######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.RichardWagner.Hindawi24809352 #META# Tags: arts #META# ID: 24809352 #META# Title: ريتشارد ﭬاجنر #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # حياة ڤاجنر وأعماله‏ # فترة الطفولة والشباب‏ # المحاولات الأولى‏ # فترة النضوج‏ # مع الملك في باڤاريا‏ # بايرويت ونهاية المطاف‏ # فلسفة ڤاجنر وفنه‏ # بين التفاؤل والتشاؤم‏ # الفن المتكامل‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # حياة ڤاجنر وأعماله‏ # فترة الطفولة والشباب‏ # المحاولات الأولى‏ # فترة النضوج‏ # مع الملك في باڤاريا‏ # بايرويت ونهاية المطاف‏ # فلسفة ڤاجنر وفنه‏ # بين التفاؤل والتشاؤم‏ # الفن المتكامل‏ # خاتمة‏ # | ريتشارد ڤاجنر # | ريتشارد ڤاجنر # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # في 23 مايو من عام 1963م احتفل العالم بذكرى مرور مائة وخمسين سنة على مولد ڤاجنر؛ ذلك ~~الفنان الضخم الذي يلمع اسمه بين الأقطاب القلائل للفن الموسيقي. وكان هذا التاريخ باعثا ~~لي على أن أعود إلى تقليب صفحات هذا المخطوط الذي كتبته من سنوات طويلة، والذي كنت ~~أنتظر لنشره مثل هذه الفرصة الملائمة، فوجدت فيها سجلا ما زلت أعده طريفا لحياة هذا ~~الفنان، وشرحا أومن بفائدته لأعمال ڤاجنر وفلسفته في الفن والحياة. وأستطيع أن أقول إن ~~معظم آراء ڤاجنر في الفن والسياسة لا تروقني؛ غير أن روعة مؤلفاته الموسيقية كفيلة بأن ~~تضمه إلى سجل الفنانين الخالدين، الذين ينبغي أن ندرس حياتهم وأعمالهم مهما كان فيها من ~~عناصر تبدو غريبة على أفهامنا. # وقد حاولت أن أعرض في هذا الكتاب شخصية ڤاجنر بأكبر قدر ممكن من الموضوعية؛ كما حاولت ~~أن أعرض آراءه في الحياة والفن كما كان هو ذاته خليقا بأن يعرضها، ولكني لم أمتنع عن إصدار ~~الأحكام عليه عندما كنت أجد ذلك ضروريا، وإن تعمدت أن يكون ذلك في أضيق الحدود. وهكذا ~~سيجد القارئ في هذا الكتاب تسجيلا لحياة وأعمال وأفكار فنان تقلبت حياته بين البؤس الذي ~~جعله يشرف على الموت جوعا، وبين البذخ الذي جعل ملكا يضع خزائن دولة بأسرها بين يديه، ~~وتفاوتت أفكاره بين الدعوة إلى الثورة الشعبية إلى حد التعرض للموت من أجلها، وبين التعصب ~~القومي المقترن بأبغض النزعات العدوانية والتوسعية في الأمة الألمانية، وتطورت أعماله من ~~تصوير شخصيات أبطال أسطوريين يتحدون جميع السلطات والتقاليد إلى تمجيد المسيحية والخضوع ~~التام لسلطة الدين. وفي كل هذا التقلب ms01 والتغير، كانت أعماله الفنية - من وجهة النظر ~~الموسيقية الخالصة - تقف شامخة لا تتأثر إلا بشخصية مبدعها الجبارة، بحيث لا يكاد المرء ~~يشعر، إذا استمع إلى النغم الرائع الذي تكونه مؤلفاته من البداية إلى النهاية، بما كان ~~يدور من وراء النغم من أحداث هائلة وتقلبات عنيفة في نفس صاحبه أو في المجتمع الذي عاش فيه. ~~وإلى هذا العنصر الثابت ترجع عظمة ڤاجنر. أما نظرياته الفنية أو آراؤه السياسية أو أفكاره ~~الدرامية فلها من الخصوم بقدر ما لها من الأنصار أو يزيد. # وعلى هذا فإني أعرض كتابي هذا على القارئ دون أن أكون واثقا على الإطلاق إن كان تأثيره ~~النهائي في نفس هذا القارئ سيكون إعجابا بشخصية ڤاجنر أم سخطا عليها؛ غير أن هناك أمرا ~~واحدا لا أشك فيه على الإطلاق، هو أن ذلك القارئ إذا تحول إلى «سامع» يحسن تذوق ~~الموسيقى، فسوف ينحني إجلالا أمام فن ڤاجنر الرفيع. # فؤاد زكريا # أبريل 1963م # | حياة ڤاجنر وأعماله # | فترة الطفولة والشباب # كانت لحظة حاسمة من لحظات التاريخ العالمي، وتاريخ ألمانيا خاصة، تلك التي ولد فيها ~~ريتشارد ڤاجنر؛ ففي عام 1813م كان نابوليون لا يزال يحرز بعض الانتصارات العسكرية هنا ~~وهناك، ولكنه كان يحس بأنها بداية النهاية؛ إذ أصبح يواجه أمامه، لأول مرة، أمما ~~وشعوبا لا حكومات، وكان الشعب الألماني هو أول شعب أيقظته مدافع نابوليون من سباته ~~العميق. # وفي 23 مايو من ذلك العام نفسه ولد فلهلم ريتشارد في «ليبتسج»، وكانت تلك المنطقة ~~ذاتها مسرح قتال عنيف بين نابوليون وبين الجيوش الألمانية في ذلك الحين، ولم يكن ذلك ~~الموعد من قبيل المصادفة في نظر ڤاجنر عندما عاد بذاكرته فيما بعد إلى وقائع حياته؛ ~~فقد اقترن مولده، في نظره، بمولد الأمة الألمانية التي طالما تغنى في أعماله وكتاباته ~~بأمجادها. # ولقد كان أبوه، الذي توفي في نفس عام مولده، موظفا متوسط الحال، ولكن كان له ولع ~~خاص بالأدب والشعر، وشغف بالغ بالمسرح. كذلك كانت لعمه، أدولف ڤاجنر، مكانة لا بأس ~~بها في الأوساط الأدبية والفكرية؛ إذ ms02 كان على صلة وثيقة بالشاعر جيته وشيلر. ولكن أقوى ~~الشخصيات تأثيرا في حياة ڤاجنر في هذه السنوات الأولى من حياته كان صديقا لأبيه، اسمه ~~«لودفيج جاير # L. Geyer ~~»؛ فقد تزوج هذا الصديق من ~~أمه بعد عام من وفاة أبيه، ويؤيد كثير من مؤرخي حياة ڤاجنر رواية تقول إن جاير هذا هو ~~الأب الحقيقي لڤاجنر، ولكن هذا موضوع يستحيل البت فيه بصفة قاطعة، وليست له على أية حال ~~دلالة كبرى، سوى أنه إذا صح لكانت سخرية الأقدار فيه مريرة؛ إذ إن جاير من أصل يهودي، ~~وڤاجنر كان معروفا طوال حياته بعدائه للسامية. # ولقد أشرف جاير بنفسه على تعليم ريتشارد الصغير المراحل الأولى لحياته. وكان تأثيره ~~الأكبر فيه راجعا إلى ميوله المسرحية الواضحة؛ ذلك لأن جاير نفسه كان أحد ممثلي المسرح ~~الملكي في درسدن، وقد حرص على أن يحيط ريتشارد بجو مسرحي صرف. وروي عن ڤاجنر أنه ~~اشترك وهو لم يزل طفلا، في أداء قطع تمثيلية وأجاد دوره فيها إلى حد كان يبعث على ~~الإعجاب الشديد. ولقد وصف ڤاجنر ذاته فيما بعد تعلقه بالمسرح في طفولته المبكرة بهذه ~~العبارات: «لم يكن ما يحببني في المسرح ... هو الحاجة إلى اللهو والتسلية التي يسعى ~~إليها الناس عادة؛ وإنما ذلك الجو الجديد الذي كان يثيرني ويخلب لبي بما فيه من ~~أحداث تختلف تماما عن تلك التي تؤثر في في الأحوال العادية، وذلك العالم الخيالي ~~الذي يجذب ويرهب في نفس الوقت ... وهكذا فإن كل ما له صلة بالعرض المسرحي كان له في ~~نفسي تأثير سحري غامض جذاب.» # ولقد أدت البيئة المسرحية التي عاش فيها ڤاجنر في هذه السنين الأولى من عمره إلى ~~تنشيط مخيلته إلى حد غير مألوف. وهكذا فإنه عندما انتقل ليعيش في مسكن عمه أدولف - ~~بعد أن توفي جاير بدوره - كان يضفي من خياله صورة غريبة على كل قطعة من أثاث ذلك ~~المنزل، ويشعر بخوف طاغ إذا انفرد بنفسه في الليل؛ فيبدو له كأن أشباحا قد برزت من ~~اللوحات الفنية المعلقة، وتتجسم قطع الأثاث ms03 العتيق في صورة تماثيل متحركة، ويقضي ~~الطفل المسكين ليالي كاملة بها لا يتوقف قلبه طوالها عن النبض بشدة. وهكذا غدا يفسر ~~كل ما يحيط به تفسيرا خياليا مسرحيا عنيفا، ويجسم الصور في أشباح تلعب وتتراقص ~~أمام عينيه الجاحظتين في ذهول، ويبني من كل هذا عالما خياليا كاملا يتداخل في عالم ~~الواقع ولا يعرف بينهما أي حد فاصل، ولعل أهمية هذا العامل تتضح من أن فكرة الأشباح هذه ~~لم تكن مجرد فكرة صبيانية ابتدعها خيال طفل صغير، بل كانت تعبر عن ملكة خاصة لديه، ~~هي ملكة الخلق وإضفاء الحياة على كل ما هو جامد صامت. وليس أدل على ذلك من أن تلك ~~الفكرة قد ظلت تلازمه حتى بعد سن نضوجه، بنفس القوة والحيوية التي كانت تتبدى له بها ~~في طفولته. ولقد اعترف ڤاجنر بذلك حين قال: «كنت منذ طفولتي المبكرة أستشعر في نفسي ~~حوادث مبهمة غامضة خلقت لدي مملكة خيالية فيها غلو ومبالغة. وإني لأذكر أنني حين ~~كنت أظل بمفردي مدة طويلة في حجرتي، كان يخيل إلي أن الحياة قد دبت في الأثاث ~~والأدوات؛ وحينئذ يداهمني خوف كان من القوة بحيث كنت أصيح وأصرخ صرخات نفاذة. ولقد ~~ظللت حتى عهد شبابي أستيقظ في كل ليلة مستغيثا، ولا أهدأ حتى أستمع إلى صوت آدمي يطلب ~~إلي أن ألتزم الصمت.» # وكانت ثمرة كل هذه العوامل جمعاء: البيئة المسرحية، والخيال الحي، والميل الأدبي، ~~والتعليم الذاتي؛ كانت ثمرة هذه العوامل هي تلك المفاجأة التي واجه بها ريتشارد ذات يوم ~~أفراد أسرته؛ إذ تقدم إليها بدراما هي «ليوبالد وأدلايده # Leubald und Adelaide ~~»، وأعلن عزمه على الانقطاع عن الدراسة والتفرغ ~~للشعر. ووقع النبأ على الأسرة وقع الصاعقة، وخاصة تلك الأم التي كانت تود أن تنفذ ~~وصية زوجها الراحل جاير، الذي كانت آخر كلماته: «لقد أردت أن أجعل منه شيئا ~~مذكورا!» # وتلقى ريتشارد العاصفة في سكون: «وبينما كانت الأسرة تصب علي لومها وتتحسر على ~~وقتي الضائع ونفسي التي أفسدها الغرور، كنت أشعر بعزاء مبهم وسط تلك المظاهر المؤلمة ms04 ... ~~كنت أعرف ما يجهله الجميع؛ وهو أن قطعتي لن تقدر حق قدرها إلا إذا وضعت لها موسيقى ~~ملائمة؛ فاستقر عزمي حينئذ على أن أؤلف وأعزف بنفسي تلك الموسيقى.» # وهكذا كانت نظرة ڤاجنر إلى الدراما ممتزجة بالألحان منذ البداية ، بحيث لم ير لأية ~~قطعة من مؤلفاته معنى إلا بعد أن يعبر عنها بالموسيقى، ومن الغريب حقا أن تنضج تلك ~~الفكرة الجامعة بين الشعر والموسيقى، والتي لم تتمثل لدى أي موسيقي أو شاعر آخر سواه - ~~في وقت كانت محاولاته الشعرية لا تكاد تقوى فيه على الوقوف على قدميها، وكان تعليمه ~~الموسيقي فيه هزيلا قاصرا إلى أبعد حد. وإنها لثقة عجيبة بالنفس تلك التي أوحت إليه ~~هذه الفكرة الملازمة له طوال حياته، في ذلك العهد المبكر، والتعليم المحدود. # وهكذا يمكن القول إن عبقرية ڤاجنر الموسيقية لم تظهر متأخرة كما قد يبدو لأول وهلة؛ ~~وإنما استيقظت تلك العبقرية فيه كغيره من الموسيقيين، وإن كانت لم تجد ما يعبر عنها ~~في عالم الأصوات، بل في عالم الشعر والمسرح؛ فالمسرح الدرامي يشغل في نمو ڤاجنر ~~الموسيقي تلك المكانة التي كان يشغلها البيانو وقواعد الهارموني عند موتسارت أو ~~بيتهوفن، فلما تجاوز ڤاجنر مرحلة المراهقة واتضح أمامه العالم الجديد، عالم الصوت، أصبح ~~التعبير يشتمل على المرئيات والمسموعات معا. # وإذن فالعنصر الفني الأول في شخصية ڤاجنر هو العنصر التعبيري، وهو الذي تنبع الموسيقى ~~والشعر فيه معا من المجال العاطفي، فيصبحان مجرد وسائل لإخراج عاطفة أو إحساس باطن إلى ~~حيز الوجود. ولم يكن ذلك الإخراج التعبيري بالأمر العسير على ذلك الذي نشأ منذ نعومة ~~أظافره في جو مسرحي خالص. ~~••• # ولكن ما هي تجارب ڤاجنر الأولى في عالم الموسيقى؟ كانت تلك التجارب على قلتها ~~ووردوها في عهد متأخر بالقياس إلى غيره من «الأطفال المعجزين» مثل موتسارت ومندلسون - ~~كانت ذات أثر حاسم في حياته؛ إذ حددت منذ الوهلة الأولى الاتجاه الذي سار فيه طوال ~~حياته الفنية ... كانت عائلة ڤاجنر تربطها صلة شخصية بالموسيقار الألماني «فيبر # Karl Maria von Weber ~~»، ولتلك الصلة أهمية ms05 كبرى في ~~تنمية الذوق الموسيقي عند ڤاجنر، وتحديد الاتجاه الذي سار فيه فيما بعد، إذا كان ~~«فيبر» يتردد على العائلة ومعه مغن إيطالي زري الهيئة يدعى ساسارولي # Sassaroli ~~. وهكذا بينما كان فيبر يثير الإعجاب في نفس ~~ڤاجنر بشخصيته الجذابة، كان «ساسارولي» يثير في نفسه الضحك والسخرية على الدوام؛ لذلك ~~اختار ڤاجنر جانب الأوبرا الألمانية منذ البداية، في خلال ذلك النزاع الهائل الذي قام ~~بينها وبين الأوبرا الإيطالية في ذلك الوقت. وكان هذا الاختيار أمرا فاصلا في حياة ~~ڤاجنر. # ومن الظواهر الفريدة في تربية ڤاجنر الموسيقية، أنه لم يتعلق - كغيره من الموسيقيين ~~في صباهم - بآلة موسيقية معينة يتخذها وسيلة للتعبير عن مشاعره؛ وإنما تلقى دروسا ~~قليلة على «البيانو» على يد أستاذ غير كفء، وما إن وصل إلى الحد الذي يستطيع فيه أن ~~يعزف افتتاحية فرايشتز # Freischutz # لفيبر بمفرده، مع ~~ارتكاب كثير من الأخطاء، لم يعد يشعر بالحاجة إلى دراسة البيانو؛ وأدت الدراسة في نظره ~~رسالتها، ما دامت قد أوصلته إلى ما يريد. وهكذا أحس ڤاجنر منذ البداية بأن ما يود ~~التعبير عنه شيء عظيم التعقيد، لا تكفي له أصابع البيانو أو أوتار الكمان، بل لا بد له ~~من فرقة كاملة ومجموعات متناسقة ضخمة. # ومنذ ذلك الحين اتجه ڤاجنر نحو الموسيقى الألمانية بكل روحه. وكان فيبر هو أول مثل ~~أعلى تعلقت به روحه. والواقع أن للدراما عند فيبر خصائص كثيرة تجمع بينها وبين دراما ~~ڤاجنر كما سنرى فيما بعد؛ فوقائعها تدور في جو أسطوري، وشخصياتها جنيات مسحورة، ~~والغموض يكتنفها، والصوفية الوثنية الكامنة في قلب كل ألماني تستيقظ على نداء أبواقها. ~~بل إن تلك الدراما كانت في الواقع إنسانية، تنبض كل شخصية من شخصياتها بمشاعر عامة ~~شاملة. وتلك كلها صفات أساسية في الدراما التالية عند ڤاجنر. # ولكن، كيف السبيل إلى كشف بقاع ذلك العالم الصوفي الغامض بدون دراسة؟ لا شك أن ~~التأليف الموسيقي لا يماثل كتابة الشعر في تلقائيتها، بل هو يقتضي دراسة طويلة شاقة ~~متدرجة. وهكذا بدأ ڤاجنر، رغم مصاعبه المالية، يدرس ms06 «الهارموني» سرا، فلما وصل النبأ ~~إلى أسرته، كان نكبة جديدة أضيفت إلى بقية النكبات التي حلت عليهم من ذلك الابن ~~الشاذ. # على أن دروسه في الهارموني لم تكن أسعد حظا من دروسه في اللغات الكلاسيكية؛ إذ كان ~~يعدها حذلقة لا طائل تحتها، وتبدت له القواعد أمرا سقيما ثقيلا على النفس: «كانت ~~الموسيقى في نظري شيئا شيطانيا، فيه غرابة صوفية رفيعة ؛ لذا كان من شأن كل ما يتصل ~~بالقواعد أن يفسد طبيعتها.» # وكان من بين المدونات الموسيقية التي اقتناها في ذلك الحين، قطعة كان لها أكبر ~~الأثر في حياته الموسيقية التالية، رسمت له اتجاها واضح المعالم يحقق كل نظرياته في ~~الموسيقى والدراما؛ تلك هي السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، التي كانت منار الإلهام ~~لڤاجنر، والتي أحس نحوها على الدوام بخشوع وتقديس وعرفان للجميل. ولنستمع إلى ڤاجنر وهو ~~يصف تأثيرها فيه فيقول: # غدت تلك السيمفونية النقطة الصوفية الجاذبة التي تشع منها كل أفكاري ~~الموسيقية. ولقد بدأ اهتمامي بها على شكل حب استطلاع؛ إذ كان الرأي الشائع هو ~~أن بيتهوفن قد ألفها وهو على حافة الجنون؛ ولذا عدت أقصى درجات الغرابة ~~والشذوذ والغموض في الموسيقى. وكان هذا وحده سببا كافيا دفعني إلى دراستها ~~بشغف مستمد من ذلك الإلهام الشيطاني الذي أثارته في، وما إن ألقيت عليها ~~نظرة - بعد حصولي على تقسيمها بعد عناء كبير - حتى فتنني الشعور بالمصادفة ~~للقدرة التي تمثلت لي فيها؛ إذ إن الأنغام الطويلة التي تعزفها الآلات الوترية ~~في بدايتها قد ذكرتني بتلك الأصوات التي لعبت في طفولتي دورا سحريا ~~عجيبا، وبدت لي كأنها الصوت الغامض الذي يمثل حياتي أصدق تمثيل. ولا ريب أن ~~تلك السيمفونية تنطوي على سر الأسرار؛ ولذا اهتممت لتوي بحيازة نسخة منها ~~عانيت ألما عظيما في تدوينها ونسخها. # وربما كان في وقوفه مشدوها أمام هذا الإعجاب الفني الرائع ما ولد في نفسه نوعا من ~~اليأس؛ إذ لم يكن قد توفر له من التعليم الموسيقي ما يمكنه من مجاراته، وإن أحس ~~بأنه لا يفتقر إلى الإلهام وإلى الروح الخالقة ms07 لمثل هذه المعجزات؛ لذا انتابته فترة من ~~اليأس البالغ، والقلق على مستقبله؛ غير أن حادثا فريدا قد أعاد إليه الثقة في نفسه، ~~وجلب له الخلاص الروحي؛ إذ مرت ببلدته مغنية مشهورة هي: فلهلمين ~~شرودور-ديفرينت # Wilhelmine ~~Sehröder-Devrient # واستمع إليها ڤاجنر وهي تؤدي «فيدليو» لبيتهوفن، فكانت ~~تلك ليلة فاصلة في حياته، وبلغ تأثره بها حدا جعله يسرع إلى إرسال خطاب إلى الفنانة ~~يعبر لها فيه عن تقديره لصنيعها وعرفانه لجميلها إذ أعادت إليه ثقته في نفسه وفي حاسته ~~الموسيقية، ويؤكد لها أنه لو أصبح له شأن في عالم الفن يوما ما، فإن الفضل الأكبر في ~~ذلك سيكون راجعا لذلك اليوم الذي استمع فيه إليها. ولكم سر ڤاجنر فيما بعد حين ~~قدمت إليه فلهلمين ذلك الخطاب الفريد وهو في أوج شهرته! # وأدرك ڤاجنر عندئذ أن التعليم الموسيقي أمر لا مفر منه، وأن أنغامه الوحشية في حاجة ~~إلى الصقل والتهذيب، وواتاه الحظ في شخص تيودور ~~فينلش # Theodore Weinlich # الذي تتلمذ عليه ڤاجنر حينا من الدهر، واستطاع دون سواه أن ~~يقدر المواهب الكامنة وراء ذلك الجهل المطبق بقواعد الموسيقى، فأمكنه أن يحسن ~~توجيهه، ويجعله يستوعب في فترة بسيطة كل ما هو في حاجة إليه من تلك القواعد دون أن يشعر ~~بأي عناء من جراء تمريناتها المرهقة، وما إن أحس الأستاذ أن تلميذه قد تلقى ما ~~يكفيه من القواعد، وأن في وسع عبقريته أن تسير في طريقها المستقل، حتى قال له: «الآن ~~تستطيع أن تمضي في طريقك وحدك؛ إذ إن في وسعك أن تؤلف تبعا لقواعد الفن حيثما يكون ~~ذلك ضروريا.» ولكم كان في تلك الجملة الأخيرة حكمة بالغة من ذلك الأستاذ الذي حض ~~تلميذه دائما على الاستقلال، وإن لم ينس أن يزوده بالعتاد الضروري الذي يمكنه من ~~البدء في شق طريقه الخاص بعبقريته الخالقة التي لا تعبأ كثيرا بالتقاليد ~~والقواعد. # تلك خلاصة التعليم الموسيقي الذي تلقاه ڤاجنر. فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول إنه كان ~~مستقل التعليم؛ أي إنه ممن علموا أنفسهم بأنفسهم # autodidacte ~~؟ الواقع ms08 أن الفترة التي سبقت عهد ~~تعلمه المنظم، لم تشهد أية قطعة معقولة ألفها؛ فقد رأينا أن كل محاولاته الأولى ~~كانت شذوذا وانحرافا لا معنى له. أما بعد قضاء تلك الفترة التعليمية المثمرة؛ فقد ~~بدأت الموسيقى المعقولة تنساب من ريشته. وإذن فهو قد تلقى تعليمه على أساتذة يدين ~~لهم بالكثير، وفي هذا ما ينفي صفة التعليم المستقل عنه؛ غير أنه من جهة أخرى لم يكن ~~ليكتفي بتلك القواعد التي تلقاها، بل صمم على دراسة الأعمال الفنية من مواردها ~~الأصلية؛ ولذا كان يقتني مدونات القطع الموسيقية المشهورة أو ينسخها إن لم يكن في طاقته ~~اقتناؤها، ويعكف على دراستها بحماس محموم. # وهنا تظهر ناحية فذة في عبقريته الموسيقية؛ فكثيرا ما قيل إن ڤاجنر لم يبد ~~عبقرية مبكرة مثل موتسارت مثلا. ولكن الواقع أن عبقرية ڤاجنر لم تكن براعة في العزف ~~تحمل الألوف على التصفيق والتهليل، ولم تكن مهارة في سرعة انتقال اليد على أصابع ~~البيانو أو على أوتار الكمان، بل كانت عبقريته أعمق وأصدق من تلك البراعة العملية ~~الاستعراضية؛ فالمقدرة الموسيقية الأصيلة تتبدى أوضح ما تكون في ذلك الصبي الذي يعكف ~~ليل نهار على مدونات القطع المشهورة يدرسها نغمة نغمة، وتتشرب بها روحه الفنية، ~~وتتغلغل في ذهنه كل دقائقها، ويكشف أعمق أسرارها، ويحيا بها حياة كاملة لها قوامها ~~وكيانها الخاص - كل ذلك دون أن يجيد عزفها! ومعنى ذلك أن ڤاجنر قد توفرت له منذ صباه ~~موهبة هي أعمق المواهب الموسيقية وألزمها للفنان الخالق؛ وهي القدرة على «تصور ~~الألحان والأنغام نغمة نغمة بمجرد قراءتها»، وتذوق نواحي الجمال في اللحن وفي ~~الهارموني على السواء بالعقل وحده، وتكوين فكرة صحيحة شاملة عن القطعة التي تدون ~~أجزاؤها تبعا لتقسيمها على فرقة موسيقية كاملة من مجرد النظر بالعينين إليها. وفي هذا ~~يكون ڤاجنر هو «الصبي المعجز» بحق. # | المحاولات الأولى # ظهرت ثمرة التعليم الموسيقي المنظم عند ڤاجنر بسرعة تدعو إلى الدهشة، فلم تمض فترة ~~قصيرة حتى توالت الافتتاحيات البسيطة المقبولة التي لا تنفر منها الآذان، وعزفت إحداها ~~في حفل ms09 عام فقوبلت من الجمهور بالاستحسان، وبدأت أمه اليائسة من مستقبله تبتسم ابتسامة ~~أمل. وفي سن التاسعة عشرة، ألف سيمفونيته الوحيدة، التي أودعها كل ما لصق بذهنه من ~~القواعد المدروسة والتقاليد الموروثة عن كبار الموسيقيين؛ ومن هنا كان نصيب التقليد ~~فيها أكبر من نصيب الابتكار. لكنها مع ذلك كانت قطعة جميلة يسمعها المرء فلا يتصور أنها ~~من تأليف فتى لم يبلغ العشرين، ولم تمض سنوات قلائل على اقتحامه عالم الموسيقى؛ وأذكر ~~منها بوجه خاص، الجزء الثاني البطيء الذي ينساب في هدوء ورشاقة تذكرنا بالجزء الثاني ~~من سيمفونية بيتهوفن السابعة. # وكانت أولى محاولات ڤاجنر في التأليف للأوبرا هي تلحين قصة ألفها هو بعنوان ~~«الجنيات»، ولكن هذه الأوبرا لقيت فشلا ذريعا. واضطر ڤاجنر إلى الاستدانة لسداد ~~ديونه المتراكمة. # والحق أن ظاهرة الاستدانة من الظواهر المألوفة في حياة ڤاجنر؛ فقد لازمته خلال الجزء ~~الأكبر من حياته، ولم يتخل شبحها عنه حتى في فترة ازدهاره الأخيرة. بل لقى روي عنه ~~في عهد صباه، أنه توجه في رحلة طويلة مع واحد من رفاقه، وفي خلال الطريق أعوزتهما ~~النقود، وكان لا بد من الاهتداء إلى وسيلة للحصول على أي مبلغ، فوقف رفيقه مبهوتا يفكر ~~في حيلة تعين على كسب بعض المال. ولكن ڤاجنر لم يطل به التفكير؛ إذ مرت بالطريق في ~~تلك اللحظة عربة خاصة فاخرة، فتقدم منها بلا تردد وطلب من ركابها إحسانا، بينما ~~اختفى صديقه على جانب الطريق. وهكذا امتدت يد ڤاجنر تطلب المال وهو في عهد صباه، ولم ~~تكن تلك هي المرة الوحيدة، فطالما امتدت تلك اليد تطلب المال بأي شكل وتستدين على أي ~~نحو. ويبدو أن احتقار ڤاجنر للمال جعله ينظر إليه نظرة عدم اكتراث به وبمن يمتلكونه؛ ~~فلا يرى لصاحب المال فضلا عليه، ولا يرى في افتقاره إليه نقصا يحط من قدره؛ وعلى ذلك ~~فلا لوم عليه إن سعى إلى الحصول عليه بأية وسيلة. لقد كان لديه شعور «بأن العالم مدين ~~له بما هو في حاجة إليه»، فليأخذ المال إذن من أي ms10 امرئ كان، ولا يضيره إن أخذ دون أن ~~يعطي؛ لأنه يقدم إلى العالم ألحانا جميلة، فلا أقل من أن يتكفل العالم بحاجاته؛ ~~هكذا كان تبريره العجيب لمسلكه! # وأعاد ڤاجنر الكرة بتأليف أوبرا ثانية هي «ممنوع ~~الحب # Liebesverbot ~~»؛ غير أن الفشل لاحقه في كل مرة حاول عرضها فيها، واضطر عندئذ ~~إلى الهرب من الميدان؛ لا يأسا من إخفاقه الفني؛ فقد احتفظ بثقته بنفسه على الرغم من ~~هذا الفشل المتلاحق - وإنما جزعا من مركزه المالي. وكان فراره في هذه المرة إلى مكان ~~قصي، هو «كينجزبرج» عاصمة بروسيا، حيث كانت تقطن صديقته الجميلة فلهلمينا بلانر # Wilhelmina Planner ~~، أو «مينا # Minna ~~» كما كانت تلقب. كانت معرفة ڤاجنر بها ترجع ~~إلى تلك الأيام التي عمل بها قائدا للفرقة الموسيقية في «لوخشتيت»، وكانت «مينا» هي ~~الممثلة والمغنية الأولى في الفرقة. وسرعان ما توطدت دعائم الصداقة بينه وبين الممثلة ~~الجميلة منذ اللحظة الأولى. وتطورت تلك الصداقة إلى ما بدا له في تلك الأيام حبا، ~~فلما أنبأته بأنها قد نجحت في الحصول على عمل في كينجزبرج، أسرع إلى اللحاق بها. وهناك، ~~قبل أن يوقن من حصوله على عمل، استقر عزمه على الزواج منها، وخطا الخطوة الحاسمة دون ~~تفكير أو تدبر. وفي الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1836م، تم الزواج الذي عده ڤاجنر ~~أحد أخطائه الكبرى. # والواقع أن خطأ ذلك الزواج لم يكن ينحصر في عدم الاستعداد المادي وحده، بل كان يرجع ~~إلى ما هو أعمق من ذلك؛ فقد كانت «مينا» من أصل ريفي ساذج، وكان ذهنها سطحيا ~~وثقافتها محدودة إلى أبعد حد. كانت امرأة جميلة فحسب، وربما كان في ذلك ما يكفيه في ذلك ~~الحين؛ فقد تزوجها وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وفي فترة لم تكن للعوامل العقلية ~~فيها القدرة على مقاومة جمالها. # وفي خلال فترة الهدوء المؤقت التي أعقبت زواجه، عمل ڤاجنر على إتمام أوبرا جديدة هي ~~«رينزي # Rienzi ~~»، التي أودعها خلاصة تجاربه وخبرته ~~في ذلك الحين. ورغم أن تلك الأوبرا لا تقارن بدرامات ڤاجنر التالية؛ ms11 فقد فتح فيها ~~آفاقا موسيقية جديدة لم يسمع بها من قبل. أما من حيث الموضوع؛ فقد كانت الأوبرا صورة ~~للتقاليد الشائعة في عصره؛ إذ كان موضوعها تاريخيا كأغلب الأوبرات الشائعة حينئذ، ~~مستمدا من قصة «رينزي» كما كتبها «بولفر # Bulwer ~~»، ~~وصور فيها ذلك القائد الروماني الكبير ذا القلب النبيل الذي يهفو دائما إلى الحرية، ~~ويصبو إلى إعادة مجد روما القديمة، بينما تخونه الجماعة المنحلة التي تحيط به، فيروح في ~~نهاية الأمر ضحية إخلاصه لوطنه وانخداعه بمن حوله. فليس في ذلك الموضوع اهتمام بذلك ~~العالم الباطن الذي كان محور قطع ڤاجنر فيما بعد، حين أصبح ينقد الأوبرا التاريخية على ~~أساس أنها تضحي بالجانب العاطفي من أجل العرض التاريخي، مع أن حوادث التاريخ لا يعبر ~~عنها بالموسيقى تعبيرا صحيحا؛ وإنما تغدو الموسيقى في هذه الحالة ضوضاء سطحية ليس ~~بينها وبين الكلمات أي ارتباط. فلم يكن من الغريب إذن أن يرفض ڤاجنر فيما بعد تلك ~~الأوبرا ويتبرأ منها بعد نضوج نظرياته الجمالية، ويعدها «خطيئة من خطايا ~~الشباب». # ولكن «رينزي» كانت وقت تأليفها إنتاجا ضخما يفوق جميع نظائره، فهي بالقياس إلى ~~غيرها من الأوبرات الشائعة تمثل تقدما كبيرا؛ لذا صمم ڤاجنر على أن يعرضها في ~~مدينة كبرى بالقياس إلى بلدة «ريجا» الصغيرة التي كان قد انتقل إليها في تلك ~~الآونة. # وهكذا بارح ڤاجنر ريجا ساخطا عليها، وكانت رحلته البحرية منها محفوفة بالمخاطر، حتى ~~أوشكت السفينة الصغيرة التي كان يستقلها على الغرق مرارا، ولم تقاوم العواصف الجبارة ~~والصخور الضخمة التي اعترضتها إلا بمعجزة. ولكن ڤاجنر الذي يعرف كيف يستفيد من أسوأ ~~ظروفه، استمد من أهوال سفرته البحرية إلهاما شعريا وموسيقيا تبدت آثاره واضحة ~~في «الهولندي الطائر»؛ وهي إنتاجه الفني الأول بعد «رينزي». ~~••• # وبعد إقامة قصيرة في لندن، دخل ڤاجنر مدينة باريس وقلبه عامر بالأمل في الوصول إلى ما ~~يشتهيه من شهرة ومجد. ولم يكن اليأس يعرف إلى روحه سبيلا في مستهل عهده بمدينة النور، ~~إذ كان واثقا من مقدرته الفنية، وكان آملا - من جهة أخرى - في ms12 تذوق أهل باريس ~~لفنه وهم الذين يرفعون إلى الجوزاء فنانين أقل منه قدرا وموهبة. # ولكن هوة الخلاف بينه وبين البيئة الباريسية سرعان ما اتسعت؛ فلم يلق من أحد ~~أذنا صاغية، بل كان الجواب التقليدي الذي يتلقاه ممن يتقدم إليهم بشيء من موسيقاه، هو ~~إعجابهم بتلك الموسيقى الجديدة، مع أسفهم لاستحالة عزفها أو نشرها في الوقت الحالي! ... ~~ولكن كيف كان ڤاجنر يرتزق طوال هذه الفترة؟ كان من أهم موارد رزقه، سؤال أصحابه القدامى ~~وأشقائه في ألمانيا! أما المورد الآخر، فهو القيام بأعمال تافهة ومرهقة في نفس الوقت، ~~لبعض ناشري الموسيقى، كان ينال منها أجرا زهيدا بعد عناء كبير، نظير عمل مهين لم يكن ~~ليقبله لولا الحاجة الماسة؛ ولذا لم يكن عجيبا أن تبدأ شكواه من رئتيه في تلك الفترة، ~~وهي شكوى لازمته طوال حياته. # وفي الوقت الذي كان فيه ڤاجنر يعمل في صمت على إتمام درامته الأولى «الهولندي الطائر # Der ~~Fligender Holländer ~~»، ~~عانى أشد الأزمات المادية والروحية من جراء تنكر باريس له، حتى انتهى آخر الأمر إلى ~~رأي واضح إزائها؛ هو أن الذوق الباريسي في انحطاط مستمر، وأن تلك الأوبرات الإيطالية ~~الخفيفة التي ترحب بها باريس ليست من الفن الصحيح في شيء، وأن أكبر فناني باريس لا ~~يمكنهم أن يدانوا الفنانين الألمان الذين عرفهم وعاش معهم طويلا. هكذا تكشفت الحقيقة ~~الأليمة لعينيه، وانهارت تلك الآمال الشامخة التي كان يعلقها على مدينة لاهية، بل ~~فترت حماسته في تنفيذ مشروعاته الفنية بها، بعد أن أيقن أن جمهورها لن يتذوق فنا ~~متغلغلا في أعماق النفس البشرية؛ وإنما يريد أن يرقص ويلهو فحسب. # ولقد بلغ به سوء الحال أن أوشك ذات مرة على الموت جوعا، لولا أن أسعفته زوجته بشراء ~~ما يلزم لوجبة طيبة، بعد أن تعهدت كتابيا بدفع المبلغ اللازم. ولم يخلصه من تلك ~~الأزمة الحادة سوى بيع تلك الرواية الشعرية التي ألفها في أشق الظروف وأصعبها، وهي ~~«الهولندي الطائر». أما موسيقاها فقد فرغ منها بسرعة تبعث على الدهشة، ثم طوى الصحائف ~~التي تضمنتها، ms13 وأضافها إلى مجموعة مؤلفاته المتراكمة. # وفي تلك الفترة عبر ڤاجنر عن مشاعره تعبيرا صادقا في سلسلة من المقالات ظهرت له ~~في الصحف الفرنسية بعد أن كانت تترجم من الألمانية. ولعل أبلغ هذه المقالات دلالة، ~~مقال بعنوان «نهاية موسيقي في باريس» يصف فيه آلام فنان تنكرت له عاصمة الآمال، فأخذ ~~يؤدي صلاة قصيرة يثبت بها إيمانه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول: «أومن بالله، ~~وبموتسارت، وبيتهوفن، وبآلهم وأصحابهم، أومن بالروح القدس وبفن واحد لا شريك له، وأومن ~~بأن هذا الفن إنما يأتينا من عند الله، ولا يعمر إلا القلوب التي أنارها الله ... أومن ~~بأن في وسع الكل أن يصلوا إلى السعادة بفضل هذا الفن، وأنه من المعقول لذلك أن يموت ~~المرء جوعا وهو يشيد بعظمة ذلك الفن؛ وأومن أخيرا بأني كنت في الدنيا مجموعة أنغام ~~ناشزة ستجد في العالم الآخر حلها المنسجم المتناسق.» # ولا جدال في أن صفة من الصفات الأساسية في روح ڤاجنر كانت في تلك الفترة بسبيل ~~التكون؛ وأعني بها حماسته للروح الألمانية؛ ففي الوقت الذي أيقن فيه بعدم استعداد ~~الفرنسيين لتلقي تعاليم فنه الجديد، وفي الوقت الذي عانى فيه أهوال البؤس والفاقة بين ~~قوم تنكروا له وتجاهلوه، لم يكن من الغريب أن يتجه خيال ڤاجنر إلى الأدب الألماني ~~يستلهم منه وحيا، أو عزاء وتعويضا عما يلقاه بين الفرنسيين من عناء؛ ولذلك ترجع ~~معرفته بالأساطير الألمانية الوسطى، مثل أسطورة تانهويزر # Tannhauser # ولوهنجرين # Lohengrin # إلى ~~ذلك العهد. ووجد فيهما ڤاجنر ذلك الجو الخيالي العنيف الذي هو أحوج ما يكون إليه للهروب ~~من واقعه القاسي، فصمم على أن ينقل هاتين الأسطورتين إلى عالم الفن، ويخلدهما في تاريخ ~~الشعر والموسيقي. # وسرعان ما استجاب الوطن الذي كان يحيا فيه بكل قلبه إلى دعائه، فواتته في ربيع عام ~~1842م أنباء كان ينتظرها بصبر نافذ؛ فقد قبل مسرح درسدن أن يعرض الأوبرا الكبيرة ~~«رينزي»، كما قبلت برلين «الهولندي الطائر». وفي السابع من أبريل سنة 1842م غادر ڤاجنر ~~المدينة التي تنكرت له. وهكذا انتهت فترة إقامته ms14 في باريس، وبدأت من حياته مرحلة ~~جديدة حاسمة. ~~••• # كان هناك أمل قوي يداعب ڤاجنر في عودته إلى وطنه؛ فقد وجد أخيرا من يستمعون إليه ~~ويفهمونه، وأتيحت له الفرصة ليذيع ثمرات عبقرية على الملأ، وفتح أمامه طريق الشهرة ~~الذي طالما تاق إليه. # ولكم كان العمل شاقا في إعداد «رينزي» ومراجعة أجزائها. على أن جمال ألحانها خفف ~~من عنائه وعناء بقية الفنانين إلى حد بعيد. ومن أطرف ما رواه ڤاجنر في هذا الصدد أن ~~المغني الأول في الفرقة كان أثناء فترات التمرين يتمايل طربا كلما بلغ قطعة معينة في ~~الفصل الثالث، فأخرج ذات يوم قطعة صغيرة من النقود وقدمها إلى ڤاجنر مازحا، على ~~أنها هدية له على ذلك اللحن الرائع، ثم طلب من كل فرد في الفرقة أن يحذو حذوه، وتلقى ~~ڤاجنر النقود ضاحكا هو الآخر. واستمر هذا المزاح في كل يوم من أيام التمرين، حتى كان ~~يقال: «حانت لحظة الدفع.» فيدفع الجميع! وكان المفروض أن ذلك العمل دعابة بريئة، وأن ~~ڤاجنر يتلقى تلك الهدايا الصغيرة على سبيل الدعابة، ولكن ما من أحد كان يعلم أنهم ~~كانوا يقدمون إلى ڤاجنر في عملهم هذا ثمن وجبة غذائه اليومية! # وأخيرا حان اليوم الذي أحدث تغييرا حاسما في حياة ڤاجنر، وهو يوم العرض الأول ~~لأوبرا «رينزي» (20 أكتوبر 1842م)، في ذلك اليوم أحرزت الأوبرا نجاحا هائلا، وأعيدت ~~بعد ذلك مرارا، وأبدت أميرتان من البيت المالك إعجابهما الشديد بالفنان الناشئ، وأصبح ~~انتصار «رينزي» حديث أهل درسدن لمدة طويلة. ووجد ڤاجنر الفرصة سانحة لعرض الأوبرا ~~الأخرى «الهولندي الطائر» في درسدن، ولكنها لم تلق نجاحا يناظر نجاح رينزي؛ وذلك ~~لعدة أسباب، منها أن المغنين لم يطلعوا على أدوارهم اطلاعا كافيا، ولم يجيدوا ~~أداءها - وأهم من ذلك، أن «الهولندي الطائر» كانت أول دراما غنائية يتقدم بها ڤاجنر إلى ~~جمهور لم يكن على استعداد لتلقي نظريات فنية جديدة. أما رينزي فكانت أوبرا من النوع ~~المألوف لديهم؛ ولذا اضطر ڤاجنر - ليحفظ سمعته من التدهور - إلى إعادة عرض رينزي، فعاد ~~الإعجاب سائدا. ms15 # وترامت أنباء نجاحه إلى فردريش، ملك ساكس، فأمر بتعيينه قائدا للفرقة الملكية في ~~درسدن. وهكذا ضمن ڤاجنر معاشا معقولا يكفيه للتفرغ لأعماله الفنية. # وفي عام 1843م بدأ ڤاجنر في كتابة أشعار «تانهويزر # Tannhauser ~~»، مسلتهما إياها من الأساطير الألمانية في العصور الوسطى؛ ~~إذ اطلع حينئذ على كتاب «جريم # Grimm ~~» عن الأساطير ~~الألمانية فكان له على خياله تأثير عجيب، وكان لتفكك تلك الأساطير ما يثير مشاعره التي ~~يحركها كل ما هو غامض حفي؛ ولذا عمل على تكملة تلك الأقاصيص ليخرج منها دراما عميقة ~~كاملة. وأعاد ڤاجنر قراءة الكتاب مرارا، فإذا به يحس نحو شخصياته بألفة غريبة، وكأنه ~~يعرفهم منذ عهد بعيد، حتى أصبحت حياته مع تلك الشخصيات العتيقة «حياة جديدة» على حد ~~تعبيره، تغيرت معها نظرته إلى العالم تغيرا كليا، «مثلما تتغير حياة الطفل حينما ~~تبدر منه بوادر النطق والفهم». أما موسيقى تلك الدراما فقد أتمها ڤاجنر في أواخر شهر ~~ديسمبر، وكان خلال تأليفها يقضي الجزء الأكبر من وقته سائرا في جولات انفرادية، أوحت ~~إليه معظم ألحان تلك الدراما المحبوبة. # ولم يكن العرض الحاسم لتلك الدراما هو العرض الأول؛ إذ اتضحت لڤاجنر في خلال الأداء ~~عيوب كثيرة وخاصة في توزيع الأدوار؛ ولذا أسرع إلى تعديلها إما بالحذف أو الزيادة أو ~~التحوير. وهكذا أقبل على العرض الثاني وهو كامل الثقة بنجاحه. ورغم أن عدد المتفرجين في ~~ذلك العرض لم يكن كبيرا، فإن حماستهم كانت بالغة، وخرج ذلك الفوج من النظارة ليذيع في ~~درسدن خبر إنتاج ناجح جديد لفنانهم العبقري. واستمر النجاح مرات عديدة، وكان من أهم ~~الظواهر التي رفعت رأس ڤاجنر عندئذ أنه ~~لاحظ وجود أناس بين النظارة لم يكونوا ممن يؤمون حفلات الأوبرا على الإطلاق؛ مما أثبت ~~له أنهم يقدرون شعره في ذاته، وأن اتجاهه الجديد قد أثمر إذ اجتذب أناسا يرغبون في ~~مشاهدة «الدراما» فحسب. # | فترة النضوج # بعد صيف عام 1847م الهادئ، الذي قضاه ڤاجنر في تأليف دراما جديدة هي «لوهنجرين # Lohengrin ~~»، مستمدا إياها من منبعه الجديد وهو ~~الأساطير الألمانية القديمة، ms16 أقبل عام 1848م بأحداثه الجسام ... # ففي فبراير من ذلك العام جاءت الأنباء بفرار «لوي فيليب» وإعلان الجمهورية في فرنسا، ~~وبدأ الشعور العام يتوتر في ألمانيا، حتى وصل تيار الثورة إلى مدينة درسدن، تلك المدينة ~~الهادئة الخاملة في ساكس. وكان اتجاه ڤاجنر السياسي واضحا في ذلك الحين؛ إذ كان ميالا ~~إلى جانب الأحرار والثائرين على التقاليد الرجعية، وكان يدعو بحماسة إلى الإصلاح ~~الاجتماعي، ويطالب أمراء ألمانيا بمراعاة مصالح شعوبهم والانصراف عن مشاغلهم التافهة. ~~واتخذ نشاطه مظهرا عمليا منذ البداية؛ فكان يرسل المقالات الثورية إلى الصحف ~~معبرا فيها عن رأيه في وسائل الإصلاح، ويخطب بحماسة في المنتديات السياسية، حتى ~~تعرض لغضب الملك حين نقده في إحدى مقالاته نقدا عنيفا. # ولم يمض وقت طويل حتى تعرف ڤاجنر إلى ميشيل ~~باكونين # Michel Bakunine # الثائر الروسي المشهور الذي مضى في التحرر إلى أبعد مراحله ~~تطرفا، حتى أصبحت الفوضوية له مذهبا، والتخريب العام غاية قصوى. كان باكونين في تلك ~~الأثناء مطاردا، هاربا من سلطة الحكومة، غير أنه تقدم إلى ڤاجنر بجرأة بعد حفلة ~~عزفت فيها السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وعبر الثائر للموسيقي المتحرر عن تقديسه ~~لتلك الموسيقى التي يجب أن تظل خالدة وسط ذلك الدمار والحطام العالمي الذي يوشك أن ~~يأكل الأخضر واليابس. ومنذ ذلك الحين توطدت الصداقة بين الفنان وبين الثائر الذي كفر ~~بكل ما كان