######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.TacbirMusiqi.Hindawi53972717 #META# Tags: arts #META# ID: 53972717 #META# Title: التعبير الموسيقي #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # خصائص الفن الموسيقي وعناصره‏ # طبيعة الفن الموسيقي‏ # اللغة الموسيقية‏ # المعنى في الموسيقى‏ # التطور الموسيقي‏ # التعبير في الموسيقى الشرقية‏ # مشكلة الموسيقى الشرقية‏ # مشكلة الموسيقى في مصر‏ # مقدمة‏ # خصائص الفن الموسيقي وعناصره‏ # طبيعة الفن الموسيقي‏ # اللغة الموسيقية‏ # المعنى في الموسيقى‏ # التطور الموسيقي‏ # التعبير في الموسيقى الشرقية‏ # مشكلة الموسيقى الشرقية‏ # مشكلة الموسيقى في مصر‏ # | التعبير الموسيقي # | التعبير الموسيقي # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # تدور في صحفنا اليوم معركة أدبية حول طبيعة الفن وغايته، وهل ينبغي أن يكون فنا ~~هادفا، أم يكون فنا «من أجل الفن» فحسب. وعلى الرغم من أن هذه المعركة قد طال أمدها، ~~دون أن يبذل أحد الطرفين جهدا لتفهم وجهة نظر الآخر، وإدراك الدلالة التي تكمن وراء ~~تشبثه بها؛ فليس من شك في أن من صميم مهمة أي باحث في فن من الفنون، ألا ينعزل عن هذه ~~المعركة الدائرة، بل ينبغي عليه - إذا شاء أن يكون بحثه مرتبطا بالمشاكل الفكرية للعالم ~~الذي نعيش فيه - أن يحدد موقفه منها، ويحلل معانيها المختلفة، ومدى صلتها بالمشاكل التي ~~يناقشها. # وأول ما أود أن أنبه إليه، هو أن مشكلة الفن الهادف، والفن لأجل الفن، قد أصبح لها ~~معنى باطل عند الكثيرين ممن يعالجونها؛ فالقضية التي يدافع عنها أنصار فكرة الفن لأجل ~~الفن، هي قضية تلقائية الفنان: أعني أن الفنان ينبغي ألا يفرض عليه هدف من الخارج، بل ~~يجب أن يترك ليعبر عما يحس به فحسب. والخطأ الذي يقع فيه كثيرون من أنصار فكرة الفن ~~الهادف - وأكون متجنيا لو قلت: كلهم - هو أنهم يصورون دعوتهم كأنها تفرض على ~~الفنان أهدافا معينة، يتحتم عليه أن يجعل من فنه أداة للتعبير عنها. وهذا الخطأ هو ~~أخطر ما يصيب قضيتهم، وهو الذي يستغله خصومهم، ويستمدون منه قوتهم. فلا جدال في أن حرية ~~الخلق، وتلقائيته، شرط أساسي لكل إنتاج فني سليم، فإذا ضاع هذا الشرط بدا العمل الفني ~~متكلفا، لا روح فيه. # على أن في الدعوة القائلة بالفن لأجل الفن نقطة ضعف أساسية، تكاد تقضي على مذهب ~~أصحابها بأسره ms01 ؛ تلك هي تماديهم في فكرة الحرية والتلقائية إلى الحد الذي يتركون الفنان ~~فيه ينتج كما يشاء، حتى لو كان إنتاجه هادما لمقومات الإنسانية، أو الجماعة التي يعيش ~~فيها، وحتى لو كانت أعماله تبعث في المجتمع روح التخاذل والانحلال، أو تتجاهل المشاكل ~~الحقيقية لهذا المجتمع أصلا. فلا جدال في أن الفن مسئولية كبيرة، ومجرد كون الفنان قد ~~أخذ على عاتقه مهمة نشر فنه بين الناس، ولم يكتف بجعله مسلاة لشخصه هو وحده، يعني أنه ~~قد تحمل هذه المسئولية، أي: تحمل العواقب الناجمة عن انتشار فنه بين الناس، ومن هنا كان ~~من الضروري أن نحاسبه على الآثار التي تجلبها أعماله الفنية على المجتمع الذي يعيش ~~فيه. # وإذن، ففي موقف كل من الطرفين نقطة ضعف ينبغي التخلص منها، وميزة ينبغي الاحتفاظ ~~بها. أي إن الوضع السليم للفن هو أن يكون تلقائيا حرا، ويكون في نفس الوقت عاملا من ~~عوامل النهوض بالمجتمع نحو مستقبل مشرق مضيء. فكيف نوفق بين هذين الشرطين، اللذين يبدو ~~كل منهما متعارضا مع الآخر؟ # لست أشك في أن الفنان الصحيح إذا ترك دون أن تفرض عليه أهداف معينة، سوف ينتج من ~~تلقاء ذاته فنا هادفا. ولا جدال في أن المجتمع الذي يكون عليه أن يفاضل بين فنان يتجاوب ~~معه وفنان ينعزل عن مشاكله، سوف يفضل الأول حتما. بل إن الناقد العالم ينبغي بدوره ~~أن يفضله؛ ذلك لأن الفن يفترض قبل كل شيء حساسية مرهفة، والفنان الذي يصل به جمود ~~الحس إلى حد عدم الشعور بمشاكل الجماعة المحيطة به - كأن يقصر هذه المشاكل مثلا على ~~الحرمان الجنسي، في الوقت الذي يكون المجتمع فيه زاخرا بالمشاكل الحيوية التي تتعلق بتوفير ~~ضرورات الحياة لأبنائه - مثل هذا الفنان لا يستحق الاسم وحده؛ فالمقياس المعترف به ~~للمفاضلة بين فنان وآخر - أعني دقة الحس وسرعة التأثر - هو ذاته الذي يحتم علينا إيثار ~~الفنان الذي يشارك مجتمعه مشاكله، ويعينه على حلها، على ذلك الذي ينعزل عما حوله، أو ~~يغرق الناس في مشاكل لا تمس شخصا سواه من ms02 حيث هو فرد. # وإذن فتلقائية الفن لا تتعارض على الإطلاق مع كونه هادفا، ولا أشك في أن وضع المشكلة على ~~هذا النحو يوفر علينا كثيرا من المناقشات التي دارت حول هذا الموضوع، والتي تمسك كل ~~فريق فيها بموقفه دون أن يحاول تفهم وجهة نظر الآخر؛ فظن فريق الفن الخالص، أو الفن لأجل ~~الفن، أن خصومهم يرمون إلى تقييد حرية الفنان وفرض موضوعات معينة عليه (وإذا حللنا ~~أقوال بعض دعاة الفن الهادف وجدنا أن لهؤلاء بعض العذر في ظنهم هذا)، بينما ظن فريق ~~الفن الهادف أن الحرية والتلقائية ترتبط حتما بالانعزالية والفردية (ولهم بدورهم العذر ~~في ذلك). ولو حلل كل من الفريقين موقف الآخر على حقيقته لوجد أنه لا تعارض بينهما على ~~الإطلاق، وذلك إذا استبعدنا من الموقفين ما يشوبهما من تفسيرات باطلة. # وفي هذا البحث تطبيق مفصل لهذا الرأي على مشكلة نحس في مجتمعنا الحالي إحساسا ~~واضحا بضرورة معالجتها؛ هي مشكلة التعبير الموسيقي. فالحل النهائي، الذي تتقدم به في نهاية ~~الكتاب، يتمشى مع ما قلناه من أن أحوال المجتمع تنعكس على الفنان، وتضفي على أعماله ~~صبغتها الخاصة، ومن أن هذا الانعكاس ينبغي أن يترك حتى يظهر من تلقاء ذاته بحرية، دون أن ~~تفرضه على الفنان أية قوة خارجية. وبهذا وحده ترتفع موسيقانا إلى المستوى الذي بلغته ~~الموسيقى العالمية، ويكون في وسعنا أن نقول: إن لدينا موسيقى ذات قدرة معبرة بحق. # فؤاد زكريا # يوليو 1956م # | خصائص الفن الموسيقي وعناصره # | طبيعة الفن الموسيقي # ليست المكانة الرفيعة التي تحتلها الموسيقى وليدة التطورات الحديثة التي مر بها ~~هذا الفن، بل لقد كان القدماء يؤمنون بأن للموسيقى في النفس تأثيرا يتجاوز تأثير ~~سائر الفنون فيها. وآية ذلك تلك القصص والأساطير العديدة التي نسبت إلى الموسيقى ~~قوى خارقة تؤثر على الطبيعة، فتحرك الجبال مثلا، أو على النفس الإنسانية، فتجعلها ~~تنقاد لإغراء عرائس البحر مع أن في ذلك حتفها. وفي عالم العقائد كان للموسيقى ~~أهمية كبرى، تتبدى إيجابيا وسلبيا في آن واحد؛ فمن العقائد ما كانت تستعين ms03 ~~بالموسيقى في بث الإيمان بها في نفوس الناس، ويكفي دلالة على ذلك أن الموسيقى الأوربية ~~خلال العصور الوسطى كانت مرتبطة بالكنيسة ارتباطا أساسيا، بل كانت بعض أسرارها وقفا ~~على رجال الدين الذين يتوارثونها دون أن يحاول أحدهم أن يبوح بها! ومن العقائد ما ~~كانت تحرم الموسيقى أو تراها أقرب إلى الحلال البغيض، وكان في ذلك اعتراف ضمني بما ~~للموسيقى من تأثير على النفوس، وإن يكن التأثير هنا يعد خطرا أخلاقيا ينبغي ~~تجنبه. # وفي الفكر القديم حفظ لنا التاريخ أثرا ربما كان هو أول وثيقة تثار فيها مشكلة ~~التأثير الأخلاقي والاجتماعي للفنون بوجه عام، والموسيقى بوجه خاص، أعني جمهورية ~~أفلاطون، التي يوصي فيها بالعناية بالتعليم الموسيقي، ويعده عنصرا أساسيا في ~~تربية النشء، ويدعو إلى استبعاد مقامات موسيقية معينة؛ لما لها من تأثير أخلاقي ونفسي ~~ضار. # ولكن، هل تغير موقف المدنية الحديثة من الموسيقى، بعد أن تخلصت الأذهان فيها من ~~آثار السحر والخرافة، واتخذت موقفا مستقلا عن العقائد في نظرتها إلى الفنون بوجه ~~عام؟ الحق أن مكانة الموسيقى بين سائر الفنون لم تتغير، وكل ما في الأمر هو أن تقدير ~~الموسيقى قد أصبح واعيا، بعد أن تكشفت الأسباب التي من أجلها نظر إلى الفن ~~الموسيقي في بداية الأمر نظرة يحوطها جو صوفي خفي، ويغلفها السحر والغموض. # فالموسيقى هي بطبيعتها أكثر الفنون استقلالا؛ هي ليست فنا تصويريا أو تشكيليا ~~لموضوعات يمكن الإشارة إليها، ولا فنا تستمد عناصره من الواقع الخارجي مباشرة، ~~كما أنها لا يمكن أن تفهم عن طريق ترجمتها إلى وسيلة أخرى من وسائل التعبير. ~~ولنتحدث عن كل من هذه الصفات على حدة: # فالموسيقى تتميز عن سائر الفنون بأنها لا تصور أو تقلد شيئا. فبينما نجد الرسم ~~فنا تصويريا، والنحت له صلة بتصوير الواقع الخارجي عن طريق أبعاده الثلاثة، ~~والأدب يمثل الواقع عن طريق الرموز اللغوية؛ فإن الموسيقى لا تقلد ولا تمثل ~~شيئا، وهي في هذا نمط فني مستقل بذاته. على أن قولنا هذا ينطبق - إذا شئنا الدقة ~~- على الأطوار القديمة للفنون ms04 الأخرى أكثر مما ينطبق على طورها الحالي؛ ذلك لأن ~~الرسم والنحت - بل بعض مدارس الأدب - تنزع في اتجاهاتها الحديثة إلى التخلي عن مهمة ~~التصوير والتقليد، وتكتفي بأن توحي بمعان معينة، دون أن نجد بين العمل الفني وبين ~~الواقع الذي يمثله علاقة محاكاة مباشرة. ونستطيع أن نقول: إن مثل هذا الاتجاه إنما ~~هو تقريب للشقة بين الموسيقى وبين سائر الفنون، ولكنه بينما يتخذ صفة التطور الحديث ~~في هذه الفنون، نراه طبيعة أصيلة في الموسيقى من أول عهدها. أما إذا قيل: إن الموسيقى ~~تسعى في بعض الأحيان إلى تقليد أصوات الطبيعة، ففي وسعنا أن نرد على ذلك بأن هذا ~~التقليد - كما هو الحال في تصوير أصوات العواصف أو الرياح في كثير من القطع الموسيقية ~~ذات الموضوع - هو في واقع الأمر إيحاء بعناصر الطبيعة هذه، وليس تقليدا لها؛ إذ إن ~~الأصوات الطبيعية - كما هو معروف - ليست موسيقية؛ لعدم انتظام ذبذباتها، فمن المحال أن ~~تقلدها الموسيقى مباشرة، بل هي تهذبها وتصقلها، ثم توحي بها من بعيد، ولا يتيسر ~~لها أن تقلد إلا أصواتا طبيعية بسيطة في أحوال نادرة، كما في الحركة الثانية لسيمفونية ~~بيتهوفن السادسة؛ حيث تقلد أصوات بعض الطيور على سبيل الحلية، لا رغبة في التقليد ~~المباشر ذاته. # وهذه المسألة الأخيرة تؤدي بنا إلى الصفة الثانية للموسيقى؛ فقد قلنا: إن أصوات ~~الطبيعة لها ذبذبات غير منتظمة، وإنها تبعا لذلك أصوات غير موسيقية، ومعنى ذلك أن ~~المادة التي يستخدمها الفن الموسيقي، ويبني عليها تركيباته المعقدة - وأعني بها ~~الأصوات الموسيقية المفردة والأنغام - لا تستمد من الطبيعة مباشرة، وإنما هي مادة لا ~~بد لها من وسائل مصنوعة، هي الآلات الموسيقية التي تصقل الأصوات وتنظم ذبذباتها، ~~أو الغناء المدرب الذي يختلف كل الاختلاف عن أصوات الكلام أو الصياح المعتاد. ~~ونستطيع أن نقرب هذه الفكرة إلى الأذهان إذا أشرنا إلى استحالة تقليد الآلات الموسيقية ~~لأصوات الكلام الإنساني؛ إذ إن انتظام ذبذبات الأصوات الصادرة عن هذه الآلات يحول دون ~~ذلك. وفي هذه الصفة تختلف الموسيقى اختلافا واضحا عن سائر ms05 الفنون ؛ فالرسم يستمد ~~مادته، وهي الألوان والخطوط، من الطبيعة مباشرة، أو هو يجد فيها نظيرا لهذه المادة، ~~كذلك الحال في الكتل التي يستخدمها فن النحت، والكلمات التي يستخلصها الأدب من الحديث ~~البشري المعتاد. # ولما كانت مادة الفن الموسيقي لا تستخلص مباشرة من أي مصدر سوى الوسائل التي ~~أعدت لأجل التعبير عن هذا الفن، أي: الآلات أو الغناء المدرب؛ فقد بلغ هذا الفن ~~حدا من الاستقلال جعل له كيانا قائما بذاته، ويستحيل أن يرد إلى غيره. فبينما ~~نجد الشعر مثلا قابلا - في معانيه على الأقل - لأن يفهم إذا ترجم إلى لغة أخرى، ~~هي لغة النثر، وبينما نجد الفنون المقلدة تفهم بالرجوع إلى الأصول التي تقلدها؛ ~~نجد الموسيقى لا تقبل أن تترجم إلى أية لغة أخرى؛ فتجربة الموسيقى تجربة لا نظير ~~لها، وتذوقها يتم عن طريق عملية فريدة لا تفهم إلا من خلال سياقها الداخلي وحده. ~~والانفعال الذي تثيره الموسيقى يستحيل أن يعبر عنه بلغة أخرى، أو بوسيلة أخرى من ~~وسائل التعبير، ولا يمكن تصوره إلا بسماع هذه الموسيقى ذاتها. ومن هنا قيل: إن ~~الموسيقى لغة مستقلة، مكتفية بذاتها. # ولكن هل الاستقلال هو الصفة الوحيدة التي يتميز بها الفن الموسيقي؟ الحق أن ~~الموسيقى تنفرد عن سائر الفنون بصفتين أساسيتين: صفة العمومية، والذاتية: # أما العمومية، فترجع إلى ما تبيناه في الفن الموسيقي من استقلال واكتفاء ذاتي. فلما ~~كانت لغة الموسيقى لا ترتبط بموضوعاتها أي ارتباط مباشر، ولما كانت لا تستمد عناصرها ~~من الطبيعة مباشرة، بل تخلقها في مجالها الخاص؛ فقد استحال على الموسيقى أن تقدم وصفا ~~مباشرا لأي موضوع خاص، وإنما تصور دائما انفعالات وأحاسيس عامة. ومهما حاول المرء ~~أن يأتي بروابط بين المؤلفات الموسيقية وبين موضوعات معينة، فلا بد أن يعترف بأن ~~الموسيقى لا تصور في هذه الموضوعات جوانبها الجزئية، وإنما تعبر عن الأوجه العامة فيها. ~~والذي لا شك فيه أن الفنون الأخرى أقدر على تصوير الخصوصيات والجزئيات من الموسيقى. ~~وإذا كان العمل الفني السليم - سواء أكان قصيدة أم لوحة أم تمثالا ms06 - قادرا على أن ~~ينقلنا من موضوعه الجزئي المباشر إلى الموضوع العام الذي تندرج تحته كل الجزئيات؛ فلا ~~شك في أن هذا الانتقال يتم عن طريق قدرة تذوقية خاصة لا تتوافر إلا لمن اكتسب خبرة ~~وفهما عميقا لطبيعة العمل الفني في هذه المجالات. أما في حالة الموسيقى، فالتأثير ~~المباشر لها هو الأحاسيس العامة، ومن المحال حين تسمع قطعة تثير فيك معنى الحزن أو ~~الحماسة أن تقول: إن هذا حزن شخص معين، أو تحمس إلى نوع معين من الأفعال، وإنما الذي ~~نحس به مباشرة هو شعور عام بالحزن أو بالحماسة، لا يمكن تخصيصه إلا فيما بعد، ~~وبطرق ووسائل متكلفة. # وأما صفة الذاتية، فترجع إلى ما بين الموسيقى وبين الزمان من ارتباط وثيق؛ ذلك لأن ~~فنون النحت والتصوير فنون مكانية، تخلق في بعدين؛ كالتصوير، أو ثلاثة أبعاد؛ ~~كالنحت، وتتذوق مكانيا أيضا؛ أعني أن أعمالها الفنية تدرك في لمحة واحدة، ولا ~~تأثير لمعنى الزمان في إدراكها إلا من حيث إنه يجلو بعض غوامض هذا الإدراك السريع ~~الأول. أما الموسيقى، فهي فن زماني بالمعنى الصحيح: أعني أن أداءها يتم خلال التعاقب ~~الزماني، ولا تتصور أنغامها أو إيقاعها أو مجموعاتها التوافقية إلا متتالية. وبعبارة ~~أخرى، فالموسيقى تسير في خط زماني رأسي، أما فنون التصوير والنحت فتتبع مسارا ~~مكانيا أفقيا. ولا شك في أن هذا الاختلاف راجع إلى طبيعة الوسائط الحسية التي ~~تنقل بها هذه الفنون؛ فالموسيقى تنقل بالأذن، وهي حاسة تعتمد على التعاقب الزماني، ~~أما الفنون التصويرية والتشكيلية فتنقل بالعين، وهي حاسة مكانية تلاحظ الأبعاد ~~الخارجية وتدركها إدراكا مباشرا. # ولقد ربط الفلاسفة منذ عهد غير قريب بين الزمان وبين الذاتية؛ ذلك لأن إحساساتنا التي ~~تصاغ في قالب مكاني، كالمرئيات والملموسات، هي إحساسات موضوعية، ندركها مباشرة ~~بوصفها خارجة عنا، مستقلة عن ذاتنا، بل إن هذه الإحساسات هي أساس اعتقادنا