######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.Spinoza.Hindawi30620851 #META# Tags: philosophy :: biographies #META# ID: 30620851 #META# Title: اسپينوزا #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - حياة اسپينوزا ومؤلفاته‏ # 2 - دلالة المنهج الهندسي‏ # 3 - الاتجاه العلمي عند اسپينوزا‏ # 4 - الله أو الطبيعة‏ # 5 - اسپينوزا والعقائد الشائعة‏ # 6 - نظرية الأخلاق‏ # 7 - الفلسفة السياسية‏ # 8 - اسپينوزا واليهودية‏ # خاتمة‏ # أسماء المراجع المذكورة في البحث‏ # مقدمة‏ # 1 - حياة اسپينوزا ومؤلفاته‏ # 2 - دلالة المنهج الهندسي‏ # 3 - الاتجاه العلمي عند اسپينوزا‏ # 4 - الله أو الطبيعة‏ # 5 - اسپينوزا والعقائد الشائعة‏ # 6 - نظرية الأخلاق‏ # 7 - الفلسفة السياسية‏ # 8 - اسپينوزا واليهودية‏ # خاتمة‏ # أسماء المراجع المذكورة في البحث‏ # | اسپينوزا # | اسپينوزا # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # في هذا الكتاب سوف يظهر اسپينوزا في صورة مختلفة كل الاختلاف عن تلك الصورة أو الصور ~~التي تتبادر إلى الأذهان كلما عرض لها اسم هذا الفيلسوف. ولست أدعي أن هذه الصورة هي ~~وحدها الصحيحة، وأن كل ما عداها باطل، ولكني أستطيع أن أقول مطمئنا من جهة، إنها ~~رسمت بعد دراسة دقيقة للصور الأخرى المخالفة لها، وعن إدراك كامل للنظرة التقليدية إلى ~~هذا المفكر العملاق. وأستطيع أن أقول مطمئنا من جهة أخرى، إن هذه الصورة الجديدة التي ~~سنرسمها أكثر اتساقا من كل ما عداها، وإنها أقدر من غيرها على الجمع والتوفيق بين مواقف ~~كثيرة لهذا الفيلسوف يظن في معظم الأحيان أنها منطوية على تناقض لا يرفع. # وأبدأ فأقول: إن تفكير اسپينوزا من ذلك النوع الذي يغري بأشد التفسيرات تضادا؛ ~~فكتاباته، ولا سيما كتابه الأكبر «الأخلاق»، تغري كل عصر بأن يفسرها تبعا لمقتضياته ~~الخاصة، وكل كاتب بأن يجد فيها انعكاسا لاتجاهاته الفكرية المفضلة. وهذه في الحق ~~ظاهرة من أعجب الظواهر في تاريخ الفلسفة؛ فها هو ذا فيلسوف استخدم «المنهج الهندسي» في ~~كتابه الرئيسي، وأراد من هذا الكتاب أن يكون نظيرا لمؤلف إقليدس الهندسي في عالم ~~الفلسفة، وأكد أنه إنما أراد أن يعالج الانفعالات والمشاعر البشرية مثلما يعالج عالم ~~الهندسة النقط والخطوط والمسطحات، وأن ينظر إليها نظرة علمية موضوعية تجردت من كل عناصر ~~التفسير الشخصي أو الذاتي. مثل هذا الهدف كان كفيلا بأن يوحد آراء الشراح أو أن يقرب ~~على الأقل بينها ويوجهها ms001 كلها وجهة متسقة، ولكن الأمر العجيب حقا هو أن ~~ذلك الفيلسوف الذي أخفى شخصيته في كتاباته لأن ~~العنصر في رأيه ينبغي أن يختفي ويتوارى، وأعلن ضرورة استبعاد العنصر الذاتي من التفكير ~~الفلسفي، قد تأثر بذاتية المفسرين أكثر من أي مفكر آخر. وصحيح أن كل الفلاسفة الكبار ~~يتعرضون حقا لتفسيرات متباينة، ولكن توجد في كل حالة، رغم ذلك، أسس مشتركة أو مبادئ عامة ~~يتفق عليها الجميع، أو تقترب وجهات نظرهم بشأنها. أما في حالة اسپينوزا فالأسس الأولى ~~لفلسفته، بل لشخصيته الفكرية ذاتها ولموقفه الحضاري نفسه، مختلف عليها إلى حد لا يترك ~~مجالا لأي تقريب أو توفيق بين الآراء المتعارضة حوله. # فالصورة التقليدية لشخصية اسپينوزا هي صورة الفيلسوف المعتكف عن الناس، المنعزل عن ~~العالم، الغارق في التأمل بين جدران بيته، بعيدا عن صخب العالم الخارجي وضجيجه. هذه الصورة ~~التي ورثت عن مؤرخي حياته الأولين، ظلت هي التي يرسمها له أصحاب الاتجاهات التقليدية ~~المحافظة. وقد اتخذت هذه الاتجاهات شتى الصور، ووصل بعضها إلى تشبيه فلسفته بالمذهب ~~الهندوسي، والتقريب بين صفات الله عنده وبين «براهما» وبين رأيه في النفس والآراء الهندوسية ~~في الروح المسماة «أتمن # atmn ~~» وبين كتاب الأخلاق وكتاب الأوبانشاد! # 1 # ومع ذلك فإن البحث الحديث في حياة اسپينوزا قد غير هذه الصورة التقليدية تغييرا ~~تاما؛ إذ أكد كثير من الكتاب أن اسپينوزا كان أبعد الناس عن أن يكون صوفيا غارقا في ~~التأملات، أو مفكرا منعزلا منطويا على نفسه، وإنما كان، كما أكد «بول سيڨك»: «... بعيدا ~~كل البعد عن أن يكون ناسكا هنديا غارقا في التفكير في الأزلية إلى حد نسيان الحاضر. ~~فقد كان، على عكس ذلك، رجل عمل، حريصا على أن يضمن الظفر لأفكاره التي عدها خليقة ~~بتغيير وجه الأرض ...» # 2 # ومن ذلك الحين برزت صورة اسپينوزا بوصفه فيلسوفا شارك مشاركة إيجابية في مشاكل عصره وسعى ~~عمليا إلى حلها. ومع ذلك فهذه الصورة ذاتها تتباين كل التباين. # فأصحاب الاتجاهات التقدمية تختلف كلمتهم حوله؛ فمنهم، مثل «فوير # Feuer ~~»، من يؤكد أنه كان، في ms002 مرحلة واحدة من حياته على الأقل، مفكرا ~~ثائرا يختلط بالجمعيات السرية الثورية التي كانت موضوعا للشك في عصره، كجمعيات ~~«المينونيين # Mennonites ~~» و «الكويكر» والمجمعيين # Collegiants ~~، # 3 # وأنه، مع نزوعه إلى التصوف، كان مفكرا «يساريا» بالمعنى الحديث، يؤمن ~~باشتراكية التملك وبضرورة التخلي عن أخلاق المال وقيم التجار. ومنهم من يصوره مفكرا ~~متحالفا مع البورجوازية، يفلسف قيم الطبقة الرأسمالية الآخذة في الظهور في عصره ويقبل هذه ~~القيم بكل ما فيها من خير وشر، ويدافع عن طريقتها الجديدة في الحكم بكل قوته. # 4 # أما المفكرون اليهود، ولا سيما ذوو الاتجاهات الصهيونية المتعصبة منهم؛ فقد استغلوا كون ~~اسپينوزا قد ولد لأبوين يهوديين، فحاولوا أن ينسبوا إليه - كما سنرى فيما بعد - شتى ~~الأفكار المناصرة لدعواتهم، متجاهلين تماما واقعة خروجه على الطائفة اليهودية وطرده منها ~~وإعلانه العداء الصريح لها. # وفي العهد النازي نجد من المفكرين الألمان من جعلوا منه عدوا خطيرا للأمة الألمانية - ~~أو للجنس الجرماني على الأخص. # 5 # وأحدث ما في هذه التفسيرات، بطبيعة الحال، هو ذلك الذي يستغل اسپينوزا في الحرب الباردة، ~~وبالفعل نجد من الكتاب من يؤكد أن اسپينوزا يفيد أمريكا في محاربتها للشيوعية، وأن ~~تعاليمه يمكن أن تقتبس أثناء وضع الخطط اللازمة للدفاع ضد العدوان السوڨييتي في مجال ~~الفكر، ويجد في بعض نصوصه ما يعتقد أنه يؤيد الرأي القائل بوجوب حل المنازعات بين الدول ~~بالالتجاء إلى الأمم المتحدة! # 6 # كل هذا، وغيره كثير، يقال على الفيلسوف الذي كان أكثر من غيره حرصا على الكتابة بأسلوب ~~غير شخصي، وعلى تجنب الإهابة بالعوامل الذاتية في كتاباته. # أما المنهج الهندسي؛ فقد كان خليقا بأن يستهوي العلماء أو ذوي الأذهان العلمية قبل ~~غيرهم. وقد كان هذا بالفعل شأن ذلك المنهج. ومع ذلك تعود المفارقات السابقة إلى الظهور مرة ~~أخرى في هذا السياق؛ فمن العجيب حقا أن هذا المنهج، الذي روعيت فيه الكتابة بلغة جافة، ~~وعلى صورة نظريات وبراهين هندسية، والذي أكدت فيه الحتمية والضرورة العلمية بكل قوة، ~~وانطوى على حملة شديدة على كل تشبيه بالإنسان، وإنكار ms003 لوجود أي مغزى أو دلالة لقيم البشر ~~في الكون ذاته؛ هذا المنهج ذاته قد استهوى الشعراء إلى أبعد حد. وكان كتاب «الأخلاق»، الذي ~~طبق فيه هذا المنهج من أقوى الكتب إلهاما لروح الشعر، وكم تغنى به شعراء مثل جيته ~~ونوفالس! وهذا أمر غريب حقا، إذا أدركنا أن من مقومات الشعر الأساسية وجود نوع من تشبيه ~~الطبيعة بالإنسان، أو صبغ الكون بصبغة القيم البشرية، ومن الإيمان بالانفعالات والعواطف ~~(التي كانت عبودية في نظر اسپينوزا)، وبنوع من الحرية (التي أنكرتها حتمية ~~اسپينوزا). # وهكذا يؤدي كتاب «الأخلاق» إلى نتائج تتعارض تماما مع صورته الظاهرة، ومنهجه الشكلي، ومع ~~المقاصد والغايات التي أعلن مؤلفه نفسه أنه كان يستهدفها. # ولكن السؤال الأكبر في هذا الصدد هو: هل كان اسپينوزا يستهدف هذه المقاصد والغايات التي ~~أعلنها بحق؟ إن التفسير الذي يتبادر إلى الأذهان هو أنه كان مفكرا سيء الحظ، لقيت كتاباته ~~من الآخرين استجابة مناقضة لما كان يرمي إليه، ولكن هناك تفسيرا، أو على الأصح احتمالا، ~~أعمق من ذلك، هو: ألا يجوز أن اسپينوزا كان بارعا إلى حد أنه كتب بأسلوب وبصورة يحقق ~~بها نتائج لا تخطر على الإطلاق ببال القارئ لأول وهلة، بحيث تتخذ كتاباته مظهرا بعيدا كل ~~البعد عن المعاني العميقة التي يمكن أن تستخلص منها؟ ألا يجوز أنه كان يريد فعلا أن ~~تفسر كتاباته على نحو مخالف لما توحي به لأول وهلة؟ # هذا هو الاحتمال الخطير، الذي سنبحثه في هذا الكتاب بالتفصيل، ونقدم من الأدلة ما يثبت ~~أنه، إن لم يكن هو الاحتمال الصحيح، فإنه على الأقل هو الأرجح. ~~••• # مثل هذه الغاية التي نستهدفها في هذا البحث، وأعني بها محاولة كشف المعاني الخفية في ~~كتابات اسپينوزا، تقتضي منهجا في البحث لا يتقيد بالشكل الظاهر للألفاظ والتعبيرات، بل لا ~~يتقيد بالأفكار والآراء التي تعمد اسپينوزا أن تفهم لأول وهلة من كتاباته. # وهنا ينبغي أن نضع تقابلا أساسيا بين طريقتنا في بحث اسپينوزا، وبين طريقة نعدها ~~أنموذجا لما نرمي نحن في هذا البحث إلى تجنبه؛ وأعني ms004 بها طريقة الأستاذ «ولفسون # Wolfson ~~» في كتابه «فلسفة اسپينوزا». هذا ~~الكتاب الضخم، الحافل بالشواهد على غزارة علم ~~صحابه وسعة اطلاعه وجلده وصبره في البحث، إلى حد لا يملك المرء معه إلا أن يشعر ~~بالتواضع الشديد؛ يمثل جزء كبير منه، في رأينا، مجهودا فكريا ضائعا أو طاقة ضخمة ~~جبارة تنفق في سبيل هدف عقيم. # ففي هذا الكتاب يأتي المؤلف بقائمة طويلة من المفكرين يفترض أن اسپينوزا قد تأثر بهم ~~- بعضهم كان تأثيره فيه مباشرا، والبعض الآخر تأثر به اسپينوزا في فقرات أو قضايا منفردة ~~من كتاب الأخلاق. وهكذا نجد فصول كتاب «ولفسون» حافلة بالمقارنات البارعة بين اسپينوزا ~~وبين الفلاسفة الوسيطيين والمحدثين، ويثبت المؤلف علمه الغزير حين يكشف عن التوازي ~~الدقيق بين قضايا كتاب الأخلاق، كل على حدة، وبين كتابات هؤلاء الفلاسفة. # ولكن، ما قيمة كل هذا الجهد المضني آخر ~~الأمر؟ إن كل ما أثبته «ولفسون» هو أن اسپينوزا قد تأثر في «شكل» كتاباته باتجاهات فكرية ~~سابقة. وهذا صحيح، بل إننا لنذهب إلى أن اسپينوزا قد «تعمد» هذا التأثر؛ أي إنه تعمد ~~أن تبدو تعبيراته في شكلها الظاهر مماثلة لتعبيرات الفلاسفة التقليديين، ولكنه كان ينتهي من ~~هذه التعبيرات المتشابهة إلى نتائج مضادة تماما لأفكار هؤلاء الفلاسفة؛ ذلك لأنه أراد أن ~~يحارب الاتجاهات السابقة بنفس سلاحها، وأن يستخدم نفس حججها أو اصطلاحاتها، لكي يثبت أن ~~التحليل السليم لهذه الحجج أو الاصطلاحات يؤدي إلى نتائج تخالف تماما نتائجهم؛ فالتأثر في ~~هذه الحالة «لحظة مؤقتة» في المنهج، وخطة مرسومة متعمدة، وهو يتخذ دلالة تختلف تماما عن ~~دلالة التأثر المألوف لدى الفلاسفة بالاتجاهات الفكرية السابقة عليهم، بل إن مجرد اعتقاد ~~الشراح بأن هذا التشابه في الشكل، وفي المصطلح، هو «تأثر» بالمعنى المألوف، هو في الحق ~~اعتقاد ساذج يدل على أن المغزى الحقيقي لخطة اسپينوزا ومنهجه في التفلسف قد ~~فاتهم. # وإذن، فالجهد الهائل الذي بذله أستاذ مثل «ولفسون» هو في رأينا جهد معظمه عقيم؛ إذ يركز ~~كله على التشابه الشكلي السطحي بين اسپينوزا وبين غيره من السابقين ms005 عليه، مع أن هذا التشابه ~~لا قيمة له إذا كان المضمون ذاته، والنتيجة النهائية للتفلسف، والأهداف التي يرمي الفكر إلى ~~تحقيقها، مختلفة عن هذه الاتجاهات السابقة اختلاف السماء عن الأرض! ومن العجيب أن ولفسون ~~ذاته يدرك هذا الاختلاف في المحتوى، كما تشهد كتابات أخرى له عديدة عن اسپينوزا، غير أن ~~إدراكه هذا لم يثنه عن بذل هذا الجهد المضني لغرض هو في ذاته عقيم أو ثانوي الأهمية على ~~أحسن الفروض. # ولنضرب مثلا واحدا للجهد الضائع في هذا الكتاب؛ ففي أثناء عرض اسپينوزا لإحدى نظرياته، ~~يقول: «إنني لم أعتد الجدل حول الأسماء أو الألفاظ»؛ وهنا يتناول ولفسون هذه العبارة ~~وحدها، وبصورتها المفردة هذه، ويرهق نفسه في البحث عن عبارات موازية لدى الفلاسفة العرب ~~واليهود في العصور الوسطى، ويكشف بالفعل في ذلك عن علم غزير واطلاع واسع، # 7 # ولكن هذه كلها لا تعدو أن تكون محاولة «استعراضية» عقيمة من وجهة نظر التفكير ~~العميق والوزن السليم للأمور؛ إذ إن العبارة السابقة عبارة مألوفة يمكن أن يدلي بها أي شخص ~~دون أن يكون قد تأثر بغيره. ومن الصعب أن نتصور أن مفكرا كبيرا مثل اسپينوزا قد وصل به ~~الهزال الذهني إلى حد أنه لا يستطيع أن يقول بعبارة كهذه إلا إذا كان قد تأثر فيها، عن وعي ~~أو بلا وعي، بآخرين سبق أن قرأها لديهم. # والحق أن الفيلسوف الناضج لا يأخذ أفكارا منفردة أو عبارات متفرقة من هنا ومن هناك ~~ليكون منها بناءه الفلسفي، وإنما قد يتأثر باتجاهات فكرية «كاملة» فحسب. ومن المحال أن ~~يكون اسپينوزا قد التقط هذه القضية من «فلان». وهذه الفكرة من «فلان»، في الوقت الذي كان ~~فيه اتجاهه الفكري العام مضادا لتفكيرهما بل هادما للأسس التي قام عليها. # وجميع الفلاسفة الذين حاول ولفسون أن يقرب بين اسپينوزا وبينهم قد يكونون مشابهين له في ~~تعبيرات لفظية معينة، ولكن اتجاههم العام كان مخالفا تماما لاتجاهه. وهذا يصح على ~~ديكارت، الذي قال عنه باحث ديكارتي مشهور إن تأثيره في فلسفة اسپينوزا كان ضئيلا، ms006 وإن ~~المعالم الرئيسية لفلسفة اسپينوزا كان يمكن أن تظهر لو لم يكن قد قرأ كتاباته على الإطلاق، # 8 # ويصح على فلاسفة العصور الوسطى الذين سنثبت فيما بعد استحالة تأثر اسپينوزا ~~بهم من ناحية تفكيره الحقيقي (لا من ناحية شكل كتاباته)، ويصح أخيرا على القدماء الذين كان ~~تقويم اسپينوزا لهم خارجا تماما عن المألوف، ولا يوجد له نظير إلا لدى الفلاسفة الماديين ~~المحدثين من ذوي النزعات اليسارية الصريحة، يقول في الرسالة رقم 56: «إن سلطة أفلاطون ~~وأرسطو وسقراط ... إلخ، ليست لها في نظري قيمة كبيرة ...» بينما يرفع في نفس الموضع مكانة ~~أبيقور وديمقريطس ولوكريتيوس. # وإذن فالفائدة الوحيدة التي يمكن أن تجنى من مثل هذه المقارنات المرهقة التي قام بها ~~ولفسون، هي إثبات أن اسپينوزا قد استخدم التشابه الشكلي بينه وبين السابقين عليه معولا ~~لهدم فلسفاتهم، ولإثبات أن هذا النوع من التفكير يقضي على ذاته تماما. وهذا الرأي بالطبع ~~مبني على القول إن الشكل اللفظي لكتابة اسپينوزا كان ضئيل القيمة، وأن لهذه الكتابة ~~معاني خفية من وراء هذا الشكل. والحق أن مسايرة المعاني الظاهرة لألفاظ اسپينوزا ~~وتعبيراته كانت هي الصفة الغالبة لدى معظم من كتبوا عنه، ومنهم شراح لهم مكانتهم ~~الكبيرة في عالم الفلسفة. فالكثرة الغالبة من الكتب المؤلفة عن اسپينوزا تبدأ مثلا بذكر ~~رأيه في فكرة الله، فتشير إلى رأيه في وحدة الوجود والطبيعة، وكذلك في إضافة صفة الجسمية ~~إلى الله، ثم تواصل الكلام عن بقية آراء اسپينوزا عن الله وكأن شيئا لم يحدث، وكأن ~~اسپينوزا يماثل أي فيلسوف أو مفكر آخر في نظرته إلى فكرة الله، وكل ما في الأمر أنه أضاف ~~صفة أخرى جديدة إلى الفكرة، هي صفة الهوية مع الطبيعة، أو المادية، ولا شيء غير ذلك. ومثل ~~هذا يقال على فكرة الخلود، وفكرة الحب الإلهي، وغيرها من الأفكار التي اكتسبت عند اسپينوزا ~~في واقع الأمر، معنى مخالفا تماما لكل معانيها السابقة. # والأمر الذي يغفله هؤلاء الشراح، هو أن المعاني الثورية الجديدة لهذه الأفكار ينبغي ~~أن تزيل عنها جميع ارتباطاتها ms007 القديمة وتضفي عليها ارتباطات لم تكن معروفة على الإطلاق؛ ~~فمنذ اللحظة التي يعلن فيها اسپينوزا مثلا، أن فكرة الله مساوية للطبيعة، وأن المادية صفة ~~من صفات الله، تصطبغ الفكرة بصبغة لم تعرف من قبل، بل تغدو فكرة «أخرى» جديدة تماما، ولا ~~صلة لها بكل الأفكار السابقة في هذا المجال. ويكون من واجب الشارح أن يفسر كل قضية وكل ~~عبارة ترد فيها كلمة «الله» تفسيرا جديدا، وأن يستحضر في ذهنه على الدوام معانيها الجديدة ~~في كل سياق ترد فيه، ويحذر الانسياق وراء المعاني القديمة المألوفة للكلمة. # وهنا تكون فلسفة اسپينوزا اختبارا عسيرا لقدرة المرء على التخلص من الارتباطات المألوفة ~~للألفاظ - ونقول: إنه اختبار عسير؛ لأن معظم هذه الألفاظ قد اكتسب معاني موغلة في ~~القدم إلى حد أصبحت معه راسخة كل الرسوخ في أذهان البشر، فضلا عن أن لها ارتباطات ~~نفسية وانفعالية قوية في نفوس الناس. والأمر الذي أراد اسپينوزا أن يثبته أن هذه المعاني ~~وهذه الارتباطات النفسية ليست صحيحة بالضرورة، بل إن الفكر البشري يكون أكثر اتساقا إذا ما ~~استخدم هذه الألفاظ بمعان جديدة وجعل لها ارتباطات نفسية مغايرة، أو حاول القضاء على كل ما ~~لها من هذه الارتباطات. # والأمر الملاحظ في كل دراسة عميقة ~~للمؤلفات التي كتبت عن اسپينوزا أن القليلين جدا هم الذين عرفوا كيف يخلصون أذهانهم من ~~هذه الارتباطات الذهنية والنفسية القدمية للألفاظ التي استخدمها اسپينوزا بمعان ودلالات ~~جديدة. وإن مثل هذه الدراسة لتعطينا مثلا بليغا لمدى تأثير اللغة في تفكير الناس، ومدى ~~سيطرة اللفظ على الأذهان التي تنقاد وراءه وتظل تردد محتوياته العقلية أو الانفعالية التي ~~ألفتها، مهما طلب إليها أن تتناسى هذا كله وتبدأ في النظر إلى الأمور من زاوية ~~جديدة. # وما أشبه محاولة اسپينوزا تحديد معان جديدة للفظين مثل «الله»، و«الخلود»، بمحاولة ~~الهندسات اللاإقليدية تحديد معان جديدة للفظين، مثل «المثلث» أو «المتوازي»؛ فقد عرفت ~~هذه الهندسات المثلث بأنه شكل يبلغ مجموع زواياه أكثر (أو أقل) من قائمتين، والمتوازيين ~~بأنهما خطان لا يمكن تقابلهما. وطلبت من ms008 القارئ أن يسايرها في هذه المعاني الجديدة. ~~ونستطيع أن ندرك موقف معظم شراح اسپينوزا على حقيقته إذا تصورنا باحثا في الهندسة يعجز ~~ذهنه عن التخلي عن المعاني التي ألفها لكلمة «المثلث» و«المتوازي»، أو يساير المعاني ~~الجديدة بعض الوقت، ثم يعود ذهنه، بحكم التعود، إلى المعاني القديمة من آن لآخر، فتكون ~~الصورة النهائية لفهمه لهذه الألفاظ مزيجا غريبا من القديم والحديث. هذا «القصور الذاتي» ~~للأذهان، في عجزها عن مسايرة المعاني الجديدة التي يطلب إليها أن تأخذ بها، هو العقبة ~~الكبرى في وجه الفهم الصحيح لفلسفة اسپينوزا، وهو المسئول الأول عن ذلك التباين الهائل في ~~تفسيرات هذه الفلسفة. وقد حاولنا في هذا البحث أن نتخلص من هذا القصور بقدر المستطاع، وأن ~~نكشف عن التناقض أو عدم الاتساق الذي يقع فيه الشراح نتيجة له. أما الحكم النهائي على ~~التفسيرات المختلفة لفلسفة اسپينوزا؛ فهو في رأينا مماثل للحكم على أية مجموعة من النظريات ~~العلمية؛ إذ تفضل دائما النظرية التي تفسر أكبر عدد من الوقائع بأقصى درجة ممكنة من ~~الاتساق، وأحسب أنه إذا كان لهذا البحث في فلسفة اسپينوزا فضل، فهذا الفضل هو أنه مبني ~~على تفسير لهذه الفلسفة يضم - على نحو متسق - عددا كبيرا من عناصرها التي تبدو غير ~~متآلفة فيما بينها، على حين أن ما اطلعت عليه من الشروح لهذه الفلسفة يعجز دائما - بدرجات ~~متفاوتة - عن تقديم تفسير متسق لهذه العناصر، بل ويؤكد أصحابه، في كثير من الأحيان، أن عدم ~~الاتساق طابع أساسي في فلسفة اسپينوزا، وكأنهم بذلك ينبهون القارئ إلى ضرورة الحذر مما ~~يقدمونه إليه من التفسيرات! ~~••• # ولي بعد ذلك كلمة أخرى عن المجال الذي دار حوله اهتمامنا في هذا البحث. فكثير من شراح ~~اسپينوزا يركزون اهتمامهم في التعبيرات والصيغ الميتافيزيقية التي تحفل بها كتابات ~~اسپينوزا، ولا سيما «الأخلاق». وهكذا تجد أبحاثهم عنه تتركز في موضوعات جافة كالجوهر ~~والماهية واللامتناهي والصفة والحال، بحيث يبدو فيها غير مختلف كثيرا عن فلاسفة العصور ~~الوسطى الذين قضوا حياتهم في التعامل مع ألفاظ شكلية وكيانات ميتافيزيقية ms009 لا علاقة لها على ~~الإطلاق بواقع الإنسان. ونحن، مع تسليمنا بأن هذه الموضوعات كانت لها مكانتها، ومكانتها ~~الكبيرة أحيانا، في كتابات اسپينوزا، فإنا نؤكد أن دلالتها لديه تختلف كل الاختلاف عنها ~~لدى الفلاسفة المدرسيين؛ إذ إنها لم تكن عنده غاية نهائية للفكر على الإطلاق، وإنما ~~كانت وسيلة لعرض آراء تمس موقف الإنسان وحضارته، بأحدث معاني هذه الكلمات، مساسا ~~مباشرا. وهذا الوجه الأخير، في رأينا، هو الوجه الحقيقي الهام في فلسفة اسپينوزا، وهو ~~الأجدر كثيرا بالبحث من كل ما عداه؛ ومن هنا فإنا لم ندخل في تفاصيل الأوجه الشكلية ~~لفلسفة اسپينوزا إلا من حيث دلالتها على موقفه الأصيل من الإنسان وحضارته؛ إذ إنك كثيرا ما ~~تجد في كتابات اسپينوزا قضايا لو أخذت بمعناها الشكلي أو الحرفي لما كانت تختلف كثيرا عن ~~القضايا العقيمة المألوفة لدى الفلاسفة المدرسيين، ولكن هذه القضايا، إذا ما وضعت في ~~سياقها الحقيقي في إطار فلسفة اسپينوزا، وفهمت الدلالة الخاصة التي أضفاها على مصطلحاتها، ~~تكتسب معنى مشحونا بالثورة وبالدلالات الإنسانية العميقة. وهكذا فإن الاكتفاء بالتفسيرات ~~الشكلية لهذه القضايا، على نحو يقارب ببنها وبين التراث السابق عليها ولا سيما في العصور ~~الوسطى، يؤدي في رأينا إلى إغفال مؤسف لأهم ما تتضمنه فلسفة اسپينوزا من عناصر، بل للروح ~~الحقيقية المميزة لهذه الفلسفة، في سبيل شكل سطحي وقشور زائلة. وبعبارة أخرى: فسوف نركز ~~اهتمامنا على تلك العناصر الباقية في فلسفة اسپينوزا - تلك العناصر التي كان لها، وما زال، ~~تأثيرها في حضارة الإنسان وفي فهمه لذاته وللعالم المحيط به، لا تلك العناصر العارضة التي ~~تتمثل في تصورات وحجج مدرسية لا يمكن أن يكون لها في الإنسان أي تأثير باق. ~~••• # وأخيرا؛ فقد أفادني في جمع مواد هذا الكتاب اطلاعي على المجموعة الضخمة من المراجع ~~الخاصة بفلسفة اسپينوزا في المكتبة الأهلية ومكتبة جامعة كولمبيا بنيويورك - وفيهما ~~مجموعتان ضخمتان من المؤلفات والأبحاث الهامة في هذا الموضوع على التخصيص. ومع ذلك فلا بد ~~أن أنبه إلى أن الرأي الذي كونته عن اسپينوزا قد تكون بناء على ms010 تفسير مستمد من ~~قراءة مؤلفاته ذاتها فحسب. أما المراجع المذكورة في هذا الكتاب - وهي غير قليلة - فلا تهدف ~~إلا إلى دعم هذا التفسير، إما بطريقة إيجابية مباشرة، أو بطريقة سلبية عن طريق إثبات ~~استحالة التفسيرات المخالفة، وهو الأغلب. وكل ما أستطيع أن أقوله عن هذه المراجع هو أنني لم ~~أجد منها ما يفسر فلسفة اسپينوزا تفسيرا متسقا إلى حد مرض، وأنني قد اضطررت إلى أن ~~أقف من كثير منها موقف الناقد القاسي؛ وذلك لإيماني القاطع بأن اسپينوزا فيلسوف لم يفهم ~~بعد حق الفهم، وأنه قد نصب للمفسرين السذج شراكا؛ وقع فيها، لسوء الحظ، معظم من ~~كتبوا عنه؛ ولذا كان الرجوع إليهم يفيد في الانتقاد أكثر مما يفيد في الاسترشاد؛ ومن هنا ~~فإني أود أن يعدني القارئ مسئولا عن التفسير الذي سيجده في هذا الكتاب لفلسفة ~~اسپينوزا، وعن كل ما قد يستحق استحسانه أو استهجانه في هذا التفسير. # فؤاد زكريا # نيويورك في يناير 1962م # الفصل الأول # | حياة اسپينوزا ومؤلفاته # من الأهداف التي بررت، في نظر اسپينوزا، اتباع المنهج الهندسي في التفكير، تغليب ~~الطريقة «اللاشخصية» في الكتابة؛ فهو يريد أن يكتب كما لو لم يكن لشخصيته الفردية أية أهمية ~~بالنسبة إلى الحقائق الموضوعية الواضحة التي كان يعرضها. وهكذا يبدو أن اسپينوزا، باتباعه ~~هذا المنهج، كان يدعونا إلى تجاهل تفاصيل حياته عند الكتابة عنه، وإلى عرض أفكاره بنفس ~~الطريقة اللاشخصية التي عرضها هو ذاته بها - أعني عرضها بوصفها أفكارا خالصة لا أهمية ~~لشخصية كاتبها أو للظروف الخاصة التي عاش فيها. كما أن من التعليلات التي يمكن أن نفسر بها ~~ظهور معظم كتبه بغير اسمه الحقيقي، أو دون اسم على الإطلاق، أنه كان يود من قارئه أن ~~يتأمل أفكاره خالصة دون أن يشغل نفسه بشخصية الكاتب أو عصره. # ولكن إذا كان اسپينوزا قد استهدف ذلك بحق، فهل يجوز للباحث أن يلبي رغبته هذه؟ أليست في ~~حياته الاجتماعية والفردية معالم عديدة تفسر الكثير من أفكاره وتلقي ضوءا على غوامضها؟ ~~لقد كان اسپينوزا، بحق، متفاعلا مع ms011 مجتمعه بحيث تأثر تفكيره بأحداث هذا المجتمع، ~~وتمشى مع ظروف عصره إلى حد بعيد، وبحيث كسرت تعاليمه نطاق الموضوعية الصلبة التي حاول ~~اسپينوزا أن يغلفها بها عن طريق المنهج الهندسي . # ولا تقتصر الصعوبات التي تعترض التفسير التاريخي لفلسفة اسپينوزا على تعارض ذلك التفسير ~~مع منهج اسپينوزا فحسب، بل إنها تمتد إلى محتوى فلسفته ذاتها. وقد لاحظ «كاسيرر» ذلك، ~~مؤكدا أن مذهب اسپينوزا يبدو في صورة تعلو على التاريخ ولا تحتاج إلا إلى ذاتها، وأنه ~~يتحدث دائما عن «العقل» بمعناه المطلق، وينظر إلى الأمور من «وجهها الأزلي»، ولا يلقي ~~بالا إلى التغير والتطور، ويصف كل ما هو تاريخي أو زماني بأنه من صنع الخيال، # 1 # ومع كل ذلك فقد كان هذا المحتوى الفكري الذي عده صاحبه «غير تاريخي» مرتبطا ~~كل الارتباط بعصره، ولا غناء عن بحث هذا الارتباط في أية دراسة لتلك الأفكار. # والعقبة الكبرى التي تعترض الباحث في حياة اسپينوزا، أن مصادر هذه الحياة غامضة إلى حد ~~بعيد. وأهم المصادر التقليدية المعروفة هي: تاريخ حياته كما كتبه الطبيب لوكاس (أو لوقا) # Lucas # وتاريخ حياته كما كتبه القس «كوليروس # Colerus ~~» واسمه الحقيقي # Köhler ~~، ثم نبذة عن حياته في مقال بعنوان «اسپينوزا» في ~~«القاموس التاريخي النقدي» الذي وضعه الفيلسوف الفرنسي «بيل # Bayle ~~»، وهذه النصوص كلها أوردت وحققت في ذلك الكتاب القيم الذي وضعه ~~فرويدنتال # Jakob Freuadenthal # عن حياة اسپينوزا، وجمع ~~فيه وثائق غاية في الأهمية تتعلق بحياة اسپينوزا وأسرته ومؤلفاته ورأي المعاصرين واللاحقين فيه، # 2 # وقد كتب «لوكاس» مدافعا عن اسپينوزا بحماسة، ولكن روايته كان فيها الكثير من ~~الخطأ، ويغلب عليها الأسلوب الإنشائي والمبالغات الانفعالية الساذجة، وهكذا حاول أن يرسم ~~لاسپينوزا صورة تتفق مع نظرته الرومانتيكية إليه. أما «كوليروس» فكان ينتقد اسپينوزا بشدة، ~~وكان أسلوبه أدق وأكثر واقعية، ولكن روايته بدورها لم تكن تخلو من الأخطاء، كما أنها أغفلت ~~جوانب عديدة هامة في حياة اسپينوزا. # والأمر الذي تفتقر إليه هذه الكتابات كلها هو أنها لم تكتب عن معرفة شخصية مباشرة ~~باسپينوزا ذاته، ms012 وإنما كتبت بعد وفاته واستمدت من مصادر بعضها ثانوي الأهمية. وهنا يحق ~~للباحث أن يتساءل: لماذا لم يقم أحد أصدقاء اسپينوزا المقربين بكتابة تاريخ مفصل ~~لحياته، وخاصة عندما كانوا بصدد نشر مؤلفاته المختلفة؟ إن الرد الوحيد الممكن في نظرنا، ~~على هذا السؤال الذي أثاره بعض من كتبوا عن اسپينوزا، # 3 # هو أن هؤلاء الأصدقاء قد رغبوا في إحاطة بعض وقائع حياة اسپينوزا بنطاق من ~~الغموض، مثلما فرض هو ذاته نطاقا من السرية على تعاليمه في هذه المؤلفات المختلفة، ~~وليس من المستبعد أن يكون ذلك الامتناع من جانبهم تلبية لرغبة منه. ~~••• # كانت هولندا، في الفترة التي ولد فيها اسپينوزا، تمر بتحولات اجتماعية هامة؛ ففي أثناء ~~حياة اسپينوزا، استقلت المقاطعات السبع في الأراضي الواطئة عن الحكم الإسباني الغاشم، ~~وتحولت بسرعة إلى دولة تجارية من الطراز الأول، وهو الطابع الذي كان قد بدأ يظهر فيها ~~بوضوح حتى قبل ذلك الاستقلال؛ ففي سنة 1602م أسست شركة الهند الشرقية التي كانت أشبه ~~بدولة داخل الدولة، كما تكونت في 1621م شركة الهند الغربية على أسس مماثلة، وحققت هذه ~~الشركات للبلاد إمبراطورية واسعة الأطراف، ما زالت آثارها باقية حتى اليوم، غير أن تحرر ~~هولندا من النظام الإقطاعي الذي كان سائدا في العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة قد ~~اقترن بنهضة علمية وفكرية لا يمكن إنكارها؛ فالأمر الذي لا شك فيه - والذي شهد به ~~اسپينوزا نفسه - أن بلاده كانت، بالقياس إلى غيرها من البلدان في ذلك العصر، تشجع ~~التسامح الديني وحرية الفكر، وإن يكن ذلك التحرر الفكري نسبيا فحسب. وأدى ذلك إلى نهضة ~~علمية وفنية وفلسفية كبيرة؛ ففي ميدان العلوم، تمت في هولندا كشوف هامة في الطبيعة والفلك ~~والميكانيكا، وكان من معاصري اسپينوزا العالم الطبيعي المشهور «هيجنز # Huygens ~~» والعالم البيولوجي الكبير «ليڨنهويك # Leuuwenhock ~~». أما في ميدان الفن فقد اشتهرت المدرسة الهولندية في الرسم ~~وعلى رأسها «رمبرانت» الذي رسم لوحة مشهورة لاسپينوزا. وفي ميدان الفلسفة، كانت هولندا هي ~~البلد الذي آوى ديكارت حين هاجر من فرنسا، كما كان الفكر الحر، ms013 الخارج على التقاليد ~~السياسية والدينية، أمرا مألوفا، وإن كان المفكرون المتحررون لقوا، رغم ذلك، نصيبهم من ~~الاضطهاد. ~~••• # في هذا الجو الاجتماعي والعلمي ولد اسپينوزا في أمستردام، في 24 نوفمبر 1632م. وقد ~~سمي عند ولادته «باروخ # Baruch ~~» (وترجمتها اللاتينية # Benedictus ~~)، وكانت أسرة اسپينوزا من الأسر الإسبانية ~~اليهودية المهاجرة، من فئة تسمى «المارانو # Marranos ~~» ~~وهم يهود إسبانيا الذين اضطروا، تحت ضغط الحكام، إلى إخفاء دينهم الحقيقي واعتناق ~~الكاثوليكية مؤقتا، ثم عادوا إلى كشف حقيقتهم عندما سنحت لهم فرصة الهجرة. وكان أبو ~~اسپينوزا «ميخائيل» تاجرا ميسور الحال، لديه شركة تجارية، لا بأس بها، كما كانت له مكانة ~~مرموقة في الجالية اليهودية المشهورة بأمستردام. # وقد تلقى اسپينوزا تعليمه في المدرسة التلمودية المحلية بأمستردام؛ إذ ألحقه بها أهله ~~لكي تتوثق ارتباطاته بطائفته اليهودية بتعلم لغتها العبرية وتراثها. ومما لا شك فيه أن ~~هذا العمل لم يحقق إلا نتيجة عكسية؛ إذ إن الطابع اللاهوتي المحافظ لتعليمه في هذه المدرسة ~~قد دفعه إلى الثورة عليه، فضلا عن أن أهله قد اضطروا إلى البحث عن معلمين آخرين له، لكي ~~يدرس لغات العلم الحديث، ولا سيما اللاتينية، وكان أشهر هؤلاء المعلمين ڨان دن إنده # Van den ~~Ende # الذي كان معلما وطبيبا ~~في أمستردام، وبلغ حظا كبيرا من الشهرة، حتى إن أكبر أسر أمستردام كانت تعهد إليه ~~بتعليم أبنائها، ويذكر «كوليروس» في ترجمته لحياة اسپينوزا أن هذا الأستاذ كان يلقن ~~تلاميذه، إلى جانب اللاتينية، شيئا آخر هو تعليمات الإلحاد. وربما كان ذلك حكما مبالغا ~~فيه، غير أن الأمر الذي لا شك فيه هو أنه كان من النفوس الثائرة على التقاليد، وأن ~~اسپينوزا تأثر بثورته هذه منذ صباه. # ولم تكن الطائفة اليهودية في أمستردام تخلو من أمثلة لمفكرين ثاروا على رجعية التراث ~~الديني المحافظ، الذي فرضه ربانيو هذه الطائفة عليهم، بل لقد كانت هذه الطائفة تتناقل ~~أنباء شخصيات مشهورة عرفت بثورتها على الجمود والتعصب الديني في ذلك العصر. ومن أشهر هذه ~~الشخصيات أورييل داكتوستا # Uriel Da Costa # الذي كان ينتمي ~~إلى ms014 الجيل السابق على اسپينوزا، وقد وقف في وجه رجال الدين المحافظين في طائفته، وكان هو ~~الذي بدأ بحركة تفسير الكتب المسيحية واليهودية المقدسة تفسيرا تاريخيا، وأنكر خلود ~~النفس. ولا شك في أن كتب اسپينوزا قد مضت إلى أبعد من ذلك بكثير، ولكن لا بد أن ~~اسپينوزا كان في ثورته بادئا من حيث انتهت شخصية «داكوستا» المتحررة التي سبقته بجيل ~~واحد. # فماذا كان موقف الطائفة اليهودية في أمستردام من مفكر متحرر مثل داكوستا؟ لقد طردته مرتين ~~في مجمعها، ولقي نتيجة ذلك الطرد ألوانا شتى من الاحتقار والمذلة؛ فكان اليهود يبصقون في ~~وجهه ويلقون على بيته القاذورات والجيف. واحتمل الرجل ذلك كله سبع سنوات كاملة، كان قد ~~استسلم خلالها مرة لأعدائه، وطلب الغفران، ولكن حملات الكراهية والتعذيب استمرت رغم ذلك، ~~حتى لم تعد أعصابه تحتمل، فأعلن توبته وطلب المغفرة للمرة الثانية، ولكن السلطات الدينية ~~اليهودية لم تكتف بذلك، وإنما طلبت إليه أن يعترف أمام جمع غفير بذنوبه وخطاياه، ففعل، ~~ثم جلد أمام هذا الحشد تسعا وثلاثين جلدة تتخللها قراءات تستنزل اللعنات عليه، وأخيرا ~~طلب إليه أن يركع أمام باب المعبد، فمر الجمع من فوقه إمعانا في إذلاله. # وكان ذلك أكثر مما تحتمله أعصاب الرجل، فعاد إلى داره وهو في أشد حالات النقمة والسخط، ~~وكتب رسالة سجل فيها كل ما مر به، ثم أطلق على نفسه النار فمات لساعته. وكان اسپينوزا في ~~ذلك الحين في سن الثامنة. # ومن العجيب أن الكتاب اليهود يتفننون في اختلاق المبررات لهذا الاضطهاد الشنيع للفكر ~~الحر؛ ف «براون # Browne ~~» مثلا يقول: إن هؤلاء اليهود ~~المهاجرين، من بعد كل ما عانوه في مواطنهم الأصلية من اضطهاد على يد الإسبان والبرتغال ~~على الأخص، كانوا حريصين على ألا يقبلوا في صفوفهم أي انشقاق، وكانوا يرون أن كل من ليس ~~معهم فهو عليهم؛ ومن هنا لم يتسامحوا عند ظهور أي خروج على مبادئهم. # 4 # وهذا تبرير غريب حقا؛ فالمفروض أن الطائفة التي تعاني الاضطهاد تأخذ على ~~عاتقها أن تضع حدا لهذا الاضطهاد، ms015 وتبدأ في ذلك بنفسها على الأقل، فتفتح صدرها رحبا ~~للانتقادات الموجهة إليها - ومع ذلك، ألم يتكرر هذا المنطق المعكوس في عصرنا الحديث، حين ~~أوقع اليهود نفس ألوان الاضطهاد التي ذاقوها في الحكم النازي على الأبرياء من عرب ~~فلسطين؟! # وعلى أية حال، فمن الواضح أن تقاليد الطائفة اليهودية في أمستردام كانت من التزمت ~~والجمود إلى حد أثار غضبة كل من اتسم بنزعة تحررية من أبنائها، لا سيما والجو الخارجي ~~في الدولة الهولندية كان يشجع، إلى حد ما، على الانطلاق وحرية الفكر. وهكذا تكررت القصة ~~مع اسپينوزا نفسه، وإن لم تكن اتخذت نفس هذه الصورة العنيفة الدامية في نهايتها. # فقد أدت هذه المؤثرات جميعا، إلى خروجه عن نطاق العزلة القاطعة التي كانت الطائفة ~~اليهودية في أمستردام تفرضها على أفرادها، وإلى ثورة اسپينوزا على تلك الطائفة وخروجه ~~عليها. واتخذت هذه الثورة أولا شكل مناقشات متحررة جريئة، بدأت منذ أيام الدراسة ذاتها، ثم ~~تحولت إلى عدم اكتراث بالطقوس والشعائر اللانهائية العدد التي يتبعها المجتمع اليهودي. ~~وأخذت علامات الثورة والتحدي تزداد ظهورا بالتدريج، إلى أن اتخذت شكلا لا يمكن كهنة ~~اليهود السكوت عليه، فقرروا طرده من الطائفة اليهودية. # 5 # وإذا صح ما يقوله «كوليروس»، فإن شيوخ هذه الطائفة قد عرضوا عليه مرارا أن ~~يرجع عن «مروقه»، ولكنه لم يلق بالا إليهم، وذهب بهم الأمر إلى حد عرض رشوة عليه، في ~~صورة معاش يتقاضاه بانتظام، على أن يترك دينهم وشأنه، ويبتعد بأفكاره الخطيرة عنه، ولكن ~~اسپينوزا رفض هذا العرض «لأنه لم يكن منافقا، ولم يكن يبحث إلا عن الحقيقة». ويقال أيضا ~~أن الطائفة قد استخدمت سلاحا آخر هو التهديد؛ فقد طعن اسپينوزا ذات مرة بسكين لم يصل إلا ~~إلى ملابسه. وكان من الطبيعي بعد هذا كله أن يطرد اسپينوزا من الطائفة اليهودية، ويفرض ~~عليه «الحرام» وهو في الرابعة والعشرين من عمره (سنة 1656م). # وكان من الواضح بعد ذلك أن أمستردام لم تعد مكانا مأمونا لاسپينوزا. وهكذا انتقل إلى ~~عدة أماكن ريفية هادئة، أو بلدان صغيرة، ليتفرغ ms016 للكتابة ويبتعد في الوقت ذاته عن الجو ~~المحفوف بالخطر في أمستردام. ومن هذه البلاد «رينسبورج # Rhynsborg ~~»، ولاهاي. # في هذه الفترة التي ابتعد فيها اسپينوزا بنفسه عن مخاطر الحياة وسط مجتمع معاد له في ~~أمستردام، كان يرزق من حرفة صناعة العدسات البصرية وصقلها، وهي صناعة أجادها إلى حد ~~بعيد، بدليل أن كبار علماء عصره كانوا يتعاملون معه فيما يحتاجون إليه منها. # وقد ذكر «كوليروس» أن احتراف اسپينوزا لصناعة العدسات كان إخلاصا منه للتقاليد اليهودية ~~القديمة، التي تحث اليهود على تعلم حرفة يعيشون منها، إلى جانب معرفته للشرع الديني؛ إذ ~~إن هذه المهنة تجنب الإنسان الشر وتقوم سلوكه. وهكذا فإن اسپينوزا، تبعا لهذا الرأي، ~~لم ينس هذه النصيحة حتى بعد انفصاله عن مجتمع اليهود. ويؤيد هذا التعليل «براون»، ويضيف ~~إليه أمثلة متعددة لبعض من كبار المفكرين اليهود كانوا صناعا يدويين، # 6 # ولكن «فوير # Feuer ~~» يعترض بقوة على هذا ~~التعليل، فيثبت أن عددا قليلا من يهود أمستردام هم الذين كانوا يشتغلون بحرفة يدوية، وأن ~~القيم السائدة بين هذه الطائفة كانت هي القيم التجارية، ويضيف إلى ذلك قوله: «إن اسپينوزا ~~لم يبحث عن حرفة يدوية يرتزق منها عندما كان التأثير اليهودي أقوى ما يكون عليه، وإنما أصبح ~~صانعا عندما ترك الأعمال التجارية وكنيس أمستردام.» # 7 # وإذن فالتعليل الصحيح لاحتراف اسپينوزا مهنة صقل العدسات وارتزاقه منها هو رغبته ~~المتعمدة في التخلي عن القيم التجارية السائدة بين الطائفة اليهودية التي انفصل عنها. ومن ~~المؤكد أن ذلك القرار لم يكن هينا بالنسبة إليه؛ إذ إنه على عكس ما قيل عنه وقتا ما، لم ~~يكن فقيرا معدما، بل كانت لأسرته أعمالها التجارية الناجحة. والواقع أن البحث الحديث الذي ~~أخذ يجلو ببطء شديد غوامض حياة اسپينوزا، يتجه إلى القضاء تدريجيا على أسطورة فقر ~~اسپينوزا هذه؛ فقد انضم اسپينوزا منذ صباه إلى أبيه في إدارة أعماله، وعندما توفي أبوه، ~~أصبح مديرا لهذه الأعمال، وبذلك اكتمل اندماجه في عالم الاقتصاد وأخذه بالقيم التجارية في ~~عصره. # ويكاد يكون من المؤكد أن اسپينوزا ms017 قد أدرك، في وقت نضوجه الفكري، أن من المحال عليه أن ~~يجمع بين هذه القيم التجارية وبين المثل الفكرية التي تزايدت سيطرتها على ذهنه بالتدريج، ~~فقد كان عليه أن يختار بين أمرين: إما أن يجعل كسب المال غاية لحياته، أو أن يقمع في نفسه ~~الرغبة في كسب المال حتى يستطيع التفرغ لرسالته الفكرية. وبعد تفكير لا بد أنه كان ~~طويلا، انتهى إلى إيثار الثقافة الروحية على المال، فتخلى عن الأعمال التجارية التي ورثها ~~عن أبيه. # وتشهد بداية كتابه في «إصلاح العقل» بحدوث هذا التحول بكل وضوح؛ فهو لا ينكر أنه كان ~~مهتما بالمال في أوائل حياته، ولكنه يؤكد أنه قد انصرف عن هذا الاتجاه حالما أدرك خطره ~~على حياته الفكرية: «فقد بدا لأول وهلة أنه ليس من الحكمة أن يتنازل المرء عما هو في متناول ~~يده من أجل شيء لم يكن عندئذ موثوقا به؛ إذ كنت أستطيع إدراك الفوائد التي تجنى من الجاه ~~والثروة، وكنت أعلم أنني سأضطر إلى التخلي عن السعي وراء هذه الغايات إذا ما أردت أن أكرس ~~حياتي جديا للبحث وراء شيء مختلف جديد.» وفي القاعدة المؤقتة الثالثة من تلك القواعد التي ~~وضعها لحياته، يذكر أنه قد زهد في المال بحيث لا يريد أن يحتفظ منه إلا بما يلزم لحفظ ~~الحياة والصحة. # وهنا ينبغي أن نفرق بين زهد اسپينوزا هذا ~~وبين أنواع أخرى من الزهد؛ فهناك فلاسفة يزهدون لأنهم طبيعة حالهم محرومون، غير أن ~~اسپينوزا كان يملك كل الوسائل التي تكفل له ثراء هائلا، ومع ذلك تركها بمحض إرادته. ~~وهناك أيضا زهد ناجم عن إنكار للماديات وعزوف عن المتع وعن نظرة سوداوية إلى كل ما هو ~~بهيج في الحياة، ولكن اسپينوزا لم يكن من أصحاب هذا الاتجاه على الإطلاق؛ فهو لم يحتقر ~~العالم المادي ولم يترفع عن متع الحياة، بل لقد سوى بين العالم المادي وبين العالم الروحي ~~تماما، أو على الأصح محا التفرقة بينهما، ودعا صراحة في الكثير من كتاباته إلى الإقبال ~~إيجابيا على متع الحياة. ms018 فلا بد إذن أن زهده كان راجعا إلى نظرة معينة في العلاقة بين ~~اتخاذ المال غاية وبين السعي إلى الكمال العقلي، وهي علاقة كانت في رأيه تنافرا تاما؛ ~~فزهده في هذه الحالة كان أشبه بزهد العلماء لإغراقهم في بحوثهم، غير مقترن بأية نظرة سلبية ~~إلى الأوجه الأخرى لحياة الإنسان. # وأخيرا، فإن كثيرا من المفكرين يدعون إلى ~~الزهد في المال بألسنتهم ويتهافتون عليه بأفعالهم. أما اسپينوزا فقد طبق ذلك على حياته ~~بالفعل، وبطريقة تدعو إلى الإعجاب؛ فبعد وفاة أبيه، حاولت شقيقتاه سلبه حقه في الميراث، ~~فاحتكم إلى القضاء، الذي حكم لصالحه، وبعد صدور الحكم فاجأ الجميع بتنازله عن نصيبه في ~~الميراث - إلا سريرا متينا وستارة، كما يقول كوليروس. وهناك احتمال قوي في أن يكون تنازله ~~هذا عن الميراث تعبيرا منه عن عدم إيمانه بفكرة وراثة المال ذاتها؛ فحرص، قبل تنازله، على ~~أن يثبت حقه شرعيا، ثم تنازل بعد ذلك، متعمدا أن يثبت عدم اهتمامه بالقانون أو الشريعة ~~القائمة، وأن يؤكد أنه تنازل إيمانا منه بالمبدأ ذاته، رغم كون القانون مؤيدا له، ويقال ~~أيضا إن صديقه «سيمون ~~ديڨريس # Simon de ~~Vries ~~» - وكان ميسور الحال، قد عرض عليه، حين اقتربت منيته دون أن يكون ~~له وريث، أن يجعله وريثا لكل ماله، فرفض هذا العرض، ولم يقبل - بعد إلحاح شديد - إلا ~~معاشا ضئيلا، نقصه هو ذاته فيما بعد بمحض إرادته. ~~••• # فالصورة الأولى التي ينبغي أن تمحى، ونحن بصدد البحث في حياة اسپينوزا، هي صورة الفيلسوف ~~المعدم أو الزاهد كراهية في الحياة. والصورة الثانية التي ينبغي إزالتها، هي صورة المفكر ~~المنعزل المتباعد عن أحداث عصره. # فقد كان اسپينوزا مندمجا في شئون عصره كل ~~الاندماج؛ إذ اتصل بكل الجمعيات الفكرية والدينية ذات الآراء المتحررة، وكان له دور فعال ~~فيها، بل كانت آراؤه وكتاباته تعد من أقوى الدعامات التي ارتكزت عليها هذه الجمعيات، وهو ~~ثانيا قدا تصل بمجموعة كبيرة من رجال عصره المرموقين في ميادين الفكر والعلم والسياسة. ~~وأخيرا؛ فقد كانت له شهرته الكبيرة في هذه الأوساط، ms019 وكان أثناء حياته شخصية هامة يسعى ~~إلى لقائها كثير من مريدي الثقافة في كافة أنحاء البلاد الأوربية. # أما عن الطوائف الفكرية والدينية التي اتصل بها اسپينوزا وساهم فيها بدور فعال، فأولها هي ~~طائفة «المجمعيين أو المحفليين # Collegiants ~~» وكان مركزها ~~بلدة «رينسبرج» حيث اعتكف اسپينوزا بعد رحيله عن أمستردام، ويرجع اسم هذه الطائفة إلى أنها ~~كانت تطلق على كل مجموعة منها اسم «المجمع أو المحفل # Collegia ~~» بدلا من أن تسميها «كنيسة ». وقد عملت هذه ~~الطائفة على التخفيف من غلواء الكلڨينية، ولا سيما في فكرة «الجبر». وقد ظهرت حركتها سنة ~~1619م عندما أعلن الأخوان «فان در كوده # Van der Kodde ~~» ~~أنهما ليسا بحاجة إلى رجال دين أو لاهوت لمعرفة الله؛ إذ إن الروح الإلهية كامنة في ~~الجميع، ولكل نفس الحق في فهمها والتحدث عنها. # 8 # ومثل هذا يقال عن الطائفة «المينونية # Monnonites ~~»، وهي ~~طائفة تنسب إلى «سيمون مينو # Simon ~~Menno ~~»، ~~الذي قام في بوهيميا في أواخر القرن السادس عشر يدعو إلى الحرية الدينية، ويقاوم تأثير ~~الكلڨينية واللوثرية. وكان صاحب هذه الدعوى يؤمن بعدم جدوى العقائد الثابتة والطقوس ~~والمظاهر الخارجية للعبادة، وإنما كان الأهم في نظره هو طهارة القلب كما تتمثل في فعل الخير ~~وحب الجار والتسامح. وكان أفراد هذه الطائفة يرفضون استخدام أي لون من ألوان العنف في نشر ~~مبادئها، ويحملون دون أي تحفظ على الحروب؛ فحرموا حمل السلاح، وذهب بعضهم إلى حد ~~الامتناع عن الاضطلاع بالمسئوليات والالتزامات العامة حتى لا يضطروا إلى إراقة الدماء في ~~الحرب. # هذه الطوائف كانت ذات رسالات فكرية وعلمية وسياسية إلى جانب رسالاتها الدينية. بل إنا ~~نستطيع أن نقول إن الوجه الديني في نشاطها كان أقل الأوجه أهمية، والذي كان يحدث دائما ~~في تلك الفترة من تاريخ الحضارة هو أن الخلافات الفكرية والثقافية كانت تتخذ دائما مظهرا ~~دينيا سطحيا، وكان أصحاب المذاهب السياسية والفكرية المتحررة يدعون إلى آرائهم الجديدة ~~عن طريق إنشاء طائفة أو جماعة دينية جديدة تتولى الدفاع عن مواقفها أو مهاجمة خصومها في ~~إطار مظهر ms020 ديني. ولم يكن النشاط الذي تمارسه تلك الجمعيات عندئذ يختلف كثيرا عن نشاط ~~الجماعات الثورية السياسية الحالية، وكل ما في الأمر أن الأفكار المتحررة كانت عندئذ ~~مضطرة إلى التعبير عن نفسها من خلال مواقف دينية معينة. وهكذا كان اسپينوزا بانضمامه إلى ~~تلك الجمعيات يمارس في الوقت ذاته نشاطا سياسيا وثقافيا ذا طابع ثوري، ويشارك في حركة ~~النقد الضخمة التي زعزعت فيما بعد أسس المجتمع الغربي في جميع الميادين. # ولقد كانت حلقة أصدقاء اسپينوزا في هذه ~~الجمعيات تضم نخبة من رجال عصره النابهين المتحررين (ومن الجدير بالذكر أنها لم تكن تضم ~~صديقا يهوديا واحدا!) ومن هؤلاء الأصدقاء: لودڨيج (أو لويس) ماير # Lodewijk Meyer ~~، وكان طبيبا مولعا بالآداب، ~~وپيتر بالنج Pieter Balling # وكان ينتمي إلى الطائفة ~~المينونية، ويتميز بآرائه المتحررة، «وچارج چلس # Jarig Jelles ~~» وقد ترجم بعض مؤلفات اسپينوزا إلى الهولندية، و«سيمون دي فريس # Simon de Vries ~~» الذي كان من أخلص أصدقائه والمعجبين ~~به. وكانت حلقة من تلاميذ اسپينوزا تجتمع لمناقشة المسائل الهامة في أمستردام، وعلى رأسها ~~سيمون دي فريس هذا، ثم يتصلون به في مقره ليجلي لهم بعض الغوامض التي استعصت عليهم. ~~وقد شرح سيمون هذا نظام هذه الحلقة بالتفصيل في إحدى رسائله إلى اسپينوزا (الرسالة رقم 8 ~~عام 1663م). # على أن مكانة اسپينوزا العلمية لم تقتصر على تلاميذه المباشرين وأصدقائه الشخصيين فحسب، ~~وإنما ذاعت شهرته بين كثير من كبار رجال عصره، سواء في هولندا وفي خارجها؛ فقد تقرب إليه ~~كثير من الحكام؛ إذ يقال إن الأمير الفرنسي «كونديه # Condé ~~» ~~قد أبدى رغبته في مقابلته ومناقشته في مسائل علمية وأراد أن يراه في «أوترخت» أثناء قيادته ~~للقوات الفرنسية الزاحفة على هولندا. وقد اختلفت الروايات في هذه المقابلة وهل تمت أم لم ~~تتم، والأرجح أنها لم تتم. ولكن اتهام اسپينوزا بها قد عرضه لكثير من الأخطار في بلاده؛ ~~إذ إنه اتهم بالاتصال بالأعداء، كذلك تختلف الآراء في صلته بالحاكم الهولندي المشهور ~~«يان دي ڨت # Jan de Witt ~~»: فقال البعض إنه كان صديقا ms021 ~~شخصيا لذلك الحاكم، وأكدوا أن النزعات التحررية لدى ڨت، الذي طرد أسرة أورانج من الحكم ~~سنة 1650م وكان أقوى خصوم المذهب الكالڨيني والتعصب الديني بوجه عام، كانت تتلاءم مع دعوة ~~اسپينوزا إلى حرية الفكر وفصل الدين عن الدولة. كما قيل إن دي ڨت كان يسترشد بآراء اسپينوزا ~~في الحكم، وذهب البعض إلى حد القول إن «البحث اللاهوتي السياسي» كان محاولة من اسپينوزا ~~لإيجاد تبرير فلسفي لنظام الحكم الجمهوري المستنير الذي يرأسه دي ڨت. هذا فضلا عن أن دي ڨت ~~ذاته كان ذا عقلية علمية دقيقة، وكانت له دراساته الواسعة في الرياضيات والطبيعيات، فضلا ~~عن إلمامه الكبير بالشئون المالية والسياسية والاجتماعية. كذلك قيل إن اسپينوزا كان وثيق ~~الصلة بعمدة أمستردام «هوده # Hudde ~~» الذي كان في الوقت ذاته ~~من ألمع الشخصيات ثقافة في أمستردام، وكان عالما رياضيا بارزا، ومع ذلك فإن باحثة في ~~اسپينوزا، هي «مادلين فرانسيس # Madeleine Francès ~~» تشك في ~~هذه الصداقات المزعومة بين اسپينوزا وهؤلاء الحكام، وترى أنه إذا كانت قد جرت اتصالات بينه ~~وبينهم، فلم يكن ذلك راجعا إلى اشتراكه معهم في الآراء، أو إلى كونهم قد أرادوا تطبيق ~~تعاليمه على سياستهم في الحكم، وربما كانت هذه الاتصالات قد جرت في موضوعات متفرقة ~~ولأسباب متباينة لا علاقة لها بالاتفاق التام في الأفكار السياسية والفلسفية. # 9 # ولكن إذا كانت هذه شواهد مشكوكا فيها، فإن هناك شواهد أخرى مؤكدة على علو مكانة ~~اسپينوزا في الأوساط العلمية لا في بلاده فحسب، بل في أوروبا بأسرها؛ فقد عرض عليه أمير ~~بافاريا أستاذية الفلسفة في جامعة هيدلبرج، وورد هذا العرض في الرسالة رقم 47 التي كتبها ~~«فابريتيوس # Fabritius ~~» مدير هذه الجامعة إلى ~~اسپينوزا، والتي ذكر فيها أن الأمير من أكثر الناس تقديرا للأذهان الرفيعة، وأضاف: «وسيكون ~~لك أكبر قدر من حرية التفلسف وهي الحرية التي يعتقد الأمير أنك لن تسيء استخدامها في تعكير ~~صفو الدين المعترف به رسميا.» وفي ذلك بطبيعة الحال تلميح إلى معرفة الأمير بما قيل عن ~~مروق اسپينوزا، وابتهال إليه في ms022 الوقت ذاته ألا يتحرر أكثر مما ينبغي عندما يشغل هذا ~~المنصب. وقد رفض اسپينوزا هذا العرض رفضا مهذبا، قال فيه: «إنني لم أكن ميالا إلى ~~التعليم العلني العام ... ومن جهة أخرى فلست أدري ما هي الحدود التي ينبغي أن تنحصر فيها ~~حريتي في التفلسف حتى لا يقال عني إنني عكرت صفو الدين السائد؛ فالمنازعات الدينية لا تصدر ~~عن حماسة للدين بقدر ما تصدر عن انفعالات متعددة أو حب للمخالفة يحرف الكلام عن معناه ~~الأصلي ويدينه، حتى لو كان هذا الكلام تعبيرا عن تفكير سليم. وهذا أمر جربته في حياتي ~~المنعزلة الخاصة، فما بالك بي إذا ما سموت إلى هذا المقام الرفيع!» # ويقدم «سيجون # Segond ~~» سببا معقولا لرفض اسپينوزا هذا ~~العرض؛ فقد سبق أن أهدى ديكارت إلى إحدى شقيقات أمير باڨاريا هذا نفسه كتاب مبادئ الفلسفة ~~في عام 1644م؛ وعلى ذلك فمن المحتمل أن تكون «الفلسفة» التي قصد الأمير أن يدرسها ~~اسپينوزا بحرية، ودون إخلال بالدين الشائع، هي الفلسفة الموجودة في كتاب اسپينوزا «مبادئ ~~الفلسفة الديكارتية». ومما لا شك فيه أن الأمير لو كان يقصد كتاب «البحث اللاهوتي ~~السياسي» لما قال إن اسپينوزا يستطيع أن يقوم بتدريس الفلسفة دون إخلال بالدين الشائع؛ لأن ~~هذا الكتاب الأخير كفيل بإحداث ثورة في الأوساط الدينية مهما كان الوجه الذي ينظر إليه ~~منه؛ وعلى ذلك، فمن المحتمل أن الأمير، تمشيا مع إعجاب أسرته كلها بديكارت، وتقديرا منه ~~لطريقة عرض اسپينوزا لفلسفة ديكارت في كتاب «مبادئ الفلسفة الديكارتية»، قد طلب إلى ~~اسپينوزا أن يكون شارحا لديكارت، وأن يمارس حريته في هذه الحدود، فكان من الطبيعي أن يرفض ~~اسپينوزا هذا العرض. # 10 # والأمر المؤكد، على أية حال، هو أن هذا الرفض يقدم إلينا مثلا آخر لعزوف اسپينوزا عن فرص ~~قد يتمناها الكثيرون غيره، إذا ما شعر بأن فيها أقل تهديد لحريته في البحث والتفكير. # وقد سعى كثير من علماء العصر إلى الاتصال باسپينوزا وتبادل الأفكار معه، نذكر منهم على ~~سبيل المثال: العالم الطبيعي هيجنز # Christian Huygens # و«هنري ms023 أولدنبرج # Henry Oldenburg ~~»، الذي كان أمين سر ~~الجمعية الملكية في لندن وقت إنشائها حديثا، والذي اتصل باسپينوزا في مراسلات عديدة على ~~فترات زمنية مختلفة، وعن طريق هذا الأخير اتصل اسپينوزا بالعالم الإنجليزي المشهور ~~«روبرت بويل # Robert Boyle ~~» وناقش نظرياته وتجاربه ~~العلمية، وبالإضافة إلى هذا كله، كان ليبنتس من أكثر الناس حرصا على الاتصال باسپينوزا ~~والإفادة منه فكريا، وإن يكن قد بذل كل جهده لإخفاء هذا الاتصال، والأمر المؤكد أن كلا ~~من الرجلين قد أعجب بالآخر عقليا، ولكنه حرص على أن يلتزم جانب الحذر منه؛ فاسپينوزا كان ~~يؤمن بضرورة التحري بكل دقة عن ليبنتس قبل تقديم مؤلفاته إليه. وقد أكد ذلك أكثر من مرة ~~لتلميذه «تشيرنهاوس # Tschirnhaus ~~» (الذي كان واسطة بينه ~~وبين ليبنتس) وطلب إليه أن يدرس شخصية ليبنتس دراسة أدق قبل أن يطلعه على مؤلفاته، وأبدى ~~شكه في المهمة التي سافر ليبنتس من أجلها إلى فرنسا «في الوقت الذي كان فيه مستشارا في ~~فرانكفورت». # أما ليبنتس فقد تراسل، من ناحيته، مع اسپينوزا مرات عديدة بتوسط تشيرنهاوس، ثم تعرف ~~إليه مباشرة في إحدى سفراته لهولندا، وناقشه طويلا في آرائه الفلسفية، وسجل محادثاته ~~معه، واستعار مخطوطا لمؤلفاته غير المنشورة، ويتفق كثير من الباحثين في فلسفة ليبنتس على ~~أن دينه لاسپينوزا كان أعظم كثيرا مما اعترف به - ولكن أسباب عدم الاعتراف هذا معروفة؛ إذ ~~كان اسپينوزا شخصية ثار حولها كثير من الجدل وحامت حولها الشبهات، وعرف بآرائه المتطرفة في ~~تحررها في ميدان الدين والسياسة. أما ليبنتس فكان بطبيعته طموحا نهازا للفرص ولم يكن يقبل ~~أن يمسه أي سوء لاتصاله بمثل هذا الثائر. وهكذا حرص قدر طاقته على أن يمحو من كتاباته ~~المنشورة كل أثر لاتصاله باسپينوزا، فيما عد بعض الانتقادات الشديدة التي لا يمكن أن تجلب ~~إليه ظلا من الشك. وقد بلغ الحرص بليبنتس حدا أخفى معه عن كثير ممن كان يراسلهم، ومنهم ~~المنطقي «أرنولد # Arnauld ~~» مجرد كونه يعرف اسم مؤلف «البحث ~~اللاهوتي السياسي»، الذي هاجمته الأوساط الدينية هجوما عنيفا اشترك فيه بعض ms024 أساتذة ليبنتس نفسه، # 11 # ثم طلب من صديق مشترك لهما، وهو «شولر # Schuller ~~»، أن يعمل على عدم إظهار اسمه في مؤلفات اسپينوزا المختلفة، وعلى أن ~~يحذف هذا الاسم قدر استطاعته من الرسائل. ~~••• # والأمر الذي حرصنا على أن نؤكده في هذا كله هو أن اسپينوزا، لم يكن في حياته ذلك الزاهد ~~في الحياة عن إنكار أو كراهية لها، كما أنه لم يكن ذلك المفكر المنعزل الغارق في تأملاته ~~بين جدران أربعة، بل كان محبا للحياة، حريصا على المشاركة في شئون مجتمعه والتفاعل ~~الإيجابي بها، ولم يكن في ذلك بالطبع ما يتنافى مع رغبته في التفرغ لعمله العلمي بالاعتزال ~~عن الناس من آن لآخر فترات طويلة. # وفي إحدى فترات عزلته هذه، اشتد عليه المرض الذي كان يعانيه فترة طويلة، وهو علة في ~~الرئة ربما كانت سرطانا أو التهابا حادا، يرجح أن سببه هو استنشاقه المستمر لغبار زجاج ~~العدسات التي كان يصقلها، ثم حلت نهايته فجأة، وبهدوء تام، يوم الأحد 21 فبراير سنة ~~1677م. ~~(1) مؤلفات اسپينوزا # نشر اسپينوزا أثناء حياته كتابين فقط، ولم يصدر باسمه سوى واحد منهما فقط، هو ~~«مبادئ الفلسفة ~~الديكارتية» # Renati Descartes Principia Philosophiae ~~، وملحقه الصادر بعنوان «أفكار ميتافيزيقية # Cogitata Metaphysica ~~». وقد نشر هذا الكتاب ~~في أمستردام عام 1663م، وقدم له صديق اسپينوزا، الطبيب لودڨيك ماير وهذا الكتاب يمثل ~~عرضا لفلسفة ديكارت بالمنهج الهندسي المفضل لدى اسپينوزا ورغم أن شخصية اسپينوزا ذاته ~~لا تظهر بوضوح في هذا الكتاب، فإن المرء يستطيع أن يلمحها هنا وهناك في أفكار منفصلة، ~~ولا سيما في ملحق الكتاب. # أما الكتاب الثاني فهو «البحث ~~اللاهوتي السياسي» # Tractatus Theologico-Politicus ~~، ورغم أن هذا الكتاب قد نشر في أمستردام عام 1670م، ~~فإن اسپينوزا بالغ في الاحتياط إذ نشره غفلا من اسمه، وكتب على الغلاف أنه طبع في ~~هامبورج، والكتاب يتضمن بحثا مفصلا لموضوع حرية الفكر، ولا سيما في الموضوعات ~~الدينية، ويهدف إلى تأكيد ضرورة فصل الدين عن الدولة، ويحمل بشدة على كل حكم سياسي ~~يدعي أنه يستمد سلطته من ms025 مصدر إلهي. وهكذا كانت موضوعات الكتاب - التي سنتناولها فيما ~~بعد بالتفصيل - شائكة إلى حد يبرر تماما حذر اسپينوزا عندما أراد إخفاء اسمه، وإن تكن ~~شخصيته قد عرفت بعد مضي وقت غير طويل. # وبعد وفاة اسپينوزا، نشر تلاميذه وأصدقاؤه سنة 1677م مجموعة من مؤلفاته بعنوان ~~«المؤلفات المخلفة # Opera posthuma ~~» وذكر اسم ~~المؤلف بحروفه الأولى فقط # B. D. S. ~~، وكان ذلك المجلد ~~يحوي المؤلفات الآتية: ~~(1) ~~«الأخلاق، ~~مبرهنا عليها بالطريقة الهندسية # Ethica ordine geometrico demonstrata ~~»، وهذا الكتاب يمكن أن ~~يقال إنه عاصر اسپينوزا خلال الجزء الأكبر من حياته الناضجة؛ فمنذ وقت ~~مبكر، قد يكون عام 1663م أو 1665م، أخذ اسپينوزا يرسل نظريات أو قضايا منه ~~إلى أصدقائه طالبا إليهم التعليق عليها، وكان اسپينوزا يعد الكتاب للنشر ~~عام 1675م، كما يفهم من رسالته رقم 68، غير أن السخط الذي أحدثه «البحث ~~اللاهوتي السياسي» في الأوساط الدينية داخل بلاده وخارجها جعله يحجم عن نشر ~~الكتاب، واستمر خلال العامين الأخيرين يصقل المخطوط ويهذبه حتى وفاته. ~~والكتاب مؤلف من خمسة أجزاء؛ في الله، وفي طبيعة العقل وأصله، وفي طبيعة ~~الانفعالات وأصلها، وفي عبودية الإنسان أو قوة الانفعالات، وفي حرية ~~الإنسان أو قوة العقل. وهو يتخذ شكل نظريات أو قضايا هندسية يعرض نصها في ~~البداية، ثم يقدم البرهان عليها. وقد تسبقها تعريفات وبديهيات أو تليها ~~نتائج ولكن في الكتاب، بالإضافة إلى ذلك، بضع أجزاء كتبت بأسلوب مسترسل غير ~~هندسي. وهذه الأجزاء تعد من أروع صفحات الكتاب من حيث الجرأة والتحرر ~~الفكري. ~~(2) ~~«البحث السياسي # Tractatus Politicus ~~»، ~~وهو كتاب لم يتم اسپينوزا إلا جزءا ضئيلا منه، ومن المؤكد أن أبعاده ~~الأصلية كانت كبيرة، كما يتضح من الخطة التي عرضها اسپينوزا لتأليفه ذلك ~~الكتاب في الرسالة رقم 84، بل إن اسپينوزا لم يكن قد راجع الأجزاء التي ~~ألفها بدقة، بل ترك الكثير منها غامضا، ولكن المؤكد أن اسپينوزا كان في ~~هذا الكتاب أكثر تحفظا مما كان في بحثه اللاهوتي السياسي السابق؛ إذ إن ~~استرداد أسرة أورانج للحكم، وقضاءها على عهد «دي ڨيت» الجمهوري، ms026 قد جعل ~~الجو في البلاد أقل ملاءمة لآرائه المتحررة مما كان من قبل بكثير. ~~(3) ~~«إصلاح ~~العقل # De intellectus emendatione ~~»، وهو بدوره بحث حالت وفاة اسپينوزا دون إكماله، ~~وإن يكن «داربون # Darbon ~~» يؤكد أن كل ما ~~كان يمكن أن يحويه هذا الكتاب من أفكار قد ذكر كله، وبدقة كاملة، في كتاب ~~الأخلاق، ويحذر من الاعتقاد بأن كتاب «إصلاح العقل» لو كان قد أكمل لألقى ~~ضوء جديدا على فلسفة اسپينوزا، أو كشف عن نواح مجهولة فيها، # 12 # وكثيرا ما شبه هذا الكتاب «بالمقال في المنهج» عند ديكارت إذ ~~إن «إصلاح العقل» بدوره بحث في المنهج، ولكن ينبغي أن يذكر المرء أن المنهج ~~الذي سعى اسپينوزا إلى عرضه في هذا الكتاب كان يستهدف غاية أخلاقية. أما ~~عند ديكارت فالاهتمام الأكبر ينصب على المعرفة النظرية - وإن يكن كتاب ~~اسپينوزا قد تضمن أيضا أبحاثا في المعرفة، مثلما تضمن «المقال في المنهج» ~~أبحاثا في الأخلاق. ~~(4) # الرسائل # Epistolae ~~، وقد نشرت في هذه ~~الطبعة الأصلية 74 رسالة متبادلة بين اسپينوزا ومراسليه، ثم أضيفت إليها ~~رسائل أخرى كشفت فيما بعد، فأصبح مجموعها 86. ورغم ما لوحظ على اسپينوزا، ~~من أنه كان مفكرا ضنينا يتحفظ مع مرسليه ويحذرهم، ولا يكشف لهم عن كل ما ~~في سريرته، بل يجد لذة في حفظ المسافة بينه وبينهم # 13 ~~- رغم هذا كله فللرسائل فائدتها الكبرى من حيث إنها تكشف، ولو ~~بطريق غير مباشر، عن بعض الجوانب الشخصية في حياة اسپينوزا، وهي الجوانب ~~التي كان يحرص على إخفائها قدر استطاعته، فضلا عن أنه كان يعرض فيها ~~آراءه، في بعض الأحيان، بطريقة أكثر استرسالا وتبسطا مما يعرضها به في ~~مؤلفاته الأخرى. وقد تبودلت هذه الرسائل بين اسپينوزا وبين فئات مختلفة من ~~الكتاب، منهم أصدقاؤه الذين كانوا أكثر فهما له، ومنهم المراسلون الذين ~~لا تربطه بهم صلة فكرية أو شخصية متينة، وهؤلاء كان يلتزم الحذر معهم على ~~الدوام، ويحاول الكتابة إليهم على قدر أفهامهم. ~~(5) # رسالة في النحو العبري، وهي بطبيعة الحال ليست لها أهمية ~~فلسفية. # وبالإضافة إلى هذه ms027 المؤلفات تنسب إلى اسپينوزا كتابات أخرى، منها رسالة قصيرة عن ~~«قوس قزح»، تدل على اهتمامه بالشئون العلمية ومحاولته أن يشارك فيها، وأخيرا فقد عثر ~~خلال القرن التاسع عشر على مخطوط لكتاب يتناول نفس موضوعات كتاب «الأخلاق»، ولكنه ~~يعرضها بطريقة غير هندسية، وهو بلا شك أقدم عهدا من الأخلاق. وقد ألف بالهولندية، ~~وعنوانه «بحث موجز في الله وفي الإنسان وسعادته» وقد اختلف في هذا الكتاب؛ إذ اعتقد ~~البعض أنه مشروع سابق لكتاب «الأخلاق»، ورجح الآخرون أنه كتاب مستقل قائم بذاته، وما ~~زال من المؤلفين من يشكون في نسبة هذا الكتاب إلى اسپينوزا، مثال ذلك أن هاليت # Hallett # ما زال، عام 1957م، يظن أن الكتاب قد يكون من ~~تأليف أحد تلاميذ اسپينوزا المقربين إليه، وأنه وضع لشرح تعاليم اسپينوزا لحلقة ~~التلاميذ التي كانت تجتمع بانتظام لدراسة أفكاره. # 14 # طبعات كتب اسپينوزا وترجماتها # كانت أهم الطبعات في القرن التاسع عشر هي طبعة «ڨان ~~فلوتن # Van Vloten ~~» و«لاند # Land ~~»، في لاهاي، سنة ~~1882م و1883م، في ثلاثة مجلدات. أما الطبعة التي تعد كاملة في الوقت الحالي فهي طبعة ~~«كارل جبهارت # Carl Gebhardt ~~»، في هيدلبرج، سنة ~~1923م، وهي في أربعة مجلدات. # أما الترجمات الإنجليزية فمنها ترجمة كتابي الأخلاق # Ethics # وإصلاح العقل # The Correction ~~of Understanding # في ~~مكتبة # Everyman ~~، وقام بها «بويل # A. Boyle # لندن 1910م»، وهي ترجمة تفتقر إلى الدقة في كثير من ~~الأحيان. # وهناك أيضا ترجمة «ولف # A. Wolf ~~» للبحث الموجز في ~~الله وفي الإنسان وسعادته. وقد صدرت في لندن (سنة 1910م) بعنوان # Spinoza’s Short Treatise on God, Man and his ~~Wellbeing ~~، وترجمة لرسائل ~~اسپينوزا # The ~~Correspondance of Spinoza ~~(لندن 1910م). # وأخيرا، توجد ترجمة جيدة لا تعوزها الدقة، هي ترجمة «إلويس # R. H. M. Elwes ~~» للمؤلفات الرئيسية لاسپينوزا. وقد صدرت ~~بعنوان # The Chief Works of Spinoza ~~، (نيويورك، مكتبة ~~دوڨر ( # Dover Publications 1951 ~~)) وتحتوي هذه الترجمة ~~على مجلدين: الأول، ويشمل البحث اللاهوتي السياسي، ثم البحث السياسي، والثاني هو إصلاح ~~العقل، ثم الأخلاق، ثم عدد كبير من ms028 الرسائل. # أما في الفرنسية، فهناك ترجمة أپون # Charles Appuhn ~~(باريس سنة 1907م-1934م)، والترجمة الحديثة التي اشترك فيها رولان كايوا # Roland Caillois # ومادلين فرانسيس # Madeleine Francès # وروبير مزراحي # Robert Misrahi ~~، والتي أصدرتها في سنة 1954م دار ~~«جاليمار» في سلسلة # Bibliothèque de la Pléade # بعنوان # Spinoza Oeuvres complètes ~~، وفي في مجلد واحد من ~~1600 صفحة. ~~••• # وقد راعينا في الترجمات التي اخترنا الإشارة إليها في هذا الكتاب، الجودة وسهولة حصول ~~القارئ على نسخ منها. وهذه الشروط تتوافر في ترجمة إلويس # Elwes # الإنجليزية؛ لذلك كانت هي التي أشرنا إليها ... «صدد البحث ~~اللاهوتي السياسي»، و«البحث السياسي» و«إصلاح العقل» أما في بقية مؤلفات اسپينوزا - ~~ومنها ما هو غير موجود في هذه الترجمة الإنجليزية - فقد كانت إشاراتنا إلى الترجمة ~~الفرنسية الحديثة التي صدرت عن دار «جاليمار # Gallmard ~~». ~~(2) تطور تفكير اسپينوزا # ينبغي، قبل أن نختم هذا الفصل، أن نبحث بإيجاز فيما إذا كان تفكير اسپينوزا قد مر ~~بمراحل متميزة في تطوره، أم أن هذا التطور كان تعميقا لفكره المتسق فحسب. # ففي رأي «فوير # Feuer ~~» أن تفكير اسپينوزا قد مر بثلاث ~~مراحل يمكن أن تعد متميزة: الأولى هي مرحلة الشباب التي اشترك فيها في جمعيات كانت ~~دينية رسميا، ولكن كانت لها في ذلك الحين رسالة سياسية واجتماعية ثورية لا شك فيها، ~~وعندما اقترب من سن الثلاثين، أخذ على هذه الجمعيات، ولا سيما «المينونية» عزلتها ~~وسلبيتها، فبدأ يشترك علميا في سياسة بلاده، واحتل مكانه بين المدافعين عن النظام ~~الجمهوري، وانتقل إلى لاهاي، وألف كتاب «البحث اللاهوتي السياسي » ليدافع عن النظام ~~الجمهوري السائد، وبعد حوادث عام 1672م، التي قتل فيها الأخوان «دي ڨيت»، وهزم فيها ~~النظام الجمهوري وعادت ملكية أسرة أورانج، أصبح يميل إلى التشاؤم، وضعفت ثقته ~~بالديمقراطية واتجه تفكيره إلى محاولة إيجاد مكان للإنسان الحر في ظل أي نوع من أنواع الحكم. # 15 # وعلى العكس من ذلك يشير «ماكيون # Mkeon ~~» إلى صعوبة ~~القول بتطور تاريخي لتفكير اسپينوزا: إذ إن اسپينوزا كان يراجع مؤلفاته ويعدلها ~~مرارا وعلى فترات زمنية طويلة، حتى ms029 كان الواحد منها يمتد سنوات طويلة في مرحلة الإعداد ~~والتنقيح وحدها. كما أن تواريخ هذه المؤلفات تتداخل إلى حد يستحيل معه نسبة كل منها ~~إلى فترة معينة. وهكذا يستنتج أن تطوره قد اتخذ شكل تعميق لأفكاره السابقة وليس إنكارا ~~لها، وأنه كان في كل مرحلة جديدة يسير في نفس الاتجاه الأساسي، وإن يكن تفكيره يتخذ ~~صورة مختلفة في كل حالة. # 16 # وهذا الرأي الأخير هو في رأينا الأصح؛ فرأي «فوير»، حتى لو صح، له نطاق محدود؛ إذ إنه ~~لا يتعلق إلا بتطور التفكير السياسي لاسپينوزا. ورغم أن اهتمام «فوير» بالظروف السياسية ~~والاجتماعية والاقتصادية في تفكير اسپينوزا اهتمام مشكور؛ لأن الكثيرين غيره من الكتاب ~~قد أهملوها إلى حد مؤسف، فما زال تفكيره النظري والأخلاقي لا يجد مكانا في هذا ~~الإطار الذي وضعه لتطوره الفكري، كما يلاحظ أن المرحلة الأولى، التي يتحدث عنها فوير، ~~لم يظهر فيها إنتاج مميز لها، وبالتالي لا نستطيع أن نحكم على تفكير اسپينوزا فيها على ~~نحو واضح. # ومن جهة أخرى؛ فقد لاحظنا من قبل أن تأليف كتاب «الأخلاق» قد عاصر حياة اسپينوزا ~~الفكرية الناضجة كلها تقريبا، ولو تأملنا مجموعة رسائله لوجدنا في أول رسالة يكتبها ~~اسپينوزا نفسه (الرسالة رقم 2 ردا على أولدنبرج) تعريفات للجوهر والله والصفة # attribute # والحال # mode # تتفق مع آخر ما قاله اسپينوزا في هذه الموضوعات، ولوجدناه يتحدث فيها عن تدوين أفكاره ~~بطريقة هندسية، وعن إرسالها إلى أولدنبرج ليفحصها، وكان ذلك منذ عام 1761م. فمن العسير ~~في هذه الحالة التحدث عن تطور فكري بمعنى وجود مراحل متميزة في تفكيره. ومن الطبيعي ~~أن نظرته السياسية إلى عصره قد تطورت بتطور الأحداث السياسية ذاتها، وفي هذا كان «فوير» ~~محقا دون شك، غير أن موقفه الفلسفي العام، من حيث منهج التفكير واتجاهه إلى التحرر ~~الذهني وتمجيده للإنسان ومعقوليته الكاملة ونزعاته العلمية الواضحة، كل هذه الصفات ~~الرئيسية كانت ملازمة له من البداية إلى النهاية. # الفصل الثاني # | دلالة المنهج الهندسي # لم يكن اسپينوزا أول من ربط بين المنهج الهندسي ms030 وبين الكتابة الفلسفية؛ فقد استخدم ~~هذا المنهج جزئيا في العصور القديمة، في كتابات فورفوريوس وپرقلس Proclus # وكان طريقة شائعة للشرح والبرهان بين فلاسفة العصور الوسطى. # 1 # أما في عصر اسپينوزا ذاته فقد أدت نهضة العلوم الرياضية، ونجاحها الهائل في ~~ميداني الفلك والفيزياء، إلى دعوة الكثير من المفكرين، مثل ديكارت وهبز، ثم ليبنتس فيما ~~بعد، إلى الاقتداء بالدقة الرياضية في صياغة الأفكار الفلسفية، وإلى جعل الرياضة أنموذجا ~~ومثلا أعلى للمعرفة البشرية في كافة ميادينها، وإذن فلم يكن اتباع اسپينوزا للمنهج ~~الهندسي في كتابي «مبادئ الفلسفة الديكارتية» و«الأخلاق» بدعة ليست لها سوابق في تاريخ ~~الفكر الفلسفي، ولكن الذي نود أن نثبته في هذا الفصل هو أن استخدام اسپينوزا لهذا المنهج ~~في كتاباته كانت له دلالة خاصة تزيد على كونه مجرد اقتداء بمثل أعلى سائد في عصره. # ولا بد لأي بحث منظم عن الدلالة الحقيقية لهذا المنهج، أن يقدم إجابة على سؤال أساسي ~~هو: هل كان المنهج الهندسي عند اسپينوزا أصيلا؛ أعني هل كان اسپينوزا مقتنعا بأن هذه هي ~~الطريقة الطبيعية الملائمة للتعبير عن آرائه الفلسفية، بحيث تكون صورة تفكيره، كما قال ~~«چويكم»، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمادته، # 2 # أم أن المنهج لم يكن أصيلا، بمعنى أنه قد اصطنعه ~~عمدا لتحقيق أغراض خاصة، أو لتجنب أضرار معينة ~~كان يمكن أن يجلبها عليه التعبير المباشر؟ سنبدأ أولا بعرض الآراء المختلفة التي تساق ~~لتأييد كل من هذين التفسيرين. ~~(1) المنهج الهندسي بوصفه طريقة أصيلة للتعبير ~~(أ) # أول تبرير لاستخدام هذا المنهج هو أنه أفضل وسيلة للتعبير عن الأفكار ~~بدقة كاملة، وقد امتدح «لودڨيك ماير» المنهج الهندسي لهذا السبب في مقدمته ~~التي صدر بها كتاب «مبادئ الفلسفة الديكارتية»؛ فهو أفضل طريقة للوصول ~~إلى اليقين، وللتخلص من الخلط الذي اتسمت به الفلسفات السابقة. وهنا يعد ~~اتباع اسپينوزا لهذا المنهج تحقيقا لأمنية سبق أن أعرب عنها ديكارت، ~~ومهد لها الطريق بكشوفه الرياضية، وبمحاولته تطبيق منهج الرياضة على ~~الفلسفة في «الرد على الاعتراض الثاني» (الملحق بكتاب «التأملات»). ~~(ب) # ويقرب من ذلك ms031 القول بأن اسپينوزا أراد أن يتجنب الأسلوب البلاغي والإطناب ~~الذي يرتبط عادة بالكتابة المسترسلة، # 3 # وأن يكتب على نحو يوصله مباشرة إلى الحقائق، ويضمن لقارئه ~~أقل قدر ممكن من المؤثرات الانفعالية التي تبعد ذهنه عن الموضوع الحقيقي. # 4 ~~(ج) # وهناك رأي يربط ربطا قويا بين صورة تفكير اسپينوزا ومحتواه ويؤكد أن ~~استخدام اسپينوزا للمنهج الهندسي لم يكن أمرا عارضا أو اختياريا، هو ~~الرأي القائل إن المنهج الرياضي يستبعد الطريقة الغائية في التفكير، وأنه ~~يتفق مع روح المعقولية والإيمان بالعلم السائدة في فلسفة اسپينوزا، ويتضمن ~~دعوة إلى التفكير الدقيق واستبعاد الغائية والخيال المؤدي إلى التشبيه بالإنسان. # 5 # ويؤيد هذا الرأي اسپينوزا ذاته؛ إذ يقول في مقدمة كتاب «البحث السياسي»: ~~«لقد اعتزمت، في خوضي موضوع السياسة، أن أبرهن بطريقة مؤكدة يقينية في ~~الاستدلال ... على أكثر الأشياء اتفاقا مع الواقع الفعلي. ولكي أبحث موضوع ~~هذا العالم بنفس حرية الروح التي نستخدمها عادة في الرياضيات؛ فقد بذلت كل ~~جهدي حتى لا أسخر أو أنعى أو أغضب، بل لأفهم أفعال البشر. ولهذه الغاية ~~نظرت إلى الانفعالات كالحب والكراهية والغضب والحسد والطموح والشفقة وغير ~~ذلك مما يعكر صفو الذهن، لا على أنها رذائل في الطبيعة البشرية، بل على ~~أنها خصائص مرتبطة بهذه الطبيعة، مثلما يرتبط الحر والبرد والعواصف والرعد ~~وما شابه ذلك بطبيعة الجو، وهي كلها ظواهر، وإن تكن معكرة، فإنها مع ذلك ~~ضرورية، ولها أسبابها الضرورية.» # 6 ~~(د) # ويربط «برنشڨك # Brunschwicg ~~» بين المنهج ~~الهندسي عند اسپينوزا وبين نظريته عن الحقيقة، فيقول: «إن الحقيقة عند ~~اسپينوزا طابع كامن في الفكرة، والفكرة تتصف بالحقيقة لا لأنها تطابق شيئا ~~خارجا عنها، وإنما لأنها كافية # adéquate ~~؛ ~~أي لأنها فعل ذهني متكامل؛ فالفكرة لا تستمد قيمتها من عدد الأشياء التي ~~تصدق عليها ... وكل معرفة تشكل على مثال الهندسة، بفضل تقدم الذهن الذي يضع ~~ذاته في مواجهة ذاته، وينشر سلسلة الحقائق العقلية بفضل خصوبته الخاصة وحدها.» # 7 # فهنا يغدو المنهج الهندسي خير منهج يعبر عن أفكار فيلسوف يرى ~~أن الحقيقة هي ms032 معيار ذاتها، وأن الفكرة الصحيحة تستمد صحتها من ذاتها، وذلك ~~بطبيعة الحال تفسير مثالي متطرف لموقف اسپينوزا، توجد ضده شواهد لا تقل عن ~~الشواهد المؤيدة له قوة، وربما كانت كفتها هي الأرجح. ~~(ه) # وأخيرا، فإن «ڨندلبنت # Windelband ~~» يربط ~~بين المنهج الهندسي عند اسپينوزا، وبين رأيه في علاقة الله بالعالم. ~~فاسپينوزا في رأيه، يتأثر بالفكرة الدينية القائلة إن الأشياء تصدر عن ~~الماهية الإلهية الواحدة، ومثل هذه الفكرة «تقتضي منهجا للمعرفة الفلسفية ~~تستمد في الآن نفسه من فكرة الله أفكار الأشياء جميعا؛ ففي الفلسفة الحقة ~~ينبغي أن يكون نظام الأفكار هو ذاته النظام الفعلي للأشياء، ولكن هذا ~~يستتبع وجوب النظر إلى العملية الفعلية التي تصدر بها الأشياء عن الله من ~~خلال تشبيهها بالظهور المنطقي للنتيجة من أساسها (مقدمتها) أو سببها. وهكذا ~~كانت طبيعة المنهج الذي حدده اسپينوزا للمشكلة الفلسفية تتضمن مقدما ~~الطابع الميتافيزيقي لحلها.» # 8 # وفي موضع آخر يشرح «ڨندلبنت» الفكرة ذاتها شرحا أدق، فيقول: ~~إن اسپينوزا لا يعترف بأن علاقة الله بالعالم علاقة خلق، وإنما يتلو ~~العالم بالضرورة من طبيعة الله، مثلما يتلو من تعريف المثلث كون مجموع ~~زواياه قائمتين؛ فالعلاقة إذن منطقية رياضية، أشبه بعلاقة المقدمة أو ~~الأساس بالنتيجة، وهي كذلك لا زمانية، شأنها شأن الموضوعات الهندسية. # 9 # وهكذا فإن علاقة «الاستتباع» الرياضية بين الله والعالم هي ~~التي تجعل استخدام المنهج الهندسي - في رأي ڨندلبنت - أمرا لا مفر منه في ~~فلسفة كفلسفة اسپينوزا. # وهذا الرأي، كما هو واضح، يفترض مقدما قضايا معينة سوف نثبت، خلال ~~البحث، خطأ البعض منها؛ فهو يفترض أن اسپينوزا في تحديده للعلاقة بين الله ~~والعالم، متأثر بالأفكار الدينية، وفي هذا فهم غير صحيح لفكرة الله عند ~~اسپينوزا. هذا فضلا عن أن القول إن علاقة الله بالأشياء أشبه بالعلاقة بين ~~تعريف المثلث وبين خصائصه المختلفة، لا يستتبع بالضرورة أن «تعرض» هذه ~~الأفكار ذاتها بالطريقة الهندسية، بل إن من الممكن أن تتخذ عملية «العرض» ~~أي شكل آخر. ~~(2) المنهج الهندسي بوصفه طريقة مصطنعة للتعبير # كان أصحاب الآراء السابقة جميعهم ms033 يؤكدون أن المنهج الهندسي أمر تحتمه فلسفة ~~اسپينوزا، وأنه بوصفه شكلا للتعبير، يرتبط أوثق الارتباط بمحتوى الأفكار التي يعبر ~~عنها. # وسنبحث الآن في التفسير الثاني، الذي ينظر فيه إلى المنهج الهندسي على أنه طريقة ~~مصطنعة في التعبير، وبالتالي على أنه يستخدم، لا لإيضاح آراء اسپينوزا وإلقاء ضوء ~~عليها، وإنما لإخفاء جوانب معينة، أو لإظهارها، في أعين فئة معينة من الناس، بمظهر ~~مخالف لحقيقتها. # وأول ما ينبغي أن نبحثه في هذا الصدد، هو السؤال: هل كانت طريقة اسپينوزا في تدوين ~~أفكاره تتفق مع طريقة ظهور هذه الأفكار؟ أعني هل تكونت أفكار اسپينوزا ذاتها على شكل ~~قضايا وبراهين ونتائج، أم أنها تكونت بطريقة مسترسلة متصلة، ثم نظمها هو فيما بعد ~~بالمنهج الهندسي، واتخذ من هذا المنهج طريقة لعرض هذه الأفكار؟ لا شك أن الاحتمال ~~الثاني هو الصحيح؛ فلا بد أن الأفكار قد ظهرت أولا بالطريقة التي تظهر بها في جميع ~~الأذهان، وبعد ذلك صاغها اسپينوزا في قالب هندسي، فالمنهج إذن يمثل خطة متعمدة في ~~عرض الأفكار بتسلسل خاص قد يكون مخالفا تماما للتسلسل الذي ظهرت به في ذهن صاحبها، ~~وبأسلوب مخالف للأسلوب الذي كان يمكن أن يعرضها به لو تركها تعبر عن ذاتها دون تغيير ~~لمجراها الطبيعي. # هذه الحقيقة تؤدي بنا مباشرة إلى التفكير في الأسباب التي ربما كانت قد دفعته إلى ~~اصطناع هذا المنهج وتعمده. أما القول بأن اسپينوزا قد استخدم هذا المنهج لتأكيد ~~النظرة الرياضية إلى الأشياء، فهو، كما يقول ولفسون، قول غير دقيق؛ ذلك لأن النظرة ~~الرياضية إلى موضوعات الفلسفة لا ترتبط بالضرورة بطريقة هندسية في التعبير أو العرض ~~الأدبي. وكل ما تؤدي إليه النظرة الرياضية في الفلسفة هو إنكار غائية الطبيعة وحرية ~~الإنسان. غير أن هذه أفكار لا تقتضي التعبير عنها بالصورة الهندسية وحدها، فليس من ~~الصحيح أن الشكل الهندسي في التعبير هو وحده الملائم للمحتوى الرياضي في التفكير. # 10 # ومن الواجب أن نتذكر في هذا الصدد أن ما ~~يصح على الهندسة لا ينبغي أن يصح على الفلسفة ms034 بالضرورة، فعندما يتبع ذلك المنهج في ~~الرياضيات، يعرف كل رمز بدقة، ويستطيع الرياضي أن يتحكم في استدلاله بحيث لا يحدث أي ~~تحريف في معاني الرموز أثناء عملياته الاستدلالية، أما عندما يستخدم في الفلسفة، فإن ~~خطر التحريف يكون قائما على الدوام؛ إذ إن أداة الفلسفة هي اللغة المعتادة، ومن المحال ~~أن تتصف عملية الاستنباط فيها - ولا سيما إذا سارت مراحل طويلة - بنفس الدقة التي ~~تتصف بها في الرياضة. ولو حدث في إحدى حلقات هذه العملية أقل انحراف عن المعنى الدقيق ~~للفظ ما، لازداد هذا الانحراف اتساعا كلما مضى الاستنباط شوطا أبعد، ولأصبحت النتائج ~~النهائية غير موثوق بها على الإطلاق. # ولقد أخذ هيجل على اسپينوزا أنه لا يثبت، في البداية، الحقيقة المطلقة لأفكاره ~~الأولى، وإنما يسلم بها فحسب. وهذا أمر إذا جاز في الهندسة فإنه لا يجوز في الفلسفة، ~~«إذ ينبغي أن يعرف المضمون في الفلسفة على أنه ذو صحة مطلقة.» # 11 # ولكن الذي يحدث أن الكلمات وحدها هي التي تعرف، بوصفها ألفاظا. أما ~~محتواها الفعلي فلا نعرف عنه شيئا، # 12 # ويضيف «ياسپرز» إلى هذا النقد عنصرا آخر هو أن التصورات الأساسية لدى ~~اسپينوزا ليس لها طابع الوضوح الذي تتسم به التعريفات والبديهيات الهندسية، # 13 # وأخيرا فإن «أوبرڨك» يوجه إلى المنهج الهندسي النقدين السابقين، ويضيف إلى ~~ذلك أن اسپينوزا، على عكس إقليدس، لم يكن متسقا مع نفسه في استخدام ألفاظه؛ إذ كان ~~أحيانا يستخدم الألفاظ في أول الحجة بمعانيها المألوفة، ثم يستخدمها في آخرها بمعانيه ~~هو الخاصة، ولا يصل إلى النتيجة التي يطلبها إلا بمثل هذا الخلط المنطقي. # 14 # فهل غابت هذه الحقائق كلها عن ذهن اسپينوزا؟ وهل بدأ كتابه في «الأخلاق» بوضع تعريفات ~~مسلم بها، تتضمن في ذاتها كل النتائج التالية لمذهبه، دون أن يدري أنه يخالف بذلك ~~أساس المنهج الهندسي كله لأنه افترض مقدما كل ما يطلب البرهنة عليه؟ إن معالم فلسفة ~~اسپينوزا تتحدد كلها من تعريفاته الأولى للجوهر والصفة والله، فهل غابت عنه حقيقة ~~المنهج الهندسي إلى هذا الحد، ms035 أم أنه كان يدرك ذلك، ولكنه استخدم «طريقة العرض ~~الهندسية» لتحقيق أغراض أخرى «غير هندسية» كانت في ذهنه؟ وإذا كان هذا صحيحا، فما هي ~~هذه الأغراض؟ # إن «ولفسون» يعلل استخدام المنهج الهندسي بأنه راجع إلى وضوح هذا المنهج من حيث هو ~~طريقة تعليمية، ومن حيث إنه أداة لنفع القارئ. وهكذا يقول: «لقد استخدم المنهج الهندسي ~~دائما لنفع القارئ، وللوضوح الذي يمكن به عرض الحجة في هذا المنهج، لا لأن المذهب ~~الفلسفي ذاته يقتضيه.» # 15 # ونحن نوافق على الشطر الثاني من هذا الرأي؛ لأن محتوى مذهب اسپينوزا في ~~رأينا لا يقتضي حتما التعبير عنه بالمنهج الهندسي، ولكنا نرفض بكل قوة الشطر الأول، بل ~~إنا لندهش من صدور مثل هذا الحكم الساذج من باحث مثل ولڨسون. وحسبنا أن نحتكم إلى ~~الواقع نفسه، لنجده يكذب هذا الرأي؛ فهل شعر أي قارئ بأن المنهج الهندسي قد نفعه، أو ~~يسر فهمه لاسپينوزا؟ إن الجميع، ومنهم معظم الشراح المحترفين، يشكون من تعقد ~~كتابة اسپينوزا بهذا المنهج، الذي يقتضي من المرء تركيزا شديدا، ورجوعا دائما إلى ~~قضايا وبراهين سابقة، حتى ليعجز الذهن في كثير من الأحيان عن تتبع الحجة، فمما لا ~~شك فيه أن مهمة القارئ، نتيجة لهذا المنهج، تغدو أصعب بكثير مما لو كان الكتاب قد ~~عرض بأسلوب مسترسل. ولكم يشعر المرء بالارتياح أثناء قراءته لكتاب الأخلاق، كلما صادف ~~إحدى هذه «الملحوظات» الطويلة الرائعة التي يعرض فيها اسپينوزا أفكاره بطريقة مباشرة ~~غير هندسية، وأستطيع أن أقول: إنني لم أجد كاتبا واحدا، من بين جميع من قرأت لهم، ~~يقول: إن المنهج الهندسي يسر عليهم فهم اسپينوزا، فكيف يقول ولفسون، بعد هذا كله، ~~إن المنهج الهندسي قد استخدم «لنفع القارئ»؟ # إنني أعتقد، على العكس من ذلك، أن من الأغراض التي استخدم من أجلها هذا المنهج، ~~التعقيد المتعمد على القارئ. وسأشرح فيما بعد ما أعنيه بذلك بالتفصيل، وأود هنا أن ~~أورد شهادة فيلسوف معروف، انتهى إلى رأي مضاد تماما لرأي ولفسون في هذا الصدد، هو ~~نيتشه؛ فهو يرى أن ms036 اسپينوزا قد استخدم هذا المنهج «ليبث الرعب على التو في قلب ~~المهاجم الذي يجرؤ على إلقاء نظرة على تلك الفتاة المصونة، ربة الحكمة الأثينية ...» # 16 # أي إنه أراد أن يخيف القارئ بالتعقيد الشديد الذي تبتدئ به كتاباته؛ حتى لا ~~يستطيع النفاذ إلى الأعماق الحقيقية لأفكاره وتوجيه النقد اللازم لها، فإذا كان نيتشه، ~~وهو على الأقل قارئ ممتاز، قد حكم بأن اسپينوزا يرمي إلى تعجيز القارئ، ألا يكون للمرء ~~أن يدهش لوصف ولفسون للمنهج الهندسي بأنه طريقة تهدف إلى الإيضاح وإلى نفع ~~القارئ؟ ~~(3) الغرض الحقيقي من المنهج الهندسي # لست أعتقد أن اسپينوزا قد استخدم المنهج الهندسي، كما قال أصحاب الفرض الأول، لأنه ~~يرتبط ارتباطا ضروريا بمحتوى فلسفته كلها أو أجزاء منها، وإنما الأرجح في رأيي أن ~~المنهج الهندسي كان طريقة مصطنعة في التعبير، أخذ بها اسپينوزا لأغراض معينة. فلما كانت ~~الأفكار، كما قلنا، تظهر بطريقة غير هندسية، فإن في استطاعة الفيلسوف باستخدام هذا ~~المنهج أن يرتب هذه الأفكار كما يشاء؛ فهو يضع الاستدلالات وفي ذهنه النتيجة مقدما. ~~وهكذا يستطيع أن يتحكم في تسلسل هذه الاستدلالات وفي مراحلها الوسطى، ويعرضها بالترتيب ~~الملائم للهدف الذي حدده في ذهنه. # أما ذلك الهدف فمن المحال، كما قلنا من قبل، أن يكون مساعدة القارئ على الفهم وإيضاح ~~الأفكار له، بل إن التجربة الشخصية لكل قارئ كفيلة بإقناعه بأن الأمر على العكس من ذلك ~~تماما. نحن إذن نوافق، بمعنى ما، على رأي نيتشه القائل إن ذلك المنهج كان يرمي إلى ~~التعقيد على القارئ وإخفاء الآراء الحقيقية عليه - ولكنا لا نقبل تعميم الحكم السابق ~~على هذا النحو، وإنما نعتقد أن من الواجب تخصيصه بحيث يكون هدف المنهج هو إخفاء الآراء ~~الحقيقية على «فئة معينة» من القراء، فما هي هذه الفئة ، ولماذا أراد اسپينوزا أن يخفي ~~عنها آراءه؟ # في رأينا أن اسپينوزا تعمد أن يخفي آراءه عن تلك الفئة التي قد تكون خطرا على ~~فلسفته؛ أعني القراء غير المستنيرين، المتمسكين بحرفية التقاليد الدينية، فاسپينوزا ~~أراد أن يضع ستارا بين ms037 تعاليمه وبين ذهن القارئ المتعصب ذي النفوذ، الذي قد يستطيع ~~الإضرار به في الأوساط الدينية أو السياسية. أما القارئ اليقظ المستنير، الذي يستطيع أن ~~ينفذ إلى مقاصده الحقيقية، ويكون لديه من الجلد ودقة التفكير ما يمكنه من تتبع ~~الخيوط المتشابكة المتداخلة لحججه؛ فهو القارئ الذي يرحب به اسپينوزا، والذي حاول، ~~بطريقته الخاصة المعقدة، أن يكشف له عن سره الحقيقي. # وهناك وسيلتان يمكن بهما إخفاء الآراء في المنهج الهندسي: ~~(أ) # الوسيلة الأولى هي مجرد استخدام طريقة القضايا والبراهين والنتائج ... إلخ. ~~فبهذه الوسيلة يستطيع الفيلسوف أن ينتقل بالقارئ تدريجيا، وربما دون أن ~~يدرك القارئ ذلك بوضوح، إلى إثبات أعقد قضاياه دون أن يتعرض لخطر التصريح ~~بهذه الآراء بطريقة مباشرة؛ فهو مثلا يستطيع أن يوزع فكرته بين قضايا ~~متناثرة، ثم يحيل القارئ إلى هذه القضايا التي تفصل بينها صفحات عديدة، وعن ~~طريق التأليف بين كل هذا يصل القارئ - إذا استطاع - إلى الفكرة التي يريدها ~~اسپينوزا، دون أن يضطر هو إلى عرض هذه الفكرة بطريق مباشر قد يكون فيه خطر ~~عليه. ~~(ب) # الوسيلة الثانية، والأهم في نظرنا، هي «طريقة المعادلات» التي يتيحها ~~المنهج الهندسي، أو الرياضي بوجه عام. فعالم الرياضة مثلا يستخدم رمزا ~~مألوفا لديه، مثل «س»، ليدل به على أعقد الأفكار الرياضية. وقد يستخدم هذا ~~الرمز ليدل على عدد هائل فيقول: س = 17 # 10 ~~، أو ~~على عدد سلبي فيقول: س = −1 أو على عدد أصم فيقول: س = ~~، وهو في كل هذه الحالات يستخدم الرمز س - بعد أن يكون قد ~~أوضح معناه - بكل سهولة ويسر، مع أننا لو حاولنا أن نضع القيمة الحقيقية ~~لهذا الرمز في كل حالة لغدا هذا في نظرنا أمرا عظيم التعقيد أو مستحيلا ~~في بعض الأحيان. # ويبدو أن اسپينوزا قد حرص على أن يستفيد من هذه الصفة في المنهج الرياضي إلى أقصى حد ~~ممكن؛ ففي المعادلات الرياضية، على ما يبدو، طرف مألوف، هو الرمز، الذي تستطيع أن تفهمه ~~بأي معنى تشاء، ثم طرف آخر هو الدلالة الحقيقية لهذا الرمز، وهي ms038 دلالة كثيرا ما تكون ~~عظيمة التعقيد، وبتطبيق «طريقة المعادلات» هذه في الفلسفة، وجد اسپينوزا الحل الذي ~~ينشده، والذي يكفل له عرض أجرأ الآراء وأبعدها عن المألوف في عصره، على نحو ينأى بها ~~عن أفهام العامة، أما الخاصة الذين سيصلون إلى فهمها، فهؤلاء لا خطر منهم على ~~الإطلاق. # ذلك لأن الطرف المقابل للرمز الرياضي س في معادلة مثل س = # هو لغة الفلسفة التقليدية، والطرف المقابل للجذر الأصم هو تعريفات ~~اسپينوزا الخاصة لهذه اللغة. الطرف الأول هو اللغة المدرسية واللاهوتية التقليدية، وهي ~~لغة مألوفة مأمونة يكفي أن يستخدمها المرء في كتابته ليعتقد الناس أنه يتمشى تماما مع ~~تراثهم ويكمله. والطرف الثاني هو المعاني الثورية الجديدة، التي خلت تماما من جميع ~~العناصر الأسطورية، والتي كان يحتشد بها ذهن اسپينوزا المفرط في معقوليته. والحل في نظر ~~اسپينوزا هو أن يضع الطرفين معا في معادلة واحدة، كما يفعل علماء الرياضة، وينبع ~~القارئ إلى هذه المعادلة في البداية؛ فهو يقول أولا: إن س = # ثم يظل يستخدم بعد ذلك الرمز البريء، المألوف، المأمون س، بعد أن ~~نبهك إلى معناه الحقيقي لديه، وبعد ذلك يستطيع أن يطمئن إلى أن القارئ الذكي سوف يستحضر ~~في ذهنه دائما المعنى المعقد # كلما صادف أمامه س. أما القارئ الساذج الذي يجيء منه الخطر الحقيقي، ~~فسرعان ما ينسى ذلك، ويعتقد، كلما شاهد س، أنها نفس الحرف البريء المظهر الذي يألفه في ~~عالمه المعتاد، وبذلك يكون اسپينوزا قد حقق هدفين مزدوجين: أولهما ألا يصل إلى معانيه ~~إلا القادرون ذهنيا على بلوغها، وثانيهما أن يقدم أفكاره إلى السذج في صورة ترضي ~~أذهانهم الضعيفة ولا تنطوي على تحد أو استفزاز لمشاعرهم. # وأول دليل على هذا التفسير لدلالة المنهج الهندسي، هو ما يعترف به الجميع من أن ~~اسپينوزا كان يستخدم المصطلحات التقليدية بمعان جديدة؛ فمن المؤلفين القدماء نجد ~~«بيل # Bayle ~~» يقول في قاموسه: «إذا كان المرء يعجز ~~عن فهم ما يعنيه، فذلك بلا شك لأنه أضفى على الألفاظ معنى جديدا كل الجدة، دون أن ~~ينبه قارئه إليه» ms039 (والجزء الأخير باطل قطعا). كذلك قال الشاعر الألماني الكبير جيته ~~(وكان من أكبر المعجبين باسپينوزا) إن كل شخص يستطيع أن يفهم من كتابات اسپينوزا غير ما ~~يفهم الآخر، وأخيرا يقول شوپنهور: «لقد ارتكب اسپينوزا، على العموم، هذا الخطأ الكبير، ~~وهو أنه تعمد إساءة استخدام الألفاظ للدلالة على تصورات تشير إليها في العالم كله ~~أسماء أخرى، وبذلك نزع عنها المعنى الذي ينسبه إليها الجميع. # 17 # على أن هذه المعاني الجديدة لم تكن اعتباطية تماما، كما اعتقد هؤلاء المفكرون، وإنما ~~كان اسپينوزا يعدها أكثر اتساقا مع طبيعة الألفاظ والتعبيرات التي يعرفها، فاستخدام ~~هذا المنهج يحقق في رأيه هدفين؛ إذ يعطي لآرائه الثورية مظهرا بريئا، ويؤدي في الوقت ~~ذاته إلى تفسير أكثر اتساقا للمشاكل التقليدية التي أخطأ فهمها القدماء. # وفي ضوء هذا التفسير للمنهج الهندسي، نستطيع أن نقول إن المنهج، بهذا المعنى، لا ~~يقتصر على كتاب «الأخلاق» وحده. حقا إن هذا الكتاب - من بين كتب اسپينوزا الناضجة - ~~هو وحده الذي ألف في صورة قضايا مبرهن عليها هندسيا، غير أن اسپينوزا يستخدم في ~~المؤلفات الأخرى بدورها «طريقة المعادلات»، بمعنى أنه يأتي بتعريفات جديدة لألفاظ ~~مألوفة ويعتمد على قدرة ذهن القارئ على تتبع هذه المعاني على الدوام. وسنضرب لذلك ~~أمثلة قليلة من كتاب «البحث اللاهوتي السياسي». # فلنتأمل مثلا تعريفا كهذا: «أعني بمعونة الله، النظام الثابت المحدد للطبيعة، أو ~~سلسلة الحوادث الطبيعية ... بحيث إن القول بأن كل شيء يحدث وفقا لقوانين طبيعية، والقول ~~إن كل شيء يحدث بأمر الله، يعنيان نفس الشيء ... وهكذا فإن كل ما تستطيع الطبيعة البشرية ~~أن تزود به نفسها بجهودها الخاصة في سبيل حفظ وجودها، يصح أن يطلق عليه اسم العون ~~الإلهي الباطن، بينما أن كل ما يعود على الإنسان بالنفع بفعل أسباب خارجية يمكن أن ~~يسمى بالعون الإلهي الظاهر.» # 18 # وفي موضع آخر يعرف اسپينوزا الأمر الإلهي، والإرادة والعناية الإلهية، بأنها نظام ~~الطبيعة كما يتلو بالضرورة من قوانينها الأزلية. # 19 # ويعرف اسپينوزا الطاعة الإلهية بأنها حسن معاملة الناس فحسب، ثم يعرف ms040 الإيمان بعد ~~ذلك بأنه «معرفة لله بدونها تستحيل طاعته ويتضمنها فعل الطاعة هذا وحده.» # 20 # والنتيجة الواضحة هي أن الإيمان يغدو في هذه الحالة معادلا للمعاملة ~~الطيبة للناس فحسب. # في هذه الحالات السابقة - التي يحفل ذلك الكتاب بأمثالها - يستخدم اسپينوزا «طريقة ~~المعادلات»، دون أن يكون قد استخدم المنهج الهندسي صراحة. وهو يضع معادلات غاية في ~~الخطورة، يأتي فيها بألفاظ تقليدية مثل الأمر الإلهي، والمعونة الإلهية، والعناية ~~الإلهية، وبتعريفات جديدة تتفق تماما مع الروح العلمية ومع المعقولية. وهو يمضي بعد ذلك ~~في استخدام هذه الألفاظ والتعبيرات التقليدية، بعد أن نبه القارئ اليقظ إلى ما يقصده ~~منها، ولكن كم من قراء اسپينوزا يتبع تعاليمه هذه؟ وكم منهم يبعث في ذهن كلمة «القانون ~~الطبيعي» كلما صادف لدى اسپينوزا لفظ «الأمر الإلهي أو العناية الإلهية» مثلا؟ وكم ~~منهم يتذكر القيمة الحقيقية للرموز المألوفة التي يستخدمها في كتاباته؟ # إن القليلين جدا ممن كتبوا عن اسپينوزا هم الذين تنبهوا إلى وجود هذه المحاولة ~~لإخفاء آرائه الحقيقية في كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» ومن هؤلاء القليلين سنذكر ~~اثنين: ~~(أ) # فمنهم «ماثيو أرنولد» الذي يقول: «إن أي قارئ ذكي لا يستطيع أن يقرأ ~~البحث اللاهوتي السياسي دون ... أن يحس بأنه يفتقر، بمعنى ما، إلى أساس ~~وبأنه في حاجة إلى دعائم، وبأن هذا الأساس وهذه الدعائم لا توجد، على أية ~~حال، في الكتاب نفسه، ومن الواجب، إن كان لها وجود، أن تلتمس في الكتابات ~~الأخرى للمؤلف.» # 21 ~~(ب) # ومنهم «ليوشتراوس» الذي يقول عن اسپينوزا: إنه كان في ذلك الكتاب «حذرا ~~بمعنى أنه لم يذكر الحقيقة كلها بوضوح وصراحة، بل أبقى عباراته، بقدر ~~إمكانه، في الحدود التي تفرضها تلك المطالب التي عدها مطالب مشروعة لمجتمعه.» # 22 # ثم يضع القاعدة الآتية: «إن القاعدة السليمة لقراء «البحث ~~اللاهوتي السياسي» هي أنه، في حالة التناقض، ينبغي أن ينظر إلى الرأي الأشد ~~تضادا مع ما يعتقد اسپينوزا أنه هو رأي العامة، على أنه هو المعبر عن ~~رأيه الصحيح ... فاتباع هذه القاعدة في القراءة هو الوسيلة ms041 الوحيدة التي ~~تمكننا من فهم تفكير اسپينوزا كما كان يعنيه تماما، ومن تجنب خطر الانخداع ~~بأساليبه ~~الاسترضائية # his accommodations ~~». # 23 # وفي رأينا أنه إذا كان اسپينوزا قد تعمد هذا الإخفاء في البحث اللاهوتي السياسي، ~~فقد كانت وسيلته إلى ذلك هي اتباع «طريقة المعادلات» التي أشرنا إليها، والتي يمكن، ~~بشيء من التوسع، أن تعد بدورها تعبيرا عن المنهج الهندسي. # فالمنهج الهندسي إذن أوسع نطاقا مما يبدو لأول وهلة، وهو في جميع مؤلفات اسپينوزا ~~(كما ذكرنا في المقدمة) يمثل اختبارا نفسيا لقدرة الذهن على التخلص من الارتباطات ~~التقليدية للألفاظ إذا طلب إليه ذلك. وإذا حكمنا على الأمر من عدد الذين رسبوا في هذا ~~الاختبار - ومنهم عدد ضخم من كبار المفسرين والفلاسفة المحترفين - فلا بد أن المعاني ~~التقليدية للألفاظ ترسخ فيها، لا سيما إذا كانت كالألفاظ اللاهوتية مشحونة بارتباطات ~~نفسية قوية، إلى حد تضطر معه هذه الأذهان إلى الرجوع إليها رغما عنها مهما طلب ~~إليها أن تستبدل بها غيرها. ~~••• # ولكن هذا التفسير الذي نقول به للمنهج الهندسي يحتاج إلى دعامة أخرى بدونها ينهار ~~فرضنا هذا من أساسه. فلماذا كان اسپينوزا حذرا وما هي مظاهر هذا الحذر عنده؟ للإجابة ~~على هذا السؤال ينبغي أن نرجع إلى مؤلفات اسپينوزا ذاتها، وإلى ظروف حياته وعصره، ~~لنستخلص منها أسباب الحذر ومظاهره، وسوف نأتي في القسم التالي بالشواهد الكفيلة بإثبات ~~هذا الرأي على نحو قاطع. ~~(4) أسباب حذر اسپينوزا ومظاهره # كان حذر الكتاب من نتائج آرائهم الجريئة في القرن السابع عشر حقيقة واقعة، وصحيح أن ~~اسپينوزا قد عاش فترة من حياته في ظل جمهورية مستنيرة هي جمهورية «دي ڨيت»، غير أن ~~القوى التي كانت تقاوم اتجاه التسامح هذا كانت عديدة؛ فقد كانت هناك الأوساط الدينية ~~المتعصبة من جهة، والدوائر السياسية الاستبدادية التي تشجع في سبيل الوصول إلى مآربها ~~أشد الحركات الدينية رجعية، وأشد الاتجاهات الاجتماعية ظلما. وبالفعل أحرزت هذه ~~السياسة الرجعية انتصارها الحاسم الذي قتلت فيه «دي ڨيت» وشقيقه ومثلت بهما وعاد ~~التعصب وضيق الأفق ظافرا من جديده، على ms042 يد أسرة أورانج. فإذا كنا نجد من الكتاب من ~~يقول: إن اسپينوزا كان فيلسوف النظام الجمهوري في عهد «دي ڨيت»، فذلك في الواقع لم يكن ~~تملقا منه أو رغبة في مسايرة الحكم، وإنما كان دفاعا عن تلك الفترة القصيرة من الحرية ~~الفكرية، أو على الأصح عن قدرته على إعلان آرائه دون التعرض لخطر شديد. # ومع ذلك فقد كانت الأخطار موجودة وشديدة، حتى أثناء العهد الجمهوري، وكل ما في الأمر ~~هو أن الحاكم، في هذه الحالة الأخيرة، كان يتولى بنفسه ضد الهجمات عن المفكرين الأحرار. ~~والحق أننا ما زلنا في القرن العشرين نجد مجتمعات كثيرة تعد آراء كتلك التي أبداها ~~اسپينوزا أخطر من أن يسمح بنشرها، فما بالك بالقرن السابع عشر، وفي تلك الظروف الخاصة ~~التي عاش فيها اسپينوزا؟ # لقد كان مصدر الاضطهاد في عهد اسپينوزا مزدوجا؛ فبالإضافة إلى خطر الحكام والسلطات ~~الدينية الرسمية، كان هناك خطر الطائفة اليهودية التي طردته من بين صفوفها وحرمت ~~كتبه. وعندما وجدت هذه الطائفة أنه لم يرجع عن موقفه منها، وأنه ظل يتحداها بتفكيره ~~المتحرر، حاولت أن تستعدي عليه السلطات المدنية من جهة والسلطات الدينية المسيحية من ~~جهة أخرى. وكانت هذه الطائفة، كما سنرى فيما بعد، تعتقد أن آراءه هذه تهدد كيانها ~~بأسره، وربما جلبت عليها نقمة المجتمع المسيحي الذي تعيش هي أقلية فيه. وهكذا كانت أسرع ~~إلى التبرؤ منه وإلى تحذير السلطات من آرائه حتى لا يلحقها الضرر من انتسابه ~~إليها. # وإذن فقد كان موقف اسپينوزا حرجا يدعوه إلى الحذر إلى أقصى حد؛ فهو أولا قد طرد من ~~طائفته بسبب ما قيل من مروقه وخروجه على الدين؛ أي إن الشبهات كانت تحوم حوله منذ ~~البداية. وهو ثانيا قد أعرب بالفعل فيما بعد عن آراء جريئة إلى أقصى حد، ولا سيما في ~~«البحث اللاهوتي السياسي» الذي كانت جرأته فيه تفوق إلى حد لا يتصور أكثر الآراء ~~تحررا في عصره، وهو ثالثا قد شعر بالفعل ببوادر الاضطهاد تحل عليه، فكان من الطبيعي ~~أن يأخذ في التأهب ms043 لها. # ولقد أورد «فرويدنتال» أكثر من خمسين ~~وثيقة من كنائس مسيحية ويهودية، ومن جهات مدنية وسياسية، ومن معاهد علمية وجامعية، تندد ~~كلها بكتب اسپينوزا ولا سيما «البحث اللاهوتي السياسي»، وتحرم ذلك الكتاب أو تحكم على ~~صاحبه رسميا بالمروق، # 24 # كما قال بيل # Bayle # في مقاله المشهور عن ~~اسپينوزا في قاموسه أن اسم «الاسپينوزيين» أصبح يطلق على «من ليس لهم دين، ولا يعبئون ~~كثيرا بإخفاء ذلك.» بل إن «كوليروس»، مؤرخ حياة اسپينوزا، قد حمل عليه بشدة لأنه لم ~~يعرف عن الله إلا الاسم فقط، ويفهمه بطريقة لم يعرفها أحد من المسيحيين حتى ذلك الحين - ~~ويتساءل كوليروس: «أليس هذا أخطر إلحاد عرفه العالم؟ إن هذا هو ما حدا بالسيد ~~«پورمانوس # Burmannus ~~»، راعي كنيسة الإصلاح في ~~«انكهوسه # Enkhuise ~~» إلى أن يسمي اسپينوزا، عن حق ~~أفجر زنديق عرفه العالم.» ويعدد كوليروس بعد ذلك النقاد الذين ألفوا كتبا في تفنيد ~~آراء اسپينوزا، ومنهم الفلاسفة ورجال الدين والأساتذة، بل والتجار أحيانا، وهي كتب ~~تتسم كلها بأنها تستعدي عليه سلطة الإيمان أكثر مما تناقشه على نفس المستوى العقلي الذي ~~كان يتحدث منه. # ويبدو أن تهمة «الاسپينوزية» أصبحت في ذلك العصر تلقى جزافا على كل رأي يراد قمعه ~~أو كل شخص يراد التنكيل به أو كل انحراف عن النظام السائد سواء في الدين أو السياسة، ~~وسواء أكان الانحراف يرمي إلى الهدم أم إلى البناء - وواضح أن «للاسپينوزية»، في هذه ~~الناحية، مقابلا يناظرها في عصرنا هذا إلى حد بعيد! وهكذا وصل الأمر إلى حد أن ~~الكتاب كانوا يتبارون في انتقاد مذهب اسپينوزا وسب صاحبه، تملقا منهم للسلطات ~~المسيطرة. أما إذا اشتبه في أن مفكرا معينا كان يعطف على اسپينوزا؛ فقد كان هذا ~~المفكر يسارع إلى تفنيد اسپينوزا والحملة عليه علنا، ويتخذ من ذلك وسيلة لتبرئة نفسه ~~أمام الرأي العام، وأمام السلطات الدينية والمدنية، وهكذا يقول فريدمان: «إنه ليس من ~~المبالغة أن نقول: إن الجو العقلي في ذلك العصر كان له تأثير مثبط، بل مفسد للعقول ~~وكان يزيف العملية الفكرية ms044 ذاتها لدى الكثير من هذه العقول.» # 25 # ولقد سبق أن أشرنا من قبل إلى تأثير شهرة اسپينوزا هذه بالمروق في كثير ممن اتصلوا ~~به، ولا سيما ليبنتس؛ فقد حرص ليبنتس بقدر استطاعته على أن يخفي كل أثر لارتباط اسمه ~~باسم اسپينوزا، ولم يذكر عن مقابلاته لاسپينوزا سوى أنها كانت عرضية تناولت موضوعات ~~عامة، مع أن ليبنتس كان من أحرص الناس على الاطلاع على كل ما كتبه اسپينوزا، فضلا عن ~~أنه ناقشه فيها مناقشات مستفيضة أثناء زيارته له في هولندا. # وهكذا كان الجو في ذلك العصر يحتم على ~~الكاتب إما أن يتمشى مع الآراء السائدة أو أن يكون حذرا في كتابته، ويضع قناعا على ~~شخصيته الحقيقية. وقد اختار ليبنتس الطريق الأول، أما اسپينوزا فقد اختار الطريق ~~الثاني، وآثر أن يستمر في طريق التحرر الفكري، معا محاولته، بقدر الإمكان، ألا يعرض ~~نفسه لسخط السلطات المسيطرة في عصره. وسنرى فيما بعد إلى أي حد نجحت هذه ~~المحاولة. # فلننتقل الآن، بعد بحث أسباب الحذر، إلى ضرب أمثلة لمظاهر هذا الحذر عند اسپينوزا، ~~ومن الطبيعي أن الجزء الأكبر من هذه الأمثلة سوف يستمد من رسائله؛ إذ إنها هي التي ~~تكشف، أكثر من غيرها، عن موقفه الشخصي من المشاكل التي واجهها، على حين أن مؤلفاته ~~ذاتها كانت تبتعد عن النواحي الشخصية من حياته قدر الإمكان. ويمكن القول بوجه عام، إن ~~رسائل اسپينوزا تمثل كلها دليلا واحدا متصلا على أن الحذر كان حقيقة أساسية في ~~حياته، وعلى أنه كان يرى في الآخرين «خطرا دائما»، فلم يفصح لهم عن سريرته أبدا. # 26 ~~(أ) # وأول ما يطرأ على الذهن هنا، من مظاهر الحذر، هو طبيعة الحال إخفاء ~~اسپينوزا لاسمه في كتاباته؛ فالكتاب الوحيد الذي ظهر باسمه خلال حياته هو ~~«مبادئ الفلسفة الديكارتية»، وهو أيضا الكتاب الوحيد الذي لا يتضمن آراءه ~~الفلسفية الخاصة، ومع ذلك فإن اسپينوزا كان يرمي من نشر ذلك الكتاب إلى ~~تنبيه الحكام إلى مكانته الفلسفية، لعل واحدا منهم يضمن له بعد ذلك نشر ~~آرائه الأخرى دون ms045 خوف؛ فهو يقول في رسالته رقم 13: «ربما كشف هذا الكتاب عن ~~وجود أشخاص ذوي مكانة رفيعة في بلادي، يرغبون في الاطلاع على مؤلفاتي ~~الأخرى التي أعرض فيها آرائي الخاصة، وربما عملوا ما من شأنه أن يمكنني من ~~نشرها دون خطر. ولو حدث ذلك، فلن أتوانى بالطبع عن نشر البعض منها، وإلا ~~فسوف ألزم الصمت بدلا من أن أفرض آرائي على مواطني وأكتسب عداوتهم.» وقد ~~سبق أن تحدثنا عن نشره «البحث اللاهوتي السياسي» بغير اسمه، وكتابة اسم ~~ناشر آخر في مدينة أخرى على غلاف الكتاب، وعندما نشرت مؤلفاته المخلفة، ~~حرص أصدقاؤه على أن يحذفوا أسماء مراسليه إذا كانوا هولنديين معاصرين، حتى ~~لا يتعرضوا للخطر. ~~(ب) # ولقد دارت بين اسپينوزا وبين «أولدنبرج» مراسلات طويلة يلح عليه فيها هذا ~~الأخير على نشر كتبه، ويلزم الأول الحذر لأنه يعرف خطورتها أكثر مما يعرف ~~ذلك أولدنبرج. وتكرر هذا الإلحاح، وهذا الرفض الحذر، مرات عديدة: # ففي الرسالة رقم 3 يطلب أولدنبرج إلى اسپينوزا أن يجيبه ~~إجابة واضحة على أسئلة معينة حول فكرة الجوهر والله ... إلخ، ~~ويلح عليه أن يقتنع «بأن جميع الشروح التي ستتفضل بها علي ~~ستظل في طي الكتمان لئلا يؤدي إفشائي لها إلى إفسادها أو إلى ~~الإضرار بك.» ويبدو أن أولدنبرج يحاول في هذه الرسالة كسب ثقة ~~اسپينوزا بالحديث عن جماعته العلمية التي تفسر الأشياء كلها ~~تفسيرا ميكانيكيا، «دون حاجة إلى الالتجاء إلى الصور غير ~~المفهومة والكيفيات الخفية، وهي الملجأ الهين للجهلاء.» # ويفضي اسپينوزا إلى أولدنبرج في الرسالة رقم 6 ببعض ~~مشروعاته، فيقول: «لقد ألفت في هذا الموضوع [العلة الأولى] ~~وفي تطهير الذهن مؤلفا كاملا، وأنا أعمل الآن على تدوينه ~~وتنقيحه. ولكني أترك هذا المؤلف أحيانا؛ إذ لم أتخذ بعد ~~قرارا بشأن نشره؛ فأنا أخشى فعلا أن يصدم رجال اللاهوت في ~~زمننا هذا، وأن يهاجموني بطريقتهم الكريهة، وأنا على ما تعلم ~~من خوف المشاحنات.» وفي الرسالة ذاتها يطلب إليه أن ينبئه ~~بالنقاط التي قد تغضب مثل هؤلاء الناس، إذ إنه «... لا يقول ~~بذلك الانفصال ms046 بين الله والطبيعة، الذي قال به الكتاب الآخرون، ~~على قدر علمي بهم؛ ولهذا أطلب رأيك» ... فيرد عليه أولدنبرج في ~~الرسالة السابعة ملحا عليه أن ينشر كل ما كتبه، ويدعوه إلى ~~أن يتجاهل ذوي الأفق الضيق: «فلتطرح جانبا يا سيدي كل خوف من ~~إغضاب جهلاء عصرنا؛ فقد طال امتداح الناس للجهل والحمق أكثر ~~مما ينبغي.» # وفي الرسالة 14 يعاود أولدنبرج إلحاحه على اسپينوزا، فيقول: ~~«اسمح لي أن أعرب لك أيضا عن أسفي لرفضك نشر المؤلفات التي ~~تعترف بأنها تنتسب إليك في بلد فيه من الحرية ما يتيح للمرء أن ~~يفكر ويعبر عن أفكاره كما يشاء، ولكم كنت أود أن تتحرر من ~~هذه المخاوف لا سيما وفي إمكانك أن تحذف «اسمك، فتكون بذلك ~~بمنأى عن كل خطر».» # ويتكرر إلحاح أولدنبرج في الرسالة رقم 31؛ إذ يقول: «لم ~~التردد يا صديقي؟! ومم تخاف؟! جرب وابدأ وقم بهذا العمل ~~الهام، وستجد أصوات الفلاسفة جميعا ترتفع لحمايتك ... إن الشك ~~لا يساورني أبدا في وجود شيء في ذهنك يهدد بالخطر وجود الله ~~والعناية الإلهية؛ وطالما أن هذه الدعامة قد حفظت، فسيكون ~~الدين مرتكزا على أساس متين، وسوف يتسنى الدفاع عن جميع ~~الأفكار الفلسفية أو تبريرها، فلتكف إذن عن التباطؤ ولا تقطع ~~جهودك.» # ويبدو أن اسپينوزا قد أحسن الظن وقتا ما بالجو السائد في ~~عصره، أو أنه خضع لهذا الإلحاح ولغيره، فحاول أن ينشر كتاب ~~«الأخلاق» بالفعل؛ إذ يقول لأولدنبرج في الرسالة رقم 68: «إنه ~~كان يعتزم الذهاب إلى أمستردام لتسليم الكتاب إلى الطابع، ثم ~~بلغه أن هناك شائعات قوية تتردد بأنه سيطبع كتابا يثبت فيه ~~عدم وجود إله، وانتهز رجال الدين هذه الفرصة فقدموا ضده شكاوى ~~إلى الحكام والأمراء، بل إن أنصار ديكارت أنفسهم لم يخفوا ~~كراهيتهم له. وهكذا قرر إرجاء النشر حتى يرى ما تسفر عنه ~~الحوادث.» ~~(ج) # وحينما علم اسپينوزا أن شخصا سيترجم كتابه «البحث اللاهوتي السياسي» إلى ~~اللغة الهولندية، سأل صديقه «يلس # Jelles ~~» في الرسالة رقم 44، عن صحة هذا الخبر، وألح عليه أن ~~يحول دون ms047 ذلك إذا استطاع؛ إذ إن الكتاب سيمنع من التداول حتما إذا ما نشر ~~بالهولندية. ~~(د) # وتحفل رسائل اسپينوزا بالشواهد على أنه لم يشأ أن يطلع أحدا على ~~كتاباته إلا من كان في رأيه قادرا على فهمها فهما صحيحا؛ ففي الرسالة ~~رقم 70 يحدثه صديقه «شولر» عن صديق ثالث لهما هو «تشيرنهاوز» سأله العالم ~~الهولندي الكبير «هويجنز # Huygens ~~» إن كانت ~~لدى مؤلف البحث اللاهوتي السياسي كتب أخرى، فرد تشيرنهاوز بأنه لا يعرف ~~إلا «مبادئ الفلسفة الديكارتية»، ويقول صاحب الرسالة بعد ذلك: «إن ~~تشيرنهاوز لم يضف إلى ذلك شيئا عنك، وهو يأمل ألا يكون في هذا ما ~~يكدرك». وفي الرسالة ذاتها يبلغه أن تشيرنهاوز يرى في ليبنتس أهلا للاطلاع ~~على مؤلفات اسپينوزا «بشرط أن توافق أنت على ذلك ... أما إذا لم توافق، فلا ~~تخش شيئا؛ إذ إنه سيحتفظ بكتاباتك التي لم يذكر عنها شيئا حتى ~~الآن.» # وهكذا يبدو أن اسپينوزا قد نقل الحذر إلى أصدقائه وتلاميذه، وأنه كان ~~يطلب إليهم أن يستشيروه أولا قبل نقل آرائه إلى أي شخص، ومن الواضح أنه ~~كان يودع لديهم نسخا، وربما أجزاء، خطية من قضايا كتاب الأخلاق، وألا ~~يسمح لهم بأن يطلعوا عليها أحدا إلا بعد موافقته؛ إذ إن هويجنز قد اطلع، ~~كما رأينا، على البحث اللاهوتي، كما أن «مبادئ الفلسفة الديكارتية» كان ~~منشورا باسم اسپينوزا. فلا بد أن إشارة تشيرنهاوز إلى المؤلفات الأخرى ~~كانت تعني نسخة خطية تامة أو ناقصة من «الأخلاق». ~~(ه) # وأخيرا، فليس أدل على أن الحذر كان حقيقة واقعة في حياة اسپينوزا، من ~~أنه قد نقش على خاتمه كلمة «حذار!» باللاتينية ~~( # Caute ~~) وجعل من هذه الكلمة شعارا له ~~في حياته. ~~(4-1) عودة إلى المنهج الهندسي # هذه الشواهد السابقة كلها تقطع بأن مشكلة التفرقة بين المعنى الظاهر، والمعنى ~~الفعلي الباطن لكتابات اسپينوزا كانت مشكلة حقيقية، وأن المرء لا يستطيع أن يفهم ~~فلسفته حق الفهم إذا تغاضى عن هذه الفكرة الهامة، فكرة وجود «قناع» أو «سر » في ~~فلسفة اسپينوزا. وفي رأينا أن الدلالة الكبرى ms048 للمنهج الهندسي هي أنه يتيح للكاتب ~~مثل هذا القناع الذي يخفى سره الحقيقي. # وحين نقول ذلك لا نعني أن هذا هو الغرض الوحيد من استخدام المنهج الهندسي؛ فقد ~~صرح اسپينوزا نفسه بأنه أراد أن يستخدم هذا المنهج ليستبعد من تفكيره كل عامل ~~شخصي، ولكي يبحث في انفعالات البشر بنفس الموضوعية التي يبحث بها عالم الهندسة في ~~النقط والخطوط والسطوح. ونحن لا ننكر هذا الهدف على الإطلاق، ولكننا نعتقد في الوقت ~~ذاته أن المنهج الهندسي، إذا ما نظر إليه في ضوء ظروف اسپينوزا التي أشرنا إلينا ~~من قبل، يغدو في يده وسيلة لإخفاء آرائه الحقيقية عن القراء السطحيين، بحيث لا ~~يتوصل إليها إلا المدققون، الذين يكون لديهم من العمق العقلي ما لا يجعلهم خطرا ~~عليه. # ولقد توسعنا من قبل في فهم المنهج الهندسي، من حيث إنه يلجأ إلى طريقة ~~المعادلات، وقلنا إنه بهذا المعنى يمكن أن يعد مطبقا في مؤلفات اسپينوزا، ~~ولا سيما «البحث اللاهوتي السياسي»، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن أكمل ~~وأدق تطبيق له كان في كتاب «الأخلاق»، الذي استخدم فيه الأسلوب الهندسي من جهة، ~~و«طريقة المعادلات» من جهة أخرى، بكل براعة. # وما دام المنهج الهندسي في رأينا وسيلة للحذر، وما دام مطبقا على أكمل وجه ممكن ~~في كتاب «الأخلاق». فلا بد أن هذا الكتاب هو أشد كتب اسپينوزا حذرا، وأبعدها عن ~~التعبير، بطريقة مباشرة، عن آراء اسپينوزا. وهذا الرأي مناقض تماما لرأي ~~«فريدمان»، الذي يقول فيه: إن اسپينوزا كان يحتاط في «البحث اللاهوتي»، بينما لم ~~يكن يحتاط أبدا في كتاب «الأخلاق»: «الذي أماط فيه اللثام، دون مواربة، عن جوهر تفكيره.» # 27 # ونحن نعترف بأن اسپينوزا كان حذرا في كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» بقدر ما ~~استخدم فيه «طريقة المعادلات»، كما ذكرنا من قبل ولكن لا جدال في أنه، مع حذره ~~هذا، لم يتمكن من إخفاء آرائه؛ إذ إن هذا الكتاب كان هو السبب فيما لحقه من اضطهاد، ~~بينما كتاب «الأخلاق » لم ينشر في حياته على الإطلاق، وسنرى فيما ms049 بعد أمثلة عديدة ~~لآراء أبداها اسپينوزا في هذا الكتاب وكان أقلها كفيلا باستعداء السلطات الدينية ~~عليه. # ونستطيع أن نقول إن التجربة ~~المريرة التي عاناها اسپينوزا من «البحث اللاهوتي» قد أقنعته بأن حذره في هذا ~~المجال غير كاف. وهكذا قرر أن يتمسك بطريقة العرض الهندسية. وكان الوقت أمامه ~~فسيحا؛ فقد رأينا كيف أن كتاب «الأخلاق» قد عاصره طيلة حياته الناضجة كلها ~~تقريبا. وقد كان الجزء الأكبر منه تاما في 1665م، وعندما ظهر «البحث اللاهوتي ~~السياسي» في 1670م، ظلت أمامه سبع سنوات كاملة حتى وفاته عام 1677م، لا عمل له فيها ~~(بالإضافة إلى الرسائل القصيرة التي لم يتمها في السياسة وإصلاح العقل) إلا صقل هذا ~~الكتاب وزيادة إحكامه، ومن الطبيعي أنه كان يستفيد خلال ذلك بالتجارب التي اكتسبها ~~من رد الفعل على «البحث اللاهوتي»، ويستخدم طريقة العرض الهندسية في توزيع أفكاره ~~بين أجزائه المختلفة وعرضها على النحو الذي يضمن له أكبر قدر من السلامة الشخصية، ~~ولو لم نفترض ذلك لكان اسپينوزا قد ظل طوال السنوات السبع الأخيرة من حياته خاملا ~~تقريبا. فكيف إذن يقال على كتاب صيغ بمثل هذه الطريقة المصطنعة، ومر بكل مراحل ~~الصقل هذه، أنه تعبير «مباشر» عن آراء صاحبه؟ ~~(5) هل كان اسپينوزا يفتقر إلى الشجاعة والإخلاص في تعبيره؟ # من أقوى الاعتراضات التي توجه إلى القول بوجود معان خفية لآراء اسپينوزا تكمن من ~~وراء تعبيراتها الظاهرة - وهو القول الذي يرتكز عليه تفسيرنا لدلالة المنهج الهندسي - ~~أن ذلك معناه أن اسپينوزا كان مخادعا بمعنى ما؛ لأنه لم يصرح مباشرة بما في ذهنه. ~~وهذا أمر يتنافى مع ما عرف عنه من شجاعة عقلية. # ويستنكر «سليڨان # Sullivan ~~» هذا الافتراض بشدة ~~قائلا: «إن مثل هذه النظرة الپرجماتية إلى كلمات اسپينوزا بعيدة عن مزاجه العقلي ~~ونزاهته الذهنية إلى حد يكاد يجعلها مستحيلة التصديق.» # 28 # ويقول في موضع آخر: «لم يبلغ التهور بأحد، فيما أعلم، حدا يجعله يعد ~~هذا اليهودي الطريد مفتقرا إلى الإخلاص، إن من الممكن وصفه بأنه كتوم. وقد كان كذلك ~~بالفعل عادة، ولكنه ms050 عندما كان يصرح بما في ذهنه كان قطعا يعني ما يقول.» # 29 # ويعبر «موريس كوهين» عن الفكرة ذاتها حين يصف اسپينوزا بأنه «غير هياب # fearless ~~»، ويصف القول بأنه عبر عن آرائه ~~الجريئة بلغة دينية لكي يبعد عن نفسه الأذى الشخصي بأنه قول «ممتنع إلى حد يبعث على الرثاء # pathetically absurd ~~». # 30 # ومن هذين المثلين نرى أن الاعتراضات التي يمكن أن توجه إلى التفسير الذي نقدمه ها هنا ~~تنحصر في القول بأن هذا التفسير يؤدي إلى القول بأن اسپينوزا كان يفتقر إلى الشجاعة من ~~جهة، وإلى الإخلاص من جهة أخرى، وهما صفتان تؤكد لنا أبسط دراسة لحياته وشخصيته أن ~~نصيبه منها كان أكبر من نصيب معظم كبار المفكرين من معاصريه. ~~(أ) # ولكي نرد على النقطة الأولى، ينبغي أن نرجع إلى مفهوم الشجاعة عند ~~اسپينوزا ذاته لنجد فيه الجواب. # فتعريفه للشجاعة هو: «أعني بالشجاعة # animositas # الرغبة التي يسعى بها كل إنسان إلى حفظ وجوده ~~وفقا لما يمليه العقل فحسب.» # 31 # هذا التعريف قد يكون مخالفا تماما للتعريفات الشائعة التي لا ~~تذكر شيئا عن حفظ الوجود، ولا عما يمليه العقل. غير أن تضمن تعريف ~~اسپينوزا لهذين العنصرين يدلنا على طريقته الخاصة في فهم الشجاعة؛ فهو يعد ~~نفسه شجاعا حين يسعى إلى حفظ وجوده، لا خوفا على نفسه، وإنما لن ذلك هو ~~ما يمليه عليه العقل. ومعنى ذلك أن التهور، والتضحية المقصودة لذاتها دون ~~أن يكون من ورائها فائدة لأحد، ولا نصرة لمبدأ ما، ليست في رأيه من الشجاعة ~~في شيء، وطالما أنه صاحب هدف يريد أن يعبر عنه تعبيرا كاملا، فلا قيمة ~~للبطولة الزائفة إذا لم يكن من ورائها انتصار لهذا الهدف أو نشر له، وإذا ~~كانت نتيجتها الوحيدة هي الإضرار به، باسم الشجاعة، على نحو يقضي على ~~الإمكانيات الهائلة لتفكيره. # ولنتأمل ما يقوله اسپينوزا في هذا الصدد في موضع آخر من كتاب «الأخلاق»: ~~«إن فضيلة الرجل الحر تتمثل في توقيه للأخطار بقدر ما تتمثل في تغلبه عليها.» # 32 # وفي البرهان على هذه ms051 القضية يقول: «إن قهر التهور يقتضي من ~~الفضيلة أو العزم ما لا يقل عما يقتضيه قهر الخوف.» وفي نتيجة لهذه ~~النظرية ذاتها يقول: «إن الرجل الحر يبدي من الشجاعة إذا انسحب في ~~الوقت المناسب بقدر ما يبديه إذا أقدم على النضال؛ أي إن الرجل الحر ~~يبدي نفس القدر من الشجاعة أو حضور الذهن، سواء اختار أن يقبل على ~~المعركة أم أن يدبر عنها.» # هذه النظريات والبراهين والنتائج السابقة مرتبطة أوثق الارتباط بتاريخ ~~حياة اسپينوزا، وهي تعبير منه عن تجربته الخاصة في هذه الحياة ومبادئه التي ~~طبقها فيها. ومن القرائن القوية التي تدل على ارتباطها بحياته أنه تحدث ~~في النظريات التي تلي السابقة مباشرة عن علاقة الإنسان الحر بالجهلاء إذا ~~ما عاش بينهم، وهو تسلسل لا يبرره إلا الارتباط بين فهمه لشجاعة الإنسان ~~الحر، التي تتمثل في توقي الخطر مثلما تتمثل في التغلب عليه، وبين ~~الظروف التي يعيش فيها هذا الإنسان الحر وسط جهلاء، وهي نفس الظروف التي ~~عاش فيها اسپينوزا. # ويتحدد الطرف الثاني في مشكلة اسپينوزا من القضية التي ترد بعد ذلك ~~بقليل، والتي يقول فيها: «إن الإنسان الحر لا يغش أبدا، بل يسلك دائما ~~سلوكا أمينا.» # 33 # وهكذا تصبح المشكلة الكبرى عنده هي: كيف يوفق الإنسان الحر بين السلوك ~~الأمين، وبين وقاية نفسه وسط الجهلاء، وهي الوقاية التي قد تكون، كما ~~رأينا، مظهرا من مظاهر الشجاعة؟ إن الإجابة على هذا السؤال موجودة في ~~كتابات اسپينوزا ذاتها؛ ففي أول قاعدة مؤقتة وضعها اسپينوزا في كتاب «إصلاح ~~العقل» ليسترشد بها في سلوكه خلال بحثه عن الغاية القصوى للإنسان، يقول ~~بالمبدأ التالي: «التحدث بلغة تقرب إلى أفهام عامة الناس، وعمل كل ما من ~~شأنه ألا يعوقنا عن بلوغ غايتنا ... وعلى هذا النحو نكسب جمهورا يستقبل ~~الحقيقة استقبالا وديا.» # 34 # على هذا النحو إذن يكون ~~التوفيق بين الغايتين: نقل أفكاره إلى القراء، وعدم استفزاز مشاعرهم، ولا ~~سيما العامة والجهلاء؛ فالمنهج الذي يتبعه هو من جهة، منهج، «التحدث بلغة ~~قريبة من أفهام العامة» - وقد ms052 استخدم اسپينوزا من الاصطلاحات والعبارات ~~التقليدية ما يفي بهذا الغرض، ولكنه، من جهة أخرى، يشترط «عمل كل ما من ~~شأنه ألا يعوقنا عن بلوغ غايتنا»؛ أي إنه يقبل مثل هذا التحوط والإخفاء، ~~على ألا يكون ذلك على حساب الحقيقة كما يفهمها؛ فهو يريد أن يعبر عن هذه ~~الحقيقة كاملة، ولكن على النحو الذي يضمن عدم استفزاز العامة، وليس في هذا، ~~بالنسبة إلى الظروف التي عاش فيها اسپينوزا، أي افتقار إلى الشجاعة. # ولقد وجد من المفسرين بالفعل من ينظر إلى مظاهر الحذر والتحوط هذه على ~~أنها مظاهر للجبن، ولقي هذا التفسير ترحيبا شديدا في الأوساط النازية؛ ~~إذ نجد في هذه الأوساط كاتبا مثل «جرونسكي» يعدد مظاهر «الجبن» عند ~~اسپينوزا، وضمنها قاعدة التحوط السابقة، وكذلك امتناعه عن نشر مؤلفاته ~~باسمه ... إلخ. ليجد في هذه كلها أدلة على نفاق اسپينوزا وجبنه، # 35 # ومثل هذا التفسير، بطبيعة الحال، يتغاضى تماما، من جهة، عن ~~طبيعة العصر الذي عاش فيه اسپينوزا، وهو عصر لم تكن قد اختفت فيه تماما ~~مظالم محاكم التفتيش وتعصب العصور الوسطى وضيق أفقها، ويغفل من جهة أخرى ~~جرأة آراء اسپينوزا الحقيقية، التي بلغت حدا بجعلها لا تقارن حتى بأكثر ~~الآراء تقدمية في ذلك العصر، وربما لم تبدأ نظائرها في الظهور إلا في النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر، وفي أشد المجتمعات تحررا فحسب. وفضلا عن ~~ذلك، فإن أصحاب هذا الرأي يغفلون الأمر الواقع، وهو أن اسپينوزا قد ~~اتهم فعلا، رغم كل حرصه، بالمروق والخروج على الدين، ولطخت سمعته إلى ~~أبعد حد، حتى أثناء حياته، ولو كان الجبن من خصاله لسحب آراءه هذه على ~~التو. وأخيرا فإن صاحب هذا النقد يتجاهل تصرف مفكر «چرماني» أصيل، هو ~~ليبنتس، حين حرص على إخفاء كل أثر لاتصاله باسپينوزا وتصرف معظم أعضاء ~~المجامع العلمية الألمانية في ذلك الحين، حين كان كل منهم يجعل من تجريح ~~اسپينوزا والطعن فيه وسيلة لتملق السلطات الحاكمة، أو لدفع الشبهات ~~عن نفسه. ~~(ب) # أما الاعتراض الثاني، وهو القائل بأن من المستحيل ألا ms053 يكون اسپينوزا ~~مخادعا غير مخلص في عرضه لأفكاره. فالرد عليه، كما هي الحال في الرد على ~~الاعتراض السابق، هو أن نؤكد أن استخدام اسپينوزا المنهج الهندسي وسيلة ~~لإخفاء آرائه عن فئة معينة من الناس، لا يعني على الإطلاق أنه كان مخادعا ~~أو غير مخلص. # ذلك لأن هناك طريقتين مختلفتين في إخفاء الآراء: إحداهما أن يكتب ~~المفكر ليرضي سلطات أو جهات معينة، أو ليجني لنفسه نفعا خاصا، وفي هذه ~~الحالة يحذف تماما ما هو جريء من أفكاره، أو يكتب فلسفتين، إحداهما ~~ليعبر بها عن نفسه والأخرى ليتملق بها السلطات. وهذا هو النوع الذي ينطوي ~~على خداع، وهو ينطبق، إلى حد ما، على ليبنتس. # والنوع الثاني، الذي يتمثل لدى اسپينوزا، هو ذلك الذي يحرص فيه المفكر ~~على إخفاء آرائه عن فئة معينة من الناس، دون أن يضحي بأي من هذه الآراء أو ~~يحذف شيئا منها وليس في هذا النوع أي خداع أو افتقار إلى الإخلاص. فرغم كل ~~ما يتميز به اسپينوزا من حذر شديد، فإنه لم يخف أية فكرة من أفكاره، ولم ~~يكتب إلا ما كان يؤمن به، ولكنه كان يكتب ذلك «بطريقة» حذرة. فجميع أفكاره ~~الجريئة موجودة دون أن يحذف منها شيء، وكل ما على القارئ هو أن ~~ينقب عنها. # ولم تقتصر أمانة اسپينوزا الفكرية على ذلك، بل إنه أعطى القارئ المفتاح ~~الكفيل بإرشاده إلى آرائه الحقيقية؛ فقد قدم إلى هذا القارئ تعريفات لألفاظ ~~وعبارات تقليدية - لا خطر منها - بمعان ثورية جديدة كل الجدة، وذكر له، ~~من جهة أخرى، أن منهجه هندسي؛ أي إنه ينتظر من القارئ أن يتقيد بهذه ~~التعريفات ويستبدل دائما بالرموز قيمها الفعلية كما حددها له. فإذا عاد ~~بعض القراء فأرجعوا ألفاظه، مرة أخرى، إلى معانيها الشائعة، وإذا ~~أهملوا استخدام تعريفات لأنها، ~~مثلا، بعيدة عن الموضع الذي وردت فيه لأول مرة، أو لأنهم نسوا هذه ~~التعريفات، أو لأن المعاني التقليدية الراسخة لهذه الألفاظ والتعبيرات قد ~~فرضت نفسها عليهم وانزلقت إلى أذهانهم دون أن يشعروا، فلن يكون الخطأ في ms054 ~~هذه الحالة خطأ اسپينوزا، وإنما خطأ هؤلاء القراء، ولا يحق لأي شخص، في هذه ~~الحالة، أن يتهمه بالخداع والافتقار إلى الإخلاص. # وإذن، فاسپينوزا، إذا صح تفسيرنا لمنهجه، بريء تماما من تهمة تعمد ~~الخداع، وكل ما نستطيع أن نقوله عنه هو أنه كان حذرا، ولقد كان له في هذا ~~الحذر كل العذر. ولكنه لم يهادن أحدا على الإطلاق أو يساومه على أفكاره، ~~وظل متمسكا بهذه الأفكار من البداية إلى النهاية، وأرشدنا، فضلا عن ذلك ~~كله، إلى الطريق الصحيح لفهمه. ومع ذلك فما أقل أولئك الذين عرفوا كيف ~~يسلكون هذا الطريق، ويطبقون «معادلاته» الفكرية على نحو شامل متسق! وما ~~أكثر الذين رسبوا في امتحانه النفساني الشاق: امتحان قدرة القارئ على ~~التخلص من ارتباطات غير دقيقة لألفاظ وتعبيرات معينة، وعلى فهمها بالمعاني ~~الصحيحة المتسقة التي طلب إلينا صراحة أن نفهمها بها! ~~(6) تعريفات لبعض مصطلحات اسپينوزا # إذا تأملنا فلسفة اسپينوزا من خلال منهجها الهندسي كما فسرناه في هذا الفصل، لوجدنا ~~أن التعريف الصحيح لمصطلحاتها ينبغي أن يستغرق الجانب الأكبر من أي عرض لهذه ~~الفلسفة، بل إن بعض أوجه هذه الفلسفة لا تعدو أن تكون إيضاحا للمعاني الاسپينوزية ~~الخاصة لمصطلحات مألوفة مثل الجوهر أو الله أو الطبيعة، والحرية والضرورة، والأزلية، ~~والتقوى والخير، والكمال والواقع ... إلخ. فخير عرض وأكمل شرح لهذه الفلسفة هو ذلك الذي ~~يركز اهتمامه في تحديد معاني هذه الألفاظ. وهكذا فإن مشكلة التعريف بالمصطلحات هي، ~~بمعنى معين، مشكلة عرض فلسفة اسپينوزا بأسرها. # ومع ذلك فلا مفر من أن نبدأ بإيضاح موجز لبعض المصطلحات الرئيسية التي يستخدمها ~~اسپينوزا، على أن يعد هذا العرض مجرد نقطة بداية تمكن القارئ من تتبع هذا البحث، ~~الذي لن تكون فصوله التالية إلا إسهابا لهذه التعريفات. فلا بد للقارئ من تعريف مبدئي ~~مؤقت يستعين به على خوض المشاكل المعقدة التي ينطوي عليها تحديد اسپينوزا بدقة. # ولقد ذكرنا في الفصل السابق أن اسپينوزا تعمد استخدام المصطلح الفلسفي التقليدي، ~~كما شاع في العصور الوسطى على الأخص؛ لكي يضفي على فلسفته طابعا ms055 متحفظا أو ملائما ~~لمقتضيات العصر، ولكنه في الوقت نفسه وضع لهذه المصطلحات معاني ثورية سابقة لعصره إلى ~~حد بعيد. ومهمتنا في هذا المدخل الذي نقدمه الآن هي أن نعرض بعض هذه المصطلحات ~~التقليدية، ونشير من بعيد إلى المعاني التي وضعها لها اسپينوزا، على أن يذكر القارئ ~~دائما - كما قلنا من قبل - إن بقية هذا البحث لن يكون إلا تعميقا لمعاني هذه ~~المصطلحات. ~~••• # وأول مسألة ينبغي أن نبحثها في هذا الصدد، هي طبيعة التعريف عند اسپينوزا. وسوف ~~نسترشد في بحث هذه المسألة بآراء اسپينوزا ذاته كما عرضها في الرسالة رقم 9 (إلى سيمون ~~دي فريس). ففي هذه الرسالة يفرق اسپينوزا بين نوعين من التعريف: «تعريف ينطبق على موضوع ~~لا نبحث إلا عن ماهيته، التي تكون هي وحدها موضوع التساؤل، وتعريف يقترح للبحث فقط»؛ ~~فالأول هو تعريف الأشياء الحقيقية الموجودة بالفعل، وهي الأشياء التي نريد معرفة ~~ماهيتها، ومثل هذا النوع من التعريف يحتاج دائما إلى برهان. أما النوع الثاني من ~~التعريف فهو فرضي استنباطي يقترحه الباحث ولا يشترط فيه إلا الاتساق، وهو على هذا ~~الأساس لا يحتاج إلى برهان؛ إذ إنه ليس إلا وسيلة لاستنباط حقائق أخرى فيما بعد، ~~ولجعل البحث التالي ممكنا، ويضرب اسپينوزا لذلك مثلا بالفرق بين وصف معبد سليمان، ~~وبين وصف معبد يتصوره الشخص أو يضع تصميمه في ذهنه؛ ففي هذه الحالة الأخيرة لا يمكن ~~الاعتراض على أي تعريف لهذا المعبد بأنه باطل. # ويرى اسپينوزا أن تعريفاته التي أتى بها للجوهر والصفة ... إلخ. هي تعريفات من النوع ~~الثاني؛ ولذا لم يكن ينبغي أن يطلب لها برهان، وإنما يكفي أن تكون متسقة. وهذا أمر ~~يرتبط - كما هو واضح - بطبيعة الموضوعات التي تتناولها هذه التعريفات؛ إذ إن هذه ~~موضوعات ميتافيزيقية وليست «أشياء» واقعية. ومع ذلك فإن الكثيرين غيره قد عالجوا هذه ~~الموضوعات كما لو كانت واقعية، ولهذا الاختلاف بطبيعة الحال تأثيره الكبير في الموقف ~~الفلسفي العام لكل من الطرفين. ~~(1) # الجوهر: «أعني بالجوهر ما يوجد في ذاته، ويتصور بذاته؛ أي ما لا ms056 نحتاج في ~~تكوين تصور له إلى تصور أي شيء آخر .» # 36 # هذا التعريف هو امتداد منطقي للتعريف التقليدي المألوف، ولا ~~سيما لدى ديكارت، ومع ذلك فإن اسپينوزا يستخلص النتيجة المحتومة لهذا ~~التعريف، وهي النتيجة التي لم يستخلصها ديكارت ذاته، فيقول: إن الجوهر بهذا ~~المعنى لا يمكن إلا أن يكون واحدا، أو على الأصح أنه لا وجود إلا لجوهر ~~واحد لا يخرج عنه شيء. وهذا هو المجال الجديد الذي أدخل فيه اسپينوزا هذه ~~الفكرة التقليدية، وهو كما سنرى فيما بعد مجال له نتائج فلسفية عظيمة ~~الأهمية. # والجوهر بهذا المعنى لا بد أن يكون لا متناهيا. وقد انتقد اسپينوزا ~~بالتفصيل في رسالة رقم 12 إلى «لودڨيك ماير» فكرة الجوهر المتناهي أو ~~المنقسم، مؤكدا أن المعنى الوحيد المتسق مع ذاته لفكرة الجوهر هو ذلك ~~المعنى الذي ترتبط فيه باللانهائية ارتباطا وثيقا. ومن الممكن أن يعد ~~تأكيد فكرة اللانهائية هنا تأكيدا، في الوقت ذاته، لقدم الجوهر، بمعنى أنه ~~غير مخلوق؛ إذ لو كان الجوهر متناهيا أو جزئيا لوجب حتما السؤال عن ~~أساسه أو أصله أو السبب في وجوده، وهو سؤال يستبعده اسپينوزا منذ ~~البداية.» # كما أن الجوهر بهذا المعنى أزلي، وتعريف اسپينوزا للأزلية # aeternitas # هو: «أعني بالأزلية الوجود ~~ذاته، بقدر ما يتصور على أنه يتلو بالضرورة من مجرد تعريف ما هو أزلي.» # 37 # وهو في الشرح يجعل من هذا الوجود مرادفا للحقيقة الأزلية، ~~التي لا يمكن تصورها من خلال فكرة المدة أو الاستمرار أو الزمان وهكذا يعمل ~~اسپينوزا منذ البداية على فصل الأزلية عن الزمان، وتصبح هي أزلية الماهية؛ ~~أعني أزلية الضرورة المنطقية؛ فهي الوجود الأزلي للشيء كما يتلو «بالضرورة» ~~من تعريفه. وهذه الأزلية بعيدة كل البعد عن المعاني الشائعة، ولا سيما ~~المعاني ذات الارتباطات الدينية، لهذا اللفظ؛ إذ إن هذه المعاني الأخيرة ~~ترتبط بفكرة الزمان والمدة رغما عنها. أما أزلية اسپينوزا فهي أزلية ~~الضرورة المنطقية فحسب. # وفضلا عن ذلك فهذا الجوهر موجود بالضرورة؛ أي إن «وجود ينتمي إلى طبيعة الجوهر»، # 38 # ومعنى انتماء ms057 الوجود إلى طبيعة الجوهر أنه لم يلحق به بفضل شيء ~~خارج عنه، وأنه ليس شيئا اكتسبه الجوهر من الخارج؛ أي إن الجوهر ليس مخلوقا. # 39 # ولكي يعبر اسپينوزا عن فكرة الوجود الضروري غير المخلوق هذه، يستخدم ~~فكرة «علة ~~ذاته # Cause ~~sui ~~»؛ فالجوهر الواحد الشامل هو علة ذاته، بمعنى أنه «ما ~~تنطوي فيه الماهية على الوجود؛ أي بعبارة أخرى: ما لا تتصور طبيعته إلا موجودة، # 40 # وسوف نتناول فكرة «علة ذاته» هذه بالتفصيل فيما بعد، وحسبنا ~~أن نشير هنا إلى دلالتها على فكرة الوجود الضروري، غير المخلوق، للجوهر ~~الواحد، الذي يمكن أن يفهم على أنه يعني الله أو الطبيعة. ~~(2) # الصفة # attribute ~~: «أعني بالصفة ما يدركه ~~العقل في الجوهر مكونا لماهيته.» # 41 # ومثل هذا التعريف كان ينبغي أن يسبقه تعريف آخر للفظ ~~«الماهية»، طالما أن اسپينوزا هنا بصدد تحديد معان دقيقة لكل لفظ من ~~ألفاظه. ولكنا لا نهتدي إلى تعريف كهذا إلا في بداية الجزء الثاني من ~~«الأخلاق»، حين يقول: «أعني بما ينتمي إلى ماهية الشيء، ذلك الذي إذا وجد، ~~وجد الشيء أيضا بالضرورة، وإذا غاب، غاب الشيء أيضا بالضرورة، أو بعبارة ~~أخرى: ذلك الذي لا يوجد الشيء ولا يتصور بدونه، ولا يوجد هو ذاته ولا ~~يتصور بدون الشيء.» # 42 # فالصفة بهذا المعنى هي الجوهر ذاته، كما يتكشف للمعرفة، أو كما يفكر ~~العقل في طبيعته. وهذا الجوهر يتكشف لنا، في رأي اسپينوزا، على وجهين: وجه ~~مادي ووجه ذهني؛ أي إننا نعرف من الجوهر صفتين: الفكر والامتداد، ولكن ~~ذلك لا يمنع، في رأيه، من وجود عدد لا متناه من الصفات الأخرى للجوهر، لا ~~تصل إليها المعرفة، وحين نتحدث هنا عن المعرفة أو العقل، فليس المقصود هو ~~القول بأي نوع من أنواع النسبة إلى ذهننا نحن، وإنما المقصود هو أن الصفة ~~هي الجوهر كما ينظر إليه من خلال الإدراك العقلي بما هو كذلك. أما القول ~~بأن اسپينوزا يقصد هنا نوعا من الإشارة إلى ذهننا نحن، فهو، كما قال ~~«هاليت»، قراءة لاسپينوزا من خلال التطورات ms058 المثالية التي كان متحررا منها ~~تماما؛ إذ ليست الصفة هي الجوهر كما ينسب إلى العقل البشري أو حتى ~~الإلهي، وهي ليست «مظهرا» يرجع إلى نسبة عقلنا، وإنما هي الجوهر ذاته، كما ~~يدركه العقل كلما بحثه.» # 43 # ويبنى هذا التعريف لصفات الجوهر على القول بأن صفتي الجوهر، كما ~~يدركهما العقل، ليستا مجالين منفصلين «ينقسم إليهما» الجوهر؛ فالجوهر، من ~~حيث هو يشمل الوجود بأسره، لا يتضمن مجالين منفصلين يقف كل منهما إلى ~~جوار الآخر، وكأن الامتداد جزء من الجوهر والفكر جزء آخر منه، وإنما تنتظم ~~كل من هاتين الصفتين الجوهر بأسره، كل تبعا لنوعها الخاص. وهذا هو ~~تفسير عبارة «لا متناه من حيث نوعه» التي يستخدمها اسپينوزا لبيان طبيعة ~~الصفة؛ فصفة الامتداد لا نهائية، وتشمل كل خصائص الامتداد، بل هي تشمل ~~الجوهر كله أو الكون بأسره، منظورا إليه على أنه كائن ممتد، وكذلك الحال ~~في الفكر، الذي لا يشغل مجالا خاصا من الكون «إلى جانب» الامتداد، ~~وإنما هو ذاته الكون كله، منظورا إليه من خلال صفة الفكر. وبعبارة أخرى ~~فالواقع كله، وكذلك كل جزء منه، يتصف بالصفتين معا. ولهذه الفكرة كما سنرى ~~فيما بعد، أهميتها الكبرى في حل مشكلة علاقة الجسم بالنفس، والمادية ~~والروحية عند اسپينوزا. # ولا بأس في هذا الصدد من أن نختبر رأيا طريفا في معنى لفظ «الصفة» ~~وموقعه في فلسفة اسپينوزا، هو رأي «ميرز # Myers ~~»؛ فهو يفسر تعدد صفات الجوهر بأنه يعني تعدد ~~النظم أو النسق # systems # التي تنظر بها إلى ~~الواقع، ويقول: «لقد بين اسپينوزا أن من الممكن وجود عدد لا محدود من ~~النسق (وهي نقطة يزيدها نمو المعرفة تأكيدا)، كما بين أن كلا من ~~هذه النسق يمكن أن يكون فريدا من ~~نوعه # sui generis ~~؛ أي نسقا صحيحا، لا ينطوي على تناقض داخلي، ويكون ~~لا متناهيا في نوعه.» # 44 # وفي موضع آخر يقول: «... إن أفضل طريقة لفهم معنى الصفات عند ~~اسپينوزا هي أن ننظر إليها في ضوء المنظورات (أو النسق) اللامتناهية ~~للموضوع الميتافيزيقي.» # 45 # وإلى هنا يكون هذا ms059 التفسير سليما ومقبولا، ولكنه يمضي بعد ~~ذلك إلى القول بأنه «في الوقت الذي تم فيه كتاب «الأخلاق»، لم يكن من ~~الممكن أن تكون لأية واقعة أو موقف معين سوى دلالتين ممكنتين فحسب؛ أعني من ~~حيث هي فكرة، ومن حيث هي تمثل شيئا ممتدا. أما اليوم فإن هذه الواقعة ~~أو هذا الموقف يغدو له من الدلالات بقدر ما توجد من السياقات المنهجية التي ~~يمكن أن يكون جزءا منها، ولا شك في أن عدد هذه السياقات يتجه، نظريا، إن ~~لم يكن عمليا، إلى اللانهائية.» # 46 # وهكذا يربط المؤلف اقتصار اسپينوزا على نسقين أو منظورين فقط (هما الفكر ~~والامتداد) وبين حالة العلم في عصره، حين كانت للرياضة والفيزياء أهمية ~~كبرى، بينما كانت بقية العلوم في مهدها أو لم تكشف بعد. وهو يرى أن كل ~~علم آخر وصل بعد ذلك إلى مرحلة التقدم، كالاجتماع والكيمياء ~~والأنثروبولوجيا وعلم الحياة ... إلخ. يمكن أن يعد نسقا أو منظورا ينضم ~~إلى المنظورين الممكنين اللذين قال بهما اسپينوزا. (وبهذا يكون اسپينوزا قد ~~توقع على الأقل إمكان كشف منظورات أخرى، حين قال إن صفات الجوهر لا ~~متناهية، وإن لم نكن نعرف منها إلا اثنتين.) # وهذا التفسير في رأينا فيه قدر غير قليل من الإسراف؛ ذلك لأن الفكر ~~والامتداد لا يقاسان بأية منظورات أخرى، كالمنظور الكيميائي أو البيولوجي ~~مثلا، وإنما هما في مجال التجريد حدان نهائيان لا يقف إلى جانبهما شيء؛ ~~أي إن ظواهر الكيمياء أو البيولوجيا مثلا يمكن، في نهاية الأمر، أن ترد ~~إما إلى الفكر أو إلى الامتداد أو، على الأصح، إليهما معا مع فارق في درجة ~~التأكيد. وكشف أي مجال علمي جديد لا يعني أننا نعرف الجوهر أو الكون، من ~~خلال هذا المجال، عن طريق صفة أخرى تقف على قدم المساواة مع صفتي الامتداد ~~والفكر ويكون لها قدر ما لهما من العمومية والتجريد؛ وعلى ذلك يمكن القول، ~~بمعنى معين: إن قول اسپينوزا باقتصار المعرفة على صفتي الفكر والامتداد ~~هو قول مستقل عن حالة العلم في أي عصر، لأنه ms060 يتعلق بتلك الصفات التي يمكن ~~أن يرد إليها، آخر الأمر، أي وجه أو منظور آخر يكشف للواقع. ~~(3) # الأحوال # modes ~~: «أعني بالحال ما يطرأ ~~على الجوهر، أو ما يوجد في شيء غير ذاته ويتصور بشيء غير ذاته.» # 47 # فأحوال الجوهر هي مكونات الكون أو محتوياته الجزئية، وأهم ما ~~تتصف به هو اعتمادها على غيرها لكي توجد وتتصور. فهي لا تتصف بالضرورة ~~وجودا ولا تصورا. وهي على هذا النحو تتمثل في الأشياء الفردية التي يحفل ~~بها عالم التجربة، وهي رغم كونها «ما يطرأ على الجوهر»، ورغم كونها تفتقر ~~إلى الضرورة، موجودات لا شك في حقيقتها، ولا يمكن أن تعد مظاهر خادعة ~~أو زائلة، كما أنها ليست تشويها للجوهر أو تزييفا له، كما وصفت الأشياء ~~الجزئية في كثير من المذاهب المثالية التالية، وإنما تقوم بغيرها وتفهم ~~بغيرها، بحيث إن أي تفسير لها لا يمكن أن يكون كافيا إذا ما نظر إليها من ~~خلال ذاتها، ولا بد أن تربط بالسياق العام الذي تنتمي إليه، والذي يتصف هو ~~وحده بالضرورة المطلقة. # هذه هي المصطلحات الرئيسية الثلاثة التي يستخدمها اسپينوزا بتوسع، والتي ينبغي ~~الإلمام بتعريف عام لها قبل خوض تفاصيل فلسفته. ومع ذلك ففي فلسفته دون شك عشرات ~~المصطلحات الأخرى، وكلها ذات أهمية، ولكن الأفضل ترك هذه المصطلحات الأخرى لتشرح في ~~سياقها من هذه الفلسفة، أما هذه المصطلحات الرئيسية التمهيدية التي شرحناها فقد تضلل ~~القارئ إذا ما تركت دون إيضاح مبدئي؛ ولذا اقتصرنا عليها في هذا الباب. # الفصل الثالث # | الاتجاه العلمي عند اسپينوزا # كان ديكارت عالما ورياضيا بقدر ما كان فيلسوفا، ولكنه رغم كشوفه الأصيلة الهامة في ~~هذه الميادين كان، في اتجاهه الفلسفي العام، أبعد عن الروح العلمية الأصيلة من اسپينوزا، ~~وإن لم يكن هذا الأخير قد ترك لنا كشفا واحدا هاما في ميدان العلم بمعناه الدقيق؛ ~~فديكارت كان لا يزال يقيد تفكيره الفلسفي بكثير من قيود العصور الوسطى، وكان يؤمن - أو هكذا ~~على الأقل كتب - بأن كل تفسير فلسفي للأشياء ينبغي أن يرتد آخر الأمر ms061 إلى نوع من الإيمان ~~بقدرة فوق الطبيعية هي وحدها التي تضمن للذهن ثقته بنفسه وبما يعرفه، وتعصمه من الشك مهما ~~كان طاغيا. أما اسپينوزا فقد تخلص تماما من هذه الآثار الباقية من روح العصور الوسطى، ~~وكان يؤمن بأن قدرة العقل البشري غير محدودة، وبذلك أزال كل عقبة ممكنة تحول دون اقتحام ~~العقل لجميع ميادين المعرفة. # ومع ذلك فإن عددا لا يستهان به من المفسرين يضع للنزعة العلمية عند اسپينوزا، بدوره، ~~حدودا، ويؤكد أنها اقترنت لديه بنزعة صوفية لا تقل عنها قوة. ويلخص «ألكسندر» هذا الاتجاه ~~بقوله إن المتصوف، في شخص اسپينوزا، قد امتزج برجل العلم امتزاجا وثيقا، # 1 # وتعليل مثل هذه الثنائية في فهم فلسفة اسپينوزا أمر يسير إلى أبعد حد في ضوء ~~تفسيرنا الخاص لمنهجه؛ ذلك لأنه، كما قلنا، يتعمد استخدام المصطلح التقليدي المدرسي الذي ~~توجد له، في أذهان الشراح، أقوى الارتباطات ~~اللاهوتية والصوفية، ولكن هذه المصطلحات تتخذ عنده معاني ثورية تتفق كلها مع الروح العلمية ~~بأدق معانيها، وتسبق المفاهيم السائدة في عصره إلى مدى بعيد؛ ومن هنا كان من الطبيعي أن نجد ~~هذا الازدواج في تفسير موقف اسپينوزا من العلم؛ فإذا تأملت «شكل» كتاباته، كان لزاما عليك ~~أن تقول بوجود نزعات لاهوتية وصوفية قوية لديه، وإذا حاولت أن تستخلص، من هنا ومن هناك، ~~المعاني الحقيقية، غير الظاهرة بوضوح، لهذه الألفاظ، اتضح لك اتجاهه العلمي الدقيق بجلاء. ~~وسنجد في كل فصول هذا البحث أن تلك الثنائية في تفسيره - أعني ثنائية التفسير المحافظ ~~والتفسير المتحرر - قائمة على الدوام، كما سنجد أن أفضل وسيلة للتغلب عليها هي تلك التي ~~حددناها من خلال فهمنا الخاص لدلالة منهجه. # وقد عبر «سليڨان» عن هذه الثنائية الممكنة في فهم اسپينوزا تعبيرا واضحا، فقال: ~~«... إن جميع التناقضات الممتنعة البادية في تفكير اسپينوزا إنما هي تعبيرات ~~كثيرة عن تناقض واحد له سبب واحد؛ فاسپينوزا مادي ومثالي، ومؤمن بالطبيعة وبما فوق الطبيعة # naturalist and supernaturalist # في آن واحد. وسبب هذا الاتجاه المزدوج لديه لا يعدو أن يكون ذلك ms062 الطابع الموزع ~~لذهنه، الذي كانت تجتذبه النظرة الدينية التقليدية إلى الإنسان وإلى الله، وهي ~~النظرة التي ورثها من مجموعة كبيرة من الأسلاف اليونانيين والرومان واليهود ~~والمسيحيين، وتجتذبه في الآن نفسه، وبقوة متساوية، المذاهب الطبيعية والميكانيكية ~~كمذهبي ديمقريطس وهبز .» # 2 # ويواصل «سليڨان» كلامه فيقول: ~~«إن موقف اسپينوزا يختلف بين المثالية أو المادية تبعا لفهمك للجوهر الواحد، وهو الله، ~~من خلال الفكر أو من خلال المادة، وتبعا لردك الامتداد إلى الفكر أو الفكر إلى الامتداد ...» # 3 # وفي موضع آخر يعرض هذه الثنائية بتشبيه طريف قائلا: «من الممكن تشبيه فلسفة ~~اسپينوزا بشكل وأرضية، على طريقة الجشطلت، وليكن شكلا مؤلفا من مكعبات بيضاء ثم سوداء ~~متراصة كل لون فيها إلى جوار الآخر، بحيث يبدو تارة أن إحدى مجموعتي المكعبات هي البارزة ~~وأن الأخرى هي الأرضية أو القاعدة، ثم ينقلب الشكل فجأة إلى عكس ذلك. هذه هي الحال في اسپينوزا.» # 4 # وهكذا كنا نجد كلا من الفريقين يؤكد انتساب اسپينوزا إليه بنفس القوة؛ ~~فالمثاليون والرومانتيكيون، مثل هيجل ونوڨالس، لا يتصورون فلسفة اسپينوزا دون تفسيراتها ~~اللاهوتية أو الصوفية، والماديون، مثل «لامتري # La Mettrie ~~»، ودولباخ # D’Holbach ~~، بل مثل ~~إنجلز # Engels ~~، وپليخانوف Plekhanov ~~، يؤكدون أن اسپينوزا قد استبق فلسفاتهم المادية وكان من روادها ~~العظام. # والأمر المؤكد، الذي سنعمل على إثباته في هذا الفصل، هو أن اسپينوزا كان، قبل كل شيء، ~~متشبعا بالروح العلمية إلى أقصى حد، وأن مذهبه بعيد كل البعد عن الاتجاهات اللاهوتية ~~والصوفية التي نسبت إليه. فإذا فسرت المادية بأنها هي تأكيد الحتمية وقانونية الطبيعة ~~والقضاء على الغائية وجميع التفسيرات الغيبية، فلا جدال، عندنا، في أن اسپينوزا كان ماديا ~~بهذا المعنى. أما إذا نظرت إلى المادية على أنها هي التفسير الآلي أو الميكانيكي للظواهر، ~~فلا شك في أن اسپينوزا يكون قد تجاوز تلك النظرة إلى الأمور بكثير؛ لأنه لم يقل أبدا ~~إن المادة جامدة آلية صلبة، بل لم يخصص أي جزء من كتبه للبحث عن الطبيعة النهائية ~~للمادة التي يتكون منها العالم، ولكن الحقيقة المؤكدة، من ms063 وراء كل تفسير لاسم هذا المذهب ~~الفلسفي أو ذاك، هي أن اسپينوزا قد تشبع بالروح العلمية في نظرته الفلسفية إلى العالم، ~~وأنه لم يقبل مهادنة أو حلولا وسطى في أي موضع بحث فيه مدى قدرة العقل على فهم العالم ~~وتفسير ظواهره. # وسوف يتسلسل بحثنا في هذا الفصل على الوجه الآتي: # فالقائلون بوجود عناصر صوفية غير علمية في نظرة اسپينوزا العامة إلى العالم يرتكزون على ~~أسس معينة من أهمها: ~~(أ) رأيه في المعرفة الحدسية. (ب) ونظرته ~~الواحدية الشاملة إلى العالم؛ ولذا سنبحث كلا من هذين الموضوعين على حدة، لنثبت استحالة ~~تفسير آراء اسپينوزا فيهما تفسيرا صوفيا. وبعد ذلك ننتقل إلى الأدلة الإيجابية على موقفه ~~العلمي السليم، الذي يتضح من خلال رأيه في (ج) العلاقة بين النفس والجسم و(د) فكرة سيادة ~~الضرورة. وينتهي الفصل بملاحظات على موقفه من العلم بوجه عام. ~~(1) فكرة الحقيقة والمعرفة الحدسية # لا بد للإجابة على السؤال عما إذا كانت نظرية المعرفة عند اسپينوزا تنطوي على ~~عناصر صوفية أو مضادة للنزعة العقلية، من أن تستعرض بعض آرائه الرئيسية في المعرفة، ولا سيما ~~تلك التي يعتقد بوجود مثل هذه العناصر فيها، بشيء من التفصيل. ~~«فكرة الحقيقة، والأفكار الكافية»: ليست الفكرة # idea # عند اسپينوزا كيانا مجردا يطابق موضوعا أو يتفق معه أو يصدق عليه، وإنما «هي ذاتها ~~ذلك الموضوع»، من وجهة نظر الفكر، فليس ثمة فكرة وموضوع، وإنما هناك حقيقة واحدة، ينظر ~~إليها من ناحية فتكون فكرة، ومن ناحية أخرى فتكون موضوعا. # هذا الرأي القائل إن الفكرة وموضوعها حقيقة واحدة، هو أساس نظرية الحقيقة عند ~~اسپينوزا، وهي النظرية التي لا تجعل التطابق بين الفكرة وموضوعها معيارا للحقيقة، ~~وإنما تؤكد أن معيار حقيقة الفكرة كامن في الفكرة الصحيحة ذاتها، وأن الفكرة صحيحة بقدر ~~ما تكون كافية. # 5 # فما هي هذه الفكرة «الكافية» # adequate idea ~~؟ يعرفها ~~اسپينوزا بقوله: «أعني بالفكرة الكافية فكرة إذا ما نظر إليها في ذاتها، دون إضافة إلى ~~الموضوع، كانت لها كل خصائص الفكرة الصحيحة أو مميزاتها الباطنة.» # 6 # وهكذا ms064 فإن أهم ما يؤكده اسپينوزا هنا هو استبعاد مفهوم «المطابقة» أو ~~«المعيار الخارجي» للفكرة الصحيحة؛ لأنه لا يوجد «تواز» بين الأفكار والأشياء، وإنما ~~الأفكار هي ذاتها الأشياء منظورا إليها من خلال الذهن، ويعبر اسپينوزا عن هذا الرأي ~~تعبيرا أوضح فيقول: «لا يجهل أحد لديه فكرة صحيحة، أن الفكرة الصحيحة تنطوي على أقصى ~~قدر من اليقين؛ إذ إن وجود فكرة صحيحة لديك، ليس إلا تعبيرا آخر عن معرفتك للشيء بصورة ~~كاملة أو بأفضل صورة ممكنة. والحق أنه ليس في وسع أحد أن ينكر ذلك، ما لم يعتقد أن ~~الفكرة شيء جامد، كالصورة في إطار، وليست حالا من أحوال التفكير؛ أعني عملية الفهم ~~ذاتها، وإني لأسأل: من ذا الذي يعلم أنه يفهم شيئا ما لم يكن قد فهمه بالفعل؟ وبعبارة ~~أخرى: من ذا الذي يعلم أنه موقن بشيء ما، ما لم يكن قد أيقن بذلك الشيء بالفعل؟» # 7 # ويبدو أن اسپينوزا يرد هنا على أولئك الذين قد يعترضون عليه بأن معيار «كفاية» الفكرة ~~خداع؛ لأن المشكلة أصلا هي أن بعض الأفكار تبدو منطوية على كل الخصائص الكامنة للفكرة ~~الصحيحة دون أن تكون بالفعل كذلك، وبذلك يكاد يبدو أنه يضع معيارا نفسانيا باطنا ~~أشبه بوضوح الأفكار وتميزها عند ديكارت. على أن الواضح من قول اسپينوزا بأن الأفكار هي ~~ذاتها الموضوعات، هو أن الفكرة الكافية عنده هي ذاتها تعبير آخر عن موضوع كاف، أو على ~~الأصح مكتف بذاته، لا يعتمد على غيره، بحيث تعكس الفكرة، في مجالها الخاص، استقلال ~~الوجه الذي تعبر عنه من الواقع. # ومن الطبيعي أنه إذا كانت الفكرة الصحيحة على هذا النحو من الإيجابية، وإذا كانت هي ~~ذاتها وجها من أوجه الوجود في واقعيته؛ فلا بد أن تكون الفكرة الباطلة سلبا أو عدما ~~فحسب، وألا ينطوي الخطأ على أي عنصر إيجابي. وهكذا يقول اسپينوزا: «ليس في الأفكار شيء ~~إيجابي يجعلها تسمى باطلة.» # 8 # فالبطلان لا يعبر عن أية صفة فعلية، وإنما هو انعدام الإيجاب أو الافتقار ~~إليه: «فالبطلان هو انعدام المعرفة، ms065 الذي تنطوي عليه الأفكار غير الكافية، أو الجزئية، ~~أو المختلطة.» # 9 # ومثل هذا الرأي في طبيعة الخطأ يتفق تماما مع رأيه في طبيعة الفكرة ~~الصحيحة من حيث إنها هي التعبير المباشر عن إيجابية الوجود. ~~(1-1) أنواع المعرفة # وعلى أساس التدرج بين البطلان والحقيقة، يظهر تقسيم اسپينوزا المشهور لأنواع ~~المعرفة إلى ثلاثة: ~~(أ) # النوع الأول: وينقسم إلى معرفة نكونها عن الأشياء الخاصة بواسطة ~~حواسنا، وتتمثل لنا فيها الأشياء جزئية مختلطة لا ترتيب فيها - ثم إلى ~~معرفة سماعية تؤدي بنا إلى تكوين فكرة عن الأشياء مشابهة لما نتخيله ~~عنها فحسب. ~~(ب) # والنوع الثاني: وهو ينشأ «من وجود أفكار لدينا مشتركة بين جميع ~~الناس، وأفكار كافية عن خصائص الأشياء. وهذه أسميها «بالعقل».» ~~(ج) # والنوع الثالث: وهو الحدس، «ينتقل من فكرة كافية عن الماهية المطلقة ~~لبعض صفات الله إلى المعرفة الكافية لماهية الأشياء.» # 10 # ويعرض اسپينوزا في «إصلاح العقل» أنواع المعرفة هذه على نحو مختلف إلى حد ما، ~~فيقسمها إلى أربعة أقسام: ~~(1) # معرفة سماعية تختار اعتباطا. ~~(2) # معرفة مستمدة من التجربة الغامضة التي لم يختبرها العقل، والتي تقبل ~~لمجرد عدم وجود ما يناقضها في العقل. ~~(3) # المعرفة الناشئة من الاستدلال على ماهية شيء، من ماهية شيء آخر، ولكن ~~ليس بطريقة كافية. وهذه المعرفة تتمثل في الاستدلال من المعلول على ~~العلة، أو من قضية عامة على دوام وجود صفة ما. ~~(4) # المعرفة الكافية للشيء عن طريق ماهيته وحدها، أو سببه القريب. # 11 # ومع ذلك فالتقسيم الثلاثي الأول هو الأكثر شيوعا في كتابات اسپينوزا؛ إذ إنه في ~~معظم كتاباته يدمج النوعين الأولين في التقسيم الرباعي ليكون منهما نوعا ~~واحدا. # وعلى أساس هذا التقسيم المشهور لأنواع المعرفة عد اسپينوزا فيلسوفا ذا نزعة ~~صوفية، إذ وجد كثير من شراحه في النوع الثالث من المعرفة، وهو المعرفة الحدسية، ~~مجالا واسعا للتفسيرات الصوفية فأكد «رويس» أن الطابع الصوفي أساسي في فلسفة ~~اسپينوزا، على الرغم مما يوحي به منهجه الرياضي أو الهندسي من معقولية لا تعرف ~~الانفعالية إليها سبيلا، # 12 # ورأى «ڨندلبنت» أن نظرية ms066 اسپينوزا في المعرفة الحدسية تسير في طريق ~~الصوفية؛ إذ إن هذه النظرية عنده هي الفهم المباشر لظهور كل الأشياء منطقيا ~~من الله، فتلك معرفة تعلو على الإدراك الحسي والنشاط العقلي، وترقى إلى مرتبة ~~تأمل موضوعها «من منظور الخلود». # 13 # ومع ذلك ففي رأينا أن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الباحث في فلسفة ~~اسپينوزا أن يرى في فكرته عن المعرفة الحدسية أو النوع الثالث من المعرفة ~~مظهرا لاتجاه إلى تجاوز العقل واقتحام ذلك الميدان فوق العقلي الذي لا تكون له من ~~نتيجة إلا التصوف. # ذلك لأن النوع الثالث من المعرفة يرتبط ارتباطا وثيقا بالنوع الثاني؛ أي ~~إن المعرفة الحدسية ترتبط بالعقلية وتنشأ منها، # 14 # بحيث تبدو في واقع الأمر تكملة وتتويجا لها. ولا يمل اسپينوزا من ~~تأكيد ارتباط هذه المعرفة بالعقل؛ إذ يقول مثلا: «إن النوع الثالث من ~~المعرفة يعتمد على العقل بوصفه علته الشكلية، بقدر ما يكون العقل ذاته أزليا.» # 15 # هذا الحديث عن العقل، وتأكيد أهميته بالنسبة إلى المعرفة الحدسية ~~ذاتها، ليس حديث متصوف على الإطلاق. وإذا كان قد وصف العقل في هذه الحالة بأنه ~~أزلي، فذلك لا يغير من طبيعة الأمر شيئا؛ ذلك لأن المعرفة الحدسية؛ أي النوع ~~الثالث، هي معرفة «عن طريق العقل» لتلك الحقائق الأزلية التي تتكشف لنا في أعلى ~~مراحل تأملنا الفلسفي. وأهم هذه الحقائق الأولية هي الوحدة الشاملة للطبيعة، ~~وخضوعها كلها لنظم وقوانين واحدة. وعندما يصل إنسان إلى هذه الحقيقة الأزلية، ~~تتملكه انفعالات إيجابية طاغية كالسرور الناجم عن الشعور بالمشاركة مع الطبيعة ~~بأسرها. وهكذا يظهر الانفعال في اللحظة التي تصل فيها المعقولية إلى قمتها، ~~ويترابط هذان العنصران اللذان يتنافران في كل فلسفة أخرى ترابطا تاما في فكرة ~~«الحب العقلي لله # Amor Dei intellectualis ~~» ~~الذي لا يعدو، في ضوء فلسفة اسپينوزا، أن يكون تعبيرا عن مشاركة العقل في الطبيعة ~~في مجموعها وشعوره بوحدته التي لا تنفصم معها حين يدرك ما فيها من قانونية ~~ومعقولية ونظام لا ثغرة فيه. # 16 # ولا يتنافى هذا ms067 التفسير على الإطلاق مع قول اسپينوزا: إن النوع الثالث من ~~المعرفة يتعلق بأشياء فردية - تمييزا له من النوع الثاني الذي يتعلق بأشياء عامة ~~أو كلية؛ # 17 # ذلك لأن السياق في هذه الحالة هو سياق الاستدلال من الأشياء الجزئية ~~على الماهية الكلية للأشياء، أو على الطبيعة الإلهية. وبهذا يكون المقصود من القول ~~إن النوع الثالث من المعرفة يتعلق بالأشياء الفردية هو أنها نوع من الحدس الذي نصل ~~به إلى الماهية الكلية للأشياء عن طريق فهم طبيعة شيء خاص يشارك في هذه الماهية ~~الكلية ويوضحها بوصفه وجها أو مظهرا لها، فإذا فهم الإنسان طبيعة ذهنه - وهو ~~بالقياس إلى الطبيعة في مجموعها شيء فردي جزئي - ففي وسعه أن يفهم ماهية الطبيعة ~~بأسرها، أو الماهية الإلهية، عن طريق إدراكه لاعتماد ماهية الذهن على ماهية ~~الطبيعة. ومثل هذه المعرفة الناشئة عن إدراك الاعتماد التام للماهية الجزئية على ~~الماهية الكلية، تتغلغل في الذهن مباشرة، وتغدو حدسا مباشرا يختلف عن المعرفة ~~الاستدلالية التي تستمد من قضايا عامة، وإن يكن في وسع هذا النوع الأخير (أي النوع ~~الثاني من المعرفة) أن يوصل بطريقته الخاصة إلى النتيجة ذاتها. # وإذن فأوصاف اسپينوزا للمعرفة الحدسية لا تنطوي على أي إقلال من شأن العقل، ~~وإنما هي، إن شئت، تعبير عن طريقة أخرى من طرق استخدام العقل، تختلف عن الطريقة ~~الاستدلالية، وربما كانت هي التعبير عن أبهر إدراك وتبصر يصل إليه العقل حين يعلم ~~أنه يعكس في داخله قوانين الطبيعة في مجموعها، وأن فهمه لذاته يزيد من فهمه للنظام ~~الكلي للأشياء، مثلما أن إدراك انتظام الأشياء في مجموعها هو ذاته توسيع لنطاق ~~العقل ولآفاته. ومهما بدا حديث اسپينوزا عن هذا النوع من المعرفة موحيا باتجاهات ~~صوفية، ولا سيما حين يقرنه بالحديث عن المعرفة الحدسية لله فإنه في معظم الأحوال ~~يتناول هذا الموضوع في سياق لا يكف فيه عن تأكيد أن العقل هو أشرف ما لدى ~~الإنسان، وأن فهم الأشياء هو أسمى غاياته، # 18 # ومن المحال أن تكون الصوفية (بمعنى تجاوز حدود العقل الذي ms068 يعد عاجزا ~~عن تحصيل أرقى أنواع المعرفة) من صفات ذلك الفيلسوف الذي تحفل كتاباته كلها بتمجيد ~~العقل، والذي لم يقبل - كما سنرى فيما بعد - أي تفسير مخالف للعقل حتى في مجال ~~الإيمان ذاته. وإني لأعتقد أنه، إذا كانت لدى اسپينوزا أية نزعة صوفية، فما هي ~~إلا صوفية الروح العلمية، التي لا تقوم على رفض العقل أو حتى على تجاوزه، وإنما ~~تظهر من خلال العقل ذاته حين يمارس قدرته على الفهم إلى أقصى مداها، ويرى نفسه ~~مقتربا من تحقيق هدفه الأسمى في فهم الأشياء. وما أظن أن في العلم، مهما بلغ ~~نهوضه، حقيقة أعظم من إدراك القانونية والنظام في الطبيعة، أو هدفا أسمى من إشعار ~~الذهن بتلك المتعة الرفيعة التي تتملكه كلما أدرك أنه، في نظامه وقانونيته، ليس إلا ~~انعكاس للطبيعة بأسرها. ~~••• # وكما أن إعلاء شأن المعرفة الحدسية عند اسپينوزا لم يكن ناشئا عن وجود نزعة ~~صوفية لديه، فكذلك لم يكن إقلاله من شأن المعرفة الحسية ناشئا عن وجود مثل هذه ~~النزعة لديه؛ فالإقلال من شأن المعرفة الحسية يرتبط في الفلسفة عادة بإنكار وجود ~~العالم الخارجي. وهذه الفكرة الأخيرة تفتح مجالا لجميع النزعات اللاعقلية أو فوق ~~العقلية أو الشكاكة، على أحسن الفروض. أما في حالة اسپينوزا، فلم يظهر أي أثر لهذه ~~الاتجاهات، وكانت فلسفته في المعرفة خالية تماما من جميع أعراض المثالية. # فمن المؤكد أن اسپينوزا لم يكن يشك في وجود العالم الخارجي على الإطلاق، بل لم ~~يثر هذه المسألة أصلا (وهذا في رأينا من أوضح مظاهر الطابع الصحيح - أو بالأحرى ~~«الصحي»، لتفكيره)؛ فإقلاله من أهمية الحواس لم يكن يعني سوى أن دورها في تكوين ~~محتوى الذهن البشري من المعرفة، ولا سيما المعرفة العلمية، أقل أهمية من دور العقل. ~~أما وظيفتها الأصلية المألوفة في إدراك العالم الخارجي بما فيه من أشياء، فتظل ~~قائمة لا تمس. # ولقد كان استبعاد اسپينوزا، منذ البداية، لمشكلة وجود العالم، واعترافه بهذا ~~الوجود دون مناقشة، هو الذي جعل كانت يسميه «توكيديا» # dogmatic ~~؛ ويعني بذلك أنه كان يعترف، ms069 بطريقة «غير نقدية»، ~~بإمكان معرفة العالم الخارجي معرفة كافية. # 19 # ونستطيع أن نقول إن هذا الاعتراف المباشر بالعالم الخارجي هو الذي ~~يميزه أيضا عن ديكارت؛ فقد كانت نقطة بداية ديكارت هي يقينية الفكر ووجود الأنا ~~المفكر. أما نقطة بداية اسپينوزا فهي وجود الطبيعة في مجموعها. وعلى حين خلقت هذه ~~البداية لديكارت صعوبات لا حد لها فيما يتعلق بإثبات وجود العالم الخارجي ثم إيضاح ~~العلاقة بين الفكر، وهو نقطة البداية المؤكدة، وبين الامتداد، فإن اسپينوزا قد ~~تخلص من كل هذه الإشكالات، ولم يساوره أي شك - منهجي أو غير منهجي - في وجود ~~العالم، بل بدأ بذلك الوجود كاملا بكل أوجهه، ولم تكن العلاقة بين الفكر والامتداد ~~في رأيه إلا علاقة بين طريقتين في النظر إلى موضوع واحد. # ومن المؤكد أن اسپينوزا كان يعد التفكير في مشكلة وجود العالم أو عدم وجود ~~تفكيرا عقيما لا جدوى منه. وهذا هو المغزى الوحيد لقضيته القائلة إن «الوجود ~~ينتمي إلى طبيعة الجوهر» # 20 # ثم وصفه هذه القضية فيما بعد بأنها حقيقة عامة من نافلة القول # truism ~~. # 21 # ومثل هذا الإلحاح والإصرار على أن وجود الجوهر أمر بديهي، وعلى أنه ~~فكرة سابقة لكل مناقشة وجدل، بل ولكل شك، يعني، إذا ما فسرنا الجوهر على أنه مجموع ~~الوجود، أنه لم يكن يؤمن بمشكلات المعرفة المتعلقة بوجود العالم، أو بأنه، على ~~حد تعبير «چويكم»: «لا يفرق بين ما هو موجود وما هو معروف.» # 22 # مثل هذا الاعتراف بوجود العالم، أو على الأصح رفض إمكانية الشك فيه أو إنكاره منذ ~~البداية، قد يبدو في نظر أصحاب النزعات المثالية دليلا على «توكيدية» اسپينوزا، أو ~~افتقارا منه إلى الروح النقدية، بينما هو في نظر خصومهم أقوى دليل على سلامة ~~التفكير الفلسفي عنده، ولكن مهما كان حكم المرء عليه في هذا الصدد، فلا شك في رأينا ~~في أن «النزعة الصوفية» ليست ضمن التفسيرات الممكنة لموقفه هذا، وإنما يتعارض هذا ~~الموقف تماما مع التشكيك الصوفي في وجود العالم، ومع كل النزعات الذاتية والمثالية ~~التي ms070 تمهد الطريق للتصوف. ويثبت تحليل موقف اسپينوزا في هذه الحالة أيضا استحالة ~~القول بوجود مثل هذه النزعات اللاعقلية لديه. ~~(2) الواحدية العلمية # كانت فكرة «وحدة الوجود» التي فسرت بها فلسفة اسپينوزا تفتن أصحاب النزعات الشعرية ~~والصوفية واللاهوتية على الدوام. فهنا يجمع الفيلسوف كل أطراف الكون في وحدة واحدة، لا ~~تفرقة فيها بين الإله وبين الطبيعة إلا من حيث إن هذا هو الوجه «الطابع» للطبيعة وذاك ~~هو وجهها «المطبوع» وكم من الشعراء تغنوا بهذا الفيلسوف «المنتشي بالله » الذي أشاعت ~~فلسفته، في رأيهم، الطابع الإلهي في الوجود بأسره وفي كل تفاصيله! # بل إن مجرد القول بالواحدية، دون وجهها الإلهي، يلائم هذا النوع من التفكير إلى حد ~~بعيد. فجمع الوجود كله في وحدة واحدة هو على الدوام من الخصائص المميزة لأصحاب النزعات ~~الصوفية في التفكير، وهم الذين لا يحفلون بالجزئيات وتفصيلاتها، وينفد صبرهم من أي بحث ~~متأن في مجال ضيق من مجالات الوجود. وهكذا أخذ هيجل يكيل الثناء لاسپينوزا على نزوعه ~~إلى رفض ما هو جزئي وتركيز الاهتمام على الوجود في مجموعه فحسب، فقال: «ينبغي أن يبدأ ~~الفكر باتخاذ وجهة نظر المذهب الاسپينوزي؛ فاتباع تعاليم اسپينوزا هو نقطة البداية ~~الأساسية في كل فلسفة ... وعندما يبدأ المرء في التفلسف، ينبغي أن يكون أول ما تفعله ~~الروح هو أن تغوص في أثير هذا الجوهر الواحد، الذي يتلاشى فيه كل ما كان الإنسان يعده ~~صحيحا، فهذا الإنكار لكل ما هو جزئي، وهو الإنكار الذي لا بد أن كل فيلسوف قد وصل ~~إليه، هو تحرر العقل وأساسه المطلق.» # 23 # وتستهوي فكرة «تأمل الطبيعة في مجموعها» هذه مفسرا آخر، فيصف بسببها موقف اسپينوزا ~~من العالم بأنه «مزيج من الدين والعلم، تحقق عن طريق التوحيد بين الله والطبيعة، وعبر ~~عنه هذا التوحيد ذاته؛ فهو قد تناول القوالب الكبرى اللاهوت؛ أي الله، والحب، والخلاص، ~~وصب فيها مادة مستمدة من الدراسات العينية في الفيزياء وعلم النفس.» # 24 # ولكن هل هذه هي الدلالة الوحيدة، أو الدلالة الحقيقية، لواحدية اسپينوزا؟ لا جدال في ~~أن ms071 لهذا المذهب دلالات أخرى أعمق وأكثر انطباقا على الروح الحقيقية لفلسفة ~~اسپينوزا. # فمن الممكن، كما قال «فوير»، أن يفسر مذهب وحدة الوجود عند اسپينوزا على أنه كان ~~ثورة على المذاهب الدينية الأرستقراطية - ولا سيما الكلڨينية - التي كانت تجعل الخلاص ~~من نصيب فئة محظوظة اختارها الله سلفا. وهكذا عمل اسپينوزا، كما فعل غيره من أصحاب ~~المذاهب التقدمية والثورية في عصره، على إشاعة الروح الإلهية في الوجود كله لكي يصبح ~~للكل نصيب من الروح الإلهية، # 25 # أو على الأقل لمحو الفوارق في علاقة الموجودات الجزئية بالله. # ولكن التفسير الأرجح، في رأينا، هو أن هذه الوحدة، كما فهمها اسپينوزا، تؤدي إلى ~~القضاء على فكرة انفصال الألوهية وعلوها، وتقضي بالتالي على ما يرتبط بالفكرة السابقة ~~من تأكيد للغائية. فعن طريق مذهب اسپينوزا، الذي كان في الواقع مذهبا «واحديا # monist ~~» أكثر منه مذهب «وحدة وجود # pantheistic ~~»، تؤكد الحتمية الكاملة في العالم، ~~وتشيع فيه فكرة الضرورة، وتركز جهود الإنسان في معرفة العالم الطبيعي نفسه بعد أن يتضح ~~له أن هذا العالم هو كل ما في الوجود. # والحق أن من الظواهر الغريبة حقا في تفسير فلسفة اسپينوزا أن نرى معظم الشراح ~~ينسبون إليه نزعات صوفية أو لاهوتية لمجرد كونه قد تحدث عن «الحكمة الشاملة» وجعل ~~لفلسفته موضوعات كلية لا جزئية. ومثل هؤلاء الشراح يفسرون على هذا النحو كل مذهب له ~~مثل هذا الطابع الشامل، وكأن هناك ارتباطا ضروريا بين التفكير ذي الطابع العام ~~الشامل وبين النزعات الصوفية أو اللاهوتية. ويغفل هؤلاء الشراح حقيقة لا شك فيها، ~~هي أن كثيرا من العلماء والفلاسفة من ذوي «الحكمة الشاملة» لم يكونوا يفكرون من خلال ~~مقدمات صوفية أو دينية؛ فهم يغفلون دعوة «كونت» إلى إقامة عقيدة البشرية على أساس العلم ~~وحده، ويغفلون أحكام «نيتشه» الشاملة على الإنسان وحضارته من خلال فلسفة لا مكان فيها ~~للتصوف بمعناه الديني، ويغفلون كل الاتجاهات الأدبية «التنبؤية» التي قامت على أساس ~~نزعات طبيعية خالصة. # وإذا كان من الخطأ في ميدان التفكير الفلسفي والأدبي أن يربط المرء ms072 بين النظرة ~~الشاملة إلى الكون وبين الاتجاهات الصوفية أو الدينية ربطا ضروريا، فإن هذا الخطأ ~~يغدو أعظم في ميدان التفكير العلمي؛ فالعالم يؤمن، في مجاله الخاص، بنوع من «الواحدية»، ~~وذلك حين يبني تفكيره على أساس الضرورة في الكون، ووجود علة لكل ظاهرة، ووحدة الطبيعة ~~واطرادها، وسريان قوانين واحدة عليها. هذه كلها مقدمات ضرورية للروح العلمية، مهما كان ~~اتجاهها التالي، ومن المحال أن يحكم على العالم مقدما بأنه خرج عن نطاق المعقولية ~~الشاملة لمجرد وجود هذه النزعات التعميمية الشاملة لديه. وفضلا عن ذلك فكثيرا ما يشعر ~~العالم بنوع من الحماسة الفياضة والسرور الطاغي والحب الشامل للطبيعة كلما اتسع نطاق ~~نظرياته وأدرك انطباقها على مجالات أوسع في التجربة ولنضف إلى ذلك تلك الأخلاق ~~الإنسانية الرفيعة التي يضعها كثير من الباحثين المتعمقين لأنفسهم، والتي تزداد نقاء ~~كلما تعمق العالم في بحثه وازدادت حكمته توغلا في الطبيعة، حتى لتصل إلى حد التفاني ~~التام في سبيل اكتساب المعرفة وربما التضحية بالنفس من أجلها، ولكن هل يعني ذلك أن هذه ~~الاتجاهات ترتبط لديهم بالروح الدينية بالضرورة؟ ربما جاز أن يطلق المرء على هذه ~~الاتجاهات اسم «الصوفية العلمية»، ولكن هذه تختلف تماما عن الصوفية المنبثقة من الدين ~~والتي تستهدف غايات فوق الطبيعة. وإنه لغريب حقا أن يشارع مؤرخو الفلسفة إلى وصف كل ~~اتجاه تتمثل فيه مثل هذه النظرة الشاملة إلى الكون، أو مثل هذا النظام الشخصي والأخلاق ~~الذاتية الرفيعة التي يفرضها الباحث على ذاته، بأنه يعبر عن ميل صوفي (بالمعنى فوق ~~الطبيعي) أو ديني لدى الباحث، مع أن هذه النزعات قد تظهر في إطار يختلف عن ذلك تماما، ~~ولا يعترف فيه إلا بالطبيعة وقوانينها الضرورية. وليس من الصحيح أن ينظر إلى مجال ~~التصوف بمعناه الديني على أنه هو وحده الذي يحتكر كل نظرة انفعالية شاملة إلى الطبيعة ~~أو إلى الإنسان أو إلى التاريخ؛ لأن الانفعال المستمد من التبصر فيما هو كلي أو عام من ~~حق الجميع، وهو بلا جدال حق يمارسه أصحاب الاتجاهات العلمية الدقيقة، ممن لا ms073 يتعدى ~~إيمانهم النطاق الطبيعي الدقيق. وفي اعتقادنا أن «واحدية» اسپينوزا، وما يبدو فيها من ~~صوفية، لم تكن إلا من هذا النوع، ولم تستمد إلا من إدراكه للضرورة الشاملة المتحكمة في ~~الكون، والتي تستبعد القول بأي كائن يعلو على الطبيعة أو غاية تتجاوز نطاقها. ~~(3) العلاقة بين الذهن والجسم # يعد رأي اسپينوزا في العلاقة بين الذهن والجسم من أوضح المظاهر الإيجابية للروح ~~العلمية في تفكيره؛ إذ إنه كان مختلفا كل الاختلاف عن الاتجاهات السابقة للرأي في هذه ~~المسألة، وظل خارجا عن المألوف في تاريخ الفلسفة حتى بعد أجيال عديدة من ظهوره. ولقد ~~كان النقد الأساسي الذي وجهه إلى النظريات السابقة في هذا الموضوع، ولا سيما نظرية ~~ديكارت الثنائية القاطعة، هو ما كانت تتسم به من طابع غير علمي؛ فهو يحمل بشدة، في ~~أسلوب ساخر، على تلك الهوة العميقة التي وضعها ديكارت بين الجسم والنفس، ويزداد سخرية ~~من هذه النظرية حين تحاول عبور هذه الهوة عن طريق فكرة واضحة التفاهة كفكرة الغدة ~~الصنوبرية، ويعرب عن دهشته من أن يقول بمثل هذه الآراء فيلسوف اتخذ من الوضوح والتميز ~~معيارا لتفكيره، ومن نقد الصفات الخفية شرطا ضروريا لمنهجه. # 26 # وأساس الحل الذي يأتي به اسپينوزا لمشكلة العلاقة بين الذهن والجسم هو رأيه الذي سبق ~~أن عرضناه في «صفات الجوهر»؛ فكل من الصفتين: الفكر والامتداد، ينتظم الكون بأسره، ~~وكل شيء فيه لا على أساس تقسيم الكون إلى مجالين منفصلين تشغل كل من هاتين الصفتين ~~واحدا منه، وإنما على أساس أن الكون وكل شيء فيه يحمل الصفتين معا في آن واحد، بحيث ~~تكون هذه الصفة هي الجوهر ذاته، أو مكوناته، منظورا إليه من إحدى وجهتي نظر ~~ممكنتين. # ونستطيع أن نعد حل اسپينوزا لمشكلة الذهن والجسم في الإنسان نقلا مباشرا لهذه ~~الفكرة من مجال الكون بأسره إلى مجال الإنسان؛ إذ إن الذهن لا يعدو أن يكون صفة الفكر ~~كما تتمثل في الإنسان، والجسم صفة الامتداد فيه. أما الإنسان ذاته فيمكن أن يعد ذهنا ~~كله وجسما كله، تبعا لوجهة ms074 نظرنا إليه. ويعبر اسپينوزا عن هذه الفكرة بوضوح فيقول: ~~«... إن الذهن والجسم شيء واحد، ينظر إليه في الحالة الأولى من خلال صفة الفكر وفي ~~الحالة الثانية من خلال صفة الامتداد؛ وبناء على ذلك فإن ترتيب الأشياء وتسلسلها يكون ~~واحدا، سواء نظرنا إلى الطبيعة من خلال إحدى الصفتين أو من خلال الأخرى.» # 27 # ولقد رأينا في صدد الحديث عن علاقة الفكرة بموضوعها عند اسپينوزا، أنه لا يعد هذه ~~العلاقة اتصالا بين طرفين متغايرين، وإنما الفكرة عنده هي ذاتها الموضوع، وليس لها ~~كيان بذاتها؛ فهي الموضوع منظورا إليه من خلال صفة الفكر. وفي ضوء هذا الفهم للعلاقة ~~بين الفكرة وموضوعها نستطيع أن نفهم تشبيه اسپينوزا للعلاقة بين الذهن والجسم بعلاقة ~~الفكرة بموضوعها: «فموضوع الفكرة التي تؤلف الذهن البشري هو الجسم، أو هو بعبارة ~~أخرى: لا يعدو أن يكون حالا من أحوال الامتداد موجودا بالفعل.» # 28 # ورغم وضوح أفكار اسپينوزا في هذه المشكلة إذا ما نظر إليها في ضوء العناصر العامة ~~لفلسفته؛ فقد أسيء فهم مقصده الحقيقي في كثير من الأحيان، مثال ذلك أن ولفسون يصف رأي ~~اسپينوزا القائل إن «الذهن فكرة الجسم» بأنه «لا يعدو أن يكون طريقة جديدة للتعبير عن ~~تعريف أرسطو للنفس بأنها صورة الجسم.» # 29 # ورغم أن رأي أرسطو قد يكون أقرب الآراء التقليدية إلى ما قصده اسپينوزا، ~~فما زال من الصحيح مع ذلك أن الصورة عنده، رغم استحالة انفصالها عن المادة، أعلى منها ~~مرتبة بالفكر على الأقل. هذا فضلا عن إمكان وجود مادة مطلقة في أدنى درجات سلم ~~الوجود عنده، وصورة مطلقة في أعلى هذه الدرجات. أما عند اسپينوزا، فلا يمكن أن تكون بين ~~هذين الوجهين للحقيقة الواحدة مفاضلة؛ لأن كل شيء قابل لأن ينظر إليه من خلال أحدهما ~~أو الآخر. # ويرى «داربون» أن اسپينوزا يقول «بالتوازي» بين الذهن والجسم، وأن هذه هي طريقته في ~~إثبات اتحاد الذهن بالجسم، # 30 # وتعبير «التوازي» هذا من التعبيرات المألوفة في وصف نظرية اسپينوزا هذه، ~~ولكنه تعبير غير دقيق؛ لأن التوازي يقوم ms075 بين شيئين مختلفين متميزين يحتل كل منهما ~~مجاله الخاص، بينما العلاقة بين الذهن والجسم عند اسپينوزا هي، كما رأينا، علاقة وجهي ~~حقيقة واحدة. # ولكن الخطأ الأكبر، في رأينا، هو أن تفهم فكرة اسپينوزا فهما مثاليا، فتفسر ~~دلالتها بأنها هي صبغ ما يجري في الجسم بصبغة ذهنية أو روحية. ومثل هذا التفسير يظهر ~~لدى «سو # Saw ~~»، التي تفسر قول اسپينوزا إن نظام الأفكار ~~وترابطها هو ذاته نظام الأشياء وترابطها (وهو القول الذي يعد رأيه في الجسم والذهن ~~تطبيقا جزئيا له) بأنه يعني أن «الواقع هو الترابط المنتظم للأفكار » # 31 ~~- وهو تفسير إذا نقل إلى مجال العلاقة بين النفس والجسم لكان معناه رد ما ~~يحدث في الجسم إلى العنصر الذهني. # هذا التفسير باطل تماما لعدة أسباب: ~~(أ) # فاسپينوزا قد بدأ، في عبارته السابقة، بالكلام عن نظام الأفكار، ورده ~~إلى نظام الأشياء؛ أي إنه فسر الأول بالثاني، والترتيب هنا غاية في ~~الأهمية؛ لأنه لو كان قد قال: إن النظام والارتباط بين الأشياء هو ذاته ~~النظام والارتباط بين الأفكار، لكان المعنى في هذه الحالة مختلفا كل ~~الاختلاف، ومؤيدا للتفسير المثالي. ~~(ب) # والسبب الثاني هو أن اسپينوزا، رغم تأكيده أن مجال الأفكار والأشياء ~~واحد، قد أبدى ميولا مادية واضحة، وظهر ذلك بكل وضوح عندما طبق رأيه العام ~~في العلاقة بين الفكر والامتداد على مشكلة الجسم والذهن، وسنتناول هذه ~~النقطة الآن بالتفصيل لأهميتها الكبيرة، ولما تلقيه من ضوء على الاتجاهات ~~الحقيقية لفلسفة اسپينوزا. # فقد رأينا اسپينوزا يحرص على أن يعد الجسم موضوعا للفكرة التي يكونها الذهن ~~البشري؛ وعلى ذلك فالذهن لا يمكن أن يفهم إلا إذا فهم موضوعه؛ أي الجسم. ويبدو أن ~~اسپينوزا قد شعر أن الذهن وحده هو الذي كان يحظى على الدوام باهتمام الفلاسفة، وأن ~~الجسم وقدراته كان موضوعا للتجاهل والاحتقار من جانب الفلاسفة، والدليل على ذلك قوله: ~~«إن أحدا لم يوضح حتى الآن حدود قوى الجسم؛ أي إن التجربة لم تكشف لأحد بعد عما يستطيع ~~الجسم أداءه بقوانين الطبيعة وحدها، بقدر ما ينظر ms076 إلى الطبيعة أنها ممتدة. فلم يكتسب ~~أحد حتى الآن من المعرفة الدقيقة بتركيب الجسم ما يمكنه من تفسير جميع وظائفه، كما أنني ~~لست بحاجة إلى أن أشير هنا إلى ما يلاحظ في الحيوانات الدنيا من أفعال عديدة تفوق حكمة ~~البشر بكثير، وإلى أن المصابين بمرض السير أثناء النوم يقومون أثناء نومهم بأفعال كثيرة ~~لا يجرءون على القيام بها وهم أيقاظ، فهذه الأمثلة تكفي لإثبات أن الجسم يستطيع بقوانين ~~طبيعته الخاصة وحدها أن يقوم بأفعال كثيرة يحار لها العقل. وفضلا عن ذلك فلا أحد يعرف ~~كيف، أو بأي الوسائل ، يقوم الذهن بتحريك الجسم، ولا عدد درجات الحركة التي يستطيع الذهن ~~أن يبعثها فيه، أو مدى السرعة التي يمكنه تحريكه بها. وهكذا فإن الناس عندما يقولون: ~~إن أصل هذا الفعل الجسمي هو الذهن الذي يسيطر على الجسم، إنما يستخدمون ألفاظا لا ~~معنى لها، أو يعترفون بألفاظ ملتوية بأنهم يجهلون سبب الفعل الذي يتحدثون عنه دون أن ~~تتملكهم لذلك دهشة.» # 32 # وهكذا حرص اسپينوزا على أن يتخلص من هذا الأسلوب الساذج في معالجة الأمور، ~~وقرر أن يكمل النقص في معلومات الفلاسفة عن طريق محاولة إيضاح طبيعة الذهن ذاته من خلال ~~موضوعه الذي هو الجسم. وقد بلغ اهتمامه بهذا الموضوع حدا يجعل التفسير المادي لفلسفته ~~أمرا غير بعيد الاحتمال - وإلا فكيف يفسر المرء كون الحديث عن «الجسم» يحتل الجزء ~~الأكبر من الباب الثاني من «الأخلاق» وهو الباب الذي كان يبحث، حسب عنوانه، في «أصل ~~الذهن وطبيعته»؟ # في ملحوظة القضية 13 من الباب الثاني من «الأخلاق»، يحدد اسپينوزا معالم اتجاهه - ~~الذي كان جديدا كل الجدة بالنسبة إلى ما سبقه في تاريخ الفلسفة - بأنه محاولة فهم ~~طبيعة الذهن البشري من خلال الجسم «فبقدر تفوق أي جسم على غيره في ملائمته لأداء ~~أفعال عديدة أو تلقي انطباعات متعددة في وقت واحد، يكون الذهن الذي يتخذ من ذلك الجسم ~~موضوعا له، أقدر من غيره على تكوين عدة إدراكات في آن واحد» ... # وتلي ذلك مجموعة من القضايا التي تتضمن ms077 كلها تمجيدا للجسم وإظهارا لأهميته في إيضاح ~~طبيعة القدرات الذهنية للإنسان. وهكذا يقول: «إن الذهن البشري قادر على إدراك عدد كبير ~~من الأشياء، ويكون أقدر على ذلك بقدر ما يتمكن جسمه من تلقي عدد أكبر من الانطباعات.» # 33 # ثم يأتي بعدة قضايا تتضمن تفسيرا ماديا لقدرات الذهن التي تتم دائما من ~~خلال الجسم - ومنها تفسير مادي للذاكرة # 34 # يستبق به اسپينوزا فكرة تداعي المعاني عند هيوم، فيقول: «إذا ما تأثر الجسم ~~البشري ذات مرة بجسمين أو أكثر في آن واحد، فإن ذهنه عندما يتخيل أيا منهما فيما ~~بعد، يتذكر الآخر بدوره على التو.» # 35 # وفي ملحوظة القضية ذاتها يقول: «والآن ندرك بوضوح ما هي الذاكرة؛ فما هي ~~إلا ترابط معين للأفكار يتعلق بطبيعة الأشياء الخارجة على الجسم البشري، وهو ترابط ينشأ ~~في الذهن وفقا لنظام وترابط الأحوال التي تطرأ على الجسم البشري.» بل إن معرفة الذهن ~~لذاته لا تتم إلا من خلال ما يدركه الذهن من الأفكار الخاصة بتغيرات الجسم. # 36 # ومع ذلك فمن الضروري أن نحذر تفسير هذه الأفكار عند اسپينوزا بأنها تعني أن للجسم ~~تأثيرا مباشرا في الذهن؛ فهذا أبعد ما يكون عما يقصده. إن كل ما يقوله هو أن قدرات ~~الذهن تفسر من خلال قدرات جسمه؛ أي إن الحقيقة الواحدة، التي هي الإنسان، تكون ذا ذهن ~~أوسع قدرة إذا كان جسمها، الذي هو الوجه الآخر للحقيقة نفسها، أقدر على تكوين ~~الانطباعات والاتصال بالعالم المحيط به. ولكنه في الوقت ذاته يحذر بشدة من فهم هذه ~~الآراء على أنها تشير إلى تأثير لأحد الوجهين في الآخر، فيقول: «لا الجسم يستطيع أن ~~يدفع الذهن إلى التفكير، ولا الذهن يستطيع أن يدفع الجسم إلى الحركة أو السكون أو أية ~~حالة تختلف عن هاتين، إن وجدت.» # 37 # وفي ملحوظة القضية نفسها يحدد موقفه من هذه المسألة بوضوح فيقول: إن ~~التغيرات التي تحدث في الجسم؛ أي حركات الجسم وسكناته، تحدث لأسباب جسمية فحسب، وليس ~~للذهن دور فيها، ويدافع اسپينوزا دفاعا طويلا عن فكرة ms078 استحالة تأثير الإرادة الواعية ~~في الأفعال الجسمية، على أساس أننا - كما قلنا من قبل - لا ندرك تماما مدى قدرة ~~الجسم؛ ولذلك ينبغي أن نكف عن الإهابة بأسباب خفية (كالإرادة) لتفسير ما نجهله، ومن ~~الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إثارة مسألة حرية الإرادة، التي سنتحدث عنها فيما بعد حديثا ~~مفصلا، ولكن لا مفر هنا من اقتباس رأيه بقدر ما يتصل بموضوع النفس والجسم، «... فالناس ~~يظنون أنفسهم أحرارا، لمجرد كونهم واعين بأفعالهم، وغير واعين بالأسباب المتحكمة في ~~هذه الأفعال ... وهذه الاعتبارات كلها تثبت بوضوح أن الأوامر الذهنية تقترن دائما ~~برغبات جسمية، أو أنهما على الأصح شيء واحد ، نسميه أمرا عندما ننظر إليه ونفسره من ~~خلال صفة الفكر، ونسميه تحددا عندما نتأمله من خلال صفة الامتداد، ونستنبطه من قوانين ~~الحركة والسكون.» # 38 # وفي رأيي أن فكرة اسپينوزا عن ازدياد قدرة الذهن - وبالتالي قدرة الكائن الحي بأسره - ~~كلما ازدادت الانطباعات الواقعة على جسمه وكلما ازداد اتصاله بالأجسام الأخرى في العالم ~~المحيط به. هذه الفكرة تعبر عن مبدأ علمي وجد أقوى تأكيد له في نظرية التطور في القرن ~~التاسع عشر. فمن اليسير جدا الانتقال من فكرته هذه إلى المبدأ التطوري القائل ببقاء ~~الأنواع الأقدر على «التكيف» مع العالم المحيط بها. والمذهبان معا مذهب اسپينوزا ~~ونظرية التطور - يؤكدان أهمية تعامل الجسم مع العالم الخارجي في ارتقاء الحياة، ويكاد ~~اسپينوزا ذاته يقول: إن الحيوان يحتل مكانة عالية في سلم الأحياء إذا كان أقدر من ~~غيره على الاتصال بالعالم والتعامل معه على شتى الأنحاء؛ أي كلما ازدادت «حكمة جسمه» ~~وكمال تركيبه. # 39 # أما المعترضون على ذلك، فإنه يرد عليهم ردا علميا صرفا، فيقول: هل ~~اكتملت دراستكم للجسم حتى تعترضوا؟ # فإذا ما أردنا وصفا للصورة العامة لعلاقة المجال الجسمي بالمجال الذهني فلن نجد أفضل ~~مما كتبه في رسالته رقم 32، حين قال: «... إن جميع أجسام الطبيعة ... محاطة بأجسام أخرى ~~تتحكم في وجودها وحركتها على نحو دقيق محدد، على حين تظل كمية الحركة والسكون ثابتة في ~~جميع الأجسام، أي في الكون ms079 بأسره. ونتيجة لذلك فإن كل جسم، بقدر ما يكون خاضعا ~~لقوانين معينة، ينبغي أن يعد جزءا من الكون بأسره، وأن يتفق ويتلاءم مع هذا الكل، ~~ويرتبط ببقية الأجزاء ... # وهكذا نرى على أي نحو، ولأي سبب، أعد جسم الإنسان جزءا من هذه الطبيعة. أما الذهن ~~البشري فإني أعتقد أنه بدوره جزء من هذه الطبيعة؛ فأنا أرى أن في الطبيعة قوة فكرية لا ~~متناهية. وهذه القوة تنطوي في ذاتها موضوعيا - بقدر ما هي لا متناهية - على الطبيعة ~~بأسرها؛ ومن ثم فإن لأفكار هذه القوة نفس نطاق الطبيعة التي لا تكون هذه الأفكار، ~~بالطبع، إلا التعبير الفكري عنها. # وإني لأرى كذلك أن الذهن البشري إنما هو هذه القوة ذاتها، لا من حيث هي لا متناهية ~~تدرك الطبيعة بأسرها، وإنما من حيث هي متناهية لا تدرك إلا الجسم البشري؛ ولذا أرى أن ~~الذهن البشري جزء من الذهن اللامتناهي.» # وهنا تعود مرة أخرى فكرة صفتي الفكر والامتداد اللتين تنتظمان كل شيء، وتمثلان وجهين ~~لشيء أو جوهر واحد. وتظهر في هذا نتيجة جديدة لنظرية «الصفتين» هذه؛ فطالما أن الكون ~~كله، وكل شيء فيه، هو فكر وامتداد معا، فمن المحال الكلام عن مادة جامدة، مثلما يستحيل ~~الكلام عن روح بلا جسد. وهكذا يمكن، من وجهة نظر معينة، أن يقال إن ذهننا جزء من ~~«ذهنية» كلية أو فكر شامل، هو الجزء الذي يرتبط بالجسم ويتقيد بحدوده. ويسري مثل هذا ~~الوصف على كل شيء، بحيث يستحيل القول: إن الجماد جسم فحسب. وهكذا يظهر لدى اسپينوزا ~~ما يمكن أن يعد مذهبا يقول «بشمول النفس # panpsychism ~~» ~~أو «بحيوية المادة # hylozoism ~~». # ولقد علل «فوير» هذا الوجه من أوجه تفكير اسپينوزا بأنه راجع إلى تأثره بكشف «العالم ~~الأصغر» بواسطة المجهر، حين اتضح - في أبحاث كان لعلماء عصره فضل كبير فيها - أن الحياة ~~كامنة في أدق المخلوقات التي كان يظن أنها عدمت الحياة. # 40 # ولكن هذا التعليل غير كاف؛ إذ إن اسپينوزا لم يكتف بتوسيع نطاق الحياة أو ~~نسبتها إلى بعض جوانب العالم التي ms080 لم تكن تنسب إليها الحياة من قبل. وإنما كان للفكرة ~~لديه وظيفة «منطقية» قبل كل شيء؛ فهي وسيلته إلى القضاء على الثنائية القاطعة بين الفكر ~~والمادة، وهي مظهر لعبوره الحاسم للهوة بين عالم الامتداد وعالم الفكر. وإذا كان قد ~~وجد من المفكرين السابقين من يقولون بشيوع الحياة، أو «الروح» في أغلب الأحيان، في ~~الكون، فإن غرض هؤلاء المفكرين كان يختلف تماما عن غرض اسپينوزا؛ فقد كان هؤلاء يرمون ~~إلى تأكيد سيادة الوجه الروحي في الكون، وربما إلى إثبات وجود «روح مطلقة» تتخلله. أما ~~هو فقد استخدم، على نحو بارع، فكرة شيوع الفكر في كل جوانب الكون - إلى جانب شيوع ~~الامتداد في نفس هذه الجوانب - لا لكي يدعم الرأي القائل بالروح المطلقة، بل ليقضي ~~تماما على إمكان ظهور هذا الرأي. # ولقد وجد من الشراح من انتقدوا كثيرا من آراء اسپينوزا التفصيلية في علاقة الذهن ~~بالجسم، ومن نبهوا إلى صعوبات جمة في فهم المعنى الحقيقي لقوله إن «الذهن فكرة الجسم». # 41 # وربما كان لمثل هذه الانتقادات ما يبررها، ولا سيما إذا توغلت في المقارنة ~~بين القضايا والبراهين، وحاسبته بدقة على كل لفظ يقوله في كل موضع، غير أني أعتقد أن ~~نظرية اسپينوزا تظل رغم ذلك مساهمة مفيدة في حل مشكلة الذهن والجسم؛ فهو من الناحية ~~السلبية يقضي على التصور الشائع لهما على أنهما جوهران متميزان، وهو التصور الذي يجر ~~وراءه كل الأخطاء اللاهوتية والميتافيزيقية التي حفلت بها كتابات الفلاسفة، وبذلك يكون ~~قد أسدى إلى حضارة الإنسان خدمة كبرى إذا أثبت إمكان قيام نظرية لا تأخذ بفكرة الجوهرين ~~المستقلين: الجسمي والروحي. أما من الناحية الإيجابية، فإن اسپينوزا كان يخوض هنا ~~مجالا شديد العمق والتعقيد، ومن الطبيعي أن تكون صعوبة التعبير، بالنسبة إلى من يريد ~~بحث هذه المسألة دون افتراض كيانات خفية، أشق كثيرا مما هي لدى أولئك الذين يسهل عليهم ~~التخلص من كل صعوبة بإرجاعها إلى «الروح»، وأعتقد أنه ليس من الصعب - رغم ذلك كله - أن ~~يفهم المرء تفسير اسپينوزا لعلاقة الذهن والجسم ms081 بالقول إنهما وجهتا نظر مختلفتان لحقيقة ~~واحدة. ولا بد للمرء آخر الأمر من الرجوع إلى هذا التفسير، أو ما يشبهه، إذا شاء فهما ~~لهذه المشكلة لا تتخلله عناصر غير علمية؛ فالحل الذي أتى به اسپينوزا، رغم كل صعوباته ~~اللفظية أو الشكلية، يبدو أقرب الحلول إلى الروح العلمية الصحيحة. أما الحل الصحيح، ~~فإنه، كما قال اسپينوزا، يتوقف أولا على معرفة الجسم وقدراته، وها نحن أولاء، في النصف ~~الثاني من القرن العشرين، لم نكد نبدأ بعد استطلاع هذا الميدان الحافل، ميدان معرفة ~~قدرات جسم الإنسان، ولا سيما قدرات «المخ»، والتحكم فيها. ومما لا شك فيه أن كثيرا ~~من غوامض العلاقة بين الذهن والجسم ستحل كلما تقدمت الكشوف في هذا الميدان الشاق، ~~ولكنا، على أية حال، كلما اكتشفنا جديدا، سنظل دائما مدينين بالفضل لاسپينوزا لأنه ~~حذرنا من كل الحلول الهينة التي نتخلص فيها من صعوباتنا بافتراض كيانات خفية نعترف ~~بأننا لا نعلم عنها شيئا، ومن كل الأحكام المتسرعة التي نصدرها جزافا عن العلاقة بين ~~الذهن والجسم دون أن نكون قد تعمقنا أسرار عالم الجسم وعرفنا قدراته. ~~(4) فكرة الضرورة # لقد كان القول بسيادة الضرورة، وما زال، من أهم الصفات التي تميز الروح العلمية، ~~وليس معنى ذلك أن هذه الروح تفترض وجود قوة «ترغم» الظواهر على السير في طريق معينة، ~~بل إن كل ما تفترضه هو أن مجرى هذه الظواهر، إذا ما نظر إليه في ذاته دون إقحام لأية ~~علل خارجية فيه، يكون منتظما خاضعا لقوانين مستمدة منه ومعبرة عنه، وأن الظواهر ~~الفردية لا تحدث خبط عشواء، بل ينبغي أن تكون لها علة تفسرها، وأنه حتى في الحالات التي ~~لا يستطيع فيها العلم أن يحدد هذه العلة؛ لأن تطوره لم يصل إلى ذلك بعد، ينبغي «من حيث ~~المبدأ» أن نعترف بضرورة وجود هذه العلة، وبضرورة وجود القانون الذي يحكم العلاقة بين ~~الظواهر وعللها. ولقد ظهرت فلسفة اسپينوزا في المرحلة الأولى للعلم الحديث، وهي المرحلة ~~التي كان فيها مبدأ الضرورة، بوصفه مثلا أعلى تسعى إليه كل ms082 معرفة بشرية، لا يزال ~~بعيدا كل البعد عن التحقق - بل إنه لا يزال كذلك حتى الآن في مجالات غير قليلة، رغم مل ~~ما أحرزناه من تقدم، ولكن عدم تحققه لا يعني عدم صحته. والقول بأننا لا نعرف من قوانين ~~الكون إلا قدرا ضئيلا إلى أبعد حد، لا يبرر على الإطلاق إنكار فكرة الضرورة، بوصفها ~~هدفا يسعى إليه العلم؛ ففي كل تقدم علمي جديد، وفي كل فهم للمزيد من أسرار الكون، ~~نزداد اقترابا من تحقيق المثل الأعلى للضرورة الكونية الشاملة، وإن كنا نعلم أننا سنظل ~~دائما بعيدين عن تحقيقه كاملا، فقصور إدراكنا للقوانين الكونية الشاملة، لا يعني ~~تكذيب «المبدأ» القائل إن الأشياء تخضع لضرورة شاملة لو عرفنا قوانينها الكاملة لاكتمل ~~علمنا بالكون. # مثل هذه النظرة إلى العالم وما فيه من ظواهر طبيعية، كانت، على بساطتها، من أصعب ~~الأعمال التي حققها الفكر البشري؛ فقد ظل المفكرون على الدوام يضعون العقبات في وجه هذه ~~الضرورة الكونية المتحكمة، التي لم يكن فيها إرضاء لنزعة الإنسان إلى أن يرى صورته، ~~وآماله وأحلامه ومخاوفه، منطبعة على الكون. وهكذا حرص كثير من المفكرين، طوال تاريخ ~~الفكر الفلسفي، على أن يتركوا وسط هذه الضرورة الطبيعية ثغرات يجدون فيه مجالا لطبع ~~الصورة البشرية على الكون. ولا نستطيع أن نقول إن هذا الميل إلى الخلاص من موضوعية ~~الضرورة قد زال حتى في يومنا هذا. # وإذا كان القول بسيادة القانونية والضرورة في الطبيعة أمرا صعبا، فإن القول ~~بسيادتهما في مجال «الإنسان» أصعب كثيرا؛ فقد اعتاد الإنسان أن يستثني نفسه من التيار ~~العام للظواهر الطبيعية، وأن يعد نفسه «سيدا» لها، يفرض عليها قوانين لا يخضع هو ذاته ~~لها. وكان ينظر إلى عدم الخضوع هذا على أنه أكبر مظاهر علو مكانته وارتفاع شأنه في ~~الكون. وكان لا بد له من نظام عقلي شديد لكي يقتنع بالمبدأ العام القائل إنه قد لا ~~يكون إلا جزءا من الطبيعة، يسري عليه، في ميوله وانفعالاته، كل ما يسري عليها، وأن ما ~~يتوهمه في نفسه أفعالا إرادية حرة ms083 لا ضابط لها ولا قانون، هي في حقيقة الأمر، لو عرفت ~~الأسباب، أفعال ضرورية لا تختلف عن أي سلوك آخر لسائر مظاهر الطبيعة. ورغم كل ما أحرزه ~~الإنسان في مجال السيطرة على العالم الطبيعي من تقدم، فما زالت فكرة «القانونية» في ~~مجاله الخاص تلقى أشد مقاومة، ولا يستطيع أحد أن يقول إنها، حتى الآن، قد أصبحت هي ~~الغالبة. # ومع ذلك، فرغم أن فكرة سيادة الضرورة والقانونية في الطبيعة، وفي الإنسان على الأخص، ~~ما زالت تلقي في أذهان كثيرة مقاومة شديدة؛ ففي وسع مؤرخ الفلسفة أن يقول بكل اطمئنان ~~إن اسپينوزا كان مؤمنا بهذه الفكرة إيمانا مطلقا، وأنه فعل الكثير لنشرها في وقت ~~كانت فيه الفكرة المضادة؛ فكرة العشوائية، والاتفاق، و«الحرية»، والغائية، هي المسيطرة ~~على الأذهان، وهي التي تعد - بما تؤدي إليه من فتح المجال واسعا لكل النزعات الصوفية ~~غير العلمية - دليلا على الامتياز العقلي، أو على الأقل دليلا على المزيد من التقوى ~~والورع، وهما صفتان لم يكن المفكر في ذلك العصر يسلم لو اتهم بالافتقار إليهما. فعند ~~اسپينوزا تظهر في هذا المجال نزعة علمية لا شك فيها، تقاس بأشد النزعات العلمية قوة ~~حتى في عصرنا هذا. ~~(4-1) الضرورة في الكون وفي الإنسان # يعرض اسپينوزا مشكلة الضرورة والحتمية في «الرسالة القصيرة»، من خلال المصطلح ~~السائد في العصور الوسطى، على النحو الآتي: هل يستطيع الله أن يفعل غير ما فعل؟ ~~ويرد على هذا السؤال، بنفس لغة المدرسين، فيقول إنه ليس من الكمال الإلهي أن يفعل ~~الله غير ما فعل، وأنه حتى لو أحدث تغييرا فيما ظل يسير عليه لما كان هذا دليلا ~~على المزيد من القدرة ... وينتهي من ذلك إلى أن الله كان لا بد أن يفعل ما فعل، ~~وإلى أن الحرية الاعتباطية ليست على الإطلاق من الصفات الإلهية، ويؤكد ضرورة أحداث ~~الطبيعة نافيا عنها كل القيم العرضية. # 42 # هذا مثال واضح للأفكار العلمية الخالصة التي يعرضها اسپينوزا بلغة المدرسين؛ ~~فالسؤال: هل كان الله يستطيع أن يفعل غير ما فعل؟ ليس إلا ms084 تعبيرا - من خلال لغة ~~العصور الوسطى - عن السؤال: هل تسود الضرورة أو العرضية في الطبيعة؟ ولا جدال في أن ~~اسپينوزا ينتهي إلى الدفاع عن سيادة الضرورة بكل ما يملك من تحمس، ولكنه يصوغ هذا ~~الدفاع، أيضا، في لغة مدرسية، فيقول إن الله لم يكن يشرف بفعل أي شيء غير ما فعل. ~~وبهذه الألفاظ الظاهرة البراءة يعبر اسپينوزا عن المبدأ الاسپينوزي الذي يرتكز ~~عليه العلم، وهو أن كل شيء يسير تبعا لنظام أو قانون لا تغيير فيه، ويسد الطريق، ~~في الوقت ذاته، على فكرة المشيئة الإلهية الاعتباطية بكل ما لها من نتائج لاهوتية ~~متعددة. # وفي كتاب «الأخلاق» يتحدث اسپينوزا بمزيد من التفصيل عن مبدأ سيادة الضرورة في ~~الكون، فيصف هذا المبدأ أولا بأنه ينتمي إلى طبيعة العقل البشري، أو أنه هو ~~الطريقة التي ينبغي أن ينظر بها العقل البشري (إذا أحسن استخدامه بالطبع) إلى ~~الأشياء، قائلا: «ليس من طبيعة العقل أن ينظر إلى الأشياء على أنها عرضية، وإنما ~~على أنها ضرورية.» # 43 # ولنلاحظ أن النتيجة الثانية لهذه القضية تقول: «إن من طبيعة العقل أن ~~ينظر إلى الأشياء من منظور الأزلية # sub quodam aeternitatis ~~specie ~~» وبذلك يكون نظر العقل إلى الأشياء من منظور الأزلية ~~مرتبطا بتحكم الضرورة، وتنفى عن فكرة «الأزلية» في هذا الصدد كل ارتباطاتها ~~الدينية، وتصبح تعبيرا عن ذلك الوجه الدائم للأشياء، الذي تكتسبه لمجرد كونها ~~خاضعة لقانون ضروري يستبعد كل عنصر عرضي فيها. ويلخص اسپينوزا موقفه في قضية نستطيع ~~أن نسميها «قضية الضرورة المطلقة» فيقول: «لا شيء في الكون عرضي، بل كل شيء ~~يتحدد وجوده، ويسلك، على نحو معين وفقا لضرورة الطبيعة الإلهية.» # 44 # ولنذكر هنا، في صدد العبارة الأخيرة، ربطه بين «الطبيعة الإلهية» وبين ~~«الضرورة»، وتأكيده، الذي أشرنا إليه من قبل، أن الضرورة تسري على الأفعال الإلهية ~~ذاتها، وبذلك يكون المعنى الحقيقي للعبارة هو في واقع الأمر «وفقا للضرورة ~~الكونية» أو «وفقا لقوانين الطبيعة». # أما الأشياء الفردية فيقول عنها: إن «كل شيء فردي، متناه، متحدد في وجوده، لا ms085 ~~يوجد أو يتحدد فعله إلا بعلة أخرى هي بدورها متناهية وذات وجود متحدد. وهذه ~~بدورها تتحدد بشيء متناه متحدد. وهكذا إلى ما لا نهاية.» # 45 # ومعنى ذلك أنه لا توجد قوى خارجية تتحكم في الأشياء الموجودة في هذا ~~العالم، وأن ظواهر الطبيعة ينبغي أن تفسر بقواها الخاصة فقط، وأن من الواجب البحث ~~عن علة طبيعية فقط - لا أي نوع آخر من العلل - لكل ما في الكون. # ومن طبيعة الجسم الفردي أنه يحتفظ بطبيعته إذا تغيرت حركته وظلت مع ذلك محتفظة ~~بمقدارها العام، أو إذا عرضت حركة جديدة فيه كل حركة قديمة زالت، أو إذا كان مركبا ~~وحلت فيه أجسام فردية محل أجسام أخرى زالت، وكانت لها نفس طبيعتها. وعلى أساس ~~هذه الفكرة الميكانيكية الخالصة، فكرة الأجسام الفردية التي تظل محتفظة بطبيعتها ~~العامة رغم اختلاف حركاتها الداخلية، يفسر اسپينوزا الكون كله تفسيرا مماثلا، ~~ويرسم له صورة ميكانيكية تسودها القانونية المطلقة، فيقول: «نستطيع أن نرى، مما ~~سبق، كيف أن الفرد المركب يمكن أن يتأثر على أنحاء شتى، ويظل مع ذلك محتفظا ~~بطبيعته. ولقد ظللنا حتى الآن نبحث في الفرد المؤلف من أجسام لا يتميز بعضها عن ~~الآخر إلا في الحركة والسكون، والسرعة والبطء؛ أي من أبسط أنواع الأجسام. أما إذا ~~تصورنا فردا آخر مؤلفا من عدة أفراد لهم طبائع متباينة، فسنجد أن عدد التأثرات ~~التي يمكن أن تحل عليه دون أن يفقد طبيعته يتضاعف كثيرا ... فإذا ما تصورنا نوعا ~~ثالثا من الأفراد، يتألف من أفراد من هذا النوع الثاني، فسنجد أنه يمكن أن يتأثر ~~على أنحاء أعظم كثيرا من هذه، دون أن تتغير حقيقته، ومن السهل أن نمضي على هذا ~~النحو إلى ما لا نهاية، ونتصور الطبيعة بأسرها على أنها فرد واحد، تتغير أجزاؤه؛ أي ~~جميع الأجسام، على أنحاء لا متناهية، دون أن يطرأ أي تغيير على الفرد في مجموعه.» # 46 ~~••• # أما على المستوى الإنساني، # 47 # فإن نفس فكرة الضرورة هي السائدة؛ ذلك لأن الحرية التي تنسب إلى ~~الإرادة البشرية ليست، في ms086 واقع الأمر، إلا جهلا بالأسباب. والواقع أن كل ما هو ~~جزئي؛ أي كل ما يرتبط في وجوده بغيره، ويستمد منه عناصر ضرورية لهذا الوجود، هو ~~بحكم هذا الارتباط ذاته فاقد لحريته، «فالشيء يكون حرا # libera # إذا وجد بضرورة طبيعته فحسب، وإذا تحدد فعله بذاته فحسب، ~~ومن جهة أخرى يكون الشيء ضروريا، أو على الأصح مرغما # coacta ~~، إذا تحكم شيء خارج عنه في وجوده أو فعله على نحو ثابت محدد.» # 48 # ولنلاحظ، في صدد النص السابق، أن استدراكه الذي استبدل فيه كلمة «مرغم» بكلمة ~~«ضروري» كان استدراكا لا بد منه، بل كان ينبغي عليه حذف كلمة «الضروري» تماما ~~من سياق الجزء الثاني من التعريف؛ ذلك لأن اسپينوزا هو الذي أكد مرارا الفارق بين ~~«الضرورة» و «القهر»، وربط، من جهة أخرى، بين الضرورة والحرية؛ فالضرورة في رأيه ~~تحدد باطن، أما القهر فهو خضوع لقوة خارجية. ومن الممكن، بهذا المعنى، أن يكون ~~الشيء ناتجا عن الضرورة والحرية في آن واحد: «فرغبة المرء في أن يحيا ويحب ... إلخ، ~~ليست نتيجة لقهر، ولكنها مع ذلك ضرورية.» # 49 # وبعبارة أخرى: فاسبپينوزا لا يفهم الحرية إلا من حيث هي مرتبطة بمثل ~~هذه الضرورة الذاتية. أما الحرية الأخرى، حرية الإرادة، وحرية الاختيار على غير ~~أساس، فهي التي يرفضها اسپينوزا تماما. # وعلى أساس هذه التفرقة بين معنيي كلمة «الحرية» نستطيع أن نفسر ظاهرة قد تبعث ~~في نفس القارئ، لأول وهلة، قدرا غير قليل من الدهشة؛ ذلك لأن اسپينوزا لا يمل من ~~تكرار القول بأن فكرة الحرية واهمة، وأنها مظهر خداع لا وجود له. ولكنه في نفس ~~الكتاب الذي يؤكد فيه هذه الفكرة بكل قوة - أعني كتاب «الأخلاق» - يؤكد أن هدفه هو ~~عرض أخلاق «الإنسان الحر» ويكرس الباب الأخير منها للحديث عن حرية الإنسان. فكيف ~~إذن نوفق بين هذين المظهرين في فلسفته؟ لا شك في أن الحرية، كما عناها اسپينوزا ~~في «الباب الخامس»، هي تلك الحرية الناجمة عن التحكم الذاتي، كما رأينا في تعريفه ~~السابق؛ ففي هذا الباب يتحدث اسپينوزا ms087 عن الطريق الذي يسير فيه العقل حين يكتشف ~~الضرورة الكامنة في الكون، فيحرر ذاته عن طريق فهم طبيعته وعلاقته بالعالم فهما ~~كاملا. مثل هذا التحرر الناجم عن إدراك الإنسان لموقعه الحقيقي في الكون، قد ~~يسمى من جهة «ضرورة»؛ لأن فكرة الضرورة هي التي تغدو الفكرة المسيطرة على نظرته ~~إلى نفسه وإلى الأشياء عندئذ، ولكنه يمكن أن يسمى أيضا «حرية» لأن الحقيقة تحرر ~~الإنسان؛ ومن هنا كشف عنوان الباب عن سبب هذه الحرية، وهو العقل؛ إذ كان موضوع ~~البحث فيه هو: «في قوة العقل أو حرية الإنسان». ~~(4-2) الحملة على الغائية # ترتبط الحملة على الغائية بتأكيد ~~فكرة الضرورة ارتباطا وثيقا: ذلك لأن العامل الأساسي الذي حال دون تأكيد فكرة ~~الضرورة في كل العصور هو رغبة الإنسان في تأمل الطبيعة وفقا لغاياته الخاصة؛ فهو ~~يترك الطبيعة فيها للصدفة والاتفاق حتى يجد فيها مجالا لتأكيد الغايات المتفقة مع ~~طبيعته وأمانيه، وحتى يستطيع أن يقول إن ظواهر الطبيعة «تهدف» إلى غايات شبيهة ~~بغاياته الخاصة؛ ومن هنا كان نفي الغائية، في واقع الأمر، وجها آخر من أوجه تأكيد ~~اسپينوزا لفكرة الضرورة. # وتتضمن مقدمة الباب الرابع من «الأخلاق» عرضا دقيقا لحملة اسپينوزا على ~~الغائية، كتب بأسلوب مسترسل تشيع الروح العلمية الصحيحة في كل كلمة فيه: «فالطبيعة ~~لا تعمل مستهدفة غاية ما؛ ذلك لأن الكائن الأزلي اللامتناهي، الذي نسميه الله أو ~~الطبيعة، يسلك وفقا لنفس الضرورة التي يوجد بها ... أي إن السبب أو العلة التي تجعل ~~الله أو الطبيعة موجودا، والسبب الذي يجعله يسلك، هو سبب واحد ... وليس لوجوده وفعله ~~أصل ولا غاية؛ ومن ثم فإن العلة التي تسمى غائية ليست إلا الرغبة البشرية، بقدر ما ~~تعد أصلا أو علة لأي شيء.» وبعبارة أخرى: فإن نفس القوانين التي تستخلص من السير ~~الفعلي للطبيعة، هي ذاتها ما يسمى بقوانين المسلك الإلهي، ومن المحال أن تستهدف ~~الطبيعة أية غاية، بل إن مسارها كله ضروري، ومستمد من ضرورة وجودها فحسب. # ويؤكد اسپينوزا في تذييل الباب الأول من «الأخلاق» أن أخطاء ms088 الناس وتغرضاتهم ترتد ~~كلها إلى خطأ واحد أساسي: «فالناس في عمومهم يظنون أن كل الأشياء الطبيعية تسلك، ~~مثلهم، مستهدفة غاية ما، بل إنهم يوقنون بأن الله ذاته يدبر كل شيء مستهدفا ~~غاية معينة؛ إذ يقولون إن الله خلق كل شيء من أجل الإنسان، ولكنه خلق الإنسان ~~ليتلقى منه عبادته.» ويعلل اسپينوزا هذا الاعتقاد بالغائية بأنه راجع إلى اعتياد ~~الإنسان استخدام الأشياء الطبيعية «وسائل» لتحقيق غاياته. ولما كان الإنسان يصنع ~~كثيرا من هذه الأشياء بيديه؛ فقد اعتقد أن في الطبيعة صانعا أو عدة صناع # 50 # مهمتهم تشكيل الطبيعة وفقا لما يرضي الإنسان. ومن جهة أخرى؛ فقد ~~اعتقدوا أن ما تسببه الطبيعة من كوارث ونكبات، سببه غضب الآلهة على الناس لانعدام ~~تقواهم، رغم ما يرونه بأعينهم من أن هذه الكوارث تصيب التقي وغير التقي معا، ~~وحتى لو تنبه أحدهم إلى ذلك، فإنه يؤثر أن يقول إن ذلك راجع إلى حكمة لدى الآلهة ~~تتجاوز نطاق فهمه، ويفضل أن يحكم على عقله بالعجز بدلا من أن يراجع تفسيره منذ ~~البداية. ويؤكد اسپينوزا أن القول بأن الله يسلك وفقا لغاية ما، إنما هو حكم على ~~الله بالحرمان من أشياء يرغب في تحقيقها. وهو يفسر التجاء الناس إلى التفسير ~~الغائي بجهل الأسباب: «إذ إنهم يعلمون أن الجهل ما إن يختفي، حتى تزول تلك الدهشة ~~التي هي وسيلتهم الوحيدة إلى الدفاع عن آرائهم وحفظ سلطتهم. وهكذا يختار الناس من ~~الصفات ما يلائم أمزجتهم أو يوافق خيالهم، وينسبونها إلى الأشياء ذاتها، لاعتقادهم ~~بأن هذه الأشياء إنما صنعت من أجلهم.» # والحق أن تذييل الباب الأول من الأخلاق، الذي أوردنا هنا قليلا من حججه، هو من ~~أروع الصفحات التي كتبها ذهن متحرر تماما من الأوهام وصل بتفلسفه إلى قمة الروح ~~العلمية النقية من كل شائبة. وأشك جدا في أن كثيرا من المفكرين المعاصرين، حتى ~~المشتغلين بالشئون العلمية منهم، يمكنهم الوصول إلى هذه المرتبة الرفيعة في تأمل ~~الطبيعة على نحو خلا تماما من كل الأوهام الغائية التي طالما أفسدت تفكير البشر. ms089 ~~وإني لأذكي هذا التذييل ليكون قراءة إجبارية لكل من يزمع اتخاذ البحث العلمي ~~- بأية صورة من صوره - ميدانا للعمل. والأمر الذي يدعو إلى الإعجاب حقا أن يتملك ~~هذا اليقين العلمي ذهنا في القرن السابع عشر، الذي كان التفكير العلمي فيه ما يزال ~~مختلطا بكثير من شوائب العصور الوسطى، حتى لنجد بين كبار فلاسفته، ممن مارسوا ~~البحث العلمي ممارسة حقيقية، مثل ديكارت وليبنتس، من تحفل كتاباتهم بآثار النزعة ~~الغائية اللاعلمية، وإنا لنتفق تماما مع حكم «سيڨك» القائل: «إن اسپينوزا من أكبر ~~أعداء نظرية الغائية. وهو لم يكتف بإنكارها كما فعل الكثيرون غيره. بل لقد عمل على ~~إثبات استحالتها إيجابيا، وعلى إيضاح أصولها التاريخية والنفسية، وعرض نظرية ترمي ~~إلى الحلول محلها.» # 51 # فإذا كان إنكار الغائية وحده يعد من أقوى مظاهر الروح العلمية ~~السليمة، فلا جدال في أن محاولة تفسيرها نفسيا وتاريخيا تعد مساهمة أعظم في دعم ~~هذه الروح العلمية، وهي مساهمة تدعو إلى الاستغراب حقا بالنسبة إلى العصر الذي ~~عاش فيه اسپينوزا. # ويقدم اسپينوزا تفسيرا لسلوك الأحياء - ومنها الإنسان ذاته - خلا تماما من كل ~~نوع من الغائية. ويقوم هذا التفسير على نزوع # conatus # الكائنات كلها إلى حفظ وجودها، وهو نزوع طبيعي بحت، لا شأن ~~له بأية غاية. وهو يصف نزوع الكائنات إلى الاستمرار في الوجود بأنه ماهيتها ~~الفعلية، ويعقب على هذه الملاحظات العامة بقوله: «إن هذا النزوع، عندما يتعلق ~~بالذهن وحده، يسمى بالإرادة، وعندما يتعلق بالذهن والجسم مقترنين يسمى ~~بالميل الاشتهائي # Appetitus # وما هو في الواقع إلا ~~ماهية الإنسان، التي تتلو منها بالضرورة كل النتائج الرامية إلى حفظه والتي يتحتم ~~على الإنسان بالتالي أداؤها. ~~... والرغبة هي الميل الاشتهائي مصحوبا بالإدراك الواعي له. وهكذا فمن الواضح مما ~~قلناه أننا لا نسعى على الإطلاق إلى أي شيء أو نتمناه أو نتوق إليه أو نرغبه؛ لأننا ~~نعتقد أنه شيء طيب، بل إننا على العكس من ذلك نراه شيئا طيبا لأننا نسعى إليه أو ~~نتوق إليه أو نرغبه.» # 52 # مثل هذا التفسير - الذي طالما نوه ms090 عنه الباحثون باستباقه لبعض ~~النظريات الحديثة في علم النفس، مثل نظرية چيمس-لانجه في علاقة الانفعالات بأسبابها ~~- كان انقلابيا بالنسبة إلى عصر اسپينوزا، وهو، وإن يكن قائما على أساس نظري ~~بحت، محاولة لها قيمتها الكبرى لاستبعاد كل العناصر الغائية من مجال السلوك البشري، ~~ولإيجاد مبدأ واحد طبيعي صرف - بل قد يعد ميكانيكيا من وجهة نظر معينة - هو مبدأ ~~نزوع الكائن إلى حفظ وجوده أو الاستمرار في وجوده، وعن طريق هذا المبدأ، الذي لا ~~يداخله أي عنصر غائي أو تقويمي، ينتقل اسپينوزا تدريجيا إلى تفسير كل أوجه السلوك ~~البشري على نحو لا تكون فيه إلا مظاهر لاتجاه مطرد، لا ينطوي على أي تباين كيفي، ~~يسعى فيه الإنسان، كسائر الكائنات الحية، إلى حفظ وجوده وإبقائه مستمرا، ولا تكون ~~الغايات الظاهرة للسلوك إلا تعبيرا معقدا ، غير دقيق، عن هذا النزوع ~~الأصلي. ~~••• # ولا شك أن القضاء على الغائية في سبيل تأكيد فكرة الضرورة، يرتبط حتما بفلسفة ~~خاصة في القيم تنكر كل ما لهذه القيم من طابع أنتولوجي أو وجود واقعي، وتتضح معالم ~~هذه الفلسفة عند اسپينوزا في عبارته الموجزة: «الواقع والكمال عندي لفظان مترادفان.» # 53 # ولا جدال في أن الطرف الثابت في هذا الترادف، عند اسپينوزا، هو الواقع، ~~والطرف الذي يرد إلى الآخر هو الكمال، فليس لهذه العبارة أية صلة بالنظريات التي ~~تجعل الكمال صفة من صفات الواقع أو تضفي على الكمال دلالة أنتولوجية، بل إنها، على ~~العكس من ذلك، ترمي إلى تأكيد أن ما نسميه كمالا أو نقصا إنما يرجع إلى نظرتنا ~~الخاصة إلى الأمور، وأن الأشياء لا تحمل من الصفات إلا ما هو واقعي فيها، وكل ما ~~عدا ذلك من صنعنا نحن. # ويعبر اسپينوزا عن هذه الفكرة تعبيرا أوضح في مقدمة الباب الرابع من الأخلاق، ~~فيقول: «ليس الكمال والنقص إلا طريقتين في التفكير، أو فكرتين، نكونهما عن طريق ~~مقارنة أفراد النوع الواحد بعضهم ببعض؛ وعلى ذلك ... فأنا أعني بالواقعية والكمال ~~شيئا واحدا ... فبقدر ما ... نجد أن بعض [الأفراد] لديها من الوجود أو الواقعية ms091 أكثر ~~مما لدى غيرها، نقول، إلى هذا الحد، إن بعضها أكمل من بعضها الآخر، وكذلك فبقدر ما ~~ننسب إليها أي شيء ينطوي على السلب - كالحد، والنهاية، والاختلال ... إلخ - نسميها، ~~إلى هذا الحد، ناقصة؛ لأنها لا تؤثر في ذهننا بقدر ما تؤثر الأشياء التي نسميها ~~كاملة، لا لأن فيها أي نقص كامن، أو لأن الطبيعة قد أخطأت؛ ذلك لأن طبيعة الشيء لا ~~تنطوي إلا على ما يتلو من ضرورة طبيعة علته الفاعلة، وكل ما يتلو من ضرورة طبيعة ~~علته الفاعلة يحدث بالضرورة.» والمقصود هنا بما يتلو من ضرورة العلة الفاعلة الشيء، ~~الصفات الواقعية أو الفعلية لهذا الشيء، والتي هي وحدها المنتمية إلى ماهيته أو ~~طبيعته. أما كل ما عدا ذلك من صفات فهو من صنعنا. # ولا شك أن القارئ يدرك أن المعنى الحقيقي لكلمتي: الكمال والنقص هنا، في ضوء ~~المصطلح الفلسفي الحديث، هو فكرة «القيم». فالذي يعنيه اسپينوزا هو أن كل ما يتصوره ~~الإنسان من قيم إنما هو من صنع الإنسان ذاته، وأن الأشياء في ذاتها ليست كاملة أو ~~ناقصة، جميلة أو قبيحة، طيبة أو رديئة، وإنما هي واقعية تحدث كما تحدث. وتلك فكرة ~~قد تبدو بديهية واضحة في نظر الكثيرين، غير أن تأمل نماذج الفكر البشري في مختلف ~~عصوره يثبت أنها كانت أبعد ما تكون عن الوضوح في أذهان عدد لا يستهان به من كبار ~~الفلاسفة بل والعلماء، والدليل على ذلك هو إقحام الأفكار الغائية في تفسير الظواهر ~~الطبيعية، وهو أمر لم تتخلص منه علوم كثيرة حتى يومنا هذا (كعلم البيولوجيا ~~مثلا). # ولو شئنا أن نتحدث عن تفسير لظهور القيم، عند اسپينوزا، لقلنا إن هذا التفسير ~~إنما هو ضيق حدود الذهن الإنساني، وعدم قدرته على استيعاب الطبيعة بأطرافها ~~اللامتناهية. وهكذا يحد الإنسان نظرته إلى الطبيعة بمجال معين يتأمله من خلال ~~أمانيه ورغباته الخاصة، ويفسره على أساسها، بينما لو كان قادرا على إدراك مجموع ~~العلاقات اللانهائية المتشابكة في الطبيعة لاختفت هذه القيم التي صنعها تماما، ~~ولظهر كل شيء على حقيقته جزءا ms092 من نسق هائل لا نهائي التعقيد في الكون. «فحدود ~~الطبيعة ليست هي قوانين العقل البشري، الذي لا يفعل شيئا سوى السعي إلى تحقيق ~~الصالح الحقيقي للجنس البشري وحفظه، وإنما هي قوانين أخرى لا نهائية، تتعلق بالنظام ~~اللانهائي للطبيعة الكونية، التي لا يكون الإنسان إلا ذرة منها، وتبعا لضرورة هذا ~~النظام وحدها يتحدد وجود كل الكائنات الفردية وسلوكها على نحو ثابت؛ وعلى ذلك فكلما ~~بدا لنا شيء في الطبيعة عجيبا أو ممتنعا أو شرا، فما ذلك إلا لأن معرفتنا ~~بالأشياء جزئية، ولأننا في أغلب الأحيان جاهلون بنظام الطبيعة من حيث هي كل ~~وإحكامها، ولأننا نريد أن يسير كل شيء وفقا لما يمليه عقلنا، مع أن ما يراه عقلنا ~~شرا ليس في الواقع شرا فيما يتعلق بنظام الطبيعة الكونية وقوانينها، وإنما فيما ~~يتعلق بقوانين طبيعتنا نحن وحدها، مأخوذة على حدة.» # 54 # وطالما أننا بصدد الكلام عن نظرية اسپينوزا في القيم. فمن المفيد أن نتحدث عن ~~آرائه في بعض القيم التفصيلية، ولكن لما كان البحث في الخير والشر داخلا في باب ~~الأخلاق التي سنعالجها في فصل آخر، والبحث في الحقيقة والبطلان داخلا في مجال ~~المنهج ونظرية المعرفة، وهما موضوعان سبق لنا معالجتهما، فلا بأس في هذا المقام من ~~أن نقول كلمة عن القيم الجمالية، وهو موضوع قلما تعرض له شراح ~~اسپينوزا. # كان اسپينوزا، في المواضع القليلة التي تعرض فيها للقيم الجمالية والفنية، يقوم ~~بتشريح هذه القيم وتحليلها من وجهة نظر العالم والفيلسوف لا من وجهة نظر الفنان؛ ~~فهو يبحث في أصلها، وموقعها في العالم الواقعي، وعلاقتها بحياة الإنسان، ولا يبحث ~~في الدلالة الجمالية الخالصة لهذه القيم؛ أي إنه، بالاختصار، ينظر إلى الفن من ~~الخارج، لا من الداخل. وتتضح نظرته العلمية إلى طبيعة الجمال في قوله في الرسالة ~~رقم 54: «إن الجمال ليس صفة في الشيء موضوع البحث بقدر ما هو أثر في ذلك الذي ~~يتأمله، ولو كانت قدرتنا على الإبصار أقوى أو أضعف، ومزاجنا مختلفا، لبدت لنا ~~الأشياء الجميلة قبيحة، والقبيحة جميلة. ولا بد ms093 أن أجمل الأيدي تبدو شنيعة إذا ~~ما نظرنا إليها بالمجهر. ومن الأشياء ما يبدو جميلا عن بعد، حتى إذا ما اقتربنا ~~منه ظهر قبحه. وهكذا فإن الأشياء إذا ما نظر إليها في ذاتها أو في علاقتها بالله، ~~لا تكون جميلة ولا قبيحة. وعلى من يزعم أن الله خلق العالم ليكون جميلا، أن يعترف ~~ضرورة بأن الله قد صنع العالم من أجل رغبة الإنسان وعيونه، أو بأنه صنع رغبة ~~الإنسان وعيونه من أجل العالم.» # وحين يحاول تعليل أصل الجمال والقبح علميا، يذكر أننا نحكم بالجمال على ما ~~يلائمنا نحن فحسب، بغض النظر تماما عن طبيعته الواقعية فيقول: «... إذا كانت ~~الحركة التي توصلها الأشياء إلى أعصابنا نافعة للصحة، سميت الأشياء المسببة لها ~~جميلة، وإذا بعثت الأشياء حركة مضادة سميت قبيحة ... # وكل ما يؤثر في آذاننا يقال إنه يسبب ضوضاء أو صوتا أو انسجاما. وفي هذه الحالة ~~الأخيرة، كان من الناس من بلغ بهم الهوس حد القول إن الله ذاته يطرب للانسجام. ولم ~~يعدم العالم فالفلاسفة أقنعوا أنفسهم بأن حركة الأجرام السماوية تبعث الانسجام - ~~وهي أمثلة تكفي للدلالة على أن كل شخص يحكم على الأشياء وفقا لحالة ذهنه، أو على ~~الأصح يتوهم خطأ أن صور خياله تنطبع على الأشياء ذاتها.» # 55 # مثل هذه النصوص، وغيرها، قد دعت بعض الشراح إلى أن يصدروا عليه أحكاما من ~~النوع الذي أشار إليه «هامشاير»، حين أورد ملاحظة قال فيها «پولوك Pollock ~~» إنه برغم ما يتضمنه كتاب «الأخلاق» من ~~دراسة دقيقة لقوى الإنسان وانفعالاته فإن اسپينوزا لم يتحدث عن الفن إلا عرضا. ~~ويبدو أنه لم يعلق أهمية على التجربة الجمالية في مذهبه في السعادة البشرية، ثم علل ~~ذلك بأنه مظهر لانعزاله العام عن المؤثرات اليونانية ومؤثرات البحر المتوسط ~~(وبالتالي لتأثير حضارة العهد القديم فيه). # 56 # هذا الحكم في نظرنا، وإن كان صحيحا ~~في ظاهره، لا ينصف اسپينوزا على الإطلاق؛ ذلك لأن من الواجب التفرقة دائما بين من ~~يتحدث عن الفن بوصفه عالما أو فيلسوفا نظريا، وبين من يتحدث ms094 عنه بوصفه فنانا ~~أو متذوقا للفن. ولا جدال في أن اسپينوزا قد تحدث من وجهة النظر الأولى فقط، ولم ~~يتعرض لوجهة النظر الثانية أبدا، وعلى ذلك لا يصح الحكم عليه بالاستهانة بالتجربة ~~الجمالية؛ فهدف اسپينوزا الدائم كان نقد الاتجاهات المشبهة بالإنسان؛ أي وصف ~~الأشياء ذاتها من خلال ما يمر بخيال الإنسان، ومن هذه الزاوية فقط كان حكمه على قيم ~~الجمال والقبح؛ فكل ما يريد أن يقوله هو أنك إذا نظرت إلى الأشياء من وجهة نظر ~~الأزل، أو من حيث هي أجزاء من الطبيعة الشاملة، أو في علاقتها بالله (وهي كلها ~~تعبيرات مختلفة عن معنى واحد في نظره)، فمن الواجب ألا تعدها جميلة أو قبيحة؛ لأن ~~هذه صفات تضفيها أنت على الأشياء؛ فالجمال والقبح، وبقية القيم، تنتمي إلى مجال ~~وجهة النظر البشرية وحدها. وهذا ليس معناه إنكار هذه القيم، وإنما الأمر الذي لا ~~يمل ترديده هو ألا نخلط بين مجال تفسير الأمور من وجهة نظر الطبيعة الضرورية ~~للأشياء، وبين مجال نظرتنا الإنسانية إليها من خلال خيالنا وأمانينا ومشاعرنا؛ ففي ~~المجال الأول ينبغي أن نكون موضوعيين تماما، ونتجرد من كل ما له صلة بمنظورنا ~~البشري البحت. أما المجال الثاني فهو الذي تظهر على مستواه مشكلة الفن. # وبعبارة أخرى: فلسنا نرى على الإطلاق أي تعارض بين إنكار اسپينوزا للوجود ~~الواقعي للقيم الجمالية، وبين اعترافه بهذه لقيم ذاتها في مجال التجربة الفنية ~~النابعة من المشاعر والخيال، وهل يحول تحليل العالم الطبيعي للأصوات الموسيقية إلى ~~مجرد أرقام تعبر عن الذبذبات ودراسته لطبيعة الصوت دراسة نظرية جافة، دون ~~استمتاعه بهذه الموسيقى إذا ترك معمله ودخل قاعة العزف؟ وهلا يستطيع الفنان دائما ~~أن يقول: صحيح أن الانسجام بين هذه الأصوات ليس صدى لانسجام كوني ضروري، ولكنه مع ~~ذلك يطربني؟ # إنني أكاد أجزم بأن كل ما قاله ~~اسپينوزا عن الجمال، في صدد نقد الغائية وتأكيد سيادة الضرورة، لم يكن ذا صلة بحكمه ~~على الفن من حيث هو تجربة إنسانية على الإطلاق. ومن المؤكد أن معركته من أجل إرساء ms095 ~~دعائم التفكير العلمي كانت أهم في نظره من أية غاية أخرى. وقد يستطيع المرء، قياسا ~~على نظريات أخرى له، أن يتكهن باتجاه نظرية الفن لديه لو كان قد اتجه بتفكيره إلى ~~هذا الميدان؛ فآراء اسپينوزا العامة في الانفعالات توحي بنظرية نفعية في الفن؛ إذ ~~كان دائما يؤثر الانفعال الذي يبعث السرور على ذلك الذي يبعث الألم، ويدعو ~~الإنسان إلى الشعور بالبهجة وطرح الصور الأليمة الحزينة من حياته، ويؤكد دائما ~~معنى السعادة والفرح في حياة الإنسان. ولا جدال في أن هذه الآراء العامة لو طبقت ~~على مجال الفن فستؤدي إلى إخضاع ما هو جميل لما هو نافع للإنسان أو باعث للسعادة ~~فيه، أو ما هو عنصر إيجابي في دفع حياة الإنسان إلى الأمام - وهذه كلها من القضايا ~~التي يقول بها أصحاب النظريات الأخلاقية أو الاجتماعية في الفن . # 57 # أما القول بأن اسپينوزا لم يكن يحفل بالتجربة الفنية على الإطلاق فليس في رأينا ~~صحيحا. ومن القرائن التي تكذبه أن اسپينوزا كان مهتما بالتصوير. وقد اتصل بفنان ~~هولندا الأعظم «رمبرانت» ورسم له هذا الأخير لوحة مشهورة ما زالت هي التي تصدر ~~كثيرا من الكتب المؤلفة عنه، وفضلا عن ذلك فقد عرف عنه أنه كان يرسم في أوقات ~~فراغه صورا مختلفة، منها صور لبعض أصدقائه، ومنها صورة رسمها لنفسه بملابس الثائر ~~الإيطالي الشهير «مازانيلو # Masanillo ~~»، # 58 # ومن المعروف أن ميدان التصوير كان هو المجال الأكبر للفن في ذلك العصر، ~~ولم تبدأ الموسيقى تحتل المركز الأهم بين الفنون إلا في القرن التالي. # وأخيرا، فهناك في رأيي دليل آخر ~~واضح على أن كل ما كتبه اسپينوزا عن موقع القيم الجمالية في الكون لا ينبغي أن ~~يعد تعبيرا عن إنكاره لموقع هذه القيم في مجال التجربة البشرية؛ ذلك لأن ~~اسپينوزا كان دائما يتحدث عن القيم الأخلاقية، كالخير والشر، في نفس الموضع الذي ~~يتحدث فيه عن القيم الجمالية، وكان يقرن كل هذه القيم معا ويصدر عليها نفس الحكم. ~~ومع ذلك فمن المعروف أن هدف اسپينوزا النهائي كان أخلاقيا ms096 قبل كل شيء، وأنه ~~كرس كتابه الأكبر لغاية أخلاقية، وأن حياته ذاتها كانت تطبيقا رائعا متسقا ~~لأرفع المبادئ الأخلاقية، وإذن فلم يكن تأكيده خلو الطبيعة في مجموعها من أية غائية ~~أخلاقية كالخير، حائلا دون إيمانه بالأخلاق - على المستوى الإنساني - وممارسته لها ~~بكل إخلاص. ومثل هذا يمكن أن يصدق، بالتأكيد، على كل القيم الأخرى ومنها القيم ~~الجمالية بطبيعة الحال. ~~(5) اسپينوزا والعلم # من المحال أن يقارن المرء شهرة اسپينوزا في الميدان العلمي - بمعناه الدقيق - بشهرة ~~ديكارت أو ليبنتس، أو حتى كانت؛ فلم يساهم اسپينوزا بنصيب ملموس في أي علم من علوم ~~عصره، وكانت شهرته من بدايتها إلى نهايتها، ترجع إلى كونه فيلسوفا نظريا، لا ~~عالما. # ومع ذلك فق كان لدى اسپينوزا «اهتمام» غير قليل بالعلم التجريبي في عصره: ونستطيع أن ~~نقول: إن اشتغاله في صقل العدسات، وشهرته بوصفه صانعا ماهرا لعدسات المجاهر ~~والمناظير المقربة، كان أمرا له دلالته الرمزية القوية؛ فقد كانت العدسات في عصره هي ~~الأداة الكبرى لفتح آفاق علمية جديدة: آفاق العالم الأصغر في البيولوجيا، وهو العلم ~~الذي بدأت فتوحه تتوالى في عصر اسپينوزا، وعلى يد علماء من نفس البلد الذي عاش فيه. ~~كذلك أحرز علم الفلك تقدما انقلابيا هائلا كانت أداته الرئيسية هي المناظير ~~الفلكية، وأخيرا؛ فقد تقدمت الأبحاث في ميدان علم الفيزياء تقدما ضخما في عصره، ولا ~~سيما في فرع البصريات، وكان ذلك بدوره ميدانا ساهمت فيه العدسات الضوئية بنصيبها، فإذا ~~لم يكن اسپينوزا قد ساهم مباشرة في تقدم علوم عصره، فإنه لم يكن متفرجا غير مكترث ~~بأية حال، بل كان يتابعها بكل شغف واهتمام. # ويستطيع القارئ أن يجد في الرسائل الأولى التي يتبادلها اسپينوزا مع العالم الإنجليزي ~~«أولدنبرج» مناقشات طويلة بينهما عن أبحاث العالم «روبرت بويل # Robert Boyle ~~» وكتبه وتجاربه. وقد ناقش اسپينوزا هذه التجارب ~~بالتفصيل، ورغم أنه لم يأت في مناقشته بجديد؛ فقد بدا اهتمامه بالعلم التجريبي فيها ~~واضحا كل الوضوح. وكما قال «ماكيون»: «ليس ثمة شك في اهتمام اسپينوزا الواعي بالتقدم ~~العلمي لعصره.» # 59 # ومع ms097 ذلك يذكر هذا المؤلف أن اهتمام اسپينوزا بالعلم قد حد منه تفسيره الخاص ~~للطبيعة ودور التجريب المحدود في كشفها؛ إذ إن الفهم الحقيقي للطبيعة إنما يكون عن طريق ~~العقل لا التجربة. # وفي رأينا أن اسپينوزا إذا لم يكن قد ساهم في علوم عصره، فذلك يرجع فقط إلى أنه اختار ~~ميدانا آخر لنشاطه العقلي، ولا يرجع إلى كونه قد فضل العقل على التجربة؛ فهو بالفعل قد ~~آثر التأمل العقلي، ولكن في الميدان الذي يجوز فيه هذا التأمل، ويفضل على التجريب، وهو ~~ميدان التفلسف النظري. وليس في نصوص اسپينوزا كلها ما يدل على أنه كان يحط من شأن ~~المنهج التجريبي في الميدان الخاص الذي يطبق فيه هذا المنهج. وقد آثر اسپينوزا لنفسه - ~~بمحض اختياره - أن يكون فيلسوفا نظريا، لا عالما، ولكنه عبر بكل وضوح عن احترامه ~~للعلم إذ حاول في فلسفته النظرية أن يستخلص المقدمات الضرورية العامة للروح العلمية، ~~مثل نفي العلل الغائية، واستبعاد التفكير الأسطوري الخرافي التشبيهي بالإنسان، والإيمان ~~بالحتمية وبالارتباط العلي للظواهر، ودافع عن هذه ~~المبادئ - التي لا يقوم دونها علم صحيح - ضد ~~جميع القوى اللاعقلية الجبارة التي كانت لا تزال لها السيطرة في عصره؛ وعلى هذا الأساس ~~يمكن أن تعد فلسفته مقدمة للروح العلمية بوجه عام، ومدخلا إلى كل تفكير يريد أن يسمي ~~نفسه علميا. # ومن جهة أخرى، فإذا كان اسپينوزا لم يساهم في علوم عصره بجديد؛ فقد ساهم في علم النفس ~~وفي الأخلاق التجريبية حتى قيل عنه: «إن أصالة اسپينوزا ترجع إلى أنه كان أول من طبق ~~مذهب قوانين الصيرورة على العقل مثلما تطبق على الجسم ... وفضلا عن ذلك فقد كان أول ~~مفكر من المحدثين طبق قانون «القصور الذاتي» الذي وضعه جاليليو على علم النفس ~~والأخلاق عندما أكد أن كل صورة من صور الحياة تسعى إلى الاستمرار في الوجود إلى أجل غير ~~محدود. وفي رأينا أن فكرة أولوية النزوع إلى حفظ الذات كانت تمثل انفصالا تاما عن ~~نظرية المدرسيين الذين قالوا إن جميع الأنواع الطبيعية موجهة إلى غايات ms098 محددة أو ~~علل غائية وأن الطبيعة البشرية إنما جعلت من أجل غاية عالية ما ... وقد استبق اسپينوزا ~~بنظريته في الانفعالات نظرية «چيمس لانجه» فضلا عن نظرية التحليل النفسي عند فرويد.» # 60 # ومن جهة أخرى فقد كانت الدراسات التاريخية التي قام بها للأناجيل في «البحث اللاهوتي ~~السياسي» - كما سنرى فيما بعد - استباقا عبقريا للبحوث التاريخية المقارنة التي لم ~~يبدأ ظهورها في هذا الميدان إلا منذ القرن التاسع عشر، ومن الممكن أن يعد بحق رائدا ~~لعلم التحليل التاريخي للأناجيل، في عصر لم تكن مجرد فكرة التفسير التاريخي للظواهر ~~الاجتماعية تخطر فيه على بال أحد - فما بالك إذا كانت تلك الظواهر ذات طابع ~~ديني؟ ~~••• # ولكن أعظم ما ساهم به اسپينوزا من أجل العلم هو، في رأينا، فلسفته النظرية ذاتها - ~~تلك الفلسفة التي كانت تقوم في جميع نواحيها على المعقولية التامة، وتستبعد كل ~~التفسيرات الغيبية، وتدعو بلا ملل إلى القضاء على آثار الجهالة والتخلف العقلي، وتجعل ~~من الكون نظاما ضروريا واحدا قابلا للفهم. وعلى أساس هذه النظرية العلمية الدقيقة ~~إلى الكون حاز اسپينوزا على إعجاب عدد ضخم من أكبر العلماء، ولا سيما أينشتين الذي كان ~~يؤكد دائما إعجابه بنظرته الحتمية إلى الواقع وإخضاعه العالم لقوانين دقيقة، فضلا عن ~~تحليله العلمي للسلوك البشري ذاته؛ # 61 # ولذا فإن أفضل خاتمة لهذا الفصل، في رأينا، هي اقتباس بعض العبارات العميقة ~~التي أبدى بها أينشتين تقديره الواضح لروح اسپينوزا العلمية: «رغم أن اسپينوزا عاش ~~قبل عصرنا بثلاثمائة عام، فإن الموقف الروحي الذي كان عليه أن يتعامل معه يشبه الموقف ~~الروحي الحالي إلى حد بعيد. ولم يكن مرد ذلك فقط إلى أنه كان مقتنعا كل الاقتناع ~~بالترابط العلي لجميع الظواهر، في وقت لم تكن فيه الجهود التي بذلت لبلوغ معرفة ~~بالعلاقة العلية للظواهر الطبيعية قد أحرزت فيه إلا نجاحا ضئيلا. ولقد امتد اقتناع ~~اسپينوزا لا إلى الطبيعة الجامدة فحسب، بل إلى المشاعر والأفعال البشرية أيضا. ولم يكن ~~لديه شك في أن فكرتنا القائلة إن لدينا إرادة حرة (أي مستقلة ms099 عن العلية) كانت خداعا ~~ناتجا عن جهلنا بالأسباب المتحكمة فينا، ولقد وجد في دراسة هذه العلاقة العلية ~~دواء شافيا من الخوف والحقد والمرارة، هو الدواء الوحيد الذي يمكن أن يلجأ إليه إنسان ~~روحي بحق. وأثبت تبريره لهذا الاقتناع، لا بصياغته الواضحة الدقيقة لأفكاره فحسب، بل ~~بسلوكه المثالي الرائع في حياته أيضا.» # 62 # الفصل الرابع # | الله أو الطبيعة # (1) مقدمة ~~(1-1) موقع الفكرة في فلسفة اسپينوزا # يبحث أول باب من الأبواب الخمسة في كتاب اسپينوزا الرئيسي، «الأخلاق»، موضوع ~~«الله». وهو يؤكد في الباب الثاني، الذي يتحدث فيه عن طبيعة الذهن البشري، أنه ~~يعالج هذا الموضوع الأخير من حيث علاقته بنظرته العامة إلى الماهية الإلهية. ومثل ~~هذا التأكيد موجود ضمنا في كل الأبواب الأخرى للكتاب. وهكذا يبدو أن اسپينوزا يبدأ ~~بأهم موضوع في نظره، وهو البحث في الماهية الإلهية، على أساس أن آراءه في هذا ~~الموضوع هي التي ستحدد معالم الحلول التي يأتي بها لكل المشكلات الأخرى التي ~~سيبحثها فيما بعد. # ومع ذلك فمن الممكن القول إن فكرة الله عند اسپينوزا ليست مجرد واحدة من الأفكار ~~التي تعالجها فلسفته، فكل فلسفة اسپينوزا يمكن أن تعد - بمعنى معين - تفكيرا في ~~الله. ففكرة الله عنده شاملة لكل شيء. ولما كان فهم الأشياء هو، في رأي اسپينوزا، ~~فهم لله أيضا، فإن كل تفكير في أي موضوع فرعي من موضوعات المعرفة يعد في الوقت ~~ذاته تفكيرا في الله، كما أن معالم فكرة الله لا تتضح على حقيقتها إلا بعد فهم ~~جميع الأوجه الأخرى لمعرفة الأشياء فهما فلسفيا، ويعبر «هيلر» عن هذا الرأي ~~تعبيرا واضحا إذ يقول: «إن البحث في الله يستغرق فلسفة اسپينوزا من ألفها إلى يائها.» # 1 # كذلك تقول «سو # Saw ~~» برأي مماثل؛ إذ ~~تؤكد أن فلسفة اسپينوزا بأسرها إنما هي تبرير للاهوت من حيث هو علم، وترى في هذه ~~الفلسفة، بالتالي، ردا على من ينكرون إمكان قيام الميتافيزيقا وما تتضمنه من ~~أبحاث متعلقة باللاهوت. وهكذا تصبح كل فلسفة اسپينوزا في نظرها مظهرا من مظاهر ~~إمكان ms100 علم الإلهيات. # 2 # ومع ذلك فمن الممكن القول، من وجهة نظر أخرى، إن فكرة الله؛ إذ يتسع نطاقها إلى ~~هذا الحد، «تتلاشى» في هذه العناصر الأخرى لفلسفة اسپينوزا، بحيث يصبح إيضاح هذه ~~العناصر الأخرى لفلسفته هو الهدف الأساسي، ولا تكون فكرة الله إلا تعبيرا عن ~~الماهية الجامعة لهذه العناصر، وهي الماهية التي لا توجد مستقلة عن موضوعها. ويزداد ~~هذا الرأي قوة إذا نظر إلى فلسفة اسپينوزا بأسرها من خلال معادلته الأساسية: الله ~~= الطبيعة. فهذه المعادلة، إذا ما فهمت دلالتها على حقيقتها، تجعل البحث في اللاهوت ~~غير ذي موضوع، ما دام البحث في الطبيعة ذاتها، سواء في مجموعها وفي تفاصيلها، ~~يستنفد بذاته كل أطراف المعرفة. وفي هذه الحالة تغدو فكرة الله عنصرا يمكن حذفه من ~~فلسفة اسپينوزا، على أساس أنها مجرد مصطلح من مصطلحات العصور الوسطى التي اعتاد ~~اسپينوزا أن يعبر بها عن أفكاره المغايرة تمام المغايرة لكل الفلسفات ~~المدرسة . # فإذا صح هذا الفهم الأخير، فكيف نوفق ~~بينه وبين ذلك الاهتمام الذي أبداه اسپينوزا ذاته بالفكرة؟ من الممكن أن يقال إن ~~ذلك الاهتمام، الذي جعله يعطي للفكرة موقع الصدارة في مذهبه، إنما يدل بطريقة غير ~~مباشرة على أن تغيير نظرتنا إلى هذه الفكرة هو، في رأيه، أساس حلنا لجميع المشكلات ~~الفلسفية الأخرى؛ أي إنه يرى أن الفارق بين النظرة الأسطورية والنظرة العلمية ~~إلى الكون هو الذي يتحكم في جميع تفسيراتنا للمشاكل الفلسفية وحلولنا لها. وبعبارة ~~أخرى، فإن الإنكار التام للتفسير اللاهوتي لفلسفة اسپينوزا لا يتعارض، بدوره، مع ~~إعطاء فكرة الله أهمية رئيسية في فلسفته؛ إذ إن الحديث عن هذه الفكرة سيغدو عندئذ ~~وسيلة لعرض آرائه العلمية الجديدة في الكون أو الطبيعة، وهي الآراء التي كانت ~~تمثل بالفعل نظرة انقلابية بالنسبة إلى جميع الفلسفات السابقة عليه. ~~(1-2) دلالة فكرة الله في لغة اسپينوزا # منذ عصر اسپينوزا نفسه، ظهر الخلاف ~~الذي لا يزال قائما إلى اليوم، حول الدلالة الحقيقية لفكرة الله عنده، واتخذ ذلك ~~الخلاف نفس الشكل الذي لا يزال يتخذه إلى اليوم ms101 - وهو شكل التضاد الكامل بين رأيين، ~~يؤكد أحدهما أن اسپينوزا كان يعني كل وصف قال به لفكرة الله، وأن الفكرة تحتل لديه، ~~بالتالي، موقعا أساسيا، وأن آراءه، تبعا لذلك، لا تتعارض تعارضا أساسيا مع ~~التراث الديني بمعناه العام، ويؤكد الآخر أن لغة اسپينوزا الظاهرية ينبغي ألا تفهم ~~فهما حرفيا، وأن البحث عن معانيها الخفية كفيل بأن يكشف عن أشد أنواع الإلحاد ~~من وراء تعبيراته البريئة المظهر. # ويظهر هذا التضاد منذ اللحظة الأولى لدى مؤرخي حياته المشهورين: لوكاس # Lucas # وكوليروس # Colerus ~~؛ فالأول يدافع عن اسپينوزا ويؤكد أنه لا يجد أي تعارض بين ما قاله ~~اسپينوزا وبين تعاليم المسيح، ويصل به تحمسه له إلى حد أن يقول: «لقد قرأت لمعظم ~~الفلاسفة، وإني لأؤكد عن صدق أنني لم أجد فيهم من يعرض الألوهية بأفكار أروع من تلك ~~التي عرضها بها ... اسپينوزا في كتاباته.» # ويقول «كوليروس» بعكس هذه الآراء تماما؛ فكتاب «الأخلاق» يبدأ في رأيه أولا ~~بداية رائعة: «ومن ذا الذي يشك، حين يقرأ هذه البداية البديعة، في أن فيلسوفا ~~مسيحيا هو الذي يتحدث؟» ولكن عندما يختبر المرء ما يقوله اسپينوزا عن الله ~~اختبارا دقيقا، «يجد أن إلهه ليس إلا شبحا، وإلها خياليا، هو أبعد ما يكون عن ~~الله ... فهو يستبيح لنفسه استخدام اسم الله وفهمه بمعنى لم يعرفه أحد من المسيحيين ~~حتى اليوم.» وهكذا يفسر كوليروس إله اسپينوزا بأنه «ليس سوى الطبيعة - التي هي لا ~~متناهية حقا، ولكنها جسمية ومادية - منظورا إليها في كليتها وبجميع ~~أحوالها»؛ ولهذا كله لم يجد كوليروس مفرا من أن يصف مذهب اسپينوزا، آخر الأمر، ~~بأنه «أفجر إلحاد عرفه العالم.» # وبقدر ما كانت فكرة الإلحاد هي الشائعة عن اسپينوزا طوال عصره، وخلال القرن ~~الثامن عشر، فإن النزعة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر قد أدت بالمفكرين ~~والشعراء إلى حكم مضاد تماما، يتضح في كلمة «نوڨالس» المشهورة، التي وصف فيها ~~اسپينوزا بأنه «رجل منتش بالله»، بل إن هيجل يرد على الرأي القائل بإلحاد ~~اسپينوزا، على أساس أن هوية الله مع الطبيعة ms102 تلغي فكرة الله، فيقول إن الأصح هو ~~القول بأن هذه الهوية تلغي الطبيعة؛ ولهذا يقترح، بدلا من تسمية مذهبه بالإلحاد ~~(أي اللاإلهية # A-theismus ~~) أن يسمى باللاكونية ~~(أو اللاطبيعية # A-cosmismus ~~)، بحيث لا يكون للكون ~~وجود في ذاته؛ لأن كل ما يوجد إنما يوجد في الله. # 3 # وهكذا يقول: «إن مزاعم أولئك الذين يتهمون اسپينوزا بالإلحاد مخالفة للحقيقة ~~على خط مستقيم، فلدى اسپينوزا من الله أكثر مما ينبغي.» # 4 # ولكي تكتمل الصورة، فإن التضاد القديم يعود إلى الظهور بين هيجل وبين ~~الهيجلية اليسارية؛ إذ ينظر «فويرباخ» إلى مادية اسپينوزا بعين التقدير، ويتحدث ~~«پليخانوف» عن اسپينوزية ماركس وإنجلز، # 5 # ويعترف إنجلز - على ما يقال - بأنه يؤمن بفكرة اسپينوزا القائلة: إن ~~الامتداد والفكر صفتان لجوهر واحد؛ لأن الفكرة ليست لها من دلالة سوى الدلالة المادية. # 6 # هذا الازدواج والتضاد في تفسير فكرة الله عند اسپينوزا - وبالتالي في تفسير ~~الاتجاه العام لفلسفته - أمر طبيعي؛ ذلك لأنه حين يصبح الله علة كامنة أو حالة في ~~العالم، يغدو من الطبيعي أن تتشعب التفسيرات في اتجاهين متضادين: اتجاه يذهب إلى ~~أنه صبغ الطبيعة والكون بالصبغة الإلهية، واتجاه آخر لا يستخلص من ذلك سوى أن ~~اسپينوزا قد أنكر فكرة العلة الأولى، وفكرة الخلق، ووجود علاقة مزدوجة بين الله ~~والطبيعة؛ وبالتالي أنكر كل موجود يعلو على الطبيعة. # هذان الاتجاهان ممكنان «نظريا» على الدوام. ومن المحال أن يتمكن الباحث من ~~المفاضلة بينهما طالما كان يفسر فلسفة اسپينوزا تفسيرا حرفيا. ومع ذلك، فهناك ~~في رأينا وسائل للمفاضلة بين هذين التفسيرين. وهذه الوسائل تؤدي حتما إلى إنكار ~~التفسير اللاهوتي، وتأكيد التفسير «الطبيعي» للفكرة. ~~(أ) # إحدى هذه الوسائل هي ربط الفكرة بالسياق العام لحياة اسپينوزا ~~ومذهبه، فحين تختبر الفكرة في سياق حياته، التي كانت حافلة بمظاهر ~~الثورة على التقاليد ولا سيما الدينية منها، والتي كان من وقائعها ~~الحاسمة طرده من الطائفة اليهودية وعدم اعتناقه أي مذهب آخر بعد ذلك؛ ~~عندئذ يبدو التفسير «الطبيعي» مرجحا على التفسير اللاهوتي إلى حد ~~بعيد. # ويزداد هذا الترجيح قوة ms103 إذا ما نظر إلى الفكرة في ضوء بقية أوجه ~~مذهب اسپينوزا، بل إن هذه الأوجه تكاد تفقد كل معنى لها إذا فهمت فكرة ~~الله عنده فهما لاهوتيا؛ فلماذا، مثلا، اعترض اسپينوزا على فكرة ~~حرية الإرادة؟ ولماذا سعى إلى القضاء على ثنائية النفس والجسم، مؤكدا ~~أنهما وجهان لحقيقة واحدة؟ ولماذا أكد الحتمية وسيادة العلية، وحمل ~~بقوة على كل تفسير للظواهر من خلال فكرة العرضية أو الاتفاق؟ ولماذا ~~كرس كل هذه الجهود لمحاربة فكرة الغائية؟ إن كل وجه من هذه الأوجه في ~~مذهبه لا يكون مفهوما على الإطلاق إلا في ضوء تغليب فكرة الطبيعة في ~~المعادلة المشهورة: الله = الطبيعة. وإذا كانت نصوص اسپينوزا وأسلوبه ~~المباشر يؤديان في كثير من الأحيان إلى بث الحيرة في نفس القارئ، ويدفع ~~الكثير من الشراح إلى الإتيان بتفسير صوفي أو روحي لفكرة الله عنده، ~~فعلى هؤلاء أن يذكروا دائما أن هذه الفكرة ترتبط بسياق عام ينبغي أن ~~يؤخذ بعين الاعتبار، وأن هذا السياق يتضمن مجموعة كاملة من الآراء التي ~~تؤدي كلها - سواء شاء المرء أو لم يشأ - إلى استبعاد العناصر الروحية ~~وتأكيد الفهم الحتمي الدقيق للعالم. ولا جدال في أن الاحتكام إلى هذا ~~السياق كلما تعذرت المفاضلة بين التفسيرات يؤدي إلى وضع حد لكل شك على ~~الفور. ~~(ب) # والوسيلة الثانية هي النظر إلى الفكرة من خلال التفسير الذي قدمناه ~~للمنهج الهندسي، وهو التفسير الذي أكدنا فيه التجاء اسپينوزا إلى طريقة ~~استخدام المصطلح المدرسي واللاهوتي التقليدي بمعان جديدة كل الجدة، ~~وقلنا بوجوب البحث من وراء الألفاظ البريئة عن معانيها الثورية العميقة ~~الكامنة. وبتطبيق هذا المنهج على المشكلة التي نحن بصددها، تغدو فكرة ~~الألوهية هي المحور الذي تدور حوله عملية التعبير الحذر عند اسپينوزا، ~~ويكون أقوى مظاهر الحذر عنده هو تكرار لفظ «الله» في فلسفته إلى الحد ~~الذي يوحي للقارئ الساذج بأن الفكرة، بكل ارتباطاتها المقصودة تكون ~~مختلفة كل الاختلاف عن هذه الدلالة الظاهرة. # وبعبارة أخرى: فعلينا هنا أن نجيب على سؤال أساسي: هل يتحدد موقف اسپينوزا من ~~فكرة ms104 الله على أساس كثرة استخدامه لها؟ ألا يمكن أن يكون قد أنكر أصول الفكرة ذاتها ~~رغم تكراره الشديد لها؟ وهل العلامة الوحيدة لإنكار الفكرة هي الامتناع عن استخدام ~~اللفظ ذاته، أم أن هناك علامات أخرى أهم وأخطر؟ من المؤكد أن معظم من كتبوا عن ~~اسپينوزا، أو من تأملوا أفكاره بطريقة رومانتيكية، قد تأثروا بالوجه اللفظي ~~لفلسفة اسپينوزا وتجاهلوا معانيها الحقيقية إلى حد بعيد، واستبعدوا تماما أن ~~يكون اسپينوزا قد أنكر فكرة الله، طالما أنهم رأوا اللفظ ذاته يردد على الدوام. أما ~~المعاني ذاتها فقد توارت أهميتها إلى حد كبير في ظل الارتباطات الانفعالية القوية ~~التي يثيرها «اللفظ» مجردا، في الأذهان. أما اسپينوزا ذاته، فهو، على الأرجح، لم ~~يكن ممن يهتمون بالألفاظ، وطالما ردد أنه لا يعبأ بالاسم الذي نطلقه على أي معنى، ~~ما دام المعنى ذاته معترفا به، وهو على أية حال لم يكن يهمه في قليل أو كثير، أن ~~يدخل في صراع مع لفظ # Deus # اللاتيني؛ لأن أي لفظ - ~~بما هو كذلك - هو أقل الأشياء أهمية، ولأن هذا اللفظ، على التخصيص، كان يتخذ في ~~مختلف الحضارات وعصور التاريخ معاني متباينة. والأمر الذي كان اسپينوزا يحرص بالفعل ~~على أن يكافحه هو المعاني الباطلة التي أدخلت على هذا اللفظ، أو على الأصح ~~التشويهات التي طالما أقحمت على المعرفة البشرية من خلال هذا اللفظ. في هذا ~~الميدان فقط كان كفاحه. ~~••• # ورغم أن نسبة القائلين بالتفسير الحرفي لفكرة الله عند اسپينوزا هي الغالبة إلى ~~حد بعيد، فإن التفسير الذي نقول به ها هنا ليس منعدم الصلة تماما بالاتجاه العام ~~في تفسير اسپينوزا؛ فهناك بالفعل شراح آخرون قد وجهوا أنظار قرائهم إلى احتمال ~~وجود تفسير آخر مضاد تماما لحرفية الألفاظ في فلسفة اسپينوزا. وكل ما في الأمر هو ~~أن هؤلاء الشراح قد اقتصروا في تفسيراتهم على أوجه محدودة من فلسفته، ولم يستطع ~~أحد منهم أن يمضي في تفسيره هذا إلى النهاية، وكانوا دائما، في مرحلة أو في أخرى، ~~يقولون بوجود أوجه معينة في هذه ms105 الفلسفة لا تتمشى مع هذا التفسير، ويجدون فيها ~~ظواهر يستحيل، في نظرهم، إخضاعها لهذا النمط العام، والبحث الحالي - فيما أعلم - هو ~~الوحيد الذي يضع منذ البداية فرض التفسير «عكس الحرفي» لفلسفة اسپينوزا، ويحاول ~~المضي فيه إلى النهاية. ~~(أ) # من هؤلاء المفكرين الذين قالوا بوجود معان أخرى مضادة من وراء ~~استخدام اسپينوزا المتكرر للفظ «الله»، «باركر # Barker ~~»؛ ففي مقاله المشهور «ملاحظات على الباب ~~الثاني من «الأخلاق» لاسپينوزا» يقول: «من المؤسف (وربما كان، مع ذلك، ~~من المحتم) أن اسپينوزا قد استخدام لفظ # Deus # على النحو الذي استخدمه عليه، ~~ولكن الأدعى من ذلك إلى الأسف أن يرضى مترجموه وشراحه بسوء استخدامه ~~للكلمة، فيلجئوا إلى المرادف المألوف لها في لغتنا؛ ذلك لأن ما يدل ~~عليه لفظ # Deus # عند اسپينوزا ليس هو ~~«الله» في استخدامه اللغوي المعتاد. ولن آخذ على عاتقي أن أقرر إن ~~كان اسپينوزا ذاته قد استطاع استخدام اللفظ اللاتيني دون أن يتأثر على ~~أي نحو بارتباطاته المعتادة. ولكني أعتقد أن من العسير إلى حد بعيد ~~على القارئ الذي ينطق لغة حديثة # 7 ~~(حتى لو كان يستخدم نصا لاتينيا)، أن يتجنب التأثير، ~~بل التضليل، الذي تؤدي إليه الارتباطات المعتادة لكلمة «الله»، # 8 # ولهذا السبب يحرص «باركر» على تجنب لفظ # Deus # اللاتيني أو لفظ «الله # God ~~» قدر المستطاع، ويستبدل به لفظ ~~«الطبيعة # Natura ~~» في صيغته ~~اللاتينية وبحرف كبير في البداية؛ لكي يعبر عن المعاني الحقيقية التي ~~لم تكن في ذهن اسپينوزا عندما استخدم لفظ # Deus ~~.» # مثل هذا الفهم لمعنى لفظ «الله» عند اسپينوزا دقيق إلى حد بعيد، ~~ومع ذلك فنحن نأخذ على المؤلف - رغم اقترابه من الصواب - أمورا ~~منها: # أنه لم يدرك الدلالة الحقيقية لاستخدام اسپينوزا هذا اللفظ، وهي أنه ~~«تعمد» هذا الاستخدام؛ فالأمر لم يكن أمرا «يؤسف له»، ولم يكن هناك ~~«سوء استخدام»، وكأن المسألة هي لفظ أسيء اختيار موضعه، وإنما كانت - ~~كما قلنا من قبل - تنفيذا لخطة متعمدة دفعته إليها ظروف العصر الذي ~~كان يعيش فيه. وهكذا لم يحاول المؤلف أن يجيب ms106 على السؤال الهام الآتي: ~~لماذا استخدم اسپينوزا التعبيرات الدينية الصريحة، طالما أن هذا رأيه ~~الحقيقي عن الله؟ # كذلك لا يجزم المؤلف إن كان اسپينوزا قد تأثر بالارتباطات المألوفة ~~لكلمة «الله» أم لا - مع أن من الممكن القطع في هذه المسألة برأي حاسم، ~~ينتهي إليه المرء حتما إذا تأمل السياق العام لفلسفته، الذي خلا ~~تماما من جميع العناصر الغائية والتشبيهية والمتعالية. أما كون القارئ ~~العادي معرضا للوقوع في خطأ فهم اللفظ بارتباطاته الدينية المألوفة، ~~فذلك أمر مقصود ولا شك؛ إذ إن اسپينوزا كان بالفعل يخشى ثورة هذا ~~«القارئ العادي» لو أطلعه على أفكاره مباشرة وكان يتعمد تجنب ~~استفزازه، في الوقت الذي أعطى فيه القارئ اليقظ مفاتيح لأفكاره ~~الحقيقية. ومع ذلك فإن معظم مفسري اسپينوزا كانوا، للأسف الشديد، من ~~فئة «القراء العاديين» هذه؛ والدليل على ذلك ما نلمسه جميعا من انتشار ~~هائل للتفسيرات الصوفية واللاهوتية لآرائه. ~~(ب) # ويتخيل «ولفسون» في الجزء الأول من كتابه «فلسفة اسپينوزا» حديثا ~~خياليا يخاطب فيه اسپينوزا خصومه الخياليين من فلاسفة العصور الوسطى ~~فيقول إنه سيستخدم كلمة «الجوهر» - الشائعة في العصور الوسطى - في ~~معان تجمع كل الصفات التي كان هؤلاء الخصوم يعزونها إلى كلمة ~~«الله»، ويقول لهم: «ولما كنت غير معتاد على التنازع على الأسماء ~~وحدها، فسوف أستبقي لفظكم الخاص، وهو لفظ «الجوهر»، بوصفه بديلا ~~فلسفيا عن لفظ «الله» المليء بالتقوى، وسوف أكشف بتعبيراتكم ذاتها، ~~عن فهم جديد لطبيعة الله وعلاقته بالعالم.» وبعد أن يتم تحديد هذا ~~الفهم الجديد من خلال لفظ «الجوهر»، يواصل اسپينوزا كلامه المتخيل ~~قائلا: «هكذا، وصفت الجوهر، كما أقول به، بجميع الأوصاف التي ~~تستخدمونها في تعريفكم الشكلي لله، والآن ... سوف أجمع بين لفظي الله ~~والجوهر وأقول: الله، أو الجوهر المؤلف من صفات لا متناهية تعبر ~~كل منها عن ماهية أزلية لا متناهية، موجود بالضرورة (القضية 11)، ~~وبعد أن أوضحت الآن ما أعنيه بلفظ الله، فإن لم أعد أخشى أن يساء ~~فهمي؛ ولذلك فسوف أسقط لفظ الجوهر من الآن فصاعدا، واستخدم بدلا منه ~~لفظ الله.» # 9 ms107 # ومن الواضح أن ولفسون يعترف، من خلال ما يقوله هنا على لسان ~~اسپينوزا، بوجود عملية «إخفاء» أساسية تعمد فيها اسپينوزا أن يصوغ ~~معانيه الجديدة في قوالب مدرسية تقليدية، وحرص على أن يوضح أولا ~~المعاني الجديدة التي يستخدم بها كلمة «الله» قبل أن يدخلها في ~~كتاباته، وهذا كله اتجاه سليم في فهم اسپينوزا، ولكن المؤسف أن ولفسون ~~نفسه، كما سنرى في مواضع متعددة، لم يتمسك به دائما، وطالما انزلقت ~~إلى كتاباته المعاني والارتباطات التقليدية للألفاظ الحرفية، بحيث كان ~~في كثير من الأحيان يقع فيما حذر القارئ منه. ~~(ج) # ويرى «ليوشتراوس» أن استخدام اسپينوزا للفظ «الله» في مستهل كتابه ~~الرئيس يخفي، ولا يكشف، نقطة بدايته الحقيقية؛ أي إنه عرض آراءه في ~~«الأخلاق» بطريقة «تركيبية»، وأخفى «التحليل» الذي لا بد قد سبق هذا ~~التركيب. ومعنى ذلك أن اسپينوزا قد «أخفى الاستدلال الكامل، الفلسفي ~~والاجتماعي أو السياسي، المؤدي إلى تلك التعريفات التي يروع لها ~~القارئ، وفي الوقت ذاته هدأ القارئ عندما يفتح ذلك الكتاب. فإذا كان ~~صحيحا أن إله اسپينوزا لفظ ~~مهدئ # an appeasing term ~~، # 10 # فإنه يتعين على المرء عندئذ أن يعيد كتابة «الأخلاق» ~~بأسرها، دون أن يستخدم هذا اللفظ؛ أي بالبدء من المبادئ الإلحادية ~~الخفية لدى اسپينوزا.» # 11 ~~(د) # وإذا كان ليوشتراوس قد افترض إمكان إعادة كتابة «الأخلاق» مع حذف لفظ ~~«الله» الذي يعده لفظا أدخل على الكتاب لتهدئة مشاعر القارئ أو ~~عدم استفزازها بالمعاني الثورية التي تضمنها الكتاب، فإن هناك رواية ~~قديمة انتشرت بعد وفاة اسپينوزا بزمن غير طويل، مؤداها أن كتاب ~~«الأخلاق» وضع أصلا دون أن يأتي فيه لفظ «الله» وأن هذا اللفظ أدخل ~~فيما بعد تحوطا وحذرا. وهكذا فإن هذه الرواية تفترض بالفعل حدوث ما ~~دعا إليه «ليوشتراوس»، وتذكر أن ذلك ما قام به اسپينوزا نفسه في بادئ ~~الأمر ونظرا إلى ما لهذه الرواية من دلالة هامة، فسوف نذكرها هنا بنصها: # 12 # لقد بلغني من شخص جدير بالثقة، نقل إلي هذه الرواية ~~كتابة بخط يده، أن اسپينوزا قد ألف ms108 كتابه المزعوم «الأخلاق» ~~مبرهنا عليها «هندسيا» باللغة الفلمنكية، وأنه أعطاه إلى ~~طبيب يدعى لويس ماير ليترجمه إلى اللاتينية، وأن كلمة «الله» ~~لم تكن موجودة فيه قط، ولم تكن توجد إلا كلمة «الطبيعة»، التي ~~زعم أنها أزلية. # وقد حذره الطبيب من أن ذلك سيجر عليه مشاكل ضخمة؛ إذ سيقال ~~إنه ينكر وجود إله، وأنه يستبدل به الطبيعة، وهي لفظ أليق ~~بالمخلوق منه بالخالق. فوافق اسپينوزا على هذا التغيير، وظهر ~~الكتاب على النحو الذي نصحه به ماير. وفي وسع المرء أن يدرك ~~بسهولة، عند قراءة ذلك الكتاب، أن لفظ الله ليس إلا لفظا ~~وهميا، إن جاز هذا التعبير، يستخدمه لتضليل القارئ. # هذه الرواية باطلة دون شك، وذلك على الأقل في الجزء الذي جاء فيه أن ~~الكتاب قد «ترجم» إلى اللاتينية؛ إذ إن اسپينوزا قد ألفه باللاتينية ~~مباشرة دون شك، ومع ذلك فإن صحة الرواية أو بطلانها ليس هو المهم في ~~الأمر، وإنما المهم هو أن معاصري اسپينوزا، أو الأجيال التالية له ~~مباشرة، قد فهمت المقصد الحقيقي لاسپينوزا أفضل مما فهمه كثير من ~~الكتاب المحدثين؛ فالرواية ذات دلالة رمزية على الاتجاه الحقيقي ~~لفكر اسپينوزا. ومن الصعب أن نتصور أن اسپينوزا قد «أضاف» لفظ «الله» ~~فيما بعد بناء على نصح أو تحذير قدم إليه، ولكن الدلالة الهامة ~~للرواية هي أن من الممكن حذف لفظ «الله» من كتاب اسپينوزا الرئيسي ~~والاستعاضة عنه بلفظ «الطبيعة» (وهو أمر لا يخالف تعاليم اسپينوزا ~~ذاته، بل هو استجابة مباشرة لمعادلته المشهورة: الله = الطبيعة)، دون ~~أن يستتبع ذلك أي تناقض؛ أي إن من الممكن، بعبارة أخرى: تفسير فلسفة ~~اسپينوزا تفسيرا متسقا (بل «أكثر» اتساقا، في الواقع، من معظم ~~التفسيرات الشائعة)، إذا جعلت الفكرة الرئيسية فيه هي فكرة الطبيعة، ~~لا فكرة الله، فإذا كان هذا هو مغزى تلك الرواية، فإن القائلين بها ~~(حتى لو كانوا قد اختلقوها) قد فهموا اسپينوزا على نحو أفضل من فهم ~~معظم الكتاب المعاصرين له. # وإنه لمن الأمور التي تدعو إلى الدهشة حقا أن يكون فهم معاصري ms109 ~~اسپينوزا، على بساطتهم العقلية، أفضل كثيرا من فهم الكتاب الحاليين ~~له، رغم كل ما يتميزون به من علم أغزر وتجارب أعمق. ويعلل «ليوشتروس» ~~ذلك بأنه راجع إلى أن ظاهرة التخفي في التعبير عن الآراء # exotericism ~~، وأسباب هذا التخفي، ~~كادت أن تصبح منسية تماما، # 13 # وهذا تعليل عميق؛ إذ إن المرء إذا كان منتميا إلى مجتمع ~~يكون من الضروري فيه إخفاء الآراء المخالفة للتقاليد الدينية أو ~~الاجتماعية أو السياسية السائدة، يغدو أقدر على كشف المعاني الخفية من ~~وراء التعبيرات المستترة للآخرين؛ فالمجتمع الذي عاش ظاهرة الصراع ~~الفكري والتخفي والاضطهاد، أقدر على قراءة ما بين السطور من ذلك الذي ~~نسي هذه الظاهرة وتخلص منها. ونستطيع أن نضيف إلى ذلك تعليلا آخر، هو ~~أن تدين نقاد اسپينوزا من معاصريه كان تدينا مباشرا لا يعرف ~~التواء ولا تحويرا؛ فالمتدين كان متعصبا لعقيدته بصورتها الحرفية، ~~وكان يدرك بسليقته كل ما لا يتنافى مع هذه الصورة الحرفية ولا يتردد في ~~نقده. أما مفكرو اليوم، ولا سيما ذوو النزعات الدينية منهم، فإنهم قد ~~اعتادوا الأساليب الملتوية المطاطة في التفسير، وهي الأساليب التي تتيح ~~لهم تأويل أي نص يتعارض مع حرفية العقيدة على نحو كفيل بتقريبه، بأكثر ~~الطرق تصنعا، من فهمهم الخاص للدين. بل إن فهمهم هذا ذاته قد وسع ~~وحور بحيث يمكنه أن يتفق مع أي مذهب هو في نظر المنطق السليم مضاد ~~للعقائد في صورتها الأصلية. وهذا ما جعل المحدثين يجدون دائما في ~~فلسفة اسپينوزا ما يتفق مع العقائد الشائعة، بعد تأويلهم لتلك الفلسفة ~~وتحويرهم لهذه العقائد. وفي هذا، دون شك، إساءة لفهم اسپينوزا من وجهة ~~نظر التفسير الموضوعي السليم. # إن مشكلة تفسير فكرة الله عند اسپينوزا هي، في رأينا، مشكلة المفاضلة بين الألفاظ ~~والمعاني. فلغة اسپينوزا تبدو نقية ورعة متمشية مع كل التقاليد الدينية الشائعة في ~~عصره. ولكن معانيه تسير في طريق مخالف لذلك كل الاختلاف؛ إذ تهدم الأفكار الأساسية ~~التي يرتكز عليها ذلك التراث الديني الشائع. وهنا يكون على المرء أن يفاضل بين أخذ ms110 ~~الألفاظ بمعانيها الحرفية، فيكون عليه حتما أن يصف اسپينوزا بالتناقض، وبين مراعاة ~~المعاني الأصيلة في فلسفته، والتخلي عن حرفية الألفاظ وتطويعها لما تقتضيه هذه ~~المعاني، وعندئذ يزول كل تناقض، وتبدو فلسفته متسقة من بدايتها إلى ~~نهايتها. # ولقد أشار اسپينوزا، في أكثر من موضع، إلى سوء فهم العامة لفكرة الله، فقال ~~مثلا: «ليس لدى الناس معرفة لله تماثل في وضوحها معرفتهم للأفكار العامة؛ إذ إنهم ~~يعجزون عن تخيل الله مثلما يتخيلون الأجسام، وهم أيضا يربطون بين لفظ الله وبين ~~صور الأشياء التي اعتادوا رؤيتها، وهو ما يبدو أمرا لا مفر منه؛ إذ إنهم بعد كل ~~شيء بشر، وهم يتأثرون دواما بالأجسام الخارجية. والحق أن من الممكن إرجاع كثير ~~من الأخطاء إلى هذا الأصل؛ أعني كونهم لا يطلقون الأسماء على الأشياء بطريقة دقيقة ~~... وكم ثار من الخلاف بسبب عدم إيضاح الناس معانيهم بدقة، أو عدم فهمهم معاني ~~الآخرين على النحو الصحيح.» # 14 # وإذن فقد كان اسپينوزا يربط ربطا واعيا بين الخلاف حول فكرة الله وبين نظرة ~~الناس إلى علاقة الألفاظ بمعانيها. ونستطيع أن نقول إنه عندما وضع منهجه الهندسي، ~~واستخدم ما أسميناه من قبل بطريقة «المعادلات» في التعبير عن معانيه الحقيقية، كان ~~يقوم باختبار لقدرة العقول على متابعة المعاني الجديدة التي غلفت في ألفاظ ~~مألوفة لها في أذهان الناس ارتباطات انفعالية قوية، أو قدرتها على فهم فلسفته ذات ~~الاتجاه العلمي الواضح من وراء القوالب المدرسية أو اللاهوتية التي صيغت بها، ولكن ~~الذي حدث هو أن مجرد الاحتفاظ باللفظ التقليدي قد دفع معظم الأذهان إلى الاحتفاظ ~~بالمعاني التقليدية كلها، أو على الأقل، إلى الرجوع إليها من آن لآخر بطريقة لا ~~شعورية، مخالفة في هذا كله تعاليم مؤلفها نفسه. # والواقع أننا لو شئنا أن نلتزم الدقة الكاملة لقلنا إنه لا جدوى من إثارة مشكلة ~~اعتراف اسپينوزا بفكرة الله أو عدم اعترافه بها؛ ذلك لأن مجرد إثارة هذه المشكلة ~~يعني تركيز الاهتمام في «اللفظ» ذاته، وهو في الواقع مظهر لمدى سيطرة الألفاظ على ~~الأذهان بحيث ms111 تطغى على المحتوى العقلي الذي تشير إليه؛ فالمشكلة، إذا ما شئنا أن ~~نعبر عنها بدقة، لا تصاغ على النحو الآتي: هل اعترف اسپينوزا بفكرة الله أم لم ~~يعترف؟ وإنما ينبغي أن تصاغ على هذا النحو: هل تتفق صفات المبدأ الأساسي للظواهر في ~~فلسفة اسپينوزا، مع الصفات التقليدية اللاهوتية لفكرة الله أم لا تتفق؟ فإذا اتضح ~~أن الإجابة على هذا السؤال إنما تكون بالنفي، فعندئذ لا يكون ثمة جدوى من الجدل ~~حول «الاسم» الذي أطلقه اسپينوزا على هذا المبدأ الأساسي، إذ لن تعود لهذا الاسم ~~أية دلالة فلسفية حقيقية طالما أن طبيعة مدلوله ذاتها قد اختلفت، وتصبح الدلالة ~~الوحيدة له اجتماعية، مرتبطة بحياة اسپينوزا ذاته وظروف عصره. # ونستطيع أن نضرب للمعنى الذي نقصده ~~ها هنا مثلا كفيلا بإيضاحه إلى حد بعيد، وهو مثل مستمد من حياتنا السياسية ~~المعاصرة، فربما كان أقرب تشبيه إلى تفاوت معاني كلمة «الله» بين اسپينوزا وبين ~~اللاهوتيين، في عصرنا هذا، هو اختلاف معنى كلمة «الديمقراطية» لدى كل من ~~النظامين الاجتماعيين الرئيسيين الموجودين اليوم، فهناك نظامان اجتماعيان ~~متضادان تماما، يؤكد كل منهما أنه هو الذي يمثل «الديمقراطية »، ولكن كلا ~~منهما يستخدم الكلمة - كما هو معروف - بمعنى مخالف تماما لمعنى الآخر؛ فالمؤمن ~~بالنظام الرأسمالي يقول: الديمقراطية في نظري هي الانتخاب الحر المباشر، وتعدد ~~الأحزاب، والإقلال من تدخل الدولة إلى الحد الأدنى، وترك الاقتصاد (وغيره من ~~القطاعات إذا أمكن) حرا دون تخطيط، وترك الصحف تعبر عما تشاء من الآراء. أما ~~المؤمن بالنظام الاشتراكي فإنه يأتي بمعنى جديد للفظ الديمقراطية، فيقول: إن ~~الديمقراطية هي تنظيم المجتمع على نحو تضمن فيه للجميع فرص متكافئة، ويقضى على ~~الفوارق الطبقية، وتتحول ملكية وسائل الإنتاج إلى المجتمع لا إلى الفراد، ويتدخل ~~ذلك المجتمع - ممثلا في الحكومة - في تنظيم الاقتصاد وتخطيطه (وربما في غير ~~الاقتصاد من القطاعات أيضا). وهو ينتقد فكرة حرية الصحافة في الديمقراطية ~~الرأسمالية بأنها ليست حرية على الإطلاق؛ لأن تلك الصحف التي تزعم أنها حرة إنما ~~تخضع في الواقع للمصالح الطبقية لملاكها والمعلنين ms112 فيها، وتعبر بالتالي عن ~~آرائهم وحدهم. # 15 # ورغم أن الارتباطات الرأسمالية ~~لكلمة «الديمقراطية» أقدم عهدا وأكثر شيوعا في العصر الحديث، فإن ذلك لا يمنع ~~المؤمن بالاشتراكية من الدفاع أيضا عن «الديمقراطية»، وذلك بعد أن يجعل مضمونها ~~مطابقا لتعريفه الخاص لها. وبهذا يكون قد قبل «اللفظ»، ولكن بمعنى جديد تماما. ~~فهل يجوز، لمجرد كونه قبل هذا اللفظ، أن نقول: إنه قد اقترب من المؤمن ~~بالرأسمالية؟ إن الواجب في هذه الحالة، بالطبع، هو أن نغض النظر تماما عن الهوية ~~بين الألفاظ، ونبحث عن المعاني الحقيقية من ورائها، وألا يمنعنا تشابه ألفاظ ~~الفريقين من القول بأن موقفيهما متضادان تماما، وكما أن من العبث أن يقال إن ~~الاشتراكي قد اقترب من الرأسمالي لأن كليهما يدعو إلى «الديمقراطية»، فمن العبث ~~أيضا أن يقال: إن اسپينوزا قد اقترب من وجهة النظر اللاهوتية أو المدرسية لمجرد ~~كونه قد ردد كلمة «الله» مثلهم. فلا بد، في الحالتين، من غض النظر عن اللفظ ~~وتركيز الاهتمام على الحقيقة الكامنة من ورائه، وتحديد المواقع الحقيقية لكل طرف ~~على أساس معانيه، لا ألفاظه. # ومع ذلك فإن المشكلة عند اسپينوزا تزداد تعقدا؛ لأنه لم يقتصر على استخدام لفظ ~~«الله» بمعان جديدة فحسب، وإنما كان حريصا كل الحرص على الاحتفاظ بمجموعة كاملة ~~من التعبيرات التقليدية، مثل «إطاعة الأوامر الإلهية»، و«الحب الإلهي»، و«تقوى ~~الله» ... إلخ. وذلك كله يزيد من احتمال وقوع القارئ في خطأ التفسير المضاد لمعانيه ~~الحقيقية، وهو بلا شك يعلل وجود هذا العدد الهائل من التفسيرات غير الدقيقة ~~لفلسفته. وبعبارة أخرى: فاسپينوزا لم يقتصر على استخدام الألفاظ التقليدية بمعان ~~جديدة فحسب، بل إنه يحاول دائما أن يستخدم هذه الألفاظ في تركيبات توحي بأنها ما ~~زالت محتفظة بمدلولاتها القديمة؛ وهدفه من ذلك هو أن يثبت أن المعاني الجديدة كفيلة ~~بتحقيق جميع الأغراض التي كانت تستخدم من أجلها المعاني القديمة، رغم تمشي ~~الأولى مع النزعة العلمية واستبعادها للخرافة. # وهنا يغدو المجهود الذي ينبغي أن يبذل في تفسيره مجهودا مضاعفا: هو إثبات أن ~~المعنى الجديد للفظ ms113 متسق حتى من خلال عشرات التركيبات والتعبيرات التي توحي بعكس ~~ذلك، والتي يميل القارئ بطبيعته إلى تفسيرها بالطريقة التقليدية، وكشف المغزى ~~الحقيقي لحرصه المتعمد على أن يظهر كما لو لم يكن مخالفا للتراث. ~~(2) الصفات الإلهية وفكرة الطبيعة # كانت فكرة «الله أو الطبيعة» هي الفكرة الأقوى ظهورا في فلسفة اسپينوزا. وقد وجد هذا ~~التعبير تفسيرات متعددة، رغم وضوحه الظاهر، وقيل: إن الهوية التي يضعها اسپينوزا بين ~~الله وبين الطبيعة ليست كاملة، بل إن الكثيرين من الشراح، رغم اعترافهم بالمبدأ ~~الرئيسي القائل: إن اسپينوزا يقرن دائما بين الله وبين الطبيعة وبين الجوهر، قد ~~تجاهلوا هذا المبدأ في كثير من الأحيان، وكانت تنزلق في كتاباتهم، عن وعي أو دون وعي، ~~كثير من المعاني التقليدية لفكرة الله، وهي نفس المعاني التي كرس اسپينوزا ذهنه ~~لانتقادها. # وينبغي أن تكون نقطة البداية في بحثنا لهذا الموضوع هي تحديد المقصود على وجه الدقة ~~من تلك المعادلة التي جمع فيها اسپينوزا بين الله والطبيعة، وذلك ببحث الصفات التي ~~نسبها اسپينوزا إلى فكرة الله، ومقارنتها من جهة بالصفات التي يعزوها التراث الديني إلى ~~هذه الفكرة، ومن جهة أخرى بالصفات التي يمكن أن تعزى إلى الطبيعة. وعلى أساس هذا البحث ~~المقارن نستطيع أن نجيب على السؤال: هل كان المقصود من فكرة الله عند اسپينوزا هو ~~النظام الكلي للأشياء، أو الطبيعة في مجموعها، أم أن المقصود منها شيء يزيد على ~~الطبيعة؟ # ولهذا البحث في الصفات الإلهية، ومدى انطباقها - أو عدم انطباقها - على مفهوم الطبيعة ~~أهميته القصوى في تفسير فلسفة اسپينوزا؛ ذلك لأن الكثير من المفسرين يتحدثون عن إله ~~اسپينوزا كما لو كان هو ذاته الإله التقليدي، وكل ما في الأمر أن صفات معينة قد تغيرت ~~فيه، دون أن يطرأ على الدلالة العامة للفكرة أي تغير. وسوف تمر بنا خلال هذا الفصل ~~أمثلة متعددة لهذه الطريقة في تفسير اسپينوزا، وهي في اعتقادنا دليل حاسم على أن ~~اسپينوزا فيلسوف لم يفهم بعد فهما كاملا. ~~••• # استخدام اسپينوزا، للتفرقة بين تصوري الله والطبيعة، تعبيري «الطبيعة ms114 الطابعة # natura ~~naturans ~~» ~~و«الطبيعة المطبوعة # natura naturata ~~» وهو يفرق ~~بين هذين التعبيرين على النحو الآتي: «أعني بالطبيعة الطابعة ما يوجد في ذاته، وما ~~يتصور بذاته؛ أي ما للجوهر من صفات تعبر عن الماهية الأزلية اللامتناهية. وبعبارة ~~أخرى: ... أعني بها الله، بقدر ما يعد علة حرة. # وأعني بالطبيعة المطبوعة كل ما يتلو من ضرورة طبيعة الله، أو أية صفة من صفات الله، ~~بقدر ما تعد أشياء توجد في الله، ولا يمكن أن توجد أو تتصور من دون الله.» # 16 # هنا تكون الطبيعة الطابعة هي النظام الشامل للأشياء، من حيث إنه ذو وجود ضروري، ولا ~~يمكن أن يتصور بغيره لأن شيئا لا يخرج عنه، كما أن العلية فيه باطنة؛ أي لا يتحكم ~~فيه شيء خارج عنه. أما الطبيعة المطبوعة فهي الأوجه الجزئية أو المكونات الموجودة في ~~العالم من حيث هي تعبير جزئي عن «الصفات» الشاملة للجوهر: ومن أمثلتها الأجسام الفردية، ~~التي هي أوجه لصفة «الجسمية» الشاملة في الجوهر، وهي أوجه لا تفهم قوانينها بذاتها، بل ~~ينبغي دائما ربطها بالكامل الشامل الذي تنتمي إليه. # ويصف اسپينوزا الطبيعة بصفات ترتبط عادة بالصفات الإلهية ارتباطا وثيقا، فيقول ~~مثلا «وإذا فالطبيعة، التي لا تأتي من أية علة، والتي نعلم مع ذلك أنها موجودة، ينبغي ~~بالضرورة أن تكون كائنا كاملا، من صفاته الوجود.» # 17 # والمشكلة الحقيقية - إذا كانت الطبيعة في مجموعها تتصف بالأوصاف الإلهية التقليدية - ~~هي أن نحدد نوع الأوصاف التي يعزوها اسپينوزا عادة إلى فكرة الله، لنقرر مدى اتفاقها ~~مع فكرة الطبيعة، وسوف نجد أن البحث في هذه الأوصاف ينقسم إلى موضوعات ثلاثة: ~~(2-1) استبقاء الأوصاف المشتركة بين الفكرتين # في التعريف السادس من مجموعة التعريفات التي يستهل بها اسپينوزا كتاب الأخلاق، ~~يعرف الله بأنه «كائن لا متناه لصفة مطلقة؛ أي إنه جوهر ينطوي على صفات لا ~~متناهية، تعبر كل منها عن ماهية أزلية لا متناهية.» # وينبغي أن نلاحظ هنا، أولا، الدلالة البالغة لنفس فكرة وضع تعريف لله ضمن ~~التعريفات الأولى في كتابه. فمن المشكوك فيه إلى ms115 حد بعيد أن يكون هناك أي فيلسوف ~~آخر قد استهل كتابا رئيسيا له بعبارات منها؛ أعني بالله كذا وكذا ... ذلك لأن ~~اللفظ في نظر الفلاسفة التقليديين مفهوم بذاته، لا يحتاج إلى تعريف (إلا إذا جاء ~~ذلك التعريف وسط البحث لإثبات نقطة معينة فحسب). أما إدراج لفظ «الله» ضمن مجموعة ~~أخرى من الألفاظ التي يراد تنبيه القارئ إلى معانيها الجديدة، فهذا أمر لا نلمسه ~~إلا لدى اسپينوزا، وهو عنده يعني أن ينبه القارئ تنبيها صريحا إلى أن تلك الفكرة ~~ليست تلك التي ألفها واعتادها طوال حياته. وفي محاولة التعريف الاستهلالي هذه خروج ~~تام على المألوف في عالم الفلسفة واللاهوت حتى ذلك العصر؛ لأن المفروض أن معنى كلمة ~~الله «يفرض ذاته» على المفكر، وليس المفكر هو الذي يحدد هذا المعنى بقوله: «أعني»؛ ~~فهنا تصبح الفكرة أداة في يد الفيلسوف لإثبات مواقف معينة، وليست فكرة تفرض نفسها ~~على العقل البشري وتأتي معها بمعانيها دون أن يملك هذا العقل تغييرها أو التحكم ~~فيها. # فما هي الأوصاف التي تستخلص من هذا التعريف؟ إنها هي الشمول واللانهائية المطلقة، ~~أي مجموع الوجود بما فيه من صفات لا نهائية، كل صفة منها تعبير عن وجه لا نهائي، ~~مكتف بذاته، من الأوجه التي يمكن أن يفهم بها الوجود. # هذا التعريف هو النمط الذي يتكرر، مع اختلافات بسيطة، في المواضع المختلفة من ~~كتابات اسپينوزا؛ ففي الرسالة رقم 2، مثلا، يعرف الله بأنه «موجود يتألف من صفات ~~لا متناهية، كل منها لا متناه أو مطلق الكمال في نوعه ...» وفي أول قضية يتحدث فيها ~~عن الله، في كتاب الأخلاق، يقول: «الله، أو الجوهر المؤلف من صفات لا متناهية، كل ~~منها يعبر عن ماهية أزلية لا متناهية، يوجد بالضرورة.» # 18 # ثم يعبر عن شمول فكرة الله أوضح تعبير فيقول: «كل ما يوجد، يوجد في ~~الله، ولا يمكن أن يوجد شيء أو يتصور دون الله.» # 19 # وهكذا يحدد اسپينوزا لفكرة الله، في تعريفاته الأساسية، الأوصاف الآتية: الوجود ~~الضروري، واللانهائية، والأزلية، والشمول، كل هذه الأوصاف لا ms116 تتعارض على الإطلاق مع ~~مفهوم «الطبيعة من حيث هي مبدأ خلاق» أو «الطبيعة بوصفها النظام الكلي الشامل ~~للعالم». ولقد رأيناه من قبل يصف الطبيعة بأنها موجودة بالضرورة. أما كونها لا ~~نهائية وشاملة لكل ما هو موجود، وأزلية (في قوانينها التي لا تتبدل)، فهذا أمر ~~يقره أي تفكير سليم. # ويقرر اسپينوزا أن الوجود والماهية، في الله، شيء واحد، # 20 # ومن الممكن أن تستخلص من ذلك صفة «الوحدة» ومع ذلك فإنه يرى في موضع ~~آخر أن إطلاق هذه الصفة فيه قدر من الافتقار إلى الدقة: «فنحن لا نستطيع تصور ~~الأشياء متصفة بصفة العدد إلا بعد ردها إلى جنس مشترك، فإذا كان في يدك مثلا دينار ~~ودرهم، فلن يخطر بذهنك العدد: اثنان، إلا إذا أدرجت الدينار والدرهم تحت جنس واحد، ~~هو قطعة النقود ... ومن هذا يتضح أن الشيء لا يمكن أن يقال عنه إنه واحد، أو وحيد، ~~إلا بعد تصور شيء آخر له نفس تعريف الأول. غير أنه لما كان وجود الله هو ذاته ~~ماهيته. ولما كنا لا نستطيع أن نكون عن ماهيته فكرة عامة، فمن المؤكد أن من يقول ~~عن الله إنه واحد أو وحيد إما أنه لم يكون فكرة صحيحة عنه، أو يتحدث عنه بطريقة ~~تفتقر تماما إلى الدقة.» ~~(2-2) إضافة أوصاف لا تنطبق إلا على فكرة الطبيعة # والوصف الذي يخطر على الذهن توا، في هذا الصدد، هو وصف «الامتداد»، الذي كان في ~~رأي اسپينوزا من أوصاف الله، شأنه تماما شأن وصف «الفكر». # وتظهر فكرة «مادية الله» بوضوح في التعريف الأول في مستهل الباب الثاني من ~~الأخلاق، إذ يقول: «أعني بالجسم ذلك الحال # mode # الذي يعبر على نحو محدد عن ماهية الله بقدر ما يعد شيئا ممتدا.» وفي القضية ~~الأولى من ذلك الباب نفسه يبرهن اسپينوزا على أن «الفكر من صفات الله؛ أي إن الله ~~كائن مفكر.» وفي القضية الثانية يحيل القارئ إلى برهانه على القضية السابقة؛ لكي ~~يثبت به القضية الموازية: «الامتداد من صفات الله؛ أي إن الله كائن ممتد.» ms117 فالله ~~إذن عند اسپينوزا كائن مفكر وممتد وما يقال عنه في مجال الفكر يقال مثله تماما في ~~مجال الامتداد (وله بالطبع صفات لا متناهية بالإضافة إلى هاتين، ولكنا لا ندرك ~~سواهما). # ويدرك اسپينوزا أن هناك اعتراضات متعددة توجه إلى فكرة وصف الله بالامتداد، ~~ولكنه يتولى الرد عليها كلها، ومن هذه الاعتراضات أن المادة متناهية ومنقسمة، ~~وبالتالي لا يمكن أن ينتمي ما هو متناه منقسم إلى الماهية الإلهية. أما اسپينوزا ~~فقد أثبت، على العكس من ذلك، أن المادة لا متناهية، أو على الأصح أن الجوهر المادي ~~لا متناه ولا منقسم. وعلى ذلك فإذا قال المعترضون بعد ذلك: إن وصف المادية لا ~~يليق بالكمال الإلهي، فإنه يرد بأن المادة، بوصفها لا متناهية، لا يمكن أن تكون غير ~~جديرة بالماهية الإلهية، وطالما أنها تابعة - ككل شيء آخر ~~- عن طبيعة الله فلا بد أنها تتمشى بدورها ~~مع الكمال الإلهي. ويعبر اسپينوزا عن ذلك بقوله: «إن جميع من فكروا على أي نحو في ~~الطبيعة الإلهية، ينكرون أن يكون لله جسم. وهم يجدون على ذلك دليلا واضحا في أننا ~~نعني بالجسم كمية متحددة، طولها كذا وعرضها كذا وعمقها أو ارتفاعها كذا، ولها شكل ~~معين. وهكذا تكون نسبة مثل هذا الشيء إلى الله، الذي هو كائن لا نهائي على نحو ~~مطلق، هي أكثر الأمور امتناعا. # 21 # ومن ذلك نستطيع أن نستخلص المعنى الذي يقصده اسپينوزا من القول إن لله ~~امتدادا؛ فهو لا يعني أن له مقدارا محددا من المادة، ذا أبعاد معلومة وإنما يعني ~~أن الامتداد اللانهائي صفة من صفاته؛ أي وجه من الأوجه التي يمكن أن ينظر بها إليه ~~أو تفهم بها طبيعته. ومن المؤكد أن أحوال الامتداد فقط، أي الأشكال التي يتخذها، ~~هي التي تتعدد وتقبل الانقسام. أما الطبيعة الأصيلة للمادة فلا تقبل انقساما ولا ~~تعددا، وهي لا نهائية مثلما أن العالم، التي هي وجه من أوجه النظر إليه، لا نهائي ~~بدوره.» # وكما قلنا من قبل في صدد تعريف الجوهر وصفاته، فمن الخطأ أن يقال: ms118 إن اسپينوزا ~~يقول بوجود صفات مختلفة تتميز بها فكرة الله - أو الجوهر الشامل - بحيث تفسر كل صفة ~~منها جانبا معينا في الفكرة، فأبعد الأمور عما يقصده اسپينوزا هو أن الله، بوصفه ~~جوهرا، «تحمل عليه» صفات معينة، كالفكر والامتداد، وإنما كان هدفه الحقيقي هو أن ~~يؤكد أن كلا من هذه الصفات «هي ذاتها» الجوهر منظورا إليه من الوجه الذي تمثله ~~هذه الصفة. وكل صفة تستغرق الجوهر «كله»، وتمثله تمثيلا كاملا بطريقتها الخاصة؛ ~~وعلى ذلك فحين يقول اسپينوزا إن الله ممتد يعني أن من الممكن النظر إلى فكرة الله ~~من وجه الامتداد بحيث يكون هذا الوجه شاملا لكل جوانب الفكرة، مثلما أن الوجه ~~الفكري يمكنه بدوره أن يشمل كل جوانبها من ناحيته الخاصة. # وهكذا نصل مرة أخرى، على مستوى الكون الشامل، إلى فكرة اسپينوزا الرئيسية ~~القائلة: «إن نظام الأفكار وترابطها هو ذاته نظام الأشياء وترابطها»؛ # 22 # وعلى ذلك «فسواء نظرنا إلى الطبيعة من خلال صفة الامتداد، أو من خلال ~~صفة الفكر، أو من خلال أية صفة أخرى فسوف نهتدي إلى نفس النظام، أو نفس سلسلة ~~العلل؛ أعني أن نفس الأشياء تتعاقب في كل حالة ... وبقدر ما ننظر إلى الأشياء بوصفها ~~أحوالا للامتداد، ينبغي أن نفسر الطبيعة كلها عن طريق صفة الامتداد وحدها، وكذلك ~~الحال في الصفات الأخرى ...» # 23 # وينبغي أن نتنبه جيدا إلى هذه العبارة الأخيرة، لما لها من دلالة ~~خطيرة على اتجاه تفكير اسپينوزا؛ فطالما أنك تبحث الأشياء من حيث هي ممتدة، فمن ~~الواجب ألا تقحم في تفسيرك لها أي عنصر آخر سوى العناصر المتصلة بالامتداد، ومثل ~~هذا يقال على النظرة إلى الأشياء من خلال صفة الفكر ومعنى ذلك أن اسپينوزا ينبه إلى ~~ضرورة تجنب الخلط بين المجالين، الممتد والفكري، في تفسير الظواهر؛ وهو خلط طالما ~~وقعت فيه النظرة اللاهوتية إلى الأشياء، إذ تضع «غايات» للظواهر الطبيعية، أو تنظر ~~إلى الحوادث المنتمية إلى مجال الامتداد على أنها تفنيد لحظة عليا ذات طابع فكري، ~~بل وتعد كشف العناصر الفكرية المتدخلة في مجرى ms119 الحوادث الممتدة أول شرط لفهم ~~هذه الحوادث. ~~••• # هذه بعض النصوص التي توضح وجهة نظر اسپينوزا من فكرة «مادية الله»، ولا جدال في ~~أن وصف الله بالمادية، أو بالامتداد، يخالف تماما كل تراث فلسفي وديني سابق عليه، ~~فصفة المادية صفة جديدة كل الجدة، أضافها اسپينوزا إلى فكرة الله، واعترف هو ذاته ~~بأنه كان فيها مخالفا لكل من سبقوه. # ومن المؤكد أن هذه الإضافة، وحدها، كفيلة بأن تحسم موضوع العلاقة بين الله ~~والطبيعة عند اسپينوزا. فإذا كان قد تبقى في الأذهان شك في أن فكرة الله عنده ~~قد تكون مختلفة، إلى حد ما، عن فكرة الطبيعة، فإن هذا الشك ينبغي أن يتبدد تماما ~~حالما يدرك الذهن الدلالة الحقيقية لنسبة صفة الامتداد إلى فكرة الله. وبعبارة ~~أخرى: فإن الأذهان التي لا تعترف بأن اسپينوزا يقصد النظام الكلي للأشياء، أو ~~الطبيعة في مجموعها، كلما استخدم كلمة «الله»؛ هذه الأذهان تقف حائرة تماما أمام ~~وصف اسپينوزا لله بأنه ممتد. ولولا أن المشاعر الدينية لدى الكثير من المفكرين ~~تؤثر - لا شعوريا على الأقل - في قدرتهم على التحليل الموضوعي لما كان المعنى ~~الحقيقي لفكرة «الله» كما يستخدمها اسپينوزا موضوعا لجدل كثير منذ اللحظة التي ~~يعلن فيها اسپينوزا أن الله يتصف بالامتداد مثلما يتصف بالتفكير. # 24 # ففي أي مذهب يجعل الله حقيقة مستقلة عن الطبيعة، يمكن أن يعد الله ممتدا؟ يكفي ~~أن يستعرض المرء في ذهنه الصفات التي ترتبط بفكرة «الله» ليجد أن من المستحيل ~~التوفيق بين أي معنى مألوف لهذه الفكرة وبين فكرة كون الله ممتدا. فصفة الامتداد ~~ناشزة تماما وسط الصفات الأخرى التي تنسبها المذاهب الدينية والفلسفية عادة إلى ~~فكرة الله، وهي وحدها كفيلة، إذا ما تمسكنا بها، بأن تجعل كثيرا من الصفات ~~المألوفة مستحيلة؛ فكيف يكون الله خيرا، مثلا، إذا كان ممتدا؟ وعلى العكس من ~~ذلك، فإن صفة الامتداد متسقة تماما مع معنى «النظام الكلي للأشياء» أو «الطبيعة في ~~مجموعها»: ولا يمكن أن يوجد أي تناقض عندما يدرج الامتداد ضمن الصفات الأخرى ~~لمجموع الطبيعة. وقد ms120 يقال إن صفة الفكر في هذه الحالة، هي التي تغدو متنافرة مع ~~بقية أوصاف الطبيعة، ولكن هذا غير صحيح، فظاهرة الفكر موجودة في الطبيعة، تتمثل في ~~نوع واحد من أنواعها على الأقل، هو الإنسان؛ أي إننا إذا تأملنا جميع العناصر التي ~~تكشف عنها الطبيعة في مجموعها، فسنجد حتما أن الفكر واحد من هذه العناصر؛ وبذلك لا ~~نكون قد خرجنا على الإطلاق على مفهوم الطبيعة كما نألفه إذا قلنا إن الطبيعة تتصف ~~بالفكر مثلما تتصف بالامتداد. أما في حالة فكرة الله، فمن المؤكد أن مفهوم الامتداد ~~يتعارض مع كل معانيها المألوفة. أما إذا حاولنا أن نتخلص من هذه الصعوبة بإدخال ~~تعديل أساسي في مفهوم فكرة الله بحيث يتمشى مع إمكان الاتصاف بالامتداد، فلا جدال ~~في أن المفهوم الناتج بعد هذا التعديل سيكون شيئا جديدا كل الجدة، لا يكاد يتصل ~~بين المفهوم السائد في شيء، بل يصبح فكرة جديدة مختلفة تماما عن الفكرة التي تنصرف ~~إليها أذهاننا كلما قيل لفظ «الله» أمامها - فكرة يكون لفظ «مجموع الطبيعة» هو في ~~واقع الأمر أصلح الألفاظ للانطباق عليها. ولنذكر هنا مرة أخرى ما رددناه مرارا من ~~قبل، من أن الأمر الذي ينبغي أن نهتم به ليس هو الألفاظ ؛ أعني ليس الصورة الكلامية ~~للفظ «الله»، وإنما المعاني الكامنة من وراء اللفظ، بحيث إنه إذا طرأ على هذه ~~المعاني تغيير حاسم، واستبقى اللفظ ذاته في صورته الكلامية فحسب، فليس لنا أن ندع ~~هذه الصورة الكلامية تؤثر فينا بارتباطاتها القديمة، وإنما الواجب - لكي يكون ~~التحليل دقيقا - أن نتخلى عن كل هذه الارتباطات ونتأمل المعاني الجديدة في ضوئها ~~الخاص. # ومع ذلك فإن الكثيرين من شراح اسپينوزا لا يودون أن يعترفوا بأن المساواة ~~التامة بين ما يقصده اسپينوزا من فكرة الله وبين فكرة الطبيعة في مجموعها هي أمر ~~يحتمه - ويكشف حقيقته - القول بأن الامتداد من صفات الله. وهكذا تراهم يفسرون هذا ~~القول الأخير على أنحاء تترك مجالا للتفرقة التي لا يريدون التخلي عنها، في ~~تفسيرهم لفلسفة اسپينوزا، بين فكرتي الله ms121 والطبيعة. # مثال ذلك أن «برييه # Bréhier ~~» يفسر صفة ~~الامتداد الإلهية هذه بأنها صفة ينبغي ألا تفهم إلا في سياق الفيزياء الديكارتية، ~~التي تميز بين الامتداد من حيث هو موضوع للفهم والامتداد من حيث هو موضوع للتخيل؛ ~~فالامتداد الثاني هو المنقسم المؤلف من أجسام جزئية. أما الامتداد بالنسبة إلى ~~الفهم فهولا متناه ولا منقسم. ويخلص من ذلك إلى أن «رأي اسپينوزا لا يغدو ممكنا ~~إلا لأن الامتداد يصبح مبدأ للمعقولية.» # 25 # والفكرة التي يرتكز عليها برييه، في رأيه هذا، هي تلك التي يعبر عنها ~~نص اقتبسناه من قبل، فرق فيه اسپينوزا بين الأجسام من حيث هي جزئية قابلة للانقسام ~~لها أبعاد وأشكال محدودة، وبين فكرة الامتداد من حيث هي تعبر عن صفة لا متناهية ~~ولا منقسمة. وبعبارة أخرى فالامتداد في هذه الحالة يغدو شيئا مغايرا «للأجسام ~~الممتدة». وهذا كله صحيح، ولكن هل معناه أن الامتداد يغدو، كما يزعم برييه، «مبدأ ~~للمعقولية»؟ وماذا يكون الفرق بينه وبين الفكر عندئذ؟ إن كل أصالة اسپينوزا إنما ~~ترجع إلى خروجه على ثنائية ديكارت، عن طريق تأكيد هوية ما تنطبق عليه صفة الفكر مع ~~ما تنطبق عليه صفة الامتداد (لا القول بجوهرين منفصلين والبحث عن وسيلة للجمع ~~بينهما، كما فعل ديكارت ). وهو لا يسعى مطلقا إلى رد الامتداد إلى الفكر؛ لأنه لا ~~الامتداد ولا الفكر، في رأيه، ذو كيان مستقل، أو ينطبق وحده على كيان مستقل، وإنما ~~هما طريقتان للنظر إلى نفس الأشياء، كل منهما متسقة مع ذاتها تماما، وتؤدي إلى ~~نفس ما تؤدي إليه الأخرى، ولكن تبعا لمجالها الخاص، فمشكلة «الرد» ليست قائمة هنا ~~على الإطلاق، ولو كانت في ذهن اسپينوزا أية فكرة عن رد الامتداد إلى الفكر أو ~~تقريبه منه - كما فعل ديكارت - لتغير الطابع العام لفلسفته بأسرها تغيرا تاما، ~~ولفقدت أصالتها التي تميزها تماما عن الفلسفات السابقة، وضمنها فلسفة ديكارت ~~ذاتها. وإذن فالامتداد الذي ينسبه اسپينوزا إلى الله هو حقا مغاير للامتداد ~~المنسوب إلى الأشياء الجزئية، ولكنه ليس «مبدأ للمعقولية» وإنما هو صفة ms122 الامتداد، ~~بمعناها المطلق، كما يتصف بها النظام الكلي للأشياء. # وينظر «ولفسون» إلى المسألة من زاوية أخرى، فيرى أن القول بالامتداد صفة لله كان ~~نتيجة فرضها على اسپينوزا إخفاق الحلول التي تقول بصدور المادة عن إله لا مادي، ~~ويشرح ذلك بقوله: «إن اسپينوزا ... لم يصل إلى رأيه هذا عن طريق مجرد الأخذ بأقوال ~~الرواقيين أو «برونو» أو «مور # More ~~»، وإنما اضطر ~~إلى ذلك ... نتيجة لمنطق الموقف، ولاختباره النقدي الدقيق لمختلف الحلول التي أتى ~~بها مفكرو العصور الوسطى لمشكلة ظهور المادة من إله لا مادي، فحين وجد أن جميع ~~الحلول التي اقترحت لهذه الصعوبة عن طريق نظرية الصدور # emanation # غير مقبولة، ورفض أن يأخذ بنظرية ~~الخلق من العدم أو نظرية قدم المادة الأزلية وبقائها مع الله منذ الأزل، اضطر إلى ~~الانتهاء إلى أن الله ليس لا ماديا. # 26 # وهكذا يبدو، من قول ولفسون، كما لو كان اسپينوزا مصرا، من جهة، على ~~القول بإله، ومن جهة أخرى على القول بعالم مادي، ثم يحاول تفسير العلاقة بينهما، ~~فلا يقتنع بالتفسيرات المبنية على أساس لا مادية الله، «فيضطر» إلى القول بماديته، ~~ويرغمه على ذلك «منطق الموقف». والأمر الذي لا يحسب له ولفسون، في هذا النص، أي ~~حساب، هو أن اسپينوزا كان «من البداية » لا يؤمن بإله لا مادي، ولا يريد فصل الله عن ~~العالم أو الطبيعة، وبالتالي كان يريد القضاء تماما على كل المعاني المألوفة في ~~العصور الوسطى لفكرة الله، ولكنه بدلا من أن يعلن ذاك صراحة، استبقى اللفظ وجعل ~~المادية من صفاته، وتلك لا تعدو أن تكون طريقة أخرى للوصول إلى الهدف نفسه. وبعبارة ~~أخرى: ففكرة المادية عند اسپينوزا تعبير عن موقفه العقلي «الأصيل»، وليست مجرد ~~نتيجة أرغمه على الأخذ بها تناقض الخصوم. # وأخيرا، فهناك دليل آخر له في رأينا أهمية كبيرة في إثبات التفسير الذي نقول به، ~~أعني تفسير فكرة مادية الله بأنها تعبير واضح عن المعنى الحقيقي لفكرة الله عند ~~اسپينوزا، وهو معنى «النظام الكلي للأشياء» فحسب، ذلك الدليل مستمد من حملة ms123 ~~اسپينوزا العنيفة على كل نظرة إلى الألوهية تكون «تشبيهية بالإنسان»، وهي الحملة ~~التي تحدثنا عنها من قبل في صدد الكلام عن موقع القيم في الكون، وسوف نتناولها بعد ~~قليل بمزيد من البحث في صدد الكلام عن الأوصاف التي ينفيها اسپينوزا عن فكرة الله؛ ~~ذلك لأننا إذا احتفظنا بأي ظل من المفهوم المألوف لفكرة الله، وهو مفهوم «مشخص» ~~بطبيعته، ثم أضفنا إلى ذلك المفهوم صفة المادية، فعندئذ يكون اسپينوزا قد وقع في ~~أسوأ أنواع التشبيه بالإنسان إذ يكون قد تصور إلها مشخصا وماديا في آن واحد، ~~وبذلك يكون قد وقع في أخطاء أسوأ كثيرا من تلك التي أخذها على خصومه من لاهوتيي ~~العصور الوسطى؛ أعني أخطاء الرجوع إلى آلهة العقائد البدائية والأساطير! # وإذن فأي تفسير يظل فيه أي عنصر من المفهوم التقليدي ينبغي أن يرفض على التو ~~طالما أن فكرة المادية قد أدخلت. وبعبارة أخرى: فإما أن نقول إن اسپينوزا كان ~~يعني، من فكرة مادية الله، كون المادة وجها من أوجه النظام الكلي للأشياء؛ أي ~~الطبيعة في مجموعها، أو أن نسلم بأن اسپينوزا وقع، منذ اللحظة الأولى لتفلسفه، ~~في خطأ أسوأ من ذلك الذي كرس حياته كلها لمحاربته؛ وعلى ذلك فإذا قال شراح ~~اسپينوزا إنه تأثر في فكرة مادية الله، بالعقيدة اليهودية التي كانت تضفي على الله ~~صبغة مادية في كثير من الأحيان، # 27 # فلن يكون لنا من رد على هذه الآراء - التي تصدر في أغلب الأحيان عن ~~شراح من المؤمنين باليهودية - سوى أنها تزييف للأسس الأولى التي قام عليها تفكير ~~اسپينوزا، وذلك لاعتبارات عقيدية متعصبة لا شأن لها بالعلم على الإطلاق. فليست ~~المادية التي يقصدها اسپينوزا هي مادية الشجرة أو الجبل، وأبعد الأمور عن ذهنه أن ~~يفترض وجود إله ثم يضفي عليه صورة مادية جزئية، بل إن فلسفته كلها ليست إلا محاولة ~~لتخليص الأذهان من هذا التفكير البدائي الساذج، والاستعاضة عنه بنظرة إلى العالم ~~متمشية تماما مع روح العلم. فإذا سلم المرء بهذه المقدمات، فمن المحال أن يجمع بين ~~فكرة ms124 مادية الله وبين أية نظرة أخرى تقليدية إلى فكرة الله، ولا بد له أن ينتهي إلى ~~تلك النتيجة الضرورية، وهي أن المقصود هنا شيء مغاير تماما لكل ما كان معروفا عن ~~فكرة «الله»، حتى رغم وجود اللفظ؛ أعني شيئا لا ينطبق عليه إلا لفظ مثل «مجموع ~~الطبيعة» - هذا إذا كان لدى المرء أقل حرص على أن ينقذ اسپينوزا من التناقض الذي ~~يوقعه فيه المفسرون عمدا، ورغما عن كل آرائه الصريحة، لكي يرضوا نزعات معينة في ~~نفوسهم على حساب التحليل الموضوعي النزيه. ~~(2-3) حذف أوصاف تتعارض مع فكرة الطبيعة # والفئة الثالثة من الأوصاف التي عزاها اسپينوزا إلى فكرة الله هي أوصاف تعزى ~~عادة إلى هذه الفكرة، في المفهوم التقليدي لها، ولكن اسپينوزا يستبعدها وينتقدها. ~~وليس من قبيل المصادفة أن هذه الأوصاف التي استبعدت كلها لا تصلح للانطباق على فكرة ~~الطبيعة. فلهذا الاستبعاد دلالة لا شك فيها، هي أن اسپينوزا حيثما كان يجد ~~تعارضا بين المفهوم التقليدي لفكرة الله وبين فكرة الطبيعة، كان يعدل هذا المفهوم ~~بحيث يزول كل تعارض. والتعليل الوحيد لذلك هو، بطبيعة الحال، حرصه على تأكيد الهوية ~~التامة بين الفكرتين. ~~(1) ~~«العرضية وحرية الإرادة»: كانت فكرة حرية الإرادة، بمعنى التحرر ~~التام للمشيئة من جميع القيود والقوانين، من الأوصاف المألوفة التي كان ~~اللاهوتيون يعزونها دائما إلى فكرة الله. وقد انتقد اسپينوزا هذا ~~القول بحرية الإرادة - مفهومة بهذا المعنى - وانتفد معها فكرة العرضية ~~التي ترتبط بها وتنتج عنها، وأكد فكرة الضرورة التي تسري على جميع ~~المجالات، حتى المجال الإلهي، ثم أثبت بعد ذلك أن هذا هو الفهم الوحيد ~~المتسق لفكرة الله، وأن كل فهم مبني على الآراء التي انتقدها متناقض مع ~~نفسه حتما. # ولو شئنا الدقة اللفظية لقلنا إن اسپينوزا يعترف بالحرية الإلهية، ~~ولكن هذه الحرية عنده لا تعني القدرة على الفعل وعدم الفعل، وإنما هي ~~الحرية المعبرة عن الطبيعة الإلهية الضرورية، # 28 # فهو ينكر الفكرة القائلة إن الله يستطيع ألا يفعل ما يفعل، ~~وهي الفكرة التي تكون الفهم الشائع للحرية الإلهية، ms125 ويؤكد أن المشيئة، ~~إذا ما فهمت بهذا المعنى، لا يمكن أن تكون من صفات الفعل الإلهي، # 29 # فالحرية الإلهية كما يفهمها هي أن الله يفعل حسب قوانينه ~~الخاصة، ولا يوجد ما هو خارج عنه ليرغمه، وبالتالي فليس ثمة قوة تدفعه ~~إلى تغيير مسلكه، أو على الأصح، تغيير القوانين التي تسير لعيها ~~طبيعته، وبهذا المعنى الحتمي لفكرة الحرية؛ أي بمعنى الفعل حسب ~~القوانين الذاتية دون إرغام خارجي، يكون الله وحده هو العلة الحرة، # 30 # إذ إن كل ما عداه يتأثر بعوامل خارجية، بينما هذا التأثر ~~لا يسري عليه. والخلاصة أن الحرية الإلهية ترتبط بفكرة الصرورة أوثق ~~الارتباط؛ فهي حرية «الطبيعة»؛ أي الحرية الناجمة عن اتباع القوانين ~~الذاتية، ولكنها تنفصل تماما عن فكرة الإرادة أو المشيئة الخارجة على ~~كل قانون؛ إذ إن مثل هذا الخروج، إذا فهم على حقيقته، لا يكون حرية في ~~الواقع، وإنما يكون خضوعا لعوامل خارجية هي التي تحض على مخالفة ~~القوانين الأصلية، ومثل هذا الخضوع بعيد كل البعد عن الطبيعة ~~الإلهية. # ويؤكد اسپينوزا أن القول بأن الله متسق دائما مع نفسه، وأنه ظل ~~يمارس دائما نفس النوع من النشاط طوال الأزل، فيه مزيد من الإعلام ~~للقدرة الإلهية، وإن فكرة الأزلية ذاتها لتحتم القول بضرورة الفعل ~~الإلهي، [فالخصوم ذاتهم يعترفون] بأن جميع الأوامر الإلهية قد صدق الله ~~عليها ذاته منذ الأزل ... ولكن ليس في الأزل معان مثل متى، أو قبل، أو ~~بعد؛ وعلى ذلك فإن الكمال الإلهي وحده يستتبع ألا يأمر الله أبدا، أو ~~يكون قد أمر، بأي شيء سوى ما هو موجود، وأن الله لم يوجد قبل أوامره، ~~ولا يمكن أن يوجد دونها.» # 31 # والواقع أن فكرة المشيئة، أو القدرة على الفعل تبعا للقوانين ~~الضرورية وعدم الفعل تبعا لهذه القوانين، إنما هي، كما يؤكد اسپينوزا ~~تشبيه للطبيعة الإلهية بطبيعة الناس، ولا سيما الملوك؛ أي إن الطبيعة ~~الإلهية تتصور في هذه الحالة على مثال طبيعة الملوك المستبدين، الذين ~~لا يسلكون إلا اعتباطا، ولا يلتزمون بقانون، # 32 # ولكن من المحال، ms126 في رأي اسپينوزا، أن يبدأ المرء في فهم ~~الطبيعة الإلهية إلا إذا حرص بكل دقة على أن يتجنب الخلط بين القدرة ~~الإلهية وبين القدرة البشرية وحق الملوك # 33 ~~«فالكائن الأزلي اللامتناهي، الذي نسميه بالله أو الطبيعة، ~~يفعل بنفس الضرورة التي يوجد بها ... والسبب أو العلة التي يوجد من أجلها ~~الله أو الطبيعة، والسبب الذي من أجله يفعل، هو سبب واحد.» # 34 # أما فكرة العرضية، التي يعتقد عادة أن فيها إعلاء للطبيعة ~~الإلهية أو توسيعا لنطاق قدرتها، فإن مصدرها الوحيد هو الجهل، «فالشيء ~~لا يمكن أن يسمى عرضيا إلا بالنسبة إلى نقص معرفتنا.» # 35 # وإذا اكتمل علمنا، فإن الضرورة هي التي تغدو سائدة؛ إذ إن ~~الأشياء، إذا ما نظر إليها في ضوء المعرفة الكاملة بها، تكون إما ~~ضرورية أو مستحيلة. وهي لا تبدو عرضية إلا نتيجة لجهلنا بالأسباب. ~~وهكذا كان دفاع اسپينوزا عن فكرة الضرورة، حتى في مجال الفعل الإلهي، ~~هو في واقع الأمر دفاع عن قابلية الأشياء للمعرفة، وليس أدل على ذلك من ~~قوله: «إن من الواجب رفض فكرة حرية المشيئة الإلهية، لا لأنها عقيمة ~~فحسب، بل لأنها أيضا عقبة كأداء في طريق المعرفة.» # 36 # هذه النصوص من أوضح نصوص اسپينوزا دلالة، وليس من الصعب الاستدلال ~~على المعاني الحقيقية الكامنة من ورائها؛ إذ إن القشرة اللاهوتية التي ~~غلفت بها هذه النصوص رقيقة هشة إلى أبعد حد، وهي تكشف بشكل مباشر عن ~~الاتجاه العلمي الواضح المتضمن فيها. # ذلك لأن مجرد إدخال ~~فكرة الضرورة في مجال اللاهوت هو في ذاته ثورة على كل ما كان يقال في ~~هذا المجال؛ إذ إن اللاهوتيين كانوا يرون في فهمهم الخاص لفكرة الله ~~وسيلة لإيجاد مخرج من فكرة الضرورة وحتمية القانون الطبيعي، ولإظهار ~~العالم بصور ينقاد فيها لنوع من الأوامر الاعتباطية الشبيهة بأوامر ~~حاكم لا يعترف بقانون؛ فالهدف الواضح لاسپينوزا هو تأكيد فكرة الضرورة ~~وسيادة القانون في جميع أرجاء الكون، ومع ذلك فهو يعبر عن هذه ~~الفكرة، على طريقته المعهودة، بالقول إن فكرة الضرورة أليق بالكمال ms127 ~~الإلهي من فكرة الحرية العشوائية التي تتمثل في تحدي القانون أو تغييره ~~عمدا، ويكون المعنى المقصود بالفعل من ذلك هو أن صفة الضرورة أصلح ~~للانطباق على العالم الذي يسير بقوانين ثابتة، منها على التصور ~~اللاهوتي لكائن مشخص عال على الطبيعة ذي مشيئة حرة. وبعبارة أخرى: فإن ~~الفهم العلي للعالم يحتم استبعاد فكرة الخروج العشوائي على ~~القانون والنظام المطرد من مجال تلك الحقيقة التي نتخذها حدا ~~نهائيا لجميع تفسيراتنا وأفكارنا، فماذا يكون الدور الحقيقي لفكرة ~~الله، عندئذ، خارج القوانين الطبيعية الضرورية، التي يصفها اسپينوزا ~~بأنها «أزلية»؛ أي لم تبدأ في الوجود ولن تتبدل أو تبطل أبدا؟ من ~~المؤكد أن اسپينوزا لم يجعل لهذه الفكرة أي دور يخرج عن الدور الذي ~~تقوم به فاعلية الطبيعة ذاتها، ولا يجد المرء مفرا كلما أمعن النظر ~~في هذا الموضوع، من القول إن الفكرة عنده إضافة لفظية لا داعي لها، ومن ~~الممكن أن تستقيم فلسفته تماما بدونها، وهو يكاد يعبر مباشرة عن ~~قصده الحقيقي حين يقول «يعتقد البعض أن الله علة حرة؛ لأنه في اعتقادهم ~~يستطيع ألا يحدث الأشياء التي قلنا إنها تتلو من طبيعته؛ أي الأشياء ~~الواقعة في نطاق قدرته، أو يجعلها غير واجبة الحدوث منه، ولكن هذا أشبه ~~بقولهم أن الله كان يستطيع أن يجعل طبيعة المثلث لا تحتم أن يكون مجموع ~~زواياه الداخلة قائمتين، أو أن معلولا معينا لا ينتج من علته، وهو ~~قول ممتنع.» # 37 # وإذا عبرنا عن فكرة اسپينوزا هذه من خلال المصطلح الحديث، ~~لقلنا إن العلاقة بين الله وبين الأشياء تعد عندئذ علاقة «تحليلية» ~~والضرورة فيها هي نفس الضرورة التحليلية التي تربط بين المثلث ومجموع ~~زواياه الداخلة. ومثل هذا النوع من العلاقة يستبعد أية علية خارجية ~~أو عالية، وهو بلا شك ينطبق كل الانطباق على العلاقة التي تربط الأشياء ~~الجزئية بمجموع العالم من حيث هو ينطوي على كل ما يمكن تصوره من ~~الإمكانيات. ~~(2) ~~«الخيرية»: الوصف بالخيرية من أكثر الأوصاف الإلهية شيوعا في كل ~~مذهب يقول بأي نوع من الانفصال بين ms128 الله والطبيعة؛ إذ يكون الخير ~~عندئذ هو الغاية التي يستهدفها الله في توجيهه للعالم. ولقد رأينا من ~~قبل كيف انتقد اسپينوزا فكرة تأكيد وجود القيم - كالخير أو الجمال - ~~على مستوى الضرورة الكونية. ولما كان مجال البحث هنا على نفس ذلك ~~المستوى، فإنه يطبق نقده هذا على فكرة الخيرية الإلهية لينفيها ~~بدورها. # ومن الواضح أن نفي ~~هذه الصفة يرتبط ارتباطا وثيقا بنفي صفة العرضية والمشيئة الحرة، ~~التي عرضنا لها من قبل، فسيادة الضرورة في الطبيعة تعني عدم وجود ~~غايات. والقول إن الخير غاية إلهية، معناه في رأي اسپينوزا أن هناك ~~قوة خارجية تتحكم في الأفعال الإلهية. وهذا لا يختلف كثيرا عن القول ~~بالمشيئة الحرة. وإنما الصورة التي يكونها اسپينوزا هي صورة فعل محض ~~لا تغيير فيه، ولا غائية يخضع لها. وهو يرد على من يقولون إن الفعل ~~الإلهي يستهدف دائما تحقيق ما هو خير بقوله إنهم يفترضون شيئا ما ~~خارجا عن الله يستهدفه الله، بوصفه أنموذجا أو غاية محدودة، في أفعاله، # 38 # وهو محال نتيجة لما أثبته مرارا من أن فكرة الله شاملة ~~لكل شيء. والواقع أن صفة الخير هذه صفة مستمدة من المجال البشري، ولا ~~يمكن تصورها بدون الإنسان. أما الكائن الشامل لكل شيء فلا ينبغي ~~تصوره من خلال مثل هذه الأوصاف؛ # 39 # ذلك لأن الكائن الشامل لا ينظر إليه إلا من خلال العقل، ~~ولا تنطبق عليه إلا القوانين الضرورية. وحيث يسود العقل وتسري الضرورة ~~المطلقة لا يكون للخير - أو للشر - أي مجال. وإنما الخير والشر ينطبقان ~~على مجال الآمال والمخاوف والقيم البشرية فحسب. فليس في الطبيعة، من ~~حيث هي ضرورية، خير ولا شر، وليس للحادث إذا ما نظر إليه من حيث ~~علاقاته الضرورية بمجموع حوادث الكون أية صلة بقيمة من هذه القيم؛ ذلك ~~لأنه «لو كان البشر قد ولدوا أحرارا، لما كونوا أية فكرة عن الخير والشر.» # 40 # وفي برهان اسپينوزا على هذه القضية ذاتها يقول: «أعني ~~بالحر من لا يقوده إلا عقله؛ ومن ثم فإن من ولد حرا، ms129 وظل حرا، لا ~~تكون لديه إلا أفكار كافية # adequate ~~؛ ~~وعلى ذلك ... فليست لديه فكرة عن الشر، وبالتالي (طالما أن الخير والشر ~~متضايفان) عن الخير.» # ولنتأمل جيدا دلالة ~~فكرة تضايف الخير والشر؛ فالشر، كما يؤكد اسپينوزا، هو سلب وعدم، وليس ~~صفة لها وجود أو كيان، ومن المحال أن يكون في طبيعة الأشياء ذاتها شر، ~~ولكن حيث لا يوجد الشر لا يوجد الخير أيضا. والحادث الواحد يمكن أن ~~يفسر على أي نحو نشاء، طالما أننا ننظر إليه من منظورنا البشري، ومن ~~حيث هو حادث جزئي منعزل عن التيار العام للضرورة الطبيعية، إن الزلزال ~~ذاته، الذي لا نكاد نتصوره إلا كارثة فادحة، وهو بالفعل كذلك في نظر ~~معظم الناس، قد يكون سببا في إنعاش صناعة البناء أثناء فترة التعمير ~~التالية. وقد تذكره كثير من النفوس بالخير لأنه قضى على منافس أو جلب ~~ميراثا قبل الأوان أما إذا نظرت إلى الأمور في ذاتها، وتأملت ~~الزلزال وسط سلسلة الحوادث الطبيعية السابقة عليه واللاحقة له، فلن ~~يكون إلا حادثا ضروريا كان ينبغي أن يقع على هذا النحو، ولا يجوز ~~لك، طالما أنك تتحدث من منظور الضرورة، أن تحكم عليه بأنه خير أو ~~شر. # فإذا كان الخير والشر متضايفين في الإنسان، ألا يكون معنى ذلك أنهما ~~متضايفان في الله؟ وإذا كان الإنسان الحر لا يعرف الخير، أليس معنى ذلك ~~بالأحرى أن فكرة الخير لا شأن لها بالطبيعة الإلهية أيضا؟ إن اسپينوزا ~~يكاد هنا يذكر رجال اللاهوت بحقيقة طالما غابت عن أذهانهم؛ فهؤلاء ~~لم يكن لهم من هدف، من قديم الزمان، إلا إثبات أن الشر لا يمكن أن ينتج ~~عن الطبيعة الإلهية، وإنما هو حكم على الظواهر من خلال منظورنا البشري ~~المحدود، ولا شأن لله ذاته بالشر. وهذا صحيح كل الصحة، ولكن النتيجة ~~الخطيرة التي فاتتهم في هذا كله هي أنك حين تنفي الشر عن الإرادة ~~الإلهية تنفي عنها الخير أيضا. فكما أنك لا تستطيع أن تفهم لفظ «ابن» ~~دون لفظ «أب»، فكذلك لا يمكن فهم الخير دون ms130 الشر. والفكرتان معا ~~متضايفتان، إن وجدت إحداهما فلا بد أن توجد الأخرى وإن غابت واحدة ~~غابت معها الثانية. والنتيجة الحتمية الوحيدة للمحاولات اللاهوتية ~~لإثبات أن الشر معنى يوجد في المنظور البشري وحده، هي أنها تؤدي إلى ~~استبعاد كل القيم (التي هي حقا بشرية آخر الأمر) عن الطبيعة الإلهية. ~~أما أن تستبعد وتستبقي المتضايف معها، فذلك تناقض لا شك فيه. ~~(3) ~~«العلية الخالقة»: ينفي اسپينوزا عن فكرة الله أي وصف له صلة ~~بفكرة العلية الخالقة، ففكرة الخلق ذاتها هي في نظره تشبيه للقوى ~~الإلهية بقوى الإنسان حين «يحدث» شيئا أو يكون علة له. # 41 # فالطبيعة عنده ليست في حاجة إلى علة، بل إن اسپينوزا يحاول ~~أن ينزع عن أذهان الناس ميلهم المأثور إلى تطبيق العلية على كل شيء، ~~حتى على الكون في مجموعه؛ فهو يؤكد أن العلية لا تنطبق إلا على ~~الأشياء الجزئية، ولكنها لا تنطبق على الجوهر، أو الطبيعة في مجموعها، ~~ومن العبث أن نبحث عن علة للجوهر مثلما نبحث عادة عن علل للأشياء ~~الجزئية، فهو هنا يدعو إلى التوقف عن البحث عن علة للطبيعة بأسرها، ~~ويحاول تعويد الأذهان على قبول فكرة الطبيعة الموجودة منذ الأزل، غير ~~الناتجة عن علة. # 42 # ولو تحقق له هذا العرض، لزال بذلك أقوى سبب يؤدي بالناس ~~إلى افتراض موجود خارج عن الطبيعة عال عليها، يكون علة لها؛ فالعلية ~~داخل المجموع علية باطنة. وهذا هو ما يعنيه اسپينوزا بفكرته القائلة ~~إن الجوهر «علة ذاته # Causa sui ~~» - وهي ~~فكرة سنعرض لها فيما بعد بمزيد من التفصيل. وبعبارة أخرى: فليس لك أن ~~تلتمس للطبيعة في مجموعها علة؛ لأن هذه الطبيعة أزلية لا تستطيع أن ~~تقول إنها لم تكن في أي وقت موجودة ثم وجدت. # أما الأشياء الجزئية فتعليها يرجع إلى أشياء أخرى جزئية مثلها، ~~ويعبر اسپينوزا عن تلك الفكرة بالأسلوب المدرسي المحافظ الذي اتخذه ~~لكتاباته، فيقول «إن علة الفكرة الفردية هي فكرة فردية أخرى، أو الله ~~لا من حيث إنه لا متناه، بل من حيث هو متأثر بفكرة ms131 شيء فردي آخر يكون ~~الله علة له، ويكون علة لهذا الأخير من حيث هو متأثر بفكرة شيء فردي ~~ثالث. وهكذا إلى ما لا نهاية # 43 # وفي هذه الحالة تكون الأشياء الفردية هي علة بعضها البعض، ~~وكلما حاولنا التوقف عند العلية الإلهية محاولين أن نهتدي إليها ~~خالصة، وجدناها بالفعل متأثرة بفكرة شيء فردي آخر، ويظل هذا التأثر ~~ساريا إلى ما لا نهاية. وبعبارة أخرى: فإذا جاز لنا أن نتحدث عن ~~فاعلية إلهية في الأشياء الجزئية. فلا بد أن يكون ذلك من خلال أشياء ~~جزئية أخرى. وهذا يؤدي في الواقع إلى الاستغناء تماما عن العلية ~~الإلهية والاكتفاء بتأثير الأشياء الفردية بعضها في البعض. ~~(4) ~~«التشخيص والتشبيه بالإنسان»: ليس هذا وصفا جديدا من الأوصاف التي ~~يستبعدها اسپينوزا من فهمه لفكرة الله، وإنما هو في رأيه خلاصة كل ~~الأوهام والأفكار الباطلة التي لصقت بأذهان الناس عن هذه الفكرة، وهو ~~منشأ كل الأخطاء التي ارتكبها رجال اللاهوت. فأصل البلاء كله، والعلة ~~الأصلية لكل ما دار بأذهان الناس من أوهام في هذا الصدد، هو كما أكد ~~اسپينوزا في تذييل الباب الأول من الأخلاق، نزوع الناس إلى تشبيه الله ~~بالإنسان، أو تصوره على مثال الإنسان؛ فهو أصل الاعتقاد بالمشيئة ~~الحرة؛ إذ يجد الناس في حكامهم، ولا سيما المستبدين منهم، نزوعا إلى ~~السلوك بلا قاعدة ولا قانون، وإلى التصرف في كل شيء حسبما يشاءون، ~~فيصورون آلهتهم على هذا النحو ذاته. وحين يحكم الإنسان على بعض الظواهر ~~بأنها خير لأنها أفادته هو ذاته على نحو ما، يتصور أن الطبيعة في ~~مجموعها تستهدف مثل هذا الخير، وأنها تسير في طريق أريد منه أن يخدم ~~الإنسان دون سواه. وحين يمارس الإنسان فاعليته على أشياء معينة، ويحدث ~~باستخدام المادة الطبيعية، أشياء لم يكن لها وجود، يتصور أن الكون كله ~~قد حدث أو خلق بعد أن لم يكن له وجود، وأنه يحتاج إلى فاعل مثلما ~~يحتاج نتاج الإنسان إلى صانع. وهكذا ترتد كل الأخطاء العقلية التي يقع ~~فيها الناس في هذا الصدد، إلى خطأ ms132 واحد أصيل، هو وصف الأشياء على مثال ~~صورة الإنسان، وتفسيرها وفقا لغايات الإنسان وأغراضه الخاصة. # ويسخر اسپينوزا من هذا الاتجاه إلى التشبيه بالإنسان في الرسالة رقم ~~54 فيقول: «في اعتقادي أن المثلث لو وهب ملكة الكلام، لقال إن الله ~~مثلث في المحل الأول، ولو وهبت الدائرة هذه الملكة لقالت إن طبيعة الله ~~دائرية قبل كل شيء، وكذلك يقول أي كائن إن الله يتصف بصفاته هو، ويجعل ~~الله شبيها به، بينما تعد كل طريقة أخرى في الوجود قبيحة في ~~نظره.» # والنظرة الصحيحة إلى العالم هي تلك النظرة التي خلت تماما من كل ~~إشارة إلى العلل الغائية؛ فالظواهر لا تحدث «لكي» تحقق غرضا ما (هو ~~دائما غرض بشري في نظر الإنسان)، والطبيعة لا تستهدف إرضاء الإنسان، ~~كما أنها في الوقت ذاته لا تتعمد إغضابه، وإنما هي تسير في مجراها ~~الضروري، الذي يستطيع كل كائن أن يفسره على هواه، ولكنه من وجهة نظر ~~العقل لا يقبل تفسيرا إلا من خلال فكرة الضرورة فحسب. «إن الطبيعة لا ~~تسلك مستهدفة غاية ما؛ إذ إن الكائن الأولي اللامتناهي، الذي نسميه ~~الله أو الطبيعة، يسلك بنفس الضرورة التي يوجد بها ... وليس لوجوده ~~ولفعله أصل ولا غاية ... وعلى ذلك فالعلة التي تسمى غائية ليست إلا ~~الرغبة البشرية بقدر ما تعد أصلا أو علة لأي شيء.» # 44 # أما تذييل الباب الأول من «الأخلاق»، الذي أشرنا إليه من قبل، فإنه ~~يتضمن صفحات تعد من أقوى وأعنف الانتقادات التي وجهت إلى فكرة العلل ~~الغائية وإلى كل محاولة لتشبيه الآلهة بالإنسان. ولا بد أن تسيطر على ~~ذهن من يقرأ هذا التذييل بإمعان فكرة لا مفر منها، هي أن كاتب هذا ~~الكلام، ولا سيما في العصر الذي عاش فيه اسپينوزا، لا يمكن أن يكون في ~~قرارة نفسه معترفا بأي إله سائد في عصره، أو بأي إله مشخص، ينظر إليه ~~على أنه قوة منفصلة عن العالم أو مسيطرة عليه (ولست أدري هل يتبقى من ~~الفكرة بعد ذلك شيء؟) ففي هذا التحليل التشريحي الصارم لأوهام ms133 الناس ~~وأخطائهم الشائعة، وهي أوهام وأخطاء لم تسلم منها، في واقع الأمر، كل ~~المذاهب الدينية والفلسفية السائدة في عصر اسپينوزا والعصور السابقة ~~عليه، يستحيل أن يكون هناك مكان لما يعلو على الطبيعة، أو ينفصل عنها ~~على أي نحو، ولا يمكن أن تكون هناك حقيقة سوى الطبيعة الشاملة أو ~~النظام الكلي للأشياء. ويكفي هذا التذييل وحده لإقناع الذهن بأن كل ~~تفسير لاسپينوزا من خلال أي مفهوم لاهوتي تقليدي، لا بد أن يتنافر ~~تنافرا شديدا مع الروح التحليلية الصارمة التي تسود هذا ~~التذييل. # ونستطيع أن نقول إن اسپينوزا حين انتقد النظرة التشبيهية إلى فكرة ~~الله، لم يكن ينتقد فقط أولئك الذين يصورون الآلهة بصورة إنسانية ~~مباشرة، ويجعلون لها جسما ويدين، ويتخيلونها غاضبة غيورة منتقمة. ~~فمعنى التشبيه الذي يحمل عليه يتسع إلى أبعد من ذلك بكثير، ويمتد إلى ~~ميادين عديدة ينزلق فيها الذهن إلى فكرة التشبيه دون أن يشعر. وكما ~~قلنا من قبل، فنسبة أية قيمة بشرية، كالخير، إلى فكرة الله، فيها ~~تشبيه بالإنسان وغائية ينبغي ألا تسري على نظام الكون في مجموعه؛ لأن ~~الكون لم يصنع من أجل الإنسان، ولا من أجل أي كائن، ولا في سبيل أية ~~غاية من تلك الغايات التي نضعها، نحن البشر، لحياتنا، وبنفس هذا المنطق ~~يمكن القول إن أي نوع من التفاهم أو الاتصال أو التقارب بين المبدأ ~~الإلهي وبين الإنسان فيه تشبيه. وهكذا يحتم تفكير اسپينوزا على المرء، ~~إذا شاء أن يكون متسقا مع نفسه، أن يصف كل ما يتصل بالمجال الإلهي ~~بأنه لا شأن له بالإنسان (لا بمعنى أنه مضاد للإنسان، أو يتعمد عدم ~~الاكتراث به، وإنما بمعنى أن الضرورة السائدة فيه لا تستهدف إرضاء ~~الإنسان ولا إغضابه، بل تسير في طريقها الحتمي فحسب)، فمجال القوانين ~~الإلهية لا صلة لها بغاياتنا، بل إن أمانينا وقيمنا تنحصر في عالمنا ~~الجزئي الخاص، ولا يكون لها معنى إلا في داخله، ولا تعني شيئا إلا في ~~ذلك المجال، «فالتعقل، والإرادة، إذا كانت تؤلف الماهية الإلهية، ينبغي ~~أن تكون بعيدة ms134 عن التعقل والإرادة لدى البشر بعد القطب عن القطب، بل ~~لا يكون بين الاثنين من عنصر مشترك، في الواقع، إلا الاسم، ولا يكون ~~بين الاثنين من مطابقة إلا ما يوجد بين مجرة «الكلب» السماوية وبين ~~الكلب الذي هو حيوان ينبح.» # 45 # ولست أدري بأي معنى يمكن أن تفهم فكرة الألوهية في هذا السياق، غير ~~معنى النظام الكلي للأشياء أو الطبيعة في مجموعها. وليحاول أي شخص أن ~~يتخيل ماذا يتبقى من المفهوم التقليدي لهذه الفكرة بعد حذف كل هذه ~~الأوصاف، وليذكر بعد ذلك أن اسپينوزا طالما وضع كلمتي الله والطبيعة ~~على أنهما تشيران إلى حقيقة واحدة، ثم ليتساءل: أليس هذا واضح الدلالة ~~على أن لفظ # Deus # كان عنده لفظا ~~زائدا؛ أي مجرد لفظ كلامي صوتي؟ ألم تكن كل المعاني التي تعزى إلى هذا ~~اللفظ عادة غائبة تماما عن ذهنه؟ ألا تنطبق أوصافه كلها، بكل اتساق، ~~على مفهوم الطبيعة أو مجموع الكون؟ وما قيمة ترديد الاسم على الدوام، ~~إذا كانت الحقيقة التي يدل عليها هذا الاسم هي حقيقة لا يعني المنظور ~~البشري بكل ما فيه أي شيء بالنسبة إليها؟ إن كل ما كان يعنيه البشر ~~عندما تصوروا لأنفسهم آلهة منذ أقدم العصور، هو أن يجدوا في الكون قوة ~~تفهمهم وتتصل بهم على نحو، وتقدر أمانيهم على الأقل، إن لم تكن تحققها ~~بالفعل، فإذا نفى مفكر هذا الاتصال، وانتقد بشدة أي تشبيه للآلهة ~~بالإنسان، فماذا يكون قد تبقى لدى هذا المفكر من الأوصاف التي ظل البشر ~~يعزونها دائما إلى الآلهة، بل ماذا يكون «المبرر» للقول بإله عندئذ؟ ~~ألا تكون الفكرة، بأوصافها هذه، منطبقة على الطبيعة ~~وحدها فحسب؟ ~~(3) دلالة إخفاق براهين وجود الله عند اسپينوزا # لم يستخدم اسپينوزا، في محاولاته لإيجاد براهين عقلية على وجود الله، برهان العلية ~~في صورته المألوفة؛ إذ إن هذا البرهان يفترض الرجوع في سلسلة العلل حتى يستنفد العالم ~~كله، وبعد ذلك يؤدي بنا ميلنا الطبيعي إلى البحث عن علة لكل شيء، إلى افتراض وجود كائن ~~آخر تقف به هذه ms135 السلسلة عند حد، ولا بد أن يكون هذا الكائن، عندئذ، عاليا على العالم ~~يمارس عليته دون أن يكون هو ذاته منتميا إليه على أي نحو. # ويبدو أن اسپينوزا قد طبق مبدأ الاقتصاد في الفكر على مسألة العلية الكونية هذه، ~~فأدى به ذلك التطبيق إلى الوقوف، في سلسلة التعليلات، عند العالم في مجموعه؛ ذلك لأن ~~افتراض كائن آخر «بعد» العالم للتخلص من مشكلة العلية داخل هذا العالم، سيؤدي حتما ~~إلى ظهور نفس المشكلات التي حاولنا، بافتراضنا له، أن نتخلص منها؛ إذ إننا لو كنا لا ~~نستطيع الكف عن ترديد السؤال: ما سبب كذا؟ فسيكون من المحتم علينا أن نظل نوجه هذا ~~السؤال في صدد أي كائن نفترضه، سواء أكان داخلا في نطاق العالم أم عاليا عليه. ومع ~~ذلك فالذي يحدث هو أننا نقنع أنفسنا بضرورة الوقوف في سلسلة العلل عند حد معين. وهكذا ~~نفترض كائنا عاليا على العالم يكون وسيلة لإيقاف هذه السلسلة عند حد، ولكن إذا كان ~~من المحتم أن نقف عند حد، وإذا لم يكن أمامنا مفر من أن نكبت، عند نقطة معينة، رغبتنا ~~الطبيعية في البحث عن سبب لكل شيء، فلم لا تكون هذه النقطة التي نتوقف عندها هي الكون ~~في مجموعه؟ إن مبدأ الاقتصاد في الفكر يوفر علينا - طالما أن مشكلة التوقف فجأة في ~~سلسلة العلل ستظهر على أي حال - أن نفترض أي كيان خارج عن الطبيعة لنحل به مشكلة ~~العلية فيها، ويقنعنا بالتوقف عند حد الطبيعة ذاتها. وهكذا يتناول اسپينوزا جميع ~~الأوصاف التي كانت تعزى عادة إلى العلة فوق الطبيعية، وينسبها إلى آخر حلقة سابقة ~~عليها سلسلة التعليلات؛ أعني آخر حلقة يمكن أن يتصورها العقل بوضوح دون أن يكون مرتكزا ~~على فروض غيبية. وكانت مهمة اسپينوزا - كما حددها لنفسه - هي أن يثبت أن ما ينطبق على ~~هذه العلة فوق الطبيعية يمكن أن ينطبق أيضا على العالم أو الطبيعة في مجموعها، وأننا ~~لا نخسر في هذه الحالة الثانية شيئا، بل إن الأوصاف التقليدية كلها يمكن أن تنطبق ms136 على ~~مجموع الطبيعة باتساق يختفي فيه ذلك التناقض الذي تتسم به كلما نسبت إلى حقيقة تتجاوز ~~الطبيعة. # على هذا النحو يبدو أن اسپينوزا قد فكر عندما استبعد كل حجة تتعلق بالعلية فوق ~~الطبيعية. وكان النوع الوحيد الذي تصوره من العلية هو العلية الكامنة في ~~الطبيعة؛ أعني علية النظام الكلي للأشياء، الذي لا بد أن يكون أساسا لكل ما يحدث ~~داخله من الظواهر، بل وأساسا لذاته بمعنى ما. # وهكذا ظهرت لدى اسپينوزا فكرة ما هو «علة ~~ذاته # Causa sui ~~»، وهي فكرة كنت بلا شك تحتل موقعا أساسيا في فلسفته؛ لأن أول ~~تعريف في كتاب «الأخلاق» يتعلق بها، ومن المؤكد أن أهميتها لا ترجع إلى كونها فكرة ~~مستمدة من المصطلح الفلسفي في العصور الوسطى، وغنما هي ترجع إلى استخدام اسپينوزا الخاص ~~لها، الذي نقلها فيه إلى مجال جديد تماما، وجعلها وسيلة لإثبات اكتفاء الطبيعة ~~بذاتها. # في هذا التعريف الأول من كتاب «الأخلاق» ~~يقول اسپينوزا: إن علة ذاته هو «ما تنطوي فيه الماهية على الوجود، أو ما لا تتصور ~~طبيعته إلا موجودة.» وقد علق «هيجل» على هذا التعريف بقوله: «إن «علة ذاته» تعبير جدير ~~بالانتباه؛ إذ إننا بينما نخيل لأنفسنا عادة أن المعلول يقف مقابل العلة، فإن علة ~~ذاته هو العلة التي تؤثر في «آخر» وتنفصل عنه، ولكنها في الوقت ذاته لا تنتج إلا ~~ذاتها، وتمحو هذا التمييز بالتالي في ذلك الإنتاج. فوضعها لذاتها على أنها «آخر» هو ~~عدم أو تدهور، وهو في الوقت ذاته نفي هذا العدم؛ فهذه الفكرة نظرية بحت # speculative # وهي في الواقع فكرة أساسية في كل نظر فلسفي.» # 46 # ومن الواضح أن هيجل قد أخذ هذه الفكرة على علاتها، ولم يحاول أن يبحث لها ~~عن دلالة غير دلالتها الظاهرة، ولم يسأل نفسها إن كان المقصود من هذه الفكرة هو أن ~~تنطبق على كائن فوق الطبيعة أم هو أن يبدأ تفلسفه بتأكيد اكتفاء الطبيعة في مجموعها ~~بذاتها. # ومن المعترف به أن هذه الفكرة، إذا ما نظر إليها حرفيا، تتعرض لانتقادات ms137 كثيرة. ~~وقد أشار «أوبرڨك» إلى بعض هذه الانتقادات فقال: إن الشيء لكي يكون علة ذاته، ينبغي أن ~~يوجد قبل ذاته، وإلا لما استطاع أن يكون علة لشيء، فإذا كان اسپينوزا قد عرف ما هو ~~علة ذاته بأنه ما تنطوي ماهيته على وجوده، فينبغي أن يرد على ذلك بأن الماهية لا ~~يمكنها أن تسبب الوجود ما لم تكن موجودة بالفعل من قبل، بحيث يكون ما يتعين إحداثه ~~بالعلية موجودا قبل أن تحدثه العلية. وبعبارة أخرى: فاسپينوزا هنا يضفي كيانا ~~موضوعيا على تمييز لا يتصور إلا بالتجريد، بين الماهية والوجود. أما الشطر الثاني من ~~التعريف، وهو «ما لا تتصور طبيعته إلا موجودة»، فإنه ينطوي على جميع أخطاء الحجة ~~الأنتولوجية، التي وقع فيها من قبل أنسلم وديكارت؛ فكل حجة تستند إلى تعريف تقتضي ~~مقدما إثبات وجود المعرف. وهذه مصادرة منطقية تجاهلها اسپينوزا والباقون. وهكذا يكون ~~المعنى الوحيد الذي يمكن تصوره، في نظر المؤلف، لما هو علة ذاته، هو معنى ~~«اللامعلول # causeless ~~». # 47 # وإذا كان النقد السابق يرتكز على الفهم المألوف لفكرة «العلية» وهو الفهم الذي يفترض ~~مقدما فكرة التعاقب الزمني بين العلة والمعلول، فإن «هاليت» يسخر من كل محاولة لانتقاد ~~فكرة «علة ذاته» من خلال هذا المعنى المألوف للعلية، ويؤكد أن المقصود أساسا بالعلية ~~هنا ليس كون العلة «لديها» القوة، بل كونها «هي ذاتها» القوة، وإذا كانت هذه القوة ~~مطلقة فإن فعلها (أو معلولها) يكون موجودا بذاته معها؛ فالحقيقة الأولى # primordial real # هي إذن الثنائية في وحدة العلة ~~أو القوة والمعلول أو الفعل. # 48 # وسواء أكان هذا التفسير أو ذاك هو الصحيح، فإن المسألة الأهم هي أن كليهما يشير - ~~بطريق مباشر أو غير مباشر - إلى ضرورة الابتعاد عن الفهم الحرفي للفكرة إذا أردنا من ~~هذه الفكرة أن تكون مثمرة؛ فالقول: إن المعنى الوحيد المعقول لفكرة «علة ذاته» هو ~~أنها «اللامعلول»؛ يعني أن فكرة اسپينوزا تخفق إذا فهمت من خلال المصطلح والتفكير ~~المدرسي، وكذلك الحال في تفسير الفكرة من خلال وحدة القوة والفعل في ms138 الحقيقة الواحدة، ~~ولا يجد المرء عندئذ مفرا من القول إن استخدام الاصطلاح المدرسي التقليدي كان مصطنعا؛ ~~فالمأزق لذي تنتهي إليه الحجج والتعبيرات المدرسية يؤدي إلى البحث عن تفسير مقنع من ~~وراء الثوب اللفظي الذي تسري عليه كل هذه الانتقادات. وفي هذه الحالة لا يكون أمامنا ~~مفر من أن نفسر فكرة «علة ذاته» عند اسپينوزا على هذا النحو: إذا كان هناك شيء هو علة ~~ذاته؛ أي لم ينتج عن علة خارج ذاته، فهذا الشيء هو مجموع الطبيعة، الذي لا يمكن تصوره ~~إلا موجودا، وفي الطبيعة تكون العلية داخلية بحق؛ فهذا المجموع الكلي للأشياء ينطوي ~~في ذاته على كل ما يمكن أن يطرأ على الأشياء من تغيرات، وفي قوانينه الأزلية توجد ~~بالقوة بذور كل تغير أو حادث ممكن في العالم وهو ذاته قديم لا يمكن أن يكون من صنع ~~حقيقة خارجة عنه. # ومن الطبيعي أن يوجه إلى هذا التفسير السؤال الآتي: ولماذا لا يمكن تصور مجموع ~~الطبيعة إلا موجودا؟ أليست هناك مشكلة فلسفية كاملة اسمها مشكلة إثبات وجود العالم؟ ~~والرد على هذا السؤال هو أن هذه المشكلة، التي كانت قائمة لدى الكثيرين من الفلاسفة، ~~ولا سيما المثاليين منهم، لم تكن من المشاكل المعترف بها أصلا في فلسفة اسپينوزا، ~~فوجود العالم عنده لم يكن موضوع تساؤل، وكتاباته كلها لا تتضمن حرفا واحدا ينم عن ~~الشك في أن هذا العالم قد لا يكون موجودا، أو يهيب بحقائق أخرى (كحقيقة «الصدق الإلهي» ~~عند ديكارت) ليستمد منها الثقة بوجود العالم، فإذا كان تأكيد وجود العالم هو نقطة ~~البداية الأولى للتفلسف، كما أوضحها اسپينوزا في السطر الأول من كتاب «الأخلاق» فإن ~~اسپينوزا يمكن أن يعد «توكيديا» أو «دجماطيقيا» بحق في هذا الميدان. ومع ذلك فإن ~~فلسفته ربما كانت أقوى محاولة جادة بذلت لإثبات أن «التوكيدية» في هذا الميدان أسلم ~~وأقرب إلى الفهم العلمي الدقيق لطبيعة الكون من الاتجاهات النقدية المؤدية إلى الشك أو ~~اللاأدرية أو الإنكار المطلق لحقيقة العالم، وفي اعتقادي أن اسپينوزا سوف يفهم فهما ~~أفضل، ms139 ويقدر أكثر مما قدر حتى الآن، في اليوم الذي تكف فيه الفلسفة ذاتها عن ~~التساؤل الممل، والعقيم، عما إذا كان العالم موجودا أو غير موجود، وتعد فيه هذا الوجود ~~- كما فعل اسپينوزا - نقطة بداية واضحة بذاتها، لا مشكلة تضيع طاقة الفكر في محاولة ~~إيجاد «الحلول» لها. ~~••• # وتختلف قيمة البراهين المفصلة التي ساقها اسپينوزا لإثبات وجود الله تبعا للتفسير ~~العام لتفكيره؛ فإذا فهمت كتاباته بمعانيها الحرفية وضمنها كتاباته الكثيرة التي يرد ~~فيها لفظ «الله»، كان من الضروري عندئذ أخذ هذه البراهين مأخذ الجد، ومحاسبته عليها ~~حسابا دقيقا، سواء من حيث الخطأ وعدم الاتساق. أما إذا نظر إلى هذه الكتابات - كما ~~فعلنا في هذا البحث - على أنها تنطوي على معان لا تكشف عنها لغته المدرسية اللاهوتية ~~مباشرة، وإنما تستمد بعد مقارنة لمختلف أفكاره ومواقفه الرئيسية من فلسفة عصره ~~وحضارته، فعندئذ تفقد هذه البراهين قيمتها إلى حد بعيد، وتغدو مجرد تكملة شكلية ~~لبناء لفظي لم يكن صاحبه يعول عليه كثيرا، وفي هذه الحالة الأخيرة لا يكون المرء ~~مضطرا إلى محاسبته على أخطائه أو عدم اتساقه عند عرضه لهذه البراهين، بل إن هذه ~~الأخطاء تعد في واقع الأمر أدلة أخرى غير مباشرة على أن هذه البراهين لم تكن موضوعا ~~لاهتمامه الكامل؛ لأنها هي ذاتها كانت تتعلق بفكرة لها عنده قيمة لفظية فحسب. # وعلى أساس فهمنا الخاص لفلسفة اسپينوزا ومنهجه، لن نتناول من هذه البراهين إلا جانبها ~~السلبي؛ أعني دلالة إخفاقها على ضآلة أهميتها في نظر اسپينوزا؛ ففي البرهان الثاني الذي ~~يقدمه اسپينوزا في النظرية من الباب الأول للأخلاق، يقول: «إن الشيء الذي لا يوجد سبب ~~أو علة تمنع من وجوده، لا بد أن يوجد بالضرورة.» وهذه حجة باطلة؛ إذ لا شيء يمنع من ~~وجود «السمك الماسي» مثلا، ومع ذلك فهو غير موجود، ولو فرض أنه اكتشف يوما، فلن ~~يقول أحد: إن وجوده ضروري، وأن مجرد عدم وجود ما يمنع من وجوده يجعل ذلك الوجود ~~ضروريا. وفي هذا البرهان، وكذلك في البرهان التالي مباشرة المبني ms140 على أساس أن «عدم ~~القدرة على الوجود عجز»، وبالتالي أن الله بوصفه كاملا، لا بد أن يكون موجودا - ~~خلط بين مجال الوجود ومجال الوجوب، وهو خلط كانت فلسفة اسپينوزا بأسرها محاولة كبرى ~~لتخليص الأذهان منه، لا سيما وهو الذي عرف كمال الشيء (أو قيمته) بأنه مجرد ~~واقعيته. # وهذه نقطة جديرة بالانتباه حقا؛ فمن الاعتراضات المعروفة والمسلم بها على كل من ~~استخدموا الحجة الأنتولوجية في البرهنة على وجود الله، أنهم يخلطون بين مجال الواقع أو ~~الوجود ومجال القيم أو الوجوب. إنهم يتصورون أن مجرد وجود فكرة في الذهن تتصف بجميع ~~صفات الكمال، وكون الوجود الحقيقي كمالا بدوره، يعني أن هذه الفكرة لا بد أن تتصف ~~أيضا - ضمن كمالاتها - بالوجود الحقيقي. فأقل ما يقال عنهم هو أنهم يفترضون وجود كمال ~~دوني شامل، أو يصبغون المبدأ الأول للكون بصفات الكمال المطلق - نفس ذلك الكمال الذي ~~نفهمه، نحن البشر، ولكن على أقصى نطاق يمكن تصوره، فكيف نوفق بين استخدام اسپينوزا ~~لهذه الحجة، وبين تأكيده أنه لا كمال للشيء إلا واقعيته، وأن الكون في شموله لا يتصف ~~إلا بالضرورة، وأنه يستبعد تماما كل وصف من أوصافنا التقويمية؟ من المؤكد أن هذا ~~البرهان لو أخذ، في فلسفة اسپينوزا، مأخذ الجد، فإنه يهدم فلسفته كلها من أساسها؛ إذ ~~لا يعود هناك مبرر، عندئذ، للحملة على الغائية، أو على التشبيه بالإنسان، أو لتأكيد ~~فكرة الضرورة. وهكذا يكون على المرء عندئذ إما أن يؤكد وجود تناقض أساسي في فلسفة ~~اسپينوزا، أو أن يحاول تفسير التجاء اسپينوزا إلى البرهان الأنتولوجي على أنه جزء من ~~بنائه الفلسفي الشكلي فحسب، وليس جزءا من المعاني الحقيقية التي تتضمنها ~~فلسفته. # أما إذا نظر إلى البرهان الأنتولوجي على أنه ليس، عند اسپينوزا، برهانا متعلقا بفكرة ~~الله، وإنما يتعلق بالنظام الكلي للأشياء، أو الطبيعة، فعندئذ يختفي قدر كبير من ~~التناقض أو عدم الاتساق الظاهر فيه، مثال ذلك أن «سيڨك» يعترض على اسپينوزا لعدم ~~التجائه إلى الطرق التقليدية في إثبات وجود العالم: كفكرة العلية أو المحرك الأول ms141 أو ~~وجود النظام في الكون، وينتقد التجاءه إلى إثبات وجود الله من تصور الله ذاته، أو من ~~تحليل معنى الفكرة، قائلا إن فكرة وجود الله ليست واضحة بذاتها، بدليل عدم إدراك ~~الكثيرين لها على التو. # 49 # مثل هذا الاعتراض صحيح طالما أعتقد أن البرهان يتعلق فعلا بوجود الله. أما ~~إذا حل لفظ «الطبيعة» محل «الله» في هذه الحالة، فإن دلالة البرهان تختلف تماما؛ إذ ~~يغدو البرهان ذاته مجرد إشارة إلى أن وجود الطبيعة ظاهر من مجرد التفكير فيها، أو أنه ~~على الأصح ليس في حاجة إلى دليل. وهكذا فعندما يقول اسپينوزا: إن ماهية الله تتضمن ~~وجوده، يعني أن الحقيقة الأساسية، وهي الطبيعة في مجموعها، موجودة بذاتها، وأن مجرد ~~القول بها يستتبع أن تكون موجودة، وهو تعبير آخر عن استبعاده - الذي أشرنا إليه من قبل ~~- لمشكلة إثبات وجود العالم. # ولو تأملنا التفسير الذي انتهى إليه ~~«چويكم» - وهو من أدق شراح كتاب «الأخلاق» - لبراهين اسپينوزا على وجود الله لوجدنا ~~أنه يؤيد هذا الرأي إلى حد بعيد. فهذه البراهين في رأيه تتلخص في فكرة واحدة هي: «إذا ~~سلمت بأن أي شيء موجود فعلا # is actual ~~. فلا بد أن ~~تسلم بأن الله موجود فعلا بالضرورة.» وهو يعقب على هذا الشرح بقوله: «إن صحة هذا ~~الاستدلال تتوقف على ما يعنيه اسپينوزا بفكرة الله؛ فقيمته تتوقف على ما تعنيه عبارة ~~الوجود الضروري لله.» # 50 # ثم يزيد عبرته هذه إيضاحا فيقول: «والسبب في صحة برهانه على الوجود ~~الضروري لله هو أن الإله عنده ... هو الواقع الوحيد الشامل؛ فالتجربة من حيث هي كل ~~ينبغي أن تكون موجودة؛ لأنها كل؛ أي لأنها في جميع أوجهها ذات نسيج واحد، ولأن كل جزء ~~منها ينطوي، بالتالي، على النسيج بأسره: وعلى ذلك فإذا لم يكن للكل وجود، ووجود ضروري، ~~فلن يعود من الممكن، بأي معنى من المعاني، أن يوجد شيء أو يتصور.» # 51 # ومن نتائج هذا الشرح أن براهين اسپينوزا على وجود الله لا تعود صحيحة إذا ~~طبقت على الفكرة التقليدية عن ms142 الله، أو على أية حقيقة فيما عدا «الواقع الكلي» أو ~~«مجموع التجربة». وهكذا فإن صحة الحجة الأنتولوجية تتوقف في رأيه، على «الطبيعة الفريدة ~~لفكرة الله عنده، فإذا طبقت الحجة الأنتولوجية على أي شيء ما عدا النسق الكامل ~~والفريد للتجربة، فإن نقد كانت لها يقضي عليها حتما ... أما حين نفسر لفظ «الله» على ~~أنه يعني مجموع الواقع # Reality ~~... فعندئذ لا يكون في ~~استطاعتك أن تمتنع عن تصور الله إلا إذا امتنعت عن التفكير أو الشك أو الشعور؛ أو ~~بالاختصار، إذا امتنعت عن الوجود.» # 52 # ورغم ما أدخله «چويكم» في تفسيره هذا من تعبيرات مثالية فسر بها اسپينوزا من خلال ~~مذاهب لم تظهر بعده إلا بزمان طويل، مثل «مجموع التجربة» أو «نسقها الكامل»، وهي ~~تعبيرات تتمشى مع اتجاه «چويكم» العام في التفكير، فإن له مع ذلك فضل التنبيه إلى ضرورة ~~الربط بين التفسير الممكن لطبيعة براهين اسپينوزا وبين المعنى الحقيقي المقصود من كلمة ~~«الله»، ثم الإشارة إلى أن التفسير المتسق الوحيد هو ذلك الذي تعني تلك الكلمة فيه ~~«مجموع الواقع»، بحيث تصبح الدلالة الحقيقية للبرهان هي أن افتراض أبسط وجود في هذا ~~العالم يحتم التسليم بوجود «الواقع» أو الطبيعة في مجموعها. # وإذن ففي البراهين التي قدمها اسپينوزا لإثبات وجود الله، تتضح مرة أخرى تلك الحقيقة ~~التي تكشفت لنا من قبل مرارا، وهي أن العبارات التي تحدث فيها اسپينوزا عن «الله» ~~تظل متناقضة تناقضا أساسيا مع نفسها ومع سائر أوجه فلسفته طالما فهمت هذه الكلمة ~~بمعناها الحرفي، ولكن هذا التناقض يزول، ويغدو كل شيء واضحا جليا، إذا استبدل بهذا ~~الفهم الحرفي فهم آخر يصبح فيه اللفظ معادلا «لمجموع الطبيعة». وهنا أيضا يمكن أن ~~يقال إن هدف اسپينوزا هو أن يثبت أن ما قاله الفلاسفة واللاهوتيون من قبل عن فكرة ~~«الله»، يمكن أن ينطبق، بمزيد من الاتساق، على فكرة المجموع الكلي للأشياء. # أما أولئك الذين يأخذون هذه البراهين، بصورتها الحرفية، مأخذ الجد، ويرهقون أنفسهم ~~في البحث عن صلات أو ارتباطات أو خلافات بينها وبين ms143 نظائرها لدى مختلف الفلاسفة ~~المدرسيين، فليس لنا عليهم إلا رد واحد، هو: تأملوا جيدا جميع أطراف فلسفة ~~اسپينوزا، ولا سيما الأوصاف التي عزاها، بطريقته الخاصة، إلى فكرة الله، وقولوا لنا بعد ~~ذلك: على أي شيء كان اسپينوزا يريد بالفعل أن يبرهن؟ إن مقارنة اسپينوزا بالفلاسفة ~~المدرسيين مهما تضمنت من شواهد على علم الشارح وسعة اطلاعه - تكشف في واقع الأمر ~~عن سذاجة في العقل لا حد لها؛ فقد كان هؤلاء المدرسيون الوسيطيون يريدون فعلا البرهنة ~~على وجود كائن عال على العالم، يتصف بالخير ويوجه العالم نحوه، بحيث يكون مسار العالم ~~ذاته غائيا ومستهدفا قيما بشرية، وتلك كلها معان رفضها اسپينوزا رفضا قاطعا ~~صريحا، فإذا جاء بعد هذا الرفض القاطع الصريح واستخدم نفس حججهم، فلا مفر للمرء ~~عندئذ من أحد أمرين: أن يقول إن اسپينوزا بلغ من التناقض حد البلاهة التي لا تليق ~~بفيلسوف، أو أن يستخلص لبراهينه الأنتولوجية دلالة مختلفة كل الاختلاف عن كل دلالاتها ~~السابقة، ترتبط بمجموع فلسفته وتتمشى مع اتجاهها العام، ومن المؤسف أن أكبر شراح ~~اسپينوزا قد وقعوا في الخطأ الأول، ولم يعبئوا حتى بأن يسألوا أنفسهم عن محتوى تلك ~~الحقيقة التي يفترض أن اسپينوزا يستخدم من أجل إثباتها هذه البراهين الموروثة عن العصور ~~الوسطى، مع أنهم لو قارنوا بين محتوى تلك الحقيقة عنده ومحتواها عند اللاهوتيين لأدركوا ~~على التو أن استخدام كل هذه الحجج التقليدية إما أن يكون منطبقا على النظام الكلي ~~للأشياء، أو لا يكون له، عدا ذلك، أي مكان في السياق العام لفلسفة اسپينوزا. ~~(4) نطاق فكرتي الله والطبيعة # كانت النتيجة الواضحة التي أدى إليها بحثنا للأوصاف التي نسبها اسپينوزا إلى فكرة ~~الله، وكذلك الأوصاف التي نفاها عنها، وتلك التي أدخلها على الفكرة مخالفا بذلك كل ~~تراث سابق - هي أن التفسير المتسق لفكرة الله عنده هو ذلك الذي يجعلها في هوية مع مجموع ~~الطبيعة أو النظام الكلي للأشياء. كذلك أدى البحث في براهين وجود الله عنده إلى نتيجة ~~مماثلة؛ فإخفاق هذه البراهين ليس، في رأينا، راجعا ms144 إلى تهاون عقلي أو تناقض منطقي في ~~تفكيره، وإنما هو راجع إلى أن الموضوع الذي كان يبرهن عليه مختلف كل الاختلاف عن ذلك ~~الموضوع الذي سعى الفلاسفة المدرسيون إلى البرهنة عليه، بحيث يكون اسپينوزا متناقضا مع ~~نفسه بالضرورة إذا فسرت كلمة «الله» عنده بمعناها الحرفي، ولكنه يكون متسقا تمام ~~الاتساق إذا ما نظر إلى هذه البراهين على أنها محاولة منه لكي يثبت - بلغة لاهوتية ~~تقليدية - أن وجود الطبيعة ضروري قديم وأن مجرد تصورها يستتبع حتما القول بوجودها، ~~وأنها هي ما لا تتصور ماهيته إلا موجودة. # والنتيجة التي ينبغي أن يخلص إليها المرء من هذا كله هي أن اسپينوزا لم يتخل عن ~~نزعته التحليلية الدقيقة في هذا المجال بدوره، وأنه حرص كل الحرص على أن يستبعد كل فكرة ~~عن كائن عال على الطبيعة أو متحكم فيها وهو منفصل عنها، أو موجه لها نحو غاية تفهم ~~على مثال غايات الإنسان؛ فكل فكرة لدينا عن مثل هذا الكائن ينبغي أن ترد إلى مجموع ~~الطبيعة ذاتها، من حيث إنها الحد النهائي الذي يفهم من خلاله كل تفكير وكل ~~وجود. # ولقد أدرك بعض شراح اسپينوزا هذا المعنى لفكرة الله عنده بوضوح، وإن يكن الكثير ~~منهم لم يستخلص - للأسف - كل متضمنات التفسير الصحيح الذي انتهوا إليه، مثال ذلك أن ~~«موريس كوهن» يقول في مقال سبقت الإشارة إليه: «إذا كان ثمة شيء يتضح من كتاب ~~«الأخلاق»، فذلك هو رفض اسپينوزا لكل نوع من التأليه المشبه بالإنسان؛ فالقول إن لله ~~أية صفات شخصية كالإرادة أو العقل البشري، وأنه يسلك من أجل غاية واعية هي تحقيق ما هو ~~خير لنا؛ هذا القول ينكره اسپينوزا مرارا بكل شدة، ومن الواضح أن اسپينوزا كان يعني من ~~لفظ «الله» ما نسميه اليوم بعالم الواقع الذي هو موضوع كل علم، ونسق الطبيعة أو ~~ترابطها الضروري.» # 53 # ويقول «هرمان دونكر»: «إن اسپينوزا لم يعترف إلا بالجوهر الشامل لكل شيء، الذي يمارس ~~فاعليته في كل شيء. أما أنه أطلق على هذا الجوهر اسم «الله» - «الله ms145 أو الجوهر أو ~~الطبيعة» - فما ذلك إلا خدعة لاهوتية، وترضية، ظاهرية للعقلية السائدة.» # 54 # أما العلماء فإنهم ولا شك يرحبون كل الترحيب بأي فهم من هذا النوع لفكرة الله. وهكذا ~~قيل عن فهم اسپينوزا لفكرة الله إنه «هو الفهم الذي يصلح للعلماء»، # 55 # واقتبس صاحب هذا القول تصريحا لأينشتين يقول فيه: «إنني أومن بإله ~~اسپينوزا.» وآخر للعالم لشتنبرج # Lichtenberg # يقول فيه ~~إن فلسفة اسپينوزا «هي عقيدة الغد». # ومع ذلك فمن الممكن أن يجد المرء لدى اسپينوزا ذاته قرائن مباشرة على أن فكرة الله لا ~~تخرج عنده عن مجال الطبيعة، وأنه حين قال «لله أو الطبيعة» لم يكن يعني حقيقتين وإنما ~~حقيقة واحدة (وهو أمر أدركه كثير من الشراح)، وأن من الواجب - بالتالي - أن يدرك ~~قارئ اسپينوزا أنه في كل موضع يتحدث فيه عن «الله»، يقصد بالفعل مجموع الطبيعة أو ~~النظام الضروري للأشياء (وهو أمر يعترف به كثير من شراحه في الموضع الخاص به من شروحهم، ~~ولكن معظمهم يغفلونه في بقية المواضع)، وسنعرض فيما يلي بعض هذه القرائن ~~المباشرة: ~~(4-1) هوية مجالي الله والطبيعة ~~(1) # في أهم القضايا التي تعبر عن فلسفة مادية خالصة في كتاب «الأخلاق»، ~~وهي القضايا من 10 إلى 20 من الباب الثاني، لا يرد ذكر للفظ «الله» في ~~نص القضايا ذاتها، ولكن اللفظ يستخدم دائما في براهين هذه القضايا. ~~وهذه القضايا تأتي مباشرة بعد القضية التاسعة، التي ورد فيها هذا اللفظ ~~لآخر مرة قبل هذه المجموعة، ونص القضية 9 هو «إن الله يكون علة لفكرة ~~شيء فردي موجود بالفعل، لا من حيث إنه لا متناه، بل بقدر ما يكون ~~متأثرا بفكرة أخرى لشيء موجود بالفعل، يكون هو علته، بقدر ما يكون ~~متأثرا بفكرة ثالثة. وهكذا إلى ما لا نهاية» في هذه القضية يقول ~~اسپينوزا صراحة: إن من الممكن التحدث عن الله على أنه «متأثر» بفكرة ~~شيء متناه - فأي إله هذا الذي «يتأثر» بفكرة شيء جزئي؟ من المؤكد أن ~~لهذه القضية دلالة مباشرة على أن المقصود هنا هو المقارنة ms146 بين ~~«الطبيعة» من حيث وجهها اللامتناهي من ناحية، وبين «الطبيعة» من حيث ~~وجهها المتناهي الذي يكون فيه للأشياء الجزئية تأثيرها؛ ففي هذا الوجه ~~المتناهي تكون الأشياء الجزئية، بالفعل، هي التي يؤثر بعضها في ~~البعض، ويكون من الممكن حذف الحد المتوسط بينها، فبدلا من أن يقول ~~اسپينوزا مباشرة إن الجسم المادي لا يتأثر إلا بجسم مادي، يقول إن الله ~~هو علة الجسم المادي عن طريق تأثره بجسم مادي آخر يكون لله علته عن ~~طريق تأثره بجسم ثالث ... إلخ. وهكذا تكون مهمة فكرة الله هنا «توسطية» ~~فحسب، ويكون من الممكن في الواقع حذفها تماما والاقتصار على تأثير ~~الأجسام، الأول والثاني والثالث، بعضها في البعض. وبعد أن أوضح ~~اسپينوزا في هذه القضية معانيه التي لا يكون فيها لفكرة الله بالفعل أي ~~دور حقيقي، ينتقل بعد ذلك إلى تفسير مادي صرف للعلاقة بين الذهن ~~والجسم، وللقوى الذهنية والجسمية، ولا يرد في هذه المجموعة من ذكر ~~لكلمة «الله» إلا في البراهين فحسب، وليس من الصعب أن يدرك المرء أن ~~«براهين» القضايا في كتاب «الأخلاق» هي أكثر الأجزاء تكلفا، وهي التي ~~يقوم عليها البناء المصطنع في المنهج الهندسي، ووظيفتها الحقيقية هي ~~تبرير قضاياه على نحو تبدو فيه ضرورية لا تترك مجالا للاعتراض، بحيث ~~لا يملك من لا تروقه القضية ذاتها - من الوجهة الأيديولوجية - إلا أنه ~~يسلم بها طالما أن البرهان عليها يتسم بالضرورة الهندسية. وهكذا يدل ~~اقتصار ظهور فكرة «الله» على البراهين في هذه القضايا المتطرفة في ~~ماديتها على أن الفكرة تقوم بنفس مهمة «التوسط» التي ضربنا لها مثلا ~~من قبل؛ وهو توسط يخفف كثيرا من تأثير توالي الأفكار المادية بعضها ~~وراء البعض، ويكون «حاجزا» يقلل من وقع هذه الأفكار. ~~(2) # في «البحث اللاهوتي السياسي» تعرف فكرة «الأوامر الإلهية» بأنها لا ~~تخرج عن كونها تعبيرا عن الضرورة الكامنة في قوانين الطبيعة # 56 # وهذا التعرف في ذاته دليل وصريح، على أن فكرة الله عند ~~اسپينوزا لا تؤدي وظيفة ما؛ إذ إن هذه القوانين الطبيعية تسير في ~~مجراها الضروري، ms147 وسواء نسبت إليها صفة أخرى هي أنها «أوامر إلهية» أم ~~اكتفيت بفكرتها هي ذاتها فحسب، فلن يتغير في الأمر شيء. # وبعد ذلك، فلنقارن بين هذا التعريف «للأوامر الإلهية» بأنها تعني ~~القوانين الضرورية للأشياء (وهو تعريف يردده اسپينوزا كثيرا في مواضع ~~مختلفة من كتبه)، وبين حديث ~~آخر عن الأوامر الإلهية ورد في ختام الباب الثاني من الأخلاق؛ فهو هنا ~~يتحدث عن بعض المزايا الأخلاقية والسلوكية لفكرته القائلة بعدم وجود ~~إرادة حرة، ويقول إن أولى هذه المزايا هي «أنها تعلمنا ألا نسلك إلا ~~وفقا للأوامر الإلهية، وأن نشارك في الطبيعة الإلهية، ونكون أقدر على ~~ذلك كلما ازداد كمال أفعالنا وازددنا فهما لله.» # هذه النتيجة الأخلاقية، المتعلقة بإطاعة الأوامر الإلهية والمشاركة ~~في الطبيعة الإلهية، قد استخلصت من مجموعة من القضايا عرض فيها ~~اسپينوزا مذهبا حتميا بحتا، هو إنكار حرية الإرادة. فإذا فهمت فكرة ~~الله هنا بمعناها الحرفي، فسوف يتعارض ذلك أولا مع تعريفه «الطبيعي» ~~السابق للأوامر الإلهية. وسوف يكون فيه ثانيا، فصم للارتباط المنطقي ~~الطبيعي بين إنكار حرية الإرادة وبين النظرة العلمية الوضعية إلى ~~الأشياء، وللارتباط العكسي بين النظرة اللاهوتية وبين الإيمان بحرية ~~الإرادة؛ وكأن اسپينوزا قد استخدم مقدمة علمية (تؤلف، في الواقع، ~~الجزء الأكبر من الباب الثاني بأسره) في استخلاص نتيجة لاهوتية فوق ~~الطبيعية! وثالثا سيكون اسپينوزا عندئذ واقعا في نفس خطأ التشبيه ~~الذي طالما حذرنا منه اسپينوزا: وهو خطأ تشبيه الآلهة بالحكام؛ إذ إنه ~~سينظر إلى الله هنا على أنه «يأمر»، ونحن «نطيع». # هذا المثل غاية في الوضوح من حيث دلالته على التناقض الساذج الذي يقع ~~فيه المفسرون الحرفيون لاسپينوزا، وعلى أن هذه الفكرة ذات المظهر ~~اللاهوتي إذا ما فسرت بمعناها الذي حدده لها اسپينوزا في موضع آخر، ~~تغدو متسقة تماما مع المجرى العام لفلسفته؛ فإطاعة الأوامر الإلهية، ~~ومعرفة الله، وفهم الله وخدمته ... إلخ، كل هذه تعبيرات عن إدراك قوانين ~~الطبيعة وفهم المجرى العام للحوادث ومسايرته ... إلخ. # ومع ذلك فإن اسپينوزا لم يصرح مباشرة، في هذا الموضع من الباب ~~الثاني من ms148 «الأخلاق»، بالمعنى الذي يقصده من لفظ «الأوامر الإلهية»، ~~ولست أشك أبدا في أن أي قارئ لا يجري المقارنة اللازمة، سيفهم هذا ~~اللفظ، وكذلك لفظ «معرفة الله» و«المشاركة في الله» و«البركة»، وغيرها ~~من الألفاظ الواردة في هذه الصفحات الأخيرة من الباب، بمعانيها الحرفية ~~ذات الارتباطات اللاهوتية، بل إن كثيرا من شراح اسپينوزا يفهمون ~~منها هذه المعاني بالفعل. # والواقع أن هذه الظاهرة، التي تتمثل بكل وضوح في هذا النص، تستحق من ~~باحثي اسپينوزا تفكيرا عميقا في دلالتها؛ ذلك لأن الجزء الأكبر ممن ~~كتبوا عن اسپينوزا يستبعدون تماما - كما ذكرنا في الفصل الخاص بالمنهج ~~- أن يكون قد كتب بلغتين: لغة ظاهرة ولغة حقيقية، أو أن يكون قد تعمد ~~«خداع» القارئ. وقد قدمنا من قبل ردا كافيا على فكرة «الخداع» هذه، ~~أما أن اسپينوزا قد كتب بلغتين، فذلك أمر يظهر في مثل هذا المثل ~~بوضوح لا يقبل جدلا؛ ففي الباب الثاني من «الأخلاق» يتخذ اسپينوزا ~~موقفا علميا صارما ينظر فيه إلى كثير من الأفكار التي سلم بها ~~معظم الفلاسفة - بل بعض العلماء - (مثل فكرة جوهرية النفس وحرية ~~الإرادة) على أنها أساطير مخرفة، وفي نفس هذا الباب يحذرنا اسپينوزا - ~~كما فعل مرارا في مواضع مختلفة - من تشبيه الله بالإنسان، وبالحكام ~~والملوك خاصة، ثم يختم الباب بملحوظة يرمي فيها إلى تأكيد مزايا رأيه ~~في إنكار حرية الإرادة، ويؤكد فكرة الضرورة بين الأشياء - ومع هذا كله ~~يتحدث عن وجود «أوامر إلهية»، وهو تعبير له ارتباطات لاهوتية قوية ~~يعرفها اسپينوزا جيدا، ويدرك حتما أنها ستؤثر في ذهن القارئ. فهل ~~ينكر أحد بعد ذلك أن اسپينوزا كان يتحدث، في هذا الموضع على الأقل، ~~بلغة مزدوجة؟ وإذا سلمنا بذلك، بالنسبة إلى هذا الموضع، فلم لا ~~نسلم به أيضا بالنسبة إلى الأجزاء الأخرى من كتاب «الأخلاق»، ولا ~~سيما النصف الثاني من الباب الأخير؟ # 57 # إنني لا أستطيع أن أفسر هذه الظاهرة إلا بأنها: # أولا: # سخرية من القارئ الساذج، الذي ستظل لكلمة «الله» ~~ومركباتها هنا ~~ارتباطاتها ~~التقليدية في ذهنه. # ثانيا: # تنبيه القارئ ms149 الفطن تنبيها واضحا؛ فهو في هذا ~~الموضع يكاد يقول: إنك تدرك طبعا أن من المستحيل أن ~~أكون قد ناقضت نفسي بهذه الشدة وبهذه السرعة. فلا بد ~~أن لي قصدا آخر، وإذا كنت قد طلبت منك، منذ قليل، ألا ~~تصور الله بصورة البشر، ثم استخدمت في هذا الموضع ~~تعبير «الأوامر الإلهية». فلا بد أنني أقصد هنا من ~~تعبيرات: الأوامر الإلهية وطاعة الله وخدمته، أمورا ~~مختلفة تماما تحل فيها التعبيرات السابقة تعبيرات ~~أخرى هي: القوانين الطبيعية وفهمها ومسايرتها والرضاء ~~بها ... إلخ؛ ولكني مضطر إلى استخدام التعبيرات الأولى ~~حتى أسكت ألسنة الناقدين، وأنا واثق من أنك ستفهم، ~~حينما تجد تناقضا صارخا كهذا، مقصدي الحقيقي على ~~التو! # ففي حالة كهذه، إذن، تظهر بكل وضوح المشكلة الحقيقية في طريقة كتابة ~~اسپينوزا، وهي أنه لم يأت في كتاباته بأفكار جديدة خارجة عن التراث ~~فحسب، بل كان حريصا كل الحرص على أن يستخدم نفس اللغة والتعبيرات ~~القديمة؛ أعني كان حريصا على أن يظهر كما لو لم يكن يخالف المعاني ~~القديمة والتراث السائد. ونستطيع أن نقول إن طريقته هذه في الكتابة، ~~إذا كانت ترمي إلى إبعاد أنظار العامة عن الاتجاه الحقيقي لتفكيره، ~~فإنها في الوقت ذاته اختبار عسير يؤدي إلى تمييز «الصبية من الرجال» من ~~بين قرائه! ~~(3) # وفي الرسالة رقم 54 يقول اسپينوزا في صدد الحديث عن اتصاف الواقع ~~بالضرورة المطلقة التي لا شأن لها بأحكامنا الخاصة: «وهكذا فإن الأشياء ~~إذا ما نظر إليها في ذاتها، أو في علاقتها بالله، لا تكون جميلة ولا ~~قبيحة.» فالتعبير المستخدم هنا يعترف فيه صراحة بأن النظر إلى ~~الأشياء في علاقتها بالله «مرادف» للنظر إلى الأشياء في ذاتها، أو ~~بعبارة أخرى: للنظر إلى الأشياء في سياقها الضروري العام وسط الظواهر ~~الطبيعية الأخرى (لا بالنسبة إلى ذهن الإنسان فحسب). وهنا اعتراف صريح ~~من اسپينوزا بأنه يستخدم لغتين، إحداهما لاهوتية والأخرى علمية. ~~(4) # وقرب نهاية تذييل الباب الأول من «الأخلاق»، يرد اسپينوزا على ~~المعترضين الذين يقولون: لو كانت كل الأشياء تتلو من الضرورة الإلهية، ~~فلم ms150 لم يخلق الله الناس بحيث لا يسترشدون إلا بحكم العقل؟ فيقول في ~~رده «إن هذا راجع إلى أن الله لم يكن يفتقر إلى المادة التي يخلق ~~منها كل الأشياء، من أرفعها كمالا إلى أحطها، أو، إذا شئت أن أتحدث ~~بمزيد من الدقة، فإن قوانين الطبيعة ذاتها كانت كثيرة إلى الحد الذي ~~يكفي لإنتاج كل ما يمكن أن يتصوره ذهن لا نهائي ...» # هذا النص الصغير، ومعه النص السابق، أوجه إليه، بكل إخلاص، أنظار أولئك الذين ~~يستنكرون - بشهامة - أن يكون اسپينوزا قد تحدث بلغتين؛ فهو هنا يذكر، في صراحة ~~تغني المرء عن بذل أي جهد ذهني لفهم معناه الحقيقي، أن لديه طريقتين للكلام: طريقة ~~يحدث بها الناس على قدر عقولهم، هي تلك التي يستخدم فيها التعبيرات اللاهوتية، ~~وطريقة أخرى يستخدم فيها «تعبير الضرورة الطبيعية»، وإذا كان اسپينوزا في النص ~~السابق قد جعل التعبيرين اللاهوتي والعلمي مترادفين، فإنه في النص الأخير يصدر ~~تأكيدا غاية في الأهمية، وهو أن التعبير لعلمي هو «الأدق»، ولعل في هذا النص ~~دليلا مباشرا كافيا على الاتجاه الحقيقي لميول اسپينوزا، في معرض المفاضلة بين ~~لغتيه، أو بين «الوجهين الصوفي والعلمي» اللذين يمكن أن تفهم بهما فلسفته، على حد ~~تعبير الشراح الآخرين الذين حيرتهم مشكلة المفاضلة بينهما. ~~(4-2) إنكار الشراح لهوية المجالين # كان من المفيد، في رأينا، أن نبدأ بتقديم هذه الأدلة القاطعة على المعنى الحقيقي ~~الذي استخدم فيه اسپينوزا جميع التعبيرات التي ترد فيها كلمة «الله»؛ فمثل هذه ~~البداية تساعد كثيرا على تبين أوجه الخطأ لدى الكتاب الذين حاولوا أن يوجدوا ~~فاصلا بين فكرتي الله والطبيعة عنده. # وهؤلاء الكتاب ينقسمون إلى فئتين؛ فئة تستبقي المعنى التقليدي لفكرة الله، وفئة ~~أخرى تعترف بأن هذا المعنى قد تغير عند اسپينوزا، ولكنها تظل تسعى إلى إيجاد فارق ~~بين فكرتي الله والطبيعة في فلسفته، وسوف نتناول الآن مثلة لهاتين الفئتين على ~~التوالي. # فكتب «سيڨك» عن اسپينوزا تحفل بأمثلة للفهم التقليدي لفكرة الله، وهو يتحدث في ~~كثير من المواضع عن الفكرة كما لو كانت ms151 تعني إلها مشخصا، # 58 # وكل ما في الأمر أن له بعض الصفات المخالفة للإله التقليدي، وهو ينتقد ~~إله اسپينوزا هذا، ولكن على أساس أنه إله مماثل لغيره، سوى أن فيه بعض الصفات التي ~~لا تتفق مع المفهوم الواجب لفكرة الله؛ فهو انتقاد داخل في إطار فكرة الألوهية كما ~~هي معروفة منذ القدم. # ولكن أوضح أمثلة الفهم المشوه لفكرة الله عند اسپينوزا، هو في رأيي تفسير ~~«بروشار # Brochard ~~» له؛ فهو يحاول أن يثبت ~~أنه لا يوجد في كتاب «الأخلاق» ما يتعارض مع فكرة الإله المشخص التقليدية، وهو ~~يعترف بوجود «صعوبات» في هذا التفسير مثلا، مثل القول بمادية الله، ولكنه يتخلص من ~~هذه الصعوبات بالقول إن غيره (كالرواقيين) قد وقعوا فيها (وهو في ذاته ليس حلا ~~للصعوبة على الإطلاق!) بل إنه ليذهب إلى حد القول إن اسپينوزا، حتى في تلك الأوصاف ~~التي لا تتمشى مع الفم التقليدي للفكرة، «لم يكن يدرك، على ما يبدو، أنه يخرج بمثل ~~هذه التعبيرات عن التراث. وهكذا يظل يتحدث عن الله وكأن للفكرة، باستثناء الأوصاف ~~المشار إليها، نفس معناها لدى الجميع.» ويخلص من ذلك إلى القول: «إن الاسپينوزية ~~مذهب توحيدي متطرف.» # 59 # وهكذا يوصف اسپينوزا في هذا البحث، على التوالي، بأنه قال بإله مشخص، ~~وبالتوحيد، وبكل المعاني التقليدية لفكرة الله (حتى رغم خروجه عنها دون أن يشعر) ~~ورأي المؤلف هذا يمثل قمة السذاجة في تفسير اسپينوزا، وتكشف كتاباته عن مدى ~~الخطأ الذي يقع فيه من يفسر اسپينوزا تفسيرا حرفيا؛ إذ ينسب إليه نفس الأفكار ~~التي كانت الغاية الوحيدة له هي نقدها، ويغفل كل ما هو عميق في معانيه، متمسكا ~~بالثوب اللغوي السطحي لأسلوبه. # وفي اعتقادي أن مجرد استخدام الشراح للفظ «الله»، دون إلحاقه دائما بالمعاني ~~الحقيقية المقصودة من ورائه، هو خطأ أساسي في طريقة عرض فلسفة اسپينوزا، وهو خطأ ~~نكاد نصادفه في كل ما ألف عنه من الكتب؛ فاسپينوزا ذاته كان يستخدم اللفظ، دون أن ~~يوضح معناه دائما؛ لأنه لم يكن يستطيع في ذلك العصر أن يعبر ms152 عن معانيه بطريقة ~~أصرح من هذه، ولكن ليس لمن يكتب عن اسپينوزا في عصرنا الحالي أي عذر في أن يظل ~~يستخدم اللفظ دون أن يلحقه بمعانيه الحقيقية، إذ إن ضرورة «الحذر» تنتفي عندئذ، ~~فضلا عن أن الفهم الحقيقي لمعاني اسپينوزا لا يستقيم أبدا طالما أن الكلمة تذكر ~~دون تعليق أو شرح. إن المشكلة ها هنا نفسية في المحل الأول؛ فلهذه الكلمة، فوق كل ~~ما عداها من ألفاظ اللغة، ارتباطات نفسية لا بد أن تطرأ على ذهن كل من يقرؤها، ~~وليس من الدقة العلمية في شيء أن يظل الشارح يردد كلمة «الله» وهو يعلم جيدا أنها ~~ستبعث حتما في ذهن قرائه معاني تقليدية لا مفر منها، وأنها ستنقله إلى مجال من ~~مجالات المعنى مختلف تماما عن ذلك الذي كان في ذهن اسپينوزا عندما أوضح أفكاره ~~التي ورد فيها هذا اللفظ. ~~••• # أما الفئة الثانية من الشراح فلا تصل إلى حد القول بالفهم التقليدي مباشرة ~~لفكرة الله، وإنما تعترف بالفوارق الواضحة بين معنى الفكرة عند اسپينوزا ومعناها ~~التقليدي، ولكنها تسعى، رغم ذلك، إلى إيجاد نوع من التمييز بين فكرتي الله ~~والطبيعة عنده. ولنضرب لهذه الفئة بعض الأمثلة: ~~(أ) # يقول «هاليت # Hallett ~~»: «إن الله من ~~وجهة نظر الأصل # genetically # سابق على ~~العالم، أما من وجهة النظر الأنتولوجية فهما يمثلان الهوية الجامعة ~~بين اللامتناهي على نحو غير متحدد، والمتحدد على نحو لا متناه، وبهذا ~~المعنى الدقيق يتحدث اسپينوزا عن «الله أو الطبيعة» - إذ إنه، رغم أن ~~الله بالمعنى الدقيق تماما هو طبيعة طابعة، فإن هوية الطبيعة الطابعة ~~مع الطبيعة المطبوعة تؤكد صحة التعبير السابق، ومع ذلك لا ينبغي بالطبع ~~أن يخلط بين الطبيعة المطبوعة وعالم المدة الزمنية المألوف في التجربة ~~العادية - أي «النظام المألوف للطبيعة»، الذي يتصف بالكثرة والتعقد ~~والانقسام - وإنما هي التركيب الأزلي للكون بأسره، الذي هو لا نهائي ~~واحد لا ينقسم، والذي لا يكون عالم المدة الزمنية إلا عدما # privation # له. وهكذا تنهار الاعتراضات ~~الشائعة على التوحيد بين الله والطبيعة؛ إذ إن عالم ms153 المدة الزمنية، بما ~~فيه من نقائص عديدة، ليس في نظر اسپينوزا إلهيا بالضرورة ...» # 60 # ورغم أن المؤلف يدافع في هذا النص عن هوية الله والطبيعة، فإنه يؤكد ~~أن هذه الهوية تقوم في ظل فهم خاص للطبيعة، تكون فيه الطبيعة المطبوعة ~~ذاتها مخالفة لعالم التجربة العادية، الذي هو في الواقع «عدم» لها؛ ~~وبذلك يستبقي المؤلف لفكرة الله نوعا من الترفع على عالم المدة ~~الزمنية هذا؛ ومع ذلك فمن المشكوك فيه إلى حد بعيد أن يكون هذا ~~العالم الأخير، في نظر اسپينوزا، متصفا بأي نوع من «النقص»، كما قال ~~المؤلف؛ إذ إن النقص أمر ينتمي إلى المنظور البشري وليس صفة تنتمي إلى ~~طبيعة الأشياء. كما أن المرء إذا وصف الطبيعة المطبوعة بالأزلية ~~والوحدة واللانهائية، فماذا يتبقى بعد ذلك للطبيعة الطابعة؟ إن المؤلف، ~~كما هو واضح، يكاد يقول هنا بثلاث حقائق متميزة: الطبيعة الطابعة، ~~والطبيعة المطبوعة (وهذه الأخيرة يمكن أن تصبح في هوية مع الأولى لأنها ~~أزلية مثلها) ثم عالم المدة ~~الزمنية أو التجربة المألوفة، وهو على مستوى أدنى من المستوى السابق، ~~ولا أظن أن نصوص اسپينوزا تؤيد المؤلف في هذا التقسيم الثلاثي؛ إذ إن ~~اسپينوزا تحدث فقط عن حقيقتين ثم أكد هويتهما، وهو لم يميز بينهما من ~~وجهة نظر «الأصل»، كما أنه لم يقل بوجود «نقص» بالمعنى المطلق، يمكن أن ~~يعزى إلى العالم بأي معنى من معانيه، وإنما أقحمت هذه الأفكار في ~~تفسير المؤلف لاسپينوزا لكي يكون فيها إرضاء إلى الميل التقليدي إلى ~~وصف عالم التجربة المألوفة بأنه «ناقص»، ومعتمد - من وجهة نظر «الأصل» ~~- على فكرة الله. ~~(ب) # وحين يعرض «ولفسون» لمشكلة، وجود أو عدم وجود انفصال بين الله ~~والعالم عند اسپينوزا، يؤكد أن نصوص اسپينوزا ذاتها لا تلقي ضوءا على ~~هذه المسألة لأن فيها ما يؤيد الانفصال وفيها ما ينكره، # 61 # ومع ذلك يستخدم ولفسون المنهج التاريخي محاولا الاهتداء ~~عن طريقه إلى حل للمشكلة، فيقول إن العلاقة بين الله وعالم الأشياء ~~كعلاقة الكل بمجموع أجزائه عند أرسطو، فهي ليست علاقة هوية ms154 تامة، بل إن ~~للكل نوعا من «الوجود التصوري»؛ وعلى ذلك تكون هناك تفرقة تصورية # Conceptual # بين الله ومجموع أحواله. # 62 # ويدرك ولفسون الاعتراض الذي سيوجه إليه حتما في هذا ~~الصدد، وهو أن الله يغدو عندئذ «كائنا عقليا # ens ratlonis ~~»، ثم يرد على هذا الاعتراض على نحو ~~غاية في التكلف والاصطناع، فيقول إن الله «كائن عقلي» بمعنى أن العقل ~~«يكتشف» وجوده الحقيقي. أما في الواقع فإن الله «كائن حقيقي # ens reale ~~». # 63 # والحق أنني قرأت مليا هذه الصفحات التي بحث فيها ولفسون مشكلة ~~إمكان أو عدم إمكان وجود تمييز بين الله والعالم؛ إذ إن هذه المشكلة ~~حاسمة في رأيي، ولكني لم أجد في هذه الصفحات - على التخصيص - ما يرضي ~~الذهن المدقق على الإطلاق، بل إن ولفسون يسوق رده على الاعتراض الذي ~~أشرنا إليه أخيرا، مستندا إلى رأيه الخاص، ولا يدعمه بأية أسانيد ~~قوية من كتابات اسپينوزا ذاتها، وكان من الواضح في نظري أن هذه ~~الصفحات، التي تناولت مشكلة أساسية في فلسفة اسپينوزا، كانت بالفعل، من ~~حيث مدى حججها ومنطقها، أضعف صفحات الكتاب كله، بحيث لا يملك القارئ ~~إلا أن يشعر بأنه تهرب هنا من المشكلة أو حاول أن يتخلص منها بسرعة، ~~وبأنه لم يصل إلى دليل معقول أو حجة مقنعة تثبت فكرة تميز الله عن ~~العالم. ~~(ج) # ويعترف «ألكييه» - في مجموعة محاضرات ألقاها في السربون عام 1959م - ~~بأن إله اسپينوزا هو الطبيعة وجوهره جوهر العالم، ويؤكد أن ذلك ليس ~~موضوع مناقشة. ثم يقول: «ومع ذلك فلا يمكن لهذا السبب أن ينظر إلى ~~تفكير اسپينوزا على أنه نوع من المذهب ~~الطبيعي # naturalisme ~~، يقضي، إن جاز هذا التعبير، على البعد ~~الديني بكل ما فيه من أمل وحب وسمو. فلست أعتقد أن هذا التفسير صحيح. ~~بل يبدو لي، على العكس من ذلك، أن هدف اسپينوزا في كل هذا هو أن يثبت ~~أنه، حتى في العالم الرياضي الذي هو عالمه، وكذلك عالم عصره والعلم ~~الجديد، يمكن، بل يجب، إنقاذ الدين، أو على الأقل كل ما ms155 هو إيجابي فيه ~~- بحيث إن إله اسپينوزا يستحق في رأيي بالفعل اسم الإله. وفيه من أوجه ~~عدة، بل من أوجه هائلة العدد، صفات الإله التقليدي، أو على أية حال، ~~إله ديكارت وإله اللاهوتيين.» # 64 # ورغم أن هذا الرأي في عمومه أوسع أفقا من كثير من الآراء الأخرى ~~لمفسري اسپينوزا، فإنه مبني على مقدمة يؤكدها الكثيرون ممن عالجوا ~~هذا الموضوع، هي في رأيي مقدمة باطلة. تلك هي المقدمة القائلة إن أي ~~مذهب طبيعي # naturalisme # لا مكان ~~فيه لصفات «الأمل والحب والسمو» وأنه لا يمكن أن يكون لهذه الصفات مجال ~~إلا في مذهب يقترب من المذاهب الدينية التقليدية - هذه المقدمة باطلة ~~تماما، وتتضمن في ذاتها قدرا كبيرا من الخلط الذي أدى إلى تلك ~~المحاولات المتباينة للتقريب بين إله اسپينوزا وإله اللاهوتيين؛ ~~فالصفات السابقة هي بالفعل من صفات «البعد الديني» - على حد تعبير ~~المؤلف - ولكنها ليست من صفاته الأساسية التي ترتبط به وحده، ومن ~~الممكن أن توجد في مذهب لا يعترف بهذا «البعد الديني» أصلا. وليس ~~صحيحا على الإطلاق أن أي مذهب يترك مجالا لهذه الصفات ينبغي أن يكون ~~دينيا بالمعنى التقليدي، كما أنه ليس صحيحا أن هذه الصفات لا تتصور ~~إلا في إطار ديني تقليدي. # والواقع أن الطرفين اللذين حتم علينا المؤلف أن نختار بينهما ليس بينهما ~~استبعاد متبادل على الإطلاق؛ فهو يتصور أن على المرء إما أن يقول بنزعة طبيعية ~~تستبعد الألوهية تماما، أو أن يجعل للأمل والحب مجالا. وهذا الرأي شائع بين من ~~كتبوا عن اسپينوزا إلى حد يدعو إلى الدهشة؛ فحتى أولئك الذين يعترفون تماما بأن ~~إلهه يعني الطبيعة، يؤكدون أنه عاد إلى الإله التقليدي، بمعنى من المعاني، حين جعل ~~في فلسفته مجالا لمشاعر كهذه، وهم في ذلك يريدون أن يجعلوا هذه المشاعر احتكارا ~~للمذاهب اللاهوتية التقليدية فحسب، وكأن من المحال أن تظهر هذه المشاعر في مذهب ~~طبيعي صارم، على أن الأمر لا يلزم أن يكون كذلك على الإطلاق؛ فمن قال إن صاحب ~~التفكير العلمي الصارم، الذي يستبعد تماما ms156 أي مبدأ فوق الطبيعة، محرم عليه أن ~~يشعر بالأمل والحب والسمو ويتغنى بهذه المشاعر؟ وإذا كان المبدأ الأقصى للتفسير، ~~عند مفكر ما، يقف عند حد الطبيعة، فما الذي يمنعه من أن يحس نحو هذه الطبيعة في ~~مجموعها بالحب والتمجيد والتبجيل؟ هل هذا محرم عليه، أو هل هناك في طبيعة الأشياء ~~ما يحول دونه؟ وهل نقول: إن مثل هذا المفكر قد تخلى عن نزعته الطبيعية، أو ~~تجاوزها ودخل في مجال «البعد الديني» ~~لمجرد كونه قد جعل لهذه المشاعر مجالا في تفكيره؟ لست أعتقد أن هذا جائز على ~~الإطلاق، وإنما أعتقد أن تصوير المشكلة على أنها اختيار لا مفر منه بين المذهب ~~الطبيعي وبين مشاعر الأمل والحب ... إلخ؛ هذا التصوير باطل تماما، وبالتالي لا ينبغي ~~أن يقال عن المفكر إنه قد تخلى عن مذهبه الطبيعي، وعاد إلى القوالب الفكرية ~~التقليدية، لمجرد كونه قد جعل لمثل هذه المشاعر مكانا في فلسفته. ~~(5) فكرة الأزلية والحب الإلهي ~~(5-1) مشكلة «تناقض» اسپينوزا # يؤدي بنا الموضوع الذي عالجناه في القسم السابق إلى بحث مشكلة الجزء الأخير من ~~كتاب «الأخلاق»، الذي أكد فيه اسپينوزا فكرتي الأزلية والحب الإلهي إلى حد جعل ~~معظم مفسريه يقولون - قياسا على طريقة التفكير التي عرضت في القسم السابق - إن ~~اسپينوزا، الذي كان فيلسوفا ذا نزعات مادية واضحة في بقية الكتاب، قد تناقض مع ~~نفسه في النصف الثاني من الباب الأخير من «الأخلاق» تناقضا أساسيا. ومهمتنا في ~~هذا الجزء هي أن نحلل طبيعة هذا «التناقض» المزعوم، ونبحث فيما إذا كان التفسير ~~الوحيد الممكن لهذا الجزء الأخير من كتابه هو التفسير المؤدي إلى القول بتناقض ~~الفيلسوف، أم أن من الممكن إيجاد تفسير لا يكون فيه لهذا التناقض مجال. # هذا القول بوجود تناقض بين الجزء الأخير من «الأخلاق » وبين بقية أجزاء الكتاب ~~يمثل، في رأينا، أوضح دليل على إخفاق التفسير الحرفي لفكرة «الله» عند اسپينوزا، ~~بل هو قمة هذا الإخفاق؛ فالقول بالتناقض هنا إنما هو إعلان صريح عن عجز هذه ~~التفسيرات الحرفية، وهو عجز يتمثل أوضح ms157 ما يكون في صدد تلك القضايا لشائكة التي ختم ~~بها اسپينوزا كتاب الأخلاق. وهكذا يكون علينا أن نختار بين أحد أمرين: إما أن نخرج ~~بفكرة الله عند اسپينوزا عن معانيها الحرفية نهائيا، أو أن نعترف بقصور التفسير ~~وإخفاقه، كما يتمثل في القول بوجود «تناقض» أساسي لدى اسپينوزا. # ولكي ندرك مدى انتشار الاعتراف بوجود هذا «التناقض» (وهو، بالأحرى، اعتراف من ~~المفسرين «بالهزيمة») يكفي أن يطلع المرء على القائمة المطولة التي سنوردها ~~الآن (وهي ليست كاملة على الإطلاق) لآراء القائلين بتناقض اسپينوزا في الجزء الأخير ~~(وأرجو المعذرة من القارئ إذا أطنبت هنا في الإشارة إلى آراء الآخرين؛ إذ إن كشف ~~أخطاء التفسيرات الأخرى لا يقل فائدة في فهم فلسفة اسپينوزا عن التحليل المباشر ~~لعناصر تلك الفلسفة): ~~(1) # يرى «أويكن # R. Eucken ~~» أن كتاب ~~«الأخلاق» يسير على نهج المذهب ~~الطبيعي # Naturalismus ~~، بل المادي، طوال الوقت، إلا في النهاية، حين ~~يصل إلى مرحلة تأكيد عظمة الإنسان وتحرره؛ فهنا تعود الروحية إلى ~~الظهور. وهكذا يخفق اسپينوزا تبعا لهذا الرأي، في تأكيد الواحدية # Monismus ~~، وتعود ثنائية المادية ~~والروحية إلى الظهور بوضوح. # 65 # ومعنى ذلك أن كتاب «الأخلاق» ينطوي على تناقض داخلي شديد ~~بين نهايته وبين الاتجاه الغالب عليه في جميع أجزائه الأخرى. ~~(2) # ويؤكد «هفدنج» أن فكرة حب الله لذاته حبا لا نهائيا تنطوي على ~~إعلاء لصفات نفسية على نفس النحو الذي عابه اسپينوزا على غيره. # 66 # وهو يفسر فكرة الحب الإلهي تفسيرا صوفيا، ويرى في هذا ~~التصوف تعارضا مع أفكاره النفسية ذات الطابع العلمي الدقيق. # 67 ~~(3) # ويشير «بروشار» أيضا إلى وجود تعارض أساسي بين الجزء الأخير من ~~كتاب «الأخلاق» وبين بقية كتابات اسپينوزا. وفي رأيه أن هذا الجزء ~~الأخير قد يكون هو الجزء الأساسي في الكتاب، بحيث إن اسپينوزا - في ~~رأيه - يعد القارئ لنتائج غير متوقعة في النهاية. «فالكتاب يبدأ بمذهب ~~جديد تماما، وينتهي بنظر مستمدة من الفلسفة القديمة.» ولو نظرنا إلى ~~الاسپينوزية في هذا الضوء، لوجدناها تبدو أشبه ببناء عتيق جدا أضيف ~~إليه مدخل حديث جدا، ms158 # 68 # ولست أدري ما هي الحكمة في تمهيد اسپينوزا ذهن القارئ ~~لنتائج غير متوقعة، ولماذا لم يجعل هذه النتائج متوقعة؟ أكان ذلك مجرد ~~حرص منه على استفزاز الآخرين وإثارة مشاعرهم بوضع مقدمات مخالفة ~~لمبادئهم الأساسية، من أجل الانتهاء إلى نتائج يسلمون جميعا بها؟ ~~أليس جديرا بشارع اسپينوزا أن يجرب - على الأقل - تفسير هذه النتائج ~~في ضوء مقدماتها، بدلا من أن يفترض، على أساس شكلها اللفظي، أنها ~~مناقضة لهذه المقدمات؟ ~~(4) # ويرى «داربون» # Darbon # أن فكرة الحب ~~الإلهي للبشر، كما تعرض في الصفحات الأخيرة من كتاب «الأخلاق»، تتعارض ~~مع بقية محتويات الكتاب المتعلقة بطبيعة الله. وهو يستبعد على التو ~~أن يكون اسپينوزا قد تعمد حشر هذه الفكرة الخارجة عن سياق فلسفته ~~العامة لكي ييسر نشر الكتاب أو ليسكت ألسنة النقاد، وإنما يرى أن ~~اسپينوزا قد بدأ كتابه بالحديث عن إله لا يريد ولا ينفعل ولا يشعر ~~بعاطفة؛ إله فلسفي لا يرضي شعور الإنسان الديني على الإطلاق، ولكنه ~~تدارك نفسه في الصفحات الأخيرة من الكتاب، «ويبدو في هذه اللحظة ~~الأخيرة أن اسپينوزا يأسف لأنه لم يستطع، في هذه النقطة الأساسية، أن ~~يرضي الشعور الديني، وشعوره الديني الخاص بالتأكيد. وهكذا يحاول في ~~النهاية أن يحول الله إلى الحب ولكن المحاولة تأتي متأخرة، ويتعارض ~~معها ... كيان المذهب كله.» # 69 ~~(5) # ويؤكد «ريڨو # Rivaud ~~» غموض نصوص ~~اسپينوزا في الجزء الأخير من كتاب «الأخلاق»، ويتحدث، في هذا الصدد، عن ~~وجود تيارين مختلفين لدى اسپينوزا: ~~تيار متحرر تأثر فيه إلى حد ~~ما بالفكر اليهودي في العصور الوسطى، وبالفكر الإسلامي من خلاله، وهو ~~تيار يؤدي به إلى واقعية دقيقة، وتيار آخر صوفي مضاد، يؤدي به إلى فكرة ~~الحب الإلهي. # 70 ~~(6) # وتنتقد «روت سو # Ruth L. Saw ~~» ~~اسپينوزا لأنه يتحدث في أول كتاب الأخلاق عن الله بوصفه مساويا ~~للجوهر، ويتحدث في آخره عن الله بلغة أخرى تختلف عن لغة «الله = ~~الجوهر» هذه. وهي ترى أن خلطه هذا بين مستويين مختلفين للغة يوقعه فيما ~~لا يكف عن تحذيرنا منه، # 71 # ومع ذلك ms159 فهي تعود إلى الدفاع عن هذا الجمع بين اللغتين، ~~مؤكدة خلال ذلك أن الله عند اسپينوزا كان إلها «مشخصا»، وأن ~~اسپينوزا قد جمع بين هاتين اللغتين لكي يوفق بين نزعاته العلمية ~~وعقيدته اليهودية الموروثة، فتقول: «لقد استحدث اسپينوزا الصفات التي ~~ينبغي أن يملكها الإله ليكون ذا فعالية في العالم المادي، ولكن كان في ~~ذهنه الشخص الذي يلائمه هذا الوصف؛ إذ ينتهي الأمر بالجوهر اللامتناهي ~~إلى أن يكون شخصا، وموضعا يصلح للحب والتفاني والتقديس، وعندما يصل ~~اسپينوزا إلى آخر «الأخلاق»، يدع لغته تصبح ملائمة لوصف مثل هذا الشخص، ~~وأعتقد أن تلك عملية مشروعة؛ إذ إن اسپينوزا، الذي كان في ذهنه شخص ~~عرفه أجداده عن طريق الوحي، وإن يكن قد رفض طريقتهم في الحديث عن هذا ~~الشخص، قد استخلص من فكرة الكائن المتصف بهذه الأوصاف أنها لا تلائم ~~إلا هذا الشخص. وعندما وصل إلى هذه المرحلة، ترك نفسه يتحدث كأن الكائن ~~الذي استخلص أوصافه هو الشخص الذي كان يعرفه.» # 72 # وليس المهم في هذا السياق هو قول المؤلفة أن فكرة الله عند ~~اسپينوزا «مشخصة» (وهو قول شديد البطلان)، أو أنه استمد الفكرة من ~~أجداده - من اليهود - (وهو لا يقل عن الأول بطلانا)، وإنما المهم أنها ~~تعترف بوجود فارق بين الأوصاف الأخيرة والأوصاف السابقة عليها في كتاب ~~«الأخلاق»، وأن هذه الأخيرة هي التي تنطبق على فكرة الإله ~~المشخص. ~~(7) # ورغم أن «پولوك Pollock ~~» لا يقول ~~بتناقض بين الجزء الأخير من الأخلاق وبين بقية فلسفة اسپينوزا، فإنه ~~يؤكد وجود اختلاف كبير، مفاجئ، بين لغة هذا الجزء واللغة التي درج ~~اسپينوزا على استخدامها في الكتاب، فيقول: «من الأمور الجديرة ~~بالملاحظة أن الصبغة اللاهوتية لفلسفة اسپينوزا تضعف بالتدريج كلما ~~مضينا قدما في كتاب «الأخلاق». وفي البابين الثالث والرابع تزداد ~~كلمة «الله # Deus ~~» اقترابا بالتدريج ~~من أن تكون مرادفة للطبيعة # natura ~~. ~~ومع ذلك، ففي اللحظة التي يبدأ فيها المرء في الاعتقاد بأن القناع ~~اللفظي قد خلع تماما، نصل إلى الحب العقلي لله في الباب الخامس. وهنا ~~يتبين أن ms160 الله، على أية حال، لم يرد إلى الطبيعة، وإنما رفعت ~~الطبيعة إلى مرتبة الله. فاسپينوزا يبدأ وينتهي بألفاظ لاهوتية.» # 73 # وهكذا يعترف المؤلف بأن هذا الجزء الأخير هو وحده الذي ~~يحول دون تأكيد ترادف لفظي الله والطبيعة، ويسلم بوجود اختلاف حاسم، ~~في الاتجاه الفكري ذاته، بين هذا الجزء وبقية أجزاء فلسفة اسپينوزا. ~~وهذا هو الذي دعاه إلى أن يحاول تفسير هذا الاختلاف عن طريق التقدم، ~~بحذر شديد، بالفرض القائل إن هذا الجزء الأخير نوع من «البحث ~~التكميلي»، إذا قبلناه كان ذلك خيرا، وإذا لم نقبله فلن يتأثر بقية ~~الكتاب. وربما كان للمرء أن يقول إن هذه السلسلة من القضايا كانت في ~~الواقع «تفكيرا لاحقا # afterthought ~~». # 74 # ولن نرد على هذا الاقتراح الأخير الآن، بل يكفي للرد عليه في هذا ~~المقام أن نحيل القارئ إلى ما سيؤكده «سليڨان» في النص المقبل وولفسون ~~في النص الأخير من أن اتجاه اسپينوزا في هذا الجزء كان هو الغاية ~~الحقيقية لفلسفته، وللهدف الذي يؤدي إليه الكتاب بأسره. ~~(8) # ويرى «سليڨان» أن القسم الأخير من الباب الخامس في «الأخلاق» لا ~~يفهم إلا إذا كان اسپينوزا يؤمن بنوع من خلود الذهن، بحيث يكون الخلاص ~~الذي تحدث عنه ها هنا هو الغاية النهائية التي يتجه إليها كتاب ~~الأخلاق بأسره. ثم يقول: «إن كل اعتقاد مخالف ينطوي على افتراض أن ~~اسپينوزا يكتب عن هذه المسائل وهو يظهر غير ما يبطن، وأنه لم يكن ~~يعني ما كان يقوله، ويكتب لأغراض مغايرة فحسب. ومثل هذه النظرة ~~البرجماتية إلى ألفاظ اسپينوزا بعيدة عن مزاجه العقلي ونزاهته الذهنية ~~إلى حد أنها لا تكاد تصدق.» # 75 # وهكذا يخلص من ذلك إلى القول بأن اسپينوزا كان يؤمن حقيقة ~~بأزلية العقل البشري، وإن كان يعترف باستحالة التوفيق بين أزلية العقل ~~وبين آرائه الأخرى في علاقة النفس بالجسم. # 76 ~~(9) # ويرى «فوير # Feuer ~~» أن فكرة الحب ~~الإلهي متناقضة مع بقية عناصر فلسفة اسپينوزا، وينظر إلى انتهاء ~~اسپينوزا إلى هذه الفكرة على أنه مظهر لاستسلامه نتيجة لتحطم آماله ~~الثورية على ms161 صحرة الواقع في الفترة الأخيرة من حياته «فالحب العقلي لله ~~هو الملاذ الأخير للمصلح السياسي المهزوم.» # 77 # وبعبارة أخرى: ففي الفترة التي كانت حياة اسپينوزا فيها ~~عامرة بالأمل والثورة، كان يقول بالحتمية والضرورة وببقية أفكاره ~~العلمية الصارمة. أما عندما دهمه اليأس؛ فقد لاذ بالتصوف، وإذا شئنا ~~ردا على مثل هذا الفرض، فليس لنا إلا أن نتساءل: هل تخلى اسپينوزا ~~عن معقوليته ومنطقيته وتفسيره الحتمي والعلمي للظواهر العلمية عند ~~نهاية حياته؟ # والرد على ذلك هو النفي القاطع؛ إذ إن نظرته كانت تزداد دقة وصرامة ~~بمضي الوقت، بل إن نفس الجزء «الصوفي» في كتاب الأخلاق تتخلله نظريات ~~وملاحظات مادية وحتمية لا تخطئها العين. ~~(10) # والمثل الأخير هو «ولفسون»، الذي يعلق على فكرة اسپينوزا الواردة ~~في الجزء الأخير من كتاب الأخلاق، والقائلة أن حب الله هو الشفاء ~~الأعظم للنفس، فيقول: «لا يبدو أن هذا الدواء الأسمى ... يعد الناس في ~~الحياة الحاضر بشيء يزيد على هذه الثقة بالإله التقليدي. ويبدو أن من ~~الغريب حقا أن ترسو سفينته، بعد كل معاركه مع الأحبار والفلاسفة ~~المدرسيين، وبعد كل أبحاثه عن فلسفة جديدة، إلى تلك الأرض ~~الصوفية القديمة ذاتها؛ أعني اللوذ بالله، ولكن ربما لم يكن اسپينوزا ~~يرمي إلى أن يعد الناس بأكثر من ذلك ... فالهدف الذي شرع يعمل له منذ ~~البداية هو أن يثبت حقائق معينة عن طبيعة الله، وأن ينكر عليه بعض ~~العناصر التشخيصية التي أضفاها عليه اللاهوتيون، حتى أعمقهم نظرا، وأن ~~يبين أن مثل هذا الإله، حتى بعد نزع الطابع التشخيصي عنه، يظل مع ذلك ~~قوة تعمل لخير حياة الإنسان.» # 78 # وهكذا ينضم ولفسون إلى مجموعة القائلين بأن اسپينوزا قد ~~عاد في هذا الجزء إلى المفهوم التقليدي، بل الصوفي، لفكرة الله، ويؤكد ~~وجود تناقض مع اتجاهات اسپينوزا السابقة في الكتاب عن طريق إبداء دهشته ~~مما سبق أن أثاره اسپينوزا من الخلافات والمشاكل مع السابقين، وهي دهشة ~~يكون لها ما يبررها تماما إذا كان هدف اسپينوزا بالفعل هو العودة إلى ~~صوفية الالتجاء إلى الله. ومن الغريب ms162 حقا أن باحثا فلسفيا مثل ~~«ولفسون» يتحدث بكل وضوح عن رفض اسپينوزا للصفات التشخيصية لفكرة الله، ~~ولتشبيهه بالإنسان، ثم يتحدث في نفس المكان عن كون إله اسپينوزا ~~«ملاذا» للإنسان، وكونه موضوعا للحب وللثقة، وكونه دواء لعلل النفس، ~~بل يصف الله عنده بأنه «الواهب الأعظم، والمنعم الأكبر، وصخرة خلاصنا، ~~وملاذنا في الملمات ...» # 79 # فماذا تكون هذه الصفات، إن لم تكن صفات تشخيصية وتشبيهية؟ ~~إننا لا نعصم اسپينوزا من تهمة عدم الاتساق، فأعظم المفكرين مهددون ~~على الدوام بها، ولكن هل يعقل أن يكون قد تناقض مع نفسه إلى هذا الحد؟ ~~وهل يمكن أن يكون الفيلسوف الذي حذر الناس على الدوام من تشبيه ~~الآلهة بالإنسان، ومن الاعتقاد بغائية الحوادث الطبيعية، والذي أكد ~~الحتمية وقضى على أي وجود مطلق للقيم في عالم الواقع - هل يمكن أن يكون ~~حقا قد قصد هذه الأفكار بمعناها هذا؟ # في هذه النماذج السابقة لآراء شراح اسپينوزا، رأينا كيف يؤدي البحث في النصف ~~الثاني من الباب الخامس من «الأخلاق» إلى إثارة مشكلة تناقض اسپينوزا بكل وضوح. ~~والواقع أن هذا الجزء تحدث بالفعل عن الأزلية، وعن الحب الإلهي، وعن الخلاص ~~و«البركة»، وسعادة الإنسان، واستخدم لغة لا تختلف على الإطلاق عن لغة جميع المذاهب ~~اللاهوتية التقليدية. وهكذا كان شراح اسپينوزا يجدون على الدوام صعوبة في فهم ~~هذه اللغة التقليدية بأي معنى سوى معناها الحرفي؛ إذ إنها تضم مجموعة من أقوى ~~الألفاظ والتعبيرات ارتباطا بالمعاني الدينية التقليدية. ومع ذلك كان من الواضح في ~~نظرهم، أو في نظر معظمهم على الأقل، أن أفكار اسپينوزا في هذا الجزء لو كانت ~~تقليدية كذلك بالفعل، لتناقضت تماما مع أفكاره في بقية أجزاء الكتاب، وكذلك في ~~كتاباته الأخرى. وهكذا يضطرون إلى التسليم - كما رأينا في الأمثلة السابقة - بوجود ~~تناقض أساسي في فلسفة اسپينوزا، يتمثل في علاقة هذا الجزء الأخير ببقية أجزاء ~~فلسفته. # وكما قلنا من قبل، فنحن لا ننزه اسپينوزا عن الوقوع في التناقض، ومع ذلك فقد ~~أمضى اسپينوزا في تأليف كتاب الأخلاق خمس عشرة سنة، كان يصقل ms163 خلالها قضاياه وحججه ~~على الدوام، فهل يعقل أن تناقضا صارخا كهذا قد فاته؟ إن هذه الحقيقة وحدها كفيلة ~~بأن تجعلنا نرفض وجود تناقض في هذه الحالة على التخصيص؛ إذ إن هذا ليس تناقضا ~~بسيطا، وإنما هو تناقض في أول الأسس التي قامت عليها فلسفته، ولو سلمنا به لجعلنا ~~اسپينوزا أضعف الفلاسفة منطقا؛ إذ إن الآخرين كانوا على الأقل يتناقضون حين يتسرب ~~الخطأ إلى استدلالاتهم دون وعي منهم. أما هنا فالتناقض يغدو واعيا ومتعمدا ~~ومتعلقا بالأسس الأولى للمذهب نفسه. # وفي اعتقادي أن القول بتناقض اسپينوزا ليس إلا اعترافا صريحا بإخفاق كل تفسير ~~لفلسفته لا يقوم على المنهج الذي أشرنا إليه، وهو منهج القول إن اسپينوزا كان يتحدث ~~بلغة المدرسين واللاهوتيين متعمدا حتى يخفف من وقع معانيه الثورية العلمية ~~الدقيقة، التي لا تمت إلى المجال اللاهوتي بصلة. وقد أحجم جميع من كتبوا عن ~~اسپينوزا - تقريبا - عن هذا الفرض، ومن المؤكد أن القليلين جدا منهم، إذا كانوا ~~قد أشاروا إليه، فإنهم لم يعرفوا كيف يسيرون فيه من البداية إلى النهاية. والسبب ~~الرئيسي في ذلك هو اعتقادهم بأن في هذا الفرض اتهاما لاسپينوزا بالغش والخداع، ~~ونيلا من نزاهته العقلية وأمانته الخلقية. وقد سبق لنا أن أوضحنا (في الفصل الخاص ~~بالمنهج) أن طريقة اسپينوزا هذه في الكتابة لم تكن ترجع إلى أي ضعف أخلاقي لديه، ~~وأنه ليس ثمة ارتباط على الإطلاق (ولا سيما في عصر اسپينوزا) بين الكتابة الحذرة ~~وبين الرغبة المتعمدة في الخداع، وأن اسپينوزا قد أرضى ضميره تماما إذ اعطى قارئه ~~كل التنبيهات الكفيلة بإرشاده إلى معانيه الحقيقية، بحيث إنه إذا لم يصل الناس إلى ~~هذه المعاني لم يكن الذنب في ذلك ذنب الفيلسوف نفسه، وإنما ذنب قرائه. ولسنا هنا ~~نتهم شراح اسپينوزا بالقصور العقلي، ولكن هناك عوامل مختلفة تضافرت في جعلهم ~~يحجمون عن مثل هذا التفسير؛ منها إقحام الكثيرين منهم لمشاعرهم الدينية القوية في ~~تفسير اسپينوزا؛ مما أدى إلى فرض معان تقليدية عليه قسرا، ومنها رغبة المفسرين ~~اليهود، وهم كثيرون، في ترك ms164 مجال تنفذ منه المؤثرات اليهودية إلى فلسفته؛ إذ إن هذه ~~الفلسفة لو فسرت تفسيرا علميا خالصا فسوف توصد أبوابها في وجه المؤثرات ~~اليهودية إلى الأبد، ومنها ذلك النفور - الناتج عن دوافع أخلاقية نبيلة، ولكنها غير ~~منطبقة على هذا المجال - من القول بأن اسپينوزا تعمد أن يظهر غير ما ~~يبطن. # كل هذا أدى إلى تكوين صورة مشوهة لإله اسپينوزا، ظهر فيها تارة متفقا تماما مع ~~فكرة الطبيعة، ومتمشيا مع الحتمية والقانونية الكونية، وماديا، ومستبعدا كل ~~صفات مشبهة بالإنسان، وتارة أخرى «ملاذا» و«ملجأ»، وموضوعا للحب، ومصدرا ~~للخلاص، ولا سبيل إلى رفع هذا التناقض المؤسف إلا إذا خطا المفسرون الخطوة ~~الجريئة الضرورية، والتي يقتضيها البحث الدقيق لجميع أطراف فلسفة اسپينوزا، وقالوا ~~إن فكرة الله عنده «لفظ» يرمي إلى تهدئة الخواطر (ومن الغريب أن هذا هو تعبير ~~ولفسون - نفس ولفسون الذي جعل من اسپينوزا في نهاية الأمر صوفيا بالمعنى ~~التقليدي!) ثم مضوا في فلسفته بأسرها على هذا الأساس؛ بحيث إنهم في كل مرة يصادفون ~~لفظ «الإله» يستبدلون به لفظ «الطبيعة»، أو «الضرورة الكونية» أو «النظام الكلي ~~للأشياء» أو «مجموع ما يوجد» - تبعا للسياق، ويقيني أن عملية الاستبدال هذه (أو ~~عملية فك الرموز في المنهج الرياضي) إذا أجريت بطريقة يقظة متسقة، واقترنت ~~باستبدال مماثل لكل الألفاظ والتعبيرات التي نبهنا هو ذاته، في موضع أو آخر، إلى ~~معناها الحقيقي في فلسفته، فإنها ستؤدي إلى تفسير تام الاتساق لهذه ~~الفلسفة. # وكما أننا طبقنا من قبل منهج استبدال المعاني الجديدة بالألفاظ القديمة في أجزاء ~~أخرى لفلسفة اسپينوزا، فسوف نطبقه الآن على أكثر أجزائها صعوبة؛ أعني القسم ~~الأخير من كتاب «الأخلاق»، الذي أثار مشكلة التناقض منذ البداية. ~~(5-2) فكرة الأزلية # ليس لفكرة الأزلية # aeternitas # عند اسپينوزا أية ~~صلة بمعاني الخلود أو البقاء «بعد» هذه الحياة، فما هي إلا إحدى طرق الوجود التي ~~يحققها الذهن في هذا العالم. وليس للفكرة عنده أية صلة بما هو ممتد في الزمان، وبما ~~يسري عليه ما هو «قبل » وما هو «بعد»، بل إن ما ms165 يتصف بالأزلية هو ما لا يسري عليه ~~الزمان؛ فالقانون العلمي - كقانون بقاء الطاقة مثلا - أزلي بهذا المعنى، وإذا ~~كشفت في المستقبل حالات لا يسري عليها هذا القانون، فسيظل من الصحيح مع ذلك أن هذا ~~القانون ينطبق على مجاله الحالي. ويكون الذهن أزليا طالما أنه يحيا في عالم ~~المعرفة الذي يؤدي به إلى كشف مثل هذه القوانين وتأمل الكون من خلالها. وبعبارة ~~أخرى فللعالم وجهان: وجه زماني تسير فيه الظواهر اليومية في مسارها المعتاد، وتبدو ~~فيه هذه الظواهر جزئية منفصلة لا رابط بينها، ووجه آخر يربط فيه بين هذه الظواهر في ~~قوانين مطردة تفسرها، ولا يخضع لتغيير الجزئيات أو الفرديات، وفي هذا الوجه الأخير ~~ينظر إلى الأشياء «من منظور ~~الأزل # sub specie aeternitatis ~~»، وإذا كان الوجه الأول هو وجه التجربة اليومية المألوفة ~~للإنسان، فإن الوجه الثاني هو الوجه الذهني؛ أي العالم كما يتمثل لذهن ينظر إليه ~~نظرة جامعة تكشف قوانينه وتفهم أسراره. # وليس من الضروري أن يكون الذهن قادرا على كشف جميع قوانين الأشياء حتى يقال عنه ~~إنه ينظر إليها من منظور الأزل. كما أنه ليس من الضروري أن تظل القوانين التي ~~يكشفها صحيحة على الدوام حتى تنطبق على الذهن صفة «الأزلية» هذه؛ فالأزلية في ~~الواقع «اتجاه» أو «موقف» قبل كل شيء. إنها الاتجاه إلى تأمل الأشياء من منظور ~~شامل لا يتأثر بالتغييرات الجزئية، والاتجاه إلى المعرفة والتفسير العقلي. فإذا ~~تمكن الذهن من أن يصل إلى ذلك «الحدس» الذي يجعله يدرك قانونية العالم وضرورة ~~الظواهر الطبيعية، ويستبعد كل تفسيراته التشبيهية من مجال الفهم العلمي للظواهر، ~~فعندئذ يكون ذلك الحدس ذاته - الذي أسماه اسپينوزا بالمعرفة من النوع الثالث - هو ~~أوضح مظاهر الأزلية في ذهنه، بغض النظر عن المحتوى الفعلي لمعرفة ذلك الذهن. فلا ~~يهم إن كان الذهن يعيش في عصر نيوتن، ويتقيد بقيود العلم المعروفة في هذه المرحلة، ~~أو يعيش في عصر أينشتين، ويوسع آفاقه بالقدر الذي امتدت إليه المعرفة خلال ثلاثة ~~قرون؛ وإنما يكون الذهن «أزليا» إذا أقبل على دراسة الكون ms166 وهو يدرك أن هذا الكون ~~قابل لأن يعرف، وأنه يخضع لقوانين ضرورية - بغض النظر عن درجة كشفه لهذه القوانين ~~- وأن مجراه ليس عشوائيا وليس خاضعا لمشيئة لا ضابط لها. # فإذا أدركنا أن كلمة «الله» عند اسپينوزا تعبر عن مجموع الطبيعة أو النظام ~~الكلي للأشياء، أمكننا أن نفسر على التو ربطه بين فكرة الأزلية وفكرة الله؛ ~~فحين يقول إن الأزلية هي طريقة وجود الله، يكون المعنى هو أن الكون، في وجهه ~~الشامل، لا يتصف بأنه ممتد زمنيا، بل إن أجزاءه وأحواله ~~( # modes ~~) ومكوناته الفردية هي التي تتصف ~~بالامتداد الزمني، وإنما يتصف الكون في وجهه الشامل، بأنه ضروري لا بداية ولا نهاية ~~لقوانينه ونظامه. وكل تفسير آخر لفكرة «الأزلية» من خلال المعاني الفلسفية أو ~~الدينية التقليدية للكلمة يصطدم حتما بنصوص صريحة لدى اسپينوزا تؤكد استحالته، ~~وسوف نجد أن الدلالة الواضحة تماما لهذه النصوص، من حيث انفصالها عن كل المفاهيم ~~التقليدية للفظ الأزلية، تمدنا بدليل آخر على أن كلمة «الله» في عبارة «الله ~~أزلي» لا يمكن أن يكون لها في هذا المجال أيضا أي معنى له صلة بمعانيها ~~التقليدية، بل إنها تدعم في واقع الأمر التفسير الذي قدمناه ها هنا، من أن هذه ~~الكلمة لها عند اسپينوزا في جميع الأحوال معان مثل مجموع الوجود أو النظام الضروري ~~الشامل للكون. ~~••• # في كتاب «أفكار ميتافيزيقية» يعرف اسپينوزا الأزلية الإلهية قائلا إن الله ~~أزلي بنفس المعنى الذي تكون فيه ماهية الدائرة أزلية، # 80 # وفي أول قضية في النصف الأخير من كتاب الأخلاق - وهو النصف الذي ينتقل ~~فيه إلى الكلام عن معاني الأزلية والحب الإلهي ... إلخ، والذي استهله بقوله: «لقد ~~أتممت الآن الحديث عن كل ما يتعلق بهذه الحياة الحاضرة» - يقول اسپينوزا: «لا ~~يستطيع الذهن أن يتخيل أي شيء، أو يتذكر ما مضى، إلا طالما ظل الجسم باقيا.» # 81 # ولهذا النص الأخير غرض مزدوج: ~~(أ) # فهو أولا يود أن يؤكد بطلان المعنى الشائع للخلود، وهو الخلود ~~الذي يجمع بين أمرين يستحيل في نظره الجمع بينهما: بقاء الروح ms167 بلا جسم، ~~ثم دوامها إلى ما بعد الحياة الحاضرة، وتذكرها لأمور حدثت في هذه ~~الحياة؛ ففي رأي اسپينوزا أن الكلام عن «عالم آخر»، يفترض أنه يلي هذا ~~العالم زمنيا، وكذلك الكلام عن الخلود بمعنى البقاء في الزمان إلى ~~أجل غير محدد، وأخيرا الكلام عن تذكر الروح لهذه الحياة الحاضرة في ~~حياة مقبلة - هذا كله يفترض مقدما وجود جسم؛ إذ إن التذكر يستحيل بلا ~~جسم، والبقاء الممتد في الزمان يفترض الجسم مقدما. وهو يشرح هذه ~~الفكرة بمزيد من الوضوح في ملحوظة القضية 34 من هذا الباب فيقول: «إذن ~~تأملنا الآراء الشائعة للناس، وجدناهم يشعرون فعلا بأزلية أذهانهم، ~~غير أنهم يخلطون بين الأزلية وبين البقاء الزمني، ويعزونها إلى ~~الخيال أو الذاكرة التي يعتقدون أنها تظل باقية بعد الموت»؛ وعلى ذلك ~~فليست الأزلية عند اسپينوزا، كما أوضح «برنشڨك»، «شيئا يضاف إلى الفرد ~~من الخارج، أو هبة يتلقاها ساعة الموت أو يوم الحساب بوصفها ثوابا ~~على خير أداه من قبل، وإنما هي حقيقة باطنة في الوجود، ومتداخلة فيه، ~~تتبدى في شعور حالي وتجربة عميقة.» ~~(ب) # وعلى ذلك فإن اسپينوزا إذا كان قد أشار قبل ذلك إلى أنه قد أتم ~~الحديث عن الحياة الحاضرة، فإنه لا يمكن أن يكون قد قصد من ذلك أن ~~يتكلم عن حياة أخرى بالمعنى التقليدي لهذه الكلمة. وهذا بالفعل ما ~~يتعمد أن ينبهنا إليه في القضية السابقة؛ إذ يشير إلى استحالة هذا ~~المعنى التقليدي، وبالتالي إلى أن الأزلية التي سيتحدث عنها، «والحياة ~~الأخرى» كما يعنيها، هي حياة داخل هذه الحياة؛ أعني حياة الذهن الذي ~~يدرك الماهيات الأزلية للأشياء من وراء وجودها الجزئي المتحدد. # وإن جميع القضايا التي تحدث فيها اسپينوزا عن فكرة الأزلية لتعبر عن أحد هذين ~~الوجهين لرأيه في المشكلة؛ فهي إما تنتقد الرأي الشائع في الأزلية - أو على الأصح ~~في الخلود - أو توضح المعنى الخاص الذي فهم به فكرة الأزلية، وتربط هذا المعنى ~~بالأوجه الأخرى لفلسفته، ومن الملاحظ أن القضايا التي تعبر عن الوجه الأول - أي ~~الوجه الناقد ms168 - ليست كلها متسلسلة، وإنما تتداخل مع القضايا المعبرة عن رأيه الخاص ~~في الأزلية. وهذا التداخل يؤدي وظيفة هامة بالنسبة إلى منهج اسپينوزا في الكتابة: ~~ذلك لأنه كلما مضى في تقديم رأيه الخاص في الأزلية، كان من الطبيعي أن يعود ذهن ~~القارئ تدريجيا إلى المعاني التقليدية للفظ. وهكذا يحرص اسپينوزا على أن يأتي من ~~آن لآخر بقضية ناقدة لهذه المعاني التقليدية كلما بدا أن ذهن القارئ معرض للرجوع ~~إليها، حتى يذكره دواما بالمستوى الجديد الذي يتحدث منه. # وفي رأيي أن الترتيب الصحيح الذي ~~ينبغي أن تؤخذ به القضايا المتعلقة بالأزلية، وهو ذلك الذي يبدأ فيه المرء من ~~القضايا المتأخرة ليشرح من خلالها القضايا المتقدمة. ولنتأمل جيدا دلالة القضية ~~الآتية: «من كان جسمه قادرا على أداء أكبر عدد من الأفعال، كان الجزء الأكبر من ~~عقله متصفا بالأزلية.» # 82 # هذه القضية وردت بعد مجموعة كبيرة من القضايا التي تتصف في ظاهرها ~~بطابع صوفي واضح. وأحسب أن القارئ ذا النزعة الصوفية يصاب بخيبة أمل كبيرة حين يجد ~~اسپينوزا يربط - على نحو يبدو غير مفهوم - بين أزلية العقل وبين مقدرة الجسم، ويشعر ~~بأن اسپينوزا بعد أن حلق به في آفاق التصوف العليا قد تخلى عنه فجأة وتركه ~~يهوي، بكل تخبط واضطراب، إلى عالم الجسم ثانية! ومع ذلك، فلنذكر أن اسپينوزا قد ~~ربط، في الباب الثاني من «الأخلاق»، بين مقدرة الذهن ومقدرة الجسم، وذهب إلى أن ~~الذهن يكون أوسع قدرة كلما ازدادت قدرة الجسم الذي يرتبط به على تلقي المؤثرات ~~من العالم المحيط به. ولما كانت أزلية الذهن - بمعناها الخاص عند اسپينوزا - تتوقف ~~على مدى ما فيه من المعارف، وبالتالي على مدى كشفه للنظام الضروري للأشياء، فمن ~~الطبيعي بعد هذا كله أن يكون الذهن أقرب إلى الأزلية كلما ازدادت قدرة الجسم الذي ~~يرتبط به. وهكذا يبين لنا اسپينوزا أنه لم ينس، في هذا الجزء «الصوفي» الأخير، ~~مذهبه المادي القوي الذي عرضه في الباب الثاني، ويكاد يرد بنفسه على من وصفوه ~~بالتناقض وأكدوا أنه تخلى عن كل ms169 نزعاته السابقة عندما انحرف بمذهبه فجأة نحو ~~«التصوف» في هذا الجزء الأخير من كتاب «الأخلاق». # وحين يربط اسپينوزا بين فكرة الأزلية وفكرة الجسم، يضع تفرقة بين الجسم من حيث ~~وجوده الحالي، الذي هو وجود زماني لا علاقة له بالأزلية، وبينه من حيث وجوده ~~الضروري، الذي هو وجود أزلي: «إن كل ما يفهمه الذهن من منظور الأزل، لا يفهمه لكونه ~~يدرك الوجود الفعلي للجسم، وإنما لكونه يدرك ماهية الجسم من منظور الأزل.» # 83 # هذه الماهية الجسمية الضرورية تتصف بأنها موجودة في الله: «ففي الله ~~توجد بالضرورة، مع ذلك، فكرة تعبر عن ماهية هذا الجسم البشري أو ذاك من منظور الأزل.» # 84 # ومن الواضح أن معنى كلمة «الله» هنا هو «النظام الضروري للأشياء»؛ ففي ~~ذلك النظام يندرج الجسم البشري الفردي ويتخذ صبغة الضرورة الناجمة عن اندماجه في ~~الكل الشامل، الذي يتضمن فكرة «أزلية» عن كل من مكوناته، ويزداد هذا المعنى لفكرة ~~الله اتضاحا من النص الآتي: «إننا ندرك الأشياء على وجهين: إما بوصفها موجودة في ~~زمان ومكان محددين، أو بوصفها متضمنة في الله وناتجة عن ضرورة الطبيعة الإلهية، ~~وكل ما ندركه حقيقيا أو واقعيا على هذا النحو الثاني، ندركه من منظور الأزل، ~~وتكون أفكاره متضمنة للماهية الإلهية الأزلية اللامتناهية.» # 85 # وعلى ذلك فإذا قال اسپينوزا في القضية الثانية والعشرين «إن العقل البشري لا يفنى ~~نهائيا مع الجسم، وإنما يتبقى منه شيء أزلي» - إذا قال ذلك؛ فهو أولا يقصد الجسم ~~بمعناه المتحدد زمانيا ومكانيا، ويكون المقصود أن العقل؛ إذ يكون أفكارا عن ~~ماهيات الأشياء - ومنها ماهية الجسم ذاته - تتجاوز نطاق وجودها الفعلي الجزئي، ~~وبالتالي تتجاوز نطاق الوجود الفعلي الجزئي لجسمه هو ذاته، يمكن أن يعد بهذا المعنى ~~أزليا بالنسبة إلى الجسم. ومع ذلك فليس لهذا البقاء الأزلي أية صلة بالاستمرار ~~الزمني المعروف؛ لأن اسپينوزا، كما رأينا، قد استبعد كل هذه المعاني التقليدية منذ ~~البداية. # وقبل أن أترك الحديث عن فكرة الأزلية أود أن أشير إلى ظاهرة لم يتنبه إليها ~~أولئك القائلون «بتناقض» اسپينوزا؛ ms170 فهو في براهينه على هذه المجموعة من القضايا ~~يردنا على الدوام إلى القضايا المادية الصريحة التي عرضها في الباب الثاني من ~~كتاب «الأخلاق». وإنه ليكون من الغريب حقا، إذا كانت لهجة اسپينوزا قد تغيرت فجأة ~~في الجزء الأخير بالحديث عن معان من بينها الأزلية، أن يلجأ للبرهنة على قضاياه في ~~هذا الجزء إلى القضايا الواردة في أشد الأبواب السابقة مادية، ومن المؤكد أن مجرد ~~استبقائه لقضايا الباب الثاني واعتماده عليها في براهينه على قضايا هذا الجزء، هو ~~في ذاته دليل على أن المجرى الفكري متصل من أول الكتاب إلى آخره، وعلى أن من الواجب ~~البحث عن تفسير آخر متسق لأفكاره ذات المظهر الصوفي في الجزء الأخير من الكتاب؛ ~~لأنه كتب هذا الجزء وفي ذهنه أشد الأجزاء السابقة تعارضا مع كل نزعة صوفية أو ~~لاهوتية. ~~(5-3) فكرة الحب العقلي لله # في الرسالة رقم 21 رد اسپينوزا على رسالة سابقة بعث بها إليه «بلينبرج # Blyenbergh ~~»، واتضح لاسپينوزا منها أن مراسله هذا ~~يؤمن بكل الأفكار اللاهوتية التقليدية ~~دون مناقشة أو تفكير، فقارن بين اعتقاده هو بأن الله لا يحمل صفات بشرية، وبين ~~الاعتقاد العامي الذي يؤمن به «بلينبرج»، والذي يجعل الله يقوم بين الناس بدور ~~القاضي، وقال: «إنني أنظر إذن إلى الأفعال حسب صفاتها، لا حسب قوة فاعلها، والثواب ~~الذي ينجم عن الأفعال يتلو في رأيي منها بوصفه نتيجة لها، بنفس الضرورة التي يتلو ~~بها من طبيعة المثلث أن مجموع زواياه قائمتان، ويكفي لفهم اعتقادي أن تدرك أن كل ~~سعادتنا تنحصر في حب الله، وأن هذا الحب يتلو بالضرورة من معرفة الله، وهي أنفس ما ~~لدى البشر ... غير أني أعترف بأن كل من يخلطون بين الطبيعة الإلهية والطبيعة ~~البشرية عاجزون عن بلوغ هذه المرتبة من الفهم.» # هذا النص، الذي أردت أن أبدأ به بحثي لهذا الموضوع المعقد، يصلح مدخلا سليما ~~إلى تفسير معنى القضايا التي تحدث فيها اسپينوزا عن هذا الموضوع؛ فهو يتحدث هنا، ~~في موضع واحد، عن ضرورة النظر إلى الله بمعزل ms171 عن صفات البشر، وفي الوقت ذاته عن كون ~~الحب الإلهي أنفس ما لدى البشر. ولو فهمت هذه العبارة الأخيرة بأي معنى حرفي، لكان ~~في وسع قارئه أن يعترض عليه توا بأن معنى الحب بشري بدوره، وبأننا لا نستطيع أن ~~نحب إلا كائنا نتصوره على مثالنا على نحو ما. وهكذا يكون اسپينوزا قد تناقض مع ~~نفسه تناقضا صارخا في موضع واحد كهذا؛ إذ إنه يعود في آخر النص، وبعد الحديث عن ~~حبنا لله، إلى تحذيرنا من تشبيه الله بالشر. والمسلك الوحيد الممكن إزاء نص كهذا هو ~~أن نلتمس تفسيرا غير التفسير الحرفي أو التقليدي لفكرة الحب الإلهي. وهكذا تبدأ ~~محاولة البحث عن معان أخرى وراء المعاني التقليدية الظاهرية للقضايا التي تعالج ~~هذه الفكرة. # ولا بد للوصول إلى هذه المعاني الأخرى الخفية من إيضاح معنى بعض الأفكار ~~والتعبيرات الرئيسية التي يستخدمها اسپينوزا في هذا السياق، مثل: معرفة الذهن لله، ~~وعلاقة الذهن البشري بالذهن الإلهي. # ومن أقرب النصوص إلى إيضاح معنى التعبير «معرفة الذهن لله» عند اسپينوزا، النص ~~الآتي: «إن كمال الذهن ليس إلا معرفة الله وصفاته والأفعال التي تتلو من ضرورة ~~طبيعته. وهكذا فإن الغاية القصوى أو الرغبة التي يسعى بها من يسترشد بالعقل إلى حكم ~~كل رفاقه، هي تلك التي توصله إلى فهم كامل لنفسه ولجميع الأشياء الداخلة في نطاق عقله.» # 86 # وهكذا يتحدث اسپينوزا في أول النص عن معرفة العقل لله، ويتحدث في آخره ~~- بمعنى مرادف - عن معرفة العقل لنفسه وللأشياء الداخلة في نطاقه. والنص واضح ~~الدلالة على أن المعنيين مترادفان؛ أي إن المقصود بمعرفة الذهن لله هنا هو معرفة كل ~~ما يستطيع الذهن أن يصل إليه عن النظام الضروري للطبيعة، وضمنها معرفته ~~لنفسه. # أما العلاقة بين الذهن البشري والعقل الإلهي فيوضحها قول اسپينوزا: «... إن الذهن ~~البشري جزء من العقل الإلهي اللامتناهي؛ وعلى ذلك فعندما نقول: إن الذهن البشري ~~يدرك هذا الشيء أو ذاك، فإنا نؤكد بذلك أن الله لديه هذه الفكرة أو تلك، لا بما هو ~~متناه، بل بما ms172 هو يتبدى من خلال طبيعة الذهن البشري، أو من حيث هو يكون ماهية ~~الذهن البشري ...» # 87 # وبعبارة أخرى: فعندما يفكر الإنسان، فمن الممكن القول أيضا إن الذي ~~يفكر هو الله، من حيث إنه يتمثل من خلال الذهن البشري، وبذلك لا يكون الفكر الإلهي ~~إلا صفة الفكر التي هي موجودة بالفعل في النظام الضروري للأشياء، وهي صفة إذا نظر ~~إليها في مظهرها الكلي كانت لا متناهية، ولكن لها مظاهر متناهية هي تفكير هذا الذهن ~~أو ذاك، وبذلك لا تكون العلاقة بين الذهن البشري والعقل الإلهي علاقة بين حقيقتين ~~متميزين، بل تكون علاقة حقيقة جزئية بحقيقة كلية تتجاوز الأولى، وإن تكن في الوقت ~~ذاته تعبر عن نفسها من خلالها. أما إذا فهمت عبارة «التفكير الإلهي» بالمعنى ~~المألوف المغاير لهذا؛ أي بمعنى وجود كائن مشخص يفكر بالفعل، فإن ذاك يكون ولا شك ~~تشبيها بالإنسان على نحو يأباه تفكير اسپينوزا في اتجاهه الحقيقي، ولا جدال في أن ~~هذا التفسير التقليدي يذيع كثيرا حتى بين الشراح الذين يدركون تماما - في مواضع ~~أخرى - نفور اسپينوزا من كل تشبيه للآلهة بالبشر (ومن هؤلاء الشراح فرويد نتال)، ~~وعلى أساس مثل هذه التفسيرات التقليدية شاع القول بتناقض اسپينوزا، بينما التناقض ~~في معظم الأحيان هو تناقض الشراح أنفسهم. أما إذا فهمت عبارة «الله يفكر» على ~~أنها تعبير عن صفة الفكر الشاملة الموجودة في الكون، والتي يعد كل تفكير بشري وجها ~~جزئيا لها، فعندئذ يصبح اسپينوزا متسقا مع نفسه تماما. # ولقد وصف اسپينوزا الحب الإلهي «بأنه حب عقلي لله # Amor Dei intellectualis ~~»، ولفظ «العقلي» له هنا أهمية أساسية، وإن كان ~~كثيرا ما يغفل. فمن الممكن القول بوجه عام إن تعبير «الحب العقلي» فيه نوع من ~~التناقض في الألفاظ؛ لأن الحب بمعناه المألوف انفعالي، ولأن العقل، بمعناه الدقيق، ~~يمارس فاعليته في المعرفة لا في الحب؛ وعلى ذلك فالتعبير وحده كفيل بأن ينقلنا إلى ~~مجال جديد كل الجدة، مغاير للمجال المألوف الذي يتحدث فيه الناس عن «الحب». ومن ~~المؤكد، كما قلنا من قبل، ms173 أن تعبير «الحب الإلهي» لو فهم بأي معنى صوفي أو ~~انفعالي لكان فيه تشبيه لله بالإنسان على النحو الذي لا يكف اسپينوزا عن تحذيرنا ~~منه. # ولكي يؤكد اسپينوزا هذه التفرقة قال: «ليس لله انفعالات، كما أنه لا يتأثر بعواطف ~~اللذة ولا الألم قط.» والنتيجة الهامة التي يستخلصها من هذه القضية هي: «إذا شئنا ~~الدقة؛ فالواجب أن نقول: إن الله لا يحب ولا يكره أحدا.» ولكنه في القضية ~~التالية (18) يقول: «لا يستطيع أحد أن يكره الله.» ثم يقول في القضية التي تليها ~~(19): «من يحب الله لا يسعى إلى أن يبادله الله الحب.» # ففي القضية الأولى يؤكد اسپينوزا استحالة انطباق الحب، بالمعنى الانفعالي، على ~~الله. وإذا كان سيعود فيما بعد فيتحدث عن نوع من الحب الإلهي للإنسان، فإن هذا ~~الحب ينبغي أن يفهم بمعنى غير المعنى الانفعالي الذي يتحدث عنه في هذه القضية. ~~ومع ذلك فهو في هذه المجموعة من النصوص يجعل علاقة الحب بين الله وبين الإنسان «لا ~~تماثلية»، فيقول إنه إذا كان الله، بالمعنى الدقيق، لا يحب أحدا ولا يكرهه، فمن ~~الواجب أن يظل حب الإنسان لله قائما حتى مع استحالة كونه متبادلا. # فكيف فهمت هذه النصوص؟ ~~(أ) # لقد فهمها «ألكييه # Alquié ~~» مثلا ~~على أنها نوع من العلاء بالعقيدة التقليدية: فاسپينوزا حين قال إن حبنا ~~لله ليس معناه أن ننتظر حبا مقابلا من جانب الله، كان يقصد تنقية ~~هذا الحب من مظهر الأنانية التي تجعلنا نتوقع المبادلة في كل حب نشعر ~~به، بحيث ننتظر أن يرد هذا الحب إلينا آخر الأمر، # 88 # وهكذا أراد أن يطهر العقيدة من هذه الاتجاهات، وبذلك يكون ~~هذا الحب الإلهي، الذي لا ينتظر المرء فيه مبادلة، أنقى من كل المظاهر ~~التقليدية. وتبعا لهذا التفسير يتخذ الحب الإلهي عند اسپينوزا نفس ~~الطابع التقليدي، وإن يكن مشوبا بمحاولة للإصلاح والتطهير، ولا شك أن ~~ذلك الفهم يفترض أن المقصود هنا هو الحب الانفعالي، الذي يوجه إلى إله ~~ذي صبغة مشخصة، وهي معان مضادة تماما لكل ما يقصده اسپينوزا ms174 ~~نفسه. ~~(ب) # ويعلل «فوير # Feuer ~~» فكرة الحب ~~الإلهي تعليلا سيكولوجيا، فيقول إن تعلق اسپينوزا بهذه الفكرة ربما ~~كان حنينا لا شعوريا من طفل فقد حب أمه التي ماتت وهو في السادسة، ~~كما يقترح تفسيرا لفكرة الحب الإلهي غير المتبادل، فيقول إن هذه ~~الفكرة قد تكون محاولة لا شعورية منه للتكيف مع طفولته في ظل أب صارم ~~لا يبدي نحوه حبا، # 89 # ومن الواضح في رأينا، أنه ليس لأحد أن يفكر في خوض ميدان ~~التعليلات السيكولوجية إلا إذا تأكد قبل ذلك من المعنى الحقيقي لما ~~يعلله، ومع ذلك فإن «فوير» قد افترض مقدما أن فكرة الحب الإلهي لها ~~نفس معناها الحرفي التقليدي، وعللها على هذا الأساس. أما إذا تزعزع هذا ~~المعنى التقليدي فإن كل هذه المحاولات السيكولوجية تنهار من ~~أساسها. ~~(ج) # أما ولفسون فيقول: إن إله اسپينوزا مشخص بالمعنى الذي يكون فيه ~~الإنسان متجها إليه بالحب، ولكنه غير مشخص (وبالتالي مختلف عن الإله ~~التقليدي) من حيث إنه لا يسلك تجاه الإنسان نفس هذا السلوك، # 90 # ومعنى ذلك أن ولفسون يتصور إله اسپينوزا على أنه «مشخص ~~جزئيا»، أو من ناحية تطلع الإنسان إليه، مع أن اسپينوزا عندما ~~انتقد فكرة التشخيص لم ينتقد منها وجها واحدا بعينه، بل انتقد جميع ~~مظاهرها على الإطلاق. # هذه أمثلة للتخبط الذي يقع فيه كل من يريد الاحتفاظ بأية صلة، ولو كانت طفيفة، ~~بين إله اسپينوزا وبين الإله التقليدي. وفي هذه الحالة أيضا تتضح فائدة التفسير ~~الرمزي، أو غير المباشر، لفكرة الله عند اسپينوزا؛ فإذا فهمت فكرة الله على أنها ~~تعني عنده النظام الضروري للكون، أو مجموع ما يعرف، فإن الحب الإنساني لله يغدو، ~~عندئذ، نوعا من حب الكون، أو تعبيرا عن سعي الإنسان الدائم إلى بلوغ المثل ~~الأعلى للمعرفة. وتبعا لهذا التفسير، يكون من السهل إلى حد بعيد فهم الطبيعة غير ~~المتبادلة لهذا الحب؛ فكون الإنسان لا ينتظر من الله حبا متبادلا، معناه أنه ~~يقبل هذا النظام الضروري للكون، أو هذا المصير، وإن يكن النظام الضروري ذاته ms175 لا ~~يستهدف غاية بشرية، ولا يسعى إلى إرضاء الإنسان، بل لا يكترث به ويقف منه موقفا ~~«سويا»، لا لشيء إلا لأنه ضروري. ومعناه - إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية المعرفة ~~- أن الإنسان، في الوقت الذي يظل فيه ساعيا إلى بلوغ المثل الأعلى للمعرفة طوال ~~حياته، لا يمكنه أن يبلغ هذا المثل الأعلى على الإطلاق، بل يظل في سعيه على الدوام، ~~دون أن يحقق هدفه الكامل من المعرفة؛ أي دون أن تلبي المعرفة الشاملة مطالب ذهنه ~~الطموح، وفي ظل هذا التفسير يغدو من أيسر الأمور أن ندرك كيف يكون الحب الإلهي ~~«عقليا»؛ إذ إن علاقة المعرفة، أو الفهم أو الاتصال بالطبيعة الضرورية للأشياء، ~~هي علاقة عقلية قبل كل شيء. # على أن رأي اسپينوزا في الحب الإلهي لا يقف عند هذا الحد؛ فإذا كان قد أكد، عندما ~~تحدث بالمعنى الدقيق، أن الله لا يحب البشر، أو على الأصح أن البشر ينبغي ألا ~~ينتظروا من الله حبا مبادلا لهم، فإنه يعود فيقول إن من الممكن التحدث، بمعنى ~~آخر، عن وجود حب إلهي للإنسان، وتفكيره في هذا الصدد يتسلسل على هذا النحو. # فهو في القضية السادسة والثلاثين (من الباب الخامس نفسه) يقول: «إن حب الذهن لله ~~عقليا، هو نفسه ذلك الحب الذي يحب به الله ذاته، لا من حيث هو لا متناه، بل من ~~حيث إن من الممكن تفسيره عن طريق ماهية الذهن البشري، منظورا إليه في صورة ~~الأزلية. وبعبارة أخرى: فإن الحب العقلي الذي يبديه الذهن لله هو جزء من الحب ~~اللامتناهي الذي يحب به الله ذاته.» # وفي نتيجة هذه القضية يقول: «ويترتب على ذلك أن الله، بقدر، ما يحب نفسه، يحب ~~الإنسان، وبالتالي، أن حب الله للناس، وحب الذهن لله عقليا، هما شيء ~~واحد.» # والآن، جرب أن تفسر فكرة «الله» في هذه النصوص تفسيرا تقليديا، وسوف تجد ~~مذهب اسپينوزا بأسره ينهار، ويشيع فيه التناقض بين النظرة الطبيعية المادية الصارمة ~~والنظرة الصوفية الحالمة، ويصبح النص الواحد من هذه النصوص كافيا لهدم كل ما ms176 سبق ~~أن قاله عن فهم الطبيعة من خلال فكرة القانونية والضرورة الشاملة. أما إذا طبق ~~عليها التفسير الذي قلنا به، أعني التفسير الرمزي غير المباشر، فإن كل شيء يغدو ~~واضحا مفهوما. # ذلك لأن التفكير صفة من صفات «الجوهر»؛ أي إنه حقيقة موجودة في النظام الكلي ~~للأشياء. وتفكير الذهن في الله، كما سبق أن أوضحنا، يعني معرفة الذهن لكل ما يستطيع ~~أن يصل إليه عن النظام الضروري للأشياء، وعندما يفكر الإنسان، فمن الممكن القول - ~~كما سبق أن أشرنا أيضا - إن الذي يفكر هو الله، من حيث إنه يتبدى من خلال الذهن ~~البشري. وبعبارة أخرى: فإن التفكير البشري هو جزء من صفة (أو ظاهرة) التفكير العامة ~~الموجودة في الكون، والقول إن الذهن البشري يسعى إلى فهم نفسه (إذا تذكرنا أن ~~الكون، في وجه من أوجهه، هو أيضا صفة الفكر)، وسواء أقلنا إن الله هو مجموع ما ~~يعرف، أو أنه تعبير آخر عن النظام الضروري للأشياء من حيث هو مثل أعلى للمعرفة ~~البشرية؛ ففي كل هذه الحالات يمكن أن يقال إن الذهن في سعيه إلى كشف قوانين الكون، ~~يعتمد تماما على الله (بالمعاني السابقة للكلمة)، وأن الفكر الكوني هو عندئذ الذي ~~يسعى - في مظاهره الجزئية - إلى فهم نفسه، أو، باللغة التقليدية، إن الحب العقلي ~~لله، من جانب الذهن، هو جزء من الحب اللامتناهي الذي يحب به الله نفسه؛ وعلى هذا ~~الأساس وحده يمكن أن تفسر العبارة السابقة الشديدة الغموض: «إن حب الله للناس، وحب ~~الذهن لله عقليا، هما شيء واحد.» فجميع التفسيرات التقليدية أو القريبة من ~~التقليدية تخفق تماما في هذه الحالة؛ لأن حب الذهن لله عقليا من نوع مخالف لحب ~~الله للناس تبعا لجميع الآراء التقليدية، أما في التفسير الذي تقترحه، فإن مجرد ~~كون الذهن البشري يفكر، ويضع العلم غاية له، معناه أن صفة الفكر في الكون تمارس ~~فاعليتها، ومعناه - حسب لغة اسپينوزا التقليدية - أن الله، في هذا الوجه المتناهي، ~~هو الذي يفكر. وبعبارة أخرى: فممارسة الفاعلية الفكرية في الكون، وهي الممارسة ms177 التي ~~تنتقل من فرد إلى فرد، ومن جيل إلى جيل، وتزداد تقدما وانتشارا على الدوام، لا ~~تتم إلا من خلال الأذهان الفردية، التي هي جزئية بحق، ولكن سعيها الدائم، الذي ~~يتجاوز نطاق الأفراد والأزمان، لا متناه بالمعنى الصحيح. # في هذا السعي الدائم إلى المعرفة، الذي يبدو فيه الذهن البشري حلقة في سلسلة لا ~~متناهية، يبلغ الإنسان كماله، فإذا كان ثمة «خلاص» للإنسان، وإذا كان ثمة «بركة» أو ~~سعادة قصوى يمكن أن ينالها، فهذه هي، «فمما قلناه يتجلى بوضوح أين يكون خلاص ~~الإنسان أو بركته أو حريته؛ أعني في الحب الدائم الأزلي لله، أو في حب الله للناس. ~~هذا الحب، أو البركة، هو الذي يطلق عليه في الإنجيل، عن جدارة، اسم المجد؛ إذ إنه ~~سواء كان مصدر هذا الحب هو الله أو الذهن، فإنه يصح عليه اسم طمأنينة الروح، التي ... ~~لا تختلف حقيقة عن المجد.» # 91 # في هذا النص تبلغ لغة اسپينوزا - المزدوجة الدلالة - قمتها، ويصل في النهاية إلى ~~نفس الصيغة التي وصلت إليها الأديان، ولكن بعد إثبات مطول، ربما كان قد استغرق كتاب ~~«الأخلاق» كله، للهوية بين المعرفة الإلهية أو الحب الإلهي وبين العلم ومعرفة ~~الضرورة التي تحكم الكون. فعندما يتخذ الإنسان من ذلك العلم الصحيح هدفا له، يغدو ~~كل شيء واضحا أمامه، وتزول كل الآلام والانفعالات الهوجاء لأن كل شيء يفسر من ~~خلال الضرورة الكلية للكون، ويصل الإنسان إلى التحرر الحقيقي - التحرر من الانفعال ~~والخوف الناتج عن الجهل بالأسباب، وعن إغفال الطبيعة الضرورية لكل الحوادث. # 92 # ويكتسب العقل راحته الكبرى عندما تظهر الضرورة الكونية الأزلية أمامه ~~واضحة شفافة. # وظاهر الصيغة ديني لا شك فيه، وعلى أساس هذا الشكل الظاهري لها وقع كثير من ~~الكتاب في خطأ تفسير اسپينوزا تفسيرا تقليديا. فقال برييه # Bréhier # مثلا: «إن مذهب اسپينوزا، منظورا إليه ~~في مجموعه، إنما هو مذهب للخلاص عن طريق معرفة الله.» # 93 # وقال فرويد نتال شارحا هذه الفكرة: «إننا إذ ننظر إلى الأشياء كما ~~توجد في الله وكما تتلو من الطبيعة ms178 اللامتناهية لله، وإذ ندرك أنفسنا وانفعالاتها ~~كما ترتبط بالله، نرتقي من حالة أدنى في الوجود إلى أكمل حالة يتسنى لنا بلوغها، ~~فعندئذ ندرك أسمى ما هنالك من مراتب الغبطة والسكينة. على أن علة هذه الغبطة هو ~~الله، ومعرفتنا هذه له بأنه هو علة هذه الغبطة، تبعث فينا أعمق وأنقى انفعال يمكننا ~~أن نمارسه، وهو حب الله.» # 94 # ومع ذلك فإن معنى هذه الصيغة التقليدية لا يفهم إلا من خلال التمهيد المطول، ~~الذي يستغرق الكتاب كله، والذي أعد اسپينوزا ذهن القارئ له. وهو هنا في واقع الأمر ~~يريد أن يقول: إن مذهبي بدوره، وهو المذهب الذي يخلو من جميع العناصر فوق الطبيعية ~~أو التشبيهية أو اللاعلمية، يمكن أن يوصل - على أساس أفضل - إلى نفس الغاية التي ~~تتخذها الأديان هدفا أسمى لها، ففيه أيضا خلاص (عن طريق إدراك النظام الكلي ~~للأشياء) وفيه أيضا حرية (عن طريق فهم موقع كل شيء في السلسلة الضرورية الشاملة) ~~وفيه أيضا طمأنينة وبركة (عن طريق إدراك وحدة الكون والذهن الذي هو مظهر جزئي له) ~~وفيه أيضا حب (هو حب المعرفة والعلم). # إن في هذا الجزء عناصر تبدو صوفية ولا شك، ولكن الصوفية في هذه الحالة إنما هي ~~صوفية العلم الذي لا تداخله أية مسحة من النزعة إلى ما فوق الطبيعة. والخطأ الذي ~~وقع فيه المفسرون عندما صادفوا مثل هذه العبارات التي حلق فيها اسپينوزا بالفعل ~~في آفاق لا يدانيها، في علو غايتها، إلا آفاق المذاهب الدينية التقليدية، هو أنهم ~~تصوروا أنه لا بد لذلك أن يكون قد عاد آخر الأمر إلى المعاني التي رفضها كلها في ~~البداية، ومع ذلك فليست كل العبارات ذات المظهر الصوفي، كما رأينا، إلا تتويجا ~~للمذهب العلمي الدقيق الذي ظل يبنيه حجرا حجرا طوال الكتاب، وهو لم يتخل هنا عن ~~أية فكرة من أفكاره السابقة، بل لقد استجمعها كلها، كمؤلف سيمفونية ضخمة، لينسج ~~منها خيوط الخاتمة الجبارة. ومن المؤكد أنه كان سيعد مذهبه ناقصا لو لم يكن قد وجد ~~فيه مجالا لجميع الغايات ms179 والأهداف التي تتخذها لنفسها العقائد المنافسة لمذهبه. ~~ومهما أشاد بفضيلة العقل والمنطق، وبقيمة التخلص من الأوهام والخرافات، وبأهمية ~~النظرة العلمية الدقيقة إلى الكون؛ فقد كان سيجد حتما أناسا يقولون له: ولكنا ~~سنجد في عقائدنا خلاصا وراحة وطمأنينة للنفس لا نجدها في مذهبك الصارم! وهكذا كان ~~الجزء الأخير من الكتاب - تبعا للتفسير الذي نقول به - هو الخاتمة الطبيعية ~~الضرورية لكل ما سبقه، وليس على الإطلاق متناقضا أو متنافرا مع الأجزاء السابقة ~~عليه، أو مقحما عليها دون انسجام. # ولعل السبب الأكبر في اشتداد تناقض التفسيرات حول هذا الجزء، ووقوع معظم شراح ~~اسپينوزا في أخطاء واضحة بصدده، هو ذلك الاعتقاد الباطل، والشائع لسوء الحظ، بأن ~~النظرة الشاملة الحدسية إلى الكون في مجموعه، وإدخال مقولات «الخلاص» وطمأنينة ~~النفس وما إليها، مرتبطة ارتباطا حتميا بالموقف اللاهوتي التقليدي، ولكن هل هذا ~~الارتباط ضروري بحق؟ وهل لا تستطيع أن تنظر إلى «الكون» وإلى «النظام الكلي ~~للأشياء» باحترام وتبجيل وحب إلا من خلال موقف لاهوتي؟ وهل يتحتم أن تكون النظرة ~~العلمية إلى العالم، التي لا تداخلها أية أوصاف «فوق الطبيعية»، جامدة غير مكترثة، ~~لا تعرف الحب ولا الغبطة؟ وهل ينبغي القول بمبدأ فوق الطبيعي لكي يكون مثل هذا الحب ~~ممكنا؟ وهل هذا الحب محرم على العالم الذي يستبعد كل فرض عال على الطبيعة؟ وهل ~~يستحيل على المفكر أن يتعاطف ويندمج بكل كيانه في موضوع تفكيره إلا إذا تجاوز حدود ~~هذا الموضوع وافترض كيانات خارجة عنه؟ لو رجعنا إلى تجربة العلماء لوجدنا الكثيرين ~~منهم يردون على هذه الأسئلة كلها بالنفي القاطع؛ إذ إن أشدهم تمسكا بالتفسير ~~الطبيعي الصارم لا يجد ذلك متعارضا مع شعوره بالحب نحو موضوع بحثه، وكلما تعمق ~~العالم في بحثه ازداد نطاق هذا الموضوع اتساعا، حتى نصل إلى ذلك الحب الكامل ~~للطبيعة وللمجموع الكلي للأشياء، الذي أحس به علماء كثيرون لم تدخل تفكيرهم أية ~~عناصر خارجة على الطبيعة أو عالية عليها. ~~••• # هذا هو تفسيرنا للجزء الأخير من كتاب «الأخلاق»، وهو تفسير قائم على الفهم الذي ~~أوضحناه ms180 خلال هذا البحث لفكرة «الله» عند اسپينوزا. ويمتاز هذا التفسير بأنه يقضي ~~تماما على التناقض المزعوم بين هذا الجزء وبين بقية أجزاء الكتاب، ويجعله خاتمة ~~طبيعية لكل الأفكار التي عرضها اسپينوزا في كتابه بالتدريج. # وإنه ليكون أمرا غريبا بحق لو كان اسپينوزا قد هدف آخر الأمر، كما يقول شراحه، ~~إلى تأكيد الخلود والحب الإلهي بمعناهما الحرفي، وإلى أن يعود، بشكل أو بآخر، إلى ~~الموقف الديني التقليدي كما عرفه في حداثته، أو إلى نوع من التصوف الذي لا يأباه ~~اللاهوتيون. ومبعث الغرابة في ذلك هو أنه، تبعا لهذا الفرض، يكون قد مهد لهذا ~~الهدف أسوأ تمهيد بعرض آرائه المادية التي طالما جلبت عليه الاتهامات وأثارت حوله ~~الشكوك؛ فالأمر يكون عجيبا حقا لو كان هذا الفيلسوف الذي كان الحذر حقيقة أساسية ~~في حياته، والذي بذل جهدا جبارا لاتقاء شر خصومه ممن ينفرون من آرائه الجريئة، قد ~~وضع كل هذه المقدمات الاستفزازية التي تجلب عليه المزيد من الشك ومن الاتهام والغضب ~~والنقمة والخطر، من أجل الوصول إلى غاية هادئة خاضعة لا تغضب المتمسكين بالتقاليد! ~~ولن يكون لذلك تعليل سوى أنه نوع من الرغبة المتعمدة في إيقاع الأذى بالنفس؛ أي ~~«المازوكية» الفكرية، أو نوع من العناد والمشاكسة، ذلك الذي يدفعه إلى أن يجلب على ~~نفسه مصائب كان يعمل لها ألف حساب، في الوقت الذي كانت فيه غاياته الحقيقية لا ~~تختلف كثيرا عن غايات من يخشى أذاهم! # إن الاعتبارات «التاريخية» - أعني تلك المستمدة من ظروف حياة اسپينوزا - هي ~~وحدها كفيلة برفض التفسير القائل بتناقض النهاية الصوفية لكتاب «الأخلاق» مع بقية ~~أجزائه ذات الاتجاه المادي. أما الاعتبارات «المنطقية» فنحسب أننا أوضحناها في هذا ~~الفصل بما فيه الكفاية. # الفصل الخامس # | اسپينوزا والعقائد الشائعة # (1) كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» # لما كانت آراء اسپينوزا الرئيسية في العقائد الشائعة في عصره قد عرضت في «البحث ~~اللاهوتي السياسي»؛ فقد رأينا أن نبدأ هذا الفصل بالحديث عن هدف الكتاب والتأثيرات التي ~~أحدثها بين معاصريه وبين الباحثين في وقتنا الحالي. # وقد كتب اسپينوزا في ms181 الرسالة رقم 30 يبلغ مراسله «أولدنبرج» (في عام 1665م) أنه بصدد ~~تأليف بحث عن الكتاب المقدس؛ وذلك للأسباب الآتية: ~~(1) # تحامل رجال اللاهوت، فأنا أعلم أنهم هم الذين يحولون بين الناس وبين ~~استخدام عقولهم في التفلسف؛ ولذا أحاول كشف هذا التحامل وتخليص العقول ~~الواعية منه. ~~(2) # رأي العامة في؛ إذ إنهم لا يكفون عن اتهامي بالإلحاد، وأنا مضطر إلى ~~محاربة هذا الرأي بقدر استطاعتي. ~~(3) # حرية التفلسف وحرية الرأي، التي أريد الدفاع عنها بكل الوسائل؛ إذ إن ~~نفوذ رجال الدين وطبيعتهم العدوانية يقضيان عليها. # وفي مقدمة «البحث اللاهوتي السياسي» ذاته، يحدد اسپينوزا لنفسه من تأليف الكتاب ~~أغراضا مشابهة؛ فهو يحمل على رجال اللاهوت؛ لأنهم يتخذون من قداسة الكتب المقدسة نقطة ~~بداية، ويجعلون ذلك مبدأ في الدراسة والتفسير، بينما هو يدعو إلى استخلاص هذه النتيجة - ~~إذا أمكن استخلاصها - في نهاية البحث وبعد التفكير الكامل فيه. والضرر الذي يترتب على ~~نظرة رجال اللاهوت هذه، هو أنهم يستغلون ~~طابع القداسة هذا في خنق حرية الفكر وكتم أصوات خصومهم، بل وفي السيطرة السياسية أيضا، ~~وكأن مصالح الدين لا تتحقق إلا إذا كبتت الحريات على هذا النحو الغاشم. # والأمر الذي يدافع عنه اسپينوزا في هذا الكتاب هو أن كفالة الحرية السياسية وحرية ~~التفكير في الأمور الدينية - وهي الحرية التي كانت مكفولة نسبيا في العهد الجمهوري ~~الذي كان يعيش فيه وقت تأليف ذلك الكتاب - لا تتعارض مع مصلحة الدولة، ولا مع مصلحة ~~الدين ذاته، فأفضل النظم في نظره هو ذلك الذي ينفصل فيه الدين عن الدولة انفصالا ~~تاما، وتصبح الدولة هي وحدها المسئولة عن جميع المسائل المتعلقة بحياة رعاياها ~~الاجتماعية والسياسية والفكرية. وقد أعرب اسپينوزا عن هذا الهدف في المقدمة فقال: # وإذ وجدت أننا نعيش، لحسن حظنا، في جمهورية تكفل فيها لكل فرد حرية لا ~~قيود فيها، ويعبد فيها كل فرد الله حسبما يمليه عليه ضميره، وتقدر الحرية فوق ~~أي شيء آخر؛ فقد رأيت أن عملي لا يكون جحودا ولا عقيما إذا ما أثبت أن هذه ~~الحرية إذا ما ms182 منحت، فلن يلحق النظام العام ضرر، بل إنه بدونها لا تزدهر ~~التقوى ولا يرتكز النظام العام على أسس متينة. # ولقد وجد بعض شراح اسپينوزا في ذلك الدفاع المتحمس الذي أورده في مقدمة ذلك ~~الكتاب، والذي أكد فيه أن كل ما قاله لا يتعارض مع النظام الجمهوري القائم، وأنه على ~~استعداد لإثبات ذلك، ولسحب ما يتأكد من أنه متعارض مع ذلك النظام بالفعل؛ وجدوا في ذلك ~~مظهرا لنوع من التملق للسلطات الحاكمة، ولكن تأمل دلالة الحملة الشديدة، التي سبقت ~~كلامه هذا، على الخرافات الدينية وعلى إساءة رجال الدين استغلال سلطاتهم لمنع حرية ~~الفكر، بل لأغراض شريرة في كثير من الأحيان، كل ذلك يجعل التفسير المرجح لموقفه هذا ~~هو دعم السلطة الموجودة «لأنها» كانت تشجع الحرية الفكرية، ولا سيما في شئون الدين، ~~وليس مجرد نفاق أو تملق لها؛ فهو لا يرمي من تأليف الكتاب إلى دعم النظام القائم لمجرد ~~أنه هو النظام القائم، وإنما لأن هذا النظام يتبع مبادئ يعدها سليمة، وبذلك يكون ~~هدفه الحقيقي هو الدفاع عن المبادئ ذاتها لا عن ذلك النظام. # أما الهدف الذي أخفق اسپينوزا في تحقيقه إخفاقا تاما؛ فهو ذلك الذي تحدث عنه في ~~الرسالة التي أوردنا نصا منها في البداية، وأعني به أن يدفع عن نفسه تهمة الإلحاد ~~التي وجهها العامة إليه؛ فالأمر المؤكد أن هذا الكتاب قد دعم هذه التهمة ولم يخففها ~~على الإطلاق، بل إن معظم متاعب اسپينوزا مع السلطات الدينية والثقافية القائمة عندئذ ~~كانت ترجع إلى ذلك الكتاب بعينه؛ لأن كتاب «الأخلاق» لم ينشر إلا بعد وفاته. # فأولدنبرج ذاته، الذي وجه إليه اسپينوزا هذه الرسالة، والذي كان عالما واسع الأفق، ~~قد بدأ في المرحلة الأخيرة من مراسلاته مع اسپينوزا ينتقد ذلك الكتاب بطريقة ضمنية؛ ~~فعندما طلب إليه اسپينوزا أن يحدد الأفكار التي يجوز أن تجرح المشاعر الدينية في ذلك ~~الكتاب، ذكر، في الرسالة رقم 71، الأمور الآتية: الخلط بين الله وبين الطبيعة، وإنكار ~~المعجزات التي يعتقد المسيحيون جميعهم تقريبا أنها هي وحدها التي تضمن ms183 بقاء الإيمان، ~~وغموض موقفه من المسيح وتجسده وتضحيته. وفي الرسالة رقم 73 حدد النقاط التي يعتقد أنها ~~تؤدي، في نظر القراء، إلى هدم الفضيلة الخلقية، بأنها هي فكرة الضرورة الصارمة التي لا ~~يخرج عنها شيء، بحيث لا يعود هناك جدوى للثواب والعقاب؛ إذ إن ما هو ضروري - حتى لو كان ~~شرا - له دائما مبرراته، وليس في الحتمية المفرطة مكان للخطيئة أو للجزاء. # ومثل هذا الانتقاد بالضبط يتكرر في رسالة أخرى وجهها «لامبرت ~~دي ڨلتهوبزن # Lambert de ~~Velthuysen ~~» إلى «ياكوب ~~أوستن # Jacob Osten ~~» وتتضمن آراء الأول في الكتاب؛ فهو يردد أيضا نفس الفكرة ~~القائلة بخطورة فكرة الضرورة الشاملة على الدين من حيث ما تؤدي إليه من استحالة الثواب ~~والعقاب، ونفي الخلق والمعجزات، وإنكار لقيمة الصلاة، ويضيف: «ولقد كان في ذلك كله ~~مخلصا لمبادئه؛ فأي مجال يمكن أن يظل باقيا لحكم الآخرة أو احتمال الثواب أو العقاب، ~~إذا ما أخضع كل شيء للقدر، وإذا قيل إن كل شيء يصدر عن الله بضرورة مطلقة، أو أن الله ~~ليس سوى الكون بأكمله؟» ويضيف صاحب الرسالة أن فكرة اسپينوزا عن الله تجعل الله غير ~~مكترث بما يعتنقه الناس من آراء دينية، وأن لكل شخص أن يعتنق من العقائد أو العبادات ما ~~يرى أنه أقدر من غيره على تقريبه إلى ممارسة الفضيلة. وينتهي من ذلك كله - في حكم يمكن ~~أن يعد ممثلا لحكم معاصري اسپينوزا على الكتاب - إلى أن هذا البحث «يهدم في رأيي ~~كل عقيدة وكل دين ويقلب جميع الأسس؛ فهو يدعو - خلسة - إلى الإلحاد، أو يقول بإله لا ~~يستطيع الناس أن يشعروا نحوه باحترام الألوهية: إله يخضع، هو ذاته، للقدر، فلا يظل ~~هناك مكان للعناية أو للمشيئة الإلهية، ولا يعود ثمة ثواب ولا عقاب ... [فالمؤلف] لا ~~يعلم إلا الإلحاد البحت، وذلك بحجج خفية مستترة.» # هذا هو أنموذج النقد القديم لكتاب «البحث اللاهوتي السياسي»، ولكم تغيرت النظرة إلى ~~هذا الكتاب منذ ذلك اليوم حتى عصرنا الحالي! لقد اكتشفت فيه، منذ التاسع عشر، مزايا ~~لم يكن ms184 من الممكن التنبه إليها في عصر اسپينوزا على الإطلاق؛ إذ إن من المستحيل كشفها ~~إلا في عصر بلغت فيه النظرة التاريخية إلى الظواهر الاجتماعية - وضمنها الظواهر الدينية ~~- قمتها. وهكذا انقلب ذلك الذم المفرط إلى مديح لا حد له، وتنافس الكتاب المعاصرون ~~في التحدث عن اسپينوزا بوصفه «رائدا» للبحث التاريخي للعقائد، وعصاميا فريدا في هذا ~~الميدان. وهكذا قال «ڨيل # Weill ~~»: «إن فضل هذا الكتاب، ~~في نظر أعمق النقاد المعاصرين، يرجع إلى أنه وضع نظاما حقيقيا لعلم التفسير، وحدد ~~الهدف الحقيقي الواجب بلوغه، وأعني به، قبل كل شيء، فهم النصوص بذاتها دون أية فكرة ~~سابقة، وعلى نحو موضوعي وتاريخي تماما، ووصل إلى بعض النتائج التي لم تكشفها، منذ ذلك ~~الحين، إلا جهود البحاثة المتعمقين الذين أعلنوها على الملأ.» # 1 # ويقول برنشڨك: «إن المعقولية الوضعية في «البحث اللاهوتي السياسي»، قد ~~استبقت أفضل نتائج النقد المعاصر.» # 2 # كما يقول في موضع آخر: «مثلما وضع ديكارت أسس التحليل الخالص والفيزياء ~~الرياضية، فكذلك يعد اسپينوزا واضع المنهج السيكولوجي والاجتماعي الذي هو أساس علم ~~التفسير الحديث.» # 3 # الأمر الذي لا شك فيه، أن هذا المنهج التفسيري الذي اتبعه اسپينوزا في هذا الكتاب، ~~ووقوفه من النصوص الدينية موقف الباحث العلمي الموضوعي الذي لا يحكم إلا على أساس ما ~~يمليه عقله - لا ما تمليه مشاعره أو عواطفه - كان مرتبطا أوثق الارتباط بدعوته إلى ~~حرية التفكير والبحث، التي جعلها هدفا لذلك الكتاب. ونستطيع أن نقول إنه في هذه الدعوة ~~الأخيرة أيضا - لا في دعوته إلى التفسير العلمي للنصوص الدينية فحسب - قد استبق أشد ~~الاتجاهات تحررا في العصر الحديث، وأنه يعد مبشرا بأفكار لم تبدأ في التبلور إلا منذ ~~عهد الثورة الفرنسية على الأقل. # 4 ~~(1-1) أسلوب البحث اللاهوتي السياسي # يبدو، لأول وهلة، أن الأسلوب المسترسل الذي كتب به اسپينوزا «البحث اللاهوتي ~~السياسي» لا يتيح له اتباع الطريقة غير المباشرة في الكتابة، التي كان يساعده ~~عليها، إلى حد بعيد، منهجه الهندسي في كتاب «الأخلاق»، وبالفعل كانت آراء ~~اسپينوزا في «البحث اللاهوتي ms185 السياسي» صريحة إلى حد غير قليل، وكان ذلك الكتاب، كما ~~قلنا، هو المسئول الأول عن شهرة اسپينوزا في عصره، وفي العصر التالي له مباشرة، ~~بالمروق. # ومع ذلك فإن المرء يستطيع أن يدرك ~~في هذا الكتاب أيضا نوعا من التحفظ في الكتابة . ويكاد المرء يشعر، كلما أمعن ~~قراءة هذا الكتاب، بأن اسپينوزا لو كان قد ترك نفسه يعبر مباشرة عن آرائه ~~الحقيقية، دون أن يفرض على نفسه أي قيد، لجاء هذا الكتاب - الذي هو في صورته ~~الراهنة من أجرأ الكتب بالنسبة إلى عصره - أشد عنفا من ذلك بكثير، ولاختفت منه ~~تماما أية مسحة لاهوتية قد تظهر فيه من آن لآخر، ولسنا نحن وحدنا الذين نقول بهذا ~~الرأي، بل إن «ليوشتراوس» - كما ذكرنا من قبل - يؤكده أيضا، كما أحس «ماتيو ~~أرنولد» بنفس الشعور حين قال معلقا على «البحث اللاهوتي السياسي»: «من المهم أن ~~نلاحظ أنه (أي اسپينوزا) لا يعبر فيه أي موضع بوضوح عن رأيه في الطابع الأساسي ~~للإنجيل؛ فهو يأخذ الإنجيل على حاله، مثلما ينظر إلى الظواهر الطبيعية، ويناقشه كما ~~يجده ... وإذ يمضي اسپينوزا على أساس هذا المبدأ، فإنه يترك القارئ اليقظ حائرا ~~وساخطا إلى حد ما ... إذ نشعر بأنه يبدأ مما هو بالنسبة إليه فرض، ونريد أن نعرف ~~رأيه الحقيقي في هذا الفرض. وكل ما يأتي به إلينا من تجديدات إنما ينحصر في الحدود ~~التي رسمها له هذا الفرض.» # 5 # وفي موضع آخر من المقال نفسه يقول «ماتيو أرنولد»: «لا يستطيع أي شخص ~~ذكي أن يقرأ البحث اللاهوتي السياسي دون أن «يشعر» بأن الكتاب يفتقر، بمعنى ما، إلى ~~أساس، ويفتقر إلى دعائم، وبأن هذا الأساس وهذه الدعائم لا توجد، على أية حال، في ~~الكتاب نفسه، وإنما ينبغي، إذا كانت موجودة، أن تلتمس في الكتب الأخرى للمؤلف.» # 6 # وبالفعل نجد أمورا أساسية يسلم بها في كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» دون ~~مناقشة تؤديها أو تعارضها، ولا يمكن أن يفهم رأي اسپينوزا فيها إلا بالرجوع إلى ~~كتاب «الأخلاق» على الأخص. ونستطيع أن نقول ms186 إن الكتابين، على هذا الأساس، ~~متكاملان؛ فكتاب «الأخلاق»، وإن يكن مكتفيا بذاته بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ~~يبحث في الأسس والدعائم الأولى للفكر النظري وللأخلاق، و«البحث» يعالج ميدانا ~~تطبيقيا هو موقع الدين في الدولة، ولكن كثيرا من المشاكل التي تركت فيه دون ~~جواب لا يمكن أن تفهم إلا بالرجوع إلى ما قيل عنها في الأخلاق. # ويتضمن كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» شواهد عديدة، بعضها مباشر وبعضها غير ~~مباشر، على أن اسپينوزا بذل في هذه الحالة أيضا مجهودا لتخفيف وقع آرائه باصطناع ~~لغة لاهوتية ظاهرة للتعبير عن معان مخالفة تماما للمعاني اللاهوتية. وكما قلنا من ~~قبل في صدد الكلام عن المنهج، فإذا كان قد استخدم المنهج الهندسي في الأخلاق وسيلة ~~لتحقيق هذه الغاية، فإنه يستخدم هنا ما يمكن أن يعد فرعا للمنهج الهندسي، وهو ~~ما أسميناه «بطريقة المعادلات»، للوصول إلى هذه المعاني المزدوجة. # ولنردد ها هنا، مرة أخرى، بعض أمثلة هذه الطريقة كما تستخلص من هذا ~~الكتاب: ~~(1) ~~«أعني بمعونة الله، النظام الضروري الثابت للطبيعة أو سلسلة الحوادث ~~الطبيعية ... بحيث إن القول بأن كل شيء يحدث وفقا للقوانين الطبيعية، ~~والقول إن كل شيء مكتوب بأمر الله، يعنيان في رأيي شيئا واحدا ... وعلى ~~ذلك فإن كل ما تستطيع الطبيعة البشرية أن تزود به نفسها، بجهودها ~~الخاصة، لحفظ وجودها، يصح أن يطلق عليه اسم المعونة الإلهية الباطنة، ~~بينما أن كل ما يعود على الإنسان بالنفع من علل خارجية يمكن أن يسمى ~~بالمعونة الإلهية الخارجية (الظاهرة).» # 7 ~~(2) # وفي موضع آخر يرى اسپينوزا أن السعي إلى معرفة الله [أي فهم استمرار ~~الطبيعة] يمكن أن يسمى أمرا إلهيا؛ لأن الفكرة الإلهية كامنة فينا، ~~وهي التي تدفعنا إلى هذا السعي. # 8 # ومعنى ذلك أن الأمر الإلهي في رأيه كامن في الإنسان، ليس ~~له أي مصدر خارجي، وهو أمر يصدره الإنسان لنفسه في سبيل تحقيق أشرف ~~غاياته، وهي الفهم العقلي للأشياء. ~~(3) # ويعرف اسپينوزا الإيمان بأنه «معرفة لله، بدونها تستحيل طاعته، وقد ~~يتمثل في هذه الطاعة وحدها.» # 9 # وقبل ذلك ms187 بصفحات قلائل يقول: «إن طاعة الله لا تكون إلا في ~~حبنا للجار.» # 10 # أي إن طاعة الله إنما تكون في حسن معاملة الناس فحسب؛ وعلى ~~ذلك يكون معنى التعريف الأول هو: الإيمان معرفة لله، بدونها تستحيل ~~المعاملة الطيبة للناس، ويتمثل في هذه المعاملة وحدها. والتعريف، في ~~صورته الحقيقية هذه، يوحد بين الإيمان وحسن التعامل مع الناس، ~~وبالتالي لا يجعل لاختلافات مضمونات العقائد أي أثر فيه. وقد يقال إن ~~هذه أفكار توجد صراحة في كثير من العقائد. وهذا أمر لا ننكره، ولكنه ~~ليس هو الموضوع الأساسي في هذا المجال، وإنما الموضوع الأساسي هو: هل ~~يوحي التعريف الأول الذي أوردناه ها هنا، في ظاهره، بمثل هذه المعاني؟ ~~ألا يبدو في مظهره تعريفا متمشيا مع جميع التقاليد اللاهوتية، ولا ~~يستطيع أشد اللاهوتيين تمسكا بالحرفية أن يأخذ عليه أي مأخذ؟ ~~(4) # وفي الفصل الأول من الكتاب، حين يتحدث اسپينوزا عن المصادر التي سوف ~~يستمد منها بحثه في الطرق التي يتصل بها الله بالبشر، يقول: إن هذه ~~المصادر هي كتب الأنبياء - وهو يعني بهم أنبياء اليهود بطبيعة الحال. ~~ثم يقول: «ولما لم يكن هناك، بقدر ما أعلم، أي نبي حي في هذه الأيام، ~~فلا مفر لنا من قراءة كتاب الأنبياء الراحلين ...» # 11 # ومن المؤكد أن هذه الجملة، ولا سيما عبارة «بقدر ~~ما أعلم»، فيها نوع من ~~الاستخفاف بالموضوع بأسره. وهذا الاستخفاف الذي يبديه اسپينوزا هنا، ~~بطريقة مستترة، ينعكس على الكتاب كله؛ إذ إن ما يبدو فيه من احترام ~~ظاهري لوجهة نظر أنبياء اليهود، إن هو إلا من قبيل «أخذ الناس بقدر ~~عقولهم»، كما اعتاد اسپينوزا أن يفعل في كثير من مواقفه ~~الفكرية. # ولسنا نود أن نمضي في تعديد الشواهد على اتباع اسپينوزا الأسلوب غير المباشر في ~~هذا الكتاب بدوره، ويكفي أن نقول: إن كل حديثه عن الدين - مثل حديثه عن الله في ~~الفصل السابق - يتخذ معنى جديدا كل الجدة إذا كانت الطاعة الإلهية لا تعدو أن ~~تكون حب الجار، وإذا كان الوحي الديني في نظره ثانوي ms188 الأهمية، وشعائر الدين - كما ~~سنرى فيما بعد - لا تفيد من حيث قيمتها العملية، وإذا كان القانون أو الأمر الإلهي ~~لا يعدو أن يكون تعبيرا عن النظام الضروري للأشياء. فاستخدام اسپينوزا للفظ الدين، ~~أو الإيمان، لم يكن بدوره إلا من قبيل المجاراة والتهدئة فحسب. أما معانيه الحقيقية ~~فكانت في واد آخر تماما. ومع ذلك فلا بد من التسليم بأن هذا الأسلوب غير المباشر ~~لم يكن ناجحا كل النجاح في هذا الكتاب؛ إذ إن طريقة الكتابة المسترسلة تؤدي إلى ~~الكشف عن معانيه الحقيقية دون عناء كبير. وهذا ما يفسر الضجة الكبرى التي أحدثها ~~الكتاب في الأوساط الدينية في عصره على الأخص، وهي الضجة التي ظل اسپينوزا يعاني ~~آثارها طوال حياته. ~~(2) موقف اسپينوزا من المسيحية # وبعد كل ما قلناه في القسم السابق، نستطيع أن نقول إن الدليل الأكبر على اتباع ~~اسپينوزا للأسلوب غير المباشر في التعبير عن آرائه، هو الاختلاف الشديد بين الشراح ~~حول موقفه من المسائل الدينية، ولا بد لإيضاح طبيعة هذا الاختلاف من شرح رأي اسپينوزا ~~في اليهودية والمسيحية كل على حدة، ثم عرض آرائه في الروح الدينية بوجه عام. ولما ~~كنا سنخصص فصلا مستقلا لشرح موقف اسپينوزا من اليهودية، فسوف ننتقل هنا مباشرة من ~~الحديث عن موقفه من المسيحية، إلى بحث رأيه العام في الروح الدينية. # والظاهرة التي تلتف النظر في كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» هي أن اسپينوزا أظهر ~~محاباة واضحة للمسيحية بالنسبة إلى اليهودية. # فتعاليم موسى في الوصايا العشر كانت في رأيه مكيفة تبعا لأذهان اليهود، وترمي إلى ~~تحقيق رفاه مملكتهم فحسب؛ أي إن موسى كان يخاطب اليهود بوصفه مشرعا وقاضيا، وكان ~~يتناول في تشريعه الجانب الظاهر من سلوك الإنسان. أما المسيح فقد تناولت تعاليمه حياة ~~الإنسان الباطنة، وكان الجزاء عنده روحيا أكثر منه دنيويا. # 12 # وحين يحلل اسپينوزا مختلف طرق الاتصال بين الله وبين الأنبياء حسبما جاء في الأناجيل، ~~يرى أن الأوصاف الواردة في الأناجيل لا تدل على حدوث اتصال مباشر بين الذهن الإلهي وبين ~~أي ذهن آخر ms189 سوى المسيح؛ فالاتصال الإلهي بموسى كان مخاطبة أو كلاما، والكلام يحتاج ~~دائما إلى المخيلة لتفسيره أو فهمه. أما الاتصال ببقية الأنبياء اليهود فكان عن طريق ~~أحلام أو علامات أو أمارات معينة؛ أي إنه كان يتم دائما بتوسط، والحالة الوحيدة التي ~~تم فيها اتصال مباشر من ذهن إلى ذهن ، دون توسط اللغة أو الخيال، هي حالة المسيح. # 13 # ولقد أدت هذه المحاباة الواضحة للمسيحية في «البحث اللاهوتي» إلى اعتقاد بعض الشراح ~~أن اسپينوزا، حين نبذ اليهودية، قد اتجه بتفكيره إلى المسيحية عن إيمان صحيح بها، أو ~~أنه تأثر بتعاليمها وفضلها على سائر العقائد. # وقد ظهر هذا الرأي واضحا في كتابات الأب «دونين ~~بوركوڨسكي # Dunin-Borkowski ~~»، الذي جعل لتأثير التعاليم المسيحية المحل الأول في تحديد ~~اتجاه اسپينوزا الفكري، # 14 # كذلك يظهر رأي مماثل لدى «برنشڨك»، الذي أبدى اهتماما كبير بالنصوص التي ~~أعرب فيها اسپينوزا عن إعجابه بشخصية المسيح، وأكد تبعا لذلك أن المسيح قد ضرب ~~لاسپينوزا المثل بخروجه على اليهودية، ورفضه كل عبادة ذات طابع مادي، فضلا عن المثل ~~الذي ضربه له بحياته الروحية وتضحيته. # 15 # بل إن بعض الشراح اليهود ذاتهم قد وجدوا في «البحث اللاهوتي السياسي» ~~ميلا واضحا إلى المسيحية؛ فأكد «هيلر # Heller ~~» أن ~~«بحث اسپينوزا للاهوت العهد القديم والعهد الجديد يتسم بتحيز واضح للمسيحية.» # 16 # ورأى «ليوشتراوس» أن هذا الكتاب قد وضع من وجهة نظر مسيحية، أو وجهة نظر ~~تحتل فيها المسيحية المكانة الأولى، وعلق على ذلك بقوله: «لا يسع المرء إلا أن يعتقد ~~أنه أراد أن يقدم إلى المسيحيين النصيحة الآتية: أن يتخلوا عن الآثار اليهودية ~~المادية التي شوهت المسيحية منذ بدايتها، أو أن يعودوا إلى التعاليم الروحية الخالصة ~~للمسيحية الأصلية ... فالغرض الأساسي من «البحث اللاهوتي السياسي» هو تحرير المسيحية من ~~تراثها اليهودي.» # 17 # ولكن الاعتقاد بأن اسپينوزا كان ميالا إلى المسيحية أو متحيزا لها، وبأنه قد اقترب ~~كثيرا من الإيمان بها بعد تخليه عن اليهودية، يكذبه على نحو قاطع ما قاله في رسالة ~~رقم 73 (إلى أولدنبرج)؛ ففي ms190 هذه الرسالة يتحدث عن الاختلاف بين رأيه عن الله والرأي ~~الذي يقول به المسيحيون المحدثون، من حيث إنه يرى أن الله هو العلة الكامنة في شيء، ~~وليس العلة العالية على الأشياء. ثم يفسر الفكرة المسيحية القائلة إن المسيح هو الابن ~~الأزلي لله، بأنها تعني أن المسيح كان يعبر عن «الحكمة الإلهية الأزلية كما تتمثل في ~~جميع الأشياء، ولا سيما في العقل البشري؛ وهي الحكمة المؤدية بالفعل إلى الخلاص. أما ~~فكرة اتخاذ الله صورة بشرية، فيقول عنها: لقد أشرت صراحة إلى أنني لا أفهم المقصود ~~منها، بل إن هذا القول لا يبدو لي أقل امتناعا من القول بأن الدائرة قد اتخذت صورة ~~المربع.» فإذا أدركنا أن اسپينوزا كان أصرح في تعبيره عن آرائه في رسائله منه في كتبه، ~~وإذا علمنا أن الاعتراضات الواردة في هذه الرسالة تتعلق بأركان أساسية في العقيدة ~~المسيحية، لتبين لنا أن رأيه الحقيقي في المسيحية كان لا بد مختلفا عن الرأي الذي ~~عبر عنه في «البحث اللاهوتي» حين جعل هذه العقيدة هي الأقرب إلى التعبير عن التعاليم ~~الإلهية، وحين سلم بحرفيتها وأبدى نوعا من الإعجاب بها. # ولقد أدرك كثير من شراح اسپينوزا وجود هذا التناقض في كتابته عن المسيحية. ونسبه ~~بعضهم إلى رغبة اسپينوزا في مجاملة الجماهير. # 18 # وفي هذا المعنى قال «جوليان ڨيل»: «إن حرص اسپينوزا على مسايرة الآراء ~~المسيحية ليتبدى جليا ... في إشادته في كثير من المواضع بالمسيح والحواريين، وفي إحجامه ~~عن دراسة الأناجيل المسيحية من وجهة النظر النقدية، وفي إصراره المتحيز على امتداحها ~~على حسب العهد القديم.» # 19 # وأخيرا، فإن ليوشتراوس يذكر صراحة أن اسپينوزا لم يكن يعد المسيحية ~~أفضل من اليهودية، بل كان يدرك أن السلطات الحاكمة، والأغلبية الموجودة، تؤمن ~~بالمسيحية، وكانت مهاجمة اليهودية في نظره أقل خطرا من مهاجمة المسيحية؛ بينما يؤكد أن ~~القارئ الواعي لا بد أن يدرك أن انتقاداته التي وجهها إلى اليهودية لا بد أن ~~تسري في الوقت ذاته على المسيحية. # 20 # وفي اعتقادنا أن هذا الرأي الأخير صحيح، ms191 وأن ما يبدو في «البحث اللاهوتي» من محاباة ~~للمسيحية ليس، في واقع الأمر، إلا مظهرا من مظاهر إخفاء اسپينوزا لآرائه الحقيقية. ~~ولنذكر هنا الرأي الذي سبق أن اقتبسناه لماتيو أرنولد، وهو الرأي القائل: إن اسپينوزا ~~لا يناقش الإنجيل ولا يبدي رأيه فيه، بل يتناوله كما هو، ويأخذه كما لو كان يضع فرضا ~~معينا، دون أن يحدد لنا موقفه من هذا الفرض. وهذا ، في الواقع، هو التعليل الصحيح لما ~~يبدو من إعجاب اسپينوزا بالمسيحية؛ فهو يتناول تعاليمها كما هي، ويفترض أنها صحيحة، ثم ~~يستخلص التفسيرات المنطقية لما في هذه التعاليم من أفكار، ولكن الأمر لا يعدو أن يكون ~~افتراضا فحسب؛ إذ لو كان يؤمن بها حقا لما تحدث عنها على نحو ما رأينا في رسالة ~~إلى «أولدنبرج»، وعلى أية حال، فإن انتقاداته التي ركزها على العهد القديم هي، في نظر ~~كل من يختبرها عن كثب، ذات طابع أوسع بكثير من أن تنطبق على تعاليم العهد القديم ~~وحده؛ فهي في الواقع انتقادات موجهة إلى الروح الدينية في عمومها، كما سنرى في الأقسام ~~التالية. ~~(3) العقل والإيمان عند اسپينوزا # وضع اسپينوزا في «البحث اللاهوتي السياسي» حدا فاصلا بين العقل والإيمان، أو بين ~~الفلسفة واللاهوت، وأكد أن لكل منهما مجاله الخاص الذي لا يتعدى على مجال الآخر: ~~«فمجال العقل هو ... الحقيقة والحكمة، ومجال اللاهوت هو التقوى والطاعة، واللاهوت لا ~~ينبئنا بشيء، ولا يحضنا على شيء، ولا يأمرنا بشيء سوى الطاعة، وهو لا يتجه إلى ~~معارضة العقل ولا يستطيع ذلك؛ وإنما يكتفي بتعريف مبادئ الإيمان ... بقدر ما تكون ضرورية ~~للطاعة، ويدع العقل يحدد حقيقتها بدقة؛ ذلك لأن العقل هو نور الذهن، وبدونه تغدو كل ~~الأشياء أحلاما وأوهاما» وبالاختصار ففي وسعنا أن ننتهي من ذلك إلى النتيجة النهائية ~~القائلة: «إن من الواجب ألا نسعى إلى إخضاع الإنجيل للعقل، ولا العقل للإنجيل.» # 21 # ومثل هذا الرأي في العلاقة بين العقل والإيمان أدى بكثير من شراح اسپينوزا إلى ~~الاعتقاد بأنه قد جعل التفكير الفلسفي والإيمان الديني متساويين، كل في ms192 ميدانه ~~الخاص، وأنه دافع عنهما بنفس القوة. فقال «بروشار» مثلا: «إن أحدا لم يدافع عن حقوق ~~العقل بمثل هذه القوة، وإن أحدا لم يتحدث عن الإيمان بمثل هذا الاحترام. فإذا كان يعد ~~شكاكا # incrédule # لأنه يرى الوحي غير كاف، فإنه ~~شكاك يؤمن بالوحي، وروحه دينية بعمق.» # 22 # وعلى هذا النحو نفسه فهم «برنشڨك» تفكير اسپينوزا على أنه محاولة للتوفيق بين الفلسفة ~~- كما تتمثل لدى ديكارت - وبين الإيمان كما يتمثل في المسيحية: «فالغاية التي استهدفها ~~هي تنقية ديكارت وتنقية الدين؛ أي تنقية ديكارت باستبعاد العنصر اللاعقلي اللامنهجي من ~~مذهبه ... وتنقية الدين ... بالتشبه بالمسيح الذي جاء ليضع حدا لكل العبادات المتحجرة؛ ~~لأنه لا يرى الدين إلا روحيا فحسب؛ فالمهمة التي أراد اسپينوزا إنجازها هي أن يضم في ~~وحدة روحية جامعة ديكارت الحقيقي والمسيح الحقيقي.» # 23 # وفي موضع آخر يعلق برنشڨك على الجزء الأول من النص الذي اقتبساه عن ~~اسپينوزا في بداية هذا القسم فيقول: «هذه هي الفكرة الأخيرة التي انتهى إليها اسپينوزا ~~من دراسته للدين المنزل بالوحي؛ فقد برر الكتاب المقدس وأكد قداسته، وبرر العقل وأكد ~~قداسته، دون أن يجعل سلطة الأول تنال من استقلال الثاني.» # 24 # مثل هذا التفسير لموقف اسپينوزا من مشكلة العلاقة بين العقل والإيمان يغفل، في ~~رأينا، أهم أوجه هذا الموقف، حقا إنه يرتكز على بعض نصوص مستمدة من كتاب اسپينوزا ~~نفسه، ولكن هذه النصوص، إذا ما وضعت في سياقها الحقيقي، تكتسب في واقع الأمر دلالة ~~مختلفة كل الاختلاف؛ فالتفسير الذي يبدو لأول وهلة لهذه النصوص هو أن اسپينوزا فصل بين ~~مجالي العقل والوحي لكي يحفظ لكل منهما حقوقه إزاء الآخر، ولكن الواقع هو أن هدفه ~~الحقيقي، المستمد من ظروف عصره، كان إبعاد سلطة رجال الدين عن كل الأمور المتعلقة ~~بالمعرفة، وهي الأمور التي كانوا يدعون لأنفسهم سلطة كاملة فيها، ويتدخلون فيها على ~~أساس أن لهم الكلمة الأخيرة حتى في هذا المجال ذاته؛ ففي العصر الذي تكون سلطة رجال ~~الدين فيه هي الغالبة، تتخذ الدعوة إلى فصل العقل ms193 عن الوحي دلالة مختلفة كل الاختلاف؛ ~~إذ يصبح الوجه الذي يدافع فيها عن العقل أقوى من الوجه الذي يدافع عن الوحي بكثير، ولو ~~ظهرت مثل هذه الدعوة في القرن العشرين مثلا، حيث يكتسح العقل كل مجالات المعرفة ~~البشرية، لأصبحت دلالتها عكس الدلالة السابقة؛ أي لأصبحت دفاعا عن الوحي أكثر منها ~~دفاعا عن العقل. وبعبارة أخرى: فتفسير الدعوة إلى فصل العقل عن الوحي ينبغي أن يستمد ~~من ظروف كل عصر ، وأن يعد دفاعا عن الجانب «الأضعف» نسبيا منهما في ذلك العصر. ولما ~~كان عصر اسپينوزا، رغم حرية الفكر النسبية فيه، قد ظل يتضمن كثيرا من عناصر التعصب ~~الديني المتخلف عن العصور الوسطى، وكانت كلمة رجال الدين فيه، رغم كل شيء، هي الغالبة، ~~بينما يضطر أصحاب النزعات الثائرة فيه إلى التعبير عن آرائهم بطريقة حذرة مستترة، فلا ~~بد أن يكون الاتجاه الحقيقي لفكرته هذه دفاعا عن العقل أكثر منه دفاعا عن ~~الوحي. # ولكنا لسنا في حاجة إلى مثل هذه التحليلات والاستنتاجات لكي ندرك الغرض الحقيقي ~~لاسپينوزا؛ إذ إن كتاباته ذاتها تحفل بالنصوص التي يستحيل أن يخطئ المرء فهم مرماها؛ إذ ~~إنها كلها تمجيد صريح للعقل وإعلاء له على كل شيء. # فهو يرفض بشدة كل محاولة لإعطاء العقل مكانة ثانوية بالنسبة إلى الوحي، ويقول: «إني ~~لأدهش ممن يرغب في إخضاع العقل؛ تلك الموهبة الرفيعة والنور العلوي، للحرف الجامد الذي ~~ربما كان الخبث البشري قد أفسده؛ وأدهش لأن الناس لا يرون أي جرم في التحقير من شأن ~~العقل الذي هو التعبير الحق عن كلمة الله؛ فيسمونه فاسدا وأعمى ومضللا، على حين أنهم ~~يرون من أشنع الجرائم التي تنسب مثل هذه الصفات إلى الحرف، الذي لا يعدو أن يكون ~~انعكاسا وخيالا لكلمة الله. إن الناس ليظنون أن التقوى هي ألا يثق المرء بعقله وبحكمه ~~على الإطلاق. أما الشك في إيمان من نقلوا إلينا الكتب المقدسة فهو الفجور في نظرهم، ~~ولكن مثل هذا السلوك ليس من التقوى في شيء، وإنما هو جنون محض.» # 25 # وفي مجموعة ms194 الرسائل التي تبادلها اسپينوزا مع «بلينبرج»، ذكر هذا الأخير (في الرسالة ~~رقم 20) أن الوحي عنده يعلو على العقل، وقال: «إذا ما اتضح لي، بعد دراسة فاحصة، أن ~~المعرفة الطبيعية تتعارض مع كلام الله أو لا تتفق معه، فإن لكلام الله في عقلي سلطة ~~تجعلني أشك في المفهومات الواضحة المزعومة ...» وكان هذا القول سببا في هجوم اسپينوزا ~~عليه بعنف في الرسالة رقم 21 إذ قال: «إنني لأدرك الآن أن أي برهان، مهما كانت متانة ~~الأسس التي يرتكز عليها، لا قيمة له في نظرك إذا لم يتفق مع التعاليم التي تنسبها أنت ~~أو من تعرفهم من رجال اللاهوت إلى الكتاب المقدس. فإذا كنت تعتقد أن الله يعبر عن ~~نفسه في الكتاب المقدس بطريقة أوضح وأدق من تلك التي يعبر بها عن نفسه في النور ~~الطبيعي للذهن - الذي هو بدوره من صنعه والذي يحفظه بحكمته الإلهية - فإن لك كل الحق في ~~إخضاع ذهنك لمعتقدات الكتاب المقدس. ولو كنت موضعك لما فعلت غير ذلك. أما أنا فأعترف ~~دون مواربة بأنني لا أفهم الكتاب المقدس، وإن كنت قد كرست لدراسته عددا من السنين ... ~~ولقد أصبحت، بفضل ممارسة قدرتي الطبيعية على الفهم، وهي القدرة التي لم تخذلني قط، ~~رجلا سعيدا. وأنا بالفعل استمتع بها، وأقضي حياتي بعيدا عن الحزن والهم، هادئا ~~مرحا مسرورا.» وعندما أصر «بلينبرج» في الرسالة التالية، على موقفه الذي يخضع فيه ~~العقل للوحي، رد عليه اسپينوزا في الرسالة رقم 23 قائلا إنه لا جدوى من استمرارهما في ~~التراسل، طالما أنهما مختلفان على هذه المبادئ الأساسية، وكان من بين ما جاء في رده: ~~«لقد كتبت في رسالتك الثانية أيضا تقول إن أمنيتك ورغبتك الوحيدة هي المحافظة على ~~الإيمان والأمل، بينما أنت لا تكترث بمختلف الآراء التي تناقشنا حولها في صدد الذهن ~~الطبيعي. وهكذا رأيت، وما زلت أرى، أن رسائلي لا قيمة لها بالنسبة إليك ... والواقع أنني ~~عندما كتبت إليك (رسالتي الأولى) كنت أظنك فيلسوفا خالصا، لا تقبل (شأن عدد كبير من ~~أتباع العقيدة المسيحية) ms195 معيارا للحقيقة سوى الذهن الطبيعي، لا اللاهوت.» # ولما كان أي شخص يؤمن بالوحي لا يستطيع أن ينكر أن التفكير العقلي يرجع إلى الله ~~ويستمد منه، فإن اسپينوزا يستغل هذه الفكرة ليقول: إن العقل البشري ينبغي، على هذا ~~الأساس، أن يكون هو الأصل الأول لكل وحي إلهي، فيقول في الفصل الأول من «البحث ~~اللاهوتي»: «ولما كنا نرى أن ذهننا ينطوي في ذاته على الطبيعة الإلهية ويشارك فيها، ~~ويستطيع لهذا السبب وحده، أن يكون أفكارا تفسر الظواهر الطبيعية وتحض على الأخلاق ~~الحميدة، فإن ذلك يستتبع القول بأن لنا الحق في أن ننظر إلى طبيعة الذهن البشري ~~(منظورا إليه على هذا النحو) على أنه هو العلة الأولى للوحي الإلهي.» وهكذا يستخلص ~~اسپينوزا من نفس منطق التدين، باستدلال دقيق، نتيجة خطيرة تجعل من العقل أساسا للوحي ~~ذاته. # وهكذا يكون من الخطأ، في هذا السياق أيضا، أن نقرب بين اسپينوزا وبين فلاسفة العصور ~~الوسطى الذين كانت مهمتهم هي التوفيق بين الفلسفة والدين، والذين ركزوا جهودهم في ~~العثور على صورة أرسطو في النصوص الدينية؛ ففي الوقت الذي يبدو فيه لأول وهلة أن ~~اسپينوزا يرمي إلى تحقيق نفس الهدف، مع استبدال ديكارت بأرسطو، يتضح من البحث الدقيق ~~لآرائه أنه يجعل للعقل، في واقع الأمر، مكانة تعلو على كل شيء، وأنه لو خير بين ~~العقل والوحي لما تردد في اختيار الأول، وأنه لم يجعل للوحي مجالا إلا حيثما يعجز ~~الناس عن ممارسة عقولهم، وسوف تظهر هذه الحقيقة بمزيد من الوضوح عندما نتحدث عن وظيفة ~~العقيدة الدينية كما تصورها اسپينوزا. ~~(3-1) وظيفة العقيدة الدينية # ليست للعقيدة الدينية، في رأي اسپينوزا، أية وظيفة نظرية تتعلق بالمعرفة؛ ففي كل ~~الميادين المعرفية يسيطر العقل بلا منافس. بل إن للعقائد وظيفة عملية فحسب، ولا ~~أهمية على الإطلاق للأساس النظري الذي ترتكز عليه هذه العقائد طالما أنها تؤدي ~~وظيفتها العملية على النحو المنشود، «فالإيمان يسمح بأكبر قدر من التحرر في النظر ~~الفلسفي، ويبيح لنا، دون لوم، أن نتصور أي شيء كما نشاء، ولا يرمي ms196 بالهرطقة ~~والزندقة إلا من ينشرون آراء تحض على المكابرة والكراهية والتشاحن والبغضاء، بينما ~~لا يكون المؤمنون في نظره إلا من يحضوننا، بقدر ما يسمح عقلهم وملكاتهم، على ~~العدل والإحسان.» # 26 # وهو يتحدث في موضع آخر حديثا أصرح من ذلك، فيعلق على عدم أهمية ~~المذاهب الدينية النظرية قائلا: «ليس لأحد أن ينكر أن الإيمان بهذه المذاهب ضروري ~~لكي يستطيع كل شخص بلا استثناء، أن يطيع الله وفقا لما يقضي به الشرع ... أما ما ~~يكونه الله ، أو المثل الأعلى للحياة الحقة، في ذاته، من حيث هو نار أو روح أو نور ~~أو فكر أو أي شيء غير هذا، فهذا في رأيي أمر لا شأن له بالإيمان، فلكل أن يفكر في ~~هذه الأمور كما يشاء.» # 27 # وهكذا يبدو أن اسپينوزا يبيح جميع الاختلافات النظرية حول العقيدة - ~~وبالتالي لا يعترف بأية قيمة للأسس النظرية - طالما أن الغايات العملية للعقيدة ~~تتحقق. # ولكن من الواضح أن المفكر الذي يتجه إلى جعل السلوك العملي - بغض النظر تماما ~~عن الأسس النظرية - مقياسا وحيدا للعقيدة قد يهدم برأيه هذا كل ما تبقى للعقيدة ~~من أسس؛ إذ إن السلوك الفاضل الذي يتحقق في إطار خارج تماما عن العقيدة، يصبح على ~~هذا الأساس مساويا لذلك الذي يتحقق في الإطار الديني، أو بعبارة أخرى: إن السلوك ~~الفاضل يصبح غاية في ذاتها، سواء تحقق بفضل الإيمان أو بدونه. وإذا كان الكثيرون من ~~المتدينين يوافقون على المقدمة القائلة إن السلوك العملي هو أهم ما في الدين، فلا ~~أظن أنهم جميعا يقبلون النتيجة الضرورية التي تستخلص منها، وهي أن هذا السلوك يعد ~~مطابقا للغاية المنشودة سواء أقام على أسس دينية أم لم يقم، طالما أنه ينفذ نفس ~~الأغراض التي يدعو إليها الدين. ومع ذلك فإن اسپينوزا يستخلص هذه النتيجة صراحة إذ ~~يقول: «لست أرى فارقا بين الحالات التي يدعونا الله فيها إلى مراعاة العدل ~~والإحسان عن طريق ملكاتنا الطبيعية، وبين تلك التي يأتي إلينا فيها بوحي خاص.» # 28 # أما الشعائر والطقوس الدينية فيقول عنها: «من ms197 المؤكد أنها لا تنفع ولا ~~تضر على الإطلاق فيما يتعلق بالمعرفة الحقة لله، والحب الذي ينجم بالضرورة عنها؛ ~~ولذا لم يكن ينبغي أن يعزى إليها من الأهمية ما يجعل المرء يعتقد أنها تستحق أن ~~يعكر السلام والنظام والعام من أجلها.» # 29 # ويعبر اسپينوزا عن موقفه تعبيرا أصرح إذ يقول: «إذا كان شخص ما ~~جاهلا تماما بالكتب المقدسة، ولديه مع ذلك آراء صحيحة ونهج سليم في الحياة، فإنه ~~قطعا يكون مباركا، وتكون فيه روح الله بحق.» # 30 # وبذلك يتحقق الهدف الأعلى للدين، في نظره، إذا كان السلوك العملي ~~فاضلا، بغض النظر عن أساس ذلك السلوك من وجهة نظر العقيدة، ولا يكون هناك أي ~~ارتباط حقيقي بين تعاليم الدين وروحه الحقيقية؛ أي في هذه الحالة - بين المسيحية ~~وروح المسيح. # وهنا يحق للمرء أن يتساءل: لماذا حرص اسپينوزا كل هذا الحرص على أن يؤكد أن ~~السلوك الفاضل، حتى دون إيمان حرفي أو دون إيمان على الإطلاق، كفيل بأن يوصل المرء ~~إلى السعادة والبركة الدينية ذاتها؟ ألا يستطيع المرء أن يرى في ذلك نوعا من ~~الدفاع عن النفس أو تبريرا لموقفه الخاص؟ ألم يكن يريد، في الواقع، أن يرد على ~~أولئك الذين اتهموه بالخروج على الأديان الشائعة في عصره، بالقول إن ذلك لا يحول ~~بينه وبين أسمى درجات السعادة الدينية ذاتها؟ إن الدليل على صحة هذا التفسير هو أنه ~~ينتقل، بعد النص السابق، إلى مقارنة رأيه هذا بالرأي المضاد السائد لدى اليهود - ~~مقارنة تظهر بوضوح أنه يتحدث من خلال تجربته الخاصة - فيقول: «إن لليهود طريقة في ~~التفكير تختلف عن ذلك كل الاختلاف؛ إذ يعتقدون أن الآراء الصحيحة والنهج السليم في ~~الحياة لا قيمة لهما في تحقيق السعادة والبركة، إذا كان من يملكونهما قد توصلوا ~~إليهما بنور العقل وحده، لا عن طريق الوثائق التي أوحي بها إلى موسى.» # 31 # ولكن اسپينوزا كان قد تخلى بطبيعة الحال عن عقيدته اليهودية منذ عهد ~~بعيد، ولم يكن يحفل كثيرا بمثل هذه الآراء طالما أنها تتعارض مع تفكيره ومنطقه ms198 ~~العقلي. # ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهو لا يكتفي بأن يقول إن السلوك القويم يؤدي إلى ~~تحقيق الغاية المقصودة من الدين سواء أكانت أسسه دينية أم غير دينية، بل إنه يمضي ~~خطوة أبعد من ذلك، فيقول إن العقائد تفيد في تقويم سلوك العامة وحدهم. أما الخاصة؛ ~~أي أصحاب العقول المفكرة، ففي وسعهم الاستغناء عنها تماما، بل لا مفر لهم من أن ~~يستغنوا عنها إذا ما فكروا فيها بالمنطق الدقيق. # وتظهر هذه التفرقة بين حاجات العامة والخاصة من الناس بصورة ضمنية فيما رواه ~~«كوليروس» عن اسپينوزا من أنه كان ينصح الأطفال بالذهاب إلى الكنيسة، وبإطاعة ~~آبائهم، وأنه عندما سألته صاحبة داره إن كان يعتقد أن العقيدة التي تؤمن بها ستجلب ~~لها الخلاص، أجاب: «إن عقيدتك عقيدة طيبة، ولست بحاجة إلى البحث عن غيرها، أو إلى ~~الشك في أنها ستؤدي إلى خلاصك، على شرط أن يقترن اعتصامك بالتقوى بالعيش في سلام ~~واطمئنان.» فهذه الرواية تكشف عن عدم اهتمام اسپينوزا بنوع العقيدة التي يؤمن بها ~~الناس طالما أنها تؤدي إلى عيشهم في اطمئنان - فضلا عن أن موافقته على ترك العامة ~~يؤمنون بعقائدهم كما هي تعني ضمنا أنه يرى لهذه العقائد وظيفة نافعة بالنسبة إلى ~~عقول هؤلاء العامة ومستواهم الفكري. # وقد أوضح اسپينوزا صراحة رأيه هذا في التفرقة بين ما يحتاج إليه العامة والخاصة، ~~وأكد أن الكتابات الدينية المفصلة لا ترضي إلا العامة، بينما يستطيع المفكر أن ~~يستغني عنها، ويصل مع ذلك إلى مرتبة لا يصل إليها المتدينون من العوام. # 32 # بل لقد أخذ يضرب أمثلة عديدة لأخطاء في المعرفة وقع فيها أنبياء ~~اليهود، ومن بينهم موسى ذاته # 33 ~~- وهي أخطاء قد يقبلها العوام راضين ولكن المفكرين لا يستطيعون أن ~~يقبلوها دون نقد. # والرأي الحقيقي الذي يؤمن به اسپينوزا في هذا الصدد هو الرأي القائل إننا إذا ~~شئنا أن نهتدي إلى دليل على القدرة الإلهية، وأن نكون متسقين مع أنفسنا في الوقت ~~ذاته، فلدينا في عقلنا البشري نفسه أعظم دليل. فليس ثمة داع ms199 لافتراض معرفة غير ~~مألوفة، خارجة على قوانين الطبيعة، لتكون هي مظهر هذه القدرة الإلهية. بل إن عقلنا ~~ذاته معجزة، وكفاحنا من أجل فهم الطبيعة والسيطرة عليها معجزة، ولا معنى - في نظره ~~- لافتراض معجزات ونبوءات تتحدى العقل وتخرج عن نطاق الطبيعة من أجل إثبات هذه ~~القدرة. # ومع ذلك فإن العامة، الذين لا يدركون إعجاز العقل لأنهم لا يعرفون كيف يمارسونه ~~على النحو الصحيح، ينبغي أن يخاطبوا بلغتهم الخاصة. وهكذا فإن النص الديني - كما ~~قال اسپينوزا في رسالته رقم 19 إلى «بلينبرح» «لما كان يخاطب عامة الناس في المحل ~~الأول، فإنه يستخدم على الدوام لغة كلها تشبيه بما يحدث في عالم الإنسان؛ فالعامة ~~عاجزون عن إدراك الحقائق العميقة؛ ولهذا السبب كانت الأوامر التي أوحي بها إلى ~~الأنبياء، من حيث هي لازمة للخلاص، توضع في صورة قوانين. ولهذا أيضا ابتدع ~~الأنبياء شتى أنواع المجازات؛ فهم أولا قد عرضوا الوسائل المؤدية إلى الخلاص أو ~~إلى الهلاك، والتي أوحى بها الله - وهو علتها - كما لو كانت صادرة عن إرادة شبيهة ~~بإرادة ملك أو مشرع ... وصوروا الخلاص والهلاك على أنهما ثواب أو عقاب، بينما هما ~~نتيجتان ضروريتان لهذه الوسائل (التي أسموها بالقوانين). وهم أخيرا قد صاغوا ~~كلماتهم في صورة أقاصيص لا حقائق. وكثيرا ما صوروا الله منفعلا كالبشر، أو نسبوا ~~إليه الإحساس بالغضب أو الشفقة، أو تمني حادث مقبل، أو الغيرة والريبة. بل لقد ~~ذهبوا إلى حد جعل الشيطان يضلله! ومع ذلك فلا شك في أن الفلاسفة، وكل من ~~ارتفعوا فوق مرتبة القانون؛ أي كل من يمارسون السلوك الخير لا بدافع الطاعة ~~وإنما بدافع الحب لأنه هو الخير الاسمى، يعرفون الاستخدام المألوف لهذه اللغة ~~القائمة على التشبيه بالإنسان.» # 34 # وهكذا ينتقد اسپينوزا ما يسميه بالاتجاه العامي إلى استخدام التشبيه بالإنسان في ~~الأمور الدينية؛ فيعبر منذ مقدمة «البحث اللاهوتي السياسي» عن استنكاره لمحاولة ~~الناس دفع الشر بالقرابين أو الصلوات، وتفسير الكوارث على أنها غضب من الآلهة. ~~ويؤكد أن معرفة الإنسان بالقوانين الطبيعية الشاملة كفيلة بتجنيبه مثل هذه ms200 الأخطاء: ~~لأن الخرافة في رأيه ليست إلا وليدة الجهل والخوف. # 35 # وهو يحمل على الرأي القائل إن ~~القدرة الإلهية تتمثل في خروج الطبيعة عن مجراها المنتظم، كما هي الحال في ~~المعجزات. ويرى أن نسبة هذه الحوادث إلى القدرة الإلهية راجعة إلى الجهل بقوانينها ~~فحسب؛ فالقول بالمعجزات ينطوي ضمنا على الاعتقاد بوجود قوتين: الله والطبيعة، وبأن ~~كلا من القوتين تعمل عندما تتوقف الأخرى عن العمل؛ فقدرة الله تظهر عندما تسكت ~~الطبيعة، وقدرة الطبيعة تظهر عندما تسكت القدرة الإلهية، # 36 # فكيف يوفق أصحاب هذا الرأي بينه وبين الاعتقاد الذي يسلمون به ~~حتما، وهو أن الله خالق الطبيعة والمسيطر على مجراها؟ إن هذا الاعتقاد الأخير ~~معناه أن أي شيء يحدث في الطبيعة ويكون فيه خروج عن قوانينها الشاملة، يكون فيه ~~بالضرورة خروج عن الأمر الإلهي والطبيعة والفهم، فكل من يؤكد أن الله يسلك على ~~نحو مخالف لقوانين الطبيعة، يتحتم عليه في الوقت ذاته أن يؤكد أن الله يسلك على ~~نحو مخالف لطبيعته هو - وهذا أمر واضح الامتناع. # 37 # ويقدم اسپينوزا لهذا الاعتقاد ~~بالمعجزات تعليلا يستحق أن يقتبس هنا بأكمله: «فيبدو أن هذه الفكرة قد نشأت بين ~~اليهود الأوائل، الذين رأوا غير اليهود من حولهم يعبدون آلهة منظورة، كالشمس والقمر ~~والأرض والماء والهواء ... إلخ. ولما كانوا يريدون إقناعهم بأن هذه الآلهة ضعيفة ~~زائلة أو متغيرة؛ فقد رووا لهم كيف أنهم يخضعون هم أنفسهم لإله غير منظور، وقصوا ~~عليهم معجزاته، محاولين بذلك زيادة تأكيد فكرتهم القائلة إن الإله الذي يعبدونه قد ~~نظم الطبيعة بأسرها لصالحهم. وهذه فكرة مرضية للبشر إلى حد أن الناس ما زالوا حتى ~~اليوم يتخيلون معجزات حتى يقنعوا أنفسهم بأنهم هم المختارون عند الله، وهم العلة ~~الغائية التي خلق الله من أجلها كل الأشياء ووجهها في سبيلها، فيا لتلك الادعاءات ~~التي يسوقها الناس حين يغلبهم الحمق! إن هؤلاء قوم ليست لديهم فكرة صحيحة واحدة عن ~~الله أو الطبيعة، وهم يخلطون الأوامر الإلهية والأوامر البشرية، ويتصورون أن ~~الطبيعة محدودة إلى درجة أن الإنسان ms201 يكون الجزء الرئيسي فيها!» # 38 # ويفسر اسپينوزا قصة آدم وحواء، كما رواها موسى، على أنها أسطورة ذات فائدة ~~عملية فحسب، # 39 # وهو حين يختبر مغزى القصة، يرى أنها قد تكون تعبيرا عن الفكرة ~~القائلة: إن الإنسان لو كان قد ولد حرا لما عرف الخير ولا الشر؛ فآدم خلق ~~متمشيا مع طبيعته التلقائية، ولم يعرف الخير ولا الشر إلا بعد أن أكل من شجرة المعرفة. # 40 # ولكن تفكيره الاجتماعي يقنعه بأن الخطيئة أو الشر بوجه عام لا يمكن أن ~~توجد في الحالة الطبيعية؛ أي في الحالة السابقة على قيام مجتمع له نظمه وقوانينه؛ ~~فالشر لا يفهم إلا داخل مجتمع ومن خلال القيم الخاصة لهذا المجتمع؛ ولذلك «فمن ~~المستحيل أن نتصور الخطيئة موجودة في الحالة الطبيعية، أو أن نتخيل الله قاضيا ~~يعاقب الإنسان على مخالفاته ... إذ لم يكن من الممكن قيام العدل والإحسان في تلك الحالة.» # 41 # ومن الواضح أنه حيثما لا يتصور وجود العدل والإحسان، لا يتصور أيضا ~~وجود الشر والخطيئة. ومع ذلك فسوف نرى فيما بعد أن فكرة الشر بأسرها ليس لها في ~~نظره كيان متميز، وأن الشر في رأيه حرمان أو عدم بالنسبة إلى معيار معين يضعه ~~الناس لأنفسهم في كل مجتمع، بينما لا يكون لمثل هذه الأحكام التقويمية أي وجود في ~~الأفعال ذاتها؛ وعلى هذا الأساس الجديد يكون «من خطأ التعبير، ومن قبيل تشبيه ~~الأمور بصورة الإنسان، أن يقال إن المرء يرتكب خطيئة ضد الله، أو يغضب الله.» # 42 # ذلك لأن كل ما يحدث في الطبيعة يتم بمقتضى قوانينها الضرورية. وما ~~يسمى بالشر ليس إلا تفسيرا بشريا لحادث معين من وجهة نظر معينة. أما قوانين ~~الطبيعة في مجموعها - أو الأوامر الإلهية - فلا يمكن أن يخالفها أحد، وإذن فالخطيئة ~~لا توجد إلا من المنظور البشري وحده. أما من المنظور الإلهي، أو من حيث النظام ~~الشامل للكون (والتعبيران عند اسپينوزا مترادفان) فمن المحال منطقيا أن يكون لمثل ~~هذه الأحكام الأخلاقية وجود. ~~(3-2) نسبية الظاهرة الدينية # وضع اسپينوزا، كما أشرنا من ms202 قبل، نوعا من التقابل بين الظاهرة الدينية وبين ~~النظام العام للأشياء؛ فالظاهرة الدينية ظاهرة بشرية قبل كل شيء، يسعى الإنسان عن ~~طريقها إلى تحقيق أمان معينة وتجنب مخاوف خاصة. أما النظام الكلي للأشياء فهو ~~ضروري لا يستهدف مراعاة مطالب الإنسان، أو أي كائن جزئي آخر. وهكذا ينتهي اسپينوزا ~~إلى أن قوانين الطبيعة ليست مطابقة للظواهر الدينية؛ لأن الأولى شاملة لا تسير ~~وفقا لرغبات الإنسان على التخصيص، بينما الثانية تستهدف صالح البشر وحدهم، # 43 # ويصل من ذلك إلى فكرة قد تبدو مذهلة لأول وهلة، ولكن من السهل تفسيرها ~~في ضوء المقدمات الفلسفية لمذهبه: تلك الفكرة هي أن الظاهرة الدينية ليست هي ~~التعبير المباشر عن الإرادة الإلهية؛ فالإرادة الإلهية - بالمعنى الخاص لهذا اللفظ ~~عند اسپينوزا - هي مجموع الطبيعة وقوانينها. هذا المجموع يضم كل عناصر الكون وأوجهه ~~اللامتناهية. أما الظاهرة الدينية فهي ظاهرة بشرية تستهدف نفع الإنسان فحسب، وترمي ~~إلى تنظيم أحوال البشر ومعاملاتهم، وليست لها دلالة كونية مطلقة، وبالتالي لا يمكن ~~الربط بينها وبين النظام الضروري للأشياء. # ويؤدي هذا الطابع البشري للظاهرة الدينية إلى القول بأنها نسبية على نحو آخر؛ ~~فهي، ككل ظاهرة بشرية أخرى، متطورة ذات تاريخ، ومن الممكن أن تفسر تفسيرا ~~كاملا من خلال تاريخها هذا. وقد تضمن «البحث اللاهوتي السياسي» محاولة مفصلة ~~لعرض الكتب المقدسة - اليهودية على الأخص - من حيث هي تعبير عن ظاهرة تاريخية ~~واجتماعية، ولربط تعاليمها بطبيعة العصور التي ظهرت فيها، وإنكار وجود أية دلالة ~~مطلقة لها، تسري على كل عصر. وكما قال برنشڨك، فإن اسپينوزا «عندما طبق على الكتب ~~اليهودية نفس الأساليب التي يطبقها الباحثون العلميون على أشعار هوميروس، لم يصل ~~فقط إلى بعض النتائج الأساسية للعلم المعاصر، بل لقد قلب أيضا العلاقات التي شاعت ~~إقامتها في القرن السابع عشر بين محتوى العقائد الوضعية وبين الحقيقة ذات الطابع ~~الفلسفي الصحيح.» # 44 # ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الربط بين الظاهرة الدينية وبين الظروف الاجتماعية ~~والتاريخية، إلى نوع من سعة الأفق في النظر إلى هذه الظاهرة، بحيث استطاع ms203 ذهنه أن ~~يتأمل في تسامح كل العقائد ويفهم مغزى كل منها في ضوء ظروفه الخاصة. وقد عبر ~~اسپينوزا عن هذا الأفق الواسع أوضح تعبير في مراسلاته مع «ألبرت بيرج # Albert Burgh ~~»، الذي كان يعبر عن وجهة النظر ~~الدينية المتمسكة؛ ففي الرسالة رقم 67 يوجه هذا الأخير إلى اسپينوزا انتقادات في ~~صورة أسئلة، منها: هل اطلعت على مذاهب الفلاسفة جميعهم، في المشرق والمغرب، وعلى ما ~~ظهر من الفلسفات وما سيظهر في المستقبل، حتى تدعي أنك اتخذت لنفسك خير الفلسفات؟ ~~ولماذا لا تؤمن بالمسيح؟ هل ذهنك أفضل من أمة المسيح كلها، ومن كل الأنبياء ~~والشهداء؟ وهل هو أفضل من ذهن المسيح؟ فيرد اسپينوزا على أسئلته - وعلى انتقاداته - ~~في الرسالة رقم 76 قائلا: «إنك تسألني كيف عرفت أن فلسفتي خير الفلسفات. وأنا لا ~~أدعي أن فلسفتي هي الأفضل، ولكني أعلم أنني أعرف الفلسفة الحقة. فإذا سألتني كيف ~~تسنى لي أن أعرف ذلك، قلت إنني أعرفه على نفس النحو الذي تعرف به أن الزوايا ~~الثلاث للمثلث يساوي مجموعها قائمتين ...» ويرد على الأسئلة الأخرى على نفس النحو ~~قائلا: أما أنت، يا من تظن أن عقيدتك خير عقيدة، فكيف عرفت ذلك؟ هل اطلعت على كل ~~العقائد، الشرقية منها والغربية، ما ظهر وما سيظهر؟ أليس لكل صاحب عقيدة أخرى نفس ~~الحق في أن ينظر إلى عقيدته على أنها أفضل العقائد؟ # وهكذا كان من الواضح أن نظرة اسپينوزا إلى الظاهرة الدينية قد بلغت من الرحابة ~~والاتساع حدا جعله يضيق بالتعصب لأي نص بعينه، أو أية تعاليم على التخصيص، وليس ~~في وسع المرء من تأمل ظاهرة كتاباته أن يصدر حكما دقيقا على مشاعره الحقيقية في ~~هذا الصدد، ولكن إذا كان صحيحا - كما قال نيتشه - أن النقد التاريخي هو النقد ~~الحاسم، فلا بد أنه - كما أكد «ريڨو # Rivaud ~~» - ~~كان «يقف، ويريد أن يقف، في الطرف المضاد لجميع الأديان، كما أدرك خصومه في القرن ~~السابع عشر بالسليقة.» # 45 ~~«وإلى مثل هذا الرأي ينتهي «بيدني # Bidney ~~» حين ~~قال عن اسپينوزا «إن عمله ms204 يمثل أول محاولة - وأعظم محاولة حتى الآن - لتشييد ~~مذهب عقلي شامل للخلاص البشري يستغني عن الجزاءات فوق الطبيعية، ويتجنب أية إهابة ~~خاصة بوحي تاريخي ينزل على شعوب مختارة أو أفراد مختارين.» وهي حقيقة تعلل تأثيره ~~المستمر في رجال العلم وأصحاب المذاهب المتحررة عامة، أولئك الذين يستاءون من ~~التغرضات المؤسفة والأفعال المتعصبة التي تشجع عليها العقائد التقليدية في معظم ~~أنواعها. ومن الممكن بحق أن يسمى كتاب «الأخلاق» عند اسپينوزا «إيمان المذهب ~~العقلي»، وذلك مقابل جميع صور المذهب المدرسي التي هي في آخر الأمر «تبريرات عقلية للإيمان».» # 46 # ومع ذلك، فالأمر الذي استطاع اسپينوزا أن يؤكده - باطمئنان كامل - هو أن مذهبه ~~ليس أقل من غيره حرصا على القيم الأخلاقية، وأن حياته ذاتها كانت - كما قال عنه ~~الكثيرون من معاصريه - حياة قديس، بالمعنى الذي يفهمه هو لهذه الكلمة، وأن السعادة ~~أو البركة التي تتخذها كل المذاهب الدينية غاية قصوى لها، قد وجدت في سعيه إلى ~~المعرفة تحقيقا فعليا لها؛ وهذا وحده، بغض النظر عن المحتوى النظري للتعاليم، ~~هو الذي كان كفيلا بإقناعه بأنه وجد، على طريقته الخاصة، سبيله إلى الخلاص. # الفصل السادس # | نظرية الأخلاق # (1) الطابع الأساسي للنظرية الأخلاقية # أهم طابع يمثل النظرية الأخلاقية عند اسپينوزا هو القول إن الإنسان لا يقف بمعزل ~~عن الطبيعة وقوانينها؛ فاسپينوزا قد انتقد بشدة أولئك الذين تصوروا الإنسان على أنه ~~«يقف من الطبيعة كأنه دولة داخل الدولة، ويظنون ... أن له سلطانا مطلقا على أفعاله، وأن ~~شيئا لا يتحكم فيه سوى ذاته.» # 1 # فنقطة البداية الأساسية في هذه النظرية الأخلاقية هي الإدراك العلمي ~~للارتباط بين الإنسان وبين الطبيعة بوجه عام؛ ومن ثم تأكيد سيادة فكرة الضرورة في مجال ~~الإنسان بدوره، «فمن المحال ألا يكون الإنسان جزءا من الطبيعة، أو أن يكون قادرا على ~~ألا يتأثر إلا بالتغيرات التي يمكن فهمها من خلال طبيعته بوصفها العلة الكافية لها.» # 2 # وأهم ما استحدثه اسپينوزا، نتيجة لهذه النظرة إلى الإنسان، هو أنه نزع عن عالم ~~الإنسان الباطن قناع الصوفية والغموض الذي كان ms205 السابقون عليه يخفونه به، وأدرجه ضمن ~~الظواهر العلمية الخاضعة للبحث والتحليل، وبحثه - كما قال في مقدمة الباب الثالث من ~~«الأخلاق» - «كما تبحث الخطوط والمسطحات والأجسام». وهكذا أكد أن الهدف من علم الأخلاق ~~ليس الوعظ والإرشاد، وإنما هو الدراسة والبحث والفهم، فنقل بذلك الأخلاق من مجال «ما ~~ينبغي أن يكون» إلى مجال «ما هو كائن»، وأكد أن مهمته بوصفه باحثا أخلاقيا ليست أن ~~يحتقر أو ينتقد، وإنما أن يفهم الطبيعة البشرية على ما هي عليه. وهكذا تجاوز اسپينوزا ~~الحواجز بين الواقع والمثل الأعلى، وبين ما هو فعلي وما هو معيار مثالي، وأنكر الخير ~~المطلق، وبالتالي «عالم الغايات» الذي تركزت فيه الأخلاق المثالية بأسرها. # وهذه الصفة الأساسية تفسر الطابع الفريد الذي تتميز به الأخلاق عند اسپينوزا؛ ~~فالأخلاق من وجهة نظر معينة مستحيلة في مذهبه، وهي من وجهة نظر أخرى أساس ذلك المذهب ~~والعنصر الجوهري فيه، ومن المستحيل تفسير هذا الازدواج الغريب إلا من خلال الارتباط ~~الوثيق بين موضوع الأخلاق، وهو الإنسان، وبين ضرورة الطبيعة في مجموعها. # فمن المستحيل، كما قال «هفدنج»، أن يكون للأخلاق قيام في مذهب ينظر إلى الوجود من ~~خلال صورة الأزل. # 3 # ففي مثل هذا المذهب تطغى الضرورة المطلقة إلى حد لا يعود معه في وسع ~~المفكر أن يعالج أي موضوع من منظور الإنسان وحده، وهو المنظور الضروري في الأخلاق، ولكن ~~هفدنج يتغلب على هذه الصعوبة بالتفرقة بين وجهة النظر الأزلية ووجهة النظر العملية، ~~والقول إن الحديث في الأخلاق يعالج الطبيعة لا من حيث هي طابعة، بل من حيث هي مطبوعة؛ ~~أي من حيث إنها تتضمن كائنات جزئية ذات سلوك عملي متناه. # ومع ذلك فإذا كان من الصعب، من وجهة النظر هذه، الاهتداء إلى مكان للأخلاق في مذهب ~~ينظر إلى الوجود من وجهه الأزلي، فإن من الممكن، من وجهة نظر أخرى، القول إن الأخلاق هي ~~الموضوع الأساسي في تلك الفلسفة، وليس لأحد أن يدهش على الإطلاق لأن اسپينوزا أطلق على ~~كتابه الرئيسي اسم «الأخلاق» في الوقت الذي عالج فيه ms206 - في بابيه الأولين على الأقل - ~~موضوعات ميتافيزيقية خالصة؛ ذلك لأن الحد الفاصل بين البحث في الطبيعة من وجهها الشامل ~~وبين البحث في الإنسان يختفي تماما عند اسپينوزا، والدلالة الواضحة لبحثه موضوعات ~~ميتافيزيقية رئيسية في كتاب موضوعه «الأخلاق»، هي أن اسپينوزا قد أحدث تغييرا أساسيا ~~في النظرة الفلسفية إلى مجال الأخلاق؛ فهو يرفض تماما تفرقة الفلاسفة التقليديين بين ~~مجال المعرفة النظرية الخالصة، وهو الميتافيزيقا، ومجال المعرفة العملية، وهو الأخلاق ~~(وهكذا يتضح أن تفرقة «هفدنج» التي أشرنا إليها منذ قليل لا تقدم الإجابة الصحيحة على ~~المشكلة). وهو يؤكد أننا كلما تعمقنا في فهم قوانين الطبيعة الشاملة كنا أقدر على فهم ~~سلوك الإنسان؛ أي إن مجال الأخلاق ليس إلا مركزا تتلاقى فيه إشعاعات المعرفة البشرية ~~في سائر فروعها، ويطبق فيه العلم الإنساني بكل ما حققه من نتائج. وكل ما عليك، لكي ~~تكون قد تعمقت في فهم السلوك البشري والعلاقات المتبادلة بين الناس، أن تكون نظرتك إلى ~~الطبيعة في مجموعها نظرة علمية سليمة لا تمتزج بها خرافات أو ترتكن على كيانات أسطورية، ~~وعندئذ يتضح لك كل شيء يتعلق بالإنسان في ضوئه الصحيح، وفي علاقته بالكل الذي لا يفهم ~~إلا من خلاله. # وكما ينبغي أن يقال، من وجهة النظر هذه، إن الأخلاق معرفة نظرية شأنها شأن العلم ~~العقلي بوجه عام، فمن الممكن أيضا أن يقال: إن العلم ذاته له طابع عملي أخلاقي؛ أي ~~إن العلم والمعرفة يفتحان لنا أبواب الأخلاق، مثلما تمهد الأخلاق الطريق للمعرفة. ~~والمهم في الأمر أنه لا وجود «لأخلاق مجردة» منفصلة عن المجرى العام لعلم البشر؛ وبذلك ~~يتجاوز اسپينوزا، بهذا المعنى أيضا، التفرقة بين الواقع والواجب، وبين العلم النظري ~~والبصيرة العملية، وبين الأخلاق والعلم. ~~(2) الطبيعة والقيم الأخلاقية # نستطيع أن نقول إن المظهر الرئيسي للاختلاف بين وجهة نظر اسپينوزا ووجهة النظر ~~التقليدية إلى الأخلاق هو أن القيم الأخلاقية عنده ليس لها مكان في المجرى الفعلي ~~للطبيعة، بينما كانت القيم الأخلاقية في نظر الفلاسفة التقليديين هي الغاية النهائية ~~لسلوك الطبيعة بأسرها. وهذا الفارق الرئيسي ms207 هو الذي يحدد الاختلاف بين وجهة النظر ~~العلمية الصارمة - عند اسپينوزا - وبين وجهة النظر الغائية السائدة من قبله. # فالطبيعة عند اسپينوزا خالية تماما من القيم البشرية: «إنني لا أعزو إلى الطبيعة ~~جمالا ولا نظاما ولا اضطرابا، فليس في وسع المرء أن يقول عن الأشياء إنها جميلة أو ~~قبيحة، منظمة أو مضطربة، إلا من وجهة نظر الخيال.» # 4 # والخير والشر لا وجود لهما إلا في ذهننا، لا في الطبيعة، وليست لهما أية ~~دلالة ميتافيزيقية، وإنما هما يتعلقان بوجهة نظر البشر فحسب. # 5 # وبعبارة أخرى: فالخير والشر «لا ~~يدلان على صفة إيجابية في الأشياء منظورا إليها في ذاتها، وإنما هما أحوال للفكر أو ~~موضوعات فكرية نكونها من مقارنة الأشياء بعضها ببعض . وهكذا يمكن أن يكون الشيء الواحد ~~في نفس الآن خيرا وشرا، وسويا إزاء هذا وذاك.» # 6 # مثال ذلك، أن هبوط سعر سلعة ما يمكن أن يعد خيرا من وجهة نظر الشاري، ~~وشرا من وجهة نظر البائع، أما من وجهة نظر الشخص الذي لن يشتري هذه السلعة ولن يبيعها ~~ولا صلة له بها، فليس لهذا الحادث معنى أو قيمة في ذاته، فإذا تساءلنا بعد ذلك عن ~~دلالة الحادث - أعني هبوط سعر هذه السلعة - كما هو في ذاته، لكان الجواب هو أن الحادث ~~في ذاته لا ينطوي على قيمة أو دلالة أخلاقية، بل إنه يتخذ هذه الدلالة من وجهة نظرنا ~~نحن، ونتيجة لمقارنتنا إياه بحوادث أخرى في سياق حياتنا. # وعلى هذا النحو يستغل اسپينوزا فكرته هذه في حل المشكلة القديمة العهد: مشكلة وجود ~~الشر في العالم، والتوفيق بين وجود الشر وبين الفاعلية الإلهية. ونستطيع أن نقول إن ~~طريقة اسپينوزا الخاصة في حل هذه المشكلة هي مثل من أوضح أمثلة منهجه الخاص؛ أعني منهج ~~«المعادلات»، الذي عالج فيه مشاكل تقليدية بعبارات تبدو في ظاهرها تقليدية بدورها، ولكن ~~دلالتها الحقيقية جديدة كل الجدة، وتمثل خروجا أساسيا على التراث. # فهناك وجهان للحل الذي أتى به اسپينوزا لمشكلة الشر من حيث علاقتها بالفاعلية ~~الإلهية: ~~(أ) # في الوجه ms208 الأول يؤكد اسپينوزا أن الشر «عدم # privation ~~» لا صلة له بماهية الأشياء، وهو يشرح هذا العدم - ~~في الرسالة رقم 21 - بأنه «كيان ~~عقلي # être de raison ~~، وطريقة في التفكير عندما نقوم بإجراء مقارنة». ثم ~~يضرب اسپينوزا مثلا بالشخص الذي نقول عنه إنه أعمى؛ لأننا نقيسه بغيره ~~من المبصرين. أما من وجهة النظر الإلهية فلا يمكن أن يعد كذلك؛ فالحجر ~~مثلا لا يقال عنه إنه أعمى: «إذ إن هذا الرجل لا يملك ولا يمكن أن يملك ~~شيئا سوى ما منحه إياه العقل الإلهي والإرادة الإلهية. كما أن الله ليس ~~سبب عدم إبصار هذا الرجل، مثلما أنه ليس سبب عدم إبصار الحجر، وإنما الأمر ~~هنا يتعلق بسلب بحت.» # ويزيد اسپينوزا فكرته إيضاحا في الرسالة رقم 23 حين يقول : «من مبادئ ~~تفكيري أن الله هو العلة المطلقة والحقيقية لكل ما يمكن أن تعزى إليه ~~ماهية، دون استثناء. فإذا كان في وسعك إثبات أن الشر والخطأ والجرائم ... ~~إلخ، تعبر عن ماهية، فسوف أسلم معك دون جدال بأن الله علة الشر والخطأ ~~والجرائم ... إلخ. ولكني أظن أنني قد أثبت أن ما يضفي على الشر والخطأ ~~والجريمة طابعها الخاص ليس شيئا معبرا عن ماهية على الإطلاق؛ ومن ثم فلا ~~يجوز القول إن الله علتها؛ فقتل نيرون لأمه، الذي ندينه من أجله، لم يكن ~~جريمة من حيث الطابع الإيجابي للعمل الذي قام به؛ فقد كان فعل «أورست # Oreste ~~» مماثلا من الوجهة الظاهرية؛ إذ قتل ~~أمه عمدا، دون أن يحق عليه مثل هذا اللوم. ففيم تنحصر جريمة نيرون إذن؟ ~~إنها لا تنحصر إلا في أنه قد أثبت بهذا القتل عقوقه وقسوته وعصيانه. وهذه ~~كلها صفات لا تعبر عن أية ماهية، وبالتالي فليس الله سببها، وإن يكن هو ~~سبب فعل نيرون ونيته.» # وهنا يظهر التقسيم المعروف للعلل إلى فاعلة وغائية؛ فالعلل الفاعلة هي ~~وحدها الحقيقية، وهي لا تنطوي في ذاتها على قيمة ما، وإنما هي تحدث ~~أفعالا إيجابية فحسب. أما العلل الغائية فهي التي تضفي على الأفعال قيمتها ~~من ms209 وجهة النظر البشرية، ولكن ليس لها خارج وجهة النظر هذه أي كيان؛ فهي ~~ليست حقيقية إذا نظرنا إلى الأمور من منظور الأزلية والضرورة المتحكمة في ~~الطبيعة. ومن الممكن أن يصطبغ الفعل الواحد - كما قلنا - بشتى أنواع القيم ~~والغايات، دون أن يكون لهذه أدنى تأثير في ماهية الفعل نفسه من حيث هو ناتج ~~عن علة فاعلة، وهكذا يقسم اسپينوزا وجهات النظر الممكنة إلى الأشياء ~~تقسيما ثنائيا إلى: وجهة النظر الإلهية، التي لا تتعلق إلا بالماهيات ~~الحقيقية والعلل الفاعلة، ووجهة النظر البشرية، التي تضيف إلى الماهيات ~~السابقة غايات وقيما مستمدة من مقارنتنا للأشياء بعضها ببعض تبعا ~~لأغراضنا الخاصة. وليس للشر وجود إلا من وجهة النظر الثانية فحسب؛ وعلى ذلك ~~فلا يمكن أن يقال عنه إنه ناتج عن الفاعلية الإلهية . ~~(ب) # ويرتبط الوجه الثاني للحل الذي أتى به اسپينوزا لمشكلة علاقة الشر ~~بالفاعلية الإلهية، بالوجه الأساسي الأول ارتباطا وثيقا، فإذا كان الشر ~~لا يعبر عن ماهية إيجابية، وإنما هو عدم محض، مستمد من مقارنتنا ~~للحوادث بعضها ببعض تبعا لغاياتنا الخاصة؛ فلا بد أن الشر - والخير أيضا، ~~بطبيعة الحال - مستمد من قيم البشر الاجتماعية الناجمة عن اتصال الناس ~~بعضهم ببعض، بحيث إننا لو تصورنا حالة طبيعية للناس، لا يظهر فيها تأثير ~~القيم الاجتماعية بعد، فمن المحال أن يكون للشر فيها وجود، «ففي الحالة ~~الطبيعية، إذن، يستحيل تصور الخطيئة، وهي لا توجد إلا في حالة يتفق فيها ~~الناس على معنى الخير والشر، ويتعين على كل شخص أن يطيع سلطة الدولة ... ~~ففي الحالة الطبيعية لا نستطيع أن نتصور رغبة في إعطاء كل ذي حق حقه. ~~وبعبارة أخرى لا يوجد في الحالة الطبيعية شيء يطابق العدالة والظلم، ومثل ~~هذه الأفكار لا تكون ممكنة إلا في دولة اجتماعية ... ومن هذا كله يتضح أن ~~العدل والظلم، والخطيئة والفضيلة، هي أفكار خارجية، وليست صفات تكشف عن ~~طبيعة العقل.» # 7 # ويكشف لنا حله هذا عن وجه آخر للغة اسپينوزا اللاهوتية التي استخدمت ~~للتعبير عن معان لا صلة لها بمجال اللاهوت على ms210 الإطلاق؛ فوجهة النظر ~~الإلهية التي لا يكون للشر معنى فيها، ليست إلا «النظام الضروري للأشياء»، ~~والقول إن الله لا يمكن أن يكون علة للشر لأن الله علة للماهيات الإيجابية ~~فحسب، ليس إلا تعبيرا مدرسيا عن القول إن الطبيعة إذا ما نظر إليها في ~~ضرورتها الشاملة لا تعرف القيم بمعناها البشري، بل إن البشر هم الذين ~~يقتطعون من المجرى الضروري للطبيعة حوادث معينة ينظرون إليها من خلال ~~مصالحهم الخاصة فيرون فيها خيرا أو شرا. # فمن حيث ظاهر اللغة المستخدمة، يوجد تشابه واضح بين اسپينوزا وبين ~~الفلاسفة المدرسيين؛ إذ إنه بدوره يرمي إلى تقديم تفسير لظاهرة الشر ~~في عالم تسيطر عليه ألوهية، ولكن هذا التشابه سطحي وخداع، والنتيجة ~~الحقيقية للتفكير مختلفة في كل حالة عنها في الأخرى كل الاختلاف؛ ذلك لأن ~~المدرسيين واللاهوتيين كانوا يحاولون استبعاد فكرة الشر عن الفاعلية ~~الإلهية لكي يستبقوا لهذه الفاعلية طابعها الخير؛ أي إنه إذا كان الشر في ~~نظرهم وهما غير حقيقي، فإن الخير حقيقة لا شك فيها، وله دلالة ~~ميتافيزيقية أو أنتولوجية أساسية، وهو الغاية القصوى التي يستهدفها كل فعل ~~إلهي. أما اسپينوزا، فإن طريقته الخاصة في استبعاد فكرة الشر عن الفاعلية ~~الإلهية - أي من المجرى الضروري للأشياء - تتضمن في الوقت ذاته استبعادا ~~للخير، ومعه كل القيم المماثلة، من هذا المجال نفسه؛ فهو يختلف عن ~~المدرسيين اختلافا أساسيا في أنه لا ينفي الشر لكي يترك الخير ~~وحيدا في الميدان، بل يخلي الميدان من جميع القيم الملائمة وغير الملائمة ~~في آن واحد. وهذا بطبيعة الحال هدف مختلف تماما عما كان يرمي إليه ~~المدرسيون، بل إنه في واقع الأمر يهدم كل أسس التفكير المدرسي، من حيث إنه ~~يستبعد الخير بوصفه غاية لمسار الحوادث في الكون. ويؤدي نفي وجود مثل هذه ~~الغائية - مع نفي الشر - إلى إنكار تحكم العناية الإلهية في العالم، بحيث ~~يغدو مجرى الحوادث غير مكترث ولا عابئ بالإنسان. وفي هذه الحالة، فحتى لو ~~ظل المرء يقول بمبدأ إلهي أول، فإن وجود هذا المبدأ وعدمه يتساوى من ms211 وجهة ~~نظر الإنسان، طالما أنه لا يستجيب للإنسان على أي نحو. وهكذا يتضح مدى ~~الاختلاف الضخم بين نتائج اسپينوزا ونتائج المدرسيين، رغم أنه توصل ~~إلى نتائجه عن طريق مقدمات تبدو، من حيث لغتها، قريبة الشبه من لغتهم إلى ~~حد بعيد. ~~(2-1) نقد فكرة حرية الإرادة # يظهر اتساق الاتجاه الحتمي في نظرية اسپينوزا الأخلاقية بوضوح في نقده لفكرة حرية ~~الإرادة؛ فعلى خلاف معظم المذاهب الفلسفية التي لم تتصور إمكان قيام الأخلاق دون ~~إرادة حرة، يؤكد اسپينوزا أن الاعتقاد بحرية الإرادة وهم باطل، وأثر من آثار ~~الجهل بالأسباب الحقيقية، وأننا لن نستطيع فهم الإنسان على حقيقته، وبالتالي فهم ~~طبيعة سلوكه، طالما أننا نفترض مقدما مثل هذه الفكرة الباطلة. # ويوضح اسپينوزا، في رسالته رقم 58، طريقته الخاصة في فهم الحرية فيقول: «يكون ~~الشيء في رأيي حرا عندما يوجد ويفعل حسب ضرورة طبيعته وحدها، ويكون مرغما عندما ~~يتحكم شيء آخر في وجوده وفعله تبعا لقاعدة محددة.» ويشرح اسپينوزا اعتقاد الإنسان ~~بحرية إرادته عن طريق التشبيه الآتي: إن الحجر لا يتحرك إلا إذا دفعته علة ~~خارجية. فلنتصور أن هذا الحجر يعتقد، أثناء حركته، أن جهده هو الذي يجعله يتحرك؛ إذ ~~ليس لديه وعي إلا بجهده هو، على حين أنه يجهل الأسباب الخارجية التي تحكمت في ~~حركته، وهكذا يتصور نفسه حرا. وتلك هي حال الحرية البشرية. # ويلاحظ في تعريف اسپينوزا للحرية، أنها لا تتعارض مع الضرورة، وإنما مع التحكم أو ~~الإرغام الخارجي؛ فالحرية هي الضرورة الباطنة؛ أي إن الكائن يكون حرا إذا لم يكن ~~يرغمه شيء خارج عنه، وإنما يكون سلوكه متفقا مع الضرورة الباطنة لطبيعته فحسب. ومن ~~الواضح أن الحرية بمعناها الحقيقي لا تتوافر في هذه الحالة إلا للكون بمعناه ~~الشامل، الذي لا يتحكم فيه شيء ولا يوجد شيء خارجه حتى يقال إنه يرغمه. وهذا هو ~~معنى العبارة المصوغة بلغة لاهوتية، والقائلة إن الله وحده هو الحر. # والنتيجة الثانية لهذا الفهم الخاص للحرية، وربطها بالضرورة الباطنة، هي الربط ~~بين الاعتقاد الباطل بحرية الإرادة البشرية، وبين الجهل ms212 بالأسباب. «فالناس يخطئون ~~حين يظنون أنفسهم أحرارا، ومرد اعتقادهم هذا إلى شعورهم بأفعالهم الخاصة، وجهلهم ~~بالأسباب المتحكمة فيها. وإذن ففكرتهم عن الحرية ليست إلا جهلهم بأي سبب لأفعالهم. ~~أما قولهم أن الأفعال البشرية تتوقف على الإرادة، فما هو إلا عبارة لا تطابقها أية ~~فكرة، فلا أحد منهم يعلم ما هي الإرادة، وكيف تحرك الجسم. أما أولئك الذين يباهون ~~بمثل هذه المعرفة، ويتخيلون مساكن أو مقار تحل فيها النفس، فلا يثيرون إلا ~~الضحك أو الاشمئزاز.» # 8 # وإذن فمن المحال أن يكون الإنسان حرا بمعنى أن له مشيئة أو إرادة تسلك من تلقاء ~~ذاتها دون أن يتحكم في سلوكها سبب خارجي؛ إذ إن الإنسان على صلة مستمرة بعوامل لا ~~متناهية في العالم المحيط به، ومن المحال أن يسلك على أي نحو دون أن يأخذ هذه ~~العوامل بعين الاعتبار. «فليس للذهن إرادة مطلقة أو حرة، وإنما يتحكم في رغبته في ~~هذا الشيء أو ذاك سبب تحكم فيه بدوره سبب آخر كان له بدوره سبب ثالث ... وهكذا ~~إلى ما لا نهاية.» # 9 # ومع ذلك فهناك، رغم هذه الضرورة المطلقة، شعور مؤكد بالحرية لدى الإنسان، ورغبة ~~في الحكم على الأشياء كما لو كان المرء هو الآمر الناهي في مجاله الخاص. وهكذا يفرق ~~اسپينوزا، رغم إيمانه بفكرة الضرورة، بين القوانين الطبيعية والقوانين التي يسنها ~~الإنسان، ويفسر الاعتقاد بوجود النوع الثاني من القوانين، الخاضع لإرادة الإنسان، ~~بأنه راجع إلى جهلنا بالأسباب النهائية القصوى، وإيثار الحديث عن الأسباب القريبة، ~~مما يؤدي إلى قبول فكرة عرضية الأشياء حتى تكون الحياة ممكنة بالنسبة إلينا. # 10 # وواضح، من هذه الفكرة الأخيرة، أن اسپينوزا يقول بمستويات مختلفة لتفسير فكرة ~~الحرية؛ ففي المستوى المطلق يكون كل شيء ضروريا، وتنتفي الحرية بمعنى المشيئة ~~التي لا تخضع لعامل خارجي. أما في المستوى النسبي أو الحيوي فإن بعض الأشياء يكون ~~عرضيا إذا كانت معرفتنا بأسبابه غير كافية، وإذا كانت رغبتنا قوية في أن نسلك كما ~~لو كنا نتحكم فيه بالفعل. وهكذا تكون الضرورة بالنسبة إلى اسپينوزا ms213 مثلا أعلى ~~للمعرفة؛ فإذا تأملنا الأشياء من وجهة نظر المعرفة الكاملة بها؛ أي إذا تصورنا أن ~~لدينا معرفة كاملة بأدق تفاصيل الطبيعة، فمن الواجب عندئذ أن يختفي الاعتقاد بحرية ~~الإرادة، ويصبح كل شيء مرتبطا ارتباطا ضروريا بأسبابه المعروفة، ولكن الملاحظ ~~من جهة أخرى أن موقفنا الإنساني ذاته لا يتيح لنا الوصول إلى هذه المعرفة الكاملة ~~التي تغدو كل الحوادث في ظلها ضرورية، فمعرفتنا بطبيعتها ناقصة، ولا يمكن أن تستوعب ~~كل شيء. وهذا الجهل الذي نعيش فيه - بدرجاته المتفاوتة - يجعل لفكرة حرية الإرادة ~~مكانا في تفكيرنا على الدوام. وإذن فحرية الإرادة فكرة «واقعية». أما فكرة الضرورة ~~فهي تعبير عن مثل علمي أعلى، والفكرتان تنتميان إلى منظورين مختلفين: منظور الحياة ~~الفعلية من جهة، ومنظور المثل الأعلى للمعرفة العلمية من جهة أخرى. ويبدو أن ~~اسپينوزا لم يكن يرمي إلا إلى استخلاص هذه النتيجة؛ أي إلى أن يقول: تستطيعون أن ~~تعتقدوا أن إرادتكم حرة طالما أنكم تجهلون الأسباب الحقيقية للظواهر. وأنا لا ~~أنتقدكم على ذلك، ولكن كل ما أريده منكم هو أن تعترفوا بأن المعرفة الكاملة لهذه ~~الأسباب كفيلة بأن تقضي على اعتقادكم الحالي بحرية الإرادة، وبأن تأمل الأشياء من ~~وجهة النظر الشاملة يؤدي حتما إلى سيادة فكرة الضرورة. # ومن المؤكد أن نفي حرية الإرادة، وتأكيد سيادة الضرورة - حتى على مستوى المثل ~~الأعلى للمعرفة - يثير حتما السؤال عن إمكان المسئولية والجزاء، وبالتالي عن ~~إمكان قيام الأخلاق ذاتها. وبالفعل نجد اثنين على الأقل من مراسلي اسپينوزا، وهما ~~«أولدنبرج» و«بلينبرج»، يبديان نفس الاعتراض؛ إذ إن الجزاء الإلهي، من مثوبة وعقاب، ~~يغدو أمرا لا معنى له إذا كانت جميع أفعالنا ترجع إلى الله بوصفه علة لها. وبعبارة ~~أخرى: فإذا كانت الضرورة هي المتحكمة في جميع هذه الأفعال، فعندئذ تغدو جميع ~~الآثام مباحة، وكل الشرور لها ما يبررها. # ويرد اسپينوزا على هذا الاعتراض، في ~~الرسالة رقم 75، قائلا: إن الضرورة كما يقول بها لا تقضي على القوانين الإلهية ~~ولا على القوانين البشرية، وسيظل للأخلاق دائما نفعها سواء اتخذت الأوامر ms214 فيها ~~صورة القوانين أو الشريعة الإلهية، أم اتخذت أية صورة أخرى. وسواء نظرنا - كما يفعل ~~العامة - إلى القواعد الأخلاقية على أنها تصدر عن الله بوصفه قاضيا، أو تأملناها ~~من حيث هي صادرة عن ضرورة الطبيعة، فستظل في كل الأحوال نافعة لنا. كذلك فإن الشرور ~~الناشئة عن الانفعالات والأفعال المنحرفة لا تكون أقل ضررا إذا ما فسرناها على ~~أنها ناشئة بالضرورة عن هذه الانفعالات والأفعال، ويرد اسپينوزا، في صدد هذه الفكرة ~~الأخيرة، على السؤال الذي يستنكر فيه المرء معاقبة الأشرار طالما أن ذنوبهم راجعة ~~إلى طبيعتهم فحسب، فيقول: إذا كان عقابنا يقتصر على من يذنبون بمحض إرادتهم ~~واختيارهم الحر، فلماذا نبيد الأفاعي السامة، التي تذنب بطبيعتها ولا تملك غير ذلك؟ # 11 # وهكذا يكون عقاب المذنب راجعا إلى أنه يضر بالباقين، أو إلى أن طبيعته ~~ذاتها تضر بالآخرين؛ فالعقاب - والمسئولية بوجه عام - يستهدف نفع المجتمع، وليس ~~مجرد نتيجة للفعل ذاته؛ إذ إن الفعل نفسه، كما أكد من قبل مرارا، لا يكون شرا ~~أو خطيئة إلا من المنظور البشري. أما في صورة الضرورة الأزلية فليس له أية قيمة ~~كهذه. فليس ثمة شيء اسمه العصيان طالما أننا بصدد القوانين الضرورية للكون؛ أي إن ~~أي فعل - بلغة اللاهوتيين - لا يمكن أن يكون مخالفا للإرادة الإلهية. ومثل هذا ~~يقال على الثواب أو المكافأة؛ فالفضيلة الحقة لا تستحق مكافأة أو ثوابا؛ إذ إنها ~~غاية في ذاتها، وثوابها - كما يؤكد في خاتمة البابين الثاني والخامس من «الأخلاق» - ~~ينحصر في ممارستها، لا فيما تجلبه من النتائج. ~~(3) الانفعالات ووسيلة التغلب عليها # يرسم اسپينوزا في مقدمة الباب الثالث من «الأخلاق» منهجا للبحث في الانفعالات ووسيلة ~~التغلب عليها، يؤكد فيه أن خوضه لهذا الميدان البشري المحض لا يعني خروجه على مبدأ ~~الحتمية المتحكمة في الطبيعة، بل إن خطأ جميع الباحثين من قبله كان ترددهم في أن ~~يطبقوا على الإنسان نفس المبادئ التي تطبق على الطبيعة بوجه عام، ونظرتهم إلى ~~الإنسان على أنه «استثناء» من المجرى العام للطبيعة، ووضعهم إياه في مركز مميز ms215 يعلو فيه ~~سلوكه على سائر الظواهر الطبيعية، وكان من نتيجة ذلك أن ظلت طبيعة الإنسان مجهولة لديهم ~~على الدوام، وسوف نقتبس من هذه المقدمة نصا طويلا، لأهميته الكبيرة في إيضاح منهج ~~اسپينوزا في معالجة نظريته الأخلاقية. ~~«إن معظم من يكتبون عن الانفعالات والسلوك البشري يبدو كأنهم يعالجون أمورا خارجة عن ~~الطبيعة أكثر مما هم يعالجون ظواهر تسير وفقا للقوانين العامة للطبيعة. وهكذا يبدو ~~أنهم يتصورون الإنسان كما لو كان في الطبيعة يحتل مركز دولة داخل الدولة؛ إذ إنهم ~~يظنونه خارجا على نظام الطبيعة أكثر منه منقادا له، ويعتقدون أن لديه سيطرة مطلقة على ~~أفعاله، وأنه لا يخضع إلا لذاته ... فلم يقم أحد، بقدر ما أعلم، بتعريف طبيعة الانفعالات ~~وقوتها، وقدرة الذهن على مكافحتها وقمعها. # ولكن هذه هي خطتي؛ فلا شيء مما يحدث في الطبيعة يمكن أن يفسر بأنه انحراف عنها؛ إذ ~~إن الطبيعة هي هي على الدوام، وهي دوما متماثلة في أحكامها وقدرتها على الفعل؛ أي إن ~~قوانين الطبيعة وأوامرها، التي تحدث بها كل الأشياء وتتغير من صورة إلى أخرى، واحدة في ~~كل شيء وكل زمان، بحيث يجب أن يوجد منهج واحد لفهم طبيعة كل الأشياء على إطلاقها؛ أعني ~~من خلال القوانين والقواعد الشاملة للطبيعة. وهكذا فإن انفعالات الكراهية والغضب والحسد ~~وما إليها، إذا ما نظر إليها في ذاتها، تسير وفقا لنفس هذه الضرورة والإحكام في ~~الطبيعة، وهي ترتد إلى أسباب محددة تفهم من خلالها، ولها خصائص معلومة تستحق أن تعرف، ~~شأنها شأن خصائص أي شيء آخر يؤدي تأمله في ذاته إلى إرضائنا؛ لذلك سأعالج طبيعة ~~الانفعالات وقوتها وفقا لنفس المنهج الذي استخدمته من قبل في أبحاثي عن الله ~~والعقل، وسوف أنظر إلى الأفعال والرغبات البشرية تماما كما لو كنت أبحث في خطوط ~~ومسطحات وأحجام.» # هذه النظرة إلى الإنسان وانفعالاته على أنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة، تسري عليه نفس ~~القوانين التي تسري عليها، جعلت اسپينوزا يعالج الانفعالات على أنها ظواهر طبيعية ~~خالصة، وينزع عنها كل ما كان يعزى إليها ms216 - على يد الفلاسفة التقليديين - من أسباب ~~«استثنائية» متعلقة بمجال الإنسان وحده. وهكذا يضع للانفعال في نفس مقدمة الباب الثالث ~~التعريف الآتي: «إن الانفعال الذي يسمى سلبية النفس، هو فكرة مختلطة أو غامضة، يؤكد ~~بها الذهن، بشأن جسمه أو أي جزء منه، قدرة على ~~الوجود # existendi vis # تزيد أو تنقص على ما كان لديه من قبل، ويتحكم وجودها في الذهن ~~على نحو يجعله يفكر في شيء معين بدلا من شيء آخر.» ويزيد اسپينوزا هذا التعريف إيضاحا ~~بعد قليل، فيقول: «أعني بالانفعال ما يطرأ على الجسم من تغييرات تزداد بها القوة ~~الفعالة لهذا الجسم أو تنقص، وتنمى أو تعاق، وكذلك أفكار هذه التغييرات.» # 12 # مثل هذا التعريف للانفعال يستبعد تماما كل إشارة إلى قيم الخير أو الشر، بل يستبعد ~~كل تفرقة «كيفية» بين انفعال وآخر، ويجعل أساس التمييز بين جميع الانفعالات هو ما يؤدي ~~إليه كل منها من زيادة أو إنقاص قدرة الكائن على حفظ ذاته؛ أي المساعدة على استمراره في ~~الوجود أو الحيلولة دون ذلك. وعلى أساس هذا المبدأ الرئيسي يبنى المذهب الأخلاقي ~~كاملا، دون إدخال أية اعتبارات تقويمية أو كيفية فيه. # ولقد أتى اسپينوزا في الباب الرابع من «الأخلاق» بقائمة طويلة للانفعالات البشرية، ~~معرفة كلها من خلال هذا المبدأ الأساسي: مبدأ زيادة قدرة الإنسان على حفظ ذاته ~~والاستمرار في وجوده أو الإقلال من هذه القدرة. ولهذه القائمة طرافة كبيرة، وهي بلا شك ~~تؤلف جانبا هاما من نظرية اسپينوزا الأخلاقية، وتدل بكل وضوح على أصالة هذه ~~النظرية؛ إذ إن تعريفاتها العلمية الصارمة للانفعالات تختلف تماما عن تعريفات الفلاسفة ~~الأخلاقيين التقليديين بكل ما تضمنته من معان تقويمية وتمييزات كيفية بين الانفعالات؛ ~~فقائمة الانفعالات عند اسپينوزا تمثل المحاولة الوحيدة، في المذاهب الأخلاقية ~~التقليدية، لرد جميع انفعالات الإنسان إلى أصل واحد ترتبط فيه طبيعة الإنسان بطبيعة كل ~~كائن حي آخر، ولا ينظر إليها على أنها تحتل في الكون مركز «دولة داخل الدولة». # ومع ذلك، فرغم ما لهذه القائمة من أهمية في هذا الصدد، فلن ms217 نتحدث عن محتوياتها ~~بالتفصيل، إذ إن هذه المحتويات يمكن أن تقرأ مباشرة، دون عناء كبير، في كتابات ~~اسپينوزا ذاته. # 13 # وهي على أية حال لا تترك مجالا كبيرا للشارح؛ إذ إنها واضحة - نسبيا - ~~بالقياس إلى كثير من الأجزاء الأخرى لفلسفته. ولما كنا في هذا البحث أحرص على عرض ~~المبادئ العامة في فلسفة اسپينوزا منا على خوض تفاصيلها، فسوف نكتفي باختيار بضعة أمثلة ~~لطريقة معالجته لمختلف الانفعالات من خلال مبدئه الرئيسي الذي أشرنا إليه من ~~قبل. # فاسپينوزا يمهد لتعريف اللذة والألم بالقضية التالية: «إن كل ما يزيد أو ينقص، ويساعد ~~أو يعوق القوة الفعالة في جسمنا، تزيد فكرته أو تنقص، وتساعد أو تعوق القدرة الفكرية في ذهننا.» # 14 # وفي ملحوظة هذه القضية يقول إن الذهن يمر، على هذا النحو، بحالات من الكمال ~~الزائد أو الناقص، ومن هذا تستخلص طبيعة اللذة والألم؛ فالمقصود باللذة هو «حالة سلبية ~~ينتقل فيها الذهن إلى كمال أعظم»، والمقصود بالألم هو «حالة سلبية ينتقل فيها الذهن إلى ~~كمال أقل». وتتخذ هذه التعريفات في «تذييل» الباب الثالث صورة لفظية مختلفة إلى حد ~~ما: «فاللذة هي انتقال الإنسان من كمال أقل إلى كمال أعظم» (التعريف الثاني)، و«الألم ~~هو انتقال الإنسان من كمال أعظم إلى كمال أقل» (التعريف الثالث). وكون اللذة والألم ~~«انتقالا» هو الدليل على أنهما انفعالان مرتبطان بافتقار الإنسان إلى الكمال؛ إذ إن من ~~طبيعة الإنسان أن يمر بأحوال مختلفة في درجة كمالها، وفي عملية الانتقال ذاتها تكون ~~اللذة أو يكون الألم. # وهو يضيف إلى هذين الانفعالين الرئيسيين انفعالا ثالثا هو «الرغبة»، الذي هو ~~التعبير المباشر عن ميل الإنسان إلى حفظ وجوده وعن كونه واعيا بهذا الميل، # 15 # وهو يعرف الرغبة بأنها «ماهية الإنسان ذاته، بقدر ما تتصور على أنها ~~مسيرة، عن طريق تأثر أو تعديل لها، إلى فعل شيء ما.» وهي تشمل كل مساعي الإنسان ~~واندفاعته وشهواته ومطالبه التي يسعى بها إلى تحقيق شيء ما؛ ومن هنا كان ارتباطها ~~الوثيق بالماهية الأساسية للإنسان. # 16 # ولا يعترف اسپينوزا ms218 بانفعالات أصيلة سوى هذه الانفعالات الثلاثة: اللذة ~~والألم والرغبة. ومنها يستنبط جميع الانفعالات الأخرى، وعن طريقها يشرحها. مثال ذلك أن ~~«الحب ليس إلا اللذة مصحوبة بفكرة علة خارجية، والكراهية ليست إلا الألم مصحوبا بفكرة ~~علة خارجية. وهكذا نرى أن من يحب يسعى بالضرورة إلى تملك واستبقاء موضوع حبه، بينما ~~يسعى من يكره إلى إبعاد موضوع كراهيته والقضاء عليه.» # 17 # ومن الحب والكراهية ذاتهما يستنبط اسپينوزا مجموعة كبيرة من تعريفاته ~~للانفعالات: مثال ذلك أن «الاستحسان هو الحب تجاه من عمل خيرا لشخص آخر»، والاستهجان ~~هو «الكراهية تجاه من عمل شرا لشخص آخر». كذلك تستمد مجموعة كاملة من التعريفات من ~~فكرة الرغبة، مثال ذلك أن «الطموح هو الرغبة المفرطة في المجد». # 18 # وهكذا يستنبط اسپينوزا جميع تعريفاته للانفعالات عن طريق ردها إلى الانفعالات الثلاثة ~~الرئيسية: اللذة والألم والرغبة. وهذه الانفعالات الرئيسية ترد ، كما بينا من قبل، إلى ~~النزوع الأساسي ( # Conatus ~~) للكائن إلى حفظ ذاته. ومن ~~الواضح أن الفارق بين نظرة اسپينوزا هذه إلى علاقة الانفعالات بعضها ببعض، وبطبيعة ~~الإنسان، وبين نظرة الفلاسفة التقليديين إليها، يساوي الفارق بين نظرة العالم ونظرة ~~الجاهل إلى تركيب الأجسام الطبيعية مثلا؛ فغير المتخصص في العلم يعتقد أن بين تركيبات ~~الأجسام اختلافات كيفية أساسية، بينما العالم يرد هذه الاختلافات الكيفية إلى فروق ~~كمية، بحيث إن الأجسام التي تبدو في ظاهرها أشد ما تكون اختلافا، قد لا يكون بينها في ~~حقيقة الأمر من فارق سوى اختلاف كمي بسيط في الوزن الجزيئي لمادتها. وكما أن العالم ~~يبدأ بمجموعة محدودة من العناصر ويفسر من خلال تركيباتها المختلفة كل التكوينات ~~المعقدة في الطبيعة، فكذلك يبدأ اسپينوزا بمجموعة محدودة من الانفعالات ويرد إليها عالم ~~المشاعر النفسانية بكل تعقيداته. ~~••• # وينبغي، قبل أن نتحدث عن وسيلة التغلب على الانفعالات عند اسپينوزا، أن نلاحظ أنه لا ~~يحمل على الانفعالات بما هي كذلك؛ فهو لم يكن ضمن أولئك الفلاسفة الذين يحملون على كل ~~انفعال ويعدونه مظهرا من مظاهر ضعف النفس البشرية. وهو على الأخص لم يكن يحمل ms219 على ~~الانفعالات الإيجابية المرتبطة بتحقيق الإنسان لطبيعته، وبالتالي كان أبعد الفلاسفة عن ~~الدعوة إلى الزهد أو إنكار الجسم ومطالبه. وكثيرا ما نسبت إلى اسپينوزا نزعات زاهدة، ~~نظرا إلى الاعتقاد بأنه كان فيلسوفا صوفيا يدعو - بالمعنى الحرفي - إلى الحب الإلهي ~~وإلى التخلي عن معرفة الحسيات والجزئيات في سبيل المعرفة الحدسية الصوفية. وهكذا نظر ~~إليه على أنه لا يفترق، في اتجاهه الأخلاقي العام، عن التراث الأفلاطوني المسيحي في ~~الفكر الغربي. ومثل هذا التفسير بعيد كل البعد عن اتجاه اسپينوزا الحقيقي، وإن يكن ظاهر ~~لغته يوحي بهذا في كثير من المواضع. # ومن الأمور التي اتفق عليها مؤرخو حياة اسپينوزا أنه لم يحمل قط على التمتع باللذات ~~الحسية، وكل ما حذر منه هو الإفراط فيها. أما في فلسفته النظرية فإن آراءه الحقيقية ~~تظهر في قضايا مثل: «ليست اللذة في ذاتها شرا وإنما هي خير؛ أما الألم فهو في ذاته شر.» # 19 # ومثل: «إن المرح لا يكون مفرطا أبدا، وإنما هو دائما خير؛ أما الكآبة ~~فهي دائما شر.» # 20 # وهو يؤكد الطبيعة البشرية بقوة، ويثني على الرغبات والانفعالات التي تتمشى ~~مع هذه الطبيعة، وتساعد على حفظ جسم الإنسان، بينما يحمل على الآلام التي تعود بالضرر ~~على جسم الإنسان. وهو يحمل على الأخلاق الزاهدة إذ يقول: «إن التفكير الخرافي ... يبدو ~~أنه يعد كل ما يعود على الإنسان بالألم خيرا، وكل ما يجلب له اللذة شرا.» # 21 # ويؤكد أن السعي وراء اللذة التي تفيدنا بحق يؤدي إلى زيادة كمالنا، ~~وبالتالي ازدياد مشاركتنا في الطبيعة الإلهية (أي، في هذا السياق، السير وفقا للنظام ~~الكلي للطبيعة). # والحد الفاصل الذي يضعه بين الانفعالات التي ينبغي السعي إليها وتلك التي ينبغي ~~تجنبها هو موافقة الأولى للعقل ومخالفة الثانية له. وليس العقل في هذه الحالة مبدأ ~~مخالفا لقوة الإنسان الطبيعية أو نزوعه إلى حفظ وجوده، بل هو على العكس من ذلك قوة ~~تتمشى تماما مع الطبيعة الحقيقية للإنسان وتوفق بينها وبين النظام الكلي للأشياء. ~~فإذا دلنا العقل على أن انفعالا ما يؤدي ms220 إلى المساعدة على استمرار وجودنا وحفظ ذاتنا، ~~فذلك انفعال ينبغي أن نسعى إليه. أما ما يعوق وجودنا فمن الواجب تجنبه بأي ~~ثمن. # ويعترف اسپينوزا بأن هذا التمييز ليس أمرا هينا؛ ذلك لن الانفعالات قوية لها ~~سيطرتها الخاصة على الإنسان، ويصل الأمر في ذلك إلى حد أن الرغبة في شيء مستحب وحاضر قد ~~تقهر الرغبة الناشئة عن معرفة الخير والشر فيما يتعلق بشيء مقبل. # 22 # وفي قوة الانفعالات هذه تكون «عبودية الإنسان»، ومع ذلك فإذا كان الانفعال ~~قويا فمن الممكن قهره بانفعال آخر أقوى منه، بل إننا نستطيع أن ننظر إلى معرفة الخير ~~والشر، من حيث هي وسيلة لقهر الانفعالات، على أنها هي ذاتها «انفعال اللذة والألم، بقدر ~~ما نكون على وعي بهما.» # 23 # وهكذا يصل اسپينوزا إلى أن «المعرفة الصحيحة للخير والشر لا يمكنها أن تقهر ~~أي انفعال نظرا إلى كونها صحيحة، وإنما بقدر ما تعد انفعالا فحسب.» # 24 # وهذا يرسم بوضوح طريقة التغلب على الانفعالات عند اسپينوزا؛ فالانفعال لا يعود طاغيا ~~بمجرد أن نكون عنه فكرة واضحة متميزة. # 25 ~~«وتزداد سيطرة العقل على الانفعالات، كما يقل خضوعه لها، بقدر ما يفهم ~~الأشياء كلها على أنها ضرورة.» # 26 # ومن شأن هذا التفكير في الانفعالات أن يقضي على طابعها السلبي، الذي تكون ~~فيه انفعالات هوجاء مرتبطة بأفكار غامضة غير كافية، ويحيلها إلى انفعالات مبنية على ~~أفكار واضحة متميزة، ويفصل ما بين الانفعال وسببه الخارجي المباشر، ليربطه بأفكار عقلية ~~صحيحة، وبذلك تتخلص النفس من عبودية الانفعال عن طريق تأمله في ضوء العقل الباهر. # 27 # وهكذا يبدو أن اسپينوزا يوافق على رأي سقراط القائل إن الفضيلة علم والرذيلة جهل. ~~ولكنه يعرض الفكرة على طريقته الخاصة؛ فللمعرفة أنواع ثلاثة هي الظن والاعتقاد والمعرفة ~~الواضحة. الأولى أصل الانفعالات المخالفة للعقل، والثانية أصل الرغبات الطيبة، والثالثة ~~أصل الحب الحقيقي. وهكذا يصحح اسپينوزا قول سقراط بحيث يصبح: الرذيلة معرفة باطلة أو ظن ~~معرض للخطأ، والفضيلة معرفة صحيحة. # 28 # وليس معنى ذلك أن يتخلى الإنسان عن نفعه في ms221 سبيل التحليل العقلي المنطقي لكل ~~الانفعالات، فالتفكير والمعرفة لا يتعارضان مع تحقيق الإنسان لنفعه، بل إنهما في الواقع ~~يساعدان عليه؛ فهو يعارض القائلين بأن سعي الإنسان إلى تحقيق نفعه الخاص رذيلة، ويثبت ~~في مجموعة من القضايا أن سعي الإنسان إلى نفعه الخاص، إذا استرشد بالعقل، يكون هو ذاته ~~قوام الفضيلة، وهكذا يتسلسل تفكيره، في الباب الرابع، على النحو الآتي؛ ففي القضية رقم ~~19 يقول: إن كل شخص يرغب بطبيعته فيما يراه خيرا ويحجم عما يراه شرا. وفي القضية ~~20، يرى أن فضيلة الإنسان تكون في سعيه إلى نفعه؛ أي حفظ كيانه. ومن المحال، كما يقول ~~في القضية 22، أن نتصور فضيلة أسبق من محاولة الإنسان حفظ وجوده. ثم يشرح دور العقل ~~والفهم في القضية 23، فيقول: إن الإنسان لا يتصرف وفقا لفضيلته إلا إذا كان يفهم ~~فعله. ويلخص رأيه في القضية 24 بقوله: إن السلوك وفقا للفضيلة يعادل تماما سلوك ~~المرء وعيشه وحفظه لوجوده (وهي كلها ألفاظ مترادفة) وفقا لما يمليه العقل، وعلى أساس ~~مبدأ السعي إلى ما فيه نفعه الخاص. ويعبر عن ذلك تعبيرا أكثر إيجازا في القضية 31 ~~فيقول: إن «الشيء يكون خيرا بالضرورة بقدر ما يكون منسجما مع طبيعتنا.» # وطالما أن الفضيلة ترتبط بالفهم، فمن الطبيعي أن يزداد المرء اقترابا منها كلما اتسع ~~نطاق فهمه للأشياء، حتى إذا ما توصل إلى تأمل النظام الكلي للأشياء في ضرورته ~~الشاملة حقق بذلك أسمى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من الفضائل، وأمكنه التغلب تماما ~~على انفعالاته عن طريق ربطها بالضرورة الكونية الشاملة، ويعبر اسپينوزا عن هذه الفكرة ~~بأسلوب مدرسي فيقول: إن «أسمى خير للإنسان هو معرفة الله، وأسمى فضيلة للذهن هي أن يعرف الله.» # 29 # ويظهر المعنى الحقيقي لمثل هذه التعبيرات في قوله: «إن من يدرك بحق أن جميع ~~الأشياء تتلو من ضرورة الطبيعة الإلهية، وتحدث وفقا لقوانين الطبيعة وقواعدها الأزلية، ~~لن يجد شيئا يستحق الكراهية أو الازدراء أو الاحتقار، ولن يرثي لشيء، وإنما سيحاول، ~~على قدر ما تسمح به فضيلة البشر، ms222 أن يسلك سلوكا طيبا، وينعم، كما يقول المثل.» # 30 # ففي الجزء الأول من القضية يتحدث عن ضرورة الطبيعة الإلهية، ويوضح ما يقصده ~~منها حين يلحقها بالكلام عن قوانين الطبيعة وقواعدها الأزلية. وهكذا يكون التعبيران في ~~هذا الصدد مترادفين عنده. وعلى أساس هذا الترادف يمكن أن ندرك بوضوح الدلالة الحقيقية ~~للقضية الآتية، ذات المظهر الصوفي: «إن من يفهم ذاته وانفعالاته بوضوح وتميز، يحب ~~الله، ويزداد هذا الحب بقدر ما يزداد فهما لذاته وانفعالاته.» # 31 # فإذا استبدلنا بتعبير الحب الإلهي، التعبير المرادف له عند اسپينوزا، وهو ~~فهم النظام الكلي أو الضروري للكون، أصبح المعنى الواضح هو أن من يفهم ذاته وانفعالاته ~~يفهم النظام الكلي للأشياء والضرورة الكونية، وأن الإنسان يغدو أقدر على هذا الفهم ~~الأخير كلما ازداد معرفة بنفسه وبانفعالاته؛ وعلى هذا الأساس أيضا يفسر قول ~~اسپينوزا (في القضية رقم 18 من الباب الخامس) إن أحدا لا يمكن أن يكره الله: ذلك لأن ~~معرفة النظام الشامل للكون، وطبيعة الضرورة السائدة فيه، لا تترك أي مجال لمشاعر جزئية ~~محدودة كالكراهية، وكل ما نشعر به إذا توصلنا إلى هذه المعرفة هو إدراك ارتباطنا الوثيق ~~بهذا النظام الشامل، ومثل هذا الإدراك، إذا جاز أن يقترن بانفعال. فلا بد أن يكون ذلك ~~انفعال الحب لا الكراهية. # وفي رأينا أن الحل الذي أتى به اسپينوزا لمشكلة التغلب على الانفعالات، لا عن طريق ~~محاولة التخلص من هذه الانفعالات بطريق مباشر، وإنما عن طريق معرفتها والتفكير العقلي ~~فيها وربطها بالسياق العام لظروف الإنسان الخارجية والباطنة - هذا الحل ينطوي على بعض ~~أوجه الشبه مع فكرة التحليل النفسي (وإن لم يكن لنا أن نمضي في التماس أوجه الشبه هذه ~~أبعد مما ينبغي)؛ ففي التحليل النفسي بدوره يقال بإمكان التخلص من المشكلات النفسية عن ~~طريق الخروج بها من اللاشعور إلى عالم الشعور، وعن طريق الإدراك الواعي لها. والعنصر ~~المشترك بين الطرفين هو أن اختلال التوازن النفسي يمكن أن يستمر طالما أن المشكلة لا ~~تأخذ طريقها إلى ذهننا الواعي، وأن طريقة إعادة التوازن ms223 السليم هي إدراك هذا الاختلال ~~عن وعي ووضعه في سياق الطبيعي، سواء عن طريق المعرفة العقلية، في الحالة الأولى، أو عن ~~طريق مجرد الوعي به في الحالة الثانية؛ ففي كلتا الحالتين يكفي لتخليص الإنسان من هذا ~~الاختلال إلقاء ضوء عليه، وإخراجه من الظلمة التي كان غارقا فيها أثناء تعرضنا ~~التلقائي له، ونقله بالتفكير الواعي من مجاله الضيق ومن الظروف المحددة الغامضة التي ~~كان يمارس تأثيره فيها. ~~••• # وأخيرا فلا بد من إشارة خاصة إلى النتائج الاجتماعية الواضحة التي يستخلصها اسپينوزا ~~من نظريته في قهر الانفعالات. هذه النتائج تلخص في أن الانفعالات هي أساس الشقاق بين ~~الناس، وأن العقل أساس التقريب بينهم. فإذا كان العقل هو وسيلتنا إلى قهر الانفعالات، ~~فلا بد أن سعي الإنسان إلى التغلب على انفعالاته يؤدي هو ذاته إلى تأكيد المعاني ~~الاجتماعية في نفس الإنسان. # وتتسم آراء اسپينوزا في هذا الصدد بطابع مزدوج، يرتبط بطابع مزدوج مناظر في الحل ~~الذي وضعه للتغلب على الانفعالات؛ فهو من جهة يقول إن الانفعال لا يقهره إلا انفعال آخر ~~أقوى منه، ومن جهة أخرى يقول إن التفكير في الانفعالات وربطها بالنظام الضروري للأشياء ~~هو الكفيل بالقضاء عليها. وصحيح أنه يربط بين هاتين الوسيلتين على نحو ما حين يقول، في ~~نص سبق اقتبسناه: إن معرفة الخير والشر هي انفعال اللذة والألم، بقدر ما نكون على وعي ~~بهما، ولكن لا شك، رغم ذلك، في أن هناك نوعا من التمييز بين الوسيلتين؛ إذ إن الوسيلة ~~الأولى، وهي استخدام انفعال أقوى، تستبقي على أية حال نوعا آخر من الانفعال. أما ~~الوسيلة الأخرى فمن الممكن، إذا مضينا إلى أبعد مراحلها، أن تؤدي إلى حالة لا يعود فيها ~~مجال لأي انفعال، ويتسم فيها كل شيء بصبغة الضرورة المطلقة، ونستطيع أن نعد الوسيلة ~~الأولى مرحلة ممهدة للأخرى؛ أي إن التغلب على الانفعال يمكن أن يكون بانفعال آخر أقوى ~~منه، وهذه هي الوسيلة الأسهل والأقرب مثالا، ويمكن أن يتم عن طريق الفهم الكامل لموقع ~~كل حادث في النظام الكلي للأشياء، ms224 وهي أصعب الوسيلتين، وأبعدهما عن متناول ~~الناس. # وسواء أكانت وسيلتنا إلى قهر الانفعالات هي الأولى أم الثانية، فإننا في كلتا ~~الحالتين نقضي على أقوى سبب للشقاق بين الناس إذ نقضي على الانفعالات. «فبقدر ما يكون ~~الناس نهبا للانفعالات السلبية، لا يمكن أن يقال، من هذه الناحية، إنهم منسجمون بطبيعتهم.» # 32 # فإذا اتبع الإنسان الوسيلة الأولى، وهي البحث عن انفعال أقوى، فسوف يؤدي ~~ذلك حتما إلى التقريب بينه وبين بقية الناس؛ إذ إن انفعال الخوف من أن يلحق الإنسان، ~~إذا سعى إلى الإضرار بغيره، ضرر يفوق ما يلحق الآخرين، يؤدي إلى تنازله عن رغبته ~~الغريزية في تحقيق النفع لنفسه على حساب الآخرين. «وعلى أساس هذا القانون يمكن قيام ~~المجتمع، طالما احتفظ هذا المجتمع لنفسه بالحق الذي يملكه كل شخص في الانتقام لنفسه من ~~الأذى، والحكم بنفسه على ما هو خير وما هو شر، وطالما أن للمجتمع القدرة على وضع قاعدة ~~عامة للسلوك، وإصدار قوانين يدعمها التهديد، لا العقل الذي يعجز عن قهر الانفعال. مثل ~~هذا المجتمع الذي يبنى على قوانين وعلى قوة قادرة على حفظه يسمى بالدولة، ومن ~~يعيشون في حمايته يسمون رعايا.» # 33 # ولكن إذا كان اسپينوزا قد أكد في النص السابق عجز العقل عن قهر الانفعال، فلنذكر - ~~كما أوضح في ملحوظة القضية رقم 17 من الباب نفسه - أنه يعالج المسألة في هذا الباب من ~~وجهة نظر الضعف البشري وعبودية الإنسان، وأن هناك وجهة نظر أخرى على مستوى أرفع، هي ~~وجهة نظر «تحرر الإنسان»؛ أعني تلك التي يكون العقل فيها قادرا بالفعل على تخليص ~~الإنسان من انفعالاته بالتفكير فيها، وفي هذه الحالة أيضا تؤدي محاولة الإنسان قهر ~~انفعالاته إلى التقريب بين الناس وتأكيد القيم الاجتماعية في النفس البشرية، ولكن على ~~مستوى أعلى من مستوى الخوف المتبادل الذي أدت إليه الوسيلة الأولى. # فالعقل هو أساس الاتفاق بين الناس «وبقدر ما يعيش الناس متبعين العقل، تتفق طبيعتهم ~~دائما بالضرورة.» # 34 # وكلما اتسع نطاق ممارسة المرء لعقله، ومعرفته لطبيعة الأشياء، زالت الحواجز ~~بينه ms225 وبين الآخرين، بحيث إن «ما يرغبه الشخص الذي يتبع الفضيلة لنفسه، يرغبه أيضا ~~لغيره، وتقوى رغبته هذه بقدر ما تزداد معرفته لله.» # 35 # وهكذا فإن من يسترشد في حياته بالعقل، يكون مصدر خير ونفع دائم لغيره من ~~الناس؛ «فليس أنفع للإنسان في الطبيعة من إنسان يعيش متبعا للعقل»؛ # 36 # ذلك لأن سعي الإنسان إلى نفعه الخاص، إذا استرشد بالعقل، يغدو في الوقت ~~ذاته سعيا إلى نفع الآخرين. # ويأتي اسپينوزا في هذا الصدد بفكرة هامة في نظريته الأخلاقية، هي القائلة بأن الخير ~~الحقيقي شيء لا يقتسم ولا يوزع، ولا يتأثر بكثرة من يشاركون فيه، بل إن من الممكن أن ~~يكون لكل شخص فيه أكبر نصيب؛ ذلك لأن هذا الخير لو كان مالا أو منصبا أو نفوذا، ~~لأدى التزاحم عليه إلى تفتيته على الدوام، بحيث ينبغي أن يشتد عليه التنافس والتشاحن ~~بين الناس، طالما أن مقدار هذه الغايات محدود لا يتسع للجميع. أما حين يغدو هذا الخير ~~هو المعرفة، فإنه يصبح متاحا للجميع، ولا يؤدي ازدياد عدد المشاركين فيه إلى إنقاصه، ~~بل إن الأمر على العكس من ذلك؛ إذ إنه كلما ازداد الناس طلبا للمعرفة، اتسع نطاق هذه ~~المعرفة ذاتها وترامت آفاقها. وهذا هو تفسير قضية اسپينوزا القائلة: «إن الخير الأسمى ~~لمن يتبعون الفضيلة مشترك بين الجميع، وبالتالي يمكن أن يتمتع به الجميع على قدم المساواة.» # 37 # وفي ملحوظة هذه القضية ذاتها يقول: «... وهذا يستتبع - لا بطريقة عرضية، ولكن ~~بناء على طبيعة العقل ذاتها - أن أسمى خير للإنسان مشترك بين الجميع، بقدر ما يستمد من ~~ماهية الإنسان ذاتها، كما تعرف من خلال العقل.» # ولا يكف اسپينوزا عن الإعراب عن تمجيده للحياة الاجتماعية في ظل العقل، وكأنه يرد، ~~بهذا التأكيد، على أولئك الذين دأبوا على الربط بين الفردية والتفلسف، ولم يتصوروا ~~إمكان قيام اجتماع بين العقول إلا على أساس تنازل هذه العقول عن جزء من امتيازها ~~وتفوقها. «... لا شيء أنفع للإنسان من الإنسان؛ أجل، فليس في الوسع الناس أن يتمنوا ~~شيئا كفيلا بحفظ ms226 وجودهم، أعظم من أن يتفق الجميع على أن تكون أذهان الجميع وأجسادهم ~~ذهنا واحدا وجسما واحدا، إن جاز هذا التعبير، وأن يحاول الجميع بصوت واحد، بقدر ~~استطاعتهم، أن يحفظوا وجودهم، ويسعوا جميعا إلى ما يفيدهم جميعا. وهكذا فإن الناس ~~الذين يحكمهم العقل - أي الذين يسعون إلى ما هو مفيد لأنفسهم وفقا للعقل - لا يتمنون ~~لأنفسهم شيئا لا يتمنونه أيضا لبقية البشر، وبالتالي يتصف سلوكهم بالعدالة والإخلاص والشرف.» # 38 # وإذا كان اسپينوزا في النص السابق يرد على أولئك الذين يؤكدون أن العقل يفقد امتيازه ~~إذا فقد عزلته، ويضع مقابل ذلك غاية مضادة لمجتمع الأحرار من الناس، هي «عقل واحد وجسم ~~واحد»، فإنه، في النص التالي، يكاد يرد مقدما على أولئك الذين سيصفونه هو ذاته، فيما ~~بعد، بأن ميوله أشبه بميول الراهب المنعزل الزاهد في متاع الدنيا، وهي أوصاف يرددها ~~كثير من شراح اسپينوزا التقليديون؛ فالأساس الذي يجمع به العقل بين الناس ليس هو ~~الزهد في كل ما يتصل بالطبيعة الأصلية للإنسان، وإنما هو تحقيق كل جوانب هذه الطبيعة، ~~بإرشاد العقل، على أكمل نحو. «إن ما قلناه ليثبت بالتجربة بوضوح يجعل الناس كلهم ~~يجمعون تقريبا على القول: إن الإنسان إله لأخيه الإنسان. # 39 # ورغم ذلك فنادرا ما يحدث أن يطيع الناس العقل؛ إذ إنهم يسيرون في حياتهم ~~وفق نظام قوامه الحسد والشقاق المتبادل. ومع ذلك لا يكاد يكون في استطاعتهم أن يحيوا ~~حياة منعزلة، بحيث إن تعريف الإنسان بأنه حيوان اجتماعي كان يلقى دائما موافقة ~~الجميع، بل إن نفع الحياة الاجتماعية للإنسان يفوق ضررها إلى حد بعيد. فليضحك ~~الساخرون ملء أشداقهم على أحوال البشر، وليلعنها اللاهوتيون، وليمدح كارهو الإنسان، قدر ~~استطاعتهم، حياة البداوة الجلفة، وليكيلوا الاحتقار للإنسان والمدح للبهائم؛ فسوف يجد ~~هؤلاء، بعد هذا كله، أن في وسع الناس أن يفوا بحاجاتهم على نحو أيسر كثيرا بالتعاون ~~المتبادل، وأن الوسيلة الوحيدة لنجاتهم من الأخطار المحيقة بهم من كل جانب هي توحيد قواهم.» # 40 # ولعلنا لا نكون مسرفين كثيرا في التفسير إذا قلنا: ms227 إن اسپينوزا كان، في ربطه بين ~~التعاون المتبادل بين الناس وبين زيادة تيسير الوفاء بحاجاتهم، يدافع في الوقت ذاته عن ~~الحضارة الصناعية الحديثة التي شهد أول البوادر الممهدة لها، وينتقد مقدما أولئك ~~الذين يندبون أيام عزلة الإنسان واكتفائه بذاته، ويجعل من نفسه مدافعا عن مبدأ تقسيم ~~العمل، مؤكدا - كما سنرى أيضا فيما بعد - أنه أقدر على تحقيق كمال الإنسان بكثير من ~~حياة «البداوة الجلفة». ~~(4) الجوانب السلبية والإيجابية في النظرية الأخلاقية # من الطبيعي أن تثار مشكلة السلبية والإيجابية في صدد كل مذهب أخلاقي يدعو إلى قهر ~~الانفعالات عن طريق العقل؛ فمنذ الرواقيين أصبح الاعتراض على مثل هذه المذاهب بالسلبية ~~أمرا مألوفا. أليست تدعو الإنسان إلى أن يركز طاقته في كبت انفعالاته وقهرها، ويستخدم ~~عقله في السيطرة على ذاته، بدلا من أن يستغل هذه الطاقة في التغلب على العوامل ~~الخارجية المؤدية إلى هذه الانفعالات، أو يستخدم عقله في السيطرة على العالم المحيط به؟ ~~إن مثل هذه المذاهب، ابتداء من الرواقية حتى اسپينوزا، تبدو صالحة لأناس يعجزون عن ~~تغيير العالم المحيط بهم فيركزون جهودهم في تغيير أنفسهم، ويجعلون مسرح نشاطهم هو ~~عالمهم الباطن؛ لأنهم لا يملكون أن يسيطروا على أي عالم سواه. # وفي نظرية اسپينوزا في قهر الانفعالات كثير من العناصر التي تشجع على مثل هذا النقد. ~~وهو يتحدث أحيانا بلهجة توحي مباشرة بالسلبية، كما في قوله، في الرسالة رقم 30 التي ~~يتحدث فيها إلى أولدنبرج عن الحرب الدائرة بين هولندا وإنجلترا، وهي الحرب التي لا ~~يوافق عليها وعلى ما يراق فيها من الدماء: «أما أنا فلا تثير في هذه القلاقل ضحكا ~~ولا بكاء؛ وإنما تدفعني إلى التفلسف وإمعان النظر في طبيعة البشر؛ إذ لست أعتقد أن من ~~حقي أن أسخر من الطبيعة، أو أن أشكو منها، وذلك كلما فكرت في أن الناس، شأنهم شأن سائر ~~الموجودات، ليسوا إلا جزءا من الطبيعة، وفي أنني أجهل كيف تتفق هذه الأجزاء مع الكل ~~وتتمشى معه، وكيف يرتبط كل جزء بالباقين ... فأنا الآن أترك لكل الحرية ms228 في أن يحيا ~~وفقا لطبيعته ...» # هذه دون شك نظرية سلبية إلى ظاهرة يعترف، هو ذاته، بأنها شر، وهي الحرب، ولكنه ~~يعزوها إلى ضعف كامن في الناس لا يمكن إحداث تغيير فيه. والنظرة السلبية ترتبط - كما ~~هو واضح من هذا النص - بتأمل الأمور في طبيعتها الضرورية؛ أي من منظور الأزل. فلا بد ~~له، لكي يترفع عن صغائر الناس ومظاهر ضعفهم، من أن يربط كل حادث بالمجرى الضروري الأزلي ~~للطبيعة. وهذا أمر مستساغ في لحظة التحليل والتفلسف، ولكنه إذا أصبح يعبر عن الموقف ~~الوحيد للفيلسوف، فإنه يؤدي إلى إنكاره لوجوده الإنساني، وكفه عن المشاركة العملية في ~~الشئون اليومية لبقية الناس. ومن الواضح أن حياتنا العملية تقتضي نوعا من التخلي ~~المتعمد - مؤقتا - عن وجهة النظر الأزلية والاهتمام من آن لآخر بجزئية الحوادث، ~~وبعالم الانفعالات بما فيه من قيم بشرية هي حقا لا تنتمي إلى طبيعة الأشياء، ولكنها ~~قطعا تعبر عن مشكلات أصيلة في حياة الإنسان. # ومن جهة أخرى، فصحيح أن التعقل وفهم الأسباب خطوة كبرى نحو التخلص من مشاكلنا، ولكنه ~~ليس هو الخطوة الأخيرة؛ فالفهم والمعرفة ليسا كافيين، بل إن في الاقتصار عليهما نوعا ~~من السلبية، ومن الواجب أن تكملهما محاولة للتغيير الإيجابي للظروف الخارجية؛ محاولة ~~تنتمي إلى ميدان «الفعل»، لا إلى ميدان العقل وحده. # ونستطيع أن نقول، رغم ذلك كله: إن تهمة السلبية لا تنطبق على فلسفة اسپينوزا ~~الأخلاقية كل الانطباق؛ ففي هذه الفلسفة عناصر إيجابية لا تنكر؛ فهو يفترق عن كثير من ~~المذاهب الداعية إلى قعر الانفعالات بالعقل في أن هذه الدعوة لم تكن قائمة عنده على ~~أساس من الزهد، بل إنه يؤكد على نحو لا يتضمن أي لبس أن من واجب الإنسان أن يمارس كل ~~عناصر طبيعته بقدر ما يستطيع. ولنلاحظ في هذا الصدد أن مبدأه الأساسي الذي فسر من خلاله ~~كل مظاهر سلوك الإنسان، وهو مبدأ الاستمرار في الوجود، هو في ذاته مبدأ للفاعلية، بينما ~~هو يعد كل ما يعوق فعل الإنسان شرا. وفضلا عن ذلك فقد أكد اسپينوزا ms229 أهمية سعي ~~الإنسان إلى نفعه الخاص، ولم ينكر أي عنصر من عناصر الحياة الحسية أو يحمل عليه إلا إذا ~~أصبحت له الغلبة على العقل، وهو أمر لا تنكره أية فلسفة مبنية على مبدأ الفاعلية ~~المطلقة للإنسان. وأخيرا فقد أكد القيم الاجتماعية، كما رأينا من قبل، على نحو لا ~~يقبل أي جدال، وربط بصورة واضحة بين إنهاض الإنسان لحياته وبين اتصاله الاجتماعي ~~بالآخرين، وفي ذلك قطعا عنصر إيجابي واضح. # على أن هذا العنصر الإيجابي، الذي يتمثل في تأكيد القيم الاجتماعية، يظل مع ذلك - كما ~~لاحظ «دودان # Daudin ~~» - معتمدا على «البادرة الشخصية» # initiative personnelle ~~؛ ففي مذهبه، الذي ~~تكون فيه الطبيعة سائدة في مجراها الحتمي غير عابثة بالإنسان أو مكترثة بأهدافه، لا ~~يكون للأخلاق بأسرها أي معنى إلا من حيث تهيب بالبادرة الشخصية، التي يتضامن الناس على ~~أساسها في المجتمع. # 41 # وبعبارة أخرى: فالتضامن الاجتماعي في هذه الحالة يتخذ قوته الدافعة من ~~الفرد ذاته، ولا بد أن يبنى على نظام ذاتي فردي في آخر الأمر. # ومثل هذا النظام الذاتي، المستمد من وصول العقل البشري إلى أرفع مستوى يمكنه أن ~~يبلغه، لا يتوافر إلا للقليلين. وهكذا يضطر المرء إلى الاعتراف بأن الأخلاق عند ~~اسپينوزا تتجه إلى القلة لا إلى الكثرة، وأنه - رغم اعترافه الكامل بطبيعة الإنسان - ~~يفرض للأخلاقية شروطا لا يصل إليها إلا القليلون. # وقد كانت هذه المشكلة موضوعا للسؤال الذي ختم به «سيلڨان زاك» كتابه عن «الأخلاق عند ~~اسپينوزا»، وأعني به: هل كان مذهب اسپينوزا الأخلاقي ديمقراطيا أم أرستقراطيا؟ ~~فهناك قطعا نزعة ديمقراطية تتمثل في حملته على السلطة الدينية، أيا كان مظهرها، وفي ~~تأكيده أن قلب الإنسان وحده، لا أية سلطة خارجية، كفيل بأن يرشده إلى الطريق القويم، ~~ولكن كانت هناك أيضا نزعة أرستقراطية واضحة، تظهر في تأكيده أن وسيلة الخلاص هي ~~المعرفة العقلية، التي لا تتوافر إلا للقليلين. # 42 # وهكذا لا يكاد المرء يجد مفرا من ~~القول إن مذهب اسپينوزا الأخلاقي يتضمن نوعا من التمييز بين أخلاق للسادة وأخلاق ~~للعبيد. ولو تأملنا ms230 الأوصاف التي تحدث بها اسپينوزا عن أخلاق المذاهب اللاهوتية، بما ~~فيها من مكافأة وثواب وعقاب ووعد ووعيد، وبما فيها من استغلال واضح لمشاعر الناس ~~وتملق لانفعالاتهم، لوجدنا هذه الأوصاف تعبر، عنده، عن فكرة «أخلاق العبيد» بكل ~~وضوح. وفي الوقت الذي نراه يدعو فيه عامة الناس إلى الأخذ بهذه الأخلاق؛ لأنها هي التي ~~تصلح لهم وتكفل إرشادهم إلى الطريق السليم، نراه لا يكف عن أن يؤكد أنه وجد «الخلاص» ~~بطريق آخر، ويضع لنفسه نوعا من «الأمر المطلق» الذي لا يمارس فيه الخير من أجل ما قد ~~يجلبه من نتائج، بل لأن «مكافأة الفضيلة هي الفضيلة ذاتها». وهو يعترف بعجز العامة عن ~~التفكير الكفيل بربط الانفعالات بالمجرى الضروري للطبيعة، فلتكن للعامة إذن أخلاقها ~~الخاصة، التي لا يتخلص فيها الإنسان من الانفعال إلا بانفعال آخر أقوى منه. أما الخاصة، ~~أو «السادة»، فوسيلتها إلى الفضيلة هي المعرفة، وسعادتها في ممارسة العقل، وخلاصها في ~~الاعتراف بالضرورة، # 43 # وتلك بالطبع مرتبة لا يصل إليها إلا القليلون؛ إذ إن أرفع الأشياء - كما ~~قال في العبارة التي ختم بها كتاب «الأخلاق» - هي أصعبها مثلما أنها أندرها. # وهكذا مضت بنا هذه المناقشة - ذات الطابع الديالكتيكي الواضح - لمشكلة السلبية ~~والإيجابية عند اسپينوزا، وبالتالي لمشكلة الأرستقراطية والديمقراطية في هذه الأخلاق، ~~من تأكيد إلى تأكيد مضاد على مستوى أرفع، وفي اعتقادنا أن الرأي السابق ليس هو - رغم ~~المظاهر البادية - الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع. فما زال من الممكن القول إن المثل ~~الأعلى الذي وضعه اسپينوزا للأخلاق، وهو سيادة العقل، ليس أرستقراطيا من جميع الأوجه، ~~وبالتالي ليس غاية سلبية بالنسبة إلى الجزء الأكبر من البشر؛ ذلك لأن للعقل الرفيع هذه ~~الميزة، وهي أنه إذا كان من الوجهة العملية لا يتوافر إلا للقليلين، فإنه من الوجهة ~~النظرية يمكن أن يتوافر للجميع، بل إن المعرفة هي - نظريا - أقرب المثل العليا إلى ~~متناول الجميع؛ فهي، كما قلنا، ليست كالمال ينقص كلما ازداد عدد المشاركين فيه، وإنما ~~هي الغاية الوحيدة التي يمكن أن يشارك فيها الجميع على ms231 السواء، وتزداد آفاقها اتساعا ~~كلما اتسع نطاق المشاركة فيها، وصحيح أن هذا من الوجهة العملية أمر غير متحقق؛ لأن ~~المعرفة بالفعل لا تتوافر إلا للقلة النادرة، ولكن المثل الأعلى للمعرفة هو، من حيث ~~المبدأ، أسهل المثل العليا منالا، مثلما أنه من الوجهة العملية أصعبها بلوغا، وعلى ~~أساس هذه الطبيعة الخاصة لمثال المعرفة يمكننا أن نحل المشكلة بالجمع بين طرفيها في هذا ~~المركب الأعلى. # الفصل السابع # | الفلسفة السياسية # لا بد من الاعتراف، في بداية هذا الفصل القصير، بأن البحث التفصيلي في النظريات ~~السياسية، من حيث هو ينتمي إلى مجال العلوم السياسية، يخرج بنا عن النطاق الفلسفي البحت ~~الذي حددناه لكتاب كهذا؛ ومن هنا فإنا سنقتصر في هذا الفصل على معالجة أعم النواحي في ~~فلسفة اسپينوزا السياسية، وهي النواحي المتصلة بموقفه الفكري العام. أما البحث في تفصيلات ~~مذهبه السياسي فهو بطبيعته خارج عن حدود هذا الكتاب. ~~(1) أهمية الحياة الاجتماعية ووظيفة الدولة # يؤدي البحث في النظرية الأخلاقية عند اسپينوزا، كما رأينا عند نهاية الفصل السابق، ~~إلى تأكيد أهمية الحياة الاجتماعية؛ فمذهبه الأخلاقي النظري ينتهي إلى تمجيد الحياة ~~الاجتماعية من حيث إنها هي التي تحقق كمال الشخصية الأخلاقية الفردية، وتكفل الحرية ~~الحقيقية للإنسان. وهو ينقلنا من مجال النظرية الأخلاقية إلى مجال الفلسفة السياسية - ~~أثناء عرض نظريته في الانفعالات - فيقول أولا: «إن كل ما يساعد على حياة الإنسان ~~الاجتماعية، أو يؤدي بالناس إلى أن يحيوا سويا في وئام، هو خير، بينما كل ما يؤدي إلى ~~الشقاق في الدولة شر.» # 1 # ثم يربط بين حرية الإنسان وبين حياته المدنية فيقول: «إن من يسترشد بالعقل ~~يكون أكثر تحررا في دولة يعيش فيها في ظل نظام عام من القانون، منه في عزلة يكون ~~فيها مستقلا.» # 2 # وبعبارة أخرى: فما يبدو أنه قيود للحياة المدنية في ظل القانون، هو في واقع ~~الأمر تحرر يفوق كثيرا ذلك التحرر الذي يتوهم البعض أنه يتحقق في حالة العزلة ~~والتخلص من النظم والقيود. # وقد أشرنا إشارة موجزة، في الفصل الأخلاقي، إلى دفاع اسپينوزا ms232 عن مبدأ تقسيم العمل ~~وحملته على حياة البداوة بما فيها من استقلال مزعوم يعجز المرء فيه عن تحقيق أهم ~~مطالبه، وبالتالي عن تنمية شخصيته على الوجه الأكمل. وقد أورد اسپينوزا في كتاب «البحث ~~اللاهوتي السياسي» آراء صريحة في هذا الموضوع، تقف في مصاف النظريات الحديثة في علم ~~الاجتماع من حيث تأكيد أهمية تقسيم العمل الاجتماعي بالنسبة إلى حياة الإنسان الحديث: ~~«إن تكوين المجتمع لا يفيد في الأغراض الدفاعية فحسب، وإنما يفيد أيضا في أمور عديدة، ~~بل إن له ضرورة مطلقة من حيث إنه يتيح تقسيم العمل. ولو لم يقدم الناس مساعدة متبادلة ~~بعضهم إلى البعض، لما توافرت لأحد القدرة أو الوقت اللازم لتزويد نفسه بما يلزم لعيشه ~~ولبقائه؛ إذ ليس كل الناس صالحين بدرجة متساوية لجميع الأعمال، وليس في وسع أحد أن ~~يتولى بنفسه إعداد كل ما هو في حاجة إليه. وأكرر القول إن القوة والوقت يقصران إذا ما ~~تعين على كل شخص أن يحرث ويبذر ويحصد ويطحن القمح ويطهو وينسج ويطرز ... ناهيك بالعلوم ~~والفنون التي لها بدورها ضرورة مطلقة لكمال الطبيعة البشرية وسعادتها. وإنا لنرى أن ~~حياة الناس الذين يعيشون في حالة الهمجية الجهولة هي حياة بائسة أشبه بحياة الحيوان، ~~ومع ذلك فهم لا يستطيعون الحصول على ضروراتهم الشحيحة التافهة دون مساعدة بعضهم لبعض ~~إلى حد ما.» # 3 # ولا بد في كل مجتمع بشري من قانون ينظم العلاقات بين الناس؛ إذ لو كان العقل وحده ~~- كما يقول اسپينوزا - هو الذي يسيطر على أفعال الناس، لما احتاجوا إلى قانون. غير أن ~~الانفعالات والغرائز تتحكم في الجزء الأكبر من رغبات الناس؛ ومن هنا احتاج كل مجتمع إلى ~~حكومة وقوانين لردع أفراده. وهكذا ينشأ التنظيم السياسي الذي هو في رأي اسپينوزا أعلى ~~أنواع التنظيم: «فمن المؤكد أن واجبات المرء نحو وطنه هي أسمى الواجبات التي يستطيع ~~أداءها؛ إذ لو أزيلت الحكومة لما بقي للإنسان من خير ... وعلى ذلك فكل واجب لنا نحو الجار ~~يغدو جرما إذا ما عاد بالضرر على الدولة بأكملها، ms233 كما أن كل ما نفعله في سبيل حفظ ~~الدولة لا يمكن أن يكون فيه إخلال بواجبنا نحو الجار، أو أي شيء سوى الولاء ... وعلى ذلك ~~فالمصلحة العامة هي القانون الأعلى الذي ينبغي أن يخضع له كل قانون آخر، سواء أكان ~~إلهيا أم بشريا.» # 4 # ويلاحظ في هذا النص أن اسپينوزا يؤكد أن مصالح المجتمع نفسه - كما يمثلها قانون ~~الدولة - هي المرجع الأخير في كل شيء، وأن قانون الدولة يعلو على كل شريعة دينية، ولقد ~~كان ذلك، بطبيعة الحال، تعبيرا عن اتجاهه الواضح إلى فصل الدين تماما عن الدولة، ثم ~~إيثار مصلحة الدولة على كل مصلحة أخرى، بحيث لا تترك للسلطة الدينية أية قدرة على ~~محاسبة الناس باسمها، متخطية في ذلك قانون البلاد؛ أي إن سلطة رجال الدين ينبغي أن تخضع ~~لسلطة الحاكم. وقد يبدو هذا في نظر البعض مذهبا يجعل الدولة متسلطة على العقائد، ولكن ~~الواقع أن هدفه الحقيقي مخالف لذلك تماما؛ فمن المؤكد أن تجربة اسپينوزا الخاصة مع ~~ممثلي السلطة الدينية أفقدته الثقة بحكمهم تماما، وجعلته واثقا من أنهم يراعون ~~مصالحهم الخاصة، لا المبادئ والمثل العليا، في أحكامهم. وهكذا حرص على إخضاعهم للسلطة ~~المدنية تأمينا لنفسه ولغيره. ومن جهة أخرى فمثل هذا الخضوع للسلطة المدنية كفيل بعدم ~~تغليب دين على دين، وضمان الحرية لجميع الأديان، بحيث لا يصبح لأحدها سلطة قاهرة قد ~~يستغلها ضد أصحاب العقائد الأخرى. ولقد رأينا من قبل كيف أن اسپينوزا لم يكن يحفل ~~كثيرا بالمظاهر الخارجية للعقائد الدينية، وكانت كلها تتساوى عنده طالما أنها تؤدي ~~غرضها العملي على النحو الصحيح؛ ومن هنا كان إخضاعها للسلطة السياسية معناه قبول مختلف ~~الآراء والمعتقدات على قدم المساواة في ظل قانون مدني متسامح مع كل أشكال ~~العبادات. # وهكذا نرى أن فكرة فصل الدين عن الدولة لم تكن عنده من ذلك النوع الذي يترك فيه ~~لكل من السلطة الدينية والحاكم الزمني مجاله الخاص الذي يكون له فيه سلطان كامل؛ فهو ~~يريد من الدولة أن تشرف على كل شيء، بحيث تكون ms234 مصالحها دائما هي العليا. # 5 # فإذا اعترض عليه بأن أصحاب السلطة الزمنية قد يكونون أشرارا، بحيث لا نجد ~~عندئذ من يحفظ معاني الخير والتقوى، فإنه يرد على هذا الاعتراض قائلا إنه يمكن أن ~~يوجه بالمثل ضد رجال الدين؛ فهؤلاء أيضا بشر، وهم معرضون للخطأ، ولو كانوا أشرارا ~~فلن نجد من يفسر لنا المعنى الصحيح للتقوى. # 6 # بل إن الضرر في الحالة الثانية أعظم؛ إذ إن خطأ الحاكم يمكن إصلاحه بتغيير ~~الحاكم، أما رجال الدين فإنهم إذ ارتكبوا خطأ ظلوا ينسبونه إلى السلطة الإلهية ويحتمون ~~بها، وبذلك يظل الخطأ قائما، بل يتخذ مظهرا مقدسا بحيث يكون من أصعب الأمور التخلص ~~منه. # ويعد دفاع اسپينوزا عن الحرية الدينية، أو على الأصح عن الحرية الفكرية ضد السلطة ~~الدينية، جزءا من دفاعه عن حرية الرأي بوجه عام. وهذا الدفاع بدوره يرتبط ارتباطا ~~وثيقا بتاريخ الفترة التي عاش فيها؛ فقد كانت في هولندا وقت كتابة «البحث اللاهوتي ~~السياسي» جمهورية مستنيرة تحد من سلطة رجال الدين وتترك مجالا لا بأس به للحرية ~~الفكرية، ولكن الاتجاه المضاد، كما يتمثل في الكنيسة وفي النبلاء الإقطاعيين وعلى رأسهم ~~أمير «أورانج»، كان قويا بدوره، بل إنه أفلح في العودة إلى الحكم في النهاية. وهكذا ~~كان من أهم الأمور بالنسبة إلى اسپينوزا أن ينصر الاتجاه المتحرر على الاتجاه المتعصب، ~~وأن يثبت في الوقت نفسه أن المصالح الحقيقية للدولة لا تتأثر بتلك الحرية على الإطلاق، ~~بل إنها على العكس من ذلك تصان بالحرية على أفضل نحو. # وهكذا وضع اسپينوزا مبدأ عاما يكون من واجب الدولة بمقتضاه أن تتعهد عقول رعاياها ~~وتحكمهم بالإقناع لا بالإكراه: «فالهدف النهائي للحكم ليس السيطرة على الأفراد أو قمعهم ~~بالخوف، وليس فرض الطاعة عليهم، وإنما هو، على العكس من ذلك، تحرير كل شخص من الخوف، ~~حتى يعيش في اطمئنان تام. وبعبارة أخرى: تأكيد حقه الطبيعي في أن يعيش ويعمل دون أن ~~يلحقه أو يلحق غيره ضرر. # كلا، ليس هدف الحكم تحويل الناس من كائنات عاقلة إلى بهائم أو ms235 ألاعيب، وإنما تمكينهم ~~من تنمية عقولهم وأجسامهم في أمان، ومن استخدام أذهانهم دون قيد ... بل إن الهدف الحقيقي ~~للحكم، في واقع الأمر، هو الحرية.» # 7 # ويرى اسپينوزا أن للمرء الحق في مخالفة الحاكم في تفكيره كما يشاء، على ألا يفعل ~~ما من شأنه تعكير الأمن أو إشاعة الفوضى؛ ففي مجال التفكير، وفي مجال القول - طالما كان ~~صادرا عن العقل لا الانفعال - ينبغي أن تسود الحرية التامة، على ألا تتنافى مع ~~القانون. أما كبت حرية الفكر فلن يؤدي إلا إلى الرياء والنفاق: «وهب أن الحرية قد ~~سحقت، وأن الناس قد أذلوا حتى لم يعودوا يجرءون على الهمس إلا بأمر حكامهم. رغم ذلك ~~كله فمن المحال المضي في هذا إلى حد جعل تفكيرهم مطابقا لتفكير السلطة السائدة، فتكون ~~النتيجة الضرورية لذلك هي أن يفكر الناس كل يوم في شيء ويقولوا شيئا آخر، فتفسد بذلك ~~ضمائرهم ... ويكون في ذلك تشجيع لهم على النفاق والغش.» # 8 ~~... أما إذا كانت الوسيلة إلى كبت الحريات هي ملء السجون بالأحرار، فإن ~~اسپينوزا يعلق على ذلك بقوله: «أيستطيع المرء تصور نكبة تحل بالدولة أعظم من أن ~~ينفى منها الأشراف وكأنهم مجرمون، لا لشيء إلا لأنهم يؤمنون بآراء مخالفة لا يستطيعون إنكارها؟!» # 9 # بمثل هذا الدفاع المجيد عن حرية الفكر يختتم اسپينوزا كتابه «البحث اللاهوتي ~~السياسي»، الذي كان قد بدأه بدفاع مماثل، من خلال حملته على التعصب الديني. وهذه الحملة ~~الأخيرة، التي انتقد فيها بشدة تشكيل أذهان الناس في قوالب دينية ثابتة بحيث لا يعود في ~~وسعهم مناقشة أية قضية دينية، يمكن أن تنطبق بكل دقة على المحاولات العديدة لتشكيل ~~أذهان الناس في قوالب فكرية ثابتة بالدعاية المنظمة الموجهة. ويكفي لإدراك ذلك أن نحاول ~~تصور نص كالآتي من خلال الحياة المعاصرة: «من الواضح أن الحرية العامة لا تقبل مطلقا ~~أن تملأ عقول الناس بالتعصب والتحامل، أو توجه أحكامهم وجهة محددة، أو يستخدم أي من ~~أسلحة الفتنة المبنية على ذرائع دينية، والواقع أن هذه الفتن لا تستيقظ إلا عندما يزج ms236 ~~القانون بنفسه في ميدان التفكير النظري، وتحاكم الآراء وتدان كأنها جرائم، على حين ~~أن من يدافعون عنها ويتبعونها يضحى بهم، لا في سبيل أمن المجتمع، بل في سبيل حقد ~~خصومهم وقسوتهم.» # 10 # وإذا كنا قد تساءلنا من قبل، في مجال الأخلاق، عما إذا كان الاتجاه الغالب على تفكير ~~اسپينوزا ديمقراطيا أم أرستقراطيا، فمن الواضح أن المشكلة تحل هنا، في مجال ~~السياسة، حلا يترك لكل من النزعتين مجاله، ونستطيع أن نقول إن النظم الأرستقراطية ~~في الحكم لا تتيح للأرستقراطية الصحيحة - أرستقراطية التفوق والامتياز العقلي - أن تظهر ~~على حقيقتها. وهذا قول قد يبدو في ظاهره غريبا، ولكن الذي يحدث هو أن الأرستقراطية ~~الحاكمة، في مثل هذا النظام، لا تسمح إلا لنفسها بالعمل، بينما تسلب غيرها جميع ~~الحريات، فلا تتاح الفرصة لظهور المواهب الحقيقية في أية طبقة غير الطبقة الحاكمة ~~ذاتها. فإذا ما أريد للتفوق الحقيقي أن يظهر، فلا بد من أن تبسط الحريات ظلالها على ~~الجميع بمقدار متساو؛ حتى يتسنى تقدير الناس تبعا لقيمهم الحقيقية. وهكذا كان سعي ~~اسپينوزا إلى كفالة الحريات للجميع، في واقع الأمر، تعبيرا عن رغبته في إتاحة كل الفرص ~~أمام المواهب الحقيقية للظهور. وهذا الهدف، في رأيه، هو الغاية الحقيقية للتنظيم ~~الاجتماعي الذي يتخذ شكل الدولة. ~~(2) فكرة الحق الطبيعي وتكوين الدولة # عندما تحدث اسپينوزا عن العوامل المؤدية إلى تكوين الدولة، تأثر قطعا بكثير من ~~الأفكار التي كانت سائدة في الفلسفة السياسية في عصره، ومن أهمها فكرة «الحق الطبيعي» ~~والعقد الاجتماعي. وقد كانت الفكرتان متكاملتين في الفلسفة السياسية في ذلك العصر، ~~وظهرتا بوضوح عند «هبز وجروتيوس # Grotius ~~»، ثم عند ~~روسو في القرن التالي، ومن الممكن تتبع أصلها إلى عهود أقدم من ذلك بكثير، وكذلك ~~الاهتداء إلى صور لها أحدث كثيرا من القرن الثامن عشر. والفكرة تتلخص في أن حقوق كل ~~فرد فيما يسمى «بالحالة الطبيعة»؛ أي الحالة السابقة على التنظيم الاجتماعي الذي ~~يتخذ شكل الدولة، ترتكز على مقدار ما له من قوة. ثم تأتي عوامل مختلفة تحتم على الأفراد ms237 ~~التنازل عن حقوقهم الطبيعية: قد تكون الخوف المتبادل؛ أي رغبة كل في اتقاء شر الآخر. ~~وقد تكون السعي إلى المزيد من النفع. وقد تكون تحكيم العقل الذي يكشف عن عدم تعارض ~~مصالح الأفراد بعضهم مع البعض في نهاية الأمر. وعلى أية حال فإن هذه العوامل - التي ~~تختلف الأهمية النسبية لكل منها باختلاف المذاهب الفلسفية - تؤدي بالأفراد إلى ~~الاتفاق في «عقد اجتماعي» على التنازل المتبادل عن بعض الحقوق الطبيعية، وتكوين مجتمع ~~منظم، فيه «سلطة» حاكمة تشرف هي ذاتها على تنظيم ما تم التنازل عنه من الحقوق. # وقد تأثر اسپينوزا في كتاباته السياسية بهذه النظرية وأخذ بها، مع إدخال تعديلاته ~~الخاصة عليها. ونستطيع أن نقول إن هذا الجزء من فلسفته كان من الأجزاء القليلة التي ~~اتضح فيها تأثير النظريات المعاصرة له في تفكيره الخاص تأثيرا لا ينكر، بينما كان أهم ~~ما يميز تفكيره في بقية الأجزاء هو الأصالة التي بلغت حد استباق اتجاهات لم تظهر إلا ~~بعده بأجيال عديدة. # وقد عرف اسپينوزا «الحق الطبيعي» بقوله: «أعني بالحق الطبيعي نفس قوانين الطبيعة أو ~~قواعدها التي يحدث كل شيء وفقا لها؛ أي بعبارة أخرى: قوة الطبيعة ذاتها ... وعلى ذلك فكل ~~ما يفعله الإنسان وفقا لقوانين طبيعته، يفعله بحق طبيعي كامل، ويكون له من الحق على ~~الطبيعة بقدر ما له من القوة.» # 11 # وهذا الحق الطبيعي واحد لدى جميع الأفراد، لا يختلف فيه شخص عن آخر؛ ففي ~~هذا الميدان تتحكم الرغبة والقدرة، لا العقل. والطبيعة تتسع لكل شيء، لا للإنسان وحده، ~~ولكن إذا كان المبدأ ذاته واحدا؛ أي إذا كان الأفراد جميعا يسري عليهم المبدأ القائل ~~إن حق كل فرد يمتد بقدر ما تمتد قوته، فلا شك في أن نصيب كل فرد من هذا الحق يتفاوت ~~تبعا لما لديه بالفعل من القوة. وهكذا تكون الغلبة في هذه الحياة للقوي، الذي لا يحد ~~من قوته شيء إلا اصطدامها بالقوى الأخرى وتوقفها عند الحد الذي تبطلها فيه هذه ~~القوى. هذا هو «القانون» الساري على الحالة الطبيعية، ولكن ms238 من المؤكد أن تسميته ~~بالقانون فيها قدر كبير من التجاوز، وكما قال جيركه # Gierke ~~: «فمثل هذا القانون ليس في واقع الأمر قانونا على الإطلاق، ~~وهو لا يرفع راية القانون إلا كما ترفع سفينة راية مزيفة، تختفي من ورائها فكرة القوة ~~التي لا تعدو أن تكون قرصنة بالمعنى الصحيح.» # 12 # ويتم الانتقال من الحالة التي يسودها الحق الطبيعي إلى حالة العقد الاجتماعي عن طريق ~~تنازل الأفراد عن بعض حقوقهم لهيئة حاكمة في المجتمع الذي ينظمه القانون المدني؛ ذلك ~~لأن الفرد، رغبة منه في حماية نفسه وتحقيق ما فيه صالحه بطريقة أفضل، يقبل التنازل عن ~~شريعة الطبيعة والخضوع لقانون العقل، والاتفاق مع غيره على العيش في وئام. وهكذا يحدث ~~التنازل عن موضوعات بعض الرغبات استهدافا لخير أعظم، أو توقيا لشر أفدح، ويتم ~~هذا التنازل للهيئة الحاكمة، التي ينبغي على الأفراد طاعتها، وإلا لما أمكن قيام ~~الدولة، ويظل حق الحاكم قائما طالما كانت لديه القدرة على تنفيذه. وبعبارة أخرى: فإن ~~نفس قاعدة الحق الخاضع للقوة تسري على الدولة بدورها، بحيث تحد سلطة الدولة بما لديها ~~من القوة، ولكن لا بد أن تجد الدولة أيضا أن من مصلحتها، بدورها، أن تسترشد بالعقل، ~~وأن تحفظ قدرتها بتوخي الصالح العام: أعني أن تحد من ذاتها، ولا تمارس قواها أكثر مما ~~ينبغي حتى لا تقابل بالمقاومة. وحين تعترف الدولة بحكم العقل، تترك للأفراد قدرا غير ~~قليل من الحقوق التي يمارسونها بحرية، ولا سيما حقهم في التفكير الحر، والتعبير عن ~~آرائهم كما يشاءون، وهو الحق الذي أكد اسپينوزا أنه أساس في كل نظام سليم للحكم. # هذه الفكرة، التي كانت، بأشكالها المختلفة، تكون أساس المذاهب السياسية في القرن ~~السابع عشر بوجه خاص، قد احتلت المركز الرئيسي في تفكير اسپينوزا السياسي بدوره. ومع ~~ذلك فكلما أمعن المرء التفكير فيها، وجد أن موقعها في فلسفته شاذا إلى حد ما؛ ~~فالمقدمات الفلسفية التي بنى عليها هبز مذهبه السياسي مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي ~~بنى عليها اسپينوزا مذهبا مماثلا. ومن المؤكد أن ms239 السياق العام لتفكير اسپينوزا ~~الفلسفي كان يقتضي نوعا من الخروج على هذه النظرية السياسية الشائعة، التي جعلت من ~~القوة أساسا للحق - وهذا الاستنتاج هو بالفعل ما تؤدي إليه الدراسة المتعمقة لفلسفة ~~اسپينوزا؛ إذ يشعر المرء بأن ثمة نوعا من «الفراغ» في نظريته السياسية المتعلقة بأساس ~~تكوين الدولة. # ومع ذلك فهناك حقيقتان أساسيتان ينبغي ألا تغيبا عن الأذهان في هذا الصدد: الأولى هي ~~أن فكرة الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي كانت تبدو من بديهيات الفلسفة السياسية في عصر ~~اسپينوزا، ولم يكن في الإمكان عندئذ تصور طريقة أخرى لتطور التنظيم الاجتماعي ~~البشري؛ فقد رأى المفكرون أن الحالة الاجتماعية الراهنة للبشر لا بد قد سبقتها حالة ~~أخرى «طبيعية»، ولا بد أن تكون الشريعة السائدة في مثل هذه الحالة الطبيعية هي القوة. ~~ولما كانت ممارسة القوة تقضي على ذاتها إذا ما ترك لها العنان؛ لأن القوى سوف تتضارب ~~حتما؛ فقد كان من الطبيعي أن يتصور المفكرون عندئذ «عقدا اجتماعيا» يتفق فيه الناس ~~بمحض إرادتهم على التنازل عن بعض سلطاتهم لهيئة حاكمة. هذا التسلسل لمراحل التنظيم ~~الاجتماعي كان يبدو عندئذ أمرا مفروغا منه، وحقيقة لا تقبل المناقشة، وأية دراسة ~~للفلسفات السياسية في تلك الفترة تثبت مدى تغلغل هذه الفكرة في النفوس على نحو مشابه ~~لتغلغل نظرية التطور مثلا في التفكير العلمي الحالي. وكما أن العلماء البيولوجيين ~~يبنون اليوم أبحاثهم بطريقة شبه إجماعية على أساس فرض التطور، مع وجود اختلافات فرعية ~~في طريقة تطبيقهم له، ويرون أن الأخذ بهذا الفرض من أسس الروح العلمية في العصر الذي ~~نعيش فيه، فكذلك كان الحال في موقف المفكرين السياسيين من نظرية الحق الطبيعي والعقد ~~الاجتماعي في ذلك العصر. # والحقيقة الأساسية الثانية هي أن اسپينوزا قد خفف كثيرا من غلواء النظرية في صورتها ~~الأصلية كما تتبدى لدى فيلسوف مثل هبز، وحاول بقدر الإمكان أن يقرب بينها وبين مذهبه ~~الفلسفي العام، وإن لم يكن قد أحرز في ذلك إلا نجاحا محدودا: ~~(1) # فمن الممكن القول بوجود نوع من الموازاة بين فكرة الحق الطبيعي، ms240 كما ~~صاغها اسپينوزا في ميدان السياسة، وبين أساس النظرية الأخلاقية عنده؛ ذلك ~~لأنه أكد في مجال الأخلاق - كما رأينا - عدم وجود معنى مطلق لعبارات مثل ~~الخير والشر، وبنى الأخلاق كلها على أساس علمي، وربما على أساس نظرة آلية ~~إلى الطبيعة البشرية من خلال النزوع إلى حفظ الوجود واستمراره. وهذا هو ما ~~فعله اسپينوزا في ميدان السياسة أيضا؛ فقد أزال قيم الخير والشر من هذا ~~الميدان أيضا، ولم يقل بحق أو واجب مطلق، بل إن جميع هذه التعبيرات ~~المعيارية ينبغي أن ترد إلى الأصل الموازي للنزوع إلى حفظ الوجود ~~واستمراره؛ أعني إلى «القوة»؛ فالحق في السياسة يرتد إلى القوة، ولكن مثلما ~~كان رد القيم الأخلاقية التي يفترض أن لها وجودا مطلقا، إلى أصلها ~~الطبيعي، مؤديا إلى فهم علمي أفضل لمنشأ هذه القيم، فكذلك كان هذا التفسير ~~الطبيعي لأصل الاجتماع البشري مؤديا في نظره إلى فهم أفضل لأسس السياسية، ~~دون ضياع للالتزامات الحالية للأفراد تجاه الدولة. ~~(2) # تتسم فكرة الحق الطبيعي عند اسپينوزا بأنها فرض نظري إلى حد ما؛ فهو ~~يعترف بأن قوى الإنسان - التي تمتد بقدرها حقوقه - تقل طالما كان هناك ~~أفراد آخرون يخشاهم، وطالما كان لكل من هؤلاء الأفراد حقوق مثله . # 13 # وأن مجرد اعترافه في مقدمة «البحث السياسي» بأن «الناس قد ~~فطروا على ألا يستطيعوا العيش دون قانون عام ما.» # 14 # لينطوي ضمنا على تأكيد الحالة المدنية على حساب الحالة ~~الطبيعية، وعلى أنه كان يؤمن بأن الحالة الطبيعية هي، إلى حد ما، نوع من ~~الفرض النظري الذي يكمل بناء المذهب فحسب. ~~(3) # ولقد دافع اسپينوزا مرارا عن الفكرة القائلة إن الإنسان حيوان اجتماعي، ~~وهي فكرة لا تتمشى مع الصورة المتطرفة لنظرية الحق الطبيعي كما تتمثل عند ~~فيلسوف مثل هبز؛ فالقول بأن الاجتماع صفة أساسية في طبيعة الإنسان يتنافى ~~إلى حد بعيد مع أساس فكرة الحق الطبيعي ذاتها. ولا يقتصر اسپينوزا على ~~ذلك، بل إنه يشيد على الدوام بالحالة المدنية أو القانونية ويمتدحها، ويرى ~~أنها تؤدي إلى تهذيب الطبيعة البشرية ذاتها، ويكاد ms241 يقول إنها تخلق فيه ~~«طبيعة ثانية»؛ فالإنسان في ظل الحالة المدنية لا يعود في نظره ذلك الحيوان ~~المفهوم الذي قال به هبز، وإنما يتمكن من قهر الظروف الخارجية التي تحد من ~~قدرته وفاعليته، ويتسع نطاق حريته بفضل تضامنه مع الآخرين. ومن المؤكد أننا ~~إذا ربطنا بين هذه النظرية وبين فكرة الانفعالات عند اسپينوزا، لكان من ~~الواضح أن الحالة الطبيعية، بما فيها من خضوع تام للانفعالات التلقائية، ~~تمثل حالة «عبودية» الإنسان، على حين أن الحالة المدنية، بما فيها من ~~ضبط لهذه الانفعالات وتنظيم لها، تساهم إلى حد بعيد في «تحرير» الإنسان ~~من هذه العبودية. وهكذا يكون التنازل عن الحق الطبيعي - النظري - دعما ~~للحقوق الفعلية للإنسان. ~~(4) # وأخيرا، فهناك دلائل على أن الدولة عند اسپينوزا ليست مجموع إرادات ~~الأفراد أو محصل هذه الإرادات، وليست سلطتها ناتجة عن الجمع بين سلطات ~~الأفراد، وإنما هي حقيقة تتجاوز هذا كله. ومنذ اللحظة التي يعلن فيها ~~اسپينوزا ضرورة تنازل الدولة، بدورها، عن حقها المبني على القوة في سبيل ~~الخضوع لحكم العقل، منذ هذه اللحظة يجعل من الدولة كيانا له سلطته ~~المعنوية الخاصة التي تطاع لذاتها لا من أجل كونها مجموعا لسلطات الأفراد؛ ~~فالدولة حين تتبع حكم العقل تصبح أقدر على حفظ مصالح أفرادها ووجودهم منها ~~لو اعتمدت على القوة. وقد اعترف ~~«جيركه # Gierke ~~» نفسه بهذه الحقيقة ~~بعد أن كان قد أنكرها في بادئ الأمر. # 15 # ومن المؤكد أن إشارة اسپينوزا إلى ضرورة جعل «حكم العقل» هدفا لسياسة الدولة، قد ~~حتمت عليه أن يضع شروطا دقيقة للحاكم أو للهيئة الحاكمة في الدولة؛ ذلك لأن هناك ~~أنواعا معينة من نظم الحكم لا تستطيع بطبيعتها أن تسترشد بالعقل، وإنما تبني سياستها ~~على الانفعالات والاستجابات التلقائية فحسب. ولا يتوقع اسپينوزا أن يكون في استطاعة أي ~~حاكم أن يسترشد بالعقل وحده، فهذا حلم يستحيل تحقيقه، ولكنه يضع مع ذلك بعض الشروط التي ~~تكفل الاقتراب من تحقيق هذه الغاية بقدر الإمكان، وأهم هذه الشروط هو وجود الضوابط؛ ~~فنظام الحكم الذي يعتمد على أمانة ms242 الحكام فحسب لا يمكن أن يكون مستقرا، # 16 # ولا بد أن ندرك أن الضعف البشري حقيقة واقعة، وإذن فعن طريق الضوابط ~~الدقيقة، التي تمنع الاستبداد في الرأي أو الانقياد، للانفعال يمكننا أن نتلافى العيوب ~~التي يتعرض لها أي حاكم بطبيعته. # وعلى هذا الأساس دافع اسپينوزا بقوة عن الدولة الديمقراطية، وأكد أن النظام ~~الديمقراطي هو الذي يكفل للفرد أعظم قدر من الحرية، ويكفل للقوانين الاقتراب من العقل ~~السليم؛ ففي الديمقراطية لا يخشى من سيطرة الأوامر اللامعقولة؛ إذ إنه كلما ازداد عدد ~~المشتركين في الحكم قل احتمال ظهور الرغبات اللامعقولة، وأمكن ضبط الانفعالات الهوجاء ~~بسهولة، وهو يؤكد أن إطاعة الفرد لمثل هذه الدولة تزيد من حريته، ولا تنقصها على ~~الإطلاق: «ففي الدولة أو المملكة التي تكون فيها إرادة الشعب كله، لا إرادة الحاكم، هي ~~القانون الأعلى، لا يصبح المرء عبدا إذا ما أطاع السلطة العليا ... وإنما يصبح مواطنا؛ ~~وعلى ذلك، فأكثر الدول تحررا هي تلك التي تبنى قوانينها على العقل السليم، بحيث ~~يستطيع كل فرد فيها، إذا شاء، أن يكون حرا ... فالأطفال، وإن يكن عليهم أن يطيعوا أوامر ~~والديهم، ليسوا مع ذلك عبيدا؛ إذ إن أوامر الوالدين تستهدف عادة مصلحة الأطفال.» # 17 # ويؤكد اسپينوزا في مواضع عديدة رفضه للنظام الملكي، ولكنه على ما يبدو كان ~~يدرك أن هذا النظام لا مفر منه في كثير من البلدان في ذلك العصر، فحاول أن يخفف من ~~أضراره بقدر الإمكان، وكرس لذلك الفصل السابع من «البحث السياسي» الذي دعا فيه إلى ~~وجود مجلس كبير إلى جانب الملك، في الدول التي ينبغي أن تأخذ بالنظام الملكي، وحاول أن ~~يمزج الملكية بنظام شبه ديمقراطي يضمن الاستماع إلى صوت العقل بقدر الإمكان. ومع ذلك ~~فحتى في هذا الشكل الدستوري الأخير للنظام الملكي، تظل الديمقراطية - أي حكم الشعب عن ~~طريق ممثليه - مفضلة عنده دائما. # ومن المؤكد أن اسپينوزا كان يجعل للدولة، بوصفها نظاما سياسيا، مسئولية كبيرة في ~~توجيه رعاياها في الطريق السليم؛ فهو لم يكن من أولئك الفلاسفة الذين يقللون ms243 مسئوليات ~~الدولة إلى الحد الأدنى، وإنما أكد بالفعل أنه، منذ اللحظة التي يتنازل فيها الأفراد ~~للدولة عن بعض حقوقهم في سبيل تحقيق المزيد من الحرية بفضلها، تصبح الدولة هي المسئولة ~~عن المستوى الأخلاقي والاجتماعي لمواطنيها، وإذا ظهر أي انحراف عام في سلوك هؤلاء ~~المواطنين فمن الواجب أن تلام عليه الدولة ذاتها، لا الأفراد: «... فمن المؤكد أن الفتن ~~والحروب وكسر القوانين أو حرقها لا ينبغي أن تعزى إلى وجود الشر في الرعايا بقدر ما ~~تعزى إلى سوء حالة نظام الحكم ذاته؛ ذلك لأن الناس لم يخلقوا صالحين لأن يكونوا ~~مواطنين، وإنما ينبغي أن يجعلوا صالحين لذلك. وفضلا عن ذلك فإن انفعالات الناس ~~الطبيعية واحدة في كل مكان، فإذا ما استشرى الفساد في مكان ما، وازدادت الجرائم ~~انتشارا في دولة دون الأخرى. فلا بد أن الأولى لم تمض في عملية توحيد رعاياها كما ~~ينبغي، ولم تضع قوانينها ببعد نظر كاف؛ وبذلك تكون قد أخفقت في استخدام حقها في ~~ممارسة الحكم.» # 18 ~~(3) الموقف السياسي العام لاسپينوزا # ليس البحث في موقف اسپينوزا السياسي من الموضوعات الهينة؛ إذ إن آراء اسپينوزا ~~الصريحة لا تستكشف إلا بعد قدر غير قليل من البحث والمقارنة. وفضلا عن ذلك فقد اشتهر ~~عنه وقتا طويلا أنه كان منعزلا معتكفا لا شأن له بالصراع السياسي الحقيقي الدائر في ~~عصره، ولم يبدأ الباحثون في الكشف عن غوامض حياته العملية إلا في وقت غير مبكر من القرن ~~الحالي. وبعد ذلك تضاربت الآراء إلى حد بعيد عن الموقف الحقيقي الذي كان اسپينوزا ~~يقفه من مختلف التيارات السياسية في عصره، وكان هذا التضارب راجعا في المحل الأول إلى ~~رغبة كثير من الباحثين في تفسير اسپينوزا من خلال الاتجاهات السياسية السائدة في ~~عصورهم، لا في عصره هو. # ونستطيع أن نتخذ نقطة بداية بحثنا من آراء «ديزانتي # Desanti ~~» الذي قدم تفسيرا ماركسيا لفلسفة اسپينوزا، ولا سيما ~~النواحي السياسية فيها؛ فهو يرى أن اسپينوزا لم يكن بمعزل عن التيارات السياسية في ~~عصره، ويميل إلى القول بأنه كان على ms244 اتصال بالهيئات البورجوازية الحاكمة في عهد «يان ~~ديڨيت» الجمهوري، ويحلل «ديزانتي» النص الذي بدأ به اسپينوزا «البحث اللاهوتي السياسي»، ~~والذي يتحدث فيه اسپينوزا عن ضرورة صيانة الحرية السائدة في العصر الجمهوري القائم ~~والدفاع عنها، قائلا إن هذا النص يكشف عن مدى ارتباطه بالأفكار السائدة في «الجمهورية التجارية». # 19 # وسوف نورد هذا النص لكي يكون بحثنا هذا قائما على أساس ملموس: «لما ~~كان قد قدر لنا أن نحظى بهذا الخير العميم، وهو أن نحيا في جمهورية يتمتع فيها كل شخص ~~بالحرية الكاملة في الحكم وتمجيد الله على حقيقته، وينظر فيه الجميع إلى الحرية على ~~أنها أنفس وأغلى ما يملكون؛ فقد رأيت أنني لا أكون جحودا ولا أكون قد بذلت جهدا ~~عقيما إذا ما أثبت أن هذه الحرية يمكن أن تمنح دون خطر على التقوى والدولة، بل إن ~~القضاء عليها يستتبع حتما القضاء على سلام الدولة وعلى التقوى.» ومن هذا النص يستنتج ~~ديزانتي أن اسپينوزا كان حريصا على سلامة الدولة حتى تثرى المؤسسات التجارية ~~البورجوازية، وأن دعوته إلى استتباب النظام معناها الإبقاء على النظام القائم والقضاء ~~على الروح الثورية. أما الدعوة إلى التقوى فيقصد منها التهدئة الدينية للنفوس لنفس الغرض. # 20 # وهكذا لخص الوضع السياسي والطبقي لاسپينوزا بأنه وضع شخص «متضامن مع الطبقة المسيطرة»، # 21 # التي يحددها بأنها هي «البورجوازية التجارية والمالية والاستعمارية» التي ~~كانت تسعى أولا وقبل كل شيء إلى حفظ أنظمتها ومصالحها الخاصة. # 22 # هذا التفسير في نظرنا قائم على فهم ناقص لجميع أطراف فلسفة اسپينوزا. وليس خطأ ~~المؤلف، في نظرنا، راجعا إلى محاولته إيجاد تفسير «طبقي» لتفكير اسپينوزا السياسي، ~~وإنما هو يرجع إلى أن هذا التفسير مبني عنده على معطيات غير كافية وغير دقيقة، وبالتالي ~~يتحتم أن يكون باطلا، ونستطيع أن نوجه إليه الانتقادات الآتية: ~~(1) # فالمؤلف يفهم كثيرا من ألفاظ اسپينوزا ومصطلحاته فهما حرفيا. وهكذا ~~يفوته «السر» الحقيقي لتفكير اسپينوزا؛ فهو مثلا، حين يقول في مواضع ~~متعددة من كتابه بوجود تناقض أساسي في فلسفة اسپينوزا يعكس تناقض المجتمع ~~الذي ms245 عاش فيه، ويحدد هذا التناقض بأنه يتمثل في المزج بين الاتجاه العلمي ~~والاتجاه الصوفي، يخطئ إذ يتبع طريقة الفهم الحرفي لفكرة الله عند ~~اسپينوزا. وهذا الخطأ وحده كفيل بتقديم صورة باطلة لكل جوانب هذه الفلسفة. ~~ونستطيع أن نجد في تفسير النص الذي قدمناه من قبل مثلا جزئيا لهذا ~~الخطأ العام؛ فهو يفسر فكرة «التقوى» التي وردت في هذا النص بأنها تعبير ~~عن التهدئة، بينما كان المعنى الحقيقي لهذه الفكرة، كما رأينا من قبل، هو ~~«التعاطف أو حب الجار»، وهو معنى مخالف تماما لتفسير المؤلف. هذا فضلا عن ~~أن وصف كتاب ثائر مثل «البحث اللاهوتي السياسي» بأنه يرمي إلى تهدئة الناس ~~أو تخدير روح الثورة فيهم عن طريق التقوى فيه إغفال تام لكل ما في هذا ~~الكتاب من أصالة. ~~(2) # عندما تحدث اسپينوزا في آخر النص السابق عن عدم تعارض الحرية مع مصلحة ~~الدولة أو سلامتها، فمن المؤكد أنه كان يضع مبدأ عاما، ولم يكن يتحدث عن ~~الدولة التي عاش فيها على التخصيص. وهذا واضح كل الوضوح من نص الكتاب نفسه؛ ~~فكل ما أراده هو أن يقطع الطريق على الحجة القائلة إن منح الحريات قد يهدد ~~أمن الدولة، أو يقضي على التقوى، ويثبت أن الدولة التي تمنح الحرية ~~لرعاياها تستطيع أن تكون أكثر اطمئنانا على أمنها، وأن التقوى فيها - ~~بمعناها الخاص عنده، وهو حب الجار أو التعاطف بين الناس - لن تتأثر على ~~الإطلاق، فلم يكن اسپينوزا يرمي إلى أن يدافع عن الدولة التي عاش فيها إلا ~~من حيث هي تقبل مبدأ الحرية وتعترف به فحسب. ~~(3) # هناك شراح آخرون لا يقلون عن المؤلف إيمانا بالتفسير الاقتصادي ~~الاجتماعي - مثل «فوير # Feuer ~~» - أكدوا ~~أن اتصالات اسپينوزا كانت كلها مع أحرار الفكر في عصره، وأن إعجابه ب ~~«ديڨيت» كان راجعا إلى أن هذا الأخير كان يمثل أعلى ما يمكن أن تصل ~~إليه الروح التقدمية في ذلك العصر، ولم يكن هذا الإعجاب مع ذلك مطلقا، بل ~~إن اسپينوزا قد انتقد نظام ديڨيت ضمنا في انتقاده للأرستقراطية في ms246 كتاب ~~«البحث السياسي»، وأظهر ميلا واضحا إلى إيثار الديمقراطية عليه، بل إن ~~هناك فلاسفة ماركسيين آخرين يستنتجون من المعطيات ذاتها نتائج مضادة؛ فيرون ~~أن اتصال اسپينوزا بالطبقة البورجوازية الناشئة هو الذي أدى به إلى «التخلي ~~عن النزعة الغائية، وعن المثالية وعن التعلق بالعالم الآخر، والصوفية، وهي ~~النزعات التي تميزت بها العصور الوسطى، وإلى إعلان شمول قوانين الطبيعة، ~~والحتمية العلية الضرورية، وواحدية الجوهر الأزلي اللامتناهي»، ويؤكدون ~~أن اسپينوزا قد عبر عن المصالح البعيدة لا المصالح العاجلة لهذه الطبقة، ~~مما جعل أفرادها يشكون في تعاليمه ويناصبونه العداء. # 23 # وفي مثل هذا التفسير يستحيل أن يقال إنه كان يسعى إلى تخدير ~~روح الثورة في الناس عن طريق الدفاع المباشر عن النظام القائم أو السلطة ~~الدينية. ~~(4) # وأخيرا، فإن «مادلين فرانسيس»، وهي من أكثر الباحثين تعمقا في الظروف ~~السياسية والاجتماعية والاقتصادية لحياة اسپينوزا، تبدي شكها في أن يكون ~~اسپينوزا قد ارتبط ارتباطا وثيقا بحزب «يان ديڨيت» الجمهوري أو جعل من ~~فلسفته تبريرا فكريا له، وكل ما في الأمر أنه رأى في ذاك الحاكم أصلح من ~~يوجد، وحاول أن يأتي في كتاباته بأفكار قد تساعد على تقوية الاتجاهات ~~السليمة لديه. # 24 # وفي رأينا أن اسپينوزا، إذا كان في ~~الفترة الأولى من حياته قد اندمج بالفعل في حياة التجارة والأعمال، فإنه منذ اللحظة ~~التي تخلى فيها طوعا عن هذه الحياة ليتفرغ للتفكير الفلسفي، وأكد صراحة أن السعي ~~وراء المال عائق في وجه حرية التفلسف، وتنازل بمحض اختياره عن تجارته الناجحة الموروثة، ~~واحترف مهنة يدوية يرتزق منها، منذ هذه اللحظة ينبغي أن يقال إنه قد تخلى تماما عن ~~قيم التجار وأعلن احتقاره لها، وأخذ تفكيره يسير في طريق متحرر من قيود المصالح ~~السائدة. ولنتأمل مغزى العبارات المشهورة التي استهل بها كتاب «إصلاح العقل»، والتي ~~أعلن فيها سأمه من الحياة الاجتماعية في عصره. فمثل هذه العبارات لا يقول بها شخص راض ~~عن قيم عصره أو يريد أن يجعل من نفسه مدافعا عن هذه القيم، وإنما هي قطعا كلمات ثائر ms247 ~~على الظروف المحيطة به. وهنا تظهر لنا حملته على عبودية الإنسان وخضوعه للانفعالات في ~~ضوء جديد؛ فقد كان اسپينوزا يربط دائما بين الانفعالات وبين الأسباب أو القوى ~~الخارجية، وبذلك تكون محاولة إخضاع الانفعالات للعقل هي ذاتها تعبير عن محاولته قهر ~~الواقع الخارجي، أو التخلص من تأثيره، عن طريق الذهن، وهي الوسيلة الوحيدة التي كانت في ~~متناول يده. # وعلى أية حال فلسنا في حاجة لإثبات هذا الرأي إلى الاستنتاجات؛ لأن اسپينوزا قد أكده ~~صراحة في مواضع متفرقة، من أوضحها دلالة ما قاله في رسالته رقم 44 إلى صديقه ~~«چارج چلز # Jarig Jelles ~~»؛ ففي هذه الرسالة ~~يحدث اسپينوزا صديقه عن كتاب قرأه بعنوان # Homo ~~politicus # ويحمل على الكتاب بشدة لأن مؤلفه كان ينظر إلى الثروة ~~والجاه على أنهما الخير الاسمى، ويستحل في سبيل بلوغهما كل الوسائل، من غش وخداع ونفاق ~~وامتهان للأخلاق، وبلغ من سخط اسپينوزا على الكتاب أنه فكر في أن يؤلف كتيبا ينتقد فيه ~~المؤلف بطريقة غير مباشرة (وهي طريقته المألوفة في التعبير عن آرائه)، ويثبت فيه ~~تعاسة الطامعين في الثروة والجاه، ويبرهن في النهاية على أن الجشع يودي حتما بالأمم. ~~وفي هذه الرسالة يقول عبارات لها دلالتها البالغة: «لكم كانت تأملات طاليس الملطي أسمى ~~وأرفع من أفكار هذا الكاتب! لقد قال طاليس إن كل الأشياء مشاع بين الأصدقاء، وإن ~~الحكماء أحباء الآلهة، وإنه لما كان الآلهة يملكون كل شيء، فإن الحكماء، بدورهم يملكون ~~كل شيء. وبالاختصار، فهذا الحكيم العظيم قد أثرى نفسه إلى أبعد حد باحتقاره الكريم ~~للثروة، لا بالسعي الملح وراءها، ومع ذلك فقد أثبت في موضع آخر أن الحكماء إذا لم ~~يكونوا أثرياء؛ فذلك لأنهم قد اختاروا ذلك طوعا ولم يضطروا إليه رغما عنهم.» فهل يجوز ~~أن تعد هذه الآراء، التي تشيد بجعل الأشياء «مشاعا بين الأصدقاء»، وتحتقر الثروة ~~والسعي وراءها إلى هذا الحد، معبرة عن مصالح طبقة التجار البورجوازية؟! # من الواضح أن بين تفكير اسپينوزا وبين أشد المذاهب المعاصرة تقدمية عناصر مشتركة ~~كثيرة لا تقبل الجدل. ms248 من هذه العناصر - بالإضافة إلى الحملة على قيم التجار - كراهية ~~الحرب: وهو يعبر عن آرائه الحقيقية في هذا الصدد في رسالتيه رقم 28 و30 إلى أولدنبرج. ~~والأمر الغريب أنه كان، هو وأولدنبرج، ينتميان على الأرجح إلى طرفي النزاع الدائر، ومع ~~ذلك كانا يتبادلان الأفكار في الأمور العلمية ويسخران من الحرب الناشبة ويعبران بكل ~~وضوح عن إيمانهما بالسلام وعدم جدوى الحروب التي لا تعبر عن ضعف الإنسان. بل لقد علل ~~اسپينوزا الحرب الدائرة عندئذ تعليلا حديثا، فرأى أنها ترجع إلى الرغبة في الإثراء ~~المادي. وعندما بحث في «البحث السياسي» عن وسيلة لإنهاء الحروب، اقترح أن يمنح الحكام ~~في زمن السلم مرتبات تزيد على ما يحصلون عليه أثناء الحرب! # 25 # وأخيرا، فإن الاضطهاد الذي لحق اسپينوزا أثناء حياته، ومذهبه الفلسفي بعد وفاته على ~~الأخص، والظاهرة التي شاعت في الأجيال التالية له مباشرة، وهي توجيه تهمة ~~«الاسپينوزية» جزافا لكل مذهب فيه مسحة من التجديد، أو من الانحراف عن عقائد الكنيسة، ~~أو لأي نوع من الخروج عن السلطة السائدة، يكشف لنا عن تشابه آخر قوي بين فلسفة ~~اسپينوزا وبين المذاهب الاشتراكية في عصرنا، بما تلقاه من اضطهاد في كثير من الأوساط ~~المدافعة عن النظم الاقتصادية والفكرية التقليدية. # فتهمة الاسپينوزية كانت بدورها - كما أشار «بيل # Bayle ~~» في قاموسه المشهور - توجه إلى جميع الثائرين على تقاليد ~~الكنيسة، ولكن نطاقها قد اتسع في القرن الثامن عشر حتى أصبحت تنسب إلى كل معارض للنظم ~~القائمة، وحتى اضطر مشاهير المفكرين في الجيل التالي إلى التبرؤ من اسپينوزا وتفنيده ~~علنا، بسبب دون سبب؛ استرضاء للسلطات القائمة، ولا شك أن هذا التاريخ المعروف ~~للاسپينوزية يجعلنا نرفض تماما كل تفسير لها بأنها كانت مهادنة للسلطات الحاكمة، بما ~~لها من مصالح تجارية، ولا سيما إذا جاء هذا التفسير من مفكر ينتمي إلى مذهب صادف ~~أصحابه ظروفا تماثل إلى حد بعيد ما مر باسپينوزا من الظروف. # الفصل الثامن # | اسپينوزا واليهودية # (1) الآراء المختلفة في مصادر تفكير اسپينوزا # ينبغي أن نشير منذ البداية إلى أن المنهج ms249 الذي اتبعناه في تفسير فلسفة اسپينوزا يؤدي ~~إلى نظرة جديدة كل الجدة إلى مشكلة المؤثرات المختلفة في فلسفته؛ فهذا المنهج مبني على ~~محاولة إيجاد تفسير متسق لهذه الفلسفة، وهي محاولة لا نحجم فيها عن الغرض الذي خشي ~~الكثيرون أن يقولوا به - وإن يكن البعض قد لمحوا إليه - وهو أن اسپينوزا كان يتعمد ~~استخدام لغة لاهوتية مدرسية ليخفي معانيه الثورية التي تقف مع المجال اللاهوتي ~~والمدرسي على طرفي نقيض. وقد مضينا في تطبيق هذا الفرض من البداية إلى النهاية، وأدى ~~هذا التطبيق إلى اختفاء التناقض الصارخ الذي نسب إلى اسپينوزا في كثير من الأحيان، ~~وإلى ظهور فلسفته في صورة مذهب فكري محكم يؤمن كل الإيمان بالعلم ويستبعد تماما كل ~~عنصر غائي أو فوق الطبيعي، حتى في الحالات التي يبدو فيها موغلا في الصوفية، ومن ~~المؤكد أن النتائج الناجحة التي يؤدي إليها تطبيق الفرض هي وحدها دليل قوي على سلامة ~~الفرض ذاته، فضلا عما يستند إليه الفرض أيضا من أدلة مباشرة مستمدة من كتابات ~~اسپينوزا وظروف حياته وعصره. ولا بد في بحث مبني على الفرض القائل إن الشكل الظاهري ~~لكثير من كتابات اسپينوزا لا يعبر عن معانيها الحقيقية، من أن تتخذ مشكلة المؤثرات ~~التي يرد إليها تفكيره دلالة جديدة كل الجدة؛ ذلك لأن الطريقة المتبعة في رد تفكير ~~اسپينوزا إلى مذاهب معينة سابقة عليه، هي الكشف عن أوجه شبه بين قضايا معينة لديه، وبين ~~قضايا أخرى في هذه المذاهب، أو بين ترتيب العرض عنده وترتيبه في كتابات أصحاب هذه ~~المذاهب (وهذا هو ما فعله ولفسون بتفصيل مرهق في كتابه «فلسفة اسپينوزا»)، ولكن هذا ~~التقريب يتعلق، كما هو واضح، ب «الشكل الظاهري» لكتابات اسپينوزا. وقد كان اسپينوزا ~~يستخدم بالفعل في كتاباته ألفاظ المدرسيين وتعبيرات العصور الوسطى وقضايا ~~الفلاسفة اليهود القدماء والعبارات اللاهوتية المألوفة، ولكن هذا كله لا يعدو أن يكون ~~متعلقا بالوجه الظاهري لكتاباته. أما المعاني الحقيقية لهذه الكتابات فكانت تدور في ~~مجال مختلف تماما، مجال جديد كل الجدة بالنسبة إلى كل ما ms250 عرف في هذه التيارات التي ~~يفترض أنه تأثر بها. # ونستطيع أن نقول إن اسپينوزا قد «تعمد» هذا التأثر الشكلي الظاهري، ويبدو في رأينا ~~أنه عندما أراد أن يدون أفكاره العلمية التي تعد ثورية حقا بالنسبة إلى العصر الذي ~~عاش فيه، قد تساءل: كيف أعبر عن هذه الأفكار الجريئة بأقل الأساليب استفزازا لأصحاب ~~النزعات التقليدية ولرجال الدين؟ وكان الجواب الواضح هو أن أفضل الوسائل هي اتباع نفس ~~الأسلوب الذي اعتاد هؤلاء أن يكتبوا به. وهكذا كان لا بد له من بذل مجهود مضاعف؛ أي ~~أن يكتب بأسلوب ظاهره لاهوتي، ويحتفظ في نطاق هذا الأسلوب ذاته بكل المعاني الانقلابية ~~التي تضمنتها فلسفته الخاصة. وهذا يفسر لنا الجهد المضني الذي بذله في صياغة كتاب ~~«الأخلاق» وترتيب قضاياه واحدة بعد الأخرى على النحو الذي يفي بهذين الغرضين معا؛ وعلى ~~هذا الأساس فإن الجهود التي يبذلها معظم شراح اسپينوزا في سبيل تتبع الأصول التي ~~استمدت منها فلسفته ما هي إلا جهود تتعلق ب «شكل» كتاباته فحسب. وكل ما يحرزونه في ~~هذا الصدد من نجاح لا يدل على براعة على الإطلاق؛ إذ إنه قد «تعمد» أن يقرب كتاباته ~~من كتابات الآخرين بقدر استطاعته، في الوقت الذي كان يعلم فيه أن هدفه مختلف تماما عن ~~كل ما قالوا به. وإذن فلا بد، تبعا لتفسيرنا هذا، من أن تتضاءل إلى حد بعيد أهمية ~~مشكلة المؤثرات في تفكيره. # وقد أرجع بعض الشراح فلسفة اسپينوزا إلى ديكارت، ورأوا أن موقع اسپينوزا في عالم ~~الفكر هو موقع فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الديكارتية أو إلى الفترة الديكارتية في تاريخ ~~الفلسفة. وهذا الرأي يرجع، على الأرجح، إلى هيجل، الذي قال في مستهل بحث له عن اسپينوزا ~~إنه «قد سار بالمبدأ الديكارتي حتى آخر نتائجه المنطقية.» # 1 # ومع ذلك فقد بينا من قبل أن قضاء اسپينوزا التام على ثنائية المادة ~~والروح، وإنكاره بالتالي ثنائية الله والطبيعة، واستبعاده كل نوع من الغائية (التي ~~استبقى ديكارت عناصر منها في فلسفته النظرية، وإن يكن قد استبعدها بدروه ms251 في نظرياته ~~العلمية الميكانيكية)، فضلا عن تحديد موقفه من السلطة الدينية تحديدا أوضح وأجرأ ~~كثيرا من ديكارت - كل ذلك يجعل من المحال أن يكون تأثير ديكارت هو التأثير الحاسم ~~لديه، وإن كان من المستحيل في ذلك العصر، بطبيعة الحال، أن يتجاهل أي مفكر شخصية ديكارت ~~الضخمة في عالم الفلسفة. وهكذا رأينا هيجل نفسه يضيف إلى تأثير ديكارت مؤثرات أخرى ~~شرقية، هي المؤثرات اليهودية. ولقد سبق أن اقتبسنا رأي «لاشيزري # Lachièze-Rey ~~» الذي انتهى من دراسته المقارنة إلى ~~القول بضآلة أهمية المؤثرات الديكارتية في فلسفة اسپينوزا. ونضيف إلى ذلك، في هذا ~~المجال، قول «هفدنج»: «إن اسپينوزا لم يكن ديكارتيا على الإطلاق، ولكنه تعلم الكثير ~~من ديكارت، وانتفع من كثير من أفكاره، كما استخدم مصطلحه الفلسفي إلى حد معين.» # 2 # ومع ذلك فمن المؤكد أن محاولة التقريب بين اسپينوزا وبين ديكارت تعد أمرا مشروعا ~~بالقياس إلى المحاولات الأخرى التي تبذل للتقريب بين اسپينوزا وبين مذاهب فلسفية أو ~~دينية أخرى لا توجد بينه وبينها أية صلة حقيقية. فبين اسپينوزا وديكارت يوجد على الأقل ~~ذلك العالم الجديد الذي اكتشف منذ عصر النهضة الأوروبية، عالم «الطبيعة» الذي تغنى ~~به الشعراء وتوغل فيه الفنانون دون خوف واكتشف بقاعه الملاحون المستكشفون وبحث في ~~أسراره وقوانينه العلماء. ولكن ماذا نقول في تلك المحاولات التي تبذل للتقريب بين ~~فلسفة اسپينوزا ومذهب كالأفلاطونية المحدثة مثلا؟ إنها ليست محاولات عابرة، بل هي تظهر ~~لدى مجموعة من شراحه المتعمقين: منهم مثلا «پولوك Pollock ~~»، # 3 # ومنهم «بروشار # Brochard ~~»، الذي يؤكد وجود ~~قرائن قوية على تأثر اسپينوزا بأفلوطين لأنهما معا «يتفقان على تصور الله على أنه ~~علة فاعلة، وقوة تستمد المعلولات الكثيرة من ذاتها وبقدرتها الخاصة، وبفعلها المستمر ~~تحتفظ الأشياء بوجودها ... فمن الواضح أن فكرة القوة هي التي تخطر في أكثر الأحيان بذهنه ~~في كل جوانب فلسفته.» # 4 # بل ويذهب إلى حد القول: «إن النفوس [عند اسپينوزا] تشارك في الذهن الإلهي، ~~وتوجد فيه بالفعل، لا من حيث هي تكون النفس البشرية بوجه عام، وإنما من ms252 حيث هي نفوس ~~فردية تعبر عن ماهية جسم معين. ومثل هذه النظرية موجودة لدى أفلوطين.» # 5 # ويتحدث «موريس كوهن» عن «التراث الأفلاطوني المحدث العظيم الذي تشبع به ~~ذهن اسپينوزا.» # 6 # وعن تمكن اسپينوزا من الاحتفاظ «بجميع القيم البشرية العظيمة للأفلاطونية ~~المحدثة والروحية بوجه عام.» # 7 # مثل هذه المحاولات للتقريب بين فلسفة اسپينوزا وبين الأفلاطونية المحدثة هي في رأينا ~~محاولات ساذجة تماما. فمن العبث إضاعة الجهد في تلمس أوجه شبه سطحية بينه وبين مثل ~~هذه التيارات الفكرية، في الوقت الذي ينطق فيه محتوى فلسفته بالتنافر التام بين آرائه ~~وبين مثل هذا المذهب الحافل بالغائية وتشبيه الطبيعة والعالم بالإنسان وكراهية العلم ~~والمعقولية. وإذا كانت هذه المحاولات تبذل من أجل إثبات العلم أو سعة الاطلاع، فإن ذلك ~~يتم قطعا على حساب العقل والمنطق السليم، ففكرة «القوة» التي اعتقد بروشار أنها طاغية ~~في فلسفة اسپينوزا، هي أبعد التصورات عن ذهنه؛ لأنها تنطوي على نظرة إلى الكون من خلال ~~الإنسان. ونظرية اسپينوزا في العلاقة بين النفس والجسم، وفي فكرة النفس بوجه عام، هي ~~أبعد ما تكون عن تفكير أفلوطين؛ إذ كان كل هدف اسپينوزا هو أن يقضي على القول بكيان ~~مستقل للنفس، كما لو كانت «دولة داخل دولة». وأبعد الأمور عن ذهن اسپينوزا أن يقول ~~بنفس كلية في الكون أو بغير ذلك من مظاهر تشبيه الكون بالإنسان. هذا إلى أن فكرة ~~مشاركة النفوس الفردية في النفس الكلية كانت عند أفلوطين وسيلة لإثبات خلود النفس ~~بالمعنى التقليدي الذي رفضه اسپينوزا رفضا صريحا قاطعا. أما الجزم بأن اسپينوزا قد ~~«تشبع» بالأفلاطونية المحدثة فقول لا يقوم عليه أي دليل؛ لأنه إذا كان قد تعرف على ~~هذا التراث من خلال من درسهم من مفكري العصور الوسطى، فليس معنى ذلك أنه قد «تشبع ~~به» أو آمن به على الإطلاق، بل إن كل الدلائل تدل على أنه قد نبذه في نفس اللحظة التي ~~نبذ فيها المبادئ الأساسية لتفكير العصور الوسطى. وإنه لمن الغريب حقا أن يقرب شارح - ~~على أساس تشابه سطحي ms253 أو بناء على تفسيره الخاص لنصوص معينة - بين فيلسوف عقلي دقيق مثل ~~اسپينوزا وبين مذهب آخر تتغلغل الغائية في كل جوانبه، ويحتشد بالأفكار اللاعقلية ~~واللاعلمية، ك «المبادئ أو العلل البذرية»، و«التعاطف» الكوني، والقوى الخفية التي تزخر ~~بها الطبيعة؛ أعني مذهبا لا يمكن أن يقال عنه سوى أنه نكسة شديدة للمعقولية اليونانية ~~واتجاهاتها العلمية السليمة. ~~••• # ولكن هذه المحاولات كلها هينة إلى جانب محاولة أخرى كانت أوسع انتشارا بكثير، بذلها ~~عدد كبير من شراح اسپينوزا اليهود - وإن لم يخل الأمر من بضعة مفكرين غير يهود ~~ساروا في الاتجاه نفسه - للتقريب بين فلسفته وبين التراث اليهودي، بل للنظر إليه على ~~أنه يمثل مظهرا رئيسيا من مظاهر ذلك التراث. هذه المحاولة لا تقوم، في رأينا، على ~~سوء تفسير فحسب، بل هي مبنية أيضا على سوء النية، وعلى استغلال متعمد للعلم في سبيل ~~إرضاء نزعات عنصرية معينة، وهو أسوأ أنواع التشويه في البحث العلمي. # ويتفاوت هؤلاء الشراح في درجة وطريقة تقريبهم بين فلسفة اسپينوزا وبين اليهودية؛ ~~فبعضهم يتجاهل معظم نصوص اسپينوزا ويركز اهتمامه على نص واحد أو نصين منتزعين من ~~سياقهما، ليؤكد تأكيدا لا عقليا قاطعا أن اسپينوزا ظل مفكرا يهوديا من البداية ~~إلى النهاية. وبعضهم الآخر لا يصل ذهنه إلى هذا الحد من السطحية وضيق الأفق - وإن يكن ~~لا يقل عن الأولين تعصبا - فيحاول أن يتحايل على النصوص ويطوعها لأغراضه الخاصة بطريقة ~~فيها شيء من الدهاء، ولكن هدفها، آخر الأمر، هو أيضا إثبات يهودية تفكير اسپينوزا على ~~حساب الحقائق القاطعة، وسوف نعرض فيما بعد أمثلة عديدة لهذين النوعين من الشراح، ~~ولكن ستصادفنا أمثلة أخرى غير قليلة لشراح كانوا هم أنفسهم من اليهود، ولكنهم لم ~~يستطيعوا مسايرة الأنماط السابقة من المفكرين، وسلموا بأن تفكير اسپينوزا لا يمكن أن ~~يعد جزءا من التراث اليهودي على الإطلاق. # وسوف نبدأ بحثنا بالواقعة الأساسية في هذا الموضوع وهي واقعة طرد اسپينوزا من المجتمع ~~الديني اليهودي؛ أي توقيع أحبار اليهود لعقوبة «الحرم» عليه، وهي واقعة يتجاهلها، أو ~~يخفف من شأنها، ms254 معظم الشراح اليهود، وإن كانت قاطعة الدلالة؛ إذ إن اليهودية الدينية ~~قد طردت اسپينوزا من صفوفها رسميا، ولم يعبأ هو ذاته بهذا الطرد، بل بادر إلى تغيير ~~اسمه من صيغته اليهودية «باروخ» إلى مقابله اللاتيني «بندكتوس» ولم يتراجع عن موقفه هذا ~~إلى النهاية؛ لذلك كان من الضروري أن نبدأ بحثنا في العلاقة بين اسپينوزا وبين التراث ~~اليهودي بإيضاح هذه الواقعة الرئيسية. ~~(2) طرد اسپينوزا من الطائفة اليهودية # يناقش «فوير # Feuer ~~» الأسباب التي أدت إلى توقيع ~~عقوبة «الحرم» على اسپينوزا، فيستبعد أن تكون تلك الأسباب دينية فحسب؛ فالاختلافات في ~~المعتقدات اللاهوتية وحدها ليست في نظره تفسيرا كافيا لهذا الطرد؛ فقد قدمت إليه رشوة ~~لتغيير موقفه، ولو كانت المسألة خلافا في العقائد وحدها لما حاولت الطائفة اليهودية ~~تقديم هذه الرشوة إليه. فلا بد إذن أن الأمر كان متعلقا بأفعال لا بعقائد. وهو يرى أن ~~السبب الحقيقي لهذا الطرد هو نزعة اسپينوزا التحررية في آرائه السياسية الاجتماعية، وهي ~~نزعة تعد خطرا على الاتجاه المحافظ بين رجال الدين اليهود. «فاسپينوزا كان ذا نزعة ~~عالمية، يحتقر فكرة الشعب المختار. وقد اجتذبته، قبل كل شيء، الآراء الدينية المتحررة، ~~وكانت آراؤه السياسية والاقتصادية مضادة تماما لآراء قادة الطائفة اليهودية؛ فقد كان ~~كبار اليهود ذوي نزعة ملكية، مخلصين لأسرة أورانج، وعلى علاقة طيبة بالحزب الكلڨيني، ~~وبحملة أسهم شركتي الهند الهولندية الشرقية الغربية. أما اسپينوزا فكان جمهوريا ~~متحمسا، من أتباع «يان ديڨيت» ... وقد ارتبط بالجماعة السياسية التي دعت إلى فض الشركات ~~التجارية الكبرى، وأعجب بالاقتصاد الجمهوري الذي انتقد الاحتكارات ...» # 8 # ويواصل «فوير» كلامه قائلا «لقد كانت الأخلاق التجارية متغلغلة في قيم ~~كبار الطائفة اليهودية في أمستردام إلى حد أن أوامر البورصة كانت تقترب في سلطتها من ~~الأوامر الإلهية، بينما كانت شركتا الهند الشرقية والغربية أشبه ما يكونان بالوسائط ~~الإلهية المختارة.» # 9 ~~«ولقد كان في وسع قادة يهود أمستردام أن يتسامحوا مع الخلاف اللاهوتي، ~~ولكنهم لم يكونوا قادرين على التسامح مع شخص متحرر سياسيا واقتصاديا.» # 10 # وقد بحث «فوير» بعد ذلك، ms255 تبريرا لرأيه هذا، في تاريخ حياة أفراد المجتمع ~~الديني اليهودي الذي حكم بطرد اسپينوزا، وانتهى إلى أنهم يمثلون مجموعة من أكبر ~~أثرياء اليهود: منهم كبار حملة أسهم شركة الهند الغربية والشرقية، والأعضاء البارزون ~~في بنك أمستردام والبورصة، وكبار تجار البلاد - إلى جانب عدد من رجال الدين المتزمتين ~~بطبيعة الحال. # 11 # والنتيجة الواضحة التي تستخلص من هذا التحليل هي أن اسپينوزا لم يطرد لعقائده ~~وآرائه فحسب، بل طرد لأن أفكاره الاقتصادية والاجتماعية كانت تهدد المصالح التجارية ~~المسيطرة على يهود أمستردام تهديدا مباشرا. وهذا تعليل طريف ينبغي أن يؤخذ بعين ~~الاعتبار، ولكنه لا يعبر عن الحقيقة الكاملة؛ فمع اعترافنا التام بأن اسپينوزا لم يكن ~~ذلك الناسك المنعزل عن مجرى الأحداث في مجتمعه، فلسنا نرى ما يدعو إلى الاعتقاد بأن ~~اسپينوزا قد ساهم بالفعل في حركة عملية من شأنها تهديد مصالح اليهود المالية بالخطر. ~~وحتى كتاباته ذاتها كان أخطر ما فيها هو فلسفتها العامة، وليس ما تتضمنه من آراء ~~اقتصادية أو اجتماعية، ومن الجائز أن اسپينوزا كان في محادثاته الخاصة يعبر عن آراء ~~من هذا النوع - بل إن هناك قرائن كثيرة تدل على أن آراءه الخاصة كانت على الأرجح من هذا ~~النوع - ولكن لم تصل هذه الآراء أبدا، سواء في صورتها النظرية أو من حيث انتقالها إلى ~~الواقع العملي، إلى حد تهديد المصالح القائمة؛ فاسپينوزا بالفعل لم يكن منعزلا، ولكنه ~~أيضا لم يكن ثائرا سياسيا أو مصلحا اقتصاديا أو صاحب دعوة عملية إلى تغيير ~~الأوضاع، وطالما أن الأمر قد اقتصر على أفكار خاصة، ولم ينتقل إلى حيز العمل التنظيمي ~~الصريح، بل لم ينعكس على كتاباته ذاتها إلا بطريق غير مباشر إلى حد بعيد، فمن الصعب أن ~~نتصور أن تكون مثل هذه المخاوف الاقتصادية هي سبب طرده من الطائفة اليهودية. # وقد بحث كاتب يهودي آخر في الأسباب التي يحتمل أن يكون اسپينوزا قد طرد من أجلها من ~~الطائفة اليهودية في مقال حديث العهد سنورد فيما يلي تلخيصا له. وقد استند كاتب هذا ~~المقال إلى ms256 وثائق عثر عليها حديثا في إحدى مكتبات مانشستر بإنجلترا. # 12 # فقد كشفت هذه الوثائق عن وجود نزاع حاد بين يهود أمستردام في ذلك العصر، ~~حول مسألة خلود العقل. ويستدل المؤلف من هذا النزاع على أن الجو الروحي لليهودي الذي ~~نشأ فيه اسپينوزا كان معاديا للتفكير الفلسفي، وفي هذا الضوء ينبغي أن ينظر إلى طرد اسپينوزا. # 13 # ويشير المؤلف إلى أن هذه الوثائق عبرت بصراحة عن خوف رجال الدين اليهودي ~~من أن يظن المسيحيون أنهم يتهاونون في أركان دينهم. ولم يكن ذلك في الواقع خوفا من أن ~~يكون المسيحيون رأيا سيئا عن اليهود فحسب، بل كان أيضا خوفا من أن تتخذ السلطات ~~المسيحية تدابير إيجابية ضد اليهود. # 14 # ويشرح مؤلف هذا المقال القانون الأساسي الذي كان مطبقا في الدولة الهولندية على جميع ~~اليهود، واسمه قانون # Remonstrantie ~~، الذي وضعه ~~«جروتيوس» سنة 1618م، وينص على وجوب اعتراف جميع اليهود البالغين أمام السلطات علنا ~~بإيمانهم بإله واحد خالق حاكم للكون، تتوجب عبادته، وبموسى والأنبياء، وبحياة أخرى ~~يكافأ فيها المحسن ويعاقب المسيء. ومن مواد القانون أن كل يهودي ينكر ذلك يكون معرضا ~~لعقوبة الموت أو العقاب البدني حسب شدة الجريمة. ونص في حيثيات هذه المواد على أن ~~المقصود هو ردع الملحدين الذين كانوا يظهرون من آن لآخر بين صفوف اليهود. ويؤكد كاتب ~~المقال إن السياسة التي كانت مطبقة بالفعل في العهد الجمهوري الذي طرد فيه اسپينوزا ~~كانت، رغم ذلك، سياسة متسامحة إلى حد بعيد، ومع ذلك كان الأحبار والربانيون في ~~الطائفة اليهودية متمسكين بنص القانون يخشون أي انحراف عنه. وهكذا يرى أن «المعمد» ~~اليهودي قد حكم على اسپينوزا بالطرد مخالفا بذلك السياسة المتسامحة الجديدة للحكومة، ~~وليس أدل على ذلك من أن «ديڨيت»، الزعيم الجمهوري، قد منح اسپينوزا معاشا بعد طرده، ~~وأن الحكومة حرمت على المحافل اليهودية ممارسة حق فرض عقوبة «الحرم» بضع سنوات بعد ذلك. # 15 # وأخيرا، يرى كاتب المقال إن السبب الذي أدى مباشرة إلى الطرد في الوقت الذي حدث ~~فيه، هو أن مسألة ms257 إعادة اليهود إلى إنجلترا كانت موضوع بحث في تلك الفترة، وكان «منسي ~~بن إسرائيل»، وهو رئيس المجمع الذي حكم بطرد اسپينوزا، مهتما بنفسه بهذه المسألة، ~~وسافر من أجلها إلى لندن للتفاوض فيها؛ وعلى ذلك «فقد كان من غير المعقول ألا يدرك كبار ~~الطائفة اليهودية في أمستردام التأثير الذي يمكن أن يحدثه في إنجلترا تسامحهم مع ~~الفلاسفة المعروفين بالمروق والهرطقة؛ إذ لم تكن إنجلترا في ذلك الوقت متسامحة مثل ~~هولندا مع هؤلاء الناس.» # 16 # ويرى كاتب المقال إن هذا العامل قد يكون هو الذي يعلل صمت اسپينوزا فترة ~~طويلة بعد طرده من الطائفة اليهودية؛ إذ إنه لم يكتب «البحث اللاهوتي السياسي» إلا سنة ~~1670م، بعد أن تمت عودة اليهود في إنجلترا واستقرارهم فيها؛ # 17 # أي إنه لم يشأ أن يزيد الطين بلة بإحراج مركز اليهود الهولنديين أثناء ~~مفاوضاتهم مع الإنجليز. # هذا التعليل المباشر، إذا كان صحيحا، فإنه لا يعفي الطائفة اليهودية من تهمة التعصب ~~وضيق الأفق الشديدين، ومن الواضح من المقال الذي لخصنا نقاطه الرئيسية أن هذه الطائفة ~~كانت تفوق الدولة الحاكمة ذاتها كثيرا في التعصب وخنق حرية الفكر، وأنها إذا كانت قد ~~اضطهدت اسپينوزا - وأذلت من قبله «أورييل داكوستا» حتى دفعته إلى الانتحار - فقد كان ~~ذلك راجعا إلى مزيج من ضيق الأفق الذي جعلها ترفض أي رأي مخالف، ومن الخوف أو الجبن ~~المفرط الذي جعلها تتوهم أن السلطات الحاكمة ستحملها جريرة ما يعلنه بعض أفرادها من ~~الآراء المتحررة، فكانت تسارع إلى التبرؤ منهم خوفا من أن تحل عليها النقمة، مع أن ~~السلطات الحاكمة ذاتها كانت أوسع منها أفقا إلى حد بعيد. # وليس من الظواهر الغريبة أن تعمل سلطة دينية ما على طرد مفكر ذي آراء مخالفة لها من ~~صفوفها. وتغدو هذه الظاهرة أقل غرابة إذا كانت هذه السلطة هي المجامع الدينية اليهودية؛ ~~فهنا تتكرر نفس الظاهرة المألوفة طوال التاريخ اليهودي، وهي مقابلة العداوة الخارجية ~~بالمزيد من التعصب، بدلا من مقابلتها بالمزيد من التفاهم والسعي إلى القضاء على أسباب ~~العداوة ذاتها. ms258 ويصل الأمر إلى حد ممارسة هذا التعصب على أفراد الطائفة ذاتهم لو بدر ~~منهم أي ميل إلى الخروج عن تعاليمهم التي لا يقبلها العقل السليم، وبذلك يمارسون نفس ~~الاضطهاد الذي لا يكفون عن الشكوى منه. وكما قال «فوير»: «فإن المأساة الحقيقية هي أن ~~اليهود المضطهدين قد تشبعوا بعناصر من التعصب الذي يتمثل في مضطهديهم، وإن المرء ~~ليمتلكه الأمل دائما في أن يسلك المظلومون مسلك الأبطال، ولكنه يصدم إذ يلمس مدى ~~التشابه بينهم وبين من يضطهدونهم، ويدرك حقا أن الناس جميعا على شاكلة واحدة.» # 18 # ولكن الظاهرة الغريبة حقا هي أن يعمد اليهود في العصور التالية إلى إعادة «تبني» ~~هذا المفكر الذي طردوه من بين صفوفهم، والذي اختلف معهم في الأسس الأولى لعقيدتهم ~~وطريقتهم في الفكر والحياة، وتبرأ منهم مثلما تبرءوا منه، وغير اسمه اليهودي ~~عمدا؛ فقد كان الأجدر بهم، في رأيي، أن يظلوا على عدائهم له إلى النهاية، ويأخذوا على ~~عاتقهم مسئولية الصراع الفكري معه مثلما فعلوا ذلك أثناء حياته، طالما أن نفس عقيدتهم، ~~ونفس طريقتهم في الفكر والحياة، ما زالت على ما هي عليه إلى حد بعيد، ولكن الذي حدث ~~أن اسپينوزا أصبح، في عصر متأخر، وبعد أن «أعيد اكتشافه» في النصف الثاني من القرن ~~الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر بوجه خاص، شخصية ضخمة في عالم الفكر - أصبح فيلسوفا ~~رفيع المكانة، بحيث يكون من المخجل أن يقال إن الطائفة التي كان ينتمي أصلا إليها قد ~~طردته واضطهدته، وتبرأت منه، وأنه قابل ذلك بموقف مماثل تجاهها، وبحيث يكون مما يشرف ~~أية طائفة أن ينسب إليها. وهكذا بدأت فجأة، بعد قرنين من وفاته، لم يحفل به خلالهما ~~اليهود على الإطلاق؛ لأن مكانته في عالم الفلسفة لم تكن قد توطدت بعد؛ بدأت محاولة من ~~أغرب المحاولات في تاريخ الفكر، اشتركت فيها مجموعة كبيرة من الشراح اليهود، «لإعادة ~~ضم» اسپينوزا، طريد اليهودية، إلى صفوفها، وتحوير فلسفته على أعجب نحو بحيث تغدو في ~~النهاية متأثرة باليهودية ومنتمية إلى تراثها! # وكان لا بد لتحقيق ms259 هذا العرض من التخلص، على نحو ما، من تأثير واقعة طرد اسپينوزا ~~من الطائفة اليهودية. وهكذا عمل اليهود على الإقلال من أهمية هذا الطرد؛ فقال ~~«جبهارت # Gebhardt ~~» إن «الحرم» اليهودي يفترق عن ~~الطرد # excummunication # الكاثوليكي في أن الخير ~~شامل يسري على كل زمان ومكان ما لم يرفع. أما الأول فهو «محلي» ينطبق على المجتمع ~~الخاص الذي يعيش فيه اليهودي، بحيث إنه إذا انتقل إلى مجتمع آخر فيه طائفة يهودية أخرى، ~~تعين إصدار «حرم» جديد عليه، وأكد أن اسپينوزا خلال السنوات السبع التي عاشها في ~~لاهاي لم يكن محرما عليه الاختلاط بطائفتها اليهودية، وأن مرور 250 عاما (وقت ~~كتابته هذا الكلام) على وفاة اسپينوزا يجعل ذلك الطرد غير ذي موضوع، # 19 # وكان ذلك ردا منه على خبر طريف أشار إليه في مستهل مقاله هذا، نشرته ~~صحيفة برلينية، عند الاحتفال بمرور قرنين ونصف على وفاة اسپينوزا (أي سنة 1927م)، وقالت ~~فيه إن طرد اسپينوزا ما زال قائما، وأن أحبار الطائفة اليهودية في أمستردام لم يرفعوا ~~بعد حكمهم بطرده ولعنتهم عليه، وبذلك يعد اسپينوزا حتى ذلك الحي طريدا في نظر الطائفة ~~اليهودية التي حرصت كل الحرص على أن تحتفل بعد هذه الفترة الطويلة بذكراه. وقد تلقفت ~~هذا الخبر الصحافة الأوربية على أنه «فضيحة عالمية» وسخرت كثيرا من حرص اليهود على ~~الاحتفال بذكرى طريدهم. # 20 # وعلى هذا النحو ذاته يقل باحث يهودي آخر، هو، هو «رخمان # Rakhman ~~» من أهمية الطرد، فيقول: «إن هذا الطرد ليس على الإطلاق أمرا ~~نادرا بين اليهود، ولا هو بالأمر المخيف بالقدر الذي يصوره به بعض الباحثين في صدد ~~حديثهم عن طرد اسپينوزا؛ ففي التلمود يعاقب على الذنوب الآتية بالطرد: نقد أفعال ~~الرباني (حتى بعد وفاته)، وإطلاق لقب مهين ثابت على صديق، وخرق قواعد الأخلاق ~~الاجتماعية، وإيواء كلب مسعور، والحنث بيمين الله ... إلخ.» # 21 # وهكذا صوروا الأمر كما لو كانت مسألة الطرد عابرة لا قيمة لها، بل إن بعضهم حاول أن ~~يتجاهل المسألة ويصرف عنها نظر القارئ، ويظهر ذلك بوضوح ms260 في كتاب «ليون روث # Roth ~~» عن اسپينوزا، # 22 # إذ لم يشر فيه إلى واقعة الطرد إلا إشارة عابرة، ولم يحاول على الإطلاق ~~أن يناقش دلالتها بالنسبة إلى ما يقول بوجوده من مؤثرات يهودية في تفكير ~~اسپينوزا. # ومن الطريف أن «بن جوريون» قد ساهم بدوره في عملية الإقلال من أهمية واقعة طرد ~~اسپينوزا من صفوف اليهود، وفي تأكيد انتمائه إليهم بأي ثمن، فقال في رسالة بعث بها إلى ~~مؤلف كتاب «اسپينوزا والديمقراطية الغربية» في 4 أكتوبر سنة 1954م، ونشرت في مقدمة ~~الكتاب: «ربما كان لطرد اسپينوزا ما يبرره في ظروف العصر وذلك المكان ... ولكن مثلما أن ~~إدانة المحكمة الأثينية لسقراط لم تجعل من ذلك الفيلسوف اليوناني العظيم شخصا غير ~~يوناني، فإن طرد أحبار أمستردام في القرن السابع عشر لاسپينوزا لا يمكن أن يحرم الأمة ~~اليهودية من أعظم مفكريها وأكثرهم أصالة.» # 23 # وهكذا ارتكب بن جوريون - في هذه الحالة أيضا - مغالطة واضحة عندما قارن ~~بين إدانة سقراط التي لم تصدر إلا عن محكمة مدنية لا عن سلطة دينية، والتي لم تكن مسألة ~~احتفاظ سقراط بجنسيته أو حرمانه منها موضوعا فيها على الإطلاق، وبين هذا الطرد الديني ~~الذي أعلنته أكبر سلطة يهودية في ذلك الحين، ولعنت فيه اسپينوزا وحرمت كتبه، وظل اسمه ~~يلعن بعد ذلك في الأوساط اليهودية حتى اتضح أنه «مفكر عظيم»، فانقلب الموقف رأسا على ~~عقب. # وأخيرا؛ فقد أشار «ياسپرز» في كتاب حديث له إلى تقرب إسرائيل إلى اسپينوزا في ~~ذكراه؛ فبعد مرور ثلاثمائة عام على طرد اسپينوزا (أي في سنة 1956م)، أرسلت إسرائيل إلى ~~لاهاي حجرا تذكاريا من الجرانيت مهدى إلى ذكرى اسپينوزا، وكتبت عليه «أهلك # Dein Volk ~~»، ويعلق ياسپرز على ذلك قائلا: إن اسپينوزا ~~كان يعجب حقا لو علم ذلك؛ إذ لا يستطيع أي شعب أو دولة أن يزعم أن إنسانا له مكانة ~~اسپينوزا ينتمي إليه وحده، وإنما هو ينتسب إلى الإنسانية جمعاء. # 24 # وهكذا كانت المحاولة تنطوي منذ بدايتها على اتجاه إلى طمس هذه الحقيقة التاريخية ~~الأساسية أو ms261 الإقلال من أهميتها، وترمي إلى إرغام العالم على الاعتراف بانتساب اسپينوزا ~~إلى التراث اليهودي، لا لشيء إلا لواقعة عرضية هي مولده لأبوين يهوديين، بينما كانت ~~وقائع حياته، وعناصر فكره، تنطق كلها بابتعاده التام عن هذا التراث. وفي سبيل ذلك قيل ~~إن الطرد الذي عذب من أجله «أورييل داكوستا» حتى انتحر - حادث تافه عارض، وأن تغيير ~~اسپينوزا لاسمه أمر لا قيمة له (بل إن الكثيرين من الشراح اليهود ما زالوا يسمونه ~~«باروخ» رغما عنه!) وأن إعلانه الانفصال عن اليهودية وإصراره على عدم الرجوع إليها، ~~رغم استخدام سلاحي الرشوة والتهديد بالقتل (حسب الروايات القديمة عن حياته) كل ذلك لا ~~يحول دون استمرار الحكم عليه بأنه «أعظم مفكري الأمة اليهودية وأكثرهم أصالة»! ~~(3) محاولات التقريب بين اسپينوزا واليهودية وتفنيدها # ظهرت هذه المحاولات بقوة في القرن التاسع عشر، وإن كنا نجد في القرن الثامن عشر ~~ناقدا قديما لاسپينوزا، هو «ڨاختر # Georg Wachter ~~» ~~يرجع تعاليم اسپينوزا إلى مذهب «القبالة # Cabbale ~~» # 25 # اليهودي الذي انتشر في العصور الوسطى. وقد تحمس لهذه الفكرة في القرن ~~التاسع عشر الفيلسوف الألماني «يول # Joel ~~» في كتابه # Joel ~~«منشأ نظرية ~~اسپينوزا # Zur Genesis der Lehre ~~Spinozas ~~» ثم حاول «فروينتال # Freudenthal ~~» ومن بعده «جبهارت # Gebhardt ~~» أن يبنياها على أساس من البحث الدقيق، وتدفق بعد ذلك سيل ~~الشراح اليهود الآخرين الذين حاولوا أن يدخلوه قسرا ضمن التراث اليهودي. # ونستطيع أن نجد بين الشراح اليهود اتجاهات مختلفة في موقفهم من مسألة انتساب ~~اسپينوزا إلى اليهودية، يمكننا أن نقسمها بوجه عام إلى الفئات الآتية: ~~(أ) # فئة المتعصبين اللاعقليين، وهي فئة يستدعي موقفها كثيرا من التدبر ~~والتفكير في مدى الضراوة التي يمكن أن تتخذها العنصرية اليهودية إذا ما ~~أرادت إثبات امتياز الشعب اليهودي وتفوقه على حساب العقل والمنطق السليم. ~~وأصحاب هذه الفئة لا يقدمون حججا عقلية، وإنما يتحدثون في هوس وجنون عن ~~عظمة الأمة اليهودية وضرورة انتساب اسپينوزا إليها، وتظهر أوضح أمثلة هذه ~~الفئة في مقال كتبه «هاري ~~واتون # Harry Waton ~~» بعنوان «المسألة اليهودية وفلسفة اسپينوزا» يقول ms262 ~~فيه: «إن اسپينوزا والأمة اليهودية هما شيء واحد في الماهية وفي المصير.» # 26 # ويقول أيضا: «إن ما كشفه اسپينوزا صراحة هو ماهية اليهودية وروحها.» # 27 # وفي المقال نجد أحكاما مثل «إن الأمة اليهودية تحتل من الهرم ~~البشري قمته، والأمة اليهودية هي العنصر «الصدوق» (أي الأمين المخلص # Zaddik ~~) في الجنس البشري. وقد خلق ~~العالم كله من أجل الأمة اليهودية.» # 28 # فهل يستغرب أحد - بعد هذه التصريحات العنصرية الهستيرية - إذا ~~قيل إن اليهود لا يفترقون عن مضطهديهم من أعداء السامية في شيء، بل إذا قيل ~~إنهم هم الذين يستفزون العالم إلى هذا الاضطهاد؟! ~~(ب) # والفئة الثانية تتألف من المذبذبين الذين يعلمون حق العلم من دراستهم ~~لاسپينوزا أن أفكاره الحقيقية لا تتفق مع اليهودية، ولكنهم في الوقت نفسه ~~يريدون إرضاء نزعاتهم العنصرية التي تدفعهم إلى تأكيد هذا الاتفاق. وهكذا ~~يظلون يؤكدون الاتفاق تارة وينفونه تارة أخرى دون أية محاولة لاتخاذ موقف ~~صريح من المسألة. ومن أوضح أمثلة هذه الفئة «رخمان # Rakhman ~~» الذي أستطيع أن أقول إن مقاله عن «اسپينوزا ~~واليهودية» من أعجب ما قرأت! فهو يؤكد في البداية تأثر اسپينوزا باليهودية، ~~ويأتي بقائمة طويلة من العناصر التي يفترض فيها وجود هذا التأثير، ثم يعود ~~فيؤكد وجود اختلافات أساسية بين تفكير اسپينوزا وبين نفس المصادر اليهودية ~~التي قال بها، وهي اختلافات بلغت من الأهمية حدا كان من الواجب معه، ~~لمجرد تنبهه إليها، أن ينفي وجود أي تأثير لها عليه. ومع ذلك يعود مرة ~~أخرى، وبعد ذلك مباشرة، فيقول (في ص59-60 من المقال المذكور): «إن كتاب ~~الأخلاق هو أكثر ما أنتجته اليهودية من الكتب كمالا ونضجا.» وبعد ذلك ~~مباشرة (ص60) يقول: إن اسپينوزا لا يمكن أن يعد فيلسوفا يهوديا ~~بالمعنى الدقيق، وإن اسپينوزا لا ينتمي إلى شعب بعينه، وإنما إلى البشرية ~~جمعاء. كل هذه المواقف المترددة المذبذبة تقع في صفحات مقال قصير، ينتقل ~~فيه المؤلف من الضد إلى الضد على نحو إن دل على شيء فإنما يدل على العجز ~~عن تحمل المسئولية الأدبية لموقف صريح ms263 واضح. ~~(ج) # وهناك فئة ثالثة لا يترك أفرادها آراءهم المتضادة هكذا جنبا إلى جنب دون ~~محاولة لإزالة التناقض بينها، بل يأخذون موقفا ويتحملون مسئوليته: وهذا ~~الموقف هو أن اسپينوزا قد تأثر فعلا بالتراث اليهودي، ثم يحاولون دعم ~~هذا الموقف بالأسانيد. ومن المؤكد أن الكثيرين ممن ينتمون إلى هذه الفئة قد ~~تنبهوا أيضا إلى وجود عناصر تتنافى مع التراث اليهودي، ولكنهم تحايلوا على ~~هذه العناصر، وأساءوا تفسيرها في كثير من الأحيان، وسوف نناقش حجج هذه ~~الفئة فيما بعد بالتفصيل، ولكن يكفي أن نقول الآن: إن آراءها تتسم بمسحة ~~علمية؛ ولذلك فهي لا تدعو إلى الازدراء كالفئتين السابقتين. وإلى هذه الفئة ~~ينتمي عدد كبير من شراح اسپينوزا اليهود المشهورين، مثل فرويدنتال، ~~وجبهارت، وولفسون وروث. ~~(د) # وأخيرا فإن أكثر هذه الفئات اليهودية أمانة هي تلك التي تمكنت من تغليب ~~الحقيقة على الميول العنصرية، وإنكار وجود مؤثرات يهودية في تفكير ~~اسپينوزا، وهي تتفاوت من شراح ينكرون هذا التأثير جزئيا، مثل ~~«واكسمان # Waxman ~~»، إلى آخرين ينكرونه ~~تماما، مثل «كاسيرر»، و«فوير» و«ليوشتراوس». # 29 # وسوف نعرض في الأقسام التالية في هذا الفصل أمثلة للعناصر الرئيسية التي يقال: إنها ~~مشتركة بين اسپينوزا وبين اليهودية، ونفند كلا منها في نفس الوقت. وينبغي أن يلاحظ ~~على هذا التفنيد أمران: ~~(أ) # أننا لسنا بحاجة إلى رد فعل مفصل على كل حجة من الحجج التي تساق للتقريب ~~بين اسپينوزا وبين اليهودية؛ إذ إن جميع فصول هذا الكتاب يمكن أن تعد ~~ردودا مفصلة على هذه الحجج، ويكفي أن يرجع القارئ إلى الصفحات التي عولج ~~فيها أي موضوع تدور حوله الحجة المعينة في هذا الكتاب، ليجد فيها حتما ~~الرد الحاسم على هذه الحجج. ~~(ب) # أننا سنلجأ في كثير من الأحيان إلى مواجهة مفكر يهودي بمفكر يهودي آخر ~~يقول برأي مضاد. وكما قلنا من قبل؛ ففي وسعنا أن نجد كثيرا من المفكرين ~~اليهود الذين امتنعوا عن السير في هذه المحاولة العقيمة، واستنكروها لأنهم ~~يدركون أن القضية خاسرة منذ البداية، وفي هذه المواجهة بين المؤيدين ~~والمنكرين ms264 نستطيع أن نجد الرد الكافي في كثير من الأحيان. ~~(3-1) المؤثرات المستمدة من حياته # يفترض كثير من الشراح اليهود أن نشأة اسپينوزا في بيئة يهودية، وتلقيه العلم ~~في مدرسة عبرية، ودراسته لشخصيات وأفكار الفلاسفة واللاهوتيين اليهود في العصور ~~الوسطى، كل هذه كانت عوامل حاسمة في تكوين شخصيته الفلسفية، وفي صبغ أفكاره بصبغة ~~تتمشى مع التراث اليهودي. وهكذا يتحدث «روث # Roth ~~» ~~عن اسپينوزا فيصفه بأنه «لم يكن نتاجا لهولندا في القرن السابع عشر فحسب، بل كان ~~أيضا ثمرة كاملة لعبرانية قديمة العهد»، # 30 # ويشير إلى أهمية الأدب واللاهوت العبريين في تكوين شخصيته، # 31 # وهو يعلل اتجاه اسپينوزا المزدوج بين العلم والدين - وهو الاتجاه ~~المبني على تفسير «روث» الخاص لفلسفته - بأنه يرجع إلى تأثره بالتيارات العلمية ~~الضخمة الموجودة في عصره، وكذلك إلى نشأته «في بيئة تدين بأشد الأديان تمسكا وأخلاقية» # 32 ~~... ويرى أن هذا التعليل هو مفتاح شخصية اسپينوزا، وهو الحل الصحيح ~~لمشكلة مصادر تفكيره، وهو الذي يلقي الضوء الصحيح على مكانته في تاريخ ~~الفكر. # وبمثل هذا يقول «رخمان»، مؤكدا أهمية التعليم العبري في تكوين شخصية اسپينوزا: ~~«فكون اسپينوزا أبرز الطلاب في مدرسة نموذجية في أكثر المجتمعات اليهودية ثقافة في ~~ذلك العصر، وبقاؤه في هذه البيئة التقليدية حتى سن الثانية والعشرين، هو في ذاته ~~كاف لربطه باليهودية بألوف الروابط، وذلك رغم تأثير العالم الخارجي والمذاهب ~~الغربية، بل ورغم رغبته الشخصية في التحرر بطريقة نهائية حاسمة من جميع المؤثرات.» # 33 # ومثل هذه الشواهد، في ذاتها، غير كافية، ولا يمكن أن يعول عليها؛ إذ إن نشأته ~~وتعليمه في بيئة يهودية أمر معترف به من الجميع، ولكن ليست له في ذاته أية دلالة؛ ~~لأنه قد يؤدي إلى الثورة على التراث اليهودي مثلما يؤدي إلى الخضوع له. وقد يأتي ~~بنتيجة سلبية مثلما يؤدي إلى نتيجة إيجابية، وهل يستطيع أحد أن يقول إن فلسفة ~~ديكارت أو كانت أو هيجل ترتد أساسا إلى المسيحية لأنهم نشئوا في بيئة مسيحية ~~وتعلموا في مدارس مسيحية؟ وهل مجرد النشأة والتعليم وحدها ms265 كافية لتوجيه الفيلسوف ~~الناضج، أم أن كثيرا من كبار المفكرين يتميزون بالثورة على البيئة التي نشئوا ~~فيها والتعاليم التي تلقنوها في حداثتهم؟ إن الدراسة الفعلية لتفكير اسپينوزا تثبت ~~بوضوح أن هذا التأثير، إن وجد، كان تأثيرا سلبيا فحسب؛ أي إن معارضته لهذه ~~المؤثرات الأصلية كانت هي نقطة بداية انطلاقه في طريق التفكير المستقل. # ومع ذلك فإن هؤلاء المفسرين يجزمون بأن مجرد كون اسپينوزا قد درس الفلسفة ~~اليهودية واللاهوت اليهودي في العصور الوسطى، معناه أنه قد تأثر حتما بهذه ~~الاتجاهات، وبالفعل نجد في قائمة الكتب التي احتوتها مكتبة اسپينوزا بعد وفاته، وهي ~~القائمة التي أوردها وحللها «ڨيو # Vulliaud ~~»، # 34 # مجموعة كاملة من تفسيرات اللاهوتيين اليهود للعهد القديم، تدل على أنه ~~قد استوعب هذا التراث استيعابا كاملا. وهكذا يتلمس الشراح أوجه شبه لفظية بين ~~فلسفة اسپينوزا وفلسفة «ابن جرسون # Gersonides ~~» ~~و«ابن ميمون # Maimoides ~~» و«سعدية # Saadiya ~~» و«كرسكاس # Crescas ~~»، بل وذلك المذهب الذي جمع كل عناصر اللامعقولية والشعوذة وأضافها ~~إلى التراث اليهودي، مذهب «القبالة». # 35 # هذه الآراء لا تستحق في رأينا مناقشة تفصيلية؛ لأننا نرجح أن اسپينوزا قد تعمد ~~استخدام لغة هذه المذاهب أو ألفاظها، ولكن اتجاهه الحقيقي كان مختلفا عنها تماما، ~~والعالم الذي كانت تدور فيه أفكاره كان عالما علميا تسوده المعقولية الدقيقة ~~والضرورة الصارمة، بينما كان عالم هؤلاء الفلاسفة واللاهوتيين هو عالم الغائية أو ~~التصوف أو اللاهوت الذي يتأمل الكون من خلال صورة البشر. ويكفي أن يكون الموقف ~~العام للطرفين على هذا القدر من التناقض لكي تكون محاولة التقريب ذاتها عميقة؛ إذ ~~إن التأثر الحقيقي ليس هو التأثر بلفظ أو جملة أو قضية أو حتى بلغة كاملة، وإنما هو ~~التأثر بالعناصر والاتجاهات الفكرية الرئيسية فحسب، وعلى أية حال فإن شارحا مثل ~~«رخمان» يعود (في مقاله المتقلب الذي أشرنا إليه من قبل)، فيرد على نفسه مؤكدا ~~وجود اختلافات أساسية بين اسپينوزا وبين مختلف المفكرين اليهود في نزعاتهم الروحية ~~الصوفية وتغليبهم اللاهوت على الفلسفة وتأكيدهم لفكرة الإله (ص57) - وهي كلها فوارق ~~أساسية كانت وحدها ms266 كفيلة بإنكار وجود أي تأثير. # ولنفرض جدلا أن اسپينوزا قد تأثر بلاهوتيي العصور الوسطى من اليهود؛ فهل يعد ~~ذلك تأثرا منه بالتراث اليهودي، إن «ولفسون» و«روث» و«رخمان» يعترفون، هم أنفسهم، ~~بأن لاهوتيي العصور الوسطى من اليهود قد تأثروا بتيارات فلسفية غير يهودية، أهمها ~~الفلسفة اليونانية التي أتتهم عن طريق الفلاسفة العرب، وعلى رأسهم ابن رشد، فكانت ~~النتيجة هي قولهم بأفكار خارجة عن التراث اليهودي التقليدي، مثل فكرة قدم العالم ~~(وبالتالي إنكار الخلق من لا شيء)، وإنكار المعجزات، والتفرقة بين العامة والخاصة ~~من حيث إن الأولين يأخذون بحرفية الدين والأخيرين يؤمنون بالعقل. ويؤكد «رخمان» أن ~~معظم المصادر السابقة كان يعد غير مشروع أو مغضوبا عليه في البيئة اليهودية التقليدية. # 36 # والمعنى الوحيد لذلك هو أن اسپينوزا إذا كان قد تأثر بهذه التيارات فهو ~~لم يتأثر بها لأنها يهودية، بل لأنها خرجت - جزئيا - على اليهودية؛ فالعناصر التي ~~يمكن أن يكون قد استمدها من تفكير هؤلاء الفلاسفة هي أقل العناصر صلة بالتراث ~~اليهودي التقليدي، وهي العناصر التي ظهرت في تفكيرهم لا لأنهم من اليهود، بل «رغم» ~~كونهم من اليهود. وهناك فارق هائل بين التأثر بتعاليم يهودية وبين التأثر بأشخاص ~~يهود، فلا يمكن أن يقال اليوم عمن يتأثر باقتصاديات ماركس أو علم نفس فرويد أو ~~فيزياء أينشتين، إنه متأثر باليهودية؛ لأن نظريات هؤلاء الثلاثة لا تنتمي إلى ~~التراث اليهودي، وصفة اليهودية في شخصياتهم عارضة تماما بالنسبة إلى ~~نظرياتهم. # أما مذهب القبالة الذي يقال: إن اسپينوزا قد تأثر به؛ فقد يرى البعض شبها بين ~~صوفيته الشاملة وبين بعض قضايا اسپينوزا إذا ما فهمت فهما حرفيا، ولكن أي إدراك ~~لموقف اسپينوزا العام، وأي تحليل دقيق لنفس النظريات التي يقال إنها مشابهة لهذا ~~المذهب، يكشف عن اختلاف أساسي بين وجهتي النظر إلى حد يدهش معه المرء من مدى ~~التواء تفكير أولئك الذين قربوا بين معقولية اسپينوزا وحتميته الدقيقة وبين شطحات ~~«القبالة» وتخريفاتها. ويكفي في هذا حكم اسپينوزا نفسه، الذي قال، في نص من تلك ~~النصوص الي يتجاهلها ms267 عادة معظم المتعصبين من الشراح اليهود: «لقد قرأت وعرفت بعض ~~الكتابات التافهة لمذهبة القبالة، الذي يثير حمقه في نفسي دهشة لا تنقطع.» # 37 # وكما قلنا من قبل، فمجرد دراسة اسپينوزا لتعاليم لاهوتيي العصور الوسطى من ~~اليهود واستيعابه التام لها لا يدل في ذاته على شيء، بل إن كل الدلائل تدل على أنه ~~أتى بنتيجة عكسية؛ أي إن التناقض والتهافت والافتقار التام إلى المعقولية في هذه ~~التعاليم، هو الذي مهد له طريقه الخاص الذي سار فيه مستقلا تماما عنها. وأغلب ~~الظن أن هذه التعاليم كانت - منذ اللحظة التي أعلن فيها ثورته على الطائفة اليهودية ~~- تستفزه وتتحدى منطقه العقلي إلى الحد الذي جعله يضع لتفكيره غاية ولفلسفته هدفا ~~هو انتقادها وهدم الأسس التي تجعل ظهورها، هي وأمثالها من المذاهب، ممكنا. # وعلى هذا الأساس يمكننا أن ننظر إلى علاقة اسپينوزا بهذه المؤثرات المزعومة في ~~ضوء جديد: فتعالج فلسفة اسپينوزا من حيث هي رد فعل على المذاهب اليهودية اللاهوتية ~~والفلسفية في العصور الوسطى، ومن حيث هي نتيجة لانفصاله عن هذه المذاهب وخروجه ~~عليها. وقد عبر «فوير» عن هذا المعنى تعبيرا رائعا حين قال: «لقد أدت القرون ~~التي مر بها اليهود وهم في اضطهاد وفرار من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى، إلى ~~جعلهم يفقدون المعقولية ويفتقرون إلى حب الإنسانية؛ فانطووا على أنفسهم متشبثين ~~بحلم ظهور المسيح الجبار، الذي يستطيع بمعجزاته الوفيرة أن يجعل الدائرة تدور على ~~مضطهديهم. ولقد كان حلم البعث وتحقيق الرسالة هذا مزيجا من التضخيم المرضي ~~للذات، و«الپارانويا»، و«نرجسية» المضطهدين؛ فهو «فكرة غير كافية»، كما كان ~~اسپينوزا خليقا بأن يسميها. أما اسپينوزا، الذي كان ذا ذهن علمي متحرر، والذي ~~تخلص من روابط البيئة التي نشأ فيها، وحاول أن يندمج في عالم أوروبا الجديد، فلم ~~تكن لديه طاقة باقية لفهم أهله (اليهود) فهما عطوفا. ولو كان أقل قسوة في تحكيم ~~«الحبل السري» الذي كان يربطه بأهله، لما ظهرت فلسفته إطلاقا، على الأرجح.» # 38 ~~(3-2) المؤثرات في فلسفته # سوف نحلل فيما يلي بعض ms268 النواحي الرئيسية التي يفترض أن اسپينوزا قد تأثر فيها ~~بالتراث اليهودي في صورته الدينية المباشرة أو اللاهوتية أو الفلسفية. وكما قلنا من ~~قبل، فإن التفنيد الحاسم لمحاولات التقريب هذه إنما يكون في الرجوع إلى أجزاء هذا ~~البحث التي تعالج كل موضوع يقال بوجود مثل هذا التشابه فيه؛ إذ إن إجراء هذه ~~المقارنة في ضوء التفسير الذي قدمناه ها هنا هو أفضل الوسائل لإظهار التضاد الحقيقي ~~التام بين اسپينوزا وبين التراث اليهودي. # ففي رأي فرويدنتال أن مذهب «وحدة الوجود» عند اسپينوزا لا يرجع إلى عناصر ~~أفلاطونية محدثة، ولا يكفي تفسيره من خلال فلسفة «برونو # Bruno ~~»، وإنما هو يفسر على أساس تأثر اسپينوزا بالتراث اليهودي. # 39 # ومن المؤكد أن السؤال الأكبر في هذا الصدد هو ما إذا كان اسم ~~«وحدة الوجود # pantheism ~~» ينطبق بحق على فلسفة ~~اسپينوزا أم لا ينطبق؛ فالتسمية صحيحة طالما أن فكرة «الله» تؤخذ عنده بمعناها ~~الحرفي. أما إذا فهمت على النحو الذي عرضناه في هذا البحث، لأصبحت التسمية باطلة ~~تماما، ولانهار بالتالي أساس حجة «فرويدنتال». # ويقول «روث» بوجود تشابه مماثل في فكرة وحدة الطبيعة عند اسپينوزا؛ فهو يحلل ~~عقيدة التوحيد العبرية فيرى أنها ترتبط بفكرة وحدة الظواهر الطبيعية، ويتلمس فيها ~~التالي صبغة علمية. وفي رأيه أن المفكرين اليهود في العصور الوسطى قد عملوا على نقل ~~الاهتمام من وحدة الله إلى وحدة الطبيعة، وبذلك رفعوا البحث العلمي، والبحث وراء ~~الاطراد في تركيب الأشياء، إلى مرتبة الواجب الديني الأعلى. وهكذا تكون دراسة ~~اسپينوزا للفلسفة اليهودية في العصور الوسطى هي التي أدت به إلى ذلك «الإدماج ~~الجريء للعلم في محراب الدين ذاته». # 40 # كما يرى فرويدنتال أن نظرة اسپينوزا إلى الطبيعة كانت مماثلة لنظرة ~~اليهود إلى إلههم، ««فالطبيعة المؤلهة» كانت، كإله اليهودية، أشمل وأكمل موضوع ~~لحبنا، وهي الموضوع الذي نهب له أنفسنا بكل ما نملك، وفي ذلك تكون الطاعة الحقيقية ~~لله، وكذلك خلاصنا وسعادتنا الأزلية.» # 41 # والمشكلة في هذا كله هي أن معاني اسپينوزا تفسر حرفيا على النحو ~~الذي يخدم أغراض ms269 هؤلاء الباحثين، بل إن تعاليم اليهودية ذاتها تزيف؛ إذ ينسب إلى ~~اليهودية، ولا سيما في صورتها التي اتخذتها في العصور الوسطى، اتجاه علمي للتقريب ~~بينها وبين اسپينوزا، الذي يفترض أنه جلب العلم إلى محراب الدين، مع أنه في واقع ~~الأمر قد حول المعاني الدينية، بطريقة بارعة - ومع احتفاظه بنفس ألفاظها ~~وتعبيراتها - إلى معان علمية، وبذلك يكون الأصح أن يقال عنه إنه جلب الدين إلى ~~محراب العلم. # ويرى «برييه» أن توحيد اسپينوزا بين الله أو بين الذهن الإلهي وبين موضوع هذا ~~الذهن لا بد أنه يرجع إلى موسى بن ميمون، أو أحد شراح كتاب «الزهار # Zohar ~~» (أي أصحاب مذهب «القبالة»)، وأن هذه ~~القضية في أصلها أفلوطينية وصلت إليه بتوسط هذه المؤثرات. # 42 # ومع ذلك فقد رأينا «فرويدنتال» من قبل ينكر أهمية مثل هذه المؤثرات ~~الأفلوطينية، ويؤكد أهمية التأثير اليهودي المباشر. وفضلا عن ذلك فمن الواضح أن ~~فكرة اسپينوزا الحقيقية في هذا الصدد كانت ترمي إلى عكس النتيجة التي تستخلص من ~~كلام «برييه»، وكل ما في الأمر أنه صاغها في لغة تقترب إلى حد كبير من لغة ~~المدرسين. أما «بروشار» فيرى، تمشيا مع موقفه العام في تأكيد الأهمية الأساسية ~~للفكر اليهودي في فلسفة اسپينوزا، أن «إله اسپينوزا هو الإله اليهودي» يهوا # Jehova ~~«بعد إدخال تحسينات أساسية عليه»، # 43 # وهذا بطبيعة الحال رأي تكذبه كل كلمة قيلت في هذا البحث؛ ومن ثم فلا ~~داعي لتنفيده في هذا الموضع. # ومن أعجب ما قرأت في هذا الصدد محاولات بعض الشراح اليهود الذين سعوا إلى ~~التقريب بين التراث اليهودي وبين فلسفة اسپينوزا في أفكار كانت هي الوسيلة الأساسية ~~التي استخدمها اسپينوزا في محاربة هذا التراث. وسأضرب لذلك مثلين؛ فنقد اسپينوزا ~~لتشبيه الآلهة بالإنسان، وهو النقد الذي كان وسيلته الكبرى إلى محاربة العناصر ~~الأسطورية في التراث اليهودي، والذي طالما ردده في صدد هذا التراث في «البحث ~~اللاهوتي السياسي» - هو في نظر «رخمان»، مستمد من التراث اليهودي ذاته! فهو يقول: ~~«إن مقاومة كل نوع من التشبيه بالإنسان هي ms270 عنصر أساسي في اليهودية؛ إذ يردد اليهودي ~~يوميا: أشهد أن الله ليس بدنا ولا ~~يشبه لنا في أية صورة منظورة.» # 44 # وهذا هو التزييف بعينه؛ إذ توجد، إلى جانب العبارة السابقة، عشرات ~~النصوص التشبيهية الصريح في العهد القديم ذاته، وهي النصوص التي طالما اقتبسها ~~اسپينوزا وأكد أنها لا تصلح إلا للعقلية العامية. # وقد لاحظ باحث يهودي آخر، هو «هيلر # Heller ~~»، ~~الاختلاف الأساسي بين تفكير اسپينوزا واليهودية في هذا الصدد؛ إذ أشار إلى أن ~~الإنسان في اليهودية هو مركز الكون، وكل ما في الطبيعة موجود من أجله، بينما كان ~~دور الإنسان في الكون، عند اسپينوزا، ضئيلا، والطبيعة ذاتها في نظره لا أخلاقية # Amoral ~~. # 45 # وهذا، دون شك، نفي مباشر لكل تشبيه بالإنسان. # ومع ذلك فإذا كان «هيلر» قد أدرك، بحق، استحالة التقريب بين اسپينوزا واليهودية ~~في صدد نقد الأول لتشبيه الآلهة بالإنسان، فإنه هو ذاته يقع في خطأ لا يقل عن ذلك ~~فداحة؛ إذ يرى (وهذا هو المثل الثاني الذي أضربه لمثل هذه الأخطاء) أن فكرة مادية ~~الله عند اسپينوزا يمكن أن ترد إلى أصول يهودية؛ لأن الله في اليهودية كثيرا ما ~~كان يتخذ صبغة مادية. # 46 # وموضع الغرابة هنا هو أن هذه الصبغة المادية التي كان يتخذها الله في ~~اليهودية كانت هي ذاتها راجعة إلى ما في اليهودية من تشبيه للآلهة بالإنسان (وهو ~~التشبيه الذي سبق أن تنبه المؤلف إلى عدم تمشيه مع تفكير اسپينوزا!) وواقع الأمر أن ~~الفكرة لم تكن عند اسپينوزا إلا إشارة أخرى منه إلى أن المعنى الحقيقي لفكرة الله ~~عنده هو مجموع الطبيعة؛ وبذلك يكون بين الطرفين أشد أنواع التناقض. # ولندع مفكرا يهوديا آخر، هو «واكسمان»، يرد على هاتين المحاولتين السابقتين، ~~فيقول: «إن مذهب اسپينوزا، مجردا من لغته الشبيهة باللاهوتية، لا يكتفي بوصف إله ~~مجرد من كل مسحة من التشخيص - أعني آلة لا متناهية، إن جاز هذا القول - وإنما يعزو ~~أيضا إليه الامتداد، الذي هو الخاصية الأساسية للمادة، بوصفها إحدى الصفات الإلهية ~~... وهذه هي بعينها الأفكار ms271 التي كانت الفلسفة اليهودية في جميع صورها تنفر منها.» # 47 # ولقد تعرضت فكرة «الحب الإلهي» لدى اسپينوزا لسوء فهم كثير، لم يسلم منه معظم ~~شراحه من اليهود وغير اليهود معا، وأرجعت هذه الفكرة إلى أصول صوفية أو لاهوتية أو ~~لا عقلية متعددة. من بينها، بطبيعة الحال، الأصول اليهودية. وهكذا يوافق «چواكيم» ~~على التقريب بين فكرة الحب الإلهي عند اسپينوزا وبين نظيرتها لدى «ليون العبري # Leone Ebreo ~~» في كتابه «محاورات في الحب # Diologhi d’Amore ~~»، # 48 # وتتردد محاولات التقريب هذه لدى عدد كبير من شراح اسپينوزا، وهي ~~كلها تعتمد، كما هو واضح، على تفسير حرفي للفكرة على نحو يتيح إضفاء صبغة صوفية ~~عليها. أما إذا أخذت الفكرة بالمعنى المضاد لمعناها الحرفي، على النحو الذي عرضناها ~~به في هذا البحث، فلن يعود لمثل هذه المحاولات أي مجال. ومرة أخرى، نقتبس في تفنيد ~~محاولات التقريب هذه رأيا سليما في مقال «واكسمان» الذي أشرنا إليه من قبل، قال ~~فيه: «... إن ماهيته (أي هذا الحب) هي أعلى أنواع المذهب العقلي الذي يدرك الارتباط ~~العلي الضروري بين كل الأشياء. وصحيح أن هذا النوع من الحب قد يؤدي إلى ~~طمأنينة النفس، التي ينتج عنها رضاء رواقي ونوع من السرور الناجم عن شعور الإنسان ~~بمعرفة شاملة لكل شيء، ولكنه لن يؤدي إلى أي شيء عدا ذلك، ومن الأمور الواضحة ~~بذاتها أن الحب اليهودي لله ينطوي على أكثر من ذلك بكثير؛ إذ إنه انفعالي يجعل الله ~~نوعا من الشخصية ... # ومع ذلك فإذا تحدثنا عن شكل الحب العقلي عند اسپينوزا ففي وسعنا قطعا أن ننتهي ~~إلى أن اسپينوزا كانت تتملكه رغبة لا شعورية في استبقاء التعبيرات التي كانت تعني ~~الكثير ليهود عصره، وربما له هو ذاته في شبابه الأول.» # 49 # وهذا رأي سليم تماما، وكل ما في الأمر أن هذه «الرغبة اللاشعورية» التي تحدث ~~عنها في الفقرة الأخيرة كانت في رأينا رغبة «متعمدة» في استخدام نفس الاصطلاحات ~~اللاهوتية التقليدية للتعبير عن أكثر المعاني ابتعادا عنها، بحيث يكون قد حارب ~~اللاهوت التقليدي ms272 بنفس سلاحه، بينما تبدو كتاباته في شكلها الظاهر متمشية مع التيار ~~اللاهوتي العام. ~~••• # ولقد حاول كثير من الشراح اليهود أن يقربوا بين كتاب اسپينوزا الرئيسي ~~«الأخلاق»، وبين التراث اليهودي، واتخذت محاولاتهم هذه صورا شتى، سنعرض الآن طرفا ~~منها: # فاستهداف اسپينوزا، في كتابه ~~الرئيسي، غاية أخلاقية (على عكس الغاية العلمية التي استهدفها ديكارت)، يعد في ~~نظر «روث # Roth ~~» مظهرا من مظاهر تأثير اليهودية في ~~تفكيره: «إن اهتمام اسپينوزا بالأخلاق موروث؛ فهو سليل شعب لم يعبأ، منذ أقدم ~~الأزمنة، بالنظريات المجردة إلا قليلا، بينما اهتم كل الاهتمام بالسلوك العملي، ~~وهو نتاج أدب يسوده مثال التقوى، وتاريخ يمثل صيحة واحدة طويلة في طلب العدالة؛ ~~فهو قد ظل رغم ذاته، ورغم طائفة أمستردام، ابنا لأهل الكتاب «في أعماق نفسه».» # 50 # ويزيد رأيه وضوحا بعد قليل، فيقول: «إن المشكلة التي بدأ بها ~~اسپينوزا، وهي مشكلة السلوك، ما هي إلا البحث الإنجيلي القديم عن «طريق للحياة». ~~والعقيدة العقلية التي وجد فيها حلا لهذه المشكلة، والتي ينبغ فيها الانفعال، ~~الذي هو الدين، من المعرفة، التي هي العلم، هي من خلق الفلسفة اليهودية في العصور ~~الوسطى. وهكذا دخل اسپينوزا الفكر الحديث مهيأ على هذا النحو.» # 51 # مثل هذه الأحكام الخاطفة، الفجة، هي في رأينا مثال واضح للتشويه الذي يمكن أن ~~يفسد به التعصب التفكير؛ فهذا الكاتب يريد أن يقرب بين اسپينوزا وبين المؤثرات ~~اليهودية «رغم ذاته، ورغم طائفة أمستردام»؛ أي رغم الطرد (الذي كان يتعمد أن يتجنب ~~الإشارة إليه). فما هي إذن شواهده على ذلك التقارب؟ أهي الاهتمام بالأخلاق؟ إن هذا ~~الاهتمام حظ مشترك بين عدد كبير من الفلاسفة، ومنهم مثلا أفلاطون، وكانت، ~~والرواقيون. ومع ذلك لم يكن واحد من هؤلاء من «أهل الكتاب!» ومع كل، فمن قال إن ~~اسپينوزا لم يكن يعبأ بالنظريات المجردة؟! وماذا نقول في المواقف العلمية العامة ~~التي يزخر بها كتاب «الأخلاق»؟ إن «روث» يفترض أولا وجود سمة واحدة تميز اليهود ~~من أقدم العصور، وتطبع نفسها حتما على تفكير كل فيلسوف ينتمي إلى جنسهم، ms273 حتى لو ~~كان ذلك «رغما عنه» - وهذا وحده افتراض «عنصري» لا يقوم على أساس علمي متين. ثم هو ~~يجزم بأن هذه السمة هي الاهتمام «بالأخلاق»، وهو تأكيد يقبل كثيرا من المناقشة؛ إذ ~~ليس هذا الاهتمام مميزا لمفكري اليهود على الدوام، كما أن وجوده لدى مفكر لا يعني ~~تأثره بمؤثرات يهودية. وأخيرا فإن نظرة واحدة إلى «طريق الحياة» كما رسمه اسپينوزا ~~تقنعنا بأنه كان هو نقيض طريق الحياة كما أوضح معالمه التراث اليهودي. # ومثل هذه الاعتراضات تسري على رأي «كايزر # Kayser ~~» الذي بنى على حجة مماثلة، قال فيها: «[إن كتاب «الأخلاق»] ~~يعيد إحياء نمط من الفلسفة الدينية لا يؤلف معرفة، وإنما يؤلف حكمة، فالطابع ~~الأخلاقي والديني الأساسي لكتاب «الأخلاق» كان يعني عودة ظهور القوى الروحية ~~القديمة لليهودية.» # 52 # ومن الغريب أن المؤلف ذاته يتولى مهمة الرد على نفسه بعد صفحات قلائل ~~إذ يقول: «إن تحرر الفلسفة من اللاهوت ... قد تحقق هنا بالفعل ... فاسپينوزا وحده هو ~~الذي فتح للعقل عالما خاصا به، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي أمكن بها قيام ~~الفلسفة والعلم على نحو مستقل عن كل عقيدة لاهوتية وعن سلطة الكنيسة.» # 53 # ويقدم «واكسمان» ردا أعمق على القول بأن الاتجاه العام لكتاب «الأخلاق» يكشف عن ~~تأثر باليهودية، فيقول: «إذا ما نظرنا إلى الاهتمام بالحياة - أو الاهتمام بالطبيعة ~~- على أنه من سمات الروح العبرية، فإن اسپينوزا يكون إلى هذا الحد قد خضع لتأثير ~~العنصر اليهودي. ولكنا إذا تأملنا السعي إلى السعادة، الذي يؤلف القوة الدافعة ~~لفلسفته، في ضوء التراث اليهودي، والفكر اليهودي، وحالة اليهودية في عصره، لوجدناه ~~أبعد ما يكون عن اليهودية؛ فالفلاسفة اليهود لم يكونوا يسعون أبدا إلى السعادة؛ إذ ~~إنها معطاة لهم في التوراة وفي الحياة اليهودية ... ولم يتعين على اسپينوزا أن يلتمس ~~طريقا جديدا للسعادة إلا بعد أن نفصل انفصالا قاطعا عن الكنيس اليهودي وتعاليمه.» # 54 # ويتحدث «رخمان # Rakhman ~~» عن اتجاه اسپينوزا إلى ~~الإقبال على الحياة، والبعد عن التشاؤم، فيرى فيه تأثرا بالأخلاق اليهودية، التي ~~هي في رأيه مبتعدة ms274 عن الزهد: «فمن العناصر الأساسية في اليهودية مكافحة الزهد والاكتئاب.» # 55 # وقبل أن يفكر المرء في الرد على هذا التقريب الزائف المبني على عرض ~~باطل لماهية التفكير الأخلاقي اليهودي، يجد، كما هي العادة، مفكرا يهوديا آخر ~~تولى عنه مشقة الرد، وفسر ماهية هذا التفكير الأخلاقي اليهودي تفسيرا مضادا، ~~يغدو فيه هذا التفكير متعارضا مع اتجاهات الفلسفة الأخلاقية عند اسپينوزا؛ إذ يشير ~~«هيلر» إلى التعارض بين دعوة الأخلاق الاسپينوزية إلى السرور وتأكيد الحياة، وبين ~~عناصر التذلل والخضوع التي تظهر بقوة في الأخلاق اليهودية. # 56 # ويؤكد التضاد بين تأكيد العهد القديم للخطيئة، وبين نفي اسپينوزا ~~للشعور بالذنب أو تبريره له منطقيا، ويتحدث بعد ذلك عن خلو الطبيعة من القيم ~~الأخلاقية عند اسپينوزا، على حين يكون الإنسان، بقيمه البشرية، مركزا للكون في ~~الأخلاق اليهودية. # 57 # وأخيرا؛ فقد سبق أن رأينا كثيرا من الكتاب يؤكدون وجود طابع مزدوج، لاهوتي ~~وعلمي، في كتاب «الأخلاق»، ومن الطبيعي أن يستغل الشراح اليهود هذا الطابع ~~المزدوج المزعوم، ليؤكدوا أن العنصر اللاهوتي فيه يرجع إلى التأثر بالتراث اليهودي، ~~وهو تأثر بلغ من قوته، في رأيهم، أنه فرض ذاته على تفكير اسپينوزا العلمي على نحو ~~بدت معه فلسفة اسپينوزا آخر الأمر ذات مظهر متناقض. # ويعبر «فرويدنتال» عن هذا الطابع فيقول: «إن الاتجاه اللاهوتي التفاؤلي للأخلاق ~~الاسپينوزية واضح الظهور في هذا الكتاب (الأخلاق)، وهو اتجاه يتعارض مع الحتمية ~~الجامدة في فلسفته النظرية، بقدر ما يتمشى مع النظرة اليهودية إلى العالم.» # 58 # وهو يعلل هذا الظاهرة بقوله: «وتفسير ذلك هو أن عادات ذهنية معينة، ~~كانت سائدة لدى أسلافه منذ آلاف السنين، ومألوفة لديه منذ صباه، قد أدت به إلى ~~الانحراف عن الطريق المستقيم لمذهبه؛ إذ ليس في وسع أحد أن يستقل استقلالا تاما ~~عن تصورات وأحكام وعادات قومه، ولا بد أن يظهر هذا الاعتماد بوضوح أيضا لدى من ~~انشق في أهم الأمور - كما فعل اسپينوزا - عن تراث أجداده.» # 59 # ويتحدث «ولفسون» في مقدمة كتابه «فلسفة اسپينوزا» عن ذلك الطابع المزدوج المميز ~~لكتاب ms275 الأخلاق، فيقول إن للكتاب مؤلفا صريحا يضع القضايا والبديهات والتعريفات ~~ويستخدم المنهج الهندسي، ويسميه «بندكتوس». ولكن للكتاب أيضا مؤلفا خفيا يظهر ~~أحيانا في «الملحوظات»، ويحفل ذهنه بالتراث الفلسفي للعصور الوسطى، ويسميه ~~«باروخ»، ثم يقول: «وبندكتوس هو أول المحدثين، وباروخ آخر الوسيطيين.» # 60 # وهكذا يردد «ولفسون» بدوره الفكرة القائلة أن فلسفة اسپينوزا جمعت بين ~~الطابع العلمي، المميز للفكر الحديث، والطابع اللاهوتي، المميز للعصور الوسطى، ولا ~~جدال في أن اختياره اسم «باروخ» رمزا لهذا الاتجاه الوسيطي الذي يفترض وجوده لدى ~~اسپينوزا، يعني أن مؤثرات العصور الوسطى كانت في نظره مؤثرات يهودية في المحل ~~الأول. # وفي وسعنا أن نقول: إن هذا الكتاب بأسره ليس إلا محاولة لتفنيد الزعم بوجود ~~هذا الطابع المزدوج في فلسفة اسپينوزا؛ وعلى ذلك فلا ضرورة لنقده في هذا المجال؛ إذ ~~إن أي نقد كهذا لا بد أن يؤدي إلى إثارة مسألة تفسير فلسفة اسپينوزا بأسرها، ~~وهي الفلسفة التي نعتقد أنها كانت متسقة إلى حد بعيد، أو أنها إن كانت تفتقر في ~~مواضع فرعية إلى الاتساق؛ فهي على الأقل متسقة في هذه المشكلة الرئيسية: مشكلة ~~الاختيار بين الاتجاهات العلمية الحديثة والاتجاهات اللاهوتية الوسيطية. فاسپينوزا ~~في رأينا لم يكن مترددا في هذا المجال على الإطلاق، بل إنه اختار طريقه منذ ~~البداية على نحو حاسم، وكان في اختياره منحازا بكل قواه إلى الاتجاه العلمي ~~الحديث، الذي لم يكتف بتأييده، وإنما ارتفع في معظم الأحيان عن المستوى العام ~~لمعاصريه في تفكيرهم الفلسفي في العلم. ~~••• # ومن الحيل الأخيرة التي يلجأ إليها بعض الشراح للتقريب بين اسپينوزا وبين ~~التراث اليهودي، القول بأنه كان مصلحا يهوديا، وتمتاز محاولة التقريب هذه بأنها ~~تنطوي على اعتراف بوجود عناصر كثيرة في تفكيره خرجت على التراث اليهودي، ولكنها ~~تعلل هذا الخروج على التراث بأنه محاولة لإصلاحه - وبذلك يتحقق هدف الربط بين ~~اسپينوزا وبين التيار اليهودي العام، بل وتصبح انتقادات اسپينوزا لهذا التراث وسيلة ~~لتحقيق هذا الهدف. # ويعرض «دنر # Dunner ~~» هذه الفكرة بوضوح إذ يقول: ~~«إن القليلين هم الذين أدركوا أنه ms276 (أي اسپينوزا) أجرأ مصلح في اليهودية، وأنه أبرز ~~فيلسوف يهودي حديث، يقف بمعزل عن التيار العام للفلسفة الأوربية، ويلتمس الخلاص في ~~هذا العالم بإحلال العقل محل الوحي والطاعة العمياء للسلطة، دون أي تخل عن تلك ~~الصرامة الأخلاقية التي يتميز بها الأنبياء، وابن ميمون، ومن بعدهم، موسى مندلسون، ~~وسجمنت فرويد، وألبرت أينشتين، وكبار المفكرين اليهود جميعهم.» # 61 # ومن المؤكد أن المؤلف إنما أقحم فكرة «المصلح» هذه لكي يوفق بين ~~رغبته في إدماج اسپينوزا في التراث اليهودي العام، وبين النواحي الرئيسية التي يعلم ~~أنه خالف فيها ذلك التراث. وقد عدد المؤلف هذه النواحي بالفعل، ولو وضع المرء ~~قائمة واحدة بها، لما بقي من اليهودية شيء، ولكانت الصورة النهائية لتفكيره مضادة ~~تماما لليهودية - ومع ذلك يؤكد المؤلف انتماء تفكيره إلى اليهودية، لمجرد كونه ~~ينتمي «عنصريا» إليها، تماما كما أكد انتماء «فرويد» و«أينشتين» إلى التراث ~~اليهودي، وكأن في التحليل النفسي أو في فيزياء النسبية عناصر يهودية على ~~التخصيص! # ويظهر هذا الاتجاه إلى تأكيد يهودية اسپينوزا تأكيدا عنيدا لا يبالي بالحقائق ~~الواضحة، لدى «ناحوم سوكولوڤ # Soklow ~~»، الذي عبر ~~عنه أوضح تعبير عندما قال عن فلسفة اسپينوزا إنها «يهودية بعمق، حتى في حملتها على اليهودية». # 62 # ولست أدري ماذا يستطيع المرء أن يرد به على مثل هذه الطريقة في التفكير، فهنا ~~نصل إلى الحجة التي لا يمكن الرد عليها، لا لأنها معقولة، بل لأنها تفتقر تماما ~~إلى المعقولية. إن الشارح اليهودي في هذه الحالة يقول: ما دام اسپينوزا يهوديا ~~بمولده؛ فهو منا، مهما انتقدنا، ومهما حمل علينا، ومهما تضمنت فلسفته من عناصر ~~تهدم التراث اليهودي من أساسه - إنه يهودي لأننا نريده لأنفسنا، سواء أراد القارئ ~~أم لم يرد، وسواء شاء اسپينوزا ذاته أم لم يشأ! # وكل ما نستطيع أن نقوله ردا على ذلك هو: أن الأساس الوحيد للتقريب بين اسپينوزا ~~واليهودية في هذه الحالة يغدو هو الأساس العنصري؛ أي إن اليهود يفترضون أن مجرد ~~انتماء اسپينوزا إلى عنصرهم لا بد أن يصبغ تفكيره بصبغة اليهودية، وإذا ms277 كانت هذه ~~النزعة العنصرية هي آخر ما يمكنهم الالتجاء إليه من الحيل، فلا مفر للمرء من أن ~~يشير، في معرض الرد عليهم، إلى أن هذه النزعة ذاتها هي التي ظلت دائما موضوعا ~~لشكواهم من خصومهم؛ فهم منذ أقدم العصور يأخذون على خصومهم تأكيدهم لفكرة العنصرية، ~~ومع ذلك فهم لا يترددون في تأكيد هذه الفكرة ذاتها إذا ما شعروا بأنها تخدم ~~مصالحهم. ~~••• # ولكي لا يظل حكمنا هذا مبنيا على أساس التخمين وحده، سنقدم مثالا محسوسا لمدى ~~تشابه طريقتي التفكير اليهودية والمعادية السامية في هذا الصدد، فسوف نضرب مثلا ~~لشارح نازي يقرب بين اسپينوزا وبين اليهودية على نفس النحو الباطل الذي حاول به ~~الشراح اليهود ذلك، وسنشير إلى أوجه الشبه القوي بين اليهود وأعدائهم في طريقة ~~المقارنة بين اسپينوزا واليهودية، بحيث لا يكون للمرء مفر من أن يستنتج أن الطرفين ~~معا وجهان لقطعة عملة واحدة، كما يقول التعبير الإنجليزي المعروف؛ فالوسيلة، وهي ~~تأكيد العوامل العنصرية، واحدة في الحالتين، والهدف ذاته واحد، وهو تأكيد العوامل ~~العنصرية، واحدة في الحالتين، والهدف ذاته واحد، وهو تأكيد انتماء اسپينوزا إلى ~~اليهودية، وإن يكن هذا التأكيد يرمي في الحالة الأولى إلى تمجيد اليهودية عن طريق ~~نسبة اسپينوزا إليها، ويرمي في الحالة الثانية إلى الحط من شأن اسپينوزا عن طريق ~~ربطه بعنصر تنصب عليه الكراهية. # ففي بحث «جرونسكي # Grunsky ~~» عن اسپينوزا (وهو ~~يختار له عنوانا ذا دلالة، هو «باروخ اسپينوزا»؛ أي إنه تمسك باسم باروخ كما فعل ~~كثير من الشراح اليهود المتعصبين، ضاربا عرض الحائط، مثلهم، بتخلي اسپينوزا عن ~~هذا الاسم)، يستمد من حياة اسپينوزا وشخصيته وقائع يعتقد أنها تقرب بينه وبين ~~اليهودية؛ فهو يقارن بين تشبيه اسپينوزا لنفسه بالثائر «مازاينلو»، وبين ذلك الحرص ~~والحذر الشديدين الذين كان يبديهما في كتاباته، واستخدامه كلمة «حذار # Cante ~~» شعارا له، ويؤكد أنه كان يهرب من كل صراع ~~علني هربه من الطاعون، ولم يوقع باسمه الكامل سوى واحد فقط من مؤلفاته، هو ذلك الذي ~~لم يعرض فيه آراءه الخاصة. وقد ألفه ليكون ms278 وسيلة إلى لفت أنظار كبار الساسة في ~~عصره، مثل ديڨيت. # 63 # ويستغل هذا الكاتب كثيرا تلك الحقيقة التي كانت عندئذ قد كشفت حديثا، وهي أن ~~اسپينوزا كان في شبابه تاجرا ناجحا، على عكس ما قاله عنه «كوليروس» من أنه كان ~~فقيرا ذا ميراث ضئيل، ويشكك في كونه قد تخلى عن ميراثه كما قال، ويرى أن زهده ~~المزعوم في المال ربما كان قناعا أخفى وراءه معاملاته المالية والتجارية. # 64 # وهو يشبه علاقة الضرورة القائمة بين الصفات والجوهر، عند اسپينوزا، بعلاقة ~~الضرورة القائمة بين كلمات التوراة وبين الله في اليهودية، # 65 # وهو تشبيه واضح السطحية، ولا يمكن أن يستدل منه على أي تأثر بتعاليم ~~اليهودية التقليدية. # ولكن الأبلغ من ذلك دلالة أنه بدوره يجعل من اسپينوزا «مصلحا لليهودية»؛ فكتاب ~~الأخلاق في نظره هو «التوراة الجديدة»، وهي توراة تصلح للناس جميعا، متميزة في ذلك ~~عن التوراة القديمة التي كانت تصلح «لشعب مختار» فحسب. وفائدة هذا التجديد في نظره ~~هي أن الجميع سيقبلونه، بحيث يؤدي بغير اليهود إلى الانزلاق دون أن يشعروا إلى ~~التفكير اليهودي، بعد أن كان اليهودي هو الذي يسعى إلى التشبه بغير اليهودي. # 66 # ومثل هذا التفسير لأفكار اسپينوزا وأهدافه واضح الزيف لا يحتاج تفنيده ~~إلى جهد كبير؛ فالمؤلف النازي لا يفترق في ابتعاده عن الروح العلمية الصحيحة عن ~~الشراح اليهود، وهو بدوره يحاول أن يتخلص من حملة اسپينوزا الواضحة على خرافات ~~التراث اليهودي - وهي حملة تؤدي إلى إحباط كل محاولة تبذل للتقريب بينه وبين ذلك ~~التراث - بالقول (كما فعل # Dunner # من قبل) إنه كان ~~يسعى إلى إصلاح التراث اليهودي، وهو يعلم أن اسپينوزا قد انتقد فكرة «الشعب ~~المختار» عند اليهود انتقادا عنيفا، فيتخلص من هذه الصعوبة بالقول إنه ألف «توراة ~~جديدة» لاجتذاب الجميع لا اليهودية على التخصيص، وإيقاعهم في حبائل اليهودية (ولست ~~أدري أين تكون اليهودية عندئذ، إذا كانت هذه «التوراة الجديدة» المزعومة ذات نزعة ~~إنسانية شاملة). وبهذا التزييف لأفكار اسپينوزا يتغلب أيضا على حقيقة أخرى تقف في ~~وجه تفسيره؛ ms279 وهي حقيقة طرد اسپينوزا من الطائفة اليهودية؛ إذ إن هذا الطرد ليس في ~~نظره إلا طرد أنصار التوراة القديمة لصاحب التوراة الجديدة! # وأخيرا، فإنه يجعل من اسپينوزا عدوا للأمة الألمانية؛ إذ إنه شوه أفكارا ~~ألمانية أصيلة، مثل أفكار «چوردانو برونو» (!) وعلى حين أن غاية التفكير الجرماني ~~هي الجمع بين روح البحث الطبيعي وبين الروح الصوفية، فإن اسپينوزا سعى إلى فصل هذين ~~العنصرين كل عن الآخر. # 67 # وكما فعلنا من قبل عندما رددنا على ادعاءات الشراح اليهود بأقوال شراح يهود ~~آخرين، فسوف نرد على مزاعم هذا الباحث «الجرماني» بأقوال باحث ألماني آخر لم يخف ~~حماسته لاسپينوزا، بل أكد فضله على الأمة الألمانية - ذلك هو «برونر # Brunner ~~»، الذي قال «إن الاهتداء إلى أفكار اسپينوزا ~~قد حدث في نفس الوقت الذي مر فيه التاريخ الألماني بأهم فتراته، وهي فترة إعلان ~~وتحرير كل ما هو عظيم نبيل في الروح الألمانية، ولا يمكن أن ينكر الدور الذي لعبته ~~أفكار اسپينوزا في هذا الصدد إلا من يعجز عن فهم الدور الذي تلعبه الأفكار الحية، ~~ويتجاهل الثورة الشاملة التي أثارتها عندئذ إعادة كشف اسپينوزا، الذي بعث في نفوس ~~الجميع توترا وانفعالا شديدين، وجعل كل النفوس الحية في ذلك العصر أنصارا له، ~~فهؤلاء، عندما اكتشفوا اسپينوزا، إنما اكتشفوا أنفسهم في واقع الأمر.» # 68 # والحقيقة الواضحة التي يشير إليها «برونر» في هذا الصدد، هي تأثير ~~اسپينوزا الهائل في التكوين الفكري لعدد من أكبر الشخصيات في عالم الفكر والأدب ~~الألماني: مثل «ياكوبي # Jacobi ~~» و«جوته # Goethe ~~» و«نوڨالس # Novalis ~~» - عدا شلنج وفشته وهيجل وعشرات غيرهم من الأدباء ~~والفلاسفة الألمان - ومثل هذا التأثير، الذي اعترف به هؤلاء جميعا اعترافا ~~صريحا، كفيل وحده بالرد على كل المزاعم التي يسوقها ذوو الآفاق الضيقة، كهذا ~~المؤلف النازي الحريص على نقاء الأمة الألمانية وعلى تطهيرها من شوائب اسپينوزا ~~وأمثاله! # والأمر الذي لا بد أنه قد اتضح للقارئ من خلال هذه المقارنة، هو التشابه ~~العجيب بين المفكرين الذين يدعون التعصب اللاعقلي يتحكم في تفسيراتهم، سواء أكان ~~هذا التعصب ms280 يهوديا أم معاديا للسامية. ولعل هذه المقارنة قد كشفت أيضا عن ناحية ~~أخرى نرى لزاما علينا أن ننبه إليها القارئ: وهي أن نقدنا للاتجاه اليهودي في ~~تفسير اسپينوزا لم يكن راجعا إلى كون هذا الاتجاه يهوديا، وإنما إلى كونه ~~متعصبا على غير أساس من العلم والحقيقة. فلو كان اسپينوزا في نظرنا مفكرا يؤمن ~~باليهودية ويعبر عن مبادئها وقيمها في فلسفته، لما ترددنا في إعلان ذلك، ولكن ~~فلسفته بدت لنا - تبعا للتفسير الذي قدمناه لها - مضادة تماما للأسس الأولى التي ~~قام عليها اللاهوت اليهودي، ومستهدفة غايات تبتعد كل الابتعاد عن غايات الوسيطيين ~~جميعا، من فلاسفة ورجال دين، وإن يكن قد تعمد عرضها في صورة تبدو فيها متمشية مع ~~هذه الاتجاهات. ولما كنا لا نقبل إقحام اعتبارات التعصب في التفسير الفلسفي؛ فقد ~~حرصنا على أن ننتقد المفسرين اليهود الذين توخوا في تفسيراتهم مشاعرهم الدينية أو ~~العنصرية قبل أن يتوخوا الحقيقة الفلسفية. وهناك دليلان حاسمان على أن انتقادنا هذا ~~لم يكن مدفوعا بمشاعر الكراهية أو التعصب، وإنما كان دفاعا عن الروح العلمية ~~الصحيحة فحسب: أولهما أننا اقتبسنا، وسوف نقتبس في بقية هذا الفصل، أقوال شراح ~~يهود آخرين دون أن نبدي أي اعتراض عليها، بل أبدينا لها، على العكس من ذلك، كل ما ~~تستحقه من احترام وتقدير؛ لأنها في رأينا نزيهة وليست مدفوعة بالتعصب، وثانيهما ~~أننا انتقدنا التعصب المعادي للسامية بنفس القوة التي انتقدنا بها التعصب ~~اليهودي، وهاجمنا بنفس القوة تشويهات الشراح النازيين الذين حاولوا أن يقحموا ~~اسپينوزا قسرا في صفوف اليهودية. وليس بعد هذا دليل على أن انتقاداتنا كانت ~~مستوحاة من روح النزاهة العلمية وحدها. ~~(4) استقلال اسپينوزا عن التراث اليهودي # أكد كثير من شراح اسپينوزا، كما ذكرنا من قبل، أن تفكيره كان مستقلا عن التراث ~~اليهودي، ومثل هؤلاء الشراح في رأينا أعمق فهما للاتجاه الحقيقي لتفكيره، وتفسيرهم - ~~فيما يتعلق بهذه المسألة على الأقل - يتفق مع التفسير الذي عرضناه في هذا البحث، ومن ~~هؤلاء «رويس # Royce ~~» الذي قال عن اسپينوزا إنه: «كان ~~منتميا إلى ms281 عصره أكثر مما كان يهوديا. فتفكيره كان أوثق صلة بتفكير ديكارت وغيره من ~~المفكرين الأوروبيين البارزين، منه بأي مذهب يهودي.» # 69 # ومثل هذا الرأي يظهر أيضا لدى «ريڨو # Rivaud ~~»، الذي أكد تأكيدا قاطعا أن اسپينوزا قد انفصل عن الأمة ~~اليهودية التي تنكرت له انفصالا تاما، وتعلق بهولندا وانغمس في سياستها ودافع عن ~~حزب «ديڨيت» الجمهوري، وفسر ماهية الدين ذاتها تفسيرا علميا. # 70 # ولكن الأهم بكثير، في رأينا، من تعديد أقوال مثل هؤلاء الشراح في استقلال اسپينوزا ~~عن اليهودية، أن نورد آراء بعض الشراح اليهود الذين أكدوا هذا الاستقلال تأكيدا ~~قاطعا، وأحبطوا بذلك المحاولات المقابلة التي رأينا غيرهم من اليهود يبذلونها للربط ~~بين تفكير اسپينوزا وبين ذلك التراث بأي ثمن، ومن هؤلاء الشراح اليهود «ڨيل # Weill ~~» الذي انتقد استغلال بعض شراح اسپينوزا لنصوص أو ~~صيغ معينة لديه لكي يقربوا - رغما عنه - بينه وبين اليهودية عامة، أو بينه وبين بعض ~~الكتاب أو أصحاب المذاهب اليهودية. وهو يرى أن هذا التقارب - إن وجد - ليست له إلا ~~أهمية ثانوية: «فلمذهب اسپينوزا قطعا من الأصالة والعمق ما يجعله متحررا من كل أصل أو ~~تأثير معترف به أو غير معترف.» # 71 # كذلك يقول «واكسمان»: «إن النتائج التي انتهى إليها اسپينوزا تتعارض ~~تعارضا أساسيا، لا مع المبادئ الأساسية لليهودية فحسب، بل أيضا مع صورتها المعدلة ~~كما عبر عنها الفلاسفة اليهودية.» # 72 # وقد أشار «ليوشتراوس» إلى ابتعاد اسپينوزا عن اليهودية ومناصرته للمسيحية، وأكد أن ~~الهدف الأساسي «للبحث اللاهوتي السياسي» هو «تحرير المسيحية من تراثها اليهودي». # 73 # أما «كاسيرر» فقد أكد ابتعاد اسپينوزا عن التراثين الدينيين اليهودي ~~والمسيحي معا، ورأى أنه كان ذا تجربة خاصة في ميدان العقيدة، وهي تجربة كانت مبنية على ~~أساس العقل، وينبغي ألا تشبه بأي دين معين، لأنها فريدة في نوعها. # 74 # وأخيرا؛ فقد استشهد بعض المفسرين بآراء العالم اليهودي الكبير «أينشتين»، الذي كان ~~من أكبر المعجبين باسپينوزا، وأوردوا هذه الآراء في سياق يوحي لأول وهلة بأن أينشتين ~~كان يرى في اسپينوزا ممثلا للتراث اليهودي، ms282 وأستطيع أن أؤكد إنني لم أجد فيما اطلعت ~~عليه مما كتبه أينشتين عن اسپينوزا كلمة واحدة توحي، ولو من بعيد، بأنه كان يربط بين ~~اسپينوزا وبين التراث اليهودي على التخصيص. فإعجابه به لم يكن يرجع إلى أية اعتبارات ~~ضيقة كهذه، وإنما كان يمجد فيه، قبل كل شيء، العالم والإنسان. ولقد تحدث أينشتين عن ~~اهتمام اسپينوزا بالبحث عن العلل الحقيقية لكل ما يحدث في الطبيعة الجامدة وفي الإنسان، ~~وعلق على ذلك الاهتمام قائلا: «لقد وجد في دراسة هذه العلاقة العلية دواء للخوف، ~~والحقد، والمرارة، ووجد فيها الدواء الوحيد الذي يليق بمن كان إنسانا روحيا بحق. ~~وأثبت تبريره لهذا الاعتقاد، لا عن طريق تلك الصيغ الواضحة الدقيقة التي عبر بها عن ~~أفكاره فحسب، بل أيضا عن طريق تشكليه لحياته في صورة مثلى.» # 75 # هذا هو ما قاله أينشتين في مقدمة لكتاب وضعه باحث يهودي واضح التعصب. ولست ~~أعتقد أنه كان من قبيل المصادفة وحدها أن يتحدث في هذه المقدمة عن العلم بوصفه دواء ~~«للخوف والحقد والمرارة»، وأن يصف هذا الدواء بأنه وحده «الذي يليق بمن كان إنسانا ~~روحيا بحق». بل إن المرء ليستطيع أن يستشف من وراء ذلك مقارنة خفية بين طريقة ~~اسپينوزا في التخلص من الخوف والحقد والمرارة - وهي مشاعر كان لها قطعا تأثيرها في ~~حياته بسبب تعصب الأوساط اليهودية وغير اليهودية المعاصرة له - وبين الطريقة التي ~~يتبعها غيره من اليهود عندما يمرون بهذه المشاعر ذاتها. فاسپينوزا يتغلب على الخوف ~~والحقد بالعلم، الذي يفتح له أبواب الكون على مصراعيه، والذي تكون نتيجته حبا للطبيعة ~~الشاملة عبر عنه رمزيا بفكرة «الحب العقلي لله»، فما أجدر بقية اليهود بأن يلجئوا ~~إلى هذه الطريقة ذاتها، بدلا من أن يبالغوا في الخوف، ويزيدوا الحقد والمرارة ~~اشتعالا! هذا - في اعتقادي - هو ما كان أينشتين يرمي إليه بهذه الكلمات البالغة ~~الدلالة، ولكنه، على أية حال، كان أوسع أفقا من أن يسير في طريق أولئك الذين حاولوا أن ~~يربطوا، قسرا، بين اسپينوزا وبين التراث اليهودي على التخصيص. ~~••• # وعلينا ms283 أخيرا، قبل أن نختم هذا الفصل، أن نختبر بعض النصوص التي تتناول رأي اسپينوزا ~~المباشر في اليهودية، ولنسارع فنكرر ما قلناه من أن معظم الشراح اليهود الذين يسعون ~~إلى الربط بين تفكير اسپينوزا والتراث اليهودي يتجاهلون واقعة طرده من الطائفة اليهودية ~~وانفصاله عنها طوال حياته الناضجة (أي منذ سن الرابعة والعشرين حتى وفاته)، أو يقللون ~~من أهمية هذه الواقعة، مع أنها - مهما كانت قيمة طقوسها - دليل قاطع على عصيانه الروحي ~~للطائفة التي نشأ فيها. وكونه لم يحاول في أي وقت أن يتراجع عن موقفه، أو يسترضي ~~السلطات الدينية اليهودية، دليل حاسم على ترحيبه هو ذاته بهذا الطرد، وعلى أنه بذل كل ~~ما استطاع من جهد لإزالة آخر المؤثرات اليهودية في تفكيره. # ومع ذلك فإن أمثال هؤلاء الشراح المتعصبين يستشهدون بنصوص قليلة جدا، لا تعدو في ~~الواقع أن تكون نصا أو اثنين، يشتمون فيها نوعا من العطف على اليهود. وتتردد هذه ~~النصوص القليلة ذاتها لدى عشرات من كتابهم على نحو يبعث على السخرية حقا. وهم ~~يسرفون في تأويل هذه النصوص إلى حد تشويهها تماما، وإخراجها نهائيا من سياقها. ~~ولنتأمل هذه النصوص القليلة لنرى إلى أي حد يمكن أن تفهم على أنها تتضمن بالفعل عطفا ~~على الأمة اليهودية: ~~(1) # ففي الرسالة رقم 33، تحدث «أولدنبرج» إلى اسپينوزا عن إشاعة كانت رائجة ~~في ذلك الحين، مؤداها أن الإسرائيليين المشتتين منذ أكثر من ألفي عام ~~سيعودون إلى وطنهم. وطلب أولدنبرج رأي اسپينوزا في هذه المسألة، كما أراد ~~أن يعرف رأي يهود أمستردام في هذا النبأ «الذي لو صح، لكان فيه إيذان ~~بهزة ضخمة في العالم بأسره.» وكان أولدنبرج يشير في هذه الرسالة إلى حركة ~~قومية ظهرت بين اليهود بعد ظهور شخص بينهم يدعى «شبتاي زفي # Sabbatai Zevi ~~»، ادعى أنه سيتوج ~~ملكا على القدس بعد سنتين، وآمن به كثير من اليهود، ولكن الذي حدث خلال ~~هاتين السنتين هو أنه قبض عليه في القسطنطينية، وخابت آمال أتباعه اليهود ~~عندما علموا أنه أشهر إسلامه بعد ذلك. # 76 # ومن المؤسف ms284 أن رد اسپينوزا على هذه الرسالة - وهو رد كان كفيلا بأن ~~يلقي مزيدا من الضوء على رأيه الحقيقي في مسألة تكوين دولة يهودية - هذا ~~الرد إما مفقود أو لم يرسل على الإطلاق، وظلت المراسلات بينه وبين ~~أولدنبرج منقطعة بعد ذلك فترة طويلة. ومع ذلك فإن «كايزر» يتطوع - من تلقاء ~~ذاته - بتقديم رد يتلاءم مع أماني ~~اليهودية المتعصبة؛ إذ يقول إن هذا الرد ربما كان موجودا في فقرة من كتاب ~~«البحث اللاهوتي السياسي» يقول فيها اسپينوزا: «بل إنني لأذهب إلى حد ~~الاعتقاد بأنه لو لم تكن مبادئ عقيدتهم (أي اليهود) قد أضعفت عقولهم، ولو ~~سنحت الفرصة وسط التغيرات التي تتعرض لها أحوال البشر بسهولة؛ فقد ينشئون ~~مملكتهم من جديد. وقد يختارهم الله مرة ثانية.» ويهلل «كايزر» لهذا النص، ~~الذي يتكرر الاستشهاد به في عشرات من مؤلفات الشراح اليهود المتعصبين، ~~ويقول: لقد ظل باروخ اسپينوزا جزءا من الأمة التي نبذه معلموها المتحمسون ~~قبل ذلك بعشر سنوات.» # 77 # ومن الملاحظ أولا أنه ليس من الروح العمية في شيء أن يبني المرء حكما ~~عاما على نص واحد، ويتجاهل آلاف النصوص الأخرى التي تشهد بطريقة قاطعة ~~على خروج اسپينوزا على التراث اليهودي، بل وعلى كل تراث لاهوتي بوجه عام. ~~وثانيا، فمن الضروري لفهم هذا النص، أن يوضح رأي اسپينوزا الخاص في فكرة ~~«المملكة أو الإمبراطورية»، وفكرة «اختيار الله لليهود»، وهو رأي عرضه ~~اسپينوزا مرارا في هذا الكتاب نفسه، ويختلف تماما عن المعاني التي ~~يستخلصها «كايزر» وأمثاله منه - معاني العودة إلى الدولة القديمة وإحياء ~~مجد إسرائيل! وثالثا، فإن هذا النص السابق، الذي استشهد به، كما قلنا، عدد ~~كبير من شراح اسپينوزا اليهود، منتزع من سياق لا شأن له على الإطلاق ~~بتمجيد اليهود، بل إنه على العكس من ذلك يتضمن انتقادا مريرا لهم. # أما معنى «اختيار الله لليهود» فإن اسپينوزا لا يكف عن القول بأن هذا ~~الاختيار لا يرجع إلى امتيازهم في الفضيلة أو العقيدة أو في أية صفة أخرى، ~~وإنما كان المعنى الوحيد لهذا الاختيار هو ms285 أن دولتهم القديمة خضعت لقوانين ~~تكفل تنظيما سليما للمجتمع فحسب؛ فالاختيار هنا لا يعني إلا سلامة نظام ~~الحكومة فحسب. أما فكرة امتياز شعب على شعب - أو على بقية الشعوب - فإن ~~اسپينوزا يرفضها بشدة. ويقول اسپينوزا في هذا الصدد: «وهكذا نستنتج أنه، ~~لما كان الفضل الإلهي يعم جميع الناس على السواء. ولما كان الله لم يختر ~~العبريين إلا من حيث تنظيمهم الاجتماعي وحكومتهم، فإن اليهودي الفرد، إذا ~~ما نظر إليه بمعزل عن تنظيمه الاجتماعي وحكومته، لا يملك أية موهبة يخصه ~~بها الله عن سائر البشر، ولا يوجد فارق يميز اليهودي عن غير اليهودي.» # 78 # وسنورد فيما يلي السياق الذي ورد فيه النص الذي استشهد به «كايزر» لتأييد ~~مزاعمه: ~~«... لا يوجد على الإطلاق في الوقت الحالي أي شيء يستطيع به، اليهود أن ~~يباهوا به غيرهم من الشعوب. # أما استمرار اليهود كل هذا الوقت بعد تشتتهم وضياع ملكهم، فليس فيه ما ~~يدعو إلى العجب؛ إذ إنهم قد انفصلوا عن كل أمة أخرى إلى حد جلب عليهم ~~كراهية الجميع، ولم يتحقق ذلك الانفصال فقط عن طريق طقوسهم الخارجية، وهي ~~طقوس تتعارض مع شعائر الأمم الأخرى، بل تحقق أيضا عن طريق علامة الختان ~~التي يحرصون كل الحرص على مراعاتها.» # 79 # ويضرب اسپينوزا بعد ذلك مثلا بيهود إسبانيا الذين أرغموا على ~~التحول إلى المسيحية، ثم عوملوا معاملة حسنة، فاندمجوا في السكان بمضي ~~الزمن، بحيث تلاشت كل الفوارق بينهم وبين هؤلاء. أما يهود البرتغال الذين ~~أرغموا أيضا على التحول إلى المسيحية، ولكنهم اضطهدوا وعوملوا معاملة ~~سيئة؛ فقد ظلوا محتفظين بهويتهم. وفي هذا الصدد يأتي النص الذي اقتبسه ~~«كايزر» من قبل، وتسبقه العبارة الآتية: «إن علامة الختان وحدها لها من ~~الأهمية ما يجعلها تكاد تكون كافية، في اعتقادي، لحفظ الأمة إلى الأبد، بل ~~إنني لأذهب إلى حد الاعتقاد بأنه ...» (إلى آخر النص الذي سبق اقتباسه.) # 80 # وإذن؛ فقد ورد هذا النص في سياق انتقد فيه اسپينوزا اليهود بشدة، وأكد ~~فيه أن ما يسمونه «بمعجزة البقاء» عبر العصور الطويلة ms286 لا ترجع إلا إلى ما ~~جلبوه على أنفسهم من كراهية الآخرين؛ فهي ليست معجزة على الإطلاق وإنما هي ~~مظهر اعتلال وانحراف. وقد دلل اسپينوزا على ذلك بمقارنته بين يهود عوملوا ~~معاملة حسنة فتلاشوا - بوصفهم يهودا، لا بوصفهم أفرادا - بينما احتفظ ~~آخرون بهويتهم عندما اضطهدوا؛ أي إن هذه الكراهية التي يجلبها اليهود على ~~أنفسهم، والتي تسبب اضطهاد الآخرين لهم، هي التي تعمل على بقائهم، ولولاها ~~لاندمجوا كغيرهم من الشعوب المتطورة عبر التاريخ. وليس معنى الاندماج على ~~الإطلاق أن تتلاشى الشعوب، وإنما أن تخضع فقط لتطور التاريخ خلال الزمان، ~~وتستفيد من مزايا الاختلاط والانصهار مع غيرها، كما حدث لعشرات من الأمم ~~القديمة التي لم يعد لها وجود بصورتها الأثرية، لا لأنها قد فنت، بل ~~لأنها قد انصهرت واختلطت بغيرها عبر الزمان، وأفادها هذا الخضوع لمنطق ~~التطور فائدة لا تقدر، ومن الواضح كل الوضوح، من هذا السياق، أن ~~اسپينوزا يعيب على اليهود - بعد أن خرج من طائفتهم - تحجرهم وافتقارهم ~~إلى التكيف مع المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، حتى إنهم حرصوا على ~~تمييز أنفسهم بعلامة الختان حتى يظل جنسهم منفصلا عن غيره، وبعد كل هذا ~~الانتقاد، وفي ضوء المعنى الخاص الذي أوضحناه من قبل لفكرة «الاختيار ~~الإلهي»، يأتي النص الذي اقتبسه «كايزر» وكثيرون غيره، ليدللوا به على عطف ~~اسپينوزا على الأمة اليهودية. ومن المؤكد أن واحدا من هؤلاء الشراح لم ~~يكن يجهل السياق الذي ورد هذا النص فيه، ولا بد أن التعصب وحده هو الذي ~~جعلهم يلجئون إلى اقتطاعه من سياقه المخالف تماما لما توحي به سطوره ~~القليلة، حتى يؤيدوا به دعواهم الخاسرة. ~~(2) # والنص الآخر، الذي طالما استشهد به المفسرون اليهود، وارد في رسالة ~~اسپينوزا رقم 76 إلى «ألبرت ~~برج # Albert Burgh ~~»، وفي هذه الرسالة يتحدث عن اليهود فيقول: «إن أكثر ~~ما يباهون به، هو أن منهم شهداء يزيدون على ما لدى أية أمة أخرى منهم، وأن ~~كل يوم يشهد أعددا جديدة ممن يتحملون العذاب من بينهم، بسبب عقيدتهم، بقلب ~~راسخ إلى حد يبعث ms287 على الدهشة. وتلك ليست أسطورة؛ فقد عرفت بنفسي، من بين ~~الكثيرين ممن عرفت، شخصا يدعى يهودا # Judas ~~، ويلقب بالمخلص # Fidèle ~~، أخذ ينشد وسط اللهيب، في وقت ظنه فيه الناس ميتا، هذا ~~النشيد: إليك يا رب أقدم روحي ... ومات وهو ينشد.» # هذا النص يبدو في نظر الكثيرين، كما قلنا، معبرا عن عطف اسپينوزا على ~~اليهود، ولكن هل هو بالفعل كذلك؟ لنتأمل السياق الذي ورد فيه : إن الرسالة ~~موجهة إلى كاثوليكي شديد التعصب، هو «ألبرت برج»، ويناقش فيها اسپينوزا ~~الحجة التي سبق أن تقدم بها هذا الأخير، وأيد بها عقيدته الكاثوليكية ~~على أساس أن الملايين من الناس يؤمنون بها، وأنها ظلت محتفظة بكيانها عبر ~~العصور دون انقطاع. والرد الذي يأتي به اسپينوزا هو أن اليهود المتعصبين ~~بدورهم يلجئون إلى هذه الحجة دائما؛ فهم، كما جاء في الرسالة ذاتها قبل ~~ذلك، «يشيدون، بنفس القدر من الغرور، بكنيستهم، التي ظلت حتى اليوم ثابتة ~~راسخة، رغم ما يبديه نحوها غير اليهود والمسيحيون من عداوة مريرة. وهم ~~يحتجون خاصة بقدمهم، ويدعون بصوت واحد أن لديهم تراثا تلقوه من الله ~~ذاته، وأنهم هم وحدهم حفظة كلمة الله المكتوبة وغير المكتوبة ... ولكن أكثر ~~ما يفخرون به، هو أن بينهم شهداء (إلى آخر النص الذي اقتبسناه من قبل) ...» ~~ومن الواضح عندما يوضع النص في سياقه هذا أن المقصود به الرد على حجة ~~كاثوليكي متعصب بما يماثلها لدى اليهود، لإثبات أن الموقفين معا باطلان، ~~والمقصود من الأمثلة الأخيرة (التي استشهد بها الشراح اليهود) هو إثبات ~~وجود أمة أخرى لا يقل أفرادها عن الكاثوليكيين تمسكا بعقيدتهم واحتفاظا ~~بها مهما كانت الظروف، وتكملة الحجة، كما هو واضح من السياق، هو كما يأتي: ~~إنك تظن أنك صاحب الدين الحق لأن عقيدتك باقية، ولكن هناك أناسا آخرين، هم ~~اليهود، لديهم كل الأسباب التي تجعلهم يؤكدون أنهم أشد الناس تمسكا ~~بعقيدتهم. فهل يكون لهؤلاء بدورهم أن يزعموا أن دينهم هو الحق؟ الواقع أنه ~~لا الكاثوليكية، ولا اليهودية، يحق لها أن تدعي احتكار الحقيقة لنفسها، ومن ms288 ~~الممكن الإتيان دائما، في كل حالة تلجأ فيها إحدى العقائد إلى الحجة ~~القائلة بقدرتها على البقاء، بأمثلة أخرى لعقائد مخالفة لا تقل عنها قدرة ~~على البقاء، ولكن لا هذه ولا تلك يحق لها، كما قلنا، أن تدعي لنفسها احتكار ~~الحقيقة. # ولقد تعرض اسپينوزا، من جراء حملته على فكرة «الشعب المختار» هذه، ~~لانتقاد بعض معاصريه، ممن كانوا يعدون هذا النقد، بما فيه من خروج على بعض ~~تعاليم العهد القديم، منطويا على مساس بتعاليم الإنجيل بأسره. وهكذا يلاحظ ~~«لامبرت دي ڨلتهويزن» في الرسالة رقم 42 الموجهة إلى اسپينوزا، أن هذا ~~الأخير أنكر فكرة اختيار اليهود أو تفضيلهم على بقية الأمم، وأكد أن ممارسة ~~الفضائل الأخلاقية أجدى من ممارسة شعائر العقيدة اليهودية ذاتها. ويلوم ~~صاحب الرسالة اسپينوزا لأنه جعل أمم الأرض كلها سواء، وأفراد البشر جميعا ~~متماثلين، في القدرة على فعل الخير والتحلي بالفضائل - وهي كلها أفكار ~~تخالف تعاليم العهد القديم كما فهمها اليهود مخالفة أساسية. # ومن المؤكد أن اسپينوزا قد عبر، في نصوص متعددة، عن انتقاده لفكرة ~~«الشعب المختار» هذه بكل وضوح، ولكن من المؤسف أن الشراح اليهود الذين ~~حرصوا على الربط بين فلسفته وبين التراث اليهودي، لم يتعرضوا لهذه النصوص ~~قط، بل تجاهلوها كما لو كانت لا تنتمي إلى كتابات فيلسوفنا هذا على ~~الإطلاق، ولنتصور ماذا يمكن أن يقوله هؤلاء الشراح في نص صريح كهذا: «إن ~~السعادة والبركة الحقيقية لكل شخص إنما تكون فقط في تمتعه بما هو خير، لا ~~في مباهاته بأنه هو وحده الذي يتمتع به، دون كل من عداه. أما ذلك الذي ~~يعتقد أنه أكثر من غيره سعادة لأنه يتمتع بنعم يفتقر إليها الآخرون، أو ~~لأنه أكثر غبطة أو أسعد حظا من أقرانه، فإنه جاهل بطبيعة السعادة والبركة ~~الحقة، ولا يمكن أن يكون السرور الذي يحس به إلا صبيانيا، أو حسودا ~~خبيثا. مثال ذلك أن سعادة الإنسان الحقة لا تكون إلا في الحكمة ومعرفة ~~الحقيقة، وهي لا تكون أبدا في شعوره بأنه أحكم من الآخرين، أو بأن الآخرين ms289 ~~يفتقرون إلى مثل هذه المعرفة؛ فمثل هذه الأمور لا تزيد من حكمته أو سعادته ~~الحقة؛ وعلى ذلك فإن كل من يغتبط لأسباب كهذه، إنما يغتبط لتعاسة ~~الآخرين، وبذلك يكون خبيثا وشريرا لا يعرف السعادة الحقة ولا طمأنينة ~~الحياة الصحيحة.» # 81 # هذه الكلمات الرائعة، وردت في فصل يتناول موضوع اقتصار النبوة أو عدم ~~اقتصارها على العبرانيين. ومعناها الواضح هو أنه حتى لو كان اليهود ممتازين ~~عن غيرهم بحق ، فإن تباهيهم بهذا الامتياز يكفي لجعلهم أشرارا؛ إذ إن المرء ~~يسعد بتمتعه بالخير، لا بإدراكه أن الآخرين محرومون منه. فهنا نقد أساسي ~~لفكرة الشعب المختار، مبني على القول بأن الفكرة ذاتها ليست مما تشرف به ~~أية أمة أو يفخر به أي فرد يعرف معنى الأخلاقية؛ إذ إنها تنطوي على مقارنة ~~فيها حط من شأن الآخرين، وليس الحط من شأن الآخرين من شيم الفضلاء حقا. ~~هذا فضلا عما تتضمنه الفكرة من أنانية واضحة، تظهر في الاغتباط بافتقار ~~الآخرين إلى السعادة التي يتمتع بها هذا الشعب ذاته، والأنانية صفة بعيدة ~~كل البعد عن الفضيلة الحقة، وبعبارة أخرى: ففكرة «الشعب المختار» فكرة ~~مناقضة لذاتها؛ لأن من بلغ أسمى درجات الفضيلة لن يجد لذة في تأكيد ~~تميزه عن الآخرين، ولأن مجرد النظر إلى الآخرين على أي نحو ينطوي على ~~الحط من شأنهم معناه أنك لم تعد كامل الفضيلة، ولم تعد «مختارا». # أما أولئك الذين احتفلوا في ~~إسرائيل - كما ذكرنا من قبل - بمرور ثلاثمائة عام على طرد اليهود ~~لاسپينوزا، فأرادوا رد اعتباره بتشييد نصب كتبوا عليه «أهلك!» - فسوف ~~يجدون في كتابات اسپينوزا نصوصا عديدة نستطيع أن نستدل منها بكل وضوح على ~~رأيه في الدولة اليهودية القديمة، وبالتالي في الدولة الحديثة التي أسست ~~لكي تكون إحياء للقديمة أو استمرارا لها، فاسپينوزا قد أكد تأكيدا قاطعا ~~أن الدين ينبغي أن ينفصل عن الدولة، وأن الهيئات الدينية ينبغي أن تترك ~~للدولة الكلمة الأخيرة في الشئون الدينية، وأن الأحكام التي يفرضها الله ~~على الناس لا ينبغي أن تصدر إلا من خلال الحكام ms290 الزمنيين، # 82 # وأن الدولة مبنية على عقد بشري، وسلطتها مستمدة من سيادتها لا ~~من الأوامر الإلهية. # 83 # أما في الدولة اليهودية القديمة؛ فقد خلط اليهود بين السلطتين ~~الإلهية والزمنية بعد أن ولوا موسى على أساس أنه هو المعجزة الإلهية ~~بينهم، واختاروا خلفاءه على أساس هذا التقرب إلى الله: «وبعد أن نقلوا حقهم ~~إلى الله، اعتقدوا أن دولتهم تنتمي إلى الله، وأنهم هم أنفسهم أبناء الله، ~~ونظروا إلى الأمم الأخرى على أنها عدوة الله، وعاملوها بكراهية شديدة ... فلم ~~يكن شيء أبغض إلى نفوسهم من التعهد بالولاء لأجنبي، والوعد بإطاعته ~~... # وهكذا نظر العبرانيون إلى حبهم لبلادهم، لا على أنه وطنية فحسب بل على ~~أنه تقوى أيضا، ومجدوه وأذكوه بطقوسهم اليومية حتى لم يعد مفر من أن ~~يعد جزءا من طبيعتهم، شأنه شأن كراهيتهم لبقية الأمم.» # وهكذا كان اسپينوزا، الذي مر بتجربة التربية اليهودية واستوعب الثقافة ~~اليهودية استيعابا تاما حتى طرد، أقدر الناس على تشخيص العلل الحقيقية ~~في نفسية اليهود: كراهية الشعوب الأخرى التي غدت جزءا من طبيعتهم، ورفض ~~الاندماج في أي بلد آخر أو إبداء فروض الولاء له، والخلط بين السلطة ~~الإلهية وسلطة الحكم في دولتهم القديمة، وهو خلط لا بد أن ينعكس أيضا ~~على دولتهم الحديثة. ولو صدر مثل هذا الكلام من شخص غير يهودي لأصبح موقعه ~~في تاريخ الفكر اليوم في قمة «أعداء السامية». وهذا بالفعل ما اتهمت به ~~الطائفة اليهودية اسپينوزا أثناء حياته. ولكنه بعد وفاته بقرنين أو ثلاثة ~~أصبح فجأة، في نظر معظم شراحه اليهود، مدافعا عن التراث اليهودي، ومتعلقا ~~بالأمة اليهودية، وزيف العلم وشوهت الحقيقة لكي يضم إلى التراث اليهودي ~~مفكر كان عظيما بحق، ولكن أعظم ما فيه كان تحديه لكل تراث سابق ~~عليه! # | خاتمة # إذا كانت كتابات اسپينوزا، بشكلها ومضمونها اللذين عرضناهما في هذا البحث، يقبلان شتى ~~أنواع الاختلافات في التفسير، فإن التطور اللاحق الذي مرت به فلسفة اسپينوزا بعد وفاته يقدم ~~أمثلة ملموسة للنمط الذي تسير عليه هذه الاختلافات، ففلسفة اسپينوزا كانت في وقتها أشبه ms291 ~~باختراع سابق لأوانه، وكما أن استغلال الطاقة البخارية لم يتطور بعد أن اكتشف «هيرو # Hero ~~» السكندري # 1 # مبادئه الأولى منذ ألفي عام؛ لأن الظروف التاريخية والاجتماعية لم تكن قد بلغت ~~من النضج في ذلك الوقت ما يسمح لها باستيعاب هذا الاكتشاف، فإن فلسفة اسپينوزا لم تحدث ~~أثرها الأكبر في العصر الذي ظهرت فيه لأن ذلك العصر لم يكن على استعداد بعد لتقبل مثل ~~هذه الأفكار. وكان لا بد من مرور قرن كامل قبل أن تتهيأ الظروف التي تجعل قبول فلسفة ~~اسپينوزا أمرا ممكنا. وظل اسپينوزا مهملا، لا يذكر إلا باللعنات طوال هذا القرن، حتى ~~أعيد اكتشافه على يد الفيلسوف الألماني «ياكوبي # Jacobi ~~» في ~~النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وألف هذا الأخير في عام 1785م كتابا عن مذهب اسپينوزا ~~في صورة رسائل موجهة إلى مندلسون ( # Über die Lehre des Spinozas, in Briefen ~~an den Herrn Moses Mendelssohn ~~). # واتضح من هذا الكتاب أن اسپينوزا كان من أقوى العوامل التي أثرت في تفكير شخصية لها ~~مكانتها الكبيرة في الفكر الألماني، هي شخصية «لسترج # Lersstrg ~~»، ثم مجده «جوته» في كتابه «الشعر والحقيقة»، وأصبح اسمه على ~~لسان الشعراء والفلاسفة والأدباء في ذلك العصر، واعترف فشته وشلنج صراحة بفضل اسپينوزا ~~عليهما، بينما قال هيجل «إما أن يكون المرء اسپينوزيا أو لا يكون فيلسوفا على الإطلاق.» # 2 # وفي الوقت ذاته كان هناك تأثير مواز له في الأدباء والمفكرين الفرنسيين الذين ~~مهدوا للثورة الفرنسية، وتأثير آخر في الشعراء الرومانتيكيين الإنجليز، ثم جاء بعد ذلك ~~طوفان الأبحاث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين. # في هذا التطور كان كل عصر، وكل مفكر، يجد في اسپينوزا ما يريد أن يجده فيه؛ فقد تجاهله ~~الجميع في الوقت الذي كانت لا تزال فيه للصورة التقليدية للعقائد سيطرتها، ثم أصبح تأثيره ~~هائلا على الأدباء بوجه خاص في العصر الذي كان يقبل نوعا من التأليه الرومانتيكي للطبيعة ~~الشاملة. وبعد أن أصبح اسمه راسخا في عالم الفكر، أخذت المذاهب - وأحيانا العقائد - ~~تتجاذبه ms292 وتفسره على النحو الذي يلائمها. # وكان هذا الاكتشاف اللاحق من أقوى العوامل التي أدت إلى تعدد تفسيرات فلسفة اسپينوزا ~~وتباينها إلى حد التعارض التام. وقد لاحظ «كاسيرر» هذه الظاهرة، ونبه إليها؛ إذ أشار إلى ~~أن اسپينوزا - على خلاف معظم الفلاسفة الآخرين - لم يمارس تأثيره الأكبر في ميدان الفلسفة ~~خلال حياته، أو بعد وفاته بفترة قصيرة، ولم تظهر بعده مدرسة، ولم يتأثر العالم بفكره إلا ~~بعد «إعادة اكتشافه» في عصر متأخر، ولا سيما في القرن التاسع عشر. وهكذا مارس اسپينوزا ~~تأثيره في عصر مختلف تماما عن عصره، يتحدث بلغة مختلفة ويفهم الألفاظ فهما مغايرا. # 3 # وليس أدل على صعوبة تخلص شراح اسپينوزا من خطأ إقحام مذاهبهم الخاصة في ~~شروحهم له، من أن كاسيرر نفسه - الذي نبه إلى هذه الصعوبة، وأخذ على عاتقه أن يفهم ألفاظ ~~اسپينوزا كما فهمها هو ذاته، ويفسره من خلال عصره نفسه، لا من خلال ما أقحمته العصور ~~التالية بطلانا في تفكيره - قد أدخل في تفسيره لاسپينوزا بعض العناصر الكانتية، فأكد أن ~~نقطة بدايته الأساسية كانت هي قوى الروح التي تفهم العالم من ذاتها، لا من أي مصدر خارجي، ~~وتستخلص من مبادئها الذاتية معرفة للعالم بطريقة ضرورية مطلقة. # 4 # وهكذا وقع هو ذاته في الخطأ الذي نبه إليه. # ولسنا نزعم أن هذا البحث قد تخلص تماما من عنصر «الإسقاط» الذاتي، ولكنا نستطيع أن ~~نقول إن العامل الأساسي الذي تحكم في تفسيرنا الخاص لاسپينوزا هو الرغبة في تحقيق أكبر ~~قدر ممكن من الاتساق بين أفكار ذلك الفيلسوف الذي كان يزن كلماته بميزان دقيق، والذي كان ~~يستحيل في رأينا، أن يكون قد وقع في التناقض الذي يعزوه إليه مفسروه عادة عندما يشرحون ~~ألفاظه وتعبيراته ذات المظهر اللاهوتي بمعانيها الحرفية. # وفي سبيل تحقيق ذلك الاتساق تقدمنا بذلك الفرض الذي كان كثير من شراح اسپينوزا ~~يرفضونه رفضا قاطعا، وكان غيرهم يقبلونه جزئيا ولا يطبقونه تطبيقا عاما، وهو أن ~~اسپينوزا «تعمد» أن يضفي على معانيه الثورية مظهرا لاهوتيا أو وسيطيا يقلل من وقعها ms293 ~~على نفوس المتعصبين، ولكنه في الوقت ذاته قدم إلى القارئ اليقظ كل الإرشادات الكفيلة بنقل ~~معانيه الحقيقية إليه. وقد يرفض الكثيرون مثل هذا التفسير لأسباب أخلاقية - قدمنا الرد ~~الكافي عليها في الموضع المناسب - ولكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن أفضل معيار للمفاضلة بين ~~التفسيرات، في حالة فيلسوف تتضارب شروحه من النقيض إلى النقيض، هو معيار الاتساق، وأن فلسفة ~~اسپينوزا لا تظهر متسقة من بدايتها إلى نهايتها إلا في ظل تفسير يفصل تماما بين مظهر ~~ألفاظه ومعانيها الحقيقية، ويستعيض عن الرموز اللاهوتية، في منهجه الرياضي، بمعان تتمشى مع ~~الروح العلمية التي كان اسپينوزا من أعظم، ومن أول، من تحدثوا باسمها وصدوا عنها هجمات ~~التعصب والجهل. وفي رأينا أن هذا الدفاع عن الروح العلمية كان هو الخيط الجامع بين كل أطراف ~~فلسفة اسپينوزا، وأن كل من جعلوه متهاونا، أو مترددا، أو متناقضا مع نفسه، في هذا ~~الدفاع، قد أساءوا إليه، وأن هذه الإساءة كانت - لسوء الحظ - متعمدة في كثير من الأحيان، ~~لتحقيق أغراض لا صلة لها بالبحث العلمي النزيه. ولو كان هذا البحث قد ساهم في كشف هذا ~~التشويه - المقصود منه وغير المقصود - لكان قد حقق بذلك أغراضه كاملة. # | أسماء المراجع المذكورة في البحث # (1) مؤلفات اسپينوزا ~~(1) # The Chief Works of Spinoza (Elwes Translation). 2 vols, ~~Dover Publications (New York 1951) ~~. # وقد أشرنا إلى هذه الطبعة في صدد المؤلفات الآتية: # البحث اللاهوتي ~~السياسي # Tractatus Theologico-Politicus ~~(ورمزه في الكتاب # TTP ~~). # البحث السياسي # Tractatus Politicus ~~(ورمزه في الكتاب # TP ~~). إصلاح العقل # De intellectus emendatione ~~. ~~(2) # Œuvres complètes de Spinoza. Traduction française par ~~Rolland Caillois, Madeleine Francès et Robert Misrahi. Paris, ~~Gallimard (Bibliothèque de la Pléiade) 1954 ~~. # وقد أشرنا إلى هذه الطبعة في صدد المؤلفات الآتية: # الرسالة القصيرة في الله والإنسان وسعادته # Court traité sur Dieu, l’homme et son état ~~bienheureux ~~. # مبادئ ~~الفلسفة الديكارتية Principes de la philosophie de Descartes ~~. # أفكار ~~ميتافيزيقية Penseés métaphysiques ~~. # الرسائل # Correspondance ~~. # أما كتاب الأخلاق # Ethica # فقد أشرنا إلى ترقيماته ~~الأصلية، وهي واحدة ms294 في جميع الطبعات والترجمات. ~~(2) مؤلفات عن اسپينوزا ~~(1) # S. Alexander: “Is their a Jewish Philosophy?” in “The ~~Jewis Review” No. II, Sept., Dec. 1932 ~~. ~~(2) # Fernand Alquié: Servitude et liberté chez Spinoza. (Les ~~cours de Sorbonne) (Centre de Documentation Universitaire) Paris ~~1959. (en sténotype) ~~. ~~(3) # Ernst Altkirch: “Die Freunde Spinozas” in “Der Morgen”. ~~III. Jahrgang. 1927 ~~. ~~(4) # Matthew Arnold: Essays in Criticism. No. 9 “Spinoza and ~~the Bible” London (Mc. Millan) 1865 ~~. ~~(5) # H. Barker: “Notes on the Second Part of Spinoza’s ~~Ethics” Article in “Mind”. Vol. 47, 1938 ~~. ~~(6) # David Bidney: The Psychology and Ethics of Spinoza. ~~Yale University Press, 1940 ~~. ~~(7) # E. Bréhier: Histoire de la philosophie. tome II. ~~Fascicule 1, Paris (P.U.F.) 1950 ~~. ~~(8) # Victor Brochard: “Le Dieu de Spinoza”, in “Etudes de ~~philosophie ancienne et de philosophie moderne” Nouvelle éditon, Paris (Varin) 1954 ~~. ~~(9) # Lewis Browne: Blesséd Spinoza: A Biography. New York ~~1932 ~~. ~~(10) # Constantin Brunner: Spinoza contre Kant. (Trad. Fran.) Paris (Vrin) 1933 ~~. ~~(11) # Léon Brunschvicg: L’humanisme de l’occident (Ecrits ~~philosophiques, tome I). Paris. ~~(P.U.F.) 1951 ~~. ~~(12) # Léon Brunschvicg: Spinoza et ses contemporains. Paris ~~(P.U.F.) 4 # e # edition. ~~1951 ~~. ~~(13) # Ernst Cassirer: “Spinozas Stellung in der Allgemeinen ~~Geistesgeseschichte”, in “Der Morgen”. 8 Jahrgang ~~1932 ~~. ~~(14) # Morris Cohen. “The Intellectual Love of God”, in ~~“Menorah Journal” vol. XI., Feb. 1925. No. 1 ~~. ~~(15) # Darbon: Etudes spinozistes. Paril (P.F.U.) ~~1946 ~~. ~~(16) # H. Daudin: La liberté de la volonté. Paris (P.F.U.) ~~1950 ~~. ~~(17) # J. T. Desanti: Introducation a l’histoire de la ~~philosophie. Paris (Edition de la Nouvelle Critique) ~~1956 ~~. ~~(18) # J. Dunner: Spinoza and Western Democracy. New York. ~~(Phil. Library) 1955 ~~. ~~(19) # Hermann Duncker: “Einleitung” in “Thalheimer/Deborin: ~~Spinozas Stellung in der Vorgeschichte der dialektischen ~~Materialismus”. Berlin (Marxistische Bibliothek) ~~1928 ~~. ~~(20) # S. Von Dunin-Borkowski: Spinoza nach Dreihundert ~~Jahren. Berlin (Dümmlers Velag) 1932 ~~. ~~(21) # Rudolf Eucken: Die Lebensanschauungen der Grossen ~~Denker. 20 # e # Anflage. Berlin (Waltsr de ~~Gruyter) 1950 ~~. ~~(22) # L. S. Feuer: Spinoza and the Rise of Liberalism. Boston ~~(Beacon Press) 1950 ~~. ~~(23) # Solomon B. Freehof: ms295 “Spinoza and Religion” in “Spinoza, ~~The Man and His Thought”, Addresses delivered at Spinoza’s ~~Tercentenary. Chicago (Open Court) 1933 ~~. ~~(24) # J. Freudenthal: Die Lebensgeschichte Spinoza’s. Leipzig ~~1899 ~~. ~~(25) # J. Freudenthal: Spinoza, Lebnn und Lehre. Hidelberg ~~1927 ~~. ~~(26) # G. Freidmann: Leibnitz et Spinoza. (Gallimard) ~~1946 ~~. ~~(27) # Carl Gebhardt: “Spinozas Bann”, in “Der Morgen”, III. ~~Jabrgang, 1927 ~~. ~~(28) # Carl Gebhardt: “Die Religion Spinozas”, in “Archiv für ~~Geschichte der Philosophie”. Bd. 41, Berlin ~~1932 ~~. ~~(29) # Otto Gierke: The Natural Law and the Theory of the ~~State (English Translation) Boston (Beacon Press Paperbacks) ~~1960 ~~. ~~(30) # Hans Alfred Grunsky: “Baruch Spinoza”: in “Forschungen ~~zur Judenfrage” Bd. 2. Hambrug 1937 ~~. ~~(31) # H. F. Hallett: AEternitas, A Spinozistic Study. Oxford, ~~1937 ~~. ~~(32) # H. F. Hallett: Benedict de Spinoza. University of ~~London (The Athlone Press) 1957 ~~. ~~(33) # Stuart Hampshire: Spinoza. London (Pelican Press) ~~1951 ~~. ~~(34) # Hegel’s Lectures on the History of Philosophy (English ~~Translation) New York (The Humanities Press) ~~1955 ~~. ~~(35) # Bernard Heller: “Is Spinozaism Compatible with ~~Judaism?” New York (Bloch Publishing Co.) ~~1927 ~~. ~~(36) # H. Höffding: History of Modern Philosophy. New York. ~~(Dover Publications) 1955 ~~. ~~(37) # Karl Jaspers: Die Grossen Philosophen Bd. I. Munchen ~~(Piper) 1957 ~~. ~~(38) # Harold A. Joachim: A Study of the “Ethics” of Spinoza. ~~Oxford (1901) ~~. ~~(39) # Rudolf Kayser: Spinoza, Portrait of a Spiritual Hero ~~(English Trans.) Introduction by Albert Einstein. New York ~~(Philosophical Library) ~~. ~~(40) # G. Kline (Editor & Translator): Spinoza in ~~Soviet Philosophy. London (Routledge & Kegan Peul) ~~1952 ~~. ~~(41) Pièrre Lachièze-Rey: Les origines cartésiennes du Dieu ~~de Spinoza. Paris (Vrin) 2 # e # éd, ~~1950 ~~. ~~(42) # Kurt Leidecker: Spinoza and Hinduism. Chioago (Open ~~Court) Oct. 1934 ~~. ~~(43) # R. McKeon: The Philosophy of Spinoza. London ~~(Longmans). 1928 ~~. ~~(44) # R. McKeon: “Spinoza and Experimental Science”, in ~~“Psyche” vol. 8. No. 2. Oct. 1927 ~~. ~~(45) # Henry A. Meyer: The Spinoza-Hegl Paradox. Cornell ~~University Press. 1944 ~~. ~~(46) # Nietzeche: Jenseits von Gut und ~~Böse ~~. ~~(47) # O. V. Plekhanov: Les questions fondamentales du ~~marxisme. Paris (Editions Sociales) 1947 ~~. ~~(48) # Sir Frederick Pollock: Spinoza, His Life and Philosophy ~~2 # nd # ed. ms296 London (Duckworth) ~~1899 ~~. ~~(49) # G. T. Richeter: Spinozas philosophische Treminoiogie. ~~Leipzig 1912 ~~. ~~(50) # A. Rivaud: Histoire de la philosophic. tome III. Paris ~~(P.U.F.) 1950 ~~. ~~(51) # Leon Roth: Spinoza. London (Allen & Unwin) ~~1954 ~~. ~~(52) # Josiah Royce: The Spirit of Modern Philosophy. N. Y. ~~(Braziller) 1955 ~~. ~~(53) # Ruth Lydia Saw: Vindication of Metaphysics. London (Mc. ~~Millan) 1951 ~~. ~~(54) # J. Segond: La vie de Spinoza. Paris. ~~3 # e # ed 1933 ~~. ~~(55) Paul Siwek: Au cœur du spinozisme. Paris (Desclée de ~~Brouwer) 1952 ~~. ~~(56) Paul Swiek: Spinoza et le panthéisme religieux. Paris ~~(Desclée ...) 1937 ~~. ~~(57) # Nahum Sokolow: “Spinoza the Jew”, in: The Jewish ~~Review. No. III. Dec. 1932-March 1933 ~~. ~~(58) # Herry Waton: The Jewish Question and Spinoza’s Philosophy, in Spinoza, Addresses and Messages in Commemoration of ~~his Tercentenary. Spinoza Institute of America. New York ~~1933 ~~. ~~(59) # Leo Strauss: Persecution and the Art of Writing. ~~Glencoe, Illinois (The Free Press) 1952 ~~. ~~(60) # Celestine Sullivan, Jr.: Critical and Historical ~~Reflections on Spinoza’s “Ethics”. University of California Publications in Philosophy. Vol. 32. 1958 ~~. ~~(61) # Jacob Teicher: “Why was Spinoza Banned?” in “The ~~Menorah Journal” Autumn-Winter 1957 ~~. ~~(62) # F. Überwerg: History of Philosophy (English Traus.) New ~~York (Scribner) 1909. Vol. II ~~. ~~(63) Paul Vulliaud: Spinoza d’après les livres de sa ~~bibliothèque. Paris 1934 ~~. ~~(64) # Meyer Waxman: “Baruch Spinoza’s Relation to Jewish Philosophical Thought and to Judaism”, in: The Jewish Quarterly ~~Review. Vol. 19. 1928-1929 ~~. ~~(65) # Julien Weill: “Spinoza et le judaisme”, in Revue des ~~Etudes juives. tome 49. Paris 1904 ~~. ~~(66) # W. Windelband: A History of Philosophy (English Trans.) ~~New York (Harper Torchbooks) 1958 ~~. ~~(67) # H. A. Wolfson: The Philosophy of Spinoza. New York ~~(Meridian paperbacks) 1958 ~~. ~~(68) # H. A. Wolfson: “Spinoza and Religion”. Lecture ~~reprinted in: “The Menorah Journal”. Vol. 38. 2. ~~1950 ~~. ~~(69) # Sylvain Zak: La morale de Spinoza. Paris (P.U.F.) ~~1959 ~~. ms297