مقدسا، إلا الموسيقى ... وكثيرا ما كان ڤاجنر يدعوه لقضاء السهرة في منزله، ~~فيشرح له باكونين أسس فكرة الفوضوية، التي أثارت خاطر ڤاجنر ودفعته إلى التفكير العميق، ~~وإن رآها بعيدة عن التحقيق، ولكن أعجب ڤاجنر بتلك الشخصية الشاذة الفريدة «التي جمعت ~~بين البغض القاتل لكل مدنية، وبين أنقى مظاهر المثالية الخالصة»؛ غير أنه لم يتمكن من ~~إقناعه بآماله في نهضة فنية شاملة؛ إذ كان باكونين يضع نصب عينيه الفوضى والدمار ولا ~~شيء سواهما، فلم يكن في وسعه أن يفهم كيف تقوم تلك النهضة مرتكزة على الأوضاع الحالية ~~التي رآها فاسدة لا تستحق إلا الهدم والتدمير. # وفي 3 مايو 1849م اندلعت نيران ms17 الثورة في درسدن، وقام سكان المدينة الهادئة يحملون ~~السلاح في وجه الحكومة، وأصبحت شوارعها مسرحا لكل أنواع الفوضى والدمار. وشهد ڤاجنر ~~تلك الروح الجديدة فطرب لها كل الطرب، وسايرها بحماسة، ومشى في تيار الثورة بقدر ما ~~وسعه ذلك، وإن لم يكن عنيفا هداما في ميوله. وأخذ يرقب بشغف بالغ مناظر القتال في ~~الشوارع، ويتملكه الابتهاج الساذج وهو يستمع إلى قصص الشجاعة في تلك الحرب المحلية ~~الصغيرة. # غير أن الثورة لم يقدر لها أن تعمر طويلا، فلم يمض وقت قصير حتى قضت القوات ~~النظامية على أحلام الثائرين وأسقطت حكومتهم المؤقتة، وقبض على باكونين بعد أن نصب ~~له فخ بارع، نجا منه ڤاجنر بأعجوبة. وتبين لڤاجنر أن الإقامة في درسدن - وخاصة في ~~منصب قائد الفرقة الموسيقية الملكية بها - لن تطيب له يوما واحدا بعد ذلك؛ نتيجة لما ~~عرف من أمر مشاطرته الثوار مشاعرهم، ومعاونته لهم بقدر استطاعته، فالتجأ إلى فيمار، ~~وأقام عند صديقه «ليست»، وهناك تأكد من أن عودته إلى درسدن في أعقابها خطر جسيم عليه؛ ~~إذ صدر أمر بالقبض عليه. وهنا أظهر «ليست» عطفا كريما عليه، وأصبح شغله الشاغل هو ~~التفكير في وسيلة لإبعاد ڤاجنر من خطر الاعتقال، لا سيما وأن بقاءه في فيمار ذاتها قد ~~أصبح أمرا غير مأمون. وهكذا استقر عزم ڤاجنر نهائيا على مغادرة ألمانيا كلها، ~~والرحيل عن طريق باڤاريا إلى سويسرا، ومنها إلى باريس؛ معقل الحرية والثورة كما خيل ~~إليه في بادئ الأمر. # ولم يكن هدف ڤاجنر من باريس في هذه المرة هو البحث عن فرص وآفاق جديدة في عالم ~~الموسيقى، بل كان لاجئا سياسيا فحسب. ولكنه لم يكد يقضي بها فترة قصيرة حتى علم أن ~~قوى الرجعية قد غلبت الحرية؛ وأتته صدمة أخرى أعنف من السابقة، في صورة رسالة من زوجته ~~تنبئه فيها بيأسها من مغامراته وروحه المتقلبة، وتؤكد له عدم احتمالها لتلك المتاعب ~~التي يرغمها عليها، أو لذلك البؤس الذي طال أمده بلا أمل في زواله؛ فكان رد ڤاجنر هو ~~أنه لن يرغمها على تحمل ms18 ظروفه الشاقة ومشاطرته مستقبله المظلم، وترك لها مطلق ~~الحرية في الانفصال عنه. وهكذا تم الفراق الذي ارتاح له ڤاجنر فيما بعد، وإن لم يكن ~~فراقا نهائيا حاسما. # وآثر ڤاجنر في نهاية الأمر الإقامة في تسوريخ، حيث كان مورد رزقه الوحيد - في ذلك ~~البلد الذي لا يعرف عنه ولا عن الموسيقى عامة الشيء الكثير - هو كتابة بعض المقالات ~~الأدبية، ومن هنا اتصفت مجهودات ڤاجنر في تلك الفترة بالطابع الأدبي، وحاول خلالها أن ~~يعوض ما فاته من الثقافة الأدبية، وخاصة الفلسفة التي طالما تشوق إلى الاستزادة ~~منها. # أما مؤلفات ڤاجنر الخاصة في تلك الفترة، فكانت منها رسالتان عن «لوهنجرين» ~~و«تانهويزر» قصد بهما إلى شرح إنتاجه الفني الخاص ونقل آرائه الجديدة إلى الجمهور، ~~فكانت لهما قيمة كبيرة في توضيح نظريته الفنية وتبريرها، كما نشر كتيبات على جانب كبير ~~من الأهمية، تجلى فيها الامتزاج واضحا بين ثورته الفنية والثورة السياسية التي كان ~~من أقطابها؛ ففي رسالة بعنوان «الفن والثورة» نظر ڤاجنر إلى تاريخ الفن بأسره نظرة ~~نقدية؛ فبعد إبداء إعجابه باليونان ودراماتهم، حمل حملة شعواء على الرومان؛ إذ كانوا ~~جحافل صارمة لا تفهم الفن ولا تقدره، وهم الذين مهدوا الطريق لظهور المسيحية التي دعت ~~المرء إلى ألا يفعل شيئا سوى الإقرار ببؤسه وشقائه، والانصراف عن كل مجهود يرمي إلى ~~انتزاعه من قبضة هذا البؤس. ولكن الدم الجديد الذي يجري في عروق العناصر الجرمانية يعمل ~~على محاربة الروح المسيحية، ويفتتح عهد الثورة، ويقضي كذلك على الفن الحديث السائد؛ إذ ~~إنه فن تتحكم فيه الصناعة، وهدفه الأقصى هو جمع المال، ووظيفته الكبرى هي دفع الملل ~~والسأم، وهي وظيفة لا تصلح إلا للبيئات الصناعية المتعبة المكدودة. # فليتحرر الفن إذن من تلك القيود المسيحية والصناعية التي شوهت الطبيعة البشرية ~~وأفسدت نزعاتها، وليعد الفن إلى المسرح، مهد الفن القديم، وإلى الدراما اليونانية ~~الخالدة، ولنكتف من المسيح بما نال من عذاب في سبيل البشر، ولنختر إلها يونانيا ~~يعرف كيف يقودنا إلى الحياة الحافلة بالخيال السعيد. # وفي كتاب آخر عن «الأوبرا ms19 والدراما» يستعرض ڤاجنر تاريخ الأوبرا، وينتهي من ذلك إلى ~~رأي صريح هو أن هدف كل أوبرا سابقة - باستثناء أوبرات موتسارت - كان إيجاد ألحان مقبولة ~~للآذان، يمكن أن تستبدل بكلماتها أية كلمات، وليس لها من هدف سوى الترويح عن النفس؛ ~~غير أن هذه الأغراض قد استنفدت، ولا بد من انقلاب حتى تحفظ الأوبرا من الضياع. وعلى ~~الرغم من جهود فيبر، فإن الأوبرا الإيطالية التي تزعمها اليهودي «مايربير» - الذي ~~أنكر جنسيته وقوميته - قد أفسدت كل اتجاه إصلاحي. وهكذا لم تعد الأوبرا فنا؛ وإنما ~~ظاهرة تتغير تبعا لمقتضيات الذوق العابر، ولم يعد الشاعر إلا تابعا ذليلا للملحن ~~الموسيقي، ولا يمكن أن تغدو الأوبرا فنا صحيحا إلا باستخدام كل الوسائل الممكنة ~~لإذكاء الخيال، ومعنى ذلك أن تتحول الأوبرا إلى الدراما؛ أي تصبح فنا جامعا شاملا، ~~ينطوي على الشعر والموسيقى والتمثيل والفن التصويري المسرحي معا في مركب ~~واحد. # ولقد وجد ذلك الكتاب الأخير من المعجبين بقدر ما وجد من الأعداء الذين كانوا يدركون ~~جيدا أن اتجاه ڤاجنر الجديد لو نجح لكان فيه القضاء المبرم عليهم، ومنذ ذلك الحين بدأت ~~حملة أنصار الأوبرا الخفيفة، من فرنسية وإيطالية، على ڤاجنر، يحمل لواءها مايربير. أما ~~أنصار ڤاجنر فقد أخذوا ينشرون في الصحف الصادرة في ألمانيا خاصة، مقالات تشيد بفنه ~~وبآرائه الجديدة، وكان لتلك الدعاية الطيبة التي تزعمها «ليست» أكبر الأثر في نشر ~~اسم ڤاجنر وإذاعة شهرته في القارة بأكملها. # وبعد رحلة استشفاء قصيرة طاف فيها ڤاجنر أنحاء سويسرا وشمال إيطاليا، عاد إلى مقره ~~في تسوريخ ليجد أن تلك الدعاية قد أثمرت، وأن العروض أخذت تنهال عليه في طلب «تانهويزر» ~~من برسلاو، وبراج، وفيزدبان، وغيرها من المدن. وهكذا انتشرت تانهويزر في ألمانيا ~~بأسرها، وذاعت معها شهرة مؤلفها. # وفي خلال ذلك الوقت الذي أتته فيه الشهرة من بعيد، كان ڤاجنر عاكفا على مشروع ضخم، ~~هو تأليف دراما رباعية كبيرة، هي «خاتم ~~النيبلونجن # Niabelungen Ring ~~»، بأقسامها الأربعة؛ وهي «ذهب الرين # Rheingold ~~» و«الفالكيرات # Die Walküre ~~» و«زيجفريد # Siegfried ~~» ~~و«أفول الآلهة # Götterdämmerung ~~». # أما الموسيقى ms20 فقد بدأها في عام 1853م، خلال فترة اعتزل فيها الجميع في تسوريخ، وصمم ~~على أن ينتهي من عمله الجبار دفعة واحدة، وقد بدأ ڤاجنر «بذهب الرين»، واتبع في ~~تأليفها خطة جديدة، إذ كان يسطر بقلمه رموزا معينة سريعة هي التي ستبنى عليها ألحان ~~الدراما بأكملها؛ ولذا كان عليه أن يؤلفها كلها دفعة واحدة دون أن ينقطع عن العمل؛ حتى ~~لا تغيب عن ذاكرته تلك الخطة التي رسمها منذ البداية. وبفضل تلك الطريقة تمكن من ~~الانتهاء منها تماما في مارس 1854م. # وحدث ما جعل ڤاجنر ينقطع بعد تأليف الدراما الأولى مدة معينة، وعاد خلالها إلى ~~القراءة الفلسفية، فكان لتلك القراءة في هذه المرة أكبر الأثر في تحويل مجرى الدراما ~~الرباعية إلى اتجاه جديد، هو الاتجاه التشاؤمي، بعد أن كانت الآراء الثورية هي المسيطرة ~~تماما على خطته الأولى في تأليف تلك الدراما - ذلك بأن ڤاجنر قرأ في تلك الفترة كتاب ~~«العالم إرادة وتمثلا» لشوبنهور، فكان له فضل تخليصه من قبضة مذهب فويرباخ المادي، ~~وتوجيهه وجهة جديدة تلائم نزعته الخيالية الخالقة في الفن والشعر، وكان أول ما لفت نظره ~~آراء شوبنهور في علم الجمال، وخاصة تلك المكانة الرفيعة التي احتلتها الموسيقى في ~~مذهبه الجمالي. ولكنه في أول الأمر أحس بشيء من الرهبة والقلق إزاء النتائج الأخلاقية ~~التي انتهى إليها شوبنهور؛ ففي رأيه أن إماتة الإرادة والاستسلام التام يخلصان الفرد ~~من عجزه عن فهم العالم والاندماج فيه اندماجا كليا شاملا - وتلك نتيجة كانت تتعارض ~~بشدة مع نزعة ڤاجنر في الحرية الفردية، وهي نزعة تكبد أكبر العناء، وقاسى مرارة ~~النفي والتشريد من أجل الدفاع عنها والدعوة إليها، غير أن واحدا من أصدقائه نبهه ذات ~~مرة إلى أن المغزى الحقيقي لمذهب شوبنهور إنما ينحصر في عدم اعترافه بالعالم الخارجي ~~كما يتبدى لنا، وذكر له أن كل شاعر كبير، وكل رجل عظيم بوجه عام، كان يحس في قرارة نفسه ~~بهوة عميقة تفصل بينه وبين العالم الخارجي. ولكم عجب ڤاجنر حين استمع إلى هذا ~~التفسير؛ إذ إنه في ms21 درامته الرباعية قد عبر عن مثل هذا الرأي دون أن يشعر. وهنا قرر ~~أن يعود إلى دراسة الكتاب دراسة عميقة؛ وذلك حتى يستوعب بخاصة الجزء الأول منه، وهو ~~الذي يتعرض للجانب المثالي في فلسفة كانت، والذي عانى ڤاجنر الكثير من أجل تفهمه؛ إذ ~~إن رأسه لم يخلق لفهم مشكلات المنطق. وهكذا عاود ڤاجنر قراءة الكتاب مرات عديدة، وكان ~~تأثيره على تفكيره حاسما حتى ليمكننا أن نؤكد أن كل كتابات ڤاجنر - وخاصة كتابه عن ~~«بيتهوفن» - وكل دراماته، بل كل نظرته إلى الحياة قد اصطبغت باللون الخاص الذي يتميز به ~~تفكير شوبنهور، وذلك إذا استثنينا الجانب الاجتماعي والسياسي من آرائه؛ إذ إن ذلك ~~الجانب قد ظل يدعو إلى الحرية الفردية حتى النهاية. # وما إن انتهى ڤاجنر من القسم الثاني من الدراما الرباعية، حتى تلقى دعوة من الجمعية ~~الفيلهارمونية بلندن، ليقيم بعض الحفلات لقاء مبلغ لا بأس به، وعاد ڤاجنر إلى لندن مرة ~~ثانية، ولكنه لم يكن حينئذ ذلك الفنان المشرد الذي التجأ إلى لندن في المرة الأولى، ~~بل كان موسيقيا مشهورا دعته بلاد غريبة من مقره في وسط القارة لتستمع إلى إنتاجه ~~الجديد. وبلغ من نجاحه أن دعته الملكة فكتوريا وزوجها الأمير ألبرت في إحدى الحفلات ~~ودارت بينه وبينهما محادثات ودية. # وما إن عاد ڤاجنر إلى تسوريخ، حتى ترامت إليه أنباء ذلك النجاح الباهر الذي أحرزته ~~«تانهويزر» و«لوهنجرين» على مسارح ألمانيا؛ وكان من نتائج ذلك النجاح أن خفت وطأة ~~الديون المتراكمة عليه، بل خيل إليه أنه قد نفض عن نفسه كل مظاهر البؤس التي لازمته ~~طوال حياته كظله. وفي نفس الوقت عمل على إتمام «زيجفريد»؛ على أن تفكيره في ذلك المشروع ~~الضخم تفكيرا واقعيا جعله يوقن بأن تنفيذه مستحيل في ظروفه تلك؛ مما أدى به إلى أن ~~يدع جانبا ذلك المشروع إلى حين، ويبدأ في دراما كانت فكرتها تلح عليه إلحاحا ~~غريبا، وتتوالى على رأسه ألحانها كاملة مترابطة؛ تلك هي «تريستان وإيزولده # Tristan und Isolde ~~»؛ على أن ڤاجنر وإن كان ~~قد أكد ms22 أن التفكير العملي في مشروع الدراما الرباعية هو وحده الذي أوحى إليه هذا ~~المشروع الجديد، كان يخفي وراء ذلك دون شك حقيقة على أعظم جانب من الأهمية؛ إذ إن ~~تأليف «تريستان» قد جاء خلال تجربة عاطفية ربما كانت أعنف وأصدق التجارب التي مرت به؛ ~~تلك التجربة هي حبه «لماتيلده ~~فزندونك # Mathilde Wesendonk ~~»؛ فقد عاش ڤاجنر حينا من الدهر في صحبة أسرة فزندونك، ~~وانتابته عاطفة غريبة نحو تلك الزوجة التي كانت تهفو دائما إلى صحبة فنان مرهف الحس ~~صادق الشعور، بعيد عن جو المال والتجارة الذي غرق فيه زوجها حتى أذنيه. وسرعان ما ~~تكشفت العاطفة على حقيقتها فإذا بها حب عنيف متبادل وتبدى واضحا فيما تبقى من ~~رسائل حارة تبادلها المحبان؛ غير أن ذلك الحب كان ميئوسا منه في بداية الأمر؛ فهو حب ~~بين فنان متزوج من امرأة غيور حمقاء (عادت إليه في وقت متأخر من فترة إقامته بسويسرا)، ~~وبين زوجة لا يسهل عليها التخلي عن واجباتها تجاه أسرتها وأهلها. وهكذا كان غراما ~~صامتا تفصل بين طرفيه حواجز لا سبيل إلى تجاوزها أو التغلب عليها؛ ومن هنا رأينا تشاؤم ~~شوبنهور يؤثر عليه في تلك الفترة أكبر الأثر، فإذا بفكرة الحب ترتبط ارتباطا قويا ~~بفكرة الموت، وإذا بالفردية تتبدى له كريهة ممقوتة، وإذا بالحياة والنور بغيضة إلى ~~قلبه. وهكذا رحب تريستان بالموت وتمناه، وتاق إلى الظلام الهادئ حيث لا تقوم بين ~~المحبين حواجز ولا تفصلهما عقبات الحياة القاسية؛ فالموت من حيث هو مخلص المحبين، ~~هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله تلك الدراما الصادقة، التي انتزعها ڤاجنر من قلبه ~~واقتطعها من واقعه المرير. # وأحس ڤاجنر بالحاجة إلى الراحة بعد الانتهاء من عمله الضخم المرهق، وتاقت نفسه إلى ~~زيارة باريس، حيث يمكنه على الأقل أن يستمع إلى فرق موسيقية ضخمة حسنة التدريب، وهي في ~~نظره نعمة حرم منها طوال فترة إقامته بسويسرا. وهكذا لم تغرب شمس يوم 15 سبتمبر سنة ~~1859م حتى عاد ڤاجنر إلى باريس مرة أخرى. # وكان 13 مارس سنة 1861م هو ms23 يوم ذلك العرض التاريخي المشهور لتانهويزر في دار الأوبرا ~~الكبرى بباريس. لقد كانت مقاعد المسرح غاصة بالنظارة حتى إن كثيرا من أصدق أصدقاء ~~ڤاجنر لم يتوفر لهم مكان لحضور العرض الكبير؛ غير أن أولئك الذين شغلوا الجانب الأكبر ~~من ذلك المسرح، كانوا جماعة من أعضاء نادي «الجوكي # Jokey ~~»؛ وهم فئة من الأرستقراطيين المتبذلين الذين لا يفهمون من ~~الفن سوى بعض معلومات عتيقة موروثة. ولم يستطع هؤلاء المترفون تحمل الدراما العميقة ~~خلال ثلاث ساعات كاملة، وراعهم أن يجدوها مخالفة لما اعتادوه، فقاطعوها بالصفير ~~والتهكم بصوت مرتفع طوال العرض، وتكررت المأساة مرتين أخريين، كان الفرنسيون خلالهما ~~يستغلون «الحرية» التي جرت في دمائهم أبشع استغلال ... كانوا يستمعون فترة قصيرة بأدب ~~إذا أعجبتهم قطعة ما، فيدوي بعدها تصفيقهم معبرا عن إعجاب حقيقي، ولكنهم سرعان ما ~~يعودون إلى التهريج إذا ثقل عليهم فهم جزء معين، فيتوقف العرض حتى تخمد ثورتهم ... وهكذا ~~كان نصيب تانهويزر في باريس! # ورغم أن تلك الفترة من إقامته في باريس لم تزده إلا يقينا من استحالة فهم الفرنسيين ~~له، ووثوقا من أن نجاحه الحقيقي لن يكون إلا بين عشيرته وبني جنسه، فإن هناك عوامل ~~أخرى إلى جانب قصور الفهم، ساعدت على التعجيل بذلك الفشل الذريع؛ كان أهمها تلك الحملة ~~الشعواء التي شنها عليه نفر من النقاد الذين دفعهم أعداء ڤاجنر من الموسيقيين ~~وعلى رأسهم مايربير وبرليوز. # على أن ڤاجنر لم يعدم صديقا مخلصا يقدره حق قدره في باريس؛ فقد أبدى الشاعر ~~«بودلير» إعجابه به منذ البداية، وأرسل إليه خطابا يعبر فيه عن مقدار تأثير موسيقاه ~~في نفسه، وهو الذي كان يظن أنه لا يملك إلا حاسة الألوان لا حاسة الأنغام، فكان مما ~~قاله: «لقد بلغت سنا لم أعد أطرب فيها بالكتابة إلى عظماء الرجال. ولقد ترددت مدة ~~طويلة في أن أكتب إليك معبرا عن إعجابي، لولا أن استبانت لعيني يوما بعد يوم تلك ~~المقالات الحمقاء المخزية التي بذل فيها كل جهد للحط من قدر عبقريتك. إنك يا سيدي لست ~~الشخص الوحيد ms24 الذي اضطررت أمامه إلى أن أتعذب وأحمر خجلا من أفعال وطني. وأخيرا ~~دفعني احتقاري لنقادك إلى أن أشهد لك بالفضل، قائلا لنفسي: لا بد أن أبرئ ذمتي من ~~هؤلاء المعتوهين!» والغريب في الأمر أن بودلير لم يذكر في هذا الخطاب عنوانه؛ حتى لا ~~يظن ڤاجنر أنه يقصد تملقه؛ غير أن ڤاجنر اهتدى سريعا إلى مقره، وسرعان ما أصبح ~~بودلير عضوا بارزا في دائرة أصدقاء ڤاجنر، وشخصية بارزة في «صالونه» الخاص. # ولو صرفنا النظر عن حالات الإعجاب القليلة هذه، فإن الطريقة العامة التي عومل بها ~~ڤاجنر في باريس، كانت سوء الفهم التام، حتى إن المرء لا يرى مفرا من الاعتراف مع ~~ڤاجنر بأن أهل باريس كانوا يريدون اللهو فحسب؛ أما ڤاجنر فلم يكن يقبل أن ينحدر إلى ~~مستوى اللهو هذا؛ ولذا لم يفهم في باريس. ولقد كان مدار سخريتهم هو الاعتقاد بأن ~~لڤاجنر مذهبا عقليا هو وحده المتحكم فيما أنتجه من موسيقى. ولا شك في أنه ما من شيء ~~يخيف الجمهور اللاهي - الذي هو عبد للعرف والتقاليد - أكثر من محاولة شخص أن يفرض ~~عليه أفكارا جديدة، وخاصة إذا كانت على صورة «مذهب». ومهما بلغت درجة الجمال الفني ~~الذي حققه ڤاجنر في موسيقاه، فسيظل الحمقى يؤمنون بأنهم إنما يستمعون إلى شخص يدافع عن ~~مذهبه، لا إلى إنتاج فني رائع. # وهكذا غادر ڤاجنر باريس بعد أن خابت آماله، ولم يستغرق وقتا طويلا في وداع أصدقائه ~~القليلين، مثل بودلير ولا مارتين وليست. وعاد كل فرد في هذه الجماعة إلى مقره؛ إذ ~~كان على كل منهم أن يشق طريقه إلى المجد مستقلا. ~~••• # كانت أخطر نتائج كارثة باريس، هي أثرها الفادح في مركز ڤاجنر المالي؛ فقد ظل بعدها ~~ثلاث سنوات كاملة يهيم على وجهه دون أن يكون له هدف سوى تصيد المال من أي مخلوق وبأية ~~وسيلة، ومهما تكلف في سبيل ذلك من امتهان لكرامته وجرح لكبريائه، والغريب في الأمر أن ~~ڤاجنر كان خلال تلك السنوات واقعا تحت تأثير موجة من المرح اليائس كان يدهش لها ms25 كل ~~من عرفه. ويبدو أن الطبيعة قد حبته منذ حداثته قدرة هائلة على التعويض مكنته من أن ~~يتحمل أعظم المشاق، ويخلق من متاعبه معبرا ينتقل به إلى عالمه الذاتي الذي يسوده ~~المرح، ولا يأبه كثيرا للواقع المحيط به. # وهكذا أوحت إليه تلك القدرة التعويضية موضوعا مرحا في أحلك ساعات حياته، هو موضوع ~~مؤلفه الجديد «أساطين الطرب # Die Meistersinger ~~» التي ~~استمدها بدورها من كتاب «جرم # Grimm ~~» عن الأساطير ~~الألمانية في العصور الوسطى، وكان لا بد لڤاجنر من عزلة هادئة ليتم فيها ذلك العمل ~~الرائع، فاختار بلدة صغيرة على ضفاف الرين هي بيبرش # Biberich ~~، وهناك كان تدفق الوحي عليه غزيرا، حتى إنه أتم الافتتاحية ~~بأسرها في ليلة واحدة بعد أن لمعت فجأة بأدق تفاصيلها في ذهنه. # وفي هذه العزلة النائية، وفد على ڤاجنر أصدقاء قدماء، هم هانس فون بيلوف # Hans Von Bülow # وزوجته كوزيما # Cosima # ابنة ليست. ولا جدال في أن ڤاجنر كان سعيدا ~~بهؤلاء الضيوف؛ لا لأن الجميع كانوا من أسرة موسيقية واحدة، ولا لطيبة قلب بيلوف ~~وتقديسه لفن ڤاجنر، بل لأن تيارا خفيا قد سرى بين الفنان المشتعل عاطفة، وبين زوجة ~~صديقه. كان بينه وبين كوزيما إعجاب صامت وتفاهم غامض، استشفه ڤاجنر من نظراتها ~~الخفية إليه وهو يعزف ألحانه أو يغنيها للجماعة الصغيرة؛ فكانت تصغي إليه في سكون، ~~فإذا سئلت عن رأيها، لم تجد ما تجيب به سوى البكاء! # وفي هذه الأثناء أتاه نبأ كان ينتظره بصبر نافد؛ فقد فتحت عواصم الموسيقى في العالم ~~أبوابها لدراماته ، وتوالت عليه العروض من كبريات مدن ألمانيا وأوروبا عامة، فانصرف ~~مؤقتا عن إتمام «أساطين الطرب» ليتفرغ إلى هذه المهام الجديدة الناجحة. وهكذا استقبلته ~~فرنكفورت وليبتسج استقبالا لم يحلم به، وعرفت ڤيينا كيف تتذوق موسيقاه، واستدعته ~~«براج» في أوائل سنة 1863م، وكان ترحيبها به موضع دهشته. وفي «سان بيترزبرج» عاصمة ~~روسيا امتدت موجة النجاح الهائلة التي أصبحت تصادف ڤاجنر أينما حل، وحازت مقطوعاته ~~إعجاب الجماهير وتقدير النقاد وأثارت حماس الفنانين العازفين. # وانتقلت الحماسة إلى موسكو ms26 التي مجدت الفن الجديد في شخص مبدعه، وتنافس أعيانها على ~~شرف تكريمه. ورحبت المجر بڤاجنر حين استمعت عاصمتها «بشت» إلى روائعه، واستقبله شعبها ~~بحماس شديد. # كان ذلك كله نجاحا باهرا ولا شك - ولكن هل تحسنت حالته المادية بعد كل هذا؟ الواقع ~~أنه ما إن بدأ عام 1864م حتى أشرفت سفينته على الغرق، وأصبح مركزه المالي ميئوسا منه ~~تماما؛ فرغم ما جناه في تلك الرحلات الناجحة من أرباح، فإن تبذيره واستهانته بالمستقبل ~~أو تفاؤله الغامض الذي كان يلازمه في أحلك ساعات اليأس، جعل من المستحيل عليه أن يبقي ~~على شيء للظروف، بل كان ينفق عن سعة، فإن نفد ماله لجأ إلى الحل الذي كان يراه ~~طبيعيا؛ وهو الاستدانة. ولا يسع المرء بعد كل هذا الاستهتار إلا أن يقول مع صديقه ~~كورنيليوس # Cornelius ~~: «إن أخلاق ڤاجنر ضعيفة لم ~~تقم على أساس صحيح؛ إذ حفل مجرى حياته بشواهد الأنانية التي تركته في متاهات أخلاقية ~~لا يعرف منها مخرجا. كان يستخدم الناس من أجل ذاته فحسب، دون أن يدفعه نحوهم أي شعور ~~صادق، بل دون أن يرد إليهم ما يدين به لهم من ولاء. لقد ركز ڤاجنر كل همه في تغليب ~~السمو العقلي على السمو الأخلاقي في نفسه، وأخشى أن يكون نقد الأجيال القادمة له في هذا ~~الباب أشد وأخطر ...» # | مع الملك في باڤاريا # في ذلك الوقت الذي بلغ فيه ڤاجنر أقصى حالات اليأس، كان هناك رسول أرسله ملك بنفسه ~~ليسعى وراءه وينتقل من بلد إلى بلد عسى أن يجد له أثرا. وأخيرا اهتدى إليه في شتتجارت ~~وطلب مقابلته، فظن ڤاجنر أن أحد دائنيه قد أتى ليزيده هما على هم، وحاول التهرب منه، ~~ولكنه اضطر تحت إلحاحه إلى أن يسمح له بمقابلته كارها، وأبدى المبعوث له سروره ~~بالاهتداء إليه، وأنبأه بأنه رسول لودفيج الثاني ملك باڤاريا الجديد، أتى ليرفع إليه ~~رغبة ملكه في أن يظل الفنان الكبير بجواره في قصره، ليتفرغ لرسالته السامية في هدوء. ~~ولكي يزيده اطمئنانا، قدم إليه صورة الملك وخاتمه، وطلب ms27 إليه أن يصحبه إلى عاصمة ملكه ~~في ميونيخ. وكانت مفاجأة تدعو إلى الذهول، بل كانت نجدة من نفس النوع الذي طالما تاق ~~إليه ڤاجنر، والتي لا تتحقق إلا في حلم خيالي يصعب تصوره؛ وهي أن يعيش الفنان إلى جوار ~~ملك يوفر عليه كل عناء مادي وينسيه مشكلات المال ومتاعبه، ليتوفر لفنه في هدوء، ولم ~~يملك ڤاجنر إلا أن يكتب لمنقذه كلمات يعبر فيها عن مدى تأثير المفاجأة في نفسه فيقول: ~~«تلك الدموع التي تعبر عن أقدس العواطف أرفعها إليك قائلا إن معجزات الشعر قد أصبحت ~~حقيقة واقعة في حياتي التعسة التي لم تذق للعطف طعما. وإن حياتي هذه، وآخر ما ألفظ به ~~من شعر وأردده من ألحان، ستكون منذ هذه اللحظة لك يا مليكي الشاب الرءوف، فلتتحكم فيها ~~كما لو كانت ملك يديك!» # وهكذا طويت صفحة البؤس من حياة ڤاجنر، وبدأ فصل جديد في تلك الحياة الشائقة الزاخرة ~~بالتجارب، والمليئة بالمفاجآت. ~~••• # كان الملك لودفيج الثاني غارقا منذ صباه في عالم الدراما الڤاجنرية. وبعد أن سمع وهو ~~في الثالثة عشرة من عمره الكثير عن «لوهنجرين» أمر بعرضها من أجله خصيصا في ميونيخ، ~~وفي السادسة عشرة عرف «تانهويزر» فازدادت روحه تحليقا في سماء ڤاجنر. وكانت مقالات ~~ڤاجنر هي قراءته المفضلة على الدوام، أما أشعار دراماته فكان يحفظها عن ظهر قلب، وكان ~~يقلد أسلوبه في الكتابة حتى في أدق تفاصيله. واطلع لودفيج بين ما اطلع عليه من ~~مؤلفات ڤاجنر، على المقدمة التي صدر بها طبعته لأشعار «نيبلونجن»، وفيها شرح ڤاجنر ~~آراءه المقترحة لإنشاء مسرحه المثالي؛ فهو يرى تركيز فرقة قوية من أبرع المغنين في مكان ~~واحد، وتصميم مسرح تختفي فيه الفرقة الموسيقية ويكون غرض النظارة ليس مجرد اللهو أو ~~الترويح عن النفس كما يهدف رواد الأوبرا؛ وإنما يستعدون لتلقي أسمى الأفكار ~~الشعرية وتذوق أعمق الألحان الموسيقية ... وبهذه التعديلات وحدها اعتقد ڤاجنر أن المسرح ~~الألماني الحقيقي يمكنه أن يصبح أداة فعالة للإصلاح الفني والاجتماعي. وما إن اعتلى ~~لودفيج عرش باڤاريا حتى صمم على أن ms28 يحقق حلم ڤاجنر، ويبذل كل ما في وسعه لمعونة رائده ~~الروحي. # وفي 5 مايو سنة 1864م تمت مقابلة الملك الشاب لأستاذه الفنان. وكم تملكت لودفيج ~~الرهبة العميقة وهو يتلقى عبارات الشكر من ڤاجنر، ولم يملك إلا أن يقول: «سأبذل كل ~~جهدي لأعوض عنك ما قاسيته في ماضيك، وسأخلصك إلى الأبد من متاعب الحياة اليومية، ~~وأجلب لك الهدوء الذي كنت تواقا إليه حتى تكفل لك حرية نشر أجنحة عبقريتك الهائلة في ~~سماء الفن الأثيرية الخالقة. لقد كنت المصدر الوحيد لمتعتي منذ صباي المبكر، وإن لم ~~تعرف أنت ذلك؛ وكنت الصديق الذي يخاطب قلبي بلغة لا يحسنها سواك، وكنت خير مرب ~~ومثقف لي ... سأرد لك كل هذا الفضل على قدر وسعي.» # بمثل هذه الروح قرر الملك لودفيج أن يعامل ڤاجنر، فيقدم إليه كل ما يشاء حتى يتفرغ ~~لإنتاجه الفني. ومنذ ذلك الوقت، دأب ڤاجنر على أن يقضي ساعات طويلة مع الملك، يتحدثان ~~فيها عن مشروعات ڤاجنر وآماله في المستقبل. ويذكر ڤاجنر أنه لم يجد من الناس من يداني ~~لودفيج في إلمامه بمؤلفاته وإنتاجه الأدبي والفني. وأغلب الظن أن هذا الحكم كان من قبيل ~~التملق للملوك الذين يطربهم دائما أن يسمعوا أنهم أوسع الناس علما ومعرفة. وليس ~~معنى ذلك أن لودفيج كان جاهلا بإنتاج ڤاجنر، ولكن من الصعب أن يصدق المرء أنه كان أوسع ~~الناس علما به. # وهكذا تصور لودفيج علاقته بڤاجنر، لا على أنها صلة راع رحيم بفنان معدم، بل على ~~أنها صلة روحية بين تلميذ وأستاذه، ترمي إلى تحقيق هدف مشترك يساهم فيه كل من الطرفين ~~بما يستطيع تقديمه: الأول بماله، والثاني بفنه، وقد وضع ڤاجنر لنفسه هدفا مفرطا في ~~الطموح؛ هو بعث ألمانيا وإنهاضها عن طريق المسرح، ومثل هذه الغاية (التي كانت دون شك ~~مستحيلة من الوجهة الواقعية؛ إذ قد يكون المسرح واحدا ضمن عوامل نهوض أمة، ولكنه قطعا ~~ليس العامل الأساسي في نهوضها) كانت تقتضي وسائل غير عادية، وإمكانيات مادية هائلة. ولم ~~يكن هناك من هو أقدر من لودفيج ms29 على جلب هذه الإمكانيات، فهو ملك يتصرف في أموال دولة ~~بأسرها، وهو في الوقت ذاته معجب بفن ڤاجنر أشد الإعجاب؛ فمن المحال إذن أن يبخل عليه ~~بشيء. # ولقد أطال كثير ممن كتبوا عن ڤاجنر الحديث عن «غيرة» الساسة المحيطين بلودفيج من ~~تسلط ڤاجنر عليه، وعن حقدهم الأزرق على هذا الفنان الموهوب الذي أغدق عليه ملكهم ~~عطاياه، ولكن النظرة الموضوعية إلى الأمر كفيلة بأن تضع الأمور في نصابها؛ فمن المعقول ~~أن يعمل الحاكم على تشجيع الفن بالمال. أما أن يغدق الأموال بغير حساب على مشروعات ~~فنية يعتقد صاحبها أنها ستنهض بأمة بأسرها، ويتجاهل ما عدا ذلك من المشروعات أو النفقات ~~التي ينبغي على أي حاكم مسئول أن يضعها نصب عينيه؛ ففي ذلك دون شك ما يبعث على السخط ~~ويثير غضب كل من يفكر جديا في المصلحة العامة لبلاده. ومن المؤكد أن مشروع ڤاجنر ~~كان يستلزم نفقات باهظة، فضلا عن بذخ ڤاجنر الشخصي وحبه المفرط لجميع مظاهر الترف، وما ~~يقال عنه من أنه ملأ البلاط الملكي بأصدقاء أو معارف له لا يؤدون أعمالا على الإطلاق. ~~ولنضف إلى ذلك كله أن لودفيج لم يكن شخصا متمالكا قواه العقلية تماما؛ فقد انتهت ~~حياته بالجنون. وكانت الأعراض الأولى لاعتلاله العقلي ظاهرة منذ وقت مبكر، هذا فضلا ~~عما عرف عنه من شذوذ جنسي ثبت عليه بصفة قاطعة، وساعد على تدهور حالته النفسية بسرعة، ~~ولم يفلح الدواء الذي ظن أنه سيفيده - وهو تطهير نفسه عن طريق فن ڤاجنر- في الحيلولة ~~دون هذا التدهور. كل هذه العوامل كانت كفيلة بأن تدفع كل حريص على مصلحة البلاد إلى أن ~~يجهر بصوته معلنا اعتراضه على هذا التسلط الذي استحوذ به ڤاجنر على شخص الملك، وداعيا ~~إلى إيقاف هذا التبديد الجنوني للأموال العامة. ~~••• # فإذا تركنا الحديث عن علاقات ڤاجنر العامة مؤقتا، وانتقلنا إلى علاقاته الخاصة، ~~لوجدناه قد تحدى التقاليد في هذا الميدان بدوره، وقام بمغامرات جلبت عليه سخط الكثيرين، ~~وإن كان نجاحه فيها أعظم من نجاحه مع ساسة باڤاريا وصحفييها. ولقد أحس ms30 ڤاجنر بأن وفرة ~~المال ليست وحدها كافية لتحقيق سعادته؛ ولذلك كان أسعد الناس حين جاءته كوزيما فون ~~بيلوف ملبية دعوته لزيارته في مقره الجديد. وكانت هذه الدعوة موجهة إليها وإلى أفراد ~~أسرتها جميعا؛ غير أن زوجها كان مريضا، فحضرت مع طفليها بدونه. # وسرعان ما طرح ڤاجنر وكوزيما جانبا كل التقاليد والقيود الاجتماعية. ولم يكن ذلك ~~بالأمر العسير على ڤاجنر، كما أنه لم يكن بالمثل عسيرا على كوزيما؛ فقد كانت تعلم منذ ~~طفولتها أن أباها «ليست» قد هجر أمها ليعيش مع الأميرة الغنية «كارولين فون فنجنشتين». ~~وقد بذلت كارولين جهودا كبيرة لإقناعها بسلامة موقفها، وبأن حبها لأبيها كان أقوى من ~~جميع التقاليد الاجتماعية. وهكذا لم يكن من الصعب على كوزيما، حين تعرضت لنفس الظروف، ~~أن تهتدي بسرعة إلى الحل الذي تنشده، وهو تحدي جميع تقاليد المجتمع. # وهكذا أقامت كوزيما فترة من الزمن مع ڤاجنر، وعندما أنجبت فيما بعد ابنتها إيزولدة، ~~كان الجميع يعلمون أنها ابنة ڤاجنر، لا بيلوف. وحين حضر بيلوف ليلحق بها، لم تطل مدة ~~إقامته؛ إذ كانت صحته تبعث على القلق، فرحل سريعا إلى برلين. ولما لم يستطع ڤاجنر أن ~~يجد سببا يبرر به في نظر العالم استبقاءه لكوزيما، اضطر إلى فراقها مؤقتا؛ حتى يهتدي ~~إلى وسيلة تجمع بينهما على الدوام. # والواقع أن الحواجز التي كانت تقف حائلا بين ڤاجنر وبين كوزيما لم تكن قوية إلى الحد ~~الذي تبدو عليه لأول وهلة؛ فهناك أولا «مينا» زوجة ڤاجنر، وهذه قد أراحت الجميع ~~بوفاتها في يناير سنة 1866م. وهناك ثانيا «ليست»، أبو كوزيما، الذي تظاهر في البداية ~~بالحزن احتراما منه لرداء القسس الذي أصبح يرتديه، ولكن كان من الصعب أن يتصور أحد ~~صدور معارضة حقيقية من مثل هذا الأب الذي لم تطلب منه ابنته سوى أن يسمح لها بما ~~استحله لنفسه مع عشرات النساء. وكان ڤاجنر أدرى الجميع بنفسية ليست؛ فحين تقابلا، لم ~~يتحدثا في الأمر مباشرة؛ وإنما فتح أمامه الصفحة التي دونت فيها مقدمة «أساطين الطرب»، ~~وجلس ليست ليعزف، بينما ms31 وقف ڤاجنر يغني، وأتمت الموسيقى التفاهم بين الرجلين. وعاد ~~ليست وهو يقول: «إن قواعد المجتمع وتقاليده المعتادة لا تلزم إلا الناس العاديين، أما ~~ڤاجنر فإنه يخلق دررا وجبالا من الماس!» أما العقبة الثالثة، وهي بيلوف، زوج كوزيما، ~~فلم تكن جدية بدورها؛ إذ يبدو أن صاحبنا هذا لم يكن حريصا كل الحرص على زواجه، أو ~~أنه كان يشعر بتضاؤل تام لشخصيته إزاء ڤاجنر، بحيث طغى عليه احترامه «المهني» له، ولم ~~يستطع أن يقف في وجه إرادة هذا العملاق الموسيقي الذي يعرف بيلوف، أكثر من غيره، ~~قيمته الحقيقية. وهكذا فإنه عندما علم من ڤاجنر وكوزيما بحقيقة العلاقات بينهما، تراجع ~~ولم يحاول المقاومة، ثم أصبح رضوخه ضروريا بعد أن أنجبت كوزيما من ڤاجنر في سنة 1869م ~~ابنا كان الموسيقي الكبير يترقبه، ولم يجد بيلوف في النهاية بدا من أن يكتب إلى ~~كوزيما، في مذلة عجيبة، يقول: «لقد آثرت أن تهبي حياتك ونفائس قلبك وروحك لشخص يسمو ~~علي في كل شيء. وأنا لا ألومك على هذا، بل أشهد بحسن تصرفك في كل ما فعلت. وإني ~~لأقسم لك أن الفكرة الوحيدة التي تجلب لي السلوى وتنير ظلمات نفسي من آن لآخر فتخفف ~~عني آلامي، هي أن كوزيما - على الأقل - سعيدة.» أما علاقته بڤاجنر، سارق زوجته، فكانت ~~أعجب وأغرب؛ إذ إنه ظل على صداقته واحترامه له، واستمر في عزف موسيقاه بكل فخر وإعجاب ... ~~إنه نمط عجيب من الرجال، لا نستطيع، نحن أهل الشرق، أن نفهمه! # وفي يوليو سنة 1870م، أعلن رسميا طلاق كوزيما من بيلوف، وفي الشهر التالي تم زواج ~~ڤاجنر بها، وتعميد ابنه «زيجفريد». ولم يكن هناك وقت أكثر ملاءمة لهذا الوطني الألماني ~~المتعصب؛ فقد اقترن احتفاله بزواجه بمظاهر الانتصار الألماني على فرنسا في الحرب ~~السبعينية، وهوى عرش نابوليون الثالث بعد مولد ابنه بفترة، مثلما هوى عرش نابوليون ~~الأول بعد مولده هو بفترة قصيرة أيضا، واقترن مولد الأب بانتصارات للأمة الألمانية ~~التي كان ڤاجنر من أشد أبنائها تعصبا لها. ~~••• # وخلال هذه الأحداث كان ڤاجنر يعمل ms32 بجد لإتمام العمل الأكبر الذي كرس له هذه الفترة من ~~حياته، وهو عرض «تريستان وإيزولدة»، ورغم كل ما صادفه في حياته العامة والخاصة من ~~متاعب، فقد نجح في إخراج هذه الفكرة المستحيلة إلى حيز الوجود. وهكذا رفع بيلوف عصاه في ~~العاشر من يونيو سنة 1865م ليقود «تريستان»، وتم العمل الهائل الذي كرست له أعظم ~~الجهود، وتحققت المعجزة، وأمكن أداء ما لا يمكن أداؤه، وعرضت «تريستان وإيزولده» بعد ~~أن ظلت مهملة ست سنوات كاملة ... ولئن كان أولئك الذين حظوا بمشاهدة أول حفل تعرض فيه ~~هذه الدراما الخالدة، وأحسنوا فهمها، قد ارتفعوا إلى أسمى درجات النشوة الصوفية التي ~~يمكن أن تحققها الألحان، فإن ضعاف العقول والأذواق قد وجدوا فيها لغزا جديدا من تلك ~~الألغاز التي يغرقهم فيها ڤاجنر واحدا تلو الآخر، ورأوا في ألحانها قمة الغموض ~~والإبهام اللذين لا يزال ڤاجنر يوصف بهما حتى اليوم. # على أن الجو عاد يكفهر مرة أخرى عندما حان موعد تنفيذ المشروع الأكبر، وهو مسرح ڤاجنر ~~المثالي، وإذا كانت الفكرة حلما جميلا ظل منذ وقت طويل يداعب ڤاجنر ومليكه، فقد كانت ~~في نظر ساسة باڤاريا حملا ثقيلا على ميزانية الدولة المتواضعة، ولهوا باطلا لا ~~يستحق كل هذا العناء. وهكذا تضافرت جهودهم لعرقلة هذا المشروع على قدر وسعهم، وأدرك ~~ڤاجنر ذلك وأيقن أن مشروعه قد جلب له عداء الجميع، وتبينت له تلك الحقيقة بجلاء في فترة ~~غادر فيها ميونيخ لأعمال خاصة، فقرر ألا يعود إليها، وكان تعليله البسيط لكل ما حدث هو ~~«أن العالم لا يعرف كيف يعاملني؛ لأنه لم يصادف من قبل رجلا مثلي ...» # ولكم كان أسف الملك مريرا وهو يكتب إلى ڤاجنر يعتذر له عما حدث، ويؤكد له أن تلك ~~الأحداث العابرة التي حدثت رغما عنه لا يمكن أن تؤثر في تقديره لفنه، وأن كل آثار ~~ذلك العمل الذي اضطر إليه اضطرارا، ستمحى كلها في القريب. وهكذا افترق الصديقان؛ ~~أحدهما يعلل الأمل بإمكان إصلاح ما أفسدته الظروف القاسية، وبقرب عودة منقذه ومخلصه ~~في حياته الروحية المضطربة، ms33 والآخر يواجه مرة أخرى تلك الحياة القاسية التي لم تهادنه ~~يوما، ويرى سعة الهوة التي تفصل بين العالم الواقعي وعالمه المثالي. # واستقر رأي ڤاجنر، بعد بحث طويل، على اختيار الإقامة في سويسرا، حيث اهتدى إلى دار ~~هادئة تحف بها الأشجار الظليلة، وتطل على بحيرة واسعة بالقرب من لوسرن، وكان اسم الدار ~~«تريبشن # Triebschen ~~» وهنا فقط أحس ڤاجنر بالاستقرار ~~الذي ينشده والهدوء الذي يتوق إليه، ليتفرغ لإنتاجه الفني الذي أعاقته إقامته الصاخبة ~~في ميونيخ، ولحياته العاطفية الجديدة مع كوزيما، التي لم تصبح ملكا له وحده إلا ~~هناك. # | بايرويت ونهاية المطاف # كانت لا تزال أمام ڤاجنر مهمة كبرى، هي بناء مسرحه المثالي، الذي اعتقد أنه سيكون ~~مدرسة الفن الصحيح في المستقبل. وفي خلال طوافه بالمدن الألمانية في عام 1871م شاهد ~~ڤاجنر القصر العتيق في بلدة «بايرويت # Bayreuth ~~» فأعجب ~~به كل الإعجاب، وخاصة موقع منه على رابية مشرفة على ما حولها، فاستقر رأيه على أن يقيم ~~هناك مسرحه المرتقب؛ على أن ذلك لم يكن السبب الوحيد لاختياره هذا؛ فقد وضع ڤاجنر ~~مقدما عدة شروط لا بد من توفرها في المدينة التي يختارها لبناء مسرحه، فكانت بايرويت ~~خير مدينة توفرت فيها تلك الشروط؛ إذ رأى أنها لا بد أن تكون مدينة لا يوجد فيها مسرح ~~من قبل، ولا مياه معدنية؛ كي لا تجتذب في الصيف حشودا من الناس لهم هدف لا صلة له ~~بالفن الرفيع إطلاقا. وكان من المستحسن في نظره أن تكون في قلب ألمانيا، بل في ~~باڤاريا ذاتها؛ إذ أراد ڤاجنر أن يقيم في مدينته المختارة على الدوام، وهو لا يمكنه أن ~~يحيا على الدوام إلا