######OpenITI# #META# URI: 1431FuadZakariyya.TafkirCilmi.Hindawi40719685 #META# Tags: philosophy #META# ID: 40719685 #META# Title: التفكير العلمي #META# AuthorID: 90639697 #META# Author: فؤاد زكريا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - سمات التفكير العلمي‏ # 2 - عقبات في طريق التفكير العلمي‏ # 3 - المعالم الكبرى في طريق العلم‏ # 4 - العلم والتكنولوجيا‏ # 5 - لمحة عن العلم المعاصر‏ # 6 - الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر‏ # 7 - شخصية العالم‏ # خاتمة‏ # الهوامش‏ # مراجع‏ # مقدمة‏ # 1 - سمات التفكير العلمي‏ # 2 - عقبات في طريق التفكير العلمي‏ # 3 - المعالم الكبرى في طريق العلم‏ # 4 - العلم والتكنولوجيا‏ # 5 - لمحة عن العلم المعاصر‏ # 6 - الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر‏ # 7 - شخصية العالم‏ # خاتمة‏ # الهوامش‏ # مراجع‏ # | التفكير العلمي # | التفكير العلمي # تأليف # فؤاد زكريا # | مقدمة # ليس التفكير العلمي هو تفكير العلماء بالضرورة؛ فالعالم يفكر في مشكلة متخصصة - هي في ~~أغلب الأحيان منتمية إلى ميدان لا يستطيع غير المتخصص أن يخوضه، بل قد لا يعرف في بعض ~~الحالات أنه موجود أصلا - وهو يستخدم في تفكيره وفي التعبير عنه لغة متخصصة يستطيع أن ~~يتداولها مع غيره من العلماء، هي لغة اصطلاحات ورموز متعارف عليها بينهم، وإن تكن مختلفة ~~كل الاختلاف عن تلك اللغة التي يستخدمها الناس في حديثهم ومعاملاتهم المألوفة. وتفكير ~~العالم يرتكز على حصيلة ضخمة من المعلومات، بل إنه يفترض مقدما كل ما توصلت إليه ~~البشرية طوال تاريخها الماضي في ذلك الميدان المعين من ميادين العلم. # أما التفكير العملي الذي نقصده فلا ينصب ~~على مشكلة متخصصة بعينها، أو حتى على مجموعة المشكلات المحددة التي يعالجها العلماء، ~~ولا يفترض معرفة بلغة علمية أو رموز رياضية خاصة، ولا يقتضي أن يكون ذهن المرء محتشدا ~~بالمعلومات العلمية أو مدربا على البحث المؤدي إلى حل مشكلات العالم الطبيعي أو الإنساني، ~~بل إن ما نود أن نتحدث عنه إنما هو ذلك النوع من التفكير المنظم، الذي يمكن أن نستخدمه ~~في شئون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو ~~في علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا. وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون ~~منظما، وأن يبنى على مجموعة من المبادئ التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشعر بها ~~شعورا واعيا، مثل مبدأ ms001 استحالة تأكيد الشيء ونقيضه في آن واحد، والمبدأ القائل أن لكل ~~حادث سببا، وأن من المحال أن يحدث شيء من لا شيء. # هذا النوع من التفكير هو ذلك الذي يتبقى في أذهاننا من حصيلة ذلك العمل الشاق الذي قام ~~به العلماء - وما زالوا يقومون به - من أجل اكتساب المعرفة والتوصل إلى حقائق الأشياء؛ ~~فبناء العلم يعلو طابقا فوق طابق، وكل عالم يضيف إليه لبنة صغيرة، وربما اكتفى بإصلاح ~~وضع لبنة سابقة أضافها إليه غيره من قبل، ولكن الأغلبية الساحقة من البشر لا تعرف تفاصيل ~~ذلك البناء، ولا تعلم الكثير عن تلك الجهود المضنية التي بذلت حتى وصل إلى ارتفاعه هذا، ~~وهي تكتفي بأن تستخدمه وتنتفع منه، دون أن تعرف إلا أقل القليل عن الطرق المستخدمة في ~~تشييده، وهذا أمر طبيعي لأن العلم قد تحول - على مر العصور - إلى نشاط يزداد تخصصا ~~بالتدريج ولا تقدر على استيعابه إلا فئة من البشر أعدت نفسها له إعدادا شاقا ~~ومعقدا. ولكن هل يعني ذلك أن جمهرة الناس لم تتأثر بشيء مما زودها به العلم فيما عدا ~~تطبيقاته؟ وهل يعني أن العلم لم يترك أثرا في أية عقول فيما عدا عقول العلماء المشتغلين ~~به؟ الواقع أن العلم - وإن كانت تفاصيله وأساليبه الفنية مجهولة لدى أغلبية البشر - قد ترك ~~في عقول الناس آثارا لا تمحى، أعني أساليب معينة في التفكير لم تكن ميسورة للناس قبل ~~ظهور عصر العلم، وكانت في المراحل الأولى من ذلك العمر مختلطة بأساليب أخرى مضطربة مشوشة ~~وقفت حائلا دون نمو العقل الإنساني وبلوغه مرحلة النضج والوعي السليم. # وهذه الأساليب التي تركها العلم في العقول - حتى لو لم تكن قد اشتغلت به أو أسهمت بصورة ~~مباشرة في تقدمه - هي ذلك النوع من التفكير العلمي الذي نود هنا أن ندرسه؛ فبعد أن يقدم ~~العلماء إنجازاتهم قد لا يفهم هذه الإنجازات حق الفهم ويشارك في استيعابها ونقدها إلا قلة ~~ضئيلة من المتخصصين، ولكن «شيئا ما» يظل باقيا من هذه الإنجازات لدى الآخرين، أعني ~~طريقة معينة ms002 في النظر إلى الأمور، وأسلوبا خاصا في معالجة المشكلات، وهذا الأثر الباقي ~~هو تلك «العقلية العلمية» التي يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي، حتى لو لم يكن يعرف نظرية ~~علمية واحدة معرفة كاملة، ولو لم يكن قد درس مقررا علميا واحدا طوال حياته. إنها تلك ~~العقلية المنظمة التي تسعى إلى التحرر من مخلفات عصور الجهل والخرافة، والتي أصبحت سمة ~~مميزة للمجتمعات التي صار للعلم فيها «تراث» يترك بصماته على عقول الناس. # موضوعنا إذن هو التفكير العلمي أو العقلية العلمية بهذا المعنى الواسع، لا بمعنى تفكير ~~العلماء وحدهم، على أننا لن نتمكن من إلقاء الضوء على هذه الطريقة العلمية في التفكير إلا ~~إذا ألممنا بشيء عن أسلوب تفكير العلماء الذي انبثقت منه تلك العقلية العلمية في مجتمعاتهم. ~~فتفكير العلماء هو مصدر الضوء، ومن هذا المصدر تنتشر الإشعاعات في شتى الاتجاهات، وتزداد ~~خفوتا كلما تباعدت، ولكنها تضيء مساحة أكبر في عقول الناس العاديين كلما كان المنبر ~~الأصلي أشد نصاعة ولمعانا، ومن هنا كان لزاما علينا أن نعود - من حين لآخر - إلى ~~الطريقة التي يفكر بها مبدعو العلم، لا في تفاصيلها الفنية المتخصصة، بل في مبادئها ~~واتجاهاتها العامة التي هي الأقوى تأثيرا في تفكير الناس العاديين. # وفي اعتقادي أن موضوع التفكير العلمي هو موضوع الساعة في العالم العربي؛ ففي الوقت الذي ~~أفلح فيه العالم المتقدم - بغض النظر عن أنظمته الاجتماعية - في تكوين تراث علمي راسخ ~~امتد - في العصر الحديث - طوال أربعة قرون، وأصبح يمثل في حياة هذه المجتمعات اتجاها ~~ثابتا يستحيل العدول عنه أو الرجوع فيه. في هذا الوقت ذاته يخوض المفكرون في عالمنا ~~العربي معركة ضارية في سبيل إقرار أبسط مبادئ التفكير العلمي، ويبدو حتى اليوم - ونحن نمضي ~~قدما إلى السنوات الأخيرة من القرن العشرين - أن نتيجة هذه المعركة ما زالت على كفة ~~الميزان، بل قد يخيل إلى المرء في ساعات تشاؤم معينة أن احتمال الانتصار فيها أضعف من ~~احتمال الهزيمة. # وفي هذا المضمار لا أملك إلا أن أشير إلى أمرين يدخلان ms003 في باب العجائب حول موقفنا من ~~العلم في الماضي والحاضر: # الأمر الأول: هو أننا - بعد أن بدأ تراثنا العلمي في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ~~بداية قوية ناضجة سبقتنا بها النهضة الأوروبية الحديثة بقرون عديدة - ما زلنا إلى اليوم ~~نتجادل حول أبسط مبادئ التفكير العلمي وبديهياته الأساسية، ولو كان خط التقدم ظل متصلا ~~- منذ نهضتنا العلمية القديمة حتى اليوم - لكنا قد سبقنا العالم كله في هذا المضمار ~~إلى حد يستحيل معه أن يلحق بنا الآخرون. ومع ذلك ففي الوقت الذي يصعدون فيه إلى القمر، ~~نتجادل نحن عما إذا كانت للأشياء أسبابها المحددة وللطبيعة قوانينها الثابتة أم ~~العكس. # وأما الأمر الثاني فهو أننا لا نكف عن ~~الزهو بماضينا العلمي المجيد، ولكننا في حاضرنا نقاوم العلم أشد مقاومة. بل إن الأشخاص ~~الذين يحرصون على تأكيد الدور الرائد الذي قام به العلماء المسلمون في العصر الزاهي للحضارة ~~الإسلامية، هم أنفسهم الذين يحاربون التفكير العلمي في أيامنا هذه؛ ففي أغلب الأحيان تأتي ~~الدعوة إلى الدفاع عن العناصر اللاعقلية في حياتنا، والهجوم على أية محاولة لإقرار أبسط ~~أصول التفكير المنطقي والعلمي المنظم، وجعلها أساسا ثابتا من أسس حياتنا؛ تأتي هذه ~~الدعوة من أولئك الأشخاص الذين يحرصون - في شتى المناسبات - على التفاخر أمام الغربيين ~~بأن علماء المسلمين سبقوهم إلى كثير من أساليب التفكير والنظريات العلمية التي لم تعرفها ~~أوروبا إلا في وقت متأخر، وما كان لها أن تتوصل إليها لولا الجهود الرائدة للعلم الإسلامي ~~الذي تأثر به الأوروبيون تأثرا لا شك فيه. # ومن الجلي أن هذا الموقف يعبر عن تناقض ~~صارخ؛ إذ إن المفروض فيمن يزهو بإنجازاتنا العلمية الماضية أن يكون نصرا للعلم، داعيا إلى ~~الأخذ بأسبابه في الحاضر؛ حتى تتاح لنا العودة إلى تلك القمة التي بلغناها في عصر مضى، ~~أما أن نتفاخر بعلم قديم، ونستخف بالعلم الحديث أو نحاربه، فهذا أمر يبدو مستعصيا على ~~الفهم. # وتفسير هذا التناقض يكمن - من وجهة نظري - في أحد أمرين؛ فمن الجائز أن أولئك الذين ~~يفخرون بعلمنا القديم إنما يفعلون ms004 ذلك؛ لأنه «من صنعنا نحن»؛ أي إنهم يعربون بذلك عن نوع ~~من الاعتزاز القومي ، ومن ثم فهم لا يأبهون بالعلم الحديث ما دام «من صنع الآخرين». ومن ~~الجائز أيضا أن تأكيدهم لأمجاد العرب في ميدان العلم إنما يرجع إلى اعتزازهم «بالتراث» ~~أيا كان ميدانه؛ ومن ثم فإن كل ما يخرج عن نطاق هذا التراث يستحق الإدانة أو الاستخفاف ~~في نظرهم، وسواء أكان التعليل هو هذا أو ذاك، فإن الحلم الذي وصلنا إليه في الفترة الزاهية ~~من الحضارة الإسلامية لا يمجد لأنه «علم» بل لأنه واحد من تلك العناصر التي تتيح للعرب ~~أن يعتزوا بأنفسهم أو بتراثهم. # ولكننا إذا شئنا أن نكون متسقين مع أنفسنا، وإذا ~~أردنا أن نتجاوز مرحلة اجترار الماضي والتغني بأمجاد الأجداد، وإذا شئنا ألا نبدو أمام ~~العالم كما يبدو أولئك العاطلون الذين لا رصيد لهم من الدنيا سوى أن أجدادهم القدامى كانوا ~~يحملون لقب «باشا» أو «لورد» أو «بارون»، فعلينا أن نحترم العلم في الحاضر مثلما احترمناه ~~في الماضي، وأن نعترف بأن هذا الأسلوب في التفكير الذي كان مصدرا لاعتزازنا بأجدادنا في ~~الماضي - أعني الأسلوب العلمي - ينبغي أن يكون هدفا من أهدافنا التي نحرص عليها في ~~الحاضر بدوره، وأن المعركة التي يشنها الفكر المتخلف على كل من يدعو إلى المنهج العلمي في ~~التفكير، ستقف عائقا في وجه جهودنا من أجل اللحاق بركب العصر، بل ستلقي ظلالا من الشك ~~حول مدى إخلاصنا في التغني بأمجاد «ابن حيان» و«الخوارزمي» و«ابن الهيثم» و«البيروني»، ~~الذين كانوا يقفون في الصف الأول من العقول التي تفكر بالأسلوب العلمي في عصورهم. # والحق أن أية محاولة لاعتراض طريق التفكير العلمي في عصرنا الحاضر إنما هي معركة خاسرة؛ ~~فلم يعد للسؤال: هل نتبع طريق العلم أم لا؟ مجال في هذا العصر. بل إن الدول التي تحتل ~~اليوم موقع الصدارة بين بلاد العالم قد حسمت هذا السؤال منذ أربعة قرون على الأقل، ولم ~~تعد هذه المشكلة مطروحة أمامها منذ ذلك الحين. وصحيح أن طريق التفكير العلمي كان ms005 في ~~بدايته شاقا، وأن المقاومة كانت عنيفة، والمعركة دامية سقط فيها شهداء كثيرون، ولكن العلم ~~اكتسح أمامه كل عناصر المقاومة، وأصبحت القوى المعادية له والتي كانت في وقت من الأوقات ~~تمسك بزمام السلطة في جميع الميادين؛ أصبحت هي التي تبحث لنفسها عن مكان في عالم يسوده ~~العلم، ومنذ اللحظة التي بدأ فيها عدد محدود من العلماء يكتشفون حقائق جديدة عن الكون ~~بأسلوب منطقي هادئ، وبناء على شواهد قاطعة وبراهين مقنعة لا سبيل إلى الشك فيها. منذ هذه ~~اللحظة أصبحت سيادة العلم مسألة وقت فحسب، ولم يعد في وسع أية قوة أن تقف في وجه هذه ~~الطريقة القاطعة في اكتساب المعارف الجديدة؛ ذلك لأن العلم ليس قوة معادية لأي شيء، ولا ~~منافسة لأي شيء، والعالم شخص لا يهدد أحدا، ولا يسعى إلى السيطرة على أحد، وكل المعارك ~~التي حورب فيها العلم والعلماء كانت معارك أساء فيها الآخرون فهم العلم، ولم يكن العلم ولا ~~أصحابه هم المسئولون عنها. وأعظم خطأ يرتكبه المدافعون عن مبدأ معين أو عن ضرب من ضروب ~~النشاط الروحي للإنسان، هو أن يعتقدوا أن العلم مصدر خطر عليهم، ويضعوا مبدأهم أو نشاطهم ~~الروحي في خصومة مع العلم. فعلت هذا الكنيسة الأوروبية في مطلع عصر النهضة؛ فقام رجالها ~~يحاربون العلم الوليد ويضطهدون رواده، ولم يكن ذلك منهم إلا عن جهل بطبيعة العلم أو طبيعة ~~الدين أو كليهما معا، وربما كان في بعض الأحيان خوفا على نفوذ أو دفاعا عن مصالح ~~يعتقدون أن أسلوب المعرفة الجديدة كفيل بتهديدها، فماذا كانت النتيجة آخر الأمر؟ ظل العلم ~~يسير في طريقه بهدوء وثقة، ويحرز الانتصار تلو الانتصار، وتعاقب ظهور العلماء الأفذاذ، ~~الذين كان معظمهم أشخاصا مخلصين في عقيدتهم الدينية، ولم يكن أحد منهم يتصور أن الجهد ~~الذي يبذله من أجل بسط سيطرة العقل على الطبيعة وتحقيق النفع لإخوته في الإنسانية يمكن أن ~~يغضب أحدا، لا سيما إذا كان من رجال الدين، واضطرت الكنيسة الأوروبية آخر الأمر إلى ~~التراجع أمام قوة الحقيقة التي لا يستطيع ms006 أن ينكرها عقل سليم، ولكن تراجعها ربما كان قد ~~أتى بعد فوات الأوان؛ إذ إن الكثيرين يعزون موجات الإلحاد التي اجتاحت أوروبا - منذ القرن ~~الثامن عشر بوجه خاص - إلى تلك الخصومة التي لم يكن لها داع، والتي افتعلتها الكنيسة ضد ~~العلم. كلا، إن العلم لا يهدد أحدا، وإنما هو في أساسه منهج أو أسلوب منظم لرؤية ~~الأشياء وفهم العالم، وكل ما وجه إلى العلم من اتهامات إنما هو في واقع الأمر راجع إلى ~~تدخل قوى أخرى لا شأن للعلم بها، تفسد تأثير العلم أو تسيء توجيه نتائجه، وهو أمر ~~سنتحدث عنه في ثنايا هذا الكتاب بالتفصيل. # وعلى العكس من ذلك، فإن كل تقدم أحرزته البشرية في القرون الأخيرة إنما كان مرتبطا - ~~بطريق مباشر أو غير مباشر - بالعلم، وإذا كان من المعترف به أن وجه الحياة على هذه الأرض ~~قد تغير - خلال الأعوام المائة الأخيرة - بأكثر مما تغير خلال ألوف الأعوام السابقة؛ ~~فإن الفضل الأكبر في ذلك إنما يرجع إلى المعرفة العلمية، ويرجع - قبل ذلك - إلى وجود شعوب ~~تعترف بأهمية هذا اللون من المعرفة وتقدم إليه كل ضروب التشجيع. # واليوم لا يملك أي شعب يريد أن يجد له مكانا على خريطة العالم المعاصر إلا أن يحترم ~~أسلوب التفكير العلمي ويأخذ به، وكما قلت من قبل: فليس التفكير العلمي هو حشد المعلومات ~~العلمية أو معرفة طرائق البحث في ميدان معين من ميادين العلم، وإنما هو طريقة في النظر ~~إلى الأمور تعتمد أساسا على العقل والبرهان المقنع - بالتجربة أو بالدليل - وهي طريقة ~~يمكن أن تتوافر لدى شخص لم يكتسب تدريبا خاصا في أي فرع بعينه من فروع العلم، كما يمكن ~~أن يفتقر إليها أشخاص توافر لهم من المعارف العلمية حظ كبير، واعترف بهم المجتمع بشهاداته ~~الرسمية، فوضعهم في مصاف العلماء. ولعل الكثيرين منا قد صادفوا - على سبيل المثال - ذلك ~~النمط من التجار الذين لم يكن لهم من الدراسة العلمية المنظمة نصيب، ولكنهم يدبرون ~~شئونهم في حياتهم العملية - وربما في حياتهم الخاصة أيضا - على ms007 أساس نظرة عقلانية منطقية ~~إلى العالم وإلى القوانين المتحكمة فيه، دون أن يكون لديهم أي وعي بالأسس التي تقوم عليها ~~نظرتهم هذه، وفي الوجه المقابل لذلك فلقد رأيت بنفسي أشخاصا يعدهم المجتمع من العلماء - ~~منهم من وصل في الجامعة إلى كرسي الأستاذية - يدافعون بشدة عن كرامات ينسبونها إلى أشخاص ~~معينين (ليسوا من الأولياء ولا ممن عرفت عنهم أية مكانة خاصة بين الصالحين)، تتيح ~~لهم أن يقوموا بخوارق كاستشفاف أمور تحدث في بلد آخر دون أن يتحركوا من موضعهم، أو ~~تحقيق أمنياتهم بصورة مادية مجسمة بمجرد أن تطرأ على أذهانهم هذه الأمنيات، وفي أحيان ~~معينة، عبور البحر سيرا على الأقدام! تلك بالطبع حالات شاذة متطرفة، لا يمكن أن تعبر ~~عن وجهة نظر «فئة» كاملة، ولكنها في تطرفها تساعد على إثبات ما نقوله من أن التفكير العلمي ~~شيء وتكديس المعلومات العلمية شيء آخر. # أما على مستوى المجتمعات البشرية، فقد أصبحت النظرة العلمية ضرورة لا غناء عنها في أي ~~مجتمع معاصر لا يود أن يعيش في الظل بين سائر المجتمعات. وحسبنا أن نشير إلى أن مبدأ ~~التخطيط - وهو مبدأ أساسي حاولت بعض الأنظمة الاجتماعية إنكار أهميته في بادئ الأمر ولكنها ~~اضطرت إلى تطبيقه على نطاق واسع فيما بعد - هذا المبدأ إنما هو تطبيق مباشر لمفهوم التفكير ~~العلمي المنهجي من أجل حل مشكلات المجتمع البشري، ولقد أصبح من المألوف في عالمنا المعاصر ~~أن نسمع تعبيرات كالتخطيط الاقتصادي أو الخطة الاقتصادية والتخطيط الاجتماعي والتخطيط ~~التربوي والعلمي والتخطيط الثقافي، وكلها تعبيرات تدل على اعتراف المجتمع الحديث بأن ~~ميادين أساسية للنشاط البشري - كالاقتصاد والشئون الاجتماعية والتربية والعلم والثقافة - ~~أصبحت توجه بطريقة علمية منظمة، بعد أن كانت تترك لتنمو على نحو تلقائي، أو تخضع ~~لتنظيمات مؤقتة تغيب عنها الصورة الشاملة للميدان بأكمله، وتسري خلال وقت محدود فحسب. وكل ~~نجاح يحرزه التخطيط في عالمنا المعاصر إنما هو نجاح للنظرة العلمية في تدبير شئون ~~الإنسان، بل إن العلم تغلغل بادئ الأمر في ميادين ظل الناس طويلا يتصورون أنها بمنأى ~~عن ms008 التنظيم المنهجي والتخطيط المدروس؛ فنحن نسمع اليوم عن دعاية سياسية «علمية » استطاعت ~~بفضلها الدول أن تنشر المبادئ والأفكار التي ترى من مصلحتها نشرها - إما بين أفراد شعبها ~~وإما بين أفراد الشعوب الأخرى - بطريقة مدروسة تؤدي إلى تيسير قبول العقول لهذه المبادئ ~~وإضعاف قدرتها على مقاومتها بالتدريج، ومنذ الوقت الذي افتتح فيه «جوبلز» - الوزير النازي ~~المشهور - عهد الدعاية «العلمية»، لم تعد هناك دولة حديثة إلا وتلجأ - بصورة أو بأخرى - إلى ~~تلك الأساليب المنظمة المدروسة في الإقناع وتشكيل العقول. وقل مثل هذا عن أعمال التجسس ~~ونشاط أجهزة المخابرات التي أصبحت لها مدارس ومناهج منظمة، بعد أن كانت تعتمد على الاجتهاد ~~الفردي، وأصبحت تستعين بأحدث الكشوف العلمية وبأكبر عدد من العلماء المتخصصين؛ كيما تؤدي ~~عملها على نحو فعال. # وإذا كان العلم في الميدانين السابقين يستخدم على نحو قد يتعارض أحيانا مع القيم ~~الإنسانية الشريفة، فإنه في ميادين أخرى يستخدم على نحو يثري روح الإنسان أو يزيد من ~~قدراته الروحية الجسمية. في ميدان الفنون أتيح للأجيال التي تعيش في القرن العشرين أن تتلقى ~~دروسا وتدريبات - في ميادين الإبداع أو الأداء الفني - لم تكن متاحة إلا على نطاق ضيق ~~للأجيال السابقة، وكان من نتيجة ذلك اتساع ثقافة الفنان وإلمامه بأصول فنه، وبلوغ الفنون ~~الأدائية (كالموسيقى والرقص والتمثيل) مستويات تصل أحيانا إلى حد الإعجاز. كذلك أصبحت ~~الرياضة البدنية علما بالمعنى الصحيح، بعد أن كانت تعتمد على الاجتهاد الشخصي، وتمكن ~~الإنسان - بفضل التدريب المنهجي المدروس - من بلوغ نتائج كانت تدخل من قبل في باب ~~المستحيلات، وهكذا أصبحت حياة المجتمعات الحديثة - في سياستها وحربها وسلمها وجدها ~~ولهوها - منظمة تنظيما علميا منضبطا ودقيقا، ولم يعد في وسع مجتمع لديه أدنى قدر من ~~الطموح أن يسير في أموره بالطريقة العفوية التي كانت سائدة في عصور ما قبل العلم. وإذا كنا ~~- في الشرق بوجه خاص - نسمع بين الحين والحين أصواتا تحن إلى العهد التلقائي في أي ~~ميدان من الميادين، فلنكن على ثقة من أن أصحاب هذه الدعوات إما مغرقون في رومانسية ms009 ~~حالمة، وإما مدفوعون بالكسل إلى كراهية التنظيم العلمي الذي لا ينكر أحد أنه يتطلب جهدا ~~شاقا. وسواء أكان الأمر على هذا النحو أو ذاك، فقد آن الأوان لأن نعترف - في شجاعة وحزم - ~~بأن عصر التلقائية والعشوائية قد ولى، وبأن النظرة العلمية إلى شئون الحياة في ميادينها ~~كافة هي وحدها التي تضمن للمجتمع أن يسير في طريق التقدم خلال القرن العشرين، وهي الحد ~~الأدنى الذي لا مفر من توافره في أي مجتمع يود أن يكون له مكان في عالم القرن الحادي ~~والعشرين، الذي أصبح أقرب إلينا مما نظن، وإذا كان بعض من يعيشون معنا في الربع الأخير من ~~القرن العشرين غير مقتنعين حتى اليوم بجدوى الأسلوب العلمي في معالجة الأمور، وإذا كانوا ~~لا يزالون يضعون العراقيل أمام التفكير العلمي حتى اليوم، فليفكروا لحظة في أحوال ~~العالم في القرن القادم الذي سيعيش فيه أبناؤهم، ومن هذه الزاوية فإني أعد هذا الكتاب ~~محاولة لإقناع العقول - في عالمنا العربي - بأن أشياء كثيرة ستفوتنا لو امتثلنا للاتجاهات ~~المعادية للعلم، وبأن مجرد البقاء في المستقبل - دون نظرة علمية وأسلوب علمي في التفكير - ~~سيكون أمرا مشكوكا فيه. # مارس 1977 # فؤاد زكريا # الفصل الأول # | سمات التفكير العلمي # لم يكتسب التفكير العلمي سماته المميزة - التي أتاحت له بلوغ نتائجه النظرية والتطبيقية ~~الباهرة - إلا بعد تطور طويل، وبعد التغلب على عقبات كثيرة، وخلال هذا التطور كان الناس ~~يفكرون على أنحاء متباينة، يتصورون أنها كلها تهديهم إلى الحقيقة، ولكن كثيرا من ~~أساليب التفكير اتضح خطؤها فأسقطها العقل البشري خلال رحلته الطويلة، ولم تصمد في النهاية ~~إلا تلك السمات التي تثبت أنها تساعد على العلو ببناء المعرفة وزيادة قدرة الإنسان على فهم ~~نفسه والعالم المحيط به. وهكذا يمكننا أن نستخلص مجموعة من الخصائص التي تتسم بها المعرفة ~~العلمية، أيا كان الميدان الذي تنطبق عليه، والتي تتميز بها تلك المعرفة عن سائر مظاهر ~~النشاط الفكري للإنسان، ونستطيع أن نتخذ من هذه الخصائص مقياسا نقيس به مدى علمية أي نوع ~~من التفكير يقوم به ms010 الإنسان، فما هي هذه السمات الرئيسية؟ ~~(1) التراكمية # العلم معرفة تراكمية، ولفظ «التراكمية » هذا يصف الطريقة التي يتطور بها العلم والتي ~~يعلو بها صرحه؛ فالمعرفة العلمية أشبه بالبناء الذي يشيد طابقا فوق طابق، مع فارق ~~أساسي هو أن سكان هذا البناء ينتقلون إلى الطابق الأعلى؛ أي إنهم كلما شيدوا طابقا ~~جديدا انتقلوا إليه وتركوا الطوابق السفلى لتكون مجرد أساس يرتكز عليه ~~البناء. # وقد يبدو هذا الوصف أمرا طبيعيا بالنسبة إلى أي نوع من النشاط العقلي أو الروحي ~~للإنسان، ولكن قليلا من التفكير يقنعنا بأن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى أنواع متعددة ~~من هذا النشاط؛ فقد عرف الإنسان منذ العصور القديمة نوعا من النشاط العقلي قد يبدو ~~مشابها للمعرفة العلمية إلى حد بعيد هو المعرفة الفلسفية، ولكن هذه المعرفة ~~الفلسفية لم تكن تراكمية، بمعنى أن كل مذهب جديد يظهر في الفلسفة لم يكن يبدأ من حيث ~~انتهت المذاهب السابقة، ولم يكن مكملا لها، بل كان ينتقد ما سبقه ويتخذ لنفسه ~~نقطة بداية جديدة. ومن هنا فإننا إذا استخدمنا التشبيه السابق كان في وسعنا أن نقول: إن ~~البناء الفلسفي لا يرتفع إلى أعلى، بل إنه يمتد امتدادا أفقيا. وفضلا عن ذلك فإن ~~سكان هذا البناء لا يتركون طوابقه القديمة، بل يظلون مقيمين فيها مهما ظهرت له من طوابق ~~جديدة؛ ذلك لأن افتقار المعرفة - في ميدان الفلسفة - إلى الصفة التراكمية، يجعل ~~المشتغلين بالفلسفة يجدون في تياراتها القديمة أهمية لا تقل عن أهمية التيارات الحديثة؛ ~~ومن ثم تظل موضوعا دائما لدراستهم. # ومثل هذا يقال عن الفن؛ فالفن ينمو أفقيا، بمعنى أننا نظل نتذوق الفن القديم، ~~ولا نتصور أبدا أن ظهور فن جديد يعني التخلي عن أعمال الفنانين القدماء أو النظر ~~إليها بمنظور تاريخي فحسب، وبطبيعة الحال فإن هذا النمو الأفقي لا يعني أن أي اتجاه ~~جديد في الفن كان يمكن أن يظهر في أي عصر سابق؛ إذ إن ظهور الاتجاهات الفنية مرتبط ~~ارتباطا وثيقا بمجموع الأوضاع الإنسانية التي يظهر فيها كل اتجاه منها؛ أعني ~~بالأوضاع ms011 الاجتماعية والثقافية والروحية والمادية ... إلخ، بحيث لا يمكن أن يفهم هذا ~~الاتجاه حق الفهم إلا في سياقه التاريخي الذي ظهر فيه، ولكن الذي يعنينا هو أن ~~تذوقنا لفن معاصر لا يمنعنا من أن نتذوق فنون العصور الماضية، وأن الروح ~~الإنسانية التي تجد متعة في أعمال فنية حديثة تجد متعة مماثلة في أعمال السابقين، ولا ~~تحاول أبدا أن تنسخ القديم؛ لأن هناك جديدا ظهر ليحل محله. # أما في حالة المعرفة العلمية، فإن الأمر يختلف؛ إذ إن كل نظرية علمية جديدة تحل ~~محل النظرية القديمة، والوضع الذي يقبله العلماء في أي عصر هو الوضع الذي يمثل حالة ~~العلم في ذلك العصر بعينه لا في أي عصر سابق، والنظرية العلمية السابقة تصبح - بمجرد ~~ظهور الجديد - شيئا «تاريخيا»؛ أي إنها تهم مؤرخ العلم لا العالم نفسه، ومن هنا ~~فإن سكان البناء العلمي - كما قلنا من قبل - هم في حالة تنقل مستمر، ومقرهم هو ~~أعلى الطوابق في بناء لا يكف لحظة واحدة عن الارتفاع. # وتكشف لنا سمة «التراكمية» هذه عن خاصية أساسية للحقيقة العلمية، هي أنها نسبية؛ ~~فالحقيقة العلمية لا تكف عن التطور، ومهما بدا في أي وقت أن العلم قد وصل في موضوع ~~معين إلى رأي نهائي مستقر، فإن التطور سرعان ما يتجاوز هذا الرأي ويستعيض عنه برأي ~~جديد. # وهكذا بدا للناس - في وقت معين - أن فيزياء «نيوتن» هي الكلمة الأخيرة في ميدانها، ~~وأنها تعبر عن حقيقة مطلقة، ودام هذا الاعتقاد ما يقرب من قرنين من الزمان، ثم ~~جاءت فيزياء أينشتين فابتلعت فيزياء نيوتن في داخلها، وتجاوزتها وأثبتت أن ما كان ~~يعد حقيقة مطلقة ليس في الواقع إلا حقيقة نسبية، أو حالة من حالات نظرية أوسع منها ~~وأعم. # هذا المثل يكشف لنا عن طبيعة التراكم المميز للحقائق العلمية؛ ففي بعض الحالات تحل ~~النظرية العلمية محل القديمة وتنسخها أو تلغيها، ولكن في معظم الحالات لا تكون النظرية ~~الجديدة بديلا يلغي القديمة، وإنما توسعها وتكشف عن أبعاد جديدة لم تستطع النظرية ~~القديمة أن تفسرها أو تعمل ms012 لها حسابا. وهكذا يكون القديم متضمنا في الجديد، ولا ~~يكون العالم - كالفيلسوف - عقلا يبدأ طريقه من أول الشوط، وإنما يستمد نقطة بدايته من ~~حيث توقف غيره. # ولكن إذا كانت الحقيقة العلمية نسبية على هذا النحو، فكيف جاز للبعض أن يصفوها بأنها ~~«مطلقة»؟ إننا نصف مشاعرنا الانفعالية وأذواقنا الفنية بأنها «نسبية»، ونعني بذلك ~~أنها تختلف من فرد لآخر، وأنه ليس من حق أحد أن يفرض ذوقه - مثلا - على الآخرين، ~~ولكننا نقول عن الحقيقة العلمية إنها «مطلقة»، بمعنى أنها لا تتجاوز نطاق الاختلافات ~~بين الأفراد، ولا تتقيد بظروف معينة، بل تتخطى الحدود الجزئية لكل عقل على حدة، لكي ~~تفرض نفسها على كل عقل إنساني بوجه عام. وهذه التفرقة بين طريقة حكمنا على عمل فني ~~وطريقة اقتناعنا بالحقيقة العلمية هي تفرقة صحيحة، فكيف إذن نوفق بين الاعتقاد - الذي ~~قلنا إنه صحيح - بأن الحقائق العلمية مطلقة وبين ما قلناه منذ قليل من أنها ~~نسبية؟ # الواقع أن الحقيقة العلمية - في إطارها الخاص - تصدق على كل الظواهر وتفرض نفسها على ~~كل عقل، وبهذا المعنى تكون مطلقة. فحين نقول: إن الماء يتكون من أكسجين وهيدروجين ~~بنسبة 1 إلى 2، لا نعني بذلك كمية الماء التي أجرينا عليها هذا الاختبار، بل نعني أية ~~كمية من الماء على الإطلاق، ولا نوجه هذه الحقيقة إلى عقل الشخص الذي أجري أمامه ~~هذا الاختبار فحسب، بل إلى كل عقل بوجه عام، ولكننا قد نكتشف في يوم ما أملاحا في ~~الماء بنسبة ضئيلة، أو نصنع «الماء الثقيل» (المستخدم في المجال الذري) فيصبح الحكم ~~العلمي السابق نسبيا، لا بمعنى أنه يتغير من شخص إلى آخر، بل بمعنى أنه يصدق في ~~إطاره الخاص، وإذا تغير هذا الإطار كان لا بد من تعديله، وهذا الإطار الخاص قد يكون ~~هو المجال الذي تصدق فيه الحقيقة العلمية، كما هي الحال في أوزان الأجسام، التي يظل ~~مقدارها صحيحا في إطار الجاذبية الأرضية، ولكنها تختلف إذا نقلت إلى مجال القمر، ~~كما قد يكون هذا الإطار زمنيا، بمعنى أن الحقيقة التي تعبر ms013 عن المستوى الحالي للعلم ~~تظل صحيحة وتفرض نفسها على الجميع في حدود معرفتنا الراهنة، وبذلك يكون هناك تعارض بين ~~الطابع النسبي للحقيقة، وبين قولنا إنها مطلقة، بل إن الحقيقة المطلقة كثيرا ما ~~يعبر عنها بعبارات نسبية، كما يحدث عندما نقول: إن ضغط الغاز يتناسب تناسبا ~~عكسيا مع درجة حرارته مقيسة بمقياس كلفن؛ ف «النسبة» ذاتها تصبح في هذا القانون ~~مطلقة، وإن كانت قيم الضغط والحرارة مختلفة فيها باستمرار. وهكذا فإن صفة «التراكمية» ~~في التفكير العلمي تجمع بين الطابع النسبي والطابع المطلق للعلم دون أي تناقض. # هذه السمة «التراكمية» التي يتسم بها العلم هي التي تقدم إلينا مفتاحا للرد على ~~انتقاد يشبع توجيهه - في بلادنا الشرقية على وجه الخصوص - إلى العلم، وهو الانتقاد ~~الذي يستغل تطور العلم لكي يتهم المعرفة العلمية والعقل العلمي بالنقصان؛ فمن الشائع ~~أن يحمل أصحاب العقليات الرجعية على العلم لأنه متغير، ولأن حقائقه محدودة، ولأنه ~~يعجز عن تفسير ظواهر كثيرة، وهم بذلك يفتحون الباب أمام أنواع أخرى من التفسير الخارجة ~~عن نطاق العلم أو المعادية له، وواقع الأمر أن هذا ليس اتهاما للعلم على الإطلاق، ~~فإذا قلت: إن العلم متغير، كنت بذلك تعبر بالفعل عن سمة أساسية من سمات العلم، ~~وإذا اعتبرت هذا التغير علامة نقص فإنك تخطئ بذلك خطأ فاحشا؛ إذ تفترض عندئذ أن ~~العلم الكامل لا بد أن يكون «ثابتا»، مع أن ثبات العلم في أية لحظة، واعتقاده أنه وصل ~~إلى حد الاكتمال، لا يعني إلا نهايته وموته؛ ومن ثم فإن الثبات في هذا المجال هو الذي ~~ينبغي أن يعد علاقة نقص. إن العلم حركة دائبة، واستمرار حيويته إنما هو مظهر من ~~مظاهر حيوية الإنسان الذي أبدعه، ولن يتوقف هذا العلم إلا إذا توقفت حياة مبدعه ذاته. ~~والتغيير الذي يتخذ شكل «التقدم» والتحسين المستمر هو دليل على القوة لا على الضعف، ~~ومن المؤكد أن هذا هو طابع التغير العلمي، بدليل أن النظرية الجديدة في كثير من الحالات ~~تستوعب القديمة في داخلها وتتجاوزها، وتفسر الظواهر على ms014 نطاق أوسع منها كما قلنا ~~من قبل. # ومجمل القول أن المعرفة العلمية متغيرة حقا، ولكن تغيرها يتخذ شكل ~~«التراكم»؛ أي إضافة الجديد إلى القديم؛ ومن ثم فإن نطاق المعرفة التي تنبعث من العلم ~~يتسع باستمرار، كما أن نطاق الجهل الذي يبدده العلم ينكمش باستمرار. ومن هنا لم يكن ~~انتقال العلم إلى مواقع جديدة على الدوام علامة من علامات النقص فيه، بل إن النقص إنما ~~يكمن في تلك النظرة القاصرة التي تتصور أن العلم الصحيح هو العلم الثابت ~~والمكتمل. # ولكن في أي اتجاه يسير هذا التراكم الذي تتسم به المعرفة العلمية؟ إنه - في واقع ~~الأمر - يسير في الاتجاهين؛ الرأسي والأفقي، أعني اتجاه التعمق في بحث الظواهر نفسها، ~~واتجاه التوسع والامتداد إلى بحث ظواهر جديدة. # أما عن الاتجاه الأول - الذي نستطيع أن ~~نسميه اتجاها رأسيا أو عموديا - ففيه يعود العلم إلى بحث نفس الظواهر التي سبق ~~له أن بحثها ولكن من منظور جديد وبعد كشف أبعاد جديدة فيها؛ فالبحث الفيزيائي ~~والكيميائي في المادة - مثلا - بدأ بخصائص ~~المواد كما نتعامل معها يوميا؛ أي على مستوى إدراك حواسنا المادية، وبازدياد تقدم ~~العلم ازداد مستوى الأبحاث في الظواهر نفسها تعمقا، فكشفت مستويات جديدة للمادة ~~ألقت مزيدا من الضوء على ظواهر العالم الفيزيائي والكيميائي، وانتقل البحث إلى مستوى ~~الجزيئات والذرات، ثم إلى مستوى دون الذري؛ أي مستوى أدق مكونات الذرة نفسها. وما زال ~~العلم يتعمق في هذا الميدان الهام إلى مستويات تزداد دقة، وتتيح لنا مزيدا من ~~السيطرة على العالم المادي، وينطبق هذا على العلوم الإنسانية بدورها؛ إذ يمكن القول ~~- على سبيل المثال - إن التحليل النفسي عند فرويد هو محاولة للتغلغل إلى أبعاد في ~~النفس البشرية أعمق من تلك التي كان يقتصر عليها علم النفس التقليدي، الذي كان يتناول ~~سلوك الإنسان وفقا لمظاهره الخارجية، ويقتنع بالتعديلات والتبريرات الواعية التي ~~تقدم لهذا السلوك، دون أن يدرك أن من وراء هذا التبرير «الواعي» دوافع لا شعورية ~~خفية، لا يريد الإنسان أن يفصح عنها، وإنما تستخلص بعملية تحليل متعمقة. ms015 # وأما الاتجاه الثاني - وهو الاتجاه الذي يمكن أن يسمى أفقيا - فهو اتجاه العلم ~~إلى التوسع والامتداد إلى ميادين جديدة؛ ذلك لأن العلم بدأ بنطاق محدود من الظواهر، هي ~~وحدها التي كان يعتقد أنها خاضعة لقواعد البحث العلمي، على حين أن ميادين كثيرة كانت ~~تعد أعقد أو أقدس من أن يتناولها العلم، وحسبنا أن نشير في هذا الصدد إلى أن آخر ~~العلوم في ترتيب الظهور كانت مجموعة العلوم التي تدرس الإنسان بطريقة منهجية، مثل علم ~~الاجتماع وعلم النفس اللذين ظهرا في القرن التاسع عشر. أما قبل ذلك فكانت دراسة ~~الإنسان متروكة للتأملات الفلسفية التي كانت تزودنا - بغير شك - بحقائق عظيمة القيمة ~~عن الإنسان، ولكن هذه الحقائق كانت تتخذ شكل استبصارات عبقرية ولا ترتكز على دراسة ~~منهجية، والسبب الرئيسي لذلك هو الاعتقاد الذي ظل سائدا طويلا بأن العلم لا يستطيع ~~أن يقترب من مجال الإنسان، وأن هذا المجال له حركته وقداسته الخاصة التي لا يصح أن ~~«تنتهك» بالدراسة العلمية. # والواقع أن مسألة الترتيب الذي ظهرت به العلوم الطبيعية والإنسانية هو موضوع له من ~~الأهمية ما يجعله جديرا بأن نستطرد فيه قليلا؛ ذلك لأن أول ما يتبادر إلى الذهن في ~~هذا الصدد، هو أن الإنسان عندما يبدأ في ممارسة المعرفة العلمية يبدأ بمعرفة نفسه، على ~~أساس أن هذا هو أقرب الميادين إليه، وهو الميدان الذي تكون فيه الملاحظة مباشرة بحق، ~~وبعد أن تكمل دراسته لنفسه يصبح لديه من النضج ما يسمح له بدراسة العالم الخارجي، ~~وربما كان يعزز هذا الرأي أن الآداب والفلسفات والعقائد والتشريعات - التي تعد شكلا ~~قديما وهاما من أشكال معرفة الإنسان - قد ظهرت قبل العلم التجريبي بزمن طويل. # ولكن حقيقة الأمر هي أن هذا الشكل الأولي الذي اتخذته معرفة الإنسان لنفسه كان ~~بعيدا عن الطابع العلمي، ولم يكن من الممكن بالفعل أن يبدأ العلم بدراسة الإنسان، بل ~~كان المعقول أن يبدأ بدراسة الطبيعة الخارجية، ولقد كان هذا هو ما حدث بالفعل في ~~التاريخ؛ ففي العالم القديم كانت المذاهب الفلسفية الأولى ms016 مذاهب «طبيعية»، ولم تظهر ~~المذاهب التي تتناول الإنسان إلا في وقت متأخر، وهكذا بدأت الفلسفة بالمدرسة ~~الأيونية والذرية ... إلخ، التي تركزت أبحاثها على العالم الطبيعي، قبل أن يظهر ~~السفسطائيون وسقراط وأفلاطون، الذين جعلوا الإنسان موضوعا هاما لفلسفاتهم. وفي العصر ~~الحديث بدأت النهضة العلمية بدراسة الطبيعة بطريقة مكثفة، ولم تلحقها دراسة الإنسان ~~علميا إلا بعد قرنين على الأقل، وهذا أمر غير مستغرب؛ إذ إن دراسة الإنسان - وإن ~~كانت تبدو أقرب وأسهل منالا لأنها تتعلق بمعرفة الإنسان لنفسه على نحو مباشر - هي ~~في واقع الأمر أعقد بكثير من دراسة الطبيعة؛ لأنها تمس أمورا نعتبرها مقدسة في كياننا ~~الداخلي، ولأن العلاقة بين الأسباب والنتائج فيها شديدة التعقيد والتشابك، على عكس ~~الحال في دراسة الطبيعة؛ حيث تسير هذه العلاقة دائما في خط واحد قابل ~~للتحديد. # وعلى أية حال فإن التطور في الاتجاهين - أعني اتجاهي دراسة الطبيعة ودراسة ~~الإنسان - كان متداخلا، ولم يكن الفاصل بين الميدانين قاطعا؛ ففي المحاولات الأولى ~~التي بذلها العقل البشري من أجل فهم الطبيعة، كان الإنسان يلجأ إلى تشبيه الطبيعة ~~بنفسه، وفهمها من خلال ما يحدث في داخله، فيتصور أن أحواله النفسية والحيوية لها نظير ~~في حوادث الطبيعة، وكأن الطبيعة تسلك كما يسلك الإنسان، وفي العصر الحديث دار الزمن ~~دورة كاملة؛ فبعد أن كانت الظواهر الطبيعية تفسر على مثال الظواهر البشرية؛ أصبحت ~~دراسة الإنسان - في كثير من الاتجاهات الحديثة ~~- تتم على مثال الطبيعة، وظهر ذلك في تصور «أوجست كونت» وخلفائه للظواهر الاجتماعية ~~كما لو كانت ظواهر طبيعية، كما ظهر عند «السلوكيين» والمدارس التجريبية في علم النفس ~~بوجه عام؛ حيث يفسر السلوك الإنساني كما لو كان سلسلة من ردود الأفعال الطبيعية. ~~وهكذا أصبحت الظواهر المتعلقة بكائن له حياة ونفس أو روح (أعني الإنسان) تدرس كأنها ~~ظواهر تنتمي إلى الطبيعة الجامدة، بعد أن كانت ظواهر الطبيعة الجامدة - في العصور ~~القديمة - تفسر كما لو كانت ذات حياة ونفس أو روح. # والذي يعنينا من هذا كله أن العلم يتوسع ويمتد رأسيا وأفقيا، وأنه يقتحم على ms017 ~~الدوام ميادين كانت من قبل متروكة للخرافات أو للتفسيرات اللاعقلية، فحتى القرن الثامن ~~عشر كانت أوروبا ذاتها تنظر إلى المرض العقلي على أنه ناتج عن تسلط روح شريرة على ~~الإنسان، وكانت تعامل المريض بقسوة شديدة بهدف إخراج هذه الروح الشريرة منه، وفي كثير ~~من الحالات كانت هذه القسوة تؤدي إلى موته. # وبالتدريج أخذ العلم يقتحم هذا الميدان بدوره - ميدان العقل البشري في صحته وفي ~~مرضه - وامتدت رقعة المعرفة العلمية إلى أرض جديدة كانت محرمة على العلم من قبل، ~~والأمثلة على ذلك عديدة، وكلها تثبت أن العلم يتوسع في جميع الاتجاهات. # ومرة أخرى نقول إن هذا التوسع يتضمن ردا مفحما على أولئك الذين يجدون متعة خاصة ~~في اتهام العقل البشري بالقصور، على أساس أن هناك ميادين كثيرة لم يستطع هذا العقل حتى ~~الآن أن يقتحمها؛ ذلك لأن هؤلاء لو تأملوا مسار العقل في تاريخه الطويل بنظرة شاملة - ~~لا تقتصر على اللحظة التي يعيشون فيها وحدها - لأدركوا أن عصورا كثيرة قبلنا كانت تؤمن ~~إيمانا قاطعا بعجز العقل العلمي عن اقتحام ميادين معينة، ولكن التطور سرعان ما أثبت ~~لهم خطأهم، وهذا درس ينبغي أن يستخلصوا منه عبرة بليغة؛ وهي أن التوسع في المعرفة ~~البشرية يسير باطراد، وأن كثيرا من الميادين التي نتصور اليوم أنها بعيدة عن متناول ~~العلم سوف تصبح موضوعا للدراسة العلمية المنظمة في المستقبل القريب أو ~~البعيد. ~~(2) التنظيم # في كل لحظة من حياتنا الواعية يستمر تفكيرنا، ويعمل عقلنا بلا انقطاع، ولكن نوع ~~التفكير الذي نسميه «علميا» لا يمثل إلا قدرا ضئيلا من هذا التفكير الذي يظل ~~يعمل دون توقف؛ ذلك لأن عقولنا في جزء كبير من نشاطها لا تعمل بطريقة منهجية منظمة، ~~وإنما تسير بطريقة أقرب إلى التلقائية والعفوية، وكثيرا ما يكون نشاطها مجرد رد فعل ~~على المواقف التي تواجهها دون أي تخطيط أو تدبر، بل إننا حين ننفرد بأنفسنا ونتصور أننا ~~«نفكر»، كثيرا ما ننتقل من موضوع إلى موضوع بطريقة عشوائية، وتتداعى الأفكار في ~~ذهننا حرة طليقة من أي تنظيم، ms018 فنسمي هذا شرودا أو حلم يقظة، ولكنه يظل مع ذلك ~~شكلا من أشكال التفكير، ومثل هذا التفكير الطليق غير المنظم سهل ومريح؛ ولذلك فإننا ~~كثيرا ما نستسلم له هربا من ضغط الحياة أو تخفيفا لمجهود قمنا به، أو نجعل منه ~~«فاصلا» مريحا بين مراحل العمل العقلي الشاق. # أما التفكير العلمي فمن أهم صفاته التنظيم؛ أي إننا لا نترك أفكارنا تسير حرة طليقة، ~~وإنما نرتبها بطريقة محددة، وننظمها عن وعي، ونبذل جهدا مقصودا من أجل تحقيق ~~أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها، ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب ~~على كثير من عاداتنا اليومية الشائعة، ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، ~~وتركيز عقولنا في الموضوع الذي نبحثه، وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص، وتصقلها ~~الممارسة المستمرة. # ولكن إذا كان العلم تنظيما لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية، فإنه - في ~~الوقت ذاته - تنظيم للعالم الخارجي؛ أي إننا في العلم لا نقتصر على تنظيم حياتنا ~~الداخلية فحسب، بل تنظيم العالم المحيط بنا أيضا؛ ذلك لأن هذا العالم مليء بالحوادث ~~المتشابكة والمتداخلة، وعلينا في العلم أن نستخلص من هذا التشابك والتعقيد مجموعة ~~الوقائع التي تهمنا في ميداننا الخاص، وهذه الوقائع لا تأتي إلينا جاهزة، ولا تحتل ~~جزءا منفصلا من العالم ألصقت عليه بطاقة اسمها «الكيمياء» أو «الفيزياء»، بل إن ~~مهمتنا في العلم هي أن نقوم بهذا التنظيم الذي يمكننا من أن ننتقي من ذلك الكل ~~المعقد ما يهمنا في ميداننا الخاص. # وينطبق ذلك على ميدان العلوم الإنسانية مثلما ينطبق على ميدان العلوم الطبيعية؛ ~~فحين يؤلف المؤرخ كتابا في التاريخ - وليكن مثلا كتابا عن تاريخ العالم العربي في ~~القرن العشرين - تكون أمامه مهمة شاقة، هي أن يختار - من بين الواقع شديد التعقيد - ~~ما يهمه في مجال بحثه؛ ذلك لأن مهمة المؤرخ هي إعادة الحياة إلى فترة ماضية، ولكنه ~~لا يستطيع أن يعيد الماضي كاملا وبكل ما فيه من تعقيدات، فحين يعود بذهنه إلى وقائع ~~حياة العالم العربي في الفترة التي يتناولها ms019 بحثه؛ يجد ألوفا من الظواهر المعقدة ~~المتشابكة؛ حياة الناس اليومية، طريقة ملبسهم ~~ومأكلهم وترفيههم، عاداتهم، أخلاقهم، حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، علاقاتهم السياسية ~~... إلخ، وعليه أن ينتقي من هذا الخضم الهائل من الظواهر المختلفة ما يهمه في موضوع ~~بحثه، ويترك ما عداه جانبا؛ أي إن عليه أن يدخل التنظيم في واقع غير منظم أصلا، وتلك ~~هي مهمة العلم. # على أن التنظيم سمة لا تبدو مقتصرة على العلم وحده، فكل نوع من أنواع التفكير ~~الواعي - الذي يهدف إلى تقديم تفسير للعلم - يتصف بنوع من التنظيم. بل إن الأساطير ~~ذاتها تحاول أن توجد نظاما معينا من وراء الفوضى الظاهرية في الكون، وحين تفترض ~~وجود آلهة أو أرواح خفية وراء كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة، فإنها تسعى - عن طريق ابتداع ~~هذه الكائنات الشخصية - إلى إيجاد شكل من أشكال التنظيم في الظواهر، وحين ظهر الفكر ~~الفلسفي بعد ذلك ليحل محل التفكير الأسطوري كانت فكرة وجود نظام في الكون من أهم ~~الأفكار التي دارت حولها الفلسفة اليونانية. بل إن نظرة اليونانيين إلى الكون - التي ~~عبر عنها استخدامهم للفظ # cosmos # للتعبير عن الكون - ~~كانت مبنية أساسا على فكرة التوافق والانسجام والنظام الذي يمكن فهمه بالعقل، والذي ~~يؤدي كل شيء فيه وظيفة لها معناها داخل الكل المنظم، ويسير بأكمله نحو تحقيق غايات ~~محدودة، ومن هنا كان الاختلاف هائلا بين ذلك الكون المنسق الذي تصوره اليونانيون، ~~وبين تصور العلم الحديث للكون، الذي كان في صميمه تصورا آليا مضادا للغائية. أما ~~في الفكر الديني فإن فكرة النظام أساسية، بل إن كثيرا من علماء الكلام واللاهوتيين ~~يتخذون من وجود النظام في الكون دليلا من أدلة وجود الله ومظهرا من مظاهر ~~قدرته. وهكذا يستحيل تصور العالم بطريقة ~~عشوائية أو غير منظمة ما دام الخالق قادرا على كل شيء. # وإذن ففكرة وجود «نظام» في العالم هي فكرة تتردد في كل محاولة لإيجاد تفسير للعالم، ~~فما هو الجديد الذي يأتي به العلم في هذا الصدد؟ أو على الأصح: فيم يختلف التنظيم الذي ~~يقتضيه التفكير العلمي ms020 عن ذلك التنظيم الذي يظهر في أنماط التفكير المغايرة ~~للعلم؟ # إن الاختلاف الأساسي في أن التنظيم - كما يقول به العلم - يخلقه العقل البشري ~~ويبعثه في العالم بفضل جهده المتواصل الدءوب في اكتساب المعرفة، على حين أن العالم - ~~وفقا لأنماط التفكير الأخرى - منظم بذاته؛ ففي التفكير الأسطوري وفي التفكير ~~الفلسفي نجد النظام موجودا بالفعل في العالم، وما على العقل البشري إلا أن يتأمله ~~كما هو. أما في التفكير العلمي فإن هذا العقل البشري هو الذي يبعث النظام في عالم هو ~~في ذاته غير منظم؛ فالكون في نظر العلم لا يسير وفقا لغايات، وإنما تسود مساره ~~الآلية، وكلما تقدمت المعرفة استطعنا أن نبتدع مزيدا من النظام في مسار الحوادث ~~العشوائي في العالم؛ أي إن الكون المنظم - بالاختصار - هو نقطة النهاية التي يسعى ~~العلم من أجل بلوغها، وليس نقطة بدايته. # ولكن كيف يحقق العلم هذا النظام في ظواهر الطبيعة المتشابكة والمعقدة ~~والمفتقرة بذاتها إلى التنظيم؟ إن وسيلته إلى ذلك هي اتباع «منهج» # method ~~- أي طريق محدد - يعتمد على خطة واعية. وصفة ~~«المنهجية» هذه صفة أساسية في العلم، حتى إن في وسعنا أن نعرف العلم عن طريقها، ~~فنقول: إن العلم في صميمه معرفة منهجية، وبذلك نميزه بوضوح عن أنواع المعرفة ~~الأخرى التي تفتقر إلى التخطيط والتنظيم، ونستطيع أن نقول إن المنهج هو العنصر ~~الثابت في كل معرفة علمية، أما مضمون هذه المعرفة والنتائج التي تصل إليها ففي تغير ~~مستمر. فإذا عرفنا العلم من خلال نتائجه وإنجازاته كنا في هذه الحالة نقف على أرض غير ~~ثابتة، أما إذا عرفنا العلم من خلال منهجه فإنا نرتكز حينئذ على أرض صلبة؛ لأن ~~المنهج هو الذي يظل باقيا مهما تغيرت النتائج. # غير أن القول بأن المنهج هو العنصر الثابت في العلم قد يفهم بمعنى أن للعلم ~~مناهج ثابتة لا تتغير، وهذا فهم لا يعبر عن حقيقة العلم؛ إذ إن مناهج العلم ~~متغيرة بالفعل؛ فهي أولا تتغير حسب العصور؛ لأن كثيرا من العلوم غيرت مناهجها ~~بتقدم العلم؛ فالكيمياء مثلا ms021 تزداد اعتمادا على الأساليب الرياضية بعد أن كانت في ~~بدايتها علما تجريبيا خالصا لا شأن له بالرياضيات، كذلك فإن المناهج تتغير ~~تبعا لنوع العلم ذاته؛ إذ إن المنهج المتبع في علم يدرس الإنسان لا بد أن يكون ~~مختلفا عن ذلك الذي يتبع في علم طبيعي، وهكذا لا يمكن القول بوجود منهج واحد ثابت ~~للمعرفة العلمية على إطلاقها، ومع ذلك يظل من الصحيح أن منهج العلم - لا النظريات أو ~~النتائج التي يصل إليها - هو العنصر الملازم للعلم على الدوام، بمعنى أن وجود ~~منهج معين - أيا كان هذا المنهج - سمة أساسية في كل تفكير علمي؛ فالبحث العلمي هو ~~بحث يخضع لقواعد معينة، وليس بحثا عشوائيا متخبطا، ومع اعترافنا بأن هذه ~~القواعد قابلة للتغيير باستمرار، فإن مبدأ الخضوع لقواعد منهجية هو صفة أساسية تميز ~~المعرفة العلمية. # وعلى أية حال فقد استطاع العلم الحديث ~~- بفضل جهود رواده الأوائل وإضافات العلماء اللاحقين - أن يطور لنفسه منهجا أصبح ~~يرتبط إلى حد بعيد بالدراسة العلمية، ولعله من المفيد - ونحن في معرض الكلام عن صفة ~~التنظيم المنهجي في العلم - أن نقول كلمة موجزة عن هذا المنهج، لا بوصفه المنهج الوحيد ~~الذي يمكن تصوره للعلم، ولكن بوصفه المنهج الذي أصبح غالبا على الدراسة العلمية في ~~ميادين العلم الطبيعي، دون استبعاد أية تطورات أخرى ممكنة في المستقبل. ~~(1) # فالمنهج العلمي يبدأ بمرحلة ملاحظة منظمة للظواهر الطبيعية التي يراد ~~بحثها، ولا شك أن هذه الملاحظة تفترض - كما قلنا من قبل - عملية اختيار ~~وانتقاء وعزل للوقائع التي تهم الباحث في ميدان عمله من بين ألوف ~~الوقائع الأخرى التي تتشابك معها في الطبيعة، بل إن الواقعة أو الظاهرة ~~الواحدة يمكن تناولها من زوايا متعددة وفقا لنوع اهتمام العالم؛ فقطعة ~~الحجر يمكن أن تدرس بوصفها ظاهرة فيزيائية إذا ركزنا اهتمامنا على حركتها ~~أو طريقة سقوطها أو ثقلها، ويمكن أن تدرس كيميائيا بتحليل المعادن أو ~~الأملاح التي يمكن أن تكون موجودة فيها، كما تدرس جيولوجيا بتحديد ~~الطبقة الصخرية التي تنتمي إليها وعصرها الجيولوجي ... إلخ. ~~(2) # ومن الجدير ms022 بالذكر أن الملاحظة الحسية المباشرة نادرا ما تستخدم في ~~العلم المعاصر. صحيح أنها في أوائل العصر الحديث كانت هي الوسيلة التي يلجأ ~~إليها العلماء، والتي يدعو إليها فلاسفة العلم مثل بيكون؛ من أجل جمع ~~معلومات عن الواقع، ولكن ذلك كان هو الوضع السائد قبل أن تكتشف أجهزة ~~الملاحظة والرصد الحديثة، وأبسط مثال على ذلك أن ملاحظة الطبيب للمريض ~~في البلاد المتقدمة طبيا أصبحت أقل اعتمادا على اليد أو سماعة الأذن، ~~وازداد اعتمادها على الأجهزة الدقيقة في تسجيل ضربات القلب، أو على ~~التصوير بكاميرات داخلية، أو على الأنواع الجديدة من الأشعة. كذلك فإن ~~ملاحظات عالم الفيزياء لم تعد تعتمد على العينين، بل تتم عن طريق ~~قراءة مؤشرات أو ومضات داخل أجهزة إلكترونية شديدة التعقيد. وبالمثل فإن ~~العالم الفلكي أو الجيولوجي لم يعد يعتمد على ما يراه، بل على الصور ~~التي تلتقطها الأقمار الصناعية؛ أي إن مفهوم الملاحظة ذاته قد ~~تغير، فلم تعد هي تلك المادة الحسية الخام التي عرفها العلم في المراحل ~~الأولى من تطوره الحديث، وإنما أصبحت عملية شديدة التعقيد، تحتاج إلى ~~جهود سابقة ضخمة، وإلى معلومات واسعة من أجل تفسير «القراءات» أو «الصور» ~~التي تنقلها الأجهزة المعقدة؛ أي إن الخطوة الأولى في العلم متداخلة ~~مع خطواته المتأخرة، وهي ليست حسية خالصة، بل فيها جوانب عقلية ~~هامة. ~~(3) # وتأتي بعد الملاحظة مرحلة التجريب؛ حيث توضع الظواهر في ظروف يمكن ~~التحكم فيها، مع تنويع هذه الظروف كلما أمكن، وقد أصبحت التجارب العلمية ~~بدورها أمرا شديد التعقيد في عصرنا هذا، ولكنها مع ذلك لا تمثل المرحلة ~~النهائية في العلم، بل تظل مرحلة أولية؛ ذلك لأن القوانين النهائية التي ~~نتوصل إليها في هذه المرحلة قوانين جزئية، تربط بين ظاهرة وأخرى، ~~وتقدم إلينا معرفة بجانب محدود من جوانب الموضوع الذي نريد بحثه، ومن ~~مجموع التجارب يتكون لدينا عدد كبير من القوانين الجزئية التي يبدو كل ~~منها مستقلا عن الآخر، والتي نظل في هذه المرحلة عاجزين عن الربط ~~بينها؛ لأن التجربة وحدها لا تتيح لنا أن ms023 نصل إلى أية «نظرية» لها طابع ~~عام. ~~(4) # وفي المرحلة التالية يستعين العلم بتلك القوانين الجزئية المتعددة ~~التي تم الوصول إليها في المرحلة التجريبية، فيضمها كلها في نظرية ~~واحدة. وهكذا فإن نيوتن قد استعان بكل القوانين التي تم كشفها عن طريق ~~تجارب جاليليو وباسكال وهيجنز وغيرهم من العلماء السابقين عليه؛ لكي يضعها ~~كلها في نظرية عامة هي نظرية الجاذبية (أو قانون الجاذبية بالمعنى العام ~~لهذا اللفظ). ~~(5) # وفي كثير من الحالات يلجأ ~~العلم - بعد الوصول إلى النظرية العامة - إلى الاستنباط العقلي؛ إذ يتخذ ~~من النظرية نقطة ارتكاز أو مقدمة أولى، ويستخلص منها - بأساليب منطقية ~~ورياضية - ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج، وبعد ذلك قد يقوم مرة أخرى ~~بإجراء تجارب - من نوع جديد - لكي يتحقق من أن هذه النتائج التي استخلصها ~~بالعقل والاستنباط صحيحة، فإذا أثبتت التجارب صحة تلك النتائج كانت ~~المقدمات التي ارتكز عليها صحيحة، أما إذا كذبتها فإنه يعيد النظر في ~~مقدماته، وقد يرفضها كليا أو يصححها عن طريق إدماجها في مبدأ أعم؛ ومن ~~أمثلة ذلك أن أينشتين - عندما وضع نظرية النسبية بناء على ملاحظات وتجارب ~~جزئية سابقة قام بها هو وغيره من العلماء - استخلص النتائج المترتبة ~~عليها بطريقة «الاستنباط العقلي»، وكان لا بد من تجربة لكي يثبت أن هذه ~~النتائج تتحقق في الواقع، وبالفعل أجريت هذه التجربة في حالة الكسوف ~~الشمسي التي حدثت في عام 1916، وأثبتت صحة النظرية التي اتخذ منها أينشتين ~~مقدمة لاستنتاجاته. # وهكذا يسير المنهج العلمي المعترف به - في ضوء التطور الحاضر للعلم - من الملاحظات ~~إلى التجارب ثم إلى الاستنتاج العقلي وإلى التجارب مرة أخرى؛ أي إن العنصر التجريبي ~~والعنصر العقلي متداخلان ومتبادلان، كما أن الاستقراء - الذي نتقيد فيه بالظواهر ~~الملاحظة - والاستنباط - الذي نستخدم فيه عقولنا متخطين هذه الظواهر الملاحظة - ~~يتداخلان بدورهما، ولا يمكن أن يعد أحدهما بديلا عن الآخر؛ فالتجريبية والعقلية ~~ليسا - في العلم - منهجين مستقلين، بل هما مرحلتان في طريق واحد. وفي أغلب الأحيان يكون ~~العلم في بداية تطوره تجريبيا، وعندما ينضج يكتسب إلى جانب ms024 ذلك الصيغة العقلية ~~الاستنباطية؛ ففي المرحلة الأولى يجمع أكبر عدد ممكن من المعارف بطريقة منظمة ، وفي ~~المرحلة الثانية يتوصل إلى المبادئ العامة التي تفسر هذه المعارف وتضعها في إطار ~~موحد. وقد بدأت الفيزياء مرحلتها التجريبية الأولى منذ القرن السادس عشر، وانتقلت بعد ~~قرنين إلى المرحلة الثانية. أما العلوم الإنسانية فربما كانت - في معظم حالاتها - تمر ~~حتى الآن بالمرحلة التجريبية التي تكدس فيها المعارف؛ انتظارا للمرحلة التي تنضج ~~فيها إلى حد اكتشاف القوانين أو المبادئ العامة. # تلك لمحة موجزة عن هذا الموضوع الذي يعد أهم مظاهر التنظيم العلمي، وأعني به البحث ~~المنهجي. ولا بد أن نؤكد مرة أخرى أن هذا المنهج الذي أشرنا إليه ليس ثابتا، وإنما هو ~~يمثل حالة العلم في المرحلة الراهنة، كما أنه لا ينطبق بالضرورة على جميع مجالات ~~البحث العلمي، بل هو تلخيص للطريقة التي يتبعها العلماء في العصر الحديث في أهم ميادين ~~بحثهم. # فهل يعني ذلك أن المرء إذا أراد أن يكون عالما فما عليه إلا أن يتقن هذه القواعد؟ ~~وهل يكفي لتكوين العالم في عصرنا هذا أن نلقنه الخطوط العامة للطرق التي اتبعها ~~العلماء السابقون عليه لكي يصلوا إلى كشوفهم؟ الواقع أن هذا خطأ يقع فيه كثير من غير ~~المتخصصين في العلم؛ ذلك لأن معرفة أية مجموعة من القواعد - مهما بلغت دقتها - لا ~~يمكن أن تجعل من المرء عالما، بل إن هناك شروطا أخرى لا بد من توافرها لتحقيق هذا ~~الهدف، والمسألة ليست مسألة تطبيق آلي لمجموعة من القواعد التي ثبتت فائدتها في أي علم ~~من العلوم، بل إن العلم أوسع وأعقد من ذلك بكثير، ونستطيع أن نقول إن فيلسوفا ذا ~~عقلية علمية جبارة مثل «ديكارت» قد وقع في هذا الخطأ، فنظر إلى إيمانه بأهمية المنهج ~~في الحلم (وهو على حق في ذلك) فقد استنتج أن العلم ليس إلا منهجا، وأكد أن الناس لا ~~يتفاوتون في استعداداتهم العقلية، وإنما يتفاوتون في كيفية استخدامهم لهذه العقلية ~~بالطريقة الصحيحة؛ ولذا ركز ديكارت اهتمامه على وضع مجموعة من ms025 القواعد التي يستطيع ~~العقل - إذا ما التزمها بدقة - أن يهتدي بواسطتها إلى حل أية مشكلة في أي ميدان من ~~ميادين العلم. # ولكن التجارب أثبتت أن المرء قد يتبع أدق القواعد المنهجية دون أن يصبح لهذا السبب ~~عالما؛ ذلك لأن العلم يحتاج إلى أمور منها التحصيل وحدة الذكاء - وهو استعداد طبيعي ~~- وتلك الموهبة التي تجعل العالم أشبه بالفنان، بل تجعله قادرا على تجاوز القواعد ~~المنهجية المتعارف عليها في ميدانه ووضع قواعده الخاصة به إذا اقتضى الأمر ذلك، ومع ~~ذلك فقد كان لديكارت كل العذر في إلحاحه على أهمية معرفة القواعد المنهجية في البحث ~~العلمي، وفي تأكيده أن أية مشكلة لن تستعصي على العقل الذي يهتدي بهذه القواعد؛ إذ ~~إنه ظهر في مطلع العصر الحديث، وفي الوقت الذي كان لا بد فيه للمفكر من أن يقدم ~~للباحثين صورة للعمل العلمي تعطي الجميع أملا في بلوغ الحقيقة، ولا شك أن تأكيد ~~القواعد المنهجية، ورفض الرأي القائل بأن الاستعدادات والقدرات العقلية تختلف من شخص ~~لآخر، يفسح أمام الجميع مجال البحث، ويقضي على أرستقراطية الفكر التي كانت سائدة في ~~العصور الوسطى؛ لتحل محلها ديمقراطية فكرية كانت ضرورية في المرحلة التاريخية التي ~~ظهر فيها ديكارت. # وإذا كنا حتى الآن قد اقتصرنا على الكلام عن المنهج العلمي بوصفه المظهر الرئيسي ~~لسمة التنظيم في العلم، فمن الواجب أن نشير - قبل أن ننتقل ~~إلى سمة أخرى - إلى مظهر آخر للتنظيم العلمي، ~~هو الترابط الذي تتصف به القضايا العلمية؛ فالعلم لا يكتفي بحقائق مفككة، وإنما يحرص ~~على أن يكون من قضاياه نسقا محكما، يؤدي فهم كل قضية فيه إلى فهم الأخريات، وكل ~~حقيقة علمية جديدة لا تضاف إلى الحقائق الموجودة إضافة خارجية، بل تدمج فيها بحيث ~~تكون معها كلا موحدا، وربما اقتضت عملية الإدماج هذه التخلي عن بعض العناصر ~~القديمة التي تتنافر مع الحقيقة الجديدة، أما إذا ظهرت حقيقة جديدة ولم نعرف كيف ~~ندمجها في نسق الحقائق الموجودة بالفعل، فإن ذلك يقتضي إعادة النظر في النسق بأكمله ~~من أجل تكوين ms026 نسق جديد قادر على استيعاب الحقيقة الجديدة، وهذا بالفعل ما حدث عندما ~~أعاد أينشتين النظر في نسق الفيزياء الذي كونه نيوتن، والذي ظل يعد حقيقة ~~نهائية طوال مائتي عام، نتيجة لتجارب «ميكلسون ومورلي» في الضوء، وهي التجارب التي لم ~~يكن من الممكن إدماجها في النسق القديم. وقد أسفرت إعادة النظر هذه عن تكوين نسق جديد ~~أرحب، يستوعب النسق القديم في داخله بوصفه حالة من حالاته، ويتجاوزه بحيث يقدم تفسيرا ~~أوسع منه بكثير، وهذا النسق الجديد هو نظرية النسبية. # وهكذا يمكن القول إن صفة التنظيم تحتل مكانها عند نقطة بداية البحث العلمي؛ حيث ~~تتمثل في اتباع العالم لمنهج منظم، وكذلك عند نقطة نهاية هذا البحث، عندما ~~يكون العالم من النتائج التي يتوصل إليها نسقا مترابطا يستبعد أي نوع من ~~التنافر في داخله. ~~(3) البحث عن الأسباب # لا يكون النشاط العقلي للإنسان علما - بالمعنى الصحيح - إلا إذا استهدف فهم الظواهر ~~وتعليلها، ولا تكون الظاهرة مفهومة - بالمعنى العلمي لهذه الكلمة - إلا إذا توصلنا ~~إلى معرفة أسبابها، وهذا البحث عن الأسباب له هدفان: ~~(أ) # الهدف الأول هو إرضاء الميل النظري لدى الإنسان، أو ذلك النزوع الذي ~~يدفعه إلى البحث عن تعليل لكل شيء، ولنلاحظ أن هذا الميل - الذي نصفه ~~بأنه نظري - لا يوجد في جميع الحالات بدرجة متساوية؛ فهناك حضارات بأكملها ~~كانت تعتمد على الخبرة والتجربة المتوارثة، وتكتفي بالبحث عن الفائدة ~~العملية أو التصرف الناجح، دون سعي إلى إرضاء حب الاستطلاع الهادف إلى ~~معرفة أسباب الظواهر. وهكذا كانت هذه الحضارات تشيد مباني ضخمة، أو ~~تقوم في تجارتها بحسابات دقيقة، دون أن تحاول معرفة «النظريات» الكامنة من ~~وراء عملية البناء أو الحساب، وحسبها أنها حققت الهدف العلمي المطلوب ~~فحسب، بل إن في وسعنا أن نرى من حولنا أشخاصا لا يهتمون إلا «ببلوغ ~~النتيجة»، ولا يكترثون بأن يسألوا: «لماذا» كانت النتيجة على هذا النحو، ~~وربما رأوا في هذا السؤال حذلقة لا تستحق إضاعة الوقت، ما دامت الإجابة ~~عنه لن تقدم ولن تؤخر في بلوغ النتيجة المطلوبة. ~~(ب) ms027 # ولكن هذا الاعتقاد بأن معرفة الأسباب ليس لها تأثير عملي هو اعتقاد واهم؛ ~~ذلك لأن معرفة أسباب الظواهر هي التي تمكننا من أن نتحكم فيها على نحو ~~أفضل، ونصل إلى نتائج عملية أنجح بكثير من تلك التي نصل إليها بالخبرة ~~والممارسة؛ فمن الدراسة الدقيقة لطبيعة الموجات الصوتية وكيفية انتقالها ~~أمكن ظهور سلسلة طويلة من المخترعات كالتليفون ولاقط الأسطوانات («البيك ~~أب»، أو ما كان يسمى في تعريب قديم باسم «الحاكي») والراديو ومسجل الشرائط ~~... إلخ. وكلها وسائل لنقل الصوت أدت وظائف عملية رائعة، وكان من المستحيل ~~بلوغها لولا الدراسة المعتمدة على معرفة أسباب الظواهر. ومعرفة أسباب ~~الأمراض يمكن من معالجتها، كما أن المعرفة النظرية للعناصر الفعالة في ~~مدة معينة يمكن من استخراج هذه العناصر بطريقة صناعية وإنقاذ ملايين ~~الأرواح (كالأنسولين المستخدم في علاج مرض السكر مثلا). وهكذا تؤدي ~~المعرفة السببية ليس فقط إلى إرضاء نزوعنا النظري إلى فهم حقائق الأشياء، ~~بل إلى مزيد من النجاح في الميدان العملي ذاته، وتتيح لنا تحوير الظواهر ~~وتغيير طبيعتها على النحو الذي يضمن تسخيرها لخدمة أهدافنا ~~العملية. # من أجل هذين العاملين كانت المعرفة العلمية الحقيقية مرتبطة بالبحث عن أسباب ~~الظواهر، وإذا كان كثير من المؤرخين يتخذون من آراء الفلاسفة اليونانيين القدماء نقطة ~~بداية للعلم، فما ذلك إلا لأن هؤلاء الفلاسفة قد تفوقوا على غيرهم في التساؤل، وفي ~~البحث عن الأسباب، صحيح أنهم لم يجدوا إجابات إلا عن قليل من الأسئلة التي طرحوها، ~~وأن كثيرا من إجاباتهم كانت ساذجة أو قاصرة، ولكن المهم أن يطرح السؤال، وهذا الطرح ~~هو في ذاته الخطوة الأولى في طريق العلم. بل إن هذا التساؤل عن الأسباب هو أول مراحل ~~المعرفة في حياة الفرد نفسه؛ ففي السنوات الأولى من عمر الطفل تحكم تصرفاته الدوافع ~~الطبيعية والاستجابات المباشرة، ويسودها مبدأ الفعل ورد الفعل، ولكن في مرحلة معينة ~~- تحدد بحوالي سن السابعة وربما قبل ذلك - يبدأ الطفل في السؤال عن أسباب كل ما ~~يراه حوله، وتصبح كلمة «لماذا» أكثر الكلمات ترددا على لسانه، وربما ms028 أضجر المحيطين ~~به بتكرارها، وباستخدامها في السؤال عن أسباب ظواهر لا تحتاج إلى تعليل (كأن يسألك: ~~«لماذا» عندما تقول له إنك شبعت). وفي هذه المرحلة بالذات تبدأ حصيلة المعرفة تتراكم في ~~ذهن الطفل، ويكون ترديد هذا السؤال إيذانا بدخوله مرحلة استخدام التفكير العقلي، وإذن ~~فالعلم مرتبط ارتباطا وثيقا بالبحث عن أسباب الظواهر، ومع ذلك فإن طبيعة هذا البحث عن ~~الأسباب، ومعنى كلمة «السبب» ذاتها، لم تكن واضحة كل الوضوح في أذهان الناس، على الرغم ~~من أنهم لا يكفون عن استخدامها في تفكيرهم العلمي، وربما في تفكيرهم اليومي ~~أيضا. # فعند اليونانيين ظهر مفهوم معقد لفكرة «السبب» و«السببية»، على الرغم من اهتمامهم ~~الشديد بهذا الموضوع وريادتهم له، وقد لخص فيلسوفهم الكبير «أرسطو» آراء اليونانيين ~~السابقين عليه بالإضافة إلى آرائه الخاصة حول الموضوع، فذكر أن هناك أنواعا أربعة من ~~الأسباب: ~~(أ) # السبب المادي؛ كأن نقول عن الخشب الذي يصنع منه السرير إنه سبب ~~له. ~~(ب) # السبب الصوري؛ أي إن الهيئة أو الشكل الذي يتخذه السرير والذي يعطيه ~~إياه صانعه هو أيضا سبب له. ~~(ج) # السبب الفاعل؛ أي إن صانع السرير أو النجار هو سببه. ~~(د) # السبب الغائي؛ أي إن الغاية من السرير - وهي استخدامه في النوم - سبب من ~~أسبابه. # ومن الواضح أن هذا التحديد لمعاني كلمة «السبب» وأنواع الأسباب ينطوي على خلط شديد؛ ~~إذ إن «المادة» التي يصنع منها الشيء ليست إلا أداة لا سببا، كما أن «الصورة» هي ~~فكرة في الذهن، لا تنتج شيئا في العالم المحسوس بصورة مباشرة، أما الغاية فلا يأتي ~~دورها إلا بعد أن يتم إيجاد الشيء أو الظاهرة بالفعل؛ فاستخدام السرير يحدث بعد صنع ~~السرير، ومن هنا لم يكن من المعقول أن تكون هذه الغاية سببا، وهكذا يتبقى لدينا في ~~النهاية نوع واحد من الأنواع الأربعة التي تحدث عنها أرسطو، هو السبب «الفاعل» وهو ~~النوع الذي يمكن الاعتراف به. # والواقع أن «السبب الغائي» يستحق وقفة خاصة؛ إذ إنه كان من أهم عوامل تشويه التفكير ~~في موضوع السببية، بل ms029 في العلم بأسره؛ ذلك لأن الأذهان قد اتجهت إلى البحث في كل ~~ظاهرة عن «الغايات» المقصودة منها، فكانت النتيجة أنها تصورت الحوادث الطبيعية بل ~~والعالم كله، كما لو كانت تستهدف «غايات»، وكأنها تسير في طريق يؤدي إلى تحقيق رغبات ~~بشرية معينة أو إلى معاكسة هذه الرغبات، وكان من المستحيل أن يقوم علم حقيقي في ظل ~~هذا التصور «الغائي» للطبيعة؛ لأنه يصرف الأنظار عن كشف الأسباب الحقيقية، ويوجهها ~~نحو طبع الصورة البشرية على أحداث الطبيعة. وعلى أية حال فهذه مسألة عولجت بمزيد من ~~التفصيل في موضع آخر من هذا الكتاب. # 1 # لذلك كان من الطبيعي أن تستبعد كل أنواع الأسباب الأخرى - وخاصة الأسباب الغائية - ~~من مجال العلم الحديث عند بداية ظهوره؛ بحيث يقتصر البحث على «الأسباب الفاعلة»، وتظهر ~~الطبيعة على أنها سلسلة متشابكة من الحوادث التي يؤثر كل منها في الأخريات ويتأثر ~~بها، وترتبط فيما بينها برابطة السببية، وأصبح هدف العلم هو أن يكشف - بأساليب مقنعة ~~للعقل - عن الأسباب المتحكمة في الظواهر؛ من أجل السيطرة عليها عقليا بالفهم ~~والتعليل، وعمليا بالتشكيل والتحوير، وكان لتقدم العلوم الرياضية واستخدامها في ~~التعبير عن قوانين العالم الطبيعي دور كبير في دعم فكرة السببية في أول عهد العلم ~~الحديث؛ أي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، # 2 # إذ أصبح الاعتقاد سائدا بأن حوادث الطبيعة المادية تترابط فيما بينها ~~برابطة لا تقل ضرورة عن تلك التي تجمع بين طرفي معادلة مثل 2 + 2 = 4، فإذا كانت ~~هناك نار «فمن الضروري» أن تكون هناك حرارة، مثلما أنه إذا كان هناك مثلث «فمن ~~الضروري» أن يكون مجموع زواياه قائمتين. وهكذا كان العلم المزدهر في ذلك العصر هو ~~الفيزياء الميكانيكية، التي هي أكمل تعبير عن فكرة الترابط السببي بين ظواهر الطبيع؛ ~~إذ إن العالم يعد عندئذ آلة ضخمة، تترابط أجزاؤها بقانون الفعل ورد الفعل، ~~وتنتقل الحركة من جزء إلى آخر وإن ظل المجموع الكلي للحركة في الكون واحدا، ~~ويصبح القانون المسيطر على كل شيء والذي يتوقف عليه مصير العلم هو قانون ms030 السببية. على ~~أن العلماء كانوا يستخدمون فكرة السببية دون تحليل، فلم يفكر أحد منهم في إيضاح ~~معنى «السبب » وطبيعة العلاقة التي تربط بين السبب وما ينتج عنه، وكان الاهتمام الكبير ~~الذي أبدى بفكرة السببية في مطلع العصر الحديث - نتيجة لسيطرة النظرة الميكانيكية إلى ~~العالم - هو الذي دعا أحد فلاسفة هذا العصر - وهو «ديفد ~~هيوم» # David Hume ~~- إلى القيام بتحليل فلسفي لمفهوم السببية، انتهى منه إلى ~~نتيجة كانت لها من الناحية السببية أصداء عميقة؛ فقد انطلق هيوم من المفهوم الذي ~~أوضحناه من قبل، والذي كان سائدا في العلم الميكانيكي؛ أي في أهم علوم عصره، وأعني به ~~أن العلاقة بين السبب والنتيجة فيها من الضرورة بقدر ما في العلاقة بين المثلث ~~ومجموع زواياه، وتبين له - من خلال تحليله الفلسفي - أن المسألة في حقيقتها على خلاف ~~ذلك؛ فمن المستحيل أن تكون هناك ضرورة حتمية بين الحوادث الطبيعية ونتائجها؛ أي بين ~~ارتفاع نسبة الرطوبة وسقوط المطر مثلا. صحيح أننا نقول: إن الأول سبب الثاني، ولكن ~~هل يعني ذلك أن هناك قوة خفية في الحادث الأول تؤدي إلى وقوع الحادث الثاني؟ وهل تقوم ~~الرطوبة بإسقاط المطر، مثلما نقوم نحن - بجهدنا البشري - بصنع أشياء؟ الواقع أن الأسباب ~~الموجودة في الطبيعة لا تتضمن أية قوى تنتج شيئا، ولا توجد أية ضرورة تحتم سقوط ~~المطر بعد ارتفاع نسبة الرطوبة، وكل ما في الأمر أننا «اعتدنا» أن نرى الظاهرتين ~~تتعاقبان، فنشأ عن هذا التعاقب المتكرر ميل ذهني لدينا إلى الربط بينهما؛ بحيث إننا ~~كلما رأينا الظاهرة الأولى توقعنا الثانية؛ فالخبرة والتجربة البشرية تكشف لنا عن أن ~~الطبيعة لا تتضمن إلا أحداثا متعاقبة، ونحن الذين نربط بين هذه الحوادث المتعاقبة ~~نتيجة التعود، بحيث يكون أصل الضرورة في عقولنا نحن التي يدفعها التعود إلى توقع شيء ~~بعد شيء آخر. أما الطبيعة ذاتها فلا تتضمن حوادثها أي ارتباط ضروري من ذلك الذي نجده ~~في الرياضيات. # وهكذا اعتقد «ديفيد هيوم» أن الأساس الأول للعلم - وهو فكرة السببية - بات مزعزعا ~~نتيجة هذا التحليل الذي ms031 قام به، ولكن حقيقة الأمر هي أن هذا التحليل لا يمتد تأثيره ~~إلا إلى ميدان التفكير الفلسفي فحسب، أما الممارسات العلمية فلا تتأثر به؛ ذلك لأن ~~العالم يستطيع أن يمضي في طريقه دون أن يغير اتجاهه، سواء أكان معنى السببية هو ~~الارتباط الضروري، أم كان معناها مجرد التعاقب؛ لأن هذه مسائل تتعلق بالجذور الفلسفية ~~للمفاهيم العلمية، وما يهم العالم هو استخدام المفهوم على ما هو عليه، أما استخلاص ~~معانيه وأسسه وجذوره، فتلك مهمة الفيلسوف وحده. # لذلك فإن العلم - عندما عدل المفهوم التقليدي للسببية فيما بعد - لم يفعل ذلك ~~لأسباب فلسفية، أو نتيجة لنقد من النوع الذي قال به هيوم، وإنما قام بهذا التعديل ~~لأسباب علمية خالصة؛ فقد تبين له أن هناك ظواهر كثيرة تبلغ من التعقيد حدا يستحيل ~~معه أن نجد لها سببا واحدا، وإنما تشترك فيها مجموعة من العوامل، لكل منها دور في ~~أحداث الظاهرة، فإذا كنا مثلا بصدد تعليل ظاهرة الإجرام كان في إمكاننا أن نجد مجموعة ~~كبيرة من العوامل التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، فلو أخذنا مجموعة كبيرة من المجرمين؛ ~~لوجدنا أن منهم من ارتكب جريمته لأسباب اجتماعية اقتصادية كالفقر، ومنهم من ارتكبها ~~لأسباب متعلقة بالقيم كالمحافظة على الشرف أو الأخذ بالثأر، أو لأسباب عضوية وراثية ~~كوجود اختلال معين في العدد أو في التركيب العقلي، أو لأسباب متعلقة بالبيئة والتربية ~~وهلم جرا. كل من هذه العوامل له دوره في ظاهرة الجريمة، فهل يفيدنا أن نلجأ إلى ~~فكرة السببية بمعناها المعتاد في هذه الحالة؟ من الواضح أن الظاهرة تبلغ من التعقيد ~~حدا لا نستطيع معه أن ننسبها إلى سبب معين؛ ولذلك نلجأ إلى فكرة الارتباط الإحصائي ~~لكي نبين النسبة التي يسهم بها كل عامل من العوامل السابقة في إحداث هذه الظاهرة، ~~فنقول: إن نسبة (أو معامل) ارتباط العوامل الوراثية بارتكاب الجرائم هي كذا ... ومن ~~مزايا هذه الطريقة أنها تمكننا من تحليل الظواهر شديدة التعقيد، وخاصة تلك التي ~~تحدث في مجال العلوم الإنسانية، حيث تتعدد عوامل الظاهرة الواحدة وتتشابك ms032 على نحو ~~يستحيل فيه استخدام علاقة السببية المباشرة، كما أن من مزاياها أنها تتيح المقارنة - ~~بطريقة رقمية دقيقة - بين هذه العوامل، بحيث نستخلص مثلا أن العوامل المكتسبة ~~أقوى تأثيرا في ظاهرة الإجرام من العوامل الوراثية ... إلخ. # والمهم أن العلم في الوقت الحالي يبحث عن بدائل لفكرة السببية - بمفهومها التقليدي - ~~في المجالات التي لا يتسع فيها هذا المفهوم للتعبير عن العلاقات بين الظواهر تعبيرا ~~دقيقا، ولكن من المهم أن نذكر على الدوام أن هذا لا يعني «إلغاء» فكرة السببية، بل ~~يعني «توسيعها»؛ ففي المجالات التي تكون العلاقات فيها مباشرة بين عامل وعامل آخر ناتج ~~عنه - كالعلاقة بين جرثومة معينة ومرض معين - تظل فكرة السببية مستخدمة، وتظل ~~لها فائدتها الكبرى في العلم، والتطور الذي حدث في هذا الصدد مشابه للتطور الذي يحدث ~~في النظريات العلمية ذاتها في أحيان كثيرة؛ حيث لا يؤدي ظهور النظرية الجديدة إلى إلغاء ~~القديمة، بل يوسع نطاق تطبيقها ويمتد بها إلى مجالات لم تكن النظرية القديمة ~~قادرة على استيعابها. ومن المؤكد أن التوسيع المستمر لنطاق البحث العلمي، والكشف ~~الدائم عن مجالات جديدة أو عن أبعاد جديدة للمجالات المعروفة من قبل، يجعل فكرة ~~السببية - بمعنى العلاقة المباشرة بين عامل وعامل آخر ناتج عنه - غير كافية للتعبير عن ~~كل متطلبات العلم، وإن ظل لها دورها في مجالات محددة. ~~(4) الشمولية واليقين # المعرفة العلمية معرفة شاملة، بمعنى أنها تسري على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها ~~العلم، ولا شأن لها بالظواهر في صورتها الفردية، وحتى لو كانت هذه المعرفة تبدأ من ~~التجربة اليومية المألوفة، مثل سقوط جسم ثقيل على الأرض، فإنها لا تكتفي بتقرير هذه ~~الواقعة على النحو الذي نشاهدها عليه، وإنما تعرضها من خلال مفاهيم ذات طابع أعم، مثل ~~فكرة الجاذبية والكتلة والسرعة والزمن ... إلخ، بحيث لا تعود القضية العلمية تتحدث عن ~~سقوط هذا الجسم بالذات، أو حتى عن مجموعة الأجسام المماثلة له، بل عن سقوط الجسم ~~عموما، وبذلك تتحول التجربة الفردية الخاصة - على يد العلم - إلى قضية عامة أو قانون ~~شامل، ms033 على أن شمولية العلم لا تسري على الظواهر التي يبحثها فحسب، بل على العقول التي ~~تتلقى العلم أيضا؛ فالحقيقة تفرض نفسها على الجميع بمجرد ظهورها، ولا يعود فيها مجال ~~للخلاف بين فرد وآخر؛ أي إن العلم شامل بمعنى أن قضاياه تنطبق على جميع الظواهر ~~التي يبحثها، وبمعنى أن هذه القضية تصدق في نظر أي عقل يلم بها. # وهنا يظهر الاختلاف واضحا بين العمل العلمي والعمل الفني أو الشعري؛ ذلك لأن الموضوع ~~الذي يتناوله هذا العمل الأخير هو بطبيعته موضوع فردي، وحتى لو كان يتناول قضية عامة - ~~مثل أزمة الإنسان - فإن الفنان أو الشاعر يعالج هذه القضية العامة من خلال شخصية ~~فردية ومواقف محسوسة وملموسة. ومن ناحية أخرى فإن العمل الفني يظل على الدوام مرتبطا ~~بصاحبه وبالأصل الذي نشأ منه ارتباطا عضويا، بحيث لا يفهم أحدهما فهما تاما بدون ~~الآخر. وهكذا يتعرف الخبير في الموسيقى أو الشعر على مؤلف القطعة الموسيقية أو ~~القصيدة الشعرية من خلال إنتاجه ذاته، وكل من العمل وصاحبه يحيلنا على الدوام إلى ~~الآخر. أما العمل العلمي فلا يوجد ارتباط عضوي بينه وبين جميع العوامل والظروف الشخصية ~~المتعلقة بكيفية نشأته والشخص الذي ظهر على يديه ... إلخ. ومن هنا كانت الحقيقة ~~العلمية «لا شخصية # impersonal ~~» على عكس العمل الفني، ~~وكان صدق هذه الحقيقة غير متوقف على ظروف المكان والزمان الذي تنشأ فيه إلا من حيث ~~تعبيرها عن مستوى العلم في مرحلة معينة من تطوره فحسب. أما العمل الفني فإن الظروف ~~الفردية والشخصية لمبدع هذا العمل تقوم فيه بدور يستحيل تجاهله إذا شئنا أن نفهم هذا ~~العمل ونتذوقه من جميع جوانبه. # وعلى ذلك فإن الحقيقة العلمية قابلة لأن تنقل إلى كل الناس الذين تتوافر لديهم ~~القدرة العقلية على فهمها والاقتناع بها، أي إنها حقيقة عامة أو مشاع # public # تصبح بمجرد ظهورها ملكا للجميع، متجاوزة ~~بذلك النطاق الفردي لمكتشفها والظروف الشخصية التي ظهرت فيها، وهذه الصفة هي التي ~~تجعل الحقيقة العلمية «يقينية». # والواقع أن «اليقين» في العلم مرتبط ارتباطا وثيقا بطابع ms034 «الشمول» الذي قلنا: إن ~~القضايا العلمية تتسم به؛ إذ إن كل عقل لا بد أن يكون «على يقين» من تلك الحقيقة ~~التي تفرض نفسها عليه بأدلة وبراهين لا يمكن تفنيدها. على أن كلمة «اليقين» ذاتها - ~~بقدر ما تبدو واضحة للوهلة الأولى - يمكن أن تستخدم في الواقع بمعنيين متضادين، ~~ينبغي أن نميز بينهما بوضوح حتى تتبين لنا طبيعة اليقين العلمي: ~~(أ) # فهناك نوع من اليقين نستطيع أن نطلق عليه اسم «اليقين الذاتي»، وهو ~~الشعور الداخلي لدى الفرد بأنه متأكد من شيء ما، هذا النوع من اليقين ~~كثيرا ما يكون مضللا؛ إذ إن شعورنا الداخلي قد لا يكون مبنيا على أي ~~أساس سوى ميولنا أو اتجاهاتنا الذاتية. وإنا لنلاحظ في تجربتنا العادية ~~أن أكثر الناس «يقينا» هم عادة أكثرهم جهلا؛ فالشخص محدود الثقافة ~~«موقن» بصحة الخبر الذي يقرؤه في الجريدة، وبصحة الإشاعة التي سمعها من ~~صديقه، وبصحة الخرافة التي كانت تردد له في طفولته، وهو لا يقبل أية ~~مناقشة في هذه الموضوعات؛ لأنها في نظره واضحة يقينية، وكلما ازداد نصيب ~~المرء من العلم تضاءل مجال الأمور التي يتحدث فيها «عن يقين»، وازداد ~~استخدامه لألفاظ مثل «من المحتمل» و«من المرجح» و«أغلب الظن» ... إلخ. بل ~~إننا نجد بعض العلماء يسرفون في استخدام هذه التعبيرات الأخيرة في ~~كتاباتهم إلى حد لا نكاد نجد معه تعبيرا جازما أو يقينيا واحدا في ~~كل ما يكتبون؛ إذ ممارستهم الطويلة للعمل العلمي، وإدراكهم أن الحقائق ~~العلمية في تغير مستمر، وأن ما كان بالأمس أمرا مؤكدا قد أصبح أمرا ~~مشكوكا فيه، وقد يصبح غدا أمرا باطلا؛ كل ذلك يدفعهم إلى الحذر من ~~استخدام اللغة القاطعة التي تعبر عن يقين نهائي. # أما في أساليب التفكير العادية فإن اليقين يعتمد - كما قلنا - على ~~الشعور الداخلي للشخص نفسه بأنه واثق من شيء معين، وهذه الثقة قد تكون ~~ناتجة عن أن الفكرة التي يرددها تخدم مصالحه؛ فإذا سمع الموظف إشاعة تقول ~~إن الحكومة ستصرف علاوة للموظفين، رددها للآخرين باعتبارها خبرا ~~«يقينيا». أو قد تكون ms035 الثقة ناتجة عن عدم الاطلاع على وجهة النظر ~~المضادة، فيؤكد الفرد شيئا بصفة قاطعة؛ لأن الفرصة لم تتح له كيما ~~يعرف الرأي المخالف في الموضوع، وهذا أمر شائع في كثير من المناقشات ~~السياسية، وخاصة في البلاد غير الديمقراطية؛ حيث يعرف المرء وجهة نظر ~~حزبه أو بلاده ولا تتاح له معرفة أية وجهة نظر أخرى. كما أن هذا العامل قد ~~يكون سببا في «يقين» من ينتمي إلى أي طائفة دينية بأن طائفته وحدها على ~~حق، وكل الطوائف الأخرى على خطأ. ~~(ب) # على أن العلم لا يمكن أن يرتكز على هذا النوع من اليقين النفسي الذي ~~يختلف من فرد لآخر، والذي تتحكم فيه الظروف والمصالح والعوامل الذاتية، ~~وإنما يكون اليقين فيه «موضوعيا»، بمعنى أنه يرتكز على أدلة منطقية ~~مقنعة لأي عقل، ولا بد للوصول إلى هذا اليقين الموضوعي من هدم كل أنواع ~~اليقين الذاتية الأخرى، فلا بد أن يزعزع العالم - كخطوة أولى في بحثه - ~~ما رسخ في عقول الناس من أوهام وتحيزات عملت على تثبيتها عوامل غير ~~موضوعية. وكثيرا ما كانت نقطة البداية المؤدية إلى كشف علمي هام هي ~~التشكيك في يقين راسخ حتى عند العلماء أنفسهم، كما هي الحال عندما شكك ~~بعض علماء الهندسة في المصادرة القائلة أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، ~~ثم توصلوا من ذلك إلى هندسة جديدة هي الهندسة «اللاإقليدية» التي ترتكز ~~عليها النظريات الحالية في الفيزياء. كذلك يؤدي أي كشف علمي هام إلى زعزعة ~~اليقين الذي كان متوطدا من قبل في عقول البشر دون أن يفكر أحد في المساس ~~به؛ أي إلى حلول يقين علمي موضوعي محل يقين ذاتي، كما حدث عند ظهور نظرية ~~كبرنيكوس التي هدمت الاعتقاد «اليقين» القديم بأن الأرض ثابتة وبأنها هي ~~مركز الكون. # ولكن إذا كان اليقين العلمي يعتمد على براهين وأدلة منطقية، فإن هذا لا ~~يعني على الإطلاق أنه يقين ثابت أو نهائي. فالعلم لا يعترف بشيء اسمه ~~الحقائق النهائية التي تسري على كل زمان ومكان، بل يعمل حسابا للتغير ~~والتطور المستمر. أي ms036 إن اعتماد العلم على أدلة مقنعة للعقل بصورة قاطعة لا ~~يعني أن الحقائق تعلو على التغير، بل إن المقصود من ذلك أن البرهان ~~العلمي يقنع كل من يستطيع فهم هذا البرهان في ضوء حالة العلم في عصر ~~معين. أما أن تتحول القضية العلمية إلى حقيقة تفرض نفسها على الناس في ~~جميع العصور، فهو شيء يتنافى مع طبيعة العلم ذاتها. ~~(5) الدقة والتجويد # في حياتنا المعتادة نستخدم في أحيان كثيرة عبارات تتسم بالغموض وتبتعد عن الدقة، ~~كأن يقول شخص: «قلبي يحدثني بأنه سيحدث كذا ...» وأمثال هذه التعبيرات ليست مرفوضة في ~~الأحاديث اليومية المألوفة، بل إنها قد تؤدي فيها وظيفة عامة، هي الإيحاء بشيء معين ~~دون تحديد دقيق له، أما في العلم فمن غير المقبول أن تترك عبارة واحدة دون تحديد ~~دقيق، أو تستخدم قضية يشوبها الغموض أو الالتباس، بل إنه حتى في الحالات التي لا ~~يستطيع فيها العلم أن يجزم بشيء ما على نحو قاطع، وإنما يظل هذا الشيء «احتماليا» ~~في ضوء أحدث معرفة وصل إليها العلم. حتى في هذه الحالات يعتبر العلم عن هذا ~~«الاحتمال» بدقة؛ أي بنسبة رياضية محددة، وبذلك فإنه يحدد بدقة درجة عدم الدقة، ~~إذا جاز لنا أن نستخدم تعبيرا فيه مثل هذه المفارقة. والوسيلة التي يلجأ إليها العلم ~~من أجل تحقيق صفة الدقة هذه هي استخدام لغة الرياضيات. وبالفعل يتبين لنا من دراسة ~~تطور العلم أنه كلما انتقل إلى مرحلة أدق، أصبح من المحتم عليه أن يستخدم الصيغ ~~الرياضية على نطاق أوسع. وبالعكس تظل العلوم غير دقيقة ما دامت تعبر عن قضاياها ~~باللغة المادية، ومن هنا كنا نجد بعض مؤرخي العلم يفرقون في تاريخ أي علم بين ~~مرحلتين؛ المرحلة قبل العلمية # pre-scientific # التي ~~يستخدم فيها لغة الحديث المعتادة. والمرحلة العلمية # scientific # التي يتوصل فيها إلى استخدام اللغة والأساليب الرياضية. ~~والمثل الواضح على ذلك علم الطبيعة؛ فمنذ العصور القديمة كانت هناك محاولات لدراسة ~~الطبيعة على أسس علمية، ولكن كان يعيب هذه المحاولات اعتمادها على لغة «كيفية»؛ أي على ms037 ~~الكلام عن الظواهر الطبيعية من خلال صفاتها التي تبدو للحواس المعتادة كالحار والبارد ~~والثقيل والخفيف، أو من خلال الصفات التي ينسبها إليها العقل الفلسفي كالمادة والصورة ~~والقوة والفعل، وخلال ذلك كله لم يكن هناك علم طبيعي بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، ولم ~~يبدأ ظهور هذا العلم إلا على أيدي أقطاب الفيزياء في أوائل العصر الحديث وعلى رأسهم ~~جاليليو؛ إذ استطاع هؤلاء الأقطاب أن يطبقوا الرياضيات على البحث الطبيعي، ~~ويطبقوا لغة الكم في التعبير عن الظواهر الطبيعية. وبالمثل ظلت الكيمياء تستخدم ~~اللغة الكيفية طويلا، وتجمعت لديها خلال ذلك كمية لا بأس بها من المعلومات، وخاصة في ~~الوقت الذي كان فيه الكيمائيون القدامى يبحثون بلا جدوى عن وسائل تحويل المعادن الرخيصة ~~(كالنحاس) إلى ذهب، فخلال فترة «الهوس» الطويلة هذه عرفت أشياء كثيرة عن خواص ~~الأجسام وتفاعلاتها، ولكن هذه المعرفة كانت خبرات متوارثة أو تجارب عشوائية ولم تكن ~~علما؛ لأنها لم تكن تستخدم إلا لغة الكيف، ولم تبدأ الكيمياء دخول المرحلة العلمية إلا ~~في القرن الثامن عشر عندما طبقت فيها المناهج الكمية، واستخدمت في التعبير عن ~~حقائقها النسب والمعادلات الرياضية. # أما في مجال العلوم الإنسانية، فيمكن القول أن النزاع لم يبت فيه بعد بين أنصار ~~التعبير الكيفي والتعبير الكمي عن الظواهر البشرية؛ إذ لا تزال توجد حتى يومنا هذا ~~مدارس تؤكد أن الظاهرة الإنسانية مختلفة - من حيث المبدأ - عن الظاهرة الطبيعية؛ ومن ~~ثم فإن أساليب التعبير عن الثانية لا تصلح للأولى، وإنما يجب أن نحتفظ للإنسان ~~بمكانته الخاصة، ونعترف بطبيعته شديدة التعقيد، فلا نفرق في تبسيطها باستخدام لغة ~~الرياضيات، وفضلا عن ذلك فإن الإنسان كائن فريد، وأهم ما في أي فرد هو العناصر التي ~~يختلف فيها عن الآخرين، لا تلك التي يشترك فيها معهم. ومن هنا كان استخدام لغة ~~الرياضيات يعني إزالة أهم مميزات الإنسان، واستبقاء أقل الأشياء أهمية، أعني تلك ~~العناصر المشتركة التي تقبل التعبير عنها بلغة عددية، وفي مقابل ذلك يؤكد غيرهم أن مسار ~~المنهج العلمي ينبغي أن يكون واحدا في جميع ms038 المجالات، وأن الدراسة الفردية للإنسان ~~تعود بنا إلى عهد التعبير الفلسفي أو الفني أو الشعري عن مشاكله، على حين أننا إذا ~~أردنا أن ننتقل إلى المرحلة العلمية في دراسة الإنسان فلا بد أن نتبع نفس الأساليب ~~التي اتبعت بنجاح في بقية العلوم، مع عمل حساب الفوارق المميزة بين موضوع الدراسة ~~الإنسانية وموضوع الدراسة الطبيعية. ويمكن القول أن هذا الرأي هو الذي ترجح كفته ~~حاليا في ميدان العلوم الإنسانية، وإن كانت هناك مدارس لا يمكن تجاهلها ما زالت ~~متمسكة بالرأي الأول. # والرياضة بطبيعتها علم مجرد؛ أي إنه لا ~~يتحدث عن أشياء ملموسة، فحين نقول: إن 3 + 2 = 5 يكون المقصود من هذا أية ثلاثة أشياء ~~محددة، وإنما المقصود هو العلاقة المجردة بين حدود معينة، بغض النظر تماما عما ~~إذا كانت هذه الأرقام تعبر عن بشر أو فاكهة أو كتب ... إلخ. وتلك حقيقة يعرفها تلميذ ~~المدرسة الابتدائية، الذي نعوده التجريد منذ مرحلة مبكرة من عمره، بعد أن يكون قد ~~بدأ يلم بحقائق الحساب البسيطة في بداية مرحلته التعليمية بصورة ملموسة، عندما نقدم ~~إليه فكرة الجمع والطرح عن طريق «البلي الملون» الذي نجمعه أو نطرحه على أسلاك حديدية. ~~ففترة التعليم من خلال أمثلة ملموسة كهذه لا تستمر طويلا، وسرعان ما يصبح من الضروري ~~أن نعوده كيف يتعامل مع الرقم «ثلاثة» ناسيا أنه يعبر عن ثلاث بليات أو ثلاث ~~برتقالات، وعندما ينتقل إلى المرحلة التعليمية التالية، نعوده على مزيد من التجريد ~~حين نقدم إليه حقائق الرياضة في صورة رمزية جبرية، فيعرف أن المعادلة س + ص = ص + س تظل ~~صحيحة مهما كانت القيم العددية للحرفين س وص، أي إن التجريد هنا أصبح يسري على الأرقام ~~ذاتها. # ومن هنا كان التجريد صفة ملازمة للعلم: سواء تم ذلك التجريد عن طريق الرياضة (وهو ~~الأغلب) أو عن طريق أي نوع آخر من الرموز أو الأشكال، فحين يتحدث عالم الفلك مثلا عن ~~المدار البيضاوي لكوكب معين، لا يعني بذلك أن هذا الكوكب يرسم وراءه مدارا محددا ~~في السماء، وإنما ms039 يعني ذلك الخط الذي نتصور ~~- بناء على تتبع حركة الكواكب - أنه يسير فيه. وحين يتحدث عالم الجغرافيا عن خط ~~الاستواء أو خط جرينتش لا يقصد خطا عرضيا أو طوليا مرسوما على صفحة الكرة ~~الأرضية، بل يقصد خطا تخيليا نرمز به إلى الأماكن والمواقع على سطح هذه الأرض، ~~وهذه الخطوط ومعها مختلف الرموز التي نستخدمها في العلم هي عالم مصطنع يخلقه ~~العالم، ولا وجود له في الطبيعة، بل إن وجوده ذهني فحسب. # هذا العالم المصطنع الذي نستحدثه في أبحاثنا العلمية وتلك التجريدات العقلية التي ~~نفهم من خلالها الظواهر الطبيعية، تباعد بيننا وبين عالم التجربة اليومية بالتدريج، ~~ولو تتبعنا مسار العلم لوجدنا أن نصيب هذه التجربة المألوفة يتضاءل فيه على الدوام، ~~على حين يزداد العلم إيغالا في عالم الرموز والتجريدات الذي خلقه بنفسه، ويصبح ~~القدر الأكبر من التعامل الذي يقوم به العالم هو تعامله مع تلك الكيانات الفعلية التي ~~استحدثها لكي يفهم بواسطتها الظواهر. ومن هنا كان ذلك الاتهام الذي وجهه البعض إلى ~~العلم بأنه يفصلنا عن منابع الحياة العينية الملموسة، ويقيم عالما مصطنعا أشبه ~~بالهيكل العظمي الذي خلا من اللحم والدم والحيوية، ويكتفي بالعلاقات المجردة بين ~~الظواهر، وهي دائما علاقات خارجية لا تنفذ أبدا إلى صميم الواقع، ولسنا في حاجة إلى ~~مناقشة هذا الاتهام ما دمنا قد رددنا عليه في موضع آخر، # 3 # ولكن الأمر الذي نود أن نوجه إليه نظر القارئ هو أن تطور العلم نحو ~~التجريد كان أمرا تحتمه مصلحة العلم ذاته، وبالتالي يحتمه تقدم المعرفة وتقدم ~~الإنسان؛ فاستخدام الرموز الرياضية ولغة الكم يساعد - كما قلنا - على التعبير عن حقائق ~~العلم بمزيد من الدقة؛ إذ إن الفرق هائل - من حيث الدقة - بين قولنا: إن الحديد ساخن ~~كما - كان يقول القدماء بمن فيهم من العلماء حتى أوائل العصر الحديث - وبين قولنا: إن ~~درجة حرارة الحديد 350 درجة مئوية مثلا. وفضلا عن ذلك فإن هذا التحديد الكمي يسمح ~~بالمقارنة بين الظواهر؛ إذ تتحول الألوان مثلا من صفات كيفية إلى أرقام تعبر ms040 عن ~~موجات ضوئية معينة، فيسهل المقارنة بينها، على حين أن النظرية الكيفية تقيم بين كل ~~لون وآخر حواجز لا يمكن عبورها، وأخيرا فإن التعبير الكمي يتيح لنا أن نتخطى النطاق ~~المحدد للحواس البشرية أو لقدراتنا بوجه عام. فهناك أصوات أعلى وأصوات أكثر انخفاضا ~~مما تستطيع الأذن البشرية سماعه، وهذه الأصوات يمكن تحديد ذبذباتها كميا، وإن لم يكن ~~من الممكن التعبير عنها باللغة الكيفية المألوفة، كذلك فإن درجات الحرارة التي يتسنى ~~لنا تحملها هي درجات محدودة، وإذا ارتفعت الحرارة عن درجة معينة (ولتكن 50 مئوية ~~مثلا) قلنا عن الجسم: إنه ساخن، ولأننا لا نستطيع أن نلمسه فإن الساخن بدرجة 60 لا ~~يختلف - في ضوء النظرة الكيفية - عن الساخن بدرجة 600، ولكن التحديد الكمي والرياضي هو ~~الذي يمكنا - مع الاستعانة بأجهزة القياس المرتبطة به - من تحديد الدرجات التي تعجز ~~الحواس البشرية عن التعبير عنها، كما يعبر عن الفوارق الجزئية الضئيلة التي لا ~~تستطيع حواسنا العادية تمييزها. # ولنذكر أخيرا - في صدد صفة التجريد هذه - أن هذه الصفة - التي يبدو أنها تباعد ~~بين العلم وبين الحي الملموس - هي التي تكسب الإنسان مزيدا من السيطرة على هذا ~~الواقع، وتتيح له فهما أفضل لقوانينه؛ فالعلم المعاصر الذي تبدو كتبه وأبحاثه كما لو ~~كانت تعيش متقوقعة في عالمها الخاص المليء بالرموز والمعادلات والأشكال الهندسية. هذا ~~العلم هو الذي يتمكن - عن طريق هذه الرموز المجردة ذاتها - من أن يقدم إلينا في كل ~~يوم كشفا واختراعا جديدا يجعلنا نسيطر على نحو أفضل على ظروف معيشتنا، ويرفع مستوى ~~حياتنا اليومية ذاتها بلا انقطاع، وتلك هي الصفة الفريدة حقا في العلم؛ أن طريقته في ~~السيطرة على العالم الملموس والتغلغل فيه هي أن يبتعد عنه ويجرده من صفاته العينية ~~المألوفة. # الفصل الثاني # | عقبات في طريق التفكير العلمي # العلم ظاهرة متأخرة في تاريخ البشرية، ~~وسواء أكنا من القائلين بأن العلم - بمعناه الصحيح - ظهر منذ أربعة قرون في عصر النهضة ~~الأوروبية، أو بأنه يرجع إلى العصر اليوناني القديم حين اهتدى الإنسان - لأول مرة - إلى ~~منهج ms041 البرهان النظري والمنطقي على قضاياه، أو حتى إلى الحضارات الشرقية الأقدم عهدا التي ~~تركت لنا تراثا يدل على وجود معارف متراكمة لديها تستحق اسم العلم. أقول: إننا سواء ~~أكنا من القائلين بهذا الرأي أو ذاك، فلا بد لنا من الاعتراف بأن البشرية عاشت قبل ذلك ~~عشرات الألوف من السنين دون أن يتكشف نشاطها عن تلك الظاهرة التي نطلق عليها اسم العلم، ~~ولو كنا ممن يتقيدون بالمعنى الدقيق لكلمة العلم، ويشترطون لكي تكون المعرفة علما أن ~~تكون قد اكتسبت مناهج منضبطة تجمع بين الملاحظة الدقيقة والفرض العقلي والتجريب التطبيقي، ~~وتصطنع الرياضة لغة للتعبير عن قوانينها؛ لوجب علينا عندئذ أن نشبه البشرية بإنسان عاش ~~سبعين سنة من عمره أميا، ولم يتعلم القراءة والكتابة إلا في اليومين الأخيرين من ~~حياته! # بل إننا نستطيع أن نقول إن البشرية - منظورا إليها ككل - ما زالت بعيدة عن اكتساب ~~جميع سمات التفكير العلمي، وما زال هذا التفكير يقتصر فيها على مجتمعات معينة، وحتى في ~~هذه المجتمعات يتعرض العلم لتشويهات عديدة قد تظهر حتى بين المتخصصين فيه. # فهل يعني ذلك أن العقل الإنساني ظل خلال هذا التاريخ الطويل خاملا؟ من المؤكد أن الوعي ~~والتفكير العقلي والنشاط الروحي لم تتوقف لحظة واحدة طوال تاريخ الإنسان، بل إنها تكاد ~~تكون مرادفة لهذا التاريخ؛ فمنذ أبعد العصور أنتج الإنسان فنونا كان بعضها رفيعا، كما ~~أنتج أشعارا وحكما، وعرف العقائد والشرائع وكون لنفسه نظما اجتماعية وأخلاقية، أي ~~إن عقله يعمل بلا انقطاع، فلماذا إذن لم ينتج العلم إلا في وقت متأخر؟ # لقد آثر الإنسان - طوال الجزء الأكبر من تاريخه - ألا يواجه الواقع مواجهة مباشرة، وأن ~~يستعيض عنه بأخيلته أو صوره الذاتية، وهذا أمر لا يصعب فهمه؛ إذ إن المواجهة المباشرة ~~للواقع فيها صعوبة ومشقة، وتحتاج منه إلى بذل جهد كبير، وعليه أن يروض ذاته على اطراح ~~ميولها الخاصة جانبا، وقبول الظواهر على ما هي عليه، ثم استخلاص القانون الكامن من وراء ~~هذه الظواهر، وهو أمر يقتضي مستوى عاليا من التجريد. وهكذا يمكن ms042 القول: إن اتجاه ~~الإنسان نحو العلم ينطوي على قدر كبير من التضحية؛ التضحية بالراحة والهدوء والاستسلام ~~للخيال السهل الطليق، كما ينطوي على عادات عقلية فيها قدر كبير من الصرامة والقسوة على ~~النفس. ولقد قال البعض: إن العلم لم يبدأ إلا مع «الرياضة»، وأحسب أن هذه العبارة تغدو ~~أبلغ وأدق في التعبير عن البداية الحقيقية للحلم لو فهمنا لفظ «الرياضة» هذا، لا بمعنى ~~أنه علم الأرقام والكم فحسب، بل أيضا بالمعنى النفسي والأخلاقي؛ أي بمعنى رياضة «الروح أو ~~النفس» على اتباع نهج شاق من أجل فهم الظواهر بالعقل والمنطق الدقيق. # وبعبارة أخرى فإن العلم يظهر منذ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يفهم العالم كما ~~هو موجود بالفعل، لا كما يتمنى أن يكون، ومثل هذا القرار ليس عقليا فحسب، بل هو بالإضافة ~~إلى ذلك - وربما «قبل» ذلك - قرار معنوي وأخلاقي، ولا بد للعقل البشري أن يكون قد تجاوز ~~مرحلة الطفولة - التي نصور فيها كل شيء وفقا لأمانينا - إلى مرحلة النضج التي تتيح ~~لنا أن نعلو على الخلط بين الواقع والحلم أو الأمنية، وهذا مستوى لا يصل إليه الإنسان إلا ~~في مرحلة متأخرة من تطوره. # أما قبل هذه المرحلة فكان من الطبيعي أن يستعيض الإنسان عن العلم بالحلم، دون أن يدري ~~أنه يحلم. وكان من الطبيعي أن تظل البشرية كلها - طوال ألوف عديدة من السنين وفي جميع ~~أرجاء الأرض بلا استثناء - مبتعدة عن رؤية الواقع وفهمه على ما هو عليه. وخلال هذه الفترة ~~«الحالمة» كان الأدب والفن هما المظهر الرئيسي لنشاط الإنسان الروحي. وفي الآداب والفنون ~~يهتم الإنسان بمشاعره الذاتية أكثر مما يهتم بالعالم المحيط به، وإذا اتجه إلى هذا العالم ~~الخارجي فإنما يتجه إليه من خلال أحاسيسه الخاصة وميوله الذاتية، فلا يرى إلا مرآة ~~تنعكس عليها انفعالاته وعواطفه. # بل إننا نستطيع أن نقول إن الفلسفة ذاتها - حين سارت في طريقها الخاص بوصفها نشاطا ~~عقليا خالصا عند اليونانيين - كانت تهتم باتساق بنائها الداخلي، وبتماسك التركيب ~~العقلي الذي يكونه الفيلسوف أكثر مما تهتم ms043 بالعالم الواقعي، وهذه سمة يمكن استنتاجها ~~بوضوح مما عرضناه من قبل عن الصفات المميزة للعلم النظري (المختلط بالفلسفة) عند ~~اليونانيين، وحين كانت الفلسفة تتحدث عن عالم الواقع كانت في معظم الأحيان تصفه بأنه ~~خداع، بل تعد الحواس خداعة؛ لأنها تختص بإدراك عالم مادي من طبيعته ألا يكون موضوعا ~~لمعرفة صحيحة. # وهكذا ظل الإنسان طويلا يستعيض عن العلم ~~بخيالاته وانفعالاته وحدسه وأفكاره المجردة، ولم يصطنع منهجا يتيح له الاتصال المباشر ~~بالواقع عن طريق الجمع بين العقل والتجربة إلا في مرحلة متأخرة من تاريخه، فلا بد إذن أن ~~عقبات أساسية حالت دون تحقيق هذا الاتصال المباشر بين الإنسان والعالم عن طريق العلم، ~~ولا بد أن الإنسان قد بذل جهودا كبيرة حتى استطاع أن يسيطر على عقله؛ ومن ثم يسيطر ~~على العالم، ولا بد أن تاريخ النشاط الروحي والعقلي للإنسان كان تاريخا للأخطاء والأوهام ~~التي تغلب عليها الإنسان بمشقة بقدر ما كان تاريخا لحقائق اكتسبت بالتدريج، فما هي هذه ~~العقبات التي أخرت ظهور العلم، والتي لا تزال تشوه صورة المعرفة العلمية حتى يومنا ~~هذا عند فئات كثيرة من البشر؟ ~~(1) الأسطورة والخرافة # ظلت الأسطورة تحتل المكان الذي يشغله العلم الآن طوال الجزء الأكبر من تاريخ ~~البشرية. # وترجع أسباب انتشار الفكر الأسطوري إلى أنه كان يقدم - في إطار بدائي - تفسيرا ~~متكاملا للعالم؛ فالأساطير القديمة تعبر عن نظرة الشعوب التي اعتنقتها إلى الحياة ~~والطبيعة والعالم، وتقدم تفسيرا يتلاءم مع مستوى هذه الشعوب ويرضيها إرضاء ~~تاما، وهي - فضلا عن ذلك - تجمع بين الطبيعة والإنسان في وحدة واحدة، يزول فيها ~~الحد الفاصل بين هذا وذاك، بحيث يبدو العالم متلائما مع غايات الإنسان محققا ~~لأمانيه، وهي - كما قلنا منذ قليل - سمة رئيسية من سمات الفكر غير الناضج في عصور ~~طفولة البشرية. # ومن الصعب أن يضع المرء حدا فاصلا دقيقا بين الأسطورة والخرافة، ولكن لو شئنا ~~الدقة لقلنا: إن التفكير الأسطوري هو تفكير العصور التي لم يكن العلم قد ظهر فيها ~~بعد، أو لم يكن قد انتشر إلى الحد الذي ms044 يجعل منه قوة مؤثرة في الحياة وفي طريقة ~~معرفة الإنسان للعالم؛ فالأسطورة - كما قلنا - كانت تقوم بوظيفة مماثلة لتلك التي أصبح ~~يقوم بها العلم بعد ذلك، وكانت هي الوسيلة الطبيعية لتفسير الظواهر في العصر السابق على ~~ظهور العلم، أما التفكير الخرافي فهو التفكير الذي يقوم على إنكار العلم ورفض مناهجه، ~~أو يلجأ - في عصر العلم - إلى أساليب سابقة على هذا العصر، وقد لا يكون هذا التحديد ~~للفارق بين لفظي: «الأسطوري» و«الخرافي» دقيقا كل الدقة، ولكنه يفيد على أية حال في ~~التمييز بين هذين اللفظين اللذين يختلطان - في كثير من الأحيان - في أذهان الناس. ~~ونستطيع أن نضيف إلى ذلك فارقا آخر، هو أن الأسطورة غالبا ما تكون تفسيرا ~~«متكاملا» للعالم أو لمجموعة من ظواهره، على حين أن الخرافة «جزئية» تتعلق بظاهرة أو ~~حادثة واحدة. ففي العصور البدائية والقديمة كانت الأسطورة تمثل نظاما كاملا في النظر ~~إلى العالم والإنسان، وكان هذا النظام يتسم - في كثير من الأحيان - بالاتساق والتماسك ~~الداخلي، أما الخرافات فتتعلق بالتفاصيل، وهي قد تكون متعارضة أو متناقضة فيما ~~بينها؛ لأن أحدا لا يحاول أن يوفق بين الخرافات المختلفة ويكون منها نظاما أو ~~نسقا مترابطا، ومع ذلك فمن الواجب أن نعترف بأن اللفظين يستخدمان في أحيان كثيرة ~~بمعنى واحد أو بمعنيين متقاربين، وإن كانت الدقة العلمية توجب التمييز بينهما. # وأهم مبدأ ترتكز عليه الأسطورة هو ~~المبدأ الذي يعرف باسم «حيوية الطبيعة» # Animism ~~، ~~والمقصود بهذا المبدأ هو أن التفكير الأسطوري يقوم أساسا على صبغ الظواهر الطبيعية غير ~~الحية بصبغة الحياة؛ بحيث تسلك هذه الظواهر كما لو كانت كائنات حية تحس وتنفعل ~~وتتعاطف أو تتنافر مع الإنسان. ولو فكرنا مليا في أية أسطورة فسوف نجدها تعتمد على ~~هذا المبدأ اعتمادا أساسيا؛ فأسطورة إيزيس وأوزوريس - التي كان المصريون القدماء ~~يفسرون بها فيضان النيل - هي إضفاء لطابع الحياة ولانفعالات الأحياء على ظاهرة ~~طبيعية هي الفيضان، وأسطورة خلق العالم على يد سلسلة الآلهة التي تبدأ من زيوس - عند ~~اليونانيين - تقوم على هذا المبدأ نفسه؛ إذ ms045 يكون لكل جزء من الطبيعة إله خاص به، ~~ويسلك هذا الإله سلوكا مشابها لسلوك البشر، وقل مثل هذا عن أية أسطورة عند أي شعب ~~قديم أو بدائي. # ولكي ندرك مدى الاختلاف بين هذه النظرة الأسطورية إلى العالم وبين النظرة العلمية ~~الحديثة، ينبغي أن نشير إلى أن مطلب العلم - في الوقت الحاضر - هو المطلب المضاد؛ فعلى ~~حين أن الأسطورة تفسر غير الحي عن طريق الحي؛ فإن العلم يسعى إلى تفسير الحي عن ~~طريق غير الحي؛ أي إن العلم يحاول أن يجد لظواهر الحياة تفسيرا من خلال عمليات ~~فيزيائية وكيميائية، وقد يتفاوت نصيبه في النجاح من مجال إلى آخر، ولكن ما يهمنا هو ~~الهدف الذي يقف على النقيض من هدف التفسير الأسطوري للظواهر. # ولقد كان من الطبيعي أن يسود هذا النوع من التفسير الأسطوري في عصور طفولة البشرية؛ ~~إذ إن أول ما يتوقع من الإنسان حين يحاول أن يفهم العالم المحيط به هو أن يفهمه في ~~ضوء الحالات التي يمر بها هو ذاته؛ لأن المشاعر والانفعالات هي أمور نحس بها في ~~أنفسنا مباشرة، ولا تحتاج إلى تعليم أو تدريب خاص، ومن هنا فقد كان طبيعيا أن يصبغ ~~الإنسان - في أول عهده بالمعرفة - ظواهر ~~الطبيعة بصبغة تلك الأحاسيس والخبرات التي يشعر بها في نفسه شعورا مباشرا، فيتصورها ~~كما لو كانت تنفعل وتفرح وتغضب وتحب وتكره مثله. وهكذا علل البشر كسوف الشمس في ~~إطار التفسير الأسطوري بأن الشمس غاضبة أو بأنها «مكسوفة» (كما تغطي المرأة وجهها ~~حين «تنكسف»)، وما زال لأمثال هذه التفسيرات وجوده في مجتمعاتنا الشرقية حتى ~~اليوم. # ومن الجدير بالذكر أن مبدأ «حيوية الطبيعة» - الذي قلنا إن الفكر الأسطوري كله يرتكز ~~عليه - ظل عقبة في طريق العلم في أوروبا ذاتها حتى القرن الثامن عشر على الأقل إن لم ~~يكن بعد ذلك؛ فقد كانت ظاهرة الكهرباء تعد دليلا على وجود مبدأ حيوي يتغلغل في ~~الأجسام غير الحية، كذلك كانت المغناطيسية تعد مظهرا لوجود الحياة في ~~الطبيعة، # 1 # بل إن بعض علماء أوروبا المشهورين ms046 ظلوا - حتى القرن الثامن عشر - يقولون ~~بإمكان الاهتداء إلى ذكور وإناث في المعادن، ~~وكان ذلك يبعث في نفوسهم أملا كبيرا في أن يأتي اليوم الذي يكتشف فيه الذهب ~~المذكر والذهب المؤنث، حتى يمكن تحقيق «التكاثر» في هذا المعدن النفيس! بل إن ~~كفاح العالم الفرنسي الكبير «باستير» Pasteur # ضد مبدأ ~~التولد التلقائي # generation spontanée # وهو ~~المبدأ الذي كان يعتقد وفقا له أن الكائنات الحية الدقيقة - كالديدان وغيرها - ~~تتولد في بعض الأجسام الطبيعية «تلقائيا» دون أن تكون قد تولدت عن كائنات حية ~~مماثلة. أقول: إن هذا الكفاح المرير الذي خاضه «باستر» ضد أكبر علماء عصره يدل على ~~أن بقايا مبدأ «حيوية الطبيعة» ظلت راسخة في أذهان العلماء الأوروبيين حتى وقت ~~متأخر من القرن التاسع عشر، ولا يعني ذلك أن العلم الأوروبي كان متخلفا أو متوقفا ~~عند مرحلة بدائية، بل إن هناك كشوفا عظيمة كانت تتحقق منذ القرن السابع عشر، وكل ما ~~تعنيه هو أن كشف الحقائق العلمية يتم - في كثير من الأحيان - في إطار تكتنفه كثير ~~من عناصر الخطأ. # ولعل من أوضح الأدلة على أن الفكر الأسطوري ظل محتفظا بمكانته فترة أطول مما ~~ينبغي: استمرار ذلك النوع من التعليل المسمى بالتعليل «الغائي» # Teleological # للظواهر، أعني تفسير ظواهر الطبيعة من خلال «الغايات» التي ~~تحققها هذه الظواهر للبشر، فنحن نتصور - مثلا - أن الشمس تطلع كل صباح لكي تدفئ ~~أجسامنا، وأن القمر والنجوم تظهر كل مساء لكي تنير أو تهدي التائهين منا في الليل. ~~ونحن نعتقد أن المطر ينزل لكي يروي الزرع، وأن رقبة الزرافة طويلة لكي تستطيع أن تصل ~~إلى أوراق الأشجار الحالية وتتغذى بها. وهكذا نتصور أن للحوادث الطبيعية أغراضا ~~وغايات، ونعتقد أن التفسير الحقيقي لهذه الحوادث إنما يكمن في تلك الأغراض ~~والغايات. # وإذا كان مبدأ «حيوية الطبيعة» - أي وصف الطبيعة بصفات الكائنات الحية ولا سيما ~~الإنسان - هو - كما قلنا من قبل - المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الفكر الأسطوري، فمن ~~السهل أن ندرك أن فكرة «الغائية» في تفسير الطبيعة إنما هي تطبيق مباشر ms047 لهذا المبدأ ~~أو امتداد له؛ ذلك لأن الغايات تقوم بدور أساسي في عالم الإنسان، وهي في هذا العالم ~~تؤدي وظيفة طبيعية لا يستطيع أحد أن يزعم بأنها تتعارض مع العلم؛ فالإنسان يوجه ~~سلوكه بالفعل نحو غايات معينة؛ أي إنه يستذكر دروسه لكي ينجح، ويطهو الطعام لكي يأكل، ~~ويخرج إلى الشارع لكي يتنزه. ولو سألت هذا الشخص في الحالات السابقة: لماذا ذاكرت؟ أو ~~لماذا خرجت ... إلخ؟ لكان الجواب الطبيعي: لكي أفعل كذا. أي إن التعليل الطبيعي لتصرفاتنا ~~- في هذه الحالات - يأتي عن طريق الإشارة إلى الغاية منها. ومن هنا كان للغائية دور ~~أساسي في المجال البشري، وكان من الممكن تحليل كثير من أفعال الإنسان عن طريق الغايات ~~المقصودة منها. # ولكن الخطأ الذي وقع فيه المفكرون والعلماء أنفسهم أحيانا - خلال عصور طويلة ماضية - ~~هو أنهم نقلوا هذه الفكرة بحذافيرها من مجال الإنسان إلى مجال الطبيعة، وتصوروا أن ~~الحوادث الطبيعية يمكن تعليلها بغاياتها، قياسا على ما يحدث في عالم الإنسان. وهكذا ~~فإنك إذا سألت: لماذا يسقط المطر؟ كان رد أنصار التفكير الغائي هو: لكي يروي الزرع. ~~وإذا سألت: لماذا يحدث الزلزال أو الفيضان؟ كان الرد: لكي يعاقب أناسا ظالمين. ~~وهكذا يتصور هؤلاء أن مسلك الطبيعة مماثل لمسالك الإنسان، فيقعون بذلك في شرك ~~التفكير الأسطوري. # والواقع أن الطبيعة لا تعرف «غايات» بالمعنى الذي نفهم به نحن هذا اللفظ، بل إن ~~حوادثها تحكمها الضرورة فحسب، ولا يحدث فيها شيء - كسقوط المطر أو وقوع فيضان ... إلخ - ~~إلا إذا توافرت الأسباب الطبيعية المؤدية إليه، وعندما تتوافر هذه الأسباب يكون حدوث ~~الظاهرة أمرا حتميا. أما الغايات فإننا نحن الذين نخلقها، ونستغل من أجلها حوادث ~~الطبيعة؛ فنحن قد وجدنا المطر بالفعل ثم اكتشفنا بالتجربة فائدته في ري الزرع، فخلقنا ~~هذه الغاية له، أما المطر ذاته فكان سيسقط سواء روينا به زرعنا أم لم نروه، وقس ~~على ذلك بقية الحالات. # والدليل الواضح على إخفاق التعليل الغائي للظواهر الطبيعية، هو أن هذا التعليل كثيرا ~~ما يتخبط ويتناقض؛ ففي الوقت الذي يعتقد ms048 فيه البعض أن المطر يسقط من أجل ري ~~زراعته، يرى البعض الآخر أنه يسقط لكي يروي ظمأه أو ظمأ ماشيته، ويرى غيرهم أنه ~~يسقط لكي يصنع بركة يستحم فيها، بينما يرى صاحب الكوخ الهش أن سقوط المطر نقمة ~~عليه، وحتى الفيضان أو الزلزال - الذي يبدو ~~أنه لا يمكن أن يفسر إلا بأنه نقمة - لا يصيب الأشرار وحدهم، وإنما تضيع فيه أرواح ~~بريئة كما تضيع فيه أرواح آثمة، بل إن الأرواح البريئة - كما في حالة الأطفال ~~والمسنين مثلا - ربما كانت أكثر تعرضا للضياع فيه من الأرواح الآثمة ... هذا فضلا ~~عن أن حادثا مؤلما كهذا لا يخلو من النفع لبعض الناس، كمتعهدي نقل الموتى مثلا! ~~وهكذا تتباين الغايات التي يمكننا أن ننسبها إلى الظاهرة الواحدة حسب مصالحنا ووجهات ~~نظرنا الخاصة، ويتضح لنا أن تفسير ظواهر الطبيعة على أساس غايات مستمدة من المجال ~~البشري هو تفسير باطل لا يخلو من التخبط والتناقض؛ ولذا لم يكن من المستغرب أن يتخلى ~~التفكير العلمي عن فكرة «الغائية» ويعدها امتدادا للطريقة الأسطورية في فهم العالم، ~~وإن يكن التفسير الغائي للظواهر أشد خفاء وأصعب تفنيدا من التفسير الأسطوري ~~المباشر. # وهكذا أصبح العلم يقتصر - في فهمه ~~للظواهر الطبيعية - على الأسباب التي تؤدي إلى حدوث هذه الظواهر؛ أي على ما يطلق ~~عليه اسم «العلل أو الأسباب الفاعلة»، وهي الشروط الضرورية التي لا يحدث الشيء إلا إذا ~~توافرت، ولا بد إذا توافرت من أن يحدث الشيء. وهذا النوع من الأسباب يتعلق ~~بالمقدمات التي تمهد لحدوث الظاهرة، والتي تسبقها في الزمان، أي إن الماضي هو الذي ~~يتحكم في الحاضر في حالة الظواهر الطبيعية، أما في حالة الظواهر البشرية - التي يمكن ~~أن يكون للغايات وجود فيها - فإن «المستقبل» أيضا، بالإضافة إلى الماضي، يمكن أن يكون ~~سببا للأحداث؛ فالإنسان لا يتصرف بناء على سوابق ماضية فحسب، بل يتصرف أيضا لأنه ~~يخطط لهدف أو لمشروع في المستقبل، ولكن هذه صفة ينفرد بها الإنسان ولا تعرفها ~~الطبيعة، وربما كانت هي التي أعطت الإنسان مركزه الفريد في ms049 الكون. # على أنه إذا جاز لنا أن نقول إن الفكر الأسطوري - في مجمله - قد اختفى باختفاء العصر ~~الذي كانت فيه الأسطورة تحل محل العلم، فإن الفكر الخرافي ظل يعايش العلم فترة ~~طويلة، وما زال يمارس تأثيره على عقول الناس حتى يومنا هذا. ولقد عاشت البشرية أمدا ~~طويلا وهي حائرة بين الخرافة والعلم؛ لأن الخط الفاصل بينهما لم يكن في البداية ~~واضحا كما هو اليوم، وخلال هذه الفترة كانت الأمور مختلطة ومتداخلة، وكان كثير من ~~العلماء يجمعون بين عناصر من الخرافة وعناصر من البحث العلمي في مركب واحد لا يشعرون ~~بأنه ينطوي على أي تنافر. # ولنضرب لذلك مثلا من ميدان التنجيم وعلم الفلك؛ فممارسة التنجيم كانت تتطلب ~~معرفة واسعة بالحقائق الفلكية، و«الأبراج» التي يقول المنجمون إنهم يعرفون بها الطالع ~~هي أشبه ما تكون بخريطة كبرى للسماء، تضم كثيرا من المعلومات الفلكية الصحيحة. واسم ~~التنجيم ذاته يفترض معرفة بالنجوم، ومن ثم كان تداخله مع علم الفلك، بل إن كبار ~~الفلكيين كانوا في الوقت ذاته منجمين، وهذا ينطبق على العصور القديمة والعصور الوسطى ~~الإسلامية والأوروبية، بل وعلى أوائل العصر الحديث أيضا. فحتى كبلر ذاته - أعني ذلك ~~العالم الألماني العظيم الذي حدد المدارات البيضاوية للكواكب واهتدى إلى مجموعة من ~~أعظم القوانين الفلكية الرياضية - كان يؤمن بالتنجيم ويمارسه، ولم يكن يعتقد أن ~~ممارسته له تتعارض على أي نحو مع عمله العلمي الدقيق. بل إن السعي إلى جعل التنجيم ~~والتنبؤ بالطالع أدق ربما كان واحدا من أهم الأسباب التي حفزت العلماء على ~~الاشتغال بعلم الفلك، والتي جعلت هذا العلم - الذي يتناول ظواهر تبدو بعيدة كل البعد ~~عن اهتمام الإنسان على هذه الأرض - يصبح واحدا من أقدم العلوم البشرية عهدا ومن ~~أدقها منهجا، ولولا أن الحكام كانوا يحرصون على معرفة طالعها، ويستشيرون ~~المنجمين في قراراتهم الهامة لما أولوا علم الفلك ذلك الاهتمام وقدموا إليه ذلك ~~التشجيع الذي أدى إلى نهوضه منذ وقت مبكر. # ولدينا مثل آخر في ظاهرة السحر، فقد ~~تداخلت الممارسات السحرية مع الممارسات العلمية وقتا ms050 طويلا، وبالرغم من أن السحر كان ~~مبنيا على معتقدات خرافية لا صلة لها بالعلم، فقد كان السحرة يلجئون، في كثير من ~~الأحيان، إلى التعامل مع مواد الطبيعة وعناصرها على نحو يؤدي بهم إلى الكشف عن كثير ~~من أسرارها، مما دعا بعض مؤرخي العلم إلى النظر إلى السحر بوصفه ممهدا للعلم ~~التجريبي ولعلوم الكيمياء والأحياء بوجه خاص. ومع ذلك فقد نشبت معركة حامية بين العلم ~~والسحر في مطلع العصر الأوروبي الحديث، ولم يكن رجال الكنيسة بمعزل عن هذه المعركة، وإن ~~كانوا قد وقفوا موقفا معاديا للطرفين معا؛ فالسحرة في نظرهم تتقمصهم أرواح شريرة؛ ~~ومن ثم كان من الواجب حرقهم. أما العلماء فهم ينادون بتعاليم مضادة لما تقول به ~~الكنيسة، ومن ثم فمن الواجب اضطهادهم، وفي بعض الأحيان كان العلماء يتهمون بالسحر؛ ~~حتى تكون إدانتهم أيسر، وبالفعل راح عدد غير قليل من الباحثين في العلوم الحديثة ضحية ~~الاتهام بالسحر. # على أن هذا التداخل والاختلاط بين النظرة الخرافية والنظرة العلمية لم يدم وقتا ~~طويلا، بل إن معالم النظرتين قد أخذت تتضح بالتدريج، وبدأت الطريقة العلمية في النظر ~~إلى الأمور تثبت تفوقها الساحق على الطريقة الخرافية؛ وذلك لسببين؛ أولهما أن فهم ~~قوانين الطبيعة من خلال العلم يتيح للإنسان سيطرة حقيقية على ظواهرها، ويمكنه من ~~تغيير مجرى حوادثها لصالحه، على حين أن النظرة الخرافية تجعله يقف من الطبيعة موقفا ~~سلبيا عاجزا، وحين بدأت ثمار التطبيقات العلمية تصبح متاحة للجميع، وأثبت العلم - ~~بطريقة ملموسة - قدرته على السيطرة على الطبيعة بطريقة لا يحلم بها الساحر ذاته، لم ~~يعد هناك مبرر لبقاء الطريقة السحرية الخرافية. # أما السبب الثاني فهو أن العلم قد أثبت أن نتائجه مضمونة يمكن التنبؤ بها، على حين ~~أن نتيجة السحر الخرافية غير مضمونة على الدوام، فحين يدرس العالم ظاهرة معينة ~~ويتوصل إلى العوامل المتحكمة فيها يستطيع أن يضمن استخدامها لصالح الإنسان بطريقة ~~معلومة مقدما، أما إذا واجه هذه الظاهرة عن طريق أحجبة أو تعاويذ سحرية، فقد يصل إلى ~~النتيجة المطلوبة مرة، ولا يصل إليها ms051 عشرات المرات، والأدهى من ذلك أنه لن يكون قادرا ~~حتى على التنبؤ بالحالة التي سيكون سحره فيها فعالا، وسط عشرات الحالات التي يعجز ~~فيها هذا السحر. وهكذا آثر الإنسان العلم؛ لأنه اكتسب ثقة في نتائجه، ولم يعد الناس ~~يلجئون إلى الخرافات - في معظم الأحيان - إلا في الحالات التي لا يكون العلم فيها قد ~~أحكم قبضته على الظواهر، كما في حالة الإصابة بمرض عضال لم يستطع العلم بعد أن يكتشف ~~علاجا له. # والواقع أن هذه الحقيقة الأخيرة تشير إلى سمة هامة من سمات التفكير الخرافي؛ فقد ~~ذكرنا أن نتائج السحر أو الخرافة غير مضمونة، وأنها في مقابل كل مرة تنجح فيها تخفق ~~عشرات المرات، ومع ذلك فإن من أهم أسباب استمرار هذا اللون من التفكير: اتجاه العقل ~~البشري إلى التعميم السريع، حيث يؤمن بفاعلية السحر أو الخرافة بناء على نجاح أمثلة ~~قليلة جدا (وهو قطعا نجاح تحقق بالصدفة)، دون أن يختبر الحالات الكثيرة الأخرى ~~التي أخفق فيها هذا الأسلوب؛ فنحن نقول عن فلان أو فلانة (وغالبا ما تكون «فلانة»): إن ~~أحلامها لا تخيب، وإن لديها القدرة على رؤية حوادث مقبلة في الأحلام؛ لمجرد أنه حدث ~~مرة أو مرتين أن تحقق شيء رأته في حلم، ولو سلمنا بأن هذا حدث (مع أنها ربما كانت ~~قد روت هذا الحلم - بحسن نية - «بعد» وقوع الحادث، بحيث يبدو لها أنها حلمت به، وربما ~~لم تكن تذكر بدقة ما حدث في الحلم، وربما كانت مشغولة بهذا الحادث مدة طويلة وتتوقع ~~حدوثه لوجود مقدمات تدل عليه). فلنتذكر أننا نسقط من حسابنا ألوف الأحلام التي ~~حلمت بها صاحبة «الرؤية التي لا تخيب»، والتي لم يتحقق منها شيء، وكل ما يعلق في ~~ذهننا هو تلك الأحلام القليلة التي «تصادف» أنها تحققت. # ولما كان التركيز ينصب على الحالات القليلة التي تحققت، فإن الناس «يعممون» ~~الحكم بحيث ينطبق على «جميع الحالات»، وعلى هذا النحو تنمو ~~لدى الناس وتنتشر أسطورة صاحبة الرؤية ~~الصادقة أو بصيرة عراف يستشف المستقبل ... إلخ. # والواقع أن ظاهرة ms052 الفكر الخرافي أعقد من أن تكون مجرد بقية من بقايا عصور ماضية، ~~يستطيع العلم في مسيرته الظافرة أن يكتسحها ويمحو جميع آثارها؛ ذلك لأن الفكر الخرافي ~~يظل متأصلا في أذهان كثير من الناس حتى في صميم عصر العلم، ويظل منتشرا بين ~~الناس حتى في أكثر المجتمعات تمسكا بالتنظيمات العلمية. فالعلم والخرافة - وإن كانا ~~ينتميان إلى عصرين مختلفين - يظلان متعايشين في نفوس البشر أمدا طويلا، وكأنهما ~~طبقتان جيولوجيتان متراصتان الواحدة فوق الأخرى في الجبل الواحد، وكل منهما ترجع ~~إلى زمن مختلف، # 2 # بل إن الشخص الذي نال من التعليم حظا رفيعا قد يظل متمسكا بالفكر ~~الخرافي في كثير من جوانب حياته التي لا يمسها العلم مساسا مباشرا، وهكذا لا يكون ~~اتباعه للمنهج العلمي في المعمل أو المختبر أو جمعه حصيلة ضخمة من المعلومات ~~العلمية؛ لا يكون ذلك عاصما لذهنه من أن يؤمن في جانب من جوانبه بالخرافات، ويرضى ~~بتفسير للظواهر لا علاقة له - من قريب أو بعيد - بالمنهج العلمي الذي يجيد ~~استخدامه. # وهكذا نجد في أكثر المجتمعات تقدما بقايا من التعلق بالخرافة تتمثل في إعطاء ~~مكان الصدارة - في كثير من الصحف - للحوادث التي تبدو خارقة للطبيعة، وفي استمرار ظهور ~~أعمدة صحفية مثل «حظك هذا اليوم»، أو قراءة الطالع من الأبراج، أو التشاؤم من الرقم 13، ~~أو انتشار تعبيرات تحمل معنى خرافيا مثل: «امسك الخشب». إلى آخر هذه المظاهر التي ~~تدل على أن التفكير الخرافي ما زال - في عصر الصعود إلى القمر - متشبثا بكثير من ~~مواقعه. # ولقد ظهرت تعليلات متعددة ومتباينة الاتجاه تفسر استمرار تيار اللامعقول في ~~مساره الخفي تحت سطح العقلانية الظاهرة للمجتمع الحديث، وإصرار الغيبيات على عدم ~~الاختفاء من حياة الإنسان العصري، وربما كانت التعليلات النفسية أكثرها انتشارا، ~~فهنالك من يقولون: إن الأحلام في حياة الإنسان مصدر دائم للخرافة؛ إذ إن الصور ~~الخيالية - غير المترابطة وغير الواقعية - التي تظهر في الأحلام يمكن أن تختلط بالواقع، ~~وتكتسب في حياة الناس طابعا متجسدا يتخذ شكل الخرافة، وربما كان الأصل الأول لكثير ~~من الخرافات ms053 راجعا إلى وجود شخصيات مريضة لديها استعداد أكبر للخلط بين الحلم والواقع، ~~ولتأكيد الوجود الفعلي لأشباح وأرواح تراءت لها بإلحاح في منامها. وقد ركزت مدرسة ~~التحليل النفسي عند فرويد جهودها - في هذا الميدان - في بحث تأثير اللاشعور في رؤية ~~الإنسان للواقع، وأسهمت بذلك في استكشاف أسباب استمرار التفكير الخرافي في عصر ينظم ~~الناس حياتهم فيه على أساس من العلم؛ ذلك لأن الخرافة - في ضوء التحليل النفسي - لا ~~تظهر بوصفها شيئا ماضيا لم يعد له في حياة الإنسان مكان، بل تبدو جزءا من التكوين ~~النفسي للإنسان يظل كامنا في اللاشعور إلى أن تطرأ ظروف تصعد به إلى السطح ~~الخارجي. # على أن التعليل المستمد من مجال علم النفس والتحليل النفسي بوجه خاص ربما لم يكن ~~كافيا إلا لإيضاح جانب واحد من جوانب مشكلة استمرار الفكر الخرافي في المجتمع الحديث، ~~فحتى لو سلمنا بالإيضاح الذي تقدمه مدرسة التحليل النفسي، فسيظل علينا أن نعرف ~~تلك الظروف التي تبعث الخرافة من أعماق اللاشعور إلى مستوى التفكير أو السلوك الواعي، ~~ولا بد أن تكون هذه الظروف منتمية إلى طبيعة المجتمع، ونوع القيم السائدة فيه، ~~والعوامل الاجتماعية التي تتحكم في تحديد هذه القيم. # وفي اعتقادي أن الشعور بالعجز هو العامل الأساسي في ظهور الخرافة واستمرارها، وهذا ~~الشعور يتخذ أشكالا تختلف باختلاف البيئة والعصر، ولكن نتيجته دائما واحدة؛ هي أن ~~يلجأ الإنسان في تعليله للأحداث إلى قوى لا عقلية تساعده على التخلص من المشكلات ~~التي يواجهها تخلصا وهميا، بدلا من أن تساعده على حلها أو حتى مواجهتها بطريقة ~~واقعية. # ومن الممكن القول: إن شعور الإنسان بالعجز كان يتخذ في العصور القديمة شكل العجز عن ~~الفهم، والقصور في معرفة العالم المحيط به؛ ولذا كان يعلل الظواهر التي لا يفهمها ~~تعليلات خرافية. أما في العصر الحديث - بعد أن توصل الإنسان إلى معرفة تتيح له ~~إجابات علمية عن الأسئلة الأساسية التي كان يعجز من قبل عن فهمها - فإن المسألة لم ~~تعد تتعلق بالعجز عن الفهم أو المعرفة، بل أصبح العجز يتمثل ms054 في عدم القدرة على ~~التحكم الواعي في مسار المجتمع، وفي القوى التي تسيطر عليه؛ أي إنه أصبح عجزا ~~اجتماعيا، وهذا ما يعلل استمرار ظهور الفكر الخرافي في مجتمعات لا يمكن القول إن ~~الجهل مخيم عليها، أو إن الفقر يطمس عقول الناس فيها. ففي كثير من البلاد الأوروبية - ~~وفي الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص - تنتشر مظاهر واضحة للتفكير الخرافي، تتمثل ~~في «قراءة الطالع» التي تحدث أحيانا عن طريق أجهزة إلكترونية معقدة (وهو مظهر واضح ~~لتعايش العلم والخرافة معا: الجهاز علمي متقدم، والهدف من استخدامه خرافي متخلف). ~~كما تتمثل في وجود جماعات تمارس أنواعا من السحر (السحر الأسود) والطقوس الغريبة في ~~قلب أغنى المجتمعات الصناعية. والتعليل المعقول لذلك هو أن الناس - برغم ما توافر لهم ~~من معرفة وعلم وما يتمتعون به من مستوى عال للمعيشة - يعجزون عن فهم القوى التي ~~تتحكم في مسار حياتهم، وينظرون إلى المستقبل نظرة قاتمة، ويتصورون أن العالم تشيع ~~فيه قوى شريرة وحتمية كئيبة تفرض على الناس أن يعيشوا في توتر وخوف دائم من ~~المصير المجهول، وهي قوى لا يمكن محاربتها إلا بقوى أخرى من نفس نوعها. # على أن الأمر الذي ينبغي أن نؤكده - في هذا الصدد - هو أن ظاهرة استمرار الفكر ~~الخرافي بأشكال مختلفة - في المجتمعات الصناعية المتقدمة - لا تشكل مع ذلك خطرا ~~داهما على المسار العام لهذه المجتمعات، بل إنها تظل على الدوام ظاهرة هامشية؛ ~~فنوع الحياة التي تسود المجتمع الصناعي، حيث يحسب كل شيء وينظم بدقة وانضباط، ~~وحيث لا يسمح أسلوب الإنتاج السائد بأن تظل هناك عناصر غير محسوبة أو غير متوقعة، ~~وحيث تخضع الحياة اليومية ذاتها لنظام محدد لا مجال فيه للاستثناءات أو الانحرافات. ~~أقول: إن نوع الحياة هذا يشكل ضمانا مؤكدا يعصم المجتمع - في مجموعه - من أضرار ~~التفكير الخرافي مهما كانت درجة انتشاره على مستوى الأفراد أو الجماعات المنعزلة؛ ففي ~~مثل هذه المجتمعات يظل المجرى العام بحياة خاضعا للعقلانية والترشيد والتخطيط ~~المدروس، أما الميول الخرافية فتتخذ شكلا فرديا لا يؤثر على هذا المسار ms055 ~~العام. # بل إن من الممكن القول - بمعنى معين - أن الحياة الصناعية المخططة الدقيقة هي ~~ذاتها التي تفرض على مجتمعاتها - من آن لآخر - اللجوء إلى ألوان من التفكير الخرافي. ~~فانتشار الخرافات في هذه البلاد هو في أساسه «رد فعل» على العلم المتغلغل في صميم ~~كيان المجتمع، ومحاولة للتخلص من قبضة تلك العقلانية المحكمة التي تمسك بجميع ~~جوانب حياة الناس، عن طريق بعث عناصر لا عقلية من مكمنها اللاشعوري. إنه تعبير عن تمرد ~~الشعوب الخاضعة للعقل على هذا العقل نفسه، ورغبتها في الخروج عنه، وإن كان ذلك لا يتم ~~إلا بصورة مؤقتة؛ لأنها في النهاية تعود إليه، ولا تستطيع أن تتخلص منه بعد أن أصبحت ~~كل جوانب حياتها تنظم وفقا له. إنها قفزة مؤقتة إلى الماضي البعيد عبر الحاضر، ~~وربما كانت هذه العودة تساعدهم على تحمل الضغط والتوتر الذي تجلبه لهم الحياة ~~الصناعية بإيقاعها السريع ونظمها الحتمية الصارمة. وهكذا يكون التفكير الخرافي - في هذه ~~الحالة - منبثقا من قلب التفكير العلمي والعقلي، ولا يفهم إلا في إطاره. بل إن ~~العودة إلى الماضي السحيق هي في هذه الحالة نتاج للمجتمع الصناعي ذاته؛ إذ إنها تعبير ~~عن الرغبة في «التغيير»، وعدم القدرة على الاستقرار طويلا على حالة واحدة. وهذه الرغبة ~~في التغيير هي ذاتها جزء لا يتجزأ من طبيعة الحياة في المجتمعات الصناعية المتقدمة؛ ~~فمن سمات هذه الحياة أنها تغير إيقاعها بسرعة، وتجدد نفسها باستمرار وترفض ~~الجمود والاستقرار، بل إن الرغبة في التغيير تمتد عندها حتى إلى القيم الأخلاقية ~~والاجتماعية ذاتها؛ ولذلك كان الابتعاد عن العقل والعلم - في ظاهرة الفكر الخرافي - ~~يتم في حالة المجتمعات الصناعية المتقدمة في إطار عصر العقل والعلم واستجابة ~~لمقتضياته. وهو وضع تبدو فيه مفارقة واضحة، ولكنه يعبر بالفعل عن وضع الفكر ~~الخرافي في المجتمعات المعاصرة المتقدمة. # ولقد حرصنا على تأكيد هذه الحقيقة لكي نوضح - بصورة قاطعة - الاختلاف الأساسي بين ~~وضع العالم الشرقي عموما والعربي بوجه خاص، ووضع العالم الصناعي المتقدم بالنسبة إلى ~~موضوع التفكير الخرافي؛ ذلك لأن هناك كثيرين في ms056 بلادنا العربية يحاولون التخفيف من ~~تأثير هذه الظاهرة - أعني ظاهرة انتشار التفكير الخرافي في بلادنا - عن طريق الإشارة ~~إلى وجود ظواهر مماثلة في البلاد المتقدمة. ومثل هذه المحاولة للتهوين من شأن الفكر ~~الخرافي والتخفيف من خطره على مجتمعاتنا يعيبها أنها تقف عند حدود السطح الخارجي ~~للظواهر ولا تتغلغل في أعماقها؛ إذ يبدو ظاهريا أن الوضع متشابه في الحالتين (وإن ~~كان مقدار انتشار الخرافات عندنا أعظم بمراحل منه في البلاد المتقدمة)، ولكن الحقيقة ~~أن دلالة الظاهرة مختلفة في الحالتين تمام الاختلاف. # ففي حالة مجتمعاتنا يتخذ التفكير الخرافي شكل العداء الأصيل للعلم والعقل، ويمثل ~~هذا العداء امتدادا واستمرارا لتاريخ طويل كان العلم يحارب فيه معركة شاقة لكي ~~يثبت أقدامه في المجتمع، وإذا كان قد بدا خلال فترة قصيرة أن العلم تمكن من تأكيد ~~ذاته في مجتمعنا العربي، فمن المؤكد أن ذلك لم يحدث على مستوى المجتمع كله، وأن ~~العداء للعلم كان هو الغالب في بقية الفترات في تاريخنا. وهكذا فإن انتشار الخرافة يمثل ~~- في حالتنا - تعبيرا عن جمود المجتمع وتوقفه عند أوضاع قديمة ومقاومته للتطور ~~السريع المحيط به من كل جانب. والفرق واضح بين هذا الأسلوب في الفكر الخرافي وبين أسلوب ~~تلك المجتمعات التي مرت بتجربة التفكير العقلي حتى أعلى مراتبها، والتي يحاول بعض ~~أفرادها أن يرتدوا عن هذه التجربة «من موقع الاندماج فيها» لا من موقع الجهل بها أو ~~الخوف منها أو العجز عن تحقيقها؛ أي إن الفرق واضح بين الفكر الخرافي حين يكون ~~تعبيرا عن جمود متأصل وتحجر على أوضاع ظلت سائدة طوال ألوف السنين دون أن يرغب ~~المجتمع في تغييرها أو يجرؤ عليه، وبين هذا الفكر ذاته حين يكون تعبيرا - محدود ~~النطاق - عن رغبة في التغيير يشعر بها مجتمع لا يستطيع أن يظل أمدا طويلا على ~~حالة واحدة، حتى لو كانت هذه الحالة هي التفكير العقلي الرشيد. # وتلك مسألة نجد لزاما علينا أن ننبه إليها؛ لأن بعض كتابنا - الواسعي الانتشار ~~للأسف الشديد - يرددون نفس الحجج التي يقول بها أنصار ms057 التفكير اللاعلمي في الغرب؛ ~~لكي يبرروا بها ابتعادنا - نحن الشرقيين - عن التفكير العلمي وعدم ثقتنا في قدرات ~~العقل، وهذا خطأ كبير ومغالطة أكبر؛ إذ إن دوافعنا في الابتعاد عن التفكير العلمي تختلف ~~كل الاختلاف عن دوافع مجتمع مارس هذا التفكير قرونا عديدة، في الوقت الذي لا نزال ~~فيه نحن نكافح من أجل الدخول لأول مرة في عصر العلم الحديث. # على أننا ينبغي أن نعترف بأن أنصار الخرافة - سواء في بلادنا أم في خارجها - لا ~~يقتصرون على تأكيد هذا النوع «المضاد للعلم» من الخرافات؛ فهناك نوع آخر يدعي ~~الانتساب إلى العلم، ويستند على شواهد يزعم أنها علمية، ويتظاهر أنصاره بأنهم يتبعون ~~مناهج علمية في التحقق منه، ومن هذا القبيل الاعتقاد بوجود قوى خارقة لدى بعض البشر، ~~كالاستشفاف عن بعد # telepathy ~~، أو الأشكال ~~المختلفة لما يسمى بالحاسة السادسة أو غيرها. وربما وصل الحماس بالبعض إلى حد تأكيد ~~قدرة «العلم» على إثبات «تحضير الأرواح»، وهو للأسف أمر ليس بعيدا عن المألوف بين بعض ~~المشتغلين بالعلم، وكأنهم أصبحوا واثقين من أن الروح «شيء»، وأن هذا الشيء يمكن ~~«تحضيره»؛ أي يمكنه أن يذهب ويجيء، وأن هذا الشيء الذي يذهب ويجيء يستطيع أن «يتكلم»، ~~أو يؤثر في أشياء «مادية» كتحريك أكواب أو إسقاط منضدة. وهذا كله يستحيل لو لم تكن ~~الروح بدورها شيئا «ماديا»، مع أن هذا يتناقض أساسا مع تعريف الروح. # والمهم في الأمر أن هؤلاء الذين يتمسحون بالعلم لتأكيد هذه الخرافات يلجئون إلى ~~أساليب لا تتوافر فيها شروط التجربة العلمية على الإطلاق؛ فالملاحظات التي يعتمدون ~~عليها قليلة غير قابلة للتكرار، مع أن من أهم شروط التجربة في العلم أن يكون من ~~الممكن تكرارها أمام أي عدد من المشاهدين وفي مختلف الظروف، وسواء أكان هؤلاء ~~المشاهدون من المقتنعين أم من غير المقتنعين. ومن المعروف أن شهود هذا النوع من التجارب ~~هم في الأغلب من النوع الذي يتوافر لديه مقدما استعداد لتصديق نتائجها. هذا فضلا ~~عن أن التجارب تتم دائما في جو لا يسمح بالرؤية الواضحة؛ ms058 إذ إن الضوء دائما خافت، ~~ولونه أحمر (وهو أكثر الألوان تعتيما للبصر)، والجو العام يجعل الإيحاء بأي شيء ~~ممكنا. # أما إذا ووجه أنصار هذه الخرافات ذات المظهر «العلمي» بحجج قوية تثبت ابتعاد ~~الأساليب التي يلجئون إليها عن أصول المنهج العلمي الصحيح؛ فإنهم يلجئون إلى سهم آخر ~~في جعبتهم، وهو أن منهج العلم الحالي محدود، وأن العلم أصبح الآن يتقبل أشياء كثيرة ~~كان يرفضها من قبل، وأنه - بالتالي - يمكن أن يعترف بهذه الظواهر الخارقة للطبيعة في ~~المستقبل، ومثل هذه الطريقة في التفكير تفتح الباب - كما هو واضح - لكل الخزعبلات ~~المخرفة؛ إذ يستطيع أي دجال أن يؤكد أن العلم إذا لم يكن يقبلها الآن فسوف يقبلها ~~في المستقبل. وواقع الأمر أننا لا نملك إلا هذا المنهج الذي أثبت أنه أفضل ما لدينا من ~~أدوات المعرفة، وأنه مهما كان قاصرا عن بلوغ كثير من الحقائق، فإنه هو أضمن الوسائل ~~لبلوغ «الحقيقة» ذاتها. وإلى أن يتوصل العلم ذاته إلى مناهج وأساليب أخرى أدق، فليس ~~من حق أحد أن يتذرع بالتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليه في المستقبل؛ لكي يفرض علينا ~~خرافاته ويربطها زورا بعجلة التقدم العلمي. # فإذا أخفقت محاولات ربط الخرافة بالعلم، فإن ~~أنصارها يلجئون إلى آخر أسلحتهم وأخطرها على التفكير الشعبي، وهو الربط بين الخرافة ~~والدين. وهكذا تراهم يستغلون وجود بعض الحقائق الدينية الغيبية - كالروح مثلا - ~~ووجود بعض النصوص الدينية التي تتحدث عن السحر والحسد ... إلخ؛ لكي يدافعوا بحرارة عن ~~حقيقة الظواهر الخرافية، مؤكدين أن الدين نفسه يدعمها. ولقد قلت إن هذا السلاح أخطر ~~الأسلحة جميعا؛ لأنه أولا يستغل عمق الإيمان الديني من أجل تأكيد الفكر الخرافي، ~~ولأنه يضع الدين - بلا مبرر - في مواجهة العلم، ويضع عقول الناس في مواجهة الاثنين ~~معا، فتقف حائرة بين عقيدة متأصلة فيها، وبين منهج علمي تثبت صحته على أرض الواقع ~~العلمي في كل لحظة. # وفي اعتقادي أنه ليس هناك ما هو أضر بقضية ~~الدين من هذا الربط بينه وبين الخرافة، ولقد حاولت الكنيسة المسيحية في الغرب - منذ ms059 ~~عصر النهضة - أن تسلك هذا الطريق المحفوف بالخطر، فكانت النتيجة هي ما نراه ~~اليوم من انصراف الجماهير في الغرب عن ~~عقيدتها بأعداد كبيرة. والواقع أن الكنيسة كانت في ذلك الحين تواجه تجربة جديدة كل ~~الجدة ، فلم يكن من المستغرب أن ترتكب خطأ مهاجمة العلم بحجة أنه يتعارض مع نصوص ~~دينية (كما في حالة قضية دوران الأرض و«ارتفاع» السماوات مثلا)، ولم يكن من المستغرب ~~أيضا أن تضطهد كثيرا من العلماء اضطهادا معنويا وجسديا، ولكن الحصيلة النهائية ~~لهذا كله كانت انتصار الحقيقة العلمية، واضطرار الكنيسة إلى التراجع عن مواقعها واحدا ~~تلو الآخر، حتى أصبحت تدافع اليوم عن كثير من الأمور التي كان القول بها فيما مضى ~~كافيا لاضطهاد صاحبها على يد الكنيسة ذاتها، ومع كل هذا التراجع فقد خسرت مواقع ~~كثيرة، وأخذ تأثيرها على الأجيال الجديدة يتضاءل باستمرار. # أما نحن هنا في العالم العربي فلسنا مضطرين - على الإطلاق - إلى أن نسلك هذا ~~السبيل المحفوف بالخطر؛ وذلك لأسباب كثيرة؛ فنحن أولا لسنا أول من يمر بهذه التجربة، ~~بل إن أمامنا تجربة الغرب في موضوع العلاقة بين الدين والخرافة، أو العلاقة بين الدين ~~والعداء للعلم؛ لكي نستخلص منها ما شئنا من العبر. ونحن ثانيا أصحاب دين فسره ~~مفكروه وفلاسفته في صدر الإسلام تفسيرا لا يتعارض مطلقا مع البحث العلمي، بل ~~يدفع الفكر والعلم إلى الانطلاق. ونحن ثالثا نعيش في عصر أصبح فيه الأخذ بالأسلوب ~~العلمي في الحياة مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى المجتمع، فلماذا إذن يحاول الكثيرون ~~أن يعيدوا التجربة المريرة للكنيسة الغربية مع الخرافة وضد العلم؟ ولماذا لا تتكاتف ~~الجهود من أجل دعم وتأكيد التفسير الديني الذي يحارب الخرافة ويؤيد العلم؟ هذه مجرد ~~أسئلة أطرحها وأنا لا أملك إلا الدهشة والاستنكار للتراجع المستمر إلى الخلف الذي ~~تتسم به مناقشاتنا لهذا الموضوع في أيامنا هذه؛ فمن المؤسف أننا كنا نناقش هذه ~~الموضوعات في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على مستوى أعلى بكثير من ~~مناقشتنا لها في هذه الأيام، بعد أن أصبحت ms060 صدورنا أضيق واتهاماتنا للمفكرين تلقى ~~جزافا واحترامنا بعضنا لآراء بعض مفقودا. ويبدو أن البعض يصرون على أن يعيدوا محنة ~~الفكر العلمي في عصر النهضة الأوروبية مرة أخرى في بلادنا، ولكن الأمل معقود على أن ~~تسود الحكمة ويغلب التعقل، فندرك أن طريق العلم لا رجوع فيه إلى الوراء، وأن ~~الدفاع عن الخرافة تمسحا بالدين لن يضر قضية العلم كثيرا، ولكنه يسيء إلى قضية ~~الدين إساءة بالغة. ~~(2) الخضوع للسلطة # السلطة هي المصدر الذي لا يناقش، والذي نخضع له بناء على إيماننا بأن رأيه هو ~~الكلمة النهائية، وبأن معرفته تسمو على معرفتنا. # والخضوع للسلطة أسلوب مريح في حل المشكلات، ولكنه أسلوب ينم عن العجز والافتقار ~~إلى الروح الخلاقة. ومن هنا فإن العصور التي كانت السلطة فيها هي المرجع الأخير في ~~شئون العلم والفكر كانت عصورا متخلفة خلت من كل إبداع، ومن هنا أيضا فإن عصور ~~النهضة والتقدم كانت تجد لزاما عليها أن تحارب السلطة العقلية السائدة بقوة، ممهدة ~~الأرض بذلك للابتكار والتجديد. # وأشهر أمثلة السلطة الفكرية والعلمية في التاريخ الثقافي هي شخصية أرسطو؛ فقد ظل ~~هذا الفيلسوف اليوناني الكبير يمثل المصدر الأساسي للمعرفة - في شتى نواحيها - طوال ~~العصور الوسطى الأوروبية؛ أي طوال أكثر من ألف وخمسمائة عام، كذلك كانت كثير من قضاياه ~~تؤخذ بلا مناقشة في العالم الإسلامي؛ حيث كان يعد «المعلم الأول»، وإن كان بعض ~~العلماء الإسلاميين قد تحرروا من سلطته في نواح معينة، ولا سيما في ميدان العلم ~~التجريبي. # والأمر الذي يلفت النظر في ظاهرة الخضوع لسلطة مفكر مثل أرسطو، أن هذا الخضوع كان ~~يتخذ شكل التمجيد - بل التقديس - لشخصية هذا الفيلسوف، ومع ذلك فقد جنى هذا التقديس ~~على أرسطو جناية لا تغتفر؛ إذ إنه جمده وجعله صنما معبودا، وهو أمر لو كان ~~الفيلسوف نفسه قد شاهده لاستنكره أشد الاستنكار؛ إذ إن الفيلسوف الحق - وأرسطو كان ~~بالقطع فيلسوفا حقا - لا يقبل أن يتخذ تفكيره - مهما بلغ عمقه - وسيلة لتعطيل ~~تفكير الآخرين وشل قدراتهم الإبداعية. بل إن أقصى تكريم للفيلسوف إنما يكون ms061 في عدم ~~تقديسه وفي تجاوزه؛ لأن هذا التجاوز يدل على أنه أدى رسالته في إثارة عقولنا إلى ~~التفكير المستقل على الوجه الأكمل. ومن ناحية أخرى فإن العصور الوسطى لم تأخذ من أرسطو ~~«روح» منهجه التجريبي - الذي حاول الفيلسوف أن يطوره في المرحلة الأخيرة من حياته - ~~بل أخذت منه «نتائج» أبحاثه، واعتبرتها الكلمة الأخيرة في ميدانها، فضاعفت بذلك من ~~جنايتها على تفكيره. # وكان من الطبيعي أن يكون رد الفعل - في بداية العصر الحديث - قاسيا، وهكذا وجدنا ~~فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت يبدآن فلسفتهما بنقد الطريقة الأرسطية التي تقيدت بها ~~العصور الوسطى تقيدا تاما، ويؤكدان أن التحرر من قبضة هذا الفيلسوف هو الخطوة ~~الأولى في طريق بلوغ الحقيقة. وفي ميدان العلم خاض جاليليو معركة عنيفة ضد سلطة أرسطو؛ ~~إذ إن هذه السلطة كانت تساند النظرة القديمة إلى العالم بوصفه متمركزا حول الأرض، ~~كما كانت تقول بنظرية في الحركة مبنية على أسس ميتافيزيقية، وكان لا بد من هدمها لكي ~~يرتكز علم الميكانيكا الحديث على أسس علمية سليمة. وهكذا أخذ جاليليو يتعقب آراء ~~أرسطو في الطبيعة واحدا بعد الآخر، ويثبت - بمنهجه العلمي الدقيق - بطلانها، وبذلك ~~كان تفكيره العلمي في واقع الأمر من أقوى العوامل التي أدت إلى هدم سلطة أرسطو في ~~مطلع العصر الحديث. # وفي استطاعتنا أن نستخلص من هذا المثل - أعني تقديس العصور الوسطى لآراء أرسطو ~~وتفنيد الفلاسفة والعلماء في بداية العصر الحديث لها - أهم عناصر السلطة من حيث هي ~~عقبة تقف في وجه التفكير العلمي، وأهم الدعامات التي ترتكز عليها. # 3 ~~(2-1) القدم # أول عناصر السلطة هو أن يكون الرأي قديما؛ فالآراء الموروثة عن الأجداد يعتقد ~~أن لها قيمة خاصة، وأنها تفوق الآراء التي يقول بها المعاصرون. ويرتكز هذا العنصر ~~على الاعتقاد بأن الحكمة كلها والمعرفة كلها تكمن في القدماء، ومن هنا فهو مبني - ~~بطريقة ضمنية - على نظرة إلى التاريخ تفترض أن هذا التاريخ يسير في طريق التدهور، ~~وأن مراحله الماضية أعلى مستوى من مراحله الحاضرة. # ومن المؤكد أن في هذه النظرة إلى ms062 التاريخ نوعا من التمجيد الرومانسي أو ~~الخيالي للماضي، وللأجيال التي كانت تعيش فيه، وهي - بلا شك - تقوم على فكرة لا ~~تستند إلى أساس من الواقع؛ لأن القدماء كانوا بشرا مثلنا، معرضين للصواب والخطأ. ~~وكل ما في الأمر أن الإنسان - إذا كان يضيق بحاضره أو يجد نفسه عاجزا عن إثبات ~~وجوده في الحاضر - يصبغ الماضي بصبغة ذهبية، ويتخذ منه مهربا وملجأ يلوذ به. ~~بل إننا نستطيع أن نقول - مع بيكون - إن الأجيال القديمة - التي نتصور أنها تمثل ~~شيخوخة البشرية وحكمتها - هي في الواقع أجيال جديدة؛ ومن ثم فهي تمثل طفولة ~~البشرية. أما الأجيال الحديثة - التي ~~نصفها بالطفولة ونقص الحكمة والتجربة، ~~وندعوها دائما إلى أن تأخذ الحكمة من أفواه القدماء المجربين - فإنها تمثل في ~~الواقع أقدم أجيال البشرية، وتفسير هذه المفارقة أمر هين؛ إذ إن الجيل القديم عاش ~~في وقت لم تكن البشرية قد اكتسبت فيه تجارب كافية، ومن هنا فإن خبرته وحكمته ~~محدودة، على حين أن الجيل الحديث قد اكتسب خبرة من هم أقدم منه، وأضاف إليها ~~خبرته الخاصة، ومن ثم فهو الأجدر بأن يعد - بمقياس الخبرة والتجربة - قديما. ~~وليس هذا حكما ينبغي إطلاقه - دون تمييز - على كل فرد، بل هو حكم يقال على سبيل ~~التعميم، ولا يمنع بطبيعة الحال من وجود استثناءات. # والذي يهمنا من هذا هو أن قدم الرأي لا ينبغي أن يعد دليلا على صوابه، وأن ~~البشرية قد عاشت ألوف السنين على أخطاء لم تكن تجرؤ على مناقشتها؛ لأنها ترجع إلى ~~عهود الأجداد الأوائل، ومع ذلك تبين لها خطؤها عندما ظهر مفكر قادر على تحدي ~~سلطة «القديم»؛ فمنذ أقدم العصور والناس تعتقد أن الأرض ثابتة والكواكب والنجوم ~~تدور حولها؛ أي إن الأرض مركز الكون، وكانت شهادة الحواس - التي ترى الأجرام ~~السماوية تغير مواقعها من الأرض باستمرار - دليلا حاسما على أن هذا الرأي ~~«القديم» يعبر عن حقيقة ثابتة، ومع ذلك فقد أتى كبرنيكوس - في القرن الخامس عشر ~~- ليتحدى هذه السلطة الراسخة منذ القدم، وليقول بالفرض العكسي، ولم يمض جيل ms063 أو ~~اثنان إلا وكان هذا الفرض مؤيدا بشواهد علمية قاطعة تثبت صحته، وتثبت أيضا أن ~~قدم الرأي ليس دليلا على صوابه، وقل مثل هذا عن نظرية العناصر الأربعة - الماء ~~والهواء والنار والتراب - التي قال بها القدماء وأيدتها العصور الوسطى الأوروبية ~~والإسلامية، وظلت تعد من حقائق العلم الثابتة حتى أتى «لافوازييه» في القرن ~~الثامن عشر فأثبت بطلانها، وتبين للجميع - بالدليل العلمي القاطع - أن «الهواء» ~~ليس عنصرا، بل مجموعة من العناصر، وكذلك الحال في الماء الذي تبين أنه مؤلف من ~~عنصرين ... إلخ. # والواقع أن الميل إلى الأخذ بسلطة القدماء يزداد في عصور الركود والانصراف عن ~~التجديد، ولا يمكن القول أنه ميل طبيعي في العقل البشري. ومن هنا يمكن القول: إن ~~هذا الخضوع لسلطة القدماء ليس - في ذاته - هو المؤدي إلى تخلف الفكر العلمي، ~~بل إن هذا التخلف هو الذي يؤدي إليه إذا شئنا الدقة في التعبير؛ والدليل على ~~ذلك أن التقيد بسلطة القديم كان هو القاعدة السائدة في العصور الوسطى؛ لأن العصر ~~ذاته كان عصر تحجر وجمود، ومن هنا كان من الضروري التعويض عن هزال الحاضر بسلطة ~~القديم. وعلى العكس من ذلك فإن العصور الحديثة قد حاربت هذا النوع من السلطة بكل ~~ما أوتيت من قوة؛ لأنها كانت عصورا ديناميكية متحركة، يسودها الإحساس بالتفاؤل ~~والثقة بقدرة الإنسان على التحكم في قوى الطبيعة. بل إن الإنسان المعاصر - في بلاد ~~العالم المتقدمة - يكاد ينتقل إلى الطرف المضاد، فلدى الأجيال الجديدة إحساس واضح ~~بأنها هي الأحكم والأوسع معرفة، وبأن الأجيال القديمة لم تكن تعرف من أمور الحياة ~~شيئا، وهي تقابل آراء القدماء بالسخرية، ومن الصعب إقناعها إلا بآراء مستمدة من ~~منطق العصر. وهكذا أصبح القديم - في نظر هذه الأجيال - مرفوضا لمجرد أنه قديم، ~~وأصبح الجديد يستمد من جدته وحدها قدرته على إقناعها. ومن المؤكد أن السعي ~~الدائم وراء «الموضات» - بالمعنى الفكري والأخلاقي أيضا لا بالمعنى المظهري وحده - ~~إنما هو تعبير ملموس عن هذا السعي إلى التجديد الدائم، وعن عدم الثقة في كل ما ~~يكتسب صفة ms064 «القدم». كذلك فإن المشكلة الحادة التي أصبحت تعرف في المجتمعات ~~الصناعية باسم مشكلة «الفجوة بين الأجيال»، هي تعبير آخر عن عصر يشعر بأنه مختلف ~~عن كل العصور السابقة إلى حد أن الأبناء فيه يعدون آباءهم أشخاصا ينتمون إلى ~~جيل قديم يصعب التفاهم معه، ويستحيل السلوك في الحياة وفقا لمبادئه وقيمه. # هذا الموقف يعد - بطبيعة الحال - موقفا متطرفا؛ إذ إن من الخطأ أن تعتد ~~الأجيال الجديدة برأيها إلى الحد الذي ترفض فيه مجرد الحوار مع الأجيال القديمة، ~~مثلما أن من الخطأ أن تتصور الأجيال القديمة أنها تستطيع أن تفرض رأيها على الجيل ~~الأحدث الذي يعيش ظروفا مختلفة، ويمر بتجارب ويكتسب خبرات لم تألفها الأجيال ~~السابقة. ولكن وجود هذا الموقف يدل على أن من الممكن تصور حالة مضادة يكون فيها ~~قدم الرأي سببا كافيا لرفضه. وهذا هو الموقف الذي يسود المجتمعات ذات الإيقاع ~~سريع التغير، التي يعد فيها البحث عن الجديد مبدأ أساسيا من مبادئ الحياة، ~~وعلى أية حال فحسبنا أن نضع أمامنا هذين النمطين اللذين يقدس أحدهما القديم لمجرد ~~كونه قديم، ويبحث الآخر عن الجديد دون أي اكتراث بما سبقه، ولنبحث لأنفسنا عن ~~الموقع الذي نختاره بين هذين الطرفين القصيين. ~~(2-2) الانتشار # إذا كانت صفة القدم تعبر عن الامتداد الطولي في الزمان، فإن صفة الانتشار تعبر عن ~~الامتداد العرضي بين الناس، فالرأي يكتسب سلطة أكبر إذا كان شائعا بين الناس، ~~وكلما ازداد عدد القائلين به كان من الصعب مقاومته، والحجة التي توجه دائما إلى ~~من يعترض على رأي شائع بين الناس هي: هل ستكون أنت أحكم وأعلم من كل ~~هؤلاء؟ # على أن العلماء المصلحين والمفكرين كانوا - عندما يواجهون بهذه الحجة - يقولون ~~دائما: نعم، ولولا أن بعض العظماء من أفراد البشر تجاسروا على أن يقولوا «نعم» هذه ~~- في وجه معارضة ألوف مؤلفة من الناس - لما تقدمت البشرية في مسيرتها، ولما اهتدت ~~إلى حقائق أصدق أو شرائع أفضل أو قيم أسمى مما كان يسودها من قبل، وصحيح أن هؤلاء ~~الأفراد يكونون قلة في ms065 البداية، ولكن الحقيقة التي يحملونها في صدورهم، والحماسة ~~التي يدافعون بها عنها، تظل تتسع وتتسع حتى تفرض نفسها في النهاية على الجموع ~~الكثيرة، ثم يأتي الوقت الذي تتجمد فيه الحقيقة الجديدة وتتحجر، أو يضيق بها تطور ~~الزمن ، فيصبح من المتعين ظهور مصلح جديد وهكذا ... # والأمر الذي يحتم عدم التقيد بشيوع الرأي بوصفه مصدرا للسلطة، هو أن جموع ~~الناس تبحث عادة عن الأسهل والمريح، وهي تتجمع سويا حول الرأي الواحد مثلما ~~تتلاصق أسراب الطيور لتحمي نفسها من الصقيع، وكلما كان الرأي منتشرا ومألوفا ~~كان في قبوله نوع من الحماية لصاحبه؛ إذ يعلم أنه ليس «الوحيد» الذي يقول به، بل ~~يشعر بدفء الجموع الكبيرة وهي تشاركه إياه، ويطمئن إلى أنه يستظل تحت سقف «الكثرة ~~الغالبة». أما إحساس المرء بأنه منفرد برأي جديد، وبأنه يقتحم أرضا لم تطأها قدم ~~أخرى من قبل، ويتعين عليه أن يخوض معركة مع الكثرة الغالبة لكي يحمي فكرته ~~الوليدة، أما هذا الإحساس فلا يقدر عليه إلا القليلون، وعلى يد هؤلاء حققت البشرية ~~أعظم إنجازاتها. # ولو تأملنا الواقع المحيط بنا لوجدنا ما يؤيد هذا الرأي في كل مكان؛ فالقصة ~~البوليسية الرخيصة تنتشر بين أعداد تزيد أضعافا مضاعفة عن أولئك الذين يقرءون ~~الأدب الرفيع، والصحف «الصفراء» (أعني صحف الإثارة والفضائح والصور العارية) ~~توزع أضعاف ما توزعه الصحف الجادة، والمغني الذي يردد أسخف الألحان ~~وأتفه الكلمات يكسب في الأغنية الواحدة أضعاف ما كسبه «بيتهوفن» طوال حياته، ~~والفيلم السينمائي الهابط - الذي يعري أكبر مساحة تسمح بها الرقابة من جسد بطلاته ~~- قد يدوم عرضه سنوات، بينما لا يستطيع الفيلم الذي ينطوي على فكرة عميقة أن يكمل ~~أسبوعه الأول والأخير. وهكذا تتوالى الشواهد التي تدل على أن الانتشار بعيد كل ~~البعد عن أن يكون مقياسا للجودة، ومن ثم معيارا صالحا للسلطة. # على أن الأمر الذي ينبغي أن ننتبه إليه هو أن تحدي سلطة الانتشار لا يؤتي ~~ثماره المرجوة إلا إذا كان من يقوم به على مستوى المهمة التي يأخذها على عاتقه؛ ذلك ~~لأن هناك ms066 أناسا يمارسون عملية التحدي هذه من موقع السطحية، ومن منطلق التفاهة، ~~ولا يقودهم في سلوكهم إلا مبدأ «خالف تعرف»؛ فهم يتصورون أن وقوفهم في وجه ~~الرأي أو الذوق أو الاعتقاد الشائع كفيل بأن يجلب لهم الشهرة، دون أن يكون في ~~وسعهم أن يقدموا بديلا عما يعترضون عليه، وهؤلاء أبعد الناس عما نعني؛ فتحدي ~~السلطة الشائعة ينبغي ألا يتم إلا على أيدي أولئك الذين يملكون الدليل على ~~بطلانها ويملكون البديل عنها، بل إننا نستطيع أن نصف أولئك السطحيين - الذين ~~يلجئون إلى رفض ما هو شائع التماسا للشهرة - بأنهم خاضعون لسلطة أخرى، هي سلطة ~~الرفض أو التجديد، على الرغم مما في هذا التعبير الأخير من مفارقة. # ولنضرب لذلك مثلا واحدا أظن أنه أصبح في عصرنا هذا مألوفا: ظهرت فكرة ~~التمرد على الملابس وشكل الشعر - بين بعض الشبان في الغرب - بوصفها احتجاجا على ~~سلطة المجتمع «المظهري» «المتأنق» الذي يخلو - داخليا - من العمق ومن الإحساس ~~بنبض الحياة ومن التعاطف الإنساني، ولا يكترث إلا بتلبية مطالبه الاستهلاكية. ~~وإلى هذا الحد نستطيع أن نفهم الدوافع التي أدت بهؤلاء الشبان إلى أن يرتدوا ~~ثيابا مهلهلة رثة ويرسلوا شعورهم، وغير ذلك المظاهر التي نعرفها جيدا. ولكن ~~العدوى تنتقل إلى شبان آخرين ينتمون إلى مجتمعات أخرى، ولا يعرفون شيئا عن ~~الخلفية الفكرية والاجتماعية التي ظهرت في ظلها هذه الموجة، فإذا بالمظهر ~~«الشبابي» الجديد يصبح ضرورة أساسية لهم، وتضيع الفكرة تماما حين تنتشر بينهم ~~ملابس غالية الثمن إلى أبعد حد، ولكن مصمميها يتفننون لكي يعطوها «مظهر» ~~القدم والهلهلة! وينفق الواحد منهم جزءا كبيرا من ميزانيته لكي «يصفف» شعره ~~على النحو الذي «يبدو» معه مسترسلا، خارجا عن المظهر القديم. وهكذا فبينما كان ~~الخروج عن سلطة المألوف - في البداية - أمرا مفهوما؛ لأنه على الأقل ينطوي على ~~فلسفة معينة - هي رفض القيم السائدة في المجتمع الاستهلاكي - نجده يتحول على يد ~~هؤلاء المقلدين إلى شيء غير معقول على الإطلاق؛ لأنه يتم في إطار القيم ~~الاستهلاكية ذاتها، بل يشجع على المغالاة في هذه القيم. وبينما ms067 كان الرفض في ~~البداية تعبيرا صادقا عن موقف أصيل، أصبح الرفض بعد ذلك تعبيرا عن «محاكاة»؛ أي ~~إنه ناقض نفسه، وحول الرفض الأصلي إلى نمط عام يقلده الألوف بلا شخصية وبلا ~~تفكير مستقل. # وهكذا يتعين علينا أن نفرق بوضوح بين من يخالف الرأي الشائع؛ لأن لديه ~~شيئا جديدا، وبين من يخالفه لكي يشتهر بهذا المظهر فقط، دون أن يكون في واقع ~~الأمر قادرا على الإتيان بأي جديد. ~~(2-3) الشهرة # يكتسب الرأي سلطة كبرى في أذهان الناس إذا صدر عن شخص اشتهر بينهم بالخبرة ~~والدراسة في ميدانه، والواقع أن الشهرة تجلب المزيد من الشهرة، تماما كما أن ~~المال يجلب المزيد من المال، فيكفي أن يشتهر إنسان - لسبب قد لا يكون له علاقة ~~مباشرة بكفاءته - حتى يحدث تأثير «تراكمي» لنفوذه وسلطته على الناس، بحيث تتبع ~~الجماهير أخباره وتتلقف كلماته، وتزيد عليها تفسيرات وتأويلات تعطيها قيمة لا ~~تكون جديرة بها أصلا. # ووجه الخطورة في هذا العنصر من عناصر السلطة يتمثل في النقاط ~~التالية: ~~(أ) # إذا كان الشخص المشهور ينتمي إلى عصر غير عصرنا، فمن الواجب أن ندرك ~~أن شهرته - التي ربما كان لها ما يبررها في وقتها - لا ينبغي أن ~~تنطبق على كل زمان، ولقد كان هذا هو الخطأ الذي ارتكبته العصور ~~الوسطى في نظرتها إلى أرسطو؛ إذ إن شهرته في عصره ظلت ممتدة إلى عصور ~~تالية، مع أن العالم أو الفيلسوف - مهما كان عملاقا في عصره - لا ~~يستطيع أن يفي بمطالب كل عصر لاحق. ومن حسن الحظ أن هذا الخطر قد ~~تضاءل في العصر الحديث، بعد أن اكتسب الإنسان حاسة تاريخية مرهفة، ~~وأصبح يربط بين المشاهير وبين المرحلة التاريخية التي عاشوا فيها، ~~فيعترف لهم بفضلهم في دفع الإنسانية إلى الأمام، ولكنه لا يمتد ~~بشهرتهم وسلطتهم إلى أبعد مما يسمح به دورهم التاريخي، وهكذا فإن من ~~غير المتصور أن يظهر في عصرنا الحديث «أرسطو» جديد، بعد أن أصبح ~~«النقد» جزءا لا يتجزأ من تقديرنا للمشاهير. ~~(ب) # أما إذا كان الشخص المشهور معاصرا لنا، ms068 فإن هناك خطرا من نوع جديد، ~~يتمثل في أجهزة الإعلام الحديثة، التي تملك الوسائل الكفيلة ~~«بتضخيم» الشهرة وإعطائها أبعادا تفوق ما تستحقه بكثير؛ ففي ~~استطاعة أجهزة الإعلام أن تجعل شخصا معينا يدخل كل بيت، من خلال ~~صفحات الجريدة أو البرنامج الإذاعي أو التليفزيون، وفي استطاعتها أن ~~تكرر هذه التجربة وتلح عليها إلى الحد الذي تفرض معه شهرة هذا ~~الشخص على الجميع، وهكذا يظهر نظام أشبه بنظام «نجوم السينما» في ~~العلم ذاته؛ إذ تتكرر أسماء معينة، فلا تكاد تعترضنا مشكلة في ميدان ~~معين حتى يقفز إلى أذهاننا على الفور اسم ذلك «النجم» الذي اشتهر ~~بفضل وسائل الإعلام، وقد لا يكون أكثر الناس خبرة بهذا الميدان، وقد ~~لا تكون شهرته إلا مصطنعة. # والأخطر من ذلك أن أجهزة الإعلام هذه قادرة على «نقل السلطة» من ~~ميدان إلى آخر، وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه كثير من الإعلانات؛ إذ ~~تظهر الممثلة السينمائية الجميلة مثلا في إعلان عن معجون أسنان، مع ~~أن شهرتها في ميدانها الأصلي لا تبرر على الإطلاق أن تكون خبيرة في ~~ميدان طب الأسنان، أو يظهر لاعب الكرة المشهور إلى جانب نوع من ~~السيارات ربما لم يكن يعرف عنه شيئا طوال حياته، ومع ذلك فإن الشهرة ~~«معدية». ومن المؤكد أن أمثال هذه الإعلانات المزيفة تحقق ~~عائدا، وإلا لما تحمل المنتجون تلك النفقات الباهظة التي يتكلفها ~~ظهور هؤلاء «المشهورين» في الإعلان. ~~(2-4) الرغبة أو التمني # يميل الناس إلى تصديق ما يرغبون فيه أو ما يتمنون أن يحدث، وعلى العكس من ذلك ~~فإنهم يحاربون بشدة ما يصدم رغباتهم أو يحبط أمانيهم، وهكذا كانت النظرية الفلكية ~~الجديدة التي تجعل من الأرض مجرد كوكب في المجموعة الشمسية يدور حول مركز هذه ~~المجموعة وهو الشمس، كانت هذه النظرية تلقى مقاومة شديدة في أيام عصر النهضة ~~الأوروبية؛ لأنها تقضي على المكانة المميزة للإنسان، باعتباره أهم الكائنات ~~التي تعيش في أهم كوكب في الكون، بل في المركز الذي تدور حوله كل الأجرام السماوية. ~~وكان من أهم أسباب سلطة النظرية ms069 القديمة - التي ظلت كثير من الحقول ترفض التخلي ~~عنها زمنا طويلا - أنها ترضي غرور الإنسان، وتستجيب لأمنية عزيزة من أمانيه. ومن ~~المعروف أن رجال الكنيسة في أيام جاليليو كانوا يرفضون النظر في منظاره المقرب ~~الجديد لكي يروا السماء - لأول مرة - بعين ~~أقوى من العين البشرية العادية عشرات المرات؛ إذ كانوا يخشون أن تؤدي هذه النظرة ~~إلى هدم عالم عزيز مألوف ارتاحوا إليه واكتسبوا مكانتهم فيه، وكانوا يجزعون من تلك ~~المسئولية الفادحة التي سيتحملونها في ذلك العالم الجديد الموحش الذي تقول به ~~نظرية كبرنيكوس، ذلك العالم الذي لا «يرث» فيه الإنسان مكانته لمجرد كونه ~~إنسانا؛ أي أهم المخلوقات ومحورها وغايتها، بل يتعين عليه أن «يكتسبها» بعمله ~~وجهده، وإلا ظل مهملا في عالم غير مكترث. ~~(3) إنكار قدرة العقل # في مجال الفن والشعر والأدب يهيب الإنسان بقوى أخرى غير العقل قد يسميها الخيال ~~أو الحدس، ويؤمن - عن حق - بأن هذه القوى هي التي توجهه في هذا المجال؛ لأن المنطق ~~العقلي الدقيق يعجز عن الأخذ بيدنا حينما نكون بصدد إبداع عمل فني أو أدبي، ولكن ~~المشكلة هي أن بعض المفكرين يعتقدون أن أمثال هذه القوى تصلح مرشدا لنا في ميدان ~~المعرفة ذاته، وينكرون قدرة العقل في هذا الميدان، أو يجعلون له مكانة ثانوية، ومثل ~~هذا التفكير كان - ولا يزال - عقبة في طريق تقدم العلم. # ولقد كانت أشهر هذه القوى التي حورب بها العقل - في عصور مختلفة وعلى أنحاء متباينة - ~~هي قوة الحدس، وكلمة الحدس قد تفهم - في استخدامها العربي العادي - بمعنى مشابه ~~لمعنى التخمين أو التكهن، ولكنها يمكن أن تتضح في أذهاننا إذا ما حددنا المجالات ~~المختلفة التي يستخدم فيها هذا اللفظ استخداما فنيا دقيقا، وسوف نلاحظ أن ~~معاني اللفظ - في كل هذه المجالات - تشترك جميعها في سمة أساسية، يكون فيها الحدس ~~معرفة «مباشرة»، تتم بلا وسائط ولا خطوات متدرجة: ~~(1) # فهناك حدس حسي، نقصد به إدراكنا العادي بحواسنا، فحين أدرك الآن أن ~~الحائط الذي أراه أمامي أبيض اللون، يكون ذلك حدسا حسب المصطلح الفني؛ ms070 ~~لأنني أدرك هذا الحائط إدراكا مباشرا، فأنا لم «أستنتج» أنه أبيض، ولم ~~يقل لي أحد أنه كذلك، وإنما أراه بحواسي مباشرة. ~~(2) # وهناك حدس في المجال العقلي، نقصد به وصول العقل مباشرة إلى النتيجة ~~المطلوبة، وكل من درس مقررا بسيطا في الهندسة يعلم أن هناك طريقتين ~~لحل تمرين هندسي؛ الأولى هي أن يفكر المرء في «معطيات» التمرين ويحللها ~~واحدا واحدا، ويسير بخطوات متدرجة حتى يهتدي أخيرا إلى الحل. والثانية ~~هي أن تأتي فكرة الحل أو تهبط على العقل من أول لمحة بلا تحليل وبغير ~~تدرج، ولا تستخدم الخطوات المتدرجة إلا في طريقة «تدوينه» لهذا الحل ~~المباشر فحسب؛ فهنا يكون الحدس نوعا من المعرفة التي لا نحتاج فيها إلى ~~استدلال أو استنباط، بل تأتي مرة واحدة وبصورة مكتملة تغنينا عن أية ~~خطوات وسطى. ~~(3) # وهناك حدس في المجال العاطفي؛ وذلك حين يشعر المرء بالتعاطف أو التنافر ~~مع أشخاص معينين من النظرة الأولى، دون أن يكون قد عرفهم أو سمع عنهم ~~شيئا، ومثل هذا الحدس - الذي يشبه ما يسمونه «بالحاسة السادسة» عند ~~المرأة - قد يكون صوابا أو خطأ، وقد تؤيده الخبرة والتجربة فيما بعد أو ~~تكذبه، ولكن الذي يهمنا أنه - بدوره - شعور أو عاطفة مباشرة، يصدر ~~الحكم فيها على الفور ودون خطوات متدرجة. ~~(4) # وهناك حدس في المجال الصوفي؛ وذلك حين يؤكد المتصوف أن لديه معرفة ~~بالله تختلف عن تلك المعرفة الاستدلالية المتدرجة التي نصل إليها عن طريق ~~«البراهين» العقلية؛ فهو يشعر «بحضور» الله مباشرة فيه، وهو يصل إلى الفناء ~~في الذات الإلهية في تلك اللحظات القليلة التي يستحيل وصفها بلغة الكلام، ~~والتي لا يحس بها إلا من مر بالتجربة ذاتها. وهنا أيضا نجد نوعا من ~~المعرفة المباشرة التي لا تستخدم براهين أو استدلالات، والتي توصلنا إلى ~~الهدف مباشرة بطريق مخالف للطريق العقلي المتدرج. ~~(5) # وأخيرا فهناك ذلك الحدس الفني الذي تحدثنا عنه في البداية، والذي ~~يطلق عليه عادة اسم «الإلهام»، وأهم ما يميزه هو الظهور المفاجئ ~~والمباشر لفكرة العمل الفني أو لموضوعه في ذهن الفنان. ms071 # هذه المعاني كلها تشترك في ثلاثة عناصر رئيسية يتميز بها الحدس، من حيث هو طريقة في ~~معرفة الأشياء، عن غيره من طرق المعرفة: ~~(أ) # فهو معرفة «مباشرة»، لا تحتاج إلى وسائط ولا تسير بالتدريج من خطوة إلى ~~أخرى. ~~(ب ) # وهو ينقلنا مباشرة إلى «لب» الموضوع الذي نريد أن نعرفه أو إلى جوهره ~~الباطن، بدلا من أن يكتفي بتقديم أوصاف خارجية أو سطحية لهذا الموضوع، أو ~~يقتصر على معرفته من خلال مقارنته بغيره. ~~(ج) # وهو في جوهره معرفة «فردية»؛ أي إنه يتاح لشخص بعينه، لا لأي شخص آخر. ~~وهو يتطلب «تجربة» من نوع خاص، يصعب نقلها عن طريق الوصف إلى الآخرين ~~(حتى في حالة الإدراك الحسي يستحيل نقل ما تراه العين إلى غير المبصر نقلا ~~أمينا وكافيا)، ويصعب تلقينها أو تعليمها لهم، ويستحيل أن «نعممها» ~~على الجميع. # على هذا الأساس كان هناك دائما من يتصور أن طريقة المعرفة المثلى لدى الإنسان ليست ~~هي طريقة استخدام البراهين أو الأدلة العقلية، بل هي الحدس المباشر الذي يوصلنا إلى ~~اللب الباطن للموضوع الذي نريد معرفته. # ذلك لأن العقل - في نظر هؤلاء - يعيبه أنه يسير دائما بخطوات متدرجة، ولا ~~يستطيع أن يتقدم خطوة إلا بعد التأكد - بالبرهان - من صحة الخطوة السابقة، وهو فضلا ~~عن ذلك «عام»؛ أي إنه لا يعطينا معرفة إلا بالصفات المشتركة بين الأشياء، وهي تلك ~~الصفات التي يستطيع «الجميع» أن يدركوها، وهو يلجأ دائما إلى المقارنة وكشف العلاقات ~~بين الظواهر، ومعنى ذلك - في رأي أصحاب هذا الاتجاه - أنه لا يكشف لنا إلا عن علاقات ~~سطحية، ولا ينفذ بنا إلى الجوهر الباطن للأشياء. # وحين يصبح الحدس - عند أصحاب هذا الاتجاه - قوة لا مضادة للعقل، فهنا ينبغي علينا ~~أن ننبه إلى الخطأ الذي يقعون فيه، ولكن من حسن الحظ أنهم ليسوا جميعا من خصوم العقل؛ ~~فهناك مفكرون يدافعون عن الحدس من حيث هو قوة «مكملة» للعقل لا تتعارض معه، بل تتوج ~~جهوده وتوصلها إلى نتائجها القصوى، وهذه نظرة إلى الحدس لا تشكل أية عقبة ms072 في طريق ~~التفكير العلمي؛ ومن ثم فلن نركز عليها حديثنا الآن. # أما العقبة الحقيقية فتتمثل في أولئك الذين ينكرون دور العقل، أو يقللون من ~~أهميته ويضيقون المجال الذي ينطبق عليه، وذلك لحساب تلك القوة الأخرى التي قد ~~يسمونها بالحدس أو «الغريزة» أو «سورة الحياة» أو غير ذلك من الأسماء. ولقد وجدت ~~أمثلة لهؤلاء المفكرين في مختلف عصور التاريخ، وكان رأيهم يختلف - في جزئياته - تبعا ~~للعصر الذي يعيشون فيه، وتبعا للدور الذي يؤديه العقل - خصمهم الأول - في ذلك العصر، ~~وما زلنا نجد لهم أمثلة في حياتنا المعاصرة، في كتابات أولئك الذين لا هم لهم إلا ~~أن يحطوا من شأن العقل ويقللوا من قيمة نتائجه، ولا هدف لهم إلا أن يثبتوا قصور ~~المعرفة البشرية وعجز العلم ذاته عن الوصول إلى حقيقة الأشياء. # ويتبع خصوم العقل هؤلاء أسلوبا متشابها: فهم يبدءون من مقدمة صحيحة، ثم يستنتجون ~~منها نتيجة باطلة. أما المقدمة الصحيحة فهي أن العقل ما زال عاجزا عن كشف كثير من ~~أسرار الكون، وأن هناك مشكلات كثيرة يعجز العقل عن حلها، ويتضح لنا فيها أن قدرته ~~محدودة، وأما النتيجة الباطلة - التي يستنتجونها مما سبق - فهي أن العقل «بطبيعته» ~~عاجز، وأنه سيظل إلى الأبد قوة محدودة قاصرة، ومن ثم فلا بد من الاعتماد على قوة ~~أخرى غيره. # هذا الأسلوب الخادع في مهاجمة العقل ينطلي - للأسف - على الكثيرين؛ لأنهم حين يجدون ~~المقدمة صحيحة - والشواهد تؤيدها بالفعل - يتصورون أن النتيجة مترتبة عليها حقا، ~~ولا بد أن تكون بدورها صحيحة؛ ومن ثم فإنهم يفقدون ثقتهم بالعقل من حيث هو أداة لاكتساب ~~المعرفة وبلوغ الحقيقة، ولكن الواقع أن الاستنتاج باطل من أساسه، وأن ما نلمسه حولنا من ~~عجز العقل عن حل مشكلات كثيرة لا يثبت - على الإطلاق - أن العقل «في ذاته» ~~قاصر. # ذلك لأن أصحاب هذه الحجة الباطلة ينكرون تماما دور التاريخ، سواء في الماضي أم في ~~المستقبل. فلو قارنا حالة المعرفة البشرية منذ خمسمائة عام مثلا بما هي عليه الآن؛ ~~لاتضح لنا أن العقل قد حقق ms073 إنجازات رائعة بحق، ولو قارنا نمط الحياة البشرية منذ ~~مائة عام فقط بحالتها الراهنة؛ لتبين لنا أن العقل قد غير وجه حياتنا تغييرا ~~تاما في هذه الفترة التي تعد - بالمقاييس التاريخية - فترة قصيرة. ومن المؤكد أن ~~مراجعة سجل الإنجازات العقلية في الماضي تثبت لنا أن العقل حقق أشياء ضخمة بحق، وأنه ~~ليس على الإطلاق تلك القوة المحدودة القاصرة التي يصوره بها الكثيرون. أما بالنسبة ~~إلى المستقبل فإن الأمل في اتساع قدرة العقل هو أمل لا حدود له؛ فلو تخيلنا ما سيكون ~~عليه العالم بعد خمسمائة سنة أخرى، مع عمل حساب التزايد المطرد في معدل نمو ~~الإنجازات العقلية العلمية، فإن الصورة التي سنكونها عندئذ أبعد ما تكون عن صورة ذلك ~~العقل العاجز الذي يتحدثون عنه. صحيح أن العقل ما زال يجهل الكثير، وما زال يعجز عن ~~الكثير، ولكنه أفضل أداة نملكها لكي نعرف عالمنا ونسيطر على مشاكلنا، وبفضل هذه الأداة ~~حققنا حتى الآن أشياء رائعة، وتغلبنا على مشكلات كنا نتصور في الماضي أنها لا تحل إلا ~~بالسحر أو الخيال (بساط الريح أو الصندوق المتكلم من أقصى أطراف الأرض على سبيل ~~المثال)، وهو يواصل سيره، فيخطئ حينا ويصيب حينا، ولكن الحصيلة العامة لمسيرته ~~تمثل انتصارا رائعا للإنسان. وحسبنا أن نقارن بين القرون الأربعة التي استخدم ~~فيها الإنسان عقله أداة لبلوغ المعرفة (من القرن السابع عشر حتى القرن العشرين) وبين ~~القرون السبعة عشرة التي سبقت ذلك، والتي كانت أداة المعرفة المستخدمة فيها واحدة من ~~تلك التي يدعو إليها خصوم العقل. حسبنا أن نجري هذه المقارنة لكي ندرك أن قضية ~~إنكار قدرة العقل - لمجرد كونه لم يتوصل حتى الآن إلى كل شيء - هي في صميمها قضية ~~خاسرة. # على أن خصوم العقل لا يتخذون جميعا هذا الموقف الفج، بل إن منهم من يحاولون أن ~~يصبغوا الملكة التي يدافعون عنها ضد العقل - أعني الحدس - بصبغة أكثر تعمقا، ~~ويضفون على مهاجمتهم للعقل طابعا أكثر منطقية. وبغض النظر عن التناقض الواضح في ~~مهاجمة العقل بطريقة تعتمد على «منطق ms074 سليم» - ~~أي على منهج «عقلي» - فإن رأي هؤلاء بدوره - وإن كان في مظهره أدعى إلى الاحترام من ~~الرأي السابق - لا يقل عن غيره تهافتا. # والمثل الواضح على هذا هو موقف الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون» الذي مات في ~~الأربعينيات من هذا القرن، والذي شهد انتصارات حاسمة للعقل منذ بداية القرن العشرين. ~~فقد دافع برجسون بحماسة فائقة عن «الحدس»، الذي هو في نظره الملكة القادرة على النفاذ ~~بنا إلى العمق الباطن للأشياء، فنعرف بذلك «ما هو فريد منها؛ ومن ثم ما يند فيها عن ~~كل تعبير». أما العقل فلا يكشف لنا إلا عن السطح الظاهر للأشياء؛ والدليل على ذلك أنه ~~يستخدم في التعبير عن قوانينه لغة الرياضيات، والرياضيات لا تتضمن إلا تجريدات شديدة ~~العمومية. فالعقل إذن يقدم إلينا معرفة بأعم صفات الأشياء، وهو يجرد موضوعاته من ~~مضمونها الحي الملموس؛ لكي يحولها إلى صيغ وأرقام ومعادلات عجفاء باردة. والفرق ~~بين معرفة الحدس ومعرفة العقل أشبه بالفرق بين الإنسان النابض بالحياة وهيكله العظمي. ~~ولكي نكون منصفين فإن برجسون لا ينكر العلم المعتمد على العقل، بل يراه غير كاف، ~~ويضع إلى جواره ذلك النوع الآخر من المعرفة، الذي اعتقد أنه أعمق من المعرفة العقلية ~~بكثير. # والمشكلة في هذا النوع من المفكرين هي أنهم يخلطون - على نحو مؤسف - بين مقتضيات ~~الحياة الشخصية والتجارب الفنية والشعرية من جانب ومقتضيات المعرفة العلمية من جانب ~~آخر. فكل ما يقوله برجسون صحيح، ولكن في مجال معين لا يتعداه؛ ذلك لأنني حين أكون ~~بصدد تجربة شخصية - كتجربة صداقة أو حب - يكون الحدس عنصرا أساسيا في معرفتي بالآخر؛ ~~لأني لا أريد أن أعرف عنه «معلومات» فحسب، بل أريد أن أحس به كإنسان، وأن أنفذ إلى ~~ما هو عميق وفريد فيه. وأمثال هذه التجارب هي التي يتخذها الشعراء والفنانون موضوعات ~~لأعمالهم الفنية. بل إن هؤلاء الأخيرين يمرون بتجارب كهذه حتى مع «الأشياء»؛ فالشجرة ~~التي يصفها الشاعر هي شجرة يقيم معها علاقة حميمة خاصة، وليست على الإطلاق هي الشجرة ~~التي يمر عليها عابر السبيل ms075 أو يصف العالم خصائصها العامة ويحدد فصيلتها النباتية ... ~~إلخ. والمصور ينفذ بعينيه إلى أعماق الطبيعة التي يصورها في لوحاته، فيكتشف في ~~الجماد صفات فريدة تخفى على العين التي لا تتعامل مع هذا الجماد إلا من حيث هو «أداة» ~~فحسب . # وإذن فقد كان برجسون وغيره من أنصار الحدس يتحدثون بالفعل عن نوع خاص من المعرفة، ~~نوع ينطبق على مجالات معينة، ويحتاج الإنسان إليه بالفعل في مواقف معينة من حياته. ~~وإلى هذا الحد لا يملك أحد أن يعترض عليهم بشيء، ولكن المشكلة هي أنهم يقارنون بين هذا ~~النوع وبين المعرفة العقلية في العلم، ويتهمون هذه الأخيرة بالقصور، اعتمادا على أن ~~المعرفة الحدسية أعمق منها، ولو كانوا قد اقتصروا على تحديد المجال الذي يسري عليه ~~كل من نوعي المعرفة هذين، لما كان لنا عليهم أي مأخذ. # ذلك لأن الإنسان يحتاج بالفعل إلى نوعي المعرفة هذين، كل في مجاله الخاص، ولكي ~~ندلل على ذلك: يكفينا أن نتخيل ماذا كان يمكن أن تكون عليه حياة الإنسان لو أنه ~~كان يقتصر - منذ فجر تاريخه - على ذلك النوع المحبب إلى نفوس أنصار الحدس. فلو كان ~~الشكل الوحيد لعلاقة الإنسان بالإنسان أو لعلاقته بالطبيعة هو الصلة المباشرة الوثيقة ~~التي تتعمق فيما هو فردي وتترك جانبا ما هو عام في الأشياء؛ لكان الإنسان قد مر ~~بتجارب شخصية عميقة بغير شك، ولكان حسه الفني قد أصبح أشد إرهافا مما هو عليه الآن، ~~ولكان أكثر رقة وشاعرية ... هذا كله محتمل، ولكن الإنسان كان سيقف عندئذ عاجزا عن ~~«فهم» الظواهر التي تحدث حوله، وعن «السيطرة» عليها، وكانت حياته الذهنية والروحية - ~~فضلا عن حياته المادية بالطبع - ستصبح عندئذ هزيلة خاوية، يملؤها فراغ الجهل وقصور ~~العقل. # ولا شك أن لهذه الحجة وجها آخر ينبغي ألا نغفله هو الوجه العكسي ... فلو كانت حياة ~~الإنسان قد خلت تماما من عنصر التجارب الشخصية واقتصرت على عنصر المعرفة العقلية ~~العلمية؛ لفقد الإنسان تلك المتعة التي تبعثها المعرفة الشخصية والعلاقة الباطنة ~~الحميمة، ولافتقرت الحياة إلى بعد من أبعادها الهامة ms076 التي تبعث فيها الدفء وتشيع فيها ~~الحرارة. # ولكن الذي حدث فعلا هو أن الإنسان قد سار في ~~الطريقين معا. واختيار الإنسان لهذا المسار المزدوج يعكس حكمة عميقة؛ إذ يدل على أنه ~~قد وجد الجانبين ضروريين، ولم يحاول أن يستغني عن أحدهما لحساب الآخر. ومعنى ذلك أن ~~اتهام العقل بالعجز عن أداء الوظيفة التي يؤديها الحدس - في مجال العلاقات الشخصية - هو ~~اتهام لا مبرر له، وهو خلط بين ميدان وميدان؛ فالعلم المرتكز على العقل شكل ضروري من ~~أشكال المعرفة، وكان لا بد أن يتخذ طابعه هذا حتى ينمو ويتطور، ومهاجمته باسم تلك ~~التجربة «الفريدة التي لا يمكن التعبير عنها» هي خلق بين ما يصلح على مستوى العلاقات ~~الشخصية، وما يصلح على مستوى المعرفة العامة. فالإنسان محتاج إلى أن يكون العاطفة ~~والعقل، والخطأ لا يكون في تأكيد أي من هذين الجانبين، بل هو يبدأ منذ اللحظة التي ~~نحاول فيها أن نطبق مبادئ أحد الجانبين على الآخر، أو ننقد أحد الجانبين باسم ~~الآخر. ~~(4) التعصب # التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة وبأن غيره يفتقرون ~~إليها؛ ومن ثم فهم دائما مخطئون أو خاطئون. ومن هنا فإن التعصب - الذي يتخذ شكل تحمس ~~زائد للرأي الذي يقول به الشخص نفسه أو للعقيدة التي يعتنقها - يتضمن في واقع الأمر ~~بعدا آخر؛ فهو يمثل في الوقت نفسه موقفا معينا من الآخرين، فحين أكون متعصبا لا ~~أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضا أن أستبعد فضائل ~~الآخرين وأنكرها وأهاجمها، بل إنني في حالة التعصب لا أهتدي إلى ذاتي، ولا أكتشف ~~مزاياي إلا من خلال إنكار مزايا الآخرين. وهذا هو الفرق بين التعصب وبين الاعتداد ~~بالنفس الذي هو شعور مشروع؛ إذ إن المعتد بنفسه لا يبني تمجيده لنفسه حتما على ~~أنقاض الآخرين، بل قد يعترف لهم بالفضل مع تأكيده لفضله هو أيضا، أما المتعصب فلا يؤكد ~~ذاته إلا من خلال هدم الغير، ولا فارق عنده بين هذه العملية وتلك؛ لأنه يهدم ms077 غيره وليس ~~في ذهنه إلا تأكيد ذاته، كما أنه لا يؤكد ذاته إلا مستهدفا الحط من ~~الآخرين. # ولكن إذا قلنا: إن المتعصب يؤكد «ذاته» من خلال هدم آراء الآخرين، فما الذي ~~نعنيه بكلمة «ذاته» هذه؟ هل هي «ذاته» من حيث هو فرد؟ هل يريد المتعصب أن يؤكد آراءه ~~أو مواقفه الشخصية على حساب الآخرين؟ الواقع أن جوهر التعصب لا يكمن في اتخاذ مثل ~~هذه المواقف الشخصية، بل يكمن في توحيد الفرد لنفسه مع رأي الجماعة التي ينتمي إليها، ~~وإعلائه هذا الرأي فوق آراء أية جماعة أخرى. فالمتعصب - في واقع الأمر - يمحو شخصيته ~~وفرديته، ويذيب عقله أو وجدانه في الجماعة التي ينتمي إليها، بحيث لا يحس بنفسه إلا ~~من حيث هو جزء من هذه الجماعة، ولو كان يؤكد نفسه بوصفه فردا له شخصيته المميزة لما ~~أصبح متعصبا. # 4 # فلنتأمل مثلا صارخا من أمثلة التعصب - تابعه العرب جميعا بكل جوارحهم خلال ما ~~يقرب من عامين - هو ما حدث في لبنان من بداية عام 1975 حتى نهاية عام 1976، فهل كان ~~واحد من أولئك الذين يقتلون أفراد الطائفة الأخرى «على الهوية» يفكر في نفسه بوصفه ~~فردا، أو يفكر في ضحيته من حيث هو شخص له كيانه الخاص؟ الحقيقة أنه لم يكن ينظر إلى ~~نفسه إلا من حيث هو ينتمي إلى «طائفة»، وكذلك كانت نظرته للضحية. وقد يكون كل منهما - ~~على المستوى الشخصي - صديقا للآخر أو زميلا يتعامل معه منذ سنوات، ولكن هذا كله ~~ينسى عندما يسيطر التعصب، وتصبح أهم صفاتي وأهم صفات الآخر هي نوع الجماعة ~~التي أنتمي وينتمي إليها. والحق أن تعبير «القتل على الهوية» كان تعبيرا يعبر ~~ببلاغة عن حالة التعصب بأسرها؛ فهو لا يعني فقط القتل تبعا لنوع «البطاقة» التي ~~يحملها المرء والتي يتحدد فيها انتماؤه الطائفي، بل تعني أيضا قتل الآخر لأنه وضع ~~نفسه «في هوية» مع الطائفة الأخرى، أي في انتماء إليها. فكل متعصب يعلو بنفسه ~~بسبب «هويته» مع جماعته، ويقتل الآخر - بالجسد أو بالفكر - بسبب «هويته» مع جماعة ms078 ~~أخرى. # ويترتب على ذلك أن المتعصب لا يفكر ~~فيما يتعصب له، بل يقبله على ما هو عليه فحسب، وهنا تتمثل خطورة التعصب من حيث ~~هو عقبة في وجه التفكير العلمي؛ فالتعصب يلغي التفكير الحر والقدرة على التساؤل ~~والنقد، ويشجع قيم الخضوع والطاعة والاندماج، وهي قيم قد تصلح في أي مجال ما عدا ~~مجال الفكر، وهذا يؤدي بنا إلى صفة أخرى أساسية في التعصب، هي أنه ليس موقفا ~~تختاره بنفسك، بل موقف «تجد نفسك فيه»، ولو شاء المرء الدقة لقال: إن التعصب هو ~~الذي يفرض نفسه على الإنسان، وهو أشبه بالجو الخانق الذي لا نملك مع ذلك إلا أن ~~نتنفسه. فالتعصب يكره الآخرين من خلالي أو يقتلهم بواسطتي، وما أنا (أو أي فرد) ~~بالنسبة إلى التعصب سوى أداة يتخذها لتحقيق هدفه المشئوم؛ ذلك لأنني حين أقع تحت قبضته ~~لا أصبح شيئا ولا أسعى من أجل شيء إلا لكي ألبي نداءه. # ولكن لماذا ينتشر التعصب إلى هذا الحد؟ ولماذا يطل برأسه البغيض ويذكرنا ~~بطبيعته البشعة بطريقة دامية حتى في صميم القرن العشرين؟ ذلك لأن التعصب يمثل حاجة ~~لدى الإنسان إلى رأي يحتمي به، ويعفي نفسه من التفكير في ظله، والواقع أن الحماية ~~هنا متبادلة؛ فالرأي الذي نتعصب له يحمينا؛ لأنه يؤدي إلى نوع من الهدوء أو ~~الاستقرار النفسي، ويضع حدا لتلك المعركة القلقة التي تنشب في نفوسنا حين نستخدم ~~عقولنا بطريقة نقدية، ولكننا من جهة أخرى نضمن الحماية لهذا الرأي ذاته عن طريق رفض كل ~~رأي مخالف ومهاجمته بعنف والسعي إلى «تصفيته» بالمعنى الحاسم لهذا اللفظ. وإذن فكل ~~من المتعصب ورأيه أو عقيدته يحمي الآخر، ولكن الواقع أن هذه حماية خادعة مضللة؛ فهي ~~من نفس نوع الحماية التي يكفلها لنا الخمر أو المخدر؛ لأنها ترتكز أساسا على تخدير ~~التفكير وإبطاله، ولأنها تضع أمامنا صورة باطلة للواقع لا ترتكز على دليل أو منطق، بل ~~تستمد قوتها كلها من تحيزنا لها بلا تفكير. # وهذا ينطبق على كل شكل من أشكال ~~التعصب؛ فالتعصب العنصري والتعصب ms079 القومي المتطرف والتعصب الديني؛ كل هؤلاء يشاركون في ~~سمات واحدة: الانحياز إلى موقف الجماعة التي ننتمي إليها دون اختيار ودون تفكير، ~~والاستعلاء على الآخرين والاعتقاد أنهم «أحط»، وإغلاق أبواب عقلك ونوافذه إغلاقا ~~محكما حتى لا تنفذ إليه نسمة من الحرية؛ لأن هذه النسمة - مهما كانت خفيفة - يمكن ~~أن تهدد موقفك الذي تتعصب له، وتهددك أنت نفسك بقدر ما وحدت نفسك مع ما تتعصب ~~له. # وأعظم الأخطار التي يجلبها التعصب على ~~العلم هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية ومتعددة ومتناقضة، وهو ما يتعارض كلية وطبيعة ~~الحقيقة العلمية، فكل متعصب يؤمن بحقيقته هو، ويؤكد - بلا مناقشة - خطأ الآخرين، ~~ومنك حين تنتقل إلى هؤلاء الآخرين تجدهم يؤكدون هذا الشيء نفسه عن «حقيقتهم» الخاصة، ~~ويؤكدون خطأ الأول. وهكذا تضيع الحقيقة - بالمعنى العقلي والعلمي - في هذا التشتت ~~والتناقض، ولو كان العقل هو الحكم بين الناس لما تعددت «حقائقهم» أو تناقضت. # وعلى الرغم من وضوح هذه الفكرة فإن ~~الإنسانية عاشت على ما تعتقد أنه «حقائق» ذاتية - تتعصب لها بلا تفكير - فترة أطول ~~بكثير مما عاشت على حقائق موضوعية تتناقش فيها بالحجة والبرهان. بل إن عدد أولئك الذين ~~يقتنعون بآراء ومواقف يتعصبون لها دون نقد أو اختيار - في عالمنا المعاصر - يفوق ~~بكثير عدد أولئك الذين لا يقبلون الرأي إلا بعد اختياره بالعقل. ومن هنا فإن المعركة ~~الطويلة من أجل مبدأ التسامح في الفكر والعقيدة مستمرة. وصحيح أنه ~~يبدو - ظاهريا - أن التسامح قد تغلب على ~~التعصب منذ أن أحرز العلم انتصاراته الكبرى في العصر الحديث، ولكن الحقيقة - للأسف - ~~غير ذلك، فما زال التعصب كامنا في النفوس، ~~حتى في تلك البيئات التي يبدو فيها أنه قد اقتلع من جذوره، وتكفي أية هزة قومية أو ~~اجتماعية عنيفة لإيقاظه من سباته وتجديد قوته الطاغية، كما حدث أيام ألمانيا النازية في ~~النصف الأول من هذا القرن، وكما يحدث بيننا في لبنان. وهذا وحده دليل على أن معركة ~~العقل ضد التعصب لم تنته بعد، وعلى أن الإنسانية ما زالت في حاجة إلى «قرابين» كثيرة ms080 ~~قبل استئصال آفة التعصب من النفوس. # على أن هذه معركة لا بد من خوضها؛ ذلك ~~لأن التعصب هو - في واقع الأمر - عقبة متعددة الأطراف، تقضي قضاء تاما على كل ~~إمكان للتفكير العلمي إذا ترك لها المجال لكي تنتشر وتسيطر. فبقدر ما يعد ~~التعصب في ذاته شيئا بغيضا ذا ضرر فادح للعلم؛ نجد ضرره هذا لا يقتصر على ما تؤدي ~~إليه روح التعصب وحدها، بل إنه يجمع في داخله كل العقبات التي تحدثنا عنها من قبل، ~~والتي حالت - وما زالت تحول - دون انطلاق التفكير العلمي بلا قيود. فالتعصب ينطوي على ~~خضوع تام لسلطة المبدأ الذي نتعصب له. وكل متعصب ينظر إلى طريقة تفكيره الخاص - ~~أو على الأصح طريقة تفكير الجماعة التي ينتمي إليها - على أنها سلطة لا تقبل المناقشة، ~~كما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري؛ إذ إن الموضوع الذي نتحيز له - في حالة التعصب - ~~يتحول إلى أسطورة، فيختفي طابعه الحقيقي ويحل محله طابع وهمي مختلق، فضلا عن أن ~~المتعصب يتمسك برأسه بطريقة خلت من كل منطق. وهو بطبيعته يشجع التفكير اللاعقلي؛ ~~لأنه هو الدعامة الوحيدة لموقفه. ومن هنا كان أساس النازية هو «أسطورة» الجنس الآري ~~المتفوق، وكان أساس التفرقة العنصرية هو «أسطورة» الجنس الزنجي المنحط، إلى غير ذلك ~~من الأساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال التعصب. # ومجمل القول: إن التعصب «عقبة مركبة» تعترض طريق التفكير العلمي، ومن هنا كانت ~~المعركة التي ينبغي أن يشنها عليه هذا التفكير حاسمة؛ إذ إن العقل البشري لا يستطيع ~~أن يجد حلا وسطا بين الاثنين، فإما العلم وإما التعصب، ولا بد من القضاء على ~~أحدهما لكي يبقى الآخر. ~~(5) الإعلام المضلل # الإعلام هو نقل المعلومات أو توصيلها، وهو يختلف عن التعليم في أن هذا الأخير يتخذ ~~طابعا منتظما، ويتعلق بفئة هي في الغالب في مقتبل العمر، يعدها المجتمع لمواجهة ~~الحياة ويلقنها قيمه المعنوية ومعارفه العلمية. أما الإعلام فليس له مثل هذا الطابع ~~المنتظم، ولا يقتصر على فئة معينة من الناس، ولا يحتاج - في كثير من ms081 جوانبه - إلى ~~استعداد للإفادة منه؛ فعلى حين أن الإعلام عن طريق الصحافة - وهو الشكل الوحيد للإعلام ~~حتى القرن الماضي - كان يفترض معرفة بالقراءة، ومن ثم كان الجمهور الذي ينتفع به ~~محدودا، فإن الإعلام عن طريق الوسائل المسموعة والمرئية (كالراديو والتليفزيون ~~والسينما ) لا يحتاج من ناحية جمهوره إلى إعداد سابق؛ ومن ثم فمن الممكن أن يتأثر به ~~أكبر عدد من الناس. # على أن هذا التمييز بين الإعلام والتعليم ظاهرة حديثة، بدأت عندما ظهرت وسائل للإعلام ~~مستقلة عن نظم التعليم وأجهزتها، أما قبل ذلك فكان الحد الفاصل بين الإعلام والتعليم ~~لا يكاد يكون ملحوظا؛ فلم تكن هناك وسائل للإعلام - غير التعليم المنظم - سوى ~~التلقين الشفوي المباشر من شخص إلى آخر، كالحوار في الأسواق أو الخطابة في دور العبادة ~~أو الساحات العامة، أو إلقاء الشعر على الجمهور بقصد التوجيه. # هذا النوع من الإعلام المباشر كان يؤدي - في العصور الغابرة - وظيفة مزدوجة؛ فمن ~~الممكن - إذا ساده مبدأ الحوار - أن تنجم عنه نهضة عقلية عظيمة، وهو ما حدث بالفعل عند ~~اليونانيين؛ حيث اقترن الإعلام عن طريق الحوار، وعن طريق الخطابة السياسية المقترنة هي ~~الأخرى بالمناقشة والحوار بنظام ديمقراطي فريد من نوعه ساد حياة اليونانيين طوال فترة ~~غير قصيرة من تاريخهم القديم. أما إذا ساده مبدأ التلقين من طرف واحد، والخضوع التام من ~~الطرف الآخر، فإنه يؤدي إلى تقوية السلطة الفكرية عند القلة ذات الشأن من أهل العلم، ~~ومن ثم يكون عائقا في وجه أية نهضة علمية حقيقية، وهذا ما حدث في العصور الوسطى، حين ~~كانت وسيلة نقل المعرفة والمعلومات هي التلقين المباشر من رجال الدين لأتباعهم الذين لا ~~يملكون إلا أن يسمعوا ويطيعوا، أو حين كان القادرون على إعلام الآخرين فئة ضئيلة يحج ~~إليها طلاب المعرفة من كل أرجاء الأرض؛ لكي يتتلمذوا على أيديها، ويتشكلوا بطابعها ~~وقالبها. # على أن ظهور الطباعة قد افتتح عهدا جديدا في نشر المعلومات، يمكن أن يوصف بأنه كان ~~في اتجاهه العام أكثر «ديمقراطية» من أي عهد سابق؛ فعن طريق الطباعة ms082 أمكن المعرفة إلى ~~أعداد أكبر بكثير وبنفقات أقل، وأتيحت للراغبين في العلم فرصة الاطلاع على كميات ~~من الكتب تزيد بمراحل عما كان يتاح لطالب المعرفة في عصر المخطوطات. والأهم من ذلك ~~كله أن المعلومات لم تعد مرتبطة بمركز معين يحتكر تقديمها ويفرض طابعه الخاص على من ~~ينضمون إليه، بل إنها أصبحت متاحة للناس في بيوتهم وعلى نطاق واسع، وأصبح في ~~الإمكان لأول مرة أن ينظر المرء إلى الكتاب على أنه حافز للتفكير المستقل، لا على أنه ~~قيد على استقلال قارئه؛ إذ لم يعد الكتاب مرتبطا حتما بشخصية كاتبه، ولم يعد الناس ~~مضطرين إلى تلقي التفسيرات من المؤلف نفسه، بل إن المعلومات المتضمنة أصبحت ~~متوافرة بصورة موضوعية مستقلة عن الكاتب، بحيث يستطيع كل إنسان أن يتخذها منطلقا ~~لتفكره الخاص. وهكذا كان عصر الطباعة يعني - من الناحية العملية - هدم مبدأ السلطة ~~بوصفه أساسا للمعرفة، وبداية عهد جديد من الإعلام الواسع النطاق، المتحرر من قيود ~~السلطة. # ولسنا في حاجة إلى سرد بقية القصة التي بدأت منذ عهد انتحار الطباعة حتى اليوم؛ فقد ~~كان استخدام المطبعة في إخراج صحف تقدم إلى الناس - على أوسع نطاق - إعلاما أسهل ~~فهما وأقرب إلى حياة الناس اليومية مما تقدمه الكتب، كانت تلك خطوة كبرى في طريق ~~التقدم الإعلامي، وعندما ظهرت أولى وسائل الاتصال عن بعد - كالتلغراف ثم التليفون - ~~ازداد الترابط الإعلامي بين الناس، واكتسب الإعلام مزيدا من الجماهيرية حين ارتبط بفن ~~السينما، وبدأت تلوح في الأفق إمكانية جديدة، هي ربط العالم كله بشبكة من المعلومات ~~التي تصل إلى أبعد أطرافه في أسرع وقت. # وقد تحققت هذه الإمكانية - إلى حد بعيد - بعد اختراع الإذاعة اللاسلكية والإذاعة ~~المرئية، أي الراديو والتلفزيون، وسرعان ما أصبحت هذه الوسائل الجديدة أقوى وسائل ~~الإعلام كلها، واكتسبت بالفعل طابعا عالميا متزايدا، يتمثل في وصول الإذاعات ~~إلى أبعد أطراف الأرض، وإمكانيات البث التليفزيوني في مختلف أرجاء العالم عن طريق ~~الأقمار الصناعية، وأصبح للتلفزيون - على وجه التحديد - دور إعلامي يفوق دور جميع ~~الوسائط الأخرى؛ وذلك أولا لأن ms083 «الصورة» لغة عالمية تتخطى حواجز اللغات المحلية ~~المستخدمة في الصحافة أو الإذاعة. وثانيا لأنه يدخل كل بيت، ولأن المتفرج يشاهده ~~وهو في حالة استرخاء لا يبذل فيها مجهودا ذهنيا؛ ومن ثم يكون التأثير الإيحائي أيسر ~~وأعمق. # على أن تحقق هذا الحلم كان يبدو مستحيلا منذ قرن واحد فقط كان لا بد أن يكون له ~~تأثيره - إيجابا أو سلبا - على التفكير العلمي؛ فوسيلة الإعلام التي تقتحم كل بيت، ~~والتي تخاطب أفراد الأسرة جميعا، والتي تقدم موادها في إطار من الترفيه أو ~~التسلية، تستطيع أن تقوم بدور عظيم الأهمية في نشر قيم التفكير العلمي أو في هدمها، ~~سواء أكان ذلك عن طريق ما تقدمه من مواد علمية مباشرة، أم عن طريق البرامج التي تبث ~~فيها هذه القيم بصورة غير مباشرة وهو الأغلب. # والأمر الذي يدعو إلى الأسف هو أن الاتجاه الغالب - على ما تقدمه هذه الوسائل ~~الإعلامية الواسعة الانتشار - لا يخدم قضية التفكير العلمي ولا يساعد على نشر قيمه ~~بين الجماهير العريضة التي تتأثر بهذه الوسائل. وقد بدأت تجربة تشكيل عقول الناس ~~وصبها في قوالب واحدة تخدم أغراض نظام معين في الحكم أيام العهد النازي في ألمانيا، ~~ونجحت إلى حد كبير في شل القدرة على التفكير المستقل عند شعب عريق كالشعب الألماني، ~~واستطاعت أن تجر الملايين منه طائعين مختارين - أو على الأصح مخدرين بالدعاية ~~المنظمة - إلى مذبحة الحرب العالمية الثانية؛ لكي يرتكبوا أفعالا أصبحوا هم أنفسهم ~~يعجبون - بمجرد أن زال عنهم سحر الدعاية وتخديرها - كيف رضوا لأنفسهم أن يرتكبوها. ~~وكانت تلك أول تجربة «علمية» من أجل تشكيل عقول البشر ونزع قدرتها على التساؤل ~~والمقاومة بالتدريج، حتى تستسلم آخر الأمر لكل ما يلقنها إياه نظام الحكم ~~القائم. # ومنذ ذلك الحين ازدادت الدراسات العلمية المنظمة التي تستهدف البحث عن أقوى وسائل ~~التأثر الإعلامي في الجماهير، واستخدم في إجرائها عدد غير قليل من العلوم الإنسانية، ~~وخاصة بعض فروع علم النفس. وصحيح أن هذه الدراسات تتخذ مظهرا علميا وقورا، ولكنها ~~تهدف في أغلب الأحيان إلى بحث ms084 أفضل الطرق لتزييف عقل الإنسان أو الانحراف بإرادته في ~~اتجاهات مرسومة مقدما، ويندر أن نجد بينها بحثا يستهدف إيجاد أفضل الوسائل لزيادة ~~الوعي وتقويم الأفكار المعوجة بين الناس عن طريق وسائط الإعلام. # وتسير عملية التزييف هذه - في الوقت الراهن - في طريقين ؛ الأول منهما تجاري، هدفه ~~الأول والأخير ترويج السلع بين الناس، حتى لو لم يكونوا في حاجة ماسة إليها، وحتى لو ~~كانت احتياجاتهم الحقيقية تتعلق بأشياء مختلفة عنها كل الاختلاف. وفي سبيل ذلك تقوم ~~شركات الإعلان - التي تعتمد على العديد من العلماء والباحثين - بابتكار أكثر الطرق ~~فعالية لخلق حاجات أو رغبات مصطنعة بين الناس، وللقضاء على قدرتهم على التمييز بين ~~ما هو ضروري وما هو غير ضروري. وعادة تنتشر هذه الإعلانات - في البلاد التي تعتمد على ~~الاقتصاد الحر - وسط برامج إذاعية أو تليفزيونية تتفق عليها الشركة المنتجة خصوصا ~~لكي تروج سلعها في فترات معينة خلال العرض، ولا بد أن تكون هذه البرامج من نوع يشد ~~المتفرج حتى تظل عيونه وآذانه وعقله مثبتة على الجهاز، وهكذا يؤدي هذا الأسلوب إلى ~~ضرر مزدوج؛ لأن البرنامج المقدم نفسه حافل بالإثارة والعنف والجريمة والجنس ~~الرخيص، وكلها أمور تؤثر في ملكات التفكير السليم لدى البشر، فضلا عن أن المادة ~~الإعلانية نفسها تحرص - بطرق مدروسة - على تعهد عناصر الرغبة الرخيصة أو التافهة ~~وتجاهل أي عنصر جاد في طبيعة البشر. # أما الطريق الثاني الذي تسير فيه عملية التزييف هذه فهو طريق سياسي؛ إذ إن نظم الحكم ~~المختلفة تستعين بأجهزة الإعلام من أجل دعم مركزها بين شعبها أو بين الشعوب الأخرى، ~~وتلجأ إلى أساليب تتنافى مع مقومات التفكير السليم؛ فتلح مثلا على نشر صورة زعيم ~~معين وتضخيم أخباره وتكرارها بلا انقطاع، وتستخدم كل أنواع المغالطات من أجل تبرير ~~تصرفاته، وهو أمر لم يكن يحدث في فترات التاريخ السابقة على الإطلاق، حين لم يكن الناس ~~يرون زعماءهم أو يسمعونهم إلا نادرا، ومعظم العقول تستسلم بسهولة لهذه الدعاية ~~الملحة المتكررة، ولكن العقول الواعية نفسها قد تظل تقاوم تأثير الدعاية، وتحتفظ ms085 ~~بقدرتها على التفكير المستقل إلى حين، ثم لا تجد أمامها مفرا من الاستسلام آخر الأمر؛ ~~لأن الدعاية «العلمية» الحديثة تعمل بحرص ودأب على إشاعة العقلية التي تصدق ~~وتستسلم، وعلى هدم روح النقد ونشر روح الانقياد. وهكذا قد يجد المجتمع نفسه يؤيد ~~نظما جائرة، ويصفق لزعماء يظلمونه؛ لأن الدعاية الحديثة أفقدته كل قدرة على ~~التفكير السليم والرؤية الواضحة. # ولقد أتيحت لي ذات يوم فرصة لتجربة طريقة تكشف عن طبيعة الأساليب التي تستخدمها ~~النظم السياسية مع شعوبها عن طريق الدعاية؛ إذ كان هناك مؤتمر حضره رؤساء مجموعة من ~~الدول، وشاءت المصادفات أن أسافر بعد انتهاء المؤتمر مباشرة وأمر في طريقي بسرعة على ~~أربع دول اشترك رؤساؤها في هذا المؤتمر، وقد حرصت على قراءة الصحف في هذه الدول ~~الأربع، فإذا بي أجد الصحافة في كل دولة تصور المؤتمر وكأنه كان - من بدايته إلى ~~نهايته - يدور حول محور رئيس دولتها نفسه؛ فهو الذي جذب انتباه الجميع، وهو الذي أقنع ~~الجميع باقتراحاته، وهو الذي بذل أعظم جهد لإنجاح المؤتمر ... إلخ. وتكرر هذا الموقف ~~بحذافيره في كل دولة من الدول الأربع؛ بحيث يظن شعب كل من هذه الدول أن رئيسه كان ~~أبرز الجميع وأذكاهم وأقدرهم على الإقناع، على حين أن الباقين كانوا يقتدون به ويأخذون ~~منه المشورة ... إلخ. # وهكذا فإن وسائل الإعلام الحديثة، التي كانت تبشر بعهد تنتشر فيه المعلومات على ~~أوسع نطاق، وتزول فيه حواجز الزمان والمكان لكي تصبح فرص المعرفة والاستفادة متاحة ~~للجميع؛ هذه الوسائل قد استغلت - في الأغلب - من أجل خلق عقول نمطية قابلة للإيحاء ~~والاستغلال من أجل تحقيق أهداف فئة قليلة تتحكم في الإعلام، وليس معنى ذلك أن نتيجة ~~انتشار هذه الوسائل كانت شرا كلها؛ إذ إن البشر - بغير شك - أصبحوا الآن أقدر بكثير ~~على اكتساب المعلومات مما كانوا في العصور الماضية، ولكن الأمر المؤسف هو أن ~~الإمكانات الهائلة لهذه الوسائل ذات الانتشار عظيم الاتساع قد استغلت في أغلب ~~الأحيان للإضرار بقدرة الناس على التفكير السليم. # ولا يستطيع المرء أن يستثني من ms086 هذا الحكم أي نظام من النظم الرئيسية السائدة في ~~عالم اليوم؛ فالمعسكر الاشتراكي يلجأ في أحيان كثيرة إلى حجب حقائق أساسية (كما يحدث ~~في حالات الأزمات أو الكوارث) أو ذكرها بإيجاز شديد لم تكن في مصلحته، وكثيرا ما يكون ~~الرأي الآخر فيه مرفوضا، بل تكون إمكانية ظهوره منعدمة أصلا؛ بحيث تضيع على الناس ~~فرصة الحوار المثمر بين أطراف متعارضة. والحجة التي تقال في هذا الصدد هي أن هناك ~~غاية أساسية أو هدفا أساسيا ينبغي أن يسخر كل شيء لخدمته، ولكن المشكلة هي أن ~~بعض الناس ما زالوا يؤمنون بأن قيمة الحقيقة لا يعلو عليها شيء، وبأنها - في صميمها - ~~لا تتعارض مع أية قضية شريفة. # أما المعسكر الرأسمالي فيتفنن في إخفاء ممارساته في هذا الميدان؛ إذ إن الأمور تبدو ~~ظاهريا وكأن الإعلام الحر متاح للجميع، بل إنه يتخذ من هذا المظهر «الليبرالي» دعامة ~~أساسية لدعايته، على أساس أنه يتفوق به على النظام المضاد تفوقا ساحقا، ولكن هذا ~~ليس إلا المظهر الخارجي فحسب؛ إذ إن الإعلام عنده لا يعبر إلا عن مصالح فئة واحدة من ~~الناس، هي الفئة القادرة على أن تمول الإعلام بإعلاناتها. ومن المعلوم أن الصحف ~~الكبرى ومحطات الإذاعة والتليفزيون تعتمد في تمويلها - كليا أو بنسبة كبيرة - على ~~أموال المعلنين، هذا فضلا عن أن هذه المؤسسات الإعلامية الرئيسية هي - في أغلب ~~الأحيان - «شركات» تسير في أعمالها وفقا للمنطق الرأسمالي البحت، ولا يمكن أن تسمح ~~بإعلام يؤدي إلى هدمها. وهكذا يفتقر هذا النظام بدوره إلى الإعلام الصادق، وإن كان في ~~سيطرته على الإعلام يتبع أساليب أذكى وأبعد عن الطابع الصريح المباشر من تلك التي ~~تتبعها النظم الاشتراكية. # ولقد تعمدنا أن نتحدث عن وضع ~~الإعلام في النظامين العالميين الكبيرين، بعد الحديث عن خضوع الإعلام - بوجه عام - ~~للأغراض التجارية أو السياسية؛ وذلك لكي نستخلص من هذا العرض السريع نتيجة ربما كانت ~~مؤلمة، ولكنها للأسف ضرورية، وأعني بها أن الإعلام الذي اتخذ في عصرنا الحاضر أبعادا ~~هائلة، وأصبح تأثيره فعالا على كل عقل، يتجه ms087 أكثر فأكثر إلى الابتعاد عن الموضوعية ~~والنزاهة اللازمة لكل تفكير علمي؛ ومن ثم فإن هذه القوة الضخمة التي كان الناس يأملون ~~منها أن تنشر الوعي وترعى القيم الفكرية الصحيحة؛ قد أصبحت تستخدم في معظم الأحيان ~~بطريقة لا تساعد على تأكيد روح التفكير العلمي بين البشر. # ولو أمعن المرء النظر في الفلسفات ~~المتحكمة في الإعلام المعاصر؛ لتبين له أنه لا يكاد يكون هناك اعتراف بالقيمة ~~المطلقة «للحقيقة»، تلك الحقيقة التي تعلو على أي اعتبار آخر، سواء أكان ذلك مصلحة ~~طبقة أو حزب أو حتى مصلحة مجتمع كامل؛ فالحقيقة أصبحت «موظفة»، بمعنى أنها وسيلة لغاية ~~أخرى، ويكاد يختفي من الإعلام الحالي ذلك المبدأ الذي يتمسك بالحقيقة أولا، مهما ~~كانت النتائج، ويحل محله مبدأ آخر يطبقه الجميع في النظام الاشتراكي وفي النظام ~~الرأسمالي وفي العالم الثالث، هو أن الحادث الواحد ينبغي أن يعرض ويفسر وفقا ~~لمصلحة الوضع القائم، وأن حقيقة الإنسان الرأسمالي بطلان في نظر الاشتراكي والعكس ~~بالعكس. # من هنا كان الإعلام المضلل عقبة كبرى في وجه التفكير العلمي في عالمنا المعاصر؛ ~~إذ إن التفكير العلمي لا يعترف إلا بحقيقة واحدة، لا تتلون أو يتغير تفسيرها وفقا ~~للمصالح، وصحيح أن وسائط الإعلام تضلل عندما يكون الأمر متعلقا بمصالح سياسية أو ~~اقتصادية، ولا تلجأ كثيرا إلى التضليل في بقية الميادين، ولكن هذا الميدان حيوي، ~~والتزييف فيه يؤثر تأثيرا كبيرا على طريقة تفكير الإنسان؛ لأنه أولا يحول بين ~~الناس وبين فهم أنفسهم ومجتمعهم بطريقة علمية، والأهم من ذلك أنه يعودهم الاستسلام ~~للمغالطات ويسلبهم القدرة على مقاومتها؛ ومن ثم فإنه ينتزع من عقل الإنسان أهم ~~ملكة يحتاج إليها لكي يفكر تفكيرا علميا، وأعني بها ملكة النقد والتساؤل. # ولست أود أن أختتم هذا الفصل من الكتاب من غير أن أشير - بإيجاز شديد - إلى الوضع ~~الخاص لهذه العقبات التي تعترض طريق التفكير العلمي في عالمنا العربي بالذات؛ ذلك ~~لأنه على الرغم من أن أمثلة كثيرة من تلك التي وردت عند الحديث عن هذه العقبات كانت ~~متعلقة بالعالم العربي، ms088 فإن من المفيد أن نختم عرضنا لهذا الموضوع بإشارة خاصة إلى ~~دور هذه العقبات في بلادنا، وحسبنا أن نعود بذاكرتنا إلى هذه العقبات واحدة بعد ~~الأخرى؛ لكي نجد أن لها في عالمنا العربي دورا لا يستهان به، وأن معوقات التفكير ~~العلمي في بلادنا كانت ولا تزال ذات سطوة هائلة على العقول. # فالأسطورة والخرافة تحتل في تفكير الناس - في بلادنا العربية - مكانة لا يزال من ~~الصعب زعزعتها، وإني لأذكر - من تجربتي الخاصة - أنني في كل مرة كنت أتحدث فيها عن ~~الحسد أو «العمل» (السحري) بوصفه خرافة، كنت ألقى مقاومة شديدة من عدد كبير من طلاب ~~الجامعة، وهم في مجتمعنا فئة مميزة أتيح لها من فرص التعليم ما لم يتح للغالبية ~~الساحقة من أبناء الشعب، وكانت القصص التي يوردها هؤلاء الطلاب - للتدليل بها على ~~«صحة» الحسد وفعالية «العمل» - نماذج صارخة للتفكير المضاد للعلم، أو للتفكير الذي لم ~~يسمع عن شيء اسمه العلم، بل إنني صادفت أكثر من حالة كان فيها أساتذة جامعيون ~~يدافعون بحرارة عن «كرامات» إنسان طيب من أصدقائهم، يستطيع أن يحقق أمنياته ~~بمجرد التفكير فيها، أو يعرف الحالة الصحية لقريب يسكن بلدا بعيدا دون أن يتصل ~~به، أو يجعل السيارة تسير مسافة كبيرة وهي خالية من الوقود! فإذا كان هذا هو حال ~~«الصفوة» (وأنا لا أعمم بطبيعة الحال) فماذا يكون حال البسطاء من الناس؟ وكيف نأمل ~~في بناء مجتمع يساير العصر بعقول تعشش فيها أمثال هذه الخرافات؟ # أما عقبة «السلطة» فلها في مجتمعنا ~~العربي دور لا يستهان به، وربما كان من أسباب رسوخ فكرة السلطة أن مجتمعاتنا ~~العربية - في أصلها - إما زراعية وإما قبلية، وفي الحالتين يكون المجتمع «تقليديا» ~~ميالا إلى التقيد الحرفي بسلطة القديم والموروث والشائع والمشهور، وينظر إلى ~~التجديد على أنه «بدعة»، وإلى تحدي التقاليد على أنه هرطقة وتجديد، وليس في وسع أحد ~~أن ينكر أن الانهيار التام للسلطة - في المجتمعات الغربية الحديثة - قد ولد ~~تفككا وانحلالا يشكو منه المفكرون في تلك البلاد ذاتها مر الشكوى؛ ومن ثم ms089 فإن ~~وجود قدر معين من السلطة - في الأسرة مثلا - هو أمر مرغوب فيه، ولكني أخشى أن أقول: ~~إن الخضوع للسلطة - في بعض المجالات - يفوق في مجتمعنا الحد اللازم من أجل تحقيق ~~التماسك وتجنب الانحلال. فالسلطة في المجال الاجتماعي والسياسي والفكري ما زال لها في ~~بلادنا دور يزيد عما هو مطلوب في عصر يتسم - سواء رضينا أم كرهنا - بالتجديد والتغير ~~السريع الإيقاع. وهناك خوف حقيقي من أن تتحول فضيلة الترابط والتماسك - التي ~~يبعثها وجود سلطة تفرض على الآخرين الخضوع لها - إلى رذيلة، أو على أحسن الفروض إلى ~~سد منيع يقف حائلا دون اكتساب العقول لذلك القدر من المرونة والتحرر الذي لا بد ~~منه لقيام نهضة علمية في أي شعب. # فإذا انتقلنا إلى عقبة «إنكار قدرة العقل» وجدنا هذه العقبة تصول وتجول في عالمنا ~~العربي. ومن المؤسف أن تأثير هذه العقبة لا يرجع إلى أننا نتمسك بقوة أخرى - كالحدس ~~مثلا - نعدها منافسة للعقل، أو نؤكد أهمية التجربة الشخصية المباشرة على حساب ~~المعرفة العلمية الموضوعية اللاشخصية. بل إننا نتأثر بهذه العقبة بمعناها الفج؛ أعني ~~بمعنى عدم الإيمان بأن العقل قادر على تحصيل العلم أو عدم الإيمان بقيمة العلم ذاته. ~~وهناك فئة من الكتاب يجدون متعة كبرى في الحط من قدر هذا العقل الذي هو أعظم ~~ملكاتنا، وهو الذي يميزنا عن سائر الكائنات، وهو الذي صنع للإنسان حضارة وتاريخا، ~~وجعل له هذا المركز المميز للكون؛ هؤلاء الكتاب - في اتجاههم هذا - هم أشبه ~~بضحايا مرض «تعذيب الذات # masochism ~~» الذين يستمتعون ~~كلما ألحقوا الأذى بأنفسهم، بل إننا لنجد منهم من يجهد «عقله» ويتفنن في إيراد ~~«الأدلة» و«الشواهد» و«البراهين» - وكلها من صنع «العقل» نفسه - لكي يحط من شأن ~~العقل! وكل ما يجنيه هؤلاء هو أن يسود بين الناس اعتقاد بأن الغموض والسر يحيط بكل ~~شيء، وبأن الاستسلام والعجز عن الفهم والتفسير هو الحالة المثلى للإنسان، وهكذا تشيع ~~الجهالة، ويصبح الإنسان أعزل أمام شتى أنواع الدجل والشعوذة الفكرية التي يتطوع ~~الكثيرون بتقديمها بديلا عن التفكير العقلي المنظم. ولو ms090 شئنا أن نكون منصفين لأنفسنا ~~أمناء على مستقبل أبنائنا؛ لطبقنا على أصحاب هذه الدعوات نفس الأحكام التي نطبقها ~~على تجار المخدرات؛ لأنهم بالفعل لا يزيدون عن أن يكونوا مروجين للمخدرات والمسكرات ~~الفكرية! # أما عقبة «التعصب» فقد كان من حسن حظ ~~العرب أن دينهم وحضارتهم ظلت بمنأى عن هذا الداء الوبيل، بحيث أصبحت الأمة العربية ~~تزهو على سائر الأمم بتسامحها وسعة صدرها. ولا يعني ذلك أن تاريخنا قد خلا خلوا ~~تاما من التعصب؛ فقد ظهرت بالفعل حالات هنا أو هناك، ولكنها كانت خروجا عن التيار ~~العام للتاريخ العربي، لم تكن تطل برأسها إلا في عهود الضعف وانفلات الزمام، ومع ذلك ~~فإننا نعاني - في وقتنا الراهن - من لون آخر من ألوان التعصب، هو الاعتقاد الباطل بأن ~~الموضوع الواحد لا يمكن أن يكون فيه إلا رأي واحد، وبأن كل ما عداه باطل، وإذا كان هذا ~~الاعتقاد مفهوما في ميدان الحقائق العلمية فإنه غير مفهوم في ميدان الحياة السياسية ~~والاجتماعية؛ حيث يعد الاختلاف في الرأي «رحمة» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وحيث ~~ينبغي أن تسود روح الحوار بين الأطراف المتعددة، حتى تتكشف الجوانب المختلفة لتلك ~~الحقيقة المعقدة التي يشكلها الواقع ~~السياسي والاجتماعي، ولكن ما أسرع ما تضيق صدورنا - في العالم العربي - بالمعارضة! وما ~~أسهل اتهام أصحاب الرأي الآخر بالعمالة والخيانة وربما الكفر؛ لمجرد أنهم لا يسيرون ~~في الركاب السلطاني للرأي الواحد، هذا هو نوع التعصب الذي تستفحل شروره في عالمنا ~~العربي المعاصر، والذي يعد عقبة كبرى في طريق التفكير العلمي في ميدان من أهم ميادين ~~الحياة، ألا وهو تنظيم المجتمع. # وأخيرا، فإن عقبة الإعلام المضلل ~~تشكل - في مجتمعنا العربي - خطرا داهما على عقولنا وقدرتنا على التفكير الموضوعي؛ ~~فأجهزة الإعلام عندنا لا تعبر - في معظم الأحيان - إلا عن ذلك «الرأي الواحد» الذي ~~كنا نتحدث عنه في صدد العقبة السابقة، وهي لا تكتفي بالتضليل، بل تشجع التفاهة ~~وترعاها بكل عناية، وهكذا نتصور أن وسائل الإعلام الجماهيرية - كالإذاعة والتلفزيون - ~~أدوات للترفيه فحسب، وننسى دورها الجبار ms091 في نشر الثقافة الجادة وتشجيع القيم الفكرية ~~الأصيلة، وخاصة بين أبناء شعب يحتاج إلى هذه القيم احتياجا شديدا لكي يعوض ~~تخلفه الطويل. # وخلاصة القول: إن قدرتنا على أن نفكر في الأمور - سواء منها ما يتعلق بالعلم أو ~~بحياة الإنسان ومجتمعه - تفكيرا علميا سليما مهددة تهديدا خطرا بتلك العقبات ~~التي لا تزال تمارس تأثيرها الضار في عقل الإنسان العربي دون كابح أو ضابط. ولقد سبق ~~لكاتب هذه السطور أن دعا مرارا إلى أن نحمي الأجيال الجديدة من أبنائنا - إن كنا ~~يائسين من الأجيال القديمة - من هذه العقبات عن طريق إدخال المبادئ الأولية للتفكير ~~العلمي - بطريقة شديدة التبسيط - في برامجنا التعليمية، بحيث ينتبه النشء منذ صغره إلى ~~خطورة المظاهر التي يراها في المجتمع المحيط به للخرافة والسلطة المتطرفة وكراهية ~~العقل ... إلخ. وهأنذا أنتهز الفرصة لأعيد ترديد هذه الدعوة، آملا أن يتأثر بكلماتي ~~هذه مسئول ذو نفوذ، ومتمنيا أن يكون هذا المسئول من الاستنارة بحيث يدرك مدى أهمية ~~الموضوع الذي أدعو إليه، وهي أمنية أرجو ألا تكون عزيزة المنال! # الفصل الثالث # | المعالم الكبرى في طريق العلم # لست أود أن أقدم في هذا الفصل تاريخا للعلم؛ إذ إن هذا التاريخ من الاتساع ومن ~~الشمول بحيث يتعين على من يتصدى له أن يعرض لتاريخ الحضارة البشرية كلها، ولتاريخ العقل ~~الإنساني بأكمله، وتلك مهمة يستحيل إنجازها - بأدنى حد من الكفاءة - في مجلد واحد، ~~فما بالك بفصل واحد في كتاب؟! # بل إن ما أود أن أقوم به ها هنا هو تقديم عرض موجز للمراحل الرئيسية في طريق العلم؛ ~~أعني لنقاط التحول الكبرى خلال تاريخ العلم دون أي خوض في تفاصيل هذه المراحل، ومن شأن هذا ~~العرض أن يقدم إلينا في الوقت ذاته لمحة عامة عن التطور الذي طرأ على معنى «العلم»؛ ذلك ~~لأن العلم ظاهرة قديمة وظاهرة حديثة في آن واحد: إنه قديم إذا نظرت إليه بأوسع وأشمل ~~معانيه؛ أي على أنه كل محاولة يبذلها العقل البشري لفهم نفسه والعالم المحيط به، ولكن هذا ~~المعنى الواسع الشامل ms092 أخذ يزداد دقة على مر العصور، وأخذ نطاق العلم وأسلوب ممارسته ~~يتحدد على نحو أدق من مرحلة إلى أخرى، حتى وصل في النهاية إلى وضعه الراهن. وهكذا سوف ~~تكون مهمتنا في هذا الفصل مزدوجة؛ فهي من وجهة عرض موجز لأهم المعالم في تاريخ العلم، ~~وفي الوقت ذاته فإن هذا العرض سيتيح لنا أن نرى كيف تشكل معنى العلم بالتدريج وعلى مر ~~العصور، وكيف تخلص العلم بعناء وبطء شديد من المفاهيم غير الدقيقة التي كانت عائقا في ~~وجه تقدمه، وكيف تبلورت مناهج وأساليب ممارسته حتى أصبحت - في عصرنا الحديث - أفضل نموذج ~~للدقة والانضباط في استخدام العقل البشري. ~~(1) العالم القديم # من الصعب أن يحدد المرء نقطة بداية لذلك النوع من النشاط الذي نطلق عليه اسم ~~العلم؛ إذ إن كل سلوك كان يقوم به الإنسان - منذ عهوده البدائية السحيقة - قد أسهم - ~~بغير شك - في تهذيب تفكيره وصقله على نحو يساعد على ظهور العلم في مرحلة لاحقة، ومثل ~~هذه الظواهر البشرية لا تنطوي على مفاجآت أو على انبثاق مباغت بلا تمهيد، بل إن كل شيء ~~فيها يتدرج ببطء شديد في البداية، ثم تتسارع خطاه حين يتم الاهتداء إلى الطريق ~~الصحيح. # وهكذا فإن مما لا شك فيه أن التجارب الشديدة البطء - التي مرت بها الإنسانية في ~~عصورها البدائية - قد أكسبتها خبرات أدى تراكمها في المدى الطويل إلى ظهور البوادر ~~الأولى للتفكير العلمي، ولكن لما كانت هذه العصور البدائية تمثل مرحلة «ما قبل ~~التاريخ»، فلن نستطيع - في مثل هذا العرض الموجز - أن نتخذ نقطة بدايتنا منها، وإنما ~~سنبدأ من «المراحل التاريخية»؛ أعني من تلك الحضارات القديمة التي تركت لنا وثائق ~~تعيننا على معرفة تاريخها، سواء اتخذت هذه الوثائق شكل كتابات مدونة أو آثار مادية ~~تتيح للمرء أن يستنتج منها نوع الحياة ونوع الفكر السائدين لديها. # وكما نعلم فإن أقدم الحضارات الإنسانية قد ظهرت في الشرق؛ ففي هذه المنطقة من العالم ~~التي نعيش فيها الآن، ظهرت منذ عدة آلاف من السنين حضارات مزدهرة في أودية الأنهار ~~الكبرى ms093 كالنيل والفرات، وإلى الشرق منها في أنهار الهند والصين، وتدل الآثار التي ~~خلفتها هذه الحضارات المجيدة على أنها كانت حضارات ناضجة كل النضج بالقياس إلى ~~عصرها؛ ومن ثم فقد كان من الضروري أن ترتكز في نهضتها على أساس من العلم . # وإذا كانت هذه الحضارات الشرقية القديمة تبعد عنا في الزمان بما يتراوح بين سبعة ~~وخمسة آلاف سنة؛ فقد ظهرت في العصر القديم أيضا - ولكن في وقت أقرب إلينا بكثير من ذلك ~~العصر - حضارة أخرى عظيمة هي الحضارة اليونانية القديمة، التي يرجع تاريخها إلى ما ~~يقرب من ألفين وخمسمائة عام، وهي بدورها حضارة كان من مظاهر ازدهارها وجود علم ~~ناضج. # وهنا نجد أنفسنا إزاء السؤال الذي ~~تثيره هذه المرحلة القديمة في تاريخ العلم، وأعني به: إذا كان من المحتم علينا أن ~~نبدأ هذا التاريخ بمرحلة الحضارات القديمة، التي بقيت لدينا منها وثائق تعيننا على ~~فهمها، فهل نتخذ نقطة بدايتنا من الحضارات الشرقية أم من الحضارة اليونانية الأحدث منها ~~عهدا؟ وهل ظهرت الأصول الأولى للعلم في الشرق أم أن ما ظهر هناك كان بوادر أولى لا ~~تستحق أن تعد بداية حقيقية للعلم الذي لم تظهر معالمه الحقيقية إلا فيما بعد ~~عند قدماء الإغريق؟ # هذا السؤال هو - في واقع الأمر - المحور الذي ينبغي أن تدور حوله مناقشتنا لتلك ~~المرحلة الأولى في طريق العلم، وسوف نبدأ كلامنا بالإجابة التقليدية عن هذا السؤال، ~~أعني تلك التي نجدها في معظم مراجع تاريخ العلم، وخاصة ما كان منها أقدم عهدا. # ففي الحضارات الشرقية القديمة تراكمت حصيلة ضخمة من المعارف ساعدت الإنسان في هذه ~~الحضارات على تحقيق إنجازات كبرى، ما زالت آثارها تشهد بعظمتها حتى اليوم، ولكن هذه ~~المعارف لم تكن سوى خبرات موروثة، ربما كانت راجعة في أصلها إلى أقدم العصور البدائية ~~للإنسان، وقد ظلت تورث جيلا بعد جيل، وساعدت على إثراء حياته العقلية. # ذلك لأن هذه الشعوب التي عاشت في الشرق القديم كانت بارعة في الاستخدام «العلمي» ~~للمعارف الموروثة، ولكنها لم تكن تملك نفس القدر من ms094 البراعة في التحليل العقلي ~~«النظري» لهذه المعارف، كانت لديها خبرات تتيح لها أن تحقق إنجازات عملية هائلة ~~ولكنها لم تتوصل إلى النظريات الكامنة وراء هذه الخبرات، ولم تخضعها للتحليل العلمي ~~الدقيق. أما الحضارة التي توصلت إلى هذه المعرفة «النظرية»، والتي توافرت للإنسان ~~فيها القدرة التحليلية التي تتيح له كشف «المبدأ العام» من وراء كل تطبيق عملي، فهي ~~الحضارة اليونانية. # وهكذا يمكن تشبيه العلاقة بين حضارات الشرق القديم والحضارة ~~اليونانية - فيما يتعلق بنشأة العلم - ~~بالعلاقة بين المقاول والمهندس؛ فالمقاول هو - في معظم الأحيان - شخص اكتسب قدرا ~~هائلا من الخبرات العملية، سواء عن طريق التلقين أو الممارسة، ولولا القوانين التي ~~تسنها الدول في عصرنا الحديث لكان في استطاعة معظم المقاولين أن يشيدوا أبنية ~~سليمة تؤدي كل الأغراض التي نتوقعها من البناء، أما المهندس فهو - إلى جانب ~~إلمامه ببعض الخبرات العملية - يمتلك «العلم النظري» الذي يتيح له معرفة «أسس» عملية ~~البناء، ويمكنه من التصرف بحرية والخروج عن القواعد المألوفة في حالة وقوع أي ~~طارئ. ولو قارنا بين المقاول والمهندس من حيث النتائج العملية للجهد الذي يقومان به، ~~لما كان الفارق بينهما كبيرا؛ لأن كلا منهما يستطيع - في الغالب - أن يشيد بناء ~~متماسكا متينا. أما الاختلاف بينهما فهو في نوع المعرفة التي يعمل وفقها كل منهما، ~~وهل هي معرفة تطبيقية مستمدة من خبرات متراكمة، أم معرفة نظرية تعتمد على التحليل ~~والبراهين المقنعة للعقل؟ # وهناك مثل مشهور يضرب في معظم ~~المراجع التي تتناول هذا الموضوع لتوضيح الفارق بين هاتين الحضارتين في هذا الصدد؛ فقد ~~اهتدى المصريون القدماء بالخبرة إلى أن مجموع المربعين المقامين على ضلعي ~~المثلث القائم الزاوية يساوي المربع المقام على وتر هذا المثلث، وكانوا يستخدمون هذه ~~الحقيقة بطريقة عملية في أعمال البناء؛ فعندما كانوا يريدون التأكد من أن الجدار الذي ~~يبنونه عمودي على سطح الأرض، كانوا يصنعون مثلثا أبعاده 3 و4 و5 أو مضاعفاتها؛ حتى ~~يضمنوا أن هذا المثلث سيكون قائم الزاوية، ومن ثم يكون الجدار عموديا بحق (لأن مربع 3 ~~هو 9، ومربع ms095 4 هو 16، ومجموعهما هو مربع 5، أي 25)، وقد ظلت هذه الحقيقة تستخدم عندهم ~~بطريقة عملية تطبيقية، دون أن يحاولوا إثباتها بالدليل العقلي المقنع. بل إن الرغبة ~~في إيجاد مثل هذا الدليل لم تتملكهم على الإطلاق؛ لأن كل ما يهدفون إليه هو الوصول ~~إلى نتيجة عملية ناجحة ، وهذه النتيجة الناجحة تتحقق بتطبيق القاعدة فحسب، ولن يزيدها ~~الاهتداء إلى الدليل العقلي نجاحا. # وفي مثل هذا الجو يستحيل أن يظهر العلم؛ لأن العلم هو في أساسه بحث عن المبادئ ~~العامة، لا عن التطبيقات الجزئية، وهو سعي إلى القاعدة النظرية، وليس اكتفاء بتحقيق ~~أهداف عملية؛ ولذلك فإن العلم لم يظهر - للمرة الأولى - إلا عند اليونانيين القدماء ~~الذين كان يتملكهم حافز آخر - يضاف إلى حافز الإنجاز العملي - هو الرغبة في ~~الاقتناع، ولم تكن عقولهم تهدأ إلا حين تهتدي إلى الدليل القاطع والبرهان ~~المقنع. # هذه باختصار هي الصور التقليدية التي كان مؤرخو العلم يصورون بها العلاقة بين ~~الحضارات الشرقية القديمة والحضارة اليونانية في موضوع نشأة العلم، ونود أن نبدي على ~~هذه الصورة بضع ملاحظات نعتقد أنها على جانب كبير من الأهمية: ~~(1) # فهذه الصورة لا تخلو من التحيز الحضاري؛ إذ إن الأوروبيين المحدثين هم ~~أحفاد الحضارة اليونانية، وهم ينتسبون إليها انتسابا مباشرا، على حين أن ~~الحضارات الشرقية القديمة لا تمت إليهم بصلة، ومن هنا فقد دأب ~~المؤرخون الأوروبيون - وخاصة في عصر اشتداد الروح القومية خلال القرن ~~التاسع عشر - على تمجيد الحضارة اليونانية - حضارة الأجداد - وتحدثوا ~~طويلا عن «المعجزة اليونانية»؛ أي عن ذلك الإنجاز الهائل الذي حققه ~~اليونانيون فجأة دون أية مقدمات تذكر، ودون أن يكونوا مدينين لأي شعب ~~سابق، وعن ذلك الوليد الذي ظهر إلى الوجود يافعا هائل القوة ... وكلها ~~تعبيرات لا يمكن أن تخلو من عنصر التحيز، لا سيما وأن أحفاد الحضارات ~~الشرقية القديمة كانوا هم الشعوب الواقعة تحت قبضة الاستعمار الأوروبي في ~~ذلك الحين، وكانوا يعاملون على أنهم شعوب «من الدرجة الثانية»؛ ومن ثم ~~كان من الطبيعي أن تكون الحضارات التي انحدروا منها حضارات «من الدرجة ms096 ~~الثانية» أيضا. ~~(2) # وتفترض هذه الصورة التقليدية الشائعة انفصالا تاما بين ميدان الخبرة ~~العملية وميدان البحث العلمي النظري، فهي ترتكز على الاعتقاد بأن شعبا ~~معينا يستطيع أن يكدس خبرات موروثة لمدة آلاف السنين ويحقق بواسطتها ~~إنجازات هائلة - كالهرم الأكبر مثلا - دون أن يكون قد توصل خلال ذلك إلى ~~النظريات العلمية التي تكون أساسا لهذه الخبرات، ومثل هذا الاعتقاد ~~ينطوي على مبالغة في الفصل بين الجوانب العملية والجوانب النظرية ~~للمعرفة، وهو فصل لا تبرره تجربة البشرية ذاتها في مختلف العصور؛ فعندما ~~تتراكم لدى مجتمع معين خبرات عملية طويلة، يكون من الطبيعي أن تقوده هذه ~~الخبرات ذاتها إلى بعض النظريات العلمية على الأقل، وليست النظرية ذاتها ~~إلا حصيلة لتطبيقات عديدة؛ فالعلاقة بين النظرية والتطبيق علاقة متبادلة، ~~بحيث إن الممارسة العملية تمهد الطريق إلى كشف النظرية العلمية، كما أن ~~الوصول إلى النظرية يفتح الباب أمام كشف تطبيقات جديدة مثمرة. أما القول ~~بأن هناك شعبا لم يعرف طوال تاريخه إلا تطبيقات وخبرات عملية وشعبا آخر ~~توصل لأول وهلة - ومن تلقاء ذاته - إلى الأسس النظرية للعلم، فإنه زعم ~~يتنافى مع التجارب الفعلية للبشرية، فضلا عن تناقضه مع المنطق ~~السليم. ~~(3) # على أن هذه الصورة التقليدية قد أخذت تتغير ملامحها بالتدريج، وساعدت ~~على ذلك عدة أمور: ~~(أ) # أولها تقدم البحث العلمي والتاريخي ذاته؛ فقد أحرز العلم ~~التاريخي - في ميدان الحضارات القديمة - تقدما هائلا في أواخر ~~القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وما زال هذا التقدم ~~مستمرا حتى يومنا هذا، وفي كل كشف جديد كان العلماء يلقون ~~مزيدا من الضوء على حياة القدماء وفكرهم، حتى أصبحنا نعرف اليوم ~~عن هؤلاء القدماء أكثر مما كانت الإنسانية تعرف عنهم في عهود قريبة ~~منهم - من الناحية الزمنية - كل القرب، وكانت كل هذه الكشوف ~~الجديدة في الميدان ~~التاريخي تشير إلى حقيقة واحدة؛ هي أن التضاد بين الحضارة ~~اليونانية والحضارات الشرقية القديمة ليس بالحدة التي كان يصور ~~بها، وأن عوامل الاتصال بين اليونانيين والشرقيين القدماء كانت ~~أقوى مما كنا نتصور، وكان كل كشف تاريخي ms097 جديد يؤكد - بشكل ~~متزايد - أن اليونانيين كانوا مدينين بالكثير للسابقين عليهم ~~من الشرقيين، لا سيما وأن الاتصالات بين هاتين المنطقتين لم ~~تنقطع لحظة واحدة، سواء أكانت اتصالات سلمية عن طريق التجارة ~~وتبادل الخبرات والسلع، أو اتصالات حربية في المعارك التي لم ~~تتوقف بين اليونانيين وبين الشعوب الشرقية. ~~(ب) # أدرك الباحثون أن ~~الكلام عن «معجزة» يونانية ليس من العلم في شيء؛ فالقول إن ~~اليونانيين قد أبدعوا فجأة - ودون سوابق أو مؤثرات خارجية - ~~حضارة عبقرية في مختلف الميادين - ومنها العلم - هو قول يتنافى مع ~~المبادئ العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات وتأثير بعضها في بعض. ~~وعلى حين أن لفظ «المعجزة» يبدو في ظاهره تفسيرا لظاهرة الانبثاق ~~المفاجئ للحضارة اليونانية، فإنه في واقع الأمر ليس تفسيرا لأي ~~شيء، بل إنه تعبير غير مباشر عن العجز عن التفسير؛ فحين نقول: ~~إن ظهور العلم اليوناني كان جزءا من «المعجزة اليونانية» يكون ~~المعنى الحقيقي لقولنا هذا هو أننا لا نعرف كيف نفسر ظهور ~~العلم اليوناني. # ولا جدال في أن المكان الذي ظهرت فيه أولى المدارس الفلسفية ~~والعلمية اليونانية، هو في ذاته دليل على الاتصال الوثيق بين ~~الحضارة اليونانية والحضارات الشرقية السابقة؛ فلم تظهر المدرسة ~~الفكرية الأولى في أرض اليونان ذاتها، وإنما ظهرت في مستوطنة ~~«أيونية» التي أقامها اليونانيون على ساحل آسيا الصغرى (تركيا ~~الحالية)؛ أي في أقرب أرض ناطقة باليونانية إلى بلاد الشرق ذوات ~~الحضارات الأقدم عهدا، وهذا أمر طبيعي لأن من المحال أن تكون ~~هذه المجموعة من الشعوب الشرقية قريبة من اليونانيين إلى هذا ~~الحد، وأن تتبادل معها التجارة على نطاق واسع، وتدخل معها أحيانا ~~أخرى في حروب طويلة، دون أن يحدث تفاعل بين الطرفين. ~~(ج) # اقتنع العلماء بأن من المستحيل تجاهل شهادة اليونانيين القدماء ~~أنفسهم، فقد شهد فيلسوفهم الأكبر «أفلاطون» - الذي كان في الوقت ~~ذاته عالما رياضيا - بفضل الحضارة الفرعونية على العلم والفكر ~~اليوناني، وأكد أن اليونانيين إنما هم «أطفال» بالقياس إلى تلك ~~الحضارة القديمة العظيمة. وهناك روايات تاريخية كثيرة تحكي عن ~~اتصال كبار فلاسفة ms098 اليونانيين وعلمائهم - ومنهم أفلاطون ذاته - ~~بالمصريين القدماء وسفرهم إلى مصر وإقامتهم فيها طويلا لتلقي ~~العلم. # والمشكلة الكبرى في ~~هذا الصدد هي أن الأدلة المباشرة على هذا الاتصال العلمي قد ~~فقدت؛ فعلى حين أن كثيرا من الإنجازات العلمية اليونانية قد ~~ظلت باقية، فإن ما أنجزته الحضارات الشرقية - في باب العلم النظري ~~أو الأساسي - لا يكاد يعرف عنه شيء بطريق مباشر، ومعظم ما نعرفه ~~عنه غير مباشر؛ أي من خلال التطبيقات العملية لهذا العلم كما ~~تتمثل في الآثار الباقية من هذه الحضارات، ومن الأسباب التي ~~يعلل بها البعض ضياع العلم الشرقي القديم أن الفئة التي كانت ~~تمارسه كانت فئة الكهنة التي حرصت على أن تحتفظ بمعلوماتها ~~العلمية سرا دفينا، تتناقله هذه الفئة جيلا بعد جيل، دون أن ~~تبوح به إلى غيرها، حتى تظل محتفظة لنفسها بالقوة والنفوذ ~~والمهابة التي تولدها المعرفة العلمية، وحتى تضفي على نفسها - ~~وعلى الآلهة التي تخدمها - هالة من القداسة أمام عامة الناس الذين ~~لا يعرفون عن العلم شيئا، وفضلا عن ذلك فهناك كوارث طبيعية وحروب ~~كثيرة وحرائق متعمدة أو غير متعمدة؛ أدت بدورها إلى ضياع ~~ما يمكن أن يكون قد دون من هذا العلم في كتب. ونتيجة هذا كله ~~هي أن معلوماتنا عن الأصول النظرية للعلم القديم تكاد تكون ~~منعدمة، على حين أن معظم ما أنجزه اليونانيون ظل باقيا، مما ~~ساعد على نسبة الفضل الأكبر في بدء ظهور العلم إلى اليونانيين، ~~وجعل من المستحيل إجراء مقارنة بين العلم اليوناني والعلم الشرقي ~~القديم، أو تبيان مقدار ما يدين به اليونانيون في علومهم للحضارات ~~الكبرى التي سبقتهم. # تلك هي الملاحظات التي نود أن نعلق بها على التصور التقليدي الشائع للعلاقة بين ~~العلم اليوناني وعلوم الحضارات الشرقية، وهي تؤدي بنا إلى القول بأن هذا التصور ~~يفتقر إلى الدقة، وربما كان مرتكزا على أسس غير علمية، ولكن الصعوبة الكبرى التي ~~تجعل من العسير رفضه كلية هي - كما قلنا - النقص الشديد في معلوماتنا عن الأصول النظرية ~~للعلوم التي توصل إليها الشرقيون القدماء؛ ولذا ms099 لا يجد الباحثون في هذا الموضوع ~~مفرا من الاحتفاظ بقدر من هذه الصورة، مع اقتناعهم - في قرارة أنفسهم - بافتقارها إلى ~~الدقة. # وعلى أية حال، فإن نفس هذه الدوافع العملية التي تنسب إلى الشرقيين القدماء، هي ~~التي يمكن أن تكون قد أدت إلى ظهور بدايات العلم النظري لديهم؛ فهناك ارتباط وثيق ~~بين عملية البناء - بناء المساكن أو القصور أو المعابد - وبين ظهور علم الهندسة؛ إذ ~~إن من الضروري حساب مساحة البناء من أجل معرفة كمية المواد اللازمة لبنائه وعدد ~~العمال اللازمين لإنجازه، كما أن قوالب الحجارة لن تتلاصق إلا إذا كانت مستقيمة، ~~ولا بد أن تكون جدران البناء كلها قائمة الزوايا لضمان سلامته. وهكذا ترتبط عملية ~~البناء بمعان أساسية في علم الهندسة كالخط المستقيم والزاوية القائمة وحساب ~~المساحات. # ومن ناحية أخرى، فقد كانت شعوب معظم الحضارات الشرقية القديمة شعوبا زراعية؛ لأن هذه ~~الحضارات ظهرت - كما قلنا - على ضفاف أنهار كبرى، وكانت عملية الزراعة تتطلب - من ~~أجل نجاحها - معلومات فلكية كثيرة؛ إذ إن من الضروري حساب المواسم الزراعية حتى ~~يمكن زرع المحصول في الوقت المناسب، ولا بد من توقيت دقيق لعمليات وضع البذور وري ~~الأرض وجني المحصول ... إلخ، فضلا عن ضرورة حساب مواعيد فيضان النهر والتغير في حالة ~~الطقس. وهكذا كان من الضروري أن تعرف هذه الحضارات حساب الفصول والسنين، وكانت أدق ~~التقويمات الفلكية هي التي عرفتها حضارات زراعية عريقة كالحضارة المصرية القديمة ~~وحضارة بلاد ما بين النهرين. # وكان من العوامل الأخرى التي أدت إلى تقدم علم الفلك في هذه الحضارات أن كثيرا من ~~شعوبها كانت تمارس التجارة، وتحتاج إلى الملاحة البحرية على نطاق واسع؛ ومن ثم كان ~~الرصد الفلكي الدقيق ضروريا في عمليات توجيه السفن في أعالي البحار. # وأخيرا، فقد كان للمعتقدات والأديان الشعبية تأثير هام في نمو معارف علمية كثيرة، ~~وحسبنا أن نذكر في هذا الصدد أهمية العقيدة الدينية عند الفراعنة في عمليات البناء ~~الهائلة - التي تحققت تلبية لمطالب دينية - كالأهرامات والمعابد الضخمة، وكذلك الحاجة ~~إلى تخليد الإنسان، والرغبة في ms100 قهر الإحساس بفنائه التي حفزتهم إلى اكتساب المقدرة ~~الخارقة على التحنيط، والإيمان بالتنجيم ومعرفة الطالع من التطلع إلى النجوم، الذي ~~أعطى بعض الناس - في تلك المرحلة القديمة - ~~طاقة هائلة من الصبر أتاحت لهم أن يقوموا بملاحظات وعمليات رصد مرهقة، أضافت إلى رصيد ~~البشرية في ميدان الفلك معلومات لها قيمة لا تقدر. ولنذكر في هذا الصدد أن ~~الارتباط بين التنجيم وعلم الفلك قد ظل قائما في أوروبا ذاتها حتى مطلع العصر ~~الحديث، وأن كبار علماء الفلك حتى القرن السابع عشر كانوا منجمين في الوقت ذاته، ~~ولم يكونوا يجدون أي تعارض بين الملاحظة الفلكية المتأنية الدقيقة وبين البحث عن طالع ~~حاكم، أو التنبؤ بنتيجة معركة حربية وشيكة الحدوث من خلال النجوم. # في كل هذه الحالات كانت هناك مقتضيات عملية حتمت على الحضارات الشرقية القديمة ~~البحث في علوم معينة، وما دامت هذه الحضارات قد نجحت في تحقيق تلك المقتضيات العملية ~~نجاحا رائعا، فلا بد أن نستنتج أن حصيلتها العلمية في هذه الميادين لم تكن ضئيلة. ~~وإنه لمن الصعب أن يتصور المرء أن أولئك العباقرة الذين بنوا الأهرامات بتلك الدقة ~~المذهلة في الحساب، بحيث لم يخطئوا إلا بمقدار بوصة واحدة في محيط قاعدة الهرم الأكبر ~~البالغ # قدما، # 1 # والذين ابتدعوا فن الضرب والقسمة، لا يستحقون اسم «العلماء»، وأنهم لم ~~يكونوا إلا أصحاب تجارب موروثة، شكلت مجموعة من القواعد والخبرات العملية التي ~~استعانوا بها في تحقيق هذه الإنجازات. ومن الظلم أن نأبى اسم «العلم» على تلك ~~المعلومات الفلكية الرائعة التي توصل إليها هؤلاء القدماء، وعلى الكشوف الرياضية ~~الهامة التي كانت ضرورية من أجل إجراء الحسابات الفلكية وغيرها من الأغراض. ومن قصر ~~النظر أن نتصور أن تلك المعلومات الكيميائية العظيمة - التي أتاحت للمصريين القدماء ~~أن يصبغوا أنسجة ملابسهم وحوائط مبانيهم بألوان ما يزال بعضها زاهيا حتى اليوم، أو ~~التي مكنتهم من تحنيط جثث ظلت سليمة لمدة تقرب من الأربعة آلاف عام - لا تستحق ~~اسم «العلم التجريبي»، وقل مثل هذا عن مجالات كثيرة لا بد أن هذه ms101 الحضارات قد جمعت فيها ~~بين الخبرة العملية والمعلومات النظرية، كالطب وصناعة العقاقير والهيدروليكا (الري ~~والسدود والخزانات ... إلخ). # وإذن، فلم تكن نشأة العلم يونانية خالصة، ولم يبدأ اليونانيون في استكشاف ميادين ~~العلم من فراغ كامل، بل إن الأرض كانت ممهدة لهم في بلاد الشرق التي كانت تجمعهم بها ~~صلات تجارية وحربية وثقافية، والتي كانت أقرب البلاد جغرافيا إليهم، وإذا كانت الحلقة ~~المباشرة - فيما يتعلق بانتقال العلوم الأساسية من البلاد الشرقية إلى اليونانيين - ~~هي حلقة مفقودة، فإن المنطق والتاريخ والكشوف المتتابعة تؤكد لنا أنها لا بد كانت ~~موجودة. # على أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا ننكر فضل اليونانيين في ظهور العلم. والحق أن ~~الاعتقاد بضرورة وجود أصل واحد للمعرفة العلمية وتصور واحد يرجع إليه الفضل في ظهورها ~~ربما كان عادة أوروبية سيئة ينبغي التخلص منها؛ فإصرارنا على تأكيد أهمية الدور الذي ~~أسهمت به حضارات الشرق القديم لا يعني أبدا أن اليونانيين كانوا مجرد ناقلين، أو ~~أنهم لم يأتوا في ميدان العلم بجديد، وليس هناك على الإطلاق ما يمنع من وجود أصول ~~متعددة أسهم كل منها في ظهور مفهوم معين من مفاهيم العلم، أو جانب معين من جوانبه، ~~مع اعترافنا بأن لكل من هذه الأصول - في ميدانه الخاص - فضلا يستحيل إنكاره. # ذلك لأن الاعتقاد بأن للعلم أصلا واحدا، يفترض أنه كان هناك شيء محدد المعالم ~~اسمه «العلم» ظهر منذ أقدم الحضارات الإنسانية، وهذا افتراض لا يقوم على أساس؛ إذ إن ~~معنى العلم نفسه قد استغرق وقتا طويلا جدا كيما يتبلور. وربما كان عمر «العلم» - ~~بمفهومنا الحالي لهذا اللفظ - لا يزيد على أربعمائة سنة، ولكن هذا لا يعني أن كل ما سبق ~~ذلك لم يكن «علما»، بل لقد كان العلم في طريقه إلى التشكل والتحدد، وكان كل عصر ~~يضيف إليه عناصر، ويحذف منه عناصر أخرى؛ فلقد كان من الطبيعي أن يختلط العلم - في ~~مراحله الأولى - بعناصر غريبة عنه كالأساطير والشعر والعقائد القديمة والرغبات ~~والأماني البشرية، وعلى رأسها رغبة الإنسان في أن يعيش في ms102 عالم يتسم بالنظام والجمال ~~ويكون متعاطفا معه. ولم يكن من الممكن في تلك العهود القديمة أن يضع العقل البشري ~~حدا فاصلا بين ما هو علم وما ليس بعلم. بل إن كل هذه العناصر كانت تمتزج في وحدة ~~واحدة يستحيل التمييز فيها بين ما هو أصلي وما هو دخيل، وفي كل مرحلة جديدة من مراحل ~~تقدم العلم كانت البشرية تتوصل إلى بعض العناصر الغريبة التي تشوه بناء العلم ~~فتستبعدها، وتضيف عناصر أخرى كانت مفقودة في المراحل السابقة. # وليتذكر القارئ ما قلناه في مستهل هذا الفصل من أن العرض الذي سنقدمه ~~لمراحل تطور العلم هو ذاته عرض لتطور «معنى» العلم، فإذا لم يكن العلم قد تحددت ~~معالمه، وإذا لم يكن شكلا من أشكال النشاط العقلي الإنساني - خلال تاريخه الطويل - ~~فلن يكون من حقنا عندئذ أن نقول: إن حضارة معينة هي التي يرجع إليها الفضل في ظهور ~~العلم، بل إن كل ما يمكننا أن نقوله هو أن هذه الحضارة يرجع إليها الفضل في إضافة عنصر ~~هام إلى مفهوم العلم، واستبعاد عناصر ضارة من هذا المفهوم. فإذا كان هذا هو الوضع ~~الصحيح للمسألة فلن يكون هناك ما يحول دون نسبة الفضل في ظهور العلم إلى عدة حضارات ~~متلاحقة، أدى كل منها دوره في تشكيل معنى العلم خلال مراحل التاريخ. # فما الذي أضافه اليونانيون إذن إلى العلم؟ وما هي العناصر التي كانت متداخلة فيه من ~~قبل، والتي أدركوا أن من الواجب تحرير العلم وتخليصه منها؟ # لو نظرنا إلى الإنجازات العملية التي حققها اليونانيون وإلى الآثار المادية التي ~~خلفوها، لما وجدناها تمتاز كثيرا عن تلك التي تركتها لنا الحضارات الشرقية الأقدم ~~منهم عهدا؛ فهم من هذه الناحية لم يكونوا أكثر تفوقا من غيرهم، ولكن أعظم إنجازاتهم ~~كانت في الناحية النظرية؛ أي في المعارف العلمية بمعناها «العقلي» البحت؛ فقد كانت لدى ~~اليونانيين قدرة هائلة على التعميم، جعلتهم لا يهتمون بالأمثلة الجزئية لأية ~~ظاهرة، وإنما يركزون على أعم جوانبها، أو على قانونها العام؛ فهم - على سبيل ~~المثال - لا ms103 يبحثون في خصائص ذلك المربع الذي يكونه سقف بيت معين أو حقل مزروع، ~~بل كان ما يهمهم هو خصائص «المربع» بوجه عام؛ أي المربع في ذاته، بغض النظر عن ~~الجزئيات التي يتحقق فيها، بل حتى ولو لم يكن متحققا في الواقع على ~~الإطلاق. # وهكذا توصل اليونانيون إلى سمة عظيمة الأهمية من سمات العلم هي «العمومية ~~والشمول»، وقد عبر أرسطو عن هذه السمة بوضوح في عبارته المشهورة: «لا علم إلا بما هو ~~عام»، ولا شك في أن هذه السمة لا زالت ملازمة للعلم حتى يومنا هذا، وإن كنا نقبلها ~~اليوم بتحفظات معينة لا يتسع المجال هنا للحديث عنها. فمنذ العصر اليوناني أصبحنا ~~ندرك أن العلم لا يتعلق بدراسة حالات فردية لذاتها، وإنما ينبغي أن نجعل هذه الحالات ~~وسيلة للانتقال إلى كشف الخصائص العامة «للنوع» بأكمله، أو للاهتداء إلى «القانون» ~~الشامل الذي يسري على كل الأفراد. وعلى حين أن هذه السمة تبدو اليوم في نظرنا أمرا ~~مألوفا، فإنها قد احتاجت إلى وقت طويل حتى استقرت دعائمها عند مفكري اليونان ~~وعلمائهم، الذين أصروا عليها في كل ما كتبوا، ونجحوا في فرضها على الأذهان منذ ذلك ~~الحين. # وإذا كان العلم يتصف بالعمومية، ويبحث في ~~قوانين الأشياء لا في حالاتها الفردية، فإنه بطبيعته يتسم ب «التجريد» وهي سمة أخرى ~~تفوق فيها اليونانيون إلى أقصى حد، وتمكنوا من جعلها جزءا لا يتجزأ من خصائص العلم ~~منذ ذلك الحين. والحق أن اليونانيين كانوا من أقدر شعوب الأرض على التعمق في ~~المجردات والبحث فيها بلا كلل، ولن نستطيع أن ندرك فضلهم في هذا الصدد إلا إذا ~~تذكرنا أن الجانب الأكبر من البشر ما زالوا حتى اليوم يجدون عناء كبيرا في التفكير ~~في الأمور المجردة مدة طويلة؛ فمعظم الناس يشعرون بالعناء إذا قضوا ساعة في قراءة ~~كتاب فلسفي يتسم بشيء من العمق؛ لأنه يتعامل مع أفكار مجردة، ولا يتعامل مع أشياء ~~ملموسة أو أشخاص محسوسين كما هي الحال في الروايات الأوروبية والمسرحيات الفنية. كذلك ~~يجد الكثيرون حتى اليوم صعوبة ms104 في التعامل مع الأرقام، بل إن عددا كبيرا من الناس ~~يأبون قراءة الكتاب إذا تصفحوه فوجدوا فيه أرقاما كثيرة، وما زالت دروس الرياضة ~~تكون عقدة في نفوس الكثيرين ممن يعتقدون - عن خطأ في الغالب - أن عقولهم لم تخلق ~~لهذا النوع من العلوم؛ فالتفكير المجرد يحتاج إلى جهد وعناء يصعب على كثير من الناس ~~بذله حتى في عصرنا الحاضر، ولكن اليونانيين كانت لديهم - منذ ألفين وخمسمائة عام - ~~قدرة خارقة على التعامل مع المجردات بلا كلل. # لذلك كانت أعظم الإنجازات العقلية التي توصل إليها اليونانيون هي تلك التي تمت في ~~ميدان الفلسفة والرياضيات. والواقع أن الحد الفاصل بين الفكر الفلسفي والعلم ~~الرياضي قد أزيل عند معظم الفلاسفة اليونانيين، بحيث كانوا ينظرون إلى الرياضة على ~~أنها مرحلة من مراحل التفلسف، أو على أنها تدريب أو «ترويض» للذهن يهيئه للتعمق ~~في الفلسفة. # بل إن مفهوم العلم ومفهوم الفلسفة كانا متداخلين ومتشابكين عندهم إلى أبعد حد، فلم ~~يكن هناك نشاط واع مستقل اسمه «العلم»، وإنما كان هناك سعي عقلي واحد يتجه نحو ~~ميادين متعددة، وينتج ما نسميه نحن فلسفة أو علما، تبعا لنوع الميدان الذي ~~يتجه إليه، ولكنه كان عند اليونانيين «معرفة» أو «حبا للحكمة» فحسب. # ولما كان هدف هذه المعرفة أو الحكمة اليونانية هو معرفة ما هو عام، والوصول إلى ~~القوانين المجردة للأشياء، فقد كان من الطبيعي أن يكون العلم اليوناني علما ~~«نظريا» قبل كل شيء، وتلك في الحق هي الميزة الكبرى التي ينسبها مؤرخو الفكر ~~الغربيون إلى الحضارة اليونانية، ويرون فيها الحد الفاصل بين الفكر اليوناني وكل تفكير ~~سابق له؛ فعلى حين يفترض أن الاعتبارات العملية وحدها هي التي كانت تحرك الحضارات ~~السابقة إلى جمع المعلومات العلمية، فإن اليونانيين بحثوا عن العلم من أجل العلم ~~فحسب، ولإرضاء نزوع العقل إلى المعرفة، دون أن يكون لهم من وراء ذلك هدف عملي، ولقد ~~كان تفوقهم في المعارف العقلية الخالصة - كالفلسفة والرياضيات - أكبر شاهد على ذلك، ~~وكانت قدرتهم الفائقة على التجريد هي التي أتاحت لهم أن ms105 يستكشفوا أبعد الآفاق في ~~هذين الميدانين. # ولكي يقتنع العقل - على المستوى النظري - فلا بد له من الوصول إلى «الأدلة» ~~و«البراهين» القاطعة. ولقد كان هذا البحث عن «البرهان» مطلبا أساسيا في الفكر ~~اليوناني، فلم يكن هذا الفكر يقبل أية قضية ما لم يقتنع بها عن طريق دليل يفرض نفسه ~~على العقل فرضا، ولم يكن يكتفي بالنتائج النافعة أو السلوك العملي الناجح، بل كان ~~يبحث دائما عن «الأسباب». ولكي ندرك الفارق بين وجهتي النظر هاتين، نقارن بين ~~الفلاح المدرب وعالم الزراعة؛ فالفلاح الخبير يتبع أساليب معينة، معظمها مجرب أو ~~موروث، تؤدي به إلى أن يجني محصولا ناجحا، ولكنه لا يحاول أن يتساءل: «لماذا» ~~يؤدي اتباع هذه الأساليب إلى زيادة المحصول؟ بل ربما رأى ذلك سؤالا عقيما، ما دامت ~~النتيجة المطلوبة - وهي المحصول الوفير - قد تحققت، أما العالم الزراعي فإن هدفه ~~الأول هو البحث عن «السبب»، والنتيجة الناجحة ليست في نظره كافية، بل ليست هي الهدف ~~المطلوب، وإنما الهدف الحقيقي هو «معرفة الأسباب»، ومن أجل سعيه إلى هذا الهدف كان ~~عالما. # ولو تأملنا مراحل حياة الفرد لوجدنا أن مرحلة الوعي الفكري عنده مرتبطة ارتباطا ~~وثيقا بهذا البحث عن الأسباب؛ فالسؤال «لماذا» هو الخطوة الأساسية في طريق اكتساب ~~المعرفة خلال حياة كل إنسان. وإنا لنجد الطفل في السنوات الأولى لحياته يستجيب ~~لدوافعه وحاجاته المباشرة دون محاولة للبحث عن سبب أي شيء، ولكنه في المرحلة التي يبدأ ~~فيها وعيه في التفتح، والتي يود فيها أن «يعرف» نفسه والعالم المحيط به، يظل ~~يردد السؤال «لماذا» بلا انقطاع، وقد يصل في ترديده إلى حد الإملال، كما أنه قد ~~يسأل عن أسباب أشياء لا تحتاج إلى تعليل، ولكن المهم أن مرحلة الوعي عند الطفل مرتبطة ~~بالسؤال عن الأسباب. ومثل هذا يقال عن الإنسانية كلها؛ فعندما تتخطى مرحلة الفعل ورد ~~الفعل المباشر، ومرحلة الاستجابة للحاجات الأولية، وتبدأ مرحلة الوعي بالعالم ومحاولة ~~تفسيره عقليا؛ تكون علامة نضجها هي أنها لا تأخذ الظواهر على ما هي عليه، ولا تكتفي ~~باستخدامها لتحقيق ms106 أهدافها العملية، وإنما تبحث - قبل كل شيء - عن أسبابها؛ ولهذا السبب ~~بعينه كانت الحضارة اليونانية تعد - في نظر كثير من المؤرخين - نقطة البداية ~~الحقيقية للعلم. # ولنعد - في هذا الصدد - إلى ذلك المثل المشهور الذي ضربناه من قبل، والذي يرد ~~ذكره في معظم الكتب التي تعالج هذا الموضوع، وهو مثل المثلث القائم الزاوية؛ فقد تمكن ~~القدماء - كما قلنا - من الاستفادة من خصائص هذا المثلث في أغراض عملية، ولكن ~~اليونانيين لم يقنعهم مثل هذا الاستخدام العملي، بل كان سعيهم يتجه إلى «البرهنة» ~~(أي تقديم الأسباب في صورة متسلسلة منطقيا ومقنعة للذهن) على الخصائص المعروفة لهذا ~~المثلث، وهي أن مربع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين، وكان هذا السعي ~~إلى إيجاد «البرهان» والتوصل إلى «الأسباب» العقلية هو الذي جعل الهندسة عند ~~اليونانيين تصبح علما، على حين أنها كانت قبل ذلك فنا يكتسب بالخبرة والممارسة ~~فحسب. # هذه النظرية الهندسية الخاصة بالمثلث القائم الزاوية تنسب إلى الرياضي والفيلسوف ~~اليوناني المشهور فيثاغورس، على أن قيمة فيثاغورس هذا - الذي يمكن اتخاذه نموذجا لما ~~وصلت إليه الروح العلمية عند اليونانيين - لا تقتصر على هذه النظرية المعروفة، بل ~~لقد انتقل في مجال آخر من حقيقة مشاهدة بسيطة إلى تقديم نظرية كاملة عن العالم، كان ~~لها تأثيرها الأكبر في العصور اللاحقة، وإن كان هذا الجانب من تفكيره أقل شهرة من ~~نظريته الهندسية المعروفة؛ فقد أدرك فيثاغورس وجود علاقة بين النغمة الصوتية وطول ~~الوتر الذي تصدر عنه النغمة عندما يتذبذب، وهذا هو المبدأ الذي يسير عليه ~~الموسيقيون عندما تسير أصابع يدهم اليسرى جيئة وذهابا على الأوتار في الآلات ~~الوترية لكي تجعل للوتر - تبعا لموضع الإصبع - طولا معينا، هو الذي يحدد النغمة ~~التي تصدر عنه. # هذه الحقيقة البسيطة لم تكن كافية لاستخلاص نتائج ذات أهمية كبيرة، بل إن الأهم ~~منها هو أن هذه العلاقة بين النغمة الصوتية وطول الوتر يمكن التعبير عنها بنسب ~~رياضية معينة؛ فإذا قصرت الوتر إلى نصفه تصدر نغمة «الجواب» (أي الصوت الثامن ~~في السلم الموسيقي)، وإذا قسمت الوتر ms107 بنسبة 2 / 3 كانت النغمة هي الصوت الرابع. ~~ومعنى ذلك أن الأصوات الرئيسية في السلم الموسيقي يعبر عنها بنسب رياضية ثابتة، ~~أو بعبارة أخرى: إن التآلف والتناغم هو حقيقة رياضية؛ ومن ثم فإن ما نجده في الكون ~~بأكمله من انسجام إيقاعي أشبه باللحن الموسيقي، ومن انضباط ودقة تعبر عنها ~~القوانين الطبيعية الثابتة، يرتد آخر الأمر إلى الصيغ الرياضية المجردة، وكانت حصيلة ~~هذا كله هي عبارة فيثاغورس المشهورة: «العالم عدد وتوافق أو نغم.» # في هذا الاتجاه الذي سار فيه فيثاغورس نهتدي إلى بذرة النظرة العلمية إلى العالم؛ إذ ~~إنه أرجع الاختلاف في الكيفيات (أي في الأصوات) إلى مجرد اختلاف في الكم (أي في طول ~~الأوتار)، وعمم هذه الحقيقة على الكون بأكمله حين جعل العالم كله «عددا وتوافقا»، ~~أي مقادير كمية ونسبا أو علاقات بينها، كذلك فإنه في هذه العبارة يعبر عن سمة هامة ~~من سمات التفكير العلمي، هي محاولة الكشف عما يوجد وراء المظهر السطحي للأشياء؛ ~~فالأصوات - كما تدركها آذاننا - تثير فينا أحاسيس متباينة، ولكن من وراء هذا العالم ~~«الظاهر» كله توجد حقيقة أساسية واحدة، هي النسب العددية التي يمكن بواسطتها ~~التعبير عن أي اختلاف صوتي، وهنا نجد تلك التفرقة الحاسمة بين «مظهر الأشياء ~~وحقيقتها»، وهي تفرقة كان لها دور كبير في الفكر اليوناني، ولولاها لأصبح التفكير ~~العلمي مستحيلا؛ إذ إن جوهر هذا التفكير هو ألا ننبهر بالشكل الظاهر للأشياء ولا ~~ننساق وراءه، وإنما نحاول البحث عما يكمن وراءه من حقائق أساسية. # ويترتب على هذه التفرقة بين المظهر والحقيقة إرجاع الأشياء المحسوسة إلى معان ~~مجردة؛ لأن من طبيعة العلم أن يجرد الظواهر من مظهرها العادي الملموس، ويعبر ~~عنها في صيغ مجردة من معادلات أو نسب أو علاقات رياضية. ذلك هو المثل الأعلى ~~الذي يحاول العلم تحقيقه في جميع المجالات، فأقصى ما يحلم به العالم هو أن يتمكن ~~من التعبير عن كل ما يحدث في الطبيعة بقوانين ذات صبغة رياضية. # وربما كنا قد أطلنا قليلا في التعقيب على هذه العبارة التي قالها ms108 «فيثاغورس»، ~~ولكننا قد اتخذنا منها أنموذجا يكشف لنا عن طبيعة الإنجاز الذي تحقق على أيدي ~~اليونانيين، ويضع أمامنا المثل الأعلى الذي كان الفكر اليوناني يتطلع إليه. ولا شك ~~أن القارئ قد أدرك - من خلال ما قلناه عن هذا الإنجاز - أن ~~اليونانيين القدماء قد تركوا في التراث العلمي ~~البشري آثارا لا تمحى، وأنهم خطوا أولى الخطوات في ذلك الطريق الذي لم تستكشف ~~البشرية بقية معالمه إلا بعد وقت طويل من انتهاء عهد الحضارة اليونانية القديمة ~~بأسرها. # على أنه إذا كان اليونانيون قد خلفوا للبشرية عناصر أساسية ظلت ملازمة لمفهوم ~~العلم في عصور تقدمه اللاحقة، وإذا كان التفكير العلمي مدينا لهم بأول تحديد دقيق ~~لطبيعة ووظيفة هذا النوع من المعرفة الذي نسميه علما، فإن تصورهم للعلم كان في ~~الوقت ذاته مشوبا بعيوب أساسية ظلت هي الأخرى تكون عائقا هاما في وجه نمو ~~العلم، وربما كانت بعض آثارها الضارة لا تزال ملازمة للعلم - في بعض جوانبه - حتى ~~يومنا هذا. # وبطبيعة الحال، لم يكن اليونانيون أنفسهم على وعي بوجود عناصر صحيحة وعناصر باطلة في ~~تصورهم للعلم، فقد كان هذا التصور في نظرهم متكاملا، يؤلف وحدة واحدة اقتنع بها ~~أصحابها اقتناعا تاما، ولكن التطور اللاحق للعلم قد عمل على تثبيت بعض جوانب هذا ~~التصور، فأصبحت في نظرنا هي الجوانب الإيجابية، على حين أنه سعى إلى التخلص من جوانب ~~أخرى هي التي نعدها سلبية، والحكم ما هو إيجابي أو سلبي يتم في هذه الحالة من خلال ~~وجهة نظر العصور اللاحقة، بعد أن أتيح للإنسان أن يتبين ماذا فعل مضي الزمن في فكرة ~~اليونانين عن العلم، وأي عناصرها استطاع أن يصمد خلال التاريخ، وأيها أثبت أنه عائق ~~ينبغي التغلب عليه. # والواقع أن نفس العناصر التي اكتسب بفضلها العلم اليوناني سماته المميزة، هي التي ~~انقلبت إلى عيوب بسبب تطرف اليونانيين في تأكيدها. فاليونانيون قد أسدوا إلى البشرية ~~خدمة كبرى حين أكدوا أن المعرفة لكي تكون صحيحة يجب أن تنصب على الحقائق النظرية ~~والعامة، ويجب أن ترتكز على براهين ms109 مقنعة، ولكنهم بالغوا في تأكيد هذه الصفات إلى ~~حد ألحق الضرر بتصورهم للعلم، ولم تتمكن الإنسانية من إزالة هذا الضرر إلا بعد ~~مضي وقت طويل جدا كان فيه العلم شبه متوقف، وكان من الممكن استثماره على نحو أفضل ~~بكثير لو لم يكن الجانب السيئ من التصور اليوناني للعلم هو الذي ساد طوال هذه ~~الفترة. # فعندما أكد المفكرون اليونانيون أن هدف العلم هو «النظرية» التي تسير الظواهر ~~وفقا لها، وليس القدرة على استغلال هذه الظواهر والانتفاع بها في المجال التطبيقي، ~~كانوا في الواقع يؤكدون سمة أساسية من سمات العلم، ولكنهم لم يكتفوا بذلك، بل تمسكوا ~~بالتأكيد المضاد؛ وهو أن العلم لا علاقة له بمجال التطبيق، ولا صلة له بالعالم المادي ~~بأكمله، وإنما الواجب أن يكون العلم «عقليا» فحسب. فالمثل الأعلى للعالم - في نظرهم ~~- هو المفكر النظري الذي يستخلص الحقائق كلها بالتأمل النظري، أما محاولة تدعيم ~~هذه الحقائق بمشاهدات أو ملاحظات أو تجارب نجريها على العالم المحيط بنا، فكانت في ~~نظرهم خارجة عن العلم، بل إنها تحط من قدر العلم وتجعله مجرد «ظن» أو تخمين، بل ~~إن أفلاطون - فيلسوف اليونان الأكبر الذي كان في الوقت نفسه ذا إلمام واسع بالرياضيات ~~- قد عاب على أحد علماء الهندسة التجاءه إلى «رسم» أشكال هندسية لإيضاح حقائق هذا ~~العلم، ورأى أن إعطاء علم رفيع كالهندسة صورة محسوسة يمكن رؤيتها بحاسة كالعين، هو ~~إنزال لهذا العلم من مكانته العالية، فيصبح جزءا من عالم الأشياء المرئية والمحسوسة، ~~بينما ينبغي - لكي يظل محتفظا بمكانته - ألا نستخدم فيه التفكير العقلي وحده، فتظل ~~حقائق الهندسة «عقلية» على الدوام. # ويطول بنا الحديث لو حاولنا أن نتتبع مظاهر هذه النظرة العقلية الخالصة إلى العلم، ~~ومدى تطرف اليونانيين في تأكيدها، كما أن المجال لا يتسع للتحدث طويلا عن ~~الأسباب المحتملة لإصرار اليونانيين عليها، وحسبنا أن نقول: إن هذا التأكيد ~~المتطرف للعلم النظري على حساب التطبيق العلمي ربما كان راجعا إلى أحد ~~عاملين: # فمن الممكن أن يكون مرتبطا بنظرة إلى العالم المادي على أنه عالم ms110 ناقص، وإلى ~~العالم الروحي والعقلي على أنه عالم الكمال، وهي نظرة ربما كانت قد تسربت إلى ~~الفكر اليوناني عن طريق معتقدات شرقية قديمة كان لها تأثيرها في كثير من اليونانيين. ~~ومن المعروف أن فيثاغورس نفسه كانت له «طريقة» - أشبه بالطريقة الصوفية - تأثرت ~~طقوسها وشعائرها وتعاليمها بالعقائد الشرقية تأثرا بالغا، كما أن أفلاطون سار في ~~اتجاه مماثل. هذا الازدواج بين عالم رفيع غير مادي وعالم وضيع هو العالم المادي يمكن ~~أن يكون قد انعكس على نظرة اليونانيين إلى العلم، وأدى إلى الاعتقاد بأن العلم الجدير ~~بهذا الاسم هو العلم العقلي، وأن مجرد اقتراب العلم من العالم الطبيعي، ومحاولته حل ~~مشاكله، يقضي على كل ما هو رفيع في هذا العلم. # ومن الممكن أن يكون هذا التطرف في تأكيد العلم العقلي راجعا إلى التقسيم الذي كان ~~سائدا في المجتمع اليوناني - الذي كان مجتمعا يسوده نظام الرق - بين المواطنين ~~الأحرار وبين العبيد؛ ذلك لأن العبيد كانوا هم الذين يقومون بالأعمال الجسمية واليدوية ~~الشاقة؛ أي إنهم هم الذين كانوا يتصلون - في عملهم اليومي - بالعلم المادي، وبذلك ~~كانوا يوفرون لأسيادهم الأحرار الوقت والجهد الذي يسمح لهم بممارسة التفكير والجدل ~~والحوار في المسائل النظرية الخالصة. وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن تنعكس مكانة ~~الإنسان على نوع العمل الذي يمارسه، بحيث يرتبط العالم المادي في أذهانهم بالوضع ~~الاجتماعي المنحط، ويرتبط العالم العقلي بالوضع الاجتماعي الرفيع، وبحيث يؤكدون في ~~النهاية أن الجهد اللائق بالإنسان الكريم والمثل الأعلى الذي ينبغي أن يسعى الإنسان ~~إلى تحقيقه هو التأمل النظري الذي لا تشوبه من المادة شائبة، وأن الاقتراب من ~~العالم المادي فيه حط من كرامة الإنسان. # وعلى أية حال فقد أدى ذلك إلى تجاهل اليونانيين لمبدأ تطبيق العلم في حل ~~المشكلات الفعلية للعالم، وبالرغم من أن تفوقهم الهائل في التفكير النظري - في ~~ميادين الفلسفة والرياضيات وما يتصل بها - يشهد بأن قدراتهم العقلية كانت ممتازة، ~~فإنهم لم يكونوا ميالين أصلا إلى استخدام هذه القدرات لأغراض تطبيقية، فكانت نتيجة ~~ذلك أنهم تركوا للعالم ms111 فكرا نظريا رائعا، ولكنهم لم يتقدموا خطوة تستحق الذكر في ~~الميدان التطبيقي. ولقد عبر عن هذه الحقيقة العالم الإنجليزي الكبير «برنال» حين قال: # إن الروعة العقلية والفنية لليونانيين يمكن أن تبهرنا إلى حد يصعب ~~علينا معه أن نتبين أن تأثير معرفتهم وذكائهم كان مرتبطا بالمظاهر أكثر مما ~~كان مرتبطا بالحقائق العملية والمادية للحياة، فجمال المدن والمعابد ~~والتماثيل والأواني اليوناني، ودقة منطق اليونانيين ورياضتهم وفلسفتهم، تخفي ~~عنا حقيقة أن أسلوب الحياة في معظم شعوب البلاد المتحضرة كان - عند سقوط ~~الإمبراطورية الرومانية - مماثلا إلى حد بعيد لما كان عليه قبل ذلك بألفي ~~عام، عندما انهارت الحضارة البرونزية القديمة (عند المصريين القدماء ~~والبابليين ... إلخ). ولو استثنيا بعض التحسينات الطفيفة في الري وشق الطرق ~~وبعض الأساليب الجديدة في العمارة الضخمة وتخطيط المدن؛ فإن العلم اليوناني ~~لم يطبق إلا على نطاق ضيق، وليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة؛ إذ إن العلم - ~~أولا - لم يكن يلقى اهتماما من المواطنين ميسوري الحال لأي هدف من هذا النوع، ~~بل كان هؤلاء يحتقرون مثل هذه الأهداف - وثانيا - لأن العلم الذي توصلوا ~~إليه كان محدودا ذا طابع كيفي إلى حد يستحيل معه استخدامه على نطاق عملي ~~واسع، حتى لو استقر عزم العلماء على ذلك. # 2 # وهكذا تركت الحضارة اليونانية ~~والرومانية العالم دون أن يتغير كثيرا عما كان عليه في الحضارات السابقة، من حيث ~~الإنجازات العملية والتطبيقية، وإن كان اليونانيون قد هزوا عقل الإنسان هزا عنيفا، ~~وأيقظوا فيه التطلع إلى معرفة القوانين المجردة والأسس النظرية التي بنيت عليها ~~الخبرات المتراكمة منذ القدم، ولم ينجح اليونانيون - برغم امتياز عقولهم - في الجمع ~~بين النظرية والتطبيق، فكان لهم بذلك علم قادر على تغيير عقل الإنسان، دون أن يكون ~~قادرا على تغيير العالم. # وفي وسع القارئ أن يلمح - خلال الحديث السابق عن مبالغة اليونانيين في تأكيد الجانب ~~النظري للعلم - نتيجتين سلبيتين كان من الضروري أن يؤدي إليها هذا الفصل القاطع بين ~~عالم النظرية، الذي هو وحده الجدير باهتمام المفكر اليوناني، وعالم الواقع أو ~~العالم ms112 المادي الذي وضعه الفكر اليوناني في مرتبة دنيا من حيث جدارته بأن يكون ~~موضوعا للبحث العلمي. النتيجة الأولى هي التفرقة بين مراتب العلوم، والثانية هي العجز ~~عن تطبيق النظريات الرياضية على البحث في عالم الطبيعة. فلنتحدث عن كل من هاتين ~~النتيجتين على حدة. # ففي كتابات الفلاسفة اليونانيين نجد ~~تفرقة واضحة بين علوم عليا وعلوم دنيا أو علوم شريفة وعلوم وضيعة، ويكون العلم شريفا ~~كلما كان الموضوع الذي يبحثه أرفع، وكلما كان منهج بحثه أقرب إلى المنهج العقلي ~~الصرف؛ فالفلك مثلا علم رفيع؛ لأنه يبحث في كائنات علوية هي الأفلاك، التي كانت في ~~نظر الحضارات القديمة كلها كائنات سماوية رفيعة لها طبيعة تسمو على الطبيعة الأرضية. ~~والرياضيات علم رفيع؛ لأننا لا نحتاج في ممارستها وتعلمها إلا إلى العقل وحده. ومثل هذه ~~التفرقة بين مراتب العلوم كان من الضروري أن تأتي بنتائج سيئة على تطور التفكير ~~العلمي؛ إذ إنها أدت إلى استبعاد موضوعات عظيمة الأهمية من مجال العلوم الجديرة ~~بالاهتمام؛ فالكيمياء - مثلا - بوصفها علما يبحث في المواد وتفاعلاتها لم يكن من ~~الممكن أن تظهر بين اليونانيين؛ لأن موضوعها غير جدير - في نظرهم - باهتمام ~~العالم، ولأن طريقة بحثها ليست عقلية بحتة، بل تحتاج إلى تعامل مع المادة. ولو تصورنا ~~أن أحدا قد اقترح على اليونانيين البحث في علم كالجيولوجيا؛ لقوبل منهم بسخرية مريرة، ~~إذ إنه يبحث فيما يوجد في باطن الأرض وفي العالم الأدنى، على حين أن العالم لا يليق ~~به إلا البحث في الأمور العليا، ولو تخيلنا أن عالما بالحشرات قد زار اليونان ~~القديمة لما وجد منهم إلا الازدراء؛ لأن الحشرات التي يبحثها كائنات منحطة. وهكذا ~~ألحق الفكر اليوناني ضررا بالغا بمفهوم العلم حين أصر على أن يضع العلوم في مراتب ~~متسلسلة، منها الرفيع ومنها الوضيع، وكان لا بد من جهد كبير لكي يحقق الفكر البشري ~~المساواة بين جميع علومه، ولا يرى أيا منها جديرا بالازدراء. بل إن العلمين ~~«المحتقرين» السابقين يحتلان في عالم اليوم مكانة رفيعة؛ الأول حين يتوصل مثلا إلى ms113 ~~كشف بترولي هام. والثاني حين يهتدي إلى وسيلة تخلص البشرية من آفة مثل دودة القطن أو ~~ديدان البلهارسيا. وإذا كان هناك تسلسل في المراتب بين علوم اليوم، فإن المرء يكاد يشعر ~~بأن الترتيب قد انعكس؛ لأن العلوم التي تبحث في الأشياء المادية - كالطبيعة والكيمياء ~~وعلم الأحياء - هي التي أصبح لها مكان الصدارة، على حين أن العلوم العقلية تجاهد ~~لكي تجد لنفسها مكانا إلى جانب العلوم الطبيعية. # أما النتيجة الثانية فهي أن الحرص على أن تظل العلوم العقلية محتفظة بنقائها، ~~بعيدا عن أدران العالم المادي، قد أدى إلى انفصال العلوم الرياضية عن العلم الرياضي، ~~فنمت الرياضيات على أيدي اليونانيين نموا ملحوظا، ولكنهم لم يحاولوا تطبيقها ~~على مشكلات الطبيعة، واستخدامها أداة للتعبير عن قوانين العالم المادي. وهكذا كان ~~العلم الطبيعي يعاني من الإهمال أولا، ومن الانصراف عن تطبيق الرياضيات في صياغة ~~قوانينه ثانيا. وكانت نتيجة ذلك أن اتسمت نظرة اليونانيين إلى العالم الطبيعي ~~بالتخلف الشديد، وأدى عدم تطبيق الرياضيات (الكمية) عليه إلى سيادة النظرة «الكيفية» ~~إلى الأشياء؛ فحين يتحدثون عن خصائص العناصر الطبيعية يصفونها من خلال «كيفيات» ~~فيقولون: إنها حارة أو باردة، خفيفة أو ثقيلة. أما التعبير «بالأرقام» عن درجة الحرارة ~~أو الوزن فلم يخطر ببالهم؛ لأن الرياضة في نظرهم لها عالمها الرفيع الذي لا ينبغي ~~أن يقترب من عالم الأشياء الأرضية. ولا شك أن هذه النظرة «الكيفية» إلى العلم الطبيعي ~~كانت تعني تخلفا تاما في هذا العلم، فلا غرابة في ألا يبدأ بحث الطبيعة بحثا ~~علميا دقيقا إلا بعد انقضاء عصر الحضارة اليونانية بقرون متعددة. # ولقد سبق أن ذكرنا ضمن المزايا التي اتسم بها العلم اليوناني بحثه عما هو «عام» في ~~الظواهر، وقلنا: إن هذه سمة أساسية في كل علم؛ لأن العلم لا يهتم بالأفراد إلا بقدر ~~ما يمثلون القاعدة أو القانون «العام»، ولكن اليونانيين كانوا مغالين في هذه ~~الصفة بدورها؛ فقد بالغوا في التعميم إلى حد أنهم كانوا يطلقون كثيرا من الأحكام ~~المتسرعة، وتجاهلوا السمات الفردية المميزة للظواهر إلى حد ms114 الاكتفاء بأوسع وأعم ~~صفاتها، أعني تلك الصفات التي لا تفيد كثيرا في تقدم العلم. # وكان من نتيجة ذلك أن الحد الفاصل بين العلم والفلسفة لم يكن موجودا عند ~~اليونانيين، وإنما كان هناك نوع واحد من «المعرفة» قد تختلف وسائله أحيانا، ولكنه ~~يمثل في كل الحالات نشاطا عقليا واحدا . وإذا كانت الفلسفة تجد في هذا التوحيد بينها ~~وبين العلوم أيام اليونانيين مصدرا للفخر والاعتزاز، فتتباهى بأنها «أم العلوم» التي ~~خرج كل علم من حضنها عندما شب عن الطوق، فإن العلم يجد في هذا التوحيد ذاته سببا ~~من أهم أسباب تخلفه؛ إذ إن البحث العلمي شيء والتفكير الفلسفي شيء آخر. وصحيح أن ~~بين الاثنين عناصر مشتركة كالتفكير المنظم والاحتكام إلى المنطق السليم، ولكن ~~الطريقين يفترقان في المنهج وفي الهدف. وكل محاولة للبحث في الموضوعات العلمية ~~بالطريقة الفلسفية لا بد أن تؤدي إلى تأخر العلم، وهكذا فإن العلم يرد على تباهي ~~الفلسفة فيقول: إنه يعترف بأمومتها، ولكنه لا ينسى أن هذه الأم كانت متسلطة على بنيها ~~أكثر مما ينبغي، ولم تعترف باستقلالهم إلا رغما عنها، وفي وقت تأخر حلوله أكثر ~~مما يجب. # وأخيرا فإني أود - قبل أن أختم هذا العرض لسمات التفكير العلمي في العصور القديمة ~~- أن أشير إلى أمرين لهما أهمية خاصة: # أول هذين الأمرين هو أن الصورة التي قدمتها للتفكير القديم - وخاصة عند اليونانيين ~~- لا تتناول سوى الإطار العام وحده، ولو كان المجال يتسع للمعالجة التفصيلية لأمكننا ~~أن نشير إلى وجود حالات للتفكير العلمي اليوناني تخرج عن هذا الإطار الذي أشرنا إليه ~~كما هي الحال في البحوث الطبيعية والبيولوجية ذات الطابع التجريبي عند أبقراط وجالينوس، ~~أو في كشوف أرشميدس في ميدان الفيزياء، أو في ذلك المنهج العلمي الدقيق الذي يقترب ~~كثيرا من المنهج الحديث، الذي كان يتبع في مدرسة الإسكندرية، وهي مدرسة يونانية ~~متأخرة كانت أساليب البحث فيها مغايرة لمعظم ما قلناه عن اليونانيين، ولكننا حرصنا ~~على أن نقدم الصورة المجملة دون خوض في التفاصيل، وعلى أن نعرض للقارئ القاعدة العامة ms115 ~~دون تقديم للاستثناءات، رغم اعترافنا بأن بعضها كان عظيم الأهمية. # والأمر الثاني هو أن القارئ قد يجد في هذا العرض الذي قدمناه للفكر العلمي اليوناني ~~- برغم اكتفائه بالإطار العام دون التفاصيل - شيئا من الإطالة، ولكن هذا أمر متعمد؛ ~~إذ إن من مزايا المرحلة اليونانية أنها تركت طابعها - إيجابا أو سلبا - على كثير من ~~المراحل التالية؛ ومن ثم فإن الاهتمام بتجربة الفكر العلمي عند اليونانيين يفيد في ~~إلقاء الضوء على ما ورثته العصور اللاحقة عنهم من عناصر إيجابية، وما اضطرت إلى ~~مكافحته من عناصر سلبية، فضلا عن أنه يعفينا من إعادة عرض تلك العناصر كلما عادت إلى ~~الظهور في مرحلة تالية؛ فاليونانيون كانوا نقطة انطلاق عظيمة الأهمية، وهم الذين ~~وضعوا جزءا كبيرا من الأساس، ولم يكن في وسع أي عصر تال أن يتجاهلهم، بل كان ~~لا بد أن يذكرهم إما بالمدح وإما بالنقد، ومن هنا كان من الضروري أن تأتي معالجتنا لهذه ~~المرحلة الأساسية مسهبة نسبيا إذا قسناها بغيرها من المراحل. ~~(2) العصور الوسطى # لا بد لنا - عند معالجة معنى العلم في العصور الوسطى - من أن نفرق بين العصور ~~الوسطى في أوروبا والعصور الوسطى في العالم الإسلامي؛ ففي تلك الفترة الزمنية الواحدة ~~كان هناك تفاوت هائل في مستوى العلم بين هاتين المنطقتين من العالم، وعلى حين أن العلم ~~الأوروبي هبط إلى الحضيض في هذه الفترة، فإن العلم الإسلامي وصل إلى قمته خلالها، وكان ~~هو مركز الإشعاع في العالم كله. وكما نعلم جميعا فإن لفظ «العصور الوسطى» يرتبط في ذهن ~~الأوروبيين بالتخلف والرجعية والتعصب والركود الفكري، على حين أنه يرتبط في أذهاننا ~~بالمجد الغابر الذي نتغنى به ونحاول - دون جدوى في معظم الأحيان - أن نستعيد قدرا ~~منه. ومن هنا فسوف نتحدث عن كل من هاتين الحضارتين الأوروبية والإسلامية على ~~حدة. # كانت مرحلة العصور الوسطى في أوروبا طويلة الإشعاع حد غير عادي، وإذا كان ~~المؤرخون يختلفون في تحديد نقطة نهايتها، فإن الرأي المرجح بينهم هو أنها تمتد من ~~القرن الثالث الميلادي حتى القرن الرابع ms116 عشر، وطوال الألف ومائتي سنة التي دامتها هذه ~~المرحلة لم يحرز العلم تقدما حاسما في أي مجال، ولم يظهر تغيير جديد في مفهوم ~~العلم، بل لقد احتفظت هذه العصور بأسوأ عناصر المفهوم اليوناني للعلم، وعملت على ~~تجميدها وتحويلها الإشعاع ما يشبه العقيدة التي لا تناقش. # ففي مجال المنهج العلمي كان أسلوب «الخضوع للسلطة» # 3 # هو الشائع في طريقة التفكير في هذه العصور؛ فقد ساد الاعتقاد بأن العلم بلغ ~~قمته العليا عند أرسطو، وبأن ما قاله هو الكلمة الأخيرة في أي ميدان من ميادين العلم، ~~وحدث تحالف وثيق بين معتقدات الكنيسة المسيحية وتعاليم أرسطو الفلسفية، بالرغم من أن ~~هذه التعاليم الأخيرة قد ظهرت في إطار وثني، فكان من نتيجة هذا التحالف أن اكتسبت آراء ~~أرسطو ما يشبه القداسة الدينية، وأصبح الاعتراض عليها نوعا من التجديف والضلال، ولم ~~يكن العلم في صميمه إلا ترديدا لهذه الآراء، أما النقد والتجديد فكان يعرض صاحبه ~~لأشد الأخطار. # أما أسلوب التفكير فكان هو الجدل اللفظي المقيم، وكان ذلك أمرا طبيعيا في عصر ~~تستمد فيه عناصر المعرفة من الكتب القديمة لا من الطبيعة ذاتها، فقد برع مفكرو ذلك ~~العصر في إقامة الحجج والبراهين اللفظية الخالصة، وتلاعبوا بالاستدلالات الشكلية ~~والمغالطات التي تتخذ في ظاهرها صبغة منطقية، ولكنهم لم يتوصلوا إلى أي منهج في ~~البحث يعين على معرفة مباشرة؛ فالألفاظ كانت عندهم حاجزا يحجب الواقع، والاستدلال ~~الوحيد المعروف عندهم وهو قياس الجديد على القديم، أي على ما هو معروف من قبل، ومن هنا ~~فإن كتبهم كانت كلها دعما لمعارف قديمة. أما الكشف الجديد فلم يكن من المتوقع أن ~~يسعى إليه عصر يؤمن بأن المعرفة كلها قد اكتملت في عصر من العصور الماضية. # ولعل هذا الاهتمام المفرط بالحجج اللفظية الخالصة، والاعتقاد بأنك إذا استطعت أن ~~تثبت «بالكلام البحت» شيئا، فلا بد أن يكون هذا الشيء متحققا. أقول: لعل هذا ~~أن يكون سمة من السمات المميزة لمنهج الفكر في كل عصر متدهور، وكلنا نعلم أن الإغراق ~~في الجدل اللفظي الأجوف، والاستعاضة ms117 عن الإنجاز الفعلي بالبلاغة اللفظية الرنانة، ~~والاعتقاد بأن التعبير الكلامي عن أمنياتنا، وتصويرها كما لو كانت قد تحققت بالفعل، ~~يغني عن بذل الجهد والكفاح من أجل تحقيق هذه الأمنيات في عالم الواقع. كلنا نعلم أن ~~هذه صفات ملازمة لفكرنا العربي في مرحلة انحطاطه، وما زالت آثارها في طريقة تفكيرنا حتى ~~اليوم، ومن المؤكد أن استمرار هذه الصفة فينا معناه أننا لم نتمكن بعد من أن ~~نتجاوز - إلى غير رجعة - مرحلة العصور الوسطى - بالمعنى السيئ لهذا التعبير - في ~~تفكيرنا. # أما من حيث مضمون الفكر العلمي في العصور الوسطى الأوروبية، فيلاحظ عليه - بوجه عام ~~- أنه لم يكن معنيا بتلك العلوم التي تركز اهتمامها على فهم العالم من أجل تغييره ~~والسيطرة عليه. ولقد كان هذا أمرا طبيعيا في عصر كان ينظر فيه إلى الحياة الدنيا ~~بأسرها على أنها مرحلة عارضة زائلة، ولم تكن هذه النظرة تخلو من النفاق، إذ كان من ~~المعروف أن أقطاب الكنيسة الأوروبية كانوا يستمتعون بحياتهم إلى أقصى حد، في الوقت ~~الذي كانوا فيه يدعون عامة الناس إلى الزهد والعزوف عن متع الحياة. وعلى أية حال فإن ~~سيادة هذه العقلية الزاهدة من شأنه أن يقلل من أهمية العلوم الباحثة في الطبيعة، ~~وربما ترك قدرا من الاهتمام بالدراسات الأدبية واللغوية الخالصة، ولكن أعظم جهوده ~~كانت موجهة إلى علم اللاهوت. # وهكذا كانت كتابات أرسطو كافية - في نظرهم - لتقديم تفسير كامل للطبيعة والعالم ~~المحسوس بأسره، وكان العالم كله يفهم من خلال معان كيفية ذات أصل فلسفي بحت؛ كأن ~~يقال مثلا: إن هذا الشيء موجود بالفعل أو بالقوة، أو أنه مادة أو صورة، وهذه المادة ~~حارة أو باردة، ثقيلة أو خفيفة، دون أية محاولة لتطبيق الرياضيات - التي كانت قد ~~أحرزت في العصر اليوناني تقدما كبيرا - على طريقة فهمنا للظواهر الطبيعية من أجل فهم ~~قوانينها الكامنة. # ولقد كان التحالف بين العلم القديم وبين تعاليم الكنيسة مؤديا إلى تكوين صورة ~~للعالم كله تمتزج فيها تصورات القدماء مع تفسيرات رجال اللاهوت، وكان أول ما يحرص ~~عليه هؤلاء ms118 الأخيرون هو إدخال العناصر الدينية (كما كانوا يفهمونها) في فكرة الناس عن ~~العالم. ومن هنا لم يكن من غير المألوف أن تجد في كتاب علمي صرف حديثا عن عناصر ~~الطبيعة وعن عالم الملائكة والجن في آن واحد، وكان من الطبيعي أن يصور الكون بصورة ~~ترضي رغبة الإنسان في أن يجد حوله عالما متاطفا معه، متجاوبا مع رغباته، محققا ~~للقيم التي يتوق إليها. ولم يكن من غير المألوف أن يختلف بحث الإنسان عن حقائق الأشياء ~~برغبته في أن يراها جميلة متناسقة متجاوبة مع ذوقه ومزاجه، فكان يغير من نظرته إلى ~~العالم بالطريقة التي تحقق له هذه الرغبة، ويخلق بين السعي إلى الحقيقة والبحث عن ~~التناسق والانسجام، ولا يجد غضاضة في أن يؤكد أن النجوم تسير في مسارات دائرية، لا ~~لأنه رصد حركاتها وتأكد من ذلك، بل لأنه يؤمن بأن النجوم كائنات ذات طبيعة أثرية شبه ~~إلهية، ومثل هذه الكائنات التي تتصف بكل هذا الكمال لا بد أن تسير وفقا لأكمل ~~الأشكال وهو الدائرة. كما كان يتمسك في تفسيره للظواهر الأرضية والسماوية بأعداد ~~معينة أحاطتها عقول الناس بقداسة خاصة منذ أقدم العصور، كالعدد عشرة أو سبعة، بغض ~~النظر تماما عما تشهد به التجارب الفعلية بشأن هذه الظواهر. # ومجمل القول: إن العلم في العصور الوسطى الأوروبية قد تمسك بأضعف العناصر في ~~التراث القديم؛ اليوناني والروماني، وأضاف إليها ذلك الجمود والتعصب الذي كانت تتطلبه ~~كنيسة متسلطة لا تريد معارضة أو تجديدا. ومن الجائز أنه كانت هناك - تحت هذا السطح ~~الخارجي - تيارات أخرى خفية ظلت تتراكم حتى خرج تأثيرها إلى النور في عصر النهضة ~~الأوروبية، وهذا بالفعل ما يقول به بعض مؤرخي العلم، الذين يرفضون الاعتراف بأن ~~الإنسان الأوروبي ظل متجمدا طوال ما يزيد عن الألف عام، ويؤكدون أن عوامل التغير ~~كانت موجودة، وكل ما في الأمر أنها كانت بطيئة، تعمل في الخفاء، وأن أديرة الرهبان ~~ذاتها قد شهدت تراكما في المعرفة العلمية ظهر تأثيره بوضوح في تلك النهضة السريعة التي ~~حققتها أوروبا في مطلع ms119 العصر الحديث، وربما كان هذا الرأي على قدر من الصواب؛ إذ إن ~~من الصعب أن نفسر سرعة التقدم الذي طرأ على العلم الأوروبي في القرن السابع عشر، والذي ~~نقل أوروبا من التفكير في عالم أرسطو الذي لا يتحرك إلا لأنه يعشق «المحرك الأول»، ~~إلى عالم نيوتن الذي يسوده قانون طبيعي واحد هو قانون الجاذبية الكونية. من الصعب أن ~~نفسر ذلك إلا إذا قلنا بأن عوامل أخرى قد مهدت له، بالرغم من أن تأثيرها لم يكن في ~~البداية ظاهرا. # على أن هذه العوامل المتراكمة لم تكن مجرد تطور ذاتي داخلي للمعرفة العلمية في ~~أوروبا خلال العصر الوسيط، فهذه المعرفة - مهما تطورت - لم تكن تبشر بنتائج ذات ~~قيمة كبيرة، وإنما كان هؤلاء العلماء في حاجة إلى دفعة قوية تأتيهم من مصدر خارجي؛ لكي ~~تنير الطريق، وتكشف لهم عن أفضل السبل المتاحة للبحث العلمي في ذلك الحين، وقد تحقق ~~ذلك بفضل تأثر الحلم الأوروبي بالعلم الإسلامي الذي كان يحتل المرتبة العليا في ذلك ~~العصر. # كانت صورة العلم في العصور الوسطى الإسلامية مختلفة عن صورة الركود والجمود الأوروبي ~~كل الاختلاف؛ ففي العالم الإسلامي كانت هناك حضارة فتية نشطة، تتسم بالإيجابية ~~والتوسع والانفتاح على العالم، وتوائم نفسها مع هذا العالم المتغير الذي وجدت نفسها ~~تتعامل معه، وكان ميدان العلم من أهم الميادين التي حققت فيه هذه الحضارة الوليدة ~~أعظم أمجادها. # ولقد كان التقدم العلمي الذي عرفته ~~الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها مثلا رائعا من أمثلة التفاعل الخصب بين الحضارات؛ ~~فنقطة البداية في هذا العلم كانت ذلك التفتح الفكري الذي ألهم خلفاء المسلمين - في ~~العصر العباسي بوجه خاص - وأن ينقلوا كل ما أتيح لهم من علوم القدماء وفلسفاتهم في ~~ترجمات أمينة تعد من أروع الأعمال التي تحققت حتى ذلك العصر بالمقاييس الأكاديمية ~~الخالصة؛ وذلك إذا أخذنا في اعتبارنا أن اللغة العربية لم تكن حتى ذلك الحين قد ~~كونت لنفسها مصطلحات علمية تكفي للتعبير عن كل ما خلفه القدماء من معارف. وهكذا ~~عرف المسلمون علوم اليونان والفرس ms120 والهنود، ولم يترددوا في استخدام كل الذخيرة الضخمة ~~من المعلومات العلمية التي كدستها البشرية حتى ذلك الحين؛ من أجل تلبية حاجات ~~المجتمع الإسلامي الذي كان ينمو ويزداد تعقدا يوما بعد يوم. # ولقد أسهم في هذه الحركة العلمية النشيطة علماء من أصل عربي وآخرون ينتمون إلى مختلف ~~البلاد التي أصبحت تدين بالإسلام، ولكن الجميع كانوا يكتبون ويفكرون بالعربية، ~~وكان الجو الذي يشيع في كتاباتهم إسلاميا بحتا، وكانوا ينظرون إلى أنفسهم - مهما ~~بعدت بلادهم في أقصى أطراف آسيا الوسطى أو الأندلس - على أنهم ينتمون قلبا وروحا إلى ~~تلك الحضارة التي انبعثت إشعاعاتها الأولى من قلب الجزيرة العربية. # ولقد رأى كثير من الكتاب الغربيين في ~~العلم الإسلامي مجرد امتداد للعلم اليوناني، وأكدوا أن كل ما قام به المسلمون في مجال ~~العلم كان يدور في ذلك الإطار الذي حدده اليونانيون قبيل ذلك بفترة لا تقل عن ألف ~~عام، وأراد غير هؤلاء أن يكونوا أكثر إنصافا، فأكدوا أن التفكير العلمي الإسلامي - وإن ~~ظل في إطاره العام يونانيا - قد أعاد النظر في التراث العلمي اليوناني من جديد، ~~وبحث فيه بروح تقدمية فيها قدر من الاستقلال، ولكن المهم في كلتا الحالتين هو أن ~~العلماء المسلمين - وفقا لرأي هؤلاء الكتاب - لم يخرجوا عن فلك التفكير العلمي ~~اليوناني. # وقد يبدو ظاهريا أن لهؤلاء الكتاب بعض العذر في التقريب بين العلم الإسلامي ~~وتراث اليونانيين؛ إذ إن الأسماء اليونانية - مثل أرسطو وأبقراط وجالينوس - كانت ~~تتردد كثيرا في المؤلفات العلمية الإسلامية، كما أن الإطار الفكري لهذه المؤلفات ~~كان يحتفظ بقدر غير قليل من مفهوم العلم عند اليونانيين؛ إذ نجد عند فلاسفة الإسلام ~~نظرة متدرجة إلى العلوم، تعلي من قدر العلم النظري البحت وتقلل من شأن العلم ~~التطبيقي، وتجعل مكانة أي علم مرتبطة بمكانة الموضوع الذي يبحث فيه. ولكن كتابات ~~الفلاسفة كانت تسير في طريق وممارسة العلماء كانت تسير في طريق آخر مختلف كل ~~الاختلاف؛ إذ إن الاهتمام بالعلم التجريبي وباستخدام البحث العلمي من أجل فهم قوانين ~~الطبيعة المحيطة بنا، كان هو الهدف ms121 الرئيسي من أعمال علماء مشهورين مثل جابر بن حيان في ~~الكيمياء، والحسن بن الهيثم في البصريات (علم الضوء)، والبيروني في الفلك والرياضيات، ~~والرازي وابن سيناء وابن النفيس في الطب، ومن الصعب - إذا كان المرء منصفا - أن ~~يصدق الحكم القائل بأن الإطار الذي كان يدور فيه هؤلاء العلماء الكبار كان إطارا ~~يونانيا صرفا، وأنهم لم يضيفوا إلى الحضارة الإنسانية إضافات أصيلة تنبع من طبيعة ~~البيئة الثقافية التي عاشوا فيها. # وعلى أية حال، فإن الاعتراف يزداد الآن - بين مؤرخي العلم الغربيين أنفسهم - بأن ~~العلم الإسلامي لم يكن مجرد جسر عبر عليه العلم اليوناني لكي ينتقل إلى أوروبا الحديثة، ~~أعني مجرد أداة توصيل بين الحضارة الأوروبية القديمة والحضارة الأوروبية الحديثة. وكما ~~حدث في حالة العلاقة بين اليونانيين - في مبدأ ظهور علمهم وفكرهم الفلسفي - وبين ~~الحضارات الشرقية السابقة عليهم، حين أخذ الغربيون يتنبهون في الآونة الأخيرة على ~~نحو متزايد إلى أن اليونانيين مدينون للشرق القديم بأكثر مما كانوا يظنون من قبل، ~~فكذلك حدث في حالة العلاقة بين العلم الإسلامي والعلم اليوناني أن بدأ مؤرخو العلم ~~الغربيون يدركون على نحو متزايد أهمية الإضافة التي أضافها المسلمون إلى العلوم التي ~~ورثوها عن الحضارات السابقة عليهم؛ أي إنهم في الحالتين أصبحوا أكثر واقعية وأقل ~~مبالغة في تقدير دور «المعجزة اليونانية»، وأميل إلى الاعتراف للشعوب الشرقية ~~بحقها في أن تفخر بالدور الذي أسهمت به من أجل دفع عجلة العلم إلى الأمام. # والواقع أن أعظم ما يمكن أن يفخر به ~~العلم الإسلامي - في عصر ازدهاره - هو أنه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدا ~~لم يكن يلقى اهتماما بين اليونانيين، وهو استخدام العلم من أجل كشف أسرار العالم ~~الطبيعي وتمكين الإنسان من السيطرة عليه؛ فقد عرف اليونانيون الرياضيات وتفوقوا فيها، ~~ولكنهم لم يعرفوا كيف يستخدمونها لحل المشكلات الواقعية التي تواجه الإنسان. وفي ~~مقابل ذلك كان المسلمون بارعين في استخدام الأرقام ووضع أسس علم الحساب الذي يمكن ~~تطبيقه في حياة الناس اليومية، وكان اختراعهم للجبر، وتفوقهم في الهندسة التحليلية ~~وابتكارهم ms122 لحساب المثلثات، إيذانا بعصر جديد تستخدم فيه الرياضة للتعبير عن قوانين ~~العالم الطبيعي، وتطبق فيه مبادئها من أجل حل مشكلات المساحة الأرضية، وحساب ~~المواقيت وصناعة الأجهزة الآلية. وكذلك كانت كشوفهم الفلكية مرشدا هاما للملاحين ~~والجغرافيين، وساعدت على فهم أفضل للعالم الذي نعيش فيه، أما بحوثهم الطبية والصيدلانية ~~فكانت ذات دلالة تطبيقية لا تخطئها العين. # ولقد كان هذا الاتجاه الذي يجمع بين النظرية والتطبيق أمرا طبيعيا في حضارة قامت ~~على أساس الجمع بين الدنيا والدين، وارتكزت على شعار: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، ~~واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.» وبالفعل كان العلم الإسلامي ينطوي على جانبي الدنيوية ~~والأزلية في آن واحد، ويستهدف خدمة الحياة الإنسانية في هذا العالم الأرضي في إطار ~~ترتكز أصوله على النظر في عالم السماء والأرض واستخلاص العبرة من نظامه المحكم ~~وقوانينه الأزلية. وهكذا كان العلماء يقومون ببحوثهم مؤمنين بأن العلم ركن أساسي من ~~أركان العقيدة، ولم تكن فكرة التعارض بين العلم والإيمان الديني تخطر ببال أحد ~~منهم، بل إن كل من أثاروا هذه الفكرة لم يكونوا من العلماء، ولم تكن لديهم أدنى فكرة ~~عن الطبيعة الحقيقية للبحث العلمي وعن أهدافه الإنسانية الرفيعة. # ومن المعترف به أن العلم الإسلامي قد احتفظ ببعض العناصر السلبية التي ترجع إلى ~~اليونانيين؛ ففكرة «الأمزجة» التي أكدتها كتابات الأطباء اليونانيين ظلت قائمة في ~~الطب الإسلامي، وسلم بها ابن سينا في كتابه المشهور «القانون». كذلك كانت فكرة ~~«العناصر الأربعة» (الماء والهواء والنار والتراب) - الموروثة عن الفلاسفة اليونانيين ~~الأوائل - تتردد كثيرا في كتابات العلماء الإسلاميين، وترتب على ذلك ضياع وقت وجهد ~~غير قليلين في أبحاث علمية تعد عقيمة بمقاييسنا الحديثة؛ كالتنجيم وقراءة الطالع، ~~وكالبحث عن «حجر الفلاسفة» وتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. ولكن ينبغي أن نعلم أن ~~الحكم بإدانة هذا النوع من الأبحاث هو حكم صادر من وجهة نظر حديثة؛ فنحن نصف هذه ~~الأبحاث الآن بأنها غير علمية لأن التطور التالي للعلم - في عصرنا الحديث - قد ~~تجاوزها، أما من وجهة نظر العصر نفسه فلم يكن هناك ms123 حد فاصل بين هذه الأبحاث العقيمة ~~والأبحاث العلمية الأخرى ذات النتائج الإيجابية؛ ولذلك فمن الصعب أن نعد هذا خطأ ~~ندين من أجله العلم الإسلامي، وحسبنا أن نذكر أن العلم الأوروبي ظل حتى القرن ~~السابع عشر - وربما حتى القرن الثامن عشر في بعض الحالات - يحتفظ بآثار من هذه الأخطاء ~~القديمة ، وأن كبار علماء العصر الحديث - وعلى رأسهم كبلر - كانوا يمارسون التنجيم، ~~ولم يكونوا يجدون أي تعارض بين أبحاثهم الفلكية الأصلية وقراءتهم طالع الملوك ~~والأمراء من رصد النجوم. أما فكرة العناصر الأربعة فقد ظلت معترفا بها في أوروبا ~~حتى القرن الثامن عشر، ولم تهدم إلا على يد الكيميائي الفرنسي المشهور ~~«لافوازييه». # تلك إذن أخطاء ينبغي ألا تحسب على العلم الإسلامي، وفي مقابل ذلك فقد كانت لهذا ~~العلم إنجازات تعلمت أوروبا منها الشيء الكثير؛ فقد وضحت على يد العلماء الإسلاميين ~~أصول المنهج التجريبي بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة دائبة، ومن تسجيل منظم لهذه ~~الملاحظات، ثم وضع الفروض لتفسيرها وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض، وكان ~~الطب الإسلامي نموذجا اقتدى به الأطباء الأوروبيون في دقة الملاحظة ووصف الأعراض ~~وتشخيصها وعلاجها بالعقاقير أو بالجراحة أو بممارسة العلاج الطبيعي، كما كان أول أمثلة ~~المستشفيات - بمعناها الحديث - هو «البيمارستان» الإسلامي، بل بدأ لديهم الاهتمام ~~بالطب النفسي والعلاقة المتبادلة بين الجسم والنفس في بعض الأمراض. وما الطب إلا مثل ~~واحد من أمثلة هذه العقلية المتقدمة التي أزالت الحد الفاصل بين النظرية والتطبيق، ~~وجمعت في مركب واحد بين التأمل العقلي والفعل العملي، وأعطت بذلك للإنسانية عامة ~~وللحضارة الأوروبية الحديثة بوجه خاص درسا رائعا في منهج البحث العلمي ~~الأصيل. # هذا العلم الإسلامي - الذي ارتكز على دعائم قوية من المنهج التجريبي ومن الحقائق ~~الرياضية الدقيقة - كان واحدا من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور النهضة الأوروبية ~~الحديثة؛ فمنذ القرن الثاني عشر الميلادي أخذت المؤلفات العربية الكبرى تترجم على ~~نطاق واسع إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم في أوروبا خلال العصر الوسيط، ولم يكن من ~~المصادفات أن ينظر عدد غير قليل من ms124 الباحثين الأوروبيين إلى هذا القرن بالذات على ~~أنه نقطة البداية الحقيقية في النهضة الأوروبية، أو نقطة التحول من العصور الوسطى ~~المظلمة إلى المرحلة الممهدة لظهور العصر الحديث. ولم يكن من المصادفات أيضا أن ~~تكون الجامعات ومعاهد العلم الأوروبية القريبة جغرافيا من مراكز الثقافة العربية - في ~~جنوب إيطاليا وصقلية وفرنسا - هي مراكز الإشعاع الأولى لهذه النهضة، وكما ذكرنا من قبل ~~فقد شاع في وقت ما بين الكتاب الغربيين حكم جائر مؤداه أن المرحلة الإسلامية في ~~العلم إنما كانت همزة وصل بين الحضارة اليونانية والحضارة الأوروبية الحديثة، وأن فضل ~~العلماء المسلمين ينحصر في المحافظة على التراث العلمي القديم ونقله بأمانة إلى ~~أوروبا لتبدأ به نهضتها الحديثة، على أن هذا الحكم لا يلقى في أيامنا هذه تأييدا حتى ~~من الكتاب الأوروبيين أنفسهم، ولعله كان أثرا من آثار نعرة ~~العنصرية الأوروبية المتعالية في القرن ~~التاسع عشر؛ ذلك لأن إسهام العلم الإسلامي كان جديدا من نواح كثيرة، وكان أهم ما فيه ~~هو ذلك التجديد الرائع في مناهج البحث العلمي وأساليبه. وذلك الفهم واسع الأفق للعلم ~~على أنه معرفة نظرية تستهدف أغراضا عملية تطبيقية، وهي أمور لم تكن واضحة في العلم ~~اليوناني القديم إلا خلال فترة قصيرة من عمره هي تلك الفترة التي انتقل فيها ذلك العلم ~~إلى الإسكندرية، ولكن تأثير هذه الفترة كان ضئيلا؛ لأن التقدم العلمي فيها كان ~~مصحوبا بتدهور عام في الحضارة اليونانية بأسرها. وهكذا كان للعصر الإسلامي دوره الذي ~~لا ينكر في إضافة معان جديدة إلى مفهوم العلم ذاته. # ولا شك أن القارئ العربي والإسلامي المعاصر حين يذكر هذه الحقائق، يشعر بالأسى إذ ~~يجد تلك النهضة العلمية التي قام بها أجداده قد توقفت منذ قرون عديدة، مع أنها لو ~~كانت قد استكملت لكانت هذه المنطقة من العالم رائدة في ميدان العلم الحديث، وقد ~~يعلل المرء ذلك بالانحلال الداخلي الاجتماعي والسياسي، الذي طرأ على العالم الإسلامي ~~بعد عصره الذهبي في العلم والحضارة، وقد يعلله بأسباب خارجية، كالغزو التركي ثم ~~الأطماع الأوروبية في هذه ms125 المنطقة الحيوية. وأيا كان السبب في التدهور اللاحق، فإن ~~من أبرز مظاهر هذا التدهور أن العالم العربي قد أغلق على نفسه الأبواب في عصور ~~انحلاله وتصور أنه يستطيع الاكتفاء بذكرى أمجاده الماضية، ونسي ذلك الدرس العظيم ~~الذي قدمته له الحضارة الإسلامية وهي في أوج عظمتها، وأعني به أن التفاعل بين ~~الثقافات هو الدافع الأول إلى تقدم العقل البشري، فلم يخجل المسلمون في عصرهم الذهبي ~~من استيعاب علوم الثقافات الأخرى الأقدم منهم عهدا، بل كان في ذلك نقطة انطلاق لهم إلى ~~فهم العالم، ولم يخجل الأوروبيون من ترجمة أمهات الكتب الإسلامية وتدريسها - بوصفها ~~كتبا مقررة - في أعظم جامعاتهم خلال مطلع العصر الحديث. والأهم من ذلك أن نفس العقول ~~المتزمتة التي تدعونا إلى الابتعاد عن الثقافات «الدخيلة» في عصرنا الحاضر لا تجد في ~~مسلك الأوروبي إزاء العلم الإسلامي ما يعيبهم، ولا تعير الغرب بأنه قد تنكر ~~لتراثه أو لأصوله، وانسلخ عن هويته الأصلية عندما اغترف بكلتا يديه من علوم المسلمين، ~~فهي إذن تعترف بقيمة تفاعل الثقافات عندما نكون نحن الذين نعطي، وتنكرها حين نكون ~~نحن الآخذين، مع أن هذا التفاعل واحد في كلتا الحالتين، وهو مصدر نفع للبشرية أينما ~~حدث. ~~(3) العصر الحديث # تضافرت عوامل متعددة أدت إلى الانتقال بأوروبا من أسلوب التفكير السائد في العصور ~~الوسطى إلى أسلوب التفكير العلمي الحديث، وكان بعض هذه العوامل داخليا، يتعلق ببناء ~~المجتمع الأوروبي ذاته، وبعضه الآخر خارجيا، كالتأثير الإيجابي الذي مارسته الحضارة ~~الإسلامية على العقل الأوروبي، وليس من مهمتنا في هذا الكتاب أن نتحدث عن هذه ~~العوامل إجمالا أو تفصيلا، بل إن ما يهمنا هو حصيلتها النهائية؛ وأعني بها التغيير ~~الذي طرأ على مفهوم العلم ذاته، أعني العناصر التي أسقطها العصر الحديث من مفهوم العلم ~~في العصور السابقة، وتلك التي أضافها إلى هذا المفهوم. # ومن الأمور التي تسترعي انتباه الباحث ~~في هذه الفترة أن المفهوم الحديث للعلم لم يتشكل على أيدي العلماء وحدهم، بل لقد أسهم ~~فيه الفلاسفة بدور عظيم الأهمية، ولعل القول بأن الفلسفة ms126 مرآة للعصر لا يصدق على أية ~~فترة بقدر ما يصدق على هذا العصر الأول من عصور العلم الأوروبي الحديث؛ إذ كانت ~~لفلاسفة ذلك العصر رؤية واضحة تمام الوضوح لمتطلبات العلم، وكانت بصيرتهم النفاذة ~~تدرك ما يحتاج إليه العقل البشري من مناهج للبحث وطرق للتفكير حتى ينتقل إلى عصر ~~جديد . # ومن الغريب حقا أنه في نفس الوقت الذي كان فيه فلاسفة ذلك العصر يدعون إلى قيام ~~نوع جديد من العلم، كان العلم ذاته يخطو خطواته الحاسمة بعيدا عن الفلسفة، وقد تبدو ~~في هذا مفارقة صارخة، إذ يخيل إلينا لأول وهلة أن تحمس الفلاسفة للعلم كان ~~لا بد أن يؤدي إلى مزيد من التحالف والتداخل بين الفلسفة والعلم، ولكن حقيقة الأمر ~~هي أن عملية انفصال العلم عن الفلسفة لم تكن في بدايتها عملية واعية؛ فقد ظهر نوع جديد ~~من المعرفة، يستخدم أساليب فكرية مختلفة عن تلك التي دأبت الفلسفة على استخدامها حتى ~~ذلك الحين، ولكن هذا النوع - برغم تميزه الواضح هذا - كان لا يزال يسمى «فلسفة»؛ ~~إذ إن الكثير من علماء ذلك العصر - ومنهم نيوتن ذاته - أطلقوا اسم «الفلسفة ~~التجريبية» أو «الفلسفة الطبيعية» على عناوين أبحاثهم الرئيسية، ولكن المهم في الأثر ~~أن التميز بين طريقتي البحث الفلسفية والعلمية أصبح ظاهرا للعيان، وأن فئة ~~«العلماء» - المستقلين عن الفلاسفة في تفكيرهم استقلالا تاما - أصبحت فئة معروفة، ~~يزداد نفوذها يوما بعد يوم، ولم يكن الفلاسفة أنفسهم يقفون حائلا في وجه هذا ~~الاستقلال، بل كانوا يشجعون عليه، وينظرون إلى أنفسهم على أنهم دعاة مخلصون للعلم، ~~وكان ذلك وضعا جديدا للعلاقة بين الفيلسوف والعالم لم تعرفه العصور السابقة؛ إذ أصبح ~~الفيلسوف ينظر إلى نفسه، لا على أنه هو ذاته الذي يأخذ على عاتقه مهمة توسيع نطاق ~~المعرفة البشرية في كافة المجالات ودفعها إلى الأمام، بل على أنه هو الذي يضع «الأساس» ~~الفكري للعمل الذي يقوم به أشخاص آخرون مستقلون عنه؛ أي إنه ليس هو «خالق» المعرفة بل ~~هو «منظرها» فحسب. # ولقد كان الفيلسوف الإنجليزي الكبير ~~«فرانسيس بيكون» ms127 # Francis Bacon # أعظم دعاة هذه ~~النظرة الجديدة التي يستقل فيها العلم عن الفلسفة استقلالا تاما؛ فهو يسخر من ~~ادعاءات فلاسفة العصور القديمة والوسطى الذين كانوا يتصورون أن باستطاعتهم حل ~~مشكلات العالم الكبرى بالتأمل النظري وحده، ويهاجم مفكري الأبراج العاجية الذين ~~يعتقدون أنهم قادرون على فهم الطبيعة وما وراء الطبيعة باستخدام مجموعة من الاستدلالات ~~اللفظية التي يتلاعبون بها ببراعة، ويظنون أن ما توصلهم إليه هذه الألاعيب اللفظية ~~لا بد أن يكون حقيقة واقعة. وفي مقابل ذلك يدعونا بيكون إلى إجراء حوار مباشر مع ~~الطبيعة، واستخدام حواسنا وعقولنا في ملاحظة وقائعها وتسجيلها بأمانة، وينادي بضرورة ~~إزالة هذا الحاجز اللفظي الخداع الذي وضعه القدماء بيننا وبين حقائق العالم، ~~ويؤكد أن المعرفة الصحيحة إنما تكون في طرح الأسئلة المباشرة على الطبيعة، بدلا من ~~التقوقع داخل عالم الألفاظ. وهكذا حدد بيكون سمة من أهم سمات التفكير العلمي ~~الحديث؛ وهي الاعتماد على ملاحظة الظواهر ومشاهدتها تجريبيا، بدلا من الاكتفاء ~~«بالكلام» عنها. # ومن السمات الأخرى التي أكد بيكون ~~أهميتها في كل تفكير علمي، أن هذا التفكير لا يسارع إلى التعميم، كما كانت تفعل ~~الفلسفات القديمة، ولا ينساق وراء الطموح الزائد الذي يصور لكل فيلسوف أنه قادر ~~على تقديم إجابات عن الأسئلة الكبرى ذات الطابع العام؛ مثل أصل العالم ومصيره وغاياته ... ~~إلخ. بل إن التفكير العلمي - في رأيه - أشد تواضعا من ذلك بكثير؛ فهو يضع لنفسه ~~أهدافا محدودة، وينتقل بثقة من حقيقة جزئية إلى حقيقة جزئية أخرى، ولا يعمم نتائج ~~أبحاثه إلا بحذر شديد، وبقدر ما تسمح الحقائق الموجودة فحسب، ومن مجموع هذه الحقائق ~~الجزئية يعلو بناء المعرفة بالتدريج على أيدي الأعداد الكبيرة من العلماء، الذين ~~يتقاسمون فيما بينهم - خلال الجيل الواحد - المشكلات المطلوب حلها، والذين يبدأ كل جيل ~~جديد منهم من حيث انتهى الجيل السابق، وتلك كلها قد تبدو اليوم - في عصرنا الذي أصبح ~~فيه التخصص أساسا للعمل العلمي - بديهيات مسلما بها، ولكنها في عصر بيكون كانت ~~شيئا جديدا بالقياس إلى أساليب الفلاسفة السابقين، الذين كان كل ms128 واحد منهم يتصور ~~أنه يحتكر لنفسه الحقيقة كاملة، ويعتقد أن المعرفة البشرية كلها يمكن أن تتكشف لعقل ~~واحد. # ولقد كان من الصفات الهامة التي أضافها بيكون إلى مفهوم العلم قابلية كل علم للتطبيق، ~~وتلك صفة رأيناها ماثلة من قبل في العلم الإسلامي بوضوح، غير أن بيكون هو الذي يرجع إليه ~~الفضل في نشرها في العالم الغربي على أوسع نطاق؛ فعلى حين أن العلم القديم كان معرفة ~~لأجل المعرفة، نجد بيكون يؤكد أن العلم الذي لا يقبل التطبيق العلمي بصورة من الصور لا ~~يستحق أن يسمى علما، وربما كان هذا موقفا متطرفا، ولكنه كان ضروريا لمواجهة ~~التطرف المضاد في العلم النظري البحت، كما عرفه الفلاسفة اليونانيون الذين كانوا ~~يزدرون أية معرفة تقترب من مجال الواقع المادي وتدخل نطاق التطبيق. وهكذا هيأ بيكون ~~أذهان الناس لقبول عدد كبير من العلوم التي تتصل بموضوعات «أرضية» «مادية»، ووصل به ~~الأمر إلى الدعوة إلى بحث «التغذية» وكيفية صنع الطعام وحفظه على أسس علمية، وهو أمر ~~كان خليقا بأن يلقى من اليونانيين سخرية مريرة. فهدف العلم عند بيكون هو أن يجعل ~~الإنسان سيدا للطبيعة ومسيطرا عليها. وإذا كان كارل ماركس هو الذي قال لأول مرة ~~بعبارات صريحة في القرن التاسع عشر: «لقد اقتصر الفكر حتى الآن على تفسير العالم على ~~أنحاء شتى، ولكن المهم هو تغييره.» فمن المؤكد أن هذه العبارة تصلح شعارا لفلسفة بيكون ~~كلها؛ وذلك لسببين؛ أولهما أنه كان بدوره ناقدا شديدا للاتجاه النظري الخالص عند ~~الفلاسفة السابقين. وثانيهما أنه كان يدعو بكل حماسة إلى أن تكون المعرفة - فلسفية كانت ~~أم علمية - وسيلة لتغيير العالم وتحقيق سيطرة الإنسان عليه، وكانت دعوة بيكون هذه هي - ~~في واقع الأمر - الأساس الفكري الذي ارتكزت عليه حركة التقارب بين العلم والتكنولوجيا ~~في القرون التالية. # على أن بيكون - بالرغم من كل ما أضافه إلى مفهوم العلم من معان هامة كان لها أبلغ ~~الأثر في التطور التالي للمعرفة العلمية - لم يركز اهتمامه إلا على جانب واحد من ~~جوانب العلم، وهو ms129 الجانب التجريبي المبني على مشاهدة الظواهر وتسجيلها واستخلاص ~~أسبابها عن طريق الملاحظة الدقيقة والتجربة، وهذا - بغير شك - جانب عظيم الأهمية، وخاصة ~~إذا نظرنا إليه في ضوء الفترة التاريخية التي عاشها بيكون، والتي لم تكن تعرف قبل ذلك ~~إلا العلم المدون في الكتب، ولم تكن تستخلص المعرفة إلا من أفواه الحكماء الأقدمين . ~~وهكذا كان بيكون - شأنه شأن كل رائد يستكشف ميدانا جديدا - متحمسا أشد التحمس ~~لذلك التصور الذي كونه لنفسه عن العلم، والذي يرتكز على الملاحظة والتجربة المباشرة، ~~ولكن هذا لم يكن - كما قلنا - سوى جانب واحد من جوانب العلم؛ إذ إن العلم يحتاج إلى ~~الصياغة الرياضية الدقيقة، إلى جانب احتياجه إلى الملاحظة والتجربة، والرياضة علم عقلي ~~لا شأن له بملاحظات الحواس وتجاربها. # ولقد كان الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» # Descartes # هو الذي أكد أهمية هذا الجانب الآخر - أعني ~~الجانب الرياضي العقلي - للعمل العلمي، وتطرف بدوره في هذا الاتجاه حتى تصور أن ~~مهمة العالم - في مختلف المجالات - لا تختلف عن مهمة الباحث في الهندسة؛ إذ يستنبط ~~بدقة النتائج التي تترتب على مقدمات واضحة كل الوضوح، يضعها العقل وهو موقن بأنها ~~تصلح أساسا متينا لكل معرفة تالية، وكان المبرر الذي ارتكز عليه ديكارت في ~~تأكيده هذا، هو أن العلم الرياضي أدق العلوم، بل هو نموذج الدقة في كل تفكير، فإذا ~~شئنا أن تصل معارفنا - في أي ميدان من الميادين - إلى مستوى الدقة الجديرة باسم ~~العلم، كان لا بد لنا أن نتبع هذا النموذج الذي اعتاد الباحثون في الرياضيات أن يتبعوه ~~منذ أقدم العصور، والذي تمكنوا بفضله من أن يجعلوا علمهم مثلا أعلى لليقين ~~العقلي. # وهكذا فإن هذين الفيلسوفين اللذين ~~ظهرا في مطلع العصر الحديث، قد نبها الأذهان إلى الجانبين اللذين أصبح العلم الحديث ~~يرتكز عليهما خلال تطوراته التالية؛ وأعني بهما الملاحظة الأمينة للواقع من جهة، ~~والقدرة على صياغة قوانين هذا الواقع بطريقة رياضية من جهة أخرى. ومن الجدير بالذكر أن ~~العلماء الكبار في ذلك العصر - وعلى رأسهم العالم الإيطالي العظيم «جاليليو # Galileo ~~» - قد توصلوا ms130 - دون أن يكونوا قد اتصلوا ~~بهؤلاء الفلاسفة اتصالا مباشرا - إلى الطبيعة الحقيقية لطريقة البحث العلمي؛ إذ كان ~~جاليليو - في إثباته لقانون مثل سقوط الأجسام - يجري التجارب ويتحقق منها أولا، ثم ~~يعبر عن النتيجة التي يتوصل إليها بقانون يتخذ شكل معادلة رياضية أو نسبة حسابية ... ~~إلخ. وهكذا جمع هؤلاء العلماء بين نتائج تفكير الفيلسوفين الكبيرين في ذلك العصر ~~بطريقة تلقائية، وتمكنوا من تحقيق الاتزان بين الجناحين اللذين لا يستطيع العلم ~~التحليق إلا بهما معا، وأعني بهما الملاحظة والتجربة من جهة، والصيغة الرياضية من جهة ~~أخرى. # وأخيرا فإن من العناصر الهامة التي ~~أضيفت إلى مفهوم العلم منذ أوائل العصر الحديث: ذلك الطابع الجماعي للعلم، الذي أشرنا ~~من قبل إلى أن بيكون كان من أول من نبهوا إليه، فعلماء العصر الحديث لم يكونوا مؤمنين ~~بأن العلم جهد فردي، بل كانت تسود عملهم منذ بدايته «روح الفريق»، ومنذ أن أصبح العلم ~~نشاطا مستقلا عن الفلسفة، أخذ عدد المشتغلين به يتزايد بالتدريج؛ لأن الباحثين عن ~~الحقيقة أدركوا أنهم توصلوا إلى نوع آخر من المعرفة قابل للنمو والتوسع من جيل ~~إلى جيل، وليس مجرد محاولات فردية تلمع خلال حياة صاحبها ثم تنطفئ لكي تبدأ محاولة ~~أخرى من جديد. وكان العلماء في البداية يحققون أهدافهم في تبادل المعرفة عن طريق ~~الرسائل، ولكن سرعان ما اتضح أن الرسائل المتبادلة أسلوب بطيء لا يسمح بنشر المعرفة ~~وإخضاعها لنقد العقول الأخرى وتحليلها؛ إذ لم تكن ظروف ذلك العصر تسمح للعلماء إلا ~~بتبادل رسالة أو رسالتين في العام كله. ومن جهة أخرى فقد كان عدد الأبحاث العلمية ~~يتزايد باستمرار، ومن هنا بدأ التفكير - لأول مرة في تاريخ البشرية - في إنشاء جمعيات ~~علمية يتبادل فيها العلماء أبحاثهم وآراءهم، ويقسمون العمل العلمي فيما بينهم وفقا ~~لخطط مرسومة. # ومن الوجهة التاريخية الخالصة، يمكن القول: إن أول جمعية علمية هي التي أنشئت ~~في فلورنسة بإيطاليا عام 1657 باسم # Academia de Cimento ~~(وتعني: أكاديمية التجربة العلمية)، ولكن البداية الحقيقية للجمعيات العلمية بكل ~~مقوماتها الحديثة كانت هي ms131 الجمعية الملكية في لندن ( # Royal ~~Society ~~) عام 1662، ومنذ ذلك الحين تعاقبت الجمعيات بسرعة، ~~فأنشئت الأكاديمية الفرنسية في باريس عام 1666، ثم أكاديمية سان بطرسبورج الروسية ~~عام 1729 وأكاديمية برلين عام 1744. # وبفضل هذه الجمعيات العلمية الرائدة لم يتحقق مبدأ العمل الجماعي والتخطيط المنظم ~~في العلم فحسب، بل إن إنشاءها قد دعم مبدأ رعاية الدولة للعلماء وإنفاقها على أبحاثهم. ~~ومن المؤكد أن العلم أفاد كثيرا من هذا المبدأ، لا سيما وأن نفقات البحث العلمي كانت ~~في تزايد مستمر، كما أن الدول بدورها اكتسبت فوائد هامة من رعايتها للعلماء، إذ كانت ~~تجد في نجاح علمائها مبعثا للفخر المعنوي، كما كانت تكلفهم بإجراء البحوث التي تفيدها ~~في تحقيق أهدافها الاقتصادية والعسكرية، وسوف نرى فيما بعد أن هذا المبدأ ذاته قد أصبح ~~في عصرنا الحاضر سلاحا خطيرا ذا حدين. # الفصل الرابع # | العلم والتكنولوجيا # في رحلة التفكير العلمي التي نتتبعها ها هنا بإيجاز عبر عصور التاريخ البشري لن نستطيع ~~أن ننتقل إلى العصر الحاضر إلا إذا قدمنا إلى القارئ صفحات قليلة عن العلاقة بين العلم ~~والتكنولوجيا طوال عصور المعرفة البشرية؛ ذلك لأن التداخل بين هذين الضربين من النشاط هو ~~في أساسه ظاهرة جديدة، يتميز بها عصرنا هذا بالذات عن غيره من العصور، بحيث لا نكون ~~مبالغين إذا قلنا إنها هي السمة الأساسية المميزة للعلم في مرحلته الراهنة. ومن هنا كان ~~لزاما أن نلقي الضوء - في لمحة سريعة - على معنى التكنولوجيا وصلتها بالعلم منذ مراحله ~~الأولى حتى عصرنا الحاضر. # إن لكلمة التكنولوجيا - عند كثير من الناس - رنينا حديثا يجعلهم يظنون أن العالم لم ~~يعرف التكنولوجيا إلا في عصر قريب، وأن التكنولوجيا هي المخترعات الحديثة الراقية التي ~~غيرت معالم الحياة البشرية في العصر الحديث وخاصة في القرن العشرين، ولكن واقع الأمر هو ~~أن الشيء الوحيد الحديث في هذا الموضوع كله هو اللفظ ذاته، أما الظاهرة نفسها فهي قديمة قدم ~~الإنسان، ومن الخطأ أن نربط بين التكنولوجيا وبين المخترعات الحديثة؛ لأن هذه المخترعات لا ~~تعدو أن تكون آخر المراحل في ms132 تطور طويل بدأ منذ فجر الوعي البشري. # وأول معنى يطرأ على ذهن الإنسان حين يحاول تعريف التكنولوجيا هو معنى التطبيق العملي، ~~فالحلم معرفة نظرية، والتكنولوجيا تطبيق لهذه المعرفة النظرية في مجال العمل البشري، ولكن ~~على أي شيء ينصب التطبيق؟ إذا كنا نقصد أنه تطبيق للمعرفة العلمية النظرية، فإن هذا ~~بدوره معنى حديث؛ إذ إن التكنولوجيا - كما سنرى - لم تكن مرتكزة على العلم طوال الجزء ~~الأكبر من تاريخها، والأصح أن نقول: إنها تطبيقية بمعنى أنها تنتمي إلى الميدان ~~العملي - ميدان الفعل وبذل الجهد - فهي شيء يرتبط ~~باليد أكثر مما يرتبط بالمخ أو الرأس، وإن كانت الصلة بين اليد والرأس قد أصبحت وثيقة كل ~~الوثوق في عصرنا الحاضر. # والمعنى الثاني الذي تثيره كلمة التكنولوجيا هو أنها وسيلة تستخدم في العمل البشري، ~~فمنذ أقدم عصور التاريخ البشري كان الإنسان يستعين بأدوات تساعده في عمله، وهي أدوات ~~تستحق اسم التكنولوجيا، فتهذيب قطعة من الحجر أو المعدن وربطها بقطعة خشبية من جذع شجرة ~~واستخدامها فأسا لقطع الأشجار أو لتقليب الأرض هو نوع من التكنولوجيا، واستخدام النار في ~~الطهي أو في التدفئة أو في صهر المعادن كان كشفا تكنولوجيا عظيم الأهمية بالنسبة إلى ~~عصره، بل إن أهميته بالنسبة إلى العصر البدائي الذي ظهر فيه، تفوق بكثير أهمية الطاقة ~~الذرية بالنسبة إلى عصرنا الحاضر، واختراع العجلة لتيسير عملية نقل البضائع أو انتقال ~~الأشخاص أو محاربة الأعداء، كان في عصره انقلابا تكنولوجيا لا يقل أهمية عن اختراع ~~الطائرات في أيامنا هذه. # وإذن فكل ما كان الإنسان يستعين به للقيام بأعماله - بالإضافة إلى أعضائه وقواه الجسمية ~~- يستحق أن يسمى تكنولوجيا. ولكن ما علاقة هذه الوسائل التي يضيفها الإنسان إلى جسمه - ~~لكي تساعده على إنجاز أعماله - بالجسم البشري ذاته؟ إنها قطعا امتداد له، ولكن بأي معنى ~~تعد امتدادا للجسم؟ هل هي مناظرة لهذا الجسم أم مكملة له؟ لا جدال في أن الوسائل ~~التي يستعين بها الإنسان في أداء عمله تكمل ما لديه من قدرات؛ فالفأس لا تماثل اليد أو ~~الذراع ms133 البشرية، ولكنها تكملها وتساعدها على أداء عملها بمزيد من الكفاءة. والعجلة بعيدة ~~كل البعد في شكلها وطابعها العام عن أرجل الإنسان، ولكنها تحل محل هذه الأرجل في ~~الانتقال من مكان إلى آخر، وتحقق هذا الهدف بمزيد من الفعالية. والنار لا نظير لها عند ~~الإنسان أصلا، ولكنها بدورها تعين الإنسان على أداء أعمال يعجز عن أدائها بقواه الجسمية ~~وحدها. وهكذا نصل إلى عنصر آخر في معنى التكنولوجيا؛ هو أنها الوسائل التي يستعين بها ~~الإنسان لتكملة ما ينقصه من القوى والقدرات. # وما دمنا قد تحدثنا عن تكملة النقص في قدرات الإنسان، فمن الواجب أن ننبه إلى أن هذا ~~النقص يتغير في طبيعته ومداه تبعا لظروف كل عصر. ومعنى ذلك أن العامل الاجتماعي له دور في ~~تحديد مستوى التكنولوجيا المطلوبة، وأوضح دليل على ذلك أنه في العصور التي لم تكن فيها ~~الآلات الميكانيكية ضرورية - نظرا إلى وجود قوة عمل العبيد أو الأرقاء الذين كانوا ~~يقومون بدور «الآلات البشرية» - لم تظهر تكنولوجيا الآلات، مع أن المعرفة العلمية في ذلك ~~العصر كانت قادرة على توصيل الإنسان إلى صنع بعض أنواع الآلات على الأقل؛ فأرشميدس - ~~العالم اليوناني المشهور - قد صنع بعض أنواع الآلات التي تسير بطريقة أوتوماتيكية، ولكنه ~~كان يعاملها على أنها «لعب» يلهو بها الإنسان، بل كان يخجل من الإشارة إليها في أبحاثه؛ ~~لأن ظروف المجتمع في العصر الذي كان يعيش فيه لم تكن تتطلب وجود آلات. وهكذا فإنه مع ~~معرفته بطريقة إنتاج الآلات لم يحاول أن يستعين بها في ميدان العمل البشري الجاد. وفي ~~العصر الذي احتاج فيه المجتمع إلى الآلة في ميدان العمل، ظهرت الآلة بالفعل، وإذا كان ~~القارئ يجد صعوبة في الاقتناع بهذه الحقيقة، أو يجد الموضوع معقدا إلى درجة يصعب على ~~العقل استيعابها، فليتذكر أن هناك مثلا بسيطا نستخدمه كلنا في لغتنا العربية، وأعني به: ~~«الحاجة أم الاختراع.» وهذا المثل يتضمن كل ما قلناه من قبل في هذا الموضوع؛ فهو يدل في ~~عبارة موجزة على أن هناك ارتباطا وثيقا بين مستوى ms134 التكنولوجيا في أي عصر وبين حاجات ~~المجتمع، وعلى أن الاختراع لا يظهر إلا إذا كانت الظروف الاجتماعية مهيأة لظهوره؛ أي إنه ~~يعبر عن العنصر الرابع والأخير في معنى التكنولوجيا؛ أي البعد الاجتماعي، وأعني به أن ~~التكنولوجيا تظهر لكي تسد نقصا يشعر به المجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره. # وبالجمع بين هذه العناصر كلها نستطيع أن نعرف التكنولوجيا بأنها الأدوات أو الوسائل ~~التي تستخدم لأغراض عملية تطبيقية، والتي يستعين بها الإنسان في عمله لإكمال قواه ~~وقدراته، وتلبية تلك الحاجات التي تظهر في إطار ظروفه الاجتماعية ومرحلته التاريخية ~~الخاصة. # 1 # وما دمنا قد تحدثنا عن وجود صلة وثيقة بين مستوى التكنولوجيا في أي عصر وحاجات المجتمع ~~في ذلك العصر، فمن واجبنا أن نتساءل: هل يعد العلم واحدا من العوامل التي تحدد حاجات ~~المجتمع؟ إن المجتمع قد يحتاج إلى اختراع تكنولوجي معين لكي يحل مشكلة تتعلق بالزراعة ~~أو بحرفة يدوية أو بالصناعة، ولكن هل يدخل العلم دائما ضمن العناصر التي تتحكم في تحديد ~~هذه المشكلة، وفي توجيه التكنولوجيا إلى حلها؟ وبعبارة أوضح: هل كان العلم مرتبطا ~~بالتكنولوجيا في جميع عصورها؟ # إن أبسط نظرة يلقيها المرء على التطور ~~التكنولوجي للإنسان عبر العصور المختلفة تقنعه بأن الاتصال الوثيق بين العلم والتكنولوجيا ~~ظاهرة حديثة العهد، وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أن التكنولوجيا ظاهرة موغلة في القدم، وأنها ~~تمتد بقدر ما يمتد تاريخ الإنسان، فينبغي أن ندرك أنها كانت طوال الجزء الأكبر من هذا ~~التاريخ تسير على نحو مستقل عن العلم، وتتطور دون أن تكون معتمدة عليه. # فكل ما توصل إليه الإنسان من كشوف واختراعات تكنولوجية في العصور القديمة، قد تحقق ~~بمعزل عن العلم، ونحن نعلم أن عصور ما قبل التاريخ تقسم إلى مراحل كبرى كالعصر الحجري ~~والبرونزي والعصر الحديدي، وهذه المراحل تعبر في الواقع عن مستوى التكنولوجيا في كل عصر؛ ~~ففي العصر الحجري كانت أهم الأدوات المستخدمة لمساعدة الإنسان في عمله مصنوعة من الحجر، ~~وهلم جرا ... ومن المؤكد أن الانتقال من عصر إلى آخر ms135 يعبر عن تطور تكنولوجي هائل بمقاييس ~~العصور القديمة؛ إذ إن قدرة الإنسان على استخدام معدن كالحديد مثلا تعني تقدما كبيرا في ~~استخدام النار لأغراض الصناعة وفي استخراج الخام من الأرض وفي تشكيل الحديد المصهور ... إلخ، ~~ولكن هذه التطورات كلها لم تكن تدين للعلم بشيء؛ فالذين قاموا بها لم يكونوا علماء، ولم ~~يكونوا قد درسوا نظريات علمية معينة ثم طبقوها فأتاح لهم تطبيقها التوصل إلى اختراع ~~جديد، بل كان هؤلاء صناعا مهرة، توارثوا خبراتهم جيلا بعد جيل، وأضافوا إليها من ~~تجاربهم الخاصة فتطورت صنعتهم ببطء شديد مما جعل الانتقال من عصر إلى آخر يستغرق آلاف ~~السنين، وخلال ذلك لم يكن المبدأ المتحكم في عملهم هو الدراسة، بل كان مبدأ المحاولة ~~والخطأ والتجربة العشوائية في كثير من الأحيان؛ بحيث إن المحاولة التي تصيب، والتجربة التي ~~تنجح بالعلاقة، تتناقل من جيل إلى جيل، وهكذا فإن كشوفا حاسمة في تاريخ البشرية كالنار ~~والخزف والنسيج والعجلة والسفينة تم تحقيقها على نحو مستقل تماما عن العلم. # 2 # وينطبق ذلك أيضا على العصر اليوناني القديم الذي طورت فيه التكنولوجيا في بعض ~~الميادين، ولكنها ظلت منفصلة عن العلم. بل إن هذا الانفصال قد ازداد حدة نظرا إلى ذلك ~~الفهم الخاص للعلم الذي ذكرنا من قبل أن اليونانيين كانوا يتمسكون به، وهو أن العلم جهد ~~نظري يستهدف إرضاء حب الاستطلاع لدى العقل الإنساني، ولا يتجه إلى تحقيق أية أغراض عملية. ~~وبالمثل فإن العصور الوسطى الأوروبية والإسلامية - بل وأوائل العصر الحديث - قد شهدت كشوفا ~~تكنولوجية هامة لم تكن مبنية على أساس علمي، فاختراع البارود الذي كان له تأثير حاسم في ~~الحروب، والطباعة التي غيرت مجرى العلم والثقافة، والعدسات المكبرة والمقربة التي ~~كشفت للإنسان أبعاد الكون الشاسع وتفاصيل الحياة الدقيقة؛ كل هذه الكشوف تمت على أيدي ~~صناع مهرة، لا يسترشدون في عملهم بنظرية علمية، بل يستعينون بما توارثوه من خبرات، ~~وبما يضيفونه إليها باجتهادهم وحدسهم الشخصي، وبما يستشعرونه من حاجة المجتمع الملحة ~~إلى هذه الاختراعات. # ولو شئنا الدقة لقلنا: إن التكنولوجيا ms136 هي ~~التي كانت تؤثر في العلم طوال هذه الفترة، فكل مرحلة هامة من مراحل الكشف كان يسبقها تقدم ~~تكنولوجي يمهد لها الطريق. وصحيح أن هذا التقدم التكنولوجي لم يحدث لأسباب متعلقة بالعلم، ~~وأن الصناع الذين حققوه لم تكن في أذهانهم أدنى فكرة عما يمكن أن يترتب على عملهم من ~~تأثير علمي لاحق، ولكن العلماء كانوا يتأثرون - عن وعي أو بغير وعي - بالكشوف التكنولوجية، ~~ويتخذون منها منطلقا لأبحاثهم النظرية، والدليل على ذلك أن العلم اليوناني - كما ذكرنا من ~~قبل - يدين بالكثير لتلك الخبرات التكنولوجية التي تراكمت لدى الحضارات الشرقية القديمة، ~~والتي أعطت العالم النظري حافزا قويا للتأمل والتفكير، ولولا هذا التراكم الضخم من ~~المعارف العملية لما استطاع العلم اليوناني النظري أن يحقق إنجازاته هذه في تلك الفترة ~~الوجيزة. ومثل هذا يمكن أن يقال عن الفترة التي بدأ فيها ظهور العلم الأوروبي الحديث في ~~عصر النهضة؛ إذ إن العصور الوسطى الأوروبية لم تكن فترة خاملة من الوجهة التكنولوجية، بل ~~ظهرت فيها مجموعة من الاختراعات ذات الأهمية الحاسمة التي كان لها دور كبير في الانبثاق ~~المفاجئ والتقدم المتلاحق للعلم الأوروبي خلال فترة وجيزة. # فمن المؤكد مثلا أن تطوير الساعة بحيث تصبح جهازا ميكانيكيا (بدلا من الساعة ~~الرملية أو الشمسية أو المائية) يدل على الوقت بدقة، كان له دور كبير في علوم كثيرة ~~يستحيل إجراء ملاحظاتها أو تجاربها إلا باستخدام توقيت دقيق، كذلك فإن طواحين الهواء والماء ~~- التي أحرزت تقدما ملحوظا في العصور الوسطى - قد ساعدت على ظهور علم الميكانيكا الذي ~~كان أهم العلوم وأدقها في المرحلة الأولى من تاريخ العلم الحديث. أما كشف العدسات فقد كان ~~تأثيره العلمي حاسما؛ إذ إن التلسكوب الذي استخدمه جاليليو كان أداة عظيمة الأهمية في ~~أبحاثه العلمية النظرية في ميدان الفلك والطبيعة، وبالمثل فإن ظهور الميكروسكوب الذي تم ~~على أيدي صناع بارعين في صقل العدسات - لم تكن لديهم خبرة علمية كافية ~~- قد ساعد علماء آخرين على كشف عالم الأحياء ~~الصغيرة الدقيقة، بحيث يمكن القول دون مبالغة إن ظهور ms137 علم الأحياء بوصفه دراسة ذات منهج ~~علمي راسخ يرجع إلى هذا الكشف التكنولوجي قبل كل شيء. # وإذن فطوال الجزء الأكبر من تاريخ البشرية لم تكن التكنولوجيا تدين للعلم بشيء، بل كان ~~العلم هو المدين لها بالكثير، حتى في تلك الفترات التي كان يتصور فيها أنه علم نظري خالص ~~منبثق عن العقل وحده. ويمكن القول: إن هذا الوضع قد استمر حتى عصر الثورة الصناعية في ~~القرن الثامن عشر، بل ظل قائما في مجالات معينة طوال جزء كبير من القرن التاسع ~~عشر. # ولكن شيئا جديدا كان قد بدأ يظهر في هذا المجال منذ بداية العصر الحديث في العلم ~~الأوروبي، أعني منذ القرن السادس عشر أو السابع عشر، ولم يأت هذا الشيء الجديد بنتائج ~~واضحة في البداية، ولكنه كان نقطة البدء في تطور أصبح له في عصرنا الحاضر أهمية عظمى في ~~حياة الإنسان، هذا الشيء الجديد هو التفكير في استخدام العلم للأغراض التكنولوجية، بحيث لا ~~تترك الكشوف التكنولوجية لبراعة الشخصية أو تدريبه الفعال، وإنما تعتمد على نظرية علمية ~~مؤكدة. ولقد ذكرنا من قبل أن الفيلسوف الإنجليزي «فرانسيس بيكون» كان رائدا في هذا ~~الميدان، دعا إلى نوع جديد من العلم، لا يكون هدفه إرضاء الطموح النظري للعقل البشري، بل ~~يكون هدفه تحقيق سيطرة الإنسان على الطبيعة، وتسخير قواها لخدمته وإسعاد حياته. وصحيح أن ~~دعوة بيكون هذه - التي ظهرت في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر - لم تؤت ثمارها ~~كاملة إلا بعد قرنين أو أكثر من وفاته، ولكنها نقطة الانطلاق نحو عصر جديد، ونحو فهم جديد ~~لوظيفة العلم وعلاقته بالتكنولوجيا. # ولقد كانت دعوة بيكون هذه هي التي حفزت الإنجليز على إنشاء الجمعية الملكية للعلوم على ~~النحو الذي أوضحناه من قبل، ومما يثبت أن تأثير بيكون كان حاسما في هذا المجال أن ~~الأهداف التي وضعتها هذه الجمعية لنفسها تكاد تكون صورة طبق الأصل مما سبق أن دعا إليه ~~بيكون في كتاباته. وكان الجانب العلمي أو التطبيقي يحتل مكانة بارزة وسط الأبحاث التي قام ~~بها أعضاء ms138 هذه الجمعية منذ مراحلها الأولى؛ فقد لاحظ بعض الباحثين أن الجمعية قد أجرت خلال ~~سنواتها الأربع الأولى بحوثا تستهدف حل حوالي ثلاثمائة مشكلة، ومن بين هذه المشكلات ~~مائتان لها تطبيقات عملية في صناعة التعدين والملاحة البحرية، # 3 # وهما صناعتان أساسيتان في الحياة الاقتصادية لذلك العصر؛ إذ إن التعدين هو ~~أساس الصناعة، والملاحة البحرية هي وسيلة التجارة وتصريف المنتجات. # ولكن الأمر الذي ينبغي تأكيده هو أن المسألة لم تكن مجرد عبقرية شخصية من بيكون - وإن ~~كان لهذا العنصر أهميته التي لا تنكر - بل إن بيكون كان يعيش في جو جديد استطاع أن يكتشف ~~فيه اتجاهات المستقبل قبل أن تظهر معالمها بوضوح، وأن يتخذ من الدعوة إليها رسالة لحياته ~~الفكرية. وكان هذا الجو هو انهيار الإقطاع في أوروبا، وظهور مجتمع تجاري ثم رأسمالي له ~~احتياجات تكنولوجية هائلة تعجز عن الوفاء بها أساليب الصناع القديمة مهما كانت براعتهم، ~~وهكذا كان من الضروري أن يدعو بيكون إلى إعطاء التقدم التكنولوجي دفعة قوية إلى الأمام عن ~~طريق ربطه بالبحث العلمي، ولم يكن من الممكن أن تظهر ثمار هذه الدعوة دفعة واحدة، بل كانت ~~في حاجة إلى فترة تمهيدية تتراكم فيها المعرفة العلمية، وتقترب فيها من مجال التطبيق ~~التكنولوجي بالتدريج، ولكن المرء حين يتأمل جيدا دلالة دعوة بيكون هذه - الذي أطلق عليه ~~البعض عن حق لقب «فيلسوف الثورة الصناعية» قبل ظهور هذه الثورة بمائتي عام - وكذلك اتجاه ~~الأبحاث التي كانت تتولاها الجمعية الملكية في لندن؛ سيقتنع بأن ظهور الثورة الصناعية في ~~إنجلترا بالذات وريادتها للعالم في الميدان الصناعي حتى أواسط القرن التاسع عشر لم يكن على ~~الإطلاق من قبيل المصادفات. # وكما قلنا: فقد كان لا بد من مضي فترة انتقالية منذ دعوة بيكون حتى الوقت الذي تحقق ~~فيه التلاحم الوثيق بين العلم والتكنولوجيا، وخلال هذه الفترة ظهر نوع جديد من التخصص ~~يحتل موقعا وسطا بين العالم والصانع، هو مهنة «المهندس # Engineer ~~» التي لم تكن معروفة من قبل؛ فالمهندس لم يظهر إلا في العصر ~~الحديث، وهو يجمع ms139 في مهنته بين المعرفة النظرية وبين فهم التطبيقات العملية والقدرة على ~~تنفيذها. وربما كانت مهمة المهندس تطويرا لعمل الصناع المهرة، بعد أن اتضح أن البراعة ~~الشخصية والخبرات المتوارثة لم تعد تكفي لمواجهة المتطلبات العملية للعصر الجديد، وأن ~~من الضروري إدخال المعارف العلمية في الميدان التكنولوجي. وكان في وسع المهندس أن يسدي ~~إلى البحث العلمي خدمات جليلة؛ إذ كان لديه من الفهم العلمي ما يتيح له أن يحول الخطة ~~العقلية التي يرسمها العالم في ذهنه إلى تجربة تجرى في مختبر، وبذلك ساعد على تقدم العلم ~~التجريبي مساعدة فعالة. # وعلى يد هؤلاء المهندسين حدثت في عصر الثورة الصناعية تلك التحولات الكبرى التي غيرت ~~وجه العالم الحديث؛ فحلت الطاقة البخارية محل الطاقة المائية أو طاقة الحيوانات (الخيل ~~مثلا)، واستخدم الفحم وقودا للمصانع على نطاق واسع، وأصبحت عمليات الغزل والنسيج تتم ~~في مصانع ضخمة لا في ورش فردية صغيرة، وبدأت الإنسانية تجني ثمار الجمع بين العلم والخبرة ~~العملية التطبيقية. # ومنذ ذلك الحين أخذ ذلك الاتجاه إلى الجمع بين العلم والتكنولوجيا يزداد قوة بالتدريج، ~~بعد أن ظهرت فائدته العملية بوضوح قاطع؛ إذ إن التطور الذي كان يستغرق مئات السنين على ~~أيدي صناع مهرة أصبح يستغرق سنوات قليلة عندما يتدخل فيه العلم ويحل محل الخبرات ~~المتوارثة التي لا تتجدد إلا ببطء شديد، واكتسب الإنتاج في مختلف الميادين قوة دافعة ~~هائلة بفضل الاتحاد الذي ازداد وثوقا بين النظريات الأساسية وتطبيقاتها العملية. بل لقد ~~أصبح ميدانا العلم والتكنولوجيا يستخدمان أساليب مشتركة ولغة واحدة، وظهر نوع جديد من البحث ~~العلمي أخذ يكتسب أهمية متزايدة، ويحتل موقعا وسطا بين العلم النظري والصناعة هو ~~«البحث التطبيقي» الذي يأخذ على عاتقه مهمة تحويل الكشوف النظرية الجديدة إلى مشروعات قابلة ~~للتطبيق عمليا. وليس معنى هذا أن البحوث «الأساسية» - أعني تلك البحوث التي تكون ~~الأساس النظري للتقدم العلمي، وتزود العلماء بفهم جديد لقوانين الطبيعة - لم تعد لها ~~أهمية؛ إذ إن أحدا لا ينكر أن هذه البحوث هي دعامة كل تقدم علمي حقيقي - بل كل ms140 تقدم ~~تكنولوجي - في أي مجتمع، ولكن المهم في الأمر أن نسبة الأبحاث التطبيقية إلى مجموع الأبحاث ~~العلمية أخذت تزداد باطراد. # ولكن الأمر الذي يلفت النظر في عصرنا الحالي هو أن البحوث الأساسية - التي لها طبيعة ~~نظرية خالصة - تتحول في أقصر وقت إلى تطبيقات إنتاجية؛ فالمسافة الزمنية بين ظهور البحث ~~النظري واكتشاف تطبيقاته العملية قد قلت إلى أبعد حد في عصرنا الحالي، وقد أجرى بعض ~~العلماء مقارنة بين الفترات الزمنية التي كان يستغرقها الوصول من الكشف العلمي النظري إلى ~~التطبيق في ميدان الإنتاج منذ عصر الثورة الصناعية حتى اليوم، فتبين لهم ما يلي: «احتاج ~~الإنسان إلى 112 سنة (أي من عام 1727 إلى 1839) لتطبيق المبدأ النظري الذي يبني عليه ~~التصوير الفوتوغرافي، وإلى 56 سنة (أي من 1820 حتى 1876) ~~لكي يتوصل من النظريات العلمية الخالصة إلى ~~اختراع التليفون، وإلى 35 سنة (من 1867 إلى 1902) لظهور الاتصال اللاسلكي، وإلى 15 سنة (من ~~1925 إلى 1940) للرادار، و12 سنة (من 1922 إلى 1934) للتلفزيون، و6 سنوات (من 1939 حتى ~~1945) للقنبلة الذرية، وخمس سنوات (1948-1953) للترانزيستور، وثلاث سنوات (1959-1961) ~~لإنتاج الدوائر المتكاملة.» # 4 # ومن المؤكد أن طول أو قصر المدة الزمنية التي يحتاج إليها الانتقال من الأساس النظري ~~لكشف معين إلى ظهور الاختراع الفعلي، يتوقف على عوامل متعددة من بينها مدى الحاجة ~~الاجتماعية إلى هذا الاختراع، ومقدار الوقت والجهد والمال الذي يبذل من أجل التوصل ~~إليه؛ فمشروع إنتاج القنبلة الذرية - مثلا - كان مشروعا حيويا خلال فترة حرب قاسية، ~~بل كان مسألة حياة أو موت، وكان يمثل سباقا رهيبا مع الزمن حتى لا يظهر هذا السلاح ~~الفتاك عند النازيين فيصبح أداة لتحقيق أحلام دكتاتور مجنون مثل هتلر، ومن هنا كرست ~~له موارد أغنى دول العالم، وأعطيت له أولوية مطلقة على ما عداه من المشروعات، وتفرغ ~~له أعظم علماء الطبيعة في القرن العشرين، ولكن من الصحيح - رغم هذا كله - أن الشقة تضيق ~~تدريجيا بين العلم النظري والتكنولوجيا التطبيقية كلما اقتربنا من العصر الحاضر. # بل إن المشكلة في أيامنا هذه ms141 قد أصبحت - في بعض الأحيان - هي مشكلة التسرع في التطبيق ~~التكنولوجي قبل القيام بأبحاث علمية كافية. وقد ذاعت في العالم - في السنوات الأخيرة - ~~فضيحة العقاقير الطبية التي أنتجت على نطاق تجاري قبل أن تمر مدة كافية لإجراء التجارب ~~والبحوث التي تكشف عن أضرارها في المدى الطويل، وكان من نتيجة هذا التسرع في الإنتاج ~~ولادة مئات من الأطفال المشوهين، أو عدد كبير من التوائم غير المرغوب فيهم، ومثل هذا ~~ينطبق على كثير من مبيدات الآفات الزراعية التي تبين وجود أضرار جانبية خطيرة ~~لها. # وعلى أية حال، فإن ما يهمنا من هذا كله هو أن العصر الحالي يشهد تداخلا وثيقا بين ~~العلم والتكنولوجيا، زالت معه الحواجز الزمنية التي كانت تفصل بينهما في القرن الماضي، ~~وظهرت في ظله أنواع جديدة من البحوث العلمية التي تجمع بين الأسس النظرية والجوانب ~~التطبيقية في آن واحد. ونتيجة هذا هي أن العلم أصبح هو الأساس المؤكد لكل تحول ~~تكنولوجي، وأن ما يقوم به الصانع المخترع أصبح يقوم به الآن عالم تطبيقي متخصص. # ولا شك أن التأثير الذي يسير في الاتجاه المضاد له بدوره أهميته الحاسمة: فكما أصبحت ~~التكنولوجيا في عصرنا الحاضر متقدمة إلى حد مذهل بفضل ارتكازها على أساس من البحث ~~العلمي، فكذلك أحرز العلم قدرا كبيرا من نجاحه السريع بفضل مساندة التكنولوجيا؛ إذ إن ~~التكنولوجيا هي التي تعطيه أجهزة أدق وأدوات أفضل للبحث وطرقا أكثر فعالية لاختزان ~~المعلومات واستعادتها بسرعة فائقة، وبالاختصار فإن هذا الامتزاج والتأثير المتبادل بين ~~العلم والتكنولوجيا هو المصدر الأول لقوة الإنسان المعاصر. # هذا التحالف الوثيق بين العلم والتكنولوجيا - الذي رأينا أنه مصدر قوة الإنسان المعاصر - ~~كان وما يزال يثير ردود أفعال متباينة بين المفكرين. وعلى الرغم من أننا نميل إلى ~~تأكيد الرأي السابق، وأعني به أن البشرية قد أحرزت كسبا هائلا منذ أن عرفت كيف تربط بين ~~العلم والتكنولوجيا، وتمكنت بذلك من أن تنهض بحياتها كما وكيفا على نحو كان من ~~المستحيل تصوره أو حتى تخيله في أي عصر؛ على الرغم من ms142 ذلك فإن من واجبنا أن نعرض بإيجاز ~~- قبل أن نختتم هذا الفصل - للآراء المختلفة التي يعرب فيها المفكرون عن تفاؤلهم أو ~~تشاؤمهم إزاء هذه القوة الضخمة التي اكتسبها الإنسان الحديث بعد أن عرف كيف يزاوج بين ~~العلم والتكنولوجيا: ~~(1) # فهناك رأي متشائم عرضه بعض المفكرين، وخاصة أولئك الذين تغلب عندهم النزعة ~~الأدبية، يذهبون فيه إلى أن هذا التزاوج بين العلم والتكنولوجيا سيخلق آلات ~~ذات قدرات تزداد تعاظما على الدوام، حتى يأتي الوقت الذي يفلت فيه زمامها من ~~يد الإنسان فتنقلب عليه وربما قضت عليه أو جعلته عبدا لها. ويبالغ نفر من ~~هؤلاء المفكرين في تشاؤمهم فيتصورون مجيء يوم تكتسب فيه تلك الآلات التي ~~يخلقها الإنسان نوعا من الوعي بذاتها، وحين تشعر بقدرتها التي تفوق بكثير ~~قدرة الإنسان الذي أبدعها؛ تدرك أن الإنسان كائن يمكن الاستغناء عنه، ~~وتحقق هذا الهدف بالفعل، ويسود عهد الآلة الصماء التي تحكم العالم بقوة ~~«الحديد والنار» بالمعنى الحقيقي لهذا التعبير المشهور. ~~(2) # وهناك رأي آخر يتطرف في الاتجاه المضاد، فيذهب إلى أن الآلة هي التي ستحرر ~~الإنسان من كل أشكال العبودية، وتأخذ بيده في طريق المستقبل الذي يحلم به. ~~وأصحاب هذا الرأي يتصورون أن تقدم التكنولوجيا هو - في ذاته ~~- ضمان ضد كل أنواع القهر، سواء أكان ~~ذلك هو قهر الطبيعة للإنسان، أم قهر الإنسان للإنسان. وهكذا يدعو هؤلاء ~~المتفائلون إلى إطلاق العنان للتقدم التكنولوجي بلا قيود، ويرون في التطور ~~الذاتي التلقائي للآلة مبشرا بعهد جديد يحقق للإنسان الوفرة ويعفيه من كل ~~جهد. ~~(3) # أما الرأي الثالث فيخالف الرأيين السابقين في تأكيده أن الآلات - مهما ~~ارتقت - إنما هي أداة طيعة في خدمة الإنسان، وستظل كذلك على الدوام، ~~وأصحابه يعيبون على المتشائمين والمتفائلين من تجاهلهم لدور الإنسان في توجيه ~~مسار التكنولوجيا، وإنكارهم لذلك البعد الاجتماعي الذي يتحكم في طريقة ~~استخدام الإنسان للآلة، سواء لمصلحته أو ضد مصلحته؛ فالتكنولوجيا المنبثقة عن ~~العلم والمتداخلة معه هي - قبل كل شيء - ناتج إنساني اجتماعي، ولن يصبح لها ~~ذلك الاستقلال الذاتي المزعوم إلا في ضوء نظرة ms143 خيالية مغرقة في التشاؤم أو ~~التفاؤل، لا تقيم وزنا لتأثير المجتمع في نوع الإنجازات العلمية التي تحقق ~~فيه، ولا تدرك أن العلم والتكنولوجيا إنما هما حصيلة جهد مجتمع كامل وثمرة ~~معارفه وأنشطته كلها، وأن نوع المجتمع الذي يظهر فيه العلم هو الذي يحدد ما ~~إذا كان هذا العلم سيسير في اتجاه عدواني أم في اتجاه يستهدف إسعاد ~~الإنسان. # وغني عن البيان أن الرأي الثالث هو الذي يعد - في نظرنا - تعبيرا عن الوضع الحقيقي ~~للتكنولوجيا في العالم المعاصر، وفي ضوء هذا الرأي يستطيع المرء أن ينقد الرأيين السابقين ~~بسهولة. # ولنبدأ أولا بالرأي المتشائم؛ فقد يبدو للوهلة الأولى أن القائلين بهذا الرأي هم من ~~السذج أو ضعاف النفوس الذين يرتعدون خوفا من تقدم التكنولوجيا الحديثة، ولكن الحقيقة على ~~خلاف ذلك؛ فهم في الواقع يمتدون بخيالهم إلى المستقبل الذي يستشفون معالمه من خلال تلك ~~البوادر التي بدأت تظهر في الحاضر، وهم يؤمنون بأن العقل البشري الذي انتقل في مائة سنة من ~~الآلات الحديدية الضخمة القبيحة ذات الفعالية المحدودة إلى العقول الإلكترونية الصغيرة ~~عظيمة الكفاءة، قادر على أن يصل بالآلة - بعد مائة سنة أخرى مثلا - إلى مستوى قد يصبح ~~مهددا بالفعل، وإذا كان في تفكيرهم ضعف فهو لا ينصب على تصورهم لمستقبل التكنولوجيا ~~بل على تصورهم لعلاقة هذه التكنولوجيا شديدة التقدم بالإنسان. # ذلك لأن هؤلاء المتشائمين ينظرون إلى التكنولوجيا بوصفها قوة لها استقلالها الذاتي ~~وتطورها الخاص الذي يسير في طريقه غير عابئ بالإنسان، ومن هنا يشيع بينهم الخوف من أن يأتي ~~وقت تستولي فيه الآلات - بعد أن يزداد تطورها وتشعر بقدرتها الفائقة - على العالم ~~وتبيد الإنسان على أساس أنه كائن لم يعد له داع، بحيث تسود العالم أجهزة باردة جامدة لا ~~تعرف العواطف أو المشاعر. أي إن وجهة نظرهم هي أن ذلك الجهد الهائل الذي ظل الإنسان ~~يبذله طوال تاريخه لكي يحقق سيطرته على الطبيعة، سوف يصل إلى الحد الذي ينقلب فيه على ~~الإنسان؛ بحيث يصبح الإنسان ذاته عبدا للقوى التي أطلقها على أمل ms144 أن يستعبد بها ~~الطبيعة، وكأن الطبيعة هنا تنتقم لنفسها من قهر الإنسان لها طوال عصره الحديث، وهذا ~~الاتجاه الفكري الذي يسير فيه هؤلاء المتشائمون ينطوي كله على الاعتقاد أو على الافتراض ~~الضمني القائل أن هذه الآلات تحكم نفسها بنفسها، وتسير تلقائيا في طريقها الخاص، وهو ~~اعتقاد يتجاهل البعد الإنساني في التكنولوجيا، ويتأمل التطور التكنولوجي بنظرة أحادية ~~الجانب. # وحين يبدي هؤلاء المتشائمون جزعهم من أن يأتي اليوم الذي تستعبد فيه الآلة مبدعها - ~~وهو الإنسان - فإنه وهكذا فإن التحليل في الواقع يعبرون - دون أن يشعروا - عن نظرة ~~متشائمة إلى طبيعة الإنسان نفسه؛ ذلك لأنهم يسقطون وحشية الإنسان وهمجيته وعدوانيته على ~~الآلة التي هي بطبيعتها سلبية محايدة، والتي لا تفعل إلا ما نأمرها به، وقد يكون هذا ~~الإسقاط تعبيرا عن ضمير مثقل بالشرور والذنوب، وقد يكون محاولة للتهرب من مسئوليتنا عن ~~الفوضى التي نشيعها في العالم نتيجة لإخفاق نظمنا الاجتماعية الفاسدة، بحيث نلقي ~~باللائمة على الآلة بدلا من أن نلوم أنفسنا. وأيا كان الأمر، فنحن في كل حالة نبدي ~~فيها تشاؤما بمستقبل الإنسان وطريقة توجيهه لمجتمعه، نتستر على عيوب نظمنا الاجتماعية ~~باتهام العلم والتكنولوجيا، مع أنهما بريئان من كل ما ندينهما به. # الحقيقة لموقف هؤلاء المتشائمين ليس هو أن الإنسان سيصبح عبدا للتكنولوجيا التي ~~اخترعها، بل إن التكنولوجيا ستصبح شيئا مخيفا؛ لأنها ستكون عبدا خاضعا لإنسان تسود ~~العدوانية سلوكه. # ولسنا في حاجة إلى التوقف طويلا عند رأي المتفائلين؛ إذ إن هذا الرأي ~~- بقدر ما يعتمد على «التطور الذاتي للتكنولوجيا» ~~من أجل حل جميع مشكلات الإنسان - ليس إلا الوجه الآخر للعملة بالنسبة إلى الرأي المتشائم، ~~وكل ما قلناه من قبل في نقد هذا الرأي الأخير ينطبق عليه، ولكن من الجانب المضاد بطبيعة ~~الحال؛ فليس من حقنا أن نغرق في التفاؤل إلى حد الاعتقاد بأن الآلة قادرة على تحقيق ~~السعادة للبشر، أو تخليصه من الشقاء والمعاناة «بجهودها الخاصة» أو «بتطورها التلقائي»؛ إذ ~~إننا بذلك نعفي أنفسنا من مسئولية إصلاح أوضاعنا، ونلقي بهذه المسئولية على الآلة، ms145 مع ~~أن الإنسان وحده هو القادر على حل المشكلات التي أوقع نفسه فيها، مستعينا في ذلك - طبعا ~~- بالتقدم التكنولوجي. # ولقد لخص أحد الرواد العظام للتكنولوجيا في عصرنا الحاضر - وهو نوربرت فوربرت فينر # N. F. Wiener # 5 # مكتشف السيبرنطيقا - الحدود التي لا ينبغي أن يتعداها إيماننا بقدرات الآلة ~~أو خوفنا من طغيانها بقوله: «أعط ما للإنسان للإنسان، وما للعقل الإلكتروني للعقل ~~الإلكتروني.» وكان يعني بذلك أن الإنسان يظل له دوره الهام والأساسي في عصر التقدم ~~التكنولوجي المذهل، وأن أرقى أنواع الآلات تظل على الدوام أداة طيعة في يد صانعها، ~~وتتجه - إن خيرا وإن شرا - في نفس الطريق الذي يريدها الإنسان أن تسلكه. # الفصل الخامس # | لمحة عن العلم المعاصر # (1) الأساس النظري # كان العلم الأوروبي عند مطلع العمر الحديث علما ميكانيكيا في المحل الأول؛ ~~فالميكانيكا نفسها كانت أهم العلوم وأدقها، وبفضلها تحققت مجموعة كبيرة من كشوف ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر، والأهم من ذلك أن نموذج المعرفة ذاته كان هو النموذج ~~الآلي؛ أعني أنك تستطيع أن تفهم الظواهر على أفضل نحو إذا استطعت أن تنظمها في نسق ~~تكون فيه كل منها مؤدية إلى الأخرى بطريقة آلية خالصة، بل إن الكون كله كان في نظر ~~فلاسفة العصر الحديث آلة ضخمة تسير في عملها بانتظام الساعة الدقيقة، وعلاقة الله ~~بالعالم أشبه بعلاقة الصانع بصنعته؛ بمعنى أن العالم قد صنع متقنا منذ البداية، ~~ويظل يسير في طريقه بعد ذلك بنفس الدقة والانتظام اللذين صنع بهما. # وكانت أهم العوامل المؤدية إلى دعم هذه ~~النظرة الآلية إلى العلم: إمكاناتها التطبيقية الهائلة التي بلغت قمة نجاحها بظهور ~~الآلة البخارية وبداية عصر جديد من عصور الإنتاج البشري، وكان من الطبيعي أن يواكب ~~هذا النجاح إيمان بأن فكرة الآلية تنطبق على كل شيء حتى على الأجسام الحية، بل وعلى ~~الإنسان نفسه. وفي القرن الثامن عشر كان فلاسفة عصر التنوير الفرنسيين من أقوى دعاة هذا ~~الفهم الجديد للعلم، ومن هنا كانت حملتهم على كل أشكال التفكير الغيبي والميتافيزيقي، ~~ودعوتهم إلى فهم كل ms146 الظواهر بنفس المنهج الذي ثبت نجاحه في العلم. وظل هذا الاتجاه ~~مستمرا طوال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر، وكان الناطق باسمه هو الفيلسوف ~~الفرنسي «أوجست كونت» # Auguste Conte # الذي نادى بفلسفة ~~ترتكز على التجربة الدقيقة، ولا تعترف إلا ~~بالمعرفة المستمدة من الملاحظات والتجارب العلمية، وأكد أن المرحلة العلمية ~~التجريبية هي أعلى المراحل التي يصل إليها العقل البشري عند نضوجه، وأنها هي التي ينبغي ~~أن تحل محل كل ألوان التفكير الأسطوري واللاهوتي والميتافيزيقي التي سادت في العصور ~~الغابرة. # وقد أدى ظهور نظرية التطور على يد ~~دارون - في أواسط القرن التاسع عشر - إلى إعطاء هذا الاتجاه الآلي دفعة قوية؛ إذ إن ~~هذه النظرية فسرت تطور الأنواع الحية وتنوع صفاتها بمضي الزمن تفسيرا آليا بحتا، ~~لا دخل فيه إلا للعوامل الطبيعية الخاصة بالتكيف مع البيئة، وكان معنى ذلك أن مبدأ ~~الآلية لا يسري على الظواهر الطبيعية فحسب، بل ينطبق على الأحياء بدورهم، وقد عبر ~~الطبيب الفرنسي المشهور «كلود برنار» # Claude Bernard # أدق تعبير عن تلك المرحلة التي أعلن فيها انتصار النظرة الآلية إلى العالم انتصارا ~~مطلقا بتطبيقها على ظاهرة الحياة، لا على الظواهر الطبيعية غير الحية فحسب؛ وذلك في ~~نص مشهور يقول فيه: «هناك بديهية تجريبية ينبغي التسليم بها؛ هي أن شروط وجود أية ~~ظاهرة يمكن تحديدها بطريقة قاطعة، وأن هذا يسري على مجال الكائنات الحية مثلما يسري ~~على الأجسام الجامدة. على أن هناك أناسا ينادون بمذهب يطلقون عليه اسم النزعة ~~الحيوية، وباسم هذا المذهب يقولون بأفكار شديدة البطلان في هذا الموضوع؛ إذ يعتقدون أن ~~دراسة ظواهر المادة الحية لا يمكن أن تكون لها أدنى صلة بدراسة ظواهر المادة غير الحية. ~~وهم يتصورون أن للحياة تأثيرا غامضا خارقا للطبيعة، يمارس فاعليته بطريقة عشوائية، ~~متحررا من كل حتمية. أما أولئك الذين يبذلون جهودهم من أجل تفسير الظواهر الحيوية ~~عن طريق عوامل كيميائية وفيزيائية محددة، فإنهم يصفونهم بأنهم ماديون ... وتلك كلها ~~أفكار باطلة ...» # 1 # وظل هذا الاتجاه العلمي الآلي في صعود خلال النصف الثاني ms147 من القرن التاسع عشر، بل ~~لقد بلغ في تلك الفترة قمة نجاحه عندما تلاحقت النظرية والتطبيقات العملية التي غيرت ~~وجه الحياة في العالم؛ كاختراع التليفون والتلغراف والتصوير الفوتوغرافي والسينما ~~والسيارة والطائرة، وكانت نتيجة ذلك هي سيادة نوع من الإيمان المتطرف بالعلم، وصل إلى ~~حد الاعتقاد بأن العلم الدقيق هو الشكل الوحيد الذي ينبغي للإنسان أن يعترف به من ~~بين سائر أشكال المعرفة، وبأن الحقيقة في جميع مجالاتها - يستوي في ذلك أعماق الإنسان ~~الباطنة وأطراف الكون الخارجية - لا تتكشف إلا عن طريق منهج تجريبي، وأن المعرفة ~~العلمية الدقيقة بأسباب الظواهر هي وحدها القادرة على أن تأخذ بيد البشرية في الطريق ~~الموصل إلى السعادة والكمال، وإذا لم تكن هذه النزعة العلمية المتطرفة قد تجاهلت ~~أنواع المعرفة التي يقدمها إلينا الفن أو الشعر أو الأدب أو الاستبصار الأخلاقي، ~~فإنها كانت تدعو إلى قيام هذه الأنواع كلها على أسس تجريبية، وبنائها على وقائع ~~تخضع للملاحظة والتحقيق التجريبي. # على أنه في نفس الوقت الذي بلغ فيه هذا الاتجاه الآلي في العلم أوج النجاح في أواخر ~~القرن التاسع عشر، بدأت الصورة تتغير بسرعة، وظهرت عوامل متعددة أدت إلى تزعزع ~~هذا الاعتقاد بأن المعرفة التجريبية - المرتكزة على وقائع يمكن ملاحظتها وحسابها بدقة ~~كاملة - هي النمط النموذجي لكل أنواع المعرفة الأخرى، أو هي وحدها التي تصلح منهجا ~~للبحث العلمي؛ فقد ظهرت في علم الفيزياء كشوف شككت العلماء في أن يكون عالم ~~الجزئيات المادية الدقيقة - أعني عالم ما دون الذرة - خاضعا لمسار حتمي دقيق يمكن ~~التنبؤ به مقدما، وتبين أن المادة تتبدد على شكل طاقة، وكان معنى ذلك التشكيك في ~~مبدأ أساسي من مبادئ النظرية الآلية في العلم؛ وأعني به الاعتقاد بأنه لا شيء يتحول إلى ~~العدم أو يظهر من العدم. ويمكن القول إن الصورة الجديدة للعالم - كما تتضح من خلال ~~الكشوف العلمية الحاسمة في فترة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين - ~~أصبحت بعيدة كل البعد عن ذلك العالم الذي هو أشبه بآلة ضخمة تتحرك كل أجزائها ms148 وفقا ~~لقوانين ميكانيكية بحيث يمكن التنبؤ بمسارها وتغيراتها بدقة كاملة، ومخالفة ~~للاعتقاد القديم بأن أساس العالم مادة ملموسة تتخذ أشكالا متباينة من خلال حركتها. ~~فالعالم - كما كشفت عنه الفيزياء الحديثة - هو عالم من القوى والطاقات التي تتبادل ~~التأثير، وهو في أدق جزيئاته مجموعة من الشحنات التي يستحيل التنبؤ بمسارها ~~مقدما. # هذه التطورات الحاسمة لم يكن معناها فقدان الثقة في العلم أو فتح الباب على مصراعيه ~~أمام الاتجاهات المعادية له؛ فمثل هذه النتيجة - التي استخلصها البعض بالفعل في أول ~~عهد النظريات الفيزيائية الجديدة - ليست صحيحة على الإطلاق، بل إن الصحيح هو أن العلم ~~قد اكتسب من تطوراته هذه قوة دافعة أدت به إلى المزيد من التقدم، وكان اكتشاف ~~التعقيد المتزايد لتركيب المادة ولقوانين الطبيعة - بوجه عام - حافزا للعلماء كيما ~~يتوصلوا إلى كشوف تطبيقية أعقد من كل ما عرفته البشرية حتى ذلك الحين، وإذا كنا ~~نفخر في عصرنا الحاضر باكتشاف الطاقة الذرية والحقول الإلكترونية وارتياد الفضاء، فمن ~~المؤكد أن هذه الكشوف كان من المستحيل إنجازها في الوقت الذي كانت تسود فيه النظرة ~~الآلية المباشرة إلى العالم، وهي لم تصبح ممكنة إلا منذ اللحظة التي اكتشفنا فيها ~~التعقد المتزايد للطبيعة والتأثيرات المتبادلة لمكوناتها، فكان هذا الاكتشاف هو ~~الأساس النظري الذي مهد لظهور مخترعات ونواتج علمية تماثل في تعقدها قوانين الطبيعة ~~التي بنيت عليها. ~~(2) الوضع الحالي للعلم # في القرن العشرين حدثت ثورة كمية وكيفية هائلة في المجال العلمي، بمعنى أن نطاق ~~العلم قد اتسع إلى حد هائل، كما أن إنجازاته قد اكتسبت صفات جديدة وأصبحت أهميتها ~~تفوق بكثير كل ما كان الحلم يحققه في أي عصر سابق، بل إن هذا التغير جعل العلم ~~هو الحقيقة الأساسية في عالم اليوم، وهو المحور الذي تدور حوله كل المظاهر الأخرى ~~لحياة البشر. # ولو نظرنا إلى الأمر من الزاوية الكمية الخالصة؛ لتبين لنا أن معدل نمو العلم قد ~~تسارع بصورة مذهلة خلال القرن العشرين؛ إذ تقول الإحصاءات: إن كمية المعرفة البشرية ~~تتضاعف - في وقتنا الحالي - خلال فترة تتراوح ms149 بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، وهو ما كان ~~يستغرق في العصور الماضية مئات السنين، وسيظل هذا المعدل في ازدياد مستمر، بحيث ~~إن الإنسان سيحتاج من أجل مضاعفة معرفته بالعلم عند نهاية هذا القرن إلى فترة لا ~~تزيد عن خمس سنوات. وبطبيعة الحال فإن تعبير «مضاعفة كمية المعرفة البشرية» قد يبدو ~~تعبيرا مضللا؛ لأن في المعرفة البشرية أمورا لا تقاس بالكم، فضلا عن أن بحثا ~~واحدا قد يكون أعظم أهمية في تقرير مصير العلم من عشرات الأبحاث، ولكن من الممكن - مع ~~ذلك - تحديد مستوى المعرفة في ميدان العلوم الطبيعية - بصورة مجملة - عن طريق عدد ~~الأبحاث التي تجرى فيه. # كذلك فإن عدد العلماء يتزايد بمعدل مذهل؛ فأشد الإحصاءات تحفظا تقول: إن ~~عدد العلماء الذين يعيشون الآن يساوي ثلاثة أرباع مجموع العلماء الذين عاشوا على هذه ~~الأرض منذ بدء التاريخ البشري. وهناك إحصاءات تقول إن العددين متساويان. ولو افترضنا ~~- تخيلا - أن الزيادة في عدد العلماء قد استمرت بنفس معدلها الحالي فسيكون معنى ~~ذلك أن كل رجل وامرأة وطفل لا بد أن يصبح عالما في أواسط القرن المقبل. وكذلك ~~يقدر هواة الإحصاءات أنه لو استمرت زيادة الإنتاج في البحوث العلمية بنفس معدلها ~~الحالي، فإن وزن المجلات العلمية الموجودة في العالم سيصبح - بعد مائة سنة - أثقل من ~~الكرة الأرضية ذاتها. ولو استمر الإنفاق على الأبحاث العلمية في الدول المتقدمة ~~يتزايد بمعدله الحالي، فإن هذه الدول ستنفق - بعد فترة لا تزيد عن خمسين سنة - كل ~~دخلها القومي على البحث العلمي والتكنولوجيا، دون أن يتبقى منه شيء للتعليم أو الصحة ~~أو الغذاء أو الجيش. # هذه كلها بطبيعة الحال إحصاءات فرضية؛ لأن حياة البشرية ستصبح مستحيلة لو أصبح كل ~~رجل وامرأة وطفل فيها عالما، ولم يعد هناك صناع أو زراع أو موظفون؛ ومن المستحيل ~~أن تترك المطبوعات العلمية لتتراكم حتى تسد علينا منافذ الحياة، أو أن ننفق على ~~البحث العلمي وحده ونترك سائر القطاعات الحيوية بغير إنفاق. فكل ما تدل عليه هذه ~~الإحصاءات هو أن معدل النمو ms150 في العلم يتزايد في القرن العشرين بسرعة مخيفة، وأنه ~~سيكون من المحتم وضع حد لهذه الزيادة، وتخفيف حدتها في المستقبل، حتى تصبح حياة ~~الإنسان ممكنة، وإن كان هذا لا يعني بأي حال إيقاف تقدم العلم؛ لأن العدد الحالي من ~~العلماء - حتى لو استمر دون زيادة - كاف لإحداث تغيرات هائلة في العلم، لا سيما ~~وأن الظروف التي يعمل فيها العلماء والأدوات التي يستخدمونها سوف يرتفع مستواها ~~وتتضاعف قدراتها على الدوام. # ومن جهة أخرى فهذه الإحصاءات تنطبق على البلاد المتقدمة وحدها، وهي وحدها كافية لكي ~~يدرك القارئ إلى أي حد ستظل الهوة بيننا وبين العالم المتقدم تتسع باستمرار، ~~إذا لم يتغير موقفنا من العلم ومن البحث العلمي تغييرا جذريا؛ ففي الوقت الذي ~~أصبحت فيه البلاد المتقدمة تشعر بخوف حقيقي من جراء النمو السريع للبحث العلمي، ~~وتفكر في وسائل إيقاف هذا التسارع المذهل، نعاني نحن من نوع عكسي من الخوف على ~~مستقبلنا في عالم يقرر مصيره العلم الذي لا نبدي به اهتماما كبيرا، وأبسط ما ~~يمكننا أن نلاحظه - في هذا الصدد - هو أن النجاح في العلم (كما هو في ميدان المال) ~~يولد مزيدا من النجاح، وأن الاتساع المتزايد في قاعدة البحث العلمي وازدياد جذورها ~~تعمقا يعطي الجيل القادم فرصا أعظم لمضاعفة الإنجازات العلمية، مما يؤدي في ~~النهاية إلى تقدم يستحيل أن يتنبأ العقل بأبعاده. أما في حالة البلاد المتخلفة ~~علميا فإن الفشل يؤدي إلى مزيد من الفشل؛ لأن العلماء الذين يشعرون بخيبة الأمل ~~والإحباط، والذين يفتقرون إلى وسائل البحث الجاد وإمكاناته، ويمشون في جو لا يشجع ~~عليه، سيتركون من ورائهم جيلا أكثر إحباطا وأقل مقدرة، وسيصبح هذا الجيل الأضعف ~~هو المسئول يوما ما، وهلم جرا. # فإذا حاولنا أن نقدم عرضا لأهم إنجازات هذا العلم المعاصر؛ لكي نتبين منها ~~الملامح المميزة له من العلم في العصور الماضية، فإن مهمتنا تبدو في هذا الصدد شديدة ~~الصعوبة؛ ذلك لأن هذه الإنجازات تبلغ من الكثرة والتشعب حدا يجعل من العسير تقديم ~~عرض يتسم بأي قدر من الشمول ms151 لها، كما يجعل من الصعب الاختيار بينها إذا كان الهدف هو ~~عرض نماذج منها. وعلى أية حال فسوف نكتفي بالكلام عن مجموعة من الإنجازات التي يكاد ~~يكون هناك إجماع في الرأي على أهميتها العظمى في حياة الإنسان المعاصر، مع تأكيد حقيقة ~~أساسية هي أن هناك إنجازات أخرى لا تقل عنها أهمية في نظر الكثيرين. # أول هذه الإنجازات هو كشف إمكانات الطاقة الذرية، ولقد كان اكتشاف الطاقة الكامنة في ~~الذرة حصيلة مجموعة كبيرة من التطورات الأساسية في علم الفيزياء، من أهمها اهتداء ~~«أينشتين» إلى معادلته المشهورة بين المادة والطاقة ، ولسنا نود أن نتحدث الآن عن ~~الأهمية النظرية لهذا الكشف الكبير الذي أزال الحد الفاصل بين ما كان يعتقد أنه «مادة ~~صلبة» وبين الطاقة التي هي مجرد قوة غير ملموسة، ولكن ما يهمنا هو أن معادلة أينشتين ~~ظلت حقيقة «نظرية» في حاجة إلى التحقيق العلمي والتجريبي، وكانت الظروف العالمية - ~~الخارجة عن نطاق العلم - هي وحدها التي هيأت الفرصة لهذا التحقيق العملي، وهي التي ~~جعلت أول وأهم تطبيقات هذه المعادلة يحدث في الميدان العسكري. # فقد كان من المعروف - قبل الحرب العالمية الثانية - أن العلماء الألمان قد قطعوا ~~شوطا بعيدا في محاولة استغلال المعرفة النظرية المتعلقة بالتركيب الداخلي للذرة، ~~وكان من الحقائق المسلم بها أن هذه المحاولات سوف تسير أولا - وقبل كل شيء - في ~~الاتجاه العسكري، وكان هناك خوف حقيقي من أن يكتسب هؤلاء العلماء - في عهد هتلر - ~~القدرة على الاستغلال الحربي لتلك الطاقة الهائلة التي تتولد عن انشطار الذرة، ~~وتضاعف هذا الخوف باقتراب نذر حرب عالمية جديدة، وبالمسلك العدواني المغرور الذي ~~كان هتلر يسلكه مع الدول المحيطة به في الفترة السابقة على تلك الحرب. وكان أول من ~~تنبه إلى هذا الخطر مجموعة من العلماء معظمهم ممن هاجروا إلى الولايات المتحدة ~~فرارا من الاضطهاد في العهد النازي. وهكذا ~~اجتمعت كلمة هؤلاء العلماء - وعلى رأسهم أينشتين نفسه - على أن يكتبوا إلى الرئيس ~~روزفلت - رئيس الولايات المتحدة في ذلك الحين - داعين إياه إلى أن يخصص لهم ms152 الأموال ~~والاستعدادات اللازمة؛ حتى يتسنى لهم الوصول إلى هذا السلاح الجديد قبل أن يتوصل ~~إليه حاكم طاغ يمكن أن يسيطر به على العالم ويفرض عليه قيمه وأفكاره المعادية ~~للإنسان. # وبالفعل قدمت الدولة إلى مجموعة العلماء المشتغلين في هذا المشروع - الذي عرف ~~باسم «مشروع مانهاتان» # Manhattan Project ~~- كل ما ~~يحتاجون إليه من مساعدات ووسائل للبحث، واستطاع العلماء الأمريكيون أن يجروا في عام ~~1945 في صحراء نيفادا أول تجربة ذرية في التاريخ. ولم تمض إلا مدة قصيرة حتى وضع ~~السلاح الرهيب الجديد موضع التطبيق الفعلي، فألقيت أول قنبلة ذرية على هيروشيما في ~~اليابان في 8 أغسطس 1945، وأعقبتها بعد أيام قلائل القنبلة الثانية على نجازاكي؛ مما ~~عجل بالاستسلام النهائي لليابان، آخر دولة ظلت في الحرب. # وسوف نتحدث فيما بعد عن الدلالة الإنسانية للسلاح الذري بوجه ~~عام - ولقنبلتي هيروشيما ونجازاكي - وهما ~~القنبلتان الذريتان الوحيدتان اللتان استخدمتا في حرب حقيقية حتى اليوم - بوجه خاص، ~~ولكن ما يهمنا في هذا الصدد هو الإشارة إلى أن نجاح «مشروع مانهاتان» كان معناه دخول ~~الإنسانية عصرا جديدا هو ما أصبح يعرف بعد ذلك باسم العصر الذري. وصحيح أن ~~الإنسانية قد أعلنت عن دخولها هذا العصر بطريقة تدعو إلى الأسى من خلال دوي يصم ~~الآذان، وكرة هائلة من النار تصهر حرارتها الحديد، وصراخ عشرات الألوف من الأطفال ~~والنساء والضحايا الذين لا يعرفون لماذا يحدث ذلك كله، ولكن المهم في الأمر أن العلم ~~الإنساني وصل بهذا الانفجار إلى نقطة تحول حاسمة في تاريخه، وأن إحدى قمم المعرفة ~~البشرية قد بلغت من خلال الحضيض الذي تردت إليه الإنسانية في أبشع وأسرع حادثة قتل ~~جماعي في التاريخ. # ومنذ ذلك الحين أصبحت الذرة من أبرز المعالم ~~المميزة لعصرنا، فتطورت الأسلحة في الميدان العسكري، من القنابل الذرية إلى القنابل ~~الهيدروجينية التي هي أشد فتكا بكثير، ووصلت هذه القنابل الآن إلى درجة من القدرة ~~التدميرية أصبح العلماء معها يصنفون قنبلة هيروشيما بأنها «لعبة أطفال». ولم تعد ~~هذه القنابل الآن سلاحا عسكريا فحسب، بل أصبحت سلاحا استراتيجيا ms153 في المحل الأول؛ ~~وذلك حين لم تعد تحتكرها دولة واحدة، وحين تطورت وسائل نقلها وأصبحت قادرة على ~~الوصول إلى أي مكان في العالم. وهكذا نشأ ميزان الرعب النووي بين الدولتين الكبيرتين؛ ~~الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وترتبت على ذلك المناورات السياسية والعسكرية ~~التي شهدتها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكل محاولات الردع والاحتواء ~~والأحلاف العسكرية، ثم التعايش السلمي والوفاق ... # وفي الجانب الآخر كان العلماء يشتغلون بجد من أجل كشف الوسائل التي يمكن بها ~~تسخير هذه الطاقة الهائلة الجديدة للأغراض السلمية، وبالرغم من كل ما تم إحرازه في ~~هذا الميدان من تقدم، فإن الحقيقة المؤسفة التي ينبغي الاعتراف بها، والتي تنطوي على ~~إدانة خطيرة للإنسان المعاصر، هي أن القدرة على استخدام الذرة في المجالات السلمية ما ~~زالت في مستوى أقل بكثير من القدرة على استخدامها في الأغراض العسكرية؛ أي إن ~~الإنسان ما زال يثبت أنه أقدر على استخدام عقله وعبقريته من أجل الموت، منه على ~~استخدامه من أجل الحياة. ومع ذلك فلا بد أن نسجل أن أعدادا من الإنجازات الهامة ~~قد تحققت في هذا الميدان؛ إذ إن الذرة استخدمت في العلاج الطبي بنجاح غير قليل، ~~وخاصة في حالة بعض الأمراض المستعصية، كما أمكن بفضلها إنجاز مشروعات هندسية كبرى؛ ~~كشق الترع أو حفر الأنفاق أو هدم عوائق صخرية ضخمة، والأهم من ذلك أن شوطا كبيرا ~~قد قطع في طريق استخدام الطاقة الذرية كمصدر للوقود، وما زالت الأبحاث جارية لكي ~~تستطلع كل إمكانات هذه الطاقة الهائلة. # وفي نفس الوقت الذي دوى فيه صوت الانفجار الذري في هيروشيما لكي يعلن على الملأ ~~بداية عصر الذرة، كان هناك عالم هادئ يعلن بأبحاثه - في تواضع شديد - قيام علم جديد ~~أطلق عليه اسم «السيبرنطيقا» # Cynernetics ~~، وكان ظهور ~~هذا العلم الجديد هو بدوره واحدا من المعالم البارزة لعصرنا الحاضر، بل قد يثبت على ~~المدى الطويل أن تأثيره في مستقبل الإنسانية أهم بمراحل من تأثير الانشطار النووي؛ هذا ~~العالم هو «نوربرت فينر» # Norbert Wiener # الذي كانت ~~أبحاثه هي الأساس ms154 الأول لاختراع العقول الإلكترونية. # 2 # كانت فكرة هذا العالم هي تطبيق ما يحدث في الإنسان - بوصفه جهازا حيا متكاملا - ~~على الآلات من أجل بلوغ مرحلة جديدة في تطورها مختلفة عن كل ما استخدمت فيه الآلات ~~من قبل. وعلى هذا الأساس فقد درس الوظائف التي يقوم بها الجهاز العصبي للإنسان، والتي ~~يتمكن الإنسان بواسطتها من أن يصحح مسار أفعاله ويعيد توجيهها وفقا لما يواجهه من ~~مواقف، وأن يأمر نفسه ويطيعها ويختبر نتائج سلوكه ويعدلها. وحين أمكن تطبيق نتائج ~~هذه الدراسات في صنع جيل جديد من الآلات، كانت تلك آلات من نوع لم يألفه الإنسان من ~~قبل؛ فهي ليست تلك الآلات التي تحتاج إلى إشراف دائم للإنسان، ولا تعمل إلا وفقا ~~لأوامره، ولا تسير إلا في خط واحد يرسمه لها مقدما، بل إنها كانت آلات تصحح ~~مسارها بنفسها، وتتبادل مع نفسها الأوامر وتنفيذ الأوامر، وتقوم بأعمال إنتاجية أعقد ~~وأكمل بكثير مما كانت تقوم به الأجيال السابقة من الآلات، سواء منها البخارية ~~والكهربائية، وهكذا كانت فكرة تلك الآلات تتضمن في داخلها «عقلا» حاسبا يراقب ~~عملها ويعدله ويصححه، ويعيد توجيه سيرها وفقا لما يجريه من حسابات. # وقد نجحت هذه الآلات في إحداث تحول هائل في ميدان الإنتاج المادي؛ إذ إن كفاءتها ~~كانت أعلى بكثير من كل أنواع الآلات السابقة، فضلا عن أنها توفر نسبة كبيرة من ~~الأيدي العاملة؛ أي كانت تحقيقا فعليا لحلم بشري قديم، هو حلم الآلة التي تقوم ~~بكل أعمال الإنسان وتعفيه من مشقة العمل، وهذا بالفعل ما حدث إلى حد بعيد في عصر ~~الآلية الذاتية # Automation ~~. # ولكن الإنجاز الأكبر لهذا المبدأ الهام الذي قامت عليه هذه الآلات الجديدة كان ~~تطبيقها في ميدان العمل العقلي باختراع نوع جديد من الآلات هو «العقول الإلكترونية»، ~~وكان ذلك شيئا جديدا كل الجدة في التاريخ البشري؛ إذ إن كل ما كان يستعين به الإنسان ~~قبل ذلك من وسائل وأدوات - ابتداء من الفأس ودواب الحمل حتى الآلة البخارية ~~والكهربائية - كانت توفر على الإنسان طاقته «الجسمية»، فتقوم بدلا ms155 منه بالعمل ~~المرهق، أو تنقله بطريقة أسرع، أو تنتج له سلعة بوفرة. أما الميدان العقلي فقد كان ~~الإنسان وحده هو الذي يتحمل أعباءه، ويؤمن بأن شيئا لن يستطيع أن يمد إليه يد ~~المساعدة في هذا الميدان بالذات. ومن هنا فإن ظهور العقول الإلكترونية يعد مرحلة ~~جديدة في حياة الإنسان العقلية، وخطوة جبارة في طريق التقدم العلمي، فضلا عن أنه فتح ~~آفاقا هائلة أمام المعرفة البشرية في مختلف ميادينها. # والواقع أن هذا الكشف الجديد قد أتى في وقته المناسب تماما؛ ذلك لأن العصر الحاضر هو ~~- باعتراف الكثيرين - عصر «الانفجار المعرفي» أو «انفجار المعلومات»؛ فكمية المعلومات ~~في أي ميدان من ميادين البحث - مهما كان مقدار تخصصه - تتسع إلى حد يستحيل على ~~العقل البشري - مهما كان مدى قوة ذاكرته - أن يستوعبه، وفي البلاد المتقدمة علميا ~~يتعين على الباحث قبل أن يشرع في عمل علمي جديد أن يكون ملما بأحدث ما تم التوصل ~~إليه في ميدانه حتى يفيد من جهود الآخرين، ويبدأ من حيث انتهوا، وحتى لا يكرر عملا ~~سبق لغيره القيام به في مكان ما. # ولكن وسائل الاطلاع العادية - كالبحث عن أحدث الكتب والمجلات العلمية في المكتبات - ~~لا تجدي في هذا العصر الذي تتدفق فيه الأبحاث الجديدة ويتزايد عددها بلا انقطاع، ~~وهنا تأتي العقول الإلكترونية لتقوم بدور «الذاكرة الصناعية»؛ فهي تحفظ المعلومات ~~المتعلقة بالكتب والمقالات الهامة في كل موضوع فرعي، وتزود الباحث على الفور ~~بقائمة كاملة من المراجع التي يتعين عليه قراءتها في الميدان الذي اختاره، أو تقدم ~~إليه المعلومات المطلوبة مباشرة وتعفيه من جهود شاقة تدوم «سنوات» دون أن تصل أبدا ~~إلى المستوى المطلوب. # وبطبيعة الحال فقد تناولنا دور العقول الإلكترونية في مساعدة العقل البشري بوصفه ~~نموذجا لما تؤديه التكنولوجيا الجديدة من خدمات أساسية في ميدان العلم، ومن المعروف ~~أن الدور الذي تقوم به هذه العقول في الميدان العلمي أوسع من ذلك؛ فهي ليست «ذاكرة ~~صناعية» فحسب، بل إنها تؤدي عمليات ذهنية يعجز عنها العقل البشري، أو لا يؤديها ~~إن استطاع إلا ms156 في سنوات عديدة، فهي تقوم بأدق العمليات الحسابية وأعقدها بسرعة ~~هائلة، وهي عظيمة الكفاءة في المجالات التي تتحدد فيها العوامل وتتنوع إلى الحد ~~الذي يقف أمامه العقل الإنساني عاجزا؛ فحين تتعدد المتغيرات في موقف معين، كما هي ~~الحال في الحسابات المتعلقة بتوجيه سفينة فضائية إلى كوكب بعيد، يكون في استطاعة العقل ~~الإلكتروني أن يحسب بسهولة اتجاه المسار الصحيح من خلال عمل حساب مجموعة من العوامل ~~الشديدة التعقيد، مثل سرعة السفينة وسرعة دوران الأرض والجاذبية وحركة الكوكب وجاذبيته، ~~إلى آخر ذلك من العوامل التي يستحيل على العقل البشري أن يجمعها كلها في عملية ~~واحدة. # والأمر الذي ينبغي أن نشير إليه أخيرا فيما يتعلق بالدور الذي تقوم به العقول ~~الإلكترونية في العصر الحاضر، هو أن هذه العقول إذا كانت هي ذاتها نتاجا لتفكير وتطبيق ~~علمي رفيع، فإنها من جانبها تعمل على زيادة ارتفاع مستويات التفكير العلمي في البلاد ~~التي تستخدمها على نطاق واسع؛ ذلك لأنها إذا كانت تعفي العالم كما قلنا من عمليات ~~شاقة تتعلق بجمع المواد العلمية لأبحاثه وتعريفه بجهود الآخرين، وإذا كانت تقوم ~~بدلا منه بالربط بين العوامل التي تزداد تعددا وتعقيدا كلما ارتقى البحث العلمي، ~~فإنها تتيح للعالم بذلك أن يتوغل في أبحاثه إلى مستويات أعمق، وتمكنه من أن يستكشف ~~أبعادا للطبيعة كان من المستحيل أن يصل إليها في المرحلة التي كان يكتفي فيها باستخدام ~~تفكيره العقلي الخاص. ومن هنا فإن التفكير العلمي ذاته يزداد دقة وتعمقا، وتظل ~~الحركة المتبادلة مستمرة بين العقل البشري والعقل الإلكتروني؛ فالعقل البشري اخترع ~~العقل الإلكتروني نتيجة لبلوغه مستوى عاليا من التقدم، والعقل الإلكتروني يعود فيساعد ~~العقل البشري على إحراز المزيد من التقدم. وهذا التقدم الجديد يؤدي إلى تطوير العقول ~~الإلكترونية بحيث تؤدي وظائف أوسع وأعقد. وهذه العقول الإلكترونية المطورة ترتفع ~~بعقول العلماء إلى مستويات جديدة. وهكذا تستمر الحركة الحلزونية في صعودها، فاتحة بذلك ~~آفاقا لم تكن البشرية تحلم بها في وقت من الأوقات. ومن هنا فقد أصبح عدد العقول ~~الإلكترونية المستخدمة في بلد ms157 ما مؤشرا هاما، لا لتقدمه الصناعي والتكنولوجي فحسب، ~~بل لتقدمه النظري أيضا ولارتفاع مستوى التفكير العلمي بين باحثيه. # ونستطيع أن نستطرد قليلا في وظيفة «الذاكرة ~~الصناعية» التي تقوم بها العقول الإلكترونية؛ لأن لهذا الموضوع أهمية خاصة في عالمنا ~~العربي على وجه التحديد؛ فالعقل البشري لا يستخدم قدراته على الوجه الأكمل إذا ما نظرنا ~~إليه في ضوء أساليب البحث التقليدية التي لا تزال سائدة في بلادنا. وحسبنا أن نتأمل ~~طريقة عمل أي باحث لندرك أن الجزء الأكبر من وقته وجهده يضيع في أعمال روتينية مملة ~~ليس فيها خلق أو إبداع؛ كالبحث عن المادة العلمية اللازمة وسط ركام المؤلفات الهائل، ~~وجمع قوائم المراجع، وترتيب المادة المعطاة، وكتابة الملخصات وعمل الحسابات، ~~واستذكار قدر كبير من المعلومات واستيعابها، وهذه كلها أعمال لا تحتاج إلى إبداع أو ~~ابتكار. ويمكن القول: إن تبديد طاقة العقل فيها هو أشبه بما كان يفعله الإنسان في ~~العصور السابقة، حين كان يبدد الجزء الأكبر من طاقته الجسمية في العمل اليدوي قبل ~~اختراع الآلات، كما أنه أشبه بالطاقة التي يبددها العدد الأكبر من النساء - حتى في ~~وقتنا الراهن - في القيام بالأعمال المنزلية المملة المتكررة ... وكما أن الإنسان ~~الذي كان يستخدم طاقة جسمه في العمل اليدوي لم يكن يتبقى له فضل من الطاقة يستخدمه في ~~أي غرض أهم، وكما أن المرأة التي تقضي معظم ساعات يومها في أداء الأعمال المنزلية ~~والروتينية لا تستطيع أن تبدي اهتماما بأية قضية فكرية جادة، أو أن تتذوق الفن ~~الرفيع أو أن تمارس عملا عقليا يحتاج إلى تعمق، كذلك يؤدي انشغال عقل العالم ~~بالأعمال الآلية إلى تبديد قدر كبير من طاقته الذهنية التي يحتاج إليها من أجل كشف فكرة ~~جديدة أو ابتكار تطبيق غير معروف. # وهذا بعينه هو ما تفعله العقول الإلكترونية؛ إذ تنقل العقل البشري من مرحلة ~~استخدامه «البدائي» في الأعمال الروتينية إلى مرحلة الانتفاع بقدراته إلى أقصى حد في ~~الخلق والإبداع، وحين تفعل العقول الإلكترونية هذا فهي إنما تؤكد مرة أخرى ذلك ~~التضاد - الذي لم ms158 نعترف به في بلادنا للأسف الشديد - بين ملكة الذاكرة وملكة ~~الإبداع الذهني. # فما زال عدد غير قليل من علمائنا يتصور أن العلم هو الاستيعاب، وما زال منهم من ~~يتفاخر في مجالسه باتساع معلوماته وتشعب معارفه، ويستعرض على الملأ قوة ذاكرته ~~فيبهر الحاضرين بتلك الكمية الهائلة من المعلومات التي يضمها ذهنه، ويثبت لهم أنه ~~«موسوعة متحركة» قادرة على استعادة واستظهار قدر غير عادي من الحوادث والوقائع، ولكن ~~هذا كله لا يعدو أن يكون عملية استعراضية جوفاء، بل إن ملء الذهن بالمعلومات ~~المكدسة كثيرا ما يكون على حساب قدرة هذا الذهن على الإبداع، وكأن التكدس والحشو ~~الذي امتلأ به الذهن يمنعه من الحركة الطليقة، ويخلق لديه نزوعا إلى ترديد ما سبق له ~~أن قرأه أو سمعه، وهو نزوع مضاد لكل إبداع. فالذهن المزدحم بالمعلومات - ~~المنشغل دائما بما يأتيه من المصادر الأخرى - لا تعود لديه قدرة أو طاقة على كشف ~~الجديد، بل يجد متعته الكبرى في «إفراغ» محتوياته أمام الناس في كل مناسبة، وهو عمل قد ~~يبهر البعض، ولكنه لا يدل على أصالة أو ابتكار، وهكذا يبدو أن هناك تناسبا عكسيا ~~بين استخدام المرء لذاكرته واستخدامه لملكاته الخلاقة، وهذا التناسب العكسي يسير - في ~~عصر العقول الإلكترونية التي تتولى عن الإنسان أعمال الذاكرة الآلية - في صالح ملكات ~~الإبداع بغير حدود. # ومن المستحيل أن نصحح هذا الوضع في بلادنا إلا إذا بدأنا منذ البداية، أعني أن ~~نعيد بناء نظمنا التعليمية التي تعتمد الآن اعتمادا يكاد يكون تاما على تنمية ~~الحفظ واستيعاب المعلومات؛ فنحن لا نحتاج إلى هذه الملكة - في عصر العقول ~~الإلكترونية - إلا احتياجا ضئيلا، وأهداف نظمنا التربوية يجب أن تتحول تحولا ~~جذريا؛ من تعهد ملكة الذاكرة وتنميتها وحشوها بالمعارف، إلى رعاية الملكات ~~الابتكارية والإبداعية والقدرة على مواجهة المواقف الجديدة غير المتوقعة بذكاء وحسن ~~تصرف، وهذا تحول سيكون علينا أن نواجهه - عاجلا أو آجلا - ما دمنا نعيش في عصر ~~العقول الإلكترونية. # أما الإنجاز الثالث الذي نود أن نقول كلمة ~~موجزة عنه - في هذا الحديث عن ms159 إنجازات العلم المعاصر - فهو غزو الفضاء، ومن المؤكد أن ~~هذا الإنجاز كان ولا يزال وثيق الارتباط بالإنجازين السابقين؛ إذ إن العقول الإلكترونية ~~قد لعبت دورا عظيم الأهمية في صناعة الصواريخ الفضائية وحساب مساراتها وتوجيهها، أما ~~الطاقة الذرية واستخدامها في ميدان التسلح، فكانت بدورها من العوامل الفعالة ~~المؤدية إلى إعطاء قوة دافعة لبرامج غزو الفضاء؛ إذ إن من الأهداف الرئيسية لظهور ~~هذه البرامج وتطويرها - في فترة الحرب الباردة - أن تكون المركبات أدوات لحمل الأسلحة ~~الذرية إلى قلب البلاد المعادية. # ولكن لنعد في قصة غزو الفضاء إلى الوراء قليلا؛ فمن المعروف أن الألمان - ~~منذ فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية - ~~كانوا يسيرون بخطى واسعة في الأبحاث المتعلقة بتكنولوجيا الدفع الصاروخي، وأنهم ~~وجهوا هذه الأبحاث في اتجاهات عسكرية أساسا، وتمكنوا خلال الحرب ذاتها من استخدام ~~صاروخ # V # 2 ~~(ف # 2 ~~)، وكان المشرف على هذه الأبحاث هو عالم الصواريخ ~~المشهور فون براون # Von Braun # الذي أصبح له بعد ذلك ~~شأن هام في برنامج الفضاء الأمريكي. # ومن المؤسف أن البداية الحقيقة لهذا الإنجاز التكنولوجي الهام كانت بداية حربية، كما ~~أن أهم تطوراته اللاحقة كانت متعلقة بالأغراض العسكرية؛ فقد أدرك الاتحاد السوفيتي ~~أهمية هذا الكشف الجديد، وسار في أبحاثه بطريقة مستقلة، وكانت لديه دوافع قوية للإسراع ~~في هذه الأبحاث؛ إذ كانت الاستراتيجية الأمريكية في فترة الحرب الباردة تعتمد على تطويق ~~الاتحاد السوفيتي بسلسلة من القواعد العسكرية القريبة من حدوده، والتي تجعل الأراضي ~~السوفيتية كلها في متناول الطائرات الأمريكية، بينما الأرض الأمريكية بعيدة تماما عن ~~كل أسلحته المعروفة حتى ذلك الحين، ومن هنا فقد كان من أهم أهداف برنامج الصواريخ ~~السوفيتية التخلص من عملية التطويق هذه، والاهتداء إلى وسيلة توصل التهديد أو ~~الرد على التهديد إلى قلب الأراضي الأمريكية من وراء ظهر القواعد التي ~~تطوقه. # وهكذا كان الاتحاد السوفيتي هو الذي افتتح عصر السفن الفضائية التي تطلقها صواريخ ~~قوية من قواعد أرضية؛ لتدور حول الأرض بسرعة لم تألفها البشرية من قبل، أو لتستكشف ~~الفضاء البعيد عن الأرض ms160 بفضل السرعة التي تتيح لها الإفلات من الجاذبية الأرضية. ولقد ~~كان إطلاق القمر الصناعي السوفيتي الأول، «سبوتنيك 1» في 4 أكتوبر 1957 جزءا من برنامج ~~علمي دولي كانت بلاد كثيرة تعد أنفسها للإسهام فيه منذ وقت طويل، هو برنامج «السنة ~~الجيوفيزيقية الدولية» التي اختير لها عام 1957، وكان إطلاق القمر الصناعي هذا بالفعل ~~أبرز أحداث هذا البرنامج العلمي، ولكن المغزى العسكري لهذا الحدث الهام لم يغب عن ~~أحد؛ إذ كان معناه أن قوة دفع هائلة جديدة قد اكتشفت، وأن في استطاعة الصاروخ - ~~الذي يدفع القمر الصناعي في مدار حول الأرض - أن يحمل سلاحا نوويا ويعبر به ~~القارات؛ ليصيب أي مكان على سطح الأرض، مما كان يعني ضرورة إدخال تغيير حاسم على ~~استراتيجية الدول الكبرى. # ولقد كانت الولايات المتحدة هي ثالثة ~~الدول في ترتيب الدخول في عصر الصواريخ، وكان للعلماء النازيين - الذين آثروا أن ~~يستأنفوا نشاطهم في الولايات المتحدة ومنهم فون براون نفسه - دور عظيم الأهمية في ~~تعويض التخلف الذي كان يبدو - في أول سنوات عصر الفضاء - أن الولايات المتحدة تعاني ~~منه، وسرعان ما وضع - منذ عهد الرئيس كيندي - برنامج طموح هدفه إنزال أول إنسان ~~على القمر في عام 1969، وبالفعل نفذ هذا البرنامج بدقة، وأسفر عن هذا الإنجاز ~~الرائع الذي يراه البعض أعظم الإنجازات العلمية في القرن العشرين، وهو سير رائد الفضاء ~~الأمريكي «نيل أرمسترونج» على القمر في نفس الموعد المحدد في ذلك البرنامج. # وخلال ذلك كله كانت أهداف برامج الفضاء تتفاوت بين الأغراض العلمية كاستكشاف ~~الموارد الأرضية أو التنبؤ بالأحوال الجوية، والأغراض الإعلامية كأقمار الاتصالات ~~التليفزيونية، والأغراض العسكرية كأقمار التجسس، ولكن الأمر المؤكد هو أن نقطة ~~البداية في برامج الدولتين الكبيرتين كانت عسكرية، وإن كانت الأهداف العلمية قد أخذت ~~تكتسب أهمية متزايدة، بل لقد بدا في وقت من الأوقات أن هناك اندماجا بين هذه ~~الأهداف كلها؛ إذ إن العودة بعينات من صخور القمر أو إجراء تجارب على سطح المريخ، هي ~~حقا أغراض علمية في المحل الأول، ولكنها تعطي الدولة التي تحققها مكانة ms161 وهيبة، ~~وتنبئ بارتفاع مستواها التكنولوجي إلى الحد الذي يخدم أغراضها الاستراتيجية خدمة ~~كبرى. # ومع ذلك فالأمر المؤكد هو أن هذا الإنجاز التكنولوجي العظيم - الذي بدأ مستهدفا ~~أغراضا عسكرية في المحل الأول - ستكون له في المستقبل نتائج علمية بالغة الأهمية، بل ~~إن البعض يربط بين مستقبل البشرية وبين غزو الفضاء؛ إذ إن أرضنا هذه بدأت تضيق بمن ~~عليها، وقد لا يكون من محض المصادفات أن يبدأ عصر الفضاء في نفس الوقت الذي أخذت ~~البشرية تحس فيه بالخطر من نفاد موارد الأرض. وباقتراب الوقت الذي يتعين فيه على ~~الإنسان أن يتخذ قرارات حاسمة بشأن التزايد السكاني المخيف، فمن الجائز أن يكون غزو ~~الفضاء هو الحل الأمثل لهذه المشكلات، ومن الجائز أن يكون اتفاق التوقيت هذا مثلا آخر ~~من أمثلة تلك القدرة العجيبة التي يستطيع بها العقل الإنساني أن يهتدي إلى حل ~~لمشكلاته في اللحظة المناسبة. # وعلى أية حال فإن من يعتقد أن في هذا ~~إسرافا في الخيال، عليه أن يتذكر أننا ما زلنا في المراحل الأولى لعصر استكشاف الفضاء؛ ~~فعمر هذا العصر بكل إنجازاته لم يصل - حتى كتابة هذه السطور - إلى عشرين عاما بعد، ~~والفترة التي انقضت منذ «سبوتنيك» السوفيتي الذي لم يكن وزنه يزيد عن ثلاثين رطلا حتى ~~إرسال رجلين إلى القمر، ومعهما ثالث في السفينة الأم التي تزن عدة أطنان؛ لم تزد عن ~~اثني عشر عاما، فإذا كان هذا التطور الهائل قد تحقق في تلك الفترة الوجيزة، فهل يستطيع ~~أحد أن يتخيل ما يمكن أن يتم إنجازه بعد مائة عام أو بعد خمسمائة عام، مع ملاحظة ~~الزيادة المطردة في معدل التقدم؟ وهل يكون من الخيال المسرف أن نتخيل ~~مستعمرات بشرية في كواكب بعيدة وسفن فضاء تستكشف أبعد أطراف المجموعة الشمسية، ~~ومحاولات للخروج من هذه المجموعة إلى النجوم البعيدة، بل محاولات للخروج من ~~«المجرة» التي ننتمي إليها إلى مجرات أخرى؟ # وبطبيعة الحال فإن المسافات الهائلة التي ~~ينبغي عبورها في هذه المحاولات تكاد تجعل من المستحيل علينا - في ضوء معرفتنا الحالية ~~- أن ms162 نتصور كيف يستطيع الإنسان أن يقضي مئات السنين في سفينة فضائية تسير به نحو نجم ~~يبعد عنا مسافة تقدر بالسنين الضوئية، ولكن من المؤكد أن سرعات السفن الفضائية ~~ستزداد دواما، بل إن البعض لا يستبعد مجيء يوم تقترب فيه هذه السفن من سرعة الضوء، ~~وحتى لو تحقق هذا فستظل هناك مشكلات لا حصر لها متعلقة بكميات الغذاء والهواء ~~اللازمة لهذه الرحلات التي تدوم قرونا، ومتعلقة بعمر الإنسان الذي لا يتجاوز حتى ~~الآن القرن الواحد على أحسن الفروض. # ولكن لنذكر مرة أخرى ما حققه عصر الفضاء خلال عشرين عاما فقط، ولنتصور أن ~~البشرية لن تحاول الانتحار عن طريق حرب عالمية ثالثة، وأنها ستظل تتقدم بمعدل ~~يزداد سرعة باطراد طوال قرن آخر أو عدة قرون أخرى، فهل ستكون هذه الأحلام عندئذ بعيدة ~~عن التحقيق؟ إن الكلام عن الصعود إلى القمر كان يعد - منذ ربع قرن فقط - ضربا من ~~الجنون، أو من الخيال الشعري (والأمران كما نعلم متقاربان) فهل نستكثر على إنسان ~~القمر الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين أن يصل إلى آفاق الكون البعيدة؟ # في هذا العرض العاجل اخترنا ثلاثة أمثلة لإنجازات العلم المعاصر؛ هي الطاقة النووية ~~والعقول الإلكترونية وغزو الفضاء، ومن المستحيل أن يقتصر المرء على أمثلة كهذه إذا شاء ~~أن يقدم صورة شاملة لما حققه العلم في العصر الحاضر؛ بحيث إن أي اختيار لا بد أن ~~يغفل إنجازات عظيمة الأهمية، ولكن الواقع أننا لم نختر هذه الأمثلة إلا لأنها هي الأشهر ~~على مستوى المعلومات العامة، وكم من كشوف أخرى صامتة أو لا تحيط بها ضجة كبيرة، كان ~~لها في حياة الإنسان تأثير لا يقل عن تأثير النماذج السابقة. # وعلى أية حال، فإن هذه الأمثلة تكفي للكشف عن الطبيعة الثورية للعلم المعاصر الذي ~~أحدث تحولا حقيقيا في حياة البشر، وأصبح هو الحقيقة الأساسية في العالم الذي نعيش ~~فيه، وحسبنا أن نقارن بين أسلوب الحياة في مثل هذه الأيام منذ مائة عام، وبين أسلوب ~~حياتنا الحالي؛ لكي نقتنع بأننا لن نفهم عالمنا هذا ms163 إلا في ضوء التقدم العلمي الذي ~~نعيش فيه ونتمتع بإنجازاته دون أن نشعر؛ ذلك لأن العلم - الذي لم يعد ظاهرة هامشية ~~على الإطلاق - يكتسب أبعادا اجتماعية تزداد أهميتها يوما بعد يوم، وفي كل لحظة يزداد ~~الإنسان اقتناعا بأن مصيره - سواء أكان يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ - مرتبط ~~بالعلم، فما هي هذه الأبعاد الاجتماعية؟ وما تأثيرها الفعلي والممكن على ~~الإنسان؟ # الفصل السادس # | الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر # (1) العلم والمجتمع # ليس العلم ظاهرة منعزلة، تنمو بقدرتها ~~الذاتية وتسير بقوة دفعها الخاصة وتخضع لمنطقها الداخلي البحت، بل إن تفاعل العلم مع ~~المجتمع حقيقة لا ينكرها أحد؛ فحتى أشد مؤرخي العلم ميلا إلى التفسير «الفردي» ~~لتطور العلم، لا يستطيعون أن ينكروا وجود تأثير متبادل بين العلم وبين أوضاع المجتمع ~~الذي يظهر فيه، حتى ليكاد يصح القول بأن كل مجتمع ينال من العلم بقدر ما يريد. ~~ولا شك أن العرض الموجز الذي قدمناه من قبل للمراحل الرئيسية لتطور العلم وللنمو ~~التدريجي لمعناه ومفهومه، يتضمن أدلة وشواهد متعددة على الارتباط الوثيق بين ~~حالة العلم في أي عصر وبين أهم العناصر في الحياة الاجتماعية لذلك العصر؛ بحيث يكون ~~العلم جزءا من كل، ويكون وجها واحدا لحياة متكاملة يحياها المجتمع. # فالتاريخ يقدم أمثلة كثيرة تثبت أن ~~المجتمع يحدد - بقدر معقول من الدقة - نوع العلم الذي يحتاج إليه، وهذا لا يتنافى على ~~الإطلاق مع تأكيد أهمية العبقرية الفردية للعالم، ودوره الأساسي في الكشف العلمي، فلا ~~أحد يزعم أن العالم مجرد «أداة» يستعين بها المجتمع لتلبية حاجاته، أو أن الكشوف ~~العلمية يمكن أن تتم على أيدي أناس لم تتوافر لهم عبقرية كبيرة، ما دامت تظهر في ~~المجتمع المناسب وفي الوقت المناسب. بل إن هذه أحكام باطلة تبخس العالم الكبير ~~حقه، وتصوره كما لو كان وسيلة في أيدي قوة غيبية تتحكم فيه تحكما تاما، حتى ~~لو كان المرء يطلق على هذه القوة الغيبية اسما يبدو في ظاهره علميا، هو «حاجة ~~المجتمع». # وحقيقة الأمر هي أن الكشف العلمي يحتاج إلى تضافر العاملين ms164 معا؛ حاجة اجتماعية ~~وعبقرية ذهنية، وكل ما في الأمر أنه عندما تتوافر ~~الحاجة الاجتماعية لا يكون من الصعب ظهور ~~العبقرية الذهنية؛ ذلك لأن أفراد البشرية - الذين يعدون بالملايين - لا يخلون في ~~كل عصر من عباقرة، ولكن المهم أن يأتي العبقري في وقته، وأن يلبي حاجات عمره، ومن ~~المؤكد أن هناك حالات ظهر فيها عباقرة في غير أوانهم؛ أعني في وقت لم يكن المجتمع ~~فيه مهيأ لقبول كشوفهم، فكانت النتيجة أن لمعت عبقريتهم فجأة ثم انطفأت فجأة ~~كالشهاب البارق، دون أن يتركوا وراءهم تأثيرا باقيا. وهذه ظاهرة ضربنا لها من قبل ~~مثلا واضحا؛ هو تلك الآلات التي اخترعها العالم اليوناني المشهور «أرشميدس»، ولكنه ~~خجل من إظهارها على الملأ، ونظر إليها كما لو كانت «لعبا» للتسلية. ولو كان هذا ~~العبقري يعيش في عصرنا الحديث لأدرك على التو أهمية هذا التنظيم الميكانيكي لعناصر ~~الطبيعة في ميدان التطبيق العملي، ولتوصل إلى ضرورة استخدام مبدأ الآلية من أجل ~~توفير جهد الإنسان ووقته، ولكنه كان يعيش في عصر توجد فيه «آلات آدمية» - هم العبيد - ~~فما الداعي إلى التفكير في آلات طبيعية مادية؟ # وفي الميدان النظري البحت، نستطيع أن نضرب مثلا آخر ينتمي إلى صميم عالمنا ~~العربي، وهو حالة ابن خلدون؛ فهذا العالم العبقري قد توصل - في «مقدمته» المشهورة - ~~إلى المقومات الرئيسية للدراسة العلمية للمجتمع البشري؛ أي لعلم الاجتماع (الذي أسماه ~~«علم العمران»)، وكثير من آرائه قد ترددت - ~~فيما بعد - بطريقة تكاد تتشابه حتى في ~~التفاصيل عند أولئك الذين اعتبرهم الأوروبيون روادا لعلم الاجتماع، ولكن الكشف ~~الرائع الذي توصل إليه ابن خلدون لم يجد مجتمعا يستجيب له؛ فلم يظهر في مجتمعه من ~~ينبه إلى أهميته، ولم يتابع آراءه وتعاليمه تلاميذ يكملون رسالته، ولم تستمر حركة ~~العلم الجديد الذي توصل إليه في مسيرتها، بل توقف كل شيء، وظهرت عبقريته كما لو ~~كانت شعلة ساطعة انطفأت بسرعة، ولم يتنبه إليه الناس إلا عند «إعادة اكتشافه» بعد ~~عصره بقرون عديدة، كل ذلك لأن الفترة التي ظهر فيها ابن خلدون والتي ms165 أعقبت ظهوره كانت ~~فترة بداية الانهيار في الحضارة الإسلامية، وبداية عهد الغزوات الأجنبية وما ترتب عليها ~~من انحلال داخلي فيها. # وما هذه إلا أمثلة نود أن نثبت بها أن الكشوف العلمية المستقرة في أي عصر هي حصيلة ~~التفاعل بين عاملين؛ بيئة اجتماعية مهيأة لها، وعبقرية فردية تظهر في الوقت المناسب. ~~والفارق الوحيد في تأثير هذين العاملين يرجع إلى أن أحدهما جماعي والآخر فردي؛ فحين ~~تتوافر الحاجة الاجتماعية لا يكون من الصعب على المجتمع أن يفرز - من بين الملايين ~~من أفراده - العبقرية القادرة على تلبية هذه الحاجة. أما حين تتوافر العبقرية الفردية ~~وحدها دون أن تتهيأ الظروف الاجتماعية المواتية، فإن التاريخ قد يطويها في زوايا ~~النسيان، أو قد يقول عنها - إذا أراد إنصافها - إنها عبقرية ظهرت في غير أوانها. ~~(2) الوضع الاجتماعي للعلم المعاصر # في ضوء التمهيد السابق، يستطيع القارئ أن يستنتج أن البحث في الوضع الاجتماعي للعلم ~~المعاصر ينبغي أن يسير في كلا الاتجاهين؛ فليس يكفي أن نشير إلى أهمية العلم في مجتمعنا ~~الحالي - بما فيه من سمات مميزة - في تحديد معالم العلم المعاصر وإعطائه طابعه الذي ~~أصبح مألوفا لدينا. # إن العلم قد اكتسب - منذ أوائل القرن العشرين - أهمية تفوق أهمية أي إنجاز آخر طوال ~~تاريخ البشرية؛ فصحيح أن الإنسانية تفخر - عن حق - بفلسفاتها وآدابها وفنونها، ~~وتعترف بما تدين به لهذه الإنجازات من فضل في تشكيل عقل الإنسان وروحه، ولكن المكانة ~~التي اكتسبها العلم في هذا القرن، والتأثير الذي استطاع أن يمارسه في حياة البشر (بغض ~~النظر عن كون هذا التأثير إيجابيا أم سلبيا، فهذه مسألة سنعرض لها فيما بعد) يجعل ~~العلم بغير شك هو الحقيقة الكبرى في عصرنا الحاضر، ومن ثم في كل العصور. ولا يعني ~~هذا أننا لا نفخر بمذاهبنا الفكرية أو أعمالنا الأدبية والفنية، ولكنه يعني أن فخرنا ~~بالعلم أعظم، وأن التغير الذي أدخله العلم على حياتنا أقوى من أي تغير لحقها بفضل أي ~~إنجاز آخر. # والأهم من ذلك - بالنسبة إلى مكانة العلم في العصر الحاضر - أن العلم ms166 هو الإنجاز ~~الذي يمكننا أن نسميه «مصيريا» بحق في هذا العصر، فلأول مرة في تاريخ تجربة ~~الإنسان الطويلة على هذه الأرض، يدرك أن العلم هو الذي سيحدد مصيره سلبا أو ~~إيجابا؛ إذ تعيش البشرية في خوف دائم من أن تدمر حياتها وحضارتها حرب نووية أو ~~بيولوجية تعتمد اعتمادا كليا على العلم، وتعمل الدول لهذه الحقيقة ألف حساب في ~~استراتيجياتها وسياساتها الأساسية، وفي طريقة إنفاقها لمواردها. ومن جهة أخرى فإن ~~الأمل الأكبر لدى البشرية - في مستقبل أفضل وفي حل مشكلاتها الغذائية والصحية ~~المستعصية بل في استمرار قدرتها على البقاء والنماء - هو الآن معقود على العلم. # وقد انعكس ذلك بوضوح في اتساع نطاق الاهتمام بالعلم إلى حد هائل؛ ففي القرن ~~الماضي كان العلم من شأن «المتخصصين» وحدهم، ولم تكن مشكلاته تناقش إلا في المجامع ~~العلمية وفي المؤسسات المتخصصة، أما اليوم فقد أصبح الجميع يتابعون تطور العلم ~~باهتمام، وأصبحت أخباره تحتل مكان الصدارة في وسائل الإعلام الجماهيري؛ فكيف ~~نعلل هذه الظاهرة التي تبدو فيها مفارقة صارخة؛ أعني الاتساع الهائل في نطاق ~~الاهتمام بالعلم، في نفس الوقت الذي أصبح فيه العلم يزداد غموضا وتعقيدا على الدوام، ~~وابتعدت فيه لغته الرمزية المتخصصة عن إفهام العقول العادية ابتعادا تاما؟ لا شك ~~أن التعليل الوحيد لذلك هو الطابع المصيري للعلم المعاصر؛ فمهما كانت صعوبة هذا العلم، ~~فإننا جميعا نتساءل: هل يمكن تجنب كارثة حرب عالمية ثالثة؟ ونحن نعلم أن هذا السؤال ~~المصيري - الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمستقبل كل منا وبمستقبل أجيالنا الجديدة - يعتمد ~~على مجموعة من العوامل، من أهمها العلم، كذلك نعلم أن مشكلات الحياة اليومية وهمومها ~~- أعني مشكلات كالغذاء والإسكان والمواصلات والطاقة والبيئة - سيتوقف حلها إلى ~~حد بعيد على الطريقة التي يوجه بها الإنسان أبحاثه العلمية في المرحلة ~~المقبلة. # فلنتأمل إذن بعضا من هذه المشكلات؛ حتى تتكون لدينا صورة متكاملة عن ذلك الوضع ~~الفريد للعلم في مجتمعنا المعاصر: ~~(2-1) مشكلة الغذاء والسكان # ليس المرء في حاجة إلى أرقام أو جداول إحصائية لكي يقرر أن العالم يعاني ms167 - ~~منذ الآن - من أزمة مستحكمة في الغذاء؛ ففي العالم أغلبية من السكان لا تحصل من ~~الغذاء على الحد الأدنى اللازم لكي يحيا الإنسان حياة سليمة، وفيه أقلية متخمة ~~يعاني كثير من أفرادها من الملل والأمراض الناتجة عن الإفراط في المأكل، وإذا كان ~~النقص في كمية الطعام التي تحصل عليها الأغلبية الفقيرة خطرا، فإن النقص في ~~نوعيته أخطر؛ فالغذاء اللازم لبناء الجسم لا يتوافر إلا بنسب ضئيلة لدى شعوب ~~كاملة، وهو يهدد الأجيال الجديدة في مناطق شاسعة من الأرض بنمو جسمي وعقلي غير ~~مكتمل. # ومن المؤكد أن هناك ارتباطا وثيقا بين مشكلتي الغذاء والسكان؛ فالازدياد ~~الرهيب في عدد السكان يؤدي إلى تضاعف الطلب على الغذاء، على حين أن موارد العالم ~~من الغذاء محدودة، وبطبيعة الحال فإن أحدا لا يردد اليوم آراء «مالثوس» الذي ~~دق ناقوس الخطر في القرن التاسع عشر، مؤكدا أن العالم مهدد بمجاعة لأن ~~السكان يتضاعفون بسرعة تفوق بكثير سرعة زيادة الموارد الغذائية؛ ففي الوقت الذي ~~ردد فيه «مالثوس» هذا الكلام، كان سكان العالم ما زالوا قليلين، وكانت هناك موارد ~~هائلة لم تستغل بعد في العالم، ولم يكن هناك بالفعل ما يبرر تشاؤمه المفرط، ~~ولكن نذر الخطر أصبحت أوضح في عصرنا الحاضر، الذي تضاعف فيه عدد سكان العالم ~~أكثر من مرة بالنسبة إلى القرن الماضي. والأخطر من ذلك أن الفترة التي يتضاعف فيها ~~هذا العدد تقل باستمرار؛ ففي نهاية هذا القرن يتوقع العلماء أن تحمل هذه الأرض ~~ضعف عدد من يعيشون فيها اليوم، وبعد عشرين عاما من القرن الجديد سيتضاعف العدد ~~مرة أخرى، فهل ستكفي موارد الأرض من الغذاء لإعاشة هذه الأعداد المهولة؟ # ولعل مما يزيد من قوة الارتباط بين مشكلة الغذاء ومشكلة السكان: أن البلاد التي ~~تعاني من نقص واضح في التغذية، هي تلك التي يزداد عدد سكانها بمعدلات سريعة، على ~~حين أن البلاد التي تتمتع بمستوى جيد في الغذاء هي عادة بلاد تقل نسبة ~~الزيادة في سكانها، وربما استقر عدد سكانها عند مستوى معين منذ مدة طويلة؛ ms168 ~~فالازدحام السكاني وارتفاع نسبة المواليد مرتبطان ارتباطا وثيقا بسوء ~~التغذية. # ولكن هل يعني ذلك أن البشرية ستقف عاجزة عن إيجاد حل، وستنتظر المجاعة ~~المحتومة دون أن تحرك ساكنا؟ وهل المخرج الوحيد من هذه الأزمة المرتقبة - ~~والتي ظهرت بوادرها بوضوح منذ الآن - هو أن تتوقف الزيادة في سكان العالم، ~~وخاصة في البلاد الفقيرة؟ لا شك أن هذا الحل لا يتناول إلا جانبا واحدا من جوانب ~~الموضوع، وهو يفترض أن عددا كبيرا من الأوضاع الجائرة في العالم لن يطرأ عليه ~~أي تغيير، ولا يمكن المساس به؛ ومن ثم يلجأ إلى تغيير وضع واحد فقط، هو عدد ~~السكان. # ومن سمات هذا الحل أنه يلقي اللوم كله على البلاد التي تعاني من أزمة الطعام؛ ~~فهو يبرئ جميع المذنبين، ويرمي بكل ثقل الإدانة على الضحية. إن معناه ببساطة هو أن ~~هذه البلاد مسئولة عن المجاعة التي تعاني منها؛ لأن فيها من السكان عددا زائدا، ~~وأنها هي أيضا المسئولة عن الحل؛ وذلك بأن تخفض عدد هؤلاء السكان إلى الحد الذي ~~تصبح فيه مواردها كافية لإطعامهم. # على أن هذا الحل يغفل عددا هائلا من العناصر الأخرى التي تنتمي إلى صميم هذا ~~الموضوع، والتي يرجع الكثير منها إلى عوامل خارجة تماما عن إرادة البلاد الفقيرة؛ ~~فهو يتجاهل - مثلا - أن هناك بالفعل بلادا غنية - كالولايات المتحدة - تدفع ~~للمزارعين إعانات طائلة من ميزانيتها السنوية كيلا يزرعوا حقولهم؛ لأن زراعة هذه ~~الحقول وإنتاج كميات وفيرة من المحاصيل يؤدي إلى انخفاض السعر العالمي لهذا ~~المحصول؛ ولذلك ينبغي أن يظل إنتاجه في حدود معينة لا يتعداها، بغض النظر عن ~~وجود أناس جائعين في مناطق أخرى من العالم. وهو يغفل أن زيادة السكان ترتبط ~~بعوامل من بينها الأمية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وأن هذه العوامل ترجع ~~أساسا إلى خضوع كثير من البلاد الفقيرة لدول استعمارية كانت حريصة على استمرار ~~تخلفها حتى تضمن استسلامها لها، وأن ذيول هذه السياسة ظلت باقية حتى بعد تخلص ~~هذه الدول من قبضة الاستعمار المباشر. # ولكن قد يكون الأهم من ذلك، ms169 من وجهة النظر التي نركز عليها في هذا الكتاب، هو ~~أن هذا الحل - الذي يحصر المشكلة في حدود العلاقة بين الموارد الغذائية وعدد ~~السكان - يتجاهل الإمكانات الهائلة للعلم في إيجاد حلول أفضل لهذه المشكلة ~~المعقدة؛ فلدى العلم - في هذا المجال - قدرات هائلة لم يستغل معظمها بعد؛ ~~كالبحث في وسائل استزراع المناطق الصحراوية الشاسعة، وإسقاط المطر الصناعي، ~~واستخلاص المواد ذات القيمة الغذائية الحالية من طحالب البحار والمحيطات - وهي مورد ~~لا ينفد - وتحويل مخلفات بعض الصناعات إلى مواد غذائية، فضلا عن أن الأرض الصالحة ~~للزراعة في العالم أوسع بكثير من الأرض المزروعة بالفعل، كما أن إمكانات مضاعفة ~~غلة الأراضي الزراعية بأساليب علمية حديثة قائمة على الدوام. # وبعبارة أخرى، فإن العلم لم يقل بعد كلمته النهائية في هذه المشكلة، ولم ~~يعلن يأسه من حل مشكلة الغذاء بأساليبه الخاصة حتى نفكر نحن في حلها عن طريق ~~الإقلال من عدد السكان، وكل ما في الأمر أن العلم يقف - في أغلب الأحيان - مكتوف ~~الأيدي؛ لأن طاقاته وموارده موجهة نحو تحقيق أهداف أخرى بعيدة كل البعد عن هذا ~~الهدف الإنساني. ففي ظل مناخ عالمي يسوده العداء المتبادل بين الدول، وتكتسب فيه ~~كل دولة نفوذها عن طريق القوة الغاشمة، لا يمكن أن تتهيأ الظروف التي تجعل ~~المجتمعات تخصص طاقاتها العلمية من أجل البحث عن موارد غذائية جديدة للملايين ~~الجائعة، بل إن الغذاء نفسه يتحول إلى سلاح في هذا الجو الذي يسود العلاقات ~~الدولية في أيامنا هذه، وقد يكون أحيانا معادلا في تأثيره لأشد الأسلحة فتكا؛ ~~فمن المرغوب فيه - بالنسبة إلى بعض الدول القوية - أن يظل هذا التفاوت بين الجوع ~~والشبع، وبين الندرة والوفرة في الغذاء قائما؛ لأنه يتيح للدول التي تملك من ~~الغذاء ما يفيض عن حاجتها أن تضغط بسلاح التجويع على الدول التي لا تملك من الغذاء ~~إلا القليل؛ حتى تضمن خضوعها وتأمن من تمردها، وفي مثل هذا الجو لا يكون هناك ~~- أصلا - استعداد لحشد الطاقات العلمية في حملة مركزة تستهدف القضاء على الجوع، ~~من نوع تلك ms170 الحملة التي أدت في سنوات قلائل إلى صعود إنسان إلى سطح القمر. # وعلى ذلك، فليس في وسع أحد أن يجزم بأن مشكلة الغذاء ترتبط بمشكلة السكان وحدها، ~~وأن كمية الغذاء وعدد السكان يتناسبان تناسبا عكسيا، أو يمثلان كفتي ميزان ~~لا يمكن أن ترجح إحداهما إلا إذا خفت الأخرى، فواقع الأمر هو أن هذا لا يمثل إلا ~~جانبا واحدا من جوانب المشكلة، وأن للمشكلة جوانب أخرى كثيرة؛ من أهمها: نوع ~~العلاقات السائدة بين الدول، وطريقة توجيه الموارد العلمية، وإمكان أو عدم إمكان ~~إيجاد أسلوب إنساني في التعامل بين الجماعات البشرية. # ومع كل هذا، فإنني لست من المؤمنين بسياسة ترك التزايد السكاني يتضاعف دون ~~ضوابط. وإذا كنت فيما سبق قد حرصت على تأكيد وجود عوامل أخرى تؤثر في أزمة الغذاء ~~إلى جانب عامل السكان، وأن من الخطأ الفادح أن نتصور وجود علاقة ثنائية - لا ~~تشترك فيها أية اطراف أخرى - بين كمية الغذاء وعدد السكان، إذا كنت قد حرصت على ~~هذا التأكيد، فإن حرصي هذا لا ينفي إيماني بأن تضاعف أعداد السكان دون ضوابط - ~~وخاصة في البلاد الفقيرة والمتخلفة - هو أمر ينبغي تلافيه. # ولهذا الرأي أسباب ومبررات متعددة، قد لا يكون بعضها متصلا بمشكلة الغذاء ~~على الإطلاق؛ فمن الواجب الحد من التزايد السريع للسكان في هذه البلاد، لأسباب ~~تتعلق أساسا بمستوى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية التي يمكن أن تقدم ~~إلى الأجيال الجديدة في المجتمعات النامية. وربما كان الأهم - حتى من هذا كله - ~~الأسباب النفسية والتربوية العائلية؛ فمن الصعب على الأسرة التي تعيش في الربع ~~الأخير من القرن العشرين أن تبدي عناية كافية بعدد كبير من الأبناء، وأن ~~توجههم نفسيا وتؤهلهم لحياة ناجحة في المستقبل، وبطبيعة الحال فإن هذه الصعوبة ~~تتضاعف إذا كان المستوى الاقتصادي لهذه الأسرة هابطا. ولكني أعتقد أنه حتى في ~~المستويات الاقتصادية المرتفعة يندر أن يجد أبناء الأسر الكبيرة العدد نفس الرعاية ~~النفسية والاهتمام الشخصي والإرشاد التربوي الذي يجده أبناء الأسر ذات الأعداد ~~القليلة. # بل إن الإنجاب أصبح في ظل العلم ms171 الحديث أمرا يمكن التحكم فيه دون عناء، ومن ~~هنا لم يكن هناك مبرر على الإطلاق لكي نترك الحبل على الغارب في مسائل الإنجاب، ~~وكأن هذا شيء يستحيل التدخل فيه، ثم نجهد أنفسنا بعد ذلك في محاولة الحد من ~~الأضرار المترتبة على تزايد النسل الذي كان يمكن ضبطه بجهود أقل بكثير من تلك ~~التي نبذلها من أجل تلافي نتائجه. # ولقد لاحظت في جميع المناقشات التي تدور - سواء في بلادنا العربية وفي خارجها - ~~أن كل من يناقش هذا الموضوع يسلم تسليما تاما باستحالة فرض قيود إجبارية على ~~أعداد الأبناء، حتى لو كان ممن يؤمنون إيمانا قاطعا بأن زيادة السكان هي وحدها ~~سبب نقص التغذية وسوء الخدمات وهبوط مستوى المعيشة في البلاد المتخلفة، والحجج ~~التي تقال في هذا الصدد هي أن هناك أسبابا نفسية أو اجتماعية - وربما دينية في ~~بعض المجتمعات - عميقة الجذور، تمنع من إجبار الناس، بقوة القانون مثلا، على ~~التوقف في النسل عند حدود معينة. وأنا أسلم بأن الوضع الحالي هو كذلك بالفعل، ~~ولكني أعتقد أن هذا الوضع السكاني يستحيل أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن المستقبل ~~سيشهد تغييرا جذريا في موقفنا من هذه المشكلة. # ذلك لأننا لو استقرأنا تاريخ المجتمعات البشرية لوجدنا أن الإنسان ظل يفرض على ~~نفسه مزيدا من القيود لكي ينال مزيدا من الحريات، وهذا تعبير يبدو متناقضا؛ إذ ~~كيف تفرض القيود من أجل ضمان الحريات؟ ولكن من السهل أن يفهم القارئ ما أعني إذا ~~ما فسره في ضوء مثال مألوف في حياتنا اليومية، وهو إشارات المرور: فنحن نفرض على ~~أنفسنا أن نتقيد بإشارات المرور؛ لكي ننال بذلك مزيدا من الحرية في حركة المرور، ~~والدليل على ذلك أن تعطل إحدى الإشارات - الذي يبدو في الظاهر وكأنه يعطي السائق ~~أو السائر «حرية» السير كما يشاء - يؤدي في واقع الأمر إلى إلغاء هذه الحرية بما ~~يسببه من تكدس وفوضى في المرور. وهكذا الحال في أمور البشر جميعا؛ إذ ننتقل من ~~حالة «الحرية» العشوائية أو المتخبطة التي كانت تسود في ms172 البداية، إلى نوع من ~~التنظيم أو التقييد الذي يحقق لنا مزيدا من الحرية. # وخلال تاريخ الإنسان الطويل كانت هناك أمور يعتقد أنها ينبغي ألا تمس، ومع ~~ذلك فقد تناولها التنظيم والضبط في الوقت المناسب، فليس في استطاعة الإنسان - مثلا ~~- أن يسير عاريا في الطريق حتى ولو كان يشعر براحة كبيرة في هذا العمل؛ لأنه يؤذي ~~مشاعر الآخرين بهذا السلوك، وليس في استطاعته أن يقول للناس أي شيء يريد قوله؛ لأنه ~~قد يحاكم بتهمة القذف العلني، وليس في استطاعته أن يربح إلى غير حد؛ لأنه - حتى ~~في الدول الرأسمالية - خاضع للضرائب، وقس على ذلك آلاف الأمثلة التي تثبت أن ~~مفهوم الحرية القديم - بمعنى الانطلاق بغير قيود - يخلي مكانه على نحو متزايد ~~لمفهوم آخر هو التنظيم والتقييد الذي يؤدي إلى مزيد من الحرية الحقيقية. # وفي اعتقادي أن إنجاب الأطفال سيصبح يوما ما داخلا في نطاق هذه الفئة من ~~الأفعال التي ينبغي أن تخضع للتقييد والتنظيم الذي يستهدف - في نهاية الأمر - ~~صالح البشرية كلها وصالح الأجيال الجديدة بوجه خاص، وسيأتي اليوم الذي ينظر فيه ~~المجتمع البشري إلى مسألة إنجاب كائن جديد على أنها مسئولية يجب أن تمارس بحساب، ~~وفي إطار ضوابط وضمانات معينة؛ لأنها تلقي عبئا على مجتمع كامل، ولأن هذا ~~المجتمع سيصبح بالفعل مسئولا عن هذا الكائن؛ تثقيفه وتعليمه ورعايته؛ ومن ثم ~~فلا بد أن تكون للمجتمع كلمة تقال في هذا الموضوع. أما العقبات التي يمكن أن تظهر ~~في حالة تعليق مثل هذا التنظيم - كاحتمال إنجاب العدد المقرر من جنس واحد فقط، ~~أو كالإنجاب من عدة زوجات، أو وفاة الأبناء في كارثة مفاجئة، إلى آخر هذه الحالات ~~المحتملة - فما هي في الواقع إلا استثناءات يمكن معالجتها بسهولة في إطار التنظيم ~~الشامل. # ولعل القارئ يدهش إذ يجد أنني اتخذت في البداية موقف المهاجم لمن يرون في تحديد ~~النسل الوسيلة الوحيدة لتخفيف أزمة الطعام في العالم الفقير، ثم اتخذت في النهاية ~~موقف المدافع عن مبدأ تحديد النسل حتى بقوة القانون، ولكني لا أرى أي ms173 تعارض بين هذا ~~وذاك؛ إذ إن العالم - حتى لو وصل إلى مرحلة التنظيم العلمي لعلاقاته الاجتماعية ~~والسياسية بحيث يكرس من موارده ما يكفي لحل مشكلة الطعام عن طريق البحث العلمي ~~المركز - سيجد أن من مصلحته إيقاف تكاثر السكان عند حدود معينة، بل سيأتي وقت ~~يكون لزاما عليه فيه أن يفعل ذلك، بحيث يلغي هذه «الحرية» المزعومة في مسألة ~~تمس المجتمع ككل، ويفرض من الضوابط على النسل ما فرضه من قبل على شتى مظاهر حياة ~~الإنسان. فنحن قد أصبحنا «كائنات اجتماعية» منضبطة، مندرجة في تنظيمات وخاضعة ~~لقوانين لا حصر لها، وفي كل يوم يتسع نطاق التنظيم الاجتماعي لأمور كانت من قبل ~~تترك للسلوك التلقائي العفوي، فلماذا يشذ إنجاب كائنات جديدة عن هذا الاتجاه ~~العام للسلوك البشري، مع أنه من أخطر مظاهر السلوك البشري في عواقبه ونتائجه، وهو ~~قد أصبح في الوقت نفسه - بفضل العلم الحديث - من أسهلها تنظيما؟ ~~(2-2) مشكلة البيئة # قبل الستينيات من هذا القرن كان الكلام عن «مشكلة البيئة» لا يتعدى جدران عدد ~~محدود من المجامع العلمية الشديدة التخصص، وفي الستينيات ذاتها - وخلال فترة ~~وجيزة - أصبحت هذه المشكلة واحدة من أكثر المشكلات تداولا على ألسنة الناس وفي ~~أجهزة الإعلام وفي الهيئات الدولية الكبرى، وأنشئت لها معاهد متخصصة وكراسي ~~أستاذية في الجامعات، وظهرت لها مجلات خاصة، ومئات الكتب بشتى اللغات، بل لقد ~~أنشئت لها وكالة أو هيئة دولية متخصصة منبثقة عن هيئة الأمم المتحدة، فما ~~الذي أدى إلى هذا الانتقال السريع من التجاهل التام لمشكلة البيئة إلى الوعي الزائد ~~بها؟ # من المؤكد أن المشكلة ذاتها كانت موجودة قبل ظهور هذا الوعي المفاجئ بوقت ~~طويل؛ ذلك أن التقدم العلمي والتكنولوجي كان لا بد أن يترك آثاره العميقة على بيئة ~~الإنسان، ومنذ بداية العصر الصناعي أصبح تدخل الإنسان في البيئة حقيقة أساسية من ~~حقائق هذا العصر؛ لأن لفظ «الصناعة» ذاته يعني تغيير عناصر البيئة بجهد الإنسان. ~~كانت المشكلة موجودة بالفعل منذ وقت طويل، ولكن التنبيه إلى خطورتها وإلى أبعادها ~~المتعددة هو الذي ms174 تأخر في الظهور. # أما هذا الظهور المتأخر للوعي بمشكلة البيئة فربما كان راجعا إلى مجموعة من ~~العوامل، أهمها التوسع الهائل في التصنيع والزيادة الضخمة في الإنتاج بعد الحرب ~~العالمية الثانية، وهو توسع وصل إلى حد إدخال تغيرات أساسية في البيئة الطبيعية ~~التي أخضعت لمتطلبات الصناعة إلى حد قضى على كثير من معالمها الأصلية، ولكن ~~لعل العامل الأهم من ذلك - في ظهور مشكلة البيئة على المسرح الدولي بصورة مباغتة ~~- هو ظهور وعي جديد - في غمرة هذا السباق المحموم على الإنتاج الضخم بين الدول ~~الصناعية الكبرى - بضرورة الحفاظ على توازن البيئة التي يعيش فيها الإنسان وغيره ~~من الأحياء، فقد أدرك الكثيرون في المجتمعات الصناعية أن تلاعب الإنسان ببيئته قد ~~زاد عن حده، وأن الجري اللاهث وراء التصنيع أدى إلى نسيان الطبيعة الأم، بل أدى ~~إلى تلويثها بمختلف النواتج المتخلفة عن عمليات التصنيع. # ولقد كانت مشكلة تلوث البيئة - نتيجة لنفايات المصانع - هي المشكلة الصارخة التي ~~أثارت الاهتمام العالمي بموضوع البيئة؛ ذلك لأن المصانع تطرد من مداخنها الضخمة ~~كميات هائلة من الغازات التي تلوث جو مدن بأكملها، وتعرض حياة الإنسان - ~~وخاصة الأطفال الذين لا يستنشقون هواء نقيا - لأخطار جسيمة، وفضلا عن ذلك فإن ~~الأنهار تتلوث بما يلقى فيها من مخلفات المصانع، وتهدد الحياة المائية فيها ~~بالخطر، فضلا عن أخطار تلويث مياه الشرب. بل إن البحار ذاتها - بكل مساحاتها ~~الشاسعة - تتعرض بدورها للتلوث بسبب مخلفات المصانع القريبة منها والسفن التي ~~تسير فيها والموانئ المطلة عليها. # وهكذا يبدو أن هذا الوعي القوي بمشكلة البيئة قد ظهر في بداية الأمر بوصفه رد ~~فعل على التوسع الضخم في الإنتاج الصناعي، والتسابق بين الدول وبين الشركات المنتجة ~~في إغراق الأسواق بسلع جديدة، دون أي تفكير في الأعراض الجانبية التي تصاب بها ~~البيئة الطبيعية نتيجة لهذه المنافسة الرهيبة على الإنتاج، وكان الهدف الأساسي ~~لتلك الحملة العالمية الداعية إلى حماية البيئة، هو أولا تجنب الأخطار المباشرة ~~للتلوث، التي أصبحت أخطارا ملموسة في البلاد المتقدمة، وهو ثانيا تحقيق نوع من ~~التوازن بين ms175 مطالب الإنسان ومطالب الطبيعة؛ فالإنسان يريد تحوير الطبيعة لكي ~~تلائم أغراض الإنتاج الصناعي، والطبيعة تريد أن تحفظ وتصان، وكان على المهتمين ~~بشئون البيئة أن يحاولوا الاهتداء إلى الوسائل الكفيلة بالتوفيق بين هذين ~~المطلبين، بعد أن أفرط الإنسان في الاهتمام بالمطلب الأول إلى حد يهدد بضياع ~~المعالم الأصلية للطبيعة. # بل إن التقدم في تكنولوجيا الزراعة ذاتها - التي هي ألصق بالبيئة الطبيعية من ~~الصناعية بطبيعة الحال - قد أدى إلى مشكلات بيئية خطرة؛ فاستخدام مبيدات الآفات ~~على نطاق واسع أدى إلى تلوث المزروعات وتعرض مستهلكيها لأخطار التسمم، فضلا عن ~~أن إلقاء مياه الصرف في الأنهار والترع قد لوثها بدورها، وهدد كل أشكال ~~الحياة المائية بالخطر. # ولا يقتصر هذا الخطر على التلوث وحده، بل إن هناك خطرا آخر يتمثل فيما ~~يسمى «باختلال التوازن البيئي»، فعناصر الطبيعة المختلفة قد تعايشت على مدى مئات ~~الألوف من السنين بحيث يعتمد بعضها على بعض في توازن دقيق، وتدخل الإنسان ~~للقضاء على أحد هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير متوقعة في عناصر أخرى ~~تبدو بعيدة عنه؛ وذلك لأن التوازن بينها قد اختل، وكلنا نذكر إلى أي حد ~~أعجب الناس في العالم بأسره بتجربة الصين الرائدة حين قضت - في أيام قلائل - على ~~العصافير التي كانت تتكاثر بالملايين، وكانت تهدد محاصيل الحبوب تهديدا خطيرا ~~يؤثر في ثروة الأمة الزراعية، ولكن هذا القضاء المبرم على العصافير قد تبين - ~~بعد سنوات قلائل - أنه ألحق الضرر بالتربة الزراعية؛ لأن العصافير كانت تأكل ~~ديدانها التي تفرز سموما، فلما اختفت العصافير تكاثرت هذه الديدان إلى حد كان ~~له تأثيره الضار على خصوبة التربة. وهكذا فإن تدخل الإنسان في التوازن الدقيق ~~الذي تكونه البيئة الطبيعية قد أدى في نهاية الأمر إلى ضرر غير متوقع. # وعلى أية حال، فسواء نظرنا إلى ~~المشكلة من زاوية التلوث، أم من زاوية الإخلال بالتوازن الطبيعي، فإنها في معظم ~~حالاتها تعد نتيجة مباشرة للتقدم العلمي والتكنولوجي السريع في عصرنا الحاضر، ~~وهي تدعونا بإلحاح إلى محاولة الحد من بعض الأضرار الجانبية التي ms176 يجلبها هذا ~~التقدم معه، لا سيما بعد أن استفحلت هذه الأضرار الجانبية في الآونة الأخيرة بصورة ~~تدعو إلى القلق، ولكن ظهور الوعي بالمشكلة، وانعقاد عشرات المؤتمرات والندوات ~~المتعلقة بها، ونشر مئات الأبحاث عنها؛ أدى إلى اتساع نطاق الاهتمام بموضوع ~~البيئة إلى حد يفوق بكثير مسألة مكافحة التلوث، فظهرت أبعاد اجتماعية وجمالية ~~للمشكلة، تناولت بالتحليل بيئة الإنسان الحديث بوجه عام، بغض النظر عن أضرار ~~التصنيع الواسع النطاق. # ذلك لأن التفكير المتعمق في مشكلات البيئة يبين أن هذه المشكلات يصعب ~~حلها من جذورها ما دام الهدف من النشاط الاقتصادي هو التنافس على الربح، ففي ظل ~~هدف كهذا تكون الحلول جزئية فقط، ولا يؤخذ بها إلا بقدر ما يمكن إدماجها في إطار ~~اقتصاد السوق، أما إذا تعارضت مع هذا الاقتصاد فإنها تهمل. ولما كان هذا ~~الاقتصاد ميالا بطبيعته إلى التوسع والوصول إلى الحدود القصوى الممكنة للإنتاج ~~فإن الحلول الجذرية لمشكلات البيئة فيه تكاد تكون مستحيلة. وهكذا يرتبط موضوع ~~البيئة بنوع القيم الاجتماعية والاقتصادية السائدة، ويتضح أن إيجاد حل حقيقي ~~يحفظ للإنسان توازن بيئته، يحتاج إلى تغيير أساسي في قيم المجتمع، لا تعود فيه ~~مرتكزة على التنافس بل على التعاون والتعايش؛ أي إن المسألة ترتد في واقع ~~الأمر إلى نوع الأنظمة التي يختارها الإنسان لمجتمعه. ومن هنا اعتقد البعض - عن ~~حق في رأيي - أن مشكلات البيئة لا تجد حلولها الحقيقية إلا على مستوى عالمي ~~شامل. # والواقع أن مسار العلاقة بين الإنسان والبيئة كان موازيا - إلى حد بعيد - ~~للعلاقة بين الإنسان وناتج عمله؛ فقد تصور الإنسان في وقت ما أن ما ينتجه يفلت ~~زمامه من يده، ويخضع لقوى مجهولة تسير في طريقها الخاص دون أن يستطيع أحد أن يوقفه ~~أو يعيد توجيهه، وكان ينظر إلى التلوث الناجم عن هذا التقدم على أنه الضريبة ~~الحتمية التي ينبغي أن يدفعها الإنسان كلما ازداد سيطرة على الطبيعة؛ أي إن ثمن ~~التقدم العلمي والتكنولوجي هو إفساد البيئة الطبيعية التي يستظل بها الإنسان. ~~ولكن التفكير بدأ يتجه في السنوات الأخيرة ms177 اتجاها مخالفا؛ هو أن قدرة الإنسان ~~على فهم قوانين الطبيعة واستغلالها لصالحه لا ينبغي على الإطلاق أن تؤدي إلى ~~تشويه الإنسان لبيئته الطبيعية؛ فالعلم والتكنولوجيا هما - قبل كل شيء - وسائل ~~اصطنعها الإنسان لكي يبني لنفسه حياة أفضل؛ ومن ثم كان من الضروري توظيفها من أجل ~~صيانة البيئة الطبيعية لا تلويثها. # ويمكن القول إن الوعي العالمي بمشكلات البيئة قد ظهر متأخرا، ولكنه نما ~~بسرعة هائلة، بحيث أصبح الإنسان - بعد مضي سنوات قلائل - حريصا على دراسة تأثير ~~أي نشاط يقوم به في بيئته الطبيعية، وأخذ يضع من القوانين ويتخذ من الاحتياطات ما ~~يعتقد أنه كفيل بصيانة هذه البيئة من أخطار التدخل الزائد في توازنها الطبيعي. ولكن ~~لا يمكن القول إننا اقتربنا من المرحلة التي نستطيع فيها التوفيق بين تحقيق التقدم ~~الاقتصادي الواسع النطاق، والمحافظة على نقاء الطبيعة وضمان سعادة متكاملة للإنسان ~~في عالم يتطلع إلى الإنتاج الوفير. # ولكن ما موقف المنطقة التي نعيش فيها من مشكلات البيئة؟ من الواضح أن هذه ~~المشكلات قد ظهرت أصلا في بلاد صناعية متقدمة، والاهتمام الذي أبدي بها، والضجة ~~التي أثيرت حولها، والاتجاه المفاجئ إلى دراستها علميا وتطبيقيا، إنما كان في ~~هذه البلاد. ولما كانت بلادنا في عمومها مفتقرة إلى التصنيع الثقيل على نطاق ~~واسع، فيبدو أن مشكلات البيئة لا تمسها مساسا مباشرا. كذلك فإن عملية استهلاك ~~الموارد الطبيعية إلى حد الاستنفاد لم تحدث بعد في معظم بلاد العالم الثالث؛ ~~ومن ثم فإن الخوف من أخطار النفايات الصناعية ليس له حتى الآن ما ~~يبرره. # ومع ذلك فإن هذا لا يعني على الإطلاق أن تقف بلادنا مكتوفة الأيدي حتى يجيء ~~الوقت الذي تداهمها فيه أخطار التلوث أو انعدام التوازن البيئي؛ فمن الواجب أن ~~نفيد من تجربة البلاد الأخرى التي سبقتنا في مجال التصنيع وفي التكنولوجيا ~~الزراعية المتقدمة، ولنتذكر أن من أهم عوامل التلوث البيئي ازدحام المدن، وأن ~~حركة الانتقال إلى حياة المدن تسير في بلاد العالم الثالث بسرعة وبغير تخطيط؛ مما ~~يساعد على ظهور كثير من المشكلات المتعلقة ms178 بالبيئة. # وهنا ينبغي علينا أن نعود إلى الكلام عن جانب آخر من جوانب مشكلة البيئة أصبح في ~~الآونة الأخيرة يشغل قدرا كبيرا من اهتمام المشتغلين بهذا الموضوع، وأعني به ~~الجانب الجمالي للبيئة. فليست المشكلة الوحيدة المتعلقة بعلاقة الإنسان ببيئته ~~الطبيعية هي المشكلة المادية الناجمة من تدخله الزائد في الطبيعة وسوء استخدامه ~~لطاقاتها ومواردها، بل إن البيئة الجمالية بدورها ينبغي أن تكون موضوعا ~~لاهتمامنا وعنايتنا. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تتسم بالقبح، ولا يرى حوله مظهرا ~~من مظاهر الجمال أو الذوق أو التناسق والانسجام، يكون قد افتقد عنصرا هاما من ~~عناصر إنسانيته. وفي وسعنا أن نقول: إن هذا القبح يمكن أن ينتج عن الثراء ~~المفرط، أو عن الفقر المدقع؛ ففي البلاد ذات الاقتصاد المتقدم والإنتاج الوفير، ~~يكون السعي إلى الضخامة في البناء متعارضا - في أحيان كثيرة - مع البحث عن ~~الجمال؛ وعند حدوث هذا التعارض فإن الطرف الذي يضحى به - في الغالب - هو الجمال. ~~وهكذا فإن كثيرا من المدن الصناعية الكبرى - التي تنتج ثروات اقتصادية هائلة ~~ويتعامل أهلها بأموال طائلة - تفتقر إلى الجمال الذي قد نجده بدرجة تفوقها بكثير ~~في بلدة صغيرة بسيطة البناء متواضعة الموارد، ولكن القبح يوجد أيضا على الطرف ~~الآخر في السلم الاقتصادي، وهو أمر طبيعي تماما؛ ففي البلاد الفقيرة لا يكون هناك ~~مجال للاهتمام بالجمال، وحيث تسود الأزمات الاقتصادية ويتكدس الناس في بيوت ~~متهالكة وتضيق الأرض بمن عليها لا تتوقع من أحد أن يحرص على وجود لمسات ~~جمالية في البيئة، أو على ترك مساحات خضراء واسعة لتنقية الهواء وتنقية النفوس ~~معا، ما دامت لقمة العيش هي الشغل الشاغل للجميع. # هذا العامل الجمالي يمثل العنصر الأهم من عناصر مشكلة البيئة في بلاد العالم ~~الثالث، ومن حسن حظ كثير من هذه الدول أن لديها تراثا حضاريا عريقا ما زالت ~~آثاره قائمة في أرجائها على نطاق واسع، وهذه الآثار - فضلا عن الطابع التقليدي ~~العريق للعمران في هذه البلاد - يمكن أن تكون عنصرا أساسيا في المحافظة على ~~الجانب الجمالي للبيئة، وما يستتبعه ms179 ذلك من إعلاء للجوانب المعنوية في حياة ~~الإنسان. ومن هنا كان حرص الكثيرين على صيانة الآثار العريقة في البلاد الفقيرة؛ ~~لكي يكون فيها تعويض عما تعجز هذه البلاد عن تحقيقه بمواردها الاقتصادية ~~المحدودة. # غير أن ضرورات التنمية وإدخال الأساليب ~~التكنولوجية الحديثة في الحياة كثيرا ما تتعارض مع الحرص على الطابع الجمالي ~~التقليدي للبيئة في البلاد النامية. بل إنه ليبدو - في بعض الأحيان - أن أصوات ~~أولئك «الزوار الأجانب» الذين ينصحون أهل هذه البلاد بالمحافظة على الطابع ~~التقليدي لبيئتهم، وبعدم الانسياق وراء إغراءات الحياة العصرية، هي في حقيقتها ~~دعوة (مقصودة أو صادرة عن نية حسنة) إلى أن تظل هذه البلاد «متحفا» أثريا ~~يستمتع به المتفرجون وحدهم. وهكذا تبدو هذه النظرة «المتحفية» إلى البيئة - في ~~بعض الأحيان - عائقا في وجه تطور المجتمع نحو الأخذ بأساليب التقدم الحديثة. ~~وعلى أية حال فإن التحدي الحقيقي أمام بلادنا النامية - فيما يتعلق بالمشكلة التي ~~نتحدث عنها ها هنا - هو في الوصول إلى الصيغة الملائمة التي توفق بين المحافظة ~~على الهوية الأصيلة للبيئة من جهة، واللحاق بموكب التقدم العلمي والتكنولوجي من ~~جهة أخرى. ~~(2-3) مشكلة الموارد الطبيعية # لهذه المشكلة وجه نعرفه في بلادنا العربية حق المعرفة، هو الوجه المتعلق بأزمة ~~الطاقة؛ فمصادر الطاقة - وعلى رأسها البترول - أصبحت في وقتنا الراهن موضوعا من ~~أهم الموضوعات التي تبحثها المؤتمرات العلمية والتجمعات السياسية، والتي تتغير ~~بسببها الاستراتيجيات وتتشكل الأحلاف وتنشب النزاعات وتحاك المؤامرات. ~~والمشكلة التي يواجهها العالم - والتي أصبح على وعي تام بها في أيامنا هذه - ~~هي أن مصادر الطاقة التقليدية - وخاصة البترول - محدودة، وأن التقدم ~~التكنولوجي يدفع العالم رغما عنه إلى التوسع في استهلاكها؛ ومن ثم فإنه سيواجه ~~في وقت غير بعيد بموقف يجد فيه بتروله قد نفد؛ فيعجز عن استغلال كافة موارده ~~الطبيعية الأخرى. # على أن الأمر المؤكد هو أن العلم لا يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الاحتمال ~~المخيف؛ فالبحث لا يتوقف لحظة واحدة عن مصادر بديلة للطاقة، وعلى رأسها الطاقة ~~الذرية التي قطعت الدول المتقدمة شوطا بعيدا في ms180 استخدامها، وكذلك الطاقة الشمسية ~~التي استغلت بدورها ولكن على نطاق أضيق. كما أن ثمة تفكيرا جادا في ~~استغلال طاقة الحرارة الأرضية، وطاقة المد والجزر على نطاق عالمي واسع، ولكن ~~المشكلة في هذه الطاقات البديلة هي أنها لم تصبح بعد اقتصادية إلى الحد الذي ~~يبرر استخدامها على نطاق واسع، وكل الآمال تتركز - بطبيعة الحال - على خفض ~~تكاليف إنتاجها إلى حدود معقولة بحيث تصبح بديلا عن الطاقة البترولية حينما ~~تنفد. # ولكن البترول والطاقة - بوجه عام - ليست إلا وجها واحدا من أوجه مشكلة الموارد ~~الطبيعية التي تواجه العالم اليوم؛ فهذا العالم يستهلك موارده الأخرى - من ~~الحديد والنحاس والقصدير ... إلخ - بمعدل متزايد؛ لكي يلبي أغراض الصناعة التي ~~تتوسع بلا انقطاع، ومطالب الاستهلاك التي اعتادها الإنسان حتى أصبحت جزءا لا ~~يتجزأ من حياته. وإذا كانت بعض الموارد الطبيعية قابلة للتجديد - كالأخشاب مثلا ~~التي يمكن أن تتجدد بظهور أشجار جديدة - فإن الموارد المعدنية التي تستهلك ~~لا يمكن تعويضها؛ ومن ثم فإن رصيد العالم منها يتضاءل يوما بعد يوم. # وقد دق عدد كبير من الباحثين ناقوس الخطر، معلنا أن الموارد الحالية من ~~المعادن الهامة التي تقوم عليها الصناعات الرئيسية - ومن ثم تقوم عليها الحضارة ~~العصرية بأسرها - لا بد أن تنتهي في وقت قصير إذا سارت الزيادة في معدلات ~~الاستهلاك سيرتها الحالية؛ فبعض المعادن لا يقدر للمخزون منه أن يدوم أكثر من ~~ربع قرن، وبعضها قد يدوم أكثر من ذلك، ولكن الأمر المؤكد هو أنه إذا انقضى على ~~البشرية قرن آخر ظلت فيه صناعاتها تستهلك الموارد الطبيعية على النمط السائد ~~الآن، فإن معظم الموارد الأساسية سيكون عندئذ قد نفد. # وفي مقابل ذلك يذهب بعض المتفائلين إلى أن الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد، ~~فمن المحال أن يظل العقل الإنساني ينتظر - في حالة من السلبية - نقصان رصيده ~~من موارد الطبيعة يوما بعد يوم، حتى ينتهي الأمر بالبشرية إلى العودة مرة أخرى إلى ~~الكهوف بعد أن تنضب آخر ذرة من معادنها ومن طاقاتها. والرأي الذي يدافع عنه هؤلاء ~~هو أن ms181 التقدم العلمي كفيل بأن يكشف للإنسان آفاقا جديدة لا تخطر له الآن على ~~بال، فإذا توصل الإنسان إلى الوسائل الفعالة لاستخراج الثروات الطبيعية الكامنة في ~~أعماق المحيطات، فمن المؤكد أنه سيهتدي فيها إلى احتياطي من الموارد يبلغ أضعاف ~~ما قدره المتشائمون، وإذا استطاع أن يتوغل في باطن الأرض ذاتها - التي يمكن ~~القول أن كل كشوفنا تكمن على السطح الأعلى من قشرتها الخارجية - فسوف يجد على ~~الأرجح موارد معدنية هائلة مدفونة في الأعماق البعيدة للأرض، وإذا أصبح الاتصال بين ~~الكواكب والنجوم الواقعة في الفضاء القريب من الأرض حقيقة واقعة، وأمكن تحقيقه ~~بطريقة منتظمة، فسوف يستخلص الإنسان من هذه العوالم الجديدة موارد تعوضه عن كل ~~ما يفقده على سطح الأرض. # ومع ذلك فإن هذا الرد - الذي يعتمد على إنجازات علمية بعيدة المدى - لا يبدو ~~كافيا في نظر الكثيرين، الذين يرون أن المشكلة ستواجه العالم في وقت أقرب من ذلك ~~الذي تتحقق فيه آمال هؤلاء المتفائلين؛ فهناك احتمال قوي في أن يواجه الإنسان ~~بنقص أساسي في موارده الطبيعية «قبل» أن يكون العلم قد تمكن من التوصل إلى ~~بدائل أو كشف مصادر جديدة لها، وعندئذ يكون لزاما علينا أن نفكر - منذ الآن - ~~فيما ينبغي عمله قبل أن يتحقق هذا الاحتمال المخيف. # والأمر الذي يركز عليه كثير من المفكرين الواعين بخطورة هذه المشكلة، هو أن ~~الأجيال الحاضرة ينبغي أن تفكر في مصير الأجيال القادمة، ولا تترك لها العالم ~~فقيرا في الموارد، لكي تحل هي مشكلاتها بنفسها، وهنا تتدخل مشكلة أساسية من ~~مشكلات القيم؛ فهل ينبغي علينا - نحن الذين نعيش في الجيل الحاضر - أن نراعي حقوق ~~جيلنا هذا وحده؟ أم أن الجيل الناشئ والأجيال التي لم تولد بعد لها - بدورها - حقوق ~~ينبغي مراعاتها عند استهلاك موارد العالم الطبيعية؟ # 1 # الواقع أن الإجابة عن هذا السؤال ليست يسيرة إلى الحد الذي تبدو عليه ~~للوهلة الأولى. # فمن الواضح - في نظر الكثيرين - أن الأجيال البشرية ينبغي أن تتخلى عن ~~أنانيتها، وعن رغبتها في ضمان أعلى مستوى ممكن لمعيشتها، وعليها ms182 أن تفكر في ~~مصير الأجيال التي ستعقبها، فلا تبدد موارد الطبيعة إلى الحد الذي لا يترك لهذه ~~الأجيال اللاحقة ما تستطيع أن تستهلكه. # ومن المؤكد أن معدل الاستهلاك في الدول الغنية يزداد بدرجة تنذر بخطر حقيقي في ~~المستقبل، إذ يصل هذا الاستهلاك أحيانا إلى حد التبديد السفيه، وهنا يكون من ~~الطبيعي أن يثور الضمير الإنساني على هذا التبديد غير المسئول، الذي لا يحدث من أجل ~~إشباع ضرورات حيوية، بل يحدث لإرضاء رغبات أنانية ونزوات استهلاكية مجنونة لا ~~يلبي معظمها حاجات أصيلة لدى الإنسان. فإذا كان هذا الاستهلاك الزائد عن الحاجة ~~يتم على حساب الضرورات الأساسية التي ستحتاج إليها الأجيال المقبلة، أليس من حق ~~المرء أن يعترض ويطالب بالتريث والتفكير في الآخرين، لا سيما إذا كان هؤلاء ~~الآخرون هم أبناؤنا وأحفادنا؟ # على أن أنصار الرأي المضاد يسوقون حججا تبدو في نظر الكثيرين معقولة: فمن ~~الواجب - في نظرهم - أن نترك الأجيال المقبلة تواجه مشكلاتها بنفسها، ولو افترضنا ~~أن الجيل الحالي قد قلل استهلاكه - بقدر ما يستطيع - مراعاة لمطالب الأجيال ~~القادمة، فإن هذا لن يكون حلا للمشكلة؛ وذلك لسببين: الأول أن المستهلكين ~~الحقيقيين في هذا العالم هم قلة من الدول التي تشكل نسبة ضئيلة من مجموع سكان ~~العالم، أما الأغلبية الساحقة فتعيش على مستوى الكفاف. ولو اختفت الأنانية من ~~العالم، وساده تنظيم عاقل يراعي مصالح الغير، فسوف يكون أول ما ينبغي على هذا ~~التنظيم عمله هو رفع المستوى الاستهلاكي للأغلبية البائسة من شعوب العالم إلى ~~مستوى معقول، وعندئذ سنواجه المشكلة بنفس حدتها الحالية وربما بمزيد من ~~الحدة؛ إذ إن رفع مستوى ألوف الملايين من فقراء العالم إلى حد معقول سيؤدي إلى ~~استهلاك لموارد العالم بمعدل قد يفوق المعدل السائد بين الدول الغنية المبذرة ~~في الوقت الراهن. وأما السبب الثاني فهو أننا مهما قترنا على أنفسنا الآن، أو ~~حتى بعد جيل أو جيلين، فسوف نضطر - عاجلا أو آجلا - إلى مواجهة المشكلة بكل ~~حدتها يوما ما، إذ إن ترشيد الاستهلاك - حتى لو تحقق على نطاق ms183 عالمي - لن ~~يمنع من حدوث أزمات في الموارد الطبيعية في المستقبل، وكل ما سيؤدي إليه هو إرجاء ~~المشكلة إلى حين. # ولا شك أن هذه الحجة الثانية يمكن أن يرد عليها بأن إرجاء المشكلة يعني إعلاء ~~فرصة أطول للعلم كيما يتوصل إلى حلول جديدة غير مألوفة لمشكلة الموارد الطبيعية، ~~بدلا من أن يضطر العالم إلى مواجهة هذه المشكلة قبل أن يكون العلم قد أعد نفسه ~~لحلها، كما أن ضمان مستوى معقول للغالبية الفقيرة من سكان الأرض قد يساعد سكان ~~هذه المناطق على بذل المزيد من الجهد من أجل استخراج كل ما هو كامن في أقاليمهم من ~~ثروات. # ولكن الذي يهمنا من هذه المقابلة بين الآراء المتعارضة في مشكلة الموارد ~~الطبيعية هو أولا أن المشكلة ليست بالبساطة التي تبدو عليها للوهلة الأولى، بل ~~إنها من التعقيد بحيث تستدعي قدرا غير قليل من التفكير المتعمق، الذي يوازن بين ~~الحجج والردود عليها، ويدرك أن للموضوع أبعادا متعددة. ويهمنا ثانيا في هذا ~~الموضوع أن نؤكد ارتباطه بمشكلات أخلاقية، كمشكلة أنانية الأجيال، وبمشكلات ~~اجتماعية كمشكلة التقريب بين مستويات المجتمعات البشرية. ولكن ربما كانت أهم ~~المشكلات العقلية التي يثيرها هذا الموضوع هي تلك المشكلة الأساسية المتعلقة ~~بالقيم، وأعني بها قيمة الحياة الاستهلاكية التي تعيشها المجتمعات الصناعية ~~الحديثة. # ذلك لأن المجتمعات المتقدمة أصبحت - في عصرنا الحاضر - تنظر إلى التوسع في ~~الاستهلاك كما لو كان غاية في ذاته، وتعده قيمة أساسية من قيم الحياة ينبغي أن ~~تؤخذ على ما هي عليه دون مناقشة، بل إن الإنسان الحديث أصبح ينظر إلى أي نظام ~~اجتماعي على أنه جهاز ضخم وظيفته الأولى والأساسية هي توفير مطالبه الاستهلاكية، ~~وأصبح يحكم عليه - إيجابا أو سلبا - في ضوء قدرته أو عدم قدرته على تحقيق هذه ~~المطالب. # ولقد أصبح هذا الأسلوب من التفكير متغلغلا فينا إلى حد أننا لم نعد قادرين ~~على مناقشته، بل أصبحنا نعده جزءا من طبيعة الأشياء، ونظاما من أنظمة الكون. ولكن ~~حقيقة الأمر أن هذا كله اتجاه حديث، ينتمي إلى قيم المجتمع ms184 الصناعي الغربي، وهي ~~القيم التي استطاعت - بفضل تفوق هذا المجتمع - أن تنتشر وتعم أجزاء كبيرة من ~~العالم المعاصر. والدليل على أن هذا الاتجاه الاستهلاكي ينتمي إلى الإنسان الحديث ~~وحده، هو أن العصور الماضية كانت تفكر في الأمر بطريقة مغايرة تماما؛ فعند ~~اليونانيين القدماء كان الفكر الفلسفي والأخلاقي - وخاصة عند سقراط وأفلاطون ~~وأرسطو والرواقيين - يتجه إلى تعويد الإنسان السيطرة على رغباته والتحكم فيها، ~~ولم يقل أحد عندئذ أن وظيفة النظام الاجتماعي هي أن يوفر للإنسان أكبر قدر من ~~أدوات الاستهلاك. وفي العصور الوسطى كانت معظم الرغبات الاستهلاكية - التي هي محور ~~حياتنا الحاضرة - تعد رغبات شريرة، وكان هدف النظام الاجتماعي والفكري هو إخماد ~~صوت هذه الرغبات، وكان الإنسان الأمثل هو ذلك الذي يعزف عن تحقيق مطالب الترف ~~والرفاهية. # ولست أود أن يفهم القارئ مما أقوله أنني أدعو إلى الزهد أو أحمل على الحياة ~~الحديثة لأنها مترفة؛ إذ إن الأمر المؤكد هو أن دعاة الزهد المتطرف كانوا ~~يكبتون كثيرا من الرغبات الإنسانية المشروعة، ويقمعون مطالب حيوية للإنسان، وقد ~~أثبتت الأيام أن كثيرا من دعاة الكبت والقمع هؤلاء يعيشون حياة مضادة تماما ~~لتلك التي يدعون الناس إليها. ومن جهة أخرى فإن الإنسان قد أحرز في العصر الحديث ~~تقدما لا شك فيه حين استطاع أن يتحرر من هذا الكبت، واقتنع بأن إرضاء رغباته ~~الطبيعية لا يتعين أن يكون في ذاته أمرا شريرا. # ولكن ما أود أن أثبته - من هذه المقارنة - هو أن النمط الحالي للحياة ~~الاستهلاكية ليس أمرا مسلما به كما نتصور الآن، وأن الإنسان كان يعيش في عصور ~~أخرى في ظل قيم مضادة لتلك التي يسلم بها الآن، حتى لو لم يكن قد تمسك ~~دائما بهذه القيم، فإذا أدركنا هذه الحقيقة؛ أمكننا أن نتأمل بنظرة نقدية ~~طبيعة الحياة الاستهلاكية التي يتصور الإنسان الحديث أنها أقصى أمنياته. # وحين نقوم بهذا النقد ستظهر بوضوح ~~أمامنا عيوب هذا التطلع الاستهلاكي المخيف الذي يتملك الإنسان في المجتمعات ~~المتقدمة، ويحلم به الإنسان في المجتمعات غير المتقدمة، وحقيقة الأمر هي ms185 أن ~~المشكلة لا تكمن - على وجه الدقة - في الاستهلاك أو عدم الاستهلاك، بل إن أساس ~~الموضوع كله هو «نوع» الاستهلاك، فنحن قد تطرفنا في الاتجاه المضاد لما كان يدعو ~~إليه أجدادنا من زهد وعزوف عن المطالب المادية، حتى أصبحنا محاطين بشبكة محكمة ~~من الوسائل الإعلامية التي تدعونا بذكاء شديد إلى استهلاك أشياء تافهة. وهكذا يجد ~~المرء - أينما ذهب - إعلانات ضخمة تدعو إلى صنوف من المأكولات أو المشروبات، ~~وتغريه بمظهرها الحسي الفج، وتصور الشفاه الظامئة وهي تتلهف على الزجاجة ~~المثلجة، أو الأسنان الشرهة وهي تنقض على قطعة اللحم، حتى ليشعر المرء بأن ~~الزمن قد دار دورة كاملة منذ عهد الترفع على المحسوسات حتى عهد الإغراق السوقي ~~فيها. # ولنقل مثل هذا عن أساليب استثارة الرغبات الحسية الأخرى - كالجنس - التي أصبحت ~~تحفل بها إعلانات الأفلام والملاهي وتزين أغلفة المجلات ... إنها بدورها مظهر ~~لقيم معينة، قد يكون لها جانب إيجابي هو أن الإنسان لم يعد مكبوتا، ولكن لها ~~جوانب سلبية واضحة، هو أنها تجعل للحياة الإنسانية أهدافا حسية مباشرة، وتسيء ~~إلى الرغبات الإنسانية الطبيعية ذاتها؛ إذ تجعلها موضوعا للمتاجرة والربح، ~~وتنزع عنها طابع الخصوصية - الحالي هو أساسي فيها - لتحيلها إلى سلعة عامة ~~يتداولها الجميع. # والأعجب من ذلك أن السعي المحموم إلى الاستغلال التجاري للرغبات الإنسانية قد ~~دفع هؤلاء المستغلين إلى خلق «رغبات صناعية» لا تلبي حاجات طبيعية لدى الإنسان، ~~ولكن الإلحاح المستمر عليها - بالدعاية والإعلان - يقنع الناس على نحو متزايد ~~بأنها رغبات أساسية. وهكذا يخلق لدى الإنسان - في المجتمعات المتقدمة أو في ~~المجتمعات الثرية (وهما ليسا دائما شيئا واحدا) - إحساس بضرورة تغيير طراز ~~سيارته أو ثلاجته أو ملابسه أو حتى ساعته كلما جد في هذا الميدان جديد، لا لأن ~~ما لديه قد استهلك، بل لأن عقله قد تشكل بالطريقة التي يريدها المنتجون، والتي ~~تضمن لهم أكبر قدر من الربح، وكم من الملايين تنفق سنويا من أجل تلبية هذه ~~الرغبات المصطنعة التي هي - في أغلب الأحيان - رغبات غير ضرورية، بل إن بعضها ~~قد يجلب - على ms186 المدى الطويل - ضررا. فإذا: كاختراع فرشاة أسنان تتحرك بالكهرباء ~~بدلا من حركة اليد، أو أجهزة آلية لتغيير سرعة السيارة بدلا من جهاز التغيير ~~اليدوي، أو جهاز للتحكم عن بعد في ضبط التليفزيون حتى لا يقوم الإنسان من مكانه ~~... وكلها مخترعات تبدو في ظاهرها مريحة، ولكنها في حقيقتها تعود الإنسان الخمول ~~الزائد، وتحرمه من ممارسة أقل قدر من الجهد الجسمي الذي هو في أشد الحاجة إلى ~~بذله؛ كيلا يتعرض لأمراض الترف «والحضارة». # وربما قيل - دفاعا عن نمط الحياة الاستهلاكية هذا: إن عصرنا يستطيع أن يملك ~~ترف الاستهلاك لأنه عصر إنتاج فائض، على حين أن فلسفة الزهد كانت تشيع في عصور ~~الحرمان والإنتاج الشحيح، ولكن هذه حجة هزيلة؛ إذ إن عصرنا بدوره مليء بمظاهر ~~الحرمان التي تصل إلى حد المجاعة في بعض البلاد الفقيرة، وإلى حد سوء التغذية ~~ونقص الملبس والمسكن بين النسبة الغالبة من البشر. بل إن الدول الغنية ذاتها ~~لا تخلو من الحرمان، وإن كانت تسعى جاهدة إلى التستر عليه. وهكذا فإننا إذا كنا ~~نملك إنتاجا فائضا - وهو أمر لا ينطبق على الجميع - فمن المؤكد أننا لم نحسن ~~استخدامه، وإن الأنظمة الاجتماعية التي يعيش الإنسان الحديث في ظلها لم تصل ~~بعد - في معظم الأحيان - إلى مستوى العدالة؛ ومن ثم فإنها تدعو إلى الترف الزائد ~~في إطار من الحرمان. # ويستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من القول بأن الإغراق في الاستهلاك لا يلبي ~~حاجات أساسية لدى الإنسان، وأنه مظهر من مظاهر الظلم والافتقار إلى عدالة التوزيع ~~في العالم المعاصر؛ ذلك لأن الاستهلاك الزائد يشوه بالفعل كيان الإنسان وفكره، ~~وينتهي بالمرء إلى السطحية والابتذال؛ فعبادة الاستهلاك قد أدت - في هذا العصر ~~- إلى تكوين نمط من البشر الذين يتصورون أن قيمة المرء إنما تقاس بما يملك، ~~وبما يحيط به نفسه من مقتنيات. ويبدو أن القوة السطحية التي نكتسبها من تلك ~~الأجهزة المعقدة التي تزودنا بها التكنولوجيا الحديثة تخدعنا؛ فتوهمنا بأننا ~~أصبحنا بالفعل «أقوى» و«أفضل» مما كنا عليه من قبل، مع أن كل ما ms187 نقتنيه إنما هو ~~قشرة خارجية لا تجعلنا أفضل «من الداخل» على الإطلاق، ولقد ميز الفلاسفة - منذ ~~وقت طويل - بين ما يكونه المرء وما يملكه. ويبدو أن مروجي السلع ~~الاستهلاكية لا يهدفون إلا إلى نشر عبادة «التملك»، وذلك على حساب الكيان الحقيقي ~~للإنسان. # ومثل هذه الأوهام ليست فردية فحسب، بل إن ~~هناك شعوبا ومجتمعات تقع كلها - باستثناء قلة من المفكرين فيها - فريسة ~~الاعتقاد الباطل بأن القيم العليا للحياة إنما تنحصر في توافر وسائل الترف ~~ومظاهر الرخاء، ولكن حقيقة الأمر أن هناك قيما أعلى من هذه بكثير، هي قيم الثقافة ~~والمعرفة وتحقيق الذات، فإذا كان علينا أن نفاضل بين مجتمعين، يحرص الأول منهما ~~على أن يوفر لأكبر عدد من أفراده السيارات الفاخرة وأحدث الأجهزة الإلكترونية التي ~~تجعل الحياة اليومية أيسر وأمتع، على حين أن المجتمع الآخر يحرص على أن يوفر ~~لأكبر عدد من أفراده تعليما ذا مستوى عال وثقافة رفيعة، وينشر بينهم تذوق ~~الفنون والآداب على أوسع نطاق، فأي هذين المجتمعين ينبغي أن يعد محققا ~~لآمال الإنسان؟ لا جدال في أن الجمع بين الأمرين هو الحالة المثلى، ولكنه لا يبدو ~~ممكنا في ظروف العالم الراهنة. ومن هنا فإن المرء لا يملك إلا أن يفاضل بين هذا ~~وذاك، ويمكن القول، بنظرة واقعية: إن عددا كبيرا من الناس يفضلون النوع ~~الأول، ولكن هذا إنما يرجع إلى تأصل قيم الرخاء المادي في النفوس. ومن المؤكد ~~أن ما كان يدعو إليه مصلحو البشرية وقادتها الروحيون - منذ أقدم العصور حتى ~~اليوم - إنما هو أن يكون للإنسان هدف أسمى من ذلك الرخاء المادي الذي يعده ~~الكثيرون في عالمنا هذا أقصى أمانيهم. # وإذا كنا قد نظرنا إلى هذا الموضوع - حتى الآن - من وجهة النظر المثالية - أعني ~~من حيث ما ينبغي أن يكون - فإن هناك عوامل أخرى واقعية ينبغي أن تؤخذ بعين ~~الاعتبار، وتؤدي إلى هذه النتيجة نفسها، وأعني بها ضرورة الحد من الاتجاه ~~الاستهلاكي المتطرف الذي تسير فيه بعض المجتمعات المتقدمة صناعيا، وتقود ~~نحوه كثيرا من دول العالم الأخرى ms188 التي تتخذ منها قدوة لها. فقد دأب الإنسان ~~الغربي - منذ مطلع العصر الحديث - على أن يتخذ من «السيطرة على الطبيعة» هدفا ~~لكل نشاط يقوم به في ميدان العلم والمعرفة بوجه عام. ولقد كان لهذا الهدف - كما ~~رأينا من قبل - ما يبرره في الظروف التي ظهر فيها؛ إذ إنه كان شعار عصر جديد ~~يريد أن يفهم العالم ويتحكم في الطبيعة عن طريق معرفة قوانينها، بل إن كبار ~~الفلاسفة الذين دار تفكيرهم حول محور هذا الشعار - مثل «بيكون» و«ديكارت» في أوائل ~~القرن السابع عشر - كانت تدفعهم نزعة إنسانية قوية، هي الرغبة في استعادة مملكة ~~الإنسان على الأرض، وتحريره من عبودية العمل الشاق الذي يضني جسمه ويضعف نفسه ~~ولا يدع له فرصة لكي يمارس أفضل ما لديه من ملكات. كانت تلك هي نقطة البداية، ~~وهي الدافع الذي حفز الرواد الأوائل إلى المناداة بشعار «السيطرة على الطبيعة» عن ~~طريق العلم، واتخاذ المعرفة سبيلا إلى اكتساب القوة المقدرة. # ولكن استمرار التقدم العلمي والتكنولوجي، ووصوله إلى مستويات هائلة في الآونة ~~الأخيرة، أصبح يهدد نفس المثل العليا التي كان ينادي بها هؤلاء الرواد، فمنذ ~~وقت ليس بالقريب كنا نستمع إلى أصوات تحذرنا من أن وسائلنا التي نستخدمها في ~~السيطرة على الطبيعة، قد سيطرت هي ذاتها علينا وخلقت لدينا نوعا جديدا من ~~العبودية. وبالفعل أكد الكثيرون أن الآلة قد خيبت الآمال التي عقدت عليها، ~~وجعلت الإنسان عبدا لإنسان آخر (هو الذي يملك الآلة) أو للآلة نفسها. كما أن ~~نفس القوة الجديدة التي خلقت الثراء والوفرة قد خلقت البؤس والفاقة وولدت ~~القبح ونشرت الظلم، وقسمت العالم إلى دول مترفة ودول محرومة، وكررت هذا ~~التقسيم ذاته في كل مجتمع على حدة. # وفي عمرنا الراهن أدى التطرف في تطبيق شعار «السيطرة على الطبيعة» إلى انتشار ~~رغبات جامحة في الاستهلاك الذي يصل إلى حد التبديد، وإلى سعي إلى النمو ~~مقصود لذاته، والوقوع في جنون التوسع والانتشار في جميع المجالات، وأخذ يظهر ~~للكثيرين بوضوح أن هذا النمو الجنوني لو استمر بهذا المعدل لأدى ms189 إلى دمار ~~العالم، أو إلى استنفاد موارده المحدودة، التي لا يمكن تجديد الكثير منها أو ~~تعويضه. وهكذا بدأ عدد كبير من المفكرين - في الدول المتقدمة - يرفعون أصواتهم ~~محذرين من استمرار الاندفاع الجنوني نحو الاستهلاك، لا سيما وأن الكثير مما ~~نستهلكه لا يزيد من قدرنا أو يثري إنسانيتنا. وبدأ هؤلاء المفكرون ~~يشككون في جدوى فكرة «السيطرة على الطبيعة» بالمعنى الذي استخدمت به منذ ~~أوائل العصر الحديث، ويدعون إلى الاستعاضة عنها بفكر «التعاون مع الطبيعة». # والموقف الذي يدافع عنه هؤلاء المفكرون هو أن العلاقة بين الإنسان والطبيعة ~~ينبغي ألا تظل علاقة قهر وسيطرة، ومحاولة من الإنسان لكي يستنفد أكبر قدر من ~~مواردها ويستغلها لإرضاء رغباته، بل عليه أن يساير الطبيعة ويتعاون معها حتى لا ~~يقضي على مواردها وعلى نفسه أيضا. وحين يسود شعار «التعاون مع الطبيعة»، يكون ~~معنى ذلك حرص الإنسان على عدم الإخلال بالتوازن الطبيعي والبيئي، وتصرفه بحكمة ~~ورشد في موارده، وخاصة تلك التي تستهلك مرة واحدة ولا تتجدد. وهذا يقتضي ~~من الإنسان الحديث مراجعة شاملة لأهدافه في الحياة، يحدد فيها نوع الغايات ~~التي ينبغي أن يسعى إليها ويضع على أساسها خطط المستقبل. # ولا شك أن من هذه الغايات: تغليب الكيف على الكم، بمعنى أن يحرص الإنسان ~~على «نوع» أرفع من الحياة، بدلا من حرصه الحالي على الجمع والتكديس وزيادة ~~«مقدار» ما يملك من أدوات الاستهلاك. وفي استطاعة الإنسان - إذا فكر في الأمر ~~بتعمق - أن يهتدي إلى وسائل تعينه على رفع المستوى «الكيفي» لحياته دون حاجة ~~إلى تبديد أو تبذير لموارد الطبيعة، بل إنه سيدرك حينئذ أن جريه الحالي وراء ~~«الكم» ورغبته العارمة في «الاقتناء» تؤدي - في كثير من الأحيان - إلى أن تزيد ~~حياته خواء وفراغا، وتهبط بمستواها «النوعي». # ومن الغايات الأخرى التي ينبغي أن يستهدفها الإنسان - في تخطيطه للمستقبل - ~~رعاية مصالح الأجيال التي سوف ترثه على هذه الأرض، وهو أمر لا يستطيع الإنسان ~~الحالي أن يدعي أنه يشغل أقل قدر من اهتمامه. ولقد أشار بعض المفكرين - في ~~هذا الصدد - إلى ms190 مثال بسيط ومألوف، هو «السيارة الخاصة»؛ ففي العالم المتقدم ~~صناعيا، وفي كثير من الدول الغنية غير المتقدمة صناعيا، وعند قطاعات غير قليلة ~~من سكان الدول الفقيرة، تسود الآن فكرة استخدام «السيارة الخاصة» وسيلة للتنقل، ~~ولكن هل فكر أحد في كمية الموارد التي تتبدد في هذه الوسيلة؟ هل فكر أحد في ~~كمية الحديد والصلب والبترول وعدد غير قليل من الموارد الأخرى التي تستهلكها ~~سيارة خاصة واحدة يستخدمها شخص واحد أو أسرة صغيرة لكي تلقى بعد سنوات قليلة وسط ~~أكوام من الحطام؟ وهل يحتمل عالم المستقبل - الذي سيتضاعف عدد سكانه عدة مرات - ~~مثل هذا الترف؟ وهل ستظل موارده قادرة على تلبية هذه الرغبة الاستهلاكية ~~المكلفة؟ وكم ستكون نسبة القادرين على استخدامها بالقياس إلى المجموع الكلي ~~للسكان؟ وهل يمكن أن يستمر العالم يسير على أساس هذا التفاوت الصارخ بين أفراد ~~البشر؟ وماذا سيتبقى للأجيال التي ستعيش من بعدنا إذا أصر الناس على تبديد ~~مواردهم في هذه الكتل الضخمة من الحديد والبترول والمطاط المتحرك؟ لهذه الأسباب ~~كلها أكد بعض المفكرين أن «عصر السيارة الخاصة» يجب أن ينتهي إذا أراد ~~الإنسان أن يكون رشيدا في تعامله مع الطبيعة، وما هذا إلا مثل من أمثلة التغيير ~~الذي يجب أن ندخله على عاداتنا الاستهلاكية إذا أردنا أن نترك للأجيال القادمة ~~عالما يمكنها أن تعيش فيه. # وأيا كان الأمر، فمن المؤكد أن في العالم الآن اتجاهات كثيرة تحتاج إلى ~~تغيير أو مراجعة جذرية، ولما كانت كثير من العادات الاستهلاكية التي ينبغي تغييرها ~~مرتبطة برغبات يصعب على الإنسان - بعد اعتياده عليها - أن يتخلص منها، فإن ~~الأمر سيحتاج إلى مراجعة كاملة لنظم التعليم والتوجيه في المجتمع البشري، وربما ~~احتاج - كما يؤكد الكثيرون - إلى التفكير جديا في إقامة نوع من الحكومة العالمية ~~التي تشرف على شئون العالم وفي ذهنها مصالح الجميع، لا مصالح فئات أو دول معينة ~~فحسب، وبغير هذا قد يكون تحقيق هدف «التعاون مع الطبيعة» أمرا عسير المنال. ~~(2-4) مشكلة الوراثة والتحكم في صفات الإنسان # على الرغم من أن ms191 التقدم في الفيزياء والكيمياء - وفي الأبحاث التطبيقية التي ~~نجمت عنها - يبدو أنه أبرز السمات للعلم المعاصر؛ لأنه قد أدى بالفعل إلى تغير ~~وجه الحياة على هذه الأرض، فإن كثيرا من العلماء يؤكدون أن أخطر التطورات في ~~عصرنا الحاضر هي تلك التي تحدث في علم يتقدم بلا ضجيج أو دعاية أو أخبار ~~تنشر على الصفحات الأولى للجرائد، هو علم الحياة (البيولوجيا)، ويؤكد هؤلاء ~~العلماء أنه إذا كان عصرنا هذا قد شهد تغيرات حاسمة في الحياة بفضل الفيزياء ~~والكيمياء، فقد بدأت تظهر فيه بوادر تدل على أن العلم الذي سيحدث تغييرات ~~جذرية في العالم خلال القرن المقبل - وربما قبل ذلك - هو علم الحياة. # إن العلوم الطبية - التي ترتبط ارتباطا ~~أساسيا بعلم الحياة - قد أحرزت - كما هو معروف - تقدما هائلا منذ النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر، وأدى هذا التقدم إلى زيادة كبيرة في متوسط عمر ~~الإنسان على مستوى العالم كله، وفي الدول المتقدمة بوجه خاص، كما أدى إلى ~~انخفاض هائل في نسبة الوفيات بين المواليد. وهكذا ازدادت فرص الحياة أمام ~~الإنسان على طرفي العمر؛ أي في أوله وفي آخره. ومن المؤكد أن هذا التقدم قد واجه ~~الإنسان بمشكلات كبرى؛ إذ إن زيادة متوسط العمر قد أبرزت - بصورة حادة - مشكلة ~~الشيخوخة وموقف المجتمع منها؛ حيث يعجز هذا المجتمع حتى الآن عن إيجاد حل حاسم ~~لهذه المشكلة ولا سيما في الدول المتقدمة؛ ففي هذه الدول يزداد بصورة مطردة عدد ~~المسنين الذين يظلون طويلا على قيد الحياة، وفيها أيضا يعجز نظام الأسرة عن ~~استيعاب هؤلاء المسنين؛ إذ إن الأبناء - الذين يعيشون في مجتمع تسوده ~~الاعتبارات العلمية ويبحث كل فرد فيه عن مصلحته الخاصة - يضيقون ذرعا بوالديهم، ~~ولا يجد هؤلاء مفرا من الالتجاء إلى حلول لم يثبت نجاحها حتى الآن كبيوت الكبار ~~مثلا. كذلك فإن الانخفاض الكبير في نسبة الوفيات بين المواليد قد أدى إلى ~~تضاعف نسبة الزيادة السكانية في العالم، وخاصة في الدول الفقيرة التي كان ارتفاع ~~نسبة الوفيات فيها من قبل يحدث توازنا مع ms192 زيادة النسل. ولكن بالرغم عن هذه ~~المشكلات فمن المؤكد أن التقدم في العلوم الطبية كان من أعظم الإنجازات الإنسانية ~~التي حققها العلم الحديث خلال القرن الماضي. # ومن ناحية أخرى فقد كانت العلوم البيولوجية أحد الأسس الهامة التي بني عليها ~~اختراع العقول الإلكترونية؛ فالسيبرنطيقا - كما ذكرنا من قبل - كانت منذ بدايتها ~~تطبيقا للمبادئ البيولوجية وللأسس التي يعمل بها الجهاز العصبي على الآلات، ولما ~~كانت الثورة الإلكترونية هي إحدى الدعامات الرئيسية التي يرتكز عليها عصرنا الحاضر، ~~ففي وسعنا أن نجد في هذا مثالا لإنجاز آخر ضخم حققته العلوم البيولوجية في النصف ~~الثاني من القرن العشرين. # ولكن بالرغم من أهمية كل هذه الإنجازات، فليست هي ما قصدناه حين قلنا: إن ~~الانقلاب الذي حدث في علم الحياة يعد - في نظر الكثيرين - أهم من أي حدث علمي ~~آخر عرفه الإنسان في هذا القرن، وأنه يحمل في طياته بذور تغيرات مذهلة بالنسبة ~~إلى المستقبل، وإنما الذي نعنيه هو تلك الكشوف التي تمت في السنوات الأخيرة في ~~ميدان الوراثة البشرية، والمحاولات التي لا يكف علماء البيولوجيا عن بذلها من ~~أجل الكشف عن أسرار المخ البشري. # فمنذ عدد قليل من السنوات، توصل علماء البيولوجيا إلى كشف خصائص الخلايا ~~الوراثية «الجينات» ومعرفة تركيبها الكيميائي، واهتدوا إلى أول الخيط الذي يؤدي ~~إلى كشف شفرة الوراثة. وعلى الرغم من أن هذا الكشف لم يعرف خارج نطاق الدوائر ~~العلمية المتخصصة إلا في نطاق ضيق في بداية الأمر، فقد كان من السهل إدراك ~~النتائج الهائلة التي يمكن أن يسفر عنها، مما جعل الكثيرين يعدونه نقطة بداية ~~لعصر جديد قد لا تتضح معالمه كلها في الوقت الراهن، ولكن من المؤكد أنها ~~ستظهر في وقت ليس بالبعيد. # ذلك لأن معنى هذا الكشف هو أن العلم بدأ يسير في الطريق المؤدي إلى معرفة ~~العوامل الوراثية بدقة؛ ومن ثم معرفة سر من أهم أسرار الحياة، ولو سار العلم في ~~هذا الطريق شوطا بعيدا؛ لاستطاع أن يتحكم بطريقة إرادية في الوراثة البشرية، ~~بحيث يغير من خصائص الجينات تغييرا ms193 متعمدا، فتكون النتيجة تغيير صفات ~~المواليد الجدد، وعلى حين أن الإنسان قد ظل حتى الآن يقبل خصائص الأجيال الجديدة ~~من ذريته على ما هي عليه، فإن التطور البيولوجي الذي نتحدث عنه قد وضع العلم في ~~أول الطريق المؤدي إلى توسيع نطاق سيطرة الإنسان؛ بحيث تمتد إلى إدخال تغييرات ~~أساسية على مواليده الجدد. وكما أن الصناعة قد مدت سلطان الإنسان على إنتاجه ~~الاقتصادي بحيث لم يعد مقتصرا على ما تجود به الأرض في الزراعة، بل أصبح ~~الاقتصادي يحور مواد الطبيعة ويشكلها وفقا لإرادته. كذلك يبدو أن العلم قد ~~أمسك الآن بأول الخيط المؤدي إلى إحداث تغير مماثل في الكائنات البشرية التي ~~تتألف منها أجياله الجديدة، بحيث تصبح علاقة العصور التي سيتحقق فيها هذا ~~الإنجاز الضخم بالعصور السابقة أشبه بعلاقة العصر الصناعي بعصور الزراعة والرعي ~~والالتقاط. # كذلك تؤدي الأبحاث التي تجرى في ميدان دراسة المخ البشري إلى نتائج مماثلة؛ ~~ذلك لأن هذا العضو شديد التعقيد ظل غامضا حتى عهد قريب، ولم تكن معلوماتنا عنه ~~تمثل إلا قدرا ضئيلا جدا مما ينبغي على الاقتصادي معرفته عن أهم أجزاء ~~جسمه جميعا، ولكن المعرفة العلمية في هذا المجال تضاعفت إلى حد هائل في ~~السنوات الأخيرة، وبدأ العلماء يقتربون من اليوم الذي يستطيعون فيه أن يعرفوا ~~آلية العمليات التي تتم في المخ، ونوع التغيرات الفيزيائية والكيميائية التي ~~تحدث فيه عندما يؤدي وظائفه المختلفة، وطبيعة مراكز القدرات الذهنية المختلفة ~~وكيفية التحكم فيها، إلى آخر هذه الأسرار التي ظلت مستغلقة على البشر حتى وقت ~~قريب. ومن المؤكد أن التقدم في علم السيبرنطيقا والخلايا الإلكترونية كان له دور ~~كبير في هذا الصدد؛ أي إن العلم مثلما استعان بمعلوماته المتوافرة عن الجهاز ~~العصبي البشري - وضمنه المخ - في استحداث علم السيبرنطيقا، قد استعان بهذا العلم ~~بدوره - بعد تطويره - لكي يلقي مزيدا من الضوء على طبيعة العمليات التي تحدث ~~عندما يؤدي المخ البشري وظائفه العصبية والنفسية والعقلية، ونتيجة هذه الكشوف ~~ستكون فائقة الأهمية؛ إذ إنها ستتيح للعلم - يوما ما - أن يتحكم في ms194 تركيب المخ ~~البشري، ويزيد أو ينقص قدرات معينة فيه إلى حد لم تعرفه البشرية من قبل. # على المرء بقدر ما يغتبط لقدرة العلم على الامتداد بسيطرة الاقتصادي، بحيث تسري ~~حتى على طبيعته الداخلية الخاصة بعد أن قطع شوطا بعيدا في السيطرة على الطبيعة ~~الخارجية، لا يملك إلا أن يشعر بالجزع من جراء الاحتمالات المخيفة التي تثيرها هذه ~~الكشوف، وخاصة إذا تصورنا أن هذه الاحتمالات قد تحققت في إطار التنظيمات الحالية ~~للمجتمعات البشرية، ففي يد من سيترك هذا التحكم في حياة الاقتصادي وفي خصائصه ~~الوراثية؟ وما إنتاجه الأهداف التي ينبغي أن تراعى في إدخال هذه التعديلات ~~الخطيرة؟ ومن الذي سيحدد هذه الأهداف؟ بل إن السؤال الذي يسبق هذه الأسئلة هو: ~~هل يجوز التفكير أصلا في تعديل قدرات الاقتصادي؟ وإلى أي مدى يعد مثل هذا ~~التدخل أمرا مشروعا؟ وهل يكون من حقنا أن نتخذ من الإنسان - وهو أرفع الكائنات ~~مكانة - موضوعا للتجارب وللتشكيل المتعمد في المختبرات؟ # إن الخيال العلمي كان - منذ وقت بعيد - يجزع أشد الجزع لمثل هذا التلاعب في ~~الطبيعة البشرية، ويصوره بصورة شديدة التشاؤم في قصة مثل قصة «فرانكشتين» ذلك ~~الكائن المخيف الناتج عن تلاعب العلم في المخ البشري. ومن النادر أن نجد - منذ ذلك ~~الحين - قصة تصور نتيجة تدخل العلم في قدرات الإنسان الطبيعية بصورة تبعث على ~~التفاؤل والأمل. والواقع أن هذا التشاؤم له ما يبرره؛ إذ إننا لو تخيلنا أن العلم ~~قد اكتسب قدرات كهذه في ظل الأوضاع الاجتماعية والسياسية الحالية، فإن الاحتمالات ~~تكون مخيفة حقا. # فمن الممكن أن تستغل الدول ذات الأنظمة العدوانية كشفا علميا كهذا لكي ~~تزيد من قسوة مواطنيها أو من قدراتهم على سحق خصومهم بلا رحمة. ومن المؤكد أن ~~مثل هذا الكشف لو ترك لسياسيين من النوع الذي اتخذ قرار استخدام القنبلة ~~الذرية في هيروشيما؛ لاستغلوه أبشع استغلال. كذلك لو تخيلنا أن هذه القدرة ~~الفائقة للعلم على تشكيل صفات البشر قد وضعت في يد مجتمع يحكمه أصحاب الأطماع ~~الاقتصادية والمصالح التجارية؛ لكان من الجائز ms195 أن يستغلوها في تكوين أجيال بشرية ~~تحمل بلا شكوى وبلا كلل في مصانعهم أو تستهلك منتجاتهم طائعة، وربما تعمدوا أن ~~تكون هذه الأجيال في معظمها نمطية لا تنوع فيها. # وهكذا فإن هذه القدرة الهائلة على التحكم في طبيعة الإنسان ينبغي أن تقترن بها ~~قدرة مماثلة على التحكم في التنظيمات الاجتماعية البشرية. ومن المؤكد أننا في حاجة ~~إلى نوع جديد من السلطة، ومفهوم جديد للعلاقات بين البشر، حتى يمكننا أن نأمن عدم ~~استغلال هذه الكشوف ضد مصلحة الإنسان. وإذا كنا حتى الآن نعد هذه الاحتمالات ~~بعيدة، فإن العلماء يقولون غير ذلك؛ إذ إن العلم قد اجتاز بالفعل بداية الطريق الذي ~~سيؤدي به - عاجلا أو آجلا - إلى جعل هذه الاحتمالات حقيقة واقعة. # ومع ذلك فإن احتمال توصل الإنسان إلى نوع من التنظيم الاجتماعي الذي يجعله ~~أهلا لمواجهة عصر التحكم في القدرات البشرية هذا، يبدو أضعف من احتمال وصول ~~العلم إلى هذا العصر ذاته، وتلك ظاهرة تبدو محيرة بحق؛ إذ إن تغيير التنظيمات ~~الاجتماعية والسياسية أمر يدخل في نطاق قدرتنا، ولا يتضمن عناصر خفية أو مجهولة ~~أو مستحيلة التحقيق، على حين أن الوصول بالكشف العلمي إلى غايته ينطوي على قدر ~~كبير من الصعوبة، ويدخل جزء كبير منه في باب المجهول الذي لم تتحدد معالمه بعد، ~~ولكن طغيان المصالح وسيطرة الأنانية يجعل التغيير الواقع في نطاق سيطرتنا أصعب ~~وأبعد منالا من ذلك الذي يخرج عن هذا النطاق. # وعلى أية حال فإن المستقبل يحمل في طياته مفاجآت كثيرة في هذا الميدان، لا تقل ~~عن تلك التي حملها إلينا العلم في ميدان الفضاء خلال الأعوام العشرين الماضية، ~~والمأمول أن يثبت العقل البشري أنه قد بلغ من النضج ما يسمح له بالتحكم في ~~ذاته بنفس الكفاءة التي تحكم بها في العالم المحيط به. ~~(2-5) مشكلة التسلح # هي بغير شك أخطر المشكلات التي يواجهنا بها العلم المعاصر، وهي التي يتوقف ~~عليها حل كثير من المشكلات التي عرضناها من قبل إن لم يكن جميعها، وهي تتميز ~~بطابع فريد عن ms196 غيرها من المشكلات التي تواجهها الإنسانية؛ إذ إنها «مصيرية» بكل ~~ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ لأن من طبيعة الأسلحة المعاصرة أنها قادرة على ~~إفناء العالم كله - حقيقة لا مجازا - في لحظات. # ولقد كان الوضع الطبيعي والمعقول هو أن يرتبط العلم بالسلم لا بالحرب؛ إذ إن ~~العلم نتاج العقل، والعقل لا يعترف بلغة العنف في فض المنازعات، بل يحكم ~~المنطق السليم في أي خلاف، وكان هذا بالفعل ما تصوره المفكرون الفلاسفة في ~~عصر التفاؤل والاستنارة الفكرية في القرن الثامن عشر، حين أكد العقل - من خلال ~~العلم - انتصاره على الخرافة والتعصب وضيق الأفق، فقد كان الحلم الذي يراودهم - ~~وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانت - هو أن يؤدي انتشار العلم ~~إلى إقرار «سلام دائم»؛ وذلك على أساس أن المعقولية التي يشيعها العلم لا بد أن ~~تؤدي بالإنسان إلى نبذ الحرب من حيث هي وسيلة لفض النزاعات، والاحتكام إلى العقل ~~القادر على إيجاد وسيلة سلمية لحل كل خلاف. # ولكن هؤلاء الفلاسفة كانوا - بغير شك - متفائلين إلى حد السذاجة، ومن الممكن ~~التفكير في أسباب كثيرة ربما كانت هي التي أدت بهم إلى الوقوع في هذا الخطأ، ~~فربما كانوا مخطئين حين تصوروا أن العقل - في حالة العلم - هو وحده يتحكم فيما ~~ينتجه، وتجاهلوا بذلك عنصر المصالح والأحقاد والأطماع، وتدخل الحكام - من غير ~~العلماء - في احتمال استخدام العقل من أجل نشر الجنون، واستغلال العلم - وهو أعظم ~~أداة في يد العقل لإعلاء الحياة - من أجل الخراب والموت، إذ كان هذا الاحتمال هو ~~الذي تحقق بالفعل طوال الجزء الأكبر من تاريخ البشرية. # فقد ارتبط العلم بالحرب منذ أقدم ~~العصور؛ إذ كانت عبقرية العلماء تستخدم في زيادة قدرة الإنسان على القتال والقضاء ~~على الخصوم، بقدر ما كانت تستخدم في فهم قوانين الطبيعة. ومنذ عهد «أرشميدس» نجد ~~العلم يتجه إلى خدمة الأغراض العسكرية، بل يبدو أن استخدامه في الحرب كان يفوق في ~~أهميته - في كثير من الأحيان - استخدامه في السلم؛ فمن المعروف - على سبيل المثال - ~~أن عالما كبيرا مثل ms197 «جاليليو» قد نال رضاء الحاكم عنه، لا لأنه اكتشف قانون ~~القصور الذاتي أو قانون سقوط الأجسام أو صحح معلوماتنا الفلكية، بل لأنه أقنعه ~~بأن كشوفه في الميكانيكا وعلم المقذوفات قادرة على تحسين الأسلحة وزيادة دقة ~~تصويبها إلى حد بعيد، ويكاد يكون من المؤكد أن أبحاثه في ميدان الأسلحة هي التي ~~أتاحت له فرصة القيام بأبحاثه الأخرى - الأهم بكثير - في ميدان الطبيعة والفلك، ~~وقد حدث ذلك من قبل لعبقري النهضة الإيطالية ليوناردو دافنشي، ولعدد كبير من ~~العلماء فيما بعد. # بل إن كثيرا من الكشوف العلمية ~~السلمية قد ظهرت «في ظل» أبحاث ذات أهداف حربية، مما دفع بالكثيرين إلى القول ~~بأن العبقرية البشرية تتجلى في الميادين العسكرية أكثر مما تجلى في الميادين ~~السلمية، وأن الإنسان أقدر على استخدام العلم من أجل الموت منه على استخدامه لخدمة ~~الحياة. ولكن حقيقة الأمر بالإنسان أن التطور السريع للبحث العلمي أيام الحرب ~~يرجع إلى عوامل من بينها الإحساس وتركيزه لقواه البشرية وموارده المادية في ~~سبل إيجاد حل سريع للمشكلات التي تعترض جهده الحربي، وكل هذه عوامل لا وجود ~~لها في فترات السلم. # على أنه مهما كانت طبيعة العلاقة بين الكشوف السلمية والكشوف الحربية في القرون ~~الماضية، فإن تطورا هاما وحاسما قد طرأ على هذه العلاقة في القرن العشرين، ~~الذي بدأه الإنسان وما زال للخيل والفرسان دور في حروبه، وانتهى به الأمر - في ~~عصرنا الحاضر - إلى حرب الأزرار الإلكترونية والصواريخ العابرة للقارات وأشعة ~~الليزر والقذائف النووية. ففي القرن العشرين قفزت أداة الحرب ووسائل القتل والدمار ~~قفزة هائلة إلى الأمام، وبقدر ما نجح العلم في إطالة عمر الإنسان عن طريق كشوفه ~~الطبية والبيولوجية، وفي تحقيق الرخاء والرفاه لحياته عن طريق المخترعات ~~التكنولوجية، نجح أيضا (إن كان اسم «النجاح» يصلح للانطباق على هذه الحالة) في ~~اختراع أفتك وأشرس أدوات القتل الجماعي ونشر البؤس والتعاسة بين البشر. # ولقد كان الارتباط بين العلم وبين تطوير الأسلحة من الوثوق إلى حد أن أطلق ~~البعض على الحرب العالمية الأولى اسم حرب الكيميائيين (إشارة ms198 إلى دور الكيمياء ~~في صناعة المتفجرات وتطوير الوقود ثم الغازات السامة في هذه الحرب)، وعلى الحرب ~~العالمية الثانية اسم حرب الفيزيائيين (إشارة إلى دور الفيزياء في صنع القنبلة ~~الذرية والرادار وغيرهما). أما الحرب الثالثة فستكون - إذا وقعت - حرب علماء ~~الصواريخ والفضاء والإلكترونيات؛ أي إن دور العلماء في هذه الحروب يفوق في أهميته ~~دور الجيوش المحاربة، بل أصبح العلم متغلغلا في عمل الجندي المحارب ~~ذاته. # وليس من السهل أن يحدد المرء النقطة التي بدأ عندها التحول من أسلحة الدمار ~~المحدود إلى أسلحة الدمار الشامل. إن الحرب العالمية الثانية - التي استخدمت في ~~جميع جبهاتها (باستثناء المرحلة الأخيرة من جبهة الشرق الأقصى) أسلحة تقليدية - ~~أدت إلى قتل عشرات الملايين من العسكريين والمدنيين، منهم ثلاثون مليونا من ~~الاتحاد السوفيتي وحده. ولكن من المؤكد أن اختراع القنبلة الذرية واستخدامها في ~~هيروشيما ثم نجازاكي في أغسطس 1945 يمثل نقطة تحول حاسمة في تاريخ التسلح ~~المرتكز على كشوف علمية. # ولقد كانت دوافع العلماء الذين بدءوا هذا المشروع إنسانية خالصة؛ إذ كان الهدف ~~الأصلي للمشتغلين في هذا المشروع - كما ذكرنا في الفصل السابق - هو الحيلولة دون ~~قيام هتلر بفرض مبادئه الإرهابية والعنصرية على العالم عن طريق هذا السلاح الرهيب، ~~ولكن الذي حدث بالفعل هو أن هزيمة هتلر قد تمت دون الحاجة إلى استخدام هذا ~~السلاح، وقبل أن يتمكن العلماء الألمان من تطويره. وإذا كانت اليابان قد ظلت ~~تحارب بعد ألمانيا فقد كان العالم كله يعرف أن أيامها معدودة، وأنها أخذت تنسحب ~~من موقع تلو الآخر، لم يكن في إمكانها مواجهة الحلفاء الذين تفرغوا لها بعد هزيمة ~~حلفائها الألمان. ومن هنا فقد كان العلماء الذين شاركوا في صنع القنبلة هم أشد ~~الناس ذهولا حين فوجئوا بنبأ إلقاء القنبلتين الذريتين - الأوليين والأخيرتين حتى ~~الآن - على المدينتين اليابانيتين، وكان الدمار الذي أحدثته القنبلتان، وعدد ~~الأرواح التي أزهقت ومعظمها من المدنيين، وكذلك عدد المصابين بحروق وإشعاعات ~~وتشويهات؛ كان ذلك كله شيئا يفوق في بشاعته كل ما عرفناه من مجازر الحروب. ولم يجد ms199 ~~هؤلاء العلماء مبررا معقولا لاستخدام اكتشافهم على هذا النحو الوحشي، وإذا كان ~~أصحاب القرار السياسي قد أكدوا أن القنبلتين أنقذتا أرواح ألوف كثيرة من الجنود ~~الأمريكيين الذين كانوا سيقتلون لو لم تستسلم اليابان، فإن تقديرات الخبراء ~~كانت تذهب كلها إلى أن اليابان كانت في حكم المهزومة، وكانت تفاوض سرا ~~للاستسلام قبل إلقاء القنبلتين، فما الداعي إذن لكل هذه الآلام البشرية التي لحقت ~~بمدنيين أبرياء؟ الواقع أن عددا من المحللين السياسيين قد ذهبوا إلى أن المقصود من ~~إلقاء القنبلتين لم يكن الإسراع بهزيمة اليابان، بل كان قبل ذلك تأكيد سيادة ~~الولايات المتحدة بوصفها الدولة العالمية الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية، ~~وإرهاب العالم وخاصة الاتحاد السوفيتي الذي كان قد بدأ يؤلف «معسكرا اشتراكيا» ~~بعد هذه الحرب؛ حتى لا تحاول أية دولة - أو أي نظام مضاد - منافسة القوة العسكرية ~~والاقتصادية الهائلة للولايات المتحدة. # على أن أمثال هذه المبررات - إذا كانت تقنع بعض السياسيين ممن لا يفكرون ~~إلا من خلال مصالحهم - لا يمكن أن تقنع علماء يضعون نصب أعينهم - قبل كل شيء - ~~الأهداف الإنسانية. ومن هنا فقد انتابت العلماء الذين شاركوا في صنع القنبلة ~~الذرية «أزمة ضمير» حادة، وشعروا بأن جهودهم قد أدت إلى إدخال الإنسانية عصرا ~~جديدا، هو عصر أسلحة «الدمار الشامل»، التي لا تفرق بين الجنود المحاربين وبين ~~النساء والأطفال، التي تهدد الحياة على سطح هذا الكوكب بالفناء التام. # ولقد كانت أزمة الضمير هذه هي التي دفعت عددا غير قليل من هؤلاء العلماء - ومنهم ~~أينشتين نفسه - إلى أن يكرسوا بقية حياتهم من أجل الدعوة ~~إلى السلام. بل إن منهم من أصبح محاطا ~~بالشبهات، مثل روبرت أوبنهيمر # R. ~~Oppenheimer # الذي وصل به ~~الندم حدا جعل سلطات الأمن في بلاده تراقبه عن كثب، ثم تبعده عن مواقع ~~المسئولية في عمله، من أن يعمل على تسريب أسرار الأسلحة الجديدة إلى المعسكر الآخر. ~~وكان من هؤلاء العلماء فريق قام بالفعل بنقل هذه الأسرار إلى الطرف المعادي ~~للولايات المتحدة، لا من أجل المال، بل لدوافع يعتقد أنها ms200 إنسانية؛ إذ إن امتلاك ~~طرفي النزاع الدولي للقنبلة الذرية هو الكفيل بإيجاد حالة من التوازن يمتنع فيها ~~كل من الطرفين عن استخدامها خوفا من الآخر. ومن المؤكد أن عمل هؤلاء العلماء ~~يعد - بالمقاييس الأخلاقية الخالصة - عملا إنسانيا جليلا، ولكنه بمقاييس ~~القوانين العادية خيانة للوطن. # ومنذ ذلك الحين طرأ تطور هائل على القوة التدميرية للأسلحة النووية، حتى أصبحت ~~قنبلتا هيروشيما ونجازاكي أشبه «بلعب الأطفال» بالقياس إلى القنابل الهيدروجينية ~~الحالية، كما طورت الصواريخ بحيث تستطيع أن تحمل رءوسا نووية وتصيب أي مكان ~~في العالم، سواء من قواعد ثابتة أم من قواعد متحركة (كالغواصات النووية). وكانت ~~هذه التطورات كلها مرتبطة ارتباطا أساسيا بالعلم؛ إذ إن علماء فترة «الحرب ~~الباردة» لم يكونوا على نفس القدر من الحساسية الذي كان عليه رواد القنبلة الذرية، ~~ربما لأن هؤلاء الأخيرين كانوا قد خرجوا لتوهم من أهوال الحرب العالمية الثانية، ~~وربما لأن أسلحة الدمار الشامل قد أصبحت بعد ذلك شيئا مألوفا، تحسب قدرته ~~التدميرية بحسابات رياضية باردة لا تؤخذ فيها آلام الإنسانية بعين الاعتبار. # ونتيجة ذلك كله هي أن العالم يعيش الآن على طرفي «توازن الرعب» الذي تقوم فيه ~~الدولتان العظيمتان؛ أمريكا والاتحاد السوفيتي، بتكديس كميات من الأسلحة تكفي لقتل ~~العالم كله «عدة مرات» (ولست أدري لماذا؟!) # وتقف فيها الصواريخ ذات الرءوس النووية على أهبة الاستعداد في انتظار ضغطة زر من ~~رئيس الدولة، وتراقب فيه كل دولة الأخرى مراقبة دائمة في انتظار أية إشارة تنبئ ~~بخروج الصواريخ منها؛ لكي تضرب «الضربة الانتقامية» قبل وصول الصواريخ المعادية ~~إليها، ولو قدر للبشرية أن تعيش قرنا آخر أو قرنين، فمن المؤكد أنه سوف تسخر ~~ما شاءت لها السخرية من حالة الرعب المتبادل التي يعيش فيها إنسان اليوم في أرقى ~~دول العالم، وهي حالة «بدائية» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حتى وإن كانت تستخدم ~~فيها أرقى وأحدث تطورات العلم. # ولقد حاول البعض أن يخففوا من تأثير الاتجاه إلى تسخير العلم للأغراض ~~العسكرية، فذهب برونوفسكي # Bronowski # إلى أن هذا ~~الاتجاه - وإن يكن ms201 سببيا بغير شك - يتضاءل إلى جانب الإنجازات الإيجابية للعلم في ~~نفس الميدان الذي ننتقد العلم من أجله؛ أعني ميدان الحياة والموت، فحين نتحدث عن ~~الأبحاث العلمية التي تستهدف الموت، ينبغي أن نتذكر في الوقت نفسه ما صنعه العلم من ~~أجل الحياة؛ «فعدد الأشخاص الذين قتلوا في بريطانيا خلال الأعوام الستة للحرب ~~العالمية الثانية نتيجة للقنابل والقنابل الطائرة وصواريخ ~~ف # 2 # الألمانية كان ستين ألفا، وقد فقد هؤلاء الناس - في ~~المتوسط - نصف أعمارهم. وبقسمة بسيطة يتضح أن تأثير هذا على سكان بريطانيا البالغ ~~عددهم خمسين مليونا معناه إنقاص متوسط العمر بنسبة تقل عن عشر الواحد في ~~المائة؛ أي إن متوسط عمر كل فرد نقص حوالي أسبوعين. فلنضع هذا في جانب الخسارة. أما ~~في جانب المكسب فنحن نعلم أن متوسط العمر قد زاد في إنجلترا خلال الأعوام المائة ~~الأخيرة بمقدار عشرين عاما ... أي إن لدينا أسبوعين مقابل عشرين عاما من ~~الحياة.» # 2 # على أن المغالطة هنا واضحة؛ إذ إن الأرقام لم تتناول سوى الضحايا المدنيين، ~~وتجاهلت الضحايا العسكريين في نفس البلد، فضلا عن أن المقارنة كان يجب أن تكون ~~بين خسائر كل الحروب التي نشبت خلال مائة عام، والتي نجمت عن التقدم العلمي ~~والتكنولوجي، ولكن الأهم من ذلك أن كوارث البشرية ليست مسألة أرقام وإحصاءات، بل ~~إن التسلح - سواء استخدم بالفعل أم ظل يهدد «الآخرين» في كل لحظة - ~~يخلق دمارا نفسيا وخوفا مستمرا من الفناء، ويولد انحرافات نفسية وخلقية لم ~~يعرفها العالم إلا في عصرنا هذا، ويبدد موارد الإنسان وجهده بلا طائل. # لذلك فإن هذا الجنون المدمر الذي يسيطر على عالم اليوم بفضل التسليح، قد أعطى ~~لأعداء العلم فرصة هائلة لمهاجمته؛ إذ إن العلم هو الذي يتيح للدول المتقدمة ~~تطوير أسلحتها؛ ومن ثم فإنهم يستنتجون من ذلك أن العلم «هو المذنب»، ولكن حقيقة ~~الأمر هي أن العلم إذا كان هو أساس الأبحاث المؤدية إلى تطوير أسلحة الدمار، فمن ~~المؤكد أنه خاضع لتحكم قوى أخرى خارجة عنه، هي القوى التي تخطر له وتحدد ms202 ~~اتجاهاته، إن سلما أو حربا، وتمول أبحاثه وتوظف المشتغلين فيه، وهي القوى ~~التي تتخذ القرار وتنفذه بعد أن يتم الكشف، وهذه القوى سياسية في المحل الأول، ~~تتحكم في اتجاهاتها الأطماع والمصالح ولا تصدر قراراتها بعد استشارة العلماء إلا ~~نادرا، والمثل الواضح على ذلك هو القنبلتان الذريتان الأوليان أيضا؛ فقد كان من ~~رأي العلماء الذين اخترعوها أن تجرى تجربة دولية أمام مندوبين من مختلف بلاد ~~العالم لإطلاعهم على مدى القوة التدميرية للقنبلة، ويطلب إلى اليابان أن تستلم ~~على هذا الأساس، ولكن الحاكم السياسي - وهو الرئيس «ترومان» في ذلك الوقت - كان له ~~رأي آخر، وحين اتخذ قراره باستخدام القنبلتين ضد أهداف مدنية كان يسير في اتجاه ~~مضاد تماما لما يريده العلماء. # إن العلم لا يحمل في ذاته اتجاهات عدوانية، وإذا كان يعادي شيئا فهذا الشيء ~~هو الجهل والشعور بالعجز أمام قوى الطبيعة، ولكن طبيعة البحث العلمي - في عصرنا ~~هذا - قد طرأ عليها من التعقيد ما يجعل العالم مضطرا إلى الإذعان لسلطة أقوى ~~منه، فالأجهزة العلمية أصبحت باهظة التكاليف، وأدوات البحث - من كتب ومراجع - ~~لا بد أن توفرها الدولة، ومن هنا أصبح العالم مجرد ترس في آلة ضخمة هي الدولة، ~~أو هي الشركة الكبيرة إن كان في بلد يسوده النشاط الاقتصادي الخاص. وهكذا أصبحت ~~الاعتبارات السياسية أو الاقتصادية هي التي تتحكم في عمله العلمي، وهي التي ترسم ~~له الخطة، وتحدد اتجاهات بحثه، وتتخذ القرار النهائي بشأن التصرف ~~فيه. # ولو نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر علمية خالصة لبدا ذلك الجهد الذي تبذله دول ~~العالم اليوم في ميدان التسلح أمرا متنافيا مع كل الأهداف التي يسعى إليها أي ~~عالم يحترم مهنته ويفهم وظيفتها فهما صحيحا؛ ذلك لأن هناك أموالا طائلة تتبدد ~~من أجل إنتاج أسلحة تظل مخزونة بضع سنوات، ثم يظهر ما هو أحدث منها، فتهمل أو ~~تباع إلى دول أخرى أقل تقدما وأقل ذكاء. وهذه الأموال كافية لتحقيق كثير من ~~الأحلام التي يتمنى العلماء لو كرسوا لها حياتهم. بل إن المشروعات التي يمكن ms203 ~~إنجازها - فيما لو خصصت هذه الأموال الطائلة للأغراض السليمة - كفيلة بتغيير ~~مجرى الحياة على وجه الأرض، وبالقضاء على مظاهر الجوع والفقر والجهل والمرض. ومثل ~~هذا يقال عن الموارد الطبيعية - من معادن ومصادر للطاقة - التي تبددها مشروعات ~~التسليح، والتي يحتاج إليها الإنسان في عالمنا المعاصر احتياجا شديدا، وربما كان ~~الأهم من ذلك أن العمل في الميدان العسكري يستقطب - في البلاد الصناعية الكبرى - ~~عددا من أفضل العقول التي كان يمكن أن تقدم إلى البشرية أجل الخدمات لو اتجهت ~~في طريق بناء بدلا من أن تخدم أمراض التسلح الهدامة. كل هذا التبديد يحدث من ~~أجل هدف لا تجني منه الإنسانية سوى الخسارة؛ فلو استخدمت الأسلحة الهائلة ~~المكدسة لكان من ذلك فناء الحياة على سطح هذه الأرض في دقائق معدودات، ولو لم ~~تستخدم وظلت مخزونة لكان معنى ذلك تبديد أفضل الموارد والطاقات المادية البشرية ~~- في عالم يعاني من عدد هائل من المشاكل - في صنع منتجات لن يستخدمها أحد. # وإذن، فلو ترك الأمر للعلماء لكان موقفهم - قطعا - في جانب الاستخدام السلمي ~~لموارد مجتمعاتهم، ولا بد أن هناك قوى أخرى، على رأسها ذلك «التحالف الصناعي ~~العسكري» الذي أشار إليه إيزنهاور نفسه - أعني رئيس أكبر دولة صانعة للأسلحة في ~~العالم، وقائد أكبر جهاز عسكري في الحرب العالمية الثانية - وأكد أنه يقف من ~~وراء هذا السباق الجنوني في التسلح. # على أن هذا يعفي العالم من المسئولية؛ فبقدر ما أصبح عمل العالم - في أيامنا هذه ~~- يؤثر على مصير البشرية تأثيرا مباشرا، أصبح هذا العالم مطالبا بأن يكون لديه ~~مزيد من الوعي بنتائج عمله. ولا شك أن هذا الوعي أمر عسير في الوقت الراهن بالذات؛ ~~إذ إن العلم يزداد تفرعا وتخصصا على الدوام، بينما الوعي يحتاج إلى نظرة شاملة ~~وأفق واسع؛ أي إن تطور العلم نحو التخصص المتزايد يسير في اتجاه مضاد لذلك الوعي ~~الاجتماعي والسياسي الذي أصبح العالم مطالبا به؛ حتى لا يقع فريسة لسوء الاستغلال. ~~ولكن عددا غير قليل من أقطاب العلم في عصرنا هذا تمكنوا من الجمع ms204 بين التفوق في ~~تخصصهم، والقدرة على تكوين نظرة متكاملة تجمع بين حاجات العلم وحاجات الإنسان في ~~المجتمع المعاصر، وهؤلاء الأقطاب هم الذين ترتفع أصواتهم في كل مناسبة، منادية ~~باستخدامه لأهداف إنسانية، ومؤكدة أن العلم قادر - لو استخدم من أجل بناء حياة ~~الإنسان لا هدمها - على أن يحيل الصحراء إلى جنة، ويطعم الملايين العديدة من ~~الأفواه الجائعة، ويخلص المرضى من آلامهم، ويكفل للمحرومين إنتاجا سخيا ~~فائضا، ويرعى عقل الإنسان في كل مكان بثقافة عالية وفن رفيع. وصحيح أن أصواتهم ~~هذه ليست لها الكلمة الأخيرة، ولكن كلمتهم مع ذلك مؤثرة، ولو اتسعت قاعدة الوعي ~~بين العلماء لأصبح لديهم من القوة ما يمكنهم - على الأقل - من موازنة حماقات ~~السياسيين. # ومع ذلك فإن للموضوع من الخطورة ما يتجاوز نطاق اهتمام العلماء، فالمشكلة ~~تتعلق بمصير النوع البشري كله، وهذه مسألة أخطر عن أن تترك في أيدي العلماء، ~~حتى ولو كان وعيهم عميقا، وأخطر بالطبع من أن تترك في أيدي السياسيين أو ~~أصحاب المصالح الاقتصادية، فعلى أي نحو إذن ينبغي على البشرية أن تواجه مثل هذه ~~المشكلة الحاسمة؟ هذا ما سنحاول مناقشته في الجزء الأخير من هذا الفصل. ~~(3) العلم والقيم الإنسانية # تشير المشكلات السابقة كلها - بصورة واضحة كل الوضوح - إلى حقيقة أساسية هي أن ~~التقدم العلمي المعاصر يسير في طريق تفجير النظم الاجتماعية التي ظل الإنسان ~~يعيش في ظلها حتى اليوم. فمشكلة الغذاء والسكان لا تحل إلا على نطاق عالمي لم ~~يتوافر الإطار اللازم له حتى الآن، ومشكلة البيئة سوف تخرج من أيدينا إن لم نواجهها ~~بإجراءات تتجاوز نطاق أية دولة على حدة، ومشكلة الموارد الطبيعية تقتضي منا نوعا من ~~التفكير في الحاضر وفي المستقبل يخرج عن إطار «الأنانية» و«المصلحة» و«حب الاستهلاك» ~~التي تسود المجتمعات البشرية الحالية، ومشكلة الوراثة والتحكم في الإنسان تبدو في نظرنا ~~شيئا سخيفا إذا تصورناها في إطار النظم السائدة الآن في العالم، وأساليب التفكير ~~التي تحكم العلاقات بين الدول أو بين فئات المجتمع الواحد. وأخيرا فإن مشكلة التسلح ~~- وهي أخطر المشكلات جميعا ms205 - تضع أمامنا الخيار واضحا: فإما أن نمضي قدما في طريق ~~تطوير أسلحة الدمار الشامل في ظل نظام المنافسة والعداوة الحالي، فنقع جميعا في ~~الهاوية، وإما أن نعيد النظرة في أهدافنا ونستغل قدراتنا العلمية المتزايدة من أجل ~~تحقيق رخاء لم تحلم به البشرية في أي عصر من عصورها، وهذا يقتضي تغييرا أساسيا في ~~طبيعة النظم التي تسود المجتمع الإنساني. وباختصار فإن التقدم العلمي الذي نشهد ~~بوادره القوية في هذه الأيام، سيضعنا أمام «طريق السلامة» و«طريق الندامة» كما يقول ~~التعبير الشعبي البليغ، وليس لنا من خيار سوى السير في الطريق الأول؛ لأننا لو ~~اخترنا الثاني فلن نكون هناك لكي نندم! # ولكن ما الذي يستطيع العلماء أن يفعلوه في موقف كهذا؟ وما الذي يعجزون عن القيام ~~به؟ الواقع أن الآراء تختلف في هذا الموضوع بين أولئك الذين يؤمنون بأن العلم الذي ~~يستطيع أن يحل كافة المشكلات التي خلقها تقدمه السريع، وأولئك الذين ينادون ~~بضرورة الاستعانة بمصادر أخرى غير العلم؛ لكي نعيد ذلك التوازن الذي أخل به العلم، ~~وكل من هذين الرأيين يستند إلى حجج معقولة، وإن كنت أعتقد - كما سأبين فيما بعد - ~~أن الفرق بينهما ليس كبيرا إلى الحد الذي يبدو عليه للوهلة الأولى. # أما الرأي الأول الذي يذهب إلى أن العلم هو الكفيل بإصلاح ما أفسده التقدم العلمي ~~ذاته، فيمكن أن يبدو في ظاهره متناقضا؛ إذ إن التقدم العلمي إذا كان قد خلق مشكلات ~~معينة، فمن غير المعقول - على ما يبدو - أن تعالج هذه المشكلات عن طريق العلم نفسه؛ ~~لأن هذا مجال لا ينفع فيه المثل القائل: «وداوني بالتي كانت هي الداء.» ولكن هذا ~~التناقض الظاهري يختفي بسهولة إذا أدركنا أن معنى العلم ليس واحدا في الحالتين؛ ~~فالعلم المتقدم - الذي خلق مشكلات عديدة - هو ~~العلم الطبيعي، أما العلم الذي يمكنه أن يحل هذه المشكلات فهو العلم ~~الإنساني. # ولقد لاحظ مفكرون أن تقدم العلم - في الآونة الأخيرة - يفتقر إلى التوازن، فهناك ~~ميادين أحرز فيها تقدما هائلا هي التي تتعلق بالعالم الطبيعي، على حين ms206 أن هناك ~~ميادين أخرى لا يزال العلم يحبو في أولها، وهي الميادين الخاصة بالإنسان، ومن المستحيل ~~أن يكون هذا التفاوت الشديد في التقدم راجعا إلى مدى أهمية الميدان الذي يبحثه ~~العلم بالنسبة إلينا؛ ذلك لأن أحدا لا يستطيع أن يزعم أن التنبؤ باليوم والدقيقة ~~والثانية التي سيحدث فيها الكسوف التالي للشمس أهم في نظرنا من الاهتداء إلى علاج لمرض ~~السرطان، أو أن إرسال قذيفة إلى مكان محدد على سطح القمر يهمنا أكثر من معالجة ~~انحرافات الشباب، أو أن كشف التركيب الداخلي للذرة أهم من الاهتداء إلى أساليب تحقق ~~الاستقرار للاقتصاد القومي. فمن حيث الأهمية يبدو لنا أن الموضوعات التي تمس الإنسان ~~مباشرة هي الأهم، ومع ذلك فإن العلم ما زال في هذه الموضوعات أشد تخلفا منه في ~~الموضوعات الأخرى التي قد يكون بعضها متعلقا بظواهر بعيدة عنا كل البعد. # والتعليل الشائع لهذا التقدم غير المتوازن مستمد من طبيعة الميادين التي يبحثها ~~العلم، فهناك ميادين أبسط من غيرها؛ بمعنى أن الأسباب فيها موحدة الاتجاه، لا تنطوي ~~على تعقيد أو تعدد، وتلك هي التي يحرز العلم فيها أعظم قدر من النجاح. أما الظواهر ~~البشرية فإن الأسباب فيها شديدة التعقيد إلى حد لا يبدو معه أنها تؤدي دائما إلى ~~نفس النتائج، أو على الأصح: إن حصر الأسباب التي تتحكم في الظاهرة البشرية الواحدة ~~(كانحراف أحد الأحداث مثلا) هو من الصعوبة بحيث يصعب إخضاع كل جوانب الظاهرة للتحليل ~~العلمي الدقيق، ويظل فيها على الدوام «جانب مجهول» أو «لا يمكن التنبؤ به»، مما يجعل ~~العلم عاجزا عن أن يحرز في مجال الظواهر البشرية نفس القدر من النجاح الذي يحرزه ~~في مجال الظواهر الطبيعية. # ومع اعترافنا بصحة هذا التعليل، فلا بد لنا أن نضيف إليه تعليلا آخر مستمدا من ~~طبيعة الأوضاع السائدة في العالم المعاصر؛ ذلك لأن التقدم العلمي يتوقف أيضا على ~~الأهداف والمصالح السياسية والاجتماعية. فإطلاق قذيفة بها رواد فضاء إلى القمر والعودة ~~بهم إلى الأرض سالمين، هو على الأرجح أمر لا يقل تعقيدا عن ms207 الاهتداء إلى علاج لمرض ~~السرطان، ولكن العلم ينجح في تحقيق الهدف الأول ويتعثر حتى الآن في تحقيق الهدف ~~الثاني؛ لأن المجتمع ذاته رسم سياسة معينة ووضع تخطيطا خاصا يؤدي إلى هذا النجاح؛ ~~وذلك نظرا إلى وجود مصالح استراتيجية أو دعائية يحققها الوصول إلى القمر، على حين ~~أن مرض السرطان لا يحقق نفس الأهداف. # ولا شك أن هذا الجانب المتعلق بأهداف المجتمع ومصالحه يمكن أن يعلل قدرا ~~كبيرا من انعدام التوازن الذي يتصف به نمو العلم في مرحلته الحالية. وهكذا يعلق ~~الكثيرون آمالا عريضة على قدرة العلم على اقتحام تلك الميادين التي ظل حتى الآن ~~يعالجها معالجة هامشية، ويؤكدون أن العلم لو استطاع تحقيق التوازن المفقود لأمكنه حل ~~جميع المشكلات المترتبة على تقدمه السريع، بل لما عاد هذا التقدم يخلق أية مشكلات ~~للمجتمع الإنساني. فلنتصور مثلا أن طريقة تنظيمنا للمجتمع قد وصلت إلى نفس القدر ~~من الدقة التي وصلت إليه قدرتنا على صنع العقول الإلكترونية أو تحليل جزيئات المادة، ~~عندئذ تختفي المشكلات التي أشرنا إليها من قبل تلقائيا؛ إذ إن هذه المشكلات لم ~~تتوالد نتيجة لحدوث تطورات سريعة في فهمنا للعالم الطبيعي، على حين أن المجتمعات ~~البشرية لا تزال تسودها تنظيمات ارتجالية عشوائية يحكمها منطق المصالح، ولا تحل ~~خلافاتها إلا عن طريق استخدام القوة العسكرية الغاشمة أو التهديد بها؛ أي إننا في مجال ~~التنظيمات نثبت أننا لم نتجاوز مستوى الحيوان كثيرا، في الوقت الذي يضع فيه العلم ~~الطبيعي في يدنا قوة هائلة ويكسبنا مقدرة فائقة على السيطرة على الطبيعة. # وهكذا يمكن القول: إن تفكير الإنسان في أهدافه العامة وفي طريقة تنظيم مجتمعه ما ~~زال يمر بالمرحلة «قبل العلمية»، ولو بلغ تحكمه في هذا المجال نفس مستوى تحكمه في ~~الظواهر الطبيعية؛ لاختفى القدر الأكبر من المصاعب التي يعاني منها عالم ~~اليوم. # على أن أصحاب الرأي الآخر يرون أن هذا المطلب لا يمكن أن يتحقق على يد العلم ~~وحده، فحين نتحدث عن طريقة توجيه حياة الإنسان وتنظيم مجتمعه، نخوض مجال القيم ~~والغايات الإنسانية، ms208 وهو مجال يهم البشر جميعا لا العلماء وحدهم. وفي مثل هذا ~~المجال يكون من الصعب على العالم أن يقدم إلينا توجيها كاملا؛ لأن تكوينه يحول ~~بينه وبين التعمق في أمور معنوية شديدة العمومية كتحديد الأهداف التي ينبغي أن ~~يستغل العلم من أجلها؛ ففي عصر التخصص المتزايد يصعب أن نجد العالم الذي يستطيع ~~تخصيص الوقت والجهد الكافي للتفكير في الأوضاع الإنسانية ككل. بل إن النظرة المباشرة ~~والضيقة تغلب على العلماء، وهو أمر لا يعيبهم؛ لأن طبيعة عملهم تقتضيه، ولأنهم بدونه ~~لا يستطيعون - في العصر - أن ينجزوا شيئا. # وإذن، فتحديد الأهداف التي ينبغي أن يخدمها العلم هو أمر أسمى من أن يترك ~~للسياسيين المحترفين، وأوسع وأرحب من أن يترك للعلماء المتخصصين، وإنما الواجب أن ~~يشارك فيه المفكرون والأدباء والفنانون والفلاسفة، وكل من يهمه مصير الإنسانية ~~ويفكر في هذا المصير بنزاهة وتجرد. # وإذا كان البعض يذهبون في تأكيد هذا الاتجاه إلى حد الدعوة إلى استبعاد العلماء ~~استبعادا تاما من عملية التوجيه الاجتماعي هذه، على أساس أن طغيان النزعة العلمية ~~والإيمان المفرط بقدرة العلم، هو واحد من أهم أسباب المشكلات التي يجلبها تطور العلم ~~السريع في عصرنا الحاضر، فإنا نرى في هذا موقفا متطرفا، ونؤمن بأن العلماء - إلى ~~جانب المفكرين والأدباء وأنصار الإنسان بوجه عام - ينبغي أن تكون لهم كلمتهم في هذا ~~المجال؛ ذلك لأننا لا نستطيع - بعد أن قطعنا كل هذا الشوط البعيد في طريق التفكير ~~العلمي - أن نحدد القيم العليا والغايات الأخلاقية والمستويات التي نريد أن يصل ~~إليها الإنسان بطريقة تأملية خالصة، وعن طريق مجرد التفكير فيها. فنحن في هذه الأمور ~~لا نحتاج إلى وعظ أخلاقي بقدر ما نحتاج إلى من يبصرنا بحقائق العصر. ولا نستطيع أن ~~نعتمد على من يخاطبنا عن المثل العليا بطريقة مجردة بقدر ما نعتمد على من يحدثنا ~~بلغة دقيقة تحلل الظواهر وتوضح أسبابها. ومن المؤكد أننا - حتى في هذا المجال ~~ذاته - لا نستطيع أن نستغني عن تلك الأداة الفريدة التي اكتسبها الإنسان بعد كفاح طويل، ~~والتي تتيح ms209 لنا التفكير في مشاكلنا في إطار لا ينفصل عن الواقع، ومن الصعب إلى حد ~~بعيد أن يقتنع الإنسان - بعد كل هذا الشوط الذي قطعه في طريق العلم - بتعاليم من ~~يريدون العودة به إلى عصر التفكير الذي لا يبنى على حقائق واقعية، والذي يعتمد على ~~التأمل الاجتهادي غير المدروس. # ومن حسن الحظ أن عصرنا هذا قد عرف عددا لا يستهان به من العلماء الذين تمكنوا - ~~بالرغم من تفوقهم الساحق في ميادين تخصصهم - من أن يمتدوا بأنظارهم إلى ما وراء ~~ميادين تخصصهم هذه، ويستشرفوا الآفاق الواسعة والبعيدة للمجتمع الإنساني ولمستقبل ~~الحياة على هذه الأرض. هؤلاء العلماء هم الذين وقفوا يحذرون - في الخمسينيات - من ~~أخطار الإشعاعات التي تجلبها التجارب الذرية، وهم الذين ناضلوا من أجل تحقيق السلام في ~~فيتنام، وحاربوا الصهيونية والعنصرية بكل أشكالها، وهم الذين يدافعون عن حق الإنسان ~~العادي في بيئة نظيفة وحق المولود الجديد في فرص متكافئة للحياة. بهؤلاء العلماء ينبغي ~~أن تفخر البشرية، لا لأنهم قدموا إليها الكثير في مجال كشف أسرار الطبيعة فحسب، بل ~~لأنهم استطاعوا - برغم جهودهم المضنية هذه - أن يمتدوا بأبصارهم إلى أوسع الآفاق، وأن ~~يرسموا لنا صورة المستقبل كما ينبغي أن تكون، ولو وصل عالمنا إلى المرحلة التي يكون ~~فيها لهؤلاء العلماء - مع الفلاسفة والأدباء والفنانين والمفكرين الاجتماعيين ~~والأخلاقيين - كلمتهم المسموعة؛ لأمكنه أن يوازن بين تقدمه العلمي وتنظيماته ~~الاجتماعية، وأن يحقق للبشرية ذلك الرخاء وتلك الحياة الفنية - ماديا ومعنويا - ~~التي يستطيع العلم «بقدراته الحالية» أن يحققها لنا، لو كان لدينا التنظيم الذي يرقى ~~إلى مستوى هذه القدرات. # الفصل السابع # | شخصية العالم # العلم نشاط عقلي يقوم به علماء متخصصون، ويتخذ طابعا لا شخصيا، والمقصود بالطابع ~~اللاشخصي أن النتيجة التي يتوصل إليها العالم تصبح على الفور ملكا للبشرية جمعاء. ~~صحيح أن هذه النتيجة هي ثمرة جهود «هذا الشخص بالذات»، وأن ذكاءه وتعليمه وجهوده الخاصة هي ~~التي أدت به إلى بلوغها، ولكن الكشف العلمي بمجرد ظهوره يفقد صلته بالأصل الذي أنتجه، ~~ويتحول إلى «حقيقة» يملكها الجميع ويعترف بها ms210 الجميع. وقد نظل نذكر اسم العالم الذي ~~تم على يديه هذا الكشف، ولكن هذا لا يتم إلا عندما نتحدث عن «تاريخ العلم»، وهو شيء ينفصل ~~عن العلم ذاته؛ ففي استطاعتنا أن نستخدم هذا الكشف الذي توصل إليه دون أن نذكر شيئا عن ~~صاحبه، بل إن هذا ما يفعله أغلب المشتغلين بالعلم إزاء معظم الكشوف التي يتعاملون معها؛ ~~لأن اسم صاحب الكشف لا يغير - في قليل أو كثير - من حقيقته التي هي أول وآخر ما يهتم ~~به البحث العلمي. # وهكذا يبدو أن «شخصية» العالم هي أقل الأشياء أهمية في العلم، وأن البحث العلمي نشاط ~~مستمر، يقوم به أناس ينكرون شخصياتهم، ولا يحرصون إلا على متابعة «السير في الطريق»، ~~ومثل هذا الطابع «اللاشخصي » للعلم خليق بأن يجعل مشكلة البحث في «شخصية العالم» مشكلة ~~ثانوية لا مبرر للاهتمام بها. # ومن ناحية أخرى فإن العلماء فئة شديدة التباين، فالاختلافات بينهم واسعة إلى حد يبعث ~~على الدهشة؛ إذ نجد منهم من نبغ في مقتبل عمره، ومن لم يظهر نبوغه إلا في مرحلة ~~الشيخوخة المتأخرة، ونجد منهم من يميل إلى البحث المتأني، ومن يدافع عن الانبثاق ~~المفاجئ للأفكار الجديدة، كما نجد بينهم زهادا من ناحية ومستمتعين بالحياة من ناحية أخرى ~~... إلى غير ذلك من الفوارق التي نجدها بين أفراد أية فئة بشرية. # ومع هذا كله، فهل يكون من الصعب أن نتلمس صفات مشتركة بين العلماء نستطيع أن نطلق ~~عليها - في مجموعها - تعبير «شخصية العالم»؟ يبدو - من استقراء حياة العلماء وتحليل طبيعة ~~البحث العلمي - أن هناك بالفعل مجموعة من الصفات التي يشترك العلماء في الكثير منها، والتي ~~تكون في مجموعها كيانا متميزا يستحق أن يطلق عليه اسم «شخصية العالم». ولكننا حين ~~نقول ذلك ينبغي أن نبادر على الفور إلى الاعتراف بأمرين؛ أولهما أن هناك دائما استثناءات، ~~وأن من السهل أن يجد المرء علماء لا تنطبق عليهم صفة أو مجموعة من الصفات التي نرى أنها ~~هي المميزة لشخصية العالم وهذا أمر طبيعي؛ إذ إننا لا نستطيع أن ندرج ms211 أية مجموعة من ~~البشر في قوالب متشابهة، فما بالك إذا كانت هذه المجموعة تتألف من فئة متميزة عقليا عن ~~بقية الفئات؟ وثانيهما أن وجود هذه الصفات لا يجعل المرء عالما «بطريقة آلية»، فهذه ~~الصفات تكون «الحد الأدنى» الذي لوحظ أنه موجود في عدد كبير من العلماء. ولكن لكي يكون ~~المرء عالما بحق فلا بد من أن يتوافر له ما هو أكثر بكثير من هذا الحد الأدنى، أعني لا بد ~~أن يكون له تكوين من نوع معين وتفكير خاص ومعارف وقدرات خاصة على البحث، وهذه كلها أمور ~~تتجاوز نطاق أي بحث يقوم به المرء عن «التفكير العلمي» بوجه عام؛ لأنها تنقلنا إلى ميادين ~~التخصص العلمي ذاتها. # في هذا الإطار العام - الذي نعتقد أن من الممكن الكلام فيه عن شخصية العالم - سوف ~~نتحدث عن مجموعة من العناصر التي نعتقد أنها من أهم مكونات هذه الشخصية، وإن لم يكن من ~~الضروري أن تتجمع كلها في كل عالم على حدة. ~~(1) العناصر الأخلاقية في شخصية العالم # ليس المقصود من الأخلاق - في هذا الجزء من بحثنا - هو تلك الأخلاق الشخصية التي تتعلق ~~بطريقة سلوك العالم من حيث هو إنسان، وإنما المقصود هو الأخلاق المتصلة بعمله العلمي، ~~سواء بطريق مباشر أم بطريق غير مباشر؛ فنحن لا يعنينا أن نبحث في الطريقة التي يدير بها ~~العالم شئون حياته اليومية الخاصة؛ لأن هذه الشئون ملكه هو من حيث هو فرد، ولكن إذا ~~انعكست طريقة سلوكه في حياته الخاصة هذه على عمله العلمي - حتى ولو كان ذلك على نحو غير ~~مباشر إلى أبعد حد - فعندئذ ينبغي أن نعمل لها حسابا. وهذه التفرقة بين المسلك الشخصي ~~والمسلك الذي يمس العلم تفرقة هامة؛ لأن الكثيرين ينسون أن العالم إنسان له كل ما ~~للبشر من جوانب الضعف والانفعالات وربما النزوات، وقد يكون في حياته الخاصة بعيدا كل ~~البعد عن الصورة التي يكونها عنه الناس باعتباره عالما؛ إذ يتصور الناس عادة ~~أنه لا بد أن يسلك في أموره اليومية - أي أن يأكل ويشرب وينام ms212 ويحب - بوصفه ~~«عالما»، ويتخيلون أن مهنته لا بد أن تنعكس على أدق تفاصيل حياته، وهذا تصور واهم، ~~ربما أذكته في نفوس الناس بعض الأقلام السينمائية أو الأعمال الأدبية التي تميل إلى أن ~~تجعل للناس شخصية نمطية واحدة، تسري على جميع جوانب حياتهم، ولكن الواقع - في أغلب ~~الأحيان - يكذب هذا التصور؛ إذ إننا نادرا ما نجد العالم الذي يمر في جميع جوانب ~~حياته باعتباره عالما، وغالبا ما نجده يسلك في أمور حياته اليومية كما يسلك سائر ~~الناس، ويتعرض لسائر مظاهر الصواب أو الخطأ التي يتعرض لها غيره من البشر. غير أن ~~هناك جوانب معينة من حياته تؤثر - على نحو قليل أو كثير - في عمله العلمي وتتأثر ~~به، وهذه الجوانب هي التي تعنينا ها هنا. # في هذه الناحية بالذات - أعني في مظاهر حياة العالم التي تتصل من قريب أو بعيد ~~بعمله العلمي - يشيع تلخيص القيمة الأخلاقية العليا التي يتميز بها العالم في كلمة ~~واحدة هي «الموضوعية». ولكن «الموضوعية» كلمة شديدة التعقيد، تحتمل جوانب وأوجها ~~متباينة، ومن المستحيل فهمها على حقيقتها إلا إذا حللنا معانيها وجوانبها المختلفة ~~بمزيد من الدقة، ومن هذا التحليل نستطيع أن نلقي ضوءا مفيدا على العناصر ~~الأخلاقية كما ينبغي أن توجد في شخصية العالم، وكما توجد بالفعل في شخصيات علماء ~~كثيرين. ~~(1-1) الروح النقدية # أول معنى للموضوعية هو أن تكون لدى المرء روح نقدية، ومعنى ذلك ألا يتأثر ~~بالمسلمات الموجودة أو الشائعة، وأن ينقد نفسه ويتقبل النقد من الآخرين. ~~(أ) # فأهم ما يميز العالم قدرته على أن يختبر الآراء السائدة - سواء ~~على المستوى الشعبي العادي أو في الأوساط العلمية أو كليهما معا - ~~بذهن ناقد، لا ينقاد وراء سلطة القدم أو الانتشار أو الشهرة، ولا ~~يقبل إلا ما يبدو له مقنعا على أسس عقلية وعلمية سليمة، ولا يعني ~~ذلك أن يقف المرء موقف العناد المتعمد من كل ما هو شائع، بل يعني ~~اختبار الآراء الشائعة وإخضاعها للفحص العقلي الدقيق، وربما عاد إلى ~~قبولها آخر الأمر بعد أن يكون قد اطمأن ms213 إلى أنها اجتازت هذا ~~الاختبار. أما لو تبين له ضعف أو تناقض أو تفكك في هذه الآراء، فإنه ~~يتمسك بموقفه الجديد بكل ما يملك من تصميم وإصرار، مهما كانت التضحيات ~~التي يعانيها في سبيل هذا الموقف. # ولو تناولنا بعض الأمثلة المشهورة في هذا الصدد؛ لوجدنا هذه الصفة ~~مشتركة بينها جميعا؛ فحين وقف جاليليو - وهو شيخ عجوز في أواخر مراحل ~~عمره - أمام محكمة التفتيش في روما مدافعا عن رأيه الجديد - الذي كان ~~امتدادا لرأي كبرنيكوس - في نظام العالم ودوران الأرض حول الشمس، وحين ~~وقف باستير وحده أمام علماء عصره مدافعا عن وجود تلك الكائنات الدقيقة ~~التي تسبب التلوث والتعفن والأمراض - أعني الميكروبات - وحين وقف ~~فرويد أمام عواصف الاستنكار مؤكدا أن الدوافع الحقيقية لسلوك الإنسان ~~قد تكون بعيدة كل البعد عن الدوافع الظاهرية التي يعلنها الإنسان ~~على الملأ أو يعلنها المجتمع من خلال الإنسان؛ في كل هذه الحالات - ~~التي يحفل تاريخ العلم بأمثالها - كان هناك إدراك من جانب العالم ~~لحقيقة جديدة تتصادم بعنف مع الحقائق الشائعة، وتلقى مقاومة مستميتة ~~من أوساط قوية ومسيطرة، وكان العالم يقف وحده في مبدأ الأمر على ~~الأقل، لا يملك ما يدافع به عن نفسه سوى قوة الإقناع التي تتسم بها ~~حقيقته الجديدة، ومع ذلك فقد استطاع - آخر الأمر - أن ينتزع الاعتراف ~~بأفكاره، ويحول مجرى العلم في اتجاه جديد. وكم من كشف علمي ~~تحقق لمجرد أن عالما تجرأ على أن ينقد المسلمات الشائعة، ولا ~~ينحني أمام طغيان الانتشار أو جبروت القوى التي تدافع عن هذه ~~المسلمات، أو أمام تلك القوة التي تكتسبها الآراء السائدة نتيجة ~~اعتياد الناس عليها زمنا طويلا. # وفي كثير من الأحيان كان نقد هذه المسلمات يصدم الناس صدمة ~~عنيفة، ولكن العالم لم يكن يأبه إلا للرأي الذي اقتنع به. وهكذا رأينا ~~كشوفا عظيمة الأهمية تتحقق - منذ القرن التاسع عشر - لأن عالما ~~تجاسر على ألا يتقيد بالمسلمة القائلة إن الخطين المتوازيين لا ~~يلتقيان، وإن مجموع زوايا المثلث بالتالي ينبغي أن يكون قائمتين، ~~أو لأن عالما آخر ms214 تحدى النظرة السائدة إلى المكان والزمان، والتي ~~تجعل كلا منهما حقيقة مطلقة، فتجرأ على الربط بينهما في وحدة ~~واحدة ينكمش فيها الزمان إذا عبر المكان بسرعة هائلة، أو لأن ~~عالما ثالثا لم يقتنع بأن الضوء ينبغي أن يكون «إما» جسيمات دقيقة ~~و«إما» تموجات، فجمع بين هذين المفهومين اللذين يبدو من ~~المستحيل الجمع بينهما، وقال بنظرية جسيمية - تموجية في آن واحد. ~~وهكذا أكدت فكرة «تحدي البديهيات والمسلمات» قيمتها في مجال العلم ~~إلى الحد الذي شجع الكثيرين على نقلها إلى مجال الفكر الفلسفي ~~والاجتماعي والنفسي والسياسي، وأصبحت هذه الفكرة من أهم السمات ~~المميزة لعصرنا الحاضر. ~~(ب) # على أن العالم مثلما يعيد اختبار الأمور المسلم بها في الأوساط ~~العلمية أو الشعبية، ويخضعها لمحكمة العقل وحده، لا يعفي نفسه من ~~النقد؛ فمن الجائز أنه هو نفسه قد وقع في خطأ، وفي هذه الحالة يتعين ~~على العالم الحقيقي أن يبادر إلى الاعتراف بهذا الخطأ، وكثيرا ما ~~يكون هذا الاعتراف أليما؛ وذلك لأسباب واضحة؛ فمن السهل أن ينقد ~~المرء الآخرين، أما نقده لنفسه فمن أصعب الأمور، ولا يرجع ذلك إلى ~~أسباب نفسية أو إلى الاعتزاز بالذات فحسب، بل يرجع أيضا إلى صعوبة ~~عملية النقد التي يمارسها المرء نحو ذاته. فحين يكون النقد موجها ~~إلى الآخرين، يكون ذهن الناقد ذهنا جديدا «أضيف» إلى ذهن صاحب الرأي ~~الذي ينقده، وكل ذهن جديد يستطيع أن يتأمل الموضوع من زاوية جديدة، ~~ويرى فيه جوانب ربما لم يكن صاحب الرأي الأصلي قدرها أو أضفى عليها ~~الأهمية التي تستحقها. أما في حالة «النقد الذاتي» فإن الذهن الواحد ~~هو الذي يضع الرأي الأصلي، وهو نفسه الذي ينبغي أن يتأمل هذا الرأي ~~الأصلي بنظرة ناقدة، ومثل هذا التأمل النقدي يغدو عسيرا في هذه ~~الحالة، والأرجح أن يظل المرء متمسكا بنفس وجهة النظر القديمة؛ ~~لأن عاداته الفكرية وتكوينه الخاص يؤديان به - غالبا - إلى نفس ~~النتائج التي انتهى إليها من قبل، ولأن من الصعب أن ينسلخ المرء ~~تماما عن طريقته السابقة في النظر، ويتأمل موضوعه بأعين ms215 جديدة. # ومما يزيد من صعوبة هذا النقد الذاتي، أنه كثيرا ما يعني هدم حصيلة ~~عمل بذل فيه العالم جهدا شاقا، ومراجعة شاملة لخطواته السابقة من ~~جديد، فلو تبين أن هذا الهدم ضروري لأن الآخرين قد اكتشفوا في هذا ~~العمل نقاط ضعف واضحة أو نقصا ظاهرا، فعندئذ لا يكون أمام العالم ~~مفر من مراجعة عمله السابق، أما أن يقوم هو ذاته بالنقد الذي يؤدي ~~به إلى تفنيد عمله الخاص وتبديد الوقت والجهد الذي بذله فيه، فهذا - ~~بلا شك - أمر شاق من الوجهة النفسية والأخلاقية، ومن المؤكد أن ~~القليلين هم الذين تتوافر لديهم القدرة على مراجعة النفس بأمانة، ~~وإعادة النظر في أعمالهم السابقة بحيث يستغنون عنها استغناء تاما ~~إذا اقتنعوا بأن ذلك ضروري ، فهذه المراجعة تحتاج إلى مستوى أخلاقي ~~رفيع، وإلى إنكار للذات لا يقدر عليه معظم الناس، الذين لا يقبلون ~~بسهولة أن يقتطعوا من حياتهم ومن ثمار جهدهم ويتنكرون لها بمحض ~~إرادتهم وكأنها لم تكن. ولكن هؤلاء القليلين الذين يصلون إلى هذا ~~المستوى الرفيع، هم الذين ينهض العلم على أيديهم، وفي معظم الأحيان ~~تثبت الأيام أن جهدهم السابق - الذي تنازلوا عنه - لم يضع هباء، وأن ~~عملية النقد الذاتي هذه قد تكون نقطة البداية في كشف علمي أهم بكثير ~~من ذلك الذي كانوا يعتزمون الوصول إليه من قبل. # ولسنا نود أن نترك موضوع النقد الذاتي قبل أن نشير إلى استخدام ~~شائع لهذا التعبير في أيامنا هذه، وهو استخدام سياسي في المحل ~~الأول، والمفروض فيه أن يعيد المرء النظر في مواقف سابقة له - في ~~المجال السياسي - وينقدها نقدا موضوعيا، ولكن ظروف العالم الذي ~~نعيش فيه، وطبيعة الصراع بين الأفكار في هذا العصر، تؤدي - في كثير ~~من الأحيان - إلى ابتذال معنى النقد الذاتي؛ إذ إنه كثيرا ما يصبح ~~تعبيرا عن انتهازية رخيصة، يحاول فيها المرء أن يتنصل من مواقفه ~~السابقة لأن التيار السياسي قد تغير، ولأن اتجاها جديدا وأشخاصا ~~جددا قد قفزوا إلى السلطة، فيغير الأذناب جلودهم، تمشيا مع ~~العهد الجديد، باسم «النقد الذاتي». ms216 كما أن هذا التعبير قد يستخدم ~~نتيجة لوجود قهر شديد، يضطر معه المرء - إذا كان قد أعرب من قبل عن ~~آراء معارضة أو رافضة - إلى سحب آرائه هذه والتنصل منها باسم ~~«النقد الذاتي»؛ خوفا من بطش السلطة أو خضوعا لضغطها. وفي كل هذه ~~الحالات لا تكون لهذا النوع من «النقد الذاتي» المزيف أية صلة بما ~~نقوله ها هنا عن النقد الذاتي في المجال العلمي؛ لسبب بسيط هو أن النوع ~~الأول لم يصدر بدوافع موضوعية، أو لم يكن تعبيرا عن إرادة حرة. ~~(ج) # وأخيرا فإن تقبل النقد من الآخرين صفة أساسية ينبغي أن يتحلى بها ~~العالم؛ ذلك لأن لكل منا عاداته الفكرية الخاصة، وطريقته الشخصية في ~~معالجة الأمور، وتكوينه الفردي المميز، وهذا كله ينعكس حتما على ~~عمله العلمي، بحيث يعجز في أحيان كثيرة عن رؤية جوانب الضعف أو ~~النقص فيه، ويحتاج إلى من يتأمل هذا العمل بعيون أخرى لكي يرى فيه ~~ما لم يره صاحبه. وعلى الرغم من أن الحقيقة العلمية - عندما تثبت ~~وتستقر - تكون حقيقة واحدة يتفق عليها الجميع، فإنها في مرحلة ~~تكوينها تحتاج إلى تضافر عقول كثيرة وإلى «حوار» بينها، وهو ما ~~أدركه قدماء الفلاسفة حين أكدوا أن «الجدل» - بمعنى مشاركة أكثر ~~من عقل واحد في السعي إلى بلوغ الحقيقة - هو طريق المعرفة. # وهكذا أصبح النقد جزءا لا يتجزأ من ~~الممارسة العلمية في جميع البلاد المتقدمة، وأصبحت الدوريات والمجلات العلمية - بل ~~والصحف اليومية في أحيان غير قليلة - تخصص أبوابا ثابتة لنقد الأعمال ~~المنشورة، وأصبح العلماء أنفسهم يتلهفون على قراءة ما يكتب عن أعمالهم؛ لكي ~~يعرفوا أين يقفون في الوسط العلمي الذي ينتمون إليه، ولكي يطلعوا على آراء ~~العقول الأخرى فيما أنتجه عقلهم. وبفضل هذا التراث النقدي الذي استمر أجيالا ~~كثيرة؛ اكتسب النقد في هذه البلاد المتقدمة نوعا من القداسة، وازداد طابعه ~~«موضوعية»، وأصبح الناقد يشعر - وهو يمسك قلمه - بمسئولية لا تقل عن مسئولية ~~القاضي وهو يصدر أحكامه، ولا شك أن المقارنة هنا ليست على سبيل التشبيه؛ إذ ~~إن الناقد ms217 هو بالفعل قاض في الميدان العلمي، والفارق الوحيد بين الاثنين هو أن ~~القاضي لا يتناول إلا حالات الخروج على القانون؛ أي الحالات السلبية وحدها، على ~~حين أن الناقد يعالج الحالات الإيجابية والسلبية معا؛ إذ إن مهمته ليست إبراز ~~العيوب فحسب، بل وامتداح المزايا أيضا. وفيما عدا ذلك فإن الضمير النقدي في البلاد ~~المتقدمة قد اكتسب حساسية ورهافة لا تقل عن الضمير القضائي، وكلاهما يصدر في ~~أحكامه عن دستور أو تشريع موضوعي؛ القاضي عن بنود القانون، والناقد عن المنطق ~~السليم والمعارف العلمية المستقرة. # وفي اعتقادي أن هذه الإشارة إلى ما أسميه ~~«بالضمير النقدي» في ميدان العلم ضرورية في عالمنا العربي على وجه التحديد؛ لأن ~~هذا الضمير لم يتبلور بعد بالقدر الكافي في أوساطنا العلمية، ومن الممكن ~~التفكير في أسباب متعددة لهذه الظاهرة، ولكن أهمها في رأيي سببان؛ الأول أن ~~نهضتنا العلمية الحديثة قريبة العهد بحيث لم يصبح لدينا بعد «تراث» يجعل النقد ~~جزءا أساسيا من حياتنا العلمية، كما هي الحال في البلاد المتقدمة. والسبب ~~الثاني (وهو مرتبط بالأول ارتباطا وثيقا) هو ذلك الخلط الذي يسود كافة جوانب ~~حياتنا بين ما هو خاص وما هو عام، أو بين العوامل الشخصية والعوامل الموضوعية، هذا ~~الخلط هو - على سبيل المثال - سبب ظاهرة «الوساطة» التي تتفشى في أوساطنا ~~الحكومية، والتي هي في حقيقتها تطبيق لمبدأ إكرام القريب أو الصديق (وهو مبدأ جميل ~~في حياتنا الخاصة) على الشئون العامة للدولة، بحيث يزول الفارق بين طريقة سلوكنا ~~مع المحيطين بنا في الأسرة أو في القرية أو في المقهى، وطريقة سلوكنا عند أداء ~~الأعمال الرسمية. # وحين يسري هذا الخلط على العلاقات بين ~~العلماء تصبح نتائجه وخيمة؛ إذ إن العالم لا يعود قادرا على تقبل النقد من ~~الآخرين، ويتصور أنه إهانة له أو هجوم شخصي عليه، بينما الناقد نفسه قد يستخدم ~~هذا النقد - في أحيان غير قليلة - لتصفية حسابات شخصية، أو لمجاملة من له ~~عنده مأرب. وهكذا يسلك الطرفان معا بطريقة تخلو من النزاهة والموضوعية، ومن هنا ~~كانت محنة ms218 النقد العلمي والفكري في بلادنا ... (أما النقد الأدبي والفني، فحدث عنه ~~ولا حرج، إذ إنه - بالإضافة إلى ذلك - ينصب على مجال فيه من المرونة والتحرر ~~من القواعد الثابتة ما يعطي للعوامل الشخصية في النقد مجالا أوسع.) # ولعل مما يزيد من حدة هذه المحنة أن وسائل النقد ذاتها غير متوافرة؛ ~~فالمجلات والدوريات قليلة أو منعدمة في بعض المجالات، وهي لا تخصص إلا مساحة ~~ضئيلة للنقد العلمي الجاد، ولها العذر في ذلك لأن العملية نفسها لا تلقى ~~استجابة كبيرة من الكتاب؛ فمن منهم على استعداد لإرهاق نفسه بقراءة كتاب أو بحث ~~لشخص آخر، والتنقيب بين المراجع عما عسى أن يكون قد أغفله أو أخطأ فيه؟ إن قراءة ~~أبحاث الآخرين ومؤلفاتهم - على أية حال - أمر يزداد ندرة بالتدريج؛ لأن أعباء ~~الحياة والعمل - وربما الكسل أيضا - تجعل كل باحث منشغلا بأبحاثه الخاصة، ~~ونادرا ما يقرأ بحوث الآخرين. وهكذا يشعر كثير من الباحثين - في العالم العربي - ~~بأنهم يكتبون لأنفسهم (وخاصة حين يكون الموضوع الذي يعالجونه جادا)، فبعد ~~عمل مرهق قد يدوم سنوات متعددة، يظهر البحث فلا يستجيب له أحد، ولا يعلق عليه ~~أحد، ولا ينقده أحد، حتى من المتخصصين في ميدانه، فنحن لا يقرأ بعضنا لبعض، ومن ~~ثم لا ينقد بعضنا بعضا، وهذا نقص فادح في حياتنا العلمية. # والوجه الآخر لموضوع النقد هذا هو أن نعترف بفضل الآخرين على أعمالنا، فنحن ~~ندين لمن نقرأ لهم بقدر كبير من معارفنا، بل إن كثيرا من أفكارنا الشخصية التي ~~يبتدعها كل منا وفي ذهنه أنه هو مصدرها الوحيد، لا تثار في أذهاننا إلا لأن ~~قراءة بحث أو كتاب معين قد أوحى إلينا بها ولو بصورة غير مباشرة، أو أثار فينا حاسة ~~النقد والهجوم، فيكون له الفضل في هذه الحالة بدورها، حتى ولو كان ذلك فضلا ~~سلبيا. ومن هنا فإن العلماء والكتاب - في البلاد التي رسخت فيها التقاليد ~~العلمية - يحاولون بقدر ما في وسعهم رد الفضل إلى أصحابه، وربما رأيت المؤلف ~~منهم يعدد في مقدمة كتابه أسماء مجموعة ضخمة ms219 من الأشخاص، بعضهم ناقشه مناقشة ~~قصيرة حول الموضوع، وأحيانا قد يذكر الأستاذ فضل تلاميذه الذين ألهموه - ~~بأسئلتهم واستفساراتهم - كثيرا من أفكاره. أما الإشارة إلى الاقتباسات من المراجع ~~الأخرى فقد أصبحت تقليدا ثابتا لا يخالفه أحد. # وفي هذه الحالة بدورها نجد أن هذا التقليد الجليل لم يستقر في بلادنا تمام ~~الاستقرار، بل إن مخالفته قد تتخذ في بعض الأحيان أبعادا مؤسفة، كما يحدث في ~~حالات «السطو» على أعمال الآخرين التي ينسبها المرء لنفسه دون وازع من ضمير. ~~ومن المؤكد أن حياتنا العلمية لن تستقيم إلا إذا أصبح الاعتراف بفضل الآخرين - ~~حتى في الأمور البسيطة - قاعدة لا يخالفها أحد، وربما احتاج الأمر في البداية إلى ~~قدر من الشدة، بحيث يلقى من يرتكب عملا من أعمال السرقة العلمية جزاء ~~رادعا. وبعد ذلك يمكن أن يتحول السلوك العلمي القويم إلى عادة متأصلة في ~~النفوس، فلا نحتاج إلى فرض جزاءات. ولكن النظرة المدققة إلى أوضاع التقاليد ~~العلمية في العالم العربي لا توحي بالتفاؤل، إذ يبدو أن الأجيال الجديدة أقل ~~تمسكا بهذه التقاليد حتى من الأجيال السابقة؛ ومن ثم فإن الخط البياني للروح ~~النقدية السليمة وللأخلاق العلمية - بوجه عام - يتجه إلى الهبوط، وهو أمر مؤسف ~~ينبغي أن نتداركه حتى لا تتسع الهوة بيننا وبين البلاد المتقدمة التي يزداد علماؤها ~~تمسكا بالتقاليد العلمية جيلا بعد جيل. ~~(1-2) النزاهة # لسنا في حاجة إلى أن نطيل الحديث عن صفة النزاهة بوصفها معنى أساسيا من ~~معاني الموضوعية؛ ففي ثنايا الحديث عن الروح النقدية اتضحت لنا عناصر كثيرة ترتبط ~~بصفة النزاهة، مثل قدرة العالم على أن يقف من أعماله الخاصة موقفا نقديا، وعلى ~~أن يتقبل نقد الآخرين، ولا ينسب إلى نفسه شيئا استمده من غيره. والواقع أن ~~نزاهة العالم تتبدى - أوضح ما تكون - في استبعاده للعوامل الذاتية من عمله ~~العلمي، فحين يمارس العالم هذا العمل ينبغي عليه أن يطرح مصالحه وميوله واتجاهاته ~~الشخصية جانبا، وأن يعالج موضوعه بتجرد تام. # هذا التجرد هو الذي يجعل العلم يلجأ إلى وسيلة وحيدة للإقناع هي ms220 الدليل ~~والبرهان الموضوعي. وقد يتخذ هذا البرهان شكل إجراء تجربة تثبت المبدأ العلمي ~~الجديد على نحو حاسم، أو يتخذ شكل تدليل منطقي قاطع، ولكنه في كل الحالات برهان ~~يفرض نفسه على أي ذهن لديه القدرة على فهم الموضوع واستيعابه، وهذا هو الفارق ~~الأساسي بين طريقة الإقناع العلمي، وطرق الإقناع المألوفة التي نلجأ إليها كثيرا ~~في معاملاتنا اليومية، والتي تحفل بعناصر ذاتية لا صلة لها بالتفكير العلمي من ~~قريب أو من بعيد؛ مثل الإقناع عن طريق البلاغة اللفظية أو استخدام اللغة الانفعالية ~~المؤثرة أو التلاعب بعواطف الناس أو إغرائهم واستثارة ميولهم ومصالحهم. فالعلم ~~يعلم الإنسان كيف يترك انفعالاته وتفضيلاته الشخصية جانبا، وكيف ينظر إلى ~~الأمور نظرة منزهة عن كل غرض. ومن هنا كان للعلم تأثير أخلاقي لا يمكن إنكاره. ~~ومن المؤكد أن الممارسة العلمية الطويلة والسليمة، لا بد أن تترك طابعها على ~~طريقة تعامل العالم مع غيره من الناس؛ وذلك على الأقل في الأمور التي يقوم فيها ~~صراع بين العوامل والميول الذاتية من جهة وبين الحقائق الموضوعية من جهة ~~أخرى. # على أن الحديث عن صفة النزاهة والتجرد يفضي بنا إلى موضوع آخر له أهمية بالغة، ~~ولا سيما في عصرنا الراهن؛ وأعني به موقف العالم من الربح المادي أو المال؛ ذلك ~~لأن نزاهة العالم تفترض منه أن يكون في عمله العلمي ساعيا إلى الحقيقة وحدها، ~~بغض النظر عما يمكن أن يجنيه من ورائه من مغانم. وهذه مسألة تنبه إليها ~~الفلاسفة منذ أقدم العهود؛ إذ إن أفلاطون قسم البشر إلى محبي الكسب كالتجار ~~والصناع، ومحبي الشهرة كالحكام السياسيين أو القواد العسكريين، ~~ومحبي العلم أو المعرفة وهم العلماء والفلاسفة، وفي رأيه أن من ينتمي إلى ~~الفئة الأخيرة لا يمكن أن ينتمي إلى الفئتين الأخريين، وبخاصة الأولى منهما. ~~ومنذ ذلك الحين أصبح من الأمور المعترف بها أن لذة العلم والوصول إلى الحقيقة ~~تفوق أية لذة أخرى، وتجعل صاحبها زاهدا في تلك الأهداف الدنيوية الصغيرة التي ~~يستميت الناس الماديون من أجل تحقيقها كهدف الربح المادي. # ولكن ms221 عصرنا الحديث، وإن كان قد احتفظ بهذه التفرقة بين السعي إلى الحقيقة ~~والسعي وراء المال، قد أضاف أبعادا أخرى إلى هذا الموضوع؛ ذلك لأن تعقد الحياة ~~الحديثة وكثرة مطالبها جعل من المستحيل أن يظل العالم في صورة ذلك الناسك أو ~~الزاهد الذي يتعفف عن كل ما يتصل بالمال، ومن هنا طرأ قدر من التغير على ~~الصورة القديمة، بدليل أن المشروعات العلمية الناجحة كثيرا ما يكون من عوامل ~~نجاحها الإنفاق بسخاء على المشروع بمن فيه من العلماء والباحثين. # فهل يعني ذلك أن التضاد القديم بين محبي الحقيقة ومحبي الكسب قد اختفى؟ ~~الواقع أن هذا التضاد لا يزال قائما، ولا يمكن القول إن العالم الحقيقي إنسان ~~يصلح للاشتغال بالتجارة (حتى في عمله) أو يجعل من تكديس الأموال هدفا لحياته. ~~قد نجد استثناءات قليلة هنا أو هناك، ولكن معظم هذه الاستثناءات تتعلق بأناس لا ~~تسري في عروقهم روح العلم بمعناها الحقيقي. ولا يزال من الصحيح أن العالم لا ~~يطلب المال لذاته، وإنما يطلبه بوصفه وسيلة فحسب؛ فسهولة العيش وقضاء المطالب ~~المادية - وربما بعض المطالب الكمالية - يتيح للعالم أن يتفرغ لعمله العلمي ~~بذهن خال من المشاغل، ومن هنا كان الوضع الأمثل عند العلماء هو أن تقوم الدولة ~~بتلبية احتياجاتهم وتزويدهم بكل ما يلزمهم للبحث، بحيث تصبح عقولهم مكرسة ~~للتفكير في المشاكل العلمية وحدها، أما استغلال البحث العلمي استغلالا ماديا ~~فأمر لا يكترث به العلماء. # ولا يمكن أن يسمى هذا زهدا بالمعنى الصحيح، وإن كان فيه بالفعل كثير من عناصر ~~الزهد؛ ذلك لأن العالم إنسان يحظى بمستوى عقلي يفوق المستوى العادي، وهناك ~~متع كثيرة يسعى إليها الإنسان العادي وينفق من أجلها الكثير من المال، لا ~~يكترث بها العالم ولا يشعر إزاءها بأي استمتاع. فمن الصعب على كثير من العلماء - ~~مثلا - أن يشعروا بلذة حقيقية من تلك السهرات الصاخبة في الملاهي الليلية، حتى ~~لو كان يملك المال الذي تتكلفه، على حين أن التاجر أو رجل الأعمال قد يجد فيها ~~متعة كبرى، وقد يكون قدر كبير من ms222 سعيه وراء الربح مستهدفا حياة من هذا النوع. ~~وهكذا يبدو تصرف العالم في هذه الحالة زهدا، ولكنه - في حقيقته - استخفاف بأمور ~~لا تثير في نفسه رغبة حقيقية من أجل الوصول إليها. # وهنا لا نستطيع أن نقول: إننا - في عصرنا الحديث - قد تجاوزنا بكثير ما كان يدعو ~~إليه أفلاطون؛ ذلك لأن هذا الفيلسوف اليوناني الكبير قد حرم على العلماء - في ~~مدينته الفاضلة - اقتناء الذهب والفضة «اكتفاء بما في نفوسهم من هذين المعدنين ~~النفيسين»، وهو قد دعا إلى قيام المجتمع أو الدولة بتوفير كل المطالب المادية ~~للعلماء حتى لا يشغلهم شيء سوى بحثهم وراء الحقيقة، ولكن الصورة العامة التي ~~رسمها لوضع العلماء في المجتمع المثالي - كما تخيله - لم تكن صورة زاهدة بالمعنى ~~الصحيح؛ إذ إن العلماء كانوا يحصلون على كل مطالبهم الضرورية، وكانوا يتمتعون ~~جسديا ونفسيا بكل ما يميل إليه الإنسان السوي. أما انصرافهم عن الاتجار أو ~~الكسب فراجع إلى أن طبيعتهم ذاتها تأبى الانشغال بهذه الأمور. # ولكن ماذا نقول عن الشهرة؟ هل صحيح أن ~~العالم - كما كان يشيع في العصور القديمة والوسطى - إنسان يزهد في الشهرة ويبحث ~~عن الحقيقة في صمت، دون أن يهتم بأن يعرفه أو يسمع عنه أحد؟ الواقع أن هذا الرأي ~~يظل صحيحا إذا كنا نعني بالشهرة ذلك الضجيج الإعلامي والإعلاني الأجوف الذي ~~يتمتع به نجوم السينما أو الرياضة البدنية أو بعض السياسيين؛ فالعالم لا يجد ~~متعة في أن يشيع اسمه بين عامة الناس وسط أسماء تلك الشخصيات التي تهتم بها ~~وسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة، والتي هي في معظم الأحيان شخصيات سطحية. ولكن ~~هناك نوعا آخر من الشهرة يسعى إليه العالم بكل حماسة، هو الشهرة في الوسط ~~العلمي ذاته، بل إن كل من مارس تجربة البحث العلمي على حقيقتها يعلم أن ~~كلمة صدق يقولها عالم آخر ممتدحا فيها بحثه، قد تكون أحب لديه من أموال الدنيا. ~~وهكذا يتحمس العالم للشهرة بمعنى اعتراف المتخصصين والعارفين بقيمة عمله. ~~أما الشهرة الجماهيرية السطحية فلا تهمه في شيء؛ لأنه على أية حال ms223 لن يستطيع - ~~مهما فعل - أن يجاري مطربا عاطفيا أو لاعبا رشيقا في اكتساب الشهرة بين عامة ~~الناس. # وأخيرا فلعل موضوع المال هذا أن يثير مشكلة أصبحت تلقى في السنوات الأخيرة ~~اهتماما كبيرا في بلاد العالم الثالث، ومنها بلادنا العربية، وكذلك في الهيئات ~~الدولية التي تعنى بشئون البلاد النامية، وأعني بها تلك المشكلة المعروفة باسم ~~هجرة العلماء أو تسرب العقول، فنحن نعاني من رفض عدد كبير من أبنائنا - الذين ~~يتعلمون في الخارج - العودة إلى أوطانهم التي هي في أشد الحاجة إلى خبرتهم ~~وعلمهم لكي تبني لنفسها مستقبلا أفضل. ومن المعترف به أن قوة الجذب التي ~~توجد لدى بعض الدول المتقدمة، والتي تتمكن بواسطتها من احتجاز أعداد كبيرة من ~~علماء البلاد النامية، هي من أهم العوامل التي تؤدي إلى مضاعفة معدل ~~التقدم في تلك البلاد، وتباطؤ هذا المعدل في البلاد التي يهاجر منها ~~العلماء. # والتفسير الشائع هو أن المال عامل حاسم في هجرة العلماء، لا سيما وأن البلاد التي ~~يهاجرون إليها قادرة على إغرائهم بأجور تزيد أضعافا مضاعفة عن أقصى ما يحلمون ~~في بلادهم الأصلية. وقد يكون عامل المال ذا تأثير بالفعل في بعض الحالات، ولكن أغلب ~~الظن أن هناك عوامل أخرى تنتمي إلى صميم العمل العلمي، هي التي تدفع العلماء إلى ~~ترك بلادهم الأصلية وتقديم خبراتهم إلى بلاد غريبة عنهم، وعلى رأس هذه العوامل: ~~وجود الجو الذي يسمح للعالم بممارسة عمله على الوجه الذي يتطلع إليه؛ ففي ~~اعتقادي أن عامل تحقيق الذات يقوم - في حياة العالم - بدور يفوق بكثير جميع ~~التطلعات المادية، وإحساس العالم بأنه يحقق كل ما لديه من إمكانات، وبأن فرص ~~البحث مهيأة له بلا عوائق، وبأن الجو العام - في المجتمع الذي يعيش فيه - يسمح له ~~بالمضي في عمله العلمي دون أن تشغله الدسائس والمؤامرات والمشاغل التافهة. هذا ~~الإحساس هو العامل الحاسم في اختياره للمكان الذي يفضل أن يعمل فيه، وأوضح مثل ~~على ما نقول هو ما حدث لعلماء الصين؛ إذ كان عدد من هؤلاء العلماء قد هاجروا إلى ms224 ~~الخارج وخاصة إلى الولايات المتحدة، حيث تبوءوا مراكز مرموقة، وكانوا ~~يتقاضون مرتبات ضخمة، ولكن في اللحظة التي دعاهم فيها الوطن العودة؛ عاد معظمهم ~~بالفعل، ولم يكن هناك أي وجه للمقارنة بين أحوالهم الجديدة ووضعهم القديم من ~~الناحية المالية، ولكن كان هناك الإحساس بأن الوطن في حاجة إليهم، وبأن المجتمع ~~ينفق على البحث العلمي بأقصى ما يمكنه من سخاء، وبأن أدوات البحث العلمي - من ~~أجهزة ومراجع - متوافرة، كما أن الجو العام يشجع على البحث ولا يضع أية ~~معوقات أمام المشتغلين به. وبالفعل لاحظ المراقبون الذين زاروا هذا البلد - حتى ~~من بين خصومه - أن الدولة تعامل العلماء ومراكز البحث معاملة تفوق بكثير مستوى ~~التقشف العام السائد في المجتمع، وهذا أقصى ما يحتاج إليه العالم ؛ أن يشعر بأن ~~بلده محتاج إليه، وبأن نتائج بحثه لن تهمل وإنما ستعود على المجتمع بالنفع، وبأن ~~الدولة تحترم العلم وتخصص له كل ما في طاقتها من إمكانات، وبأنه يشارك بصورة ~~إيجابية في مسيرة مجتمع يسعى بجدية من أجل النهوض. أما الكسب أو المال فيأتي في ~~مكانة ثانوية إذا تحققت هذه الأهداف الرئيسية، ومن المؤكد أن المجتمع الذي ~~يحترم العلم إلى هذا الحد لن يقبل أن يترك علماءه يعيشون في مستوى هابط. كما أن ~~العالم - من جهته - لن يطلب لنفسه أكثر مما يطيق مجتمعه إذا أيقن أن هذا ~~المجتمع جاد، وأنه خلا من الفساد والانتهازية والوصولية والرغبة في التسلق على ~~أكتاف الآخرين وعلى حساب قوتهم الضروري. ~~(1-3) الحياد # قلنا من قبل: إن الموضوعية هي الصفة التي تلخص جميع جوانب الأخلاق العلمية، ~~وعرضنا لمعنيين من معاني الموضوعية؛ هما الروح النقدية والنزاهة، والمعنى الثالث ~~للموضوعية هو الحياد، وهو معنى عظيم الأهمية، وإن كان يثير إشكالات ينبغي أن ~~ينتبه إليها المرء حتى لا يسيء فهم هذا اللفظ الذي يستخدم - رغم وضوحه - ~~بمعان شديدة التباين. # إننا نصف الشخص الموضوعي بأنه محايد، ونعني بذلك أنه لا ينحاز مقدما إلى ~~طرف من أطراف النزاع الفكري أو الخلاف العلمي؛ فالعالم ينبغي أن يقف على ~~الحياد، ms225 بمعنى أن يعطي كل رأي من الآراء المتعارضة حقه الكامل في التعبير عن ~~نفسه، ويزن كل الحجج التي تقال بميزان يخلو من الغرض أو التحيز؛ فالموضوعات ~~التي يعالجها، والأفكار التي تقدم إليه، تقف كلها أمامه على قدم المساواة، دون أية ~~محاولة مسبقة من جانبه لتفضيل إحداها على الأخرى، وعندما ينحاز العالم آخر الأمر، ~~فلا بد أن يكون انحيازه هذا مبنيا على تقدير موضوعي بحت لإيجابيات الحجج ~~وسلبياتها. والعالم محايد بمعنى أنه يترك تفضيلاته الذاتية جانبا؛ إذ إننا لا ~~نستطيع - بغير شك - أن نتصور عالم نبات يهتم في أبحاثه بزهرة معينة لمجرد ~~كونه يحبها، أو عالم حيوان يهمل نوعا حيوانيا معينا لمجرد أنه لا يطيق ~~شكله. # ولكن معنى الحياد العلمي اكتسب في وقتنا هذا أبعادا أوسع من ذلك بكثير، وأول هذه ~~الأبعاد ذو طابع أخلاقي واضح، فمن الشائع أن نجد كتابات تتهم العلم بأنه سبب ~~الشرور التي تعانيها البشرية، وخاصة بعد أن أدى تحالفه مع التكنولوجيا إلى تغيير ~~وجه الحياة على نحو يرى فيه الكثيرون انحدارا لإنسانية الإنسان، ولكن من المألوف ~~- من ناحية أخرى - أن نرى كتابا يمجدون العلم على أساس أنه هو القوة القادرة ~~على أن تحقق الجنة الموعودة للإنسان على سطح هذه الأرض. وهكذا يتهم بعضهم ~~العلم بأنه ينزع إلى الشر بطبيعته، ويتغنى البعض الآخر به لأنه مصدر أعظم خير ~~يستطيع الإنسان أن يحققه في حياته. # ولكن الرأي الأكثر شيوعا من هذين الرأيين، هو القائل أن العلم «محايد» بين ~~الخير والشر؛ فالعلم أداة تتيح للإنسان أن يفهم العالم المحيط به وأن يفهم نفسه ~~على نحو أفضل؛ ومن ثم فهو يزيد من قدرته على السيطرة على العالم الخارجي، وعلى ~~عالمه الداخلي الخاص، ولكن هذه القدرة «محايدة»؛ بمعنى أنها لا تعدو أن تكون طاقة ~~أكبر، قابلة لأن تتشكل في اتجاه الخير أو الشر، وهذه الطاقة قد تكون عقلية ~~تتمثل في فهم أفضل للظواهر، أو مادية تتمثل في مزيد من السيطرة على هذه الظواهر ~~وتسخيرها لأغراض الإنسان. ولكن هذه الأغراض قد تكون ms226 متجهة إلى تحقيق السعادة ~~والرخاء للبشر، وقد تتجه إلى إرضاء نزوات حاكم مستبد أو تحقيق مصالح فئة ~~جشعة أو ضمان التفوق لشعب مغتصب. # والأمر الذي يؤكد حياد العلم هذا، أن العلم ذاته ليس مسئولا عن التعرف في ~~النتائج التي يتوصل إليها؛ فالعالم - في عصرنا الحديث - يشتغل لحساب مؤسسة أوسع ~~منه قد تكون هي الدولة، أو شركة تجارية، أو على أحسن الفروض معهد علمي، وفي كل ~~الحالات يكون القرار النهائي الذي يحدد طريقة التصرف فيما يكتشفه العالم ~~خارجا عن إرادته، والمثل الواضح على هذا هو القنبلة الذرية على نحو ما عرضنا من ~~قبل. وهكذا نجد العالم محكوما بقوى خارجية في جميع جوانب علمه العلمي؛ فقبل أن ~~يشرع في هذا العمل لا بد أن يعتمد على مؤسسة كبيرة توفر له إمكانات البحث التي ~~تزداد تكلفة وتعقيدا يوما بعد يوم، وبعد أن ينتهي من عمله العلمي، ويتوصل إلى ~~كشف أو اختراع جديد، لا تكون له الكلمة أو سلطة اتخاذ القرار بشأن هذا الكشف، بل ~~تتصرف فيه المؤسسة التي يعمل لحسابها، وهذه المؤسسة يتحكم فيها - غالبا - ~~سياسيون أو تجار (أو سياسيون تجار!) ومن ثم فهي تصدر قراراتها بطريقة لا شأن ~~لها بالعلم، وتحدد أهدافها وفقا لمصالحها الخاصة. وهكذا يضطر العلم إلى أن ~~يقف على الحياد، وهو في هذه الحالة حياد مرتبط بالعجز؛ لأن العلم - بقدر ما ~~أصبح يتحكم في مصير العالم - لا يملك مصيره بيده. # فإذا وجدنا العلم يؤدي إلى حروب وكوارث، ويشجع على القسوة والجشع، فلنعلم ~~أن هذه ليست صفات مرتبطة بالعلم في ذاته، وإنما هي نتائج تترتب على «طريقة ~~معينة» في التصرف بنتائج البحث العلمي. وكان من الممكن - لو تصرفنا بهذه ~~النتائج بطريقة أخرى - أن يكون العلم خيرا ورخاء كله، أي إن طريقة استخدام ~~العلم هي التي تحدد مدى أخلاقيته أو لا أخلاقيته. # هذا هو الوضع الشائع لمشكلة علاقة العلم بالأخلاق، وهو أيضا المعنى المألوف ~~لتعبير «حياد العلم»، ولكننا نستطيع أن نتأمل هذا الموضوع بنظرة أعمق، فنجد فيه ~~أبعادا أخرى غير هذه ms227 الأبعاد المألوفة والمعروفة؛ ذلك لأن صفة الحياد عدم ~~الاكتراث أو تبلد الفكر والمشاعر، بحيث يستمر العالم في عمله بغض النظر عما ~~يمكن أن يترتب عليه من خير أو شر، وفي هذه الحالة يكون كل ما يهدف إليه العالم هو ~~مواصلة البحث العلمي، والتغلب على التحدي الذي تواجهه به صعوبة ما، والسعي إلى ~~بلوغ أقصى النتائج الممكنة للعمل الذي بدأ يشتغل به؛ أي إن المضي في البحث ~~العلمي يصبح غاية في ذاته، بغض النظر عن أية غاية أخلاقية أو لا أخلاقية يمكن ~~أن يخدمها هذا البحث، مثل هذا الموقف يعد بدوره «حيادا»، ولكنه حياد يتضمن في ~~داخله نتائج خطيرة من الوجهة الأخلاقية. # ذلك لأن من الممكن القول: إن العلماء الألمان الذين كانوا يبحثون لكي ~~يساعدوا «هتلر» على تطوير أداته الحربية لم يكونوا كلهم من الأشرار، وإنما كان ~~معظمهم مفتونا بأبحاثه مستغرقا فيها بصورة «حيادية»؛ بحيث كان كل ما يهمه ~~هو استطلاع جميع الآفاق المتاحة له حتى نهايتها، وهذه السلبية أو عدم الاكتراث ~~بالنتائج التي يمكن أن تترتب على العمل العلمي تفتح الباب بسهولة لاستغلال ~~العلماء أنفسهم من أجل تحقيق أشد الأغراض بعدا عن الأخلاق والإنسانية. # وعلى الطرف المضاد، نستطيع أن نقول أيضا: إن مكتشف البنسلين لم يكن بالضرورة ~~إنسانا يستهدف غاية أخلاقية أو خيرة، بل إنه وجد ~~أمامه - بالصدفة - بابا مفتوحا يقود ~~إلى طريق مليء بالمفاجآت الجديدة والمثيرة، فكان كل هدفه هو السعي في هذا الطريق ~~ومعرفة النهاية التي يمكن أن يوصله إليها، ومثل هذا السعي المستمر إلى مواصلة ~~البحث لذاته، يمكن في حالات كثيرة أن يعني وقوف العالم بمعزل عن الأخلاق وعن ~~قيمها، وهو الموقف المسمى باسم # Amoralism ~~، حيث ~~لا يكون المرء أخلاقيا أو معاديا للأخلاق، وإنما يقف خارج نطاق القيم الأخلاقية ~~أصلا. وبالرغم من أن هذا الموقف ليس في ذاته شرا فإنه يمكن أن يؤدي بسهولة ~~إلى الشر، ويولد في نفس العالم نوعا من تبلد الحس وجمود المشاعر. # ولقد دافع البعض عن هذا الموقف على أساس أن البحث عن ms228 الحقيقة لذاتها هو أمر ~~محايد أخلاقيا، أو لا شأن له بالأخلاق، وزكى هذا الدفاع - على المستوى الفلسفي ~~- موقف مذهب فلسفي معاصر هو «الوضعية المنطقية»؛ وهو مذهب يؤمن بأن القيم - سواء ~~أكانت أخلاقية أو جمالية - تخرج عن نطاق العلم الذي يجب أن يكون «محايدا»، على ~~حين أن القيم تعبر بطبيعتها عن تفضيلات شخصية، وحين نعبر عن تفضيلاتنا نضع ~~الأشياء في سلم صاعد أو هابط؛ أي إننا لا نضعها على مستوى واحد، على حين أن ~~العلم بطبيعته يعالج موضوعاته من نفس المستوى دون تحيز أو تفضيل، فإذا أردنا أن ~~نجعل للقيم مكانا فليكن ذلك - حسب رأي الوضعية المنطقية - في ميدان الفن أو الأدب، ~~أما في العلم فلا يسود إلا «الحياد» التام الذي يستبعد كل القيم والتفضيلات ~~الأخلاقية. # هذا المعنى للحياد العلمي - في المجال الأخلاقي - مبني على افتراض غير مؤكد، ~~هو أن الحقيقة لا شأن لها بالقيم أساسا؛ ذلك لأن هناك وجهة نظر أخرى - نعتقد أنها ~~تستحق التقدير - تذهب الأخلاقية أن الحقيقة هي ذاتها قيمة عليا، وأن السعي إليها ~~هو في ذاته خطوة أساسية في طريق الأخلاق؛ فالبصيرة التي نكتسبها بفضل الحقيقة، ~~والاستنارة التي تبعثها في نفوسنا المعرفة، هي بلا شك أمور أخلاقية أو مرتبطة ~~مباشرة بالأخلاق، والتضحيات التي يبذلها العلماء من أجل تحقيق كشوفهم تنطوي على ~~دوافع أخلاقية لا شك فيها؛ إذ لا يمكننا أن نتصور العناء والجهد والمكابدة التي ~~يعانيها العالم إلا إذا كانت هناك روح معينة ذات طابع أخلاقي تدفعه الأخلاقية أن ~~يتحمل ذلك كله، ويتنازل عن النمط السهل المريح الذي تسير عليه حياة الناس؛ لكي ~~يحيا حياة مكرسة للعلم وحده. والصراع ضد الجهل عمل أخلاقي جليل، لا سيما إذا ~~اقترن بتضحيات ناجمة عن التصدي للقوى التي تقف وراء الجهل وتسانده وتحارب كل من ~~يسعى إلى نشر الحقائق، ولا جدال في أن العالم الذي يحارب من أجل حقيقة يؤمن بها عن ~~اقتناع، أو الذي يكرس حياته من أجل كشف يبدد ظلام الجهل أو يحقق للإنسان ~~مزيدا من الفطرة على الطبيعة؛ ms229 هذا العالم يقف في صف واحد مع الأنبياء والمصلحين ~~الذين لم تكن حياتهم مكرسة - في الواقع - إلا لأهداف مماثلة. # ومن المسلم به أننا قد نجد علماء يفتقرون إلى الروح الأخلاقية كما ينبغي أن ~~تكون، بل قد نجد منهم من ارتكبوا في حق الأخلاق أخطاء فادحة، ولدينا على ذلك ~~مثال واضح في شخصية فرانسيس بيكون # Sir Francis Bacon # الذي كان رائدا من رواد الروح العلمية الحديثة في أوروبا، رغم أن هو ذاته لم ~~يكن عالما، فهذا المفكر الفذ، الذي أدرك منذ وقت مبكر طبيعة البحث العلمي ~~الحديث، والاختلافات القاطعة بين المعرفة العلمية التي تستهدف السيطرة على ~~العالم، وتلك التي كانت في العصور القديمة والوسطى تكتفي بمجادلات لفظية عقيمة؛ ~~هذا المفكر كان إنسانا لا أخلاقيا إلى حد بعيد؛ إذ كان من شيمه الغدر ~~بالأصدقاء، وخداع الناس عن طريق الاقتراض منهم دون أن يسدد شيئا، وقبول الرشاوى ~~من المتقاضين في محكمة يرأسها هو نفسه، والانغماس في دسائس القصور ومغامراتها، كل ~~هذه كانت مساوئ أخلاقية مؤسفة، ولا سيما حين تصدر من فيلسوف محب للحقيقة، ولكننا ~~نستطيع أن نقول - من وجهة نظر أخرى - إنه لم يكن إنسانا لا أخلاقيا تماما؛ فقد ~~كانت أخطاؤه كلها تنتمي إلى ميدان السلوك الشخصي في الحياة الخاصة أو العامة، ~~ولكنه كان في تفكيره العلمي شخصا أخلاقيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فهو لم ~~يكن يزيف الحقائق أو يجامل أحدا في الحق، ولم يكن يتردد في مهاجمة أقوى ~~السلطات العلمية في عصره إذا تبين له أنها عقبة في وجه المعرفة الجديدة التي ~~يدعو إليها، وهو قد تحمل في سبيل ذلك تضحيات عديدة، بل ربما كان جزء كبير من ~~انحرافه - على المستوى الشخصي - راجعا إلى رغبته في أن يحصل على منصب رفيع ~~يساعده على تحقيق المشروعات العلمية الكبرى التي كان يحلم بها. وهكذا فإن السعي ~~المستمر إلى الحقيقة - الذي تتميز به حياة العالم - يؤدي به إلى اعتياد الصدق ~~وعدم التفريق في القيم المعنوية المرتبطة به، مهما كان مستوى أخلاقية العالم في ms230 ~~حياته الخاصة، بل إن القدرة على الاحتفاظ بموقف «الحياد» - بمعنى التجرد ~~والتنزه والبعد عن التحيز والهوى - هي في ذاتها موقف أخلاقي لا شك فيه. ومن ~~هنا فإن التعبير القائل أن العلم «محايد أخلاقيا» يمكن - من وجهة نظر معينة - ~~أن يعد تعبيرا غير كاف لوصف طبيعة العلم. فالحياد نفسه موقف أخلاقي، أو هو ~~انحياز إلى الأخلاق، إذا فهمناه بالمعنى الذي أشرنا إليه منذ قليل، لا بمعنى ~~الوقوف موقف المتفرج إزاء الأخلاق، أو الاستعداد لتقبل الخير والشر معا على ~~النحو الذي يفهم به هذا اللفظ عادة. وهكذا يكون الجهد العلمي هو ذاته نوعا من ~~الجهاد الأخلاقي، ويكون التحلي بقدر معين من القيم الأخلاقية صفة أساسية للعالم، ~~هذا طبعا إذا كان عالما بالمعنى الصحيح. ~~(2) العلم والأخلاق في العصر الحاضر # في العصور السابقة كان هناك حد فاصل بين السعي إلى المعرفة والسلوك العلمي، أو بين ~~الفهم النظري للظواهر وإرضاء الإنسان لملكة حب الاستطلاع عنده من جهة، وبين القواعد ~~الأخلاقية التي يتفاهم الناس ويتلاقون على أساسها من جهة أخرى؛ فالعلم - كما أوضحنا ~~في فصل سابق - كان طوال جزء كبير من تاريخه نشاطا نظريا صرفا، وكان من الطبيعي ~~عندئذ ألا يقترب من مجال الأخلاق، بل أن يكون هناك اختلاف جوهري بين الاستخدام النظري ~~للعقل في المعرفة، واستخدامه العلمي في الأخلاق. أما في عصرنا الحاضر فقد أصبح التداخل ~~وثيقا بين المجالين، بحيث أصبح العلم يتدخل في تفكيرنا في مشاكلنا الأخلاقية، كما ~~أصبحت الأخلاق تسعى إلى توجيه العلم، أو على الأقل تستهدف اختباره بطريقة نقدية. # على أن هذا الانتقال - من الانفصال التام بين العلم والأخلاق إلى التداخل الوثيق ~~بينهما - لم يحدث فجأة، وإنما حدث على مراحل متعددة، ومهدت له ظروف كثيرة، وفي ~~وسعنا أن نلخص أهم مراحل الانتقال هذه فيما يلي: ~~(1) # في مطلع العصر الحديث انهار المثل الأعلى القديم للمعرفة؛ وهو «العلم ~~لأجل العلم»، وبدأ ظهور مفهوم جديد للعلم، يدور حول فكرة السيطرة على ~~الطبيعة والوصول إلى مزيد من التحكم في العالم الخارجي. ~~(2) # بعد فترة غير طويلة أخذ ms231 العلم يسعى إلى تحقيق هذا الهدف نفسه في مجال ~~الإنسان؛ أي أن يحقق - بالنسبة إلى عالمنا الداخلي - نفس القدرة على ~~الفهم وعلى السيطرة التي تحققت لنا بالنسبة إلى الطبيعة. ~~(3) # كان هذا الانتقال إلى هدف جديد للعلم غير المعرفة النظرية المنقطعة ~~الصلة بالواقع، يعني - من الوجهة النظرية - التقريب بين مجالي المعرفة ~~العلمية والتطبيق العلمي؛ لأن العلم أصبح هو ذاته نوعا من السلوك، ~~وسعيا إلى التغيير. ~~(4) # وكان معناه - من الوجهة العملية - إثارة مشكلات تتعلق بكيفية استخدام ~~العلم والغايات التي ينبغي أن يخدمها، والجوانب التي يطبق فيها النتائج ~~المترتبة على الكشوف العلمية بالنسبة إلى حياة الإنسان. كل هذه كانت ~~أسئلة جديدة لم يكن من الممكن أن تظهر في ظل التصور القديم للعلم، وكان ~~من المحال أن نجد لها نظيرا عند فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو، خاضوا جميع ~~ميادين الفكر، ولكنهم ظلوا ينظرون إلى العلم على أنه تأمل محض، ويضعون ~~بينه وبين حياة الإنسان العملية واليومية حواجز لا يمكن عبورها. ~~(5) # وكان اقتحام العلم لميدان «النفس الإنسانية والمجتمع البشري» إيذانا ~~ببدء عهد جديد يقترب فيه العلم من صميم المشكلات العملية للإنسان، صحيح أن ~~أقطاب علم النفس وعلم الاجتماع كانوا وما زالوا يلحون على ضرورة ~~الاحتفاظ بالطابع «الموضوعي» لأبحاثهم، ويؤكدون أنهم يحللون الظواهر ~~ويصفونها كما هي موجودة بالفعل، ولا شأن لهم بما «ينبغي» أن تكون عليه، ~~ويضعون فاصلا حادا بين دراسة الواقع كما هو كائن ودراسة القيم التي ~~تنقلنا إلى مجال «ما ينبغي أن يكون»، هذا كله صحيح، ولكن الأمر الذي لا ~~يمكن إنكاره هو أن العلم حين اقترب من ذلك المنبع الذي تصدر عنه القيم ~~كلها - أعني النفسي الإنسانية والمجتمع البشري - كان لا بد أن يتداخل ~~تأثيره مع تأثير الأخلاق. ~~(6) # وفي عصرنا الحاضر ازداد هذا التداخل وثوقا؛ ذلك لأن التغلغل المتزايد ~~للتطبيقات العلمية والتكنولوجية في حياتنا، جعل العلم يتصل اتصالا مباشرا ~~بمشكلات حيوية بل مصيرية، مثل مشكلة البقاء أو الفناء ومشكلة التلوث ~~والتزايد السكاني والأزمات الغذائية، وكلها أمور تقع على الحدود التي ~~تربط بين العلم والتكنولوجيا ms232 من جهة، والأخلاق من جهة أخرى. # وهكذا تطورت الأمور بحيث أصبحنا لا نجد مفرا من البحث في النتائج الأخلاقية ~~للعلم، وأصبح العلم في عصرنا الحاضر قوة تؤثر في حياتنا ومسلكنا العملي، لا مجرد ~~إرضاء لحب استطلاعنا، وزال الحد الفاصل بين وظيفة العلم في إلقاء الضوء على ما هو ~~كائن، ووظيفة الأخلاق في إرشادنا إلى ما ينبغي أن يكون. # ولقد اعترفت البلاد المتقدمة علميا بهذه الحقيقة؛ لأنها لمستها عن قرب من خلال ~~تجارب مباشرة أدى فيها التقدم العلمي والتكنولوجي إلى إثارة مشكلات أخلاقية لها ~~خطورتها الكبرى، ونستطيع أن نضرب لذلك مثلا واحدا كان له بالفعل أصداء واسعة في تلك ~~البلاد، هو حبوب منع الحمل؛ فقد ظهرت هذه الحبوب بوصفها مثلا واضحا لقدرة العلم على ~~التدخل في مجرى الحوادث الطبيعية، وتنظيم حياة الإنسان، وتمكينه لأول مرة من أن ~~يتحكم في نسله، وكان ذلك انتصارا علميا عظيما له تأثيره الهائل في جميع أرجاء ~~العالم، ويكفي أنه أتاح لملايين الأسر ألا تنجب أطفالا غير مرغوب فيهم، بينما ~~كانت نسبة كبيرة من الإنجاب - في كل التاريخ السابق للبشرية - لا ترجع إلى رغبة حقيقية ~~في جلب أطفال جدد إلى العالم. ولكن هذا الانتصار العلمي الكبير - الذي حقق للإنسان ~~السيطرة على عملية من أهم عملياته البيولوجية، وبدا أنه يبشر بعهد يتم فيه تنظيم ~~النسل على مستوى عالمي مخطط - كانت له نتائج أخلاقية هائلة؛ ذلك لأنه أحدث انفصالا ~~بين الجنس، من حيث هو ممارسة، وبين إنجاب الأطفال؛ أي إنه أصبح من الممكن أن يمارس ~~الجنس دون خوف من الحمل. ونظرا إلى أن هذا الخوف كان - في كثير من المجتمعات ~~البشرية - هو الدافع الحقيقي إلى التمسك بالعفة، فإن زواله كان يعني زوال سبب رئيسي ~~للتمسك بالقيم الأخلاقية المتعلقة بالجنس. وهكذا اتسع نطاق الممارسات الجنسية ~~الحرة - في المجتمعات الصناعية المتقدمة - على أوسع نطاق، لا سيما وأن الرقابة ~~الأسرية القوية، والنوازع الدينية التي تميز المجتمعات الشرقية، كانت ضعيفة أو ~~منعدمة في البلاد المتقدمة، وترتب على ذلك انهيار كثير من القيم الأخلاقية ms233 ~~التقليدية، واختفاء الزواج بشكله القديم اختفاء شبه تام، وظهور أنواع من العلاقات ~~الحرة التي كان من المستحيل أن تنتشر من قبل، وما هذا إلا مثل واحد للتغييرات ~~الأخلاقية الأساسية التي يمكن أن تترتب على الكشوف العلمية الحديثة. # وطبيعي أن يؤدي هذا المثل وغيره إلى إثارة مشكلة «مسئولية العالم» في العصر الحاضر؛ ~~ذلك لأن العالم كان تقليديا يقوم بالبحث النظري أو التطبيقي وليس في ذهنه إلا هدف ~~واحد، هو إنجاز ما بدأ، ولكن الوعي المتزايد بالنتائج الأخلاقية والاجتماعية التي ~~يمكن أن تترتب على كثير من الكشوف العلمية في هذا العصر، جعل من الضروري أن تضاف إلى ~~أعباء العالم مهمة أخرى، هي أن «يفكر» في تلك النتائج قبل وأثناء قيامه ببحثه، وربما أن ~~يمتنع أصلا عن مواصلة البحث إذا أيقن بأن نتائجه ستكون وخيمة. # ولقد تفاوتت الآراء في مشكلة «مسئولية العالم»، فهناك من يضيقون تلك المسئولية ~~إلى الحد الأدنى، فيرون أنها تقف عند حدود معمله أو مختبره، وأن العالم لا شأن له ~~بما يحدث خارج هذه الحدود، وهناك من يوسعون هذه المسئولية إلى أقصى حد، فيؤكدون ~~أنها تمتد في عصرنا الحاضر إلى المجتمع بأسره، ولكل من الفريقين - وكذلك لمن يقفون ~~موقفا وسطا بينهما - حججه التي يدعم بها موقفه، ومن الواضح أننا ميالون إلى ~~تأكيد مسئولية العالم، وأننا نصفق بحماسة حين نجد عالما كبيرا يخرج من إطار عمله ~~العلمي الخالص لكي ينبه الرأي العام في العالم إلى خطر يوشك أن يحدثه العلم، أو حماقة ~~تنزلق إليها البشرية نتيجة للتقدم التكنولوجي، ولكن المسألة ليست دائما بهذه ~~البساطة. # فهناك حالات لا يستطيع المرء أن يكون فيها على يقين من أن تدخل العلماء في اتخاذ ~~القرارات الكبرى المتعلقة بمصير المجتمع لا بد أن يكون خيرا على الدوام، وهناك دول ~~تولي علماءها وخبراءها ثقة زائدة، وتوكل إليهم أمورها، فلا تجد النتيجة مشجعة ~~على الدوام، وقد ظهر ذلك بوضوح في عصرنا الحاضر في الحملة على ما يسمى ~~«بالتكنوقراطية»، ولفظ «التكنوقراطية» يعبر عن نوع من أنواع الحكم كالديمقراطية التي ms234 ~~تعني حكومة الشعب أو الأغلبية، والأرستقراطية التي تعني حكومة الأقلية، أما ~~التكنوقراطية فهي حكومة الفنيين الأخصائيين، أو هي بمعنى أوسع سيطرة هؤلاء ~~الفنيين وتحكمهم في اتخاذ القرارات الكبرى في المجتمع، هذا النوع من السيطرة ثبت ~~بالتجربة أنه لم يكن خيرا على الدوام. # ذلك لأنه قد تبين أن هذا التكنوقراطي - الذي هو في الأغلب عالم متخصص أو خبير ذو ~~تجربة واسعة - ينظر إلى الأمور بمنظور أضيق مما ينبغي، ينحصر في إطار اختصاصه وحده، ~~وقد يكون ذلك مفيدا، بل هو بلا شك ضروري في المسائل المتخصصة التي لا تمس إلا ~~نطاقا ضيقا من مصالح الناس. أما في المسائل المصيرية المتعلقة بمصالح المجتمع ككل، ~~فإننا كثيرا ما نجد التكنوقراطيين عاجزين عن تأمل الأمور من منظور شامل؛ لأن ~~مهمتهم تغلب عليهم ، ونظرتهم العلمية المتخصصة تحجب عنهم رؤية الحقائق الكبرى ~~للمجتمع العريض، ومن هنا فإن هؤلاء التكنوقراطيين كثيرا ما يتخذون قرارات ضيقة الأفق، ~~وكثيرا ما يجد المجتمع نفسه مضطرا إلى اللجوء إلى «السياسيين» غير المتخصصين؛ لكي ~~يصلحوا ما أفسده العلماء الحاكمون، ولكنه يتميز عنهم - على الأقل - بشمول النظرة، ~~وبالإحساس بنبض الجماهير ومعرفة وقع القرارات الحاسمة عليها. # وبطبيعة الحال فإن الوضع الأمثل هو أن يكون العالم ذا وعي سياسي في الوقت نفسه، وهذا ~~أمر يتحقق بالفعل لدى عدد من العلماء الكبار الذين يفخر بهم عصرنا هذا، والذين لم ~~يمنعهم عملهم العلمي الشاق، وانهماكهم في كشوفهم الحاسمة، من أن يمتدوا بنظرهم بحيث ~~تتسع لمشاكل العالم الكبرى، وتدرك وضع الإنسان في المجتمع المعاصر، وتنفذ إلى الأسباب ~~العميقة للأزمات التي يعانيها، وإلى الحلول الفعالة لهذه الأزمات. ولكن أمثال هؤلاء ~~العلماء قلة، والغالبية الساحقة تنشغل بعملها العلمي إلى الحد الذي يحجب عنها رؤية كثير ~~من حقائق العالم المحيط بها. ومن الصعب أن يعيب المرء على هذه الغالبية قصور نظرتها في ~~الأمور المتعلقة بالسياسة والأوضاع الاجتماعية ومشكلات الإنسان؛ إذ إن العمل العلمي ~~يزداد تعقيدا على الدوام، ومن الطبيعي أن يكون في المشكلات المهنية الخاصة ما يشغل ~~العالم بما فيه الكفاية. # ومع ms235 ذلك كله فإن العالم - في عصرنا الحاضر - ينبغي أن يكون لديه حد أدنى من الوعي ~~بالنتائج المترتبة على عمله العلمي، وهذا يرجع إلى أن طبيعة العلم ذاتها قد أصبحت تقتضي ~~ذلك. فحين تتغير وظيفة العلم من نشاط لا يؤثر إلا تأثيرا محدودا إلى نشاط مصيري ~~يمتد تأثيره إلى كافة جوانب الحياة البشرية؛ يكون من الطبيعي أن تتغير نظرة المشتغل به ~~من الإطار المهني الضيق إلى الميدان الإنساني الشامل. # ولو تأملنا العالم المحيط بنا لوجدنا ~~أن الظروف الواقعية ذاتها - في هذا العالم - تحتم وجود تداخل وثيق بين العلم ~~والسياسة، مفهومة بأوسع معانيها؛ أي بمعنى التنظيم الشامل لأوضاع المجتمعات البشرية، ~~فلم يعد في استطاعة العالم أن يمضي في حياته العلمية مستقلا، ويبحث المشاكل التي ~~تهمه أو يريد كشفها، بل إنه أصبح - كما قلنا من قبل - مرتبطا على الدوام بمؤسسات ~~أكبر منه، هي التي تقدم إليه الإمكانات، وتزوده بالأدوات المعقدة المكلفة التي ~~أصبحت شرطا أساسيا للبحث العلمي في العصر الحاضر، وينطبق هذا على مختلف أنظمة الحكم ~~القائمة في العالم؛ ففي البلاد الاشتراكية يرتبط البحث العلمي بخطة الدولة، وهي خطة ~~سياسية في المحل الأول، تحدد للعلماء مجالات البحث المطلوبة، ومقدار التمويل ~~والتسهيلات التي ستقدمها الدولة إليها، وفي البلاد الرأسمالية يشتغل عدد كبير من ~~العلماء في مؤسسات ذات أهداف تجارية مباشرة، وحتى العاملون في الجامعات يقومون بكثير ~~من مشروعاتهم لصالح هذه المؤسسات. بل إن المرتبات التي يحصل عليها علماء الجامعات ~~ومعاهد البحث يأتي جزء كبير منها من مساهمات المؤسسات الصناعية والتجارية في ميزانيات ~~الجامعات والمعاهد. ومن الطبيعي أن تفرض هذه المؤسسات اهتماماتها الخاصة على مجالات ~~البحث، فضلا عن أنها لا تود أن يخرج المشتغلون بالعلم عن إطار السياسة العامة التي ~~تحافظ على مصالح هذه المؤسسات. وإذا كان يبدو أن تحكم «الخطة» التي تضعها الدولة في ~~النظام الاشتراكي هو الأقوى، فإن حقيقة الأمر هي أن المؤسسات ذات الأغراض التجارية ~~تحل محل الدولة في رسم السياسة المطلوبة للبحث العلمي في المجتمعات الرأسمالية؛ لأنها ~~تمول نسبة كبيرة من ms236 مشروعات البحث العلمي عن طريق التبرع بأموال طائلة تخصم من ~~الضرائب المستحقة عليها، وبذلك تضمن سيطرتها دون أن تخسر شيئا وتضمن في الوقت نفسه ~~استمرار المبادئ العامة التي تتمشى مع مصالحها. # ولكن بالرغم من أن الاعتبارات السياسية تتحكم ~~في العلم الحالي إلى هذا الحد، فإن كثيرا من المجتمعات تطالب العلماء بألا ~~يتدخلوا في السياسة، وتضع كثير من المؤسسات والجمعيات العلمية هذا الشرط على كل عالم ~~مشتغل بها، فالمطلوب من العلم أن يكون طاقة للمعرفة، تعمل جهات أخرى على توجيهها ~~وتحديد الأهداف الاجتماعية التي ستخدمها، وإذا شاء العالم أن يعبر عن آرائه السياسية ~~والاجتماعية، فعليه أن يفعل ذلك بوصفه مواطنا عاديا لا بوصفه عالما، وهذا هو الشرط ~~الأساسي «لموضوعية» العالم كما تفهمها مجتمعات كثيرة، وهذا أمر مؤسف؛ لأن معناه هو ~~أننا نعمل منذ البداية على استبعاد المنهج العلمي من بحث الموضوعات التي تمس صميم ~~حياة الإنسان، أعني الموضوعات السياسية والاجتماعية والأخلاقية. مع أن هذه الموضوعات قد ~~تكون في أمس الحاجة إلى أن تبحث بالأساليب الفكرية السليمة، فحين نعالج هذه ~~الموضوعات متوخين أن نبحث عن الأدلة النزيهة في كل حالة، ونبتعد عن أساليب ~~الديماغوجية والتهويش، وحين نفكر في سياستنا وشئون مجتمعنا تفكيرا يخلو من ~~الانفعالية ولا يعترف إلا بالحجة المنطقية، وحين نختبر النظريات التي تنظم وفقا ~~لها حياتنا الاجتماعية عن طريق التطبيق، كما يفعل العالم في تجاربه المعملية، وحين ~~نبحث عن العلاقات السببية الحقيقية الظواهر الاجتماعية، حين نفعل ذلك كله فنحن - بغير ~~شك - نسدي خدمة جليلة إلى قضايا الإنسان المصيرية في مجمعاتنا، وفي هذه الحالة يكون ~~العلم قد أثبت وجوده في المجال السياسي والاجتماعي، مما يبدد تلقائيا تهريج ~~المشعوذين والأفاقين الذين يتحكمون في هذا المجال الحاسم بأساليب لا تمت إلى العلم أو ~~التفكير السليم بأية صلة. # ولكن المهم في هذه الحالة هو أن يكون العلم نزيها بحق، وأن تعطى له فرصة التعبير ~~عن نفسه دون ضغط أو تأثير، وهو على أية حال شرط يصعب إلى حد بعيد تحقيقه في معظم ~~المجتمعات المعاصرة. ms237 ~~(3) ثقافة العالم # أدى بنا البحث في الجوانب الأخلاقية لشخصية العالم إلى تناول مشكلة «مسئولية ~~العلماء» في العصر الحاضر، وقد تطرقنا عند معالجة هذه المشكلة الأخيرة إلى موضوع ~~حيوي، هو مدى الوعي السياسي والاجتماعي الذي يجب أن يتصف به العالم في وقتنا هذا، ~~وهذا الموضوع الأخير يمثل في الواقع جانبا واحدا من مشكلة أعم بكثير؛ هي: إلى أي حد ~~ينبغي أن يخرج العالم في هذا العصر عن حدود تخصصه؟ هذه المشكلة هي التي سنعالجها في ~~صورتها العامة ضمن إطار بحثنا الحالي في «ثقافة العالم». # والواقع أن هذه المشكلة قد اكتسبت - في وقتنا الحالي - أهمية كبرى، كما أصبحت في ~~الوقت ذاته مشكلة شديدة التعقيد؛ لأن العلم يسير - على نحو متزايد - في خطين أو ~~طريقين متضادين، وإن كان كل منهما لا يقل ضرورة عن الآخر؛ فالعلم يتجه إلى المزيد من ~~التخصص، مما يؤدي إلى تضييق النطاق الذي يدور في داخله تفكير العالم واهتمامه، ولكنه ~~يكتسب في الوقت ذاته أهمية إنسانية واجتماعية متزايدة، مما يحتم على المشتغلين به أن ~~يمتدوا بأنظارهم إلى الآفاق الإنسانية الواسعة. وكلتا الحركتين - كما هو واضح - مضادة ~~للأخرى، فعلى أي نحو إذن ينبغي أن تتشكل شخصية العالم في هذا الميدان؟ وما نوع ~~الثقافة التي ينبغي أن يكتسبها العالم في عصرنا الحاضر حتى يكون مستجيبا لمقتضيات هذا ~~العصر؟ # إن في وسعنا أن نعالج موضوع ثقافة العالم على مستويين؛ الأول منهما هو المستوى ~~العلمي البحت، والثاني هو المستوى الإنساني العام، والمستويان متداخلان إلى حد ~~بعيد، ولكن من المفيد أن نفرق بينهما مؤقتا، مع إدراكنا أنهما لا يكونان إلا ~~جانبين في شخصية واحدة ينبغي أن تتصف بالتكامل والاتساق بين مختلف عناصرها: ~~(1) # من المسلم به أن التخصص في العلم يزداد بحيث تظهر على الدوام فروع ~~جديدة لعلوم كانت موحدة وفروع للفروع، كما يضيق باطراد نطاق الميدان الذي ~~يستطيع العالم أن يقول: إنه «متخصص» فيه؛ أي أن يتكلم عنه ويبحث فيه عن ~~ثقة. هذا التخصص قد أفاد العلم فائدة كبرى؛ إذ إنه هو الذي أتاح ms238 ذلك ~~التراكم الهائل للمعرفة الذي يتميز به عصرنا الحاضر، والذي قلنا من قبل ~~عنه أنه يؤدي إلى تضاعف مجموع المعرفة العلمية في كل عدد قليل من السنوات. ~~ولا شك أن هذا التخصص المتزايد مرتبط بالازدياد الكبير في عدد المشتغلين ~~بالعلم؛ لأن هذه الزيادة ضرورية لمواجهة التخصصات والتفرعات التي تظهر ~~بلا توقف. # على أنه إذا كان هذا التخصص المتزايد قد أفاد العلم فائدة لا شك ~~فيها، فإن فائدته بالنسبة إلى تكوين العلماء أنفسهم، وبالنسبة إلى شخصية ~~المشتغل بالعلم، هي شيء يمكن أن يكون مثارا للجدل؛ ذلك لأن العالم الذي ~~يكرس حياته كلها لمجال شديد الضيق في فرع من فروع العلم، يتحدد تفكيره ~~بهذا المجال ويعجز عن الخروج عنه، لا سيما وأن مقتضيات البحث العلمي وكمية ~~المعلومات اللازمة له تزداد دواما في أي ميدان مهما كان ضيقه. وهكذا ~~يمكن أن يصبح كثير من المشتغلين بالبحث العلمي أشخاصا ذوي إنسانية ~~ناقصة وأبعاد ضيقة؛ فهم ينمون إلى أقصى حد ملكة واحدة من ملكاتهم في ميدان ~~محدود جدا، بينما تظل بقية الملكات بلا نمو، وربما ازدادت تخلفا، وقد ~~شبه الفيلسوف الألماني نيتشه هذا المتخصص بإنسان يتألف من أذن أو ~~أنف هائلة الحجم، وبقية جسمه ضئيل إلى جانبها، هذا على الرغم من أن ~~التخصص في عهد نيتشه - الذي يفصلنا عنه قرن كامل - كان أقل مما هو الآن ~~بكثير. # ويمكن القول: إن العالم الذي يريد أن ينجح في ميدانه مضطر - في ~~وقتنا هذا - إلى أن يعرض نفسه لهذا الخطر، فإزاء ثورة المعلومات والانفجار ~~المعرفي، وإزاء ذلك الطوفان المتعاظم من الأبحاث والمقالات والكتب ~~العلمية، يجد العالم نفسه أمام أحد أمرين؛ إما أن يحرص على استيعاب ما ~~يكتب في ميدان تخصصه، حتى لا يكرر شيئا توصل إليه غيره من قبل، وحتى ~~يلم بأحدث التطورات فيه، فيجيء ذلك على حساب تنمية قواه الخلاقة. وإما أن ~~يمارس قدراته الإبداعية ولا يكرس وقتا أطول مما ينبغي في قراءة ما هو ~~موجود بالفعل، فيكون مهددا بتكرار بحث أجراه غيره، أو البدء من جديد ms239 في ~~طريق سبق أن سلكه آخرون. # ولكن هذا التخصص المتزايد لا يمثل - في الواقع - إلا وجها واحدا من ~~أوجه التطور العلمي الحديث، فمع استمرار التخصص وتفرعه يوجد اتجاه إلى ~~كشف العلاقات بين الفروع المتباينة وإلى إجراء بحوث مشتركة بين عدة فروع # Interdisciplinary Research ~~؛ أي إن ~~التكامل يعوض جزءا على الأقل من تأثير التخصص، ويصبح لزاما على ~~العالم - وخاصة من كان عالما كبيرا - أن يتوصل إلى نظرة متكاملة إلى ~~علمه، فإذا كان متخصصا في فروع من البيولوجيا مثلا كان عليه أن يلم ~~ببقية فروعها، وأن يعالج مشكلاتها من منظور الكيمياء والفيزياء والرياضيات ~~... إلخ. ومع ذلك فإن لهذا التكامل حدودا لا يتعداها؛ إذ إنه يتعلق ببعض ~~الفروع التي تتصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بموضوع التخصص، ومن ~~المستحيل أن يكون تكاملا «موسوعيا»؛ فقد اختفى منذ وقت طويل ذلك المثل ~~الأعلى الذي ظل يمارس تأثيره حتى القرن الثامن عشر عند فيلسوف مثل ~~«ليبنتس» الذي كان قادرا على استيعاب معظم معارف عصره والإبداع فيها، ~~وإذا كنا نجد اليوم من آن لآخر شخصيات تتصور أنها قادرة على الإحاطة ~~بمختلف جوانب المعرفة البشرية، وتستعرض معلوماتها أمام الناس في مختلف ~~فروعها، فلنعلم أن الجانب الأكبر من هذه المعلومات ناقصة أو زائفة، وأن ~~العملية كلها استعراضية جوفاء لا تنطلي إلا على البسطاء وغير ~~المتخصصين. # وهكذا تكون هناك حدود «للتكامل» تجعله محصورا في نطاق معين، وتظل ~~الغالبية العظمى من المشتغلين بالبحث العلمي عاجزة حتى عن بلوغ هذا ~~التكامل المحدود، وتزداد أمام أعيننا باستمرار أعداد أولئك الذين يطلق ~~عليهم البعض اسم «الهمجي ~~المتعلم» # The Learned Savage ~~، وهو شخص لم تكتمل صفات الإنسان فيه؛ لأنه لا ~~يحمل من زاد الدنيا إلا المعلومات المتعلقة بميدان ضيق ربما لم يكن ~~الإنسان العادي قد سمع عنه في حياته. # ومما يزيد من فداحة المشكلة أن أمثال هؤلاء المتخصصين محدودي الأفق هم ~~- في الأغلب - أناس مترفعون عن غيرهم، يتحدثون فيما بينهم لغتهم ~~الغامضة الخاصة، ويتصورون أن تخصصهم فيها يكسبهم امتيازا على كل ~~من عداهم، مع أنهم ms240 لو خرجوا عن ميدانهم الأصلي قليلا لأصبحوا مكشوفين ~~تماما أمام الغير. أمثال هؤلاء «العلماء الجهال»، قد يكونون أحيانا ~~أسوأ من الجهلاء غير المتعلمين؛ لأن الأخيرين على الأقل ليست لديهم ~~ادعاءات، على حين أن الأولين يتصورون أن معرفتهم في ميدانهم الخاص ~~تبيح لهم أن يعدوا أنفسهم «عارفين» في الميادين الأخرى، وكثيرا ما نجد ~~هؤلاء الأشخاص يكونون مادة طريفة لسخرية مؤلفي الروايات والمسرحيات ~~الهزلية، حين يصورونهم وقد تظاهروا بمعرفة كل شيء وهم في الواقع لا ~~يفقهون شيئا مما يخرج عن ميدانهم الخاص، أو حين يسخرون من ميلهم إلى تطبيق ~~لغة تخصصهم واصطلاحاته الفنية على ميادين لا شأن لها به على الإطلاق، أو ~~يعجزون عن مواجهة موقف من مواقف الحياة المعتادة؛ لأنهم لم يعرفوا كيف ~~يلائمون بين عقولهم التي تشكلت في قالب ضيق واحد وبين مقتضيات هذه ~~الحياة. ~~(2) # أما المستوى الثاني - الذي يرتبط ~~بالمستوى السابق ارتباطا وثيقا - فهو المستوى الإنساني العام؛ ذلك لأن ~~التخصص المفرط لا يؤدي فقط إلى عزل المشتغل بالبحث العلمي عن كافة جوانب ~~المعرفة الأخرى، بل يعمل أيضا على توسيع الفجوة بين العلم والإنسان؛ إذ ~~يحول العلم إلى أداة فنية مفرطة في التعقيد، وإلى مجموعة من الإجراءات ~~التي تقتضي تدريبا وتعليما مكثفا؛ ومن ثم يتباعد العلم تدريجيا عن ~~الإنسان في وجوه المتكامل المحسوس، وفي مشاكله الواقعية العينية، ويزداد ~~الباحث العلمي عجزا عن رؤية الصورة الكلية للحياة الإنسانية؛ لأنه يفني ~~عمره في قطاع شديد الضآلة من قطاعات عالم الطبيعة أو الإنسان. وإذا كان ~~العلم في طبيعته الأصلية يستهدف أساسا أن يزيد الإنسان وعيا بإنسانيته، ~~بعد أن أحرز هذا القدر من التقدم، إلى عكس هدفه الأصلي؛ أي إلى إقامة حواجز ~~لا يمكن عبورها بين الاشتغال بالعلم وبين المنابع الأصيلة للحياد ~~الإنسانية. # ومن أجل هذا لم يكن يكفي العالم - ~~الذي يريد أن يبقي على روابطه الإنسانية - أن يكون أوسع اطلاعا في ~~فروع المعرفة الأخرى التي تتصل بميدان تخصصه اتصالا مباشرا أو غير ~~مباشر، بل إنه في حاجة إلى نوع من الثقافة الإنسانية التي ms241 تبعد عن العلم ~~المتخصص بعدا تاما، وهذا مطلب يبدو تحقيقه عسيرا في ضوء الجهد ~~الضخم الذي يقتضيه البحث العلمي في وقتنا هذا، والذي لا يكاد يترك للعالم ~~فراغا لشيء غيره. ولكن الأمر الملفت للنظر هو أن عددا غير قليل من ~~العلماء الكبار الذين يفخر بهم عصرنا الحاضر كانت لديهم مثل هذه ~~الاهتمامات؛ إذ كانوا يحرصون على أن تظل لديهم هذه النافذة المفتوحة ~~المطلة على عالم الأدب أو الشعر أو الموسيقى أو الفلسفة، وكانوا يجدون ~~متعة كبرى في العودة من آن لآخر إلى أحد ميادين الإنسانيات بالمعنى ~~الواسع لهذه الكلمة. وربما قدم البعض مبررات لذلك بالإشارة إلى أن مصلحة ~~البحث العلمي ذاته تقتضي ذلك؛ إذ إن الخروج من آن لآخر عن مجال التخصص ~~يتيح للمرء أن يعود إليه بعد ذلك بعقل أكثر تفتحا ، وبرؤية أشد خصبا، ~~مما لو كان منغمسا فيه بلا توقف، كما أن العقل العلمي في حاجة إلى ~~فترات من الراحة لاستعادة نشاطه وحيويته. وهذه مبررات صحيحة بغير شك، ~~ولكنها ليست كافية؛ إذ إنها ترتد في نهاية الأمر إلى العلم المتخصص ~~نفسه، وتجعل من العناصر الثقافية في شخصية العالم مجرد «وسيلة» يستعين بها ~~على تحقيق هدفه الأول والأخير؛ وهو الوصول إلى نتائج أفضل في ميدان ~~تخصصه. وواقع الأمر أن كثيرا من هؤلاء العلماء الذين يحرصون على تأكيد ~~الروابط بينهم وبين ميادين الإنسانيات، لا يتخذون من الثقافة مجرد ~~وسيلة تعينهم في عملهم العلمي، بل يرونها غاية في ذاتها، ويقبلون ~~عليها لأنهم يحبون الثقافة ويستمتعون بها بالفعل، لا لكي تكون وسيلة ~~لقضاء فترة فراغ أو جسرا يعبرون عليه من بحث علمي إلى آخر. # هذا الإقبال على الثقافة ~~ذاتها - من جانب العلماء الكبار - لا يمكن تفسيره إلا على أساس وحدة ~~الإنسان؛ فالروح الإنسانية ينبغي أن تظل محتفظة بوحدتها مهما ضاق نطاق ~~اهتمامها الأصلي. والتخصص الدقيق لا ينفي على الإطلاق أن العالم إنسان، ~~وأنه بالتالي قادر على أن يتذوق ويستوعب الجوانب الإنسانية في الثقافة ~~بالإضافة إلى اهتمامه العلمي. وإذا كان تقدم الحضارة الإنسانية ms242 قد حتم ~~التفرع في ميادين نشاطنا، وجعل هذه الميادين تتشعب أساسا إلى ميدان ~~علمي وميدان أدبي أو إنساني (أو إلى ما أطلق عليه «سنو # Snow ~~» تلك التسمية المشهورة: «الثقافتين»، ~~العلمية والأدبية)، وإذا كان قد حتم تفرعا موازيا لذلك في ملكات العقل ~~الإنساني، فلا بد أن نتذكر على الدوام أن أصل هذا كله ومنبعه الأول روح ~~إنسانية واحدة. وهؤلاء العلماء الذين يحتفظون بتعلقهم بالميادين الإنسانية ~~والأدبية هم الدليل القاطع على وحدة هذا المنبع الذي ينبثق منه كل نشاط ~~عقلي وروحي للإنسان. # والواقع أن الروابط وجوانب ~~التشابه بين النشاط الذي يمارسه الإنسان في العلم وفي الفنون والآداب أقوى ~~مما يبدو للوهلة الأولى، وحسبنا أن نتأمل هنا دور «الخيال» في هذين ~~الميدانين؛ ذلك لأننا نتصور عادة أن الخيال ملكة ذهنية لازمة للفنان ~~والأدب وحدهما، على حين أن العالم - الذي يأخذ على عاتقه مهمة وصف ~~الواقع على ما هو عليه دون أية إضافة من عنده - لا بد أن يستبعد الخيال من ~~مجال عمله. ولكن حقيقة الأمر أن العالم - وإن كان يلتزم بالفعل بتلك ~~النظرة الواقعية - يجد مجالا خصبا لممارسة ملكة الخيال في صميم عمله ~~العلمي، وحين نتحدث هنا عن «العالم»، فنحن لا نعني المشتغلين العاديين ~~بالعلم الذين يتعين على كل منهم أن يلقي الضوء على جانب معين من ~~جوانب مشكلة علمية، والذين يقومون بالمهام الروتينية المألوفة في البحث ~~العلمي، وإنما نعني العلماء الكبار؛ أي أولئك الذين يتغير بفضلهم مجرى ~~العلم، ويتوصلون إلى كشوف أو نظريات علمية ثورية. # ذلك لأن هؤلاء العلماء ~~الكبار هم الذين يستطيعون - بفضل النظريات التي يتوصلون إليها - أن ~~يجمعوا بين عدد هائل من الوقائع والظواهر في إطار واحد، ويعبروا عن ~~جوانب شديدة التعدد بصيغة واحدة، ولكي يصلوا إلى هذه الصيغة يلجئون إلى ~~عالم وهمي، هو عالم الرموز والمعادلات الرياضية الذي لا يوجد في الواقع ~~الفعلي، بل يوجد في ذهن العالم وحده، ولو تأملنا النظرية التي يتوصل ~~إليها العالم الكبير - بعد أن تكتمل - لوجدناها نموذجا فريدا لعمل ~~متناسق أشبه بالعمل الفني الرائع؛ ms243 ذلك لأن أهم ما يميز الفن هو ~~الانسجام والتوافق، وهذا التوافق يؤلف بين عناصر متباينة في وحدة ~~متناغمة، والنظرية العلمية مشابهة لذلك إلى حد بعيد؛ فحين توصل عالم ~~مثل نيوتن إلى نظرية الجاذبية، واستطاع أن يجمع علاقات الأجسام الكونية ~~كلها، سواء منها الحجر الذي يسقط على الأرض، والقمر الذي يدور حول المريخ ~~في صيغة واحدة تتسم بالبساطة الشديدة، كان في ذلك أشبه بمن يبده عملا ~~فنيا رائعا. ومن المؤكد أن قدرة النظرية على تفسير مجال شديد الاتساع، ~~وضم عدد هائل من الظواهر في وحدة واحدة، تعطي مكتشف النظرية - وكذلك كل ~~من يطلع عليها ويفهمها - إحساسا جماليا واضحا. صحيح أن هذا الإحساس ~~الجمالي - في حالة الأعمال الفنية - يكون متعلقا بأشياء محسوسة أو ملموسة، ~~وأنه في حالة النظرية العلمية يكون متعلقا «بالمجردات»، بالعلاقات ~~الذهنية غير المحسوسة بين الظواهر، ولكن التشابه بين الحالتين واضح؛ لأنه ~~ينصب في هذه الحالة على جمع ما هو مشتت في وحدة متآلفة. # ونستطيع أن نستشعر في أنفسنا الإحساس الجمالي الذي تبعثه الفكرة العلمية ~~المجردة إذا رجعنا إلى ما يفعله التلميذ الذي يدرس الحساب أو الهندسة في ~~المدارس العادية. فحين يعمل هذا التلميذ على حل مسألة حسابية أو تمرين ~~هندسي، قد يلجأ إلى خطوات مطولة معقدة، يرهق فيها نفسه حتى يصل في ~~النهاية - وبعد تعقيد شديد - إلى الحل المطلوب، ولكنه قد يهتدي إلى هذا ~~الحل في حالات أخرى بطريقة مختصرة توصل إلى الهدف مباشرة وتوفر عليه ~~عددا كبيرا من الخطوات. وحين يتأمل المرء هذا الحل المباشر المختصر، ~~يجد فيه نوعا خاصا من الجمال، هو جمال عقلي مجرد، تعبر عنه بساطة ~~الحل وسهولته، على حين أن الحل المعقد المطول - وإن كان بدوره حلا - ~~يثير في النفس إحساسا بالقبح والافتقار إلى التوافق والانسجام. # ولقد كان إدراك النظام الرياضي الذي تسير عليه القوانين الطبيعية - في ~~مطلع العصر الحديث - باعثا لعدد من أقطاب العلم في ذلك العصر إلى أن يروا ~~في الكون عناصر جمالية تتحكم فيه، وهكذا تصور كبلر # Kepler ~~- العالم الفلكي المشهور ms244 - أن ~~النسب الهندسية الرشيقة البسيطة هي التي تسيطر على الكون، وعندما وجد أن ~~الظواهر الطبيعية الشديدة التعقيد ذات بناء هندسي محكم، وقابلة للتعبير ~~عنها بمعادلات بسيطة؛ بهره هذا الكشف إلى حد أنه تصور أن الله ~~«مهندس» الكون؛ بمعنى أنه هو الذي يشرف على جعل الحوادث الطبيعية ~~المعقدة خاضعة لنسب رياضية بسيطة، ولم يكن ذلك راجعا إلى أن نقص في ~~إيمانه، بل إنه كان يؤمن حقا بأن المعجزة الإلهية الكبرى في هذا الكون ~~هي الإحكام والتوافق والاتساق الرياضي الذي تتمثل عليه القوانين ~~المتحكمة في مساره، وتكرر ظهور هذه ~~الفكرة - التي تربط بين الله وبين ~~الرياضة أو الهندسة - لدى كبار الفلاسفة في ذلك العصر، مثل ديكارت ~~وليبنتس، وكان الجميع يؤمنون بأن في الكون انسجاما عقليا مجردا ~~وتناسبا في العلاقات بين الظواهر، هو الذي تتمثل فيه أعظم الآيات ~~الإلهية. # وهكذا كان التداخل وثيقا بين التجريد العلمي - متمثلا في أعلى مظاهره ~~وهي الرياضة - وبين الخيال الذي يسعى إلى كشف الجمال في كل شيء، وكان كل ~~كشف جديد يثير لدى العالم حساسية جمالية متزايدة، بقدر ما يوسع نطاق ~~معرفته ويؤكد سيطرة العقل على الطبيعة. # والحق أننا لا نحتاج إلا أن نذهب بعيدا لكي نؤكد وجود رابطة وثيقة بين ~~العلم وملكة الخيال في الإنسان؛ ذلك لأن حالات الإبداع العلمي ذاته ~~تؤكد هذا الارتباط تأكيدا قاطعا؛ فالطريقة التي يظهر بها الكشف العلمي ~~في ذهن العالم قريبة كل القرب من تلك التي تظهر بها فكرة العمل الفني في ~~ذهن الفنان، ولو رجعنا إلى ما كتبه العلماء أنفسهم عن حياتهم الخاصة، ~~وعن الظروف التي توصلوا فيها إلى كشوفهم؛ لوجدنا أن الكثيرين منهم كانوا ~~يهتدون إلى فكرة الكشف الجديد بصورة مفاجئة، وربما هبطت عليهم الفكرة ~~أثناء النوم أو في غفوة أو حلم يقظة، وربما أثارها شيء بسيط لا يكاد ~~يثير في الإنسان العادي أية فكرة ذات قيمة كما هي الحال في قصة التفاحة ~~التي سقطت على نيوتن أثناء جلوسه ساهما في الحديقة، والتي أوحت إليه ~~بقانون الجاذبية (إذا كانت هذه ms245 القصة صحيحة)، وهنا لا نكاد نجد اختلافا ~~بين طريقة ظهور نظرية جديدة في ذهن العالم، وطريقة هبوط «الوحي» على الشاعر ~~بأبيات قصيرة جديدة، أو ظهور لحن موسيقي جميل في ذهن الفنان. # بل إن التشابه لا يقتصر على هذا الانبثاق - الذي هو أشبه بالإلهام أو ~~الاستنارة المفاجئة الكاشفة - وإنما يمتد العلمي ما هو أبعد من ذلك، ~~فعلماء النفس يقولون: إن مثل هذا «الإلهام» لا يأتي عفوا، وهم على حق في ~~ذلك؛ إذ إن الفواكه وغيرها كانت تسقط على رءوس الناس منذ ألوف السنين دون ~~أن يستنتج أحد من ذلك شيئا. كما أن ملايين الناس قد غمروا أجسامهم في ~~الحمامات وارتفعت المياه فيها دون أن يستخلصوا من ذلك أي قانون مثل ~~قانون الطفو (كما تحكي القصة المشهورة الأخرى عن العالم اليوناني الكبير ~~«أرشميدس»)، فلا بد لظهور هذا الإلهام المفاجئ من إعداد طويل، وانشغال ~~دائم بموضوع معين، ومستوى معين من التفكير، وهذا يصدق على العالم وعلى ~~الفنان معا؛ إذ إن القدرة التلقائية على الإبداع دون إعداد سابق مستحيلة ~~في حالة العالم، كما أنها أصبحت الآن شبه مستحيلة في حالة الفنان ~~بدوره. # وهكذا يمكن القول: إن المنبع الذي ينبثق منه الكشف العادي الجديد ~~والعمل الفني الجديد هو منبع واحد، وإن الجذور الأولى والعميقة للعلم والفن ~~واحدة؛ ومن ثم فإن العالم الذي ينمي في نفسه حاسة التذوق الفني أو الأدبي ~~إنما يرجع - في الواقع - إلى الجذور الأصيلة لمصدر الإبداع في الإنسان، ~~وربما كانت رعايته لملكة الخيال في ذهنه سببا من أسباب إبداعه في العلم، ~~وخاصة لأن النظريات العلمية الكبرى تحتاج إلى قدر غير قليل من الخيال حتى ~~تخرج بصورتها المتناسقة المترابطة. صحيح أن العالم يظل يلاحظ ~~ويراقب ويسجل الظواهر ويجري التجارب عليها، ولكنه حين يبدع نظريته ~~العامة يقوم بتلك «القفزة» المشهورة التي تتخطى الظواهر المشاهدة وتقتحم ~~عالما كان مجهولا حتى ذلك الحين، وهو في تجاوزه للواقع الملاحظ يحتاج ~~إلى كل ذرة من قدرته التخيلية، فلا عجب أن نجد أقطاب العلم يقتربون ~~من الفن اقترابا شديدا ms246 في طريقة إبداعهم، وفي جرأتهم على استكشاف ~~المجهول. # وبعد هذا كله، فإن وجود الفن بوصفه عنصرا من عناصر ثقافة العالم - مع ~~ملاحظة أن كلمة «الفن» تستخدم هنا بأوسع معانيها؛ أي بالمعنى الذي ~~يشتمل على الفنون المعروفة والشعر والأدب - يجعل من العالم إنسانا ~~أفضل، وإحساس العالم بنبض الإنسانية، واكتسابه رقة المشاعر التي يبعثها ~~الفن في النفوس، قد أصبح شيئا ضروريا في عصرنا الحاضر بوجه خاص، حيث ~~يؤدي التخصص المفرط إلى جفاف في الروح لا تبلله إلا قطرات من ~~نبع الفن، وحيث تهدد العالم قوى تريد أن تستغل كل إبداع علمي لأغراض ~~معادية للإنسان، وهي قوى لا يستطيع أن يصمد أمامها إلا علماء يحرصون على ~~حفظ روابطهم بكل ما هو شريف ورقيق وصاف في النفس الإنسانية. # | خاتمة # حين نتأمل بعمق مسار التفكير العلمي عبر العصور، وحركته التي تزداد توثبا ونشاطا في ~~عصرنا هذا على وجه التخصيص، وحين نمعن الفكر في السمات التي يكتسبها العقل البشري ~~نتيجة للتقدم العلمي المتلاحق، ونحاول أن نستشف شكل العالم الذي سيؤدي إليه استمرار هذا ~~التقدم في المستقبل، وإذا لم يقدر لعالمنا هذا أن ينتحر عن طريق العلم نفسه في حرب ~~نووية أو بيولوجية لا تبقي ولا تذر؛ حين نمتد بأنظارنا إلى هذه الآفاق المقبلة للعالم ~~في ظل التقدم العلمي، فإن المرء لا يملك إلا أن يرى أمامه - في المستقبل - صورة عالم ~~متحد، تختفي فيه كثير من الفواصل التي تفرق بين البشر في وقتنا الحالي، وتجمعه أهداف ~~وغايات واحدة، وإن لم تتلاش مظاهر التنوع الخصب التي لا بد منها لكي تكتسب حياة الإنسان ~~ثراء وامتلاء. # وحين نقول: إن النتيجة التي يؤدي إليها مسار هذا التفكير العلمي - في رحلته الطويلة ~~الشاقة - هي توحيد الإنسانية، فنحن نعلم تمام العلم أن هذه النتيجة ما زالت بعيدة عن أن ~~تتحقق، ولكن الأمر الذي نود أن نؤكده هو أن كل العوامل التي تقف حائلا دون هذا التوحيد ~~تتعارض مع الطبيعة الحقيقية للعلم؛ ومن ثم فإن تقدم التفكير العلمي ينبغي أن يزيحها ~~جانبا آخر ms247 الأمر. # ولكن ما هي هذه العوائق التي تقف في وجه استخدام العلم لصالح الإنسانية جمعاء، بدلا من ~~أن يستخدم - كما هو حادث في الوقت الراهن - أداة للتفرقة بين البشر، وزيادة قوة فئات أو ~~مجتمعات معينة على حساب الباقين؟ إن من المعترف به أن العلم كان - منذ بداية تقدمه في ~~العصر الحديث - يخدم شتى أنواع المصالح والجماعات البشرية، ولكننا اليوم نستطيع أن نشير ~~إلى طريقتين واضحتين في استخدام العلم، تؤدي كل ~~منهما - بطريقتها الخاصة - إلى إرجاء اليوم الذي سيصبح ~~فيه العلم قوة موحدة تخدم أرجاء بلا تفرقة؛ هاتان هما: النزعة التجارية والنزعة القومية في ~~استخدام العلم. # إن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن العلم في كثير من المجتمعات المعاصرة ما زال ~~يستخدم استخداما تجاريا، وما زال البحث العلمي فيها يعد سلعة تخضع لمتطلبات ~~السوق وتخدم أغراضه، بل إن بعض العلماء - ممن يقعون فريسة لأوهام «الاقتصاد الحر» على النحو ~~الذي كان يدعو إليه آدم سميث في القرن الثامن عشر - ما زالوا يؤمنون بأن هذا الطابع ~~التجاري للعلم هو خير وسيلة للنهوض به؛ إذ يؤدي إلى احتدام المنافسة بين المؤسسات ~~التجارية التي تقوم بتشغيل العلماء، مما يوفر للعلماء شروطا أفضل تعينهم على التقدم ~~في بحوثهم؛ ومن ثم تكون الحصيلة النهائية مزيدا من الكشوف العلمية الناتجة عن هذا ~~التنافس. # ولكن مثلما تبين - بعد وقت غير طويل - أن نظام «الاقتصاد الحر» إذا ترك يسير ~~تلقائيا دون ضابط، يؤدي إلى عكس الغرض الذي كان يتصوره «مفكروه وفلاسفته الأوائل»، ~~يوقع الإنسان فريسة للاستغلال بدلا من أن يخدم مصالحه المادية، فكذلك اتضح أن ~~للاستخدام التجاري للعلم عيوبا فادحة، أوضحها تشتيت جهود العلماء وتبديدها؛ ذلك لأن ~~المشكلة العلمية الواحدة قد تصبح عندئذ موضوعا للبحث في عدة مؤسسات تتنافس فيما ~~بينها، وتسعى كل منها إلى أن تسبق الأخريات، فتضيع بذلك جهود عدد كبير من العلماء في ~~بحوث متقاربة وربما متكررة. ولو كان هناك تخطيط موحد لأمكن تركيز الجهود على نحو أفضل ~~من أجل الوصول إلى أفضل وأسرع حل للمشكلة، وفضلا ms248 عن ذلك فإن العلم - في ظل الاستغلال ~~التجاري - يمكن أن يصبح موضوعا للاحتكار؛ فنظام براءات الاختراع يعطي المؤسسة - التي ~~تشتري حق استغلال كشف معين - الحرية في استخدام هذا الاختراع أو عدم استخدامه، وقد يظهر كشف ~~علمي أو تكنولوجي هام، دون أن يعلن على الملأ ودون أن ينتشر بين الناس؛ لأن في نشره ~~إضرارا بمصالح تجارية ضخمة، وهكذا تحدد المؤسسات التجارية توقيت الانتفاع من عدد كبير ~~من الكشوف الجديدة، وربما اشترت حق الانتفاع بها كيما تحجبها نهائيا عن الظهور إذا كانت ~~تهدد استثماراتها الكبرى؛ أي إنها تشتري الاختراع لكي تخنقه، إلى أن تعلنه في الوقت الذي ~~تقتضيه مصالحها هي، لا حاجة المجتمع إليه؛ ومن هذا القبيل ما أشيع وقتا ما من أن محركا ~~جديدا للسيارات - أبسط وأقل تكلفة بكثير من المحركات الحالية - قد اخترع واشترته شركة ~~كبرى لكي تحجبه وتحمي استثماراتها الهائلة المبنية على نظام المحركات الحالي. # على أن العيب الأكبر في الاستغلال التجاري للعلم هو المبدأ نفسه؛ أعني إخضاع البحث العلمي ~~للاعتبارات التجارية؛ ذلك لأن العمل العلمي الكبير شيء أعظم وأشرف من أن يقوم ويخضع ~~للمقاييس التجارية بالمال، بل إن هذا التقويم المالي يكاد يكون - من الوجهة العملية - ~~مستحيلا؛ ذلك لأن كل عمل علمي لا يقتصر الفضل فيه على صاحبه فحسب، بل إنه يرتكز في الواقع ~~على جهد جميع العلماء السابقين في ميدانه، ولو حاولنا أن نحصره في شخص مكتشفه لاعترضتنا في ~~هذه الحالة صعوبات أخرى؛ إذ إن العمل العلمي الجاد لا يستغرق من حياة العالم أوقاتا معينة، ~~هي تلك التي يقضيها في معمله أو مكتبه، وإنما يستغرق تفكيره كله، وربما حياته السابقة ~~بأكملها التي كانت كلها إعدادا وتهيئة لهذا الكشف. ومن هنا كان من العسير حساب وقت العمل ~~اللازم له، على عكس الحال في أنواع الإنتاج الأخرى التي تخضع للتقويم المادي. # إن من الصحيح بالفعل - دون أية محاولة للكلام بلغة إنشائية أو لتملق المشاعر ~~بطريقة بلاغية - أن هناك أمورا أسمى وأرفع من أن يعبر عنها بلغة التجارة والمال؛ فالكشف ms249 ~~العلمي الذي تعم نتائجه الإنسانية كلها، شأنه شأن العمل الفني الرفيع الذي يسعد الإنسان ~~ويسمو به في كل مكان، هي نواتج للعبقرية البشرية لا يصح أن تقاس بالمقاييس المادية. ومع ~~ذلك فإن الحقائق المريرة في عالمنا المعاصر تقول بعكس هذا، وتؤكد أن العلم يستغل ~~ويقوم تجاريا، وأنه يستخدم لتحقيق أرباح لمؤسسات معينة، تجني منه أضعاف أضعاف ~~ما أنفقت عليه، وتستخدمه لتحقيق أهداف مضادة لتلك التي يتجه إليها عقل العالم، ذلك العقل ~~الذي لا يحركه إلا السعي لخدمة البشرية كلها لتحقيق مصلحة فئة واحدة من فئاتها. # أما النزعة القومية في العلم فربما كانت أشد خفاء من النزعة التجارية التي تعلن عن ~~نفسها صراحة وبلا مواربة؛ ذلك لأن دول العالم المعاصر وأوساطها العلمية لا تكف عن ~~ترديد القول: إن العلم لا وطن له، وإنه يتخطى الحدود القومية، مثلما يتخطى الحواجز ~~السياسية والعقائدية؛ فمن المستحيل أن نتصور ~~- مثلا - كيمياء رأسمالية أو فيزياء اشتراكية، مثلما أن علم الأحياء الإنجليزي لا يمكن أن ~~يكون - في أسسه الرئيسية - مختلفا عن علم الأحياء الصيني؛ فالحقيقة العلمية تفرض نفسها ~~على العقل - في أي مكان أو زمان - بقوة المنطق والبرهان وحدها؛ أي إن هذه الحقيقة بطبيعتها ~~عالمية، ولا مجال فيها للتفرقة القائمة على أسس قومية. # ولكن إذا كان هذا هو ما يعلنه الجميع، فإن الممارسات الفعلية تختلف عن ذلك في كثير من ~~الأحيان اختلافا بينا؛ ففي نفس الوقت الذي يؤكد فيه الناس عالمية العلم، تظهر لديهم ~~اتجاهات تتحدى هذا الاعتقاد الأساسي، وتؤكد أن النزعة القومية ما زالت مسيطرة على ~~عقول الناس في هذا المجال بدوره، ويظهر ذلك بوضوح قاطع حين نقرأ الكتب التي تصدر عن ~~مؤلفين ينتمون إلى الدول المتقدمة علميا؛ فالأمثلة التي يضربها المؤلف الفرنسي لعلماء ~~أو لاكتشافات علمية هامة، نجد أغلبها مستمدا من علماء فرنسيين، وحين يتحدث الإنجليزي عن ~~تاريخ العلم فكثيرا ما يبدو للقارئ كما لو كان هذا التاريخ قد كتب على أيدي العلماء ~~الإنجليز. وقل مثل هذا عن الألمان وربما عن الأمريكيين وهلم جرا. وكثيرا ms250 ما لاحظت أن ~~علماء ومؤرخي الدول الغربية حين يتحدثون عن الهندسة اللاإقليدية، يبرزون دور «ريمان # Riemann ~~» الألماني، ويقللون من دور «لوباتشفسكي # Lobatchevsky ~~»، على حين أن الروس يرفضون حتى أن يوضع ~~هذا الأخير على قدم المساواة مع الأول؛ لأن مواطنهم كان أسبق من زميله زمنيا؛ ومن ثم ~~فإن له في نظرهم الفضل الأول في وضع هذه الهندسة. # وكم من مرة قرأت كتابا فرنسيا فوجدته - حين يعرض لنظرية التطور - يتحدث عن ~~بيفون # Buffon # ولامارك # Lamarck # أكثر مما يتحدث عن دارون، وحين يتكلم عن الكيمياء، فإن ~~«لافوازييه» يحجب عنده أية شخصية أخرى، وربما تكلم في الفيزياء عن باسكال أكثر مما يتكلم ~~عن نيوتن. # وفي عصرنا الحاضر تختلط النزعة القومية بالانحياز ~~الأيديولوجي، فيدافع الكتاب الاشتراكيون عن العلم الذي يظهر في ظل أيديولوجية ~~اشتراكية، أو على يد عالم له اتجاهات اشتراكية، بينما يميل علماء البلاد الرأسمالية إلى ~~الإقلال من دور هؤلاء الأخيرين، وتأكيد فضل نظامهم على العلم؛ فمنذ العهد النازي في ألمانيا ~~نجد العلماء الألمان يتجاهلون «فيزياء أينشتين» زمنا طويلا؛ لأنه غادر ألمانيا هاربا من ~~النظام، وأدى هذا التجاهل إلى تقدم الإنجليز والأمريكيين عليهم في هذا المجال، وفي ~~العهد الستاليني كان عالم الأحياء المشهور «ليسنكو # Lyssenko ~~» هو الحاكم بأمره في ميدانه؛ لأنه عرف كيف يوفق - بطريقة لا ~~تخلو من التلاعب - بين النظريات البيولوجية وبين الفلسفة المادية الديالكتيكية؛ ولذلك كانت ~~نظرياته مدعمة بسلطة الدولة، وكان خصومه - على المستوى العلمي البحت - خصوما للدولة، ~~ومعرضين لكل ضروب الاضطهاد، وما زلنا نجد في الاتحاد السوفيتي اهتماما كبيرا بأفكار ~~«تسيولكوفسكي # Tsiolkovsky ~~» الذي تحدث عن الصواريخ ~~وغزو الفضاء بإسهاب منذ أوائل القرن العشرين، كما نجد من يؤكد أن اختراعات كثيرة - منها ~~التليفزيون مثلا - كان أول من توصل إليها روسيا. أما في أمريكا فهناك حرص شديد على ~~تأكيد الدور الرائد لعلماء ومخترعين ربما لم يكن العالم الخارجي يعرف عن كشوفهم إلا أقل ~~القليل، مثل بنجامين فرانكلين وفولتون # Fulton ~~، ولا ننسى ~~أن سفن «أبولو» التي هبطت مركباتها على سطح القمر قد حرصت على ms251 أن تغرس في تربته العلم ~~الأمريكي. # ويصل اصطباغ العلم بالصبغة الأيديولوجية ~~في الصين إلى حد أن العقيدة الماوية تحكمت في شروط اختيار المشتغلين بالعلم، وفي ظروف ~~عمل العلماء؛ ففي الصين المعاصرة ظهرت - منذ سنوات قليلة - حملة عنيفة ضد العلماء ~~المتخصصين المتفرغين الذين وصفوا بأنهم يكونون «صفوة» متعالية، لا تعرف كيف ~~تجمع بين نظرياتها العلمية وبين ظروف حياة الشعب، واتجهت الدعوة - بجدية شديدة - إلى ~~السماح للإنسان «الاشتراكي» العادي بدخول الجامعات ومعاهد البحث، مؤكدة قدرته على تحصيل ~~العلم الرفيع والوصول إلى كشوف جديدة فيه. وكان هذا تحديا جريئا حتى لمبدأ «التخصص» ذاته، ~~الذي يبدو لنا مبدأ مستقرا منذ بداية العصر الحديث. وعلى الرغم من غرابة فكرة اشتغال ~~العامل العادي أو الفلاح البسيط بالأبحاث العلمية الرفيعة، فإنها تؤخذ هناك بجدية شديدة، ~~وقد كانت واحدا من الأسباب التي أدت إلى تغييرات أساسية في مناصب الدولة الكبرى وقتا ~~ما. # أما إذا انتقلنا إلى عالمنا العربي، فإنا نجد كتابنا حريصين - بطبيعة الحال - على ~~تأكيد الدور الذي قام به العالم العربي في العصور الوسطى، ويصل هذا الحرص إلى حد تأكيد ~~ريادة كثير من العلماء العرب في ميادين علمية غير قليلة، وربما بالغ البعض فأكدوا أن أصول ~~عدد من النظريات المعاصرة - كنظرية النسبية مثلا - موجودة لدى العرب في العصور الوسطى، ~~وهو تأكيد واضح البطلان، لا لأن العرب كانوا أقل من غيرهم؛ بل لأن ظهور نظرية كهذه يحتاج ~~إلى تطور معين في العلم، ولا يمكن تفسيره إلا في ضوء ظروف عصر معين كان العصر الذي ~~ظهر فيه العلم العربي مختلفا عنه كل الاختلاف. # من هذه الأمثلة كلها يتبين لنا بوضوح أن النزعات القومية أو الأيديولوجية ما زال لها ~~تأثيرها القوي - حتى في أرقى المجتمعات المعاصرة - في نظرتنا إلى العلم، ونحن لا نعني بذلك ~~التنديد بتدخل هذه النزعات في العلم؛ إذ إن من المشروع - في بعض الحالات على الأقل - أن ~~يفخر شعب ما أو نظام أيديولوجي معين بعلمائه، ويهتم بتأكيد الدور الذي قاموا به أكثر ~~مما يهتم بدور الآخرين، ولكن ms252 ما نعنيه من إيراد هذه الأمثلة هو أننا جميعا نعلن على ~~الملأ أن العلم ملك للإنسانية كلها، وأن حكمنا عليه ينبغي أن يكون موضوعيا ونزيها، وأن ~~العالم الكبير مواطن للعالم كله لا لوطنه فحسب، ولكننا نتصرف عمليا على نحو مغاير، ~~ونحتفظ في أحكامنا على العلماء وعلى إنتاجهم بكثير من الأفكار التي تنتمي إلى الإطار القومي ~~أو الأيديولوجي، وهو إطار بعيد كل البعد عن النزعة العالمية التي تتجاوز حدود الأوطان ~~أو المذاهب الفكرية. # هكذا يمكن القول: إن كثيرا من مظاهر العلم ما زالت تتأثر بنزعات مضادة للنزعة ~~العالمية، ومع ذلك فإن العالم يتجه - رغما عن كل شيء - إلى مزيد من التوحد بفضل العلم؛ ~~فالتكنولوجيا الحديثة - التي هي نتاج مباشر للعلم - خلقت عالما تتقارب فيه المسافات، ~~وتتشابه فيه الأفكار والعادات، وتهدم فيه بالتدريج كل الحواجز التي تفرق بين البشر، ~~ويوما بعد يوم يزداد تأثير تلك «الثقافة العالمية» التي خلقتها وسائل الإعلام الحديثة، ~~والتي تجعل الشاب في الشرق الأقصى لا يختلف في مظهره وفي هواياته عن نظيره في غرب ~~أوروبا، والتي تنشر في العالم كله ألوانا متقاربة من الفنون الجماهيرية تزيل الفوارق ~~بين الأذواق إلى حد بعيد. # ولقد عاب الكثيرون على هذه «الثقافة العالمية» سطحيتها وابتذالها ونزعتها التجارية، ~~وكانوا على حق في ذلك، ولكن إذا كان مضمون هذه الثقافة ~~مبتذلا - نتيجة لظروف المرحلة الراهنة من تطور ~~العالم - فإن ما يهمنا هو المبدأ نفسه؛ أعني وجود ثقافة على مستوى عالمي. ولا بد أن يأتي ~~اليوم الذي تستغل فيه هذه الإمكانات الهائلة من أجل نشر ثقافة ذات مستوى إنساني رفيع ~~على نطاق العالم كله، وهذا ما تنبهت إليه الهيئات الدولية - وعلى رأسها منظمة اليونسكو - ~~التي تمثل هي نفسها مظهرا هاما من مظاهر التوحيد الثقافي بين البشر، والتي تبذل جهودا ~~كبيرة من أجل صبغ الثقافة العالمية بصبغة أرفع من تلك التي تتسم بها الثقافة التجارية ~~الحالية. # إن توحد العالم - بفضل التقدم العلمي - ليس هدفا مرغوبا فيه فحسب، بل هو هدف لا غناء ~~عنه من أجل بقاء ms253 البشرية، وقد بينا - عند الحديث عن الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر - ~~كيف أن المشكلات الخطيرة التي يواجهها العالم في الوقت الراهن تشير كلها إلى اتجاه واحد ~~للحل، هو الاتجاه العالمي، وعلى العكس من ذلك فإن تجاهل الحلول التي تتم على مستوى ~~عالمي أو إرجاءها، لا بد أن يؤدي إلى كارثة للبشرية، وهذه حقيقة أدركها كثير من ~~المفكرين المعاصرين الذين رفع بعضهم شعار: إما عالم واحد أو لا عالم على الإطلاق! # ولكن هل يعني ذلك أن العلم وحده وبقواه الخاصة هو ~~الذي سيؤدي إلى هذا التوحيد؟ إن الكثيرين - ولا سيما في المعسكر الغربي - يؤمنون بذلك؛ ~~فهم يعتقدون أن التقدم العلمي والتكنولوجي يستطيع - هو وحده - أن يقرب بين الاتجاهات ~~المتباينة في هذا العالم، حتى في أشد الحالات تنافرا، كما هي الحال في التضاد الأيديولوجي ~~بين الرأسمالية والاشتراكية؛ ففي رأي هؤلاء أن حرص الدول التي تأخذ بهذين النظامين ~~المتعارضين على اتباع أحدث الأساليب العلمية والتكنولوجية، هو في ذاته كفيل بأن يحقق ~~تقاربا بينها قد يؤدي آخر الأمر إلى إلغاء التعارض المذهبي بينها؛ أي إنهم يرون أن الصراع ~~الأيديولوجي سيخلي مكانه في النهاية للتقدم العلمي، ولما كان هذا التقدم متشابها في ~~الحالتين، فإن الأمر سينتهي بهذه المجتمعات المتعارضة إلى التقارب. غير أن مفكري المعسكر ~~الاشتراكي لا يميلون إلى هذا الرأي؛ لأن الصراع الأيديولوجي هو الذي يقرر في النهاية ~~- حسب رأيهم - مصير العالم. صحيح أنهم يعترفون بالأهمية القصوى للتطورات العلمية ~~والتكنولوجية المعاصرة، غير أنهم يرون أنها ليست هي الحاسمة، بل إنها تخضع للأيديولوجيا ~~التي تعطي هذه التطورات اتجاهها ومعناها، ويؤكدون أن نظرية «التقارب» القائم على أساس ~~العلم والتكنولوجيا إنما هي محاولة من المفكرين الغربيين للتستر على الفوارق الأيديولوجية ~~الأساسية بين النظامين العالميين، ولتمييع الصراع الحاسم بينهما. # وأيا ما كان الأمر، فمن المؤكد أننا لا نستطيع في عصرنا الحاضر أن نفصل على نحو ~~قاطع بين العوامل الأيديولوجية والعوامل العلمية والتكنولوجية؛ لأن التأثير بين الطرفين ~~متبادل؛ فالعلم يتأثر بالاتجاه الأيديولوجي للمجتمع؛ إذ تتحدد في ضوء هذا الاتجاه ~~أهداف ms254 العلم والأولويات التي تعطى للأبحاث العلمية، كما يتحدد في ضوئه مركز العلم وسط ~~أنواع النشاط الأخرى التي يقوم بها المجتمع. ولكن الأيديولوجيا ذاتها تتأثر بالعلم؛ لأن ~~نوع الصراع الأيديولوجي الدائر في عصرنا الحاضر يتحدد إلى مدى بعيد بالشكل الذي وصلت ~~إليه المجتمعات المعاصرة بفضل العلم، ولا سيما في ميدان الإنتاج، وهو الميدان الرئيسي الذي ~~يدور فيه الصراع الأيديولوجي. # وهكذا نستطيع أن نقول - مرة أخرى - إن العالم يتجه إلى التوحد بفضل العلم، حتى لو ~~أخذنا بالرأي القائل إن هذا التوحد لن يقرره إلا الصراع الأيديولوجي، وحين نتأمل صورة ~~الإنسانية في المستقبل، فلن نملك إلا أن نتصورها وهي تفكر بعقلية عالمية، وتراعي مصلحة ~~الإنسان في كل مكان، بغض النظر عن فوارق اللون والجنس والوطن والعقيدة، وعندئذ فقط سيكون ~~التفكير العلمي لدى البشر قد استعاد طبيعته الحقة، بوصفه بحثا موضوعيا نزيها عن ~~الحقيقة، يعلو على كل ضروب التحيز والهوى، ويزن كل شيء بميزان واحد، هو ميزان ~~العقل. # | الهوامش # الفصل الأول: سمات التفكير العلمي # الفصل الثاني: عقبات في طريق التفكير العلمي # الفصل الثالث: المعالم الكبرى في طريق العلم # الفصل الرابع: العلم والتكنولوجيا # الفصل الخامس: لمحة عن العلم المعاصر # الفصل السادس: الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر # | مراجع # J. D. BERNAL: Science in History. 4 vols. 3rd ed. Pelican ~~1969. # J. BRONOWSKI: The Common Sense of Science. Pelican ~~1960. # M. R. COHEN: Reason and Nature. Free Press, Glen-coe, ~~1959. # RNEé DUMONT: L’Utopie oe la Mort. Paris (Seuil) ~~1974. # JEAN FOURASTLé: Les Conditons de l’esprit scientifiqe. Paris, ~~NRF, (Collection “Idées”) 1966. # J. FRANAU: La Pensée sceintifique. Bruxelles, Editions Labor, ~~1966. # N. R. HANSON: Patterns of Discovery. Cambridge U. P., ~~1958. # J. LALOUP: La Science et l’humain, Paris (Casterman) ~~1960. # ERNEST NAGEL: The Structure of Science, N. Y., Harcourt-Brace, ~~1961. # ERNEST NAGEL: Sovereign Reason. Free Press, Glencoe, ~~1954. # KARL POPPER: The Logic of Scientific Discovery N. Y., Basic ~~Bolls, 1959. Proceedings of the XVth World Congress of Philosophy, Vol. I. ~~Sophia, 1973. # A. D. RITCHIE: Scientific Method. Littlefield & Adams. ~~N. Y. ms255 1960. # H. ROSE & S. ROSE: Science on Society. Pelican. 1971. # B. RUSSELL: The Impact of Science on Society. Allen & ~~Unwind. 1967. # The Scientific & Technological Revolution (several ~~authors) Moscow, 1972. # S. TOULMIN: The Philosophy of Science, Hutchinson’s University ~~Library, 1953. # G. VOLKOV: Man and the Challenge of Technology. Moscow, ~~1972. # C. H. WADDINGTON: The Scientific Attitude. Pelican ~~1948. # W. WIGHTMAN: The Growth of Scientific Ideas. Yale U.P. ~~1953. ms256