بوجود ~~عالم خارجي. أما الإحساسات التي تصاغ في قالب زماني، كالمسموعات، فهي بطبيعتها ذاتية، ~~أعني أنها تعتمد على الذات التي تتلقاها اعتمادا أساسيا، وتبعث فينا شعورا بأنها ~~صادرة ms07 عن أعماقنا الباطنة. وليس أدل على ذلك من أن التفكير بدوره - وهو عملية باطنة ~~تماما - يتخذ قالبا زمانيا، يتمثل في تعاقب الأفكار بعضها وراء بعض، ولكنه يستحيل ~~أن يتخذ قالبا مكانيا، أي: أن تشاهد الأفكار فيه خارجيا! فالموسيقى - على هذا ~~الأساس - ألصق الفنون بأعماق الذات الإنسانية. # من أجل هذه الصفات الفريدة؛ كان للموسيقى مكانة خاصة لدى المفكرين والفلاسفة، ~~وعدها بعضهم عنصرا من عناصر فهمه للكون بأسره. ودارس الفلسفة لا يغيب عن ذهنه رأي ~~قديم يتمثل فيه قولنا هذا أصدق تمثيل؛ وأعني به رأى الفيثاغوريين، الذين فسروا الكون ~~كله بأنه عدد ونغم. وإذا كانت عبارتهم هذه عبارة مجازية، تفسر بأنها إشارة إلى أن ~~للكون وجها كميا، هو العدد، ووجها كيفيا، هو ما عبروا عنه بكلمة النغم، فلا ينبغي ~~أن ننسى أن استخدام الرمز ذاته أمر له دلالته العميقة، وأن تعبيرهم عن كل الاختلافات ~~والتنوعات الكيفية الهائلة في الكون بكلمة النغم، يدل على مدى اتساع مدلول الأنغام ~~عندهم، ومدى ارتباطها بالطبيعة العامة للكون في نظرهم. # وإذا شئنا أن نعرض مثلا لفيلسوف حديث، فأهم الشخصيات في هذا الصدد هي شخصية ~~شوبنهور. ولنقتبس هنا كلمات لها دلالتها العميقة، شرح بها شوبنهور طبيعة الموسيقى في ~~الجزء الأول من كتابه «العالم بوصفه إرادة وتمثلا»: «إن كل النوازع والخلجات والسورات ~~التي تنتاب الإرادة، وكل ما يجري في باطن الإنسان، ويطلق عليه العقل اسما سلبيا ~~خالصا هو «الشعور»؛ كل ذلك يجد خير تعبير عنه في الألحان التي لا تتناهى إمكانياتها. ~~ولكن ذلك التعبير في عموميته أشبه بالصورة الخالصة التي تجردت عن كل مادة؛ فهو يعبر عن ~~الشيء في ذاته، لا عن مجرد الظواهر ... من تلك الصلة الوثيقة بين الموسيقى وبين الماهية ~~الحقيقية لكل شيء، يتضح لنا أنه إذا عبرت الموسيقى تعبيرا ملائما عن منظر أو سلوك أو ~~حادث أو جو، فإن كلا من هؤلاء يتبدى لنا ويبين معناه الباطن أمامنا بوضوح، ~~وبهذا تكون الموسيقى خير شارح ومفسر له - كذلك يبدو لمن استجاب لتأثير سيمفونية، أنه ~~يرى كل أحداث ms08 الحياة والعالم في ذاتها، مع أنه لو فكر في الأمر بروية لما وجد أي ~~وجه للتشابه بين صوت الألحان وبين الأشياء التي تحيط به؛ ذلك لأن الموسيقى تختلف عن كل ~~ما عداها من الفنون في أنها ليست صورة مقلدة للمظاهر، أو على الأصح للمظاهر الموضوعية ~~للإرادة، وإنما هي صورة مباشرة للإرادة ذاتها، تعرض المعنى الميتافيزيقي لكل ما هو ~~طبيعي في هذا العالم، وتوضح ما يكمن وراء كل ظاهرة من شيء في ذاته. وعلى ذلك، فكما ~~يمكن تسمية العالم إرادة متجسدة، كذلك يمكن تسميته موسيقى متجسدة.» # لن نجد فيلسوفا تأثر بالطابع الفريد للموسيقى أكثر مما تأثر بها شوبنهور، على النحو ~~الذي عبر عنه في النص السابق. وحسبنا أن نشير إلى أن هذا الفيلسوف، الذي رأى الكون ~~كله مظاهر للإرادة، ولم يستطع أن يهتدي إلى هذه الإرادة ذاتها مباشرة، قد اهتدى ~~إليها في الموسيقى، التي لا تقلد موضوعات خارجية، ولا تنقل أحاسيس النفس بطرق غير ~~مباشرة، بل تعبر عن كل أوجه الإرادة تعبيرا مباشرا لا وسائط فيه، ومن هنا كانت في ~~رأيه تصلح لفهم الطبيعة الكامنة للعالم ذاته، الذي هو تجسد الإرادة، أو إن شئت ~~فقل: تجسد الموسيقى. # على أننا لا نود أن نطيل الكلام في هذه النظرة الصوفية إلى الموسيقى، وإنما الذي ~~يعنينا هنا أن نشير إلى أن الطبيعة الخاصة للفن الموسيقي هي التي أوحت بمثل هذا ~~الفهم لها. # والأمر الذي يجب أن نتنبه إليه، هو أن الموسيقى دائما فن إنساني قبل كل شيء؛ أعني ~~أنها فن مرتبط بحياة الإنسان الواقعية، وبصراعه خلال هذه الحياة. فمن المحال أن نفهم ~~موسيقى أية فترة من الفترات، إلا إذا عرفنا كيف كان الناس يعيشون فيها، وماذا كانت ~~نظرتهم إلى الحياة وإلى العالم وإلى المجتمع. # وقد يبدو هذا الرأي غريبا بعد ما قلناه عن استقلال الموسيقى وعموميتها وذاتيتها؛ فقد ~~يفهم المرء من هذه الصفات أن الموسيقى فن مستقل عن الواقع الحي الذي يعيش فيه الناس، ~~وأنها تبلغ في عموميتها حدا يباعد بينها وبين أية نظرة ms09 خاصة إلى الحياة وإلى ~~المجتمع، وأن القوة الوحيدة الدافعة إلى خلقها هي المشاعر الذاتية والظروف الفردية ~~التي يمر بها مؤلفها فحسب. على أن هذا الفهم أبعد ما يكون عن قصدنا؛ فكل هذه الصفات ~~التي أشرنا إليها، تتعلق بوسائل الخلق الموسيقي، لا بالقوة الدافعة إلى هذا الخلق، ~~أو الأهداف التي يضعها الفنان نصب عينيه؛ ذلك لأن حساسية الفنان الصادق تجعله أكثر ~~الناس تأثرا بأحوال الحياة المحيطة به، فتأتي موسيقاه صورة معبرة عن هذه الأحوال، ~~وإن كانت وسيلته إلى الخلق الفني ذاتية. وعلى حين تكون المعاني الموسيقية عامة، فلا ~~شك أنها تثير من الانفعالات ما يتلاءم مع الأفكار والمشاعر المسيطرة على ذهن الفنان. ~~وبينما تعجز الموسيقى عن التعبير عن فكرة خاصة بعينها، أو إحساس محدد، أو حادثة جزئية؛ ~~فإنها تعكس بلا جدال ذلك الجو الذي تأثر به الفنان، وتبعث في نفوس سامعيها إحساسا ~~يتمشى مع إحساسه عند تأليفه لها. أما استقلال الموسيقى، فلا يعني على الإطلاق ~~انعزالها عن الواقع المحيط بها، وإنما يعني اختلاف صورتها النهائية عن صورة موضوعها، ~~ويعني أن العلاقة بينها وبين هذا الموضوع ليست علاقة محاكاة أو تمثيل، أو تصوير مباشر، ~~وإنما هي علاقة إيحاء، تبعثه الموسيقى في النفس، فتخلق فيها شعورا عاما يتلاءم مع ~~طبيعة ذلك الموضوع، وإن لم يكن يحاكيه بطريق مباشر. # ولست أعني أن كل موسيقى قد اكتسبت هذه الصفات، وأصبحت معبرة عن الواقع الحي الذي ~~خلقت فيه مع تميز وسائلها بالصفات الخاصة للفن الموسيقي، ولكني أعني أن المثل ~~الأعلى للموسيقى ينبغي أن تتوافر فيه هذه الصفات، وأن هناك بيئات موسيقية معينة قد ~~اقتربت من هذا المثل الأعلى، وعملت على تحقيقه بكل ما وسعها من جهد، هي البيئات ~~الموسيقية الغربية، وهي التي يدور حولها البحث في هذا القسم من دراستنا. # | اللغة الموسيقية # لكل فن وجهان: وجه تركيبي، ووجه تحليلي. أما الوجه التركيبي فهو ذلك الذي يتبدى ~~عليه العمل الفني في صورته النهائية، وموقفنا بإزاء هذا الوجه هو أن نحدد قيمته ~~الجمالية، ونقيسه بالمقاييس الذوقية المتعارف عليها ms10 في ذلك الفن. وأما الوجه ~~التحليلي، فهو - كما يدل على ذلك اسمه - تحليل ~~مفصل للمراحل المختلفة التي يمر بها العمل الفني حتى يصل إلى صورته النهائية، ودراسة ~~علمية دقيقة للوسائل التي يستخدمها الفنان، وللأساليب المختلفة التي يتأثر بها، ~~وللتجديدات التي يبتكرها. وكل فن سليم يجب أن ينطوي على هذين الوجهين معا، وإذا كان ~~الوجه الأول هو الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة كلما ذكرت كلمة الفن، فلا جدال في ~~أن الوجه التحليلي يمدنا بالأساس العلمي الذي يجب أن يرتكز عليه كل فن. حقا إن ~~كثيرا من التحليلات التي نصل إليها في دراستنا العلمية للفن ربما تكون قد طرأت على ~~الذهن الواعي للفنان، ولكنها مع ذلك ضرورية بالنسبة إلى الأجيال التالية، التي ينبغي أن ~~تبني حياتها الفنية على استيعاب علمي كامل للتطورات السابقة في مجالها الخاص، حتى ~~يمكنها أن تواصل الطريق على أساس سليم. أما الآراء التي تؤكد عنصر «الفطرة السليمة» ~~والاستعداد الطبيعي وحده، وتهمل العنصر العلمي التحليلي، فهي بلا شك آراء خرافية لم يعد ~~لها مجال في عالمنا الحالي. # وأول ما ينبغي أن ندرسه في تحليلنا العلمي للموسيقى، هو عناصر اللغة الموسيقية؛ ذلك ~~لأن للموسيقى لغة خاصة بها، ولهذه اللغة عناصر لا يؤدي كل منها عمله على حدة، وإنما ~~تتضافر وتتشابك كلها سويا في إخراج المؤلفات الموسيقية، وهذه العناصر هي: الإيقاع، ~~واللحن، والتوافق الصوتي، والصورة أو القالب. # أما الإيقاع # Rhythm ~~، فهو الوجه الخاص بحركة الموسيقى ~~المتعاقبة خلال الزمان؛ أي إنه هو النظام الوزني للأنغام في حركتها المتتالية. ويغلب ~~على الإيقاع عنصر التنسيق أو التنظيم المطرد؛ ذلك لأن الإيقاع هو تكرار ضربة أو ~~مجموعة من الضربات بشكل منتظم، على نحو تتوقعها معه الأذن كلما آن أوانها، فالإيقاع ~~إذن لا يضيف إلى اللحن جديدا، وإنما هو تنظيم زمني لحركة اللحن، بحيث يتناوب خلال ~~هذه الحركة عنصر التأكيد المتوتر، وعنصر إطلاق هذا التوتر وتخفيفه، وهكذا ... ولقد أدرك ~~الباحثون وثوق الصلة بين الإيقاع الموسيقي وبين النظام الذي تسير عليه حركة الجسم ~~وحركة الطبيعة؛ فللجسم ms11 حركات إيقاعية سريعة، كالتنفس بما فيه من شهيق وزفير، أو حركات ~~بطيئة نسبيا، كتعاقب الجوع والشبع، والنوم واليقظة. وفي الطبيعة إيقاع ثنائي ~~يتعاقب فيه الليل والنهار، وإيقاع رباعي تتعاقب فيه فصول السنة؛ ومن هنا قال كثير من ~~الباحثين بأن للموسيقى أصلا عضويا أو طبيعيا، ما دامت الحركة الإيقاعية فيها ~~ترديدا لحركات مناظرة لها داخل الجسم الإنساني أو في الطبيعة الخارجية، مما يؤدي إلى ~~تكوين ما يمكن أن يسمى بالحاسة الإيقاعية لدى الإنسان. وليس أدل على ذلك من أن أول ~~استجابة للطفل أو للبدائي بإزاء الموسيقى، تكون استجابة إيقاعية، تتمثل في نوع من ~~التمايل أو الرقص البسيط مع إيقاع الأنغام. كما أن البوادر الأولى للموسيقى تكون في ~~كثير من الأحيان إيقاعا خالصا، كما هو الحال لدى كثير من القبائل البدائية، التي ~~تنحصر حياتها الموسيقية في دقات أنواع مختلفة من الطبول فحسب. # أما اللحن # Melody # فلا يكتفي بأن ينظم ضربات ~~الموسيقى تبعا لشدتها أو خفوتها، وإنما يضيف إلى الإيقاع عنصرا جديدا، هو عنصر ~~ارتفاع الأصوات أو انخفاضها Pitch ~~. ولا شك في أن ~~استعمال كلمتي الارتفاع والانخفاض هو استعمال مجازي بحت؛ إذ ليست بين الأصوات علاقة ~~مكانية من هذا النوع، وإنما المقصود بالصوت الرفيع، هو ذلك الصوت الذي تزداد سرعة ~~ذبذباته، أما الصوت المنخفض أو العريض، فهو الذي يزداد بطء ذبذباته. والصوت الموسيقي ~~عامة يتميز بانتظام ذبذباته وثباتها، ولكن بين الصوت الواحد والصوت الذي يليه - ~~ارتفاعا أو انخفاضا - عدد كبير من الذبذبات، ومعنى ذلك أن الأصوات الموسيقية تتوالى ~~بحيث تقف الأذن في مراكز معينة بين عدد كبير من الذبذبات التي تتدرج ببطء لا تميزه ~~الأذن من تلقاء ذاتها. ومن مجموع هذه المراكز المعينة التي تقف عندها الأذن يتكون ~~ما يسمى بالسلم الموسيقي. # ومن الواضح أن هذا السلم يختلف من نظام لحني إلى آخر؛ فهو في الموسيقى الغربية غيره ~~في الشرقية، غيره في الموسيقى البدائية. وإذا بدا للناس أحيانا أنهم لا يستسيغون من ~~الألحان إلا ما صيغ في السلم المألوف لديهم، واعتقدوا بعدئذ أن ms12 ما عداها من الألحان ~~غير مقبول للأذن البشرية «بوجه عام» فما ذلك إلا بتأثير التعود، الذي يكيف حساسيتهم ~~الفنية تبعا للنظام الصوتي الشائع لديهم. وفي اللحن تتوالى الأصوات ارتفاعا ~~وانخفاضا، وتكون للمؤلف الموسيقي حرية التنقل بها كما يشاء، غير أن هذه الحرية ليست ~~مطلقة، بل تقيدها بضعة قيود، منها مثلا أن الصوت الذي يمثل قاعدة السلم أو قراره # Tonic # هو أهم الأصوات، وهو الذي يرتد إليه اللحن في آخر ~~الأمر، حتى تحس الأذن عندئذ بأن اللحن قد انتهى نهايته الطبيعية. # فإذا انتقلنا إلى التوافق الصوتي # Harmony ~~، وجدنا أن ~~هذا العنصر غير المعروف في موسيقانا الشرقية، يحتل أهمية تتزايد على الدوام. ~~والمتتبع لتيار الموسيقى الغربية يجد أنها بينما كانت تولي أكبر اهتمامها للحن في ~~القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، فإن اهتمامها قد تحول تدريجيا ~~إلى التوافق الصوتي، حتى إن كثيرا من مؤلفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن ~~العشرين، لم يعبئوا بأن تكون موسيقاهم لحنية، وكان العنصر الأساسي لديهم هو التوافق ~~الصوتي - والمثل الواضح في هذا الصدد هو موسيقى ديبوسي # Debussy ~~. # وأساس التوافق الصوتي هو إيجاد الانسجام بين صوتين أو أكثر في وقت واحد، بينما اللحن ~~أصوات منسجمة متعاقبة. ومع ذلك، فدراسة التوافق الصوتي لا تكتفي بالعلاقات بين مجموعة ~~الأصوات التي تعزف في آن واحد فحسب، بل لا بد أن تعنى بالعلاقات بين هذه المجموعات ~~ذاتها بعضها وبعض، وتنظم طرق الانتقال من الواحدة إلى الأخرى؛ حتى لا ينتهي اللحن ~~مثلا بتوافق صوتي يبعث إحساسا بالتوقع والانتظار، وإنما يمهد مثل هذا التوافق السابق ~~لتوافق آخر يبعث إحساسا بالاكتفاء والراحة. ومع ذلك، فجميع القواعد التي تتحكم في ~~التوافق قابلة للتغير؛ إذ يضيف إليها التطور الموسيقي إضافات جديدة على الدوام، بل ~~يسعى في بعض الأحيان إلى هدم نظم التوافق القديمة من أساسها. # أما الصورة أو القالب # Form ~~، فهي بدورها عنصر لا ~~تعرفه الموسيقى الشرقية؛ إذ إنها تنظم العلاقات بين الأجزاء اللحنية في العمل الفني ~~الطويل، وتضمن الوحدة بين أجزاء القطعة ms13 كلها. وهذه كلها مشاكل لا تحتاج الموسيقى ~~الشرقية إلى مواجهتها! ومشاكل القالب الموسيقي عظيمة التعقيد، لا يمكننا في هذا ~~المجال أن نشير إليها بالتفصيل. وحسبنا أن نقول: إن القطع الموسيقية الطويلة يمكن أن ~~تميز فيها موضوعات لحنية رئيسية # Themes ~~، وإن المؤلف ~~يجعل لهذه الموضوعات اللحنية نظاما معينا، ويجري عليها تنوعات واستطرادات عديدة؛ ~~تبعا لما تمليه قريحته، وهو في كل ذلك يعالج الموضوع الأساسي واستطراداته تبعا ~~لترتيب ونسق جرى عليه العرف الموسيقي، وإن تكن التغيرات الجزئية فيه ممكنة في ~~جميع الأحوال. والبحث في الصورة أو القالب الموسيقي، هو تحليل للترتيب الذي يسير عليه ~~المؤلف الموسيقي في صياغته لموضوعاته اللحنية الرئيسية، وفي نقلاته بينها وبين ما ~~ينسجه حولها من استطرادات، بحيث يكفل لعمله الفني تنوعا حيا، ويضمن له في نفس ~~الوقت وحدة شاملة. ~~••• # والبحث في عناصر اللغة الموسيقية يؤدي بنا إلى تحليل الطريقة التي تتداول بها هذه ~~اللغة. ولطريقة التداول هذه أهمية خاصة بالنسبة إلى الفن الموسيقي؛ ففي الفنون الأخرى ~~ينقل العمل الفني من خالقه إلى متلقيه مباشرة، أما في الموسيقى، فالعلاقة ليست ~~ثنائية مباشرة، بل هي علاقة ثلاثية؛ يتوسط فيها القائم بالأداة - سواء أكان عازفا أم ~~مغنيا - بين المؤلف وبين المستمع؛ لهذا كان علينا أن نقف قليلا عند دور كل من ~~أطراف هذه العلاقة الثلاثية في نقل لغة الموسيقى. # فالمؤلف يسجل نواتج خلقه الفني بالتدوين. ولا جدال في أن الموسيقى - شأنها شأن ~~أية لغة أخرى - أفادت من التدوين فائدة عظمى؛ فهو قد أعان على حفظ المؤلفات ~~الموسيقية دون أن يتناولها التحريف أو التشويه الذي تتعرض له لو نقلت بالسماع وحده. ~~ولا شك أن رموز التدوين الموسيقي قد ازدادت دقة وثراء على الدوام، حتى أصبحت في ~~العهود الأخيرة قادرة على تسجيل كل تفاصيل القطعة وألوانها، وأصبح من الممكن - إذا كان ~~الأداء دقيقا - أن تؤدى القطعة على النحو الذي أراده مؤلفها تماما، دون أي إرشاد ~~من المؤلف ذاته. ولم يكن الحال كذلك قديما، حين كانت المدونات الموسيقية تخلو من بعض ~~العناصر التي تترك ms14 لتقدير القائم بالأداء. وبفضل التدوين أيضا أمكن أن تحدث هذه ~~التطورات المتعددة في الموسيقى، التي ازدادت بها عمقا على الدوام؛ إذ إن التدوين يحمي ~~المؤلف من تلقائية الارتجال وسطحيته، ويمكنه من صقل المادة الموسيقية الموجودة ~~لديه وتهذيبها على أكمل وجه ممكن، فضلا عن إضافة أبعاد جديدة إليها تزيدها عمقا ~~وثراء. # وبهذه المدونات يبدأ عمل القائم بالأداء؛ فمهمته هي أن يكون وسيطا، ينقل معاني ~~المؤلف وأحاسيسه، كما سطرها في مدوناته إلى السامعين. وأوضح وأبسط الشروط التي ينبغي ~~توافرها في الأداء، هو الدقة والأمانة. ولكن هذا الشرط يثير إشكالا ليس من اليسير ~~حله. فإلى أي مدى يجب أن يذهب القائم بالأداء في دقته وأمانته؟ تختلف الآراء في ~~الإجابة عن هذا السؤال؛ فهناك رأي يحتم على القائم بالأداء أن يجرد نفسه من كل ميل ~~شخصي، وأن يحرص على النقل الدقيق وحده. على أن هذا الرأي يعاب عليه أنه يجعل القائم ~~بالأداء سلبيا تماما، فيكون أشبه بالآلة التي خلت من تصرف واع؛ لهذا ينادي ~~الكثيرون بأن يتصرف القائم بالأداء تبعا لفهمه وتذوقه الخاص، مع عدم إخلاله بالأصل ~~الذي ينقله. والواقع أن عظماء العازفين والمغنين، تظهر شخصيتهم بكل وضوح في أدائهم، ~~فتسمع اللحن الواحد منطبعا بطابع من يقوم بأدائه، وقد يكون هذا الطابع شخصيا إلى ~~حد بعيد. وأذكر أنني كلما سمعت «كونشرتو» يقوم بالدور المنفرد فيه عازف الكمان العظيم ~~«چوزيف زيجيتي # Joseph Szigeti ~~» وجدت الأداء ~~متأثرا بأسلوب الفنان الشخصي، الذي تدركه الأذن الخبيرة لأول وهلة، ويختلف عن كل ما ~~عداه من طرق الأداء الأخرى، بحيث تبدو القطعة وقد اكتسبت روحا جديدة كل الجدة، ~~كل هذا دون أدنى إخلال بالأصل. وتلك في الحق هي صفة الأداء البارع؛ أن يكتسب شخصية ~~القائم به، ويتشرب بروحه، دون أن يصحب ذلك أي تحريف لما يسجله المؤلف في ~~مدوناته. # أما دور المستمع، فهو تلقي تلك المعاني والأحاسيس التي سجلها المؤلف، ونقلها إليه ~~القائم بالأداء. وإني لأذهب إلى أن الاستماع فن قائم بذاته، يقتضي تدريبا طويلا قبل ~~أن يصل الإنسان إلى ms15 ممارسته على النحو الصحيح؛ ذلك لأن للاستماع درجات ومراحل ~~متفاوتة؛ ففي أول مراحله لا يكون المرء قادرا إلا على استيعاب الموسيقى الخفيفة، ذات ~~الإيقاع الواضح، كالموسيقى الراقصة بأنواعها. ولما كانت هذه الموسيقى لا تتصف بالعمق، ~~ولا توحي بالمهابة والوقار؛ فإن الاستماع إليها يكون عادة مصحوبا بأداء أفعال أخرى؛ ~~كالكلام مثلا، فمن المحال أن تربى عادة الاستماع المركز في هذه المرحلة. وفي ~~مرحلة تالية تبدأ ملكة الاستماع تكتسب مزيدا من الخبرة، ويكون في وسع المرء أن ~~يتذوق مقطوعات أكثر عمقا، ولكنه لا يستطيع أن يهضمها كلها، أو أن يدرك معنى الأجزاء ~~المعقدة فيها؛ لهذا نرى المستمع في هذه المرحلة يضيق في كثير من الأحيان بأجزاء ~~معينة في المقطوعات التي يستمع إليها، وقد يبرح مكانه دون أن يكمل الاستماع! وأذكر - من تجربتي الشخصية - أنني كنت في هذه المرحلة أعجز عن التذوق الكامل للقطع الغربية ~~التي تعزف على «البيانو» أو التي تغنى بالصوت البشري؛ ذلك لأن ضربات البيانو في ~~الموسيقى الغربية، لا تملأ الفراغ الزمني بين كل علامة موسيقية وأخرى، بل تترك ذلك ~~للرنين الصوتي الذي تحدثه الضربة الأولى، فكان من الصعب ملء هذا الفراغ بالنسبة ~~إلى الأذن التي اعتادت سماع طريقة العزف الشرقية، وكانت القطعة تبدو مجموعة من ~~الأصوات المنفصلة التي يعجز الذهن عن إيجاد الوحدة بينها. كذلك كانت الحركات الصوتية ~~التي يتميز بها الغناء العربي تخفي الاتجاه الرئيسي للحن، فيصبح المرء عاجزا عن ~~متابعته. وخلال الصعوبات التي يواجهها المرء في هذه المرحلة، نراه يلجأ في كثير من ~~الأحيان إلى التشبيهات الشعرية؛ ليغلف بها اللحن، ويستعين بها على فهمه. على أن ~~المثابرة على السماع كفيلة بأن تجعل المرء يتغلب على هذه العقبات، فيمكنه التمتع ~~بكل أنواع التأليف والأداء. وفي المرحلة الأخيرة يكتسب المرء القدرة على التذوق الفني ~~الكامل للموسيقى، بحيث يستطيع عندئذ أن يكشف موضوعاتها الرئيسية، ويدرك ما طرأ عليها ~~من تنوعات واستطرادات، ولا يكتفي بالسطح اللحني الظاهر للقطعة، بل ينفذ إلى التيارات ~~الخلفية والاتجاهات الخفية فيها، ويدرك الوحدة الكامنة وراء هذه ms16 الكثرة المعقدة من ~~الأصوات. وهذه هي مرحلة الاستماع الكامل، الذي لا يتطرق إليه ملل، ولا تفوته جزئية ~~من الجزئيات. وهي بلا شك تقتضي قدرا هائلا من التركيز، غير أن الخبرة والمران ~~كفيلان بأن يجعلا هذا التركيز أمرا غير شاق، وبأن يمكنا المرء من زيادة درجة ~~انتباهه دون أن يفقده ذلك لذة التمتع الجمالي بالأنغام. # وهكذا تتفاوت درجات الاستماع تبعا لخبرة المستمع ومدى عمق تجاربه وطول مدة مرانه، ~~وينتهي به الأمر إلى أن يتفرغ خلال الاستماع إلى تفهم الموسيقى بكل تفاصيلها. ولعله ~~قد اتضح لنا السبب الذي قلنا من أجله: إن الاستماع إلى الموسيقى فن قائم بذاته؛ ذلك ~~لأنه في مرحلته العليا ليس عملا سلبيا كما يعني الكثيرون بكلمة الاستماع، وإنما هو ~~عمل إيجابي بكل معاني الكلمة، يقتضي انتباها وتركيزا لا يكتسبان إلا بعد مران طويل ~~الأمد، ويقتضي تدخل الذهن الواعي، إلى جانب الإحساس الانفعالي، أي: إنه عمل يشترك فيه ~~العقل مع الحساسية، ويقتضي بجانب التذوق الوجداني، تفكيرا وتحليلا ومقارنة. # | المعنى في الموسيقى # ارتبط معنى الفن طويلا بفكرة اللذة أو السرور، فقيل إن هدف كل أنواع الفنون هو أن ~~يبعث في الإنسان شعورا باللذة، أو يجلب له السرور. وليس في هذا التحديد العام ~~ذاته ما يثير إشكالا، وإنما تثار الإشكالات إذا كنا بصدد توضيح المقصود باللذة أو ~~السرور؛ ذلك لأن البعض يفهمون اللذة بمعنى سلبي، فتكون حالة يتقبل فيها الإنسان مؤثرا ~~خارجيا وينفعل له في استرخاء، دون أن يبدي من النشاط إلا الحد الأدنى، اللازم ~~للإدراك البسيط وحده. ومثل هذا الفهم لمعنى اللذة الفنية يلقى اعتراضات عديدة في كل ~~مجالات الفنون، وحسبنا هنا أن نشير منها إلى الاعتراضات التي توجه إليه في مجال ~~الموسيقى. # فاللذة السلبية في مجال الموسيقى هي ما يسمى بالطرب، وهي كلمة ثار حولها جدال طويل ~~في صحفنا المصرية في الآونة الأخيرة، ولكن الذي لا شك فيه أن طابع التأثير والانفعال ~~السلبي هو الغالب عليها. فغاية ما يؤدي إليه الطرب - إذا اتخذ هدفا للتأثير ~~الموسيقي - هو أن يبعث ms17 في الإنسان انفعالا؛ إما أن يكون هادئا يلطف أعصابه ويدفع ~~عنه متاعب الحياة، وإما أن يكون عنيفا ينسيه مشاكله الواقعية، ويشغل أعصابه عن ~~الاهتمام بالأمور الجدية في الحياة. والحق أن الكثيرين يعتقدون أن هذه هي الوظيفة ~~الحقيقية للموسيقى، وأن مهمتها ترفيهية فحسب. # على أنه لو كانت هذه هي المهمة الحقيقية للموسيقى، لما جاز لنا أن نتحدث عن أي معنى ~~لهذا الفن؛ ذلك لأن مجال المعاني أعلى من مجال الانفعالات السلبية التي لا تتيقظ فيها ~~الملكات الواعية إلا في أدنى صورها. فهل تخلو الموسيقى بحق من أي معني؟ لا شك أن مثل ~~هذا الخطأ في فهم وظيفتها لا يرجع إلا إلى التعود على أنماط معينة من الموسيقى، هي ~~التي تبعث في الإنسان اعتقادا بأن مهمتها أن تطربنا سلبيا فحسب. ولو اتسعت ~~تجربة المرء الموسيقية، واستوعبت الأنماط الرفيعة منها، لأدرك أن للموسيقى معنى ~~بالفعل، معنى إيجابيا تماما، لا تكتفي فيه بأن تهز أعصاب المرء أو تثير الانفعال ~~فيه، وإنما تضيف إلى ذلك إيقاظ العقل - عن طريق الحواس - وتنبيه الملكات الواعية، ~~وكشف حقائق جديدة كانت النفس تجهلها من قبل. والحق أن هذه هي المهمة السامية للفن؛ ~~ألا يكتفي بالتأثير السلبي فينا، بل أن يقدم إلينا شيئا إيجابيا، ويكسبنا ~~مزيدا من المعرفة بالحياة التي نعيش فيها، كل فن بطريقته الخاصة، التي تختلف بالطبع عن ~~طريقة التعلم أو التلقين العقلي المباشر. وبهذا المعنى وحده ينبغي أن نفهم ~~الموسيقى. # ومهمتنا الآن هي أن نبحث في هذه الطريقة الخاصة التي تتميز بها الموسيقى في التعبير ~~عن معانيها. وإذا كنا قد بحثنا من قبل في عناصر اللغة الموسيقية بحثا تحليليا، ~~فعلينا الآن أن نبحث في الطريقة التي تصل بها الموسيقى في صورتها النهائية إلى أذهاننا، ~~والتأثير الخاص الذي تتميز به في نقل معانيها. # ولقد اعتاد كثير من الناس أن يفهموا الموسيقى فهما شاعريا؛ بمعنى أنهم يبحثون عن ~~معان أدبية أو صور حسية في كل لحن يستمعون إليه. ويبرر بعض المفكرين النظريين ~~هذه الظاهرة بتقسيمهم الموسيقى إلى نوعين؛ نوع ms18 خالص أو مجرد، ونوع ذي موضوع أو ~~برنامج؛ فالنوع الأول لا يثير في الأذهان صورا على الإطلاق، وإنما هو نماذج صوتية ~~جميلة، ينبغي أن تسمع لذاتها فحسب، ومن أمثلته في موسيقى بيتهوفن الرباعيات # Quartets ~~. أما النوع الثاني فيقصد به تصوير موضوع ~~معين، وتصور هذا الموضوع خلال السماع يزيد من فهمنا للموسيقى، ومن أمثلته لدى ~~بيتهوفن أيضا: السيمفونية السادسة (الريفية). وهكذا يجد أصحاب هذا التقسيم عذرا ~~لأولئك الذين يحشدون كل ما يستمعون إليه بالتخيلات اللفظية أو التصويرية، بل إن ~~البعض يرسم للموسيقى الخالصة ذاتها صورا معينة، هي بدورها صور هندسية مجردة، كالخطوط ~~المتعاقبة التي صور بها وولت ديزني مقطوعة باخ «توكاتا وفيوج» في فيلمه الموسيقي ~~«فانتازيا». # على أن هذا التقسيم الثنائي للموسيقى لا يحل أي إشكال؛ فستظل هناك مؤلفات موسيقية ~~عديدة لا ندري تحت أي النوعين تندرج. ولنأخذ مثلا - في موسيقى بيتهوفن أيضا - ~~السيمفونية التاسعة. فهل هي موسيقى مجردة؟ من المحال أن نقول: إن هذه الموسيقى نماذج ~~صوتية جميلة فحسب، وأنها لا تحمل إلينا أحاسيس أو معاني أو أفكارا. ولكن هل هي إذن ~~موسيقى ذات موضوع أو برنامج محدد؟ الحق أننا لو حاولنا أن نحدد هذا الموضوع أو ~~البرنامج، لما أمكننا أن نرسم له خطوطا واضحة على الإطلاق، ولوجدنا أن من الممكن ~~استبدال كثير من التشبيهات أو الأفكار بتشبيهات وأفكار أخرى لا تقل عنها انطباقا على ~~الموسيقى. # بيتهوفن. # والذي يمكننا أن نؤكده هو أن الفارق بين الموسيقى المجردة والموسيقى ذات الموضوع ~~فارق في الدرجة فحسب؛ ففي وسعنا أن نقول: إن كل موسيقى هي، بمعنى معين، موسيقى ذات ~~موضوع؛ إذ إنها - من حيث هي إنتاج فني صادق، مرتبط بحياة مؤلفه وبمجتمعه ارتباطا ~~وثيقا - لا بد أن تعبر عن معان نستطيع نحن أن نهتدي إليها. غير أن هذه المعاني، في ~~الجزء الأكبر من الإنتاج الموسيقي المألوف، لا يمكن أن تكون جزئية محددة، نستطيع ~~الإشارة إليها أو الاتفاق عليها بالإجماع، بل إن الموسيقى، كما قلنا من قبل، تتجاوز ~~نطاق الجزئيات إلى الكليات؛ ولذا كان ms19 في وسعنا أن نقول: إن كل موسيقى هي، بمعنى آخر، ~~موسيقى مجردة ، ما دامت تعلو على التفسيرات الجزئية المخصصة. فهاتان الصفتان - أعني كون ~~الموسيقى ذات موضوع، أو كونها مجردة - ليستا أساسا لتصنيف المؤلفات الموسيقية، وإنما ~~هما بالأحرى وجهان متباينان للتعبير الموسيقى ذاته. وهذا لا يمنع على الإطلاق من ~~وجود مؤلفات معينة تقف في هذا الطرف أو ذاك؛ فالرباعيات في الطرف الذي تبلغ فيه ~~المعاني أعم درجة ممكنة، والسيمفونية الريفية تقف في الطرف الآخر، الذي يحدد فيه ~~مؤلفه النطاق الذي ينبغي أن تفهم مقطوعته من خلاله. وعلى أية حال فهذا النوع من ~~الموسيقى ذات الموضوع الصريح قليل، وأغلب المؤلفات تجمع بين صفة وجود الموضوع، في صورة ~~معان عامة، وصفة التجريد، التي ترجع إلى عمومية هذه المعاني ذاتها. # ولقد أجريت تجارب طريفة لمعرفة الأنماط المختلفة من المستمعين في فهمهم ~~للموسيقى، نشرها ماكس شون # Max Schoen # في كتاب ~~«تأثيرات الموسيقى # The Effects of Music ~~» ~~فقدمت قطع موسيقية مختلفة لجمهور فيه الموسيقيون المحترفون، وفيه ذوو الثقافة ~~الفنية الرفيعة، ولكنهم ليسوا موسيقيين، وفيه من يحب الموسيقى سماعا، ومن لا ~~يتذوقها على الإطلاق. ولوحظ أن ذوي الذوق الفني الرفيع، الذين لا يحترفون الموسيقى ~~ولا يعرفون أصولها، يلجئون دائما إلى التشبيهات في فهمهم للموسيقى، وإلى إيراد ~~الارتباطات التي تذكرهم بها، أما محترف الموسيقى، أو ذلك الذي اكتسب دراية ~~بأصولها، فلا يفكر أثناء الاستماع إلا في الموسيقى من حيث هي موسيقى، ويتمتع بها ~~تمتعا جماليا يخلو من أية صورة تخيلية أو تشبيهية. ومن هذه التجارب نستطيع أن ~~نستنتج أن الخبرة الطويلة تؤدي بالمرء إلى أن يفهم الموسيقى على النحو الصحيح، فلا ~~يحشدها بالمعاني الجزئية؛ إذ إن الموسيقى تقبل عديدا منها، وإنما يكتفي بالاستمتاع ~~بها دون إقحام للخيال الشعري أو التصويري. # وهنا قد يتساءل المرء: هل تعني قابلية القطعة الموسيقية الواحدة لتفسيرات مختلفة، ~~أن الموسيقى لا تعني شيئا على الإطلاق، وأن لكل فرد أن يفهمها كما يشاء، وفهمه ~~في كل الأحوال باطل؟ الواقع أن هذه النتيجة أبعد ما تكون ms20 عما نهدف إليه؛ ~~فللموسيقى - كما أكدنا من قبل - معنى بالضرورة، غير أن من طبيعتها أن يكون هذا ~~المعنى عاليا على التشبيهات الجزئية التي يلجأ إليها أصحاب المزاج الشاعري أو ~~الرومانتيكي من غير الخبراء في الموسيقى، الذين يؤكدون أن هذه الحركة من سيمفونية ~~بيتهوفن الخامسة (مثلا) تشير إلى ضربات القدر، وتلك تعني الاستسلام له، وهذه ~~يمثل بها الصراع معه، والأخيرة تعني الانتصار عليه ... إلى آخر هذه التشبيهات ~~الأدبية التي تسيء إلى المتعة الجمالية أكثر مما تعين على تحقيقها؛ ذلك لأن أقصى ما ~~تستطيع الموسيقى أن تبعثه فينا، هو أن تضفي علينا معاني وأحاسيس عامة، أي: إنها ~~تخلق فينا «جوا» معينا، يمكننا أن ندرك تياره العام، ولكننا لا نستطيع أن نحدد ~~تفصيلاته الجزئية، ولن نستفيد شيئا لو استطعنا ذلك. # كل هذه الأفكار عن صلة المعنى الموسيقي بمجال التشبيهات الشعرية أو التصويرية ~~تؤدي بنا ضرورة إلى بحث علاقة الموسيقى بمجال مرتبط بها أوثق الارتباط، وأعني به ~~مجال الكلمات، الذى اختلط بها اختلاطا وثيقا في الغناء. فإلى أي مدى تفيد الكلمات ~~المرتبطة بالموسيقى في تحديد معانيها؟ وهل يزداد معنى الموسيقى دقة ووضوحا إذا ~~شرح عن طريق الأغنية؟ # لكي نجيب عن هذا السؤال، ينبغي أولا أن نفهم العلاقة بين الغناء والموسيقى فهما ~~صحيحا؛ فليس الغناء أمرا دخيلا على الموسيقى، أو عنصرا أضيف إليها فيما بعد، بل إن ~~العلاقة بينهما عكس ذلك؛ فالموسيقى هي التي استمدت من الغناء؛ ذلك لأن الفن ~~الموسيقي قد بدأ منذ أن تعلم بعض المنشدين كيف ينظمون طريقة إنشادهم على نحو ~~إيقاعي منغم، وظل فن الأنغام مرتبطا بالغناء طويلا، وعندما ظهرت الآلات الموسيقية، ~~كان الغرض منها هو مساعدة الصوت البشري أو تقويته أو تزيينه. وبعد تطور طويل بدأت ~~الآلات تستقل عن الصوت تدريجيا، ونظرا لاتساع مجال التعبير بها، فقد أخذت ~~تفوقه بالتدريج، حتى أصبحت موسيقى الآلات هي الأساسية عند الغرب، وإن كان فن الغناء ~~لا يزال على ازدهاره. وعلى ذلك فتطور علاقة موسيقى الآلات بالغناء تتلخص في أنها كانت ~~تعتمد عليه في ms21 أول الأمر اعتمادا تاما، ثم استقلت عنه فيما بعد. وهذا الاستقلال الذي ~~أصبحت تتصف به موسيقى الآلات في الوقت الحالي هو في ذاته دليل على أن الأنغام ~~الخالصة، دون أية كلمات مصاحبة، هي وسيلة كافية للتعبير. بل إن هذه بعينها هي الصفة ~~المميزة للتعبير في الموسيقى؛ أن يكون عاما، مستقلا عن كل وسيلة لتخصيص معانيه. ~~فإذا قيل: إن هناك وجها هاما للموسيقى الغربية لم نتحدث عنه، وهو الفنون الغنائية؛ ~~كالأوبرا، قلنا: إن هذا الوجه ليس استثناء لهذه القاعدة؛ فالأصوات البشرية في الأوبرا ~~إنما تعامل معاملة الآلات الموسيقية، أعني أن المقصود منها هو التأثير عن طريق ~~أنغامها، لا عن طريق كلماتها. والدور الذي تلعبه الكلمات في الأوبرا دور غير كبير، ~~فما هي إلا وسيلة لإظهار الصوت البشري، ومطية له فحسب. والمستمعون إلى الأوبرا لا ~~يترددون عليها من أجل ما فيها من كلمات، بل من أجل موسيقاها: موسيقى الآلات، وموسيقى ~~الأصوات معا. # فللموسيقى إذن قدرة معبرة بذاتها، وهي ليست في حاجة إلى معونة الكلمات ~~النثرية أو الشعرية لإكمال قدرتها التعبيرية، بل إن قوتها لتكمن في استقلالها، ~~وفيما لها من كيان خاص ينقل لنا معاني عامة حقا، ولكن عموميتها هي أصل روعة هذا ~~الفن. # على أن هناك موسيقيا واحدا له رأي آخر في علاقة الموسيقى بالكلمات أو الشعر، ولن ~~يكمل عرضنا للقدرة التعبيرية في الموسيقى إلا إذا ناقشناه؛ هذا الموسيقي هو رتشارد ~~فاجنر. # فقد رأى فاجنر - وهو في رأيه هذا يتفق مع ما قلناه ها هنا - أن تعبير الموسيقى عام ~~إلى حد بعيد؛ فمعانيها لا تحدد في نطاق واضح يدركه الذهن عن وعي، بل هي غامضة ~~مبهمة، تتسع لعديد من التفسيرات والتأويلات؛ فهي في رأيه تتعلق حقا بالمجال الباطن ~~للنفس الإنسانية، ولكنها لا تقدم عن هذا المجال صورة واضحة المعالم. ومن جهة أخرى، ~~فهو يرى أن الشعر قد ابتعد عن المجال الباطن، وأصبح أميل إلى سرد الحوادث الخارجية التي ~~لا تتغلغل في أعماق النفس. أما محاولة التقريب بين الموسيقى والشعر في الأوبرا ~~المعتادة، ms22 فيصفها بأنها محاولة سطحية، تظل الموسيقى فيها هي الطاغية؛ لهذا دعا فاجنر ~~إلى خلق «الدراما الموسيقية»، التي تحاول الموسيقى فيها أن تقترب من الشعر إلى أقصى حد، ~~ويعمل الشعر من جهته على تكملة الموسيقى؛ إذ إن الكلمات، بما تثيره من معان عقلية، ~~تأخذ طريقها إلى النفس بتوسط الذهن أو العقل، وهي مع ذلك - وربما من أجل ذلك - تستطيع ~~بسهولة أن تحدد المعنى الذي ترمي إليه، وتخصص الانفعال الذي تتجه إلى إثارته؛ ~~فالموسيقى والشعر إذن وجهان يكمل كل منهما الآخر في الدراما، كما تصورها فاجنر: ~~الأولى تنفذ إلى أعماق النفس مباشرة، ولكنها لا توجهها وجهة محددة، بل يتولى ~~الشعر هذه المهمة، فتوضح كلماته معالم الصورة التي قدمتها إلينا الموسيقى في ~~إطار مبهم. # رتشارد فاجنر. # وفي ضوء ما قلناه من قبل، يمكننا أن نهتدي إلى عناصر النقد الذي يوجه إلى رأي ~~فاجنر هذا؛ فمن الخطأ البين الاعتقاد بأن عمومية التعبير الموسيقي هي مصدر نقص ~~فيه، بل إن هذه هي طبيعة ذلك التعبير. وليست الموسيقى في حاجة إلى فن آخر مكمل، ~~كالشعر؛ حتى تعوض هذا النقص المزعوم. وللمرء أن يشك في القيمة الحقيقية لهذا ~~العمل الفني الجامع # Gesamtkunstwerk # الذي دعا إليه ~~فاجنر، والذي يتضافر فيه، مع الموسيقى، الشعر والتصوير (في المناظر المسرحية) والتمثيل ~~والرقص في بعض الأحيان؛ ذلك لأن كل هذه العناصر الفنية مجتمعة، لا تجلب متعة تفوق تلك ~~التي يستشعرها المرء إذا استمع إلى سيمفونيات بيتهوفن أو برامز مثلا. والذي لا شك فيه ~~أن رواد المسارح التي تؤدى فيها درامات فاجنر، لا يؤمونها من أجل ما فيها من شعر، ~~ولا ما فيها من تمثيل أو مناظر مسرحية بارعة، بل من أجل ما فيها من موسيقى وغناء ~~مصاحب لها فحسب. وما كان فاجنر بالشاعر الممتاز، كما ظن الكثيرون، بل إن الميدان ~~الذي جلب له الشهرة هو الموسيقى وحدها. # وأخيرا، فعلينا أن نؤمن بأن للموسيقى، في مجالها الخاص، قدرة تعبيرية كاملة، ~~وأنها فن مكتف بذاته، وأن عمومية معانيها مصدر قوة لها؛ إذ إن المؤلفات ms23 الموسيقية ~~ذات الموضوع الواضح، الذي نستطيع أن نشير إليه لأول وهلة، هي عادة أضعف تأثيرا من ~~تلك التي تؤثر فينا تأثيرا عاما، هو حقا مبهم، ولكن صداه في انفعالاتنا وأذهاننا ~~واضح كل الوضوح. # | التطور الموسيقي # في وسعنا أن نلخص التطور الذي مرت به الموسيقى من حيث قدرتها التعبيرية ~~ووظيفتها وأسلوبها في عبارة واحدة؛ هي أنها قد سارت تدريجيا في طريق طويل، تحولت ~~فيه من فن ذي نطاق ضيق في تعبيره ووظيفته وأسلوبه، إلى فن شامل ذي صبغة إنسانية عامة، ~~وثيق الصلة بالحياة وبالمجتمع الإنساني الكبير. # ولسنا بحاجة إلى أن نعيد هنا ما ذكرناه في الفصل السابق عن تطور القدرة التعبيرية ~~للموسيقى، وكيف أصبحت هي وحدها قادرة على نقل كل المعاني التي تدخل في نطاق قدرتها ~~هذه، دون حاجة إلى أن تستعين بالشعر أو بأي فن آخر يضفي على هذه المعاني مزيدا من ~~التحديد. والذي نود أن نشير إليه في هذا المجال، هو أن هذا التطور - الذي أكد ~~للموسيقى استقلالها بوصفها فنا له كيان بذاته - قد أكسبها في نفس الوقت صبغة الفن ~~الإنساني العام، الذي يعلو على كل الحدود والفواصل التي تفرق بين البشر؛ ذلك لأن ~~الموسيقى لو كانت قد ظلت على تقيدها بالشعر، لأدى ذلك إلى صبغتها بصبغة محلية، ~~ترتبط باللغة الخاصة لذلك الشعر في بيئاته المختلفة، وبالحوادث أو المعاني المتباينة ~~التي يعبر عنها، والتي قد لا تفهم من حيث هي أعمال فنية إلا في هذه البيئات ~~وحدها. ولا شك أن أمرا كهذا كان كفيلا بأن يقضي على طابع الشمول الذي ينفرد به ~~الفن الموسيقي. أما استقلال الموسيقى، فقد أدى بها إلى أن تصبح أكثر الفنون عمومية، ~~وأبعدها عن التقيد بالفواصل والحدود المحلية التي تميز جماعة بشرية عن الأخرى. ~~والحق أن أي فن آخر لا يمكن أن يبلغ ما بلغته الموسيقى في هذا المضمار؛ ففي كل ~~الفنون الأخرى نوع من التعبير العيني الملموس، الذي يرتبط - قطعا - بتجارب معينة ~~قد لا تفهم أحيانا إلا في نطاق سياقها المحلي. أما الموسيقى، فإن ms24 الصبغة العامة التي ~~لاحظناها عليها تجعلها أعم اللغات الفنية وأشملها. وإذا كان هذا الرأي ينطبق - إلى ~~حد غير قليل ، ولا أقول: إلى حد تام - على «المعاني» التي تعبر عنها الموسيقى، من حيث ~~إن عموميتها أوسع من أن تنحصر في مجال أو نطاق خاص، فإنه ينطبق بمزيد من الدقة على ~~«وسائل» التعبير الموسيقي، أعني الأصوات وتفاعلاتها، التي تكون لغة تستجيب إليها ~~الحساسية البشرية بطريق مباشر، دون حاجة إلى أية وساطة. وعلى أية حال فسوف نزيد هذا ~~الموضوع بحثا وتحليلا عند الكلام عن الموسيقى والطابع القومي؛ لنختبر حجج أنصار ~~«المحلية» أو «القومية» في الموسيقى. # أما التطور في وظيفة الموسيقى، فقد سار في نفس الاتجاه؛ أعني أنه أدى إلى تحويل ~~الموسيقى من فن يخدم أغراضا خاصة، إلى فن إنساني يفي بالمقتضيات البشرية عامة؛ فقديما ~~كانت الموسيقى وثيقة الارتباط بالسحر، فلا يستخدمها سوى تلك الفئة القليلة التي تقوم ~~بالأعمال السحرية الغامضة، وتلك بلا شك هي أضيق المراحل نطاقا بالنسبة إلى أداء ~~الموسيقى لوظيفتها؛ إذ إنها كانت عندئذ عملا سريا غامضا، يستعان به في تحقيق ~~أغراض جماعة محدودة من الناس، ويحرم على الآخرين الاطلاع على أسراره، أو حتى تذوقه ~~إلا فيما يخدم الأغراض السحرية. ولما كانت أعمال السحر في كثير من المجتمعات محرمة أو ~~غير مشروعة، تهدف إلى أغراض خارجة عما يقره المجتمع، فمن الجائز أن ارتباط الموسيقى ~~به في العهود القديمة هو الأصل الأول؛ لما شاع في بعض العقائد من تحريم أو كراهية ~~لها. # وفي العصور الوسطى أصبحت وظيفة الموسيقى في الغرب هي خدمة أغراض الكنيسة، والمساعدة ~~في أداء الطقوس الدينية. وعلى الرغم من أن هذه الوظيفة أوسع نطاقا من الوظيفة المرتبطة ~~بالسحر؛ فإن مجالها كان لا يزال محدودا، بل إن طابع الغموض والسرية كان لا يزال ~~قائما؛ إذ إن الكثيرين من العارفين بصنعة الموسيقى كانوا في ذلك الحين يضنون بها على ~~من عداهم، ويحتكرون أسرارها لأنفسهم، ويوجهونها وجهة تتمشى مع أغراضهم الخاصة. ~~ومن المحال في ظروف كهذه أن تكون الموسيقى فنا إنسانيا عاما. ms25 # وفي أوائل العصور الحديثة، حدث في الغرب تطور أدى إلى توسيع نطاق وظيفة الموسيقى، ~~وإن كانت قد ظلت بعيدة عن النطاق الإنساني العام. فقد انتقلت الموسيقى من الكنائس ~~إلى قصور الأمراء والنبلاء الإقطاعيين، وكان ذلك الانتقال طبيعيا؛ إذ إن مركز السلطة ~~ذاته قد انتقل من الكنيسة إلى الحكام المحليين في أوروبا، فضلا عن أن كثيرا من رجال ~~الدين كانوا في الوقت نفسه من كبار الإقطاعيين. وبعد أن كان الموسيقي تابعا للكنيسة، ~~أصبح يعمل في خدمة الأمير، شأنه شأن أي واحد من أصحاب الوظائف في القصر. وكانت مهمة ~~الموسيقي عندئذ هي أن يؤلف مقطوعات يقصد بها الترويح عن الأمير وعن ضيوفه في ~~الحفلات الخاصة. ولا شك أن كثيرا من هذه المقطوعات كانت تتعدى هذا النطاق الضيق، ~~وتنتشر بين جماعة أوسع، غير أن مجالها الأصلي كان تلك الجماعة المحدودة التي يكونها ~~الأمير وخاصته، وهدفها هو إشاعة المرح والسرور في نفوسهم فحسب. عندئذ كان من الطبيعي أن ~~يعجز الموسيقي عن التعبير عن معان إنسانية عامة، أو أن يعكس في موسيقاه أحاسيسه ~~وانفعالاته الحقيقية، وإنما كان يقدم قطعا يغلب عليها طابع الرقص الخفيف، أو قطعا ~~تكشف عن البراعة في العزف، وتتناسب مع طبيعة الجمهور الذي توجه إليه. # ولا جدال في أنه - إذا استثنينا حالات فردية قليلة - كان من المستحيل على الموسيقي ~~عندئذ أن يسير وحده في اتجاه مستقل، بينما كانت كل الأوضاع الاجتماعية الأخرى توحي ~~بالخضوع لاستبداد طبقة الإقطاعيين الكبار. ولم يبدأ التحرر الحقيقي في ميدان الموسيقى ~~إلا بعد أن حدث تحرر مواز له في ميدان العلاقات الاجتماعية العامة. ومن الظواهر ~~التي لا ينبغي أن تمر بنا دون تعليق نستنبط فيه دلالتها العميقة: أن آخر الموسيقيين ~~التابعين، الذين عاشوا معتمدين على وظيفتهم لدى أمير من الأمراء، كان موتسارت، الذي ~~مات في عام 1791م، أي في الوقت الذي كانت الثورة الفرنسية فيه قد بلغت أوج ~~احتدامها؛ فبعد هذه الثورة - التي قلبت الأوضاع الاجتماعية رأسا على عقب، وأكدت ~~مبادئها احترام الشخصية الإنسانية، وقضت على سلطان الإقطاعيين ms26 نهائيا - لم يظهر ~~موسيقي واحد من التابعين، بل اتسع المجال لوظيفة جديدة للموسيقي، ظهرت بأجلى معانيها ~~عند بيتهوفن، وهي وظيفة التعبير عن المشاعر الإنسانية المستمدة من أعمق التجارب ~~الواقعية للفرد في مجتمعه. وإذا كان تجديد بيتهوفن يبدو - لمن يتتبع التاريخ ~~الموسيقي وحده - طفرة جبارة، ليس لها نظير، فإنه يبدو أمرا طبيعيا إذا ربطنا ~~تاريخ الموسيقى بالتاريخ الاجتماعي العام. ومنذ ذلك الحين تأكدت هذه الوظيفة الجديدة ~~للموسيقى، وأصبحت هي المحور الذي تدور حوله الأعمال الرائعة في هذا الفن. # على أننا لا نستطيع أن نقول: إن تحرر الفنان قد أصبح تاما، وإنه يستطيع الآن أن ~~يعبر عن تجاربه الإنسانية تعبيرا خالصا لا يعوقه عائق؛ ذلك لأن الفنان الموسيقي ~~بعد أن استقل عن تحكم الأمير أو الإقطاعي، قد بدأ يستعين بالناشرين والمنظمين من أجل ~~كسب عيشه. ولو راجعنا تاريخ حياة الموسيقيين المشهورين، لوجدناه حافلا بأمثلة ~~استغلال تجار الموسيقى لهم، ولكن هذا الاستغلال قد اتسع نطاقه في القرن العشرين إلى ~~حد لا نظير له. فقد أدى التوسع في تطبيق الكشوف العلمية في مجال الموسيقى، إلى أن ~~تضاعف عدد المستمعين آلاف المرات، بل أصبح الاستماع إليها أمرا يكاد يكون في ميسور ~~الجميع، عن طريق الإذاعة اللاسلكية والتسجيلات. ولقد كان مثل هذا الأمر كفيلا بأن يؤدي ~~إلى بعث نهضة موسيقية هائلة، ولكن الذي حدث هو أن مديري الأعمال والمنظمين وأصحاب ~~الشركات، قد استغلوا هذا التوسع على نحو أدى إلى أن يضيق به الموسيقيون ~~أنفسهم. # ومن أمثلة ذلك ما يلاحظه موسيقي أمريكي معاصر هو # Roger ~~Sessions # من أن الفنان قد أصبح خاضعا لمشيئة السوق، ولما يمليه ~~عليه المتعهد بتنظيم أعماله الفنية ونشرها، ومن أن المستمع قد أصبح «مستهلكا» ينبغي ~~إرضاؤه بطريقة لا تختلف كثيرا عن الطرق التجارية المعتادة # 1 # ولا شك أننا لا نستطيع في مثل هذه الظروف أن نتحدث عن تحرر موسيقي كامل، ~~طالما كان الفنان خاضعا لتقلبات السوق ومقتضياته. غير أن ما يقيد حرية الفنان في مثل ~~هذه المجتمعات هو ذاته ما يقيد حرية كل ms27 فرد آخر فيها، وأعني به الاستغلال الجشع الذي ~~تتميز به الشركات الكبرى في معاملاتها. وفي مثل هذه المجتمعات لا يكون من المستغرب أن ~~نجد الفن الموسيقي الصحيح يعاني تأخرا كبيرا. # وإذن فلنا أن نقول: إن فنا كالموسيقى يقتضي - إذا شاء أن يصل إلى التحرر الكامل ~~في أداء وظيفته - أن يتخلص من تحكم الاستغلال التجاري، بحيث تتوافر للفنانين حياة ~~مستقرة هادئة، تضمن للكفاءات الصحيحة منهم أن تظهر وتتفوق بمجهودها الخاص، دون أن ~~تتدخل العوامل الاستغلالية المصطنعة في رفع شأن البعض وخفض البعض الآخر؛ لاعتبارات قد ~~لا يكون لها في كثير من الأحيان صلة بالفن ذاته. ومع ذلك، ففي وسعنا أن نقول: إن ~~الموسيقى، على الرغم من هذه القيود التي لا زالت تكبلها في كثير من المجتمعات، قد ~~أصبحت فنا إنسانيا شاملا، وتجاوزت وظيفتها نطاق التعبير عن مقتضيات فئات قليلة ~~من الناس، فأصبحت تتحدث بلسان الإنسان بوجه عام، وترتبط بمشاكله الحقيقية أوثق ~~الارتباط. ~~••• # شونبرج. # فإذا انتقلنا إلى الحديث عن التطور في أسلوب الموسيقى، أو في طرق أدائها، لوجدنا أن ~~هذا التطور قد سار دائما نحو تحقيق الغاية العامة التي تحدثنا عنها من قبل؛ فكل ~~الكشوف التي استحدثها الموسيقيون منذ عهد باخ حتى عصرنا القريب، كانت ترمي إلى زيادة ~~القدرة التعبيرية للموسيقى، وإلى توسيع نطاق لغتها؛ حتى تفي بمقتضيات هذا الفن ~~الإنساني الرفيع. # ولقد ظل التطور في هذا الطريق يسير متصلا، فيأتي كل فنان بتجديدات رائعة، سرعان ما ~~تندمج في التراث الموسيقي القديم؛ لتكون معه مركبا أعمق وأغزر مما عرف من قبل. ~~وأدى تدرج هذا التطور إلى