في باڤاريا. وتلك كلها شروط توفرت في بايرويت، وزاد عليها أنها ~~أرض بكر في ميدان الفن؛ ففي وسعه إذن أن ينمي فيها فنه الجديد كما يشاء. # وأخذ ڤاجنر يطوي ألمانيا الكبرى داعيا إلى مشروعه الجديد، وأكرمت برلين وفادته في ~~حفل حضره الإمبراطور وزوجته. وتقابل ڤاجنر وبسمارك؛ غير أن رجل الفن لم يتفاهم جيدا ~~مع رجل السياسة ms34 والواقع، وظل بسمارك حذرا من ذلك الثائر الذي ظل يذكر جهوده عام 1848م. ~~ولم يحاول ڤاجنر من جانبه أن يطلب من بسمارك شيئا تساهم به حكومة بروسيا في مشروعه، بل ~~كان يعلم أن جمعيات عديدة قامت في كبريات المدن الألمانية باسم جمعيات «أصدقاء ڤاجنر»، ~~وأخذت تجمع التبرعات حتى تكمل مليونا من الفرنكات، وهو المبلغ الذي قدرت به نفقات ~~المشروع. وكانت سرعة التبرع مثار دهشة ڤاجنر وإعجابه، ومما شجعه أن بلدية بايرويت تبرعت ~~له بأرض المسرح بلا مقابل. وفي الوقت الذي كان فيه ڤاجنر يتم الأجزاء الأخيرة من ~~الدراما الرباعية الكبرى، جاءته نسخة من كتاب «ميلاد التراجيدي» يهديها إليه نيتشه ~~بقوله: «سترى أنني قد حاولت في كل صفحة أن أعبر لك عن شكري على ما أفدتني إياه. وإني ~~لأشعر والفخر يملؤني بأن لي شأنا، وبأن اسمي سيقرن دائما باسمك.» # وفي أبريل سنة 1872م ودع ڤاجنر تريشن لينتقل إلى حيث آثر أن يقضي بقية أيام حياته. ~~وكان استقبال بايرويت له رائعا. أما أول حفلة فكر ڤاجنر في إقامتها هناك؛ فقد عزف ~~فيها السيمفونية التاسعة لبيتهوفن؛ وفاء منه واعترافا بجميل أستاذه العظيم، وإشارة ~~إلى أنه منها قد بدأ. # وفي اليوم التالي لذلك الحفل، أمسك ڤاجنر بالحجر الأساس وثبته في التراب، وفي تلك ~~اللحظة أتته برقية من الملك لودفيج الثاني يقول فيها: «أعبر لك من أعماق قلبي عن أخلص ~~وأحر أمنيات السعادة في هذا اليوم المشهود من تاريخ ألمانيا. فليبارك الله مهمتك ~~الكبرى في العام القادم. وإني اليوم - أكثر مني في أي وقت مضى - لأشاركك شعورك بكل ~~روحي.» # وكان شحوب ڤاجنر مخيفا وهو يستقل عربته عائدا مع زوجته ونيتشه بعد ذلك اليوم ~~الحافل. وقد وصفه نيتشه فيما بعد فقال: «كان ڤاجنر صامتا، يلقي من وقت لآخر نظرة ~~طويلة إلى داخل ذاته؛ نظرة لا تعبر عنها أية كلمة ... كان قد بدأ في ذلك اليوم عامه ~~الستين، ولم تكن كل حياته الماضية إلا إعدادا لتلك اللحظة ذاتها.» # وبعد عامين، أحس ڤاجنر بأنه قد أتم رسالته أو ms35 كاد؛ إذ اكتمل بناء مسرحه الجديد، وبني ~~معه بيته الذي ضم قبره وقبر كوزيما فيما بعد، وهو «فانفريت # Wahnfried ~~»، وأتم آخر صفحات «أفول الآلهة» وهي آخر حلقة في الدراما ~~الرباعية، فكتب ڤاجنر على الصفحة الأخيرة: «تمت في فانفريت، ولن أضيف أي تعليق.» وما ~~كان في وسع أي تعليق أن يعبر عن ذلك العمل الذي بدأ يطوف بمخيلته منذ ربع قرن من ~~الزمان، والذي تخللته واعترضته أحداث هائلة تغلب عليها آخر الأمر بعزيمته ~~وإصراره. # وقضى ڤاجنر عام 1875م بأكمله يعمل في مسرحه الجديد على إعداد الدراما الرباعية ~~الكبرى، «خاتم النيبلونجن». وكان المسرح محققا لكل أغراضه؛ إذ كانت الفرقة الموسيقية ~~تشغل مكانا لا يشاهده النظارة؛ وبذلك كانت الموسيقى تنساب حرة في خيالهم، دون أن يعوق ~~تأثيرها مشاهدة حركات العازفين، ودون أن ينشغل العازفون أنفسهم بمشاهدة النظارة. ~~وكانت قاعة المسرح واسعة متدرجة، ليست بها طوابق عليا ولا مقصورات؛ ففي ذلك المسرح ما ~~يذكرنا بالمسارح القديمة إلى حد كبير، مع فارق هام هو أن المقاعد الحجرية عند الرومان ~~قد استبدلت بها مقاعد أخرى خشبية لا يستند ذراعا الجالس عليها على شيء. وكانت القاعة ~~تتسع لألف وخمسمائة متفرج، وعلى جانبيها رسوم تنتمي إلى أسلوب عصر النهضة. ولأول مرة ~~ابتدع ڤاجنر طريقة فتح الستار أفقيا من اليمين واليسار، بعد أن كان يرتفع دائما إلى ~~أعلى. وقد اقتبست كل مسارح العالم تلك الطريقة عنه. # وكان أغسطس من عام 1876م هو شهر الافتتاح، وتوالت الوفود على بايرويت من جميع أنحاء ~~ألمانيا وخارجها، فكان خليطا عجيبا جمع بين أفراده إعجابهم وتقديرهم للفن الجديد. ~~ووصل الملك لودفيج الثاني، ولكن غيبة ثمانية أعوام عن صديقه كانت كفيلة بأن تجعله ~~صامتا فاترا لا يدري ماذا يقول. # وفي الليلة الأخيرة لذلك العرض الأول الذي استغرق أياما أربعة، وقف ڤاجنر يخاطب ~~مستمعيه الذين شهدوا الدراما الرباعية للمرة الأولى قائلا: «لقد شاهدتم ما يمكننا أن ~~نفعله بوصفنا ألمانا. ولو شئتم فسيكون لنا فن مستقل.» ثم عاد يقول: «لا أستطيع أن أقول ~~إننا لم نجعل لأنفسنا ms36 فنا مستقلا قبل الآن، ولكن الألمان كانوا يفتقرون دائما إلى ~~فن قومي، كذلك الذي نلمسه لدى الإيطاليين والفرنسيين، رغم الفارق بين فننا وفنهم.» ~~وهكذا كان ڤاجنر يذكر وطنه وقومه على الدوام في لحظات انتصاره. # لم يكن الهدوء والاستقرار كافيين ليتفرغ ڤاجنر لعمله الجديد، بل كان في حاجة إلى شيء ~~آخر؛ إلى حب جديد. حقا إن كوزيما كانت معه، ولكن كوزيما زوجته، وهو وإن كان حقا ~~يحبها، فإنه لم يزل بحاجة إلى اقتناص حب آخر فيه مقامرة وتهيب وإلهام. وقد عاوده هذا ~~الشعور بعنف أمام جوديت جوتييه # Judith Gautier # ابنة ~~الشاعر الفرنسي تيوفيل جوتييه، حين زارته مع زوجها وصديق لهما في تربشن. كانت جوديت قد ~~أغرقته من قبل برسائلها التي بلغ فيها إعجابها حد التقديس، وأشادت فيها بفنه في أرق ~~أسلوب شعري. ولكم عاود ڤاجنر مرحه وهو يتحدث مع هؤلاء الزوار الجدد حديثا يفيض طربا ~~وفكاهة! بل لقد عاد طفلا من جديد، فأصبح يقفز ويستلق الأشجار بخفة القرود أمام زائريه ~~المتعجبين! وفي ظل ذلك الشعور الملهم، واصل عمله في تأليف بارسيفال؛ فما كان في وسعه ~~المضي فيها دون أن يطمئن إلى أنه يحوز إعجاب امرأة. وهكذا كانت ردوده على رسائلها ~~حافلة بعبارات الحب الواله. ولكن أحقا أن هذا الشيخ الذي تجاوز الستين كان يحب ~~الفرنسية الجميلة ابنة الخامسة والعشرين؟ لقد كان يعرف أن هذا وهم، وأنه يخادع نفسه؛ ~~ولكن لا بد من هذا الخداع حتى يقتنع بأن روحه ما زالت فتية، وبأن في وسعه أن يحب ~~ويعيش ويلحن. # ولكن وطأة الإقامة في بايرويت كانت شديدة على ذلك الذي كان يعلم أنه يدون آخر ~~أعماله، كان في حاجة إلى هدوء الجنوب وصفائه، فليمض إلى إيطاليا! وفي نابلي كان ڤاجنر ~~يطل من شرفته فيشاهد بركان فيزوف، فيراه قديما عتيقا، ولكنه لم يزل حيا يثور ~~ويثور ... وكذلك كان ڤاجنر. وفي ذات يوم أتته رسالة من الملك لودفيج الثاني يعده فيها ~~بأن يعرض بارسيفال على نفقته الخاصة حين يتمها. وكان لا بد أن يعود ڤاجنر ms37 إلى ألمانيا ~~ليشكره. وفي ميونيخ قرر أن يقيم حفلا موسيقيا يعزف فيه مقطوعات من دراماته؛ غير أن ~~الملك تأخر قليلا عن الحضور، فغضب ڤاجنر، واشتد غضبه حين أخذ الملك يلح عليه في عزف ~~قطع أخرى لم تكن ضمن برنامجه، فلم يلبث أن قذف بعصا القيادة إلى أحد أصدقائه، ثم أسرع ~~إلى منزله، حيث انتابته نوبة مرضية عنيفة، وانفجر غضبه على شكل سباب ولعن لكل الحكام في ~~العالم: الملك، والإمبراطور، وبسمارك؛ الكل على حد سواء! # وساءت صحة ڤاجنر في عام 1881م. وحين عاده الأطباء لم يروا شكواه راجعة إلى علة جسمية، ~~بل كان في حاجة إلى هواء الجنوب لتهدئة نفسه المتعبة. ومرة أخرى تتجه الأسرة إلى ~~إيطاليا، وهناك لم يضع ڤاجنر لحظة واحدة بغير تأليف؛ فقد أصبح يخشى أن يفاجئه الموت ~~قبل أن يتم عمله الأخير؛ وما كان في وسعه أن يحتمل نقصان بنائه الشامخ حجرا ~~واحدا. # ويعود ڤاجنر إلى بايرويت في أوائل عام 1882م ليشهد افتتاح بارسيفال. ويتكرر العرض ست ~~عشرة مرة، ويحقق نجاحها كل آمال ڤاجنر، حتى يزهد في المجد والنجاح، ويتوق مرة أخيرة إلى ~~هدوء الجنوب ... لقد عمل بنصيحة كوزيما إذ قالت: على المرء أن يعيش في ألمانيا ويموت في ~~إيطاليا. # وها هي ذي إيطاليا تناديه، والبندقية خاصة تنتظره ... لقد بلغت الحياة قمتها والشمس ~~المشرقة سمتها في تلك المدينة؛ وما أجمل الموت حيث تزدهر الحياة. # وفي الثاني عشر من فبراير عام 1883م نام ڤاجنر ليلة هادئة، كان أفراد أسرته يستمعون ~~إلى صوته خلالها كثيرا، كما اعتاد أن يفعل حين يؤلف أشعارا جديدة ... وحين استيقظ في ~~فجر اليوم التالي، كان يحس قلقا لا يدري سببه، عبر عنه بقوله: «لا بد لي أن آخذ حذري ~~اليوم.» وبينما كانت الأسرة تتناول الغداء، وهو لم يزل ملازما غرفته وحيدا، سمع الجرس ~~الصادر عن غرفته يرن بقوة، ثم أسرعت خادم تطلب من كوزيما أن تأتي على عجل، ولكن ڤاجنر ~~في سورة ألمه ونضاله الأخير يطلب من زوجته أن تبتعد، زاعما أنه لم يكن ms38 في حاجة إليها. ~~وفي المرة الثانية، حين علا رنين الجرس، استسلم لكوزيما، ولم يكن في وسعه هذه المرة أن ~~يقاوم، فأسند رأسه إلى صدرها في سكون، ثم صمت إلى الأبد. # وكان موكب جسد الفنان وهو ينتقل من إيطاليا إلى ألمانيا رهيبا مهيبا. وانتهى المطاف ~~به في بايرويت، حيث رست أخيرا سفينة «الهولندي الطائر»، واستقر حيث كان يتمنى دائما ~~أن يكون. ~~••• # في حياة ڤاجنر صفحة واحدة متكررة، هي الثورة مع التقلب والحركة الدائمة. وفي ضوء هذه ~~الصفحة تتضح كل تفاصيل تلك الحياة وتفسر جميع وقائعها. ولا شك في أن هذه لم تكن صفة ~~عارضة شاءتها الظروف القاسية التي مر بها، بل كانت راجعة إلى تركيبه وتكوينه؛ فطبيعته ~~النشطة الدائمة الحركة هي التي شاءت أن تكون حياته كذلك. وكانت تلك الطبيعة الثائرة هي ~~أول ما يلفت أنظار مشاهديه ... ولنستمع إلى بعض من وصفوه لتكمل بذلك الصورة الحية التي ~~نود رسمها لڤاجنر ولشخصيته. # وصفه موسيقي فرنسي هو «لوي لاكومب # Louis Lacombe ~~» في ~~عام 1860م بقوله: «كانت تضيء جبهته الجليلة نظرة ملؤها الحيوية والقوة والحرارة ~~النفاذة. ولقد كان في كيانه بأكمله عنصر من الحيوية والصراحة والقوة والروحية كان ~~يجذبنا إليه. ولا زلنا نذكر - بعد عشرة أعوام طوال - ذلك الأثر الذي كانت تحدثه فينا ~~عينه الذكية، التي كان يبدو لنا أن شعاعا من الشمس يكمن دائما فيها.» # وفي نفس العام وصفه فيورنتينو # Fiorentino # وصفا ~~اقترن بالتلميح إلى براعته في التوفيق بين الأنغام وبعث الانسجام بينها، وضعفه في ~~الإتيان بلحن مستقل جميل # melodie # فقال: «لڤاجنر جبهة ~~جميلة نبيلة رفيعة، أما أسفل الوجه فقبيح وضيع - حتى لكأن جنيتين إحداهما ثائرة ~~والأخرى هادئة قد ساهمتا في إنجابه؛ فداعبت جنية التوافق ~~والانسجام # harmonie # جبهته وجملتها، ومن هنا نبعت عنها تلك ~~الأفكار القوية والآراء الجريئة. أما جنية ~~اللحن # melodie # فقد تنبأت مقدما بالأذى الذي سيلحقه بها ~~طفلها، فجثمت على وجهه وحنت أنفه.» # وفي عام 1861م يصفه شارل لورباك # Charle Lorbac # بقوله: «كان ڤاجنر متوسط القامة، ينبئ كل ما فيه بتكوين ms39 عصبي؛ فحركاته مباغتة، تنم ~~عن صبر نافد، كحركات شخص يلتهم فكره زمانه؛ ولجبهته اتساع غير عادي، وتحتها عينان ~~صغيرتان، ولكن يشع منهما لهب نفاذ، أما الأنف فانحناؤه أقوى ... والصفة العامة في الرجل ~~هي الإرادة الطاغية والنشاط الدائب.» # مثل هذه الطبيعة كان من المحال أن يغيرها الزمان أو يبعث فيها الهرم تأثيره ~~المخدر. وها هو ذا فيكتور تيسو # Victor Tissot # يقارن ~~بينه في عام 1875م وبينه في عهد شبابه فيقول: «لم يتغير فيه سوى الشعر الذي اكتسى ~~بريقا فضيا خفيفا. أما الرأس فكما هو؛ لا يزال له نفس التركيب بزواياه الحادة ... ~~وظلت لحركاته نفس السرعة والمباغتة ... وللسانه نفس القدرة على الدوران كالطاحون ... إنه ~~دائما ثائر تبدو عليه الرغبة في النضال أو الحض على حرب صليبية، فهو كبركان دائم ~~التفجر؛ في كل ما يفعله وكل ما يقوله خليط من الحمم واللهب والدخان، وإن المرء ليحس ~~بالوهج بمجرد أن يقترب من ذلك الرجل البركان، حتى لتدفعه الرغبة إلى عودة رجال المطافئ ~~ليبردوا لهيبه.» # وما كان لتلك الحيوية المتدفقة أن تعبر عن نفسها إلا على شكل هجوم دائم، وما كان ~~لها أن تحيا إلا حياة كلها صراع ونضال لا تعرف الهدوء أو السرعة حتى لحظتها الأخيرة. ~~وهكذا كانت حياته هجوما متواصلا: على تقاليد الفن عامة، والموسيقى والشعر والدراما ~~والمسرح بتفاصيلها، وعلى السياسة والمجتمع، وعلى الكنيسة، واليهود والفرنسيين ~~والإيطاليين. كانت ثورة جارفة دعمت الأيام نتائجها وثبت التاريخ أركانها، واستمرت ~~عناصرها في كثير من التيارات الموسيقية والدرامية والمسرحية الحالية، بحيث لا يستطيع ~~أحد أن ينكر أن ڤاجنر، شأنه شأن كل فنان أصيل، قد ترك في الفنون التي عالجها طابعا ~~خاصا به لا يمكن أن تمحوه الأيام. # | فلسفة ڤاجنر وفنه # | بين التفاؤل والتشاؤم # أفكار ڤاجنر الفلسفية # عهدنا بالفنان أنه تلقائي يصدر عنه الإبداع الفني دون أن يتكلف مشقة الموازنة ~~والمقارنة بينه وبين غيره، ودون أن يضع لنفسه أساسا نظريا يشرح به وجهة نظره ويدافع ~~عنها، والحق أن الفنان غالبا ما يجهل وجهة نظره هذه، ولا يعلم عنها ms40 شيئا؛ وكل ما في ~~الأمر أنه ينتج، وأن هذا الإنتاج يبدو له في نظر نقاده النظريين عيوب ومزايا، وتتكشف ~~لهم نواحي التجديد فيه، حتى إذا تقادم به العهد واجتاز اختبار الزمن بنجاح، أصبحت له في ~~تاريخ الفن مكانة معينة تحدد موضعه بالنسبة إلى من سبقه وما تلاه، وصيغت تجديداته ~~صياغة نظرية واحتلت مكانها بين قواعد الفن الموروثة. # أما ڤاجنر فقد شذ عن هذه القاعدة، ووضع لإنتاجه الفني أساسا نظريا اعتمد عليه كل ~~من حاولوا تحليل فنه. وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننتقص من قدر ملكة العيان الفني ~~لديه، أو نقلل من دور الإلهام المبدع فيما أنتج؛ وإنما ننبه إلى تلك الصفة التي انفرد ~~بها دون بقية موسيقيي القرن التاسع عشر، وهي قدرته على التحليل الدقيق، والشرح النظري ~~العميق، والتبرير المنطقي المقنع. ومن الصعب تعليل هذه الظاهرة تعليلا شافيا؛ فلسنا ~~ندري أكان ڤاجنر يجمع إلى حاسته الفنية المرهفة قدرة على التفكير المنطقي الدقيق ~~يستغلها خلال أوقات صحوه من أحلامه الإبداعية، أم أنه قد اضطر إلى ذلك التبرير النظري ~~اضطرارا، بدافع رغبته في شرح وجهة نظره وإفهامها لمن استعصى عليه فهمها، وهم كثيرون. ~~والأغلب أن السببين مجتمعان معا؛ فقد كان ڤاجنر فنانا تشعبت أطراف نشاطه وتعددت ~~المظاهر التي تبدت عليها طاقته الروحية، وتوفرت له من الثقافة الكلاسيكية والحديثة ما ~~لم يتوفر إلا للقلائل من الفنانين، وخاصة الموسيقيين منهم. وكان من جهة أخرى يواجه ~~جمهورا معاديا في معظم فترات حياته؛ إذ كان انقلابه الفني من الجدة بحيث ذهل له ~~البعض، وسخر منه غيرهم، وتجنبه آخرون، وظلت هناك أقلية ضئيلة هي التي تفهمته ~~واستوعبته. وهكذا كان ڤاجنر في حاجة إلى «دفاع» عن وجهة نظره في الفن، وإلى تبرير ~~انقلابه وبيان الأسس النظرية التي يستند إليها؛ حتى يضمن - على الأقل - أنه سيلقى ~~جمهورا لا يبدؤه بالعداء، ولا يتحكم في تذوقه لإنتاجه تحامل سابق. # تقلبت أفكار ڤاجنر الفلسفية بين الثورة العنيفة على التقاليد وبين الاستسلام الديني ~~الصامت. والفرق واضح بين الحالتين ولكن لندرس الأساس الذي ms41 قامت عليه ثورته، والسبب الذي ~~ألجأه إلى الاستسلام والتشاؤم، فربما وجدنا بعد هذه الدراسة ما يعيننا على تصور ~~الرابطة التي جمعت بين كل فترات تفكيره. # كانت فترة الثورة عند ڤاجنر هي تلك التي أعقبت الانقلاب الأوروبي المشهور في عام ~~1848م، وظلت مبادئها راسخة في ذهنه حتى وقع في يده كتاب شوبنهور في عام 1854م، وعندئذ ~~اتخذ تفكيره مجرى آخر. وطبيعي أن تستهوي الثورة السياسية روحا كان موقفها من الفن ~~المعاصر هو الثورة منذ البداية . وارتبط الانقلابان في ذهنه ارتباطا وثيقا، حتى بات ~~يهاجم الملكية المستبدة في بلاده بنفس القوة التي كان يهاجم بها التقاليد الفنية ~~الشائعة التي ثار عليها، وحدث في تلك الأثناء أمر تكرر أكثر من مرة في حياته؛ فقد ~~تصادف أن قرأ مؤلفات «فويرباخ»، وتأثر بها كل التأثر ... ولم يكن ذلك التأثر راجعا إلى ~~عمق الفلسفة التي قرأها، بقدر ما كان راجعا إلى ملاءمتها لحالته الذهنية في ذلك الحين. ~~والحق أن تأثر ڤاجنر بأي مفكر لم يكن سلبيا على الإطلاق، بل كان دائما لا يستهويه ~~من المفكرين إلا من عبرت أفكاره بوضوح عن آمال مشابهة لآماله، أو على الأقل يرى هو فيها ~~هذا التشابه. وهكذا كان معيار إعجابه بالمفكرين هو انطباق آرائهم على الحالة الذهنية ~~التي تتملكه في وقت قراءته لهم. # ولقد كان «فويرباخ» ملائما له في تلك الفترة إلى حد بعيد، ووجه التشابه بينهما هو ~~الثورة على التقاليد. فكل فيلسوف مادي ثائر بالضرورة؛ إذ إن الإنسانية لم تتخذ - في أي ~~عهد من عهودها حتى ذلك الحين - من المادية أساسا فكريا تعيش عليه. وقد نرى الناس في ~~فترة من الفترات ماديين في سلوكهم العملي إلى أقصى حد، وقد نرى حضارة صناعية ضخمة لا ~~تقوم إلا على الماديات، ومع ذلك فالأساس العقلي «الرسمي» لكل هذه الحضارات قد ظل حتى ~~عصره روحيا. وهكذا صادف فويرباخ هوى في نفس ڤاجنر، واندفع معه في ثورته المادية، ~~فإذا به يدعو إلى تحطيم كل الأصنام، وبلغ به الأمر حدا جعله يعبر عن أفكار لم ms42 ~~نعهدها فيه طوال حياته، سواء قبل تلك الفترة أو بعدها؛ إذ يرى في الدين أسطورة، ويحمل ~~على المسيحية خاصة، ويسخر من تقييدها لإرادة الإنسان في هذا العالم ومكافأتها لمن ~~ينكر ذاته بسعادة خاملة في عالم آخر. ولم تكن تلك السعادة هي التي يراها ڤاجنر خليقة ~~بالإنسان؛ وإنما كان يؤمن بحق الإنسان في حريته، وفي سعادة تامة في «هذا» العالم. ~~والطريق الطبيعي لنيل هذه الحقوق هو الثورة؛ فالثورة كانت - كما يراها في تلك الفترة - ~~هي الطريق الطبيعي الذي ينتقل به المجتمع من صورته الفاسدة الحالية إلى الحالة المثلى ~~التي ترجى له المستقبل - تلك الحالة التي لم يحددها ڤاجنر بدقة، وإن كان قد لمح ~~إليها، ودعا إلى الثورة لتدفع الإنسانية نحوها الدفعة الأولى. أما ما سيتلو ذلك فهذا ما ~~لم يشأ أن يحدده؛ فقد رأى في ذلك التحديد تقييدا لحرية الإنسان، وهو يريد هذه الحرية ~~وحدها ويدعو إليها، وهي بعد هذا كفيلة بأن تحقق كل أهداف الإنسانية. # وكما استمع ڤاجنر إلى نداء فويرباخ في فترة كانت كل ملكاته مهيأة فيها لتلقي هذا ~~النداء، فإنه استجاب لدعوة شوبنهور في وقت كان كل شيء يدعوه إلى اليأس وإلى التشاؤم؛ ~~فقد تضافرت الظروف السيئة لتدعوه بإلحاح إلى الفرار من هذا العالم والزهد فيه، وذلك ~~خلال هذا الوقت العصيب من حياته، وفي نفس ذلك الوقت قرأ فلسفة شوبنهور. وهنا وجد ڤاجنر ~~التعبير الفلسفي عن تشاؤمه، والصياغة المنطقية لما كان يفكر فيه خلال لحظات ألمه، فكتب ~~إلى صديقه «ليست» يقول عن شوبنهور: «إن فكرته الكبرى، وهي النفي التام لإرادة الحياة، ~~فيها عبوس مخيف، ولكنها هي وحدها الكفيلة بالخلاص. وهي ولا شك لم تكن جديدة علي، وليس ~~في وسع مخلوق أن يفهمها ما لم يكن يعانيها حية في ذاته. ولكن ذلك الفيلسوف هو الذي ~~أوضحها لي بجلاء لأول مرة.» # هكذا وجدت نفسه اليائسة في فيلسوف التشاؤم رفيقا مواسيا، ومنذ ذلك الحين تعلق ~~ڤاجنر بشوبنهور، ولم يتخل عن آرائه لحظة واحدة؛ على أنه قرب بين شوبنهور وبين ~~المسيحية وجمع ms43 بينهما في مركب واحد، فرأى في مبدأ الزهد في الحياة، وإماتة الرغبات ~~الحيوية أساسا مشتركا بين دينه وبين تلك الفلسفة التي استهوته، ورأى في فرار المسيحية ~~من العالم معبرا يؤدي بالضرورة إلى تأمل الكون تأملا سلبيا خالصا؛ أي النظر إليه ~~بعين الفنان لا بعين الرجل العملي، وامتصاص عنصر الألم منه ليخرج الخيال إنتاجا فنيا ~~يعكس طبيعة الكون الباطنة على مرآة الذهن الإنساني. ولست أدري كيف وفق ڤاجنر بين نظرة ~~المسيحية إلى الوجود على أنه كمال من الكمالات، وإلى الخلق على أنه نعمة ، وبين نظرة ~~شوبنهور إلى الوجود على أنه خطيئة، وإلى الخلق على أنه نقمة، ولكن الأغلب أنه تجاهل ~~الجانب المسيحي من هذه الفكرة ليخلي الطريق لتشاؤم شوبنهور. # ولكن كيف تم الانتقال من النقيض إلى النقيض، وكيف تحول ڤاجنر من الثورة إلى التشاؤم ~~والسكون؟ الواقع أن التناقض بين الموقفين يزول إذا فهمنا تعلقه بشوبنهور على أنه ~~تعبير عن سخطه على العالم الحاضر، ذلك السخط الذي كان يبلغ في أحيان قليلة حد اليأس ~~التام من كل إصلاح، ولكنه في أغلب الأحيان يقترن بأمل قوي في النهضة والبعث. وإذن فلم ~~يكن التشاؤم متشابها من كل نواحيه عند الرجلين؛ وإنما كان عند شوبنهور غاية وحدا ~~نهائيا تهدف فلسفته إلى الوقوف عنده. أما عند ڤاجنر فكان دليل تذمره على ما يسود ~~الإنسانية الحالية من مبادئ فاسدة؛ والتذمر أولى مراحل الإصلاح. # وليس معنى ذلك أن ڤاجنر كان يهدف من تشاؤمه إلى غاية متفائلة في كل الأحيان؛ فقد ~~رأيناه في «تريستان» يستسلم للتشاؤم ويجعله غاية قصوى، ويؤثر الموت على الحياة، ويراه ~~خير حل لما يكتنف هذا العالم الأرضي من مشاكل، ولكن لنذكر أن تلك الدراما هي أوغل ما ~~أنتج في باب التشاؤم، وقد اقترن تأليفه إياها بتجربة خاصة يائسة جعلته يربط بين الحب ~~والموت، ويرى في الموت الوسيلة الوحيدة لعبور الهوة بين ما هو بشري وما هو إلهي، وبين ~~شوق الحب واستحالة تحققه بعد ما وضعه المجتمع في سبيله من عوائق. وإذن ففي هذا الإنتاج ~~وحده، ms44 ونتيجة للتجربة الخاصة التي صاحبته، بلغ التشاؤم قمته وأصبح غاية، أما في بقية ~~درامات ڤاجنر، فما كان التشاؤم إلا وسيلة لهدف أسمى، هو «الخلاص». # فعلى الرغم من كل ما طرأ على تفكير ڤاجنر من تغيرات داخلية؛ فقد ظلت هناك أفكار ثابتة ~~من وراء ذلك السطح المتغير، أهمها فكرة الخلاص عن طريق الزهد والتضحية والعزوف؛ ففي كل ~~عمل فني له نراه يبحث جادا وراء السعادة الحقة، ويجدها في منقذ أو مخلص يرشد إلى ~~الطريق القويم، أو يضحي بنفسه ليجلبها إلى من يسعى إليها؛ ففي «الهولندي» كانت ~~المخلصة هي سنتا التي أنقذت تضحيتها ذلك الملاح التعس من المصير المؤلم الذي قدر ~~له، وخلصته من لعنة الشيطان الأبدية. وفي «تانهويزر» يكتسي الخلاص ثوبا دينيا ~~رومانتيكيا، فيكفل عزوف إليزابيث الطاهرة الخلاص للفارس التعس، الذي تذبذبت روحه بين ~~الحس والحب الروحي. وكان «لوهنجرين» ذاته مخلصا، فأنقذ إلزا من أعدائها ومما رميت ~~به من تهم ظالمة، وإن اضطر في النهاية إلى الزهد في السعادة الأرضية التي لم تستطع إلزا ~~منحه إياها. وفي «النيبلونجن» نقلت فكرة الخلاص نقلا شبه صريح إلى المجال الاجتماعي؛ ~~فالعامل يستغله صاحب رأس مال فظ بلا رحمة (يمثله النيبلونجن إزاء ألبيريش)، وليس ~~لمالك الثروة من هدف سوى ملء خزائنه وتكديس أمواله، ثم السهر حارسا عليها (فافنر)، ~~ووسيلة الخلاص هي القضاء على الأنانية قضاء تاما، وعندئذ فقط يمكن أن يسود الحب بين ~~كائنات حرة في عالم مطمئن، لا يعود فيه آلهة ولا قوانين مقدسة مزعومة، وكل هذا يتم على ~~يد الإنسان الحر في المستقبل (زيجفريد). وفي «أفول الآلهة» وهي آخر السلسلة الرباعية ~~التي اتخذت وجهة مخالفة لوجهة الحلقات الثلاث الأولى، نرى فكرة الخلاص واضحة وإن ازدادت ~~تشاؤما؛ فبعد أن زهد فوتان في كل رغبة في القوة وكل إرادة للحياة، ينتظر في صمت ~~واستسلام نهاية العالم الذي دب فيه الفساد. وهذه النهاية تتم على يد «برنهيلدة» إذ يحين ~~وقت أفول الآلهة حين تزهد برنهيلدة عن إرادة واختيار في «الخاتم»، وترده إلى بنات ~~الرين، وبهذا تقضي ms45 على سبب التطاحن والرغبة الأنانية في القوة ... ورغم الطابع المرح الذي ~~تتميز به «أساطين الطرب»، نراها لا تخلو بدورها من زهد وعزوف؛ إذ يزهد هانزساكس، الشيخ ~~الحكيم، في حب إيفا، ويدعها للشاعر الشاب، ويلقنه التعاليم التي تكفل له الفوز، وبذا ~~خلصه بتضحيته. وأخيرا ففي بارسيفال يقوم البطل بسلسلة من أفعال الزهد والتضحية، يعود ~~بفضلها إلى مملكته «جرال» نقاؤها وطهارتها، ويبرأ جرح أمفورتاس الدامي إلى الأبد، ~~ويمكن «كوندري» - شبيهه الهولندي في حيرته الأبدية - من أن تجد السلام والتوبة في ~~النهاية، ويخلص بتضحيته العالم بأسره. # وهنا نلاحظ أن فكرة الخلاص هذه، التي احتلت هذه المكانة الكبرى في إنتاج ڤاجنر، هي ~~فكرة مسيحية معروفة، فهل كان معنى ذلك أن ڤاجنر قد تأثر بالمسيحية طوال حياته الفنية، ~~وأن إنتاجه كله قد بني على فكرة واحدة استمدها مباشرة من المسيحية؟ # الواقع أن نظرة ڤاجنر الحقيقية إلى المسيحية يشوبها كثير من الغموض؛ ففي دراماته، ~~خاصة الدراما الرباعية الكبرى، ما يوحي بأنه ملحد عنيد يدعو إلى زوال حكم الآلهة ~~والمناداة بعهد الإنسانية الحرة. وفي بارسيفال ما يقطع بأنه كان مسيحيا مخلصا يرى ~~في السخرية من آلام المسيح علة عذاب «كندري»، ويجعل الزهد والعزوف شرطين ضروريين لخلاص ~~هذا العالم. فهل كان ڤاجنر إذن ملحدا أم متدينا؟ ... الأمر الذي لا يمكن إنكاره، هو أن ~~ڤاجنر كان أقرب إلى التدين، وإن اصطبغ تدينه بصبغة إلحادية في كثير من ~~الأحيان. # فليس في وسع المرء أن يتجاهل تيار الزهد الذي لازم إنتاجه من بدايته إلى نهايته؛ ~~وإنما لا بد أن يعترف بأن تدين ڤاجنر قد دفعه إلى أن يدعو في دراماته إلى صفات قد ~~يفتقر هو ذاته إليها، كالتضحية التامة وإنكار إرادة الحياة. ومن المحال أن تتردد هذه ~~الأفكار الرئيسية في رأس ملحد. ولكن بعض العناصر اللادينية، أو على الأصح: اللامسيحية، ~~تتردد في إنتاجه؛ ففي عهد الثورة، وفي فترة الإلحاد القصيرة التي مر بها، رأيناه يرسم ~~للإنسانية الظافرة صورة تامة التحرر، فإذا بزيجفريد يتحدى الآلهة وينتصر عليها، ويستلهم ~~الطبيعة في كل ما ms46 يعمل، ولا يحس إلا بمشاعر إنسانية خالصة - وتلك كلها صفات تذكرنا ~~«بالإنسان الأرقى» عند نيتشه. ومن الغريب أن يجمع «بارسيفال» من هذه الصفات الشيء ~~الكثير؛ فنراه مثل زيجفريد ساذجا تلقائيا يستلهم الطبيعة في أعماله؛ غير أنه أقل منه ~~حيوية وأبعد عن مشاعر الإنسانية الأرضية. وعلى أية حال فصورة «بارسيفال» ليست صورة ~~مسيحية خالصة. وفي وجود هذا العنصر الغريب في أكثر إنتاجه تدينا ما يوحي إلينا بحل ~~المشكلة؛ ڧڤاجنر كان «مؤمنا» على الدوام، ولكنه لم يكن «مسيحيا» دائما. كان يقبل من ~~العقيدة روحها، ويثور في كثير من الأحيان على شكلها ونصها. وهكذا كان من ذلك النوع من ~~المفكرين الذين يتملك الإيمان كل حواسهم، ويحسون به إحساسا طبيعيا لا يداخله شك، ~~وإن عبر إنتاجهم عن تعارض ظاهري مع «محتوى» ذلك الإيمان. # وعلى أساس هذا الحل نستطيع أن نقول إن تطور ڤاجنر بين الإلحاد والتدين لم يكن حادا ~~مفاجئا؛ وإنما كان لتفكيره أساس روحي ظل دائما كما هو، وإن اختلف ظاهر البناء القائم ~~على ذلك الأساس اختلافا يرجع إلى أحداث خارجية مرت به وفرضت تأثيرها عليه، أكثر مما ~~يرجع إلى اختلاف جوهري في روحه، ونستطيع أن نقول أخيرا إن ما بدا من إلحاد له إنما كان ~~تعبيرا عن خروجه على «تعاليم» الأديان ونصوصها الحرفية، بينما كان الإيمان السائد في ~~إنتاجه تعبيرا عن قبول «روح» الأديان وتأثر نفسه المرهفة بجوها المسكن ~~المهدئ. ~~••• # وإذن؛ فقد عبر ڤاجنر عن روح المسيحية بفكرة «الخلاص»، ولكنه قبل الفكرة فحسب، وكان ~~عليه أن يبحث عن وسائله الخاصة التي يتم بها ذلك الخلاص، ويتحقق للإنسانية بعثها من ~~جديد على أساس قويم صالح. # وأصل الفساد - في رأي ڤاجنر - هو قيام المجتمع على أساس مادي صرف. وهنا نجد الفرق ~~واضحا بينه وبين نيتشه؛ فبينما يعيب هذا على الحضارة الحديثة روحيتها الكاذبة ويدعو ~~إلى مزيد من الواقعية والعودة إلى الطبيعة، رأى ڤاجنر في الحضارة الأوروبية، وخاصة في ~~عهدها الأخير، نزعة مادية قوية تنذر بالقضاء على كل المقومات الروحية للبشر، وتهدد ~~بحرمان الحياة من ms47 كل عنصر فني جمالي. # ومن أهم الأسباب التي أدت إلى سيادة هذه النزعة المادية، النفوذ اليهودي المسيطر على ~~كل مرافق الحياة؛ ومن هنا كان عنف الحملة التي شنها على اليهود، والتي عد من أجلها ~~«فنان النازية الأول». # والمقدمة الأولى التي استند عليها ڤاجنر في حملته على اليهود كانت فكرة العنصرية؛ فهو ~~يؤمن إيمانا راسخا بآراء «جوبينو # Gobineau ~~» كما ~~شرحها في كتابه: «رسالة في تفاوت الأجناس البشرية»، ويعتقد بأن الأجناس تتفاوت مراتبها؛ ~~ولهذا تحامل على بعضها، ورأى أن من الضروري تحكم الأجناس الراقية في الأجناس المنحطة؛ ~~ومن هنا كان بغضه لليهود. ولقد كتب ڤاجنر في 1850م محذرا من «الخطر اليهودي» في كتاب ~~«اليهودية في الموسيقى»؛ فالعنصر اليهودي هو أخطر العناصر التي اختلطت بالجنس الأبيض، ~~وهو العنصر الوحيد الذي أمكنه الاحتفاظ بصفاته الأصلية سليمة كاملة؛ إذ يظل اليهودي ~~يهوديا مهما غير موطنه ولغته وبيئته. وهو لا يتأثر بأية عقيدة روحية لأنه هو ذاته ~~بلا عقيدة، ولا يعبد إلا المال؛ ومن هنا كان يسعى إلى أن يحول كل شيء إلى مال، حتى ~~الفن! وأول ما ينفرك من اليهودي منظره الجسمي، وإذا تحدث كانت له دائما لكنة ~~غريبة، وتراه عاجزا عن النطق بلهجة صحيحة صادقة، مهما طال أمد تعلمه له، وهو لا يملك ~~إلا أن يحاكي ويقلد، دون أن يأتي بجديد، سواء في الأدب أو في الفن، وهو في الموسيقى ~~خاصة لا يهتم إلا بالمسائل العملية، فلا مانع لديه من الاشتغال بالموسيقى ما دامت من ~~وسائل كسب المال والنفوذ؛ ولذا ترى براعة اليهود تتجلى بوجه خاص في العزف لأنه الجانب ~~العملي المربح من الموسيقى. أما التأليف الموسيقي فقليل من برعوا فيه، وإذا رأيت فيهم ~~المؤلف فستجد موسيقاه سطحية لا تصل أبدا إلى قرار الوجدان، ولا تحرك مشاعر صادقة، ~~بل تبهرنا بزخارفها المتكلفة فحسب. وأوضح مثل لذلك سيمفونيات مندلسون وأوبرات مايربير ~~التي لا تهدف إلا إلى الترويح والتسرية عن نفس مكدودة مرهقة؛ فهي أداة تسلية وقتل للوقت ~~فحسب. # وتعاليم اليهودية كلها مادية؛ فاليهودي واقعي بفطرته، ms48 ينفر من كل دعوة ترتفع ~~بالإنسان إلى مرتبة مثالية، وكل همه هو النجاح في هذا العالم. وهكذا يظل يعمل جاهدا ~~للوصول إلى غرضه، ويطرق كل الأبواب، ويقتحم ميادين لم يخلق لها - كالفن والأدب - كل ~~هذا في سبيل النجاح المادي والشهرة والنفوذ. وهكذا يتضح التعارض بين الروح السامية ~~والروح الآرية؛ فبقدر ما تغرق الأولى في الواقعية والمادية، تسمو الثانية إلى أعلى ~~مراتب المثالية. وإذا كانت وسيلة بعث الإنسانية هي إماتة روح الأنانية، فلا شك في أن ~~اليهود هم آخر من يستجيبون لتلك الدعوة؛ إذ إن الأنانية هي لب الروح اليهودية، حتى ~~ليمكننا أن نقول إن اليهودي لن يصلح ويسير في ركاب المدنية الناهضة إلا إذا خرج تماما ~~عن عقيدته، ولم يعد اليهودي يهوديا! # ومن هذه النتيجة الأخيرة نستطيع أن نتفهم المعنى الحقيقي لحملة ڤاجنر على اليهودية؛ ~~فلم تكن تلك الحملة راجعة إلى عنصريته هو، بل إلى اعتقاده بأن اليهود ذاتهم عنصريون ~~ومتعصبون؛ فطالما ظل اليهودي يقيم حاجزا بينه وبين الدولة التي يعيش فيها، ويظل ~~محتفظا بصفات «الأمة» اليهودية، كان على الإنسانية أن تحاربه لأنه خارج ومنشق عنها. ~~أما صلاح اليهود فلن يكون إلا بعودتهم إلى ركاب الإنسانية وخلعهم رداء التعصب. وهكذا ~~كان هدف ڤاجنر من هذه الحملة إنسانيا في آخر الأمر. وليس أدل على تلك النزعة ~~الإنسانية الكامنة لديه من صداقته المتينة لكثير من اليهود، كالموسيقي العازف روبنشتين، ~~وقائد الأوركسترا هرمان ليفي. بل إن أكثر أنصار دعوته الموسيقية الجديدة، تلك الدعوة ~~التي أطلق عليها اسم «موسيقى المستقبل»، كانوا من اليهود، كما كان اليهود في أغلب ~~الأحيان هم الذين يسمون أبناءهم «زيجفريد» و«زيجمند» بعد ظهور الدراما الرباعية. ولكن ~~سخرية الأقدار تتم إذا تذكرنا ذلك الاحتمال القوي في أن يكون أبو ڤاجنر الحقيقي هو ~~لودفيج جاير؛ إذ كان أصل ذلك الرجل، واسمه يهوديا، وكان في انحناء أنف ڤاجنر ~~وتقوسه ما يبرر ذلك الرأي إلى حد بعيد! # وكما كان القضاء على روح اليهودية وسيلة من وسائل بعث المجتمع الحالي؛ فقد كانت ~~الروح الألمانية عاملا ms49 قويا من عوامل النهضة الحديثة؛ إذ إن العنصر الجرماني كان ~~أقل العناصر اختلاطا وتأثرا بالروح اليهودية. والواقع أن إيمان ڤاجنر بألمانيا كان ~~راسخا لا يتزعزع، فهو يستمد موضوعات دراماته من الأساطير الألمانية الشعبية في العصور ~~الوسطى؛ لأنها تعبر في نظره عن عبقرية ذلك الشعب خير تعبير، وتكشف عن تلقائيته ~~وإبداعه. ولا شك أن أصلح الأساطير في نظره للتعبير عن المشاعر الإنسانية العامة هي ~~الأساطير الألمانية؛ فالشعب الألماني أسطوري بطبيعته، تسوده نزعة صوفية عميقة، وتتغلب ~~لديه العاطفة على العقل الخالص؛ وتلك بالضبط هي شروط النهضة التي يأمل ڤاجنر أن يبعثها ~~في الإنسانية. والواقع أن تلك النزعة العاطفية الصوفية ترتبط بالتعصب ارتباطا وثيقا؛ ~~إذ إن الشعب المنطقي الذي يتغلب عنده جانب العقل، لا يعرف التعصب ولا يؤمن به إيمانا ~~راسخا. أما الشعب العاطفي فيحس بنواحي السمو فيه ويؤمن بها إيمانا راسخا، ويشيد على ~~الدوام بمزاياه الروحية الرفيعة التي تعلو في نظر أفراده على كل ما عداه من ~~الشعوب. # ولنحاول هنا أيضا أن نفهم تعصب ڤاجنر على حقيقته؛ فلا شك في أنه لم يكن متعصبا في ~~بداية حياته، بل كان عالمي النزعة؛ ودليل ذلك أنه كتب إلى شومان في باريس يسأله معونة ~~المجتمع الباريسي، وأنه لما رأى نفسه قد أخفق في ألمانيا، سعى إلى اكتساب عطف ~~الفرنسيين؛ ففي ذلك الحين كانت نظرته إلى فرنسا نظرة كلها أمل ورجاء، كذلك استمدت ~~دراماته الأولى من أدباء أجانب؛ فمن شيكسبير اقتبس «ممنوع الحب» # Liebesverbot # ومن ليتون # B. Laytton # اقتبس «رينزي» التي يدور موضوعها كله حول شخصية رومانية في مجتمع روماني بحت. وكانت ~~تجربته الشخصية في باريس هي العامل الأكبر الذي جعل للتعصب طابعا عنيفا لديه، وجعل ~~حبه للألمان يقترن بكراهية غيرهم. # مثل هذه الآراء كفيلة بطبيعة الحال بأن تدمغ ڤاجنر بتهمة التعصب، ومن المؤكد أنه كان ~~كذلك بمعنى ما. ومع ذلك فمن المؤكد أيضا أن قوميته لم تكن عدوانية؛ فحبه لألمانيا ~~وتأكيده لأهمية الدور الذي ستلعبه في الحضارة البشرية، لم يكن يقترن بأي ميل إلى الفتح ms50 ~~والغزو، بل كان يتملكه شعور صوفي غريب بأن لدى الشعب الألماني من العبقرية ما هو كفيل ~~بإنقاذ البشرية وإسعاد العالم. ولا شك في أن قصر نظر الفنان يتجلى هنا أوضح ما يكون؛ ~~فتمجيده لقوميته قد استغل فيما بعد أبشع الاستغلال في محاولة تحقيق الأحلام التوسعية ~~العدوانية لحكام ألمانيا المستبدين. ولقد بدأت بوادر هذه النزعة التوسعية في الظهور ~~أثناء حياته، في الحرب السبعينية التي شهدها ڤاجنر. ولا شك أن عدم قدرته على استخلاص ~~النتائج الضرورية من هذه الحرب ترجع إلى أنها انتهت نهاية ظافرة. أما النهاية المدمرة ~~التي انتهت إليها الحربان العالميتان الأولى والثانية فكانت دون شك كفيلة برده إلى ~~صوابه لو كان قد شهدها! # ولعل مما يخفف عن ڤاجنر، إلى حد ما، تهمة التعصب الضيق الأفق، أنه كان يمزج على نحو ~~غريب بين حاضر الأمة الألمانية وبين تصور أسطوري قديم لها؛ فقد كان يتمنى أن تعود هذه ~~الأمة إلى العهد الذي تصوره أساطير الفرسان والنبلاء في العصور الوسطى، وكان يرى في ~~هذه العودة الوسيلة الوحيدة لخلاص هذه الأمة، ومعها العالم بأسره. وفضلا عن ذلك؛ فقد ~~أتى على ڤاجنر في شبابه وقت كانت نزعته فيه إنسانية بكل معاني هذه الكلمة، وذلك حين ~~اشترك إيجابيا في ثورة 1848م وتعرضت حياته للخطر من أجلها؛ غير أن هذه لم تكن إلا ~~فترة قصيرة من حياته، وربما كان الدافع إليها هو أنه لم يكن لديه ما يخسره في ذلك ~~الحين. أما حين ارتبطت حياته فيما بعد بالملوك، فقد نسى تماما نزعته الإنسانية ~~وإيمانه