######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.NazariyyatMacrifa.Hindawi79175719 #META# Tags: philosophy #META# ID: 79175719 #META# Title: نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # إيضاحات مبدئية‏ # الموقف الطبيعي والعلم‏ # الفلسفة والموقف الطبيعي‏ # مراحل المثالية‏ # مشكلة خارجية العالم‏ # دور العقل في مشكلة المعرفة‏ # المثالية ومحتوى المعرفة‏ # المثالية والإنسان‏ # خاتمة‏ # تذييل‏ # مقدمة‏ # إيضاحات مبدئية‏ # الموقف الطبيعي والعلم‏ # الفلسفة والموقف الطبيعي‏ # مراحل المثالية‏ # مشكلة خارجية العالم‏ # دور العقل في مشكلة المعرفة‏ # المثالية ومحتوى المعرفة‏ # المثالية والإنسان‏ # خاتمة‏ # تذييل‏ # | نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان # | نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # يسارع الفلاسفة إلى الترحيب بأي شيء تبدو عليه سيماء الغرابة، ويخالف أول أفكار البشر ~~وأكثرها تلقائية، ويعدونه علامة من علامات سمو علمهم الذي يستطيع كشف آراء بعدت إلى ~~هذا الحد عن وجهة النظر الشائعة، ومن جهة أخرى، فإن أي شيء يقترح علينا ويسبب دهشة ~~وإعجابا، يرضي الذهن إلى حد يجعله يستسلم لهذه الانفعالات السارة حتى لا يعود لديه ~~مجال للاقتناع بأن لذته قد لا يكون لها أي أساس، ومن هذه الاستعدادات لدى الفلاسفة ولدى ~~تلاميذهم ينشأ ذلك التفاهم المتبادل بين الطرفين؛ إذ يأتي الأولون بمجموعة ضخمة من ~~الآراء الغريبة التي لا يقدم لها تعليل، ويصدقهم الآخرون على التو. # Hume: A Treatise of Human Nature # Book I part II Section I # تفرض كل مهنة على من يحترفها مجموعة من الآراء والمواقف التي تميزه عمن يحترفون مهنا ~~أخرى، وتبدو غريبة خارجة عن المألوف في نظر غيره، ومهنة الفلسفة ليست استثناء لهذه ~~القاعدة، فالأمر الذي لا شك فيه أن الباحث المتخصص في الفلسفة هو اليوم صاحب مهنة لها «جو» ~~خاص يجده غير المتخصص في الفلسفة غريبا خارجا عن المألوف، في هذا «الجو» يقول الفلاسفة ~~بآراء، ويتخذون مواقف، هي في نظرهم من الأمور العادية المألوفة، مع أنها في نظر غيرهم مذهلة ~~لا تكاد تصدق، ومن أكثر هذه الآراء شيوعا: تلك التي يعبر عنها الفلاسفة بصور مختلفة ~~منها: إن العالم الخارجي غير موجود، أو إنه ذاتي، تلك الآراء - المتعلقة بمشكلة تؤلف الجزء ~~الرئيسي في مبحث المعرفة، الذي ربما كان أهم أجزاء ~~الفلسفة العامة أو الميتافيزيقا - هي إذن جزء لا ms001 يتجزأ من التراث الفلسفي كما ينقل من ~~جيل إلى جيل، ولكنها تبدو بعيدة تماما عن التصديق، بل عن التصور، حالما يخرج بها المرء عن ~~دائرة الفلسفة المتخصصة. # ولا أظن أن أحدا من دارسي الفلسفة لم يمر في وقت من الأوقات بتلك التجربة التي يتعرض ~~فيها لسخرية الآخرين - الذين قد يكونون أناسا عاديين أو أشخاصا متخصصين في فروع أخرى من ~~العلم - من مواقف الفلاسفة التي تكاد تصل في نظر هؤلاء الأخيرين إلى حد الجنون، ومن أهمها: ~~ذلك الموقف المثالي وما يقترن به من إنكار لوجود العالم الخارجي أو شك فيه، ولكن لنفرض أن ~~واحدا من هؤلاء المتخصصين في الفلسفة قد اتخذ الموقف المضاد، أي دافع عن وجهة النظر ~~«المعتادة» التي يعبر عنها «غير الفلاسفة»، فماذا يكون رأي الفلاسفة فيه؟ إنني لا زلت أذكر ~~نظرة الاستغراب التي نظرها إلي أحد الأساتذة وهو يناقشني في البحث الذي تقدمت به لدرجة ~~الدكتوراه، ودافعت فيه عن وجهة النظر «المعتادة» هذه، لقد سألني: أتعني «حقا» أن تدافع عن ~~وجهة نظر «الإنسان المعتاد»؟ وكان في تساؤله دهشة لا تقل عن تلك التي يبديها عالم ~~الرياضة إذا سمع أحدا يعترض على صحة جدول الضرب! # هذا إذن هو الموقف السائد فيما يتعلق بالصلة بين الفلاسفة وغير الفلاسفة: فالأولون قد ~~أصبح لهم مجالهم الخاص الذي يترفعون فيه عن وجهة نظر «العامة» ويعدون رفضها أول شرط ~~«للسلوك» إلى ميدان الفلسفة، والآخرون يدهشون للآراء النظرية الميتافيزيقية لدى الفلاسفة، ~~ولا يأخذون بواحد منها في حياتهم المألوفة ... ويظل كل من الطرفين متمسكا بموقفه دون أية ~~محاولة للتفاهم. # وإذا كان غير الفيلسوف غير ملوم في عدم تعرفه على وجهة نظر الفلسفة، فإن الفيلسوف - ~~بطبيعة مهنته - ينبغي أن يلام؛ لأنه يكاد يعد رفض موقف الذهن المعتاد من القضايا المسلم ~~بصحتها، ويظل هو وطائفته يستخدمون حججهم ومصطلحهم الخاص الذي لا يعرفه غيرهم، وكأنه من ~~الأسرار الحرفية التي لا ينبغي أن يطلع عليها إلا أربابها. # وإذا كان من «المخجل» في الوسط الفلسفي أن يحاول المرء الدفاع عن «الواقعية ms002 الساذجة»، فإن ~~من «المضحك» - في نظر عالم الجيولوجيا أو عالم النبات - أن يحاول المرء إقناعه بأن العالم ~~الذي نراه «من خلقنا نحن»، أو أن يثير المرء فكرة كون المظهر الذي يتبدى عليه هذا العالم ~~خادعا، واحتمال كون العالم «في حقيقته» مخالفا لما ندركه. # وفي رأيي أن استمرار هذا الازدواج هو الأمر المخجل حقا، وليس مما يشرف الفلاسفة على ~~الإطلاق أن يكتفوا بوصف الآخرين بأنهم من «العامة»، دون أية محاولة لتحليل سبب ذلك الاعتقاد ~~القوي الذي يدفع «الناس» - وضمنهم الفلاسفة أنفسهم خلال الجزء الأكبر من حياتهم - إلى الأخذ ~~بوجهة النظر الطبيعية. إن الفلاسفة يعدون وجهة النظر هذه «خطأ» ينبغي تجاوزه إلى غير ~~رجعة، ولكن كان الأجدر بهم أن يكرسوا شيئا من جهودهم لإيضاح علة انتشار هذا «الخطأ» على ~~هذا النحو الهائل بين جميع الآدميين غير المتفلسفين، وبين الفلاسفة أنفسهم في لحظات عدم ~~تفلسفهم! إن ذلك الازدواج الذي يسود حياة من ينكر العالم الخارجي من الفلاسفة - حين يتصرف ~~في هذه الحياة حسب الموقف الطبيعي، ويفكر فيها حسب الموقف المثالي - كان يستحق على الأقل ~~تفسيرا أو تعليلا، ولكن كم من الفلاسفة كرس أبحاثه لهذه المسألة الحاسمة؟! # إن الفلسفة في حاجة إلى أن تخرج - من آن لآخر - من النطاق «الاحترافي» الذي ضربته حول ~~نفسها، وتحدد علاقتها ببقية مجالات العالم، وهي - على الأخص - في حاجة إلى أن تنظر بفهم ~~وتقدير لا بازدراء وترفع، إلى وجهة نظر «الإنسان» بالمعنى العام لهذه الكلمة، وينبغي أن ~~تجد في نفسها الشجاعة للربط بين آرائها وبين هذا «الإنسان»، وإلا فستظل إلى الأبد «مهنة» ~~ضيقة لا تلقى استجابة إلا من ذلك النفر القليل الذي احترفها. # وإن المبرر الوحيد لكتابة هذا البحث إنما هو كونه يعبر عن وجهة نظر شخص هو حقا من ~~«المتخصصين» في الفلسفة، ولكنه لم يفقد أبدا شعور الإنسان الطبيعي بالدهشة إزاء كثير من ~~قضايا الفلاسفة، أجل، فما زلت حتى اليوم أشعر بالدهشة كلما رأيت فيلسوفا يشك في وجود ~~العالم الخارجي أو يصفه بأنه من «خلق الذات»، وهي نفس ms003 الدهشة التي اعترتني عندما اطلعت على ~~هذا الرأي لأول مرة في أول كتاب فلسفي قرأته، ومنذ تلك اللحظة الأولى لم أكف عن ~~الاعتقاد بأن في الأمر خطأ، ولكن كانت المشكلة بالنسبة إلي هي: أين يكمن هذا ~~الخطأ؟ # وفي هذا البحث سرد للمحاولات التي بذلتها للاهتداء إلى أصل هذا الخطأ، ~~وهي - بلا شك - محاولات غير كاملة، ولن تؤدي إلى دحض كامل ~~للرأي المضاد، ولكن ميزتها الوحيدة أنها - كما قلت - تعبير عن وجهة نظر شخص متخصص في ~~الفلسفة لم يفقد في وقت ما ذلك الإيمان البسيط، أو سمه «الساذج» إن شئت، والذي يتميز به ~~الإنسان في موقفه الطبيعي، فإذا كان في هذه المحاولة نقص، ~~فلا يخالجني شك في أن البشرية ستصل يوما ما إلى دحض ~~كامل للموقف المثالي، بحيث يتسق سلوك الإنسان العملي مع تفكيره النظري، ولا يعود في وسع أحد ~~أن يقول مرة أخرى: إن وجود العالم الخارجي أمر مشكوك فيه، أو هو وهم لا أساس له، أو أن ذلك ~~العالم من خلق الذات. # فؤاد زكريا # | إيضاحات مبدئية # تعريفات: # أعني بالموقف الطبيعي نظرة الإنسان العادي إلى العالم الخارجي؛ إذ ينسب ~~إلى هذا العالم - بما فيه من «أشياء» - وجودا مستقلا عن ذاته، ولست ~~أعتقد أن صفة «الاستمرار في الوجود» من الصفات الضرورية للأشياء تبعا لهذا ~~الموقف؛ إذ إن شعاع الضوء الذي يظهر في لمح البصر ثم يختفي، يمكن مع ذلك أن ~~يعد «خارجيا»، رغم كونه غير مستمر، وإذن فصفة الاستقلال في الأشياء ~~أهم من وجهة نظر الموقف الطبيعي، وهذه الصفة «يجوز» أن تتضمن كون الشيء ذا ~~وجود دائم؛ إذ إن المفروض في الشيء المستقل أن يظل غير متأثر بالتغيرات ~~الذاتية، وهذا الموقف هو الذي تطلق عليه اللغة الإنجليزية اسم # Common Sense # ويسمى في الفلسفة على ~~التخصيص باسم «الواقعية الساذجة»، وهي تسمية ليست دقيقة كل الدقة، كما سنرى ~~فيما بعد. # وأعني بالمثالية كل مذهب يعارض الموقف الطبيعي في نظرته إلى العالم ~~الخارجي بإنكار استقلال هذا العالم أو التشكيك فيه، ويلاحظ على هذا المعنى ms004 ~~أنه أوسع من المعنى الفلسفي المألوف؛ إذ إن فيلسوفا تجريبيا مثل هيوم ~~يعد بهذا المعنى ذات نزعة مثالية، في حين يكون من ~~الصعب - في ضوء كثير من ~~التصنيفات الفلسفية المألوفة - إدراجه ضمن المثاليين، كما يلاحظ عليه أنه ~~معنى سلبي، وهي صفة ربما كانت تحل كثيرا من الإشكالات المتعلقة بالبحث عن ~~طابع مشترك يجمع بين المذاهب المثالية ذات الاتجاهات المختلفة؛ إذ يتضح آخر ~~الأمر أن العنصر الأساسي الذي يمكن أن يقال: إنه مشترك بين كل هذه ~~الاتجاهات، هو عنصر المعارضة التامة لموقفنا الطبيعي من العالم الخارجي، ~~كما يلاحظ أخيرا أن التعارض بين المثالية وبين الموقف الطبيعي أشد من ~~التعارض المألوف بين المثالية والواقعية؛ إذ إن بعض المذاهب «الواقعية» - ~~كالواقعية النقدية - تقف من مشكلة العالم الخارجي موقفا لا يختلف كثيرا ~~عن الموقف المثالي. # هدف البحث # يرمي هذا البحث إلى الدفاع عن موقفنا الطبيعي من العالم الخارجي، وذلك في ~~الحدود الخاصة التي تكون مجال هذا الموقف، ووسيلة بلوغ هذا الهدف سلبية ~~في الأغلب؛ إذ سنحاول إيضاح الخلط الذي وقعت فيه المثالية في هذا الميدان ~~الرئيسي من ميادين نظرية المعرفة، وسنبين كيف تعجز المثالية عن إجابة ~~الأسئلة التي تثيرها؛ إذ تعجز عن إيجاد تفرقة سليمة بين الظواهر الموضوعية ~~والظواهر الذاتية، وعن تفسير خارجية العالم، بحيث تبدو في نهاية الأمر مجرد ~~تفسير بلغة مختلفة للعالم الفعلي كما يقول به الموقف الطبيعي. # مجال البحث # يمثل هذا البحث في واقع الأمر إعادة تقويم فلسفية لمشكلة المعرفة، ولما ~~كان الاهتمام يتركز فيه على المشكلة ذاتها، فقد كان من العبث أن تحرص على ~~استيعاب مختلف الاتجاهات الفلسفية الفرعية التي أدلت بآراء في هذا الموضوع، ~~ومن هنا فقد اكتفينا بالاتجاهات الرئيسية التي تأثرت بها المذاهب الفرعية؛ ~~حتى نستطيع أن نتبين معالم المشكلة التي نعالجها دون أن يضيع الخيط الرئيسي ~~لها بين التفاصيل العديدة، وهكذا تغنينا - مثلا - دراسة نظرية المعرفة عند ~~هيوم (بالنسبة إلى أغراض هذا البحث) عن دراستها عند الوضعيين المحدثين، أو ~~دراسة كانت عن دراسة الكانتيين المحدثين أو مختلف ms005 اتجاهات أصحاب مذهب ~~الظواهر. حقا إن كثيرا من التفاصيل المفيدة ستضيع عندئذ، غير أن ضياع ~~التفاصيل سيعوضه التركيز على المشكلة في أطرافها الرئيسية، وهكذا ~~استمدت الأمثلة التي ضربت في الجانب الأكبر من هذا البحث مما يمكن ~~أن يسمى ب «العصر الذهبي لنظرية المعرفة»، وهو العصر الذي يمتد من ~~ديكارت إلى كانت وشوبنهور، والذي ظهرت فيه آراء يمكن أن تعد بحق ممثلة ~~للاتجاهات الفلسفية «الرئيسية» في هذا الميدان. # منهج البحث: # في الفلسفات الحديثة - ولا سيما الفلسفات الأنجلوسكسونية - ميل إلى ~~معالجة مشكلة المعرفة باتباع المنهج التحليلي، ولهذا المنهج فائدة لا ~~تنكر في استبعاد الكثير من المغالطات اللفظية والمشاكل الوهمية من مجال ~~الفلسفة، ولكن المنهج الذي نتبعه ها هنا والمستوى الذي يتخذه هذا البحث ~~أبعد غورا من ذلك، ففي هذا البحث تناقش نقط البداية الأولى التي لا ~~يناقشها الكثير من التحليليين أنفسهم، أو يتركونها تنزلق إلى مناقشاتهم دون ~~وعي منهم، ومن جهة أخرى يصدر هذا البحث أحكاما عامة على الموقف الفلسفي ~~المثالي، وهي أحكام يندر أن يستطيع الفيلسوف التحليلي إصدارها لانغماسه في ~~التفاصيل؛ ذلك لأن الفلسفة التحليلية تفتح على الدوام تفاصيل فرعية، وهذه ~~الفروع تؤدي إلى فروع أخرى للفروع، وهكذا ... ويظل التحليل يتسع وينتشر حتى ~~يمتد إلى أكثر الألفاظ والقضايا شيوعا، ولهذا كله قيمته، ولكن كثيرا ما ~~يحدث أن تنسى المشكلة الأصلية في غمار هذه التفاصيل، أو أن تتفتت إلى ~~مجموعة من المشاكل الفرعية التي تتشعب بدورها، ويفقد الذهن صلته بالمشكلة ~~من حيث هي مشكلة فلسفية أصيلة، وتتكون لديه عادة جديدة وغاية جديدة هي ~~التحليل لأجل التحليل. # ولنضرب لذلك مثلا: فالفلاسفة التحليليون - من «مور # Moore ~~» إلى «رايل # Ryle ~~» - ~~ظلوا يناقشون تفاصيل البراهين المتعلقة بوجود العالم الخارجي، وظهرت لهم ~~أثناء هذه المناقشات آلاف المشاكل الفرعية، التي حل بعضها وما زال ~~معظمها ينتظر الحل، ومع ذلك ظلت هناك مسلمات معينة تنزلق وسط هذا التيار ~~الجارف من التحليلات، وهي مسلمات لو تطرق الشك إليها لكان معناه القضاء ~~على جميع الجهود التحليلية وذهابها كلها هباء، فمثلا يتحدث ms006 آير - في ~~كتابه: «مشكلة المعرفة» - عن مشكلة العالم الخارجي قائلا: «إن الرأي ~~القائل: إنه قد لا تكون هناك أشياء مادية معينة ... هو فرض لا يقول به شخص ~~عاقل أيا ما كانت الدلائل المؤيدة له، ولكن هذا لا يعني أنه مستبعد ~~«شكليا» ... والواقع أنه لا يوجد في اللحظة الحالية - وفيما يتعلق بي - أي ~~شك في أن هذه المنضدة وهذه الورقة ... موجودة، بل إني لأعلم أنها موجودة، ~~وأعلم ذلك على أساس تجربتي الحسية، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فلا ينتج ~~عنه أن القول بوجودها ... يخلو «منطقيا» من أي وصف لتجربتي الحسية.» # 1 # هذا الرأي يتضمن مثلا لمسلمة هامة لم تناقشها الفلسفة ~~التحليلية فيما يتعلق بمشكلة العالم الخارجي: وهي التسليم بأن وجود الأشياء ~~موضوع للاستدلال «المنطقي» من تجربة الإدراك الحسي، كما تدل على ذلك ~~الكلمات: «شكليا» و«منطقيا»، ولكن ماذا يكون الحال لو كانت المسألة من ~~أساسها خارجة عن مجال المنطق والبرهان؟ وماذا يكون الحال لو عرفنا أن ~~المنطق يعجز عن إثبات أشياء عديدة، وأن هذه الأشياء مع ذلك موجودة على نحو ~~تستقل فيه عن البرهان وتسبقه؟ مثل هذا السؤال عن كون مشكلة العالم الخارجي ~~تخضع للبرهان المنطقي أو لا تخضع له (وهو موضوع فصل مستقل في هذا البحث) ~~خارج تماما عن مجال الفلسفة التحليلية، بل إن له - بطبيعته - أسبقية على ~~كل المشاكل التي تناقش في هذا المجال، ولو كانت الإجابة عنه نفيا لكان ~~معنى ذلك أن الجهود المضنية التي بذلها عدد كبير من هؤلاء الفلاسفة في ~~مناقشة «البراهين» المتعلقة بوجود العالم الخارجي، هي جهود «غير ذات ~~موضوع». # وإذن فالمنهج الذي نتبعه في هذا البحث هو منهج المناقشة المفصلة في ~~الطرفين القصيين للفلسفة: المسلمات الأولى والمواقف المبدئية التي يقفها ~~الفلاسفة، ثم النتائج النهائية التي يصل إليها الباحث في خاتمة مطافه؛ وعلى ~~هذا الأساس وحده يكون من الممكن - في رأينا - إدراك العلاقة بين الفلسفة ~~والموقف الطبيعي (وهي المحور الرئيسي الذي يدور حوله هذا البحث) في صورتها ~~الحقيقية. # | الموقف الطبيعي والعلم # أوضح ما يميز الموقف ms007 الطبيعي هو أنه لا يضع مشكلة وجود العالم الخارجي موضع التساؤل، بل ~~«يطرح جانبا» التفكير في احتمال عدم وجود العالم وما فيه من «أشياء»، وهذا الموقف ليس ~~«ساذجا» بالضرورة؛ إذ إن صفة السذاجة مرتبطة بنوع من الجهل أو «الغفلة»، في حين أن كل ~~إنسان - حتى الفلاسفة والعلماء - يشارك في هذا الموقف في تصرفاته العملية. # ومن جهة أخرى، فإن وصف هذا الموقف ب «السذاجة» يغفل احتمالا آخر على جانب عظيم من ~~الأهمية: فربما كان هذا الموقف هو الوحيد الذي يضمن للإنسان علاقة متسقة مع العالم الخارجي، ~~وربما كان هو الحل الوحيد الذي يقتضيه سلوكنا في هذا العالم، في حين أن المواقف المضادة له ~~- أي المثالية - إما أن تنتهي إلى إخفاق، أو تتوقف عند نقطة لا يمكنها المضي إلى ما بعدها، ~~فتنتهي إلى نوع من اللا أدرية التي لا تحل أي إشكال، وبالاختصار فهناك دائما احتمال في أن ~~يكون الحل الوحيد لمشكلة العالم الخارجي منتميا إلى المجال العملي، بعد أن يثبت عقم ~~المحاولات «النظرية» للتشكيك في هذا العالم أو إنكاره، وطالما أن هذا الاحتمال قائم، فمن ~~الخطأ وصف هذا الموقف بالسذاجة، بل إن الموقف المضاد قد يكون هو المفرط في التحليل والنقد ~~بلا جدوى. # وأغلب الظن أن الموقف الطبيعي قد وصف بالسذاجة نتيجة لتلك الحالات التي يبدو فيها أن ~~تقدم العلم البشري قد حتم الخروج عنه، مثال ذلك أن علماء الفلك لو كانوا قد التزموا هذا ~~الموقف لما وصلوا إلى فكرة دوران الأرض حول الشمس؛ إذ إننا نعتقد - في موقفنا الطبيعي - أن ~~الأرض هي الثابتة، وهكذا نجد أن تعريف الموقف الطبيعي ~~يرتبط ارتباطا وثيقا بتحديد علاقته بالعلم أو بالموقف العلمي على الأصح، وسنحاول هنا أن ~~نثبت أنه حتى لو وجدت تجارب أو كشوف علمية تبدو مخالفة للموقف الطبيعي، فإن هذا يرجع إلى ~~اختلاف وظيفة الموقفين الطبيعي والعلمي، واختلاف الغرض من تجربة الإنسان في كل ~~منهما. # ولإيضاح فكرتنا هذه نضرب مثلا بطريقة تعريف «آير» للموقف الطبيعي أو الموقف «الواقعي ~~الساذج» كما يسميه، فهذا ms008 الواقعي الساذج يرى أن «الأشياء المادية التي ندركها عادة «معطاة» ~~لنا مباشرة، بمعنى لا يحتاج إلى شرح، ولا يرى وجها للاستحالة في أن تكون أشياء كالذرات ~~والإلكترونات مدركة مباشرة ... إلخ.» # 1 # وهنا يظهر ما نعتقد أنه وصف غير دقيق للموقف الطبيعي، فليس من مهمة ذلك الموقف ~~أن يتحدث عن الإلكترونات والذرات، وليست هذه وظيفته، ولا علاقة له بهذا المجال، فللموقف ~~الطبيعي مجال معين يقتصر عليه، ويظل دائما صحيحا في نطاقه، وفي رأينا أن قدرا غير قليل ~~من الأخطاء الفلسفية يرجع إلى عدم الدقة في تحديد هذا المجال، أو إلى الخلط بينه وبين ~~مجالات أخرى لا شأن له بها، وسنحاول فيما يلي أن نحدد خصائص هذا الموقف ومجاله بشيء من ~~التفصيل. # فالموقف الطبيعي عملي وحيوي (بيولوجي) في المحل الأول، إنه ليس موقفا تحليليا أو ~~نقديا نحاول فيه إرجاع الظواهر إلى أصلها أو كشف عللها، وإنما يتعلق هذا الموقف بسلوكنا ~~العملي في هذا العالم، وهو يعبر عن استعداد طبيعي فينا لا يختلف كثيرا عن استعدادنا للأكل ~~والشرب والنوم، بل إنه هو الذي يجعل هذه الاستعدادات الطبيعية الأخرى ممكنة، ومن المؤكد أن ~~ذلك النزوع الطبيعي لدى جميع البشر إلى النظر إلى العالم على أنه ينطوي على «أشياء» خارجة ~~عنا، راجع إلى أن هذه النظرة هي الوحيدة التي تيسر لنا سلوكنا العملي، وعندما نقول: إنها ~~تيسر لنا السلوك العملي، فليس في ذهننا أية فكرة برجماتية عن إثبات صحة الموقف الطبيعي ~~ل «نجاحه» في المجال العملي، بل إن ما نقصده أبعد من هذا بكثير؛ فنظرة الإنسان الطبيعية إلى ~~العالم - وهي التي يعده فيها مكونا من أشياء خارجية مستقلة عنه - أعمق تأصلا في الإنسان ~~من أن تعد مرتبطة بمجرد «النجاح» أو «الصلاحية»، وإنما نحن هنا إزاء ظاهرة لا يستطيع أحد أن ~~يصفها بأنها «محدودة» بأي معنى من المعاني، ولا أظن أن أحدا من الباحثين قد صادف حالة ينظر ~~فيها الإنسان «عمليا» إلى العالم على أنه غير مكون من أشياء خارجية مستقلة عنه، أعني حالة ~~يعالج فيها ms009 شخص «النار» مثلا - من الناحية العملية - على أنها مجرد فكرة ذاتية في رأسه، ~~وصحيح أننا سمعنا عن حالات كثيرة لأشخاص ألقوا بأنفسهم عمدا في النار، ولكني لا أظن أن ~~أحدهم - طالما كان من العقلاء - قد فعل ذلك لاعتقاده بأن النار مجرد فكرة في رأسه، وبالتالي ~~لن تؤذيه! وإن النتيجة المحزنة التي ينتهي إليها أي فعل عملي كهذا - لو حدث - لتدل على شيء ~~واحد: هو أننا في حياتنا العملية اليومية لا نستطيع أن نسلك إلا على أساس هذا الموقف ~~الطبيعي. # ولقد حلل «لوك» فكرة ارتباط الموقف الطبيعي بقدرة الإنسان على السلوك العلمي تحليلا ~~رائعا في بضعة نصوص لم تلق الاهتمام الكافي بين الشراح، ولكن لها أهمية بالغة ~~بالنسبة إلى أغراض هذا البحث، وفي أحد هذه النصوص يقول لوك: # لو كانت لنا حواس تبلغ من الحدة ما يمكنها من إدراك الدقائق الصغيرة للأجسام والتركيب ~~الحقيقي الذي تتوقف عليه كيفياتها المحسوسة؛ لبعثت فينا دون شك أفكارا مختلفة كل الاختلاف، ~~ولاختفى ما هو الآن اللون الأصفر للذهب، ورأينا محله نسيجا منظما من الأجزاء ذات الشكل ~~والحجم الخاص، وهذا ما تكشفه لنا المجاهر بوضوح ... فالدم يبدو للعين المجردة أحمر كله، ولكن ~~المجهر الجيد الذي يكشف أجزاءه الصغيرة لا يطلعنا إلا على كرات حمراء قليلة تسبح في سائل ~~رائق ... # إن حواسنا تمكننا من معرفة الأشياء وتمييزها وفحصها بحيث يتسنى لنا تطبيقها في ~~استعمالاتنا - على أنحاء شتى - لمواجهة مقتضيات هذه الحياة ... ولو تغيرت حواسنا وأصبحت أسرع ~~وأحد لتغيرت مظاهر الأشياء ونظمها الخارجية في نظرنا تغيرا تاما، ولغدت - كما أظن - ~~غير متمشية مع وجودنا - أو رفاهنا على الأقل - في هذا العالم الذي نعيش فيه ... فلو كانت حاسة ~~سمعنا أشد ألف مرة مما هي عليه لسمعنا ضجيجا دائما يزعجنا ... ولو كانت حاسة الإبصار أحد ~~ألف أو مئة ألف مرة مما هي عليه الآن في أحسن المجاهر لرأت العين المجردة أشياء أصغر ~~بملايين من المرات مما تراه الآن، ولاقترب الإنسان من كشف نسيج الأجزاء الدقيقة للأجسام ~~المادية وحركتها ... ولكن ... ربما ms010 لم يستطع هذا البصر الحاد الدقيق تحمل وهج الشمس أو وضح ~~النهار، وربما لم يكن في وسعه إلا إدراك جزء صغير جدا من أي شيء في اللحظة الواحدة وعلى ~~مسافة قريبة جدا، وإذا كان الإنسان يستطيع بهذه العين المجهرية ... أن ينفذ أكثر من المعتاد ~~في التركيب الخفي والنسيج الأصلي للأجسام، فلن يعود عليه هذا التغيير بنفع كبير، إن لم ~~يفده هذا الإبصار الحاد في الذهاب إلى السوق والتعامل فيه، وإن لم ير الأشياء التي ينبغي ~~عليه تجنبها عن بعد كاف ... # 2 # وفي نص آخر يتحدث لوك عن يقيننا الطبيعي بوجود الأشياء خارجة عنا، ويوضح ارتباطه بحاجات ~~الإنسان الطبيعية في هذا العالم فيقول: # إن اليقين بوجود الأشياء بالطبيعة عندما تشهد ~~حواسنا بذلك، لا يبلغ المبلغ الذي يمكن أن تصل إليه قدرتنا فحسب، بل يبلغ أيضا القدر الذي ~~تحتاج إليه طبيعتنا ... فهذا التأكيد بوجود الأشياء خارجنا يكفي توجيهنا في اكتساب الخير ~~وتجنب الشر الذي تسببه هذه الأشياء، وهو ما يهمنا في معرفتنا إياها. # 3 # وإذا دلت هذه النصوص المفصلة على شيء، فإنما تدل على أن لوك قد اهتدى بكل وضوح إلى ذلك ~~الارتباط الأساسي للموقف الطبيعي بقدرة الإنسان على السلوك العلمي في العالم الطبيعي، فإذا ~~حاولت وأنت تسبح أن تنظر إلى البحر على أنه ليس خارجيا، فلن يكون لهذا من نتيجة سوى غرقك، ~~وإذا شئت - خلال سيرك - أن تعد الشجرة فكرة ذاتية في رأسك، فلن يؤدي ذلك إلا إلى اصطدام ~~رأسك ذاتها بها. # وإذن فللموقف الطبيعي مجاله الضروري، وهو المجال العملي الحيوي. # وحواسنا - مهما كانت «خشونتها» - تقدم إلينا صورة للعالم لا نستطيع أن نرفضها رفضا ~~قاطعا في سلوكنا العملي، وإلا أدى ذلك إلى إلحاق أبلغ الأضرار بحياتنا ذاتها، حقا إن ~~نصيب هذه الحواس يتفاوت نجاحا أو فشلا حين تقتحم ميادين أخرى، كميدان تفسير الظواهر أو ~~فهمها، ولكنها في الميدان العضوي العملي لا مفر منها، وتؤدي وظيفتها الكاملة فيه، ومن العبث ~~الاعتراض على قدرتها في هذا الميدان. ~~••• # فإذا عدنا إلى النص الأول الذي ms011 اقتبساه من لوك لوجدناه في أول هذا النص يتحدث عن حدة ~~الحواس كما لو كانت تؤدي بنا إلى إدراك «التركيب الحقيقي» الذي تتوقف عليه الكيفيات ~~المحسوسة للأشياء، وتلك هي نقطة الضعف في هذا النص، وربما كانت فيه مجرد تعبير غير موفق ~~لا يؤثر في السياق العام للنص، ولكنها في ذاتها تمثل اتجاها مشتركا بين كثيرين من مفكري ~~العلم والفلسفة، وهو اتجاه كانت له أخطر النتائج بالنسبة إلى التفكير في مشكلة العالم ~~الخارجي. # فهل هناك بالفعل صورة «حقيقية» للعالم؟ إننا نستطيع أن نميز على الأقل بين ثلاث صور لهذا ~~العالم: ~~(1) # الصورة «الخشنة»: التي تطلعنا عليها حواسنا: صورة العالم بما فيه من «أشياء» ~~نتعامل معها في حياتنا اليومية. ~~(2) # الصورة الميكروسكوبية: التي نرى فيها أو نحاول أن نرى «العالم الأصغر» عالم ~~الكائنات الحية الدقيقة أو الخلايا أو الجسيمات. ~~(3) # الصورة التلسكوبية: وهي صورة «العالم الأكبر» كما تكشفه لنا المناظير ~~المكبرة بما لديها من قدرة على تقريب مسافات شاسعة إلى أنظارنا. # ولسنا في حاجة إلى أن نقول: إن كلا من الصورتين الميكروسكوبية والتلسكوبية تتعرض ~~لاختلافات أساسية كلما كشفت آلات أقدر على تكبير الجسم الصغير أو تقريب الجسم ~~البعيد. # وفضلا عن ذلك، فليس هذا هو العدد الوحيد من الصور الممكنة للعالم؛ فمن وراء العالم ~~الميكروسكوبي، هناك عالم الذرات والإلكترونات وهو عالم تعد الجراثيم الميكروسكوبية بالنسبة ~~إليه «عالما أكبر»، ومن وراء العالم التلسكوبي هناك المجموعات الكونية التي لم يصل إلينا ~~ضوءها حتى الآن، والتي تعد الأبعاد التلسكوبية بالنسبة إليها «عالما أصغر»، وفي ~~هذا - ولا شك - ما يجعل كلمة «الأصغر» و«الأكبر» ~~كلمات نسبية إلى أقصى حد، ولا يمكن أن يكون لها معنى إلا من خلال منظور معين، وعلى أية حال ~~فسوف نكتفي لإيضاح فكرتنا - بالصور الثلاث التي تحدثنا عنها - على أنها مجرد أمثلة للصور ~~المختلفة الممكنة للعالم. # والآن، فهل هناك صورة معينة من هذه هي الصحيحة دون الأخريين؟ هل يستطيع أحد أن يقول: إن ~~صورة كوب الماء في يدي باطلة؛ لأن المجهر يكشف آلافا من الكائنات الحية الدقيقة ms012 في قطرة ~~واحدة منها؟ أو أن صورة المريخ - كما أدركها بعيني المجردة - باطلة؛ لأن التلسكوب يدرك ~~بقعا ملونة وأجواء ليس لها أي أثر في صورتي هذه؟ ربما كان هناك ميل لدى البعض إلى الإجابة ~~على هذه الأسئلة بالإيجاب؛ لأن أحد أطراف المقارنة هنا - ~~وهو المنظور المعتاد - متهم دائما بالخطأ، ولكن النقطة التي نود إثباتها تتضح بسهولة إذا ~~ما أجرينا المقارنة بين الطرفين الآخرين: فهل يجوز لنا أن نشك في دقة الميكروسكوب أو نعتقد ~~ببطلانه لعجزه عن إدراك النجوم البعيدة، أو أن نرمي التلسكوب بالقصور؛ لأنه لا ينقل إلينا ~~دقائق قطرة الماء؟ إن الجميع سيردون على هذا السؤال قطعا بالنفي، وهنا نسارع فنسألهم: ولكن ~~«لماذا» لم تشكوا في دقة الميكروسكوب أو التلسكوب عندما عجز كل منهما عن إرشادنا في ~~مجال الآخر؟ إن الجواب الوحيد على هذا السؤال هو أن لكل منهما «مجاله» الخاص، وهذه بعينها ~~هي النقطة التي نود إثباتها. # فصورة العالم «صحيحة» حسب كل مجال من المجالات التي تستخدم فيها هذه الصورة، ~~وبالنسبة إلى أغراض مجال الإنسان العملي الحيوي، تكون صورة العالم في الموقف الطبيعي صحيحة ~~تماما؛ لأنها هي الوحيدة المتسقة مع غايات الإنسان في هذا العالم، ومن العبث أن تنقد إحدى ~~هذه الصور الثلاث: الصورة الحيوية أو الميكروسكوبية أو التلسكوبية؛ لأنها تعجز عن أداء ~~وظيفة الأخرى. # فإذا جمعنا الآن بين الصورتين الميكروسكوبية والتلسكوبية تحت «جنس» أعم - هو اسم «الصورة ~~العلمية» - لجاز لنا أن نعبر عن هذه النتيجة الهامة السابقة تعبيرا آخر، هو أنه «من العبث ~~أن ننقد الصورة التي نكونها للعالم في موقفنا الطبيعي لاختلافها عن الصورة العلمية للعالم؛ ~~إذ إن كلا من الصورتين تؤدي وظيفة مختلفة تماما عن وظيفة الأخرى، وتسري على مجال مخالف ~~تماما لمجالها.» ~~••• # والآن فلنتحدث عن الخلط بين الموقفين الطبيعي والعلمي بضرب أمثلة له، وبيان آثاره العظيمة ~~الأهمية في التفكير الفلسفي. # ولكي نوضح طبيعة هذا الخلط نضرب ذلك المثل المألوف لدينا جميعا، مثل العلاقة بين الأرض ~~والشمس من حيث الدوران، فليس أوضح بالنسبة إلى أي ms013 شخص - لديه أبسط قسط من التعليم في عصرنا ~~هذا - من أن الأرض هي التي تتحرك حول الشمس، ومع ذلك فمجرد القول بتحرك الأرض يعني أننا ~~دخلنا في مجال «التفسير العلمي»، لا في مجال الحياة اليومية بما لها من مقتضيات بيولوجية، ~~فرغم وضوح هذه الفكرة، فإن من المستحيل حتى الآن - وربما ظل من المستحيل إلى الأبد - أن ~~نتصرف في حياتنا اليومية على أساس أن الأرض متحركة؛ إذ إن هذه الحركة لا تؤثر مطلقا في ذلك ~~المجال الحيوي الذي يسود فيه الموقف الطبيعي، ومن هنا كنا لا نزال نرى الناس جميعا - بما ~~فيهم كبار علماء الفلك لدينا - يستخدمون في أحاديثهم المعتادة تعبيرات مثل «عندما طلعت ~~الشمس أو غابت ...» هذه التعبيرات ليست مجرد تعبيرات متوارثة منذ كان الناس يعتقدون بحركة ~~الشمس حول الأرض، وإنما هي تعبيرات تدل على ما يلزمنا في موقفنا الطبيعي، والدليل على ذلك ~~أننا سنسخر حتما من ذلك الذي يستخدم في حديثه المعتاد عبارة مثل «قابلت فتاتي على شاطئ ~~البحر عندما دارت الأرض بحيث لم تعد الشمس ظاهرة ...» لماذا إذن نسخر من مثل هذا التعبير مع ~~أنه صحيح ودقيق، ونفضل عليه تعبيرا آخر أقل دقة هو «بعد غروب الشمس»؟ لأن المسألة هنا ~~ليست دقة أو عدم دقة أو صحة وبطلان، وإنما هي مسألة مجالين مختلفين لكل منهما مقتضياته ~~الخاصة وينبغي ألا يخلط بينهما. # ولنسر خطوة أخرى في طريق إيضاح فكرتنا، فنقول: إن الكثيرين ينقدون الموقف الطبيعي على ~~أساس أنه كان عقبة في طريق التقدم العلمي، ففي المثال السابق كان الاعتقاد «الطبيعي» بأن ~~الشمس هي المتحركة - وهو اعتقاد تولده الحواس ~~بإدراكها ثبات الأرض وتغير مواقع الشمس - عائقا في سبيل كشف العلاقة الحقيقية بين الأرض ~~والشمس من حيث الحركة، وظل يغذي حركة مقاومة النظرية الفلكية الجديدة بعد ظهورها بمدة ~~طويلة، وهذا الانتقاد صحيح ولا شك، ولكن الخطأ هنا في واقع الأمر لم يكن خطأ الموقف الطبيعي ~~ذاته، بل خطأ العلماء القدماء الذين حاولوا الاكتفاء بالموقف الطبيعي وتفسير كل الظواهر ~~العلمية من خلاله، ms014 والأمر الذي لا شك فيه أن الموقف الطبيعي والموقف العلمي يكونان في بداية ~~الأمر متفقين، ثم يصبح للعلم مجاله الخاص كلما اقتضى تقدمه البحث عن أوجه أخرى للظواهر غير ~~الأوجه المحسوسة مباشرة منها، ولكن الذي ينبغي أن نتنبه إليه - مع اعترافنا بهذا الانتقاد ~~- هو أن «الموقف العلمي حين يستقل عن الموقف الطبيعي لا ينبغي أن يحل محله في ميدانه»؛ إذ ~~يظل الموقف الطبيعي محتفظا بصلاحيته وقيمته في الميدان المخصص له، ويكون الفارق بين حالة ~~العصر المستنير والعصر غير المستنير هو في إدراك الأول لارتباط هذا الموقف بمجاله الخاص، ~~وكف الأذهان عن محاولة تطبيقه في جميع الميادين. # ولقد كان النزاع الفكري المشهور الذي دار بين الفيلسوفة الإنجليزية «سوزان ستبنج # S. Stebbing ~~» وبين مجموعة العلماء الإنجليز الذين ~~أقحموا أنفسهم في ميدان الفلسفة وأرادوا استخلاص نتائج فلسفية خطيرة من الكشوف العلمية ~~الثورية التي حفل بها الربع الأول من القرن العشرين؛ كان هذا النزاع مظهرا من مظاهر مشكلة ~~العلاقة بين العلم والموقف الطبيعي، وقد وقفت «سوزان ستبنج» موقفا حاسما ضد تشويهات دنجتن ~~وجيمس جينز التي كانت - من الوجهة الفلسفية - بعيدة كل البعد عن ذلك المستوى الرفيع الذي ~~بلغاه في ميادين تخصصهما العلمية، فقالت: «لا شيء سوى الفوضى يمكن أن ينتج عن ... الخلط بين ~~اللغة التي تستخدم استخداما سليما للتعبير عن الأشياء المحيطة بنا وعن معاملاتنا ~~اليومية معها، وبين اللغة المستخدمة لغرض المناقشة الفلسفية والعلمية.» # 4 # ثم زادت فكرتها تحديدا بقولها «... إن النظريات الحديثة في الذرة لا تقدم أدنى ~~مبرر للقول بأن التطورات الأخيرة في الفيزياء تؤدي - على أي نحو - إلى إثبات بطلان المادية، ~~أو يمكن استخدامها في تقديم أية حجج مؤيدة للمثالية.» # 5 # ولا شك أيضا أن «تولمين # Toulmin ~~» كان في ذهنه هذا ~~النزاع ذاته حين أكد نفس الفكرة التي نقول بها في ضرورة تجنب الخلط بين اللغتين العلمية ~~والفلسفية، فقال: «ليس من حق العالم أن يشكك في أي تفسير للتجربة تقدمه اللغة اليومية ~~المعتادة بحجة أن هذه اللغة تخفق فيما تتصدى له؛ ذلك ms015 لأن اللغة اليومية تصف موضوعات تجربتنا ~~على نحو يحقق أغراضنا المعتادة أكمل تحقيق ... فالمنضدة التي أكتب عليها صلبة، وكذلك الحال في ~~الكرسي الذي أجلس عليه، ومن حقي أن أتخذ أيا منهما مثلا للشيء الصلب عندما أقوم بتعليم ~~أي شخص فكرة الصلابة، وعلى أساس معرفتي بصلابتهما أبني اقتناعي بأنني إذا اصطدمت بأي ~~منهما في الظلام فسوف أصاب بكدمة ... غير أن العالم يطرح جانبا فكرة الصلابة بمعناها ~~اليومي؛ لأنها قد تؤدي به إلى الاعتقاد - خطأ - بأن أي شيء لا يمكن أن يخترق المنضدة أو ~~الكرسي حتى ولا شعاع من أشعة ألفا، ومن حقه تماما أن يفعل ذلك بوصفه عالما فيزيائيا، ~~ولكن من الخطأ أو من التخبط أن يقول: إن هذه المنضدة ليست صلبة على الإطلاق؛ إذ إن أشعة ~~ألفا تخترقها، فلا بد إذن أن تكون مليئة بالثقوب، أي إن العالم يكون على خطأ لو تصور أن ~~نتائج تجربته تفند مفهوم الصلابة بمعناها اليومي.» # 6 # وهكذا يمكن القول: إن الفكرة التي ننادي بها - والتي يمكننا أن نجد صدى لبعض جوانبها في ~~كتابات فلسفية أخرى - ليست على الإطلاق دفاعا «مطلقا» عن الموقف الطبيعي، وإنما هي دفاع ~~عنه في تلك المجالات التي لا ينبغي أن يزاحمه فيها الموقف العلمي، والتي ينبغي أن تظل لغة ~~الموقف الطبيعي هي وحدها السائدة فيها، أما في المجالات التي يجب أن تكون الكلمة الأخيرة ~~فيها للعلم، فمن السذاجة - دون شك - أن يحاول أحد الدفاع عن الموقف الطبيعي على حساب ~~العلم. # ولقد كان الفيلسوف الفرنسي المعاصر «جاستون باشلار» من أشد المفكرين نقدا للموقف ~~الطبيعي، بوصفه عقبة ظلت تعترض طريق التقدم العلمي ردحا طويلا من الزمان، وكان نمو العلم ~~- في رأيه - نموا متعرجا لا يسير في خط مستقيم، بل يحدث التقدم فيه من خلال صراع مستمر ~~مع الخطأ، فالحقيقة العلمية خطأ تم تصحيحه، وليس ثمة قيمة كبيرة لتلك الحقيقة التي تظهر منذ ~~البداية واضحة ساطعة متميزة عن كل ما عداها (وفي ذلك يتخذ باشلار موقفا مضادا تماما ~~لموقف ديكارت، الذي جعل من ms016 الوضوح والتميز معيارا لصحة الأفكار، وكانت أرفع الحقائق في ~~نظره هي تلك التي تفرض نفسها على الذهن، وتصدر عن الحدس، على نحو لا نملك معه إلا قبولها)، ~~بل إن الخطأ كامن في قلب الحقيقة، وللخطأ الأولوية في كل معرفة حقة تتوصل إليها الإنسانية؛ ~~لأن هذه المعرفة إنما هي - في الواقع - خلاص تدريجي من ربقة الجهل والخطأ الذي يظل يفرض ~~نفسه علينا ما لم نعمل على مقاومته بلا هوادة، ولا جدال في أن تشبث الخطأ بمواقعه، واضطرار ~~العلم في كل خطوة من خطوات تقدمه إلى أن يكافح ويصارع من أجل إزاحة «عقبة» الجهل التي تقف ~~أمامه بعناد، إنما يرجع إلى تأثير الموقف الطبيعي الذي يزاحم الروح العلمية ويمسك بتلابيبها ~~محاولا منعها من المضي في طريقها قدما. # هذه الحملة الشعواء التي شنها باشلار على الموقف الطبيعي، قد توحي بأن الرأي الذي ندافع ~~عنه في هذا الكتاب متعارض مع موقف مفكر من أعظم فلاسفة العلم في عصرنا الحاضر، وبالفعل ~~استنتج البعض من ذلك أن كتابات باشلار تعد تفنيدا مسبقا لموقف الدفاع عن الموقف الطبيعي، # 7 # على أن الأمر الذي ينبغي أن نتنبه إليه هو أن باشلار كان يتحدث على الدوام من ~~المنظور العلمي، فلم تكن مهمته هي إجراء مقارنة «مطلقة» بين الموقف الطبيعي والموقف العلمي، ~~وإنما كان يبحث في الموقف الطبيعي من حيث مدى تأثيره في تطور العلم، ولقد كان من المتوقع، ~~في هذه الحالة، أن يوجه انتقادا مريرا إلى الموقف الطبيعي عندما يتدخل في مجرى العلم، ~~ويعده عقبة أساسية يتعين على العلم أن يكافحها بلا هوادة. # وعلى هذا الأساس أسهب باشلار في وصف تلك المرحلة التي كان العلماء يخلطون فيها بين ~~مقتضيات البحث العلمي ومقتضيات الموقف الطبيعي، وهي المرحلة التي يسميها «بالفترة قبل العلمية # période préscientifique ~~» والتي تمتد في رأيه ~~حتى القرن الثامن عشر، ففي هذه المرحلة كان العلماء عاجزين عن التفرقة بين البحث العلمي ~~وبين وقائع الحياة اليومية، وكانوا يملئون كتاباتهم وأبحاثهم بحكايات وقصص تنتمي إلى مجال ~~العالم اليومي، ويبدءون دائما ms017 بإشارات إلى التجربة العامية المألوفة، ويقفون متعجبين أمام ~~الظواهر الطريفة والملاحظات والمشاهدات المثيرة، وكان التأليف العلمي مختلطا إلى حد بعيد ~~بالصور والمجازات والاستعارات، وفي مثل هذا المجال العيني يستحيل أن يقوم علم بالمعنى ~~الصحيح؛ إذ إن العلم إنما هو انتقال من العيني إلى المجرد، والتجريد ~~- الذي هو تركيب ذهني بحت - يؤلف عالما علميا خاصا ~~يشيد عمدا على نحو منفصل عن التجربة المباشرة، ومن هنا كان قول باشلار: «ينبغي أن تتكون ~~الروح العلمية ضد الطبيعة، وضد ما تدعونا إليه الطبيعة وتلقننا إياه في داخلنا وفي خارجنا، ~~وضد الاندفاع الطبيعي، والواقعة الطريفة المتنوعة، فمن الواجب أن تتكون الروح العلمية عن ~~طريق إعادة تشكيل ذاتها، وهي لا تستطيع أن تتعلم ~~- إزاء الطبيعة - إلا بتنقية المواد الطبيعية وتنظيم الظواهر المختلطة، بل إن علم النفس ~~ذاته لن يصبح علميا إلا إذا أصبح نظريا # discursive # كالفيزياء، وأدرك أننا لا نستطيع أن نفهم الطبيعة إلا بمقاومتها، وأن هذا يصدق على ما في ~~داخلنا مثلما يصدق على ما في خارجنا.» # 8 # وهكذا كان اعتراض باشلار منصبا - في الواقع - على «الخلط» بين مجالي العلم والتجربة ~~اليومية، لا على هذه الأخيرة في ذاتها ... فإذا اتخذت التجربة اليومية أساسا لبحث علمي ~~كان من الضروري انتقادها، وتدل فكرة المقاومة والتصحيح المستمر - التي أكد باشلار أنها هي ~~المبدأ الأساسي في تكوين الروح العلمية - على أنه يعترف ضمنا بأن التجربة اليومية تفرض ~~نفسها علينا في شتى المجالات، ولكن الدخول في ميدان العلم يحتم علينا أن نقاومها ونصحح ~~أخطاءها، ومجمل القول: إن باشلار - في نقده للموقف الطبيعي - كان يتحدث من منظور العالم، ~~وكان له كل الحق في أن ينتقد العلم المرتكز على الموقف الطبيعي، والعلماء الذين يخلطون بين ~~مقتضيات كل من العلم والحياة اليومية، ويطبقون معايير الثانية على الأول، وكل هذه آراء لا ~~تتعارض على الإطلاق مع ما نقول به من ضرورة الفصل بين المجالين، وعدم محاسبة أحدهما لعجزه ~~عن تحقيق أهداف الآخر. ~~••• # وإذن فمن الضروري أن نفصل بين مجالي الموقف الطبيعي والموقف العلمي، ونتجنب ms018 الخلط بينهما، ~~ولكن هذا الخلط قد حدث بالفعل خلال تاريخ الفلسفة، وكان مسئولا عن عدد كبير من الأخطاء ~~التي ارتكبت في ميدان نظرية المعرفة. # ففي الفلسفة القديمة كان الموقف العلمي مندمجا في الموقف الطبيعي، وكان الخطأ الذي ~~ارتكبه الفلاسفة هو أنهم نظروا إلى الموقف الطبيعي على أنه يمثل العلم في الوقت ذاته، ورأوا ~~أن «مقولاته» - كفكرة الجوهر - تعبر أيضا عن الأسس الأولى للعلم، أي إن طبيعة الأشياء ~~تفهم فهما كاملا من خلال الموقف الطبيعي، بحيث لا تحتاج إلى البحث عن أية صورة أخرى ~~لها مخالفة لصورتها في حياتنا اليومية، وهذا هو ما يعلل ظاهرة عدم التفرقة بين الفيلسوف ~~والعالم في العالم القديم. # أما في عصر انفصال العلم عن الفلسفة، فقد ارتكب الفلاسفة الخطأ المضاد، وهو محاسبة الموقف ~~الطبيعي عن عجزه عن تفسير الظواهر العلمية، وهكذا نقدت - مثلا - فكرة «الشيء» أو فكرة ~~«الجوهر» على أساس تحليل العلم للصفات المختلفة التي يرجع إليها ما نسميه بالشيء، وهي صفات ~~بعيدة كل البعد عن صفات «الجوهر» القديم، ونسي الفلاسفة هنا أن كشف ذلك العالم العلمي ~~الزاخر ليس معناه هدم الأسس التي يقوم عليها الموقف الطبيعي؛ إذ إن تلك الأسس ستظل منطبقة ~~على هذا الموقف مهما كانت درجة التقدم التي يبلغها العلم. # ولنتحدث الآن بشيء من التفصيل عن هذين النوعين من الخلط بين الموقف الطبيعي والموقف ~~العلمي. ~~••• # فمن المعروف أن الذهن البشري في العالم القديم لم يكن لديه العتاد العلمي اللازم لاكتشاف ~~«العالم الأصغر» و«العالم الأكبر» على أسس تجريبية صحيحة، حقا إن بعض النظريات «الذرية» ~~وكذلك بعض النظريات الفلكية قد ظهرت، ولكن الاستنباط العقلي أو الرياضي كان له الدور الأكبر ~~في كشف هذه النظريات، أما في ميادين البحث الأخرى فإن أساس التفكير العلمي كان الارتكاز على ~~وجهة النظر الطبيعية الشائعة، مع شيء من الترتيب المنهجي الذي تطبق فيه قواعد المنطق الصوري ~~المعروفة، وهكذا كان مجال بحث العلم لا يكاد يختلف كثيرا عن الأشياء كما تراها أعيننا ~~العادية، ولما كان هذا المجال يكون النقطة التي يبدأ ms019 منها البحث الفلسفي بدوره، فإن ~~التمييز بين العلم والفلسفة لم يكن ممكنا في ذلك العهد. # ونستطيع أن نقول: «إن شيوع فكرة «الجوهر» في الفلسفة القديمة كان تعبيرا عن ارتكاز الفكر ~~القديم بأسره - في المجالين العلمي والفلسفي معا - على الموقف الطبيعي»، ففكرة الجوهر ترتبط ~~بالموقف الطبيعي ارتباطا واضحا؛ إذ إن العنصر الأساسي في هذا الموقف هو أننا ندرك ~~«أشياء»، وفكرة «الشيء» هذه هي الأساس الذي استخلصت منه فكرة الجوهر، وكما يميز الموقف ~~الطبيعي بين