تمكين الناس من فهم كل تجديد ذي قيمة، واستيعابه سريعا، ~~ثم ضمه إلى تلك الذخيرة الضخمة من الكشوف والتجديدات، التي حفل بها تاريخ الموسيقى ~~الحديثة. وكان التجاوب يسود دائما بين جماهير المستمعين وبين الفنانين، هذا إذا ~~استثنينا حالات قليلة من عدم الاعتراف، سرعان ما كان يعقبها تقدير كامل للفنان إذا ~~كانت مؤلفاته تستحق ذلك. # غير أن تاريخ الموسيقى فوجئ في أواخر القرن التاسع عشر، والربع الأول ms28 من القرن ~~العشرين، بحركة موسيقية تكاد ترمي إلى اقتلاع الماضي من جذوره، وإلى استحداث تجديدات - ~~أو على الأصح انقلابات - في الأسلوب الموسيقي، تكاد تنكر التطورات الماضية، أو تترفع ~~عن الاندماج فيها. وللمرة الأولى في تاريخ الموسيقى، يحدث تجديد يعترف مبتكروه ذاتهم ~~بأنه لا يهضم ولا يفهم إلا بعد عناء طويل، ويؤكدون - رغم ذلك - أن عدم فهم الناس ~~له لا ينقص من قدره شيئا، بل يصرون على أن هذا الاتجاه هو وحده الذي ينبغي أن تسير ~~فيه الموسيقى إذا شاءت أن تخرج عن دائرة التكرار الرتيب. # وهكذا ظهرت «ابتكارات» عديدة في كل ميادين الموسيقى: فعند شونبرج # Schönberg # يقضى تماما على السلم الغربي بفرعيه: ~~الكبير والصغير، وتزول أهمية الأبعاد بين الأصوات، ويصبح لكل نصف صوت من الاثني عشر ~~نصفا، التي يتكون منها ذلك السلم، نفس الأهمية التي للآخر. وتبع ذلك تغيير أساسي ~~في توافق الأصوات، فلم تعد القاعدة فيه إحداث توافق بين أصوات تنتمي إلى سلم واحد ~~يتمشى مع الاتجاه الذي يسير فيه اللحن في موضع التوافق، وإنما أصبح التوافق بين أصوات ~~منفردة، أو مجموعات من الأصوات، ينتمي كل منها إلى سلم مختلف. وحدثت تغيرات موازية في ~~«صورة» الموسيقى أو قالبها على يد سترافنسكي # Stravinsky ~~، فلم يعد الفنان يبالي بالصور التقليدية، بل أصبح انطلاق ~~اللحن «حرا» لا يعوقه شيء. ومنذ ذلك الحين أخذت التجديدات تتوالى، وتبارى الموسيقيون ~~في كشف قواعد غير مألوفة، أو في الخروج عن القواعد المألوفة، بل أتى على الموسيقى ~~وقت ظن فيه أن القوالب القديمة قد اندثرت تماما، وأن الاتجاه الثائر الجديد قد ~~استقر نهائيا. غير أن مثل هذه الحمى التجديدية التي بلغت أوجها في الربع الأول من ~~القرن العشرين، أخذت بعد ذلك تفتر رويدا رويدا، وبدأ الفنانون ينظرون بعين نقدية ~~إلى الكشوف الثائرة السابقة؛ يستبعدون منها الكثير، ويستبقون منها ما يؤمنون حقا ~~أنه يضفي على الفن الموسيقي لونا جديدا، يتلاءم مع الألوان الزاخرة التي أضفاها ~~عليه السابقون. ونستطيع أن نقول: إن الأسماء التي تتألق اليوم في عالم الموسيقى، ms29 هي في ~~معظهما أسماء فنانين استطاعوا - على نحو ما - أن يستفيدوا من الكشوف الانقلابية ~~استفادة مستنيرة، وألا يندفعوا في تيار التجديد إلى الحد الذي يجعل من موسيقاهم سلسلة ~~متصلة من الأصوات الغريبة التي لا تستسيغها الآذان، ومن هذه الأسماء: سبيليوس، ~~ورتشارد شتراوس، ورخمانينوف، وخاتشاتوريان، وشوستاكوفتش، وبروكوفييف. # سترافنسكي. # سيبيليوس. # فما هي الأسباب التي دعت إلى نبذ الثورة الانقلابية في الموسيقى، والعودة إلى التجديد ~~التدريجي المتزن؟ الذي لا شك فيه أن فهم الوظيفة الحقيقية للفن الموسيقي هو الذي أرشد ~~الموسيقيين إلى المنهج السليم الذي ينبغي أن يتبعوه في أسلوبهم. فالموسيقى - بعد أن ~~أصبحت فنا يخاطب الإنسانية كلها، ويعبر عن معان ترتبط بحياة الناس الفعلية في هذا ~~العالم - كان من المستحيل أن ترجع ثانية إلى الوراء، فتتحدث بلغة غامضة لا يفهمها إلا ~~الأقلية النادرة، بل لا تفهمها هذه الأقلية ذاتها! أجل؛ فتلك الدعوى القائلة: إن الآذان ~~لا تستسيغ الموسيقى الجديدة؛ لأنها لم تألفها، وأنها إذا اعتادتها فسوف تحسن فهمها ~~وتذوقها، وتهتدي فيها إلى ما لم تدركه من عناصر الجمال - تلك الدعوى باطلة؛ إذ إن ~~الآذان مهما ألفت سماع الموسيقى المبنية على النظم الثورية الخالصة، فلن تجد فيها ~~«جمالا» بالمعنى المألوف. إن التحليل العقلي يكشف في هذه الموسيقى تجارب صوتية جديدة ~~لم تعرف من قبل، ولكن عنصر التمتع الجمالي مفقود فيها، بل إن بعض المقطوعات التي ~~تتطرف في تطبيق المذاهب الحديثة لا تعدو أن تكون مجموعة من الأصوات الخشنة التي لا ~~يمكن أن يخفف التعود من تنافرها. وادعاء أشخاص معينين أنهم يجدون لذة فنية في ~~الاستماع إلى هذه الموسيقى هو من قبيل «الحذلقة» فحسب. وأقصى ما يجده المرء فيها، هو ~~نوع من المتعة العقلية، الناشئة عن الإحساس بارتياد آفاق مجهولة في العالم الصوتي. # 2 # وإذا استثنينا القلة المتعمقة في دراستها، التي تهتم بتحليل مثل هذه الكشوف علميا، ~~فسوف نجد أن الكثرة الغالبة من الجمهور - الذي تتوجه الموسيقى عادة إليه - لا شأن لها ~~بهذه التجارب الصوتية في قليل أو كثير. وفي هذا - بالإضافة إلى ما ms30 لاحظناه من غياب ~~عنصر التمتع الجمالي عند الاستماع إلى هذه الموسيقى - نجد التعليل الكافي للإخفاق الذي ~~صادفته تلك المحاولات التجديدية المتطرفة؛ ذلك لأن الموسيقى قد سارت في الطريق الذي ~~تخاطب فيه الناس بمعان يفهمونها، ويجدون فيها صدى لإحساساتهم في حياتهم الواقعية. ~~وهي قد أخذت على عاتقها أن تعين الإنسان في سعيه الدائم إلى التقدم، ولا بد لها - ~~تبعا لذلك - أن تشق طريقها إلى أذهان الناس جميعا. فإن ظهر نظام موسيقي لا يصل ~~إلا إلى فئة متخصصة قليلة، كان هذا النظام محكوما عليه بالإخفاق منذ البداية؛ فمنذ ~~اللحظة التي أصبحت فيها الموسيقى فنا إنسانيا، أصبح من الواجب أن يتمشى أسلوبها ~~مع صفتها هذه. وفي الحق أن هذا هو الطابع الذي تتميز به أروع المؤلفات الموسيقية في ~~عصرنا هذا؛ أعني تلك المؤلفات التي عاشت وذاعت، لا تلك التي بهرت الناس وأدهشتهم ~~لحظة، ثم غابت في ظلمات النسيان! # | التعبير في الموسيقى الشرقية # | مشكلة الموسيقى الشرقية # ليس لدينا في الشرق فن موسيقي بالمعنى الصحيح. # هذا هو الحكم الذي يرمي هذا القسم من الكتاب إلى إثباته. وهو بلا شك حكم قاس، قد ~~يرى فيه الكثيرون تجنيا على الفن الموسيقي في بلادنا الشرقية. غير أنني لن أذهب في ~~إيضاح رأيي مذهب أولئك الذين يكتفون بالعبارات الحماسية، ويهيبون بالعوامل الذوقية ~~وحدها من أجل إثبات صواب آرائهم؛ فهؤلاء - رغم أن حدسهم كثيرا ما يكون صادقا، ~~وحماستهم أمينة مخلصة - يمكن الرد عليهم برأي مضاد يمثل وجهة النظر العكسية، وعندئذ ~~يظل الخلاف سجالا بين الرأيين، دون الوصول إلى حل حاسم له، طالما أن العوامل الذوقية ~~هي وحدها التي تحكم في هذا الخلاف؛ لذا آثرت أن أقدم لرأيي هذا أسبابا وحججا عقلية ~~خالصة، تقف بجانب العنصر الذوقي وتؤيده، ورأيت أن ألجأ إلى طريقة التحليل المنطقي ~~الهادئ؛ حتى تظل مناقشة هذا الموضوع الهام منحصرة في المجال العلمي وحده. # وأود - قبل أن أنتقل إلى المناقشة التفصيلية - أن أشير إلى مسألة هامة، هي مسألة ~~العلاقة بين الموسيقى الشرقية والغربية؛ ففي خلال التحليل التالي، يجد ms31 القارئ كثيرا من ~~المقارنات بين الموسيقى في الشرق وفي الغرب، أو - كما أفضل أن أسميهما - بين موسيقانا ~~المحلية وبين الموسيقى العالمية. وقد يرى البعض أن هذه المقارنة غير مشروعة، ما دامت ~~تقوم بين نظامين متباينين لكل منهما طبيعته ومقوماته و«بيئته» الخاصة. وأسارع منذ ~~البداية فأنبه إلى أن هذا الرأي - في نظرنا - أبعد ما يكون عن الصواب؛ فالفارق بين ~~الموسيقى الشرقية والغربية ليس فارقا في النوع، وإنما فارق في الدرجة فحسب؛ أعني أن ~~المقارنة بين نظامي الموسيقى ممكنة بوصفها مقارنة بين نظام قطع شوطا بعيدا في ~~طريق التقدم، ونظام آخر لا يزال يسير في أولى مراحل الطريق. وكل ما يبدو من هوة ~~شاسعة بينهما، إنما يرجع إلى عمق تجربة الغربيين في هذا المضمار، واكتسابهم خبرات ~~تحتاج إلى جهود هائلة ووقت طويل لتحصيلها. أما إقحام موضوع «القومية» في هذا المجال، ~~فهو دعوى باطلة، سوف نفندها خلال بحثنا في هذا القسم. # ولنبدأ بتناول الموضوع من أعم نواحيه؛ فمما لا شك فيه أن من علائم تقدم أي فن ~~أن يستطيع الوقوف على قدميه بمجهوده الخاص، وألا يكون في حاجة إلى فن آخر يكمل التعبير ~~عن معانيه. وفي هذا رأينا الموسيقى الغربية قد استقلت عن الشعر والغناء منذ زمن بعيد، ~~وتمكنت - بعد تطور طويل - من أن تؤدي رسالتها التعبيرية كاملة، دون حاجة إلى معونة ~~أي فن آخر، وأصبح الشعر أو الرقص لا يضاف إلى الموسيقى من أجل ملء فراغ فيها، بل من ~~أجل إيجاد جديد من الفن الموسيقي الشعري، أو الموسيقي الراقص فحسب. # فما هي الخطوات التي خطتها الموسيقى الشرقية في طريق الاستقلال؟ من الواضح أن هذه ~~الموسيقى تقف عاجزة تماما عن التعبير عن أي معنى أو أية عاطفة؛ فالموسيقى الشرقية لا ~~تملك بذاتها أية قدرة تعبيرية، وإنما تكاد تجربتنا الموسيقية كلها تنحصر في الأغاني ~~وحدها. فإذا بحثت عن موسيقى خالصة، فلن تجد إلا محاولات بدائية قصيرة خفيفة، لا تعبر ~~عن شيء، وليس لها شأن يذكر بجانب الأغاني، ولا تؤثر على الجمهور أدنى تأثير، رغم ms32 سهولة ~~فهمه لها؛ إذ إنها بدون كلمات الأغنية عاجزة تماما. بل لقد كنا - حتى الأمس ~~القريب - نطلق على الموسيقى الخالصة اسما ذا دلالة عميقة، هو اسم «الموسيقى الصامتة»! ~~كأن الموسيقى بطبيعتها يجب أن تكون كلامية لتكون «ناطقة»، وكأن الموسيقى وحدها فن ~~أخرس، وأصواتها المتعددة بأسرها «صامتة» إن لم تصاحبها كلمات الأغنية! ولا جدال في أن ~~اعتماد الموسيقى على الأغنية وحدها هو أوضح مظاهر تأخرها؛ إذ إن الأغنية بطبيعتها ~~محدودة المجال، تكفي الكلمات فيها - في كثير من الأحيان - للتأثير على السامعين، مهما ~~كانت سذاجة الموسيقى التي صيغت فيها. والحق أن لدينا من الأغنيات ما لا يشيع إلا ~~بفضل إعجاب السامعين بألفاظها، أو تقديسهم لمعانيها، في الوقت الذي تصل فيه أنغامها إلى ~~أقصى درجات السذاجة والإملال! # فحين تتحدث إذن عن فن الموسيقى الشرقية، ينبغي أن نذكر دائما أن هذا الفن لم يصل ~~بعد إلى درجة الاكتفاء الذاتي، وأنه لا زال فنا للأغاني، كما كان الحال في الموسيقى ~~الغربية منذ ما يقرب من أربعمائة عام! فنحن نستعين بالألفاظ دائما في تذوق الموسيقى، ~~وفي إضفاء معنى عليها، ما دامت موسيقانا الخالصة - إن وجدت - خالية من كل معنى. ~~بل إن وحدة الهدف بين الموسيقى والكلمات في الأغنية الواحدة تكاد تكون مفقودة؛ إذ ~~إن تلحين الأغنية يصلح لأية أغنية إذا اتفقت معها في الوزن الشعري، ومن الممكن أن ~~تحل موسيقى أغنية حزينة محل موسيقى أغنية مرحة، دون الشعور بأي تنافر بين الكلمات ~~والألحان. # وليس هنا مجال الحكم على العنصر الكلامي في الأغنية الشرقية، ما دام هدفنا هو بحث ~~الموسيقى ذاتها. وحسبنا أن نشير هنا إلى ما يمكن أن يلاحظه أي ذهن مدقق على معاني ~~هذه الأغنيات من رومانتيكية ساذجة، واهتمام مفرط بمشكلة الحب يعبر عن التعقيدات ~~الجنسية التي تعانيها أجيالنا الحالية في الشرق أوضح تعبير، بل يزيد هذه التعقيدات ~~بالتنبيه إليها والإلحاح عليها؛ كل هذا في قالب يغلب عليه الحزن واليأس، ويعكس ما ~~ظلت شعوبنا الشرقية تعانيه طويلا من حرمان، وما خدعت به من تزييف لأهداف ms33 الحياة، ~~حتى أصبح محترفو الموسيقى عندنا يتبارون في التأوه والتباكي، وتقاس مكانة كل منهم ~~تبعا لمقدار ما يستطيع استدراره من دموع! # فعالمنا الموسيقي إذن ينحصر في نطاق ضيق للغاية، هو نطاق الأغنية، وحتى في هذا ~~النطاق الضيق لا تؤدي الموسيقى وظيفتها الصحيحة على الإطلاق. ولنقف الآن عند هذه ~~الملاحظة العامة؛ لنبحث في عيوب التلحين في الموسيقى الشرقية، مفهومة بالمعنى الذي ~~أوضحناه هنا. وسوف نسترشد في هذا التحليل بالتقسيم الذي ذكرناه من قبل لعناصر اللغة ~~الموسيقية، وهي اللحن، والإيقاع، والتوافق الصوتي، والصورة أو القالب. # اللحن في الموسيقى الشرقية يتميز بطابع فريد ينبغي أن نحاول استخلاصه واضحا؛ حتى ~~يتسنى لنا إدراك نواحي النقص فيه إذا قورن باللحن في الموسيقى الغربية. ولنبدأ ~~أولا بالكلام عن السلم في الموسيقى الشرقية؛ فكثير من المتحمسين لهذه الموسيقى - ~~أو على الأصح من المشتغلين بها نظريا أو عمليا - يرون أن للموسيقى الشرقية ~~ميزة تفخر بها على الموسيقى الغربية، هي تعدد السلالم، بينما تقتصر الموسيقى ~~الغربية على سلمين رئيسيين: الكبير والصغير. وفي رأينا أن هذه المسألة ذاتها لا ~~ينبغي أن تكون موضوع فخر على الإطلاق؛ ذلك لأن السلم الموسيقي لا يعدو أن يكون ~~«الحروف» التي تصاغ بها كلمات اللغة الموسيقية وجملها. وتعدد هذه الحروف، أو ~~إجادة كتابتها بخط جميل، لا يعني أن القطعة التي صيغت بها هي قطعة رائعة بالضرورة؛ ~~فالعبرة دائما بالموسيقى التي تؤلف، لا بكثرة السلالم المستخدمة في تأليفها. ~~وبعبارة أخرى: فالحكم على أي نظام موسيقي بأن له ميزة بفضل السلالم التي يصاغ بها، هو ~~حكم باطل من أساسه؛ لأن السلالم ما هي إلا الحروف الأبجدية للحن، وأساس الحكم ينبغي ~~دائما أن يكون هو اللحن ذاته. وما أشبه ذلك بالقول: إن اللغة الصينية لا بد أن ~~تنتج آدابا تفوق آداب كل اللغات الأخرى؛ لأن فيها آلاف الحروف الهجائية! فالمبدأ ~~العام الذي ينبغي أن نسترشد به في هذه المشكلة هو أن الحروف ذاتها لا تعني شيئا، ~~وإنما العبرة دائما بالفكرة النهائية التي تستخدم هذه الحروف أدوات لنقلها. # أما ms34 إذا انتقلنا إلى مناقشة تفاصيل هذه الدعوى، فنحن واجدون أن تعدد السلالم قد يكون ~~في بعض الأحيان نقصا ينبغي تلافيه. والحق أننا لو تأملنا صوت عربة قديمة صدئة، ~~لوجدناه يتضمن آلاف السلالم، ولكنه لا ينطوي بالطبع على أي جمال! ومهمة الموسيقى هي ~~تنظيم هذه الأصوات العديدة في مجموعات قليلة متناسقة، تضمن إخراج ألحان ذات قيمة ~~فنية. ونستطيع أن نقول: إن التطور الموسيقي الطويل في الغرب قد أدى إلى ضغط هذه ~~السلالم المتعددة في النوعين الرئيسيين المعروفين، وما أشبه هذه العملية بعملية ~~ضغط الحروف الهجائية في مجموعة قليلة العدد، يمكن أن تستخدم أدوات لنقل كل كلمات ~~اللغة ومعانيها. والتعدد في ذاته لا يكون مرغوبا فيه إلا إذا قصرت الأدوات الموجودة ~~عن التعبير. ولكن أين التقصير وقد عبر هذان السلمان الغربيان عن روائع عالمية ~~لم يفقدها الزمن تأثيرها حتى اليوم؟! # ولقد أتى على الموسيقى الغربية حين من الدهر وقع فيه فنانوها في خطأ الاعتقاد بأن ~~تعدد السلالم الموسيقية أمر مرغوب في ذاته، فاستحدثوا نظما لحنية تخرج عن السلالم ~~المألوفة، بل لا يمكن إدراجها تحت أي سلم، كما هو الحال في موسيقى شونبرج، غير أن هذه ~~الثورة الفنية سرعان ما اتضح تطرفها فيما بعد، وأخذ الفنانون يعودون بالتدريج إلى ~~النظم القديمة، وإن استفادوا من النظم الجديدة في إضفاء مزيد من التنوع والثراء على ~~موسيقاهم. وأدرك الموسيقيون بعد أن انتهت هذه التجربة العنيفة أن القوالب الصوتية ~~الموجودة تنطوي على إمكانيات لا تستنفد، إذا ما اقترنت بالتجديد المستنير في الصورة ~~والإيقاع والتوافق الصوتي. وهذا هو الرأي السائد بين كبار الموسيقيين في جيلنا الحالي! ~~فتعدد سلالم الموسيقى الشرقية ليس إذن بالأمر الذي ينبغي التفاخر به، وإنما العبرة ~~بالإفادة من السلالم الموجودة، مهما كانت قلتها. # ولننتقل إذن إلى الكلام عن مدى الإفادة التي أفادها الموسيقيون الشرقيون من هذا ~~التعدد في السلالم. هل أصبح اللحن # Melody # في الموسيقى ~~الشرقية زاخرا بالمعاني، حافلا بالتعبيرات؟ إن أنصار الموسيقى الشرقية، إذا ووجهوا ~~بالانتقاد القائل: إن موسيقاهم لا تعرف التوافق ~~الصوتي # Harmony ms35 ~~، ردوا بأنها في أساسها لحنية # Melodic ~~، وبأن فيها ثروة من الألحان تفتقر إليها الموسيقى الغربية. ~~فلنختبر إذن هذا الزعم، ولنحلل القيمة الحقيقية للحن في الموسيقى الشرقية. # في رأينا أن هذا التعدد الذي تتميز به ألحان الموسيقى الشرقية، يفقد قيمته؛ ~~لعاملين، سوف أطلق عليهما اسم عاملي التلاصق، والتماثل. ولكي أضرب لهذين العاملين ~~مثلا؛ دونت أول فقرة موسيقية استمعت إليها وقت كتابة هذه السطور، وليس من المهم ~~معرفة اسم مؤلفها أو اسمها، طالما أن من الممكن إدراك طابعها الشرقي للوهلة ~~الأولى: ~~(1) # أما عامل التلاصق، فيتلخص في أن كل صوت في اللحن هو الصوت التالي، ~~ارتفاعا أو انخفاضا، للصوت السابق عليه، أي: إن الألحان الشرقية عبارة عن ~~سلسلة متصلة من الأصوات، تعلو وتنخفض محتفظة بتلاصقها. ولا أستطيع أن ~~أقول: إن هذه قاعدة شاملة لا يتخلف عنها لحن واحد، ولكني أستطيع أن أحكم، ~~مطمئنا، بأن الغالبية العظمى للألحان الشرقية تسير على هذه القاعدة. كما ~~أن الألحان الشرقية العتيقة، كالبشارف، تتمثل فيها هذه القاعدة على نحو ~~مطلق لا استثناء فيه. فأين وجه النقص في هذا؟ لا شك في أن اللحن الذي يسير ~~في أصوات متلاصقة أبسط في تركيبه كثيرا من ذلك الذي تتباعد أصواته. ~~وليست البساطة في ذاتها عيبا، ولكنها في هذه الحالة تؤدي إلى فقدان الشعور ~~بالجدة في الألحان المستحدثة، وإلى صبغ كل الألحان بصبغة التشابه ~~والتجانس، وإلى انعدام عنصر التنوع فيها. وليس من العسير إطلاقا أن يظل ~~محترف الموسيقى يسير على سلالم موسيقية علوا وهبوطا في خطوات متدرجة ~~متلاصقة، مع تنوع يسير في زمن كل صوت، وإنما العسير حقا أن يؤلف لحنا ~~قوامه تلك القفزات الصوتية الجريئة التي يتكون منها اللحن في الموسيقى ~~الغربية؛ فهنا حقا تظهر المقدرة، ويبدو كل لحن جديدا بحق، مختلفا كل ~~اختلاف عما عداه. ولنتأمل أمثلة مقتبسة من موسيقي غربي واحد، تكشف عن ~~الفرق الهائل بين تركيب اللحن في الموسيقى الغربية والشرقية، وليكن هذا ~~الموسيقي هو بيتهوفن. # المثل الأول: # في مطلع الحركة الأولى لسيمفونيته الثالثة (إيرويكا)، وهو في ~~الوقت ms36 نفسه موضوعها الرئيسي. # والمثل الثاني: # هو الموضوع الرئيسي للحركة الأخيرة في سيمفونيته السادسة ~~(باستورال). # والمثل الثالث: # هو مطلع الحركة الأولى للسيمفونية التاسعة، وهو أيضا ~~موضوعها الرئيسي. # في هذه الأمثلة - وهي كلها ألحان رئيسية في موسيقى بيتهوفن، تبنى عليها ~~حركات موسيقية كاملة في سيمفونياته - نستطيع أن نلمس مدى حرية الحركة ~~وجرأتها في اللحن الغربي؛ فالمؤلف لا يستعين بالتلاصق الصوتي الهين ~~على الإطلاق، وإنما يجهد ذهنه في إبداع لحن تتباعد أصواته، وتتكشف أصالته ~~للوهلة الأولى. # وأستطيع أن أقول: إن صفة التلاصق في أصوات اللحن الشرقي هي التي أدت ~~إلى فقدانه عنصرا هاما من عناصر اللغة الموسيقية، وهو التوافق الصوتي؛ ~~ذلك لأن الألحان التي تتحرك أصواتها حركة حرة، بحيث تفصل بعضها عن البعض ~~أكثر من درجة صوتية واحدة، تؤدي إلى كشف علاقات رئيسية بين أصوات معينة في ~~السلم الموسيقي الواحد. ولو تأملنا الأمثلة السابقة لوجدنا لحنين منها ~~مبنيان مباشرة على تركيب توافقي؛ فالمثال الأول، في مطلع السيمفونية ~~الثالثة، قوامه الأصوات الثلاثة للعمود التوافقي المبني على سلم «مي ~~بيمول»، وهي: مي، صول، سي. كذلك المثال الثاني، وهو الموضوع الرئيسي في ~~الحركة الأخيرة للسيمفونية السادسة، يبني على الأصوات المتوافقة في سلم ~~القطعة، أي: سلم فا، وهي: فا - لا - دو، وهي الأصوات التي تتمثل بوضوح ~~داخل الحواجز الثلاثة الأولى في هذا المثال. ومثل هذه الأصوات لو عزفت ~~سويا في كل حالة، لكونت التوافق الثلاثي الأساسي للسلم الذي وضعت به ~~القطعة، والذي هو أساس علم التوافق الصوتي بوجه عام. وأعتقد أن هذه الأمثلة ~~كفيلة بدعم الفرض الذي قدمته ها هنا، وهو أن سير اللحن الشرقي في أصوات ~~متلاصقة، قد أدى إلى إغفال وجود علاقات أساسية بين قرار السلم وبين أصوات ~~معينة في داخله، كالصوت الثالث والخامس مثلا، وهي العلاقات التي تكون أساس ~~التوافق الصوتي عامة، والتي لا تكتشف إلا في لحن يتجاوز نطاق التلاصق. ~~وقد يرى البعض أن العلاقة بين اللحن والتوافق عكسية، أي: إن إدراك وجود ~~التوافق بين أصوات معينة هو الذي يؤدي باللحن أحيانا إلى ms37 أن يسير متبعا ~~الأصوات التوافقية. ونحن نسلم ولا شك بأن هذا هو ما حدث في الفترة التي ~~اكتشفت فيها قواعد التوافق الصوتي، غير أن من المسلم به أيضا أن ~~اللحن هو الأسبق، وأن هناك علاقات معينة بين الأصوات المتتابعة في اللحن، ~~هي التي توحي بفكرة وجود توافق بينها إذا ما عزفت في وقت واحد. وعلى أية ~~حال فالعلاقة وثيقة بين المسار الخاص للحن، وبين قواعد التوافق الصوتي، ~~وهذه العلاقة مفقودة تماما في الموسيقى الشرقية؛ نظرا لتلاصق أصوات ~~الألحان فيها، وبالتالي أصبح عنصر التوافق الصوتي بدوره مفقودا في هذه ~~الموسيقى. ~~(2) # وأما عامل التماثل، فلسنا في حاجة إلى إطالة الكلام فيه؛ إذ إنه واضح لا ~~يحتاج إلى شرح مفصل، فمن المعروف أن الفن السليم يستدعي من الابتكار ~~المتصل ما يجعل عملية تذوقه متعة لا تنقطع، ومن هنا كان مبدأ التماثل - ~~إذا تكرر وأصبح جزءا أساسيا من العمل الفني - غير مستحب من الوجهة ~~الجمالية. # ونستطيع أن نضرب مثلا لمبدأ التماثل فيما يلي: فإذا طلب إليك أن تكمل ~~بالرسم شكلا كهذا: # فأيسر السبل عندئذ هي رسم شكل مماثل له على الجانب الآخر، فيصبح الشكل ~~النهائي: # ولكن مثل هذه التكملة التماثلية، إذا أصبحت مبدأ عاما في الرسم، تنقص ~~من قدره ولا شك؛ إذ إنها تحتاج إلى مجهود ابتكاري أقل من ذلك الذي ~~يحتاج إليه تصميم الشكل كاملا، ومن هنا كانت ضآلة قيمة الرسوم الزخرفية ~~التماثلية من وجهة النظر الفنية، ومن هنا أيضا كنا نرى المدارس العميقة ~~المعاصرة في الرسم لا تعترف بمبدأ التماثل حتى حين تكون الطبيعة تماثلية، ~~كما هو الحال في وجه الإنسان أو جسمه. # فإذا طبقنا هذه الملاحظة على الموسيقى، وجدنا أن كثيرا من الألحان ~~الشرقية تعتمد على عامل التماثل إلى حد بعيد. ولو تأملنا المثال السابق ~~للحن الشرقي، وقارنا بين الجزء (أ) والجزء (ب)، لوجدنا (ب) مماثلا ~~تماما ل (أ)، وكل ما في الأمر أنه ينزل عنه درجة في السلم؛ تماما كما في ~~الشكل السابق في الرسم، الذي يماثل كل نصف فيه ms38 النصف الآخر، والفارق ~~الوحيد أن أحدهما أعلى والآخر أسفل. والملحن الشرقي - باعتماده الدائم على ~~عامل التماثل هذا - يلجأ إلى وسيلة سهلة، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة ~~فنية ضئيلة. ولنلاحظ، في الموسيقى الغربية، أن عامل التماثل هذا لا يظهر ~~إلا في مختلف أنواع الموسيقى الراقصة الخفيفة، وهي أنواع لا يعتد بها ~~كثيرا، وليست هي مصدر تفوق الموسيقى الغربية. # والخلاصة إذن، أننا إذا اختبرنا الموسيقى الشرقية في ضوء العنصر الأول من ~~عناصر اللغة الموسيقية - وهو اللحن - وجدنا أنها على الرغم من كونها ~~لحنية في أساسها، فإنها تلجأ في ألحانها إلى أساليب تفقد العمل الفني ~~جدته وطرافته المستمرة، وتضفي عليه طابعا يبعث في الأذن الخبيرة ~~قدرا غير قليل من الملل. وليس رأينا هذا حكما ذوقيا صرفا، بل إننا ~~دعمناه بتحليل موضوعي صرف لطبيعة اللحن في هذه الموسيقى، تكشفت من ~~خلاله عيوبه الأساسية. ~~••• # والعنصر الثاني من عناصر اللغة الموسيقية هو الإيقاع. وأعترف للقارئ بأن التفكير في ~~هذا العنصر قد استغرق مني وقتا أطول مما كنت أتوقع؛ ذلك لأنني كنت أحس إحساسا واضحا ~~بوجود فارق كبير بين الإيقاع في الموسيقى الشرقية وبينه في الموسيقى الغربية الراقية ~~(لا الموسيقى الراقصة الخفيفة). ولكني حين حاولت أن أصل إلى تعبير واع عن هذا الفارق، ~~وجدت صعوبة كبرى. # فقد بدا لي في أول الأمر أن بطء الإيقاع الشرقي، وسرعة الإيقاع الغربي وتوثبه، هو ~~الفارق بين الاثنين. وبالفعل لاحظت أنه يندر أن يجد المرء في الموسيقى الشرقية إيقاعا ~~سريعا، ومن هنا كان شعور المرء بنوع من الخمول كلما استمع إليها، ومن هنا أيضا كان ~~إخفاقها في خلق نوع من الرقص الحي الذي يحرك الجسم الإنساني كله حركة نشيطة متصلة. غير ~~أني رغم ذلك لاحظت أولا أن هذه القاعدة ليست عامة، رغم أنها تصدق على أغلب ما ~~ألف في الموسيقى الشرقية، ولاحظت ثانيا أن بعض المؤلفات الغربية تتميز بإيقاع ~~بطيء؛ ففي وسط الحركة الأخيرة من سيمفونية بيتهوفن الثالثة، يكرر الفنان الموضوع ~~الرئيسي للحركة، ولكن بإيقاع أبطأ كثيرا، ومع ذلك لم ms39 يفقد ذلك الموضوع شيئا من روعته ~~بعد أن ازداد بطء إيقاعه. وإذن فبطء الإيقاع صفة تتميز بها الموسيقى الشرقية بالفعل عن ~~الموسيقى العربية الرفيعة، ولكنها ليست هي العامل الحاسم في التفرقة بين ~~الاثنين. # وبعد تفكير طويل، انتهيت إلى أن في الإيقاع الشرقي صفة أخرى أعتقد أنها هي التي ~~تميزه بحق عن الإيقاع الغربي؛ فالأول ظاهر صريح، أما الثاني فهو ضمني باطن. ولنشرح ~~المقصود بهاتين الصفتين بالتفصيل: فالإيقاع الشرقي ظاهر، بمعنى أن له كيانا مستقلا ~~يسير مع اللحن ذاته، ولكنه لا يندمج فيه؛ ففي الموسيقى الشرقية تؤدي الآلات ~~الإيقاعية، كالرق مثلا، دورا ظاهرا، تستطيع أن تميزه بكل وضوح، وصحيح أن ضرباته ~~تتمشى مع اللحن وتنظمه، غير أنها مستقلة عنه بمعنى معين، ما دامت تكون تيارا تميزه ~~الأذن بوضوح من بداية اللحن إلى نهايته. أما الإيقاع الغربي - وأكرر هنا أن المقصود ~~هو الموسيقى العربية الرفيعة - فهو «مندمج» في تيار اللحن والتوافق إلى حد بعيد، أعني ~~أن اللحن والتوافق هما اللذان يكشفان عن الإيقاع خلال مسارهما، دون أن يحتاج مؤلف ~~الموسيقى إلى أن ينبه إليه تنبيها خاصا؛ ولهذا كان الإيقاع الغربي لا يحتاج إلى ~~ضربات خاصة إلا في أحيان قليلة للغاية، ومعظم ضربات الإيقاع تكون خافتة إلى حد أن الأذن ~~لا تستطيع تمييزها بسهولة؛ إذ تترك مهمة الكشف عن الوزن الإيقاعي للحن ذاته في ~~مساراته وانعطافاته. # ولكن إذا كان الإيقاع الشرقي ظاهرا، والغربي ضمنيا أو باطنا، فلماذا نعد صفة ~~الظهور في الأول مظهرا من مظاهر النقص؟ ذلك لأننا لو تتبعنا تطور الموسيقى ذاته، ~~لوجدناه يسير بالتدريج نحو «إدماج» الإيقاع لا إظهاره؛ فالإيقاع هو أوضح العناصر ~~وأظهرها في الموسيقى البدائية، بل إن من هذه الموسيقى ما هو إيقاعي صرف، ولا زالت ~~آثار هذه الصفة واضحة في ريفنا المصري، حيث تتبلور التجارب الموسيقية لكثير من الناس ~~في ضربات «الطبلة» وحدها. وإذا ظهر لحن في مثل هذه الموسيقى، فإن الإيقاع لا يتخلى له ~~عن مكانه، بل يظل ظاهرا واضحا، يصاحب كل حركات اللحن ويؤكدها بطريقته الخاصة. ms40 ~~والملاحظة العميقة لتطور الموسيقى تكشف لنا عن اتجاه تدريجي إلى «إدماج» عنصر الإيقاع ~~في بقية عناصر الموسيقى؛ بحيث يكتشف إيقاع اللحن - في أرقى مراحل التطور الموسيقي - ~~من خلال مسار اللحن والتوافق، ولا يحتاج إلى تنبيه خاص إليه. وليس معنى ذلك أن الإيقاع ~~يفقد في هذه الحالة الأخيرة شيئا من تأثيره، ويغدو عنصرا مهملا من عناصر اللغة ~~الموسيقية. بل إن الأمر على العكس من ذلك؛ ففي موسيقى برامز - وهو في رأيي أستاذ ~~الإيقاع الأكبر - يندمج الإيقاع في اللحن اندماجا وثيقا، ومع ذلك يبلغ أقصى درجات ~~الفاعلية والتأثير. وفي موسيقى بيتهوفن، يكفي اللحن وحده، دون حاجة إلى تنبيه خاص من ~~آلات الإيقاع، لإحداث حركة إيقاعية تبلغ حدا هائلا من النشاط والتوثب، كما هو الحال ~~في طريقة الربط # Syncopation ~~(ونستطيع أن نترجمها من حيث ~~معناها بقولنا: طريقة الضربات المؤجلة)، وهي الطريقة التي كان لبيتهوفن فضل التوسع في ~~إدخالها في مؤلفاته الموسيقية. # وإذن فالتطور الموسيقي ذاته يثبت أن الإيقاع المندمج يمثل مرحلة أرقى في ~~التأثير الفني من الإيقاع الظاهر، ومثله في ذلك مثل المعاني والجمل الكلامية التي ~~يترك للمستمع أو القارئ وحده إدراك أهميتها، بدلا من أن يتولى الخطيب أو الكاتب ~~إظهار هذه الأهمية بأن يقول بين فترة وأخرى: انتبهوا؛ فسوف أقول كلاما هاما! وإذن، ~~ففي عنصر الإيقاع بدوره تظهر الموسيقى الشرقية تخلفا واضحا. # أما العنصر الثالث من عناصر اللغة الموسيقية، وهو التوافق الصوتي، فهو غريب تماما ~~عن الموسيقى الشرقية. ولقد شرحت من قبل - عند الكلام عن العنصر الأول، أي: اللحن - ~~السبب الرئيسي الذي أعتقد أنه هو الذي أدى إلى فقدان الموسيقى الشرقية لهذا العنصر ~~الأساسي. ونتيجة لذلك أصبحت هذه الموسيقى تسير في تيار لحني متصل، يتصف بالسطحية ~~ضرورة؛ ذلك لأن التوافق الصوتي هو مصدر عمق الموسيقى العربية؛ فبفضله تتخذ الموسيقى ~~عند السامع ألوانا متجددة على الدوام، ويستطيع المرء أن يكشف فيها - كلما أعاد ~~الاستماع إليها - معاني جديدة، بل إنه يزداد فهما لها كلما ازدادت مرات استماعه ~~إليها؛ إذ يتمكن من تتبع التيارات الخفية ms41 التي تكمن خلف التيار الظاهر، ويلمس ~~مدى براعة المؤلف في الجمع بين كل هذه التيارات في وحدة متكاملة. أما الموسيقى ~~الشرقية، فلما كانت ذات تيار واحد - هو في ذاته ساذج إلى حد بعيد - فإن تكرار ~~الاستماع إليها لا يؤدي إلا إلى الملل. # لهذا السبب لم تكن لدينا «كلاسيكيات» شرقية - أعني قطعا تظل قيمتها محفوظة على مر ~~الزمان - كما هو الحال في موسيقى باخ وموتسارت التي مر عليها قرنان من الزمان أو يزيد، ~~ولا زالت تحتفظ بمكانتها إلى اليوم، بل إن من المؤرخين الموسيقيين من يؤكد أن تقدير ~~الناس لها يزداد باطراد! فموسيقانا الشرقية هي موسيقى «موسمية»، والأغلبية العظمى من ~~مقطوعاتها لا تعيش أكثر من موسم، ثم تختفي غير مأسوف عليها؛ فقد استنفدت أغراضها، ~~وعاشت بقدر ما بذل فيها من جهد! # والعنصر الأخير، وهو القالب أو الصورة، يكاد يكون مفقودا بدوره؛ فالغناء الشرقي ~~التقليدي كان يعرف قالبا ثابتا: هو البدء بالليالي، ثم الموال أو «الدور»، وقد ~~تسبق ذلك «تقاسيم» من الآلات الموسيقية القليلة التي تصاحب الغناء. ولكن هذا في واقع ~~الأمر لا يمكن أن يعد قالبا بالمعنى الصحيح، بل هو شكل تقليدي لا يحتاج إلى تحليل ~~أو دراسة، ولم