######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.Nietzsche.Hindawi95793586 #META# Tags: philosophy :: biographies #META# ID: 95793586 #META# Title: نيتشه #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # حياة نيتشه‏ # 1 - الفكر والحياة‏ # 2 - وقائع حياته‏ # 3 - نيتشه وفاجنر‏ # فلسفة نيتشه‏ # 1 - نيتشه الفيلسوف‏ # 2 - انقلاب القيم‏ # 3 - المعرفة والحياة‏ # 4 - الأخلاق‏ # 5 - فلسفة نيتشه الاجتماعية‏ # 6 - الدين والعود الأبدي‏ # نصوص مختارة من مؤلفات نيتشه‏ # مدخل إلى مؤلفات نيتشه‏ # 1 - أصل المعرفة‏ # 2 - إلى دعاة إنكار الذات‏ # 3 - [أخلاق السادة وأخلاق العبيد]1‏ # 4 - العلاء على الذات‏ # 5 - وسيلة السلام الحقيقي‏ # 6 - المسجونون‏ # المراجع‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # حياة نيتشه‏ # 1 - الفكر والحياة‏ # 2 - وقائع حياته‏ # 3 - نيتشه وفاجنر‏ # فلسفة نيتشه‏ # 1 - نيتشه الفيلسوف‏ # 2 - انقلاب القيم‏ # 3 - المعرفة والحياة‏ # 4 - الأخلاق‏ # 5 - فلسفة نيتشه الاجتماعية‏ # 6 - الدين والعود الأبدي‏ # نصوص مختارة من مؤلفات نيتشه‏ # مدخل إلى مؤلفات نيتشه‏ # 1 - أصل المعرفة‏ # 2 - إلى دعاة إنكار الذات‏ # 3 - [أخلاق السادة وأخلاق العبيد]1‏ # 4 - العلاء على الذات‏ # 5 - وسيلة السلام الحقيقي‏ # 6 - المسجونون‏ # المراجع‏ # | نيتشه # | نيتشه # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة الطبعة الثانية # عشر سنوات مضت منذ أن ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى، عشر سنوات حاسمة في عمر العالم، وفي ~~عمر الوطن، وفي عمر الفرد. في هذه السنوات العشر ازداد العالم تباعدا عن تفكير نيتشه وعن كثير ~~مما يمثله تفكير نيتشه، وازداد وقع القضايا التي أثارها هذا الفيلسوف المنعزل غرابة على الآذان. ~~وعلى الرغم من أن العالم كان يشهد من آن لآخر فترات انتعشت فيها فلسفة نيتشه بعد موته، فإن ~~الشواهد كلها تدل على أن من الصعب أن تصل تعاليمه مرة أخرى إلى مثل هذا الازدهار، أو أن تثير ~~موجة أخرى من موجات الحماسة الجارفة التي مر بها العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين، ~~وأكاد أقول: إن نيتشه الذي ظل «مفكرا حيا» حتى أواسط هذا القرن، يتحول الآن تدريجا، ~~وبحركة بطيئة قد لا يشعر بها الكثيرون، إلى «فيلسوف تاريخي». # على أن هذا التحول في موقع نيتشه من العالم المعاصر، أو في موقف العالم المعاصر منه، لا ~~يدفعني إلى أن أعيد النظر ms001 في شيء مما قلته عن نيتشه من قبل. فقد ألفت هذا الكتاب وفي ذهني صورة ~~محددة لنيتشه، عرضت معالمها العامة في مقدمة الطبعة الأولى؛ وهي صورة ما زلت أعتقد اليوم أنها ~~أقرب إلى الصواب. ولو كنت قد نشرت هذا الكتاب لأول ~~مرة في أيامنا هذه، لكان من الجائز أن تجيء بعض فصوله أوسع نطاقا وأكثر إسهابا مما هي عليه، ~~ولكني ما كنت لأغير شيئا من الأفكار الرئيسية الموجودة فيه، أو من الموقف العام الذي اتخذته من ~~هذا المفكر. ومن هنا آثرت أن يعاد طبع الكتاب على ما هو عليه؛ فيما عدا بعض التصويبات المطبعية ~~واللغوية الشكلية. ~~••• # ولكن، ماذا عسى أن تكون مبررات القول بأن العالم يزداد تباعدا عن نيتشه يوما بعد يوم، وأن ~~كل عام يمر يزيد من غرابة وقع كلماته على الآذان؟ إن نيتشه كان قبل كل شيء مفكرا حضاريا، ~~ورسالته في الحياة لم تكن رسالة فيلسوف صاحب مذهب نظري، وإنما كانت أساسا رسالة ناقد للحضارة ~~التي يعيشها. وعلى الرغم من كل ما امتازت به نظرته إلى الحضارة الأوروبية المعاصرة له من عمق ومن ~~قدرة على النفاذ إلى أبعد الأغوار، فإنه كان ابنا لحضارة لم تكتمل؛ فنيتشه نتاج أصيل للقرن ~~التاسع عشر، وما كان في وسعه، وهو يعيش في ذلك القرن، أن يصدر حكما دقيقا شاملا على الحضارة ~~الغربية المعاصرة له، لسبب واضح هو أن تلك الحضارة كانت تمر بفترة انتقال إلى عهد جديد لم تكن ~~عناصره قد اكتملت بعد، بل لم يكن بعضها قد ظهرت بوادره أصلا. # ففي القرن التاسع عشر كان النمط الفكري الشائع - في ميدان الفلسفة الحضارية - هو النمط القلق ~~المضطرب، ولم يكن من المستغرب على الإطلاق أن تظهر نماذج شاذة لمفكرين يدعون إلى الفردية ~~المطلقة، أو إلى الفوضوية، أو إلى القومية الضيقة الأفق؛ إذ إن اضطراب التفكير وعدم استقراره كان ~~أمرا طبيعيا في عصر انتقل فيه العالم الغربي من حياة قديمة إلى حياة جديدة، دون أن يدرك ~~المعالم الكاملة لتلك الحياة الجديدة أو يستكشف أبعادها ms002 الحقيقية أو يهتدي بوضوح إلى طريقه ~~خلالها. في ذلك القرن اختفت طبقات كاملة - طبقات النبلاء والأشراف والإقطاعيين الوراثيين - وظهرت ~~طبقات جديدة لم يكن لها من قبل أي صوت مسموع - طبقات العمال وأصحاب الأعمال - وكان هذا التغيير ~~الأساسي مقترنا في البداية باختفاء بعض المعالم الثقافية التي كان يرعاها النبلاء، وظهور معالم ~~أخرى أكثر ملاءمة للطبقات الناشئة التي لا تتميز بعراقة الأصل أو بامتداد جذورها في الماضي ~~البعيد. وكان من الواضح أن تحولا ضخما يطرأ بالفعل على حياة الإنسان الأوروبي، ولكنه بدا ~~للكثيرين عندئذ تحولا إلى الأسوأ، وخيل إليهم أن التاريخ يتدهور وأن القيم تنهار، وأن ~~العصر الجديد لن يكون إلا عصر التفاهة والسطحية والابتذال. كان ذلك إذن «عصر تجربة» بكل ما تحمله ~~هذه الكلمة من معان، ولم يكن من الممكن أن تثمر البذور التي غرست في القرن التاسع عشر إلا في ~~القرن العشرين، بل إن بعضها لم يؤت ثماره كاملة إلى اليوم. وعلى أية حال فإن الرؤية قد أصبحت ~~الآن واضحة، ومعالم الطريق قد استبانت، والتجارب قد تبلورت، وبدأ يتحقق ما كان في القرن الماضي ~~مجرد «مشروع» مبهم. # ولقد كان نيتشه يفخر دائما بأنه يتحدث للمستقبل، وبأن أفكاره لن تفهم إلا بعد مائة عام. ~~وقد تكون بعض اتجاهاته الفكرية سابقة لأوانها بالفعل؛ غير أن موقفه العقلي العام، ونظرته إلى ~~الحضارة الغربية بوجه خاص، تبدو لنا اليوم متخلفة عن ركب العصر إلى حد بعيد. إن الإنسان ~~الأرقى، أو «ما فوق الإنسان»، كما تصوره نيتشه، لن يظهر بوصفه امتدادا وارتقاء للفرد ~~الأرستقراطي المنعزل، بل إن الشواهد كلها تدل على أنه سيظهر من «المجموع»؛ من أولئك الذين كان ~~نيتشه يعدهم عبيدا لا سادة. والصراع الثقافي والأخلاقي والفني في عصرنا الحالي لا يحمل شيئا ~~من آثار «تنبؤات» نيتشه، وإنما يسلك طرقا لم يكن في مقدوره أن يتنبأ بها على الإطلاق. # ومع كل ذلك، فإن نيتشه سيظل دائما مفكرا يقرأ الناس له ويقرءون عنه بشغف واهتمام. ومهما ~~تباعد تيار العصر عن أفكاره الأصلية، فسيظل الناس يجدون ms003 متعة في كتابات ذلك المفكر الذي لا ~~يستطيع أحد أن ينكر إخلاصه حتى للقضايا الخاسرة، والذي نادى الإنسان بأسلوب غنائي رائع، ~~وتغلغلت بصيرته النفاذة في أعماق النفس البشرية، وخاطبنا بصراحة لا تخلو من القسوة، وعالج ~~كثيرا من أمراضنا التقليدية المزمنة بطريقة الصدمات العنيفة المفاجئة. إن نيتشه يمثل نمطا ~~فريدا من المفكرين والكتاب، نجد متعة في الرجوع إليه من آن لآخر، وقد نجد في بعض الأحيان ~~صعوبة في الامتناع عن الانسياق وراءه والاستسلام لتياره الجارف، ولكن من علامات الاتزان العقلي ~~أن نلتزم جانب الحذر إزاءه؛ إذ إنه كان - إلى حد بعيد - مراهقا في عنفه ورومانسيته، ولا بد ~~للعقل الناضج أن يتجاوز دور المراهقة الفكرية. # فؤاد زكريا # القاهرة في 15 مارس 1966م # | مقدمة الطبعة الأولى # لي مع تفكير نيتشه # Nietzche # قصة ما كنت أرويها للقارئ إلا ~~لعلمي أنها قصة الكثيرين معه؛ فمنذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، قدمت بحثا جامعيا بعنوان: «النزعة ~~الطبيعية عند نيتشه»، عرضت فيه فلسفته عرضا حاولت أن يكون موضوعيا إلى أبعد حد. واليوم، حين ~~أعود بذاكرتي إلى هذا البحث، أتساءل: كيف أمكنني أن أوافق نيتشه على آرائه هذه؟ ذلك لأن صوت ~~نيتشه، الذي بدا لي في ذلك الحين معبرا عن موقف الإنسان في عصرنا الحالي تعبيرا أمينا، أصبح ~~اليوم يبدو لي بعيدا عن هذا الموقف كل البعد. أصبح مجرد صدى خافت، لا يلبث أن يتلاشى رنينه في ~~موجات الزمان. وأخذت أفكر في هذا التغير الذي طرأ على نظرتي إلى نيتشه؛ فهل يعقل أن يناقض ~~الإنسان نفسه في مثل هذه الفترة القصيرة إلى هذا الحد؟ ولكنني سرعان ما اهتديت إلى التبرير، ولم ~~يكن ذلك تبريرا لموقفي من نيتشه، بقدر ما كان تبريرا لموقف نيتشه من عالمنا الحاضر. # فما الذي نأخذه اليوم على نيتشه؟ إننا نأخذ عليه، قبل كل شيء، نزعته إلى اللامعقول، وإلى ~~الفردية المفرطة. والأمران مرتبطان؛ ذلك لأن العقل هو أساس اتفاق الناس وتوحيد اتجاهاتهم، وما إن ~~تستقر عقولنا على فكرة معينة، حتى تقف كلها من الفكرة موقفا ms004 واحدا. أما المشاعر ~~والانفعالات، فهي بطبيعتها فردية، تتباين من شخص إلى آخر؛ وعلى ذلك فهي أساس للتفرق والتميز. ~~وهكذا نجد الفلسفات العقلية تصطبغ على الدوام بصبغة العمومية، بينما تصطبغ الفلسفات اللاعقلية - ~~أعني المبنية على المشاعر في مقابل العقل - بصبغة فردية. وبالمثل، فمن المحال أن نجد فيلسوفا ~~ينادي بالفردية المطلقة، ويكون ذا اتجاه عقلي، بينما تغلب النزعة العقلية على من يضعون ~~للإنسانية مثلا عامة مشتركة. فوقع كلمات نيتشه يبدو اليوم غريبا على آذاننا لأن نغمته ~~الأساسية هي التي تدعو إلى اللامعقول، وإلى الفرد المطلق. ومع ذلك، فقد حاولت من قبل أن أستخلص ~~من فيلسوف اللامعقولية هذا نوعا من المذهب المترابط المتماسك الأطراف، وأن أكشف الخيط الجامع بين ~~شعاب فلسفته المتفرقة. وعلى هذا النحو تبينت أنني لم أكن متناقضا مع نفسي؛ فقد التزمت جانب ~~المعقول على الدوام، حتى في بحثي لأعنف الفلاسفة نقدا للعقل. # ولكن، هل ينبغي علينا أن نتخذ من نيتشه موقفا كهذا على الدوام؛ أعني أن نستخلص من فلسفته ~~العناصر المشتركة الموحدة الهدف، ونغفل العناصر الأخرى، المتنافرة المتضاربة؟ الواقع أن لهذا ~~التنافر والتضارب ذاته مغزاه العميق. والمهمة الكبرى بالنسبة إلى دارس نيتشه في عصرنا الحالي ليست ~~هي أن يتساءل: هل كان نيتشه فيلسوفا عقليا، فرديا، متناقضا مع نفسه؟ وإنما أن يتساءل: ~~«لم» كان نيتشه فيلسوفا لا عقليا، فرديا، متناقضا مع نفسه؟ فإذا توصلنا إلى مثل هذا ~~التعليل، فعندئذ تكون المشكلة كلها قد حلت. # والحق أن الحملة على العقل كانت في وقت ما مظهرا من مظاهر التحرر الفكري، بل من مظاهر ~~تكريس الفكر من أجل التقدم بالإنسانية؛ ذلك لأن العقل كان في ذلك الحين مبدأ مضادا للحياة، ~~يحمل على الطبيعة الإنسانية، ويحارب الواقع ويدعو إلى الهروب منه، كان ذلك في الوقت الذي ظن ~~فيه أن للعقل مبادئه الثابتة التي ينبغي أن يخضع لها الواقع، بحيث إنه لو ظهر بينهما تعارض كانت ~~مبادئ العقل هي الصحيحة دائما، وكان علينا أن نفسر الواقع تبعا لما تقضي به هذه المبادئ. في تلك ~~الفترة الكلاسيكية ms005 كان ينظر إلى العقل إذن على أنه ملكة رفيعة ذات محتوى فطري، مصدره إلهي ~~مباشر؛ فهو ليس قوة تيسر للمرء سبيل السلوك في هذه الحياة، بل هو قوة تعلو على هذه الحياة ~~وتترفع عنها وترسم لها خطتها مقدما. وهكذا أدرك المفكرون الأحرار، في وقت من الأوقات، أن ~~العقل قوة مضادة للطبيعة، تعوق الإنسان عن ممارسة ملكاته وإطلاق قواه في هذا العالم، وتربطه ~~بعالم آخر فيه من الجمود والأزلية والثبات ما لا تطيقه طبيعة البشر، ولا يعرفه الواقع ~~الإنساني؛ ومن هنا كانت حملتهم على العقل، ودعوتهم إلى اللامعقول. # فمثل هذه الدعوة إلى اللامعقول كانت إذن - في الوقت الذي ظهرت فيه - دعوة حرة ترمي إلى ~~أهداف إنسانية خالصة. وموقفنا بإزاء مثل هذه الدعوات لا ينبغي أن يبنى على تلك الثنائية ~~القاطعة، التي تؤكد أن الدعوة إلى العقل خير وإلى اللامعقول شر. فمثل هذا التقويم المطلق يغفل ~~الظروف الخاصة التي مر بها الفكر الإنساني في مختلف عصوره، ويتجاهل أن دلالة الاتجاه إلى العقل قد ~~تغيرت، ويحكم على التاريخ من خلال منظورنا الحالي وحده. وهكذا يكشف لنا مثل هذا التحليل أن ~~النزعات الرومانتيكية في مظاهرها المختلفة - ومن ضمنها تفكير نيتشه في اتجاهه إلى اللامعقول - قد ~~أدت إلى البشرية، بالنسبة إلى عصرها، خدمات جليلة، وساهمت مساهمة كبرى في السير بها إلى ~~الأمام؛ إذ ساعدت على تقويض صرح العقل بمعناه القديم؛ معنى الأزلية والثبات الأبدي، والعلو على ~~الواقع والحياة. # على أنه إذا كان من الخطأ أن تحمل على هذه النزعات من خلال حكم عام مستمد من ظروف عصرنا نحن، ~~فليس أقل من ذلك خطأ أن نتحمس لها حتى نعممها على عصرنا ذاته. فإذا قلنا إن الاتجاه إلى اللامعقول ~~كان في وقت من الأوقات اتجاها إنسانيا سليما. فليس معنى ذلك أن هذا الحكم ينسحب عليه في عصرنا ~~الحالي؛ ذلك لأن الحملة على العقل بمعناه القديم قد أدت إلى نتيجة كبرى، هي إعطاء معنى جديد له، ~~بحيث لم يعد قوة مضادة للطبيعة أو عالية على الواقع، وإنما أصبح ms006 هو ذاته تعبيرا عن الإيقاع ~~المنتظم للطبيعة وللواقع؛ فهو قوة تخدم الحياة وتنظمها. وليس قوة مترفعة تفرض عليه من مصدر ~~عال، وإني لأذهب إلى أن الاتجاهات الرئيسية في العلم والفكر الحديث إنما كانت ، في صورتها الأخيرة، ~~تدعيما لهذا المعنى الجديد للعقل. # وحين يصبح للعقل مثل هذا المعنى، وحين يغدو وسيلة تعين على تقدم الإنسان لا عائقا يقف ~~في وجه هذا التقدم، فعندئذ لا يعود ثمة مبرر للحملة على العقل وللعودة إلى مبدأ اللامعقول مرة ~~أخرى، بل تغدو مثل هذه الحملة مظهرا من مظاهر التأخر الفكري فحسب. # وفي ضوء هذا التحليل ينبغي أن يكون موقفنا من تفكير نيتشه؛ فعلينا أن ندرك أن نزعته اللاعقلية ~~كانت تبدو ضرورية، بالنسبة إلى عصره وإلى الفهم السائد فيه وقبله، للعقل. أما بالنسبة إلى عصرنا ~~الحالي، فلا بد أن نقابل مثل هذه الحملة بالنقد. # ومثل هذا يمكن أن يقال على نزعة نيتشه إلى الفردية؛ ففي عصور التحول الكبرى - ولا جدال أن ~~القرن التاسع عشر كان من هذه العصور - تضيق النفوس الحرة بالمثل السائدة، ولكنها لا تدري إلى ~~أين تسير، فلا تجد أمامها إلا الترفع والانعزال والدعوة إلى الفردية؛ فالاتجاه الفردي، وتمجيد ~~الأرستقراطية والترفع، ليس إلا تعبيرا عن هذا الضيق بالأحوال السائدة. ولا شك في أن هذا التعبير ~~سلبي تماما، فضلا عن أن نيتشه قد بالغ فيه كل المبالغة، ومع ذلك فدلالته الحقيقية هي السخط على ~~كل ما هو شائع، والهرب من الأوضاع الباطلة، والاعتصام في قلاع الفردية والأرستقراطية. وقد يكون ~~لمثل هذا الحل ما يبرره في فترة معينة، ولكن تعميمه على كل الفترات والعصور، والاعتقاد بأنه ~~سيظل هو الحل الأمثل لمشكلة الإنسان الفكرية؛ يعني أننا قد حكمنا على الإنسان بالسلبية إلى ~~الأبد. # ولنستخلص النتيجة الضرورية لكل هذه المقدمات؛ فنيتشه قد سار في الاتجاه إلى اللامعقول، وإلى ~~الفردية، لأن عصره كان يقتضي منه ذلك. وإذن فنيتشه هو ابن العصر، مهما قال عنه أصحاب النزعات ~~الأدبية والشعرية في التفكير، ومهما وصفه كهنة الفلسفة، مثل كارل ~~ياسبرز # K.Jaspers ~~، بأوصاف ms007 الاستثناء المطلق. وإذا كنا نحس في كل صفحة مما كتبه بنفوره من ~~عصره، وبعده عن ظروف الجماعة التي تعيش حوله، وبحثه عن مثله العليا في عصور ماضية بعيدة، فما ~~ذلك إلا لأن الصورة المنفرة التي رسمها عصره في أذهان مفكريه قد أرغمته على أن يهرب منه، ويحلق ~~بتفكيره بعيدا عنه. # وأخيرا، فقد قلت في مستهل هذه المقدمة إن قصتي مع نيتشه هي قصة الكثيرين. ولست أشك في أن ~~المرء، إذا بدأ حياته العقلية بداية سليمة، سيشعر حتما بحاجته إلى مفكر ثائر على الأفكار ~~والمثل السائدة، يدعو إلى تحطيمها بقسوة وعنف، ولا يعرف في ذلك توفيقا أو مهادنة؛ وعندئذ لن ~~يجد المرء خيرا من نيتشه في ثورته، ولن يجد عونا له خيرا من مطرقته التي هدم بها أصنام العصر؛ ~~غير أن فترة الثورة هذه تعقبها - في كل تطور طبيعي سليم - فترة البناء الإنساني الهادئ. وعندئذ ~~لن يجد المرء في نيتشه مرشدا له؛ إذ إن قدرته كلها تنحصر في حملاته ذات النتيجة السلبية وحدها. ~~فإذا سار تطورنا الفكري في طريقه الصحيح، فلا جدال في أننا لن نقنع بما قال به نيتشه طويلا، ~~وسنبحث عن مثل إيجابية أخرى لا يرشدنا تفكيره إليها، ومع ذلك سنظل نذكر دائما صيحة الاحتجاج ~~الأولى التي لا بد أن يبدأ بها كل تطور عقلي سليم. # فؤاد زكريا # | حياة نيتشه # الفصل الأول # | الفكر والحياة # شيء واحد اتفق عليه كل من كتبوا عن نيتشه، وأكده هو ذاته في كتاباته؛ وأعني به أن ~~فلسفته قد امتزجت بحياته وأصبحت تكون قطعة منها، وأنه يتفلسف بكيانه كله، وبوجوده الكامل، ~~ولا يتفلسف نظريا، أو يفكر في مشاكل تجريدية جامدة فقدت صلتها بالحياة. وهكذا كان نيتشه ~~يمثل نوعا فريدا من الفلاسفة؛ نوعا يجعل حياته في هوية مع فكره، ويقضي على كل حد فاصل ~~بينهما، ولا يثق بأية مشكلة عقلية لا تسري مع الحياة في تيارها، ولا تنبع من أعماق شخصية من ~~يفكر فيها. # ولسنا ندعي أننا سوف نخرج على هذا الإجماع، ونقرر أمرا مخالفا لما ms008 شهد به نيتشه ذاته، ~~وأكده كل الباحثين عنه؛ غير أننا نود أن نوضح المعنى الحقيقي لهذا الاتفاق بين حياة الفيلسوف ~~وتفكيره، وأن نستخلص الدلالة الصحيحة لتلك الفلسفة التي تنبع عن الحياة، وتتقلب معها في كل ما ~~يطرأ عليها من تغيرات. # ذلك لأن القول بأن فكر الفيلسوف في هوية مع حياته، وبأن كل الحدود الفاصلة بينهما قد ~~أزيلت، هذا القول لا يوضح الأمور كثيرا؛ فمن الممكن أن تكون حياة الفيلسوف سائرة في مجراها ~~الطبيعي، ويكون تفكيره تابعا لهذه الحياة، مستمدا كله منها، ومما اكتسبه من خبرات فيها، ومن ~~الممكن أيضا أن يكون تفكير الفيلسوف هو الأصل، وتكون حياته كلها دائرة حول محور هذا التفكير؛ ~~في الحالتين تكون حياة الفيلسوف هي وتفكيره شيئا واحدا، ولكن شتان ما بين الموقفين. # إن الشخصية الأولى شخصية ذات تجارب زاخرة، وحياتها مليئة بالخبرات الواقعية التي ~~تزيدها عمقا على الدوام، وتظل هذه التجارب والخبرات منطلقة في طريقها الطبيعي، لا يعوقها شيء، ~~ولا يحول بينها وبين الحركة الدائمة حائل، ومن خلال هذه التجارب الممتلئة المتجددة، ينمو تفكير ~~الفيلسوف، وعليها يتغذى كأي كائن حي. فإذا ما تسنى لك أن تطلع على هذا التفكير مدونا، ~~لما وجدته إلا ثمرة لتجارب الفيلسوف التي تستمد من الحياة التلقائية وتكتسب من الواقع ~~المتجدد. # أما الشخصية الثانية فهي ضحلة التجارب، صلتها بالواقع الحسي هزيلة، وخبرتها بالحياة ~~سطحية؛ غير أن هذا الافتقار إلى التجربة الحية يعوضه عندها تجسيم للمشاكل الفكرية وإضفاء ~~الحياة عليها؛ فالمفكر في هذه الحالة منعزل عن الحياة، زهدا فيها أو عجزا عن مجاراتها، ولكنه ~~إذ فقد صلته بما هو حي واقعي، يخلق حياة جديدة من فكره، وينفخ في مشاكله العقلية من روحه. فإذا ~~بالحياة تنبض في هذه المشاكل. وإذا بها كائنات حية يتعامل معها كما لو كان يتعامل مع الأحياء ~~ذاتهم، وهنا أيضا تكون حياة الفيلسوف وتفكيره شيئا واحدا؛ غير أن الأصل هنا هو الفكر، وما ~~الحياة إلا صفة أضفاها هو على هذا الفكر، وظل تابع له. # وأحسب أن الناس إذا صادفوا ms009 مفكرا يوصف تفكيره بأنه قطعة من حياته، وبأنه ساير هذه ~~الحياة ولم ينفصل عنها، كان أول ما يتبادر إلى ذهنهم هو المعنى الأول، وظنوا أنهم إزاء شخصية ~~استمدت فلسفتها من واقع حياتها الزاخر بالتجارب . وهذا بالفعل هو أول ما يطرأ على الأذهان كلما ~~رددت أمامها هذه العبارة العامة، القائلة إن فلسفة نيتشه إنما استمدت من حياته ومن وجوده ~~الشخصي؛ غير أن في هذا سوء فهم ينبغي أن نحذر الوقوع فيه؛ فنيتشه في واقع الأمر فيلسوف من ~~ذلك النمط الآخر، الذي جعل فكره حيا عن طريق إثراء الفكر وبعث روح الحياة فيه، لا عن طريق ~~إثراء الحياة واستخلاص الفكر من حكمة تجاربها. وهو لم يقف أمام الحياة وجها لوجه، بل وقف أمام ~~أفكار ومشاكل أحياها ذهنه، وحلت لديه محل الواقع المباشر الذي نتعامل معه في تجربتنا الحية، ~~وكانت الفكرة الواحدة لديه قادرة على أن تبعث فيه الغضب والثورة أو الراحة والسرور، وكل المشاعر ~~التي لا تبعثها فينا عادة إلا المواقف الواقعية الحية. # وهنا نجد أنفسنا إزاء نتيجة غريبة كل الغرابة؛ ذلك لأن هذا المفكر الذي كان يسخر من كل ~~فيلسوف تجريدي، ويؤكد أن أحط صور الإنسان وأكثرها تشويها هي صورة «الإنسان النظري»؛ هكذا ~~المفكر نظري بدوره، تجريدي هو الآخر، وتفكيره إنما هو وجه من أوجه نشاط عقله الخالص؛ ألم نقل إن ~~تجاربه الحية هزيلة، وإن حياته كلها كانت تدور حول محور الفكر، الذي هو أساسها، وهو الذي يعطيها ~~معناها؟ وماذا يكون الإنسان النظري، إن لم يكن إنسانا تتلون حياته بلون مشاكله العقلية، وتدور ~~كلها حول مركز واحد، هو الفكر المنفصل عن الواقع؟ ... # إن نيتشه قد وجه نقده اللاذع إلى أولئك الذين يتفلسفون بين جدران أربعة، وعلى كرسي وثير ~~... فأين كان يتفلسف هو؟ ألم يكن أكثر الناس عزلة وتفردا؟ ألم تكن حياته كلها تسير في طريق ~~موحش، يزداد بعدا عن الناس بالتدريج؟ ألم يكن يفخر بانطوائه، وبترفعه؟ ففي أي شيء يفترق إذن ~~عن تلك العقول التي كانت تنحصر بين أربعة جدران، وتحيا ms010 في جو مفارق لواقع الناس؟ # تلك هي النتيجة الغريبة التي ينتهي إليها تحليلنا السابق. ولكن أكان نيتشه بحق متناقضا مع ~~ذاته إلى هذا الحد الصارخ؟ وهل كان هو الآخر إنسانا نظريا له نفس الصورة المقيتة التي حمل ~~عليها ونفر منها؟ الحق أننا لا نهدف إلى إثبات ذلك، ولا ندعي أن طريقة نيتشه وطريقة ~~كنت # Kant # في التفكير تنتميان إلى نمط واحد، بل إن ~~اختلافهما الأساسي أمر مشاهد لا يحتاج إلى دليل. فكيف نخرج إذن من هذا الموقف المحير، الذي ~~نرى فيه نيتشه من جهة شبيها بالمفكرين النظريين، لترفعه التام على كل ما ينتمي إلى واقع ~~الناس بسبب، ونراه من جهة أخرى مختلفا عن المفكرين النظريين، بما يضفيه على مشاكله من حركة ~~دائمة وانفعال حي؟ # إن حل الإشكال إنما يكون في تلك التفرقة التي وضعناها من قبل بين نوعين من التفكير ~~المرتبط بالحياة: نوع يرتبط بالحياة المليئة الزاخرة، التي تتوالى تجاربها لتكسب التفكير عمقا ~~مستمدا من خبرة عينية واقعية، ونوع تنحصر حياته في مشاكله ذاتها، ويجسد هذه المشاكل ليجعل ~~منها عناصر كاملة للحياة. # هذا النوع الأخير هو الذي ينتمي إليه نيتشه، وهو نوع إذا تعمقنا في تحليله وجدناه يحتل ~~موقعا وسطا بين التفكير النظري الخالص، والتفكير العيني الحي؛ فهو نظري لأن العالم الذي يحيا ~~فيه هو عالم العقل، ولكنه أيضا عيني، لأنه لا يتأمل مشاكله بتلك النظرة الهادئة الباردة التي ~~يتأملها بها المفكر النظري الخالص، ولا يشاهد أفكاره كما يشاهد المرء عرضا مسرحيا لا تربطه ~~بما يجري فيه أية صلة عميقة. وإذن، فإن شئت أن تجري مقارنة بين كنت ونيتشه، لكان لزاما عليك ~~أن تنفي عن العلاقة بينهما صفة التضاد الكامل؛ إذ هما معا فيلسوفان يتعاملان مع مشاكل عقلية ~~صرف يستمدان، أولا تفكيرهما من حياة مليئة وتجارب واقعية عميقة. وكل ما في الأمر هو أن أولهما ~~يتأمل مشاكله بعقل محايد، ويشاهدها وهو في موقف المتفرج، أو الحكم الذي يلاحظ عن بعد دون أن ~~يتدخل في الصراع. أما الآخر، فهو طرف أصيل ms011 في ذلك الصراع، وهو مندمج فيما يحاول أن يحله من ~~المشاكل على نحو تصبح معه هذه المشاكل هي وحدها قوام حياته. ومن جهة أخرى. فإذا أجرينا مقارنة ~~بين تفكير نيتشه وبين مفكر ينتمي إلى ذلك النمط الآخر، الذي توجه حياته المنطلقة تفكيره وتحل ~~له مشاكله، لوجدنا أن حياة نيتشه لم تكن هي التي تقود تفكيره، بل كان تفكيره هو الذي يقود ~~حياته. وبينما يكون في وسعنا في الحالة الأخرى أن نلقي ضوءا ساطعا على الفكر إذا درسنا ~~الحياة، فإننا في حالة نيتشه نستطيع - على العكس من ذلك - أن نفهم كل تفاصيل الحياة إذا درسنا ~~الفكر. # ومجمل القول إن تلك الهوية القائمة بين الحياة والفكر عند نيتشه، لا تعني أن تفكيره يستمد ~~من حياته، وإنما تعني أن حياته هي التي تستمد من تفكيره. # هذه الحقيقة الأولى، التي حرصنا على إيضاحها في مستهل حديثنا عن حياة نيتشه، ترسم لنا ~~المنهج الذي ينبغي أن نتبعه في دراسة هذه الحياة؛ فالوقائع الخارجية في حياة نيتشه قليلة. وليست ~~لها أهمية خاصة. وأهم وقائع تلك الحياة ترتد في نهاية الأمر إلى مشاكل فكرية. وعلى ذلك فسوف نمر ~~سريعا بتلك الحوادث الخارجية، حتى نفسح المجال لبحث المشاكل الحقيقية التي تحكمت في حياته، ~~وطبعت فلسفته كلها بطابعها الخاص. # الفصل الثاني # | وقائع حياته # في أواسط القرن التاسع عشر، وعلى التحديد في 15 أكتوبر من عام 1844، ولد نيتشه في ~~ريكن # Rœcken # وهي بلدة صغيرة قرب ليبتسج. وأهم ما ينبغي أن ~~نذكره عن أسرته أن أجداده لأبيه؛ أعني عائلة نيتشه، كان معظمهم من رجال الدين، وكذلك تنحدر أمه ~~من أسرة إيلر # Œhler # وهي بدورها أسرة شغل كثير من أفرادها ~~مناصب دينية. وهكذا كان الدين يلعب دورا أساسيا في طفولة ذلك الذي أسمى نفسه «عدو المسيح»، ~~والذي كرس جهد حياته ليوجه إلى الروح الدينية أعنف نقد تعرضت له خلال ألفي عام. # ويبدو أن وفاة أبيه وهو في سن الخامسة جعلته يرسم له صورة أسطورية، ويمتدح فيها صفات لا شك ~~أنه لم يلمسها ms012 فيه عن كثب؛ إذ لا يعقل أن يكون قد حلل شخصية أبيه وهو دون الخامسة! وعلى أية ~~حال، فقد عاش نيتشه بعد وفاة أبيه في بيئة نسائية خالصة، ولا بد أن هذه البيئة لم تكن تروق ~~له، إذا حكمنا على الأمر في ضوء حملة نيتشه العنيفة على المرأة فيما بعد. # وفي عام 1858 التحق نيتشه بمدرسة بفورتا Pforta ~~، ثم غادرها ~~إلى جامعة بون # Bonn # بعد ست سنوات، وعندما انتقل أستاذه في ~~اللغويات ريتشل # Ritschl # إلى ليبتسج، تبعه نيتشه إليها. وخلال ~~تلك الفترة بدأ اتجاهه يتبلور في دراسة اللغويات والآداب الكلاسيكية، وأخذ ينصرف عن اللاهوت، ~~بعد أن كان في الأصل ينتوي التخصص فيه. وظل نيتشه في الجامعة أربع سنوات، تخللتها فترة خدمة ~~عسكرية انتهت بحادثة. ومن العجيب أن يختار نيتشه في نفس العام الذي أنهى فيه دراسته الجامعية ~~أستاذا لفقه اللغة في جامعة بازل، بعد توصية من أستاذه ريتشل، الذي وصفه لدى المسئولين هناك ~~بأنه عبقري. وهكذا بدأت مرحلة شاذة في حياة نيتشه، هي مرحلة الأستاذية الجامعية. # وفي هذه الفترة اهتدى نيتشه إلى مصدرين أساسيين من المصادر التي استقى منها تفكيره، ودارت ~~فلسفته حولها، إما بالعرض أو بالنقد؛ وأعني بهما شوبنهور # Schopenhauer ~~، وفاجنر # Wagner ~~. أما شوبنهور فسوف ~~يتسع المجال لبحث مدى تأثيره في نيتشه خلال بحث الآراء الفلسفية لهذا الأخير، وأما فاجنر، ~~فسوف نفرد له جزءا خاصا من هذا العرض لحياة نيتشه. # وحين نشبت الحرب السبعينية بين ألمانيا وفرنسا، ساهم نيتشه فيها أولا، فلم يفد منها ~~سوى سلسلة من الأمراض التي انتقلت إليه بالعدوى من الجنود المصابين، وظل يقاسي منها طوال حياته. ~~وكان نيتشه في أول الأمر متحمسا لبني وطنه، ولكن حين أدرك أن الألمان هم الذين بدءوا العدوان ~~حمل على هذه الحرب ونتائجها، وعلى نمو روح التعصب القومي للألمان، واحتقارهم للفرنسيين، الذين ~~كان نيتشه دائم الإعجاب بهم. # ولم يكن نيتشه متحمسا حين عاد لمتابعة ~~إلقاء محاضراته في الجامعة؛ ذلك لأن محاضراته لم تلق النجاح الكافي، بل إن أبحاثه الفيلولوجية ~~المختلفة ms013 في تلك الفترة لم تصادف اهتماما كبيرا، وكذلك الحال في أول كتاب له، وهو «ميلاد ~~المأساة من روح الموسيقى». وبدأت وطأة الأمراض تشتد عليه؛ مما جعله يتوقف في فترات متقطعة عن ~~العمل بالجامعة. # ويبدو أن نيتشه كان في هذه الفترة يوفي دينا لأساتذته؛ ففيها كتب عن شوبنهور، وعن ~~فاجنر، وعن بعض معاصريه، في تلك المجموعة التي أطلق عليها اسم «خواطر في غير أوانها»، فضلا عن ~~الكتاب السابق الذي ألفه متأثرا بفاجنر. # على أنه حين بدأ ينقطع عن الجامعة، ويطوف أرجاء إيطاليا وسويسرا، كان قد تجاوز مرحلة التأثر ~~المباشر بشوبنهور وفاجنر، وبدأت فترة من التأليف العقلي النقدي، ظهر فيها تحرره بوضوح، وبدأ ~~فيها يوجه نقده إلى كل مقومات العصر، فظهر له كتاب «أمور إنسانية، إنسانية إلى أقصى حد» في ~~جزأين، بدأ الأول في سنة 1876، وانتهى من الثاني في سنة 1879. وفي العام التالي، وفي جو ~~فينيسيا المتحرر، كتب نيتشه «الفجر»، ثم بدأت فترة من التأليف الخصب، ظهر له فيها «العلم المرح» ~~(1882)، و«هكذا تكلم زرادشت» (1883-1885)، و«بمعزل عن الخير والشر» (1885)، و«أصل نشأة الأخلاق» ~~(1887). وفي خلال كل ذلك، كان يعد مواد كتابه الأكبر الذي كان ينوي فيه تدوين خلاصة فلسفته ~~بطريقة منهجية منظمة، والذي لم تتح له فرصة إتمامه وتنسيقه، فنشر كما تركه ضمن مؤلفاته ~~المختلفة؛ وأعني به كتاب «إرادة القوة» (1884-1888). وحتى العام الأخير من حياته الواعية، ظل ~~نيتشه يؤلف بغزارة، فأخرج رسالتين عن فاجنر، هما قضية فاجنر، ونيتشه ضد فاجنر. وانتهى عهده ~~بالتأليف بكتاب «هو ذا الرجل! # Ecce homo ~~» الذي عرج فيه على ~~شخصيته هو، فتناولها هي وكتاباته بالتحليل، وكأنه لم يشأ أن ينتهي من التأليف دون أن يعرض على ~~الناس رأيه في نفسه. # وعندما وصل تفكيره إلى هذه القمة، وبلغ في نقده أقصى الحدود التي يمكن ذهنه أن يبلغها، لم ~~يقو عقله على المضي في طريقه، فإذا بأعراض الجنون الحقيقية تظهر عليه؛ ففي ديسمبر سنة 1888 # 1 # وصلت منه إلى أصدقائه خطابات بإمضاء «نيتشه - ~~قيصر»، وتلقت كوزيما - زوجة فاجنر - خطابا منه ms014 يقول فيه: ~~«أريان، إنني أحبك. ديونيزوس» (وهو اعتراف سنفسره فيما بعد)، وبينما كان يسير في شوارع تورين، ~~شاهد فرسا يضربه صاحبه ضربا أليما، فألقى بنفسه عليه ليحميه، ثم سقط على الأرض صريع الجنون. ~~وقضى نيتشه ما يقرب من اثني عشر عاما في فيمار # Weimar # بعيدا ~~كل البعد عن عالم العقلاء، إلى أن مات في 25 أغسطس سنة 1900. # ومن الظواهر المؤسفة أن جنون نيتشه الأخير قد استغل أسوأ استغلال، فذهب بعض الكتاب إلى أن ~~مؤلفاته كلها تتسم بطابع الجنون، وأن اللوثة العقلية تظهر فيها ~~كلها - بدرجات مختلفة - منذ البداية. وليس هناك أدنى شك في أن ~~حياة نيتشه لو لم تكن قد انتهت على هذا النحو؛ أعني لو كانت قد انتهت مثلا بحادثة وقعت له في ~~عام 1888، لما خطر هذا الاتهام على بال أحد؛ ذلك لأن البحث الموضوعي الدقيق لكتابات نيتشه لا ~~يؤدي إلى أي تأييد لهذا الادعاء الباطل. وكل ما في الأمر هو أن خصائصه النفسية، التي كانت تنعكس ~~بوضوح على كتاباته، كانت ذات طابع فريد؛ ومن من كبار الكتاب أو الفنانين لم يكن له طابع ~~نفسي فريد؟ إن العزلة القاتلة التي عاش فيها نيتشه قد صبغت أسلوبه بصبغة خاصة، وشعوره بالوحدة ~~قد أضفى على كتاباته نوعا من الترفع والتعالي؛ غير أن هذا كله ليس جنونا على الإطلاق، وما ~~هو إلا تعبير عن النمط النفسي الخاص الذي ينتمي إليه نيتشه، وهو نمط مألوف بين العقلاء، بل بين ~~الكثيرين من أعمق العقلاء تفكيرا. # والحق أن المرض بوجه عام كان يؤثر دائما في نيتشه تأثيرا عكسيا؛ أعني أنه كلما ~~اشتدت عليه وطأة المرض، كان يدعو إلى إنسانية سليمة صحيحة، وكانت نغمة الصحة والقوة تزداد ~~وضوحا في كتاباته. قد يكون هذا تعويضا، ولكنه لا يؤثر مطلقا في قوة الدعوة وروعة الهدف ~~ذاته. # بل لقد كان نيتشه يحاول أن يدخل أمراضه، حتى أكثرها ارتباطا بالناحية العضوية، في عداد ~~الظواهر الواعية، ويدرجها ضمن عناصر حياته الشعورية، فلا يرى المرض «سببا» لاتجاهات معينة ~~يتبعها في كتاباته، بل ms015 «نتيجة» لهذه الاتجاهات. # 2 # ومع اعترافنا بمبالغته في هذا الحكم المطلق، فإننا نستطيع أن نجد له مع ذلك ~~مبررا فيما قلناه من قبل، من أن حياة نيتشه كلها كانت تدور حول فكره، وأن مشاكله الفكرية هي ~~عناصر هذه الحياة، وهي أشخاصها، وهي التي كان في وسعها أن تعلو أو تهبط بها؛ فمثل هذا الشخص ~~الذي كانت مشاكله قادرة على أن تثير فيه مختلف الانفعالات التي تثيرها فينا المواقف الحية، لا ~~يستبعد أن تؤدي به هذه المشاكل ذاتها - في بعض الأحيان - إلى المرض أو الصحة، وفي هذه الحالة ~~يكون المرض نتيجة لفكره الواعي، لا سببا في توجيه ذلك الفكر في اتجاه معين. ولنضرب لذلك ~~مثلا: ففي الفترة التي دعاه فيها فاجنر إلى حضور أعياد بايرويت # Bayreuth ~~، # 3 # والتي كان نيتشه فيها قد بدأ يفكر بفن فاجنر، كان يشعر دائما بغثيان وصداع أليم، ~~وكثيرا ما كان يعتذر عن الحضور لمرضه. وليس من المستبعد أن تكون هذه الأعراض ذاتها - في مثل ~~هذه القضية النفسية الحساسة الشفافة - «نتيجة» لتقزز عقلي بدأ يشعر به نحو أعمال فاجنر، لا ~~سببا له؛ بل إن في وسع المرء أن يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك فيرى في جنونه الأخير تعبيرا آخر ~~عن هذه الظاهرة؛ ذلك لأن الحياة التي تتخذ كل عناصرها من مشاكل فكرية صرف، لا بد أن تعجز عن ~~المضي في طريقها إذا وصلت هذه المشاكل إلى الحد الذي لا يمكنها أن تتجاوزه. والحق أن نيتشه في ~~نهاية فترة تفكيره الواعي كان قد وصل في تفكيره إلى حد لا يستطيع أن يمضي بعده خطوة واحدة؛ فهو ~~قد حلل نفسه وحياته تحليلا عميقا، ولخصها كلها في كتبه الأخيرة. وهو قد وصل في تفكيره إلى ~~النقطة التي لا يكاد المرء يتصور بعدها مزيدا بالنسبة إليه؛ فهو يقف الآن ضد المسيح، وهو ~~يمثل الدعوة الإيجابية إلى الحياة في مقابل الدعوة السلبية إلى التخلي عن الحياة. وحين تصل ~~المشاكل الفكرية - أعني عناصر حياته - إلى نقطة التوتر هذه، يكون الانفجار أمرا ms016 محتوما. وهكذا ~~كان الجنون. # وعلى هذا النحو يبدو الجنون «نتيجة» منطقية لتطور لا بد منه. # ولسنا ندعي أن هذا التفسير هو وحده الصحيح، أو أنه يعلل كل الوقائع، ولكنه لا يبدو ~~مستحيلا إذا فهمت حياة نيتشه على النحو الصحيح؛ حياة لا قوام فيها إلا للمشاكل الفكرية، ولا ~~يستطيع أن يرتفع بها شيء أو يهبط بها شيء ما عدا الأفكار. # وفي ضوء هذه الفكرة ذاتها سوف ندرس بشيء من التفصيل ما نعتقد أنه الواقعة الأساسية في حياة ~~نيتشه - وهي بطبيعة الحال واقعة فكرية بدورها - وأعني بها علاقته بفاجنر؛ ففي هذه العلاقة سوف ~~نجد تأييدا آخر لما نذهب إليه من تركز حياة نيتشه حول مشاكله العقلية وحدها؛ إذ إن تقلبات ~~هذه العلاقة، وما نجم عنها من سعادة أو شقاء أحس بهما نيتشه خلال حياته، إنما كانت تخضع لنظرة ~~«عقلية» خاصة عند نيتشه، بحيث لا تبدو تلك الواقعة الرئيسية في حياته إلا على صورة مشكلة فكرية ~~فحسب. # الفصل الثالث # | نيتشه وفاجنر # في نوفمبر سنة 1868، وفي خلال إقامة قصيرة لفاجنر في ليبتسج، قيل له إن هناك شابا ~~ألمانيا شديد الإعجاب بموسيقاه، يحفظ مقطوعات عديدة من إنتاجه الأخير (في ذلك الوقت) وهو ~~«أساطين الطرب # Die Meistersinger ~~»، فأبدى فاجنر رغبته في ~~مقابلة هذا الشاب المتحمس له. وفي الثامن من نوفمبر، تقدم ذلك الشاب لمقابلته وصافحه ذاكرا ~~اسمه «فريدرش نيتشه». # وفي تلك الفترة، كان نيتشه في مستهل حياته العقلية، يشق طريقه بعزم فتى في الرابعة ~~والعشرين. أما فاجنر، فكان قد اقترب من نهاية حياته الفنية، وأتم التعبير عن ذاته أو كاد، ولم ~~يعد يعرف الهجوم العنيف ولا الثورة الهوجاء، بل انتهى إلى هدوء ساخر لا يخلو من استسلام، ~~عبرت عنه «أساطين الطرب» أحسن تعبير. كان الأول لم يزل مغمورا، لا يعرفه أحد، وإن يكن شديد ~~الثقة بمستقبله. أما الثاني فكان اسمه على كل لسان، ومجده الماضي يكفيه في مستقبل ~~حياته. # على أن التفاهم سرعان ما ساد بين الرجلين، ولم تكن الموسيقى وحدها هي مصدره، بل جمع بينهما ms017 ~~الإعجاب المشترك بفلسفة شوبنهور، وبتفسيره الفني للحياة وللعالم. وهكذا تقابل الرجلان مرة أخرى ~~في تريبشن # Triebschen # في العام التالي، وتكررت مقابلاتهما في ~~ذلك المكان الذي اتخذه فاجنر مهبطا لوحيه. ووجد نيتشه في فاجنر فنانا أحيا آراء شوبنهور ~~النظرية وحققها عمليا، ووقفت لديه الموسيقى مع الفكر جنبا إلى جنب، واجتمع الشعر والنغم في ~~دراماته الموسيقية، على نحو يذكره بما كان في «التراجيديا» اليونانية من فن متكامل، وهكذا كتب ~~نيتشه إلى صديقه إرفين روده # Erwin Rhode # يقول: «... إن ما أتعلمه ~~وأراه وأسمعه وأعقله هنا شيء يفوق الوصف. ولتصدقني إذا قلت لك إن شوبنهور وجيته، وإسخيلوس ~~وبندار، ما زالوا أحياء.» ومن جهة أخرى أعجب فاجنر وزوجته كوزيما بذلك الشاب المتحمس، ووجداه ~~يفوق في ثقافته وعلمه كل من دخل في دائرة معرفتهما، وأدرك فاجنر أنه في حاجة إلى مثل هذه ~~العقلية الفنية المتحمسة، التي تستطيع أن تأتي بأقوى الدعامات لآرائه الفنية في ميدان الفلسفة ~~والفكر. وهذا بالفعل هو ما حدث في بداية الأمر؛ فقد ألف نيتشه كتابه الأول «ميلاد المأساة ~~من روح الموسيقى»، محاولا فيه أن يهتدي إلى الصلة بين الدراما الفاجنرية والمأساة الإغريقية، ~~ويدعو فيه إلى نهضة متكاملة في الحياة الحديثة، يؤدي فيها فن فاجنر وفلسفة شوبنهور الدور نفسه ~~الذي أداه فن إسخيلوس في حياة اليونان القديمة، ويحلم بعصر تسوده الغريزة المنطلقة، وتخفت فيه ~~أضواء العقل الخالص، الذي أضفى على حياة الإنسان لونا باهتا. # وبقدر ما لقي الكتاب في دائرة فاجنر من ترحيب، فإنه أخفق في لفت أنظار الباحثين خارج هذه ~~الدائرة؛ إذ تجاهله النقاد تجاهلا يكاد يكون تاما، ووصفه القليلون الذين انتبهوا إليه بأنه «سنتور» # 1 # مشوه لا وحدة فيه ولا ارتباط. وهذا ما كان يحس به نيتشه ذاته، حين صرح في كتاب ~~إلى روده، في سنة 1871، بأنه يخشى «ألا يقرأ علماء اللغة ذلك الكتاب لما فيه من موسيقى، وألا ~~يقرأه الموسيقيون لما فيه من علم لغة، وألا يقرأه الفلاسفة لما فيه من موسيقى وعلم لغة!» # على أن التفاهم بين الرجلين لم ms018 يدم طويلا، وما كان له أن يدوم. وكم قيل في تفسير ~~القطيعة بينهما من تعليلات، وتعصب كل باحث لرأيه الخاص، ظانا أنه قد أتى بالتعليل الأوحد. ~~ولكن الواقع أنه لا يستبعد، إذا كنا بصدد شخصية معقدة كشخصية نيتشه، أن يكون لكل من هذه ~~التعليلات نصيب من الصحة. # وأغرب هذه التعليلات هو التعليل النفسي؛ فقد تبين في نهاية الأمر ، وفي الوقت الذي وقف فيه ~~نيتشه على حافة الجنون، أنه كان يحب كوزيما زوجة فاجنر، وتصور أنها هي أريان، وهو ديونيزوس، في ~~الأسطورة اليونانية، وكتب إليها: «أريان، إنني أحبك!» ولم تكن إشارته الرمزية في كتبه السابقة ~~عن أريان وديونيزوس مفهومة من قبل، ولكنه حين أفلت منه زمام عقله الواعي، وكشف عن هذا الحب ~~الصامت القديم، قد أوضح معنى تلك الإشارات على نحو لا يدع مجالا للشك في أن حبه لكوزيما قد لعب ~~دورا هاما في حياته النفسية. فإذا أضفنا إلى ذلك قوة النزعة الذاتية لدى نيتشه، وهي النزعة ~~التي تجعله يحكم على العالم وعلى الآخرين تبعا لشعوره الخاص نحوهم، لوجدنا أنه ليس من المستبعد ~~على الإطلاق أن تكون كراهيته التالية لفاجنر تعبيرا غير مباشر عن حبه لزوجته، أو إحساسا منه - ~~كما صرح في بعض الأحيان - بأن فاجنر لا يستحق هذه المرأة التي لم يصادف بين النساء من تعادلها ~~ذكاء وجرأة. ليس لنا إذن أن نرفض هذا التعليل؛ إذ تنهض به في كتابات نيتشه ذاتها شواهد قاطعة. ~~ولكن ليس لنا في نفس الوقت أن نعده التعليل الوحيد؛ فقد كان لا بد من عوامل أخرى تتضافر مع ~~عامل التطلع الخفي إلى كوزيما، لتؤدي بنيتشه إلى حملته العنيفة على فاجنر، وكان لا بد من ~~مبررات عقلية أخرى، يستطيع أن يصرح بها على الأقل، أو يستطيع أن يبرر بها لعقله الواعي هذا ~~التغير الذي طرأ على شعوره نحو فاجنر. فلنمض إذن في بحثنا ملتمسين تعليلات أخرى لهذه ~~القطيعة. # في الوقت الذي وصل فيه فاجنر إلى قمة المجد، ونجح في بناء مدينة موسيقية كاملة على النحو ~~الذي ms019 تخيله طيلة حياته في بايرويت # Bayreuth ~~، وبدأ يحقق من ~~المشروعات ما كان يبدو قبل ذلك خيالا واهما، كتب نيتشه في الجزء الرابع من كتابه «خواطر في ~~غير أوانها» مقالا لخص فيه كل ما كان يجذبه إلى فاجنر من قبل، هو مقال «رتشارد فاجنر في ~~بايرويت». والحق أن أحدا لم يمدح فاجنر ولم يمجده مثلما فعل نيتشه في هذا المقال . ويبدو أن ~~نيتشه كان ينبه فيه فاجنر إلى ما كان ينتظره منه؛ فقد كان ينتظر تقدما شاملا وإصلاحا ~~عاما في كل أوجه الحياة البشرية، من أخلاق وسياسة وعلاقات اجتماعية؛ إذ إن المسرح صورة مصغرة ~~للمجتمع بمختلف مجالاته، وفيه تقدم لمشكلة الحياة حلول لو أحسن اختيارها لكان أثرها على ~~الإنسانية كلها عظيما. وهكذا تستطيع بايرويت أن تعيد لنا عهده الأولمب، ويستطيع العبقري الذي ~~شادها أن يخاطبنا بلغة شاملة لا توجه إلى جماعة أو شعب معين، بل إلى البشرية كلها. على هذا ~~النحو سار نيتشه في مؤلفه هذا عن فاجنر، ولكن هل كان هذا كله مدحا فحسب؟ الحق أنه، كما قلنا، ~~تعبير عما يتوقعه نيتشه من فاجنر، لا عما قام به فاجنر بالفعل. والدليل على ذلك أنه في نفس ~~الوقت الذي كان فيه فاجنر يحتفل بأعياد بايرويت الأولى، كان نيتشه قد انطفأت حماسته وتبخر ~~إعجابه. # ذلك لأن نيتشه حين اهتدى إلى ذاته، وعرف الطريق الذي يتعين عليه أن يسلكه، أدرك أن فاجنر ~~عاجز تماما عن أن يقدم إلى البشرية شيئا مما يريده هو. لقد كان نيتشه يريد انقلابا في ~~الأخلاق، وفي الفكر، وفي الفن، وفي كل ما يقدسه الإنسان الحديث من قيم، فأين فاجنر من كل هذا؟ ~~لقد شاهد نيتشه بعض حفلات بايرويت، فلم يجد إلا مسرحا ذا جدران أربعة، وستارا يفتح من ~~الجانبين، وعازفين مختفين، وموسيقى ممتزجة بالشعر؛ وهذه كلها تجديدات فنية لا شك فيها، ولكن ~~أتبدأ من هنا نهضة الإنسان الحديث كما أرادها نيتشه؟! وأين هم رهبان الفكر الذي كان نيتشه يتصور ~~أنهم سيفدون خاشعين إلى محراب الفن؟ أين ذلك الصمت ms020 المقدس الذي طالما حلم به، من تلك الجلبة ~~والضوضاء وذلك الغدو والرواح؟ أين بخور معبد الفن من رائحة الخمر والدخان وعطور النساء ~~التي حفل بها مسرح بايرويت؟ لقد انتهى نيتشه من زياراته لبايرويت بنتيجة واحدة، هي أن من ~~المحال أن تشع شمس الإصلاح من ذلك الأولمب الزائف، أو أن تبعث الحضارة الديونيزية من بعد ~~حفل لاه كذلك الذي وضع فيه فاجنر كل آماله! ومنذ هذه اللحظة، يئس تماما من أي إصلاح يأتي عن ~~طريق فاجنر. # وهكذا أصبح الطريق ممهدا للانفصام التام. ولم يبق ~~إلا أن يعلم نيتشه أن فاجنر ليس عاجزا عن بلوغ هدفه الإصلاحي فحسب، بل إنه يسعى إلى هدف ~~مضاد له. وهذا ما أدركه نيتشه أخيرا؛ فقد تقابلا بعد بايرويت عدة مرات، إلى أن كان يوم ~~تريضا فيه معا على الساحل في سورنتو # Sorrento # بإيطاليا، ~~وأخذ فاجنر يشرح له أهم الموضوعات التي تشغل ذهنه في ذلك الحين، وهي الدراما الموسيقى الجديدة ~~«بارسيفال». فإذا بها عمل يقدمه فاجنر إلى الكنيسة راجيا منها المغفرة والصفح في نهاية ~~حياته. وإذا به يقول إنه يجد في فكرتها هذه لذة لا يجدها في أعماله السابقة التي كان بعضها ~~يصطبغ بصبغة الإلحاد. وتبينت الحقيقة لنيتشه بوضوح؛ فها هو ذا فاجنر يتبدى أمامه تائبا ~~مفكرا، يردد آلام المسيح وعذابه، ويركع تحت الصليب، في الوقت الذي أراده فيه ثائرا يمجد ~~الحياة ويقلب القيم. بل إن في الأمر شيئا أخطر من مجرد كون فاجنر مسيحيا؛ إذ إن نيتشه على كل ~~حال يحترم المسيحي المخلص، ولكن الذي آلمه أن يجد فاجنر قد انقلب وتدهور إلى هذا الحد. وعلى أية ~~حال، فقد ظل نيتشه صامتا في ذلك اليوم، وحين انتهى فاجنر من حديثه، خطا نيتشه بعيدا عنه، ~~وانصرف دون أن يجيب، ولم يره بعد ذلك أبدا. # والحق أنه كان من المحال أن يسود التفاهم بين فاجنر وبين ذلك الذي أراد أن يكون «عدو ~~المسيح» وأن ينقد كل ما يمت إلى المسيحية بسبب؛ فالروح الدينية كانت تثيره على الدوام، وما ms021 كانت ~~جريرة الأخلاق السائدة، التي كرس نيتشه كتبا بأسرها لنقدها، إلا أنها في أساسها متأثرة ~~بالتعاليم الدينية، وبالمسيحية على وجه الخصوص، وتدعو إلى الضعف والاستسلام. وما كانت حملته على ~~الفلسفات الكبرى إلا لدعوتها إلى مبادئ قريبة من المبادئ الدينية، كمبدأ الفضيلة العقلية ~~الخالصة عند سقراط وأفلاطون. فأين آراء فاجنر المحافظة من هذه الثورة العاتية؟ إن فاجنر الذي ~~عبر عن ولائه وإخلاصه للمسيحية تعبيرا صريحا في بارسيفال، كان في واقع الأمر مسيحيا ~~مخلصا من بداية الأمر؛ فلو حللت أية واحدة من دراماته الموسيقية، لوجدت فيها فكرة التكفير ~~والتوبة تلعب دورا أساسيا، حتى في خاتم ~~النيبلونجن # Niebelungenring # التي خلق فيها فاجنر شخصيته زيجفريت، محطم التقاليد الثائر، حتى في ~~الدراما، يعود فاجنر في النهاية إلى نغمته المعهودة، فينادي بالتوبة والخلاص، ويتوق أخيرا إلى ~~الفناء وإنكار الحياة. # فإذا تركنا أفكار فاجنر جانبا، وانتقلنا إلى موسيقاه، لوجدنا نيتشه يوجه إليها هي الأخرى ~~حملة عنيفة، يمكننا أن نلتمس لها تعليلا واضحا من حالة نيتشه الصحية. ويبدو أن موسيقى فاجنر ~~العميقة كانت تسبب له إجهادا فكريا عنيفا، وكان يحتاج في تتبعها إلى توتر ذهني يستهلك ~~من طاقته العقلية قدرا هو أحوج ما يكون إليه. ومن هنا كان نيتشه في حاجة إلى موسيقى خفيفة ~~راقصة، تجدد نشاطه وتفكيره ولا تستهلكهما. ولقد صرح نيتشه بذلك حين قال: «إن كل ما هو جيد ~~خفيف، وكل ما هو إلهي يسير على أرجل دقيقة حساسة.» وهذا هو ما وجده نيتشه في ألحان بيزيه # Bizet ~~، الذي كانت أوبراه المشهورة «كارمن» بمثابة كشف عالم جديد ~~بالنسبة إلى نيتشه. فأين تلك الرقة الرفيعة من تعقد فاجنر الذي أدرك أن موسيقاه لا يمكن أن ~~تأخذ طريقها إلى الأذهان مباشرة، فأخذ يخرج الكتب واحدا تلو الآخر لتبريرها وشرحها؟ لقد كان ~~نيتشه ولا شك محبا للحن # Mélodie ~~، وكان يؤثره على التناغم ~~المعقد الذي سيطر على موسيقى فاجنر. كان يريد في الموسيقى - كما قال - شيئا يمكن تصغيره، وكان ~~يرى الألمان جميعا عاجزين في ميدان اللحن، ولا شك أن أقوال ms022 نيتشه في هذا الصدد إنما تخضع لمنطق ~~التبرير فحسب؛ بدليل ما صرح به في كتابه الأخير من أن مواجهته فن فاجنر بموسيقى بيزيه لا ~~ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد. وعلى أية حال، فقد أراد نيتشه بكل هذا النقد شيئين: أولهما أن ~~يتابع في مجال الموسيقى حملته على فاجنر في مجال الفكر؛ إذ كان عدم التوافق في الأفكار هو ~~الأصل، وثانيهما أن يبرر الضعف الطبيعي الذي انتاب أعصابه، والذي جعل هضم موسيقى فاجنر أمرا ~~ثقيلا بالنسبة إليه، ودليل ذلك قوله في كتاب العلم المرح: «إن دوافعي ضد موسيقى فاجنر دوافع ~~عضوية ... فما أشعر به فعلا عندما أستمع إلى تلك الموسيقى هو العجز عن التنفس بسهولة؛ ولذا تثور ~~أقدامي وتغضب؛ إذ إنها في حاجة إلى الإيقاع والرقص والمشية المنتظمة، وكل ما ترمي إليه من ~~الموسيقى هو قبل كل شيء ذلك الطرب الذي ينبعث من انتظام المشي والخطو والقفز والرقص. وفضلا عن ~~ذلك، ألا تحتج معدتي وقلبي ودورتي الدموية وأمعائي بدورها؟ ... ما الذي يريده جسمي حقا من كل ~~موسيقى؟ إنه يريد أن يصبح خفيفا، وكأن كل الوظائف الحيوية فيه تزداد سرعة ونشاطا بفعل إيقاع ~~خفيف جريء منطلق واثق من نفسه.» وهكذا تنعكس حالة نيتشه الصحية على هذا النقد بوضوح، ويبدو ~~إيثاره لإيقاع بيزيه المنتظم على تناغم فاجنر المعقد أمرا هين التفسير بالنسبة إلى من ~~كانت لديه أدنى فكرة عن وظيفة الإيقاع المنتظم في تخفيف التوتر العصبي. # ولعل القارئ قد لاحظ من خلال تطورات تلك العلاقة التي تمثلت فيها أهم وقائع حياة نيتشه، ~~تردد ظهور تلك الصفة التي قلنا من قبل إنها أهم ما يميز حياته؛ وأعني بها تركز هذه الحياة ~~حول المشاكل الفكرية، واتخاذها عناصرها ومقوماتها كلها من هذه المشاكل؛ ذلك لأن الخلاف بينه ~~وبين فاجنر - وهو الخلاف الذي كان له أبلغ الأثر في تطور حياته - إنما كان خلافا حول «أفكار» ~~قبل كل شيء. ولا جدال في أن نيتشه لو وجد لدى فاجنر من الأفكار ما يلائمه، لخفت حملته على ~~موسيقاه إلى ms023 حد بعيد. # وتبدو تلك الصفة الأساسية في حياة نيتشه؛ أعني سيطرة الأفكار الخالصة لا الواقع العيني على ~~هذه الحياة سيطرة تامة؛ تبدو تلك الصفة واضحة في حملة على فاجنر خلال أعياد بايرويت. لقد كان ~~يطمع من فاجنر في أن يأتيه بالحقيقة كاملة صريحة. كان يريد منه أن يصبح فيلسوفا ذا دعوة عقلية ~~مثله، وأن يحارب من أجل الأفكار الجديدة حربا مباشرا. ولكم كان نيتشه ساذجا حين تصور أن ~~الفن وسيلة لإثبات فكرة فلسفية بطريق مباشر، وسبيل يكفي وحده لبعث نهضة إنسانية شاملة. إن غاية ~~ما يصل إليه الفنان هو أن يشير من بعيد، ويلمح، ويرمز. وحين ينقلب الفن إلى خطب منبرية ذات ~~مدلول مباشر، فإنه يفقد ماهيته ذاتها، مهما كان نبل الدعوة التي يدعو إليها. وليس معنى ذلك أن ~~على الفن أن ينطوي على ذاته، أو يكتفي بالطابع الشكلي الصرف، ويخضع لهذا الشعار الزائف: «الفن ~~لأجل الفن ...» فلكل فنان صادق رسالة، ولكنه لا يستطيع وحده أن يصلح الناس إصلاحا شاملا، أو أن ~~يبعث نهضة جديدة بفنه فحسب، بل كل ما يمكنه أن يفعله هو أن يتضافر مع غيره في مجهود مشترك، يكون ~~نصيبه منه منحصرا في الحدود التي لا يتعداها التعبير الفني؛ غير أن نيتشه «صدم» حين وجد أن ~~بايرويت لم تكن إلا مسرحا معتادا كسائر المسارح! فما الذي كان ينتظره إذن؟ أكان يريدها منبرا ~~يدعو فيه فاجنر إلى الحياة الجديدة؟ وماذا كان يملك من وسائل لهذه الدعوة؟ ألم يكن التعبير ~~الموسيقي والشعري، في حدود الإمكانيات المسرحية، هي وسيلته الوحيدة من حيث هو فنان؟ وهل يسمح له ~~واقع هذه الحياة بأن ينتقي مستمعين «مختارين» تتأثر نفوسهم بفئة المتكامل فينتشروا في الأرض ~~ليبشروا بالحياة الجديدة؟ لا شك أن مطلب نيتشه هذا كان وهما وخيالا، إن دل على شيء فإنما يدل ~~على أن الفكرة الخالصة التي لا تعترف بحدود الواقع ولا تخضع لمقتضياته تحتل جميع أركان نفسه، ~~ومن خلالها وحدها يقوم العالم ويصدر حكمه على الناس. # | فلسفة نيتشه # الفصل الأول # | نيتشه الفيلسوف ms024 # هل كان نيتشه فيلسوفا بالمعنى المألوف لهذه الكلمة؟ إن الفلاسفة عادة يأتون بمذاهب شاملة، ~~تقدم حلولا متحدة الهدف لمختلف المشاكل التي تواجه العقل البشري. فإذا كنا نعني بالفيلسوف أنه ~~صاحب مذهب، فعندئذ سوف نلقى معارضة شديدة من جانب نيتشه، ومن معظم من كتبوا عنه، في أن يعد ~~فيلسوفا بهذا المعنى؛ ذلك لأن المذهب في هذه الحالة إنما هو تعبير عن نظرة جامدة متحجرة إلى ~~العالم، وفهم ثابت لا يريد أن يتحرك عن الموضع الذي وقف فيه؛ لأن في الحركة عناء للذهن، وفيها ~~مسئولية وخطورة لا تقوى عليها تلك العقول التي تنشد الراحة والهدوء. وهكذا وجه نيتشه حملته ~~إلى أصحاب المذاهب، وكان أخشى ما يخشاه أن يعد واحدا منهم، وسايره في ذلك من كتبوا عنه، ~~فتفنن كل منهم في كشف مواقف متناقضة له، وأكدوا أنهم إنما يعلون بذلك من قدره، وينزهونه ~~عن كل تحجر وجمود. # ومن الرائع حقا أن يدعو مفكر إلى الابتعاد عن الجمود الفكري، وأن يترك المجال متسعا ~~دائما لمزيد من التطور والتجديد الذي يساير الحياة في نموها الدائم. ولكن ما صفة هذه الحياة ~~النامية عند نيتشه؟ لقد بينا أنها كانت فكرية صرف، خلت من التجارب الواقعية المثيرة، ~~وإنما المثير فيها أفكار فحسب. وعلى ذلك. فإذا قلنا ~~إن فلسفة نيتشه تخضع لحياته، فمعنى هذا القول في حقيقة الأمر تحصيل حاصل؛ إذ لن تخضع هذه ~~الفلسفة في نهاية الأمر إلا لمنطقها الداخلي فحسب، ما دام عالم الأفكار لديه متماسكا، لا ينفذ ~~إليه من الخارج ما يؤثر فيه. # ولنتساءل بعد ذلك عن المعنى الحقيقي لهذه «الفلسفة النامية مع الحياة»، أيعني هذا النمو ~~والحركة تناقضها بالضرورة؟ إن الباحثين عادة يجدون في هذا الخضوع للحياة مبررا لتناقض ~~أفكار الفيلسوف. ولكن مهما تقلبت هذه الأفكار وتنوعت، ألن تظل دائما «خاضعة للحياة»؟ ألن تكون ~~هذه صفة مشتركة لكل هذه الأفكار، وهلا تكون هذه هي البادرة الأولى التي يمكننا منها أن نصل إلى ~~خيط واحد ينتظم تفكير الفيلسوف في كل تطوراته؟ # الحق إننا لا نستطيع أن ms025 نستسيغ تلك الصورة التي يصور بها نيتشه، والتي يتمثل فيها ~~مفكرا لا يخضع لمنطق أو نظام، ويظل تفكيره يلهو بين المتناقضات دون مبالاة، ثم يقال لنا ~~بعد ذلك إن نيتشه في هذه الصورة يسمو على الفلاسفة «التجريديين»! فنحن لا نكاد نتصور أن يتصف ~~مفكر عميق - ولا جدال في أن نيتشه كان عميقا - بمثل هذه الصفات التي يأبى أي إنسان عاقل أن ~~تنسب إليه . وإن أبسط فهم للنفس البشرية ليؤدي بنا إلى القول بضرورة وجود وحدة للشخصية ~~الإنسانية، مهما تباينت الأحوال التي تمر بها. وليس معنى ذلك أن لهذه الشخصية طابعا جامدا؛ ~~فالتطور والنمو حقيقة لا شك فيها، ولكنه لا يمكن أن يتم في فراغ مطلق، وأن يشكل الشخصية ~~تشكيلا كاملا بحيث تتباين طبيعتها تماما تبعا لتقلبات هذا التطور. وإن تحليل التشبيه الذي ~~يقدمه أولئك المفكرون؛ أعني تشبيه النمو العضوي، ليثبت ما نريد نحن أن نبرهن عليه؛ ذلك لأن ~~النمو العضوي ليس إضافة من الخارج. وليس زيادة تطرأ على أصل معين دون أن تؤثر فيه أو ~~تتأثر به، بل إن النمو العضوي هو قبل كل شيء نمو من الداخل، وكل زيادة فيه إنما تتم عن طريق ~~«الأصل» الباطن، الذي يؤثر في كل ما يضاف إليه. وإن مجرد وجود نمو، أو تطور، ليستلزم وجود ~~نوع من الثبات، وإلا لكان كثرة وتغايرا، لا نموا وتطورا. وما كان من طبيعة العقل البشري ~~أن يتخذ مواقف متضادة على النحو الذي ينسبونه إلى نيتشه؛ إذ إن الوحدة هي أبرز صفات الشخصية ~~الإنسانية، والاتساق في المسلك هو أول ما يميزها عن الحيوان، فلا بد إذن من نوع من الثبات ~~حتى يسمو الإنسان على المرتبة الحيوانية، ولكن هذا الثبات لا ينبغي أن يصل إلى حد التحجر، وإلا ~~وقع فيما هو شر من الحيوانية؛ أعني في الجمادية! # وعلى ذلك. فإذا كان المقصود بكلمة «المذهب» هو الجمود المطلق، والتوقف التام عن النمو ~~والحياة، فلا شك أن نيتشه لم يكن من أصحاب المذاهب، ولا جدال عندي في أن هذا هو المعنى ms026 الذي كان ~~في ذهن نيتشه حين نقد المذهبية وأصحابها من الفلاسفة، ولكن إذا فهمت كلمة المذهب بمعناها ~~الواسع، من حيث إنها هي اللون الغالب على الشخصية، وهي مظهر وحدتها واتساقها مع ذاتها، فلا شك ~~في أن نيتشه - في الفترة العاقلة من حياته على الأقل - كان ذا مذهب، شأنه شأن أي عاقل آخر! ~~ومهما قرأت له من عبارات تدعوك إلى نبذ النظرة الموحدة إلى العالم، وإلى تغيير المنظور الذي ~~تتأمل من خلاله كل مشكلة، فلتعلم أن هذه الدعوة إلى التجديد وتغيير المنظور هي ذاتها مذهبه، وهي ~~الوحدة الجامعة بين أطراف شخصيته. # ولكن، أيصلح مذهب من المذاهب المعروفة في تاريخ الفلسفة للتعبير عن هذا العنصر المشترك بين ~~مختلف اتجاهات نيتشه في تفكيره؟ علينا إذا شئنا أن نجيب عن هذا السؤال، أن نقارن بين تفكير ~~نيتشه وبين مختلف المذاهب التي قد تقترب منه، لنرى مدى صلاحية كل منها للتعبير عن أطراف هذا ~~التفكير. # الواقعية # الواقعية، بوجه عام، مذهب يرى أن الوجود مستقل عن المعرفة الحالية التي تعرفه بها الذوات ~~المدركة؛ فهو لا يستمد من هذا الإدراك، ولا يعبر عنه تعبيرا شاملا بالفكر؛ لأن فيه شيئا ~~يتجاوز الفكر. فإذا استخلصت من هذا الرأي الذي ينطبق أصلا على مجال المعرفة، نتائجه ~~الأخلاقية، فلا شك أن الأخلاق الواقعية ستكون متعلقة بهذه الأرض، وسوف تتخلى عن كل تطرف مثالي ~~يربط الأخلاق بعالم آخر، بالمعنى اللاهوتي أو المثالي لهذه الكلمة. وتلك هي أبرز صفات الأخلاق ~~عند نيتشه. ولكن إذا كانت الواقعية تقترب من تفكير نيتشه في ميدان الأخلاق، فقد كانت بعيدة ~~عنه كل البعد في ميدان المعرفة. فهو ينقد الواقعيين لاعتقادهم بأن العالم كما يظهر لنا هو ~~العالم الحقيقي، وأن العالم في ذاته لا يختلف عما نراه. # 1 # وفي نظرية المعرفة عنده - كما سنرى فيما بعد - عناصر مثالية لا تنكر؛ وذلك حين ~~يؤكد أن العالم كما نتصوره هو العالم كما يصلح لوجودنا فحسب، لا كما هو في ذاته. ولا شك أن ~~هذا الرأي في المعرفة يباعد بينه وبين ms027 الواقعيين، ويجعل فلسفته تختلف عن مذهبهم اختلافا ~~أساسيا. # الوضعية # يرتبط لفظ الوضعية في نشأته باسم أوجست كونت، ولكنه استخدم بعد ذلك ليعبر عن آراء ~~طائفة خاصة من المفكرين، تأثروا بالتقدم الكبير الذي أحرزه المنطق والرياضة في نصف القرن ~~الماضي، فحاولوا أن يوحدوا بين أسس المنطق والرياضة، ويجعلوا منها دعامة لتحليل فلسفي يقضي ~~على المشاكل الميتافيزيقية من جذورها؛ فالوضعية الحالية؛ أعني الوضعية المنطقية، تشترك مع ~~وضعية أوجست كونت في أنها تستلهم العلم في كل مراحلها، وتتأثر في نقطة بدايتها بالتقدم الذي ~~تحرزه علوم معينة، فتحاول اصطناع مناهجها وتعميمها على التفكير الفلسفي ذاته. # ولقد تأثر نيتشه ذاته بالتقدم العلمي تأثرا كبيرا، بل إن إحدى فترات تفكيره الفلسفي ~~يطلق عليها عادة اسم «الفترة الوضعية». # 2 # والذي نلاحظه أن إعجابه بالمنهج العلمي التجريبي لم يكن يقتصر على المرحلة الوسطى ~~من مراحل تفكيره، بدليل أنه حاول في الفترة الأخيرة أن يضع لفكرة العود الأبدي - وهي في ~~أصلها فكرة ذات طابع صوفي - أساسا علميا، وكان ينوي أن يكرس عشر سنوات من حياته لدراسة ~~العلم الطبيعي والرياضي، حتى يمكنه أن يبرر الفكرة علميا، ولكن صحته لم تساعده على ذلك. وهو ~~على أية حال لا يكف عن إبداء إعجابه بالمنهج العلمي التجريبي، فيقول: «إنني لأعجب بذلك الشك ~~الذي يجعلني أجيب عنه بقولي؛ فلنجرب ذلك! ولست أريد أن أسمع شيئا عن كل الأمور والمشاكل التي ~~لا تسمح بإجراء التجربة عليها، تلك هي حدود معنى الحقيقة في نظري، وهنا تفقد الشجاعة كل مبرر لها.» # 3 # وهكذا يعترف نيتشه بمبدأ التحقيق ~~التجريبي # Vérification # الذي أصبح فيما بعد أساسا للوضعية، ولا يرى للشجاعة التي تحاول ~~تعدي نطاق التجربة أي مبرر. # وسوف تتاح لنا في خلال هذا الكتاب فرص مختلفة ~~لإبداء أوجه الشبه بين آراء نيتشه وبين الآراء الوضعية الحديثة في مشاكل عديدة، وخاصة في أصل ~~القيم والنسبية الأخلاقية، ولكن الوضعية السائدة في عصر نيتشه لم تكن لترضيه على الإطلاق؛ ~~فمبدأ «الغيرية» الذي وضعه «كونت» قد تعرض لنقد شديد من جانب نيتشه. ويمكن ms028 أن يقال إن تلك ~~الوضعية كانت تحاول أن تعطي صورة علمية للمبادئ الأخلاقية العامة الشائعة، التي كرس نيتشه ~~حياته للحملة عليها. وفضلا عن ذلك، فإن تفكير نيتشه لا يمكن أن تستوعبه كلمة الوضعية؛ إذ إن ~~النزعة الصوفية الواضحة فيه تتجاوز نطاق الوضعية تماما. وإن الجانب الشعري والفني، الذي سيطر ~~على أروع كتب نيتشه؛ أعني كتاب زرادشت، ليبعد تماما عن كل ما هو وضعي؛ فأقصى ما يمكننا أن ~~نقوله هو أن نيتشه قد اعترف للوضعية بالفضل، ولكن في مجالها الخاص الذي تعداه هو في أهم ~~أفكاره ومؤلفاته. # البرجماتية # رأى بعض الباحثين في فلسفة نيتشه استباقا للبرجماتية؛ إذ هما يشتركان في الحملة على ~~العقل الخالص ورده إلى المقتضيات الحيوية للإنسان، ويعبر «مارسيل بول» # M. Boll # عن هذا التقارب فيقول: «في نهاية القرن الماضي، نادى فلاسفة ~~معينون من القارتين بأن العقل خاضع لحاجاتنا النفعية، وبأن عليه أن يخلي مكانه لمشاعرنا ~~الباطنة، ولمثلنا الأخلاقية، أو لعقائدنا الدينية، ولقد كانت ألمانيا - وهي لم تزل عندئذ ~~واقعة تحت تأثير شلنج وشوبنهور - هي البادئة بهذه الحركة، وذلك بظهور فلسفة نيتشه، ثم ظهر ~~بعده مذهب البرجماتية في أمريكا عند بيرس أولا، وعند وليم جيمس من بعده.» # 4 # والواقع أن الوجه السلبي للبرجماتية؛ وأعني به نقد الأسس الميتافيزيقية القديمة، ~~يكاد في كثير من الأحيان يكون ترديدا مباشرا لآراء سبق ظهورها عند نيتشه؛ فالاتجاه نحو ~~العينية، ونقد فكرة الجوهر القديمة، وإخضاع القيم للوجود، كل هذا يمثل عاملا مشتركا بين ~~الطرفين. بل إن التشابه ليمتد أيضا إلى الوجه الإيجابي في تفكير البرجماتية؛ فنظرية الحقيقة ~~عند نيتشه تحمل شبها واضحا للنظرية البرجماتية. وقد لخص «جان فال» هذه النظرية بقوله: «إن ~~المرء يحكم على الشيء بأنه حقيقي، ويكون في مسلكه سائرا في الاتجاه الصحيح، حينما يقول أو ~~يفعل - بإزاء موقف خارجي ما - شيئا لا يتعارض مع ذلك الموقف، ويكون بينه وبين الموقف صلة ~~معينة. فغياب البطلان والزيف، ووجود علاقة معينة مع الشيء، قوام الحقيقة.» # 5 # فالحقائق من خلق الإنسان، ومقياس صحة الأفكار هو ms029 نفعها أو صلاحيتها للعمل، ومن ~~هنا تغيرت الحقائق بتغير المواقف وما يصلح لكل منها، واختفت الحقيقة الثابتة. فإذا أدركنا ~~مدى تحمس نيتشه في الدفاع عن الحقيقة النسبية، وتأكيده أن الحقيقة هي ما ينفع الحياة، بل هي ~~خطأ وبطلان ثبت نفعه، وبأن الحياة هي أساس الحقيقة ومصدرها الوحيد، فعندئذ يتبين لنا مدى ~~التشابه بين آراء نيتشه وبين المذهب الذي عرف من بعده باسم البرجماتية. # ومع ذلك، فقد تطرف كثير من فلاسفة البرجماتية في النزعة اللاعقلية، إلى حد مهاجمة العلم ~~واتخاذ منهج غير علمي تماما. وفي هذا ما يباعد بينهم وبين نيتشه، الذي ظل على احترامه للعلم ~~- بالصورة التي كانت سائدة في عصره - إلى النهاية. بل لقد كان نقده للنزعة العقلية التجريدية ~~راجعا، في رأيه، إلى تمسكه بالروح العلمية الصحيحة، التي تأبى أن تجعل من المجردات الخالصة ~~أساسا لفهم الواقع الحي المتغير، ولنضف إلى ذلك ما لاحظناه عن بعض المذاهب الأخرى، ~~فالبرجماتية بدورها لا تستنفد كل الميادين التي تناولها تفكير نيتشه، الذي كان أوسع من أن ~~ينحصر في الحدود التي اقتصر عليها هذا المذهب. # الوجودية # يحرص كثير من الفلاسفة الوجوديين على أن ينسبوا تفكير نيتشه إلى مذهبهم، ويعدوه ~~واحدا منهم. ولا شك في أن المرونة الكبيرة التي كانت يتصف بها أسلوب نيتشه، تعين هؤلاء في ~~دعواهم إلى حد بعيد؛ إذ تقبل كتابات نيتشه تفسيرات عدة، وتستطيع كثير من المذاهب - كما رأينا ~~من قبل - أن تجتذبه إلى فلكها الخاص. وربما كانت الوجودية أكثر من غيرها نجاحا في هذا ~~الصدد. ومن هنا، فسوف نتحدث عن العلاقة بين تفكير نيتشه وبين الوجودية بمزيد من الإسهاب ~~لنتبين في آخر الأمر إلى أي مدى يمكن أن يعد نيتشه فيلسوفا وجوديا. # لا شك في أن الارتباط بين حياة نيتشه وبين تفكيره، على النحو الذي عرضناه في الفصل ~~الأول، يقرب بينه وبين كثير من الوجوديين. وإذا كنا قد لاحظنا أن هذا الارتباط إنما يتم عن ~~طريق إثراء الفكر وبعث الحياة فيه، لا عن طريق امتلاء الحياة واستخلاص الفكر منها، ms030 فإننا سوف ~~نجد له في ذلك بين الوجوديين نظيرا؛ وأعني به كيركجورد # Kierkegoard ~~، الذي كانت تجاربه الحية هو الآخر هزيلة شحيحة، وكان ما في هذه ~~التجارب من عنف راجعا إلى أنها هي وحدها - على قلتها - مدار حياته، وإلى أنه قد وجه إليها ~~وركز عليها من باطن ذاته شحنات عاطفية وانفعالية جعلتها تبدو مليئة بحق. # وفي فهم نيتشه للإنسان ما يقربه من الوجودية كثيرا؛ فمن أهم صفات التفكير الوجودي، ~~تأكيده تجدد الوجود الإنساني ؛ فليس للإنسان ماهية ثابتة، بل إن وجوده سابق على ماهيته، أو هو ~~الذي يكون ماهيته؛ فمن خلال وجود الإنسان تتحقق ماهيته. وليست له أية ماهية ثابتة تتحدد ~~مقدما. ويكاد نيتشه يعبر عن هذه الفكرة ذاتها حين يصرح بأن الإنسان في محاولة دائمة لا ~~تعرف الاستقرار؛ فهو لا يرضى بشيء، ولا يقف عند حد. والإنسان، على حد تعبيره، هو الحيوان الذي ~~لم يثبت بعد، وهو الحيوان الذي لم يصنف أو يحدد نوعه؛ «ففي الإنسان شيء أساسي ناقص.» ~~وبرغم ذلك، فإن هذا النقص هو ما يعلي من قدر الإنسان؛ فعدم تحدد ماهيته هو الذي مكنه من ~~أن يجدد وجوده على الدوام. ومن هنا عرف الإنسان في كتاب زرادشت بأنه «خالق ذاته # Selbstschaffender ~~»؛ أي إن هذا النقص الأساسي هو مصدر حريته، ~~وهو الذي يمكنه من تجديد ذاته وخلقها على الدوام. وفي وسعنا أن نفسر فكرة أساسية من أفكار ~~نيتشه؛ أعني فكرة إرادة القوة، على نحو يجعل منها مظهرا من مظاهر هذا المبدأ العام الذي ~~تميزت الوجودية بالتنبيه إليه؛ أعني أن الإنسان كائن يتجاوز ماهيته على الدوام، ولا يقف بها ~~عند حد. # وللإنسان في كل فلسفة وجودية موقف أساسي، يعبر عما تتميز به أهم اللحظات التي تتبدى ~~فيها إنسانيته. في هذا الموقف يتخلى الإنسان عن كل ثبات، ويقف في مفترق الطرق، بين الثبات ~~الذي تركه وتجاوزه، وبين الطرق المتشعبة التي ترتسم لحريته. هذا الموقف الأساسي هو عند ~~كيركجورد، القلق، الذي يراه خير تعبير عن عدم تحدد ماهية الإنسان؛ لأنه الحالة التي تتفتح ms031 ~~فيها أمانة آفاق عديدة قبل أن يستقر على واحد منها. وقد حاول بعض الوجوديين أن يجدوا عند ~~نيتشه موقفا مشابها، فأشاروا إلى فكرة «الخطر» عنده، والخطر هو «السير في الطريق»؛ فالإنسان ~~الحقيقي هو الذي يسير في الطريق؛ أي هو الذي يحاول دائما أن يترك حالته السابقة ليتوجه إلى ~~حالة تعلو عليها؛ أما الذي يقف حيث هو، ولا يسير في الطريق، ولا يمارس الشعور بالخطر، فلم ~~تتحقق إنسانيته بعد، وهو الذي يسميه نيتشه «بالإنسان الأخير»، وهنا يكون أوان الكلام عن فكرة ~~أخرى من أفكار نيتشه، يمكن أن تخضع بدورها لهذا التفسير الوجودي؛ أعني فكرة «الإنسان الأرقى» ~~التي يمكن أن تفسر على أنها تعبير عن تلك الدعوة إلى تجاوز الماهية الثابتة، وحشد القوى ~~الخالقة للإنسان حتى يعلو بها على ذاته دواما. # ومن قبيل ذلك التقريب أيضا، تفسير خاص لفكرة العود الأبدي، # 6 # على نحو يجعل منها تعبيرا عن رغبة النفس في السيطرة على الزمان؛ فحين يعود كل ما ~~مضى عددا لا متناهيا من المرات، يستوي عند النفس الماضي والمستقبل، ويصبح كل ماض قمت به، ~~مستقبلا سأقوم به فيما بعد. وهكذا تتحرر النفس من قيد الماضي بإحالته إلى مستقبل، وتسيطر ~~الإرادة الخالقة على الزمان في كل مظاهره، لا في مستقبله فحسب. وفي هذا الفهم لفكرة العود ~~الأبدي يبدو نيتشه وجوديا أكثر من الوجوديين، الذين اقتصروا على تأكيد سيطرة النفس على ~~المستقبل وتحكمها فيه. # وأخيرا، فأمامنا فكرة أساسية أخرى يمكن أن نتوسل بها في التقريب بين نيتشه وبين ~~الوجوديين؛ تلك هي فكرة «موت الإله» عند نيتشه؛ فهيدجر # Heidegger # يفسر هذه الفكرة، في وجهها السلبي، بأنها لا تنصب على الإله المسيحي، ~~ولا على آلهة الأديان بوجه عام، بل إن المقصود بها هو «عالم ما فوق المحسوس»، وعالم ~~الميتافيزيقا والمثل بوجه عام. # 7 # فهو في عبارته المشهورة «إن الله قد مات» لا يعبر عن موقفه الشخصي في الإلحاد ~~فحسب، بل يعبر عن اعتقاده بأن العالم الآخر، بكل صوره الفلسفية، قد فقد دعامته وانهار من ~~أساسه؛ فتلك ms032 الفكرة إذن مرتبطة بموقفه من الفلسفات التقليدية الارتباط، وهي تمهد تمهيدا ~~مباشرا لرفض الميتافيزيقا القديمة، بحيث لا يتبقى أمام الفكر إلا البحث في القيم، وتنتقل ~~الفلسفة إلى البحث في الذات، وفيما له قيمة بالنسبة إليها، وتلك ولا شك هي ذاتها نقطة بداية ~~كل فلسفة وجودية. # بل لقد فهمت هذه الفكرة على نحو يقرب بين نيتشه وبين الوجودية تقريبا «إيجابيا»، لا ~~سلبيا فحسب، فقيل إنها تعبر - رغم ما يبدو في ظاهرها من نفي لكل حقيقة عليا - عن سعي ~~نيتشه إلى «التعالي» # Transcendance ~~، وبينما تبحث الأديان عن ~~التعالي فيما يتجاوز الإنسان، ويبحث عنه كيركجورد في شخصية «المصلوب»، فإن نيتشه يريد أن يحقق ~~هذا التعالي ذاته، ولكن عن طريق الإنسان، فلم يكن نيتشه بهدف من فكرة «موت الإله» إلا إلى ~~إفساح الطريق أمام الإنسان، حتى يمكنه أن يحقق كل ما تتسع له جهوده. أما التجاء كيركجورد ~~إلى الدين، فهو أمر يستطيع نيتشه تفسيره؛ فمن الناس من يلجأ إلى الدين لأنه سئم غيره من ~~الناس، ورأى حياته عاجزة، فسعى إلى ما هو أعلى منه. وهو في هذا يقول: «إن العنصر الديني من ~~أخطاء الطبائع العليا التي تعذبها صورة الإنسان المنفرة.» ونيتشه، وإن كان ينفر بدوره من ~~الصورة الحالية للإنسان، فإنه لا يريد أن يكون ذلك النفور من أجل أية حقيقة عليا، بل يريد أن ~~يتجاوز الإنسان ذاته بذاته فحسب. فهو ينظر إلى فكرة الله على أنها تمثل الحد النهائي الذي ~~لا تستطيع قدرة الإنسان الخالقة أن تتعداه؛ فهي إذن عقبة ينبغي إزالتها، وذلك هو معنى كلمته ~~المشهورة «لو كان هناك إله، فكيف كنت أطيق ألا أكون إلها.» ففي رأيه أن بين الله والإنسان في ~~الخلق تعارضا، ولا بد لكي يتسع الطريق أمام قوة الإنسان الخالقة من أن تزاح كل العقبات من ~~طريقه. # في كل هذا رأينا تفكير نيتشه يقترب - إذا فهم على نحو معين - من بعض المبادئ العامة ~~للفلسفة الوجودية. على أن هذا التقارب إذا كان يرتبط بتفسير خاص لتفكير نيتشه الذي يقبل ~~عديدا ms033 من التفسيرات. فليس من شك في أنه لن يكون حاسما. # ولعلنا قد لاحظنا أن المبادئ التي يشترك فيها نيتشه مع الفلسفة الوجودية «عامة» إلى أقصى ~~حد؛ فهي أوسع نطاقا من أن تكون صفات مميزة للفلسفة الوجودية على التخصيص؛ ففكرة تجدد الوجود ~~الإنساني وعدم ثبات ماهيته، وما يرتبط بها من دعوة إلى علاء الإنسان بنفسه وتجاوزه لذاته على ~~الدوام، هذه الفكرة ليست على الإطلاق وفقا على فلاسفة الوجودية، بل إنها حظ مشترك بين كل ~~الفلسفات الدينامية التي تدعو إلى الحركة وتنبذ الثبات. ونستطيع أن نقول إن عدم ثبات الماهية ~~الإنسانية هو المقدمة الأولى التي تفترضها مقدما كل فلسفة تعتقد بالتطور، وكل مذهب يؤمن ~~بفاعلية التاريخ. حقا إن المسالك تتشعب بهذه الفلسفات والمذاهب فيما بعد تشعبا كبيرا، ~~غير أنها كلها لا تستطيع أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام لو لم تكن تفترض مقدما قابلية ~~الماهية الإنسانية للتحول والتغير. فتلك إذن فكرة لا تختص بها الفلسفة الوجودية وحدها، بل إن ~~الوجودية ليست إلا مظهرا متأخرا، متميزا بطابع فردي خاص، لهذا الاتجاه العام نحو الحركية ~~والتاريخية في الفلسفة. # ولقد كان لنيتشه من العلم موقف لا شك في أنه يميزه عن مختلف التيارات الوجودية تمييزا ~~أساسيا. فمن الواضح أنه كان يتحمس للعلم ويؤمن به إيمانا عميقا. حقا إن فهمه لمنهج ~~العلم ورسالته كان متأثرا بالحالة العلمية السائدة في عصره، بل بالحدود الضيقة التي أمكنه ~~هو ذاته أن يستوعب فيها علوم عصره، ولكنه على أية حال كان يحمل في نفسه للعلم تقديرا ~~حقيقيا، وتلك صفة لا تجد لها في الفلسفة الوجودية نظيرا؛ فالفيلسوف الوجودي قد يتخذ مظهر ~~العطف على العلم، والتقدير له، ولكنه في واقع الأمر يعمل - عن وعي أو دون قصد - على زعزعة ~~الثقة في العلم، وعلى إثبات قصوره عن استيعاب أهم مجالات الحياة البشرية؛ ذلك لأن الوجودي ~~يؤكد دائما أن للعلم حدودا لا يتعداها، وهذه حقيقة معترف بها من الجميع؛ غير أن الفارق بين ~~المؤمن بالعلم وغير المؤمن به، أن الأول يعترف بهذه الحقيقة ms034 ويعبر في الوقت نفسه عن أمله ~~في أن تضيق هذه الحدود رويدا رويدا. أما الثاني فيعترف بها على أنها حقيقة ثابتة؛ إذ إن ~~المجال الذي يحيا فيه هو ذاته هذه الحدود التي يقول إن العلم لا يتعداها. فموقف الوجودي إزاء ~~العلم هو موقف الحارس الذي يدافع عن أرضه الخاصة ضد عدو يخشى أن يسلبه إياها. ومن هنا كنا نرى ~~نقطة البداية الأولى للتفكير الوجودي عامة هي تأكيد قصور العلم ووقوفه عاجزا في ميادين ~~معينة، وفي هذه الميادين ذاتها تبدأ الفلسفة الوجودية نشاطها. ونيتشه في هذا يخالف ~~الوجوديين تماما؛ فقد كان في فترة غير قصيرة من حياته يتحمس للعلم ويؤمن به إيمانا مباشرا، ~~ولم يتخل عن إيمانه هذا في بقية الفترات، ولم يحاول أن يجعل مصير تفكيره مرتبطا بوجود حدود ~~معينة للعلم، بل لم يكن يجعل من إيضاح هذه الحدود هدفا أصليا لتفكيره كما فعل كثير من ~~الوجوديين، وعلى رأسهم كارل ياسبرز # K. Jaspers ~~. # وعلى ذلك، فانتساب نيتشه إلى الوجودية أمر لا يمكن التسليم به من جميع الوجوه. وإذا كان ~~المرء يجد لديه أفكارا تذكره بأفكار وجودية معينة، فإن التقارب بينهما لا يمكن أن يتم ~~إلا من خلال تفسير خاص لآرائه، وقد يكون هذا التفسير متعسفا في كثير من الأحيان. ~~••• # وهكذا تبين لنا أن تفكير نيتشه وإن كان يقترب من بعض المذاهب الفلسفية المعروفة، فإنه ~~أيضا لا يخضع لواحد من هذه المذاهب خضوعا تاما، ولن تستطيع أن تجد بينهما اسما شاملا ~~ينتظم كل نواحي تفكيره، بحيث تندرج تحته فلسفة نيتشه مع غيرها من الفلسفات. # ومع ذلك، فصعوبة الاهتداء إلى مذهب معين ينتسب إليه تفكير نيتشه، لا يعني كما قلنا من ~~قبل أن هذا التفكير يفتقر إلى كل وحدة وتماسك؛ إذ إن وحدة الشخصية لا بد أن تبعث في ~~أعمالها - أيا كان تشعبها - نوعا من الوحدة. # وإن نفس الروح التي سيطرت على بعض الباحثين، فأوهمتهم أنهم يمجدون نيتشه حين يصورون ~~تفكيره بصورة التلقائية الوحشية التي لا تخضع للمنطق ولا تحرص على الاتساق، ms035 نفس هذه الروح هي ~~ذاتها التي تحاول؛ إذ ما تبين لها استحالة اتصاف الشخصية الواحدة يمثل هذا التضارب الجنوني، ~~أن تقسم تفكير نيتشه الفلسفي إلى فترات متميزة، لكل منها خصائصه التي تنفرد عن خصائص ~~الفترات الأخرى، وكأنها بذلك تلجأ إلى آخر سهم في جعبتها؛ بحيث تقسم تفكيره إلى مراحل رئيسية ~~منفصلة، بعد أن عجزت عن أن تؤكد الانفصال بين كل لحظات هذا التفكير. فلنختبر إذن هذا الزعم ~~الأخير، ومن خلال نقدنا له سيتضح لنا العنصر المشترك في تفكير نيتشه ، فإن لم يكن من الممكن ~~إخضاع هذا العنصر لواحد من المذاهب السابقة، فسوف يظل في وسعنا مع ذلك أن نضمن لفلسفة نيتشه ~~وحدتها، بل أن نضمن لشخصيته تماسكها واتساقها. # العنصر المشترك بين مراحل تفكيره # الشائع أن يقسم تفكير نيتشه إلى مراحل ثلاث: ~~(1) # مرحلة فنية رومانتيكية، تمتد من 1869 إلى 1876، وهي المرحلة التي كان نيتشه فيها ~~واقعا تحت تأثير شوبنهور وفاجنر، وتنتهي بتخلصه منهما. ~~(2) # مرحلة وضعية نقدية، وتمتد من 1876 إلى 1882، وفيها تميز تفكير نيتشه بالتأثر ~~بالمنهج العلمي، بعد أن تخلص من المؤثرات الرومانتيكية السابقة، وتلك هي المرحلة التي ~~حرص فيها نيتشه على أن يوجه أعنف نقد إلى مقومات الحياة الإنسانية في العصر ~~الحديث. ~~(3) # مرحلة صوفية خالصة، تبدأ من كتاب زرادشت في 1883، وتستمر حتى 1888، وفيها يتميز ~~تفكير نيتشه بالاستقلال التام، ويسير في طريقه الخاص، ويتخذ أسلوبه شكل التدفق الصوفي، ~~لا التحليل النقدي. # فلنحلل إذن العناصر الرئيسية لكل فترة من هذه الفترات، حتى نصل إلى العنصر المشترك ~~بينها. # فالفترة الأولى تتميز، كما قلنا، بتأثره بشوبنهور وفاجنر. أما التأثر بشوبنهور فلم يكن ~~كاملا، إذا شئنا الدقة؛ ذلك لأن فلسفة شوبنهور كانت تدور حول فكرة الألم؛ فالعالم هو في ~~أساسه مصدر للألم، ووسيلة الخلاص إما أخلاقية؛ أعني القداسة والزهد والانصراف عن ممارسة ~~الإرادة بقدر الإمكان، وإما فنية؛ أعني الإغراق في الإنتاج والتأمل الفني الذي ينسي المرء ~~ما في إرادته من قلق واضطراب. ولم يأخذ نيتشه من شوبنهور اتجاهه الأول، فلم يعترف في تلك ~~الفترة بالزهد ms036 الأخلاقي وإماتة الإرادة وسيلة للخلاص من الألم، وإنما اعترف بالوسيلة ~~الثانية؛ أعني بالفن الذي أراد عندئذ أن يفسر كل ما في العالم على أساسه. وإذن، فقد كان هناك ~~شيء خفي يمنع نيتشه من الاقتداء بشوبنهور في دعوته إلى كبت إرادة الحياة، وماذا يكون هذا ~~الشيء، إن لم يكن حب الحياة؟ # وتزداد هذه الفكرة اتضاحا إذا تأملنا العنصر الرئيسي الآخر من عناصر تفكير نيتشه في ذلك ~~الحين، فقد أدى به إعجابه بفاجنر إلى أن يقوم الحياة القديمة والحديثة تقويما جديدا، ~~ويتأملها من خلال فكرة الأبولونية والديونيزية؛ فقد تنازعت العالم فترات سادتها الروح ~~الأبولونية؛ أعني روح النظام والوضوح والتحدد، وأخرى سادتها الروح الديونيزية؛ أعني روح ~~الاندماج بالطبيعة والخضوع للغريزة التلقائية. وتنازعت كل من هذين الروحين حياة الإغريق ~~القدماء، حتى أتى سقراط، فسجل انتصار الروح الأبولونية، وظل هذا الانتصار سائدا إلى يومنا ~~هذا. ولكن نيتشه يدعو إلى أن تعود الروح الديونيزية مرة أخرى إلى السيطرة، ويأمل في أن يكون ~~فن فاجنر عاملا أساسيا من عوامل هذه العودة الناهضة، وهذا التقسيم إلى ما هو أبولوني ~~وديونيزي يناظر - إلى حد ما - التقسيم الحديث إلى المعقول واللامعقول. # وعلى ذلك، فعند نيتشه في هذه الفترة ميل واضح إلى النزعة اللاعقلية، واتجاه إلى الاندماج ~~المباشر بالطبيعة التلقائية في صورتها الأولى، قبل أن يشوهها العقل الخالص ويبعث فيها الثبات ~~والجمود، وهو اتجاه يتصف كما هو واضح بالإقبال على الحياة في تلقائيتها المباشرة، والحملة ~~على كل ما من شأنه الوقوف في وجه هذه التلقائية. # فلنتأمل إذن موقفه في الفترات التالية، وهل تغير هذا الاتجاه الأساسي نحو إثبات الحياة ~~والاندماج المباشر في الطبيعة اللاعقلية أم ظل يتردد خلالها في صور مختلفة. # في المرحلة الوضعية الثانية، يبدأ نيتشه حملة قوية من النقد، فيحمل على الميتافيزيقا ~~التقليدية، ويراها أقرب إلى الشعر والخيال، وينقد الأخلاق الشائعة، ويدعو إلى قلب كل القيم ~~السائدة، ويحاول في بعض الأحيان - تأثرا منه ~~بالاتجاهات العلمية السائدة في عصره - أن يرد القيم الأخلاقية إلى أصول حيوية عضوية، بل أن ~~يرى ms037 الحقيقة ذاتها قيمة متغيرة خاضعة للنفع الحيوي. ولا شك أن النزعة إلى تمجيد الحياة تبدو ~~هنا بوضوح؛ فالحياة هي القوة الدافعة لكل نشاط خلاق في الإنسان، وهي الأصل الأول الذي ~~ترتد إليه كل معرفة وتقويم، وفضلا عن ذلك، فالاتجاه إلى نقد العقل التجريدي الخالص، يتمثل في ~~الحملة القوية على الميتافيزيقا القديمة، وفي الدعوة إلى مراجعة الأسس الأولى للفلسفة. # ومما ينبغي أن ننبه إليه الأذهان، أن الأسلوب العقلي الهادئ الذي تميزت به كتاباته في هذه ~~الفترة، واتخاذه المنهج العلمي مثلا أعلى خلالها ، لم يمنعاه من أن يواصل اتجاهه الناقد ~~للعقل، ومن أن يكون هنا أيضا من أنصار اللامعقول. ومن الغريب حقا أن ينقد فيلسوف النزعة ~~إلى المعقولية، إخلاصا منه للعقل والعلم، ولكننا قد بينا في موضع آخر # 8 # أن هذين الاتجاهين لا يتعارضان، وبالتالي فإن المعقولية واللامعقولية يمكن أن ~~تجتمعا في مركب واحد، إذا فهمت كلمة العقل في كل حالة فهما خاصا. # أما المرحلة الصوفية الثالثة، فلا شك في أن انتقال نيتشه إليها لم يكن مفاجئا على ~~الإطلاق، بل لقد انتقل إليها ومعه كل ذخيرته النقدية التي تسلح بها في المرحلة السابقة؛ فهو ~~هنا لا يزال يحمل على أصحاب المذاهب الميتافيزيقية الخالصة، وعلى المؤمنين بالعقل التجريدي، ~~وبوجود معايير أخلاقية مطلقة تعلو على مقتضيات الحياة المتغيرة. أما الناحية الصوفية ~~الخلاقة، فهي أولا قد ظهرت في كتاب «زرادشت» وحده، وكانت كل الكتب الأخرى التي ظهرت في هذه ~~المرحلة تحمل نفس الطابع النقدي الذي اتصفت به المرحلة السابقة، وتواصل حملتها في خط مستقيم. ~~وحتى لو تأملنا كتاب زرادشت ذاته، فلن تجد فيه تصوفا من ذلك النوع الزاهد الذي ينكر الحياة ~~ويعزف عنها، بل هو تصوف يظل على تعلقه بالأرض، ويمجد هذه الحياة وهذا العالم، ويتغنى ~~بالطبيعة التلقائية. فزرادشت يقول في المقدمة: «أناشدكم أيها الأصدقاء أن تظلوا مخلصين للأرض، ~~وألا تصدقوا من يحدثكم عن آمال تعلو على الأرض؛ ففي أحاديثهم هذه سموم، سواء أعلموا ذلك أم ~~لم يعلموه.» # ففي هذه الفترة الأخيرة بدورها يظل المبدأ ms038 العام الذي يسير عليه نيتشه هو تمجيد الحياة ~~الأرضية، وإضفاء المعنى الإنساني - لا الإلهي أو الميتافيزيقي - على هذا العالم. أما النزعة ~~اللاعقلية، فتفترضها ضمنا فكرة التصوف، وتعبر عنها صراحة دعوته إلى الإنسان الأرقى، الذي ~~تسود حياته «الغرائز»؛ أي القوى الحيوية التلقائية، لا العقل المجرد. # وهكذا نلاحظ في كل هذه الفترات اتجاها عاما واحدا، هو الاتجاه إلى نقد المعقولية ~~التجريدية، وتمجيد الحياة وإعلائها، والتعلق بالطبيعة والحياة الأرضية. في هذا الاتجاه تتمثل ~~وحدة شخصية نيتشه، التي لازمته طوال مراحل تفكيره. وليس معنى ذلك أنه قد تعلق بهذه المبادئ ~~تعلقا متحجرا، بل إنها قد اتخذت - كما لاحظنا - أشكالا متباينة، وعبرت عن نفسها ~~بأساليب مختلفة، مما ينفي عن نيتشه تماما صفة «المذهبية» بمعناها التقليدي الجامد، ولكنها في ~~نفس الوقت تظل كامنة من وراء ما اتخذته من مظاهر مختلفة، فتؤكد بذلك أن الذهن الذي يفكر واحد، ~~وأن لشخصيته عناصرها الأساسية، وتنفي عنه تلك المزاعم التي أراد أن يلصقها به هواة التفكير ~~الشعري الخيالي، مزاعم التناقض الصريح، والجموح الدائم، والانتقال المتواصل بين ~~الأضداد. # الفصل الثاني # | انقلاب القيم # إذا شئنا أن نلخص ما يميز العقلية العلمية الحديثة من العقلية الخرافية الغابرة في عبارة ~~واحدة، لقلنا إنه تخلص العقلية العلمية من صفة التشبيه بالإنسان # anthropomorphisme # التي غلبت على ~~العقلية الخرافية؛ ذلك لأن أوضح مظهر من مظاهر التأخر في التفكير البدائي، هو طبع الصور ~~الإنسانية على العالم الخارجي، بحيث يبدو ظواهر ذلك العالم كأن لها معنى إنسانيا، وكأنها قد ~~استهدفت غايات بشرية معينة. وهكذا رأينا العالم، في التفكير الخرافي، يحتشد بالآلهة والقوى ~~الخفية، التي هي وسيلة طبع الصورة الإنسانية على العالم. فظاهرة المطر مثلا تحدث بفعل إله ~~المطر، الذي ينبغي إرضاؤه على نحو إنساني تماما، حتى يجود على الأرض بالغيث. ويظل هذا التشبيه ~~للطبيعة الخارجية بالإنسان يمتد بالتدريج، حتى يتسع لكل الظواهر، فلا يغدو الكون كله إلا مجالا ~~مكبرا لغايات الإنسان وأمانيه. # وقد يبدو للبعض أن هذه النظرة التشبيهية بالإنسان قد انقضت بانقضاء عهد الخرافة الأولى، ~~وحلول عهد التفكير ms039 العقلي المنظم، في الفلسفة اليونانية على الأقل. ولكن الحقيقة بخلاف ذلك؛ ذلك ~~لأنه إذا كانت الطريقة البدائية في التفكير، وفي ملء الكون بالآلهة والأشباح والقوى غير ~~المنظورة؛ إذا كانت طريقة التفكير هذه قد اختفت في ذلك الحين، ~~وحل محلها تفسير عقلي للعالم، فقد ظلت مع ذلك ~~قائمة، ولكن في صورة مستترة يدق فهمها. أما هذه الصورة الجديدة، فهي الاعتقاد بالقيم ~~الموضوعية المطلقة. # فلنتأمل مثلا طريقة تفكير أفلاطون، حين يضع مثال الخير فوق قمة المثل، ويؤكد أن الخير ~~ليس أرفع القيم فحسب، بل لا يقتصر على كونه قيمة من القيم، وإنما هو أيضا «خالق الكون»؛ أعني ~~حين يضفي على الخير معنى أنتولوجيا، ويجعل له قواما كونيا، لا معنويا فحسب. في هذا ~~التفكير تتردد الصورة القديمة، التشبيهية بالإنسان، وإن تكن مغلفة بإطار من الجدل المنظم ~~الدقيق، ومصوغة في قالب منطقي محكم؛ ذلك لأنه إذا لم يعد الخير مجرد معنى إنساني، وإنما ~~قوة موجهة للكون، فالنتيجة المباشرة لذلك هي أن الكون قد اصطبغ بصبغة إنسانية. فلتبحث إذن عن ~~معنى إنساني في كل ظاهرة كونية، وسوف تجده حتما؛ إذ إن الكون قد خلق «من وجهة نظر الخير»؛ ~~أعني أن له معنى ملائما للإنسان، وفي وسع الإنسان أن يهتدي إلى ذلك المعنى إذا تعمق في ~~تأمله. وهكذا يتبين لنا أن آثار العقلية الغابرة قد ظلت عالقة في الذهن الإنساني خلال مراحل ~~طويلة من تاريخه، واتخذت صورا ظاهرها رائع حقا، أوضحها تلك الصورة التي تجعل للكون قوة خالقة ~~هي في نفس الوقت قوة خيرة، وهي صورة لم تقف عند حد أفلاطون، بل ظلت ملازمة للإنسانية طويلا ~~في مظاهر مختلفة، ولا تستطيع أن تقول إنها قد تخلصت منها حتى اليوم. # ولكن ما الذي يضيرنا في هذه الصورة الإنسانية التي تطبع على الكون؟ أليست على الأقل تبعث ~~أملا باسما في الإنسان؟ ألا تجعل بينه وبين الكون نوعا من الألفة هو أحوج ما يكون إليه؟ ~~أليست خيرا من شعوره بأن القوى المحيطة به في الكون قوى غريبة عنه، لا ms040 تعبأ به ولا تعمل من ~~أجله؟ الحق أننا نسلم بأن الأصل في طبع القيم الإنسانية على العالم هو الرغبة في الشعور ~~بالألفة وسط عالم غريب، وهو شعور قد يبدو مفيدا للإنسان مطمئنا لنفسه؛ ولكن لنتأمل نتائج ~~هذا الشعور بالألفة بين الإنسان وبين العالم عن كثب، لكي نتبين آخر الأمر إن كان قد أفاد ~~الإنسان بالفعل أم ألحق به الضرر. # أول ما نلاحظه أن إضفاء معنى إنساني على الكون هو في واقع الأمر سلاح ذو حدين، فهو يلحق ~~بالإنسان من الضرر بقدر ما يجلب له من النفع؛ ذلك لأنه إذا مرت الأحداث كما يشتهي الإنسان، فسوف ~~يعزو ذلك إلى ما هنالك من تجاوب بين المسار العام للكون وبين رغباته، نظرا إلى أن القوة ~~الموجهة للكون هي في نفس الوقت قوة خيرة. أما إذا حدث ما يسيء إليه أو يجلب له الأذى، فسوف ~~يعجز عن التفسير، ويقف حائرا وقد أحس بالجزع أمام ذلك العالم الذي لم يعد يفهمه. فكيف يفسر ~~أفلاطون - في حدود قوله بالهوية بين الخير وبين القوة الخالقة للعالم - كارثة طبيعية، كزلزال ~~يروح الألوف ضحيته؟ لا شك أن أي تفسير لهذه الظاهرة من خلال القول بخيرية العالم سيكون متعسفا، ~~مهما كانت الوسائل التي تتبع في التوفيق بين هذين الجانبين المتعارضين. وهكذا لا يستطيع المرء ~~أن يفهم كل ظاهرة لا توافق غاياته طالما كان يفهم العالم فهما غائيا. أما إذا لم يكن قد ~~طبع ذلك المعنى الإنساني على الكون، فعندئذ سيكون الأمر هينا؛ إذ إن تفسير مثل هذه الظاهرة ~~هو أنه ليس لها تفسير؛ أي إنها تحدث كما تحدث فحسب، دون أن يكون قد قصد منها موافقة غايات ~~الإنسان أو معاندتها. # وفضلا عن ذلك، فإن من شأن تلك النظرة التي تدعي أن للكون في الأصل معنى إنسانيا، ~~وأننا «نهتدي» إلى ذلك المعنى فحسب، أن تقعد الإنسان عن العمل المتواصل من أجل إخضاع ذلك ~~الكون لحاجاته؛ ذلك لأن الطريق الذي يسير فيه الكون يتفق أصلا وغايات الإنسان، فما عليه إلا أن ~~ينتظر، ms041 وسيحدث كل شيء كما ينبغي. وتلك هي فلسفة التواكل التي ترجع في نهاية الأمر إلى هذا ~~الاعتقاد الخرافي بأن مسار الحوادث يستهدف معنى إنسانيا، وأن غايات البشر هي القطب الذي ~~تنجذب إليه كل الظواهر. أما إذا أدركنا أن الكون قد خلا من كل معنى إنساني، فعندئذ يتسع ~~أمامنا المجال لكي نحاول نحن إضفاء ذلك المعنى عليه، لا بطريقة تخيلية تصورية كما فعلها ~~الأقدمون، ولكن بالعمل الدائب الذي يرمي إلى إخضاع الكون وتسخيره لغايات البشر. # وهنا نعود مرة أخرى إلى ما قلناه في مستهل هذا الفصل، من أن الفارق الأساسي بين العقلية ~~الخرافية والعقلية العلمية هو اعتقاد الأولى بأن الكون يسير بالفعل وفق غايات الإنسان. وما نهضت ~~الروح العلمية إلا منذ اللحظة التي نفض فيها العقل عن نفسه هذا الاعتقاد الواهم، ووضع فيها ~~الإنسان لنفسه شعارا جديدا هو: إذ لم يكن العالم يسير وفقا لغاياتي، فلأجعله يسير وفقا لها، ~~بالعمل والجهد، لا بالأسطورة والخيال! في هذه اللحظة وحدها نستطيع أن نقول إن العلم الحقيقي قد ~~بدأ؛ فما العلم إلا محاولة منظمة لتسخير الكون لخدمة الإنسان، وللتحكم في تلك الظواهر التي كانت ~~تبدو من قبل مستقلة تماما عن سيطرته. # وإذا كان التقدم العلمي الحديث قد عبر ضمنيا عن هذه النظرة الجديدة إلى العالم، فإن ~~الفلسفة قد تأخرت في المجاهرة بها، وفي التعبير الواعي عنها. فإذا أدركنا مدى خطورة هذه النظرة ~~الجديدة إلى القيم، وكيف أنها هي التي تميز العقلية المتحضرة من العقلية البدائية بوجه عام، ~~فعندئذ يتضح لنا إلى أي حد كان التنبيه إليها عملا جليل الشأن، وإلى أي مدى يعد ذلك ~~انقلابا حقيقيا في التفكير الإنساني. ونستطيع أن نقول إن أول محاولة فلسفية جدية في هذا ~~الشأن كانت هي محاولة نيتشه؛ فالفضل الأكبر لنيتشه - في رأينا - ليس في السبق إلى هذا المبحث ~~الفلسفي الجديد، مبحث القيم (ولو أن هذا وحده فضل لا يمكن الحط من قيمته)، بقدر ما هو في ~~التصريح بما كانت تنطوي عليه النهضة العلمية الحديثة ضمنا، وفي التعبير ms042 عن الفلسفة الكامنة في ~~كل تقدم أحرزه العقل البشري؛ أعني في تأكيده خلو العالم من القيم، التي لا يخلقها إلا الإنسان ~~ذاته، ولا تضفيها على العالم إلا مطالبه وحاجاته. # بمعزل عن التفاؤل والتشاؤم # ومن الناس من يفهم فكرة خلو العالم من كل معنى إنساني فهما متحيزا، فيظن أن معناها ~~هو أن العالم يسير في اتجاه مضاد لغايات الإنسان. أولئك هم المتشائمون، الذين يتوهمون أن ~~العالم إما أن يكون له معنى إنساني، وإما أن يكون له معنى غير إنساني، فينتهي بهم ~~الأمر، حين لا يجدون المعنى الأول، إلى القول بأن في الكون قوة مضادة للإنسان، تعمل على ~~إلحاق الضرر به، ويصورون الحياة في صورة قاتمة، ما دامت الوجهة التي يتخذها العالم مخالفة ~~لتلك التي يريده الإنسان أن يسير فيها. ومن هنا كانت دعوتهم تتجه إلى إنكار الحياة والعزوف ~~عنها، وأقصى غاياتهم أن يحلوا روابطهم بهذا العالم بقدر ما في مكنتهم. ودعاة التشاؤم هؤلاء ~~ليسوا أقل وهما من إخوانهم دعاة التفاؤل، فهم يعتقدون بأنه كان يجب أن يكون للعالم في الأصل ~~معنى إنساني، ولكنه غير موجود، وإنما الذي يوجد معنى يمكن أن يفهم بدوره من خلال مقولات ~~الإنسان؛ أعني أن العالم يتركز هنا أيضا حول الإنسان، وإن يكن ذلك على نحو عكسي لا طردي. ~~والموقف الصحيح، الذي يدعو إليه نيتشه في هذا الصدد، هو أن ينظر إلى القيم على أنها بمعزل ~~تماما عن طبيعة الأشياء؛ فمكانها الحقيقي في ذهن الإنسان الذي خلقها. أما العالم، فليس ~~موافقا أو مخالفا لها، وإنما هو مستقل عنها فحسب. وهكذا نرى القيم لا تؤثر في الواقع ~~الطبيعي أي تأثير، ولا الواقع يؤثر في القيم. وبعبارة أخرى، فلن يزيده الشيء صفة جديدة إذا ~~اكتسب قيمة، وستظل جميع صفاته العقلية في صلة ببقية الأشياء وبالنظام العام للكون كما هي دون ~~أدنى تغيير، وكل تغير يحدث في هذه الحالة إنما يطرأ على الذهن؛ أعني على «المعنى» الذي يضفيه ~~العقل البشري على الشيء. والحق أن كنت # Kant # قد عبر عن ~~هذه ms043 الفكرة ذاتها تعبيرا ضمنيا في نقده المشهور للحجة الأنتولوجية في إثبات وجود الله؛ إذ ~~قال إن قرشا في الخيال لا يختلف عن قرش في الواقع على الإطلاق؛ أعني أن واقعية الشيء لا تزيد ~~من قيمته. والنتيجة المباشرة لفكرة كنت هذه هي أن القيمة مستقلة تماما عن التحقق الواقعي. ~~وليست مرتبطة بالبناء الفعلي للعالم، ما دام تحقق القيمة في الوجود لا يرفع مرتبتها فوق ما لم ~~يتحقق بالفعل. # الإنسان خالق القيم # فمن أين أتت القيم إذن؟ إن خالق القيم هو الإنسان. وليس لها خارج الفاعلية الإنسانية أي ~~كيان واقعي؛ فالإنسان هو الذي أضفى على الكون كل ما فيه من معنى، ويظن مع ذلك أنه قد «اهتدى» ~~إلى ذلك المعنى فحسب: «الحق أن الناس قد أعطوا أنفسهم كل خيرهم وشرهم. والحق أنهم لم ~~يتلقوه، ولم يجدوه، ولم يهبط إليهم من السماء!» # 1 # ولو أدرك الإنسان عن وعي أنه هو خالق هذا البناء الشامخ من القيم، لعمل على تحقيق هذه ~~الغايات التي يريدها لنفسه تحقيقا واقعيا، ولازدادت ثقته بنفسه، وبقدرته المبدعة ... ولكنه ~~في واقع الأمر ينكر ذلك، ويوهم نفسه أنه قد «وجد» هذه القيم فحسب، وأنها هناك، مفروضة على ~~الأشياء بالرغم عنه. فإذا ما أحس بأنها في وجودها مستقلة عنه، فلن يحاول أن يغير منها شيئا، ~~بل سيبقيها على حالها، وسيقبل الأمور على ما هي عليه. # وهكذا يتبين لنا أن إرجاع القيم إلى الإنسان عند نيتشه لا يعبر عن نزعة ذاتية أو ~~صوفية، بل هو في واقع الأمر دعوة صريحة للإنسان كي يمارس فاعليته على أوسع نطاق ممكن. فلن ~~يقف في وجه هذه الفاعلية شيء إذا تبين أن العالم لا يحمل معنى ثابتا، وأن في وسع الإنسان أن ~~يضفي عليه بمجهوده الخاص من المعاني ما يشاء، مثلما أضفى عليه من قبل معناه القديم، دون وعي ~~منه، ثم ثبته وقدسه. # والقوة التي تدفع الإنسان إلى إضفاء قيم معينة على الأشياء، هي الحياة، فكل تقويم ~~إنساني إنما يستهدف نفع الحياة في آخر الأمر. ولن يستطيع ms044 المرء أن يستقر في آخر الأمر على ~~معنى معين لكلمة «الحياة» عند نيتشه، وهل يعني بها النفع الحيوي للنوع، أم امتلاء الحياة ~~الفردية، والحق أن لكل من الرأيين أنصاره الذين يمكنهم أن يجدوا لرأيهم شواهد تؤيده من نصوص ~~نيتشه في كلتا الحالتين. وعلى أية حال فليس يعنينا هنا أن تفهم آراء نيتشه في هذا الصدد ~~بمعنى تطوري أو بمعنى وجودي، وحسبنا أنه أرجع القيم إلى الأرض، وإلى الإنسان، وإلى القوة ~~الفعالة في الإنسان؛ أعني الحياة. # وارتباط القيم بالحياة هي أوضح شاهد على نسبيتها؛ ذلك لأن للحياة مطالب متجددة، وهي لا ~~تخضع لصيغ منطقية جامدة حتى يقال إنها تثبت على اتجاه واحد، وإنما هي تلقائية في سيرها، ~~تتخذ لنفسها من القيم ما تشاء حتى يمكنها أن تعلو على ذاتها دواما. والحق أن نيتشه في تأكيده ~~نسبية القيم وارتباطها بالنفع الحيوي، يبرهن على رأيه أحيانا بشواهد تشبه إلى حد بعيد تلك ~~التي ظهرت فيما بعد عند أصحاب الاتجاهات الأنثروبولوجية والاجتماعية بوجه عام. فهو مثلهم ~~يحرص على أن يربط القيم السائدة في كل عصر وبيئة بنوع الظروف التي تسود هذا العصر والبيئة، ~~وكثيرا ما تتخذ لهجته شكل نزعة علمية واضحة، استبق بها بعض الاتجاهات العلمية التالية له. ~~وليس معنى ذلك أنه هو الآخر قد اتبع المنهج العلمي في إثباته نسبية القيم؛ فمن المسلم به ~~أنه لم يدرس مثل هذه الموضوعات أية دراسة تجريبية كتلك التي قامت بها المدارس العلمية ~~التالية، وكل ما يمكن أن يقال عنه هنا إنه قد اهتدى نظريا إلى نتائج تأيدت فيما بعد ~~تأييدا تجريبيا لا سبيل إلى الشك فيه. # والحق أن هذا التأرجح بين الفهم العلمي والفهم الفردي من أخص الصفات التي يتميز بها ~~تفكير نيتشه؛ فهو أحيانا يبني نسبية القيم على أسس بيولوجية واضحة، فيقول: «إن التمييز بين ~~ما هو رفيع وما هو وضيع في جسمنا وفي أعضائه ليس من خصائص الروح العلمية في شيء؛ فنحن نجعل ~~لأحد الأعضاء مكانة رفيعة طالما أننا لا نرى فعله وأثره، أو ms045 لا نحس بهما (عن طريق الأنف أو ~~حاسة اللمس)! فالتقزز، لا «القيمة» هو الذي يتحكم في التمييز بين الرفيع والوضيع، وهذه إحدى ~~نقط بداية ما تضعه المذاهب الأخلاقية من تفرقات.» وفي نفس الوقت الذي يصرح فيه بمثل هذه ~~التفسيرات العضوية لما هو رفيع ووضيع في الإنسان، نراه يلجأ إلى بناء القيم على أسس نفسية ~~فردية خالصة، ويجعل من إرادة الفرد مصدرا خالقا لكل المعايير، ولا يعترف بأمر عام يسن قاعدة ~~شاملة، وإنما يؤمن بالأوامر الفردية التي توجهها الذات إلى نفسها فحسب. وليس يكفي لتعليل هذا ~~الازدواج في تفكيره أن ننسب كلا من الفكرتين إلى فترة معينة، فنقول إن الفهم الطبيعي ~~والعضوي كان يسود الفترة الوضعية الثانية، والفهم الفردي كان يسود الفترة الصوفية الأخيرة؛ إذ ~~إن النظرتين كانتا قائمتين معا في الفترة الثالثة مثلا، بل وفي كتاب واحد ينتمي إليها، مثل ~~كتاب إرادة القوة. وفي هذا ما يشهد بأن نيتشه لم يعترف بالحدود الفاصلة بين أنواع التفسير ~~المختلفة، ولم يجد تعارضا بين التعليل الطبيعي أو العضوي، وبين التعليل الفردي أو الصوفي ~~لظاهرة ما، وأيا ما كان حكمنا على هذا التوفيق، فهو على أية حال مظهر من مظاهر اتساع الأفق. ~~وفي وسعنا أن نهتدي إلى سبيل لإدماج التعليلين، العضوي والفردي، أو العلمي والصوفي عند ~~نيتشه، إذا أدركنا أنه ينظر إلى القيم نظرة واقعية تماما. فهي ليست مثلا عليا بعيدة، ~~وإنما هي كامنة في الواقع، وفي الحياة ذاتها؛ ومن هنا كانت نظرته إلى القيم فردية، وبيولوجية ~~في نفس الآن. # فما هو الهدف الذي كان نيتشه يرمي إليه من دعوته إلى انقلاب شامل في القيم # Umwertung aller ~~Werte ~~؟ نستطيع أن نقول ~~إن دعوته هذه كانت هي الخطوة الأساسية الأولى، التي لا يمكن أن تقوم ثورة عقلية أو علمية ~~بدونها؛ فالقول بنسبية القيم يفتح أمامنا السبيل إلى محاولة تغييرها، ولا يجعل هذا التغيير ~~أمرا مستحيلا، كما كان الحال في النظرة القديمة المطلقة، وأن أي سعي إلى تغيير الأوضاع التي ~~يحيا عليها الناس، سواء في المجال ms046 الفكري وفي المجال الاجتماعي، إنما يفترض مقدما إيمانهم ~~بأن المعايير التي يقيسون بها الأمور ليست معايير أزلية ثابتة، فرضت عليهم بقوة لا سلطان لهم ~~عليها، وإنما هي معايير صنعها الإنسان لهدف معين، وفي وسعه أن يبدلها إذا شاء أن يضع لنفسه ~~هدفا آخر. # وهذه الدلالة السلبية لنظرية نيتشه في القيم هي في رأينا أقوى من أية دلالة إيجابية؛ ذلك ~~لأنه حين ينتقل إلى الجانب الإيجابي، وحين يوضح الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه من انقلابه في ~~القيم، ينادي بآراء يرفضها اليوم كثير من الناس، ولا يستطيع باحث منصف أن يقبلها على ~~علاتها. ومع ذلك، فإذا كان نيتشه قد أخطأ طريق الإصلاح، فحسبه أنه مهد هذا الطريق من قبل، ~~ووضع الأسس التي لا يكون الإصلاح بدونها ممكنا؛ أعني أنه نبهنا إلى أن معاييرنا إنسانية. ~~فلنرفض معاييره الجديدة إذا شئنا، ولكن لنذكر له دائما هذا الفضل، وهو أنه فتح أمامنا سبل ~~التجديد في فهمنا العقلي للعالم وسلوكنا الفعلي فيه، وذلك حين مجد قدرتنا الإنسانية على ~~الخلق والإبداع، وأزاح كل ما كان يقف أمام فاعلية الإنسان من عقبات. # الفصل الثالث # | المعرفة والحياة # إذا كانت فلسفة نيتشه تعترف بنوع من المطلق، فهذا المطلق هو الحياة. وفكرة الحياة عند ~~نيتشه، هي فكرة بلغت حدا بعيدا من العمومية والاتساع، يكاد يعجز معه المرء عن فهم المقصود ~~منها في كثير من الأحيان. ويبدو أن نيتشه ذاته لم يحرص على شرح معناها، أو لم تكن لها في ذهنه ~~صورة محددة واضحة المعالم. وإذا كان أقرب المعاني إلى فهمها هو المعنى البيولوجي، فإن تفكير ~~نيتشه كثيرا ما يبتعد عن هذا المعنى، ويتخذ اتجاها صوفيا لا صلة له بالمعنى العلمي للحياة ~~على الإطلاق. وعلى أية حال، فالفكرة لم يكن يقصد منها إلا أن تكون نواة تتبلور حولها كل خيوط ~~الثورة العاتية التي واجه بها نيتشه عصره. فهو يلخص نقائص العصر - في مختلف المجالات - بكلمة ~~واحدة، هي إنكار الحياة، ويلخص هدف حملته النقدية الهائلة بكلمة واحدة، هي الإقبال على الحياة. ~~أما المقصود ms047 بالحياة ذاتها فيفهم ضمنا من خلال هذا النقد خيرا مما يفهم من أي تعريف أو ~~توضيح. # فالحياة عند نيتشه تتحكم في خلق كل القيم؛ فهي أصل القيم العقلية والأخلاقية؛ أعني أنها هي ~~المبدأ الكامن وراء كل معرفة وكل سلوك. ولن نعرض في هذا القسم إلا لتعبير نيتشه عن الحياة من ~~حيث هي أصل القيم العقلية. أما القيم الأخلاقية فموضع بحثها هو القسم التالي. # فكرة الحقيقة # من الأفكار التي لم يحاول فيلسوف قبل نيتشه أن يناقشها، أو يتساءل عن قيمتها، وعن فائدة ~~تمسك الناس بها، فكرة الحقيقة؛ ذلك لأن الحقيقة كانت تعد دائما بمنأى عن كل شك، وعن ~~كل سؤال؛ إنها الهدف الأعلى الذي تتجه إلى تحقيقه المعرفة الإنسانية، وقد نخطئ نحن في اتخاذ ~~الوسائل التي تقربنا إلى ذلك الهدف، ولكن الهدف ذاته يظل منزها رفيعا. وهكذا ارتفعت ~~الحقيقة فوق عالم التغير والصيرورة الذي نعيش فيه، واستقلت عن شروط الحياة المتحكمة فينا، ~~واصطبغت بصبغة أزلية، فكونت عالما قائما بذاته، هو عالم المطلق. وفي هذا العالم تستقر كل ~~الأزليات الأخرى التي عرفها العقل البشري، من مثل أفلاطونية وأشياء في ذاتها، ومبادئ مطلقة، ~~وعلل أولى. # ولكن نيتشه لا يقبل أن يترك فكرة توصف بالأزلية دون أن يتساءل عن علة هذا الوصف، ومدى ~~صحته. وهو لا يكتفي بهذا التساؤل بالنسبة إلى الأزليات الأخرى التي تستقر في عالم الحقيقة، بل ~~يمتد في بحثه إلى المقر الأول لها جميعا؛ ذلك المقر الذي لم يحاول أحد من قبل أن يقترب ~~منه، ولهذا لم يفلح أحد في نقد ما هو مستمد منه نقدا حاسما. أما نيتشه، الذي لا يقف ~~تساؤله عند حد، فإنه يبدأ بأن يهاجم الأصل، مهما كانت قداسته، فتكون مهاجمة الفروع بعد ذلك ~~أمرا هينا. # فهل كان الفلاسفة على صواب، حين أجمعوا ~~على فصل الحقيقة عن الحياة؟ إن الحياة هي الأصل الذي يتحكم في كل فعل أو فكر إنساني، فلا ~~بد أنها تتحكم في الحقيقة بدورها. وفي هذه الحالة؛ أعني حين نخضع الحقيقة لأصل سابق ~~يتحكم ms048 فيها، هو الحياة، يكون علينا أن نغير نظرتنا إلى الحقيقة تغييرا شاملا؛ فالشائع أن ~~الحقيقة ثابتة؛ غير أن هذا الثبات إنما يرجع إلى فصلها عن الحياة. فإذا ما أعيد ارتباطها ~~بها، أصبحت متقلبة مع الحياة في تغيرها وصيرورتها. والشائع أن الحقيقة مطلقة؛ أعني أن ~~العوامل التي تتحكم فيها لا يمكن أن تكون عوامل حيوية أو نفعية، بل تقصد الحقيقة لذاتها ~~دائما؛ غير أن ربط الحقيقة بالحياة يؤدي إلى نتيجة تخالف ذلك كل المخالفة؛ فنيتشه يضع أمام ~~أنظارنا دائما هذا الاحتمال، وهو أن تكون الحقيقة ناشئة عن النفع الحيوي ، وهو لا يتصور أن ~~تقوم الحقيقة من أجل الحقيقة ذاتها، فتلك في رأيه ألفاظ فارغة لا تنطوي على معنى أو محتوى. ~~ومن المحال أن تفلت الحقيقة من تأثير الحياة، الذي يمتد إلى كل ما له بالبشر صلة. ولكن، عم ~~تبحث الحياة؟ إنها لا تبحث إلا عن نفعها الخاص؛ أعني عن تلك الشروط التي تعين على استمرارها ~~ونموها المطرد. وعلى ذلك، فالأصل في الحقيقة نفع الحياة، وتقديم الشروط اللازمة لنموها. # 1 # ولكن هذا معناه أن الحقيقة لن تكون خالصة، ولن يكون هدفها كامنا فيها هي ذاتها، ~~بل في شيء آخر سابق عليها، وأقل منها «نقاء» و«تجريدا». إن الغرض من كل حقائقنا هو استمرار ~~حياتنا ونموها، فهي إذن ليست حقائق أزلية، خالصة، بل هي وسائل لغاية لا تربطها بالعالم العقلي ~~الخالص صلة؛ أعني الغاية الحيوية. # وهنا يسارع نيتشه إلى استخلاص النتيجة الضرورية لهذا التسلسل في التفكير، فيؤكد أن أصل ~~الحقيقة هو البطلان، ما دامت الحقائق تدوم بقدر ما تنفع الحياة. «إن بطلان الحكم ليس في رأينا ~~أمرا يعترض به على الحكم، وهنا يصل وقع لغتنا الجديدة على الآذان إلى أقصى درجات الغرابة. ~~وإنما المشكلة هي: إلى أي حد يكون الحكم عاملا على تقدم الحياة وحفظها، وعلى حفظ النوع، ~~وربما على إنجاب النوع؛ وإنا لنميل أساسا إلى أن نؤكد أن أكثر الأحكام بطلانا (وإليها ~~تنتمي الأحكام التركيبية الأولية) هي أكثرها ضرورة لنا، وأن الإنسان ما ms049 كان يمكنه أن يعيش ~~بدون أن يدع الأوهام المنطقية تسود، وبدون أن يقيس الواقع بمقياس ذلك العالم الخيالي البحت، ~~عالم المطلق، والمماثل لذاته، وبدون تزييف كامل للعالم عن طريق العدد. وإنا لنؤكد أن ~~الانصراف عن الأحكام الباطلة معناه الانصراف عن الحياة وإنكارها ...» # 2 # ولهذه الفكرة معنى مزدوج، فهي أولا تعني أن كل ما ينتج عن النفع الحيوي، بما ~~فيه من عناصر لا عقلية، ولا منطقية، لا بد أن يعد بطلانا. وهي تعني ثانيا أن الحياة ~~لا تعبأ بشيء إلا باستمرارها وتقدمها، وفي سبيل ذلك تستعين بأية وسيلة، حتى لو كانت هذه ~~الوسيلة هي البطلان. ويستند نيتشه في ذلك إلى أن الأخطاء كثيرا ما تكون - من وجهة النظر ~~النفعية - عاملا مفيدا، يجعل للحياة البشرية لونا زاهيا، حتى لو كان ذلك اللون من الخيال ~~المحض. فلنختبر كلا من هذين المعنيين على حدة، لنرى مدى صواب فكرة رد أصل الحقيقة إلى ~~البطلان عند نيتشه. # أما عن المعنى الأول، الذي يرى فيه نيتشه أن تعد نواتج الحياة أخطاء باطلة، فهو في ~~رأينا معنى غير موفق؛ إذ إن نواتج الحياة ليست بالفعل حقائق، ولكنها في نفس الوقت ليست أخطاء ~~باطلة؛ فالحياة - في رأي نيتشه ذاته - قوة تسير في طريقها تلقائيا، دون أن يفرض عليها أي ~~هدف أو غاية خارجية عنها. على أن القول إنها مضادة للعقل وللحقيقة هو قول لا يقل غائية عن ~~القول بأنها قوة عاقلة تستهدف الحقيقة. وعلى ذلك، فالفهم الصحيح للحياة ونواتجها - أعني الفهم ~~الصحيح من وجهة نظر نيتشه ذاتها - هو أن تعد الحياة «بمعزل» عن الحقيقة والبطلان معا. وليس ~~هناك أي مبرر لوصف نواتج الحياة بالبطلان، ما دامت الحياة تسير في طريقها التلقائي غير عامدة ~~أن تتفق مع العقل أو تختلف عنه، وما دامت القوى الحيوية بطبيعتها تنتمي إلى مجال آخر غير ~~المجال الذي ينتمي إليه العقل. وعلى ذلك، فالقول إن البطلان أصل الحقيقة هو - بهذا المعنى - ~~تعبير غير موفق، والأصح أن يقال إن للحقيقة أصلا مستقلا عن مجال الحقيقة تماما؛ ms050 أي بمعزل ~~عن الحقيقة والبطلان. # وأما عن المعنى الثاني، القائل إن الخطأ يفيد الحياة، وإن الحقيقة يمكن أن ترتد إلى ~~البطلان، ما دامت تهدف بدورها إلى نفع الحياة، فيتعرض بدوره لانتقادات عديدة. فأول ما نلاحظه ~~عليه أنه لا يمكن أن يعبر عن نظرية شاملة في معنى الحقيقة، وإنما عن نقد لنوع معين من ~~الحقائق؛ ذلك لأننا إذا حاولنا أن نرد الحقيقة إلى البطلان الذي ينفع الحياة، لكان علينا ~~أولا أن نتساءل: كيف عرفنا أن هذا بطلان، وبأي مقياس أمكننا أن نقيسه؟ لا بد أن لدينا ~~مقياسا مطلقا يفرق بين الحقيقة القاطعة والبطلان القاطع، وهو الذي مكننا من أن نعرف ~~الحقيقة النافعة للحياة بأنها بطلان، وفي هذه الحالة لن تكون نظرية نيتشه - كما قلنا - نظرية ~~شاملة عن الحقيقة؛ إذ إنها تتعلق بنوع واحد من الحقائق، هو الحقائق النافعة للحياة، وتعترض ~~ضمنا بوجود نوع آخر من الحقائق الخالصة التي لا تخضع للحياة ولا تزيف بواسطتها؛ أعني ذلك ~~النوع الذي اتخذناه معيارا للحقائق النافعة للحياة، فوجدنا هذه الأخيرة باطلة بالقياس إليه. ~~ومن هنا، نستطيع أن نقول إنه على الرغم من تلك الحملة القوية التي شنها نيتشه على المثاليين، ~~فقد كانت في فلسفته هو الآخر عناصر مثالية، بل إن تفكيره في مشكلة المعرفة والحقيقة يمثل ~~التفكير المثالي أصدق تمثيل؛ ففيه اعتراف ضمني بحقيقة مطلقة تعد الحقائق المرتبطة بالحياة ~~بطلانا بالنسبة إليها، بل فيه وضع لمبدأ مطلق شامل يتحكم في التجربة الإنسانية دون أن تستطيع ~~هذه أن تستوعبه أو تعرف كنهه؛ هو الحياة، التي تغدو عندئذ فكرة قريبة الشبه من سائر مظاهر ~~المطلق عند المثاليين. # وفي هذا الربط بين الحقيقة والحياة عند نيتشه لمحات تقرب من مذهب «البرجماتية» وتستحق منا ~~أن نشير إليها إشارة خاصة. ففلسفة البرجماتية تقضي بدورها على فكرة الحقيقة الخالصة، وتحاول ~~أن تربط الحقيقة بأصول عينية لا تجريدية، وأن تجعل للاعتبارات العملية - لا النظرية الخالصة - ~~أثرها في إقرار الحقائق. فمجرد الربط بين الحقيقة والحياة عند نيتشه، يقربه كثيرا من هذا ~~المذهب؛ إذ ms051 تغدو الحقيقة عنده نتيجة تستخلص بعد مجهود حيوي متواصل. وليست مجرد نقطة بداية ~~ثابتة لا يتطرق إليها الشك. وذلك في الحق موضع القوة في نظرية نيتشه والبرجماتيين معا، ~~فمحاولة القضاء على ذلك الطابع التجريدي الذي اصطبغت به الحقيقة في الفلسفات التقليدية، ~~ومحاولة ربطها بالتجربة الإنسانية العينية في سيرها الدائم، يمثل تقدما لا ينكر في فهم ~~هذه المشكلة، وربما كانت فلسفة البرجماتية أكثر اتساقا مع نفسها من نيتشه في هذا الصدد؛ إذ ~~إنها لم تحاول أن تطلق على الحقائق النافعة للحياة اسم البطلان، وإنما أكدت أن المصدر الوحيد ~~للحقيقة هو صلاحيتها للعمل، وأن كل محاولة لوضع تقويم مطلق لهذه الحقائق، من وراء معيار ~~الصلاحية للعمل هذا، هي حتما محاولة مصيرها الإخفاق؛ غير أن مذهب البرجماتية يتعرض مع نظرية ~~نيتشه لنقد أساسي، هو اتخاذها موقفا مثاليا؛ ذلك لأن المبالغة في تقدير فاعلية الإنسان في ~~خلقه للحقيقة تستتبع المثالية حتما. ونحن لا ننكر أن ربط الحقيقة بالتجربة الإنسانية الفعلية ~~في هذا العالم، وتأكيد مساهمة الإرادة الإنسانية فيما يصل إليه الإنسان هو - كما قلنا في ~~السطور القليلة السابقة - تقدم لا شك فيه. ولكن نيتشه - مثله في ذلك مثل فلاسفة البرجماتية ~~من بعده - يبالغ في تقدير أهمية الفاعلية الإنسانية، حتى تغدو تلك الفاعلية «خالقة» للحقيقة. ~~وهنا يتبدى العنصر المثالي في تفكيره بوضوح؛ ذلك لأن الحقيقة تعتمد على الإنسان في «كشفها» ~~أكثر مما تعتمد عليه في خلقها من جديد. وفي الوصول إلى أية حقيقة يتضافر العنصر الإنساني مع ~~العنصر الواقعي، وما كانت المثالية في أساسها إلا محاولة للقضاء على هذا العنصر الأخير، وعلى ~~ذلك، فمن أخطر النتائج التي تتعرض لها الفلسفات التي تبالغ في تقدير أهمية الفاعلية ~~الإنسانية، أنها تنتهي إلى نوع من الذاتية في فهمها للحقيقة، وقد لا تكون هذه ذاتية فردية، بل ~~ذاتية متعلقة بالنوع الإنساني عامة، ولكنها على أية حال تنكر تضافر عنصر الواقع مع عنصر ~~الذهن في كشف الحقيقة. والحق أن للواقع صلابة لا ينبغي أن تغفلها أية نظرية سليمة في طبيعة ms052 ~~الحقيقة. وليس معنى هذه الصلابة أن الواقع لا يخضع للفاعلية الإنسانية أصلا، فهو في بعض ~~الأحيان يتشكل تبعا لخطة الذهن الإنساني، ولكن حتى في الأحوال التي يشكل الذهن فيها الواقع، ~~فإن معنى التشكيل ذاته لا يكون هو الخلق من جديد، بل بقاء العنصر الخارجي مع تغيير في شكله. ~~أما في الأحوال الأخرى، فإن الفاعلية الإنسانية تستطيع أن تثبت وجودها حين تتعمق في هذا ~~الواقع وتصل إلى طبيعته الخفية، وتصوغ إيقاعه في قوانين تمكن الذهن الإنساني من ~~التحكم فيه. # ففي كل هذه الأحوال إذن لا نستطيع أن نغفل دور العنصر الواقعي في تكوين الحقيقة، وهو ~~الدور الذي لا يتعارض على الإطلاق مع تأكيد أهمية الفاعلية الإنسانية. أما فلسفة نيتشه ~~والبرجماتية، فتكاد تصل في بعض الأحيان - مبالغة منها في تأكيد فاعلية الإنسان - إلى جعل ~~الحقيقة عملية تتم من جانب واحد، ولا يتضافر فيها عنصرا الذهن والواقع، وإنما تخلقها الإرادة ~~الإنسانية دون أن تواجه مقاومة من أي عنصر خارجي، فتكون النتيجة الضرورية لهذا الرأي هي ظهور ~~النزعة الذاتية، وبالتالي المثالية. وهكذا ترتد الحقيقة مرة أخرى - إذا بولغ في تقدير العنصر ~~الإنساني فيها - إلى أصل يقرب من ذلك الذي أرادت تلك النظرية محاربته في أول الأمر؛ إذ تصبح ~~ذاتية، ذهنية، مثالية. # اللامعقول في المعرفة # فإذا كانت الحقيقة خاضعة للنفع الحيوي، فلا بد أن كل ما نستهدف به بلوغ الحقيقة؛ أعني ~~كل وسائلنا في المعرفة، سوف تخضع للحياة بدورها. وهكذا نصل إلى نظرية لا عقلية في المعرفة، ~~وفي طبيعة مبادئ الفكر الإنساني، وهي النظرية التي لازمت فلسفة نيتشه في كل مراحل تفكيره، حتى ~~في أشدها إعجابا بالمنهج العلمي. # فأصل المعرفة، والمنطق، ليس هو الرغبة في المعرفة خالصة، أو المنطق مجردا، وإنما هو عامل ~~لا عقلي ولا منطقي؛ أعني هو نفع الحياة. أما الرغبة في المعرفة الخالصة، وهي التي تدفعنا في ~~بحثنا العلمي خلال فترتنا الحضارية الحالية، فهي في رأي نيتشه رغبة متأخرة، نشأت بعد تطور ~~ونمو. وليست رغبة كامنة في العقل البشري؛ وإنما الأصل هو ms053 البحث عما ينفع الحياة بأي ثمن. # 3 # فنحن لم نكن لنمتلك العقل لو لم يكن ضروريا لنا، ولم نكن لنمتلكه «على هذا ~~النحو» لو لم يكن ضروريا لنا «على هذا النحو»؛ أعني لو كان في وسعنا أن نحيا على أي نحو آخر. # 4 # وما زالت لهذه الرغبة في النفع الحيوي آثارها إلى اليوم، تتمثل في الدور الذي ~~تؤديه الأسطورة، وهي خطا نافع للحياة، يضفي عليها صورة زاهية ملائمة للإنسان، على العكس من ~~تلك الصورة القائمة التي تضفيها على العالم تلك الرغبة المتأخرة في المعرفة الخالصة، حيث لا ~~تتحقق في العالم غايات إنسانية، وحيث يسير العالم بلا هدف، وحيث لا يسود إلا الاتفاق ~~المحض. # وكما يسري هذا الأصل اللاعقلي على المعرفة والعقل بوجه عام، فهو يسري على كل مبادئهما. ~~فهذه المبادئ قد اصطبغت في الفلسفات التقليدية بصبغة أزلية ثابتة، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب ~~منها أو الشك فيها، ولا غرو فهي كلها مظاهر لتلك «الحقيقة» المطلقة التي كانت تقدمها تلك ~~الفلسفات وتنأى بها عما في عالمنا الأرضي من تغير. ولكن نيتشه يتبع هذه المبادئ واحدا بعد ~~الآخر، ليرفع عنها قناع الأزلية الموهوم، ويردها هي الأخرى إلى أصلها الأول؛ أعني إلى ~~الصيرورة الحيوية. # والمبدأ العقلي الأساسي هو مبدأ الهوية، الذي يؤكد بقاء الشيء على حاله، ومطابقته لذاته ~~دواما. والحق أن هذا التفسير لمبدأ الهوية هو تفسير نيتشه. وليس تفسيرنا الخاص؛ وهو في ~~رأينا تفسير غير دقيق؛ إذ يضاف إليه عنصر زماني لا صلة له بالمبدأ في صيغته المنطقية ~~الخالصة، فيقال إن الشيء «يظل» على ما هو عليه؛ أي يطابق ذاته «دائما»، بينما الأصل في ~~الهوية أنها مجرد ترديد للشيء الواحد دون إقحام أي عنصر زماني ... فمما لا شك فيه أن إضافة ~~العنصر الزماني يقضي على الهوية، ويمهد السبيل للتغير، ولكن ربما كان لنيتشه العذر في فهم ~~المبدأ على هذا النحو؛ إذ إن الفهم المنطقي الخالص للهوية لم يصبح هو السائد إلا في عصر متأخر ~~عن عصر نيتشه، حين أدى البحث الرمزي للمنطق ms054 إلى استبعاد كل ما له ارتباطات عينية من مجال ~~الكيانات المنطقية؛ ومن ضمن هذه الارتباطات العينية عنصر الزمان. # ويقول نيتشه باستحالة الهوية مفهومة بهذا المعنى؛ إذ إن الهوية ليست إلا إضفاء لصفة ~~التشابه على ما هو غير متشابه. ومن المحال أن نستطيع إيقاف تيار التحول والصيرورة لحظة واحدة، ~~نهتدي فيها إلى حالة من حالات الهوية. فمبدأ الهوية إذن لا يرتكز على أي أساس في طبيعة ~~الأشياء، وإنما هو وسيلة يصطنعها العقل حتى يستطيع أن يهتدي إلى نقط واضحة خلال تيار الصيرورة ~~الذي لا ينقطع. فإذا كان أول مبادئ العقل وأبسطها تزييفا ، فبديهي أن كل المبادئ المبنية ~~عليها تزييف بدورها. # ومن هنا ينتهي نيتشه إلى القول بأن أصل المنطق لا منطقي. «فمجال اللامنطقي كان في الأصل ~~أوسع بكثير من مجال المنطقي. على أن الكائنات العديدة التي كانت تفكر بطريقة غير تلك التي ~~نفكر نحن بها، قد هلكت، وربما كانت هذه الكائنات أصدق منا! ... فالميل الغالب إلى أن نتعامل مع ~~«القريب» على أنه مماثل، وهو ميل لا منطقي - إذ لا يوجد شيء مماثل في ذاته - هذا الميل هو ~~الذي كون كل أسس المنطقية منذ البداية ...» # 5 # على أن نقد العقل ومبادئه الأساسية يؤدي مباشرة إلى نقد الميتافيزيقا وكل ما يرتبط بها ~~من أفكار وتصورات؛ ذلك لأن العالم الميتافيزيقي - في الفلسفة التقليدية - قد بني على ~~الإيمان بوجود حقائق عقلية خالصة، تتخذ دعائم للوصول إلى ذلك العالم. فإذا نقدت هذه الدعائم، ~~انهار ذلك العالم من أساسه. # وحملة نيتشه على الميتافيزيقا من أشد الحملات التي تحمس لها طوال حياته الواعية. ويبدو ~~أن الميتافيزيقا كانت تلخص في رأيه كل ما خلفه ماضي العقل الإنساني من أخطاء. فهي وريثة ~~الدين، بل هي مصاحبة له، ومؤيدة لنتائجه؛ إذ تؤدي إلى أن تخلق عالما آخر مستقلا عن عالمنا ~~الأرضي، فتبعدنا عنه، وتصرفنا عن الاهتمام به. # 6 # وهكذا لا يكاد المرء يجد مفرا من فكرة العالم الآخر التي فرضت على الإنسان ~~بشتى الصور. فإذا لم يقتنع بذلك العالم على الصورة ms055 التي ترسمها له الأديان، فسوف يجده في ~~الميتافيزيقا مرة أخرى على صورة أدق وأكثر إقناعا، مغلفا بإطار منطقي دقيق، وموصوفا بأرفع ~~الصفات وأعلاها؛ فهو عالم المثل أو الأفكار أو العقل الخالص، وله ثبات ونقاء لن تجد لهما في ~~عالمنا نظيرا، فمن يستطيع أن يقاوم إغراء الالتجاء إلى مثل ذلك العالم، وإغراق يأسه وعجزه ~~فيه؟ # ولا تكتفي الميتافيزيقا التقليدية بخلق ذلك ~~العالم، ومحاولة البرهنة على وجوده، بل إنها تؤكد أنه هو «العالم الحقيقي». أما عالمنا هذا ~~فعالم ظواهر فحسب. وهنا تصل تلك الميتافيزيقا إلى أعلى درجات التطرف؛ إذ إن مجرد التسليم ~~بوجود عالمها الخاص أمر ليس بالهين، وعواقبه على السلوك الإنساني وخيمة، فما بالك بالقول إن ~~ذلك العالم هو الحقيقي، وإن عالمنا عالم ظواهر وخداع؟ الحق أن الفكرة بأسرها يجب أن تجتث من جذورها. # 7 # فوجود ذلك العالم الميتافيزيقي لا سبيل إلى القطع به، وكل البراهين التي تقدم ~~لإثباته براهين واهية سرعان ما تنهار إذا ما تعرضت للبحث الدقيق. وحتى لو سلمنا بوجود هذا ~~العالم الميتافيزيقي، فلن يكون لنا من سبيل إلى معرفته؛ ذلك لأن الطابع المطلق الذي يضفى ~~عليه، والصفات الأزلية التي تنسب إليه، تجعله يعلو على الأفهام الإنسانية ويتجاوز حدودها. ~~فبين ذهننا وبين ذلك العالم - على افتراض وجوده - حواجز لا يمكن تجاوزها. وهكذا يظل العالم ~~الميتافيزيقي بالنسبة إلى الإنسان كأنه لم يكن، وفي وسعنا أن نلمس في نقد نيتشه للعالم ~~الميتافيزيقي تشابها قويا مع النقد الوضعي المنطقي الحديث، وخاصة حين يؤكد أن معرفتنا ~~بذلك العالم مستحيلة، حتى لو وجد؛ فهو في هذه الفكرة يكاد يقترب من الموقف الوضعي القائل إن ~~القضايا الميتافيزيقية تقدم إلينا دون أن يكون هناك سبيل إلى الاهتداء للشروط التي نتحقق ~~بها منها؛ أعني أنها قضايا لا يمكن اختبار صحتها عمليا، لأن شروط هذا الاختبار مستحيلة ~~التحقق. # وحين ينتقل نيتشه إلى النقد التفصيلي للأفكار الميتافيزيقية الرئيسية، نلمس بينه وبين ~~الموقف الوضعي والتجريبي بوجه عام مزيدا من التشابه، وهو تشابه بلغ من الوضوح، وخاصة في ~~الجانب النقدي ms056 من تفكير نيتشه، حدا يؤدي بنا إلى أن نعجب لعدم اهتمام الباحثين بإجراء مثل ~~هذه المقارنة، على الرغم مما تؤدي إليه من نتائج إيجابية مثمرة. # أولى هذه الأفكار فكرة الجوهر؛ فحولها تركزت الميتافيزيقا التقليدية، وعن طريقها أضفت على ~~الكون صفة الثبات وأنكرت عليه التحول والصيرورة. والحق أن الصراع القديم بين الصورتين ~~اللتين رسمهما هرقليطس وبارمنيدس للكون، قد انتهى بانتصار الصورة الثانية، فأصبح الكون كله ~~يعد موجودا ثابتا، وإذا اعترف فيه بالكثرة، فتلك هي كثرة من الجواهر الثابتة أيضا. أما ~~صورة هرقليطس فقد اندثرت، ولم يحاول أحد من الفلاسفة أن يبعثها ويدعو إلى قبولها بنفس الحماسة ~~التي دعا بها إليها مبدعها. # والحق أن هذا التجاهل لفلسفة هرقليطس ينم عن شعور بالخوف من التحول والصيرورة؛ ذلك لأن ~~تصور الكون منقسما إلى «جواهر» و«أشياء» يضفي عليه ثباتا يريح العقل والحواس، ويجعل إدراكه ~~والتعامل معه أمرا هينا. أما لو تصورنا أن التغير الدائم هو الذي يسود، فعندئذ يفر كل ~~شيء من أمامنا، وينجرف في تيار الصيرورة، فلا تستطيع أن تثبت منه جزءا لتتعامل معه أو ~~تسيطر عليه. وعلى ذلك، ففكرة الشيء، التي فيها ينظر إلى مكونات العالم من خلال مقولة الجوهر، ~~هي بدورها فكرة ترجع إلى نفس الأصل الذي يتحكم في طريقتنا في المعرفة؛ أعني إلى النفع الحيوي؛ ~~فبدونها لم يكن في وسع الحياة أن تستمر وتواصل طريقها. # وإذا كان انعكاس فكرة الجوهر على العالم يولد فكرة الشيء، فإن لها انعكاسا آخر على ~~الإنسان، يولد فكرة «الذات»؛ ففي هذه الحالة ينظر إلى الذات على أنها هي الأخرى جوهر ثابت، ~~له كيانه الخاص الذي يقوم من وراء كل مظاهره الجزئية؛ فالذات هي المصدر الأول الذي تنبعث ~~عنه مختلف الأفكار والمشاعر والإحساسات، وهي المركز الباطن في الشخصية الإنسانية، والعلة ~~المنتجة لكل أفعالها. وطبيعي أن ينقد نيتشه فكرة الذات مثلما نقد فكرة الجوهر بوجه عام. فإذا ~~شاء أن يهتدي إلى فيلسوف يتمثل لديه الإيمان بفكرة الذات واضحا، فلن يجد في ذلك خيرا من ~~ديكارت؛ ذلك لأن ديكارت ms057 قد لخص الميتافيزيقا التقليدية كلها، وطبقها على الوجود الإنساني ~~الباطن، حين قال: «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» فهذا الأنا الذي يستدل على وجوده هو الذات ~~الجوهرية الباطنة، التي هي أصل يرتد إليه كل فكر وشعور، وهي المركز الذي تلتقي عنده كل مظاهر ~~فاعلية النفس الإنسانية، بل هي العلة المسببة لهذه المظاهر. وهنا يسارع نيتشه فيتساءل: هل ~~هناك ما يبرر القول بوجود هذا الجوهر المركزي في النفس الإنسانية، من وراء مظاهره المختلفة؟ ~~إن المبرر الذي يرتكز عليه ديكارت، هو اليقين المباشر للكوجيتو، ولكن نيتشه يسخر من الاعتقاد ~~بوجود يقين مباشر لمثل هذه القضية الفلسفية ؛ إذ إنها في واقع الأمر تنطوي على سلسلة من ~~المعتقدات التي يكاد يكون من المستحيل البرهنة عليها؛ «ففيها اعتقاد بأنني «أنا» الذي يفكر، ~~وبأنه لا بد أن يوجد شيء يفكر، وبأن الفكر نشاط صادر وناتج عن كائن ينظر إليه على أنه علة ~~وسبب، وبأن هناك «أنا»، وبأن معنى كلمة الفكر ثابت، وبأنني «أعرف» ما هو الفكر.» # 8 # وهكذا يتضح لنا مقدار تعقيد هذه القضية التي ظن ديكارت أنها ذات يقين مباشر؛ فهي ~~في الواقع تتضمن في ذاتها معظم المشاكل الميتافيزيقية وتتركها دون حل؛ ومن هذه المشكلات: من ~~أين أتيت بكلمة التفكير؟ ولم أومن بالعلة والمعلول؟ وعلى أي أساس أتحدث عن «أنا»، وعن «أنا» ~~ينظر إليه على أنه علة، بل على أنه علة للتفكير؟ لا شك أن كل ما يمكن أن يستخلص من قضية ~~ديكارت هذه هو: «ثمت تفكير، إذن فثمت مفكر.» ولكن حتى لو أخذت العبارة بهذا المعنى الذي ينطوي ~~على تناقض أقل، فإنها عندئذ تنطوي على اعتراف بفكرة الجوهر، وتأكيد أنها صحيحة أوليا، وهنا ~~يسارع نيتشه إلى نقد هذا الاعتراف قائلا: «أما الاعتقاد بأنه عندما يفكر في شيء فلا ~~بد من وجود شيء هو الذي يفكر؛ ذلك الاعتقاد الذي جعل ديكارت يقول: «أنا أفكر» حين شعر ~~بتفكير؛ فإنه ليس إلا تعبيرا عن الاستعمال النحوي الذي اعتدنا عليه، والذي يضع لكل فعل ~~فاعلا. وبالاختصار، فهنا نكون إزاء ms058 افتراض سابق ذي صبغة منطقية ميتافيزيقية، لا إزاء قضية ~~مباشرة. فاتباع الطريق الذي سلكه ديكارت لا يوصل إلى أي شيء يقيني، وإنما يوصل إلى اعتقاد ~~راسخ شاع طويلا بين الناس.» # 9 # وفي هذا النقد الذي وجهه نيتشه إلى قضية ديكارت؛ أعني إلى فكرة الذات بوصفها جوهرا ~~قائما بالتفكير، نلمس مثلا آخر من أمثلة الاقتراب بين تفكير نيتشه وبين المذاهب الوضعية ~~الحديثة. فعند «آير # Ayer ~~»، ذلك المتحدث المعروف بلسان ~~الوضعية المنطقية، نجد نقدا مشابها لفكرة ديكارت؛ إذ يؤكد أن كلمة «أنا أفكر» كان يجب أن ~~تحل محلها كلمة «هناك فكرة الآن»، ولو قيل هذا، فليس في وسعنا أن نستنتج منه وجود الأنا، لأن ~~حدوث فكرة في لحظة معينة لا يستدعي أن تكون هناك أفكار أخرى قد حدثت من قبل، وبالأحرى لا ~~يؤدي إلى ربط متسلسل بين الأفكار، وتكوين ذات واحدة جامعة بينها. # 10 # ولا يقتصر التشابه الذي نشير إليه هاهنا على فكرة ~~الذات المفكرة فحسب، بل إنه يمتد إلى نقد فكرة العلية؛ فالقول بالعلة والمعلول ليس إلا ~~محاولة منا لتنظيم العالم على نحو يجعله معقولا ومقبولا، وما هو إلا بعث لإيقاع منظم وسط ~~عالم خلا من كل نظام وغائية. والقول بالعلية هو تنسيق لتلك الحوادث المتعاقبة التي تجري ~~في نهر التحول الدائم، وهو بعث للمعقولية فيها، والهدف الغائي في هذه الحالة هو بدوره نفع ~~الحياة، ومحاولة السيطرة على الأشياء، أو على الأقل وضع العالم في صورة قريبة من أفهامنا، ~~ملائمة لنا، وفي نقد يشبه كثيرا ذلك النقد الذي بدأ به هيوم، والذي ورثته عن الوضعية ~~المنطقية، يؤكد نيتشه أن مجرى الحوادث المتعاقبة لا يسمح لنا على الإطلاق بأن نقف عند البعض ~~لنسميه عللا، وعند البعض الآخر لنسميه معلولات، ومجرد توالي الحادثتين ليس دليلا على أن في ~~إحداهما القوة التي تولد الأخرى، وهي القوة التي تنطوي عليها فكرة العلية. # وليس لفكرة القوة هذه من مصادر إلا التشبيهات الإنسانية، التي تجعلنا نعتقد بأن بين ~~الحوادث علاقة تشبه علاقة الإرادة الإنسانية بما يصدر عنها ms059 من آثار. فكل من لا يفكر، يعتقد ~~أن الإرادة وحدها هي الفاعلة، والإرادة عنده شيء بسيط، مجرد معطى، لا يرد إلى غيره، مفهوم ~~في ذاته، وهو على يقين عندما يفعل شيئا، كأن يسدد ضربة مثلا، أنه هو الذي ضرب، وأنه ضرب ~~لأنه أراد أن يضرب ... فهو لا يعرف شيئا عن آلية الحادث، وعن مئات الأفعال الدقيقة التي لا ~~بد أن تكون قد تمت حتى تحدث تلك الضربة، وعن عجز الإرادة في ذاتها عن أن تقوم بأبسط جزء من ~~هذه الأفعال ... فالإرادة عنده قوة سحرية فعالة، والاعتقاد بالإرادة، بوصفها علة لمعلولات هو ~~الاعتقاد بقوى سحرية فعالة. على أن الإنسان في الأصل كان يؤمن كلما صادف حادثا بأن ثمت ~~كائنا شخصيا ذا إرادة، يؤثر في ذلك الحادث خفية؛ وكانت فكرة الآلية أبعد الأفكار عن ذهنه ~~... فالقول بأنه لا معلول بلا علة ولكل معلول علة ... هو تعميم لقول آخر أضيق نطاقا هو: «حيثما ~~يقع فعل، تكون هناك إرادة ...» # 11 # ومما لا شك فيه أن نظرية التحول الدائم عند نيتشه كانت دعامة قوية من دعائم نقده ~~للعلية، وقد أعانته كثيرا في تصويره لحوادث العالم بصورة التيار المتواصل الذي لا يسمح ~~بتثبيته وتنظيمه من خلال مقولة العلة والمعلول. # وهكذا يوالي نيتشه نقده للمقولات الميتافيزيقية الرئيسية، ويهدم كل الأفكار المتفرعة عن ~~هذه الأسس، مثل فكرة الشيء في ذاته، # 12 # الذي يقال في مقابل ما هو ظاهري، وفكرة العلة الأولى؛ أي ما هو علة لذاته، وفكرة ~~الله - وسوف نعرض لهذه الفكرة الأخيرة بالتفصيل فيما بعد - والذي يعنينا هنا أن نيتشه يوجه ~~إلى الميتافيزيقا التقليدية نقدا عنيفا مفصلا، يتناول كل أسسها ومبادئها الرئيسية، حتى ~~يصل به الأمر إلى حد أن يقدم للميتافيزيقا تعريفا ساخرا، هو: إنها «هي العلم الذي يبحث في ~~الأخطاء الأساسية للإنسان، كما لو كانت هي الحقائق الأساسية!» # 13 # ولم يكن لنقده هذا من هدف إلا القضاء على ما تدعيه تلك الميتافيزيقا لنفسها من ~~ترفع عن هذا العالم وعلو عليه، والحملة على العالم المفارق الذي تخلقه ms060 وتضفي عليه من ~~الفضائل ما تأباه على عالمنا الأرضي. # نقد # هكذا يتبين لنا أن الروح التي أملت على نيتشه نقده للميتافيزيقا هي روح واقعية، بل نستطيع ~~أن نسميها روحا علمية، ما دامت كل الفلسفات العلمية الحديثة - على اختلاف اتجاهاتها - تتفق ~~معه فيها. على أن هذه الروح الواقعية أو العلمية قد اتخذت للوصول إلى هدفها وسائل تناقض ~~الغاية التي استهدفتها في أول الأمر. # ذلك لأن نقد المعرفة الإنسانية على النحو الذي قام به نيتشه، ينطوي على عناصر عديدة يمكن ~~أن يقال عنها إنها غير واقعية على الإطلاق؛ فهو حين يؤكد أن العقل يزيف الواقع عن طريق ~~إضفائه صفة الثبات عليه، وأن الحواس بدورها تساهم في هذا التزييف؛ إذ تحيل تيار التغير الدائم ~~إلى «أشياء» جامدة منفصلة، حين يؤكد ذلك، فهو يفترض بلا شك تجربة غير إنسانية تمكنه من أن ~~يصدر على الأمور مثل هذا الحكم، وافتراض تجربة غير إنسانية هو - بلا شك - أمر مناقض للروح ~~الواقعية. # ولنتأمل جيدا مغزى هذا النقد، لا لأن نيتشه هو الذي يوجهه فحسب، بل لأنه يمثل نغمة ~~تتردد لدى فلاسفة كثيرين ومذاهب عديدة، وحسبنا أن نشير إلى الضجة الكبرى التي أثارها برجسون ~~حين ردد هذه النغمة ذاتها. هؤلاء الفلاسفة ينعون على العقل البشري تجميده وتثبيته للواقع، ~~وعلى الحواس البشرية خشونتها، ويجد هذا الاتجاه قبولا لدى الكثيرين؛ إذ يصور الواقع في صورة ~~دائمة التحول، فيرضى بذلك أصحاب الأمزجة الشعرية في التفكير، ويلائم أنصار النزعة اللاعقلية ~~بوجه عام. ولكن لنقف قليلا عند هذا النقد لوسائل المعرفة البشرية، ولنناقش القائلين به، وعلى ~~رأسهم نيتشه وبرجسون، مناقشة هادئة، لنتبين دلالته الحقيقية، التي تكمن من وراء مظهره ~~الخادع. # إن القول بأن أدوات المعرفة البشرية لا تنقل إلينا الواقع على ما هو عليه، هو بلا شك قول ~~باطل، وكل محاولة فلسفية لرسم صورة للواقع بخلاف تلك الصورة التي تمثله به وسائلنا في ~~المعرفة، هي محاولة لا ينبغي أن يعول عليها؛ ذلك لأننا لا نملك وسائل للمعرفة غير هذه، ولا ~~نعرف طبيعة الواقع ms061 إلا عن طريقها؛ فمن أين عرف هؤلاء الناقدون طبيعة الواقع «على ما هو عليه»؟ ~~وما هي الوسائل التي توصلوا بها إليه؟ إن نقدهم ليتخذ صورا مختلفة؛ فهو ينصب أحيانا على ~~العقل الذي يبعث من عنده ثباتا وجمودا لا تعرفه طبيعة الواقع، كما هو الحال عند برجسون، أو ~~على اللغة والمبادئ العقلية التي تصور طبيعة الواقع المتغير تصويرا زائفا، كما هو الحال ~~عند نيتشه، أو على الذهن ومقولاته التي تضفي على معرفتنا صبغة «ظاهرية»، وتخفي عنا حقيقة ~~«الشيء في ذاته»، كما هو الحال عند كنت؛ أقول إن نقدهم يتخذ مثل هذه الصور المختلفة، ولكن ~~الروح الكامنة من وراء الصور كلها واحدة ، بل إن القائلين بها يجمعهم كلهم ميل واحد، لا أكون ~~مغاليا إذا أسميته ميلا مثاليا. # وقد يبدو من الغريب حقا أن تجمع بين نيتشه وكنت، وتجعلهما منتمين إلى طائفة واحدة من ~~الفلاسفة، وقد يبدو من الأغرب أن نقول بوجود ميل إلى المثالية لدى نيتشه، وهو الذي وجه إلى ~~المثالية كل هذا النقد العنيف. ولكن علينا أن نلاحظ أن نيتشه على الرغم من حرصه على توجيه ~~نقده إلى تفرقة كنت بين العالم الظاهري وعالم الشيء في ذاته، قد اعترف بهذه التفرقة ضمنا، ~~حين أكد أن للواقع صورة تخالف الصورة التي ترسمها له وسائل المعرفة الإنسانية. فعند نيتشه - ~~بلا جدال - عالم ظواهر، هو ذلك العالم الذي يتكشف لنا من خلال الحواس، والذي يخضعه العقل ~~لمبادئه وتعبر عنه اللغة بطريقتها الخاصة، وعالم حقيقي، أي عالم الشيء في ذاته، وهو ذلك ~~العالم المتغير المتحول الذي هو في صيرورة دائمة، تخالف كل ما تصوره لنا وسائلنا في المعرفة. ~~وهكذا يتأثر تفكير نيتشه بالثنائية الكنتية تأثرا هو حقا ضمني غير صريح، ولكنه مع ذلك واضح ~~لا ينكر. وإذن، فلا شك في أن عناصر مثالية قد تغلغلت في تفكيره، لأن الفلسفة المثالية كلها ~~لم تتضح معالمها إلا منذ أن فرق كنت بين هذين العالمين، ومنذ أن أكد أن الصورة التي ~~نضفيها على العالم إنما هي صورة خلقتها ms062 وسائلنا الخاصة في المعرفة، فهي من تكوين الذهن ~~الإنساني فحسب، وتلك كلها نتائج يوافق عليها نيتشه، بل يعبر عنها صراحة في كتاباته. # ولكم كان الأمر يبدو هينا، لو أن هؤلاء الناقدين - ومن بينهم نيتشه - قد أوضحوا لنا ~~الوسيلة التي عرفوا بها أن العالم في حقيقته عالم تغير دائم وصيرورة لا تنقطع. قد يرد ~~مدافع عنهم بقوله إن تلك هي الصورة التي يرسمها لنا العلم، وعندئذ نجيب نحن قائلين إن العلم ~~يضفي على العالم من القوانين ومن الصيغ الرياضية أو الذهنية ما يفوق كثيرا تلك المقولات ~~التي يقال إن الذهن هو الذي يضفيها عليه، وأنه يبعث في العالم، عن طريق تلك القوانين والصيغ، ~~نظاما أدق من ذلك الذي تبعثه فيه اللغة وألفاظها؛ فالصورة التي يرسمها العلم إذن هي بدورها - ~~لو تمشينا مع منطقهم - صورة يخلقها الذهن الإنساني. وليست هي صورته الحقيقية. وفضلا عن ذلك، ~~فلو اختلفت صورة العالم كما يرسمها العلم عن صورته التي ترسمها الأدوات المعتادة للمعرفة ~~الإنسانية في حالتها اليومية. فليس معنى ذلك أن تنقد الأخيرة على حساب الأولى؛ لأن هذين ~~مجالان مختلفان لا يتعدى أحدهما على الآخر، ولا سبيل إلى المقارنة بينهما. فقطرة الماء التي ~~تبدو لي بحواسي المعتادة قطرة صافية، تبدو لي تحت المجهر مليئة بالكائنات الحية الدقيقة، ولكن ~~هل يعني هذا أن الصورة الثانية هي الصحيحة والأولى باطلة؟ الواقع أننا هنا في مجالات مختلفة ~~فحسب، وكل صورة تصح في سياقها الخاص، الذي هو في الحالة الأولى عالمنا بأحجامه المعتادة، وفي ~~الحالة الثانية العالم الأصغر بأحجامه الدقيقة. # وإذن، فليس للعلم هو المصدر الذي أتوا منه بنقدهم هذا للمعرفة الإنسانية، فلم يبق إذن ~~سوى التفكير العقلي في طبيعة هذا العالم ومدى كشف معرفتنا له. وهنا نرد عليهم قائلين إن مثل ~~هذا النقد ينطوي - من الناحية العقلية الخالصة - على بطلان واضح؛ إذ هو يفترض أن الذهن ~~الإنساني قد تجاوز مجاله الخاص؛ أعني أنه أصبح ذهنا غير إنساني، يحكم على طريقة الإنسان في ~~المعرفة «من الخارج»، ويوضح عيوبها ونقائصها كما ms063 لو كان يفكر على نحو مخالف لها، وفي هذا ~~تناقض صارخ. فمثل هذا النقد المثالي - وأقول إنه مثالي لأنه يحاول أن يثبت أن صورة العالم ~~لدينا هي من عمل الذهن الإنساني ووسائله في المعرفة. وليست هي صورته الحقيقية - مثل هذا النقد ~~يفترض تجربة تعلو على الحدود الإنسانية، يمكن بها مقارنة الصورتين، الحقيقية، والظاهرية أو ~~الإنسانية، وإدراك مدى الاختلاف بينهما. وتلك هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يتم هذا النقد ~~عن طريقها. ولما كانت تلك الوسيلة خارجة عن قدرة الإنسان ومتجاوزة لنطاق تجربته، فالنتيجة ~~الضرورية لذلك هي أن الموقف المثالي بأسره، ويدخل ضمن هذا الموقف نقد نيتشه وبرجسون للعقل، ~~باطل من أساسه. # ولهذا النقد وجه آخر لا ينبغي أن نتركه دون الإشارة إليه؛ ذلك لأن نيتشه يتحدث عن أصل ~~المعرفة، وأصل الحقيقة، فيراهما في النفع الحيوي، ويردهما إلى عوامل خارجة تماما عن نطاق ~~السعي الخالص إلى المعرفة والحقيقة. وفي وسعنا أن نوجه إلى هذا الرأي نفس النقد الذي وجهناه ~~إلى الرأي السابق؛ فمن أين، وعن طريق أية تجربة، عرف أن «أصل» المعرفة هو النفع الحيوي؟ إن ~~هذا الأصل، باعترافه هو ذاته، تاريخي؛ أعني أن المعرفة البشرية كانت في الأزمان السحيقة، بل ~~في عهود التطور الأولى، على النحو الذي يقول به، ثم صارت إلى ما هي عليه الآن. ومثل هذا الرأي ~~لن يجد ما يدعمه إلا إذا استند إلى أساس علمي متين، وهو ما لم يحاول نيتشه أن يقوم به، ولم ~~يكن الاتجاه الذي سار فيه تفكيره يمكنه من القيام به، فعلى أي أساس إذن يقدم نيتشه مثل هذا ~~الفرض؟ إن فكرته تنطوي بلا شك على نفس الخطأ المنهجي؛ فهي تفترض القدرة على تجاوز التجربة ~~الإنسانية في صورتها الحالية، لتعود إلى أصولها الأولى. فإذا كانت الصورة الحالية للمعرفة قد ~~تغلغلت فينا منذ عهود بعيدة، كما يعترف هو ذاته، فلا سبيل لأية تجربة آدمية إلى الخروج عنها، ~~أو الاهتداء إلى أصلها؛ ذلك لأن نيتشه، بوصفه كائنا تسري عليه نفس الحدود التي يتحدد بها ms064 ~~سائر البشر، لا بد أن يكون هو الآخر غارقا في تلك الصورة الحالية للمعرفة البشرية، عاجزا ~~عن تجاوزها وعن كشف أصلها، ما دامت تفرض نفسها على الجميع، بحيث تبدو لهم صورة أصلية راسخة في ~~نفوسهم. # وفضلا عن ذلك، فإن من الأخطاء الفلسفية الكبرى أن ينظر إلى الأصل الأول للظاهرة على ~~أنه يؤثر في شكلها الحالي، وخاصة إذا كان هذا الأصل بعيدا سحيقا. ولنفرض مع نيتشه أن أصل ~~المعرفة يرجع إلى عوامل لا عقلية خالصة كالنفع الحيوي، وأن أصل الحقيقة - تبعا لذلك - هو ~~الخطأ، فهل يؤثر ذلك على المعرفة والحقيقة الحالية في شيء؟ إن نيتشه ذاته يعترف بأن هذا الأصل ~~قد «نسي»، ولم يعد العقل البشري يستحضره عن وعي في مرحلته الحالية، وإذن فلا قيمة على ~~الإطلاق لمثل هذا الكشف! ومن الجائز جدا أن يكون لكثير من الظواهر التي تبدو لنا رفيعة، ~~أصل يبدو وضيعا، ومع ذلك فلا ينبغي أن يستغل هذا في الحط من قدر الظاهرة في صورتها ~~الحالية، ما دامت الصورة الأصلية قد اندثرت ونسيت تماما؛ وإنما الواجب أن تقدر هذه ~~الصورة الحالية تبعا لقيمتها الذاتية، وأن يحكم عليها في ضوء ما لها من صفات في شكلها ~~النهائي. وليس معنى ذلك أن البحث في تاريخ الظاهرة أمر لا جدوى منه؛ فنحن لا ننكر على ~~الإطلاق أن من أول أصول المنهج العلمي رد الظواهر إلى أصلها التاريخي ومعرفة طبيعتها الحاضرة ~~من خلال ماضيها؛ غير أن هذا المنهج إذا كان من الممكن استخدامه بنجاح في كشف «طبيعة» الظاهرة. ~~فليس من الروح العلمية في شيء أن يستخدم في تقدير «قيمتها»، ومن الواضح أن نيتشه يستخدم مثل ~~هذا المنهج خلال بحثه عن «قيمة» المعرفة والحقيقة، لا عن طبيعتها فحسب، ويبدو لي أن نيتشه ~~ذاته كان في بعض الأحيان منتبها إلى هذا النقد الذي نوجهه إليه، وإن كان في أحيان أخرى ~~يغفله، فهو يعرض في واحد من كتبه للرأي القائل بأن للفلسفة اليونانية أصولا شرقية، ويرى أن ~~النزاع الذي أثير حول هذا الموضوع نزاع ms065 عقيم، فيقول: «الحق أن التساؤل عن أصل الفلسفات ~~وكيفية نشأتها هو أمر لا قيمة له على الإطلاق. وليست هناك إجابة عنه تفضل الأخرى مطلقا؛ إذ ~~إن بداية كل شيء كانت اختلالا يفتقر إلى النظام والتحدد، وكانت فراغا واضطرابا، ولا ينبغي ~~أن نهتم في الأشياء إلا بمراحلها المتقدمة وحدها ... فالطريق المؤدي إلى كشف أصول الأشياء يؤدي ~~دائما إلى البدائية والهمجية.» # 14 # ولو طبقنا هذه الفكرة ذاتها على المسألة التي نحن بصددها، لقلنا إنه من العقيم أن ~~نحاول رد ظاهرة المعرفة إلى أصول ينظر إليها على أنها وضيعة؛ إذ إن المعول كله على ~~مرحلتها الحالية، والأصل البدائي المضطرب حظ مشترك بين عديد من الظواهر، ولكنه لا ينبغي أن ~~يستغل في الحط من قدرها على الإطلاق. # الفصل الرابع # | الأخلاق # لن نكون مبالغين إذا قلنا إن الأثر الأكبر الذي خلفه نيتشه كان في ميدان الأخلاق؛ فنيتشه ~~مفكر أخلاقي قبل أن يكون فيلسوفا ذا آراء في المعرفة أو في طبيعة العالم، وقبل أن يكون ناقدا ~~اجتماعيا أو فنيا أو باحثا فيلولوجيا. وفي ميدان الأخلاق أتى نيتشه بأكثر آرائه جرأة ~~وأصالة، وفيه أيضا تعرض لأقوى الانتقادات والحملات. ولم تكن القوة الدافعة له طوال مراحل ~~تفكيره، وطوال مراحل صراعه مع عصره ونقده له، إلا قوة أخلاقية. # على أن موقف نيتشه من الأخلاق يتخذ منذ بداية الأمر طابعا محيرا؛ فهو من جهة يجعل ~~للأخلاق أهمية كبرى، ويرد إليها ظواهر عديدة لا تنتمي إلى مجالها، وهو من جهة أخرى يوجه أعنف ~~نقد له إلى الأخلاق. أما عن الأمر الأول، فمن الواضح عنده أن كثيرا من الدوافع الإنسانية ~~التي ينظر إليها على أنها نظرية خالصة، ترجع بالفعل إلى أصول أخلاقية. ومن هذا القبيل، دافع ~~المعرفة، فنحن نريد أن نعرف لكي نكتسب مزيدا من القدرة على السلوك في الحياة، ولكي تقوى ~~سيطرتنا على الأشياء، تلك كلها أمور تدخل في باب الفعل العملي لا الفكر النظري؛ فأصل السعي إلى ~~المعرفة إذن أخلاقي، وتفكيرنا ليس إلا وسيلة نتمكن بها من زيادة قدرتنا على ms066 «السلوك» في العالم، ~~والسعي إلى بلوغ الحقيقة ليس له من معنى إلا «عدم الرغبة في الخداع، ولا في خداع ذاتي»، وهذا ~~ينتمي إلى مجال الأخلاق. وعلى ذلك، فمجال الأخلاق أوسع المجالات وأشملها، وهو ينطوي في داخله ~~على مجالات أخرى تبدو بعيدة عنه، وتدعي أنها فقدت صلتها به، وأنها نظرية خالصة لا شأن لها ~~بطريقة السلوك العملي، وفي هذا أبلغ دليل على مدى اهتمام نيتشه بالأخلاق، ونظرته إليها على أنها ~~أشمل مظاهر الفاعلية الإنسانية وأعمها. ولكننا في نفس الوقت الذي نلحظ فيه هذا الاهتمام، نلمس ~~في كل كتاباته حملة على الأخلاق، ربما كانت أعنف حملة تعرضت لها طوال تاريخ التفكير الإنساني ~~الواعي فيها. ولا شك في أن التناقض الظاهري لا يمكن أن يحل إلا إذا درسنا المقصود بكلمة ~~الأخلاق في حملاته النقدية، حتى يمكننا أن نحدد أي المعاني يقصدها نيتشه حين ينقد الأخلاق من ~~جهة، وحين يجعلها ظاهرة رئيسية في كل أوجه النشاط الإنساني من جهة أخرى. # اللاأخلاقية عند نيتشه # أول ما ينبغي أن نشير إليه عند بحثنا للنقد الأخلاقي عند نيتشه، هو معنى «اللاأخلاقية» ~~عنده؛ ذلك لأن المعنى الشائع بيننا لهذه الكلمة، هو التحلل من القواعد والمبادئ الأخلاقية؛ أي ~~هو الدعوة إلى نوع من الهمجية والإباحية في علاقات الناس بعضهم ببعض، وعلى هذا النحو تفهم ~~الأذهان السطحية كلمة اللاأخلاقية، التي تتردد كثيرا في نقد نيتشه للأخلاق. على أن نيتشه ~~ذاته يحذرنا من أن نحمل فكرته مثل هذه المعاني العامية؛ إذ إن الناقد الصحيح للأخلاق لا ~~يمكن أن يكون غير أخلاقي # unmoralisch # بمعنى الوقوف من ~~الأخلاق السائدة موقف المخالف العاصي؛ ففي هذا اعتراف ضمني بالقيم التي تعبر عنها تلك ~~الأخلاق، ومحاولة لمخالفتها فحسب؛ أعني أن المرء في هذه الحالة يعترف بما تسميه الأخلاق ~~السائدة خيرا وشرا، ولكنه لا يحرص على أن يقف من هذه القيم نفس موقف سائر الناس، بل يعلن ~~العصيان عليها ويأبى أن يطيعها، ومحال أن يكون هذا - كما قلنا - هو موقف الناقد الأخلاقي، بل ~~هو موقف الانحلاليين والمنحرفين. ms067 وإنما يتخذ الناقد الأخلاقي موقفا ذا طبيعة مغايرة تماما؛ ~~فهو لا أخلاقي # immoralisch ~~، بمعنى أنه لا يعترف أصلا بالقيم ~~الأخلاقية السائدة، ويحاول مراجعتها من جديد. فهو إذن ليس مخالفا ولا عاصيا ولا منحرفا، ~~وإنما هو مستقل عن هذه الأخلاق. وإذا كان لا يعترف بما تسميه خيرا، فهو أيضا لا يقترف ما ~~تسميه شرا، وإنما يتخذ له موقفا يخرج عن نطاق تلك القيم الشائعة، وينظر إليها من الخارج ~~فحسب، وتلك - في رأي نيتشه - هي صفة الناقد الصحيح؛ إذ لا يجب عليه أن يصدر حكمه من خلال أية ~~قيمة أخلاقية سائدة، وإنما ينبغي عليه أن يضع هذه القيم ذاتها موضع الشك، ويتأملها كما لو كان ~~مشاهدا محايدا يختبرها من بداية الأمر ليقرر مدى صلاحيتها، «فلكي يتسنى لنا أن نتأمل ~~أخلاقنا الأوروبية من بعيد، ونقارنها بنظم أخلاقية أخرى، سابقة أو تالية، علينا أن نفعل ما ~~يفعله السائح الذي يريد أن يعرف مدى ارتفاع أبراج مدينة، فهو عندئذ «يغادر» المدينة. ~~فالتفكير في الأحكام الأخلاقية المتحيزة، إن لم يشأ أن يكون حكما متحيزا يصدر على أحكام ~~متحيزة، هذا التفكير يقتضي اتخاذ موقف خارج عن الأخلاق، بمعزل عن الخير والشر.» # 1 # وإذا كانت الروح الموضوعية هي التي أملت على نيتشه اتخاذ هذا المنهج، وإذا كان ~~يبدأ باتخاذ الشك والتساؤل سبيلا للتعمق في فهم طبيعة الموضوع الذي يعرض له - شأنه شأن كل ~~باحث يتصف بالروح العلمية النزيهة - فإن لنا مع ذلك أن نتساءل عن مدى إمكان تحقق الموضوعية ~~والنزاهة في مثل هذا المجال؛ ذلك لأن الأمر ليس متعلقا بظاهرة طبيعية يمكننا كلنا أن ~~نتأملها تأملا محايدا، وإنما هو متعلق بقيم كامنة تتدخل في أحكامنا دون أن نملك لها ~~دفعا؛ فالموضوعية في هذا المجال شرط عسير التحقق، بل يكاد يكون مستحيلا، ومحاولة خروج ~~الإنسان عن القيم الأخلاقية السائدة في عصره خروجا تاما، هو مثلا أشبه بمحاولته الخروج عن ~~الرمزية اللغوية السائدة، والعودة إلى أساليب الإشارة اليدوية والرسم على الحجر في التعبير؛ ~~فتلك القيم كامنة فينا أكثر مما نشعر، ms068 وربما كانت كل محاولة نبذلها للخروج عن نطاقها، تتم من ~~خلالها هي ذاتها. على أننا لا نود أن نستطرد طويلا في هذا الاعتراض الذي يتناول مدى إمكان ~~تحقيق مثل هذا الهدف الذي وضعه نيتشه لنفسه، وحسبنا هنا أن نشير إلى صعوبة المحاولة التي قام ~~بها، وهي الصعوبة التي تفسر لنا ذلك الإحساس الذي يتملك من يقرأ كتاباته؛ أعني الإحساس بأنه ~~يناضل ويصارع خصما قويا عنيدا، وما هذا الخصم إلا تأصل القيم الأخلاقية السائدة في نفسه ~~ونفس كل إنسان. # نقد الأخلاق السائدة # وعلى أية حال، فالمعنى الأول الذي ينبغي أن نفهم به نقد نيتشه الأخلاقي هو كما قلنا ~~معنى الاستقلال عن التقويم الأخلاقي السائد، ومراجعته من جديد، لا تعمد مخالفته أو الانحراف ~~عنه. وفي هذا المعنى يناضل نيتشه نضالا عنيفا ضد التراث الأخلاقي الذي أخذت به المجتمعات ~~المتحضرة حتى ذلك الحين، والذي كان يبدو راسخا متأصلا فيها، وكأنه مجموعة من المبادئ ~~الأزلية التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها. # هذا التراث الأخلاقي يتلخص في المعقولية الفلسفية والزهد الديني، وهما العنصران اللذان ~~تكونت من مزيجهما تلك المبادئ الأساسية التي يسير عليها الإنسان الحاضر. ولا يفرق نيتشه بين ~~هذين العنصرين كثيرا؛ فالإفراط في المعقولية يؤدي إلى خلق عالم من الأفكار المفارقة التي ~~فقدت كل صلة لها بالواقع العيني، وعندئذ تكون القاعدة الأخلاقية للسلوك قريبة كل القرب من ~~القاعدة الدينية الزاهدة. والمثل الواضح لهذا التقارب بين المعقولية المفرطة والزهد الديني ~~فلسفة أفلاطون؛ فقواعده الأخلاقية ترتكز كلها حول إيمانه بمثال الخير، الذي هو أعلى المثل ~~وأكثرها إيغالا في المفارقة والتجرد والبعد عن ملابسة المحسوس، ولهذا كانت لا تفترق عن ~~القواعد الأخلاقية المسيحية إلا افتراقا يسيرا. ولا عبرة هنا بالإهابة بروح الاعتدال ~~والتوازن التي عرفت عن اليونانيين القدماء؛ إذ إن أفلاطون - كما هو معروف - لم يستمد فلسفته ~~من أصول يونانية فحسب، بل أضاف إليها تلك الديانات والنحل التي ترجع في نهاية الأمر إلى ~~أصول شرقية. # فماذا نقول عن كنت؟ إنه يبدو في ظاهره مفكرا لا يحسب حسابا ms069 إلا للعقل وحده، ولكن ~~تحليل فلسفته الأخلاقية سرعان ما يكشف لك عن صلته العميقة بنفس الأصل الديني؛ فهو يتحدث عن ~~«الأمر المطلق» الذي لا يناقش في لهجة تذكرك كثيرا بالطابع المطلق الذي تتخذه الأوامر ~~الإلهية في الأخلاق الدينية. وهو يحمل على الغايات والمقاصد الإنسانية ويؤكد أن مجرد خضوع ~~الفعل لواحدة منها يعني بعده عن الأخلاقية، وما أشبه هذا بالنزعة الدينية الزاهدة في حملتها ~~على كل سعي دنيوي إلى النفع البشري! وهو يربط الأخلاق بعالم الأشياء في ذاتها، ويبذل كل جهده ~~لإبعادها عن عالم الظواهر، مؤكدا أن حرية الإرادة بمعناها الصحيح لا تكون إلا في العالم ~~الأول وحده، وما هذه التفرقة بين العالمين، ووصف العالم الذي تحيا فيه تجاربنا الإنسانية ~~المعتادة بأنه هو العالم الأدنى، أو عالم الظواهر؛ ما هذه التفرقة إلا أثر من آثار التفرقة ~~الدينية المعروفة بين عالمين، يحتل عالمنا منهما المرتبة الدنيا. # وإذن فالفلسفة متضافرة مع الدين فيما يراه نيتشه مؤامرة تهدف إلى اقتلاع الحياة من ~~جذورها، وإحلال إرادة «إماتة الحياة» محل إرادة الحياة. ولنلاحظ أن نيتشه حينما يتحدث عن ~~المسيحية، فهو في كثير من الأحيان يعني الأديان بوجه عام. أما حين يكون هدفه هو تعاليم ~~المسيحية على التخصيص، فإن السياق يكفي عندئذ للكشف عن هذا الهدف، ولكن الاستعمال الأول هو ~~الغائب لديه. ومن هنا كان الهدف الأول للاتجاه اللاأخلاقي عند نيتشه، هو الخروج عن هذا ~~التقويم السائد للسلوك الإنساني، وهو التقويم الذي يؤدي في رأيه إلى تجريد الإنسان رويدا ~~رويدا من كل ما يحبب إلى نفسه الحياة، وإلى بعث روح العزوف عن العالم فيه؛ فاللاأخلاقية عند ~~نيتشه هي بهذا المعنى ثورة على أوضاع أخلاقية معينة سائدة في عصره. وسواء كان العصر يتصف ~~بالصفات التي عزاها إليه أم لا يتصف، فعلينا دائما أن نذكر أن النقد الأخلاقي للعصر كان ينصب ~~على مواضع ضعف معينة في ذلك العصر، رأى نيتشه أنها هي التي تميزه، وتصبغ أخلاقه بصبغة ~~زاهدة. # وإذا كانت تلك الأخلاق، في اتجاهها العام، أخلاقا زاهدة لا تفي ms070 بمطالب الإنسان الحديث، ~~فإنها في مبادئها التفصيلية تسير في نفس الطريق؛ ففي هذه المبادئ كلها تلمس نوعا من الخداع ~~والتضليل، وتحس إحساسا غامضا بأن ظاهر المبدأ غير باطنه، وبأن ما يدعوك إليه مخالف للنتائج ~~الفعلية الناجمة عنه. وتلك في الحق سمة واضحة في تلك الأخلاق الشائعة؛ إذ إن غايتها النهائية ~~مستحيلة التحقيق؛ فمن المحال أن يتمكن الإنسان بالفعل من إماتة نزعاته الحية إلى هذا الحد، أو ~~أن يسلك كما لو كان عقلا خالصا. وإذن فمن الطبيعي أن تنطوي هذه الأخلاق على خداع ذاتي تسببه ~~تلك الهوة السحيقة بين غايتها وبين ما تستطيعه الطبيعة البشرية، ومن الطبيعي أن ينتقل هذا ~~الخداع الذاتي إلى مبادئها التفصيلية كلها. # فلنتأمل مثلا فكرة الشفقة، إن الأخلاق المسيحية - والدينية بوجه عام - تجعل منها شعورا ~~نبيلا يحتل موقع الصدارة من مشاعرنا الأخلاقية. ولكن هل هي شعور أخلاقي نبيل بحق؟ إن ظاهرها ~~هو التعاطف مع الآخرين، والرغبة في مشاركتهم كل أحاسيسهم، ولكنها تنطوي مع ذلك على نفس الخداع ~~الذاتي الذي لاحظناه في الاتجاه العام لتلك الأخلاق. فما هي في واقع الأمر إلا أنانية مستترة؛ ~~ذلك لأننا كثيرا ما نشفق على الغير لخوفنا من أن يحدث لنا مثل ما حدث لهم، بحيث إننا نرمي ~~من عطفنا عليهم إلى الدفاع عن أنفسنا ضد احتمال وقوع مثل هذا الضرر لنا، أو نحمي أنفسنا من ~~الشعور المؤلم الذي ينتابنا كلما صادفنا مثل هذه الأزمات؛ فالمسألة في الواقع ترتد علينا ~~نحن في نهاية الأمر، ونحن نشفق وفي ذهننا حالتنا نحن، لا حالة الآخرين. # 2 # وكذلك الحال في فكرة الغيرية، التي ترتبط بالشفقة ارتباطا وثيقا، بل تكون شرطها ~~الضروري. والغيرية ليست عند نيتشه مجرد ظاهرة أخلاقية معتادة، بل هي الأساس الأكبر للأخلاق ~~الشائعة، وهي الصدى الذي خلفته المسيحية في تلك الأخلاق؛ ومن هنا نراها تتكرر بصورة مختلفة ~~عند معظم المفكرين الأخلاقيين، فهي تكون النغمة الأساسية لدى المفكرين الفرنسيين الأحرار، ~~من لاروشفوكو # La Rochefoucauld # وفولتير إلى أوجست كونت، وهي ~~تتردد لدى شوبنهور في ألمانيا وجون ms071 استورت مل في إنجلترا. # في كل هذه الحالات يظهر تأثير المسيحية. بل إن المذاهب الاشتراكية ذاتها قد خضعت لهذا ~~التأثير؛ إذ لعبت فيها فكرة الغيرية الدور الأكبر. # 3 # ولذا يأخذ نيتشه على عاتقه تحليل هذه الفكرة وكشفها على حقيقتها. # فبينما تبدو الغيرية في ظاهرها شعورا ينم عن فيض من الكمال الذاتي ينتقل من الأنا إلى ~~الآخر، فإنها في حقيقتها ليست إلا وسيلة لإفقار الذات وإضعافها؛ فنيتشه يعتقد أننا كثيرا ما ~~نتجه بفاعليتنا إلى الغير حتى نهرب من أنفسنا، ولا نواجهها مواجهة صريحة. فحب الجار ليس في ~~هذه الحالة تعبيرا عن كمال ذاتي فائض، وإنما هو، على حد تعبير نيتشه، «حب سيئ للذات»؛ ذلك ~~لأن مواجهة الإنسان لنفسه، وبذله كل جهوده لبعث الكمال فيها، هو أمر عسير إلى أبعد حد، ~~وكثيرا ما يحس المرء ميلا قويا إلى الهروب من مواجهة ذاته، والتحول عن سعيه إلى كمالها، ~~فتنحرف طاقته وفاعليته، وتتخذ شكل الغيرية. # بل إننا إذا تأملنا الأمر بمزيد من العمق، لوجدنا أن الغيرية ترتد في نهاية الأمر إلى ~~الأنانية؛ ذلك لأن حدود الأنا أوسع مما يبدو لأول وهلة، وهي تشتمل في داخلها على تلك المشاعر ~~التي تبدو لنا خارجة عنه؛ فالغيرية بهذا المعنى إنما هي وسيلة لإرضاء الذات عن طريق الإفراط ~~في الاهتمام بأحد مكوناتها؛ أعني بعلاقاتها مع الآخرين، ويعبر نيتشه عن هذه الفكرة بقوله «... ~~إن الجندي ليتوق إلى الموت في ساحة القتال من أجل إحراز النصر لوطنه؛ إذ إن في انتصار وطنه ~~انتصارا لأعز أمانيه. وإن الأم لتمنح ابنها ما تحرم منه نفسها، كالنوم، والطعام الجيد، وفي ~~بعض الأحيان صحتها وطاقتها؛ فهل هذه كلها أحوال غير أنانية؟ ... أليس من الواضح أن الإنسان في ~~كل هذه الأحوال يحب شيئا في داخله، وليكن فكرة، أو أمنية، أو وليدا، أكثر من شيء آخر في ~~داخله، وأنه على ذلك يقسم كيانه، ويقدم جزءا منه قربانا للآخر؟» # 4 # فعلى أي نحو يكون حكمنا اليوم على رأي نيتشه في هذين المبدأين المترابطين، الشفقة ~~والغيرية؟ لنعترف منذ ms072 البداية بأن التعبيرات التي استخدمها نيتشه كانت عنيفة إلى حد بعيد؛ ~~فليست الشفقة أو الغيرية دائما ميلا إلى الهروب من الذات، أو مظهرا من مظاهر حبنا السيئ ~~لها. وإن التناقض في آرائه ليبدو هنا جليا، حين يصف الشفقة أحيانا بأنها هروب من الذات ~~بالخروج عنها، وحين يرد كل شعور بالغيرية إلى نوع من الأنانية المستترة. فلو كانت الغيرية ~~تنطوي على أنانية بالفعل، لما جاز لنا أن ننقد شعورا غيريا كالشفقة بأنه يؤدي إلى الخروج ~~عن حدود الذات والفرار منها إلى الغير. # وفضلا عن ذلك، فليس مما يضير الشعور بالشفقة على الإطلاق أن يكون منطويا على نوع من ~~المقارنة الضمنية بين حالتنا وحالة من نشفق عليه؛ ذلك لأن للقدرة على التعاطف في الإنسان ~~حدودا لا يمكنها أن تتعداها. وليس في وسع الإنسان أن يخرج عن ذاته تماما ليشعر بآلام الغير ~~وحدها دون أن يتخلل هذا الشعور أي عنصر ذاتي، وإنما لا بد أن يقارن بين مشاعر الغير ~~ومشاعره على الدوام، حتى يمكنه أن يتصورها على صورة صادقة بقدر الإمكان. فمع اعترافنا بظاهرة ~~التعاطف، فعلينا أيضا أن نعترف بأن الشفافية بين نفوس الأفراد ومشاعرهم ليست كاملة، بحيث ~~يستطيع كل منهم أن يضع نفسه موضع الآخر تماما، وأن يمارس كل مشاعر الآخر كما لو كانت ~~مشاعره هو. وإنما يحتاج إلى إجراء مقارنة مستمرة بين الظروف التي يمر بها الآخر، وبين ما يمكن ~~أن يحدث له هو لو مر بهذه الظروف، حتى يمكنه تصور موقف الآخر على خير وجه ممكن. تلك إذن ~~حدود كامنة في الطبيعة البشرية؛ فهي ليست نقصا في أخلاق الإنسان. وليست عيبا يلام عليه ~~نظام أخلاقي معين، وإنما هي ترجع، في حقيقة الأمر، إلى الطبيعة الأنتولوجية للإنسان؛ أعني ~~إلى أن العلاقة بين وجودي ووجود الآخرين هي علاقة كثرة، ولا يمكن أن تتحول إلى وحدة شفافة إلا ~~في حدود معينة. وعلى ذلك، فليس مما يعيب الشفقة أنها تنطوي على نظرة ضمنية إلى الذات وعلى ~~دفاع خفي عنها، كما اعترض عليها نيتشه؛ إذ ms073 إن تلك الأمور تحتمها حدود التعاطف البشري ~~ذاته. # وفي وسعنا أن نلتمس لنيتشه عذرا واحدا في نقده لمبدأ الشفقة في الأخلاق؛ ذلك لأن ~~الدعوات الإصلاحية الكبرى اليوم لا تنادي بالنهوض بالإنسان عن طريق الشفقة عليه، وإنما عن ~~طريق تمكينه هو ذاته من النهوض بنفسه. فنحن اليوم ننقد الصورة القديمة للشفقة، على أساس أنها ~~تتضمن اعترافا بالأمر الواقع وعجزا عن تغييره، ولا تعدو أن تكون محاولة جزئية للتخفيف من ~~الضرر المحتوم بقدر الإمكان. وفي هذا من السلبية ما يجعلنا نثور على مبدأ الشفقة، مفهوما ~~بهذا المعنى، ونتجه إلى إحلال مبدأ الفاعلية الشاملة محله. فنحن نزيد الآخرين عجزا حين نشفق ~~عليهم. بل إننا نعترف في ذلك بعجزنا نحن عن مواجهة الواقع وتغيير الظروف السيئة التي أدت إلى ~~جعل الآخرين في حالة يستحقون معها الشفقة. وصحيح أن من هذه الظروف ما لا يكون هناك سبيل إلى ~~تغييره، ولكن علينا دائما أن نؤكد لأنفسنا إمكان سيطرتنا على هذه الظروف، إن لم يكن في ~~الحاضر ففي المستقبل على الأقل. وهذا النقد للشعور بالشفقة - مفهوما على هذا النحو - هو الذي ~~أدى بلا شك إلى تغيير فلسفة الإصلاح الاجتماعي في العصر الحديث، والتخلي عن فكرة الإحسان - ~~وهي الفكرة التي تنبع مباشرة عن الشعور بالشفقة - واستبدال مبدأ آخر للإصلاح الاجتماعي بها، ~~هو مبدأ كفالة العمل، وكفالة العيش، للجميع. # على هذا النحو إذن يمكننا أن نجد مبررا لنقد فكرة الشفقة، ولكن هل كان هذا هو ما يرمي ~~إليه نيتشه من هذا النقد؟ الواقع أن السعي الاجتماعي الشامل إلى الإصلاح كان أبعد الأفكار عن ~~ذهنه؛ فهو ينقد الشفقة لأنها تبعد المرء عن ذاته. وعلى ذلك فهدفه يتركز في «الفرد» وحده، ~~وغايته هي أن يرد إلى الفرد كل مظاهر فاعليته، التي يعتقد أنها تتبدد إذا خرجت عنه إلى ~~الغير، وسعيه يتجه في نهاية الأمر إلى تكوين أفراد تركزت قواهم في داخلهم فحسب. فليس هدفه إذن ~~هو تكاتف الجميع من أجل القضاء على الأضرار التي تستوجب الشفقة، وإنما هدفه هو أن يهتم ms074 كل فرد ~~بذاته فحسب، بحيث تتركز كل مشاعره في باطنه، وتتجه إلى داخله فحسب، ليس أدل على ذلك من طبيعة ~~البديل الذي أراده أن يحل محل الشفقة؛ أعني فيض الأقوياء، الذين تمتلئ نفوسهم إلى الحد الذي ~~تفيض معه على الآخرين دون أن يكون هذا الفيض غاية في ذاتها، ودون أن تعبأ باتجاهه أو بمن ~~سينالهم نفع منه. وعلى ذلك، فالأسس التي ينقد بها نيتشه فكرة الشفقة مخالفة تماما للأسس ~~التي تنطوي عليها الأخلاق الإنسانية كما نفهمها اليوم. وإذا كان الإفراط في الشفقة أمرا يحمل ~~عليه ضميرنا الأخلاقي، فإن ذلك راجع إلى أسباب مغايرة تماما لتلك التي ارتكز عليها نيتشه في ~~نقده لهذا المبدأ الأخلاقي. # والأمر لا يختلف عن ذلك كثيرا في نقد ~~نيتشه لفكرة الغيرية. فهو حين يحمل على الغيرية من حيث هي مؤدية إلى ابتعاده عن ذاته، يرمي في ~~آخر الأمر إلى نفس الهدف الذي أشرنا إليه من قبل، وهو أن تتركز قوى الفرد في داخله فحسب. ~~ولست أدري كيف ظل في عالم اليوم مفكرون على هذا النمط، ينكرون ما حققته الإنسانية من تقدم ~~عن طريق العمل المتآزر، ويدعون إلى تلك المثل العليا الساذجة، التي ربما كان لها في حياة ~~العصور الوسطى مجال، بينما أصبحت في حياتنا الحالية مستحيلة التحقق؛ ذلك لأن الإنسانية لا ~~يمكن أن ترجع إلى الوراء لترى في انعكاف كل فرد على نفسه وتركيزه قواه في داخله خيرها الأقصى، ~~ولا يمكنها أن تنظر إلى العلاقة المثلى بين فرد وفرد على أنها علاقة سيل يفيض من القوي إلى ~~الضعيف، بعد أن كشفت لها تجاربها الطويلة عن استحالة مثل هذا السعي الفردي، حتى في المجال ~~المعنوي الخالص، وأثبتت لها أن تعاون الأنداد لا يقف في وجه الشخصية الفردية أو يحد من ~~قدرتها على الإطلاق. # أما حين يحلل نيتشه فكرة الغيرية تحليلا نظريا ليثبت أنها ترتد إلى الأنانية في آخر ~~الأمر، ما دام الأنا من الاتساع بحيث ينطوي في ذاته على كل تمثلاته للعالم، فإنه في هذه ~~الحالة يتخذ ms075 موقفا مثاليا واضحا، ولا خلاف بينه وبين موقفنا المعتاد، وفهمنا الشائع ~~للغيرية، إلا في الألفاظ فحسب؛ أعني أنه ليس في فكرته هذه من جديد سوى تعبيرها اللفظي الخادع ~~فحسب؛ ذلك لأننا في لغتنا المعتادة نستخدم كلمة الغيرية في مقابل الأنانية، وبالتالي نعترف ~~بالغير في مقابل الأنا. أما حين يصبح الأنا شاملا للغير، فمن الطبيعي أن تختفي فكرة ~~الغيرية. وكل ما في الأمر هو أن الأنانية في هذه الحالة لن تعود هي الفكرة التي تعنيها لغتنا ~~المعتادة؛ إذ لن تعود شعورا متعلقا بالأنا منظورا إليه من خلال تضاده مع الغير، بل تصبح ~~منطوية في ذاتها على ما نعنيه نحن عادة بالأنانية والغيرية معا؛ فالخلاف كما نرى راجع إلى ~~التلاعب اللفظي فحسب، وفي مثل هذه النظرة المثالية إلى الأنا، لا تعود فكرة الأنانية منطوية ~~على معناها المعتاد مطلقا، وبالتالي لا يكون في ذلك النقد لفكرة الغيرية جديد، ما دام كل ما ~~يتضمنه هو الخروج بالألفاظ عن معناها المصطلح عليه، والتوسل إلى التجديد بالافتقار إلى ~~التحديد. # أخلاق السادة وأخلاق العبيد # الأخلاق الشائعة إذن، كما يراها نيتشه، هي أخلاق بالية لا تصلح في مبادئها العامة أو ~~تفصيلاتها الخاصة لتوجيه الإنسان نحو المثل العليا السليمة؛ ذلك لأننا نعيش في فترة من ~~فترات التدهور الأخلاقي - بالمعنى الخاص لهذه الكلمة عند نيتشه - يسود فيها نمط أخلاقي ~~معين، يسميه نيتشه باسم «أخلاق العبيد # Sklaven-Moral ~~»، ~~والتقابل بين أخلاق العبيد وأخلاق السادة # Herren-Moral # يناظر الأخلاق المنحلة والسليمة عند نيتشه، فحينما تسود المبادئ الأخلاقية الزاهدة الداعية ~~إلى الهرب من الحياة تكون أخلاق العبيد هي السائدة، فلنتأمل إذن بمزيد من العمق دلالة هذا ~~التقابل الأخلاقي الرئيسي، الذي يقوم نيتشه من خلاله أخلاقنا السائدة، بل يقوم التاريخ ~~الأخلاقي كله. # إن أخلاق السادة تتصف قبل كل شيء بأنها أخلاق للأقوياء؛ ففيها دائما ما يشعرنا بالقوة ~~والوفرة، وبالسمو الناشئ من الإحساس بالامتلاء. والقيمتان الأساسيتان في هذه الأخلاق هما ~~الجيد والرديء # gut und schlecht ~~، والتقابل بينهما يماثل ~~تماما التقابل بين «رفيع # vornehm # ووضيع # verächtlich ~~» # 5 # السمة ms076 التي تتميز بها هاتان القيمتان المتقابلتان هي أنهما لا تعبآن مطلقا بأن ~~يكون الفعل خيرا بمعنى أنه «طيب»، وإنما يكون مقياس أخلاقية الفعل هنا هو أن يعبر عن روح ~~القوة التي يستشعرها المرء في ذاته، وأن يلائم تلك النفوس الزاخرة التي تشعر بأنها هي مانحة ~~القيم وخالقتها. فإذا ما صدر عنها الخير، فهو لا يصدر عن خوف أو إكراه أو ضغط، وإنما يصدر عن ~~إحساس قوي بالوفرة والامتلاء والقوة الفياضة الباذلة. # على أن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا النحو، بحيث يسود الأقوياء وتتحكم شريعتهم، وإنما ~~يتكتل عليهم الضعفاء، الذين يسيئهم أن يسيطر الأقوياء ويحققوا وحدهم كل ما تتسع له شخصيتهم من ~~ممكنات؛ فينقلبوا عليهم، وسرعان ما تكون الغلبة لهم بحكم كثرتهم العددية. وهكذا تسير الدورة ~~التاريخية للأخلاق؛ كل فترة من أخلاق السادة تعقبها فترة من أخلاق العبيد. وليس يلزم أن يتحقق ~~هذا الانقلاب بالقوة المادية، بل قد يكون ذلك بالانحلال المعنوي فحسب. وعلى أية حال، ففي ~~أخلاق العبيد تثور الأكثرية الضعيفة وتسعى إلى خلق مبادئ تلائم حدودها الضيقة، فتعم روح ~~الشفقة والغيرية والمساواة، وهي الصفات التي يعدها نيتشه مظهرا من مظاهر «ضعف» الفرد ~~وحاجته إلى الاستناد إلى غيره، ويصبح التقابل الأخلاقي الرئيسي هو التقابل بني الخير والشر # gut und böse ~~، وهنا يظهر الخوف والإلزام والجزاء؛ فالشر هو ~~ما يخيف، والخير هو ما نتقي به ذلك الخوف. ومعنى ذلك أن الإنسان الخير في هذه الأخلاق هو ~~ذلك الحمل الوديع الذي يسلم منه الناس؛ ومن هنا كان تقريب اللغات، في أخلاق العبيد، بين ~~كلمة «طيب # gut ~~» ومغفل أو أبله # dumm ~~؛ فالطيبة والغفلة هنا صفتان متقاربتان إلى أبعد حد. # 6 # ولما كانت أخلاق العبيد انقلابا للكثرة العاجزة على الأقلية الرفيعة، فإنها تركز ~~اهتمامها دائما على المجموع السوي الذي لا يعرف التطرف في القوة والسيطرة، وتختفي فيها ~~تماما كل روح فردية؛ فالفرد هنا لا تقاس قيمته إلا من حيث هو وسيلة من أجل الجماعة، ~~والفردية في هذه الحالة خروج عن شريعة المجتمع. ms077 والسعي إلى تقوية الذات هو بعينه ما يوصف بأنه ~~شر؛ لأنه لن يتم إلا على حساب الأوساط والضعفاء. وعلى هذا النحو يعلل نيتشه سيادة ~~الديمقراطية في عصرنا الحديث، ويصفها بقوله: «لا راعي، وقطيع واحد! كل يريد نفس الشيء، وكل ~~يماثل الآخر، ومن أحس غير ذلك، يدخل طوعا في زمرة المجانين.» # 7 # ولسنا نريد أن نسترسل مع نيتشه في وصف خصائص أخلاق السادة وأخلاق العبيد؛ فليس في هذا ~~الجزء من فلسفته ما يحبب المرء إلى الاسترسال فيه! ولكن علينا أن نلاحظ أن نيتشه لم يضع هذا ~~التقابل على أنه هدف يسعى إلى تحقيقه، بل تكون لديه عن طريق استقراء؛ فهو يقول: إنه قد ~~تأمل النظم الأخلاقية في الأمم المختلفة، وخرج منها كلها بتلك النتيجة؛ أعني تناوب أخلاق ~~السادة وأخلاق العبيد في السيادة. # 8 # ومن هنا نراه يضع للتاريخ الأخلاقي للإنسانية تقسيما جديدا؛ ففي العصر اليوناني ~~والروماني تسود أخلاق السادة، وتكون الغلبة للأقوياء، ثم تنتصر أخلاق العبيد على يد اليهودية ~~والمسيحية، ويقهرون الأرستقراطية الرومانية، ويسود الضعفاء والمتخاذلون؛ فالتقابل الأخلاقي ~~الرئيسي هو ذلك التقابل بين روما وجوديا. # 9 # وبينما كانت جوديا في نظر روما تعبيرا عن كل ما هو مضاد للطبيعة، فقد كانت روما ~~في نظر جوديا موضوعا للحقد والحسد الذي يتملك الضعفاء إزاء الأقوياء. # 10 # وفي عصر النهضة الأوروبية تعود أخلاق السادة بالرجوع إلى المثل العليا ~~اليونانية، ولكن تقهرها حركة الإصلاح الديني، وهي حركة شعبية أثارها الضعفاء والعوام. وتعود ~~أخلاق السادة عند نبلاء القرنين السابع عشر والثامن عشر ليقهرهم العبيد مرة أخرى في عهد ~~الثورة الفرنسية. وتظهر أخلاق السادة في الأفق على يد نابليون، ولكن سرعان ما تعود أخلاق ~~العبيد بعده إلى الظهور. على أن كل هذه الفترات، التي تلت ظهور المسيحية، تتميز بأنها في ~~أساسها فترات تسود أخلاق العبيد، وما ظهرت أخلاق السادة فيها إلا عرضا، لتختفي سريعا، ~~تاركة وراءها التيار الأصلي الواهن يسير في ضعف وانحلال. # ولا أظننا في حاجة إلى أن ننقد تقسيم نيتشه هذا للأخلاق نقدا مسهبا. فهذا ms078 التقسيم إذا ~~كان نتيجة استقراء تاريخي، فهو بلا شك تقسيم غير موفق؛ إذ إن تناوب السيادة بين الأقوياء ~~والضعفاء لم يتم على الصورة التي رسمها نيتشه على الإطلاق؛ فالقوة تلك العصور التاريخية التي ~~تناولها نيتشه، لم تكن قوة معنوية، بل قوة مادية؛ أعني أن الأقوياء في تلك العصور لم يكونوا ~~هم أصحاب المشاعر الأخلاقية الرفيعة، الذين تفيض نفوسهم بالامتلاء المعنوي والفيض الحيوي، بل ~~كانوا هم المسيطرين على زمام الأمور، عن طريق قوة السلاح أو قوة المال. ولنضرب لفكرتنا هذه ~~مثلا واضحا؛ فنيتشه يعد من فترات أخلاق السادة، العصر اليوناني، وعصر نابليون؛ فمن هم ~~الأقوياء المسيطرون في العصر اليوناني، إن لم يكونوا هم الفئة الأرستقراطية التي تسيطر بقوة ~~السلاح والمال، والتي وصفها لنا أفلاطون في كثير من محاوراته وحلل مثلها ومبادئها، فإذا ~~بها بعيدة كل البعد عن ذلك الترفع المعنوي الذي كان يعنيه نيتشه؟ ومن هو القوي المسيطر في عصر ~~نابليون، إن لم يكن ذلك الفرد المستبد الذي يبني لنفسه مجدا شخصيا عن طريق الإرهاب والتعسف ~~والتضحية بأرواح الأبرياء؟ الحق أن الاستخدام غير الدقيق لكلمة «القوة» يؤدي إلى الخلط بين ~~القوة المعنوية والقوة المادية. وإذا كان نيتشه يقصد المعنى الأول في معظم الأحيان، فلا ~~جدال في أن الأمثلة التي اختارها تعبر عن المعنى الثاني دائما، مما يدل على سيطرة هذا ~~الخلط على تفكيره. وإذا كنا اليوم نعيب على كبار فلاسفة اليونان، مثل أفلاطون وأرسطو، أنهم قد ~~تغاضوا عن مساوئ نظام الرق القائم في عصرهما، ذلك النظام الذي لم يحاول أحد منهما أن يحمل ~~عليه، فماذا يكون موقفنا من نيتشه، الذي يمجد قوة الأقلية الأرستقراطية ويحمل على الأكثرية ~~«الضعيفة»، التي ينبغي في رأيه أن تظل مستعبدة، مع أنه عاش في عصر تكشف فيه للجميع مصدر قوة ~~الأقوياء وضعف الضعفاء، وعرف فيه الكل أن أرستقراطية العصور التي تحدث عنها لم تكن ~~أرستقراطية معنوية أو أخلاقية، بل كانت القوة الغاشمة فيها هي العامل الوحيد لسيطرة الأقوياء ~~وعبودية الضعفاء؟ # الحق أن نيتشه لم يكن يتعمق ms079 بحث دلالة آرائه طالما بدت له هذه الآراء ملائمة لمزاجه ~~الفكري الخاص. وتلك بلا شك من صفات المفكرين الرومانتكيين الذين تغلب عاطفتهم على عقلهم، ~~ويتحكم هواهم في تكوين آرائهم أو في تشكيلها وإعطائها صبغة واتجاها خاصا. فهو يمجد القوة ~~ويحمل على الضعف، وهذا أمر ليس لنا أن نعيبه عليه، ولكنه حين يهتدي إلى كلمة كهذه تلائم ~~مزاجه الخاص، لا يجشم نفسه عناء البحث عن دلالاتها المختلفة، ومظاهرها المتباينة، بل يسعى ~~وراءها أينما كانت، مع أنها في كثير من الأحيان تؤدي إلى نتيجة مضادة تماما لهدفه. وربما ~~كانت النزعة إلى التعميم السريع والحكم العاطفي من أكبر عيوب تفكير نيتشه التي تتكشف لنا من ~~خلال هذا المثل الذي عرضناه. # نقد الروح الأخلاقية # من خلال العرض السابق تبدت لنا اللاأخلاقية عند نيتشه على أنها تعبير عن ثورة على ~~الأوضاع الأخلاقية القائمة، ومحاولة لقلب القيم الأخلاقية التي يخضع لها الناس في عصرنا؛ أي ~~إن اللاأخلاقية هي من وحي الأخلاق، ما دام هدفها هو الكشف عن قصور المبادئ الأساسية للسلوك ~~الإنساني في شكلها الحالي، ومحاولة إصلاح أخطاء هذه المبادئ أو استبدال غيرها بها، من أجل ~~إنسانية أفضل. # على أننا لم نبحث بعد الاحتمال الآخر، وهو أن تكون اللاأخلاقية حملة على الأخلاق بوجه ~~عام، لا على أخلاق عصر معين فحسب. وأول ما يتبادر إلى الأذهان بصدد هذا المعنى، أن الحملة ~~على الأخلاق بوجه عام تعني العودة إلى حالة الفوضى والافتقار التام إلى التنظيم، والرجوع إلى ~~شريعة الغاب في معاملة الناس بعضهم لبعض. ولكنا إذا كنا قد لاحظنا بصدد المعنى الأول أن ~~اللاأخلاقية تعني البعد عن نمط أخلاقي معين، وأنها ليست دعوة إلى الفوضى المطلقة، فعلينا أن ~~نكرر هنا ما قلناه بصدد هذا المعنى السابق، وإن يكن الدفاع في هذه الحالة أشق. # وفي وسعنا أن نقول: إن الحملة على الأخلاق بوجه عام ليست موجهة إلى محتوى هذه ~~الأخلاق، إذ إن نقد محتوى الأخلاق بوجه عام هو أمر ينطوي على تناقض بالنسبة إلى مفكر مثل ~~نيتشه يؤمن بالنسبية ms080 الأخلاقية؛ أعني باستحالة وجود قاعدة يمكن أن يقال عنها إنها تنتمي إلى ~~الأخلاق في عمومها. فليست هناك إذن مبادئ أخلاقية عامة حتى تنقد، وإنما هناك نظم أخلاقية ~~مختلفة فحسب. فما الذي يمكن أن يرمي إليه نيتشه إذن؟ إنه إذا أراد أن ينقد الأخلاق بوجه عام، ~~فإنه ينقدها من حيث الشكل، ومن حيث الظروف المحيطة بها والممهدة لها فحسب؛ أعني أنه ينقد ~~الحالة الذهنية التي تتملك الإنسان حين يكون أخلاقيا؛ أي حين يخضع سلوكه لمبادئ وقواعد ~~عامة، وينقد النتائج المترتبة على هذا الإخضاع. # ولكنا لم نجب حتى الآن عن السؤال الأهم: ما هي الشواهد التي نستدل منها على احتمال ~~وجود هذا المعنى للاأخلاقية عند نيتشه؟ إن معظم من كتبوا عن نيتشه قد أكدوا المعنى الأول؛ ~~أعني أن اللاأخلاقية هي الخروج عن نظام أخلاقي بعينه، والقلة الباقية كان ترى نيتشه مفكرا ~~انحلاليا يدعو إلى الفوضى المطلقة، وتلك ولا شك فئة لا ينبغي أن يعتد برأيها. على أن في ~~تفكير نيتشه من الآراء ما نعتقد أنه يؤيد القول بأنه كان في كثير من الأحيان يعني ~~باللاأخلاقية خروجا عن الأخلاق في عمومها، لا عن الأخلاق السائدة وحدها: «إن أحدا لم يختبر ~~قيمة ذلك الدواء الأشهر، المسمى بالأخلاق؛ وهذا ينطوي على وضع الأخلاق موضع الشك، حسنا، ~~إن هذا هو بعينه عملنا.» # 11 # فلنتأمل جيدا نقد نيتشه لفكرة الخير والشر، ولننظر فيما لهذا النقد من دلالة بصدد ~~الرأي الذي نسعى إلى إثباته. إن نيتشه ينقد فكرة الخير والشر على أساس من النسبية؛ أعني أنه ~~يؤكد أن ما نسميه نحن خيرا قد يكون شرا بالنسبة إلى غيرنا، وأن أحكامنا على الظاهرة ~~الواحدة كثيرا ما تتغير، وإذن ففكرة الخير المطلق أو الشر المطلق فكرة واهمة لا مدلول لها. ~~ولكن نقد نيتشه لفكرة الخير والشر لا يقف عند هذا الحد؛ فهو لا يكتفي بالهجوم على فكرة المطلق ~~في هذا الصدد، وبإثبات نسبية هذه الأحكام الأخلاقية التقويمية، وإنما هو يريد أن يقف ~~بمعزل عن الخير والشر # Jenseits von Gut und ms081 Eöse ~~. وتلك ~~الفكرة الأخيرة قد احتلت عند نيتشه أهمية كبرى، وخاصة في أنضج فترات حياته؛ أعني الفترة ~~الأخيرة. وليس أدل على ذلك من أنه ألف كتابا كاملا بهذا العنوان. فما هو مغزى هذا الموقف ~~الجديد الذي وقفه نيتشه بمعزل عن الخير والشر؟ # ليس الخير والشر لفظين لهما مضمون محدد، بل إن هذا المضمون يتباين ويختلف باختلاف ~~النظم الأخلاقية. فمن يدعو إلى الوقوف بمعزل عن الخير والشر لا يعني إذن أن نتجاوز ما ~~نسميه نحن خيرا أو شرا فحسب، لأن هذا لو كان قصده لكان معنى ذلك أن يدعو إلى ما يسميه ~~غيرنا خيرا أو شرا؛ أعني إلى الالتزام بتقويم أخلاقي آخر. # ذلك لأن الخير والشر قيمتان يمكن أن تتضمنا محتويات متباينة، وقد يكون محتواهما في أخلاق ~~معينة مضادا تماما لمحتواهما في أخلاق أخرى، ولكن هذا المحتوى سيظل مع ذلك يسمى ~~خيرا أو شرا . على أن نيتشه لا يدعو إلى تجاوز خير أو شر معين، بل يستخدم تعبيرا شاملا، ~~هو «بمعزل عن الخير والشر» بوجه عام. ومعنى ذلك أنه يرمي إلى الاستقلال، لا عن مضمون معين ~~لهذه القيم، بل عن مبدأ التقويم من خلالها بوجه عام. # فدعوة نيتشه إلى الوقوف بمعزل عن الخير والشر، لا بد أن تعني استقلالا عن الأخلاق ~~بوجه عام، لا عن أخلاق معينة؛ أي إنها دعوة إلى الكف عن تقدير الأمور من خلال قيمتي الخير ~~والشر، أيا كان مضمونهما، واستبدال وسيلة أخرى لتقدير الأمور بهما؛ أما هذه الوسيلة التي ~~سوف تحل محل القيم القديمة، فهي - كما ينبغي أن نتوقع - ~~الحياة. ولنشرح رأي نيتشه في هذا الصدد بمزيد من الإيضاح، ~~فنضرب له مثلا مألوفا؛ فمن المعروف أن العلم يحاول أن يستبدل بالنظرة الكيفية إلى الأمور، ~~نظرة أخرى كمية؛ أعني أنه بينما تهتدي حواسنا إلى كيوف في كل شيء، فتصفه بأنه أبيض، أو خفيف، ~~أو حلو الطعم ... إلخ، يحاول العلم أن يستبدل بكل هذا نظرة أخرى كمية، ويرجع كل هذا الاختلاف ~~في الكيف إلى الاختلاف في النسب والمقادير فحسب. ms082 ولا جدال في أن نظرته هذه أدق وأبسط؛ إذ ~~بينما ينطوي العالم، منظورا إليه من جهة الكيف، على كثرة هائلة وتنوع عظيم، فإنه من ناحية ~~الكم يغدو أكثر تجانسا، وأبسط تركيبا. فعلى أي نحو يعلل العلم تقيدنا بالنظرة الكيفية؟ ~~إنه يعلل ذلك بأن هذه النظرة تضفي على العالم من التنوع والجدة ما يجعله ملائما لمزاجنا ~~وتركيبنا الخاص؛ فالكيف إذن مرتبط بالمنظور الإنساني في صورته الخشنة، صورة الحواس والحياة ~~اليومية. أما إذا استبدل بهذا المنظور آخر أدق، لاختفى عالم الكيف وحل محله عالم ~~الكم. # ومن خلال هذا المثل يمكننا أن نفهم ما يرمي إليه نيتشه من نقده للأخلاق بوجه عام، ومن ~~استقلاله عن تقويماتها. فتأمل الأمور وتقديرها من خلال قيمتي الخير والشر، هما عنده أشبه ~~بالنظر إلى الأشياء من جهة الكيف. والحق أن القيم بوجه عام هي كيوف معنوية نشكل بها الأشياء ~~والأفعال ونضفي على كل منها طابعا خاصا، بحيث تتكون في نهاية الأمر صورة متنوعة ملائمة ~~للحياة. ولكنا إذا نظرنا إلى الأمر بمزيد من الدقة - على نحو ما يفعل العالم في مجاله ~~الخاص - لوجدنا أن هذه الكيوف المعنوية ترتد كلها إلى مبدأ واحد متجانس، يختلف في الدرجة ~~فحسب، هو الحياة. فبدلا من أن نقوم الأفعال من خلال الخير والشر، كما فعلت الأخلاق «بوجه ~~عام»، علينا أن ننظر إليها من خلال مدى تحقيقها للحياة، بحيث يحل محل الخير ذلك الفعل الذي ~~يعلي من الحياة ويزيدها ثراء، ومحل الشر ذلك الفعل الذي ينكر الحياة ويزيدها هزالا. فإذا ~~تأملنا الأمور كلها من خلال مدى تحقق الحياة فيها، فلا شك في أن نظرتنا هذه ستكون أقرب إلى ~~النظرة الكمية في العلم، ما دامت الاختلافات هنا في الدرجة فحسب. # وفي وسعنا أن نمضي في المقارنة إلى ما هو ~~أبعد من ذلك، فنقول إن النظرة «الأخلاقية» إلى العالم هي في رأي نيتشه - شأنها شأن النظرة ~~الكيفية في رأي العلم - مرتبطة بالمنظور الإنساني في صورته الخشنة، ولو تعمقنا الأمور لوجدنا ~~أن ما نسميه خيرا وشرا هو في ms083 واقع الأمر تعبير عن صدى إيقاع الحياة في نفوسنا، ~~ولتجاوزنا هذه النظرة الكيفية إلى النظرة الكمية. وفي هذه ~~الحالة يمكننا أن نتأمل السلوك الإنساني كله على نحو أدق وأبسط، وتختفي هذه الحواجز العازلة ~~التي كان كل نظام أخلاقي يضرب بها حوله نطاقا من القيم؛ أعني من الكيوف الأخلاقية، فتتضح ~~العلاقة بين كل هذه النظم، وتسهل المقارنة بينها، عن طريق ردها كلها إلى مبدأ واحد يبدد ~~خداع الكيف ويقضي على تنوعه؛ أعني مبدأ تحقق الحياة في كل منها. # ونستطيع أن نتقدم بعد التحليل السابق خطوة أخرى، فنقول إن المقارنة بين منهج العلم في رد ~~الكيف إلى الكم، ومنهج نيتشه في رد الأخلاق إلى الحياة، هذه المقارنة ليست مجرد مثل يضرب ~~لتقريب فكرة نيتشه إلى الأذهان، بل إن نيتشه قد حاول بالفعل أن يقتدي بالمنهج العلمي في ~~تحليله للأخلاق، فدعا إلى استبدال نظرة مبسطة موحدة بالنظرة المعقدة القديمة؛ أي إن نقد ~~«الأخلاق» على أساس أنها هي تقويم الأمور من خلال الخير والشر، والدعوة إلى إحلال «الحياة» ~~محلها، على أساس أنها فهم كمي مبسط لكل أنواع السلوك، هي نظرية أراد نيتشه أن يقدمها ~~بوصفها حلا علميا للمشكلة الكبرى التي واجهته؛ مشكلة الأخلاق. # وإن أكبر ما يعيبه نيتشه على الأخلاق بوجه عام - ولنستبدل بالتعبير «الأخلاق بوجه عام» ~~كلمة «الأخلاقية # Moralität ~~» - هو أنها تنطوي على تثبيت ~~للسلوك الإنساني على نحو يباعد بينه وبين مصادره الحيوية المباشرة. فما إن يسود تقويم خاص لما ~~هو خير وما هو شر - أيا كان مضمون هذه القيم في مختلف النظم والمذاهب الأخلاقية - فإن ~~تصرفات الإنسان تخضع في هذه الحالة لنوع من الآلية، ناتج عن إطاعة القواعد السائدة وتطبيق ~~القيم المتعارف عليها. وهكذا يصبح كل شيء هينا، ويعتمد الذهن على القاعدة العامة دون أن ~~يجهد ذاته في التفكير، ويصبح السلوك أنماطا متجانسة لا تنوع فيها، وتسود الروح المحافظة، ~~فلا خلق ولا ابتكار ولا تجديد؛ فالأخلاقية إذن تضرب حول الفعل الإنساني نطاقا من التنظيم ~~الدقيق الذي يحول بينه وبين مواجهة الحياة مباشرة، ms084 بل يظل يواجه على الدوام ظلا باهتا ~~للحياة. وعلى ذلك فهنا أيضا يثور نيتشه على الأخلاقية، من حيث هي حالة عامة يخضع لها الناس، ~~ويكون هدفه هو العودة إلى التحلل مما هو «عام» والدعوة إلى الخلق والابتكار الفردي، ومواجهة ~~المرء لكل حالة على حدة، وإيثار الشعور «بالخطر» الناتج عن التجديد المستمر، على الشعور ~~«بالأمان» الناتج عن الخضوع لقاعدة ثابتة. ويصل الحال بنيتشه في بعض الأحيان إلى أن يصف ~~الأخلاقية بأنها «غريزة القطيع» في الفرد، وذلك لتحكم الشعور بالطاعة فيها، وتجانس سلوك ~~الجميع في ظل قواعدها العامة. # وإذن فمن الممكن أن نفسر اللاأخلاقية عند نيتشه، في ضوء ما سبق، بأنها خروج عن الأخلاقية ~~عامة، فضلا عن التفسير السابق لها بأنها خروج عن نظام خاص في الأخلاق، وهو النظام الشائع ~~بيننا، والموروث عن التراث الديني الأفلاطوني. والذي ينبغي أن نحذره في كل هذا هو ألا نفهم ~~هذا الخروج عن الأخلاق - سواء كانت أخلاقا عامة أم خاصة - بأنه مخالفة لها، أو دعوة إلى ~~السلوك على نحو مضاد لما تأمر به، وإنما هو استقلال عنها، وتقدير للأشياء على نحو يخالف ~~تقديرها لها، ونقد للحالة الذهنية التي تتملك المرء حين يتبع قواعدها، أكثر مما هو نقد لمضمون ~~هذه القواعد ذاتها. # إرادة القوة # على أننا لم نتناول إلى الآن سوى الجانب السلبي من آراء نيتشه؛ أعني الجانب الذي ينقد به ~~الأخلاق، في عمومها وفي تفصيلاتها، فإلى أين تتجه دعوته الإيجابية إذن؟ إن الإجابة عن هذا ~~السؤال لن تكون إلا باستخلاص النتيجة المنطقية للنقد السابق؛ فنيتشه يدعونا إلى أن نستبدل ~~بالحالة الأخلاقية شيئا آخر، عبرنا عنه تعبيرا عاما بكلمة تحقيق الحياة، وتلك ولا شك هي ~~دعوته الإيجابية، ولكن ما هي وجهة هذه الدعوة؟ لكي نجيب عن هذا السؤال، علينا أن نعرض بإيجاز ~~لفكرتي الإنسان الأرقى وفكرة إرادة القوة. # فعندما يصبح مدى تحقيق الحياة هو المعيار الذي يحل محل قيمتي الخير والشر، فلا شك في ~~أن غاية الإنسان لن تعود هي الوصول إلى حالة معينة تحددها القواعد الأخلاقية ms085 المعمول بها، ~~بل هي أن يكتسب مزيدا من العلاء في الحياة على الدوام، وذلك هو ما يعنيه نيتشه بفكرة ~~الإنسان الأرقى # Übermensch ~~، فكيف فهمت هذه الفكرة عادة؟ ~~لقد فهمت على أنها مظهر من مظاهر تأثر نيتشه بالفلسفة التطورية عند دارون، واعتقد الناس أنه ~~يرمي إلى أن يخرج التطور نوعا إنسانيا أرقى، مثلما تطور الإنسان قبل ذلك عن القرد. ونحن ~~لا ننكر أن نيتشه قد تأثر بالفعل بفلسفة دارون، ~~واكتسب منها أكثر مما اعترف به؛ غير أن فكرة الإنسان الأرقى لا ينبغي أن تفهم إلا في حدود ~~المبدأ العام الذي أشرنا إليه من قبل؛ أعني الاستعاضة عن الأخلاقية بالسعي إلى النهوض ~~بالحياة؛ فالإنسان الأرقى هو تجسد المثل الأخلاقي الأعلى عند نيتشه؛ فليس هو إنسانا ~~«طيبا» يخضع للقيم الأخلاقية المعترف بها، ويحاول تحقيق الخير وتجنب الشر، بل هو إنسان ~~يسعى إلى مزيد من الحيوية في كل شيء . وإذا كان القائلون بالتفسير التطوري لفكرة الإنسان ~~الأرقى عند نيتشه قد وجدوا نصوصا تعينهم على رأيهم، كقوله: «إن كل كائن قد خلق من قبل ~~شيئا يعلو عليه ... إنكم قد سلكتم الطريق من الدودة إلى الإنسان.» فلنذكر أن نيتشه يقول بعد ~~ذلك مباشرة: «ولكن ما زال فيكم من الدودة الكثير. لقد كنتم في وقت ما قرودا، وما زال ~~الإنسان إلى اليوم قردا أكثر من القرد.» # 12 # وفي هذه العبارة الأخيرة يتضح لنا أن ما يرمي إليه نيتشه من فكرة الإنسان الأرقى يختلف عن ~~مجرد التقدم التطوري؛ إذ إن التطور لا يقول أبدا إن الإنسان لا يزال إلى اليوم قردا أكثر من ~~القرد، أو أن فيه من الدودة الكثير. ولكن ما يعنيه نيتشه بكلمة القرد، أو الحيوانية بوجه عام، ~~هو نزعتها إلى الثبات. فهو يحمل على خضوع الحياة الحيوانية لإيقاع ثابت، وسيرها على وتيرة ~~واحدة، ويؤكد ضمنا أن «الأخلاقية» بما فيها من قواعد تنظيمية يخضع لها المرء آليا، دون أن ~~يشعر بالمخاطرة أو الابتكار، تعني أن الإنسان لم يتقدم عن مستوى الجمود الحيواني كثيرا، ~~فليست فكرة الإنسان ms086 الأرقى بهذا المعنى إلا دعوة إلى التقدم الحيوي المطرد، واستبدال تجدد ~~الحياة بتجانس الأخلاقية. # فإذا نظرنا إلى فكرة إرادة القوة، # 13 # على أنها هي بدورها تعبير عن دعوة نيتشه إلى إحلال تحقيق الحياة محل الأخلاقية، ~~لصادفنا من أول الأمر إشكالا غير هين؛ ذلك لأن قدرا كبيرا من جهد نيتشه قد وجه إلى نقد ~~فكرة «إرادة الحياة» عند شوبنهور، بحيث يبدو أن إرادة القوة وإرادة الحياة في طرفي نقيض؛ ذلك ~~لأن إرادة القوة لا تسعى إلى مجرد الحياة ولا تكتفي بها، بل تسعى إلى القوة أيضا. على أن في ~~وسعنا أن نحل هذا الإشكال إذا قلنا إن القوة عند نيتشه لا تعني أكثر من امتلاء الحياة ~~وتركيزها فحسب. وما كان نقده لشوبنهور راجعا إلى وجود كلمة «الحياة» عند هذا الأخير، بل لأن ~~شوبنهور قد نظر إلى الحياة نظرة سلبية أولا؛ أي إنه لم يتجاوز نطاق «الاكتفاء بالحياة»، لا ~~طلب المزيد منها، ولأنه قد حمل على إرادة الحياة هذه - مع اعترافه بأنها هي المبدأ الكوني ~~الشامل - وعدها مصدر الشرور جميعا. وإذن، فإرادة القوة عند نيتشه ما هي إلا تعبير آخر عن ~~مبدأ تحقق الحياة وامتلائها. # ولسنا في حاجة إلى جهد كبير حتى نستبعد بقية المعاني الباطلة التي ارتبطت بفكرة إرادة ~~القوة هذه. وأكثر هذه المعاني الباطلة شيوعا، ذلك المعنى الذي ذاع خلال الحرب العالمية ~~الأولى، وخلال فترة الحكم النازي في ألمانيا، واتخذ وسيلة لتقوية الروح العسكرية الألمانية؛ ~~وأعني به إعطاء مدلول سياسي لكلمة «القوة»، وتفسير إرادة القوة بأنها دعوة إلى اتخاذ الحرب ~~وسيلة حاسمة لفض الخلافات بين البشر. وإن نيتشه ذاته ليرد على هذه التفسيرات الباطلة حين يقول ~~عن كتاب إرادة القوة: «وددت لو كتبته بالفرنسية، حتى لا يبدو عاملا مؤديا إلى تقوية أي ~~طموح دولي ألماني.» وينفي عن كتابه أية دعوة إلى العدوان فيقول: «إنه كتاب للتفكير فحسب، ~~ينتمي إلى أولئك الذين يجدون في التفكير متعة فحسب.» فتكراره لكلمة «فحسب» مرتين، يدل على ~~شعوره بأنه كان سيجد من الشراح من يسيئون ms087 فهم إرادة القوة، بإضفاء مدلول سياسي ~~عليها. # والحق أن مجرد إضفاء مدلول محدد على فكرة إرادة القوة، يؤدي حتما إلى الوقوع في تناقض ~~داخلي؛ إذ إن إرادة شيء معين تكف عن السعي حين تصل إلى هذا الشيء، كما هو الحال في القوة ~~السياسية مثلا، بينما تتصف الإرادة بأنها حركة دائما لا تعرف حدا تقف عنده، فإرادة القوة ~~ينبغي أن تفهم على أنها سعي متواصل إلى مزيد من الامتلاء في الحياة فحسب. ومن أوضح الدلائل ~~على أن إرادة القوة لا يمكن أن يكون لها عند نيتشه مدلول اجتماعي أو سياسي، إنه يتحدث عنها ~~لأول مرة بوضوح في كتاب زرادشت، في فصل عنوانه ~~«العلو على الذات # Von der Selbstüberwindung ~~» # 14 # فالفكرة إذن متعلقة بالذات الإنسانية، لا بالدولة أو المجتمع. # والحق أن المقصود في نهاية الأمر بإرادة القوة هو أن تحل محل الأخلاقية، فحين يأبى ~~الإنسان أن ينحصر في نطاق نظام من الأوامر والنواهي ، وأن يقيد نفسه بقيم ثابتة، أيا كانت، ~~فعندئذ سيتخذ لنفسه هدفا آخر، هو المزيد من العلاء بحياته، والسعي إلى إثرائها وتركيزها ~~سعيا لا يقف عند حد، وهذا السعي هو إرادة القوة. فللفكرة بهذا المعنى من المرونة والقابلية ~~للتشكل ما يجعلها في نظر نيتشه بديلا صالحا للروح الأخلاقية بوجه عام، وما يجعلها تعبيرا ~~عن رغبته في إحلال التوجيه الحيوي الحركي للسلوك محل التوجيه الأخلاقي السكوني له، واستبدال ~~النظرة الكمية الموحدة إلى الأخلاق بالنظرة الكيفية المتضاربة إليها. # قيمة النقد الأخلاقي # وأخيرا، فليس من العسير أن يفاضل المرء بين قيمة الجانب السلبي والجانب الإيجابي في ~~تفكير نيتشه الأخلاقي. فبينما تنتمي نظرية الإنسان الأرقى أو إرادة القوة إلى نيتشه وحده، نجد ~~أن نقده الأخلاقي قد أصبح يكون جزءا أساسيا من تاريخ الأخلاق؛ فالقيمة الكبرى لتفكير ~~نيتشه في هذا الميدان إنما ترجع إلى قدرته على الهدم أكثر مما ترجع إلى قدرته على ~~البناء. # على أن من الضروري أن نفرق بين وجهي النقد عنده؛ أعني الوجه الذي ينقد فيه الأخلاق ~~الشائعة، وذلك الذي ينقد فيه ms088 الأخلاقية بوجه عام. فإذا كان نيتشه قد ارتكب ما يعد من وجهة ~~نظرنا أخطاء، في نقده للأخلاق الشائعة، فقد نبهنا إلى هذه الأخطاء في موضعها بما فيه ~~الكفاية، وما زالت له علينا في هذا الصدد كلمة تقدير ختامية؛ ذلك لأن المرء مهما اختلف مع ~~نيتشه في تفصيلات نقده للأخلاق السائدة، فلا بد أن يتفق معه على أن تلك الأخلاق تستحق ~~النقد. ولا شك في أن أسباب عدم اكتفاء الناس بهذه الأخلاق سوف تختلف باختلافهم؛ غير أن ~~المفكرين الأمناء منهم على الأقل سوف يشعرون بنقص معين فيها. والحق أن العيوب التي أخذها ~~نيتشه على أخلاق عصره هي في عمومها عيوب حقيقة. وليست مجرد انتقادات خلقها خياله. وإذا كان ~~المجتمع الأوروبي اليوم لم يعد يشعر بتلك العيوب بمثل هذا الوضوح، فما ذلك إلا لأن الفترة ~~التي انقضت بعد نيتشه، على قصرها، كانت فترة حافلة بالثورة والتجديد، ثبتت فيها أركان ذلك ~~النقد الأخلاقي حتى غدا جزءا من تراثه الفكري. أما من كان يعيش في عصر نيتشه، فلا شك أنه ~~كان يدرك أهمية الاحتجاج الصارم الذي وجهه إلى مبادئ عصره الأخلاقية. فمن المؤكد أن الأخلاق ~~الفلسفية الموروثة عن المذاهب العقلية التقليدية، كانت توغل في التجريد، وفي اقتلاع الإنسان ~~من التربة التي أنبتته في هذا العالم، وأعانتها الأخلاق الدينية في هذا السبيل، حتى أصبحت ~~الدعوات الأخلاقية تتنافس في خلق إنسان تجريدي يكاد يكون غريبا عنه تماما، ونحن ما زلنا ~~نعاني من مثل هذه الصورة الغريبة التي تصور الأخلاق بها الإنسان في الشرق، بل إنها عندنا ~~لأبعد عن حقيقتنا مما كانت عندهم. فللفيلسوف إذن كل الحق في أن ينقد تلك الأخلاق الشائعة من ~~أساسها، ويحمل على ادعائها السمو بالإنسان، مع أنها في الواقع تبعده عن واقعه الحي، وترسم ~~له مثلا عليا خيالية، ويظل هو حائرا بين هذه المثل البعيدة وبين الواقع الفعلي الذي لا ~~يلمس لها أثرا فيه، وتتولد من حيرته هذه شتى أنواع الانحرافات. ولو اكتفينا من نقد نيتشه ~~للأخلاق الشائعة بحملته على نزعتها التجريدية ms089 ودعوته إلى رد اعتبار المحسوس، والاعتراف به ~~عنصرا أساسيا في الطبيعة الإنسانية؛ لو اكتفينا بذلك وحده، لكان فيه ما يبرر رفع نيتشه إلى ~~مصاف كبار المفكرين الأخلاقيين. # أما حين يوجه نيتشه نقده إلى الأخلاقية بوجه عام، فإن محاولته تهدد بالوقوع في ~~التناقض في كل لحظة من لحظاتها؛ ذلك لأن الأخلاقية بمثل هذا المعنى الشامل ليست حالة طارئة، ~~بل هي المظهر الأساسي للنشاط التقويمي في الإنسان. والذي لا شك فيه أن نقد نيتشه للأخلاقية ~~كان بدوره راجعا إلى دوافع أخلاقية؛ فهو حين يحمل على ما تتضمنه الروح الأخلاقية من شعور ~~بالطاعة واكتفاء باتباع القواعد المصطلح عليها دون تجديد، إنما يرمي من ذلك إلى خلق أفراد ~~«أفضل» هم الذين يتحكم «الخطر» في حياتهم، ويخلقون قاعدة سلوكهم في كل حالة، وهؤلاء الأفراد ~~«الأفضل» هم أرفع من غيرهم في سلم الأخلاقية، بمقياس نيتشه الخاص. فمثل هذا التقويم إلى خير ~~وشر ليس أمرا عارضا، بل هو كامن في ذهن الإنسان بوجه عام، حتى في ذهن أولئك الذين ينقدونه. ~~أما في تفصيلات نقده للأخلاقية، حين يحمل على الشعور بإطاعة قواعد سلوكية عامة، فلا شك أن ~~هذا ليس إلا مظهرا من مظاهر تلك الفكرة التي لازمت نيتشه دائما؛ وأعني بها النفور من كل ما ~~هو عام، والارتياح إلى الفردية المطلقة. وحسبنا هنا أن نلاحظ أن القاعدة لم تصبح عامة إلا لأن ~~التجربة الإنسانية الطويلة قد أثبتت صلاحيتها، وأن اتباع القاعدة العامة لا يتنافى على ~~الإطلاق مع إمكان التصرف الفردي في تطبيقاتها الخاصة. أما التخلي عن كل مبدأ عام في السلوك، ~~فقد يصلح لتنظيم حياة فرد منطو على نفسه، لا يتعامل إلا مع أفكاره ولا يمارس أخلاقيته إلا ~~عليها، أما المجتمع الذي يحيا فيه الإنسان حياته الفعلية، فإنه ينهار من أساسه لو أصبح ~~التجديد الدائم في القواعد الأخلاقية التي يسلك الأفراد بمقتضاها غاية في ذاتها. # الفصل الخامس # | فلسفة نيتشه الاجتماعية # أصدرنا في مستهل بحثنا هذا حكما عاما على نيتشه، بأنه لم يكن من المفكرين الذين تعكس ~~فلسفتهم تجاربهم ms090 العميقة في الحياة، بل من أولئك الذين تقتصر تجاربهم في الحياة على فلسفتهم ~~وعلى مشاكلهم الفكرية فحسب. وهذا الحكم العام لا ينبغي أن يلجأ إليه في تفسير حياة نيتشه ~~وعلاقتها بتفكيره فحسب، بل إنه قد أثر أبلغ الأثر في طبيعة هذا التفكير ذاته. ولا جدال في أن ~~الأثر الأكبر لتلك الصفة التي تميزت بها شخصية نيتشه، يتبدى أوضح ما يكون في فلسفته الاجتماعية؛ ~~ذلك لأن التفكير السليم في المشاكل الاجتماعية التي تشغل الأذهان في عصر ما يقتضي - كأول وأبسط ~~شرط له - أن يكون المفكر مشاركا لمعاصريه في معاناة هذه المشاكل، مساهما معهم في محاولة حلها. ~~وهذا الشرط الأول البسيط لا يتوافر في نيتشه؛ فقد كان العالم الذي يحيا فيه نيتشه، والذي ~~ينفعل به بكل حواسه ومشاعره، عالما خالصا؛ ومن هنا يحس المرء في كل كتاباته الاجتماعية بأن ~~تلك الآراء صادرة عن ذهن لا يعيش مع العالم المعاصر له على الإطلاق، وإنما يحيا في عالم نظري ~~خالص (برغم كراهيته لهذه الكلمة)، وتتعلق مثله العليا بتلك الأنماط من الحياة التي يصادفها ~~خلال تفكيره العقلي، كالنمط اليوناني في الحياة على الخصوص، ولا يدرك مدى التباين الهائل بين ~~ذلك العالم الفكري الذي لم يتجاوزه ذهنه، وبين العالم الحديث الذي يحيا فيه، وإنما يأتي لمشاكل ~~هذا العالم الأخير بحلول مستمدة كلها من روح العالم الأول. # ولن ندرس هنا إلا نماذج محدودة لفلسفة نيتشه الاجتماعية، وحسبنا من هذه النماذج أن نشير إلى ~~مدى تأييدها لهذا المبدأ العام الذي أوضحناه، وأن نبين الاتجاه العام الذي تتجه إليه حلول نيتشه ~~لمشاكل المجتمع، في ضوء فهمنا العام للعلاقة بين حياة نيتشه وبين المجتمع المحيط به. # نيتشه والاشتراكية # كانت الاشتراكية في عهد نيتشه مذهبا لم يثبت أقدامه بعد. وإن الناقد الحالي لنظرة ~~نيتشه إلى الاشتراكية ليتعرض منذ البداية لاعتراض أساسي، ينبهه إلى الفارق بين الدور الذي ~~تلعبه الدعوات الاشتراكية في عصرنا الحالي، حين أصبحت عاملا رئيسيا في التوجيه السياسي ~~والاقتصادي للعالم، وبين دورها الضئيل في عصر نيتشه. وهكذا يواجه كل ms091 نقد لآراء نيتشه في هذا ~~الصدد بسؤال هام هو: ترى هل كان نيتشه يقف من الاشتراكية نفس الموقف، لو كان يعيش في عصرنا ~~الحالي؟ وليس لنا على هذا السؤال من رد سوى أن نقول إن الاعتراضات التي وجهها نيتشه إلى ~~الاشتراكية هي بعينها تلك التي لا يزال خصومها يوجهونها إليها حتى اليوم. وهذا التشابه بين ~~موقف نيتشه وموقف الناقدين المعاصرين للاشتراكية، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن ليغير ~~آراءه لو أنه شهد الاشتراكية من خلال المنظور الحالي، بل ربما كانت حملته على هذا المذهب الذي ~~يبغضه تزداد عندئذ حدة، وذلك حين يراه يزداد انتشارا وتوسعا. # ولنتأمل بعض الاعتراضات التي وجهها نيتشه إلى الاشتراكية، لنستخلص منها الروح الكامنة من ~~وراء نقده لها. ولنلاحظ من بداية الأمر أن هذه الاعتراضات تكون سلسلة متصلة متماسكة الحلقات، ~~فهي في آخر الأمر اعتراض رئيسي واحد، والكثرة فيها إنما هي أوجه مختلفة لهذا الاعتراض ~~الواحد. ~~(1) # إن الاشتراكية في رأي نيتشه، تجهد نفسها في إصلاح حال أناس ليسوا في حاجة إلى هذا ~~الإصلاح. وقد يبدو ذلك غريبا، ولكن الطبقات الدنيا هي عنده أقل الطبقات شعورا بما هي ~~فيه من عوز وحاجة. «فالاشتراكيون يخطئون حين يعتقدون أنهم قد وضعوا أنفسهم موضع هذه ~~الطبقات الدنيا، وأحسوا بما هم فيه من آلام؛ ذلك لأن الآلام تزيد بارتفاع المستوى ~~الثقافي. والطبقات الدنيا هي الأقل إحساسا. وعلى ذلك فرفع مستواها يعني زيادة إشعارها بالآلام.» # 1 # والنتيجة الطبيعية لرأي نيتشه هذا، هي أن الدعوة الإصلاحية في الاشتراكية ~~تناقض نفسها على الدوام؛ فهي كلما رفعت مستوى هذه الطبقات الدنيا، ازدادت مطالبها ~~اتساعا، وكلما عجزت عن تحقيق هذه المطالب تضاعفت آلامها. # فما هو البديل الذي يقدمه نيتشه عن هذا الإصلاح الاشتراكي؟ إن الاشتراكية هي ~~«مطالبة» الطبقات الدنيا بإصلاح حالها، ولكن هذه المطالبة في رأي نيتشه لا تكفل العدالة ~~على الإطلاق؛ إذ إنها ما صدرت إلا عن الحقد والحسد، وعن التطلع إلى ما في أيدي الغير، ~~أما العدالة الحقة في نظره فهي أن يفيض من يملك ms092 على من لا يملك؛ فالطريقة الوحيدة ~~التي يمكن أن تقوم بها اشتراكية ترتكز على العدالة، هي أن «تمنح» الطبقة الحاكمة حق ~~المساواة للآخرين. أما أن يطالب الآخرون بالمساواة، كما هو الحال في الاشتراكية ~~المألوفة، اشتراكية «الطبقات المكبوتة»، فما هذا في حقيقة الأمر إلا حقد وطمع. ويقدم ~~نيتشه لفكرته هذه تشبيها عنيفا، فيتساءل: «إذا ما قربت من الحيوان المفترس قطعة ~~دامية من اللحم، ثم أخذت تبعدها عنه حتى يخور في آخر الأمر؛ أتسمي هذا الخوار عدالة؟» # 2 # وإذن فالطبقات الدنيا إذا تركت لذاتها لما طالبت بشيء. وإذا أصلح حالها تطلعت ~~إلى الآخرين في حقد وحسد، وسعت إلى أن تلتهم منهم ما في أيديهم؛ ومن هنا لا يوافق ~~نيتشه على رفع مستوى هذه الطبقات على نحو يمكنها من المطالبة بإصلاح حالها، وإنما ~~يدعو إلى أن «تمنحها» الطبقة الحاكمة قدرا من المساواة، وتتفضل عليها بما قد تطالب به ~~لو أحست بحاجتها إليه. # ولست أدري على أي نحو تمكن نيتشه من أن يبرر لنفسه رأيه هذا في الطبقات الدنيا، ~~ودعوته إلى تركها وشأنها حتى لا تتطلع إلى ما فوقها؛ ففي هذا الرأي من الأنانية ما لا ~~يكاد الذهن يتصوره. وهو ينطوي في واقع الأمر على خوف كامن من وعي هذه الطبقات، ومما ~~يؤدي إليه هذا الوعي من عواقب على الطبقات «العليا»؛ فهو دعوة إلى إبقاء الأمور على ~~حالتها الراهنة، والاعتراف بتقسيم النصيب، سواء في الميدان الاقتصادي والثقافي ~~والاجتماعي. وما كان ضمير الإنسانية ليقبل على الإطلاق دعوة تحض من يملكون ~~السلطة أو الجاه على أن يحرصوا على ما يملكون، ويدافعوا عنه إلى النهاية ضد من ~~يتطلعون إليه، حتى لو اقتضى الأمر إبقاء هؤلاء الناس في أحط مراتب الحياة. # وليس لنا أن نلتمس لنيتشه عذرا بأنه لم يكن على علم بالحالة السيئة التي كان ~~يجتازها في عصره أولئك الذين يسميهم بالطبقات الدنيا؛ فقد كان على وعي تام بما هم فيه ~~من بؤس؛ ودليل ذلك النص الذي يقول فيه: «أما أننا نؤثر إرضاء غرورنا على كل ~~إرضاء ms093 آخر لمشاعرنا (كالاستقرار، وغيره من المزايا)، فهذا ما يتضح - على نحو يبعث على ~~السخرية - من أن الجميع يرغبون في القضاء على الرق (ما لم يكن الأمر راجعا إلى عوامل ~~سياسية) ويجزعون أشد الجزع من أن يروا غيرهم في مكانة الرقيق، بينما ينبغي على كل امرئ ~~أن يوقن بأن حياة الرقيق هي من جميع الأوجه آمن وأهنأ من حياة العامل الحديث، وأن ~~الرق ينطوي على عمل أقل بكثير مما ينطوي عليه حياة العمال.» # 3 # وإذن فنيتشه يدرك جيدا مدى الشقاء الذي كان يعانيه العامل الحديث في عصره، ~~بدليل أنه حكم على حياته بأنها أكثر بؤسا من حياة الرقيق، ومع ذلك فقد ظل يدعو إلى ~~بقاء «الطبقات الدنيا» على حالها، حتى لا تتنبه إلى بؤسها إذا رفعنا مستواها، وكأن ~~الأمر سوف يقتصر على رفع ضئيل لمستواها بحيث تصبح واعية لما هي فيه من بؤس فحسب، دون ~~أية محاولة للقضاء على هذا البؤس أصلا! ... ~~(2) # وتحقيق الهدف الاشتراكي يؤدي في رأي نيتشه إلى خلق إنسانية خاملة: «فالاشتراكيون ~~يتوقون إلى أن يكفلوا حياة هانئة لأكبر عدد ممكن من الناس. ولو تحقق ذلك بالفعل في ~~مقر دائم للحياة الهانئة؛ أعني في الدولة الفاضلة، لقضى ذلك العيش الهانئ على التربة ~~التي تنبت فيها العقول الكبيرة، والأفراد العظام بوجه عام؛ وأعني بهذه التربة الفاعلية ~~الزائدة. فعندما تتحقق تلك الدولة، تكون الإنسانية قد أصبحت أكثر خمولا من أن تنجب العبقرية.» # 4 # وحجة نيتشه هذه تتردد لدى الكثيرين غيره من المفكرين؛ فمن الآراء التي نصادفها في ~~الفلسفة الاجتماعية بين آن وآخر، ذلك الرأي القائل إن التقدم لا يتحقق إلا عن طريق ~~الحاجة الدائمة، وإن الإنسانية إذا وصلت إلى حد الاكتفاء فلن تتقدم بعد ذلك خطوة واحدة، ~~بل تغدو خاملة متخمة، وتفتقر إلى كل حوافز النهوض. ونسي مرددو هذه الحجة أن الاكتفاء ~~الذي يقال به هنا إنما هو اكتفاء نسبي فحسب؛ فكلما وصل الإنسان إلى حد الاكتفاء في ~~مجال معين، ظهرت له مطالب جديدة في مجالات أخرى، وكلما ارتفع مستوى حياته ms094 تشعبت ~~مقتضيات هذه الحياة، وأصبح ما كان يعد ترفا من قبل، ضرورة من الضروريات. وبهذا ~~يمكننا أن نقول، بوجه عام، إن أي نظام لا يمكنه أن يحقق للناس الاكتفاء التام؛ إذ إن ~~هذا الاكتفاء التام مستحيل التحقيق. وعلى ذلك، فليس مما يعيب نظام الحكم الكامل - إذا ~~تحقق - أن يضمن للناس قدرا كبيرا من الاكتفاء، ولن يؤدي ذلك إلى بث الخمول فيهم، بل ~~سيزيدهم حماسة للعمل؛ لأن مطالبهم تزداد وتتسع دائما بنسبة تعادل - إن لم تتجاوز - ~~نسبة ما يحققه لهم المجتمع من الاكتفاء. # أما عن الشطر الآخر من هذا النقد؛ وأعني به عجز الاشتراكية عن خلق أفراد أقوياء، ~~فهو موضوع بحثنا التالي مباشرة. ~~(3) # من الظواهر التي تباعد بين نيتشه وبين التفكير السياسي السائد في عصره بوجه عام، أن ~~هذا التفكير يتملق مشاعر العامة؛ فالأحزاب السياسية مهما اختلفت اتجاهاتها، تحاول أن ~~تظهر العامة بمظهر القادرين على التحكم في شئونهم بأنفسهم. والنتيجة الوحيدة لذلك، في ~~رأيه، هي أن تبتعد القلة الممتازة عن مسرح السياسة، إرضاء لكبريائها. وعلى ذلك، ~~فالاتجاه إلى تملق العامة هو أمر يعيبه نيتشه على الفلسفة السياسية الحديثة بأسرها، ~~ولكنه يختص الاشتراكية بأعنف حملاته في هذا الصدد. فليست للاشتراكية سوى أهداف جماعية، ~~بينما الهدف الأعلى في نظره هو خلق أفراد عظماء؛ وهؤلاء الأفراد العظماء لا يخلقون ~~بخطة مدبرة مرسومة، بل يظهرون تلقائيا. # وليس لنا أن نطيل في شرح آراء نيتشه التي ينعي فيها على الاشتراكية اتجاهها إلى ~~العامة، وافتقارها إلى كل ما يحفز على خلق الفرد الممتاز؛ فتلك الآراء قد رددت كثيرا ~~من بعده، حتى غدت جزءا لا يتجزأ من التفكير الاجتماعي والسياسي لعدد هائل من الناس. ~~وهي في أساسها تنطوي على الاعتقاد بأن تدخل التنظيم الاجتماعي - ممثلا في الحكومة - ~~يتعارض مع نمو القوي والملكات الفردية؛ فالاشتراكية مذهب يضع في أيدي المجتمع في كليته ~~- أعني في يد الحكومة - ما كان متروكا للأفراد؛ أي إن التنظيم يصبح فيها جماعيا لا ~~فرديا، وتتدخل الدولة في شون الأفراد بالتدريج، وتسيطر على مجالات لم تكن ms095 تترك ~~قديما إلا للإدارة الفردية. وهكذا يرى نيتشه، ومن سايره من المفكرين، أن مثل هذا ~~التدخل المتزايد للدولة يقضي على كل أمل في خلق أفراد ممتازين، ويصبغ الكل بصبغة ~~متماثلة متجانسة لا تمايز فيها ولا تنوع. # ولنناقش الأخطاء العديدة التي ينطوي عليها نقد نيتشه هذا؛ فالاشتراكية لا تسير نحو ~~تقوية نفوذ الدولة دائما، بل إن دعاتها الأولين يحلمون بمرحلة تالية تعلو على ~~الدولة، ولا يعود المجتمع الإنساني فيها بحاجة إلى هذا التنظيم المركزي الدقيق، وسواء ~~كان هذا الحلم قابلا للتحقيق أم لم يكن، فلا شك في أن نيتشه لم يكن دقيقا حين أغفل ~~هذا الهدف البعيد للاشتراكية إغفالا تاما. # والقول بأن تدخل الدولة يقضي على ملكات الأفراد، ينطوي ضمنا على الإيمان بالتعارض ~~بينهما، كما لو كانت الدولة هيئة تقوم بالرغم عن الأفراد، ولا تعبر إلا عن نفسها ~~فحسب. ولا شك في أن النظام السياسي للإنسانية بأسرها لم يصل بعد، في مجموعه، إلى ~~المرحلة التي تعد فيها الدولة مجرد تعبير دقيق عن أماني الأفراد؛ غير أن الدعوة ~~الاشتراكية إلى تقوية سلطة الدولة تقترن - بداهة - بفرض أولي آخر، هو أن الدولة إنما ~~تلخص مطالب الأفراد وأمانيهم، ومن الغريب حقا أن نيتشه ذاته قد تنبه إلى هذا ~~التطور، ودعا إليه، حين قال: «إن التفرقة بين الحكومة والشعب، كما لو كانا يمثلان ~~مجالين منفصلين من مجالات القوى، يتعامل أحدهما، وهو الأقوى والأرفع، ويتحد مع الآخر، ~~وهو الأضعف والأحط، هذه التفرقة هي جزء من فهم سياسي موروث، لا يزال يمثل النظرة ~~التاريخية الثابتة للعلاقات بين القوى في معظم الدول تمثيلا صادقا ... وعلى العكس من ~~ذلك ينبغي أن يعلم الناس الآن - وفقا لمبدأ يصدر عن الذهن وحده، ولا يزال عليه أن يشق ~~طريقه في التاريخ - أن الحكومة ليست إلا أداة للشعب. وليست شيئا عاليا، رشيدا، ~~مبجلا، بالقياس إلى شيء أدنى قد اعتاد الضعة والانحطاط.» # 5 # وإذن فنيتشه نفسه كان يؤمن بذلك المثل السياسي الأعلى؛ وأعني به أن تزول ~~التفرقة بين الحكومة والشعب ولا يغدو أحدهما طرفا ms096 أرفع وأقوى من الآخر. ولا جدال في أن ~~النتيجة الضرورية لهذا المثل الأعلى هي أن يزول التعارض بين تدخل الدولة وبين نمو ~~ملكات الفرد، وبالتالي لا تعود الاشتراكية - مفهومة بهذا المعنى - عقبة تحول دون خلق ~~أفراد عظام. # والحق أن الحملة على كل حركة ~~اجتماعية ذات صبغة عامة، بحجة أنها تتعارض مع مبدأ الفردية، هذه الحملة تنم عن قصور ~~ذهني شديد. ومن العجيب حقا أنها لا تزال تتردد حتى يومنا هذا، فلم يكن الأمر مقتصرا ~~على نيتشه وحده، بل ما زلنا نصادف أمثلة متنوعة لتلك الحجة التي يتذرع بها أنصار ~~الفردية المزعومة. ولسنا ندري ما الذي كان يقصده نيتشه - ومعه أنصاره هؤلاء - من كلمة ~~الفرد. أيستطيع أحد بعد كل هذا الشوط الهائل الذي قطعته الإنسانية في مضمار العلاقات ~~الاجتماعية، أن يتصور الفرد على أنه كيان منعزل يمكنه أن ينمو وحده، ويزداد نموه بقدر ~~استقلاله عن المؤثرات المحيطة به؟ الحق أن التجربة الاجتماعية الطويلة التي مرت بها ~~البشرية لا تسمح على الإطلاق بمثل هذا الرجوع إلى الوراء، ولا جدال في أن أنصار الفردية ~~المطلقة إنما يبنون كل آرائهم على أساس خيالي، ولو تعمقوا قليلا في التفكير لأدركوا ~~استحالة ما يطلبون. # ولنسأل نيتشه في هذا الصدد: ألم يكن يرى في الاتصال «التاريخي» بين مختلف الأجيال ~~البشرية عاملا من عوامل تعميق روح الفرد؟ لقد أكد نيتشه مرارا قيمة الروح التاريخية، ~~وطالما نعى على معاصريه افتقارهم إليها، وكان في تفكيره يستلهم الثقافات القديمة في ~~كثير من الميادين، بل إن تفكيره الاجتماعي بأسره، كما سنرى فيما بعد، إنما كان يحلق ~~في سماء العصر اليوناني وحده؛ فنيتشه إذن قد وجد في الاتصال «التاريخي» مع الأجيال ~~البشرية المختلفة غذاء دائما لروحه، ولم يجد فيه حائلا دون نمو ملكاته الفردية، بل ~~كان هو الوسيلة الكبرى لهذا الاتجاه، فلم ينكر إذن على الاتصال الاجتماعي «في العصر ~~الواحد» هذه الصفة؟ الحق أن الأمرين لا يختلفان على الإطلاق، فما دمنا قد اعترفنا بأن ~~اتصال ذهن الفرد بغيره من الأذهان عن طريق العودة ms097 إلى الثقافات البشرية الماضية يعمق ~~هذا الذهن ولا يؤدي مطلقا إلى تشتيته أو إضفاء طابع السطحية عليه؛ فعلينا بالمثل أن ~~نعترف بأن اتصال ذهن الفرد بغيره من الأذهان عن طريق التفاهم المتبادل داخل المجتمع ~~الواحد يؤدي إلى نفس النتيجة؛ ذلك لأن الذهن الفردي لا ينمو تلقائيا، وإنما يزداد ~~عمقا كلما ازدادت الأشعة التي تتلاقى فيه. وليس معنى ذلك أن يكون الذهن سلبيا، يتلقى ~~محتواه من الخارج فحسب؛ إذ إنه يؤدي مهمة أساسية، هي تنظيم هذه الأشعة، والقدرة على ~~تكوين مركب متجانس منها. وعلى ذلك. فليس مما يحط من قدر الفرد مطلقا أن تزداد ~~علاقاته الاجتماعية عمقا، وأن يتداخل ذهنه في أذهان الجماعة المحيطة به على الدوام، ~~وما كانت المذاهب الاجتماعية التي نقدها نيتشه - بحجة افتقار الفرد إلى العمق فيها - ما ~~كانت إلا محاولة لإكساب الذهن الفردي مزيدا من العمق عن طريق جعله مركزا تتلاقى فيه ~~أشعة هائلة من كل أطراف المجتمع المحيطة به. ~~(4) # والحجة الأخيرة في نقد نيتشه للاشتراكية تستمد من فكرة التفاوت الطبيعي بين ~~الأفراد؛ فالاشتراكية تبعث بين الناس نوعا من المساواة المصطنعة؛ إذ إن الطبيعة لا ~~تعرف إلا التفاوت في المرتبة # Rangordnung ~~، وكل محاولة ~~لجعل الناس متساوين هي محاولة مضادة للطبيعة، ويؤكد نيتشه هذه الحجة على نحو يحس معه ~~المرء بأن يراها بديهية لا تناقش، ولكن هل هي بالفعل تحمل هذا الطابع البديهي؟ # علينا أولا أن نتساءل عن ماهية هذا التفاوت بين الناس: هل هو طبيعي، أم اجتماعي؛ ~~إذ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي تقرر مصير كل اعتراضات نيتشه على الاشتراكية، فهو ~~حين يؤكد أن الطبقات الدنيا هي الأقل إحساسا بسوء حالها، يؤمن ضمنا بأن هذه الطبقات ~~هي الأحط ذهنيا. والذي لا شك فيه أن نيتشه لم يحاول أن يفكر تفكيرا عميقا في هذا ~~السؤال، وهو: هل يناظر التفاوت القائم بين الناس في مجتمعنا تفاوتا آخر في طبائعهم؟ ~~أعني هل كان أقل الناس نصيبا من وسائل العيش والنفوذ في المجتمع، هم دائما أقلهم ~~نصيبا من المواهب ms098 الطبيعية؟ الذي لا شك فيه هو أن نيتشه قد أجاب عن هذا السؤال ~~بالإيجاب، وحاول أن يبرر لنفسه وجود تلك الهوية بين النظام الاجتماعي القائم والنظام ~~الطبيعي تبريرات شتى. وهنا نجد ذلك الأثر العميق الذي تركه التفكير الألماني التقليدي ~~في السياسة ينطبع على ذهن نيتشه دون وعي منه، وذلك في إيمانه الضمني بأن التفاوت ~~الاجتماعي القائم هو في الوقت نفسه تفاوت في الطبيعة بين الأفراد، أي بأن ثمت قوة ~~أعلى من الإنسان (يسميها نيتشه بالطبيعة، ويسميها هيجل # Hegel # وفشته # Fichte # الله) هي التي فرضت ~~على المجتمع أوضاعه الحالية. # ذلك لأن نيتشه قد حاول أن يثبت أن مراتب الناس الحالية في المجتمع هي ذاتها ~~مراتبهم الطبيعية؛ فالثروة في رأيه مصدر لعراقة الأصل: «إن الثروة تولد بالضرورة ~~أرستقراطية في الجنس؛ إذ تمكن من اختيار أجمل النساء، ومن جلب خير المربين، وهي تضفي ~~على الرجل صفاء، وتمنحه الوقت الذي يتعهد فيه جسمه بالرعاية، وأهم من ذلك كله، تعفيه ~~من العمل البدني الثقيل .» # 6 # وهكذا يولد ازدياد نصيب المرء في الثروة - أعني في مظاهر النظام ~~الاجتماعي - ارتفاعا في مرتبته «الطبيعية». ولم يحاول نيتشه أن يتساءل عن الوسائل التي ~~تكتسب بها تلك الثروات في كثير من الأحيان، بل يبدو أنه كان يؤثر أن تكون تلك الثروة ~~مكتسبة بالوراثة، حتى لا يضطر المرء إلى أن يعمل في سبيلها كثيرا. وهكذا يكون المثل ~~الأعلى عند نيتشه هو تلك الطفيليات البشرية التي لا تكد ولا تشقى، والتي تجد كل شيء ~~ميسرا أمامها منذ مولدها، والتي هي في واقع الأمر مصدر كل انحلال وتدهور في ~~المجتمع. # ومن العجيب حقا أن نيتشه كان يؤمن بالوراثة إيمانا عميقا، برغم مراجعته لمعظم ~~الأفكار التقليدية وشكه في أكثرها تأصلا في الأذهان. فإذا ما ووجه بمعترض ~~يسأله: هل يستحق أولئك النبلاء الحاليون، أن يكونوا نبلاء بحق؟ وهل هم جديرون بالمكانة ~~التي يشغلونها مع أن كثيرا منهم إنما احتلوا هذه المكانة بالوراثة فحسب؟! كان جوابه هو ~~أن عراقة النسب مصدر حقيقي للفخر: «فللمرء أن يفخر ms099 بحق إذا كانت لديه سلسلة متصلة من ~~الأسلاف الأمجاد تستمر حتى الأب ... ولو انقطعت هذه السلسلة مرة واحدة، ووجد سلف واحد ~~فاسد، لضاعت عراقة النسب. وعلينا أن نسأل ذلك الذي يتحدث عن عراقة نسبه: ألا يوجد ضمن ~~أسلافك رجال أشرار، جشعون، متلافون، فاسدون، قساة؟ فإن أجاب بالسلب عن علم ويقين، ~~فعلينا أن نسعى إلى صداقته.» # 7 # وإن المرء لتتملكه الدهشة حين يرى تلك العقلية الدقيقة تتردى في مثل هذه ~~الأخطاء والأوهام الخرافية عن الأصل والنسب، وكيف أنهما يؤثران على المرتبة الحالية ~~لأفراد الإنسانية. # والظاهرة التي يجدر بنا ملاحظتها في هذا الصدد، هي مدى تأثر نيتشه بالمثل العليا ~~اليونانية. فنحن اليوم نعيب على أفلاطون وأرسطو تبريرهما للرق من أجل ضمان مستوى رفيع ~~في الحياة للأحرار من اليونانيين، ولكن نيتشه يعود إلى نفس الفكرة، في النص الذي أكد ~~فيه أن الثروة مصدر من مصادر الارتفاع بالمستوى الطبيعي؛ إذ «تعفي المرء من العمل ~~البدني الثقيل.» وهكذا تكون الإنسانية الرفيعة في نظره هي الإنسانية التي لا تعمل، ~~والتي تحيا حياة مترفة خلت من كل مظاهر الجهد والعناء. ولما كان من المحال أن تسير ~~الإنسانية كلها على هذه الوتيرة، فلا بد أن ~~توجد طبقة أخرى توفر للأفراد الممتازين وقتهم وجهدهم؛ أعني أنه لا بد من نظام الرق ~~في صورة من صوره. وبالفعل نجد نيتشه يصرح بهذه النتيجة الضرورية، فيقول: «لا يمكن أن ~~تقوم حضارة رفيعة إلا حيث توجد في المجتمع طبقتان متميزتان؛ طبقة العاملين، وطبقة ~~المترفين الذين يمكنهم أن يعيشوا دون أي عمل، أو بتعبير أقوى: طبقة العمل الإلزامي ~~وطبقة العمل الحر ...» # 8 # وفي موضع آخر يقول صراحة: «إن كل ارتقاء بالنوع الإنساني كان حتى اليوم من ~~عمل مجتمع أرستقراطي، وسيكون كذلك دائما؛ أعني مجتمعا يؤمن بالتفاوت الكبير في ~~المراتب بين الإنسان والإنسان، وبتباين قيمة كل منهم، ويرى الرق بأي معنى من معانيه ~~ضرورة محتومة.» # 9 # وهنا ترى لزاما علينا أن نعود فنذكر القارئ بتلك الصفة الفريدة في شخصية نيتشه؛ ~~أعني تركيز حياته حول مجموعة ms100 من المشاكل الفردية كانت هي قوام هذه الحياة. فهذا الطابع ~~الفكري الخالص لحياة نيتشه جعله يخلط بين المحتوى الثقافي لذهنه، وبين الواقع الفعلي ~~الذي يحيا فيه؛ ومن هنا كانت النظرة اليونانية هي المسيطرة على تفكيره، وكانت حلوله ~~لمشاكل عصره مستمدة من روح العصر اليوناني، برغم التفاوت الهائل بين طبيعة العصرين، ~~والتقدم الكبير الذي أحرزته الإنسانية في ميدان العلاقات بين الطبقات الاجتماعية منذ ~~ذلك الحين. فنظام الرق اليوناني، الذي أنجب تلك العقول النظرية الكبيرة، هو أصلح ~~النظم في نظر نيتشه، وكما دعا أفلاطون وأرسطو إلى توفير الراحة «للأحرار» من الناس ~~حتى يتفرغوا للمهام العقلية الكبيرة، فكذلك يدعو نيتشه إلى نوع من نظام الرق، حتى يمكن ~~أن توجد طبقة أرستقراطية تنهض على أيديها الحضارة الحديثة. وهكذا نجد نيتشه يتجاهل ~~طبيعة التصور الاجتماعي تجاهلا تاما، ويتنكر للنظرة التاريخية التي كان هو ذاته من ~~أكبر من نبهوا إليها. فتفكيره في هذا الصدد هو أشبه بتفكير أهل الكهف، وهو بالفعل من ~~أسرى الكهف العقلي الذي احتبس فيه ذهنه ، حتى غدت المشاكل الثقافية القديمة فيه حية تسعى ~~في عالمنا هذا، وتفرض نفسها على عصرنا الحديث، برغم تنافرها الصارخ معه. # ولو تعمق نيتشه في الأمر قليلا، لأدرك أن الفئة التي تملك زمام الأمور نتيجة ~~لأوضاع اجتماعية معينة ليست هي بالضرورة أصلح الفئات بطبيعتها، ولأدرك أيضا أن رأيه ~~في التمايز الطبيعي بين الطبقات، ودعوته إلى إبقاء الطبقات الدنيا على حالها، إنما ~~يفترض مقدما أن تأثير الطبيعة في هوية مع تأثير الأوضاع الاجتماعية، وهو فرض مخطئ كل ~~الخطأ. وليس لنا أن نذهب بعيدا؛ فنيتشه ذاته يسخر، في مواضع معينة، من أغنياء عصره، ~~وخاصة أصحاب الأعمال منهم، ويؤكد أنهم ليسوا أصلح الناس على الإطلاق، وذلك إذ يقول: ~~«لقد كانت العلاقة بين الجنود وقوادهم دائما أرفع بكثير من علاقة العمال بصاحب العمل ... ~~فهنا يتحكم قانون الحاجة فحسب؛ أي إن المرء يريد أن يعيش، وعليه أن يبيع نفسه؛ غير أنه ~~يحتقر ذلك الذي يستغل هذه الحاجة ويشتري منه العمل. ومما يسترعي الانتباه ms101 أن الخضوع ~~لأشخاص أقوياء، يثيرون الخوف والرعب، أي الخضوع لطغاة وقواد جيوش، لا يكون أليما بقدر ~~الخضوع لأشخاص غير معروفين، لا أهمية لهم، كما هو الحال في كل رجال الصناعة الكبار؛ ~~فالعامل لا يرى في صاحب العمل عادة إلا شخصا تافها يتصف بالخديعة والجشع، ويستغل كل ~~حاجاته؛ شخصا لا يهمه على الإطلاق أن يعرف اسمه أو شكله أو خلقه أو طبعه. ومن الجائز ~~أن كل رجال الصناعة وكبار رجال الأعمال في التجارة يفتقرون تماما - حتى الآن - إلى كل ~~صفات «العنصر الرفيع» وسماته التي بدونها لا تكون للشخصية قيمة؛ ولو كان لهم ذلك السمو ~~الذي تضفيه عراقة الأصل على نظراتهم ومحياهم، فربما لم تكن تقوم لاشتراكية الدهماء ~~قائمة؛ ذلك لأن الدهماء يمكنهم أن يتحملوا كل أنواع العبودية، بشرط أن يثبت من يعلو ~~عليهم أنه أرفع منهم بحق، وأنه «ولد» لكي يأمر، وذلك عن طريق صورته الرفيعة! ... غير أن ~~الافتقار إلى الصورة الرفيعة، والتفاهة الوضيعة التي يتصف بها أصحاب المصانع بأيديهم ~~الحمراء السمينة، تثير في ذهن العمال تلك الفكرة؛ وأعني بها أن الاتفاق والحظ وحدهما ~~هما اللذان رفعا الواحد فوق الآخر، فتكون النتيجة أن يقول العامل لنفسه: حسنا، فلنجرب ~~نحن الاتفاق والحظ، ولنلق نحن بالنرد! وهنا تبدأ الاشتراكية.» # 10 # وبغض النظر عن كل الأفكار غير العلمية التي ينطوي عليها هذا النص، فحسبنا أن ~~نيتشه يعترف فيه بأن مالكي زمام الأمور في عصرنا هذا ليسوا هم أصلح الناس، ولا يمتازون ~~عن أولئك الذين يخضعون لهم في شيء؛ ففي هذه الفكرة وحدها رد نهائي على كل الافتراضات ~~التي حاول نيتشه أن يثبت بها وجود هوية بين التدرج في الأوضاع الاجتماعية الحالية ~~للناس، وبين تدرجهم الطبيعي. وليس مما يهمنا في قليل أو كثير أن تكون تلك صفة يعيبها ~~على عصرنا، أو أنه يلوم أغنياء العصر لأنهم ليسوا من أصحاب «الصورة الرفيعة»، ولأنهم ~~بتفاوتهم قد جعلوا للاشتراكية مبررا، وإنما الذي يهمنا في كل هذا هو أنه قد اعترف ~~بأن هذه هي طبيعة عصرنا؛ وهذا يستتبع حتما ms102 القول بأن تغيير الأوضاع الاجتماعية في مثل ~~هذا العصر ليس مستحيلا. وليس أمرا مجافيا للمنطق، ما دامت الطبقات الدنيا قد تكون ~~أصلح من العليا. # وليس معنى هذا أن نيتشه كان مخطئا كل الخطأ حين قال بفكرة التفاوت الطبيعي، وكل ما ~~في الأمر هو أنه قد أخطأ حين أكد أن الاشتراكية تقضي على هذا التفاوت الطبيعي بين ~~الناس؛ فالفهم الصحيح للأمور يثبت لنا وجود نوع من الاشتراكية هو - بعكس ذلك - المقدمة ~~الأولى للكشف عن التدرج الطبيعي؛ ذلك لأن ترك الأمور تسير تبعا لما تقول به فلسفة ~~الحرية المطلقة، يؤدي إلى القضاء على التدرج الحقيقي، أو الطبيعي، بين الناس، وإلى ~~إحلال تدرج آخر تلعب فيه العلاقات الاجتماعية الدور الأكبر، ولا تتحكم فيه المواهب ~~الطبيعية، بل الأوضاع المصطنعة التي خلقها مجتمع «حر» لا توجهه خطة، وإنما تلعب فيه ~~الوراثة والمصادفات، والخديعة في كثير من الأحيان، الدور الأساسي؛ فالوسيلة المثلى ~~للكشف عن التفاوت الطبيعي بين الناس هي أن تتيح لهم جميعا نقطة بداية متساوية، حتى ~~يتسنى لنا تقدير المواهب الرفيعة فيهم على أساس حقيقي، لا على أساس مصطنع، وحتى تكون ~~الطبقات الرفيعة هي الأرفع بطبيعتها، لا بثروتها أو نفوذها، ولا جدال في أن تحقيق هذا ~~التساوي في نقطة البداية يقتضي نوعا من التوجيه والتخطيط والتنظيم الاجتماعي، هو الذي ~~تسعى الاشتراكية إلى تحقيقه. فكفالة تكافؤ الفرص للجميع، حتى يظهر من هو الأصلح بالفعل ~~فيهم، هو الشرط الأول لكشف التدرج الطبيعي بين الأفراد، وهو في نفس الوقت ما لا يمكن ~~أن يتحقق في ظل مجتمع تسوده فلسفة الحرية المطلقة، بل في شكل من أشكال الاشتراكية. ~~وهكذا يتضح أن الهدف الذي سعى إليه نيتشه ذاته يفترض الاشتراكية مقدما، وتلك بلا شك ~~نتيجة كان يمكنه الوصول إليها لو كان قد فكر في مشاكل عصرنا بروح هذا العصر ذاته، لا ~~بروح مجتمع الرق اليوناني! ... # مشكلة المرأة # يلخص رأي نيتشه في المرأة عادة بكلمته المشهورة: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن ~~سوطك!» ولكن، ينبغي قبل أن نعرض تفاصيل الحملة ms103 القاسية التي وجهها نيتشه إلى المرأة، أن ندرك ~~الظروف التي مر بها في علاقاته مع أهم من قابل في حياته من النساء، فقد تلقي هذه الظروف بعض ~~الضوء على تلك الحملة. # وأول ما ينبغي علينا أن نذكره هو أن علاقات نيتشه النسائية كانت محدودة، وذلك حين بلغ سن ~~النضج. أما في طفولته، فيبدو أن البيئة النسائية الخالصة التي عاش فيها بعد وفاة أبيه، ~~والتي كانت تشمل أمه وأخته وجدته وعمتين عانستين، يبدو أن هذه البيئة لم ترقه كثيرا. ~~وبالفعل لا نجد لدى نيتشه تعلقا كبيرا بأمه - على عكس حاله مع أبيه - كما أن علاقته ~~بشقيقته لم تكن دائما على ما يرام، وخاصة بعد زواجها من أحد المتعصبين ضد الجنس ~~السامي. # وفي وسعنا أن نقول: إن فشل نيتشه في علاقاته النسائية كان من أسباب قسوة حملته على ~~المرأة، ولندع جانبا صلته بملفيدا فون ~~ميزنبج # Malwida von Meysenbug ~~، التي كانت أكبر منه سنا، وترعاه رعاية فيها من روح الأمومة الشيء ~~الكثير؛ لندع جانبا هذه الصلة المحايدة، ولنتحدث عن علاقات أخرى كانت أعمق أثرا في حياته. ~~فحين عرف نيتشه الآنسة «لو سالومي» # Lou-Salomé # كان يبدو له ~~أنه قد عرف أذكى نساء الأرض، (ومع ذلك، فلنلاحظ أن كثيرا من الصفات التي كان يمتدحها فيها هي ~~من صفات الرجولة؛ إذ يقول عنها: «إن لها نظرة ثاقبة كنظرة النسر، ولها شجاعة الأسد»!) ومن ~~العجيب أن نيتشه قد طلب الزواج منها؛ غير أنها رفضت، وظن هو أنها قد خدعته مع صديقه ~~«باول ري Paul Rée ~~» الذي تزوجته فيما بعد، فكانت تلك صدمة ~~شديدة له، حتى قيل إنه حاول الانتحار بتناول كمية كبيرة من أقراص منومة كان قد اعتاد تعاطيها. ~~والذي يهمنا في كل هذا أن نيتشه، الذي حمل على المرأة، وعلى الزواج، حملة شديدة، قد طلب هو ~~ذاته الزواج من لو سالومي، حين رأى فيها المرأة الملائمة له. # وأعمق من هذه العلاقة، وأبعد أثرا في حياة نيتشه، علاقته بكوزيما فاجنر؛ ذلك لأن هذه ~~المرأة الذكية الواسعة الاطلاع ms104 قد أسرت نيتشه بجرأتها وتحديها للتقاليد منذ اللحظة ~~الأولى، فأعجب بها إعجابا صامتا، بل لقد أحبها بعمق، ولم يكن يجرؤ على أن يصرح بهذا الحب، ~~خاصة وأن مشاعرها نحوه لم تكن متبادلة على الإطلاق، وكان اهتمامها كله مركزا في عبقرية ~~زوجها فحسب. وهكذا ظل نيتشه يكتم حبه الصامت، حتى قيل إن ذلك الشعور كان من أسباب انشقاقه ~~العنيف عن فاجنر، إلى أن جاء اليوم الذي باح فيه بسره القديم، وكان ذلك في اللحظة التي لم ~~يستطع فيها ذهنه أن يحتفظ بأي سر على الإطلاق. # 11 # والذي يعنينا في هذا أيضا أن أول تصرف قام به نيتشه بعد جنونه هو أن يبوح بحبه ~~لكوزيما فاجنر بطريقته الخاصة، مما يثبت لنا مدى الدور الهائل الذي كان يلعبه هذا الحب في ~~ذهنه وفي تفكيره طوال حياته الواعية. # وعلى أساس هذه التجارب الفاشلة يمكننا أن نفهم دون ~~عناء مدى عنف نيتشه في حملته على المرأة، فهو يؤمن بأن المرأة «بطبيعتها» مخلوق ناقص، وفيها ~~من العيوب الكامنة ما يحتم علينا ألا نعهد إليها بأي عمل جدي ؛ فالمرأة تهتم بالأشخاص لا ~~بالأشياء. وهي إذا اهتمت بالأشياء فإنما تعاملها كما لو كانت أشخاصا، وتنظر إليها نظرة ~~شخصية متحيزة؛ فمن الخطر أن نعهد إليها بالأمور الهامة، كالسياسة مثلا؛ إذ إنها عندئذ لا ~~يمكنها أن تتصرف تصرفا نزيها محايدا. وهكذا يقف نيتشه في وجه حركة تحرير المرأة بكل ~~قوته، بل يرى أن طبيعة المرأة ذاتها عقبة ضد هذا التحرير؛ إذ إنها محافظة بطبيعتها تحترم ~~السلطة السائدة والأفكار التي يقرها المجتمع، ولا يمكنها أن تتحدى هذه السلطة أو تخرج من هذه ~~الأفكار؛ ومن هنا كان تعلقها بالرجل عائقا له عن المضي في طريق تحرره هو ذاته، فضلا عن ~~تحررها الخاص. وهكذا يؤكد نيتشه أن: «الروح الحرة لا تعيش مع المرأة.» # 12 # وإنما تحلق وحدها، وتسير في طريقها الخاص، وأقصى ما يمكن أن تحتله المرأة من ~~مكانة، هي مكانة الأشياء المملوكة فحسب: «... فأما الرجل الذي يتصف بالعمق في روحه كما في ms105 ~~رغباته ... فلا يمكنه أن يفكر في المرأة إلا على الطريقة الشرقية دائما؛ أعني أنه لا بد أن ~~ينظر إلى المرأة على أنها شيء يمتلك، وعلى أنها متاع محجب، وعلى أنها شيء كتب عليه ~~مقدما أن يستعمل في الخدمة المنزلية، وأن يحقق ذاته فيها ...» # 13 # ولا جدال في ضوء ما ذكرنا أن العامل الشخصي كان له أثر كبير في آراء نيتشه هذه. فتقديره ~~الكبير لشخصيات مثل لو سالومي وكوزيما فاجنر، يثبت أن رأيه الحقيقي في المرأة لم يكن دائما ~~على هذا النحو من العنف، وإنما اتخذ هذا الطابع فيما بعد، حين أخفقت علاقاته بهؤلاء النساء. ~~ويكفي أن ذلك الذي قال: «إن الزيجات التي تتم عن طريق الحب (أعني ما يسمى بزواج الحب) ~~تتولد عن الخطأ أبا وعن الحاجة أما.» # 14 # يكفي أنه هو ذاته قد سعى إلى زواج مبني على الحب، وأخفق فيه! # وبجانب هذا العمل الشخصي، نلمس هنا أيضا أثر ذلك العامل الذي نبهنا إليه من قبل ~~مرارا؛ وأعني به طغيان معلوماته الثقافية على روابطه الواقعية بالعالم المحيط به؛ فهو يعود ~~دائما بذهنه إلى العصر اليوناني، ويجد مثله الأعلى في نظرة اليونانيين إلى المرأة، بل إنه ~~يبرر الشذوذ الذي عرف عن اليونانيين تبريرا يجعل منه ظاهرة سليمة، فيقول إن ميل الرجال إلى ~~التغزل في الشبان في العصر اليوناني إنما كان نتيجة ضرورية لطغيان روح الرجولة على ~~اليونانيين، ويؤكد أن مهمة المرأة في العصر اليوناني كانت تقتصر على إنجاب أبناء ذوي أجسام ~~قوية كآبائهم، مما أدى إلى حفظ شباب الحضارة اليونانية. «حضارة الرجولة»، أطول مدة ممكنة؛ # 15 # فالخلط بين طبائع العصور يؤدي به إلى أن يقصر مهمة المرأة على إنجاب أبناء أقوياء ~~فحسب، متجاهلا تماما كل التطورات التي مرت بها الإنسانية بين العصرين. # وأخيرا، فإن نفس الخطأ العلمي الذي لاحظناه من قبل، يتردد هنا مرة أخرى؛ فنيتشه يخلط ~~بين الصفات الطبيعية والصفات الاجتماعية، وهو لم يحاول أن يفكر بعمق في علة هذا النقص الذي ~~لاحظه على المرأة، واعتقد أنه صفة طبيعية ms106 فيها، ولم يطف بذهنه احتمال كون هذا النقص ناتجا ~~عن عوامل اجتماعية معينة، لا عن ذلك الأصل غير العلمي؛ أعني التركيب الطبيعي. ولنضرب ~~لفكرتنا هذه مثلا بصفة المحافظة، فهذه الصفة هي في حقيقتها نتيجة، لا سبب؛ أعني أنها نتيجة ~~لأوضاع اجتماعية معينة حتمت على المرأة أن تكون محافظة. وليست سببا «طبيعيا» يحط من ~~مكانتها الاجتماعية، ويكفي أن المرأة قد خضعت طويلا، وخلال مئات السنين، لسلطان طاغ من ~~جانب الرجل، فمن الطبيعي أن يؤدي تراكم الضغط عليها عبر الأجيال المتوالية إلى أن يبعث فيها ~~روح المحافظة، والخوف من كل خروج عن السلطة السائدة في المجتمع، حتى ليبدو ذلك بالنسبة إلى ~~النظرة السطحية صفة طبيعية كامنة فيها؛ غير أنه لم يكن ينتظر من ذلك الذهن المدقق - ذهن نيتشه ~~- أن يخدع بمثل هذه الصفة السطحية، ولا يردها إلى أصلها التاريخي والاجتماعي. # القومية والحرب # حاولت الدعاية النازية أن تصور نيتشه ~~بأنه فيلسوف متعصب لقوميته إلى حد الدعوة إلى الحرب لحسم كل نزاع يقع بين وطنه وغيره من ~~البلاد، ولضمان سيادة هذا الوطن وإثبات تفوق الجنس الذي ينتمي إليه على سائر الأجناس البشرية، ~~فهل كانت تلك الدعاية تستند إلى أساس صحيح في تفكير نيتشه؟ لا شك في أنه قد ثبت اليوم ~~نهائيا أن الصورة التي رسمها الألمان في عهد النازية لنيتشه كانت صورة مشوهة إلى حد بعيد، ~~وأنهم حملوا نصوص نيتشه ما لا تحتمل. ولكن ليس معنى ذلك أن نيتشه كان داعية صريحا للسلام، ~~أو أنه لم يحمل على الجنس السامي مطلقا، وكل ما في الأمر هو أنه لم يتفلسف على النحو الذي ~~فهمه به فلاسفة النازية، ولم يدع إلى الحرب أو يحمل على السامية، لنفس الأغراض وعلى نفس الأسس ~~التي قام عليها التفكير الألماني في تلك الفترة المظلمة من تاريخه. # أما عن معنى الوطنية عند نيتشه، فلا شك في أنه لم يكن ألمانيا متعصبا بالمعنى الذي ~~عرف عن فلاسفة الإمبراطورية في عهد بسمارك، وفي الحربين الأخيرتين. فلم يكن نيتشه من أولئك ~~الألمان الذين يزجون ms107 مدائحهم إلى العنصر الألماني، ويتغنون بامتياز شعبهم وعلوه على ~~سائر شعوب الأرض، بل إنه كان في كثير من الأحيان يعيب على العنصر الألماني غموضه وصوفيته ~~وافتقاره إلى الوضوح والدقة، ويمجد الثقافة الفرنسية، ويتأثر كثيرا بمفكريها، ويفضلهم عن ~~مواطنيه من الألمان. ولقد كان مثله الأعلى هو أن يتجاوز حدود القومية الضيقة، وكان يفخر ~~بذلك حتى أواخر أيام تفكيره الواعي، فيقول: «إن الأصل الذي أنحدر منه يمكنني من أن أمتد ~~بنظرتي إلى ما وراء كل أفق محلي فحسب، ووطني فحسب. فليس من العسير علي أن أكون ~~«أوروبيا طيبا».» # 16 # بل إنه كان يحمل على التعصب الوطني بوجه عام، ويراه عقبة في طريق الاختلاط بين ~~الأمم الأوروبية، ثم ينقده قائلا: «ليست مصلحة الكثرة - أي الشعوب - هي التي تملك تلك الروح ~~القومية، كما يقال في كثير من الأحيان، وإنما قبل كل شيء مصالح الأسر الحاكمة المحددة، ~~وكذلك مصالح طبقات تجارية واجتماعية معينة.» # 17 # وهكذا يرى في التعصب الوطني المتطرف خدعة تضر بمصالح الشعوب، ويدعو إلى نوع من ~~الروح العالمية. ويبدو أن سيطرة الروح اليونانية على تفكيره لم تترك له مجالا لتمجيد ~~الألمان؛ إذ كان يحلم دائما ببعث حضارة إغريقية ديونيزية تغمر العالم بأسره، وتتعدى حدود ~~الوطنية الضيقة. # وأما عن تعصبه للعنصر الآري، فهذا ما لم يقم ~~عليه أي دليل. بل إن زواج شقيقته من أحد هؤلاء المتعصبين وهو برنارد فورستر # Bernhard Forster ~~، كان صدمة أليمة له، وظلت علاقته به ~~غير ودية إلى النهاية. والحق أن آراء نيتشه الحقيقية لا يمكن أن تعد مناصرة للعنصرية ~~الآرية على الإطلاق، بل إنه ليصرح بأن الأمة الألمانية بلغت حدا عظيما من الاختلاط في ~~أصلها؛ فالعنصر الألماني ليس نقيا على الإطلاق، وإنما تداخلت فيه عناصر عديدة، وذلك أمر ~~ينتمي إلى الطبيعة الحقة للألمان. # 18 # وإذا كان نيتشه قد حمل على اليهود كثيرا في كتاباته، فلم يكن ذلك لأنهم من الجنس ~~السامي، ذي الصفات المضادة للجنس الآري الذي ينتمي إليه الألمان، وإنما كان ذلك لأسباب مختلفة ~~عن ذلك كل الاختلاف، ms108 فحملة نيتشه على اليهود راجعة إلى أسباب تاريخية قديمة، ولا صلة لها ~~باليهود المعاصرين له على الإطلاق؛ فاليهودية هي أصل المسيحية، بل إنه كثيرا ما يدمج ~~العقيدتين في تيار واحد، ويراهما مسئولتين عن روح الضعف والتخاذل التي هي عنده من صفات ~~المتدينين بوجه عام، فحملة نيتشه على اليهودية إنما هي امتداد لحملته على المسيحية، وعلى أصل ~~من الأصول الرئيسية للمسيحية فحسب، ومعنى ذلك أنها حملة خلت تماما من كل إشارة إلى التعصب ~~العنصري، ما دامت تسري أيضا على المسيحيين بأسرهم، ومنهم الألمان بوجه عام. أما إذا ~~كان الأمر متعلقا باليهود المعاصرين، فإن نيتشه يعبر في كثير من الأحيان عن عطفه عليهم، ~~ويدافع عن قضيتهم، ويشيد بفضلهم على أوروبا. # 19 # فماذا كان موقف نيتشه من مشكلة الحرب؟ وهل كان يدعو ~~- كما قال النازيون - إلى حل كل مشاكل العالم بالحرب وحدها؟ الحق أننا لا نستطيع أن نعفي ~~نيتشه تماما من تهمة تمجيد الحرب، وكل ما يمكننا أن نقوله في هذا الصدد هو أن رأي نيتشه لم ~~يكن واضحا كل الوضوح، وأن نصوصه كانت تعبر عن مواقف متناقضة من هذه المشكلة، وأنه حين كان ~~يناصر الحرب، كان في واقع الأمر يناصر صفات أخلاقية معينة يعتقد أن الحرب وحدها هي التي ~~تنميها في البشر، وأن السلم الطويل يقضي عليها؛ ولا يناصر الحرب لذاتها. # أما أن آراءه في مشكلة الحرب لم تكن واضحة كل الوضوح، فهذا ما يتضح من تضارب مدلولات ~~النصوص التي تحدث فيها عن الحرب. فهو أحيانا يحمل على الروح العسكرية المتطرفة، وعلى فكرة ~~السلم المسلح، ويرى أن التسلح يفترض مقدما عدم الثقة بالجار، ونسبة الشر إليه، وهذه ~~كلها مقدمات الحرب. ووسيلة السلم عنده هي تحطيم الأسلحة، بواسطة شعب قوي يكون متفوقا على كل ~~الأمم في تسلحه، يحطم أسلحته بإرادته، فينتزع بذلك بذور الخوف والكراهية. # 20 # ولكنه بينما يرسم مثل هذه الخطة للسلم، ويراها ممكنة التحقيق، فإنه يؤكد في موضع ~~قريب أن الحرب محتومة، وأن تحقيق السلم محال، وإذا افترضنا تحققه، فلن يكون ms109 ذلك إلا على حساب ~~تقدم الإنسانية؛ «فمن الخيال والهوس المغرور أن نظل ننتظر من الإنسانية الكثير ... إذا ما ~~كفت عن شر الحروب. فلسنا نعرف حتى الآن وسيلة أخرى يمكن بها إيقاظ نشاط الجندية الخشن في ~~الشعوب التي اعتادت الخمول، وتنمية تلك الكراهية اللاشخصية العميقة، وذلك الإصرار على القتل ~~عن يقين كامل، وذلك الاندفاع الجماعي المنظم إلى تحطيم الخصم، وتلك الكبرياء التي تجعل ~~المرء لا يأبه بالخسائر الكبيرة، ولا يعبأ بما يلحقه منها في حياته، أو بما يلحق أصدقاءه، ~~وتلك الهزة الغامضة العنيفة للنفوس؛ لسنا نعرف حتى الآن وسيلة لتحقيق هذا كله بطريقة مؤكدة ~~مثلما تفعل كل حرب كبرى.» # 21 # وهو يبدي إعجابه بما يطرأ على أوروبا من تقدم في الميدان العسكري، ويرى في ذلك ~~بشيرا بانتهاء عهد الهدوء والمسالمة، ومظهرا من مظاهر الرجولة، والاعتناء بالجسم، ودليلا ~~على أن الأبدان القوية قد عادت لتحتل مكانتها. # 22 # وهكذا يتخذ نيتشه دائما من الحرب مواقف متناقضة، فيحمل عليها حينا، ثم يدعو ~~إليها حينا آخر، أو يجمع بين الموقفين في وقت واحد فيقول: «من مساوئ الحرب أنها تجعل الظافر ~~أبله والمهزوم حقودا. ومن محاسنها أنها تثير هذه المشاعر ذاتها في نفس الطرفين بقسوة، وتجعل ~~هذه المشاعر أقرب إلى الطبيعة.» # 23 # ومن الواضح في كل هذا أن نيتشه يمجد في الحرب ~~صفات الرجولة والخشونة التي يعتقد أن الحرب وحدها هي التي تثيرها. وإذا كان يحمل على السلم، ~~فإنما يحمل عليه لما يظنه مؤديا إليه من هدوء وخمول. وهكذا وقع نيتشه في ذلك الخطأ الذي ظل ~~يتردد طويلا، إلى أن نبذته الإنسانية نهائيا في وقتنا هذا؛ وأعني به الاعتقاد بأن الحرب هي ~~المجال الوحيد لإثارة الهمم، وللقضاء على روح الخمول التي تنتاب البشر إذا ظلت حياتهم تسير ~~على وتيرة واحدة؛ وكأن التنافس السلمي ليس فيه ما يثير حماسة البشر، ولا يسوده إلا الهدوء ~~الممل! وكأن الرجولة والبطولة لا تتبدى إلا في تلك المجازر الحيوانية التي تولدها الحروب! ~~على أننا نستطيع أن نلتمس لنيتشه بعض العذر في ms110 أخطائه هذه؛ إذ لم تكن الحروب في ذلك الحين قد ~~بلغت من العنف والقسوة ما يجعلها تهدد بالقضاء التام على الإنسانية، وعلى كل فضائل الإنسان، ~~وضمنها البطولة والرجولة، وكانت لا تزال فيها سمة من الطابع الشخصي، بحيث إن المنتصر فيها قد ~~يكون هو الأصلح جسميا بالفعل، بينما لم تعد الحروب الحديثة مقياسا للصلاحية البدنية على ~~الإطلاق، أو تدريبا على الخشونة وقوة التحمل، وإنما تخلق جيلا مشوها محطما هو أبعد ~~ما يكون عن تلك الصفات التي تغنى بها نيتشه. # والذي لا شك فيه أن نيتشه لو كان قد شهد حروبنا العالمية الحديثة، وأدرك مدى الخطر الذي ~~تهدد به الإنسانية، لتغيرت فلسفته في الحرب تغيرا تاما، ولدعا إلى السلام بكل قواه؛ ذلك ~~لأنه قبل كل شيء يحرص على أن يظل الإنسان مسيطرا على الطبيعة، متحكما فيها بفضائله وقواه ~~التي لا تقف عند حد. وإذا كانت الحروب في شكلها الحالي تهدد بالقضاء على سيطرة الإنسان على ~~القوى الطبيعية، فتجعل هذه القوى تنقلب عليه وتعمل فيه الفناء، فلا جدال في أن أحدا من ~~المفكرين - وبخاصة نيتشه - لن يجرؤ على أن يسوق مثل هذه الحجج للدفاع عن حرب تتصف بمثل هذا ~~الطابع المدمر. # الفصل السادس # | الدين والعود الأبدي # لم يكن نيتشه يعترف بعقيدة من العقائد الشائعة، لا صراحة ولا ضمنا. وكل محاولة لكشف نوع ~~من التأثر الخفي بالدين في تفكيره، كتلك التي قام بها ياسبرز في كتابه عن «نيتشه والمسيحية» هي ~~محاولة باطلة من أساسها. وليس لنا أن نتقيد بما يقوله البعض من وجود روح دينية كامنة لدى نيتشه، ~~مبعثها ذلك الأصل الديني القديم الذي ترجع إليه أسرته من طرفيها. فكل تأثير لهذا الأصل كان ~~تأثيرا سلبيا، بمعنى أنه مكنه من أن يتعمق فهم الروح الدينية ليوجه إليها أعنف النقد ~~فيما بعد. فآراؤه في هذا المجال صريحة كل الصراحة، ومن أكبر الأخطاء أن نشبه نقده الديني ~~بنقد آخر مبعثه الرغبة في العلو بالعقيدة الشائعة وتنقيتها من الشوائب، مثل نقد كيركجورد؛ ~~فالإيمان هو القوة المحركة للذهن ms111 الناقد في حالة كيركجورد، أما في حالة نيتشه فلا مجال ~~للتوفيق بين ذهنه وبين الروح الدينية على الإطلاق. # ونقد نيتشه ينصب أولا على فكرة ~~العقيدة بوجه عام؛ فالروح الدينية في رأيه تفتقر إلى كل فهم للقوانين الطبيعية، وما هي إلا ~~امتداد للتفسير البدائي، الذي كان يفهم كل شيء من خلال السحر والخرافة؛ فلا شيء في نظر هذه ~~الروح يحدث «طبيعيا»، # 1 # وإنما تتحكم إرادة واعية في كل ~~الحوادث، وتصبغها بصبغة الخير والشر، وكلما عجزت عن فهم ظاهرة ما، أرجعتها إلى فعل هذه الإرادة ~~الواعية. وكما كانت العقلية البدائية تملأ الكون بالقوى الخفية التي تتسبب في خلق الحوادث ~~بطريقة إرادية، فكذلك تفسر العقلية الدينية حوادث الكون ~~تفسيرا مماثلا، سواء تعددت في نظرها تلك القوى الخفية أم توحدت. وإذا حدث ما يناقض فعل القوى ~~الخيرة التي تتحكم في الكون نسب ذلك إلى قوى أخرى، هي «الشيطان»، وأغفل كل تعليل طبيعي للبشر. ~~وهنا يسارع نيتشه فيؤكد «أن قطرة من الدم تزيد أو تنقص في المخ قد تسبب لحياتنا من الشقاء ~~والألم ما يجعلنا نقاسي أكثر مما قاسى بروميثيوس من عقابه؛ غير أن أخطر ما في الأمر هو ألا ندرك ~~أن تلك القطرة هي السبب، بل نعزو ذلك إلى الشيطان، أو الخطيئة.» # 2 # وهكذا يفهم نيتشه العقلية الدينية على أنها نقيض العقلية العلمية؛ فالأولى تفسر كل شيء ~~«طبيعيا»؛ أي على نحو مستمد من منطق الحوادث ذاتها، لا من تشبيه حوادث الطبيعة بما يجري ~~داخل الذات الإنسانية الواعية. # وبجانب ذلك التعليل الموضوعي لطبيعة العقلية الدينية، نصادف عند نيتشه تعليلا نفسيا لها؛ ~~فالمتدين يؤمن بالوحي؛ أعني بأن ثمت أفكارا تهبط إليه من مصدر يعلو عليه، بحيث لا يكون ذهنه ~~إلا أداة تتلقى هذه الأفكار سلبيا فحسب، ويرى نيتشه أن تلك هي المشكلة النفسية الكبرى في ~~الدين، «فكيف يتسنى للمرء أن ينظر إلى آرائه هو عن الأشياء، على أنها وحي؟ تلك هي مشكلة أصل الأديان.» # 3 # ففي كل حالة سادت فيها عقيدة ما، كان يوجد رجل يؤمن ms112 بالوحي، بحيث إنه عندما كون ~~فرضا شاملا عن العالم، لم يستطع أن يتصور أن يكون كل هذا النظام والجمال الكوني من صنع ذهنه ~~هو، فينسبه إلى قوة عليا؛ إلى الوحي. ولا شك أن المرء، بجانب ذلك، يضفي على رأيه مزيدا من ~~القوة إذا عزاه إلى الوحي، ويجعله بمنأى عن النقد والشك؛ أعني يجعله مقدسا، «حقا إن مكانة ~~المرء ستهبط عندئذ، فيصبح مجرد أداة، ولكن رأيه سينتصر في آخر الأمر، حين يغدو فكرة إلهية.» # 4 # ففي الدين إذن يحط المرء من قدر ذاته عامدا، حتى يضمن لرأيه الانتصار؛ ومن هنا ~~يستنتج نيتشه أن الدين «قد حط من قدر تصور الإنسان، فنتيجته النهائية هي أن كل ما هو خير، ~~وعظيم، وحقيقي، هو فوق الإنسان، وما وهب له إلا تفضلا.» # 5 # والظاهرة النفسية الكامنة من وراء هذا النمط الديني الخاص، هي ظاهرة «تبدل الشخصية # alteration de la personnalité ~~». # 6 # فنفسية رجل الدين من ذلك النوع الذي يرجع مشاعره الخاصة إلى قوى خارجية، ويراها ~~غريبة عنه، كالمريض عندما يشعر بثقل أحد أطرافه، فيظن أن شخصا آخر قد ارتكز عليه. وعلى ذلك ففي ~~الدين يخاف المرء من ذاته ويهرب منها، ولكنه من جهة أخرى يحس بلذة الانتصار حين ينسب أفكاره ~~المباغتة المفاجئة إلى الألوهية، ويرتفع بها فوق مستوى الشك. # ومن الطبيعي أن ينقد نيتشه الأفكار الدينية الرئيسية نقدا عنيفا، ما دامت الروح الدينية ~~أصلا ظاهرة منحرفة في رأيه، وما دام يدعو إلى استبدال نظرة طبيعية بالنظرة الدينية «غير ~~العلمية». فإذا كان يعيب على العقيدة أنها تحط من قدر الإنسان، إذ تنسب نواتج الذهن الإنساني ~~إلى مصادر أخرى تعلو على هذا الذهن، فلا شك في أن مهمته، كما يحددها بوضوح، هي أن يعيد إلى ~~الإنسان ثقته بنفسه، ويرد إليه حقه المسلوب، وهنا يجد نيتشه لزاما عليه أن يحمل على فكرة ~~الألوهية بوجه عام؛ فالألوهية في نظره عقبة تحول دون تأكيد الإنسان لذاته، وطالما أن فوق ~~البشر آلهة يؤمنون بها، فسوف يكون هذا الإيمان على حساب تقدير ms113 البشر لأنفسهم وثقتهم بها. وعلى ~~ذلك فهو يدعو إلى إزاحة هذه العقبة من أجل رفع شأن الإنسان، الذي يصبح عندئذ أعلى الكائنات ~~شأنا، وصحيح أن تلك المهمة الهائلة تقابل بالجزع من جانب الإنسان، ولكن عليه أن يستجمع في نفسه ~~من الشجاعة ما يمكنه من القيام بتلك الخطوة الحاسمة، التي يصبح بعدها السيد الأوحد ~~للعالم. # والحق أن نقد نيتشه لفكرة الألوهية لا يعد مجالا للشك في أنه قد تخلى تماما عن هذه ~~الفكرة، ولم يعد لها في ذهنه أي دور تؤديه. ويتخذ نقده في كثير من الأحيان طابع السخرية، فيقول ~~مثلا: «إن وجود الله ذاته كان يغدو مستحيلا لو لم يكن يوجد أناس حكماء؛ هذا ما قاله لوثر، وله ~~الحق فيما قال. ولكن، إن وجود الله كان يغدو أكثر استحالة لو لم يكن يوجد أناس بلهاء، هذا ما لم ~~يقله صاحبنا لوثر!» # 7 # وفي أحيان أخرى يتخذ هذا النقد طابع الثورة الساخطة، فيتساءل: «أيكون إلها خيرا ~~ذلك الذي يعلم كل شيء، ويقدر على كل شيء، ولا يعبأ مع ذلك بأن تكون مقاصده مفهومة لمخلوقاته ... ~~ألا يكون إلها شريرا ذلك الذي يملك الحقيقة، ويرى ذلك العذاب الأليم الذي تعانيه البشرية من ~~أجل الوصول إليها؟» # 8 # على أنه يؤكد بعد ذلك أن كل هذه الأنواع من النقد ليست حاسمة. «فمن قبل كان المرء يسعى إلى ~~أن يبرهن على أنه ليس ثمت إله، واليوم يبين المرء كيف أمكن أن «ينشأ» الاعتقاد بوجود إله، وإلى ~~أي شيء ترتد أهمية هذا الاعتقاد وقوة تأثيره. وفي هذه الحالة يكون البرهان الآخر على أنه ليس ~~ثمت إله؛ يكون هذا البرهان سطحيا؛ ذلك لأنه عندما كان المرء من قبل يفند البراهين القديمة ~~على وجود الله، كان يظل هناك شك دائم في احتمال كشف براهين أفضل من تلك التي فندت.» # 9 # فالتفنيد التاريخي إذن هو التفنيد الحاسم. وإذا استطاع الفيلسوف أن يثبت أن هذه ~~الفكرة قد «نشأت»؛ أعني أن لها أصلا تاريخيا أو نفسيا معينا، وأنها قد ظهرت لكي تفي ms114 ~~بمقتضيات إنسانية خاصة في ظروف معينة، فعندئذ يكون في نفس الوقت قد قضى على ما تنطوي عليه ~~الفكرة من ثبات وأزلية، وفي هذا قضاء على الفكرة ذاتها. # ولقد أوضحنا من قبل أمثلة للأحوال النفسية المنحرفة التي ~~تؤدي - في رأي نيتشه - إلى ظهور الروح الدينية ~~والآلهة، وكلها ترمي إلى هدف واحد، هو أن تثبت أن الفكرة قد «نشأت»، وأن نشأتها راجعة إلى ظروف ~~معينة. وهو من جهة أخرى يبحث في نشأة الفكرة من الوجهة التاريخية، فيقارن بين تصور الله في ~~مختلف الأديان، وينتهي إلى وجود اختلاف أساسي بين هذه التصورات مما يقضي عليها كلها معا. وهو ~~يحمل بوجه خاص على تصور الألوهية في المسيحية واليهودية؛ فهذا التصور مرتبط برغبة الإنسان في ~~معاقبة نفسه، ومرتبط بشعوره بالذنب؛ وهذه الرغبة والشعور هي التي تتجسم في فكرة الله ذاتها، ~~فتصوره على نحو مضاد للإنسان تماما، وتنسب إليه من الأوامر ما يقف في وجه الطبيعة البشرية ~~ويعوق سيرها التلقائي. ويؤكد نيتشه أن الارتباط بين الأمرين؛ أعني بين تصور الألوهية وبين ~~الحملة على الطبيعة البشرية، ليس ضروريا. فهناك شعوب تصورت آلهتها على نحو مخالف تماما ~~لفكرة الشعور بالذنب هذه؛ فعند اليونان مثلا يؤله الإنسان ما هو إنساني - وربما ما هو حيواني ~~- فيه، وتختفي تماما فكرة الخطيئة والذنب، ولا يدأب على لوم نفسه والحط من قدرها، كما هو الحال ~~في المسيحية. # 10 # والحق أن نظرة نيتشه إلى المسيحية كانت تتأثر دائما بعاملين رئيسيين: أولهما نقده للروح ~~الدينية بوجه عام، وهو النقد الذي امتد ضرورة إلى المسيحية بوصفها الصورة الرئيسية لتلك الروح ~~الدينية في المجتمع المحيط به. وأما العامل الثاني، فهو تعلقه بكل ما هو يوناني، حتى يكاد ~~المرء يحس في كتاباته تمجيدا للعقائد اليونانية ذاتها! وعلى أية حال، فقد كان نمط الحياة ~~اليونانية في رأيه أرفع بكثير من نمط الحياة المسيحية؛ ذلك لأن العقائد اليونانية لم تكن تقف في ~~وجه نمو القوى الطبيعية للإنسان، بينما كانت العقائد المسيحية واليهودية عنده عقبة كبرى تحول ~~دون نمو هذه القوى. ms115 # ومن العجيب حقا أن نيتشه يذكر، ضمن أسباب حملته على المسيحية، أنها تعتمد على المشاعر ~~أكثر مما تعتمد على العقل؛ أي إنها كانت رد فعل على النزعات الفلسفية العقلية السابقة عليها، ~~والتي سادت العصر اليوناني؛ فالفضائل المسيحية ليست انتصارا للعقل على المشاعر، كما قال ~~الفلاسفة الإغريق، بل إنها كلها تنبع من مشاعر أو انفعالات معينة، مثل «حب» الله، و«خشية» ~~الله، و«الإيمان» بالله، و«الأمل» في الله. # 11 # ومرد العجب في هذا إلى ما يعرفه الجميع عن نيتشه من تعلق بالنزعة إلى ~~اللامعقول، ومن نقد للاتجاهات العقلية الخالصة، وإيثار للمشاعر على العقل في كل تفسيراته، ولكن ~~تعلقه بكل ما هو يوناني هو الذي يجعله يأخذ على المبادئ المسيحية (المضادة للمبادئ اليونانية) ~~صفات كانت أخص ما يميز فلسفته هو ذاته. # وهو يحمل بوجه خاص على فكرة الخطيئة في المسيحية؛ فالإنسان والطبيعة أبرياء، والخطيئة وهم ~~ناشئ عن انحراف نفسي، ورغبة شاذة في معاقبة الذات وتأنيبها، والحس هو المجال الطبيعي لممارسة ~~القوى الإنسانية. وليس فيه ما يحط من قدر الإنسان في شيء. # والذي لا شك فيه هو أن نقد المسيحية كان عند نيتشه مقدمة عقلية أساسية لا يفهم تفكيره ~~بدونها، بل كان هو الهدف الرئيسي الذي تتجه إليه فلسفته بأسرها. # 12 # ولسنا نود أن نطيل الحديث في علاقته الخاصة بشخصية المسيح، فقد كان في كثير من ~~الأحيان يحمل على تلك الشخصية حملة شديدة، ينتهي فيها إلى أن المسيح لم يسر في الطريق الذي ~~اتخذه لنفسه إلا لأنه قد أساء فهم دوافعه النفسية، وذلك هو ما أدى به إلى الشعور بالحاجة إلى ~~الخلاص، ولو أحسن فهم تلك الدوافع، وتخلص من أخطائه الذهنية والنفسية، لما كان مسيحا على الإطلاق. # 13 # على أن نيتشه يخفف في بعض الأحيان من حدة لهجته، ويبدو مدافعا عن المسيحية في ~~صورتها الأصلية كما أتى بها يسوع المسيح، مؤكدا أن النظام الذي سارت عليه الكنيسة فيما بعد، ~~بما فيه من قساوسة، ولاهوت، وطقوس، هو ما كان يحاربه يسوع بوجه خاص، # 14 # وهو الذي ms116 صبغ المسيحية بالصبغة الحالية التي كانت هدفا لحملاته، وينسب كل هذه ~~التغييرات إلى أصول أخرى تالية، من أهمها القديس بولس. # وسواء كان الأمر متعلقا بطبيعة المسيحية الأولى، أم بالمسيحية التالية، فإن عقل الإنسان ~~الحديث، في رأي نيتشه، لم يعد يتحمل مثل هذه التعاليم. «فلم تعد أذهاننا هي التي تدين ~~المسيحية الآن، بل ذوقنا»! # 15 # وهو يرى في المسيحية أفكارا لا يكاد العقل الحديث يتصورها إذا تأملها بشيء من ~~الموضوعية فيقول: «عندما نستمع في صباح الأحد إلى دقات الأجراس القديمة، فعندئذ نتساءل: أهذا ~~ممكن! إن ذلك كله من أجل يهودي صلب منذ ألفي عام، كان يقول إنه ابن الله، وهو زعم يفتقر إلى ~~البرهان؛ فلا جدال في أن العقيدة المسيحية هي بالنسبة إلى عصرنا أثر قديم نابع من الماضي ~~السحيق. وربما كان إيماننا بهذا الزعم، في الوقت الذي نحرص فيه على الإتيان ببراهين دقيقة لكل ~~رأي آخر، هو أقدم ما في هذا التراث. فلنتصور إلها ينجب أطفالا من زوجة فانية ... وخطايا ترجع ~~إلى إله، ويحاسب عليها نفس الإله، وخوفا من عالم آخر يكون الموت هو المدخل إليه ... لكم يبدو لنا ~~كل ذلك مخيفا، وكأنه شبح بعث من الماضي السحيق، أيصدق أحد أن شيئا كهذا لا يزال يصدق؟» # 16 # ولعلنا قد أوضحنا الآن تلك الحقيقة التي لا سبيل إلى الشك فيها، وهي أن العقائد، في كل ~~صورها الشائعة، لا تلائم تفكير نيتشه على الإطلاق؛ غير أنه لم يقف عند حد الإنكار السلبي ~~للعقائد دائما، بل أتى في الفترة الأخيرة من تفكيره الفلسفي، بما يمكننا أن نسميه عقيدته ~~الخاصة؛ أعني فكرة العود الأبدي. ولسنا نود أن نحكم على هذه الفكرة مقدما، بل يكفينا أن ~~نشير إلى أنها تفي بكل الشروط التي افتقرت إليها العقائد الشائعة في رأي نيتشه؛ فهي عبادة ~~للأرض، وللإنسان في هذا العالم؛ وأهم من هذا كله أنها ترتكز على التصور اليوناني للعالم، وترجع ~~في كثير من تفصيلاتها إلى تعاليم فلاسفة اليونان. # فكرة العود الأبدي # 17 # لفكرة العود الأبدي تاريخ طويل ms117 في الفلسفة، بل قبل الفلسفة، فأصولها ترجع إلى عهد ~~الأديان القديمة التي قامت بها على أساس أسطوري لا يمت إلى العلم أو المنطق العقلي بصلة. ~~واحتلت الفكرة أهمية كبيرة في الفلسفة اليونانية، فقد ظهرت لها بوادر في فلسفة أنكسمندر، حين ~~قال بعدد لا متناه من العوالم، وإن كنا لا ندري إن كانت هذه العوالم تتعاقب أو تتواجد معا، ~~غير أن مما يعزز الرأي القائل بأنها تتعاقب، اعتقاد أنكسمندر بالفناء الكوني؛ ومن هنا يمكن ~~القول إنه قد عرف نوعا من التعاقب بين أحوال مختلفة للعالم، يقرب مما تقول به نظرية العود ~~الأبدي، وإن لم نكن على ثقة من أن كل عالم ستتكرر فيه بدقة نفس حوادث العالم السابق كما تقول ~~النظرية. # وازدادت الفكرة وضوحا عند هرقليطس؛ فالنار في رأيه، وهي عنصر الكون الأساسي، تلتهم ~~العالم بين فترة وأخرى، فيعود العالم بعد ذلك عودا مماثلا لصورته السابقة، وذلك خلال «دورات ~~معينة من الزمان». # كذلك قال أنبادقليس بتتابع أبدي لعوالم متتالية تكون ثم تفسد، وشهد له أفلاطون وأرسطو ~~بأنه رأى العالم في حالة تغير دائم، يتم خلاله تبادل السيطرة بين قوتي الحب والكراهية، ~~بحيث يكمل الكون دورته كلما عاد أحد هذين العنصرين إلى السيطرة الكاملة. # وإذا كنا في كل هذه الآراء لم نصادف بعد عودا أبديا تتماثل فيه كل التفاصيل الدقيقة ~~للعالم، فلا شك في أن الفكرة قد ظهرت بحذافيرها لأول مرة لدى الفيثاغوريين. فهناك شواهد تقطع ~~بأنهم رأوا الزمان يعود كما سار من قبل، فتتكرر كل حوادث العالم مثلما تتكرر فصول السنة بعد ~~أن تتم دورتها. # ومن العجيب أن نيتشه، وهو دارس متعمق لتاريخ الفلسفة، وبخاصة فلسفة اليونان، قد نسب إلى ~~نفسه أنه كان أول القائلين بهذه الفكرة؛ أعني أول من نادى بالعود الأبدي، فهل كان نيتشه ~~كاذبا في هذا الزعم الذي صرح به في كتابه «هو ذا الرجل»؟ إنه كان يعلم ولا شك أن من ~~المفكرين اليونانيين من قالوا بالعود الأبدي، وقد صرح في رسالته عن «نفع التاريخ ومضاره للحياة» # 18 ms118 # أن الفيثاغوريين قالوا بفكرة العود الأبدي. فكيف نوفق بين هذين الأمرين؟ في ~~وسعنا أن نجد لهذه الظاهرة الغريبة تعليلات مختلفة، تبنى كلها على استبعاد فكرة الكذب أو ~~الافتقار إلى الأمانة العلمية عن نيتشه: ~~(1) # ففي هذه الظاهرة دليل آخر على مدى تأثره بالتفكير اليوناني، إلى حد أن أصبحت مبادئ ~~هذا التفكير في هوية مع مبادئ تفكيره هو، حتى استحال عليه في آخر الأمر أن يميز بين ما ~~يأتي هو به، وما يتلقاه عن اليونان من أفكار، ومرة أخرى يظهر تداخل المحتوى الفكري ~~لذهن نيتشه في حياته، حتى يبدو التراث العقلي الذي استوعبه إنتاجا خاصا لذهنه، يفخر ~~به ويعده أعظم ما «أبدعه» عقله! ~~(2) # وقد يكون لتوسع نيتشه في بحث الفكرة أثره في اعتقاده بأنه هو أول من كشفها، فقد ~~كشف عن نتائج هامة للقول بالعود الأيدي، واحتلت الفكرة من فلسفته الأخيرة موقع ~~الصدارة، بينما اقتصرت الفلسفات اليونانية التي قالت بها على وجوه محدودة منها، ولم ~~تستخلص منها أية نتيجة أخلاقية ذات شأن، أو تجعل منها نقطة بداية لعقيدة جديدة؛ ~~فالعود الأبدي لم يكن عند فلاسفة اليونان إلا نظرية ميتافيزيقية فحسب، ولم يحاول أحد ~~منهم أن يستخلص دلالته العميقة، أو يجعل منه مركزا لفهم شامل للعالم، من الناحيتين ~~الأخلاقية والدينية في آن واحد. ~~(3) # كذلك كان لطريقة ظهور هذه الفكرة عند نيتشه أثرها الكبير في اعتقاده بأنه أول من ~~قال بها، فقد عرفها من قبل فكرة معتادة من الأفكار التي يحفل بها تاريخ الفلسفة، ولم ~~تترك لديه عندئذ اهتماما كبيرا، ولكنه اهتدى إليها فجأة في وقت متأخر، وقد اكتسبت ~~صفات جديدة كل الجدة. وفي هذا الشكل الجديد لم يكن من الغريب أن يقول إنه أول من توصل ~~إليها؛ فقد هبطت عليه الفكرة في لحظة مباغتة، فطغت على كل ما في ذهنه، وكل ذلك خلال ~~نزهة جبلية له في إيطاليا، على بعد ستة آلاف قدم «من الناس ~~والزمان»، في أغسطس عام 1881؛ أي في المرحلة الناضجة ~~من مراحل فلسفته، «في ذلك اليوم كنت أجتاز الغابة على ms119 طول بحيرة سلفابلانا، وبالقرب من ~~كتلة صخرية هائلة برزت على شكل هرمي، وعلى مقربة من سورلي، وقفت، وهناك خطرت لي ~~الفكرة»؛ فالصورة التي يرسمها نيتشه لظهور فكرة العود الأبدي لديه لا تدع مجالا ~~للشك في أن دلالة الفكرة عنده كانت تختلف تماما عن ذلك الصدى الذي تركته في نفسه ~~دراساته لمظاهرها السابقة عند اليونانيين. # ومنذ ذلك الحين توجت فكرة العود الأبدي فلسفته، واحتلت المكانة الرئيسية فيها، وأخذ ~~يربط بينها وبين نظرياته في الأخلاق ونقده الديني، واستلهمها كثيرا من قصائده الغنائية في ~~كتابه «زرادشت». بل إن الثعبان الذي كان يصاحب زرادشت أينما حل، كان يرمز إلى الأبدية في ~~دورانها والتفافها وعودها إلى حيث بدأت (بينما كان النسر يرمز إلى الفكرة الرئيسية الأخرى، ~~فكرة إرادة القوة) ... «سأعود مع هذه الشمس، وهذه الأرض، وهذا النسر، وهذا الثعبان؛ لا إلى حياة ~~جديدة، أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعود أبدا إلى نفس هذه الحياة، في كل صغيرة ~~وكبيرة منها، لكي أدعو مرة أخرى إلى العود الأبدي لكل الأشياء.» # 19 # ولقد كان في ذهن نيتشه مشروع ضخم يرمي إلى أن يكرس عشر سنوات من حياته لدراسة العلوم ~~الطبيعية، لا لشيء إلا ليثبت فكرة العود الأبدي إثباتا علميا متينا؛ غير أن اعتلال ~~صحته لم يمكنه من تحقيق ذلك المشروع . ومع ذلك فقد عمل جاهدا على أن يجد لفكرته هذه دعامة ~~علمية، فلا تعود مجرد فرض ميتافيزيقي كما كانت عند اليونان. # وأولى القواعد العلمية التي ترتكز عليها فكرة العود الأبدي في رأي نيتشه، هي القول بأن ~~مدى القوة الكونية متناه ومحدود. ومعنى ذلك أن ~~عدد مواقع هذه القوة وتغيراتها وتركيباتها محدود بدوره، وإن يكن هائلا. ففكرة استمرار التحول ~~إلا ما لا نهاية تنطوي في ذاتها على تناقض، إذ تفترض وجود قوة تتزايد إلى ما لا نهاية. ولكن ~~من أين لها هذا التزايد؟ ومن أين تتغذى بهذا القدر الهائل؟ إن تصور العالم على أنه قوة ~~محدودة هو الذي يميز الروح العلمية من الروح الدينية في رأي ms120 نيتشه؛ فنحن نعتقد اليوم أن القوة ~~هي هي دائما، وأنها لا ينبغي أن تكون لا متناهية بالضرورة. هي حقا فعالة فعلا أبديا، ~~ولكن طاقتها محدودة، فلا تستطيع أن تستمر في خلق حالات جديدة إلى ما لا نهاية له. # فإذا كان الشرط العلمي الأول لتحقق العود الأبدي هو أن تكون القوى الكونية متناهية، ~~فالشرط الثاني هو أن يكون الزمان لا متناهيا؛ أي أن تظل هذه القوة تمارس فعلها بلا انقطاع. ~~فإذا توافرت اللانهائية للزمان، فلا بد أن تستنفد الإمكانيات التي تتاح لهذه القوة ~~المحدودة، وبهذا تأتي حالة تماثل تماما حالة أخرى تكررت من قبل، وعندئذ تتلو عنها كل ~~الحوادث كما وقعت من قبل تماما، ويكون الكون قد أتم دورة من دوراته، وتظل هذه الدورات تتكرر ~~إلى الأبد خلال الزمن اللامتناهي، كل منها مماثلة للأخرى في كل صغيرة وكبيرة. # ولنا أن نعد فكرة العود الأبدي من النتائج الرئيسية للمذهب الآلي، بل هي نتيجته ~~الفلسفية الكبرى، كما يقول ريي # Rey ~~، # 20 # فالعالم في رأي ذلك المذهب آلة عمياء، من شأنها أن تمر بنفس الحالات مرات لا ~~متناهية. بل إن تعريف الآلة هو أنها ما يؤدي وظيفته بشكل دوري منتظم، بحيث يعود دائما إلى ~~نفس الحالات التي مر بها دون أي تغير. # والواقع أن لفكرة العود الأبدي، من وجهة نظر المذهب الآلي، مزايا عديدة؛ فهي تفوق في ~~بساطتها كل نظام يصور العالم على أنه يسير في خط واحد نحو غاية معلومة؛ أي إن له بداية ~~ونهاية. وفيها قدر كبير من الاستقرار والثبات؛ فهي تضمن سيادة القانون العلمي، ولا تجعله عرضة ~~للتحول والتغير، كما أنها لا تهيب بأي مبدأ يخرج عن الطبيعة ذاتها، ويدفع العالم إلى ~~البداية أو النهاية، فمبدأ الاقتصاد في الفكر هو الذي يجعل المذهب الآلي يفضل فكرة العود ~~الأبدي على كل فكرة تصور العالم الطبيعي تصويرا غائيا. # وإذا كنا قد تحدثنا عن الأساس العلمي لفكرة العود الأبدي، فليس لنا أن نغفل الأوجه ~~الفلسفية والأخلاقية التي كانت، بالنسبة إلى نيتشه، من الدعامات الأساسية ms121 للفكرة. # أما عن الوجه الفلسفي لفكرة العود الأبدي، فقد رأى نيتشه فيها خير وسيلة للتوفيق بين ~~التفسيرين القديمين للعالم على أساس التحول من جهة، وعلى أساس الوجود الثابت من جهة ~~أخرى. # والحق أن جهود الميتافيزيقا قد تركزت، منذ نشب الصراع الفكري القديم بين هرقليطس ~~والإيليين، فناصر الأول فكرة التحول الدائم، وناصر الآخرون فكرة الوجود الثابت؛ نقول: إن ~~جهود الميتافيزيقا قد تركزت منذ ذلك الحين في بحث مشكلة الوجود والصيرورة، فلم تكن الفلسفة ~~اليونانية بأسرها - من جهة نظر معينة - إلا سردا لتاريخ محاولات الجمع أو التوفيق بين ~~ثبات الوجود من جهة والصيرورة والتغير من جهة أخرى؛ فالثبات والتحول هما أوسع التعبيرات عن ~~الثنائية الأساسية التي تتنازع ماهية الإنسان والكون، وما كان لكل فلسفة جديدة من هدف سوى أن ~~تأتي برأي جديد في العلاقة بين هاتين الفكرتين. # والجديد الذي أتى به نيتشه في نظريته عن العود الأبدي، هو أنه أكسب التحول صفة الوجود، ~~بحيث لم يعد يقول بتحول دائم يسري دون أن تكون له أية هوية مع ذاته، بل أصبح التغير يرجع إلى ~~ذاته على الدوام. فهو تحول خالد تصطبغ كل مراحله بصبغة الأبدية؛ فلكل مرحلة من مراحل ~~التغير الدائم ثبات أزلي، وإن كان مخالفا لذلك الثبات الذي قال به أنصار الوجود المطلق. ~~وهكذا جمع نيتشه في فكرة العود الأبدي بين نزعتين متعارضتين: الحاجة إلى المتناهي ~~والمتحدد عينيا، والحاجة إلى اللامتناهي، وإلى العلو؛ ذلك لأن الفكرة تتضمن محتوى ~~متناهيا، وظواهر محددة في صورها وأشكالها، هي ظواهر هذا العالم العيني الذي نعيش فيه، ثم ~~تكسبها صفة التكرار الأبدي إلى ما لا نهاية، فتجعل لها نوعا من الحدود والأبدية، وتعلو بها ~~على مجال الفناء، مع أنها هي ذاتها صورة فانية؛ ومن هنا كان قول نيتشه: «إن عودة كل شيء هي ~~أكبر تقريب ممكن لعالم الصيرورة من عالم الوجود.» # وأما عن النتائج الأخلاقية والنفسية لفكرة العود الأبدي، فإنها في واقع الأمر أهم ما ~~كان يبرر هذه الفكرة في نظر نيتشه: ~~(1) # فنيتشه يؤكد أن كل مدنية ms122 حاربت هذا العالم الأرضي أو ركزت آمالها على عالم آخر أعلى ~~منه مآلها إلى الزوال. فلزام علينا اليوم أن نتعلق بالعالم الذي نحيا فيه، وأن نوجه ~~أفكارنا نحو هذه الحياة. وإذا كانت النزعة إلى التقديس ضرورية بالنسبة إلى البشر، فإن ~~فلسفة نيتشه تحاول أن ترضي هذه النزعة بدورها، حين تمجد هذا العالم الذي نعيش فيه، ~~وتضفي عليه صفة الأبدية والخلود. # فالعود الأبدي هو إذن خير تعبير عن خلود هذه الحياة، وخلود كل لحظة من لحظاتها. ~~فهو قمة الإيجاب # Bejahung # في نظرتنا للحياة، بينما ~~كانت دعوات الخلود السابقة ترتبط دائما بالنزعة الزاهدة إلى إنكار الحياة. ~~(2) # ولكن قد يعترض المرء قائلا إن هذا الخلود لا يطمئن الفرد كل الاطمئنان، ما دام ~~المدى بين هذه الحياة والحياة التي تليها عظيم البعد، وما دامت حياة الفرد لن تعود إلى ~~الظهور إلا بعد دورة كاملة من دورات الكون. ولكن نيتشه يؤكد أن الفترة الواقعة بين خمود ~~الوعي وعودة ظهوره لا تقاس بزمن، بل هي كوميض البرق، ما دام الوعي الذي يحس بالزمن ~~ويقيسه مختفيا خلالها. ومعنى ذلك أن الميلاد الجديد، بالنسبة إلينا، يتلو الممات ~~مباشرة، دون أن تفصلهما أية ثغرة. # وإذن ففكرة العود الأبدي تخلص الإنسان من خشية الموت، الذي هو أخطر ما يتهدد ~~الإنسان خلال حياته، بل إن من شأن العود الأبدي أن ينفي الموت أصلا؛ فكل موت نسبي، ~~وعقب كل موت حياة، بل إن الموت لا يعود إلا مرحلة معينة من مراحل حياة أبدية تتكرر ~~على الدوام. وليس للخلود هنا درجات أو مراتب، وإنما تدوم نفس الحياة للجميع. ~~(3) # والفضيلة الجديدة التي تدعو إليها فكرة العود الأبدي هي «حب المصير # amor foti ~~»؛ ففيها قبول للحياة، لا عن استسلام وإنما ~~عن حب لكل أحوالها وتقلباتها، وإقبال على كل ما في الحياة من آلام ومتاعب؛ إذ إنها ~~خالدة بدورها. وفي هذه الصفة خير معيار للتفرقة بين نفوس الأبطال ونفوس الخائرين؛ فسوف ~~تبعث نظرية نيتشه هذه فيمن يحتقر الحياة وينصرف عنها يأسا قاتلا؛ لأن تلك الحياة - ~~ومعها ms123 احتقاره لها - هي التي ستعود أبدا. أما من يتمسك بالحياة ويقبل عليها فسوف ~~يزداد بها تعلقا؛ إذ إن الحياة بكل عناصرها المحببة إلى نفسه ستتكرر دواما. وبهذا ~~يرد نيتشه على النقد القائل إن فكرة العود الأبدي تبعث اليأس في النفوس، والاستسلام ~~العاجز؛ إذ إن هذا الشعور لن ينتاب إلا ضعاف النفوس فحسب. فمن يخشى الحياة ستبلغ خشيته ~~لها أقصى مداها. أما من ينظر إليها نظرة إيجابية فسوف يبلغ حبه لها غايته. ~~(4) # وللعود الأبدي قيمة نفسية كبرى؛ فبه تتم سيطرة النفس على الزمان، وتشعر بأكبر قدر ~~من الحرية، على الرغم مما تتسم به الفكرة من تحكم تام للضرورة فيها، فأثقل قيد للنفس هو ~~الزمان الذي انقضى؛ أي الماضي، الذي تحس إزاءه بأنها مغلولة عاجزة: «إن الإرادة لعاجزة ~~عن أن تريد ما مضى. وفي عجزها عن تحطيم الزمان وجشع الزمان أساها الأوحد ...» # 21 # فإذا أدركت الإرادة سر العود الأبدي، أمكنها أن تحيل الماضي - سجانها ~~الخالد - عبدا خاضعا لها؛ إذ يصبح مجرى الزمان دائرة مقفلة، ويتلو الماضي الحاضر كما ~~تلا الحاضر الماضي. وبهذا الحل يعتقد نيتشه أنه قضى على فكرة الماضي المطلق نهائيا، ~~وقضى بالتالي على سلطته المتحكمة في الإرادة، وهذا هو الخلاص بحق. ~~(5) # والقاعدة الأخلاقية الأساسية التي يتبعها من يؤمن بالعود الأبدي هي «عش بحيث ~~ترغب في الحياة الثانية»، وهي التي استبدلها نيتشه بقاعدة كنت المعروفة، القائلة: ~~«افعل بحيث تصلح قاعدة سلوكك لتكون قانونا عاما يسري على الجميع.» ولكل من ~~القاعدتين نفس الهدف، وهو إشعار الفرد بالمسئولية؛ غير أن كنت يبعث في نفس الفرد ~~الشعور بالمسئولية بأن يجعله يتصور أن سلوكه قد غدا قاعدة عامة للبشر أجمعين، وعندئذ ~~يحذر الخطأ في سلوكه. أما نيتشه، فيحقق هذا الهدف ذاته على نحو مخالف؛ إذ يدعو الفرد ~~إلى أن يسلك على أفضل نحو ممكن، لأنه سيظل يسلك على هذا النحو مرات لا متناهية. والحق ~~أن قاعدة كنت الأخلاقية إنما كانت تهدف إلى إبراز طبيعة كل فعل على أوضح نحو ممكن، ~~وذلك حين يعمم هذا الفعل ms124 ويسري على الجميع، بينما لا تتضح طبيعة هذا الفعل إذا نظر ~~إليه في حدود الفرد وحده؛ أي إن هدف كنت هو أن يتصور الفعل من خلال منظار مكبر، ~~يجسم ما فيه من خير أو شر، وهذا هو عين ما يفعله نيتشه؛ غير أنه بدلا من أن يكرر ~~الفعل «عرضيا» بين أشخاص مختلفين، يكرره «طوليا» خلال الزمان في الفرد الواحد مرات ~~لا متناهية. فكلتا الطريقتين في تكرار الفعل ترمي إلى نفس الهدف، وهو أن تزيل عنصر ~~العرضية في الفعل، وهو العنصر الذي يلازمه إذا اقتصر على اللحظة الحاضرة أو الفرد ~~الواحد فحسب. # وعلى ذلك، فأقوى تبرير لفكرة العود الأبدي في نظر نيتشه هو نتائجها الأخلاقية الهامة، ~~وتأكيدها للمسئولية الفردية؛ غير أن النتائج الأخلاقية وحدها لا تكفي لتبرير الفكرة إلا إذا ~~كانت الفكرة ذاتها «صحيحة»، وخاصة لأن نيتشه أصر على أن يجعل لها دلالة كونية، وأكد أنها ~~هي التي تعبر عن الطبيعة الحقيقية للعالم. ومن المحال أن يؤمن المرء بما تدعو إليه فكرة ~~معينة، ويوجه سلوكه على النحو الذي تقضي به، إلا إذا كان مقتنعا من بداية الأمر بصوابها؛ ~~أي إن مصير النظرية بأسرها، وبكل ما لها من نتائج أخلاقية، يتوقف على اختيارنا العقلي لها، ~~وهذا هو ما سنعرض له في نقدنا النهائي. # نقد # ترتبط فكرة العود الأبدي ضرورة بالإيمان بالآلية، فلا محل لها إلا في مذهب يؤكد أن ~~الضرورة المطلقة تتحكم في الحوادث، وأن وقوع الحادثة يستتبع وقوع سائر الحوادث منها على نحو ~~آلي تماما. على أن نيتشه لم يكن من أنصار المذهب الآلي، وهو ينقد فكرة العلية ويراها ~~وهما عقليا ننظم به الكون الذي يسوده الاتفاق المحض، على نحو ملائم لأذهاننا فحسب. ~~والحق أن فكرة الاتفاق، واللهو البريء الذي لا هدف وراءه ولا خطة مرسومة توجهه، كانت هي ~~الفكرة التي يفسر بها الكون دائما في فلسفة نيتشه. فكيف جاز له، وهذا رأيه، أن يقول بالعود ~~الأبدي؟ إن القول بأن القوى الكونية متناهية، وبأن الزمان لا نهائي، قد يكون صحيحا، ولكننا ms125 ~~حتى لو افترضناه جدلا، فلن نستنتج منه سوى أن من الممكن أن تطرأ على الكون حالة طرأت عليه من ~~قبل. أما أن يسير الكون كله على نفس النحو الذي سار فيه من قبل تماما، فهذا يقتضي تحكم ~~الآلية في مساره، وسيادة العلية الدقيقة في كل تطوراته. وهكذا يكون على المرء أن يختار ~~بين فكرة الاتفاق التي سادت تفكير نيتشه، وبين فكرة العود الأبدي، ويستحيل عليه أن يهتدي ~~إلى وسيلة للتوفيق بينهما. # ولنمض في النقد خطوة أخرى، فنفترض أن العود الأبدي قد تحقق بالفعل؛ أي إن العالم ~~الذي نعيش فيه قد تكرر من قبل، وسيتكرر فيما بعد، بكل تفاصيله، عددا لا متناهيا من ~~المرات؛ فهل يكون له مع ذلك تأثير نفسي أو أخلاقي على الفرد؟ إن العود الأبدي لن يكون له ~~هذا التأثير إلا إذا كان يكون «مركبا» مع الحالة الحاضرة. فليس للتجربة المتكررة قيمة في ~~حياة الفرد إلا إذا تذكرها فيما بعد، واستفاد منها في وقت مشابه. ومعنى ذلك أن العود ~~الأبدي لا يكون له على السلوك الإنساني أي تأثير إلا إذا كان نفس «الأنا» هو الذي يحيا في ~~كلتا الحالتين؛ غير أنه من المحال أن يكون في أية دورة من دورات العود الأبدي ما يذكرني بما ~~حدث لي من دورة سابقة، وما يمكنني أن أستغله في سلوكي الحالي؛ إذ لو كان في تلك الحالة ~~الثانية أي عنصر يذكرني بأن مشكلتي الحالية قد صادفتني من قبل في دورة سابقة، لما كان ~~التماثل بين الدورتين تاما، بل لتميزت الثانية عن الأولى بوجود عنصر التذكر هذا. ومعنى ذلك ~~أن الإصرار على وجود هوية تامة بين دورات العود الأبدي يفقد الفكرة كل تأثير عملي ~~لها على سلوك الفرد. ولنعلم أن «الأنا» الذي ~~يمارس تجربته خلال إحدى هذه الدورات لا يظل موجودا في الدورة التالية، بحيث يستفيد في ~~الثانية من تجارب الأولى، وإنما يبدأ التجربة نفسها من جديد، مثلما حدث في المرة السابقة ~~تماما، ودون أن يتذكر منها شيئا؛ فالفكرة إذن لا تزيد عن ms126 أن تكون خيالا شعريا لا تأثير ~~له على السلوك، ما دام ينهار أمام التحليل المنطقي الدقيق. وفي هذه الحالة ينعدم تأثيرها ~~النفسي والأخلاقي على الفرد الذي يخضعها لمثل هذا التحليل، ولا يعود لها من أثر إلا على ~~النفوس التي تطغى قوتها التخيلية على منطقها العقلي؛ ولا جدال في أن نيتشه كان من هذا ~~النوع الأخير. وهكذا تخفق العقيدة الجديدة التي حاول نيتشه أن يدعو البشر إليها في توجيه ~~السلوك الإنساني على النحو الذي أراد، وتنهار كل نتائجها الأخلاقية بانهيار أساسها ~~العقلي. # فإذا تذكرنا مدى تأثير فكرة العود الأبدي في نيتشه، والآمال التي علقها عليها في ~~خلق بشرية جديدة تؤمن بالأرض وتكافح فيها كفاح الأبطال. وإذا أدركنا أن هذا كله يبنى على ~~أسس لا يدعهما العقل، فسوف نجد هنا مثلا آخر يوضح لنا ذلك النمط النفسي الخاص الذي ينتمي ~~إليه نيتشه، بما فيه من افتقار إلى المعقولية، ومن ذاتية متطرفة تسارع بتعميم الأفكار ~~واستخلاص النتائج منها قبل أن تنضج تلك الأفكار أو يثبت الذهن إمكان تحقيقها أصلا. # | نصوص مختارة من مؤلفات نيتشه # | مدخل إلى مؤلفات نيتشه # أسلوب الكتابة في مؤلفاته # دون الجزء الأكبر من مؤلفات نيتشه على هيئة فقرات ~~منفصلة # aphorismes # تنطوي كل منها على فكرة كاملة. ومع ذلك؛ ففي الكتب الأخيرة لنيتشه ~~نلمس اتجاها تدريجيا إلى التنظيم والتبويب. ومنذ كتاب «بمعزل عن الخير والشر» تزداد ~~الفقرات طولا، ويصبح الارتباط والتدرج بينها أوضح، ويكاد الكتاب كله يكون وحدة متماسكة. ~~وهذا يؤدي بنا إلى استخلاص هذه النتيجة الضرورية، وهي أن حياة نيتشه العقلية لو كانت قد امتدت ~~قليلا، لأخرج لنا كتبا مترابطة منظمة، لا تختلف عن كتب الفلاسفة الآخرين في شيء. ومما يؤيد ~~ذلك أن كتاب «إرادة القوة» الذي لم يكمله نيتشه، وتركه ضمن مؤلفاته المخلفة، كان قد وضعت ~~له خطة منظمة تهدف إلى أن تجعل منه كتابا فلسفيا متماسكا، يعالج الموضوعات الرئيسية التي ~~اهتم بها نيتشه طوال حياته. # ولكن لم آثر نيتشه أن يؤلف على طريقة الفقرات المنفصلة هذه؟ إنه يذكر ms127 أنها خير طريقة ~~تلائم مفكرا تلقائيا مثله؛ ذلك لأن أصحاب المذاهب الجامعة ينسقون أفكارهم وينمقونها قبل ~~أن يدونوها، حتى تتلاءم كلها وتدخل في إطار مذهبهم. أما هو فلم يكن يضع حدودا معينة ~~لتفكيره، بل يترك الفكرة تظهر تلقائيا دون أن يعوقها عائق، ويدونها كما خطرت لذهنه. وعلى ~~ذلك، فطريقة الكتابة في فقرات هي في رأي نيتشه تعبير عن أمانته الفكرية وإخلاصه العقلي، الذي ~~يأبى عليه إلا أن يترك ذهنه منطلقا، ولو جر عليه ذلك بعض التناقض فيما بين أفكاره ~~المنفصلة. # على أن من نقاد نيتشه من يأتي بتعليل آخر؛ فلم يكن في وسع نيتشه أن يكتب على نحو ~~مخالف؛ إذ إن أعصابه المتوترة وحسه المرهف يجعلانه عاجزا عن الكتابة في أسلوب مطول متماسك، ~~فمثل هذا الأسلوب يقتضي من الصبر والأناة ما لا طاقة لأعصاب نيتشه عليه. فهذا التعليل إذن ~~يهيب بفكرة المرض عنده، ويرد إليها أسلوبه التلقائي في الكتابة. # ونحن نرى أن المزاج الشعري والأدبي عند نيتشه هو - قبل غيره - علة التجائه إلى هذا ~~الأسلوب؛ فأصحاب الأذهان المنطقية الصارمة لا يكتبون إلا أسلوبا متماسكا متسلسلا. وأوضح ~~مثل لذلك «كنت»؛ إذ كان التماسك أوضح ما يميز طريقته في التفكير، بل كان يرد كل ~~تصنيفاته - في سائر مجالات التفكير - إلى مقولات ~~الذهن الرئيسية، ويفتعل ذلك التصنيف ويتكلفه في كثير من الأحيان. أما أصحاب العقليات ~~الأدبية، فكتاباتهم أشبه بالقصائد التي تعبر كل منها عن إحساس معين لدى الشاعر، دون أن ~~يربط بين كل قصيدة وأخرى رباط منطقي متسلسل. والمسألة لا تتعلق في كل الأحوال بالأمانة ~~العقلية، كما يقول نيتشه؛ فقد يكون في وسعنا أن ننظر إلى الأمر من الزاوية المقابلة، فنقول إن ~~الأمانة العقلية ذاتها تقتضي من المرء أن يتروى قبل أن يدون أفكاره، وألا يتركها تنطلق ~~تلقائيا، بل يحمله إحساسه بالمسئولية على أن يقلب الفكرة من كل الأوجه، ليرى إن كانت متسقة ~~مع سائر أفكاره أم لا، وليعدلها هي أو يعدل أفكاره الأخرى قبل أن يدونها. وليس معنى قولنا هذا ~~أننا نصف ms128 أسلوب نيتشه بالافتقار إلى الأمانة العقلية، ولكن كل ما نرمي إليه هو أن نثبت هذه ~~الحقيقة؛ وهي أن من الممكن أن ينظر إلى هذه المسألة من زاوية أخرى تنتهي إلى نتيجة مخالفة ~~لوجهة نظر نيتشه، والأصح ألا نقحم موضوع الأمانة العقلية في هذا الخلاف أصلا، بل نراه ~~خلافا بين الطريقة الأدبية والطريقة المنطقية في التفكير والتعبير؛ فقد يعيب الذهن الأدبي ~~على الذهن المنطقي أنه يتكلف الأفكار ويبعث فيه ترابطا مصطنعا ~~من أجل هدف بيته مقدما، ويرى في ذلك ~~افتقارا إلى الأمانة العقلية، وقد يعيب الذهن المنطقي على الذهن الأدبي أنه يفتقر إلى الشعور ~~بالمسئولية حين يترك أفكاره تنطلق دون أن يجشم نفسه عناء الربط بينها في وحدة متماسكة، ويرى - ~~بدوره - في ذلك افتقارا إلى الأمانة العقلية؛ غير أن كليهما يخطئ حين يفرض معياره الخاص على ~~الآخر، وعلينا أن ندرك أن الاختلاف يرجع إلى أنماط مختلفة في التفكير والتعبير فحسب. # قائمة المؤلفات # الطبعة التي رجعنا إليها في هذا البحث هي طبعة # Alfred-Kröner # في ليبتسج عام 1912، وتسمى بطبعة الجيب # Taschen-Ausgabe ~~. # وفيها تقع مؤلفات نيتشه في أحد عشر مجلدا، كل منها يشتمل على مؤلفاته المنشورة ~~ومؤلفاته المخلفة في فترة معينة. # وقائمة المؤلفات في هذه الطبعة كما يلي: ~~(1) ميلاد ~~المأساة من روح الموسيقى # Die Geburd der Tragödie aus dem Geiste ~~der Musik ~~(في المجلد الأول) ~~(2) خواطر في غير ~~أوانها # Unzeitgemässe Betrachtungen ~~(في المجلد الثاني) ~~(3) أمور ~~إنسانية، إنسانية إلى أقصى حد (الجزء الأول) # Menschliches, ~~Allzumenschiches I ~~(في المجلد الثالث) ~~(4) أمور إنسانية، إنسانية إلى أقصى حد (الجزء الثاني) ~~(في المجلد الرابع) ~~(5) الفجر # Morgenröte ~~(في المجلد الخامس) ~~(6) العلم ~~المرح # Die fröhliche Wissenschchaft ~~(في المجلد السادس) ~~(7) هكذا تكلم ~~زرادشت # Also sprach Zarathustra ~~(في المجلد السابع) ~~(8) بمعزل عن الخير ~~والشر # Jenseits von Gut und Böse ~~(في المجلد الثامن) ~~(9) أصل نشأة ~~الأخلاق # Zur Genealogie der Moral ~~(في المجلد الثامن) ~~(10) إرادة القوة # Der Wille zur Macht ~~(في جزأين، بالمجلد التاسع والعاشر) ~~(11) أفول الأصنام # Götzendämmerung ~~(في المجلد العاشر) ~~(12) عدو المسيح # Der Antichrist ms129 ~~(في المجلد العاشر) ~~(13) قضية فاجنر # Der Fall Wagner ~~(في المجلد الحادي عشر) ~~(14) نيتشه ضد فاجنر # Nietzsche contra Wagner ~~(في المجلد الحادي عشر) ~~(15) هو ذا الرجل # Ecco homo ~~(في المجلد الحادي عشر) # ولما كانت إشارات الصفحات تختلف من طبعة إلى أخرى، فقد آثرنا أن نشير إلى النصوص المختارة ~~التي انتقيناها من مؤلفات نيتشه تبعا لأرقام الفقرات - وهي واحدة في كل الطبعات والترجمات - ~~لا تبعا لأرقام الصفحات. # الفصل الأول # | أصل المعرفة # العلم المرح، الفقرة 110 # لم يتولد عن العقل خلال الأزمان الهائلة الماضية سوى الأخطاء، ومن هذه الأخطاء ما ثبت نفعه ~~وقدرته على حفظ النوع؛ إذ استطاع من اهتدى إليه أو تلقاه بالميراث، أن يحرز في نضاله من أجل ~~ذاته ومن أجل ذريته مزيدا من النجاح؛ ومن قبيل هذه المعتقدات الباطلة، التي ظلت تتوارث حتى ~~كادت في نهاية الأمر أن تعد كامنة في ماهية النوع الإنساني، الاعتقاد بأن ثمت أشياء ثابتة، ~~وبأن ثمت أشياء متماثلة، وبأن ثمت أشياء، وجواهر، وأجساما، وبأن الشيء يكون على النحو الذي ~~يتبدى عليه، وبأن لنا إرادة حرة، وبأن ما هو خير بالنسبة إلي هو خير في ذاته ولذاته. # ولم يظهر من ينكر مثل هذه المعتقدات أو يشك فيها إلا في وقت متأخر جدا؛ أعني أن ~~الحقيقة لم تظهر إلا متأخرة جدا، بوصفها أضعف صور المعرفة وأقلها أثرا. وعندئذ، وضح للمرء ~~أنه لا يستطيع أن يحياها؛ إذ إن الكائن العضوي فينا قد تلاءم مع ضدها، وكل الوظائف العليا لهذا ~~الكائن العضوي، كالإدراك الحسي وسائر أنواع الإدراك بوجه عام، إنما مورست من خلال هذه الأخطاء ~~الأساسية القديمة التي سرت فيها. بل إن هذه المبادئ قد غدت هي ذاتها المعايير التي يقاس بها ~~ما هو «حقيقي» وما هو «غير حقيقي» في المعرفة؛ حتى تغلغلت في أعمق مجالات المنطق الخالص. # وعلى ذلك «فقوة» المعرفة لا تكون في مدى ~~حقيقتها، بل في قدمها، ومدى تغلغلها فينا، وطبيعتها بوصفها شرطا من شروط الحياة. وحيثما بدت ~~الحياة والمعرفة في تعارض، لم ينشب أي صراع ms130 جدي، فهنا يعد الإنكار والشك ضربا من الجنون. ~~أما أولئك المفكرون الذين شذوا عن هذه القاعدة، كالإيليين، الذين أكدوا برغم ذلك ما في ~~الأخطاء الطبيعية من أضداد، وثبتوها، فقد اعتقدوا أن من الممكن أيضا أن «نحيا» هذا التضاد؛ ~~ومن هنا ابتدعوا شخصية الحكيم، بوصفه ذلك الذي يتصف بالثبات، واللاشخصية، وشمول الأفق، ويكون ~~واحدا وكلا في الآن نفسه، وتتوافر لديه قدرة خاصة على هذه المعرفة المعكوسة. وهكذا كانوا ~~يعتقدون أن معرفتهم هي في الوقت نفسه «مبدأ الحياة». على أنه كان يتعين عليهم، لكي يتسنى لهم أن ~~يؤكدوا كل ذلك، أن «يخدعوا» أنفسهم في موقفهم الخاص؛ أعني أنه كان يتعين عليهم أن ينسبوا إلى ~~أنفسهم اللاشخصية والثبات الذي لا يعرف تحولا، وأن يسيئوا فهم ماهية العارف، وينكروا أهمية ~~الغرائز في المعرفة، وبالإجمال، أن يتصوروا العقل على أنه فاعلية كاملة الحرية، نابعة عن ذاتها ~~فحسب. ونسوا أنهم ما وصلوا إلى مبادئهم هذه إلا بمناقضة ما هو شائع، أو بدافع الرغبة في ~~السكينة، الاستحواذ أو السيطرة. على أن التطور الأعماق الذي سارت فيه نزعات الشك الأمينة قد جعل ~~وجود مثل هؤلاء الناس محالا في نهاية الأمر، فقد تبين أن حياتهم وأحكامهم تعتمد بدورها على ~~الغرائز المتأصلة والأخطاء الأساسية القديمة التي تكمن في كل كائن مدرك. ولقد كانت مثل هذه ~~النزعة الأعمق، التي تتصف بالأمانة والشك، تظهر حيثما يبدو مبدآن متعارضان قابلين للانطباق على ~~الحياة، ما دام كل منهما يتفق والأخطاء الأساسية؛ أعني أنها كانت تظهر حيثما أمكن أن يثار ~~الجدال حول وجود قدر أعظم أو أقل من النفع للحياة، وكذلك حيثما تبين أن ثمت قضايا جديدة، هي ~~حقا غير نافعة للحياة، ولكنها على الأقل ليست ضارة بها؛ أعني أنها كانت من إنتاج ميل غريزي ~~إلى اللهو العقلي، وفيها من البراءة والطرافة ما في سائر مظاهر اللهو. وبالتدريج امتلأ الذهن ~~الإنساني بمثل هذه الأحكام والمعتقدات، وثار في هذا الخليط فوران، وصراع، ونزوع إلى القوة، ولم ~~يكن النفع واللذة هما وحدهما اللذان تدخلا في هذا الصراع ms131 من أجل «الحقائق»، بل تدخلت فيه كل ~~أنواع الغرائز، وأصبح الصراع العقلي انشغالا، وحماسة، ورسالة، وواجبا، وكرامة، وانتهى ~~الأمر بالمعرفة وبالسعي وراء الحقيقة إلى أن يصبح حاجة ضمن سائر الحاجات. ومنذ ذلك الحين لم ~~يعد الإيمان والاقتناع وحدهما «قوة». بل غدا البحث، والإنكار، والريبة، والتناقض، «قوة» ~~بدورها، وانتظمت في خدمة المعرفة كل الغرائز «الشريرة»، واستغلتها هذه لصالحها، واكتسبت تلك ~~الغرائز مكانة النزعات المشروعة، المبجلة، المفيدة، وأصبح لها أخيرا مظهر «الخير»، ~~وبراءته. # وهكذا أصبحت المعرفة قطعة من الحياة ذاتها، ولما كانت هي ذاتها حياة، فقد غدت قوة دائمة ~~النمو حتى انتهى الأمر إلى تصادم المعارف وتلك الأخطاء الأساسية القديمة، ما دامت كل منهما ~~حياة، وكل منهما قوة، وكل منهما تتمثل في الإنسان عينه؛ فالمفكر هو الآن ذلك الكائن الذي ~~يتصارع فيه لأول مرة ذلك الميل إلى الحقيقة مع تلك الأخطاء التي تحفظ الحياة، بعد أن «اتضح» أن ~~الميل إلى الحقيقة هو ذاته ميل حافظ للحياة. والحق أن كل أمر آخر ليغدو، بالقياس إلى أهمية ~~هذا الصراع، غير ذي بال، فهنا يثار السؤال الأخير عن شرط الحياة، وهنا تبذل المحاولة الأولى ~~للإجابة عن هذا السؤال عن طريق التجربة. فإلى أي حد تحتمل الحقيقة أن تتمثل؟ ذلك هو السؤال، ~~وتلك هي التجربة. # URSPRUNG DER ERKENNTNISS # Die fröhliche Wissenschaft. † 110 # Der Intellekt hat ungehueure Zeitstrecken hindurch Nichts als ~~Irrthümer erzeugt; einige davon ergaben sich als nützlich und arterhaltend: wer auf sie ~~stiess oder sie verebt bekam, kampfte seinen Kampf für sich und seinen Nachwuchs mit ~~grosserem Glücke. Solche irrthümliche Glaubenssätze, die immer weiter ererbt und endlich ~~fast zum menschlichen Art und Grundlbestand wurden, sind zum beispeil diese: dass es ~~dauernde Dinge gebe, dass es gleiche Dinge gebe, dass es Dinge, Stoffe, Körper gebe, ~~dass ein Ding sei, als was es erscheine, dass unser Wollen frei sei, dass was für mich ~~gut ist, auch an und für. # sich gut sei. Sehr spät erst traten die ms132 Leugner und ~~Anzweifler solcher Sätze auf-Sehr spat erst trat die Wahrheit auf, als die Unkraftrigste ~~Form der Erkenntriss. Es schien, dass man mit ihr nicht zu leben vermöge, unser ~~Organismus war auf ihren Gegensatz eingerichter; alle seine höheren Funktionen, die ~~Wahrnehmungen der Sinne und jede Art von Empfindung überhaupt, arbeiteten mit jenen ~~uralt einverleibten Grundirrethümern. Mehrnoch: jene Sätze wurden selbst innderhalb der ~~Erkenntniss zu den Normen, nach denen man “wahr” und “unwahr” bemass- bis hinein in die ~~entlegensten Gegenden der reinen Logik. # Also: die # Kraft # der ~~Erkenntnisse liegt nicht in ihrem Grade von Wahrheit, sondern in ihrem Alter, ihrer ~~Einverleibtheit, ihrem Charakter als Lebensbedingung. Wo Leben und Erkennen in ~~Widerspruch zu kommen schienen, ist nie ernstlich gekämpft worden; da galt Leugnung und ~~Zweifel als Tollheit. Jene Ausnahme Denker, wie die Eleaten, welche trotzdem die ~~Gegensätze der natürlichen Irrthümer aufstellten und festhielten, glaubten daran, dass ~~es möglich sei, dieses Gegentheil auch zu # leben ~~: sie ~~erfanden den Weisen als den Menschen der Unveränderlichkeit, Unpersönlichkeit, ~~Universlaität der Anschauung, als Eins und Alles zugleich, mit einem eigenen Vermögen ~~für jene umgekehrte Erkenntniss; sie waren des Glaubens, dass ihre Erkenntniss zugleich ~~das Princip des # Lebens # sei. Um dies alles aber ~~behaupten zu können, mussten sie sich über ihren eigenen Zustand # täuschen ~~: sie mussten sich Unpersönlichkeit und Dauer ohne Wechsel ~~andichten, das Wesen des Erkennenden verkennen, die Gewalt der Triebe im Erkennen ~~leugnen und überhaupt die Vernunft als völlig freie, sich selbst entsprungene Aktivität ~~fassen; sie hielten sich die Augen dafür zu, dass auch sie im Widersprechen gegen das ~~Gültige, oder im Verlangen nach Ruhe oder Alleinbesitz oder Herrschaft zu ihren Sätzen ~~gekommen waren. Die feinere Entwicklung der Redlichkeit und der Skepsis machte endlich ~~auch diese Menschen unmöglich; auch ihre Leben und Urtheilen ergab sich als abhängig von ~~den uralten Trieben und Grundirrthümern alles Emfinden Daseins-Jene feinere ms133 Redlichkeit ~~und Skepsis hatte überall dort ihre Enstehung, wo zwei entgegengesetzte Sätze auf das ~~Leben # anwendbar # erschienen, weil sich beide mit den ~~Grundirrthümern vertrugen, wo also über den höheren oder geringeren Grad des Nutzens für ~~das Leben gestritten warden könnte; ebenfalls dort, wo neue Sätze sich dem Leben zwar ~~nicht nützlich, aber wenigstens auch nicht schädlich zeigten, als Ausserungen eines ~~intellektuellen Spieltriebes, und unschuldig und glücklich gleich allem Spiele, ~~Allmählich füllte sich das menschliche Gehiren mit solchen Urtheilen und Uberzeugungen, ~~es enstand in diesem Knäuel, Gährung, Kamfp und Machtgelüst. Nützlichkeit und Lust nicht ~~nur, sondern jede Art von Trieben nahm Partei in dem kampfe um die “Wahrheiten”; der ~~intellektuelle kampf wurde Beschäfrigung, Reiz, Beruf, Pflicht, Würde- das Erkennen und ~~das Streben nach dem Wahren ordnete sich endlich als Bedürfniss in die anderen ~~Bedürfnisse ein. Von da an war nicht aur der Glaube und die Uberzeugung, sonderen auch ~~die Prüfung, die Leugnung, das Misstrauen, der Widerspruch eine # Macht ~~, alle “bösen” instinkte waren der Erkenntniss untergeordnet und in ~~ihren Dienst gestellt und bekamen den Glanz des Erlaubten, Geehrten, Nützlichen und ~~zuletzt das Auge und die Unschuld den # Guten ~~. Die ~~Erkenntniss wurde also zu einem Stück Leben selber und als Leben zu einer immerfort ~~wachsenden Macht; bis endlich die Erkenntnisse und jene uralten Grundirrthümer anf ~~einander stiessen, beide als Leben, beide als Macht, beide in demselben Menschen. Der ~~Denker: das ist jetzt das Wesen, in dem der Trieb zur Wahrheit und jene lebenerhaltenden ~~Irrthümer ihren ersten Kampf kämpfen, nachdem auch der Trieb zur Wahrheit sich als eine ~~lebenerhaltende Macht # bewiesen # hat. Im Verhaltniss zu ~~der Wichtigkeit dieses Kampfes ist alles Andere gleichgültig: die letzte Frage um die ~~Bedingung des Lebens ist hier gestellt, und der erste Versuch wird hier gemacht, mit dem ~~Experiment auf diese Frage zu antworten. Inwieweit verträgt die Wahrheit die ~~Einverleibung?-das ms134 iste die Frage, das ist das Experiment. # الفصل الثاني # | إلى دعاة إنكار الذات # العلم المرح، الفقرة 21 # لا تعد فضائل الشخص خيرا بالنسبة إلى ما تعود به من نتائج على صاحبها ذاته، بل بالنسبة ~~إلى ما ينتظر من نتائجها علينا وعلى المجتمع. والحق أن الإنسان في امتداحه الفضائل، كان ~~دائما أبعد ما يكون عن «إنكار الذات» وعن «الغيرية». ولو لم يكن الأمر كذلك، لأدرك أن الفضائل ~~(كالنشاط والطاعة، والعفة ، والتقوى، والعدالة) هي في أغلب الأحيان «ضارة» بأصحابها؛ إذ هي ميول ~~تسيطر عليهم بشيء غير قليل من العنف والشدة. # ولا يستطيع العقل أن يحقق التوازن بينها وبين سائر الميول. فحين تكون لديك فضيلة ما، فضيلة ~~حقة، كاملة (لا مجرد نزوع سطحي إلى الفضيلة!) تكون أنت ضحيتها! ومع ذلك يمتدح الجار فضيلتك لهذا ~~السبب عينه! إن المرء ليمتدح النشيط، برغم أنه يضر في نشاطه هذا بقوة إبصار عينيه، أو بأصالة ~~روحه وصفائها، وإن المرء ليمجد الشاب الذي «استهلك نفسه في العمل»، ويتحسر عليه؛ إذ يحكم على ~~الأمر قائلا: إن خسارة خير الأفراد من أجل المجتمع بأكمله إنما هي تضحية طفيفة! والمؤلم في ~~الأمر أنها تضحية ضرورية! ولكن الأكثر من ذلك إيلاما أن يفكر الفرد على نحو مخالف، وينظر إلى ~~بقاء ذاته، وإنمائها على أنها أمر يفوق في الأهمية ~~عمله من أجل خدمة المجتمع!» وهكذا يتحسر الناس على هذا الشاب لا حزنا عليه هو ذاته، وإنما لأن ~~المجتمع قد فقد بهذا الموت أداة طيعة تفرط في ذاتها؛ أعني أنه فقد ما يسمى «بالرجل ~~المجد». وربما فكر البعض في أنه قد يكون أنفع للمجتمع لو عمل ذلك الشاب على أن يكون أقل ~~تفريطا في ذاته، وأكثر حرصا على بقائه، ولكنهم مع موافقتهم على أن هذا قد يكون فيه نفع ~~للمجتمع، يؤكدون أن هناك نفعا آخر هو خير وأبقى؛ وأعني به حدوث «تضحية»، والشعور بأن فكرة ~~«الفداء» قد تكررت ودعمت مرة أخرى بصورة بادية للعيان. # وعلى ذلك فعندما تمتدح الفضائل يكون ما يمتدح فيها في ms135 واقع الأمر صفتها من حيث هي أداة، ~~وذلك الاندفاع الأعمى الذي يسود كل فضيلة، والذي لا يجعلها تقتصر على حدود نفع الفرد وحده؛ أي ~~بالاختصار، تلك الصفة الهوجاء في الفضيلة، التي يتحول بها الفرد إلى أداة في يد الكل فحسب. ~~فامتداح الفضائل هو امتداح لشيء ضار بالفرد، هو امتداح لميول تسلب الإنسان أنبل حب لذاته، ~~وقدرته على أن يرعى نفسه على أكمل نحو. # ولا جدال في أن المرء يلجأ من أجل تلقين العادات الفاضلة ونشرها إلى إيراد سلسلة من النتائج ~~التي تنجم عن الفضيلة، على نحو تبدو معه الفضيلة ونفع الفرد متفقين. والحق أن هذا الاتفاق ~~بينهما موجود بالفعل! فالنشاط المندفع الطبع مثلا، وهو الفضيلة التي تتميز بها الأداة، ينظر ~~إليه على أنه هو سبيل الثراء والمجد، وهو خير ترياق من الملل والآلام؛ غير أن المرء يتجاهل عن ~~عمد ما فيه من خطر، بل من خطورة عظمى؛ فالتربية تمضي دائما على هذا النحو؛ هي تسعى عن طريق ~~سلسلة من الترغيبات والمنافع، إلى أن تبث في الفرد طريقة في التفكير والسلوك، من شأنها إذا ~~أصبحت عادة وغريزة وانفعالا متأصلا أن تسيطر عليه وتتحكم فيه «على نحو مضاد لنفعه ~~النهائي»، وعلى نحو نافع للمجموع. ولكم رأيت النشاط المندفع الطيع يجلب ثراء ومجدا بحق، ~~ولكنه في نفس الوقت يسلب أعضاء الجسم ذلك الحس المرهف الذي يمكنها به أن تستمتع بهذا الثراء ~~وهذا المجد، كما رأيت ذلك العلاج الشافي من الملل ومن الآلام يحيل الحواس صماء والروح محصنة ~~ضد التأثر بأي عامل جديد. (فأنشط العصور - أعني عصرنا الحالي - لا يفعل شيئا بنشاطه وماله ~~الموفور، سوى أن يكتسب على الدوام مزيدا من المال، ويبذل مزيدا من النشاط؛ ذلك لأن الإنفاق ~~يحتاج إلى ذكاء يزيد عما يحتاج إليه الاكتساب! ولكننا على أية حال سيكون لنا «أحفاد» من بعدنا!) ~~فإذا ما بلغت التربية هدفها، فإن كل فضيلة للفرد تغدو نفعا للجماعة، وضررا للفرد، إذا نظر ~~إليها من حيث الهدف الفردي الأسمى، وربما كان في ذلك فساد للروح ms136 والحس، أو هلاك سابق لأوانه، ~~وعلينا أن نتأمل، من وجهة النظر هذه، فضائل الطاعة والعفة والتقوى والعدالة. فامتداح من ينكر ~~ذاته، ويضحي بها، ويتصف بالفضيلة؛ أعني امتداح ذلك الذي لا يبذل كل طاقته وذهنه من أجل الإبقاء ~~على «ذاته»، وإنمائها، والعلاء بها، وإنهاضها، وبسط سلطانها، وإنما يحيا، إزاء ذاته، حياة كلها ~~ضعة وغفلة، وربما كان فيها عدم اكتراث أو سخرية؛ هذا الامتداح لا يظهر أبدا بدافع إنكار الذات! ~~إذ إن «الجار» لا يمتدح إنكار الذات إلا لأنه سيجني منها غنما! ولو كان الجار يفكر على نحو فيه ~~إنكار للذات، لرفض هذا التشتيت للطاقة، وذلك الضرر الذي يحل من أجله «هو»، ولعمل على الحيلولة ~~دون ظهور مثل هذه الميول، ولأظهر - قبل كل هذا - إنكاره لذاته، بالامتناع عن تسمية هذا «خيرا»، ~~وهنا نصل إلى التناقض الأساسي الذي تتصف به تلك الأخلاق التي تلقى اليوم أعظم تمجيد؛ «فدوافع» ~~تلك الأخلاق مضادة «لمبادئها». # وتلك الأخلاق تفند ما تريد أن تبرر به نفسها؛ تفنده بمعيارها الخاص لما هو أخلاقي! والقضية ~~القائلة «عليك أن تنكر ذاتك وتضحي بها» ينبغي عليها، إذا شاءت ألا تتعارض مع أخلاقيتها، ألا ~~تصدر إلا عن كائن ينصرف في دعوته هذه عن نفعه الخاص، وربما وجد في تلك التضحية التي يدعو الفرد ~~إلى القيام بها هلاكا له هو ذاته. ولكن ما إن يدعو الجار (أو المجتمع) إلى الغيرية «بدافع ~~المنفعة»، حتى يكون قد اتبع المبدأ المضاد، القائل «عليك أن تسعى إلى المنفعة، حتى على حساب ~~الآخرين.» وبهذا يدعو إلى الأمر «عليك أن ...» والنهي «عليك ألا ...» في آن واحد! # AN DIE LEHRER DER SELBSTLOSIGKEIT # Die fröhliche Wissenschaft. † 21 # Man nennt die Tugenden eines Menschen # gut ~~, nicht in Hinsicht auf die Wirkungen, welche sie für ihn selber haben, ~~sondern in Hinsicht auf die Wirkungen, welche wir von ihnen für uns und die Gesellschaft ~~voranssetzen: # Man ist von jeher im Lobe der Tugenden sehr wenig ~~“selbstlos”, sehr wenig “unegoistisch” gewesen! Sonst nämlich hätte man sehen ms137 müssen, ~~dass die Tugenden (wie Fleiss, Gehorsam, Keuschheit, Pietät, Gerechtigkeit) ihren ~~Inhabern meistens # schädlich # sind, als Triebe, welche ~~allzu heftig und begehrlich in ihenn walten und von der Vernunft sich durchaus nicht im ~~Gleichgewicht zu den anderen Trieben halten lassen wollen. Wenn du eine Tugend hast, ~~eine wirkliche, ganze Tugend (und nicht nur ein Triebchen von einer Tugend!)-so bist du ~~ihr Opfer! # Aber der Nachbar lobt eben deshalb deine Tugend! Man lobt den ~~Fleissigen, ob er gleich die Sehkraft seiner Augen oder die Ursprünglichkeit und Firsche ~~seines Geistes mit diesem Fleisse schädigt: man ehrt und bedauert den Jüngling, welcher ~~sich “zu Schanden gearbeitet hat”. Weil man urtheilt: Für das ganze Grosse der ~~Gesellschaft ist auch der Verlust des besten Einzelnen nur ein kleines ~~Opfer! # Schlimm, dass dies Opfer noth thut! Viel schlimmer freilich, wenn der ~~Einzelne anders denken und seine Erhaltung und Entwicklung wichtiger nehmen sollte, als ~~seine Arbeit im Dienste der Gesellschaft! Und so beauert man diesen Jüngling, nicht um ~~seiner selber willen, sondern weil ein ergebenes und gegen sich rücksichtsloses # Werkzeug ~~-ein sogenannter “braver Mensch”-durch ~~diesen Tod der Gesellschaft verloren gegangen ist. Vielleicht erwägt man noch, ob es im ~~Interesse der Gesllshaft nützlicher gewesen sein würde, wenn er minder rücksichtslos ~~gegen sich gearbeiter und sich länger erhalten hätte-ja man gesteht sich wohl einen ~~Vortheil davon zu, schlägt aber jenen andern Vortheil, dass ein # Opfer # gebracht ist und die Gesinnung des Opferthiers sich wieder enimal # augenscheinlich # bestättigt hat, für höher und ~~nachhaltiger an. Es ist also enimal die Werkzeug-Natur in den Tugenden, die eigentlich ~~gelobt wird, wenn die Tugenden gelobt warden, und sodann der blinde in jeder Tugend ~~waltende Trieb, welcher durch den Gesammt-Vortheil des Individuums sich nicht in ~~Schranken halten lässt, Kurtz: die Unvenunft in der Tugend, vemöge deren das Einzelwesen ~~sich zur Funktion des Ganzen umwandeln lässt. ms138 Das Lob der Tugenden ist das Lob von etwas Privat-Schädlichem-das Lob von Trieben, welche dem Menschen seine edelste Selbstsucht ~~und die Kraft zur höchsten Obhut über sich selber nehmen-Freilich: zur Erziehung und zur ~~Einverleibung tugendhafter Gewöhnheiten kehrt man eine Reihe von Wirkungen der Tugend ~~heraus, welche Tugend und Privat-Vortheil als verschwister erscheinen lassen-und es ~~giebt in der That eine solche Geschwisterschaft! Der blind wüthende Fleiss zum Beispiel, ~~diese typische Tugend eines Werkzeugs, wird dargestellt als der Weg zu Reichthum und ~~Ehre und als das heilsamste Gift gegen die Langweile und die Leidenschaften: aber man ~~verschweigt seine Gefahr, seien höchste Gefahrlichkeit. Die Erziehung verfähurt durchweg ~~so: sie sucht den Einzelnen durch eine Reihe von Reizen und Vortheilen zu einer Denk-und ~~Handlungsweise zu bestimmen, welche, wenn sie Gewohnheit, Trieb und Leidenschaft ~~geworden ist, # wider seinen leizten Vortheil ~~, aber ~~“zum allgemeinen Besten” in ihm und über ihun herrscht. Wie oft sehe ich es, dass der ~~blind wüthende Fleiss zwar Reichthümer und Ehre schafft, aber zugleich den Organen die ~~Feinheit nimmt, vermöge deren es einen Genuss an Reichthum und Ehren geben konnte, ~~ebenso, dass jenes Hauptmittel gegen die Langweile und die Leidenschaften zugleich die ~~Sinne stumpf und den Geist widerspänstig gegen neue Reize macht. (Das fleissigste aller ~~Zeitalter-unser Zeitalter-weiss aus seinem vielen Fleisse und Gelde Nichts zu machen, ~~als immer wieder mehr Geld und immer wieder mehr Fleiss: es gehört eben mehr Genie dazu, ~~Auszugeben, als zu erwerben!-Nun, wir warden unsre “Enkel” haben!) Gelingt die ~~Erziehung, so ist jede Tugend des Einzelnen eind öffentliche Nützlichkeit und ein ~~privater Nachteil im Sinne des höchsten privaten Zieles-wahrscheinlich irgend eine ~~geistig-sinnliche Verkümmerung oder gar der frühzeitige Untergrang: man erwäge der Reihe ~~nach von diesem Gesichtspunkte aus die Tugend des Gehorsams, der Keuschheit, der Pietät, ~~der Gerechtigkeit. Das Lob des Selbstolosen, Aufopfenden Tugendhaften- also Desjenigen, ~~der nicht seine ganze ms139 Kraft und Vernunft auf # seine # Erhaltung, Entwickllung, Erhebung, Förderung, Macht-Erweiterung verwendet, sondern in ~~Bezug auf sich bescheiden und gdeankenlos, vielleicht sogar gleichgültid oder ironsiche ~~lebt-dieses Lob ist jedenfalls nicht aus dem Geiste der Selbstlosigkeit entsprungen! Der ~~“Nächste” lobt die Selbstlosigkeit, weil er durch sie # Vortheile ~~hat ~~! Dächte der Nächste selber “selbstlos”, so würde er jenen Abbruch an ~~Kraft, jene Schädigung zu # seinen # Gunsten abweisen, ~~der Enststehung solcher Neigungen entgegenarbeiten und vor Allem seine Selbstlosigkeit ~~eben dadurch bekunden, dass er dieselbe # nicht gut # nennte!-Hiermit ist der Grundwiderspruch jener Moral angedeutet, welche gerade jetzt ~~sehr in Ehren steht; die # Motive # zu dieser Moral ~~stehen im Geogensatz zu ihrem Princip ~~! Das, womit ~~sich diese Moral beweisen will, widerlegt, sie aus ihrem Kriterium des Moralischen! Der ~~Satz “du sollst dir selber entsagen und dich zum Opfer bringen” dürfte, um seiner eignen ~~Moral nicht zuwiderzugehen, nur von einen Wesen dekretirt warden, welches damit selber ~~seinem Vortheil entsagte und vielleeicht in der verlangten Aufopferung der Einzelnen ~~seinen eigenen Untergang herbeiführte. Sobald aber der Nächste (oder die Gesellshaft) ~~den Altruismus # um des Nutzens willen # anempfiehlt, ~~wird der grade entgegengesetzte Satz, “du sollst den Vortheil, auch auf Unkosten alles ~~anderen, suchen” zur Anwendung gebracht, also in Einem Athem ein “Du sollst” und “Du ~~sollst nicht” gepredigt! # الفصل الثالث # | [أخلاق السادة وأخلاق العبيد]1 # بمعزل عن الخير والشر، الفقرة 260 # خلال جولتي بين عديد من النظم الأخلاقية، العميقة منها والسطحية، التي سادت الأرض حتى ~~اليوم، أو لا تزال تسود اليوم؛ اهتديت إلى سمات معينة تتردد سويا بانتظام ويرتبط بعضها ~~ببعض، إلى أن تبدى لي في نهاية الأمر نوعان أساسيان، وظهر هذا التقابل الرئيسي؛ فثمت أخلاق ~~للسادة وأخلاق للعبيد؛ وإني لأذهب إلى أنه في كل الحضارات العليا والمختلطة، تظهر محاولات ~~للتوفيق بين هذين النوعين من الأخلاق. وأكثر من ذلك ظهورا، تداخلهما والخلط بينهما، وربما ~~ارتبطا أوثق الارتباط في الشخص الواحد، وفي ms140 النفس الواحدة؛ فالتمييز بين القيم الأخلاقية إما ~~أن ينشأ عن نوع من السادة، الذين يجدون لذة في التميز عن المسودين، أو تنشأ عن المسودين، عن ~~العبيد والتابعين من مختلف الأنواع؛ ففي الحالة الأولى، عندما يكون السادة هم الذين يحددون معنى ~~تصور «الخير »، تكون الأحوال السامية المترفعة للنفس هي التي تعد فضلا، وهي التي تحدد التفاوت ~~في المراتب، ويبتعد الرجل الرفيع عن أولئك الذين تتمثل لديهم صفات مضادة لأحوال النفس ~~السامية هذه، ويحتقرهم. ولنلاحظ هنا، بناء ~~على ما قلناه، أن التقابل بين الحسن والرديء يعادل في هذا النوع الأول من الأخلاق، التقابل ~~بين الرفيع والحقير. # أما التقابل الآخر بين الخير والشر فله أصل آخر، فهنا يحتقر الجبان، والقلق، ~~والمتصاغر، وذلك الذي لا يخرج تفكيره عن حدود المنفعة الضيقة، وكذلك يحتقر المرتاب بنظرته ~~المقيدة، وذلك الذي يحقر من شأن ذاته، وذلك النوع من الناس، الذي يقبل أن يعامله الغير معاملة ~~الكلاب، والمنافق المستجدي، وقبل هؤلاء جميعا، الكاذب؛ ذلك لأن من المعتقدات الأساسية لكل ~~الأرستقراطيين، أن عامة الناس كاذبون. ولقد كان النبلاء في اليونان القديمة يسمون أنفسهم «نحن ~~أهل الصدق». ومن الجلي أن التقويمات الأخلاقية كانت في مبدأ الأمر تطلق على «الأشخاص»، ولم ~~تطلق على أنواع السلوك وترد إليها إلا فيما بعد؛ ومن هنا كان من الأخطاء الكبيرة أن يتخذ ~~مؤرخو الأخلاق نقطة بدايتهم من أسئلة مثل: «لم يحمد الفعل الشفوق؟» فالنوع الرفيع من الناس ~~يشعر بأنه «هو» الذي يحدد القيمة؛ ومن هنا لم يكن في حاجة إلى أن يسمى بالخير، وإنما يصدر ~~حكمه على هذا النحو: «إن ما هو ضار بي هو ضار في ذاته»؛ أي إنه يعرف أنه هو الذي يضفي على ~~الأشياء ما لها من شرف، فهو «خالق القيم». وهو يمجد كل ما يجده في ذاته؛ فمثل هذه الأخلاق ~~إنما هي تمجيد للذات، وفي أساس هذه الأخلاق يقوم شعور فياض بالامتلاء، وبالقوة، وسعادة التوسع ~~الرفيع، والإحساس بالثراء القادر على البذل والعطاء؛ فالرجل الرفيع يساعد التعس بدوره، ولكن ~~لا يكون ذلك ms141 بدافع الشفقة، وإنما بفعل اندفاع تولده القوة الفائضة. والرجل الرفيع يمجد ~~القوي في ذاته، كما يمجد ذلك الذي يمارس قوته على ذاته؛ فيعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ويشعر ~~باللذة حين يعامل نفسه بقسوة وصرامة، ويمجد كل ما هو قاس وصارم، وفي الأساطير الإسكندنافية ~~القديمة يقول البطل: «لقد وضع فوتان في صدري قلبا قاسيا.» تلك هي الكلمة التي عبرت عنها نفس «فيكنج» # 2 # فخور، بل إن مثل هذا الرجل يشعر بالفخر لأنه لم يخلق ليكون شفوقا؛ ومن هنا يضيف ~~البطل في الأسطورة السابقة قوله: «من لم يكن له منذ حداثته قلب قاس، فلن يكون له مثل ذلك ~~القلب أبدا»؛ فالنبلاء والشجعان الذين يفكرون على هذا النحو، هم أبعد الناس عن ذلك النوع الآخر ~~من الأخلاق، الذي يرى في الشفقة أو العمل من أجل الغير أو «النزاهة» دليلا على الأخلاقية؛ ذلك ~~لأن إيمان المرء بذاته، وفخره بذاته، والعداء والسخرية المريرة من كل «إنكار للذات»؛ كل هذا ~~ينتمي إلى الأخلاق الرفيعة بنفس اليقين الذي ينتمي به إليها احتقارها وتجنبها للشفقة و«القلب ~~العطوف». والأقوياء هم الذين يعرفون كيف يمجدون، فذلك فنهم ومجال إبداعهم. ومما تتميز به ~~هذه الأخلاق عما عداها، تبجيلها العميق للقديم وللتقاليد المتوارثة (ومثل هذا التبجيل المزدوج ~~هو أصل القانون بأسره)، والإيمان بالسلف والتحيز له، وعدم الثقة بالخلف. فإذا كنت تجد أنصار ~~«الآراء الحديثة» يؤمنون بالتقدم وبالمستقبل إيمانا شبه غريزي، ويقللون على الدوام من شأن ~~القدماء، فإن هذا في الحق يكفي للكشف عن الأصل غير الرفيع الذي صدرت عنه هذه «الآراء»، ويكون ~~وقع أخلاق السادة أغرب وأبغض ما يكون إلى الذوق الحالي، في مبدئها الصارم، القائل إن المرء لا ~~يدين بواجب إلا لنظرائه، وإن عليه إزاء ذوي المرتبة المنحطة وكل ما هو غريب عنه أن يسلك كما ~~يرغب و«كما يشاء هواه»؛ أعني «بمعزل عن الخير والشر» دائما. وعلى هذا الأساس وحده يكون للشفقة ~~وما شاكلها من المشاعر مجال؛ فالقدرة على الشعور العميق بعرفان الجميل، وبالرغبة في الانتقام، ~~والالتزام بهذا الشعور (وكلا الأمرين ms142 لا يكون إلا في حدود النظراء وحدهم) والتشبث بالثأر، ودقة ~~فهم معنى الصداقة، والشعور بضرورة وجود أعداء (لكي يكون فيهم منفذ لأحاسيس الغيرة، ~~والمقاتلة، والصلف؛ وقبل هذا كله، لكي يستطيع المرء أن يكون «صديقا» بالمعنى الصحيح)؛ كل ~~هذه علائم تتميز بها الأخلاق الرفيعة، التي هي، كما قلت من قبل، مختلفة عن أخلاق «الآراء ~~الحديثة»، والتي يصعب تبعا لذلك، استيعابها اليوم، ويصعب التنقيب عنها وكشفها. والأمر بخلاف ~~ذلك في النوع الثاني من الأخلاق، أعني «أخلاق العبيد». # فإذا تصورنا أن المغلوبين على أمرهم، والمظلومين، والمعذبين، والمقيدين، وغير الواثقين ~~من أنفسهم، والذين يحسون بالعناء من أنفسهم؛ إذا تصورنا أن هؤلاء قد وضعوا نظاما أخلاقيا، ~~فعلى أي نحو يكون العنصر المشترك بين تقويماتهم الأخلاقية؟ الأغلب أنهم سوف يعبرون عن تحد ~~متشاءم لموقف الإنسان بوجه عام، وربما حملوا على الإنسان ذاته في حملتهم على موقفه. فنظرة ~~العبيد لا ترضى بفضائل الأقوياء، بل نلمس فيها نوعا من الشك وعدم الثقة، والعمق في العداء لكل ~~ما تبجله أخلاق الأقوياء وتعده «خيرا»؛ وربما أقنع المرء نفسه بأن سعادة هؤلاء الأخيرين ~~ليست سعادة حقيقية بدورها. وعلى العكس من ذلك، يلقى ضوء ساطع على كل الصفات التي تصلح لتخفيف ~~أعباء الحياة عن عاتق المعذبين، فتمجد الشفقة، واليد المعينة المنقذة، والقلب الرءوف، ~~والصبر، والجد، والتواضع، والتزلف؛ ذلك لأن هذه هي أكثر الصفات مجلبة للنفع، وتكاد تكون هي ~~الوسيلة الوحيدة للتخفيف من وطأة الحياة؛ فأخلاق العبيد هي في أساسها أخلاق منفعة، وفي ظلها ~~يظهر التقابل المشهور بين ما هو «خير» وما هو «شر»؛ فتحت الشر تندرج القوة والخطورة، وكل ما ~~هو مخيف، عميق، قوي، لا يقبل الازدراء. # وفي أخلاق العبيد يثير «الشرير» الخوف. ~~أما في أخلاق السادة؛ فالشخص المحمود هو الذي يثير الخوف ويرغب فيه، بينما يظهر «الرديء» في ~~صورة الشخص المحتقر. ويبلغ التقابل قمته عندما يحدث، نتيجة لأخلاق العبيد هذه، أن ينظر إلى ~~«الخير» في هذه الأخلاق نظرة فيها لون من الاستخفاف - وقد يكون ذلك اللون باهتا، صادرا عن نية ~~حسنة ms143 - إذ إن الخير في طريقة تفكير العبيد هذه هو بالضرورة ذلك الشخص «المأمون الجانب»؛ ففيه ~~طيبة، وغفلة، وربما قدر من البله؛ أي إنه هو «المغفل». وحيثما تسود أخلاق العبيد تميل اللغة ~~إلى التقريب بين كلمتي «طيب» و«أبله». وفارق أساسي أخير ، هو أن الرغبة في الحرية، والغريزة ~~التي تجد في الشعور بالحرية سعادة ولذة، تنتمي إلى أخلاق العبيد بنفس الضرورة التي يكون بها ~~التفنن في التبجيل والإخلاص والتحمس لهما علامة ضرورية من علائم طريقة التفكير والتقويم ~~الأرستقراطية؛ ومن هنا كان في وسع المرء أن يفهم بسهولة لم كان من الضروري أن يكون للحب من ~~حيث هو «انفعال» - ذلك شيء يتخصص فيه الأوروبيون - أصل رفيع؛ فمن المعروف أن ابتداعه يرجع إلى ~~شعراء جنوب فرنسا الفرسان، أولئك الأمجاد المبدعين ذوي «الحسام الضاحك»، الذين تدين لهم ~~أوروبا بالكثير، وربما بنفسها. # HERREN-UND SKLAVEN-MORAL # Jenseits von Gut und Böse. † 260 # Bei einer Wanderung durch die vielen feineren und groberen ~~Moralen, welche bisher auf Erden geherrscht haben oder noch herrschen, fand ich gewisse ~~Züge regelmässig mit einander wiederkehrend und anceinander geknüpft: bis sich mir ~~endlich zwei grundtypen verriethen, und ein Grundunterschied heraussprang. Es giebt ~~Herren-moral und Sklaven-Moral: ich füge sofort hinzu, dass in allen höheren udn ~~gemischteren Culturen auch Versuche der Vermittlungs beider Moralen zum Vorschein ~~kommen, noch ofter des Durcheinander derselben und gegenseitige Missverstehen, ja ~~bisweilen ihr hartes Nebeneinander-sogar im selben Menschen, innerhalb Einer Seele. Die ~~moralischen Werthunterscheidungen sind entweder unter einer herrschenden Art entstanden, ~~welche sich ihres Unterschieds gegen die beherrschte mit Wohlgefühl bewusst wurde-oder ~~unter den Beherrschten, den Sklaven und Abhängigen jeden Grades. Im ersten Falle, wenn ~~die Herrschenden es sind, die den Begriff “gut” bestimmen, sind es die erhabenen stolzen ~~Zustände der Seele, welche als das Auzeichnende und die Rangordnung Bestimmende ~~empfunden weredn. # Der vornehme Mensch trennt die Wesen von sich ab, an denen ~~das Gegentheil solcher gehobener stolzer Zustände zum Ausdruck kommt: ms144 er verachtet sie. ~~Man bemerke sofort, dass in dieser ersten Art Moral der Gegensatz “gut” und “schlecht” ~~so viel bedeutet wie “vornehm” und “verächtlich”; der Gegensatz “gut” und “böse” ist ~~andrer Herkunft. Verachtet wird der Feige, der Angstliche, der Kleinliche, der an die ~~enge Nützlichkeit Denkende; ebenso der Misstrauische mit seinem unfreien Blicke, der ~~Sich-Erniedrigende, die Hunde-Art von Mench, welche sich mis-shandeln lässt, der ~~bettelnde Schmeichler, vor Allem der Lügner: es ist ien Grundglaube aller Aristokraten, ~~dass das gemeine Volk Lügnerisch ist. “Wir Wahrhaftigen”-so nannten sich im alten ~~Griechenland die Adeligen. Es liegt auf der Hand, dass die moralischen Wertbezeichnungen ~~überall zuerst auf # Menschen # und erst abgeleitet und ~~spät auf # Handlungen # gelegt worden sind: Weshalb es ~~ein arger Fehlgriff ist, wenn Moral-Historiker von Fragen den Ausgang nehmen wie “Warum ~~ist die mitleidige Handlung gelobt worden?” Die vornehme Art Mensch fühlt sich als ~~werthbestimmend, sie hat nicht nöthig, sich gutheissen zu lassen, sie urtheilt “was mir ~~schädlich ist, das ist an sich schädlich”, sie weiss sich als da, was überhaupt erst ~~Ehre den Dingen verleiht, sie ist # werthschaffend ~~. ~~Alles, was sie an sich kennt, ehrt sie: eine solche Moral ist Selbstverherrlichung. Im ~~Vordergrunde steht das Gefühl der Fülle, der Macht, die überstromen will, das Glück der ~~höhen Spannung, das Bewusstein eines Reichtums, der schenken und abgeben möchte: auch ~~der vornehme Mensch hilft dem Unglücklichen, aber nicht older fast nicht aus Mitleid, ~~sondern mehr aus einem Drang, der der Uberfluss von Macht erzeugt. Der vornehme Mensch ~~ehrt in sich den Mächtigen, auch den, welcher Macht über sich selbst hat, der zu reden ~~und zu schweigen versteht, der mit Lust Strenge und Härte gegen sich übt und ~~Ehrerbietung vor allem Strengen und Harten hat. “Ein hartes Herz legte Wotan mir in die ~~Brust” heisst es in einer alter skandinavischen Saga: so ist es ms145 aus der Seele eines ~~stolzen Wikingers heraus mit Recht gedichtet. Eine solche Art Mensch ist eben stolz ~~darauf, # nicht # zum Mitleiden gemacht zu sein: Weshalb ~~der Held der Saga warnend hinzufügt “wer jung schon kein hartes Herz hat, dem wird es ~~niemals hart”. Vornehme und Tapfere, welche so denken, sind am entferntesten von jener ~~Moral, welche gerade im Mitleiden order im Handeln für Andere oder im an sich selbst, ~~der Stolz auf sich selbst, eine Grundfeindshaft und Ironie gegen “Selbstlosigkeit” ~~gehort eben so bestimmt zur vornehmen Moral wie eineleichte Geringschätzung und Vorsicht ~~vor den Mitgefühlen und dem “warmen Herzen”. Die Mächtigen sind es, welche zu ehren # verstehen ~~, es ist ihre kunst, ihr Reich der ~~Erfindung. Die tiefe Ehrfurcht vor dem Alter und vor dem Herkommen-das ganze Recht steht ~~auf dieser doppelten Ehrfurcht-der glaube und das Vorurtheil zu Gunsten der Vorfahren ~~und zu Ungunsten der Kommenden ist typisch in der Moral der Mächtigen; und wenn ~~umgekehrt die Menschen der “modernen Ideen” beinahe instinktiv an den “Fortschritt” und ~~die “Zukunft” glauben und der Achtung vor dem Alter immer mehr ermangeln, so verräth ~~sich damit genugsam shon die unvornehme-Herkunft dieser “Ideen”. Am moisten ist aber ~~eine Moral der Herrschenden dem gegenwärtigen Geschmake fremd und peinlich in der ~~Strenge ihres Grundsatzes, dass man nur gegen Seinesgleichen Pflichten habe; dass man ~~gegen die Wesen niedrigeren Ranges, gegen alles Fremde nach Gutdünken oder “wie es das ~~Herz will” handeln dürfe und dergleichen gehören, Die Fähigkeit und Pflcit zu langer ~~Dankbarkeit und langer Rache-beides nur innerhalb Seinesgleichen-die Feinehit in der ~~Wiedervegltung, das Begriffs-Raffinement in der Freundschaft, eine gewisse ~~Notwendigkeit, Feinde zu haben (gleichsam als Abzugsgräben für die Affekte Neid, ~~Streitsucht, Ubermuth-im Grunde, um gut # freund # sein ~~zu können): alles das sind typische Merkmale der vornehmen Moral, welche, wie ~~angedeutet, nicth die Moral der “modernen Ideen” ist und ms146 deshalb heute schwer ~~nachzufühen, auch schwer auszugraben und aufzudecken ist-Es steht anders mit dem zweiten ~~Typus der Moral, der Sklaven-Moral. # Gesetzt, dass die Vergewaltigten, Gedrückten, Leidenden, ~~Unfreien, ihrer selbst Ungewissen und Müden moralisiren: was wird das Gleichartige ihrer ~~moralischen Werthschätzungen sein? Wahrscheinlich wird ein pessimisticher Argwohn gegen ~~die ganze Lage des Menschen zum Ausdruck kommen, vielleicht eine Verurtheilung des ~~Menschen mitsammt seiner Lage. Der Blick des Sklaven ist abgünstig für die Tugenden des ~~Mächtigen: er hat Skepsis und Misstrauen, er hat # Feinheit # des Misstrauens gegen alles “Gute”, was dort geehrt wird-er ~~möchte sich überreden, dass das Glück selbst dort nicht ächt sei. Umgekehrt werdn die ~~Eigenschaften hervorgezogen und mit Licht übergossen, welche dazu dienen, Leidenden das ~~Dasein zu erleichtern: hier kommt das Mitleiden, die gefällige hülfbereite Hand, das ~~warme herz, die Geduld, der Fleiss, die Demuth, die Freundlichkeit zu Ehren-denn das ~~sind hier die nützlichsten Eigenschaften und beinahe die einzigen Mittel, den Druck des ~~Daseins auszuhalten. Die Skalven-Moral ist wesentlich Nützlichkeits- Moral. Hier ist der ~~Herd für die Entsthung jene berühmten Gegensatzes “gut” und “böse”: in’s Böse wird die ~~Macht und Gefährlichkeit hinein empfunden, eine gewisse Furch- tbarkeit, Feinheit und ~~Stärke, welche die Verachtung nicht aufkommen last. # Nach der Sklaven-Moral erregt also der “Böse”, Furcht, nach ~~der Herren-Moral ist es gerade der “Gute” der Furcht erregt und erregen will, während ~~der “schlechte” Mensch als der verächtliche empfunden wird. Der Gegensatz kommt auf ~~seine Spitze, wenn sich, gemäss der Sklavenmoral-Consequenz, zuletzt nun auch an den ~~“Guten” diser Moral ein Hauch von Geringschätzung hängt-sie mag leicht und wohlwollend ~~sein, weil der Gute innerhalb der Sklaven-Denkweise jedenfalls der # ungefährilche # Mensch sein muss: er ist gutmüthig, leicht zu ~~betrügen, ein bischen dumm vielleicht, un bonhomme. Uberall, wo die Sklaven-Moral zum ~~übergewicht kommt, zeigt die Sprache eine Neigung, die Worte “gut” und “dumm” einander ~~anzunähern-Ein letzter Grundunterschied: ms147 das Verlangen nach Freiheit, der Instinkt für ~~das Glück und die Feinheiten des Freiheits-Gefühls gehört ebenso nothwenig zur ~~Sklaven-Moral und-Moralität, als die Kunst und Schwärrnerei in der Ehrfurcht, in der ~~Hingebung das regelmässige Symptom einer aristokratischen Denk-und Wethungsweise ~~ist-Hieraus lässt sich ohne Weiteres verstehn, warum die Liebe als Passion-es ist unsre ~~europäische Spezialität-schlechterdings vornehmer Abkunft sein muss: bekanntlich gehört ~~ihre Erfindung den provençalischen Ritter-Dichtern zu-jenen prachtvollen erfinderischen ~~Menschen des “gai saber”, denen Europa so vieles und beinahe sich selbst ~~verdankt. # الفصل الرابع # | العلاء على الذات # هكذا تكلم زرادشت # أتسمونها «إرادة الحقيقة»، تلك القوة التي تدفعكم، يا أعظم الحكماء، وتبعث فيكم ~~الحماسة؟ # إنها الرغبة في جعل كل موجود قابلا للتفكير فيه؛ هذا هو الاسم الذي أطلقه على ~~إرادتكم! # إنكم تريدون أن «تجعلوا» كل موجود قابلا للتفكير فيه: إذ إنكم تشكون - ولكم الحق في ~~ريبتكم هذه - في أنه قابل للتفكير فيه أصلا. # ولكن عليه أن يخضع وينحني لكم - هذا هو ما تبتغيه إرادتكم. # عليه أن يلين، ويخضع للروح، وكأنه مرآة وانعكاس لها. # تلك هي إرادتكم، يا أعظم الحكماء؛ فهي إرادة القوة، حتى عندما تتحدثون عن الخير والشر، وعن ~~تقدير القيم. # إنكم لتريدون خلق العالم الذي يمكنكم أن تسجدوا له؛ ذلك هو أملكم الأخير، وتلك هي نشوتكم ~~القصوى. # أما غير الحكماء؛ أي العامة، فهم أشبه بالنهر، الذي يسبح عليه قارب، وفي القارب تجلس ~~تقويماتكم، وقد ازدانت وتنكرت. # لقد فرضتم إرادتكم وقيمكم على نهر الصيرورة؛ ولقد استبان لي ما ظنه العامة خيرا وشرا، ~~فإذا هو إرادة قوة كامنة منذ القدم. # إنكم أنتم، يا أعظم الحكماء، الذين أجلستم هؤلاء الضيوف في القارب، وأضفيتم عليهم زينتهم ~~وأسماءهم الجليلة، أنتم وإرادتكم المتحكمة فيكم. # والآن، يظل النهر يدفع قاربكم إلى الأمام؛ فهو «مضطر» إلى ذلك. ولا أهمية للأمواج التي تزيد ~~وهي تنكسر على القارب، وتصطدم به في عنف. فليس في النهر يكمن الخطر. وليس في نهاية خيركم وشركم، ~~يا أعظم الحكماء، وإنما في تلك الإرادة ذاتها - إرادة القوة، ms148 إرادة الحياة الخالقة التي لا ~~تنفد. # ولكن، لكي تفهموا كلمتي عن الخير والشر، فإني قائل لكم كلمتي هذه أيضا عن الحياة وعن ~~طبيعة الأحياء أجمعين. # لقد تعقبت الأحياء، وسرت في أكبر الطرق وأصغرها، لأصل إلى معرفة طبيعتهم. # وبرغم أن في الأحياء قد ظل مغلقا، فقد التقطت نظرتهم بمرآتي ذات المائة وجه، حتى تتحدث ~~إلي عينهم - وقد تحدثت إلي بالفعل. # إنني كلما وجدت حيا، سمعت أيضا حديث الطاعة، فكل ما هو حي مطيع. # وهذه كلمتها الثانية، إن من لا يعرف كيف يطيع ذاته، يأمره غيره - تلك هي شيمة ~~الأحياء. # وهاك ثالث ما سمعت: إن الأمر لأشق من الطاعة. ليس ذلك لأن الآمر يضع على عاتقه حمل كل ~~المطيعين، ولأن هذا الحمل يكاد يحطمه فحسب. # وإنما بدا لي كل أمر مغامرة ومخاطرة، وكلما كان الحي آمرا، كان في ذلك مخاطرا ~~بنفسه. # أجل، حتى عندما يأمر ذاته، فعليه هنا أيضا أن يتحمل عاقبة أمره، وعليه أن يكون قاضيا، ~~ومنتقما، وضحية لقانونه الخاص. # ولقد سألت نفسي: كيف يحدث ذلك؟ وما الذي يدفع الحي إلى أن يطيع ويأمر، ويكون طيعا حتى ~~عندما يأمر؟ # فلتنصتوا الآن إلى كلمتي، يا أعظم الحكماء! ولتختبروني بدقة، لتروا ما إذا كنت قد تغلغلت في ~~الحياة حتى قلبها، وحتى أعمق أعماق هذا القلب! # حيثما وجدت حيا، وجدت إرادة قوة، بل لقد وجدت في إرادة العبودية ذاتها رغبة للمرء في أن ~~يكون سيدا. # فاستسلام الضعيف للقوي أمر تحضه عليه إرادته، التي تريد أن تتحكم فيمن هم أضعف منه؛ فهذه ~~هي اللذة التي لا يمكنها أن تزهد فيها. # وكما يستسلم الأصغر للأكبر، حتى يشعر باللذة وبالقوة إزاء من هو أصغر منه، كذلك يستسلم ~~الأكبر بدوره، ويبذل حياته من أجل القوة. # ذلك هو استسلام الأكبر، الذي هو مغامرة، ومخاطرة، ومقامرة على الموت. # وحيثما تجد تضحية وتفانيا ونظرات حب، فهناك أيضا تكون إرادة السيطرة. إن الأضعف يتسلل ~~بطرق ملتوية إلى مكمن القوى، حتى يصل إلى قلبه، وهناك يسلبه القوة . # وهذا هو السر الذي أسرت به ms149 الحياة إلي. لقد قالت: «تأمل، إنني ذلك الذي ينبغي عليه أن ~~يعلو على ذاته دواما. # حقا إنكم تسمونها إرادة إنجاب، أو غريزة الوصول إلى الغايات، وإلى الأعلى، والأبعد، ~~والأعقد؛ غير أن هذا كله شيء واحد، وسر واحد. # إنني لأوثر الهلاك على التخلي عن هذا الشيء الواحد. والحق أنه حيثما يكون الهلاك وسقوط ~~الأوراق، فهناك تضحي الحياة بذاتها - من أجل القوة! # ولكن لم كان يتعين علي أن أكون صراعا، وصيرورة، وغاية، ونقيض الغاية؟ وا أسفاه! إن من ~~يعرف إرادتي، يعرف جيدا تلك الطرق الملتوية التي ينبغي عليها أن تسير فيها! # إن ما أخلقه، وأحبه كل الحب، ينبغي علي أن أعاديه، وأعادي حبي؛ فهكذا تشاء إرادتي. # وحتى أنت، أيها العارف، لست إلا طريقا وموطئا لأقدام إرادتي؛ والحق أن إرادة القوة في ~~تسير بدورها في أعقاب إرادة الحقيقة فيك! # إن ذلك الذي أذاع كلمة إرادة الحياة قد جانبه الصواب؛ فليس ثمت إرادة كهذه! # ذلك لأن ما لا يحيا، لا يريد. أما ذلك الذي يحيا، فكيف تتجه إرادته إلى الحياة؟ # حقا إن الإرادة لا تكون إلا حيث تكون الحياة؛ غير أن هذه ليست إرادة حياة، ولكن، اعلم مني ~~أنها إرادة القوة. «إن الحي ليقدر أشياء عديدة فوق تقديره للحياة ذاتها؛ غير أن ما يعبر عن ~~نفسه خلال هذا التقدير ذاته هو إرادة القوة!» # هذا ما قالت لي الحياة ذات مرة؛ ومن هنا أمكنني، يا أعظم الحكماء، أن أحل لكم لغز ~~قلوبكم. # إنني لأقول لكم إنه ليس ثمت خير أو شر دائم! بل إن على كل منهما أن يعلو دواما على ~~ذاته. # إنكم لتمارسون قوتكم، يا مقدري القيم، بما تصدرونه من قيم ومن أقوال عن الخير والشر؛ ~~ذلك هو حبكم الخفي، وذلك هو النور، والرجفة، والفيض الذي يغمر نفوسكم. # غير أن قيمكم تولد قوة أعظم، وعلاء جديدا على الذات يكسر البيضة وقشرتها. # والحق أن من كان عليه أن يكون خالقا في مجال الخير والشر، عليه أولا أن يكون محطما ~~وهادما للقيم. # ومن هنا فالشر الأكبر ms150 ينتمي إلى الخير الأكبر؛ أعني إلى الخير الخالق. # فلنقصر حديثنا على هذه الأمور، يا أعظم الحكماء، حتى لو أساء هذا إلينا؛ ذلك لأن السكوت ~~أسوأ، والحقائق التي لا نجهر بها تغدو سامة. فليتحطم إذن كل ما تحطمه حقائقنا! فأمامنا صروح ~~عديدة نشيدها! # هكذا تكلم زرادشت. # VON DER SELBSTUBERWINDUNG # Also sprach Zarathustra ~~“Wille zur Wahrheit” heist ihr’s, ihr WEisesten, was euch ~~treibt und brünstig macht! # Wille zur Denkbarkeit alles Seienden; also heisse ich euren ~~Willen! # Alles Seiende wollt ihr erst denkbar # machen ~~: denn ihr zweifelt mit gutern Misstrauen, ob es schon denkbar ~~ist. # Aber es soll sich euch fügen und biegen! So Will’s euer ~~Wille. Glatt soll es warden und dern Geiste untertan, als sein Speigel und ~~Widerbild. # Das ist euer ganzer Wille, ihr Weisesten, als ein Wille zur ~~Macht; und auch wenn ihr vom Guten und Bösen redet und von den ~~Wertschätzungen. # Schaffen wollt ihr noch die Welt, von der ihr knien könnt: so ~~ist es eure letzte Höffnung und Trunkenheit. # Die Unweisen freilich, das Volk-die sind gleich dem Flusse, ~~auf dern ein Nachen weiter schwimmt: und im Nachen sitzen feierlicb und vermummt die ~~Wertschätzungen. # Euren Willen und eure Werte setztet ihr auf den Fluss des ~~Werdens; einen alten Willen zur Macht verrät mir, was vom Volke als Gut und Böse ~~geglaubt wird. # Ihr wart es, ihr Weisesten, die solche Gäste in diesen Nachen ~~setzten und ihnen Prunk und stolze Namen gaben-ihr und euer herrschender ~~Wille! # Weiter trägt nun der Fluss euren Nachen: er # muss # ihn tragen. Wenig tut’s ob die gebrochene Welle schäumt ~~und zornig dem Kiele widerspricht! # Nicht der Fluss ist eure Gefahr und das Ende eures Guten und ~~Bösen, ihr Weisesten: sondern jener Wille selber, der Wille zur Macht- der unerschöpfte ~~zeugende Lebens-Wille. # Aber damit ihr mein Wort versteht vom Guten und Bösen; dazu ~~will ich euch noch ms151 mein Wort vom Leben sagen und von der Art alles ~~Lebendigen. # Dem Lebendigen ging ich nach, ich ging die grössten und ~~kleinsten Wege, dass ich seine Art erkenne. # Mit hundertfachem Spiegel fing ich noch seinen Blick auf, ~~wenn ihm der Mund geschlossen war: dass sein Auge mir rede. Und sein Auge redete ~~mir. # Aber, wo ich nur Lebendiges fand, da hörte ich auch die Rede ~~vom Gehorsame. Alles Lebendige ist ein Gehorchendes. # Und dies ist das Zweite: Dem wird befohlen, der sich nicht ~~selber gehorchen kann. So ist es des Lebendigen Art. # Dies aber ist das Dritte, was ich hörte: dass Befehlen ~~schwerer ist, als Gehorchen. Und nicht nur, dass der Befehlende die Last aller ~~Geohorchenden trägt, und dass leicht ihn diese Last zerdrückt: # Ein Versuch und Wagnis erschien mir in allem Befehlen; und ~~stets, wenn es befiehlt, wagt das Lebendige sich selber dran. # Ja noch, wenn es sich selber befichlt: auch da noch muss es ~~sein Befehlen büssen. Seinem eigenen Gesetze muss es Richter und Rächer und Opfer ~~werden. # Wie geschieht dies doch! So fragte ich mich. Was überredet ~~das Lebendige, dass es gehorcht und befichlt und befehlend noch gehorsam ~~übt? # Hort mir nun mein Wort, ihr Weisesten! Prüft es ernstlich, ob ~~ich dem Leben selber ins Herz Kroch, und bis in die Wurzeln seines ~~Herzens! # Wo ich Lebendiges fand, da fand ich Willen zur Macht; und ~~noch im Willen des Dienenden fand ich den Willen, Herr zu sein. # Dass dem Stärkeren diene das Schwächere, dazu überredet es ~~sein. # Wille, der über noch Schwächeres Herr sein will: dieser Lust ~~allein mag es nicht entraten. # Und wie das Kleinere sich dem Grösseren hingibt, dass es Lust ~~und Macht am Kleinsten habe: also gibt sich auch das Grösste noch hin und setzt um der ~~Macht willen-das Leben dran. # Das ist die ms152 Hingebung des Grössten, dass es Wagnis ist und ~~Gefahr, und um den Tod ein Würfelspielen. # Und wo Opferung und Dienste und Liebesblicke sind: auch da ~~ist Wille, Herr zu sein. Auf Schleichwegen schleicht sich da der Schwächere in die Burg ~~und bis ins Herz dem Mächtigeren-und stiehlt da Macht. # Und dies Geheimnis redete das Leben selber zu mir: Siehe, ~~sprach es, # ich bin das, was sich immer selber überwinden, ~~muss ~~. # Freilich, ihr heisst es Wille zur Zeugung oder Trieb zum ~~Zwecke, zum Höheren, Ferneren, Vielfacheren: aber all dies ist Eins und Ein ~~Geheimnis. # Lieber noch gehe ich unter, als dass ich disem Einen absagte; ~~und wahrlich, wo es Untergang gibt und Blätterfallen, siche, da opfert sich Leben-um ~~Macht! # Dass ich Kampf sein muss und Werden und Zweck und der Zwecke ~~Widerspruch: ach, wer meinen Willen errät, errät wohl auch, auf welchen # krummen # Wegen er gehen muss! # Was ich auch schaffe und wie ich’s auch liebe-bald muss ich ~~Gegner ihm sein und meiner Liebe: so will es mein Wille. # Und auch du, Erkennender, bist nur ein Pfad und ~~Fusstapfen meines Willens; wahrlich, mein Wille zur ~~Macht wandelt auch auf den Füssen deines Willens zur Wahrheit! # Der traf freilich die Wahrheit nicht, der das Wort nach ihr ~~schoss vom “Willen zum Dasein”: diesen Willen-gibt es nicht! # Denn: was nicht ist, dass kann nicht wollen; was aber im ~~Dasein ist, wie könnte das noch zum Dasein wollen! # Nur, wo Leben ist, da ist auch Wille: aber nicht Wille zum ~~Leben, sondern-so lehre ich’s dich-Wille zur Macht! ~~“Vieles ist dem Lebenden höher geschätzt, als Leben selber; ~~doch aus dem Schätzen selber heraus redet-der Wille zur Macht!”. # Also Lehrte mich einst das Leben: und daraus löse ich euch, ~~ihr Weiseseten, noch das Rätsel eures Herzens. # Wahrlich, ich sage euch: Gutes und Böses, das unvergänglich ~~ware-das ms153 gibt es nicht! Aus sich selber muss es sich immer wieder ~~überwinden. # Mit euren Werten und Worten von Gut und Böse übt ihr Gewalt, ~~ihr Wertschätzenden; und dies ist eure verorgene Liebe und eurer Seele Glänzen, Zittern ~~und Uberwallen. # Aber eine stärkere Gewalt wächst aus euren Werten und eine ~~neue Uberwindung: an der zerbricht Ei und Eierschale. # Und wer ein Schöpfer sein muss in Guten und Bösen: wahrlich, ~~der muss ein Vernichter erst sein und Werthe zerbrechen. # Also gehört das höchste Böse zur höchsten Güte: diese aber ~~ist die schöpferische. # Reden wir nur davon, ihr Weisesten, ob es gleich schlimm ist. ~~Schweigen ist schlimmer; alle verschwiegenen Wahrheiten warden ~~giftig. # Und mag doch alles zerbrechen, was an unseren Wahrheiten ~~zerbrechen-kann! Manches Haus gibt es noch zu bauen! # Also Sprach Zarathustra. # الفصل الخامس # | وسيلة السلام الحقيقي # أشياء إنسانية، إنسانية إلى أقصى حد # القسم الثاني: الهائم وظله، فقرة 284 # لا تعترف أية حكومة حالية بأنها تبقي على جيشها لكي ترضي شهوات العدوان كلما تملكتها، ~~وإنما تتذرع دائما بحجة الدفاع. وإنها لتهيب من أجل ذلك بالأخلاق التي تحض على الدفاع عن ~~النفس، وتتخذ منها معبرا عن وجهة نظرها؛ غير أن معنى ذلك هو أن يحتكر المرء لنفسه الأخلاقية، ~~وينسب إلى جاره اللاأخلاقية؛ إذ ينبغي أن ينظر إليه على أنه تواق إلى العدوان والغزو، إن كان ~~من الضروري أن يفكر وطننا في وسيلة للدفاع عن نفسه. أما ذلك الذي ينكر على نفسه شهوة العدوان، ~~تماما مثلما يفعل وطننا، ويؤكد من جانبه أنه لا يبقى على الجيش إلا لأغراض دفاعية، ويلجأ إلى ~~نفس التبرير الذي استخدمنا جيشنا من أجله، فإنا نحمل عليه، ونقول عنه إنه دعي ومجرم ~~وكاذب، يريد أن «ينقض» على ضحية بريئة عزلاء دون أن يصادف منها أية مقاومة. وعلى هذا النحو ~~تقف كل الدول بعضها بإزاء البعض في وقتنا الحالي؛ فهي تفترض مقدما سوء النية في جارها وحسن ~~النية في ذاتها؛ غير أن ms154 هذا الافتراض ذاته أمر «غير إنساني»، لا يقل ضررا عن الحرب ذاتها، إن ~~لم يفقها في ذلك، بل إنه هو في أساسه المقدمة الأولى للحرب، وعلتها الأصلية؛ إذ إنه، كما ~~قلنا، يؤدي إلى تبادل الاتهام باللاأخلاقية مع الجار، وبالتالي يبدو أنه يحض على سوء المقصد ~~وسوء التصرف. # فعلى المرء أن يحمل على فكرة الجيش بوصفه وسيلة للدفاع، بنفس القوة التي يحمل بها على شهوة ~~العدوان، وربما جاء يوم عظيم، يهتف فيه شعب امتاز على غيره في الحرب والظفر، وفي التمرس على ~~النظام العسكري والخبرة فيه، وتحمل في هذا أكبر التضحيات؛ يهتف هذا الشعب بملء حريته قائلا: ~~«فلنحطم حسامنا!» ويقوم بتحطيم أداته الحربية حتى أعمق جذورها. فتحول المرء إلى المسالمة في ~~الوقت الذي يكون فيه أقدر من غيره على القتال، هذا التحول إذا صدر عن سمو في الإدراك والفهم، ~~كان هو وسيلة السلام «الحقيقي»، الذي ينبغي أن يرتكز على سلامة القصد، بينما يرتكز السلم المسلح ~~المزعوم، الذي يسود اليوم كل البلاد، على سوء القصد، ما دام المرء لا يثق بذاته ولا بجاره، ولا ~~يلقي بأسلحته، مدفوعا بشعور يمتزج فيه البغض مع الخوف. # إن الفناء لأفضل من البغض والخوف، وإن الفناء لأفضل ثلاثا من أن يجعل المرء غيره يبغضه ~~ويخافه - هذا هو الشعار الأعلى الذي ينبغي أن يتخذه كل مجتمع سياسي على حدة! - ومن الجلي أن ~~ممثلي شعوبنا الأحرار يفتقرون إلى فهم طبيعة الناس في الوقت المناسب، وإلا لأدركوا أن جهودهم ~~تضيع عبثا، عندما يدعون إلى خفض تدريجي للأسلحة العسكرية. وعلى العكس من ذلك، فإن هذه الحاجة ~~عندما تبلغ القمة، نكون قد اقتربنا كل الاقتراب من ذلك النوع من الإله الذي نحن في حاجة إليه. ~~فشجرة المجد الحربي لا تجتث إلا دفعة واحدة، وبضربة كالبرق الخاطف. على أن البرق لا يأتي، كما ~~تعلمون، إلا من السحب، ومن الأعالي. # DAS MITTEL, ZUM WIRKLICHEN FRIEDEN # Menschliches, allzumenschliches # 2e. Abth.: Der Wanderer und sein Schatten. † ~~284 # Keine Regierung giebt jetzt zu, dass sie das Heer ms155 unterhalte, ~~um gelegentliche Eroberungsgelüste zu befriedigen; sondern der Vertheidigung soll es ~~dienen. Jene Moral, welche die Nothwehr billigt, wird als ihre Fürsprecherin angerufen. ~~Das heisst aber: sich die Moralität und dem Nachbar die Immoralität vorbehalten, weil er ~~angriffs-und eroberunges-lustig gedacht warden muss, wenn unser Staat nothwendig an die ~~Mittel der Nothwehr denken soll; überdies erklärt man ihn, der genau ebenso wie unser ~~Staat die Angriffslust leugnet und auch seinerseits das Heer vorgeblich nur aus ~~Nothwehrgründen unterhält, durch unsere Erklärung, weshalb wire ein Heer brauchen, für ~~einen Heuchler und listiger Verbrecher, welcher gar zu gern ein harmloses und ~~ungeschicktes Opfer ohne allen Kampft # überfallen # möchte. So stehen nun alle Staaten jetzt gege einander: sie setzen die schlechte ~~Gesinnung des Nachbars und die gute Gesinnung bei sich voraus. Diese Voraussetzung ist ~~aber eine # inhumanität ~~, so schlimm und schlimmer als ~~der Krieg: ja, im Grunde ist sie schon die Aufforderung und Ursache zu Kriegen, weil ~~sie, wie gesagt, dem Nachbar die Immoralität # unterschiebt # und dadurch die feindselige Gesinnung und That zu provociren ~~scheint. # Der Lehre von dem Heer als einem Mittel der Northwehr muss ~~man ebenso gründlich abschwören als den Eroberungsgelüsten. Und es komm vielleicht ein ~~grosser Tag, an welchem ein Volk, durch Kriege und Siege, durch die höchste Ausbildung ~~der militärischeng Ordnung und Intelligenz ausgezeichnet und gewöhnt, diesen Dingen die ~~schweresten Opfer zu bringen, freiwillig ausruft: “ # wir ~~zerbrechen das schwert ~~”-und sein gesammtes Heerwesen bis in seine letzten ~~Fundamente zertrümmert. # Sich wehrlos machen, während man der ~~Wehrhafleste war ~~, aus einer Höhe der Empfindung heraus-das ist das Mittel ~~zum # wirklichen # Frieden, welcher immer auf einem ~~Frieden der Gesinnung ruhen muss: während der sogennante bewaffnete Friede, wie er jetzt ~~in allen Ländern einhergeht, der Unfriede der Gesinnung ist, der sich und dem Nachbar ~~nicht traut und halbt aus Hass, halb aus furcht die Waffen ms156 nicht ~~ablegt. # Lieber zu Grunde gehn als hassen und fürchten, und # zweimal lieber zu Grunde gehn als sich hassen und furchten ~~machen ~~-dies muss einmal auch die oberste Maxime jeder einzelnen staatlichen ~~Gesellschaft warden!-Unseren liberalen Volkvertretern fehlt es, wie bekannt, an Zeit zum ~~Nachdenken über die Natur des Menschen; sonst würden sie wissen, dass sie umsonst ~~arbeiten, wenn sie für eine “allmähliche Herabminderung der Militärlast” arbeiten. ~~Vielmehr: erst wenn diese Art Noth am grössten ist, wird auch die Art Gott am nächsten ~~sein, die hier allein helfen kann. Der Kriegsglorien-Baum Kann nur mit Einem Male, durch ~~einen Blitzchlag zerstört warden: der Blitz aber kommt, ihr wisst es ja, aus der Wolke ~~und aus der Höhe. # الفصل السادس # | المسجونون # الهائم وظله، الفقرة 84 # ذات صباح خرج المسجونون إلى فناء العمل، ولم يكن الحارس موجودا، فمنهم من استمر في عمله، ~~جريا على عادته، ومنهم من وقف خاملا، ونظر حوله بعناد. وهنا تقدم أحدهم وصاح: «لتعملوا كما ~~تشاءون أو لا تعملوا على الإطلاق؛ فالأمران سيان. إن ضرباتكم الخفية قد تكشفت، وقد استمع ~~إليها سجانكم أخيرا، وسوف يصدر عليكم حكما رهيبا في اليوم التالي. إنكم لتعرفونه، في جبروته ~~وبطشه، ولكن لتنتبهوا الآن إلى ما أقوله لكم، فقد أخطأتم فهمي حتى اليوم؛ فلست كما أبدو لكم، ~~وإنما أنا أكثر من ذلك بكثير، فأنا ابن حارس السجن، ولي عليه تأثير كبير. وإني لقادر على أن ~~أخلصكم، وأريد أن أخلصكم، ولكنني بالطبع لن أخلص منكم سوى أولئك الذين يؤمنون بأنني ابن ~~حارس السجن. أما الآخرون، فليجنوا ثمرة عدم إيمانهم.» # وبعد قليل من الصمت، قال مسجون قديم: «ولكن ~~ماذا يفيدك أن نؤمن بك أو لا نؤمن؟ لو كنت ابنه حقا، ولو كنت قادرا على أن تفعل ما تقول، ~~فلتقل له في حقنا كلمة طيبة، فهذا حقا أخلق بك وأجدر؛ ولتدع مسألة الإيمان وعدم الإيمان ~~جانبا!» وفي تلك اللحظة صاح شاب: «بل إنني لا أومن به، فهو قد تشبث ms157 بشيء في رأسه فحسب. وإنني ~~لأراهن على أننا سنظل هنا أياما ثمانية على حالنا هذا، دون أن يعلم حارس السجن شيئا.» وهنا ~~قال آخر المسجونين، وهو الذي لم تطأ قدمه ساحة العمل إلا في تلك اللحظة: «ولو كان قد علم شيئا ~~في وقت ما، فإنه لم يعد يعلمه الآن؛ فقد مات حارس السجن فجأة.» فهتف الكثيرون معا: «مرحى! ~~مرحى! يا سيدنا الابن! يا سيدنا الابن! كيف حال ميراثك! ربما كنا الآن مسجونين لديك أنت؟» فقال ~~المخاطب بلهجة ذليلة: «لقد قلت لكم من قبل، إنني سوف أطلق سراح كل من يؤمن بي، ويؤمن بأن ~~أبي ما زال حيا.» ولم يضحك المسجونون، وإنما هزوا أكتافهم، وتركوه حيث هو. # DIE GEFANGENEN # Der Wanderer und sein Schatten. † ~~84 # Eines Morgens traten die Gefangenen in den Arbeitshof: der ~~Warter fehlte. Die Einen von ihnen giengen, wie es ihre Art war, sofort an die Arbeit, ~~Andere standen müssig und blockten trotzig umher. Da trat Einer vor und sagte laut: ~~“Arbeitet so viel ihr wollt oder thut Nichts: es ist Alles gleich. Eure geheimen ~~Anschläge sind an’s Licht gekommen, der Gefängnisswärter hat euch neulich belauscht und ~~will in den nächsten Tagen ein fürchterliches Gericht über euch ergehen lassen. Ihr ~~kennt ihn, er ist hart und nachträgerischen Sinnes. Nun aber merkt auf: ihr habt mich ~~bisher verkannt: ich bin nicht, was ich scheine, sondern viel mehr: ich bin der Sohn des ~~Gerfängnisswärters und gelte Alles üei ihm. Ich kann euch retten, ich will euch retten; ~~aber, wohlgemerkt, nur Diejenigen von euch, welche mir # glauben ~~, dass ich der Sohn des Gefängniswärters bin; die Ubrigen mögen die ~~Früchte ihres Unglaubens ernten”. ~~“Nun, sagte nach einigem Schweigen ein älterer Gefangener, ~~was kann dir daran gelegen sein, ob wir es dir glauben oder nicht glauben? Bist du ~~wirklich der Sohn und vermagst du Das, was du sagst, so lege ein gutes Wort ms158 für uns Alle ~~ein: es wäre wirklich recht gutmüthig von dir. Das Gerede von Glauben und Unglauben aber ~~lass bei Seite”. “Und, rief ein jüngere Mann daz-wischen, ich glaub’es ihm auch nicht: ~~er hat sich nur Etwas in den Kopf gesetzt. Ich wette, in acht Tagen befinden wir uns ~~gararde noch so hier wie heute, und der Gefänisswärter weiss # Nichts ~~”. “Und wenn er Etwas gewusst hat, so weiss er’s nicht mehr”, sagte ~~der Letzte der Gefangenen, der jetzt erst in den Hof hinabkam, “der Gefängnis-swärter ~~ist eben plötzlcih gestorben”,-“Holla, schrieen Mehrere durcheinander, holla! Herr Sohn, ~~Herr Sohn, wie steht es mit der Erbschaft? Sind wir vielleicht jetzt # deine # Gefangeene?”-“Ich habe es euch gesagt, entgegnete der ~~Angeredete mild, iche werde Jeden freilassen, der an mich glaubt, so gewiss als mein ~~Vater noch lebt.”-Die Gefangenen lachten nicht, zuckten aber mit den Achseln und liessen ~~ihn stehen. # | المراجع # مؤلفات أجنبية ~~(1) # Charles Andler: Nietzsche, sa vie et sa pensée. Paris, éditions ~~Bossard. 6 tomes. 1920-1931. ~~(T. I) les précurseurs de Nietzche. ~~(T. II) La jeunesse de Nietzche. ~~(T. III) Le pessimisme esthétique de ~~Nietzche. ~~(T. IV) La maturité de Nietzche. ~~(T. V) Nietzsche et le tranformisme ~~intellectualiste. ~~(T. VI) La dernière philosophie de ~~Nietzche. ~~(2) # W. Baranger: Nietzsche. Paris. Bordas. ~~1946. ~~(3) # H. Barth: Wahrheit und Ideologie. Zurich, Manesse, ~~1945. ~~(4) # R. Berthelot: Un romantisme utilitaire. T. I. Paris, Alcan, ~~1911. ~~(5) # E. Bertram: Nietzsche, Versuch einer Mythologie. Berlin, Bondi, ~~1920. ~~(Traduction francaise: Nietzsche, essai de mythologie. Paris, Reider 1932). ~~(6) # G. Bianquis: Nietzsche en France. Paris, Alcan, ~~1929. ~~(7) # C. Brinton. Nietzsche. Harvard Univ, Press. ~~1941. ~~(8) # F. Challaye: Nietzsche. Paris, Mellottée, ~~1950. ~~(9) # L. Chestov: Dostoiewski et Nietzsche. Paris, Schiffum, ~~1926. ~~(10) # G. Dwelshauvers: La philosophie de Nietzsche. Paris, Société ~~française d’imprimerie, 1909. ~~(11) # M. Doisy: Nietzsche, homme et surhomme. Bruxelles, La Boétie, ~~1946. ~~(12) # E. Forster-Nietzsche: Das Leben F. Nietzches. Leipzig, Naumann. 5 ~~Be. 1896-1914. ~~(13) # A. Fouillée: Nietzsche et l’immoralisme. Paris, Alcan, ~~1902. ~~(14) # H. ms159 Gallwitz: F. Nietzsche. Dresden, K. Reissner, ~~1898. ~~(15) # J. de Gaultier: Nietzsche et la réforme philosophique. Paris, ~~Mercure de France, 1904. ~~(16) # D. Halévy: Nietzsche. Paris, Grasset, ~~1945. ~~(17) # M. Heidegger: Holzwege. Frankfurt a. M. 1950 (Artikel: Nietzsches ~~Wort: Gott ist tot). ~~(18) # K. Jaspers: Nietzsche, Einführung in das Verständmiss seines Philosophierens. Berlin, De Gruyter, 1936. ~~(Traduction française: Nietzsche, introduction à sa ~~philosophie. Paris, Gallmiard, ~~1950). ~~(19) # K. Jaspers: Nietzsche und das Christenum. Seifert Hamel. ~~1946. ~~(Traduction française: Nietzsche et le christianisme. Paris ~~1949). ~~(20) # W. Kaufmann: Nietzsche, Philosopher, Psychologist, Antichrist. Princeton Univ. Press, 1950. ~~(21) # A. H. Knight: Some Aspects of the Life and Work of Nietzsche. ~~Cambridge 1933. ~~(22) P. Lasserre: La morale de Nietzsche. Paris, Calmann ~~Lévy. ~~(23) # H. Lefebvre: Nietzsche. Paris, éditions sociales internationales, ~~1939. ~~(24) # T. Maulnier: Nietzsche. Paris, Gallimard, ~~1943. ~~(25) # R. Meyer: Nietzsche, sein Leben und seine Werke. ~~München, Oscar Beck, ~~1913. ~~(26) # G. A. Morgan: What Nietzsche Means. Harvard Univ. Press. ~~1943. ~~(27) # M.A. Mugge: Nietzsche, his Life and Work. London, Fischer Unwin, ~~1909. ~~(28) # A. Rey: Le retour éternal et la philosophie de la physique. Paris, Flammarion, 1927. ~~(29) # H. A. Reigburn: Nietzsche, the Story of a Human Philsopher ~~London, Macmillan, 1948. ~~(30) # R. Richter: F. Nietzsche, sein Leben und sein Werk. ~~Leipzig, Dürrsche Buchhandlung, ~~1903. ~~(31) # G. Simmel: Schopenhauer und Nietzsche. Leipzig, Duncker und ~~Humboldt, 1907. ~~(32) # Société française d’études nietzschéennes: # Nietzsche, Etudes et témoignages du Cinquantenaire. Paris, ~~1950. ~~(33) # G. Thibon: Nietzsche et le décline de l’ésprit. Paris, ~~Lardanchet, 1948. ~~(34) # A. Vaihinger: Nietzsche als Philosoph. Langensalze, ~~Beyer, 5e Auflage, 1930. ~~(35) # L. Vialle: Détresses de Nietzsche. Paris, Alcan, ~~1932. ~~(36) # S. Zweig: Le combat avec le démon. (Trad. fran.) Paris, Stock, ~~1948. # مؤلفات عربية ~~(37) # الدكتور عبد الرحمن بدوي، نيتشه، طبعة ثانية، القاهرة 1945. ~~(38) # بولس سلامة: الصراع في الوجود، القاهرة 1954. ms160