الشيء ومظاهره، فكذلك كانت الفلسفة القديمة تميز بين الجوهر وأعراضه، على ~~أساس أن الجوهر هو العنصر الثابت من وراء تغيرات الأعراض. # فالمعنى الأصلي لفكرة الجوهر عند أرسطو هو «الشيء الفردي». # 9 # أو ما يمكن أن يشار إليه بكلمة «هذا». # 10 # وأول تعريف للجوهر في المقال الخامس من الميتافيزيقا هو «الأجسام البسيطة، أي ~~التراب والنار والماء وكل شيء من هذا القبيل، وعلى العموم: الأجسام والأشياء المؤلفة منها، ~~والكائنات الحية والإلهية وأجزاؤها.» # 11 # وفي مستهل المقال الثامن يحدد أرسطو الجواهر المعترف بها اعترافا عاما بأنها ~~هي «الجواهر الطبيعية: وهي النار والتراب والماء والهواء، أي الأجسام البسيطة، وثانيا: ~~النباتات وأجزاؤها والحيوانات وأجزاؤها، وأخيرا: الكون المادي وأجزاؤه.» # 12 # وإذا تذكرنا أن مقولات أرسطو كانت تحليلا للطرق التي تقال بها أحكامنا أو عباراتنا على ~~الأشياء، وأنها كلها تلخيصات لأعم طرق الحكم والحمل في اللغة المألوفة؛ لكانت النتيجة ~~الضرورية هي أن فكرة الجوهر تسجيل لاتجاه عام في استخدامنا المعتاد للغة، ولم يكن استخلاص ~~أرسطو لها - شأنه شأن الكثير من عناصر فلسفته ومنطقه - إلا تلخيصا للأفكار العامة الكامنة ~~من وراء استعمالاتنا المألوفة. # وصحيح أن أرسطو يضيف إلى معنى الجوهر بوصفه الأجسام البسيطة أو الأشياء الفردية معنى آخر، ~~هو «ماهية» الأشياء، # 13 # وأن هذا المعنى قد يتخذ ذريعة لنقل الفكرة من مجال الموقف الطبيعي إلى ~~المجال العلمي، على أساس أن تفسيرها بالماهية معناه أن الجوهر تعبير عن الطبيعة «الحقيقية» ~~أو العلمية للأشياء، ولكن الأمر المؤكد أن فكرة وجود ماهية للأشياء هي فكرة قائمة أيضا على ms020 ~~مستوى الموقف الطبيعي ذاته: ففي تعاملنا اليومي مع الأشياء نفرق حتما بين تغيراتها ~~العرضية أو الكمية أو الكيفية أو الزمانية أو المكانية ... إلخ، وبين الشيء في ماهيته ~~الحقيقية، وهكذا يكون تعرفي على صديقي «س» بعد سنوات متعددة - وفي الوقت الذي ازداد فيه ~~جسمه نموا وتغيرت طباعه واختلفت ملابسه ... إلخ - راجعا إلى تمييزي - في مستوى الموقف ~~الطبيعي - بين ماهية ذلك الشخص وأعراضه، وإذن فجميع تعريفات فكرة الجوهر عند أرسطو يمكن أن ~~تربط بالموقف الطبيعي، بحيث تكون الفكرة في نهاية الأمر تعبيرا واضحا عن محاولة أرسطو ~~أن «يفلسف» الموقف الطبيعي أو يكشف مقولاته الكامنة، وهذا التفسير طبيعي تماما من الوجهتين ~~المنطقية والتاريخية معا، فلنا كل الحق في أن نتوقع أن تكون البدايات الأولى لنضوج الفكر ~~البشري مرتكزة على الموقف الطبيعي، وأن تكون أول محاولة لبناء منطق شامل تحليلا للعناصر ~~الرئيسية التي ينطوي عليها هذا الموقف. # ولقد أيد الكثيرون - ممن كتبوا في هذا الموضوع - الرأي القائل بارتباط فكرة الجوهر ~~بالموقف الطبيعي، ففي كتاب # Substance & Function # يؤكد «كاسيرر» ضرورة فكرة «الشيء» في تفكير أرسطو، من حيث إنها هي الأساس الذي بنيت عليه ~~فكرة الجوهر التي تعبر «التصورات» عن ماهيتها الحقيقية، فيقول: «إن تحديد التصور حسب جنسه ~~القريب وفصله إنما هو ترديد للعملية التي يتكشف بها الجوهر الحقيقي على مراحل متعاقبة في ~~صور وجوده الخاصة، وهكذا فإن فكرة «الجوهر» الأساسية هذه هي التي ترتكز عليها نظريات أرسطو ~~المنطقية الخالصة على الدوام، وهنا يكون النسق الكامل للتعريفات العلمية تعبيرا كاملا - ~~في الآن نفسه - عن القوى الجوهرية التي تتحكم في ~~العالم الواقعي.» # 14 # وفي موضع آخر يزيد الفكرة إيضاحا حين يتحدث عن «الرأي الساذج في العالم، الذي يهيب به ~~الفهم المنطقي التقليدي ويرتكز عليه.» # 15 # ويتحدث «بلانشيه» عن الارتباط بين دور «الموضوع» في القضية الحملية التقليدية ~~وبين فكرة الجوهر، وبالتالي عن أثر الموقف الطبيعي في المنطق التقليدي فيقول: «... إن غلبة ~~الموضوع على المحمول في الحكم تعبر عن أولوية الجوهر على العرض (أو الصفة) في المجال ~~الأنتولوجي، وأولوية ms021 الوجود على المعرفة في علاقات الفكر بالواقع. # وإن واقعية الجوهر هذه لتعبر بوضوح - ومعها منطق التصور الذي ترتبط به - عن الفلسفة ~~الغامضة # diffuse # للموقف الطبيعي # sens ~~commun # في مدنيتنا الغربية.» # 16 # وإذن، فأرسطو حين قال بفكرة الجوهر لم يفرض شيئا على الفكر البشري، بل لخص طريقة نظر ~~الإنسان إلى الأمور في حياته اليومية، وأضفى عليها طابعا فلسفيا، وقد أدرك ذلك «ألن» ~~بوضوح في كتابه عن أرسطو؛ إذ قال: «لم يكن أرسطو هو الذي علم الناس أن ينظروا إلى الأجسام ~~- أو أي شيء آخر في العالم - على أنها جوهرية، وأغلب الظن أن الناس قد فعلوا ذلك من أقدم ~~عصور الفكر البشري؛ إذ إن من طبيعة الذهن البشري أن يحزم موضوعات بحثه - أيا كانت - في ~~جواهر وكميات وعلاقات.» # 17 # وإذن، ففكرة الجوهر لم تكن عند أرسطو إلا تعبيرا عن ارتباط الفكر في عصره ~~بطريقة النظر المألوفة إلى الأشياء. ~~••• # ونستطيع أن نقول: إن الخطأ الذي ارتكبه نقاد فكرة الجوهر في الفلسفة الحديثة، كان هو ~~الاعتقاد بأن الفكرة دخيلة ومفروضة على الذهن البشري على نحو ما، وهو اعتقاد يتجاهل تلك ~~الصفة الأصلية التي لا يمكن أن ينتزعها من ذهننا أي تقدم فكري أو علمي، وهي صفة الاهتداء ~~إلى «أشياء» في تجربتنا اليومية على الدوام، ففي رأي لوك - مثلا - أن فكرتنا عن الأنواع ~~الخاصة من الجوهر تتكون عن طريق «ضم تلك المجموعات من الأفكار البسيطة التي ندرك في التجربة ~~وفي ملاحظات حواسنا البشرية أنها موجودة سويا، والتي يعتقد بالتالي أنها تتلو من التركيب ~~الداخلي الخاص أو الماهية المجهولة لذلك الجوهر، وهكذا نصل إلى تكوين أفكار عن الإنسان ~~والفرس والذهب والماء إلخ، وهي أمور أهيب بالتجربة الخاصة لكل شخص أن تنبئ إن كانت لدينا ~~عنه أية فكرة واضحة، بخلاف كونها أفكارا بسيطة توجد سويا.» # 18 # وطالما أن لوك قد استشهد ب «التجربة الخاصة لكل شخص»، فمن حقنا أن نرد عليه قائلين: إن ~~المصدر الأول والأهم لفكرة الجوهر هو تجربة الناس اليومية، ولا يمكن أن يكون وصفنا ms022 لهذه ~~التجربة دقيقا أو أمينا إذا قلنا إن الناس يجدون فيها مجموعة من الأفكار البسيطة الموجودة ~~معا، ثم يكونون منها بالتعود فكرتهم عن الجوهر، بل إن الذي يحدث دائما لا في أيام لوك ~~أو أيام أرسطو فحسب هو أن يبدأ الناس بالنظر إلى موضوعات إدراكهم على أنها «أشياء»، ولا ~~يمكن الوصول إلى الرأي القائل: إن الجوهر مجموعة أو حزمة من الصفات الموجودة معا إلا عن ~~طريق «التحليل الفكري»، أما التجربة المألوفة - التي استشهد بها لوك - فتؤدي إلى عكس ما ~~يقول، ومن الغريب أن لوك يقول في الفقرة التالية مباشرة من كتابه: إننا نفترض الأفكار ~~البسيطة موجودة في جوهر مشترك؛ «لأننا لا نستطيع أن نتصورها موجودة وحدها أو واحدة في الأخرى.» # 19 # وهنا ينبغي أن نسأله: لماذا لا نستطيع أن نتصورها موجودة وحدها؟ وهل فكر في ~~سبب هذه الاستحالة أو في دلالتها؟ ألا ترجع إلى كون تجربتنا في الإدراك مصوغة على هذا ~~النحو؟ وفضلا عن ذلك، أليس هذا دليلا على أن المسألة أكثر من مجرد «التعود» النفسي الذي ~~أشار إليه؟ # وبالمثل يقول هيوم: «إن اللون والطعم والشكل والصلابة وغيرها من الصفات المجتمعة في خوخة ~~أو بطيخة، تدرك على أنها تكون شيئا واحدا، وذلك نتيجة للعلاقة الوثيقة بينها، وهي ~~العلاقة التي تجعلها تؤثر في الفكر على نفس النحو الذي تؤثر عليه الأشياء البسيطة تماما، ~~ولكن الذهن لا يقنع بذلك، فكلما رأى الشيء في ضوء آخر وجد كل هذه الصفات مختلفة، تقبل ~~التمييز والانفصال بعضها عن البعض، ولما كان هذا الرأي في الأشياء يهدم أفكاره الأولى ~~الأكثر طبيعية، فإنه أي هذا الرأي يدفع الخيال إلى ابتداع شيء غير معلوم، أو جوهر «أصلي» ~~ومادة «أصلية» يكون مبدأ الوحدة أو التماسك بين هذه الصفات، وهو الذي يجعل الشيء المركب ~~جديرا بأن يسمى شيئا واحدا، رغم تنوعه وتعقيده.» # 20 # وهنا أيضا يعترف هيوم بارتباط الفكرة «بأفكارنا الأولية الأكثر أصالة» - أي ~~بموقفنا الطبيعي - ولكنه من جهة لا يستخلص الدلالة الحقيقية لهذا الارتباط، ويقدم إلينا ~~من جهة أخرى ms023 صورة غريبة كل الغرابة عن تجربتنا: هي تلك التي «يبتدع» فيها الذهن أو «يصوغ» ~~دعامة لأفكارنا البسيطة، وكأن الأمر عملية واعية نقوم بها عمدا، وكأن في وسعنا تحديد ~~الظروف التي قمنا فيها بمثل هذا الجمع «الخيالي» بين الأفكار البسيطة في جواهر. # والمهم في هذا كله - على أية حال - هو أن أعنف الفلاسفة نقدا لفكرة الجوهر في الفلسفة ~~كانوا يعترفون في كتاباتهم ضمنا بأن الفكرة مرتبطة بموقف الإنسان الطبيعي، رغم محاولتهم ~~تصوير التجربة على نحو يخالف ما حدث فعلا في هذا الموقف، والنتيجة الحتمية للارتباط بين ~~فكرة الجوهر - مفهومة بمعنى أنها إدراك موضوعات إدراكنا على أنها «أشياء» - وبين التجربة ~~اليومية الفعلية للإنسان، هي أن ذلك الارتباط سيظل مستمرا وقائما مهما تغيرت الظروف ~~العلمية أو الفكرية التي يعيش فيها الإنسان؛ ذلك لأن الموقف الطبيعي - كما لاحظنا من قبل - ~~غير قابل للتغير، ومقتضياته الأساسية تظل قائمة على الدوام. # وإذا كان ضمن هذه المقتضيات فكرة وجود «أشياء» لها كيان مستقل قائم، وما تؤدي إليه هذه ~~الفكرة من القول بوجود «جواهر»، فإن هذه المقتضيات ستظل على الدوام لازمة للموقف الطبيعي، ~~ومن العبث أن يحاول أحد في أي عصر فصلها عنه. # ومع ذلك، فمن الشائع جدا أن نجد فيلسوفا يحاول أن يثبت أن نظرة الإنسان إلى العالم ~~بوصفه مؤلفا من «أشياء» قد تطورت وما زالت قابلة للمزيد من التطور، وسنضرب لذلك مثلين: ~~(أ) # ففي كتاب «علم الميكانيكا» يقول إرنست ماخ: «إن الطبيعة تتألف من إحساسات هي ~~عناصرها، ومع ذلك فقد التقط الإنسان البدائي أول الأمر مركبات معينة لهذه ~~العناصر، أعني تلك التي تتسم بثبات نسبي وبأهمية أعظم بالنسبة إليه، فأول ~~الكلمات وأقدمها هي أسماء «أشياء»، وحتى في هذه المرحلة نجد عملية تجريد ~~للأشياء مما يحيط بها، ومن التغيرات الصغيرة المستمرة التي تمر بها هذه ~~الإحساسات المركبة، والتي لا تلاحظ لأنها ليست بذات أهمية عملية، فلا وجود ~~لشيء لا يتغير، وإنما الشيء تجريد، والاسم رمز لمركب من العناصر نجرد منه ~~التغيرات، والسبب الذي يجعلنا نطلق كلمة واحدة ms024 على مركب كامل هو أننا نريد أن ~~نوحي بكل الإحساسات المكونة دفعة واحدة، فالإحساسات ليست علامات على الأشياء، ~~وإنما الشيء هو في الواقع رمز فكري لإحساس مركب ذي ثبات نسبي، وبعبارة أصح: ~~فالعلم ليس مؤلفا من «أشياء» هي عناصره، وإنما من ألوان وأصوات وضغوط وأمكنة ~~وأزمنة، وبالاختصار فهو مؤلف مما نسميه عادة بالإحساسات الفردية.» # 21 # في هذا النص يحاول المؤلف أن يقنعنا بأن فكرة «الشيء» ترجع إلى عملية غير ~~صحيحة قام بها الإنسان البدائي لأغراض عملية، أي إن لفكرة «الشيء» أصلا ~~تاريخيا مرتبطا بظروف معينة في مدنية الإنسان لا بطبيعة الإنسان نفسه، وهو ~~حين يشير إلى أن أقدم الألفاظ هي أسماء الأشياء، يرمي إلى إثبات هذا الارتباط ~~بين تكوين فكرة «الشيء» وبين الإنسان البدائي، على حين أن هذا القدم إن دل على ~~شيء فإنما يدل على تأصل هذه الفكرة في طريقة إدراك الإنسان من حيث هو إنسان، ~~وعلى أنها لا تتصل من قريب أو بعيد بأية مرحلة حضارية بعينها. ~~(ب) # وتقترب من ذلك إلى حد بعيد تلك المحاولة التي بذلها «مارجنو # Margenau ~~» لإثبات تطور قواعد تلك العملية التي ~~يضفي بها الإنسان صبغة الشيئية على موضوعات إدراكه، فهو يذهب في كتابه «طبيعة ~~العالم المادي» إلى أن عملية إضفاء الشيئية # reification # تنطوي على عدة عناصر لا يمكن ~~استخلاصها بالتجريد من المعطيات الحسية، ومن بين هذه العناصر: عنصر التركيب ~~وفقا لقواعد قابلة للتغير، لا كامنة في طبيعة الذهن البشري كما اعتقد كانت ~~وأتباعه، وهكذا انتهى إلى أن «عملية إضفاء صبغة الشيئية هي في الواقع أول خطوة ~~يتخذها جنسنا في سبيل الوصول إلى الإجراءات الأكثر تعقيدا والسائدة حاليا في ~~العلوم الدقيقة.» # 22 # ولنذكر هنا أنه يعرف عملية إضفاء صبغة الشيئية بأنها «عملية ~~افتراض «شيء» كلما عرض مظهر حسي.» # 23 # وهذا التعريف ذاته يستتبع أن تكون هذه العملية مختلفة تماما عن ~~تلك العملية المعقدة التي ندرك بها، فهي عملية افتراض «شيء»، وليست عملية ~~تعرف على شيء «محدد»، وليست عملية إضفاء صبغة الشيئية كما ظن «مارجنو»، ms025 هي ~~تلك العملية المعقدة التي ندرك بها أن هذه الإحساسات تؤلف «شجرة»، بل هي مجرد ~~العملية التي ندرك بها أن هذه الإحساسات تؤلف «شيئا» فحسب، أو على الأصح: إن ~~هناك «شيئا» ترتبط به هذه الإحساسات، ونحن نعترف أن العملية الأولى عملية ~~معقدة، وأنها تؤلف بالفعل الخطوة الأولى نحو التصنيف العلمي ، ولكن من الخطأ ~~تحديدها بأنها عملية إضفاء صبغة الشيئية على الأشياء، بل إنها قد تكون «تعرفا» ~~أو تحديدا أو تصنيفا، أي تحديد كنه الشيء، لا مجرد افتراض وجود «شيء» فحسب، ~~فهذا الفعل الأخير - أعني مجرد افتراض شيء - هو فعل أكثر أصالة، وغير قابل ~~للتغير، ولا شأن له على الإطلاق بما يحرزه العلم من تقدم، ولقد كان الخلط بين ~~ذلك الفعل الأصيل البسيط وبين العملية الأخرى الأكثر تعقيدا - وهي تحديد كنه ~~هذا الشيء - من أهم العوامل التي أدت إلى تعقيد العملية البسيطة الأولى، فكانت ~~النتيجة النهائية لهذا الخلط هي ظهور تلك الآراء التي يبدو أنها تؤدي إلى القول ~~بأن فعلا أصيلا كهذا يمكن أن يتغير تبعا لتقدم العلم أو تطور مدنية ~~الإنسان. # ولو قيل: إن علينا أن نقارن - زمنيا - بين النظرة إلى العالم على أنه مكون من إحساسات، ~~وبين النظرة إليه على أنه مكون من أشياء، لقلنا: إن أساس المقارنة ذاته غير صحيح، فالنظرة ~~الثانية تنتمي إلى الموقف الطبيعي، والأولى إلى الموقف العلمي، وعلى ذلك فالثانية في مجالها ~~الخاص غير قابلة للتطور؛ إذ لا يستطيع أحد أن يدعي أننا كنا أيام أرسطو ننظر إلى التفاحة ~~على أنها شيء أو جوهر، بينما أصبحنا الآن نعدها مجموعة من المدركات، أي لونا وطعما وشكلا ~~فحسب، ونتعامل معها على هذا الأساس، فمن الواضح أن التفاحة كانت ولا تزال وستظل دائما ~~«شيئا» بالنسبة إلى موقفنا الطبيعي. # بل إننا في هذا الموقف الطبيعي نقول بالشيء أولا، ~~ولا ندرك كيفياته البسيطة بما هي كذلك إلا في عملية تالية، فمن الخطأ الزعم بأن فكرة ~~«الشيء» حاجز لفظي يحجب عنا المكونات الحقيقية للطبيعة، وهي الإحساسات المباشرة، وأن تخطي ~~هذا الحاجز ms026 الذي تضعه اللغة بيننا وبين الطبيعة يوصل حتما إلى هذه المكونات الحقيقية، ~~فالقول بأن العالم - في موقفنا الطبيعي - مكون من «أشياء» هو قول أكثر أصالة من أي وضع ~~لحاجز لغوي. # والواقع أن هذا الرأي - الذي يرد فكرة «الشيء» إلى اللغة، ويجعلها حاجزا لغويا يحجب ~~عنا حقيقة العالم (وهي الإحساسات أو المعطيات المباشرة) - ينطوي على سوء فهم لمعنى ~~«الاتصال» ذاته، وبالتالي فهو تعبير عن نظرة قاصرة إلى طبيعة اللغة ووظيفتها، بالإضافة إلى ~~ما فيه من أخطاء في نظرية المعرفة؛ ذلك لأن وظيفة الاتصال هي نقل فكرة أو معنى من ذهن إلى ~~ذهن آخر، أما «واسطة» هذا النقل فليست هي التي ينصب عليها الاهتمام، ومن الممكن تشبيه ~~اللغة التي تتخذ واسطة في عملية نقل الأفكار من ذهن إلى آخر بالعملة الورقية في عمليات ~~التبادل الاقتصادي، فصحيح أن هذه العملة الورقية بعيدة كل البعد - من حيث قيمتها الذاتية - ~~عن السلع التي نبادلها بها، وليس للورقة المالية في ذاتها - ~~مهما علت قيمتها التبادلية - قيمة تذكر، ~~ولكن المهم هو أن يعترف الناس فيما بينهم بقيمة واحدة لها، ففي هذا الاعتراف المتبادل تكمن ~~قيمتها وفائدتها، أما قيمتها الذاتية أو علاقتها بما تتبادل معه فليست لها أهمية، واختلاف ~~القيمة الكامنة للعملة الورقية عما نشتريه بها لا يعني أبدا أنها لا تصلح للاستخدام في ~~الشراء والتبادل، ولو طبقنا هذا المثل على المشكلة التي نحن بصددها لتبين لنا بوضوح أن ~~اختلاف اللفظ عن الموضوع الذي ندل به عليه لا يعني أبدا أن هذا اللفظ يشوه طبيعة هذا ~~الموضوع أو يحول بيننا وبين معرفته، والواقع أن المساواة بين الرمز اللغوي وبين ما يدل عليه ~~ليست مطلوبة على الإطلاق، وما الرمز إلا جسر يعبر بالمعنى من ذهن إلى آخر، وهو يكون قد أدى ~~وظيفته كاملة إذا حقق عملية العبور هذه، بغض النظر عن علاقته - من حيث التشابه أو المساواة ~~- بالموضوع الذي يعبر عنه. # ولكننا لو تركنا هذا النقد اللغوي جانبا، وعدنا ~~إلى ذلك التقابل الذي يضعه أنصار الانطباعات الحسية بين التجربة ms027 المباشرة - التي نكتسبها عن ~~طريق هذه الانطباعات - وبين التجربة غير المباشرة، أو التحريف الذي يطرأ على التجربة بفضل ~~إدخال فكرة «الشيء» في إدراكنا؛ لأمكننا أن نقول، على العكس مما ينادي به أصحاب هذا الرأي ~~إن الزعم بأن الإحساسات المباشرة هي المكونات الحقيقية للطبيعة هو الذي يدل على التأثر ~~بالحواجز اللغوية ، على حين أن القول بأن العالم مكون من «أشياء» هو الذي يعكس تأثير التجربة ~~المباشرة، وهذا القول يبدو مضادا تماما للآراء السابقة المأثورة عن فلاسفة عديدين في ~~مختلف عصور التفكير الفلسفي، ولكن إثباته في ضوء التفرقة بين الموقفين العلمي والطبيعي ليس ~~عسيرا: فتجربة الإنسان الفعلية المباشرة ليست تجربة ألوان وطعوم وأصوات، وإنما هي تجربة ~~أشياء كاملة، وهذا أمر يقتضيه تكويننا نفسه لا أخطاء الإنسان البدائي أو التفكير قبل ~~العلمي، أما فكرة اللون أو الصوت أو الطعم فلا نصل إليها إلا بالتجريد من هذه التجربة ~~المباشرة التي هي واحدة لدى كل البشر وفي كل العصور، وهذا التجريد هو الذي يقتضي تصنيفا ~~لغويا، وتقسيما لإدراكنا المتكامل إلى عناصر مستقلة، وهذا التصنيف والتقسيم هما اللذان ~~يكونان أول مرحلة من مراحل التفكير العلمي، وبعبارة أخرى: فكون الأشياء - ~~التي هي موضوع إدراكنا المباشر - تنقسم إلى ~~عناصر مميزة، هو كشف لاحق يقتضي عملية معقدة لا بد لحدوثها من تطور عقلي وتهذيب حضاري ~~وتجريد لغوي معقد. # ولقد ناقش «إرنست ناجل» - وهو من أكبر ~~فلاسفة العلم المعاصرين - مواقف بيرسيون وآير وماخ، الذين يذهبون إلى أن المعطيات الحسية هي ~~العناصر الأولى والبسيطة لكل معرفة، وانتهى إلى موقف مشابه لذلك الذي نعرضه ها هنا؛ إذ قال: ~~«الواقع أننا إذا تأملنا الأمر من وجهة نظر الحقائق السيكولوجية، فإن المعطيات الحسية ~~الأولية ليست هي المواد الأصلية الأولى للتجربة، التي تشيد بواسطتها كل أفكارنا كما ~~تشيد البيوت من أحجار منفصلة، بل إن التجربة الحسية - على العكس من ذلك - هي استجابة ~~لأنماط معقدة - وإن تكن غير محللة - من الكيفيات والعلاقات، وتنطوي هذه الاستجابة عادة على ~~ممارسة عادة التفسير والتعرف المبنية على اعتقادات واستدلالات ضمنية ms028 لا يمكن استخلاصها من ~~أية تجربة منفردة مؤقتة، وعلى ذلك فاللغة التي نستخدمها عادة لوصف تجاربنا المباشرة ذاتها ~~هي اللغة المعتادة للاتصال الاجتماعي، التي تنطوي على تمييزات ومسلمات يرجع أساسها إلى ~~تجربة جماعية عامة، وليست لغة تحدد معناها على أساس الإشارة المزعومة إلى ذرات من الإحساسات ~~لم يفسرها الذهن. # والواقع أن من الممكن في بعض الأحيان - تحت ظروف مضبوطة بدقة - أن نحدد كيفيات بسيطة ~~تدركها الأعضاء الحسية مباشرة، غير أن هذا التحديد إنما يكون خاتمة لعملية مرسومة معقدة من ~~العزل والتجريد، نقوم بها لأغراض التحليل، وليست هناك شواهد موثوق بها على أن الكيفيات ~~الحسية تدرك على أنها بسائط ذرية ما لم يكن ذلك بوصفها نهاية ونتيجة لعملية كهذه، وفضلا ~~عن ذلك، فعلى الرغم من أننا قد نطلق على هذه النواتج اسم المعطيات الحسية، وندرج فئاتها ~~المختلفة تحت أسماء متباينة، فإن فائدة هذه الأسماء ومعانيها لا تثبت إلا من حيث هي إرشادات ~~توجهنا إلى القيام بعمليات تتعلق بأوجه نشاط جسمية واضحة، وإذن فمعاني ألفاظ المعطيات ~~الحسية لا تفهم إلا إذا سلمنا بالتمييزات والمسلمات التي يفترضها اتصالنا بالموضوعات ~~الخشنة للتجربة، ومعنى ذلك أن هذه الألفاظ لا يمكن استخدامها وتطبيقها إلا من حيث هي جزء من ~~مفردات لغة الموقف الطبيعي، وبالاختصار فإن لغة المعطيات الحسية ليست لغة قائمة بذاتها، ولم ~~يفلح أحد حتى الآن في وضع لغة كهذه، فإن لم يكن ثمة لغة كهذه، فإن الرأي القائل: إن كل ~~العبارات النظرية يمكن من حيث المبدأ ترجمتها إلى لغة المضمونات الحسية الخالصة هو رأي ~~مشكوك فيه أصلا.» # 24 ~~••• # ولنذكر دائما أن كل ما ذكرناه من نقد لا يصح إلا في ضوء التمييز الأساسي بين الموقفين ~~الطبيعي والعلمي، وهو تمييز لم يكن واضحا في الأذهان في معظم الأحوال، وبعبارة أخرى: فنحن ~~نعترف قطعا بأن العلم كان على حق تماما في استبعاده لفكرة الجوهر وفكرة الشيء من مجاله ~~الخاص عندما وجدها عقبة في طريق تقدمه، وفي هذا الصدد: لا يستطيع أحد أن ينكر حدوث تقدم ~~ملحوظ ms029 من العلم القديم - الذي كان يخلط بين الموقفين الطبيعي والعلمي، ويحصر الثاني في حدود ~~الأول - إلى العلم الحديث الذي اتبع لنفسه منهجا لا يتقيد فيه بحدود الموقف الطبيعي، مما ~~أدى به إلى إحلال العلاقات الرياضية محل الكيفيات المفتقرة إلى الاطراد والتجانس، فخروج ~~العلم عن حدود الموقف الطبيعي كان إذن تقدما لا شك فيه بالنسبة إلى العلم ذاته. # وبهذا المعنى يمكن القول: إن «باشلار» كان على حق تماما حين عاب على المشتغلين بالعلم - ~~في الفترة الأولى من العصر الحديث - أنهم كانوا يجسمون صفات ويضفون عليها كيانا قائما ~~بذاته، وأنهم بذلك أسهموا في إعاقة العلم الذي لا يعترف إلا بالصفات أو العلاقات، ولا يؤمن ~~بأية كيانات وهمية تتجسد فيها. # 25 # ولكن الأمر في الفلسفة يختلف: فعندما وجد الفلاسفة أن العلم الحديث يستغني عن فكرة الجوهر ~~ويحل محلها فكرة العلاقات؛ اتجهوا إلى استبعاد فكرة الجوهر استبعادا تاما، ولم يتنبهوا ~~إلى أن استغناء العلم عن هذه الفكرة لا يعني استغناء الإنسان في موقفه الطبيعي عنها، فالعلم ~~حين شق لنفسه طريقا مستقلا؛ نتيجة لاهتدائه إلى منظورات أخرى للعالم مختلفة عن ~~المنظور المعتاد، قد استغنى عن فكرة الجوهر؛ لأنها لم تعد تلائم هذه المنظورات الجديدة، ~~ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أنها لم يعد لها مكان في تجربة الإنسان؛ إذ إنها - هي وفكرة ~~الشيء الوثيقة الارتباط بها - جزء لا يتجزأ من تجربة الإنسان الطبيعية التي وجدت بعض فروع ~~العلم لزاما عليها أن تتجاوزها، ونقول: «بعض فروع العلم»؛ لأن هناك فروعا تفترض فكرة ~~الجوهر أو الشيء، وذلك مثل علوم الحيوان والنبات والجيولوجيا والجغرافيا إلخ، وهي علوم لن ~~تكف عن معالجة موضوعاتها على أنها «أشياء» بنفس المعنى الذي يدرك به الإنسان موضوعات تجربته ~~في الموقف الطبيعي على أنها أشياء. # وإذن، فلم يكن خطأ الفلسفات القديمة ينحصر في القول بفكرة الجوهر ذاتها، وإنما في ~~الاعتقاد بأن هذه الفكرة - التي تنطبق على مجال الإنسان المعتاد - تنطبق أيضا على المجال ~~العلمي، أما الفلسفات الحديثة فقد ارتكبت الخطأ المضاد، وهو محاولة استبعادها ms030 من جميع ~~المجالات. # وربما كان شعور كانت بخطأ الاتجاه الأخير هو الذي دفعه إلى محاولة تبرير فكرة الجوهر ~~تبريرا ترنسندنتاليا، وعلى أية حال فكثيرا ما انتقد كانت على أساس أن احتفاظه بفكرة ~~الجوهر في فلسفته كان يمثل خروجا على الاتجاه العام للعلم الحديث الذي كان قد أخذ يسير ~~بوضوح في طريق العلاقات الرياضية بدلا من الجواهر، وقد لا يكون هذا الانتقاد في واقع الأمر ~~إلا مظهرا آخر للخلط الذي طالما أشرنا إليه؛ إذ إن «كانت» ربما لم يكن يرمي إلى تبرير ~~الفكرة في ميدان العلم (والمثل الذي ضربه ب «فكرة» بقاء الطاقة في كتاب نقد العقل الخاص ~~(ص # B. 228 ~~) كان مجرد مثل عارض لا يقصد به إلا إيضاح فكرته فحسب)، بل كان يرمي إلى تبريرها على ~~أساس ارتباطها بفكرة الدوام، وهي الفكرة التي يعدها «شرطا ضروريا هو وحده الذي يتيح لنا ~~تحديد المظاهر على أنها أشياء أو موضوعات في تجربة ممكنة.» ( # B. 232 ~~)، وهكذا يمكن أن يقال: إن تبرير ~~كانت لفكرة الجوهر كان راجعا إلى كونها عنصرا أساسيا من تلك العناصر التي تجعل التجربة ~~ممكنة، بل إنه يؤكد رسوخ فكرة الجوهر بين الفلاسفة وفي الذهن المعتاد بوصفها العنصر الثابت ~~من وراء التغيرات ( # B. 227 ~~)، وربما كانت حالة «كانت» مثلا ~~فريدا لفيلسوف اعترف بضرورة فكرة الجوهر في تجربة الإنسان المعتادة، وسط اتجاه فلسفي عام ~~كان يرمي إلى استبعادها من جميع المجالات. ~~••• # وسنحاول هنا أن نختبر بعض أمثلة الحالات التي انتقد فيها الموقف الطبيعي لعجزه عن ~~الوصول إلى الصورة العلمية للعالم، مع أن هذا العجز أمر لا مفر منه، وهو جزء من كيان الموقف ~~الطبيعي المستقل عن العلم: ~~(1) # ففي كتاب «ديالكتيك القرن العشرين» يتحدث «فورستنبرج» عن المثال الذي ضربه ~~العالم الإنجليزي «إدنجتن» عن المنضدة التي نعرفها من جهة كشيء نكتب عليه، ~~ويعرفها لنا العلم من جهة أخرى كمجموعة لا متناهية من الجسيمات والموجات ... إلخ، ~~فيقول عن هذين التفسيرين: # إن أحدهما صادر عن الأطفال وأنصاف المتمدينين، والآخر راجع إلى ~~ملاحظة بصرية بلغت ms031 مستوى رفيعا من الإحكام العقلي والدقة الرياضية ... ~~فنحن هنا إزاء تفسيرين ناتجين عن الملاحظة وردا إلينا من عصرين ~~مختلفين من عصور مدنيتنا؛ فما أعجب هذه النقيضة! # 26 # في هذا النص نجد مثالا لمفكر يعد الموقف الطبيعي مرتبطا ب «الأطفال وأنصاف ~~المتمدينين» فحسب، ولست أدري كيف يتصرف هذا المفكر ذاته في حياته العلمية إزاء ~~ما لديه من مناضد! وهو يصف الموقف الطبيعي والموقف العلمي بأنهما راجعان إلى ~~«عصرين مختلفين»، وكأن الإنسان في عصرنا العلمي هذا يستطيع أن يستغني تماما ~~عن فكرة «الشيء»، ويعامل المنضدة في جميع تجاربه - بما فيها تجارب الحياة ~~اليومية - على أنها مجموعة من الدقائق والجسيمات! ~~(2) # وفي كتاب «العلم الفيزيائي» يقول «بلانشيه»: # إن الإصلاح الذي أحدثه تطبيق ~~طريقة التفكير الرياضية على فهمنا للواقع يقترن إذن بتغير أساسي في نظرتنا إلى ~~الواقع وعلاقته بالروح، فلم يعد الواقع نقطة بداية، بل أصبح حدا نهائيا ~~للمعرفة، ولم يعد يعطي للحساسية عن طريق صفات جوهر، بل إن العقل هو الذي يركبه ~~بأن يجعل منه نسقا من العلاقات، وهكذا تتحقق في ميدان المعرفة وميدان الوجود ~~تلك الثورة «الكبرنيكية» التي قدم إلينا كانت التعبير الفلسفي عنها؛ فالأشياء ~~من الآن فصاعدا هي التي تدور حول الروح بما لهذه من جاذبية. # 27 # مثل هذا التصوير لتطور العلم قد يبدو في ظاهره صحيحا، غير أن الخطأ الذي ~~ينبغي أن ننبه إليه هو أن هذا النوع من التفكير يصور الأمور كما لو كان من ~~الواجب أن تختفي تلك الصفات الحسية التي تقدم إلينا الواقع اختفاء تاما، فلا ~~يعود هناك مجال إلا لنسق العلاقات الرياضية التي يكونها العقل، ولكن الواقع أنه ~~إذا كانت قد حدثت في مجال العلم «ثورة كبرنيكية» فإن هذه الثورة لم تقض على ~~«النظرة البطليموسية» التي لا تزال قائمة في مجال الموقف الطبيعي، والتي لا ~~يمكن أن يغير منها تطور العلم. ~~(3) # ففي المثلين السابقين إذن تعبير عن الاعتقاد الخاطئ بأن تطور المنهج العلمي ~~الحديث يؤدي إلى تغيير «كامل» في نظرة الإنسان إلى العالم، وكأن الموقف الطبيعي ~~هنا ms032 يحاسب على عدم مجاراته لتقدم العلم، الذي يظن أنه يؤدي إلى رفض الأول ~~تماما، ومثل هذا الخطأ ناتج - بلا شك - من عدم التنبه إلى اختلاف وظيفة كل من ~~الموقفين. # غير أن هناك فئة أخرى من النقاد تتخذ الموقف المضاد، فتحاسب العلم على عجزه عن تقديم وصف ~~كامل لجميع أوجه الموقف الطبيعي، وهو خطأ لا يقل في نظرنا عن الخطأ السابق . # ففي كتاب «العلم والواقع» يقول «برونر»: # إن أي اختلاف عددي لا يصل أبدا إلى إيضاح كنه اختلاف الألوان ... وإن العلم إذ ~~يقتصر على معالجة العالم من ناحيته القابلة للعد، إنما يختار سبيلا يؤدي إلى تضييق ~~نطاق اتصاله بهذا العالم ... # ونتيجة ذلك أن الفيزياء ناقصة على الدوام، ما دامت نظرتها إلى الشيء عاجزة عن كشف ~~الشيء ذاته لها ... # 28 # مثل هذا النقد - الذي يعد محور كتابات فيلسوف مثل برجسون - يحمل على العلم؛ لأنه لا يقدم ~~للعالم صورة عينية ملموسة كتلك التي تجلبها لنا حواسنا، وهذا أيضا خطأ ناتج عن الخلط بين ~~وظيفتي الموقف الطبيعي والموقف العلمي، فليس من شأن الموقف العلمي - على الإطلاق - أن يقدم ~~عن العالم تلك الصورة التي نحتاج إليها في سلوكنا اليومي بما فيها من كيفيات عينية. # ولعل هذه الأمثلة المختارة من مفكرين ذوي اتجاهات مختلفة كافية لإيضاح ما نقصده بفكرة ~~الفصل بين المجالين العلمي والطبيعي، فمهمة العلم الأساسية هي تقديم تفسير للظواهر يؤدي ~~إلى «فهمها» وكشف قوانينها العامة، وهو في سبيل ذلك يتبع منهجا يؤدي به إلى رد ~~المركب إلى البسيط، وإحالة الكيف إلى الكم كلما أمكن ذلك، أما الموقف الطبيعي فهو تعبير ~~عن نظرتنا إلى العلم كما نسلك فيه عمليا على نحو يفي بمطالبنا الحيوية، ومن هنا كان هذا ~~الموقف يبقي بالضرورة على اختلافات الكيفيات ولا يحاول على الإطلاق ردها إلى نسق كمي ~~مطرد، فالألوان التي يردها العلم إلى موجات، والتي لا يختلف الواحد منها عن الآخر إلا ~~كميا، هي ظاهرة أساسية من وجهة النظر الطبيعية، والاختلاف الكيفي بين اللون يؤدي في ذلك ~~الموقف وظيفة أساسية: ms033 فالتمييز بين الأبيض والأسود لا غناء عنه لإمكان الإبصار، وبالتالي ~~إمكان السلوك العملي وتجنب العوائق، والتمييز بين الألوان الأخرى يؤدي وظيفة أساسية في ~~تذوقنا الفني لموضوعات الإبصار، والتمييز بين الأصوات لا بد منه للتعامل مع الناس ومع ~~البيئة الطبيعية إلخ ... # وهذه التفرقة الواضحة بين وظيفة الموقفين هي وحدها الكفيلة بحفظ حقوق كل منهما كاملة: ~~إذ تؤدي إلى الدفاع عن موقف الإنسان الطبيعي ضد الاعتقاد بإمكان تغلغل الصورة العلمية ~~للعالم في جميع المجالات، وإلى الدفاع عن العلم في الآن نفسه من تهمة العجز عن تقديم صورة ~~«عينية» كاملة للعالم. # | الفلسفة والموقف الطبيعي # انتهى بنا بحثنا السابق إلى النتيجة الهامة التالية، وهي أن الموقفين: الطبيعي والعلمي ~~كانا غير واضحي التميز في الفكر القديم، شأنه في ذلك شأن كل محاولة مبتدئة، ثم تفرعا ~~بالتدريج بحيث اتضحت خصائص كل منهما ووظائفه وأغراضه الخاصة التي يخدمها، كما انتهى بنا هذا ~~البحث إلى نتيجة أخرى لا تقل عن هذه أهمية، وهي أن هذا التمييز غير واضح في أذهان الكثيرين، ~~بدليل أن الموقف الطبيعي كثيرا ما يلام؛ لأنه يعجز عن تقديم تفسير للظواهر له دقة التفسير ~~العلمي وإحكامه، مثلما يلام الموقف العلمي أحيانا؛ لأن الصورة التي يقدمها عن العالم ~~تفتقر إلى عينية الصورة الحسية المعتادة وثرائها. # فأين تقع الفلسفة بين هذين الموقفين؟ أعني هل ينتمي البحث الفلسفي إلى مجال الموقف ~~الطبيعي أم إلى مجال الموقف العلمي؟ مثل هذا السؤال يثير في واقع الأمر مشكلة طبيعة التفكير ~~الفلسفي بأسرها، وهي مشكلة تتعدد الآراء فيها بقدر ما تتعدد المذاهب الفلسفية ذاتها. # ولكي نستطيع أن نحدد المجال الذي ينبغي أن نحصر فيه بحثنا لهذه المسألة، علينا أن نعرض ~~السؤال بطريقة أدق: فما هي بالضبط طبيعة العمل الذي يقوم به الفيلسوف حين يفكر؟ أهو بحث ~~علمي؟ إن الأفكار الفلسفية كثيرا ما أثرت في العلم وتأثرت به، ولكني لا أظن أن الكثيرين ~~يعجزون عن تمييز طبيعة مهمة العالم من مهمة الفيلسوف، فهل يمثل تفكير الفيلسوف إذن تعبيرا ~~عن الموقف الطبيعي؟ الرد المألوف ms034 على هذا السؤال هو أن الفلسفة مبحث قائم بذاته، لا تستطيع ~~أن تقول عنه: إنه بحث علمي بالمعنى الدقيق للكلمة، أو مجرد تعبير عن الموقف الطبيعي ~~المعتاد، الذي يكاد الفلاسفة يخرجون عنه في معظم الأحوال. # ومع ذلك، فإن عرض السؤال ما زال في حاجة إلى مزيد من الإيضاح، فقد تحدثنا من قبل عن ~~الموقف الطبيعي من حيث هو موقف الإنسان في حياته العملية المعتادة، حين ينظر إلى العالم على ~~أن فيه «أشياء»، وحين يعد هذه الأشياء ذات وجود مستقل خارج عنه، وذكرنا أن الموقف العلمي ~~يبحث عن أوجه كامنة من وراء الوجه الذي يراه إدراكنا المعتاد؛ وذلك لأغراض مختلفة تماما عن ~~أغراض هذا الإدراك، أعني لأغراض الفهم والتفسير، لا السلوك العملي والحيوي وحده، والآن فما ~~الذي يتيح للعلم اتخاذ مثل هذا الموقف المستقل عن الموقف الطبيعي؟ أعني كيف يتسنى له أن ~~يكون عن عالمنا هذا صورة مختلفة عن تلك التي نكونها في حياتنا اليومية؟ لا شك أن الذي ~~أتاح له ذلك هو المنهج من جهة، والمعدات من جهة أخرى، فبفضل المنهج المنظم الدقيق وبفضل ~~الآلات العلمية - بأوسع معاني هذه الكلمة - أمكن كشف هذه الصور المتعاقبة للعالم، التي ~~يزيدها العلم دقة على الدوام كلما تقدمت مناهجه ومعداته. # ولكن هل توافر لدى الفيلسوف مثل هذا المنهج وهذه المعدات؟ أما المعدات فهي بطبيعة الحال ~~منعدمة تماما، وأما المنهج فهو ما اعتدنا أن نسميه في الفلسفة «دقة التفكير»، وهو لا يعدو ~~- في رأيي - أن يكون قدرة الفيلسوف على اتباع قواعد الاستدلال دون خطأ، وهذا التعريف للمنهج ~~- فضلا عن ذلك - نظري بحت، ويمكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ إذ إن الإلمام الدقيق بقواعد ~~الاستدلال يكسب المرء قدرة خفية على الخروج على هذه القواعد بطريقة بارعة لا يسهل كشفها، ~~ومن هنا كانت تلك الأخطاء الاستدلالية التي لم يسلم منها فيلسوف، والتي لا نستطيع أن ~~نقول: إنها كلها ترتكب عن عمد، ولكنها تدل - على أية حال - على أن منهج الفلسفة مخالف ~~للمنهج العلمي؛ لأن الأخير - رغم قابليته ms035 للتطور والتجديد المستمر - ينمو بطريقة تراكمية ~~إلى حد ما، بينما لا تزال أكثر الموضوعات الفلسفية الأولية موضوعا للجدل حتى اليوم. # وإذن فليست لدى الفيلسوف «وسائل» كتلك التي تمكن بها العلم من الخروج عن الموقف المعتاد، ~~وهنا تبدأ تلك الصفات المميزة للفلسفة في الظهور، فالفلسفة تبدأ بالفعل من موقفنا الطبيعي، ~~و«الموضوعات» التي يبحثها الفيلسوف - ولا سيما في ميدان نظرية المعرفة - هي بعينها موضوعات ~~الموقف الطبيعي، وقد يقال: إن العالم أيضا يبدأ من موضوعات الموقف الطبيعي، ولكن الواقع ~~أن هذه ما هي إلا نقطة البداية الأولى، التي سرعان ما يتجاوزها العالم بقدر ما يمكنه ~~منهجه ومعداته من تحويل الكيفيات في موضوعات الموقف الطبيعي إلى كميات، أما الفيلسوف فإنه ~~يظل حتى النهاية في حدود هذه الموضوعات، ومع ذلك فإنه يريد منا في معظم الأحيان أن نصور هذه ~~الموضوعات بصورة مخالفة لصورتها في موقفنا الطبيعي، وذلك بقوة قواعد الاستدلال ~~وحدها. # والآن، فلنضرب بعض الأمثلة الكفيلة بتوضيح العبارات المجردة السابقة، فحين يشرح باركلي ~~فكرة «وجود الشيء هو كونه مدركا»، يلجأ دائما إلى أمثلة كهذه: «إنني حين أقول عن المنضدة التي أكتب عليها: إنها توجد، أعني أنني أراها وأحسها، ~~وإذا غادرت غرفتي فسأقول: إنها موجودة، بمعنى أنني لو وجدت في غرفتي فسأدركها، أو ~~أن روحا أخرى معينة تدركها بالفعل.» # 1 # وحين يناقش هيوم اعتقادنا بوجود فئة معينة من الانطباعات وجودا مستمرا، يضرب أمثلة ~~كهذه: «تلك الجبال والبيوت والأشجار - التي تقع عليها الآن أنظاري - قد بدت لي دائما في ~~نفس النظام، وعندما لا أعود أراها بإغماض عيني أو إدارة رأسي، فسرعان ما أجدها تعود ~~إلي دون أدنى تغيير ...» # 2 # وحين يتحدث عن فكرة الوجود الخارجي للأشياء، يشرح رأيه من خلال هذا المثل: ~~«إن نفس هذه المنضدة التي نراها بيضاء، ونشعر بصلابتها عند اللمس، يعتقد أنها ~~توجد مستقلة عن إدراكنا، وأنها شيء خارج عن ذهننا الذي يدركها، وحضورنا لا يضفي ~~وجودا عليها، كما أن غيابنا لا يزيلها، وهي تحتفظ بوجودها مطردا كاملا، مستقلا ~~عن حالة الكائنات العاقلة التي ms036 تدركها أو تتأملها. # غير أن هذا الرأي العام والأولي الذي يقول به جميع الناس، سرعان ما يهدمه أبسط ~~قدر من التفلسف ... فليس ثمة شك، في رأي كل ذي عقل فاحص، أن تلك الموجودات التي ~~نقصدها - حين نقول: هذا البيت أو هذه ~~الشجرة - ليست إلا إدراكات في الذهن ونسخا أو تمثلات عابرة لموجودات أخرى تظل ~~مطردة مستقلة.» # 3 # فموضوع تفكير الفيلسوف في هذا الميدان هو إذن موضوعات إدراكنا المعتاد، وهو يظل يلتزم هذه ~~الموضوعات إلى النهاية، وكل ما يفعله هو أن يقدم إلينا تحليلا يستخدم فيه براعته المنطقية، ~~ويخضع فيه للبرهان أو للتفنيد ذلك الموقف الطبيعي الذي يرى الذهن المعتاد أنه ليس موضوعا ~~للتفكير النظري على الإطلاق، وليس في وسع الفيلسوف - حين يبحث مشكلة المعرفة - أن يتحدث عن ~~موضوعات غير «المنضدة» أو «البيوت» أو «الأشجار»؛ إذ إنه لا يملك «الوسيلة» التي تمكنه من ~~تجاوز هذه الموضوعات أو النظر إليها من أوجه أخرى، حقا إنه يتحدث من آن لآخر عن «المنضدة ~~من حيث هي مجموعة من الذرات والموجودات»، ولكن هذه في واقع الأمر تعبيرات مستعارة من ~~الميدان العلمي، وليس للفيلسوف نفسه الكلمة الحاسمة فيها. # وإذن فالفيلسوف - عندما يلتزم ميدانه - يتخذ نقطة بدايته من الموقف الطبيعي حتما، ويعالج ~~نفس الموضوعات التي نعالجها في موقفنا الطبيعي، وهذا هو ما كان يعنيه «كانت» حين جعل ~~فلسفته النظرية تركز حول بحث «المبادئ التي تجعل التجربة ممكنة»، فالأمر الذي لا شك فيه ~~أن كلمة «التجربة» - كما استخدمها «كانت» - تعني تجربة المعرفة المألوفة لدى الإنسان، أي ~~إنه بينما يسلم الإنسان في موقفه الطبيعي بأنه يعرف أشياء توجد في مكان وزمان، وبينما ينسب ~~إليها عددا وسببا، فإن فلسفة «كانت» تنقب عن الشروط الكامنة من وراء عناصر هذه التجربة ~~الطبيعية، وتبحث في «شروط إمكانها». # وصحيح أن «كانت» بذل في بعض الأحيان جهدا لإثبات كون هذه الشروط هي ذاتها شروط إمكان ~~العلوم الرئيسية، كمحاولته أن يثبت أن فكرتي الزمان والمكان هما أساس إمكان العلم الرياضي، ~~وأن تصورات الذهن هي أساس إمكان ms037 العلم الطبيعي، غير أن هذا في رأينا تطبيق تال، تعلله تلك ~~النزعة القوية إلى التوحيد المذهبي عند «كانت»، وهي النزعة التي جعلته يحاول تفسير كل أطراف ~~المعرفة المباشرة من خلال مبادئ موحدة، أما المعنى الأصلي لفكرة «التجربة» فلا يمكن - في ~~رأينا - إلا أن يكون تجربة المعرفة المألوفة التي نتركها في حياتنا اليومية دون تحليل، ~~والتي يكرس «كانت» أبحاثه النظرية للبحث عن شروط إمكانها . # وينتهي «جينز # Jeans ~~» في كتابه «الفيزياء والفلسفة» إلى ~~نتيجة مماثلة، ولكنه يتخذها أساسا لاستخلاص رأي يختلف تماما عما نقول به هنا، فهو يربط ~~بين قضايا الفلاسفة وبين العالم المألوف الذي يطلق عليه اسم «العالم الملائم لحجم الإنسان # The man-sized world ~~»، ويقول: «إن ~~جميع النتائج التي توصل إليها الفلاسفة حتى وقتنا الحالي كانت نتائج استنبطتها أذهان ~~تنتمي كلها إلى نمط واحد هو النمط البشري، وتتأمل مدركات تنتمي إلى عالم واحد.» # 4 # هذا العالم الواحد هو العالم الملائم لحجم الإنسان، ومن خلال هذا العالم يتحدث ~~جميع الفلاسفة، ومنه استمد فيلسوف مثل «كانت» مقولاته التي اعتقد أنها تنتمي إلى تركيب ~~الذهن البشري ذاته. # ولا شك أن هذا الرأي يتفق تماما مع ما قلناه عن ارتباط الفلسفة بالموقف الطبيعي، ولكن ~~الفارق بين الرأي المعروض في هذا البحث وبين رأي «جينز» يرجع إلى اعتقاد هذا الأخير بأن ~~الحالة العلمية السائدة في عصور هؤلاء الفلاسفة هي التي جعلت معارفهم ترتبط بالعالم الملائم ~~لحجم الإنسان، ففي رأي «جينز» أن مقولات «كانت» تنتمي إلى عصر كان العالم الملائم لحجم ~~الإنسان فيه هو العالم الوحيد الذي يعترف به العلم، في حين أن أي فيلسوف في عصرنا هذا ينبغي ~~عليه أن يستبعد فكرة الجوهر وفكرة العلية؛ لأنهما لا تصحان على عالم الفيزياء ~~الذرية. # وهنا يظهر الفارق بوضوح: فنحن نرى أن مثل هذه المقولات والمبادئ الفلسفية تتحدث عن العالم ~~الملائم لحجم الإنسان لا لأنه هو العالم الذي كان العلم يعرفه في عصر هؤلاء الفلاسفة، بل ~~لأنه هو العالم الذي يحيا فيه الإنسان حياته اليومية، وهذا العالم - بمعناه الأخير ms038 - غير ~~متغير، ولا يمكن أن تؤثر فيه أية كشوف علمية، وارتباط الفلاسفة بهذا العالم ارتباط لا مفر ~~منه؛ إذ ليس لديهم من الوسائل ما يمكنهم من تجاوزه، ومن هنا كان الفارق بيننا وبين «جينز» ~~ينحصر في أنه: إذا كان هذا الأخير قد رأى وجوب استبعاد فكرة الجوهر نهائيا في مجال الفكر، ~~على أساس أنها لا تنطبق على عالم الفيزياء الذرية، فإنا نرى أن هذه الفكرة صحيحة في المجال ~~الذي قصد بها الانطباق عليه، وهو مجال الحياة اليومية، # 5 # وستظل صحيحة في هذا المجال مهما تغير موقف العلم منها، ومهما كشف عن عوالم لا ~~تصح عليها. ~~••• # وإذن فللفلسفة تلك الصفة الفريدة، وهي أنها تبدأ من موضوعات الموقف الطبيعي ذاتها، ولا ~~تملك الوسيلة التي تتيح لها تأمل هذه الموضوعات من منظور مخالف لهذا الرأي، وهي في ذلك ~~تختلف عن العلم، الذي يستطيع بفضل منهجه ومعداته أن يتخذ لنفسه موضوعات خاصة به، لا تشترك ~~مع موضوعات الموقف الطبيعي إلا في البدايات الأولى للعلم فحسب. # ولكن من الملاحظ - من جهة أخرى - أن البحث الفلسفي يؤدي في معظم الأحيان إلى نتائج مضادة ~~للموقف الطبيعي، بل يستهدف القضاء على هذا الموقف منذ البداية، أما العلم فإنه حين يبدو ~~مخالفا للموقف الطبيعي، يتخذ في واقع الأمر ميدانا مستقلا، تاركا الموقف الطبيعي ~~وشأنه. # صحيح أن بعض العلماء قد حاولوا أن ينتقدوا هذا الموقف بناء على نتائج أبحاثهم، غير أن ~~هذا الانتقاد في الواقع تطبيق «فلسفي» للنتائج العلمية وليس جزءا من صميم البحث العلمي، ~~أما في الفلسفة فإن هذا الانتقاد يكاد - بالنسبة إلى معظم المذاهب - يكون نقطة البداية التي ~~لا بد منها للتفلسف، وهكذا يقول العالم: إن هذه المنضدة تكون مجموعة من الذرات والموجات ~~إذا استخدمنا في بحثها المنهج العلمي والمعدات العلمية، وهذا يعني الاعتراف ضمنا بأنك ~~تستطيع أن تعاملها على أنها منضدة بالمعنى المألوف طالما أنك في موقف لا تحتاج فيه إلى ~~استخدام هذه المعدات وهذا النهج، أما الفيلسوف فيقول: إن هذه المنضدة نفسها - كما تدركها ~~أنت - ليست ms039 شيئا ماديا خارجيا، وإنما هي ذاتية، وإدراكك لها على أنها شيء خارجي هو ~~إدراك باطل، وهكذا يكون ميدان المعركة في الفلسفة هو موضوعات الموقف الطبيعي ذاتها، ولا ~~يتسنى للفلسفة - طالما أنها تلتزم حدودها - أن تحارب في أي ميدان غير هذا. # والمشكلة التي نود أن نبحثها في الفصول التالية هي: هل الفلسفة على حق حين تعترض على ~~الموقف الطبيعي بقوة المنطق وحدها؟ أعني: هل تستطيع أن تخالف هذا الموقف أو تخرج عنه دون أن ~~يكون لديها ما لدى العلم من وسائل، وأن تدعونا - عن طريق الاستدلالات وحدها - إلى أن ننظر ~~إلى العالم على أنه «ليس» مكونا من أشياء خارجة عنا؟ ~~أليس هناك احتمال قوي في أن تكون استدلالات الفلاسفة هنا باطلة، أو عاجزة عن الوصول إلى هذه ~~النتيجة؟ بل أليس هناك احتمال قوي في ألا تكون المشكلة ذاتها قابلة للحل عن طريق الاستدلال ~~أو المنطق عامة؟ # | مراحل المثالية # (1) الشك في الحواس # سبق أن حددنا المعنى الذي سوف نستخدم فيه كلمة المثالية في هذا البحث: فهي تعني هنا ~~كل مذهب يقف موقفا مضادا للموقف الطبيعي، وهذا - ~~كما ذكرنا - معنى أوسع بكثير من المعنى ~~المألوف للكلمة، ولكنه - دون شك - ينطوي على هذا المعنى المألوف بوصفه جزءا ~~منه. # وأول مرحلة في مراحل خروج المثالية عن الموقف الطبيعي: هي الشك في الحواس، ومن الواجب ~~منذ بداية الأمر أن يحدد بدقة معنى عبارة «الشك في الحواس» هذه كما تستخدم لدى ~~المثاليين، فالمقصود من العبارة ليس الشك في أداء الحواس لعملها، وإنما الشك في قدرتها ~~على نقل موضوعات خارجية لنا، فالمثالي لا يشك في قدرة العين على إدراك شكل كري أحمر ~~اللون، ولكنه يشك في كون هذا الشكل الذي تنقله إلينا «تفاحة» يفترض أن لها وجودا خارج ~~وجودنا، وسوف نرجئ إلى موضع تال مناقشة دلالة هذا المعنى بالنسبة إلى مشكلة الإحساس؛ ~~لأن هدفنا الحالي هو إيضاح المعنى نفسه فحسب. # وهناك ظاهرة واضحة كل الوضوح في هذا الشك المثالي، هي أنه يعتمد - في كل ~~الأحوال تقريبا - على «حالات ms040 الشذوذ»، أعني أن أول ما يفعله المثالي ~~لتبرير شكه في الحواس هو أن يأتي بأمثلة لحالات «شاذة» في الإحساس، وفي ~~ذهنه أن الشك في البعض يبرر الشك في الكل. # وسوف نضرب أمثلة قليلة لالتجاء المثاليين إلى حالات الشذوذ، وهي أمثلة ~~سنختارها بوصفها تمثل اتجاها عاما في المثالية فحسب: # فنقطة البداية في تفنيد أفلاطون للنظرية القائلة: إن الإدراك الحسي هو ~~مصدر المعرفة، هي الرجوع إلى ما يحدث في «الأحلام والأمراض وفي حالة الجنون ~~بوجه خاص وفي مختلف أوهام السمع والإبصار أو غيرهما من الحواس.» # 1 # وحين يحاول هيوم أن يفند الاعتقاد بوجود موضوعات إدراكنا وجودا ~~مستمرا مستقلا (وهو الاعتقاد السائد في الموقف الطبيعي)، يضرب أمثلة ~~بالتجارب الآتية: «عندما نضغط بإصبعنا إحدى عينينا، نرى في الحال أن كل ~~الأشياء قد أصبحت مزدوجة، وأن نصفها قد انتقل من موقعه المألوف الطبيعي، ~~ولكن لما كنا لا ننسب إلى كل من هذين الإدراكين وجودا مستمرا، ولما ~~كان لكل منهما طبيعة واحدة، فإنا نرى من ذلك أن جميع إدراكاتنا تتوقف على ~~أعضائنا ... وهذا الرأي يؤيده ... ما يطرأ على لون الأشياء وكيفياتها الأخرى من ~~تغيرات؛ نتيجة لمرضنا وتغير مزاجنا ... ومن هذا كله نرى أن إدراكاتنا الحية ~~ليس لها أي وجود متميز أو مستقل.» # 2 # ويعرض شوبنهور البراهين الآتية للتدليل على أن العقل - لا الحس - له ~~الدور الأكبر في عملية الإدراك، فهو يشير إلى «الطريقة التي يتعلم بها ~~الإبصار الأطفال والأشخاص الذين ولدوا ضريرين ثم أجريت لهم عمليات ~~جراحية ... والرؤية المزدوجة واللمس المزدوج عندما يتغير موقع أعضاء الحس من ~~وضعه الأصلي ... و آلة الصور ~~المجسمة # Stereoscope ~~؛ كل هذه براهين أكيدة دامغة على أن كل إدراك لا ~~يتم عن طريق الحواس وحدها ...» # 3 # لا يستطيع أحد أن يقول: إن هذا النوع من الأمثلة هو النوع الوحيد الذي ~~يضربه المثاليون للتشكيك في الحواس، ولكن لا جدال في أنه يمثل عنصرا ~~قويا من عناصر النقد المثالي للحواس، بل إنه يكاد يكون نقطة البداية ~~المتكررة دائما في هذا النقد. # ولكن عندما نقول ms041 في موقفنا الطبيعي: إن الحواس تنقل إلينا معرفة بالعالم ~~الخارجي، فما الذي نقصده ب «الحواس» هنا؟ إننا ~~نقصد - بلا شك - حواس الإنسان ~~السوي السليم، أعني الإنسان الذي اكتملت حواسه الخمسة، ويدرك وهو في حالة ~~طبيعية لا يشوبها مرض أو شذوذ، أليس من المضحك إذن أن يرهق الفلاسفة ~~المثاليون أنفسهم في سبيل البحث عن حالات «شاذة» لكي يحملوا على الإدراك ~~عامة حتى لو كان سويا، فيظلون يتحدثون - مثل ديكارت - عن حالات الهلوسة، ~~أو مثل باركلي عن المولود أعمى، أو مثل شوبنهور عن ازدواج الرؤية، أو مثل ~~هيوم عن الجنون، حتى ليكاد ميدان نظرية المعرفة يتحول إلى «مصحة» كل ~~نزلائها من الشواذ والمنحرفين والمجانين، ويظل أطباؤهم من الفلاسفة يرعونهم ~~بكل حدب، لا لكي يشفوهم، بل لكي يخيفوا بهم الأصحاء! # إن المبدأ الذي يعتمد عليه المثاليون في هذه الحالة، وهو مبدأ «ما يصح ~~على الجزء يصح - أو قد يصح - على الكل.» هذا المبدأ لا يكون صحيحا إلا إذا ~~كان الجزء والكل مشتركين في الكيف، أعني إذا كان الكلام ينصب دائما ~~على حالة واحدة للحواس، ولكن الذي يحدث بالفعل هو أن المثالي يضرب أمثلة من ~~حالات الإحساس «الشاذة» للتشكيك في الإحساس السوي، وهو خطأ حتى من ناحية ~~الاستدلال ذاته. # والأمر الذي لا شك فيه أن منهج الالتجاء إلى حالات الشذوذ يؤدي إلى ~~التشكيك، لا في الحواس وحدها، بل في أية قوة أو ملكة أخرى لدى الإنسان، ~~ففي وسع المرء - باتباع هذا المنهج نفسه - أن يشكك في العقل ذاته؛ لأن هناك ~~أناسا يفكرون - لأسباب مختلفة - بطريقة فاسدة، وفي المنطق لأن الأطفال ~~والمجانين لا يتبعون قواعده، أو لأنه يعجز عن إرشادهم إلى طريقة التفكير ~~السليم، والأمر الوحيد الذي يحول دون هذا النوع من الشك هو اتباع المبدأ ~~العام، القائل: إن خطأ الحالات الشاذة لا يعني خطأ الحالات السوية؛ لاختلاف ~~الحالتين الأساسي في الكيف. # ويؤدي بنا تحليل الأمثلة السابقة ذاتها إلى كشف وجه آخر من أوجه أخطاء ~~الشك المثالي في الحواس: فكما يعتمد هذا الشك كثيرا عن ms042 حالات الشذوذ، فإنه ~~يعتمد أيضا في كل نقد مثالي للحواس، مثال: العصا التي تبدو منكسرة في ~~الماء، أو مثال السراب، أو البرج الذي يبدو عن بعد مستديرا بينما هو في ~~حقيقته مربع ... إلخ، هذه الأمثلة كلها تفترض نوعا من الانفصال بين الحواس، ~~وتعتمد على حاسة واحدة، هي حاسة الإبصار في معظم الأحيان، فالمعنى الحقيقي ~~لما يقوله المثاليون في هذه الحالات هو: إذا نظرنا إلى الأشياء من خلال ~~حاسة الإبصار وحدها لبدت العصا منكسرة ... إلخ، والرد البسيط على ذلك هو أننا ~~لو استخدمنا بقية حواسنا - ولا سيما اللمس - في كل الحالات التي يتحدث عنها ~~المثاليون لتمكنت الحواس «وحدها» من تصحيح أخطاء بعضها البعض. # والحق أن هذا الخطأ المثالي، خطأ فصل الحواس، وهو في واقع الأمر مظهر آخر ~~من مظاهر الابتعاد عن الحالة «السوية» في الإدراك، ففي إدراكنا المعتاد ~~نستخدم حواسنا كلها معا، ولا نجزم بالحكم على شيء لمجرد إدراك حاسة واحدة ~~له، ما لم يكن هذا الشيء بعيدا إلى الحد الذي لا يسمح بالوصول إليه، وهكذا ~~يبدو أن النقد المثالي يفترض هنا أيضا حالة لا تتحقق بالفعل، هي حالة ~~الفصل بين الحواس. # ولنضرب مثلا واضحا كل الوضوح على هذا النوع من الخطأ: ففي كتاب # Knowledge and Perception # ينتهي المؤلف ~~«برتشارد Prichard ~~» في إحدى مقالاته ~~إلى الاعتراف بأخطاء الحواس، وهي الأخطاء التي تثبت أننا لا ندرك «أجساما». # 4 # ومع ذلك فقد توصل إلى هذه النتيجة باتباع منهج غريب حقا: فهو ~~في أول المقال يذكر صراحة أنه سوف يحلل دور حاسة واحدة، هي حاسة ~~الإبصار، ويقول: # إنني أفترض أن «الإدراك» كلمة تستخدم للدلالة على الجنس الذي ~~يكون ما نسميه بالإبصار، والسمع والشم والذوق واللمس أنواعا له ... ولكني ~~سأقتصر هنا اقتصارا يكاد يكون تاما على بحث الإبصار واللمس، بل على ~~الإبصار بوجه خاص. # 5 # وليس من المستغرب على ~~الإطلاق - إن كان هذا هو منهج ~~المؤلف - أن ينتهي إلى الاعتراف بأخطاء الحواس، ولا يشفع له في ذلك ما قاله ~~من أنه يأخذ حاسة الإبصار على ms043 أنها «مثال» لبقية الحواس، فهذا خطأ منهجي ~~أساسي في هذا الميدان، فمن ~~الواجب - طالما أننا بصدد ~~مناقشة مشكلة الإدراك - إعطاء كل من الحواس فرصة إثبات صحة إدراكها، ~~وإعطاء كل الحواس معا فرصة تصحيح بعضها البعض، أي بالاختصار: النظر إلى ~~الحواس وهي متكاملة - كما تعمل في الواقع - لا الاكتفاء بتجريد حاسة واحدة ~~منها. # بل إن من الواجب - طالما أننا بصدد الحكم على «الحواس» بوجه عام - أن ~~نشير إلى التكامل «الأفقي» للحواس، أعني اشتراك حواس عدة أشخاص في تصحيح ~~بعضها البعض ، فخطأ حاسة شخص أو حواس شخص لا يعني أبدا أن «الحواس» - بوجه ~~عام - تخطئ، ولنضرب لذلك مثلا: فإذا توقفت إحدى الساعات عن العمل، أو ~~أسرفت في التأخير أو التقديم، فهل يعني ذلك أن الساعات كلها فاسدة، وأن من ~~الخطأ الاعتماد على «الساعة» - بوجه عام - في معرفة الوقت؟ وهلا نقترب ~~جدا من معرفة الوقت الصحيح إذا قارنا بين ما تدل عليه عدة ساعات ~~مختلفة؟ حقا إن هذه المقارنة لن تأتي بنتيجة لها دقة مطلقة، ولكنها تأتي ~~قطعا بنتيجة نستطيع الاعتماد عليها، ولا سيما إذا كان الأمر متعلقا ~~بأغراض عملية. # ولقد عاب «آير # Ayer ~~» ذاته على الفلاسفة ~~- الذين يعالجون موضوع الإدراك الحسي - تجاهلهم للطابع الاجتماعي لهذا ~~الإدراك، فقال: «إذا جاز أن نقول عن أي شيء قابل للإدراك إنه موضوع ~~فيزيائي، فلا بد على الأقل أن يكون من الممكن وصفه بأنه يدرك بواسطة أشخاص ~~مختلفين، وبأنه يلمس - مثلا - مثلما يرى، غير هذه الشروط لا تتوافر ~~في الموضوعات التي نظر إليها باركلي ومعظم الفلاسفة الآخرين على أنها ~~معطيات نهائية، فما هو معطى مباشرة في الإدراك الحسي هو - في نظرهم - ~~موضوع ليس له قوام دائم # evanescent # يسمى بالفكرة أو الانطباع أو التمثل أو المعطى الحسي، وهو موضوع يختص ~~به الملاحظ المنفرد وحده، بل تختص به حاسة منفردة أيضا.» # 6 # مثل هذا الفهم التجزيئي للمعرفة ~~الحسية - سواء أكان ذلك عن طريق ~~عزل حاسة واحدة عن بقية الحواس، أو عن طريق عزل إدراك شخص واحد عن إدراك ~~بقية ms044 الأشخاص - هو الذي يتيح الفرصة لعدد كبير من أصحاب الاتجاهات المثالية ~~كيفما يوجهوا انتقاداتهم إلى الإدراك الحسي بوصفه وسيلة من وسائل المعرفة، ~~ومن الواجب أن يكون المقصود من المعرفة الحسية هو تلك المعرفة التي تأتي ~~بها حواس الشخص متكاملة، والتي تقارن نتائجها بنتائج ما تأتي به حواس ~~الأشخاص الآخرين، ولو فهم الإحساس بهذا المعنى لأصبحت معظم الاعتراضات ~~على الحواس غير ذات موضوع. # وأخيرا فمن الواجب أن نشير إلى ذلك الرأي الذي توصل إليه كثير من ~~الفلاسفة التقليديين، والقائل: إن الحواس ذاتها لا تخطئ، إنما يكون الخطأ ~~في حكمنا العقلي على ما تنقله إلينا النتائج التي نستدل عليها منه، فأرسطو ~~يجعل للإدراك ثلاث مراتب، تتدرج من الحس الخالص إلى إدراك الصفات الكلية في ~~المحسوسات، ويرى أن الخطأ ينعدم في النوع الأول ويزداد احتماله كلما ~~اقتربنا من النوع الأخير. # 7 # وكانت يؤكد نفس المبدأ قائلا: «إن الصواب والخطأ لا يكونان ~~في الموضوع بقدر ما لدينا به من حدس، بل في الحكم الذي نصدره عنه، فمن ~~الصواب إذن أن نقول: إن الحواس لا تخطئ، لا لأن حكمها دائما صحيح، بل ~~لأنها لا تحكم على الإطلاق.» # 8 # ولنا على هذا الرأي القائل بتداخل الحكم العقلي مع الحواس ملاحظتان: # الأولى: # أنه ينبغي ألا يتخذ وسيلة لنقد دور الإحساس في المعرفة إلا في ~~حالة واحدة: إذا كان المدافعون عن الإحساس يقولون: إنه هو المصدر ~~«الوحيد» للمعرفة، وهو رأي لا أظن أن أحدهم قال به، فمن الممكن التسليم ~~بدور الذهن الأساسي المكمل للإحساس مع الاعتراف في الوقت ذاته بالدور ~~الهام الذي تقوم به الحواس من حيث هي نقطة بداية تصدر بناء عليها ~~الأحكام الذهنية. # وثانيا: # أنه إذا كانت العلاقة بين الحواس والذهن متداخلة إلى هذا الحد، فإن ~~انتقاد الحواس يوازيه انتقاد مماثل ينبغي توجيهه إلى الذهن نفسه، فمن ~~الممكن الإتيان بأمثلة عديدة لحالات يكون الخطأ فيها راجعا إلى تسرع ~~الذهن أو عدم دقته في الحكم على ما تنقله إليه الحواس، فلنفرض شخصا ~~يسير في الظلام في حالة ms045 خوف من الأشباح، مثل هذا الشخص سيحكم على أي ~~خيال يظهر له فجأة بأنه شبح، وليس الخطأ هنا خطأ الحواس؛ إذ إنه في ~~واقع الأمر لا يعطيها الفرصة الكافية لإدراك كنه هذا الخيال، بل قد يفر ~~على التو؛ نتيجة للحكم المتسرع الذي أصدره ذهنه. # والخلاصة هي أن التفكير المثالي - الذي يجعل من انتقاد الحواس نقطة البداية في الخروج ~~عن الموقف الطبيعي - يرتكب في هذا الانتقاد الأخطاء الآتية: ~~(أ) # أنه ينظر إلى الحواس - في كثير من الأحيان - في حالة الشذوذ لا في حالتها ~~السوية. ~~(ب ) # أنه ينظر إليها منفصلة بعضها عن البعض، ويغفل الدور الأساسي الذي يؤديه ~~التكامل بين الحواس على المستوى الفردي والمشترك بين الأفراد. ~~(ج) # أنه يغفل الدلالة الحقيقية لفكرة التداخل بين دور الحواس والذهن، وهي ~~اشتراكهما معا في المسئولية عن الإدراك المصيب والمخطئ في آن واحد، على ~~حين تتصور المثالية أن الخطأ يقتصر على الطرف الحسي وحده. ~~(2) صفات الأشياء موضوعية أم ذاتية؟ # بعد أن يشكك التفكير المثالي في الحواس، تكون الخطوة الطبيعية التالية هي التشكيك ~~فيما تنقله إلينا الحواس، أعني أنه إذا كانت الحواس ذاتها موضوعا للشك، فمن الطبيعي أن ~~يثار السؤال عن كون الموضوعات المحسوسة موضوعية أم ذاتية، وإذا حاولنا أن نحدد بدقة ~~المعنى الحقيقي للجدل الذي أثارته نظرية المعرفة التقليدية حول هذه المسألة لما وجدنا ~~سوى المعنى التالي: هل هناك اتفاق بين اعتقادنا «العملي» بوجود أشياء خارجية، وبين ~~الطريقة «الحقيقية» التي تؤدي بها الحواس وظيفتها؟ وتجيب المثالية على هذا السؤال ~~بالنفي البات: فالطريقة الحقيقية التي تؤدي بها الحواس وظيفتها لا تتفق على الإطلاق مع ~~اعتقادنا العملي هذا، وإنما يدلنا التحليل الدقيق لعمل الحواس على أن كل ما نظنه ~~موضوعيا هو في واقع الأمر «ذاتي» بمعنى ما. # ولقد اتضحت معالم الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه المثالي منذ اللحظة التي أوضح فيها ~~ديكارت فكرته عن التفرقة بين نوعين من الكيفيات في الأشياء: أحدهما صادر عن الذات ~~والآخر مستقل عنها، فهنا ظهرت أول محاولة جدية - تنتمي إلى ميدان ms046 نظرية المعرفة على ~~التخصيص - لرد «بعض» الصفات التي نظنها منتمية إلى الأشياء نفسها إلى الذات، ومن ~~الطبيعي أن يكون التطور المنطقي للمذهب بعد ذلك هو زيادة عدد تلك الصفات التي ترد إلى ~~الذات بالتدريج، حتى تصبح كلها ذاتية في آخر الأمر. # ففي كتابات ديكارت، ولا سيما مبادئ الفلسفة، # 9 # تظهر أول تفرقة صريحة واضحة بين نوعين من الصفات في الأشياء: أحدهما كالشكل ~~والحركة والموقع، هو صفات «توجد في الأشياء على نفس النحو الذي ندركها عليه عن طريق ~~حواسنا أو فهمنا»، أما الصفات الأخرى - كالألوان مثلا - فإننا عندما ننسبها إلى ~~الأشياء فإنما يعني ذلك أننا «ندرك في هذه الأشياء أمرا نجهل طبيعته، وإن يكن يسبب ~~فينا إحساسا معينا بادي الوضوح والظهور، يسمى بإحساس الألوان.» # ومن الواجب أن نلاحظ أن الأمر الذي يحذرنا منه ديكارت هو الاعتقاد بأن الألوان توجد ~~في الأشياء ذاتها على نفس النحو الذي تظهر به لحواسنا، وهو يدافع في واقع الأمر عن وجود ~~«شيء ما» - مجهول الطبيعة - في الأشياء، هو الذي يسبب فينا هذا الإحساس اللوني، ومعنى ~~ذلك أن ديكارت لم يدخل تماما في مجال الذاتية؛ لأن اللون ناتج عن صفة فعلية موجودة في ~~الأشياء، ولكن الذهن # entendement # هو الذي يحول هذه ~~الصفة المجهولة إلى ما نسميه نحن باللون. # ولقد نظر شراح لوك إلى رأيه في مشكلة الكيفيات الأولى والثانية على أنه مجرد تعبير ~~أصرح وأوضح عن فكرة ذاتية الكيفيات الثانية وموضوعية الأولى، ورغم أن الكثيرين من مؤرخي ~~الفلسفة يوافقون على هذا التفسير - الذي قد ~~يكون له في بعض الأحيان ما يبرره - فإني أود أن أنبه إلى بضع نواح ينبغي أن تؤخذ ~~بعين الاعتبار في أية مناقشة لهذا الموضوع: # أولا: # أن تفرقة لوك بين نوعي الكيفيات يمكن أن تفسر على أنها تفرقة ~~لغوية أو تفرقة في «التعريف»، فهو يقول عن الكيفيات الأولى إنها لا ~~تنفصل عن الجسم بحال، بل يحتفظ بها مهما كانت التغيرات، ويجدها الحس في ~~أية موضوعات مهما صغرت طالما أنها تدرك. # 10 # هذا الرأي يمكن ms047 أن يفسر على أساس أن من المستحيل تصور ~~الجسم دون أن تكون له تلك الكيفيات الأولى؛ فمن المستحيل تصور جسم بلا ~~شكل أو كتلة أو حجم أو امتداد، ومهما كبر ذلك الجسم أو صغر، ومهما كانت ~~التغيرات التي يمر بها فسيظل دائما ذا شكل وكتلة وامتداد إلخ ... وإذن ~~فالكيفيات الأولى في هذه الحالة جزء من «مفهوم» الجسم ذاته، أما ~~الكيفيات الثانية فليست كذلك؛ إذ إن من الممكن تصور جسم دون لون ~~(كالهواء)، أو جسم دون صوت (كالصورة)، أو جسم دون طعم ~~(كالماء) ... إلخ. # ثانيا: # فإذا صح هذا التفسير للتفرقة بين الكيفيات الأولى والثانية على أنها ~~تفرقة بين الصفات التي تدخل في «مفهوم» الجسم وتلك التي لا تدخل، فإن ~~هذه التفرقة لا تؤثر على الإطلاق في القول بذاتية الكيفيات أو عدم ~~ذاتيتها، ولو فرضنا أن الجسم - بكل صفاته - راجع إلى أفكار ذاتية، فإن ~~هذا لا يمنع من استمرار التفرقة بين نوعين من الصفات: أحدهما لا يمكن ~~تصور الجسم بدونه، والآخر قد يوجد في الجسم أو لا يوجد، إنك تستطيع أن ~~تسلم - مثلا - بأن كل ما يتعلق بالجسم صادر عن الذات، وتؤكد في الوقت ~~ذاته أن هناك صفات لا تستطيع الذات أن تبعث فكرة الجسم دون بعثها هي ~~الأخرى، وصفات أخرى يمكن بعث فكرة الجسم بدونها، فالكيفيات الأولى في ~~هذا التفسير جزء من «تصور» الجسم ذاته، سواء كان مصدر هذا الجسم ~~ذاتيا أو موضوعيا. # ثالثا: # وربما كان مما يؤيد هذا التفسير، تردد لوك في كتاباته بين ~~التفسيرين: المثالي والمادي، فهو في بعض المواضع يؤكد أن «معظم أفكار ~~الإحساس توجد في الذهن دون أن تشابه شيئا يوجد خارجنا، مثلما أن ~~الأسماء التي تدل على هذه الأفكار لا تشابهها، وإن كانت تثير فينا هذه ~~الأفكار عندما نسمعها.» # 11 # ولكنه من جهة أخرى يتحدث حديثا شبه مادي عن حركة من ~~أعصابنا أو أرواحنا الحيوانية إلى المخ، وعن حركة أجسام من الأشياء ~~الخارجية إلى العين تبعث فينا صورها، أما الكيفيات الثانية، فينتقل ~~تأثيرها إلى حواسنا عن ms048 طريق «دقائق لا تدرك». # 12 # ويؤكد لوك في نفس الموضع اعتماد هذه الكيفيات الثانية على الأولى، أعني اختلاف ~~الألوان والطعوم ... إلخ حسب اختلافات الحركة والشكل والعدد في الأجسام، وهكذا تظهر ~~التفرقة بين نوعي الكيفيات عنده أقل شدة مما تصور به عادة، وعلى أية حال فإن تأرجح ~~لوك وعدم جزمه بشيء في مسألة أصل الكيفيات، يدل على أن مشكلة الأصل هذه ليست هي التي ~~تعينه، وهذا مما يرجح التفسير الذي نقترحه هنا، وهو أن تفرقته بين الكيفيات الأولى ~~والثانية قد لا تكون إلا تفرقة لغوية تتعلق بعلاقة صفات الجسم المختلفة بتعريفه، وهي ~~تفرقة تظل صحيحة مهما كان الأصل الذي ينسب إلى هذه الكيفيات. # ومع هذا كله فإن التفسير الذي انتشر لرأي لوك في الكيفيات الأولى هو أنه كان يعدها ~~منتمية إلى الأجسام ذاتها، بمعنى أنها خارجية، وهكذا اتجهت محاولات الفلاسفة من بعده ~~إلى إزالة ذلك الحاجز الذي وضعه لوك بين نوعي الكيفيات، بل إزالة الحاجز بين هذين ~~النوعين من جهة وبين النوع الثالث الذي تمثله اللذة والألم، والذي لا يشك أحد في ذاتيته. # 13 # ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في فلسفة باركلي، ففي هذه الفلسفة تستخلص كل النتائج ~~المثالية لفكرة ذاتية الكيفيات، وفي وسعنا أن نتخذ من هذه الفلسفة أنموذجا للفلسفة ~~المضادة للموقف الطبيعي، فتفكير باركلي يمثل أبعد المراحل التي بلغتها الفلسفة في سيرها ~~بعيدا عن الموقف الطبيعي، وهو في هذا يمثل بصورة صادقة موقف الفيلسوف «المحترف»، الذي ~~يدور تفكيره في عالم لا تربطه بعالم الذهن المعتاد إلا صلة عدم الاعتراف ~~المتبادل. # ومن الحقائق المعروفة أن باركلي لم يصل إلى مثل هذا الموقف المثالي في المراحل الأولى ~~لتفكيره؛ إذ إنه - في عهد تأليفه لكتاب «نظرية جديدة في الإبصار» - كان لا يزال يعد ~~عالم اللمس حقيقيا، في حين أن عالم الإبصار فكري خالص، وكل هدفه في هذا الكتاب كان ~~إثبات عدم تطابق هذين العالمين إلا على أساس ~~اعتباطي # arbitrary ~~، بحيث تكون العلاقة بين العلامات ~~البصرية والتفسيرات اللمسية أشبه بالعلاقة بين الرمز اللغوي ms049 وموضوعه؛ # 14 # إذ إن العلامة البصرية لا تشبه الواقع الملموس، ولكنها بالتجربة تصبح دالة ~~عليه، تماما كما يصبح اللفظ دالا على موضوعه بتكرار الارتباط بينهما، رغم عدم وجود ~~أي تشابه بين طبيعتيهما. # ومنذ كتاب «مبادئ المعرفة البشرية» تكتمل عناصر الموقف المثالي بإزالة كل أثر باق ~~للموقف الطبيعي في كتابته، والقول أن جميع الكيفيات سواء في ذاتيتها، فصفات الامتداد ~~والشكل والحركة - التي يزعم أنها توجد في المادة - ليست إلا أفكارا توجد في الذهن، ~~والخطأ الذي وقعت فيه نظريات المعرفة السابقة على باركلي، هو، في رأيه، أنها حاولت ~~الفصل بين الكيفيات الأولى والثانية وجعلت لكل منهما مصدرا مستقلا، بينما يستحيل ~~في واقع الأمر فصل كل من نوعي الكيفيات: فهل يستطيع أحد تصور امتداد أو شكل دون لون ~~أو كيفية أخرى من الكيفيات الثانية؟ والنتيجة الواضحة لهذه المقدمة هي أن جميع صفات ما ~~يسميه الموقف المعتاد ب «الأشياء الخارجية» تتوقف على الذهن الذي يدركها «فلن ينكر أحد ~~أن خواطرنا وانفعالاتنا وأفكارنا التي تتكون بالخيال لا توجد بدون الذهن، ولا يقل عن ~~ذلك وضوحا عندي أن مختلف الإحساسات أو الأفكار التي تنطبع على الحس ... لا يمكن أن توجد ~~إلا في ذهن يدركها، وأعتقد أن المرء يستطيع أن يكتسب معرفة حدسية بهذا إذا ما فكر في ~~المقصود من لفظ «يوجد» عندما يطبق على الأشياء المحسوسة، فأنا أقول عن المنضدة متى أكتب ~~عليها أنها توجد، أي إنني أراها وأحسها، وإذا غادرت غرفتي فسأقول: إنها موجودة، وأعني ~~بذلك أنني لو وجدت في حجرتي فسأدركها، أو أن روحا أخرى معينة تدركها بالفعل، وعندما ~~يقال: إن هناك رائحة، فالمقصود أنها تشم، أو أن هناك صوتا، فالمقصود أنه يسمع ... ~~أما ما يقال عن وجود الأشياء غير المفكرة وجودا مطلقا - دون أية صلة بكونها مدركة - ~~فذلك ما لا أتصوره على الإطلاق، فوجود الأشياء هو كونها مدركة.» # 15 # هنا يعبر باركلي بوضوح عن أفكار ترددت من بعده بآلاف الصور، وما زالت إلى يومنا هذا ~~تتكرر في أوساط الفلاسفة والعلماء المتفلسفين على السواء، ms050 وقد تتخذ شكلا أدق أو أعقد ~~من الشكل الذي اتخذته عند باركلي، ولكنها - على أية حال - لا تخرج في نهاية الأمر عن ~~مثل هذه الأفكار التي كرس باركلي مؤلفاته الفلسفية لعرضها، فعلى المرء أن يرجع إلى ~~فلسفة باركلي كلما أراد تعبيرا واضحا عن الموقف المثالي الذي يرفض جميع عناصر الموقف ~~الطبيعي، كما أن عليه أن يركز حملته على هذه الفلسفة كلما أراد نقد الموقف المثالي ~~والدفاع عن تصور الذهن المعتاد للعالم الخارجي. ~~(1) # والآن، فلنتساءل عن المعنى الحقيقي لفكرة ذاتية الكيفيات، ولنضرب مثلا ~~بأقرب هذه الكيفيات إلى الطبيعة الذاتية - حسب الفرض المثالي - وهي اللون ، ~~إن المثالي يعرض فكرته بقوله: إن هذا الحائط الذي يبدو لي أبيض، ليس «في ~~حقيقته» أبيض، فما هو معنى هذه العبارة الأخيرة؟ ترتد الحجج المثالية التي ~~تبرر هذه الفكرة في نهاية الأمر إلى أن التحليل العلمي للون الأبيض - سواء ~~من ناحية طبيعة الموجات الضوئية أو كيفية التقاط حدقة العين لها - يطلعنا ~~على حقيقة مختلفة عما تطلعنا عليه الحواس في موقفنا المعتاد، وهذا أمر لا ~~يستطيع أحد أن ينكره، ولكن لا يصح أن نستنتج منه أن «الحائط ليس في حقيقته ~~أبيض»؛ إذ إننا عندما نقول: إن الحائط أبيض نقصد أنه في مستوى الإدراك ~~المعتاد أبيض، وهو بالفعل لا يمكن إلا أن يكون كذلك في هذه الحدود. # فالحجة المثالية إذن تنطوي على خلط بين الموقف المعتاد والموقف العلمي ~~التفسيري، وتنقد الأول عن طريق حقائق لا تصح إلا في الثاني، ونستطيع أن ~~ندعم هذا الرأي إذا لاحظنا أن فكرة ذاتية الكيفيات لم يعبر عنها بصورة ~~واضحة إلا بعد وصول العلم إلى مرحلة معينة من التقدم، هي تلك التي أمكن ~~فيها تحليل الألوان والأصوات إلى موجات لها ذبذبات أو أطوال معينة ... إلخ، ~~ومما يزيد هذا الفرض قوة: ما لاحظه آرون # R. Aaron # في كتابه عن «لوك» من أن روبرت بويل كان أول من ~~وضع تفرقة حاسمة بين الكيفيات الأولى والثانية، وأكد أن الثانية ترتد إلى الذات، # 16 # فليس من قبيل المصادفة ms051 أن تظهر فكرة الذاتية هذه على يد عالم ~~معروف؛ إذ إنها - كما قلنا - ترجع إلى بلوغ العلم مرحلة معينة، وإلى تحمس ~~أصحاب الاتجاهات المثالية بين الفلاسفة لهذه الكشوف إلى الحد الذي أدى إلى ~~خلطهم بين مجالي الموقف العلمي والموقف المعتاد، ولنذكر دائما أنه مهما ~~كانت كشوف العلم في هذا الميدان، فستظل النظرة المعتادة صحيحة في ميدانها، ~~ولو قال شخص: «إن هذه الورقة ليست في حقيقتها ملساء؛ لأنها تبدو تحت المجهر ~~أشبه بالجبال والسهول.» لكنا أسرع إلى إدراك المغالطة في رأيه هذا، وإلى ~~تبين ما ينطوي عليه من خلط بين موقفين مختلفين، غير أن هذا القول لا يختلف ~~في شيء عن الرأي المثالي القائل إن الحائط في حقيقته ليس أبيض، سوى أن ~~الخلط أقل وضوحا في الحالة الثانية. ~~(2) # فإذا حللنا فكرة «وجود الشيء هو كونه مدركا» من الوجهة المنطقية ~~للاحظنا على الفور أن أحد طرفيها - وهو «وجود الشيء» - هو الذي يتركز عليه ~~الاهتمام، فالفكرة في الواقع محاولة لتعريف كلمة «وجود الشيء»، ولكن باركلي ~~- وكذلك من سار في طريقه من الفلاسفة - لم يهتم كثيرا بتحليل الطرف ~~الثاني، وهو كلمة «كون الشيء مدركا»، وعلينا دائما أن نلح في طلب تعريف ~~ل «كون الشيء مدركا»، وأن نتساءل: متى يكون الشيء مدركا؟ إن الشيء لا ~~يكون مدركا «كلما أردنا ذلك»، وفي هذا المعنى المرفوض وحده تكون الذاتية ~~التامة صحيحة، وإنما يكون الشيء مدركا تحت شروط معينة لا بد من توافرها ~~وإلا لما تسنى لنا إدراكه، فباركلي يؤكد أن المنضدة الموجودة في حجرة ~~مغلقة لا وجود لها بالنسبة إلي إلا إذا أدركتها، ولكن ينبغي تكملة هذا ~~التدليل بالقول: إنني لا أدركها إلا إذا انتقلت إلى الحجرة ذاتها، أي إن ~~هناك شروطا معينة يخضع لها إمكان إدراك الشيء، وهي شروط لا أستطيع التحكم ~~فيها ذاتيا، بل ينبغي أن أقبلها كلها كما هي؛ لأنها غير متوقفة على ~~إرادتي، وهكذا يبدو أنه إذا كانت فكرة الوجود # esse # تحيلنا إلى فكرة الإدراك # percipi ~~، فإن فكرة الإدراك - بما ~~تفترضه من شروط ms052 غير متوقفة على الذات - تحيلنا ثانية إلى فكرة ~~الوجود. ~~(3) # أما من الناحية العملية - وهي أساسية في موقفنا الطبيعي - فإن فكرة «وجود ~~الشيء هو كونه مدركا» تؤدي إلى العجز التام عن التصرف في هذا الميدان، ~~فجميع مواقفنا العلمية مبنية على عكسها، ومجرد استخدامنا لملكات التذكر ~~والتوقع والتخيل يعني أننا نخالف هذه الفكرة ولا نقول بوجود هوية بين وجود ~~الشيء وكونه مدركا، فإذا لم يكن في إمكاننا القول بوجود الأشياء «دون» ~~كونها مدركة لاستحال حديثنا عما يجري في بلد آخر، أو في الشارع المجاور، أو ~~ما سيقع إذا حدث كذا ... ولما أمكننا أن نتقدم عمليا خطوة واحدة. # 17 # ونستطيع أن نقول : إن التقدم الأكبر الذي يتميز به الإنسان عن الحيوان يتمثل في تجاوز ~~فكرة «وجود الشيء هو كونه مدركا»، فالحيوان - على الأرجح - هو الكائن الذي يؤمن بهذه ~~الفكرة ويطبقها بحذافيرها؛ لأنه لا يعرف كيف يتذكر أو يتوقع بوضوح، وكيف يربط الماضي ~~بالحاضر، ولأن كل ما يمر به جديد منفصل مفكك، ولم يستطع الإنسان أن يعلو على مرحلة ~~الحيوانية هذه إلا لأنه عرف كيف يتخلص من هذه الفكرة، ويؤمن بوجود الأشياء من غير أن ~~تكون مدركة، أي أن يتجاوز هذا «الموجود لأنه مدرك». ~~(3) الأشياء بوصفها «ظواهر» # نستطيع من وجهة نظر الموقف الطبيعي أن نفرق بين المثالية «المادية» عند باركلي وبين ~~المثالية «الظاهرية» عند «كانت» على أساس أن الأولى تعد الخروج عن الموقف الطبيعي ~~«نتيجة» نهائية، أما الثانية فتعده المقدمة الأولى لها، والمظهر الأول لأصالة منهجها، ~~فمن الواضح أن باركلي لم ينتقل إلى القول بأن وجود الشيء هو كونه مدركا إلا بعد تفكير ~~متدرج مرت به فلسفته هو ذاته ومرت به الفلسفات الحديثة السابقة عليه، حين أخذت ترد ~~المزيد من صفات الأشياء تدريجيا إلى الذات، فكانت النتيجة الطبيعية في النهاية هي ~~التخلي عن الموقف الطبيعي على نحو ما فعل باركلي، أما بالنسبة إلى «كانت» فالمسألة ليست ~~استدلالا أو تطورا تدريجيا، بل هي منهج جديد وضعه بإرادته، وحاول فيه أن يجعل ~~الأشياء تدور حول محور ms053 الذات، أي أن يتخذ عمدا - ومنذ البدء - الموقف المضاد للموقف ~~الطبيعي، وتلك - بلا شك - طريقة أكثر فعالية ~~في محاربة الموقف الطبيعي، ومن هنا كان قول شوبنهور في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه ~~«العالم إرادة وتمثلا»: «إن تعاليم «كانت» لتحدث تغييرا أساسيا في كل ذهن ~~استوعبها ... فهي وحدها القادرة فعلا على إزاحة الواقعية الفطرية التي تنشأ عن الميل ~~الأصلي للعقل، وهذا أمر لا يقدر عليه باركلي ولا ما لبرانش ... ونتيجة لذلك تنكشف عن ~~العقل غمامته تماما، وينظر إلى كل الأشياء بعد ذلك في ضوء جديد ... أما من لم يستوعب ~~فلسفة «كانت» ... فهو في حالة البراءة، أي إنه يظل واقعا تحت سيطرة تلك الواقعية ~~الطبيعية الطفلية التي نولد كلنا فيها، والتي تؤهل المرء لكل شيء ممكن ما عدا ~~الفلسفة.» # ويبدو أن «كانت» كان يقصد باركلي حين تساءل في مستهل مقدمة الطبعة الثانية من «نقد ~~العقل الخالص»، في صدد حديثه عن أسبقية التجربة في كل معرفة لنا «... كيف تدفع ملكة ~~المعرفة لدينا إلى العمل ما لم تكن الأشياء التي تؤثر في حواسنا تنتج من ذاتها - من جهة ~~- تمثلات، وتثير - من جهة أخرى - نشاط ذهننا ليقارن هذه التمثلات، ويقوم - عن طريق ~~الجمع بين المادة الخام للانطباعات الحسية أو التفريق بينها - بتحويل هذه المادة إلى ~~تلك المعرفة بالأشياء المسماة بالتجربة؟ وهكذا يتضح لنا المعنى الذي قصده «كانت» حين ~~أطلق على فلسفة باركلي اسم «المثالية المادية»؛ فباركلي يجعل من الذهن - الإلهي أو ~~البشري - مصدرا للحدس ولكل صورة أو ترتيب يظهر به ذلك الحدس. أما بالنسبة إلى «كانت» ~~فالحدس «معطى»، ودور الذهن ينحصر في بعث الوحدة والنظام والترتيب في ذلك الحدس، وهنا قد ~~يبدو أن مثالية «كانت» أخف حدة من مثالية باركلي، ولكن الواقع أن درجة الخروج عن ~~الموقف الطبيعي لا تقل عند «كانت» عنها عند باركلي؛ ذلك لأن هذا الحدس الذي أخرجه من ~~سلطة الذهن هو مجرد مادة للإدراك لا تعرف إلا من خلال التشكيل الذهني، ولا تفهم ~~إلا بما فيها من صور وقوالب ذهنية، فلم يكن ms054 قول «كانت» إذن: إن صورة الإدراك - لا ~~مادته - هي التي تأتي من الذهن، لم يكن هذا القول في واقع الأمر محاولة للاقتراب من ~~الموقف الطبيعي على الإطلاق؛ إذ إن مادة الإدراك عنده مجرد مجهول لا قيمة له في أية ~~معرفة، ولا يمكن للمرء الوصول إليه مهما بذل من جهد، بل إنها بالنسبة إلى فلسفة «كانت» ~~تكملة منطقية لبناء المذهب فحسب.» # ففي نفس الوقت الذي أكد فيه «كانت» أن كل معرفة لنا تبدأ بالتجربة، حرص على أن يوضح ~~ذلك بأنه لا يعني أنها كلها تنشأ «عن التجربة»؛ «إذ إن من المحتمل أن تكون التجربة ~~ذاتها مؤلفة مما نتلقاه من الانطباعات وما تقدمه ملكة المعرفة ... بذاتها.» (مقدمة ~~الطبعة الثانية)، وأستطيع أن أقول: إن كلمة «من المحتمل» هنا ليست تعبيرا عارضا، بل ~~إنها تكشف عن وجه في المثالية الظاهرية عند «كانت»، هو أن هذه المثالية قدمت في ~~البداية على أنها فرض قيم قد يفيد في إرساء الميتافيزيقا على أسس علمية متينة، فمنذ ~~مقدمة الطبعة الثانية يوضح «كانت» هدفه بأنه محاولة بناء الميتافيزيقا على أسس راسخة ~~كتلك التي تبنى عليها الرياضة والطبيعة، وهو لهذا الغرض يجرب طريقا آخر لتفسير ~~العلاقة بين الأشياء والذهن غير طريق الموقف الطبيعي، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول: ~~إن فلسفة «كانت» النظرية كانت ثورة كبرنيكية، لا بمعنى أنه أراد منها أن تحدث انقلابا ~~شاملا في تحديد العلاقة بين الأشياء والذهن فحسب، بل أيضا بمعنى أنها - كالنظرية ~~الكبرنيكية الفلكية - كانت «فرضا» خاضعا للتحقيق، وينبغي الحكم عليه حسب ما يؤدي إليه ~~من نتائج، ومن هنا كان علينا أن نعامل فلسفة «كانت» النظرية بأسرها على أنها «فرض»، أو ~~محاولة قصد بها النظر إلى الأشياء في ضوء جديد، هو ذلك الذي تكون فيه الأشياء «دائرة في ~~فلك الذات» - إن جاز هذا التعبير، وأن نحاول إصدار حكم على هذه الفلسفة في هذا الضوء، ~~ونعاملها - كأي فرض علمي - حسب قدرتها على تحقيق الهدف الذي وضعته لذاتها منذ البداية، ~~وتفسيرها للظواهر الواقعة في نطاقها تفسيرا سليما. ms055 # ومن أوضح الأدلة التي تؤيد هذه النظرة إلى فلسفة «كانت» النظرية على أنها «فرض» مضاد ~~للموقف الطبيعي وضعه «كانت» معتقدا أنه سيفسر به الظواهر الميتافيزيقية تفسيرا أسلم، ~~تلك السلسلة العديدة من التعبيرات المثالية التي استهل بها «كانت» مناقشاته الفلسفية ~~في كتاب «نقد العقل الخالص»، دون أن يبذل مجهودا يذكر للبرهنة عليها، ففي بداية ~~«الحساسية الترنسندنتالية» - أي في بداية أول موضوع يناقشه «كانت» في ذلك الكتاب بعد ~~المقدمات والتصديرات - يأتي «كانت» ببضعة تعريفات، ضمنها تعريف للإحساس بأنه «تأثير ~~الموضوع في ملكة التمثل، بقدر ما تتأثر بهذا الشيء ... والحدس يكون تجريبيا إذا اتصل ~~بالموضوع عن طريق إحساس، والموضوع غير المحدد للحدس التجريبي يسمى «مظهرا».» # 18 # هنا يتحدث «كانت» عن الموضوع «غير المحدد» للحدس التجريبي، ويطلق عليه اسم «المظهر»، ~~وهذه التسمية وحدها تجر وراءها الموقف المثالي بأسره، مع أنها لا تبدو هنا إلا في صورة ~~تعريف تمهيدي، وأفضل تعليل لهذا الاستخدام غير المسبوق ببرهان لكلمة «المظهر»: ما ~~تتضمنه من ضرورة القول بأشياء في ذاتها، وبأن هذه الأشياء في ذاتها مجهولة، ما دام ~~موضوع الحدس التجريبي هو ما ينقل إلينا المحسوسات، نقول: إن أفضل تعليل لذلك هو أن ~~«كانت» قد أراد منذ البداية اتخاذ ذلك الموقف المثالي الذي يسمى «بالمظهر» ما نطلق ~~عليه في موقفنا المعتاد اسم «الشيء»، والذي يعتقد بوجود حقيقة أخرى وراء ما ندركه من ~~الشيء، لا تنقلها إلينا الحواس، وربما كانت غير قابلة للنقل على الإطلاق. # وهو يحدد دور الحاسة الخارجية في تكوين فكرة المكان فيقول: «عن طريق الحاسة الخارجية ~~- وهي صفة لذهننا - نمثل لأنفسنا الأشياء على أنها خارجة عنا، وموجودة ... في المكان (ص # B. 37 ~~) ~~وهكذا تكون نقطة بداية المناقشة - لا نتيجتها النهائية - هي أن المكان ناتج عن الحاسة ~~الخارجية التي هي صفة لذهننا، وأن خارجية الأشياء من صنع ذهننا، وكل ما في الأمر هو ~~أننا «نمثل لأنفسنا» الأشياء على أنها خارجة عنا، أما كيف كانت الأشياء قبل أن «نمثلها ~~لأنفسنا» فهذا ما لا يجيب عنه «كانت». # والأمر الذي لا ms056 شك فيه أن هذا الفرض في نظر «كانت» ناجح كل النجاح: فعلى أساسه يستطيع ~~تبرير الرياضة والطبيعة تبريرا أوليا، ويستطيع أيضا أن يمكن الميتافيزيقا من أن ~~تسير في «طريق العلم المأمون»، هذا ما اعتقده «كانت» حين وضع مؤلفاته، ولكن التطور ~~التالي قضى - كما هو معروف - على كل ~~المبررات التي وضعها لمذهبه: فالرياضة والطبيعة سارتا في اتجاه مخالف تماما لذلك العلم ~~«الخالص» الذي تصوره، والميتافيزيقيا اشتدت خلافاتها الداخلية وتناقضات مذاهبها حتى ~~أصبحت أبعد مما كانت في أي وقت مضى من «طريق العلم المأمون». # ولكن الذي يعنينا الآن هو أن «كانت» مضى في فلسفته مرتكزا على هذا الموقف الجديد، ~~الذي تكون فيه الأشياء دائرة حول الذات ومعتمدة عليها، وقد عبر «كانت» عن هذا الموقف ~~أوضح تعبير في هذا النص الذي نقتبسه من «الملاحظات العامة على الحساسية ~~الترنسندنتالية»: ~~... إن كل حدس لنا ليس إلا تمثلا لمظهر، وإن الأشياء التي ندركها بالحدس ~~ليست في ذاتها على نحو ما ندركها بالحدس، وإن تركيب علاقاتها ليس في ذاته على ~~نحو ما يبدو لنا، وإنه إذا ما أزيلت الذات، أو حتى التركيب الذاتي للحواس بوجه ~~عام فحسب، لاختفى كل تركيب للأشياء وكل علاقاتها في المكان والزمان، بل لاختفى ~~الزمان والمكان ذاتهما، فهما - بوصفهما مظاهر - لا يمكن أن يوجدا في ذاتهما، بل ~~فينا نحن فقط، أما ما قد تكونه الأشياء في ذاتها مستقلة عن كل قدرة لحساسيتنا ~~على تلقيها فذلك ما يظل مجهولا لدينا تماما، ونحن لا نعرف إلا طريقتنا في ~~إدراكها، وهي طريقة خاصة بنا، ولا يشارك فيها كل موجود بالضرورة، وإن كان كل ~~كائن بشري يشارك فيها حتما. # هذا النص يظهر بوضوح الطابع «اللاأدري» لمثالية «كانت»: فهي مثالية تستطيع أن تؤكد ~~شيئا واحدا: هو أن الأشياء كما تبدو لنا «ظواهر»، أما ما وراء هذه الظواهر، فذلك هو ~~المجهول الذي لا تذكر تلك المثالية أي شيء عنه، وينبغي أن نلاحظ هنا وجود تناقض بين ~~قضيتين متلاحقتين عند «كانت»: أولاهما هي القائلة إن مظهر الأشياء كما ندركها «مختلف» ms057 ~~لدينا تماما، فإذا صحت القضية الثانية، فإن هذا لا يعني صحة الأولى على الإطلاق، ~~وينبغي أن يمتنع الفيلسوف - إذا كان «لاأدريا» على هذا النحو - عن إصدار أي حكم ~~إيجابي على طبيعة الأشياء في ذاتها، كالقول: إنها «مختلفة» عن الظواهر؛ ذلك لأن هناك ~~عدة احتمالات منطقية عن العلاقة بين الظواهر والأشياء في ذاتها، ضمنها احتمال كونها ~~«مماثلة» للظواهر، وطالما أننا نفرق بين الظواهر والأشياء في ذاتها مثل هذه التفرقة ~~القاطعة، ونؤكد أن الثانية «مجهولة تماما»، فمن الواجب أن نعمل حساب ذلك الاحتمال الذي ~~تكون فيه الأشياء في ذاتها مماثلة لظواهرها، وهو احتمال يظل قائما طالما أن الأشياء في ~~ذاتها «مجهولة». # مثل هذه التفرقة بين الظواهر والأشياء في ذاتها هي مظهر من مظاهر خروج المثالية عن ~~الموقف الطبيعي، وهو مظهر أطلق عليه «كانت» اسم «المثالية النقدية»، والفارق بين ~~المثالية النقدية وبين مثالية باركلي «المادية» - من وجهة نظر الموقف الطبيعي - يتمثل ~~في فكرة «الشيء في ذاته» هذه، فباركلي و«كانت» متفقان على أن الوجه المدرك للأشياء يرجع ~~إلى مجرد إدراك الذات له عند الأول، أو «طريقتها» في إدراكه عند الثاني، غير أن «كانت» ~~يفترض من وراء هذا الوجه المدرك طبيعة أخرى «مجهولة» هي التي تمثل الأشياء «كما هي في ~~حقيقتها»، وهذا الوجه بطبيعته مخالف تماما لما ندركه من الأشياء في الموقف الطبيعي، أي ~~إننا نستطيع في الواقع أن نقول: إن «كانت» قد خالف الموقف الطبيعي مرتين: مرة حين ~~أكد أن الوجه المدرك للأشياء راجع إلى الذات، ولا يمثل صفات موضوعية، ومرة حين أكد أن ~~ما ندركه من الأشياء لا يستوعب كل ما فيها، بل إن لها طبيعة كامنة مخالفة لما ندركه، ~~والقولان - كما هو واضح - مرتبطان في فلسفته ارتباطا وثيقا. # وعلى الرغم من محاولات خلفاء «كانت» من المثاليين أن يخلصوا مذهبه من هذه «الزائدة» ~~التي لا تجلب لمذهبه إلا المرض - أي الشيء في ذاته - فلا شك في أن موقع الفكرة من مذهبه ~~ليس عرضيا على الإطلاق، «فكانت» أراد أن يكون منطقيا مع نفسه؛ إذ ms058 وضع في مقابل ~~الظواهر أشياء في ذاتها، ولنصور الأمر على هذا النحو: فمن المحال أن يعترف الفيلسوف ~~المثالي بأن الأشياء كما ندركها هي «أشياء في ذاتها»؛ لأنه لو فعل ذلك لرجع إلى الموقف ~~الطبيعي، وإذن فلا بد له أن يقول بطبيعة أخرى لها، ومن هنا أسماها «كانت» باسم ~~«الظواهر»، غير أن كلمة «الظواهر» لا بد أن يكون لها متضايف؛ إذ إننا سنظل دائما ~~نتساءل: لأي شيء هي ظواهر؟ وهكذا تظهر ضرورة القول بالأشياء في ذاتها بالنسبة إلى كل ~~مذهب يقول بالظواهر، وقد شرح «كانت» نفسه هذه الضرورة بقوله: «إن مجرد اعتراف الذهن ~~بالظواهر، هو اعتراف بوجود أشياء في ذاتها، وهكذا يمكننا أن نقول: إن تمثل هذه ~~الأشياء التي تستخدم أساسا للظواهر، أي الكائنات العقلية الخالصة، ليس مقبولا ~~فحسب، بل لا مفر منه.» # 19 # بل إن الارتباط الضروري بين معرفتنا وبين إمكان التجربة البشرية، يجعل من الممتنع ~~استخدام تصوراتنا على نحو لا تعود فيه ممكنة للتجربة، «ولكن الأكثر من ذلك امتناعا ~~- من جهة أخرى - ألا نعترف بأشياء في ذاتها، أو أن ننظر إلى تجربتنا على أنها الطريقة ~~الوحيدة الممكنة لمعرفة الأشياء، وبالتالي إلى حدسنا في المكان والزمان على أنه هو ~~الحدس الوحيد الممكن، وإلى ذهننا المقالي # discursive # على أنه أنموذج كل ذهن ممكن، أي أن ننظر إلى مبادئ إمكان التجربة على أنها شروط مماثلة ~~لأشياء في ذاتها.» # 20 # وهنا يقدم «كانت» مبررا آخر لفكرة الأشياء في ذاتها، ويتخذ هذا المبرر شكل ~~الموضوعية الفكرية التي تحتم علينا ألا نتصور طريقتنا في معرفة الأشياء على أنها هي ~~الطريقة الوحيدة الممكنة، بل تجعلنا نعترف بإمكان وجود تجارب أخرى وحدوس أخرى وأذهان ~~أخرى. ~~«ولكن على أي نحو نتصور هذا الشيء في ذاته؟ هل نتصوره على أنه ما لا يمكن أن يكون ~~موضوعا لحدسنا الحسي؟ أم على أنه ما هو موضوع لحدس غير حسي؟ يبدو أن «كانت» - مع ~~تفرقته بين هذين الوجهين: السلبي والإيجابي، للشيء في ذاته - ينتهي إلى أن يقف موقفا ~~«لا أدريا»، لا يجزم ms059 بشيء إثباتا أو نفيا، ويكتفي بوصف الشيء في ذاته بأنه «تصور ~~تحديدي»، أي تصور يوضح الحدود التي لا تستطيع تجربتنا أن تتعداها.» # 21 # وهكذا ينتهي «كانت» إلى هذه النتيجة الغريبة: فخروجه عن الموقف الطبيعي، وتسميته ~~للأشياء «بالظواهر»، يحتم عليه - كما رأينا - افتراض الفكرة المتضايفة مع الظواهر، أعني ~~الأشياء في ذاتها، ولكن على الرغم من أن مذهب «كانت» لا يكتمل بدون فكرة الأشياء في ~~ذاتها هذه، فإن تصوره لها محاط بالغموض من البداية إلى النهاية، ولا يكاد المرء يجد ~~عنده أي وصف محدد للفكرة يرتكز عليه، وهكذا يبدو من الغريب حقا ألا يجد الفيلسوف ~~سوى صفات غامضة كل الغموض لوصف فكرة لها مثل هذا الموقع الأساسي في مذهبه. # ووجه الاستحالة في مثل هذا النوع من التفكير، الذي يتخذ في ظاهره طابع الموضوعية، ~~ولكنه في حقيقته أبعد ما يكون عنها، إننا لا يحق لنا الكلام عن وجه آخر للأشياء لا ~~سلبا ولا إيجابا، أعني لا يحق لنا الكلام عن وجه للأشياء لا تكون فيه موضوعا ~~لطريقتنا الخاصة في الإدراك، أو تكون موضوعا لطريقة أخرى في الإدراك؛ إذ إن لنا تجربة ~~واحدة باعتراف الجميع، وهذه التجربة الواحدة لا تسمح لنا حتى بتخيل الطريقة التي قد ~~توجد بها أية تجربة أخرى. # وليحاول كل منا أن يركز فكره فيما يعنيه «كانت» «بالشيء في ذاته»، الذي هو الشيء لا ~~كما تدركه حواسنا أو ذهننا، بل كما هو «في حقيقته»، أي الشيء غير المقيد بطريقتنا ~~الخاصة في الإدراك، التي ترتبط بالتركيب الخاص لحواسنا وذهننا فحسب، ليحاول أن يركز ~~فكره في معنى هذه الكلمة، وسيجد أنها في واقع الأمر خالية تماما من أي معنى، فنحن ~~نستطيع مثلا أن نتصور طريقة «القط» في الإدراك على أنها مخالفة لطريقتنا في الإدراك، ~~وذلك على أساس تجارب معينة ثبت فيها أن القط أقدر على الرؤية في الظلام وأقوى في حاسة ~~الشم ... إلخ، أما الجزم مقدما، ودون وجود أي أساس من التجربة، بأن هناك مقياسا معينا ~~- هو هذا «الشيء في ذاته» - يتخذ أساسا ms060 للحكم على كل طريقة أخرى للإدراك بأنها إدراك ~~لظواهر، دون أن يكون هناك أي أساس تجريبي لمثل هذا المقياس المزعوم، فخطأ منهجي ~~أساسي. # ولو كان لنا أن نتحدث عن تدرج في قيمة طرق الإدراك المختلفة للأشياء - حسب مكانة ~~الحيوانات المتدرجة في سلم الحياة بما فيها الإنسان - لما كان لنا أن نقول إلا أن طريقة ~~الإنسان أكملها. حقا إننا قد نجد حيوانات لها حواس معينة أحد وأقوى بكثير من حواسنا ~~المناظرة، غير أن الصورة العامة التي يصل إليها الإنسان، والتي تتضافر فيها حواسه مع ~~ملكاته الذهنية والنفسية، لا توجد إلا على نحو واه أو لا توجد على الإطلاق لدى بقية ~~الكائنات، وهذه الصورة هي - بلا شك - أدق من كل الصور الأخرى، والدليل الدامغ على هذا ~~هو أنه أنجح الجميع في التعامل مع الطبيعة وإخضاعها، وإذن فأقصى ما يمكننا عمله هو أن ~~نجري مثل هذه المقارنات «الداخلة في نطاق التجربة» بين الإنسان وبين كائنات أخرى، أما ~~أن نحاول تجاوز نطاق تجربة الإنسان ذاتها وتصور الأشياء في صورة مجهولة لا تنتمي إلى ~~أية تجربة على الإطلاق، فتلك - بلا شك - محاولة مستحيلة لا معنى لها، وإذا كانت مثل هذه ~~المحاولة المستحيلة تؤدي إلى الحط من تجربة الإنسان إلى مرتبة الظواهر - بالنسبة إلى ~~هذا «المجهول» المسمى بالشيء في ذاته - فلا شك في أن هذه نتيجة أخرى مستحيلة؛ لأن أقصى ~~وأرفع ما يمكننا عقلا أن نتصوره من التجارب هو تجربتنا نحن، الذي لا يعلو عليها شيء في ~~سلم التجارب المعروفة لنا، أو التي يمكن أن تكون معروفة لنا. # ويعد إخفاق فكرة «الشيء في ذاته» هذه إخفاقا للموقف الكانتي بأسره: «فكانت» قد ~~وضع «الفرض الكبرنيكي» - الذي تكون الأشياء بمقتضاه متفقة مع طريقتنا في المعرفة لا ~~العكس - آملا أن يستطيع بذلك تفسير كل ظواهر المعرفة من الوجهة الفلسفية، ولكن فرضه ~~هذا يتضح إخفاقه التام حين نراه يؤدي ضرورة إلى فكرة الشيء في ذاته، أي إلى افتراض ~~وجود وجه للأشياء لا يقوم على أساس أية تجربة، فإذا حاول أحد ms061 تخليص فلسفة «كانت» من ~~فكرة «الشيء في ذاته»، فلن يكون قد خلصها من عنصر زائد لا قيمة له كما ظن خلفاء ~~«كانت»، بل إنه سيقضي في هذه الحالة على التمييز بين الأشياء كما ندركها، وبين الأشياء ~~كما هي «في ذاتها»، وهذا يقتضي ألا نطلق على الأشياء كما ندركها اسم «الظواهر»، وهذا ~~بدوره يؤدي إلى الامتناع عن ربط الأشياء «بطريقتنا الخاصة في المعرفة»، أو بقوالبنا ~~الحسية والذهنية الخاصة، وهذا معناه انهيار مذهب «كانت» من أساسه. # والذي يعنينا من هذا كله هو أن الفرض الذي وضعه «كانت» في البداية - وهو الفرض الذي ~~أعلن فيه مخالفته للموقف الطبيعي - ينتهي حتما إلى الإخفاق، ويبدو، في رأينا، أن منهج ~~«كانت » ذاته كان يحتم عليه ألا يتسرع باتخاذ هذا الفرض نقطة بداية لتفلسفه؛ ذلك لأن ~~كل هدف هذا المنهج هو التفرقة بين الميتافيزيقا من حيث هي شرط لإمكان التجربة، وبين ~~الميتافيزيقا من حيث هي محاولة لتجاوز التجربة عن طريق العقل الخالص، ثم إثبات استحالة ~~الميتافيزيقا بالمعنى الثاني، وانتهائها إلى قضايا يمكن إثبات عكسها بنفس القوة التي ~~يمكن بها إثباتها هي ذاتها، ولكن لو تأملنا تلك القضية الرئيسية التي يتخذها «كانت» ~~نقطة بداية لفلسفته - وهي «أننا ندرك ظواهر ~~لا أشياء في ذاتها» - لوجدناها تنتمي في الواقع إلى تلك الميتافيزيقا التي تحاول تجاوز ~~التجربة عن طريق العقل الخالص، فتلك القضية ليست تجريبية أو ممكنة للتجربة؛ لأن التجربة ~~لا تطلعنا على شيء وراء ما ندركه، ومن الممكن أن تؤدي إلى «نقيضة» على نفس النحو الذي ~~أدت به قضية «للعالم بداية في الزمان» إلى نقيضة في نظر «كانت»: فمن الممكن أن نقول ~~بنفس القوة: إننا ندرك ظواهر، وإننا ندرك أشياء في ذاتها، وذلك طالما أن القضية تنتمي ~~إلى مجال العقل الخالص الذي يحاول تجاوز التجربة. # ولسنا في حاجة إلى أن ننبه إلى أن هذا الإخفاق لا يقتصر على «كانت»، فمن الواضح أن ~~الكثيرين من أصحاب التفكير المثالي - في الميدان الفلسفي والخالص وفي ميدان النقد ~~العلمي كذلك - يفترضون التفرقة بين الظواهر ms062 والأشياء في ذاتها ضمنيا، ولا يفترقون عن ~~«كانت» إلا في أن الأخير نادى بها صراحة، وجعلها جزءا مكملا للبناء الفلسفي الذي ~~حاول تشييده، فالقول بالشيء في ذاته يظهر ضمنيا لدى القائلين بأن الشروط التي نتفق ~~فيها على معرفة الأشياء ليست بالضرورة منتمية إلى الماهية «الحقيقية» للأشياء، وهو قول ~~يتخذ آلاف الصور والأشكال، ويعبر عن موقف عظيم الشيوع بين فئة كبيرة من ~~المفكرين. ~~••• # وينبغي أن نحذر هنا من الاعتقاد بأننا نرفض كل شكل من أشكال النسبية، على أساس أنها ~~تفترض تفرقة ضمنية بين ما هو نسبي وما هو مطلق، أي خارج عن حدود تجربتنا؛ ذلك لأن من ~~الممكن أن تكون للنسبية معاني مشروعة، غير معنى انتساب كل ما ندركه إلى طريقتنا الخاصة ~~في المعرفة، والواقع أن من الواجب أن نفهم كلمة «انتساب الشيء إلينا» بمعنيين: ~~(1) # معنى خاص، فردي أو جزئي، يتمثل في الاختلافات بين الأفراد، وهي ~~الاختلافات التي تصل إلى حد التطرف في حالات المرض أو غيرها من الحالات غير ~~المألوفة، مثلما يقول المصاب بعمى الألوان عن العشب الأخضر: إنه أبيض ~~«بالنسبة إليه». ~~(2) # ومعنى عام، يتمثل في حالات الإدراك السوية التي تشترك فيها الغالبية ~~العظمى من الناس، وفي هذا المعنى تكون الأشياء منسوبة إلينا، بمعنى أن ~~حواسنا تتحكم إلى حد ما في طريقة إدراكنا، وأن لها دورا ما في تكوين ~~الصورة النهائية للشيء. # والخطر الأكبر في الموقف المثالي هو خطر ظهور المعنى الأول، أو الخلط بينه وبين ~~الثاني، ويرجع هذا الخطر إلى أن المثاليين أنفسهم لا يحددون معيارا للتفرقة بين ~~المعنيين، حتى ليبدو أن فكرة انتساب موضوعات المعرفة إلى الإنسان يمكن أن تفهم - عند ~~كثير من المثاليين - بأنها انتساب المعرفة إلى «الفرد»، ومن هنا كانت كثير من المذاهب ~~المثالية تتعرض للوقوع في مذهب «الذات ~~الوحيدة # Solipsisme ~~»، وهكذا يمكن القول: إن القوة الدافعة إلى إنكار مثل هذه ~~النسبية هي وضع حد للخلط بين ما هو منتسب عامة، وما هو منتسب للفرد. # ومن جهة أخرى لا يمكن أن ينكر أحد كون الأشياء التي ms063 نعرفها متصلة بنا، ومنسوبة إلينا ~~«على نحو ما»، ولكن مثل الانتساب عام مشترك بين كل أفراد الناس إلى حد أن التنبيه إليه ~~غير مجد، فهو كالحد المشترك بين طرفي كسر، يحسن دائما حذفه من الطرفين معا؛ ولهذا ~~فلا ضير على الإطلاق - رغبة في التمييز بين المعنيين - من الاحتفاظ بمعنى النسبية ~~للمعنى الأول، أما ما هو نسبي بالمعنى الثاني، فيمكن أن يسمى شيئا في ذاته، لا ~~بالمعنى الكنتي وإنما بالمعنى «الإنساني» إن صح هذا التعبير، أي بمعنى أنه هو ما تتفق ~~عليه جميع الأذهان، ولا يدركه الجميع إلا على نحو واحد. ~~(4) «مذهب الظاهريات» والموقف الطبيعي # وصف كثير من شراح «هوسرل» فلسفته بأنها «مثالية ترنسندنتالية»، وهو وصف يدل - إذا ~~صح - على أن مذهب الظاهريات كان مضادا للموقف الطبيعي، على أن هوسرل قد انفرد عن كثير ~~من المثاليين بمناقشاته المطولة للموقف الطبيعي، وهي مناقشات تفيد في إلقاء الضوء على ~~ذلك النوع الخاص من المثالية الذي دافع عنه هوسرل، وكذلك على معنى الموقف الطبيعي ذاته ~~ووجهة نظر مذهب الظاهريات إزاءه، ولما كان الهدف من العرض الموجز الذي نقدمه لهذا ~~الموضوع هو إيضاح مرحلة أخرى من مراحل المثالية أو شكل آخر من أشكالها، وليس بحثا ~~استقصائيا لتفكير هوسرل في هذا الموضوع، فسوف نكتفي ها هنا بالرجوع إلى ما نعتقد أنه ~~أوضح عرض قدم فيه هوسرل آراءه المتعلقة بالموقف الطبيعي، وهو المجلد الأول من كتاب ~~«أفكار # Ideen ~~». # وأول ما ينبغي أن نشير إليه هو أن من الضروري التفرقة بين لفظي: «المذهب الطبيعي أو ~~النزعة الطبيعية # naturalisme ~~» و«الموقف الطبيعي # attitude naturelle ~~» عند هوسرل، فالمذهب ~~الطبيعي - كما ينقده هوسرل - هو تلك النزعة التي تطورت نتيجة لتقدم العلوم الطبيعية ~~وتطبيق مناهجها في شتى المجالات، بحيث أصبح هناك «اتجاه» كامل نحو اتخاذ العلم الطبيعي ~~أنموذجا لكل من المعرفة، حتى في مجال معرفة الإنسان (علم النفس)، وهذا هو الاتجاه الذي ~~ركز هوسرل جهوده على نقده في مؤلفات أهمها «الفلسفة علما دقيقا»، ولقد كان نقد ~~هوسرل لهذا المذهب هو جانب من أهم ms064 جوانب رسالته في الفلسفة، غير أن من الواجب أن نتذكر ~~أن هذه المعركة مرتبطة بمرحلة معينة من مراحل تاريخ العلم الأوروبي، هي تلك التي سادت ~~في أواخر القرن التاسع عشر، والتي بدا فيها للكثيرين أن منهج العلوم الطبيعي يصلح ~~للانطباق على كل المجالات، حتى مجال الكتابة الأدبية ومعرفة النفس البشرية ذاتها، ومن ~~هنا كان هدف هوسرل من محاربة هذه النزعة هو صد التيار الجارف الذي يرمي إلى «تطبيع» ~~الإنسان، وإغفال ما ينفرد به الوعي الإنساني عن سائر الموضوعات التي يمكن أن ينطبق ~~عليها منهج العلوم الطبيعي. # أما رأي هوسرل في «الموقف الطبيعي» - وهو الذي يعنينا هنا أكثر من غيره - فيتعلق ~~باتجاه أو نزوع ثابت لا علاقة له بمرحلة معينة من مراحل تطور العلم، إنه موقف الإنسان ~~«المتجه إلى العالم»، والذي يتعامل مع هذا العالم بوصفه حقيقة قائمة بذاتها، ويقبل ~~العالم على ما هو عليه، ويندمج فيه على هذا الأساس، ومن الواضح أن المواقف التي اتخذها ~~هوسرل من هذا الموضوع لا شأن لها بمعركته مع المذهب الطبيعي؛ إذ إن ما يحلله هوسرل تحت ~~باب «الموقف الطبيعي» ليس على الإطلاق ظاهرة مرهونة بعصر معين، ومع ذلك ففي استطاعتنا ~~أن نتصور نوعا من الاتصال بين المجالين: فالمذهب الطبيعي في العلم لا بد أن يتضمن ~~تصورا للعالم قائما على أساس الموقف الطبيعي، ولكنا سنظل مع ذلك قادرين على تصور ~~الموقف الطبيعي (في حالة الإنسان العادي أو مفكري العصور القديمة مثلا)، بغض النظر عن ~~تلك المرحلة العلمية التي أدت إلى سيادة المذهب الطبيعي. # فهل خاض هوسرل - ضد الموقف الطبيعي - معركة مماثلة لتلك التي خاضها ضد المذهب الطبيعي ~~في العلم وفي دراسة الإنسان؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي الكفيلة بأن تحدد موقع فلسفة ~~الظاهريات وسط مجموعة المذاهب المثالية التي تنكر الموقف الطبيعي بصورة أو بأخرى: # أول ما ينبغي أن ننبه إليه هو الاتساع الهائل في معنى «الموقف الطبيعي» ~~عند هوسرل؛ ذلك لأنه قد يتبادر إلى ذهن البعض أنه لما كان هوسرل قد نظر إلى ~~الخروج ms065 عن الموقف الطبيعي على أنه هو الخطوة الأولى في التفلسف، فمعنى ذلك ~~أن الموقف الطبيعي عنده عقبة ضئيلة الشأن ينبغي أن تزاح أولا، لكي يبدأ ~~بعد ذلك أي تفلسف حقيقي، ولكن الواقع أن ما يقصده هوسرل «بالتفلسف» في هذه ~~الحالة هو تفلسفه هو، فنوع التفلسف الخاص بمذهب الظاهريات هو الذي يحتاج ~~للبدء فيه إلى إزاحة عقبة الموقف الطبيعي، ولكن هوسرل لا يجعل من هذه ~~الإزاحة شرطا لكل تفكير يكشف لنا حقائق عن العالم، فقد كانت هناك - ولا تزال ~~- فلسفات ومذاهب فكرية وعلمية يعترف بها هوسرل، وترتكز كلها على ~~الموقف الطبيعي. # فالعلوم المألوفة كلها تقتضي «فلسفة»، هي تلك التي ترتكز على الموقف الطبيعي، ومعنى ~~ذلك أن فلسفة الموقف الطبيعي تقف على نفس مستوى العلوم المألوفة، ولو أنكرنا الأولى ~~لكنا بذلك ننكر الثانية، وهو ما لا يقبله هوسرل نفسه، وقد حدد هوسرل نطاق العلوم ~~المرتكزة على الموقف الطبيعي، فذكر أنها تشمل علوم الطبيعة المادية وعلوم الكائنات ~~الحية من حيث ما لها من طبيعة نفسية فيزيائية، ومن ثم فهي تشمل أيضا علم وظائف الأعضاء ~~وعلم النفس، كما تضاف إليها مجموعة العلوم المسماة بالعلوم الإنسانية # Geisteswissenschaften ~~، كالتاريخ وعلوم الحضارات ~~ومختلف العلوم التي تدرس المجتمع الإنساني. # 22 # وفلسفة «كانت» ذاتها هي - من وجهة نظر هوسرل - داخلة في نطاق الموقف الطبيعي، فالوعي ~~الذي يبحث «كانت» في مدى صحته هو الوعي الموضوعي الممكن، والذات الرانسندنتالية عند ~~«كانت» هي شكل من أشكال العالم له صورة ~~قبلية # apriorische weltform ~~، وهي ذات منتمية إلى العالم على الرغم من كونها صورية؛ ولذلك ~~فإن «كانت» لا يصل أبدا إلى الذات المطلقة، ويظل تفكيره داخلا في نطاق العالم. # 23 # بل إن بعض شراح هوسرل - مثل فنك # Fink ~~- يذهب إلى أن ~~بحث هوسرل ذاته فيما هو قبلي - في كتاب «الأبحاث المنطقية» - يظل منتميا إلى مجال ~~الموقف الطبيعي، شأنه في ذلك شأن بحث «كانت» والكانتيين الجدد في شروط إمكان الموضوعية عامة. # 24 # وربما كانت الخطوة الأولى التي تقربنا إلى ذلك النوع الخاص من الخروج عن ms066 الموقف ~~الطبيعي - الذي كان هوسرل يدعو إليه - هو الشك الديكارتي، وأقول: إن هذه الخطوة ~~«تقربنا» من مقصد هوسرل، ولكنها لا تنفذ بنا إلى صميمه؛ إذ إن الشك الديكارتي إذا كان ~~ينظر إلى العالم على أنه وهم أو خداع، فإنه لا يغير شيئا من الوضع العام للعالم بوصفه موجودا، # 25 # وبقدر ما ينضم هذا الشك إلى مجموعة المحاولات التي ~~بذلت - منذ أفلاطون حتى باركلي - من أجل ~~تقديم حجج تزعزع يقيننا بوجود العالم، فإنه يظل - كهذه المحاولات ذاتها - دائرا في فلك ~~الموقف الطبيعي، ولكن في الشك الديكارتي جانبا آخر يقربه من موقف هوسرل؛ ذلك لأن شك ~~ديكارت لم يكن «مذهبيا»، بمعنى أنه لم يكن يعبر عن حالة فعلية من الشك لا يستطيع ~~الفيلسوف الخروج منها، ويجد نفسه عاجزا عن الخلاص من أحابيلها، وإنما كان «منهجيا»، ~~أي شكا إراديا متعمدا، يقوم به الفيلسوف وفي ذهنه هدف محدد، ويمارسه بحرية وبقدر ~~ما يساعده على تحقيق هذا الهدف. # بهذا المعنى يقترب الشك الديكارتي من منهج «وضع العالم بين قوسين» عند هوسرل، الذي ~~كان بدوره منهجا يتبع بحرية كاملة، ويعمد الفيلسوف إلى اتخاذه نظرا إلى ما يترتب ~~عليه من نتائج، وكما أن الشك الديكارتي قد انتهى في آخر المطاف إلى استرداد نفس العالم ~~الذي كان في البدء يرتاب فيه، بل إن هذا العالم كان طوال الوقت موجودا بالفعل، حتى ~~عندما كان الشك قد بلغ أوجه، فكذلك لا يؤدي وضع العالم بين قوسين إلى المساس بحقيقة ~~وجود العالم كما يتمثل للوعي، وإن كان يعطل هذه الحقيقة بفعل إرادي واع يستهدف تحقيق ~~نتائج فلسفية معينة من هذا التعطيل: «إن ما نعطله # metton hors du ~~jeu # هو الوضع العام # thése # الذي ~~ينتمي إلى ماهية الموقف الطبيعي، فنحن نضع بين أقواس كل ما يتضمنه هذا الوضع في مجال ~~الوجود، وبالتالي كل هذا العالم الطبيعي الذي هو دائما «هناك بالنسبة إلينا»، والذي هو ~~«ماثل» ولا يكف عن أن يظل هناك بوصفه «واقعا # réalité ~~» ~~بالنسبة إلى الوعي، حتى عندما يروق لنا أن ms067 نضعه بين أقواس، وعندما أسير على هذا النحو، ~~وهو أمر يدخل تماما في نطاق قدرة حريتي، لا أنكر إذن هذا العالم كما لو كنت ~~سفسطائيا، ولا أضع وجوده موضع الشك، كما لو كنت شكاكا (مذهبيا)، وإنما أمارس ~~التعليق # pochéé # الظاهرياتي الذي لا يمنع على الإطلاق كل ~~حكم منصب على الوجود في المكان والزمان.» # 26 # ويزيد هوسرل من إيضاح رأيه في دلالة تعطيل الوضع الطبيعي للعالم فيقول: «إننا لا نغير ~~شيئا من اقتناعنا الذي يظل على ما هو عليه ... ومع ذلك فإن الوضع يطرأ عليه تحول: فعلى ~~حين أنه يظل في ذاته على ما هو عليه، فإنا نضعه - إن جاز التعبير - خارج الدائرة وخارج ~~النطاق وبين أقواس، إنه يظل هناك، مثلما يظل هناك داخل الأقواس ما أغلقنا عليه فيها ... ~~بل إن للمرء أن يقول: إن الوضع لا يزال معيشا # un vécu ~~، ~~غير أننا «لا نستخدمه» على أي نحو ... فالأمر هنا متعلق ... بطريقة محددة ومخصصة للوعي، ~~تضاف إلى الوضع الأصلي البسيط ... وتدخل عليه تحولا في القيمة ... هذا التحول في ~~القيمة يتوقف على حريتنا الكاملة.» # 27 # ولكن ما الهدف من هذا التحول الذي يباعد بيننا وبين وضع العالم الطبيعي، والذي نستخدم ~~فيه حريتنا من أجل تعطيل نظرتنا المألوفة إلى العالم؟ ولماذا التجأ هوسرل إلى أسلوب ~~«الرد # réduction ~~» بوصفه خطوة أساسية في طريق التفلسف ~~الحقيقي؟ إن الرد إنما هو إزالة لعقبة تثقل على الوعي هي الموقف الطبيعي، ففي هذا ~~الموقف الطبيعي ينسى الوعي ذاته، ويضيع في الأشياء، وفي موضوعات العالم، وفي أفكاره عن ~~هذه الموضوعات، بحيث يتباعد عن ذاته، ويغترب ويغدو متخارجا عنها، وما دام الوعي ~~مرتبطا بالموقف الطبيعي فإنه يكون في حالة سذاجة واستسلام لوجود الأشياء، # 28 # ولا يبدأ الوعي في استرداد ذاته بحق إلا إذا مارس الرد الذي هو نوع من ~~الزهد أو العزوف # ascéso ~~، نخسر فيه العالم من أجل كسبه ~~من جديد. # ولقد حدد هوسرل ذاته هدفه من اتباع منهجه الجديد بأنه «استبعاد مجموع العادات الفكرية ~~التي سادت حتى اليوم، والتعرف ms068 على الحواجز الروحية التي تضربها هذه العادات حول أفق ~~تفكيرنا، وهدم هذه الحواجز؛ من أجل الوصول بعد ذلك بحرية عقلية كاملة إلى المشكلات ~~الحقيقية للفلسفة، التي تقتضي تجديدا شاملا، والتي سيكون من الممكن بلوغها بعد تحرير ~~الأفق من جميع جوانبه.» # 29 # وربما كان التوفيق قد جانب هوسرل في استخدام تعبير «العادات الفكرية» في النص ~~السابق، فما يسميه بالعادات الفكرية هنا هو حصيلة الموقف الطبيعي، غير أن ما هو «طبيعي» ~~مضاد لما ينتج عن «العادات» - التي هي مكتسبة متولدة عن التكرار - لا عن الطبيعة، بل هي ~~كثيرا ما تكون مضادة للطبيعة أو خارجة عنها أو مضافة إليها، فما يقصده هوسرل في هذا ~~السياق ليس «عادات فكرية» بالمعنى المألوف لهذه الكلمة، وإنما هو أساليب وطرق للتفكير ~~نتجه إليها بحكم الطبيعة، وقد يبدو هذا الاعتراض مجرد اقتناص لعدم اتساق لفظي بحت، ~~ولكنه - في واقع الأمر - اعتراض مرتبط بصميم الهدف الذي يتجه المنهج الظاهرياتي إلى ~~تحقيقه: فهل يهدف هوسرل - من اتباعه لهذا المنهج - إلى مجرد اطراح عادات فكرية قديمة ~~واستبدال عادات فكرية جديدة بها؟ أم أنه يهدف إلى قهر الطبيعة قهرا متعمدا؟ أغلب الظن ~~أن هدفه هو الثاني، بدليل أنه - بعد عدة سطور من النص السابق - يقول: «إذا كان الوصول ~~إلى ماهية الظاهريات يشكل صعوبة بالغة ... فذلك يرجع أولا وقبل كل شيء إلى أنها تقتضي ~~التخلي عن المواقف الطبيعية المرتبطة بتجربتنا وتفكيرنا، أي تغييرا جذريا في ~~الموقف.» هذا التغيير في الموقف يرجع إلى «الرغبة في الوصول إلى منطقة جديدة للوجود لم ~~يتم حتى الآن تحديدها وفقا لما فيها من خصوصية، يكون الوجود فيها - شأنها شان كل منطقة ~~أصيلة - وجودا فرديا.» # 30 # وبهذا المعنى كان المنهج الظاهرياتي عند هوسرل تأسيسا لعلم جديد، غريب عن ~~الفكر الطبيعي، وهو علم لم ينشأ - ولم يكن في الممكن أن ينشأ - إلا في العصر ~~القريب. # وهنا يصبح في استطاعتنا أن نستجمع خيوط الفكر السابقة؛ لكي نصل إلى تحديد دقيق للرأي ~~الذي تتخذه فلسفة الظاهريات إزاء الموقف الطبيعي، وعلاقة هذه الفلسفة ms069 ببقية المذاهب ~~المثالية التي ينصب عليها نقدنا في هذا الكتاب. # فقد تبين لنا أن خروج مذهب الظاهريات عن الموقف الطبيعي يختلف اختلافا أساسيا عن ~~خروج المذاهب المثالية الأخرى عن هذا المذهب: فهو ليس خروجا حتميا، تمليه ضرورات ~~فكرية لا يمكن التخلص منها، وإنما هو خروج اختياري يقوم به الفيلسوف بمحض إرادته، ~~مستهدفا منه كشف وجهة نظر جديدة وآفاق جديدة لا تتبدى إلا بعد «تعليق» العالم الطبيعي ~~و«تعطيل» موقفنا الطبيعي الذي نعترف فيه بهذا العالم ونندمج فيه، إن المثاليات ~~التقليدية تضعنا أمام اختيار يتحتم علينا القيام به: فإذا اعترفنا بوجود العالم أنكرنا ~~المثالية، وإذا اعترفنا بالمثالية تحتم علينا أن نرفض الموقف الطبيعي الذي يفترض وجود ~~العالم. أما هوسرل فإنه يريد أن يخرج عن الموقف الطبيعي مع بقاء هذا الموقف موجودا ~~بالنسبة إلى كل من لم يتخذ وجهة النظر الظاهرياتية، فمن الممكن أن نتصور - في إطار ~~تفكيره - تعايشا بين الموقف الظاهرياتي والموقف الطبيعي، على حين أن مثل هذا التعايش ~~مستحيل من وجهة نظر المثاليات التقليدية. # إن الألفاظ التي تستخدم في مذهب الظاهريات على جانب كبير من الأهمية في تحديد ~~موقفه من المشكلة التي نحن بصددها، فهوسرل لا يقدم حججا تفند الموقف الطبيعي، ولا ~~يفكر أصلا في هذا التفنيد، وإنما هو يتحدث عن «تركه جانبا»، بل إن تفنيد المثاليين ~~التقليديين للموقف الطبيعي يظل - في نظره - داخلا في إطار هذا الموقف، وهكذا يكون ~~للموقف الطبيعي عنده معنى شديد الاتساع، يشمل أنصار هذا الموقف وخصومه معا، ويقف ~~هوسرل بمعزل عن هؤلاء وأولئك؛ لأنه يضع هذا الموقف بين قوسين، ويعطله من أجل بلوغ منطقة ~~جديدة يستحيل الاقتراب منها إلا بهذا التعطيل، ولما كانت وجهة النظر التي نعالج من ~~خلالها مفهوم الموقف الطبيعي في هذا الكتاب هي تلك التي تتعلق بالصراع ضد المثالية، ~~وبإمكان الدفاع عن هذا الموقف أو عدم الدفاع عنه، فإن محاولة هوسرل تبدو - في هذا الضوء ~~- خارجة عن نطاق الخلافات والصراعات الأساسية التي تثار في هذا الكتاب؛ ذلك لأن تعطيل ~~الموقف الطبيعي لا يعني ms070 إصدار حكم ضده، ولا يتضمن في ذاته تفنيدا له، على حين أن هذا ~~التفنيد هو ما يعنينا قبل غيره. # 31 # ولنذكر - في هذا الصدد - أن دعوة هوسرل إلى قهر الذات الطبيعية - عن وعي وبحرية كاملة ~~- لحساب الذاتية الخالصة، هذه العودة الترنسندنتالية إلى الوعي المتحرر من التوجه نحو ~~العالم الطبيعي، لا يمكن تصورها إلا في إطار ثقافة ظلت - طوال تاريخها - متوجهة نحو هذا ~~العالم، واكتسبت كثيرا من توجهها هذا، ففي الثقافة الهندية مثلا - حيث ظهرت منذ فجر ~~التاريخ مذاهب تجعل من العالم الطبيعي وهما وخداعا - يستحيل أن نتصور فلسفة ظاهرياتية ~~تطالبنا، بإلحاح، بأن نعطل الموقف الطبيعي والفكر الطبيعي والعالم الطبيعي والأنا ~~الطبيعي، والواقع أن هوسرل إنما كان يسير - في دعوته هذه - في نفس الاتجاه الذي سارت ~~فيه الرياضيات والمنطق حين اكتشفت مجالات جديدة لا تصدق عليها البديهيات القديمة، وإن ~~لم تكن قد أنكرت استمرار فعالية هذه البديهيات في المجالات التقليدية، وهو ذاته الاتجاه ~~الذي سارت فيه فيزياء القرن العشرين، حين رفضت النظرة الميكانيكية إلى العالم، مع ~~اعترافها باستمرار انطباق هذه النظرة في مجالات خاصة، فظهور الفينومينولوجيا إنما هو ~~حلقة في سلسلة بحث الثقافة الغربية عن أبعاد جديدة وأعماق جديدة، (ومما له دلالته أن ~~التوافق الزمني بين كل حلقات هذه السلسلة كان توافقا تاما)، وهذا البحث عن الأبعاد ~~والأعماق الجديدة لا يفهم إلا في إطار ثقافة تشبعت طوال تاريخها بالأبعاد والأعماق ~~التقليدية، وهكذا فإن الدعوة إلى وضع الموقف الطبيعي بين قوسين هي دعوة لا يكون لها ~~معنى إلا في إطار مجتمع ظل طوال تاريخه يعترف بهذا الموقف ويبني علومه ومعارفه على ~~أساسه. # وعلى أية حال، فإن المنطق نفسه يؤيد هذا الاستنتاج؛ إذ إنك لا تستطيع أن تضع ما هو ~~غير موجود بين أقواس، فعملية الوضع بين أقواس هي ذاتها أقوى دليل على أن العالم الطبيعي ~~موجود، وعلى أن الموقف الطبيعي يفرض نفسه، وأننا لا نستطيع الخلاص منه إلا مؤقتا، وبعد ~~عزوف وزهد وجهد. # | مشكلة خارجية العالم # في هذه المشكلة يظهر أقوى تضاد ms071 بين الموقفين المثالي والطبيعي، وفيها أيضا يتمثل قصور ~~المثالية التام في ميدان نظرية المعرفة؛ ذلك لأن المثالية - بعد ما عرضناه في الفصل السابق ~~من حججها - يتحتم عليها أن تواجه هذا السؤال: كيف يمكن تعليل ما يسمى في الموقف الطبيعي ~~باسم العالم الخارجي؟ أي إن المثاليين قد يستطيعون أن يقولوا: إن وجود الأشياء هي كونها ~~مدركة، أو أن ما ندركه من الأشياء ظواهر أو تمثلات، ومع ذلك فسيظل لزاما عليهم أن يقدموا ~~تفسيرا لتلك الفئة من الظواهر التي نسميها في موقفنا الطبيعي باسم العالم الخارحي، وأن ~~يعللوا صفة «الخارجية» التي ننسبها إلى هذه الظواهر عادة، ونتصرف معها عمليا على أساسها، ~~ونستطيع أن نقول: إن محاولة إيجاد هذا التفسير وهذا التعليل هي أعقد مشكلة تواجه كل فيلسوف ~~مثالي. ~~(1) وجها مشكلة العالم الخارجي # علينا أولا أن نفرق بين وجهين لمشكلة العالم الخارجي حدث بينهما كثير من الخلط في ~~أذهان الفلاسفة: ~~(أ) # أولهما: هل العالم الخارجي مستقل عن الذات، أي ذو وجود موضوعي؟ ~~(ب) # ما شكل هذا العالم الخارجي؟ وهل هو كما يبدو لنا، أم أن له شكلا ~~آخر؟ # ولنبدأ بالسؤال الثاني، فنشير إلى ملاحظاتنا السابقة الخاصة باستحالة وجود شكل واحد ~~للعالم في مختلف مواقف الإنسان: فالموقف العلمي - بآلاته المادية وأدواته الذهنية - ~~يرسم للعالم صورة أو صورا لا يمكن مقارنتها بالصورة التي نرسمها له في موقفنا الطبيعي، ~~والتي ترمي إلى خدمة أغراض مختلفة عن تلك التي يخدمها الموقف العلمي، فهناك - كما قلنا ~~- شكل للعالم في نظر عالم الفلك، وشكل آخر في نظر عالم البيولوجيا، وشكل ثالث في نظر ~~عالم الطبيعة، وهذه الأشكال كلها تختلف عن شكل العالم كما ندركه في حياتنا اليومية، ~~ولكن لا يمكن أن يقال: إن واحدا منها هو الصحيح، بل إن كلا منها صحيح في مجاله ~~الخاص فحسب، ولكن إذا لاحظنا - كما قلنا من قبل - أن الفيلسوف لا يملك الأدوات المادية ~~أو الذهنية التي تمكنه من اتخاذ الموقف العلمي، فعندئذ يتحول السؤال السابق - بالنسبة ~~إلى الفيلسوف على التخصيص - إلى ما يأتي: ms072 هل تستطيع الفلسفة - بفضل تحليلاتها المنطقية ~~وحدها - أن تصل إلى صورة أخرى للعالم غير صورته في الموقف الطبيعي؟ والرد المألوف على ~~السؤال هو: نعم؛ لأن صورة العالم - كما ندركها - متوقفة على الذات، أما العالم «في ~~حقيقته» فله صورة أخرى، أو لا بد أن تكون له صورة أخرى. # وهكذا نجد أن الرد الفلسفي على السؤال الثاني يثير حتما السؤال الأول، أي السؤال عن ~~توقف العالم على الذات أو اعتماده عليها، أي إن الوسيلة التي تثبت بها الفلسفات ذات ~~النزعة المثالية إمكان وجود صورة أخرى للعالم غير صورته في الموقف الطبيعي، هي أن تؤكد ~~عدم استقلاله عن الذات، وبالتالي اشتراك الذات في تكوين الصورة الحالية، التي هي مجرد ~~«مظهر» تختفي وراءه صورة أخرى «حقيقية» للعالم الخارجي. # وهنا ننتقل إلى الإجابة عن السؤال الأول، وهو البحث في استقلال العالم أو وجوده ~~الموضوعي، والنتيجة التي ينتهي إليها المثاليون في هذا الصدد هي أن تدخل الذات في تكوين ~~صورة عن العالم الخارجي معناه أن هذا العالم ليس مستقلا عنا، وإنما هو معتمد علينا، ~~وردنا على هذه النتيجة المثالية مزدوج: فعلينا أولا أن نثبت أن فكرة انتساب الواقع إلى ~~الذات لا تمنع من استقلاله، وعلينا بعد ذلك أن نثبت أن العالم الخارجي يجب أن يكون ~~«بالفعل» مستقلا عن الذات، أي أن يحتفظ بخارجيته. ~~(2) نسبية العالم الخارجي واستقلاله # سأقدم تبريرا لرأيي - في هذا الصدد - المثالي التالي، وهو مثال له أهميته العظمى في ~~تفنيد الحجة المثالية القائلة بعدم استقلال العالم نظرا إلى كونه منسوبا ~~إلينا: # لنفرض أن هناك عالما آخر - غير عالمنا هذا - به كائنات مدركة ذات حواس وأذهان، ~~وأشياء ذات وجود مستقل، ولنفرض أن هذه الكائنات لا تدرك الأشياء المستقلة إلا من خلال ~~حواسها وأذهانها، عندئذ سيكون من الطبيعي أن تبدو هذه الأشياء - في نظر بعض هذه ~~الكائنات - متوقفة في وجودها تماما على حواسها وأذهانها، على حين أنها، حسب الفرض ~~ذاته، مستقلة. # وبعبارة أخرى، ففي حالة أي كائن يدرك الأشياء من خلال حواسه وذهنه، تثار حتما مشكلة ms073 ~~استقلال الأشياء، ولكن وجود هذا «الحاجز» الحسي والذهني الضروري لا يمنع من أن تظل ~~الأشياء مستقلة، والفارق الحاسم في هذه الحالة هو نوع الشروط التي تدرك بها هذه ~~الأشياء من خلال الحواس والذهن: أي ما إذا كانت الحواس والذهن قادرة على أن تبعث ~~الأشياء كلما شاءت ذلك، أو أنها لا تستطيع أن تبعث هذه الصورة إلا إذا توافرت شروط ~~محددة بدقة. # وقد حلل «ك. أ. لويس» هذه المسألة تحليلا دقيقا، انتهى منه إلى أن ضرورة انتساب ~~الواقع إلى ذات عارفة لا تتعارض على الإطلاق مع بقاء الواقع مستقلا، «فالواقع - بقدر ~~ما يمكن أن يكون معطى في التجربة أو معروفا - منسوب إلى العارف، ولا يمكن أن يفهم ~~إلا من حيث هو ظاهر أو قابل للظهور أمام مدرك في تجربة فعلية أو ممكنة، ولكن كون الطابع ~~الوحيد الذي يمكن أن يعزى إلى أي شيء حقيقي هو طابع يوصف بعبارات نسبية - أي ~~بالنسبة إلى تجربة ما - ليس معناه أن نأبى على هذا الشيء الطبيعة المستقلة، ولا يتعارض ~~مع إمكان معرفة هذه الطبيعة.» # 1 # والمسألة هي أن هذه الشروط - التي تتوقف عليها تجربة العارف في إدراك الشيء ~~- محددة دائما بدقة، ولا بد أن يكون ما يحددها شيئا آخر غير العارف ذاته؛ إذ إن هذا ~~لا يعرف في أي وقت يشاء، بل يعرف كلما توافرت هذه الشروط، وإذن فهذه الشروط راجعة حتما ~~إلى «الطابع الحقيقي والموضوعي للشيء ...» # 2 # وإنه لمن سوء الفهم لطبيعة فكرة النسبية أن يستنتج المثالي من انتساب الشيء ~~إلى الذهن أن الشيء «معتمد» تماما على الذهن. # 3 # ولعل من حسن حظ الباحثين في عصرنا الحالي أنه قد ظهرت أجهزة تنقل عن طريقها بعض ~~كيفيات الأشياء على نحو لم يكن ليخطر على بال الباحثين التقليديين في المعرفة على ~~الإطلاق، وتسهم في حل المشكلة المتعلقة بانتساب هذه الكيفيات إلى الذات مساهمة قيمة، ~~ولنتأمل مثلا جهاز تسجيل الأصوات، فهذا الجهاز يبعث كيفية من كيفيات الأشياء - وهي ~~الصوت - دون أن يكون هناك أي شبه بين المصدر ms074 الذي ينقل الصوت عن طريقه - وهو الشريط - ~~وبين الصوت ذاته، فعن طريق الموجات الكهربائية المغناطيسية يبعث الجهاز كيفية مختلفة ~~تماما عن هذه الموجات، ولا شك في أن الجهاز ذاته قد اشترك - بمعنى ما - في خلق الصوت، ~~ولكن هل يعني ذلك أنه قد «تدخل» في جعل هذا الصوت على ما هو عليه؟ أو أن له دورا فيما ~~تكون عليه الصورة النهائية للصوت؟ الواقع أن الجهاز لا يبعث شيئا من عنده على الإطلاق، ~~وإنما «يترجم» الموجات إلى أصوات، ومما لا شك فيه أن طبيعة الشريط - أي نوع الموجات ~~المسجلة عليه - هو العامل الوحيد المتحكم في نوع الصوت الصادر: أي في كونه صوتا ~~بشريا أو موسيقيا أو طبيعيا ... إلخ، أي إن نوع الصوت يتوقف في هذه الحالة على عامل ~~«موضوعي» لا شأن لجهاز التسجيل ذاته به، وهنا نجد مثالا واضحا لجهاز # System # يعتمد عليه التعبير عن الكيفية الحسية في صورتها ~~المألوفة؛ (لأن الشريط دون الجهاز لا ينتج أي صوت)، ومع ذلك لا يمكن أن يقال: إنه يخلق ~~هذه الكيفية، التي تظل موضوعية مستقلة عن الجهاز ذاته، ولا تعتمد عليه إلا في «ترجمتها» ~~أو نقلها إلى الصورة الصوتية، أما نوع هذه الصورة ذاتها، فذلك ما لا يتحكم فيه الجهاز ~~على الإطلاق. # وأعتقد أن هذا المثل يفيد إلى حد بعيد في الرد على الاعتقاد القائل إن اعتماد الإدراك ~~على الإنسان يجعله ذاتيا: ففيه تتمثل حالة واضحة لكيفية تعتمد على جهاز ما وتظل مع ~~ذلك موضوعية مستقلة عنه. # وإذن، فمن الممكن - نظريا على الأقل - أن تكون الذات مشتركة في تكوين الصورة ~~النهائية للشيء، مع بقاء هذا الشيء مستقلا عن الذات، والمعيار الأساسي لهذا الاستقلال ~~هو وجود شروط «موضوعية» لا تخلقها الذات، وبدونها لا يدرك الشيء. # ومهمتنا الآن هي تناول أمثلة مختلفة للمفكرين المثاليين، نناقش من خلالها الطريقة ~~التي تعرض بها المثاليون لفكرة «موضوعية شروط الإدراك» هذه، ونتبين إلى أي حد كانت ~~مشكلة خارجية العالم هي العقبة التي لم يستطع أي مذهب مثالي التغلب عليها بصورة منطقية ms075 ~~سليمة. ~~(3) خارجية العالم عند ديكارت # في الفقرة الأولى من الجزء الثاني من «مبادئ الفلسفة» يبرهن ديكارت على وجود الأجسام ~~المادية ذات الطبيعة المستقلة عن العقل «على أساس أن في مشاعر لا أبعثها في نفسي كلما ~~شئت وكما شئت، بل إن هناك شيئا هو الذي يبعثها في، وقد يقال: إن الله هو الذي يبعث ~~فينا إحساسا بوجود هذا الشيء الممتد طولا وعرضا وعمقا، أو إنه يدفع شيئا ليست له ~~مثل هذه الطبيعة إلى بعث هذا الإحساس فينا، ولكن هذا معناه أنه يخدعنا، وهذا مخالف ~~لطبيعته، فلا بد إذن أن يكون هناك بالفعل جوهر ممتد موجود في العالم، له كل ما ننسب إلى ~~مثل هذا الجوهر من خصائص.» # ويلاحظ على رأي ديكارت هذا ما يأتي: ~~(1) # أنه يجعل وجود العالم الخارجي في حاجة إلى «برهان»، أي في حاجة إلى ~~مجموعة من «الاستدلالات» المنطقية التي «تثبت» هذا الوجود إذا أمكن الإتيان ~~بها، والتي لو لم يتمكن الذهن من الوصول إليها لظل ذلك الوجود أمرا ~~مشكوكا فيه أو غير مؤكد، وهذا افتراض لن نناقشه الآن، بل يكفينا في الوقت ~~الحالي أن ننبه إليه فحسب. # ويلاحظ في هذا الصدد أن ديكارت أخذ يبحث عن برهان عندما عجز عن الاقتناع ~~«بميلنا الطبيعي» إلى نسبة الوجود الخارجي إلى الأشياء، فهو يحرص (في ~~التأمل الثالث) على أن يفرق بين «الميل الطبيعي» إلى الاعتقاد بوجود ~~الأشياء الخارجية - وهو دائما معرض للشك - وبين «النور الطبيعي» الذي ~~يتعلق بحقائق واضحة لا سبيل إلى إنكارها مثل الكوجيتو، ولم يفكر ديكارت في ~~الاحتمال المضاد، أعني احتمال كون «الميل الطبيعي» أقوى حجة من كل حقائق ~~«النور الطبيعي» المزعومة التي لم يكن لها طابع «لا يقاوم» إلا في ذهن ~~ديكارت وبعض معاصريه، والتي أثبت التطور التالي للفكر البشري افتقارها ~~التام إلى أي نوع من الوضوح أو البداهة. ~~(2) # أن ديكارت قد تنبه جيدا إلى طبيعة الإدراكات المتعلقة بالعالم ~~الخارجي، والتي تختلف عن الإدراكات أو المشاعر الباطنة اختلافا جوهريا: ~~ففي إمكاني دائما أن «أتخيل» منظر المنضدة حين لا ms076 أكون جالسا بقربها، ~~ولكني لا أستطيع كلما شئت أن «أدرك» منضدة على ذلك النحو الذي نسميه ~~بالإدراك الفعلي، ولو كانت المسألة كلها «تمثلات» أو انبعاثات ذاتية لما ~~كان لمثل هذا الإدراك أي شرط يتوقف عليه، ولكان مثل هذا الإدراك «إراديا» ~~على الدوام، وإذن فوجود شروط للإدراك الخارجي «لا تتوقف على إرادتنا» دليل ~~على أن لهذا الإدراك طبيعة مختلفة اختلافا أساسيا. ~~(3) # وأخيرا يلاحظ أن ديكارت كان في حاجة إلى دعامة من الإيمان لكي يتخلص ~~من إمكان الخداع، فهو لا يستطيع الاهتداء إلى يقين بشأن وجود العالم ~~الخارجي إلا بعد مساره الطويل من الشك إلى الكوجيتو ثم إلى وجود الله، ومنه ~~إلى وجود العالم، أي إن وجود العالم الخارجي يظل معلقا أو موضوعا بين ~~قوسين إلى أن يعود إليه عن طريق وسائط أخرى توصل إليه بطريق غير ~~مباشر. # ولكن إذا تأمل المرء قليلا دور فكرة الله في «ضمان» وجود العالم الخارجي لوجد أن ~~المقصود من هذه الفكرة هو - في أغلب الأحيان - حل مشاكل خلقتها نفس فكرة الله ذاتها أو ~~أفكار أخرى مشابهة، ففكرة لا إرادية المشاعر الخارجية مقنعة، والشيء الوحيد الذي يشكك ~~فيها هو احتمال الخداع عن طريق قوة مسيطرة خارجة عني أو قوة في قادرة على تكوين هذه ~~الأفكار دون معونة أي شيء خارجي، كما يحدث في الأحلام، # 4 # ومهمة فكرة الله في هذه الحالة هي أن ترد إلي ثقتي بإدراكي الخارجي؛ إذ ~~لو وجدت مثل هذه الملكة الخداعة لكان معنى ذلك أن الله يخدعني، وهو ما يتنافى مع ~~الطبيعة الإلهية، وهكذا نلاحظ أن نفس الافتراض الذي ظهرت فكرة الله لدحضه - أي افتراض ~~وجود ملكة خادعة ذاتية أو قوة من نوع «الشيطان الماكر» أو غيره - هو افتراض من نوع «فوق ~~الطبيعي»، فمثل هذه الملكة إذا كانت ذاتية خالصة، فسيكون عملها غير مفهوم على الإطلاق؛ ~~إذ إن إحساساتي بوجود العالم الخارجي - كما قلنا - لا إرادية، ولا يكفيني فيها مطلقا ~~أن أمارس إحدى ملكاتي، ناهيك بتلك الملكة التي لا تنتمي إلى أي شيء ms077 أعرفه، وعلى أية حال ~~فإن هذه الملكة الباطنة غير المألوفة وغير الداخلة في نطاق المعرفة البشرية، لا بد أن ~~تكون صادرة عن قوة خارج البشر تبعثها فيهم، مثل هذه القوة لا بد أن تكون مفروضة علي ~~من الخارج، أي لا بد من افتراض وجود نوع من الروح الخادعة أو الشيطان الماكر التي ~~تتقمصني، وتدفعني إلى مثل هذا «الخداع». # ولست أدري: هل يعد مما يتلاءم مع روح الشك السليمة التي بدأ بها ديكارت تفكيره أن ~~يفترض مثل هذه الافتراضات؟ إن ديكارت قد بدأ بالشك في كل ما تلقاه من تعاليم فلاسفة ~~العصور الوسطى والقديمة، وهذه نقطة بداية سليمة إلى أقصى حد، وهو يظن أن المضي في الشك ~~إلى حد إثارة احتمال وجود «شيطان ماكر» ما هو إلا استمرار في طريق الشك السليم الذي ~~وضعه لنفسه، ولكن الواقع أن إثارة مثل هذا الاحتمال تنطوي على نكسة فكرية شديدة تتعارض ~~تماما مع روح «الشك المنهجي» بمعناها الصحيح، فكما أن الإهابة بالشياطين هي طريقة ~~خرافية إذا اتخذت سبيلا إلى حل مشكلة مجهولة، فإنها كذلك طريقة خرافية إذا اتبعت ~~لإثارة الشك في معارفنا القائمة. # وهكذا يمكن القول: إن كثيرا من الحجج التي أثارها ديكارت للتشكيك في خارجية العالم - ~~وهي الخارجية التي تؤدي إلى الاعتقاد بها إدراكاتنا «اللاإرادية» لموضوعات هذا العالم - ~~لم تكن حججا سليمة، بل لم تكن متمشية مع روح الشك المنهجي التي دفعته إلى التفلسف، ~~ولنلاحظ - على أية حال - أن الدور الذي تقوم به فكرة الله في هذا الصدد لا يعدو أن يكون ~~إعادة الثقة «النفسية» إلى الإنسان بصحة إدراكه للعالم، ولو حللنا جيدا مغزى فكرة ~~«استحالة كون الله خادعا» لما وجدناها تخرج عن مجال إعادة الثقة النفسية هذا؛ إذ إن ~~طريقة التفكير الشكي الأولى كان يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وكل ما في الأمر أن ~~فكرة الله تتدخل هنا لتوقف عملية الشك هذه عن السير، وعلى أساس عملية «الإيقاف» هذه ~~يتسنى للإنسان أن يستعيد الثقة بمعرفته، ويكف عن وضع الفروض الخيالية ms078 المؤدية إلى الشك. # والخلاصة: أن ديكارت رأى أن وجود العالم الخارجي في حاجة إلى «برهان» عقلي، وأن ~~هذا البرهان يحتاج إلى دعامة من الإيمان لكي تضع حدا لقدرة الذهن على ~~إثارة نقاط للشك لا نهاية لها، وأن من الممكن الاستغناء عن دعامة ~~الإيمان هذه إذا كف الذهن عن إثارة الأسباب «الخرافية» للشك، وبهذا يظل ~~من الصحيح أن العالم الخارجي لا بد موجود لسبب بسيط، هو أن الإدراكات ~~التي تدلنا عليه لا تبعث بإرادتنا، فلا بد إذن أن شيئا خارجا عنا هو ~~الذي يبعثها، وهو السبب الذي نتجه إليه في «ميلنا الطبيعي» (أي موقفنا ~~الطبيعي)، والذي لم يكن ديكارت على استعداد للاكتفاء به نقطة بداية ~~لتفلسفه. ~~(4) الذات الوحيدة الإلهية عند باركلي # لا جدال في أن باركلي كان بدوره متنبها كل التنبه إلى تلك الصعوبة التي تنبه إليها ~~ديكارت، والتي يواجهها أي مذهب ذاتي يؤكد أن إدراكاتنا ترجع كلها إلى الذات، فمثل هذا ~~المذهب يصطدم حتما بواقعة لا سبيل إلى إنكارها، وهي أن إدراكاتنا للعالم الخارجي لا ~~تتوقف مطلقا على مشيئتنا، «فأيا ما كانت القوة التي أتملكها على أفكاري الخاصة، فإني ~~أجد الأفكار التي تدرك فعلا بالحس غير معتمدة على إرادتي على هذا النحو؛ إذ ليس في ~~مقدوري - عندما أفتح عيني في رائعة النهار - أن أختار بين الرؤية وعدم الرؤية، أو أن ~~أحدد الأشياء التي يقع عليها بصري ... فالصورة المنطبعة في هذه الحالة ليست من صنع ~~إرادتي، ولا بد إذن أن تكون هناك إرادة أو روح أخرى هي التي تحدثها.» # 5 # هذه الروح الأخرى هي - كما نعرف - الروح الإلهية. # ويضيف باركلي إلى ذلك: ما تتصف به صور الحس من حيوية وتميز وإحكام وانتظام لا يتوافر ~~في صور الخيال، وهذا الترابط المحكم لصور الحس فينا هو ما يسمى «بقوانين الطبيعة»، ~~التي تغدو في هذه الحالة تعبيرا مباشرا عن الإرادة الإلهية. # ولنحاول الآن ترتيب الأفكار المتسلسلة التي يفسر بها باركلي خارجية العالم في ضوء ~~مذهبه المثالي. # فهناك صور للحس وصور للخيال، الثانية أبعثها بإرادتي، ms079 والأولى تأتي من مصدر خارج عني ~~لا أملك التحكم فيه، ويؤكد باركلي - وهو تأكيد له أهميته الكبرى - أن «التمييز بين ~~الحقائق الواقعة والخيالات يظل في مذهبه أقوى ما يكون.» # 6 # فصور الحس لها مصدر غير إرادة ذهننا التلقائية، وهذا المصدر الآخر في نظره ~~هو الله الذي يبعث فينا هذه الصور، وينظمها في شكل قوانين الطبيعة، ولنلاحظ - في هذا ~~الصدد - أن النوع الآخر من الصور - وهو الصور الخيالية - يفترض أن له مصدرا إنسانيا ~~خالصا، وربما كان في هذا - من وجهة نظر المفكرين اللاهوتيين من أمثال باركلي - نوعا ~~من الحد من القدرة الإلهية؛ إذ إن هذه القدرة تمارس على فئة معينة من الصور، هي الصور ~~الحسية، أما الفئة الأخرى فللإنسان وحده حق التحكم فيه، وإنه لمن الصعب - إذا بدأت ~~الإرادة الإلهية تتدخل في هذا المجال - أن نوقف هذا التدخل عند حد، لا سيما إذا كان ~~القول بهذا التدخل مبنيا على أساس الاعتقاد بلا نهائية قدرة هذه الإرادة، وعلى أية ~~حال، فهذه مجرد ملاحظة فرعية على محاولة باركلي الاحتفاظ بالتمييز بين صور الحس وصور ~~الخيال في إطار مذهبه. # والذي يهمنا من هذا كله، هو أن باركلي اعترف بوجود اختلاف أساسي في الطبيعة بين صور ~~الحس وصور المخيلة التي ترجع إلى إرادة الإنسان، وأكد أن النوع الأول من الصور ينبغي أن ~~يكون راجعا إلى مصدر خارج عن الإنسان، وإلى هذا الحد ينبغي أن نسجل تسلسل التفكير هذا ~~على باركلي؛ إذ إننا نرى من الضروري الاحتفاظ بهذا النصف الأول من استدلاله، أما النصف ~~الثاني فيسهل الاعتراض عليه، وبعبارة أخرى، فقد حاول باركلي أن يثبت أن هذا المصدر ~~الآخر هو الله، على أساس أن كيفيات الأشياء لا تدركها إلا روح، والروح البشرية وحدها ~~عاجزة عن ضمان استقلال الأشياء، فلا بد أن روحا إلهية هي التي تدركها وتضمن استقلالها، ~~فإذا أمكن تفنيد هذا النصف الثاني من الحجة، فسيظل النصف الأول قائما، أي سيظل من ~~الضروري الاعتراف بمصدر للمدركات الحسية خارج عن الإنسان، ولكنه ليس الروح الإلهية في ms080 ~~الوقت ذاته. # فلو كان ذهن الإنسان أو حسه هو المصدر الوحيد للاعتقاد بوجود الأشياء الخارجية لكان ~~معنى ذلك أن الأشياء تخلق دائما من جديد، فإذا أغمضت عيني انتهى الشيء المرئي، وإذا ~~فتحتها عاد ثانية إلى الوجود؛ ولذا يحرص باركلي على تفسير عبارة: «إن وجود الأشياء هو ~~كونها مدركة» بأنها لا تعني أن الأشياء توجد بفضل إدراكنا «نحن»؛ إذ قد تدركها روح أخرى ~~حين لا ندركها نحن، فما يقصده «بالإدراك» ليس هنا ذهنا خاصا بعينه، وإنما «جميع ~~الأذهان على الإطلاق». # 7 # والذهن الإلهي - بوجه خاص - الذي يدركها في كل الحالات التي لا ندركها نحن ~~فيها، وبهذا يظل استمرار وجودها مضمونا، وبهذا المعنى - أي بمعنى وجود روح متميزة عن ~~تلك التي تدرك الأشياء، وهي التي تبعث فينا صور تلك الأشياء - يمكن أن تعد الأشياء ~~«خارجية»، كذلك يمكن أن تسمى الموضوعات الحسية «مستقلة عن الذهن، بمعنى أنها موجودة ~~في ذهن آخر». # 8 # ولنتساءل هنا: ما معنى قول باركلي: إن الأشياء توجد في الذهن الإلهي عندما لا تكون ~~مدركة في أذهاننا البشرية، وبأية صورة توجد هذه المدركات في الذهن الإلهي، وما علاقتها ~~به؟ هناك احتمالان لا ثالث لهما في هذا الصدد: فإما أن تكون هذه المدركات مستقلة عن ~~الذهن الإلهي بدوره، وهذا احتمال لا يعقل من وجهة نظر تفكير باركلي؛ إذ إن الاستقلال ~~عن الذهن الإلهي يبرر - بالأحرى - الاستقلال عن الذهن البشري، وتغدو فكرة الذهن الإلهي ~~في هذه الحالة إضافة زائدة لا داعي لها، والاحتمال الثاني هو ألا تكون مستقلة عن هذا ~~الذهن، بل إنه يبعثها بإرادته، ويلاحظ على هذا التفسير الأخير أنه يتعارض - إلى حد ما ~~- مع فكرة الإدراك الإلهي المستمر، الذي يضمن استمرار وجود الأشياء، فإذا كانت هذه ~~الأفكار تنبعث تلقائيا من الذهن الإلهي، فالأرجح أن يكون إدراكه لها في هذه الحالة ~~متقطعا غير مستمر، وذلك حسب تلقائية الذهن الإلهي ذاته، وهذا يتنافى مع ضرورة الإدراك ~~المستمر، بل مع الانتظام والاطراد المفروض أن تتصف به قوانين الطبيعة. # ومن جهة أخرى فإن باركلي ms081 لم يتحدث مطلقا عن الطريقة التي ينقل بها الذهن الإلهي هذه ~~المدركات إلى الأذهان الفردية، ولم يوضح طبيعة العلاقات التي يجب قيامها بين نوعي الذهن ~~حتى يتم الاتصال بينهما، وترك آلاف الأسئلة معلقة في هذا الشأن. # ولنلاحظ أن نفس السؤال الذي أدى بديكارت إلى الشك يمكن أن يثار هنا بنفس القوة، فإذا ~~كانت إدراكاتنا صادرة عن الله أو راجعة إليه، فلماذا بعث فينا - أو في معظم الناس ما ~~عدا باركلي ذاته على الأرجح - اعتقادا بأن هذه الإدراكات صادرة عن أشياء خارجية؟ ~~ولماذا «شوه» إدراكنا بحيث جعلنا نجهل أصله الحقيقي؟ ألا يتنافى هذا مع الصدق ~~«والخيرية» والإلهية؟ # فما هي إذن الصورة التي يدعونا باركلي إلى الأخذ بها في صدد مشكلة خارجية العالم؟ ~~إنها صورة ذهن إلهي شامل، يبعث من ذاته صورا أو إدراكات، وينقل هذه الصور أو الإدراكات ~~بطريقة لا يذكر عنها باركلي أي شيء إلى الأذهان الفردية، التي لا نعلم إن كانت في رأي ~~باركلي مشاركة في الذهن الإلهي أو منفصلة عنه، ويتم هذا النقل حسب قواعد ثابتة هي التي ~~نسميها قوانين الطبيعة، هذه هي الصورة التي يعتقد باركلي أنها أفضل من اعتقادنا الطبيعي ~~بوجود عالم خارجي. # وهكذا نجد باركلي مضطرا إلى افتراض قوة روحية خارجية لتعليل استقلال الظواهر عن ~~إرادتنا، ومضطرا إلى رسم تلك الصورة الغريبة للمعرفة البشرية التي تتم عن طريق نقل ~~الذهن الإلهي إلى الذهن البشري لشريط من الصور المتعاقبة بانتظام، هي التي تكون معرفة ~~الإنسان، والمطلوب منا أن نعد هذا التصوير لمعرفتنا أدق وأحكم «وأرفع» من التصوير ~~الطبيعي «الساذج»! ولكن هل هناك أكثر سذاجة وبعدا عن الروح العلمية من ذلك التفسير ~~«البدائي» الذي يقول به باركلي؟ أجل، إنه تفسير بدائي من غير شك، وإن يكن مغلفا في ~~إطار معقد من الحجج والبراهين، فما هو في الواقع إلا مظهر من مظاهر الرجوع إلى عهد ~~تفسير الظواهر بالقوى الخفية التي تحتشد في الكون فتنمي الزرع، وتسقط المطر، وتحرك ~~الجبال، وتعرض أمام ذهن الإنسان شريط المعرفة! # والآن ما الذي ms082 يستطيع الذهن السليم أن يقبله؟ وما الذي يتحتم عليه أن يرفضه في هذا ~~كله؟ إن الذهن السليم يقبل حتما قول باركلي بأن الإدراكات الخارجية مستقلة عن الذات؛ ~~لأنها لا تنبعث كلما أرادت الذات ذلك، بل تحتاج إلى شروط محددة إذا توافرت، فسوف ندرك ~~إدراكات خارجية سواء أرادت الذات ذلك أم لم ترد، فلا بد إذن من البحث عن مصدر خارج عن ~~الذات لهذه الإدراكات، ولكن المصدر الذي يقول به باركلي ينبغي أن يرفض بلا تردد، ~~فهو لم يبرهن على أن الذهن الإلهي يدرك الصور الخارجية، وإنما اكتفى بأن «قرر» ذلك ~~معتمدا على أن أية قضية ترد فيها كلمة «الذهن الإلهي» لن تناقش أو لن تمس! ~~وحتى لو سلمنا بهذا الإدراك الإلهي، فسيظل للمرء أن يتساءل: ما هي قيمة إدراك الذهن ~~الإلهي لهذه الصور بالنسبة إلي؟ وكيف يؤدي إلى ثبات إدراكي للأشياء كلما توافرت شروط ~~هذا الإدراك؟ أو ما هي العلاقة الحقيقية بين ذهني وبين الذهن الإلهي؟ وعلى أي نحو ~~يستطيع ذلك الذهن الإلهي - بإدراكه المستمر - سد الثغرات في إدراكي المتقطع؟ وأخيرا - ~~وهذا سؤال يستنكره باركلي دون شك كل الاستنكار ولكن روح البحث الفلسفي تحتمه - إذا ~~كانت هذه الأفكار ترد إلي من روح إلهية، فمن أين جلبت الروح الإلهية ذاتها هذه ~~الأفكار؟ وما الذي أعطاها إياها؟ أو كيف تكونت لديها إذا كانت مجرد انبثاقات تلقائية؟ ~~فهلا يكون هذا الحل أشبه «بالذات الوحيدة ~~الإلهية # Divine Solipsism ~~» وهلا يكون فيه مجرد إرجاء لخطر فكرة «الذات الوحيدة» التي ~~تهدد المثالية على الدوام عن طريق نقلها إلى المستوى الإلهي، والاعتماد على الروح ~~الإيمانية التي لا تجرؤ على مساس هذا المستوى، والاكتفاء بمثل هذا الحل، أو بالأحرى: ~~هذا الهروب من المشكلة؟ # هنا - وللمرة الثانية - تظهر فكرة خارجية العالم على أنها هي العقبة التي لا تستطيع ~~المثالية التخلص منها إلا إذا وضعت فروضا ساذجة أو غير منتمية إلى مجال التفلسف ~~المنطقي، أو بعبارة أخرى: فإن المثالية تعجز - في حدود التفكير المنطقي وحده - عن تعليل ~~خارجية العالم. ~~(5) العالم ms083 الخارجي بوصفه مجموعة من الانطباعات عند هيوم # في فلسفة هيوم تحليل واضح قوي للتضاد بين «النظرة الطبيعية» والنظرة الفلسفية، من حيث ~~إن الأولى تؤمن بوجود الأشياء خارج الذات ومستقلة عنها، أما الثانية فتبرهن على أن هذه ~~الأشياء ترتد إلى مجموعة من الانطباعات فحسب، ومما يلفت النظر أن هيوم جعل مصير «النظرة ~~الفلسفية» مرتبطا بهذه النظرية المثالية في المعرفة، ولم يتصور إمكان قيام فلسفة لا ~~تتخذ هذا الطابع المضاد للموقف الطبيعي، «والحق أنه مهما تصور الفلاسفة أن في وسعهم ~~الإتيان بحجج يبرهنون بها على الاعتقاد بوجود أشياء مستقلة عن الذهن، فمن الواضح أن هذه ~~الحجج لن تعرفها إلا القلة القليلة، وليست هذه الحجج هي ما يرتكز عليه الأطفال ~~والفلاحون والجزء الأكبر من البشر حين ينسبون إلى بعض الانطباعات أشياء تنتجها، وينكرون ~~على بعضها الآخر وجود هذه الأشياء، وهكذا نجد أن جميع الاستنتاجات التي يكونها العامة ~~في هذا الصدد مضادة تماما لتلك التي تؤكدها الفلسفة؛ إذ إن الفلسفة تنبئنا بأن كل ما ~~يبدو للذهن ليس إلا إدراكا، وهو إدراك غير مستمر، وغير مستقل عن الذهن، بينما العامة ~~يخلطون بين الإدراكات والأشياء، وينسبون وجودا متميزا مستمرا إلى نفس الأشياء التي ~~يحسون بها أو يرونها، ولما كان هذا الرأي بعيدا تماما عن العقل، فلا بد أنه ناتج عن ~~ملكة أخرى غير الفهم.» # 9 # في هذا النص يفترض هيوم أن آراء الفلاسفة وحججهم هي الأصل في إيضاح مسألة وجود العالم ~~الخارجي، وأن الاعتقاد بوجود الأشياء الخارجية مستقلة عن الذهن هو اعتقاد عامي يقول به ~~الأطفال والفلاحون! فالأصل هنا هو حجج الفلاسفة العقلية، أما التجربة المباشرة والحكم ~~التلقائي والسلوك العلمي فليست له أية قيمة طالما أنه لا يستند إلى حجج فلسفية، وهنا ~~يعد موقف هيوم بالفعل تلخيصا للموقف المثالي بأسره؛ إذ يشكك في تجربة الناس الفعلية ~~في ميدان ربما كان الحكم الوحيد فيه هو هذه التجربة المباشرة الأصلية، ويطلب برهانا ~~على شيء ربما لم يكن فيه مجال للبرهان؛ لأنه يسبق كل موقف فكري أو عملي لنا. ms084 # وعلى أية حال فالمشكلة الرئيسية التي يعالجها هيوم - وهو في صدد بحث موضوع وجود ~~العالم الخارجي - هي مشكلة أصل الاعتقاد بخارجية هذا العالم واستمراره واستقلاله، وهو ~~يفترض أن الاعتقاد باطل؛ لأنه لا يستند إلى العقل، ولا يناقش ذلك الاحتمال القوي في ألا ~~يكون هذا الاعتقاد محتاجا إلى العقل لتأييده، وفي أن يكون سابقا على كل حجج منطقية أو ~~براهين استدلالية، أي إنه يوم يفترض مقدما أن التفكير العقلي إذا لم يؤيد فكرة وجود ~~العالم الخارجي فلن يعود لهذه الفكرة وجود، وهذا افتراض فيه شيء غير قليل من التعسف، ~~ولا ينبغي أن يسمح المرء لنفسه بقبوله دون مناقشة. # ومنذ اللحظة التي يقسم فيها هيوم الإدراكات إلى أفكار وانطباعات، لا يوجد بينهما إلا ~~فارق في الدرجة أو الشدة، منذ هذه اللحظة يتخذ هيوم موقفا مثاليا؛ إذ يتيح له هذا ~~الرأي أن ينسب إليهما طبيعة متشابهة، وبذلك ينكر وجود مصدر خارجي للانطباعات. # ويتجلى هذا الموقف المثالي - بالمعنى الذي أوضحناه من قبل لهذه الكلمة - بكل وضوح حين ~~يتحدث هيوم عن انطباعات الإحساس فيصفها بأنها «تظهر في النفس أصليا، من أسباب غير معروفة.» # 10 # أو في قوله: «أما عن تلك الانطباعات التي تنشأ عن الحواس، ففي رأيي أن ~~علتها لا يمكن أن تفسر مطلقا عن طريق العقل البشري، وسيظل دائما من المحال أن نقرر ~~- على نحو مؤكد - إن كانت تنشأ عن الموضوع مباشرة، أو تنتجها القوة الخلاقة للذهن، أو ~~تستمد من خالق وجودنا، على أن هذا الموضوع ليست له أهمية على الإطلاق في هذا ~~المقام، ففي إمكاننا أن نستخلص استدلالات من ترابط إدراكاتنا الحسية لنتبين إن كانت ~~صحيحة أو باطلة، وإن كانت تمثل الطبيعة تمثيلا صحيحا، أو أنها مجرد خداع للحواس.» # 11 # وهكذا يعلن هيوم - في مستهل كتابه - عجزه عن تفسير كيفية ظهور انطباعات ~~الإحساس وأصلها، ويقول ما معناه: «سأقدم إليكم في هذا الكتاب صورة للعالم مخالفة لصورته ~~التي يكونها الإنسان في موقفه الطبيعي، ولكني أعلن لكم منذ البداية أنني لا أستطيع - ~~في ضوء هذه ms085 الصورة - تعليل أصل انطباعات الإحساس وكيفية ظهورها.» أليس للمرء كل الحق في ~~أن يشك مقدما في قيمة أي بحث في المعرفة يبنى على أساس أن الإحساس يظهر في النفس من ~~أسباب غير معروفة، في الوقت الذي يعترف فيه التجريبيون أنفسهم بأن المصدر الرئيسي ~~لمعرفتنا هو التجربة الحسية؟ # ولقد استفاد هيوم من التطورات الفلسفية السابقة عليه، والتي توطدت فيها الفكرة ~~القائلة: إن الموضوع الذي يمثل للذهن هو «الإدراكات Perceptions ~~»، ولم يكن عليه إلا أن يستخلص ما اعتقد أنه نتيجة ضرورية ~~لهذه الفكرة، فليس في وسعنا أن نتصور أي شيء يتجاوز الأفكار والانطباعات؛ لأن الذهن لا ~~يحضر أمامه شيء سوى إدراكاته وانطباعاته وأفكاره، «ومهما كانت درجة تركيزنا لانتباهنا ~~خارج أنفسنا، ومهما تعقبنا خيالنا إلى السماوات أو إلى أقصى أطراف الكون، فلن نتقدم ~~بالفعل خطوة واحدة خارج أنفسنا، ولن نستطيع أن ندرك أي نوع من الوجود سوى الإدراكات ~~التي بدت في هذا النطاق الضيق.» # 12 # وهكذا فبينما يعتقد الإنسان في موقفه الطبيعي أنه يدرك أشياء خارجية مستقلة، يؤكد له ~~هيوم أنه لا يدرك إلا انطباعات وأفكار ماثلة للذهن، وأن هذه هي الموضوع الوحيد ~~لمعرفتنا، وهنا نرى لزاما علينا أن نثير عددا من الأسئلة قبل أن نستمر في عرض حجج ~~هيوم في هذه المسألة: ~~(1) # لماذا استخدم هيوم تعبير «القصر # Restriction ~~» الذي كان يقول فيه: «إننا ~~لا ندرك إلا ...»؟ إن هذا التعبير معناه أن هيوم يجعل لإدراكنا موضوعات أضيق ~~نطاقا مما يظن الإنسان في موقفه الطبيعي، والدليل على ذلك قوله في النص ~~السابق: إننا لا ندرك سوى ما يبدو «في هذا النطاق الضيق»، ولكن المسألة في ~~حقيقتها ليست مسألة اختلاف في نطاق الإدراك، وإنما في تفسير طبيعته، ~~فالإدراك يظل كما هو على الدوام، ولا يطرأ عليه أي نقص أو تحديد لآراء ~~هيوم، وكل ما تؤدي إليه هذه الآراء هو تفسير مخالف لطبيعة هذا الإدراك، لا ~~تحديد لنطاقه. ~~(2) # يؤكد هيوم أننا لن نتقدم - مهما فعلنا - خطوة واحدة خارج «أنفسنا»، فهل ~~فكر لحظة واحدة في معنى كلمة ms086 «خارج أنفسنا» هذه؟ أولا: ما هو المقصود ~~بكلمة «أنفسنا» في هذه الحالة؟ هل يقصد الحيز المكاني الذي يشغله الشخص ~~بوصفه كائنا ماديا له مكان؟ ألن يكون في هذا المعنى تناقض واضح؟ أم يقصد ~~«أنفسنا» من حيث إننا أذهان ذات وجه غير مادي؟ وفي هذه الحالة هل يكون ~~للفظي «خارج» أو «داخل» أي معنى؟ وأخيرا، فإن هيوم يؤكد أن كل إدراكاتنا ~~توجد «داخل» أنفسنا لا خارجها، فهل يمكن أن يعقل وجود «داخل» دون ~~«خارج»، وهل يمكن أن يفهم معنى أحد هذين المتضايفين دون الآخر، وإذا كان ~~كل شيء داخل الذات، فهل يعود لكلمة «داخل» معنى إذا كانت تنطبق على كل ~~شيء؟ ~~(3) # هناك نوع من الإدراكات تبعثه الذات تلقائيا من داخلها كلما أرادت ذلك ~~كالتخيلات بأنواعها، فما الذي يفرق بين هذا النوع وبين تلك الإدراكات التي ~~ننسبها عادة إلى موجود خارجي، أي الانطباعات الحسية؟ إن هيوم - كما قلنا - ~~يعترف بعجزه عن تفسير أصل الانطباعات الحسية، ولكنه يرى في الوقت ذاته أن ~~مسألة الأصل هذه ليست بذات أهمية كبرى؛ لأن ترابط الإدراكات الحسية يكفي ~~وحده لكي يجعلنا نستخلص النتائج اللازمة في أبحاثنا، بغض النظر عن صحة هذه ~~الإدراكات أو بطلانها، ومعنى ذلك أن مسألة صحة المدركات أو بطلانها ستكون ~~معلقة، ولا بد أن تظل كذلك طالما كان هذا هو المنهج المتبع، وإن المرء ~~ليستشف من وراء القول بعدم أهمية التمييز بين الصحة والبطلان بالنسبة إلى ~~أغراض البحث، اعترافا ضمنيا باستحالة تقديم معيار لهذا التمييز في حدود ~~المنهج المتبع. # في ضوء كل هذه المقدمات يخوض هيوم مسألة تعليل الاعتقاد «الطبيعي» بوجود أشياء خارجية ~~لها وجود «مستمر» و«متميز» عن وجود الذهن، وهو اعتقاد يراه باطلا من أساسه؛ إذ إن ما ~~نظن أنه وجود خارجي لا يمكن أن يختلف في النوع عن إدراكاتنا، فهيوم يبدأ بافتراض أن ~~«الانطباع» هو الحقيقة الأساسية، ولما كان الانطباع متوقفا على الذات ومقترنا ~~بممارستها ملكاتها الواعية، فإنه يتساءل بعد ذلك: كيف نشأ لدينا الاعتقاد بوجود حقيقة ~~أخرى من وراء هذا الانطباع ms087 ومسببة له، هي حقيقة «الأشياء» الخارجية التي نفترض أنها ~~مستمرة في الوجود ومستقلة عن الذات؟ # هذا الاعتقاد لا يمكن أن ينشأ عن الحواس؛ لأن الحواس تنقل إلينا إدراكا واحدا هو ~~الانطباع، ولا بد للاستدلال على ما وراء هذا الانطباع من تجاوز الحواس عن طريق العقل أو ~~المخيلة، فالحواس تقتصر على ما هو «معطى»، ولا تستطيع أن تقوم بالمقارنة اللازمة ~~للاستدلال على استمرار وجود هذا المعطى أو استقلاله عن الذات. # كذلك لا يمكن أن يكون أساس هذا الاعتقاد هو العقل؛ لأن عمل العقل ينحصر في الإتيان ~~بحجج منطقية أو فلسفية، وحتى لو استطاع العقل ذلك، فسيظل الاقتناع بهذه الحجج مقتصرا ~~على فئة قليلة من الناس، فكيف إذن نعلل شيوع هذا الاعتقاد لدى جمهرة الناس دون قيامه ~~لديهم على أي أساس فلسفي؟ # لا بد إذن أن يكون هذا الاعتقاد قائما على تدخل «المخيلة»، ولا بد أن بعض الانطباعات ~~يتميز بصفات خاصة تمتزج بالمخيلة على النحو الذي يؤدي بنا إلى الاعتقاد بأن لها وجودا ~~مستمرا ومستقلا، فما هي هذه الصفات؟ إنها ليست صفة كونها غير إرادية، أو كونها ~~شديدة القوة والحيوية؛ لأن الانفعالات والآلام قد تتوافر فيها هذه الصفات دون أن نعتقد ~~أنها خارجية. # 13 # وهكذا يحدد هيوم تلك الصفة التي تتميز بها انطباعاتنا المنسوبة إلى أشياء خارجية ~~بأنها صفة «الدوام # Constancy ~~» والانتظام والإحكام، ~~فهذه الانطباعات تعود باستمرار بعد انعدام إدراكي لها وقتا ما، وإذا تغيرت كان تغيرها ~~هذا منتظما وخاضعا لقواعد محكمة. # والذي يحدث أننا نستدل - بفضل تعودنا على تكرار انتظام ظهور هذه الانطباعات - على ~~وجود أشياء ثابتة من ورائها، بحيث إنه إذا انقطع إدراكنا فيظل هناك شيء لا ندركه يجمع ~~بينها، وعلى حين أن هذه الإدراكات في الأصل منفصل - إذ تفصل بينها لحظات عدم إدراكنا ~~لهذه الموضوعات - فإن تشابه الترتيب الذي يظهر به إدراكنا لها في كل حالة يؤدي بنا إلى ~~الاعتقاد بأن ما أدركناه في كل الحالات شيء واحد، فنحن نخفي انقطاع الإدراكات، أو نقضي ~~عليه تماما، إذ نفترض أن ms088 هناك وجودا واحدا حقيقيا يجمع بين الإدراكات المتقطعة، ~~«فذاكرتنا تقدم إلينا عددا كبيرا من أمثلة الإدراكات التي يشبه كل منها الآخر، والتي ~~تعود في فترات زمنية مختلفة بعد شيء من الانقطاع، وهذا التشابه يخلق لدينا ميلا إلى ~~الربط بينها عن طريق وجود مستمر؛ لكي نبرر هذه الهوية، ونتجنب التناقض الذي يبدو أن ~~الظهور المتقطع لهذه الإدراكات يؤدي بنا إليه ضرورة.» # 14 # ولست أملك هنا إلا أن أوجه اعتراضا له صبغة «ساذجة» إلى حد ما، ولكن لا مفر منه ~~طالما أنه يوجد بنفس الروح «الساذجة» التي يتصف بها الموقف الطبيعي، فكيف تتم عملية ~~«التوحيد» أو «القضاء على انقطاع الانطباعات» هذه؟ أهي عملية واعية؟ أعني: هل تأتي على ~~الإنسان - من حيث هو فرد أو نوع - مرحلة يعتقد فيها أن إدراكاته متقطعة، ثم يرغب في ~~تجنب النتائج الضارة التي يلحقها به هذا الاعتقاد، «فيقرر» أن يصنع أو يتخيل شيئا ~~يوحدها؟ إن هيوم لا يستطيع - بطبيعة الحال - أن يجيب بالإيجاب؛ إذ سيكون عليه في هذه ~~الحالة أن يحدد لنا زمان ومكان تلك المرحلة التي لم يسمع أحد عنها شيئا، وإذن فهل ~~هذه عملية غير واعية؟ وهل هي تتم تلقائيا في الإنسان بحيث لا يشعر في أي وقت بأنه ~~كانت هناك إدراكات متقطعة ثم «وحدها»؟ إن كان الأمر كذلك فما قيمة تنبيه هيوم إلى ذلك ~~الأصل «المتقطع» الذي يرفضه الإنسان حتما في جميع أحواله؟ # ولنتحدث في هذا الموضوع من الناحية العملية: ففي موقفنا الطبيعي نعامل الكرسي الموجود ~~في الحجرة - إذا أدركناه - بانطباعين يفصل بينهما وقت ما، على أنه كرسي لا على أنه ~~انطباعان مختلفان، ومن المحال أن نتصرف في موقفنا الطبيعي على نحو مخالف، ولنتصور ~~النتائج العملية التي تحدث لو نظر الإنسان إلى بيته في كل مرة يدركه فيها على أنه بيت ~~مخالف، أو إلى أهله وأصدقائه على أنهم «إدراكات جديدة» ... إلخ، هنا تصبح حياة الإنسان - ~~بطبيعة الحال - مستحيلة، وقد اعترف هيوم ذاته بهذه الاستحالة، ولكنه أراد أن يضع حدا ~~فاصلا بين موقفنا العملي وما ms089 ينبغي أن يكون عليه فهمنا للأمور، ولنتساءل هنا: إلى أي ~~مجال ينتمي إدراكنا للكرسي والبيوت والأشجار، وهي الأمثلة التي ظل هيوم يستخدمها في ~~كتاباته على الدوام؟ إلى مجال الموقف الطبيعي بلا شك، فعندما نكون بصدد إدراك شجرة ~~مثلا، لا تكون مهمتنا هنا هي تحليلها علميا، وإنما إدراكها بحواسنا المعتادة لكي ~~نعرف كيف نتصرف عمليا إزاءها، ومع ذلك فإن هيوم يعترض - في مجال الموقف الطبيعي - على ~~طريقة إدراك الإنسان في هذا المجال، ويحاول تعليل ما يراه فيها من أخطاء بأنه راجع إلى ~~الرغبة في تجنب التناقض الذي يحدث لو عالجنا كل إدراك في هذا المجال على أنه منفصل، أو ~~بعبارة أخرى: فهو يحاول تعليل ما يعتقد أنه «خطأ فلسفي» في الموقف الطبيعي، ولكن ما ~~قيمة هذا الاعتراض إذا كان تأصل هذا الموقف فينا أقوى وأسبق من أي تفلسف، وإذ كانت مجرد ~~حياتنا مستحيلة إن لم نعامل المدركات الخارجية على أنها «أشياء»؟ إن المسألة هنا - كما ~~ذكرنا من قبل - منفصلة تماما عن مسألة مجال مختلف تماما عن مجال الصواب والخطأ: مجال ~~التصرف العملي اليومي، الذي يستحيل أن يتصرف فيه المرء إلا على أساس فكرة «الأشياء»، ~~بغض النظر تماما عما قد يكون عليه حكم العلم أو المنطق على هذه الفكرة. # ولا شك أن الفكرة الجديدة التي أتى بها هيوم في هذا الموضوع - وهي فكرة تأثر فيها إلى ~~حد بعيد باتجاهات الفلاسفة المحدثين السابقين عليه ولا سيما باركلي - هي فكرة رفض ~~الازدواج بين المدركات والأشياء، فالاعتقاد الشائع بأن هناك أشياء «تسبب» مدركاتنا هو ~~اعتقاد متوارث من أوهام قديمة، وطالما أن الحقيقة التي نستطيع أن نكون على ثقة من ~~حضورها المباشر هي المدركات، فلا معنى إذن للقول بوجود حقيقة أخرى من ورائها تكون ~~«سببا» لها. # ولكن إذا كان خطأ الفلسفات القديمة في نظر هيوم هو تصور وجود أشياء مجسمة تسبب ~~الانطباعات، فخطأ هيوم - الذي يزيد على ذلك خطورة - هو «تجسيم» الإدراك وجعله حقيقة ~~قائمة بذاتها، ففي كتاباته يشعر المرء على الدوام بأن الانطباع له «وجود» ms090 وأن الإدراك ~~له «كيان» خاص، ولكن التحليل السليم للإدراك يدل على أنه «عملية» فحسب، أو تعبير عن ~~العلاقة بين الذات وبين موضوع، وهو ظاهرة تحدث - كلما تقابلت هاتان الحقيقتان سويا ~~- فيكون حدوثه مجرد مظهر لتقابلهما، أما في ذاته فليس له كيان، وإذن فمن الممكن القضاء ~~على الازدواج بين الشيء وبين إدراكه، ولكن باتباع الطريق الأسلم، وهو إنكار وجود حقيقة ~~مستقلة أو قائمة بذاتها للإدراك، بدلا من اتباع طريق هيوم الذي يوحي بوجود حقيقة ~~مستقلة اسمها الانطباع، لا نستطيع أن نعرف أصلها، ولكن لا يجوز لنا محاولة تجاوزها إلى ~~أية حقيقة أخرى وراءها، فالانطباع ليس واسطة للإدراك، تحجب موضوعات هذا الإدراك أو تحل ~~محلها، وإنما هو مجرد اسم لدخول الذات في علاقة مع هذه الموضوعات، وليس له دون هذه ~~الموضوعات ذاتها أي كيان قائم بذاته. # والسؤال الذي يحسم الخلاف بشأن طبيعة الانطباع هو: هل تستطيع الحواس أن تأتي بشيء من ~~عندها؟ وهل لديها القدرة على أن تدفع ذاتها إلى العمل؟ إن الرد - طبعا - بالنفي، على ~~الأقل في أغلبية الأحيان (وإن كان هيوم يتجنب البحث في أصل انطباعات الحس منذ البداية)، ~~فإذا لم تكن تأتي بشيء عندها، أو تدفع ذاتها إلى العمل، فلا بد أن دور إدراكاتها هو ~~مجرد التعبير عن حدوث تقابل بين ذات وموضوع، إن هيوم يؤكد أنه «ليس ثمة موجودات حاضرة ~~أمام الذهن إلا الإدراكات»، ولكن ما معنى هذا الحضور أمام الذهن؟ هل الذهن يدركها ~~سلبيا؟ أم أنه هو الذي يبعثها؟ إن الرد على هذا السؤال أساسي، وما كان يحق لهيوم أن ~~يراوغ في الإجابة عنه مطلقا؛ لأن الفارق بين سلبية الذهن وإيجابيته في إدراكه ~~للانطباعات هو الذي يحسم مشكلة طبيعة الموضوع الذي أثارها، بل هو الذي يحدد ما إذا كان ~~هذا الموضوع موجودا أم غير موجود. # والواقع أن تفكير أرسطو - في هذه المسألة بالتحديد - يبدو أكثر استنارة إلى حد بعيد ~~من تفكير هيوم: فملكة الإحساس في رأي أرسطو توجد «بالقوة»، ولا تنتقل إلى الفعل إلا عند ~~ظهور الموضوع ms091 الخارجي، «فمن الجلي أن ما هو حاس هو كذلك بالقوة فحسب لا بالفعل، فقوة ~~الإحساس أشبه بالشيء القابل للاشتعال؛ إذ إن هذا الشيء لا يشتعل بذاته قط، وإنما يحتاج ~~إلى فاعل قادر على البدء بالإشعال، وإلا لأشعل ذاته، ولما احتاج إلى نار فعلية لإيقاده.» # 15 # ولو كان هيوم قد تأمل جيدا فكرة وجود الإحساس - وبالتالي الانطباع بالقوة ~~- لما حاول أن يجعل للانطباع كيانا يغني عن الموضوع؛ إذ إن فكرة أرسطو ذاتها لا تنطوي ~~على القول بازدواجية بين الانطباع والشيء، بل تجعل الانطباع إمكانية كامنة يحققها ظهور ~~الشيء، ولا تكون هي ذاتها إلا تعبيرا عن هذا الظهور. ~~(6) العالم الخارجي بوصفه ظاهرة عند كانت # الأشياء الخارجية تتميز - قبل كل شيء - بأنها أشياء توجد في المكان، والمكان عند ~~كانت صورة للحدس، أي صورة ذاتية تجعل التجربة الحسية ممكنة، وإذن فخارجية الأشياء ترجع ~~إلى نشاط الذات حين تضفي على الأشياء هذه الصورة الخارجية، «فعن طريق الحاسة الخارجية - ~~وهي صفة لذهننا - نمثل لأنفسنا الأشياء على أنها خارجة عنا ، وموجودة كلها بلا استثناء ~~في المكان.» # 16 # هذه هي نقطة بداية بحث كانت في مشكلة العالم الخارجي، وهي نقطة بداية تنطوي في ذاتها ~~على كل النتائج المثالية، رغم ما سنراه من تأرجح موقف كانت بين قبول المثالية في ~~صورتها المتطرفة وبين القول بنوع مخفف من المثالية «اللاأدرية»، ومنذ هذه اللحظة ~~الأولى، يقرر كانت معارضة الموقف الطبيعي؛ إذ يجعل خارجية الأشياء راجعة إلى «صفة ~~لذهننا»، ومنذ هذه اللحظة أيضا يستخدم كانت اللغة المثالية بلا تحفظ، وبكل ما فيها ~~من افتقار إلى التحديد، فما معنى كوننا «نمثل لأنفسنا الأشياء على أنها خارجة عنا»؟ ~~لنتساءل مرة أخرى - كما قلنا ونحن في صدد شرح نظرية هيوم: هل هذه العملية واعية مقصودة ~~لدى الإنسان؟ أي هل كانت للأشياء طبيعة أخرى ثم «مثلناها لأنفسنا» على نحو مخالف؟ أم ~~أنها عملية تحدث تلقائيا ودون وعي منا؟ وإذا كانت كذلك، فعلى أي أساس عرف بها كانت؟ ~~وعلى أي أساس عرف أن طبيعتنا غيرت الأشياء ومثلتها ms092 على أنها خارجة عنا؟ ثم ما هو ~~المقصود بكلمة «نحن» في هذه الحالة؟ هل المقصود منها «نحن» بوصفنا أذهانا فردية أم ~~أذهانا جماعية أم أجساما أم مجرد نوع إنساني؟ وإذا كان يبدو أن المعنى الأخير هو ~~الأقرب إلى قصد كانت - الذي يتحدث كثيرا عن «طريقتنا في الإدراك» - فهل لا يوجد لدى ~~الحيوان إحساس مكاني؟ وإن كان مثل هذا الإحساس موجودا لديه، فبأي معنى إذن ننسب المكان ~~إلى «التركيب الذاتي لذهننا». # وهكذا تظهر جميع صعوبات المثالية في ذلك النص الذي يستهل به كانت الفصل الخاص ب ~~«الحساسية الترنسندنتالية» من كتاب «نقد العقل الخالص»، وتتحدد معالم الموقف المثالي ~~بوضوح منذ أن يقلب كانت العلاقة المألوفة بين فكرة المكان والتجربة الخارجية: فنحن ~~نعتقد - في موقفنا الطبيعي - أن تجربتنا للأشياء الخارجية هي التي توحي إلينا بفكرة ~~المكان، وأننا نرى الأشياء في الداخل وفي الخارج وفوق وتحت وعلى اليمين واليسار، ~~فنستنتج من كل هذا - وبالتجريد - فكرة «المكان» بوجه عام، أما كانت فيرفض هذا الأصل ~~التجريبي لفكرة المكان؛ إذ إن فكرة الخارجية ذاتها، وكذلك فكرة التجاور واليمين واليسار ~~... إلخ، كل هذه تفترض مقدما تصور المكان، وإذن فليست فكرة المكان مستمدة من ~~التجربة الخارجية، بل إن التجربة الخارجية لا تصبح ممكنة إلا بفضل فكرة المكان. # وقد يكون رأي كانت هذا صحيحا بالنسبة إلى المرحلة الحالية لتفكير الإنسان المتمدين ~~الناضج، ولكن أية نظرة إلى هذه المشكلة من الزاوية التاريخية - التي أهملها كانت في ~~كتاباته إهمالا تاما - تجعلنا نقتنع، دون تفكير طويل، بأن معنى المكان، في الأدوار ~~«التكوينية» للإنسان، لا بد أن يكون قد استمد بالتجريد من علاقات الأشياء الخارجية، ~~فليس صحيحا أن الإنسانية قد كونت فكرة المكان أولا، أو اهتدت إليها في ذاتها بوصفها ~~جزءا من تركيبها الباطن، ثم استمدت منها معنى الخارجية على أساس أنها ما يكون في مكان ~~مغاير، بل يحدث عكس ذلك: إذ يبدأ الإنسان بالمرور ب «التجارب المكانية» - كالقرب والبعد ~~واليمين واليسار - أولا، ومنها يستخلص فكرة المكان بالتجريد، وليس من المستبعد أو من ~~المستحيل ms093 مطلقا أن نتصور إنسانا، أو مجتمعا كاملا، يستخدم المعاني المكانية، دون أن ~~تكون لديه فكرة عن هذا التصور المجرد، أي المكان، ولكن هذه - بطبيعة الحال - طريقة في ~~التفكير تقتضي النظر إلى الأمور من الزاوية التاريخية أو الاجتماعية التي لم يقم لها ~~كانت أي وزن. # وهكذا يؤدي رأي كانت في طبيعة المكان بوصفه صورة للحساسية وشرطا ذاتيا لإمكان ~~التجربة تؤدي هذه الفكرة ذاتها إلى فكرة «ظاهرية» العالم الخارجي مباشرة: «فلا شيء مما ~~يدرك بالحدس في المكان هو شيء في ذاته، وليس المكان صورة كامنة في الأشياء ذاتها ~~بوصفه صفة متأصلة فيها، ولا سبيل لنا مطلقا إلى معرفة الأشياء في ذاتها، وليس ما نسميه ~~بالأشياء الخارجية إلا مجرد تمثلات لحساسيتنا، التي يكون المكان صورتها.» # 17 # وكما أدى بحث «صورة الحدس» إلى هذه النتيجة، فكذلك يؤدي إليها استنباط التصورات ~~الخالصة للذهن، ولا سيما «الاستنباط» كما ورد في الطبعة الأولى ل «نقد العقل الخالص»، ~~فالاستنباط يؤدي بكانت إلى القول بأننا «نحن أنفسنا الذين نبعث في المظاهر ذلك الترتيب ~~والنظام الذي نسميه «بالطبيعة»، وما كان في وسعنا أن نجد ذلك الترتيب والنظام في ~~المظاهر، ما لم نكن نحن أنفسنا - أو طبيعة ذهننا - نبعثها أصلا ...» # 18 # ومرة أخرى، يستخدم كانت كلمة «نحن» دون تحديد لمعناها بأي قدر من الدقة، ~~ويتحدث عن «المظاهر» التي «نبعث فيها» النظام والترتيب، وكأن هذه عملية ترتيب واعية ~~نقوم بها على مادة لم يكن لها في الأصل مثل هذا الترتيب، وكما كانت الطبيعة في نظر ~~باركلي تعبيرا عن الإرادة الإلهية، فإنها في نظر كانت تعبير عن ذلك النوع الخاص من ~~التنظيم الذي يبعثه الذهن الإنساني في الظواهر، وهي في الحالتين غير تلك «الطبيعة» التي ~~نعرفها في موقفنا الطبيعي، والتي لا يكون الإنسان إلا جزءا منها، ولا يكون للذهن دور ~~إلا في فهم قوانينها لا في خلقها. # وإذن، فمن الواضح أن كانت - في قوله بتحكم الذات (بما فيها من صور للحساسية وصور أو ~~مقولات للذهن) في تشكيل الموضوع وجعله «ظاهرة» بالنسبة إلينا - كان ms094 مثاليا بالمعنى ~~الصحيح، ولكن من الواضح - من جهة أخرى - أن كانت لم يعترف بهذه المثالية، أو على الأقل ~~حاول تخفيفها بأن أسماها بالمثالية الترنسندنتالية أو المثالية «الاحتمالية»، التي ~~تختلف - في نظره - عن المثالية التوكيدية أو المادية وتقل عنها حدة بكثير، ومهمتنا الآن ~~هي أن نناقش هذه الدعوى التي قال بها كانت، ونجيب على السؤال الآتي: هل تختلف مثالية ~~كانت عن أي مذهب مثالي آخر في خروجها على الموقف الطبيعي أو رفضها له؟ # يعرف كانت المثالية الترنسندنتالية بأنها «المذهب القائل أن المظاهر كلها لا ينبغي ~~أن ينظر إليها إلا على أنها تمثلات، لا أشياء في ذاتها، وأن المكان والزمان ليسا إلا ~~الصور الحسية للحدس، لا تحديدات معطاة بوصفها موجودة بذاتها، ولا شروطا للموضوعات ~~منظورا إليها على أنها أشياء في ذاتها.» # 19 # ووجه التفرقة بين المذهب المثالي التوكيدي ومثالية كانت الترنسندنتالية هو ~~أن القائل بهذا المذهب الأخير قد يكون أيضا من القائلين ب «الثنائية»، أي من المعترفين ~~بوجود «مادة» خارجية، ولكنه يظل على الدوام غير موقن بطبيعة هذه المادة من حيث هي «شيء ~~في ذاته»، مؤكدا أن ما نعرفه منها هو ما تضفيه عليها الذات من صور الحساسية والمقولات، ~~أي إنها تعرف بوصفها «ظاهرة» فحسب، وسبب الاقتصار على فكرة الظاهرة هذه - كما يشرحه ~~كانت - هو أنني لا أعرف مباشرة إلا إدراكات، وهي مقدمة كان تأثير هيوم وباركلي فيها ~~واضحا كل الوضوح، وتتعرض لجميع الانتقادات التي سبق أن وجهناها إلى هذين الفيلسوفين، ~~فإذا حاولت أن أستدل من هذه الإدراكات على «سببها»، فلن أستطيع الوصول أبدا إلى أي ~~يقين؛ لأن مثل هذا المعلول قد يكون له أكثر من علة، أي قد تكون علته جسما خارجيا أو ~~ذات داخلية، وهكذا أظل على الدوام غير متأكد إن كان «ما يسمى بالإدراكات الخارجية ~~مجرد ناتج عن الحس الباطن أم أن علاقتها بالموضوعات الخارجية الفعلية هي علاقة علة بمعلول.» # 20 # ولهذا كان يتحتم علي أن أكتفي بما هو مؤكد، أي بإدراكاتي وقوالبي الذاتية ~~التي تنظمها، وأن أسمي الأشياء ms095 الخارجية ظواهر أو تمثلات تنتمي إلى الحس الخارجي، أما ~~أصل هذه التمثلات فلا يمكن معرفته إلا باستدلال يظل دائما غير مؤكد، وإن كان من واجبي ~~دائما ألا أستبعد كون هذا الأصل «شيئا في ذاته»، لا أعرف عنه شيئا. # ويزيد كانت فكرته هذه إيضاحا في «المدخل إلى كل ميتافيزيقا»، فيفرق بين مذهبه وبين ~~المثالية على أساس أن الأخيرة تقول بأنه لا وجود إلا للموجودات المفكرية، وأنه لا شيء ~~في الخارج يطابق ما نعتقد أنه موجودات خارجية: «أما أنا فأقول بعكس ذلك: فهناك أشياء ~~معطاة لنا، هي موضوعات لحواسنا وخارجة عنا، غير أننا لا نعلم شيئا عما يمكن أن تكونه ~~في ذاتها، ولا نعلم منها إلا الظواهر، أي التمثلات التي تنتجها فينا بتأثيرها في ~~حواسنا، فأنا إذن أعترف بأن خارجنا أجساما - أي أشياء - هي بالفعل مجهولة لدينا تماما ~~من حيث ما قد تكونه في ذاتها، ولكنا نعرفها بالتمثلات التي تتكون لدينا نتيجة لتأثيرها ~~في حساسيتنا، وهي أشياء نسميها بالأجسام، وهي تسمية لا نعني بها إلا أنها ظاهرة لذلك ~~الموضوع الذي هو مجهول لدينا، ولكنه مع ذلك حقيقي، أو يمكن تسمية هذا المذهب بالمثالية؟ ~~إنه في الحق عكسها.» # 21 # على هذا النحو حاول كانت أن يفرق بين مذهبه وبين المثالية المعتادة أو التوكيدية، ~~بل حاول أن يدفع عن مذهبه أصلا تهمة المثالية، كما نرى في هذا النص، ولنتساءل هنا: أي ~~فارق هناك بين إنكار وجود الموضوعات الخارجية، والقول: إنها موجودة ولكنها غير معروفة ~~لنا على حقيقتها؟ أو بعبارة أخرى: أي فارق هناك بين القول: إن ما نسميه بالموضوعات ~~الخارجية راجع إلى الذات المفكرة، وبين القول: إن «ما نعرفه» عن هذه الموضوعات راجع إلى ~~صورنا وقوالبنا الذاتية؟ إن هذين الموقفين - اللذين علق كانت أهمية كبرى على الفارق ~~بينهما - ليس بينهما، في واقع الأمر، أي اختلاف جدي، ففي الحالتين تغلب فاعلية الذات ~~على الموضوع الخارجي، أي إن الذهن إما أن «يخلق» هذا الموضوع أو «يشكله»، وليس هذا ~~بالفارق الخطير؛ لأن الموقفين معا مضادان تماما للموقف ms096 الطبيعي، فالذهن في نظر الموقف ~~الطبيعي يفهم أو يدرك الموضوعات التي تحتفظ باستقلالها عنه، أما في نظر كانت فهو العنصر ~~الأساسي في إعطاء هذه الأشياء صورتها التي ندركها عليها، فإذا أدركنا أن العنصر الذي ~~نعرفه من الأشياء هو العنصر الذي يهمنا فيها، وإذا أدركنا أن هذا العنصر - في نظر كانت ~~- ذاتي لتبين لنا إلى أي حد يكون الاختلاف بين مثاليته «الاحتمالية» وبين المثالية ~~التقليدية اختلافا لفظيا، إن كانت يؤكد أن الأشياء موجودة خارجنا، ويضيف إلى ذلك ~~قوله: ولكنا لا نعرف عنها إلا ما وضعناه نحن - بوصفنا ذوات - فيها، أي إن الوجه المعروف ~~للأشياء ذاتي، وقد يكون لها وجه موضوعي ولكنه مجهول تماما، وهنا نجد أن أهمية ذلك ~~الوجه الموضوعي تتضاءل إلى حد لا يعود معه إلا تكملة فكرية للبناء المذهبي فحسب، فما ~~قيمة ذلك الشيء الذي نقول عنه: إنه موجود، إن كنا لا نعرف عنه أي شيء؟ إنه «كيان عقلي # nouméne ~~» يفترضه الذهن بالاستدلال، ولكن جهلنا التام ~~به يجعله في حكم المنعدم، وعلى أية حال فإن المثالية التوكيدية حين أكدت أن الأشياء - ~~من حيث هي أشياء في ذاتها لا وجود لها خارج الفكر - قد مهدت الطريق لخطوة كانت ~~التالية، والقائلة: إن الأشياء - بوصفها ظواهر - توجد في المكان الذي هو «صورة الحاسة ~~الخارجية»، والعلاقة الحقيقية بين كانت وبين المثالية هي علاقة اختلاف في اللغة ~~المستخدمة فحسب، لا علاقة اختلاف أساسي في المذهب. # أما ذلك الاختلاف اللغوي الذي نتحدث عنه، فينحصر في أن كانت قد أكد أن الأشياء توجد ~~بالفعل خارجنا، بمعنى أنها توجد في المكان، وإلى هذا الحد يبدو رأيه مضادا تماما ~~للمثالية التوكيدية، ولكنه أكد في الوقت ذاته أن فكرة المكان نفسها ذاتية، وأن «الحس ~~الخارجي» هو الذي يضفي على الأشياء هذا «الوجود في المكان»، وهنا تعود المثالية إلى ~~الظهور من خلال هذه اللغة الجديدة التي استخدمها كانت، لغة المكان بوصفه «صورة ذاتية ~~للحس الخارجي»، والموضوعات بوصفها «ظواهر» لا أشياء في ذاتها. # ولو بحثنا عن الأصل الأول لهذه اللغة الجديدة ms097 التي استخدمها كانت لوجدنا أنه الرأي ~~القائل باستحالة الاستدلال من الإدراكات على الموضوع المسبب لها استدلالا مؤكدا، ~~وباحتمال كون هذه العلة داخلية لا خارجية، فنتيجة لهذا الرأي وصل كانت إلى فكرة ~~الموضوعات الخارجية بوصفها ظواهر، واستبعد تماما كل نظرة إليها على أنها أشياء في ~~ذاتها، ولكن هل يجوز أن يطوف بالذهن مثل هذا الشك، أو يخطر له مثل هذا الاحتمال؟ إن ~~كانت يصور الأمر كما لو كانت الذات تنسب بعض إدراكاتها إلى الحس الخارجي والبعض الآخر ~~إلى الحس الباطن، ولكن كيف يحدث هذا؟ وما الذي يدفع الذات إلى هذا التقسيم؟ أهو تقسيم ~~اعتباطي؟ أم أن هناك شيئا في طبيعة فئة من «الإدراكات» هو الذي يدفع الذات إلى أن ~~تعدها «خارجية»؟ ومن أين أتت لدينا صورة المكان وفكرة الخارجية التي ننسبها إلى ~~الأشياء؟ إن كانت ليعجز تماما عن الإجابة على هذا السؤال، فهو حين يتساءل: «كيف ~~يكون من الممكن - في ذات مفكرة - وجود حدس خارجي، أي حدس للمكان بما تشغله من أشكال ~~وحركات؟» يجيب بقوله: إن «هذا سؤال لا يتسنى لأحد أن يجيب عنه، فتلك الثغرة في ~~معرفتنا لا يمكن ملؤها بأية حال، وكل ما يمكن عمله هو أن نشير إلى هذه الثغرة بأن ننسب ~~المظاهر الخارجية إلى ذلك الموضوع الترنسندنتالي الذي هو سبب هذا النوع من المظاهر، ~~والذي لا نعرف عنه - مع ذلك - أي شيء، ولن يكون لدينا أبدا أي تصور عنه.» # 22 # وهكذا يعترف كانت بعجزه عن تفسير تلك التفرقة التي تقوم بها الذات للتمثلات إلى ~~فئتين تنتمي إحداهما إلى الحس الخارجي والأخرى إلى الحس الباطن، ويعترف بعجزه عن تفسير ~~أصل ذلك الحدس الخارجي بما فيه من مكان، وحتى لو قال كانت بأن فكرة ترابط الإدراكات أو ~~تسلسها حسب قاعدة معينة هي التي تفرق بين التمثلات التي ترتبط بموضوع وتلك التي لا ~~ترتبط، فسنظل مع ذلك عاجزين عن الاهتداء إلى أساس للتفرقة بين النوعين، فكانت لا يحل ~~المشكلة على الإطلاق حين يقول: إن الصفة التي تكتسبها التمثلات المرتبطة بموضوع ms098 هي ~~«خضوع تلك التمثلات لقاعدة، بحيث يصبح من المحتم علينا ربطها في صورة محددة ما، ~~وبالعكس لا تكتسب تمثلاتنا معنى موضوعيا إلا بقدر ما يكون من المحتم إخضاعها لقاعدة ~~معينة من حيث علاقتها الزمنية.» # 23 # ولا جدال في أن هذه التفرقة صحيحة من حيث هي معيار لتلك المجموعة من ~~الظواهر التي نسميها بالخارجية، ولكن وجه الاعتراض في هذه الحالة هو: كيف يمكن الانتفاع ~~من هذه التفرقة في ضوء فلسفة كانت؟ ولنتساءل هنا أيضا: من أين أتت هذه القاعدة التي ~~تخضع لها الظواهر المرتبطة بموضوع في ترتيبها الزمني؟ إذ إن القول بأنها تنتمي إلى ~~تركيب الذات أو إلى طريقتنا الخاصة في الإدراك، لا يحل المشكلة: فلو كان الأمر كذلك، ~~فسنظل نتساءل: لم كانت بعض الإدراكات ذاتية خالصة - كالأحلام - وبعضها الآخر ذاتية ~~خاضعة في ترتيبها الزمني لقاعدة معينة كالإدراكات المرتبطة بالموضوعات؟ إذا كان سبب ~~وجود هذه القاعدة هو طريقة الذات في المعرفة لكان من الواجب أن تسري هذه الطريقة على كل ~~تمثلات الذات، ولكنها في الواقع تسري على فئة معينة من هذه التمثلات، فلا بد أن يرد ~~انتظام هذه القاعدة إلى طبيعة الموضوع نفسه. # 24 # والواقع أننا لو سلمنا تماما مع كانت بوجود «طريقة للذات في المعرفة» - من صور ~~للحس ومقولات للذهن - فسيظل من الخطأ أن يؤكد المرء أهمية هذا العنصر الذاتي ويركز جهده ~~فيه كما فعل كانت، فهذا العنصر - لو سلمنا بوجوده - سيكون هو «الثابت» الذي لا يتبدل ~~في المعرفة، ولو تدخلت الذات فسيكون ذلك في كل مرة على نحو مطرد، ولن يكون في وسعها أن ~~تتدخل في الظروف الواحدة إلا على صورة واحدة، فإذا تساءلت عن الفارق بين مدركين يتمان ~~في ظروف واحدة كمنضدة وكرسي متجاورين، فلن نستطيع إرجاع هذا الفارق بينهما إلى العنصر ~~الذاتي، وإنما إلى العنصر الموضوعي الذي يؤدي تغيره إلى تغير الإدراك، ولما كان ما ~~يهمنا حقيقة في المعرفة هو كشف العنصر الذي بفضله تتغير المدركات، ويكون كل مدرك على ~~ما هو عليه، ويتميز به عن غيره، ms099 فلا جدوى في هذه الحالة من التنبيه إلى العنصر الذاتي ~~الذي هو مشترك بين كل الإدراكات، بل ينبغي البحث عن سبب التغير في كل حالة، وهو العنصر ~~الموضوعي. # وعلى من يشك في ذلك أن يجيب على هذا السؤال: إذا كانت الذات هي العنصر الإيجابي ~~الفعال دائما في المعرفة، فما الذي يدفعها إلى «بعث» هذه المقولة أو هذه الصورة ~~الحسية؟ إن الذات لو تركت وحدها لكانت استجابتها على الدوام واحدة، ولا بد أن شيئا ~~خارجها هو الذي أدى بها إلى تغيير الصورة التي تصوغ بها المعرفة، حتى على افتراض وجود ~~مثل هذه الصورة، وإذن فمن المستحيل تعليل تغير موضوعات المعرفة عن طريق الذات، بل إن ~~الموضوع هو العنصر الوحيد الهام، ومن المؤسف أن كانت لم يركز جهوده إلا على العنصر ~~الذاتي، وهو العنصر غير الهام في المعرفة، بينما كان الموضوع - سبب كل تغيير في المعرفة ~~- مجرد «س» مجهولة لا يذكر عنها شيء إلا أنها قد تكون موجودة، ولكنا لا نعرف عنها ~~شيئا، ولا يمكننا أن نفعل من أجلها شيئا أكثر من أن نقول: إننا لا نستطيع أن ننكر ~~وجودها، ولكنا لا ندري ما هي! ~~••• # ولعل هذه الأمثلة لآراء الفلاسفة المثاليين في فكرة العالم الخارجي تكفي لإثبات إخفاق ~~المثالية التام في تفسير خارجية العالم، ولا جدال في أن القارئ قد لاحظ أن المعنى الذي ~~استخدمناه لفكرة الخارجية هنا هو معنى «الاستقلال عن الذات»، بينما أهمل إلى حد ما ~~معنى الخارجية المكانية؛ السبب في ذلك هو أن الشيء يكون خارجا عن «شيء آخر» إذا كان في ~~مكان غير مكانه، أما حين تكون المقارنة بين الشيء وبين ذات مدركة، فمن المحال الأخذ ~~بمعنى الخارجية المكانية إلا إذا نظرنا إلى الذات على أنها متجسمة في شكل مادي يشغل ~~حيزا معينا فحسب، ولما كان هذا المعنى الأخير لا يستوعب جميع خصائص الذات المدركة - ~~التي هي «قوة للإدراك» إلى جانب كونها ذات حيز مكاني - فليس من الممكن الأخذ بمعنى ~~المكانية في هذا الصدد، ولا بد من البحث ms100 عن معنى آخر للخارجية، ومن هنا كان معنى ~~«الاستقلال عن الذات» هو أفضل معنى لخارجية الأشياء، فحين نقول: إن العالم يوجد خارج ~~الذات، نعني أنه مستقل في وجوده عنها، ومصير فكرة خارجية العالم يرتبط في الواقع بفكرة ~~استقلال العالم في وجود من الذات. # ولقد تبين لنا من الأمثلة السابقة مدى إخفاق المحاولات التي تبذلها الفلسفة المثالية ~~للقضاء على فكرة استقلال العالم الخارجي هذه، فجميع هذه المحاولات الهادفة إلى تأكيد ~~دور «الذات» في تمثلنا لهذا العالم الخارجي تخفق أساسا في تفسير أصل ذلك الاعتقاد ~~المتأصل بوجود العالم الخارجي أو تعليل التفرقة القاطعة التي تضعها التجربة البشرية بين ~~مجموعتي الظواهر الداخلية والخارجية، حقا إن المثاليين قد ينجحون أحيانا في إثارة ~~الشك في النفوس بالإشارة إلى تلك الحالات «الحدودية» التي لا يكاد المرء يوقن فيها إن ~~كانت التجربة خارجية أو داخلية، كحالات الأحلام وخداع الحواس، غير أن من اليسير إيجاد ~~أساس للتفرقة إذا جمعنا بين معيار «استقلال الظواهر عن الإرادة» الذي قال به ديكارت ~~ومعيار «اتساق الظواهر وترابطها حسب قاعدة محددة» الذي قال به كانت، ففي كل حالات الشك ~~هذه، يكفي لإثبات خارجية موضوع التجربة أن تكون التجربة - من جهة - مستقلة عن إرادة ~~الفرد غير نابعة من تخيله المتعمد، وأن تكون - من جهة أخرى - متسقة مع بقية عناصر ~~التجربة ومرتبطة بها ارتباطا محكما، وكما أثبتنا من قبل فإن أصل هذا الاستقلال عن ~~الإرادة الذاتية والإحكام بين عناصر التجربة البشرية لا يمكن أن يكون هو الذات وحدها، ~~التي يتبدى نشاطها جليا في نوع آخر من التجارب المعتمدة تماما على إرادة الفرد ~~كتخيلات الإنسان التي يبعثها متى شاء ودون أي ارتباط محكم ببقية تجاربه، والأمر الذي ~~أخفقت فيه المثالية إخفاقا أساسيا، هو تعليل تلك الصفات القاطعة التي تتميز بها تلك ~~المجموعة من الظواهر المسماة بالخارجية، فجميع التعليلات «الذاتية» تنتمي - كما رأينا - ~~إما إلى الاعتراف بالعجز عن تفسير عنصر أساسي في التجربة البشرية، وهو عنصر الإحساس أو ~~«المعطى» كما في حالة هيوم وكانت، أو تغطية هذا ms101 العجز بافتراض إيماني لا يقدم له أي ~~برهان، ويؤدي إلى تكوين صورة للعالم الخارجي وعلاقته بالذات المدركة أغرب وأبعد عن ~~الفهم ألف مرة من الصورة المألوفة في الموقف الطبيعي، كما في حالة باركلي. # ومن الغريب أن المثاليين - في الوقت الذي يبذلون فيه جهودا جمة من أجل «رد» العالم ~~الخارجي إلى الذات على نحو ما، ويتفننون في تقسيم قوى الذات على النحو الذي يكفل لها ~~«بعث» كل التمثلات المتعلقة بالعالم الخارجي - يصمتون تماما فيما يتعلق بأصل هذه ~~«الذات» نفسها، فهم يبدون روحا نقدية شكاكة بالنسبة إلى طرف واحد، هو الطرف الموضوعي، ~~أما الطرف الثاني فيأخذونه على علاته، وينسبون إليه ما شاءوا من القدرات دون أية محاولة ~~لتعليل أصل هذه القدرات، وإذا كانت الفلسفة قد أسرفت في الكلام عن العالم الخارجي من ~~حيث هو نتيجة لفاعلية الذات، ألا يحق لها أن تبحث قليلا في الذات وفي أصلها، فربما ~~اهتدت عندئذ إلى نوع من التأثير للعالم الخارجي نفسه في تركيب الذات؟ وعلى أية حال، ~~فالتفكير المنطقي ينبغي أن يكون منطقيا في كل شيء، والذهن المنقب لا ينبغي أن يسكت ~~على بعض الظواهر ويفتش عن أصل بعضها الآخر، وسكوت المثالية التام على فكرة الذات ~~وقدراتها وصورها ومقولاتها - التي تفترض افتراضا دون أية محاولة للتعليل - هو، بلا ~~شك، قصور لا يتمشى، على الإطلاق، مع روح الشك التي تبديها إزاء فكرة العالم الخارجي كما ~~تتبدى في الموقف الطبيعي. # | دور العقل في مشكلة المعرفة # كثيرا ما نستخدم في أحاديثنا المعتادة عبارة: لن أصدق حتى أرى بعيني! وقد يكون قائل هذه ~~العبارة قد استمع إلى حجج ذات مظهر مقنع تماما من الوجهة العقلية الخالصة، ولكنه - إذ يقول ~~هذه العبارة - يفترض مقدما أن أي برهان منطقي لا يرقى أبدا - في درجة إقناعه - إلى مرتبة ~~«الرؤية» المباشرة، وأن المشاهدة بالعين أصدق إنباء من أية حجة عقلية. وكم حدث أن رويت ~~لنا أمور تبدو غير مقنعة لعقولنا، ثم تبدد كل شك بشأنها حين أكد لنا مصدر موثوق منه أنه ~~شاهد الواقعة ms102 موضوع الخلاف بنفسه، أو سمع الأصوات المشكوك فيها بأذنيه، وكلنا نعرف حالة ذلك ~~الشخص المعدم الذي تهبط عليه ثروة مفاجئة، فيظل فترة ما غير موقن إن كان الأمر حقيقة أم أنه ~~في حلم، يكون خلالها في حاجة إلى تنبيه حسي شديد حتى يدرك أنه لا يحلم، وأن ما يحدث حقيقة ~~واقعة! # في كل هذه الحالات تعبير عن إيماننا - عن حق - بأن هناك أمورا معينة تكون شهادة الإدراك ~~المباشر فيها أقوى من شهادة العقل مهما كانت حججه مقنعة، هذه الأمور هي المتعلقة - في معظم ~~الأحيان - بوجود الأشياء، بل إن انتشار قدر كبير من الخرافات كان راجعا، لا إلى اقتناع ~~الناس بها عقليا، بل اعتقادهم بأن موضوعاتها قد أدركت: فإيمان الناس فترة طويلة بوجود ~~الأشباح لم يكن سببه قوة الحجج التي عرضت عليهم لإثبات وجود الأشباح، وإنما كون أشخاص ~~كثيرين قد ظلوا يرددون فترة طويلة - في مختلف الأزمنة والأمكنة - أنهم «رأوا» الأشباح ~~بأعينهم، أو أدركوها على أي نحو آخر من أنحاء الإدراك المباشر، ولا شك في أن شهادة هؤلاء ~~الناس كانت كاذبة، ولكن الإيمان الكامل من ورائها صحيح، وأعني به الإيمان بأن المعيار ~~الحاسم لوجود الأشياء هو إدراكها لا البرهنة عليها، وهو إيمان قد يصل في قوته إلى حد إقناع ~~الجزء الأكبر من البشر وقتا طويلا من تاريخها بوجود أشياء خرافية كالأشباح. # هذا الاعتقاد السليم بأن الإدراك - لا البرهان العقلي - هو المعيار الحاسم في الأمور ~~المتعلقة بوجود الأشياء كان إذن - ولا يزال - متأصلا في نفوس الناس، ولكن الفلسفة المثالية ~~تعكس هذا الاتجاه؛ إذ تحاول منذ البداية أن تركز جهودها في «إثبات» وجود العالم الخارجي، ~~وموضع الخلاف بين الموقف الطبيعي والموقف المثالي أن الإنسان - في الموقف الأول - لا يحاول ~~«إثبات» وجود العالم الخارجي، ولا يثير هذه المشكلة أصلا؛ لسبب بسيط هو أنه إذا وجد ~~الإدراك ووجد الإثبات العقلي - فيما يتعلق بوجود أي شيء - فإنه يرجح كفة الأول على الثاني ~~حتما، بل يعد شهادة الأول هي الحاسمة، ويرى من الضروري أن يطرح الثاني جانبا ms103 دون أي تردد، ~~وهكذا لا يستخدم الإنسان عقله - في موقفه الطبيعي - لإثبات وجود الأشياء، أي إنه لا «يفكر» ~~في مشكلة وجود العالم الخارجي، فتكون النتيجة أن يسمى عدم تفكيره هذا «سذاجة»، ويصبح ~~الموقف الطبيعي في نظر الفلسفة تعبيرا عن «الواقعية الساذجة»، ولكن هل دار بخلد الفلاسفة ~~وقتا ما أن هذه قد لا تكون سذاجة، بل قد تكون هي الوسيلة الوحيدة الممكنة للسلوك إزاء ~~مشكلة كهذه؟ وهل خطر لهم أن «جميع براهينهم» لإثبات وجود العالم الخارجي قد تكون سائرة كلها ~~في اتجاه باطل، بغض النظر عن القيمة المنطقية أو الإقناعية لهذه البراهين؛ لأن المسألة - ~~منذ البداية - من ذلك النوع الذي يحسمه قولنا: «أرني إياه!» أكثر مما يحسمه قولنا: «أثبته ~~لي»؟ أو بعبارة أخرى: هل فكروا في احتمال كون الإيمان الطبيعي بوجود العالم الخارجي - نتيجة ~~لإدراكه - أقوى وأفعل ألف مرة من الإيمان به أو إنكاره نتيجة لبرهان عقلي؟ هذه كلها أسئلة ~~مشروعة تماما، وهي ترتد في النهاية إلى إدراك طبيعة مشكلة وجود العالم الخارجي: لو فهمت ~~هذه المشكلة على حقيقتها، وحدد المجال الحقيقي الذي تنتمي إليه، لأمكن حسم الخلاف فيها ~~بطريقة أيسر بكثير مما لو ظل النقاش دائرا حولها دون أي تحليل لطبيعة المشكلة. والواقع أن ~~مشكلة وجود العالم الخارجي - وهي أهم المشاكل التي تعالجها نظرية المعرفة - تختلف عن كثير ~~من المشاكل الفلسفية الأخرى في أنها لا تتعلق بشيء ينبغي استنباطه، بل تتعلق بوجود مدرك ~~بالفعل، فالقواعد الأخلاقية مثلا في حاجة إلى استنباط أو تبرير، وكذلك الحال في القواعد ~~المنطقية والجمالية، أما مشكلة العالم الخارجي فلها طبيعة مختلفة تماما: إنها مشكلة شيء ~~ندركه في موقفنا الطبيعي على أنه موجود فعلا، ولا يثار في ذهننا أي شك بشأنه، ولكن ~~الفلاسفة هم الذين يثيرون هذه الشكوك حين يحاولون إخضاع هذا الوجود للبرهان، أي حين يقولون ~~للإنسان في موقفه الطبيعي: صحيح أنك تدرك هذا العالم وتراه أو تلمسه ... إلخ، ولكن هل لديك ~~إثبات أو برهان عليه؟ والقضية التي ندافع عنها في هذا الفصل هي أن ms104 هذا السؤال غير مشروع؛ ~~لأن الإثبات أو البرهان - في المسائل المتعلقة بوجود الأشياء - لا محل له إذا كانت الأشياء ~~مدركة بالفعل، أي إن مهمتنا هنا هي أن نرد على أصحاب الاتجاهات الفلسفية المثالية بقولنا: ~~ولكن المشكلة أصلا تتعلق بميدان لا مجال فيه للبرهان، طالما أن الإدراك يقوم بدوره! فلنبين ~~الآن إلى أي حد أخطأت المثالية بمحاولتها «البرهنة» على وجود العالم الخارجي. ~~••• # من المعروف أن ديكارت قد بدأ تفلسفه بالشك في وجود العالم الخارجي على أسس مختلفة من ~~بينها إمكان خداع الحواس والخلط بين الحلم واليقظة إلخ، وفي هذا الشك عبر ديكارت عن عدم ~~اكتفائه بإدراك العالم بوصفه وسيلة للتأكد من وجوده، وسعى إلى البحث عن وسيلة أخرى من وسائل ~~الإثبات، ومن المعروف أيضا أن ديكارت قد استعاد ثقته في وجود العالم الخارجي بعد أن تأكد ~~من وجود الله، ومن أن الله لا يخدع، وهو يشرح في كتاب مبادئ الفلسفة (القسم الأول من الجزء ~~الثاني) «براهينه» على وجود الأجسام المادية، فيقول: «إن في مشاعر وأحاسيس لا أبعثها في ~~نفسي كلما شئت وكما شئت، بل إن شيئا ما هو الذي يبعثها في، وقد يقال: إن الله هو الذي ~~يبعث فينا إحساسا بوجود هذا الشيء الممتد طولا وعرضا وعمقا، أو إنه يدفع شيئا ليست له ~~مثل هذه الطبيعة إلى بعث هذا الإحساس فينا، # 1 # ولكن هذا معناه أن الله يخدعنا، وهو أمر مخالف لطبيعته، فلا بد أن يكون هناك ~~بالفعل جوهر ممتد يوجد في العالم، له كل ما نعرفه عنه من خصائص.» # وإذن فديكارت لا يقنع بأن العالم الخارجي موجود؛ لأنه حقيقة مدركة، بل يريد «برهانا» على ~~وجوده، ويستمد هذا البرهان بطريقة غير مباشرة من فكرة الكوجيتو، وهو لا يعترف بوجود هذا ~~العالم إلا على أساس ذلك البرهان الذي يسير فيه شوطا طويلا: من الشك إلى الكوجيتو إلى ~~وجود الله ومنه إلى وجود العالم، ولو لم يوجد الإله الكامل الذي يرتكز عليه الاعتقاد بوجود ~~العالم لما منعنا شيء من الاعتقاد بأن المسألة كلها ms105 خداع، والواقع أن مشكلة ديكارت - من ~~أساسها - لم تكن مشكلة عدم اعتراف بوجود العالم الخارجي كما هي الحال لدى كثير من المثاليين ~~التالين، وإنما مشكلة جعل ذلك الوجود مقيدا بشرط الإتيان ببرهان عليه، وترك ذلك العالم ~~معلقا أو موضوعا بين قوسين إلى أن يستطيع العودة إليه عن طريق وسائط أخرى، والسؤال الذي ~~ينبغي ألا يكف المرء عن ترديده في هذه الحالة هو: أليس وجود العالم في غنى عن البرهان؛ ~~لأنه أسبق من البرهان؟ وهل تعد طريقة البرهان العقلي أفضل طريقة للتأكد من هذا الوجود؟ ولو ~~فرضنا أنه ظهرت حجة تزعزع هذا البرهان أو تقضي عليه، فهل يعني ذلك أن اعتقادنا بوجود العالم ~~الخارجي وسلوكنا فيه سيظل معطلا حتى يتم «إصلاح» البرهان أو إبداله؟ # فإذا انتقلنا إلى هيوم لوجدناه يعبر عن نفس الفكرة العامة تعبيرا مختلفا إلى حد ما: ~~فعنده أن الإيمان «الطبيعي» بوجود الأشياء وجودا مستمرا ومستقلا عن الذهن هو إيمان لا ~~يقوم على أساس فلسفي، ولا يرتكز على العقل مطلقا، ويحدد هيوم لنفسه مهمة تحليل هذا الإيمان ~~من الوجهة الفلسفية، وإثبات مدى الخطأ العقلي فيه، ويدرك هيوم بكل وضوح أن فكرة وجود ~~الأشياء وجودا متميزا مستمرا هي فكرة بعيدة تماما عن العقل، وأنها لا بد ناتجة عن ملكة ~~أخرى غير الفهم، # 2 # ولكنه يصر على أن يختبر هذه الفكرة في ضوء العقل، ليثبت أوجه الخطأ فيها، أي إن ~~تلك التجربة التي تمارسها البشرية كلها، وتؤكد صحتها في تصرفاتها العملية، تجربة غير موثوق ~~منها طالما أن التحليل العقلي لا يدعمها. # وكما قلنا من قبل، فليست مهمتنا هنا هي بحث الحجج العقلية التي يرتكز عليها هيوم أو غيره ~~في هذا الصدد، وإنما هي البحث فيما إذا كان وجود العالم الخارجي مشكلة تخضع للحجج العقلية ~~وتحسمها هذه الحجج أصلا، وفي فلسفة هيوم أوضح مثل لحالة المفكر الذي يشك في اعتقادنا بوجود ~~العالم الخارجي بأسره على أساس أن هذا الاعتقاد لا يرتكز على حجج عقلية، وهو لا يثق بتجربة ~~الناس المباشرة في هذا ms106 الميدان، ولا يبحث في احتمال كون الاستدلال العقلي غير مثمر في هذا ~~الميدان الذي لا يؤلف معرفة مستمدة، بل تجربة مباشرة أصلية تستمد منها معارف أخرى فيما بعد، ~~وهو يطلب برهانا ودليلا على شيء لا مجال فيه للبرهان؛ لأنه أساس كل معرفة وموقف فكري أو ~~عملي لنا، وبعبارة أخرى: فهيوم وأمثاله من الفلاسفة ذوي الاتجاهات المثالية يبحثون عن ~~«أسباب» لظاهرة لا تحتاج إلى تقديم «أسباب»؛ لأنها قائمة قبل كل تبرير، ولقد روى هيوم عن ~~نفسه أنه كان أحيانا يغادر غرفة مكتبه ويختلط بالآخرين لكي يتأكد من أنهم - ومعهم العالم ~~الخارجي - موجودون بالفعل! وهذه القصة تدل على مدى سيطرة الرغبة في الحصول على براهين عقلية ~~على تفكيره في هذه المسألة، ولكن الأبلغ دلالة من ذلك، هو أن هذه البراهين لم تكن توصله إلى ~~شيء وهو قابع في غرفته، وكان الحل الذي يعيد إليه ثقته بوجود العالم هو أن يطل على الناس أو ~~يختلط بهم، أي أن يمارس تجربة إدراك العالم الخارجي بالفعل، ولا جدال في أن هذه التجربة ~~كانت أقوى إقناعا له - في هذه اللحظات - من جميع الحجج العقلية، ومع ذلك فهل توصل هيوم إلى ~~استخلاص الدلالة الحقيقية لقصته هذه؟! # وينبغي أن يلاحظ أن الرأي الذي نقول به ليس رأيا شاذا وسط إجماع عام من الفلاسفة على ~~الرأي المضاد، بل إن في وسعنا أن نجد تأييدا له لدى بعض الفلاسفة، ففي رسالة إسبينوز لرقم ~~56 إلى «هوجو بوكسل # Hugo Boxel ~~» يقول: «من الصحيح تماما ~~أننا كثيرا ما نسلك في العالم بالتخمين، ولكن من غير الصحيح أننا نمضي في تأملاتنا ~~بالتخمين، فنحن مضطرون في الحياة المعتادة إلى السير وفقا لما هو مرجح، أما في تأملاتنا ~~النظرية فإن غايتنا هي الحقيقة، وإن المرء ليهلك جوعا وعطشا إذا رفض أن يشرب ويأكل إلا ~~بعد أن يثبت إثباتا كاملا أن المأكل والمشرب نافعان، والأمر ليس كذلك في الفكر.» # 3 # كذلك يحذرنا شوبنهور من الإفراط في الاعتماد على البرهان، مؤكدا وجود حقائق لا ~~تنفع فيها المعرفة ms107 البرهانية، فيتحدث عن وجود خطأ قديم يقول: «إن كل ما يبرهن عليه هو وحده ~~الصحيح صحة مطلقة، ولكن كل برهان أو دليل يقتضي - على العكس من ذلك - حقيقة غير مبرهن عليها ~~...» وإذن فالحقيقة المباشرة تفضل على الحقيقة المقررة بالبرهان مثلما يفضل ماء النبع ~~على ماء المضخات ... فالأحكام المستمدة من الإدراك مباشرة والمبنية عليه - من دون أي برهان - ~~لا الأحكام المبرهن عليها أو أدلتها، هي التي تكون للعلم بمثابة الشمس للعالم؛ إذ ينبع منها ~~كل ضوء، # 4 # وصحيح أن شوبنهور كان يرمي من هذا الكلام إلى هدف مخالف تماما لفكرة تأييد ~~وجود العالم الخارجي، ولكنه يتضمن - بلا شك - تحذيرا من الإفراط في استخدام البراهين ~~العقلية، وتنبيها إلى ضرورة البحث في طبيعة الميدان الذي نعالجه لكي نكون على ثقة من أنه ~~ميدان يقبل هذه البراهين أصلا، ومثل هذا التحذير يفيد - بلا شك - فائدة خاصة في مشكلة وجود ~~العالم الخارجي. # أما لوك فإنه يعرب صراحة عن إيمانه بأن معرفتنا بوجود الأشياء لا ينبغي أن ترد إلى ~~الذهن، فالوسيلة الوحيدة لهذه المعرفة في رأيه هي الإحساس، ولا يمكن عن طريق الأفكار ~~الذهنية وحدها إثبات وجود موضوع للفكرة، مثلما لا يمكن إثبات وجود الإنسان من صورته ~~المرسومة: «وإذن فالتلقي الفعلي لأفكار من الخارج هو الذي ينبئنا بوجود الأشياء الأخرى، ~~ويجعلنا ندرك أن شيئا يوجد في ذلك الوقت خارجنا، ويسبب فينا تلك الفكرة، والدليل الأقوى ~~على ذلك هو شهادة الحواس التي يصفها هنا بأنها الحكم الوحيد الصحيح في هذا الميدان، # 5 # ويؤكد لوك أن من الخطأ تقديم أسباب وبراهين، أو توقع مثل هذه الأسباب والبراهين ~~في الأمور التي لا تقبل البرهنة أو التعليل، ومثل هذا الشخص الذي يطلب البرهنة على كل شيء، ~~ولا يقبل إلا ما هو ثابت بالبرهان، معرض للفناء السريع. # 6 # بل إن لوك يعبر عن رأيه بصراحة قد يصفها الفلاسفة بأنها «ساذجة» حين يقول: «لا ~~أظن أن أحدا يبلغ به الشك جادا إلى الحد الذي يرتاب معه في وجود الأشياء التي يراها ويحسها.» ms108 # 7 # ولسنا ندري ماذا كان لوك يقول لو اطلع على الاتجاهات المثالية التي ظهرت من ~~بعده والتي تأثر بعض ممثليها بفلسفته هو ذاته، والأغلب أنه لم يكن عندئذ ليشك في «جدية» ~~القائلين بهذه الآراء، وكل ما في الأمر أنه كان سيرجعها إلى الإفراط في طلب البرهنة على ~~الأمور التي لا تحتاج إلى برهان. # ولنلاحظ أن إشارة لوك إلى تعرض من يطلبون برهانا على كل شيء للفناء السريع لها مغزى ~~كبير في هذا الصدد، فهو هنا يشير إلى الضرر العملي الذي يجلبه الإفراط في طلب البراهين؛ إذ ~~إن إمكان حياة الإنسان العملية يقتضي الاكتفاء بالتجارب المباشرة في المواقف التي يتعامل ~~فيها الإنسان مع الأشياء، وعدم الإصرار على طلب برهان على وجود هذه الأشياء؛ أولا: لأن هذا ~~البرهان قد يكون مستحيلا، كما أثبت ذلك فلاسفة كثيرون عجزوا عن الاهتداء إليه، وثانيا: ~~لأنه يعوق سير السلوك العملي في مجراه الطبيعي، بحيث يبدو التفكير الفلسفي الذي يمارس بحثا ~~عن هذه البراهين أشبه بقوة تعطل الحياة عن السير في مجراها الطبيعي، بل تؤدي إلى توقفها ~~التام في نهاية الأمر. # ولنتوسع قليلا في مسألة الصلة بين فكرة وجود العالم الخارجي هذه، وبين سلوك الإنسان ~~العملي في الحياة، فهناك في حياة الإنسان أمور واضحة لا ينكر الإنسان وجودها على الإطلاق، ~~ولكنه يظل دائما عاجزا عن إثباتها، فهل يعني ذلك عدم وجودها؟ ولنضرب لهذه الأمور مثلا ~~مشهورا، هو حجج زينون لإثبات بطلان الحركة، فهذه الحجج ما زالت لها جديتها، وما زال ~~الفلاسفة يناقشونه بوصفها مشكلة فلسفية حقيقية حتى اليوم، ولكن رغم منطقية هذه الحجج، فهل ~~شك أحد في ظاهرة الحركة ذاتها؟ الواقع أن شيئا من ذلك لم يحدث، ولم تكن المشكلة في واقع ~~الأمر هي: هل للحركة وجود بعد كل هذه الاعتراضات؟ وإنما هي: كيف نتخلص من المشاكل المنطقية ~~التي تثيرها حجج زينون؟ وكيف يمكن التغلب على هذه الصعوبات؟ ولكن لماذا لا نشك في وجود ~~الحركة رغم إثارة هذه الحجج التي لا تدحض؟ ذلك لأن ظاهرة الحركة ليست ms109 في حاجة إلى تحليل ~~وتبرير منطقي؛ لأنها توجد بالفعل، وتمارس على الدوام في عالم الأحياء وغير الأحياء، ومهما ~~كان للحجة الفلسفية من قوة فليس في وسعها أن تهدم اعتقادنا بوجود ما ندركه أو نمارسه ~~عمليا بلا انقطاع، والواقع أنني لا أعتقد أن حجج زينون لها تلك الأهمية التي ظل المفكرون ~~يعزونها إليها حتى اليوم؛ إذ إنها لا تعدو - في نظري - أن تكون مثالا لمحاولة باطلة لتطبيق ~~البراهين العقلية على ميدان لا يقبل هذه البراهين. ولست أعتقد أن من واجب المفكرين أن ~~يولوا أهمية كبيرة - كما فعل رسل وكثير من المناطقة الرياضيين المحدثين - لحجة كتلك ~~القائلة: إن من المستحيل قطع مسافة ما؛ لأن ذلك معناه قطع نصف المسافة ثم نصف النصف ويليه ~~نصف النصف الباقي، وهكذا إلى ما لا نهاية، مثل هذه الحجة - في رأيي - لا تستحق كل ما أبدى ~~نحوها من الاهتمام؛ لأنها لو طبقت في أي ميدان آخر فستجعل كل الأفعال مستحيلة: فمثلا ~~أستطيع أن أقول: إني لن أشرب كوب الماء كله؛ لأني سأشرب أولا نصفه ثم نصف النصف إلخ، ولن ~~أقرأ هذه الصفحة كلها؛ لأني سأقرأ أولا نصفها ثم نصف النصف ... إلخ، ولن أصعد سلم داري لأني ~~سأصعد أولا نصف الدرج ثم نصف النصف إلخ ... # وهكذا تؤدي نفس الحجة - إذا طبقت على أي فعل بشري (لا على الحركة فحسب) - إلى ~~استحالته تماما، ومثل هذه النتائج الغريبة ذاتها ينبغي أن تؤدي بنا إلى الإقلال من قيمة ~~هذه الحجة، ولا بد أن يكون هناك بطلان في أي استدلال فكري تكون له مثل هذه النتائج؛ لأنني ~~بالفعل أشرب كوب الماء كله، وأقرأ الصفحة كلها، وأصعد كل سلالم داري، ولأن الحركة موجودة، ~~ولولاها لما كانت الحياة. # ونستطيع أن نقول: إن هذا هو الفارق بين طريقة التفكير التي ترتكز على الموقف الطبيعي ~~وطريقة التفكير المثالية، فإذا صادفت الأولى حجة تؤدي إلى نتيجة مستحيلة كالنتائج السابقة ~~رفضتها على التو، مهما بدا لهذه الحجة من قيمة منطقية، طالما أن نتائجها تناقض الواقع ~~الفعلي الملموس، ومن ms110 الممكن أن يأتي بعد ذلك تفنيد منطقي مفصل لهذه الحجة، # 8 # ولكن المهم في الأمر أن منافاة نتائجها للواقع الفعلي تكفي «وحدها» لاستبعاد ~~الحجة فورا، أما طريقة التفكير المثالية فتقبل الحجة على أساس ما يبدو لها من تماسك منطقي، ~~ولا تجد غضاضة في إنكار الواقع الملموس ذاته إذا تنافى معها. # والواقع أن هناك أمورا عديدة واضحة كل الوضوح، ويثبتها الواقع العملي كل لحظة، ولكن يصعب ~~- وربما يستحيل - إيجاد «برهان» لها، بل إنه يبدو أنه كلما ازداد الشيء وضوحا، كان الإتيان ~~ببرهان لإثباته أصعب، ولكن النقد في مثل هذه الحالات ينبغي أن يوجه إلى محاولة البحث عن ~~برهان، لا إلى وضوح الشيء ذاته، فما أصعب أن يثبت المرء أن هذه الورقة التي أكتب عليها ~~بيضاء (إلا بقياس ذبذبة الصوت، وهي عملية عظيمة التعقيد، ولا تؤلف «برهانا» بالمعنى الدقيق ~~لهذه الكلمة)، ولنفرض أنك أبديت لصديقك في يوم مشمس إعجابك بالدفء الذي تبعثه الشمس، فأجاب: ~~أثبت لي أن الشمس طالعة، فهل يكون من السهل الإتيان بمثل هذا الإثبات؟ وهلا يكون أفضل ~~رد في هذه الحالة هو الإشارة إلى عملية الإدراك ذاتها، واستبعاد طلب الإثبات في الحالات ~~التي تحدث فيها هذه العملية؟ # إن الاستدلال أو البرهان العقلي - في نهاية الأمر - لا يعدو أن يكون مجموعة من الأفكار، ~~والأفكار لا تستطيع وحدها أن تنفي وجود شيء ندركه بالفعل؛ لأن هذا خارج عن نطاق قدرتها، ~~والواقع أن الحاجة إلى البرهنة على وجود شيء تقوم في الحالات التي لا يستطيع المرء فيها أن ~~يدرك الموضوع أو أن يحسه مباشرة، وربما كان تعريف البرهان ذاته - في الحالات المتعلقة ~~بوجود الأشياء - هو أنه إثبات ما لا يدرك، أي إن عدم القدرة على الإدراك شرط أساسي لمجرد ~~التفكير في البحث عن برهان، فنقطة البداية في أي بحث عن وجود شيء ما ينبغي أن تكون السعي ~~إلى إثبات كون موضوعه قابلا للإدراك المباشر، فإذا أمكن ذلك عدت النتيجة منتهية، أما ~~إذا لم يكن فعندئذ يبدأ البحث عن برهان، وبعبارة أخرى: فإن ms111 السعي إلى البرهنة على الوجود في ~~الحالات التي يكون فيها الشيء قابلا لأن يدرك - أي في حالة مثل وجود العالم الخارجي - هو ~~فكرة منافية لطبيعة البرهان ذاته. # | المثالية ومحتوى المعرفة # يتناول هذا الفصل بالمناقشة مشكلة تأثير المثالية في موقف الإنسان من الوقائع الفعلية، ~~ويبحث في تلك الظاهرة الفريدة: ظاهرة التضاد التام بين المواقف العملية والأفكار النظرية ~~للفيلسوف المثالي، ويحاول استخلاص دلالة هذا التضاد. # ومن الواضح أن للمرء كل الحق في أن ينتظر من المثالية أن تؤثر في مواقف الإنسان العملية ~~إزاء موضوعات أو أشياء هذا العالم؛ ذلك لأن المثالية تبدي رأيا محددا واضح المعالم في ~~«طريقة وجود» هذه الموضوعات وعلاقتها بنا، ومن المعقول تماما أن يكون لهذا الرأي انعكاس ~~على تصرفاتنا إزاء هذه الأشياء: فعندما كان الناس يؤمنون بأن محاصيلهم هبة من إله الزرع أو ~~الخصب، كانوا يركزون جهودهم في الصلاة لذلك الإله ويتركون زرعهم تحت رحمته، أما عندما ~~أصبحوا يؤمنون بأن جودة محاصيلهم تتوقف على ما يبذلونه فيها من جهد، فإن نشاطهم تحول من ~~الصلاة لإله الزرع إلى رعاية الأرض وتعهد النبات، وهكذا يؤدي تغيير طريقة التفكير النظري في ~~الأشياء إلى تغيير في طريقة التعامل مع هذه الأشياء، ومن هنا كان من المشروع جدا أن ننتظر ~~من المثالية - طالما أنها تفكر نظريا في مشكلة العالم الخارجي على نحو مخالف للطريقة التي ~~تفكر بها في موقفنا الطبيعي - أن تؤدي إلى تصرفات عملية مخالفة لتصرفات الإنسان المألوفة ~~إزاء العالم الخارجي في ظل الموقف الطبيعي، أو بعبارة أخرى: فإن الإنسان في موقفه الطبيعي ~~يعد الأشياء ذات وجود خارج ومستقل عنه، ويتصرف عمليا على هذا الأساس، وها هو ذا المثالي ~~يعد الأشياء ذات وجود غير مستقل عن الذهن - بمعان مختلفة لهذه الكلمة - فلماذا إذن لا ~~يتصورها على أساس اعتقاده هذا؟ ولماذا لم نجد مثاليا واحدا يعامل الأشياء كما لو كانت ~~«ذهنية» بالفعل، أي يستخرج النتائج العملية المتوقعة من تفكيره النظري، ويتصرف على ~~أساسها؟ # إن باحثي الفلسفة - فيما أعلم - لم يعيروا اهتماما كبيرا لمشكلة ms112 التباين بين التفكير ~~النظري والتصرف العملي للفلاسفة المثاليين، وربما كانوا ينظرون إلى المشكلة على أنها - في ~~أساسها - «ساذجة»، ولكني لا أرى على الإطلاق ما يدعو إلى الاستخفاف بها، بل إنني أعتقد أن ~~من الواجبات المقدسة لكل باحث نزيه في الفلسفة أن يفكر مليا في هذا التعارض، ويحاول ~~استخلاص دلالته الحقيقية، وعلينا دائما - إذا شئنا أن نناقش هذه المسألة مناقشة لا تغفل أي ~~طرف من أطرافها - أن نسأل المثالي: إذا كنت حقا تؤمن بأن العالم الخارجي معتمد على الذهن، ~~فلماذا لا تتعامل مع ذلك العالم على هذا الأساس؟ ولماذا تسلك دائما في حياتك العملية كما ~~لو كنت مؤمنا «بالواقعية الساذجة» التي تعد الخروج عنها أول شروط التفلسف؟ # ولست أدري ماذا ستكون إجابة المثالي على هذا السؤال، ولكن الإجابة الواضحة في رأيي - سواء ~~أتت من جانب المثالي أو غيره - هي أن التعامل مع العالم الخارجي مستحيل إلا على أساس الموقف ~~الطبيعي، فالشخص الذي يعامل الأشياء على أنها «ذهنية»، ويتصرف في حياته العملية تصرفا ~~متسقا مع هذا التفكير، معرض للفناء لتوه، والشخص الذي يتعامل مع بقية الناس على أساس ~~إنكار وجود الأذهان الأخرى أو الشك في وجود هذه الأذهان - وهي فكرة غير أصيلة - معرض ~~للاصطدام الدائم - وربما الضار - بهؤلاء الناس، ولا أظن أن تاريخ الفكر قد عرف شخصا استطاع ~~أن يوفق بين اعتقاداته المثالية وطريقة نظرته إلى الأشياء وإلى بقية الناس. # وبعبارة أخرى: فالمثالية - على الرغم من أنها تتناول نظريا مشكلة الموضوعات الفعلية ~~الموجودة في هذا العالم - لا تؤدي إلى أي تغيير فعلي في موقف الإنسان العملي من هذه ~~الموضوعات، أي إن صورة العالم كما ترسمها المثالية ستظل، من الوجهة العملية، هي نفسها صورة ~~العالم كما يكونها الإنسان في موقفه الطبيعي، ولكن مصوغة في «لغة أخرى»، فلنحاول إذن أن ~~نثبت - بشيء من التفصيل - الفكرة القائلة: إن المثالية مجرد «لغة أخرى» لا تؤثر في صورة ~~العالم الفعلية أدنى تأثير. ~~••• # ففي فلسفة باركلي المثالية تظهر محاولة من أكثر المحاولات تطرفا لإنكار الوجود المستقل ~~والمتميز للعالم ms113 الخارجي، ومع ذلك فقد اعترف باركلي نفسه بأن صورة العالم النهائية لن تتغير ~~- من الناحية العملية - عن صورته المألوفة في الموقف الطبيعي، «فإذا كنت تعني بالأفكار # ideas # الموضوعات المباشرة للفهم، أو الأشياء المحسوسة ~~التي لا يمكن أن توجد غير مدركة أو خارج ذهن، فإن هذه الأشياء (الشمس، القمر، النجوم، ~~الأرض، إلخ ...) أفكار، أما تسميتك لها بالأفكار فأمر ليست له أهمية كبرى؛ إذ الفارق كله يدور ~~حول اسم، وسواء احتفظ بهذا الاسم أم لم يحتفظ به فإن معنى الأشياء وحقيقتها يظل كما هو، ~~ونحن في حديثنا المعتاد لا نسمي موضوعات حواسنا أفكارا وإنما أشياء، فلتظل تطلق عليها هذا ~~الاسم، شريطة ألا تنسب إليها أي وجود خارجي مطلق، ولن أتنازع معك أبدا حول كلمة.» # 1 # وهنا يظهر بوضوح أن هدف باركلي الأساسي هو إنكار الوجود الخارجي المطلق ~~للأشياء، مع الاعتراف بأن الأشياء - من حيث حقيقتها وواقعيتها - ستظل كما هي، وتتحدد هذه ~~الفكرة بمزيد من الوضوح في مواضع أخرى كثيرة من كتابات باركلي يحرص فيها على أن يؤكد أن ~~حقيقة العالم لا تتأثر على الإطلاق بنظريته، وأن كل الظواهر والقوانين الطبيعية تظل كما هي، ~~وكل ما في الأمر أنها في فلسفته تفسر على أساس الأفكار لا المادة. # 2 # ويضرب باركلي مثلا له دلالة بالغة في هذا الصدد: «فلنفرض - وهو فرض لا ينكر أحد إمكانه - ~~أن هناك عقلا يتأثر، دون مساعدة أجسام خارجية، بنفس سلسلة الإحساسات أو الأفكار التي تتأثر ~~أنت بها، منطبعة في ذهنه بنفس الترتيب والحيوية، فهل تكون لدى هذا الذهن من أسباب الاعتقاد ~~بوجود جواهر مادية تمثلها أفكاره، وتثير هذه الأفكار في ذهنه ما لديك أنت للاعتقاد بالأمر ~~نفسه؟ هذا أمر لا جدال فيه، وهو يكفي وحده لتشكيك أي عاقل في قوة أية حجة قد يعتقد أنها ~~تبعث فيه الاعتقاد بوجود الأجسام دون الذهن.» # 3 # وتتضح قيمة هذا المثل في أنه يؤدي إلى الاعتراف بأن الفارق بين الحالتين: حالة ~~كون الأشياء مجرد أفكار تثار في الذهن، وحالة كونها واقعية بالفعل، ليس ms114 فارقا ينعكس على ~~الصورة العملية للعالم وطريقة تصرفنا فيه، وإنما هو فارق في «تفسير» العالم فحسب، ويظل ذلك ~~العالم على ما هو عليه، مهما اختلف التفسير، ويلاحظ أيضا أن من الممكن استخدام هذه الحجة ~~ذاتها بمعنى عكسي، فكما قلنا من قبل: نستطيع أن نفترض عالما آخر فيه أشياء حقيقية فعلية، ~~وعقولا تدرك هذه الأشياء الفعلية من خلال حواسها، وسنجد أن هذه العقول سيتولد لديها نفس ~~الشك المثالي في أن تكون الأشياء المدركة مجرد صور أو أفكار ذهنية، لا تناظر وجودا ~~خارجيا، وعلى أية حال فالفارق بين الحالتين لن يعدو أن يكون فارقا في تفسير العالم، ومن ~~المحال أن يؤدي إلى اختلاف في طريقة التعامل مع الأشياء. # ولو تأملنا قضية باركلي الرئيسية - وأعني بها «وجود الشيء هو كونه مدركا» - لوجدناها ~~مؤدية في نهاية الأمر إلى تأييد الرأي الذي نقول به ها هنا من أن المثالية لغة نتحدث بها عن ~~العالم، وتفسير لا يؤثر في سلوكنا الفعلي إزاء ما فيه من أشياء، فالمقصود من هذه القضية ~~مجرد تعريف لفكرة «وجود الشيء»، وطالما ردد باركلي - وهو يبرر هذه الفكرة - قوله: هل في ~~استطاعتك أن تعرف معنى وجود أي شيء إلا بكونه مدركا؟ لو أتيت بتعريف آخر فسوف أتنازل عن ~~رأيي وأسلم، وعلى أية حال، فمن الواضح أن مناقشة هذا الموضوع هي منذ البداية مناقشة تتعلق ~~بالتفسير وحده: فإثارة حالة إمكان (أو عدم إمكان) وجود الشيء إن كان غير مدرك، هي إثارة ~~لحالة مستحيلة، بل غير عملية على الإطلاق؛ لأن التحقق من وجود الشيء في حالة عدم إدراكه ليس ~~من الأمور التي يمكن تصورها عمليا، ومن هنا كان إثبات هذه القضية أو نفيها لا يؤدي إلى أي ~~تغيير في موقف الإنسان من هذا الشيء الموجود. ~~••• # وفي مستهل الفصل الثاني من الباب الرابع من كتاب هيوم الرئيسي «بحث في الذهن الإنساني»، ~~يذكر هيوم أن هدفه هو البحث في «الأسباب» التي تدفعنا إلى الاعتقاد بوجود الجسم (أو العالم ~~الخارجي)، لا البحث في هذا الاعتقاد ذاته؛ إذ ms115 إن من العبث التساؤل عما إذا كان ثمت جسم أم لا.» # 4 # ويفسر «برايس» معنى هذه العبارة الأخيرة - ولا سيما لفظ «من العبث» # its in Vain ~~- بأنه من المستحيل نفسيا، أو مما ليس له ~~معنى من الوجهة المنطقية # logically nonsensical ~~، # 5 # ولكن التفسير المعقول لهذه العبارة في رأينا هو أنه من غير العملي توجيه هذا ~~السؤال؛ لأننا في مواقفنا العملية نعترف حتما بوجود الأشياء، ومما يؤيد هذا التفسير المعنى ~~العملي الواضح الذي تحمله كلمة «من العبث». # وتبعا لهذا الرأي الذي نقول به يكون هيوم قد اعترف بأن أي موقف نتخذه في مسألة وجود ~~العالم الخارجي إنما هو موقف تفسيري فحسب، وبأننا في الميدان العملي لا نثير هذا السؤال على ~~الإطلاق. وهكذا كان هدفه يتجه إلى البحث في «أسباب» الاعتقاد، أي إلى بحث تفسيري لا يؤثر في ~~المواقف العملية، ومما يؤيد هذا الفهم لرأي هيوم كل التأييد ذلك النص الذي يتعرض فيه هيوم ~~لمسألة الاعتقاد بالوجود المستمر للأشياء، فيقول: «ولنبدأ بأن نلاحظ أن الصعوبة في هذه ~~المسألة لا تتعلق بالأمر الواقع، أو بما إذا كان الذهن يستخلص مثل هذه النتيجة المتعلقة ~~بالوجود المستمر لإدراكاته، وإنما تتعلق المسألة بالطريقة التي تستخلص بها هذه النتيجة، ~~والمبادئ التي تستمد منها، فمن المؤكد أن البشر كلهم تقريبا - بل والفلاسفة أنفسهم - ~~ينظرون إلى إدراكاتهم، خلال الجزء الأكبر من حياتهم، على أنها هي ذاتها موضوعاتها، ويفترضون ~~أن ما يتمثل للذهن هو ذاته الجسم الحقيقي أو الوجود المادي.» # 6 # وإذا كان هيوم قد تحدث هنا عن البشر كلهم «تقريبا» - والفلاسفة أنفسهم «في ~~الجزء الأكبر من حياتهم» - على أنهم يتصرفون عمليا حسب الموقف الطبيعي، فلنضف إلى ما قاله ~~أن هذا ينطبق على البشر كلهم بلا استثناء أي بكل ما فيهم من فلاسفة، وذلك خلال حياتهم كلها، ~~باستثناء لحظات التأمل المنعزل في العالم من وجهة النظر المثالية (لأن التفكير في حوار أو ~~في محادثة يفترض وجود الأذهان الأخرى، وبالتالي وجود حقيقة خارج الذهن الفردي)، والتأمل ~~المنعزل - على أية حال - لا ms116 ينتمي إلى التصرفات العملية. ~~••• # ولنتأمل طبيعة «الفلسفة الترنسندنتالية» كما عرضها كانت، في ضوء رأينا القائل بأن ~~المثالية مجرد لغة أو نظرة تفسيرية لا تؤثر في الواقع كما نتعامل معها عمليا، فالفلسفة ~~الترنسندنتالية - حسب تعريفها - تبحث في «شروط إمكان المعرفة»، ومعنى ذلك أنها محتوى ~~المعرفة ذاته لا يمس في هذه الفلسفة، بل يدور البحث كله في «شكلها» أو الشروط الممهدة لها، ~~فالكرسي الذي أدركه يظل على ما هو عليه في كل الحالات، سواء نظرت إليه من وجهة النظر ~~الطبيعية أو الترنسندنتالية، وفهمي له وتصرفي إزاءه لا يتأثر على الإطلاق، وإنما تنحصر ~~المسألة كلها في تحديد الشروط التي جعلت معرفتي له ممكنة، وحتى حين يتم الوصول إلى أن هذه ~~الشروط ذاتية فلن يتغير شيء على الإطلاق، بل ستتغير «اللغة» التي فسرته بها فحسب، وليس هذا ~~ما يحدث في حياتي الفعلية: فعندما أكتشف مثلا أن ما ظننته شبحا هو قط أسود يتغير تصرفي ~~الحالي، فينعدم الخوف الذي كان يلازمني، وأستطيع أن أقترب من هذا القط وألمسه إلخ، وإذا ~~اكتشفت أن ما أظنه نارا مشتعلة تحول بيني وبين السير إلى الأمام هو مجرد خيال أثارته حالتي ~~المرضية، فسأتابع سيري إلى الأمام، ويتغير سلوكي إزاء الموضوع تغيرا أساسيا، أما في حالة ~~اهتداء كانت إلى أن شروط المعرفة ذاتية فإن شيئا لا يتغير على الإطلاق، ويظل كل شيء على ما ~~هو عليه، ولقد كان كانت ذاته هو الذي أكد أن مثاليته لا تؤثر في وجود الأشياء، ولا تؤدي ~~إلى القول بأن الطبيعة كلها خداع شامل، بل تؤكد فقط أن تمثلنا الحسي للأشياء يتم عن طريق ~~الزمان والمكان، وهما مجرد طرق للتمثل، لا أشياء أو تحديدات كامنة في الأشياء ذاتها، # 7 # بل إن كانت لينتقد ديكارت لشكه في وجود الأجسام خارجنا، وكل ما في الأمر أنه ~~يود أن تفهم كلمة أجسام بمعنى «ظواهر» لا أشياء في ذاتها، وأن تفهم كلمة «خارجنا» ~~بأنها تعني الوجود في المكان لا خارج أفكارنا، # 8 # وهكذا فكل ما تؤدي إليه مثالية كانت ms117 هو الحديث عن الأشياء الخارجية بلغة ~~«الظواهر»، و«صور الحساسية أو الذهن» بدلا من لغة الأشياء في ذاتها أو الوجود خارج ~~الذهن. # وهذا هو الفارق الأساسي بين «الانقلاب الكبرنيكي» الذي أحدثه كانت في الفلسفة وبين ~~الانقلاب الكبرنيكي الحقيقي، فقد بدا في وقت ما أن نظريات كبرنك لم تحدث تغييرا فعليا ~~في علاقة الإنسان بالكون، وإنما هي «تفسير» مخالف لما كان سائدا قبلها فحسب، أي إن علاقة ~~الأرض بالشمس والمجموعة الشمسية والكواكب هي على ما هي عليه، وتنبؤاتنا الفلكية مستمرة كما ~~هي (إذ كانت التنبؤات الخاصة بالكسوف والخسوف ممكنة بدقة في ظل النظام البطليموسي)، ولكن ~~تفسيرنا للظواهر هو وحده الذي اختلف، ومع ذلك فمما لا شك فيه أن كل التطورات العملية ~~التالية قد أيدت رأي كبرنك، وأصبحت المسألة في وقتنا الحالي تزيد على مجرد فرض تفسيري، ~~وأصبح القول بأن الأرض هي الثابتة متعارضا مع عدد هائل من الوقائع العلمية المؤكدة، وهكذا ~~أصبح الانقلاب الكبرنيكي - في ميدان الفلك - يمثل تغييرا نظريا وعمليا في الآن نفسه، ~~ويؤدي إلى اختلاف أساسي في طريقة تعاملنا مع موضوعات علم الفلك، أما في ميدان الفلسفة، ~~فماذا كان ذلك «الانقلاب الكبرنيكي» الذي أحدثه كانت في نظرية المعرفة، حين جعل الأشياء ~~تدور حول الذات بدلا من أن تدور الذات حول الأشياء؟ لا شيء من وجهة النظر الفعلية، فلم ~~يطرأ على موقف الفلاسفة أو العلماء أو الناس العاديين من العالم الخارجي تغيير، ولم يحدث في ~~«محتوى» معرفتنا بذلك العالم أدنى تحول، ولم تكن المسألة - كما قال كانت ذاته، وكما أشرنا ~~من قبل - إلا «فرضا» نجرب به طريقة أخرى لتفسير الأشياء: فرضا نجرب به المنهج - الذي أدى ~~إلى جعل الرياضة والطبيعة علمين دقيقين - على الميتافيزيقا وعلى نظرية المعرفة بوجه ~~خاص، «فقبل الآن كان الفرض السائد هو أن معرفتنا ينبغي أن تطابق الأشياء، ولكن كل محاولة ~~لتوسيع نطاق معرفتنا بالأشياء عن طريق إيجاد شيء متعلق بها «أوليا» - بواسطة التصورات - ~~كانت تنتهي على أساس هذا الفرض إلى الإخفاق؛ لذلك كان من واجبنا أن نرى ms118 إن كنا نحرز نجاحا ~~أعظم في ميدان الميتافيزيقا إذا افترضنا أن الأشياء ينبغي أن تتفق مع معرفتنا.» # 9 # وعلى أية حال، فإن الفرض الذي يتخذ من الذات - أو من طريقة معرفتنا لا من الأشياء - نقطة ~~بداية، يؤدي إلى نتائج ممتنعة من وجهة النظر المنطقية، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل، ~~وليس أدل على مدى تعارض هذا الفرض مع الموقف الطبيعي من أنه يثير أسئلة تبدو في نظر ذلك ~~الموقف غريبة حقا: مثل: «كيف تكون الطبيعة ممكنة.» # 10 # وهنا تصبح الطبيعة في حاجة إلى مبرر، وتكون وسيلة إمكان الطبيعة - تبعا لرد ~~كانت على هذا السؤال - هي التركيب الخاص لحساسيتنا وذهننا، ومن الطبيعي أن يتبادر السؤال ~~التالي إلى ذهن المرء بعد ذلك مباشرة: وكيف يكون تركيب حساسيتنا وذهننا ممكنا؟ فيكون الرد ~~غير المقنع الذي يأتي به كانت: «هنا تتوقف الحلول والإجابات؛ إذ إن هذه الأمور أي الحساسية ~~إلخ، هي التي ينبغي أن نلجأ إليها دائما من أجل كل إجابة وكل تفكير عن الأشياء.» # 11 # وهكذا يقدم كانت حلا دائريا واضحا للمشكلة، أي إنه إذا سئل: كيف تكون الطبيعة ~~ممكنة؟ أجاب: لأن تركيبنا من شأنه أن يسمح بإمكانها، وإذا سئل: وكيف يكون تركيبنا ممكنا؟ ~~أجاب: لأنه هو الذي يسمح بإمكان الطبيعة (أو تجربتها)! # وهكذا يقدم كانت فرضا تفسيريا محضا لا يغير من محتوى المعرفة على الإطلاق، وحتى من ~~حيث الشكل ذاته يثير ذلك الفرض أسئلة مفرطة الطموح مثل السؤال عن كيفية إمكان الطبيعة، وهو ~~السؤال الذي يفترض أن الذات هي الثابتة والطبيعة هي التي تحتاج إلى مبرر، ولكنه يعجز عن ~~المضي في التبريرات الشكلية للفرض الذي وضعه، ويطلب منا أن نسلم مقدما بأمور معينة لا ~~يستطيع المرء أن يمتنع عن التساؤل عنها، حتى يتسنى لنا المضي في فرضه إلى النهاية، فتكون ~~النتيجة إخفاقا للفرض حتى من الناحية الشكلية ذاتها. ~~••• # ومما يؤيد القول بأن المثالية موقف تفسيري لا يغير شيئا من محتوى المعرفة البشرية ~~بالعالم الخارجي: ظاهرة تهرب كثير من المثاليين من مذهبهم، ms119 وحرصهم على إخفاء الوجه المثالي ~~لذلك المذهب، والظهور بمظهر مخالف لحقيقته. # فالمحاولات التي بذلها «كانت» لنقد المثالية معروفة، وهو يحرص على تفنيد «المثالية ~~المادية» بنوعيها: الإشكالية Problematic # والتوكيدية # dogmatic ~~، # 12 # ويؤكد أن وجود الموضوعات الخارجية أمر لا سبيل إلى الشك فيه، بشرط أن تفهم ~~على أنها «ظواهر» لا أشياء في ذاتها، أي إنك تستطيع أن تحتفظ بكل آرائك ومعارفك عن الأشياء ~~الخارجية، وتعاملها دائما على نفس النحو، وكل ما هو مطلوب منك هو أن تفسرها من خلال لغة ~~«الظواهر» لا «الأشياء في ذاتها»، وعلى أية حال فقد نظر كانت إلى فلسفته ذاتها على أنها ~~تمثل نوعا آخر من المثالية الترنسندنتالية أو النقدية، وهي مذهب يؤكد مثالية «شروط ~~المعرفة»، ويدع كل شيء على ما هو عليه بشرط أن يفهم من خلال شروط المعرفة المثالية هذه، ~~وكما أوضحنا من قبل، فليس الفارق بين مثالية كانت والأنواع الأخرى التي انتقدها من المثالية ~~خطيرا إلى الحد الذي يبرر نظر كانت إليها على أنها مذهب «يفنده» مذهبه الخاص في ~~المثالية. # كذلك ينتقد شوبنهور مثالية فشته الذاتية، ويؤكد أن مذهبه ليس ماديا ولا مثاليا، # 13 # هذا في الوقت الذي ينطق فيه كتابه «العالم إرادة وتمثلا» بلغة المثالية منذ ~~أول جملة فيه، وفي الوقت الذي انتقد فيه كانت لأنه حذف في الطبعة الثانية من «نقد العقل ~~الخالص» كثيرا من الأفكار «المثالية» التي تضمنتها طبعته الأولى، # 14 # وعلى أية حال فإن شوبنهور يؤيد الرأي الذي نقول به تأييدا أوضح؛ إذ يقول: «إن ~~المثالية تترك الحقيقة التجريبية للعالم دون مساس.» # 15 # وكل ما في الأمر أن معنى موضوعية ذلك العالم لا يفهم إلا من خلال ~~الذات. # ومثل هذا الموقف - الذي كان فيه دون شك متأثرا بتعاليم كانت - يدل على إدراك ضمني ~~للطبيعة التفسيرية لمذهبه الخاص في المثالية. # وإذا كنا نصف المثالية هنا بأنها لغة أو تفسير لا يمس محتوى المعرفة بل يمس شكلها فحسب، ~~ولا يؤثر آخر الأمر في تعاملنا الفعلي مع الأشياء، فإن هذا يتضمن نقدا للاتجاهين: الاتجاه ms120 ~~القائل إن المثالية تؤدي إلى نوع جديد من المعرفة بالأشياء، والاتجاه القائل إنها تعوقنا عن ~~معرفة الأشياء. # أما عن الاتجاه الأول، فمن الواضح - من كل ما ذكرنا في هذا الفصل - أن تعاملي الفعلي مع ~~موضوعات العالم الخارجي سيظل على ما هو عليه سواء أكنت مثاليا أم ماديا، ولن يستطيع ~~أحد أن يجد فارقا بين صاحب المذهب المثالي وصاحب المذهب المادي في نظرته إلى الشمس أو ~~البحر أو الجبل أو المنضدة من حيث هي أشياء يتعامل معها (ولنكرر هنا ما قلناه من قبل من أن ~~الفلاسفة يبحثون في موضوعات الموقف الطبيعي، أو في العالم الأكبر المنظور والملموس، ولا ~~يمكنهم اتخاذ الموقف العلمي إلا بطريقة غير مباشرة، وبعملية اقتباس مستمدة من مجال العلم، ~~وعلى العموم فمثل هذه الموضوعات أو الأشياء السابقة هي التي كان الفلاسفة المثاليون يحاولون ~~إثبات مثاليتها)، وسيظل كل منهما يسلك نحو هذه الأشياء نفس السلوك، ويفهمها نفس الفهم، وإن ~~يكن «يفسرها» بلغة مختلفة. # ونفس هذا الرد ينبغي أن يوجه إلى أصحاب الاتجاه الثاني، فالمثالية - من حيث هي نظرية في ~~معرفتنا لموضوعات العالم الخارجي - لا تعوقنا عن معرفة شيء، وهي لا تنكر أي موضوع من ~~موضوعات ذلك العالم، ولكنها تفسره بلغة مختلفة فحسب، ولم يحدث أن قال شخص من المتأثرين ~~بالمثالية: إن هذا الجبل صورة في ذهني، أو راجع إلى صورة كهذه، فليس هناك ما يدعوني إلى ~~كشفه أو ارتياده، ففي مجال التعامل مع الأشياء الواقعية تستوي المثالية والمادية معا، ولا ~~ينعكس رأي أي مذهب منهما على سلوك الإنسان الفعلي مع هذه الأشياء، أو على درجة معرفته ~~لها. # وإذا كنا قد اتخذنا هنا موقفا مضادا للمثالية على الدوام، فليس هذا راجعا إلى ~~اعتقادنا بأنها تعوق معرفتنا بالعالم الخارجي أو تؤثر فيها على أي نحو من الأنحاء، وإنما ~~لأنها تقدم تفسيرا «يتناقض» مع سلوك الإنسان الفعلي، أي لأن الإنسان لا يستطيع أن يسلك في ~~هذا العالم إذا حاول أن يطبق الآراء المثالية على سلوكه هذا تطبيقا حرفيا، فهناك إذن ~~«هوة» بين ms121 الآراء المثالية النظرية وبين سلوك الإنسان الفعلي، وهي هوة أشار إليها الفلاسفة ~~المثاليون أنفسهم حين أكدوا أن الإنسان - والفيلسوف نفسه - يعيش في «معظم» أوقات حياته حسب ~~الموقف الطبيعي، ويسلك كما لو كانت الأشياء ذات وجود خارجي بالفعل. # لهذا السبب كان اعتراضنا على المثالية رغم كونها لا تؤثر في «محتوى المعرفة» أدنى تأثير، ~~ولكن هل يعني هذا أن الموقف المثالي لا تأثير له على الإطلاق؟ وهل يعني ذلك أن اتخاذ فيلسوف ~~معين لهذا الموقف إنما هو مجرد اختيار اعتباطي لا يعبر عن شيء؟ وهل الفارق بين الموقف ~~المثالي والموقف الطبيعي فارق في الشكل أو في لغة التفسير، ولا ينعكس على المجال العملي على ~~أي نحو من الأنحاء؟ # ليس هذا ما نرمي إليه على الإطلاق، فللمثالية - من حيث هي موقف فلسفي - تأثير فعلي، وهي ~~تعبر فعلا عن شيء، بل إن لها أصداء عملية غاية في الأهمية، ولكن هذا الصدى أو التأثير ~~يتعلق «بالإنسان» نفسه، وهذا هو موضوع الفصل التالي من هذا البحث. # | المثالية والإنسان # قد يبدو ما نقوله هنا من أن للمثالية تأثيرات عملية هامة مناقضا لما قلناه في الفصل ~~السابق من أن المثالية لا تؤثر في مواقف الإنسان العملية أدنى تأثير، ولكن الواقع أن ~~المقصود بالمواقف العملية في الفصل السابق هو تعامل الإنسان مع موضوعات العالم الخارجي ~~بمختلف الصور المعرفية والسلوكية لهذا التعامل، أما في الحالة الأولى - التي هي موضوع هذا ~~الفصل - فالمقصود من التأثيرات العملية للمثالية هو تأثيرها في الإنسان نفسه، ولا سيما في ~~مواقفه الأخلاقية واتجاهاته الاجتماعية ... إلخ، فليست للمثالية نتائج عملية من حيث مدى معرفة ~~الإنسان بالعالم الخارجي أو تصرفه مع موضوعات هذا العالم من حيث هي موضوعات لمعرفته، ولكن ~~لها نتائج عملية هامة من حيث سلوك الإنسان الأخلاقي وتعامله مع بقية الناس. # ولقد أوضحنا من قبل رأينا القائل: إن المثالية مجرد لغة وتفسير للوقائع لا يتناول محتوى ~~معرفتنا لهذه الوقائع، وذكرنا كيف أن هذه اللغة تتناقض مع التصرف العملي للإنسان - بوجه عام ~~- بالنسبة إلى موضوعات العالم الخارجي، ms122 أي إننا بينا أن اللغة المثالية ليست هي التي ~~تصلح للتعبير عن العلاقة الفعلية للإنسان بالعالم الخارجي، والمشكلة التي نعالجها في هذا ~~الفصل هي: ما الذي يدعو الإنسان إلى استخدام هذه اللغة المثالية؟ وما نتائج هذا الاستخدام ~~بالنسبة إلى المثالي؟ بل ما هي الدلالة الأصلية لاختيار فيلسوف ما لمثل هذه اللغة؟ # ولا شك في أن كشف العوامل التي تدعو فئة معينة من الناس إلى اتخاذ الموقف المثالي هو - في ~~رأينا - من أهم الموضوعات التي تستحق البحث في صدد هذه الفلسفة؛ لأن كل ما تدعيه من تغيير ~~لصورة العالم لا يطابق أي شيء في الواقع، ولا يؤدي إلا إلى تغيير داخلي في الإنسان فحسب، ~~فما هو إذن هذا التغيير؟ # إن المثالية - في رأينا - تعبير عن موقف معنوي أو ~~أخلاقي # moral # بأوسع معاني هذه الكلمة، وليس تعبيرها المعرفي أو ~~الميتافيزيقي إلا نتيجة لهذا الموقف المعنوي للإنسان، نتيجة ينبغي أن تكون لها المرتبة ~~الثانية لا المرتبة الأولى، ومن الملاحظ أن مؤرخ الفلسفة - متأثرا في ذلك بالفيلسوف ~~المثالي نفسه - يصور الأمر كما لو كانت النظريات المعرفية أو الميتافيزيقية للمثالي تظهر ~~أولا، ثم تستخلص منها نتائج عملية أخلاقية فيما بعد، ولكن الأمر لا يمكن أن يكون كذلك: ~~فالمثالية من حيث هي نظرية معرفية أو ميتافيزيقية مناقضة للموقف الطبيعي للإنسان، وبوصفها ~~مذهبا يتنافى مع إمكان تعامل الإنسان مع العالم الخارجي، لا يمكن أن تظهر «تلقائيا» في ~~ذهن الإنسان، بل لا بد أن قوة «معنوية» معينة هي التي تدفع الإنسان إلى تجاهل ميله الطبيعي ~~إلى معاملة العالم الخارجي على أنه خارجي بالفعل، وتجعله يقول بمثل هذا المذهب الذي يتعارض ~~تطبيقه العملي في مجال المعرفة، مع إمكان تعامل الإنسان مع العالم ومع بقية الأذهان. لا بد ~~أن نوعا معينا من الأخلاق أو من النظرة إلى مجتمع الناس هي التي تدفع الإنسان إلى القول ~~بهذا المذهب، ومن الجلي أن هذه الأخلاق وهذه النظرة إلى المجتمع ينبغي أن يكون لها صلة ~~بالزهد وباحتقار العالم المادي؛ إذ إن المثالية تنكر الوجود ms123 المادي للعالم الخارجي، وتؤكد ~~أنه يوجد - بمعنى ما يختلف من مذهب إلى آخر - في الذهن، وهو عادة مرتبط بالنفس أو بالروح أو ~~بالمبدأ غير المادي وغير الجسمي في الإنسان، فإذا أصبح كل شيء «ذهنا» بمعان مختلفة أيضا، ~~فلا شك في أن هذا يؤدي إلى دعم نوع معين من الأخلاق، ونوع معين من تقويم الإنسان ومجتمعه، ~~هذا النوع من الأخلاق ومن التقويم هو القوة الأولى الدافعة إلى ظهور المثالية، وليست ~~النظريات المثالية المعرفية أو الميتافيزيقية إلا نتيجة لاحقة له، وتأييدا تاليا ~~لاتجاهه. ~~••• # ومن الجلي أن الأمثلة التي سنختارها لتأييد هذا الرأي ينبغي أن تبدأ بأفلاطون: فعند ~~أفلاطون يظهر أول - وربما أوضح - ارتباط بين القول بمثالية المعرفة، وبين نزعة أخلاقية ~~ومعنوية معينة، يمكن وصفها عموما بأنها زاهدة. # ونستطيع أن نقول: إن محاورة «فيدون» تمثل بأسرها تأييدا مفصلا للرأي الذي نقول به ها ~~هنا، ففي هذه المحاورة تعبير واضح عن ارتباط الحط من دور الحواس في المعرفة، وبالتالي ~~الخروج عن الموقف الطبيعي، بالاعتقاد بضرورة ضآلة دور الحواس في حياة الإنسان المعنوية، ~~وباحتقار الحس والجسم بوجه عام، وفي فيدون يتحدث أفلاطون عن الحواس بوصفها شواهد غير دقيقة ~~في اكتساب المعرفة، وذلك «في سياق» حملته على الجسم ودعوته إلى تخليص النفس من شروره ~~«فالوجود الحقيقي يتكشف للنفس في الفكر ... والفكر يكون أصلح ما يكون عندما ينطوي الذهن على ~~ذاته ولا يعكر صفوه شيء من هذه الأشياء كالمسموعات أو المرئيات أو الألم أو اللذة، وعندما ~~تنصرف النفس عن البدن، ولا تربطهما به إلا أدنى صلة، ولا تعود لديها حاسة أو رغبة جسدية، بل ~~تصبو إلى الوجود الحق.» # 1 # وهنا يظهر الارتباط والامتزاج واضحا بين الدعوة إلى تأكيد دور الفكر في ~~المعرفة - وهي القضية التي يرتد إليها كل مذهب مثالي - وبين نوع من الاحتقار الأخلاقي للحس ~~وللجسم، وهذا الارتباط أمر معترف به لدى أفلاطون، ولكن الأمر الذي لا يعترف به بمثل هذا ~~القدر من الشيوع هو الارتباط السلبي بين هاتين الظاهرتين، فعلى عكس النظرة الشائعة إلى ~~الوجه ms124 الأخلاقي أو الاجتماعي لفلسفة ما على أنه ثمرة للتفكير النظري في هذه الفلسفة، نود ~~هنا أن نؤكد أن التفكير المثالي النظري لم يكن إلا نتيجة لمذهب أخلاقي أو اجتماعي معين، وأن ~~الاحتقار المعنوي للحس وللجسم قد تولدت عنه محاولة نظرية للإقلال من شأن الحواس في ~~المعرفة، ولإنكار وجود حقيقة أصيلة للجسم، وبالتالي للأجسام الأخرى، وللعالم الخارجي ~~بأسره. # ولنضرب مثلا آخر لفكرتنا هذه في فلسفة ديكارت، ففي الجزء الرابع من المقال في المنهج - ~~حين يعرض ديكارت شكه المنهجي الذي أدى به في نهاية الأمر إلى الكوجيتو - ترد تلك العبارة ~~ذات الدلالة البالغة: «رأيت أنني أستطيع أن أتصور نفسي بغير بدن، وبغير عالم أو مكان أكون ~~فيه.» وهنا لا يستطيع الإنسان الذي يحتفظ بقدر من سلامة الموقف الطبيعي إلا أن يهتف: كيف؟! ~~وعلى أي أساس؟! من هذا الذي يستطيع أن يتصور نفسه بغير بدن وبغير عالم وبغير مكان يوجد ~~فيه؟ أهو إنسان؟ محال! إن الذهن الإنساني ليستبعد تماما إمكان تصور هذه الحالة، حتى لو كان ~~المقصود من هذا التصور حالة من الشك الافتراضي الذي سيتجاوز فيما بعد، فليس في وسع الذهن ~~أن يتصور ذاته - حتى من حيث هو مفكر فحسب - إلا من حيث هو مرتبط بالإنسان كله، من عقل وجسم ~~معا، ومن حيث هو ناتج عن الطبيعة الكاملة للإنسان الحاضر ، بكل ما فيها من عناصر. # فكيف إذن تسنى لديكارت - بهذه البساطة وبهذه الجرأة - أن يصرح بهذه القضية الخطيرة ~~جدا، والمشكوك فيها إلى أبعد حد؟ لا يمكن تفسير ذلك إلا على أساس وجود رأي مثالي سابق، ذي ~~طبيعة أخلاقية أو معنوية، ينطوي على نوع من الإقلال من شأن الجسم إلى الحد الذي يتيح ~~التفكير في استبعاده، # 2 # وعلى أية حال، فإن وجود مثل هذا الاستعداد المعنوي لدى ديكارت واضح كل الوضوح ~~في موقفه النهائي في مشكلة العالم الخارجي، الذي لم يعترف به ديكارت - كما لاحظنا من قبل - ~~إلا بعد ارتكازه على الإيمان ب «الصدق الإلهي»، وهو أساس يدخل - في واقع الأمر - في باب ms125 ~~المواقف المعنوية العملية أكثر مما يدخل في باب الحجج العقلية. # أما فلسفة باركلي، فإنها تحفل بالبراهين على القضية التي نحاول إثباتها، ومن هنا كنا ~~نستطيع أن نعدها حالة نموذجية في الفلسفة المثالية بوجه عام. # ففي كتاب «محاورات بين هيلاس وفيلونوس» يوضح باركلي الفارق بينه وبين سائر المؤمنين ~~بالمسيحية، من خلال فكرته القائلة إن الله يدرك صور الأشياء وإنها توجد فيه، فيقول: «إن ~~الناس يعتقدون عادة أن الله يدرك أو يعرف جميع الأشياء؛ لأنهم يؤمنون بوجود الله، أما أنا ~~فأستنتج وجود الله مباشرة وبالضرورة؛ لأن كل الأشياء المحسوسة ينبغي أن تدرك بواسطته.» # 3 # في هذا النص يصور باركلي الأمر كما لو كانت فكرة الله في فلسفته نتيجة لوجوب ~~وجود كائن يدرك الأشياء المحسوسة حين تغيب عن إدراكنا، حتى يحفظ لها دوام بقائها، أي كما لو ~~كان الموقف المعنوي - الذي ينتمي إليه الإيمان بفكرة الله وما يرتبط بها من مواقف أخلاقية - ~~«نتيجة» للرأي النظري الذي قال به باركلي بشأن وجود الأشياء الذي لا يمكن أن يكون إلا كونها ~~مدركة. وفي رأيي أن عرض باركلي لفلسفته على هذا النحو مضلل إلى حد بعيد؛ إذ إن آراءه ~~النظرية التي تربط وجود الأشياء بكونها مدركة، كانت هي ذاتها نتيجة لآرائه الأخلاقية ~~والدينية ولموقفه المعنوي بوجه عام، وليس من العسير على الإطلاق الإتيان بأمثلة متعددة من ~~كتابات باركلي تثبت أن التسلسل الصحيح لتفكيره بدأ من الموقف المعنوي - ولا سيما الديني وما ~~يرتبط به من أخلاق - إلى التفكير النظري المثالي لا العكس. # ففي تصدير كتاب «مبادئ المعرفة البشرية»، يحدد باركلي الغرض من كتابه هذا قائلا: إن ما ~~ورد فيه من الآراء مفيد «وخاصة لأولئك الذين تساورهم روح الشك، أو يحتاجون إلى برهان على ~~وجود الله ولا ماديته، أو الخلود الطبيعي للنفس.» # 4 # وإذن فالهدف الذي وضعه باركلي لنفسه من كتابه الرئيسي هذا ينتمي في الأساس إلى ~~المجال الديني، وهو القضاء على الشك في وجود الله ولا ماديته وخلود النفس، ويبدو منذ بداية ~~الكتاب أن باركلي كان يريد ms126 أن يجعل لفكرة الله دورا مستمرا، فمهد الطريق لذلك بفكرة ~~«وجود الشيء هو كونه مدركا»، بما تنطوي عليه من ضرورة الإدراك الإلهي المستمر. # وكثيرا ما كان باركلي يؤكد الارتباط بين «الإلحاد» وبين فكرة وجود الجوهر المادي (وكأن ~~الاعتقاد السائد في الموقف الطبيعي بوجود مثل هذا الجوهر يؤدي بدوره إلى الإلحاد!) فإذا كان ~~الملحدون في رأيه يجدون في هذه الفكرة عونا كبيرا، أليس لنا أن نشك في أن الأصل في نقد ~~«الأسقف» باركلي لفكرة وجود العالم الخارجي بصورته المعروفة في الموقف الطبيعي كان راجعا ~~إلى دوافع منتمية إلى المجال المعنوي، لا إلى المجال الفلسفي بالمعنى الدقيق؟ ويزداد موقف ~~باركلي وضوحا حين يقول: «عندما يرى أصحاب المبادئ الأفضل أن أعداء الدين يولون مثل هذا ~~الاهتمام الكبير للمادة غير المفكرة ... فلا شك في أنهم يطربون؛ إذ يرونهم قد حرموا من ~~سندهم الأكبر وطردوا من تلك القلعة الوحيدة التي ما كان يتسنى للأبيقوريين وأنصار هبز ~~وأمثالهم أن يستندوا إلى حجة واحدة بدونها.» # 5 # ولم يكن باركلي على استعداد لمهاجمة الاعتقاد بوجود العالم الخارجي وحده لدعم موقفه ~~الديني، بل كان أيضا على استعداد لمهاجمة كل علم متفرع عن ذلك الاعتقاد، بل كل معرفة ذات ~~صبغة مستقلة عن الروح الدينية، وإذا كانت مهاجمته لفكرة وجود العالم الخارجي تتخذ شكل حجج ~~يعترف بها الفلاسفة، فإن مهاجمته للعلوم لم تكن قائمة على أي أساس يقبله العلماء أنفسهم، ~~ومنها يظهر بكل وضوح أن هدفه الاصلي كان دعم الإيمان بالصورة التي ارتآها هو، وفي سبيل هذا ~~الهدف هاجم كل ما اعتقد أنه يضر بهذا الإيمان، ولو كان ذلك أرسخ العلوم في عصره، فهو في ~~الجزء الأخير من «مبادئ المعرفة البشرية» يحمل على الوضع السائد في الفلسفة الطبيعية ~~والرياضيات، ويرى ضرورة تكملة آراء نيوتن بنظرة أخرى إلى العالم من خلال «الروح»، تنكر ~~المكان المطلق والزمان المطلق والحركة المطلقة، حق لا يكون في هذه الأفكار ما يؤدي إلى ~~الاعتقاد بوجود مطلق للعالم الخارجي؛ # 6 # وعلى هذا الأساس نفسه يهاجم الرياضيات بنفس العنف، ms127 # 7 # بل إن الأمر يصل به في بعض الأحيان إلى حد القول بأن رأيه هذا هو الذي يتمشى مع ~~«الأناجيل المقدسة». # 8 # وكأن المنتمين إلى عقائد أو أديان أخرى ليس لهم أي مكان في مذهبه، أو ليست لهم ~~معرفة على الإطلاق! # ونستطيع أن نقول: إن كتاب # Alciphron # ليس إلا محاولة ~~للدفاع عن وجهة النظر المسيحية في النواحي الأخلاقية واللاهوتية، وهو دفاع يظهر منه بوضوح ~~أن النزعة الدينية كانت لديه أقوى من النزعة الفلسفية، وأن أفكاره العقلية لم تكن إلا ~~محاولة لتبرير إيمانه، وبالمثل يهاجم باركلي يقينية الرياضة في كتابه # The ~~Analyst ~~، ولا يخفى أن سبب خصومته لهذا العلم هو إيمانه الذي لا يريد ~~أن ينافسه في اليقين شيء. أما في # Siris # فينصب النقد على ~~العلم الطبيعي السائد في عصره، ويحتشد الكتاب بآراء صوفية مضادة تماما للروح العلمية ~~الأصيلة (مع ملاحظة أن الكتاب قد ظهر في عام 1744، وأن أواسط القرن الثامن عشر كان نقطة ~~بداية الحركة العلمية الضخمة التي دفعتها إلى الأمام أفكار نيوتن). # وهكذا يريد باركلي للعالم أن يكون مظهرا لروح تدب فيه، فتصور أن إدراكاتنا كلها نابعة عن ~~الله الذي يبعثها فينا، بحيث تصبح الأشياء، وأذهاننا في حاجة دائمة إلى الروح الإلهية وعلى ~~صلة مستمرة بها، وفي سبيل ذلك يفضل تصوير الشعوب القديمة للعالم على أنه حيوان حي، بوصفه ~~تصويرا أكثر روحية، ويمهد مباشرة لتصور العالم على أنه يحيا بالروح الإلهية العاقلة ~~المنبثة فيه، # 9 # ويصل إلى قمة التصوف حين يقول: «لا الحامض ولا الملح ولا الكبريت ولا الهواء ~~ولا الأثير ولا النار الجسمية المنظورة ولا شبح القدر أو الضرورة هو الفاعل الحقيقي، بل ~~إننا نصعد - عن طريق تحليل مؤكد وارتباط وارتقاء منتظم - من خلال كل هذه الوسائط إلى إدراك ~~لمحة من المحرك الأول، غير المنظور وغير الجسمي وغير الممتد، الذي هو المصدر العقلي للحياة والوجود.» # 10 # وإذن، فلم تكن المسألة عند باركلي مسألة تفكير نظري حول طبيعة المعرفة أو طبيعة العالم ~~الخارجي، يستخلص منه رأي معين في فكرة ms128 الله أو نتائج معينة في الأخلاق، كما حاول باركلي أن ~~يقنعنا في النص الذي أوردناه في بداية الحديث عنه، وإنما كانت نقطة بدايته موقفا معنويا ~~معينا، يتضمن عناصر دينية وأخلاقية واجتماعية ... إلخ، هو الذي أملى عليه الاتجاه المثالي ~~الذي سارت فيه فلسفته النظرية في ميدان نظرية المعرفة والميتافيزيقا، ولنختم هذه المناقشة ~~بإيراد الفقرة الأخيرة من كتاب «مبادئ المعرفة البشرية»، وهي فقرة يستخلص منها بوضوح الهدف ~~الأصيل لفلسفته: «إن ما يستحق المكان الأول من دراستنا هو البحث في الله وفي واجبنا، «ولما ~~كان القيام بذلك البحث هو الدافع والهدف الأول لأعمالي»، فإني سأعد هذه الأعمال عقيمة لا ~~جدوى منها إن لم أثر في قرائي - بما قلته - إحساسا ورعا بحضور الله، وإن لم أتمكن - ~~بإظهار زيف أو عقم تلك الأبحاث التي ينصرف إليها رجال العلم - من أن أجعل هؤلاء أكثر ~~استعدادا لاحترام حقائق الكتاب المقدس المباركة والإحاطة بها، وهي حقائق تسمو معرفتها ~~وممارستها بطبيعة البشر إلى أشرف مراتب الكمال.» # 11 # ولنشر أخيرا إشارة موجزة إلى كانت، فننبه إلى ما صرح به في كثير من كتاباته من أن ~~الاعتبارات الأخلاقية كان لها المقام الأول في تفكيره، ومن أمثلة ذلك قوله: «من الواضح أن ~~الغاية القصوى للطبيعة في نعمتها الحكيمة علينا موجهة - في تركيب الذهن - إلى الاعتبارات ~~الأخلاقية وحدها.» # 12 # بل إنه يحدد هدفه في مقدمة نقد العقل الخالص بكل وضوح على أنه تضييق المجال ~~المتاح للعقل النظري، وهو هدف سلبي لكي يتسع المجال أمام العقل العملي، وهو الهدف الإيجابي، ~~ويشبه مهمة النقد في هذا الصدد بمهمة الشرطة، التي تبدو في ظاهرها مهمة سلبية، وهي منع ~~الجريمة، ولكنها في واقع الأمر إيجابية؛ إذ تتيح للناس الاستمرار في أعمالهم في اطمئنان، ~~ويحدد موقفه بوضوح تام إذ يقول: «لذلك وجدت لزاما علي أن أنكر المعرفة حتى أفسح الطريق ~~للإيمان، وإن التوكيدية الميتافيزيقية، أي الرأي الذي يجزم مقدما بإمكان المضي في ~~الميتافيزيقا دون نقد سابق للعقل الخالص، إنما هي مصدر كل ذلك الافتقار إلى الإيمان، الذي ~~هو ms129 دائما مفرط في التوكيدية، والذي يشن الحرب على الأخلاقية.» # 13 # وهنا يحق لنا أن نتساءل: إلى أي حد يكون من المثمر بحث فلسفة كانت من خلال هذا ~~الترتيب الذي قدمه كانت ذاته، والذي طالما تجاهله عارضو فلسفته، أعني بحثها على أساس أن ~~نقطة بدايتها هي الأخلاق، وأن الآراء النظرية فيها وسيلة قصد بها تبرير أسبقية العقل العملي ~~فحسب؟ # ألا نكون قد أطعنا تعاليم كانت ذاته إذا عالجنا فلسفته على أن التفكير النظري فيها قائم ~~على أسس غير نظرية، وأن غرضه الأصلي كان إثبات أولوية العقل العملي، وفي سبيل ذلك وضع للعقل ~~الخالص حدودا لا يستطيع تجاوزها، وأكد أن القضايا الميتافزيقية الرئيسية لا تحل إلا على ~~مستوى العقل العملي (وفكرة وجود حدود للعقل الخالص هي - كما هو معروف - المركز الذي تتجمع ~~حوله كل آراء كانت في التفرقة بين الظواهر والأشياء في ذاتها، وفي إرجاع صور الحاسية ~~ومقولات الذهن إلى أصل ذاتي). ~~••• # ولو تتبعنا نوع الموقف «المعنوي» الذي يرتبط بالمذاهب المثالية لوجدنا أنه - منذ أفلاطون ~~حتى آخر المثاليين - موقف ينطوي على نوع من الاحتقار لشأن الجسم وللعالم المادي بأسره، ومن ~~أصعب الأمور أن يتسنى للمرء الاهتداء إلى حالة واحدة لفيلسوف له آراء مثالية وأفكار غير ~~زاهدة - بالمعنى الواسع لهذه الكلمة - في المجال العملي، وهكذا نستطيع أن نقول: إن التشكيك ~~في الحواس وفي وجود العالم الخارجي - من جهة - هما أمران يرتبطان سويا ارتباط النتيجة ~~بالسبب، أي إن أفلاطون نظر إلى عالم الظاهر على أنه خداع؛ «لأنه» كان يؤمن بالزهد الأخلاقي ~~وبما يرتبط به من أفكار اجتماعية مناظرة، وباركلي أنكر مادية العالم الخارجي؛ «لأنه» أراد ~~دعم الدين ونظر إلى هذه الفكرة - صوابا أو خطأ - على أنها تقف في وجه الدين، وكانت وصف ~~العالم الخارجي بأنه عالم ظواهر؛ «لأنه» أراد أن يفسح مجالا للأخلاق المطلقة ولفكرة وجود ~~الله وخلود النفس في العقل العملي الذي لا يتقيد بحدود عالم الظواهر كما نعرفه، وشوبنهور ~~أكد أن العالم «تمثلي»، وأن المبادئ المتحكمة في إدراكنا له ناشئة عن الذات؛ ms130 «لأنه» كان ~~يدعو إلى نوع من الزهد وإنكار إرادة الحياة على نحو لا يمكن معه أن يكون هذا العالم إلا ~~خداعا ظاهريا. # والمشكلة في هذا كله هي أن الفلاسفة كانوا في معظم الأحيان يعرضون آراءهم بالترتيب ~~العكسي، كما لو كانوا قد توصلوا إلى أفكارهم النظرية أولا ثم «استخلصوا» منها ما يتسق معها ~~من النتائج العملية، وهدفهم من ذلك - ولا شك - هو إظهار مذاهبهم بمظهر منطقي صرف: بحيث تكون ~~اعتبارات التفكير النظري هي وحدها التي أملت عليهم آراءهم في صورة العالم، بل في الميدان ~~العملي ذاته، وربما كان الفيلسوف ذاته غير واع بالأصول الحقيقية لتفكيره في كثير من ~~الأحيان، وحتى لو أدرك بعضها، فعليه أن يتبع العرف الشائع لدى الفلاسفة، الذي كان دائما ~~ينطوي على احترام للتفكير النابع من أصول نظرية خالصة، بل على اعتقاد بأن الفلسفة الحقة لا ~~تعمل حسابا لأي اعتبار سوى الاعتبارات النظرية الخالصة، وهكذا يظهر التفكير الفلسفي كأنه ~~كان كله عملية واعية لا ترجع إلى أي أصل سوى مقتضيات التفكير المنطقي، وهو مظهر للفلسفة ~~يعجز المرء معه عن تفسير ذلك التنوع الهائل بين المذاهب، وهو التنوع الذي لا يمكن أن يكون ~~راجعا إلى اعتبارات المنطق وحدها، كما يعجز عن تفسير ذلك الميل الدائم إلى الخروج عن ~~الموقف الطبيعي، وقبول التناقض بين التفكير النظري والسلوك العملي، والقول بآراء عن طبيعة ~~العالم الخارجي لا تؤثر على الإطلاق في موقف الإنسان الفعلي من ذلك العالم. # وهناك ملاحظتان ينبغي أن نلفت إليهما الأنظار في ختام هذا الفصل؛ الأولى: هي أن «الموقف ~~المعنوي» الذي نقول: إنه سبب الأفكار النظرية المثالية وأصلها، يشمل كل الجانب العملي من ~~مظاهر حياة الإنسان: من أخلاق ودين وتفكير اجتماعي ووضع اقتصادي ... إلخ، وهذه المظاهر كلها ~~متضافرة بحيث إن رأي المفكر في واحد منها يؤثر حتما في رأيه في بقية المظاهر ويصبغها بصبغة ~~محددة، ولكنها تتفاوت ظهورا وخفاء، ولا تتساوى في درجة قابليتها للاكتشاف. # والملاحظة الثانية: هي أن الرأي الذي نقول به هنا يحتاج - قطعا - إلى إثبات أوسع ms131 نطاقا ~~بكثير مما ذكرناه في هذا الفصل، وكل ما نهدف إليه هو أن نقدم فرضا يبدو لنا محتما في ~~ضوء ما قلناه من قبل عن طبيعة المثالية بوصفها تفسيرا أو لغة، ولكن الإثبات التفصيلي لهذا ~~الفرض يحتاج إلى جهد أضخم بكثير مما قمنا به في هذا الصدد، ولكم يكون من المثمر أن يكتب ~~تاريخ الفلسفة - وتاريخ الفلسفة المثالية بوجه خاص - في ضوء هذا الفرض: أي أن تكون نقطة ~~البداية - التي تكون أساس المذهب - هي الاعتبارات العملية، أو رأي الفيلسوف في ~~«الإنسان»، ثم تعرض الآراء النظرية بوصفها نتيجة أو تبريرا لاحقا لهذا الرأي، ألا تبدو ~~الفلسفة - على هذا النحو - ألصق بواقع الإنسان العيني؟ ألا يكون تعليل ما فيها من ~~تجريدات تعليلا «إنسانيا» أمرا أيسر بكثير؟ ألن نستطيع عندئذ أن نتخلص من النظرة ~~الشائعة إلى طريقة ظهور المذاهب الفلسفية على أنها انبثاق فجائي بلا مقدمات وبلا أصول؟ إن ~~هذه النتائج وحدها لكفيلة بأن تجعل هذه المحاولة جديرة بأن تجرب. # | خاتمة # نظرية المعرفة والعلم # إن الفلسفة - من غير شك - في حاجة إلى عملية إعادة تقويم أساسية لحدودها وقدراتها، حقا ~~إن محاولات كثيرة كهذه قد ظهرت خلال تاريخ الفلسفة، ولكن هذه المحاولات كانت تنطوي في معظم ~~الأحيان على قدر من المبالغة في مهمة الفلسفة لا يقل عما استهدفت هذه المحاولات ذاتها ~~انتقاده، وها نحن أولاء - بعد خمسة قرون من التقدم العلمي المستقل بدرجات متفاوتة عن ~~الفلسفة - نعالج في الفلسفة موضوعات مشابهة إلى حد بعيد لتلك التي كانت تعالجها الفلسفة ~~اليونانية مثلا، والأغرب من ذلك أننا نعالجها بنفس الروح التي كان يعالجها بها الفيلسوف ~~اليوناني، فحين يأتي فيلسوف في عصرنا الحديث بنظرية جديدة في المعرفة، أو في طبيعة العالم ~~مثلا، نظن فعلا أن هذه نظرية جديدة، بالمعنى الذي نقول فيه عن التطورية: إنها نظرية، أو ~~عن النسبية: إنها نظرية، ويعرض الفلاسفة المحترفون هذه النظرية كما لو كان شيء جديد قد ~~كشف، وكما لو كانت إضافة جديدة إلى علوم الإنسان قد حدثت. # ونستطيع أن نلتمس للمفكرين ms132 القدماء كل العذر حين كانوا يقدمون فلسفاتهم على هذا النحو، ~~ففي ذلك الحين كان الخلط بين التفكير العلمي والتفكير الفلسفي شائعا دون أن يتنبه إليه ~~أحد، بل كانت الفلسفة هي ذاتها العلم، وهكذا كان الفيلسوف يخوض ميدان الرياضة مثلا، فيأتي ~~فيه بآراء تعد مساهمة حقيقية في العلم، ويبحث في «الأنتولوجيا» فيأتي بآراء لا تزيد من ~~العلم ولا تنقصه، ويبحث في الفلك فتكون بعض نتائجه إضافات إلى العلم وبعضها الآخر لغوا لا ~~قيمة له، كل ذلك وهو يعتقد أنه في جميع هذه الحالات يقوم بنشاط فكري «مطرد» و«من نوع واحد»، ~~أي إنه يساهم في معارف البشر حين يبحث - على سبيل المثال - في الأنتولوجيا مثلما يساهم فيها ~~حين يأتي بنظرية رياضية أو فلكية ذات طابع علمي. # ونستطيع أن نقول: إن هذا الخلط ما زال قائما في الفلسفة إلى حد بعيد حتى في وقتنا ~~الحالي، على الرغم من الانفصال الواضح الذي حدث منذ أمد بعيد بين مجال الفلسفة ومجال العلم، ~~ويتمثل هذا الخلط في عدم إدراك الطبيعة الحقيقية للتفكير الفلسفي، فما زال الفلاسفة حتى ~~اليوم لا يدركون دلالة ذلك الانفصال الأصيل بين حياة الإنسان الفعلية وبين مضمون معظم ~~النظريات الفلسفية، وما زالوا - في اللحظات القليلة التي يتنبهون فيها إلى مجرد هذا ~~الانفصال - يعزونه إلى نوع من التفاهة أو السطحية لتلك الحياة العملية، التي تسمى ب ~~«اليومية» أو العقيمة أو الساذجة، ثم يظن الفيلسوف أنه قد تخلص بهذه التسمية من تلك الهوة ~~العقيمة التي وضعها تفكيره بين آرائه النظرية وحياته الفعلية. # ولن يتسنى التخلص من هذا التناقض الأساسي بين التفكير الفلسفي وبين العالم الفعلي إلا ~~بإدراك الطبيعة الحقيقية للتفكير الفلسفي، وقد تضمن هذا البحث محاولة لتحليل هذه الطبيعة في ~~مجال من أهم مجالات الفلسفة، وهو نظرية المعرفة، وفي هذا التحليل انتهينا إلى أن المثالية ~~التي تمثل أكثر الاتجاهات الفلسفية شيوعا في هذا المجال، والتي أثرت آراؤها حتى في كثير من ~~خصومها الظاهريين، هي مذهب تفسيري فحسب، فالنظرية الجديدة في المعرفة لا تضيف شيئا إلى ms133 ~~محتوى المعرفة البشرية، ولا تؤدي إلى تغيير في تصرف الإنسان أو سلوكه إزاء العالم الخارجي، ~~ومع ذلك فكم من المفكرين ينظرون إلى مهمة الفلسفة في هذا المجال على هذا النحو؟ وكم منهم لا ~~يعرضون نظريات المعرفة على أنها فعلا «نظريات» وعلى أنها تتضمن فعلا «معرفة» ~~جديدة؟ # إن هناك أسسا عديدة شائعة للتفرقة بين الفلسفة وبين العلم، ولكن هذه الأسس في نظرنا تغفل ~~مسائل رئيسية تتحدد بها العلاقة بين الفلسفة والعلم بصورة أوضح، وهذا الإغفال راجع - قبل كل ~~شيء - إلى الاعتقاد بأن النظريات الفلسفية التفسيرية - التي تكتفي بوصف العالم بلغة أخرى ~~دون أن تغير من محتوى معرفتنا له أو سلوكنا فيه شيئا - هي نظريات بالمعنى العلمي لهذه ~~الكلمة، ولا بد أن يعدل هذا الفهم لطبيعة نظريات الفلسفة، وبالتالي مشكلاتها، على نحو يزيد ~~من إيضاح الفارق بين التفكير الفلسفي والعلمي، ولنشر هنا إلى بعض العناصر الرئيسية ~~لطبيعة النظريات والمشكلات الفلسفية في علاقتها بالنظريات والمشكلات العلمية كما ~~تستخلص من هذا البحث: ~~(1) # تتميز المشكلات الفلسفية بنوع من الثبات لا يمكن أن يتمثل في مشكلات أي فرع ~~من فروع العلم، ولو تأملنا قائمة المشكلات الرئيسية، التي يحاول كل من العالم ~~والفيلسوف الإجابة عنها في عصور مختلفة، لوجدنا الفارق هائلا بين تغير الأولى ~~وثبات الثانية، فالأسئلة الرئيسية التي كانت تحير العلم أيام نيوتن مختلفة عنها ~~أيام لافوازييه أو أيام دارون، بل هي اليوم تختلف من عقد إلى آخر، وفي بعض ~~الأحيان من سنة إلى أخرى، أما أسئلة الفلسفة فتكاد تظل كما هي، إذا استثنيا ~~إضافة مبحث فلسفي جديد - كالبحث في القيم أو علم الجمال - من آن إلى آخر، وإن ~~تكن الأسئلة الرئيسية في هذه المباحث الجديدة تظل بدورها متماثلة، فالفلسفة ~~تنفرد بتلك الظاهرة الغريبة، وهي أن الأسئلة التي كان يتساءلها أفلاطون وأرسطو ~~منذ أكثر من ألفي عام لا تبدو غريبة في نظر دارسيها المعاصرين، بل إنها تؤلف ~~جزءا كبيرا - وفي نظر البعض الجزء الأكبر - من المشكلات التي تحاول الفلسفة ~~اليوم إيجاد حل لها، بل إن نفس ms134 إجابات القدماء على هذه الأسئلة ما زال لها ~~احترامها، وما زالت تعد إجابات قابلة للمناقشة في الأوساط الفلسفية، وهذا وضع ~~غريب تنفرد به الفلسفة عن جميع علوم البشر وأبحاثهم، والمهم في هذا الوضع هو أن ~~نحاول تعليله؛ إذ إنه - مع كونه معترفا به لدى الأغلبية الكبرى من الفلاسفة - ~~لا يعلل تعليلا شافيا على الإطلاق. # وفي رأينا أنه إذا كان هناك ما يسمى بالعنصر الثابت في الفلسفة، فإنه ~~راجع إلى ارتباط الفلسفة بالموقف الطبيعي لا العلمي، فكل المعارف التي ترتبط ~~بالموقف العلمي تتطور مع العلم في تاريخه الذي سار في تغير مطرد كان بطيئا أول ~~الأمر، ثم أصبحت سرعته الآن لا تكاد تسمح بملاحقته، أما الموقف الطبيعي فلا ~~تغير فيه: فإدراك الإنسان للعالم الخارجي هو هو لم يتغير، ولا نستطيع أن نقول: ~~إن الإنسان كان يدرك الجبل أيام أفلاطون بطريقة تختلف عن طريقة إدراكه له ~~اليوم، أو كان يستخدم قدميه في تسلقه بطريقة مغايرة، وكما قلنا من قبل، فإن ~~الفلسفة قد اتخذت من هذا الموقف الطبيعي موضوعا لتفكيرها، وإن تكن في معظم ~~الأحيان قد أتت «بنظريات» تخالفه (على المستوى الفكري لا العملي)، وفي رأينا أن ~~هذا الارتباط بين موضوع التفكير الفلسفي وعناصر الموقف الطبيعي هو الذي أضفى ~~على المشكلات الفلسفية هذا الثبات، وإذا كانت الفلسفة هي المبحث الوحيد الذي لم ~~يطرأ عليه تغير يناظر أو يقترب من تغير أبطأ العلوم تطورا؛ فذلك راجع أيضا ~~إلى أنها هي المبحث الوحيد الذي لا يملك من المنهج ومن الأساليب أو الوسائل ما ~~يمكنه من النظر إلى موضوعاته من الزاوية العلمية، وإنما يضطر إلى اتخاذ نقطة ~~بدايته من عالم الإنسان كما يحيا حياته اليومية، فما حدث عندما قال باركلي - ~~مثلا - بلا مادية العالم الخارجي، لم يكن تجربة علمية توصل منها إلى أي شيء، ~~ولم يكن نظرة إلى موضوعات إدراكنا بوسائل غير الوسائل التي ندركها أو نفكر فيها ~~بها، وإنما قال: «إن نفس هذه المنضدة التي أدركها في موقفي الطبيعي على أنها ~~مادية لا بد أن ms135 تكون غير مادية؛ لأن استدلالاتي المنطقية التي طبقتها عليها ~~تؤدي إلى هذه النتيجة.» ولما كانت هذه المنضدة ذاتها - أو «الأشياء» المحيطة ~~بنا - هي نفسها موضوع تفكير أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانت (مع اختلاف النتائج ~~التي وصلوا إليها بشأنها)، فليس من الصعب عندئذ أن نفسر ثبات موضوعات التفكير ~~الفلسفي. # والذي يحدث هو أن الباحثين في نظرية المعرفة - من الفلاسفة - كانوا يعملون ~~على تحليل الطريقة التي يعرفون بها هذا العالم المحيط بنا - وهو نفس العالم على ~~الدوام - عن طريق ما يمكن أن نسميه ب «الاستبطان المعرفي»: أي إن كلا منهم ~~كان يرقب ما يحدث في نفسه حين يقول إنه يعرف، وعلى أي نحو تكون علاقته ~~بالموضوعات عندئذ، ثم يطلع علينا بنظريته، ولا شك في أن اتجاه ونتيجة هذه ~~النظرية - ولا سيما من حيث مخالفتها أو موافقتها للموقف الطبيعي - يتوقف على ~~العامل «المعنوي» الذي أشرنا إليه في الفصل السابق، ولكن المنهج الذي يتبعه ~~الفيلسوف، والوسائل التي يبرر بها نتائجه، لا تعدو أن تكون ملاحظة ووصفا لما ~~يحدث بالفعل خلال تلك العملية التي يسميها بعملية المعرفة، وهنا أيضا نجد ~~مبررا لثبات الأبحاث الفلسفية في هذا الميدان الذي لا يمكن أن يطرأ على ~~الوسائل المتوافرة لدى الفلاسفة فيه تغير. # وإذن، ففي وسعنا أن نجد تعليلا لثبات الأبحاث الفلسفية - في ميدان نظرية ~~المعرفة - بتأمل «موضوع» تلك الأبحاث، وهو الذي يتخذ نقطة بدايته من عالم ~~الأشياء كما تتبدى للإنسان في موقفه الطبيعي، وبتأمل «وسيلة» أو «منهج» تلك ~~الأبحاث، وهو تحليل الفيلسوف لتجربته في المعرفة، وهي تجربة قد يتغير محتواها ~~ولكن شكلها وإطارها الرئيسي لا يتغير، وإذن فالتعليل الوحيد لثبات الأبحاث ~~الفلسفية - في الميدان الذي نتناوله في هذا البحث - هو ارتباطها بالموقف ~~الطبيعي، وصحيح أن النتائج التي ينتهي إليها معظم الفلاسفة تخالف هذا الموقف، ~~ولكن المهم في الأمر هو أنه يمثل نقطة بداية الأبحاث الفلسفية، والمعيار الذي ~~تقاس به الخلافات بين المذاهب. ~~(2) # وتؤدي الصفة السابقة مباشرة إلى صبغ التطور الفلسفي بصبغة تختلف تماما عن ~~التطور العلمي، فالتطور العلمي في ms136 أساسه تراكمي، يستفيد فيه الجديد من القديم ~~ويكمله ويدمجه - في معظم الأحيان - في نسق أوسع، ومهما حدث من طفرات في العلم ~~فإنها تكون دائما متأثرة بالتطورات السابقة، وباعثة لسلسلة جديدة من التطورات، ~~أما الفلسفة فإن مسارها ليس تراكميا على الإطلاق، ولا يمكن أن يقال: إن ~~التطور فيها من القديم إلى الجديد يتم بانتظام حسب تسلسل منطقي، وليس معنى ذلك ~~أن التاريخ لا قيمة له في تطور الفلسفة، فتأثر الفيلسوف بعصره وبالتيارات ~~السابقة عليه أمر لا ينكر، ولكن النتائج والحلول التي يتوصل إليها الفلاسفة ~~ليست متكاملة بالضرورة، بل إن أي فيلسوف يستطيع أن يتخلى تماما عن جميع ~~السوابق، ويأتي بحل - أو على الأصح بتحليل - جديد للمشكلة دون أن يلومه أحد على ~~تجاهل الحلول السابقة، كذلك فإن دارس الفلسفة يستطيع أن يرفض رأي أي فيلسوف ~~حديث في مشكلة ما، ويفضل عليه رأي فيلسوف قديم، دون أن يجد أحد في هذا أية ~~غرابة، وهكذا رأينا «هويتهد» مثلا يقول: إن أحدا لم يفق أفلاطون، وهي عبارة ~~لا تطلق بمعنى أن أفلاطون متفوق على غيره نسبيا فحسب، بل قد تستخدم كذلك ~~بمعنى مطلق، أي بمعنى أننا نستطيع أن نجد لدى أفلاطون حلولا للمشاكل الفلسفية ~~تفوق كثيرا من الحلول الحديثة، أو على الأقل استباقا لمعظم المشاكل التي ~~انشغلت بها الفلسفة حتى الآن، وهكذا أيضا كنا نجد في الفلسفة حركات إحياء ~~لاتجاهات فكرية قديمة ينظر إليها على أنها هي التي أتت بالحل الصحيح ~~لمشاكلنا الحالية: فالكانتية الجديدة تظهر بعد قرن من وفاة الفيلسوف الذي ~~انتسبت إليه، بل إن «التومية الجديدة» تظهر بعد «توما الإكويني» بسبع مئة عام، ~~وتتخذ من فلسفته مرجعا، دون أن تضيف إليها سوى بعض التفسيرات أو التفصيلات ~~التي لا تؤدي إلى تغيير جوهري في الأصل. # ولقد كان كانت من الفلاسفة القلائل الذين لم يكتفوا بإدراك هذا الفارق بين تطور الفلسفة ~~وتطور العلم، بل رأوا أنه يمثل نقصا في الفلسفة، وأخذوا على عاتقهم تدارك هذا النقص، ففي ~~مستهل تصدير الطبعة الثانية ل «نقد العقل الخالص» ms137 ينعى كانت على الفلسفة افتقارها إلى ~~الدقة العلمية، ويرى أن معيار هذا الافتقار إلى الدقة هو توقف المعرفة بعد جهود متواصلة ~~متكررة، وبعد أن يبدو أنها قد اقتربت من هدفها، ثم اضطرارها إلى الرجوع والبدء من جديد، ~~وعدم اتفاق المشتركين فيها على أية خطة مشتركة للعمل، وهذه الصفات كلها في رأي كانت تتجمع ~~في الميتافيزيقا، وهكذا حدد كانت هدفه منذ البداية بأنه جعل الميتافيزيقا تسير في «طريق ~~العلم المأمون» الذي تستطيع فيه التخلص من عيوبها القديمة هذه وتسير في الطريق الذي تقدمت ~~العلوم بفضل سيرها فيه، أي أن تصبح الميتافيزيقا معرفة يكمل الجديد فيها القديم ويستفيد ~~منه، ولا يحاول الحلول محله وإخراجه تماما من الميدان. # وإذن، فها هو ذا فيلسوف أدرك بكل وضوح ذلك الفارق الذي أشرنا إليه بين تطور الفلسفة وتطور ~~العلم، وركز جهده في محاولة إزالة ذلك الفارق وجعل الفلسفة تقتدي بالعلم في تطوره، ولكن إلى ~~أي حد نجح ذلك الفيلسوف في تحقيق هذا الهدف؟ # إن فلسفة كانت قامت على بضع دعائم أساسية: أولها إمكان الأحكام التركيبية الأولية، ثم ~~رأيه في الزمان والمكان، ولوحة الأحكام وما تؤدي إليها من المقولات، فإذا انهارت هذه ~~الدعائم الأساسية المرتبطة فيما بينها كان في ذلك انهيار للبناء كله، وهذا بالفعل ما حدث ~~بعد فترة وجيزة من وفاة كانت: ففكرة الأحكام التركيبية الأولية ذاتها قد نقدت نقدا ~~عنيفا، ونفى كثير من علماء الطبيعة والرياضة أن أحكامهم من هذا النوع، وكان مجرد ظهور ~~الهندسة اللاإقليدية عاملا على هدم معظم آراء كانت في طبيعة الرياضة، وبالتالي في ~~«الحساسية الترنسندنتالية»، أما لوحة الأحكام التي بنيت عليها آراؤه في التحليل ~~الترنسندنتالي ومعظم تقسيماته وتصنيفاته الفلسفية، فقد كانت لوحة عتيقة سرعان ما ثار عليها ~~المنطق الحديث ولم يعد يربط بينها وبين التركيب الضروري للذهن على الإطلاق. # وهنا يكون من المفيد إلى حد بعيد أن نقارن بين تفكير كانت وتفكير نيوتن: فصحيح أن آراء ~~نيوتن لم تعد هي المسيطرة على العلم اليوم، غير أنها كانت - بلا شك - عاملا ممهدا ms138 لكل ~~التطورات التالية التي لا يمكن أن تفهم بدونها، وما زالت فيها إلى اليوم عناصر صالحة في ~~ميادين خاصة، ولا سيما الميكانيكا، أما آراء كانت فإن نقد فكرة القضايا الأولية التركيبية ~~هو وحده كفيل بهدمها من أساسها. # وإذن فمن الممكن أن ينهار المذهب الفلسفي من أساسه دون أن يبقى منه شيء إذا كانت مقدماته ~~باطلة، ويظل التطور الفلسفي يتم عن طريق «الاستبدال»، أي سعي كل مذهب إلى الحلول محل الآخر ~~بدلا من تكملته، وهكذا لم يستطع كانت على الإطلاق أن يوجه الميتافيزيقا في «طريق العلم ~~المأمون»، وظلت الفلسفة من بعده تبدأ على الدوام بدايات جديدة كلما بدا لها أنها اقتربت من ~~هدفها. ~~••• # هكذا كان طابع الفلسفة النظرية منذ بدايتها إلى اليوم: مجموعة من المشاكل التي لا يطرأ ~~عليها تغير أساسي، ومذاهب تأتي بحلول «استبدالية» لا «تراكمية» لهذه المشاكل، وكم تضمن ~~تاريخ الفلسفة من محاولات مستمرة للاقتداء بالعلم، كانت تروح على الدوام هباء نتيجة ~~للاختلاف الأساسي بينها وبين العلم في المنهج والوسائل المتوافرة وطريقة التطور، وكم تضمن ~~كذلك من محاولات للتقريب بينها وبين المبحث الأدبي البحت، ولكن هذه المحاولات كانت تتعثر ~~دائما إزاء ادعاء الفلاسفة أنهم يساهمون إيجابيا في توسيع نطاق «محتوى» المعرفة ~~البشرية. # ولو نظرنا إلى أهم المسائل التي كانت موضوعا للبحث الفلسفي حتى اليوم لوجدنا أنها تتعلق ~~بالتساؤل عن أمور يعدها الموقف الطبيعي حقائق مسلما بها، وهو تساؤل كان في معظم الأحيان ~~ينتهي إلى التشكيك في هذه الحقائق أو إنكارها، وهكذا يتساءل الفيلسوف عن وجود الذات أو وجود ~~العالم الخارجي وعن إمكان المعرفة ... إلخ، ولهذا النوع من الأبحاث نتيجتان ممكنتان: فإذا ~~انتهى الفيلسوف من أبحاثه إلى نتيجة إيجابية - وهذا يتمثل في فئة قليلة من الفلاسفة - فكل ~~ما يفعله هو الرجوع إلى النقطة التي يبدأ منها الإنسان العادي، والتي يسلم فيها بأن لديه ~~معرفة، وبأن هناك عالما خارجيا وذوات أخرى ... إلخ، أما إذا انتهى الفيلسوف إلى نتيجة ~~سلبية فإن النتيجة هي التشكيك في أبسط وقائع الموقف الطبيعي، والانتهاء إلى تلك ms139 الحالة التي ~~يتناقض فيها التفكير النظري مع السلوك العملي أشد التناقض، وهكذا تنفرد الفلسفة بأنها ذلك ~~المبحث الذي يقضي فيه أناس متخصصون حياتهم كلها في التأمل والتفكير، وينتهون آخر الأمر إلى ~~أن العالم الخارجي غير موجود، أو أن وجود الذوات الأخرى أمر مشكوك فيه، في الوقت الذي لا ~~يكفون فيه عن التعامل مع موضوعات ذلك العالم الخارجي أو مع الذوات الأخرى على نفس النحو ~~الذي يتعامل به معهما من يكتفي بالموقف الطبيعي. # وأعترف هنا في خاتمة هذا البحث - كما اعترفت في مقدمته - بأن دهشة «الإنسان العادي» ~~واستنكاره لمحاولة التشكيك في «وجود العالم أو وجود الذوات الأخرى» لم تفارقني لحظة واحدة ~~طوال دراستي الفلسفية، وإني لأعتقد أن مثل هذا «الإيمان الطبيعي» - بما يتميز به من قوة ~~شديدة، وبفضل عملية التحقيق المستمرة التي يثبت بها سلوكنا العملي أن الموقف الطبيعي هو ~~الوحيد المتسق مع نفسه في مجاله الخاص - كفيل بأن يؤدي بالمرء إلى رفض المواقف المثالية دون ~~أي تأثر بحججها البارعة، ومع ذلك، فإن هذه الحجج قد نوقشت بشيء من التفصيل في هذا البحث ~~الذي لم نلجأ فيه - كما يفعل الكثير من خصوم المثالية - إلى مجرد الإهابة بذلك الإيمان ~~الطبيعي واستنكار المثالية على هذا الأساس وحده؛ ذلك لأن الحجج المثالية قائمة، وكثير منها ~~قوي لا يسهل التخلص منه، ولكن الإيمان الطبيعي كفيل من ناحية أخرى بأن يقنع المرء بضرورة ~~وجود خطأ أو مغالطة في هذه الحجج، وهكذا تبدأ محاولة التفنيد. # إن من العسير إصدار أحكام على المستقبل في ميدان من ميادين المعرفة فريد في بابه ~~كالفلسفة، ولكني أستطيع أن أقول: إن يوما سيأتي على الفلاسفة يكفون فيه عن إثارة مثل هذه ~~المشاكل المتعلقة بالتشكيك في الموقف الطبيعي أو إنكاره، حقا إن الفلسفة ظلت تناقش مثل ~~هذه المشاكل منذ خمسة وعشرين قرنا، غير أن العصر الحاسم الذي نعيش فيه، والذي تتغير فيه ~~وقائع أقدم عهدا من ذلك التاريخ، سيشهد حتما تغييرا مقابلا في ميدان الفلسفة، وسيجيء ~~اليوم الذي ينظر فيه الفلاسفة أنفسهم بدهشة ms140 إلى كل من يخطر بباله سؤال مثل: هل الأشياء ~~الخارجية أو الأذهان الأخرى، موجودة؟ أجل، سيجيء اليوم الذي يعرف فيه الفلاسفة حدود الموقف ~~الطبيعي وحدود الموقف العلمي، ولا يخلطون كلا بالآخر، والذي يدركون فيه أن هذا الموقف ~~الطبيعي هو الوحيد الممكن في حدوده الخاصة وبالنسبة إلى أغراضه الخاصة، وعندئذ لن يصبح ~~للفلسفات المثالية - بالمعنى الذي استخدمناه هنا - أي مبرر، ولن يظهر ذلك النمط من المفكرين ~~الذين يقضون حياتهم في سبيل إثبات فكرة يكذبها سلوكهم العملي نفسه في كل لحظة، ولا تؤدي - ~~حتى إذا أخذ بها - إلى أي تغيير في هذا السلوك، أو إلى إضافة أي شيء إلى «محتوى» المعرفة ~~البشرية أو حذف أي شيء منه. # ومما لا شك فيه أن مجال الفلسفة - كما نعرفها اليوم - سيضيق كثيرا إذا حدث مثل هذا ~~التطور؛ إذ إن معظم المسائل التي تثار اليوم في الفلسفة تتخذ من رفض الموقف الطبيعي نقطة ~~بداية لها، ولكن سيظل للفلسفة مع ذلك مجالها الخاص، في حدود جديدة يختفي فيها التنافس ~~القديم بينها وبين العلم، ذلك التنافس الذي جعل الفلاسفة يظنون حتى اليوم أنهم يأتون فعلا ~~بنظريات جديدة عن العالم، وأن آراءهم تؤدي إلى تغيير فعلي في محتوى المعرفة، وسيتحدد مجال ~~الفلسفة بوصفها مبحثا إنسانيا # humanistic # يتضمن تعميمات ~~«مستمدة» من عدة مجالات أخرى، ومحاولة لتنظيم التجارب البشرية في شتى الميادين، واستخلاص ~~أحكام عامة منها و«تاريخا» لتطور الفكر البشري في اجتهاداته الصائبة والباطلة ، وسجلا ~~للانتقال التدريجي البطيء من التفكير الخرافي القديم إلى التفكير العلمي الحديث، ولسنا ~~ندعي أن هذا تعريف أو تحديد للمجال الوحيد الذي يمكن أن يدور في نطاقه التفلسف، ~~وكل ما في الأمر هو أن الفلسفة لو سارت في هذا الطريق ~~فستكون فرص بقائها في عالم المستقبل أعظم كثيرا منها لو ظلت تؤكد أن الأشياء الخارجية غير ~~موجودة، وأن أحدا لا يوقن بوجود الآخرين أو بوجود الذات، وأن أولى خطوات التفلسف هي رفض ~~الموقف الطبيعي للإنسان. # | تذييل # حجة الأحلام في نظرية المعرفة # للشكاك والمثاليين طريقة مفضلة يتبعونها كلما ms141 حاولوا تشكيك الإنسان في واقعية العالم ~~الذي يعيش فيه، وإثبات مثالية هذا العالم، هذه الطريقة هي الالتجاء إلى أمثلة من «الحالات ~~الشاذة» التي تطرأ على إدراك الإنسان ومعرفته الواقعية لهذا العالم، وعن طريق هذه الحالات ~~الشاذة يهتدون إلى الثغرة التي يمكن أن ينفذ منها النقد الشكي أو المثالي، وذلك عن طريق ~~استدلال يسير دائما - مع بعض الاختلاف في التفاصيل - على النحو الآتي: # إذا كان لديك إدراك شاذ مثل أ أو ب أو ج ... فما الذي يضمن ألا يكون كل إدراك لديك ~~من نفس النمط؟ # وهكذا نجد الشكاك والمثاليين يتخذون نقطة بدايتهم من تعديد أمثلة لحالات في الإدراك ~~كحالة «انكسار العصا في الماء» أو «ازدواج الإبصار» أو الهلوسة ... إلخ، وبغض النظر عن صحة أو ~~عدم صحة المبدأ العام الذي يخضع له هذا النوع من الاستدلال، وهو المبدأ القائل: إن شذوذ - ~~أو حتى خطأ - الإدراك في بعض حالاته يبرر الشك فيه كله أو تفسيره بطريقة مضادة للطريقة ~~الواقعية «المألوفة»، فلزام على كل باحث في نظرية المعرفة أن يواجه هذه الحجج الأساسية، ~~ويكون أمامه إما أن يقتنع بها، وينتهي إلى النتائج التي استخلصها منها الشكاك أو ~~المثاليون، وإما أن يناقشها من حيث تفاصيلها ومن حيث مبدؤها العام الذي ترتكز عليه، وعندئذ ~~يكون في ذلك أيضا مناقشة للاستنتاجات الشكية والمثالية ذاتها. # والهدف من هذا المقال هو مناقشة حجة مألوفة من أمثلة «حالات الشذوذ» التي أشرنا إليها من ~~قبل، هي حجة الأحلام، وأول ما يتبادر إلى الذهن أن الحلم ظاهرة مألوفة إلى أبعد حد، وأن من ~~الخطأ بالتالي إدراجها ضمن حالات الشذوذ، ولكن الواقع أن الحلم مألوف من حيث هو ظاهرة ~~نفسية، أما من حيث هو طريقة من طرق الإدراك - على نحو ما يستخدمه الفلاسفة في حجتهم هذه - ~~فهو حالة شاذة بالقياس إلى ما اصطلحنا على تسميته بإدراكنا في «حياة اليقظة». # فلنتتبع إذن أمثلة لتلك الحجة التي يهيب فيها الفيلسوف بإدراكنا في الحلم لكي يؤكد أن كل ~~إدراك لنا - بوجه عام - مشكوك فيه، أو أنه ms142 ذو طابع ذاتي، لا يتناول «عالما موضوعيا» على ~~نحو ما نعتقد في «واقعيتنا الساذجة»، وليس هدفنا هنا هو أن نقدم بحثا «استقرائيا» شاملا ~~لطريقة عرض الفلاسفة لهذه الحجة، بل سنختار بعضا من أوضح الأمثلة على سبيل النماذج فحسب؛ ~~لكي ننتهي آخر الأمر إلى إصدار حكم على قيمة هذه الحجة بوصفها جزءا من الاستدلال الشكي أو ~~المثالي في نظرية المعرفة. # ونستطيع أن نقول: إن لحجة الأحلام «أوجها» يؤدي كل منها إلى الآخر، وهذه الأوجه قد تتمثل ~~كلها أو بعضها في تفكير الفيلسوف الواحد، ولكن التميز بينها يفيد في استخلاص نواحي النقد ~~الممكنة التي يمكن أن توجه إليها، وهذه الأوجه - في نظرنا - هي: ~~(1) # التشكيك - ولو مؤقتا - في حقيقة العالم المسمى، في النظرة المعتادة، باسم ~~العالم الموضوعي. ~~(2) # نقد الإدراك الحسي. ~~(3) # تأكيد مثالية العالم. ~~••• # وأوضح حالة تتمثل فيها المرحلة الأولى لحجة الأحلام هي حالة ديكارت، ومن المعروف أن ~~ديكارت قد اتخذ موقف الشك التام وسيلة للوصول إلى نقطة ارتكاز ثابتة يبدأ منها التفلسف على ~~أساس لا يتزعزع، وهنا كان دور حجة الأحلام في الشك الديكارتي أساسيا. # وينبغي في بداية مناقشة أي حجة متعلقة بالشك الديكارتي أن نوضح مسألة على جانب كبير من ~~الأهمية؛ ذلك لأن من الممكن الاعتراض بأن مرحلة الشك عند ديكارت كانت بأسرها مرحلة ~~افتراضية، ممهدة لمرحلة أخرى من اليقين، وأن ما يتقدم به ديكارت من الحجج في هذه المرحلة ~~لا ينبغي أن ينظر إليه حسب قيمته الظاهرة، وإنما على أنه فرض مبالغ فيه، ولا هدف منه إلا ~~هدم جميع المعتقدات المتلقاة لكي يبدأ بداية جديدة تماما، على أن هذا الاعتراض يجب ~~استبعاده؛ إذ لا بد أن ديكارت قد وجد أساسا للحجج التي عرضها في مرحلة الشك، وإلا لما ~~عرضها أصلا، ويجب أن نتوقع منه تقديم حساب عن هذه الحجج؛ إذ لا بد أنه وجد فيها نوعا من ~~الصحة بحيث أدت بالفعل إلى تبرير شكوكه في العالم. # ولقد كانت حجة الأحلام ممتازة بوصفها وسيلة تبرر الشك؛ إذ إن من أقوى الأسباب التي ms143 يرجع ~~إليها الاعتقاد «الساذج» بأن إدراكاتنا تسببها «أشياء» موجودة بالفعل في عالم واقعي حدوث ~~هذه الإدراكات رغما عن إرادتنا، وهذه اللاإرادية في فئة معينة من الإدراكات سلاح قوي جدا ~~في يد الواقعي؛ إذ إنه يستطيع دائما أن يحرج المثالي غير الدقيق بقوله: إذا كان العالم ~~ذاتيا كما تقول، فما هو الفارق بين تمثلي لأفكاري الخاصة وتمثلي للموضوعات الخارجية؟ ~~ولماذا أستطيع أن أنتج الأولى بإرادتي بينما الثانية تفرض نفسها فرضا علي، ولا تحدث إلا ~~إذا توافرت شروط معينة لا أستطيع التحكم فيها بنفسي؟ لا بد أن للأولى مصدرا ذا طبيعة ~~مغايرة تماما لمصدر الثانية، وهنا يكون أفضل رد للمثالي هو أن يشير إلى ظاهرة الأحلام التي ~~هي بدورها لا إرادية، ولكن لا يستطيع أحد أن يقول: إن محتوياتها مطابقة لموضوعات فعلية في ~~العالم الخارجي، وهذا بالفعل ما يلجأ إليه ديكارت في «التأمل الثالث»، ففي ظاهرة الأحلام ~~مثال واضح لإدراكات يتعلق الكثير منها بموضوعات خارجية، وتحدث رغما عن إرادة الإنسان، ومع ~~ذلك فمصدرها ليس الأشياء الخارجية. # وهنا تقوى حجة الشك إلى أبعد حد: فإن كانت لدي هذه الفئة من الإدراكات، فما الذي يضمن ~~ألا يكون كل إدراك أسميه حسيا من هذا النوع ذاته؟ هذا هو السؤال الذي لا يفتأ ديكارت ~~يردده كلما كان بصدد التعبير عن شكه المنهجي، # 1 # وصيغة السؤال في هذه المرحلة لا تتجاوز الطابع السلبي، أي إن الحجة لا تقطع هنا ~~بأي شيء ، بل إن كل ما تؤكده هو أن العالم الخارجي - من الوجهة المنطقية الخاصة - قد يكون ~~خداعا، مما يمهد السبيل للارتكاز على حقيقة أولى لا ترجع حجتها إلا إلى البداهة الذاتية ~~المباشرة، التي لا تتصل بأي موضوع خارجي. # ومن الطريف جدا أن نعيد إلى الأذهان الطريقة التي تخلص بها ديكارت من حجة الأحلام في ~~مرحلتها الأولى هذه، ومما تؤدي إليه من شك في حقيقة العالم الخارجي، فلم يكن تخلص ديكارت ~~من هذه الحجة هنا عن طريق الإتيان بحجج مضادة لها، أو عن طريق تفنيدها منطقيا، بل تم ms144 ذلك ~~بفضل استعادة ثقته بالعالم حين أيقن من وجود إله خالق له، ولنحلل بدقة تعبيره ذا الدلالة ~~البالغة عن الطريقة التي استبعد بها شكوكه هذه، وخاصة الشك المتعلق بعدم القدرة على ~~التمييز بين النوم واليقظة: «إذ إنني أدرك بينهما الآن فارقا هائلا، هو أن ذاكرتنا لا ~~تستطيع أبدا أن تربط وتضم أحلامنا بعضها إلى بعض وإلى بقية أطراف حياتنا، مثلما تألف ضم ~~الأشياء التي تمر بنا في يقظتنا ... ولا ينبغي بأية حال أن أشك في حقيقة هذه الأشياء، إذا ما ~~حدث بعد أن حشدت كل حواسي وذاكرتي وفهمي لفحصها، إن لم يرد إلي عن طريق إحدى هذه القوى ما ~~يتنافر مع ما يرد إلي من الأخريات؛ «إذ إن استحالة كون الله خادعا تستتبع بالضرورة ألا ~~أكون في هذا الصدد مخدوعا»، ولكن نظرا إلى أن ضرورة الظروف ترغمنا في كثير من الأحيان على ~~أن نضع قرارا دون أن نكون قد أتيحت لنا المهلة الكافية لفحصه بعناية، فينبغي أن نعرف بأن ~~حياة الإنسان معرضة للخطأ في كثير من الأحيان بالنسبة إلى الأشياء الخاصة، وأن نعترف ~~أخيرا بتهافت طبيعتنا وضعفها.» # 2 # من الواضح إذن أن الوسيلة التي يراها ديكارت كفيلة باستعادة ثقته بالعالم، وللتمكن من ~~التمييز بين عالم اليقظة وعالم الأحلام، هي (اتساق) أفكارنا الخاصة بالعالم الواقعي أو عالم ~~اليقظة وعدم وجود تنافر بينها، وهنا ينبغي أن نتساءل: هل يعد هذا ردا مقنعا على الشك ~~الكامل الذي أثاره ديكارت في البداية؟ الواقع أن شكه كان أقوى من أن تبدده فكرة الاتساق ~~هذه؛ إذ إنه - في حالة الشك هذه - كان خليقا بأن يقول: إن أحلامه كثيرا ما تتبدى له تامة ~~الاتساق، وأي فارق بينها وبين اليقظة في هذا الصدد سيكون فارقا في الدرجة فحسب، بحيث لا بد ~~أن توجد حالات يعجز فيها المرء عن إيجاد تفرقة قاطعة بين العالمين من خلال فكرة الاتساق ~~وحدها. # وفضلا عن ذلك، فإن كان الاتساق كافيا لتبديد هذه الشكوك، فما الذي منع ديكارت من ~~استنتاج وجود هذا الاتساق منذ ms145 البداية، فلا يبقى لشكه أي أثر منذ بداية الأمر؟ إن ديكارت - ~~كما هو واضح - لم يستنتجه من شيء، فلا بد إذن أن نفترض أنه يقول بالاتساق بعد أن هدأت نفسه ~~عندما توصل إلى فكرة الله؛ إذ تأكد عندئذ أن العالم ليس فوضى، وأنه أهل للثقة، وفي ضوء هذه ~~الثقة وحدها يمكننا أن نبرر اكتفاءه بفكرة اتساق اليقظة لتبديد شكوك كانت - بلا شك - أقوى ~~من أن تبدد بهذه السهولة. # أما من الوجهة المنطقية الخالصة، فلم يكن ديكارت محتاجا إلى هذه الرحلة الطويلة التي ~~انتقل فيها من الشك إلى اليقين؛ لأنه لم يستنتج منها منطقيا شيئا في هذا الصدد؛ إذ إن ~~فكرة الاتساق ليست في حاجة إلى الكوجيتو أو فكرة الله، هذا إلى أن آخر ما ينتهي إليه في ~~التأملات ما زال نوعا من الشك أو عدم الثقة في معرفة الإنسان، التي ظل إلى النهاية يعدها ~~ضعيفة هشة معرضة للخطأ. # ففائدة هذه المرحلة المتوسطة إذن لم تكن منطقية، وإنما هي - في رأينا - «نفسية»، وديكارت ~~كان محتاجا إلى دعامة نفسية يستعيد بها ثقته في العالم، وكان يكفيه أن يجد هذه الدعامة في ~~فكرة الله؛ لكي تصطبغ كل الأشياء بصبغة جديدة، ويصبح أكثر استعدادا للاقتناع بأفكار كانت ~~هي ذاتها غير قادرة على تبديد الشك في بداية الأمر. ~~••• # وإذا كان الوجه الأول للحجة يتعلق بالشك في إدراكنا الخارجي، فإن الوجه الثاني يتعلق ~~بالشك في طريقتنا أو وسيلتنا إلى هذا الإدراك ، ولا شك أن بين الأمرين ارتباطا وثيقا: فإذا ~~وصل بنا الأمر إلى حد توجيه السؤال: أليس من الجائز أن يكون إدراكنا للعالم الخارجي مجرد ~~إدراك ذاتي، ما دمنا في حالة الأحلام نمارس مدركات تبدو لنا خارجية، ولا تتوقف بالفعل على ~~إرادتنا، ومع ذلك فنحن على يقين من أن مصدرها ليس هو الأشياء الخارجية؟ إذا وصل الأمر إلى ~~هذا الحد، فمن الطبيعي أن يتضمن هذا الشك شكا آخر في وسيلتنا إلى إدراك هذا العالم؛ إذ إن ~~هذه الوسيلة تؤكد لنا أنه خارجي، بينما (قد يكون) هذا ms146 العالم - كما رأينا الآن - داخليا ~~بحتا. # واستخدام حجة الأحلام للشك في المعرفة الحسية قديم مألوف في تاريخ الفلسفة، وإذا كان ~~ديكارت قد جعل هذه الحجة كلاسيكية في كتاباته، فإنه لم يكن على الإطلاق أول من تنبه ~~إليها، فمنذ أفلاطون استخدمت الحجة وسيلة للطعن في صحة المعرفة الحسية ذاتها إلى جانب ~~العالم الحسي، ويتمثل الارتباط بين الوجه الأول والوجه الثاني لحجة الأحلام بوضوح في قول ~~أفلاطون في «تيتاتوس»: # سقراط ~~: ~~... كيف يمكنك أن تحدد ما إذا كنا في هذه اللحظة نياما وكل أفكارنا حلم، أم ~~أيقاظا يتحدث كل منا إلى الآخر عن وعي؟ # تيتاتوس ~~: # الحق أنني لست أدري يا سقراط كيف أرجح أحد الأمرين على الآخر ... # سقراط ~~: ~~... وهكذا ترى أن من الممكن بسهولة إثارة الشك حول حقيقة الحس، ما دام هناك شك حتى ~~فيما إذا كنا أيقاظا أو نياما، ولما كان وقتنا مقسما بالتساوي بين النوم ~~واليقظة، فإن النفس تؤكد في كل من مجالي الوجود هذين أن الأفكار الحاضرة في أذهاننا ~~في تلك اللحظة صحيحة، فتؤكد صحة أحدهما في أحد نصفي حياتنا، وصحة الآخر في النصف ~~الآخر، ويكون لدينا نفس القدر من الثقة بالأمرين معا. # 3 # وبغض النظر عن قيمة الحجة التي يقدمها أفلاطون، والتي تناولتها المثالية من بعده وعرضتها ~~بصور شتى، فلنلاحظ هنا - على الأقل - أن عرضه لم يكن موفقا تماما؛ إذ إنه بعد تقسيمه ~~الحياة ب «التساوي» إلى نوم ويقظة، يفترض أن الأحلام تحتل كل هذا النصف المسمى بالنوم، ورغم ~~أن الفارق بين ما يقول به أفلاطون وبين ما يحدث في الواقع - حيث لا يمثل النوم «نصف» وقتنا، ~~ولا تشغل الأحلام من النوم إلا وقتا ضئيلا - فارق في الكم فحسب، فلا جدال في أن قيمة حجة ~~الأحلام كانت تعلو كثيرا لو كان وقت الإنسان مقسما بالتساوي بين نصفين يمتلئ أحدهما ~~بإدراكات يسميها «يقظة» والآخر بإدراكات يسميها «حلما»، غير أن المسألة - لحسن الحظ - ليست ~~معقدة إلى هذا الحد، ولا جدال أنه حتى مع افتراض حالة الشك فإن حياة اليقظة مرجحة - كميا ms147 ~~على الأقل - على حياة الأحلام بدرجة كبيرة. # ولو اختبرنا عن كثب هذا النقد الذي يوجه إلى الإدراك الحسي عن طريق حجة الأحلام لوجدنا ~~أنه حتى لو صح، فلا يمكن أن يعد اعتراضا على صحة المعرفة بالحواس، فكل ما يؤدي إليه ~~هذا النقد الذي لم يكن أفلاطون إلا الحلقة الأولى من سلسلة طويلة من موجهيه، هو أننا لا ~~نستطيع أحيانا أن نتأكد إن كانت تجربتنا حسية أم لا، أي إن إدراكنا الحسي يصعب تمييزه بصفة ~~قاطعة من إدراكنا غير الحسي في الأحلام، بحيث لا يستطيع المرء أن يجد معيارا دقيقا يحدد ~~به أيهما هذا وأيهما ذاك، وبعبارة أخرى: فإذا استطعنا أن نهتدي إلى طريقة نميز بها دائما ~~بين الإدراك الحسي وبين الأحلام، فسوف تكون مهمة هذا النقد قد انتهت، وينتهي الإشكال ~~بالنسبة إليه، فدور هذا الوجه من حجة الأحلام ينحصر إذن في التشكيك في إمكان التفرقة بين ~~الإدراك الحسي وإدراك الأحلام، ولكنه ليس على الإطلاق تفنيدا للإدراك الحسي ذاته، بل إنه ~~لا يمسه على الإطلاق، ومن الممكن جدا أن يكون الإنسان مؤمنا كل الإيمان بأن الإدراك ~~الحسي يلعب الدور الأهم في المعرفة - على عكس ما كان يعتقد أفلاطون - ويظل مع ذلك يشكو من ~~وجود ذلك النوع الآخر من الإدراك الذي يشككنا في أصالة إدراكنا الحسي، فليس مما يحط من قدر ~~الإدراك الحسي في ذاته أبدا أن يكون هناك نوع آخر من الإدراك يشبهه إلى حد يجعل الأمر ~~بينهما مختلطا على ذهن الإنسان. # ولنضرب لذلك مثلا: فإذا كان لديك عدد من العملات بعضها زائف وبعضها من الذهب الخالص، دون ~~أن يمكنك التمييز بينهما على نحو قاطع، فسوف تشك في قيمة أية واحدة منها إن حاولت تداولها، ~~غير أن مثل هذا الشك لا يعدو أن يكون عجزا عن التفرقة بين الصحيح والمزيف، ومن المحال أن ~~ينطوي على أي تشكيك في قيمة الذهب ذاته، بل إنك لو تمكنت من فصله من غيره على نحو قاطع - ~~بحيث تستخرجه نقيا - فلن يعود شكك الأول منصبا عليه. ms148 ~~••• # والوجه الأخير والأكمل لحجة الأحلام هو ذلك الذي تغدو فيه الحجة عنصرا إيجابيا مكملا ~~للرأي المثالي في نظرية المعرفة، وهذا الوجه بدوره لا يمكن فصله بحال عن الأوجه السابقة، ~~التي تعد في الواقع تمهيدا ضروريا؛ إذ إن حجة الأحلام إن كانت تؤدي إلى شكنا في ~~الموضوعات الخارجية وإلى «نقد» المعرفة الحسية، فإن الخطوة الطبيعية التي تلي ذلك هي القول ~~إيجابيا بمثالية المعرفة، والوسيلة التي تستخدم بها حجة الأحكام لإثبات مثالية ~~المعرفة، هي القول إيجابيا بأن عالم الأحلام لا يتميز بالفعل عن عالم الواقع، فهنا يستخدم ~~المثالي حجة الأحلام لا بوصفها تعبيرا عن مرحلة من الشك سرعان ما يتجاوزها، بل بوصفها حجة ~~قائمة عنيدة لا يمكن التخلص منها، وتؤدي بالفعل إلى نوع من محو التفرقة بين عالم اليقظة ~~وعالم الأحلام. # ففي فلسفة باركلي تلعب هذه الحجة دورا هاما؛ لأنها في نظره دليل «إيجابي» على إمكان ~~وجود إدراكات لا تقابلها أجسام خارجية. ~~«فما يحدث في الأحلام يدل على أن من الممكن أن نتأثر بجميع الأفكار التي لدينا الآن دون ~~أن تكون هنالك أجسام تشابهها؛ وعلى ذلك فمن الواضح أن افتراض الأجسام الخارجية ليس ضروريا ~~لإحداث أفكارنا، ما دام من المعترف به أن هذه الأفكار قد تحدث أحيانا - وربما كانت تحدث ~~دائما - بنفس الترتيب الذي نراها به حاليا، دون وجود الأجسام الخارجية.» # 4 # هنا إذن تستخدم حجة الأحلام لإثبات أن «افتراض وجود الأجسام الخارجية ليس ضروريا ~~لإحداث أفكارنا»، وهو - كما نرى - هدف يتجاوز الهدفين السابقين؛ إذ إنه ليس مجرد «شك» عابر ~~في وجود العالم الخارجي أو نقد لدور إدراكنا الحسي في المعرفة، بل هو النتيجة الضرورية التي ~~يستخلصها المثالي من هذه القضايا السابقة. # والسؤال الذي لا تتضمن فلسفة باركلي ردا صريحا عليه هو: إذا كان التماثل في ترتيب ~~أفكار الأحلام وترتيبها في عالم اليقظة يؤدي إلى القول بأن أفكارنا لا تحتاج في حدوثها إلى ~~موضوعات خارجية، فعلى أي نحو نستطيع أن نميز بين ما نراه في الأحلام وما يحدث في اليقظة؟ ~~ولا شك ms149 أنه يكاد يكون من المستحيل - إذا سلم المرء بجميع استنتاجات باركلي - أن يهتدي إلى ~~معيار قاطع ومن المؤكد أنه هو ذاته، بعد أن استخدم الحجة على هذا النحو، لم يحاول تقديم هذا ~~المعيار، وترك الأمر معلقا عند هذا الحد. # وكما كانت «المثالية النقدية» عند كانت هي في عمومها محاولة لإصلاح كثير من أخطاء ~~المثالية «المادية» عند باركلي، فقد حاول كانت أن يسد هذا النقص في فلسفة باركي؛ إذ إنه ~~كان واعيا بما يؤدي إليه رأي باركلي، وأي مذهب مثالي آخر ينكر وجود أشياء خارجية تطابق ~~إدراكاتنا أو «أفكارنا» من عجز عن التفرقة بين فئة «الأفكار» التي ننسبها إلى موضوعات ~~خارجية، وتلك التي تبدو منتسبة إليها، ولكن يعترف بأن لها أصلا داخليا في نهاية الأمر ~~كالهلوسات والأحلام، وأيا ما كان موقف المفكر من مشكلة وجود العالم الخارجي، فلا بد أن ~~يعترف بأن هاتين الفئتين متميزتان في ذهننا على الدوام، وبأن من الضروري - تبعا لذلك - أن ~~يكون هناك معيار ما للتفرقة بينهما، هذا المعيار هو تسلسل الظواهر الزمني تبعا لقاعدة، وهو ~~ما يحدث في حالة العلاقة الموضوعية وحدها: «فإذا ما تساءلنا عن تلك الصفة الجديدة التي ~~تضفيها «العلاقة بموضوع» على تمثلاتنا، وعن الشرف الذي تكتسبه التمثلات بفضل هذه العلاقة، ~~لوجدنا أن تلك العلاقة لا تسفر إلا عن إخضاع التمثلات لقاعدة، وبالتالي تجعل من المحتم ~~علينا ربطها على نحو محدد ما، ولوجدنا مقابل ذلك أن تمثلاتنا لا تكتسب معنى موضوعيا إلا ~~بقدر ما يكون من المحتم إخضاعها لقاعدة معينة فيما يتعلق بعلاقاتها الزمنية.» # 5 # هذه القاعدة ~~التي تنظم العلاقات الزمنية للتمثلات - هي في رأي كانت - تعاقب العلة والمعلول، «وإذن ~~فعلاقة الظواهر (بوصفها إدراكات ممكنة)، وهي العلاقة التي يتحدد فيها الحادث اللاحق في ~~الزمان بالضرورة ... بشيء سابق عليه وفقا لقاعدة، أعني - بعبارة أخرى - علاقة العلة ~~بالمعلول، هي شرط للصحة الموضوعية لأحكامنا التجريبية فيما يتعلق بسلسلة الإدراكات، ~~وبالتالي بحقيقتها التجريبية، أي إنها هي شرط التجربة.» # 6 # ولو لم يتوافر هذا الشرط - أي «لو أكدت السابق ms150 ولم يتل منه اللاحق بالضرورة - ~~لتحتم علي أن أعد التعاقب مجرد ممارسة لخيالنا، فإذا ما ظللت مع ذلك أتمثله شيئا ~~موضوعيا، فعندئذ يكون علي أن أسميه مجرد حلم.» # 7 # وفي «المدخل إلى كل ميتافيزيقا» تتخذ فكرة الخضوع لقوانين التجربة هذه اسم «الترابط»، ~~فيقول: «إن الفارق بين الحقيقة # Wahrheit ~~» (كان الأدق ~~استخدام كلمة # Wirklich heit # في هذا المجال) والحلم لا ينتج ~~عن طبيعة التمثلات التي تتعلق بالأشياء - إذ إن هذه التمثلات واحدة في الحالتين - وإنما عن ~~ترابطها تبعا للقواعد التي تحدد ارتباط التمثلات في تصور الموضوع، وبقدر ما يمكن اقتران ~~هذه التمثلات أو عدم اقترانها في تجربة.» # 8 # وهكذا تعد المثالية النقدية عند كانت تقدما على مثالية باركلي الأقرب إلى السذاجة، إذ ~~إن كانت على الأقل أكثر شعورا بما يمكن أن تؤدي إليه المثالية - في إنكارها وجود الموضوع ~~الخارجي - من عجز عن التفرقة بين عالم اليقظة وعالم الأحلام. # ولا يستطيع المرء إلا أن يعترف مع كانت بأن كثيرا من الأحلام تفتقر إلى الارتباط العلي ~~الذي تتميز به حياة اليقظة، ولكن هذا الرأي - كما لاحظ شوبنهور - يحتاج إلى إيضاح، فكثير من ~~الأحلام تتميز بالتماسك الداخلي وبالارتباط العلي بين حوادثها المفردة، # 9 # فالافتقار إلى العلية إذن ليس صفة كامنة في الحلم ذاته، يتميز بها عن حياة ~~اليقظة، وإنما هو صفة «للعلاقة» بين حياة اليقظة والأحلام، ولكن يلاحظ من جهة أخرى أن ~~تطبيق هذا المعيار يحتاج إلى انتباه ودقة قلما تتوافر في تجربة الإنسان المعتادة، فقد أتذكر ~~مثلا أنني رأيت صديقي في مكان ما منذ مدة ما، ونظرا إلى غموض هذا التذكر، فقد يداخلني ~~الشك فيما إذا كنت رأيته بالفعل أم حلمت بأنني رأيته، ولكي أطبق معيار كانت، فعلي أن أبحث ~~عن سلسلة الحوادث المرتبطة برؤية صديقي في ذلك الحين حتى أصل حلقة حلقة إلى حادث أجربه في ~~اللحظة الحالية، وهو أمر يكاد في كثير من الأحيان يكون مستحيلا. # ومن جهة أخرى، فإذا كان في حياة اليقظة اتصال، وفي داخل الحلم أيضا اتصال، فكيف ms151 نميز ~~بينهما على أساس موضوعي؟ إن التمييز الموضوعي محال في رأي شوبنهور؛ إذ إننا «إذا اتخذنا ~~موقفا في الحكم خارجا عن كليهما، فلن نجد فارقا مميزا في طبيعتهما، وسنضطر إلى التسليم ~~مع الشعراء بأن الحياة حلم طويل.» # 10 # وربما رد قائل على ذلك بأننا لا نستطيع اتخاذ موقف في الحكم خارج عن الاثنين، ~~إذ إننا دائما مندمجون في إحدى الحالتين، فإما حلم وإما يقظة، وهنا تعود المشكلة كما كانت ~~منذ البداية؛ إذ يرتد السؤال الأصلي: كيف نثق من أننا في هذه الحالة ولسنا في تلك؟ وما ~~المعيار القاطع للتمييز؟ # هكذا يبدو أن المعيار الذي أتى به كانت قد أخفق، وهنا لا يجد الفيلسوف المثالي مفرا من ~~الاعتراف بعجزه عن إيجاد تفرقة قاطعة بين المجالين؛ ذلك لأنه ينكر من جهة أن تكون الإدراكات ~~ناتجة عن موضوع خارجي مستقل عن الذات، ومن جهة أخرى يضطر إلى الاعتراف بالأمر الواقع، وهو ~~أن الأحلام بدورها ليس لها مصدر خارجي. # ويمتاز شوبنهور على كانت - من هذه الناحية - بأنه يعترف صراحة بعجزه عن التمييز بين الحلم ~~والواقع من خلال فلسفته الخاصة، ففي الصفحات الأولى من المجلد الثاني من كتابه الرئيسي ~~«العالم إرادة وتمثلا»، يقول: «هكذا ينبغي أن نعترف بأن العالم - في واحد من أوجهه على ~~الأقل - مشابه للحلم، بل يمكن أن يدرج مع الحلم في فئة واحدة؛ ذلك لأن فاعلية المخ التي ~~تخلق خلال النوم، عالما تام الموضوعية مدركا بل ملموسا، لا بد أن يكون لها دور مماثل ~~في تشكيل عالم اليقظة الموضوعي.» # 11 # وهنا تصل حجة الأحلام إلى قمة فعاليتها؛ إذ تثير هذا السؤال الخطير: أليس من الجائز أن ~~تكون حياتنا بأسرها حلما متصلا؟ والأهم من ذلك أن السؤال لا يثار - في هذه المرحلة - على ~~مستوى الشك المؤقت أو المنهجي، بل يثار بوصفه احتمالا جديا لا يستطيع المثالي بوسائله ~~الخاصة أن يستبعده تماما، وإذ تتخذ الحجة هذا الوجه الهام فإنها تغدو أيضا أداة في يد ~~المثالي لها خطرها الكبير عليه؛ إذ إن إخفاقه في التمييز ms152 بين الحلم والواقع هو في الوقت ~~ذاته حكم على مذهبه كله بالإخفاق. # ونستطيع أن نقول: إن هذه النتيجة لحجة الأحلام لا تتعلق بفيلسوف بعينه أو بفترة خاصة من ~~فترات التفكير الفلسفي، وإنما هي في الواقع نتيجة كامنة في طبيعة الموقف المثالي ذاته، الذي ~~أعني به، عموما، موقفا ينكر استقلال الأشياء الخارجية - إما في وجودها أو في صورتها ~~المدركة على الأقل - عن الذاتية المدركة، ويرد هذا الوجود أو هذه الصورة المدركة إلى وجه من ~~أوجه الذاتية، ونستطيع أن نقول بوجه عام: «إن التمييز المنطقي بين الأحلام وحالة اليقظة يغدو ~~أصعب كلما ازداد الفيلسوف تمسكا بالمبادئ المثالية»، فالنظر إلى الحياة على أنها حلم متصل، ~~هي إمكانية قائمة على الدوام في التفكير المثالي الأصيل. # ومن الأدلة على ذلك أن هذه الإمكانية تظهر لدى أقدم ممثلي التفكير المثالي وأحدثهم ~~عهدا. # فلنتأمل قليلا مغزى «أسطورة الكهف» عند أفلاطون، إنها لا تعدو - في واقع الأمر - أن تكون ~~تعبيرا مجازيا عن هذه الفكرة ذاتها، أعني فكرة «العالم بوصفه حلما متصلا أو شاملا»، ~~فهنا توصف حياة الإنسان في هذا العالم بأنها خداع، ومعرفته بأنها معرفة ظلال فحسب، وإن ~~التقابل بين حالة الوجود في الكهف، وبين حالة تأمل الضوء «الحقيقي» ورؤية الأشياء وقد ~~أنارتها «الشمس الحقيقية»، إنما هو مواز تماما للتقابل بين الحلم واليقظة، فهنا يحمل ~~أفلاطون على معرفة الإنسان في هذا العالم بأسرها، لا على لحظات أو نواح معينة في هذه ~~المعرفة، ويثير صراحة إمكانية كون حياة الإنسان في هذا العالم خداعا أو حلما ~~متصلا . # وفي الطرف الآخر من تاريخ الفكر الفلسفي، يجد المرء أمثلة عديدة لمفكرين معاصرين أو قريبي ~~العهد لم يسعهم إلا أن يأخذوا مأخذ الجد تلك الفكرة القائلة باحتمال كون الحياة حلما ~~متصلا. # مثال ذلك: إن عالما ومفكرا مشهورا مثل «هلمهولتس»؛ إذ رأى أن الإحساسات لا تشابه ~~موضوعاتها، وأنها لا تعدو أن تكون «علامات» لا «صورا» لها، قد بدا له أن الأمر ما دام كذلك ~~فربما كانت إحساساتنا لا تشير إلا إلى موضوعات خيالية لا ms153 حقيقية، ومن ذلك انتهى إلى قوله: ~~«لست أدري كيف يمكن تفنيد المذهب المثالي الذاتي الذي يذهب إلى حد القول أن الحياة لا تنطوي ~~إلا على أحلام.» # 12 # ويتحدث «برتراند رسل» عن هذا الاحتمال ذاته - على أساس منطقي بحت - في عدة كتب له، فهو في ~~كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي» يقول: «... إنه لواضح أن من الممكن ألا يكون ما نسميه بعالم ~~اليقظة سوى كابوس متكرر متردد إلى حد غير عادي ... وقد يكون ذلك صحيحا؛ إذ لا يمكن إثبات ~~بطلانه، ومع ذلك فإن أحدا لا يعترف به حقيقة، فهل هناك أي أساس «منطقي» للقول بأن هذه ~~الإمكانية غير محتملة؟» # 13 ~~... ويجيب رسل على هذا السؤال بالنفي، وإلى مثل هذه النتيجة ينتهي رسل في كتابه ~~«مشكلات الفلسفة»، حيث يذهب إلى أن من الممكن - من وجهة النظر الفلسفية - أن تكون الحياة ~~حلما طويلا متصلا، # 14 # وهكذا يعترف بأن الفلسفة والمنطق يعجزان معا - إذا ما اقتصر على ما لديهما من ~~الوسائل - عن استبعاد هذه الإمكانية. # وتكشف هذه المسألة ذاتها عن نقطة ضعف أخرى في الموقف المثالي، أعني عجزه عن التخلص من ~~مذهب «الذات الوحيدة # splipsism ~~»، فمن المحال أن تثار فكرة ~~كون الحياة حلما متصلا إلا في ظل مذهب مبني على فكرة «الذات الوحيدة» هذه؛ ذلك لأننا إذا ~~تساءلنا: حلم من هذا الحلم المتصل؟ فلن يكون لهذا السؤال من جواب سوى أنه حلم ذات واحدة، ما دام ~~من المستحيل تصور كثرة من الذوات تحلم حلما متصلا، وهكذا فإن فكرة «الذات الوحيدة» هي ~~بدورها من النتائج التي لا يكون للمثالية مفر منها إذا ما مضت إلى أقصى مداها. ~~••• # وفي رأينا أن حجة الأحلام ليس لها من القوة ما يبدو لها لأول وهلة، بل إن من الممكن - في ~~واقع الأمر - تفنيدها من جميع أوجهها، وسوف يكون تفنيدنا للوجهين الأولين (تبعا للترتيب ~~الذي عرضا به في البداية) موجزا، أما الوجه الثالث - الذي يمثل أعلى مراحل الحجة، والذي هو ~~المعيار الحقيقي لقوتها - فسوف يفند بالتفصيل: ~~(1) # ففي الوجه الأول لهذه الحجة، أعني ms154 ذلك الذي تؤدي فيه إلى الشك في وجود عالم ~~خارجي، تفترض الحجة مقدما وجود سبب «داخلي أو باطن» للأحلام، وهكذا، ففي وسط ~~كل ذلك الشك الشامل الذي عرض به فيلسوف مثل ديكارت حجة الأحلام في أول أوجهها، ~~يتقرر شيء ما - وأعني به المصدر الداخلي للأحلام - بطريقة توكيدية جازمة، فإذا ~~كان من الأمور اليقينية أن مصدر الأحلام داخلي، فلا شك في أن هذه الفكرة ~~اليقينية تجر وراءها حتما أفكارا يقينية أخرى، فكيف علمنا أن هذا المصدر ~~«داخلي»؟ إن معرفة ما هو داخلي تفترض مقدما معرفة ما هو «خارجي»، ومن المستحيل ~~على المرء أن يؤكد أن فئة معينة من إدراكاته لها مصدر داخلي إلا إذا افترض ~~مقدما أن فئة أخرى منها لها مصدر خارجي، ومجرد كون المرء قادرا على أن يجزم ~~عن مصدر الأحلام على هذا النحو من اليقين، يعني أن هذه الأحلام مميزة عن ~~إدراكات أخرى بصفة خاصة بها، وهذا يتضمن القول بأن لهذه الإدراكات الأخرى طبيعة ~~مقابلة، أي خارجية. ~~(2) # والوجه الثاني للحجة، أي ذلك الذي يؤدي فيه إلى نقد للإدراك الحسي من حيث هو ~~مصدر للمعرفة، يهدم نفسه بنفسه، فمثل هذا النقد يتضمن - بطبيعة الحال - القول ~~بأن المعرفة المستمدة من الذهن - لا من الحواس - صحيحة، ولو سلم المرء بذلك ~~لكان عليه أن يفترض أن الأحلام - بوصفها ظواهر ذهنية - ينبغي أن تكون أدق من ~~الإدراكات الحسية، على حين أنها في واقع الأمر حافلة بالتناقض، هذا التفنيد ~~ينبغي أن يرد إلى «لوك»، وإن كان قد أتى به في سياق مخالف، # 15 # والواقع أن هذا الوجه من الحجة يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مضادة ~~تماما لما تقول به الحجة ذاتها، فمن الممكن أن يقال: إن تناقض الأحلام دليل ~~على الخلط والاضطراب الذي ينتج كلما فقد الذهن صلته بالعالم الخارجي ولم يستعن ~~بالحواس في إدراكه. ~~(3) # أما الوجه الثالث لحجة الأحلام، وهو الوجه الذي تغدو فيه الحجة جزءا لا ~~يتجزأ من النظرة المثالية الذاتية إلى العالم، ويعجز فيه الفيلسوف عن إيجاد ~~تمييز قاطع بين الحلم ms155 واليقظة، أما هذا الوجه فلا يفيد فيه أي تفنيد نفساني، ~~فمن العبث أن يؤكد المرء أن حالة اليقظة أوضح وأكثر حيوية من الحلم، أو أن من ~~الممكن - عن طريق الاختبار الواعي - التمييز بين ما هو حلم وما هو يقظة، على ~~أساس أن اليقظة وحدها هي التي تصمد لهذا الاختبار؛ ذلك لأنه سيظل من الممكن ~~دائما الإتيان بأمثلة لأحلام لا تقل حيوية ووضوحا عن أي حادث يمر بنا أثناء ~~اليقظة، أما الاختبار الواعي لحياة اليقظة، فلا يمكن أن يحدث إلا بالنسبة إلى ~~«اللحظة الحاضرة» في هذه الحياة، ومن المحال أن يطبق على حادث مضى لكي ندرك ~~أن ذلك الحادث كان حلما أم حقيقة. # أما معيار الارتباط العلي - كما قال به كانت - فلا شك في أنه معيار سليم، بشرط أن يسبقه ~~تفنيد منطقي لفكرة «الحلم المتصل»؛ ذلك لأن الاعتراض الجدي الوحيد على المعيار الذي وضعه ~~كانت، هو ذلك الاعتراض الذي يثير إمكانية كون الحياة بأسرها حلما طويلا متصلا، فإذا أمكن ~~استبعاد هذا الاحتمال منطقيا، أي إذا ثبت منطقيا أن الأحلام تقترن دائما بواقع ولا ~~يمكن أن تكون شاملة أو تشغل وحدها حياة الإنسان، فعندئذ يغدو معيار كانت - وهو معيار ~~الارتباط العلي - هو الأصلح في التمييز بين هذين الوجهين للحياة بعد أن يثبت ضرورة وجودهما ~~معا. # وهكذا يتضح أن مهمتنا الرئيسية - في هذا الصدد - هي الإتيان بتفنيد منطقي للرأي القائل ~~بأن الحياة قد تكون حلما متصلا، أعني إثبات أن هذه الإمكانية لا يمكن أن تثار في أي بحث ~~فلسفي متسق مع ذاته. ~~(1) # وتظهر لدى لوك - مرة أخرى - وسيلة من وسائل تفنيد هذا الوجه للحجة، فإذا كان ~~كل ما حولنا حلما طويلا، فعندئذ تغدو المعرفة والحقيقة مستحيلة، بل إن نفس ~~الشك الذي يعرب عنه من يثير هذا الاحتمال يكون عندئذ حلما، وبالتالي شيئا لا ~~يعول عليه. # 16 ~~(2) # وهناك احتمال آخر مضاد لم يشر إليه أحد من قبل، وإن لم يكن أقل إمكانا من ~~الاحتمال القائل بأن كل شيء قد يكون حلما، فلماذا لا نقول ms156 - على العكس من ذلك ~~- أن الحياة بأسرها، وضمنها الأحلام، هي سلسلة متصلة من الحوادث «الحقيقية»؟ ~~ولنفرض أنني حلمت بأني أرى رجلا ذا رأسين، فهل هناك استحالة منطقية في القول ~~بأنني رأيت «بالفعل» رجلا كهذا؟ إننا على استعداد للتسليم بجميع الحجج المؤيدة ~~للرأي المضاد: أعني القول باستحالة وجود تمييز منطقي بين الأحلام واليقظة، وبأن ~~الحلم قد تكون له نفس حيوية أية تجربة «حقيقية» ... إلخ، كل هذه الحجج يمكن أن ~~تستخدم - في الواقع - لتأييد الرأي المضاد، القائل: إن كل ما يحدث في ~~الأحلام قد يكون «حقيقيا» شأنه شأن أي شيء آخر، أما عن امتناع هذا القول ~~الأخير، فلست أظنه أكثر امتناعا من الفرض القائل أن كل شيء قد يكون ~~حلما. # وهكذا فإن نفس المقدمات التي تؤدي إلى فكرة «الحلم الشامل» يمكن أن تؤدي ~~أيضا إلى نتيجة مضادة تماما هي «انعدام الحلم» أو «الحقيقة الشاملة»، فإذا ما ~~وجه المثالي بهذا الاحتمال المضاد، فسوف يضطر هو ذاته إلى البحث عن وسيلة ~~للتمييز بين الحلم وبين حياة اليقظة، وبذلك يتخلى عن فكرة الحلم الشامل. ~~(3) # والتفنيد المنطقي الحاسم للفكرة القائلة إن الحياة قد تكون حلما متصلا، أو ~~إنه ليس ثمت تمييز قاطع بين الحلم والواقع، هو أن لفظي الحلم والواقع أو اليقظة ~~لفظان متضايفان لا يتصور أحدهما دون الآخر، فمن المستحيل «لغويا» الكلام عن ~~حلم بلا واقع، ونفس معنى لفظ «الحلم» مستمد من تقابله مع الواقع، ومن المحال ~~تصور الحلم إلا مغلفا بالواقع ومحاطا به. # هذه هي الحقيقة البسيطة التي غابت على «مناطقة» مثل برتراند رسل، فإذا كانت تؤدي بنا إلى ~~استرداد ثقتنا بالعالم - الذي «لا يمكن» أن يكون حلما متصلا - فعندئذ يمكن استخدام معيار ~~الارتباط العلي «بعد» استبعاد إمكانية كون العالم حلما شاملا. # وينبغي أن نذكر ها هنا أن هذا التفنيد المنطقي لا يقتصر أثره على حجة الأحلام وحدها، بل ~~إنه ينطبق على أية حجج تثير إمكانية وجود خداع شامل في المعرفة البشرية، فالتعبير «خداع ~~شامل» شأنه شأن التعبير «حلم متصل» هو تناقض في الألفاظ، ms157 ومجرد كوني أستطيع التحدث عن حلم ~~أو خداع، يعني أن لدي المعيار الذي أميزهما به بما هما كذلك، وكوني أدرك الخداع على أنه ~~خداع، أو الحلم على أنه حلم، يعني أن في وسعي تجاوز حالة الخداع أو الحلم، وهذا - في ذاته - ~~تفنيد للحجة. # وهكذا فإن ظاهرة الإدراك في حلم أو الإدراك الخادع ينبغي أن تستخدم، لا من أجل نقد ~~المعرفة البشرية أو التشكيك فيها، بل من أجل دعمها وتأييدها، طالما أن الكلام عن الحلم أو ~~الخداع يفترض مقدما وجود الواقع والحقيقة، ومعنى ذلك أن على الفيلسوف - حتى قبل أن يتجاوز ~~مرحلة الشك، وحتى قبل أن يصل إلى نقطة بداية يعدها ثابتة راسخة كالكوجيتو - أن يرفض مقدما ~~إمكانية كون العالم حلما متصلا؛ إذ إن المنطق المجرد يحتم عليه بالأحرى أن يقول: الخداع ~~موجود «إذن» فالحقيقة موجودة، أو أنا أحلم «إذن» فالواقع موجود. ms158