تكن الموسيقى عندئذ في حاجة إلى ما هو أعمق من ذلك. # على أن الافتقار إلى دراسة القالب الموسيقي يتجلى أوضح ما يكون في الموسيقى ~~الشرقية الحديثة، أعني تلك التي تحرص على أن تقتبس بعض الألحان أو طرق التلحين الغربية، ~~مع إبقائها على كثير من الألحان الشرقية ذات الطابع التقليدي؛ ففي هذه الموسيقى ~~«المهجنة»، نجد اللحن الشرقي يتلو اللحن الغربي فجأة، والمقام الشرقي بما فيه من ~~«ربع صوت» يجاور السلم الغربي مباشرة، دون أية محاولة لتيسير الانتقال بينهما، بل دون ~~بحث مشكلة ما إذا كان المزج ذاته ممكنا. والحق أن الأذن الخبيرة لتجد مثل هذا الانتقال ~~المفاجئ غير مستساغ في معظم الأحيان، وخاصة لأنه يتم دون أية محاولة لدراسة القالب ~~الموسيقي، والمشاكل التي تنجم عن مزج نظامين مختلفين في قطعة موسيقية واحدة. # وللموسيقى ms42 الشرقية التقليدية صفة ذات دلالة نفسية بالغة، وتندرج تحت موضوع القالب ~~الموسيقي الذي نحن بصدده. تلك الصفة أطلق عليها اسم «الرجوع الدائم إلى القرار»؛ فمن ~~المعروف أن لكل سلم موسيقي أو مقام قرارا، هو النغمة الرئيسية التي يسمى ~~السلم باسمها. ومن صفات القرار أنه يبعث شعورا بالاكتفاء إذا ما انتهى اللحن إليه؛ ~~لهذا كانت الموسيقى الغربية تحرص على أن تقف عند القرار، والأصوات المتوافقة معه، في ~~ختام القطعة فحسب، أو في ختام جزء هام منها، وذلك عرف متبع في القالب الموسيقي ~~الغربي منذ القدم. أما الموسيقى الشرقية - في صورها التقليدية بوجه خاص - فهي ترجع إلى ~~القرار في كل فقرة قصيرة من فقراتها. ويستطيع القارئ أن يتصور المقصود بصفة الرجوع ~~الدائم إلى القرار، إذا استرجع ما يحدث في غناء الليالي والمواويل التقليدية. فبعد كل ~~فقرة من الفقرات، يشعر المستمع بالراحة والاكتفاء، إذا ما أنهاها المغني بما يسمى ~~«قفلة» صحيحة، وعندئذ يردد المستمع وراءه كلمة: «آه» (إذا سمح المجال!) ويكون هذا ~~الترديد عادة من نفس الطبقة التي قفل بها المغني فقرته الغنائية، وهذه الطبقة ذاتها هي ~~القرار. ومثال آخر لهذه الصفة، في التقاسيم التي تعود إلى قرار المقام كلما أنهت فقرة ~~من فقراتها. بل إن هذه الصفة لتتمثل بصورة أوضح في الموسيقى الريفية المصرية، المعروفة ~~باسم موسيقى الأرغول؛ ففي الأرغول أنبوبتان، إحداهما تعزف صوتا واحدا متصلا، هو ~~القرار، والأخرى تعزف اللحن الذي يعلو وينخفض، ولكنه ينبغي أن يكون ذا صلة وثيقة بصوت ~~الأنبوبة الأخرى، وأن يعود إليه بين آن وآخر ليعزف الاثنان القرار سويا، علامة على ~~اكتمال فقرة موسيقية. # فالقالب الذي تتخذه هذه الأشكال الموسيقية التقليدية في الشرق، هو أن يكون اللحن ~~مجموعة من الدورات القصيرة المقفلة، التي ينتهي كل منها انتهاء تاما بقرار ~~المقام. أما الموسيقى الغربية فتتخذ صورة حركة دائمة، ساعية إلى هدف ما، لا تبلغه ~~إلا في النهاية القصوى مرة واحدة، ثم تنتهي القطعة. أي إن الحالة النفسية المصاحبة ~~للموسيقى في الحالة الأخيرة، هي حالة انتظار دائم، وتتبع مثابر ms43 للموسيقى، التي تصل ~~إلى ذروتها في النهاية عندما تتجمع كل خيوط الفرقة الموسيقية وتياراتها، وتتحد كلها ~~لتساهم في الخاتمة الكاملة. أما الحالة النفسية المصاحبة للموسيقى في الحالة الأولى، ~~فهي حالة توقع الاكتفاء والانتهاء في كل لحظة من اللحظات. ويظل المغني أو العازف ~~يدور حول نغمة القرار، ويعد بها مستمعيه، وسرعان ما يلبي رغبتهم، فيصل إليها، ~~وعندئذ تنطلق أصواتهم معبرة عن الرضا، مرددة نفس النغمة: «آه!» وتظل هذه الدورات ~~تتكرر طوال اللحن. والذي لا شك فيه أن الرغبة المستمرة في الشعور بالاكتفاء، والسعي إلى ~~تحقيقه في كل فقرة قصيرة، تنم عن نوع من نفاد الصبر، ومن الرغبة في المتعة العاجلة ~~السهلة. ولست أريد أن أنزلق في تفسيرات ذاتية خالصة بعد هذه التحليلات الموضوعية التي ~~أوضحت بها خصائص الموسيقى الشرقية، غير أن مثل هذا التفسير لا يكف عن أن يفرض نفسه على ~~الذهن؛ فتذكير العازف أو المغني للمستمع دائما بقرار اللحن، ورغبة الأخير في الانتهاء ~~إليه، وتعبيره عن رضاه عندئذ ... كل ذلك ينم عن عدم القدرة على تتبع الموسيقى ~~كوحدة واحدة، أو التمشي مع الألحان في تقلباتها وتطوراتها الطويلة، والتفكير فيها ~~لذاتها، لا من حيث هي وسيلة لراحة الذهن عندما يصل إلى نهاية صوتية ترضيه. # ولهذه الصفة نتيجة هامة، تحكمت في تحديد طبيعة المستمع الشرقي؛ فالمستمع الشرقي ~~يبحث دائما عن النشوة العاجلة، وعن الطرب المستمر في الألحان، إنه لا يبذل جهدا في ~~الفهم أو التعمق؛ فكل ما يسمعه بسيط، سطحي، وكل ما يقدم إليه سهل الهضم، بل إن ~~الفنان الذي يطربه يقدم إليه في كل لحظة ما يبعث الاكتفاء في نفسه، فهو لا يطالبه ~~بالمثابرة على تتبع لحن طويل إلى نهايته، بل يقدم إليه اللحن على أجزاء صغيرة، كل ~~منها مكتف بذاته، وكل منها وحدة كاملة لها نهايتها الخاصة، وما على المستمع إلا أن ~~يترقب هذه النهاية التي سرعان ما تأتي إليه، فيتم رضاؤه، ولكن على حساب التمتع ~~الفني الصحيح. ومن هنا كان ذلك الطابع الخاص الذي ينفرد به المستمع الشرقي: فهو ms44 لا ~~يملك القدرة على الاستماع المنتبه الدقيق، وليست به حاجة إليه، بل إنه يبدي إعجابه بلا ~~تحفظ، كيفما شاء، وحينما يشاء، ويستطيع أن يهتف أو يصرخ كما يروق له ؛ فهو ليس بالمستمع ~~الهادئ الرزين، الذي يحترم الموسيقى ويتابعها بكل حواسه إلى أن تنتهي، وعندئذ يبدي ~~إعجابه كما يشاء، وإنما هو مستمع صاخب، يدأب على التعليق والمقاطعة، ولا يعرف ~~الاتزان إليه سبيلا. وأوضح أمثلة على ذلك، تلك الحفلات الغنائية الطويلة، التي يظل ~~المستمعون خلالها في صراخ وهتاف دائمين، ويظهرون رضاءهم في أي وقت، وبأية كيفية، ~~تحلو لهم. ومثل هذا الجو التشنجي الصاخب هو في الحق سبة في وجه الفن الصحيح، وهو ~~إذا كان يصلح لحلقات الذكر أو حفلات «الزار»، فإنه أبعد ما يكون عن مجال الموسيقى، ~~ذلك الفن الرفيع، الذي يبعث في النفس الهدوء والسكينة، والذي يفسده أي صخب، وتشوهه ~~أقل ضوضاء. # ولست أرمي من ذلك إلى أن ألوم جمهور المستمعين وحدهم؛ ففي الحق أن طبيعة الألحان ~~التي تقدم إليهم مسئولة إلى حد بعيد عن طريقة استماعهم إليها، والقالب الذي تتخذه ~~تلك الألحان بما فيه من سعي إلى إرضاء المستمع إرضاء رخيصا، هينا، سريعا، هو الذي ~~أدى إلى ضياع القدرة على الاستماع الهادئ العميق لدى الجمهور المتذوق للموسيقى ~~الشرقية. # وهكذا يبين لنا من العرض السابق: أن عناصر اللغة الموسيقية الأربعة تتخذ في ~~الموسيقى الشرقية صورة هزيلة فيها كثير من العيوب، بل إن من هذه العناصر ما لا ~~يتمثل في تلك الموسيقى على الإطلاق. وقد يرى القارئ في هذا النقد شيئا من القسوة، ~~غير أن القسوة تظل دائما مستحبة طالما أن فنا أساسيا كالموسيقى يظل على هذه الحال ~~من التخلف، بل من البدائية! أما من يرى فيه شيئا من التجني فلا أدعوه إلا إلى أن ~~يفكر في هذه التحليلات بطريقة علمية موضوعية، وأن يدع جانبا كل العوامل الانفعالية ~~الذاتية، وعندئذ فمن المحتمل إلى حد بعيد أنه سيلمس هذه النقائص بنفسه، ويساهم بدوره ~~في بذل الجهود لتلافيها. # | مشكلة الموسيقى في مصر # لا جدال ms45 أن في مصر شعورا بالضيق من قصور الموسيقى الحالية وأفقها المحدود، وهذا ~~الشعور، الذي يتزايد على الدوام، يتمثل بصورة ظاهرة في تلك المناقشات الحامية التي ~~تدور في الصحف في أيامنا هذه، وهي المناقشات التي تتراوح الآراء فيها بين الدعوة إلى ~~التجديد التام، وبين الرجوع إلى الماضي الذي يصفه أنصار هذا الرأي بأنه ماض ~~«مجيد». # على أن هذا الضيق يتمثل أيضا - وبصورة واقعية - في الطابع الذي تتخذه الموسيقى ~~المصرية في وقتنا الحالي؛ ففي وسعنا أن نقول: إن الطرق التقليدية في التلحين الشرقي ~~تتجه إلى الاندثار، ولا يمنعها من الاختفاء التام سوى شهرة مغنين ارتبطت أسماؤهم ~~بطريقة التلحين هذه، ولكن إذا اختفى هؤلاء من المسرح الفني، فسوف تنتهى - بكل تأكيد - ~~فترة الغناء الشرقي الصميم. # ولكن ما الذي يحل الآن محل هذا الغناء الشرقي؟ إن الاتجاه الواضح الذي يزداد ~~الإقبال عليه - وخاصة من جمهور المدن - هو اتجاه «مختلط»، تمتزج فيه الموسيقى الشرقية ~~ببعض العناصر الغربية. والامتزاج ذاته أمر مقبول؛ وخاصة لأننا نؤكد بكل قوة ضرورة ~~الخروج عن الحدود الشرقية التقليدية، والاستفادة من التجارب العميقة التي مر بها الغرب ~~في ميدان الموسيقى. ولكن هل الاتجاه السائد الآن في الموسيقى الشرقية هو الحل ~~المنشود؟ # الحق أن هذا الحل هو في نظرنا أتعس حل ممكن؛ فالفترة الحالية من تاريخ الموسيقى فترة ~~بائسة بحق؛ ذلك لأن محترفي هذا الفن، عندما أحسوا بقصور الطريقة الشرقية الخالصة، لم ~~يلجئوا إلا إلى أتفه أنواع الموسيقى الغربية ليقتبسوا منها ألحانهم. فكانت النتيجة ~~خليطا غير متجانس بين الألحان الشرقية، وبين صخب موسيقى المراقص الغربية، خليطا لا ~~لون له، ولا طابع يتميز به، ولا ينطوي على أية محاولة جدية لترقية الموسيقى الشرقية، بل ~~هو في أساسه امتزاج خارجي - لا اندماج باطن - بين عناصر متنافرة فحسب. # والخطأ الأكبر - الذي نعد التنبيه إليه أمرا أساسيا في المهمة النقدية التي ~~يأخذها هذا الكتاب على عاتقه - هو في الاعتقاد بأن إصلاح الموسيقى الشرقية يكون عن ~~طريق نقل «ألحان» غربية، أو أنماط لحنية معينة. وذلك هو الخطأ الذي ms46 يقع فيه أولا دعاة ~~«الاقتباس»، الذين ينقلون قطعا بأسرها من سياقها الأصلي في موسيقى الغرب، ~~ويقحمونها داخل ألحانهم الشرقية، فيشوهون جلال الأصل الذي نقلت منه، ولا يفيدون ~~المجال الذي نقلوا إليه، فضلا عما ينطوي عليه هذا «الاقتباس» من افتقار إلى الأمانة لم ~~يعترف به الفن الخلاق في أي عصر من عصوره. ويقع في ذلك الخطأ ثانيا أولئك الذين ~~ينسجون على منوال الملحنين الغربيين، فيقلدونهم في ألحانهم (وهم في ذلك أقرب إلى ~~الأمانة من الفئة السابقة) أو يعهدون بألحانهم إلى من يقوم بإجراء عملية «توزيع ~~موسيقي» لها؛ لكي يكسبها طابعا قريبا من الموسيقى الغربية الراقصة. ولنذكر هاهنا أن ~~فكرة «التوزيع الموسيقي» هذه - وهي بدعة تثير السخرية - لا تعرف إلا في موسيقانا ~~المصرية؛ إذ إن الأصل في الموسيقى أن فكرتها تطرأ على ذهن الفنان كاملة؛ فهو لا ~~يتصور اللحن وحده، وإنما يتصوره مصوغا في قالب معين، تعزفه آلة معينة. والتوزيع ~~على الآلات جزء لا يتجزأ من مهمة الفنان نفسه، وإذا كانت هناك مقطوعات غربية معينة ~~توزع فيما بعد على آلات غير التي ألفت من أجلها، فلا شك في أن هذا التوزيع يكون ~~في هذه الحالة عملا مستقلا، أضيف إلى عمل المؤلف الأصلي على سبيل الرغبة ~~المتعمدة في التنويع، وعندئذ يذكر اسم موزع اللحن أو منظمه بجانب اسم المؤلف ~~الأصلي؛ لأن اللحن عندئذ أصبح شبه جديد. أما عملية التوزيع التي تتم في الألحان المصرية ~~فتنطوي بلا شك على فصم غير مشروع لوحدة الخلق الفني. # ففي كل هذه الحالات يقع الموسيقيون في خطأ الاعتقاد بأن التأثر بالموسيقى الغربية ~~يكون عن طريق نقل ألحانها أو تقليدها. وهذا الخطأ مسئول عن التدهور الحالي الذي تعانيه ~~موسيقانا. وإنما الحل الصحيح هو أن نقتبس من الغرب «أسلوب» التأليف، لا التأليف ذاته؛ ~~أعني: أننا يجب أن نستفيد من تجربتهم الموسيقية العميقة، التي سبقتنا بما يقرب من ~~أربعة قرون، فنتعمق في دراسة عناصر اللغة الموسيقية، ونفيد من خبرتهم الواسعة في ميدان ~~التأليف والأداء. # فأسلوبنا في التأليف ينبغي أن يتضمن «التوافق ms47 الصوتي» حتى يضاف إلى موسيقانا عنصر ~~العمق، وعندئذ تستطيع الموسيقى أن تكون معبرة بحق، وإذا اكتسبت القدرة على التعبير، ~~استطاعت أن تتحرر من عبوديتها للغناء، وتصبح فنا مستقلا له كيانه الخاص. والأداء ~~ينبغي أن يزداد دقة؛ فأصوات المغنين عندنا محدودة المدى إلى حد مؤسف، وليست هناك جهود ~~جدية تبذل لتمرين الأصوات وتوسيع نطاق قدرتها في الأداء، مع أن هذا علم كامل قائم ~~بذاته. بل إن المغني عندنا يظل - في سعيه وراء الكسب - يواصل الغناء دون أن يعترف ~~بتأثير الزمن على صوته، حتى لنجد منهم من يمرن حنجرته بصوت عال بين مقاطع الغناء، ~~وتظهر آهاته في التسجيل، ولا يعترف مع ذلك بضياع صوته! وهي بدورها ظاهرة مؤسفة لا نظير ~~لها في عالم الغناء! أما العزف، فأستطيع أن أقول، مطمئنا: إن المسافة بين أكبر عازفي ~~الكمان عندنا، مثلا، وبين عازفي الكمان المشهورين في الغرب، لا تقاس إلا بالسنين ~~الضوئية! # فالفن الموسيقي المصري إذن في محنة، والوسيلة الوحيدة لانتشاله منها هي اقتباس ~~خبرة الغرب الطويلة، وأسلوبه في التأليف الموسيقي وفي الأداء. وعلينا أن نبذل في ذلك ~~أشق الجهود؛ حتى نعوض تخلفنا الهائل في هذا الميدان، أما لو ظلت الأمور على ما هي ~~عليه، فسوف تزداد الهوة بيننا وبينهم اتساعا على الدوام. ~~••• # على أن رأيي هذا - القائل بضرورة الاستفادة من الخبرة التي اكتسبها الغربيون في ~~أساليبهم الموسيقية - يلقى معارضة من طرفين متناقضين: طرف يميني محافظ، أصحابه من ~~دعاة القومية، وطرف يساري تقدمي، أصحابه من دعاة الشعبية. ومن الضروري أن أناقش هذين ~~الرأيين المعارضين؛ حتى تستبين حدود الدعوة التي أقترحها بوضوح. # فالطرف اليميني المحافظ، القائل بالقومية، يرتد رأيه إلى قدر من سوء الفهم، وقدر من ~~المغالطة؛ أما سوء الفهم فيتمثل في الاعتقاد بأن ما نرمي إليه هو أن نؤلف ألحانا ~~كالألحان الغربية، وهذا أبعد الأمور عما ندعو إليه؛ فنحن نعترف حقا بأن الموسيقى فن ~~مرتبط بحياة كل شعب، وأن حياتنا الشرقية لا بد أن تفرض علينا أنواعا من الألحان، ~~تختلف عن تلك التي نستمع إليها ms48 من الغرب. هذا كله صحيح، ولكن ما ندعو إليه هو أن ندرس ~~أسلوب التأليف والأداء، لا نواتج الموسيقى الغربية ذاتها. ونستطيع أن نضرب للفارق بين ~~الدعوتين مثلا يقربه من الأذهان؛ فالشعب الصيني يحاول اليوم أن يبسط لغته، وأن يستبدل ~~بالحروف المرسومة الهائلة العدد، عددا قليلا من الحروف البسيطة تكون هي قوام ~~الكتابة. وقد يلجئون في ذلك إلى الكتابة بالحروف اللاتينية وتعميمها. ولكن هل يعني ~~اقتباس هذه الحروف، أن مضمون اللغة ذاتها قد تغير؟! وهل تعني كتابتهم بالحروف ~~اللاتينية، أنهم قد استعاروا آداب وعلوم الأمم التي تكتب بهذه الحروف؟! لا شك أن موقف ~~لغتنا الموسيقية مماثل لهذا إلى حد بعيد. فنحن ندعو إلى تعديل عناصر اللغة الموسيقية ~~ذاتها، وإلى الإفادة من الخبرة الطويلة التي توافرت لغيرنا في هذا المضمار، ولكنا لا ~~ندعو أبدا إلى نقل ألحانهم كما هي، وإلا لكان في ذلك دعوة إلى تحطيم الفن، لا إلى ~~إنهاضه. # وأما المغالطة، فتتمثل في نشر الفكرة الباطلة، القائلة: إن الأسلوب الغربي في ~~الموسيقى غير مفهوم بالنسبة إلى الأذن الشرقية. وتلك الفكرة التي يرددها إلى اليوم ~~كثير من المهيمنين على مصير الموسيقى في بلادنا، قد أضرت بفننا الموسيقي، وبأذواق ~~مستمعينا أشد الإضرار؛ ولهذا فسوف أرد عليها ردا مفصلا. # ولأبدأ بأن أقول: إن ظاهر الأمور يوحي بشيء كهذا الذي يقولونه؛ أعني أن معظم ~~المستمعين المصريين، والشرقيين عامة، لا يتذوقون الموسيقى الغربية الراقية، بل لا ~~يستسيغونها على الإطلاق، ويحكمون على أرفع سيمفونياتها بأنها «ضجيج» وعلى أجمل أغنياتها ~~بأنها «صراخ». هذا حق، وتلك بالفعل ظاهرة ماثلة في الواقع الشرقي بوجه عام. ولكن هل ~~يعني ذلك أن تلك الموسيقى غريبة تماما عن آذان المستمع الشرقي، وأنها لغة لا يفهمها ~~إلا الناطقون بها وحدهم، يستغلق فهمها على غيرهم، وليس لها من تأثير إلا عليهم؟ تلك ~~بلا شك فكرة باطلة، على الرغم من عدم استساغة الأغلبية العظمى من الشرقيين للموسيقى ~~الغربية. # وقبل أن أوضح سبب بطلان هذه الفكرة، أود أن أمهد لذلك بالكلام عن ظاهرة أخرى، ~~مستمدة من واقعنا ms49 الشرقي ذاته؛ فنفس هذا الواقع، الذي لا يهضم الموسيقى الغربية ~~الراقية، قد استطاع أن يستسيغ موسيقى غربية خالصة، هي الموسيقى الراقصة! والمتتبع ~~للأغاني التي تشيع اليوم في بلادنا، وتلقى أكبر قدر من الرواج بين المستمعين، ~~وبخاصة الأجيال الجديدة منهم، يجد طابع الموسيقى الغربية الراقصة غالبا عليها. # وصحيح أن هذه الموسيقى تختلف عن الموسيقى الغربية الكلاسيكية اختلافا بينا، غير ~~أنها أيضا تختلف عن الصور التقليدية للموسيقى الشرقية اختلافا أعظم. ومجرد كون ~~الجمهور الشرقي قد استساغ هذا اللون الذي يختلف عن اللون الشرقي القديم كل الاختلاف، ~~وأبدى إعجابه به، وردده في غدوه ورواحه، هو في ذاته دليل واقعي ملموس على أن ~~اللغة الموسيقية، رغم قوميتها، تستطيع أن تعبر حواجز القومية وتؤثر في الجميع. وليس ~~من المستبعد، والحال هذه، أن يأتي اليوم الذي يفهم فيه الجمهور الشرقي موسيقى الغرب ~~الكلاسيكية ويحسن تذوقها. # وإذن فالسبب الحقيقي ليس هو الطابع القومي، وإلا لظلت الموسيقى محصورة في حدودها ~~القديمة لا تتعداها، وإنما السبب الحقيقي افتقار إلى الخبرة فحسب، ولنضرب لذلك ~~مثلا؛ فمن المعروف أن ذوي الثقافة القاصرة يجدون متعة كبرى في الروايات البوليسية ~~ذات الأفكار السطحية، ولا يستطيعون مطلقا أن يستسيغوا المؤلفات أو الدراسات ~~الأدبية العميقة. ولكن هل يعني ذلك أن مثل هذه الدراسات تنتمي إلى عالم غير عالمهم، ~~وأنها ستظل إلى الأبد غريبة عنهم؟ لا شك أن في هذا مغالطة واضحة، وأن في وسع أي ~~شخص محدود الثقافة أن يهضم أعمق الدراسات إذا لجأ إلى حل بسيط، هو أن يعمق ثقافته، ~~وعندئذ سيجد متعة كبرى في فهم الكتابات العميقة، ويدرك مدى قصور تجربته القديمة. والحال ~~كذلك في الموسيقى؛ فمشكلتنا بإزاء أرقى أنواع الموسيقى الغربية ليست مشكلة طابع قومي ~~يمنعنا من فهمها، وإنما هي مشكلة افتقار إلى الخبرة والتجربة، ولو توافر هذا الشرط ~~لأمكننا أن نستمتع بكل أنواع الموسيقى، دون أن يكون لقوميتنا أدنى تأثير. أما ~~القائلون بأن الشرق شرق والغرب عرب، وبأن طريقتهم في التأليف ستظل إلى الأبد غريبة ~~علينا، فما أشبههم بمرب يرى أبناءه ms50 مدمنين على القراءة السطحية، فلا يحاول نصحهم ~~بتعمق ثقافتهم، بل يتركهم وشأنهم، مكتفيا بالقول: إن ذلك هو نوع الثقافة الذي يلائم ~~طبيعتهم، وهذا بلا شك حل رجعي للمشكلة؛ ولذا وصفت فئة دعاة القومية بأنها فئة رجعية ~~محافظة. # فالموسيقى إذن لغة تتخطى حاجز القومية. وليس هناك أدنى تعارض بين هذا القول، وبين ~~القول الآخر الذي يبدو مضادا له، والقائل: إن لكل أمة أو مجتمع طابعه الخاص في ~~موسيقاه؛ ذلك لأن القوة الدافعة إلى التأليف الموسيقي تكون دائما مرتبطة بالواقع الذي ~~يعيش فيه الفرد، أي: بظروف علاقاته بمجتمعه، فيصطبغ إنتاجه الفني ضرورة بطابع بيئته ~~الاجتماعية، ولكن ليس معنى ذلك أن هذا الإنتاج يقتصر تأثيره على هذه البيئة وحدها، ~~وإنما هو يتجاوز النطاق القومي، ويصبح ذا تأثير شامل، إذا كان فنا أمينا مخلصا. وكم ~~من الأعمال الأدبية الرائعة تصطبغ حوادثها بصبغة محلية، تستمد من ظروف المجتمع الخاص ~~الذي كان يحيا فيه مؤلفها، ولكنها مع ذلك تذيع وتصبح أدبا عالميا، له تأثيره ~~البالغ في نفوس أفراد ينتمون إلى مختلف القوميات والبيئات! فوجود الطابع القومي أو ~~المحلي للموسيقى لا يجعلها إذن لغة منطوية على ذاتها، وليس هناك ما يحول دون فهم كل ~~إنسان لها، إذا بلغ المستوى الثقافي الكافي. # وأما الرأي الآخر، الذي يبدو متعارضا مع دعوتنا إلى اقتباس الأساليب الغربية، ~~فيتقدم به مفكرون تقدميون، ينادون بدعوة مشابهة في ظاهرها للدعوة السابقة، ولكنها ~~في مرماها وجوهرها مناقضة لها، تلك هي دعوة الرجوع إلى الفن الشعبي. ونقول: إن ~~هذه الدعوة مشابهة في ظاهرها لما يدعو إليه المحافظون من تمسك بالقالب الشرقي القديم ~~بوصفه هو القالب «القومي»؛ فالفن الشعبي بدوره فن مصطبغ بالصبغة المحلية، نابع ~~من ظروف مجتمع بعينه. ولكن جوهر الدعوة إلى التمسك بالفن الشعبي تناقض الفكرة ~~القومية؛ إذ إنها لا تبنى على اعتقاد راسخ بأن إنتاج شعب معين لا يفهم إلا في ~~الدائرة التي نتج خلالها، بل إنها تنطوي على إيمان بأن أي فن شعبي، مهما كانت صبغته ~~محلية، يمكن أن ينقل ويفهم ويقدر على ms51 نطاق أوسع كثيرا من نطاقه المحلي؛ ~~فالفنون، مع كونها شعبية، هي في حقيقة الأمر عالمية، أو إنسانية؛ فالفن الذي يخلقه شعب ~~معين، ويصبغه بصبغته، قادر على التأثير في كل الشعوب الأخرى. ولا جدال في أن هذه ~~النظرة إلى الفنون الشعبية أصدق من نظرة المحافظين، الذين يبالغون في تقدير أهمية ~~«الطابع القومي». # والحق أن التعارض بين ما ندعو إليه من دراسة للأساليب الغربية، وبين الداعين إلى ~~الرجوع إلى الفن الشعبي، ليس تعارضا شديدا، بل إن ما نرمي إليه هو في حقيقة الأمر ~~محاولة لتصحيح معنى الرجوع إلى الفن الشعبي في مجال الموسيقى؛ ذلك لأن دعاة فكرة الفن ~~الشعبي يبلغ بهم التحمس حدا يجعلهم في بعض الأحيان يخطئون فهم الفكرة ذاتها؛ ~~فالفن الشعبي تنعكس عليه دائما مختلف الأحداث التي مر بها الشعب، فيكون سجلا ~~صادقا يصور تاريخ الشعب في تطوراته وتقلباته. والذي لا شك فيه أن تاريخنا الشعبي ~~الطويل كان في معظم فتراته تاريخ الظلم والاضطهاد اللذين ظل شعبنا يعانيهما حتى ~~الأمس القريب. حقا إن الكفاح ضد هذا الاضطهاد لم ينقطع، غير أن تعاقب مظاهر الاستبداد ~~واحدا بعد الآخر لم يترك للشعب فرصة في ممارسة تجربة الحرية والتغني بها في فنونه. ~~وانعكس ذلك على أوضح صورة ممكنة في موسيقانا الشعبية، فأصبحت زاخرة بمعاني الذل ~~والخضوع، وانعكست المعاني على الألحان فإذا بها حزينة باكية، لا تقبل على الحياة ~~بقدر ما تندب حظها فيها. # ولست أرمي من ذلك إلى نقد فننا الشعبي في ذاته؛ إذ إن هذا الفن كان أمينا في ~~تصويره للأحوال التي مر بها شعبنا خلال تاريخه الطويل. ولكني فقط أرمي إلى أن تكون ~~نظرتنا إلى الفن الشعبي - في مجال الموسيقى - نظرة نقدية فاحصة. فإلى هؤلاء الذين ~~يعتقدون بأن الخلاص من ضيق الأفق الذي تعانيه الموسيقى المصرية في وقتنا الحالي لا يكون ~~إلا بالرجوع إلى الأنغام الشعبية، إلى هؤلاء أتوجه بأسئلتي هذه؛ آملا أن يجيبوا عنها ~~إجابة صريحة أمينة: أليس الفن الشعبي - دائما - سجلا لمختلف الأحداث التي مر ~~بها الشعب؟ وهل كانت ms52 الأحداث التي مر بها شعبنا إلا سلسلة متصلة من الاضطهادات، ~~يمارسها الطغاة من المحتلين الأجانب، أو المستبدين من الإقطاعيين والمستغلين؟! ~~إذن فقد كان من الضروري أن تنعكس هذه الظروف على فننا الشعبي عامة، وعلى موسيقانا ~~الشعبية بوجه خاص، فأصبحت أنغام هذه الموسيقى نواحا وبكاء، حتى حينما لا يستدعي ~~الحال مثل هذا الحزن. # والحق أن الاضطهاد الطويل الذي مررنا به - والذي ينبغي أن نعترف به في صراحة - ~~يدفعنا إلى أن نكون حذرين أشد الحذر كلما رجعنا إلى فننا الشعبي. ففي الموسيقى الشعبية - الريفية منها والمدنية - ينعكس بوضوح خداع المستغلين والمستعمرين، وتزيف الأهداف ~~الحقيقية التي كان ينبغي أن يسعى إليها الشعب، فيحل النواح والبكاء محل الدعوة إلى ~~النضال والإقبال على الحياة، ويبدو كأن المشكلة الكبرى للمواطن المصري الذي لم يكن ~~يجد قوت يومه، هي الغرام وهجران الحبيب! وتسود فلسفة تواكلية زائفة تؤمن بالقدر ~~و«المكتوب»، وتثبط الهمم وتقعدها عن الكفاح ضد الظالمين. وهكذا أصبح الفن الموسيقي ~~الشعبي يعكس كل عوامل الظلم ومظاهر التزييف التي فرضت على شعبنا. حقا إن الرغبة في ~~المقاومة لم تخمد، وإن بعض الأعمال قد ظلت تحمل طابع الكفاح، ولكن هذه لا تقارن ~~بالأعمال التي تعكس ما فرض على الشعب، أو ما انزلق فيه رغما عنه، من أهداف ~~زائفة. # وإذن فعلينا دائما - قبل أن نساير الدعوة إلى الاسترشاد بالفن الشعبي في الموسيقى - أن نسائل أنفسنا: ما هي الأحوال التي كان يعكسها هذا الفن في بلادنا؟ وعندئذ، سوف ~~ندرك أننا ينبغي أن نكون حذرين أشد الحذر في استرشادنا بهذا الفن، وأن ظروف بلادنا قد ~~تكون مختلفة عن غيرها من البلدان التي استطاعت أن تحقق نهضة موسيقية باستيحاء ألحانها ~~الشعبية. وسوف ندرك أيضا أن إنسان المستقبل الذي نود أن نكونه لا بد أن يتخذ ~~لنفسه أهدافا سليمة، مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي تغنت بها معظم الألحان ~~الشعبية في عهود الظلم والاضطهاد الماضية. # ولكن، ليس معنى ذلك أن نقطع الصلة بماضينا، وأن نشيد فنا لا جذور له! وكل ما في ~~الأمر أن ms53 الطابع الشعبي الأصيل سوف يظهر في الفنان من تلقاء ذاته، طالما كان فنانا ~~صادقا؛ فذلك الذي توافرت له دراسة وخبرة عميقة بالأساليب الموسيقية الصحيحة، لن يردد ~~ألحان الغرب ، بل سيتأثر حتما بالطابع المحلي الذي يحيط به، ويصوغ ألحانه في قالب ~~يفهمه الجميع، ويتذوقونه بعمق. وللفنان - إذا شاء - أن يقوم بدراسة شاملة للألحان ~~الشعبية؛ فإن دراسة كهذه تفيده كثيرا، على شرط أن يكون حذرا - كما قلنا - في ~~تقبله للمادة التي تقدمها إليه هذه الألحان، وأن يدرك طبيعة الظروف التي خلقت ~~فيها، ويدرسها بمنهج نقدي فاحص. # وبعد هذه الإيضاحات، ألخص الخطوط العامة للخطوات التي ينبغي اتباعها من أجل بعث ~~فن موسيقي سليم في بلادنا، والبرنامج الذي أعتقد أن السير بمقتضاه يكفل لنا مكانة ~~بين الأمم التي تفوقت في هذا المضمار: # أولا: # ينبغي أن ننظر إلى الموسيقى على أنها فن يبنى على أسس علمية، تقتضي ~~دراسة طويلة شاقة. وعلى الرغم من أن الوقت الذي كان الفن يعد فيه ~~خلقا تلقائيا، أو ارتجاليا، قد انقضى منذ عهد بعيد، فإننا لم ~~نعترف حتى اليوم بهذه الحقيقة في مجال الموسيقى، ولا زال أمر هذا الفن ~~في أيدي أشخاص ذوي خبرة موسيقية ارتجالية إلى حد بعيد. # ثانيا: # إذا اعترفنا بالمبدأ العام السابق، وجب علينا أن نضع الأسس التي ~~تكفل تحقيق شرط العلم والدراسة، ولنبدأ يجب أن نتجه إلى تكوين ~~جيل جديد، يبنى فيه على أسس بأن نقول: إن الجيل الموسيقي الحالي ~~ميئوس منه تماما، وإن العناية علمية صحيحة، ويعتمد على المران الشاق، ~~والدراسة المثابرة لا على الارتجال أو الاجتهاد الشخصي وحده. ومن أجل ~~تكوين جيل كهذا؛ ينبغي أن تنشأ معاهد موسيقية راقية، تستقبل ~~الناشئين منذ المراحل الأولى من عمرهم، وتتدرج بهم حتى يكمل إعدادهم. ~~ولا بد أن نستقدم للتدريس في هذه المعاهد أساتذة من الأجانب؛ إذ ليس ~~في بلادنا حتى الآن مواطنون يصلحون لإعداد موسيقيين في المستوى ~~العالمي، سواء أكان ذلك في ميدان التأليف أم في ميدان الأداء. وليست ~~الاستعانة بخبرة الغير، والاعتراف بأسبقيتهم في هذا الميدان ms54 بالأمر ~~المخجل؛ فنحن نستقدم الخبراء الأجانب في ميدان الذرة، أو نبعث ~~بمواطنينا إلى الخارج لتعلم أسرارها، وتخلفنا في ميدان الموسيقى ~~يفوق بكثير تخلفنا في ميدان العلوم الذرية، وليس لنا أن نخشى من أن ~~تفقد موسيقانا طابعها المحلي أو القومي إذا استعنا بغير ~~مواطنينا؛ إذ إن هؤلاء لن يلقنونا سوى المواد والأدوات التي نستعين ~~بها في التأليف، واللغة التي نستطيع أن نصوغ بها ما شئنا من الأفكار. ~~ولا جدال في أن مجرد انتماء الفنان إلى بيئة معينة، ترتبط بها مشاعره ~~وأفراحه وآلامه، سيصبغ إنتاجه الفني بصبغتها حتما. # ثالثا: # لا يكفي أن نعمل على إعداد المؤلفين الموسيقيين، والعازفين أو ~~المغنين، إعدادا علميا صحيحا، بل ينبغي أن نعد المستمع لكي ~~يتقبل هذا الفن الصحيح، ويعمل على تشجيعه. ولهذا وسائل عدة؛ فينبغي ~~أن تدخل الموسيقى كل بيت، عن طريق الإذاعة، وعن طريق توفير التسجيلات ~~للجميع. أما الإذاعة فلا أتردد في القول: إنها قصرت في هذا المجال، ~~ولم تعمل على ترقية أذواق المستمعين، وتعللت في ذلك تارة ~~بترديد فكرة الطابع القومي - وهي فكرة أوضحنا مدى بطلانها من قبل - ~~وتارة بالقول: إن المستوى الثقافي لأغلبية السامعين يمنعهم من تذوق ~~هذه الموسيقى، وكأنه ليس من صميم مهمتها، وأساس رسالتها، أن تعمل على ~~رفع هذا المستوى باتباع مناهج دقيقة مدروسة! وأما مسألة توفير ~~التسجيلات للجميع، فمن المؤسف أن ما يفرض عليها من الرسوم الجمركية ~~يجعل الحصول عليها أمرا لا يقدر عليه إلا المترفون وحدهم؛ إذ ~~تعد هذه التسجيلات من أدوات «الترف»، مع أنها في الحق من صميم ~~الثقافة التي ينبغي أن نحرص على انتشارها بين أفراد الشعب، تماما كما ~~نحرص على انتشار الكتب. وليس أضر بقضية الموسيقى من تلك العقلية ~~التي تعد تكوين المكتبات الموسيقية ترفا ينبغي أن يقتصر على ~~الأغنياء. فإذا أمكن إزالة هذه الحواجز التي تحول دون تذوق فئات ~~الشعب على اختلافها لهذا الفن الرفيع، فعندئذ سيفتح أمامنا عالم ~~جديد، ونمارس تجربة فنية لم نعرفها من قبل على الإطلاق، ونستمتع ~~بمشاعر وأفكار لم يثرها فينا من ms55 قبل أي فن آخر. # ولكن كل هذه الوسائل ليست في نظري حاسمة، بل إن هناك وسيلة أخرى لإنهاض هذا الفن، ~~وكل فن آخر، بدونها لا تفيد الدراسة، ولا العلم، ولا الخبرة. # فالموسيقى، ككل فن آخر، مرتبطة بحياة الناس الواقعية أوثق الارتباط. وطالما كانت ~~هذه الحياة يسودها الخمول، واليأس، والإحساس بالظلم؛ فمن العبث أن ننتظر نهضة حقيقية ~~في مجال الفن. ولو لم يكن للناس في حياتهم هدف وأمل في مستقبل مشرق، فلن ينهض بينهم ~~فن سليم؛ إذ لن يوجد الشيء الذي يعبر عنه ذلك الفن. ونهضتنا الموسيقية مرتبطة بنهضتنا ~~الاجتماعية ارتباطا وثيقا. ففي اليوم الذي يحس فيه كل فرد بكيانه، وبأن الحياة بدأت ~~تقبل عليه، ويشعر في أعماق نفسه بأن له في هذه الحياة هدفا يسعى مع أقرانه إلى ~~تحقيقه ... في هذا اليوم وحده (وكل الدلائل تدل على أنه قريب) يحق لنا أن ننتظر نهضة ~~موسيقية وفنية صحيحة. وعندئذ يكون لهذه الخطة التي أوضحنا خطوطها العامة جدواها؛ إذ ~~إنها تمدنا بالوسائل والأدوات، بينما تمدنا أحاسيسنا الإنسانية بأسمى المعاني ~~والأفكار. ms56