأنه يجمع، إلى وفرة الكشوف الفنية، ~~تحليلا منطقيا زاخرا، وقد نشأت على أساس العلم الجديد فلسفة ~~جديدة. هذه الفلسفة الجديدة بدأت بوصفها ناتجا ثانويا للبحث ~~العلمي؛ ذلك لأن العالم الرياضي أو الفيزيائي أو البيولوجي الذي ~~كان يريد حل المشكلات الفنية لعلمه، كان يجد نفسه عاجزا عن ~~الاهتداء إلى حل ما لم يجب أولا عن أسئلة فلسفية معينة تتميز ~~بطابع أعم. ولقد كان من حسن حظه أنه استطاع البحث عن هذه الإجابة ~~دون أن يثقل كاهله الاهتمام بمذهب فلسفي معين، فتمكن من أن يجد لكل ~~مشكلة إجابة تتعلق بالمشكلة ذاتها، دون أن يعبأ بالجمع بين ~~الإجابات من ms109 أجل تكوين مذهب فلسفي متناسق، ولم يكن يهمه أن يكون من ~~الممكن استخلاص نتائجه من مذهب عام معين يحمل اسما خلدته سجلات ~~تاريخ الفلسفة. وهكذا فإنه لما كانت القوة الوحيدة الدافعة له هي ~~منطق المشكلات ذاتها، فقد توصل إلى إجابات لم يكن لها نظير في ~~تاريخ الفلسفة. # وهدف هذا الكتاب هو جمع هذه النتائج، وعرضها بكل ما يجمع بينها من ~~علاقات متبادلة. وعن طريق تكوين مركب عام للإجابات العلمية على ~~الأسئلة الفلسفية، ترسم معالم فلسفة جديدة، أو مذهب فلسفي، لا ~~بمعنى الخلق التأملي لذهن يتخيل، بل بمعنى الكل المنظم الذي لا ~~يمكن التوصل إليه إلا نتيجة لعمل جماعي. # لقد كان القرن التاسع عشر في كثير من الأحيان هدفا لازدراء ~~المؤرخ؛ ذلك لأن الكتاب الذين تعد الشخصية العظيمة للفرد أو ~~للعبقري هي في نظرهم هدف التطورات التاريخية، والذين يقيسون أهمية ~~أية فترة على أساس عدد ما فيها من الأذهان الجبارة؛ قد تحدثوا ~~باستخفاف عن قرن لم يتحدد طابعه الحضاري على أساس من فيه من ~~الشعراء أو المصورين أو الفلاسفة. فلو قارنا بين قرن العلم ~~والصناعة هذا وبين عصر النهضة الأوروبية، أو عهود الأدب الكلاسيكي ~~في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، لكانت الصورة التي يتمثل عليها لنا ~~صورة مدنية لا لون لها، تسعى إلى الآلية والاطراد الرتيب. وبالفعل ~~كانت الألقاب أو الشعارات التي يوصف بها القرن التاسع عشر في ~~التفسير الرومانتيكي للتاريخ هي: الإنتاج بالجملة بدلا من الخلق ~~على يد الفنان أو الصانع الماهر، وإرضاء الجماهير بدلا من معايير ~~الذوق والسمو العقلي، والعمل الذهني الجماعي بدلا من العمل الخلاق ~~للمفكر الفرد. # غير أن المؤرخ الرومانتيكي لن يستطيع أبدا أن يفهم تاريخ عصر ~~العلم والصناعة؛ فمن المستحيل أن تقاس الإنجازات العقلية التي ~~حققها القرن التاسع عشر على أساس الشخصيات العظيمة - وإن كان ذلك ~~القرن قد أنتج بالفعل شخصيات عظيمة - لأن الدور الذي قام به كل ~~فرد، مهما كانت ضخامته، ضئيل بالقياس إلى الإنتاج الجماعي. والحق ~~أن عدد الكشوف العلمية التي تمت بالعمل الجماعي في هذه ms110 الفترة كان ~~هائلا. فالفترة التي بدأت بالآلة البخارية وكشف التيار الكهربائي، ~~واستمرت باختراع السكك الحديدية والمولد الكهربائي والمذياع ~~والطائرة، والتي بلغت قمتها في أيامنا هذه بوسائل المواصلات التي ~~تفوق سرعتها سرعة الصوت واستغلال الطاقة الذرية؛ هذه الفترة ليست ~~مجرد مسيرة ظافرة لكشوف صناعية، وإنما هي تمثل في الوقت ذاته ~~اتجاها إلى التقدم السريع في القدرة على التفكير المجرد، وهي قد ~~أدت إلى بناءات نظرية بحتة تتسم بأعلى درجة من الكمال، مثل نظرية ~~التطور عند دارون ونظرية النسبية عند أينشتين، وهي قد دربت العقل ~~البشري على فهم العلاقات المنطقية التي كانت تبدو مستغلقة على فهم ~~الإنسان المثقف في القرون السابقة. # إن نمو القدرة على التجريد ظاهرة تلازم المدنية الصناعية ~~بالضرورة؛ ذلك لأن المهندس الذي يصمم الآلات أو الطائرات لا يماثل ~~عامل المصنع الذي يصنع الآلة أو الطائرة؛ إذ إن إنتاجه يتمثل لخيال ~~كاملا، دون أن يتجسد إلا في صورة تصميم على الورق، قبل أن يصبح ~~حقيقة واقعة. وعالم الفيزياء الذي يجري التجارب في معمله، يقف أمام ~~مجموعة شديدة التعقيد نظاما من الأسلاك وأنابيب الاختبار والقضبان ~~المعدنية، ولكنه يرى في هذه المجموعة المعقدة نظاما من الدوائر ~~الكهربائية، يجعله يسيطر على عملياته اليدوية على نحو من شأنه ~~إنتاج ملاحظات تكشف عن القوانين العامة للطبيعة. والعالم الرياضي، ~~المزود بورق وقلم، يصل إلى أرقام تتحكم في تشييد جسر أو صنع طائرات ~~أو بناء ناطحات سحاب. فلم يحدث قط في تاريخ البشر أن اقتضت مدنية ~~مثل هذا التدريب العقلي المركز من أولئك الذين يعملون على ~~إعلائها. # ولقد كانت فلسفة القرن التاسع عشر نتاجا لهذه القدرة على ~~التجريد؛ فهي لا تقدم تلك الحلول المغرية التي تقدمها مذاهب تتحدث ~~لغة مجازية وتهيب بالميول الجمالية، وإنما تقدم إجابات لا يفهمها ~~إلا ذهن مدرب على التفكير المجرد. وهي تقتضي من تلاميذها دراسة كل ~~جزء منها بدقة العالم الرياضي وانضباط المهندس. ومع ذلك فإنها تقدم ~~إلى من يبدون استعدادا لالتزام هذه الشروط مكافأة هائلة من ~~البصيرة العقلية؛ فهي تجيب على الأسئلة ms111 التي لم يستطع مؤسسو ~~المدارس الفلسفية الكبرى الإجابة عنها، وإن كانت تضطر في كثير من ~~الأحيان إلى إعادة صياغة السؤال على نحو من شأنه أن يجعله قابلا ~~لأن يجاب عليه. وهي تبين لنا أن تركيب العالم الذي نعيش فيه أعقد ~~بكثير من ذلك الذي كان يسلم به الفيلسوف الكلاسيكي. وهي قد تمكنت ~~من وضع أساليب لمعالجة هذه التركيبات، وجعل العالم مفهوما في نظر ~~الذهن البشري. # وإنا لنجد عادة في الكتب الفلسفية المدرسية فصلا عن فلسفة القرن ~~التاسع عشر مكتوبا بنفس الروح التي كتبت بها الفصول المتعلقة ~~بالقرون السابقة عليه. في هذا الفصل نجد أسماء «فشته» وشلنج وهيجل ~~وشوبنهور وبرجسون، ونجد وصفا لمذاهبهم تبدو فيه هذه المذاهب خلقا ~~فلسفيا يماثل ما نجده في مذاهب الفترات السابقة، غير أن فلسفة ~~المذاهب تنتهي بمذهب «كانت». ولو فهمنا المذاهب التي ظهرت بعد ذلك ~~بنفس الطريقة التي نفهم بها مذهب «كانت» أو أفلاطون، لكان في ذلك سوء ~~فهم لتاريخ الفلسفة؛ فقد كانت المذاهب الأقدم عهدا تعبر عن علوم ~~عصورها، وقامت بتقديم إجابات وهمية حين كانت تعوزها الإجابات ~~الأفضل. أما المذاهب الفلسفية في القرن التاسع عشر فقد شيدت في وقت ~~كان يجري فيه بناء فلسفة أفضل، وكانت هذه المذاهب من عمل أناس لم ~~يدركوا الكشوف الفلسفية الكامنة في العلم الموجود في عصرهم، ~~فشيدوا، تحت اسم الفلسفة، مذاهب من التعميمات والتشبيهات الساذجة. ~~وكان ما يعجب قراء هؤلاء الفلاسفة فيهم، وما يساعد على شهرتهم ، هو ~~أحيانا تلك اللغة البراقة التي عرضوا بها مذاهبهم، وأحيانا أخرى ~~جفاف أسلوبهم العلمي الوهمي. ومع ذلك فلو نظرنا إلى مذاهبهم هذه ~~تاريخيا لكان الأفضل تشبيهها بالطرف المسدود لنهر كان يتدفق في ~~أرض خصبة، وانتهى به الأمر إلى الجفاف في الصحراء. # والواجب أن نقول إن الحركة التي استمر بها تاريخ الفلسفة بعد ~~«كانت»، وهو التاريخ الذي ظل حتى عصر «كانت» يتمثل في صورة مذاهب ~~فلسفية، ليست تلك المذاهب الوهمية التي قام بها مقلدو الماضي ~~الفلسفي العريق، وإنما تلك الفلسفة الجديدة التي نشأت بفضل علم ms112 ~~القرن التاسع عشر، واستمرت في القرن العشرين؛ ففي خلال هذه الفترة ~~القصيرة من الزمن، مرت تلك الفلسفة بتطور سريع، كان متمشيا مع ~~تقدم العلم خلال الفترة ذاتها. وينبغي أن نلاحظ بوجه خاص أن ~~النتائج المترتبة على نظرية النسبية عند أينشتين، وعلى نظرية الكم ~~(الكوانتم) عند بلانك، تقع بأسرها في القرن العشرين؛ ومن ثم فإن من ~~الضروري أن يختلف المظهر الفلسفي لهذا القرن عن مظهر القرن التاسع ~~عشر اختلافا كبيرا. ومع ذلك فإن الانقلاب في التفكير، الذي يعزو ~~الكثيرون الفضل فيه إلى القرن العشرين، إنما كان نتيجة طبيعية ~~للتطورات التي بدأت في القرن التاسع عشر؛ ولذلك كان الأصح أن نسميه ~~تطورا سريعا. # وكما أن الفلسفة الجديدة قد ظهرت في الأصل بوصفها نتاجا ~~ثانويا للبحث العلمي، فإن الأشخاص الذين قامت هذه الفلسفة على ~~أكتافهم لم يكونوا، في معظم الأحيان، فلاسفة بالمعنى الاحترافي؛ ~~فقد كانوا علماء في الرياضة أو الفيزياء أو البيولوجيا أو علم ~~النفس، وكانت فلسفتهم نتيجة لمحاولاتهم الاهتداء إلى حلول لمشكلات ~~يصادفها العالم خلال بحثه العلمي، وهي مشكلات تتحدى الوسائل الفنية ~~التي كانت تستخدم حتى ذلك الحين، وتقتضي إعادة اختبار أسس المعرفة ~~وأهدافها. ونادرا ما كانت هذه الفلسفة مفصلة أو صريحة، كما أنها ~~لم تكن تمتد إلى ما وراء حدود المجالات الخاصة التي يرتكز عليها ~~اهتمام واضعها. وبدلا من ذلك تجد فلسفات هؤلاء الناس ماثلة في ~~تصديرات كتبهم ومقدماتها، وفي ملاحظات تظهر من آن لآخر في مؤلفاتهم ~~التي كان طابعها العام فنيا بحتا. # ولم تظهر فئة جديدة من الفلاسفة، درب أفرادها على الأساليب ~~الفنية للعلم، وضمنها الرياضيات، وركزوا جهودهم في التحليل ~~الفلسفي، إلا في جيلنا هذا؛ فقد أدرك هؤلاء أنه لا مفر من توزيع ~~العمل، وأن البحث العلمي لا يترك للمرء وقتا يكفيه للقيام بأعمال ~~التحليل المنطقي، وأن التحليل المنطقي، من ناحيته، يقتضي تركيزا لا ~~يبقى معه وقت للعمل العلمي، بل إنه تركيز قد يعوق القدرة ~~الإبداعية العملية؛ لأنه يهدف إلى الإيضاح لا إلى الكشف. وكان ~~فيلسوف العلم المحترف هو نتاج ms113 هذا التطور. # أما فيلسوف المدرسة القديمة فإنه يرفض في كثير من الأحيان أن ~~يعترف بأن تحليل العلم فلسفة، ويظل يعرف الفلسفة بأنها اختراع ~~المذاهب الفلسفية، وهو لا يدرك أن المذاهب الفلسفية قد فقدت ~~معناها، وأن فلسفة العلم قد شغلت وظيفتها. على أن فيلسوف العلم لا ~~يخشى هذه الخصومة؛ فهو يترك لفيلسوف الطراز القديم مهما ابتدع ~~مذاهب فلسفية قد يكون لها مكان في ذلك المتحف المسمى بتاريخ ~~الفلسفة، ويواصل عمله غير عابئ بشيء. # الفصل الثامن # | طبيعة الهندسة # مر العلم، منذ موت «كانت» في عام 1804م، بتطور كان تدريجيا في ~~البداية، ثم ازداد معدله سرعة بالتدريج، وفي هذا التطور تخلى العلم ~~عن كل الحقائق المطلقة والأفكار المسبقة؛ فقد اتضح أن تلك المبادئ ~~التي كان «كانت» يعدها مبادئ ذات طبيعة غير تحليلية، ولا غناء عنها ~~للعلم، إنما هي مبادئ لا تصح إلا بقدر محدود فحسب، وتبين أن ~~القوانين الهامة للفيزياء الكلاسيكية لا تنطبق إلا على الظواهر ~~التي تحدث في بيئتنا العادية. أما بالنسبة إلى الأبعاد الفلكية وما ~~دون المجهرية، فقد كان لا بد من الاستعاضة عن هذه القوانين ~~الكلاسيكية بقوانين للفيزياء الجديدة. وهذه الحقيقة وحدها تكفي ~~لإثبات أنها قوانين تجريبية، وليست قوانين يفرضها علينا العقل ذاته. ~~وسأوضح الآن انحلال المعرفة التركيبية القبلية هذا من خلال تتبع ~~تطور الهندسة. # إن الأصل التاريخي للهندسة، الذي يرجع إلى أيام المصريين ~~القدماء، إنما هو واحد من الأمثلة العديدة لكشوف عقلية نشأت عن ~~حاجات مادية ؛ فقد كانت الفيضانات السنوية لنهر النيل، الذي يروي ~~تربة مصر، تجلب المتاعب لملاك الأرض؛ إذ كانت حدود أراضيهم ~~الزراعية تضيع معالمها كل عام، وكان لا بد من إقامتها من جديد ~~بواسطة قياسات هندسية؛ ولذلك اضطر المصريون، نتيجة لظروف بلادهم ~~الجغرافية والاجتماعية، إلى اختراع فن المساحة. وهكذا نشأت الهندسة ~~بوصفها علما تجريبيا، كانت قوانينه نتائج لملاحظات. مثال ذلك أن ~~المصريين عرفوا بالخبرة العملية أنهم لو صنعوا مثلثا تساوي أضلاعه ~~ثلاث وأربع وخمس وحدات على التوالي، لكان ذلك مثلثا قائم الزاوية. ~~أما البرهان الاستنباطي على ms114 هذه النتيجة فلم يكتشف إلا في وقت ~~متأخر على يد فيثاغورس، الذي تفسر نظريته المشهورة كشوف المصريين ~~على أساس أن مجموع مربعي 3 و4 يساوي مربع 5. # 1 # وتوضح نظرية فيثاغورس طبيعة الدور الذي أسهم به اليونانيون في ~~الهندسة، وأعني به اكتشاف إمكان بناء الهندسة على نسق استنباطي، ~~يكون من الممكن استخلاص كل نظرية فيه، بطريقة دقيقة، من مجموعة ~~البديهيات (انظر الفصل الخامس). وسوف يظل بناء الهندسة في صورة نسق ~~للبديهيات يرتبط إلى الأبد باسم إقليدس، وقد ظل عرضه المنظم ~~منطقيا للهندسة، هو موضوع كل برنامج دراسي في الهندسة، واستمر ~~حتى عهد قريب يدرس كما هو في مدارسنا. # ولقد بدت بديهيات نسق إقليدس طبيعية وواضحة إلى حد بدت معه ~~حقيقتها أمرا لا يتطرق إليه الشك. وفي هذا الصدد كان نسق إقليدس ~~مؤيدا لمفاهيم سابقة قبل أن تتخذ مبادئ الهندسة صورة نسق منظم؛ ~~ذلك لأن الوضوح الذاتي الظاهر للمبادئ الهندسية أدى بأفلاطون، الذي ~~عاش قبل جيل من عصر إقليدس، إلى القول بنظرية المثل. وقد أوضحنا في ~~الفصل الثاني أنه كان يعتقد أن بديهيات الهندسة تتكشف لنا في فعل ~~رؤية يبين لنا أن العلاقات الهندسية إنما هي خواص لموضوعات مثالية، ~~وقد انتهى ذلك التطور الطويل الذي بدأ بأفلاطون، والذي لم يدخل على ~~هذا الفهم تغييرا جوهريا، إلى نظرية «كانت» التي تتميز بأنها ~~أدق، وإن كانت أقل شاعرية، والتي ترى أن البديهيات تركيبية قبلية. ~~وكمان الرياضيون يشاركون في هذا الرأي بدرجات متفاوتة، ولكن ~~اهتمامهم لم يكن ينصب على المناقشة الفلسفية للبديهيات، بقدر ما ~~كان ينصب على تحليل العلاقات الرياضية التي تسري بينها؛ فقد حاولوا ~~رد البديهيات إلى حد أدنى، عن طريق إيضاح أن بعضها يمكن استخلاصه ~~من البعض الآخر. # ولقد كانت هناك بديهية واحدة، هي بديهية التوازي. لم تكن تروق ~~لهم، وكانوا يحاولون استبعادها. وتنص هذه البديهية على أن من ~~الممكن، من نقطة معينة، رسم مواز واحد، وواحد فقط، لمستقيم معين؛ ~~أي إن هناك خطا مستقيما واحدا، وواحدا فقط، لا يتقاطع آخر ~~الأمر مع ms115 خط معين، وإن ظل معه على نفس المسطح. ولسنا ندري لماذا لم ~~ترق هذه البديهية للرياضيين، ولكن الذي نعلمه أن محاولات متعددة، ~~ترجع في بدايتها إلى العصور القديمة، قد بذلت لتحويل هذه البديهية ~~إلى نظرية؛ أي لاستخلاصها من بديهيات أخرى. وقد اعتقد الرياضيون ~~مرارا أنهم اهتدوا إلى طريقة لاستخلاص القضية المتعلقة بالتوازي ~~من بديهيات أخرى. ومع ذلك فقد كان يتضح فيما بعد، في كل الأحوال، ~~أن براهينهم باطلة؛ إذ كان هؤلاء الرياضيون يقحمون دون وعي منهم ~~مسلمة معينة لم تكن متضمنة في البديهيات الأخرى، ولكن كانت لها ~~فعالية مساوية لبديهية التوازي. وإذن فقد كانت نتيجة هذا التطور هي ~~أن هناك مسلمات مكافئة لهذه البديهية، غير أن الرياضي لم يكن له ~~الحق في قبول هذه المسلمات أكثر مما له في قبول بديهية إقليدس. فمن ~~الأمثلة المكافئة لبديهية التوازي، المبدأ القائل إن مجموع زوايا ~~المثلث يساوي قائمتين، وكان إقليدس قد استخلص هذا المبدأ من ~~بديهيته، ولكن اتضح أن مبدأ التوازي، بدوره، يمكن استخلاصه إذا ما ~~اتخذ المبدأ المتعلق بمجموع زوايا المثلث بديهية. وهكذا فإن ما هو ~~بديهية في نسق، يصبح نظرية في نسق آخر، والعكس بالعكس. # ولقد ظلت مشكلة التوازي تشغل الرياضيات طوال ما يزيد على ألفي ~~عام قبل أن يتم التوصل إلى حل لها؛ فبعد حوالي عشرين عاما من وفاة ~~«كانت»، اكتشف رياضي مجري شاب، هو جون بولياي # Bolyai ~~(1802-1860م)، أن بديهية ~~التوازي ليست عنصرا ضروريا في الهندسة، فشيد هندسة تخلى فيها عن ~~بديهية التوازي، وأحل محلها مسلمة جديدة هي القائلة إن هناك أكثر ~~من مواز واحد لمستقيم معين من نقطة معينة. وقد تم نفس الكشف في نفس ~~الوقت تقريبا على يد الرياضي الروسي ن. إ. لوباتشفسكي # N. I. Lobachevski ~~(179-1856م) والرياضي الألماني ك. ~~ف. جاوس # K. F. Gauss ~~(1777-1855م). وسميت الهندسات التي وضعت ~~على هذا النحو باسم الهندسات اللاإقليدية. وفيما بعد وضع الرياضي ~~الألماني ب. ريمان # B. Riemann ~~(1826-1866م) نوعا أعم من الهندسة اللاإقليدية، يشمل نسقا لا توجد ~~فيها خطوط ms116 متوازية على الإطلاق. # والهندسة اللاإقليدية تناقض الهندسة الإقليدية. مثال ذلك أن ~~مجموع زوايا المثلث، في الهندسة اللاإقليدية، يختلف عن 180 درجة. ~~ومع ذلك فكل هندسة لا إقليدية لا تنطوي على تناقض داخلي، وإنما هي ~~نظام متسق بنفس المعنى الذي تكون به هندسة إقليدس متسقة. وهكذا تحل ~~كثرة من الهندسات محل النسق الإقليدي الواحد. وصحيح أن الهندسة ~~الإقليدية تتميز عن الأخريات جميعا بأن من السهل تصورها بصريا، ~~على حين يكاد يبدو من المستحيل أن نتخيل بالبصر هندسة يكون فيها ~~أكثر من مواز واحد لمستقيم معين من نقطة بالتصور البصري، ونظروا ~~إلى مختلف النسق الرياضية على أنها متساوية في صحتها الرياضية. ~~وتمشيا مع هذه النظرة المنزهة إلى حد ما، التي يتأمل بها الرياضي ~~هذا الموضوع، فسوف أرجئ مناقشة موضوع التصور البصري حتى الانتهاء ~~من مناقشة بعض المشكلات الأخرى. # كان وجود كثرة من الهندسات يقتضي نظرة جديدة إلى مشكلة هندسة ~~العالم الفيزيائي. فطالما كانت هناك هندسة واحدة فقط، هي الهندسة ~~الإقليدية، لم تكن هناك مشكلة متعلقة بهندسة المكان الفيزيائي؛ فقد ~~كان من الطبيعي أن تعد هندسة إقليدس منطبقة على الواقع الفيزيائي؛ ~~لعدم وجود هندسة أخرى. ولقد كان الفضل يرجع إلى «كانت» في أنه أكد، ~~أكثر من غيره، أن تطابق الهندسة الرياضية والهندسة الفيزيائية ~~يحتاج إلى تفسير، وينبغي أن تعد نظريته في المعرفة التركيبية ~~القبلية محاولة عظيمة من فيلسوف لتعليل هذا التطابق، غير أن الموقف ~~تغير تماما باكتشاف كثرة من الهندسات. فعندما يصبح للرياضي الخيار ~~بين هندسات كثيرة، تثار مشكلة: أي هذه الهندسات هي هندسة العالم ~~الفيزيائي؟ وكان من الواضح أن العقل لا يستطيع الإجابة عن هذا ~~السؤال، وإن هذه الإجابة متروكة للملاحظة التجريبية. # ولقد كان أول من لفت الأنظار إلى ذلك هو «جاوس»؛ فبعد كشفه ~~للهندسة اللاإقليدية حاول القيام باختيار تجريبي يتأكد بواسطته من ~~هندسة العالم الفيزيائي. وقد قاس جاوس لهذا الغرض زوايا مثلث حدد ~~أركانه بقمم ثلاثة جبال، وصاغ نتيجة قياساته في عبارة دقيقة، فقال: ~~إن المبدأ الإقليدي صحيح في حدود الأخطاء ms117 المحتملة للملاحظة؛ أي ~~إنه إذا كان هناك انحراف لمجموع الزوايا عن 180 درجة، فإن الأخطاء ~~الحتمية للملاحظة تجعل من المستحيل إثبات وجوده؛ فإذا كان العالم ~~لا إقليديا، فإنه خاضع لنوع من الهندسة اللاإقليدية يبلغ اختلافه ~~عن الهندسة الإقليدية حدا من الضآلة يستحيل معه التمييز بين ~~الاثنين. # غير أن قياس جاوس يحتاج إلى بعض المناقشة؛ فمشكلة هندسة العالم ~~الفيزيائي أعقد مما افترض جاوس، ولا يمكن حلها بمثل هذه البساطة. # فلنفترض مؤقتا أن نتيجة جاوس كانت إيجابية، وأن مجموع زوايا ~~المثلث الذي قاسه كان مختلفا عن 180 درجة، فهل يترتب على ذلك أن ~~هندسة العالم لا إقليدية؟ # إن ثمة سبيلا إلى تجنب هذه النتيجة؛ فقياس الزوايا الواقعة بين ~~أشياء بعيدة يتم عن طريق رؤية الأشياء من خلال عدسات مثبتة في آلة ~~السدس أو أداة مشابهة. وهكذا فإن الأشعة الضوئية التي تمر من ~~الأشياء إلى الأداة البصرية تستخدم على أساس أنها هي التي تحدد ~~أضلاع المثلث، فكيف نعرف أن الأشعة الضوئية تتحرك في خطوط مستقيمة؟ ~~إن من الممكن القول إنها لا تفعل ذلك، وإن مسارها منحن، وإن قياس ~~«جاوس» لم يكن يتعلق بمثلث أضلاعه خطوط مستقيمة؛ وعلى أساس هذا ~~الافتراض لا يكون القياس قاطعا. # فهل هناك وسيلة لاختبار هذا الافتراض الجديد؟ إن الخط المستقيم ~~هو أقصر مسافة بين نقطتين؛ فإذا كان مسار الشعاع الضوئي منحنيا، ~~فلا بد أن يكون من الممكن ربط نقطة البداية بنقطة النهاية بواسطة خط ~~آخر، يكون أقصر من مسار شعاع الضوء. مثل هذا القياس يمكن القيام ~~به، من حيث المبدأ على الأقل، بواسطة قضبان قياسية ؛ ففي هذه الحالة ~~توضع القضبان على طول مسار الشعاع الضوئي، ثم توضع على طول خطوط ~~اتصال أخرى. فإذا كان هناك خط اتصال أقصر، لأمكن الاهتداء إليه ~~بتكرار المحاولات. # فلنفرض أننا قمنا بهذا الاختبار وكانت نتيجته سلبية؛ أي إننا ~~وجدنا أن مسار الشعاع الضوئي هو أقصر ارتباط بين النقطتين، فهل ~~تؤدي هذه النتيجة، مقترنة بالقياس السابق لزوايا المثلث، إلى إثبات ~~أن الهندسة إقليدية؟ # من السهل ms118 أن نرى أن الموقف يظل غير مقطوع به، تماما كما كان من ~~قبل؛ فقد تشككنا في مسار الأشعة الضوئية، واختبرناه بقياسات ~~استخدمنا فيها قضبانا صلبة، غير أن قياس مسافة ما لا يكون أمرا ~~موثوقا منه، إلا إذا لم يكن طول القضيب يتغير حين ينقل، ولكننا ~~نستطيع أن نفترض أن القضيب الذي نقل على طول مسار الشعاع الضوئي قد ~~تمدد بفعل قوة مجهولة، وعندئذ يكون عدد القضبان التي يمكن وضعها ~~على طول المسار أقل، وتكون القيمة العددية التي نصل إليها بشأن هذه ~~المسافة أقل بدورها. وهكذا نتصور أن مسار الشعاع الضوئي أقصر من ~~المسارات الأخرى، على حين أنه أطول في الواقع. وإذن فالبحث فيما ~~إذا كان المستقيم أقصر مسافة يتوقف على مسلك قضبان القياس، فكيف ~~إذن نعلم إن كان القضيب الصلب صلبا بحق؛ أي إنه لا يتمدد ولا ~~ينكمش؟ # في هذه الحالة ننقل القضيب الصلب من مكان إلى مكان بعيد، فهل يظل ~~على طوله السابق؟ إن علينا، لكي نختبر طوله، أن نستخدم قضيبا ~~ثانيا. ولنفرض أن طول القضيبين كان متساويا في المكان الأول عندما ~~وضع أحدهما فوق الآخر، ثم نقل أحدهما إلى مكان مختلف، فهل يظل طول ~~القضيبين متساويا؟ إننا لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال. فلكي ~~نقارن بين القضيبين، ينبغي إما أن ننقل القضيب الأول ثانية إلى ~~المكان الأول، أو القضيب الثاني إلى المكان الثاني، ما دامت ~~المقارنة بين الطولين لا تكون ممكنة إلا عندما يكون أحد القضيبين ~~فوق الآخر. وعلى هذا النحو نجد أن طولهما متساو أيضا عندما يكونان ~~معا في المكان الثاني، ولكن لا سبيل إلى معرفة ما إذا كان ~~القضيبان متساويين عندما يكونان في مكانين مختلفين. # وقد يعترض على ذلك بأن هناك وسائل أخرى للمقارنة. مثال ذلك أنه ~~إذا كان طول القضيب يتغير عند نقله، فلا بد أن نكتشف التغير إذا ~~قارنا القضيب بطول أذرعتنا، ولكنا نستطيع أن نفترض، من أجل استبعاد ~~هذا الاعتراض، أن القوى التي تؤدي إلى تمدد الأجسام المنقولة أو ~~انكماشها قوى شاملة؛ أي ms119 إن كل الأجسام المادية، وضمنها الأجسام ~~البشرية، يتغير طولها على نفس النحو. ومن الواضح أن أي تغير كهذا ~~لا يمكن ملاحظته. # إن المشكلة موضوع البحث هي مشكلة التطابق # congruence ~~؛ فينبغي أن ندرك أنه لا سبيل إلى اختبار ~~التطابق والتحقق منه. فلنفرض أن كل الأشياء المادية، وضمنها ~~أجسامنا، قد تضاعف حجمها عشر مرات أثناء نومنا في الليل؛ فعندما ~~نستيقظ في الصباح لا نكون في وضع يسمح لنا باختبار هذا الافتراض، ~~بل إننا لن نتمكن أبدا من التحقق منه؛ فنتائج هذا التغير لا يمكن ~~ملاحظتها، بناء على الشروط الموضوعة. ومن هنا فليس في وسعنا ~~الاهتداء إلى أدلة تؤيدها أو تفندها، فمن الجائز أننا جميعا أطول ~~عشر مرات مما كنا بالأمس. # وليس هناك إلا مخرج واحد من هذه الإشكالات، هو أن ننظر إلى مسألة ~~التطابق، لا على أنها مسألة ملاحظة، بل على أنها مسألة تعريف؛ ~~فينبغي ألا نقول «إن القضيبين الموضوعين في مكانين مختلفين هما ~~بالفعل متساويان»، وإنما الواجب أن تقول إننا نسميهما قضيبين ~~متساويين، ونقل القضبان الصلبة هو الذي يحدد تعريف التطابق. هذا ~~التفسير يؤدي إلى استبعاد المشكلات غير المعقولة التي ذكرت من قبل؛ ~~إذ لا يعود السؤال عما إذا كنا اليوم أطول مما كنا بالأمس عشر مرات ~~سؤالا ذا معنى؛ فنحن نسمي طولنا اليوم مساويا لطولنا بالأمس، ولا ~~معنى للسؤال عما إذا كان هو في الواقع نفس الطول. ويسمى هذا النوع ~~من التعريفات ب «التعريفات الإحداثية # coordinative definitions ~~»، وهي تربط (أو تكون ~~إحداثيا) بين موضوع فيزيائي كالقضيب الصلب، وبين تصور «الطول ~~المتساوي»؛ وبذلك تحدد مفهومه، وهذه الصفة هي التي تفسر ~~الاسم. # وعلى ذلك فإن القضايا المتعلقة بهندسة العالم الفيزيائي لا يكون ~~لها معنى إلا بعد وضع تعريف إحداثي للتطابق؛ فإذا غيرنا التعريف ~~الإحداثي للتطابق نتجت هندسة جديدة. هذه الحقيقة يطلق عليها اسم: ~~نسبية الهندسة. ولكي نوضح معنى هذه النتيجة، فلنفرض مرة أخرى أن ~~قياس جاوس أثبت وجود انحراف لمجموع الزوايا عن 180 درجة، وأن ~~القياسات التي تمت بقضبان صلبة أيدت أن ms120 الأشعة الضوئية هي أقصر ~~مسافة، ومع ذلك فلن يظل شيء يحول بيننا وبين النظر إلى هندسة ~~المكان على أنها إقليدية. فلنقل بعد ذلك إن الأشعة الضوئية منحنية، ~~وإن القضبان تتمدد، وعندئذ نستطيع أن نحسب مقدار هذه الانحرافات ~~على نحو من شأنه أن يؤدي التطابق «المصحح» إلى هندسة إقليدية. فمن ~~الممكن النظر إلى الانحرافات على أنها نتيجة لقوى تتفاوت من مكان ~~إلى آخر، ولكنها متماثلة بالنسبة إلى جميع الأجسام والأشعة ~~الضوئية، وهي بالتالي قوى كونية؛ أي إن كل ما يعنيه افتراض هذه ~~القوى هو تغير في التعريف الإحداثي للتطابق. هذه الفكرة تدل على ~~أنه لا يوجد وصف هندسي واحد للعالم الفيزيائي، وإنما توجد فئة من ~~الأوصاف المتكافئة، وكل من هذه الأوصاف صحيح، أما الفروق الظاهرة ~~بينها فلا تتعلق بمضمونها، وإنما باللغة التي تصاغ بها ~~فحسب. # هذه النتيجة تبدو لأول وهلة كأنها تأييد لنظرية «كانت» في ~~المكان. فإذا أمكن تطبيق كل هندسة على العالم الفيزيائي، فيبدو ~~عندئذ أن الهندسة لا تعبر عن صفة في العالم الفيزيائي، وما هي إلا ~~إضافة ذاتية صادرة عن الملاحظ البشري، الذي يضع على هذا النحو ~~نظاما بين موضوعات إدراكه الحسى. وقد استخدم الكانتيون الجدد هذه ~~الحجة في الدفاع عن فلسفتهم، كما أنها استخدمت في موقف فلسفي يسمى ~~ب «المذهب ~~الاصطلاحي # conventionalism ~~»، استحدثه الرياضي الفرنسي هنري بوانكاريه # Henri Poincaré ~~، وبمقتضاه ~~تكون الهندسة مسألة اصطلاحية، ولا يكون هناك معنى لقضية تزعم أنها ~~تصف هندسة العالم الفيزيائي. # على أن اختبار هذه الحجة بمزيد من الدقة كفيل بأن يثبت أنها غير ~~مقبولة؛ فعلى الرغم من أن من الممكن استخدام كل نسق هندسي في وصف ~~تركيب العالم الفيزيائي، فإن النسق الهندسي إذا ما أخذ وحده لا يصف ~~ذلك التركيب وصفا كاملا، ولن يكون الوصف كاملا إلا إذا اشتمل ~~على قضية عن مسلك الأجسام الصلبة والأشعة الضوئية. وعندما نسمي ~~الوصفين متساويين، أو صحيحين بقدر متساو، فإننا نشير إلى الأوصاف ~~الكاملة بهذا المعنى، ومن بين هذه الأوصاف الكاملة، سيكون هناك وصف ~~واحد، وواحد فقط، ms121 لا يقال فيه عن الأجسام الصلبة والأشعة الضوئية ~~إنها «انحرفت أو شوهت» بفعل القوى الكونية. وسوف أستخدم للدلالة ~~على هذا الوصف اسم النسق ~~السوي # normal system ~~. والآن يمكننا أن نتساءل عن أي الهندسيات ~~تؤدي إلى النسق السوي، وهذه الهندسة يمكن تسميتها ب «الهندسة الطبيعية # natural geomefty ~~». ومن ~~الواضح أن السؤال المتعلق بالهندسة الطبيعية، أي بالهندسة التي لا ~~تكون الأجسام الصلبة والأشعة الضوئية منحرفة أو مشوهة بالنسبة ~~إليها، لا يمكن الإجابة عنه إلا بالبحث التجريبي؛ وبهذا المعنى ~~يكون السؤال عند هندسة المكان الفيزيائي سؤالا تجريبيا. # وفي استطاعتنا أن نضرب مثالا للمعنى التجريبي للهندسة بالإشارة ~~إلى مفاهيم نسبية أخرى. فإذا قال أحد سكان نيويورك «إن الشارع ~~الخامس على يسار الشارع الرابع»، فإن هذه العبارة لا تكون صحيحة ولا ~~باطلة ما لم يحدد الاتجاه الذي ينظر منه إلى هذين الشارعين؛ أي إن ~~العبارة الكاملة «الشارع الخامس على يسار الشارع الرابع منظورا ~~إليهما من الجنوب» هي وحدها القابلة للتحقيق، وهي معادلة للعبارة ~~«الشارع الخامس على يمين الشارع الرابع منظورا إليهما من الشمال». ~~وهكذا فإن المفاهيم النسبية، مثل «على يسار» و«على يمين» تصلح ~~تماما للاستخدام في صياغة المعرفة التجريبية، ولكن من الواجب ~~الحرص على أن تكون الصياغة مشتملة على نقطة الإشارة؛ وبهذا المعنى ~~نفسه تكون الهندسة تصورا نسبيا. فنحن لا نستطيع الكلام عن هندسة ~~العالم الفيزيائي إلا بعد أن نكون قد قدمنا تعريفا إحداثيا ~~للتطابق. وعلى هذا الشرط يمكن إصدار قضية تجريبية عن هندسة العالم ~~الفيزيائي. وعلى ذلك فعندما نتحدث عن الهندسة الفيزيائية، يكون من ~~المفهوم أننا وضعنا تعريفا إحداثيا معينا. ولو كان ما أراد ~~بوانكاريه أن يقوله هو أن اختيار وصف واحد من مجموعة الأوصاف ~~المتكافئة مسألة اصطلاحية، لكان في ذلك على حق. أما إذا كان قد ~~اعتقد أن تحديد الهندسة الطبيعية، بالمعنى الذي عرفناها به، هو ~~مسألة اصطلاحية، فإنه يكون في ذلك مخطئا؛ إذ إن من المستحيل ~~التحقق من هذه الهندسة إلا بطريقة تجريبية. ويبدو أن بوانكاريه كان ~~يعتقد خطأ أن القضيب «الصلب»، ms122 وبالتالي التطابق، لا يمكن أن يعرف ~~إلا على أساس اشتراط أن تكون الهندسة الناتجة إقليدية. وهكذا ذهب ~~إلى أنه لو أدت قياسات مثلت إلى أن يكون مجموع الزوايا مختلفا عن ~~180 درجة، لكان من الضروري أن يصحح الفيزيائي مسارات الأشعة ~~الضوئية وأطوال القضبان الصلبة، وإلا لما أمكنه أن يقول ما يعنيه ~~بالأطوال المتساوية. غير أن بوانكاريه أغفل أن هذا الاشتراط قد ~~يدفع الفيزيائي إلى افتراض قوى كونية، # 2 # وأن تعريف التطابق يمكن، على العكس من ذلك، أن يقدم ~~على أساس اشتراط استبعاد القوى الكونية، وعن طريق استخدام تعريف ~~التطابق هذا يمكن إصدار قضايا تجريبية متعلقة بالهندسة. # وإني لأود أن أعرض النقد الذي أوجهه إلى بوانكاريه بمزيد من ~~الإسهاب؛ إذ إن العلامة أينشتين قام في الآونة الأخيرة بالدفاع عن ~~المذهب الاصطلاحي بطريقة ذكية، فوصف محادثة خيالية بين بوانكاريه وبيني. # 3 # ولما كنت أعتقد أنه لا يمكن أن تقوم خلافات في الرأي ~~بين الفلاسفة الرياضيين إذا ما عرضت الآراء بوضوح، فإني أود أن ~~أعرض رأيي على نحو من شأنه، إذا لم يقنع بوانكاريه، أن يقنع ~~العلامة أينشتين، الذي أكن لأعماله العلمية من الإعجاب ما يعادل ~~إعجابه بأعمال بوانكاريه، وهو الإعجاب الذي أعرب عنه بطريقة ~~رائعة. # فلنفرض أن الملاحظات التجريبية تتمشى مع الوصفين الآتيين: # الفئة 1 ~~(أ) # الهندسة إقليدية، غير أن هناك قوى كونية تحرف الأشعة ~~الضوئية، وتشوه قضبان القياس. ~~(ب) # الهندسة لا إقليدية، ولا توجد قوى كونية. # إن بوانكاريه على صواب حين يرى أن من الممكن افتراض صحة كل من ~~هذين الوصفين، وأن من الخطأ التمييز بينهما، فهما مجرد لغتين ~~مختلفتين تصفان حالة واحدة. # ولكن لنفرض أنه أجريت ملاحظات تجريبية في عالم مختلف، أو في جزء ~~مختلف من عالمنا، تتمشى مع الوصفين الآتيين: # الفئة 2 ~~(أ) # الهندسة إقليدية، ولا توجد قوى كونية. ~~(ب) # الهندسة لا إقليدية، ولكن هناك قوى كونية تحرف ~~الأشعة الضوئية، وتشوه القضبان القياسية. # وفي هذه المرة بدورها نجد أن بوانكاريه على حق حين يقول إن كلا ~~من هذين الوصفين ms123 صحيح، فهما وصفان متكافئان. # غير أن بوانكاريه يخطئ لو قال إن العالمين 1 و2 متماثلان؛ فهما ~~من الوجهة الموضوعية مختلفان. وعلى الرغم من أنه توجد في كل عالم ~~فئة من الأوصاف المتكافئة، فإن الفئتين المختلفتين ليستا متساويتين ~~من حيث قيمة الصواب، فلا يمكن أن تكون هناك إلا فئة صائبة واحدة ~~بالنسبة إلى نوع معين من العالم، ولا يمكن أن يتحدد أي هاتين ~~الفئتين هي الصائبة إلا بالملاحظة التجريبية. فالمذهب الاصطلاحي لا ~~يدرك إلا تكافؤ الأوصاف في داخل الفئة الواحدة، ويعجز عن إدراك ~~الفوارق بين الفئتين، ومع ذلك فإن نظرية الأوصاف المتكافئة تتيح ~~لنا أن نصف العالم موضوعيا بأن ننسب حقيقة تجريبية إلى فئة واحدة ~~من الأوصاف فحسب، وأن تكون لكل الأوصاف في داخل كل فئة قيمة متساوية ~~من حيث الصواب. # ولكن الأنسب، بدلا من أن نستخدم فئات من الأوصاف، أن نخصص في كل ~~فئة وصفا واحدا على أنه هو النسق السوي، ونستخدمه ممثلا للفئة ~~بأكملها؛ وبهذا المعنى يمكننا أن نختار الوصف الذي تختفي فيه القوى ~~الكونية على أساس أنه النسق السوي، ونسميه بالهندسة الطبيعية. ~~وبهذه المناسبة، فليس في وسعنا حتى أن نثبت أن من الضروري وجود نسق ~~سوي، أما أن هناك نسقا واحدا، وواحدا فقط، من هذا النوع في ~~عالمنا، فلا بد أن تعد هذه واقعة تجريبية (مثال ذلك أن هندسة ~~الأشعة الضوئية قد تكون مختلفة عن هندسة الأجسام الصلبة). # وهكذا فإن نظرية الأوصاف المتكافئة لا تؤدي إلى استبعاد المعنى ~~التجريبي للهندسة، وإنما هي تقتضي فقط أن نعبر عن التركيب الهندسي ~~للعالم الفيزيائي بإضافة شروط معينة؛ أي في صورة قضية عن الهندسة ~~الطبيعية. وبهذا المعنى تعد تجربة «جاوس» دليلا تجريبيا؛ فالهندسة ~~الطبيعية للمكان الموجود في بيئتنا هي إقليدية، وذلك في حدود ~~الدقة التي يمكننا التوصل إليها، أو بعبارة أخرى فإن الأجسام ~~الصلبة والأشعة الضوئية في بيئتنا تسلك وفقا لقوانين إقليدس. ولو ~~كانت تجربة جاوس قد أفضت إلى نتيجة مختلفة، أي لو كانت قد كشفت عن ~~انحراف عن العلاقات الإقليدية يمكن ms124 قياسه، لكانت الهندسة الطبيعية ~~لبيئتنا الأرضية مختلفة؛ وعندئذ كان يتعين علينا، لكي نطبق هندسة ~~إقليدية، أن نفترض قوى كونية تحرف الأشعة الضوئية، وتشوه الأجسام ~~المنقولة بطريقة خاصة؛ وإذن فكون الهندسة الطبيعية في بيئتنا في ~~هذا العالم إقليدية، ينبغي أن يعد واقعة تجريبية ترجع إلى حسن ~~الحظ. # هذه الصياغات تتيح لنا التعبير عن الإضافات التي قام بها أينشتين ~~بالنسبة إلى مشكلة المكان؛ فقد توصل من نظريته النسبية العامة إلى ~~النتيجة القائلة إن الهندسة الطبيعية للمكان في الأبعاد الفلكية ~~هندسة لا إقليدية. وهذه النتيجة لا تتناقض مع قياس «جاوس» الذي ~~يؤدي إلى القول إن هندسة الأبعاد الأرضية إقليدية؛ إذ إن من ~~الصفات العامة للهندسة اللاإقليدية أنها تكاد تكون مماثلة للهندسة ~~الإقليدية بالنسبة إلى المساحات الصغيرة، والأبعاد الأرضية صغيرة ~~بالقياس إلى الأبعاد الفلكية. فنحن لا نستطيع ملاحظة ما يحدث من ~~انحرافات عن الهندسة الإقليدية عن طريق الملاحظات الأرضية؛ لأن ~~الانحرافات في هذه الأبعاد ضئيلة إلى أبعد حد. ولكي نثبت وجود ~~انحراف عن الدرجات المائة والثمانين التي تمثل مجموع الزوايا، ~~فلا بد من القيام بقياس جاوس بقدر من الدقة يفوق ما قام به هو ذاته ~~عدة آلاف من المرات، غير أن مثل هذه الدقة بعيدة كل البعد عن ~~متناول أيدينا، وأغلب الظن أنها ستظل كذلك إلى الأبد؛ وإذن فلا ~~يمكن قياس الطابع اللاإقليدي إلا بالنسبة إلى مثلثات أكبر، ما دام ~~انحراف مجموع الزوايا عن 180 درجة يزداد بازدياد حجم المثلث. ولو ~~أمكننا أن نقيس زوايا مثلث تكون أركانه هي النجوم الثوابت الثلاثة، ~~أو المجرات الثلاث - وهو الأفضل - للاحظنا بالفعل أن مجموع زوايا ~~المثلث يزيد على 180درجة، ولكن لا بد لنا من الانتظار حتى يتحقق ~~السفر الكوني في الفضاء قبل أن يتسنى القيام بمثل هذا الاختبار ~~المباشر، ما دام سيكون علينا أن نزور كلا من النجوم الثلاثة على ~~حدة لكي نتمكن من قياس الزوايا الثلاث؛ وعلى ذلك فلا بد لنا من ~~الاكتفاء بالطرق غير المباشرة في الاستدلال، التي تدل، حتى في ~~المرحلة الراهنة لمعرفتنا، على ms125 أن الهندسة النجمية لا ~~إقليدية. # وهناك إضافة أخرى قام بها أينشتين؛ فسبب الانحراف عن الهندسة ~~الإقليدية هو في رأيه قوى الجاذبية التي يرجع أصلها إلى كتل ~~النجوم؛ فعلى مقربة من النجم تكون الانحرافات أقوى مما هي في ~~الفضاء الواقع بين النجوم. وهكذا أثبت أينشتين وجود علاقة بين ~~الهندسة والجاذبية. والحق أن هذا الكشف العجيب، الذي أيدته قياسات ~~أجريت خلال كسوف الشمس، والذي لم يسبقه إلى توقعه أحد من قبله، ~~إنما هو تأييد جديد للطابع التجريبي للمكان الفيزيائي. # إن المكان ليس نوعا من النظام يشيد به الملاحظ البشري عالمه، ~~وإنما هو نسق يحدد صيغة علاقات النظام التي تسري بين الأجسام ~~الصلبة المتحركة والأشعة الضوئية؛ وبالتالي يعبر عن سمة عامة جدا ~~للعالم الفيزيائي، تكون أساس كل القياسات الفيزيائية الأخرى؛ ~~فالمكان ليس ذاتيا، وإنما هو واقعي. تلك هي النتيجة التي يؤدي ~~إليها تطور الرياضة والفيزياء الحديثتين. وإنه لمن العجيب حقا أن ~~يؤدي هذا التطور التاريخي الطويل آخر الأمر إلى العودة مرة أخرى ~~إلى الموقف الذي كان سائدا في بدايته؛ فقد بدأت الهندسة بوصفها ~~علما تجريبيا عند المصريين القدماء، ثم أصبحت علما استنباطيا ~~عند اليونانيين، وأخيرا عادت لتصبح علما تجريبيا مرة أخرى، بعد ~~أن كشفت تحليلات منطقية على أعلى درجة من الكمال، عن كثرة من ~~الهندسات، لا بد أن تكون واحدة منها، وواحدة فقط، هي هندسة العالم ~~الفيزيائي. # هذه الفكرة تدل على أن من الواجب التمييز بين الهندسة الرياضية ~~والهندسة الفيزيائية؛ فهناك، من وجهة النظر الرياضية، كثرة من ~~النسق الهندسية، وكل منها متسق منطقيا، وهذا كل ما يطلبه ~~الرياضي؛ فهو لا يهتم بحقيقة البديهيات، وإنما بعلاقات اللزوم بين ~~البديهيات والنظرية، فالقضايا الهندسية التي يقول بها الرياضي تتخذ ~~صورة «إذا كانت البديهيات صحيحة، كانت النظريات صحيحة»، غير أن ~~علاقات اللزوم هذه تحليلية، تتحقق صحتها بواسطة المنطق الاستنباطي؛ ~~وعلى ذلك فإن هندسة الرياضي ذات طبيعة تحليلية. ولا تؤدي الهندسة ~~إلى قضايا تركيبية إلا عندما تفكك علاقات اللزوم، وتؤكد البديهيات ~~والنظريات على حدة؛ وعندئذ تقتضي البديهيات تفسيرا ms126 بواسطة ~~تعريفات إحداثية، وبذلك تصبح قضايا عن موضوعات فيزيائية، وعلى هذا ~~النحو تصبح الهندسة نسقا يصف العالم الفيزيائي، غير أنها في هذا ~~المعنى لا تكون قبلية، بل تكون طبيعتها تجريبية، فليس ثمة عنصر ~~تركيبي قبلي في الهندسة؛ إذ إن الهندسة إما أن تكون قبلية، وعندئذ ~~تكون هندسة رياضية وتحليلية، وإما أن تكون تركيبية، وعندئذ تكون ~~هندسة فيزيائية وتجريبية. وهكذا تؤدي أعلى درجات تطور الهندسة إلى ~~انحلال المعرفة التركيبية القبلية. # ولكن ما زال أمامنا سؤال ينبغي الإجابة عنه، وهو السؤال عن ~~التصور البصري # visualization ~~. ~~فكيف نستطيع أن نتصور العلاقات اللإقليدية بصريا بالطريقة التي ~~يمكننا بها رؤية العلاقات الإقليدية؟ قد يكون من الصحيح أن في ~~استطاعتنا، بواسطة صيغ رياضية، أن نتعامل مع الهندسات في أي وقت ~~قادرة على أن تعرض علينا مثلما تعرض الهندسة الإقليدية؛ أعني هل ~~سنتمكن من أن نرى قواعدها في خيالنا مثلما نرى القواعد ~~الإقليدية؟ # إن التحليل السابق يتيح لنا أن نقدم إجابة مرضية عن هذا السؤال؛ ~~فالهندسة الإقليدية هي هندسة بيئتنا الفيزيائية، فلا عجب إذن إن ~~أصبحت تصوراتنا البصرية مكيفة مع هذه البيئة، ومتبعة بالتالي ~~للقواعد الإقليدية. ولو تسنى لنا أن نعيش في بيئة يكون تركيبها ~~الهندسي مختلفا إلى حد ملحوظ عن الهندسة الإقليدية، لتكيفنا مع ~~البيئة الجديدة، وتعلمنا كيف نرى مثلثات وقوانين لا إقليدية بنفس ~~الطريقة التي نرى بها الآن تركيبات إقليدية؛ وعندئذ نجد من ~~الطبيعي أن يكون مجموع زوايا المثلث أكبر من 180 درجة، ونتعلم ~~تقدير المسافات على أساس التطابق الذي تحدده الأجسام الصلبة في ذلك ~~العالم؛ ذلك لأن تخيل العلاقات الهندسية بصريا يعني تخيل التجارب ~~التي نمر بها لو كنا نعيش في عالم تسري عليه هذه العلاقات. ولقد ~~كان الفيزيائي هلمولتس # Helmholz # هو الذي قدم هذا التفسير للتخيل البصري، وكان الفيلسوف من قبله قد ~~ارتكب خطأ النظر إلى ما هو في واقع الأمر نتاج للتعود، على أنه ~~رؤية للأفكار (المثل) أو قوانين للعقل، واستغرق الكشف عن هذه ~~الحقيقة أكثر من ألفي عام، ولولا جهد العالم ms127 الرياضي بكل ما لديه ~~من أساليب فنية معقدة، لما أمكننا أبدا أن نتخلص من العادات ~~المتأصلة فينا، وأن نحرر أذهاننا من قوانين العقل المزعومة. # إن التطور التاريخي لمشكلة الهندسة إنما هو مثل بارز للإمكانات ~~الفلسفية التي ينطوي عليها تطور العلم. فالفيلسوف الذي زعم أنه كشف ~~قوانين العقل قد أضر بنظرية المعرفة؛ إذ إن ما رآه قوانين للعقل، ~~كان في واقع الأمر تكيفا للخيال البشري مع البناء الفيزيائي ~~للبيئة التي يحيا فيها البشر، ولا بد لنا من البحث عن قدرة العقل، ~~لا في قواعد يمليها العقل على خيالنا، بل في القدرة على تحرير ~~أنفسنا من أي نوع من القواعد تكيفنا معه عن طريق التجربة والتراث. ~~والحق أن التأمل الفلسفي وحده كان سيظل على الدوام عاجزا عن ~~التغلب على طغيان العادات المتأصلة؛ فلم يكن من الممكن أن تتضح ~~مقدرة الذهن البشري إلا بعد أن أوضح العالم وسائل معالجة تركيبات ~~تختلف عن تلك التي تدربت عليها أذهاننا طوال تراث قديم العهد. ~~فالعالم إذن هو المرشد والدليل في مسيرة الاستبصار الفلسفي. # ولقد ظل الطابع الفلسفي للهندسة ينعكس في كل الأوقات على الاتجاه ~~الأساسي للفلسفة؛ وبذلك كان للتطور التاريخي للهندسة تأثير قوي في ~~تطور الفلسفة. فالمذهب العقلي الفلسفي، من أفلاطون إلى كانت، كان ~~قد أكد ضرورة بناء كل معرفة على أنموذج الهندسة، وكان الفيلسوف ~~العقلي قد بنى حجته على تفسير للهندسة، ظل بمنأى عن الشك طوال ما ~~يربو على ألفي عام؛ هذا التفسير هو القائل إن الهندسة نتاج للعقل، ~~يصف العالم الفيزيائي. وعبثا حاول الفلاسفة التجريبيون أن يكافحوا ~~ضد هذه الحجة؛ فقد كان الرياضي واقفا في صف الفيلسوف العقلي، وبدت ~~المعركة ضد منطقه ميئوسا منها. غير أن الآية انعكست بعد كشف ~~الهندسة اللاإقليدية ؛ فقد اكتشف الرياضي أن ما كان يستطيع إثباته ~~لا يعدو أن يكون نسق علاقات اللزوم الرياضية؛ أي علاقات «إذا كان ... ~~فإن»، التي تؤدي من البديهيات إلى النظريات الهندسية، ولم يعد يرى ~~أن من حقه تأكيد صحة البديهيات، وترك مهمة إصدار هذا التأكيد ms128 ~~للعالم الفيزيائي. وهكذا أصبحت الهندسة الرياضية مجرد حقيقة ~~تحليلية، واستسلم الجزء التركيبي من الهندسة للعلم التجريبي، وفقد ~~الفيلسوف العقلي أقوى حليف له، وأصبح الطريق خاليا ~~للتجريبي. # ولو كانت هذه التطورات الرياضية قد حدثت قبل حدوثها الفعلي بألفي ~~سنة، لاختلفت صورة تاريخ الفلسفة؛ فقد كان من الممكن جدا أن يكون ~~أحد تلاميذ إقليدس رياضيا، مثل «بولياي # Bolyai ~~»، وأن يكتشف الهندسة اللاإقليدية؛ إذ إن ~~من الممكن الوصول إلى مبادئ هذه الهندسة بوسائل بسيطة إلى حد ما ~~من النوع الذي كان متوافرا في عصر إقليدس. ولنذكر في هذا الصدد أن ~~النظام الفلكي القائل بمركزية الشمس قد كشف في ذلك الحين، وأن ~~الحضارة اليونانية الرومانية وصلت إلى ضروب من التفكير المجرد تقف ~~في مصاف تفكير العصور الحديثة. ولو كان مثل هذا التطور الرياضي قد ~~حدث، لأدى إلى تغيير هائل في مذاهب الفلاسفة؛ فعندئذ كان أفلاطون ~~سيتخلى عن نظرية المثل لافتقارها إلى أساس في المعرفة الهندسية، ~~ولم يكن الشكاك ليجدوا ما يشجعهم على الشك في المعرفة التجريبية ~~أكثر مما يجدونه بالنسبة إلى الهندسة، ولكان من الجائز أن تواتيهم ~~الشجاعة فيدعون إلى مذهب تجريبي إيجابي؛ وعندئذ ما كانت العصور ~~الوسطى لتجد مذهبا عقليا متسقا يمكن إدماجه في اللاهوت، ولما ~~ألف اسبينوزا كتابه «الأخلاق مبرهنا عليها بالطريقة الهندسية»، ~~ولما كتب «كانت» «نقد العقل الخالص». # أكان ذلك كله خليقا بأن يحدث، أم إنني مسرف في التفاؤل؟ أيمكن ~~استئصال الخطأ بتعليم الصواب؟ إن الدوافع النفسية التي أدت إلى ~~ظهور المذهب العقلي الفلسفي قوية إلى حد يحق معه للمرء أن يفترض ~~أنها كانت ستجد لنفسها عندئذ طرقا أخرى للتعبير؛ فقد كان من ~~الممكن أن ترتكز على نواتج أخرى للعالم الرياضي، وتحولها إلى دليل ~~مزعوم على التفسير العقلي للعالم. والواقع أنه قد انقضى على كشف ~~«بولياي» أكثر من مائة عام، ولم يندثر المذهب العقلي بعد؛ فليست ~~الحقيقة سلاحا كافيا لحظر الخطأ، أو بعبارة أدق، فإن الاعتراف ~~العقلي بالحقيقة لا يكسب الذهن البشري دائما تلك القوة التي تمكنه ~~من مقاومة الجاذبية الانفعالية ms129 المتأصلة في السعي إلى ~~اليقين. # غير أن الحقيقة سلاح فعال، وقد تمكنت في كل الأزمان من حشد أتباع ~~من أفضل الناس، وهناك دلائل لا بأس بها على أن حلقة أتباعها تزداد ~~اتساعا بالتدريج، وربما كان هذا كل ما يمكننا أن نؤمله. # الفصل التاسع # | ما الزمان؟ # الزمان من أظهر صفات التجربة البشرية؛ فحواسنا تقدم إلينا ~~إدراكاتها حسب ترتيب الزمان، وعن طريقها تشارك في المجرى العام ~~المتدفق للزمان الذي يمر خلال الكون، وينتج حادثا بعد حادث، ويخلف ~~ما ينتجه وراءه؛ ليكون أشبه ببلورة لكيان سيال معين كان مستقبلا، ~~وأصبح الآن ماضيا لا يمكن تغييره. أما موقعنا نحن ففي وسط هذا ~~المجرى المتدفق، وهو الوسط المسمى بالحاضر، غير أن ما هو الآن حاضر ~~ينزلق إلى الماضي، على حين أننا ننتقل إلى حاضر جديد، ونظل على ~~الدوام في الآن الأزلي. إننا لا نستطيع إيقاف التدفق، ولا نستطيع ~~أن نعكس اتجاهه ونعيد الماضي، فهو يحملنا معه بلا هوادة، دون أن ~~يمنحنا فرصة للراحة. # على أن الرياضي الذي يحاول ترجمة هذا الوصف النفسي للزمان إلى ~~لغة المعادلات الرياضية يجد نفسه إزاء مهمة عسيرة، فلا عجب إذن أن ~~يبدأ بتبسيط مشكلته؛ فهو يحذف الأجزاء العاطفية من الوصف، ويركز ~~انتباهه على التركيب الموضوعي للعلاقة الزمانية، ويأمل أن يصل على ~~هذا النحو إلى تركيب منطقي قادر على تقديم وصف وتعليل لكل ما نعرفه ~~عن الزمان؛ وإذن فما نشعر به عن الزمان ينبغي أن يكون من الممكن ~~تفسيره على أساس أنه رد فعل للكائن العضوي الانفعالي، على تركيب ~~فيزيائي لهذه الصفات. # هذه الطريقة في البحث قد تخيب آمال القارئ ذي الميول الشاعرية، ~~غير أن الفلسفة ليست شعرا، وإنما هي إيضاح للمعاني عن طريق ~~التحليل المنطقي، ولا مكان فيها للغة المجازية. # إن أول ما يهم الرياضي هو مقياس الزمان؛ فنحن نتصور الزمان على ~~أنه يسير في تدفق مطرد أو متجانس، مستقل عن السرعة الذاتية التي ~~نلاحظها، والتي تتباين تبعا لدرجة الانتباه الانفعالي الذي نبديه ~~بمضمون تجربتنا. والتجانس يعني وجود مقياس؛ أي ms130 معيار للمساواة. ~~فنحن نقارن بين فترات الزمان المتعاقبة، ولدينا الوسائل التي تتيح ~~لنا أن نحدد متى يكون طولها متساويا، فما هذه الوسائل؟ # إننا نضبط ساعات اليد التي نحملها عن طريق مقارنتها بساعات ~~قياسية، وهذه الساعات الأخيرة بدورها يضبطها عالم الفلك؛ فإذا قسنا ~~مدة اليوم من الفترة الواقعة بين نقطة السمت التي تمر بها الشمس ~~(أي حين تعبر الشمس خط الزوال) وبين النقطة التالية، أي من ظهر يوم ~~معين إلى الظهر التالي، فإننا لن نصل إلى زمان متجانس. فهذا النوع ~~من الزمان، أي الزمان الشمسي، ليس متجانسا تماما؛ لأن دورة الأرض ~~حول الشمس تسير في مدار بيضاوي. ولتجنب الخطأ الناجم عن ذلك، فإن ~~الفلكي يقيس دوران الأرض في فترات يحددها سمت نجم ثابت معين. هذا ~~النوع من الزمان، المسمى بالزمان النجمي، متحرر من التذبذبات التي ~~تسببها دورة الأرض؛ لأن النجوم الثوابت تبلغ من البعد حدا يجعل ~~الاتجاه ما بين الأرض وبين نجم بعيد ثابت يكاد يظل بلا تغير. # فكيف يعلم الفلكي أن الزمان النجمي متجانس بحق؟ إننا لو وجهنا ~~إليه هذا السؤال لأجاب بأن الزمان النجمي ذاته ليس متجانسا ~~تماما إذا توخينا الدقة؛ لأن محور دوران الأرض لا يظل متجها في ~~اتجاه واحد، وإنما ينحرف أو يتذبذب قليلا على نحو يشبه الحركة ~~البطيئة لسن «النحلة» الدوارة (وإن كان هذا الانحراف حركة شديدة ~~البطء؛ لأنها تستغرق حوالي 25000 عام لإكمال دورة واحدة). وعلى ذلك ~~فإن ما يسميه الفلكي بالزمان المتجانس ليس شيئا يمكن ملاحظته ~~مباشرة، وإنما يتعين عليه حسابه عن طريق معادلاته الرياضية، وتتخذ ~~نتائجه صورة تصويبات معينة يضيفها إلى الأرقام التي استخلصت ~~بالملاحظة؛ وإذن فالزمان المتجانس نوع من سريان الزمان، يسقطه ~~الفلكي على المعطيات الملاحظة بالرجوع إلى معادلات رياضية. # ولم يتبق بعد هذا إلا سؤال واحد: فكيف يعلم الفلكي أن معادلاته ~~تحدد زمانا متجانسا بالمعنى الدقيق؟ قد يجيب الفلكي بأن معادلاته ~~تعبر عن قوانين في الميكانيكا، وأنها صحيحة لأنها مستمدة من ملاحظة ~~الطبيعة. غير أن من الضروري، لكي نختبر قوانين الملاحظة ms131 هذه، أن ~~يكون لدينا زمان نتخذه مقياسا؛ أعني زمانا متجانسا نعرف بواسطته ~~إن كانت الحركة المعينة متجانسة أم لا، وإلا لما كانت لدينا وسيلة ~~لتحديد ما إذا كانت قوانين الميكانيكا صحيحة أم لا. وهكذا يدور ~~استدلالنا في حلقة مفرغة؛ فلكي نعرف الزمان المتجانس يتعين علينا ~~أن نعرف قوانين الميكانيكا، ولكي نعرف قوانين الميكانيكا يتعين ~~علينا أن نعرف الزمان المتجانس. # وليس لهذه الحلقة المفرغة إلا مخرج واحد، هو أن ننظر إلى مسألة ~~الزمان المتجانس، لا على أنها مسألة معرفة، بل على أنها مسألة ~~تعريف # definition ~~؛ فعلينا ألا ~~نتساءل إن كان من الصحيح أن زمان الفلكي متجانس، وإنما ينبغي أن ~~نقول إن زمان الفلكي يعرف الزمان المتجانس. فليس ثمة زمان متجانس ~~فعلي، وإنما نصف نحن تدفقا معينا للزمان بأنه متجانس؛ لكي يكون ~~لدينا معيار نرد إليه أنواع التدفق الزماني الأخرى. # هذا التحليل يؤدي إلى حل مشكلة قياس الزمان على نفس النحو الذي ~~حللنا به مشكلة قياس المكان من قبل؛ فقد قلنا إن التطابق المكاني ~~مسألة تعريف، وبالمثل نقول الآن إن التطابق الزماني مسألة تعريف. ~~فليس في وسعنا أن نقارن بين فترتين زمانيتين متعاقبتين مقارنة ~~مباشرة، وإنما نستطيع فقط أن نسميهما متساويتين. وكل ما تمدنا به ~~معادلات الميكانيكا إنما هو تعريف إحداثي للزمان المتجانس. ويلزم ~~عن هذه النتيجة أن يكون الزمان نسبيا؛ إذ إن من الممكن استخدام ~~أي تعريف للتجانس، وتكون أوصاف الطبيعة الناجمة عن هذه التعريفات ~~أوصافا متكافئة، وإن تكن مختلفة لفظيا، فما هي إلا لغات ~~متباينة، أما مضمونها فواحد. # وفي استطاعتنا أيضا أن نستخدم في تحديد مقياس الزمان ساعات ~~طبيعية أخرى، كالذرات الدوارة أو الأشعة الضوئية السائرة، بدلا من ~~استخدام الحركة البادية للنجوم. ومن الأمور الواقعة أن مقاييس ~~الزمان هذه جميعا تتطابق نتائجها، وهذا هو مصدر الأهمية العملية ~~للتعريف الفلكي للتجانس؛ إذ إن هذا التعريف مماثل لذلك الذي تقدمه ~~كل الساعات الطبيعية. وهكذا فإن الساعة الطبيعية تقوم، في قياس ~~الزمان، بدور مشابه لذلك الذي يقوم به الجسم الصلب في قياس ~~المكان. ms132 # ولننتقل الآن من مشكلة قياس الزمان إلى مشكلة أخرى تهم الرياضي؛ ~~تلك هي مشكلة ترتيب الزمان. فمشكلة التعاقب الزمنى، أو السابق ~~واللاحق، أو الترتيب الزمني، أهم حتى من مشكلة قياس الزمان؛ فكيف ~~يمكننا أن نحدد إن كان حادث معين أسبق من حادث آخر؟ لو كانت لدينا ~~ساعة، لكان التدفق المتجانس للزمان فيها منطويا على تحديد للترتيب ~~الزمني، غير أن علاقة الترتيب الزمني ينبغي أن تكون خاضعة لتعريف ~~مستقل عن قياس الزمان. فلا بد أن يكون الترتيب الزمني واحدا ~~بالنسبة إلى مختلف مقاييس الزمان؛ وبالتالي ينبغي أن يكون من ~~الممكن تعريف التعاقب الزمني بطريقة أخرى غير الإشارة إلى الأرقام ~~المدونة على الساعات. # ولو استعرضنا الوسائل التي نحكم بها على الترتيب الزمني لوجدنا ~~أنه يشترط فيها دائما معيار أساسي للتعاقب الزمني، فلا بد أن يسبق ~~السبب النتيجة؛ وبالتالي فإننا إذا عرفنا أن حادثا معينا هو سبب ~~حادث آخر، فلا بد أن يكون الأول أسبق من الثاني. مثال ذلك أنه إذا ~~اكتشف شرطي في بقعة خفية ثروة من الذهب ملفوفة في ورقة جرائد، فإنه ~~يعلم أن لف الثروة لم يتم قبل التاريخ ~~المدون على الجريدة، ما دام طبع الجريدة هو السبب الذي أدى إلى ظهور ~~نسختها هذه. وعلى ذلك فإن علاقة الترتيب الزمني يمكن أن ترد إلى ~~علاقة سبب ونتيجة. # ولسنا بحاجة إلى أن ندرس علاقة السبب والنتيجة (أو العلة ~~والمعلول) في هذا الموضع؛ لأننا سندرسها في فصل تال. وحسبنا أن ~~نقول إن الارتباط السببي يعبر عن علاقة من نوع «إذا كان ... فإن ...»، ~~وهي علاقة يمكن اختبارها عن طريق تكرار وقوع حوادث من نفس النوع. ~~غير أن ما ينبغي علينا تفسيره هو كيفية التمييز بين السبب ~~والنتيجة، فلن يعيننا على هذا التمييز أن نقول إن السبب هو أسبق ~~الحادثين المرتبطين؛ إذ إننا نود تعريف الترتيب الزمني على أساس ~~الترتيب السببي، فلا بد إذن أن يكون لدينا معيار مستقل لتمييز السبب ~~من النتيجة. # إن دراسة أمثلة بسيطة للعلاقة السببية تبين لنا أن هناك عمليات ms133 ~~طبيعية يتميز فيها السبب عن النتيجة تميزا واضحا. ومن هذا القبيل ~~عمليات المزج وما شابهها من العمليات التي تنتقل من حالة منظمة إلى ~~حالة غير منظمة. فعالم الفيزياء يتحدث عن عمليات لا يعكس ترتيبها # irreversible ~~. فلتتخيل ~~مثلا أن لديك «فيلما» مأخوذا بآلة تصوير سينمائية، وتريد أن تعرف ~~في أي اتجاه تلفه، وفي إحدى صور الفيلم ترى فنجانا من القهوة ~~باللبن، وإلى جانبه إبريق صغير فارغ، وفي صورة أخرى لا تبعد عن ~~الأولى كثيرا، ترى نفس الفنجان مليئا بالقهوة «السادة» والإبريق ~~الصغير إلى جانبه مليئا باللبن؛ عندئذ تعرف أن الصورة الثانية ~~أخذت قبل الأولى، وتعرف الاتجاه الذي تلف فيه شريط «الفيلم»؛ ذلك ~~لأن من الممكن مزج القهوة باللبن، ولكن ليس من الممكن فصلهما بعد ~~مزجهما. أو لنفرض أن ملاحظا أنبأك بأن رأى الأنقاض المحترقة لبيت ~~ما، بينما أنبأك ملاحظ آخر أنه رأى البيت سليما؛ فعندئذ تعلم أن ~~الملاحظة الثانية كانت أسبق من الأولى؛ ذلك أن الاحتراق عملية لا ~~تعكس، وفي استطاعتنا أن نستبعد احتمال كون البيت قد أعيد بناؤه ~~بنفس الشكل الذي كان عليه؛ وذلك لأننا نعلم أن الفترة الزمنية ~~الواقعة بين الملاحظتين لا تتجاوز بضعة أيام. ولعل من الأمثلة ~~الواضحة للعلاقة بين عدم القابلية للانعكاس وبين الترتيب الزمني، ~~سلسلة الصور التي نراها عندما يعرض فيلم سينمائي عرضا عكسيا؛ ~~فالشكل الغريب للسجائر وهي تزداد طولا أثناء احتراقها، أو لقطع ~~الخزف التي تنهض من الأرض إلى المائدة وتتجمع في أطباق وفناجين ~~سليمة، هو دليل على أننا نحكم على الترتيب الزمني على أساس ~~العمليات الفيزيائية غير القابلة للانعكاس (وسوف نقدم في الفصل ~~العاشر اختبارا أدق لصفة عدم القابلية للانعكاس). # والواقع أن قيام علاقة السببية بإيجاد ترتيب متسلسل للحوادث ~~الفيزيائية هو سمة من أهم سمات العالم الذي نعيش فيه، وعلينا ألا ~~نعتقد أن وجود هذا الترتيب المتسلسل ضرورة منطقية؛ إذ إننا نستطيع ~~تخيل عالم لا تؤدي فيه السببية إلى ترتيب متسق للسابق واللاحق. في ~~مثل هذا العالم لن يكون الماضي والمستقبل منفصلين انفصالا قاطعا، ms134 ~~وإنما يمكن أن يتلاقيا في حاضر واحد، ونستطيع أن نتقابل مع أنفسنا ~~كما كنا منذ عدة سنوات ونتحدث معها. على أن من الوقائع التجريبية ~~أن عالمنا ليس من هذا النوع، وإنما هو يقبل نظاما متسقا على أساس ~~علاقة متسلسلة مبنية على ارتباط سببي، تسمى بالزمان. فالترتيب ~~الزمني يعكس الترتيب السببي في الكون. # وهناك تعريف مقابل لتعريف التعاقب الزمني، هو تعريف التزامن (أو ~~المعية) # simultaneity ~~؛ فنحن نسمي ~~الحادثين متزامنين إذا لم يكن أحدهما سابقا أو لاحقا للآخر، ~~وتؤدي مشكلة التزامن إلى نتائج غريبة عند المقارنة بين حوادث في ~~أمكنة مختلفة، وهي مشكلة أصبحت مشهورة بفضل تحليل أينشتين ~~لها. # فعندما نرغب في معرفة زمن حادث بعيد، نستخدم إشارة تنقل إلينا ~~رسالة وقوع الحادث، ولكن لما كانت الإشارة تستغرق زمنا لكي تنتقل ~~في مسارها، فإن لحظة وصول الإشارة إلى مكاننا ليست هي ذاتها وقت ~~وقوع الحادث الذي نود التأكد منه. هذه الواقعة مألوفة عند استخدام ~~الإشارات الصوتية، فعندما نسمع الرعد، تكون قد مرت عدة ثوان على ~~وقوعه في سحابة بعيدة. أما الشعاع الضوئي الذي يحدثه وميض البرق ~~فإن سرعته أكبر بكثير، بحيث إن لحظة ظهور البرق يمكن أن تعد، ~~بالنسبة إلى جميع الأغراض العملية، هي ذاتها لحظة حدوث البرق في ~~السحاب. أما إذا بحثنا الأمر من وجهة نظر القياس الأكثر دقة، لكان ~~التحديد الزمني لوميض البرق من نفس نوع التحديد الزمني لقصف الرعد، ~~ولكان علينا أن نأخذ في اعتبارنا الوقت الذي يستغرقه الشعاع الضوئي ~~لكي ينتقل من السحابة إلى أعيننا. # ومن السهل حساب زمن انتقال الضوء، إذا عرفنا سرعة الضوء والمسافة ~~التي قطعها، غير أن المشكلة هي كيفية قياس سرعة الضوء. فلكي نقيس ~~هذه السرعة علينا أن نرسل شعاعا ضوئيا من نقطة إلى نقطة بعيدة، ~~ونلاحظ زمن قياسها وزمن وصولها؛ وبذلك نتأكد من زمن الانتقال. ~~وبقسمة هذا الزمن على طول المسافة المقطوعة، نحصل على السرعة. غير ~~أننا نحتاج، لقياس زمن القيام وزمن الوصول، إلى ساعتين، ما دامت هذه ~~القياسات تحدث في نقطتين مكانيتين ms135 مختلفتين، ولا بد أن تكون هاتان ~~الساعتان مضبوطتين سويا، أو متطابقتي التوقيت # synchronized ~~؛ أي إن من ~~الضروري أن تكون القراءات فيهما واحدة بالنسبة إلى الأزمان ~~الواحدة، وهذا يعني أن من الضروري أن يكون في استطاعتنا تحديد ~~التزامن في نقاط متباعدة. وهكذا أدت بنا أبحاثنا هذه إلى أن ندور ~~في حلقة مفرغة؛ فقد أردنا أن نقيس التزامن، ووجدنا أن علينا أن ~~نعرف سرعة الضوء لكي نتمكن من هذا القياس، كما تبين لنا أنه لا بد ~~لقياس سرعة الضوء من معرفة التزامن. # على أننا كنا نستطيع أن نجد مخرجا لو أمكننا قياس سرعة الضوء ~~باستخدام ساعة واحدة؛ فبدلا من قياس زمن وصول الإشارة الضوئية في ~~النقطة البعيدة مثلا، نستطيع أن نعكس الشعاع الضوئي بمرآة، بحيث ~~يعود إلى النقطة الأولى؛ وبذلك يمكن قياس الفترة الزمنية التي ~~استغرقتها رحلة الذهاب والإياب بساعة واحدة فقط؛ وعندئذ يكون ~~علينا، لكي نحدد سرعة الضوء، أن نقسم زمن رحلة الذهاب والإياب على ~~ضعف المسافة. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تبدو مبشرة بالخير، فإن ~~الاختبار الدقيق كفيل بأن يكشف نواحي النقص فيها، فكيف نعلم أن ~~الشعاع الضوئي ينتقل في رحلة الإياب بنفس سرعة انتقال في رحلة ~~الذهاب؟ إن الرقم الذي نحصل عليه للسرعة لن يكون له معنى ما لم نكن ~~نعرف أن هذه المساواة حقيقية، ولكن لا بد لنا، لكي نقارن السرعتين ~~في الاتجاهين، من أن نقيس السرعة في كل اتجاه على حدة، ومثل هذا ~~القياس يحتاج إلى ساعتين؛ وبذلك نعود إلى نفس الصعوبة ~~السابقة. # وقد نحاول التأكد من التزامن عن طريق نقل الساعات؛ فنأخذ ساعتين ~~مضبوطتين سويا، وتدلان على نفس الوقت ما دامتا باقيتين في نفس ~~النقطة المكانية، ثم ننقل إحدى الساعتين إلى النقطة البعيدة، ولكن ~~كيف نعلم أن الساعة المنقولة تظل متطابقة التوقيت خلال النقل؟ لا بد ~~للتأكيد من تطابق التوقيت في الساعتين من أن نستخدم الإشارات ~~الضوئية؛ وبذلك نصل إلى نفس المشكلة التي صادفناها من قبل. ولن يساعدنا على حل هذه الصعوبة أن نعيد الساعة ms136 الثانية إلى ~~النقطة المكانية الأولى؛ لأن النتيجة التي نحصل عليها بهذه الطريقة ~~لن تكون منطبقة إلا على حالة وجود الساعتين متجاورتين. والواقع أن ~~هذه المشكلة شبيهة بمشكلة مقارنة قضيبي القياس في نقطتين مختلفتين، ~~وهي المشكلة التي ناقشناها من قبل. # بل إن مشكلة الساعتين المنقولتين أعقد من مشكلة قضيبي القياس ~~المنقولين ذاتها؛ ففي رأي أينشتين أن الساعة المنقولة تصبح بطيئة ~~بعد رحلة الذهاب والإياب، إذا ما قورنت بالساعة التي تظل طوال ~~الوقت في مكانها؛ ولهذا الرأي نتائج منطقية هامة؛ فهو ينطبق على ~~جميع أنواع الساعات، وضمنها الذرات، التي تدل على فترة دورانها ~~بلون الإشعاع الضوئي المنبعث عنها، وقد أيدت التجارب التي أجريت ~~على ذرات سريعة التحرك تأخر دورانها على النحو الذي تنبأ به ~~أيشتين. ولما كانت الكائنات العضوية الحية مؤلفة من ذرات، فإن أي ~~تأخير في الحوادث الذرية التي تقع في داخله ينبغي أن ينجم عنه ~~تأخير في عملية الشيخوخة التي يتعرض لها الكائن العضوي؛ ويترتب على ~~ذلك أن الأشخاص الأحياء الذين يسافرون بسرعة كبيرة ينبغي أن تتأخر ~~عملية شيخوختهم، وأنه لو ذهب واحد من شقيقين توءمين، مثلا، في ~~رحلة كونية، لأصبح بعد عودته أصغر من توءمه الآخر (وإن كان سيصبح ~~بدوره أكبر مما كان عندما بدأ رحلته). هذه النتيجة تتلو بمنطق لا ~~جدال فيه من نظرية أينشتين التي ترتكز على أدلة قوية. # فإذا عدنا إلى مشكلة التزامن، لوصلنا إلى النتيجة القائلة إن ~~الساعات المنقولة لا يمكن أن تستخدم في تعريف علاقة «الحدوث في نفس ~~الوقت»، وعلينا أن نبحث عن إشارات مناسبة للوصول إلى هذا التعريف. ~~ولما كانت الإشارات الضوئية على الرغم من سرعتها الشديدة، ذات سرعة ~~محدودة، فإن مما يساعدنا أن نجد في متناول أيدينا إشارات أسرع من ~~الضوء؛ ذلك لأننا عندما نريد قياس سرعة الصوت، نستطيع استخدام ~~الإشارات الضوئية في مقارنة الزمن؛ لأن سرعة الضوء أكبر جدا من ~~سرعة الصوت؛ وبذلك يكون الخطأ الذي نقع فيه ضئيلا من الوجهة ~~العددية إلى حد يمكن تجاهله. وبالمثل، فلو كانت لدينا إشارة ms137 أسرع ~~مليون مرة من الضوء، لأمكننا قياس سرعة الضوء بدقة كافية، وذلك ~~بتجاهل زمن إرسال الإشارة الأسرع. على أن هذه نقطة أخرى تختلف فيها ~~فيزياء أينشتين عن الفيزياء الكلاسيكية؛ ففي رأي أينشتين أنه لا ~~توجد إشارة أسرع من الضوء، وهذا لا يعني فقط أننا لا نعرف إشارة ~~أسرع منه، وإنما يرى أينشتين أن القضية القائلة إن الضوء أسرع الإشارات ~~قانون طبيعي، يمكن أن يطلق عليه اسم مبدأ الطابع المحدود لسرعة ~~الضوء، وقد قدم أينشتين أدلة قاطعة على هذا المبدأ، وليس لدينا من ~~أسباب الشك فيه أكثر مما لدينا من أسباب الشك في قانون بقاء ~~الطاقة. # فإذا ما جمعنا بين مبدأ أينشتين وبين التحليل السابق لمعنى ~~التعاقب الزمني، لأدى بنا ذلك إلى نتائج غريبة بشأن التزامن. ~~فلنفرض أن إشارة ضوئية أرسلت في الساعة 12 إلى كوكب المريخ وانعكست ~~منه، وستعود هذه الإشارة بعد عشرين دقيقة مثلا، فأي زمن ينبغي أن ~~نحدده للحظة وصول الإشارة إلى كوكب المريخ؟ إن تحديد هذا الزمن ~~بأنه 12:10 يعني افتراض تساوي سرعة الضوء في الذهاب والإياب، غير ~~أننا رأينا من قبل أنه لا يوجد سبب يدعو إلى افتراض هذا التساوي. ~~والواقع أننا نستطيع تحديد لحظة وصول الإشارة الضوئية إلى المريخ ~~بأي وقت يقع بين 12:00 و12:20؛ ففي استطاعتنا أن نقول مثلا إن ~~الإشارة وصلت في الساعة 12:05، ويكون معنى ذلك أنها قطعت رحلة ~~الذهاب في خمس دقائق، ورحلة العودة في خمس عشرة دقيقة، ولكن الأمر ~~الذي يؤدي تعريفنا للتعاقب الزمني إلى استبعاده، هو القول بأن ~~الضوء وصل إلى المريخ الساعة 11:55؛ لأن معنى تحديد هذا الوقت هو ~~أن الإشارة وصلت قبل وقت مغادرتها؛ وبذلك تكون النتيجة سابقة على ~~السبب، ولكنا ما دمنا نختار لوقت وصول الإشارة إلى المريخ رقما ~~يقع في الفترة الواقعة بين 12:00 و12:20، فإننا نكون بذلك ملتزمين ~~لشرط الترتيب الزمني. ولا بد أن يستبعد حدوث تأثير سببي متبادل بين ~~أي حادث يقع في هذه الفترة الزمنية في موقعنا نحن، وبين الحادث ~~الذي يقع ms138 في المريخ، والذي يدل عليه وصول الإشارة الضوئية. فلما ~~كان التزامن يعني استبعاد إمكان وجود أي تأثير سببي متبادل، فإن أي ~~حادث يقع خلال هذه الفترة الزمنية في مكاننا يمكن أن يوصف بأنه ~~متزامن مع وصول الشعاع الضوئي إلى المريخ. وهذا هو ما يسميه ~~أينشتين بنسبية التزامن. # وهكذا نرى أن التعريف السببي للترتيب الزمني يؤدي إلى عدم التحدد ~~فيما يتعلق بالمقارنة الزمنية بين الحوادث التي تقع في نقاط ~~متباعدة، وهو يؤدي إلى ذلك نظرا إلى الطابع المحدود لسرعة الضوء. ~~ولا يمكن أن يوجد زمان مطلق، أي تزامن لا شك ولا غموض فيه، إلا في ~~عالم لا يكون فيه لسرعة الإشارات حد أعلى، ولكن لما كانت سرعة ~~الانتقال السببي محدودة في عالمنا هذا، فلا يمكن أن يكون هناك ~~تزامن مطلق. والواقع أن النظرية السببية في الزمان تفسر معنى ~~التعاقب الزمني والتزامن على نحو من شأنه أن يكون التفسير قابلا ~~للانطباق على عالم الفيزياء الكلاسيكية مثلما ينطبق على عالمنا، ~~الذي تكون فيه سرعة الانتقال السببي خاضعة لحد أعلى، ولا يمكن فيه ~~تعريف التزامن بطريقة قاطعة لا غموض فيها. # وبهذه النتائج نكون قد وصلنا إلى حد لمشكلة الزمان مماثل لذلك ~~الذي وصلنا إليه لمشكلة المكان؛ فالزمان، كالمكان، ليس كيانا ~~مثاليا أو فكريا له وجود أفلاطوني يدرك بنوع من التبصر، وليس ~~نوعا ذاتيا من الترتيب يفرضه الملاحظ البشري على العالم، كما ~~اعتقد «كانت»، بل إن في استطاعة الذهن البشري أن يدرك نظما مختلفة ~~للترتيب الزمني، يعد الزمان الكلاسيكي نظاما واحدا منها، وزمان ~~أينشتين، بما يفرضه من حدود على الانتقال السببي، نظاما آخر. أما ~~اختيار الترتيب الزمني الذي ينطبق على عالمنا، من بين هذه الكثرة ~~من النظم الممكنة، فهو مسألة تجريبية؛ فالترتيب الزمني يمثل صفة ~~عامة للكون الذي نعيش فيه، والزمان حقيقي بنفس المعنى الذي يكون به ~~المكان حقيقيا، ومعرفتنا للزمان ليست أولية، وإنما هي نتيجة ~~ملاحظة؛ أي إن النتيجة التي تؤدي إليها فلسفة الزمان هي أن تحديد ~~التركيب الفعلي للزمان إنما هو عمل من ms139 أعمال علم الفيزياء. # وعلى الرغم من أن نسبية التزامن تبدو فكرة تدعو إلى الاستغراب، ~~فإنها منطقية ويمكن تخيلها عينيا. وإن الغرابة في آراء أينشتين ~~لتختفي في عالم تصبح فيه قيود الانتقال السببي أكثر وضوحا. فإذا ~~ما أمكن في وقت ما إقامة تليفون لاسلكي مع المريخ، وكان علينا أن ~~ننتظر عشرين دقيقة للإجابة على أي سؤال نوجهه بالتليفون، لاعتدنا ~~عندئذ فكرة نسبية التزامن، ونظرنا إليها على أنها طبيعية تماما، ~~مثلما أننا لا نجد اليوم أية غرابة في اختلاف معايير التوقيت ~~في مختلف المناطق الزمنية التي ينقسم إليها سطح الأرض. وإذا ما أمكن ~~السفر بين الكواكب يوما ما، # 1 # لبدا من الأمور المألوفة لنا أن تتأخر عملية الشيخوخة ~~أو التقدم في العمر لدى الأشخاص العائدين من رحلات طويلة، ولظلوا ~~أقل من عمر الأشخاص الآخرين الذين كان لهم في الأصل نفس عمره. ~~والحق أن النتائج التي يصل إليها العلماء بالاستدلال المجرد، والتي ~~تقتضي من المرء، عندما يصادفها لأول مرة، أن يتخلى عن معتقدات ~~تقليدية، كثيرا ما تصبح عادات مألوفة لدى الأجيال اللاحقة. # وهكذا أدى التحليل العلمي إلى تفسير للزمان يختلف كل الاختلاف عن ~~تجربة الزمان في الحياة اليومية؛ فقد اتضح أن ما نشعر بأنه تدفق ~~للزمان، هو ذاته العملية السببية التي تكون هذا العالم، وتبين لنا ~~أن تركيب هذه الصيرورة السببية ذو طبيعة أعقد بكثير مما يكشفه ~~الزمان الذي ندركه بالملاحظة المباشرة، حتى يجيء يوم يغزو فيه ~~الإنسان الفضاء الواقع بين الكواكب، وعندئذ يصبح زمان الحياة ~~اليومية مماثلا في تعقيده للزمان كما يعرفه العلم النظري اليوم. ~~صحيح أن العلم يجرد المضمون الانفعالي لكي ينتقل إلى التحليل ~~المنطقي. غير أن من الصحيح أيضا أن العلم يفتح آفاقا جديدة، قد ~~تجعلنا نمارس يوما ما انفعالات لا عهد لنا بها من قبل على ~~الإطلاق. # الفصل العاشر # | قوانين الطبيعة # كانت فكرة السببية تحتل موقع الصدارة في كل نظرية للمعرفة في ~~العصر الحديث؛ ذلك لأن إمكان تفسير الطبيعة على أساس القوانين ~~السببية يوحي بالفكرة القائلة إن العقل يتحكم ms140 في أحداث الطبيعة، ~~كما أن العرض السابق لتأثير ميكانيكا نيوتن في المذاهب الفلسفية ~~(الفصل السادس) يظهر بوضوح أن جذور المعرفة التركيبية القبلية ترجع ~~إلى تفسير ذي طابع حتمي للعالم الفيزيائي. ولما كانت الفيزياء ~~السائدة في عصر ما تؤثر تأثيرا عميقا في نظرية المعرفة في ذلك ~~العصر، فسيكون من الضروري دراسة التطور الذي طرأ على مفهوم السببية ~~في فيزياء القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو التطور الذي أدى إلى ~~إعادة النظر في فكرة القوانين الطبيعية، وانتهى بفلسفة جديدة ~~للسببية. # ومما يزيد في سهولة عرض هذا التطور التاريخي إلى حد بعيد، أن ~~يسبقه تحليل لمعنى السببية، وهذا التحليل يمكن أن يرتبط بالبحث في ~~معنى التفسير (الذي ورد في الفصل الثاني)، وهو البحث الذي انتهى ~~إلى أن التفسير تعميم. ولما كان التفسير إرجاعا إلى الأسباب، فإن ~~العلاقة السببية ينبغي أن تفهم على نفس النحو. والواقع أن العالم ~~يعني بالقانون السببي علاقة من نوع «إذا كان ... فإن ...»، مع إضافة أن ~~نفس العلاقة تسري في كل الأحوال. فالقول إن التيار الكهربائي يسبب ~~انحرافا لإبرة المغناطيس، يعني أنه كلما كان هناك تيار كهربائي ~~كان هناك دائما انحراف لإبرة المغناطيس. وإضافة لفظ «دائما» تؤدي ~~إلى تمييز القانون السببي من الاتفاق الذي يحدث بالصدفة؛ فقد حدث ~~مرة، أثناء ظهور منظر تفجير صخور على شاشة سينما، أن اهتزت الصالة ~~نتيجة لزلزال خفيف، وانتاب المتفرجين شعور مؤقت بأن الانفجار الذي ~~شاهدوه على الشاشة هو الذي سبب اهتزازا في صالة العرض. فإذا رفضنا ~~قبول هذا التفسير، فنحن إنما نشير في هذا الرفض إلى أن الاتفاق ~~الذي لوحظ ليس قابلا للتكرار. # ولما كان التكرار هو كل ما يميز القانون السببي من الاتفاق ~~المحض، فإن معنى العلاقة السببية ينحصر في التعبير عن تكرار لا ~~يقبل استثناء، ولا ضرورة لأن نفترض له معنى يزيد على ذلك. الفكرة ~~القائلة إن السبب يرتبط بنتيجته بنوع من الخيط الخفي، وإن النتيجة ~~مضطرة إلى أن تتلو السبب، هي فكرة يرجع أصلها إلى التشبيه ~~بالإنسان، ومن الممكن الاستغناء عنها؛ فكل ms141 ما تعنيه العلاقة ~~السببية هو «إذا كان كذا ... حدث كذا دائما». ولو كانت صالة السينما ~~تهتز دائما عندما يظهر انفجار على الشاشة لكانت هناك علاقة سببية؛ ~~فنحن إذن لا نعني أي شيء أكثر من ذلك عندما نتحدث عن ~~السببية. # صحيح أننا في بعض الأحيان لا نقف عند حد تأكيد اتفاق لا يقبل ~~استثناء، وإنما نبحث عن مزيد من التفسير؛ فالضغط على زرار معين ~~يصاحبه دائما رنين جرس. هذا التطابق المنتظم يفسر بقوانين ~~الكهرباء، التي تنبئنا بأن رنين الجرس نتيجة للعلاقة بين التيار ~~الكهربي والمغناطيسية، ولكننا إذا انتقلنا إلى صياغة هذه القوانين، ~~وجدنا أنها بدورها تنحصر في التعبير عن علاقة من نوع «إذا حدث كذا ~~... حدث كذا دائما». والعنصر الوحيد الذي تمتاز به قوانين الطبيعة ~~على حالات الانتظام البسيطة التي يمثلها نمط ضغط الأزرار، هو أن ~~الأولى تتصف بمزيد من العمومية؛ فهي تصوغ علاقات تتمثل في تطبيقات ~~فردية متباينة لها أنواع شديدة الاختلاف؛ فقوانين الكهرباء مثلا ~~تعبر عن علاقات اتفاق دائمة، تلاحظ في الأجراس ذات الأزرار ~~المضغوطة، وفي المحركات الكهربائية، وفي أجهزة الراديو ~~والسيكلوترون. # ويقبل العلماء عامة، في أيامنا هذه، تفسير السببية على أساس ~~العمومية، وهو التفسير الذي صيغ بوضوح في كتابات ديفيد هيوم؛ فهو ~~يرى أن القوانين الطبيعية لا تعدو أن تكون تعبيرا عن تكرار لا ~~يقبل استثناء. وهذا التحليل لا يوضح السببية فحسب، وإنما يمهد ~~الطريق أيضا لتوسيع نطاق السببية على نحو تبين أنه لا غناء عنه ~~لفهم العلم الحديث. # وسرعان ما اتضح أن قوانين الإحصاء، التي لوحظت في الأصل بالنسبة ~~إلى نتائج ألعاب الحظ، تنطبق أيضا على كثير من المجالات الأخرى. ~~وكانت أولى الإحصاءات الاجتماعية قد جمعت في القرن السابع عشر. وفي ~~القرن التاسع عشر أدخلت المناهج الإحصائية في الفيزياء. فبفضل ~~الحسابات الإحصائية وضعت النظرية الحركية في الغازات، وهي النظرية ~~القائلة إن الغاز يتألف من عدد هائل من الجزيئات الصغيرة، التي ~~تسمى بالجسيمات، تتحرك في كل الاتجاهات مصطدمة بعضها ببعض، وترسم ~~مسارات متعرجة بسرعة هائلة. وبلغ المنهج الإحصائي ms142 أوج نجاحه عندما ~~نجح في تفسير ظاهرة «عدم القابلية للانعكاس» التي تميز كل العمليات ~~الحرارية، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا باتجاه الزمان. # إن كل شخص يعلم أن الحرارة تنتقل من الجسم الحار إلى الجسم ~~البارد، لا العكس؛ فعندما نلقي بمكعب من الثلج في كوب من الماء، ~~فإن الماء يصبح أبرد؛ لأن حرارته انتقلت إلى الثلج وأذابته. هذه ~~الحقيقة لا يمكن أن تستخلص من قانون بقاء الطاقة؛ فمكعب الثلج ليس ~~باردا كل البرودة، وهو ينطوي في داخله على كمية كبيرة من الحرارة، ~~وإذن فمن الممكن جدا أن يعطي جزءا من حرارته إلى الماء المحيط ~~به فيجعله أسخن، على حين يصبح الثلج ذاته أبرد. مثل هذه العملية لا ~~تتعارض مع قانون بقاء الطاقة، إذا كانت كمية الحرارة التي تنطلق من ~~الثلج تساوي الكمية التي يتلقاها الماء، ولكن عدم حدوث مثل هذه ~~العملية، وانتقال طاقة الحرارة في اتجاه واحد فقط، ينبغي أن يصاغ ~~بوصفه قانونا مستقلا. هذا القانون هو الذي نسميه بقانون «عدم ~~القابلية للانعكاس»، وكثيرا ما يطلق عالم الفيزياء عليه «المبدأ ~~الثاني للديناميكا الحرارية»، على حين أن المبدأ الأول في نظره هو ~~قانون «بقاء الطاقة». # ومن الضروري صياغة مبدأ عدم القابلية للانعكاس بدقة كبيرة؛ فليس ~~صحيحا أن الحرارة تنساب دائما من الحرارة الأعلى إلى الحرارة ~~الأدنى؛ إذ إن كل ثلاجة كهربائية إنما هي مثال للحالة العكسية. ~~فالآلة تخرج الحرارة من داخل الثلاجة إلى خارجها؛ وبذلك تجعل ~~الداخل أبرد والجو المحيط بها أسخن، ولكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك ~~إلا لأنها تستخدم كمية معينة من الطاقة الميكانيكية التي يأتي بها ~~المحرك الكهربائي، وهذه الطاقة تتحول إلى حرارة في نفس درجة ~~الحرارة المتوسطة للغرفة. وقد أثبت الفيزيائي أن كمية الطاقة ~~الميكانيكية التي تحولت إلى حرارة أعظم من كمية الطاقة الحرارية ~~التي تسحب من داخل الثلاجة. فإذا نظرنا إلى الحرارة ذات الدرجة ~~الأعلى، أو الطاقة الميكانيكية أو الكهربائية، على أنها طاقة من ~~مستوى أعلى، كانت الطاقة التي تهبط أكثر من الطاقة التي تعلو في ~~الثلاجة. فمن ms143 الواجب صياغة مبدأ عدم القابلية للانعكاس على أنه قضية ~~تقول إننا إذا أخذنا في اعتبارنا كل العمليات التي لها علاقة ~~بالموضوع، كان مجموع الطاقة هابطا، بحيث يكون هناك على وجه العموم ~~اتجاه إلى التعويض. # ولقد كان الفيزيائي بولتزمان # Boltzman ~~، من فيينا، هو الذي اكتشف أن من الممكن ~~تفسير مبدأ عدم القابلية للانعكاس بطريقة إحصائية؛ فكمية الحرارة في ~~جسم ما تتحدد حسب حركة جزيئاته، فكلما ازداد متوسط سرعة الجزيء، ~~ارتفعت الحرارة. وينبغي أن ندرك أن هذه العبارة لا تشير إلا إلى ~~متوسط سرعة الجزيء؛ لأن الجزيئات المنفردة قد تكون لها سرعات ~~متباينة تماما. فإذا حدث اتصال مباشر بين جسم ساخن وجسم بارد، ~~اصطدمت جزيئاتهما، وقد يحدث من آن لآخر أن يصطدم جزيء بطيء بجزيء ~~سريع فيفقد كل سرعته، وتزداد سرعة الجزيء السريع. غير أن هذه حالة ~~استثنائية، والذي يحدث على وجه الإجمال هو تعادل للسرعات عن طريق ~~الصدمات. وهكذا يفسر عدم قابلية العمليات الحرارية للانعكاس بأنه ~~ظاهرة امتزاج، تشبه تقليب أوراق اللعب، أو خلط الغازات ~~والسوائل. # وعلى الرغم من أن هذا التفسير يجعل قانون عدم القابلية للانعكاس ~~يبدو معقولا، فإنه يؤدي أيضا إلى نتيجة خطيرة غير متوقعة؛ إذ ~~ينزع عن القانون صرامته، ويجعله قانونا احتماليا؛ فعندما تقلب ~~أوراق اللعب لا نقول إن من المستحيل أن يؤدي تقليبنا للأوراق بمضي ~~الوقت إلى ترتيب يكون فيه النصف الأول من المجموعة مشتملا على ~~أوراق حمراء، والنصف الثاني على أوراق سوداء، وكل ما يمكن أن يقال ~~عن الوصول إلى هذا الترتيب هو أنه أمر بعيد الاحتمال جدا. ~~والواقع أن جميع القوانين الإحصائية من هذا النوع؛ فهي تجعل ~~للترتيبات غير المنظمة درجة عالية من الاحتمال، بينما تترك ~~للترتيبات المنظمة درجة منخفضة من الاحتمال. وكلما ازداد العدد ~~الذي تنطوي عليه الظاهرة، كان احتمال الترتيبات المنظمة أقل، غير أن ~~درجة الاحتمال هذه لا تصل أبدا إلى الصفر. ومن المعروف أن ظواهر ~~الديناميكا الحرارية تشير إلى أعداد هائلة جدا من الحوادث ~~المنفردة، ما دام عدد الجزيئات كبيرا جدا؛ وبالتالي ms144 فهي تنطوي ~~على درجات عالية جدا من الاحتمال بالنسبة إلى العمليات التي تسير ~~في اتجاه التعويض، ولكن ليس من الممكن، إذا شئنا الدقة، أن نصف ~~العملية التي تسير في الاتجاه المضاد بأنها مستحيلة. فنحن مثلا لا ~~نستطيع استبعاد إمكان مجيء يوم تصل فيه جزيئات الهواء في غرفتنا، ~~بالصدفة المحضة، إلى حالة منظمة من شأنها أن تتجمع جزيئات الأكسجين ~~في جانب من الغرفة وجزيئات النيتروجين في الجانب الآخر. وعلى الرغم ~~من أن التفكير في الجلوس في جانب الغرفة المليء بالنيتروجين هو ~~أمر لا يبعث على الارتياح، فإن إمكان وقوع مثل هذا الحادث لا يمكن ~~أن يستبعد استبعادا مطلقا. وبالمثل لا يستطيع الفيزيائي استبعاد ~~احتمال أن يجيء وقت يغلى فيه الماء عندما نضع مكعبا ثلجيا في كوب ~~من الماء، ويصبح مكعب الثلج من البرودة مثل غرفة التجميد، ولكن ~~لعله مما يعزينا أن نعرف أن هذا الاحتمال أضعف كثيرا من احتمال ~~شبوب النار في كل بيت من بيوت مدينة ما في وقت واحد ولأسباب ~~مستقلة. # وعلى حين أن النتائج العملية للتفسير الإحصائي لقانون عدم ~~القابلية للانعكاس لا قيمة لها نظرا إلى ضعف احتمال سير العمليات ~~في الاتجاه المضاد، فإن لنتائجه النظرية أهمية كبيرة؛ فقد اتضح أن ~~ما كان من قبل قانونا طبيعيا دقيقا، هو مجرد قانون إحصائي، ~~واستعيض عن يقين القانون الطبيعي بدرجة عالية من الاحتمال؛ وبهذه ~~النتيجة دخلت نظرية السببية مرحلة جديدة، وكان من الطبيعي أن يثار ~~السؤال عما إذا كانت بقية قوانين الطبيعة ستنتهي إلى نفس المصير، ~~وعما إذا كانت ستبقى أية قوانين سببية بالمعنى الدقيق. # إن مناقشة هذه المشكلة تؤدي إلى رأيين متعارضين؛ فتبعا للرأي ~~الأول يكون استخدام القوانين الإحصائية مجرد تعبير عن الجهل؛ فلو ~~كان في استطاعة عالم الفيزياء أن يلاحظ ويحسب الحركة المنفردة لكل ~~جزيء على حدة، لما اضطر إلى استخدام القوانين الإحصائية، ولقدم ~~تفسيرا سببيا دقيقا للعمليات الديناميكية الحرارية. ففي ~~استطاعة «الإنسان الأرقى» الذي افترضه لابلاس # Laplace # 1 # أن يفعل ذلك؛ إذ إن مسار كل جزيء يمكن، ms145 في نظره، ~~التنبؤ به مثل مسار النجوم، ولا حاجة به إلى أية قوانين إحصائية. ~~فهذا الفهم لا يتخلى عن فكرة السببية الدقيقة، وإنما هو يقتصر على ~~القول إن العملية الدقيقة بعيدة عن متناول المعرفة البشرية، التي ~~تضطر، نتيجة لنقصها، إلى الالتجاء إلى قوانين الاحتمال. # أما الرأي الثاني فيمثل وجهة النظر المضادة؛ فأنصار هذا الرأي لا ~~يؤمنون بالسببية الدقيقة في حركة الجزيء المنفرد، وإنما يرون أن ~~ما نلاحظه على أنه قانون سببي للطبيعة هو دائما نتيجة لعدد كبير من ~~الحوادث الذرية؛ وعلى ذلك فمن الممكن النظر إلى فكرة السببية ~~الدقيقة على أنها تعبير مثالي عن النظام المطرد المشاهد في بيئة ~~العالم الكبير الذي نحيا فيه، أو تبسيط نضطر إليه نظرا إلى أن ~~العدد الهائل من العمليات الأولية التي ينطوي عليها الموضوع يجعلنا ~~ننظر إلى ما هو في الواقع قانون إحصائي، على أنه قانون دقيق. وتبعا ~~لهذا الرأي لا يكون من حقنا نقل فكرة السببية الدقيقة إلى مجال ~~العالم الأصغر؛ فليس هناك سبب يدعونا إلى افتراض أن الجزيئات تخضع ~~لقوانين صارمة، بل إن الجزيئات التي تبدأ من مواقع متساوية قد ~~تنتهي في المستقبل إلى مواقع مختلفة، وليس في استطاعة إنسان ~~«لابلاس» الأرقى ذاته أن يتنبأ بمسار أي جزيء. # إن الخلاف إنما ينصب حول مسألة ما إذا كانت السببية مبدأ ~~نهائيا أم مجرد بديل للانتظام الإحصائي، ينطبق على العالم الكبير ~~أو الخشن، ولكن لا يمكن قبوله بالنسبة إلى عالم الذرات. فعلى أساس ~~فيزياء القرن التاسع عشر لم يكن من الممكن الإجابة على هذا السؤال، ~~وإنما جاءت هذه الإجابة من فيزياء القرن العشرين، التي حللت ~~الحوادث الذرية على أساس مفهوم الكم (الكوانتم) عند بلانك. فنحن ~~نعلم من أبحاث ميكانيكا الكم الحديثة أن الحوادث الذرية المنفردة ~~لا تقبل تفسيرا سببيا، بل تحكمها قوانين الاحتمال فحسب. هذه ~~النتيجة، التي صيغت في مبدأ اللاتحدد المشهور عند هيزنبرج # Heisenberg ~~، هي الدليل على أن ~~الرأي الثاني هو الصحيح، وعلى أن من الواجب التخلي عن فكرة السببية ~~الدقيقة، وأن قوانين ms146 الاحتمال أصبحت تشغل المكان الذي كان يحتله من ~~قبل قانون السببية. # فإذا ما تذكرنا التحليل المنطقي للسببية، كما عرضناه في مستهل ~~هذا الفصل، لبدت هذه النتيجة امتدادا طبيعيا للآراء القديمة؛ ~~فقد أدى ذلك التحليل إلى القول بضرورة التعبير عن السببية على أنها ~~قانون للانتظام الذي لا يعرف استثناء؛ أي على أنها علاقة من نوع ~~«إذا حدث كذا ... حدث كذا دائما». أما قوانين الاحتمال فهي قوانين ~~لها استثناءات، ولكنها استثناءات تحدث في نسبة مئوية منتظمة من ~~الحالات؛ فقانون الاحتمال هو علاقة من نوع «إذا حدث كذا ... حدث كذا ~~في نسبة مئوية معينة». ويقدم إلينا المنطق الحديث وسيلة معالجة مثل ~~هذه العلاقة، التي يطلق عليها اسم «اللزوم ~~الاحتمالي Probability implication ~~»؛ تمييزا لها من اللزوم المعروف في ~~المنطق المعتاد. وهكذا يحل التركيب الاحتمالي محل التركيب السببي ~~للعالم الفيزيائي، ويحتاج فهم العالم الفيزيائي إلى وضع نظرية في ~~الاحتمالات. # وينبغي أن ندرك أن تحليل فكرة السببية يكشف عن ضرورة فكرة ~~الاحتمال، حتى بدون نتائج ميكانيكا الكم؛ ففي الفيزياء الكلاسيكية ~~يعد القانون السببي تعبيرا مثاليا، وتكون الحوادث الفعلية أعقد ~~مما يفترض بالنسبة إلى الوصف السببي. فعندما يحسب عالم فيزياء مسار ~~رصاصة أطلقت من بندقية، فإنه يحسبه على أساس بعض العوامل الرئيسية، ~~مثل شحنة البارود واتجاه الماسورة، ولكن نظرا إلى أنه لا يستطيع ~~أن يأخذ في اعتباره كل العوامل الثانوية، كاتجاه الرياح ورطوبة ~~الهواء؛ فإن دقة حسابه تكون محدودة. ومعنى ذلك أنه لا يستطيع ~~التنبؤ بالنقطة التي ستصيبها الرصاصة إلا في حدود درجة احتمال ~~معينة. وكذلك فإن المهندس حين يشيد جسرا، لا يستطيع التنبؤ بقوة ~~تحمله إلا في حدود درجة احتمال معينة؛ فقد تحدث ظروف لا يتوقعها، ~~تجعل الجسر ينهار تحت حمل أقل. وإذن فقانون السببية، حتى لو كان ~~صحيحا، لا يسري إلا على موضوعات مثالية. أما الموضوعات الفعلية ~~التي نتعامل معها فلا يمكن التحكم فيها إلا في حدود درجة عالية من ~~الاحتمال؛ لأننا لا نستطيع تقديم وصف شامل لتركيبها السببي. ولمثل ~~هذه الأسباب اتضحت أهمية مفهوم ms147 الاحتمال حتى قبل كشوف ميكانيكا ~~الكم. وبعد هذه الكشوف أصبح من الواضح أن أي فيلسوف لا يستطيع ~~إغفال مفهوم الاحتمال، إذا ما أراد أن يفهم تركيب المعرفة. # لقد كانت فلسفة المذهب العقلي تستشهد على الدوام بالسببية بوصفها ~~دليلا على الطابع المعقول لهذا العالم؛ ففكرة اسبينوزا عن تحدد ~~مسار الكون مقدما، لا يمكن تصورها دون اعتقاد بالسببية. وفكرة ~~ليبنتس عن الضرورة المنطقية، التي تعمل من وراء الحوادث ~~الفيزيائية، تتوقف على افتراض وجود ارتباط سببي بين كل الظواهر. ~~ونظرية «كانت» في المعرفة التركيبية القبلية للطبيعة تستشهد بمبدأ ~~السببية، إلى جانب قوانين المكان والزمان، بوصفه أبرز أمثلة هذه ~~المعرفة. وهكذا فإن تطور مبدأ السببية، شأنه شأن تطور مشكلتي ~~المكان والزمان، قد أدى منذ وفاة «كانت» إلى انهيار المعرفة ~~التركيبية القبلية. وتزعزعت أسس المذهب العقلي على يد نفس العلوم ~~التي كانت تقدم - بتفسيرها الرياضي للطبيعة - أقوى دعامة يرتكز ~~عليها فيلسوف هذا المذهب، وأصبح الفيلسوف التجريبي في العصر الحديث ~~يستمد أقوى حججه من الفيزياء الرياضية. # الفصل الحادي عشر # | هل توجد ذرات؟ # من الأمور التي يعدها المثقف اليوم حقيقة مقررة، أن المادة تتألف ~~من جزيئات تسمى بالذرات. فإذا لم يكن قد تعلم ذلك في المدرسة، فإن ~~الصحف تنبئه به؛ إذ يبدو من الواضح أنه ما دامت هناك قنابل ذرية، ~~فلا بد أن تكون هناك ذرات أيضا. # أما مؤرخ العلم فيتخذ من هذه المسالة موقفا أقرب إلى الروح ~~النقدية؛ فهو يعلم أن وجود الذرات أمر قيل به منذ العصور القديمة، ~~ولكنه كان على الدوام مثارا للجدل، ويعلم أن حججا قوية قد أدلي ~~بها تأييدا لفكرة الذرة ومعارضة لها. فإذا كان التاريخ الذي يكتبه ~~للعلم يشتمل على الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة، فإنه يعلم أيضا ~~أن نظرية الذرة، وإن بلغت خلال القرن التاسع عشر مرحلة بدا فيها ~~وجود الذرة أمرا لا يتطرق إليه الشك، قد عادت فأصبحت مثارا للجدل ~~نتيجة للتطورات الأخيرة، بحيث أصبح الشك في وجود الذرة أقوى مما ~~كان في أي وقت مضى. # ويبدأ تاريخ نظرية الذرة ms148 بفلسفة ديمقريطس (420ق.م)، وهو من أبرز ~~الشخصيات في الفلسفة اليونانية؛ فقد رأى ديمقريطس أن من الممكن ~~تقديم تفسير مقنع للخصائص الفيزيائية للمادة، مثل قابليتها ~~للانضغاط والانقسام، إذا افترضا أن المادة تتألف من جزيئات صغيرة؛ ~~فعندئذ يكون ضغط مادة معينة معناه زيادة التقريب بين الذرات، على ~~حين أن الذرات ذاتها صلبة تماما، ويظل حجمها بلا تغير. والواقع أن ~~نظرية ديمقريطس إنما هي مثل واضح لما يستطيع الاستدلال العقلي أن ~~يحققه، وما لا يستطيع بلوغه؛ ففي استطاعة الاستدلال العقلي أن يقدم ~~تفسيرات ممكنة، أما كون التفسير صحيحا أو غير صحيح، فهو أمر لا ~~يمكن معرفته عن طريق الاستدلال، وإنما ينبغي أن يترك للملاحظة. ولم ~~يكن في استطاعة اليونانيين أن يحققوا نظرية الذرات باختبار تجريبي، ~~وإنما حاولوا تكملة النظرية بنظرية أخرى، بدلا من تكملتها ~~بالملاحظة؛ فقد كانوا يعتقدون أن الذرات تتماسك بواسطة «خطافات» ~~صغيرة، وكانوا يعتقدون أن المادة ذات الطبيعة الألطف، كالنفس أو ~~النار، تتألف من ذرات شديدة الصغر والنعومة، أما الأجسام الأكبر ~~حجما فتتكون بالجمع بين ذرات متساوية الحجم، وهي عملية طبيعية ~~يوجد لها مثيل في انتقاء أمواج البحر للحصى ذي الأحجام المتساوية، ~~غير أن الخيال إذا لم يكبح جماحه اختبار تجريبي ما، يفسح المجال ~~للتأمل القائم على غير أساس. مثال ذلك أنه كان من الخلافات ~~الفلسفية التي أثيرت حول موضوع الذرة مسألة ما إذا كان المكان ~~الخالي بين الذرات تصورا يمكن قبوله منطقيا؛ ذلك لأن المكان ~~الخالي هو «لا شيء»، وإذا كان هناك «لا شيء» بين الذرات، فلا بد أن ~~تكون متلامسة تكون مادة صلبة. وفي هذه الحالة لا تكون هناك ~~ذرات. # على أن نظرية الذرة قد اقتلعت من تربة التأمل الفلسفي، وأعيد ~~غرسها في تربة البحث العلمي عندما وضع لها أساس من التجارب الكمية ~~قبل مستهل القرن التاسع عشر مباشرة؛ فقد قاس جون دالتون # John Dalton # نسب الأوزان التي ~~تدخل بها العناصر الكيميائية في مركبات، واكتشف أن هذه النسب ~~ثابتة، تعبر عنها أعداد صحيحة بسيطة. مثال ذلك أن العنصرين ~~المكونين ms149 للماء، وهما الهيدروجين والأكسجين، يتحدان دائما بنسبة ~~واحد إلى اثنين، فإذا كانت توجد في الأصل أكثر من مادة واحدة، ~~فإنها لا تدخل في المركب. وقد أدرك دالتون أن هذه النسب الكمية ~~تقتضي تفسيرا ذريا؛ فأصغر أجزاء المادة، وهي الذرات، تتحد بنسب ~~ثابتة؛ أي إن ذرتين من الهيدروجين تتحد مع ذرة واحدة من الأكسجين، ~~وتنعكس نسبة أوزان الذرات على النسبة التي لوحظت في قياسات ~~دالتون. # ومنذ ظهور قانون دالتون، أصبح تاريخ فكرة الذرة يسير في طريقه ~~محققا نصرا بعد نصر؛ فحيثما كان مفهوم الذرة يستخدم في تفسير ~~القياسات الملاحظة، كان يقدم تفسيرا مقنعا، وأصبح هذا النجاح ~~ذاته دليلا قاطعا على وجود الذرة. ففي النظرية الحركية للغازات لم ~~يكن من الممكن فقط تفسير السلوك الحراري بالمفاهيم الذرية، بل كان ~~من الممكن أيضا حساب عدد الذرات، أو الجزيئات في البوصة المكعبة ~~الواحدة، ويدل هذا العدد الهائل، الذي يحسب بواحد وعشرين رقما، ~~على شدة صغر الذرة الواحدة. أما التركيبات المعقدة للأجسام العضوية ~~فيمكن تفسيرها على أساس أنها مؤلفة من جسيمات يتألف كل منها من ~~مئات الذرات. ولا شك أن النجاح الذي حققته الكيمياء في ميدان ~~الصناعة ما كان ليتحقق لولا النظرية الذرية. # وقد رأى العالم الفيزيائي، فضلا عن ذلك، أن المبدأ الذري لا ~~يقتصر على المادة؛ فالكهرباء بدورها ينبغي أن ينظر إليها على أنها ~~مؤلفة من ذرات. وقد اكتشفت ذرات الكهرباء حوالي نهاية القرن التاسع ~~عشر، وسميت إلكترونات، وكان من الغريب أنها كلها تحمل شحنة ~~كهربائية سالبة، وظل علماء الفيزياء يعتقدون طوال بضع عشرات من ~~السنين أن الذرات الكهربائية الموجبة لا يمكن أن تنفصل عن المادة. ~~غير أن الأبحاث القريبة العهد أثبتت أن هناك إلكترونات موجبة ~~أيضا، يسمى كل منها عادة باسم «البوزيترون Positron ~~»، وكشفت أبحاث أخرى قريبة العهد عن ~~وجود جزيئات أولية أخرى للمادة، تحتل بينها «النيوترونات» مكانة ~~هامة. # ولكن، على حين أن المسيرة الظافرة لفكرة الذرة قد استمرت في عدد ~~كبير من مجالات العلم، فإنها توقفت في مجال واحد هام، هو نظرية ms150 ~~الضوء؛ فقد كان إسحاق نيوتن، الذي اشتهر بفضل وضعه لنظرية الجاذبية، ~~من أعظم الباحثين في علم الضوء أيضا، وقد أدرك أن من الممكن تفسير ~~سير الأشعة الضوئية في خطوط مستقيمة بافتراض أن الضوء يتألف من ~~جزيئات صغيرة تنبعث بسرعة هائلة من المصدر الضوئي، ولا بد أن تسير ~~هذه الجزيئات، تبعا لقوانين الحركة، في خطوط مستقيمة. وهكذا كان ~~نيوتن واضع النظرية الجسيمية في الضوء، وهي النظرية التي ظلت سائدة ~~حتى أوائل القرن التاسع عشر. أما النظرية التموجية في الضوء، التي ~~ابتدعها معاصره كريستيان ~~هويجنز # C. Huyghens ~~، فلم تصادف في بداية عهدها نجاحا ~~كبيرا. وانقضى قرن كامل قبل أن تجرى بعض التجارب الحاسمة، التي ~~أثبتت الطابع التموجي للضوء؛ وبذلك وضعت هذه التجارب حدا للتفسير ~~الذري للأشعة الضوئية. وقد تركزت هذه التجارب حول ظاهرة ~~«التداخل # interference ~~» التي ~~يوضع فيها شعاعان ضوئيان كل فوق الآخر فيمحو أحدهما الآخر، وهي ~~نتيجة لا يمكن تصورها في نظرية جسيمية؛ ذلك لأن الجزيئين اللذين ~~يتحركان في نفس الاتجاه لا يمكن أن ينتجا إلا تأثيرا أقوى، ويزيدا ~~من كثافة الضوء، أما الموجتان اللتان تتحركان في اتجاه واحد، فإن ~~كلا منهما تلغي الأخرى إذا كانت قمم إحدى الموجتين تتطابق مع سفوح ~~الأخرى. وظاهرة التداخل معروفة في الموجات المائية، وهي تفسر ~~النماذج العجيبة التي تنتج عن تقاطع موجات تسير في اتجاهين. ومع ~~ذلك فقد كان معروفا أن الوسيط الذي تنتشر فيه الموجات الضوئية ~~ليست له طبيعة المادة المألوفة، كالماء أو الهواء، وإنما كان يفترض ~~أنه عنصر له تركيبه الخاص الذي يكاد يكون تركيبا لا ماديا، يسمى ~~بالأثير. # وبعد الكشوف التجريبية مباشرة، استحدثت الوسائل الرياضية لتحليل ~~الموجات، وأخيرا تم الربط بين نظرية الموجات الضوئية وبين النظرية ~~الكهربائية في أعمال جيمس ~~ماكسويل # James Maxwell ~~، وأدى الدليل التجريبي الذي قدمه ~~هينريش هرتس # Heinrich Hertz # على وجود موجات كهربائية، إلى تبديد آخر الشكوك التي كانت تحيط ~~بإمكان وجود الموجات الأثيرية، وأصبحت النظرية التموجية في الضوء ~~«يقينا، بقدر ما يتسنى للبشر الكلام عن اليقين»، كما عبر ms151 عنها ~~هينريش هرتس في خطاب ألقاه في اجتماع للجمعية الألمانية للعلماء ~~في عام 1888م. # وقرب نهاية القرن التاسع عشر، كانت الفيزياء قد وصلت إلى مرحلة ~~تبدو نهائية؛ فقد بدا أن التركيب النهائي للضوء والمادة، وهما أعظم ~~مظهرين للواقع الفيزيائي، أصبح معروفا. فالضوء مركب من موجات ~~والمادة من ذرات، وكان كل من يجرؤ على الشك في هذين الأساسين ~~اللذين يقوم عليهما العلم الفيزيائي يعد دخيلا على العلم أو شخصا ~~غريب الأطوار، ولم يكن أي عالم جاد يقبل أن يتجشم عناء ~~مناقشته. # على أن النظريات الفيزيائية إنما تقدم تفسيرا للمعرفة المبنية ~~على الملاحظة في عصرها، وهي لا تستطيع أن تدعي أنها حقائق أزلية. ~~وقد حرص هينريش هرتس على أن يصوغ عبارة «يقين، بقدر ما يتسنى ~~للبشر الكلام عن اليقين»، وربما لم يكن هناك تصريح لفيزيائي يعبر ~~عن طبيعة العلم بمثل العمق الذي تعبر به عنها هذه العبارة ~~المتواضعة. وإن التحول الذي طرأ على النظرية في العقد التالي لكلمة ~~هرتس هذه، لدليل على الحدود التي تفرض على يقين النظريات ~~العلمية. # فقد شهد عام 1900م ظهور كشف بلانك للكم (الكوانتم)، وكانت هذه ~~المصادفة أوضح الأمثلة تعبيرا عن التغير الجذري الذي طرأ على ~~فهمنا للواقع الفيزيائي في القرن العشرين. فلكي يفسر بلانك ~~القوانين التي تم الاهتداء إليها تجريبيا بالنسبة إلى صدور ~~الإشعاع عن الأجسام الساخنة، استحدث الفكرة القائلة إن كل إشعاع، ~~وضمنه الضوء، يخضع لتحكم أعداد صحيحة؛ أي إنه يسير تبعا لأعداد ~~صحيحة لوحدة أولية للطاقة، أطلق عليها اسم «الكم (الكوانتم # quantum ~~)». فتبعا لرأيه تكون ~~الطاقة مؤلفة من وحدات أولية، هي «الكمات # quanta ~~»، وحيثما تنبعث الطاقة أو تستوعب، ينقل ~~كوانتم واحد أو اثنان أو مائة كوانتم، ولكن لا يكون هناك أبدا جزء ~~أو كسر من الكوانتم؛ فالكوانتم هو ذرة الطاقة، ولكن مع ملاحظة أن ~~حجم هذه الذرة، أي كمية وحدة الطاقة، تتوقف على طول موجة الإشعاع ~~الذي ينقل به الكوانتم، فكلما كان طول الموجة أقصر، كان الكوانتم ~~أكبر . وهكذا يبدو كشف بلانك نصرا جديدا للنظرية ms152 الذرية. وعندما ~~توسع ألبرت أينشتين في تطبيق نظرية بلانك على الفكرة القائلة إن ~~الضوء يتألف من حزم من الموجات شبيهة بالإبرة، تحمل «كوانتم» ~~واحدا من الطاقة؛ بدا أن فكرة الذرة قد غزت أخيرا نفس ميدان ~~الفيزياء الذي ظل طويلا بمنأى عن المفاهيم الذرية، كما كانت فكرة ~~معادلة المادة والطاقة، التي ظهرت في السنوات الأخيرة بصورة درامية ~~واضحة في انشطار ذرة اليورانيوم، دليلا آخر على أن الإشعاع يمكن ~~أن يندرج تحت النظرية الذرية. # ولقد كان أهم تطبيق للكوانتم هو نظرية الذرة عند نيلز بور # Niels Bohr ~~؛ ففي هذه النظرية ~~توحد أخيرا اتجاها التطور، أعني اتجاه نظرية الذرة واتجاه نظرية ~~الإشعاع؛ ذلك لأن دراسة الذرة كانت قد أوضحت أن الذرة ذاتها ينبغي ~~أن تعد مجموعة من الجزيئات الأصغر منها، التي تتماسك مع ذلك بقوة ~~تجعل الذرة تسلك، بالنسبة إلى جميع التفاعلات الكيميائية، كوحدة ~~ثابتة نسبيا. ولقد كان أول كشف اتضح فيه أن للذرة تركيبا ~~داخليا هو ذلك الذي قام به العالم الروسي مندلييف # Mendeleieff ~~، الذي أدرك في أواسط ~~القرن التاسع عشر أنه إذا رتبت ذرات العناصر الكيميائية حسب الوزن، ~~فإن خواصها الكيميائية تتخذ ترتيبا دائريا. وربط العالم ~~الفيزيائي الإنجليزي رذرفورد # E. ~~Rutherford # بين هذه الكشوف الكيميائية وبين ~~كشف الإلكترون، ووضع الأنموذج الكوكبي للذرة، وبمقتضاه تكون الذرة ~~مؤلفة من نواة يدور حولها عدد معين من الإلكترونات، وكأنها كواكب ~~تسير في مداراتها. وفي عام 1913م اكتشف «نيلز بور»، الذي كان في ذلك ~~الحين مساعدا شابا لرذرفورد، أن أنموذج الذرة عند رذرفورد ينبغي ~~أن يربط بفكرة «كم الطاقة» عند بلانك؛ فالإلكترونات لا يمكنها أن ~~تدور إلا في مدارات تقع على مسافات محدودة معينة من المركز، وهذه ~~المسافات محددة بحيث إن الطاقة الميكانيكية التي يمثلها كل مدار ~~إما أن تكون كما واحدا، أو اثنين، أو ثلاثة، وهكذا دواليك. وعلى ~~الرغم مما بدا في هذا الرأي من غرابة في نظر الفيزيائي في مبدأ ~~الأمر، فقد أدى إلى نجاح مذهل في إيضاح الوقائع الملاحظة؛ إذ إن ~~نظرية «بور» ms153 أتاحت تفسيرا على أعظم جانب من الدقة لوقائع ~~القياس الطيفي # spectroscopy ~~؛ ~~أي لسلسلة الخطوط الطيفية التي تميز كل عنصر. وفي السنوات الواقعة ~~بين 1913 و1925م طبقت نظرية بور وتأيدت على نطاق واسع، كما عمقت ~~بحيث تقدم تفسيرا للتركيب الذري لكل عنصر على حدة. # ومع ذلك فقد اتضح أن كشف الكوانتم كان، على الرغم من كل هذا ~~النجاح، نعمة مقيدة بشروط؛ ففي مقابل قدرته التفسيرية بالنسبة إلى ~~علم القياس الطيفي، ظهرت في مجالات أخرى تعقيدات غير قابلة ~~للتفسير؛ ذلك لأن نفس الأسس التي يرتكز عليها مفهوم الكوانتم بدت ~~غير متمشية مع النظرية الكلاسيكية في توليد الموجات الكهربائية، ~~ومع ظاهرة التداخل المعروفة في مجال علم الضوء. وهكذا كانت ~~النظرية الجديدة تهدد اتساق الفيزياء بالخطر؛ فقد كان بعض الظواهر ~~يقتضي تفسيرا جسميا للضوء، وبعضها الآخر يقتضي تفسيرا ~~تموجيا، وبدا أنه لا توجد وسيلة للتوفيق بين النظريتين ~~المتناقضتين. # على أن أغرب ظاهرة في نظر المشاهد الفلسفي هي أن البحث الفيزيائي ~~لم يتوقف نتيجة لهذه المتناقضات، بل عمل الفيزيائي على السير في ~~طريقه، على نحو ما، بهاتين النظريتين المتناقضتين، وتعلم كيف يطبق ~~إحداهما تارة، والأخرى تارة أخرى، وذلك بنجاح مذهل فيما يتعلق ~~بالكشوف المبنية على الملاحظة. وأنا لا أعتقد أن هذه الحقيقة تثبت ~~أن التناقض منقطع الصلة بالنظريات الفيزيائية، وأن النجاح المرتكز ~~على الملاحظة هو وحده الذي يهم، أو أن التناقض، كما يعتقد ~~الهيجليون، كامن في الفكر البشري، وهو القوة الدافعة له، وإنما ~~أعتقد بدلا من ذلك أنها تثبت أن كشف الأفكار الجديدة يخضع لقوانين ~~مغايرة لقوانين التنظيم المنطقي، وأن معرفة نصف الحقيقة يمكن أن ~~تكون مرشدا كافيا للذهن الخلاق في طريقه نحو الحقيقة الكاملة، ~~وأن النظريات المتناقضة لا يمكن أن تكون مفيدة إلا لأن هناك نظرية ~~أفضل تشتمل على كل الوقائع الملاحظة، وتخلو من المتناقضات، وإن لم ~~تكن معروفة في ذلك الوقت؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه البشر، تكون ~~الحقيقة في سبات، ولن يوقظها إلا أولئك الذين لا يتوقفون في بحثهم، ~~حتى عندما تعترض ms154 طريقهم عقبات التناقض. # ولقد كانت نقطة التحول في تطور نظريات الضوء والمادة هي فكرة ~~تقدم بها العالم الفيزيائي الفرنسي لوي دي بروليي # Louis de Broglie ~~؛ ففي الوقت ~~الذي كان فيه علماء الفيزياء يكافحون من أجل حل مشكلة ما إذا كان ~~الضوء مؤلفا إما من جزيئات وإما من موجات، تجرأ بروليي بإعلان ~~الفكرة القائلة إن الضوء مؤلف من جزيئات ومن موجات معا، بل لقد ~~بلغت به الجرأة إلى حد نقل هذه الفكرة إلى ذرات المادة، التي لم ~~يفسرها أحد من قبله على أساس موجي، فوضع نظرية رياضية يكون فيها كل ~~جزيء صغير من المادة مقترنا بموجة. وهكذا حل محل «إما ... وإما ...»