بقوى الشعب، وأصبح أرستقراطيا متعصبا. ~~••• # ومع ذلك لم يكن ڤاجنر مفكرا سياسيا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة؛ وإنما كانت إنتاجه ~~كله يرمي إلى تحقيق الإصلاح بوسيلة واحدة هي الفن؛ ففي رأيه أن صياغة الأفكار ~~الاجتماعية في قالب فني هو الذي يجعل لها تأثيرا فعالا؛ فالفن أبلغ في نظره من أية ~~خطبة سياسية أو موعظة دينية. وكل فكرة يعبر عنها الفن تتغلغل مباشرة في أعماق ~~النفوس، وتصبح في النهاية جزءا لا يتجزأ من الكيان ms51 الروحي للإنسان. وبالفن وحده نصل ~~إلى الاندماج التام في العالم، ونتفهم مشاكله من الأعماق. # وهكذا كان ڤاجنر من القائلين، على طريقته الخاصة، بارتباط الفن بالحياة، وبأن للفن ~~وظيفة اجتماعية هي الإصلاح؛ غير أن الصفة المميزة لرأيه في هذا الصدد هي أنه رأى الفن ~~سلاحا «وحيدا» في هذا الميدان، قادرا وحده على تحطيم الفساد وإنقاذ البشر، ولم يتصور ~~أن يكون الفن مجرد واحد من الأسلحة العديدة التي يسعى بها الناس إلى إنهاض مجتمعهم، أو ~~أن يكون النضال الحقيقي في سبيل الإصلاح مركزا في ميادين أخرى أقدر من الفن على بعث ~~نهضة إنسانية شاملة. وهكذا كانت أنانيته الفنية دافعا له إلى تجاهل كل ميادين الإصلاح ~~الأخرى، فكان من الطبيعي أن يدرجه دعاة الإصلاح الاجتماعي الحقيقي ضمن أعدائهم ~~الألداء. # | الفن المتكامل # تطورت الموسيقى الخالصة في العصر الحديث، حتى بلغت القمة في عهد السيمفونيات الذي بدأ ~~منذ هايدن وتقدم على يد موتسارت ووصل إلى عصره الذهبي عند بيتهوفن. ولقد سارت ~~الموسيقى خلال ذلك التطور من الشكلية إلى العينية؛ فبينما كانت في أوائل عهدها، وفي ~~معظم فترات القرن الثامن عشر، فنا شكليا إلى حد بعيد، وبينما كنا نعجز عن أن نستمد ~~أية عاطفة واضحة المعالم من سيمفونيات هايدن وموتسارت - باستثناء العاطفة الدينية في ~~موسيقاهما الكنسية - رأيناها تتخذ عند بيتهوفن، وخاصة منذ سيمفونيته الثالثة، صورة ~~عينية واضحة؛ فهي تعكس عواطف ومشاعر عديدة، وتزداد تغلغلا في عالم الروح الباطن ... ولكن ~~هذا الاتجاه نحو العينية لا يكفي في رأي ڤاجنر، فما زالت العواطف التي تعبر عنها ~~الموسيقى عامة إلى حد بعيد، بحيث نعجز عن أن نحددها ونحصرها. ومهما بلغت الموسيقى ~~الخالصة من تقدم في باب التعبير، فلن تصل إلى أكثر مما وصلت إليه على يد بيتهوفن؛ أي ~~إلى التعبير عن مشاعر عامة مبهمة لا تحرك نفوسنا في اتجاه محدد بعين، بل تثير فينا ~~أحاسيس غامضة وتترك لكل منا حق تفسيرها كما يشاء. # كذلك ظهر عجز مشابه في الشعر؛ فالشعر الحديث قد اتخذ لنفسه طريق «الرواية» وابتعد ~~عن العالم ms52 الباطن ليصف وقائع وحوادث خارجية عديدة، وقل تعمقه في النفس الإنسانية ~~بقدر ما اهتم بوصف بيئتها الخارجية. والفرق هائل بين ما انتهت إليه هذه الصورة الأدبية ~~في العصر الحديث، وبين ما كانت عليه عند اليونان، حين كان الشعر يصاغ في قالب «الدراما» ~~التي تتعمق في نفس فرد واحد، لتصف مشاعره العامة التي يشترك فيها مع الإنسانية جمعاء ~~أدق وصف وتحللها أصدق تحليل؛ فبعد الشعر الحديث عن صورة الدراما هو علة قصوره ~~وعجزه عن الوصول إلى أعماق النفس البشرية. # ولقد حاول العصر الحديث أن يسد هذا النقص، فأتى بفن جديد يجمع بين الموسيقى ~~والشعر معا؛ هو الأوبرا. ولكن هذا الجمع كان سطحيا إلى حد بعيد، والتصقت الموسيقى ~~بجانب الشعر دون أن يقوم بينهما أي امتزاج حقيقي؛ إذ إن دور الموسيقى يطغى على دور ~~الشعر فيها حتى لا يعود هناك مجال للمقارنة بينهما، وتصبح مهمة الشاعر هي تقديم أساس ~~كلامي يبني عليه الموسيقي بناءه الذي يستأثر بكل اهتمامنا. ومن جهة أخرى، قد يحدث ~~أن يجبر الشاعر الموسيقي على أن يلحن أجزاء لا تصلح في أصلها للتلحين، ومن هنا ~~رأينا الأوبرا حتى عهد موتسارت تتألف من فقرات غنائية بينها فواصل كلامية لا تلحن ~~إلا تلحينا بسيطا، ثم رأينا الموسيقيين التالين يحاولون ملء ذلك الفراغ بألحان لا ~~يمكن أن تتناسب مع طبيعة الموضوع الشعري. وهكذا انعدمت الرابطة بين الشعر والموسيقى في ~~الأوبرا، وسار كل منهما في اتجاه مستقل عن اتجاه الآخر، وإن كان يجمع بينهما تلاصق ~~سطحي لا يسمح لنا بأن نعد الأوبرا فنا متكاملا. # فإن كانت الأوبرا الحديثة قد أخفقت في تحقيق فن جامع بين الموسيقى والشعر، فأجدر ~~بنا أن نتطلع إلى عهد تحقق فيه ذلك المثل الأعلى في الفن إلى حد يدعو إلى الإعجاب؛ ~~ذلك هو عهد الدراما اليونانية؛ فالدراما لم تكن في عهد اليونان عرضا يرمي إلى اللهو ~~والترويح عن النفس فحسب، كما هو الحال في الأوبرا الحديثة، بل كانت فنا وثيق الصلة ~~بحياة الشعب اليوناني، عميق التأثير فيها؛ إذ كانت ms53 مستمدة من أساطير ذلك الشعب؛ أي ~~معبرة عن عبقريته التلقائية تعبيرا مباشرا، وممثلة لروحه أصدق تمثيل. ومما زاد في ~~تأثيرها على الشعب اليوناني أنها لم تكن تخاطب جانبا واحدا من جوانب النفس البشرية، ~~بل كانت فنا جامعا بالمعنى الصحيح؛ فهي تطرب العقل والسمع والبصر والأفئدة معا، ~~وفيها يتحد الشعر الأسطوري بالموسيقى والرقص والحركات المسرحية في وحدة شاملة ~~متماسكة؛ فتلك الدراما لا تدع حاسة جمالية في الإنسان إلا أثارتها، ومن هنا كانت هي ~~المثل الذي يجب أن نقتدي به في عصرنا الحديث إن شئنا بعث نهضتنا الفنية والاجتماعية ~~على أساس سليم. وليس معنى ذلك أن نقلد الدراما اليونانية في تفاصيلها؛ إذ إن تلك ~~الدراما قامت في عصر يختلف عن عصرنا كل الاختلاف، ونشأت في ظل أحوال لم تتكرر بعد ذلك ؛ ~~وإنما يكفينا أن نستمد منها فكرتها العامة، ونقتدي بها في إهابتها بالأساطير الشعبية ~~وتأثيرها على كل جوانب النفس البشرية بفنها المتكامل. # ولقد اهتدى ڤاجنر إلى رائد له في طريقه الفني الجديد، وإن لم يكن قد سار في ذلك ~~الطريق إلى نهايته؛ ذلك هو بيتهوفن؛ ففي الفترة الأخيرة من حياة بيتهوفن، حين أدرك أنه ~~قد بلغ من الموسيقى الخالصة غايته، وعبر بها عن أقصى ما يمكنها التعبير عنه؛ أدرك في ~~لحظة عيانية رائعة أن للموسيقى الخالصة حدودا لا تستطيع تجاوزها، وأنها مهما ارتقت ~~وكملت فلن تعبر إلا عن مشاعر غامضة لا يمكن تحديدها، ولا تؤثر في النفس الإنسانية ~~على نحو واضح، بل تترك فيها أحساسيس مبهمة فحسب؛ ولذا سعى إلى تحديدها وصبغها صبغة ~~عيانية بفن آخر، هو الشعر. وهكذا مزج بيتهوفن في الجزء الأخير من سيمفونيته الأخيرة بين ~~الشعر والموسيقى، وبين أنغام الآلات والصوت الإنساني، في وحدة متناسقة أسمعت الإنسانية ~~«أنشودة الفرح» فتغلغلت في الأعماق، ونفذت إلى أغوار من الروح لم تبلغها من قبل قصيدة ~~شعر أو لحن موسيقي. هنا ظهر الفن المتكامل لأول مرة في العصر الحديث، وكشف بيتهوفن ~~عالما جديدا: لم يستطع ارتياد كل نواحيه أو كشف كل غوامضه، ولكنه ms54 نبه إليه وقدم ~~إلينا صورة رائعة عنه، تنير الطريق لمن يود استطلاع هذا العالم وفتح هذه الافاق ~~الجديدة للإنسانية. # والواقع أن نظرة ڤاجنر إلى بيتهوفن قد تأثرت بهذه الفكرة كل التأثر؛ فعبقرية ~~بيتهوفن - في رأيه - إنما تكمن في تمهيده الطريق للدراما الموسيقية. وخير أعماله هي ~~السيمفونيتان التاسعة والثالثة، والافتتاحيات التي لا يراها مجرد مقدمات للدراما، ~~بل هي الدراما بأسرها في شخصياتها وحوادثها ومشاعرها. فقبل بيتهوفن، كان ما يعنى به ~~الفنان هو الموسيقى من حيث هي موسيقى، أما هو فقد عبر بها عن أفكار خارجة عن نطاقها. ~~ومنذ تلك اللحظة سار الفن الموسيقي في طريق يؤدي مباشرة إلى الدراما الڤاجنرية؛ أي إلى ~~السيمفونية الغنائية بالمعنى الصحيح. وقد نرى في هذا التحليل لفن بيتهوفن بعض الصحة، ~~ولكنه يفتقر بلا جدال إلى الروح الموضوعية المنزهة ؛ ففي وسعنا أن نقول إن بيتهوفن لم ~~يكن يهم ڤاجنر إلا من حيث هو سلف له فحسب، وليس من العدل أن نقول إن بيتهوفن كان يرمي ~~من الجزء الغنائي من سيمفونيته التاسعة إلى نظرية فنية مشابهة لنظرية ڤاجنر في الفن ~~المتكامل، أو أنه أدرك حدود الموسيقى الخالصة وحاول أن يكملها بالشعر ليكون تعبيره ~~الفني أكمل وأدق؛ وإنما الواقع أنه حاول تلحين «أنشودة الفرح» لشيلر منذ عهد مبكر، وأن ~~تلك القطعة الشعرية كانت تستهويه في فترات مختلفة من حياته، فيلحنها في كل مرة على ~~نحو مخالف للمرات الأخرى، حتى انتهى إلى خير تنفيذ لفكرته في النهاية، وليس من العدل ~~كذلك أن نقول إن التعبير الدرامي كان الغاية القصوى من تطوره الفني؛ إذ كانت للموسيقى ~~الخالصة مكانة كبرى في نفسه، وكان تقديره لرباعيته وسوناتاته - وهي الصورة الموسيقية ~~التي يراها ڤاجنر مضادة تماما لصورة الدراما الموسيقية عنده - لا يقل عن تقديره ~~لسيمفونياته وافتتاحياته. # ولنتأمل دور الموسيقى في الدراما الشعرية الغنائية كما يتصورها ڤاجنر، فنجده يتجاوز ~~بكثير دورها في الألحان المجردة، فليس للموسيقى أن تكتفي «بالإيعاز» و«التلميح» المبهم ~~كما كانت تفعل في السيمفونيات؛ وإنما عليها أن تقترب من العينية بقدر طاقتها؛ حتى ms55 ~~تستطيع عبور الهوة التي تفصلها عن الشعر؛ فعلى الموسيقار أن يتوغل في عالم العاطفة ~~والشعور، ويجعل لأنغامه «محتوى» على الدوام، ولا يدعها تدور في نطاق الصورية الخالصة؛ ~~إذ إن الموسيقى المجردة وحدها لا تكفي - في رأي ڤاجنر - لإعطاء صورة جمالية كاملة. ولا ~~بد أن يكون للأوركسترا دوره الخاص في هذه النظرة الجديدة إلى الموسيقى؛ فبينما كان في ~~الأوبرا التقليدية يعين اللحن الصوتي بعزف إيقاع مساعد له، أو يعزف بدون الأصوات ~~البشرية موسيقى خالصة لا تمت إلى المشاعر الدرامية بصلة، أصبح على الفرقة الموسيقية ~~أن تعبر عن الأحاسيس الخفية لشخصيات الدراما، وأن ترسم لنا من بعيد التيارات الخفية ~~لمشاعرها، وفي وسع الفرقة الموسيقية أن تؤدي هذا الغرض بفضل الطبيعة الغامضة للتعبير ~~الموسيقي، الذي يرسم مشاعر عامة لا يمكن إعطاؤها صورة متحددة إلا على يد الشعر المصاحب ~~لها ؛ ولذا كان على الفرقة الموسيقية أن تختفي عن الأنظار، حتى لا يبدو منها إلا تأثيرها ~~في النفوس فحسب، وحتى تمثل التيارات المختلفة التي تنتاب روح أبطال الدراما خير ~~تمثيل، في اختفائها وإبهامها وغموضها. # وهنا نرى لزاما علينا أن نجري مقارنة بين فكرة ڤاجنر عن الموسيقى كما عرضناها، وبين ~~الدور الذي أولاه إياها شوبنهور في فلسفته؛ فعلى الرغم من اقتداء ڤاجنر بشوبنهور وتأثره ~~الواضح بآرائه الفلسفية، وعلى الرغم من إعجابه التام بفكرته عن الموسيقى من حيث هي ~~معبرة عن الماهية العميقة للعالم، نجد بينهما اختلافا دقيقا في الرأي حول مقدرة ~~الموسيقى والمدى الذي يمكنها الوصول إليه؛ فقد رأينا ڤاجنر لا يرى الموسيقى الخالصة ~~قادرة على بلوغ المستوى التعبيري الكامل الذي ينشده؛ وإنما يؤكد ضرورة إكمالها بفن ~~آخر هو الشعر الذي يكسب تعبيراتها دقة وتحددا. أما شوبنهور فجعل للموسيقى الخالصة ~~مكانة تسمو على الموسيقى الغنائية إلى أبعد حد، وأكد أن تلك الموسيقى المجردة على ~~الرغم من شمول تعبيرها وعموميته، متحددة متميزة إلى أدق حدود التحدد والتميز، وجعل ~~لهاتين الصفتين في الموسيقى طبيعة خاصة تقربها من طبيعة الأشكال الرياضية؛ ففي كتابه ~~الأكبر «العالم إرادة وتمثلا» يصفها بقوله: ms56 «إن الموسيقى من حيث هي تعبير عن العالم، ~~هي لغة عامة إلى أبعد حد ... ولكن عموميتها ليست خاوية ناشئة عن التجريد؛ وإنما هي من نوع ~~يختلف عن ذلك تماما؛ فهي متحددة متميزة كل التميز. وهي في ذلك الجمع بين العمومية ~~والتميز تشبه الأشكال الهندسية والأعداد، التي هي أشكال عامة لكل الموضوعات الممكنة ~~للتجربة ... ولكنها مع ذلك ليست مجردة؛ وإنما عينية ومتحددة كل التحدد؛ فكل المشاعر ~~والنوازع والعواطف التي تنتاب الإرادة، وكل ما يجري في باطن الإنسان مما يطلق عليه ~~العقل سلبيا اسم «الشعور # Gefühl ~~» - كل هذا يجد خير ~~تعبير عنه في الألحان التي لا تتناهى إمكانياتها، ولكن لذلك التعبير تعميم الصورة ~~الخالصة التي خلت من كل مادة، فهو يعبر عن الشيء في ذاته، لا عن الظواهر وحدها ... ومن ~~تلك الصلة الوثيقة بين الموسيقى وبين الماهية الحقيقية لكل شيء، يتضح لنا أنه إذا ~~عبرت الموسيقى تعبيرا مناسبا عن أي منظر أو فعل أو حادث أو بيئة، فإن كلا من ~~هؤلاء يتضح لنا معناه الباطن، وبهذا تكون الموسيقى خير شارح له، كذلك يبدو لمن استجاب ~~لتأثير سيمفونية أنه يرى كل أحداث الحياة والعالم في ذاتها، مع أنه لو فكر في الأمر ~~تفكيرا منطقيا لما وجد أي وجه للتشابه بين صوت الأنغام وبين الأشياء التي تحيط به؛ ~~ذلك بأن الموسيقى تختلف عن كل ما عداها من الفنون في أنها ليست صورة مقلدة للظواهر، أو ~~على الأصح لموضوعية الإرادة، بل هي صورة مباشرة للإرادة ذاتها، تعرض المعنى ~~الميتافيزيقي لكل ما يوجد في هذا العالم الطبيعي، وتوضح الشيء في ذاته، الذي يكمن ~~وراء كل ظاهرة؛ وعلى ذلك، فكما يمكن تسمية العالم إرادة متجسدة، يمكننا أن نسميه موسيقى ~~متجسدة.» # وبينما كان في وسع الموسيقى الخالصة، على الرغم من شمول تعبيرها وعموميته، أن تنفذ ~~إلى قلب العالم وقرار الإرادة في رأي شوبنهور، كان ڤاجنر أكثر واقعية في تفكيره؛ فهو لا ~~يحسن الظن إلى هذا الحد بقدرة الخيال الإنساني، ولا يعتقد أن في وسع ذلك الخيال الوصول ~~إلى ms57 ماهية الأشياء إن أثارته الموسيقى الخالصة وحدها؛ إذ إن ذلك الخيال في حاجة إلى ~~مزيد من العينية والتحدد ليزداد تأثره قوة وعمقا؛ فنحن بوصفنا موجودات متناهية فانية، ~~لا نحس بمشاعر أو نوازع إرادية إلا إذا تمثلت لنا معها صور محددة؛ ولا يمكن أن تثار ~~فينا أحاسيس منطلقة مجردة عن الصور. كذلك لا بد للموسيقى، من حيث هي فن إنساني متناه ~~بدورها، من أن ترتبط بصور معينة تحددها في أذهاننا؛ وعلى ذلك فالموسيقى الخالصة تظل ~~على الدوام هائمة في بيداء الإبداع المطلق الخالص والخلق المعتم الغامض الذي يخيم عليه ~~الضباب والظلام. أما التأثير الفني الكامل فلا يصدر عن الموسيقى المطلقة، بل عن الدراما ~~الكاملة، التي ترتبط موسيقاها بالشعر كما يرتبط الجانب العقلي التصوري في الإنسان ~~بالجانب الإرادي فيه، ويكونان معا مركبا عضويا واحدا. # ولننتقل إلى بيان مهمة الشعر في الدراما الموسيقية. وهنا لا بد أن نلاحظ أن الشعر ~~الدرامي يجب أن يكون أسطوريا على الدوام؛ إذ إن الإنسانية لم تعبر عن مشاعرها ~~الغريزية تعبيرا صادقا إلا بالأسطورة؛ ولا نعني بذلك أن يعود إنسان العصر الحديث إلى ~~الحالة البدائية التي كان يخلط فيها بين الأسطورة وبين الواقع؛ وإنما كل ما نعنيه هو أن ~~نلجأ إلى الأسطورة لأنها التعبير الصحيح عن المشاعر الإنسانية الصادقة، ونقتبس منها ~~الشكل فحسب، أما المحتوى فمن الممكن تغيره من عصر إلى عصر. وفي وسعنا أن نملأ الإطار ~~الأسطوري الرمزي بمادة تستمد من عصرنا الحالي، ونعالج بها مشاكل تعترضنا في أيامنا هذه. ~~وهذا بالضبط ما فعله ڤاجنر بوجه خاص في دراما «النيبلونجن»، التي اتخذت شكلا أسطوريا ~~وعالجت مشكلات لا تمت إلى عالم الأساطير بأية صلة تنتمي إلى صميم حياتنا الواقعية ~~الحالية. # ومن شأن هذا الطابع الأسطوري للدراما الموسيقية أن يتخذ قالبا فلسفيا بالضرورة؛ إذ ~~إن الأسطورة لا ترمي إلى التعبير عن تجربة فرد بعينه، بل تجعل أفرادها مجرد رموز لحقائق ~~عامة شاملة تسري على الجنس البشري بأكمله، ولا تتحدث إلا عن «الإنسان» بوجه عام. وذلك ~~التعميم والشمول هما أخص ms58 صفات التفكير الفلسفي، ومن هنا كانت تلك الدراما فلسفية؛ ~~ولكنها ليست فلسفية بالمعنى المجرد، الذي اعتدناه لدى الفلاسفة الموغلين في المنطق ~~الخالص، والذين لا تدور أفكارهم إلا حول تصورات عقلية تتعامل مع نفسها؛ بل هي ذات طابع ~~«فلسفي عيني» إن جاز هذا التعبير؛ فالفلسفة التي ينطوي عليها شعر الدراما تتغلغل في ~~صميم المشاعر الإنسانية، وتتعمق في باطن النفس البشرية دون أن تحاول العلو عليها أو ~~تجريدها وإحالتها إلى تصورات خالصة غاضت منها دماء الحياة، والأفكار العامة في ذلك ~~الشعر إنسانية خالصة؛ كمشكلة الحب، والموت، والخلاص. وهكذا لم يكن ڤاجنر يسعى من ~~أساطيره إلا إلى البحث عن القانون الخالد الذي يكمن من وراء كل عاطفة إنسانية ~~جزئية. # وإذا كنا قد عرضنا دور الموسيقى ودور الشعر في الدراما الموسيقية على حدة، فعلينا ~~الآن أن نوضح مدى العلاقة بينهما في هذه الدراما، وننظر إليهما من خلال الوحدة الشاملة ~~التي تجمع بينهما؛ فكل من الموسيقى والشعر يكمل الآخر؛ إذ إن لكل منهما ميدانا ~~خاصا لا يكفي وحده لإحداث الأثر الدرامي الكامل في النفس الإنسانية؛ وإنما لا بد من ~~الجمع بين الميدانين؛ فالشعر في تعبيره عن العواطف والمشاعر الباطنة في الإنسان، لا ~~يعبر تعبيرا مباشرا؛ إذ إن وسيلته في نقل المشاعر، وهي الكلمات، تثير معاني عقلية ~~بالضرورة، بحيث إن استجابتنا العاطفية لكلمات الشعر لا يمكن أن تكون صادرة عن الشعور ~~العاطفي # sentiment # وحده، بل لا بد أن يصاحبها قدر من ~~الاستجابة العقلية. وأما الموسيقى، فليست في حاجة إلى واسطة لتؤدي أثرها في النفس؛ ~~وإنما تتغلغل فيها بطريقة مباشرة لا نعلم بالضبط كيف تتم؛ وإنما نستطيع أن نؤكد على ~~الدوام أنها تنفذ إلى العاطفة والشعور مباشرة دون أدنى إهابة بالعقل. ومن جهة أخرى ~~فالمجال العاطفي الذي تقتصر عليه الموسيقى يظل مبهما غامضا مهما بلغت قوة الإيحاء ~~والتصوير في الأنغام، أما الشعر فبفضل كلماته التي تتخذ كل منها معنى معينا، ~~يستطيع تحديد المعنى العام الذي يرمي إليه بسهولة، ووصف نوع العاطفة التي ستثار. وهكذا ~~تكمل الموسيقى الشعر ms59 إذ تضفي عليه مزيدا من العاطفية وتنفذ به مباشرة إلى النفس ~~الإنسانية، ويكمل الشعر الموسيقى إذ يحدد المشاعر العامة التي تعبر عنها، ويجعل لها في ~~ذهن الإنسان صورة عينية واضحة. # ولقد