، ~~فكرة «معا»؛ ومن ثم فإن كشف دي بروليي يمثل بداية عهد التفسير ~~المزدوج، الذي تأكد منذ ذلك الحين بوصفه نتيجة محتومة للطبيعة ~~التركيبية للمادة. وقد أجرى ديفيسون وجيرمر # Davisson and Germer # تجربة ~~استخدما فيها ترتيبا تداخليا، أوضحت أن من الممكن إثبات وجود ~~موجات دي بروليي بالنسبة إلى شعاع من الإلكترونات، بحيث إن وجود ~~موجات من المادة أصبح أمرا مؤكدا على نحو لا يتطرق إليه ~~الشك. # وقد أخذ إ. شرودنجر # E. Schroedinger # بآراء دي ~~بروليي، ووضع معادلة تفاضلية أصبحت هي الأساس الرياضي للنظرية الحديثة في الكم ~~(الكوانتم)، وهي النظرية التي يطلق عليها عادة اسم ميكانيكا الكوانتم. وتتفق نظريته ~~الرياضية مع بعض النظريات الأخرى التي بدت لأول وهلة مختلفة عنها كل الاختلاف، والتي ~~وضعها على نحو مستقل هيزنبرج # Heisenberg # وماكس بورن # Max Born # وجوردان P. Jordan # من جانب، وديراك P. ~~Dirac # من ~~جانب آخر، وقد تم الاهتداء إلى هذه الكشوف جميعا في عامي 1925-1926م. وفي وقت قصير ~~نسبيا أمكن وضع فيزياء جديدة لعناصر المادة، أتاحت لعالم الفيزياء أداة رياضية قوية ~~كان عليه أن يتعلم الموجات والجسيمات، فما معنى القول إن المادة تتألف من موجات وجزيئات ~~في آن واحد؟ على الرغم من أن النظرية الرياضية كانت موجودة، فإن تفسيرها كان ينطوي على ~~صعوبات جمة. وهنا نجد أنفسنا إزاء تطور يكشف عن الاستقلال النسبي ms155 للنسبة الرياضية؛ ~~فللرموز الرياضية حياة خاصة بها، إن جاز هذا التعبير، وهي تؤدي إلى النتيجة الصحيحة حتى ~~قبل أن يفهم من يستخدم الرموز معناها النهائي. # كان دي بروليي قد فسر الجمع بين النظريتين الجزيئية والتموجية ~~بأبسط معانيه، فكان يعتقد أن هناك جزيئات تصحبها موجات تسير مع ~~الجزيء وتتحكم في حركته. أما شرودنجر فكان يعتقد أنه يستطيع ~~الاستغناء عن الجزيئات، وأنه لا توجد إلا موجات تتجمع، مع ذلك، في ~~بقاع صغيرة معينة، فينتج عنها شيء يشبه الجزيء. وهكذا قال بوجود ~~حزم موجية تسلك على نحو شبيه بالجزيئات، ولكن بعد أن اتضح أن ~~الرأيين معا لا يمكن قبولهما، اقترح بورن الفكرة القائلة إن ~~الموجات لا تكون أي شيء مادي على الإطلاق، وإنما تمثل احتمالات. ~~وأدى تفسيره هذا إلى حدوث تحول غير منتظر في مشكلة الذرة؛ فقد ~~افترض أن الكيانات الأولية جزيئات لا تتحكم في سلوكها قوانين ~~سببية، وإنما قوانين احتمالية من نوع مشابه للموجات فيما يتعلق ~~بتركيبها الرياضي. وفي هذا التفسير لا تكون للموجات حقيقة ~~الموضوعات المادية، بل تكون لها حقيقة المقادير الرياضية ~~فحسب. # وقد واصل هيزنبرج السير في هذا الطريق، فبين أن هناك قدرا ~~محددا من اللاتحدد # indeterminacy # فيما يتعلق بالتنبؤ بمسار الجزيء؛ مما يجعل من المستحيل التنبؤ بهذا المسار بدقة، وهي نتيجة صاغها في مبدئه المعروف ب «مبدأ ~~اللاتحدد Principle of ~~indeterminacy ~~». وبفضل كشوف بورن وهيزنبرج اتخذت ~~الخطوة التي أدت إلى الانتقال من تفسير سببي للعالم الأصغر، إلى ~~تفسير إحصائي له، فأصبح من المعترف به أن الحادث الذري المنفرد لا ~~يتحدد بقانون سببي، بل يخضع لقانون احتمالي فحسب، واستعيض عن فكرة ~~«إذا كان ... فإن ...» التي عرفتها الفيزياء الكلاسيكية، بفكرة «إذا كان ~~... فإن ... في نسبة مئوية معينة». وأخيرا جمع بور # Bohr # بين نتائج بورن ونتائج هيزنبرج، ~~فوضع مبدأ ~~التكامل Principle of ~~complementarity ~~، وهو المبدأ القائل إن تفسير بورن لا ~~يقدم إلينا إلا وجها واحدا للمشكلة، ومن الممكن أيضا أن ننظر ~~إلى الموجات على أنها ذات حقيقية فيزيائية، وهو رأي لا يكون ms156 فيه ~~للجزيئات وجود. ولا سبيل إلى التمييز بين هذين التفسيرين؛ لأن اللاتحدد كما يقول به هيزنبرج يجعل من المستحيل القيام بأية تجربة ~~فاصلة؛ أي إنه يؤدي إلى استبعاد التجارب التي تبلغ من الدقة حدا ~~يكفي لتحديد أي التفسيرين هو الصحيح وأيهما الباطل. # وهكذا تتخذ ثنائية التفسير صورتها النهائية؛ فالكشف الذي توصل ~~إليه دي بروليي، والقائل إن الذرات جزيئات وموجات «معا»، ليس له ~~ذلك المعنى المباشر القائل إن الموجات والجسيمات توجد في وقت واحد، ~~بل إن له معنى غير مباشر هو أن نفس الواقع الفيزيائي يقبل تفسيرين ~~ممكنين، كل منهما يماثل الآخر في صحته، وإن يكن من غير الممكن ~~الجمع بين الاثنين في صورة واحدة. وهذا ما يعبر عنه المنطقي بقوله ~~إن واو العطف هذه (بين الموجات والجزيئات) ليست في لغة الفيزياء، ~~وإنما فيما بعد ~~اللغة # metalanguage ~~؛ أي في لغة تتحدث عن لغة الفيزياء، أو ~~بعبارة أخرى، فإن واو العطف هذه لا تنتمي إلى الفيزياء، وإنما إلى ~~فلسفة الفيزياء، وهي لا تشير إلى موضوعات فيزيائية، وإنما إلى ~~أوصاف ممكنة للموضوعات الفيزيائية؛ وبذلك تكون منتمية إلى عالم ~~الفيلسوف. # هذه، في الواقع، هي النتيجة النهائية للخلاف بين أنصار الموجات ~~وأنصار الجسيمات، وهو الخلاف الذي بدأ بين هويجنز ونيوتن، وبلغ ~~قمته، بعد تطور استمر قرونا، في ميكانيكا الكوانتم عند دي بروليي، ~~وشرودنجر، وبورن، وهيزنبرج، وبور. فالسؤال «ما المادة؟» لا يمكن ~~الإجابة عنه بالتجارب الفيزيائية وحدها، وإنما يحتاج إلى تحليل ~~فلسفي للفيزياء؛ ذلك لأن الإجابة عنه تتوقف على السؤال «ما ~~المعرفة؟» ففي خلال القرن التاسع عشر استعيض عن التفكير الفلسفي ~~الذي كان موجودا في مهد المذهب الذري بالتحليل التجريبي، ولكن ~~البحث وصل آخر الأمر إلى مرحلة من التعقيد تقتضي العودة إلى البحث ~~الفلسفي. ومع ذلك فإن فلسفة هذا البحث لا يمكن التوصل إليها ~~بالتأمل النظري البحت، بل إن الفلسفة العلمية هي وحدها التي تستطيع ~~معاونة الفيزيائي في هذا المجال. ولكي نفهم هذا التطور الأخير ~~يتعين علينا أن نبحث في معنى القضايا المتعلقة بالعالم ~~الفيزيائي. # إن ms157 المعرفة تبدأ بالملاحظة؛ فحواسنا تنبئنا بما يوجد خارج ~~أجسامنا. غير أننا لا نكتفي بما نلاحظه، وإنما نود أن نعرف المزيد، ~~ونبحث في الأشياء التي لا نلاحظها مباشرة . ونحن نبلغ هذا الهدف ~~بعمليات فكرية، تربط بين الوقائع الملاحظة، وتقدم لها تفسيرا في ~~ضوء الأشياء غير الملاحظة. وهذه الطريقة تتبع في الحياة اليومية ~~مثلما تتبع في العلم؛ فهي تطبق عندما نستدل من وجود برك صغيرة في ~~الطريق على أن السماء قد أمطرت قبل وقت قصير، أو عندما يستدل ~~العالم الفيزيائي من انحراف الإبرة الممغنطة على أن هناك كيانا ~~غير مرئي، يسمى بالكهرباء، في السلك، أو عندما يستدل الطبيب من ~~أعراض المرض على أن هناك نوعا معينا من البكتريا يسري في دم ~~المريض. فلا بد لنا من دراسة طبيعية هذا الاستدلال، إذا شئنا فهم ~~معنى النظريات الفيزيائية. # إن الاستدلال قد يبدو أمرا هينا طالما أننا لا نفكر فيه، غير ~~أن التحليل العميق له كفيل بأن يكشف عن تركيب شديد التعقيد؛ فأنت ~~تقول إن بيتك يظل في مكانه دون تغيير أثناء بقائك في مكتبك، فكيف ~~عرفت ذلك؟ إنك لا ترى بيتك عندما تكون في مكتبك، ولكنك ستجيب بأن ~~من السهل التحقق من هذه القضية بالذهاب إلى البيت والتطلع إليه. ~~وصحيح أنك سترى بيتك عندئذ، ولكن هل تؤدي هذه الملاحظة إلى تحقيق ~~عبارتك؟ إن ما قلته هو أن بيتك هناك عندما كنت تراه، فكيف تستطيع ~~أن تتأكد من أنه كان هناك عندما كنت غائبا؟ # وإني لأدرك أنك، أيها القارئ، قد أخذت تشعر بالحنق، وتقول: عجبا ~~لأمر هؤلاء الفلاسفة الذين يريدون الضحك على عقول الجميع! إن البيت ~~إذا كان هناك في الصبح وبعد الظهر، فكيف لا يكون موجودا قبل ~~الظهر؟ أيعتقد الفيلسوف أن هناك مقاولا استطاع أن يهدم البيت في ~~دقيقة ويعيد بناءه في دقيقة أخرى؟ وفيم يفيد مثل هذا السؤال الذي ~~لا معنى له؟ # إن المشكلة هي أنه، ما لم يمكنك الاهتداء إلى إجابة عن هذا ~~السؤال أفضل من تلك التي يأتي بها الفهم العادي ms158 للإنسان، فلن نتمكن ~~من حل مشكلة ما إذا كان الضوء والمادة يتألفان من جزيئات أو موجات. ~~وهذه هي النقطة التي توصل إليها الفيلسوف؛ فالفهم العادي قد يكون ~~أداة مفيدة بالنسبة إلى مشكلات الحياة اليومية، ولكنه يصبح أداة ~~غير كافية عندما يبلغ البحث العلمي مرحلة معينة من التعقيد. فالعلم ~~يقتضي إعادة تفسير لمعرفة الحياة اليومية؛ لأن المعرفة تكون لها ~~آخر الأمر طبيعة واحدة، سواء أكانت متعلقة بالأشياء العينية، أم ~~بمركبات التفكير العلمي. وعلى ذلك فمن الضروري الاهتداء إلى إجابات ~~أفضل من الأسئلة البسيطة للحياة اليومية، قبل أن نستطيع الإجابة عن ~~الأسئلة العلمية. # ولقد عرف الفيلسوف اليوناني بروتاجوراس، زعيم السفسطائيين، ~~بتعبيره عن مبدأ النزعة الذاتية، الذي صاغه على النحو الآتي: ~~«الإنسان مقياس الأشياء جميعا، تلك التي توجد على أنها موجودة، ~~وتلك التي لا توجد على أنها غير موجودة.» ولسنا ندري بالضبط ما كان ~~يعنيه بهذه العبارة التي كانت «متسفسطة» بحق، ولكن لنفرض أنه كان ~~سيقول عن مشكلتنا السابقة ما يأتي: «إن البيت لا يوجد إلا عندما ~~أنظر إليه، أما حين لا أنظر إليه فإنه يختفي دائما.» فما الذي ~~يمكنك أن تعترض به عليه؟ إنه لا يقول إنه يختفي ويعود إلى الظهور ~~بطريقة سحرية من نوع ما. وهو يؤكد أن ملاحظة المشاهد البشري هي ~~التي تنتج البيت، وأن البيوت غير الملاحظة لا توجد بالتالي، فأية ~~حجج نستطيع أن نعترض بها على مثل هذا الاختفاء السحري، والخلق الذي ~~يتم على يد المشاهد البشري؟ # قد تقول إنك تستطيع أن تتصل تليفونيا ببواب البيت من مكتبك، ~~وتسأله إن كان البيت ما زال موجودا. غير أن البواب إنسان مثلك، وقد ~~تكون مشاهدته هي التي تخلق البيت مثل مشاهدتك، فهل سيكون البيت ~~هناك حين لا يشاهده أحد؟ # وقد تقول إنك تستطيع أن تدير ظهرك للبيت وتشاهد ظله، ويكون معنى ~~ذلك أن البيت ينبغي أن يكون موجودا دون أن تلاحظه لأن له ظلا. ~~ولكن كيف تعلم أن الأشياء غير الملاحظة لها ظل؟ إن ما رأيته حتى ~~الآن هو أن ms159 الأشياء الملاحظة لها ظلال، وفي استطاعتك أن تفسر الظل ~~الذي تراه حين لا ترى البيت، بافتراض أن الظلال تظل موجودة عندما ~~يختفي الشيء، وإن هناك ظلا بدون بيت. وليس من حقك أن ترد بأن مثل ~~هذه الظلال الخاصة بأشياء غير موجودة لم تلاحظ أبدا من قبل؛ فهذه ~~الحجة لا تكون صحيحة إلا إذا افترضت ما تريد إثباته، وهو أن البيت ~~يظل وجودا حين لا تعود تراه. فإذا افترضت العكس، كما فعل بروتا ~~جوراس، فإن لديك عددا كبيرا من الأدلة على رأيه هذا؛ لأنك رأيت ~~ظلالا على شكل بيوت دون أن ترى بيوتا في نفس الوقت. # وقد تدافع عن موقفك بالإهابة من جديد بالفهم العادي السليم، فتجيب ~~قائلا: «لم أفترض أن قوانين علم البصريات مختلفة بالنسبة إلى ~~الموضوعات غير الملاحظة؟ إن من الصحيح أن هذه القوانين وضعت ~~بالنسبة إلى الموضوعات الملاحظة، ولكن ألا توجد لدينا أدلة دامغة ~~على أنها ينبغي أن تسري على الموضوعات غير الملاحظة بدورها؟» ومع ~~ذلك فإن قليلا من التفكير اللاحق كفيل بإقناعك بأننا لا نملك أدلة ~~كهذه على الإطلاق. وأقول إنه لا توجد أدلة كهذه؛ لأن الموضوعات غير ~~الملاحظة لم تلاحظ أبدا. # ولا يبقى بعد ذلك إلا مخرج واحد من هذه الصعوبة، فمن الواجب أن ~~ننظر إلى قضايانا المتعلقة بالموضوعات غير الملاحظة، لا على أنها ~~قضايا قابلة للتحقيق، بل على أنها مواضعات أو اصطلاحات، نأتي بها ~~نظرا إلى ما تؤدي إليه من تبسيط شديد للغة. فما نعرفه هو أننا إذا ~~ما أخذنا بهذا الأمر الاصطلاحي، فمن الممكن المضي فيه دون تناقض؛ ~~أي إننا إذا افترضنا أن الموضوعات غير الملاحظة هي ذاتها الموضوعات ~~الملاحظة، فإنا نصل إلى نسق للقوانين الفيزيائية يسري على ~~الموضوعات الملاحظة وغير الملاحظة معا. وهذه القضية الأخيرة، التي ~~هي قضية من نوع «إذا» (أي قضية مشروطة)، هي أمر واقع تحققنا من ~~صحته، وهي تثبت أن لغتنا المعتادة عن الموضوعات غير الملاحظة هي ~~لغة مقبولة، غير أنها ليست هي اللغة المقبولة الوحيدة. ففي استطاعة ~~شخص مثل ms160 بروتاجوراس، يقول إن البيوت تختفي حين لا تلاحظ، أن يتكلم ~~لغة مقبولة أيضا، إذا كان على استعداد لقبول النتيجة المترتبة على ~~قوله هذا، وهي أن علينا أن نضع نسقين مختلفين للقوانين الفيزيائية، ~~أحدهما للموضوعات الملاحظة، والآخر للموضوعات غير الملاحظة. # وحصيلة هذه المناقشة الطويلة هي أن الطبيعة لا تملي علينا وصفا ~~واحدا بعينه، وأن الحقيقة لا تقتصر على لغة واحدة؛ ففي استطاعتنا ~~أن نقيس البيوت بالأقدام أو بالأمتار، ودرجات الحرارة بمقياس ~~فهرنهيت أو بالمقياس المئوي، وفي استطاعتنا أن نصف العالم ~~الفيزيائي بهندسة إقليدية أو بهندسة لا إقليدية، كما بينا في الفصل ~~الثامن. وعندما نستخدم نظما مختلفة في القياس أو الهندسة، فإننا ~~نتحدث لغات مختلفة، غير أننا نقول نفس الشيء. فالكثرة من الأوصاف ~~تتكرر على نحو أعقد عندما نتحدث عن الموضوعات غير الملاحظة. وهناك ~~طرق كثيرة لقول الصدق، وكلها متكافئة بالمعنى المنطقي، كما أن هناك ~~أيضا طرقا متعددة لقول الكذب. مثال ذلك أن من الكذب القول إن ~~الثلج يذوب في درجة حرارة اثنتين وثلاثين، إذا استخدمنا المقياس ~~المئوي؛ وعلى ذلك فإن فلسفتنا لا تمحو الفارق بين الصدق والكذب، ~~غير أن من قصر النظر أن يتجاهل المرء كثرة الأوصاف الصحيحة. ~~فالواقع الفيزيائي يقبل فئة من الأوصاف المتكافئة، ونحن نختار ~~أحدها على سبيل التيسير على أنفسنا، وهذا الاختيار لا يرتكز إلا ~~على عرف أو اصطلاح؛ أي على قرار إرادي. مثال ذلك أن النظام العشري ~~يتيح وصفا للقياسات أيسر مما يتيحه غيره من النظم؛ فعندما نتحدث ~~من موضوعات غير ملاحظة، فإن أيسر لغة هي تلك التي يختارها الذهن ~~المعتاد، والتي بمقتضاها لا تكون الموضوعات غير الملاحظة مختلفة عن ~~الموضوعات الملاحظة، ولا يكون سلوك الأولى مختلفا عن سلوك ~~الثانية، غير أن هذه اللغة مبنية على عرف أو اصطلاح. # ومن مزايا نظرية الأوصاف المتكافئة أنها تتيح لنا التعبير عن ~~حقائق معينة لا تستطيع لغة الذهن المعتاد أن تضع صيغة لها. وأنا ~~أعني بذلك تلك الحقيقة التي تعبر عنها القضية الشرطية السابقة؛ فمن ~~الصحيح أننا إذا افترضنا أن ms161 الموضوعات غير الملاحظة في هوية مع ~~الموضوعات الملاحظة، فإننا لا نصل إلى تناقضات، أو إن من الصحيح ~~بعبارة أخرى أنه يوجد، من بين الأوصاف المقبولة للعالم الفيزيائي ، ~~وصف تكون فيه الموضوعات غير الملاحظة على قدم المساواة مع ~~الموضوعات الملاحظة؛ فلنطلق على هذا الوصف اسم «النظام السوي # normal system ~~». وإن من أهم ~~الحقائق أن العالم الفيزيائي يمكن أن يوصف بنظام سوي، وقد كنا على ~~الدوام نأخذ هذه الحقيقة قضية مسلما بها، بل إننا لم نعمل على ~~صياغتها؛ وبذلك لم نعلم أنها حقيقة. فنحن لم نر فيها أية مشكلة، ~~شأننا شأن الشخص الذي لا يرى مشكلة في سقوط الأجسام إلى الأرض؛ لأن ~~هذه الملاحظة تمثل تجربة عامة إلى أبعد حد. ومع ذلك فإن الميكانيكا ~~العلمية بدأت بقانون سقوط الأجسام، وبالمثل فإن الفهم العلمي ~~لمشكلة الموضوعات غير الملاحظة يبدأ بالتعبير عن إمكان وصف ~~الموضوعات غير الملاحظة بواسطة نظام سوي. # فكيف نعلم أن هذا الوصف ممكن؟ إن كل ما يمكننا قوله هو أن تجارب ~~أجيال البشر قد أثبتته. ومع ذلك ينبغي ألا نعتقد بأن من الممكن ~~البرهنة على هذا الإمكان بقوانين منطقية؛ فالأمر الواقع - لحسن ~~الحظ - يشهد بأن عالمنا يمكن أن يوصف بقدر من البساطة لا ينجم عنه ~~فارق بين الموضوعات الملاحظة والموضوعات غير الملاحظة، وهذا كل ما ~~يمكننا القول به. # لقد كنا نتحدث حتى الآن عن البيوت غير الملاحظة. على أن جزيئات ~~المادة هي بدورها موضوعات غير ملاحظة، فلنر كيف يمكن تطبيق ~~نتائجنا عليها. # إن عالم الذرة، شأنه شأن عالم الحياة اليومية، يتضمن ما يمكن ~~ملاحظته وما لا يمكن ملاحظته؛ فما يمكن ملاحظته هو الصدمات بين ~~جزيئين، أو بين جزيء وشعاع ضوئي؛ إذ إن الفيزيائي قد استحدث أدوات ~~عظيمة الدقة توضح كل صدمة منفردة. أما ما لا يمكن ملاحظته فهو ما ~~يحدث خلال الفترة الواقعة بين صدمتين، أو في الطريق من مصدر ~~الإشعاع إلى الصدمة. وإذن فهذه الحوادث هي الموضوعات التي لا تلاحظ ~~في عالم «الكوانتم». # ولكن لم كان من المستحيل ملاحظتها؟ ولم ms162 لم يكن في استطاعتنا أن ~~نستخدم نوعا أدق من الميكروسكوب، ونرقب الجزيئات في مسارها؟ إن ~~المشكلة هي أن من الضروري، لكي نرى جزيئا، أن نضيئه. وإضاءة جزيء ~~شيء يختلف كل الاختلاف عن إضاءة بيت؛ ذلك لأن الشعاع الضوئي عندما ~~يقع على جزيء يخرج به عن طريقه، وإذن فما نلاحظه صدمة، وليس جزيئا ~~يسير في طريقه دون أن يعترضه شيء. وتستطيع أن تدرك ذلك إذا تخيلت ~~أنك تريد مراقبة كرة «بولنج» # 1 # تتدحرج في مسارها في قاعة مظلمة، ولكنك عندما تضيء ~~النور، ويسقط النور على الكرة، فإنه يدفع الكرة بعيدا عن طريقها، ~~فأين كانت الكرة قبل أن تضيء النور؟ هذا أمر لا يمكنك أن تحدده، ~~ولكن من حسن الحظ أن هذا المثل لا ينطبق على كرات «البولنج»؛ فهي ~~من الكبر بحيث إن اصطدام الشعاع الضوئي بها لا يحدث في مسارها أي ~~تغير ملحوظ. أما في حالة الإلكترونات وغيرها من جزيئات المادة فإن ~~الأمر يختلف، فعندما تلاحظها يكون عليك أن تغير مسارها؛ وبالتالي ~~لا يكون في وسعك أن تعرف ماذا كانت تفعله قبل الملاحظة. # بل إن الملاحظة تحدث بعض التغيير حتى في عالمنا المعتاد بأحجامه ~~الكبيرة؛ فعندما تتحرك سيارة الشرطة عبر المرور في شارع متسع، فإن ~~رجال الشرطة الموجودين فيها يرون كل العربات المحيطة بهم تتحرك ~~ببطء في حدود السرعة المطلوبة. # 2 # ولو لم يكن الشرطي من النوع الذي يرتدي في بعض الأحيان ~~ملابس مدنية ويركب سيارة عادية، لا يستدل من ذلك على أن كل ~~السيارات تسير طول الوقت بمثل هذه السرعة المعقولة. ولنقل إننا في ~~اتصالنا بالإلكترونات لا نستطيع أن نرتدي ملابس مدنية؛ فكلما ~~راقبناها غيرنا طريق مرورها على الدوام. # وربما اعترضت على ذلك قائلا: قد يكون من الصحيح أننا لا نستطيع ~~أن نلاحظ كيف يتحرك الجزيء في مساره دون أن يؤثر فيه شيء، ولكن ألا ~~نستطيع أن نحسب، عن طريق استدلالات علمية، ما يفعله عندما لا ننظر ~~إليه؟ هذا السؤال يعود بنا إلى تحليلنا السابق للموضوعات غير ~~الملاحظة؛ فقد رأينا ms163 أننا نستطيع أن نتحدث عن أمثال هذه الموضوعات ~~بطرق شتى، وأن هناك فئة من الأوصاف المتكافئة، وأننا نفضل أن نختار ~~لوصفنا نظاما سويا؛ أعني نظاما لا تختلف فيه الموضوعات ~~الملاحظة عن غير الملاحظة. ومع ذلك فإن مناقشتنا لملاحظة الجزيئات ~~قد أوضحت أنه لا يوجد لدينا نظام سوي بالنسبة إلى الجزيئات. فمن ~~يلاحظ الإلكترونات ينبغي أن يكون مثل بروتاجوراس؛ إذ إنه ينتج ما ~~يراه؛ لأن رؤية الإلكترونات تعني إحداث صدمات مع الأشعة ~~الضوئية. # إن الحديث عن الجزيئات يعني أن نعزو إليها مكانا محددا وسرعة ~~محددة بالنسبة إلى كل نقطة. مثال ذلك أن كرة التنس تحتل في كل لحظة ~~مكانا معينا في مسارها، ولها في هذه اللحظة سرعة محددة؛ فمن ~~الممكن قياس المكان والسرعة معا، في كل لحظة، بأدوات مناسبة. أما ~~بالنسبة إلى الجزيئات الصغيرة، فإن التغيير الذي يحدثه الملاحظ ~~يجعل من المستحيل، كما بين هيزنبرج، قياس القيمتين معا في نفس ~~الوقت؛ ففي استطاعتنا أن نقيس موقع الجزيء أو سرعته، ولكنا لا ~~نستطيع قياسهما معا. تلك هي النتيجة التي يؤدي إليها مبدأ ~~اللاتحدد عند هيزنبرج. وهنا قد يتساءل المرء عما إذا كانت توجد طرق ~~أخرى لتحديد المقدار غير المقيس؛ أعني طرقا نربط بها، على نحو غير ~~مباشر، بين المقدار غير المقيس وبين المقادير الملاحظة. وهذا يكون ~~ممكنا بالفعل إذا أمكننا أن نفترض أن المقادير غير الملاحظة تسير ~~تبعا لنفس قوانين المقادير الملاحظة، غير أن تحليل ميكانيكا ~~الكوانتم قد أدى إلى إجابة سلبية على هذا السؤال؛ فالموضوعات غير ~~الملاحظة لا تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها الموضوعات الملاحظة ~~من حيث إنه ينشأ بينهما فارق نوعي فيما يتعلق بالسببية؛ فالعلاقات ~~التي تتحكم في الموضوعات غير الملاحظة تخالف مصادرات السببية، وهي ~~تؤدي إلى انحرافات في مجال السببية. # هذا الفارق يحدث عند إجراء تجارب تداخل؛ أعني تجارب يمر فيها ~~شعاع من الإلكترونات أو شعاع ضوئي من خلال شق ضيق، ويحدث على شاشة ~~أنموذجا تداخليا يتألف من شرائط سوداء وبيضاء. وقد كان التفسير ~~الذي يقدم لهذه التجارب ms164 دائما مستمدا من الطبيعة التموجية للضوء، ~~فيقال إنها نتيجة لوقوع قمم الموجات فوق سفوحها. غير أننا نعلم ~~أننا عندما نستخدم إشعاعا ضئيل الكثافة جدا، فإن الأنموذج ~~الناتج، وإن يكن له نفس التركيب عندما يستمر الإشعاع وقتا كافيا، ~~يكون نتيجة عدد كبير جدا من الاصطدامات البسيطة على الشاشة؛ وعلى ~~ذلك فإن الشرائط تنتج بواسطة عملية إطلاق شبيهة بإطلاق النار من ~~البندقية السريعة الطلقات. هذه الصدمات الفردية لا يمكن تقديم ~~تفسير معقول لها على أساس أنها موجات؛ فالموجة تصل على جبهة عريضة ~~تغطي الشاشة، وعندئذ يحدث وميض في نقطة واحدة فقط من الشاشة، ~~وتختفي الموجة بأكملها؛ إذ يبتلعها الوميض، إن جاز هذا التعبير، ~~وهو حادث يتعارض مع قوانين السببية المألوفة، وتلك هي النقطة التي ~~يؤدي فيها التفسير التموجي إلى نتائج غير معقولة، أو إلى انحراف ~~سببي. أما إذا افترضنا، على عكس ذلك، أن الإشعاع يتألف من جزيئات، ~~لكان من السهل تفسير الصدمات التي تحدث على الشاشة. ومع ذلك فإن ~~الصعوبات تنشأ عندما يستخدم شقان؛ إذ يتعين على كل جزيء عندئذ أن ~~يمر من خلال هذا الشق أو ذاك؛ وعندئذ يكون أنموذج التداخل ناتجا ~~عن التأثير المتبادل بين الشقين، غير أن من الممكن إيضاح أن الدور ~~الذي يسهم به كل شق في الأنموذج الكامل يختلف عن الأنموذج الذي ~~يحدثه الشق لو أغلق الشق الآخر. وهذا يعني أن المسار فيما وراء ~~الشق الذي اختاره الجزيء، يتأثر بوجود الشق الآخر؛ فالجزيء يعرف إن ~~كان الشق الآخر مفتوحا أم لا، إن جاز هذا التعبير. وهذه هي النقطة ~~التي يصل فيها التفسير الجزيئي إلى انحراف سببي؛ أي إلى خرق ~~لقوانين السببية المعتادة. ولو أجريت هذه التجارب بأي ترتيب آخر، ~~وقدم لها أي تفسير آخر ممكن، لأدت إلى خرق لهذه القوانين أيضا. ~~وتصاغ هذه النتيجة في مبدأ للانحراف السببي يمكن استخلاصه من أسس ~~ميكانيكا الكوانتم ذاتها. # ومن الواجب أن نميز بدقة بين مبدأ السببية في صورة ~~انحرافات عن النمط السوي # anomalies ~~، وبين ~~الامتداد الذي يعبر عنه الانتقال من ms165 القوانين السببية إلى القوانين ~~الاحتمالية؛ ذلك لأن خضوع الحوادث الذرية لقوانين احتمالية، لا ~~لقوانين سببية، يبدو نتيجة ضررها هين نسبيا إذا ما قورنت ~~بالانحرافات السببية التي تحدثنا عنها الآن. فهذه الانحرافات تتعلق ~~بمبدأ التأثير بالاتصال المباشر، وهو المبدأ الذي يعبر عن خاصية ~~معروفة من خصائص الانتقال السببي، هي أن السبب ينبغي أن ينتشر ~~باستمرار خلال المكان حتى يصل إلى النقطة التي يحدث فيها نتيجة ~~معينة. فإذا ما بدأت قاطرة في التحرك، فإن عربات القطار لا تعقبها ~~مباشرة، وإنما على فترات؛ إذ إن جذب القاطرة ينبغي أن ينتقل من ~~عربة إلى عربة حتى يصل إلى الأخيرة في نهاية الأمر. وعندما يضاء ~~نور كشاف، فإنه لا يضيء الموضوعات التي يوجه إليها فورا، وإنما ~~ينبغي أن ينتقل الضوء في المكان الواقع بينه وبينها، ولو لم تكن ~~سرعته هائلة للاحظنا الوقت اللازم لانتشار الإضاءة. فالسبب لا يؤثر ~~في النتائج البعيدة فورا، وإنما ينتشر من نقطة إلى نقطة حتى يؤثر ~~في الموضوع بالاتصال المباشر. هذه الحقيقة البسيطة تعد من أوضح ~~سمات جميع الحالات المعروفة للانتقال السببي، ولا يمكن أن يتخلى ~~الفيزيائي بسهولة عن الاعتقاد بأن هذه الخاصية تمثل عاملا لا يمكن ~~الاستغناء عنه في التأثير السببي المتبادل، بل إن الانتقال إلى ~~القوانين الاحتمالية لا يلزم عنه التخلي عن هذه الخاصية بالضرورة. ~~فمن الممكن تكوين القوانين الاحتمالية على نحو ينتقل معه الاحتمال ~~من نقطة إلى نقطة، فيسفر عن سلسلة احتمالية تماثل التأثير السببي ~~بالاتصال المباشر؛ ولذا فإن اضطرارنا، نتيجة لتحليل الموضوعات غير ~~القابلة للملاحظة في فيزياء الكوانتم، إلى التخلي عن مبدأ التأثير ~~بالاتصال المباشر، وإلى القول بمبدأ الانحراف السببي، هو ضربة توجه ~~إلى فكرة السببية، أقوى بكثير من الانتقال إلى القوانين ~~الاحتمالية؛ ذلك لأن انهيار السببية على هذا النحو يجعل من ~~المستحيل التحدث عن موضوعات غير ملاحظة في العالم الأصغر، بنفس ~~المعنى الذي نتحدث به عن أمثال هذه الموضوعات في العالم ~~الأكبر. # وهكذا نصل إلى فارق في النوع بين عالم الأشياء الكبيرة وعالم ~~الأشياء الصغيرة؛ فكلا ms166 العالمين مبني على أساس الموضوعات الملاحظة ~~بإضافة الموضوعات غير الملاحظة، غير أن هذه التكملة للظواهر ~~الملاحظة لا تنطوي، في عالم الأشياء الكبيرة، على صعوبات؛ إذ إن ~~الموضوعات غير الملاحظة تسير على نفس أنموذج الموضوعات الملاحظة. ~~أما في عالم الأشياء الصغيرة، فلا يمكن تصور تكملة معقولة ~~للموضوعات الملاحظة؛ ذلك لأن الموضوعات غير الملاحظة، سواء ~~أدخلناها بوصفها جزيئات أم موجات، تسلك بطريقة غير معقولة، وتخرق ~~قوانين السببية المقررة. وليس ثمة نظام سوي لتفسير هذه الموضوعات ~~غير القابلة للملاحظة، كما أننا لا نستطيع الكلام عنها بنفس المعنى ~~الذي نتكلم به عنها في عالم الحياة اليومية. ففي استطاعتنا أن ننظر ~~إلى المركبات الأولية للمادة على أنها جزيئات أو موجات، وكلا ~~التفسيرين يلائم الملاحظات بنفس القدر من الدقة أو من الافتقار إلى ~~الدقة. # هذه، إذن، هي نهاية القصة؛ فقد تحول النزاع بين أنصار التفسير ~~الموجي وأنصار التفسير الجسيمي إلى ازدواج في التفسير؛ ذلك لأن ~~مسألة كون المادة موجات أو جزيئات، هي مسألة تتعلق بموضوعات غير ~~قابلة للملاحظة، وتتميز هذه الموضوعات في عالم الأبعاد الذرية، على ~~خلاف نظائرها في العالم المعتاد، بأن من المستحيل تحديدها بطريقة ~~موحدة بواسطة افتراض نظام سوي؛ إذ لا يوجد نظام كهذا. # ولا بد أن نعد أنفسنا محظوظين؛ لأن عدم التحدد هذا يقتصر على ~~الموضوعات الصغيرة. فهو يختفي بالنسبة إلى الموضوعات الكبيرة؛ لأن ~~اللاتحدد الذي يقول به هيزنبرج بالنسبة إلى الحجم الصغير للكوانتم ~~عند بلانك، لا يكون ملحوظا في الموضوعات الكبيرة، بل إن من الممكن ~~تجاهل اللاتحدد بالنسبة إلى الذرة ككل؛ لأنها كبيرة إلى حد ما، ~~ونستطيع أن نعامل الذرات على أنها جسيمات، متجاهلين المفاهيم ~~التموجية. أما التركيب الداخلي للذرة، الذي تقوم فيه الجزيئات ~~الأخف، كالإلكترونات، بدور رئيسي، فهو وحده الذي يقتضي ثنائية ~~التفسير كما تقول بها ميكانيكا الكوانتم. # ولكي نفهم ما تعنيه الثنائية، فلنتخيل عالما تسري فيه مثل هذه ~~الثنائية على الأجسام الكبيرة، ولنفرض أن عيارات بندقية سريعة ~~الطلقات تمر من خلال نوافذ غرفة، ثم نجد فيما بعد أن الرصاصات قد ms167 ~~استقرت في جدران الغرفة، بحيث يبدو لنا من الأمور التي لا يتطرق ~~إليها الشك أن الطلقات تتألف من رصاصات، كذلك نفترض أن مرور ~~الطلقات عبر النوافذ يسير تبعا لقوانين الموجات التي تمر خلال ~~الشقوق. ففي توزيع الرصاصات على الجدران، تكون الرصاصات أنموذجا ~~من الشرائط مشابها لأنموذج التداخل؛ أي إننا عندما نفتح نافذة ~~أخرى، مثلا، يصبح عدد الرصاصات التي تصطدم بمكان معين من الجدار ~~أقل لا أكثر؛ لأن الموجات تتدخل عند هذه النقطة. فإذا كان من ~~المستحيل ملاحظة الرصاصة وهي تمر بمسارها مباشرة، فإننا نستطيع ~~عندئذ أن نفسر الطلقات على أنها تتألف من موجات أو جسيمات، ويكون ~~كلا التفسيرين صحيحا، وإن يكن كل منهما يستتبع نتائج معينة غير ~~معقولة. # على أن انعدام المعقولية في مثل هذا العالم سيظل على الدوام ~~قائما بالنسبة إلى النتائج وحدها، لا بالنسبة إلى ما يلاحظ؛ ~~فالملاحظات المنفردة لن تكون مختلفة عما نراه في عالمنا، وإنما ~~يؤدي مجموعها إلى نتائج تتناقض مع أسس مبدأ السببية. ومن حسن حظنا ~~أن عالمنا المؤلف من أحجار وأشجار وبيوت وبنادق ليس من هذا النوع، ~~بل إنه ليس من الأمور المستحبة أن يعيش المرء في بيئة كهذه، تخدعنا ~~فيها الأشياء من وراء ظهورنا، بينما تسلك سلوكا معقولا ما دمنا ~~ننظر إليها. غير أننا لا نستطيع أن نستنتج أن عالم الأشياء الصغيرة ~~ينبغي أن يكون له نفس التركيب البسيط الذي يتصف به عالم الأشياء ~~الكبيرة؛ فالأبعاد الذرية لا تخضع لتحديد موحد بالنسبة إلى ما فيها ~~من موضوعات غير ملاحظة، وعلينا أن نتعلم أن من الممكن وصف هذه ~~الموضوعات بلغات متعددة، وأنه لا سبيل إلى القول بأن إحدى هذه ~~اللغات هي وحدها الصحيحة. # هذه الصفة المميزة لحوادث ميكانيكا الكوانتم هي التي تنطوي في ~~رأيي على المعنى الأعمق لمبدأ التكامل عند «بور»؛ فهو عندما يسمي ~~وصف الموجة الجزيء وصفا تكامليا، يعني أنه بالنسبة إلى المسائل ~~التي يكون أحد هذين الوصفين تفسيرا كافيا لها، لا يكون الآخر ~~تفسيرا كافيا، والعكس بالعكس. مثال ذلك، إننا إذا كنا ms168 بصدد ~~ملاحظات عدادات جيجر، التي تكشف لنا عن صدمات فردية موضعية، فإنا ~~نستخدم التفسير الجزئي. وينبغي أن يلاحظ أن لفظ «التكامل» لا يفسر، ~~أو يزيل، الصعوبات المنطقية التي تنطوي عليها لغة ميكانيكا ~~الكوانتم، وإنما هو مجرد تسمية لها فحسب؛ فمن الحقائق الأساسية أنه ~~لا يوجد نظام سوي لتفسير الموضوعات غير الملاحظة في ميكانيكا ~~الكوانتم، وأن علينا أن نستخدم لغات مختلفة عندما نرغب في تجنب ~~الانحرافات السببية بالنسبة إلى الحوادث المختلفة؛ ذلك هو المضمون ~~التجريبي لمبدأ التكامل. ومن الواجب أن نؤكد أن هذا الموقف المنطقي ~~ليس له نظير في عالمنا الفعلي الكبير؛ لذلك أعتقد أنه ليس مما يؤدي ~~إلى إيضاح مشكلة ميكانيكا الكوانتم أن يشير المرء إلى «تكاملات» ~~مثل الحب والعدل، والحرية والحتمية، وما إلى ذلك، وإنما أوثر في ~~هذه الحالة التحدث عن «استقطابات»، بحيث يدل تغيير الاسم في هذه ~~الحالة على أن لهذه العلاقات المنتمية إلى عالمنا الكبير المعتاد ~~تركيبها يختلف كل الاختلاف عن التكامل في ميكانيكا الكوانتم. فليست ~~لها علاقة بالتوسع في اللغة حين تمتد من الموضوعات الملاحظة إلى ~~الموضوعات غير الملاحظة؛ وبالتالي فلا شأن لها بمشكلة الواقع ~~الفيزيائي. # على أن هناك طريقة مختلفة لمعالجة المشكلة، استعين فيها بمراجعة ~~المنطق؛ فبدلا من القول بثنائية لغوية، أو تكامل لغوي، وضعت لغة ~~من نوع أشمل، يبلغ تركيبها المنطقي من الاتساع حدا يتيح الملاءمة ~~بينها وبين الخواص المميزة للعالم الأصغر كما تقول به ميكانيكا ~~الكوانتم؛ ذلك لأن لغتنا المعتادة مبنية على منطق ثنائي القيم؛ أي ~~على منطق قيمتي الحقيقة «الصدق» و«الكذب»، ولكن من الممكن تكوين ~~منطق ثلاثي القيمة، فيه قيمة متوسطة هي اللاتحدد، وفي هذا المنطق ~~تكون القضايا إما صادقة، وإما كاذبة، وإما لا محددة، وبواسطة مثل ~~هذا المنطق يمكن كتابة ميكانيكا الكوانتم بنوع من اللغة المحايدة، ~~التي لا تتحدث عن الموجات أو الجزيئات، بل تتحدث عن الاتفاقات؛ أي ~~الصدمات، وتترك مسألة ما يحدث في الطريق بين الصدمات أمرا غير ~~محدد. مثل هذا المنطق يبدو أنه هو الصورة النهائية لفيزياء ~~الكوانتم، بالمعنى ms169 البشري لهذا التعبير. # لقد كان الطريق طويلا من ذرات ديمقريطس إلى ثنائية الموجات ~~والجسيمات. وقد تبين أن جوهر الكون - بالمعنى الذي يستخدمه العالم ~~الفيزيائي، لا بالمعنى المجازي عند الفيلسوف الذي وحد بينه وبين ~~العقل - ذو طبيعة مشكوك فيها إلى حد ما، إذا ما قورن بالجزيئات ~~الصلبة التي ظل الفيلسوف والعالم يؤمنان بها قرابة ألفي عام. واتضح ~~أن مفهوم الجوهر الجسمي، المشابه للجوهر الملموس كما يظهر في ~~الأجسام التي نتعامل معها في بيئتنا اليومية، هو فكرة مقحمة من ~~مجال التجربة الحسية. وتبين أن ما بدا شرطا عقليا في فلسفة ~~المذهب العقلي - مثلما فعل «كانت» حين وصف تصور الجوهر بأنه تركيبي ~~قبلي - هو نتاج لتعود أو تكيف مع البيئة. وإن التجارب التي تتيحها ~~الظواهر الذرية لتحتم التخلي عن فكرة الجوهر الجسمي، وتقتضي إعادة ~~النظر في طريقة الوصف التي نصور بها الواقع الفيزيائي. وباختفاء الجوهر الجسمي يختفي طابع اللغة المرتكز على قيمتين، بل ~~يتضح أن أسس المنطق إنما هي نتاج للتكيف مع البيئة البسيطة التي ~~ولد فيها البشر. والحق أن الفلسفة التأملية ذاتها لم تكشف أبدا عن ~~قدرة على التخيل مماثلة لذلك العمق الذي أبدته الفلسفة العلمية ~~مسترشدة بالتجارب العلمية والتحليلات الرياضية؛ فطريق الحقيقة ~~مرصوف بتلك الأخطاء التي ارتكبتها فلسفة كانت أضيق من أن تتصور ~~تنوع التجارب الممكنة. # الفصل الثاني عشر # | التطور # يبدو في نظر المشاهد الذي يفتقر إلى الخبرة، أن ثمة فارقا ~~باطنا بين الكائنات العضوية الحية وبين الطبيعة غير العضوية؛ فكل ~~أشكال الحياة الحيوانية تقريبا تكشف عن قدرة على الحركة المستقلة، ~~ويدل سلوكها على نشاط مخطط يستهدف تحقيق مصلحة الكائن العضوي ذاته، ~~وقد يكشف هذا النشاط المخطط، لا في البشر فحسب، بل في بعض أنواع ~~الحيوان أيضا، عن استباق طويل المدى لحاجات المستقبل؛ فالطيور ~~تبني أعشاشها لتحمي نفسها في الليل، وليكون فيها مكان للتفريخ، ~~والفأر يحفر لنفسه مأوى في الأرض، ويملؤه بمواد يقتات بها في ~~الشتاء، والنحلة تفرز كميات من الرحيق. وهناك قدر كبير من السلوك ~~المخطط يتجه دائما إلى هدف ms170 التناسل، وهو العملية الآلية العجيبة ~~التي تعمل على بقاء النوع بعد موت الأفراد. # أما النباتات فلا تظهر فيها أنواع من النشاط الذي نحب أن نسميه ~~تخطيطا، ومع ذلك فهي قطعا تؤدي وظائفها على نحو يجعل ردود أفعالها ~~تحقق هدف تغذية الفرد وحفظ النوع؛ فجذورها تنمو في الأرض وتتغلغل ~~فيها بالعمق الذي يكفي للوصول إلى الماء، وأوراقها الخضراء تتحول ~~إلى الشمس التي يحتاج النبات إلى أشعتها لتكون مصدرا للطاقة ~~الحيوية، كما أن عملية التكاثر الآلية فيها تضمن ظهور ذرية ~~وفيرة. # إن الكائن العضوي الحي نظام يعمل في سبيل هدف حفظ الذات وحفظ ~~النوع، وهذا الحكم لا يصدق فقط على تلك المظاهر الواضحة للحياة، ~~التي نسميها «سلوكا»، بل يصدق أيضا على العمليات الكيميائية ~~للجسم، وهي العمليات التي تعد أساسا لكل سلوك؛ فالعملية ~~الكيميائية المتعلقة بهضم الغذاء وأكسدته منظمة على نحو من شأنه أن ~~تمد الكائن العضوي بالوحدات الحرارية اللازمة لأوجه نشاطه، بل إن ~~النباتات قد استحدثت لنفسها عملية تتيح لها أن تنتفع مباشرة، ~~بمساعدة جزيئات الكلوروفيل، من طاقة الشمس المشعة لمصلحتها ~~الخاصة. # وهكذا يبدو كأن هناك خطة تتحكم في أفعال الكائنات العضوية الحية، ~~وهدفا محددا يوجهها، إذا ما قورنت بالمسلك الأعمى للعالم غير ~~العضوي، كسقوط الأحجار وتدفق الماء وهبوب الرياح. فالعالم غير ~~العضوي يخضع لقوانين السبب والنتيجة؛ إذ يتحكم الماضي في المستقبل ~~عن طريق الحاضر. أما بالنسبة إلى الكائنات الحية فيبدو أن هذه ~~العلاقة تنعكس؛ فما يحدث الآن مرتب على نحو من شأنه أن يخدم غرضا ~~مستقبلا، ويبدو أن المستقبل، لا الماضي، هو الذي يتحكم في أحداث ~~الحاضر. # مثل هذا التحديد على أساس المستقبل يسمى غائية # teleology ~~. وقد جعل أرسطو للغائية، ~~في تصوره للعلة الغائية، مكانة موازية لمكانة العلية في وصف العالم ~~الفيزيائي. ومنذ عهد أرسطو أصبحت تواجه العالم هذه الطبيعة ~~الثنائية للعالم الفيزيائي؛ فعلى حين أنه رأى الطبيعة غير العضوية ~~خاضعة لقوانين العلة والمعلول، فقد بدت له الطبيعة العضوية خاضعة ~~لقانون الغاية والوسيلة. وهكذا أصبحت للغائية مكانة توازي مكانة ~~العلية، وبدا ms171 أن الأولى لا تقل أهمية عن الثانية، واتهم عالم ~~الفيزياء، الذي لا يفكر في الطبيعة إلا من خلال العلة والمعلول، ~~بأنه ضحية مغالطة التعصب المهني، التي تعمي المرء عن إدراك مقتضيات ~~البحث خارج نطاق تخصصه الضيق. # وعلى الرغم من أن فكرة التوازي بين العلية والغائية تبدو أشبه ~~بحكم صادر عن ملاحظ محايد، فإننا نستمع إلى ادعاءاتها على مضض، ولا ~~نستطيع أن نمتنع عن الشعور بأن في موقفها شيئا باطلا في أساسه؛ ~~فالفيزياء ليست علما موازيا للبيولوجيا، وإنما هي علم أكثر ~~أولية، وقوانينها لا تقف عاجزة أمام الأجسام الحية، وإنما تشتمل ~~الأجسام الحية وغير الحية معا، على حين أن البيولوجيا تقتصر على ~~دراسة تلك القوانين الخاصة التي تسري، مع القوانين الفيزيائية، على ~~الكائنات الحية. فليس في البيولوجيا استثناء معروف للقوانين ~~الفيزيائية؛ ذلك لأن الأجسام الحية تهوي كالأحجار إن لم ترتكز على ~~شيء، وهي لا يمكن أن تنتج طاقة من لا شيء، وإنما تتحقق جميع قوانين ~~الكيمياء في عملياتها الهضمية. فليس ثمة قانون فيزيائي ينبغي أن ~~يكون مقرونا بشرط مثل: «ما لم تحدث العملية في كائن عضوي ~~حي.» # أما أن الكائنات الحية تتميز بخواص تقتضي صياغة قوانين خاصة تضاف ~~إلى قوانين الفيزياء، فهو أمر لا يدعو إلى الاستغراب؛ فنحن نعلم أن ~~الأجسام الساخنة تظهر فيها خواص لا ترد إلى الميكانيكا، وأن السلك ~~الذي يمر فيه تيار كهربائي تظهر فيه خواص لا تستطيع الميكانيكا ولا ~~الديناميكا الحرارية تعليلها. فليس ثمة صعوبة منطقية في أن ننسب ~~إلى المادة عندما تكون في حالمة أعقد، خواص لا تتكشف في المادة ~~عندما تكون في حالة أبسط، ولكن يبدو من غير المقبول أن نفترض أن ~~للمادة الحية خواص تتناقض مع خواص المادة غير العضوية. # والواقع أن الغائية تناقض العلية؛ فإذا كان الماضي يتحكم في ~~المستقبل، فإن المستقبل لا يتحكم في الماضي، أو على الأقل لا يتحكم ~~فيه بالمعنى الذي استخدمنا به عبارة «يتحكم» في العبارة السابقة. ~~وهناك معنى سكوني للفظ، يمكن أن يكون التحكم فيه متبادلا. مثال ~~ذلك ms172 أن العدد «س» يتحكم في مربعه «س # 2 ~~»، والمربع «س # 2 ~~» يتحكم في جذره الموجب ~~«س». غير أن العلية تحكم بالمعنى التوليدي؛ فالرياح تتحكم في شكل ~~الشجرة الملتوي، لا العكس. صحيح أننا نستطيع أن نستدل من الشكل ~~الملتوي للشجرة على الاتجاه الغالب للرياح، ولكننا إذا قلنا إن شكل ~~الشجرة يتحكم بهذا المعنى في اتجاه الرياح، لكنا نستخدم لفظ ~~«التحكم» بالمعنى السكوني، معنى التضايف المحض؛ ذلك لأن الشجرة ~~الملتوية تدل على الرياح، ولكنها لا تنتجها، على حين أن الرياح ~~تنتج الشكل الملتوي للشجرة. وليس من الضروري أن تفهم كلمة «ينتج» ~~على أساس أنها لا تخضع للتحليل المنطقي؛ فقد أوضحت من قبل (في ~~الفصل العاشر) أن من الممكن إيجاد صيغة منطقية لطابع العلية الذي ~~تكون بمقتضاه ذات اتجاه واحد. فإذا شئنا أن يكون للتصور الذي نكونه ~~عن مجرى الزمان أي معنى، فمن الواجب عندئذ أن توضع العلية في ~~مقابل الغائية؛ إذ إن التحكم بالمعنى التوليدي لا يمكن أن يحدث إلا ~~في اتجاه واحد فحسب. أما التفسير الذي تكون الحياة بمقتضاه مختلفة ~~أساسا عن العمليات الفيزيائية، وتكون خاضعة للغاية لا للعلة، فإنه ~~تفسير لا يتمشى مع فكرة اتجاه الزمان. وعلى العالم البيولوجي الذي ~~يهيب بالفهم العادي للإنسان لكي يجد فيه مؤيدا لادعاءاته بوجود ~~هذه الثنائية المزعومة، عليه أن يتذكر أنه يناقض الفهم العادي في ~~ميدان آخر؛ إذ إنه يتخلى عن مفهوم الصيرورة. # ولو مضينا في التحليل أبعد من ذلك لوجدنا أن نصير فكرة الغائية ~~لا يجد دفاعا مقنعا يتخلص به من هذا المأزق؛ فكلما كان الأمر ~~متعلقا بسلوك غرضي، لم يكن ما يتحكم في السلوك هو الحادث المقبل، ~~وإنما استباق الكائن الحي للحادث المقبل. فنحن نغرس البذرة لكي ~~نزرع الشجرة، وما يتحكم في سلوكنا ليس هو الشجرة المقبلة، وإنما ~~الصور التي نكونها في الحاضر لشجرة المستقبل، وهي الصور التي نستبق ~~بها وجودها المقبل. ومما يثبت أن هذا هو التفسير المنطقي الصحيح، ~~أن من الممكن تدمير النبتة النامية، بحيث لا تظهر شجرة في ~~المستقبل؛ ms173 وعندئذ لا يقع الحادث المتوقع في المستقبل أبدا، على ~~حين أن السلوك الحاضر، وهو غرس البذرة، يظل كما هو دون تغيير. ومن ~~المحال أن يكون ما لا يحدث أبدا متحكما فيما يحدث الآن؛ فالتحكم ~~التوليدي ينتقل من الماضي إلى المستقبل، لا العكس. أما الفعل ~~الغرضي الملاحظ في السلوك البشري فيساء تفسيره إذا ما نظر إليه على ~~أنه تحكم توليدي للمستقبل في الماضي؛ فلا يمكن أن يقبل الفهم ~~العادي ولا العلم تحكما توليديا يتناقض مع العلية. وإذن ~~فالموازاة بين الغائية والعلية نتيجة لسوء فهم منطقي. # فما الذي يتبقى من الغائية إذن؟ إذا شئنا أن تكون الغاية متمشية ~~العلية، فلا يمكن أن يكون المستقبل هو الذي يتحكم في الحاضر، وإنما ~~ينبغي أن يكون ذلك تحكما أو تحديدا على أساس خطة. على أن الخطة ~~لا يمكن أن تحدث آثارا إلا بتوسط كائن عضوي ما، لديه القدرة على ~~التفكير. ومع ذلك فإن غائية التنظيم العضوي تتجاوز بكثير نطاق ~~النوع البشري العاقل؛ فليس في وسعنا القول إن الفأر يتبع خطة عندما ~~يختزن غذاءه، كما أن أحدا لن يقبل القول بأن النبات ينفذ خطة ~~تكاثر نوعه عندما ينثر بذوره على الأرض. ولا بد من إعداد صيغة دقيقة ~~تتجنب التشبيهات الإنسانية؛ فأوجه نشاط الكائنات العضوية تمثل ~~أنموذجا من النوع الذي ينبغي أن تتبعه هذه الكائنات لو كانت تسلك ~~وفقا لخطة. أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول بوجود خطة، ~~تتحكم على نحو صوفي غامض في سلوك الكائنات العضوية، فيعني تفسير ~~العالم العضوي بأكمله عن طريق تشبيه بالسلوك البشرى؛ أي إنه يعني ~~وضع تشبيه محل التفسير. فالغائية نزعة تشبيهية، وتفسير وهمي، وهي ~~تنتمي إلى الفلسفة التأملية، ولكن ليس لها مكان في الفلسفة ~~العلمية. # فما هو التفسير الصائب إذن؟ سيظل من الصحيح أن نشاط الكائن ~~العضوي يمثل نمطا يبدو كما لو كانت هناك خطة تتحكم فيه، فهل نسجل ~~هذه الحقيقة على أنها مجرد اتفاق؛ أي على أنها نتاج للصدفة؟ إن ~~ضمير العالم الإحصائي يثور على هذا الفهم؛ فاحتمال حدوث ms174 هذا ~~الاتفاق يبلغ من الضآلة حدا لا نستطيع معه أن نقبل هذا التفسير. ~~وهكذا يبدو أن الرغبة في الوصول إلى تفسير سببي قد وصلت إلى طريق ~~مسدود، فكيف يمكن أن تتخذ العلية، على أي نحو، مظهر السلوك ~~الغائي؟ # إن من ينظر لأول مرة إلى الحصى الملقى على الشاطئ، قد يظن بالفعل ~~أنه موضوع في مكانه هذا وفقا لخطة معينة؛ فالحصى الكبير يوجد بقرب ~~البحر، ويغطي الماء بعضا منه، ويعقبه بعد قليل حصى أصغر، وتلي هذه ~~طبقات الرمال، التي تبدأ أولا بالحبيبات الخشنة، وتتحول بعد ذلك إلى ~~حبيبات الرمال الدقيقة التي تميز الأجزاء المتباعدة من الشاطئ. ~~وهكذا يبدو كأن شخصا قد قام بتنظيف الشاطئ، واختار الحصى والرمال ~~بعناية حسب الحجم، غير أننا نعلم أنه لا ضرورة لافتراض مثل هذا ~~التفسير التشبيهي بالإنسان؛ فالماء ينقل الحصى ويلقي بالأخف منه ~~مسافة أبعد في الشاطئ؛ وبذلك يوزع الحصى آليا حسب الحجم. صحيح أن ~~الصدمات الفردية للأمواج تسير تبعا لأنموذج الصدفة غير المنتظم، ~~ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بالمكان الذي ستستقر فيه حصاة معينة آخر ~~الأمر، غير أن هناك عملية انتقال تحدث؛ فكلما حملت الموجة الواحدة ~~حصاة كبيرة وأخرى صغيرة، استطاعت أن تحمل الصغيرة مسافة أبعد ~~قليلا؛ فالصدفة مقترنة بالانتقاء تحدث النظام. # ولقد كان الكشف العظيم الذي توصل إليه تشارلس دارون # Charles Darwin # هو أن ~~الغائية الظاهرية للكائنات العضوية الحية يمكن أن تفسر على نحو ~~مشابه، عن طريق الجمع بين الصدفة وبين الانتقاء. وقد استبق مبدأ ~~الانتقاء عن دارون في عصور سابقة، شأنه شأن معظم الأفكار الكبرى؛ ~~فقد سبق أن وضع الفيلسوف اليوناني أنبادقليس # Empedocles # نظرية مؤداها أن الأجسام الحية تنمو ~~من الأرض كأجزاء مبتورة، ثم تحركت الأطراف والرءوس والأجسام ~~الفردية، واتحدت بالصدفة في تكوينات شاذة، لم يكتب البقاء إلا ~~للأصلح منها. غير أن الفكرة الجيدة التي ترد في إطار نظري غير كاف ~~تفقد قدرتها التفسيرية، ويسدل عليها ستار من النسيان حتى يعاد ~~كشفها وتدمج في نظرية مقنعة. وقد استطاع دارون أن يتوصل إلى مبدأ ms175 ~~الانتقاء الطبيعي وبقاء الأصلح عن طريق أبحاث علمية، وعرضهما في ~~إطار نظرية شاملة للتطور؛ ولهذا السبب أصبح لفظ «الدارونية» ~~معبرا عن فكرة التطور بالانتقاء الطبيعي، وكان اتساع نطاق جهوده ~~العلمية مبررا لتفضيله على معاصره الأصغر سنا «ولاس # Wallace ~~»، الذي توصل إلى فكرة ~~الانتقاء الطبيعي مستقلا عن دارون، وإن لم تكن أعماله العلمية ~~تقارن بأعمال دارون في اتساع نطاقها. # إننا عندما نصنف الأنواع الموجودة تبعا لدرجة التنوع أو التعقيد ~~في تركيبها، بحيث ننتقل على الدوام من نوع إلى النوع الذي هو ~~الأقرب شبها إليه في التركيب التشريحي والبنيان العضوي، نصل إلى ~~ترتيب منظم؛ أي إلى سلسلة تؤدي فيها علاقات التشابه إلى إعطاء كل ~~نوع مكانه في السلم؛ فعند نهاية الخط نجد النوع البشري، ومن بعده ~~تأتي القرود، ثم تعقبها بقية الثديات، ويستمر الخط مارا بالطيور ~~والزواحف والأسماك، ثم مختلف الحيوانات البحرية، حتى يصل إلى الطرف ~~الأدنى، وهو الكائنات العضوية الحية ذات الخلية الواحدة؛ أي ~~الأميبا. وقد استنتج دارون أن الترتيب المنظم للأنواع الموجودة ~~معا يمثل الترتيب التاريخي لظهورها، وأن الحياة بدأت بالأميبا ذات ~~الخلية الواحدة، وانتقلت خلال ملايين السنين إلى أشكال تزداد علوا ~~على الدوام. # مثل هذا الاستنتاج سليم من وجهة نظر المنطق الاستقرائي؛ إذ إن كل ~~شخص على استعداد لتطبيقه على حالات أبسط. فلنتخيل أن ذبابة مايو # May fly # التي تعيش يوما واحدا، تشاهد أنواعا من البشر؛ أي إنها ~~ترى مواليد رضعا، وأطفالا، ومراهقين، وبالغين، ومسنين، ولكنها لا ~~تلاحظ أي نمو أو تغير في الأشخاص المنفردين؛ فإذا ما ظهرت بين ذباب ~~مايو ذبابة مثل دارون، فإن مثل هذه الذبابة الممتازة قد تستنج أن ما ~~تلاحظه من مراحل مختلفة للبشر، متعايشة معا، تمثل في واقع الأمر ~~تعاقبا تاريخيا. ومع ذلك فإن ذبابة مايو في مركز أفضل منا بكثير، ~~من حيث النسب الزمنية؛ إذ إن النسبة بين عمر الإنسان وبين طول مدة ~~التطور، أقل بكثير من النسبة بين عمر ذبابة مايو الذي يدوم يوما ~~واحدا، وبين أطول حياة بشرية؛ فلا عجب إذن ms176 أننا لا نستطيع أن ~~نلاحظ التغير التطوري، الذي تعد الآلاف الستة من سنوات التاريخ ~~البشري المسجل مجرد فترة ضئيلة جدا بالقياس إليه. وعلى ذلك فلا بد ~~أن نعتمد دائما على استدلال لكي ننتقل من الترتيب المنظم إلى ~~الترتيب التاريخي؛ أي على استدلال ينتقل من ترتيب التزامن إلى ~~ترتيب التعاقب. # وهناك، بطبيعة الحال، أدلة أخرى يمكن الإتيان بها تأييدا لهذا ~~الاستدلال. فهناك الكشوف الجيولوجية؛ إذ إن مختلف الطبقات ~~الجيولوجية تحتوي على حفريات من أنواع متباينة، ولكنها مرتبة بحيث ~~توجد الأنواع الأكثر تفاضلا (أو تعقدا) في الطبقات العليا. ويبدو ~~أن لنا الحق في التوحيد بين الترتيب المكاني للطبقات وبين الترتيب ~~الزمنى لترسبها. وهكذا فإن الجيولوجيا تحتفظ بسجل لحالة الحياة ~~الحيوانية التي تم الوصول إليها في أي وقت نبحثه. وفضلا عن ذلك ~~فإن الحفريات تمدنا بعينات لكثير من الأنواع التي تفوتنا في ~~الترتيب المنظم للأنواع الموجودة؛ مما يؤدي إلى سد الثغرات القائمة ~~في هذا الترتيب. وقد تم العثور، بوجه خاص، على الحلقة المفقودة بين ~~الإنسان والقرد، في بعض عينات الجماجم التي تجمع بين جحوظ حواف ~~العينين، المعروف عن القرود، وبين اتساع للجمجمة أكبر مما هو معروف ~~في القرود، وإن يكن أقل مما هو في الإنسان؛ إذ إن الجبهة المتراجعة ~~لم تكن تترك إلا حيزا ضئيلا للفص الأمامي من المخ. ولقد كان مخ ~~هذا الإنسان القرد يتيح له القيام ببعض الأعمال الذهنية، وإن لم ~~يكن قد اكتسب إلا قدرا محدودا جدا من القدرة على الانتفاع من ~~التجارب عن طريق تذكر نتائج الاستجابات السابقة للتجارب، وهي ~~القدرة التي توجد في الفص الأمامي للمخ. وبهذه المناسبة فإن ~~الإنسان القرد يعد الآن الأصل الذي انحدر منه الإنسان والقرود ~~الحالية، بحيث إن القرود تمثل فرعا جانبيا، لا أصلا ~~للإنسان. # فإذا ما نظرنا إلى الأدلة التي أشرنا إليها على أنها قاطعة، ~~فعلينا أن نعترف بحدوث تطور في الحياة من الأميبا إلى الإنسان، ~~ولكن يظل أمامنا بعد ذلك السؤال عن سبب هذا التطور. فلماذا تطورت ~~الحياة إلى أشكال أعلى؟ إن ms177 التطور يبدو أشبه بعملية تتم وفقا لخطة، ~~بل إن المرء قد يميل إلى القول إن التطور هو أقوى ما يمكن تصوره من ~~الأدلة المؤيدة للغائية. # وهنا يأتي دور الكشف الأعظم الذي توصل إليه دارون؛ فقد رأى أن من ~~الممكن تفسير تقدم التطور على أساس السببية، وأن التطور لا يحتاج ~~إلى أية مفاهيم غائية؛ فالتنوعات العشوائية التي تحدث عند التكاثر ~~تؤدي إلى إيجاد فروق بين الأفراد تستتبع اختلافا في القدرة على ~~التكيف من أجل البقاء، وفي الصراع من أجل الحياة يبقى الأصلح، ولما ~~كان أصلح الأفراد ينقلون قدراتهم الأرفع إلى ذرياتهم، فإن هذا يؤدي ~~إلى تغير تدريجي نحو أشكال تزداد علوا باستمرار. فالأنواع ~~البيولوجية ترتب، كالحصى على الشاطئ، عن طريق سبب انتقائي، والصدفة ~~مقترنة بالانتقاء تولد النظام. # ولقد دارت مناقشات مستفيضة، وأجريت تعديلات كثيرة على نظرية ~~الانتقاء عند دارون، ولكن أسسها لم تتزعزع أبدا. وكان دارون يؤمن ~~بوراثة الصفات المكتسبة، متأثرا في ذلك بسلفه العظيم لامارك # Lamarck ~~، فاعتقد أن التكيف الوظيفي، ~~الذي يكتسبه الفرد بالمران، ينقل إلى ذريته. وقد دار خلاف كثير حول ~~هذه النقطة، وحول دور هذه الفكرة في تصور دارون لنظريته. ومع ذلك، ~~فهناك أمران نستطيع اليوم أن نقررهما على نحو قاطع؛ أولهما أن جميع ~~الشواهد التجريبية المتوافرة اليوم تكذب القول بوراثة الصفات ~~المكتسبة، وثانيهما أن «الدارونية» لا تحتاج إلى أية مسلمة من هذا ~~النوع. وقد استطاعت البيولوجيا الحديثة، عن طريق الجمع بين فكرة ~~دارون في الانتقاء الطبيعي وبين كشوف تجريبية معينة، أن تقدم ~~تفسيرا مرضيا للتغير الوراثي «الموجه»؛ وبذلك تحررت من ~~«اللاماركية» (أي نزعة لامارك). # هذا التفسير مبني على الإثبات التجريبي للتحولات # mutations ~~؛ أي التغيرات في ~~المادة الوراثية للأفراد. مثل هذه التحولات يمكن إحداثها صناعيا ~~بأشعة إكس أو بالحرارة، وهي تحدث في الطبيعة بفعل أسباب عشوائية، ~~ولا ترجع أي تكيف للفرد مع ظروف حياته. وعندما تحدث هذه التحولات ~~يكون الكثير منها معدوم القيمة، ولكن إذا حدثت تحولات مفيدة، فإنها ~~تكسب الفرد قدرات أعظم على البقاء. وعندما يتم إثبات ms178 وجود تحولات ~~وراثية راجعة إلى أسباب عشوائية، فإن الباقي يترك لقوانين الاحتمال ~~التي تؤدي بمضي الوقت، على الرغم من بطء تأثيرها، إلى إيجاد أشكال ~~للحياة تزداد علوا بالتدريج. # ولا يمكن أن يؤدي أي نقد إلى التشكيك في صحة هذا البرهان. فإذا ~~اعترض بأن معظم التحولات ضئيلة إلى حد أنها لا تؤدي إلى ميزة ~~ملموسة فيما يتعلق بالبقاء، فإن الباحث النظري في الاحتمالات يرد ~~بأن التنوعات العشوائية ستحدث عندئذ في جميع الاتجاهات، إلى أن ~~تتجمع في اتجاه واحد، بمحمض الصدفة، بحيث تؤدي إلى ميزة ملحوظة ~~تساعد على البقاء؛ فضآلة التحولات يمكن أن تؤخر عملية التطور، ~~ولكنها لا يمكن أن توقفها. وإذا اعترض بأن كثيرا من التحولات لا ~~فائدة منه، كان الجواب هو أنه يكفي أن تكون هناك بالفعل تحولات ~~مفيدة؛ فالانتقاء عن طريق الصراع من أجل الوجود هو حقيقة لا يمكن ~~تفنيدها، والصدفة مقترنة بالانتقاء تولد النظام، هذا مبدأ لا مفر ~~منه. وهكذا فإن نظرية دارون في الانتقاء الطبيعي هي الأداة التي ~~ترد بها الغائية الظاهرية للتطور إلى السببية. وقد درس علماء ~~الوراثة المحدثون مشكلات التحول والوراثة بكل تفاصيلها، وما زال ~~هناك الكثير مما ينبغي دراسته، غير أن مبدأ دارون يقضي على الحاجة ~~إلى الغائية. # إن نظرية التطور بأسرها مبنية على أدلة غير مباشرة، فهل سيكون من ~~الممكن في أي وقت إيجاد أدلة مباشرة لها، عن طريق إنتاج إنسان في ~~أنبوبة اختبار مثلا. # قد يبدو أننا نطلب أكثر مما ينبغي إذا أردنا أن نحاكي في الوقت ~~القصير الذي تستغرقه تجربة معملية، عملية استغرقت الطبيعة مليون ~~سنة للقيام بها، لولا أن الطبيعة ذاتها قد أمدتنا بنسخ قصيرة ~~الأجل لهذه العملية في نمو كل جنين بشري. هذا النمو يبدأ بمرحلة ~~الخلية الواحدة، وينتقل إلى مراحل أشد تعقيدا، تعيد تلخيص التاريخ ~~الكامل للتطور، ولكن في صورة موجزة، كما بين «هيكل # Haeckel ~~»؛ فهناك مثلا مرحلة تظهر ~~فيها للجنين البشري زعانف خيشومية، ولا يكاد مظهره الخارجي يتميز ~~فيها عن جنين السمكة. وعلى ذلك يبدو أنه ليس ms179 من الإسراف الاعتقاد ~~بإمكان وضع البويضة المخصبة لإحدى الثديات في أنبوبة اختبار ~~وتطويرها إلى فرد كامل، ولكن مثل هذه التجربة لا تثبت الشيء ~~الكثير؛ لأن المادة الأصلية، وهي البويضة المخصبة، ستكون عندئذ ~~نتاجا طبيعيا، وليست من صنع مركب كيميائي. أما أنه سيصبح من ~~الممكن في أي وقت إنتاج البويضات والحيوانات المنوية للثديات ~~بطريقة صناعية، فهو أمر مشكوك فيه إلى حد بعيد. وإن عالم ~~البيولوجيا الحديث ليشعر بالاغتباط لو أنه استطاع أن ينتح أميبا ~~بعمليات صناعية. # غير أن مثل هذه التجربة الأخيرة، لو تمت، لكانت قاطعة إلى حد ~~بعيد؛ فالدليل غير المباشر على التطور من الأميبا إلى الإنسان يبلغ ~~من القوة حدا لا تكاد تدعو الحاجة معه إلى التوسع فيه بتجارب ~~مباشرة. وأكثر المشكلات إلحاحا، بالنسبة إلى العالم البيولوجي ~~الذي يريد أن يجعل نظرية التطور كاملة، هي إنتاج خلية واحدة من ~~مادة غير عضوية. وقد لا يكون إجراء تجربة ناجحة كهذه أمرا بعيدا ~~كل البعد؛ فقد دلت دراسة الكروموزومات (الصبغيات) على أن الجينات ~~(أو المورثات # genes ~~)، وهي تلك ~~الأجزاء القصيرة من تركيب الكروموزوم الذي هو أشبه بالخيط، التي ~~تنتقل بها الخواص الفردية، ليست أكبر من الجزيئات الكبيرة في ~~المادة الزلالية. وأغلب الظن أن علماء البيولوجيا سيتمكنون يوما ~~ما من تركيب جزيئات زلالية صناعية من نوع الجينات ومن نوع ~~البروتوبلازم، ثم يجمعون بينهما، فينتجون بذلك مركبا له جميع خواص ~~الخلية الحية. ولو نجحت هذه التجربة، لأثبتت على نحو قاطع أن أصل ~~الحياة يمكن إرجاعه إلى المادة غير العضوية. # إن مشكلة الحياة لا تتناقض مع مبادئ الفلسفة التجريبية. تلك هي ~~النتيجة التي يؤدي إليها علم البيولوجيا في القرن التاسع عشر؛ فمن ~~الممكن تفسير الحياة مثلما تفسر كل الظواهر الطبيعية الأخرى، وليس ~~علم البيولوجيا بحاجة إلى مبادئ تخالف قوانين الفيزياء. أما ~~الغائية الظاهرية للكائنات الحية فهي قابلة لأن ترد إلى السببية. ~~وليست الحياة في حاجة إلى وجود جوهر لا مادي، أو قوة حيوية، أو ~~كمال # entelechy ~~، أو غير ذلك من ~~الأسماء التي اقترحت لمثل ms180 هذا الكيان العالي على الطبيعة. ومن هنا ~~فإن فلسفة المذهب ~~الحيوي # vitalism ~~، التي تقول بوجود جوهر حيوي خاص من هذا النوع، ~~ينبغي أن تصنف على أنها وريثة للمذهب العقلي؛ فهي تنبثق من فلسفة ~~تضفي على العقل قدرة على التحكم في الكون، وتبحث عن علم بيولوجي ~~يفسر أصل العقل عن طريق جوهر لا يخضع لقوانين العالم الفيزيائي. ~~أما النزعة التجريبية فلا تتجلى في التركيبات التي يقوم بها ~~الفيلسوف فحسب، وإنما تتجلى أيضا في الموقف الذي يتابع به العالم ~~بحوثه التجريبية. وبهذا المعنى تكون البيولوجيا الحديثة تجريبية ~~النزعة، حتى على الرغم من أن بعض خبرائها يحاولون الجمع بين عملهم ~~العلمي وبين فلسفة حيوية النزعة. # على أن تطور الحياة ليس إلا الفصل الأخير في قصة أطول، هي قصة ~~تطور الكون؛ فقد ظلت مشكلة كيفية ظهور الكون تخلب لب الإنسان منذ ~~ظهرت آراء القدماء الخيالية في منشأ الكون. على أن العلم الحديث قد ~~توصل، باستخدام مناهجه الدقيقة في الملاحظة والاستدلال، إلى إجابة ~~أشد إغراقا في الخيال من كل ما كان يحلم به الأقدمون. وأود أن ~~أقدم عرضا موجزا لهذه النظريات، التي تكشف عن قوة المنهج العلمي ~~في ميدان حقق فيه هذا المنهج واحدا من أعظم منجزاته. # كان من الضروري أن تكون هناك أولا خطوة منطقية؛ فبدلا من ~~التساؤل عن كيفية ظهور هذا الكون، أصبح العالم يتساءل كيف أصبح ~~الكون على ما هو عليه الآن. فهو يبحث عن تطور من حالات سابقة إلى ~~الحالة الراهنة، ويحاول الرجوع بهذا التاريخ إلى الوراء على قدر ~~استطاعته. أما إذا كان قد تبقى بعد ذلك شيء ينبغي السؤال عنه، فتلك ~~مسألة سأناقشها بعد قليل. # إن الإجابة الأولى تقدمها إلينا نتائج الأبحاث الجيولوجية، التي ~~تبين أن قشرة هذه الأرض قد تكونت عن طريق البرودة التدريجية لكرة ~~غازية متوهجة، وما زال باطن الأرض متوهجا. أما القشرة الأصلية ~~فتتضح في صخور الجرانيت التي رسبت المحيطات فوقها طبقات من الرواسب ~~تكون الجزء الأكبر من سطح قاراتنا. ومن العجيب أن مدة عملية تكوين ~~القشرة ms181 تقاس بنوع من الساعة الجيولوجية، عرف العلم كيف يقرأ ~~إشاراتها. فالعناصر المشعة، كاليورانيوم والتوريوم وما إليها، تخمد ~~بمعدلات معلومة، بحيث تتحول إلى مادة أكثر دواما، وينتهي بها الأمر ~~إلى أن تصبح رصاصا. وبقياس النسبة بين كمية المواد الإشعاعية وبين ~~كمية الرصاص كما توجد على سطح الأرض في المرحلة الراهنة، يستطيع ~~الجيولوجي تحديد الوقت الذي استغرقه تحويل كل هذه المواد من عناصر ~~إشعاعية بحتة. فإذا افترضنا أن العناصر الإشعاعية تكونت في الحالة ~~الغازية للأرض، على حين أنه لم تكن هناك مواد مختلفة في ذلك الحين، ~~فإن عالم الجيولوجيا يستطيع تحديد عمر الأرض على أساس هذا الوقت. ~~وعلى هذا النحو تبين أن عمر الأرض يبلغ حوالي ألفي مليون ~~سنة. # أما الإجابة الثانية فتتعلق بالنجوم؛ فمن الواضح أن النجم ~~الثابت، مثل شمسنا، يمر بتطور، فيطلق إشعاعات بسرعة هائلة، ولا بد ~~أن تكون له مصادر من الطاقة لتعويض ما يفقد من الطاقة باستمرار، ~~ومن هذه المصادر الجاذبية، كما أدرك هلمولتس # Helmholtz ~~. فالنجم ينكمش، والمادة المتحركة نحو ~~مركزه تحول سرعتها إلى حرارة، وهناك مصدر أقوى للطاقة، هو تحول ~~العناصر، كما يحدث في العمليات الانفجارية للقنبلة الذرية. وفي تلك ~~الحرارة العالية التي توجد في باطن النجم، والتي تقدر في حالة الشمس ~~بعشرين مليون درجة مئوية عند مركزها، تستمر عمليات التماسك ~~والتحلل النووي على الدوام، وتتحول الكتلة إلى طاقة. وقد حلل ~~بيته # Bethe # وجاموف # Gamov # وغيرهما هذه العمليات في ضوء ~~الكشوف القريبة العهد، المتعلقة بتكوين النويات الذرية. أما المصدر ~~الأكبر للطاقة فهو تكوين الهليوم من الهيدروجين، الذي يطلق كميات ~~هائلة من الطاقة، على حين تكون كتلة المادة المفقودة صغيرة نسبيا ~~(وهذه هي العملية التي يعتزم محاكاتها في مشروع القنبلة ~~الهيدروجينية المزمع تنفيذه). # 1 # وتدل الحسابات التي أجريت على الشمس على أن الوقت الذي ~~سيظل الهيدروجين موجودا فيه إلى أن يستنفد نهائيا، يتيح لها ~~عمرا يبلغ حوالي اثني عشر ألف مليون سنة، انقضى منها بالفعل ألفا ~~مليون. ففي خلال هذه العملية، ستصبح الشمس أسخن ببطء، حتى يتم ~~الوصول ms182 إلى حد أعلى، وبعد هذه المرحلة ستبرد الشمس بسرعة. # وتتأيد نظرية تطور النجم بفضل استدلالات من نوع مختلف تماما، ~~تشبه الاستدلالات المستخدمة في نظرية التطور عند دارون؛ فقد اكتشف ~~الفلكيون ترتيبا منظما لمجموع النجوم المرئية في السماء ليلا، ~~وهو ترتيب يمكن النظر إليه على أنه يمثل الترتيب التاريخي للمراحل ~~التي يمر بها كل فرد. وهنا أيضا تتضح قوة الاستدلال من الترتيب ~~المنظم للأشياء المتزامنة على ترتيب التعاقب الزمني. على أن تطبيق ~~هذا الاستدلال في حالة النجوم كان أصعب منه في حالة النظم ~~البيولوجية؛ لأن الترتيب المنظم للنجوم ليس مما يسهل رؤيته. ولقد ~~كان أساس هذه الأبحاث رسما بيانيا إحصائيا توصل إليه الفلكيان ~~ه. ن. رسل # H. N. Russell # وإ. هرتسبرونج # E. Hertzprung ~~. ~~في هذا الرسم البياني تصنف النجوم على أساس النمط الطيفي؛ أي ~~بالنسبة إلى خطوط معينة يكشف المطياف # Spectroscope # في الضوء المنبعث عن النجوم، وتدل على ~~حرارتها. فإذا جمعنا بين النمط الطيفي وبين درجة بريق النجم، أمكن ~~الوصول إلى ترتيب معين للنجوم في سلسلة. فإذا ما نظر إلى الترتيب ~~المنظم الذي تم تكوينه على هذا النحو، على أنه يعبر عن متوسط ~~التعاقب التاريخي لمراحل عمر النجم، كان هذا التفسير مطابقا ~~للنتائج المستمدة من الأبحاث الخاصة بتولد الحرارة في باطن النجوم. ~~فالنجوم الحديثة التكوين كرات غازات ذات حجم هائل، ومادة ضئيلة ~~الكثافة جدا، وضوءهما ميال إلى الحمرة؛ لأن حرارتها ليست عالية ~~جدا. أما النجوم القديمة فإن امتدادها أقل، ولكن كثافة مادتها ~~كبيرة. وما دامت حرارتها تظل عالية، فإن ضوءها يكون أبيض، إلى أن ~~تبرد آخر الأمر ولا تعود مرئية. وهكذا يمتد تاريخ حياة النجم ما ~~بين مرحلتي العملاق الأحمر والقزم الأبيض. أما النهاية فلا تبشر ~~بخير كثير؛ إذ إن شمسنا ستغدو أسخن بعض الوقت، وتجعل المحيطات ~~تغلي، بحيث إنه قد يتعين على البشر أن يهاجروا إلى كوكب أبعد، ~~ولكنها ستبرد آخر الأمر، وتصبح قطعة من المادة باردة ميتة لا وجود ~~للحياة في بيئتها. ولما كان هذا المصير ذاته ينتظر كل ms183 النجوم ~~الأخرى، فإن الكون سيموت آخر الأمر ميتة التعادل الحراري التي تنبأ ~~بها المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية (انظر الفصل ~~العاشر). # أما الإجابة الثالثة فتتعلق بتاريخ المجرات. والمجرة مجموعة ~~مؤلفة من مئات الملايين من النجوم؛ فشمسنا ومجموعتها الكوكبية ~~تنتمي إلى المجرة التي نرى محيطها في السماء ليلا، ونطلق عليه اسم ~~درب التبانة # Milky way ~~. وهناك ~~مجرات أخرى توجد في السدم الحلزونية، وهي تبعد عن مجرتنا ملايين ~~السنين الضوئية، ويفصلها فضاء هائل عنا وعن بعضها البعض. وتدل ~~الملاحظات المطيافية التي كان هبل # Hubble # أول من قام بها، على أن جميع المجرات ~~تقريبا تبتعد عنا بسرعة هائلة، بحيث تزداد السرعة كلما كان السديم ~~الحلزوني أبعد عن مجموعتنا. فإذا افترضنا أن كل مجرة كانت تتحرك ~~على الدوام في مسارها بسرعة واحدة، فإننا نستطيع أن نحسب من أين ~~أتت. وتدل الأرقام على أن جميع المجرات كانت، منذ حوالي ألفى مليون ~~سنة، متجاورة في مكان واحد، وكانت تكون على الأرجح كرة غازية هائلة ~~ذات حرارة شديدة الارتفاع. # ولا شك أن ظهور الرقم «ألفي مليون سنة» في كل هذه الحسابات هو ~~أمر ملفت للنظر إلى أبعد حد؛ إذ يبدو أن بداية كوننا، وشمسنا، ~~وأرضنا، كانت منذ حوالي ألفى مليون سنة. ويظهر في مجال الفلك تطور ~~يشير إلى وجود بداية مشتركة في عهد سحيق، تشهد بها أرقام علم الطيف ~~وعلم الجيولوجيا، بل إن قطع الشهب، التي تصل إلى أرضنا في طريقها ~~عبر الكون، تدل على نفس التاريخ منطبعا على مادتها، وذلك على أساس ~~انحلال مادتها الإشعاعية. وإذن فقد كانت هناك، في قديم الزمان، كرة ~~غازية متوهجة هائلة، هي الأميبا التي انبثق منها الكون. على هذا ~~النحو تبدأ قصة التطور. # فهل هذا كل ما يمكننا أن نسأل عنه؟ لقد تتبع العلم تاريخ الكون ~~إلى وقت يرجع إلى الوراء ألفي مليون سنة، فما الذي كان هناك قبل ~~هذا التاريخ؟ وهل يحق لنا أن نتساءل عن كيفية ظهور الكرة الغازية ~~الأولى إلى الوجود؟ # إن من يسأل هذا السؤال يكون قد دخل ms184 أرض الفلسفة، والعالم الذي ~~يحاول الإجابة عن هذا السؤال يتحول إلى فيلسوف؛ لذلك أود أن أوضح ~~ما ينبغي أن يجيب به الفيلسوف الحديث. # لقد أجاب الفلاسفة التأمليون على هذا السؤال بابتداع مذهب في ~~نشأة الكون كان يضع الخيال محل العلم؛ أن يفترض فعلا للخلق من لا ~~شيء. وهي إجابة لا تعدو أن تكون تعبيرا عن الجهل بالموضوع، ~~مختبئا خلف قناع لا يصعب استشفاف ما وراءه. أما إذا مضينا أبعد من ~~ذلك، وبنينا هذه الإجابة على أساس أننا سنظل إلى الأبد جاهلين، ~~فإننا نكون بذلك قد نسبنا إلى أنفسنا - متنكرين في ثياب التواضع - ~~قدرة كاملة على استباق التطورات العلمية المقبلة. # أما الفيلسوف الحديث فيتخذ موقفا مغايرا؛ فهو يأبى تقديم إجابة ~~قاطعة تؤدي إلى إعفاء العالم من مسئوليته، وكل ما يمكنه أن يفعله ~~هو أن يوضح ما الذي يمكنه أن يوجهه من الأسئلة ذات المعنى، ويضع ~~الخطوط العامة لعدة إجابات ممكنة، تاركا للعالم مهمة تحديد ~~الإجابة الصحيحة في يوم ما. والواقع أن الفيزياء الحديثة قدمت مواد ~~كثيرة تفيد في هذه المهمة المنطقية، وسوف تهتدي إلى وسائل لحلول ~~أخرى، إذا اتضح أن الإجابات الممكنة المعروفة حاليا غير ~~كافية. # إن السؤال عن كيفية تولد المادة من لا شيء، أو البحث عن علة ~~أولى، علة الحادث الأول، أو الكون في مجموعه، ليس سؤالا ذا معنى؛ ~~ذلك لأن التفسير على أساس العلل أو الأسباب يعني الإشارة إلى حادث ~~سابق يرتبط بالحادث اللاحق من خلال قوانين عامة؛ فلو كان ثمة حادث ~~أول، لما كان له سبب، ولما كان هناك معنى لطلب تفسير له، ولكن ليس ~~من الضروري أن يكون هناك حادث أول؛ ففي استطاعتنا أن نتخيل أن يكون ~~كل حادث مسبوقا بحادث أسبق، وأن الزمان ليست له بداية. ففكرة لا ~~نهائية الزمان، في كلا الاتجاهين، لا تثير صعوبات أمام الذهن؛ إذ ~~إننا نعلم أن سلسلة الأعداد لا نهاية لها، وأن لكل عدد عددا أكبر ~~منه، ولو أدرجنا الأعداد السلبية، لم تكن لسلسلة الأعداد بداية ~~بالمثل؛ إذ إن ms185 لكل عدد عددا أصغر منه. وقد عالجت الرياضيات بنجاح ~~السلاسل اللانهائية، التي لا توجد لها بداية ولا نهاية، ولم تجد ~~فيها شيئا ممتنعا. أما الاعتراض بأن من الضروري وجود حادث أول، ~~أي بداية في الزمان، فيعبر عن موقف الذهن غير المدرب. فالمنطق لا ~~ينبئنا بأي شيء عن تركيب الزمان، وهو يمدنا بوسائل معالجة السلاسل ~~اللامتناهية التي ليست لها بداية ، مثلما يمدنا بوسائل معالجة ~~السلاسل المتناهية التي لها بداية. فإذا كانت الشواهد العلمية تؤيد ~~القول بزمان لا نهائي، صادر عن اللانهائية وصادر إلى اللانهائية، ~~فليس للمنطق اعتراض على ذلك. # إن من الحجج الأثيرة لدى الفلسفات المضادة للعلم، القول إن ~~التفسير ينبغي أن يتوقف عند نقطة ما، وإنه ستظل هناك أسئلة لا ~~إجابة لها. غير أن الأسئلة التي يقصدونها عندئذ إنما هي أسئلة ~~تكونت نتيجة لسوء استخدام الألفاظ. فالألفاظ التي يكون لها معنى في ~~تجمع معين قد لا يكون لها معنى في تجمع آخر، فهل يمكن ثمة أب لم ~~يكن له ابن أبدا؟ إن كل شخص لا بد أن يسخر من الفيلسوف الذي يرى في ~~هذا السؤال مشكلة جدية. ومع ذلك فإن السؤال عن سبب الحادث الأول، ~~أو سبب الكون في مجموعه، ليس أفضل من ذلك؛ فكلمة «سبب» تعبر عن ~~علاقة بين شيئين، وهي لا تعود منطبقة عندما يكون الكلام منصبا على ~~شيء واحد. وعلى ذلك فليس للكون في مجموعه سبب؛ لأنه لا يوجد، حسب ~~التعريف، شيء خارجه يمكن أن يكون سببا له. والواقع أن هذا النوع ~~من الأسئلة إنما هو لغو لفظي خاو، وليس مناقشة فلسفية. # أما العلم، فبدلا من أن يسأل عن أصل الكون، فإنه لا يستطيع أن ~~يسأل إلا عن سبب الحالة الراهنة للكون، ومهمته تنحصر في الرجوع ~~تدريجيا بالتاريخ الذي يمكنه على أساسه أن يصف الكون من خلال ~~قوانين الطبيعة. وفي يومنا هذا يبلغ هذا التاريخ ألفي مليون عام، ~~وهي مدة زمنية طويلة، من المؤكد أن استخلاصها من ملاحظات فلكية يعد ~~عملا علميا من الطراز الأول، وقد يحدد ms186 هذا التاريخ يوما بالرجوع ~~إلى الوراء ألفي مليون عام أخرى. # أما السبب الذي نود من أجله الرجوع بهذا التاريخ إلى الوراء، فهو ~~أن الكرة الغازية الساخنة التي يحيط بها فضاء، ليست حالة مناسبة ~~لتكون نقطة بداية، وإنما هي تقتضي تفسيرا من خلال تاريخ أسبق، ولا ~~يمكن أن تكون هذه حالة استمرت طويلا؛ لأنها ليست حالة متوازنة. ~~ومن الجائز أن الكرة الغازية ستفسر يوما على أنها سديم في كون ~~أعظم، مر بتطور مماثل لتطور كوننا، فلسنا نعلم ماذا ستنبئنا به ~~مناظير الغد الفلكية؛ فربما نقلت إلينا رسالة من سدم حلزونية أبعد ~~لا تنتمي إلى نظامنا الكوني المتمدد (انظر الهامش الأخير من ~~هذا الفصل). # على أن نظرية النسبية عند أينشتين تأتينا بتفسير أفضل لكرة الغاز ~~الأصلية؛ ففي رأي أينشتين أن الكون ليس لا متناهيا، وإنما هو مكان ~~من النوع الذي تسري عليه هندسة ريمان، ذو شكل كروي. وليس معنى ذلك ~~أن الكون مقفل بنوع من القشرة الكروية، توجد بدورها في فضاء لا ~~متناه، وإنما معناه أن مجموع المكان متناه، دون أن تكون له حدود. ~~فحيثما كنا، نجد على الدوام مكانا محيطا بنا في الاتجاهات، ولا ~~تبدو للعيان نهاية له، ولكنا إذا تحركنا قدما في خط مستقيم، فسوف ~~تعود يوما ما إلى نقطة بدايتنا من الاتجاه الآخر. ونستطيع أن نشبه ~~خواص المكان الثلاثي الأبعاد هذه بالخصائص الملاحظة لسطح أرضنا ~~الثنائي الأبعاد، الذي يتمثل في جميع أرجائه على أنه سطح مستو ~~تقريبا. على حين أن مجموعة من المساحات كلها مقفل، بحيث إن من ~~يسير في خط مستقيم يعود آخر الأمر إلى نقطة بدايته. فالمكان ~~المقفل، شأنه شأن كل المفاهيم الأخرى في الهندسة اللاإقليدية، ~~يمكن تصويره بصريا، على الرغم من أن هذا التصور البصري يقتضي بعض ~~المران من أجل التخلص من تعودنا على بيئة هندسية أبسط. # وقد قام العالمان الرياضيان فريدمان # Friedmann # ولوميتر # Lemaitre # بإدخال تعديل على آراء أينشتين هذه، بحيث ~~أصبحت تقوم على افتراض أن مجموع المكان المتناهي ليس له حجم ثابت، ~~وإنما هو ms187 يتمدد. ونستطيع أن نشبه هذا التمدد بامتداد سطح «بالون» ~~من المطاط أثناء نفخه. فمنذ حوالي ألفي مليون عام، كان المكان ~~الكوني صغيرا إلى حد ما، وكان يملؤه كله الغاز الأول، ولكنه منذ ~~ذلك الوقت يتمدد بالسرعة التي تدل عليها سرعة المجرات المتباعدة. ~~وإنه لمن الحقائق الهامة أن رياضيات النظرية النسبية تفتح المجال ~~للقول بمثل هذا الكون المتمدد، وإن لم تكن تؤدي إلى إجابة لا لبس ~~فيها ولا غموض؛ فمعادلات أينشتين هي ما يسميه الرياضي بالمعادلات ~~التفاضلية، ومثل هذه المعادلات تقبل كثرة من الحلول المختلفة. ~~ويحاول العالم الفيزيائي أن يختار الحل الذي يلائم نتائج الملاحظات ~~على أفضل وجه؛ ففي الوقت الراهن ما زالت الملاحظات الفلكية أقل من ~~أن تسمح بإجابة قاطعة. # ولا شك أن حل مشكلة بداية الكون كان يغدو أفضل بكثير لو أننا ~~استطعنا أن نضع صيغة تحدد حالة سابقة بالنسبة إلى كل حالة فعلية؛ ~~وبالتالي تتحكم في التطور الكامل لمدة لا نهائية في الماضي، بدلا ~~من أن نترك على الدوام للعلم في مرحلة جديدة منه مهمة الرجوع ~~بتاريخ الخطوة الأولى إلى الوراء أكثر من ذلك. والواقع أن القول ~~بتمدد الكون يحقق هذا الإمكان؛ لأن هناك حلولا للمعادلات النسبية ~~من شأنها أن يكون الكون قد استغرق زمنا لا نهائيا لكي ينمو من ~~حجم الصفر إلى الحجم الصغير الذي كان عليه منذ ألفي مليون سنة. ~~كذلك يمكن تنويع الحل إلى حد ما، بحيث يكون للمرحلة الأصلية في ~~الماضي اللانهائي حجم متناه صغير. ونستطيع أن نضيف إلى هذه الصيغة ~~الرياضية التفسير التالي: كان الغاز الذي يملأ الكون في حالة ~~ثابتة، طوال الوقت الذي ظل فيه الكون صغيرا، ولم يبدأ الغاز في ~~الانقسام إلى أجزاء منفردة تحولت بقوة الجاذبية إلى نجوم إلا بعد ~~أن بلغ حجما معينا. والواقع أن في استطاعة الصيغة الرياضية للكون ~~المتمدد، مقترنة بهذا التفسير، أن تجيب على جميع الأسئلة التي يكون ~~من المعقول توجيهها، وفي هذه الحالة لن تقول إن الكون كان له في أي ~~وقت حجم الصفر، أو ms188 حجم يبلغ الحد الأقصى من الصغر، ما دام كل ما ~~تقول به هو وجود وحدة اتجاه متقاربة في البداية، وإن كانت ستجيب ~~دفعة واحدة عن جميع الأسئلة من نوع «ماذا كان سبب هذه الحالة» بأن ~~تعزو إلى كل حالة معطاة حالة سابقة؛ وعندئذ تكون الإجابة على ~~السؤال عن أصل الكون مماثلة للإجابة على السؤال عن العدد الأصغر؛ ~~فصيغة التمدد تقول إنه ليس للكون أصل، وإنما توجد سلسلة لا نهاية ~~لها من الحالات التي يمكن حسابها، والمرتبة في الزمان. وبقي علينا ~~أن نرى إن كان هذا التفسير متمشيا مع المعطيات الفلكية. # وقد قال إدنجتن # Eddington # برأي ~~مخالف إلى حد ما، وإن كان يسير في نفس الاتجاه؛ فهو يرى أن الكون ~~الصغير المقفل، الذي يملؤه غاز متوهج، يمكن أن يدوم وقتا طويلا؛ ~~وبذلك يكون في حالة اتزان، على خلاف كرة الغاز المعلقة في كون لا ~~نهائي، غير أنه لا يكون في حالة توازن ثابت من حيث إن أبسط اضطراب ~~يحدث فيه يؤدي إلى بدء حركة تمدد، تفضي إلى التطور الذي يدوم اثني ~~عشر ألف مليون من السنين، وهو التطور الذي تقول به قوانين الفيزياء ~~الفلكية. ومن الممكن إثبات أن عدم الاستقرار الذي يشير إليه هذا ~~الفهم، هو نتيجة للمعادلات النسبية. وبعد فترة التطور يصل الكون ~~مرة أخرى إلى حالة التوازن، ولكنه يكون ميتا؛ نظرا إلى التدهور ~~الديناميكي الحراري. وهذا معناه أن التوازن ثابت، وأن الاضطرابات ~~البسيطة لا تستطيع أن تؤدي إلى بدء أي تغير هام. والواقع أن هذه ~~الصورة مشابهة إلى حد يدعو إلى الدهشة لنظرية ديمقريطس وأبيقور في ~~الذرات التي ظلت تتحرك بانتظام في الفضاء زمنا لا متناهيا، حتى ~~حدث اضطراب بسيط، أدى عن طريق سلسلة من ردود الأفعال إلى تحويل ~~الحركة المنتظمة إلى خليط مضطرب، تطورت منه التركيبات المعقدة ~~لعالمنا. ويبدو أن الفيزياء القائلة باللاتحدد تقبل افتراض أبيقور ~~الذي يقول بحدوث اضطراب بسيط لا سبب له، وهو الافتراض الذي قوبل في ~~كثير من الأحيان بهجوم من أنصار الحتمية الدقيقة؛ فميكانيكا ms189 ~~الكوانتم خليقة بأن تنظر إلى الغاز الأول على أنه يتعرض لتقلبات ~~تحكمها قوانين الصدفة، وليس ثمة صعوبة في افتراض أنه قد مر وقت ~~طويل قبل أن تنتج الصدفة حالة متغيرة تبلغ من الضخامة حدا يكفي ~~لبدء التمدد في الكون. فالتخلي عن الحتمية يجعل من الممكن تصور ~~بداية للتطور لا تكون خلقا، وإنما تكون نتاجا للصدفة. وتتميز تلك ~~البداية بأنها متدرجة؛ لأن الانتقال من التغيرات التي تحدث بالصدفة ~~إلى الاضطراب (الذي يبدأ به التطور) مستمر، ولا يمكن أن يعزى إلى ~~نقطة زمنية معينة. # وهناك أيضا احتمال لحل مختلف كل الاختلاف؛ فدراسة الترتيب ~~الزمني قد أفضت بنا إلى النتيجة القائلة إن اتجاه الزمان مستمد من ~~عدم قابلية العمليات الديناميكية الحرارية للانعكاس؛ وهو بالتالي ~~مسألة إحصائية (انظر الفصل العاشر). ومن المحتمل جدا - وإن لم يكن ~~من المؤكد على نحو مطلق - أن الطاقة تسير في خط هابط من أشكال أعلى ~~إلى حالة من الحرارة المتجانسة؛ وعلى ذلك فإن هذا المسار الهابط ~~للكون هو مسألة إحصائية، وليس من المستحيل أن تحدث عمليات عكسية، ~~وأن يسير الكون في مسار صاعد وقتا ما. والواقع أن العبارة «وقتا ~~ما» في هذه الجملة معنى مشكوك فيه؛ لأنه إذا كان الكون يتجه في ~~مسار صاعد، فإن ما نسميه باتجاه الزمان يكون اتجاها عكسيا؛ ~~وعندئذ ينظر البشر الذين يعيشون في فترة كهذه إلى هذا الاتجاه ~~العكسي على أنه اتجاه «الصيرورة». والواقع أن هذا الاحتمال الذي ~~نشير إليه، والذي تصوره بولتسمان # Boltzmann # لا يعني أقل من أنه لا يوجد تعاقب زمني ~~في خط واحد بالنسبة إلى الكون بأسره، وإنما ينحل الزمان إلى خيوط ~~متفرقة، لكل منها ترتيب متسلسل، على حين أنه لا يوجد زمان أعلى ~~يمكن ترتيب الخيوط ذاتها على أساسه. فالزمان في كل خيط يستنفد نحو ~~كلا الطرفين، دون أن ينتهي في نقطة فاصلة محددة المعالم، وكأنه نهر ~~يصب في صحراء. وقد يكون الامتداد الزمني الذي يعزوه الفلكيون إلى ~~كوننا، من ألفي مليون سنة في الماضي إلى عشرة آلاف مليون سنة ms190 في ~~المستقبل قد يكون واحدا من هذه الخيوط الزمنية. والواقع أنه لم ~~تجر أبحاث كثيرة حول طبيعة هذا الزمان المتقطع، ولكن ليس من شك في ~~أنه يمدنا بأحد الأشكال الممكنة لحل مشكلة الزمان. # وبهذه المناسبة، فمن الواجب الربط بين رأي إدنجتن في بداية ~~العالم بدوره وبين مثل هذا التحليل للزمان؛ فكما يقول إدنجتن، فإن ~~فترة التطور هي وحدها التي يمكن، تبعا لهذا الرأي ، أن تعد ذات ~~زمان، أما فترتا التوازن الطويلتان قبل هذا الخيط الزماني وبعده ~~فلا يمكن أن يقال إن لهما ترتيبا زمنيا؛ لأنهما لا تمثلان عملية ~~غير قابلة للانعكاس؛ وعلى ذلك فليس ثمة فارق كبير بين النظر إليهما ~~على أنهما متناهيتان أو على أنهما لا متناهيتان. فالقول بأنهما ~~متناهيتان، والسؤال عما كان قبل الفترة الراكدة الأولى، أو ما ~~سيكون بعد الثانية؛ يعني استخدام زمان أعلى # Supertime ~~. رأينا من قبل أن من ~~المستحيل تعريفه على نحو ذي معنى. ويبدو أنه ليس ثمة سبب لوصف ~~الكون على أساس مقياس زماني لا متناه، هو على أية حال صيغة رياضية ~~أكثر منه نتيجة يؤيدها الواقع الفيزيائي. فمن الممكن دائما تفسير ~~الظواهر الملاحظة على أساس خيط زماني متناه، يمتد من حالة لا زمانية ~~إلى أخرى دون نقطة بداية أو نقطة نهاية محددة المعالم. # هذه بعض الإجابات الممكنة للسؤال عن أصل الكون. أما الإجابة ~~الحقيقية فسوف يقررها العلم يوما ما. وما زال الجدل يثور حول مشكلة ~~الكون الذي هو مقفل ولكنه متمدد؛ إذ إن الأدلة الفلكية المتوافرة ~~بشأنها الآن ليست قاطعة، ولا بد للوصول إلى حل من انتظار مواد ~~مستمدة من الملاحظة، تزيد بكثير عما هو موجود. # 2 # وعلى الرغم من صعوبة الاهتداء إلى إجابة، فليس ثمة سبب ~~يدعو إلى إقفال باب المناقشة في ~~موضوع التطور بتأكيد قطعي نجزم فيه بأننا «لن نعرف أبدا». فأولئك ~~الذين يؤمنون أن الكلمة الأخيرة ينبغي أن تكون من هذا النوع، يتعين ~~عليهم أن يعيدوا اختبار أسئلتهم، وسيجدون أن ما كانوا يسألون عنه ~~لا معنى له؛ فليس مما له ms191 معنى أن يتساءل المرء عن سبب الكون، بل إن ~~كل تفسير ينبغي أن يبدأ بأمر واقع معين. وكل ما يستطيع العلم أن ~~يفعله هو أن يعود بالأمر الواقع إلى موضع منطقي معين يكون فيه قادرا ~~على تقديم أقصى حد من التفسير. # إن استبعاد الأسئلة التي لا معنى لها من مجال الفلسفة أمر عسير؛ ~~لأن هناك نوعا معينا من العقلية يسعى إلى البحث عن أسئلة لا يمكن ~~الإجابة عنها. على أن الرغبة في إثبات أن للعلم قدرة محدودة، وأن ~~أسسه النهائية تعتمد على نوع من الإيمان لا على المعرفة، هي رغبة ~~يمكن تفسيرها على أساس علم النفس والتربية، ولكنها لا تجد تأييدا ~~من المنطق؛ فهناك علماء يشعرون بالفخر عندما تنتهي محاضراتهم عن ~~التطور بدليل مزعوم على أنه ستبقى هناك أسئلة يعجز العالم عن ~~الإجابة عليها. وكثيرا ما يستشهد الناس بآراء هؤلاء العلماء بوصفها ~~دليلا على عدم كفاية الفلسفة العلمية. ومع ذلك فكل ما تثبته هذه ~~الآراء هو أن الإعداد العلمي لا يكفي في كل الأحيان لإكساب العالم ~~القدرة على مقاومة إغراء تلك الفلسفة التي تدعو إلى الاستسلام لنوع ~~من الإيمان. أما من كانت الحقيقة ضالته المنشودة فعليه ألا يستسلم ~~لتخدير الاعتقادات المسلم بها؛ حتى لا تهدأ في نفسه سورة البحث؛ ~~ذلك لأن العلم سيد نفسه، وهو لا يعترف بسلطة تخرج عن حدوده. # الفصل الثالث عشر # | المنطق الحديث # أصبح تكوين المنطق الرمزي سمة من أبرز سمات الفلسفة العلمية؛ ~~فهذا المنطق، الذي كان في الأصل شفرة سرية لا تفهمها إلا جماعة ~~صغيرة من الرياضيين، قد أخذ يجذب انتباه دارسي الفلسفة على نحو ~~متزايد، لهذا فإن تقديم عرض موجز للتطور الذي أدى إلى ظهور المنطق ~~الرمزي، ولمشكلاته وحلوله، قد يكون أمرا يرحب به كل من يتوافر ~~لديهم الوقت الكافي للقيام بدراسة متخصصة لهذا الفرع الفلسفي ~~الجديد. # إن علم المنطق اكتشاف يوناني. وليس معنى ذلك أنه لم يكن هناك ~~تفكير منطقي قبل اليونانيين، إذ إن التفكير المنطقي قديم قدم ~~التفكير ذاته، وكل فعل فكري ناجح ms192 يخضع لقواعد المنطق. غير أن تطبيق ~~هذه القواعد دون وعي في عمليات التفكير العملي شيء، وصياغتها بصورة ~~واضحة من أجل جمعها على شكل نظرية شيء آخر. ولقد كان هذا البحث ~~المخطط في القواعد المنطقية هو الذي بدأ على يد أرسطو. # وقد ركز أرسطو أبحاثه في ميدان أصبحنا نعلم اليوم أنه باب خاص ~~جدا من أبواب المنطق. فقد صاغ قواعد الاستدلال الخاص بالفئات، أي ~~الاستدلال المتعلق بعضوية الفئات. والمقصود بالفئة كل أنواع ~~المجموعات أو الكليات؛ مثل فئة البشر، أو القطط، فكون سقراط ~~إنسانا هو بالنسبة إلى المنطق، مثال لعضوية الفئة؛ إذ إن سقراط ~~عضو في فئة الناس، ويسمى الاستدلال المتعلق بعضوية الفئة قياسا. ~~مثال ذلك أن نستدل من المقدمتين «كل إنسان فان» «وسقراط إنسان» على ~~النتيجة «سقراط فان». # هذا النوع من الاستدلال يبدو لأول وهلة ضئيل القيمة، غير أن مثل ~~هذا الحكم ليس فيه إنصاف لأرسطو. فما كشفه أرسطو هو أن للاستدلال ~~صورة ينبغي التمييز بينها وبين مضمونه. فالعلاقة بين المقدمتين ~~والنتيجة، كما تتمثل في الاستدلال المتعلق بسقراط، مستقلة عن ~~الفئات الخاصة المشار إليها، وهي تظل سارية على غيرها من الفئات ~~والأفراد المناسبين أيضا، وبفضل دراسة أرسطو للصور المنطقية، اتخذ ~~الخطوة الحاسمة التي أدت إلى قيام علم المنطق. وقد صاغ بوضوح بعض ~~المبادئ الرئيسية للمنطق؛ مثل مبدأ الهوية ومبدأ التناقض. # غير أن أرسطو لم يقم إلا بالخطوة الأولى؛ فمنطقه لا يسري إلا على ~~بعض الصور الخاصة للعمليات الفكرية. ولكن هناك، إلى جانب الفئات، ~~علاقات. والعلاقة ليس لها أعضاء أفراد، وإنما تشير إلى أزواج من ~~الأعضاء (أو إلى مجموعات ثلاثية، أو إلى مجموعات تضم عددا أكبر). ~~فكون إبراهيم أبا إسحق هو حقيقة تتعلق بإبراهيم وإسحق، وبالتالي ~~تحتاج للتعبير عنها إلى العلاقة «أبو ...» وبالمثل إذا كان زيد أطول ~~من عمرو، فإن علاقة «أطول من» تسري فيما بين هذين الشخصين. ~~فالاستدلالات الخاصة بالعلاقات لا يمكن التعبير عنها في منطق ~~الفئات؛ مثال ذلك أن منطق أرسطو لا يستطيع أن يثبت أنه إذا كان ~~إبراهيم أبا ms193 إسحق، فإن إسحاق ابن إبراهيم، # 1 # فمنطقه لا يملك وسيلة التعبير عن صورة هذا ~~الاستدلال. # وإن المرء ليميل إلى الاعتقاد بأنه لم يكن من العسير على مكتشف ~~منطق الفئات أن يمتد بعمله إلى منطق العلاقات، ما دامت اللغة التي ~~كان يتكلمها لم تكن تقل تطورا عن لغتنا، وكانت لها كل الصور ~~النحوية اللازمة لمعالجة العلاقات. وفضلا عن ذلك فقد عرف أرسطو ~~بوجود العلاقات، ففي كتابه عن المقولات يشرح بوضوح تام أن علاقة ~~مثل «أكبر من» تقتضي شيئين تسري فيما بينهما. ولكنه لا يمتد ~~بنظريته في الاستدلال بحيث تشمل العلاقات. وقد يكون السبب هو أن ~~اهتمام واضع منطق الفئات بالمسائل الأقرب إلى الطابع الميتافيزيقي ~~كان أعظم من أن يتيح له الوقت اللازم لإكمال عمله المنطقي. ولكن ~~إذا صح ذلك فقد كان في استطاعة واحد من تلاميذه أن يضع منطقا ~~للعلاقات. غير أن العجيب أن شيئا من ذلك لم يحدث، ويبدو أن أرسطو ~~لم يدرك أبدا أن لمنطقه حدودا لم يستطع أن يتعداها. ولم يضف ~~تلاميذه إلا تفصيلات قليلة، ولكنهم لم يتجاوزوا عمل أستاذهم في أي ~~موضوع أساسي. ولم يطرأ تغير إلى الأحسن في القرون التالية. وهكذا ~~تتمثل في تاريخ المنطق صورة عجيبة لعلم ظل طوال أكثر من ألفي عام ~~في نفس المرحلة الأولية التي تركه فيها مؤسسه. # فما هو تفسير هذه الحقيقة التاريخية؟ إن تاريخ المنطق يبدو، ~~بالقياس إلى التقدم الهائل الذي أحرزته الرياضة وأحرزه العلم خلال ~~هذه الأعوام الألفين، أشبه ببقعة جرداء في بستان المعرفة. فما ~~السبب الذي يمكننا أن نعلل به هذا الركود؟ # إن المنطق يحتاج، أكثر من أي مبحث آخر في الفلسفة، إلى معالجة ~~فنية متخصصة لمشكلاته. فالمشكلات المنطقية لا تحل بلغة مجازية، ~~وأيضا تقتضي دقة الصياغة الرياضية، بل إن مجرد التعبير عن المشكلة ~~يكون في كثير من الأحيان مستحيلا بدون مساعدة لغة تماثل في دقتها ~~لغة الرياضيات. ولقد كان الفضل الذي ينبغي أن ينسب إلى أرسطو ~~ومدرسته هو أنهم هم الذين وضعوا الأسس الأولى للغة فنية دقيقة ms194 ~~للمنطق، وهي لغة أضافت إليها العصور الوسطى بضعة عناصر ضئيلة ~~القيمة. ولكن ذلك كل ما تم في هذا الاتجاه خلال ألفي عام. وعلى حين ~~أن كبار الرياضيين قد استحدثوا لعلمهم أسلوبا فنيا ذا كفاءة ~~عالية، فإن التجاهل كان من نصيب أسلوب المنطق، بل إن المنطق ~~التقليدي يتمثل على الصورة الهزيلة لعلم لم يكن أبدا مجالا لعمل ~~رجل عظيم. فيبدو أن أولئك الذين وهبوا أعظم قدرة على التفكير ~~المجرد لم يجذبهم المنطق، وإنما اجتذبهم العلم الرياضي الذي كان ~~يتيح لهم فرصا أعظم للنجاح. وهذا الحكم يصدق حتى على عهد أرسطو؛ ~~إذ إن التحليل المنطقي الذي مارسه رجال مثل فيثاغورس وإقليدس في ~~ميدان الرياضة يفوق بكثير تلك الكشوف التحليلية التي تم الوصول ~~إليها في منطق أرسطو. ولولا مساعدة العقل الرياضي، لظل المنطق ~~محكوما عليه بالبقاء في مرحلة الطفولة. وعلى الرغم من أن «كانت» ~~لم يستطع أن يستحدث منطقا أفضل، فإنه قد أصدر حكما صحيحا على ~~الموقف عندما أعرب عن دهشته لأن المنطق هو العلم الوحيد الذي لم ~~يحرز أي تقدم منذ بداية عهده. # ولقد كان أول رياضي عظيم اتجه اهتمامه صوب المنطق هو ليبنتس. وكانت النتائج التي ~~توصل إليها ثورية؛ إذ كان هو أول من وضع برنامج التدوين الرمزي، ولو كان قد أبدى في ~~تنفيذ هذا البرنامج نفس الجهد والعبقرية اللذين أبداهما في اختراعه لحساب التفاضل، ~~لعجل بظهور المنطق الرمزي قبل مائة وخمسين عاما من موعد ظهوره الفعلي. غير أن عمله ~~ظل غير مكتمل، وغير معروف في عصره، وكان لزاما على كتاب القرن التاسع عشر أن يجمعوه ~~من رسائله ومن مخطوطاته غير المنشورة. وكانت نقطة التحول في تاريخ المنطق هي منتصف ~~القرن التاسع عشر، عندما شرع رياضيون مثل بول # Boole # ودي مورجان # de Morgan # في التعبير عن مبادئ المنطق ~~بلغة رمزية من نوع التدوين الرياضي. واستمر بناء المنطق الرمزي على أيدي رجال مثل ~~بيانو # G. Peano # وبيرس # C. S. Peirce # وشرودر # E. Schroeder # وفريجه # G. Frege # ورسل # B. ~~Russell # الذين بدأ بفضلهم ms195 نوع جديد من الفيلسوف، هو المنطقي الرياضي، يدخل ساحة ~~التاريخ. # ويتميز المنطق الجديد، شأنه شأن فلسفة المكان والزمان، بأنه لم ~~يحقق نموه من داخل الفلسفة التقليدية، بل من ميدان الرياضيات؛ فقد ~~اكتشف الرياضيون مجالا ظل تفكيرهم يتجاهله طويلا، يتيح فرصا ~~لمعالجة فنية شبيهة بالمعالجة الفنية للرياضيات. وبفضل بناء المنطق ~~الرمزي أسهم القرن التاسع عشر بنصيب آخر في الفلسفة. ولو نظرنا إلى ~~موقع القرن التاسع عشر في تاريخ الفكر على النحو الذي أوضحناه من ~~قبل، لبدا مثل هذا التطور طبيعيا، فقد طبقت على مجال المنطق تلك ~~المحاولة التي ترمي إلى إيجاد أسلوب فني قابل للتطبيق عمليا، وهي ~~المحاولة التي أحرزت نجاحا كبيرا في جميع العلوم. وفي الوقت ذاته ~~تبين أن الأسلوب الفني للمنطق يكون أداة للبحث في أسس المعرفة، وهو ~~بدوره بحث يبدو نتيجة طبيعية لتعقد التفكير العلمي وازدياد دقته، ~~وهكذا بدأت البقعة الجرداء في بستان المعرفة تحرث بذلك الأسلوب ~~الرياضي الذي كان قد أحرز تقدما عظيما. # ولكن لماذا يعد إدخال التدوين الرمزي أمرا له كل هذه الأهمية ~~بالنسبة إلى علم المنطق؟ إن له تقريبا نفس أهمية التدوين الرياضي ~~الجيد. فلنفرض أن أمامك مسألة مثل: «لو كان زيد أصغر خمس سنوات، ~~لكان سنه ضعف سن عمرو عندما كان هذا الأخير أصغر بست سنوات، ولو ~~كان زيد أكبر بتسع سنوات، لكان سنه ثلاثة أضعاف سن عمرو عندما كان ~~هذا الأخير أصغر بأربع سنوات» فإذا حاولت أن تحل هذه المسألة ~~مباشرة بإجراء عمليات الجمع والطرح والبحث في كل حالات «لو»، لوصلت ~~بعد فترة قصيرة إلى نوع من الدوار وكأنك تركب أرجوحة. ولكن لتأخذ ~~بعد ذلك قلما وورقة، وترمز إلى سن زيد بالحرف «س» وإلى سن عمرو ~~بالحرف «ص»، ولتكتب المعادلات الناتجة وتحلها بالطريقة التي تعلمتها ~~في المدرسة الثانوية، وعندئذ ستدرك قيمة أسلوب التدوين الجيد، ~~وينطوي المنطق بدوره على مشكلات مماثلة. فلنتأمل المثال الآتي: «إن ~~من المؤكد أن كليوباترا لم تكن حية في عام 1938 ولم تكن متزوجة من ~~هتلر ولا من موسوليني.» فما ms196 الذي تعنيه هذه المجموعة من العبارات؟ ~~إن المنطقي الرياضي يوضح لك كيفية كتابتها بالرموز، ثم يحول ~~التعبير عن طريق عمليات مماثلة لتلك التي تعلمت أن تستخدم بها «س» و«ص»، ~~وينبئك أخيرا بأن الجملة تعني أنه «لو كانت كليوباترا حية في ~~عام 1938 لتزوجت من هتلر أو موسوليني.» وأنا لا أود أن أقول إن ~~التصريح الذي كشفنا عنه ذو أهمية سياسية كبرى، غير أن المثل يوضح ~~فائدة الأسلوب الفني الرمزي. وليس في وسعنا أن نوضح هنا كيفية ~~تطبيق التدوين على مشكلات لها أهمية أعظم، ومع ذلك فمن الواضح أن ~~التدوين على مشكلات لها أهمية أعظم، ومع ذلك فمن الواضح أن التدوين ~~الرمزي يفيد أيضا إذا طبق على صياغة المسائل الفنية في ~~العلوم. # وليس التدوين الرمزي أداة لحل المشكلات فحسب، بل إنه أيضا يوضح ~~المعاني ويزيد من القدرة على ممارسة التفكير المنطقي. وإني لأذكر ~~أن أحد تلاميذي كان قد أصيب في حادث سيارة أثر على مخه تأثيرا ~~بسيطا، فكان يشكو من صعوبة في فهم الجمل المعقدة، فأعطيته تمرينات ~~من النوع الذي أشرت إليه من قبل، واستطاع أن يحلها بمساعدة التدوين ~~الرمزي، وبعد أسبوع أو اثنين أخبرنا أن تفكيره قد طرأ عليه تحسن ~~كبير. # وفضلا عن ذلك فقد وجد المنطق الرمزي ميدانا هاما تطبق نتائجه ~~عليه، هو التحليل النحوي للغة. ذلك لأن النحو الذي تعلمناه في ~~المدارس قد نشأ من المنطق الأرسططالي، وهو لا يصلح للتعبير بدقة عن ~~تركيب اللغة. ولقد أدى عجز أرسطو المؤسف عن الانتقال إلى منطق ~~للعلاقات - أدى بالنحويين إلى الأخذ بالفكرة القائلة أن كل جملة ~~ينبغي أن يكون لها مبتدأ أو خبر، أو فعل وفاعل، وهو تفسير غير كاف ~~بالنسبة إلى عدد كبير من الجمل. صحيح أن الجملة «زيد طويل» فيها ~~مبتدأ هو «زيد» وخبر هو «طويل». ولكن الجملة «زيد أطول من عمرو» ~~فيها اسمان متساويان في أهميتهما، هما «زيد» و«عمرو»، ما دام ~~الخبر، وهو «أطول من» علاقة. وهكذا فإن سوء فهم التراكيب اللغوية، ~~الناشئ عن التمسك بالمنطق الأرسططالي، ms197 أدى إلى إلحاق ضرر بالغ بعلم ~~اللغة. # والحق أن التعاون بين المنطقي وعالم اللغة يبشر بخير كثير. مثال ~~ذلك أن طبيعة الصفة والحال وإعراب الأسماء والأفعال والجمل ~~الموصولة وكثير غيرها من السمات اللغوية، تظهر في ضوء جديد عندما ~~ينظر إليها بأعين المنطقي. # 2 # وأن الدراسة المقارنة للغات المختلفة لتفتح أمامها ~~آفاق جديدة عندما يصبح المحور الذي تدور حوله نظاما محايدا، هو ~~اللغة الرمزية للمنطق، التي تتيح لنا الحكم على مختلف وسائل ~~التعبير في كل لغة على حدة. # ولقد اقتصر حديثي حتى الآن على الفائدة العملية للتدوين الرمزي. ~~ومع ذلك فإن للتدوين الجيد فائدة نظرية أيضا، فهو يتيح للمنطقي كشف ~~وحل مشكلات لم يكن يستطيع أن يدركها من قبل. # لقد أتاح بناء المنطق الرمزي البحث في العلاقات بين المنطق ~~والرياضة من زاوية جديدة. فلماذا يوجد لدينا علمان مجردان للبحث في ~~نواتج الفكر؟ قام برتراند رسل وألفرد نورث وايتهد # A. N. Whitehead # بدراسة هذه المسألة، وتوصلا ~~إلى الإجابة القائلة أن الرياضة والمنطق آخر الأمر شيء واحد، وأن ~~الرياضة ليست إلا فرعا للمنطق وجهت فيه عناية خاصة إلى التطبيقات ~~الكمية. وقد عرضا هذه النتيجة في كتاب ضخم، كتب بأكمله تقريبا ~~بطريقة التدوين الرمزي للمنطق. وكانت الخطوة الحاسمة في البرهان ~~على هذا الرأي هي تعريف رسل للعدد، فقد بين رسل أن الأعداد ~~الصحيحة، وهي 1، 2، 3 ... إلخ، يمكن تعريفها من خلال التصورات الأساسية ~~للمنطق فحسب. ومن الواضح أن مثل هذا البرهان لم يكن من الممكن ~~الإتيان به دون مساعدة من التدوين الرمزي؛ إذ إن لغة الكلمات أشد ~~تشابكا وتداخلا من أن تعبر عن علاقات منطقية تتصف بهذا القدر من ~~التعقيد. # وبإرجاع رسل الرياضة إلى المنطق على هذا النحو، فقد أكمل تطورا ~~بدأ بالتغيير الذي طرأ على الهندسة، وهو التغيير الذي وصفته من قبل ~~بأنه قضاء على المعرفة التركيبية القبلية، ذلك لأن «كانت» كان ~~يعتقد أن الحساب، لا الهندسة فقط، له طبيعة تركيبية قبلية. ولكن ~~رسل أوضح، بإثباته أن أساسيات الحساب يمكن أن تستمد من المنطق ms198 ~~الخالص، أن الضرورة الرياضية ذات طبيعة تحليلية. فليس ثمة عنصر ~~تركيبي قبلي في الرياضيات. # ولكن إذا كان المنطق تحليليا، فإنه فارغ، أي أنه لا يعبر عن ~~خصائص الموضوعات الفيزيائية. ولقد حاول الفلاسفة العقليون مرارا ~~أن ينظروا إلى المنطق على أنه علم يصف بعض الخصائص العامة للعالم، ~~أعني علما للوجود، أو أنطولوجيا. وهم يعتقدون أن مبادئ مثل «كل ~~شيء في العالم في هوية مع ذاته» تنبئنا بخصائص عن الأشياء. ولكن ~~فاتهم أن كل المعلومات التي تمدنا بها هذه الجملة إنما تنحصر في ~~تعريف يحدد شروط استخدام كلمة «الهوية»، وأن ما نعرفه من الجملة ~~ليس صفة للأشياء، وإنما هو قاعدة لغوية. فالمنطق يصوغ قواعد اللغة ~~ولهذا كان المنطق تحليليا وفارغا. # وأود أن أوضح بمزيد من الدقة تلك الطبيعية التحليلية للمنطق، ~~والسبب الذي يوصف المنطق من أجله بأنه فارغ. فالمنطق يربط جملا ~~على نحو من شأنه أن يكون التجمع الناتج صحيحا على نحو مستقل عن ~~صحة الجمل المنفردة. مثال ذلك أن التجمع الآتي للجمل: «لو أن ~~نابليون أو قيصر لم يبلغا سن الستين، فإن نابليون لم يبلغ سن ~~الستين» هذا التجمع صحيح سواء أكان نابليون، أو قيصر، قد مات ~~بالفعل قبل سن الستين أم لم يكن، وعلى ذلك فإن هذا التجمع لا ~~ينبئنا عن السن الذي بلغه الشخصان المشار إليهما، وهذا هو المقصود ~~بكون المنطق فارغا، ومن جهة أخرى، فإن المثل يوضح لماذا كانت ~~العلاقات المنطقية صحيحة بالضرورة؛ فهي صحيحة لأن أية ملاحظة ~~تجريبية لا يمكنها أن تكذبها، فلو رجعنا إلى أحد القواميس ووجدنا ~~أن نابليون مات في سن الرابعة والخمسين، فإن هذه النتيجة لا تكذب ~~التجمع السابق للجمل، وكذلك فإننا لو وجدنا أن نابليون مات في سن ~~الخامسة والستين، لما أدت هذه النتيجة بدورها إلى تكذيبه. فالضرورة ~~المنطقية والفراغ صفتان متلازمتان، وهما معا تؤلفان الطابع ~~التحليلي للمنطق، أو صفة تحصيل الحاصل فيه. فكل العبارات المنطقية ~~البحتة تحصيل حاصل، كالمثل الذي أوردناه من قبل، وهي لا تقول ~~شيئا، وبالتالي فإن ما تنبئنا به ms199 لا يزيد ولا ينقص عما ينبئنا به ~~تحصيل الحاصل الآتي: «غدا ستمطر السماء أو لا تمطر.» ومع ذلك فليس ~~من السهل دائما كشف الطابع التحليلي لتجمع من الجمل. فلنتأمل مثلا ~~التجمع الآتي: «إذا كان أي شخصين يحب كل منهما الآخر أو يكره كل ~~منهما الآخر، فإما أن يكون هناك شخص يحب الناس جميعا، وإما أن ~~يكون لكل شخص شخص آخر يكرهه.» إن المنطق يثبت أن هذا التجمع ~~تحليلي، وإن لم يكن الطابع التحليلي واضحا على الإطلاق. # ولقد أثار رأي رسل في الطابع التحليلي للرياضيات اهتماما ~~عظيما، وأبدى بعض الرياضيين نفورا من ذلك التفسير الذي يقدمه رسل ~~لعلمهم، والذي لا تختلف فيه النظريات الرياضية، من حيث فراغها، عن ~~مبادئ المنطق. ولكن هذا الحكم يكشف عن سوء فهم لطبيعة المنطق؛ إذ ~~إن وصف الرياضيات بأنها تحليلية لا ينطوي على أي إقلال من شأنها. ~~بل إن فائدة التفكير الرياضي ذاتها إنما تستمد من طبيعته ~~التحليلية. فكون النظريات الرياضية فارغة، هو ذاته الذي يجعلها ~~مضمونة على نحو مطلق، ويسمح باستخدامها في العلوم الطبيعية. ولكن ~~لا يمكن تكذيب أية نتيجة علمية باستخدام الرياضة، لأن الرياضة لا ~~تستطيع أن تضيف إلى العلم مضمونا خفيا لم يتم إثباته. ومع ذلك ~~فالقول إن العلاقات الرياضية فارغة لا يعني أن من السهل الاهتداء ~~إليها، فكشف العلاقات الفارغة، كما أوضحنا من قبل، يمكن أن يكون ~~عملا شديد الصعوبة، وإن مقدار الجهد والبراعة اللازمين في الرياضة ~~لدليل على الأهمية البالغة للبحث الرياضي. # ولقد استخدم المنطق الرمزي على نطاق واسع في وضع مبحث رياضي جديد ~~أرسيت دعائمه في القرن التاسع عشر: هو نظرية المجموعات # sets ~~. ~~وكلمة «المجموعة» لها نفس معنى كلمة «الفئة # Class ~~» الذي أوضحناه من قبل في صدد المنطق ~~الأرسططالي. ولكن ما أعظم الفارق بين نظرية المجموعات كما وضعها ~~رياضيو القرن التاسع عشر، وبين حساب الفئات في المنطق ~~الأرسططالي! الحق أنه من غير المفهوم أن يظل منطق الفئات يملأ ~~الكتب المدرسية في المنطق، في وقت يختلف عن عهد أرسطو بقدر ما ms200 ~~تختلف القطارات الحديدية عن العربة التي تجرها الثيران. # غير أن المنطق الرمزي لم يجلب النجاح لعالم المنطق على الدوام؛ ~~فقد أوقعه أيضا في صعوبات كشف عنها رسل وصاغها في نقائض منطق ~~الفئات. ولنضرب مثلا نوضح به المشكلة. # إننا نستطيع، عندما نتأمل صفة، أن نتساءل عما إذا كانت هذه الصفة ~~ذاتها لديها نفس الصفة، ولكن الأمر عادة لا يكون كذلك؛ فالصفة أحمر ~~ليست حمراء. ولكن الأمر يختلف في صفات أخرى: فصفة «القابلية ~~للتخيل» يمكن تخيلها، والصفة «محدد» هي ذاتها محددة، والصفة «قديم» ~~هي ذاتها قديمة؛ إذ إن من المؤكد أنها موجودة حتى في عصر ما قبل ~~التاريخ. فلنستخدم اسم «القابل ~~للحمل Predicable ~~» للدلالة على هذا النوع الثاني من الصفات، ~~أما الصفات الأخرى فسوف نسميها «غير القابلة للحمل # impredicable ~~». وهنا نجد تصنيفا جامعا ~~مانعا؛ فكل صفة إما أن تكون قابلة للحمل وإما ألا تكون. فضمن أية ~~فئة إذن ينبغي أن نصنف الصفة «غير قابل للحمل»؟ # لنفرض أن الصفة «غير قابل للحمل» قابلة للحمل، وعندئذ تكون ~~متصفه بالصفة التي تدل عليها، مثل «قابل للتخيل»، ومن ثم تكون ~~الصفة «غير قابل للحمل» غير قابلة للحمل، ولكن لنفرض أن الصفة «غير ~~قابل للحمل» غير قابلة للحمل. والفرض الذي قلنا به يقرر أن «غير ~~قابل للحمل» لها نفس الصفة التي تدل عليها، وعلى ذلك فإن «غير قابل ~~للحمل» قابلة للحمل، وهكذا فإننا كيفما صنفنا الصفة «غير قابل ~~للحمل»، وصلنا إلى تناقض. # هذا النوع من النقائض يمثل مشكلة خطيرة. ولو شئنا أن يكون المنطق ~~موثوقا به على نحو مطلق، فلا بد أن يكون لدينا ضمان بأنه لن يؤدي ~~إلى متناقضات. وإنه لمن الحقائق الطريفة أن المناطقة القدماء ذاتهم ~~قد وضعوا نقائض، اشتهرت من بينها مفارقات زينون. ومع ذلك فإن ~~النظرية الحديثة في الفئات تؤدي إلى استبعاد معظم هذه المفارقات، ~~وذلك عن طريق تحليل تصور «اللامتناهي» على نحو أدق. أما نقيضة رسل ~~فتحتاج إلى علاج أجرأ. فهي تدل على أنه ليس كل تجمع للكلمات يمكن ~~أن يقبل على ms201 أنه عبارة ذات معنى، وتدل على أن بعض التجمعات، وإن ~~كانت تتخذ صورة جملة، ينبغي أن تعد تجمعات لا معنى لها، مثال ذلك ~~أن الجملة (الصفة «محدد» محددة)، وإن كانت تبدو معقولة لأول وهلة، ~~ينبغي أن تستبعد من مجال الجمل التي لها معنى. وقد صاغ رسل قيود ~~اللغة هذه في نظريته في ~~الأنماط # theory of types ~~، وبمقتضاها تكون صفة الصفة من نمط أعلى ~~من صفة الشيء. هذا التمييز يجعل صياغة النقيضة مستحيلا، وبذلك ~~يخلص المنطق من المتناقضات. # فهل نحن على ثقة من أن المناطقة لن يكتشفوا أبدا أنواعا أخرى من ~~النقائض؟ وهل لدينا ضمان بأن المنطق بريء من التناقض؟ هذه المشكلة ~~شغلت الرياضي الألماني «هلبرت # Hilbert ~~»، وهو من أعظم الرياضيين في عصرنا. فبدأ ~~سلسلة من الأبحاث التي كانت تهدف إلى إيجاد برهان على أن المنطق ~~والرياضة بريئان من التناقض. وقد واصل آخرون عمله، غير أن البرهان ~~لم يقدم حتى الآن إلا بالنسبة إلى نظم منطقية بسيطة إلى حد ما. وقد ~~نشأت صعوبات من تطبيق هذا البرهان على ذلك النظام المعقد ~~للرياضيات، الذي يستخدمه الرياضي الحديث، وما زال من الأمور غير ~~المؤكدة إن كان البرنامج الذي وضعه هلبرت للبرهنة على الاتساق ~~أمرا يمكن تنفيذه أم لا. أما ما سيكونه الجواب، فتلك مشكلة من ~~مشكلات المنطق الحديث التي لم تحل. وقد يكون في وجود أمثال هذه ~~المشكلات دليل على أن المنطق الحديث ما زال في حاجة إلى مزيد من ~~الأبحاث، فما زال من الواجب القيام بقدر هائل من التحليل، من نوع ~~لم يكن يمكن تصوره في ظل المنطق التقليدي. # ولقد أدت دراسة النقائض ونظرية الأنماط إلى تمييز له أهميته ~~العظمى: هو التمييز بين اللغة واللغة البعدية # metalanguage ~~(واللفظ # meta # الذي يسبق الكلمة ~~الإنجليزية من أصل يوناني بمعنى «ما بعد»). فعلى حين أن اللغة ~~المعتادة تتحدث عن أشياء، فإن اللغة البعدية تتحدث عن اللغة. وعلى ~~ذلك فإننا عندما نضع نظرية في اللغة فإنما نتحدث «لغة بعدية». ومن ~~الوسائل المألوفة في التعبير عن الانتقال ms202 إلى اللغة البعدية ~~استخدام علامات ~~الاقتباس # quotation marks ~~. فعندما نتحدث عن اللفظ «زيد» نضعه بين ~~هذه العلامات، ونوضح بذلك أننا لا نتحدث عن الشخص. فنحن نقول مثلا ~~إن «زيد» لها ثلاثة حروف على حين أن زيدا يلعب الكرة. ولو حدث خلط ~~بين اللغتين، لنتجت نقائض معينة، ومن هنا كان التمييز بين مستويات ~~اللغة شرطا ضروريا للمنطق. فالجملة «ما أقوله الآن كذب» تؤدي ~~إلى متناقضات؛ لأنها لو كانت صادقة، لكانت كاذبة، ولو كانت كاذبة، ~~لكانت صادقة، ولكن من الواجب النظر إلى مثل هذه الجمل على أنها لا ~~معنى لها؛ لأنها تتحدث عن ذاتها، وتخالف التمييز بين مستويات ~~اللغة . # ولقد أدت دراسة اللغة البعدية إلى نظرية عامة في العلامات، يطلق ~~عليها في كثير من الأحيان اسم «علم المعاني # Semantics or Semiotics ~~» وهو ~~مبحث يختص بدراسة خواص جميع أشكال التعبير اللغوي، ويشتمل هذا ~~اللفظ على علامات مثل علامات المرور، أو على صور، تستخدم كاللغة ~~اللفظ على علامات مثل علامات المرور، أو على صور، تستخدم كاللغة ~~المنطوقة بوصفها أدوات لتوصيل المعاني إلى أشخاص آخرين. وتقوم ~~نظرية العلامات، مستعيذة بعلم النفس الحديث، بدراسة الارتباطات ~~الانفعالية الشديدة لأنواع مختلفة من اللغات، كالشعر أو اللغة ~~الخطابية. فالمنطق لا يبحث إلا في الاستخدام المعرفي للغة، أما ~~البحث في اللغة بوصفها أداة أو وسيلة، فيقتضى علما آخر، هو ~~علم المعاني # semantics # وهكذا ~~فإن ظهور المنطق الحديث قد أدى إلى بعث الحياة في علم آخر، يعالج ~~الخصائص اللغوية التي تستبعد، وينبغي أن تستبعد، في التحليل ~~المنطقي. # وإلى جانب فائدة المنطق الرمزي في الرياضيات، فقد اكتسب أهمية ~~بالنسبة إلى علوم أخرى. فعندما اكتشف الفيزيائيون أن ميكانيكا ~~الكوانتم تؤدي إلى عبارات معينة لا يمكن التحقق من صدقها أو كذبها ~~(انظر الفصل الحادي عشر)، أمكن إدراج أمثال هذه القضايا في إطار ~~منطق ثلاثي القيم، أعني منطقا يضع. «اللاتحدد» بين قيمتي الصدق ~~والكذب، وقد أمكن بناء هذا المنطق بأساليب المنطق الرمزي حتى قبل ~~أن يفكر أي شخص في تطبيقه على الفيزياء. وبالمثل فقد وضعت ms203 أشكال ~~أخرى في المنطق المتعدد ~~القيم # multivalued logic # وأحد هذه الأشكال يستخدم في تفسير القضايا ~~الاحتمالية، وهو يستعيض عن قيمتي الصدق والكذب بسلم متصل من ~~الاحتمالات، يتراوح بين صفر وواحد. # وفضلا عن ذلك فقد طبق المنطق الرمزي في تحليل البيولوجيا، وهو ~~يبشر بنتائج مثمرة في دراسة العلوم الاجتماعية. بل أن من الممكن ~~استخدامه في صياغة المشكلات المنطقية على نحو من شأنه أن يتيح ~~«تغذية» آلة حاسبة إلكترونية بها. وقد يتمكن عقل آلي حديث كهذا، في ~~يوم ما، من حل مشكلات منطقية تتحدى قدرات المخ البشري، مثلما يحل ~~هذا العقل الآن بالفعل مشكلات رياضية. ولقد سبق أن أعرب ليبنتس من ~~الرأي القائل أن المنطق الرمزي لو أحرز تقدما كافيا، لزالت ~~الخلافات العلمية؛ إذ إن العلماء، بدلا من أن يتجادلوا، ~~سيقولون: «فلنحسبها» # calculamus ~~. أما ~~المنطقي الحديث فليس متفائلا إلى هذا الحد؛ ذلك لأنه يعلم أن ~~عمليات الآلة ستقتصر على المنطق الاستنباطي، وبذلك ستكون نتائجها ~~متوقفة على نوع المقدمات التي يغذيها بها الإنسان الذي يستخدمها، ~~بذلك فإن المنطقي المعاصر يشعر بالرضا لو أمكن على الأقل حل بعض ~~خلافات على هذا النحو. # إن المنطق هو الجزء الفني (التكنيكي) في الفلسفة، ولهذا السبب ~~فإنه كان شيئا لا غناء عنه للفيلسوف. أما فيلسوف الطراز القديم ~~الذي يخشى دقة الأسلوب الفني، فإنه يؤثر استبعاد المنطق الرمزي من ~~مجال الفلسفة، وتركه للرياضي. غير أنه لا يحرز في هذا الصدد نجاحا ~~كبيرا؛ ذلك لأن الجيل الجديد، بقدر ما تعلم التدوين الرمزي في ~~الدروس الأولية للمنطق، يعرف قيمة هذا الشكل الجديد للمنطق، ويصر ~~على تطبيقه وقد يبدو المنطق الرمزي لأول وهلة معقدا ومحيرا ~~للطالب، شأنه في ذلك شأن أي أسلوب فني في التدوين، ولا بد من بعض ~~التدريب لكي يدرك الطالب أن هذا الأسلوب الجديد أداة تيسر الفهم ~~المنطقي وتوضح الأفكار. ولقد تبين لي، من تجربتي في تدريس المنطق ~~الرمزي، أن معظم الطلاب يخافون التدوين الرمزي ويكرهونه في ~~البداية، ولكن بعد تدريب يدوم حوالي أسبوعين. تتغير الصورة، وتنتشر ~~بينهم حماسة ms204 عجيبة للرمزية، ولا يتبقى بعد ذلك إلا عدد قليل من ~~الطلاب الذين لا يفهمونه أبدا فهما كاملا، ويظلون كارهين للرمزية ~~على الدوام. # ويبدو أن المنطق الرمزي مكتوب عليه أن يقابل إما بالكراهية وإما ~~بالترحاب الشديد. وعلى أية حال فإن أولئك الذين لا يمكنهم بلوغ ~~المرحلة الثانية، يمكنهم أن يحققوا المزيد في ميادين أخرى للفلسفة ~~العلمية، ويصلوا إلى النجاح في تطبيقات أقل تجريدا لقدرات الفكر ~~البشري. # الفصل الرابع عشر # | المعرفة التنبئية # إن المنطق الرمزي الذي تحدثنا عنه في الفصل السابق منطق ~~استنباطي، فهو لا يبحث إلا في العمليات الفكرية التي تتصف بالضرورة ~~المنطقية. غير أن العلم التجريبي، وإن كان يستخدم العمليات ~~الاستنباطية على نطاق واسع ، يحتاج بالإضافة إليها إلى نوع ثان من ~~المنطق، يسمى بالمنطق الاستقرائي، نظرا إلى استخدامه للعمليات ~~الاستقرائية. # والصفة التي تميز الاستدلال الاستقرائي عن الاستدلال الاستنباطي ~~هي أن الأول ليس فارغا، أي أنه يؤدي إلى نتائج ليست متضمنة في ~~المقدمات. فالنتيجة القائلة إن كل الغربان سوداء ليست متضمنة ~~منطقيا في المقدمة القائلة إن كل الغربان التي لوحظت حتى الآن ~~سوداء، وقد تكون النتيجة كاذبة على حين تكون المقدمة صادقة. ~~والاستقراء هو أداة المنهج العلمي الذي يرمي إلى كشف شيء جديد، ~~أعني شيئا يزيد عن كونه مجرد تلخيص للملاحظات الساقة، فالاستدلال ~~الاستقرائي هو أداة المعرفة التنبئية. # ولقد كان بيكن هو الذي أدرك بوضوح ضرورة الاستدلالات الاستقرائية ~~في المنهج العلمي، وله في تاريخ الفلسفة منزلة نبي الاستقراء (انظر ~~الفصل الخامس) غير أن بيكن أدرك أيضا نواحي الضعف في الاستدلال ~~الاستقرائي، وافتقار منهجه إلى الضرورة، وإمكان الوصول إلى نتائج ~~كاذبة. ولم تحرز محاولاته لتحسين الاستدلال الاستقرائي نجاحا ~~كبيرا؛ إذ إن الاستدلالات الاستقرائية التي تتسم بتركيب أعقد ~~كثيرا، كتلك المستخدمة في المنهج الفرضي الاستنباطي الذي يتبعه ~~العالم (انظر الفصل السادس)، تتميز بأنها أرفع بكثير من استقراء ~~بيكن البسيط، غير أن هذا المنهج بدوره لا يمكنه أن يأتينا بضرورة ~~منطقية؛ إذ إن نتائجه قد تكون كاذبة، ولا يمكن أن تكتسب المعرفة ~~التنبئية طابع ms205 الضمان المطلق الذي يتسم به المنطق ~~الاستنباطي. # ولقد ناقش الفلاسفة والعلماء كثيرا ذلك المنهج الفرضي ~~الاستنباطي، أو الاستقراء ~~التفسيري # explanatory ~~، ولكن طبيعته المنطقية قد أسيء فهمها في ~~كثير من الأحيان. فلما كان الاستدلال من النظرية على الوقائع الملاحظة ~~يتم عادة بوسائل رياضية، فقد اعتقد بعض الفلاسفة أن من الممكن ~~تفسير وضع النظريات من خلال المنطق الاستنباطي. غير أن هذا رأي لا ~~يمكن قبوله؛ إذ إن الأساس الذي يتوقف عليه قبول النظرية ليس ~~الاستدلال من النظرية على الوقائع، وإنما هو العكس، أي الاستدلال ~~من الوقائع على النظرية، وهذا الاستدلال ليس استنباطيا، بل هو ~~استقرائي. فما هو معطى هو الوقائع الملاحظة، وهذه هي التي تكون ~~المعرفة المقررة التي ينبغي تحقيق النظرية على أساسها. # وفضلا عن ذلك فإن الطريقة التي يتم بها هذا الاستدلال ~~الاستقرائي بالفعل قد أدت ببعض الفلاسفة إلى ضرب آخر من ضروب سوء ~~الفهم. فالعالم الذي يكتشف نظرية يسترشد في كشفه بالتخمينات عادة، ~~وهو لا يستطيع أن يحدد منهجا اهتدى إلى النظرية بواسطته، وكل ما ~~يمكنه أن يقوله هو أنها بدت له معقولة، أو أن إحساسه كان مصيبا، ~~أو أنه أدرك بالحدس أي الفروض هو الذي يلائم الوقائع. وقد أساء بعض ~~الفلاسفة فهم هذا الوصف النفسي للكشف، فاعتقدوا أنه يثبت عدم وجود ~~علاقة منطقية تؤدي من الوقائع إلى النظرية، وزعموا أن من المستحيل ~~إيجاد تفسير منطقي للمنهج الفرضي الاستنباطي. فالاستدلال ~~الاستقرائي في نظرهم عملية تخمينية تظل بمنأى عن التحليل المنطقي. ~~وغاب عن هؤلاء الفلاسفة أن نفس العالم الذي اكتشف نظريته بالتخمين ~~لا يعرضها على الآخرين إلا بعد أن يطمئن إلى أن الوقائع تبرر ~~تخمينه. وفي سبيل الوصول إلى هذا التبرير يقوم العالم باستدلال ~~استقرائي؛ لأنه لا يود أن يقتصر على القول بأن الوقائع يمكن أن ~~تستخلص من نظريته، وإنما يود أن يقول أيضا إن الوقائع تجعل نظريته ~~مرجحة وتشهد بقدرتها على التنبؤ بمزيد من الوقائع الملاحظة. ~~فالاستدلال الاستقرائي لا يستخدم في الاهتداء إلى نظرية، وإنما ~~يستخدم في تبريرها على أساس ms206 المعطيات الملاحظة. # والواقع أن التفسير الصوفي للمنهج الفرضي الاستنباطي بأنه تخمين ~~لا عقلي، إنما ينبعث عن الخلط بين سياق الكشف وسياق التبرير. ~~فعملية الكشف تعدو على التحليل المنطقي؛ إذ لا توجد قواعد منطقية ~~يمكن بواسطتها صنع «آلة للكشف» تحل محل الوظيفة الخلاقة للكشف ~~العبقري. ولكن تعليل الكشوف العلمية ليس من مهمة رجل المنطق، وكل ~~ما يستطيع أن يفعله هو أن يحلل العلاقة بين الوقائع المعطاة وبين ~~النظرية التي تقدم إليه زاعمة أنها تفسر هذه الوقائع. وبعبارة أخرى ~~فالمنطق لا يهتم إلا بسياق التبرير. وتبرير النظرية على أساس ~~المعطيات الملاحظة هو موضوع نظرية الاستقراء. # وتنتمي دراسة الاستدلال الاستقرائي إلى نظرية الاحتمالات؛ إذ إن ~~كل ما تستطيع الوقائع الملاحظة أن تفعله هو أن تجعل النظرية محتملة ~~أو مرجحة. ولكنها لا تجعلها ذات يقين مطلق أبدا. ومع ذلك، فحتى ~~عندما يعترف باندماج الاستقراء في نظرية الاحتمال على هذا النحو، ~~تنشأ ضروب أخرى من سوء الفهم؛ إذ ليس من السهل إدراك التركيب ~~المنطقي للاستدلال الاحتمالي الذي نقوم به من أجل تأكيد النظريات ~~بالوقائع. وقد اعتقد بعض المناطقة أنهم يجب أن يتصوروا هذا التأكيد ~~على أنه عكس الاستدلال الاستنباطي؛ أي إنه إذا كان في إمكاننا أن ~~نستمد الوقائع من النظرية بالاستنباط، ففي استطاعتنا أن نستمد ~~النظرية من الوقائع بالاستقراء. فير أن هذا التفسير مفرط في ~~التبسيط. فلكي نقوم بالاستدلال الاستقرائي، ينبغي أن تشتمل معرفتنا ~~على ما يزيد بكثير عن العلاقة الاستنباطية من النظرية إلى ~~الوقائع. # وهناك ظاهرة بسيطة توضح التركيب المعقد للاستدلال المؤدي إلى ~~تأكيد النظريات. فمجموعة الوقائع الملاحظة يمكن دائما أن تدخل في ~~أكثر من نظرية واحدة، وبعبارة أخرى فهناك عدة نظريات يمكن أن ~~تستخلص منها هذه الوقائع. ويستخدم الاستدلال الاستقرائي من أجل ~~إعطاء درجة من الاحتمال لكل من هذه النظريات، ثم تقبل أقوى ~~النظريات احتمالا. ومن الواضح أنه لا بد، من أجل التفرقة بين هذه ~~النظريات، من معرفة تتجاوز نطاق العلاقة الاستنباطية بالوقائع، وهي ~~العلاقة التي تسري على كل هذه النظريات. # فإذا ما ms207 أردنا أن نفهم طبيعة الاستدلال التأكيدي، كان علينا أن ~~ندرس نظرية الاحتمالات. وقد تمكن هذا المبحث الرياضي من وضع طرق ~~تسري على مشكلة الدلالة غير ~~المباشرة # indirect evidence # في عمومها، وهي المشكلة التي يعد ~~الاستقراء الذي يحقق ضجة النظريات العلمية مجرد حالة خاصة منها. ~~ولكي أضرب مثلا للمشكلة العامة، أود أن أتحدث عن الاستدلالات التي ~~يقوم بها ضابط المباحث في بحثه عن مرتكب جريمة. فبعض المعطيات تكون ~~موجودة، كمنديل ملوث بالدم، وأزميل، واختفاء أرملة ثرية، وتظهر عدة ~~تفسيرات لما حدث بالفعل. ثم يحاول ضابط المباحث تحديد أقوى ~~التفسيرات احتمالا، فيسير في أبحاثه تبعا للقواعد الاحتمالية ~~المقررة؛ إذ يحاول، مستخدما كل الشواهد الواقعية وكل معرفته بنفسية ~~الناس، أن يصل إلى استنتاجات، يختبرها بدورها بملاحظات جديدة خططت ~~لهذا الغرض بالذات، ويؤدي كل اختبار، مبني على معطيات جديدة، إلى ~~تقوية أو إضعاف احتمال التفسير، ولكن لا يمكن أبدا النظر إلى ~~التفسير الذي تم الوصول إليه على أنه يتصف باليقين المطلق. والواقع ~~أن المنطقي الذي يحاول أن يعبر عن الصبغة الاستدلالية التي سار ~~عليها ضابط المباحث، يجد كل العناصر المنطقية اللازمة للحساب ~~الدقيق للاحتمالات، فإنه يستطيع على الأقل أن يطبق صيغ الحساب بمعنى ~~كيفي. وبطبيعة الحال لا يمكن بلوغ النتائج الحسابية الدقيقة، إذا ~~لم تكن المادة المعطاة تسمح إلا بتقديرات احتمالية تقريبية. # ونفس هذه الاعتبارات تسري على مناقشة احتمال النظريات العلمية، ~~التي ينبغي أن تختار بدورها من بين عدة تفسيرات ممكنة للمعطيات ~~الملاحظة. ويتم الاختيار باستخدام البناء العام للمعرفة، الذي تبدو ~~بعض التعريفات إزاءه أرجح من بعضها الآخر، وعلى ذلك فإن الاحتمال ~~الأخير نتاج لمجموعة من احتمالات متعددة. ويقدم حساب الاحتمالات ~~صيغة مناسبة من هذا النوع في قاعدة بايز # rule of Bayes # وهي صيغة تنطبق على المشكلات ~~الإحصائية مثلما تنطبق على استدلالات ضابط المباحث أو الاستدلال ~~التأكيدي. # لهذه الأسباب كانت دراسة المنطق الاستقرائي تفضي إلى نظرية ~~الاحتمالات. فمقدمات الاستدلال الاستقرائي تجعل نتائجه احتمالية، ~~لا يقينية، ولا بد أن نتصور الاستدلال الاستقرائي على أنه عملية ms208 ~~تدخل في إطار حساب الاحتمالات. والواقع أن هذه الاعتبارات، مقترنة ~~بالتطور الذي حول القوانين العلية إلى قوانين احتمالية، توضح السبب ~~في الأهمية القصوى لتحليل الاحتمال في فهم العلم الحديث؛ ذلك لأن ~~نظرية الاحتمال تمدنا بأداة المعرفة التنبئية، فضلا عن صورة ~~القوانين الطبيعية، وموضوعها هو عصب المنهج العلمي ذاته. # وقد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن نظرية الاحتمال كانت على الدوام ~~وقفا على المذهب التجريبي. غير أن تاريخ هذه النظرية يثبت أن ~~الأمر على خلاف ذلك. ذلك لأن المذهب العقلي الحديث، حين أدرك مدى ~~أهمية الأفكار الاحتمالية، قد حاول وضع نظرية عقلية في الاحتمال. ~~ومن المؤكد أن برنامج ليبنتس الذي يهدف إلى وضع منطق للاحتمال في ~~صورة منطق كمي لقياس درجات الحقيقة ، لم يكن يقصد منه أن يكون حلا ~~تجريبيا لمشكلة الاحتمال. وواصل تحقيق هذه الرسالة مناطقة كانت ~~في متناول أيديهم موارد المنطق الرمزي. وربما كان من الواجب تصنيف ~~منطق الاحتمالات عند بول # Boole # على أساس أنه ينتمي إلى الجانب العقلي. ومن المؤكد أن نظرية ~~كينز # Keynes # الرمزية في ~~الاحتمال تنتمي إلى هذا الجانب، بما تنطوي عليه من محاولة لتفسير ~~الاحتمال على أنه مقياس للاعتقاد العقلي. على أن هذه الأفكار قد ~~اعتنقها مناطقة معاصرون لا يقبلون أن يدرجوا ضمن العقليين، وإن ~~كانت أعمالهم تؤدي بالفعل إلى إدخالهم ضمن هذه الفئة، وذلك بالنسبة ~~إلى تفسيرهم للاحتمال على الأقل. # إن صاحب المذهب العقلي يرى أن درجة الاحتمال نتاج للعقل في حالة ~~انعدام الأسباب المعقولة. فإذا ألقيت قطعة نقود، فهل ستظهر الصورة ~~أم الكتابة؟ هذا أمر لا أعلم عنه أي شيء، وليس لدى من الأسباب ما ~~يجعلني أومن بإحدى النتيجتين دون الأخرى، لذلك أنظر إلى الإمكانين ~~على أنهما متساويان في درجة احتمالهما، وأعزو إلى كل منهما ~~احتمالا مقداره «نصف». وهكذا ينظر إلى انعدام الأسباب المقبولة ~~للعقل على أنه سبب لافتراض تساوي الاحتمالات، هذا هو المبدأ الذي ~~يرتكز عليه تفسير المذهب العقلي للاحتمال، ويرى صاحب المذهب العقلي ~~أن هذا المبدأ، الذي يعرف باسم مبدأ السوية أو ms209 مبدأ انعدام السبب ~~الذي يبرر الموقف المضاد، هو مصادرة منطقية. وهو يبدو له واضحا ~~بذاته، شأنه شأن المبادئ المنطقية. # غير أن الصعوبة في تفسير الاحتمال على هذا النحو هي أنه يؤدي إلى ~~التخلي عن الطابع التحليلي للمنطق ويدخل عنصرا تركيبيا قبليا. ~~والواقع أن القضية الاحتمالية ليست فارغة، فعندما نلقي بقطعة نقود ~~ونقول إن احتمال ظهور الصورة في الجانب العلوي نصف، فإننا نقول ~~شيئا عن حوادث مستقبلة. وربما لم يكن من السهل صياغة ما نقول، ~~ولكن ينبغي أن تنطوي هذه القضية على إشارة معينة إلى المستقبل، ما ~~دمنا نستخدمها مرشدا للسلوك، مثال ذلك أننا نعتقد أن من المستحسن ~~المراهنة بنسبة خمسين في المائة على ظهور الصورة، ولكنا لا ننصح ~~أحدا بأن يراهن عليها بنسبة أعلى من هذه. والواقع أننا نستخدم ~~القضايا الاحتمالية لأنها تتعلق بحوادث مقبلة. فكل عملية تخطيطية ~~تقتضي معرفة معينة بالمستقبل، وإذا لم تكن لدينا معرفة ذات يقين ~~مطلق، فإنا نقبل استخدام المعرفة الاحتمالية بدلا منها. # ويؤدي مبدأ السوية إلى إيقاع المذهب العقلي في الصعوبات المألوفة ~~التي عرفناها من خلال تاريخ الفلسفة. فلم كان ينبغي على الطبيعة أن ~~تسير وفقا للعقل؟ ولم كان يتعين على الحوادث أن تكون متساوية في ~~احتمالها، إن كانت معرفتنا بها تتساوي في كثرتها أو قلتها؟ وهل ~~الطبيعة متطابقة مع الجهل البشري؟ إن أمثال هذه الأسئلة لا يمكن ~~الإتيان برد إيجابي عليها وإلا لكان على الفيلسوف أن يؤمن بوجود ~~انسجام بين العقل والطبيعة؛ أي بالمعرفة التركيبية القبلية. # ولقد حاول بعض الفلاسفة أن يأتوا بتفسير تحليلي لمبدأ السوية، ~~وتبعا لهذا التفسير لا يعني القول بأن درجة الاحتمال نصف أي شيء عن ~~المستقبل، وإنما يعبر فقط عن أن معرفتنا عن وقوع هذا الحادث لا ~~تزيد عن معرفتنا عن وقوع الحادث المضاد. وفي هذا التفسير يسهل ~~بطبيعة الحال تبرير الحكم الاحتمالي، ولكنه يفقد طابعه بوصفه ~~مرشدا للسلوك. وبعبارة أخرى، فصحيح أن الانتقال من الجهل المتساوي ~~إلى الاحتمال المتساوي يكون عندئذ تحليليا، ولكن يظل علينا أن ~~نفسر الانتقال التركيبي. ms210 فإذا كانت الاحتمالات المتساوية تعني ~~جهلا متساويا، فلماذا ننظر إلى الاحتمالات المتساوية على أنها ~~تبرر المراهنة بنسبة خمسين في المائة؟ في هذا السؤال تعود نفس ~~المشكلة التي قصد من التفسير التحليلي لمبدأ السوية أن ~~يتجنبها. # إن من الواجب النظر إلى التفسير العقلي للاحتمال على أنه بقية من ~~مخلفات الفلسفة التأملية، ولا مكان له في فلسفة علمية؛ ذلك لأن ~~فيلسوف العالم يصر على إدماج نظرية الاحتمال في فلسفة لا تضطر إلى ~~الالتجاء إلى المعرفة التركيبية القبلية. # وتبنى الفلسفة التجريبية في الاحتمال على التفسير ~~الترددي # frequency interpretation ~~؛ فالأحكام الاحتمالية تعبر عن ترددات نسبية ~~للحوادث المتكررة، أي عن ترددات تحسب بوصفها نسبة مئوية من مجموع. ~~وهي تستمد من ترددات لوحظت في الماضي، وتنطوي على افتراض أن نفس ~~الترددات سوف تسري تقريبا في المستقبل. وهي تتكون عن طريق استدلال ~~استقرائي. فإذا نظرنا إلى احتمال ظهور الصورة عند رمي العملة على ~~أنه احتمال النصف، كان معنى ذلك أن الرميات المتكررة للعملة ستؤدي ~~إلى ظهور الصورة في خمسين في المائة من الحالات. وفي هذا التفسير ~~يسهل إيضاح قواعد المراهنة؛ فالقول إن نسبة خمسين في المائة تعد ~~احتمالا معقولا لظهور أي وجه من وجهي العملة عند رميها يعني أن ~~استخدام هذه القاعدة سيؤدي في المدى الطويل إلى أن يتساوى الطرفان ~~المتراهنان في الفوز. ولا شك أن مزايا هذا التفسير واضحة، ولكن ما ~~ينبغي علينا دراسته هو الصعوبات التي يثيرها. والواقع أن التفسير ~~الترددي يثير صعوبتين أساسيتين: # أما الصعوبة الأولى فهي استخدام الاستدلال الاستقرائي؛ فصحيح أن ~~درجة الاحتمال هي في التفسير الترددي مسألة تجربة وخبرة، لا مسألة ~~عقل. ولو لم نكن قد لاحظنا أننا نصل بمضي الوقت، عند رمي قطعة ~~العملة، إلى تردد متساو للوجهين، لما تحدثنا عن احتمالات متساوية، ~~فليس مبدأ السوية إلا سوء تأويل عقلي لمعرفة اكتسبت من التجربة. ~~ويذكرنا سوء التأويل هذا بمغالطات مماثلة وقع فيها المذهب العقلي، ~~كالتفسير القبلي # a priorist # لقوانين الهندسة، ولمبدأ العلية، التي أثبت العلم الحديث بالمثل ~~أنها نتاج للتجربة. غير ms211 أن تأكيد أن تردد تكرار الحوادث المتشابهة ~~خاضع لأنماط عددية منظمة، هو أمر لا يمكن إثباته باستخدام ~~الاستدلالات الاستقرائية، ويبدو أنه ينطوي على مبدأ لا يستمد من ~~التجربة. ففيما بين الفلسفة التجريبية وحل مشكلة الاستقراء يقف نقد ~~هيوم للاستدلال الاستقرائي، وهو النقد الذي يبين أن الاستقراء ليس ~~قبليا ولا بعديا (انظر الفصل الخامس). # والصعوبة الثانية في التفسير الترددي تتعلق بإمكان انطباق الحكم ~~الاحتمالي على حالة منفردة. فلنفرض أن أحد أقربائي مصاب بمرض خطير، ~~وسألت الطبيب عن احتمال بقاء قريبي حيا، فأجاب الطبيب أن المريض ~~لا يموت في 75 في المائة من حالات هذا المرض. فكيف يمكن أن ينفعني ~~هذا الحكم الاحتمالي؟ أنه قد يفيد الطبيب، الذي يعالج مرضى كثيرين؛ ~~لأنه يحدد له أية نسبة مئوية من مرضاه لن تموت بهذا المرض. غير أن ~~ما يهمني هو هذا الشخص بعينه فحسب، وأود أن أعرف مقدار احتمال ~~نجاته هو ذاته من الموت، وهكذا يبدو أنه لا معنى للتعبير عن احتمال ~~حادث منفرد على أساس النسب الترددية. # وسوف أرد على هذين الاعتراضين واحدا بعد الآخر، بادئا بالاعتراض ~~الثاني. فصحيح أننا كثيرا ما ننسب احتمالا إلى حادث منفرد، ولكن ~~لا يترتب على ذلك أن المعنى الذي ننسبه عادة إلى ألفاظنا هو دائما ~~تفسير صحيح. فلنتأمل المناقشة التي قمنا بها من قبل لمعنى اللزوم ~~(الفصل العاشر)؛ ففي المثال الذي ذكرناه عندئذ، وهو «إذا سرى تيار ~~كهربائي في السلك انحرفت الإبرة الممغنطة» - في هذا المثال نعتقد ~~أن علاقة «إذا كان ... فإن ...» لها معنى بالنسبة إلى هذا الحادث ~~المنفرد، وأن التيار الكهربائي يؤدي بالضرورة إلى انحراف الإبرة. ~~على أن التحليل المنطقي يثبت لنا أن هذا التفسير غير صحيح، وأن ~~ضرورة اللزوم إنما تستمد من عموميته فحسب، وإن كل ما نعنيه ~~بالارتباط الضروري بين الحادثين هو أنه إذا حدث أحدهما، حدث الآخر ~~دائما، أما في حالة المثال المنفرد فإننا ننسى هذا التحليل ونعتقد ~~أننا نستطيع أن نتحدث عن لزوم متعلق بهذا المثل وحده. «فإذا فتحت ~~هذا الصنبور، فسيتدفق ms212 الماء.» في هذه الحالة يبدو من الواضح تماما ~~أننا لا نتحدث إلا عن هذا المثل الفردي، وأن فتح هذا الصنبور يؤدي ~~إلى تدفق الماء. وعندما يشرح لنا المنطقي أن هذا الحكم ينطوي على ~~إشارة إلى العمومية، وأننا نتحدث عن جميع الصنابير في العالم، ~~فإننا لا نكون على استعداد لتصديقه - ومع ذلك يتعين علينا أن نقبل ~~تفسيره إذا أردنا أن يكون لكلماتنا أي معنى يمكن تحقيقه. # والواقع أن تفسير الحكم الاحتمالي ينتمي إلى نفس النوع. فنحن ~~نعتقد أن القول بأن هناك احتمال 75 في المائة في أن يعيش «س»، هو قول ~~له معنى، ومع ذلك فإن كل ما يقال في هذه الحالة يتعلق بفئة من ~~الأشخاص مصابة بنفس المرض. وقد تكون لدينا رغبة شديدة في أن نعرف ~~شيئا عن الحالة الفردية - غير أن «س» سيعيش أو لا يعيش، ولا معنى ~~لأن ننسب درجة من الاحتمال إلى حادث فردي؛ لأن الحادث الواحد لا ~~يمكن قياسه حسب درجات. فلنفرض أن «س» سيعيش على الرغم من مرضه - فهل ~~تؤدي هذه الحقيقة إلى تحقيق التنبؤ الذي أشار إلى وجود احتمال ~~بنسبة 75 في المائة؟ من الواضح أنه لا يؤدي إلى ذلك، لأن الاحتمال ~~يظل ساريا في حالة وقوع الحادث وفي حالة عدم وقوعه. ولو بحثنا ~~عددا كبيرا من الحوادث، لأمكن أن تعبر الملاحظة عن نسبة ال 75 في ~~المائة، وبالتالي أن تحققها. أما الحادث المنفرد فلا يمكن أن يحدث ~~بدرجة معينة. فالحكم المتعلق باحتمال حادث واحد هو حكم لا معنى ~~له. # ومع ذلك فإن أمثال هذه الأحكام ليست بعيدة عن العقل إلى الحد ~~الذي تبدو عليه بعد هذا التحليل المنطقي. فقد يكون من العادات ~~المفيدة أن نعزو معنى إلى حكم احتمالي متعلق بحادث منفرد، إذا كانت ~~التجربة اليومية تقدم إلينا عددا من الحالات المماثلة. فالشخص ~~الذي يعتقد أنه إذا فتح الصنبور، فلا بد أن يتدفق الماء، قد كون في ~~نفسه عادة مفيدة؛ لأن اعتقاده سيؤدي به إلى إصدار أحكام صحيحة عن ~~المجموع الكلي للحوادث المماثلة. ms213 وبالمثل فإن الشخص الذي يعتقد أن ~~احتمالا بنسبة 75 في المائة ينطبق على حادث منفرد، قد كون عادة ~~مفيدة؛ لأن اعتقاده سيؤدي به إلى القول أنه لو كان هناك عدد كبير ~~من الحالات المماثلة، فإن 75٪ منها ستكون لها النتيجة المشار ~~إليها. بل إن هذا الرأي يظل صحيحا حتى لو لم تكن تجربتنا اليومية ~~تمدنا بحوادث مماثلة، وإنما بعدد من الحوادث من أنواع متباينة ~~ودرجات متفاوتة من الاحتمال. فقد تواجهنا اليوم حالة مرضية تكون ~~نسبة احتمال النجاة فيها 75 في المائة، ويواجهنا غدا تنبؤ بأن ~~احتمال تحسن الجو 90٪، وبعد غد تنبؤ بأن نسبة الاحتمال المتعلقة ~~بأسعار البورصة 60٪؛ فإذا كنا في جميع هذه الحالات نفترض أن ~~الحادث الأقوى احتمالا هو الذي سيحدث، فسوف نكون على حق في معظم ~~الحالات. فالحوادث العديدة للحياة اليومية تكون سلسلة، قد تكون ~~بالفعل مفتقرة إلى التجانس، ولكنها تقبل التفسير الترددي للاحتمال، ~~ولهذا فإن القول بأن للاحتمال معنى حتى بالنسبة إلى الحادث المنفرد ~~هو قول لا ضرر منه، بل هو عادة مفيدة، لأنه يؤدي إلى تقويم صحيح ~~للمستقبل بمجرد أن تترجم هذه اللغة إلى حكم متعلق بسلسلة من ~~الحوادث. # ولا يتحتم على المنطقي أن يغضب لأمثال هذه العادات اللغوية؛ فلديه ~~وسيلة يعطي بها لمثل هذه العادات مكانا في المنطق. فهو ينظر إلى ~~التعبيرات من هذا النوع على أن لها معنى خياليا، وعلى أنها تمثل ~~طريقة ملتوية في الكلام، اكتسبت حياة ظاهرية خاصة بها، وإن لم يكن ~~لها معنى إلا لأن من الممكن ترجمتها إلى عبارة من نوع آخر. إن ~~المنطقي يسمح للرياضي بالكلام عن النقطة اللامتناهية في بعدها، ~~التي يتقاطع عندها متوازيان، لأنه يعلم أن كل ما يعنيه هذا الحكم ~~هو أن الخطين لا يتقاطعان في مسافة متناهية. كذلك فإن المنطقي ~~ينبغي أن يسمح للشخص بالكلام عن لزوم ضروري في حالة منفردة، أو عن ~~احتمال في حالة منفردة، وينظر إلى هذه الطريقة في الكلام على أنها ~~تمثل معنى متخيلا. وهو يتحدث، مستخدما اصطلاحا فنيا، عن نقل ~~للمعنى من ms214 الحالة العامة إلى الحالة الخاصة. فحينما كانت العادات ~~اللغوية مفيدة، استطاع المنطقي دائما أن يقدم لها إيضاحا. # أما الاختلافات فلا تنشأ في لغة الحياة اليومية، وإنما تنشأ ~~عندما نتحدث عن معنى أمثال هذه الأحكام. وهذه الاختلافات تهم ~~الفلسفة. أما المنطقي الذي يرى أن الأحكام الاحتمالية تشير إلى ~~تردد # frequency ~~. فإنه يصل إلى ~~تقويم خاص للأحكام الاحتمالية يفرق بينها وبين غيرها من الأحكام. ~~وأود الآن أن أشرح هذا الفارق شرحا أدق. # لنفرض أن شخصا ما ألقى بزهر النرد، وطلب إليك أن تتنبأ إن كان ~~الرقم «ستة» هو الذي سيظهر أم لا. في هذه الحالة تفضل أن تتنبأ بأن ~~الوجه «ستة» لن يظهر، لماذا؟ إنك لست متأكدا من السبب، ولكن ~~احتمال «غير الستة» في نظرك أقوى من احتمال الستة؛ إذ إن نسبة ~~الاحتمال الأول 6/5 وليس في استطاعتك أن تزعم أن تنبؤك سيتحقق، ~~ولكن هذا التنبؤ أكثر فائدة لك من التنبؤ المضاد؛ لأنك ستكون على ~~صواب في العدد الأكبر من الحالات. # مثل هذا الحكم أسميه ترجيحا Posit ~~. والترجيح حكم ننظر إليه على أنه صحيح ~~وإن لم نكن نعرف أنه كذلك. ونحن نحاول أن نختار ترجيحاتنا على نحو ~~من شأنه أن تتضح صحتها في أكبر عدد ممكن من الحالات. وتمدنا درجة ~~الاحتمال بنسبة معينة للترجيح؛ أي إنها تنبئنا بمدى صلاحيته. وهذه ~~هي الوظيفة الوحيدة للاحتمال. فإذا كان علينا أن نختار بين ترجيح ~~نسبته 6/5 وترجيح نسبته 3 / 2، لفضلنا الأول، لأن هذا الترجيح ~~يكون أصح في حالات أكثر. وهكذا نرى أن درجة الاحتمال لا شأن لها ~~بصحة الحكم المنفرد، وإنما تقوم بمهمة النصح المتعلق بطريقة ~~اختيارنا لترجيحاتنا. # وتستخدم طريقة الترجيح في جميع أنواع الأحكام الاحتمالية. فإذا ~~قيل لنا إن احتمال سقوط المطر في الغد 80٪، رجحنا أن المطر سيسقط، ~~وتصرفنا على هذا الأساس، فننبئ البستاني مثلا بأنه لا داعي لحضوره ~~في الغد لكي يروي حديقتنا. ولو كانت لدينا معلومات بأن أسعار ~~البورصة يحتمل أن تهبط، فإننا نبيع أسهمنا. وإذا أخبرنا الطبيب بأن ~~التدخين يحتمل أن ms215 يؤدي إلى تقصير عمرنا، فإننا نكف عن التدخين. ~~وإذا قيل لنا إن من المحتمل أن نحصل على وظيفة بمرتب أعلى إذا ~~تقدمنا بطلب خاص بمركز معين، فإننا نقدم هذا الطلب. وعلى الرغم من ~~أن جميع هذه الأحكام المتعلقة بما سيحدث لا يقال بها إلا على سبيل ~~الاحتمال، فإننا ننظر إليها كما لو كانت صحيحة، ونسلك على هذا ~~الأساس، أي أننا نستخدمها بمعنى أنها ترجيحات. # والواقع أن مفهوم الترجيح Posit # هو مفتاح فهمنا للمعرفة التنبئية؛ فالحكم المتعلق بالمستقبل لا ~~يمكن أن يصدر مقترنا بادعاء أنه؛ إذ إننا نستطيع أن نتصور دائما ~~أن العكس هو الذي سيحدث، وليس هناك ما يضمن لنا أن التجربة المقبلة ~~لن تحقق ما هو اليوم مجرد خيال. هذه الحقيقة ذاتها هي الصخرة التي ~~تحطم عليها كل تفسير عقلاني للمعرفة. فالتنبؤ بالتجارب المقبلة لا ~~يمكن التعبير عنه إلا بمعنى أنه محاولة، وينبغي أن نعمل حسابا ~~لاحتمال كذبه، فإذا اتضح خطأ التنبؤ، كنا على استعداد لمحاولة ~~أخرى. وهكذا فإن طريقة المحاولة والخطأ هي الأداة الوحيدة الموجودة ~~للتنبؤ. والحكم التنبئي ترجيح، فبدلا من أن نعرف حقيقته، نعرف ~~نسبته فقط، وهي النسبة التي تقاس على أساس احتماله. # والواقع أن تفسير الأحكام التنبئية بأنها ترجيحات يحل آخر مشكلة ~~تظل باقية في وجه الفهم التجريبي للمعرفة: وأعني بها مشكلة ~~الاستقراء. فالتجريبية قد انهارت أمام نقد هيوم للاستقراء؛ لأنها ~~لم تكن قد تحررت من مصادرة أساسية من مصادرات المذهب العقلي، وأعني ~~بها ضرورة البرهنة على صحة كل معرفة. ففي نظر هذا الرأي لا يمكن ~~تبرير المنهج الاستقرائي؛ إذ لا يوجد دليل على أنه سيؤدي إلى نتائج ~~صحيحة. ولكن الأمر يختلف عندما تعد النتيجة التنبئية ترجيحا. ففي ~~ظل هذا التفسير لا تكون في حاجة إلى برهان على صحتها، وكل ما يمكن ~~أن يطلب هو برهان على أنها ترجيح جيد، أو حتى أفضل ترجيح متوافر ~~لدينا. وهذا برهان يمكن الإتيان به، وبذلك يمكن حل المشكلة ~~الاستقرائية. # ويقتضي هذا البرهان مزيدا من البحث، فلا يمكن الاكتفاء في ms216 ~~تقديمه بالقول أن النتيجة الاستقرائية لها درجة عالية من الاحتمال. ~~بل إنه يستلزم تحليلا للمناهج الاحتمالية، وينبغي أن يكون مبنيا ~~على أسس هي ذاتها مستقلة عن هذه المناهج. أي أن تبرير الاستقراء ~~ينبغي أن يقدم خارج مجال نظرية الاحتمالات، لأن هذه النظرية ~~الأخيرة تفترض استخدام الاستقراء. وسوف يتضح بعد قليل معنى هذه ~~القاعدة. # إن البرهان لا بد أن يسبقه بحث رياضي؛ فحساب الاحتمالات مركب على ~~صورة نظام للبديهيات، مشابه لهندسة إقليدس. وهذا التركيب يوضح أن ~~جميع بديهيات الاحتمالات هي نظريات رياضية خالصة، وبالتالي أحكام ~~تحليلية، وذلك إذا ما قبلنا التفسير الترددي لفكرة الاحتمال، ~~والنقطة الوحيدة التي يتدخل فيها مبدأ غير تحليلي هي التأكد من ~~درجة الاحتمال عن طريق استدلال استقرائي؛ فنحن نجد ترددا نسبيا ~~معينا لسلسلة من الحوادث الملاحظة، ونفترض أن نفس التردد سوف يسري ~~كما هو تقريبا على بقية السلسلة هذا هو المبدأ التركيبي الوحيد ~~الذي يبنى عليه تطبيق حساب الاحتمالات. # ولهذه النتيجة أهمية عظمى، فمن الممكن التعبير عن الصور المتعددة ~~للاستقراء، وضمنها المنهج الفرضي الاستنباطي، من خلال مناهج ~~استنباطية، مع إضافة الاستقراء التعدادي وحده. وإن منهج البديهيات ~~ليقدم إلينا الدليل على أن جميع أشكال الاستقراء يمكن أن ترد إلى ~~استقراء تعدادي؛ أي إن الرياضي في عصرنا يثبت ما كان هيوم يأخذه ~~قضية مسلما بصحتها. # وقد تبدو هذه النتيجة مثيرة للدهشة، لأن منهج وضع فروض تفسيرية، ~~أو الإثبات غير المباشر، يبدو مختلفا إلى حد بعيد عن الاستقراء ~~التعدادي البسيط، ولكن لما كان من الممكن تصور جميع أشكال الإثبات ~~غير المباشر على أنها استدلالات يسري عليها الحساب الرياضي ~~للاحتمالات، فإن هذه الاستدلالات متضمنة في نتيجة البحث الخاص ~~بمنهج البديهيات. وفي استطاعة نظام البديهيات أن يتحكم، بقوة ~~الاستنباط، في أبعد تطبيقات الاستدلالات الاحتمالية، مثلما يستطيع ~~المهندس أن يتحكم في قذيفة بعيدة بالموجات اللاسلكية، بل إن نفس ~~التراكيب الاستدلالية المتشابكة التي يستخدمها ضابط المباحث أو ~~العالم، يمكن تفسيرها على أساس البديهيات. والسبب الوحيد الذي يجعل ~~هذه التراكيب أعلى من الاستقراء التعدادي البسيط، ms217 هو أنها تنطوي ~~على قدر كبير من المنطق الاستنباطي - غير أن مضمونها الاستنباطي ~~يمكن أن يوصف على نحو جامع مانع بأنه شبكة من الاستقراءات من النوع ~~التعدادي. # ولأضرب مثلا أوضح به كيف يمكن الجمع بين الاستقراءات التعدادية ~~في شبكة معقدة؛ فقد ظل الأوروبيون قرونا طويلة لا يعرفون إلا ~~الإوز الأبيض وحده، واستدلوا من ذلك على أن الإوز في العالم كله ~~أبيض. وفي ذات يوم كشفت إوزة سوداء في أستراليا، وهكذا اتضح أن ~~الاستدلال الاستقرائي قد أدى إلى نتيجة باطلة. فهل كان من الممكن ~~تجنب هذا الخطأ؟ من الأمور الواقعة أن الأنواع الأخرى من الطيور ~~تتنوع ألوان أفرادها إلى حد بعيد. وعلى ذلك فقد كان من واجب ~~المنطقي أن يعترض على الاستدلال بالحجة القائلة أنه إذا كان اللون ~~يختلف في أفراد الأنواع الأخرى، فقد يختلف أيضا بين أفراد الإوز . ~~ويدل هذا المثل على أن من الممكن تصحيح استقراء باستقراء آخر. ~~والواقع أن جميع الاستدلالات الاستقرائية تقريبا لا يتم كل منها ~~بمعزل عن الأخريات، وإنما تتم داخل شبكة قوامها كثير من ~~الاستقراءات. وقد أنبأني عالم بيولوجي ذات مرة أنه أجرى تجارب على ~~وراثة تغير بيولوجي مصطنع في أجيال متعددة، وتأكد تبعا لذلك من أنه ~~تغير أصيل. وعندما سألته عن عدد الأجيال التي أجرى عليها الاختبار، ~~قال إنه اختبر خمسين جيلا من الذباب. مثل هذا العدد قد يبدو ~~قليلا في نظر الخبير الإحصائي للتأمينات، الذي اعتاد التعامل مع ~~ملايين الحالات قبل القيام باستدلال استقرائي. ولكن ما هو العدد ~~الكبير؟ من المستحيل تقديم الإجابة إلا على أساس استقراءات أخرى، ~~تنبئنا بما ينبغي أن يكون عليه العدد الكبير لكي نستطيع أن نتوقع ~~استمرار تردد ملاحظ فبالنسبة إلى اختبار متعلق بالوراثة، نجد أن ~~خمسين جيلا عدد كبير. وعندما يجري طبيب على مريضه اختبار ~~فاسرمان # Wassermann ~~، # 1 # لكي يتأكد من إصابته أو عدم إصابته بمرض الزهري، فإنه ~~لا يقوم إلا بملاحظة واحدة، وعلى ذلك فإن العدد «واحد» يكون في هذه ~~الحالة عددا كبيرا لإجراء استدلال استقرائي. والدليل ms218 على ذلك ~~مستمد من الاستدلالات الاستقرائية الأخرى، التي أثبتت أنه إذا كان ~~الاختبار الواحد إيجابيا أو سلبيا، فإن كل الاختبارات التالية ~~(التي تجرى على الشخص نفسه) ستكون مثله. فعندما أقول أن جميع ~~الاستدلالات الاستقرائية يمكن أن ترد إلى استقراء تعدادي، أعنى أن ~~من الممكن التعبير عنها بشبكة من الاستقراءات البسيطة من هذا ~~النوع. ومن الممكن أن تكون الطريقة التي تجمع بها هذه الاستدلالات ~~الأولية تركيبا أعقد بكثير من ذلك الذي استخدم في الأمثلة ~~السابقة. # ولما كان من الممكن إرجاع جميع الاستدلالات الاستقرائية إلى ~~استقراء تعدادي، فإن كل ما هو مطلوب لجعل الاستدلالات الاستقرائية ~~مشروعة هو تبرير الاستقراء التعدادي. ويكون هذا التبرير ممكنا ~~عندما ندرك أن النتائج الاستقرائية لا يدعي أنها أحكام صحيحة، ~~وإنما تقال على أنها ترجيحات Posits # فحسب. # فعندما نحصي التردد النسبي لحادث ما، نجمد أن النسبة المئوية ~~التي نتوصل إليها تختلف تبعا لعدد الحالات الملاحظة، ولكن ~~الاختلافات تتلاشى بازدياد العدد. مثال ذلك أن إحصاءات المواليد ~~تدل على أن 49٪ من كل ألف من المواليد ذكور، وبزيادة عدد الحالات ~~نجد أن الذكور يمثلون نسبة 52٪ بين 5000 مولود، ويمثلون 51٪ بين ~~10000 مولود، فلنفرض مؤقتا أننا نعلم أننا لو واصلنا الزيادة فسوف ~~نصل آخر الأمر إلى نسبة مئوية ثابتة - وهي ما يطلق عليه الرياضي ~~اسم حد التردد - فما هي القيمة العددية التي نفترضها بالتسمية إلى ~~هذه النسبة المئوية النهائية؟ إن أفضل ما يمكننا عمله هو أن ننظر ~~إلى القيمة الأخيرة التي وصلنا إليها على أنها هي القيمة الدائمة ~~وأن نستخدمها على أنها هي الترجيح الذي نقول به. فإذا أثبتت ~~الملاحظات التالية أن الترجيح باطل، فسوف نصححه، ولكن إذا اتجهت ~~السلسلة نحو نسبة مئوية نهائية، فلا بد أن نصل بمضي الوقت إلى قيم ~~قريبة من القيمة النهائية. وهكذا يتضح أن الاستدلال الاستقرائي هو ~~أفضل أداة للاهتداء إلى النسبة المئوية النهائية، أو درجة احتمال ~~الحادث، إن كانت هناك مثل هذه النسبة المئوية الحدية على الإطلاق، ~~أي إذا كانت السلسلة تتجه صوب حد. # فكيف نعرف ms219 أن للتردد حدا؟ ليس لدينا دليل على هذا الافتراض ~~بالطبع. غير أننا نعلم أنه إذا كان ثمة حد كهذا، فسوف نتوصل إليه ~~بالمنهج الاستقرائي. وعلى ذلك فإذا شئت أن تهتدي إلى حد التردد، ~~فلتستخدم الاستدلال الاستقرائي إذ إنه أفضل أداة لديك؛ لأنه إذا ~~كان من الممكن بلوغه، فإن محاولتك تكون قد ذهبت هباء، ولكن كل ~~محاولة أخرى ستخفق بدورها في هذه الحالة. # إن من الممكن تشبيه من يقوم باستدلالات استقرائية بصياد يرمي ~~شباكه في جزء مجهول من البحر فهو لا يعلم إن كان يصطاد سمكا، ~~ولكنه يعله أنه إذا أراد أن يصطاد سمكا فعليه أن يرمي شباكه. وإن ~~كل تنبؤ استقرائي لهو أشبه برمي شبكة في بحر الحوادث الطبيعية: ~~فلسنا نعلم إن كنا سنقتنص صيدا طيبا، ولكنا نحاول على الأقل، ~~ونستخدم في محاولتنا أفضل الوسائل المتوافرة لدينا. # إننا نحاول لأننا نريد أن نسلك - ومن يريد أن يسلك لا يستطيع أن ~~ينتظر حتى يصبح المستقبل معرفة قابلة للملاحظة. ذلك لأن السيطرة ~~على المستقبل، وتشكيل أحداث المستقبل وفقا لخطة، يفترض مقدما ~~معرفة تنبئية بما سيحدث إذا تحققت شروط معينة، وإذا لم نعرف ~~الحقيقة بشأن ما سيحدث، فسوف نستعيض عن الحقيقة بأفضل ترجيحاتنا؛ ~~فالترجيحات هي أداة الفعل حيث لا تتوافر الحقيقة، وتبرير الاستقراء ~~هو أنه أفضل أداة للفعل معروفة لنا. # ويتسم هذا التبرير للاستقراء بالبساطة الشديدة، فهو يبين أن ~~الاستقراء هو أفضل وسيلة لبلوغ هدف معين. والهدف هو التنبؤ ~~بالمستقبل - ومن الممكن التعبير عن الهدف نفسه بصيغة أخرى فنقول ~~إنه هو الاهتداء إلى حد ~~التردد # limit of frequency ~~. ولهذه الصيغة نفس المعنى؛ إذ إن المعرفة ~~التنبئية معرفة احتمالية، والاحتمال هو حد التردد. فالنظرية ~~الاحتمالية في المعرفة تتيح لنا إيجاد تبرير للاستقراء، وهي تمدنا ~~بدليل على أن الاستقراء أفضل وسيلة للاهتداء إلى نوع المعرفة ~~الوحيد الذي يمكننا بلوغه. فكل معرفة هي معرفة احتمالية، ولا يمكن ~~تأكيدها إلا بمعنى أنها ترجيحات، والاستقراء هو أداة الاهتداء إلى ~~أفضل الترجيحات. # 2 # ولا شك أن هذا الحل لمشكلة ms220 الاستقراء سيزداد وضوحا إذا ما قورن ~~بالنظرية العقلية في الاحتمال. فمبدأ السوية، الذي يحتل مركزا ~~منطقيا مشابها لمركز مبدأ الاستقراء لأنه يستخدم في تحديد درجة ~~الاحتمال، يعد في نظر صاحب المذهب العقلي مبدأ منطقيا واضحا ~~بذاته، وهكذا يصل إلى وضوح ذاتي تركيبي. أي إلى منطق تركيبي قبلي. ~~وبهذه المناسبة فإن مبدأ الاستقراء التعدادي يعد في كثير من ~~الأحيان مبدأ واضحا بذاته أيضا، وهذا الفهم يمثل صيغة أخرى للمنطق ~~الاحتمالي المرتكز على المعرفة التركيبية القبلية. أما الفهم ~~التجريبي للمنطق الاستقرائي فهو يختلف عن ذلك اختلافا أساسيا؛ ~~فمبدأ الاستقراء التعدادي، الذي يكون مبدؤه التركيبي الوحيد، لا ~~يعد واضحا بذاته، أو مصادرة يستطيع المنطق تحقيق صحتها. إن ما يستطيع المنطق إثباته هو أن من المستحسن استخدام المبدأ ~~إذا كان في ذهننا هدف معين، هو هدف التنبؤ بالمستقبل، هذا ~~البرهان، أي تبرير الاستقراء، مبني على اعتبارات تحليلية. فمن حق ~~التجريبي أن يستخدم مبدأ تركيبيا، لأنه لا يؤكد أن المبدأ صحيح ~~أو ينبغي أن يؤدي إلى نتائج صحيحة، أو إلى احتمالات صحيحة أو أي ~~نوع من النجاح، بل إن كل ما يؤكده هو أن استخدام المبدأ هو خير ما ~~يمكنه أن يفعله. وهذا العزوف عن أي ادعاء للحقيقة يتيح له أن يدمج ~~عنصرا تركيبيا قبليا في منطق تحليلي، وأن يفي بهذا الشرط، وهو ~~أن يكون كل ما يؤكده على أساس منطقه حقيقة تحليلية فحسب. وهو لا ~~يستطيع أن يفعل ذلك إلا لأنه لا يؤكد نتيجة الاستدلال الاستقرائي، ~~وإنما يرجحها فقط، وما يؤكده هو أن ترجيح النتيجة وسيلة لغايته. ~~وهكذا يكتمل تطبيق المبدأ التجريبي القائل أن العقل لا يستطيع أن ~~يقوم إلا بدور تحليلي في المعرفة، وأنه لا يوجد وضوح ذاتي ~~تركيبي. # لقد كانت صعوبات المذهب التجريبي، التي صيغت في مذهب الشك عند ~~هيوم، نتيجة لتفسير باطل للمعرفة، وهي تختفي إذا ما فسرت المعرفة ~~تفسيرا صحيحا تلك هي النتيجة التي تفضي إليها فلسفة نمت من تربة ~~العلم الحديث. أما فيلسوف المذهب العقلي فإنه لم يكتف بأن ms221 يقدم ~~للعالم سلسلة من مذاهب الفلسفة التأملية التي لا يمكن قبولها، بل ~~إنه قد عمل أيضا على تسميم التفسير التجريبي للمعرفة، بأن حث ~~الفيلسوف التجريبي على التماس أهداف لا يمكن بلوغها. ولقد كان لا بد ~~لتطور العلم من تجاوز النظرة إلى المعرفة على أنها نسق من الأحكام ~~التي يمكن البرهنة على صحتها؛ وذلك قبل أن يتسنى الاهتداء إلى حل ~~لشكلة المعرفة التنبئية. وكان لا بد أن يختفي السعي إلى اليقين في ~~داخل أكثر علوم الطبيعة دقة. أي الفيزياء الرياضية، قبل أن يستطيع ~~الفيلسوف تقديم تفسير للمنهج العلمي. # والواقع أن صورة المنهج العلمي كما ترسمها الفلسفة الحديثة ~~مختلفة كل الاختلاف عن المفاهيم التقليدية. فقد اختفى المثل الأعلى ~~لعالم يخضع مساره لقواعد دقيقة، أو لكون متحدد مقدما، يدور كما ~~تدور الساعة المضبوطة، واختفى المثل الأعلى للعالم الذي يعرف ~~الحقيقة المطلقة. واتضح أن أحداث الطبيعة أشبه برمي الزهر منها ~~بدوران النجوم في أفلاكها؛ فهي خاضعة للقوانين الاحتمالية. لا ~~للعلية. أما العالم فهو أشبه بالمقامر منه بالنبي؛ فهو لا يستطيع ~~أن ينبئك إلا بأفضل ترجيحاته - ولكنه لا يعرف مقدما أبدا إن كانت ~~هذه الترجيحات ستتحقق. ولكنه مع ذلك مقامر أفضل من ذلك الذي يجلس ~~أمام المائدة الخضراء. لأن مناهجه الإحصائية أفضل، والهدف الذي ~~يسعى إليه أسمى بكثير وهو التنبؤ برميات الزهر الكونية، فإذا ما ~~سئل عن أسباب اتباعه لمناهجه. وعن الأساس الذي يبني تنبؤاته عليه، ~~لم يكن في وسعه أن يجيب بأن لديه معرفة بالمستقبل تتصف باليقين ~~المطلق، بل إنه يستطيع فقط أن يقدم أفضل ترجيحاته. ولكن في وسعه أن ~~يثبت أن هذه بالفعل هي أفضل الترجيحات، وأن القول بها هو أفضل ما ~~يمكنه عمله - وإذا كان المرء يعمل أفضل ما يمكنه عمله، فهل يستطيع ~~أحد أن يطلب منه المزيد؟ # الفصل الخامس عشر # | فاصل: هملت يناجي نفسه # أن أكون أو لا أكون - هذا ليس سؤالا. وإنما هو تحصيل حاصل. إني ~~لا أعبأ بالعبارات الفارغة، بل أود أن أعرف حقيقة حكم تركيبي؛ أود ~~أن أعرف ms222 إن كنت سأكون. وهذا معناه أنني أود أن أعرف إن كانت ~~ستواتيني الشجاعة للانتقام لأبي. # ولكن، لم كنت في حاجة إلى الشجاعة؟ صحيح أن زوج أمي، الملك، رجل ~~قوي، وأنني سأخاطر بحياتي. ومع ذلك فلو استطعت أن أوضح للجميع أنه ~~قتل أبي، فسيكون الجميع في صفي. ولكن هذا لن يحدث إلا إذا استطعت ~~أن أوضحه للجميع. وهو على الأقل واضح لي. # لكن لم كان واضحا؟ إن لدي أدلة قوية. فقد كان الشبح مقنعا ~~تماما في الحجج التي أدلى بها. ولكنه مجرد شيخ. فهل هو موجود؟ ليس ~~من السهل أن أسأله. وربما كنت أحلم. ولكن هناك دليلا آخر؛ فلدى ~~هذا الرجل دافع قوي إلى قتل أبي؛ فهي فرصة رائعة لكي يصبح ملكا ~~للدانمرك! وهناك أيضا ذلك التعجل الذي تزوجته به أمي. كما أن أبي ~~كان على الدوام رجلا صحيح الجسم. فهذا إذن دليل غير مباشر ~~معقول. # ولكنه لا يعدو أن يكون كذلك - دليلا غير مباشر. فهل يحق لي أن ~~أومن بما هو احتمالي فحسب؟ تلك هي النقطة التي أفتقر فيها إلى ~~الشجاعة. فليست المسألة هي أنني أخشى الملك الحالي، بل إنني أخشى ~~أن أفعل شيئا على أساس احتمال صرف. إن المنطقي ينبئني بأن ~~الاحتمال لا معنى له بالنسبة إلى حالة فردية. فكيف إذن أستطيع أن ~~أتصرف في هذه الحالة؟ هذا ما يحدث عندما تلتمس الإجابة لدى ~~المنطقي. فاللون النضر للعزم والتصميم يعتل ويصفر بفعل الظل الشاحب ~~للفكر. ولكن ماذا لو بدأت أفكر بعد الفعل ووجدت أنه لم يكن ينبغي ~~أن أفعله؟ # هل المنطقي شخص لا فائدة منه إلى هذا الحد؟ أنه ينبئني بأنه إذا ~~كان هناك شيء محتمل، فمن حقي أن أرجحه وأسلك كما لو كان صحيحا. ~~وحين أفعل ذلك أكون على صواب في العدد الأكبر من الحالات، ولكن هل ~~سأكون على صواب في العدد الأكبر من الحالات. # إنني أرى مخرجا. فسأجعل الشواهد أقوى مما هي عليه، إنها لفكرة ~~رائعة حقا، وسوف أنفذها. ستكون هذه تجربة حاسمة، فلو كانا قد ~~قتلاه ms223 فلن يتمكنا من إخفاء انفعالاتهما. هذا فهم صحيح لنفسية ~~الناس. فإذا كانت نتيجة التجربة إيجابية، فسأعلم القصة بأكملها علم ~~اليقين. أتفهم ما أعني؟ إن في السماء والأرض أكثر مما حلمت به في ~~فلسفتك، أيها المنطقي العزيز. # فهل سأعلم ذلك عن يقين؟ أنى أرى ابتسامتك الساخرة. ليس ثمة يقين. ~~وإنما سيقوى الاحتمال، وستكون لترجيحي نسبة أعلى. وأستطيع أن أضمن ~~نسبة مئوية أعظم من النتائج الصحيحة. هذا كل ما يمكنني بلوغه. لا ~~مفر لي من القيام بترجيح. إنني أريد اليقين، ولكن كل ما يملكه ~~المنطقي لي هو أن ينصحني بالقيام بترجيحات. # ها أنا ذا، هملت الخالد. فيم يجديني أن أسأل المنطقي، إن كان كل ما ~~ينبئني به هو أن أقوم بترجيحات؟ إن نصيحته تؤكد شكي بدلا من أن ~~تمنحني الشجاعة التي أحتاج إليها من أجل فعلي. إن المنطق ليس لي. ~~وعلى المرء أن يكون أشجع من هملت لكي يسترشد دائما بالمنطق. # الفصل السادس عشر # | الفهم الوظيفي للمعرفة # عرضنا في الفصول السابقة عددا من نتائج الفلسفة العلمية. كما ~~استعرضنا الأداتين الرئيسيتين للمعرفة، وهما المنطق الاستنباطي ~~والمنطق الاستقرائي، من حيث مناهجهما ونتائجهما. وأود أن أقدم في ~~هذا الفصل موجزا لأعم أجزاء الفلسفة العلمية، الذي ظهر فيه فهم ~~جديد للمعرفة، وقدم فيه حل علمي لمشكلة الواقع الفيزيائي. ولكي ~~أوضح طبيعة هذا الفهم الجديد للمعرفة فسوف أقارنه بذلك الفهم الذي ~~ظل سائدا بدرجات متفاوتة من الوضوح، في المذاهب الفلسفية ~~التقليدية. # إن الفلسفة التأملية تتميز بالفهم المتعالي # 1 # للمعرفة، الذي تعلو فيه المعرفة على الأشياء الملاحظة ~~وتتوقف على استخدام مصادر أخرى غير الإدراك الحسي، أما الفلسفة ~~العلمية فقد توصلت إلى فهم وظيفي للمعرفة، يرى في المعرفة أداة ~~للتنبؤ، ويؤكد أن الملاحظة الحسية هي المعيار الوحيد المقبول ~~للحقيقة غير الفارغة. وأود أن أعرض كلا الرأيين بمزيد من التفصيل ~~لكي أواجه كلا منهما بالآخر. # لقد كان التعبير الرمزي الكلاسيكي عن الفهم المتعالي للمعرفة هو ~~تشبيه الكهف عند أفلاطون. فأفلاطون يصور كهفا يمشي فيه أشخاص ~~عديدون، ولدوا فيه ولم يغادروه ms224 أبدا. هؤلاء الأشخاص مقيدون بسلاسل ~~إلى أماكنهم بحيث يواجهون الجدار الخلفي للكهف ولا يستطيعون تحريك ~~رءوسهم. وأمام مدخل الكهف توجد نار تلقى بأشعة من الضوء داخل الكهف ~~وعلى الجدار الخلفي. وبين النار والمدخل يمشى أناس وتسقط ظلالهم ~~على الجدار الخلفي للكهف، فيرى سكان الكهف هذه الظلال، ولكنهم لا ~~يرون أبدا الناس الموجودين بالفعل، لأنهم لا يستطيعون أن يديروا ~~رءوسهم، فيتوهمون أن الظلال هي الأشياء الحقيقية، ولا يعلمون أبدا ~~أن هناك عالما في الخارج، لا يرون منه إلا الظلال. ويقول أفلاطون ~~إن المعرفة التي يكونها البشر عن العالم الطبيعي إنما هي معرفة من ~~هذا النوع. فعالم الإدراك الحسي أشبه بالظلال التي تتحرك على جدار ~~الكهف. والفكر وحده هو الذي يستطيع أن يكشف لنا عن وجود حقيقة أعلى، لا تعد الموضوعات المنظورة بالنسبة ~~إليها إلا صورا هزيلة. # ولقد ظل تشبيه الكهف، طوال ألفي عام، يرمز لموقف الفيلسوف ~~التأملي. فهو يعبر عن رأي شخص لا يقنع بنتائج التجربة الحسية على ~~الإطلاق، وتتملكه رغبة قوية في تجاوز مجال الموضوعات الملاحظة، وما ~~يمكن أن يستخلص منها بالاستقراء. وهو يصور المعرفة التجريبية في ~~صورة بديل هزيل لمعرفة أفضل لا يصل إليها إلا الاستبصار العقلي، ~~وتظل وقفا على الرياضي والفيلسوف. وتلك هي النزعة المتعالية في ~~أنقى صورها؛ ففيها يبدأ اتجاه في التفكير الفلسفي بلغة قمته في ~~التمييز بين الظواهر والأشياء في ذاتها. ولقد أسفر ذلك المركب ~~الشامخ للفلسفة العقلية، الذي وضعه كانت، عن تكرار للتقسيم الثنائي ~~إلى عالم هنا وعالم «هناك»، وهو التقسيم الذي بدأ به المذهب العقلي ~~مسيرته الظافرة طوال تاريخ الحضارة الغربية - والذي يرتبط من ~~الوجهة النفسية ارتباطا وثيقا بالثنائية الدينية بين هذه الحياة ~~الأرضية والحياة السماوية المقبلة. # وليس في وسع الفلسفة العلمية أن تقول الكثير لأولئك الذين يرفضون ~~التخلي عن هذه الثنائية. فالمذهب العقلي إنما هو ميل انفعالي متحيز ~~نحو عالم من الخيال، وهو سخط على الواقع الفيزيائي ينبثق عن دوافع ~~غير منطقية، ولا يمكن شفاؤه إلا بوسائل خارجة عن مجال المنطق. وفي ~~استطاعة ms225 عالم المنطق في أيامنا هذه أن يبين أن هدف النزعة العقلية ~~لا يمكن بلوغه، وأن المعرفة المستمدة من العقل وحده فارغة، وأن ~~العقل لا يستطيع أن يدلنا على قوانين الطبيعة. غير أن التخلي عن ~~الرغبة في بلوغ ما لا يمكن بلوغه، وأن المعرفة المستمدة من العقل ~~وحده فارغة، وأن العقل لا يستطيع أن يدلنا على قوانين الطبيعة. غير ~~أن التخلي عن الرغبة في بلوغ مالا يمكن بلوغه يقتضي إعادة نظر في ~~القيم الانفعالية. والواقع أن الرمز المعبر عن المثالي العقلي ليس ~~هو ذلك الشخص الذي يكشف الأسباب غير الملاحظة للظواهر الملاحظة؛ ~~إذ إن هذا هو ما يفعله العالم، الذي سرعان ما يتوصل بطريقة البرهان ~~غير المباشر. لو قيد في كهف أفلاطون، إلى أن للظلال الملاحظة ~~أسبابا خارجية. # 2 # فتجاوز نطاق الموضوعات الملاحظة بالاستدلال العلمي هو ~~المنهج المشروع الذي يتبعه التجريبي. أما رمز المثالي فهو ذلك ~~الشخص الذي يلجأ إلى أحلام اليقظة لأنه لا يستطيع أن يستمتع ~~بالواقع مع كل ما فيه من نقائص أخلاقية وجمالية. فالمثالية هي ~~المظهر الفلسفي للنزعة الهروبية، وقد كانت تزدهر على الدوام في ~~أوقات الكوارث الاجتماعية التي زعزعت أسس المجتمع البشري. وعلى ~~الرغم من صعوبة التغلب على الإرضاء التخديري للرغبات في الأحلام، ~~فإن هناك وسائل للتخلص من الاعتقاد العقلاني بالأشياء في ذاتها، ~~التي هي نقية خالصة، وغير ملاحظة، وتتجاوز الوجه السطحي للمظاهر، ~~فقد يكون من الممكن أحيانا تحقيق عملية إعادة التكيف الانفعالي ~~هذه بدراسة العلوم الوضعية، والشعور بالرضا الانفعالي الناتج عن ~~السيطرة على الموضوعات الملاحظة والتنبؤ الناجح بسلوكها. ولكن قد ~~يحتاج الأمر أحيانا إلى تدخل التحليل النفسي. # ولقد كانت الرسالة التاريخية التي تعين على التجريبية تحقيقها هي ~~القضاء على الثنائية العقلانية؛ إذ حاولت التجريبية، منذ أيام ~~الذريين والشكاك القدماء، أن تضع فلسفة لهذا العالم، رافضة أن ~~تعترف بما يتجاوزه. ولم يكن من الممكن أن تنجح إلا بعد أن نفض ~~العلم عن نفسه مظهره المتنكر في ثياب عقلانية. وهكذا فإن التحليل ~~الرياضي للطبيعة، الذي كان يبدو في ms226 الأصل انتصارا للمناهج ~~العقلانية، وقد اتضح بمضي الوقت أنه أداة لمعرفة تبني ما تدعيه من ~~حقيقة على الإدراك الحسي، وأنه أداة فقط، وليس مصدرا للحقيقة. ~~وبذلك أصبح القرنان التاسع عشر والعشرون، اللذان ندين لهما بهذا ~~التطور، مهدا لنزعة تجريبية جديدة تكتف بمهاجمة المذهب العقلي، بل ~~كانت لديها أيضا وسائل التغلب عليه. ونظرا إلى التجاء هذه النزعة ~~التجريبية إلى مناهج المنطق الرمزي في تحليل المعرفة، فإنها تسمى ~~أيضا بالنزعة التجريبية ~~المنطقية # logical empiricism ~~. # ونستطيع أن نسمي فلسفة النزعة التجريبية الجديدة باسم «الفهم ~~الوظيفي للمعرفة»، في مقابل الفهم المتعالي للمعرفة. وتبعا لهذا ~~التفسير لا تشير المعرفة إلى عالم آخر، وإنما تقدم عرضا للأشياء في ~~هذا العالم، بغية أداء وظيفة تخدم غرضا، هو التنبؤ بالمستقبل. ~~وأود الآن أن أناقش هذا الفهم، الذي أصبح مبدأ من مبادئ التجريبية ~~المنطقية. # إن البشر أشياء ضمن سائر الأشياء الطبيعية، وهم يتأثرون بالأشياء ~~الأخرى بتوسط أعضائهم الحسية. هذا التأثر يحدث أنواعا شتى من ردود ~~الأفعال في الجسم البشري، أهمها رد الفعل اللغوي، أي تكوين نسق من ~~العلامات. وقد تكون العلامات منطوقة أو مكتوبة، وعلى الرغم من أن ~~الشكل المكتوب قد يكون أقل أهمية بالنسبة إلى أغراض الحياة من ~~الشكل المنطوق، فإنه أرفع منه من حيث إنه يخضع لنظام من القواعد ~~أدق، ويكشف بمزيد من الأحكام عن المضمون المعرفي للغة. # فما هو هذا المضمون المعرفي؟ إنه ليس شيئا يضاف إلى نسق ~~العلامات، وإنما هو خاصية لنظام العلامات. فالعلامات أشياء ~~فيزيائية، كخطوط المداد على الورق، أو الموجات الصوتية، تستخدم في ~~علاقة تناظر مع أشياء فيزيائية أخرى، وهذا التناظر الذي لا يرتكز ~~على أي تشابه، مبني على اصطلاح؛ مثال ذلك أن لفظ «البيت» يناظر ~~البيت، ولفظ «أحمر» يناظر صفة الاحمرار، وتتجمع العلامات على نحو ~~من شأنه أن تكون تجمعات معينة لها، تسمى بالجمل، مناظرة لحالات ~~واقعة في العالم الفيزيائي. وفي هذه الحالة توصف تجمعات العلامات ~~هذه بأنها صحيحة؛ مثال ذلك أن الجملة «البيت أحمر»، إذا كانت تناظر ~~حالة واقعة فعلية، تسمى ms227 صحيحة. وهناك تجمعات أخرى للعلامات، يمكن ~~تحويلها بإضافة العلامة «لا» إلى جمل صحيحة، تسمى تجمعات باطلة. ~~ويسمى تجمع العلامات الذي يمكن بيان صحته أو بطلانه تجمعا ذا معنى ~~ولهذا التصور أهميته؛ إذ إننا كثيرا ما نهتم بتجمعات للعلامات لا ~~يمكن تحديد صحتها أو بطلانها في الوقت الراهن، ولكن يمكن تحديدها ~~في وقت لاحق. وإلى هذا النوع تنتمي كل عبارة غير محققة، مثل «سيكون ~~الغد يوما مطيرا». # وتعد الإشارة إلى القابلية للتحقيق عنصرا ضروريا في نظرية ~~المعنى. فالجملة التي لا يمكن تحديد صحتها من ملاحظات ممكنة هي ~~جملة لا معنى لها. وعلى الرغم من أن العقلانيين قد اعتقدوا أن هناك ~~معاني في ذاتها، فإن التجريبيين في جميع العصور قد أكدوا أن المعنى ~~يتوقف على القابلية للتحقيق. والواقع أن العلم الحديث إنما هو سجل ~~حافل يؤيد هذا الرأي. ففي التحليل الذي قدمناه من قبل للمكان ~~والزمان والعلية وميكانيكا الكوانتم، كان توقف المعنى على قابلية ~~التحقيق واضحا، ولو لم يؤمن المرء بهذا الرأي لظلت الفيزياء ~~الحديثة مستغلقة على فهمه. فنظرية المعنى من حيث هو قابلية التحقيق ~~هي جزء لا يتجزأ من الفلسفة العلمية. # ولو قلنا: الجملة ذات معنى # the sentence is meaningful # لكان ذلك أفضل من قولنا ~~الجملة لها ~~معنى # the sentence has a meaning ~~؛ إذ إن الصيغة الأولى تظهر بمزيد من الوضوح ~~أن المعنى صفة للعلامات وليس شيئا يضاف إليها. وترجع أهمية تجمعات ~~العلامات ذات المعنى إلى أنها تتيح لنا الكلام عن حوادث لا نعرفها، ~~ولا سيما حوادث المستقبل. فالأمر الذي يتيح الاستخدام النظري ~~للمعرفة هو توسيع اللغة من جمل صحيحة إلى جمل ذات معنى، أي إن هذا ~~التوسيع يتيح لمن يستخدم العلامات أن يصف عدة حوادث ممكنة، ويختار ~~من بين صياغاته تلك التي يبدو أنها هي الأجدر بأن تعد ~~صحيحة. # ومن الممكن تحقيق الجمل على أنحاء متعددة؛ فأبسط طرق التحقيق هي ~~الملاحظة المباشرة، غير أن هذه الطريقة لا تسمح إلا بتحقيق مجموعة ~~محدودة من الجمل، مثل «المطر يهطل» أو «زيد أطول ms228 من عمرو»، فإذا ~~كانت الجملة المبنية على الملاحظة تشير إلى الماضي، فإننا نرى ~~التحقيق ممكنا حتى لو لم يكن هناك ملاحظ. مثال ذلك أن الجملة «كان ~~الثلج يسقط على جزيرة مانهاتن (في مدينة نيويورك) في الساعة ~~الرابعة صباحا من يوم 28 نوفمبر.» هي جملة قابلة للتحقيق، وبالتالي ~~ذات معنى؛ لأنه كان من الممكن وجود ملاحظ عندئذ، ولكن هناك جملا ~~أخرى لا يمكن تحقيقها مباشرة. فالجملة القائلة إنه قد أتى على ~~الأرض وقت كان يسكنها فيه حيوان «الديناصور»، ولم يكن الجنس البشري ~~قد وجد فيه بعد، أو القائلة أن المادة تتألف من ذرات، لا يمكن ~~تحقيقها إلا بطريق غير مباشر، بواسطة استدلالات استقرائية مبنية ~~على ملاحظات مباشرة. ولكن لهذه الجمل معنى لأنها تقبل التحقيق غير ~~المباشر. ويقدم إلينا حساب الاحتمالات القواعد الخاصة بهذا النوع ~~من التحقيق. والجملة التي تحقق على هذا النحو تقال على أساس أنها ~~ترجيح Posit ~~. فإذا كانت متعلقة بالمستقبل، أمكن استخدامها مرشدا ~~لأفعال مقبلة. ويتميز تركيب نسق العلامات المبني على هذا التعريف ~~للمعنى بأن من الممكن استخدامه أداة للتنبؤ. وهذه هي وظيفته ~~بالنسبة إلى من يستخدم العلامات. فإذا حقق هذا الفرض، سمي ~~معرفة. # ولقد اعترض البعض بقولهم إن للمعنى طبيعة ذاتية، وإن أحدا لا ~~يستطيع أن يقول لشخص معين ما يعنيه، وإن من الواجب السماح لكل شخص ~~باستخدام ألفاظه بالمعاني التي تبدو له ملائمة. وعلى أساس هذا ~~الاعتراض يكون إصرار الفيلسوف العلمي على استبعاد الجمل غير ~~القابلة للتحقيق، أو على ضرورة جعل الملاحظة الحسية، مقترنة ~~بالاستدلالات الاستقرائية أو الاستنباطية، أساسا للتحقيق - يكون ~~هذا الإصرار تعسفا لا مبرر له في استخدام اللغة. ومع ذلك فإن هذا ~~الاعتراض ينطوي على سوء فهم للطبيعة المنطقية للنظرية القائلة إن ~~المعنى هو قابلية التحقيق. فليس المقصود من هذه النظرية أن تكون ~~ضربا من الأمر الأخلاقي، بل إن الفيلسوف العلمي متسامح، وهو يدع ~~كل شخص يعني ما يشاء. غير أنه يقول له: إذا استخدمت معاني لا يمكن ~~تحقيقها، فإن كلماتك لن تستطيع أن تقدم ms229 وصفا لأفعالك. ذلك لأن ما ~~تفعله موجه دائما إلى المستقبل، ولا يمكن ترجمة الأحكام المتعلقة ~~بالمستقبل إلى تجارب ممكنة إلا بقدر ما يكون من الممكن تحقيقها. ~~فالنظرية التجريبية في المعنى لا تقدم وصفا للمعاني الذاتية لدى ~~الشخص، وإنما هي قاعدة تقترح بالنسبة إلى صورة اللغة، وهي قاعدة ~~يستحسن اتباعها لأسباب مقنعة؛ فهي تحدد نوع المعنى الذي لو ~~افترضناه لكلمات شخص معين لجعل كلماته متمشية مع أفعاله. وهذه ~~الصفة الأخيرة هي كل ما يكون من المعقول اشتراطه بالنسبة إلى نظرية ~~للمعنى. فأولئك الذين يتخذون من القابلية للتحقيق معيارا للمعنى ~~يتكلمون لغة تتمشى مع سلوكهم، واللغة بالنسبة إليهم تؤدي وظيفة لا ~~يمكن الاستغناء عنها في القيام بالأفعال، وهي ليست نسقا فارغا ~~منقطع الصلة بعالم التجربة. # إن الفهم الوظيفي للمعرفة يخلص اللغة من جميع الأسرار التي ~~أقحمها فيها المذهب العقلي طوال ألفي عام. وهي تؤدي إلى جعل طبيعة ~~اللغة غاية في البساطة، ولكن الحل البسيط كثيرا ما يكون الاهتداء ~~إليه هو الأصعب؛ فقد كان على ذرية المعرفة أن تتحرر أولا من وهم ~~التركيبية القبلية، وهو الأثر المتخلف عن اتجاه صوفي نحو عالم من ~~الكيانات التي تتجاوز الأشياء الملاحظة، قبل أن تشرع في التعبير عن ~~المعرفة بوضوح على أنها وظيفية. ولم يكن من الممكن تقديم الدليل ~~على أن المعرفة وظيفية وعلى أنها أفضل أداة للتنبؤ، قبل الاهتداء ~~إلى تفسير مرض للاحتمال. فطوال الوقت الذي ظلت فيه التجريبية عاجزة ~~عن تفسير استخدام الاستدلالات الاستقرائية والاحتمالات، كانت مجرد ~~برنامج، لا نظرية فلسفية. ولم يكن من الممكن تنفيذ برنامج ~~التجريبية، أعني المبدأ القائل أن كل حقيقة تركيبية تستمد من ~~الملاحظة، وأن كل ما يسهم به العقل في المعرفة ذو طبيعة تحليلية، ~~إلا بعد أن هيأ العلم في القرنين التاسع عشر والعشرين الوسائل ~~الضرورية لذلك. فعصرنا هذا أول عصر يشهد نزعة تجريبية متسقة مع ~~ذاتها. # إن النظرية القائلة إن المعنى هو قابلية التحقيق هي الأداة ~~المنطقية التي يستطيع بها المذهب التجريبي أن يتغلب على ثنائية ~~عالم المظاهر وعالم ms230 الأشياء في ذاتها. فهي تستبعد الأشياء في ذاتها ~~لأنها تؤكد أن الكلام عن أشياء لا تقبل المعرفة من حيث المبدأ هو ~~كلام لا معنى له. وبدلا من أن يتحدث التجريبي عن أشياء لا تقبل ~~المعرفة، فإنه يتحدث عن أشياء لا تقبل الملاحظة، غير أن المعرفة ~~تستطيع الوصول إلى هذه الأشياء الأخيرة، كما أن من الممكن التحدث ~~عنها بطريقة ذات فالأحكام المتعلقة بأشياء لا تقبل الملاحظة يمكن ~~أن يكون لها معنى بقدر ما يكون من الممكن استخلاصها من ملاحظات، ~~وهي تكتسب معنى عن طريق التحويل، أي بفضل علاقتها بأشياء يمكن ~~ملاحظتها. وقد نوقشت هذه العلاقات في الفصل الحادي عشر في صدد ~~مشكلات فيزياء الكوانتم. ولا بد لنا من دراستها بمزيد من التفصيل، ~~وفي صدد جميع ضروب المعرفة. # إن مشكلة الواقع، أي مسألة ما إذا كان العالم واقعيا، تنشأ من ~~تجربة نفسية مألوفة: هي التمييز بين الحلم واليقظة. وهذا التمييز، ~~بالطبع، ذو معنى، ولكن من الضروري بيان معناه وأصله بمزيد من ~~الوضوح، لكي نتغلب على النتائج الباطلة الكثيرة التي استخلصها ~~الفلاسفة منه. # فلنتخيل شخصا غير شاعر بالفرق بين الحلم واليقظة، ويكتب تقارير ~~عن كل ما يلاحظه، مثل هذا الشخص سيكتب جملا مثل: «هناك كلب» ~~و«زيد أتى لرؤيتي» و«السيارة لم يدر محركها» و«الفتاة وقفت في إناء ~~الحساء»، وما إلى ذلك. ومن الواضح أن العبارة الأخيرة تشير إلى ما ~~نسميه «حلما»، ولكن يوميات مثل هذا الشخص لا تتضمن إشارة صريحة ~~إلى الحلم. ولم يكن من الممكن أن تكون هناك إشارة صريحة لأن ظواهر ~~الحلم، في الوقت الذي تمر فيه بتجربتنا، لا تختلف من حيث الكيف عن ~~الملاحظات الفعلية. وبعبارة أخرى فلا يمكن أن يعرف أي شخص، أثناء ~~حلمه، أنه يحلم، ونستطيع أن ننظر إلى اليوميات الكاملة من هذا ~~النوع، التي تجمع تقارير عن جميع ملاحظاتنا، ولكنها تفعل ذلك دون ~~نقد. وتمتنع عن استخلاص استدلالات تتجاوز ما يجرب بالفعل - نستطيع ~~أن ننظر إلى هذه اليوميات على أنها هي الأساس المنطقي للمعرفة ~~البشرية. وعلى الفيلسوف. لكي ms231 يدرس بناء المعرفة، أن يبحث في ~~الاستدلالات التي تؤدي من هذا الأساس إلى أحكام عن الموضوعات ~~الفيزيائية، والأحلام، وكل أنواع التراكيب العلمية. كالكهرباء، أو ~~المجرات، أو عقدة الذنب. فلنتخيل إذن شخصا يحاول بناء نسق للمعرفة ~~من الجمل التي يسجلها في تقاريره المتضمنة في يومياته ~~الكاملة هذه. # إنه سيحاول إيجاد نظام في هذه الجمل، بترتيبها في جماعات. ~~وصياغة قوانين عامة تسري عليها؛ مثال ذلك أنه سيكتشف القانون ~~الآتي: حيثما كانت هناك جملة تقرر أن الشمس مشرقة، توجد جملة لاحقة ~~تقرر أن الجو يزداد دفئا. فيصوغ هذه النتيجة بعد ذلك على أنها ~~علاقة بين الأشياء؛ فكلما أشرقت الشمس أصبح الجو أدفأ. ومع ذلك ~~فإنه سرعان ما يكتشف أن هناك مجموعة معينة من الجمل، كالجملة ~~المتعلقة بوجود الفتاة في إناء الحساء، ينبغي عزلها عن الأخريات، ~~فهو لا يستطيع إدراجها في النسق المنظم؛ لأنها لا تؤدي إلى تنبؤات ~~صحيحة، وبالتالي لا تؤدي إلى قوانين عامة. مثال ذلك أنه سيجد ~~تبريرا يقول له إنه كلما وضع إصبعه في إناء الحساء ابتل ذلك ~~الإصبع، ولكن يبدو أن أرجل الفتاة لم تظهر فيها هذه النتيجة بعد ~~خروجها من إناء الحساء. وعلى ذلك فهو يسمي هذه المجموعة من ~~التقارير التي تكون جزيرة منطقية، باسم الأحلام. # فالنتيجة المنطقية التي يؤدي إليها هذا التحليل هي أن من الممكن ~~تحقيق الفارق بين الحلم واليقظة عن طريق فوارق تركيبية في مجموعة ~~التقارير، وهذا فارق ذو معنى؛ لأن من الممكن ترجمته إلى علاقات ~~قابلة للتحقيق؛ فالأحلام لا تمدنا بملاحظات تتيح التنبؤ بتجارب ~~أخرى. هذه النتيجة تؤدي إلى تصنيف للجمل الواردة في تقاريره إلى ~~جمل ذات صحة موضوعية وجمل ذات صحة ذاتية فحسب. ولكي يكون لدينا اسم ~~ينطبق قبل القيام بهذا التمييز، فسوف أصف جميع الجمل الواردة في ~~تقاريره بأنها ذات صحة مباشرة؛ أي إن من المفترض أنها ليست أكاذيب. ~~وتنقسم الصحة المباشرة إلى صحة موضوعية وصحة ذاتية، نتيجة لإجراءات ~~التنظيم الداخلي، أي لتنظيم لا يتجاوز نطاق الجعل الواردة في ~~اليوميات الكاملة. # ومن الجمل ms232 ننتقل إلى الأشياء؛ فالتقارير التي تتصف بالصحة ~~الموضوعية، يقال عنها إنها تشير إلى أشياء موضوعية. والتقارير التي ~~لا تتصف إلا بالصحة الذاتية وحدها يقال عنها إنها تشير إلى أشياء ~~ذاتية. وهكذا يكون لدينا الآن نوعان من الأشياء كلها تعد أشياء ~~مباشرة. ولكن الأولى وحدها هي الأشياء الموضوعية أو الواقعية. فما ~~هي الثانية؟ # لكي نبحث في هذه الأشياء الأخيرة سنخترع مفهوم «جسمي». فنقول إن ~~موضوعا من بين الموضوعات الفيزيائية يسمى «جسمي» يتأثر سببيا ~~بالأشياء الفيزيائية الأخرى، وتكون له نتيجة لذلك حالة فسيولوجية ~~خاصة، فحيثما كان هناك شيء موضوعي ورد في اليوميات كان «جسمي» في ~~حالة معينة. ولكنه قد يكون في هذه الحالة حتى لو لم يكن هناك شيء ~~موضوعي. وفي هذه الحالة الأخيرة نتحدث عن شيء ذاتي. وعلى ذلك فإن ~~الأشياء الذاتية. وإن لم تكن واقعية، تدل على أشياء واقعية من نوع ~~آخر؛ فهي تدل على حالات لجسمي. # هذه العبارة الأخيرة تبدو أشبه بمغالطة منطقية: فإذا كان هناك ~~شيء غير موجود يدل على شيء موجود. فلا بد أن يكون بدوره موجودا. ~~ولا بد لكي نتغلب على هذه المفارقة من أن نصوغ استدلالاتنا بصورة ~~أدق. وهذا ما يتحقق بالرجوع إلى الجمل الواردة في اليوميات؛ فقد ~~رأينا أن هذه الجمل ليست كلها صحيحة موضوعيا. والآن نجد أنه إذا ~~لم تكن إحدى جمل التقرير صحيحة موضوعيا، ففي استطاعتنا أن نستدل، ~~لا على أن هناك موضوعا فيزيائيا مناظرا. بل على أن هناك حالة ~~لجسمنا يمكن أن تحدث بدورها لو كان هناك موضوع مناظر. وإذ نتحدث عن ~~جمل، فإننا نتجنب ألفاظا مثل «الأشياء الذاتية». وبالعكس، فلما ~~كان من الممكن إجراء هذه الترجمة إلى لغة تتحدث عن جمل، فإن من ~~المسموح به أيضا استخدام أمثال هذه الألفاظ، وعلى ذلك فإن لنا أن ~~نقول إن الأشياء الذاتية لها وجود ذاتي، وبذلك نستخدم كلمة الوجود ~~بمعنى وهمي. فأمثال هذه التعبيرات مباحة لا لشيء إلا لأن من الممكن ~~استبعادها. # وهكذا فإن تقسيم عالم التجربة إلى أشياء موضوعية وأشياء ذاتية، ~~يتم ms233 عن طريق استدلالات صحيحة، ويعبر عنه بطريقة مشروعة في الكلام. ~~فإذا افترضنا أن جميع الجمل التقريرية صحيحة موضوعيا، سنجد أن ~~بعضها ليس كذلك. وهذا استدلال صحيح من النوع الذي يطلق عليه ~~المنطقي اسم «برهان الخلف # reductio ad absurdum ~~»، وهو يعني أن افتراض ~~كون جميع الجمل التقريرية صحيحة موضوعيا «يرد إلى حالة الخلف أو ~~الامتناع». ولكي ندرج هذه الجمل التقريرية التي ليست صحيحة ~~موضوعيا في عالم فيزيائي متسق، فإنا نفترض وجود الملاحظ البشري، ~~الذي يمكن أن يكون جسمه في حالات ملاحظة دون أن تكون هناك أشياء ~~موضوعية. وهكذا ترتبط جمل الحلم بجمل اليقظة عن طريق علاقات ~~نظامية. وفي استطاعتنا وضع قوانين نفسية تفسر الأحلام، وبالفعل ~~استحدث التحليل النفسي طرقا تربط تجارب الحلم سببيا بتجارب ~~سابقة في حالة اليقظة. وهكذا تفقد مجموعات جمل الحلم طابعها ~~المنعزل، وتدمج في النسق الكلي، ومع ذلك فإن التفسير الذي نفهمها ~~به في هذه الحالة يختلف اختلافا بينا عن تفسير الجمل ~~الأخرى. # وعلى ذلك فإن وسيلة إدخال الملاحظ البشري وحالاته الجسمية هي فرض ~~فيزيائي. ولا بد لنا من أن نقوم باختبار أدق للاستدلالات التي أدت ~~إلى هذا الفرض؛ فعندما نحاول تشييد نسق مترابط من القوانين للأشياء ~~الفيزيائية، نضطر في كثير من الأحيان إلى افتراض وجود أشياء ~~فيزيائية أخرى معينة لا يمكن أن تلاحظ مباشرة. مثال ذلك أننا، لكي ~~نصف الظواهر الكهربائية، نفترض أن ثمة كيانا فيزيائيا يسمى ~~بالكهرباء، يسري في الأسلاك أو يسير كالأمواج في المكان المفتوح. ~~ونحن في هذه الحالة نلاحظ ظواهر مثل انحراف الإبرة الممغنطة، أو ~~صدور الموسيقى عن جهاز الاستقبال اللاسلكي، ولكن الكهرباء لا تلاحظ ~~أبدا بطريقة مباشرة. وأود أن أستخدم للتعبير عن هذه الكيانات ~~الفيزيائية اسم «المستنبطات # illata ~~»، أي الأشياء المستدل عليها. ~~وهي تتميز عن «العينيات # concreta ~~» التي تؤلف عالم الأشياء ~~الملاحظة. كما أنها تتميز عن «المجردات # abstracta ~~» التي هي تجمعات ~~للعينيات، ولا يمكن ملاحظتها مباشرة لأنها كليات شاملة؛ مثال ذلك ~~أن لفظ «الرخاء» يشير إلى مجموع من الظواهر الملاحظة، أي العينيات، ~~ويستخدم ms234 بوصفه تعبيرا مختصرا يلخص كل هذه الموضوعات الملاحظة في ~~علاقاتها المتبادلة، أما المستنبطات فليست تجمعات للعينيات، وإنما ~~هي كيانات منفصلة يستدل عليها من العينيات، ووجودها لا يعدو أن ~~يكون أمرا ترجحه العينيات. # فالحالات الداخلية للجسم البشري مستنبطات # illata # لأننا لا نستطيع ~~أن نلاحظ إلا ردود أفعال الجسم، لا حالاته الداخلية، وضمنها مختلف ~~حالات المخ. # ولكي نصف هذه الحالات نستخدم طريقة غير مباشرة في الكلام، فنتحدث ~~مثلا عن «الحالة التي تحدث لو رأى الشخص كلبا.» هذه الطريقة في ~~الكلام تسمى «لغة المنبه # stimulus language ~~» فنحن نميز حالة جسمية عن ~~طريق وصف نوع المنبه الذي يؤدي إلى إحداث هذه الحالة. # ومن الممكن إيضاح هذا النوع من اللغة بمثل مستمد من الفيزياء. ~~فعداد السرعة يقيس سرعة السيارة تبعا لحركة إبرة. ولهذا الغرض يتم ~~الاتصال بين العجلات الدائرة للسيارة وبين الإبرة عن طريق تروس ~~ومحور مرن على نحو من شأنه أن تؤدي زيادة السرعة إلى انحراف زاوية ~~الإبرة، وهكذا يسجل على لوحة الأرقام السرعة المناظرة لكل موقع من ~~مواقع الإبرة. فما تدل عليه الإبرة مباشرة هو حالة داخلية لعداد ~~السرعة، ولكنه يدل على هذا النحو، بطريق غير مباشر، على سرعة، تقوم ~~بدور أشبه بدور «المنبه»، فتجعل الآلة في هذه الحالة. وقد كنا ~~نستطيع أن نستخدم الأرقام الموجودة على اللوحة لإيضاح الحالات ~~الداخلية لعداد السرعة، بدلا من استخدامها مقياسا لسرعة السيارة. ~~أي أننا نستطيع أن نقول، حين ننظر إلى الأرقام المسجلة على اللوحة، ~~«إن عداد السرعة في حالة ستين ميلا في الساعة.» وهكذا فإننا نصف ~~حالة الآلة بطريق غير مباشر، بلغة المنبه. # هذا المثل يساعد على توضيح طبيعة الأشياء الذاتية؛ فالأشياء التي ~~ترى في حلم لها نوع الوجود الذي يكون لسرعة الستين ميلا في مثال ~~عداد السرعة الذي ينظر إليه بمعزل عن السيارة. وفي هذه الحالة يكون ~~للكلام عن الوجود ما يبرره بوصفه طريقة في الكلام، غير أن الوجود ~~الفيزيائي يقتصر على حالات عداد السرعة التي توصف على هذا النحو ~~وصفا غير مباشر؛ فثنائية حالة ms235 اليقظة وحالة الحلم لا تشكل صعوبات ~~للفلسفة التجريبية. وهي لا تحتاج إلى إدخال أشياء «تتجاوز» عالم ~~الأشياء الفيزيائية، ولا تفتح الطريق أمام النزعة المتعالية. بل إن ~~من الممكن تفسيرها تفسيرا كاملا في إطار فلسفة متعلقة «بهذا ~~العالم». ومن الممكن ترجمة معنى الأحكام المتعلقة بأشياء موجودة في ~~الحلم، إلى معنى أحكام متعلقة بأشياء موضوعية. # هذا التحليل يتيح لنا إيضاح معنى السؤال عما إذا كان العالم ~~واقعيا. فمن الممكن تفسير هذا السؤال على أنه يعني: هل نحن الآن ~~في حالة يقظة أم في حلم؟ وهذا دون شك سؤال ذو معنى. بل إننا قد ~~مررنا في الواقع بحالات حلم تساءلنا فيها هذا السؤال، واستنتجنا في ~~إجابتنا أننا أيقاظ، ثم اكتشفنا فيما بعد أننا كنا على خطأ، أي ~~أننا كنا لا نزال نحلم. فهل يمكن أن يكون نفس الشيء حادثا الآن؟ ~~إننا لا نستطيع أن نستبعد احتمال أننا سنكتشف، بعد وقت معين، أننا ~~كنا نحلم الآن، ونحن نشعر شعورا شبه مؤكد بأن هذا لن يحدث، ولكن ~~ليس لدينا ضمان مطلق بأنه لن يحدث. # فإذا عدنا الآن إلى المثال المنطقي الذي ضربناه من قبل، وهو مثال ~~اليوميات الكاملة، فإننا نستطيع صياغة هذه الفكرة على النحو الآتي: ~~من الممكن أن نميز، داخل جملنا التقريرية، بين جمل الأحلام التي هي ~~أشبه بجزر منعزلة. وبين بقية الجمل، لأن المجموع الباقي يسمح ~~بتكوين ترتيب من خلال قوانين السببية. ولكنا لا نستطيع أن ندعي على ~~وجه اليقين أن هذا الترتيب سيكون ممكنا على الدوام. فلتتخيل أنك ~~درست الجمل الخمسمائة الأولى في اليوميات، واكتشف أن مجموع الجزر ~~فيها 30 جملة، ونجحت في ترتيب الجمل الباقية، البالغ عددها 470 ~~جملة. ثم تقول الآن: «إنني يقظ»، وبعد ذلك تستمر اليوميات، وتجد ~~بعد ذلك 1000 جملة أخرى لا يمكن الجمع بينها وبين ال 470 جملة. ~~وإنما يمكن ترتيبها فيما بينها ترتيبا معقولا. وسوف تستنتج من ~~ذلك أن ال 470 جملة كانوا جزيرة. أي إنك كنت تحلم، ولم تصبح يقظا ~~بحق إلا الآن. فهل أنت ms236 الآن واثق من أن الأمر لن يستمر على هذا ~~النحو؟ ألا يجوز أن يظهر ألفا جملة أخرى ترغمك على أن تنظر إلى ~~حالتك الراهنة على أنها حلم؟ ألا يجوز أن تتكرر نفس هذه التجربة ~~المدمرة على الدوام؟ # من حسن الحظ أن أمثال هذه التجارب لا تحدث، ولكننا لا نستطيع أن ~~نستبعدها بحجة منطقية. وعلى ذلك فليس في استطاعتنا أن نقول إن ~~أمثال هذه التجارب مستحيلة، ولو حدثت بالفعل، وانقطع خيط التجارب ~~المرتبة، ثم عاد إلى الالتئام، ولكنه يعود على الدوام إلى ~~الانقطاع؛ فعندئذ لن يمكننا الحديث عن عالم فيزيائي موضوعي. وهكذا ~~فإن القضية القائلة إن ثمة عالما فيزيائيا موضوعيا لا يمكن ~~الأخذ بها إلا على أساس أنها قوية الاحتمال، لا على أساس أنها ذات ~~يقين مطلق؛ فلدينا دلائل استقرائية قوية على وجود عالم فيزيائي - ~~غير أن هذا هو كل ما يمكننا القول به. والكلام عن عالم فيزيائي ~~موضوعي هو كلام ذو معنى لأن القضايا المتعلقة بمثل هذا العالم يمكن ~~استخلاصها استقرائيا من الملاحظات. # ولنلاحظ أن اللغة التي نتحدث بها عن العالم الفيزيائي لا تتحدد ~~بالملاحظات وحدها، فهي معرضة لمظاهر الغموض التي أشرنا إليها في ~~الفصل الحادي عشر منسوبة إلى شخصية خيالية أطلقنا عليها اسم ~~الفيلسوف اليوناني بروتاجوراس، فهناك كثرة من الأوصاف المتكافئة، ~~وليست اللغة الواقعية المعتادة التي نصف بها العالم الفيزيائي إلا ~~واحدا من هذه الأوصاف، هو ذلك الذي أطلقت عليه اسم «النظام السوي # normal system ~~»، ولا تستطيع ~~الاستدلالات الاستقرائية أن تثبت الصورة المألوفة للأحكام المتعلقة ~~بعالم خارجي إلا بعد أن نكون قد وضعنا القاعدة القائلة بهوية ~~القوانين فيما بين الموضوعات الملاحظة والموضوعات غير الملاحظة. ~~ولهذه القاعدة طبيعة تعريف يحدد صورة اللغة، ومن الممكن تسميتها ~~بقاعدة امتداد # extension rule ~~، لأنها تزودنا بوسيلة الامتداد باللغة ~~إلى مجال موضوعات أوسع، يشمل الموضوعات غير الملاحظة. غير أن كون ~~القاعدة قابلة للتطبيق، ووجود نظام سوي لوصف العالم الفيزيائي ~~للحياة اليومية، هو واقعة تجريبية، أو هو بعبارة أدق واقعة مستمدة ~~بواسطة استدلالات استقرائية. وبهذا المعنى ms237 يكون القول بوجود واقع ~~فيزيائي فرضا يرتكز على أساس استقرائي متين. # ولنقل بتعبير آخر إن من الممكن إيجاد تمييز واضح بين القضية ~~القائلة «أن هناك عالما فيزيائيا» وبين القضية القائلة «ليس ~~هناك عالم فيزيائي»، لأننا نستطيع أن نستشهد بتجارب تجعل إحدى ~~القضيتين محتملة والأخرى بعيدة الاحتمال. والقضيتان تختلفان في ~~مضمونهما التنبئي؛ فالنظرة الوظيفية إلى المعرفة تنسب معنى قابلا ~~للتحقيق إلى الفرض القائل بوجود عالم فيزيائي. # وأود أن أقارن بين هذا التحليل وبين المناقشة التقليدية لمذهب «الذات ~~الوحيدة # solipsism ~~» فالنظرية الفلسفية التي تقول بالذات الوحيدة ~~ترى أن كل ما يمكننا تأكيده هو أن لدينا تجارب، ولكننا لا نستطيع ~~أبدا أن نتجاوز نطاق هذا التأكيد ونثبت أن هناك واقعا موضوعيا. ~~وعلى الرغم من أننا لا نكاد نجد أحدا يتخذ هذا الموقف بالفعل، فقد ~~بنى عليه بعض الفلاسفة مذهبا فلسفيا، ومن هؤلاء جورج باركلي # G. Berkeley # وماكس شتيرنر # M. Stirner # وعندما أقول إن ~~هذين المفكرين ذاتهما لم يؤمنا بهذه النظرية بالفعل، أشير إلى ~~واقعة أنهما ألفا كتبا تعرض نظريتهما، وهي واقعة لا يمكن تفسيرها ~~لو لم يكونا يعتقدان بوجود أشخاص آخرين يمكنهم قراءة هذه الكتب . ~~وكثيرا ما قيل إن نظرية الذات الوحيدة، على الرغم من بعدها التام ~~عن كل ما هو معقول، لا يمكن أن تفند بحجج منطقية، لأن كل ما تثبته ~~تجاربنا هو أن لدينا تجارب، لا أن هناك عالما فيزيائيا. # ولست أعتقد أن الموقف ميئوس منه إلى هذا الحد؛ فالقائل بالذات ~~الوحيدة يرتكب خطأ أساسيا؛ إذ يعتقد أنه يستطيع إثبات وجود شخصه ~~هو. ولكن كشف «الأنا»، أي شخصية الملاحظ، مبني على استدلالات من ~~نفس النوع الذي يبنى عليه كشف العالم الخارجي. والجزر الموجودة في ~~اليوميات تفسر بأنها حالات جسمية للملاحظ بنفس الطريقة التي تعد ~~بها الجمل الباقية دليلا على وجود عالم فيزيائي، بل إن الجزر في ~~الواقع تدمج على هذا النحو في تفسير فيزيائي شامل، ما دام الملاحظ ~~جزءا من العالم الفيزيائي. ولقد قلنا من قبل إن افتراض الملاحظ ~~وحالاته الجسمية ms238 يؤدي إلى فقدان الجمل التي تمثل جزرا لطابع الجزر ~~فيها، وتغدو جملا تصف العالم الفيزيائي، من حيث إنها تعد جملا ~~تصف الملاحظ، وهكذا فإننا إذا استطعنا أن نثبت وجود الأنا، نستطيع ~~أيضا أن نثبت وجود العالم الفيزيائي، وضمنه وجود الأشخاص الآخرين. ~~فالقائل بمذهب الذات الوحيدة يغفل هذا التوازي بين الاستدلالات، ~~وهو يصف الأنا وتجاربه بأنه معرفة مطلقة، ثم يعجز عن استخلاص ~~العالم الخارجي، غير أن عجزه هذا نابع من منطقه الهزيل. # ولقد كان التحليل الصحيح للموقف هو ذلك الذي قدمناه من قبل؛ فليس ~~لدينا دليل قاطع بصورة مطلقة على أن هناك عالما فيزيائيا وليس ~~لدينا دليل قاطع بصورة مطلقة أيضا على أننا موجودون. ولكن لدينا ~~دليلا استقرائيا قويا على الأمرين معا، وباستخدام نتائج ~~تحليل الاستدلال الاستقرائي، نستطيع أن نقول: إن لدينا أسبابا ~~قوية لترجيح وجود العالم الخارجي فضلا عن أشخاصنا؛ ذلك لأن كل ~~معرفة لنا إنما هي ترجيحات، وعلى ذلك فإن أعم معرفة لدينا، أعني ~~معرفتنا بوجود العالم الفيزيائي وبوجودنا نحن البشر في داخله، هي ~~ترجيح. # والواقع أن إدماج الملاحظ البشري في العالم الفيزيائي هو سمة من ~~أهم السمات المميزة للفلسفة التجريبية ؛ فالنظرة المتعالية إلى ~~المعرفة تحدث انشقاقا بين الواقع الفيزيائي وبين الذهن البشري، ~~وبذلك تصل إلى مشكلات لا تحل، مثل مشكلة الطريقة التي يمكننا أن ~~نستدل بها على الواقع من معطيات ذهنية. وعلى الرغم من أن الوجود ~~الذهني يسمى عادة وجودا فكريا أو مثاليا، ويميز من وجود ~~الحلم، فمن الواجب التماس الأصل النفسي للمثالية في تجارب الحلم ~~والصور التي يمكننا بعثها بإرادتنا في حالة اليقظة. والتحليل غير ~~السليم لهذه الصور هو الذي يؤدي إلى النظر إلى الذهن على أنه كيان ~~مستقل، ونوع من الجوهر المشابه للجوهر الفيزيائي. وأن يكن له حقيقة ~~خاصة به. ولا يمكن أن يأتي الرد على الفلسفة التأملية ذات الطابع ~~المثالي إلا بواسطة فلسفة تجريبية تستعين بما في متناول يدها من ~~أدوات المنطق الحديث، فتنظر إلى المعرفة على أنها ترجيحات ~~استقرائية مبنية على جعل تقريرية مباشرة. ms239 وهكذا فإن الفهم الوظيفي ~~للمعرفة، وإرجاع المعنى إلى قابلية التحقيق، هو الذي يؤدي إلى ~~القضاء على النزاع التقليدي بين المثالية والواقعية. أو ~~المادية. # ومن الغريب حقا أن النظرة المثالية إلى الأنا على أنه مشيد ~~العالم الفيزيائي قد وجدت في الآونة الأخيرة تأييدا جديدا في بعض ~~تفسيرات ميكانيكا الكوانتم وهي تفسيرات تقوم باستخدام غير مشروع ~~لفكرة هيزنبرج القائلة إن عملية الملاحظة تغير طبيعة الموضوع ~~الملاحظ، ولفكرة التكامل # complementarity # عند بور # Bohr ~~. فتبعا ~~لهذه التفسيرات، يؤدي مبدأ اللاتحدد عند هيزنبرج إلى النتيجة ~~القائلة إن من المستحيل وضع حد فاصل بين الملاحظ وبين الموضوع ~~الفيزيائي. فلما كان الملاحظ يغير العالم بعملية الملاحظة، فليس في ~~استطاعتنا أن نحدد ماذا يمكن أن يكون عليه العالم في ذاته، مستقلا ~~عن الملاحظ البشري. وقد أوضح التحليل الذي قدمناه من قبل (في الفصل ~~الحادي عشر) أن هذا تفسير باطل لميكانيكا الكوانتم. فعدم تحدد ~~الموضوعات غير القابلة للملاحظة لا وجود له إلا بالنسبة إلى ~~الانتقال من العالم الأكبر إلى العالم الأصغر، ولكن لا يوجد عدم ~~تحدد من هذا النوع عند بحث الانتقال من الموضوعات الملاحظة لبيئتنا ~~إلى الموضوعات الكبيرة غير الملاحظة. بل إن هناك، بالنسبة إلى هذا ~~الانتقال الأخير، نظاما سويا، يتيح لنا أن نتحدث عن عالم خارجي ~~باللغة الواقعية المعتادة. فليس للاتحدد الخاص بميكانيكا الكوانتم ~~شأن بالعلاقة بين الملاحظ البشري وبيئته. وهو لا يبدأ بالقيام ~~بدوره إلا في مرحلة تالية، عندما يتعين الاستدلال على عالم ~~الموضوعات الصغرى من عالم الموضوعات الكبيرة. # هذه الحقيقة تظهر بوضوح تام عندما نفترض أن كل أدوات الملاحظة ~~مركبة كأدوات تسجيل، تعرض نتائج القياسات في صورة أرقام مطبوعة على ~~شريط من الورق. فعندما ينظر الملاحظ إلى شرائط الورق، فمن المؤكد ~~أنه لا يغيرها؛ إذ إن ملاحظته عملية تنتمي إلى العالم الأكبر. ~~وهكذا يستطيع أن يستدل بالطريقة المعتادة على أن هناك عمليات قياس ~~معينة تحدث. ولا يبدأ اللاتحدد في التدخل في قياساته إلا عندما ~~ينتقل إلى الاستدلال من عمل الآلات على أن هناك حوادث دقيقة ms240 معينة ~~تحدث، يستطيع تفسيرها إما بأنها موجات وإما بأنها جزيئات. هذه ~~الفكرة الشديدة البساطة تؤدي إلى استبعاد جميع التفسيرات المثالية ~~لفيزياء الكوانتم. وهي تبين أن التجربة لا ينبغي لها أن تخشى شيئا ~~من كشوف الفيزيائي، وأن النكسات الحديثة التي تعود بنا إلى ~~المثالية لا تجد تأييدا من الفيزياء الحديثة - وذلك إذا ما تحرر ~~تحليل الفيزياء من اللغة الغامضة وأجرى يدقه المنطق الحديث. # وبعد مناقشة الاستدلالات التي أدت إلى بناء الأنا على أساس ~~التقريرات المباشرة، سيكون من المفيد أن نناقش بشيء من التفصيل كيف ~~يعالج تصور العقل في فهم وظيفي للمعرفة، يطبق مصادرة قابلية ~~التحقيق على القضايا المتعلقة بالعقل. # فلنفرض أن العلماء نجحوا في صنع إنسان آلي كامل، يكون في ~~استطاعته أن يتكلم، ويجيب على الأسئلة، ويفعل ما يؤمر به، ويقدم ~~جميع أنواع المعلومات المطلوبة، فمن الممكن مثلا إرساله إلى محل ~~البقالة وجعله يسأل البقال عن سعر البيض اليوم، ثم يعود بالجواب. ~~فهي إذن ستكون آلة كاملة، ولكن ليس لها عقل. فكيف تعرف أنه ليس لها ~~عقل؟ # ستقول إن السبب هو أنها لا تستجيب كالبشر في النواحي الأخرى. فهي ~~لا تقول لك أن الجو بديع اليوم، ولا تشكو أبدا من ألم في الضرس. ~~ولكن ماذا تقول لو كانت تفعل ذلك؟ لنفرض أن سلوكها يماثل سلوك ~~البشر في كل النواحي - فهل تستطيع أن تظل تؤكد أنها آلة بلا ~~عقل؟ # إننا نستطيع أن نوجه هذا السؤال بالطريقة الآتية أيضا؛ فلنفرض ~~أنك انتزعت العقل مؤقتا من إنسان، بحيث يكون له في بعض الأوقات عقل ~~ويتصرف كالمعتاد، ولا يكون له في فترات أخرى عقل، ولكنه يتصرف كما ~~كان تماما. ولست أعني بذلك أنه سيكون مثل دكتور جيكل ومستر هايد، ~~لأن مستر هايد يسلك بطريقة تختلف تماما عن دكتور جيكل، وإنما أعني ~~أنه سيكون مماثلا لدكتور جيكل فقد عقله مؤقتا، ولكنه ظل دائما هو ~~دكتور جيكل نفسه، فكيف تعرف أنه ليس لديه عقل في تلك ~~الفترات؟ # من الواضح، تبعا لما قلناه عن معنى الجمل، أن السؤال ms241 لا معنى ~~له. فهو من قبيل الأسئلة القائلة أن الأشياء جميعا، وضمنها ~~أجسامنا، أصبح حجمها عشرة أضعاف ما كان عليه عندما نمنا مساء أمس، ~~فليس ثمة فارق يمكن تحقيقه بين حالتي الشخص، وإذا افترضنا أن لديه ~~عقلا في إحدى الحالتين، فينبغي أن نسلم بأن لديه عقلا في الحالة ~~الأخرى؛ فالعقل لا ينفصل عن حالة معينة للتنظيم الجسمي، ويترتب على ~~ذلك أن العقل والتنظيم النفسي الذي هو من نوع معين هما شيء ~~واحد. # ونستطيع أيضا أن نقول إن لفظ «العقل» هو اختصار يعبر عن حالة ~~جسمية تدل على أنواع معينة من الاستجابات. أما الاعتقاد بأن العقل ~~أكثر من ذلك، فيذكرنا بالرجل الذي كانت لديه سيارة قوتها 130 ~~حصانا وأحس بخيبة أمل شديدة عندما فك محرك السيارة ولم يجد المائة ~~والثلاثين حصانا؛ فالاعتقاد بالوجود المستقل للعقل هو مغالطة تنشأ ~~عن سوء فهم الألفاظ المجردة. ذلك لأن اللفظ المجرد يمكن ترجمته إلى ~~عدد كبير من الألفاظ العينية، والموضوع الذي يسدل عليه ليس إلا ~~مجموع كل الموضوعات العينية المتعلقة به. وإذن فمسألة وجود العقل ~~هي مسألة استخدام صحيح للألفاظ، وليست مسألة وقائع. # على أن القول بالوجود المستقل للعقل هو عصب المذهب المتعالي، ~~فهذا المذهب ينظر إلى الظواهر العقلية (أو الذهنية) على أنها مظاهر ~~لوجود غير فيزيائي، ولا توجد إلا خطوة واحدة بين هذا التفسير وبين ~~الاعتقاد بحقيقة أعلى، تكون الأشياء المنظورة مجرد ظلال لها. غير ~~أن مشكلة العقل والجسم لا تعد مشكلة فلسفية إلا لأن صياغتها ~~المعتادة تعاني من صعوبات لغوية، أدت بالفيلسوف إلى الوقوع في ورطة ~~منطقية شديدة. فاللغة التي نصف بها الظواهر الذهنية والانفعالية لم ~~تصنع لهذا الغرض، وهي لا تحقق هذا الغرض إلا باستخدام تراكيب ~~منطقية معقدة إلى حد ما. فلغة الحياة اليومية - وهي اللغة التي ~~نستخدمها في الأوصاف النفسية - قد ارتبطت في نموها بالموضوعات ~~العينية المحيطة بنا، وهي لا تسمح إلا بوصف غير مباشر للظواهر ~~النفسية أنها لغة منبه، بالمعنى الذي أوضحناه من قبل. فنحن نقول ~~مثلا إن لدينا صورة ms242 لشجرة في ذهننا، غير أن كلمتي «صورة» و«شجرة»، ~~في معنييهما الأصليين، تشيران إلى موضوعات عينية، ولا يمكن أن ~~تعبرا عما نعنيه إلا بطريق غير مباشر. ولو شئنا أن نأتي بصيغة أدق ~~لهذه الفكرة نفسها لوجب أن نقول أن جسمنا في حالة من ذلك النوع ~~الذي ينجم لو أن الأشعة الضوئية المنبعثة عن شجرة وصلت إلى أعيننا، ~~وإن لم تكن توجد في هذه الحالة الخاصة شجرة ولا أشعة ضوئية. فليس ~~في لغتنا ألفاظ تشير مباشرة إلى الحالات الجسمية، وعلينا أن نستخدم ~~وصفا غير مباشر من خلال الموضوعات الخارجية. # إن من الواجب ترجمة التقارير النفسية بدقة قبل أن يصبح من الممكن ~~الإجابة على الأسئلة الفلسفية المتعلقة بالعقل، ولو أغفلت هذه ~~القاعدة، لأدى ذلك إلى إثارة مشكلات وهمية. مثال ذلك أن يقال إننا ~~لا نرى حالاتنا الجسمية، ولكنا نرى شجرة في حلم، على الرغم من عدم ~~وجود شجرة. ولكن لا يوجد منطقي يزعم أننا نرى حالة جسمية. فكلمة ~~«يرى» قد نحتت على نحو من شأنه أن تشير إلى موضوعات فيزيائية ~~خارجية، وكل ما يقول به المنطقي هو أن الجملة الكاملة «أنا أرى ~~شجرة» معادلة للجملة «جسمي في حالة فسيولوجية»، ولدى المنطق الحديث ~~من الوسائل ما يمكنه من معالجة هذا النوع من المعادلات. # وهناك مشكلة وهمية أخرى يؤدي إليها السؤال: إذا وقعت أشعة ضوئية ~~على العين البشرية ونقلت التأثيرات العصبية من الشبكة إلى المخ، ~~فكيف وأين تتحول التأثيرات إلى إحساس باللون الأزرق؟ هذا السؤال ~~مبني على فرض سابق باطل. فالتأثيرات لا تتحول إلى إحساس في أي ~~مكان، بل إن الشخص الذي يكون في هذه الحالة يرى اللون الأزرق، غير ~~أن اللون الأزق ليس في المخ أو في أي مكان آخر من الجسم. فرؤية ~~اللون الأزرق ليست إلا طريقة غير مباشرة في وصف حالة جسمية. وهذه ~~الحالة هي الناتج السببي للأشعة الضوئية وما يليها من تأثيرات ~~عصبية، ولكن ليس هناك ناتج سببي يمثل لونا أزرق. # ولكي نضرب مثلا يوضح هذه العلاقات المنطقية، نفرض أن شخصا ms243 أخذ ~~مبلغ 2000 جنيه أوراقا مالية إلى بنك وفتح حسابا. فهو الآن يملك ~~ألفي جنيه على شكل حساب في البنك. فأين هذه الألفا جنيه؟ إنها لا ~~تتألف من أوراق مالية؛ إذ إن الأوراق الأصلية تداولتها خلال هذا ~~الوقت أيد كثيرة، وربما لم يعد البنك يملك معظمها. ولكن هناك ~~ناتجا سببيا لها هو الأرقام المسجلة في دفاتر البنك إلى جوار ~~اسم ذلك الرجل، غير أن الأرقام المسجلة على الورق ليست جنيهات، وهي ~~لا تنتمي إلى الرجل وإنما إلى البنك، الذي يملك الدفاتر. وإذن فأين ~~الألفا جنيه التي يملكها الرجل؟ إنها «أشياء غير ملموسة تنتهي إلى ~~مجال آخر من مجالات الواقع.» ولكنها تبدو ناتجا عن أوراق الجنيهات ~~الأصلية، التي كانت أشياء ملموسة. فكيف يمكن أن يكون شيء غير ملموس ~~ناتجا سببيا لشيء ملموس؟ إن كل شخص يستطيع أن يدرك في هذه ~~الحالة أن السؤال لا معنى له. وأنه ناتج عن خلط في طريقة الكلام. ~~فهناك حالة قوامها أرقام مكتوبة في دفاتر البنك، نتجت سببيا عن ~~انتقال أوراق الجنيهات من يدي الرجل إلى يدي صراف البنك، هذه ~~الحالة تميزها على نحو غير مباشر عبارة «الرجل يملك 2000 جنيه». ~~غير أن هذه الجنيهات الألفين لا تدين بوجودها إلا لطريقة معينة في ~~الكلام. أما في حالة الإدراكات الحسية، فما أكثر الفلاسفة الذين ~~تساءلوا أسئلة من هذا النوع، مدافعين عن الرأي القائل إن هناك ~~مشكلات لا تقبل الحل، وتعلو على فهم العقل البشري. مثل هذه الآفات ~~الفلسفية لا يمكن شفاؤها إلا بدرس في المنطق. # وإذن، فلا يتعين علينا أن نتخلى عن الفهم الوظيفي للمعرفة عندما ~~يكون الأمر متعلقا بمعرفة الظواهر النفسية. فكون الجهاز الجسمي ~~يستطيع أن يتكلم عن ذاته ليس أمرا أغرب من كون آلة التصوير ذاتها ~~تستطيع أن تصور عن طريق مرآة. والواقع أن حالة التخلف التي كان ~~يتصف بها المنطق التقليدي هي السبب الرئيسي للخلط العجيب الذي ~~عولجت به هذه المشكلات في الفلسفة التقليدية. وتلك إحدى النقاط ~~التي استعانت فيها الفلسفة العلمية بالمنطق الحديث ms244 في سعيها إلى ~~الوضوح والتحليل العلمي. وعن طريق هذه المناهج أمكن وضع نظرية في ~~المعرفة حلت محل المبحث الذي يحمل نفس الاسم، والذي ادعت مذاهب ~~الفلسفة التأملية أنها شيدته. # على أنني لم أعرض إلا الخطوط العامة لنظرية المعرفة هذه، أما إذا ~~شاء القارئ، أن يدرس هذا الموضوع بمزيد من العمق، فلا بد لي أن ~~أحيله على المؤلفات الموجودة؛ فقد اتضح للمنطقي أن بناء نظرية ~~مفصلة للمعرفة ليس بالأمر الهين، وإنما يحتاج إلى قدر كبير من ~~العمل الفني المتخصص. والواقع أن نظامنا الحالي في المعرفة إنما هو ~~مزيج غريب من اللغات، أي من اللغة الفيزيائية، واللغة الذاتية، ~~واللغة المباشرة، واللغة البعدية. ومن الواجب دراسة الارتباط ~~والعلاقة المتبادلة بين هذه اللغات، بمساعدة الأسلوب الفني للمنطق ~~الرمزي، الذي يشتمل على تعبيرات عن علاقات الاحتمال. وإن دارس ~~الفلسفة الذي يحضر برنامجا دراسيا حديثا في نظرية المعرفة، ~~ليشعر عادة بالدهشة إذ يجد أمامه صيغا منطقية تحل محل اللغة ~~المجازية التي تستخدمها المذاهب التأملية. غير أن وجود هذه الصيغ ~~يدل على أن الفلسفة قد انتقلت أخيرا من مرحلة التأمل إلى مرحلة ~~العلم. # الفصل السابع عشر # | طبيعة علم الأخلاق # كان العرض الذي قدمناه في الباب الثاني من هذا الكتاب متعلقا ~~حتى الآن بمسائل المعرفة، وقد بينا بوجه خاص كيف استبعدت المبادئ ~~التركيبية القبلية ميدان المعرفة. أما الفصل الحالي فسوف ينصب ~~الاهتمام فيه على القيام بتحليل مماثل في ميدان الأخلاق؛ ذلك لأن ~~فكرة المبادئ التركيبية القبلية لم تطبق على المعرفة فحسب، بل طبقت ~~أيضا على الأخلاق، بل إن القول بوجود موازاة بين مجالي المعرفة ~~والأخلاق كان أحد المصادر التي انبثقت منها فكرة التركيبية ~~القبلية. وقد قدمنا في الفصل الرابع دراسة تاريخية للاتجاه الفكري ~~الباطل الناشئ عن فكرة الموازاة هذه. أما في الفصل الحالي فإن ~~المشكلة التي سنهتم بها هي مشكلة الاستعاضة عن الفهم المعرفي ~~والقبلي للأخلاق بفهم يتمشى مع نتائج الفلسفة العلمية. # وهناك نتيجة نستطيع أن نستخلصها فورا من تحليل العلم الحديث - ~~تلك هي أن الأخلاق لو كانت ms245 ضربا من المعرفة، لما كانت على نحو ما ~~أرادها الفلاسفة الأخلاقيون أن تكون، أي لما كانت تقدم توجيهات ~~أخلاقية. فالمعرفة تنقسم إلى قضايا تركيبية وقضايا تحليلية، ~~والقضايا التركيبية تنبئنا عن الأمور الواقعة، أما القضايا ~~التحليلية فهي فارغة. فأي نوع من المعرفة تكون الأخلاق؟ إنها لو ~~كانت تركيبية، لكانت تنبئنا بمعلومات عن الأمور الواقعة. وإلى هذا ~~النوع تنتمي بالفعل الأخلاق الوصفية التي تنبئنا عن العادات ~~الأخلاقية لمختلف الشعوب والطبقات الاجتماعية، ومثل هذه الأخلاق ~~تعد جزءا من علم الاجتماع، ولكن طبيعتها ليست معيارية. أما لو ~~كانت الأخلاق معرفة تحليلية، لكانت فارغة، ولما استطاعت أيضا أن ~~تدلنا على ما ينبغي عمله، مثال ذلك أننا لو عرفنا الرجل الفاضل ~~بأنه رجل يختار دائما قاعدة سلوكه على نحو من شأنه أن يكون من ~~الممكن اتخاذها مبدأ لتشريع عام، لعرفنا ما نعنيه بلفظ «الرجل ~~الفاضل»، ولكننا لا نستطيع أن نثبت ضرورة سعينا إلى أن نكون ~~أشخاصا فضلاء؛ فعندما تعرف عبارة رجل فاضل على هذا النحو، تكون ~~مجرد اختصار للصيغة الكانتية المعقدة الخاصة بقاعدة السلوك. ومن ~~الممكن الاستعاضة عنها بأي اسم آخر، أي بلفظ «الكانتي» مثلا، ولكن ~~لم كان ينبغي أن نحاول أن نصبح كانتيين؟ إن القضايا الأخلاقية إذا ~~كانت تحليلية، فإنها لن تكون توجيهات أخلاقية. # والواقع أن التحليل الحديث للمعرفة يجعل الأخلاق المعرفية ~~مستحيلة؛ فالمعرفة لا تشتمل على أية أجزاء معيارية، وبالتالي لا ~~تستطيع تفسير الأخلاق. ومن هنا فإن الموازاة بين الأخلاق والمعرفة ~~تضر بالأخلاق؛ إذ إنه لو كان من الممكن المضي فيها، أعني لو كانت ~~الفضيلة معرفة، لأدى ذلك إلى سلب القواعد الأخلاقية طابعها الآمر، ~~وإذن فالبرنامج الذي يرجع إلى ألفي عام، والذي يرمي إلى إقامة ~~الأخلاق على أساس معرفي، إنما هو نتيجة لسوء فهم للمعرفة، وللرأي ~~الباطل القائل إن المعرفة تنطوي على جانب معياري. ولقد كان سوء ~~تفسير الرياضة هو السبب الأول في هذا الخطأ، فقد رأينا أن الرياضة، ~~منذ عهد أفلاطون حتى عهد «كانت»، كانت تعد نسقا من قوانين العقل ~~يتحكم في العالم ms246 الفيزيائي، ولم يكن الأمر يحتاج إلا إلى خطوة ~~بسيطة للانتقال من هذا الرأي القائل بمعرفة تركيبية قبلية، إلى ~~القول بأن في استطاعة العقل أن يملي علينا توجيهات أخلاقية ذات صحة ~~موضوعية، كتلك التي نسبت إلى قوانين الرياضيات. فإذا اتضح أن ~~الرياضة ليست من هذا النوع، وأنها لا تقدم قوانين للعالم ~~الفيزيائي، وإنما تقتصر على صياغة علاقات فارغة تسري على كل عالم ~~ممكن، فعندئذ لا يعود هناك أي مجال لأخلاق معرفية. فالمعرفة لا ~~تستطيع أن تمدنا بصورة الأخلاق لأنها لا تستطيع أن تقدم ~~توجيهات. # ولقد أوضحت من قبل (في الفصل الرابع) أن مصدر التفسير المعرفي ~~للأخلاق هو على الأرجح استخدام المنطق والمعرفة في استخلاص ~~لوازم ~~أخلاقية # moral implications # ومن قبيل هذه اللوازم التي تقبل برهانا ~~معرفيا، إذا أردت هذا الهدف فلا بد لك أن تريد هذا وذاك أيضا. ~~والمقصود بالبرهان المعرفي ذلك الذي يستخدم قوانين المنطق مقترنة ~~بقوانين الفيزياء أو علم الاجتماع أو العلوم الأخرى، فإذا أردت ~~مثلا أن تحصد فعليك أن تبذر، هذا اللزوم يبرهن عليه بمساعدة ~~قوانين علم النبات. وهناك عدد كبير من الخلافات الأخلاقيات يتعلق ~~بأمثال هذه اللوازم، وقد يكون هذا هو سبب الفكرة الباطلة القائلة ~~إن جميع الاعتبارات الأخلاقية من النوع المعرفي. وتبدو المسألة في ~~هذه الحالة كما لو كان من الممكن في أثناء مناقشة أخلاقية، أن نزيد ~~بصيرتنا الأخلاقية حدة وعمقا، بنفس الطريقة التي يعتقد بها ~~أفلاطون و«كانت» أننا نزيد بها استبصارنا بطبيعة المكان، وأن من ~~الممكن وجود صور مختلفة للمكان، وأن البرهان الهندسي لا يزيد على ~~كونه استخلاصا لقضايا من نوع «إذا كان ... فإن ...» أو علاقات بين ~~البديهيات والنظريات. فليس ثمة ضرورة هندسية، بل هناك فقط ضرورة ~~منطقية تتعلق بالنتائج التي تلزم من مجموعة معينة من البديهيات، ~~وليس في استطاعة الرياضي أن يثبت أن البديهيات صحيحة. # ولو كان «اسبينوزا» قد تكهن بهذه النتيجة التي توصلت إليها فلسفة ~~الرياضة الحديثة، لما حاول أن يشيد أخلاقه على نمط الهندسة. ولقد ~~كان حريا بأن يجزع للفكرة القائلة بإمكان ms247 تشييد أخلاق غير ~~اسبينوزية تتصف بنفس الأحكام الذي يتصف به مذهبه، وأنه إذا كانت ~~بديهياته لها طبيعة البديهيات الهندسية، فإنها مما لا يمكن البرهنة ~~عليه. ولم يكن مما يفيده أن يحولها إلى نتائج للتجربة، كبديهيات ~~الهندسة؛ إذ لم يكن ما يريده هو الحقيقة التجريبية، وإنما أراد أن ~~يضع بديهيات أخلاقية لا يتطرق إليها الشك، أي أنه أراد بديهيات ~~ضرورية. # ولكن إذا أردنا أن يكون معنى لفظ «الضروري» مشابها على أي نحو ~~لمعنى الضرورة المنطقية، فلا يمكن أن تكون هناك عندئذ ضرورة ~~أخلاقية، فعندما نشعر أن بصيرتنا قد ازدادت حدة وعمقا خلال ~~مناقشة أخلاقية، فمن الواجب ألا تعد هذه النتيجة دليلا على وجود ~~بصيرة أخلاقية؛ فالأمر الذي ندركه على نحو أفضل بعد تحليل للمشكلات ~~الأخلاقية، هو العلاقة بين الغايات والوسائل؛ إذ نكتشف أننا إذا ~~أردنا تحقيق أهداف أساسية معينة، فلا بد أن نكون على استعداد للسعي ~~وراء أهداف أخرى معينة تخضع للأولى بنفس المعنى الذي تخضع به ~~الوسيلة لغاية. ومثل هذا الإيضاح له طبيعة منطقية، فهو يبين أنه، ~~نظرا إلى قوانين فيزيائية ونفسية معينة، فإن الغاية تقتضي الوسيلة ~~منطقيا. وليست هذه الحجة مجرد حجة موازية للبرهان المنطقي - بل ~~إنها هي ذاتها. برهان منطقي. فالفلاسفة الذين يتحدثون عن بصيرة ~~أخلاقية يخلطون بين الوضوح المنطقي لعلاقة اللزوم بين الغايات ~~والوسائل، وبين الوضوح الذاتي المزعوم للبديهيات. # ومع ذلك، فعندما يتعين اتخاذ قرارات، لا تكون علاقة اللزوم بين ~~الغايات والوسائل كافية لتحديد اختيارنا، وإنما ينبغي أولا أن ~~نقرر اتخاذ غاية معينة. مثال ذلك أننا قد نتمكن من إثبات علاقة ~~اللزوم الآتية: لو كانت السرقة مباحة، لما كان هناك مجتمع بشري ~~مزدهر. فلكي نستخلص النتيجة القائلة إن السرقة ينبغي أن تمنع، فيجب ~~أولا أن نقرر أننا نريد مجتمعا بشريا مزدهرا. ولهذا السبب كان ~~علم الأخلاق في حاجة إلى مقدمات أو بديهيات ذات طبيعة أخلاقية. ~~وتحدد الأهداف الأولية، على حين أن الوسائل تمثل الأهداف الثانوية. ~~وعندما نسمي هذه بديهيات، فإننا ننظر إلى علم الأخلاق على أنه نسق ms248 ~~منظم يمكن استخلاصه من هذه البديهيات، على حين أن البديهيات ليست ~~مستخلصة في النسق. أما عندما نقصر البحث على حجة محددة، فإننا ~~نستخدم لفظا أكثر تواضعا، هو «المقدمة». ولا بد أن تكون هناك ~~قاعدة أخلاقية واحدة لا تستخلص من هذه الحجة. وقد تكون هذه المقدمة ~~نتيجة لحجة أخرى، ولكننا حين نواصل السير في هذا الطريق، نظل في كل ~~خطوة مرتبطين بمجموعة محددة من المقدمات الأخلاقية. فإذا نجحنا في ~~ترتيب مجموع القواعد الأخلاقية في نسق سترابط. لوصلنا على هذا ~~النحو إلى بديهيات علم الأخلاق الذي نضعه. ونستطيع أن نلخص هذا ~~التحليل في الفكرة الآتية؛ إن الضرورة المنطقية لا تتحكم إلا في ~~علاقات اللزوم بين البديهيات الأخلاقية وبين القواعد الأخلاقية ~~الثانوية، ولكنها لا تستطيع أن تثبت صحة البديهيات ~~الأخلاقية. # ولكن إذا لم تكن بديهيات الأخلاق حقائق ضرورية أو واضحة بذاتها ~~فماذا تكون إذن؟ # إن البديهيات الأخلاقية ليست حقائق ضرورية لأنها ليست حقائق من ~~أي نوع. فالحقيقة صفة لقضايا أو أحكام، غير أن التعبيرات اللغوية ~~الأخلاقية ليست قضايا أو أحكام وإنما هي توجيهات، والتوجيه لا يمكن ~~تصنيفه على أساس أنه صواب أو خطأ؛ فمثل هذه الأوصاف الأخيرة لا ~~تنطبق على التوجيه لأن الجمل التوجيهية لها طبيعة منطقية تختلف عن ~~طبيعة الجمل الإخبارية أو القضايا. # فالأوامر، التي نستخدمها في توجيه أشخاص غيرنا، تمثل نوعا هاما ~~من التوجيهات. فلنتأمل مثلا الأمر «أغلق الباب». هل هذا الأمر ~~صواب أم خطأ؟ إن كل ما علينا هو أن ننطق بالسؤال لكي نرى مدى خلوه ~~من المعنى، فالقول: «أغلق الباب» لا ينبئنا شيئا عن الأمر الواقع، ~~كما أنه لا يمثل تحصيل حاصل، أي قضية منطقية. ولن نستطيع أن نقول ~~ماذا يكون الحال لو كان القول: «أغلق الباب» صحيحا. فالأمر قول ~~لغوي لا ينطبق عليه التقسيم إلى صواب أو خطأ. # فما هو الأمر إذن؟ إن الأمر قول أو تصريح لغوي نستخدمه بقصد ~~التأثير في شخص آخر، وجعل الشخص الآخر يقوم بشيء نريده أن يقوم به ~~أو يمتنع عن أداء شيء ms249 لا نريده أن يؤديه. من الأمور الواقعة أن من ~~الممكن بلوغ هذا الهدف باستخدام الكلمات، على الرغم من أن هذه ليست ~~هي الطريقة الوحيدة لبلوغه. فبدلا من أن نقول «أغلق الباب» نستطيع ~~أن نمسك بيدي الشخص ونوجهها على نحو يؤدي إلى إغلاق الباب. ومع ذلك ~~فإن هذا لن يكون من سوء الأدب فحسب، بل إنه لن يكون مريحا لنا؛ إذ ~~إن من الأسهل في هذه. الحالة أن نقوم نحن أنفسنا بهذا العمل. لذلك ~~نفضل أن ننتفع من تلك الصفة التي يتميز بها أقراننا من الناس، وهي ~~أنهم مهيئون على نحو من شأنه أن يستجيبوا للكلمات بوصفها أدوات ~~لإرادتنا. فلهجة الطلب التي يتصف بها الأمر تظهر بوضوح أن الأمر ~~ليس عبارة تقريرية، حتى بالمعنى النحوي. ومع ذلك فنحن لا نعبر عن ~~جميع الأوامر بلهجة الطلب. ففي استطاعتي أن أنطق بعبارة في الصيغة ~~التقريرية، مثل «سأكون مسرورا لو أغلق الباب» بحيث يكون المعنى ~~المقصود منها طلبا، بل أن هذه قد تكون وسيلة أفضل لبلوغ هدفي من ~~الجملة التي صيغت في لهجة الطلب الآمر؛ إذ إن الأدب ليس طريقة ~~الدبلوماسيين فقط، بل هو أيضا أمر مستحب في تلك المواقف ~~الدبلوماسية البسيطة التي نواجهها في حياتنا اليومية. فتصريحنا هذا ~~هو أمر متنكر في ثوب عبارة تقريرية. # ولكن أليس هذا التصريح: «سأكون مسرورا لو أغلق الباب» عبارة ~~متعلقة برغباتي؟ إنه لكذلك بالفعل، وهو لا يستخدم على سبيل الأمر ~~إلا في هذه الحالة وحدها. ومع ذلك فمن الصحيح أننا حيثما صرحنا ~~بأمر كانت هناك عبارة أخرى متضايفة، تنبئنا عن إرادة شخص ما. وهكذا ~~فإن الأمر «أغلق الباب» تناظرها العبارة التقريرية ««س» يرغب في أن ~~يغلق الباب.» هذه العبارة قد تكون كاذبة أو صادقة، ومن الممكن ~~تحقيقها، شأنها شأن غيرها من العبارات النفسية. وفي بعض الأحيان ~~تستخدم العبارة المتضايفة محل الأمر، على أن من الأنسب، بالنسبة ~~إلى أغراض التحليل المنطقي، أن نعبر عن الأوامر دائما بصيغة ~~الأمر، وبالتالي أن نميز بينها وبين العبارات التقريرية تمييزا ~~نحويا. # وعلى ms250 الرغم من أن الأوامر ليست صادقة ولا كاذبة، فإن الأشخاص ~~الآخرين يفهمونها، وبالتالي يكون لها معنى، يمكن أن يسمى «معنى ~~أداتيا # instrumental meaning ~~». ومن الواجب التمييز بين هذا المعنى ~~وبين «المعنى المعرفي # cognitive meaning ~~» الذي تتصف به العبارات ~~التقريرية. وهو المعنى الذي عرفناه عند الكلام عن النظرية القائلة ~~إن المعنى هو قابلية التحقيق (الفصل السادس عشر). وفضلا عن ذلك ~~فإن لكل أمر متضايفا معرفيا تحدده العبارة التقريرية ~~المتضايفة. # إن التوجيهات المتعلقة بأفعالنا الخاصة، شأنها شأن الأوامر، إنما ~~هي تعبيرات عن الرغبة أو الإرادة، وهي بهذا الوصف ليست صادقة ولا ~~كاذبة؛ وبالتالي فهي تنتمي إلى الأقوال أو التصريحات المعبرة عن ~~الإرادة. ومن الممكن أن تتعلق الأفعال الإرادية بموضوعات متباينة؛ ~~فنحن نرغب في الطعام والمسكن والأصدقاء واللذة وما إلى ذلك. ووجود ~~الأفعال الإرادية فينا هو أمر واقع، فهي تتميز عن الإدراكات الحسية ~~أو القوانين المنطقية بأنها تظهر كنواتج لنا نحن، في موقف يترك لنا ~~اختيارا. ففي استطاعتي أن أذهب إلى المسرح أو لا أذهب، وإرادتي هي ~~التي تجعلني أذهب، وفي استطاعتي أن أساعد شخصا آخر أو لا أساعده، ~~وإرادتي هي التي تجعلني أساعده، أما مسألة أن لدينا حرية اختيار بحق ~~أم لا، فتلك مسألة أخرى؛ ذلك لأنه يكفي، من أجل تعريف الفعل ~~الإرادي، أن نؤمن على الأقل بأن لدينا القدرة على الاختيار، ولذلك ~~فإن الكلام عن مصدر الأفعال الإرادية لا علاقة له بهذا التعريف، ~~ولسنا في حاجة إلى أن نسأل في الوقت الحالي عما إذا كانت البيئة ~~التي ننشأ فيها هي التي تهيئنا لرغباتنا الإرادية، أم أن هذه ~~الرغبات تنبثق عن دوافع أساسية معينة، كالدافع الجنسي أو الدافع ~~إلى حفظ الذات. فلنكتف إذن بالاعتراف بأن اتخاذنا قرارات إرادية ~~توجه سلوكنا هو حقيقة نفسية واقعة. # ولا يتخذ القرار الإرادي صورة الأمر إلا عندما يكون متعلقا ~~بأفعال يتعين على الآخرين القيام بها، وفي بعض الأحيان نصرح بالأمر ~~مع التهديد بأن نستخدم في تنفيذه القوة، مثل قوة السلطات الحكومية ~~أو سلطة الضابط على الجند، وفي ms251 هذه الحالة يسمى ذلك أمرا ملزما، ~~وهناك أوامر أخرى تعبر عن رغبات، وتتخذ أيضا صورة الأمر، كما يحدث ~~عندما نقول: «أعطني سيجارة من فضلك.» # فإذا ما وجه إلينا الأمر، أو أعرب عن الرغبة لنا، أي بعبارة أخرى ~~إذا كنا في الجانب المتلقي للأمر، فقد تكون استجابتنا له إيجابية ~~أو سلبية. ويكون قوام الاستجابة الإيجابية فعلا إراديا من ~~جانبنا، متجها إلى تنفيذ الأمر، بل قد يتضمن استعدادا لإعطاء ~~أوامر مناظرة لأشخاص آخرين، أما الاستجابة السلبية فقوامها فعل ~~إرادي متجه ضد تنفيذ الأمر، ونحن نعبر عن هذا التقابل بلفظي ~~«الصواب» و«الخطأ» (بالمعنى الأخلاقي). فإذا قيل لي «ينبغي أن تذهب ~~لترى زيدا» فقد أجيب «هذا صواب» ثم أبدأ استعداداتي لزيارة زيد. ~~وهكذا فإن الاستجابة الإيجابية لفعل إرادي يعبر عنه أمر، يكون ~~قوامها فعلا إراديا ثانيا من نوع مشابه، يتولد لدى متلقي هذا ~~الأمر، أما إذا كانت الاستجابة سلبية، فإن الفعل الإرادي الثاني ~~يكون مضادا للأول. على أن الاستخدام اللغوي لا يميز دائما بمثل ~~هذا الوضوح بين الطرفين؛ نعم ولا، أو «صواب» و«خطأ»، وإنما يستخدم ~~كل منهما محل الآخر. ومع ذلك قد يبدو أن لنا الحق في النظر إلى ~~التمييز المشار إليه من قبل على أنه تفسير صحيح لهذه ~~الألفاظ. # وعلى حين أن لدينا الصيغة النحوية للأمر بالنسبة إلى التوجيهات ~~التي تتجه إلى الأشخاص الآخرين، فلا توجد صيغة لغوية مماثلة ~~للتوجيه الذي يتجه إلينا نحن. ولهذا السبب فإنا نعبر عن هذه ~~التوجيهات في صورة جملة إخبارية تتحدث عن البناء الذي يتميز به ~~التوجيه، كما في الجملة «سأذهب إلى المسرح». وفي بعض الأحيان نخاطب ~~أنفسنا كما لو كنا نتحدث مع شخص مختلف، فنستخدم صيغة الأمر، كأن ~~نقول لأنفسنا «يا صاحبي، يجب أن تكتب الخطاب.» وبهذه الطريقة التي ~~تبدو ازدواجية نتمكن من أن ننقل إلى أنفسنا التنبيه الذي ينطبق على ~~الجانب المتلقي للأمر، وأن نتحدث عن أفعال إرادية ثانوية نثيرها في ~~أنفسنا عن طريق أمر نوجهه إلى أنفسنا. # هذه الاعتبارات كفيلة بأن نوضح الفارق بين الجمل ms252 المعرفية وبين ~~التوجيهات. فإذا ما قيلت لي جملة معرفية، أو عبارة تقريرية، ووافقت ~~عليها، فإني أجيب «بنعم»، وأعني بذلك أنى أعد هذه العبارة صحيحة. ~~مثال ذلك أنك إذا قلت لي إن المسافة من هنا إلى لندن طويلة، أجبت ~~«نعم»، وأعني بذلك أن من الصحيح أن المسافة إلى لندن طويلة، أما ~~إذا قلت أن البخل رذيلة، فإني أعبر عن موافقتي بقولي «هذا صحيح ~~(صواب)». فما تقصده في هذه الحالة هو توجيه، وبالتالي تعبير عن ~~إرادتك، أعني أنك تقول: وددت لو لم يكن هناك بخل. كما أن إجابتي هي ~~أمر مناظر، وهي تعني أنني بدوري أود لو لم يكن هناك بخل؛ فالرد ~~الإيجابي عني التوجيه ليس تأكيدا من النوع المعرفي، وإنما هو ~~يتألف من فعمل إرادي ثان، يعبر عنه تصريح يوضح أن المستمع يشارك ~~التحدث رغبته. # أن الإيضاحات التي قدمناها حتى الآن تتعلق بجميع أنواع التوجيهات ~~فلندرس الآن التوجيهات التي تسمى توجيهات أخلاقية، أو أوامر ~~أخلاقية. # من الصفات المميزة للتوجيه الأخلاقي إننا نعده أمرا، ونشعر ~~بأننا في الجانب المتلقي لهذا الأمر. وهكذا ننظر إلى فعلنا الإرادي ~~على أنه فعمل ثانوي، أي استجابة لأمر تصدره إلينا سلطة أعلى. أما ~~ما هي هذه السلطة الأعلى، فهذا ما لا نعرفه دائما بوضوح؛ فالبعض ~~يرى أنها الله، والبعض الآخر يرى أنها الضمير، أو جني خاص، أو ~~القانون الأخلاقي في داخلهم. ولكن من الواضح أن هذه تفسيرات بلغة ~~مجازية، ولو تحدثنا عن الأمر الأخلاقي من وجهة النظر النفسية ~~لوجدناه يتميز بأنه فعل إرادي يقترن بشعور الالتزام، وهو شعور نعده ~~منطبقا علينا وعلى الأشخاص الآخرين أيضا. وهكذا نشعر بأن علينا، ~~وكذلك على كل شخص، التزاما بمساعدة المحتاجين حيثما يكون ذلك ~~ممكنا. أما الأهداف الإرادية المغايرة للأهداف الأخلاقية، فلا ~~يصحبها هذا الشعور بالالتزام. فإذا أراد شخص أن يصبح مهندسا، فإنه ~~لا يشعر عادة بأنه ملزم باتخاذ قرار يتجه إلى تحقيق هذا الهدف، ولا ~~يرغب في أن يكون للجميع هدف مماثل لهدفه. فالشعور بالالتزام العام ~~هو ما يميز الأوامر الأخلاقية ms253 عن غيرها. # فكيف إذن نفسر هذه الحقيقة، وأعني بها أن الأفعال الإرادية ~~الأخلاقية تبدو لنا أفعالا إرادية ثانوية، أي تعبيرا عن الالتزام؟ ~~في اعتقادي أن التفسير هو أن هذه الأفعال الإرادية تفرضها علينا ~~الجماعة الاجتماعية التي ننتمي إليها، أي أنها في الأصل تعبير عن ~~إرادة جماعية، هذا الأصل هو الذي يعلل مكانتها التي تعلو على ~~الأشخاص، وذلك الشعور بالخضوع، الذي نتخذ به القرار الأخلاقي. ومثل ~~هذا الأصل مفهوم من الوجهة النفسية؛ فالقواعد التي تنهى عن السرقة ~~وعن القتل، وما إلى ذلك، هي قواعد كان تنفيذها يعد ضروريا لحفظ ~~الجماعة. وبانقضاء الأجيال اعتاد الأفراد هذه القواعد، كما أن نظام ~~تربيتنا يخضعنا لعملية تعود من نفس النوع، فلا عجب إذن أننا نشعر ~~بأنفسنا في الجانب المتلقي للأوامر الأخلاقية، فنحن نقع في هذا ~~الجانب بالفعل. وعلى ذلك، فإذا كنا نعتقد أن الشعور بالواجب مميز ~~للغايات الأخلاقية، فإن هذا الاعتقاد يعكس حقيقة واقعة هي أن ~~الغايات الأخلاقية تغرس فينا بالقوة، سواء أكان ذلك عن طريق سلطة ~~الأب أو المعلم أو ضغط الجماعة التي نعيش فيها. # فإذا كان أصل الأخلاق اجتماعيا، فكيف أمكن أن توجد أخلاق مضادة ~~للنزعة الاجتماعية؟ # إن الأخلاق التي نعدها مضادة للنزعة الاجتماعية يمكن أن تظل مع ~~ذلك أخلاقا جماعية. فنحن نجد للمجرمين أخلاقا خاصة بجماعتهم؛ إذ ~~إنهم في داخل هذه الجماعة لا يسرقون ولا يقتلون، بل يضعون جماعتهم ~~هذه في مقابل الجماعة الأكبر التي نسميها بالمجتمع المهذب، ~~ويتجاهلون جميع الالتزامات الأخلاقية بالنسبة إلى هذه الجماعة ~~الأكبر، وتلاميذ الفصل الواحد في المدرسة الثانوية قد ينظرون إلى ~~فصلهم على أنه جماعة مضادة للمعلم، ويجدون أن من حقهم أخلاقيا أن ~~يخدعوا المعلم ويضايقوه. وعلى العكس من ذلك نجد أن هناك معلمين يكن ~~لهم تلاميذهم احتراما شديدا، ونادرا ما يخدعونهم. مثل هذا ~~المعلم يكون قد نجح في جعل التلاميذ يدخلونه في جماعتهم. وللطبقة ~~العاملة أخلاق خاصة بها، وكذلك الحال بالنسبة إلى طبقة كبار ~~الرأسماليين، أو الطبقة الأرستقراطية في البلدان التي لم تتخلص بعد ~~من بقايا ms254 الإقطاع. بل إن الأخلاق النازية ذاتها كانت أخلاقا ~~جماعية، وضعت بحيث تفي بحاجات «الجنس السيد» المزعوم. أما الأخلاق ~~ذات الصبغة الفردية التامة عند نيتشه، وهي أخلاق الإنسان الأرقى، ~~أو أخلاق الأمير عند ماكيافيلي، فهي حالة متطرفة تصبح فيها جميع ~~الحقوق الأخلاقية قاصرة على شخص واحد. على أن أمثال هذه المذاهب ~~الأخلاقية لم تر النور أبدا إلا على الورق. وهي تمثل مزيجا ~~غريبا تنقل فيه السلطة المستمدة نفسيا من الإرادة الجماعية إلى ~~شخص واحد، يعد هو الفرد الوحيد الذي ينبغي أن تحترم إرادته. # 1 # أما الأخلاق السائدة في حياتنا الاجتماعية والسياسية فهي خليط ~~يجمع بين الأخلاق الجماعية لمستويات متباينة. فقد نشأت الأمم ~~باندماج دول وجماعات اجتماعية، وأخذت بالقواعد الأخلاقية التي كانت ~~سائدة في عهود أقدم، وذلك بوجه خاص عن طريق القانون المدون، الذي ~~حفظت فيه النظم الأخلاقية للرومان، ولعصر الإقطاع، والكنيسة. فلا ~~عجب إذن إن كانت النتيجة نظاما يفتقر إلى الاتساق. فالمواطن ~~المطيع، الذي يحاول أن يمتثل لكل القواعد الأخلاقية الموجودة في ~~المجتمع الشعبي الواسع، سرعان ما يجد نفسه يواجه صراعا أخلاقيا. ~~فهل ينبغي عليه أن يساعد المحتاجين أم أن يستولي على قروشهم ~~بأساليب التجارة البارعة؟ وهل ينبغي أن يعمل لصالح الأمة بالإسهام ~~في قمع الإضرابات أم بتأييد العمال في كفاحهم من أجل ظروف أفضل ~~للعمل؟ وهل يتعين عليه أن يدافع عن حرية الكلام أم يؤيد حكومة لا ~~تسمح لجامعاتها بتدريس نظرية التطور عند دارون؟ # 2 # وهل ينبغي عليه أن يدعو إلى مساواة جميع الأجناس في ~~الحقوق أم يدافع عن نظم تدعو إلى التفرقة في أماكن الركوب ~~بالسيارات العامة بين البيض والملونين؟ إن اهتداء المرء إلى طريقه ~~وسط هذا الخليط المضطرب من القواعد الأخلاقية السائدة في المجتمع ~~الحالي ليس بالأمر الهين. # فأين إذن نجد تلك الأخلاق التي تجيب على هذه الأسئلة جميعا؟ وهل ~~تستطيع الفلسفة أن تمدنا بأي مذهب كهذا؟ # ليس في استطاعة الفلسفة أن تفعل ذلك. هذه هي الإجابة التي ينبغي ~~أن نعترف بها صراحة. ذلك لأن محاولات الفلاسفة صياغة ms255 الأخلاق كما ~~لو كانت مذهبا في المعرفة قد انهارت. ولم تكن المذاهب الأخلاقية ~~التي شيدت على هذا النحو إلا ترديدا لأخلاق جماعات اجتماعية ~~معينة. أي المجتمع البورجوازي اليوناني، أو الكنيسة الكاثوليكية، ~~أو الطبقة الوسطى في العصر السابق على عصر الصناعة، أو الطبقة ~~العاملة في العصر الصناعي. ونحن نعلم السبب الذي تعين من أجله أن ~~تخفق هذه المذاهب؛ فهو أن المعرفة لا تستطيع أن تقدم توجيهات. فعلى ~~من يبحث عن قواعد أخلاقية ألا يحاكي منهج العلم. إذ إن العلم ~~ينبئنا بما هو كائن، لا بما ينبغي أن يكون. # فهل يعنى ذلك أن نستسلم؟ وهل يعني أنه لا توجد توجيهات، أخلاقية ~~وإن كل شخص يستطيع أن يفعل ما يحلو له؟ # لست أظن أن الأمر كذلك. وإنما أعتقد أن المرء يسيء فهم طبيعة ~~التوجيهات الأخلاقية لو استنتج أن عدم إمكان البرهنة على الأخلاق ~~موضوعيا يعني أن في استطاعة كل شخص أن يفعل ما يحلو له. # ولكي نبحث هذه المشكلة، فلنقم بدراسة مفصلة للطبيعة الإرادية ~~للتوجيهات الأخلاقية عن طريق إجراء تحليل نحوي لعبارة «ينبغي ~~عليه»، العبارة التي يمكن أن توصف بأنها هي الصورة النحوية للتوجيه ~~الأخلاقي؛ فقد رأينا أن العبارة لا يمكن أن تعني أن هناك قانونا ~~أخلاقيا موضوعيا يمكن أن يستمد منه الأمر، فما الذي تعنيه إذن؟ ~~لقد بقي لهذه الجملة معنيان ممكنان. # أولهما هو المعنى اللزومي # implicational ~~؛ فنحن نعرف أن الشخص ~~المشار إليه قد اختار لنفسه هدفا معينا، ونود أن نقول إن هذا ~~الهدف يلزم عنه السلوك موضوع البحث. مثال ذلك أننا نقول: «ينبغي ~~ألا يدخن زيد.» ونعني بذلك أن من الممكن، نظرا إلى تركيب زيد ~~الفسيولوجي، وباستخدام قوانين الفسيولوجيا، أن نستخلص من هدف ~~الاحتفاظ بصحة جيدة أن زيدا ينبغي ألا يدخن. وبعبارة أخرى فإن ~~قرار الاحتفاظ بصحة جيدة في الحياة يستتبع قرار عدم التدخين، لذلك ~~فإنه يسمى قرارا مستتبعا # entailed decision # فالالتزام بالقرار ~~المستتبع هو من النوع اللزومي # implicational # وهو لا يمثل ~~التزاما أخلاقيا، بل منطقيا. # أما المعنى الثاني فهي معنى ms256 الأمر الذاتي، من جانب المتكلم؛ فأنا ~~المتكلم، أريده أن يفعل هذا أو ذلك. وتبعا لهذا التفسير فإن ~~التوجيهات الأخلاقية تشتمل على إشارة لا مفر منها إلى المتكلم، فهي ~~تعبيرات عن قرار إرادي للمتكلم. فإذا قلنا بهذا الرأي، كان من ~~المستحيل استبعاد المتكلم من معنى التوجيه الأخلاقي، بحيث إن عبارة ~~«ينبغي عليه» تنطوي، بطريقة مستترة، على عبارة «أنا أريد»، وبذلك ~~نصل إلى أخلاق إرادية # volitional ~~. # وفي استطاعتنا أن نحلل الطبيعة المنطقية لهذا الفهم على النحو ~~الآتي. فاستخدام تعبيرات مثل «ينبغي عليه ألا يكذب»، أو «الكذب شر ~~من الوجهة الأخلاقية» هو طريقة في الكلام تزعم أنها موضوعية، على ~~حين أن ما تعبر عنه بالفعل هو اتجاه أو موقف للمتكلم. فعبارة ~~«ينبغي عليه» تشبه ألفاظا مثل «أنا» و«الآن»، وهي الألفاظ التي ~~تشير إلى المتكلم، أو فعل الكلام، ويختلف معناها باختلاف الأشخاص ~~الذين تصدر عنهم. مثل هذه الألفاظ تسمى «انعكاسية الإشارة # token-reflexive ~~» فكلمة ~~«إشارة # token ~~» تدل على مثل ~~فردي لعلامة من العلامات. فإذا ما نطق شخصان بنفس الكلمة، فإن كلا ~~منهما ينطق بإشارة مختلفة، أو بمثل مختلف من أمثلة هذه الكلمة. ~~ويكون للإشارات المختلفة عادة نفس المعنى. ومع ذلك، فإذا كانت ~~الألفاظ انعكاسية الإشارة، فإن كلا من الإشارات يكون لها معنى ~~مختلف. فإذا قال كل من شخصين «الرئيس فرانكلين د. روزفلت»، كانت ~~الإشارتان تدلان على نفس الشخص. أما إذا قال كل منهما «أنا» فإن ~~الإشارتين تدلان على شخصين مختلفين. وكلمة «انعكاسية» تدل على هذا ~~الارتباط بين المعنى وبين الإشارة. # 3 # ولنلاحظ أن المعنيين؛ اللزومي، والانعكاسي الإشارة، يستخدمان ~~معا. غير أن المعنى اللزومي لعبارة «ينبغي عليه» لا يمكن أن ~~يستخدم بالنسبة إلى المقدمات الأخلاقية، أو البديهيات الأخلاقية، ~~ما دامت هذه المقدمات لا تعبر عن حالات لزوم، وإنما هي توجيهات. ~~وعلى ذلك فإنها تشتمل على عبارة «ينبغي عليه» بمعنى انعكاسي ~~الإشارة. هذا المعنى للعبارة ينتقل - بالاستخلاص - من المقدمات إلى ~~كل قاعدة أخلاقية. ولكي نفهم هذا الانتقال، نستطيع أن نتصور عمليات ~~الاستخلاص التي تحدث في المجال المعرفي. ms257 والتي تؤدي إلى نقل حقيقة ~~المقدمات إلى النتيجة. فإذا لم تؤكد المقدمات، لم يكن من الممكن ~~تأكيد النتيجة. وبالمثل فإن المقدمات الأخلاقية إذا لم تقدم بوصفها ~~توجيهات، أي بمعنى أنها عبارة من نوع «ينبغي عليه»، تتميز بأنها ~~غير لزومية، وبالتالي بأنها انعكاسية الإشارة، لما أمكن أن يكون ~~للنتيجة الأخلاقية طابع التوجيه. # وقد يحدث جمع بين معنيي عبارة «ينبغي عليه»، وفي هذه الحالة نؤكد ~~لفظ «ينبغي» بالمعنى اللزومي، ويكون متعلقا بمقدمة يرد فيها لفظ ~~«ينبغي» بمعنى انعكاسي الإشارة. ومن الواجب أن ندرك هذا المعنى ~~المزدوج بوضوح. فكلمة «ينبغي»، بمعناها اللزومي، يصبح لها في هذه ~~الحالة مفهوم أخلاقي، ولكن لا يكون لها مثل هذا المفهوم إلا لأن ~~التوجيه الذي يتخذ مقدمة لدى الشخص المشار إليه هو أمر أخلاقي ~~يؤيده المتكلم. مثال ذلك أننا نقول: «ينبغي على الدولة أن تفتح ~~أبواب هذه البلاد للمهاجرين.» ونعني بذلك أن هدف مساعدة المهاجرين. ~~الذي نعلم أن الدولة تؤمن به، والذي نؤيده نحن، يلزم عنه أن يكون ~~فتح أبواب البلاد هي الوسيلة الوحيدة المتوافرة لتحقيق هذا الهدف. ~~وعلى ذلك فإن المفهوم الأخلاقي للفظ «ينبغي» بالمعنى اللزومي يمكن ~~إرجاعه إلى استخدام كلمة «ينبغي» بالمعنى الإرادي. فإذا لم يكن ~~المتكلم يشارك في الاعتقاد بهذا التوجيه، فقدت كلمة «ينبغي عليه» ~~طابعها الأخلاقي. فقد نقول «كان ينبغي على هتلر أن يغزو إنجلترا ~~بدلا من أن يفتح باريس.» ونعني بذلك أنه كان من مصلحة هتلر أن ~~يغزو إنجلترا، أي أننا نقصد التزاما لزوميا # implicational ~~obligation # ولكن لما كنا لا نشارك هتلر أهدافه، فإن لفظ «ينبغي» ~~لا يستخدم في هذه الحالة بوصفها أمرا أخلاقيا. هذا المثل يوضح ~~أن الإشارة إلى المتكلم لا تنفصل من المعنى الأخلاقي لعبارة «ينبغي ~~عليه» أي أن الاعتراف بأن عبارة «ينبغي عليه» في معناها الأخلاقي ~~هي لفظ انعكاسي الإشارة، هو أساس لا غناء عنه في تحليل علمي ~~للأخلاق. # ويحاول البعض أحيانا أن يأتي بتفسير ثالث لعبارة «ينبغي عليه»، ~~بغية التخلص من الإشارة الذاتية للألفاظ الأخلاقية، وتبعا لهذا ~~التفسير، يكون ms258 معنى هذه العبارة هو «الجماعة تريد منه أن يفعل هذا ~~أو ذاك.» ويبدو أن هذا المعنى يؤدي إلى استبعاد الصبغة الذاتية من ~~الالتزامات الأخلاقية. ومع ذلك فإن هذا التفسير لا يمكن قبوله. ~~فعندما يكون الأمر متعلقا بإرادة الجماعة، لا نستخدم عبارة «ينبغي ~~عليه» إلا إذا أمكن إرجاع معناها إلى واحد من التفسيرين الأولين. ~~فنحن نستخدمها أولا عندما يكون الفعل لازما عن إرادة الشخص ~~المختص، الذي تكون من مصلحته إطاعة إرادة الجماعة، ومنذئذ يكون ~~للجملة المعنى اللزومي المتعلق بالتفسير الأول. وثانيا، فإننا ~~نستخدم هذه العبارة عندما نشارك في إرادة الجماعة، وفي هذه الحالة ~~وحدها يكون المقصود بالعبارة أن تعبر عن التزام أخلاقي؛ مثال ذلك ~~أنه لو وشى مجرم بشركائه، فإننا نعلم أن جماعته تدين مثل هذا ~~السلوك، لذلك فإن العضو في هذه الجماعة خليق بأن يقول «كان ينبغي ~~عليه ألا يتكلم.» أما إذا كنا نحن الذين نستخدم هذه الجملة، فقد ~~نستخدم لفظ «ينبغي» بالمعنى اللزومي، ونعرب عن الرأي القائل إن ~~السكوت كان في مصلحة المجرم، الذي قد يتعرض لأعمال انتقامية من ~~جماعته. ومع ذلك فإننا إذا قلنا هذه الجملة بمعنى أنها حكم أخلاقي، ~~فإن ما نقصده هو أن ذلك الرجل ملزم أخلاقيا بحماية جماعته، ~~وعندئذ تكون العبارة انعكاسية الإشارة، وتتضمن تعبير عن رقبة ~~المتكلم. # وهكذا نصل إلى النتيجة القائلة أن للتوجيهات الأخلاقية طابعا إراديا # volitional ~~، وأنها تعبر عن قرارات تتجه إليها إرادة ~~المتكلم، وقد تبدو هذه النتيجة لأول وهلة مخيبة للآمال، إذ يبدو أنه لم تعد هناك أرض ~~صلبة نبني عليها نزعات إرادتنا. ومع ذلك فهل من الضروري أن نكون في الجانب الملتقي ~~للأمر لكي نشعر بأن من حقنا اتباعه، ولكي نطالب الآخر باتباع نفس الأمر؟ لقد أساء ~~الفلاسفة فهم الشعور بالالتزام، الذي ينشأ في الجانب المتلقي للإرادة الجماعية، ~~فتصوروه مناظرا للضرورة المعرفية، أو نتيجة يحتمها قانون عقلي أو استبصار بعالم ~~للمثل. ولما كنا قد اكتشفنا أن هذا التشبيه لا يقوى على الصمود، وأن الشعور بالالتزام ~~لا يمكن أن يتحول إلى ms259 مصدر لصحة الأخلاق، فلندع جانبا إذن ما في الالتزام من جاذبية، ~~ولنلق بعيدا بتلك «العكازات» التي كنا نحتاج إليها في المشي، ولنقف على أرجلنا نحن، ~~ونثق بنزعات إرادتنا، لا لأنها نزعات ثانوية، بل لأنها نزعات إرادتنا نحن. ومن ~~المؤكد أن الأخلاق التي تقول أن إرادتنا لا بد أن تكون شريرة إذا لم تكن تستجيب لأمر ~~من مصدر آخر - مثل هذه الأخلاق لا بد أن تكون أخلاقا شوهاء. # وقد تجيب على ذلك بقولك: «إذا كانت التوجيهات الأخلاقية قرارات ~~إرادية (أو معبرة عن رغبات)، فيبدو أن لكل شخص الحق في أن يضع ~~توجيهاته الأخلاقية الخاصة. ولكن كيف يمكن أن يطلب شخص إلى الآخرين ~~أن يتبعوا توجيهاته؟ إنك تناشدنا بأن نثق في رغباتنا الإرادية، ~~وبألا نشعر بأنفسنا في الجانب المتلقي للأمر، وفي الوقت ذاته تطالب ~~بحق كل شخص في أن يضع أوامر للآخرين. أليس هذا تناقضا؟ يبدو أن ~~التفسير الإرادي للأوامر يؤدي إلى النتيجة القائلة إن في استطاعة ~~كل شخص أن يفعل ما يشاء، أي أنه يؤدي إلى الفوضى.» # فلنبدأ بدراسة الاستدلال الذي تعبر عنه عبارتك الأخيرة. ولنفرض ~~أنني وضعت أمرا يقضي على شخص معين بأن يسلك بطريقة معينة، فكان ~~جوابك: «كلا، فليفعل ما يشاء.» ومن الواضح أن لفظ «فليفعل» في ردك ~~هذا تعبير عن معارضتك للأمر الذي أصدرته. فأنت تريد أن تقول إنني، ~~على الرغم من أن لي الحق في وضع أوامري الخاصة، فليس من حقي وضع ~~التزامات شاملة، أي أوامر الآخرين. وعبارة ««س» ليس من حقه» ليست ~~عبارة معرفية، وإنما هي أسر، معناه ««س» ينبغي ألا يفعل هذا أو ذاك.» ~~وإذن فأنت قد أجبتني بأمر، وأنت تطالبني بألا أضع أوامر للآخرين. ~~فعلى أي أساس تبني أمرك؟ إنك تضع إرادتك مقابل إرادتي، ولست أدري ~~لم كان يتعين على أن أعترف بإرادتك وأتخلى عن وضع التوجيهات ~~للآخرين. # على أن المشكلة التي أثارها استدلالك السابق تبلغ من الأهمية ~~حدا يبرر فحصها بمزيد من الدقة. فلنبدأ أولا ببحث عبارة «لكل ~~امرئ، حق.» إن هذه العبارة ms260 يمكن أن تعني أن السلطات القانونية لا ~~تفرض قيودا على نشاط أي شخص. وهذه عبارة معرفية، ولكنها ليست هي ~~ما تعنيه بالنتيجة التي توصلت إليها. ولكي أزيد ما أقصده إيضاحا، ~~فلندمج المعنى المفترض للعبارة في التعبير الكامل، بحيث تصبح «إذا ~~كان التوجيه الأخلاقي مسألة قرار يعبر عن رغبة إرادية، فإن السلطات ~~القانونية لا تفرض قيودا على نشاط أي شخص.» غير أن هذا تعبير ~~مشكوك في صحته، وهو ليس ما تود أن تقوله، وثانيا، فإن عبارة «لكل ~~شخص الحق» يمكن أن تعني أنه ينبغي عدم فرض قيود على نشاط أي شخص. ~~على أن كلمة «ينبغي» تدل على أمر، وتبعا للتحليل السابق، فمن ~~الممكن أن يكون لها معنيان؛ أولهما معنى الأمر الصادر عن المتكلم ~~الذي هو أنت، وعندئذ يكون معنى جملتك هو «إذا كان التوجيه ~~الأخلاقي مسألة قرار إرادي، فإني أصر على ألا تفرض قيود على نشاط ~~أي شخص.» فإذا كان هذا ما تعنيه، فإنك لا تقرر علاقة منطقية، بل ~~تكتفي بالإعراب عن رغبة من جانبك، وبذلك لا تصل إلى استدلال. أما ~~المعنى الثاني لكلمة «ينبغي» فهو معنى اللزوم المنطقي الذي يؤدي ~~إلى أمر يمكن استخلاصه، متعلق بالشخص المشار إليه. وعندئذ يكون ما ~~تعنيه هو: «إذا كان الشخص يؤمن بالمبدأ القائل إن التوجيه الأخلاقي ~~مسألة قرار إرادي، فيلزم عن ذلك أنه يؤمن بالأمر القائل بأنه لا ~~ينبغي فرض قيود على نشاط أي شخص.» ولكن هل هذا استدلال صحيح؟ لست ~~أدري كيف يمكن استخلاص نتيجة كهذه منطقيا، لأنه لا تناقض على ~~الإطلاق بين رغبة المرء في أهداف معينة، وبين رغبته في أن يحد من ~~نشاط الآخرين في الأمور التي تحول بينه وبين تحقيق أهدافه ~~هذه. # وأود الآن أن أعبر عن الحجة الأخيرة على نحو مختلف إلى حد ما. ~~فأنت تود أن تبين أن المنطق يحتم على الأخذ بالقرار المستخلص مما ~~سبق: «ينبغي عدم فرض قيود على نشاط أي شخص.» فإذا كان ذلك أمرا ~~يمكن استنتاجه، فلا بد أن يكون مستنتجا من أوامر أخرى. ms261 غير أنني لم ~~أصرح حتى الآن بأية أوامر، وإنما اقتصرت على التعبير عن العبارة ~~المعرفية القائلة أن الأوامر الأخلاقية أمور تتعلق بقرار إرادي. ~~وليس في استطاعتك أن تستنتج أوامر من أوامر أخرى، أو من أوامر ~~مقترنة بجمل معرفية، ولكن لا يمكن أن تستنتجها من الجمل المعرفية ~~وحدها. وعلى ذلك فإن استدلالك باطل. # وهكذا ترى أن التفسير الإرادي # volitional # للتوجيهات الأخلاقية ~~لا يؤدي إلى النتيجة القائلة إن المتحدث ينبغي عليه أن يترك لكل ~~شخص الحق في اتباع قراراته الخاصة، أي أنه لا يؤدي إلى الفوضوية. ~~فإذا ما وضعت أهدافا إرادية معينة، وطالبت جميع الأشخاص باتباعها، ~~فليس في استطاعتك أن ترد على حجتي إلا بوضع أمر آخر، كالأمر ~~الفوضوي الآتي مثلا: «لكل شخص الحق في أن يفعل ما يشاء.» ومع ذلك ~~فليس في وسعك أن تثبت أن مذهبي في الأخلاق الإرادية متناقض مع ~~نفسه، وأن المنطق يرغمني على أن أترك لكل شخص الحق في أن يفعل ما ~~يشاء. فالمنطق لا يرغمني على أي شيء كما أن التوجيهات التي أضعها ~~نتائج لفهمي الخاص للأخلاق، فضلا عن أن المنطق لا ينبئني أي ~~الأوامر ينبغي أن أعدها ملزمة لجميع الأشخاص. فأنا أضع أوامري ~~بوصفها رغبات إرادية لي، كما أن التمييز بين التوجيهات الشخصية ~~والتوجيهات الأخلاقية هو بدوره مسألة رغبة إرادية. ولعلك تذكر أن ~~النوع الأخير من التوجيهات هو تلك التي أعدها ضرورية للجماعة، ~~والتي أطالب كل شخص بإطاعتها. # ولا شك أنك أصبحت الآن في حالة يأس تام. ولا بد أنك سترد قائلا: ~~«قد يكون ما تقوله صحيحا، من وجهة النظر المنطقية، ولكن هل تظن ~~حقا - يا من ألفت كتابا في الفلسفة العلمية - أنك أنت الشخص الذي ~~يعطي توجيهات أخلاقية للعالم بأسره؟ وما الذي يدفعنا إلى اقتفاء ~~أثرك؟» # وردي على ذلك هو أنني آسف أيها الصديق، لأنني لم أقصد أن يفهم ~~كلامي على هذا النحو، فقد كنت أبحث عن طريق الحقيقة، ولكن هذا ~~السبب نفسه هو الذي يجعلني أمتنع عن إعطائك توجيهات أخلاقية. لا ~~يمكن بحكم ms262 طبيعتها ذاتها أن تكون صائبة. فصحيح أن لدي توجيهاتي ~~الأخلاقية، ولكنني لن أدونها هنا. فلست أرغب في مناقشة المسائل ~~الأخلاقية، وإنما أود مناقشة طبيعة الأخلاق. بل إن لدي بعض ~~التوجيهات الأخلاقية الأساسية التي أعتقد أنها لا تختلف كثيرا عن ~~توجيهاتك. فكلانا نتاج لنفس المجتمع، وعلى ذلك فقد تشبعنا بالروح ~~الديمقراطية منذ يوم مولدنا. قد نختلف في أمور كثيرة، كمسألة ما ~~إذا كان من الواجب تخفيف قوانين الطلاق، أو ما إذا كان من الواجب ~~إقامة حكومة عالمية للإشراف على استخدام الأسلحة الذرية. ولكننا ~~نستطيع مناقشة أمثال هذه المشكلات إذا اتفقنا على مبدأ ديمقراطي ~~أقول به في مقابل مبدئك الفوضوي، وأعني بهذا المبدأ ~~الديمقراطي: ~~«إن لكل شخص الحق في وضع أوامره الأخلاقية الخاصة، وفي أن يطالب ~~الآخرين باتباع هذه الأوامر.» # هذا المبدأ الديمقراطي يشكل الصيغة الدقيقة للنداء الذي أتوجه به ~~إلى كل شخص بأن يثق في رغباته الإرادية الخاصة، وهو النداء الذي ~~رأيته أنت متناقضا مع رأيي القائل بأن لكل شخص أن يضع أوامر ~~للأشخاص الآخرين. فلأبين الآن كيف أن هذا المبدأ ليس متناقضا مع ~~نفسه. فلنفرض مثلا أنني وضعت الأمر القائل إنه إذا كانت هناك أكثر ~~من حجرة لكل شخص في بيت ما، فمن الواجب فتح الحجرات الزائدة ~~للأشخاص الذين لا يملكون حجرات خاصة بهم. أما أنت فتضع الأمر ~~القائل إنه لا ينبغي إرغام أي شخص على أن يفتح باب بيته للآخرين. ~~فلديك حجرة زائدة في بيتك، وأنا أطالب بفتحها لشخص يعاني من أزمة ~~المساكن، ولو كانت لدى القدرة على تنفيذ طلبي من خلال سلطة ~~الحكومة، وذلك بأن أجعل من هذه القاعدة قانونا عن طريق استفتاء ~~مثلا، فإنني سأذهب إلى حد أن أنفذ ذلك فعلا. ومع ذلك فإن ما يحول ~~بين مبدئي وبين أن يصبح تناقضا هو الفرق بين الحق في السلوك والحق ~~في المطالبة بسلوك معين. فأنا أطالب بأن تسلك على نحو معين، ولكني ~~لا أطالبك بالتخلي عن مطلبك العكسي. وهذه ديمقراطية صحيحة، وهي في ~~الواقع تتمشى مع الطريقة الفعلية ms263 التي تواجه بها مشكلة اختلاف ~~الإرادات في المجتمع الديمقراطي. # إنني لا أستمد مبدئي من العقل الخالص، ولا أعرضه على أنه نتيجة ~~الفلسفة. وكل ما أفعله هو أنني أصوغ مبدأ هو أساس الحياة السياسية ~~بأسرها في البلدان الديمقراطية، وأنا أعلم أنني أبدو، بالتزامي هذا ~~المبدأ، نتاجا لعصري. ولكنني قد وجدت أن هذا المبدأ يتيح لي فرصة ~~نشر رغباتي، وتحقيقها إلى حد بعيد، ومن ثم فإني أتخذ منه أمرا ~~أخلاقيا لي. وأنا أزعم أنه ينطبق على جميع أشكال المجتمع. فلو ~~وضعت أنا، الذي أعد نفسي نتاجا لمجتمع ديمقراطي، في مجتمع مخالف، ~~فقد أكون على استعداد لتعديل مبدئي. ولكن لنختبر هذا المبدأ الذي ~~يبدو أصلح المبادئ للمجتمع الذي أعيش فيه. # ليس هذا المبدأ مذهبا أخلاقيا، يجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة ~~بما ينبغي عمله، وإنما هو مجرد دعوة للقيام بدور إيجابي في الصراع ~~بين الآراء. فالاختلاف بين الإرادات لا يمكن تسويته بالالتجاء إلى ~~مذهب أخلاقي يضعه بعض أهل العلم. بل إن الوسيلة الوحيدة للتغلب على ~~هذه الاختلافات هي تصادم الآراء، عن طريق الاحتكاك بين الفرد ~~وبيئته، وعن طريق الجدل والخضوع لمنطق الموقف. والحق أن التقويمات ~~الأخلاقية إنما تتكون خلال ممارستنا لنشاطنا، فنحن نسلك، ونفكر ~~فيما فعلناه، ونتحدث مع الآخرين عنه، ونسلك ثانية على نحو نعتقد ~~أنه أفضل. وما أفعالنا إلا محاولات للاهتداء إلى ما نريد، ونحن ~~نتعلم من خلال الخطأ، وكثيرا ما يحدث أن نظل لا نعلم أننا نرغب في ~~القيام بالقعل إلا بعد أن نكون قد قمنا به فعلا. فالغايات ~~الإرادية لا تأتينا عادة بنفس الوضوح الذي ندرك به موضوعا ~~للإبصار، بل إنها في أكثر الأحيان تكون خلفية لا شعورية أو نصف ~~شعورية لاتجاهاتنا وميولنا، أما تلك تبدو منها واضحة ساطعة، ~~كالنجوم التي تهدينا في طريقنا، فكثيرا ما تفقد كل ما فيها من ~~جاذبية بمجرد أن نحققها. # وعلى ذلك، فإن على من يريد دراسة الأخلاق ألا يطرق باب الفيلسوف، ~~وإنما ينبغي عليه أن يذهب حيثما يدور صراع حول المشكلات الأخلاقية ~~العملية. فعليه أن ms264 يعيش وسط جماعة تتدفق حيوية بفضل التنافس بين ~~الإرادات. سواء أكانت هذه جماعة سياسية، أم اتحادا عماليا، أم ~~منظمة مهنية، أم ناديا رياضيا، أم جماعة يؤلف بينها الاشتراك في ~~الدرس في قاعة محاضرات واحدة. هناك سيشعر بمعنى وضع المرء لإرادته ~~في مقابل إرادات الآخرين. وبمعنى تكيف المرء مع إرادة الجماعة. ذلك ~~لأن الأخلاق إذا كانت ممارسة للرغبات الإرادية، فهي أيضا تكيف ~~لهذه الرغبات من خلال بيئة جماعية. ولا شك أن من يدعو إلى الفردية ~~يكشف عن قصر نظره حين يغفل ذلك الرضاء الذي تشعر به الإرادة نتيجة ~~للانتماء إلى جماعة، أما كوننا ننظر إلى تكيف الإرادات خلال ~~الجماعة على أنه عملية نافعة أو ضارة، فذلك أمر يتوقف على تأييدنا ~~أو معارضتنا للجماعة، ولكن ينبغي أن نعترف بأن تأثير الجماعة هذا ~~موجود بالفعل. # فكيف إذن يتسنى تعديل الإرادات وتحقيق الانسجام بينها في ~~الجماعة؟ وما هي العملية التي تؤدي إلى تكيف الإرادات؟ # ليس من شك في أن هذه العملية هي، إلى حد بعيد، تعلم لعلاقات ~~معرفية. ولقد قلت من قبل إن علاقات اللزوم بين الأوامر تقبل ~~البرهنة المنطقية. والواقع أن الدور الذي تقوم به علاقات اللزوم ~~هذه أعظم بكثير مما يقال به عادة. فكثيرا ما نخطئ، في العلاقات بين ~~أهدافنا، فإذا كانت بعض الأهداف الأساسية متماثلة، تحول عدد كبير ~~من المشكلات الأخلاقية إلى مشكلات منطقية. مثال ذلك أن مسألة كون ~~الملكية الخاصة مقدسة لا تعود مسألة أخلاقية، بمجرد أن نعترف بهدف ~~ضرورة ضمان حد أدنى من ظروف الحياة الضرورية لجميع المواطنين. ~~وعندئذ يكون التفضيل بين نظام حرية الأعمال، ونظام ملكية الدولة ~~لوسائل الإنتاج، من حيث قدرة كل منهما على تحقيق هذا الهدف، يكون ~~ذلك التفضيل أمرا يختص به التحليل الاجتماعي. وإنما ترجع الصعوبات ~~التي نصادفها عندئذ إلى الحالة القاصرة التي يتصف بها علم دراسة ~~المجتمع؛ إذ إن هذا العلم لا يستطيع أن يقدم إجابات لا لبس فيها ~~ولا غموض، مشابهة للإجابات التي تقدمها الفيزياء. فمعظم المشكلات ~~السياسية يمكن أن ترد، عند أنصار ms265 الديمقراطية، إلى مجادلات معرفية. ~~لذلك فإن الأمل معقود على أن تسوى هذه المشكلات بالمناقشة العامة ~~والتجارب السلمية، بدلا من أن تسوى بالالتجاء إلى الحرب. # والواقع أن معظم القرارات الإرادية التي نواجهها هي قرارات ~~مستخلصة من أهداف أكثر منها أساسية، نتخذها غايات لأنفسنا، ولهذا ~~السبب كان للإيضاح المعرفي أهميته في المسائل الأخلاقية. ونستطيع ~~أن نذكر في هذا الصدد، إلى جانب المسائل السياسية، المسائل ~~التعليمية والصحية والحياة الجنسية والقانون المدني والقانون ~~الجنائي ومعاقبة المجرمين. مثال ذلك أن مسألة ما إذا كان من الواجب ~~وضع المجرم المحكوم عليه في إصلاحية، ليست مسألة أخلاقية، وإنما هي ~~مسألة نفسية في نظر كل من يوافقون على أن تشريع الدولة ينبغي أن ~~يسعى إلى تكوين أكبر عدد ممكن من المواطنين المتكيفين اجتماعيا. ~~ولكن ما أكثر التجارب التي تشهد بأن الأشخاص الذين يخرجون من ~~الإصلاحيات يكونون عادة مهيئين لعكس هذه الغاية! # ومع ذلك، فمن الحقائق النفسية المعترف بها أنه حتى عندما يتسم ~~التوصل إلى إيضاح معرفي، يكون من العسير تغيير الاتجاهات الإرادية. ~~فقد نعلم أننا ما كنا نرغب في هدف أساسي معين، فلا بد لنا أيضا من ~~قبول قرار آخر معين، ومع ذلك نتردد في قبول هذا القرار. فقد نكون ~~مقتنعين بأن المجرم ينبغي ألا يعاقب، وإنما يجب أن يوضع في بيئة ~~تتيح له فرص إعادة التكيف من جديد. ومع ذلك فقد يكون من العسير ~~التغلب على نداء العقاب، والرغبة في القصاص، وهي الرغبة التي أملت ~~عددا كبيرا من النظم الشائعة في معاملة المجرمين. كذلك فإن أخلاق ~~العلاقات الجنسية حافلة بعدد كبير من التحريمات، إلى حد أنه يصعب ~~جدا التغلب على مظاهر التحامل المعتادة، حتى عندما تكون ~~الاعتبارات النفسية قد أوضحت أن من واجبنا تغيير بعض تقويماتنا ~~التقليدية إذا ما شئنا أن يكون الرجال والنساء في مجتمعنا أسعد ~~وأصح. ففي كل هذه الحالات، ينغي أن تدعم النتيجة المعرفية بإعادة ~~تكييف اتجاهاتنا الإرادية. وفي هذا الصدد تقوم التربية من خلال ~~الجماعة بدور أساسي. فنحن لا نتعلم أننا نستطيع قبول ms266 التقويمات ~~الجديدة إلا بالعيش في بيئة تطبق فيها هذه التقويمات، وفي مثل هذه ~~البيئة وحدها تكتسب القوة التي تمكننا من أن نريد ما أثبت ~~الاستنتاج المنطقي أنه نتيجة لأهدافنا الأساسية. فليست الحجج ~~المنطقية بكافية لتسوية المشكلات النفسية المتعلقة بالاتجاهات ~~الإرادية، بل إن المنطق، مقترنا بتأثير الجماعة، هو الذي يساعدنا ~~على تنظيم تكويننا الإرادي. # فهل يكون من الممكن رد جميع المسائل الأخلاقية إلى أهداف أساسية ~~مشتركة؟ الواقع أن كوننا جميعا من بني البشر، إنما هو شاهد يؤيد ~~هذا الافتراض؛ إذ يبدو من المعقول أن تكون أوجه الشبه الفسيولوجية ~~بين البشر منطوية على تشسه في الأهداف الإرادية. ولكن هناك وقائع ~~أخرى تناهض هذا الافتراض؛ إذ إن هناك جماعات معينة، كالنبلاء في ~~المجتمعات الإقطاعية، أو الرأسماليين في الدولة الرأسمالية، أو ~~أعضاء الحزب المسيطرين على دولة تأخذ بنظام الحزب الواحد. تتمتع ~~بمزايا واضحة نتيجة لاحتفاظها بامتيازات طبقتها. # وإني لأعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ليست على هذا القدر من ~~البساطة. فقد رأينا أن معرفة وجود علاقة لزوم بين الأهداف لا تؤدي ~~بذاتها إلى تغيير في الاتجاهات الإرادية، أي أنه، إذا كان لهذه ~~المعرفة أن تؤدي إلى إعادة نظر في القرارات، فلا بد أن تكون مصحوبة ~~بتهيئة للرغبات الإرادية على نحو معين. فإذا كانت هذه التهيئة ~~ضرورية وممكنة، فلا يهم كثيرا أن تكون متعلقة بقرارات أساسية أو ~~بقرارات مستنتجة. فحتى الرغبات الأساسية تخضع لتأثير الجماعة، ومن ~~الممكن أن تتغير نتيجة للقوة الإيحائية لبيئة تتمثل فيها رغبات ~~أخرى ونتائجها. # وكثيرا ما يؤدي الإيمان بالأخلاق المطلقة إلى زيادة صعوبة عملية ~~التكيف ضرورات الجماعة. فالشخص الذي يتشيع بتعاليم النظرية القائلة ~~إن القواعد الأخلاقية تكون حقائق مطلقة، يصعب عليه إلى حد كبير أن ~~يتخلى عن هذه القواعد، وقد يظل بمنأى عن تأثير عملية التكيف التي ~~تمارسها الجماعة. وعلى العكس من ذلك، فإن الشخص الذي يعلم أن ~~القواعد الأخلاقية ذات طبيعة إرادية # volitional ~~، يكون على ~~استعداد لتغيير أهدافه إلى حد ما إذا رأى أن هذه هي الوسيلة ~~الوحيدة التي يستطيع ms267 بها أن يتعامل مع الآخرين. فأساس التربية ~~الاجتماعية هو تكييف المرء لأهدافه مع أهداف الآخرين. أما الأنانية ~~الساذجة فتصادف مقاومة إذا ما وقفت في وجه أنانية الآخرين، وسرعان ~~ما يكتشف الأناني أن من مصلحته التعاون مع الجماعة. فالأخذ والعطاء ~~اللذان يتيحهما التعاون الاجتماعي يجلب رضاء أعمق بكثير مما يجلبه ~~إصرار المرء بعناد على عدم التخلي عن أهدافه. وهكذا فإن الشخص الذي ~~تربى في ظل نظرة تجريبية إلى الأخلاق، يكون أفضل استعدادا لكي ~~يصبح عضوا متكيفا مع المجتمع ممن يؤمن بالمذهب المطلق. # وليس المقصود من ذلك أن التجريبي شخص يسهل عليه التلون حسبما ~~يقتضيه الموقف. فهو على الرغم من استعداده للتعلم من الجماعة، يكون ~~أيضا ميالا إلى توجيه الجماعة في اتجاه رغباته الإرادية الخاص. ~~فهو يعلم أن التقدم الاجتماعي كثيرا ما يكون راجعا إلى مثابرة ~~أفراد معينين كانوا أقوى من الجماعة. وهو يحاول مرارا وتكرارا أن ~~يغير الجماعة على قدر استطاعته. ولهذا التفاعل بين الجماعة وبين ~~الفرد تأثيره في الفرد والجماعة معا. # وعلى ذلك فإن التوجيه الأخلاقي للمجتمع البشري إنما هو حصيلة ~~عملية تكيف متبادل. ولا يقوم الاعتراف بالعلاقات بين مختلف الأهداف ~~إلا بدور محدود في هذه العملية. أما الدور الأكبر فتقوم به مؤثرات ~~نفسية من نوع غير معرفي، تصدر من الأفراد لأفراد آخرين ، ومن ~~الأفراد إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى الأفراد. فالاحتكاك بين ~~الإرادات والرغبات هو القوة الدافعة لكل تطور أخلاقي. لذلك كان من ~~الممكن الاعتراف بأن القوة تقوم بدور رئيسي في تغيير التقويمات ~~الأخلاقية وذلك إذا قيست القوة بأي شكل من أشكال النجاح في تأكيد ~~رغبات المرء في مقابل رغبات الآخرين. على أن هذا المعنى، الذي هو ~~أوسع المعاني، لهذا اللفظ، لا يقتصر على قوة السلاح؛ فمن الممكن أن ~~تكون هناك صور أخرى للقوة لها نفس الفعالية، وربما أكثر؛ كقوة ~~التنظيم الاجتماعي، وقوة طبقة اجتماعية اكتشفت مصالحها المشتركة، ~~وقوة الجماعات المتعاونة، وقوة الكلمة المنطوقة والمكتوبة، وقوة ~~الفرد الذي يشكل أنموذجا للجماعة عن طريق ضرب مثل رائع للسلوك. ~~فالقوة حقا ms268 هي التي تتحكم في العلاقات الاجتماعية. # إن من واجبنا ألا نقع في خطأ الاعتقاد بأن الصراع على القوة خاضع ~~لتحكم سلطة تعلو على مستوى البشر، تؤدي بهذا الصراع إلى غاية ~~نهائية خيرة، كما ينبغي ألا نقع في خطأ آخر يرتبط بالخطأ السابق، ~~وهو الاعتقاد بأن من الواجب تعريف الخير بأنه هو الأقوى؛ فقد رأينا ~~أن ما نعده لا أخلاقية يحرز انتصارات كثيرة، وأن الخسة والأنانية ~~الطبقية تحقق نجاحا كبيرا، ولكننا نحاول أن نحقق أهدافنا ~~الإرادية، لا بتعصب المؤمن بحقيقة مطلقة، وإنما بإصرار الشخص الذي ~~يثق في إرادته الخاصة. ولسنا ندرى إن كنا سنبلغ هدفنا. فمشكلة ~~السلوك الأخلاقي، شأنها شأن مشكلة التنبؤ بالمستقبل، لا يمكن أن ~~تحل بوضع قواعد تضمن النجاح؛ إذ إن مثل هذه القواعد لا وجود ~~لها. # ولا وجود أيضا لقواعد نستطيع أن نكتشف بها هدفا أو معنى للكون. ~~فهناك بعض الأمل في أن يكون تاريخ البشرية سائرا نحو التقدم، ~~ومؤديا إلى مجتمع بشري أفضل تكيفا، على الرغم من أن هناك ~~اتجاهات قوية تدل على عكس ذلك. أما الاعتقاد بأن العالم الفيزيائي ~~يسير نحو التقدم بالمعنى البشري، فهو اعتقاد ممتنع. فالكون يسير ~~تبعا لقوانين الفيزياء، لا تبعا لأوامر الأخلاق. وقد تمكنا، إلى ~~مدى معين، من استغلال قوانين الفيزياء لمصلحتنا. وليس من المستبعد ~~أن يجيء يوم نتمكن فيه من السيطرة على أجزاء أكبر من الكون، وإن لم ~~يكن ذلك أمرا شديد الترجيح، وإنما الأرجح أن ينتهي الأمر بالجنس ~~البشري إلى الفناء مع الكوكب الذي بدأت عليه حياته. # وإذن، فلو أتاك فيلسوف ينبئك بأنه اهتدى إلى الحقيقة النهائية، ~~فلا تثق به. وإن قال لك إنه يعرف الخير الأسمى، أو لديه ما يثبت أن ~~الخير لا بد أن يصبح حقيقة واقعة، فلا تثق به أيضا، فهو إنما يردد ~~أخطاء ظل أسلافه يرتكبونها طوال ألفي عام. ولقد حان الوقت لوضع حد ~~لهذا النوع من الفلسفة. فلتطلب إلى الفيلسوف أن يكون متواضعا ~~كالعالم، وعندئذ قد يحرز من النجاح ما أحرزه رجل العلم. ولكن لا ms269 ~~تطلب إليه أن ينبئك بما ينبغي عليك عمله، بل أنصت جيدا إلى صوت ~~إرادتك، وحاول أن توحد بين إرادتك وبين إرادة الآخرين. فليس في ~~العالم من الغايات أو من المعاني أكثر مما تضعه أنت ذاتك ~~فيه. # الفصل الثامن عشر # | مقارنة بين الفلسفة القديمة والجديدة # أود في هذا الفصل أن ألخص النتائج الفلسفية التي أسفر عنها تحليل ~~العلم، وأن أقارنها بالمفاهيم التي نادت بها الفلسفة ~~التأملية. # فقد كانت الفلسفة التأملية تسعى إلى اكتساب معرفة بالعموميات، أي ~~بأهم المبادئ التي تحكم الكون. وأدى بها ذلك إلى تشييد مذاهب ~~فلسفية تتضمن وصولا ينبغي أن نعدها اليوم محاولات ساذجة لتكوين ~~فيزياء شاملة، أعني فيزياء تقوم فيها تشبيهات بسيطة بتجارب الحياة ~~اليومية بمهمة التفسير العلمي. وقد حاولت هذه الفلسفة أن تقدم ~~تفسيرا لمنهج المعرفة باستخدام تشبيهات مماثلة، وأجابت على ~~الأسئلة الخاصة بنظرية المعرفة باستخدام لغة مجازية، لا باستخدام ~~التحليل المنطقي. أما الفلسفة العلمية فإنها تترك للعالم مهمة ~~تفسير الكون بأسرها، وتبني نظرية المعرفة عن طريق تحليل نتائج ~~العلم، وتدرك عن وعي أن من المستحيل فهم فيزياء الكون أو فيزياء ~~الذرة من خلال تصورات مستمدة من الحياة اليومية. # ولقد كانت الفلسفة التأملية تسعى إلى اليقين المطلق. فإن كان من ~~المحال التنبؤ بالحوادث الفردية، فإن القوانين العامة المتحكمة في ~~جميع الحوادث، على الأقل، تعد في نظرها قابلة للمعرفة، ومن الواجب ~~استخلاص هذه القوانين بقوة العقل الخالص. فالعقل، وهو مشرع الكون، ~~قد كشف للذهن البشري الطبيعة الكامنة للأشياء جميعا - ذلك رأي ~~يكمن في أساس المذاهب التأملية بكل صورها. أما الفلسفة العلمية فهي ~~ترفض أن تقبل أية معرفة بالعالم الفيزيائي على أنها تتصف باليقين ~~المطلق. فليس من الممكن التعبير عن الحوادث الفردية، ولا عن ~~القوانين التي تحكمها، بصورة مطلقة. بل إن المجال الوحيد الذي يمكن ~~بلوغ اليقين فيه هو مبادئ المنطق والرياضة، غير أن هذه المبادئ، ~~تحليلية وفارغة. فيقين أي مبدأ إذن لا ينفصل عن كونه فارغا، وليس ~~ثمة معرفة تركيبية قبلية. # ولقد كانت الفلسفة التأملية تسعى إلى إقامة ms270 التوجيهات الأخلاقية ~~بنفس الطريق التي تشيد بها معرفة مطلقة. فكانت تنظر إلى العقل على ~~أنه هو الذي يسن القانون الأخلاقي مثلما يضع القانون المعرفي، ومن ~~الواجب في نظرها كشف القواعد الأخلاقية بعملية تبصر، مشابه لذلك ~~التبصر الذي يكشف القواعد النهائية للكون. أما الفلسفة العلمية فقد ~~تخلت نهائيا عن خطة وضع قواعد أخلاقية. فهي تنظر إلى الغايات ~~الأخلاقية على أنها نواتج لأفعال إرادية، لا للمعرفة، وكل ما يمكن ~~أن تتناوله المعرفة هو العلاقات بين الغايات، أو بين الغايات ~~والوسائل. أما القواعد الأخلاقية الأساسية فلا يمكن تبريرها من ~~خلال المعرفة، وإنما السبب الوحيد للأخذ بها هو أن أناسا يريدون ~~هذه القواعد ويريدون من الآخرين أن يتبعوها. فالإرادة لا يمكن ~~استخلاصها من المعرفة، بل إن الإرادة البشرية هي التي تولد ذاتها ~~وتحكم على ذاتها. # هذه هي الصورة الختامية المجملة للمقارنة بين الفلسفة القديمة ~~والجديدة. أن الفيلسوف الجديد يتخلى عن الكثير جدا، ولكنه أيضا ~~يكسب الكثير جدا. فما أعظم الفارق بين العلم المبني على أساس ~~التجارب، وبين العلم المستمد من العقل وحده! وما أعظم الضمان الذي ~~تمنحه لنا تنبؤات العالم، على الرغم من افتقارها إلى اليقين، ~~بالقياس إلى تنبؤات الفيلسوف الذي كان يدعي أن لديه استبصارا ~~مباشرا بالقوانين النهائية للكون! وكم يظهر بوضوح سمو الأخلاق ~~التي لا تقيدها قواعد تمليها سلطة عليا مزعومة، عندما تطرأ ظروف ~~اجتماعية جديدة لم تكن تدخل في حسبان المذاهب الأخلاقية ~~القديمة! # ومع ذلك كله، فهناك فلاسفة يأبون أن يعترفوا للفلسفة العلمية ~~بمكانة داخل الفلسفة، ويرون أن نتائجها ينبغي أن تكون منتمية إلى ~~العلم بوصفها فصلا تمهيديا له، ويدعون أن هناك فلسفة مستقلة، لا ~~شأن لها بالبحث العلمي، وتستطيع أن تصل إلى الحقيقة مباشرة. غير أن ~~هذه الادعاءات تكشف، في رأيي، عن افتقار إلى القدرة على الحكم ~~النقدي. فأولئك الذين لا يدركون أخطاء الفلسفة التقليدية لا يرغبون ~~في التخلي عن مناهجها أو نتائجها، ويفضلون مواصلة السير في طريق ~~تخلت عنه الفلسفة العلمية. وهم يحتفظون باسم الفلسفة لمحاولاتهم ~~الباطلة في الوصول ms271 إلى معرفة تعلو على العلم، ويأبون الاعتراف بأن ~~المنهج التحليلي الذي وضع على نمط البحث العلمي هو منهج ~~فلسفي. # إن ما يلزم الفلسفة العلمية هو إعادة توجيه رغبات الفيلسوف ~~وأهدافه. فما لم يعترف باستحالة بلوغ أهداف الفلسفة التأملية، فلن ~~تفهم النتائج التي تحققها الفلسفة العلمية. إن لغة الصور هي ~~الطريقة الطبيعية للتعبير عند الشاعر، أما الفيلسوف فينبغي عليه أن ~~يتخلى عن استخدام الصور الإيحائية فيما يقدمه من تفسيرات؛ وذلك إذا ~~شاء أن يفهم الفلسفة العلمية. وقد تبدو لنا الرغبة في بلوغ اليقين ~~المطلق هدفا طموحا جديرا بالإعجاب، ولكن الفيلسوف العلمي ينبغي ~~عليه أن يتجنب مغالطة النظر إلى العادات المألوفة على أنها مصادرات ~~للعقل، ويجب أن يتعلم أن المعرفة الاحتمالية تكون أساسا يبلغ من ~~المتانة حدا يكفي للإجابة عن جميع الأسئلة التي يكون من المعقول ~~سؤالها. كذلك فإن الرغبة في إقامة التوجيهات الأخلاقية على أساس من ~~المعرفة الأخلاقية تبدو رغبة مفهومة، ولكن على الفيلسوف العلمي أن ~~يتخلى عن السعي إلى التوجيه الأخلاقي الذي ضلل الآخرين فجعلهم ~~يتصورون الأخلاق نوعا من المعرفة التي تكتسب بتبصر يكشف لنا ~~عالما أعلى. إن الحقيقة تأتي من الخارج؛ فملاحظة الموضوعات ~~الفيزيائية تنبئنا بما يتصف بصفة الحقيقة. أما الأخلاق فتأتي من ~~الداخل؛ فهي تعبر عما أريده، لا عما هو موجود بالفعل. هذه هي ~~الوجهة الجديدة التي ينبغي أن تتخذهما الرغبات الفلسفية عند ~~الفيلسوف العلمي. ولا بد أن يكتشف أولئك الذين يمكنهم التحكم في ~~رغباتهم، أنهم يكسبون أكثر بكثير مما يخسرون. # والواقع أن الكسب ضخم بحق إذا ما قورن بنتائج المذاهب الفلسفية ~~التقليدية. وأود أن أؤكد مرة أخرى إنني لا أنكر المزايا التاريخية ~~لهذه المذاهب. فهناك شوط طويل لا بد من قطعه بين إدراك المشكلة لأول ~~مرة وبين صياغتها بوضوح، وشوط طويل آخر بين صياغتها وبين حلها. ~~وكثير من الحلول الحاضرة يمكن تتبعها إلى أصول في تلك التشبيهات ~~واللفة المجازية التي كمان يقدمها فيلسوف قديم معين. وسع ذلك فلا ~~شيء أخطر على الفهم النقدي للفلسفة من النظر إلى ms272 هذه المجازات ~~والتشبيهات على أنها استباقات تنبئية للكشوف الجديدة. فكثيرا ما ~~يكون الإدراك الأول للمشكلة نابعا عن الدهشة الساذجة، لا عن ~~استبصار بما تنطوي عليه من أبعاد واسعة المدى. ومن الممكن أن يكون ~~الجهد والعناء المبذول في التطور الذي أدى إلى الحل الحديث معادلا ~~في ضخامته، وربما أضخم، من الدور الذي أسهم به من بدءوا هذا ~~التطور. فالاحترام الواجب نحو القدماء ينبغي ألا يجعلنا نغفل ~~الإنجازات التي حققها عصرنا. ولا بد من استقلال في الحكم ودقة في ~~النقد من أجل كشف تلك القلة من المشكلات الأصيلة، من بين تلال ~~التصورات الغامضة والثرثرات الدجماطيقية التي ورثناها عن الفلسفة ~~التقليدية. ولا يمكن أن يكتسب الفيلسوف الأدوات اللازمة لحل هذه ~~المشكلات إلا عن طريق الفهم العميق للمنهج العلمي الحديث. # ولقد حاولنا في هذا الكتاب أن نقدم عرضا للإجابات التي قدمتها ~~الفلسفة العلمية الحديثة للمشكلات التي كان لها دور في الفلسفة ~~التقليدية منذ بدايتها في التفكير اليوناني. فهناك مشكلة أصل ~~المعرفة الهندسية، التي كانت الإجابة عنها هي التمييز بين الهندسة ~~الفيزيائية، التي هي تجريبية، وبين الهندسة الرياضية، التي هي ~~تحليلية. وهناك مسألة السببية والتحديد العام لجميع الحوادث ~~الفيزيائية، وهي المسألة التي كانت الإجابة عنها سلبية: فالسببية ~~قانون تجريبي، ولا يسري إلا على موضوعات العالم الكبير، على حين ~~أنه ينهار في المجال الذري. وهناك مسألة طبيعة الجوهر والمادة، ~~التي كانت الإجابة عنها هي ثنائية الموجات والجزئيات، وهو تصور ~~أهرب من أي نوع من الخيال تمخضت عنه المذاهب الفلسفية في أي وقت، ~~وهناك مسألة المبدأ المتحكم في التطور، وهو المبدأ الذي تم ~~الاهتداء إليه في انتقاء إحصائي مقترن بالقوانين السببية. وهناك ~~مسألة طبيعة المنطق، وهو المبحث الذي تبين أنه نظام لقوانين اللغة، ~~لا يقيد أية تجارب ممكنة، وبالتالي لا يعبر عن أية خصائص للعالم ~~الفيزيائي. وهناك مسألة المعرفة التنبئية، التي أجيب عنها بنظرية ~~في الاحتمال والاستقراء، بمقتضاها تكون التنبؤات ترجيحات، وتكون هي ~~أفضل الأدوات المتوافرة للتنبؤ بالمستقبل إن كان مثل هذا التنبؤ ~~ممكنا. وهناك مسألة وجود ms273 العالم الخارجي والذهن البشري، التي تبين ~~أنها مسألة متعلقة بالاستخدام الصحيح للغة، وليست مسألة «حفيفية ~~متعالية». وهناك أخيرا مسألة طبيعة الأخلاق، التي أجيب عنها ~~بالتمييز بين الأهداف وبين علاقات اللزوم بين الأهداف، وهي إجابة ~~تؤدي إلى جعل علاقات اللزوم هذه هي وحدها التي تقبل حكما ~~معرفيا، أما الأهداف الأولية فهي في نظرها قرارات نابعة عن ~~الإرادة. # إن هناك مجموعة من النتائج الفلسفية أمكن إثباتها بواسطة منهج ~~فلسفي لا يقل دقة وإحكاما عن منهج العلم، وفي استطاعة التجريبي ~~الحديث أن يستشهد بهذه النتائج إذا ما طلب إليه أن يقدم الدليل على ~~أن الفلسفة العلمية أرفع من التأمل الفلسفي. فهناك إذن معرفة ~~فلسفية متراكمة. ولم تعد الفلسفة قصة أناس حاولوا عبثا أن «يقولوا ~~ما لا يمكن أن يقال» بصور مجازية أو تراكيب لفظية لها صورة منطقية ~~وهمية. بل إن الفلسفة هي التحليل المنطقي لجميع أشكال الفكر البشري ~~ومن الممكن التعبير عما تود أن تقوله بعبارات مفهومة. وليس ثمة شيء ~~«لا يمكن أن يقال» يتعين عليها أن تستسلم لشروطه، بل إن الفلسفة ~~علمية في مناهجها؛ فهي تجمع النتائج التي تقبل البرهان، والتي ~~يقبلها أولئك الذين اكتسبوا خبرة كافية في المنطق والعلم. وإذا ~~كانت لا تزال تنطوي على مشكلة لم تحل، ما زالت تثير الجدل؛ فهناك ~~أمل حقيقي في أن تحل في المستقبل بنفس الطرق التي أدت، في حالة ~~مشكلات أخرى، إلى حلول يشيع قبولها اليوم. # والحق أن المرء ليدهش، حين يعقد هذه المقارنة الختامية بين ~~الفلسفة القديمة والحديثة، من استمرار وجود كل هذه المعارضة للمنهج ~~الفلسفي ونتائجه. وأود الآن أن أناقش الأسباب النفسية المحتملة ~~لهذه المعارضة. # أول هذه الأسباب هو أنه لا بد من القيام بجهد فني معقد من أجل فهم ~~الفلسفة الجديدة. ذلك لأن فيلسوف المدرسة القديمة هو عادة شخص ~~اكتسب خبرة في ميدان الأدب والتاريخ، ولم يتدرب أبدا على المناهج ~~الدقيقة للعلوم الرياضية، ولم يشعر باللذة التي تجلبها البرهنة على ~~قانون طبيعي بتحقيق جميع نتائجه. ولو تأملنا التعليم الذي تقدمه ~~المدارس ms274 الثانوية لما وجدناه يزيد على مدخل بسيط إلى الرياضة ~~والعلوم - فمن يستطيع إذن أن يحكم على نظرية المعرفة إن لم يكن قد ~~رأى المعرفة في أكثر صورها نجاحا؟ # والحجة التي تقدم عادة دفاعا عن هذا الموقف هي أن الفلسفة ~~العلمية موجهة أكثر مما ينبغي نحو العلوم الرياضية، ولا تعطي ~~العلوم الاجتماعية والتاريخية حقا من الاهتمام. غير أن هذه الحجة ~~ليست إلا دليلا جديدا على سوء فهم برنامج الفلسفة العلمية. ~~فالفيلسوف العلمي يرحب بأية محاولة لبحث العلوم الاجتماعية بمنهج ~~فلسفي قريب من ذلك المنهج الذي طبق بنجاح كبير في العلوم الطبيعية. ~~ولكن ما يرفض قبوله هو تلك الفلسفة التي تضع حدا فاصلا بين ~~العلوم الاجتماعية والطبيعية، والتي تدعي أن لتلك المفاهيم ~~الأساسية، من أمثال مفهوم التفسير، أو القانون العلمي، أو الزمان، ~~معاني مختلفة في كلا الميدانين. ذلك لأن مصدر هذه الادعاءات هو في ~~كثير من الأحيان سوء فهم العلوم الرياضية. والواقع أن تحليل ~~السببية، الذي يتم في الفيزياء، يقرب بين ذلك العلم وبين علم ~~الاجتماع إلى حد لم يعرف من قبل على الإطلاق، إذ إن الاعتراف بأن ~~القوانين الفيزيائية علاقات لزوم احتمالية، وليست قواعد يمليها ~~العقل الخالص، لا بد أن يشجع عالم الاجتماع على صياغة قوانين حتى لو ~~لم تكن قوانينه تسري إلا على غالبية الأمثلة. وأن التعقد الشديد ~~للظروف الاجتماعية، الذي يجعل من المستحيل رؤية قانون اجتماعي ~~يتحقق في حالة مثلى، ليذكر المرء بالوضع المماثل في علم فيزيائي هو ~~علم الأرصاد الجوية. فعلى الرغم من أن التنبؤات الدقيقة بحالة الجو ~~مستحيلة، فإن أحدا من علماء الفيزياء لا يشك في أن حالة الجو تخضع ~~لقوانين الديناميكا الحرارية والديناميكا الهوائية. وعلى ذلك فحتى ~~لو كان من الصعب إلى حد بعيد التنبؤ بالمناخ السياسي، فلماذا يرفض ~~معظم علماء الاجتماع الاعتقاد بوجود قوانين لعلم الاجتماع؟ # إن الحجة القائلة إن الحوادث متفردة، وأنها لا تتكرر، تنهار لأن ~~نفس الحكم يصدق على الحوادث الفيزيائية. فالطقس في يوم ما لا يمكن ~~أن يكون هو ذاته الطقس في ms275 يوم آخر. وحالة قطعة معينة من الخشب لا ~~يمكن أن تكون هي ذاتها حالة أية قطعة أخرى. ولكن العالم يتغلب على ~~هذه الصعوبات بإدماج الحالات الفردية في فئة، وبالبحث عن القوانين ~~التي تتحكم في مختلف الظروف الفردية في معظم الحالات على الأقل. ~~فلماذا يعجز عالم الاجتماع عن أن يفعل نفس الشيء؟ # إن الزعم بأن هناك هوة لا تعبر بين العلوم الاجتماعية والطبيعية، ~~يبدو أشبه بمحاولة ترك مكان خاص، في فلسفة العلوم الاجتماعية، ~~لأولئك الفلاسفة الذين يخشون تطبيق الأسلوب المنطقي والرياضي الذي ~~لم يعد من الممكن بناء نظرية في المعرفة بدونه. ولكن من حسن الحظ ~~أن هناك أيضا مجموعة من العلماء الاجتماعيين يتطلعون إلى الفلسفة ~~العلمية لكي تعينهم في صراعهم من أجل فهم منهج علمهم، ويعترفون ~~بضرورة القيام بعملية تطهير واسعة قبل أن يتسنى بناء فلسفة للعلوم ~~الاجتماعية. وإني لآمل أن تتمكن الفلسفة العلمية في المستقبل من ~~اجتذاب أشخاص ينتمون إلى جميع مجالات المعرفة، يتحولون من البحث في ~~ميادينهم الخاصة إلى الدراسة الفلسفية. # وهناك أسباب أخرى تدعو إلى الترحيب بمساعدة الباحثين النزيهين ~~الذين ينتمون إلى مجالات العلوم غير الرياضية، والذين يتقدمون ~~للمعاونة في هذا الميدان. فعلى الرغم من أن البحث الرياضي والمنطقي ~~قد أسهم بالكثير في بناء الفلسفة الجديدة، فإن هذا العمل لا يرتبط ~~في ذاته ضرورة بموقف فلسفي نقدي. فهناك رياضيون، بل مناطقة ~~رياضيون، لم يشعروا أبدا بالحاجة إلى الامتداد بمناهجهم الدقيقة ~~بحيث تطبق على التحليل المنطقي للمعرفة التجريبية، أو يعتقدون أن ~~أي امتداد كهذا ينبغي إكماله بالإهابة بتبصر يعلو على التجربة، ~~أعني تبصرا بحقيقة غير تحليلية. وهم يعدون الفلسفة ضربا من ~~التخمين الذي لا يمكن أن يؤدي أبدا إلى نتائج جادة، أو ينظرون إلى ~~تلك الأمور التي يقتنع بها الإنسان في موقفه الطبيعي على أنها شروط ~~سابقة لا مفر منها للفلسفة، وينكرون إمكان نقدها، أو يعتقدون أن ~~اللغة الغامضة الخيالية للفيلسوف التأملي هي الوسيلة الوحيدة ~~لمعالجة المشكلات الفلسفية؛ ذلك لأن التمرس في الرياضيات ليس ~~ضمانا لفهم المشكلات الفلسفية؛ ذلك ms276 لأن التمرس في الرياضيات ليس ~~ضمانا لفهم مشكلات نظرية المعرفة الحديثة ومناهجها، وحتى لو أدركت ~~المشكلات، فقد تظل الحلول تلتمس بتلك الطرق التي ظل التراث القديم ~~العهد يمجدها، والتي لم يتعلم الطالب في جامعاتنا، خلال سنوات ~~تنشئته على اكتساب المعرفة العلمية، أن ينتقدها. # إن الحد الفاصل بين الفلسفة القديمة والجديدة لا يؤدي إلى ~~استبعاد الرياضة من الفلسفة التأملية، بل إنه يفصل بين الشخص الذي ~~يحس بالمسئولية عن كل كلمة ينطقها، وبين الشخص الذي يستخدم الكلمات ~~من أجل نقل تخمينات حدسية وتكهنات لم تخضع للتحليل، أعني بين ذلك ~~الذي يكون على استعداد لتعديل فهمه للمعرفة، بحيث يتلاءم مع ضروب ~~المعرفة التي يمكن بلوغها، وذلك الذي لا يستطيع التخلي عن الإيمان ~~بحقيقة تعلو على التجربة، أو بين من يعتقد أن المناهج الرياضية ~~الدقيقة يمكنها أن تسري على تحليل المعرفة، ومن ينظر إلى الفلسفة ~~على أنها مجال خارج عن المنطق، متحرر من قيود الضوابط المنطقية، ~~يتحكم فيه الرضاء الناتج عن استخدام الكلام المجازي وارتباطاته ~~الانفعالية. فالتفرقة بين هذين النوعين من العقليات نتيجة لا مفر ~~منها للفلسفة الجديدة. # أما السبب المحتمل الثاني لمعارضة الفلسفة العلمية فهو الرأي ~~القائل إن الفيلسوف العلمي لا يفهم الجانب الانفعالي للحياة، وأن ~~التحليل المنطقي بسلب الفلسفة دلالتها الانفعالية. فكم من دارس ~~للفلسفة يقبل على محاضرات الفلسفة بحثا عن المواعظ والإرشادات، ~~ويقرأ أفلاطون مثلما يقرأ الإنجيل أو شكسبير، ويشعر بخيبة الأمل ~~حين يضطر، في درس للفلسفة، إلى سماع عرض للمنطق الرمزي أو نظرية ~~النسبية. وكل ما أستطيع أن أقوله إزاء هذا الموقف هو أن على من ~~يريدون مواعظ وإرشادات أن يحضروا دروسا في الإنجيل أو شكسبير، ~~وليس لهم أن يتوقعوا الاهتداء إليها في مكان لا مجال لها فيه. إن ~~الفيلسوف العلمي لا يود أن يقلل من قيمة الانفعالات، ولا يود أن ~~يعيش بدونها، وقد لا تقل حياته، من حيث ما فيها من مشاعر وأحاسيس، ~~عن حياة أي أديب غير أنه يرفض الخلط بين الانفعال والمعرفة، ويحب ~~أن يستنشق الهواء النقي ms277 للبصيرة والعمق المنطقي. وإذا جاز لي أن ~~أستخدم تعبيرا أقرب إلى الأمور الواقعة، فإني أقول أن طعم التحليل ~~المنطقي مشابه لطعم المحار، من حيث إن على الإنسان أن يتعلم كيف ~~يحبه. ولكن مثلما أن ذلك الذي يأكل المحار يقبل عن طيب خاطر كأسا ~~من النبيذ، فإن دارس المنطق ليس في حاجة إلى التخلي عن نبيذ ~~التجارب الانفعالية الذي تقدمه الاهتمامات ذات الطابع الأبعد عن ~~المنطق. # والحق أن القول بأن العقلية الرياضية والمنطقية لا تقدر قيمة ~~الفن إنما هو أسطورة. ذلك لأن رياضيا مشهورا قد قام بطبع مؤلفات ~~شاعر غنائي، وكثير من مشاهير علماء الفيزياء يعزفون على ~~«الفيولينه» في ساعات فراغهم، وهناك عالم بيولوجي مشهور كان ~~مصورا، وتتضح مواهبه الفنية في تصويره لملاحظاته المجهرية. إن ~~الفن والعلم لا يستبعد كل منهما الآخر، ولكن من الواجب الامتناع عن ~~التوحيد بينهما. فالقول أن «الحقيقة هي الجمال، والجمال هو ~~الحقيقة.» هو تعبير جميل، ولكنه لا يعبر عن حقيقة، وبذلك يكون فيه ~~تفنيد لمضمونه ذاته. # وربما قيل إن الحجة التي أقدمها لا تمس صميم الموضوع. فقد يعترض ~~على بأن الموقف الشخصي للفيلسوف العلمي ليس هو موضوع المناقشة، ولن ~~ينكر أحد أن الفيلسوف العلمي قد يكون صاحب ذوق سليم، ومتفتحا ~~للمشاعر، ولكن ما يعاب عليه هو أنه لا يعزو مكانا للفن والانفعال ~~في مذهبه الفلسفي، أما الفلاسفة التأمليون فكانوا ينسبون للفن ~~مكانة رفيعة؛ إذ يضعون الفن على قدم المساواة مع العلم والأخلاق. ~~فالحق والخير والجمال كانوا في نظرهم التاج الثلاثي لكل ما يسعى ~~الإنسان إليه ويصبو إلى بلوغه. أما تاج الفيلسوف العلمي فيبدو أنه ~~لا ينطوي إلا على درة واحدة. فلماذا نبذ الأخريين؟ # إن ردي على ذلك هو أن السبب ينحصر في أن العلاقة بين الحقيقة ~~والجمال ليست مسألة تيجان أو شرف، فمسألة كيفية تصنيف الفنون هي ~~مسألة منطقية، وبالتالي فهي مسألة متعلقة بالحقيقة. ولكن مسألة ~~الطبيعة المنطقية للتقويمات هي التي لا ينبغي أن تقدم الإجابة عنها ~~من خلال تقويمات. أما كون الإجابة ترضي رغباتنا الانفعالية ms278 أو لا ~~ترضيها فهي مسألة خارجة عن الموضوع. # إن الفن تعبير انفعالي، أي إن الموضوعات الجمالية رموز تعبر عن ~~حالات انفعالية. والفنان، فضلا عن الشخص الذي يتطلع إلى العمل ~~الفني أو يستمع إليه يضفي معاني انفعالية على موضوعات فيزيائية ~~تتألف من طلاء موزع على قماش أو أصوات تحدثها آلات موسيقية. ~~فالتعبير الرمزي عن المعاني الانفعالية هدف طبيعي، أي إنه يمثل ~~قيمة نصبو إلى الاستمتاع بها. والتقويم هو صفة عامة لأوجه النشاط ~~الهادفة لدى الإنسان، ومن المستحب دراسة طبيعته المنطقية في أهم ~~صورها، دون اقتصار على تحليل الفن وحده. # والواقع أن كل نشاط بشري يخدم، بمعنى ما، هدفا معينا، سواء ~~أكان قوامه أداء عمل لازم لكسب العيش، أم حضور اجتماع سياسي يريد ~~المرء عن طريقه أن يسهم في اتخاذ قرارات سياسية معينة، أم زيارة ~~قاعة فنية يريد المرء أن يرى فيها صورا لمناظر طبيعية أو لأشخاص ~~أو صورا تجريدية من خلال عين الفنان، أو أداء رقصة والاستمتاع ~~بالتأثير الانفعالي للإيقاع والموسيقى. ومع ذلك، ففي كل أوجه ~~النشاط هذه، تكون هناك لحظات يتعين فيها القيام باختيار، وفي هذه ~~اللحظات يكشف السلوك عن تقويم. وليس من الضروري أن يذكر التقويم ~~صراحة، أو أن يتم بالتفكير الواعي والمقارنة، بل إنه قد يتحقق في ~~ذلك الدافع التلقائي الذي يدعو الإنسان إلى قراءة كتاب أو رؤية ~~صديق أو حضور حفل موسيقى. ولكننا نعبر في القرار الذي نتخذه من ~~تفضيلاتنا، وبذلك يدل سلوكنا على النظام التقويمي الذي يكون خلفية ~~أفعالنا. # ويتولى عالم النفس مهمة الدراسة الواعية لهذا النظام التقويمي. ~~فهو يعرف أن هذا النظام لا يكون واحدا في جميع الحالات، وأن ~~التفضيلات تتفاوت تبعا للظروف الوقتية، وللبيئة، وللسن. وفي ~~استطاعته أن يحاول إيجاد نوع من النظام المتوسط، الذي يستدل عليه ~~من الدراسة الإحصائية للسلوك الهادف. كما أنه يستطيع الانتقال إلى ~~تصنيف السلوك الهادف إلى أنواع متباينة. فهناك الميل الفسيولوجي ~~للغذاء والجنس والراحة، وهناك الميل إلى الاعتراف الاجتماعي ~~والنفوذ الاجتماعي، بل إلى السلطة الاجتماعية. وهناك الميل الخلاق الذي ms279 يدفع الإنسان إلى ~~تأليف كتاب أو صنع سور لحديقته بنفسه. وهناك الرغبة في لعب كرة ~~القدم أو في مشاهدة الآخرين وهم يلعبونها. وهناك الميل إلى التعبير ~~الانفعالي الذي يتمثل في الاستماع إلى رباعية وترية أو التطلع إلى ~~الألوان الزاهية للشفق. وهناك الميل إلى المعرفة، الذي نرضيه ~~بقراءة الكتب العلمية أو القيام بتجارب علمية. على أن أي تصنيف ~~كهذا لا بد أن يكون ناقصا، ولا بد أن يشوب النقص محاولات تكوين نظام ~~منطقي محكم، نتيجة لتداخل مختلف الأهداف في كل سلوك. # ومع ذلك فهناك سمة مشتركة يمكن الاهتداء إليها في جميع ضروب ~~النشاط الهادف. فاختيار هدف ليس فعلا يشابه إدراك الحقيقة. صحيح ~~أن هذا الاختيار ينطوي على عناصر معرفية، مثلما يقتضي هدف كسب ~~الرزق تحمل المتاعب المهنية، غير أن اختيار الهدف ليس فعلا ~~منطقيا، وإنما هو تأكيد تلقائي للرغبات أو الإرادات التي تأتينا ~~مصحوبة بميول لا تقهر، أو بلذة متوقعة طاغية، أو بالانسياب الطبيعي ~~للعادات التي نقبلها على علاتها، فلا جدوى من أن نطلب إلى الفيلسوف ~~تبرير التقويمات، كما أنه لا يستطيع أن يقدم سلما متدرجا للنظام ~~التقويمي، نميز فيه بين القيم العليا والدنيا؛ ذلك لأن مثل هذا ~~السلم هو في ذاته تقويمي لا معرفي. وقد يستطيع الفيلسوف، بوصفه ~~رجلا مثقفا ذا خبرة، أن يقدم نصيحة قيمة يشأن التقويمات، أي أن ~~يؤثر في الأشخاص الآخرين لكي يقبلوا سلمه التقويمي إلى حد أعظم أو ~~أقل. غير أن المشتغلين بالمهن الأخرى قد لا يقلون عنه قدرة على ~~أداء هذه الوظيفة التعليمية. بل إنهم لو كانوا مربين أو علماء نفس ~~متخصصين، لكان من الجائز أن يكونوا أقدر منه على القيام بها. # إن الفيلسوف العلمي لا ينظر إلى مشكلات التقويم على أنها خارجة عن ~~نطاق اهتمامه؛ إذ إنها تهمه بقدر ما تهم أي شخص آخر. غير أنه يعتقد ~~أنها لا يمكن أن تحل بوسائل فلسفية. فهي تنتمي إلى علم النفس، ومن ~~الواجب تقديم تحليلها المنطقي في سياق التحليل المنطقي للتصورات ~~النفسية بوجه عام. # أما السبب ms280 المحتمل الثالث لمعارضة الفلسفة العلمية فهو أن ~~نتائجها لا تؤدي إلى أي إرشاد أو توجيه أخلاقي. وكم من طالب تهرب ~~من تعاليم الفلسفة العلمية خوفا من ذلك التمييز القاطع بين ~~الأخلاق والعلم. أو بين الإرادة والمعرفة فقد كان فيلسوف الطراز ~~القديم يقدم إليه نصائح توجهه في طريقة حياته. ويعده بأنه إذا درس ~~الكتب الفلسفية دراسة كافية، فسوف يعرف ما هو خير وما هو شر. أما ~~الفيلسوف العلمي فيقول له صراحة أنه إذا أراد أن يعرف كيف يحيا ~~حياة طيبة فليس له أن ينتظر من تعاليمه شيئا. # على أن مما يخفف من تأثير امتناع الفلسفة العلمية عن تقديم نصائح ~~أخلاقية، أن هذه الفلسفة تشجع على استخدام التفكير المعرفي في ~~دراسة العلاقات بين مختلف الغايات الأخلاقية؛ فعلاقات اللزوم بين ~~الغايات والوسائل، وبين الغايات الأولية والثانوية، ذات طبيعة ~~معرفية، وينبغي ألا ينسى المرء أن هذه الحقيقة تؤدي إلى تسوية قدر ~~كبير من الخلافات الأخلاقية. فمعظم القرارات التي نواجهها لا تتعلق ~~بغايات أولية، وإنما بغايات ثانوية، وكل ما نحتاج إليه هو تحليل ~~الدور الذي سيؤديه القرار موضوع البحث في تحقيق غاية أساسية معينة. ~~وتكاد القرارات السياسية أن تكون لها تقريبا من هذا النوع. مثال ~~ذلك أن مسألة ضرورة تحديد الحكومة للأسعار هي مسألة يجاب عليها ~~بالتحليل الاقتصادي ، أما الغاية الأخلاقية المتعلقة بإنتاج أكبر ~~قدر ممكن من السلع بأقل سعر ممكن فليست في هذه الحالة موضوع بحث، ~~غير أن الفيلسوف العلمي حين يصنف علاقات اللزوم الأخلاقية بأنها ~~معرفية، يستبعد مناقشة هذه العلاقات من مجال الفلسفة، ويجعل لها ~~مكانا داخل العلوم الاجتماعية. فالتحليل المنطقي للأخلاق، شأنها ~~شأن علم الفيزياء، يدل على أن كثيرا من المسائل التي كانت تعد ~~فلسفية ينبغي أن يجيب عنها العلم التجريبي. وأن تاريخ الفلسفة ~~ليثبت مرارا وتكرارا أن الأسئلة التي توجه إلى الفيلسوف تنتقل ~~إلى العالم، وفي هذه الحالة لا بد أن تصبح الإجابة أعمق وأقوى ~~ضمانا. وعلى من يلتمسون لدى الفيلسوف توجيها في الحياة أن يشكروه ~~إذا أحالهم إلى عالم النفس ms281 أو العالم الاجتماعي؛ إذ إن المعرفة ~~المكتسبة في هذين العلمين التجريبيين تبشر بتقديم إجابات أفضل ~~بكثير من تلك التي تكدست في كتابات الفلاسفة. فكثيرا ما تكون ~~المذاهب الأخلاقية للفلسفة التأملية مبنية على الظروف النفسية ~~والبناء الاجتماعي لعصور مضت، وهي - كالمذاهب النظرية - تعرض ما لا ~~يعدو أن يكون نتاجا لمرحلة مؤقتة للمعرفة، على أنه نتائج فلسفية. ~~أما الفيلسوف العلمي فيبتعد عن هذه الأخطاء؛ إذ يقصر الدور الذي ~~يسهم به في الأخلاق على إيضاح تركيبها المنطقي. # وعلى الرغم من أن الفيلسوف العلمي يرفض تقديم النصح الأخلاقي، ~~فإنه عند تنفيذه لبرنامجه يبدي استعداده لمناقشة طبيعة النصح ~~الأخلاقي، وبالتالي للامتداد بطريقته في الإيضاح إلى دراسة الجائب ~~المنطقي لهذا النشاط البشري. فمن الممكن تقديم النصح الأخلاقي على ~~ثلاث صور. في الصورة الأولى يحاول مقدم النصح أن يقنع الشخص بقبول ~~الغايات الأخلاقية التي يعدها مقدم النصح ذاته خيرا. وفي الصورة ~~الثانية يسأل مقدم النصح الشخص الآخر عن غاياته، ثم ينبئه بالنتائج ~~اللازمة التي تساعده على بلوغ غاياته. وفي الصورة الثالثة يكتسب ~~مقدم النصح معلومات عن أهداف الشخص، لا عن طريق توجيه الأسئلة ~~إليه، بل عن طريق ملاحظة سلوكه والاستدلال منه على الأهداف التي ~~ينبغي أن يسعى إليها الشخص. وبعد ذلك يصوغ هذه الأهداف في ألفاظ، ~~وينبئ الشخص، كما في الحالة السابقة، بالنتائج اللازمة لبلوغه هذه ~~الأهداف. # ومن قبيل النوع الأول من النصح، ما يقدمه السياسيون وممثلو ~~العقائد وغيرهم من دعاة أخلاق السلطة. أما في النوع الثاني، فإن ~~مقدم النصح يقوم بوظيفة الباحث النفسي، كالمتخصص في التوجيه ~~المهني، الذي يجيب على الأسئلة المتعلقة بالإعداد لمختلف المهن. ~~وفي النوع الثالث يأخذ مقدم النصح على عاتقه مهمة تفسير سلوك ~~المرء. فلما كان الناس لا يدركون أهدافهم، في كثير من الأحيان، ~~بوضوح كامل، ويفعلون أمورا كثيرة دون تفكير في مقاصدهم، فإن مقدم ~~النصح قد يتمكن أحيانا من أن ينبئ الشخص بما «يريده هو ذاته ~~حقيقة». ومعنى ذلك أنه يستطيع تقديم تفسير متسق لسلوك الشخص، ~~ويشجعه على أن يرغب صراحة في ms282 شيء لم يكن يرغب فيه حتى ذلك الحين ~~على نحو صريح. وعلى هذا النحو يمكن أن يكون مقدم النصح ذا تأثير ~~هائل في التكوين النفسي للشخص، ويساعده على إيضاح رغباته، وهي ~~وظيفة مشابهة من بعض النواحي لإيضاح المعاني الذي يتم عن طريق ~~التحليل المنطقي. هذا النوع من النصح هو أكثر الأنواع فعالية، وهو ~~يقتضي مؤهلات رفيعة من مقدم النصح؛ إذ يتطلب فهما نفسيا، فضلا ~~عن معرفة واسعة بالظروف الاجتماعية. # على أن العنصر الذاتي في النصح لا يظهر بوضوح إلا في النوع ~~الأول، وإن كان هناك عادة عنصر ذاتي في النوعين الثاني والثالث ~~بدورهما. فمقدم النصح لن يكون على استعداد لتعريف الشخص بوسائل ~~بلوغ أهدافه إلا إذا كان يوافق على هذه الأهداف، إلى مدى معين على ~~الأقل. مثال ذلك أن نصير الأخلاق الديمقراطية لن يستطيع تقديم ~~النصح إلى حكومة شمولية حول طريقة تحقيقها لأهدافها، ما لم يكن قد ~~«باع نفسه» وهو عمل يعده معظم الناس لا أخلاقيا. وعلى ذلك فإن ~~النصح الأمين لا يمكن أبدا أن يكون موضوعيا خالصا، بل لا بد أن ~~يكون مقدم النصح مشاركا بطريقة إيجابية في تكوين هذه الأهداف، ~~وفاعلا أخلاقيا، وهو يقوم بدور تنفيذي إلى جانب الدور المعرفي ~~في عمله. # وقد يقال أحيانا إن النصح موضوعي لأن متلقيه عندما يقبل النصيحة ~~ويحققها في حياته الشخصية، يعترف في كثير من الأحيان بأنه أصبح ~~يعرف الآن ما يريد، ويشعر بأنه أسعد مما كان من قبل. على أن مثل ~~هذه النتيجة ليست دليلا على الموضوعية؛ ذلك لأن الشخصيات ~~الإنسانية قابلة للتشكيل، وقد يخضع الشخص لتأثير مرشدين يوجهونه ~~نحو أهداف مختلفة كل الاختلاف، ويظل مع ذلك يؤيد نصحهم بأن يحس أنه ~~أصبح سعيدا وازداد استنارة. فكثيرا ما يكون أفراد المجتمع ~~الشمولي مماثلين لأفراد المجتمع الديمقراطي في سعادتهم ووثوقهم ~~بأنفسهم، ومع ذلك فهناك احتمال كبير في أن أحدا منهم لم يكن ليقبل ~~الأهداف المضادة لو كان قد نشأ في البيئة المناظرة. يمكن تبرير ~~النصح الأخلاقي على أساس نجاحه النفسي. وعلى مقدم ms283 النصح أن يعلم ~~أنه يحض الشخص الآخر على القيام بشيء يمده مقدم النصح ذاته صوابا، ~~وأن المسئولية إنما تقع على عاتق مقدم النصح، وأنه لا مفر من ~~التزام المرء برغباته الإرادية الخاصة في الأخلاق الموضوعية، وهي ~~الرغبات التي تتكشف من خلال الدراسات النفسية للسلوك البشري. ففي ~~استطاعة علم النفس أن ينبئنا بما يريده الناس، ولكنه لا يستطيع أن ~~ينبئنا بما ينبغي أن يريده الناس، إذا فهمت كلمة «ينبغي» بمعنى غير ~~لزومي - كما أن كلمة «ينبغي» بمعناها اللزومي لا يمكن أن تؤدي إلى ~~قيام أخلاق موضوعية؛ لأنها لا تستطيع إثبات الأهداف ~~الأولية. # والواقع أن الحل الذي تقدمه الفلسفة العلمية لمشكلة الأخلاق يشبه ~~في نواح متعددة الحل الذي توصلت إليه بالنسبة إلى مشكلة الهندسة. ~~وقد أوضحنا هذا الحل في الفصل الثامن؛ فعلى حين أن الرياضيين ~~القدماء كانوا ينظرون إلى الهندسة بأسرها على أنها ضرورة رياضية، ~~فإن الرياضيين اليوم يقصرون الطابع الضروري على علاقات اللزوم بين ~~البديهيات والنظريات، ويستبعدون البديهيات ذاتها من مجال التأكيدات ~~الرياضية. وبالمثل فإن الفيلسوف العلمي يفرق بين البديهيات أو ~~المقدمات الأخلاقية، وبين علاقات اللزوم الأخلاقية، ويرى أن هذه ~~الأخيرة هي وحدها التي يمكن البرهنة عليها منطقيا. ومع ذلك فهناك ~~فارق أساسي. فمن الممكن أن تصبح بديهيات الهندسة قضايا صحيحة إذا ~~نظر إليها على أنها قضايا فيزيائية، مبنية على تعريفات إحداثية، ~~وتثبتها الملاحظة، وعندئذ تكون لها حقيقة تجريبية. أما بديهيات ~~الأخلاق فلا يمكن أن تعد فيه صحيحة، وإنما هي قرارات إرادية. ~~وعندما ينكر الفيلسوف العلمي إمكان وجود أخلاق علمية، فهو إنما ~~يشير إلى هذه الحقيقة. وهو لا يستطيع أبدا أن ينكر أن العلوم ~~الاجتماعية تقوم بدور هام في جميع تطبيقات القرارات الأخلاقية. وهو ~~لا يود أن يقول إن ما يسمى بالبديهيات هي مقدمات لا تتغير، تسري ~~على كل العصور والظروف. فحتى المقدمات الأخلاقية العامة ذاتها قد ~~تتغير بتغير البيئة الاجتماعية، وعندما تسمى بديهيات فإن كل ما ~~يعنيه هذا اللفظ هو أنها لا توضع موضع الشك في السياق الذي يتعلق ~~به ms284 البحث فحسب. # إن الأخلاق تشتمل على عنصر معرفي وعنصر إرادي، ولا يمكن أبدا أن ~~تؤدي علاقات اللزوم المعرفية إلى استبعاد القرارات الإرادية ~~استبعادا تاما، وإن كانت تستطيع أن تنقص عدد هذه القرارات ~~وعلاقات اللزوم بوضوح من خلال التحليل الآتي: فلنفرض أن شخصا يريد ~~كلا من الهدفين «أ» و«ب». ولكن العالم الاجتماعي يثبت له أن «أ» يلزم ~~عنها لا-«ب». فهل يتعين عليه إذن أن يتخلى عن «ب»؟ كلا بالتأكيد؛ ففي ~~استطاعته أيضا أن يتخلى عن «أ» ويختار «ب»، إذا كانت «ب» تبدو له الهدف ~~الأفضل. وعلى ذلك فاللزوم الأخلاقي لا ينبئ الشخص بما ينبغي عمله، ~~وإنما هو يواجهه باختيار فحسب. والاختيار مسألة ترجع إلى إرادته، ~~ولا يمكن أن يعفيه أي لزوم معرفي من هذا الاختيار الشخصي. # فمثلا، قد يريد شخص السلام بين الدول، ولكنه يريد أيضا التحرر ~~من الاستعباد. فيتضح له أن من المستحيل أحيانا التخلص من ~~الاستعباد إلا بقوة السلاح. فهل يلزم عن ذلك أنه إذا حدثت هذه ~~الظروف كان لا بد من الدعوة إلى الحرب ضد الاستعباد؟ مثل هذا ~~الاستنتاج سيكون باطلا؛ إذ إن النتيجة التي تترتب على ما سبق هي ~~أنه لا يستطيع أن يحصل على السلام وعلى الحرية معا، وعليه هو أن ~~يحدد أي هذين الهدفين يفضل. فاللزوم المعرفي: «الحرية يلزم عنها ~~الحرب» لا يؤدي إلى شيء سوى إلزامه بالقيام بهذا الاختيار، ولكنه ~~لا ينبئه بما ينبغي عليه أن يختار. # هذا التحليل يوضح أيضا أنه لا توجد أهداف مطلقة، أعني أهدافا ~~يسعى إليها الناس في جميع الظروف. فمن الممكن أن يحكم على كل هدف ~~على أساس نتائجه. ولو كان الهدف يقتضي استخدام وسيلة نعدها ضارة ~~بأهداف أخرى، وكانت هذه الأهداف في نظرنا أرفع من الأول، فإننا في ~~هذه الحالة نتخلى عن الهدف الأول. فإذا كان صحيحا أن الغاية تبرر ~~الوسيلة، فإن من الصحيح، على عكس ذلك، أن الوسيلة يمكن أن تقتضي ~~رفض الغاية. فعلاقة اللزوم بين الغاية والوسيلة لا تقدم دليلا على ~~أن من الواجب اتباع الوسيلة، ms285 وإنما هي تقتصر على إثبات ضرورة ~~الاختيار بين أمرين. فهي تثبت أن علينا أن نطبق الوسيلة أو نتخلى ~~عن الغاية. وهذا اختيار ينبغي على كل شخص أن يقوم به بنفسه. # وقد يكون من المفيد أحيانا أن نعرف مزيدا من علاقات اللزوم. ~~فإذا كان يتعين الاختيار بين «أ» و«ب»، فقد يكون من المفيد أن نعرف أن ~~«أ» لازم للهدف «ج»، وأن «ب» لازم للهدف «د». وبدلا من أن نقارن بين «أ» و«ب» ~~فقد نقارن عندئذ بين «ج» و«د». فقد تعرض على شخص، مثلا، وظيفة ذات ~~مرتب كبير، ولكنها تلزمه بتأييد آراء سياسية ظل حتى ذلك الحين ~~يرفضها بشدة. على أنه يحتاج إلى المال لإكمال تعليم أبنائه، ومع ~~ذلك فإنه لو أصبح عميلا سياسيا لفقد احترامه لنفسه واحترام ~~أصدقائه له. وهكذا يرتد الاختيار الأصلي بين الوظيفة ذات المرتب ~~الكبير والولاء لآرائه السياسية إلى اختيار بين امتلاكه للوسيلة ~~اللازمة لتعليم أبنائه وبين احتفاظه بكرامته الشخصية. هذا المثل ~~يوضح أن إرجاع القرارات إلى قرارات أخرى لا يكاد يخفف من صعوبة ~~الاختيار بينها. وقد يكون الاختيار بين الهدفين «ج» و«د»، في حالات ~~أخرى، أسهل من الاختيار بين الهدفين «أ» و«ب». ومع ذلك فمن الواضح أن ~~أي رد أو إرجاع كهذا يجعلنا إزاء اختيار لا يمكن البت فيه بالوسائل ~~المعرفية؛ فإرادتنا هي الأداة النهائية لاختيارنا. # وإني لأود أن أعرب عن الأمل في أن تؤدي هذه الصياغة التي قدمتها ~~إلى فتح باب التفاهم مع الفلاسفة البرجماتيين الذين يؤكدون وجود ~~أخلاق علمية. فالفارق بين صياغتهم وبين صياغتي ليس إلا فارقا لفظيا عندما ~~يكون المقصود من تعبير «الأخلاق العلمية» أن يدل على أخلاق تستخدم ~~المنهج العلمي في إثبات علاقات اللزوم بين الغايات والوسائل. وربما ~~كان هذا هو كل ما يريد البرجماتيون أن يقولوه، ومع ذلك فسوف يكون ~~من دواعي سروري العظيم أن أجد في كتابات البرجماتيين عبارة واضحة ~~تدل على أنهم يحملون صراحة على جميع محاولات إثبات صحة الأهداف ~~الأولية بوسائل معرفية، على أساس أنها محاولات غير علمية؛ ~~فالبرجماتي ms286 يتحدث عن حاجات بشرية، ولكن وجود حاجات للناس لا يثبت ~~أن هذه الحاجات خير. فإذا كان من الممكن الاستدلال على هذه الحاجات ~~أو الأهداف من سلوك الإنسان، فقد يكون من المفيد إلى أبعد حد ذكر ~~هذه الأهداف صراحة، ولكن من يقدم نصيحة يقصد منها إيضاح الحاجات ~~وإشباعها ينم، من خلال سلوكه هو، على أنه ~~لا يكتفي بأن يعد هذه الحاجات موجودة فحسب، بل هو يعدها خيرا. ~~فإذا ظهر بوضوح أن لفظ «خير» المستخدم هنا يعني أن مقدم النصح يؤيد ~~الأهداف التي كشف عنها، فإن من الواجب الترحيب بالبرجماتي حين يقوم ~~بمهمة تقديم النصح الأخلاقي. # ولكن قد يحدث مثلا أن يصر من يقدم النصح، مع اعترافه بهذا ~~التفسير صراحة، على ضرورة التزام الطبيب لسر مهنته، ما دام مما يضر ~~بهدف الطبيب في شفاء المرضى ألا يكون المرضى واثقين من أن تاريخ ~~أحوالهم الشخصية سيظل طي الكتمان. أو قد يقول إن البحث العلمي، وإن ~~كان معرفيا تماما في منهجه، فإنه سعي وراء أهداف تنطوي في ~~داخلها على التزامات اجتماعية، فالبحث عن الحقيقة لا يقدر له ~~النجاح إلا في جو من الحرية والأمانة، والعالم الذي لا يكون على ~~استعداد للدفاع عن هذه المصادرات الأخلاقية يعمل لغير صالح أبحاثه ~~الخاصة . وهذه الحجة لا تعني أن النظريات العلمية تنطوي على أوامر ~~أخلاقية، بل تعني أن الأهداف الأخلاقية التي يدل عليها نشاط العلم ~~تنطوي على أوامر كهذه. # والواقع أن بناء أخلاق اجتماعية من هذا النوع إنما هو إسهام قيم ~~يساعد الكيان الاجتماعي على أداء وظيفته؛ فهو يعني استخدام علم ~~الاجتماع في وضع قواعد للسلوك مناسبة لمكانة الشخص في المجتمع ~~البشري. وليس لدي اعتراض على تسمية هذا النظام الأخلاقي بالأخلاق ~~العلمية، إن كان هناك اتفاق على أنه ليس علما. فهو علمي بنفس ~~المعنى الذي يكون به الطب وصناعة الآلات علميين، وهو نوع من هندسة ~~المجتمع، أي إنه نشاط ينتفع بواسطته من نتائج العلم المعرفي في ~~سبيل تحقيق الأهداف البشرية. أما هذه الأهداف ذاتها فلا تثبت صحتها ~~المعرفة ms287 ولا العلم، وإنما هي تعبر عن قرارات إرادية، وليس في وسع ~~أي عالم أن يعفي أي شخص من مسئولية الاستماع إلى صوت إرادته، بل إن ~~العالم لا يستطيع أن يقدم نصيحة أخلاقية بدون الاستماع إلى صوت ~~إرادته هو؛ فهو حين يقوم بمهمة المرشد الأخلاقي يتجاوز نطاق العلم ~~وينضم إلى أولئك الذين يشكلون المجتمع البشري تبعا لأنموذج ~~يعتقدون أنه هو الصحيح. # إن الفلسفة العلمية لا تستطيع أن تقدم توجيها أخلاقيا، هذه ~~إحدى نتائج تلك الفلسفة، وهي نتيجة لا يمكن أن تؤخذ عليها. فهل ~~تريد الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة؟ إذن لا تطلب من الفيلسوف ~~توجيهات أخلاقية. أما أولئك الفلاسفة الذين يبدون استعدادهم ~~لاستخلاص توجيهات أخلاقية من فلسفاتهم فلا يقدمون إليك إلا دليلا ~~باطلا. فلا تسع إلى أهداف يستحيل بلوغها. # وعلى ذلك فإن الإجابة على طلب التوجيهات الأخلاقية هي نفس ~~الإجابة على طلب اليقين؛ فكلاهما يطلب غايات لا يمكن بلوغها. ويمكن ~~القول إن الفلسفة العلمية الحديثة، حين أوضحت أن هذه الأهداف لا ~~يمكن بلوغها لأسباب منطقية، قد وصلت إلى نتيجة معرفية لها أهمية ~~عظمى في توجيه الإنسان إزاء الأهداف الفلسفية التقليدية؛ فهي ~~تطالبنا بالتخلي عن هذه الأهداف. ولكن التخلي عن المستحيل لا يعني ~~الاستسلام، بل إن الحقيقة السلبية تستدعي توجيها إيجابيا هو: كيف ~~أهدافك مع ما يمكن بلوغه. هذا التوجيه يترتب على رغبة المرء في ~~بلوغ أهدافه؛ فهو يعبر عن علاقة لزوم واضحة كل الوضوح، هي: إذا ~~أردت أن تبلغ أهدافك، فلا تسع إلى أهداف يستحيل بلوغها. # لقد كان معبد «ديلوس» في اليونان القديمة يضم مذبحا ذهبيا له ~~شكل مكعب عظيم الدقة، وحدث في وقت ما أن تفشى الوباء، والتمس أهل ~~ديلوس المشورة في النبوءات، فقيل لهم إن عليهم، من أجل إرضاء ~~آلهتهم، أن يضاعفوا حجم المذبح الذهبي بدقة، بحيث يكون له مرة أخرى ~~شكل المكعب. وتوجه الكهنة إلى الرياضيين بالسؤال عن كيفية حساب طول ~~ضلع المكعب الذي يكون حجمه ضعف مكعب معلوم، ولكن الرياضيين عجزوا ~~عن الاهتداء إلى حل صحيح للمشكلة، ms288 وأنا على ثقة من أن إلها كآلهة اليونان ~~كان خليقا بأن يكتفي بمكعب يقترب من ضعف الحجم المطلوب، ومن ~~المؤكد أنه كان في استطاعة صائغ يوناني أن يقرب كل الاقتراب من ~~الحجم المطلوب. غير أن الرياضيين اليونانيين ما كانوا ليقبلوا حلا ~~ناقصا كهذا، وإنما أرادوا الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، وقد ~~استغرق الاهتداء إلى الجواب الصحيح ألفي عام، وكان ذلك الجواب ~~الصحيح سلبيا؛ فمن المستحيل مضاعفة حجم مكعب معين بدقة، عن طريق ~~الوسائل الهندسية بمعناها المعتاد، فهل كان الرياضيون اليونانيون ~~خليقين بأن يرفضوا هذه الإجابة لأنها سلبية؟ إن على من يريد ~~الحقيقة ألا يخيب أمله عندما تكون الحقيقة سلبية. فخير للمرء أن ~~يعرف حقيقة سلبية، من أن يطلب ما يستحيل بلوغه. # إن من المستحيل أن تكون للمرء معرفة بالعالم يكون لها يقين ~~الحقيقة الرياضية، ومن المستحيل وضع توجيهات أخلاقية تكون لها تلك ~~الموضوعية الملزمة التي تتصف بها الحقيقة الرياضية، أو حتى الحقيقة ~~التجريبية. هذه إحدى الحقائق التي كشفت عنها الفلسفة العلمية؛ فحل ~~مشكلة اليقين المطلق، فضلا عن حل مشكلة تشييد أخلاق على مثال ~~المعرفة، هو حل سلبي، وهذه هي الإجابة الحديثة على سؤال قديم ~~العهد. فإذا قال امرؤ إن الفلسفة العلمية قد خيبت أمله لأنها لا ~~تأتيه باليقين، أو لا تقدم توجيهات أخلاقية، فلترو له قصة مكعب أهل ~~ديلوس. # إن المقارنة بين الفلسفة القديمة والجديدة مسألة تخص المؤرخ؛ ~~ولا بد أن تكون لها أهميتها عند كل من نشئوا في ظل الفلسفة القديمة ~~ويودون أن يفهموا الفلسفة الجديدة. أما أولئك الذين يعملون في ~~ميدان الفلسفة الجديدة فلا ينظرون إلى الوراء؛ إذ إن الاعتبارات ~~التاريخية لن تفيد عملهم في شيء؛ فهم يماثلون أفلاطون أو «كانت» في ~~ابتعادهما عن التاريخ؛ إذ إنهم لا يهتمون، شأنهم شأن هذين القطبين ~~في فترة سابقة للفلسفة، إلا بالموضوع الذي يشتغلون به، لا بعلاقاته ~~بالعهود الماضية. وليس معنى ذلك أنني أود الإقلال من شأن تاريخ ~~الفلسفة، ولكن على المرء أن يذكر دائما أن هذا تاريخ، وليس فلسفة. ~~ومن ms289 الواجب أن يتم البحث فيه، كما يتم كل بحث تاريخي آخر، من خلال ~~المناهج العلمية والتفسيرات النفسية والاجتماعية، غير أن تاريخ ~~الفلسفة لا ينبغي أن يعرض بوصفه مجموعة من الحقائق. ففي الفلسفة ~~التقليدية من الخطأ أكثر مما فيها من الصواب، وعلى ذلك فإن أصحاب ~~العقول النقدية هم وحدهم الذين يمكن أن يكونوا مؤرخين أكفاء. أما ~~تمجيد الفلسفات الماضية، وعرض مختلف المذاهب كما لو كانت صيغا ~~مختلفة للحكمة، لكل منها الحق في أن يوصف بهذه الصفة، فإنه أدى إلى ~~إضعاف المقدرة الفلسفية لدى الجيل الحالي. وهو قد شجع الطالب على ~~أن يأخذ بالنسبية الفلسفية، ويعتقد بأنه لا توجد إلا آراء فلسفية، ~~ولكن لا توجد حقيقة فلسفية. # أما الفلسفة العلمية فإنها تحاول الابتعاد عن النزعة التاريخية ~~والوصول عن طريق التحليل المنطقي إلى نتائج تبلغ من الدقة والإحكام ~~والوثوق ما تبلغه نتائج العلم في عصرنا هذا. وهي تؤكد أن من ~~الضروري إثارة مشكلة الحقيقة في الفلسفة بنفس المعنى الذي تثار به ~~في العلوم. وهي لا تزعم أنها تملك حقيقة مطلقة؛ إذ إنها تنكر أن ~~تكون للمعرفة التجريبية حقيقة من هذا النوع. وعلى قدر إشارة ~~الفلسفة الجديدة إلى الحالة الراهنة للمعرفة، واستخلاصها لنظرية ~~هذه المعرفة الموجودة الآن، فإنها هي ذاتها تعد فلسفة تجريبية، ~~وتقنع بالحقيقة التجريبية. فليس في وسع الفيلسوف العلمي، شأنه شأن ~~العالم، إلا أن يبحث عن أفضل ترجيحاته. ولكن ذلك هو ما يستطيع ~~أداءه، وهو على استعداد لأدائه بروح المثابرة والنقد الذاتي ~~والترحيب بالمحاولات الجديدة، التي لا غناء عنها للعمل العلمي، ولو ~~عمل الناس على تصويب الخطأ كلما تكشف لهم بطلانه، لكان طريق الخطأ ~~هو ذاته طريق الحقيقة. ms290