كان بين الموسيقى والشعر تأثير متبادل في تجربة ڤاجنر الدرامية الخاصة؛ إذ كان ~~تعمقه في باب التعبير الموسيقي باعثا له على إجادة التعبير الشعري والتفرغ له؛ ذلك ~~لأن المرء - كما لاحظ ڤاجنر - إذا كان بصدد تعلم لغة غريبة، كان «الشكل» هو المشكلة ~~الكبرى التي تواجهه، فلا يعنى عندئذ بمحتوى أفكاره بقدر ما يعنى بطريقة التعبير ~~عنها. وهكذا لا يكون في وسعه التعبير عن كل عواطفه وإحساساته، بل يظل مقيدا بعجزه ~~«الشكلي». أما بالنسبة إلى لغة المرء الأصلية، فلا يعنيه الشكل على الإطلاق، بل إن كل ~~فكرة تأتيه تجد عنها تعبيرا مباشرا دون أي عناء، ويصبح اختيار المحتوى الفكري هو ~~الأمر الذي يعنيه. ولقد بلغ ڤاجنر في تفهم دقائق لغة الموسيقى أقصى ما يمكن أن يبلغه ~~فنان، ولم تكن مشكلة التعبير تعنيه على الإطلاق، بل كان كل همه موجها إلى الأفكار ~~والإحساسات التي يعبر عنها، بعد أن أصبحت الموسيقى لغته الأصلية، وقضت خبرته الواسعة ~~على مشكلة «الشكل» قضاء تاما. ومن هنا نرى إلى أي حد أثرت الموسيقى على اتجاهه ~~الشعري في الدراما؛ فقد تفرغ ڤاجنر للمحتوى الشعري الذي تمتلئ به الدراما، ولم يقف ~~عاجزا إزاء تحدد مقدرته الموسيقية أو ضيق مجالها. # وفي مقابل ذلك نرى للشعر في الدراما أثارا واضحة على موسيقاها؛ ففي حداثة عهد ڤاجنر ~~بالموسيقى لم يكن يبغض «اللحن # melodie ~~» ولكن عندما ~~نضجت موهبته الشعرية تخلى - منذ تأليف «الهولندي» - عن التعصب للحن، وأصبح يرى أن ~~اللحن لا يجب أن يطلب لذاته؛ وإنما من أجل ما يثيره من مشاعر فحسب. فإن اقتضى الموضوع ~~الشعري لحنا فليأت به، أما إذا كانت وحدة الموضوع لا تستدعي لحنا قصيرا منفصلا، فلا ~~بد من التخلي عن اللحن في سبيل الوحدة، وعندئذ يجد في الأنغام العديدة المتناسقة ما ~~يغني عن السطح الظاهري الذي يعبر ms60 عنه اللحن، وما يبعث في الدراما عمقا ويكفل الوحدة ~~التامة بين أجزائها. # ولقد ابتدع ڤاجنر وسيلة جديدة للربط بين مختلف الأجزاء المتشابهة في الدراما؛ إذ كان ~~لزاما على الموسيقى أن تبرز كل شخصية من الشخصيات على نحو مستقل وتجعل لها طبيعتها ~~الخاصة المنفصلة عما عداها. وبينما كانت الأوبرا القديمة مفككة مهلهلة بقطعها المنفصلة ~~التي لا ترتبط بالجموع إلا ربطا متكلفا، نرى ڤاجنر يهدف قبل كل شيء إلى رسم خطوط ~~الشخصيات والحوادث متسقة لا يعوق وحدتها شيء. وهكذا ابتدع ڤاجنر طريقة التعبير باللحن ~~المميز # Leitmotiv ~~؛ فكما أن لكل شخصية ولكل عاطفة طابعا ~~خاصا يسعى الشعر إلى إبرازه، فكذلك ترمي الموسيقى عنده إلى إيضاح تلك الصفة الأساسية ~~في كل موقف، بحيث يمكن بناء هيكل عام للدراما من بضعة «الألحان المميزة» الرئيسية التي ~~تسودها، والتي تكفي لإعطاء مجمل معبر عن العمل الفني بأسره. وما دام هدف ڤاجنر هو ~~التعبير عن الشخصية أو العاطفة التي تصورها الدراما تعبيرا صحيحا ؛ فقد عمل على أن ~~يكرر تلك الألحان الرئيسية كلما عرض ذلك الشخص أو أثيرت تلك العاطفة، وبهذا كفل للدراما وحدتها وتماسكها، ومزج بين الشعر ~~والموسيقى مزجا عبقريا يهدف في النهاية إلى تحقيق فكرته الكبرى، وهي التأثير على ~~أكبر قدر ممكن من الملكات النفسية، والإهابة بعقل الإنسان وقلبه وخياله عن طريق الفن ~~الدرامي المتكامل. # | خاتمة # من أخص صفات العباقرة تضارب الأحكام عليهم في عصورهم؛ فترى العبقري يلقى من البعض ~~أعظم تقدير، ومن البعض الآخر أعنف نقد، وتظل الحرب سجالا بين مؤيديه ومعارضيه خلال ~~حياته، ويظل صدى ذلك الخلاف فترة ما بعد وفاته، ثم تخفت أصوات الأعداء رويدا رويدا، ~~حتى يأتي يوم يعترف الجميع بمكانته، ويشهد الزمان - وهو أصدق الشهود - بعبقريته. وفي ~~وسعنا أن نقول إن الشخصيات التي تلقى خلال حياتها كل ما تحلم به من تقدير، لا تترك في ~~التاريخ - إلا في أحوال نادرة - نفس الأثر الذي تتركه تلك التي يشتد حولها الخلاف في ~~بادئ الأمر؛ إذ إن الإنسانية إذا أسرعت بالترحيب، كان ذلك دليلا على ms61 سهولة هضمها لما ~~ترحب به، وعلى حسن استعدادها لتلقيه. أما إذا قاومت ولم تعترف بالفضل الكامل إلا بعد ~~عهد بعيد؛ ففي ذلك برهان على أن الكشف كان جديدا بحق، وعلى أن في الأمر ثورة وانقلابا ~~لا تتهيأ لهما الأذهان إلا بعد مضي وقت كاف للاستعداد والتمهيد والتمثل التام في ~~النهاية. # ولقد كان ڤاجنر عبقريا صادقا بهذا المعنى. فليس لنا أن نغتر بهذا الترحيب ~~والتقدير الهائل الذي لقيه في نهاية حياته؛ إذ إنه لم يصل إليه إلا بعد أن قاوم ~~وناضل، ونازل خصوما أقوياء عنيدين، بل إن الحملة عليه لم تفتر لحظة واحدة حتى بعد أن ~~حقق أمنيته الكبرى في بايرويت، فظلت شخصيته الغامضة تصادق من النقاد من ينزل بها إلى ~~الحضيض، ومن المعجبين من يرتفع بها إلى مرتبة التقديس، ودام هذا الخلاف وقتا غير ~~قصير، ولا زلنا نشهد له إلى اليوم آثارا، وإن كانت آثارا واهية خائرة لا تقوى على ~~الصمود أمام تيار الإعجاب الجارف. # وقد أثارت آراء ڤاجنر النظرية نقدا عنيفا؛ فهو في دراماته يدعو إلى زهد واستسلام لا ~~يعبران إلا عن نفس مغالطة تخدع نفسها وتخدع الناس. وكيف يدعو إلى الزهد رجل لم يعرف ~~الزهد في حياته قط؟! وكيف يدعو إلى الموت في سبيل الحب رجل حفلت حياته بمغامرات لم تكن ~~كلها «شريفة» أو «بريئة»؟! فإن كان ڤاجنر يعد ذلك الزهد فضيلة، فلا شك أن حياته كانت ~~تفتقر تماما إلى تلك الفضيلة. أما إذا كان يراه فكرة خليقة بأن تتبع، فليعلم أن عهود ~~الاستسلام قد انقضت إلى غير رجعة، وأنه هو ذاته يتناقض مع نفسه تناقضا صريحا حين يدعو ~~إلى الرجوع إلى عهد الأساطير الحية الصادقة؛ إذ إن الأسطورة تعبر عن الغرائز الصريحة ~~والمشاعر الحقيقية للإنسانية ولا تعرف للزهد أو العزوف معنى. ولسنا نملك لهذا النقد ~~دفعا؛ إذ إن ڤاجنر كان بالفعل ذا حساسية دينية لا يمكن إنكارها، ولا تؤثر فيها فترة ~~الإلحاد القصيرة التي مر بها. ولكن المشكلة الحقيقية في نظرنا ليست في محتوى أفكاره، بل ~~في ms62 طريقة التعبير عنها، فليس من المفروض في الفنان أن يجيد الدفاع عن نفسه نظريا، وأن ~~يشرح آراءه شرحا فلسفيا مقنعا، وليس من المفروض أن تروقنا تلك الآراء إن وجدت؛ ~~وإنما يكون الفنان قد أدى رسالته إذا عرف كيف يخرج أفكاره إلى حيز الوجود، ويعبر عنها ~~على نحو ينفذ به مباشرة إلى أعماق نفوسنا. ومن الظلم حقا أن يحكم الناس على ڤاجنر ~~الفنان من خلال ڤاجنر المفكر؛ إذ إن الثاني لم يكن إلا ظلا معتما للأول، وكما يحدث ~~في كل تجربة فنية أصيلة، كان العيان يسبق التحليل، والثورة الفنية التلقائية تسبق ~~الانعكاس الفكري المتأخر - فليكن حكمنا الصحيح عليه مستمدا من نظرتنا إلى فنه ~~وحده. # ويبدو أن ذلك الجانب النظري في تفكير ڤاجنر قد أساء إليه بقدر ما أعانه على شرح وجهة ~~نظره للعالم؛ فقد رأينا ڤاجنر يتحدث بلسان الفلاسفة والمصلحين الاجتماعيين، ويتكلم عن ~~الثورة والنهضة والبعث، وعن محنة الإنسان الحديث، ووسائل تقويم المجتمع وإصلاحه. ثم ~~رأيناه يؤكد أن في فنه وسيلة ذلك الإصلاح. وهنا كان الخطأ؛ فقد يجوز القول إن الإصلاح ~~إذا تناول كل مرافق المجتمع، كان في وسع الفن أن يساهم بدوره في هذه الحركة الشاملة ~~ويكون له منها نصيب. أما إذا عد الفن وحده وسيلة لإصلاح شامل، وإذا كان المجتمع ~~يسير في طريق والفن يسير في طريق آخر محاولا اجتذاب المجتمع إليه - كما هو الحال في ~~نزعة ڤاجنر الزاهدة الأخيرة، التي تناقضت تماما مع اتجاه المجتمع إلى الواقعية في ~~عصرنا الأخير - فعندئذ تغدو محاولة الفن الخروج عن نطاقه عقيمة في أساسها، ويصبح علينا ~~أن نكتفي بتأمله في ذاته فحسب، ونحكم عليه تبعا لقيمته الكامنة من حيث هو عمل فني، لا ~~من حيث هو محاولة لبناء الوعي الاجتماعي على أساس جديد، وذلك هو مصير إنتاج ڤاجنر الفني ~~في النهاية. ~~••• # وقد تعرضت موسيقى ڤاجنر لنقد أشد وأعنف. ولقد شاء سوء حظه أن يصف اتجاهه الفني في ~~كتاب عنوانه «العمل الفني والمستقبل»، فسميت موسيقاه باسم «موسيقى المستقبل # Zukunftmusik ~~» ووجهت إلى هذا الاسم ms63 سخرية ~~مريرة، حتى ظهرت في الصحف صورة امرأة تبكي وبجانبها أخرى تواسيها وتسألها: هل أصاب طفلك ~~مكروه حتى تبكي أمام مهده؟ فتجيب الأولى باكية: أجل ... لقد استمعت بالأمس إلى السيد ~~ڤاجنر ... أليس من المؤلم أن يستمع المرء إلى الموسيقى التي يدخرها المستقبل لآذان هذا ~~الصغير المسكين؟! ... # ولقد انصب النقد الأكبر على افتقار موسيقى ڤاجنر إلى اللحن # melodie ~~، واللحن هو السطح البارز من مجموعة الأنغام المتوافقة التي ~~تكون القطعة الموسيقية بأكملها، ولكن الواقع أن في موسيقى ڤاجنر ألحانا عديدة واضحة: ~~وذلك ظاهر في افتتاحية «تانهويزر» وفي أجزاء عديدة من «الهولندي الطائر» و«لوهنجرين» ~~و«أساطين الطرب». ولعل مرجع تلك الفكرة الباطلة هو أن اللحن عند ڤاجنر غارق في نسيج ~~كثيف من الأنغام المصاحبة الغنية المتوافقة، حتى ليحدث في كثير من الأحيان أن يمر اللحن ~~على الأذن غير الخبيرة دون أن تدركه. ولا يفوتنا أن الهدف الأول عند ڤاجنر كان التأثير ~~الدرامي الكامل، وبعد هذا كان يضحي كثيرا باللحن من أجل ضمان وحدة الدراما وتماسك ~~أجزائها، وحتى يتجنب ذلك التفكك الذي اتصفت به الأوبرا الإيطالية ، حين اتخذت اللحن غاية ~~ففقدت الأوبرا وحدتها وشاع فيها التحلل والاضطراب. وبالمثل قيل إن ڤاجنر قد ضحى بالغناء ~~في دراماته، وجعله مجرد وسيلة، أو آلات ضمن آلات الفرقة الموسيقية، بحيث لم يعد في وسع ~~الصوت الإنساني أن يقف قبالة الفرقة بأسرها كما كان في سابق عهده. ولكن هذا القول لا ~~يصح إلا على «تريستان» وحدها. أما بقية إنتاجه الفني؛ ففيه قطع غنائية رائعة تبعث على ~~الطرب بحق. # ومن التهم الشائعة وصف موسيقى ڤاجنر بالضجيج، والسخرية منه لإفراطه في استعمال الآلات ~~الصاخبة، كالبوق والطبول. فكانت الصحف المعادية له تحفل برسوم تصور الآلات النحاسية ~~والطبول المحببة إلى نفسه حزينة على وفاته؛ إذ لن تعود بعد اليوم مصدر إلهام شاعر ~~وموسيقي كبير! وأخذ الساخرون يتصورون المصير الأليم الذي ينتظر صناع الطبول بعد موته؛ ~~إذ لن تجدي الطبول عندئذ شيئا سوى أن تقرع من أجل الإعلان عن دراماته فحسب! والواقع ~~أن ڤاجنر قد ms64 أدخل على الأوركسترا بالفعل آلات جديدة، ولكنه لم يكن يستخدمها بغير تمييز، ~~بل كان يلجأ إليها عند الضرورة فحسب، ولا يفوتنا أن تلك الضجة المزعومة تقابلها مواضع ~~كثيرة هادئة ناعمة، كمقدمة لوهنجرين التي كان اعتماده الدائم فيها على مجموعة الكمان ~~وبقية الآلات القوسية الهادئة، وكمقدمة تريستان وبارسيفال. وفي وسعنا أن نقول إن الهدوء ~~هو العنصر السائد في موسيقى ڤاجنر، وأنه كان يستعين بموارد الأوركسترا كلها إذا رأى ذلك ~~ضروريا فحسب، وعندئذ لا يدوم الجزء العنيف الصاخب إلا لحظات قليلة، يعود بعدها ~~الهدوء سائدا مرة أخرى. # وأخيرا؛ فقد رمي ڤاجنر بأنه لم يكن موسيقيا على الإطلاق، وبأنه يجهل كل قواعد ~~الموسيقى ولا يأبه بها، وقد شبهه كاتب معاصر بنابوليون، ولكن التشبيه كان في هذه المرة ~~للسخرية منه؛ فكما أن الأخير قد سعى إلى تشييد إمبراطورية كبرى مستخدما فرنسا وسيلة ~~لبلوغ هدفه فحسب، كذلك أراد ڤاجنر أن يخلق ~~عملا فنيا جامعا # Gesamtkunstwerk # يضم كل الفنون، ولا تكون الموسيقى ~~فيه سوى وسيلة من بين وسائل عديدة أخرى. وهكذا ضحى ڤاجنر، من أجل تحقيق مطامعه، بمصالح ~~الموسيقى مثلما ضحى نابوليون بحياة الفرنسيين لنفس السبب! وتعليل تلك الظاهرة عند ~~الرجلين بسيط؛ هو أن ڤاجنر لم يكن موسيقيا صميما كما أن نابوليون لم يكن فرنسيا ~~صميما! وهكذا يحكم ذلك الكاتب على ڤاجنر بأنه كان يفتقر إلى صفات الموسيقيين الحقيقية؛ ~~ولذا لا يعجب به إلا أناس لهم شغف غامض بالفن عامة. أما الموسيقيون الحقيقيون فلا ~~يقدرونه أدنى تقدير. ولو كان ڤاجنر قد ركز جهوده في التعبير عن أفكاره في الشعر لما ~~قلت شهرته في الشعر عن شهرته في الموسيقى. ولكن لم اختار ڤاجنر الموسيقى ذاتها أداة ~~للتعبير؟ الرد الوحيد - في رأي هذا الناقد - هو أن الموسيقى كانت الفن السائد في القرن ~~التاسع عشر، ولكل عصر فن معين يعبر أكثر من غيره عن القيم السائدة فيه؛ وهكذا كانت ~~العمارة في العصر الوسيط، والرسم في عصر النهضة، والأدب في القرن الثامن عشر، ثم ~~الموسيقى في القرن التاسع عشر؛ ولهذا ms65 السبب وحده كان ڤاجنر موسيقيا! # والواقع أننا نعترف بصعوبة إدراج ڤاجنر ضمن طائفة معينة من طوائف الفن العديدة؛ فقد ~~كان له من الموسيقى والشعر والتمثيل والإخراج المسرحي نصيب، ولكن عبقريته في ميدان ~~الموسيقى فاقت عبقريته في كل الميادين، وليس مما يعاب على ڤاجنر أنه كان متشعب ~~الملكات ما دام قد بلغ في كل فن مرتبة رفيعة. أما أن يقال إنه لم يكن موسيقيا لأنه ~~لم يسر على قواعد تأليفية معينة، فهذا ما لا يتعين علينا أن نقبله بحال. وقد نفهم أن ~~يصدر مثل هذا النقد عن شخص مثل نيتشه، أما في عصرنا الحالي فلم يعد لمثل هذا القول أي ~~مجال؛ فلم يكن ڤاجنر معاديا للقواعد الموسيقية الموروثة على طول الخط، بل إن موسيقاه ~~سارت دائما في إطار من القواعد القديمة السليمة، وكان تجديده في صلة الموسيقى بالغناء ~~وصلتها بالشعر أعظم بكثير من تجديده في قواعد الموسيقى ذاتها. وفي وسعنا أن نؤكد أن ~~التراث الموسيقي الذي انحدر إلينا من بيتهوفن قد ظل سليما في جملته عند ڤاجنر، وأن ~~خروجه عن قواعد «الهارموني» وقوانين «الشكل» لم يكن على صورة ثورة أو انقلاب عنيف كما ~~كان عند «ديبوسي» مثلا. ولا شك أن عصرنا الحالي الذي شهد أشد الانقلابات في الفن ~~الموسيقي، وآذاننا التي أسمعها المتطرفون أنغاما لم تكن تخطر لڤاجنر على بال؛ تستطيع ~~أن تتذوق فن ڤاجنر وتستوعبه كاملا في حدود القواعد الجمالية المقبولة للأسماع، دون أن ~~تجد في ذلك أي عناء. # أما فكرة الفن المتكامل، فهي لا تنقص من قدر مبدعها شيئا، طالما أننا نسلم بأن أفق ~~العبقرية يتسع لكل شيء، وبأنه ليس من المحال أن تجمع روح واحدة بين ألوان عديدة من ~~الفن، وإنما يبدو لي هنا سؤال يتوقف تقديرنا لتلك الفكرة على إجابتنا عنه، وهو: هل ~~يزداد الفن تأثيرا في نفوسنا إذا ازداد تحددا وعينية، أم أن قيمته الكبرى فيما يلابسه ~~من غموض؟ لقد رأينا ڤاجنر يلح على الجمع بين الشعر والموسيقى لأن كلمات الشعر تضفي على ~~عواطف الموسيقي العامة ms66 دقة وتحددا - ولكن أهذا التحدد هو كل ما ترامى إليه؟ يبدو أن ~~الجواب بالنفي؛ فأقرب الفنون إلى العينية أقلها تأثيرا في النفس، وما احتلت الموسيقى ~~مكانتها الكبرى بين الفنون إلا لعنصر الغموض والإبهام الذي يكون ماهيتها، ولو زال هذا ~~العنصر لفقدت الموسيقى هيبتها وجلالها. وليس أدل على ذلك من أن الموسيقى تفقد قيمتها ~~الرفيعة كلما اتخذت لها موضوعا عينيا تصفه بوضوح؛ فالموسيقى ذات الموضوع الواضح، ~~كتلك التي تصف عاصفة أو بحرا بشكل عيني لا يقبل الشك، في مرتبة أدنى بكثير من الموسيقى ~~الخالصة المجردة، التي لا تبعث أمام عينيك صورا واضحة تفسد عليك لذة التذوق الجمالي ~~الخالص. # فإذا تمت الإجابة عن هذا السؤال، فإن هناك سؤالا آخر يتفرع منه، وهو: هل تزيد قيمة ~~العمل الفني كلما تناول جوانب مختلفة ومتعددة من النفس؟ وهل بلغ ڤاجنر حقا هدفه حين ~~كان يؤثر على أسماع النظارة وعقولهم وأبصارهم وقلوبهم مرة واحدة؟ الذي يبدو لي هو أن ~~تلك الكثرة العددية في النواحي التي يؤثر بها الفن في الروح، قد تضعف هذا التأثير ~~بدلا من أن تقويه. فليس من شأن تذوقي العقلي للشعر في الدراما إلا أن يضعف من تذوقي ~~للموسيقى الخالصة، ومهما كان الارتباط قويا بين موضوع الشعر وتعبير الموسيقى، فسأظل ~~عاجزا عن التعمق في التيارات الخفية التي تعبر عنها الأنغام، وينصرف انتباهي إلى ~~السطح الأقل أهمية، الذي يعبر عنه الشعر. وإذا كان لنا أن نتحدث عن التكامل في النفس، ~~فلنعلم أن النفس وحدة لا تتجرأ، وأن تعرضها لمؤثرات عديدة في وقت واحد يضعف كل ~~هذه المؤثرات، بينما يستطيع العمل الفني الذي يتناول جانبا واحدا من النفس أن يجتذب ~~إليه كل الجوانب الأخرى في استغراق عميق. # ومن الخطأ الأكبر أن نظن - كما فعل ڤاجنر - أن لون العمل الفني وتأثيره يتحدد تبعا ~~لنوع العضو الذي ينقله إلينا؛ فالموسيقى تأتي حقا عن طريق الأذن، ولكنها تؤثر في ~~النفس كلها من حيث هي وحدة لا تتجزأ، وكذلك المنظر الفني الذي يرسمه المسرح: تنقله ~~العين، ولكن تأثيره ينتشر ms67 في كل جوانب النفس. وإذن فلن تزداد قيمة العمل الفني إذا ~~ازداد عدد الوسائل المادية والأعضاء الحسية التي ينتقل بها إلى نفسنا؛ وإنما الأجدر بنا ~~أن نركز جهدنا على وسيلة واحدة من هذه الوسائل، وهي وحدها كفيلة بأن تحدث في النفس ~~بأسرها التأثير الذي نرمي إليه، إذا بلغت من العمق الحد المرغوب. # ولكن أي الفنون نختار؟ إن الموسيقى أقواها ولا ريب. وليس لهذا الحكم أساس منطقي يستند ~~عليه؛ وإنما يقوم على أساس وجداني بحت. ولقد أدرك ڤاجنر ذلك، بدليل أنه أولى الموسيقى ~~من الاهتمام ما لم يوله غيرها من الفنون، وأنه عد نفسه واحدا من أولئك العمالقة ~~الذين يسير بهم مجرى التاريخ الموسيقي، ولم يحاول أن يجعل لنفسه مكانا في تاريخ الشعر ~~أو الأدب. وإذا كان فنه المتكامل يقوم على أساس منطقي لا نراه سليما، ففي موسيقاه ~~الخالصة وحدها ما يبرر مكانته الرفيعة بين عباقرة الفن، وفي محاولاته الأدبية والشعرية ~~والفلسفية تعبير عن روح مرهفة لا تترك ميدانا إلا طرقته، وهي على أية حال محاولات لو ~~تأملناها في ذاتها لأمكننا أن نأخذ عليها المآخذ، ولكنا لو نظرنا إليها في ضوء الفن ~~الساطع الذي كان يطغى على عبقريته، لوجدناها كلها وسائل في يده يحاول أن ينفذ بها إلى ~~أعماق في النفس البشرية لم يقترب منها قبله إلا القليلون. ms68